######OpenITI# #META# URI: 1375AhmadFaridRifaci.CasrMamun.Hindawi17160604 #META# Tags: history #META# ID: 17160604 #META# Title: عصر المأمون #META# AuthorID: 57172474 #META# Author: أحمد فريد رفاعي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # المجلد الأول‏ # كلمة العماد الأصفهاني‏ # مقدمة‏ # الكتاب الأول: عصر بني أمية‏ # 1 - تحول المدنية الإسلامية‏ # 2 - الجهاد بين الخلافة والملك‏ # 3 - سياسة معاوية وخلفائه‏ # 4 - ولاية العهد‏ # 5 - الحياة العلمية والأدبية للعصر الأموي‏ # الكتاب الثاني: عصر بني العباس‏ # 1 - الوجهة السياسية‏ # 2 - العصبية والموالي في الدولة العباسية‏ # 3 - الدعوة العباسية‏ # 4 - أبو العباس السفاح‏ # 5 - أبو جعفر المنصور‏ # 6 - المهدي‏ # 7 - الهادي‏ # 8 - هارون الرشيد‏ # 9 - الحياة العلمية في العصر العباسي‏ # 10 - الحالة الأدبية في صدر عصر بني العباس‏ # الكتاب الثالث: عصر المأمون‏ # 1 - محمد الأمين‏ # 2 - المأمون‏ # 3 - النزاع بين الأمين والمأمون‏ # 4 - الخليفة المأمون‏ # 5 - الوزارة والأعمال الحكومية في عصر المأمون‏ # 6 - خلاصة الحياة السياسية والاجتماعية‏ # 7 - شخصية المأمون‏ # 8 - الحياة العلمية في عصر المأمون‏ # 9 - الحياة الأدبية في عصر المأمون‏ # 10 - نماذج لبعض الشخصيات البارزة في العصر ~~المأموني‏ # المجلد الثاني‏ # ملحق الكتاب الأول‏ # باب المنثور‏ # باب المنظوم‏ # ملحق الكتاب الثاني‏ # باب المنثور‏ # باب المنظوم‏ # المجلد الثالث‏ # باب المنثور‏ # باب الرسائل‏ # باب المنظوم‏ # بيان المصادر العربية والإفرنجية الهامة التي عولنا عليها في المراجعة لكتاب عصر المأمون ‏ # المجلد الأول‏ # كلمة العماد الأصفهاني‏ # مقدمة‏ # الكتاب الأول: عصر بني أمية‏ # 1 - تحول المدنية الإسلامية‏ # 2 - الجهاد بين الخلافة والملك‏ # 3 - سياسة معاوية وخلفائه‏ # 4 - ولاية العهد‏ # 5 - الحياة العلمية والأدبية للعصر الأموي‏ # الكتاب الثاني: عصر بني العباس‏ # 1 - الوجهة السياسية‏ # 2 - العصبية والموالي في الدولة العباسية‏ # 3 - الدعوة العباسية‏ # 4 - أبو العباس السفاح‏ # 5 - أبو جعفر المنصور‏ # 6 - المهدي‏ # 7 - الهادي‏ # 8 - هارون الرشيد‏ # 9 - الحياة العلمية في العصر العباسي‏ # 10 - الحالة الأدبية في صدر عصر بني العباس‏ # الكتاب الثالث: عصر المأمون‏ # 1 - محمد الأمين‏ # 2 - المأمون‏ # 3 - النزاع بين الأمين والمأمون‏ # 4 - الخليفة المأمون‏ # 5 - الوزارة والأعمال الحكومية في عصر المأمون‏ # 6 - خلاصة الحياة السياسية والاجتماعية‏ # 7 - شخصية المأمون‏ # 8 - الحياة العلمية في عصر المأمون‏ # 9 - الحياة الأدبية في عصر المأمون‏ # 10 - نماذج لبعض الشخصيات البارزة في العصر ~~المأموني‏ # المجلد ms001 الثاني‏ # ملحق الكتاب الأول‏ # باب المنثور‏ # باب المنظوم‏ # ملحق الكتاب الثاني‏ # باب المنثور‏ # باب المنظوم‏ # المجلد الثالث‏ # باب المنثور‏ # باب الرسائل‏ # باب المنظوم‏ # بيان المصادر العربية والإفرنجية الهامة التي عولنا عليها في المراجعة لكتاب عصر المأمون ‏ # | عصر المأمون # | عصر المأمون # تأليف # أحمد فريد رفاعي # | المجلد الأول # | كلمة العماد الأصفهاني # إني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتابا في يومه إلا قال في غده: لو غير هذا لكان ~~أحسن، ولو زيد كذا لكان يستحسن، ولو قدم هذا لكان أفضل، ولو ترك هذا لكان أجمل. ~~وهذا من أعظم العبر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر. # العماد الأصفهاني # إلى حضرة صاحب الدولة عبد الخالق ثروت باشا # مولاي # لله علي نعمة التوفيق إلى الاتصال بك، والانقطاع لخدمتك، والاستظلال بظلك، ~~فأنا أحد هؤلاء الكثيرين الذين تعهدهم فضلك، وثقفهم نصحك، وهذبهم أدبك، أولئك ~~الذين أنت لهم أب بر، ومثقف حكيم، وأستاذ رشيد. # وكنت قد أخذت نفسي بأن أقف على خدمتك ما أملك من وقت وجهد، ولكن الإنسان طلعة ~~بطبعه، فإذا اتصل بك فلا حد لرغبته في البحث، وحرصه على الجد، وطموحه إلى ~~الكمال، وكذلك أراد الله أن أقتطع من هذا الوقت الذي وهبته لك خالصا ما أمكنني ~~من وضع هذا الكتاب. # فهل تأذن لي يا مولاي أن أرفع إليك «عصر المأمون» على أنه أثر يهدى إلى منشئه، ~~وحق يرد إلى أهله، واعتراف بالجميل من رجل مهما يفعل ومهما يقل فلن يوفيك بعض ما ~~يدين به ضميره لك من حب وإجلال. # مد الله في حياة مولاي، وجعل مستقبلها كماضيها حافلا بالجد والتوفيق في خدمة ~~أمته وعصره ومليكه. # أحمد فريد رفاعي # أول يونيه سنة 1927 # | مقدمة # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله، والصلاة والسلام على رسل الله. وبعد، فإني أتقدم بهذا الأثر الضئيل من ~~«عصر المأمون» إلى أمتي، وإلى الناطقين بالضاد من أبناء لغتي، وآمل بفضل إرشاد ~~العلماء والنقاد أن يوفقني الله إلى إكمال النقص، وإصلاح الخطأ، وتلافي التقصير في ~~الطبعات القادمة، معترفا في صدق وإخلاص بأن ms002 طبعتي هذه لا تعدو أن تكون «محاولة» ~~لكتابة التاريخ العربي على النظم العلمية الحديثة، وأنت تعلم أن تاريخنا العربي لا ~~يزال - بلا مبالغة ولا إغراق - تعوزه شتى المصادر، كما يعوزه التنظيم والترتيب ~~والتحقيق والاستقراء. # وإني أسأله تعالى أن يجعلني ممن يذعن لكلمة الحق فيرعى حرمتها ويهتدي بهديها، ~~غير مفتون بمدح المادح ولا مبتئس بقدح القادح. # كما أسأله أن يرشدني إلى المضي موفقا مسددا فيما أخذت به نفسي من البحث عن ~~عصور «معاوية» و«المنصور» و«الرشيد» و«عبد الرحمن الأندلسي»، وآمل بمعونته تعالى، ~~وبإرشاد العلماء والأدباء ومعونة المستشرقين والباحثين، وبما يهب لي الله من صبر ~~وجلد ومواظبة ومثابرة، ومتابعة للدرس والاستقراء، وبما أوفق إليه من مصادر ونصوص، ~~ومراجع ومظان، أن أكون عند الانتهاء من كتابة ما ارتهنت به - لو كان في العمر ~~بقية - قد وفقت إلى تنظيم دراسة تلك البحوث تنظيما جزئيا يتفق ووسائلي ~~ومقدوري، ويتمشى - إلى حد ما - والطريقة التحليلية الحديثة في كتابة التاريخ، وأن ~~يكون عملي حين ذاك مما يسمح لي أن أقول في ثقة وإيمان: إني قد قمت حقا «بمحاولة» ~~ذات أثر نافع تمكن غيري من اتخاذها أساسا لكتابة تاريخ المدنيات العربية الواسعة ~~المدى، البليغة الأثر في الثقافات الإنسانية عامة، كتابة تاريخية صحيحة. # وقد وقع «عصر المأمون» في مجلدات ثلاثة؛ خصصت أولها بالتاريخ وما إلى التاريخ، ~~وثانيها وثالثها بالأدب وما إلى الأدب، واعتمدت في تلخيصي للشعراء فيهما على أمهات ~~المظان الأدبية، لا سيما كتاب «الأغاني»، وأعترف في صدق وإخلاص أن مهمتي في ~~المجلدين الأخيرين لم تخرج عن مهمة المتخير لما في تلك العصور الزاهية من غرر ~~ودرر، المنقب عما فيها من طرف وملح، الملخص لحياة أدبائها وشعرائها، ~~المحتفظ بعبارات المعاصرين وشيوخ المؤلفين عنها. # وقسمت المجلد الأول إلى كتب ثلاثة عالجت فيها البحث عن عصور بني أمية وبني العباس ~~والمأمون، وقد توخيت الإيجاز في فذلكتي التاريخية عن عصري الأمويين والعباسيين؛ ~~لأنهما بمثابة تكأة وأساس لموضوعنا، كما لاحظت الاستمساك بالحيدة التامة وعدم ~~التطوح مع أولئك المؤرخين والرواة الذين تأثروا بأهوائهم السياسية، ومعتقداتهم ms003 ~~المذهبية، والذين نكبت بهم عن محجة الصواب مغالاتهم في الانتصار لفكرتهم ~~الحزبية. # وقسمت المجلدين الثاني والثالث إلى ملحقات للكتب الثلاثة عن العصور الثلاثة، نشرت ~~فيها ما وسعه المقام من المنثور والمنظوم والنصوص الطويلة والمقالات المستفيضة، ~~وعنيت عناية خاصة إلى جانب ذلك بذكر جملة صالحة من آثار كاتب خاص وشاعر خاص على ~~أنهما نموذجان لتمثيل عصرهما، واتخذت من عبد الحميد الكاتب وعمر بن أبي ربيعة ~~نموذجا أمويا، ومن أبي الربيع محمد بن الليث وبشار بن برد مثالا عباسيا، ومن ~~عمرو بن مسعدة وأبي نواس نموذجا لتصوير الحياة الكتابية والشعرية في عصر الأمين ~~والمأمون، إلى غير ذلك من النماذج والآثار مما يستدعيه المقام، فجاء المجلدان ~~الثاني والثالث بذلك مكملين للمجلد الأول. # وأعتقد اعتقادا راسخا أنه لن يعترض علي معترض لعنايتي بالعصر العباسي من ~~وجهتيه التاريخية والأدبية، فلم يعد «عصر المأمون» عن كونه شطرا يحفل به من ~~العصر العباسي، كما أعتقد أنه مما لا مندوحة لنا عنه لتفهم العصر العباسي أن نصور ~~لك العصر الذي قبله بما يسعه المقام، وهذا ما عالجناه لك في كتابنا بصورة متواضعة ~~نأمل أن تكون فيها الغنية والكفاية لما نروم تصويره. # ولقد عدلت عما كنت ذهبت إليه من بيان المصادر والمراجع في نهاية كل صفحة، رغبة في ~~ألا أشغل نظر القارئ بما لا يجدي عليه، وحرصا على توحيد مجهوده في استيعاب ~~الموضوع وتفهم شتى مناحيه، ملحقا في الوقت نفسه نهاية المجلد الثالث بيان ~~مصادر الكتاب لمن أراد توسعا؛ فتراجع ثمة. # وأحمد الله أن أبرز كتابي هذا في عصر النهضة الاستقلالية المصرية التي ازدانت ~~برعاية مولانا المليك «فؤاد الأول» - حفظه الله - كما ازدانت بناصعة خدم أقطابنا ~~وزعمائنا ذوي الصحف البيضاء، والآثار الخالدات الباقيات، وعلى رأسهم أصحاب الدولة ~~الأجلاء، فقيدنا المرحوم المبرور «سعد زغلول باشا»، والقطبان الخطيران: «عدلي يكن ~~باشا» و«عبد الخالق ثروت باشا»، فهؤلاء الثلاثة قد وهب الله لهم أصالة الرأي، ~~ونبالة القصد، وثروة الذهن، وغنى العقل، وحباهم سدادا في سياسة، وتواضعا مع ~~رياسة، وحكمة في كياسة، ونبوغا مع ms004 ثقافة، وحزما في حصافة، وأمتعهم بثقوب النظر، ~~ورجاحة الفكر، وأفاض على أشخاصهم لينا ودماثة، وسماحة ووداعة، حتى أجمع القوم على ~~حبهم إجماعهم على الاعتراف بوافر فضلهم، والإشادة بعطر ذكرهم، وتسابقوا إلى ~~الاستفادة من سديد مواقفهم، وحكيم صنعهم، ونزيه أعمالهم، استفادتهم من أفاويق ~~عرفانهم، وفيض بيانهم، ومقنع برهانهم . # وهؤلاء الثلاثة قد نجحوا في تكوين الأمة من الوجهة السياسية نجاحهم في تكوينها من ~~الوجهة القومية. # فاللهم رحمة واسعة لزعيمنا الراحل الكريم، وعوضنا اللهم من خسارتنا الفادحة في ~~فقده، أحوج ما كنا إلى عظيم جهوده، وهب اللهم حياة طويلة لقطبينا محط الآمال ~~ومعقد الرجاء. # وأحمده تعالى على أن دخلت البلاد عهدا جديدا من حياتها العلمية بزعامة وزير ~~معارفنا الهمام، مرهف العزمات، مسدد الوثبات، صاحب المعالي «علي الشمسي باشا»، ~~ومدير جامعتنا المصرية العالم الجليل الأستاذ «أحمد لطفي السيد بك»، وغيرهما من ~~رجالات العلم والأدب في هذا الجيل. # وإنني أنتهز هذه الفرصة لأشيد بما للمرحوم الأستاذ محمد الخضري بك من فضل عظيم، ~~ومعترفا بما لصديقي الدكتور طه حسين، الأستاذ بالجامعة المصرية، من معونة قيمة في ~~غير موضع من الكتاب، كما أنتهزها لأشكر لسادتي العلماء والأدباء ورجال الصحافة ~~والمجلات حسن استقبالهم لكتابي، كما أحمد لحضرات النقاد الأجلاء جميل تشجيعهم، ~~وحكيم أخذهم الأمور بهوادة ورفق، معترفا بصادق رغبتهم في الأخذ بناصر العلم ~~والعلماء، قادرا أعظم قدر روحهم العالية فيما دبجوه فأجادوه، وكتبوه فارتفعوا ~~بعلم النقد عندنا عما وصم به أخيرا من التطاحن والرماء، والجلاد والشحناء، ~~والعمل على الهدم لا على البناء، كما أشكر لسادتي الأستاذين الجليلين: محمد عبد ~~الوهاب النجار وعبد الخالق عمر، والكاتبين الأديبين: محمد الههياوي ومحمد صادق ~~عنبر، حسن صنيعهم في تهذيب «عصر المأمون»، معترفا بعظيم جهد ثانيهما اللغوي. أحسن ~~الله جزاءهم. # وإني أخص بالشكر رجال دار الكتب المصرية، وعلى رأسهم حضرات الأساتذة محمد أسعد ~~برادة بك، مدير الدار ذي الخلق الوديع والهمة الشماء، وأحمد زكي العدوي أفندي، رئيس ~~القسم الأدبي بالدار وصاحب الهوامش الحسان، وعبد الرحيم محمد أفندي ومحمد عبد ~~الجواد الأصمعي أفندي المصححين ms005 به وصاحبي الأثر الطيب الجليل، ورجال هذا القسم ~~كافة؛ فلهم الفضل الكثير، بهمة رئيسهم الفاضل، في ضبط الكتاب وتصحيح مسوداته، كما ~~أشكر حضرة الفاضل محمد نديم أفندي ملاحظ الطباعة بالدار المشهور بالدقة والإتقان، ~~ويلوح لي أن الله - تعالى - أحسن جزاء المأمون على حدبه وكبير عنايته بدور الحكمة ~~«دور الكتب» العديدة في عصره، بأن وفق دار الحكمة في مصر - في هذا العصر - إلى ~~رعاية عصره بهمة وإخلاص وتدقيق وتحقيق. # 25 سبتمبر سنة 1927 # أحمد فريد رفاعي # الكتاب الأول # | عصر بني أمية # الفصل الأول # | تحول المدنية الإسلامية # (1) توطئة # حمل الفتح الإسلامي الذي فتحه الخلفاء الراشدون في سبيل الدعوة الدينية من ~~العناصر المادية والاجتماعية والسياسية ما كانت له نتائجه وآثاره، فبعد أن كانت ~~الأموال في أيام النبي # صلى الله عليه وسلم # نحو أربعين ألفا بين إبل وخيل، وبعد أن كان ~~عمر بن الخطاب دهشا مرتابا حينما أبلغه أبو هريرة عند قدومه من البحرين، أنه ~~أتى بخمسمائة ألف درهم، فاستكثرها عمر وقال: أتدري ما تقول؟ قال: نعم، مائة ~~ألف خمس مرات. فصعد عمر المنبر وقال: «أيها الناس، قد جاءنا مال كثير، فإن ~~شئتم كلنا لكم كيلا، وإن شئتم عددنا لكم عدا» - بعد أن كان دهشا من هذه ~~الثروة أصبحنا نرى بعد عهده بقليل جسامة الهبات مما لا تعد هذه الأموال في ~~جانبه شيئا مذكورا. # ونحن لا نعرض الآن للقول فيما وصلت إليه الثروة الإسلامية في أيام المأمون، ~~ولا نعرض لفنون المدنيات العديدة التي سادت في عهده، لأننا رسمنا لأنفسنا خطة ~~من لا يريد استباق الحوادث وآثارها، ولا التاريخ ونتائجه، وإنا نجتزئ الآن ~~بكلامنا عن عصر قريب من عصر النبي # صلى الله عليه وسلم # القريب العهد بتأثر الأذهان ~~بالمثل العليا ... # من أبي بكر الذي مات ولم يجدوا عنده من مال الدولة إلا دينارا واحدا سقط من ~~غرارة، والذي أوصى حينما دنا أجله بأن تباع أرض كانت له ويدفع ثمنها بدلا ~~مما أخذه من مال المسلمين. # ومن عمر بن الخطاب الذي حرم على المسلمين اقتناء الضياع ms006 والزراعة؛ لأن ~~أرزاقهم وأرزاق عيالهم وما يملكون من عبيد وموال، كل ذلك يدفعه لهم من بيت ~~المال، فما بهم إلى اقتناء المال من حاجة، وليس للمال في نفوسهم من إغراء، ولا ~~إلى ضمائرهم من إفساد. # هذه حال المسلمين المادية والمعنوية في عهد النبى # صلى الله عليه وسلم # وصاحبيه، نظر ~~بينها وبين ما جد بعد ذلك من كثرة في المال وإسراف في الترف، مما كان له أعمق ~~الأثر في تغير أحوال المسلمين الاجتماعية والمعيشية والخلقية. # يحدثنا ابن خلدون عن عامل أموي ليس بملك ولا خليفة، يحدثنا عن خالد القسري ~~أمير العراق في أيام هشام، فيقول: إن غلته بلغت ثلاثة عشر ألف ألف درهم، ~~ويثبت لنا ابن الأثير دليلا ليس بأقل مما ذهب إليه ابن خلدون قيمة وخطرا؛ ~~إذ يقول ما نصه: «إن طارقا خليفة خالد على الكوفة لما ختن ولده أهدى إليه ~~خالد ألف وصيف ووصيفة سوى الأموال والثياب»، وذكر اليعقوبي أن خالدا فرق ~~أموالا عظاما مبلغها ستة وثلاثون ألف ألف درهم. # أجل! لقد تحولت الاعتبارات الاجتماعية وفاقا للتغيرات المادية، فبعد أيام ~~الورع وغلبة سلطان الدين والعدل في أعطيات المسلمين، بعد أيام عمر وصحابة عمر ~~التي نعلم الشيء الكثير من وجهة نظر عمد الدين الإسلامي فيها إلى المال - وهو ~~عنصر حيوي شديد الأثر في تحول النظم المعيشية والاجتماعية والسياسية أيضا - ~~وإلى ضرر اختزانه، فقد قال قائل لعمر بن الخطاب: «يا أمير المؤمنين، لو تركت في ~~بيوت الأموال شيئا يكون عدة لحادث إذا حدث!» فزجره عمر وقال له: «تلك كلمة ~~ألقاها الشيطان على فيك وقاني الله شرها! وهي فتنة لمن بعدي. إني لا أعد ~~للحادث الذي يحدث سوى طاعة الله ورسوله، وهي عدتنا التي بلغنا بها ما ~~بلغنا.» # بعد هذه النظرات التقشقية البريئة، نظرات الورع والزهد، سرعان ما حملت الفتوح ~~معها ومع تلك الثروات الطائلة التي أتت بها ما غير عناصر عدة، فاختزن ~~المال، وكانت الفتنة كما تنبأت نظرات عمر الصائبة إلى المال واختزانه، وذهبت في ~~آثارها إلى ما هو أعمق وأخطر، ms007 ذهبت إلى الكيان الخلقي للعرب، فبدلت من سيرة ~~قادتهم وسيرة شعبهم؛ كانت سيرة قادتهم عدلا وإنصافا، وسيرة شعبهم أنفة ~~وانتصافا، فتبدل الحال غير الحال حتى أتيح لمصعب بن الزبير مثلا - وهو من ~~بيت يناوئ بني أمية وينافسهم في الملك - أن يبذل ألف ألف درهم في زواجه من ~~سكينة بنت الحسين، ومثلها في زواج عائشة بنت طلحة، في حين كان جند المسلمين ~~يتضورون مسغبة وجوعا حتى كتب عبد الله بن مصعب إلى عبد الله بن الزبير؛ ~~لمناسبة ما يعانيه الجند وترف شقيقه زعيم الجند: # بلغ أمير المؤمنين رسالة # من ناصح لك لا يريد خداعا # بضع الفتاه بألف ألف كامل # وتبيت سادات الجنود جياعا # لو # 1 # لأبي حفص أقول مقالتي # وأبث ما سأبثكم لارتاعا # صدق الشاعر في قوله؛ إن تلك الحال ليرتاع منها عمر حقا، وليفرق من ~~ذكرها أبو بكر، ويلتاع من سماعها علي، ولكن الحال تغيرت إلى مدى بعيد، حتى ~~أصبح المال غرضا تشرئب لحيازته الأعناق، وتنزع نحو تملكه النفوس، إلى أن ~~رأينا فيما بعد أن الحجاج بن يوسف لما حاصر الكعبة وفيها ابن الزبير، وتردد ~~جنده في ضربها بالمنجنيق؛ جاء بكرسي وجلس عليه وقال: «يا أهل الشام، قاتلوا على ~~أعطيات عبد الملك»؛ ففعلوا. # ذلك هو أثر المال في الأخلاق والأحوال والنفوس طبقا للتغيرات ~~الاجتماعية. # ولنحاول فيما سنعقده من الفصول الآتية تبيان حال الدولة العربية أيام عثمان، ~~وكيف وصل الأمر إلى معاوية، وكيف خرج الملك من بني أمية حتى وصل إلى بني ~~العباس، ولنحاول بعد هذه التقدمة دراسة الحياة الأدبية إلى جانب دراستنا ~~السياسية الاجتماعية؛ فإن ذلك ينفعنا كثيرا فيما نرومه من التكلم ببسطة في ~~القول وتصوير صحيح لعصر المأمون الذهبي، ولا سيما الحياة الأدبية والعلمية فيه، ~~ملاحظين في ذلك كله جانب القصد والإيجاز، مارين سراعا على جل الحوادث ~~الكبار في ذاتها، والتي لا تعنينا كثيرا في موضوعنا - مثل عصر معاوية - مما ~~نرجو أن نوفق في المستقبل القريب فنكتب عنه وعما فيه من أسرار وثورات. ~~(2) نظام الحكم في عهد الصحابة # الناس ms008 من حيث ميولهم ومعتقداتهم، دينية كانت أو سياسية، لا يكادون يعدون ~~طبقة من ثلاث: محافظين، ومعتدلين، ومتطرفين. # ولسنا آخذين بسبيل من التوضيح لأحكام هذه الجماعات أو الأحزاب في حياة عثمان، ~~ولا نظر كل فئة منهم إلى سياسة حكومته، وإنما يكفينا أن نقول: إن هذه الفئات ~~التي تكون دائما قوة الرأي العام الذي كان له في حكومات الصحابة صوت يؤبه له ~~وإرادة تحترم، مع مراعاة طبيعة النفسية العربية البدوية الشديدة الإباء ~~والأنفة، هذه الفئات لم يكن شبابها ولا كهولها، زهادها ولا النفعيون فيها، ~~براضين عن حكومة عثمان. # كان نظام الحكم في عهد الصحابة من حيث توزيع السلطات نظاما تيوقراطيا - ~~إذا صح لنا هذا التعبير، وهو صحيح لا محالة - ذلك لأنهم بإيمانهم وتقواهم وكامل ~~إسلامهم جعلوا الله تعالى مصدر السلطات الدينية والدنيوية، فكل شيء لله؛ المال ~~مال الله، والجند جند الله. # ومن هذه الناحية توافرت الشورى، وتوافرت الكرامة الدينية، وربما كان ~~المحافظون من رجال الدين يتبرمون من هذه الناحية أيضا بمنهج حكومة عثمان، التي ~~لا نشك أن حزبها أيام عثمان لم يكن بذي خطر، اللهم في ماضيه من حيث الزعامة ~~والسيادة وما إلى ذلك في العصر الجاهلي، ولكنه فاز أخيرا ولعبت الجماعة ~~العثمانية، ومنهم الأمويون، دورهم المعروف ذا الأثر الكبير في العقلية العربية ~~والمدنية الإسلامية. ~~(3) حكومة عثمان ونظر الجماعات العربية إليها # وبعد، فماذا نقم الشباب والشيوخ من حكومة عثمان؟ # أما نحن فلا يطلب منا أن نبدي رأينا في عثمان، فهو صحابي جليل، وله أثره ~~الخالد في جمع القرآن وغير القرآن، وله دينه السمح الذي لا تشوبه شائبة، وما ~~كان الدين ليحتم على الناس جميعا أن يكون نظرهم إلى الحياة الدنيا نظر التقشف ~~والزهد، ولا يطلب منا أن نثبت ضعف الحكومة العثمانية، وإنما يطلب منا أن نسرد ~~الحوادث بإيجاز، ولنا في تسلسل هذه الحوادث ودراستها وتقييد آثارها ما قد يسمح ~~لنا بالتعرض له حين معالجتنا الكلام عن عصرنا فيما بعد. # نعود فنتساءل: ماذا نقم الشباب والشيوخ من حكومة عثمان؟ # يقول اليعقوبي: «إن عثمان ms009 آثر القرباء، وحمى الحمى، وبنى الدار، واتخذ الضياع ~~والأموال بمال الله والمسلمين، ونفى أبا ذر صاحب رسول الله وعبد الرحمن بن ~~حنبل، وآوى الحكم بن أبي العاص وعبد الله بن سعد بن أبي سرح طريدي رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وأهدر دم الهرمزان ولم يقتل عبيد الله بن عمر به، وولى الوليد بن ~~عقبة الكوفة فأحدث في الصلاة ما أحدث ولم يمنعه ذلك من إعاذته إياه.» # ويذكر اليعقوبي - في مكان آخر - ما كان من إغضاب عثمان لعائشة أم المؤمنين، ~~ومكانة عائشة مكانتها، وأنه نقص ما كان يعطيها عمر بن الخطاب، وأنها تربصت ~~بعثمان حتى رأته يخطب الناس فدلت قميص رسول الله # صلى الله عليه وسلم # ونادت: «يا معشر ~~المسلمين، هذا جلباب رسول الله لم يبل، وقد أبلى عثمان سنته.» وليس أدل ~~على شدة حفيظتها عليه من امتناعها أن تقوم بالصلح بينه وبين الخارجين عليه حين ~~اشتد عليه الأمر وصار إليها مروان فقال لها: يا أم المؤمنين، لو قمت فأصلحت ~~بين هذا الرجل وبين الناس! # قالت: قد فرغت من جهازي وأنا أريد الحج. # قال: فيدفع إليك بكل درهم أنفقته درهمين. # قالت: «لعلك ترى أني في شك من صاحبك! أما والله لوددت أنه مقطع في ~~غرارة من غرائري، وأني أطيق حمله فأطرحه في البحر.» # قلنا: إن نظام الحكم في عهد الصحابة من حيث توزيع السلطات كان نظاما ~~تيوقراطيا في إرجاعه كل شيء إلى الله تعالى، وأن المال مال الله، والجند جند ~~الله، وأن الحكم لله لا للناس. # ويقول لنا التاريخ: إنه كان بين عثمان وخازن بيت المال في عهده مشادة ~~ومنافرة، وإن جل النقاد اتخذوا من هذه المشادة مطعنا في سياسته ~~المالية، وثلمة يتهجمون منها عليه، وكانت هذه المشادة بينه وبين خازن بيت ~~المال في أمر عطائه، حتى قال له عثمان: «إنما أنت خازن لنا؛ إذا أعطيناك فخذ، ~~وإذا سكتنا عنك فاسكت»، فقال: «كذبت والله! ما أنا لك بخازن ولا لأهل بيتك، ~~إنما أنا خازن المسلمين»، وجاء بالمفتاح يوم الجمعة وعثمان ms010 يخطب، فقال: «أيها ~~الناس، زعم عثمان أني خازن له ولأهل بيته، وإنما كنت خازنا للمسلمين، وهذه ~~مفاتيح بيت مالكم.» ورمى بها، فأخذها عثمان ودفعها إلى زيد بن ثابت. # وليس من شك في أن شباب العرب عامة، وقريش خاصة، لهم آمالهم ولهم مطامعهم ~~وهم في مقتبل عمرهم حين يكون الطموح إلى اعتلاء المراتب الرفيعة مصطدما ~~بالوازع الديني، وأنهم تألموا أن ينال عبد الله بن خالد بن أسيد خمسين ألف ~~درهم، ومروان بن الحكم خمسة عشر ألفا، مع أن عثمان استردها منهما لما عوتب ~~ونوقش، وتألموا أن يذهب آل عثمان بمناصب الدولة وهم يرون في أنفسهم من ~~الكفايات والمواهب، ومن الحسب والنسب ما لا يقل عما لهؤلاء. ~~••• # وما لنا نذهب بعيدا في الاستدلال على نظريتنا هذه والنفس الإنسانية هي هي ~~الطموح إلى زينة العاجلة وزخرفها، وقد جاء في الأغاني في معرض كلامه عن أبي ~~قطيفة الشاعر: # إن ابن الزبير مضى إلى صفية بنت أبي عبيد، زوجة عبد الله بن عمر، ~~فذكر لها أن خروجه كان غضبا لله تعالى ورسوله عليه السلام والمهاجرين ~~والأنصار من أثرة معاوية وابنه وأهله بالفيء، وسألها مسألته أن ~~يبايعه، فلما قدمت لزوجها عشاءه ذكرت له أمر ابن الزبير واجتهاده، ~~وأثنت عليه وقالت: ما يدعو إلا إلى طاعة الله - جل وعز - وأكثرت القول ~~في ذلك، فقال لها: أما رأيت بغلات معاوية اللواتي كان يحج عليهن ~~الشهب! فإن ابن الزبير ما يريد غيرهن. # هذا رأي كبير من رجال العصر في خروج ابن الزبير يكشف لك ما كان يخالج نفوس ~~الشباب من طموح إلى السلطان ولذاته، مع أن ابن الزبير كان خارجا على أهل بيت ~~يرى جل الناس في ذلك العصر أنهم اغتصبوا الملك من أهله اغتصابا، ويظهر أن ~~معاوية نفسه كان قد اقتنع بأنه لم يكن على الحق حتى كاد يتجنب مناجزة علي ~~الحرب والعداء حين ذكره علي بكلام للرسول # صلى الله عليه وسلم ~~، لولا مقالة ولده له: ~~«كلا! ولكنك رأيت سيوف بني هاشم حدادا تحملها شداد»، فثارت ثائرته وقال: ms011 ~~«ويلك! ومثلى يعير لجبن! هلم إلي الرمح!» وأخذ الرمح وحمل على أصحاب ~~علي. # فمعقول أن يغضب هؤلاء الشباب وأمثالهم من حكومة عثمان وهم يرون الغنائم ~~والثروات تكتسح بلادهم - وللمال حكمه وسلطانه - ومعقول أيضا أن يغضب منها ~~أمثال عمرو بن العاص الذي قال له عثمان - يوم ندبه ليعذره عند الناس فما كان ~~منه إلا أن أضرم جذوة الحقد عليه: «يا ابن النابغة، والله ما زدت أن حرضت ~~الناس علي ... يا ابن النابغة، قمل درعك مذ عزلتك عن مصر.» # هذا من ناحية النفعيين وفيهم المتطرفون، وهناك المعتدلون، وهؤلاء قد نأوا ~~بجانبهم عن الفتنة، واعتزلوا الناس من شرها وآثارها، وهم لها كارهون، ومنها ~~ناقمون، وهناك المحافظون الأتقياء حقا أمثال أبي ذر ورافع بن خديج وغيرهما من ~~صحابة الرسول الذين نعلم من تقواهم وزهدهم، ومن حبهم للآخرة وإعلاء كلمة الدين ~~الشيء الكثير، والذين يقول فيهم الجاحظ في رسالته عن بني أمية: # 2 ~~«إنهم كانوا على التوحيد الصحيح والإخلاص المحض.» # ولنوضح قليلا هذا النوع من المتقشفين حقا والمخلصين في عقيدتهم الدينية ~~صدقا، ولنضرب مثلا بأبي ذر الغفاري، ولننظر ما يحكيه لنا ابن الأثير في هذا ~~السبيل، فهو معتدل مستقر للحقيقة أكثر من سواه، يقول ابن الأثير: إن أبا ~~ذر كان يذهب إلى أن المسلم لا ينبغي له أن يكون في ملكه أكثر من قوت يومه ~~وليلته، أو شيء ينفعه في سبيل الله أو يعده لكريم، وكان يأخذ بظاهر القرآن: # والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ~~ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم # فكان يقوم بالشام ويقول: «يا معشر الأغنياء، واسوا الفقراء، بشر الذين يكنزون ~~الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله بمكاو من نار تكوى بها جباههم ~~وجنوبهم وظهورهم.» فما زال حتى ولع الفقراء بمثل ذلك، وأوجبوه على الأغنياء، ~~وشكا الأغنياء ما يلقونه منهم؛ فأرسل معاوية إليه بألف دينار في جنح الليل ~~فأنفقها، فلما صلى معاوية الصبح دعا رسوله الذي أرسله إليه، فقال: اذهب إلى ~~أبي ذر فقل له: أنقذ جسدي من عذاب معاوية؛ فإنه أرسلني ms012 إلى غيرك وإني أخطأت ~~بك. ففعل ذلك، فقال أبو ذر: يا بني، قل له: والله ما أصبح عندنا من دنانيرك ~~دينار، ولكن أخرنا ثلاثة أيام حتى نجمعها. فلما رأي معاوية أن فعله يصدق قوله ~~كتب إلى عثمان: إن أبا ذر قد ضيق علي، وقد كان كذا وكذا - للذي يقوله ~~الفقراء - فكتب إليه عثمان: «إن الفتنة قد أخرجت خطمها # 3 # وعينيها ولم يبق إلا أن تثب، فلا تنكأ القرح، وجهز أبا ذر ~~إلي وأبعث معه دليلا، وكفكف الناس ونفسك ما استعطت.» وبعث إليه معاوية بأبي ~~ذر، فلما قدم المدينة ورأى المجالس في أصل جبل سلع، قال: بشر أهل المدينة ~~بغارة شعواء وحرب مذكار. ودخل على عثمان فقال له: ما لأهل الشام يشكون ~~ذرب # 4 # لسانك. فأخبره، فقال: يا أبا ذر، علي أن أقضي ما علي، وأن أدعو ~~الرعية إلى الاجتهاد والاقتصاد، وما علي أن أجبرهم على الزهد. ثم انتهت ~~المحاجة إلى أن خرج أبو ذر من المدينة ونزل الربذة # 5 # فهذا النوع من التقشف المتبرم بحكومة عثمان، وذلك النوع من ~~الشباب الطامح بعينيه إلى ما أصاب سواه منها، وتلك الجماعة المعتزلة التاركة ~~الحبل على الغارب - كل هذه العوامل تجعلنا نقنع بنجاح الفتنة ضد حكومة عثمان ~~وانتهائها بتلك المأساة المروعة التي كان فيها ما كان مما يحكيه لنا أبو ~~عثمان عمرو بن بحر الجاحظ: من قتل عثمان رضي الله عنه، وما انتهك منه، ومن ~~خبطهم إياه بالسلاح، وبعج بطنه بالحراب، وفري أوداجه بالمشاقص، # 6 # وشدخ هامته بالعمد، مع ضرب نسائه بحضرته، وإقحام الرجال على حرمته، ~~مع اتقاء نائلة بنت الفرافصة # 7 # عنه بيدها حتى أطنوا # 8 # أصبعين من أصابعها. # كانت تلك المأساة المروعة التي تفتت القلوب الجلامد، وتنفجر لها العيون ~~الجوامد، فلنقف عند ذكراها والهين آسفين. # | هوامش # الفصل الثاني # | الجهاد بين الخلافة والملك # (1) توطئة # نحن الآن مقبلون على فترة جهاد عنيف بين الخلافة والملك، فترة لا يصح أن ~~تعتبر الجهاد فيها جهادا بين علي ومعاوية، أو بين علي وغير معاوية من ~~منافسيه ms013 في الخلافة أو من الخارجين عليه، وإنما يخلق بنا أن نعتبرها بمثابة ~~جهاد عنيف بين وجهات النظر العربية في الحياة؛ فإن موت عثمان رضي الله عنه لم ~~يمت الفتنة، بل أذكاها وزادها ضراما واشتعالا. # وإنه لمن الميسور للناقد أن يلتمس العلة في أن الأحزاب العربية حين ذاك لم ~~تجمع على سيدنا علي؛ ذلك بأن الجماعة الراغبة في الوظائف والأموال لم تجد فيه ~~طلبتها وسؤلها، ولم تعثر فيه على أنشودتها ورجلها، بل على النقيض قد لقيت منه ~~حاكما صلبا لا تلين قناته، سار فيهم سيرة الحق لا تأخذه في الله لومة لائم، ~~وكانت حركاته وسكناته رضي الله عنه جميعها لله وفي الله، لا يغمط بها حق أحد، ~~وكان لا يأخذ ولا يعطي إلا بالحق والعدل، حتى إن أخاه عقيلا، وهو ابن أبيه ~~وأمه، طلب من بيت المال شيئا لم يكن له بحق، فمنعه رضي الله عنه وقال: يا أخي، ~~ليس لك في هذا المال غير ما أعطيتك، ولكن اصبر حتى يجيء مالي وأعطيك منه ما ~~تريد، فلم يرض عقيلا هذا الجواب، وفارقه وقصد معاوية بالشام. وكان لا يعطي ~~ولديه الحسن والحسين أكثر من حقهما، فانظر إلى رجل حمله ورعه على هذا الصنيع ~~بولديه وبأخيه من أبويه! فلما سار فيهم هذه السيرة ثقل على بعض الناس فعله، ~~وكرهوا مكانه. # هذه خطة هؤلاء معه، أما خطة الشيوخ؛ فمنهم من آثر العزلة وترك حبل الأمة على ~~غاربها تتطاحن أحزابها بين طلاب الخلافة، ومنهم الخوارج الذين غضبوا على علي ~~كما غضبوا على معاوية، وندبوا من بينهم عبد الرحمن بن ملجم ليقتل عليا، ~~والبرك بن عامر ليخلصهم من معاوية، وعبد الله بن مالك الصيداوي ليريحهم من حليف ~~معاوية عمرو بن العاص، هؤلاء الخوارج كانت كلمتهم: «الحكم لله لا للناس»، ~~فنقموا من علي خضوعه للتحكيم، وما خضع إلا مكرها معنتا. ~~(2) كلمتنا عن علي رضي الله عنه # كان علي إماما دينيا، كان موئلا للشريعة، ومثالا للورع والاستمساك ~~بأحكام الكتاب، كان مصدرا خصيبا من مصادر الفقه والتشريع، وكان في ms014 حكومته ~~وحروبه على السواء مؤثرا رضا الله، ومغضبا شهوات الناس، وقادعا أطماعها، ~~وكان عنوانا كاملا لأسمى صفات الخلق الإسلامي من حيث: النجدة والشجاعة لا ~~الحذق والسياسة؛ كان مصلحا دينيا على أتم ما يكون عليه مصلح ديني، يتفانى في ~~هذا الإصلاح ويؤثر الآخرة على الأولى، فيعمل لإرضاء الله لا إرضاء الناس، وكان ~~كما وصفه عدي بن حاتم لمعاوية : «يقول عدلا، ويحكم فصلا، تتفجر الحكمة من ~~جوانبه، والعلم من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويأنس بالليل ووحشته، ~~وكان والله غزير الدمعة، طويل الفكرة، يحاسب نفسه إذا خلا، ويقلب كفيه على ما ~~مضى، يعجبه من اللباس القصير، ومن المعاش الخشن، وكان فينا كأحدنا ... كان ~~يعظم أهل الدين ويتحبب إلى المساكين، لا يخاف القوي ظلمه، ولا ييأس الضعيف من ~~عدله؛ فأقسم لقد رأيته ليلة وقد مثل في محرابه وأرخى الليل سرباله وغارت ~~نجومه، ودموعه تتحادر على لحيته وهو يتململ تململ السليم، ويبكى بكاء الحزين، ~~فكأني الآن أسمعه وهو يقول: يا دنيا أإلي تعرضت أم إلي أقبلت! غري ~~غيري لا حان حينك، قد طلقتك ثلاثا لا رجعة فيها.» # هذا هو علي حقا، علي الذي بالغ في التدقيق في محاسبة عماله حتى أغضب ~~أكثرهم، وحتى خسر نصرتهم، وفي جملتهم مصقلة بن هبيرة الشيباني، وابن عمه عبد ~~الله بن عباس بعد أن كان أكبر نصير له، والذي أغضب الزبير وطلحة وكان في مقدوره ~~أن يضمهما إليه، والذي لم يكتسب إلى جانبه عمرو بن العاص، ولم يقبل نصيحة ابن ~~العباس ولا المغيرة بن شعبة في إقرار معاوية وابن عامر وعمال عثمان على ~~أعمالهم حتى تأتيه بيعتهم ويسكن الناس، ثم يعزل منهم من يشاء، وقال: «لا أداهن ~~في ديني، ولا أعطي الدنية في أمري»، فقيل له: انزع من شئت واترك معاوية؛ فإن ~~في معاوية جرأة، وهو في أهل الشام يستمع منه، وله حجة في إثباته بما كان من ~~عمر بن الخطاب إذ قد ولاه الشام. فأبى وقال: لا والله لا أستعمل معاوية يومين، ~~فلم تكن الحيل والخدع من مذهبه، ms015 ولم يكن عنده غير مر الحق؛ والذي يقول ~~لأصحابه بعد أن أثخنوا في أعدائه: «لا تتبعوا موليا، ولا تجهزوا على جريح، ~~ولا تنهبوا مالا»، فجعلوا يمرون بالذهب والفضة في معسكرهم فلا يعرض له أحد، ~~إلا ما كان من السلاح الذي قاتلوا به والدواب التي حاربوا عليها، فقال بعض ~~أصحابه: يا أمير المؤمنين، كيف حل لنا قتالهم ولم يحل لنا سبيهم ~~وأموالهم؟! # فقال علي رضي الله عنه: «ليس على الموحدين سبي، ولا يغنم من أموالهم إلا ما ~~قاتلوا به وعليه، فدعوا ما لا تعرفون وألزموا ما تؤمرون.» # أجل! هذا هو علي حقا، الذي أبت رأفته وأبي دينه أن يمنع أهل الشام من الماء ~~كما منعوه أثناء منازلتهم حتى كاد يهلك جنده عطشا، والذي منع شيعته وأنصاره ~~من شتم معاوية ضاربا صفحا عن آثار استغلال ذلك في الدعوة السياسية لتأييد ~~خلافته، والحط من ملك منافسه؛ فإنه لما بلغه أن حجر بن عدي وعمرو بن الحمق ~~يظهران شتم معاوية ولعن أهل الشام أرسل إليهما: أن كفا عما بلغني عنكما، ~~فأتياه فقالا: «يا أمير المؤمنين، ألسنا على الحق وهم على الباطل؟! قال: كرهت ~~لكم أن تكونوا شتامين لعانين، ولكن قولوا: اللهم احقن دماءنا ودماءهم، ~~وأصلح ذات بيننا وبينهم، واهدهم من ضلالتهم حتى يعرف الحق من جهله، ويرعوى ~~عن الغي من لهج به.» # هذا هو علي حقا، الشديد في محاسبة نفسه وعماله، أما محاسبة نفسه فظاهرة ~~خلقية واضحة الوضوح كله، وأما محاسبته عماله؛ فإن تاريخه مفعم بمئات الأدلة ~~والشواهد مما أفاد منه معاوية أيما فائدة. # وكان من آثار هذه المحاسبة هرب مصقلة بن هبيرة الشيباني من علي وانضمامه إلى ~~معاوية، وكذلك يزيد بن حجبة التيمي الذي كان قد استعمله علي على الري فكسر من ~~خراجها ثلاثين ألفا، فكتب إليه علي يستدعيه فحضر، فسأله عن المال قال: أين ~~ما غللته من المال؟ قال: ما أخذت شيئا. فخفقه بالدرة خفقات وحبسه، ووكل به ~~سعدا مولاه، فهرب منه يزيد إلى الشام، فسوغه معاوية المال، فكان ينال من ~~علي، ms016 وبقي بالشام إلى أن اجتمع الأمر لمعاوية، فسار معه إلى العراق، فولاه ~~العراق. # فهذه الشواهد وأمثالها فيها أقطع الدلالات على شدة محاسبته لعماله وإغضابه آل ~~بيته تدينا وورعا وعملا للآخرة، لا لبناء ملك في الدار الأولى. # فلنحفظ هذه الصورة جيدا، ولنذكر أنها لم يتح لها الفوز والنجاح في ذلك ~~الجهاد السياسي، وأن الكفة الراجحة في سياستنا الدنيوية كانت لمنازله الذي ~~يجدر بنا أن ندرسه بإيجاز واقتضاب. ~~(3) تحول الرأي العام # صور الشاعر العبقري «شكسبير» في روايته «يوليوس قيصر» تأثر الرأي العام ~~ببلاغة زعمائه التي يستغلون بها سذاجة موقفه، ويتملكون بها عقول قومهم التي بها ~~يفكرون، ويسحرون بها عيونهم التي بها يبصرون، فلا يصدرون إلا عن إرادتهم، ولا ~~يفكرون إلا بعقولهم، وقد أبدع أيما إبداع في موقفي «بروتس» قاتل قيصر ومنقذ ~~الرومان، و«أنطونيوس» مؤبنه وراثيه، وأظهر إلى أي مدى افتتن بهما الجمهور، ~~وإلى أي مدى تناقض في حبه وبغضه، وإكباره وتألبه. # شكر الرومان «بروتس» قاتل قيصر لأجل الرومان وفي سبيل الرومان، فأسلس له ~~قيادهم وطلبوا منه أن يتبوأ العرش مكانه، وحمل على الأعناق بعد أن تبوأ منهم ~~حبات القلوب، ثم استمعوا إلى «أنطونيوس» يرثي قيصر، وما استمعوا له لأن «بروتس» ~~طلب منهم أن ينصتوا؛ لأن قيصرا الطاغية غير قيصر الراحل، فأنصتوا وتكلم ~~«أنطونيوس»، فحرك من شئونهم وأنساهم أنفسهم، واستغل في موقفه ما بثياب قيصر ~~من دماء وثقوب، وما بجسمه من طعنات وجروح، حتى اضطرمت الفتنة، وكان نصيب ~~«بروتس» ما تعلم بعد حمله على الأعناق! # هكذا فعل معاوية في جهاده وجلاده عليا، فقد صدع بما أشار به عليه عمرو بن ~~العاص؛ إذ طلب إليه إظهار قميص الدم الذي قتل فيه عثمان وأصابع زوجته، وأن ~~يعلق ذلك على المنبر ثم يجمع الناس ويبكى عليه عازيا قتل عثمان إلى علي، ~~مطالبا بدمه مستميلا بذلك أهل الشام وغيرهم من عامة المسلمين. أخرج معاوية ~~القميص والأصابع وعلقه على المنبر، وبكى واستبكى الناس، وذكرهم بمصاب ~~عثمان، فانتدب أهل الشام من كل جانب، وأيدهم الأشراف وذوو النفوذ كشرحبيل بن ms017 ~~السمط وسواه، وبذلوا له الطلب بدم عثمان والقتال معه على كل من آوى قتلته، ~~ثم خلق لعلي معضلة سياسة لا يهون على السياسي حلها؛ ذلك بأن بعث برسالة ~~إلى جماعة علي، وهذه الرسالة تحتوي على أسس المبادئ العثمانية وتقول: «أما بعد، ~~فإنكم دعوتم إلى الطاعة والجماعة؛ أما الجماعة التي دعوتم إليها فمعنا، وأما ~~الطاعة لصاحبكم فلا نراها؛ إن صاحبكم قتل خليفتنا، وفرق جماعتنا، وآوى ~~ثأرنا # 1 # وقتلتنا، وصاحبكم يزعم أنه لم يقتله، فنحن لا نرد ذلك عليه؛ ~~أرأيتم قتلة صاحبنا؟ ألستم تعلمون أنهم أصحاب صاحبكم؟ فليدفعهم إلينا ~~فلنقتلهم به، ثم نحن نجيبكم إلى الطاعة والجماعة.» # وكيف يستطيع علي أن يدفع إلى معاوية قتلة عثمان؟! وماذا يكون موقفه أمام ذلك ~~الحزب القوي الناقم على الخليفة المقتول؟! فلذلك كان من المعقول أن يقف رده ~~أمام هذه المشكلة السياسية عند قوله: «أما ما سألت من دفعي إليك قتلته؛ فإني ~~لا أرى ذلك؛ لعلمي بأنك إنما تطلب ذلك ذريعة إلى ما تأمله، ومرقاة إلى ما ~~ترجوه، وما الطلب بدمه تريد.» ~~(4) معاوية # لسنا نتعرض للحكم على دين معاوية ومبلغ تمشيه في تصرفاته السياسية وإقامته ~~لحدود الله مع أحكام الشرع؛ فقد تكلم في ذلك فيه الشافعي والحسن البصري، وإنما ~~نريد أن نمثل معاوية مؤسس الملكية في الإسلام، وواضع أسس السياسة الدنيوية، ~~والذي قال فيه عمر بن الخطاب لجلسائه: «تذكرون كسرى وقيصر ودهاءهما وعندكم ~~معاوية!» ~~(5) سياسة معاوية # كان معاوية ذا مواهب سياسية كبيرة، وكان داهية ذهنا بعيد مدى العقل، ~~مالكا قياد أهوائه، كان «ذا مكر وذا رأي وحزم في أمر دنياه، إذا رأى الفرصة لم ~~يبق ولم يتوقف، وإذا خاف الأمر توارى عنه، وإذا خوصم في مقال ناضل عنه وقطع ~~الكلام على مناظره»، كان يعمل جهده ليشتري ضمائر القبائل العربية، وكان كثير ~~البذل في العطاء. # وقد ذكر الطبري حادثة نستطيع أن نستنبط منها نظر معاوية إلى المال وإلى مبلغ ~~استعماله إياه ليملك به ضمائر أهل المكانة والنفوذ من معاصريه - ذكر أن أبا ~~منازل قال له حينما أعطاه ms018 معاوية سبعين ألفا بينما أعطى جماعة من الزعماء ~~ممن في مرتبته مائة ألف: فضحتني في بني تميم، أما حسبي فصحيح! أولست ذا ~~سن؟! أولست مطاعا في عشيرتي؟! فقال معاوية: بلى، قال: فما بالك خسست بي ~~دون القوم؟! فقال: إني اشتريت من القوم دينهم ووكلتك إلى دينك ورأيك في عثمان ~~بن عفان - وكان عثمانيا - فقال: وأنا فاشتر مني ديني، فأمر له بتمام جائزة ~~القوم. # كان سياسيا بطبيعته، معطاء وهوبا بسجيته، وقد صدق في صفته أبو الجهم ~~الشاعر إذ قال: # نميل على جوانبه كأنا # نميل ولا نمين على أبينا # نقلبه لنخبر حالتيه # فنخبر منهما كرما ولينا # وإنا نستطيع أن نفهم فهما صحيحا: أكانت ثورة معاوية لقتل عثمان ثورة مصدرها ~~إخلاصه العميق في العثمانية، وأنه كان يريد بها أن يجري حكم الشرع في قتلة ~~عثمان، أم ثورة مصدرها طموحه إلى الملك ليغتصبه لنفسه؟ نستطيع أن نفهم ذلك من ~~حديث جرى بينه وبين عائشة بنت عثمان؛ فإن التاريخ يحدثنا أن معاوية لما قدم ~~المدينة دخل دار عثمان، فقالت عائشة بنت عثمان: وا أبتاه! وبكت، فقال معاوية: ~~«يا ابنة أخي، إن الناس أعطونا وأعطيناهم أمانا، وأظهرنا لهم حلما تحت غضب، ~~وأظهروا لنا طاعة تحتها حقد، ومع كل إنسان سيفه وهو يرى مكان أنصاره، فإن نكثنا ~~بهم نكثوا بنا، ولا ندري أعلينا تكون أم لنا، ولأن تكوني بنت عم أمير المؤمنين ~~خير من أن تكوني امرأة من عرض المسلمين.» # وقد لا نجد تصويرا أدق لسياسة معاوية وطريقة حكمه من قوله: «لا أضع سيفي حيث ~~يكفيني سوطي، ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني، ولو أن بيني وبين الناس شعرة ما ~~انقطعت؛ قيل: وكيف ذاك؟ قال: كنت إذا مدوها خليتها، وإذا خلوها مددتها.» # فهذا القول يبين حلمه وطول باعه في السياسة وهدوء أعصابه إذا جابهته ~~المشكلات، أو نزلت بساحته الكوارث والمعضلات، ويظهر سعة عطنه وحزمه، ولقد قال ~~له يزيد يوم بويع له على عهده فجعل الناس يمدحونه ويقرظونه: «يا أمير المؤمنين، ~~والله ما ندري: أنخدع الناس أم يخدعوننا؟!» ms019 فقال معاوية: «كل من أردت خديعته ~~فتخادع لك حتى تبلغ منه حاجتك فقد خدعته.» # ثم انظر إلى مختلف تصرفات معاوية في حياته السياسية وغيرها؛ فإنك لتقتنع بصدق ~~حكم الشعبي الذي قال فيه: «كان معاوية كالجمل الطب إذا سكت عنه تقدم، وإذا ~~رد تأخر.» ~~(6) مميزات معاوية # ولقد امتاز معاوية إلى جانب إلمامه التام بميول كل من له به علاقة من الناس، ~~وصادق تقديره مع ثقوب بصيرته بما فيهم من نواح للضعف يستطيع التسرب إليهم ~~منها، امتاز إلى جانب هذا كله بصفات ثلاث لها مكانتها السامية في تكوين الدهاة ~~من ساسة الوقت الحاضر، تلك الصفات الثلاث هي: # أولا: إيقاع أعدائه في مشكلات لا تقوم لهم من بعدها قائمة بأفانين طريفة ~~طالما عمد إليها الكثير من ساسة اليوم، مثال ذلك طريقته في إيقاع بطارقة الروم ~~الذين يكيدون للإسلام، وذلك بمهاداتهم ومكاتبتهم بطريقة مكشوفة؛ لإغراء الملك ~~بهم. # الصفة الثانية من مميزات معاوية الخلقية هي: حلمه، وهناك مئات الأمثال أترعت ~~بها كتبنا الأدبية والتاريخية مشيدة بحلمه مطنبة في فضائل سعة صدره، على أنا ~~نجتزئ هنا بمثل عادي، ذلك أنه لما ألحق زيادا بأبيه دخل عليه بنو أمية وفيهم ~~عبد الرحمن بن الحكم أخو مروان بن الحكم الأموي، فقال له: يا معاوية، لو لم تجد ~~إلا الزنج لاستكثرت بهم علينا قلة وذلة؛ فأقبل على أخيه مروان وقال: أخرج عنا ~~هذا الخليع، فقال مروان: والله إنه لخليع ما يطاق، فقال معاوية: والله لولا ~~حلمي وتجاوزي لعلمت أنه يطاق! ألم يبلغني شعره في وفي زياد! ثم قال لمروان: ~~أسمعنيه، فقال: # ألا أبلغ معاوية بن صخر # لقد ضاقت بما تأتي اليدان # أتغضب أن يقال أبوك عف # وترضى أن يقال أبوك زاني # الصفة الثالثة هي: نعومته السياسية، وهي غير الحلم، وقد تعتبر إلى حد ما من ~~نوع المغالطات السياسية، مثال ذلك ما كان بينه وبين الحسن بن علي في شأن نزوله ~~عن الخلافة له، إذ كتب إليه معاوية كتابا قيما جاء فيه: «أما بعد، فأنت أولى ~~بهذا الأمر وأحق به ms020 لقرابتك، ولو علمت أنك أضبط له وأحوط على حريم هذه الأمة ~~وأكيد لبايعتك، فسل ما شئت»، وبعث إليه بصحيفة بيضاء مختومة في أسفلها: أن ~~اكتب فيها ما شئت، فكتب الحسن أموالا وضياعا وأمانه لشيعة علي. # أضف إلى هذه الصفات ما كتب لمعاوية من توفيق وسداد في اختيار أكبر دهاة ~~الولاة؛ كعمرو بن العاص وزياد بن أبيه والمغيرة بن شعبة، ممن عملوا معه على ~~توطيد الملك له، والذين ارتسموا - إلى حد غير قليل - خطوات زعيمهم السياسي في ~~شراء الضمائر، وسعة العطن، ورجوح حصاة العقل. وهذا زياد المعروف بشدة الوطأة ~~بلغه عن رجال يكنى أبا الخير من أهل البأس والنجدة أنه يرى رأي الخوارج، فدعاه ~~فولاه جنديسابور # 2 # وما يليها، ورزقه أربعة آلاف درهم كل شهر، وجعل عمالته في كل سنة ~~مائة ألف، فكان أبو الخير يقول: «ما رأيت شيئا خيرا من لزوم الطاعة، ~~والتقلب بين أظهر الجماعة»، كذلك فعل المغيرة بن شعبة حين حصبه حجر بن عدي ~~وهو على المنبر في خطبة الجمعة، فإنه نزل مسرعا ودخل قصر الإمارة وبعث إلى حجر ~~بخمسة آلاف درهم ترضاه بها، فقيل للمغيره: لم فعلت هذا وفيه عليك وهن ~~وغضاضة؟! فقال: «قد قتلته بها!» # إلى جانب هذه العناصر المكونة لتلك الشخصية البارزة التي اعتمدت في تأسيس ~~ملكها على ما اعتمدت عليه من ترضي الأحزاب بالمال وعامة الناس بالطعام، ~~واستغلال العصبيات العربية، والتساهل في إقامة الحدود الدينية إذا دعت إلى ذلك ~~طبيعة الأحوال السياسية، فإن معاوية يصف بنفسه سبب نجاحه على علي بقوله: ~~«أعنت على علي بن أبي طالب بأربع خصال: كان رجلا ظهرة علنة لا يكتم ~~سرا، وكنت كتوما لسري؛ وكان لا يسعى حتى يفاجئه الأمر مفاجأة، وكنت أبادر ~~إلى ذلك؛ وكان في أخبث جند وأشدهم خلافا، وكنت أحب إلى قريش منه، فنلت ما ~~شئت؛ فلله من جامع إلي ومفرق عنه.» ~~(7) معاوية والسياسة المكياڤلية # وبعد، فإن السياسة الحديثة قد أباحت لرجالاتها في سبيل تحقيق غاياتهم أن ~~ينتهجوا من الوسائل ما يكفل لهم نجحهم السياسي، ويجب ms021 علينا أن نثبت أن جلهم - ~~ولو أنهم يتظاهرون بنفورهم من مدرسة «ماكياڤلي» التي تضحي بكل شيء تسويغا ~~للوصول إلى الغاية السياسية - يأخذون في الواقع بتعاليمها ويعملون على ~~برنامجها. هذه السياسة الإيجابية في نجاحها العملي، السلبية في إرضائها المناحي ~~الخلقية هي التي أخرجت لنا «ماترنيخ» و«كافور» و«دزرائلي» و«بسمرك» و«پت»، وهي ~~التي كان من أبطالها «جلادستون» ذو المواقف الغريبة في الإقناع واكتساب ثقة ~~الجمهور ولو تنحل من الشواهد واختلق من السابقات ما ليس له من وجود. # كذلك كان معاوية، في جل تصرفاته، يحفل كثيرا بتحقيق غاياته في تشييد ~~الملك، فهو يدبر أمور الناس لهذه الوجهة، وهو ينتهج من الوسائل السياسية ما ~~يكفل نجاحه في هذه الوجهة. وإنه لخليق بنا وبسوانا ألا نعدو بعيدا عن هذه ~~الوجهة حين نظرنا إلى معاوية في كتابه إلى مروان بن الحكم بشأن حده شاعره ~~الكبير ابن سيحان، وحين حكم لابن الزبير بثمن داره المحترقة، وحين أرضى عقيلا، ~~واحتمل من الأحنف بن قيس ما احتمل، وحين تخلص من الأشتر النخعي ومن عبد ~~الرحمن بن خالد، وحين فصل في منازعة عمرو بن عثمان بن عفان وأسامة بن زيد مولى ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # في حكاية الأرض التي قيل: إن الرسول # صلى الله عليه وسلم # أقطعها ~~أحدهما، وحين كان يبذل المال طبقا لمناهجه السياسية. وإنا نبيح لأنفسنا حين ~~ننظر إلى قول زين العابدين: «إن عليا كان يقاتله معاوية بذهبه»، أن نقول: «إن ~~معاوية كان يقاتل عليا بذهبه وذهنه.» # وإنا لنظن أنا قد صورنا معاوية بما هو أهله، وأوضحنا ما كانت عليه تلك ~~الشخصية الفذة في مسايرة الناس واحتمال الأذى منهم، والتي يقول صاحبها: «ما من ~~شيء عندي ألذ من غيظ أتجرعه»، «وإني لا أحول بين الناس وألسنتهم ما لم يحولوا ~~بيننا وبين ملكنا.» # والآن نستطيع بعد أن كشفنا القناع عن أخلاق معاوية ومميزاته، أن نفهم قيمة ~~قول علي رضي الله عنه في كتابه إلى زياد بن أبيه حينما كان من ولاته يحذره من ~~معاوية - وهو ما نختتم به ms022 كلمتنا فيه: «إني وليتك ما وليتك وأنا أراك له أهلا، ~~وقد كانت من أبي سفيان فلتة من أماني الباطل وكذب النفس، لا توجب لك ميراثا ~~ولا تحل له نسبا، وإن معاوية يأتي الإنسان من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن ~~شماله، فاحذر ثم احذر، والسلام.» # | هوامش # الفصل الثالث # | سياسة معاوية وخلفائه # (1) توطئة # إن معاوية الذي مرن على السياسة بنشأته، وحذقها بسجيته، وأتقنها لمختلف ~~أدوارها التي تقلب فيها، فطبع عليها وطبعت عليه، وأصبح منها وأصبحت منه، لم ~~يكن في مقدوره إلا أن يكون سياسيا فذا موفقا، بل مصدر سياسات عبقرية طالما ~~نشدها عصره وزمانه حتى بعث بها وبعثت له، وخلق منها وخلقت منه؛ وكانت في ~~نفسها وجوهرها خليقة للإجلال والإكبار، كما كان صاحبها قمينا بالنجاح جديرا ~~بالتوفيق؛ لأنه لم يكن في وسعه، بطبيعته واستعداده ومواهبه واستتمامه لأداة ~~الحكم والسلطان، إلا أن يوفق مظفرا في مختلف خططه التي ارتسمها سديدة ناجحة؛ ~~لأنها قطعة من نفسه، وكل ما كان من نفس معاوية فهو بمثابة أصول السياسة في ~~تشييد الملك بمنجاة من الأعاصير التي تقتلع كل ملك قائم على غير طبيعة السنن ~~الملكية الضرورية لها، ولضمان حياتها ودوام قوة بيوتاتها. # إن معاوية ومن ضرب على قالبه وغراره علموا الخفيات من أهواء النفوس، فتم لهم ~~تملكها وقيادتها، وانتهجوا بها من المسالك ما أشبع نهمتهم ونهمتها، وحقق بغيتهم ~~وبغيتها، ووحدوا بين تيار مصلحتهم السياسية ومختلف رغباتها ومصطدم منازعها، ~~وفطنوا بثقوب بصائرهم إلى استخدام كل ما فيه القوة والحياة لملكهم من شتى ~~العناصر: في أنفسهم وولاتهم وسائر شعبهم. # أما في نفوسهم فبأخذها، مكرهة أو طائعة، بالتزام ما فيه النجح والتوفيق مع ~~قصد واعتدال، فتختار من الولاة والزعماء والقواد والبطانة من فيهم الغنية ~~والكفاية وحسن البلاء، يبحث عنهم أنى وجدوا، مهما كانت عصبياتهم وخفة ظلهم ~~أو كثافة نفوسهم، ويجعلون في مراكزهم بمعزل عن التغيير والتبديل ما داموا من ~~أوتاد الدولة وأركان الملك. # وأما في ولاتهم، فببعدهم عن جور الرعية وإنصافهم الناس جميعا، فلا يصيبهم من ~~وراء لونهم ms023 السياسي أو مذهبهم الديني عسف ولا ظلم. # ولقد سأل الوليد عامله الحجاج، المعروف بعسفه وجبروته، أن يكتب إليه بسيرته، ~~فكتب ما نثبته هنا - وكنا نود أن يكون نبراسا حقا للحجاج وغير الحجاج - ~~قال: # إني أيقظت رأيي، وأنمت هواي، فأدنيت السيد المطاع في قومه، ووليت الحرب ~~الحازم في أمره، وقلدت الخراج الموفر لأمانته، وقسمت لكل خصم من نفسي ~~قسما يعطيه حظا من نظري ولطيف عنايتي، وصرفت السيف إلى النطف ~~المسيء، والثواب إلى المحسن البريء، فخاف المريب صولة العقاب، وتمسك المحسن ~~بحظه من الثواب. # وأما في سائر شعبهم، فبأن يستمتعوا بكل ما يرضي العدل والحق مع طمأنينتهم ~~على مالهم وأنفسهم، وأن تكون أبواب الولاة لشكاتهم مفتوحة، وآذانهم لمطالبهم ~~مصغية، وعيونهم لخيرهم ناظرة. وكم تفيد تلك الصفات مع حزم في الولاة! # وهذا زياد بن أبيه كان مع شدته لا يحتجب عن طالب حاجة وإن أتاه طارقا بليل، ~~وهو الذي كانت عقوبته القتل للمدلج، وأخذ المقبل بالمدبر والمقيم بالظاعن. وقد ~~وفق زياد إلى استتباب الأمن في ربوعه حتى قال المدائني: «قدم قادم على ~~معاوية بن أبي سفيان، فقال له معاوية: هل من مغربة خبر؟ قال: نعم، نزلت ~~بماء من مياه الأعراب، فبينا أنا عليه أورد أعرابي إبله، فلما شربت ضرب على ~~جنوبها وقال: عليك زيادا، فقلت له: ما أردت بهذا؟ قال: هي سدى ما قام لي ~~فيها راع منذ ولي زياد. فسر ذلك معاوية وكتب به إلى زياد.» # قلنا: إن معاوية ومن ضرب على قالبه وغراره فطنوا بثقوب بصائرهم إلى استعمال ~~كل ما فيه القوة والحياة لملكهم من شتى العناصر في أنفسهم وولاتهم وسائر شعبهم، ~~والآن نريد أن ندرس بإيجاز الأسس التي باتباعها تم النجاح في تشييد البيت ~~الأموي، والتي باضطرابها والتنكب عن سنتها وطبيعتها كان ضياعه وفناؤه. ~~(2) اصطناع الأحزاب بالمال # قال ابن قتيبة في كتابه الشعر والشعراء: «إن أحمد بن يوسف الكاتب قال لأبي ~~يعقوب الخريمي: مدائحك لمحمد بن منصور بن زياد - يعني كاتب البرامكة - أشعر ~~من مراثيك فيه وأجود! فقال: كنا يومئذ ms024 نعمل على الرجاء، ونحن اليوم نعمل على ~~الوفاء، وبينهما بون بعيد.» # واستطرد ابن قتيبة فقال: «وهذه عندي قصة الكميت في مدحه بني أمية وآل أبي ~~طالب، فإنه كان يتشيع وينحرف عن بني أمية بالرأي والهوى، وشعره في بني أمية ~~أجود منه في الطالبيين؛ ولا أرى علة ذلك إلا قوة أسباب الطمع، وإيثار النفس ~~لعاجل الدنيا على آجل الآخرة.» # صدق ابن قتيبة فيما ذهب إليه؛ فإن أثر المال في النفس الإنسانية غير قليل، ~~وإن أثره في اصطناع الأحزاب السياسية لما لا يحتاج إلى تدليل؛ وقد جبلت النفوس ~~على حب من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها. # ولقد كان معاوية كيسا فذا في استعمال المال واكتساب رضا الجمهور، وكذلك ~~كان كل من ائتم بهديه وسنته في البذل والعطاء، وفي التوسعة على من آزرهم ~~وعمل على نصرتهم، ومد ظلهم وتثبيت عرشهم؛ فقد زاد معاوية في العطاء لمن شهد ~~مواقعه، كما فرض الأعطية للشعراء، غاضا طرفه عما في ذلك من إغضاب المحافظين ~~من رجال الدين؛ إذ كان همه أن يمتلك الأبواق المداحة، ويسترضيها بهباته ونواله، ~~لتنشر في الآفاق ذكره، وترفع إلى السماكين فضله، حتى قصده الشعراء وانتجعوه، ~~وناصروه وظاهروه، وحتى علم الخاص والعام أنه إن مدحه أثراه، وإن استرفده أغناه، ~~وإن ناصره راشه وأعلى مكانه، فأضحى نجعة الرواد ومقصدهم، وموئل القصاد ~~ومنهلهم، وكانت الزوجة تستحث عزمات زوجها أن يهرع إليه ليصيب من نوافله، ~~وليعود إليها بنوائله، كما كانت ترغب بعلها أن يبيع إبله وأن يفترض في ~~العطاء بشعره. # وقد حكى لنا أبو الفرج الأصفهاني شيئا من ذلك في أخبار جبيهاء # 1 # الأشجعي في خبر طويل انتهى بأن قال جبيهاء الأشجعي قصيدته التي ~~فيها: # قالت أنيسة: دع بلادك والتمس # دارا بطيبة ربة الآطام # تكتب عيالك في العطاء وتفترض # وكذاك يفعل حازم الأقوام # وهنالك مسألة مهمة من سياستهم في اصطناع الأحزاب، وإلجام الأفواه بالمال، ~~وفرض العطاء للشعراء الذي ظل معمولا به إلا في أيام عمر بن عبد العزيز، ذلك ~~أنهم كانوا يتملكون رقاب المسلمين بإقراض من ms025 شاءوا من مال الصدقة، ويكتبون ~~صكا عليهم، ونحن نعلم أن الدين هم بالليل ومذلة بالنهار. # ويذكر لنا الأغاني في باب أخبار جعفر بن الزبير ما فرضه له سليمان بن عبد ~~الملك إذ أمر له بألف دينار في دينه، وألف دينار معونة على عياله، وبرقيق من ~~البيض والسودان، وبكثير من طعام الجاري، وأن يدان من الصدقة بألفي ~~دينار . # على أنه قد يعترض علينا بأن الحادثة التي قدمناها حادثة فردية لا يصح أن تتخذ ~~قاعدة عامة، أو أن يستنبط منها وقوع مثيلاتها وذيوع نظيراتها. # بيد أن الأغاني يجهز على هذا الاعتراض؛ إذ يثبت ما نصه: «كان السلطان ~~بالمدينة إذا جاء مال الصدقة أدان من أراد من قريش منه، وكتب صكا عليه ~~يستعبدهم به ويختلفون إليه ويدارونه، فإذا غضب على أحد منهم استخرج ذلك منه، ~~حتى كان هارون الرشيد، فكلمه عبد الله بن مصعب في صكوك بقيت من ذلك على غير ~~واحد من قريش، فأمر بها فأحرقت.» # فمثل هذا التصرف في استرضاء الناس واستعبادهم، وفي إقراضهم المال ليكونوا ~~أولياء، وتعجيزهم وإرهاقهم إن جنحوا لمناوأة ولاة الأمور أو منافستهم، له آثاره ~~من خير وشر في المصلحة الحزبية لبيت بني أمية، طبقا لما يبديه الزعماء من حنكة ~~وحزم وإصابة لمواقع الصواب. # وبعد، فإن هذا السلاح الماضي في يد الأقوياء لهو أشد مضاء في القضاء على ~~الضعفاء إذا أساءوا استعماله؛ لأنه قد يبذل لشراء مثل «الذلفاء» وغيرها من ~~القيان، ولأنه قد يبذله الشباب من الخلفاء في ضروب الخلاعة والاستهتار، فيكون ~~معول هدم ودمار، كما حصل لمحمد الأمين وأمثال محمد الأمين مما سنورده ~~عليك. # وإنا لنرى في أخريات هذا البيت ذي الأثر الكبير في تحول المدنية العربية أن ~~بعض الخلفاء نقص الناس العطاء؛ فعانوا ضيقا بعد سعة، وشظفا بعد رفاهية. وشر ~~السياسات أن تصيب صاحب عيش رغيد بإضاقة وحرمان، وأن تنزل به غضاضة التقتير ~~والعسر. # ولننظر ما يقوله اليعقوبي عن خليفة من هذا الطراز: طراز الإضاقة في أرزاق ~~الناس، وعنوان اضمحلال الدولة إذا آذن نجمها بالأفول؛ وآل ms026 أمرها إلى ~~الإفلاس. # يقول اليعقوبي عن يزيد بن الوليد بن عبد الملك: إنه سمي يزيد الناقص لأنه ~~نقص الناس من أعطياتهم، واضطربت عليه البلدان، وكان ممن خرج عليه العباس بن ~~الوليد بحمص، وشايعه أهل حمص، وبشر بن الوليد بقنسرين، وعمر بن الوليد ~~بالأردن، ويزيد بن سليمان بفلسطين، وساعد العباس أبو محمد بن عبد الله بن يزيد ~~بن معاوية وسليمان بن هشام. # يريد اليعقوبي أن يقول من غير شك: إن هؤلاء الأمراء انتهزوا غضب الجند لنقصان ~~الأعطية فثاروا. # ليس هذا فحسب، بل إن سياسة بعض الخلفاء دفعتهم إلى حرمان مدن بحذافيرها من ~~عطائها، كما حصل لأهل مكة والمدينة إذ حرموا سنة كاملة، في حين نرى معاوية قد ~~زاد عطاء أهل البيت مثل الحسن والحسين وعبد الله بن عباس إلى 1000000 درهم في ~~السنة؛ فضاعفها مائتي مرة عن حساب ديوان عمر بن الخطاب. # أفلا يجدر بنا بعد ما أسلفناه أن نقتنع بأن المال كان سببا قويا لبناء بيت ~~معاوية، وأن المال نفسه كان - إلى حد غير قليل - سببا له خطره وقيمته في ~~انهيار هذا البناء! ~~(3) العمال # قال زياد: ما غلبني أمير المؤمنين معاوية قط إلا في أمر واحد؛ طلبت إليه ~~رجلا من عمالي كسر علي الخراج، فلجأ إليه، فكتبت إليه: «إن هذا فساد عملي ~~وعملك»، فكتب إلي: # إنه لا ينبغي أن نسوس الناس سياسة واحدة: لا نلين جميعا فيمرح الناس ~~في المعصية، ولا نشتد فنحمل الناس على المهالك، ولكن تكون أنت للشدة ~~والفظاظة والغلظة، وأكون أنا للرأفة والرحمة. # وكتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج حين استأذنه في أخذ تلك الصبابة من المال ~~التي تترك لأصحاب الأراضي يتعللون بها، ولتكون لهم ردءا وظهيرا إذا نزلت ~~بساحتهم النوائب والجوائح، قال: «لا تكن على درهمك المأخوذ أحرص منك على درهمك ~~المتروك، وأبق لهم لحوما يعقدون بها شحوما.» # بمثل هذه السياسة بين العمال والخلفاء، وبمثل اختيار معاوية وغير معاوية؛ ~~كهشام وعبد الملك، لعمال ذوي كفاية ودهاء، وحذق وحسن بلاء؛ كزياد ومن على ~~شاكلته، أتيح لمعاوية ms027 وخلفاء معاوية تبوء عرش المملكة العربية قوي الأركان لا ~~تهتصره العواصف والأعاصير، ثابتا لا تزعزعه ثورات الخوارج ولا حروب ~~المنافسين. # كانت الدولة أيام معاوية، أيام بنائها وتشييدها، أيام تلك المصاعب الكأداء ~~التي اعتورت سبيلهم، وتلك الشدائد التي تشيب وتفزع، وتقض المضاجع، وتجتث من ~~النفوس آمالها، ومن العزمات مضاءها، ومن القلوب بأسها - كانت الدولة يومئذ غنية ~~بالكفايات، خصبة بمهرة العمال وحذاق الولاة. ولعلها سنة طبعية أن يكون دور ~~بناء العروش والممالك خصبا برجاله الكفاة، كما يكون دور انحلالها قاحلا ~~عقيما في كل شيء، وإن كانت الأمم وهي تتقطع أنفاسها قد لا تخلو ممن لا يألو ~~جهدا في سبيل إقالتها من عثرتها، وإنهاضها من سقطتها. # ألم يكن إلى جانب معاوية في عصر البناء أصحاب الكفايات النادرة من العمال ~~والولاة أمثال: عمرو بن العاص وزياد بن أبيه والمغيرة بن شعبة الذين يقول فيهم ~~بعض النقاد: «ما رأيت أثقل حلما ولا أطول أناة من معاوية، ولا رأيت أغلب ~~للرجال ولا أبذ لهم حين يجتمعون من عمرو بن العاص، ولا أشبه سرا بعلانية من ~~زياد، ولو كان المغيرة في مدينة لها ثمانية أبواب لا يخرج من باب منها إلا ~~بالمكر؛ لخرج من أبوابها كلها.» # على أنه يجدر بنا أن نصور حالة الولاة الكفاة أيام القوة، وما آل إليه أمرهم ~~بعد ذلك حتى أضحوا يتقربون إلى الخلفاء بالهدايا والألطاف والرشا مع عسف ~~الرعية والكيد لها، ولنترك لليعقوبي التكلم عن الحالة الأولى، ولابن الأثير ~~بيان الثانية، ثم نردف ذلك ببعض الحقائق التاريخية لكي يتاح لنا بعدئذ أن نطمئن ~~إلى تقدير هذا العنصر - عنصر العمال - وأنه لا يقل عن المال قوة وأثرا، سواء ~~أكان ذلك في البناء أم في الهدم، أما البناء فبحسن اختيار العمال وكفاياتهم، ~~وأما الهدم فبعسف الولاة وخرقهم، وسوء اختيارهم، وقلة بضاعتهم في تدبير الممالك ~~وسياسة الناس. # قال اليعقوبي في معرض كلامه عن زياد بن أبيه بعد أن وصف ما له من دهاء وحيلة ~~وصولة: «كان زياد يقول: ملاك السلطان أربع خلال: العفاف عن المال، ms028 والقرب من ~~المحسن، والشدة على المسيء، وصدق اللسان، وكان زياد أول من بسط الأرزاق على ~~عماله ألف درهم ألف درهم، ولنفسه خمسة وعشرين ألف درهم، وكان يقول: ينبغي ~~للوالي أن يكون أعلم بأهل عمله منهم بأنفسهم.» # وبعد أن ضرب اليعقوبي الأمثال على معرفة زياد بدخائل رعيته قال مصورا رأي ~~زياد فيما يتطلبه بعض الشئون العامة من الصفات فيمن يتولاه: كان زياد يقول: ~~«أربعة أعمال لا يليها إلا المسن الذي قد عض على ناجذه: الثغر، والصائفة، ~~والشرط، والقضاء، وينبغي أن يكون صاحب الشرط شديد الصولة، قليل الغفلة، ~~وينبغي أن يكون صاحب الحرس مسنا عفيفا مأمونا لا يطعن عليه، وينبغي أن ~~يكون في الكاتب خمس خلال: بعد غور، وحسن مداراة، وإحكام للعمل، وألا يؤخر عمل ~~اليوم لغد، والنصيحة لصاحبه، وينبغي للحاجب أن يكون عاقلا فطنا قد خدم الملوك ~~قبل أن يتولى حجابتهم.» # ثم انظر ما آل إليه الأمر أيام الوليد بن يزيد الذي رغب في اكتساب قلوب الناس ~~بعد نفورها، وإرضائها بعد تبرمها، وإيناسها بعد وحشتها، بأن يزيد في أعطياتهم، ~~ويضاعف أرزاقهم، بيد أن معين المال قد نضب أو كاد، والخزانة قد استنزفتها ~~الملاذ وحروب الخوارج وإخماد الفتن، فعمد إلى بيع الولايات. # وإن ابن الأثير ليخبرنا في حوادث سنة خمس وعشرين ومائة، أن الوليد قد ولى ~~نصر بن سيار خراسان كلها وأفرده بها، ثم وفد يوسف بن عمر على الوليد فاشترى ~~منه نصرا وعماله، فرد إليه الوليد ولاية خراسان، وكتب يوسف إلى نصر يأمره ~~بالقدوم ويحمل معه ما قدر عليه من الهدايا والأموال، وأن يقدم معه عماله ~~أجمعين. ثم قال: وكتب الوليد إلى نصر يأمره أن يتخذ له برابط وطنابير وأباريق ~~ذهب وفضة، وأن يجمع له كل صناجة بخراسان، وكل باز وبرذون فاره، ثم يسير بكل ~~ذلك بنفسه في وجوه أهل خراسان. # ثم انظر ما يقوله الأغاني من عامل لعبد الملك بن مروان على خراسان، وهو أمية ~~بن عبد الملك الذي كتب إليه يقول: «إن خراج خراسان لا يفي بمطبخي»، وما أثبته ms029 ~~القاضي ابن خلكان في تاريخه عن أبي خالد يزيد بن أبي المثنى عمر بن هبيرة ~~والي مروان بن محمد على العراق من أن رزقه كان ستمائة ألف درهم. # هذا إلى ما نزل بأهل الذمة وغيرهم من العسف وزيادة الضرائب، وما كان من تخلية ~~أصحاب الأراضي لها بغير حرث ولا زرع، وما كان من مبالغة العمال في إهداء ~~الخلفاء ، ونزوعهم إلى جمع الثروة واختزان المال؛ فإنك بعد كل هذا تطمئن معي إلى ~~الاقتناع بأن العمال الكفاة مصدر قوة في بناء الممالك، وعنصر يحفل به في مادة ~~حياتها، وأنهم عنوان مهابتها وصولتها، وأن الولاة الظلمة الضعاف مصدر ويل ~~وثبور، وأداة هدم وتخريب وانتثار وفناء. # وإنا نسوق هنا كلمة لبعض بني أمية - حين سئل عن سبب زوال ملكهم - لا تخلو من ~~عظة واعتبار، قال: «... قلة التيقظ، وشغلنا بلذاتنا عن التفرغ لمهماتنا، ~~ووثقنا بكفاتنا فآثروا مرافقهم علينا، وظلم عمالنا رعيتنا ففسدت نياتهم ~~لنا، وحمل على أهل خراجنا فقل دخلنا، وبطل عطاء جندنا فزالت طاعتهم لنا، ~~واستدعاهم أعداؤنا فأعانوهم علينا، وقصدنا بغاتنا فعجزنا عن دفعهم لقلة ~~أنصارنا، وكان أول زوال ملكنا استتار الأخبار عنا، فزال ملكنا عنا ~~بنا.» ~~(4) الوجهة الدينية # إن سنة معاوية في بناء دولته لم تكن - مع ما نعلمه من ترخصه في إقامة ~~الحدود في بعض الأحوال لضرورات سياسية - سنة استهانة بالدين، ولا إمعان في ~~ازدرائه أو الخروج عن جل مظاهر الاحتشام الديني الخليقة بمن يسوس أمور الدين ~~والدنيا، هذه سنة معاوية وطريقته في سياسة الملك، أما خلفاؤه فقد تنكب جلهم ~~سنته الحكيمة، وأطلقوا لشهواتهم العنان فيما ينبغي أن يكون خلفاء المسلمين ~~وأئمتهم بنجوة منه، وقد كان لذلك آثاره في الدولة من حيث تأثر أخلاقها ~~القومية، وما أصابها من انحلال وضعف، ومن تفكك وفتور. وسنعالج تصوير هذه ~~العوامل بإيجاز واقتضاب في كلمتنا هذه؛ فلا نفرد لكل منها بابا وإن كنا نعلم ~~أنه يترتب على توضيحنا لهذه الأصول فائدة جلى، بيد أن اتساع نواحي الموضوع ~~وتشعب فروعه ومختلف أبوابه، كل ذلك يلزمنا إلزاما اتباع ms030 ما رسمنا لأنفسنا من ~~القصد والاعتدال. # لسنا بحاجة - على ما نظن - إلى تصوير أخلاق من فيهم الكفاية من خلفاء معاوية ~~من ناحية الدين والخلق العام؛ لأن فيما عالجناه من تحليل أخلاق معاوية الغنية ~~والكفاية. # نريد الآن أن ندرس تلك الناحية العكسية، ناحية أولئك الخلفاء الذين لم يبالوا ~~التقاليد الدينية فازدروا طقوسها، مع ما كان فيهم من ضعف وما بهم من ~~خرق. # إن أمامنا يزيد بن معاوية، ويزيد بن عبد الملك، والوليد بن يزيد، أما ابن ~~معاوية فقد أصاب اليعقوبي سدرة الصواب حين وصفه بأنه حلف نسوة، وصاحب ملاه، ~~ويكفي أن ندرس حياته - مع أن الدولة كانت في إبان قوتها وميعة شبابها - لنقتنع ~~بأنها كانت بمثابة معاون هدم وتخريب، وإن في إلمامنا بما كان من مسلم بن عقبة ~~الذي انتهك المدينة لمقنعا بما نقول؛ لقد كان جند يزيد بعد واقعة الحرة وغيرها ~~يطلبون إلى الرجل القرشي أن يبايع ليزيد، لا من ناحية اقتناعه الديني طبعا، ~~ولا بدافع الترغيب والمال، ولا بسياسة الرقة واللطف التي قد ينال بها أكثر مما ~~ينال بالشدة والعنف؛ بل من ناحية السيف والإرهاب، يجب أن يبايع وأنفه راغم، ~~ويجب أن يبايع مع ما يرى من انتهاكهم المدينة، كانت جند يزيد تقول للقرشي: بايع ~~على أنك عبد قن ليزيد، فإن أبى ضرب عنقه، فكانت مقتلة ذريعة، ثم انظر ما كان ~~من حصارهم مكة التي إذا قال قائلها: «يا أهل الشام، هذا حرم الله الذي كان ~~مأمنا في الجاهلية يأمن فيه الطير والصيد، فاتقوا الله يا أهل الشام.» صاح ~~الشاميون: «الطاعة الطاعة.» # لنترك يزيد جانبا محيلين القارئ إلى ما في الأغاني وغيره من كتب الأدب ~~والتاريخ، ولنردد الطرف في حياة يزيد بن عبد الملك، فنجد أبا الفرج الأصفهاني ~~يذكر لنا، في غير موضع من حياة سلامة القس وحبابة وغيرهما، شيئا لا يستهان ~~به عن إسرافه في تهتكه، فينقل لنا عن المدائني قوله: قدم يزيد بن عبد الملك ~~المدينة في خلافة سليمان، فتزوج سعدة بنت عبد الله بن عمرو بن ms031 عثمان على عشرين ~~ألف دينار، وربيحة بنت محمد بن علي بن عبيد الله بن جعفر على مثل ذلك، واشترى ~~الغالية بألف دينار. # وفي رواية محمد بن سلام أنه اشتراها بأربعة آلاف دينار، ويقول في موضع آخر: ~~إن رسل يزيد بن عبد الملك قدمت المدينة فاشتروا سلامة المغنية من آل رمانة ~~بعشرين ألف دينار. # ولعلك تميل إلى مقابلة هذه الروايات مع تعدد رواتها بتحفظ المؤرخ العلمي الذي ~~لا يقنعه إلا الوسائل التحليلية المؤيدة لصدق الرواية، على أنك تستطيع ذلك ~~باطلاعك على ما يقوله اليعقوبي مثلا عن طريقة جباية المال، وعلى ما كتبه يزيد ~~بن عبد الملك إلى عمر بن هبيرة، وهو عامله على العراق، يأمره أن يمسح السواد، ~~فمسحه سنة 105، ولم يمسح السواد منذ مسحه عثمان بن حنيف في زمن عمر بن الخطاب ~~حتى مسحه عمر بن هبيرة، فوضع على النخل والشجر، وأضر بأهل الخراج، ووضع على ~~التانئة، # 2 # وأعاد السخر والهدايا وما كان يؤخذ في النيروز والمهرجان، ليس هذا ~~فحسب، بل انظر إلى تعلله في فرض الغرامات المالية على كبار رجال الدولة لا لجرم ~~إلا أن نفوسهم حدثتهم أن يتزوجوا بعض آل البيت، فإن عبد الله بن الضحاك بن قيس ~~الفهري، عامله على المدينة، كان قد خطب لنفسه فاطمة بنت الحسين بطريقة جافة، ~~فعزله يزيد عن المدينة وولاها عبد الواحد بن عبد الله النصري، وكتب إليه أن ~~يأخذه بأربعين ألف دينار ويعذبه، ففعل ذلك، ويقول المؤرخ الذي نقلنا عنه: إن ~~عبد الله بن الضحاك قد رئي وفي عنقه خرقة صوف يسأل الناس. # ولم يكتف يزيد بن عبد الملك بهذا، بل عزل عمال عمر بن عبد العزيز جميعا، ~~ونحن نعلم من هو عمر، وما عدله وما رقابته عماله، ويكفينا أن نذكر ما كان منه ~~مع يزيد بن المهلب عامله على خراسان، فقد قال له عمر: «إني وجدت لك كتابا إلى ~~سليمان تذكر فيه أنه اجتمع قبلك ألف ألف، فأين هي؟ فأنكرها ثم قال: دعني ~~أجمعها، قال: أين؟ قال: أسعى إلى الناس، ms032 قال: تأخذها منهم مرة أخرى!» ثم ولى ~~خراسان الجراح بن الحكمي. # وإنه لمن الممتع حقا تلك المناقشة الورعة الهادئة التي دارت بين عمر ويزيد، ~~وبين عمر ومخلد بن يزيد، وتلك الصرامة التي لا تعرف في سبيل المحافظة على مال ~~المسلمين لينا ولا هوادة، وقد أثبتها ابن الأثير في كامله ولا حاجة بنا هنا ~~إلى الاستطراد بذكرها. ~~••• # فمن أمثال ما قدمناه نستطيع أن نقتنع بأن روايات صاحب الأغاني عن إسرافه ~~قريبة من الواقع إن لم تكن صحيحة لا مبالغة فيها ولا غبار عليها، ثم لننظر الآن ~~إلى أي مدى كان هذا الصنف من الخلفاء تحت تأثير عشيقاتهم من القيان والمغنيات، ~~وما كان لهن من سلطان في أمور الدولة وتولية العمال وعزلهم؛ فإن ذلك يفيدنا ~~في تفهمنا دور الانتقال الذي نحن فيه تفهما هو - في نظرنا - أشد اعتبارا من ~~الاعتماد على رأي المؤرخين وسردهم للحوادث بغير عناية ولا استقراء للنفسية ~~العربية، وخاصة في أبهاء الخليفة، وحبذا العناية بها، سواء أكانت في بيت ~~الخليفة أم في بيت العامل أم عند الرعية، فإن لدراستها ومراقبة تحولها نفعا ~~وكبير جدوى. # ينقل لنا أبو الفرج الأصفهاني عن المدائني أن حبابة - وهي عالية القينة ~~- «غلبت على يزيد وتبنى بها عمر بن هبيرة، فعلت منزلته حتى كان يدخل على يزيد ~~في أي وقت شاء، وحسد ناس من بني أمية مسلمة بن عبد الملك على ولايته، وقدحوا ~~فيه عند يزيد وقالوا: إن مسلمة إن اقتطع الخراج لم يحسن، يا أمير المؤمنين، أن ~~يعيشه، وأن يستكشف عن شيء لسنه وخفته، وقد علمت أن أمير المؤمنين لم يدخل ~~أحدا من أهل بيته في الخراج، فوقر ذلك في قلب يزيد وعزم على عزله. وعمل ابن ~~هبيرة في ولاية العراق من قبل حبابة، فعملت له في ذلك، وكان بين ابن هبيرة ~~والقعقاع بن خالدة عداوة، وكانا يتنازعان ويتحاسدان، فقيل للقعقاع: لقد نزل ابن ~~هبيرة من أمير المؤمنين منزلة؛ إنه لصاحب العراق غدا! فقال: ومن يطيق ابن ~~هبيرة؟ حبابة بالليل وهداياه بالنهار! مع إنه ms033 وإن كان بلغ فإنه رجل من بني ~~سكين، فلم تزل حبابة تعمل له في العراق حتى وليها.» # مثل هذا الخبر له قيمته التاريخية في تعرف حال الدولة العربية في ذلك الحين، ~~ولو جاز لنا أن نحلل لنظرنا طويلا في قول القعقاع بن خالد: «ومن يطيق ابن ~~هبيرة؟ حبابة بالليل وهداياه بالنهار، مع أنه وإن كان بلغ فإنه رجل من بني ~~سكين.» فإنه لا يفيدنا في تفهم وقوع الخليفة تحت سلطان عشيقته، ولا في قبوله ~~للرشا فحسب، بل يفيدنا فهم تحول العصبيات العربية الأخيرة، ومبلغ نظر العربي ~~إلى سواه. # أما استخفاف الوليد بن يزيد بالدين، وخمرياته التي فاقت خمريات يزيد بن ~~معاوية، والتي نرى أن لها أثرا كبيرا في أبي نواس وحسين بن الضحاك، وبركة ~~الخمر التي احتواها قصره، فإن أمهات كتب الأدب العربي ومظان التاريخ مفعمة من ~~ذلك بما لا نتعرض له في هذه العجالة بأكثر من إحالة القارئ على ما قاله الوليد ~~في القرآن، وما أحصاه بعضهم له من عدد الأقداح التي شربها في ليلة من ليالي ~~شرابه؛ إذ أثبت صاحب الأغاني أنها سبعون قدحا، وإن كنا نفترض في مثل هذه ~~الأحوال جنوح الرواة إلى المبالغة والإغراق، ثم لتنظر معنا فيما يقوله ابن ~~الأثير عنه حين ولاه هشام الحج، فإنه يخبرنا أنه لما أراد هشام أن يقطع ~~عنه ندماءه ولاه الحج سنة ست عشرة ومائة، فحمل معه كلابا في صناديق، وعمل ~~قبة على قدر الكعبة ليضعها على الكعبة، وحمل معه الخمر وأراد أن تنصب القبة على ~~الكعبة وتشرب فيها الخمر. وقد أيد المؤرخون هذه الحادثة، ويقول اليعقوبي: إن ~~الوليد بعث مهندسا ليقوم بذلك. # ثم انظر إلى بيعه خالدا القسري إلى يوسف بن عمر بخمسين ألف ألف، وما رواه ~~المؤرخون من إرساله إلى خالد قائلا له: «إن يوسف يشتريك بخمسين ألف ألف، فإن ~~كنت تضمنها وإلا دفعتك إليه.» فأجابه خالد بأحسن جواب إذ قال له: «ما عهدت ~~العرب تباع، والله لو سألتني أن أضمن عودا ما ضمنته.» ومع ذلك فقد ms034 دفعه إلى ~~يوسف فعذبه وقتله! # ثم لننظر إلى نظر الرأي العام إليه وإلى تصرفاته، وأمامنا من ذلك شعر حمزة بن ~~بيض فيه إذ يقول: # يا وليد الخنا تركت الطريقا # واضحا وارتكبت فجا عميقا # وتماديت واعتديت وأسرف # ت وأغويت وانبعثت فسوقا # أبدا هات ثم هات وهات # ثم هات حتى تخر صعيقا # أنت سكران ما تفيق فما تر # تق فتقا وقد فتقت فتوقا # وإنا نثبت هنا أيضا ما دار بين الوليد بن يزيد حين حوصر في قصره ويزيد بن ~~عنبسة السكسكي، فقد قال له الوليد: «يا أخا السكاسك، ألم أزد في أعطياتكم؟! ألم ~~أرفع المؤن عنكم؟! ألم أعط فقراءكم؟! ألم أخدم زمناكم؟!» قال: «إنا ما ننقم ~~عليك في أنفسنا، وإنما ننقم عليك في انتهاك ما حرم الله وشرب الخمر، ونكاح ~~أمهات أولاد أبيك، واستخفافك بأمر الله.» # ولتنظر معي أيضا إلى عبد الملك بن مروان، وهو من الخلفاء الثلاثة المعدودين ~~أقطابا لهذه الدولة، وإلى ما كان من جبروته وضعف الوازع الديني عنده حتى ~~استباح لنفسه أن يقول وهو على المنبر: «من قال لي بعد مقامي هذا: اتق الله؛ ~~ضربت عنقه.» # وبعد، فإنه ليخيل إلينا أن فيما قدمناه بعض المقنع بما كان من استهانة ~~الخلفاء بالدين، ومن إمعانهم في التهتك والخروج عليه. # ونريد الآن أن ندرس تأثر الخلق العربي بما كان للخلفاء من تنكب عن سنن الدين، ~~وإمعان في التهتك والاستهتار، والناس على دين ملوكهم، والملوك على سنة رعيتهم، ~~أو كما يقول عبد الملك بن مروان: «تطلبون منا أن نسير فيكم بسيرة الشيخين أبي ~~بكر وعمر ولا تسيرون أنتم بسيرة الناس أيام أبي بكر وعمر.» على أنا نرغم أنفسنا ~~إرغاما على أن نكتفي في هذا الفصل الذي كادت تتشعب علينا فروعه ونواحيه، وكدنا ~~نضل في مهامهه وبواديه بمثلين قد لا يخلوان من النفع، وعمدتنا في ذلك ~~الأغاني، وعيون الأخبار لابن قتيبة، وإن كان المثل الأخير هو إلى الأدب والعظة ~~أقرب منه إلى التاريخ والتحليل العلمي، بيد أنا آثرنا إيراده لأنه حسن في نفسه، ~~ومصيب ms035 محجة الصواب في جملته. # يقول أبو الفرج: إنه لما قدم عثمان بن حيان المري، والي يزيد بن عبد الملك، ~~المدينة قال له قوم من وجوه الناس: إنك وليت على كثرة من الفساد، فإن كنت تريد ~~أن تصلح فطهرها من الغناء والزنا إلخ. ونفهم من جملة الرواية أنه لم يفز في ~~مهمته بطائل، ولم يوفق إلى ما كان يرجوه للناس من صلاح وتقويم. # أما ما يرويه لنا ابن قتيبة في عيون أخباره، فها هو ذا بنصه وعبارته، وهو ~~ختام هذا الفصل بعد أن كدنا نطيل، قال: «سمر المنصور ذات ليلة فذكر خلفاء بني ~~أمية وسيرهم، وأنهم لم يزالوا على استقامة حتى أفضى أمرهم إلى أبنائهم ~~المترفين، فكانت هممهم من عظم شأن الملك وجلالة قدره قصد الشهوات، وإيثار ~~اللذات، والدخول في معاصي الله ومساخطه، جهلا منهم باستدراج الله، وأمنا ~~لمكره، فسلبهم الله العز، ونقل عنهم النعمة، فقال له صالح بن علي: يا أمير ~~المؤمنين، إن عبد الله بن مروان لما دخل أرض النوبة هاربا فيمن معه سأل ملك ~~النوبة عنهم فأخبر، فركب إلى عبد الله فكلمه بكلام عجيب في هذا النحو لا ~~أحفظه، وأزعجه عن بلده، فإن رأى أمير المؤمنين أن يدعو به من الحبس بحضرتنا في ~~هذه الليلة ويسأله عن ذلك، فأمر المنصور بإحضاره وسأله عن القصة، فقال: يا أمير ~~المؤمنين، قدمت أرض النوبة بأثاث سلم لي فافترشت بها وأقمت ثلاثا، فأتاني ملك ~~النوبة وقد خبر أمرنا، فدخل علي رجل أقنى طوال حسن الوجه، فقعد على الأرض ~~ولم يقرب الثياب، فقلت له: ما يمنعك أن تقعد على ثيابنا؟ قال: لأني ملك، وحق ~~على كل ملك أن يتواضع لعظمة الله إذ رفعه! ثم قال لي: لم تشربون الخمر وهي ~~محرمة عليكم؟ قلت: اجترأ على ذلك عبيدنا وأتباعنا لأن الملك زال عنا؛ قال: فلم ~~تطئون الزروع بدوابكم والفساد محرم عليكم في كتابكم؟ قلت: يفعل ذلك عبيدنا ~~وأتباعنا بجهلهم، قال: فلم تلبسون الديباج والحرير وتستعملون الذهب والفضة وذلك ~~محرم عليكم؟ قلت: ذهب الملك منا ms036 وقل أنصارنا، فانتصرنا بقوم من العجم دخلوا ~~في ديننا، فلبسوا ذلك على الكره منا، قال: فأطرق مليا وجعل يقلب يديه وينكت ~~في الأرض ويقول: عبيدنا وأتباعنا! دخلوا في ديننا! وزال الملك عنا! يردده ~~مرارا، ثم قال: ليس ذلك كما ذكرت، بل أنتم قوم استحللتم ما حرم الله عليكم، ~~وركبتم ما عنه نهاكم، وظلمتم فيما ملكتم، فسلبكم الله العز وألبسكم الذل ~~بذنوبكم، ولله فيكم نقمة لم تبلغ غايتها، وأخاف أن يحل بكم العذاب وأنتم ~~ببلدي فيصيبني معكم، وإنما الضيافة ثلاثة أيام، فتزودوا ما احتجتم إليه ~~وارتحلوا عن بلدي. ففعلت ذلك.» ~~(5) التعسف المذهبي # نريد أن ننظر الآن نظرة عجلى في أمر التعسف المذهبي، ونحن نعلم ما أصاب ~~جماعة علي أيام معاوية وهو هو في حكمه وحلمه ومرونته، نعلم ما أصاب حجر بن ~~عدي الكندي وجماعته، كما نعلم ما أصابها أيام يزيد من قتل هانئ بن عروة، ومسلم ~~بن عقيل، والحسين بن علي، وزيد بن علي الذي صلب على شاطئ الفرات وذري رماده ~~في الماء، ولننظر نظرة خاصة إلى حياة بسر بن أبي أرطأة وقتله الأطفال والرجال ~~والنساء، ولنترك معاوية هنا يصور لنا مبلغ تأثر نفوس بني هاشم من خطة التعسف ~~المذهبي هذه؛ فإن أبا الفرج الأصفهاني يقول في كتابه: لما كانت الجماعة واستقر ~~الأمر لمعاوية، دخل عليه عبيد الله بن العباس وعنده بسر بن أبي أرطأة، فقال له ~~عبيد الله: أأنت قاتل الصبيين أيها الشيخ؟ قال بسر: نعم، أنا قاتلهما، فقال ~~عبيد الله: أما والله لوددت أن الأرض كانت أنبتتني عندك! فقال بسر: فقد أنبتتك ~~الآن عندي، فقال عبيد الله: ألا سيف؟ فقال له بسر: هاك سيفي. فلما أهوى عبيد ~~الله إلى السيف ليتناوله أخذه معاوية ثم قال لبسر: «أخزاك الله شيخا! قد كبرت ~~وذهب عقلك! وذلك رجل من بني هاشم قد وترته وقتلت ابنيه، تدفع إليه سيفك! إنك ~~لغافل عن قلوب بني هاشم! ولو تمكن منه لبدأ بي قبلك»، قال عبيد الله: «أجل! ~~وكنت أثني به.» # ثم انظر كيف انتقم من ms037 بسر رجل من اليمن اتصل به حتى وثق به، ثم احتال لقتل ~~ابنيه، فخرج بهما إلى وادي أوطاس # 3 # فقتلهما وهرب. # على أنه يجدر بنا أن نصور إلى أي مدى بلغت نتائج خطط الأمويين السياسية، ~~من حيث بثهم البغضاء في النفوس لعلي وشيعته، وصرف الناس عن ذكرهم، وما كان من ~~لعنهم على المنابر من تأثير خليق بعنايتنا، ومراجعنا في هذه الناحية عدة ~~مصادر، بيد أنا نجتزئ اجتزاء، ونحيل القارئ إلى ما رواه ابن عائشة عن شعور رجل ~~من الشام نحو حفيد علي، وقد نقل ذلك المبرد في الكامل. # ولننظر كذلك إلى مدى الأحزاب الدينية وأضدادها التي كانت نتيجة لازمة لآثار ~~التعسف المذهبي والتحزب الديني، وقد ذكر البيروني في «الآثار الباقية» طرفا من ~~ذلك، ونجتزئ هنا بشيء مما جاء في «المواهب الفتحية» لأستاذنا المرحوم الشيخ ~~حمزة فتح الله، قال: ما أحسن قول أبي الحسين الجزار خصوصا في بيتيه الثالث ~~والخامس: # ويعود عاشوراء يذكرني # رزء الحسين فليت لم يعد # أم ليت عينا فيه قد كحلت # بإثمد لم تخل من رمد # ويدا به لشماتة خضبت # مقطوعة من زندها بيدي # يوم سبيلي حين أذكره # ألا يدور الصبر في خلدي # أما وقد قتل الحسين به # فأبو الحسين أحق بالكمد # ولبعض الهاشميين معتذرا من الكحل يوم عاشوراء: # لم أكتحل في صباح يوم # أهريق فيه دم الحسين # إلا لحزني وذاك أني # سودت حتى بياض عيني # إلى غير ذلك مما أثبته المؤلف لعمارة اليمني والإمام ابن الجوزي مما لا سبيل ~~إلى الاستطراد فيه ههنا. # ولننظر إلى حادثة رواها المسعودي في «مروج الذهب» قال: «لما طلب عبد الله بن ~~علي مروان ونزل بالشام، وجه إلى أبي العباس أشياخا من أهل الشام من أرباب ~~النعم والرياسة، فحلفوا لأبي العباس السفاح ما علموا لرسول الله # صلى الله عليه وسلم # قرابة ~~ولا أهل بيت يرثونه غير بني أمية حتى وليتم الخلافة! فقال في ذلك إبراهيم بن ~~المهاجر: # أيها الناس اسمعوا أخبركم # عجبا زاد على كل العجب # عجبا من عبد شمس إنهم # فتحوا ms038 للناس أبواب الكذب # ورثوا أحمد فيما زعموا # دون عباس بن عبد المطلب # كذبوا والله ما نعلمه # يحرز الميراث إلا من قرب.» # ولنلم الآن إلمامة عجلى بما كان للتعسف المذهبي من الأثر في نفوس الخوارج، ~~محيلين إلى الكامل للمبرد من أراد توسعا وتبصرا، ونكتفي هنا بنقل مثل من ~~الطبري يظهر لنا مقدار استماتتهم في سبيل نصرة مذهبهم مهما نالهم من تقتيل ، ~~وأمامنا حوادث سنة خمسين التي يقول فيها الطبري: إن عبيد الله بن زياد اشتد ~~فيها على الخوارج فقتل منهم صبرا جماعة كثيرة، وفي الحرب جماعة أخرى، ويقول ~~عنهم في موضع آخر: خرج مرداس أبو بلال، وهو من بني ربيعة بن حنظلة، في أربعين ~~رجلا إلى الأهواز، فبعث إليهم ابن زياد جيشا عليهم ابن حصن التميمي، فقتلوا ~~في أصحابه وهزموه، فقال رجل من بني تيم الله بن ثعلبة: # أألفا مؤمن منكم زعمتم # ويقتلهم بآسك # 4 # أربعونا # كذبتم ليس ذاك كما زعمتم # ولكن الخوارج مؤمنونا # هي الفئة القليلة قد علمتم # على الفئة الكثيرة ينصرونا # | هوامش # الفصل الرابع # | ولاية العهد # (1) نظام ولاية العهد وابن خلدون # قال ابن خلدون في مقدمته: «إن معاوية عهد إلى يزيد خوفا من افتراق الكلمة ~~بما كانت بنو أمية لم يرضوا تسليم الأمر إلى سواهم، فلو قد عهد إلى غيره ~~اختلفوا عليه.» ثم زاد هذا توضيحا في مكان آخر من مقدمته فقال: «إن الذي دعا ~~معاوية لإيثار ابنه يزيد بالعهد دون سواه إنما هو مراعاة المصلحة في اجتماع ~~الناس واتفاق أهوائهم، باتفاق أهل الحل والعقد عليه حينئذ من بني أمية، إذ بنو ~~أمية يومئذ لا يرضون سواهم، وهم عصابة قريش، وأهل الملة أجمع، وأهل الغلب منهم، ~~فآثره بذلك دون غيره ممن يظن أنه أولى بها، وعدل عن الفاضل إلى المفضول حرصا ~~على الاتفاق واجتماع الأهواء.» # لسنا هنا في موقف الراغب في تحليل ~~أقوال مؤرخنا الكبير، وهل أصاب محجة الصواب في تعليله ما دفع معاوية إلى عقد ~~البيعة ليزيد، ولكنا صدرنا هذا الباب بكلمة ابن خلدون لنصور سر قبول العرب، ms039 ~~لأول عهدهم، نظام ولاية العهد عامة، والوراثي خاصة، وما قبولهم إياه إلا لأن ~~شوكة يزيد يومئذ مستمدة من عصابة بني أمية كلها، وجمهور أهل الحل والعقد من ~~قريش، وبذلك تستتبع عصبية مضر أجمع، وعصبيتهم أعظم من كل شوكة؛ إذ لا تطاق ~~مقاومتهم، ومن هنا أقصى العرب عن يزيد، وأقاموا على الدعاء بهدايته والراحة ~~منه. ولعل هذا يكشف عن سبب فشل الحسين بن علي وابن الزبير في مطالبتهما ~~بالخلافة كما بين ذلك ابن خلدون مما لا حاجة بنا للتعرض له الآن. # على أن التاريخ يقنعنا أن نظام ولاية العهد لم تقبله العقلية العربية بسهولة، ~~مع اعتقادنا صحة ما ذهب إليه ابن خلدون من سبب انتصرت به فكرة ولاية العهد، وهو ~~اعتمادها على العصبية، وربما جاز لنا أن نعزو سقوطها من بعض النواحي إلى هذه ~~العصبية أيضا مما لا نعرض له هنا الآن. # أجل، يخبرنا التاريخ بتلك الأدوار العدة التي مرت بها مسألة البيعة ليزيد، ~~وأن السياسة نهضت بنصيب غير قليل في سبيل تذليل الصعوبات التي قامت بادئ ذي بدء ~~دون أن تجعل البيعة ليزيد سهلة ميسورة تؤتي ثمرها بغير عناء كبير. # يخبرنا التاريخ بما فعله المغيرة بن شعبة وغير المغيرة بن شعبة، وإيفادهم ~~الوفود إلى معاوية، ويخبرنا بمبلغ ما أنفق معاوية من المال وما أبداه من احتمال ~~وحزم، وما بذله ابنه يزيد من شدة وعسف، وكل هذه العوامل تستدعي دراسة دقيقة لا ~~نعرض لها لأنها لا تعنينا في هذه المقدمة كثيرا. # نريد أن نقول شيئا واحدا ميسورا فهمه؛ ذلك أن نظام ولاية العهد - الذي ~~ربما كان ضروريا لا مندوحة عنه في أول عهد الدولة لما بينه لنا ابن خلدون - ~~كان في نفسه سببا يعتد به من أسباب سقوط الدولة الأموية، أو على أقل تقدير كان ~~لنظام ولاية العهد أخيرا أثره الكبير في ضعف سلطان بني أمية وذهاب ~~ريحهم. ~~(2) خطر نظام ولاية العهد وأثر البطانات # لننظر نظرة عجلى في تاريخ هذا النظام لنقنع بما وصلت إليه بحوثنا، فنرى مثلا ~~أن مروان بن ms040 الحكم جعل ولاية العهد من بعده لابنه عبد الملك بن مروان، ثم من ~~بعده لابنه عبد العزيز بن مروان، ومهما يكن الباعث لمروان على أن يجعل ولاية ~~العهد لولدين من أولاده، فإن جل خلفاء بني أمية من بعده اتخذوا صنيعه سنة ~~متبعة. سنرى في كلامنا عن العصر العباسي إلى أي مدى كان خطر هذا النظام على ~~حياة الدولة، أو على الأقل مبلغ ما فيه من ضعف لها، وإيذان باضمحلالها، واضطراب ~~لحبلها. # لم يكن هذا النظام شرا مستطيرا وعاملا كبيرا من عوامل الضعف؛ إلا لما ~~يستلزمه من نكث العهد، ثم من انشقاق البيت المالك على نفسه، وترك المجال واسعا ~~لوشايات تسعى بها بطانات السوء ممن نرجو أن نصور مثلهم ومثل صنيعهم السيئ ~~ومثل خطرهم على الدولة، حين نعرض للكلام عن عصر المأمون وما شجر بين الأخوين ~~من خلاف، أو ما أذكته البطانة بينهما من خلاف - هذه البطانة ترقب دائما انشقاق ~~البيت المالك، أو ما هو مركب في الطبيعة البشرية وولاة العهد من ترقب ~~لتسلم مقاليد الأمور، وتعجل للذة الحكم والسلطان، فتستغله لتقضي مآربها، ~~وتستمتع بأطماعها، وسرعان ما تجد الفرصة سانحة لها، ومواتية لأطماعها إذا صار ~~الأمر إلى ولي العهد الأول الذي حاول ما هو طبعي من خلع من أشرك معه في ولاية ~~العهد؛ إما كراهية له، أو إيثارا لغيره عليه ممن هم أمس منه رحما، وأقرب ~~مودة. # نعم، قد يجد ولي العهد كثيرين من الناصحين الذين يستنكرون الخلع، بيد أنه لا ~~يعدم أيضا كثيرين ممن هواهم مع غير هذا الذي يراد خلعه يزينون له ما يحاول، ~~حتى إذا صار الأمر إلى من أريد خلعه كافأ كلا من الفريقين بما يستحق - وكان ~~أحيانا يفتك بكثير من ذوي البلاء الحسن في تشييد الملك؛ وهذا الفتك على ما ~~فيه من خسارة قوم من ذوي الرأي والتجارب قد كان يبذر في قلوب أنصارهم وعشائرهم ~~بذور الحقد وحب الانتقام - وبذلك صار بنو أمية يفقدون العشائر عشيرة بعد عشيرة، ~~وأخذ ظل سلطانهم على النفوس ينحسر شيئا فشيئا، ms041 حتى إذا قام لهم منافس عظيم ~~لم يجدوا لديهم من القوة والكفايات والأنصار ما يستطيعون به التغلب ~~عليه. # قد تطلب إلي توضيح ما قدمته لك من المقدمات من حوادث التاريخ؛ لأنك تعتبر ~~الوشائج والصلات التي بين ما نحن بصدده وبين عصرنا المأموني قوية من حيث ما وقع ~~فيه الرشيد وغيره من خطأ في نظام ولاية العهد، وقد تطلب مني أن أمر مسرعا ~~بجسام الحوادث التي لها آثارها ونتائجها، وأن أكون مجملا لا مفصلا، وموجزا ~~لا مسهبا. # على أنني سأترك الأدلة التي أفعم به الطبري وابن الأثير كل سنة من سنيهما ~~تحدث وحدها بصدق ما ذهبت إليه، وأسمح لنفسي بأن أتساءل مليا: ماذا فعل عبد ~~الملك لما وصل الحكم إلى يده؟ لقد حاول ما هو طبعي من عزل أخيه عبد العزيز ~~وتحويل عهده إلى الوليد، ولولا وفاة عبد العزيز لوقعت الأزمة، وشجر الخلاف، ~~وعمد كل إلى سلاحه وحزبه. # ثم ماذا فعل عبد الملك؟ لقد ولى الوليد وسليمان، فحاول الوليد ما هو طبعي ~~من عزل سليمان وتولية ابنه لولا أن عاجله القضاء. # ثم ماذا فعل سليمان؟ لقد ولى عهده عمر بن عبد العزيز ثم يزيد بن عبد ~~الملك. # ثم ماذا فعل عمر بن عبد العزيز، وماذا فعل يزيد، وماذا فعل هشام؟ إن التاريخ ~~وختام عهد كل ليؤيدان، بقوة ووضوح ليس بعدهما من مزيد، صحة ما ذهبنا إليه مما ~~يبيح لنا أن نختصر الحوادث والأدلة اختصارا. # على أنه قد يطلب منا إثبات تلك الحال المؤلمة التي تنتج عن المبايعة لاثنين ~~بولاية العهد، ومبلغ خسارة الدولة من رجالها المعدودين وأقطابها النادرين في ~~هذا السبيل؛ سبيل اصطدام صاحبي ولاية العهد. وسنجمل ذلك إجمالا يستدعيه ~~مقامنا. # إنه من الميسور أن يقرأ القارئ أن ولاية العهد كتبت لهشام ثم للوليد من بعده ~~مثلا، وربما فاته أن لكل حزبا يناصره، وبطانة تنشر دعوته، وربما تطرفت في ~~منهجها السياسي تطرفا يؤكد العداوة في القلوب، ويستثير السخائم في النفوس، ~~ولماذا نذهب بعيدا وأمامنا ما وقع بين هشام والوليد، فإن هشاما ms042 مات قبل أن ~~يكلل بالنجاح مسعاه، فسرعان ما نمت أقوال الوليد عن شديد مقته لهشام؛ فقال ~~مثلا: # هلك الأحوال المشو # م وقد أرسل المطر # وملكنا من بعد ذا # ك فقد أورق الشجر # فاشكر الله إنه # زائد كل من شكر # ولم يكتف الوليد بالقول دون الفعل، بل اندفع - فيما يخبرنا المؤرخون - مع ~~تيار بطانته ومشايعيه، وشمر عن ساعد الانتقام ممن ناصر عمه هشاما، مثل محمد ~~وإبراهيم ابني هشام بن إسماعيل؛ حيث عذبهما يوسف بن محمد الثقفي، والي المدينة، ~~ويوسف بن عمر، حاكم العراق، حتى ماتا. # ولم يكتف الوليد بن يزيد بذلك، بل قبض على سليمان بن هشام فضربه مائة سوط ~~ومثل به؛ إذ حلق رأسه ولحيته، كما حبس يزيد بن هشام والكثيرين من البيت ~~المالك. # لم يكتف الوليد بن يزيد، بل أحرج خالدا القسري، وهو من زعماء اليمن ~~ورؤسائها، بأن يبايع لابنه الحكم وعثمان بولاية العهد من بعده، فلما أبى عليه ~~ذلك بعث به إلى والي العراق يوسف بن عمر الثقفي، فنزع ثيابه وعذبه عذابا ~~مبرحا، وهو يحتمل ذلك كله بصمت وإباء، ثم حمله إلى الكوفة إلى من أنزلوا به كل ~~لون من ألوان العذاب حتى مات، وما مات إلا بثمن باهظ دفعه الوليد؛ ذلك أنه كتب ~~على نفسه عداوة قضاعة واليمن، وجل جند الشام من قضاعة واليمن، وهم هم الذين ~~مثلوا دورهم الخطير أخيرا مع الوليد؛ إذ بايعوا يزيد وثاروا معه، فكانت خاتمة ~~الوليد ما قد علمناه من احتمائه بقصره وتقحمهم عليه داره، وفعلهم به ما أصاب ~~عثمان من مأساة؛ إذ حزوا رأسه وهو يتلو القرآن ثم نصبوه على رمح وطيف به في ~~دمشق. # على أنا نفترض المبالغة فيما ينسبه الرواة إلى هذا الخليفة المغلوب على أمره، ~~ولكنا نؤمن مع ذلك إيمانا صادقا بالنتائج السيئة لنظام ولاية العهد الثنائي ~~أو الثلاثي. # وإنا نظن أن فيما قدمناه لك غنية وكفاية، وإن أردت منا مزيدا فانظر ما نال ~~به سليمان قادة الدولة أمثال: محمد بن القاسم بن محمد الثقفي، وقتيبة بن مسلم ms043 ~~الباهلي، وموسى بن نصير، وما كان يعد للحجاج وغيره ممن قل أن يجتمع أمثالهم ~~في عصر واحد. وإنا نحيل القارئ إلى ابن الأثير ليقدر معنا الأسس التي بنينا ~~عليها رأينا فيهم، وليقف بنفسه على كبريات فتوحهم وجسام أعمالهم التي كانت غرة ~~في جبين عصرهم، بل في جبين تاريخ الدولة الأموية. # وبعد، أفليس من العدل أن يستنبط القارئ معنا ما يصيب الدولة من المنازعات ~~والشقاق، ومن الضعف والإفلاس السياسي من جراء ذلك النظام الممقوت، نظام ولاية ~~العهد على هذا النحو في غير قانون ولا سنة، وأن يعده معنا سببا لا يستهان ~~به من أسباب سقوط البيت الأموي. ~~(3) العصبية العربية # الذي يهمنا الآن هو أن نوجه النظر إلى تأثير نظام ولاية العهد في صورته ~~التي صورناها لك من حيث مساسه بالعصبية العربية التي كانت، كما تعلم، عنيفة ~~محتدمة بين المضرية واليمنية، وأنت تعلم أن الخلفاء من بني أمية كانوا يصهرون ~~إلى قبائل مضر كما كانوا يصهرون إلى قبائل اليمن، فكانت هذه القبائل تجد في ~~تأييد الأمير الذي يتصل بها نسبه. وهذه الفكرة نفسها تعيننا على أن نفهم، بنوع ~~خاص، موقف العرب أيام يزيد بن معاوية، كما أنها تعيننا على أن نفهم ما ثار حول ~~هشام والوليد بن يزيد من الخصومات التي قدمنا لك طرفا منها، ولم يكد ينتهي ~~الأمر إلى مروان بن محمد حتى كانت الخصومة بين المضرية واليمنية قد انتهت إلى ~~أقصاها، بحيث عجز هذان الفريقان من العرب عن أن يكونا وحدة قوية تثبت للطوارئ، ~~فلم يظهر أمر الموالي حتى كان العرب مفترقين متخاذلين، لا يستطيعون عن أنفسهم ~~دفاعا، وسنتكلم على العصبية وآثارها ببسطة في القول أكثر مما تكلمنا هنا في ~~موضعها الطبيعي من الكتاب الثاني. # ولما كانت الدولة العباسية قد قامت بالموالي وبأسنتهم، ومحاولتهم الانتقام ~~لأنفسهم وكرامتهم من بني أمية الذين ساموهم سوء العذاب، وساسوهم شر سياسة، فإنا ~~نرجئ كلامنا عن هذا العنصر القوي من أسباب اعتلاء الدولة الأموية سلطان الحكم ~~وأسباب سقوطها إلى موضعه الطبيعي من تنظيم كتابنا، وحين ms044 ذاك يحق لنا أن نبين ~~تحول العصبية العربية إلى تلك النواحي الشائكة الوعرة التي قضت على الدولة ~~الأموية، وأقامت دولة بني العباس، والتي أدالت منها هي أيضا، وحين ذاك أيضا ~~يحق لنا أن ندرس نظر العربي إلى غير العربي في العصر الأموي وفي غير العصر ~~الأموي، مما كانت له نتائجه الخطيرة في حياة العرب، وفي تحول مدنيات ~~العرب. # فلنتريث إذن، وخير لنا وللتاريخ أن يكون موضع هذا الباب في كلامنا على الدولة ~~العباسية، وخير لنا أيضا أن ننتقل الآن إلى تصوير الحياة الأدبية من نثر وشعر ~~وخطابة، وإلى تصوير الحياة العلمية بضروبها لذلك العصر الأموي الذي كان بحق ~~نواة طيبة للعصر العباسي، متوخين في ذلك الإيجاز والإجمال، ولعلنا نوفق إلى ~~حسن الإصابة فيما نريد. # الفصل الخامس # | الحياة العلمية والأدبية للعصر الأموي # (1) توطئة # لسنا نريد أن نسهب في بيان الحياة العلمية والأدبية في العصر الأموي؛ لأن ذلك ~~يكاد يخرج بنا عن مقصدنا الأساسي من اقتصار مقدمتنا هذه على توضيح موجز، من غير ~~إسراف ولا تطويل، للعصر السابق لعصرنا المأموني الذي كان نتيجة لازمة لما تقدمه ~~واكتنفه من عوامل متعددة، توضيحا معتدلا يجعلنا نطمئن، بعد تفهمنا للآداب ~~العباسية، إلى تبين الفروق والمميزات والآثار التي خلفها لتاريخ المدنية ~~الإسلامية، بل لتاريخ المدنية الإنسانية، ذلك العصر الذهبي، وهو عصرنا ~~المأموني الخالد. # لقد تغيرت حالة اللغة وآدابها في العصر الأموي عما كانت عليه في الدور ~~الجاهلي تغيرا عظيما؛ إذ رقت الأساليب وقل الحوشي والمتنافر، واتسعت ~~الأغراض وكثرت باتساع مطالب الحياة الجديدة ووفرتها، وهذا يتمشى بوجه عام مع ~~تغيير حياة العرب الاجتماعية والدينية والسياسية، وبعبارة أخرى: تغيرت حياة ~~الآداب والعلوم في ذلك العصر طبقا لما أفادته العرب في فتوحهم ومغازيهم في ~~غنائم وأموال، ووقوفهم على آثار المدنيات لأمم ذات حظ من العلم غير قليل. ولقد ~~كان لكتاب الله المعجز بآياته وسحر بلاغته # كتاب ~~أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير # أثره في فتق أذهانهم، وصقل عباراتهم، وتوحيد لهجاتهم، بل كان الكنز الذي يلجئون ~~إلى ما ms045 فيه من أدب جم، وعظة بالغة، وأساليب رائعة، ويستمدون منه ما ينفعهم في ~~معاشهم وحياتهم الدنيا والآخرة. # وإنه ليجدر بنا أن نتساءل عن مدى ما أصاب الآداب العربية من تغيير في العصر ~~الأموي، وهو تغير خطير يستدعي درسه عناية ودقيق ملاحظة وتعرفا غير قليل لما ~~كانت عليه الآداب في العصر الجاهلي. ~~••• # إن تحول الآداب العربية في ذلك العصر أصاب التراث الجاهلي القديم من لغة ~~وخطابة وشعر وأمثال، وما كان للقوم من علم بشئون الحياة والوجود، كما أنه أحدث ~~علوما وآدابا اقتضاها الإسلام، وقد كان لكتاب الله وسنة رسوله وما للأئمة من ~~تأويل في فهمهما، كان لذلك كله أثره في خلق علوم شرعية لم يكن للعرب منها حظ ~~من قبل، فنشأ في هذا العصر علم التفسير ورواية الحديث وعلوم اللغة؛ كالنحو وما ~~إلى النحو، على أن هذه العلوم الإسلامية المحدثة التي كانت وليدة العصر الأموي ~~خاصة، وعصر صدر الإسلام عامة، لم تكن مولود هذا العصر الوحيد الذي أصبحت فيه ~~البصرة دارا للعلم والعرفان والمدنية، ومسرحا للهو والافتتان، والشام مقر ~~الملك والسلطان، بل كان إلى جانبها مولود آخر كان من شأنه وضع التاريخ ~~والجغرافيا وغيرهما، واتخاذ ديوان الخاتم، ونقل الدواوين من لغة إلى أخرى، وقد ~~كان هذا المولود الآخر نتيجة الفتوح الإسلامية، وخاصة تلك الأقطار التي كانت ~~متأثرة بآداب الفرس والرومان واليونان، وبعبارة أدق: تلك العلوم التي أفادتها ~~العرب أو الدولة الإسلامية من اعتناق الفرس وأهل الشام ومصر وغيرهم - من أسرى ~~الروم - للإسلام، وقد تستدعي هذه النقطة توضيحا، ونظن أنا إذا ما فسرناها بعض ~~التفسير نتعجل بموضوعنا الذي سنقبل عليه أخيرا، وخاصة إذا علمنا أن عصر ~~المأمون وما فيه من فلسفة وعلم، ومن أدب وفن كان متأثرا بحركة النقل والترجمة، ~~وأن تأثره هذا كان إلى مدى كبير يطبعه بطابع المدنية اليونانية والفارسية، ~~ولكن هذا لا يمنعنا أن نلم به إلماما. ~~(2) آثار الآداب والعلوم الفارسية واليونانية في العصر الأموي # كانت آداب الفرس قبيل الإسلام آدابا يونانية في جملتها؛ لأن التاريخ ~~يحدثنا أن آدابهم ms046 الفنية القديمة التي كانت مجموعة طيبة لنتاج العقل الفارسي ~~والهندي والآشوري - هذه الآداب قد نقلها الاسكندر الأكبر إلى بلاده - ثم تقلبت ~~حياة الفرس بين ضعف وقوة وجهل وعلم، إلى أن تسلم كسرى صولجان ملكه، ولعب دوره ~~العظيم في تاريخ بلاده، ولعل الأحوال العالمية عهدئذ ساعدته على مهمته في ~~النهوض بالعقلية الفارسية وفي تجديد بعثها، ويقول لنا «چيون»: إن «يوستنيان» ~~قيصر الروم حين اضطهد الفلسفة الأفلاطونية الجديدة أو الوثنية أقفل الهياكل ~~والمدارس، وطارد العلماء المفكرين، فاضطر جماعة من هؤلاء الفلاسفة إلى الرحيل ~~إلى بلاد الفرس؛ حيث وجدوا من كسرى أنوشروان من قدرهم قدرهم. # ويقول لنا الأستاذ «برون» في كتابه القيم عن تاريخ أدب الفرس حين تعرض لرأي ~~المستشرق (نولدكه # Noldeké ~~) في هذا الصدد: «إن ~~شغف كسرى بالبحوث الدينية والمناظرات الفلسفية وما كان يجد في ذلك من لذاذة ~~وإمتاع ليعيد إلينا ذكرى المأمون والإمبراطور الأكبر مما نمسك عنه ~~الآن.» # على أنا مع إمساكنا عن التبسط في القول لا يسعنا إلا أن نذكر في هذا المقام ~~أن أنوشروان كان قد أسس مدرسة للطب والفلسفة في جنديسابور كانت لها شهرة ~~مدرسة الإسكندرية، وإنه ليجدر بنا هنا أن ننظر هل استفاد العرب حقا من علوم ~~الفرس عند ظهور الإسلام؟ وهل استفادوا من غزوهم مصر وفيها مدرسة الإسكندرية؟ ~~ومن إخضاعهم الشام المتأثرة بآثار العقلية الرومانية؟ وهل وجدت حركة نقل في ~~العصر الأموي؟ لأن في توضيحنا ذلك بعض النفع لنا في دراسة التحول العلمي ~~والأدبي في تاريخ التمدين الإسلامي الذي وصل إلى درجة خليقة بالإجلال والإكبار ~~في عصر المأمون، العصر الذي نضج فيه مختلف الفنون والآداب، فلنحاول توضيح شيء ~~من ذلك متوخين حد القصد والإيجاز. ~~(3) حركة النقل في العصر الأموي # يخبرنا ابن أبي أصيبعة في الباب الذي أفرده لأطباء العرب في إبان الإسلام، أن ~~«الحارث بن كلدة» تعلم الطب بناحية فارس، وتمرن هناك، وعرف الداء والدواء، ~~ويخبرنا أيضا أن عبد الملك بن أبحر الكناني الذي أسلم على يد عمر بن عبد ~~العزيز حينما كان أميرا على مصر، ms047 كان طبيبا عالما ماهرا، وأنه كان في أول ~~أمره في الإسكندرية؛ لأنه كان المتولي التدريس بها من بعد العلماء الإسكندريين، ~~وزاد بأن عمر بن عبد العزيز لما أفضت الخلافة إليه نقل التدريس إلى أنطاكية ~~وحران، وتفرق في البلاد، ثم ذكر ابن أثال، طبيب معاوية، وتكلم عن علمه بالأدوية ~~المفردة والمركبة، وذكر أبا الحكم «وتماذوق» طبيب الحجاج، وحسبنا هذا دلالة على ~~ما أفاد العرب أو ما يمكن أن يفيدوا من علم الطب. # فلننتقل من هذا إلى التكلم عن حركة النقل والترجمة، ويكفينا الآن أن ننظر ~~فيما رواه صاحب الفهرست عن ذلك إذ يقول: # كان خالد بن يزيد بن معاوية يسمى حكيم آل مروان، وكان فاضلا في ~~نفسه، وله همة ومحبة للعلوم، خطر بباله الصنعة، فأمر بإحضار جماعة من ~~فلاسفة اليونانيين ممن كان ينزل مدينة مصر وقد تفصح بالعربية، وأمرهم ~~بنقل الكتب في الصنعة من اللسان اليوناني والقبطي إلى العربي. وهذا أول ~~نقل كان في الإسلام من لغة إلى لغة، ثم نقل الديوان - وكان باللغة ~~الفارسية - إلى العربية في أيام الحجاج، والذي نقله صالح بن عبد الرحمن ~~مولى بني تميم. وكان أبو صالح من سبي سجستان، وكان يكتب لزادانفروخ ~~بن بيري كاتب الحجاج يخط بين يديه بالفارسية والعربية، فخف على قلب ~~الحجاج، فقال صالح لزادانفروخ: إنك أنت سببي إلى الأمير، وأراه قد ~~استخفني ولا آمن أن يقدمني عليك وأن تسقط منزلتك، فقال: لا تظن ذلك ~~هو إلي أحوج مني إليه لأنه لا يجد من يكفيه حسابه غيري، فقال: والله ~~لو شئت أن أحول الحساب إلى العربية لحولته، قال: فحول منه أسطرا ~~حتى أرى. ففعل، فقال له: تمارض، فتمارض، فبعث الحجاج إليه تيادروس ~~طبيبه، فلم ير به علة؛ وبلغ زادانفروخ ذلك فأمره أن يظهر، واتفق أن ~~قتل زادانفروخ في فتنة ابن الأشعث وهو خارج من موضع كان فيه إلى منزله، ~~فاستكتب الحجاج صالحا مكانه، فأعلمه الذي كان جرى بينه وبين صاحبه في ~~نقل الديوان، فعزم الحجاج على ذلك وقلده صالحا، فقال له مردانشاه ms048 بن ~~زادانفروخ: كيف تصنع بدهويه وششويه؟ قال: أكتب عشرا ونصف عشر، قال: ~~فكيف تصنع بويد؟ قال: أكتب وأيضا قال: والويد النيف والزيادة تزاد، ~~فقال له: قطع الله أصلك من الدنيا كما قطعت أصل الفارسية! وبذلت له ~~الفرس مائة ألف درهم على أن يظهر العجز عن نقل الديوان، فأبي إلا نقله ~~فنقله، فكان عبد الحميد بن يحيى يقول: لله در صالح! ما أعظم منته على ~~الكتاب! وكان الحجاج أجله أجلا في نقل الديوان. # فأما الديوان بالشام فكان بالرومية، والذي كان يكتب عليه سرجون بن منصور ~~لمعاوية بن أبي سفيان، ثم منصور بن سرجون، ونقل الديوان في زمن هشام بن عبد ~~الملك نقله أبو ثابت سليمان بن سعد مولى حسين، وكان على كتابة الرسائل أيام عبد ~~الملك. وقد قيل: إن الديوان نقل في أيام عبد الملك، فإنه أمر سرجون ببعض الأمر ~~فتراخى فيه، فأحفظ ذلك عبد الملك فاستشار سليمان؛ فقال له: أنقل الديون وأرتجل ~~منه. # ثم نجده يتكلم في مكان آخر عن اصطفن القديم، وأنه نقل لخالد بن يزيد بن ~~معاوية كتب الصنعة وغيرها، فنحن نجد من هذا وغيره أن اللغة العربية أخذت تجري ~~أشواطا في حلبة العلوم في هذا العصر. ~~••• # ونريد أن نشرح شرحا بسيطا حال الخطابة والكتابة في العصر الأموي متوخين ~~الاختصار على قدر الطاقة فنقول: ~~(4) الخطابة ومميزاتها # لم تزدهر الخطابة في عصر من عصور الآداب العربية، كما ازدهرت في هذا العصر، ~~لاعتماد الناس عليها في السياسة والدين، وقد جعلها الدين الإسلامي فرضا من ~~الفروض في الدعوة إليه، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد كانت الوسيلة ~~في قمع الفتن ورد البدع، وكانت لسان القائد في جنده يستنهض بها عزماتهم، ~~والوالي في رعيته يستفز بها حميتهم، والزعيم في شعبه يجمع بها شتاتهم، إذ لم ~~يكن غيرها من وسائل التبليغ ميسورا؛ لذيوع الأمية وفقدان وسائل النشر. # وقد وجدت بعد مقتل عثمان رضي الله عنه، بسبب اختلاف المسلمين وتعدد الفرق ~~واختلاف الأحزاب، مجالا واسعا للرقي والسبق، لاعتماد كل حزب عليها في نشر ms049 ~~نحلته، وتأييد دعوته. # يميز الخطابة في هذا العصر ما يميز الآداب عامة فيه: من فخامة الألفاظ، ~~ومتانة التركيب، والتباعد عن حوشي الكلام، ويميزها أيضا أنها اقتبست من ~~القرآن كثيرا، ونهجت نهجه في الإرشاد والإقناع، وأنها تبدأ بحمد الله والصلاة ~~على رسوله، حتى قيل لخطبة زياد المشهورة التي خطبها في العراق «الخطبة ~~البتراء»؛ إذ لم يحمد الله ولم يصل على نبيه فيها. وقد كان هذا العصر أحفل ~~العصور بالخطباء، فقد كان جل الخلفاء والقواد وولاة الأمصار وزعماء الأحزاب ~~المختلفة خطباء مصاقع، وفيما يحفظه تاريخ الآداب من آثار الخلفاء ولا سيما ~~الإمام علي، ومن خطب الحجاج بن يوسف، وزياد بن أبيه، وطارق بن زياد، مصداق ما ~~نقول. # ولننقل هنا خطبة الحجاج في أهل العراق بعد دير الجماجم؛ فهي خير مثال لنضج ~~الخطابة في العصر الأموي، قال: # يا أهل العراق، إن الشيطان قد استبطنكم فخالط اللحم والدم، والعصب ~~والمسامع والأطراف والشغاف، ثم مضى إلى الأمخاخ والأصماخ، ثم ارتفع ~~فعشش، ثم باش وفرخ، فحشاكم نفاقا وشقاقا، وقد اتخذتموه دليلا ~~تتبعونه، وقائدا تطيعونه، ومؤمرا تستشيرونه؛ فكيف تنفعكم تجربة أو ~~تعظكم وقعة أو يحجزكم إسلام أو يردكم إيمان؟! ألستم أصحابي بالأهواز ~~حيث رمتم المكر، وسعيتم بالغدر، وظننتم أن الله يخذل دينه وخلافته، ~~وأنا أرميكم بطرفي وأنتم تتسللون لواذا وتهزمون سراعا؟ ويوم الزاوية ~~وما يوم الزاوية؟! بها كان فشلكم وتنازعكم، وبراءة الله منكم ونكوص ~~وليه عنكم، إذا وليتم كالإبل الشوارد إلى أوطانها، النوازع إلى ~~أعطانها، لا يسأل المرء منكم عن أخيه، ولا يلوي الشيخ على بنيه، حتى ~~عضكم السلاح وقصمتكم الرماح. يوم دير الجماجم وما دير الجماجم؟! بها ~~كانت المعارك والملاحم بضرب يزيل الهام عن مقيله، ويذهل الخليل عن ~~خليله. # 1 # يأهل العراق، أهل الكفرات والغدرات، والثورة بعد الثورات، إن أبعثكم ~~إلى ثغوركم غللتم وخنتم، وإن أمنتم أرجفتم، وإن خفتم نافقتم، لا تذكرون ~~خشية ولا تشكرون نعمة، هل استخفكم ناكث، واستغواكم غاو، واستنصركم ~~ظالم، واستعضدكم خالع إلا وثقتموه وآويتموه ونصرتموه ورضيتموه! هل شغب ~~شاغب أو نعب ناعب ms050 أو نعق ناعق أو زفر زافر إلا كنتم أشياعه وأنصاره! ~~ألم تنهكم المواعظ! ألم تزجركم الوقائع؟! # ثم نظر إلى أهل الشام فقال: # يا أهل الشام، إنما أنا لكم كالظليم الذاب عن فراخه، ينفي عنها ~~المدر ويبعد عنها الحجر، ويكنها من المطر. يأهل الشام، أنتم ~~الجنة والرداء، وأنتم العدة والغطاء. # وقد يكون من المفيد حقا أن ترجع إلى «صبح الأعشى» وغيره من المظان الأدبية ~~لتقف بنفسك على خطب القوم الممتعة أسلوبا، الفخمة لفظا، الغنية معنى في ذلك ~~العصر الزاهر. ~~(5) الكتابة # الكتابة - سواء أكانت في تدوين العلوم والفنون وضبط الشئون العامة أم في ~~إنشاء الرسائل ومعالجة الكلام المنثور - لا ترقى بل لا تكون إلا في الأمم التي ~~أخذت بقسط من التحضر، فكانت لها حكومة منظمة، ودواوين معددة، وصناعة منوعة، ~~وزراعة نامية، وتجارة رائجة؛ لذلك لم يكن لأحد من الشعوب العربية في الجاهلية ~~حظ من الكتابة إلا بمقدار ما له من حظ من الحضارة. # وقد كانت الكتابة معروفة عند التبابعة جنوبا، والمناذرة والغساسنة في ~~الشمال، حين كان لأولئك وهؤلاء من الحضارة نصيب، أما البدو من سكان أواسط ~~الجزيرة فلم يعرفوا الكتابة إلا حين عرفوا الخط في أواخر العصر الجاهلي، وقد ~~كان حظ الكتابة فيهم حظها في أمة بادية قليلة الشئون؛ لذلك لم ينلها في الرقي ~~ما نال أخويها الشعر والخطابة، فلما جاء الإسلام وصار للعرب حكومة منظمة، وفتح ~~الله عليهم أقطار الأرض، اشتدت حاجتهم إلى الكتابة، فأخذت سبيلها إلى الرقي ~~والكمال، حين صارت حاجة من حاجات الدولة. # بيد أن الكتابة لم تبلغ كمالها الممكن ~~- في التنسيق وإبلاغ الحاجة، وفي اتساع ما تناولته من شئون الدولة والناس - إلا ~~بعد أن نقلت الدواوين التي كانت بالفارسية في فارس، والرومية في الشام، ~~والقبطية في مصر إلى العربية في عهد عبد الملك بن مروان وابنه الوليد، وإلا بعد ~~أن ظهر في العربية كتاب صقلهم الاطلاع على آداب الفرس وغير الفرس، من الأمم ~~التي كانت لها قدم راسخة في الحضارة؛ كابن المقفع وعبد الحميد الكاتب. # على أنا لسنا ms051 نرمي بذلك إلى أن لا بلاغة في ذلك العصر بغير اطلاع على بلاغة ~~الأمم الأخرى؛ لأن في بلاغة القرآن وأحاديث الرسول # صلى الله عليه وسلم # وخطب الخلفاء وتراث ~~الجاهلية الكنز الذي لا ينضب، والمعين الذي ينهل من أفاويقه كتاب العصر ~~غير منازع ولا مدافع، وإنا لنعثر في مظان الأدب العربي على أمثلة ناضجة لما ~~نقول؛ فهذا كلام أم الخير # 2 # والزرقاء وعكرشة بنت الأطرش ، فإنه لمما يتخذ خير مثال للنثر في ~~العصر الأموي. # وسنثبت لك في باب المنثور من الكتاب الأول في المجلد الثاني رسالتين ممتعتين ~~نعتبرهما بحق من خير المنثور العربي؛ إحداهما تلك الرسالة المنسوبة لأبي بكر ~~الصديق، والتي قيل إنه كتبها لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، فهي تمثل عصرها ~~بلاغة وفخامة، والثانية رسالة عبد الحميد بن يحيى الكاتب، قيل إنه كتبها عن ~~مروان بن محمد لعبد الله بن مروان حينما أرسله لقتال الضحاك بن قيس الشيباني ~~الخارجي، فهي فريدة في نوعها رشاقة أسلوب وسمو معنى. ~~(6) حالة الشعر في العصر الأموي وتحوله # لكي نلمس بأيدنيا صحة قول أولئك الذين يذهبون إلى أن العصر الأموي كان عصر ~~تجديد في الآداب العربية، وأنه كان عصر تجديد قوي ظاهر في اللفظ والمعنى، ~~يلزمنا أن نفهم فهما أوليا سذاجة الشعر الجاهلي وصادق تعبيره عن الحياة ~~الجاهلية. # نعلم أن العصر الجاهلي للعرب كان في مجموعه - ككل العصور الأولية للعقل ~~البشري - ساذجا فطريا في علومه ونظمه وعاداته، ولكنه لم يكن كذلك في آدابه، ~~فإن عرب الجاهلية بدءوا في شعرهم وآدابهم، في ذلك الطور الأول، بما كان عليه ~~غيرهم من الأمم السامية وكثير من الأمم الأخرى في أطوارها الأولى وعصورها ~~الجاهلية، مع ملازمتهم للفطرة، ونفورهم من التكلف، وبعدهم عن الصنعة ~~الكلامية. # إن العرب في جاهليتهم نظموا الشعر في كل حاجاتهم، وأبدعوا فيه بسليقتهم، ومع ~~أنهم كانوا في دور فوضاهم، فقد نضجت لهم أفانين كانت آية في بلاغة اللسان ~~العربي، وكان الأدب الجاهلي فطريا ممثلا خلق العصر، مبينا استقلال ~~الفكرة البدوية، وكان في ضروبه كافة ms052 من وصف ومدح ورثاء وهجاء ناطقا بما يجيش ~~في نفس قائله حقا، كما كان في بلاغة تركيبه وبعده عن الأوضاع المدرسية من ~~تكلف للبيان والبديع آية في بلاغة الفطرة، وشاهدا في مجموعه على مبلغ أثر ~~بلاغة الفطرة المرسلة عن شعور صاحبها في النفوس والأفهام. # على أنه يجدر بنا أن نقول: إن المعلقات وغيرها من آثار العقل العربي الجاهلي ~~قد لا تتأثر بها نفوس العصر الحاضر؛ لتغير اللغات والأفكار والمعتقدات، ولتشعب ~~المدنيات والأدبيات، ولأن آذاننا وأذواقنا قد تحكم بنبو ألفاظها وخشونتها، ~~فكما أن الأدب الإنكليزي قد لا يستعمل اليوم ألفاظا كان يستعملها شيوخ العقل ~~الإنكليزي «كباكون» و«شكسبير» و«ملتون» من خيرة نتاج عصر إليزابث الذهبي، ~~وقبلهما «شوسر» وشعراء المغاني، ويعتبرها البعض نابية جافية، وأنها بمثابة ~~ألفاظ مدرسية تاريخية، كما هي الحال في نظر أدب العصر الإنكليزي أو الفرنسي أو ~~الألماني في تراجمهم عن الكتاب المقدس، وإلى شعرائهم وأدبائهم المتقدمين، كذلك ~~هو الحال في أحكامنا عن نتاج العصر العربي الجاهلي. ~~••• # إن المدنية ما ونت ساعة ولا يوما، ولكن عاطفة الإنسان تكاد تكون هي بنفسها ~~في كل العصور؛ يحرك لواعجه الجمال، ويفطر قلبه ريب الزمان، ويبث شكاته إلى ~~أترابه وإخوانه، ويحاول أن يتبوأ حبات الأفئدة بسحر بيانه، فهو يفخر ويشدو، وهو ~~يمدح ويهجو، وهو يخطب وينظر ويضرب الأمثال، وهو صادق في ترجمة مشاعره، وتبيان ~~مقاصده ما كان في دور سذاجته بعيدا عن ضروب المدنيات التي كثيرا ما تلازمها ~~تقاليد خاصة، وتصحبها آداب تعورف عليها تقلل صراحته، وتفل من حدة شباته، ~~وتجعل له سلطانا على ميوله وأهوائه، واللسان علنة مصفاح إن تركت له عنانه، ~~كتمة مضلل إن جعلت العقل والتقليد ميزانه. # من هنا نستطيع أن نفسر سذاجة العربي الجاهلي وجنوحه إلى صوت الطبيعة، على ~~العكس من حال زميله الإسلامي الذي قد صقلته بلاغة القرآن وتعاليمه، وشذبته سنة ~~الرسول وصحابته، وأفسح المجال لخياله ما وقف عليه أثناء الفتوح العربية من تراث ~~المدنيات الفارسية في العراق وفارس، والرومانية في الشام ومصر، وناهيك بآثار ~~الفرس والرومان إلى ما ms053 خلف له آباؤه العرب من حكمة وبيان. ~~••• # كان شعراء الجاهلية يسددون قولهم نحو كبد الحقيقة فلا يخطئونها، ويقولون ~~الشعر عن شعور حي، ولا يتخطون إلى ما وراء مشهودهم ومعقولهم، فجاء شعرهم ~~مثالا صادقا لبداوتهم وحضارتهم، حتى لو اندثرت جميع أخبارهم وآثارهم ولم يبق ~~إلا شيء من شعرهم لتيسر للباحث أن يستخرج منه وصفا كاملا لجميع أحوالهم، كما ~~استخرج الباحثون كثيرا من غوامض جاهلية اليونان من شعر «هوميرس». # وإليك مثالا قول المهلهل بعد وقعة السلان؛ إذ حضرها مع أخيه كليب وفر ابن ~~عنق الحية من وجههما: # لو كان ناه لابن حية زاجرا # لنهاه ذا عن وقعة السلان # يوم لنا كانت رياسة أهله # دون القبائل من بني عدنان # غضبت معد غثها وسمينها # فيه ممالأة على غسان # فأزالهم عنا كليب بطعنة # في عمر بابل من بني قحطان # ولقد مضى عنها ابن حية مدبرا # تحت العجاجة والحتوف دواني # لما رآنا بالكلاب كأننا # أسد ملاوثة على خفان # برك التي سحبت عليه ذيولها # تحت العجاج بذلة وهوان # ونجا بمهجته وأسلم قومه # متسربلين رواعف المران # يمشون في حلق الحديد كأنهم # جرب الجمال طلين بالقطران # نعم الفوارس لا فوارس مذحج # يوم الهياج ولا بنو همدان # هزموا العداة بكل أسمر مارن # ومهند مثل الغدير يماني # وبعد، فإنا بعد ما قدمنا من موجز كلامنا عن تصوير حالة الشعر في الجاهلية ~~توطئة لبحثنا عن حالته في العصر الأموي، لا نرى مندوحة من الإشارة هنا إلى أنا ~~سنعنى عناية خاصة بفرعي الغزل والشعر السياسي؛ لأنهما بحالتيهما الأموية ~~يكادان يكونان وليدي العصر ونتاجه. # وليس معنى ذلك أنا ننكر تلك المعاني الجديدة التي دخلت على الوصف والمدح ~~والرثاء والهجاء، ولكنا نلاحظ أن الفرق لا يعدو ملتزمات المدنية، مع رقة ~~اكتسبتها العصور الإسلامية القريبة العهد من نزول القرآن، واشتغال الناس ~~بتلاوته، وإقبالهم على دراسته، حتى انطبعوا على بلاغته وبيانه. # على أنه من المفيد أن نشير إلى شيء جديد أصاب فن المديح في العصر الأموي؛ ~~لأنه خاص بهذا العصر دون سواه. # قال ابن قتيبة في كتابه ms054 القيم «الشعر والشعراء»: أتى بعض الرجاز نصر بن سيار، ~~والي خراسان لبني أمية، فمدحه بقصيدة تشبيبها مائة بيت، ومديحها عشرة أبيات، ~~فقال نصر: «والله ما بقيت كلمة عذبة ولا معنى لطيف إلا شغلته عن مديحي بتشبيبك، ~~فإن أردت مديحي فاقتصد في النسيب»، فأتاه فأنشد: # هل تعرف الدار لأم الغمر # دع ذا وحبر مدحة في نصر # فقال نصر: لا ذاك ولا هذا، ولكن بين الأمرين. ~~(7) الغزل # كان غزل الجاهلية من عفو الخاطر وفيض البديهة ناطقا بصفاء قريحتهم، وكامل ~~حريتهم، وتوقد أذهانهم، وسائر طباعهم، وكان بريئا من الصنعة والكلفة. # ومع أني ممن يذهبون إلى أن الشاعر الجاهلي كان يعالج الفنون الشعرية كافة غير ~~مقصور على النسيب بالذات، بيد أني ممن يقول: إن المعاني الغزلية وألفاظها تكاد ~~تكون معادة فيما بعد العصر الجاهلي بتوسع تقتضيه المدنية، وطلاوة اكتسبتها ~~الألفاظ من بلاغة القرآن، وعذوبة أنتجتها ثروة الأذهان من أفاويق ~~العرفان. # ولقد صدق زهير إذ يقول: # ما أرانا نقول إلا معارا # أو معادا من لفظنا مكرورا # أجل، لقد كان الغزل الأموي غنيا بما هو أكثر من ذكر الأطلال والديار، إذ ~~أنا نجد فيه لواعج الحب ولفحاته، وشكايات الصب وأناته، وزفرات العاشق ~~وعبراته. # ألسنا نلمس التوجع والأسى في قول ابن الدمينة الخثعمي: # ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد؟ # لقد زادني مسراك وجدا على وجد # وفي قول الصمة بن عبد الله بن طفيل: # حننت إلى ريا ونفسك باعدت # مزارك من ريا وشعباكما معا # نريد أن ندرس حالة الغزل في العصر الأموي الذي هو عصر الترف والغنى والثروة، ~~عصر القصور والملاذ، عصر الاندماج في غير العرب واتخاذ السرارى والسبايا ~~كخادمات ووصفيات وزوجات. # لقد كثر الترف كثرة حمل معها الاندفاع مع الغزل وما يجره الغزل، وخلق ~~أنواعا صريحة من المناحي الشعرية في الحب والتشبيب بالنساء رغبة في الحب من ~~حيث هو، وفي التشبيب من حيث هو، بمعنى أنا كنا في العصر الجاهلي قلما نجد ~~شاعرا وقف حياته الشعرية على معالجة فن الغزل فحسب، لا يتكلف غيره ولا ms055 يعنى ~~بسواه، فإذ بنا في العصر الأموي نجد من الشعراء من يتخذ من الغزل صناعة ~~وفنا. # وظاهرة أخرى نلاحظها في الغزل الأموي تظهر بجلاء مقدار اختلافه عما كان عليه ~~في العصر الجاهلي، تلك أنواعه المتباينة التي يصح لنا أن نقسمها إلى أربعة ~~أبواب: غزل إباحي، ويصح لنا أن نتخذ من عمر بن أبي ربيعة زعيما لهذا النوع ~~الذي يجمع إلى وصف المرأة والتشبيب بها معاني العبث بها، والاستمتاع باللذة ~~المادية، مما ينفر منه الأدب الجاهلي ومما حظره عليه الكثيرون من خلفاء الإسلام ~~وأئمته. # ولقد صدق ابن جريح إذ يقول: «ما دخل على العواتق في خدورهن شيء أضر عليهن من ~~شعر ابن أبي ربيعة»، ونحيل القارئ إلى حديث الزبير بن بكار عن عمه مصعب في ~~صفة هذا الشاعر الكبير، على أن كتاب الأغاني وغيره من أمهات كتب الأدب العربي ~~مترعة بشعره وتشبيبه، مما لا يدع مجالا للشك في أنه كان تبع نساء وحلس ~~غانيات، وصافا لأحاديثهن، واقفا على دخائلهن، مطلعا على هوى نفوسهن، ~~ولا حاجة بنا إلى التطويل هنا فيما هو مشهور متعارف، خصوصا أنك ستجد طرفا من ~~شعره في باب المنظوم من الكتاب الأول في المجلد الثاني، فراجعه ثمة. # على أنه مع ذلك يذوب رقة وحنانا في بعض مقطعاته، ولا سيما مع الثريا بنت ~~علي، فإنه يلوح لنا أنه لم يفتح قلبه لأحد سواها. # كتب ابن أبي ربيعة إلى الثريا وهي باليمن يقول: # كتبت إليك من بلدي # كتاب موله كمد # ولقد كانت مكة والمدينة مسرحا لهذا النوع في العصر الأموي، وسبب ذلك ميسور ~~فهمه، معقول تعليله؛ ذلك أن الخلفاء تعمد جلهم الإغداق على أهل الحجاز وأبناء ~~المهاجرين والأنصار بالأموال والهدايا فوق ما ورثهم آباؤهم، ليحولوا بينهم ~~وبين ما يطمح إليه أمثالهم من منافسة في الملك، أو مشاكسة للسلطان، وليشغلوهم ~~عن أمور الدولة بإرخاء العنان لهم في لذاتهم ومناعمهم. # وهناك الغزل العذري البريء، غزل الحب الصادق، والعواطف المتأججة، والنفس ~~المتألمة المعناة، تلك النفس التي تجد لذتها في الكلف بمن تحب والتعلق ms056 به ~~والشعور بالسعادة في الغناء بحبه، حبا يملك عليه لبه ويعذب روحه ويفني جسمه ~~كغزل جميل؛ وليس أدل على صدق حبه مما أثبته صاحب الأغاني في الجزء السابع؛ إذ ~~حاول أبوه أن يصرفه عن حبه وحاجه في ذلك أجمل محاجة، فكان من جميل ما كان ~~مما نجده مفصلا في موضعه. # وغزل صناعي بين هذا وذاك، همه الإجادة في الشعر من حيث هو شعر، لا في الحب ~~من حيث هو حب، ولنا في كثير عزة زعيم لهذا النوع الثالث. # وغزل قصصي خلقه الرواة لأنهم رأوا ميل الناس إلى الغزل وإلى حياة القصف وما ~~يتبع حياة القصف، فنظموا قصائد نحلوها لشعراء لا نستطيع أن نحتمل تبعة القول ~~بوجودهم في الحياة، أو القول بأنهم أشخاص خياليون خلقهم الرواة، أو زادوا من ~~عندهم مقطعات نسبوها لهم وأضافوا إلى شعرهم، وزعيما هذا النوع قيس بن الملوح ~~وليلاه، وقيس بن ذريح ولبناه. # 3 ~~(8) الشعر السياسي # بداية عصر بني أمية معركة سياسية لعب فيها معاوية وأنصاره دورا ممتعا ~~طريفا في سبيل استلاب الخلافة من علي، وتأسيس ملك بني أمية على قواعد وسنن ~~تخالف قليلا أو كثيرا ما كانت عليه الحال في عصر الخلفاء الراشدين. ~~••• # الإنسان في سبيل تحقيق أطماعه السياسية هو بعينه في عصر معاوية، وفي عصر ~~يوليوس قيصر وفي عصر بونابرت وفريدريك الأكبر أول عاهل لألمانيا، هو بعينه ~~إنسان اليوم، هو بعينه كرئيس الولايات المتحدة وغيرها يستعمل المال في شراء ~~الضمير الإنساني، ويعمل جهده على إذاعة دعوته، وتبيان فضائله، وتصويب خطته، ~~باتخاذ الحملات الصحفية والخطابية وغيرها من وسائل الدعوة التي وصلت إليها ~~المدنية الحديثة، والتي كانت في عصر معاوية وخلفاء معاوية وفي عصر المأمون ~~وخلفاء المأمون تستخدم ألسنة الشعراء، وهي أسرع انتشارا، وأعمق أثرا، وأكثر ~~رواية، وأطول عمرا مما يكتب اليوم فلا يرويه من الناس إلا قليل. # إنك لتعلم ما لاستخدام الشعر من أثر في كثير من الحركات السياسية، واستحثاث ~~العزمات، وإنهاض الهمم في الانقلابات الاجتماعية، وما «للمرسليز» من أثر في ~~نفوس الجند الفرنسيين إذا حمي ms057 وطيس الحرب واشتد أوارها، وأنت جد عالم بما كان ~~لقصائد «اللورد بيرن» الواحدة تلو الأخرى، في سبيل استقلال اليونان الحديثة، ~~وفي سبيل اجتذاب عطف أوروبا وساستها وجماهيرها وملوكها ونوابها وصحفها، ليأخذوا ~~بناصر أمة مهيضة غلبت على أمرها. # أنت جد عالم بأن قصائد «بيرن» هذه فعلت في المعركة السياسية ما لم تفعله ~~جيوش مصر وأساطيلها، وذخيرة الترك وانتصارها، فكان الحكم ل «بيرن»، وكان ~~الانتصار لشعره. ~~••• # كذلك كان الحال في عصر بني أمية، وكذلك كان أثر الشعر إن لم يكن أبلغ وأوسع ~~نطاقا. ألم يوعز معاوية، في رواية يزيد ابنه، إلى مسكين الدارمي أن يقول ~~أبياتا في معنى المبايعة ليزيد وينشدها إياه في مجلسه وهو حافل بالوجوه ~~والأشراف؟! # وتقول رواية الأغاني: إن معاوية لما أراد البيعة ليزيد تهيب ذلك، وخاف ألا ~~يمالئه عليه الناس لحسن التقية فيهم، وكثرة من يرشح للخلافة، وبلغه في ذلك ~~ذرو # 4 # كلام كرهه من سعيد بن العاص ومروان بن الحكم وعبد الله بن عامر، ~~فأمر يزيد مسكينا - وكان يؤثره ويصله ويقوم بحاجاته عند أبيه - أن يقول ~~أبياتا وينشدها معاوية في مجلسه إذا كان حافلا وحضره وجوه بني أمية، فلما ~~اتفق ذلك دخل مسكين إليه وهو جالس، وابنه يزيد عن يمينه، وبنو أمية حواليه، ~~وأشراف الناس في مجلسه، فمثل بين يديه وأنشأ يقول: # إن أدع مسكينا فإني ابن معشر # من الناس أحمي عنهم وأذود # إليك أمير المؤمنين رحلتها # تثير القطا ليلا وهن هجود # وهاجرة ظلت كأن ظباءها # إذا ما اتقتها بالقرون سجود # ألا ليت شعري ما يقول ابن عامر # ومروان أم ماذا يقول سعيد؟ # بني خلفاء الله مهلا فإنما # يبوئها الرحمن حيث يريد # إذا المنبر الغربي خلاه ربه # فإن أمير المؤمنين يزيد # على الطائر الميمون والجد صاعد # لكل أناس طائر وجدود # فلا زلت أعلى الناس كعبا ولا تزل # وفود تساميها إليك وفود # ولا زال بيت الملك فوقك عاليا # تشيد أطناب له وعمود # قدور ابن حرب كالجوابي وتحتها # أثاف كأمثال الرئال ركود # فقال له معاوية: «ننظر فيما قلت يا ms058 مسكين ونستخير الله»، قال: ولم يتكلم أحد ~~من بني أمية في ذلك إلا بالإقرار والموافقة، وذلك الذي أراده يزيد، ليعلم ما ~~عندهم، ثم وصله يزيد ووصله معاوية فأجزلا صلته. ا.ه. # وأظنك لا تطلب منا حين مطالعتك لهذه ~~القصيدة تحليلها لإقامة الدليل على صدق ما ذهبنا إليه، فيما أسلفناه لك من ~~القول، بأن شعر العصر الأموي عربي جاهلي في منحاه وأسلوبه، وأنه يتميز بروح ~~جديدة، ويختلف بأغراض ومقاصد تكاد تكون جديدة بالنسبة للعصر الجاهلي، وذلك ~~لوضوح التحليل وخوف الإطالة فيما لا يعنينا كثيرا. # على أنه لزام في عنقنا أن نصور، إلى مدى أوسع، استخدام الشعر الأموي في ~~الأغراض السياسية؛ لأن لهذا النوع الطريف نتائجه وآثاره في هذا العصر والعصور ~~التي تلته، ولأن لهذه الميزة ميزة اصطباغ الشعر بالغرض السياسي، واندفاع صاحبه ~~في سبيل نصرة دعوته معبدا ما قد يعتور طريقه من صعاب، مذللا ما يعترضه ~~من عقاب، منتهكا حرمة التقاليد والأشخاص، بل خارجا إلى حيز لا يرضى عنه ~~فقهاء الدين كثيرا، وربما لا يرضى عنه الشرع حقا، نزعم أن لهذه الميزة ~~آثارها ونتائجها، ولسنا بسبيل تفصيل ذلك الآن، ولكنا بموقف المقيد للحوادث ~~فحسب، المثبت لمبدأ وقوعها، ولها مع الزمن وتكرر وقوعها ونشاط ميدانها ما سيتاح ~~لنا تفصيله فيما بعد، من اتساع نطاق السياسة الشعرية خاصة، ودولة الأدب ~~عامة، وتهديدها حرمة العادة والخلق والدين. ~~••• # مثل آخر ذكره صاحب كتاب الأخبار الطوال، وهو بمثابة معركة مذهبية سياسية بين ~~نصير معاوية ونصير علي، بين كعب بن جعيل والنجاشي، وهاك قصيدة كل منهما؛ قال ~~كعب بن جعيل: # أرى الشام تكره ملك العرا # ق وأهل العراق لهم تاركونا # وكل لصاحبه مبغض # يرى كل ما كان من ذاك دينا # وقالوا علي إمام لنا # فقلنا رضينا ابن هند رضينا # وقالوا نرى أن تدينوا لنا # فقلنا لهم لا نرى أن ندينا # وكل يسر بما عنده # يرى غث ما في يديه سمينا # وما في علي بمستعتب # منال سوى ضمه المحدثينا # وليس براض ولا ساخط # ولا في النهاة ولا الآمرينا # ولا ms059 هو ساء ولا هو سر # ولا بد من بعد ذا أن يكونا # فلما قرأه علي رضي الله عنه قال للنجاشي: أجب، فقال: # دعن معاوي ما لن يكونا # فقد حقق الله ما تحذرونا # أتاكم علي بأهل العرا # ق وأهل الحجاز فما تصنعونا؟ # يرون الطعان خلال العجا # ج وضرب القوانس # 5 # في النقع دينا # هم هزموا الجمع جمع الزبير # وطلحة والمعشر الناكثينا # فإن يكره القوم ملك العراق # فقدما رضينا الذي تكرهونا # فقالوا لكعب أخي وائل # ومن جعل الغث يومنا سمينا # جعلتم عليا وأشياعه # نظير ابن هند ألا تستحونا؟ # وهاك مثلا آخر ذكره صاحب الأغاني في ترجمة النعمان بن بشير قال: تشبب عبد ~~الرحمن بن حسان برملة بنت معاوية فقال: # رمل هل تذكرين يوم غزال # إذ قطعنا مسيرنا بالتمني # إذ تقولين عمرك الله هل شي # ء وإن جل سوف يسليك عني؟ # أم هل اطمعت يا ابن حسان في ذا # ك كما قد أراك أطمعت مني؟ # قال: فبلغ ذلك يزيد بن معاوية فغضب ودخل على معاوية فقال: يا أمير المؤمنين، ~~ألا ترى إلى هذا العلج من أهل يثرب يتهكم بأعراضنا، ويشبب بنسائنا؟! فقال: ومن ~~هو؟ قال: عبد الرحمن بن حسان، فأنشده ما قال، فقال: يا يزيد، ليست العقوبة من ~~أحد أقبح منها بذوي المقدرة، ولكن أمهل حتى يقدم وفد الأنصار ثم ذكرني به، ~~فلما قدموا ذكره به؛ فلما دخلوا قال: يا عبد الرحمن، ألم يبلغني أنك تشبب ~~برملة بنت أمير المؤمنين! قال: بلى، ولو علمت أن أحدا أشرف بشعري منها ~~لذكرته، قال: أين أنت عن أختها هند؟ قال: وإن لها لأختا يقال لها: هند؟ قال: ~~نعم! وإنما أراد معاوية أن يشبب بهما جميعا فيكذب نفسه، فلم يرض ذلك يزيد بن ~~معاوية وما كان منه معه، فأرسل إلى كعب بن جعيل فقال له: اهج الأنصار، فقال: ~~أفرق من أمير المؤمنين، ولكن أدلك على الشاعر الكافر الماهر الأخطل، قال ~~فدعاه فقال له: اهج الأنصار، فقال: أفرق من أمير المؤمنين، قال: لا تخف ~~شيئا؛ أنا لك بذلك. ms060 فهجاهم فقال: # وإذا نسبت ابن القريعة خلته # كالجحش بين حمارة وحمار # لعن الإله من المهور عصابة # بالجزع بين صليصل وصدار # قوم إذا هدر العصير رأيتهم # حمرا عيونهمو من المصطار # خلوا المكارم لستمو من أهلها # وخذوا مساحيكم بني النجار # إن الفوارس يعرفون ظهوركم # أولاد كل مقبح أكار # ذهبت قريش بالمكارم كلها # واللؤم تحت عمائم الأنصار # فبلغ ذلك النعمان بن بشير، فدخل على معاوية فحسر عمامته عن رأسه وقال: يا ~~أمير المؤمنين، أترى لؤما؟ قال: لا، بل أرى كرما وخيرا، فماذا؟ قال: زعم ~~الأخطل أن اللؤم تحت عمائم الأنصار، قال: أوفعل ذلك؟ قال: نعم، قال: لك ~~لسانه. وكتب فيه أن يؤتي به، فلما أتي به سأل الرسول أن يدخله إلى يزيد ~~أولا، فأدخله عليه، فقال: هذا الذي كنت أخاف، قال: لا تخف شيئا، ودخل على ~~معاوية فقال: علام أرسل إلى هذا الذي يمدحنا ويرمي من وراء حجرتنا؟ قال: هجا ~~الأنصار، قال: ومن زعم ذلك؟ قال: النعمان بن بشير، قال: لا تقبل قوله وهو ~~المدعي لنفسه، ولكن تدعوه بالبينة، وإن أثبت شيئا أخذت له، فدعاه بالبينة ~~فلم يأت بها، فخلاه، فقال الأخطل: # وإني وإن استعرت أم مالك # لراض من السلطان أن يتهددا # ولولا يزيد ابن الملوك وسعيه # تحللت جرباذا من الشر أنكدا # أما رد النعمان على الأخطل فهاكه كما نقله أبو الفرج الأصبهاني عن خالد بن ~~كلثوم: # معاوي إلا تعطنا الحق تعترف # لحي الأزد مشدودا عليها العمائم # حتى قوله: # إليهم يصير الأمر بعد شتاته # فمن لك بالأمر الذي هو لازم # بهم شرع الله الهدى فاهتدى بهم # ومنهم له هاد إمام وخاتم # وإنا نحيل القارئ إلى الكتاب الأول من المجلد الثاني ليقف على قصيدة النعمان ~~هذه، وليقف كذلك على قصيدته الرائية الأخرى التي أنشدها معاوية لما ضرب ~~مروان بن الحكم عبد الرحمن بن حسان الحد ولم يضرب أخاه حين تهاجيا ~~وتقاذفا، وتحرير الخبر فيها أنه لما كثر الهجاء بين عبد الرحمن بن حسان وعبد ~~الرحمن بن الحكم بن أبي العاصي وتفاحشا، كتب معاوية إلى ms061 سعيد بن العاصي، وهو ~~عامله على المدينة، أن يجلد كل واحد منهما مائة سوط - وكان ابن حسان صديقا ~~لسعيد وما مدح أحدا غيره قط - فكره أن يضرب أو يضرب ابن عمه، فأمسك ~~عنهما، ثم ولي مروان، فلما قدم أخذ ابن حسان فضربه مائة سوط ولم يضرب أخاه، ~~فكتب ابن حسان إلى النعمان بن بشير وهو بالشام - وكان كبيرا أثيرا مكينا عند ~~معاوية - قال: # ليت شعري أغائب أنت بالش # ام خليلي أم راقد نعمان؟ # أية ما يكن فقد يرجع الغ # ائب يوما ويوقظ الوسنان # إن عمرا وعامرا أبوينا # وحراما قدما على العهد كانوا # أفهم مانعوك أم قلة الكت # تاب أم أنت عاتب غضبان؟ # أم جفاء أم أعوزتك القراطي # س أم امري به عليك هوان؟ # يوم أنبئت أن ساقي رضت # وأتتكم بذلك الركبان # ثم قالوا إن ابن عمك في بل # وى أمور أتى بها الحدثان # فنسيت الأرحام والود والصح # بة فيما أتت به الأزمان # إنما الرمح - فاعلمن - قناة # أو كبعض العيدان لولا السنان # وهي قصيدة طويلة. فدخل النعمان بن بشير على معاوية فقال: يا أمير المؤمنين، ~~إنك أمرت سعيدا بأن يضرب ابن حسان وابن الحكم مائة سوط، فلم يفعل، ثم وليت ~~مروان فضرب ابن حسان ولم يضرب أخاه، قال: فتريد ماذا؟ قال: أريد أن تكتب إليه ~~بمثل ما كتبت إلى سعيد، فكتب إليه معاوية يعزم عليه أن يضرب أخاه مائة؛ فضربة ~~خمسين وبعث إلى ابن حسان بحلة وسأله أن يعفو عن خمسين، ففعل وقال لأهل المدينة: ~~إنما ضربني حد الحر وضربه حد العبد خمسين، فشاعت الكلمة حتى بلغت ابن ~~الحكم، فجاء إلى أخيه فأخبره وقال: «لا حاجة لي فيما عفا عنه ابن حسان»، فبعث ~~إليه مروان: «لا حاجة لنا فيما تركت، فهلم فاقتص من صاحبك»، فحضر، فضربه ~~مروان خمسين أخرى. ا.ه. ~~••• # ويجدر بنا الآن بعد أن أوضحنا ميزة استعمال الشعر في الأغراض السياسية في ~~الدولة الأموية، أن نسمح لأنفسنا بتقييد ملاحظة قد لا تخلو من نفع فيما ~~سنعالجه، وهي أن تلك الأغراض ms062 السياسية سمحت للشعراء بما لم تسمح به لسواهم من ~~إعفائهم من إقامة الحدود. # وقد سبق لنا أن أشرنا إلى كتاب معاوية إلى مروان بن الحكم في صدد حده ~~للشاعر المناصر لسياسة بني أمية، وهو عبد الرحمن بن أرطاة المعروف بأبي سيحان، ~~وكان حده لشربه الخمر. وابن سيحان هذا هو الذي قال في صفته أبو الفرج الأصفهاني: # كان عبد الرحمن شاعرا مقلا إسلاميا، ليس من الفحول المشهورين ~~ولكنه كان يقول في الشراب والغزل ومدح أحلافه من بني أمية، وهو أحد ~~المعاقرين للشراب والمحدودين فيه، وكان مع بني أمية كواحد منهم، إلا أن ~~اختصاصه بآل أبي سفيان وآل عثمان خاصة كان أكثر، وخصوصه بالوليد بن ~~عثمان ومؤانسته إياه أزيد من خصوصه بسائرهم؛ لأنهما كانا يتناوبان على ~~الشراب. # ونريد الآن أن نفسر هذه الحادثة تفسيرا معتدلا لنخرج منها بما عساه يمدنا ~~وينفعنا فيما سنقدم عليه من مناقشة العصور التي تلت هذا العصر، تلك العصور ~~التي تغذت، من غير شك، بأفاويق العصر الأموي الذي تقدمها، فنبتت فيها بذوره ~~حتى كادت تنمو في حديقته الأنف الحسانة دوحات خطرة على الاعتبارات ~~الخلقية التي تووضع عليها. # وإنك إذا رجعت إلى كتاب معاوية، ورجعت إلى كتاب الأغاني نفسه، ومؤلفه أموي ~~كما تعلم، وجدته قد أقام الحجة في غير موضع على أن هذا الشاعر عاقر الخمر؛ وهاك ~~ما يؤيد ذلك ويعززه: # قال: كان الوليد بن عثمان ذا غلة في الحجاز يخرج إليها في زمان الثمر بنفر من ~~قومه، يجنون له ويعاونونه، فكان إذا حضر خروجهم دفع إليهم نفقات لأهليهم إلى ~~رجعتهم، فخرج بهم مرة كما كان يخرج وفيهم ابن سيحان، فأتى ابن سيحان كتاب من ~~أهله يسألونه القدوم لحاجة لا بد منها، فاستأذنه فأذن له، فقال له ابن سيحان: ~~زودوني من شرابكم هذا. فزودوه إداوة ملأها له من شرابهم، فكان يشربها في ~~طريقه حتى قدم على أهله، فألقاها في جانب بيته فارغة، فمكث زمانا لا يذكرها ~~حتى كنسوا البيت فرآها ملقاة في الكناسة فقال: # لا تبعدن إداوة مطروحة # كانت ms063 حديثا للشراب العاتق # إن تصبحي لا شيء فيك فربما # أترعت من كأس تلذ لذائق # بأبي الوليد وأم نفسي كلما # بدت النجوم وذر قرن الشارق # كم عنده من نائل وسماحة # وشمائل ميمونة وخلائق # وكرامة للمعتفين إذا اعتفوا # في ماله حقا وقول صادق # أثوى فأكرم في الثواء وقضيت # حاجاتنا من عند أروع باسق # لما أتيناه أتينا ماجد ال # أخلاق سباقا لقرم سابق # قال الوليد يدي لكم رهن بما # حاولتمو من صامت أو ناطق # فإني الوليد اليوم حنت ناقتي # تهوي بمغبر المتون سمالق # حنت إلى برق فقلت لها قري # بعض الحنين فإن شجوك شائقي # فهذا اعتراف صريح بمعاقرته للخمر، ثم لنثبت هنا قصيدته التي مدح بها ~~معاوية: # إني امرؤ أنمى إلى أفضل الورى # عديدا إذا ارفضت عصا المتخلف # إلى نضد من عبد شمس كأنهم # هضاب أجا أركانها لم تقصف # ميامين يرضون الكفاية إن كفوا # ويكفون ما ولوا بغير تكلف # غطارفة ساسوا البلاد فأحسنوا # سياستها حتى أقرت لمردف # فمن يك منهم موسرا يغش فضله # ومن يك منهم معسرا يتعفف # وإن تبسط النعمى لهم بسطوا بها # أكفا سباطا نفعها غير مقرف # وإن تزو عنهم لا يضجوا وتلفهم # قليلي التشكي عندها والتكلف # إذا انصرفوا للحق يوما تصرفوا # إذا الجاهل الحيران لم يتصرف # سموا فعلوا فوق البرية كلها # ببنيان عال من منيف ومشرف # وكان من حظها أن كتب معاوية أن يعطى أربعمائة شاة وثلاثين لقحة مما يوطن ~~السيالة غير ما أعطاه سواه. # ومهما يكن الواقع الذي حدا ابن الحكم إلى حده، فإن السياسة الحزبية ومدائح ~~ابن سيحان في معاوية، واستعمال الأخير الشعراء في مناصرة بيته، كل ذلك دفع ~~بمعاوية إلى كتابة ما كتب لابن الحكم أولا، ثم للوليد بن عتبة ثانية، حتى ~~اضطره لرفده بخمسمائة دينار مما وصفه صاحب الأغاني؛ فكانت الغلبة للشعر لا ~~للشرع، وللغاية السياسية لا الدينية، فلنقيد هذه الملاحظة فقط بلا توسع ولا ~~إسهاب. ~~••• # وبعد، فلنلخص ما تقدم عن شعراء السياسة، وهم العنصر الهام الذي لعب دورا ~~بارزا في الأدب العربي في العصر الأموي، ms064 والذي كان له أثره ونتائجه في العصر ~~العباسي، في كلمة ختامية في هذا الموضوع نبين فيها جماعة الشعراء السياسيين ~~وألوانهم السياسية. # كان جل شعراء هذا الدور أمويين؛ فإنا نجد إلى جانب شعراء الدور الأول من ~~أنصار بني أمية شعراء آخرين أخذوا بناصرهم ودافعوا عن كيانهم، مثل أبي العباس ~~الأعمى هجاء ابن الزبير، وأبي قطيفة طريد ابن الزبير، وأبي صخر الهذلي ~~المتعصب لآل مروان وهجاء ابن الزبير، وعدي بن الرقاع، والوليد بن أمية بن ~~عائذ الهذلي، وجبيهاء الأشجعي، والحكم بن عبدل الأسدي، والسلولي، وموسى شهوات ~~وغيرهم. # والشعراء العلويون وفي طليعتهم النعمان بن بشير الأنصاري، والكميت بن يزيد، ~~وأيمن بن خريم، على أن الأخيرين اضطرا إلى امتداح بني أمية ومسايرتهم، فإنا نجد ~~الكميت قد مدح هشاما، كما نجد أيمن مدح عبد الملك، ثم نجد شعراء دون ذلك، مثل ~~أنصار آل المهلب بن أبي صفرة؛ كزياد الأعجم، وثابت قطنة، وحمزة بن بيض، وكعب ~~الأشقري وغيرهم، وأخيرا نجد حزب آل الزبير، ومن شعرائه عبد الله بن الزبير ~~الأسدي. # وصفوة القول أن المعركة السياسية بين بني أمية ومنافسيهم في الملك أو الجاه ~~وما يتبعهما من إغداق الأموال والعطايا على أنصار كل فريق، جعلت هوى الشعراء مع ~~من أحسن إليهم، واللها تفتح اللها. ~~••• # من كل هذا يتبين ما اتسع أمام الآداب العربية من ميدان فسيح في ضروب شتى من ~~ألوان الحياة لم تكن تعرفها من قبل. # وقد آن لنا أن ننتقل إلى الكتاب الثاني من موضوعنا، ونرجو أن نوفق إلى إيضاح ~~ما أوجزناه، وبسط ما أجملناه، مبتهلين إلى الله ألا نضل في شعبه ومهامهه، ~~وبهمه ومفاوزه، بمنه وكرمه. # | هوامش # الكتاب الثاني # | عصر بني العباس # الفصل الأول # | الوجهة السياسية # (1) توطئة # رأينا كيف كانت الحياة السياسية والعلمية والأدبية في العصر الأموي، وكيف ~~ظهرت مواطن الضعف وعوامل الانحطاط، وكيف وقع بنو أمية بين الساخطين من العرب ~~والثائرين من الموالي، وكيف انحرف خلفاء معاوية عن خطته السياسية، وكيف عرف ~~فريق منهم بالدين وشغل آخرون بالعبث والمجون. # ونريد الآن أن نلم ms065 إلمامة قصيرة بدور الانتقال إلى العصر العباسي قبل ~~التكلم عن العصر نفسه؛ لنرى كيف كان اتجاه الأفكار في ذلك الحين. ~~(2) دور الانتقال # إن الذي ينظر في كتب التاريخ الإسلامي عامة، ثم يراجع ما كتبه المستشرقون ~~خاصة عن الدولة الفارسية في دور انحطاطها وضياع استقلالها وفناء أهلها في ~~الإسلام، مع رسوخهم في المدنية وسبقهم إلى العلوم الاجتماعية وسياسة الشعوب؛ ~~ليذكر حياة اليونان وعلماء اليونان حين دالت دولتهم وخضعوا للرومان وهم دونهم ~~في العلوم والفنون. # ولسنا هنا بصدد الإفاضة في بيان المناحي التي تغلب فيها الموالي على العرب، ~~فإن لذلك مكانه الطبعي في هذا الكتاب، وقصارانا الآن أن نحيل القارئ إلى الجزء ~~الأول من كتاب الأستاذ «إدوارد برون» الذي وضعه عن التاريخ الأدبي للفرس - وهو ~~من مجلدات «مكتبة تاريخ الآداب» - فإن فيه الكفاية لمن يريد تفصيلا. # أذعن الموالي صاغرين لغلبة العرب عامة والأمويين خاصة، وذاقوا ما ذاقوا من ~~الذلة والمسكنة، وعانوا ما عانوا من ضروب الهوان، فكان من المعقول أن يترقبوا ~~الفرص لينقضوا على سادتهم العرب، وأن ينتظروا أول بارقة تلوح في أفق السياسة ~~ليناصروا الناقمين على المملكة الأموية؛ فقد كانت دولة بني أمية مكروهة عند ~~الناس ملعونة مذمومة ثقيلة الوطأة، مستهترة بالمعاصي والقبائح، فكان الناس من ~~أهل الأمصار ينتظرون زوال هذه الدولة صباح مساء. ~~••• # أضف إلى ما تقدم أن الشيعة كانت - إلى جانب قوة الحجة في أنها أحق بالخلافة؛ ~~إذ كان أنصارها يدعون إلى بيعة صهر النبي أو أبناء بنت النبي - تضم إلى ~~رجالاتها شخصيات بارزة في الدين والكفاية والصلاح، فكان خيار الناس يطيعونها ~~تدينا، وكان غيرهم يطيعها رغبة أو رهبة. وكان العلويون لا يفترون عن بث ~~دعاتهم في العراق وفارس وخراسان وغيرها من البلاد النائية عن مركز الخلافة التي ~~انفصمت عروتها وكان من انحلالها ما وصفناه. وكان الفرس يستخدمون زملاءهم ~~المنتشرين في البقاع العربية في الدعوة إلى مبايعة خصوم الأمويين ومناصرتهم، ~~رغبة في التخلص من ظلم بني أمية وعسفهم، وطمعا في أن يكون لهم من تبدل ~~الحال حظ من العزة ms066 والسلطان. # ولنذكر مع هذا ثورة الممالك الإسلامية عامة على الأمويين، تلك الثورة ~~الهادئة المخيفة التي كان من آثارها أن قتل بعض ولاتهم في الأمصار، وأن خرج ~~فريق على الخليفة، ولنذكر كذلك انشقاق البيت الأموي نفسه، وتصدع أركانه؛ فإن ~~لذلك أثره الفعال في ثل عرش الأمويين. وقد كانت بداية ذلك الانشقاق خروج يزيد ~~بن الوليد على عمه الوليد بن يزيد وتشهيره إياه أسوأ تشهير ، ووصمه بأقبح ~~الوصمات، حتى تمثل بعض بني أمية بقول الشاعر: # إني أعيذكمو بالله من فتن # مثل الجبال تسامى ثم تندفع # إن البرية قد ملت سياستكم # فاستمسكوا بعمود الدين وارتدعوا # لا تلحمن ذئاب الناس أنفسكم # إن الذئاب إذا ما ألحمت رتع # لا تبقرن بأيديكم بطونكمو # فثم لا حسرة تغني ولا جزع # ولما تم ليزيد الأمر خرج عليه مروان بن محمد - وكان أمير الجزيرة وأرمينية ~~- ومعه جيش جرار يأتمر بأمره، ومعه الغمر بن يزيد للمطالبة بدم أخيه، فغلب ~~يزيد على أمره وانبسطت في البيت المالك يد الفرقة والانشقاق. ~~(3) الشيعة العلوية # لم تصل الخلافة إلى معاوية إلا بدهائه وسعة حيلته وبعد نظره وحسن تصريفه ~~للأمور، وإلا فقد كان هناك حزب قوي الشكيمة عزيز المكانة يرى علي بن أبي طالب ~~أحق بالخلافة، ولولا دهاء معاوية ما نزل الحسن بن علي ولا أخلى لخصمه الميدان ~~في سنة 41 هجرية، وقد كان من نتيجة ذلك أن سخطت الأحزاب العلوية من تصرفه، ~~فجمعوا الجموع وجندوا الجنود وثاروا على أمير الكوفة الأموي، وهو زياد بن أبيه ~~- وكان يد معاوية التي بها يصول - ولكن زيادا يعرف كيف تخمد الفتنة، وتطفأ ~~الثورة، فبادر إلى استئصال الداء، وقتل منهم خلقا كثيرا أشهرهم حجر بن عدي ~~وأصحاب حجر بن عدي، بيد أن إراقة الدماء تهيج الحماسة، وتؤجج نار العداوة ~~والبغضاء في قلوب المغلوبين، وكذلك ظلت الفتنة تنذر بالشر المستطير. # رأى الدعاة العلويون أنه لا قبل لهم بمعاوية ولا برجاله، فتربصوا بهم ريب ~~المنون، وعللوا النفس بتقلبات الحوادث وعنت الأيام، راجين أن تعود الخلافة إلى ~~بيت النبي، ولكن شد ما ms067 فزعوا يوم أخذ معاوية البيعة لابنه يزيد المعروف ~~بالميل إلى اللهو والقصف والتلهي بالصيد عن شئون المسلمين، وفيه يقول عبد الله ~~بن همام السلولي: # حشينا الغيظ حتى لو شربنا # دماء بني أمية ما روينا # لقد ضاعت رعيتكم وأنتم # تصيدون الأرانب غافلينا # وإنا لنعلم أنه لما مات معاوية سنة 60ه وتولى بعده ابنه يزيد، أبى الحسين ~~أن يبايع له بالخلافة، بل رأى أكثر أهل التقى في مبايعة يزيد خرقا لحرمة ~~الدين، ثم قتل الحسين في كربلاء سنة 61ه فألفت الشيعة «حزب التوابين» بعد ~~وفاة يزيد وبيعة مروان بن الحكم سنة 64ه، وأخرجوا والي الكوفة الأموي عبيد الله ~~بن زياد، وولوا عليهم رجلا منهم. # ثم تألف حزب «شرط الله» بزعامة المختار بن أبي عبيد الله الثقفي، وانقسمت ~~الشيعة العلوية إلى فرق عدة؛ أهمها الفرقة الإمامية، وهي التي ترى أن أحق الناس ~~بالخلافة هم ولد علي من فاطمة بنت النبي، والأئمة في نظرهم اثنا عشر إماما؛ ~~وهم: علي، والحسن، والحسين، وزين العابدين، ومحمد الباقر، وجعفر الصادق، وموسى ~~الكاظم، وعلي الرضا، ومحمد التقي، وعلي التقي، وحسن العسكري، ومحمد ~~المهدي. # ومنها الفرقة الكيسانية، وهي التي تقول بتحول الخلافة بعد الحسن والحسين إلى ~~أخيهما محمد بن الحنفية، ومنها الفرقة الزيدية نسبة إلى زيد بن علي بن الحسين، ~~والفرقة الإسماعيلية نسبة إلى إسماعيل بن جعفر الصادق، وفرق أخرى أصغر من تلك ~~شأنا، وأقل أثرا. ~~••• # على أنه كان يوجد بجانب أولئك الولاة المخلصين لبني أمية والمسرفين في مطاردة ~~الحزب العلوي فريق آخر على رأسه خالد القسري، يعمل لمناصرة العلويين سرا لا ~~علانية، كما يعمل - في العادة - فريق من موظفي الحكومة لحزب الأقلية المضطهد ~~طمعا في المناصب، أو نصرا لعقيدة سياسية، أو إيثارا للعدل والإنصاف. # على أن الدعوة العلوية كانت فاترة ضعيفة إذا قورنت بالدعوة العباسية التي ~~سنتكلم عليها في الكلمة الآتية، ولعل من أكبر أسباب ضعف # 1 # الدعوة العلوية مبايعة زعماء العباسيين محمد بن عبد الله الملقب ~~بالنفس الزكية، فقد بايعه أبو العباس السفاح كما بايعه أبو جعفر ms068 المنصور ~~وغيرهما من أئمة الحزب العباسي. # وكذلك سارت الدعوة لآل محمد شوطا بعيدا، وظاهرتها شخصيات بارزة قوية ~~الشوكة وفيرة المال والجاه، أمثال أبي سلمة الخلال الفارسي المعروف. # وسترى كيف تحولت الدعوة العلوية إلى وجهة أخرى، وكيف استغلت لمصلحة ~~العباسيين. # | هوامش # الفصل الثاني # | العصبية والموالي في الدولة العباسية # (1) توطئة # لقد مرت بك إشارة بسيطة - حين تكلمنا عن العصر الأموي - إلى حنق الموالي ~~الذين نالهم في ذلك العصر من الاحتقار والزراية حظ غير قليل، وبينا لك أن هذه ~~الناحية من المعاملة التي لا تنطبق على المذهب الحديث «حرية، إخاء، مساواة»، ~~كانت عاملا قويا من عوامل الضعف والانحطاط في دولتهم، ووعدناك أن ندرس حال ~~العصبية والموالي في هذا الفصل من الكتاب تمشيا مع النظام الذي وضعناه ~~له. # والآن نعرض عليك حال الشعوب التي كانت خاضعة لسلطان بني أمية حتى تتبين ~~أحوالها النفسية، والأهواء التي كانت غالبة عليها، فإنه لا يكفي في انتقال ~~الملك من شخص إلى شخص، أو من بيت إلى بيت بث الدعوة وتنظيمها، وحزم القائمين ~~بها، وإخلاص المشيرين وكفاية القواد، بل لا بد مع هذه الأمور أن تصادف الدعوة ~~الجديدة نفوسا مستعدة لها، راغبة فيها، عاملة على إنمائها، لكي تزهر وتؤتي ~~ثمارها. # والحق أن الدعوة العباسية قامت في وقت كانت قد توزعت فيه الحواضر الإسلامية ~~أهواء مختلفة، وتقسمت القبائل العربية عوامل العصبية، وأخذت الشعوب المغلوبة ~~على أمرها والتي أصبحت خاضعة للنفوذ العربي تستفيق من الدهشة التي استولت عليها ~~من الفورة العربية التي أخضعتها لسلطان العرب المسلمين. # أما الحواضر الإسلامية فكان قد غلب على كل حاضرة هوى أسرة أو شخص معين، ~~ولم تكن لتخضع للسلطان العربي الأموي لولا القوة القاهرة؛ ولهذا لم يكد يضطرب ~~أمر بني أمية في الأطراف، ويظهر الخارجون من الدعاة على ولاتهم، حتى أخذت هذه ~~الحواضر تنسل عن طاعة بني أمية واحدة بعد أخرى. وتستطيع أن تلتمس هذه الظاهرة ~~بينة واضحة من تقاعد الولايات عن نصرة آخر خلفاء بني أمية عندما حزبه الأمر ~~وتعقبه مطاردوه. ~~(2) العصبية # العصبية هي مناصرة ms069 من يمت إليك بصلة من صلات الحياة؛ كأن تجمعكما رحم قريبة ~~أو بعيدة، أو عقيدة دينية، أو هوى سياسي. فيظهر أنها من طبيعة الوجود؛ إذ لا ~~تختص بها قبيلة دون قبيلة، ولا أمة دون أمة، ولا جنس دون جنس، ولا عصر دون عصر، ~~وكما توجد في الأمم البادية، كذلك توجد في الأمم الحاضرة، وما الدعوات القومية ~~والنعرات الجنسية إلا نوع من العصبية بمعنى أوسع. # والعصبية العربية التي نحن بسبيل القول فيها، والتي كانت من الأسباب التي ~~اضمحل بها سلطان بني أمية، قديمة في القبائل العربية؛ كانت في الجاهلية قبل ~~الإسلام، وكانت تضيق وتتسع بحسب الظروف والمناسبات، فبينما نراها بين العدنانية ~~والقحطانية، وهو أوسع معانيها من الوجهة التاريخية العربية، نراها بين ربيعة ~~ومضر، وهي قبائل عدنانية، ونراها بين بني أمية وبني هاشم، وقد يكون هذا من أضيق ~~ميادينها، وكانت هذه العصبيات تشتد حينا، وتفتر آخر. # فلما جاء الإسلام، ودخل الناس فيه أفواجا، وتم له السلطان في جزيرة العرب، ~~ألف بين القبائل، وأزال ما في صدورهم من أحقاد، وذلك ما يشير إليه قول الله ~~تعالى: # هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين ~~* وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما ~~في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن ~~الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم ~~. # ألف الإسلام بين قلوب العرب، وأزال كل أثر للعصبية القديمة في نفوسهم، ولكنه ~~استبدلها بعصبية واسعة شاملة هي عصبية الإسلام، وجعل المؤمنين جميعا ~~إخوة. # وبقى أمر العرب كذلك إلى عهد الخلفاء الراشدين، وذلك راجع لا محالة إلى عوامل ~~شديدة الأثر في نفوسهم؛ كهيمنة الروح الدينية عليهم، وكانشغالهم بالفتح وما ~~استتبع الفتح من غنائم، وكحزم الخلفاء وحكمتهم، وشدة الولاة وقسوتهم. # فلما كان العصر الأموي واستقر الناس في الحواضر الإسلامية وشغلوا بعض الشيء ~~عن الفتوح، راجعتهم الشنشنة القديمة، فأخذ بعضهم يفتخر على بعض بما كان لآبائهم ~~من مجد في الجاهلية، وبلاء في الإسلام، وما لقبائلهم من قوة وأيد. وقد أدرك بعض ~~شعرائهم النتائج السيئة لذلك، فقال الحارث بن عبد الله بن الحشرج بن المغيرة ms070 بن ~~الورد الجعدي: # أبيت أرعى النجوم مرتفقا # إذا استقلت تجري أوائلها # من فتنة أصبحت مجللة # قد عم أهل الصلاة شاملها # من بخراسان والعراق ومن # بالشام كل شجاه شاغلها # فالناس منها في لون مظلمة # دهماء ملتجة غياطلها # يمسي السفيه الذي يعنفها بال # جهل سواء فيها وعاقلها # والناس في كربة يكاد لها # تنبذ أولادها حواملها # يغدون منها في كل مبهمة # عمياء تمنى لهم غوائلها # لا ينظر الناس في عواقبها # إلا التي لا يبين قائلها # كرغوة البكر أو كصيحة حب # لى طرقت حولها قوابلها # فجاء فينا أزرى بوجهته # فيها خطوب حمر زلازلها # ولقد زاد في إذكاء العصبية بين القبائل العربية حمق بعض الولاة، وعدم ~~أخذهم الأمور التي تقع بين أيديهم بالحزم والحكمة، وأيضا استهانة بعض الخلفاء ~~الأمويين ببعض الأمور وغرورهم بما لهم من سلطان، فكانوا لا يبالون شعور الناس ~~في تعيين الولاة عليهم، مما كان له أبعد أثر في صرف النفوس عنهم، واستجابتها ~~لكل داع إلى الخروج عليهم، وحسبك أن ترى هشام بن عبد الملك - مع حزمه وبعد ~~نظره - يعين نصر بن سيار واليا على خراسان وهو يعلم أن عصبيته بها ضعيفة، فإنه ~~لما استشار فيمن يوليه خراسان بعد أسد بن عبد الله القسري، كان مستشاره يسمى له ~~أشخاصا بما لهم من محامد ومذام، فلما جاء ذكر نصر بن سيار قال: إن اغتفرت له ~~واحدة فإنه عفيف مجرب عاقل، قال هشام: وما هي؟ فقال المشير: عشيرته بها ضعيفة، ~~فقال هشام: «أوتريد عشيرة أقوى مني؟ أنا عشيرته!» # على أن كلمة هشام قد تخفف من آثارها السيئة متانة حكومته، ونفاذ صولته، ~~وقوة شوكته، ولكن الخلفاء جميعا ليسوا كهشام حزما واقتدارا، وليست أيامهم ~~كأيام هشام نجحا وانتصارا. # ومهما يكن من شيء فإن تولية نصر بن سيار على خراسان كانت في الواقع شؤما على ~~بني أمية. # وقد بلغت العصبية بين مضر واليمن في خراسان طورا عنيفا، جعل التزاوج بين ~~الفريقين موضع اضطهاد وسخرية وازدراء. # ولقد قالت أم كثير الضبية لما هدم اليمنيون دور المضرية أثناء الحروب التي ms071 ~~كانت بين نصر والكرماني بسبب العصبية: # لا بارك الله في أنثى وعذبها # تزوجت مضريا آخر الدهر # أبلغ رجال تميم قول موجعة # أحللتموها بدار الذل والفقر # إن أنتم لم تكروا بعد جولتكم # حتى تعيدوا رجال الأزد والظهر # إني استحيت لكم من بذل طاعتكم # هذا المزوني يجبيكم على قهر # وقال شاعر آخر: # ألا يا نصر قد برح الخفاء # وقد طال التمني والرجاء # وأصبحت المزون بأرض مرو # تقضي في الحكومة ما تشاء # يجوز قضاؤها في كل حكم # على مضر وإن جار القضاء # وحمير في مجالسها قعود # ترقرق في رقابهم الدماء # فإن مضر بذا رضيت وذلت # فطال لها المذلة والشقاء # وإن هي أعتبت فيها وإلا # فحل على عساكرها العفاء # ولقد استغل الدعاة العباسيون العصبية التي فتت في عضد الأمويين ومزقتهم ~~أشتاتا وطرائق قددا خير استغلال، وهو ما كان له أبلغ أثر في القضاء على سلطان ~~بني أمية؛ ذلك أن نصر بن سيار، وهو عامل خراسان، قد تحامل على اليمن وربيعة ~~وقدم المضرية، فوثب به جديع بن علي الكرماني الأزدي - وكان رئيس الأزد ~~يومئذ ورجلهم - وقال له: ندعك وفعلك. ومالت معه اليمانية وربيعة، فأخذه نصر ~~وحبسه، فأتت اليمن وربيعة حتى أخرجوه من مجرى كنيف! ثم اجتمعوا، ورام نصر أن ~~يخدعه فيصير إليه، فلم يفعل - وكان في نصر بعض الخرق - فلما علم جديع أن ~~اليمن وربيعة قد اجتمع رأيهما معه على نصر وثب فحاربه، وكان له العلو على ~~نصر، فمال أبو مسلم إلى الكرماني فقال: ادع إلى آل محمد، وجعل يمايل أصحابه ~~ويدعوهم إلى ذلك حتى أظهروا دعوة بني هاشم بخراسان. # هذا ما كان من أمر العصبية بين العرب واستغلالها في إظهار الدعوة لبني ~~العباس. # على أنه يجدر لك ألا يعزب عن ذهنك أن العصبية وإن كانت قد خدمت العباسيين ~~أجل الخدم، فكانت معول هدم وعامل فناء في صرح الأموية، كان ضرامها وأجيجها ~~وحروبها وفتنها لم تخمد سراعا، ولم ترجع أمور العباد إلى نصابها من ~~الموادعة وحسن المصانعة بتيسير حال؛ بل أخذت دورها المحتوم، وكانت حسكا ms072 ~~وقتادا، الفينة بعد الفينة، في بعض الولايات والأمصار، لبني العباس أنفسهم، ~~كما ستقف عليه فيما سنسرده عليك من خلاصة أخبارهم ومجمل تاريخهم. ~~(3) الموالي # لما أفضت الخلافة إلى الأمويين كان عدد الموالي آخذا في الازدياد بسبب ما ~~جلبته الفتوح الإسلامية من الأسرى، وما كان يهديه الولاة إلى الخلفاء من ~~الرقيق؛ فإن الولاة كثيرا ما كانوا يبعثون إلى الخليفة بمئات أو ألوف من ~~الرقيق الأبيض أو الأسود هدية أو بدلا من الخراج أو نحوه. # ومن كان يحر من هؤلاء بعتق أو مكاتبة أو تدبير يصير مولى، وينسب إلى ~~أسرة معتقه أو قبيلته، مع ملاحظة عدم أهليته للبناء على قرشية أو عربية. # كثر عدد الموالي جدا، فانصرف فريق منهم إلى الصناعة، وآخر إلى الزراعة أو ~~غيرها من شئون الحياة، وانصرف فريق آخر إلى العلوم والفنون والآداب، فكان منهم ~~جلة الفقهاء ورواة الحديث، كما كان منهم الشعراء والكتاب والمغنون، وتولت طائفة ~~منهم المناصب السامية في الدولة كالقضاء والحجابة وما إلى ذلك. # على أنه مع ما كان لكثير من الموالي من قدم راسخة ومنزلة رفيعة في العلم ~~والأدب والفنون كان العرب ينظرون إليهم دائما نظرة احتقار وازدراء. # وكان هذا الاحتقار والازدراء يظهر في معاملة العرب للموالي وأحاديثهم عنهم، ~~ولما كان الموالي أهل علم وأدب، وينتمي كثير منهم إلى دول كان لها من السلطان ~~ومظاهر الحضارة حظ عظيم، بل كان للفرس وجل الموالي منهم سيادة ظاهرة على العرب ~~قبل الإسلام، لما كان كل هذا عظم على الموالي أن يحتملوا كل هذا الضيم من ~~العرب، فاندفعوا يذودون عن شرفهم وكرامتهم، ومن هنا نشأت الشعوبية - والشعوبية ~~مذهب من يرى تفضيل العجم على العرب أو التسوية بين الفريقين - ثم أخذ الشعراء ~~وغير الشعراء من الفريقين يتبارون في إكبار كل لفريقه، والحط من الفريق ~~الآخر. # وكان نصيب الموالي في حالة تمدحهم لقومهم من الخلفاء الأمويين مدعاة إلى ~~زيادة مقتهم لهم، وزيادة السخيمة في قلوبهم عليهم. وإنا نثبت لك هنا مثلا ~~استشهد به الأستاذ «برون» في كتابه عن أدب الفرس، نقلا ms073 عن الأغاني، قال: إن ~~إسماعيل بن يسار دخل على هشام بن عبد الملك في خلافته وهو بالرصافة جالس على ~~بركة له في قصره، فاستنشده وهو يرى أنه ينشد مديحا له؛ فأنشدة قصيدته التي ~~يفتخر فيها بالعجم: # يا ربع رامة بالعلياء من ريم # هل ترجعن إذا حييت تسليمي # ما بال حي غدت بزل المطي بهم # تخدي لغربتهم سيرا بتقحيم # كأنني يوم ساروا شارب سلبت # فؤاده قهوة من خمر داروم # حتى انتهى إلى قوله: # إني وجدك ما عودي بذي خور # عند الحفاظ ولا حوضي بمهدوم # أصلي كريم ومجدي لا يقاس به # ولي لسان كحد السيف مسموم # أحمي به مجد أقوام ذوي حسب # من كل قرم بتاج الملك معموم # جحاجح سادة بلج مرازبة # جرد عتاق مساميح مطاعيم # من مثل كسرى وسابور الجنود معا # والهرمزان لفخر أو لتعظيم # أسد الكتائب يوم الروع إن زحفوا # وهم أذلوا ملوك الترك والروم # يمشون في حلق الماذي سابغة # مشى الضراغمة الأسد اللهاميم # هناك إن تسألي تنبي بأن لنا # جرثومة قهرت عز الجراثيم # قال: فغضب هشام وقال له: يا عاض بظر أمه، أعلي تفخر، وإياي تنشد قصيدة ~~تمدح بها نفسك وأعلاج قومك؟! غطوه في الماء. فغطوه في البركة حتى كادت نفسه ~~تخرج، ثم أمر بإخراجه وهو يشر، ونفاه من وقته، فأخرج من الرصافة منفيا إلى ~~الحجاز، قال: وكان مبتلى بالعصبية للعجم والفخر بهم، فكان لا يزال محروما ~~مطرودا. # ولما كان شأن الخلفاء الأمويين شأن سائر العرب في التعصب على الموالي حتى ~~كانوا يستعملونهم في الحروب مشاة ولا يعطونهم شيئا من الغنائم والفيء، نفرت ~~نفوسهم منهم، وأصبح سلطانهم بغيضا إليهم، وصاروا عونا لكل من خلع الطاعة، أو ~~طلب الخلافة من العلويين أو الخوارج. # ولقد كان العباسيون يدركون هذا الشعور في الموالي فاستغلوه خير استغلال؛ إذ ~~اتخذوا جلة المبشرين بدعوتهم منهم، واعتمدوا كل الاعتماد عليهم، ورأى الموالي ~~في الدعوة الجديدة شفاء لما في صدورهم من حقد على بني أمية خاصة، وعلى العرب ~~عامة، فأخلصوا للدعوة الجديدة، وبذلوا في تحقيقها كل ما ms074 يملكون من نفوس ~~وأموال. # على أن لهذا الموضوع نواحي متشعبة يحول دون التحدث فيها ما رسمناه لأنفسنا ~~من التزام القصد والإيجاز. # الفصل الثالث # | الدعوة العباسية # (1) توطئة # كانت الدعوة العلوية تسير جنبا إلى جنب مع الدعوة العباسية، فقد كان ~~الفريقان مضطهدين مغلوبين على أمرهما، وكان من المعقول والطبعي أن ظلم بني أمية ~~لهؤلاء وهؤلاء يجمع ما تفرق من أهوائهم، ويفل حدة ما بينهم من عوامل التنافس ~~والخلاف. # وقد كان بنو هاشم أعداء للأمويين قبل الإسلام بسبب التزاحم على السيادة في ~~قريش، ولشد ما كان طلب السيادة والزعامة مدعاة إلى العداوة والشحناء، وسببا ~~إلى التناحر والتقاتل بين بني الإنسان. # جد العباسيون في دعوتهم السياسية وهم في الحميمة من أعمال البلقاء ~~بالشام، وزادوا حمية وحماسة بتنزل أبي هاشم بن محمد بن الحنفية العلوي، زعيم ~~الحزب الكيساني، لمحمد بن علي بن عبد الله بن عباس، حين دس إليه سليمان بن ~~عبد الملك من سمه؛ إذ رأى فيه من المهابة والوقار ما يؤهله للخلافة، ~~ويقربه من قلوب الجماهير. # وقد كان في تنزل أبي هاشم هذا لصاحب الدعوة العباسية توحيد لحزبين قويين؛ ~~هما الحزب العباسي # 1 # والشيعة الكيسانية، وهذا التوحيد أو التقريب بين الحزبين كانت ~~ثمرته لحزب العباسيين. ~~(2) تأليف الجماعات السرية # عمل العباسيون في تأليف الجماعات السرية للدعوة، واختاروا من الدعاة اثني عشر ~~نقيبا؛ وهم: سليمان بن كثير الخزاعي، ومالك بن الهيثم، وطلحة بن زريق، وعمر بن ~~أعين، وعيسى بن أعين، وقحطبة بن شبيب الطائي، ولاهز بن قريظ التميمي، وموسى بن ~~كعب، والقاسم بن مجاشع، وأبو داود خالد بن إبراهيم الشيباني، وأبو علي الهروي ~~شبل بن طهمان الحنفي، وعمران بن إسماعيل المعيطي. # واختار محمد بن علي سبعين رجلا ~~يأتمرون بأمر هؤلاء الدعاة، وكتب إليهم كتابا يوصيهم فيه بما يرجو أن ~~يوفقوا إلى العمل به وهم يوجهون الدعوة، ويحاورون الأحزاب. # وهذا الكتاب يدل على ما كان عليه هذا الزعيم العباسي من علم بأحوال الناس في ~~عصره، وبصر بأخلاق الشعوب التي كانت خاضعة للسلطان الإسلامي، وبما كانت تجيش ms075 ~~به النفوس في كل صقع وحاضرة، وبمثل هذا الزعيم الداهية ومن اجتباهم للدعوة ~~العباسية قد كتب الفوز لهذه الدعوة آخر الأمر، ومما قاله هذا الزعيم في كتابه: # أما الكوفة وسوادها فشيعة علي وولده، وأما البصرة وسوادها فعثمانية ~~تدين بالكف تقول: كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل، وأما ~~الجزيرة فحرورية مارقة، وأعراب كأعلاج، ومسلمون في أخلاق النصارى، وأما ~~أهل الشام فليس يعرفون إلا آل أبي سفيان وطاعة بني مروان، وعداوة ~~راسخة، وجهلا متراكما، وأما مكة والمدينة فقد غلب عليهما أبو بكر ~~وعمر، ولكن عليكم بخراسان، فإن هناك العدد الكثير والجلد الظاهر، ~~وهناك صدور سليمة، وقلوب فارغة لم تتقسمها الأهواء، ولم يتوزعها ~~الدغل، وهم جند لهم أبدان وأجسام ومناكب وكواهل وهامات ولحى وشوارب، ~~وأصوات هائلة، ولغات فخمة تخرج من أجواف منكرة ... وبعد، فإني أتفاءل ~~إلى المشرق وإلى مطلع سراج الدنيا ومصباح الخلق. ~~(3) الدعوة العباسية وأبو مسلم الخراساني # كان الدعاة العباسيون يتنقلون في مختلف الأمصار، وكانوا في ظاهر الأمر طلاب ~~رزق يزاولون التجارة، وكانوا في الواقع رجال سياسة ودهاء يبثون الدعوة بالحكمة ~~والموعظة الحسنة، ويدعون الناس إلى مناصرتهم بشتى الأساليب. # وظلوا كذلك إلى أن توفي محمد بن علي، وعهد بالأمر من بعده إلى ابنه إبراهيم ~~الإمام، فكاتب هذا مشايخ خراسان ودهاقينها، وبعث إليهم الدعاة، وأرسل أبا مسلم ~~لخراسان لبث الدعوة هناك، فكان يدعو إلى آل محمد - يريد أهل البيت - من غير أن ~~يعين العباسيين ولا العلويين. # وقد كان أبو مسلم من أبطال الحرب والسياسة، شديد الإخلاص للعباسيين، مسرفا ~~في خدمتهم، كثير الدهاء، واسع الحيلة، خبيرا بما يقتضي عمله من الحزم والقسوة، ~~فلا تعرف الرحمة قلبه، ولا يتناول الأمور إلا بالحزم والبأس الشديد. # ونستطيع أن نتبين مرمى السياسة العباسية من الكتاب الذي بعث به إبراهيم ~~الإمام إلى أبي مسلم الخراساني فيما يرى أن يعمله لتأييد الدولة الجديدة، قال: ~~«إنك رجل منا أهل بيت، احفظ وصيتي: انظر هذا الحي في اليمن فالزمهم، واسكن بين ~~أظهرهم، فإن الله لا يتم هذا الأمر إلا ms076 بهم، واتهم ربيعة في أمرهم، وأما ~~مضر فإنهم العدو القريب الدار، واقتل من شككت فيه، وإن استطعت ألا تدع بخراسان ~~من يتكلم بالعربية فافعل، وأيما غلام بلغ خمسة أشبار تتهمه فاقتله.» # وقد حرص أبو مسلم على تنفيذ هذه الوصية، فكان يسرع إلى قتل كل من يتهمه، ~~ويقضي على كل من يرتاب في أمره حتى بلغت ضحايا هذه الخطة فيما يقول المؤرخون ~~العرب: ستمائة ألف نفس قتلت صبرا. # ومهما افترضت المبالغة والغلو في إيرادهم هذا العدد، فإن الواقع أن أبا مسلم ~~قد أسرف أيما إسراف في القتل وسفك الدماء تنفيذا لوصية الإمام. # حل أبو مسلم خراسان سنة 128ه فساسها بحزمه ودهائه وقوته، وأقام بقرية من قرى ~~مرو يقال لها: «سفيذنج»، وقد كثر أنصاره وانثال الناس عليه من كل صوب، فأعلن ~~فيهم لبس السواد، واتخذه شعارا للعباسيين، ثم غير شكل صلاة العيدين بأن بدأ ~~بها قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة - وكانت بنو أمية تبدأ بالإقامة كصلاة يوم ~~الجمعة - وأمر بأن يكبر ست تكبيرات تباعا، وكاتب نصر بن سيار الوالي ~~الأموي، ولما ضاقت «سفيذنج» عليه ولم تتسع لأنصاره رحل إلى الماخوان، # 2 # وكانت عدة رجاله - فيما يقول المؤرخون - سبعة آلاف رجل، ثم احتال ~~في التفرقة بين نصر ورجاله حتى أخذ بناء خصمه ينهار، ويتخلى عنه أنصاره واحدا ~~بعد واحد، وفي هذا يقول نصر شعرا بعث به إلى مروان الحمار الخليفة ~~الأموي: # أرى بين الرماد وميض نار # ويوشك أن يكون لها ضرام # فإن لم تطفها عقلاء قوم # يكون وقودها جثث وهام # فإن النار بالعودين تذكى # وإن الحرب أولها كلام # فقلت من التعجب ليت شعري # أأيقاظ أمية أم نيام؟ # فلما ورد هذا الشعر على مروان لم يجب عليه بما يجب أن يجيب به الملك الحازم ~~الحريص على ملكه المبقي على عرشه، من مبادرته بإرسال الكتائب والجيوش لكبح ~~الثائرين على الملك، أو إعداده المعدات لإرسالها، وإنما كتب إلى نصر كتابا ~~يمثل الضعف والاستسلام، وينبئ بجنوحه إلى سياسة القول والكلام - في موضع يتطلب ~~تقلد الرمح والحسام ms077 - يقول فيه: «إن الحاضر يرى ما لا يرى الغائب، فاحسم أنت ~~هذا الداء الذي قد ظهر عندك»، فقال نصر لأصحابه: «أما صاحبكم فقد أعلمكم أنه لا ~~نصر عنده.» ~~••• # يجب ألا يفوتنا أن نشير هنا إلى ناحية مهمة في خلق أبي مسلم تمثل ما يجب ~~على القواد من الحزم والكتمان؛ فقد جاء في «كتاب المحاسن والمساوي» للبيهقي ما ~~نصه: «قيل لأبي مسلم صاحب الدولة: بأي شيء أدركت هذا الأمر؟ فقال: ارتديت ~~بالكتمان ، وائتزرت بالحزم، وحالفت الصبر، وساعدت المقادير، فأدركت ظني، ~~وحزت حد بغيتي، وأنشد: # أدركت بالحزم والكتمان ما عجزت # عنه ملوك بني مروان إذ حشدوا # ما زلت أسعى عليهم في ديارهم # والقوم في غفلة بالشام قد رقدوا # حتى ضربتهمو بالسيف فانتبهوا # من نومة لم ينمها قبلهم أحد # ومن رعى غنما في أرض مسبعة # ونام عنها تولى رعيها الأسد» # ا.ه. # على أن مروان استيقظ أخيرا من غفوته، وانتبه من غفلته، وأمر بأخذ إبراهيم بن ~~محمد، فلما قبض عليه في الحميمة بالبلقاء أوصى بالأمر إلى أخيه أبي العباس، ~~وأمر أهله وأنصاره بالمسير إلى الكوفة، وحضهم على السمع والطاعة لأبي ~~العباس. # وقد حبس إبراهيم في سجن «حران» مع جماعة من خصوم مروان من بني أمية، وظل ~~في سجنه حتى مات، وقد اختلف المؤرخون في كيفية موته، فمنهم من قال: إنه سقي ~~سما، ومنهم من قال: هدم عليه بيت فمات. # على أن المؤرخين وإن اختلفت أقوالهم في كيفية موته قد أجمعوا على أنه قد مات ~~غيلة وانتقاما، وقد رثاه بعض الشعراء فقال: # قد كنت أحسبني جلدا فضعضعني # قبر بحران فيه عصمة الدين # فيه الإمام وخير الناس كلهم # بين الصفائح والأحجار والطين # فيه الإمام الذي عمت مصيبته # وعيلت كل ذي مال ومسكين # فلا عفا الله عن مروان مظلمة # لكن عفا الله عمن قال آمين # ثم انتقل الأنصار إلى الكوفة، وقد ساعدهم أبو سلمة الخلال المعروف ب «وزير ~~آل محمد»، ولكنه عدل عنهم أخيرا، وقيل: إنه كاتب ثلاثة من أعيان بني علي ~~يعرض الخلافة على أحدهم؛ وهم: ms078 جعفر الصادق بن محمد الباقر، وعبد الله المحض بن ~~حسن، وعمر الأشرف بن زين العابدين، وكانت خاتمة حياته القتل. # ونريد بعد الذي قدمناه أن نلم بحياة الخلفاء العباسيين الذين سبقوا ~~المأمون، لنرى كيف كانت الحياة السياسية في عهدهم الذي كان بلا شك نواة صالحة ~~لعصر المأمون، وإنا لنرجو إذا وفقنا إلى بيان المناحي التي امتاز بها هؤلاء ~~أن ينكشف الغطاء عن حقيقة أمرهم ومكانتهم التاريخية، كما نرجو أن نظفر من وراء ~~تفهم أقدارهم وحقيقة عصورهم بتفهم الأصول التي كونت العصر الذي من أجله وضع ~~هذا الكتاب. # | هوامش # الفصل الرابع # | أبو العباس السفاح # كان أبو العباس السفاح أول من تولى الخلافة العباسية ونقل الملك من بني أمية إلى ~~بني العباس، وقد أجمع المؤرخون على أنه كان وافر الكرم، ظاهر المروءة، جليل الوقار، ~~كثير الحياء، حسن الأخلاق، وصولا لذوي الأرحام. # وكان إلى جانب هذه الأخلاق السمحة الرضية يجمع قلبا ذكيا وأنفا حميا في ~~تعقب الأمويين، وتبديد شملهم في كل بقعة يخشى أن تسمع لهم فيها كلمة، أو يطاع لهم ~~رأي، أو يؤثر عنهم صنيع. وكانت هذه الدولة الناشئة تحتاج إلى مثل هذه القسوة من ~~مثل أبي العباس السفاح. # ويجب أن نذكر دائما في مثل هذه الظروف أن جل الملوك الذين بعثوا لإنشاء دول ~~جديدة، وممالك جديدة، وأسرات ملكية جديدة، مثل أبي العباس السفاح وغيره، هم مكرهون ~~لا محالة على استعمال القسوة، وأخذ الأمور بالحزم والشدة دون إغفالهم الموادعة ~~والملاينة فيما لا يهدد عروش ملكهم، وصروح سلطانهم. # قالوا: إنه كان في بعض أيامه جالسا في مجلس الخلافة وعنده سليمان بن هشام بن عبد ~~الملك وقد أكرمه وتبسط معه حتى دخل عليه سديف الشاعر وأنشده: # لا يغرنك ما ترى من رجال # إن تحت الضلوع داء دويا # فضع السيف وارفع السوط حتى # لا ترى فوق ظهرها أمويا # فقال له سليمان: قتلتني يا شيخ! ودخل السفاح وأخذ سليمان فقتل. # وهذا الذي صنعه السفاح أصبح سنة عباسية في تأييد الملك، وكان قليل من الإغراء ~~كافيا في محق ms079 من تقع عليه العين من خصوم الخلافة، فقد دخل شبل بن عبد الله مولى ~~بني هاشم على عبد الله بن علي وعنده من بني أمية نحو تسعين رجلا على الطعام، فأقبل ~~عليه فقال: # أصبح الملك ثابت الأساس # بالبهاليل من بني العباس # طلبوا وتر هاشم فشفوها # بعد ميل من الزمان وياس # لا تقيلن عبد شمس عثارا # واقطعن كل رقلة وغراس # خوفهم أظهر التودد منهم # وبهم منكم كحز المواسي # ولقد ساءني وساء قبيلي # قربهم من نمارق وكراسي # أنزلوها بحيث أنزلها الله # بدار الهوان والإتعاس # واذكروا مصرع الحسين وزيد # وقتيلا بجانب المهراس # والقتيل الذي بحران أمسى # رهن رمس في غربة وتناسي # فأمر بهم عبد الله فضربوا بالعمد حتى قتلوا، وبسط النطوع عليهم، فأكل الطعام ~~عليها وهو يسمع أنين بعضهم حتى ماتوا جميعا. # ولم تقف هذه الوحشية عند حد التنكيل بالأحياء؛ بل تعدتهم إلى الأموات، فقد ~~ذكر أن عبد الله بن علي أمر بنبش قبور بني أمية بدمشق، فنبش قبر معاوية بن أبي ~~سفيان فوجدت فيه عظام كأنها الرماد، ونبش قبر عبد الملك بن مروان فوجدت فيه جمجمته، ~~وكان لا يوجد في القبر إلا العضو بعد العضو، غير هشام بن عبد الملك؛ فقد وجد صحيحا ~~لم يبل منه إلا أرنبة أنفه، فضربه بالسياط وصلبه وأحرقه وذراه في الريح، ثم ~~تعقب أولاد الخلفاء من بني أمية فلم يفلت منهم إلا من كان في المهد صبيا، وأدرك ~~بعض الهاربين إلى الأندلس فقتلهم بنهر أبي فطرس، # 1 # وكان فيمن قتل محمد بن عبد الملك بن مروان، والغمر بن يزيد بن عبد ~~الملك، وعبد الواحد بن سليمان، وسعيد بن عبد الملك، واستصفى بعد ذلك ما كانوا ~~يملكون من نشب ومال، فلما فرغ منهم تغنى بهذه الأبيات: # بني أمية قد أفنيت جمعكمو # فكيف لي منكمو بالأول الماضي # يطيب النفس أن النار تجمعكم # عوضتمو من لظاها شر معتاض # منيتمو - لا أقال الله عثرتكم - # بليث غاب إلى الأعداء نهاض # إن كان غيظي لفوت منكمو فلقد # منيت منكم بما ربي به راضي ms080 # قلنا: إن السفاح كان إلى جانب هذه القسوة برا بذوي رحمه، وصولا لهم؛ ولنذكر ~~مثالا لذلك تصرفه مع آل الحسن بن علي الذين بايع بعض العباسيين رجلا منهم هو محمد ~~بن عبد الله - كما بينا من قبل - فقد روى عبد العزيز بن عبد الله البصري عن عثمان ~~بن سعيد بن سعد المدني: أنه لما ولي الخلافة أبو العباس السفاح قدم عليه بنو ~~الحسن بن علي بن أبي طالب؛ فأعطاهم الأموال وقطع لهم القطائع، ثم قال لعبد الله بن ~~الحسن: احتكم علي، قال: «يا أمير المؤمنين، بألف ألف درهم، فإني لم أرها قط.» ~~فاستقرضها أبو العباس من ابن مقرن الصيرفي وأمر له بها. # قال عبد العزيز: لم يكن يومئذ بيت مال، ثم إن أبا العباس أتى بجوهر مروان فجعل ~~يقلبه وعبد الله بن الحسن عنده، فبكى عبد الله، فقال له: ما يبكيك يا أبا محمد؟ ~~قال: هذا عند بنات مروان وما رأت بنات عمك مثله قط! قال: فحباه به، ثم أمر ابن مقرن ~~الصيرفي أن يصل إليه ويبتاعه منه، فاشتراه منه بثمانين ألف دينار. # على أن هذا الرفق واللين وهذه السياسة والحكمة لم تنس أبا العباس السفاح ما يجب ~~عليه من مراقبة الطالبيين، والتسمع لما قد يجيش في خواطرهم من الخروج عليه أو ~~الكيد له؛ فإن صلة الرحم من مثل السفاح لا تكون ظاهرة خلقية بقدر ما تكون حيلة ~~سياسية، وكذلك رأيناه يقول لبعض ثقاته وقد خرج من عنده بنو الحسن: «قم بإنزالهم ~~ولا تأل في إلطافهم، وأظهر الميل إليهم والتحامل علينا وعلى ناحيتنا، وأنهم أحق ~~بالأمر منا كلما خلوت بهم، وأحص لي ما يقولون وما يكون منهم في مسيرهم ~~ومقدمهم.» # ومما ذكرناه يرى القارئ معنا أن السفاح قد جمع حقا القسوة واللين، وأنه لم يكن ~~في عنفه بأخطر منه في رقته، وإنما كان يلين ليستل سخيمة مدفونة، أو ليستدرج بعض ~~الحاقدين، ويقسو ليري أعداءه أن لا أمل لهم في الكيد لذلك السيف المسلول. # ومهما يكن من شيء، فإن خلافة أبي ms081 العباس كانت أقصر من أن تسمح لخصاله وأخلاقه ~~بالظهور والتأثير القوي في سياسة الدولة وسيرة خلفائها. # ولو عمر السفاح لكان من الممكن أن يرسم لخلفائه خطة تجنبهم بعض ما تورطوا فيه من ~~الاضطراب. # | هوامش # الفصل الخامس # | أبو جعفر المنصور # كان المنصور ملكا سديد الرأي، محكم التدبير، وكان قوي العزيمة، جريء القلب، يمضي ~~إلى غايته مضي السهم إلى الرمية لا يثنيه عنها شيء، سياسي حاذق لا يقبل أن ~~تتدخل في سياسته عاطفة ولا خلق ولا اعتبار آخر إلا فوزه السياسي ليس غير، وهو إلى ~~ذلك داهية، وربما اضطره الدهاء إلى شيء إن لم يكن الإثم الخلقي فهو يشبهه في كثير ~~من الأحيان. # وهو من هذه الناحية أحد أولئك الساسة الذين عرفهم التاريخ من حين إلى حين ~~بالإقدام في غير تردد ولا لين ولا تهيب للوسائل، والذين مثلهم «مكياڤلي» أحسن ~~تمثيل. # فقد ذكر ابن الأثير أنه أحضر مرة ابن أخيه عيسى بن موسى وأمره بالمسير إلى ~~المدينة لقتال محمد بن عبد الله، فقال: شاور عمومتك يا أمير المؤمنين، قال ~~المنصور: فأين قول ابن هرمة: # نزور امرأ لا يمخض القوم سره # ولا ينتجي الأدنين فيما يحاول # إذا ما أتى شيئا مضى كالذي أتى # وإن قال: إني فاعل، فهو فاعل؟ # ثم قال: امض أيها الرجل، فوالله ما يراد غيري وغيرك، وما هو إلا أن تشخص أنت أو ~~أشخص أنا. فسار وسير معه الجنود، وقال المنصور لما سار عيسى: «لا أبالي أيهما قتل ~~صاحبه!» # وكان إلى جانب ذلك كما قال الجاحظ: مقدما في علم الكلام، ومكثرا من كتاب ~~الآثار، ولكلامه كتاب يدور في أيدي العارفين والوراقين معروف عندهم. # وفي وصف المنصور يقول يزيد بن هبيرة: «ما رأيت رجلا قط في حرب ولا سمعت به في ~~سلم أمكر ولا أبدع ولا أشد تيقظا من المنصور، لقد حصرني في مدينتي تسعة أشهر ومعي ~~فرسان العرب، فجهدنا كل الجهد أن ننال من عسكره شيئا نكسره به فما تهيأ، ولقد ~~حصرني وما في رأسي بيضاء، فخرجت إليه وما في ms082 رأسي سوداء.» # وكان المنصور يعطي في موضع العطاء ويمنع في موضع المنع، ولكن المنع كان أغلب ~~عليه، حتى ضرب المثل بشحه وسمي «أبا الدوانيق»؛ لشدته في محاسبة العمال والصناع ~~على الحبة والدانق. # وقد يكون من المستطرف أن نذكر شيئا مما رواه الطبري في تمثيل هذه الناحية من ~~أخلاق المنصور، فقد جاء فيه أن واضحا مولاه قال: «إني لواقف يوما على رأس أبي ~~جعفر إذ دخل المهدي وعليه قباء أسود جديد، فسلم وجلس ، ثم قام منصرفا وأتبعه أبو ~~جعفر بصره؛ لحبه له وإعجابه به، فلما توسط الرواق عثر بسيفه فتخرق سواده، فقام ~~ومضى لوجهه غير مكثرت لذلك ولا حافل به، فقال أبو جعفر: ردوا أبا عبد الله. ~~فرددناه، فقال: يا أبا عبد الله، أستقلالا للمواهب أم بطرا بالنعمة، أم قلة علم ~~بالمصيبة كأنك جاهل بما لك وما عليك؟» # فانظر إليه كيف لام ابنه وولي عهده وقد كان عنده أثيرا، ولامه بمحضر من حاشيته ~~في شيء ليس ذا بال عند أوساط الناس فضلا عن الخلفاء! # ومهما يعتذر للمنصور بحرصه على الاقتصاد في أموال دولة ناشئة، وأخذ ولي العهد ~~بتجنب الإسراف والإهمال، فقد نرى أن هذه الحادثة وأمثالها - مما سنرويه لك - تظهر ~~ناحية صغيرة من نفسية المنصور، فقد كانت أمامه جلائل الأعمال في الدولة يستطيع أن ~~يظهر فيها ميله إلى الحرص والاقتصاد دون أن يسف إلى هذه الصغائر. ~~••• # على أننا لا نستطيع أن نمتنع عن ذكر معاوية مؤسس الدولة الأموية والمقارنة بينه ~~وبين المنصور مؤسس الدولة العباسية حقا من هذه الناحية؛ فقد كان معاوية - كما ~~رأيت - أكرم الناس، وأشدهم تسخيرا للأموال العامة والخاصة في الأغراض السياسية، ~~وكان المنصور أشح الناس بالأموال العامة والخاصة، يؤثر التضحية بالدماء ~~والكفايات في سبيل أغراضه السياسية على التضحية بالأموال. # ولعل من الإنصاف أن نلاحظ الفرق بين العصرين، وبين الدعائم التي اعتمد عليها ~~الرجلان في إقامة ملكهما، فقد كان معاوية في بيئة عربية لم تخلص بعد من البداوة ~~ولا من سماحة الدين، فكان الحلم والكرم أليق به وأنفع، بينما ms083 كان المنصور في ~~بيئة من الفرس والموالي تأثرها بالحضارة شديد، وحظها من الدين قليل. # ولو بسط معاوية سلطانه بالسيف لفشل، ولكننا نرى أن لو بسط المنصور سلطانه بالمال ~~في شيء من الحزم لوفق ولحقن الدماء، ولرسم لخلفائه خطة أقرب إلى اللين والعافية ~~من هذه الخطة العنيفة التي ستراها في سيرة أكثرهم. # وحدث الوضين بن عطاء قال: «استزارني أبو جعفر - وكانت بيني وبينه خلالة قبل ~~الخلافة - فصرت إلى مدينة السلام، فخلونا يوما فقال لي: يا أبا عبد الله، ما ~~مالك؟ فقلت: الخير الذي يعرفه أمير المؤمنين، قال: وما عيالك؟ قلت: ثلاث بنات ~~والمرأة وخادم لهن، فقال لي: أربع في بيتك؟ قلت: نعم، قال: فوالله لردد ذلك ~~علي حتى ظننت أنه سيمولني، قال: ثم رفع رأسه إلي فقال: أنت أيسر العرب؛ أربع ~~مغازل يدرن في بيتك!» # على أن شح المنصور لم يكن يخلو أحيانا من بعض الظرف والفكاهة؛ فقد ذكر إبراهيم ~~بن عبد الرحمن أن أبا جعفر كان نازلا على رجل يقال له: أزهر السمان، قبل خلافته، ~~فلما ولي الخلافة زاره الرجل وطلب صلته، فوصله، ثم عاوده فوصله، وجاءه في الثالثة ~~فقال له المنصور: يا أزهر، ما جاء بك؟ قال: دعاء سمعته منك أحببت أن آخذه عنك، قال: ~~لا ترده فإنه غير مستجاب؛ لأني قد دعوت الله أن يريحني من خلقتك فلم يفعل! وصرفه ~~ولم يعطه شيئا. # وربما كان من العدل التاريخي أن نحتاط أمام هذه الروايات الكثيرة التي أسرف ~~المؤرخون في روايتها إثباتا لبخل المنصور وشحه؛ فقد يكون مصدرها ما ألفوه من ~~إسراف الخلفاء، ولعل المنصور لم يبلغ أكثر من أنه كان شديد الميل إلى الحرص ~~والتدبير، والنفرة من الملحفين، وأخذ أهل بيته بذلك كله. # ولم يفت المنصور أن يعلل ذلك البخل؛ فقد جاء في عيون الأخبار أنه قال في مجلسه ~~لقواده: «صدق الأعرابي حيث يقول: أجع كلبك يتبعك»، فقام أبو العباس الطوسي ~~وقال: «يا أمير المؤمنين، أخشى أن يلوح له غيرك برغيف فيتبعه ويدعك!» # وقد كان أبرويز أحكم من المنصور ms084 إذ قال لابنه شيرويه وهو في حبسه: «لا توسعن ~~على جندك فيستغنوا عنك، ولا تضيقن عليهم فيضجوا منك، أعطهم عطاء قصدا، ~~وامنعهم منعا جميلا، ووسع عليهم في الرجاء، ولا تسرف عليهم في العطاء.» ~~••• # وليس أدل على الشخصية السياسية لهذا الخليفة من سيرته مع ثلاثة هم في حقيقة الأمر ~~أكبر زعماء الدولة في عصره، فهذه السيرة تبين لك - في وضوح وجلاء - ما قدمناه من أن ~~المنصور كان «مكياڤلي» السياسة لا يحجم عن الغدر وقطع الرحم وكفر النعمة إذا رأى ~~منفعته في ذلك. # وهؤلاء الزعماء هم؛ أولا: أبو مسلم الذي أخلص في نصرة المنصور والسهر على ملكه، ~~فلم يأل جهدا في تعقب الخارجين على الملك، لا يفرق في ذلك بين أشياع المنصور ~~وأهله من بني العباس، ولا خصومه الذين يكيدون له في السر أو في العلانية، فقتل ~~الشيباني والكرماني وأبا سلمة الخلال، وحارب عم المنصور عبد الله بن علي واستولى ~~على ما في عسكره من الغنائم والأسلحة. وثانيا: عمه عبد الله بن علي، وهو الذي فعل ~~ما فعل في نصرة الدعوة العباسية وتقتيل خصومها من بني أمية، فضلا عن حروبه الموفقة ~~في صد جيوش مروان، ومع ذلك فقد سلط عليه المنصور أبا مسلم فحاربه وقهره، ولما لم ~~يصل إلى قتله كلف ابن عمه عيسى بن موسى والي الكوفة أن يقتله، فلما لم يقتله ~~تولى المنصور قتله بنفسه؛ ليأمن ما قد يحدثه من الثورة والاضطراب. وثالثا: ابن ~~عمه وولي عهده عيسى بن موسى، وقد رأيت كيف أشخصه المنصور لقتال محمد بن عبد الله ~~ملحا في ذلك، حتى إذا أشخص قال المنصور: «لا أبالي أيهما قتل صاحبه!» ثم ما زال ~~المنصور يكيد لهذا الأمير حتى خلعه من ولاية العهد، وبايع مكانه لابنه المهدي، ثم ~~مضى في الكيد له. وقد يكون من المفيد أن ننقل ما جاء في المستطرف عن خلع عيسى بن ~~موسى من ولاية العهد بمعرفة المنصور، وما قاله ابن الأثير عن قتل عمه عبد الله بن ~~علي، فإن فيما قالاه تصويرا دقيقا ms085 لسياسة المنصور، وتمثيلا لحرصه على الملك الذي ~~كان لا يبالي في سبيل توطيده أن ينكث بما عقد من عهد، أو ينقض ما أبرم من ~~ميثاق. # جاء في المستطرف: أن عيسى بن موسى لما غدر به المنصور ونقل ولاية العهد منه إلى ~~المهدي ابنه أنشد: # أينسى بنو العباس ذبي عنهمو # بسيفي ونار الحرب زاد سعيرها # فتحت لهم شرق البلاد وغربها # فذل معاديها وعز نصيرها # أقطع أرحاما على عزيزة # وأبدي مكيدات لها وأثيرها # فلما وضعت الأمر في مستقره # ولاحت له شمس تلألأ نورها # دفعت عن الأمر الذي أستحقه # وأوسق أوساقا من الغدر عيرها # وجاء في ابن الأثير أن المنصور أحضر عيسى بن موسى بعد أن خلع نفسه، وسلم إليه ~~عمه عبد الله بن علي وأمره بقتله وقال له: إن الخلافة صائرة إليك بعد المهدي؛ فاضرب ~~عنقه، وإياك أن تضعف فتنقض علي أمري الذي دبرته. ثم مضى إلى مكة وكتب إلى عيسى من ~~الطريق يستعلم منه عما فعل في الأمر الذي أمره، فكتب عيسى: «قد أنفذت ما أمرت ~~به.» فلم يشك في أنه قتله - وكان عيسى حين أخذ عبد الله من عند المنصور دعا كاتبه ~~يونس بن فروة وأخبره الخبر، فقال: أراد أن يقتله ثم يقتلك؛ لأنه أمر بقتله سرا، ~~ثم يدعيه عليك علانية؛ فلا تقتله، ولا تدفعه إليه سرا أبدا، واكتم أمره، ففعل ~~ذلك عيسى - فلما قدم المنصور وضع على أعمامه من يحركهم على الشفاعة في أخيهم ~~عبد الله، ففعلوا وشفعوا، فشفعهم وقال لعيسى: إني كنت دفعت إليك عمي وعمك ليكون ~~في منزلك، وقد كلمني عمومتك فيه وقد صفحت عنه فائتنا به، قال: يا أمير المؤمنين، ~~ألم تأمرني بقتله فقتلته؟ قال: ما أمرتك؟ قال: بل أمرتني، قال: ما أمرتك إلا بحبسه ~~وقد كذبت، ثم قال المنصور لعمومته: إن هذا قد أقر بقتل أخيكم، قالوا: فادفعه إلينا ~~نقيده به. فسلمه إليهم وخرجوا به إلى الرحبة، واجتمع الناس وشهر الأمر وقام أحدهم ~~ليقتله، فقال عيسى: أفاعل أنت؟ قال: إي والله! قال: ردوني إلى أمير ms086 المؤمنين. ~~فردوه إليه، فقال له: إنما أردت بقتله أن تقتلني، هذا عمك حي سوي، قال: ائتنا به. ~~فأتاه به، قال: يدخل حتى أرى رأيي، ثم انصرفوا فأمر فجعل في بيت أساسه ملح، ~~وأجري الماء في أساسه فسقط عليه فمات. # وهذه الرواية يؤيدها أكثر المؤرخين من العرب. وقد فعل أبو مسلم مع سليمان بن كثير ~~- وكان من أركان هذه الدولة - ما يضيف حلقة إلى سلسلة الاضطهادات التي ارتكبت ~~تأييدا لهذا الملك، فقد أحضره إليه وقال له: أتحفظ قول الإمام لي: «من اتهمته ~~فاقتله؟» قال: نعم، قال: فإني قد اتهمتك. فخاف سليمان وقال: أناشدك الله! قال: لا ~~تناشدني؛ فأنت منطو على غش الإمام. وأمر بضرب عنقه. # وقد سئم الناس هذه الحالة وثار بعض أمراء بني العباس أنفسهم احتجاجا على ما أريق ~~من الدماء، فقد جاء في الأغاني في أخبار عبد الله بن عمر العقيلي الشاعر المخضرم، ~~أن محمد بن عبد الله لما سمع للعقيلي قصيدته التي مطلعها: # تقول أمامة لما رأت # نشوزي عن المضجع الأنفس # والتي ختامها: # فما أنس لا أنس قتلاهم # ولا عاش بعدهم من نسي # بكى واستعبر، فقال له عمه الحسن بن الحسن بن علي: أتبكي على بني أمية وأنت تريد ~~ببني العباس ما تريد؟! فقال: «والله يا عم، لقد كنا نقمنا على بني أمية ما نقمنا، ~~فما بنو العباس إلا أقل خوفا لله منهم، وإن الحجة على بني العباس لأوجب منها ~~عليهم، ولقد كانت للقوم أخلاق ومكارم ليست لأبي جعفر.» # وذكر الأصفهاني أيضا أن محمدا وآله وهبوا للشاعر مالا لمدحته تلك، وهكذا تغيرت ~~نفوس آل البيت من إسراف العباسيين في الفتك والقتل. # 1 ~~••• # وماذا كان حظ أبي مسلم؟ وكيف كان جزاؤه على ذلك الإخلاص الدموي؟ كان جزاؤه أن ~~قتل بيد الخليفة نفسه عملا بسنته المعروفة: «اقتل من اتهمته»، مع أنه كان لا ~~يقطع أمرا دونه. # وقد ذكر الجاحظ أن المنصور لما هم بقتل أبي مسلم سقط بين الاستبداد برأيه ~~والمشاورة فيه، فأرق في ذلك ليلته، فلما أصبح دعا بإسحاق ms087 بن مسلم العقيلي، فقال له: ~~حدثني حديث الملك الذي أخبرتني عنه بحران، قال: أخبرني أبي عن الحصين بن المنذر ~~أن ملكا من ملوك فارس - يقال له: سابور الأكبر - كان له وزير ناصح قد اقتبس أدبا ~~من آداب الملوك، وشاب ذلك بفهم في الدين، فوجهه سابور داعية إلى خراسان، وكانوا ~~قوما عجما يعظمون الدين جهالة بالدين، ويخلون بالدين استكانة لقوة الدنيا ~~وذلا لجبابرتها، فجمعهم على دعوة من الهوى يكيد به مطالب الدنيا، واعتز بقتل ~~ملوكهم لهم وتخولهم إياهم - وكان يقال: لكل ضعيف صولة، ولكل ذليل دولة - فلما ~~تلاحمت أعضاء الأمور التي لقح استحالت حربا عوانا شالت أسافلها بأعاليها، ~~فانتقل العز إلى أرذلهم، والنباهة إلى أخملهم، فأشربوا له حبا مع خفض من الدنيا ~~افتتح بدعوة من الدين، فلما استوسقت له البلاد بلغ سابور أمرهم وما أحال عليه من ~~طاعتهم، ولم يأمن زوال القلوب وغدرات الوزراء، فاحتال في قطع رجائه عن قلوبهم - ~~وكان يقال: # وما قطع الرجاء بمثل يأس # تبادهه القلوب على اغترار # فصمم على قتله عند وروده عليه برؤساء أهل خراسان وفرسانهم، فقتله، فبغتهم بحدث ~~فلم يرعهم إلا ورأسه بين أيديهم، فوقف بهم بين الغربة ونأي الرجعة وتخطف ~~الأعداء، وتفرق الجماعة، واليأس من صاحبهم، فرأوا أن يستتموا الدعوة بطاعة سابور، ~~ويتعوضوه من الفرقة، فأذعنوا له بالملك والطاعة، وتبادروه بمواضع النصيحة، فملكهم ~~حتى مات حتف أنفه. فأطرق المنصور مليا ثم رفع رأسه وهو يقول: # لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا # وما علم الإنسان إلا ليعلما # وأمر إسحاق بالخروج ودعا بأبي مسلم، فلما نظر إليه داخلا قال: # قد اكتنفتك خلات ثلاث # جلبن عليك محذور الحمام # خلافك وامتنانك ترتميني # وقودك للجماهير العظام # ثم وثب إليه ووثب معه بعض حشمه بالسيوف، فلما رآهم وثب فبدره المنصور فضربه ضربة ~~طوحه منها، ثم قال: # اشرب بكأس كنت تسقي بها # أمر في الحلق من العلقم # زعمت أن الدين لا يقتضى # كذبت فاستوف أبا مجرم # ثم أمر فخز رأسه وبعث به إلى أهل خراسان وهم ببابه، فجالوا حوله ساعة ms088 ثم ردهم ~~عن شغبهم انقطاعهم عن بلادهم وإحاطة الأعداء بهم، فذلوا وسلموا له، فكان إسحاق ~~إذا رأى المنصور قال: # وما ضربوا لك الأمثال إلا # لتحذو إن حذوت على مثال # وكان المنصور إذا رآه قال: # وخلفها سابور للناس يقتدى # بأمثالها في المعضلات العظائم # وما أجمل تلك الجملة التي قالها محمد بن عبد الله العلوي حين أمنه المنصور على ~~نفسه، فقد قال: أي أمان تعطيني؛ أمان ابن هبيرة، أم أمان عمك عبد الله، أم أمان أبي ~~مسلم؟! # ولقد تنفس المنصور حين قتل أبا مسلم، حتى قال له بعض أقربائه ساعة قتله: عد ~~هذا اليوم أول يوم من خلافتك. ~~••• # على أنه من الحق أن نقرر أن عدوان المنصور وإسرافه في التنكيل بخصومه له قيمته في ~~الدلالة على عرفانه بحق الملك، وحرصه على نجاة الدولة من أخطار البغي والخروج على ~~النظام، ففي سبيل هذه الغاية أسرف في سفك الدماء، وتقطيع الأرحام، وقتل أمثال بني ~~الحسن والحسين، والديباج الأصفر، والنفس الزكية، وقتل عمه وقائده، وترك خزانة رءوس ~~فيما ترك ميراثا لابنه المهدي. # ولقد كان مع هذه القسوة ثاقب الرأي، محكم التدبير، وهو الذي يقول لابنه المهدي: ~~«يا أبا عبد الله، ليس العاقل الذي يحتال للأمر الذي وقع فيه حتى يخرج منه، ولكنه ~~الذي يحتال للأمر الذي غشيه حتى لا يقع فيه.» # وقد ذكر المؤرخون أنه كان إذا جنى على أحد جناية، أو أخذ من أحد مالا جعله في ~~بيت المال مفردا، وكتب عليه اسم صاحبه، فلما أدركته الوفاة قال لابنه المهدي: «يا ~~بني، إني قد أفردت كل شيء أخذته من الناس على وجه الجناية والمصادرة، وكتبت عليه ~~أسماء أصحابه؛ فإذا وليت أنت فأعده على أربابه ليدعو لك الناس ويحبوك.» وفي عهد ~~المنصور أنشئت «بغداد» موئل العلم ودار السلام. # | هوامش # الفصل السادس # | المهدي # عيناي واحدة ترى مسرورة # بأميرها جذلى وأخرى تذرف # تبكي وتضحك تارة ويسوءها # ما أنكرت ويسرها ما تعرف # فيسوءها موت الخليفة محرما # ويسرها أن قام هذا يخلف # ما إن رأيت كما رأيت ولا أرى ms089 # شعرا أسرحه وآخر أنتف # هذا حباه الله فضل خلافة # ولذلك جنات النعيم تزخرف # بهذه الأبيات الرقيقة كان أبو دلامة أول من تقدم بتعزية المهدي بوفاة والده ~~المنصور، وتهنئته بارتقاء عرش الخلافة سنة ثمان وخمسين ومائة للهجرة. # وقد كان المهدي - فيما أجمع عليه الرواة - شهما فطنا كريما، شديد البأس في ~~تعقب الملحدين والزنادقة، لا تأخذه في إهلاكهم لومة لائم. # وكان كثيرا ما يجلس لرد المظالم، وقد عرف عنه أنه كان إذا جلس للمظالم قال: ~~«أدخلوا علي القضاة، فلو لم يكن ردي للمظالم إلا للحياء منهم لكفى.» # وروى الطبري في حوادث سنة تسع وستين ومائة، أن مسور بن مساور قال: «ظلمني وكيل ~~للمهدي وغصبني ضيعة لي، فأتيت سلاما صاحب المظالم فتظلمت منه، وأعطيته رقعة ~~مكتوبة، فأوصل الرقعة إلى المهدي وعنده عمه العباس بن محمد وابن علاثة وعافية ~~القاضي، قال: فقال لي المهدي: ادنه. فدنوت، فقال: ما تقول؟ قلت: ظلمتني، قال: ~~فترضى بأحد هذين؟ قلت: نعم، قال: فادن مني، فدنوت منه حتى التزقت بالفراش، قال: ~~تكلم، قلت: أصلح الله القاضي، إنه ظلمني في ضيعتي هذا، فقال القاضي: ما تقول يا ~~أمير المؤمنين؟ قال: ضيعتي وفي يدي، قال: قلت: أصلح الله القاضي، سله صارت ~~الضيعة إليه قبل الخلافة أو بعدها، قال: فسأله ما تقول يا أمير المؤمنين؟ قال: صارت ~~إلي بعد الخلافة، قال: فأطلقها له، قال: قد فعلت، فقال العباس بن محمد: والله يا ~~أمير المؤمنين، لهذا المجلس أحب إلي من عشرين ألف ألف درهم.» ~~••• # أما كرمه فسجية قديمة فيه، وبسببه نال عتب المنصور غير مرة، وقد ذكر الطبري أن ~~المؤمل بن أميل قال: قدمت على المهدي بالري وهو ولي عهد، فأمر لي بعشرين ألف درهم ~~لأبيات امتدحته بها، فكتب بذلك صاحب البريد إلى المنصور وهو بمدينة السلام يخبره ~~أن المهدي أمر لشاعر بعشرين ألف درهم، فكتب إليه المنصور يعذله ويقول له: إنما كان ~~ينبغي لك أن تعطي الشاعر بعد أن يقيم ببابك سنة أربعة آلاف درهم، قال المؤمل: ~~فكتب إلى كاتب المهدي أن ms090 يوجه إليه الشاعر، فطلب فلم يقدر عليه، فكتب إليه: ~~إنه قد توجه إلى مدينة السلام، فوجه المنصور قائدا من قواده فأجلسه على جسر ~~النهروان، وأمره أن يتصفح الناس رجلا رجلا ممن يمر به حتى يظفر بالمؤمل، فلما ~~رآه قال له: من أنت؟ قال: أنا المؤمل بن أميل من زوار الأمير المهدي، قال: إياك ~~طلبت، قال المؤمل: فكاد قلبي ينصدع خوفا من أبي جعفر، فقبض علي ثم أتى بي باب ~~المقصورة وأسلمني إلى الربيع، فدخل إليه الربيع فقال: هذا الشاعر قد ظفرنا به، ~~فقال: أدخلوه علي، فأدخلت عليه فسلمت فرد علي السلام، فقلت: ليس هاهنا إلا ~~خير، قال: أنت المؤمل بن أميل؟ فقلت: نعم، أصلح الله أمير المؤمنين، قال: هيه! أتيت ~~غلاما غرا فخدعته، فقلت: نعم، أصلح الله أمير المؤمنين، أتيت غلاما كريما ~~فخدعته فانخدع، قال: فكأن ذلك أعجبه فقال: أنشدني ما قلت فيه، فأنشدته: # هو المهدي إلا أن فيه # مشابه صورة القمر المنير # تشابه ذا وذا فهما إذا ما # أنارا مشكلان على البصير # فهذا في الظلام سراج ليل # وهذا في النهار سراج نور # ولكن فضل الرحمن هذا # على ذا بالمنابر والسرير # وبالملك العزيز فذا أمير # وما ذا بالأمير ولا الوزير # ونقص الشهر يخمد ذا وهذا # منير عند نقصان الشهور # فيا ابن خليفة الله المصفى # به تعلو مفاخرة الفخور # لئن فت الملوك وقد توافوا # إليك من السهولة والوعور # لقد سبق الملوك أبوك حتى # بقوا من بين كاب أو حسير # وجئت وراءه تجري حثيثا # وما بك حين تجري من فتور # فقال الناس: ما هذان إلا # بمنزلة الخليق من الجدير # لئن سبق الكبير فأهل سبق # له فضل الكبير على الصغير # وإن بلغ الصغير مدى الكبير # لقد خلق الصغير من الكبير # فقال: والله لقد أحسنت! ولكن هذا لا يساوي عشرين ألف درهم، ثم قال لي: أين المال؟ ~~قلت: ها هو ذا، قال: يا ربيع، انزل معه فأعطه أربعة آلاف درهم، وخذ الباقي، قال: ~~فخرج الربيع فحط ثقلي، ووزن لي أربعة آلاف درهم وأخذ الباقي، ms091 فلما صارت الخلافة إلى ~~المهدي ولي ابن ثوبان المظالم، فكان يجلس للناس بالرصافة، فإذا ملأ كساءه رقاعا ~~رفعها إلى المهدي، فرفعت إليه يوما رقعة أذكره قصتي، فلما دخل بها ابن ثوبان ~~جعل المهدي ينظر في الرقاع، حتى إذا نظر في رقعتي ضحك، فقال له ابن ثوبان: أصلح ~~الله الأمير، ما رأيتك ضحكت من شيء من هذه الرقاع إلا من هذه الرقعة! قال: هذه رقعة ~~أعرف سببها، ردوا إليه العشرين ألف درهم، فردت إلي وانصرفت . # ولنترك هذه السماحة في إجازة الشعراء لنرى كيف كانت أريحية المهدي في الإحسان إلى ~~الجماهير، فقد ذكر الطبري في حوادث سنة ستين ومائة، أن المهدي قسم في تلك السنة ~~مالا عظيما في أهل مكة وفي أهل المدينة كذلك، وأنه نظر فيما قسم في تلك السفرة، ~~فوجد ثلاثين ألف ألف درهم حملت معه، ووصلت من مصر ثلاثمائة ألف دينار، ومن اليمن ~~مائتا ألف دينار، فقسم ذلك كله، وفرق من الثياب مائة ألف ثوب وخمسين ألف ~~ثوب. ~~••• # وكان المهدي إلى جانب جوده وسخائه حييا خجولا وبرا رحيما؛ دخل عليه رجل ~~فقال: يا أمير المؤمنين، إن المنصور شتمني وقذف أمي، فإما أمرتني أن أحله، وإما ~~عوضتني واستغفرت الله له، قال المهدي: ولم شتمك؟ قال: شتمت عدوه بحضرته فغضب، قال: ~~ومن عدوه الذي غضب لشتمه؟ قال: إبراهيم بن عبد الله بن حسن، قال: إن إبراهيم ~~أمس به رحما، وأوجب عليه حقا، فإن كان شتمك كما زعمت فعن رحمه ذب، وعن عرضه ~~دفع، وما أساء من انتصر لابن عمه، قال: إنه كان عدوا له، قال: فلم ينتصر للعداوة ~~وإنما انتصر للرحم. فأسكت الرجل، فلما ذهب ليولي قال: لعلك أردت أمرا فلم تجد ~~له ذريعة عندك أبلغ من هذه الدعوى، قال: نعم، قال: فتبسم المهدي وأمر له بخمسة ~~آلاف درهم. # ولننظر إلى ما يرويه الربيع عنه، قال: رأيت المهدي يصلي في بهو له في ليلة ~~مقمرة، فما أدرى أهو أحسن أم البهو أم القمر أم ثيابه؟! قال: فقرأ هذه الآية: # فهل عسيتم ms092 إن توليتم أن تفسدوا في ~~الأرض وتقطعوا أرحامكم # قال: فأتم صلاته والتفت إلي ~~فقال: يا ربيع، قلت: لبيك يا أمير المؤمنين، قال: علي بموسى، وقام إلى صلاته، ~~قال: فقلت: من موسى؟ أابنه موسى أم موسى بن جعفر - وكان محبوسا عندي - قال: ~~فجعلت أفكر، قال: فقلت: ما هو إلا موسى بن جعفر، قال: فأحضرته، قال: فقطع المهدي ~~صلاته وقال: يا موسى، إني قرأت هذه الآية: # فهل عسيتم ~~إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا ~~أرحامكم # فخفت أن أكون قطعت رحمك، فوثق لي أنك لا تخرج علي، ~~قال: فقال: نعم. فوثق له وخلاه. # ومثل هذا ما حدث به علي بن صالح قال: غضب المهدي على بعض القواد - وكان عتب ~~عليه غير مرة - فقال له: إلى متى تذنب إلي وأعفو؟! قال: إلى أبد نسيء ويبقيك ~~الله فتعفو عنا. فكررها عليه مرات، فاستحى منه ورضي عنه. # ثم لننتقل إلى حوادث سنة ثمان وخمسين ومائة، فنرى النوفلي يحدثنا عن البيعة ~~للمهدي وما كان من أمر الربيع فيها، فيقول: إن الربيع تناول يد الحسن بن زيد فقال: ~~قم يا أبا محمد فبايع، فقام معه الحسن، فانتهى به الربيع إلى موسى فأجلسه بين يديه، ~~فتناول الحسن يد موسى ثم التفت إلى الناس فقال: يا أيها الناس، إن أمير المؤمنين ~~المنصور كان ضربني واستصفى مالي، فكلمه المهدي فرضى عني، وكلمه في رد مالي ~~علي فأبى ذلك، فأخلفه المهدي من ماله وأضعفه مكان كل علق علقين، فمن أولى بأن ~~يبايع لأمير المؤمنين بصدر منشرح، ونفس طيبة، وقلب ناصح مني، ثم بايع موسى للمهدي، ~~ثم مسح على يده. ~~••• # وبعد، فالمهدي من الخلفاء العباسيين في الذؤابة، وقد صدق الأستاذ «ميور» إذ يقول: ~~إن المهدي كان في إدارته لشئون رعيته كمن يعمل بوجه عام على رفاهية الأمة وإسعادها، ~~وكان معينا ومعجلا للعصر الذهبي الذي تلا أيامه، وما أخذ عليه من بعض الهنات ~~لا يمنع المؤرخ المنصف أن يرى في عصره ترفيها للناس مما كانوا يعانون من الشدة ~~أيام المنصور. # كان المهدي موفقا ms093 في اختيار وزرائه، وإن كانت السعاية أحلت ببعضهم العذاب وسوء ~~المصير، وكان دقيقا في نظره للأمور، وقد بدأ خلافته بإطلاق من كان في سجن المنصور، ~~إلا من كان قبله تباعة من دم أو قتل، ومن كان معروفا أنه يسعى في الأرض بالفساد، ~~أو كان لأحد قبله مظلمة، وإنما أطلق من كان جرمهم سياسيا. # وكان محبا للأدب مشجعا على التأليف فيه، جادا في طلب الزنادقة والبحث عنهم ~~في الآفاق، محبا للغزوات والفتوح، وقد قيل: إنه كان لا يشرب النبيذ وإن كان ~~سماره يشربونه في مجلسه، وكان محبا للسماع. # ويخبرنا الطبري في حوادث سنة تسع وستين ومائة، أن المهدي مات مسموما، وقد لبست ~~عليه قيانه المسوح، فقال أبو العتاهية في ذلك: # رحن في الوشي وأصبح # ن عليهن المسوح # كل نطاح من الده # ر له يوم نطوح # لست بالباقي ولو عم # رت ما عمر نوح # فعلى نفسك نح إن # كنت لا بد تنوح # والظاهر مما قدمناه أن المهدي كان يخالف أباه المنصور مخالفة شديدة من بعض ~~النواحي، ويلائمه ملاءمة ما من نواح أخر؛ كان كريما مهينا للمال، بينما كان ~~أبوه بخيلا شحيحا، ولكنه ورث عن أبيه بعض القسوة والميل إلى سفك الدماء. # 1 # ولم تكن السياسة لتعينه على ذلك، فقد ثبت له المنصور أركان الملك، فالتمس ~~الدماء في تتبع الزنادقة والفتك بهم، وأسرف في ذلك حتى قتل بعض الأبرياء في قسوة ~~تمثلها قصته مع ابن وزيره أبي عبيد الله. # وفي المهدي ناحية جديدة في خلفاء العباسيين هي الميل إلى الاعتدال السياسي في ~~معاملة الطالبيين؛ فقد كان على شيء من الرفق بهم والعطف عليهم، لا يمنعه من اتقائهم ~~والإشفاق منهم. وهذه السياسة الرقيقة الحازمة تذكرنا بعض التذكير بما سيكون من ~~سياسة المأمون. # ومن أظهر خصال المهدي الشخصية غيرته على النساء، تلك التي أغرته ببشار فضربه حتى ~~مات؛ متعللا بزندقته وإن كانت العلة الحقيقية هي استهتار بشار بالغزل. # 2 # وقد أورث المهدي غيرته هذه ابنه الهادي كما سترى. # | هوامش # الفصل السابع # | الهادي # قال محمد بن ms094 علي بن طباطبا في كتاب «الآداب السلطانية»: كان الهادي متيقظا ~~غيورا كريما، شديد البطش، جريء القلب، مجتمع الحس، ذا إقدام وعزم وحزم. # ونحن نخشى أن يكون في هذا الثناء إسراف كثير، فلم يطل عهد الهادي بالخلافة ليمكن ~~الحكم له أو عليه، وإنما مر بها مرور الطيف. # ومع ذلك فقد أكثر المؤرخون من التحدث عنه بالخير، وليس يستوقفنا من سيرته كلها ~~إلا ثلاثة أمور: # الأول: ما ذكره عنه عبد الله بن عبد الملك قال: كنت أتولى الشرطة للمهدي، وكان ~~المهدي يبعث إلى ندماء الهادي ومغنيه، ويأمرني بضربهم، وكان الهادي يسألني الرفق ~~بهم والترفيه لهم ولا ألتفت إلى ذلك، وأمضي لما أمرني به المهدي، قال: فلما ولي ~~الهادي الخلافة أيقنت بالتلف، فبعث إلي يوما، فدخلت عليه متكفنا متحنطا، وإذا ~~هو على كرسي والسيف والنطع بين يديه، فسلمت، فقال: لا سلم الله على الآخر! تذكر ~~يوم بعثت إليك في أمر الحراني وما أمر أمير المؤمنين به من ضربه وحبسه فلم ~~تجبني؟ وفي فلان وفلان - وجعل يعدد ندماءه - فلم تلتفت إلى قولي ولا أمري؟ ~~قلت: نعم، يا أمير المؤمنين، أفتأذن لي في استيفاء الحجة؟ قال: نعم، قلت: ناشدتك ~~بالله يا أمير المؤمنين، أيسرك أنك وليتني ما ولاني أبوك، فأمرتني بأمر فبعث ~~إلي بعض بنيك بأمر يخالف به أمرك، فاتبعت أمره وعصيت أمرك؟ قال: لا، قلت: فكذلك ~~أنا لك، وكذا كنت لأبيك. فاستدناني فقبلت يديه، فأمر بخلع فصبت علي، وقال: ~~قد وليتك ما كنت تتولاه، فامض راشدا. فخرجت من عنده فصرت إلى منزلي مفكرا في أمري ~~وأمره، وقلت: حدث يشرب والقوم الذين عصيته في أمرهم ندماؤه ووزراؤه وكتابه، فكأني ~~بهم حين يغلب عليهم الشراب قد أزالوا رأيه في وحملوه من أمري على ما كنت أكره ~~وأتخوف، قال: فإني لجالس وبين يدي بنية لي في وقتي ذلك، وكانون بين يدي، ورقاق ~~أشطره بكامخ وأسخنه وأضعه للصبية، وإذا ضجة عظيمة حتى توهمت أن الدنيا قد اقتلعت ~~وتزلزلت بوقع الحوافر وكثرة الضوضاء، فقلت: هاه! كان والله ما ظننت، ms095 ووافاني من ~~أمره ما تخوفت، فإذا الباب قد فتح، وإذا الخدم قد دخلوا، وإذا أمير المؤمنين الهادي ~~على حمار في وسطهم، فلما رأيته وثبت عن مجلسي مبادرا، فقبلت يده ورجله وحافر ~~حماره، فقال لي: يا عبد الله، إني فكرت في أمرك فقلت: يسبق إلى قلبك أني إذا شربت ~~وحولي أعداؤك أزالوا ما حسن من رأيي فيك، فأقلقك وأوحشك، فصرت إلى منزلك لأونسك ~~وأعلمك أن السخيمة قد زالت عن قلبي لك، فهات فأطعمني مما كنت تأكل، فأفعل فيه ما ~~كنت تفعل، لتعلم أني قد تحرمت بطعامك، وأنست بمنزلك، فيزول خوفك ووحشتك. ~~فأدنيت إليه ذلك الرقاق والسكرجة التي فيها الكامخ فأكل منها، ثم قال: هاتوا ~~الزلة التي أزللتها لعبد الله من مجلسي، فأدخلت إلي أربعمائة بغلة موقرة دراهم، ~~وقال: هذه زلتك فاستعن بها على أمرك، واحفظ لي هذه البغال عندك لعلي أحتاج ~~إليها يوما لبعض أسفاري، ثم قال: أظلك الله بخير، وانصرف راجعا. ونحن وإن كنا ~~نفترض في هذه الرواية وأمثالها المبالغة، نرى أنها تدل في جملتها على بصر بالسياسة، ~~وفطنة في العلم بالناس، والانتفاع بكفاياتهم. # الأمر الثاني: وقوفه موقف حزم نعتقد أنه أنقذ القصر العباسي من شر عظيم أفسد على ~~ملوك الفرس قصورهم، كما أفسد على العباسيين أنفسهم أمور الخلافة بعد عصر المأمون؛ ~~ذلك هو تدخل النساء في أمور الدولة. # فقد ذكر الطبري أن الخيزران والدة الهادي كانت في أول خلافته تفتات عليه في ~~أموره، وتسلك به مسلك أبيه من قبله في الاستبداد بالأمر والنهي، فأرسل إليها ألا ~~تخرجي من خفر الكفاية إلى بذاذة التبذل؛ فإنه ليس من قدر النساء الاعتراض في أمر ~~الملك، وعليك بصلاتك وتسبيحك وتبتلك، ولك بعد هذا طاعة مثلك فيما يجب لك. قال: ~~وكانت الخيزران في خلافة موسى كثيرا ما تكلمه في الحاجات، فكان يجيبها إلى كل ~~ما تسأله، حتى مضى لذلك أربعة أشهر من خلافته، وانثال الناس عليها وطمعوا فيها، ~~فكانت المواكب تغدو إلى بابها، فقال: فكلمته يوما في أمر لم يجد إلى إجابتها إليه ~~سبيلا، ms096 فاعتل بعلة، فقالت: لا بد من إجابتي، قال: لا أفعل، قالت: فإني قد تضمنت ~~هذه الحاجة لعبد الله بن مالك، قال: فغضب موسى وقال: ويل على ابن الفاعلة! قد علمت ~~أنه صاحبها، والله لا قضيتها له، قالت: إذن والله لا أسألك حاجة أبدا، قال: إذن ~~والله لا أبالي. وحمي وغضب، فقامت مغضبة، فقال: مكانك تستوعي كلامي، والله - وإلا ~~فأنا نفي من قرابتي من رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~- لئن بلغني أنه وقف ببابك أحد من ~~قوادي أو أحد من خاصتي أو خدمي لأضربن عنقه، ولأقبضن ماله، فمن شاء فليلزم ذلك! ~~ما هذه المواكب التي تغدو وتروح إلى بابك في كل يوم؟ أما لك مغزل يشغلك، أو مصحف ~~يذكرك، أو بيت يصونك؟! إياك ثم إياك ما فتحت بابك لملي أو لذمي. فانصرفت ما ~~تعقل ما تطأ، فلم تنطق عنده بحلوة ولا مرة بعدها. # ولم يكتف الهادي بكلامه معها، بل جمع قواده يوما وقال لهم: أيما خير أنا أم ~~أنتم؟ قالوا: بل أنت يا أمير المؤمنين، قال: فأيما خير أمي أم أمهاتكم؟ قالوا: بل ~~أمك يا أمير المؤمنين، قال: فأيكم يحب أن يتحدث الرجال بخبر أمه فيقولوا فعلت أم ~~فلان، وصنعت أم فلان، وقالت أم فلان؟ قالوا: ما أحد منا يحب ذلك، قال: فما بال ~~الرجال يأتون أمي فيتحدثون بحديثها! فلما سمعوا ذلك انقطعوا عنها البتة، فشق ذلك ~~عليها فاعتزلته وحلفت لا تكلمه، فما دخلت عليه حتى حضرته الوفاة. # وقد قالوا: إن الهادي حاول سمها فلم يفلح، على أن الخيزران أفلحت في القضاء ~~عليه حين مرض؛ فقد ذكروا أنها دست إليه من جواريها من قتلته بالجلوس على ~~وجهه. # لننتقل الآن إلى الأمر الثالث، وهو محاولته الغدر بأخيه الرشيد، ولننظر في حوادث ~~سنة سبعين ومائة؛ لنرى كيف أخلص آل برمك للرشيد، فقد هم الهادي بتحويل الخلافة ~~عنه لابنه جعفر، ولكن يحيى بن خالد ثبت في المحافظة على ولاية هارون، محتملا في ~~ذلك كل مكروه، وكان لبطانة الهادي أثر سيئ في تشجيعه على ms097 خلع الرشيد ومبايعة جعفر، ~~وكان فيمن بايعه يزيد بن مزيد، وعبد الله بن مالك، وعلي بن عيسى ومن أشبههم من ~~أصحاب الأغراض. # ولم تزد الحوادث يحيى بن خالد إلا حرصا على حق الرشيد، فصار يعلله ويسري عنه، ~~ولولاه لخلع الرشيد نفسه بعد أن تنقصوه في مجلس الجماعة وقالوا: لا نرضى به، وصعب ~~أمرهم حتى ظهر، وأمر الهادي ألا يسار قدام الرشيد بحربة، فاجتنبه الناس. # أما الأخبار عن كرمه فكثيرة؛ فمن ذلك ما رواه الطبري في حوادث سنة سبعين ومائة، ~~أنه أمر ذات ليلة بثلاثين ألف دينار لعيسى بن دأب أحد جلاسه، وكان - كما وصفه ~~الطبري - لذيذ الفكاهة، طيب المسامرة، كثير النادرة. # ويقول علي بن صالح: إنه كان يوما على رأس الهادي وهو غلام، وقد كان جفا المظالم ~~عامة ثلاثة أيام، فدخل عليه الحراني فقال له: يا أمير المؤمنين، إن العامة لا ~~تنقاد على ما أنت عليه، لم تنظر في المظالم منذ ثلاثة أيام، فالتفت إلي وقال: يا ~~علي، ائذن للناس علي بالجفلى لا بالنقرى. فخرجت من عنده أطير على وجهي، ثم ~~وقفت فلم أدر ما قال لي، فقلت: أراجع أمير المؤمنين فيقول: أتحجبني ولا تعلم ~~كلامي؟! ثم أدركني ذهني، فبعثت إلى أعرابي كان قد وفد، وسألته عن الجفلي ~~والنقري، فقال: الجفلي جفالة، والنقري بنقر خواصهم، فأمرت بالستور فرفعت، ~~وبالأبواب ففتحت، فدخل الناس على بكرة أبيهم، فلم يزل ينظر في المظالم إلى الليل، ~~فلما تقوض المجلس مثلث بين يديه، فقال: كأنك تريد أن تذكر شيئا يا علي، قلت: نعم ~~يا أمير المؤمنين، كلمتني بكلام لم أسمعه قبل يومي هذا، وخفت مراجعتك فتقول: ~~أتحجبني وأنت لم تعلم كلامي! فبعثت إلى أعرابي كان عندنا ففسر لي الكلام، فكافئه ~~عني يا أمير المؤمنين، قال: نعم، مائة ألف درهم تحمل إليه، قال: فقلت: يا أمير ~~المؤمنين، إنه أعرابي جلف وفي عشرة آلاف درهم ما أغناه وكفاه، فقال: ويلك يا علي؛ ~~أجود وتبخل! ~~••• # وكان الهادي شديد الغيرة، ظاهر الشهامة. وهاك حديثا لا يخلو من الأدب والفكاهة ms098 ~~حدث به السندي بن شاهك قال: كنت مع موسى بجرجان فأتاه نعي المهدي والخلافة، فركب ~~البريد إلى بغداد ومعه سعيد بن سلم، ووجهني إلى خراسان، فحدثني سعيد بن سلم قال: ~~سرنا بين أبيات جرجان وبساتينها، قال: فسمع صوتا من بعض تلك البساتين من رجل ~~يتغنى، فقال لصاحب شرطته: علي بالرجل الساعة، قال: فقلت: يا أمير المؤمنين، ما ~~أشبه قصة هذا الخائن بقصة سليمان بن عبد الملك! قال: وكيف؟ قال: قلت له: كان سليمان ~~بن عبد الملك في متنزه له ومعه حرمه، فسمع من بستان آخر صوت رجل يتغنى، فدعا صاحب ~~شرطته فقال: علي بصاحب الصوت، فأتى به، فلما مثل بين يديه قال له: ما حملك على ~~الغناء وأنت إلى جنبي ومعي حرمي، أما علمت أن الرماك # 1 # إذا سمعت صوت الفحل حنت إليه؟ يا غلام، جبه، فجب الرجل، فلما ~~كان في العام المقبل رجع سليمان إلى ذلك المتنزه فجلس مجلسه الذي جلس فيه، فذكر ~~الرجل وما صنع به، فقال لصاحب شرطته: علي بالرجل الذي كنا جببناه فأحضره، فلما ~~مثل بين يديه قال له: إما بعت فوفيناك، وإما وهبت فكافأناك، قال: فوالله ما دعاه ~~بالخلافة ولكنه قال له: يا سليمان، الله الله، إنك قطعت نسلي فذهبت بماء وجهي، ~~وحرمتني لذتي، ثم تقول: إما وهبت فكافأناك، وإما بعت فوفيناك! لا والله حتى أقف بين ~~يدي الله! قال: فقال موسى: يا غلام، رد صاحب الشرطة، فرده، فقال: لا تعرض ~~للرجل. ~~••• # وأما حبه للنجدة فيحدثنا به عمر بن شبة؛ إذ ذكر أن علي بن الحسين بن علي بن ~~الحسين بن علي بن أبي طالب، وكان يلقب بالجزري، تزوج رقية بنت عمرو العثمانية، ~~وكانت تحت المهدي، فبلغ ذلك موسى الهادي في أول خلافته، فأرسل إليه فجهله وقال: ~~أعياك النساء إلا امرأة أمير المؤمنين! فقال: ما حرم الله على خلقه إلا نساء جدي # صلى الله عليه وسلم ~~، فأما غيرهن فلا ولا كرامة. فشجه بمخصرة كانت في يده، وأمر بضربه ~~خمسمائة سوط فضرب، وأراده أن يطلقها فلم ms099 يفعل، فحمل من بين يديه في نطع فألقي ~~ناحية، وكان في يده خاتم سري، فرآه بعض الخدم وقد غشي عليه من الضرب فأهوى إلى ~~الخاتم، فقبض على يد الخادم فدقها، فصاح وأتى موسى فأراه يده، فاستشاط وقال: يفعل ~~هذا بخادمي مع استخفافه بأبي وقوله لي! وبعث إليه: ما حملك على ما فعلت؟ قال: قل له ~~وسله ومره أن يضع يده على رأسك وليصدقك. ففعل ذلك موسى فصدقه الخادم، فقال: ~~أحسن والله! أنا أشهد أنه ابن عمي، لو لم يفعل لانتفيت منه. وأمر بإطلاقه. ~~••• # وقد كان الهادي مثل أبيه محبا للآداب مشجعا للشعراء، وكان على سنته في بغض ~~الزنادقة ومقتهم، موفقا في اختيار الوزراء، مصابا كأبيه ببطانة سوء، همها ~~الوقيعة والوشاية وإغراء الخليفة والبيت المالك باجتراح المآثم واقتراف ~~المظالم. # قال الطبري: إن عبد الله بن محمد المنقري حدث عن أبيه قال: دخل عيسى بن دأب ~~على موسى بن عيسى عند منصرفه من فخ، # 2 # فوجده خائفا يلتمس عذرا من قتل من قتل، فقال له: أصلح الله ~~الأمير، أنشدك شعرا كتب به يزيد بن معاوية إلى أهل المدينة يعتذر فيه من قتل ~~الحسين بن علي رضي الله عنه، قال: أنشدني، فأنشده: # يا أيها الراكب الغادي لطيته # على عذافرة # 3 # في سيرها قحم # أبلغ قريشا على شحط المزار بها # بيني وبين حسين الله والرحم # وموقف بفناء البيت أنشده # عهد الإله وما ترعى له الذمم # عنفتم قومكم فخرا بأمكم # أم حصان لعمري برة كرم # هي التي لا يداني فضلها أحد # بنت النبي وخير الناس قد علموا # وفضلها لكم فضل وغيركم # من قومكم لهم من فضلها قسم # إني لأعلم أو ظنا كعالمه # والظن يصدق أحيانا فينتظم # أن سوف يترككم ما تطلبون بها # قتلى تهاداكم العقبان والرخم # يا قومنا لا تشبوا الحرب إذ خمدت # ومسكوا بحبال السلم واعتصموا # لا تركبوا البغي إن البغى مصرعة # وإن شارب كأس البغي يتخم # قد جرب الحرب من قد كان قبلكم # من القرون وقد بادت بها الأمم # فأنصفوا قومكم لا تهلكوا ms100 بذخا # فرب ذي بذخ زلت به القدم # قال: فسري عن موسى بن عيسى بعض ما كان فيه. # وإذا لم يكن بد من اختصار حياة الهادي في كلمة جامعة فلنقل: إنه ورث عن أبيه ~~المهدي كرمه وغيرته وحبه للأدب، وورث عن جده المنصور حزمه وشيئا من ميله إلى ~~الغدر. # | هوامش # الفصل الثامن # | هارون الرشيد # يا خيزران هناك ثم هناك # أمسى يسوس العالمين ابناك # بهذا يعلن مروان بن أبي حفصة الشاعر النابه تبوء الرشيد عرش الخلافة بعد أخيه ~~الهادي، بعهد من أبيه سنة سبعين ومائة هجرية، وبهذا يهنئ الشاعر الخيزران بتوقل ~~الرشيد لعرش كانت الخيزران معذبة معناة بمن كان يعتليه قبل الرشيد. # وقد يكون من المستصوب أن نترك ليوسف بن القاسم بن صبيح، كاتب الرشيد، يعلن إلينا ~~ما أعلنه بنفسه إلى العالم العربي من خبر اعتلاء الرشيد للخلافة، فإنه بأسلوبه ~~الرشيق وبلاغته السهلة ومكانته من الرشيد أحق بذلك وأجدر، ولا سيما وقد طيرت ~~قطعته للخافقين منبئة بموت خليفة وتتويج خليفة. # قال يوسف بن القاسم - بعد حمد الله عز وجل والصلاة على النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «إن الله ~~بمنه ولطفه من عليكم معاشر أهل بيت نبيه، بيت الخلافة ومعدن الرسالة، وآتاكم ~~أهل الطاعة، من أنصار الدولة وأعوان الدعوة، من نعمه التي لا تحصى بالعدد، ولا ~~تنقضى مدى الأبد، وأياديه التامة؛ إذ جمع ألفتكم، وأعلى أمركم، وشد عضدكم، ~~وأوهن عدوكم، وأظهر كلمة الحق، وكنتم أولى بها وأهلها، فأعزكم الله وكان الله ~~قويا عزيزا، فكنتم أنصار دين الله المرتضى، والذابين بسيفه المنتضى، عن أهل بيت ~~نبيه # صلى الله عليه وسلم ~~، وبكم استنقذهم من أيدي الظلمة أئمة الجور، والناقضين عهد الله، ~~والسافكين الدم الحرام، والآكلين الفيء، والمستأثرين به، فاذكروا ما أعطاكم الله من ~~هذه النعمة، واحذروا أن تغيروا فيغير بكم. # وإن الله جل وعز استأثر بخليفته موسى الهادي الإمام فقبضه إليه، وولى بعده ~~رشيدا مرضيا أمير المؤمنين بكم رءوفا رحيما، من محسنكم قبولا، وعلى مسيئكم ~~بالعفو عطوفا، وهو - أمتعه الله بالنعمة، وحفظ به ما استرعاه ms101 إياه من أمر الأمة، ~~وتولاه بما تولى به أولياءه وأهل طاعته - يعدكم من نفسه الرأفة بكم، والرحمة ~~لكم، وقسم أعطياتكم فيكم عند استحقاقكم، ويبذل لكم من الجائزة مما أفاء الله على ~~الخلفاء، مما في بيوت الأموال، ما ينوب عن رزق كذا وكذا شهرا غير مقاص لكم ~~بذلك فيما تستقبلون من أعطياتكم، وحاملا باقي ذلك للدفع عن حريمكم، وما لعله أن ~~يحدث في النواحي والأقطار من العصاة المارقين إلى بيوت الأموال، حتى تعود الأموال ~~إلى جمامها وكثرتها والحال التي كانت عليها؛ فاحمدوا الله، وجددوا شكرا يوجب لكم ~~المزيد من إحسانه إليكم بما جدد لكم من رأي أمير المؤمنين، وتفضل به عليكم، ~~أيده الله بطاعته، وارغبوا إلى الله له في البقاء، ولكم به في إدامة النعماء لعلكم ~~ترحمون، وأعطوا صفقة أيمانكم، وقوموا إلى بيعتكم. حاطكم الله وحاط عليكم، وأصلح بكم ~~وعلى أيديكم، وتولاكم ولاية عباده الصالحين.» ~~••• # بهذا الكتاب القيم البليغ أشعر العالم العربي بابتداء خلافة هارون الذي نستطيع ~~بحق أن نقول: إنه أضخم الخلفاء المسلمين اسما، وأبعدهم صوتا، وأشدهم في الخيال ~~تأثيرا، فأنت لا تستطيع أن تسمع اسم هارون الرشيد حتى يحدث في نفسك صورا خيالية ~~مختلفة النوع، ولكنها متفقة في القوة، فهو ينشئ في نفسك حينا صورة الخليفة ~~المترف، المسرف في الترف الذي بلغ منه ما لم يبلغه أحد قبله ولا بعده، وينشئ في ~~نفسك حينا آخر صورة الخليفة القوي الذي أذل أعداء الإسلام، وبسط سلطان الخلافة على ~~أطراف الأرض، وأخذ ملوك الروم بدفع الجزية، وينشئ فيها مرة أخرى صورة الخليفة الحذر ~~الذي بث الجواسيس ليعرف من أمر الناس ما ظهر وما خفي، ثم لم يكتف بذلك، بل استحال ~~هو جاسوسا يطوف في الأسواق، ويوغل في البيوت، ويغشى المجالس والأندية حتى ألم بكل ~~شيء، وأحاط بكل خفية، ثم بطش بأعدائه والمؤتمرين به بطشا لم يستطع التاريخ أن ~~ينساه، ثم ينشئ في نفسك صورة الخليفة العالم الأديب، الفقيه بألوان العلم والدين ~~والأدب، المشجع للفقهاء والعلماء والشعراء والكتاب تشجيعا أصبح فيه مثلا لمن ms102 جاء ~~بعده من الخلفاء والملوك في الشرق والغرب، وينشئ في نفسك أيضا صورة الخليفة الورع ~~الزاهد المتهالك نسكا وطاعة وتبتلا لله، كما ينشيء فيها صورة الخليفة الذي لا ~~يكاد يخلو إلى نفسه ويسدل الستار بينه وبين رعيته حتى يأخذ مع المجان في مجونهم، ~~فيخيل إليك أنه لا يدع من سبل اللذة سبيلا إلا سلكها وجنى ثمارها، فمن غناء إلى ~~شراب إلى عبث، إلى استمتاع بالنساء، من حرائر وإماء، وهو بعد هذا كله سياسي ماهر ~~بعيد النظر في تصريفه الأمور ، فيه حزم المنصور وعنفه، وميله إلى الغدر والأثرة، ~~وكل ما يشخص سياسة «مكياڤلي»، وفيه حلم معاوية ودهاؤه اللين المرن، وسخاؤه بالمال، ~~واصطناعه الناس. # ومن غريب الأمر أن كل هذه الصور المتناقضة التي تتباين أشد التباين قد اجتمعت ~~حقا في شخص هذا الخليفة، لا كما يصورها المؤرخون والرواة والقصاص وأصحاب ~~الأساطير، بل اجتمعت اجتماعا يختلف قوة وضعفا باختلاف الظروف والمؤثرات الكثيرة ~~التي كونت مزاجه وشخصيته، وقصره، وبيئته السياسية العامة، فليس الرشيد في حقيقة ~~الأمر شخصا كغيره من الأشخاص يمثل نفسه وما ورث عن أسرته، ولكنه مرآة اجتمعت ~~أمامها صور مختلفة من الناس والكفايات والظروف، فانعكست فيها هذه الصور. # فالرشيد يمثل كل هؤلاء الناس، وكل هذه الأشياء، وكل هذه الظروف التي شهدتها بغداد ~~قرب آخر القرن الثاني للهجرة، ومن هنا كان من العسير جدا أن نستخلص منه صورة ~~تاريخية صادقة بريئة من الغلو والإسراف. # فأما المؤرخون من العرب فقد تأثروا حين كتبوا عن الخلفاء، وخاصة أصحاب الشخصيات ~~البارزة منهم، بكل ما عرفت أنهم تأثروا به من الإغراق والمبالغة والغلو في المدح ~~مخلصين في أكثر الأحيان. # وأما المؤرخون من الفرنج فلم يسلم أشدهم احتياطا من التأثر بهذه الطائفة الضخمة ~~من الأساطير التي بثها في نفوس الجماعات كتاب «ألف ليلة وليلة» منذ زمن ~~طويل. # وقد ظهر هذا التأثر مظهرين مختلفين؛ مظهر المدح والإسراف فيه عند قوم، ومظهر ~~الذم والإغراق فيه عند قوم آخرين، وأولئك وهؤلاء مخدوعون عن أنفسهم واحتياطهم بكل ~~هذه المبالغات التي أحاطت بإحسان ms103 الرشيد وإساءته. # ونحن مجتهدون لا في أن نعطيك هذه الصورة الصادقة من الرشيد التي لا يزال التاريخ ~~محتاجا إليها - فليس ذلك غرضنا في هذا البحث، وليس في هذا الكتاب متسع له - بل في ~~أن نعطيك صورة صادقة من فهم المؤرخين من العرب والفرنجة لعصر الرشيد، غير مهملين مع ~~ذلك أن نسجل آراء لنا هنا وهناك حين نشعر بالحاجة إلى ذلك؛ لتوضيح مذهبنا في فهم ~~عصر المأمون الذي نضع فيه هذا الكتاب. ~~••• # يجمع المؤرخون العرب على ورع الرشيد وفضله وأدبه، وبسطة يده بالخير والعطاء، ~~وانطوائه على الجود والسخاء؛ فقد ذكروا أنه كان يصلي في كل يوم مائة ركعة إلى أن ~~فارق الدنيا إلا أن تعرض له علة، وكان يتصدق من صلب ماله في كل يوم بألف درهم بعد ~~زكاته. # وكان إذا حج حج معه مائة من الفقهاء وأبنائهم، وإذا لم يحج أحج ثلاثمائة بالنفقة ~~السابغة والكسوة الباهرة، وكان يقتفي آثار المنصور ويطلب العمل بها إلا في بذل ~~المال، فإنه لم ير خليفة قبله كان أعطى منه للمال، ثم المأمون من بعده، وكان لا ~~يضيع عنده إحسان محسن، ولا يؤخر ذلك في أول ما يجب ثوابه، وكان يحب الشعراء والشعر، ~~ويميل إلى أهل الأدب والفقه، وبكره المراء في الدين ويقول: هو شيء لا نتيجة له، ~~وبالحري ألا يكون فيه ثواب، وكان يحب المديح ولا سيما من شاعر فصيح، ويشتريه بالثمن ~~الغالي. # ولقد كانت دولة الرشيد - كما يقول الفخري - دولة من أحسن الدول، وأكثرها وقارا ~~ورونقا وخيرا، وأوسعها رقعة مملكة، جبا الرشيد معظم الدنيا، ولم يجتمع على باب ~~خليفة من العلماء والشعراء والفقهاء والقراء والقضاة والكتاب والندماء ~~والمغنين من اجتمعوا على باب الرشيد، وكان يصل كل واحد منهم أجزل صلة، ويرفعه أعلى ~~درجة، وكان فاضلا شاعرا راوية للأخبار والآثار والأشعار، صحيح الذوق والتمييز، ~~مهيبا عند الخاصة والعامة. ~~••• # ولقد حاول الهادي أن يرغم الرشيد على خلع نفسه من الخلافة بعده، وأن يكتب بولاية ~~العهد لابنه جعفر، وقد تم له شيء من ذلك. وإنا لنجد ms104 في حوادث سنة سبعين ومائة ~~هجرية الشيء الكثير من إخلاص آل برمك للرشيد، لا سيما شدة محافظة يحيى البرمكي على ~~حقوق الرشيد في ولاية العهد، فعذب وحبس وأوذي في هذا السبيل إيذاء ~~شديدا. # ولقد أظهر الرشيد - وهو ولي عهد - من الجرأة ومتانة الأخلاق والصراحة ما هو حقيق ~~بالإعجاب، ولسنا نرى مندوحة من ذكر الرواية التي ذكرها محمد بن عمر الرومي، فهي ~~تعطينا صورة دقيقة لما نحن بسبيله، فقد حدث عن أبيه قال: جلس موسى الهادي بعدما ~~ملك في أول خلافته جلوسا خاصا، ودعا إبراهيم بن جعفر بن أبي جعفر وإبراهيم بن ~~سلم بن قتيبة والحراني، فجلسوا عن يساره ومعهم خادم له أسود يقال له: أسلم ويكنى ~~أبا سليمان - وكان يثق به ويقدمه - فبينا هو كذلك إذ دخل صالح صاحب المصلى فقال: ~~هارون بن المهدي، فقال: ائذن له. فدخل فسلم عليه وقبل يديه وجلس عن يمينه ~~بعيدا من ناحية، فأطرق موسى ينظر إليه، وأدمن ذلك ثم التفت إليه فقال: يا هارون، ~~كأني بك تحدث نفسك بتمام الرؤيا، وتؤمل ما أنت منه بعيد، ودون ذلك خرط ~~القتاد؛ تؤمل الخلافة! قال: فبرك هارون على ركبتيه وقال: يا موسى، إنك إن تجبرت ~~وضعت، وإن تواضعت رفعت، وإن ظلمت ختلت، وإني لأرجو أن يفضي الأمر إلي ~~فأنصف من ظلمت، وأصل من قطعت، وأصير أولادك أعلى من أولادي، وأزوجهم ~~بناتي، وأبلغ ما يجب من حق الإمام المهدي، قال: فقال له موسى: ذلك الظن بك يا أبا ~~جعفر، ادن مني. فدنا منه فقبل يديه ثم ذهب يعود إلى مجلسه، فقال له: لا والشيخ ~~الجليل، والملك النبيل؛ أعني أباك المنصور، لا جلست إلى معي. وأجلسه في صدر المجلس ~~معه، ثم قال: يا حراني، احمل إلى أخي ألف ألف دينار، وإذا افتتح الخراج فاحمل إليه ~~النصف منه، واعرض عليه ما في الخزائن من مالنا، وما أخذ من أهل بيت اللعنة، فيأخذ ~~جميع ما أراد، قال: ففعل ذلك. ولما قام قال لصالح: ادن دابته إلى البساط. # قال عمرو الرومي: وكان ms105 هارون يأنس بي، فقمت إليه فقلت: يا سيدي، ما الرؤيا التي ~~قال لك أمير المؤمنين؟ قال: قال المهدي: أريت في منامي كأني دفعت إلى موسى ~~قضيبا وإلى هارون قضيبا، فأورق من قضيب موسى أعلاه قليلا، فأما هارون فأورق ~~قضيبه من أوله إلى آخره، فدعا المهدي الحكم بن موسى الضمري، وكان يكنى أبا سفيان، ~~فقال له: عبر هذه الرؤيا، فقال: يملكان جميعا، فأما موسى فتقل أيامه، وأما ~~هارون فيبلغ مدى ما عاش خليفة، وتكون أيامه أحسن أيام، ودهره أحسن دهر، قال : ولم ~~يلبث إلا أياما يسيرة ثم اعتل موسى ومات، وكانت علته ثلاثة أيام. # قال عمرو الرومي: أفضت الخلافة إلى هارون فزوج حمدونة من جعفر بن موسى، وفاطمة من ~~إسماعيل بن موسى، ووفى بكل ما قال، وكان دهره أحسن الدهور. ~~••• # ولقد كان الرشيد مشغوفا بالفنون والعلوم، وكان قصره الزاهي الزاهر مركزا لمختلف ~~الثقافات، وأما ولعه بالشعر وضروب الآداب وإجازته الشعراء بسخاء، فالحديث في ذلك ~~طويل المناحي. # وكان الرشيد مع استمتاعه بمرافه الحياة ومناعمها تزوج ست زوجات، وتسرى عشرين ~~أمة ذكر أسماءهن الطبري، وأسماء أولاده منهن، وكان - مع تبرج المدنية في أيامه، ~~ومع إحيائه أندية اللغة والآداب والمنادمة - ورعا متأثرا بالمواعظ والزهديات. ~~وسنذكر لك طرفا من مواقفه الدالة على خشيته لله وأدبه وورعه وتواضعه. # أما خشيته لله وأدبه؛ فقد ذكر بعضهم أنه كان من صحابة الرشيد بالرقة بعد أن شخص ~~من بغداد، فخرج معه يوما إلى الصيد، فعرض له رجل من النساك فقال: يا هارون، اتق ~~الله، فقال لإبراهيم بن عثمان بن بهيك: خذ هذا الرجل إليك حتى أنصرف. فلما رجع دعا ~~بغدائه، ثم أمر أن يطعم الرجل من خاص طعامه، فلما أكل وشرب دعا به فقال: يا ~~هذا، أنصفني في المخاطبة والمساءلة! قال: ذاك أقل مما يجب لك، قال: فأخبرني أنا ~~شر وأخبث أم فرعون؟ قال: بل فرعون؛ قال: # أنا ربكم ~~الأعلى # وقال: # ما علمت لكم من ~~إله غيري ~~، قال: صدقت، فأخبرني فمن خير: أنت أم موسى بن عمران؟ ~~قال: موسى ms106 كليم الله وصفيه اصطفاه لنفسه، وائتمنه على وحيه، وكلمه من بين خلقه، ~~قال: صدقت، أفما تعلم أنه لما بعثه وأخاه إلى فرعون قال لهما: # فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى ~~- ذكر المفسرون أنه أمرهما أن يكنياه - هذا وهو في عتوه وجبروته، على ما قد ~~علمت، وأنت جئتني وأنا بهذه الحالة التي تعلم؛ أؤدي أكثر فرائض الله علي، ولا ~~أعبد أحدا سواه، أقف عند أكبر حدوده وأمره ونهيه، فوعظتني بأغلظ الألفاظ وأشنعها، ~~وأخشن الكلام وأفظعه، فلا بأدب الله تأدبت ، ولا بأخلاق الصالحين أخذت، فما كان ~~يؤمنك أن أسطو بك، فإذا أنت قد عرضت نفسك لما كنت عنه غنيا؟ قال الزاهد: ~~أخطأت يا أمير المؤمنين، وأنا أستغفرك، قال: قد غفر لك الله. وأمر له بعشرين ألف ~~درهم، فأبى أن يأخذها وقال: لا حاجة لي في المال؛ أنا رجل سائح، فقال هرثمة وخزره: ~~ترد على أمير المؤمنين، يا جاهل، صلته؟! فقال الرشيد: أمسك عنه، ثم قال له: لم ~~نعطك هذا المال لحاجتك إليه، ولكن من عادتنا أنه لا يخاطب الخليفة أحد ليس من ~~أوليائه ولا أعدائه إلا وصله ومنحه؛ فاقبل من صلتنا ما شئت، وضعها حيث أحبب. فأخذ ~~من المال ألفي درهم وفرقها على الحجاب ومن حضر الباب. # وأما ورعه فقد ذكر أن أبا مريم المدني كان مع الرشيد، وكان مضحاكا له محداثا ~~فكها، فكان الرشيد لا يصبر عنه ولا يمل محادثته، وكان ممن قد جمع إلى ذلك ~~المعرفة بأخبار أهل الحجاز وألقاب الأشراف ومكايد المجان، فبلغ من خاصته بالرشيد ~~أن بوأه منزلا في قصره، وخلطه بحرمه وبطانته ومواليه وغلمانه، فجاء ذات ليلة ~~وهو نائم وقد طلع الفجر، وقام الرشيد إلى الصلاة فألفاه نائما، فكشف اللحاف عن ~~ظهره ثم قال له: كيف أصبحت؟ قال: يا هذا، ما أصبحت بعد، اذهب إلى عملك، قال: ~~ويلك، قم إلى الصلاة، قال: هذا وقت صلاة أبي الجارود، وأنا من أصحاب أبي يوسف ~~القاضي. فمضى وتركه نائما، وتأهب الرشيد للصلاة فجاء غلامه فقال: أمير المؤمنين قد ms107 ~~قام إلى الصلاة. فقام فألقى عليه ثيابه ومضى نحوه، فإذا الرشيد يقرأ في صلاة الصبح، ~~فانتهى إليه وهو يقرأ: # وما لي لا أعبد الذي ~~فطرني # فقال ابن أبي مريم: لا أدري والله! فما تمالك الرشيد أن ضحك ~~في صلاته، ثم التفت إليه وهو كالمغضب فقال: يا ابن أبي مريم، في الصلاة أيضا؟ قال: ~~يا هذا، وما صنعت؟ قال: قطعت علي صلاتي، قال: والله ما فعلت، إنما سمعت منك ~~كلاما غمني حين قلت: # وما لي لا أعبد الذي ~~فطرني # فقلت: لا أدري والله! فعاد فضحك وقال: إياك والقرآن ~~والدين، ولك ما شئت بعدهما. # وأما تواضعه فنترك الكلمة فيه لأبي معاوية الضرير، وهو من علماء دولته، فإنه ~~يقول: أكلت مع الرشيد يوما فصب على يدي الماء رجل فقال: يا أبا معاوية، أتدري من ~~صب الماء على يديك؟ فقلت: لا، يا أمير المؤمنين، قال: أنا، فقلت: يا أمير المؤمنين، ~~أنت تفعل هذا إجلالا للعلم؟ قال: نعم. فتصور إلى أي حد بلغ صنيعه. ~~••• # نترك جانبا الآن التكلم عن البرامكة ونكبة البرامكة إلى فصل مستقل، وربما كان من ~~المصلحة الفنية للكتاب أن يفرد لكل بحث من بحوثه باب خاص نستوعب فيه ما يجدر بنا ~~استيعابه من تلك النواحي الهامة الشديدة الصلة بموضوعنا. # والآن نرى - في عنقنا - أن نتحدث إليك في أمور أربعة قد تفيدك في عهد الرشيد ~~عامة، وربما أفادت في تفهم عصر المأمون خاصة؛ وهي: ~~(1) # حقيقة السياسة الداخلية في عصر الرشيد. ~~(2) # السياسة الخارجية. ~~(3) # التكلم عن بيعة الرشيد للأمين والمأمون والقاسم. ~~(4) # التكلم عن الدولة البرمكية والنكبة البرمكية. # وسنتوخى الإيجاز المقنع من غير إخلال بما لا يليق بنا الإخلال به، ولا سيما باب ~~بيعات الرشيد؛ فإنا لا نرى مندوحة من إثبات نصوصها؛ لما لها من الخطر من حيث إنها ~~أثر تاريخي خليق بالدارسة والبحث. ~~(1) السياسة الداخلية # أنت جد عالم بما كان من تطلع الطالبيين للخلافة، وقد مر بك القول في ~~تحفزاتهم وخروجهم وحروبهم للخليفة العباسي الجالس على العرش كلما واتتهم الفرص ~~وأمكنتهم الأحوال. # وأنت جد عالم ms108 أن الخلفاء ما كانوا يركنون إلى جانبهم نفاسا وتباغضا، ~~واصطداما للمصلحة الخاصة وتعارضا، بيد أن الرشيد - وهو الرءوم بسجيته، ~~المجبول على الخير بنزعته - رأى في أول عهده أن يحدب عليهم، ويستل سخيمة ~~العداوة من قلوبهم، فرفع الحجر عمن كان منهم ببغداد وسيرهم إلى المدينة، ما عدا ~~العباس بن الحسن بن عبد الله، وكان أبوه مع ذلك فيمن أشخص إلى المدينة. # لم يشجع الطالبيون الرشيد على الاستمرار على خطته تلك، بل كان من بعضهم ما ~~دفعه إلى تغيير خطته السديدة؛ إذ خرج عليه يحيى بن عبد الله - أحد الناجين من ~~وقعة «فخ» التي كانت في أيام الهادي، ونزح إلى بلاد الديلم حيث قويت شوكته، ~~واشتد ساعده، وهرع إليه الناس من الأمصار والكور - فاغتم الرشيد لذلك أيما ~~اغتمام وترك، فيما يقول الرواة، شرب النبيذ، ثم ندب إلى قتاله الفضل بن يحيى بن ~~خالد في خمسين ألفا، ومعه من القواد صناديدهم، ومن الجند شجعانهم، فسار سمت ~~يحيى، فكاتبه ورفق به واستماله وبسط أمله، وكاتب صاحب الديلم وجعل له ألف ألف ~~درهم على أن يسهل له خروج يحيى وحملت إليه، فأجاب يحيى إلى الصلح والخروج، ~~على أن يكتب له الرشيد أمانا بخطه، فبادر الفضل برفع ذلك إلى الرشيد، فأثلج ~~فؤاده، وعظم موقعه لديه، وكتب أمانا ليحيى بن عبد الله وأشهد عليه القضاة ~~والفقهاء وجلة بني هاشم ومشايخهم، منهم عبد الصمد بن علي والعباس بن محمد ومحمد ~~بن إبراهيم ومن أشبههم، ووجه به مع جوائز وكرامات وهدايا، فوجه الفضل بذلك ~~إليه، فقدم يحيى بن عبد الله عليه. # وفي رواية أخرى أن يحيى بن عبد الله لما رأى الرشيد قد كتب إلى صاحب الديلم ~~يطلبه منه ويتهدده، وأنه قد اشتد في مطاردته واقتفاء أثره، طلب الأمان من ~~الفضل، فأمنه وحمله إلى الرشيد. # ويحدثنا أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في حوادث سنة ست وسبعين ومائة، أنه لما ~~ورد الفضل بن يحيى البرمكي بيحيى بن عبد الله العلوي بغداد، لقيه الرشيد بكل ما ~~أحب، وأمر له بمال ms109 كثير، وأجرى عليه أرزاقا سنية، وأنزله منزلا سريا بعد أن ~~أقام في منزل يحيى بن خالد أياما، وكان يتولى أمره بنفسه ولا يكل ذلك إلى ~~غيره، وأمر الناس بإتيانه - بعد انتقاله من منزل يحيى - والتسليم عليه، وبلغ ~~الرشيد الغاية في إكرام الفضل، وفي ذلك يقول مروان بن أبي حفصة: # ظفرت فلا شلت يد برمكية # رتقت بها الفتق الذي بين هاشم # على حين أعيا الراتقين التئامه # فكفوا وقالوا ليس بالمتلائم # فأصحبت قد فازت يداك بخطة # من المجد باق ذكرها في المواسم # وما زال قدح الملك يخرج فائزا # لكم كلما ضمت قداح المساهم # ونوجه النظر هنا إلى ظاهرة في شعر مروان وأبي قمامة الخطيب الذي أنشد في هذا ~~المعنى أبياتا له يستدل منها على اغتباط الشاعر، وجمهرة الناس طبعا، بالوفاق ~~بين العلويين والعباسيين، والإشادة بذلك، مفخرة للعاملين على رتق الفتق والتئام ~~الصدع، ولكن وا أسفاه! فإن للوجهة النفعية خطرها بين الملوك وبين السعاة ~~بالنميمة، ولها أثرها السيئ في إلصاق تهم بالأبرياء، ولها مغبتها الضارة في ~~بذر بذور الكراهية والبغضاء بين الملوك والزعماء. # وقد بينا لك أن الأمان الذي كتبه الرشيد ليحيى بن عبد الله قد أشهد عليه ~~الفقهاء والقضاة وزعماء الشعب. وقد يكون من المفيد في تصوير ناحية من نواحي ~~العصر أن نذكر لك هنا نصيب هذا الأمان وحظه من بعض الفقهاء في الفتيا بنقضه، ~~وآخرين بالوفاء له، ولندع لأبي خطاب - أحد المعاصرين - الكلمة، قال: إن جعفر بن ~~خالد حدثه ليلة وهو في سمره قال: دعا الرشيد اليوم يحيى بن عبد الله بن حسن وقد ~~حضره أبو البختري القاضي ومحمد بن الحسن الفقيه صاحب أبي يوسف، وأحضر الأمان ~~الذي كان أعطاه يحيى، فقال لمحمد بن الحسن: ما تقول في هذا الأمان، أصحيح هو؟ ~~قال: هو صحيح، فحاجه في ذلك الرشيد، فقال له محمد بن الحسن: ما تصنع بالأمان ~~لو كان محاربا ثم ولى؛ كان آمنا؟ فاحتملها الرشيد على محمد بن الحسن، ثم ~~سأل أبا البختري أن ينظر في الأمان، فقال أبو البختري: ms110 هذا الأمان منتقض من ~~وجه كذا وكذا، فقال الرشيد: أنت قاضي القضاة وأنت أعلم بذلك! ومزق الأمان وتفل ~~فيه أبو البختري. # ولك أن تعلق ما شئت على تصرف أبي البختري «الفقيه الديني» الذي أصبح بفتياه ~~تلك قاضي القضاة، ولك أن تستنبط ما أحببت في موقفه ومرونته حين مزق الأمان، ~~ولم تزد قيمته في نظره على «قصاصات الورق» حتى تفل فيه، ولك أن تقول ما أردت في ~~موقف زميله محمد بن الحسن الفقيه صاحب أبي يوسف، وعدم ترخصه أو جموده. أما نحن ~~فإنا لا نعدو خطتنا التي رسمناها لأنفسنا في مثل هذه المواقف من التزام الحيدة ~~التامة، وعدم الزج بأنفسنا في المزالق الخطرة، والاكتفاء من ناحيتنا بتقييد ~~الحوادث لا أكثر ولا أقل. # ولقد سعى بالنميمة بين الرشيد ويحيى بن عبد الله الساعون، وكلما رق الرشيد ~~له أثاروا في نفسه السخيمة عليه، فقد ذكروا أن يحيى بن عبد الله قال للرشيد: يا ~~أمير المؤمنين، إن لنا قرابة ورحما، ولسنا بترك ولا ديلم، يا أمير المؤمنين، ~~إنا وأنتم أهل بيت واحد، فأذكرك الله قرابتنا من رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، علام ~~تحبسني وتعذبني؟ قال: فرق له هارون، ولكن الزبيري - وكان حاكما للمدينة أيام ~~الرشيد، وهو يعد من الأحزاب المعادية للعلويين، واشتهر بشدة البغض لهم، وكان ~~حاضرا مجلسهما - أقبل على الرشيد فقال: يا أمير المؤمنين، لا يغرك كلام هذا، ~~فإنه شاق عاص، وإنما هذا منه مكر وخبث، إن هذا أفسد علينا مدينتنا، وأظهر ~~فيها العصيان، قال: فأقبل يحيى عليه، فوالله ما استأذن أمير المؤمنين في الكلام ~~حتى قال: أفسد عليكم مدينتكم! ومن أنتم، عافاكم الله؟ قال الزبيري: هذا كلامه ~~قدامك، فكيف إذا غاب عنك؟! يقول: «ومن أنتم؟» استخفافا بنا، قال: فأقبل ~~عليه يحيى فقال: نعم، ومن أنتم، عافاكم الله؟ المدينة كانت مهاجر عبد الله بن ~~الزبير أم مهاجر رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~؟! ومن أنت حتى تقول: أفسد علينا ~~مدينتنا! وإنما بآبائي وآباء هذا هاجر أبوك إلى المدينة؟ ثم قال: يا أمير ms111 ~~المؤمنين، إنما الناس نحن وأنتم، فإن خرجنا عليكم قلنا: أكلتم وأجعتمونا، ~~ولبستم وأعريتمونا، وركبتم وأرجلتمونا، فوجدنا بذلك مقالا فيكم، ووجدتم ~~بخروجنا عليكم مقالا فينا، فتكافأ فيه القول، ويعود أمير المؤمنين على أهله ~~بالفضل. يا أمير المؤمنين، فلم يجترئ هذا وضرباؤه على أهل بيتك يسعى بهم عندك؟ ~~إنه والله ما يسعى بنا إليك نصيحة منه لك، وإنما يأتينا فيسعى بك عندنا عن غير ~~نصيحة منه لنا، إنما يريد أن يباعد بيننا، ويشتفي من بعض ببعض، والله يا أمير ~~المؤمنين، لقد جاء إلي هذا حين قتل أخي محمد بن عبد الله فقال: لعن الله ~~قاتله، وأنشدني فيه مرثية قالها نحوا من عشرين بيتا، وقال: إن تحركت في ~~هذا الأمر فأنا أول من يبايعك، وما يمنعك أن تلحق بالبصرة فأيدينا مع يدك، ~~فتغير وجه الزبيري واسود، فأقبل عليه هارون فقال: أي شيء يقول هذا؟ قال: ~~كاذب يا أمير المؤمنين، ما كان مما قال حرف، قال: فأقبل الرشيد على يحيى بن عبد ~~الله وقال: تروي القصيدة التي رثاه بها؟ قال: نعم، يا أمير المؤمنين، أصلحك ~~الله. وأنشدها إياه، فقال الزبيري: والله، يا أمير المؤمنين، الذي لا إله إلا ~~هو - حتى أتى على آخر اليمين الغموس - ما كان مما قال شيء، ولقد يقول علي ما لم ~~أقل، قال: فأقبل الرشيد على يحيى بن عبد الله فقال: قد حلف، فهل من بينة سمعوا ~~هذه المرثية منه؟ قال: لا، يا أمير المؤمنين، ولكن أستحلفه بما أريد، قال: ~~فاستحلفه، قال: فأقبل على الزبيري فقال: قل: أنا بريء من حول الله وقوته ~~موكل إلى حولي وقوتي إن كنت قلته، فقال الزبيري: يا أمير المؤمنين، أي شيء ~~هذا من الحلف؟! أحلف له بالله الذي لا إله إلا هو ويستحلفني بشيء لا أدري ما ~~هو! قال يحيى بن عبد الله: يا أمير المؤمنين، إن كان صادقا فما عليه أن يحلف ~~بما أستحلفه به، فقال له هارون: احلف له، ويلك! قال: فقال: أنا بريء من حول ~~الله وقوته موكل إلى حولي وقوتي ms112 - ويقول الطبري: إنه اضطرب منها وأرعد - فقال: ~~يا أمير المؤمنين، ما أدري أي شيء هذه اليمين التي يستحلفني بها وقد حلفت له ~~بالله العظيم أعظم الأشياء! قال: فقال هارون له: لتحلفن له أو لأصدقن عليك ~~ولأعاقبنك، فقال: أنا بريء من حول الله وقوته موكل إلى حولي وقوتي إن كنت ~~قلته، قال: فخرج من عند هارون فضربه الله بالفالج فمات من ساعته. # وقد روى المؤرخون العرب في صدد موت ذلك الزبيري روايات، لا نرى بأسا ~~بإيرادها، فقد ذكر الفخري أنه ما انقضى النهار حتى مات، فحملوه إلى القبر وحطوه ~~فيه، وأرادوا أن يطموا القبر بالتراب، فكانوا كلما جعلوا التراب فيه ذهب التراب ~~ولا ينطم القبر، فعلموا أنها آية سماوية، فسقفوا القبر وراحوا. وإلى ذلك ~~أشار أبو فراس بن حمدان في ميميته إذ يقول: # يا جاهدا في مساويهم يكتمها # غدر الرشيد بيحيى كيف ينكتم # ذاق الزبيري غب الحنث وانكشفت # عن ابن فاطمة الأقوال والتهم # قالوا: ومع ظهور مثل هذه الآية العظيمة قتل يحيى في الحبس شر قتلة، على ~~أن هناك رأيا آخر في موت يحيى بن عبد الله، وهو أن الموكل به في الحبس منعه ~~الأكل فمات. # ولننظر ما يرويه لنا معاصر، وهو عباس بن الحسن، عما كان من الرشيد بعدما ~~أصاب الزبيري، مما أجمع رواة العرب على إصابته به إثر كذبه في قسمه، فقد قال: ~~دخلنا على الرشيد، فلما نظر إلينا قال: يا عباس بن الحسن، أما علمت بالخبر؟ ~~فقال أبي: بلى، يا أمير المؤمنين، فالحمد لله الذي صرعه بلسانه، ووقاك الله، يا ~~أمير المؤمنين، قطع أرحامك، فقال الرشيد: الرجل والله سليم على ما يحب، ورفع ~~الستر فدخل يحيى وأنا والله أتبين الارتياع في الشيخ، فلما نظر إليه الرشيد ~~صاح به: يا أبا محمد، أما علمت أن الله قد قتل عدوك الجبار، قال: الحمد لله ~~الذي أبان لأمير المؤمنين كذب عدوه علي، وأعفاه من قطع رحمه، والله، يا أمير ~~المؤمنين، لو كان هذا الأمر مما أطلبه وأصلح له وأريده - فكيف ولست ms113 بطالب له ~~ولا مريده؟! - ولم يكن الظفر به إلا بالاستعانة به، ثم لم يبق في الدنيا غيري ~~وغيرك وغيره، ما تقويت به عليك أبدا. وهذا والله من إحدى آفاتك - وأشار إلى ~~الفضل بن الربيع - والله لو وهبت له عشرة آلاف درهم، ثم طمع معي في زيادة ثمرة ~~لباعك بها، فقال: أما العباسي فلا تقل له إلا خيرا، وأمر له في هذا اليوم ~~بمائة ألف دينار. وكان حبسه بعض يوم، قال أبو يونس: كان هارون حبسه ثلاث حبسات ~~مع هذه الحبسة ، وأوصل إليه أربعمائة ألف دينار. ~~••• # وبعد، فقد عنينا بإثبات الروايات فيما كان من سيرة هذا الخليفة العباسي مع ~~علوي من رجالات عصره؛ لنتبين نفسية المعاصرين والولاة، وما انطوت عليه صدورهم ~~من حب لآل علي وتوقير لأشخاصهم، ونعتهم بالكرامات والمعجزات، وإذا اعتبرت أن ~~هذا كله قد حصل في عهد خليفة عظيم بسخائه وفواضله، محبوب لمآثره ونوافله، قوي ~~في مملكته، كثير الأنصار في شيعته، أيقنت أن للحزب العلوي أنصارا يعتد بهم، ~~ومكانة في النفوس يحفل بها. وهذا معقول جدا، وإنك لتستسيغه من نفسك وفهمك إذا ~~ذكرت أن أنصار هذه الدولة هم من الفرس، وأنت تعلم ما كان بين الفرس والعرب ~~عامة، وبين الموالي وبني أمية خاصة من عداء وشجار، ومقت وكراهية، وأنت تعلم أن ~~الدعوة في بداية أمرها كانت للعلويين دون غيرهم، وأن القائمين بها كانوا من ~~الفرس، فمن المعقول أن تشرب قلوبهم حب هذه الدعوة وأفراد هذه الدعوة، ~~والتغني بمذهب هذه الدعوة منذ الساعة الأولى. ولا يزيد مرور الزمان كل ~~دعوة أو مذهب حزبي إلا قوة وانتشارا، وكثرة أنصار، ورسوخ عقيدة؛ فلنلاحظ ذلك ~~جيدا، فإنه قد يفيدنا في تعليل بعض أفعال البرامكة. # ولنرجع إلى التحدث معك باختصار عن بقية الحوادث الداخلية في عصر الرشيد، ~~ولنقسم القول إلى ناحيتين؛ أولاهما: ثورات ناتجة عن العصبية. وثانيتهما: فتوق ~~وثورات في شتى ولاياته. # أما الحوادث العصبية بين النزارية واليمنية وغيرهما، فإن ابن جرير الطبري ~~يحدثنا أن قد وقع هياج في الشام سنة ست وسبعين ومائة ms114 بين النزارية واليمنية، ~~ورأس النزارية يومئذ أبو الهيذام، فولى الرشيد موسى بن يحيى بن خالد، وضم إليه ~~القواد والأجناد ومشايخ الكتاب، فذهب إليهم وأصلح بينهم حتى سكنت ~~الفتنة. # وأما الثورات الأخر، فإنا نجد في أخبار سنة ثمان وسبعين ومائة، وسنة ثمانين ~~ومائة، وسنة سبع وثمانين ومائة ما يدل على حصول فتن وحروب من جراء العصبية ~~أيضا. # ولقد حصلت حروب في خراسان والطالقان وحوران والجزيرة واليمن ومصر وأرمينية ~~وحمص لرافع بن ليث، وكان النصر في أكثرها حليف جيوش الرشيد وولاته. # على أن جل هذه الثورات ناجم في الواقع عن اتساع رقعة المملكة، وسرعة تبديل ~~الولاة، وسوء تصرف بعض هؤلاء الولاة، ولا سيما في جباية الأموال، ومحاولة إرضاء ~~الخليفة من جهة، ومطامعهم الخاصة من جهة أخرى. # وإنا لنجتزئ بما قدمناه لك عن السياسة الداخلية أيام الرشيد، ونتقدم الآن إلى ~~الكلام عن السياسة الخارجية. ~~(2) السياسة الخارجية # أما ملخص السياسة الخارجية أيام الرشيد، فيمكن تقسيمه إلى نقطتين؛ الأولى: ~~علاقته بالروم. والثانية: علاقته بالأندلس. # فأما علاقته بالروم فقد أشارت دائرة المعارف الإسلامية، في مبحثها عن الرشيد، ~~إلى أن حروبا بلغت نهاية الشدة قد وقعت بين الرشيد والبزنطيين، وقالت: إن ولاة ~~الرشيد عملوا منذ بداية عهده على تقوية الحصون التي على الحدود، وأنهم كانوا ~~يقومون بغزوات في البقاع المعادية من غير أن يربحوا غنائم مستديمة، وأن الرشيد ~~غزاهم بنفسه سنة 181ه (797-798م)، بيد أنه عجل بعودته، ثم شبت حرب في السنة ~~التالية كالعادة، وإذ كانت الإمبراطورة إيرين كانت تعاني متاعب داخلية، فقد ~~عجلت بالصلح على أن تدفع الجزية. # على أن هذا الصلح لم يدم إلا ريثما تبوأ الإمبراطور نيقفور أريكته سنة ~~186ه/802م؛ فقد بعث إلى الخليفة بكتاب مهين طلب فيه أن يعيد إليه الجزية التي ~~أديت من قبل، فلم يحفل الخليفة بشروط الصلح، فعادت الحروب. # وفي سنة 190ه/806م استولى هارون على «هرقلة»، واضطر الإمبراطور إلى أن ~~يدفع جزية جديدة عن نفسه وعن أسرته فوق الجزية العامة، وفي السنة التالية هزم ~~البزنطيون يزيد بن مقلد، وكانت أغلاط ms115 هرثمة معهم مماثلة لأغلاط «ابن ~~مقلد». # ويقول بعض المؤرخين الغربيين: إن هارون كان على علاقة حسنة بشرلمان، وقد ذكر ~~أن كليهما كان يبعث سفيرا عند الآخر، على أنه لم يرد ذكر لذلك في المراجع ~~العربية، وإنه ليشك كثيرا في صحة هذه الرواية. # وأما علاقته بالأمويين في الأندلس، فلم يكن مرجوا أن تكون علاقة صفاء ~~ومودة، فقد كان العباسيون يعدونهم خارجين على سلطانهم، ولا يرون في دولتهم ~~نظيرا يستحق أن يعيش وإياهم في سلام وهدوء. # وقد ظهرت أيام الرشيد دولة الأدراسة في المغرب الأقصى، وذلك أن إدريس بن عبد ~~الله كان ممن هرب من وقعة «فخ» - وهو أخو يحيى بن عبد الله - فسار إلى مصر وشخص ~~منها إلى بلاد المغرب الأقصى، حيث التف حوله برابرة أوروبة، فأنشأ هناك أول ~~خلافة للعلويين، وهي دولة الأدراسة. # وظهرت كذلك أيام الرشيد دولة الأغالبة في إفريقية، فإنه ولاها إبراهيم بن ~~الأغلب التميمي ليجعل من مملكته حاجزا منيعا بين الخلافة العباسية والأدارسة ~~الذين بالمغرب الأقصى، وكذلك بينه وبين الأندلسيين، وكانت توليته سنة أربع ~~وثمانين ومائة، فعظم أمره، وصار كملك مستقل، إلا أنه كان يخطب للرشيد. ~~(3) التكلم عن البيعة # والآن نتحدث إليك عن أكبر أغلاط الرشيد، وأبعدها أثرا في حياته وفي الدولة ~~العباسية، بل في حياة المسلمين السياسية بوجه عام، وهي بيعته بولاية العهد ~~الثلاثية لأبنائه: الأمين والمأمون والقاسم. # وقد قدمنا لك في الكتاب الأول رأينا في هذا النوع من احتياط الخلفاء لأنفسهم ~~ولأبنائهم، وما كان له من الأثر السيئ في حياة القصور خاصة، وفي السياسة عامة، ~~ولا سيما البيعة بولاية العهد لأكثر من واحد، فقد كان ذلك ينشئ بطانات مختلفة، ~~ويكون أحزابا لا تلتف حول مبدأ أو فكرة، وإنما تلتف حول الأشخاص والمنافع ~~التي تنتظر منهم. # وهذه البطانات والأحزاب تتنافس في القصر، فتفسد على الخليفة والأمراء حياتهم ~~الخاصة، وتقطع ما بينهم من صلات كان يجب أن ترعى حرمتها، كما أنها تتنافس ~~خارج القصر، فتفسد على الدولة سياستها العامة فتصرفها عن مرافقها الداخلية، كما ~~تصرفها عن الاحتياط ms116 لحماية الثغور والاحتفاظ بمهابتها الخارجية. # ومع أن هذا النوع من البيعة بولاية العهد الثنائية أو الثلاثية سنة أموية ~~آتت ثمرها الخبيث، وجرت على الأمويين أنواع الوبال فمزقتهم وأضاعت ملكهم، كما ~~قدمنا، وكان المعقول أن يستفيد العباسيون من هذا الدرس، ويعرضوا عن سنة ~~منكرة في نفسها، وقد سنها أعداؤهم السياسيون، مع هذا كله تورط الرشيد فيما ~~تورط فيه عبد الملك وخلفاء عبد الملك، وتعرضت الدولة العباسية لما تعرضت له ~~الدولة الأموية، بل كان خطر هذه السنة على العرب أيام بني العباس أشد منه أيام ~~بني أمية؛ ذلك أن سقوط الدولة الأموية قد نقل السلطان من أسرة إلى أسرة واحتفظ ~~به لقريش. # فأما أثر هذه السنة أيام بني العباس، فهو نقل السلطان الفعلي من العرب إلى ~~الفرس ثم إلى الترك، وجعل الخلافة نوعا من العبث والسخرية في أيدي المتغلبين ~~من القواد والخدم والرقيق. # ومهما نلتمس الأسباب لتورط الرشيد في هذه السنة التي كان يجب أن يتجنبها، فلن ~~نستطيع أن نهمل سببين أساسيين؛ أحدهما: تأثر القصر العباسي بسنن الملك الفارسي ~~القديم وسياسته. والآخر: تأثر الخلفاء بما كان للنساء، حرائرهن وإمائهن، من ~~سلطان ونفوذ. # فلولا هذان السببان لما تورط الرشيد في هذه السنة التي تورط فيها أبوه ~~المهدي، وذاق هو غير قليل من ثمرها. # ستقول: ولكن الرشيد احتاط فأخذ على أبنائه العهود والمواثيق أن يفي بعضهم ~~لبعض، ويبر بعضهم ببعض. ولكن ما قيمة هذا الاحتياط أمام سطوة الملك وسلطانه ~~ومطامع الإنسان التي لا حد لها؟ وما قيمة هذه العهود والمواثيق وقد أثبت ~~التاريخ في جل مراحله أنها لا تعتبر عهودا ومواثيق إلا عند الضعفاء من الأمم ~~والأفراد، أما الأقوياء وذوو السلطان والبطش فهي عندهم ليست بعهود ولا مواثيق، ~~إنما هي «قصاصات ورق» لا أكثر ولا أقل، وقد يفتي بأنها «قصاصات ورق» أولئك ~~الذين وكدوها وشهدوا على صحتها، وتضامنوا في البر بها، والوفاء ~~لأصحابها؟ # وقد كان الخلفاء قبل الرشيد يحتاطون لكل بيعة فيها أخذ للعهود والمواثيق، ~~ومع ذلك لم ينفع هذا الاحتياط أيام بني أمية ms117 ولا أيام بني العباس. # وإليك الآن أحاديث المؤرخين من العرب وغير العرب في هذا الموضوع: # لما لاحظ الفضل بن يحيى سنة خمس وسبعين ومائة أن جماعة من بني العباس قد مدوا ~~أعناقهم إلى الخلافة بعد الرشيد؛ لأنه لم يكن له ولي عهد، أجمع على البيعة ~~لمحمد، ولما صار الفضل بن يحيى إلى خراسان فرق في أهلها أموالا، وأعطى الجند ~~أعطيات متتابعات، ثم أظهر البيعة لمحمد بن الرشيد، فبايع الناس له، وسماه ~~الأمين، وفي ذلك يقول النمري: # أمسى بمرو على التوفيق قد صفقت # على يد الفضل أيدي العجم والعرب # بيعة لولي العهد أحكمها # بالنصح منه وبالإشفاق والحدب # قد وكد الفضل عقدا لا انتقاض له # لمصطفى من بني العباس منتخب # ولما تناهى الخبر إلى الرشيد بذلك، وبايع له أهل المشرق بايع وكتب إلى ~~الآفاق فبويع له في جميع الأمصار، فقال أبان اللاحقي في ذلك: # عزمت أمير المؤمنين على الرشد # برأى هدى فالحمد لله ذي الحمد # ويقول لنا اليعقوبي في هذا الصدد: إن هارون بايع لابنه محمد بالعهد من بعده ~~سنة 175ه ومحمد ابن خمس سنين، وأعطى الناس على ذلك عطايا جمة، وأخرج محمد إلى ~~القواد، فوقف على وسادة فحمد الله وصلى على نبيه، وقام عبد الصمد بن علي ~~فقال: أيها الناس، لا يغرنكم صغر السن، فإنها الشجرة المباركة أصلها ثابت ~~وفرعها في السماء. وجعل الرجل من بني هاشم يقول في ذلك حتى انقضى المجلس، ~~ونثرت عليهم الدراهم والدنانير وفأر المسك وبيض العنبر. # ويقول لنا الطبري في حوادث سنة اثنتين وثمانين ومائة: إن فيها كان انصراف ~~الرشيد من مكة، ومسيره إلى الرقة، وبيعته بها لابنه عبد الله المأمون بعد ابنه ~~محمد الأمين، وأخذ البيعة له على الجند بذلك بالرقة، وضمه إياه إلى جعفر بن ~~يحيى، وأنه قد بويع له بمدينة السلام حين قدمها، وولاه أبوه خراسان وما يتصل ~~بها إلى همذان، وسماه المأمون. وقد قال في ذلك سلم بن عمرو الخاسر: # بايع هارون إمام الهدى # لذي الحجا والخلق الفاضل # المخلف المتلف أمواله # والضامن ms118 الأثقال للحامل # والعالم الناقد في علمه # والحاكم الفاضل والعادل # والراتق الفاتق حلف الهدى # والقائل الصادق والفاعل # لخير عباس إذا حصلوا # والمفضل المجدي على العائل # أبرهم برا وأولاهم # بالعرف عند الحدث النازل # لمشبه المنصور في ملكه # إذا تدجت ظلمة الباطل # فتم بالمأمون نور الهدى # وانكشف الجهل عن الجاهل # وفي سنة تسع وثمانين ومائة بايع الرشيد لابنه القاسم بعد المأمون، وجعل أمر ~~القاسم، في خلعه وإقراره، إلى عبد الله إن أفضت الخلافة إليه. # وأراد الرشيد أن يوثق الأمر بين بنيه في ولاية العهد، حتى يسد دونهم باب ~~الفتنة، فرأى أن خير وسيلة لذلك هي ما يحدثنا عنها أبو جعفر محمد بن جرير ~~الطبري في حوادث سنة ست وثمانين ومائة إذ يقول: حج هارون ومحمد وعبد الله معه ~~وقواده ووزراؤه وقضاته في سنة 186ه، وخلف بالرقة إبراهيم بن عثمان بن نهيك ~~العكي على الحرم والخزائن والأموال والعسكر، وأشخص القاسم ابنه إلى منبج، ~~فأنزله إياها بمن ضم إليه من القواد والجند، فلما قضى مناسكه كتب لعبد الله ~~المأمون ابنه كتابين جهد الفقهاء والقضاة آراءهم فيهما: # أحدهما: على محمد بما اشترط عليه من الوفاء بما فيه من تسليم ما ولي عبد ~~الله من الأعمال وصير إليه من الضياع والغلات والجواهر والأموال. والآخر: ~~نسخة البيعة التي أخذها على الخاصة والعامة، والشروط لعبد الله على محمد ~~وعليهم، وجعل الكتابين في البيت الحرام، وبعد أخذه البيعة على محمد، وإشهاده ~~عليه بها الله وملائكته ومن كان في الكعبة معه من سائر ولده وأهل بيته ومواليه ~~وقواده ووزرائه وكتابه وغيرهم، وكانت الشهادة بالبيعة والكتاب في البيت الحرام، ~~وتقدم إلى الحجبة في حفظهما، ومنع من أراد إخراجهما والذهاب بهما؛ فذكر عبد ~~الله بن محمد ومحمد بن يزيد التميمي وإبراهيم الحجبي، أن الرشيد حضر وأحضر وجوه ~~بني هاشم والقواد والفقهاء وأدخلوا البيت الحرام، وأمر بقراءة الكتاب على عبد ~~الله ومحمد، وأشهد عليهما جماعة من حضر، ثم رأى أن يعلق الكتاب في الكعبة، ~~فلما رفع ليعلق وقع، فقيل: إن هذا الأمر سريع انتقاضه، ms119 قليل تمامه. وقد أثبتنا ~~الكتابين لعظيم خطرهما التاريخي في باب المنثور في الكتاب الثاني من المجلد ~~الثاني. # وبعد، فإن لعصر الرشيد مكانته وقدره، فقد ازدهرت فيه الحضارة الإسلامية أيما ~~ازدهار، وظهرت فيه آثار تحول المدنية في العصور التي سبقته، كما أثر هو في ~~العصور التي تلته، ولقد صدق صاحب «النجوم الزاهرة» فيما رواه عن أبي علي صالح ~~بن محمد الحافظ، قال: «اجتمع للرشيد ما لم يجتمع لغيره: وزراؤه البرامكة، ~~وقاضيه أبو يوسف، وشاعره مروان بن أبي حفصة، ونديمه العباس بن محمد عم أبيه، ~~وحاجبه الفضل بن الربيع أنبه الناس وأعظمهم، ومغنيه إبراهيم الموصلي، ~~وزوجته زبيدة بنت عمه جعفر.» # وإنا لنختم مبحثنا في حياة الرشيد وعصره بكلمة تبين وجهة نظر مؤرخ كبير ~~المكانة في الشرقيات، وهو الأستاذ «ميور»، ونتقدم بملاحظة واحدة، وهي شدته على ~~هارون الرشيد، وقد يكون الذي دفعه إلى ذلك تأثره بمرجعه العظيم الذي وضعه ~~الأستاذ «ويل». # وقد اعترف «ميور» نفسه بأن «ويل» كان بالغا في قسوته على هارون مبلغا ~~عظيما، على نقيض ما عهد فيه من الحيدة والهدوء في أحكامه، فقد اعتبره من الظلم ~~في الذروة، ولم يكن الرشيد من الرداءة بمبلغ من سبقه ومن أتى بعده. ويظهر أن ~~الفاجعة البرمكية هي التي أعطته هذه الأسبقية التي لا يغبط عليها في حكاية ~~الشرق وتاريخه. # وسنرى مع محاولة الأستاذ «ميور» الرد على الأستاذ «ويل» في حاشية كتابه، أن ~~كتابته عن الرشيد مع حظها العظيم من المتانة والإنصاف لا تزال عليها غلالة من ~~صرامة «ويل» وقواذع نقده. # نترجم لك رأي «ميور» لأنه يكاد يكون صورة صحيحة للرأي العلمي الأخير في ~~الرشيد، فهو لا يعدو الرأي الذي أبداه الأستاذ ك. ف. «زتوستين»، في العدد ~~الثاني والعشرين من دائرة المعارف الإسلامية، ونحن جد عالمين بخطر المراجع ~~العديدة التي استند عليها «زتوستين» في رأيه في الرشيد. فلننقل لك الآن كلمة ~~«ميور»؛ فهي مثل الأخرى إن لم تكن أوسع وأبلغ. # قال الأستاذ «ميور» في كتابه عن الخلافة: «إن مكانة هارون الرشيد وابنه ~~المأمون في ms120 التاريخ لهى أسمى مكانة بلغها الخلفاء العباسيون، وإن هارون لقمين ~~بأن يكون في الذروة مع الخيرة مع أفاضل ملوك أسرة بني أمية، لولا شائبة ~~القساوة المنطوية على الختل التي وصمت سيرته جمعاء.» # لقد كان الرشيد في قصوره محوطا بضروب الرفاهية والرغد، وكان ملكا في مكارمه ~~وجوده، ومع ذلك قد ترك في أقبائه خزائن عامرة بلغت تسعمائة مليون جمعت بوسائل ~~العسف وعدم التدقيق، وإذا استثنينا ما ذكرناه؛ فإن إرادته كانت عادلة ~~موفقة. # ولما كان الرشيد قد اعتاد منذ ميعة شبابه الحياة الحربية، فإنه كثيرا ما ~~شاطر جنده ميدان القتال، وقد كان من جراء انتصاراته العديدة، لا سيما على ~~اليونان (الروم) أن طبع عصره بطابع المجد والصيت. # ولم يظهر خليفة، من قبل أو بعد، ما أظهره الرشيد من الهمة والنشاط في مختلف ~~حركاته، سواء أكانت في سبيل الحج أم الإدارة أم الحرب. # على أن أصل شهرة هذا الخليفة ومصدر صيته راجع إلى أن حكمه عجل بدخول عصر ~~الآداب، فقد كان قصره المثابة التي يهرع إليها الحكماء والعلماء من أنحاء ~~العالم، وكانت سوق البلاغة والشعر والتاريخ والفقه والطب والموسيقى والفنون ~~نافقة، إذ يقابلها الخليفة مقابلة من في سجيته النبل والكرم، كل ذلك مما آتى ~~أكله وثمره الناضج في العصور الآتية. # لقد كان الرشيد يجيز العلماء في كل فن جائزات ملكية نبيلة، على أن الشعراء ~~كانوا موضع كرمه الخاص، وهاك مثلا ما أجاز به مروان بن أبي حفصة حين مدحه ~~بمدحته فيه، فرفده الرشيد بكيس فيه خمسة آلاف دينار، وكساه خلعته تشريفا له، ~~وأمر له بعشرة من رقيق الروم، وحمله على برذون من خاص مراكبه. ا.ه. ~~(4) الدولة البرمكية والنكبة البرمكية # صدق الفخري إذ يقول: إن دولة البرامكة كانت غرة في جبهة الدهر، وتاجا على ~~مفرق العصر، ضربت بمكارمها الأمثال، وشدت إليها الرحال، ونيطت بها ~~الآمال، وبذلت لها الدنيا أفلاذ أكبادها، ومنحتها أوفر إسعادها، فكان يحيى ~~وبنوه كالنجوم زاهرة، والبحور زاخرة، والسيول دافعة، والغيوث ماطرة، أسواق ~~الآداب عندهم نافقة، ومراتب ذوي الحرمات عندهم عالية، والدنيا ms121 في أيامهم عامرة، ~~وأبهة المملكة ظاهرة، وهم ملجأ اللهيف، ومعتصم الطريد، ولهم يقول أبو ~~نواس: # سلام على الدنيا إذا ما فقدتم # بني برمك من رايحين وغاد # ويؤخذ من المباحث التاريخية الحديثة للمستشرقين أن البرامكة هم أسرة فارسية ~~أنتجب أول الوزراء الفرس للخلافة، وليست لفظة برمك باسم لشخص، وإنما تدل على ~~رتبة وراثية خاصة برئيس الكهان بمعبد «نوبهار» ببلخ. # وكانت البرامكة تملك الأراضي التابعة للمعبد، ويبلغ طولها ثمانية فراسخ، ~~وعرضها أربعة، فكانت مساحتها أربعين وسبعمائة ميل مربع، ولم تزل هذه الممتلكات ~~أو بعضها في حوزة البرامكة في الأيام التالية، ويقول ياقوت: إن قرية «روان» ~~الكبيرة الغنية، وهي شرق بلخ، كانت في حوزة يحيى بن خالد. # ومعنى الاسم بالسنسكريتية: الدير الجديد، وكان هذا الدير عبارة عن دير بوذي، ~~وقد وصف كذلك بوساطة حاج صيني اسمه «هوان شانج» في القرن السابع للمسيح، في ~~كتاب اسمه «ذكريات على البقاع الشرقية»، وقد ترجمه إلى الفرنسية «سنت جوليان»، ~~على أن هذالمعبد كان معروفا لبعض الجغرافيين من العرب، أمثال: ابن الفقيه ~~(انظر: طبعة چوچ، ص322)؛ إذ قرر أن النوبهار كانت مخصصة لعبادة الأوثان لا ~~النار. وإذا تركنا جانبا بعض المبالغات في وصف ابن الفقيه، فإنا نجد وصفه ~~مطابقا للبوذية. # فلنلاحظ هذه العبادة لأقطاب من زعماء الفرس لعبوا دورا هاما في التاريخ ~~العباسي، ولنلاحظها جيدا؛ فربما أفادتنا في إماطة اللثام قليلا عن عبادات ~~لفئات عديدة اعتبرت زنادقة أو مانية أو ملحدين، ومهما كانت هذه الفئات موضع ~~اضطهاد من خلفاء العصر؛ فإن من المبالغة الكتابية التي لا ترضي العلم ولا ~~التاريخ في شيء ألا يحفل بها، أو لا يشار إليها إشارة طفيفة إذا لم يكن لدينا ~~من المواد ما يسمح لنا بأن نفرد لدراستها بابا، كما حفل بها الخلفاء فأفردوا ~~لها إدارة أسموا رئيسها «صاحب الزنادقة». # ولعل أول ذكر لبرمكي حفل به التاريخ واعتبره مؤسسا لتلك الأسرة البرمكية ~~التي نبغت في تلك الأيام الزاهية الزاهرة، والتي امتدت إلى أن انقضت في أيام ~~الرشيد، ونظر إليه باعتباره جد البرامكة هو: ms122 خالد بن برمك الذي استوزره ~~السفاح بعد أبي سلمة الخلال وأبي الجهم. # كان خالد بن برمك من رجالات الدولة العباسية فاضلا جليلا كريما حازما ~~يقظا، استوزره السفاح وخف على قلبه، وكان يسمى وزيرا، وقيل: إن كل من ~~استوزر بعد أبي سلمة كان يتجنب أن يسمى وزيرا؛ تطيرا مما جرى على أبي ~~سلمة، ولقول من قال: # إن الوزير وزير آل محمد # أودى فمن يشناك كان وزيرا # قالوا: فكان خالد بن برمك يعمل عمل الوزراء ولا يسمى وزيرا ... كان خالد عظيم ~~المنزلة عند الخلفاء، قيل: إن السفاح قال له يوما: يا خالد، ما رضيت حتى ~~استخدمتني! ففزع خالد وقال: كيف يا أمير المؤمنين وأنا عبدك وخادمك؟! فضحك ~~وقال: إن ريطة ابنتي تنام مع ابنتك في مكان واحد، فأقوم بالليل فأجدهما قد ~~سرح الغطاء عنهما، فأرده عليهما. فقبل خالد يده وقال: مولى يكتسب الأجر في ~~عبده وأمته. # وكثر الوافدون على باب خالد بن برمك، ومدحه الشعراء، وانتجعه الناس، وكان ~~الوافدون يسمون سؤالا، فقال خالد: إني أستقبح هذا الاسم لمثل هؤلاء وفيهم ~~الأشراف والأكابر! فسماهم الزوار، وكان خالد أول من سماهم بذلك، فقال له ~~بعضهم: والله ما ندري أي أياديك عندنا أجل، أصلتنا أم تسميتنا؟ # ولقد مدحه بشار بن برد فقال فيه: # لعمري لقد أجدى علي ابن برمك # وما كل من كان الغنى عنده يجدي # حلبت بشعري راحتيه فدرتا # سماحا كما در السحاب مع الرعد # إذا جئته للحمد أشرق وجهه # إليك وأعطاك الكرامة بالحمد # له نعم في القوم لا يستثيبها # جزاء وكيل التاجر المد بالمد # مفيد ومتلاف سبيل ثرائه # إذا ما غدا أو راح كالجزر والمد # أخالد إن الحمد يبقى لأهله # جمالا ولا تبقى الكنوز على الكد # فأطعم وكل من عارة مستردة # ولا تبقها إن العواري للرد # فأعطاه خالد ثلاثين ألف درهم، وكان قبل ذلك يعيطه في كل وفادة خمسة آلاف ~~درهم، وأمر خالد أن يكتب هذان البيتان الأخيران في صدر مجلسه الذي كان يجلس ~~فيه، وقال ابنه يحيى: آخر ما أوصاني به أبي ms123 العمل بهذين البيتين. # ولقد أشرنا في كلمتنا عن الهادي إلى مبلغ إخلاص يحيى بن خالد البرمكي للرشيد ~~في أيام الهادي حينما شرع في خلع هارون من ولاية العهد، وإن الأخبار التي رواها ~~الطبري في سنة سبعين ومائة ناطقة بولاء يحيى وصدق إخلاصه. # ويجدر بنا هنا أن نقتطف موقفين كمثل لمواقف يحيى مع الهادي ذودا عن الرشيد ~~وحقوق الرشيد؛ فإنهما يعطياننا صورة من إخلاص آل برمك للرشيد ومبلغ ما روع ~~به يحيى في سبيل الرشيد. # ذكر أبو حفص الكرماني أن محمد بن يحيى البرمكي حدثه قال: بعث الهادي إلى يحيى ~~ليلا، فأيس من نفسه وودع أهله وتحنط وجدد ثيابه ولم يشك في أنه يقتله، فلما ~~أدخل عليه قال: يا يحيى، مالي ولك؟ قال: أنا عبدك، يا أمير المؤمنين، فما ~~يكون من العبد إلى مولاه إلا طاعته، قال: فلم تدخل بيني وبين أخي تفسده علي؟ ~~قال: يا أمير المؤمنين، من أنا حتى أدخل بينكما، إنما صيرني المهدي معه، وأمرني ~~بالقيام بأمره، فقمت بما أمرني به، ثم أمرتني بذلك فانتهيت إلى أمرك، قال: فما ~~الذي صنع هارون؟ قال: ما صنع شيئا ولا ذلك فيه ولا عنده، قال: فسكن غضبه. وقد ~~كان هارون طاب نفسا بالخلع فقال له يحيى: لا تفعل، فقال: أليس يترك لي الهنيء ~~والمريء، فهما يسعانني وأعيش مع ابنة عمي؟ وكان هارون يجد بأم جعفر وجدا ~~شديدا، فقال له يحيى: وأين هذا من الخلافة؟ ولعلك ألا يترك هذا في يدك حتى ~~يخرج أجمع. ومنعه من الإجابة. # وذكر الكرماني أيضا عن خزيمة بن عبد الله قال: أمر الهادي بحبس يحيى بن خالد ~~على ما أراده عليه من خلع الرشيد، فرفع إليه يحيى رقعة: إن عندي نصيحة، فدعا ~~به، فقال: يا أمير المؤمنين، أخلني. فأخلاه، فقال: يا أمير المؤمنين، أرأيت إن ~~كان الأمر - أسأل الله ألا نبلغه وأن يقدمنا قبله - أتظن أن الناس ~~يسلمون الخلافة لجعفر وهو لم يبلغ الحلم، ويرضون به لصلاتهم وحجهم وغزوهم؟ ~~قال: والله ما أظن ذلك، قال: يا أمير ms124 المؤمنين، أفتأمن أن يسمو إليها أهلك ~~وجلتهم مثل فلان وفلان، ويطمع فيها غيرهم، فتخرج من ولد أبيك! فقال له: ~~نبهتني يا يحيى. قال: وكان يقول: ما كلمت أحدا من الخلفاء كان أعقل من موسى، ~~قال: وقال له: لو أن هذا الأمر لم يعقد لأخيك أما كان ينبغي أن تعقده له؟ فكيف ~~بأن تحل عقده وقد عقده المهدي له؟ ولكن أرى أن تقر هذا الأمر يا أمير المؤمنين ~~على حاله، فإذا بلغ جعفر وبلغ الله به أتيته بالرشيد فخلع نفسه وكان أول من ~~يبايعه ويعطيه صفقة يده ، فقال: فقبل الهادي قوله ورأيه، وأمر بإطلاقه. # ولما ولي الرشيد الخلافة قلد يحيى بن خالد الوزارة وقال له: قد قلدتك أمر ~~الرعية، وأخرجته من عنقي إليك، فاحكم في ذلك بما ترى من الصواب، واستعمل من ~~رأيت، واعزل من رأيت، وأمض الأمور على ما ترى. ودفع إليه خاتمه، ففي ذلك يقول ~~إبراهيم الموصلي: # ألم تر أن الشمس كانت سقيمة # فلما ولي هارون أشرق نورها # بيمن أمين الله هارون ذي الندى # فهارون واليها ويحيى وزيرها # وليس في مقدورنا أن نصور شخصية يحيى بن خالد بن برمك بأحسن من إثباتنا رأيه ~~في الأخلاقيات، فقد قيل له: أي الأشياء أقل؟ قال: قناعة ذي الهمة البعيدة ~~بالعيش الدون، وصديق كثير الآفات قليل الإمتاع، وسكون النفس إلى المدح، وقيل ~~له: ما الكرم؟ فقال: ملك في زي مسكين، وقيل له: ما الجود؟ فقال: عفو بعد قدرة، ~~وقال مرة: إذا فتحت بينك وبين أحد بابا من المعروف فاحذر أن تغلقه ولو بالكلمة ~~الجميلة، وقال: «أحسن جبلة الولاة إصابة السياسة، ورأس إصابة السياسة العمل ~~بطاعة الله، وفتح بابين للرعية؛ أحدهما: رأفة ورحمة وبذل وتحنن، والآخر: غلظة ~~ومباعدة وإمساك ومنع.» # ويروي لنا «ياقوت الرومي» في «معجمه» عنه، أنه لما كان الفضل بن يحيى واليا ~~على خراسان، كتب صاحب البريد إلى الرشيد كتابا يذكر فيه: أن الفضل تشاغل ~~بالصيد واللذات عن النظر في أمور الرعية، فلما قرأة الرشيد رمى به ليحيى وقال ~~له: يا أبت، ms125 اقرأ هذا الكتاب، واكتب إلى الفضل كتابا يردعه عن مثل هذا. فمد ~~يحيى يده إلى دواة الرشيد وكتب إلى ابنه على ظهر الكتاب الذي ورد من صاحب ~~البريد: # حفظك الله، يا بني، وأمتع بك، قد انتهى إلى أمير المؤمنين ما أنت ~~عليه من التشاغل بالصيد ومداومة اللذات عن النظر في أمور الرعية ما ~~أنكره، فعاود ما هو أزين بك، فإنه من عاد إلى ما يزينه لم يعرفه ~~أهل زمانه إلا به، والسلام. # وكتب تحته هذه الأبيات: # انصب نهارا في طلاب العلا # واصبر على فقد لقاء الحبيب # حتى إذا الليل بدا مقبلا # وغاب فيه عنك وجه الرقيب # فبادر الليل بما تشتهي # فإنما الليل نهار الأريب # كم من فتى تحسبه ناسكا # يستقبل الليل بأمر عجيب # ألقى عليه الليل أستاره # فبات في لهو وعيش خصيب # ولذة الأحمق مكشوفة # يسعى بها كل عدو مريب # هذا هو يحيى الذي يقول عنه المأمون: «لم يكن كيحيى بن خالد وكولده أحد في ~~البلاغة والكفاية والجود والشجاعة»، وهذا هو يحيى الذي كان يجري على سفيان ~~الثوري رضي الله عنه ألف درهم في كل شهر، فكان إذا صلى سفيان يقول في سجوده: ~~«الله إن يحيى كفاني أمر دنياي، فاكفه أمر آخرته.» # هذا وإذا علمت أن أم الفضل بن يحيى، وهي زينب بنت منير، كانت ظئرا للرشيد ~~فأرضعته بلبان الفضل، وأرضعت الخيزران، والدة الرشيد، الفضل بلبان الرشيد، ~~استطعت أن تقدر إلى أي مدى كانت علاقة الرشيد بآل برمك وهو لم يدرج في ~~مهده، ولم يفرق بين أمسه ويومه. # ونجد في أخبار سنة ست وسبعين ومائة، أن الرشيد ولى الفضل بن يحيى كور ~~الجبال وطبرستان ودنباوند وقومس وأرمينية وأذربيجان، وندبه لحرب يحيى بن عبد ~~الله الطالبي حين خروجه بالديلم، فوفق الفضل لأخذ أمان له من الرشيد، وأصلح ~~أيما إصلاح، ونجح النجاح كله في غزواته وحروبه، حتى قال فيه أبو ثمامة ~~الخطيب: # للفضل يوم الطالقان وقبله # يوم أناخ به على خاقان # ما مثل يوميه اللذين تواليا # في غزوتين توالتا يومان # سد الثغور ms126 ورد ألفة هاشم # بعد الشتات فشعبها متدان # عصمت حكومته جماعة هاشم # من أن يجرد بينها سيفان # تلك الحكومة لا التي عن لبسها # عظم النبا وتفرق الحكمان # فأعطاه الفضل مائة ألف درهم وخلع عليه. # ونجد في أخبار السنة نفسها، أن الفتنة هاجت بالشام بسبب العصبية التي بين ~~النزارية واليمانية، فولى الرشيد موسى بن يحيى بن خالد الشام، فهرع إليها ~~موسى وأقام بها حتى أصلح بين أهلها، وسكنت الفتنة، واستقام أمرها، فمدحه ~~الشعراء، ومن قول بعضهم فيه: # قد هاجت الشام هيجا # يشيب رأس وليده # فصب موسى عليها # بخيله وجنوده # فدانت الشام لما # أتى نسيج وحيده # هو الجواد الذي بذ # ذ كل جود بجوده # أعداه جود أبيه # يحيى وجود جدوده # فجاد موسى بن يحيى # بطارف وتليده # ونال موسى ذرى المج # د وهو حشو مهوده # خصصته بمديحي # منثوره وقصيده # من البرامك عود # له فأكرم بعوده # حووا على الشعر طرا # خفيفه ومديده # وقد مدحه بمثل ذلك إسحاق بن حسان الخريمي. # ويقول الطبري في أخبار سنة ثمان وسبعين ومائة: إن الرشيد فوض أموره كلها ~~إلى يحيى بن خالد بن برمك. وقد ذكر فيها شخوص الفضل بن يحيى إلى خراسان واليا ~~عليها، فأحسن السيرة بها، وبنى بها المساجد والرباطات، وغزا ما وراء النهر، ~~فخرج إليه خاراخره ملك أشروسنة، وكان ممتنعا. # وقد مدحه مروان بن أبي حفصة وغيره بقصائد عدة، وقد ذكر محمد بن العباس أنه ~~سمع مروان يقول: إنه أصاب في قدمته تلك على الفضل سبعمائة ألف درهم. # وقد مدحه سلم الخاسر فقال: # وكيف نخاف من بؤس بدار # تكنفها البرامكة البحور # وقوم منهم الفضل بن يحيى # نفير ما يوازنه نفير # له يومان؛ يوم ندى وبأس # كأن الدهر بينهما أسير # إذا ما البرمكي غدا ابن عشر # فهمته وزير أو أمير # ولننظر إلى مكانة الفضل وآل برمك من الرشيد، فإن أبا جعفر محمد بن جرير ~~الطبري يحدثنا أنه لما قدم الفضل بن يحيى من خراسان؛ خرج الرشيد إلى بستان أبي ~~جعفر يستقبله، وتلقاه بنو هاشم والناس من القواد والكتاب ms127 والأشراف، فجعل يصل ~~الرجل بألف الألف وخمسمائة الألف. ومدحه مروان بن أبي حفصة فقال: # حمدنا الذي أدى ابن يحيى فأصبحت # بمقدمه تجري لنا الطير أسعدا # وما هجعت حتى رأته عيوننا # وما زلن، حتى آب، بالدمع حشدا # نفى عن خراسان العدو كما نفى # ضحى الصبح جلباب الدجى فتعردا # لقد راع من أمسى بمرو مسيره # إلينا وقالوا شعبنا قد تبددا # على حين ألقى قفل كل ظلامة # وأطلق بالعفو الأسير المقيدا # وأفشى بلا من مع العدل فيهم # أيادي عرف باقيات وعودا # فأذهب روعات المخاوف عنهم # وأصدر باغي الأمن فيهم وأوردا # وأجدى على الأيتام فيهم بعرفه # فكان من الآباء أحنى وأعودا # إذا الناس راموا غاية الفضل في الندى # وفي البأس ألفوها من النجم أبعدا # سما صاعدا بالفضل يحيى وخالد # إلى كل أمر كان أسنى وأمجدا # يلين لمن أعطى الخليفة طاعة # ويسقى دم العاصي الحسام المهندا # وشد القوى من بيعة المصطفى الذي # على فضله عهد الخليفة قلدا # سمي النبي الفاتح الحاتم الذي # به الله أعطى كل خير وسددا # أبحت جبال الكابلي ولم تدع # بهن لنيران الضلالة موقدا # فأطلعتها خيلا وطئن جموعه # قتيلا ومأسورا وفلا مشردا # وعادت على ابن البرم نعماك بعدما # تحوب مخذولا يرى الموت مفردا # وفي أخبار سنة ثمانين ومائة هاجت العصبية بالشام، وتفاقم أمرها، واغتم ~~الرشيد بذلك، فعقد لجعفر بن يحيى على الشام وقال له: إما أن تخرج أنت أو أخرج ~~أنا، فقال له جعفر: بل أقيك بنفسي. وشخص إليهم جعفر في جلة القواد والكراع ~~والسلاح، فأصلح بينهم، وقتل زواقيلهم # 1 # والمتلصصة منهم، فعادوا إلى الأمن والطمأنينة، وأطفأ تلك الثائرة. ~~وقد مدحه منصور النمري بقصيدة مطلعها: # لقد أوقدت بالشام نيران فتنة # فهذا أوان الشام تخمد نارها # إذا جاش موج البحر من آل برمك # عليها خبت شهبانها وشرارها # ولما عاد جعفر موفقا من سفرته هذه وقد استخلف على الشام مكانه عيسى بن ~~العكي، دخل على الرشيد فزاده إكراما وإجلالا. # وإنا لننقل لك هنا ما قاله جعفر للرشيد حين مثل بين يديه؛ لأنه يعتبر أثرا ms128 ~~قيما من ناحية تحليل نفسية الطرفين، ولروعته وبلاغته في أدب العصر، ولأنه في ~~الوقت نفسه بمثابة نص تاريخي للعصر الذي ندرسه؛ قال الطبري: لما دخل جعفر على ~~الرشيد قبل يديه ورجليه، ثم مثل بين يديه فقال: الحمد لله، يا أمير ~~المؤمنين، الذي آنس وحشتي، وأجاب دعوتي، ورحم تضرعي، وأنسأ في أجلي حتى أراني ~~وجه سيدي، وأكرمني بقربه، وامتن علي بتقبيل يده، وردني إلى خدمته، فوالله ~~إن كنت لأذكر غيبتي عنه ومخرجي، والمقادير التي أزعجتني، فأعلم أنها كانت ~~بمعاص لحقتني، وخطايا أحاطت بي، ولو طال مقامي عنك يا أمير المؤمنين، جعلني ~~الله فداءك، لخفت أن يذهب عقلي؛ إشفاقا على قربك، وأسفا على فراقك، وأن ~~يعجل بي عن إذنك الاشتياق إلى رؤيتك، والحمد لله الذي عصمني في حال الغيبة، ~~وأمتعني بالعافية، وعرفني الإجابة، ومسكني بالطاعة، وحال بيني وبين استعمال ~~المعصية، فلم أشخص إلا عن رأيك، ولم أقدم إلا عن إذنك وأمرك، ولم يخترمني أجل ~~دونك، والله يا أمير المؤمنين، فلا أعظم من اليمين بالله، لقد عاينت، فلو تعرض ~~لي الدنيا كلها، لاخترت عليها قربك، ولما رأيتها عوضا من المقام معك، ثم قال ~~له بعقب هذا الكلام في هذا المقام: إن الله، يا أمير المؤمنين، لم يزل يبليك ~~في خلافتك بقدر ما يعلم من نيتك، ويريك في رعيتك غاية أمنيتك، فيصلح لك ~~جماعتهم، ويجمع ألفتهم، ويلم شعثهم، حفظا لك فيهم، ورحمة لهم، وإنما هذا ~~للتمسك بطاعتك، والاعتصام بحبل مرضاتك. والله المحمود على ذلك، وهو ~~مستحقه. # وفارقت، يا أمير المؤمنين، أهل كور الشام وهم منقادون لأمرك، نادمون على ما ~~فرط من معصيتهم لك، متمسكون بحبلك، نازلون على حكمك، طالبون لعفوك، واثقون ~~بحلمك، مؤملون فضلك، آمنون بادرتك، حالهم في ائتلافهم كحالهم كانت في ~~اختلافهم، وحالهم في ألفتهم كحالهم كانت في امتناعهم. وعفو أمير المؤمنين ~~عنهم، وتغمده لهم سابق لمعذرتهم، وصلة أمير المؤمنين لهم وعطفه عليهم ~~متقدم عنده لمسألتهم، وايم الله، يا أمير المؤمنين، لئن كنت قد شخصت عنهم ~~وقد أخمد الله شرارهم، وأطفأ نارهم، ونفى ms129 مراقهم، وأصلح دهماءهم، وأولاني ~~الجميل فيهم، ورزقني الانتصار منهم، فما ذلك كله إلا ببركتك ويمنك وريحك، ~~ودوام دولتك السعيدة الميمونة الدائمة، وتخوفهم منك، ورجائهم لك. والله، يا ~~أمير المؤمنين، ما تقدمت إليهم إلا بوصيتك، وما عاملتهم إلا بأمرك، ولا سرت ~~فيهم إلا على حد ما مثلته لي ورسمته، ووقفتني عليه، والله ما انقادوا إلا ~~لدعوتك وتوحد الله بالصنع لك، وتخوفهم من سطوتك، وما كان الذي كان مني، وإن ~~كنت بذلت جهدي وبلغت مجهودي، قاضيا ببعض حقك علي، بل ما ازدادت نعمتك علي ~~عظما إلا ازددت عن شكرك عجزا وضعفا، وما خلق الله أحدا من رعيتك أبعد من أن ~~يطمع نفسه في قضاء حقك مني، وما ذلك إلا أن أكون باذلا مهجتي في طاعتك وكل ~~ما يقرب إلى موافقتك، ولكني أعرف من أياديك عندي ما لا أعرف مثلها عند غيري، ~~فكيف بشكري وقد أصبحت واحد أهل دهري فيما صنعته في وبي؟! أم كيف بشكري وإنما ~~أقوى على شكرك بإكرامك إياي؟! وكيف بشكري ولو جعل الله شكري في إحصاء ما ~~أوليتني لم يأت على ذلك عدي؟! وكيف بشكري وأنت كهفي دون كل كهف لي؟! أو كيف ~~بشكري وأنت لا ترضى لي ما أرضاه لي؟! وكيف بشكري وأنت تجدد من نعمتك عندي ما ~~يستغرق كل ما سلف عندك لي؟! أم كيف بشكري وأنت تنسيني ما تقدم من إحسانك بما ~~تجدده لي؟! أم كيف بشكري وأنت تقدمني بطولك على جميع أكفائي؟! أم كيف بشكري ~~وأنت وليي؟! أم كيف بشكري وأنت المكرم لي؟! وأنا أسأل الله - الذي رزقني ذلك ~~منك من غير استحقاق له؛ إذ كان الشكر مقصورا عن تأدية بعضه، بل دون شقص من عشر ~~عشيره - أن يتولى مكافأتك عني بما هو أوسع له، وأقدر عليه، وأن يقضي عني حقك ~~وجليل منتك، فإن ذلك بيده وهو القادر عليه. # وفي أخبار سنة ثمانين ومائة نفسها ولى الرشيد جعفر بن يحيى الحرس، وهكذا ~~تجد في أخبار كل سنة نبأ عن آل برمك، وتمداحا لآل برمك، وأثرا ms130 جليلا في خدمة ~~الدولة من آل برمك، ومكانة سامية تبوأها آل برمك من الرشيد. # وإنا لا نرى ندحة من إيراد واقعة حال رواها الفخري بين جعفر بن يحيى البرمكي ~~وعبد الملك بن صالح الذي سعى به كاتبه قمامة وابنه عبد الرحمن عند الرشيد ~~بتهمة طلبه الخلافة لنفسه، حتى حبسه الرشيد عند الفضل بن الربيع - وهو منافس ~~لآل برمك - وكثيرا ما سعى الساعون بين صالح والرشيد. فإذا ما تعرض البرمكيون ~~بالخير لرجل من كبار رجالات الدولة المتهمين بالتطلع إلى الخلافة، وإذا ما نجح ~~البرمكيون في إيصال الخير لهم ، وفي إرضاء قلب الرشيد عليهم، كان في ذلك أصدق ~~دليل على مكانتهم الرفيعة من الرشيد، فما بالك إذا ما وصلوا إلى أن يبني أحد ~~أولاد صالح على إحدى بنات الرشيد، وإذا ما اقتطعوا له الولايات ورفدوه بأجزل ~~الأموال؟! # على أنا نترك الكلمة لابن طباطبا ليقص عليك ما يرويه فيما نحن في صدده، قيل: ~~إن جعفر بن يحيى البرمكي جلس يوما للشرب وأحب الخلوة، فأحضر ندماءه الذين ~~يأنس بهم، وجلس معهم وقد هيئ المجلس ولبسوا الثياب المصبغة، وكانوا إذا ~~جلسوا في مجلس الشراب واللهو لبسوا الثياب الحمر والصفر والخضر، ثم إن جعفر ~~بن يحيى تقدم إلى الحاجب ألا يأذن لأحد من خلق الله تعالى سوى رجل من الندماء ~~كان قد تأخر عنهم، اسمه عبد الملك بن صالح، ثم جلسوا يشربون ودارت الكاسات ~~وخفقت العيدان - وكان رجل من أقارب الخليفة يقال له: عبد الملك بن صالح بن علي ~~بن عبد الله بن العباس، وكان شديد الوقار والدين والحشمة، وكان الرشيد قد التمس ~~منه أن ينادمه ويشرب معه، وبذل له على ذلك أموالا جليلة فلم يفعل - فاتفق أن ~~عبد الملك بن صالح حضر إلى باب جعفر بن يحيى ليخاطبه في حوائج له، فظن الحاجب ~~أنه هو عبد الملك بن صالح الذي تقدم جعفر بن يحيى بالإذن له وألا يدخل غيره، ~~فأذن الحاجب له، فدخل عبد الملك بن صالح العباسي على جعفر بن يحيى، فلما رآه ~~جعفر ms131 كاد عقله يذهب من الحياء، وفطن أن القضية قد اشتبهت على الحاجب بطريق ~~اشتباه الاسم، وفطن عبد الملك بن صالح أيضا للقصة، وظهر له الخجل في وجه جعفر ~~بن يحيى، فانبسط عبد الملك وقال: لا بأس عليكم، أحضروا لنا من هذه الثياب ~~المصبغة شيئا، فأحضر له قميص مصبوغ، فلبسه وجلس يباسط جعفر بن يحيى ~~ويمازحه، وقال: اسقونا من شرابكم. فسقوه رطلا، وقال: ارفقوا بنا؛ فليس لنا ~~عادة بهذا. ثم باسطهم ومازحهم، وما زال حتى انبسط جعفر بن يحيى وزال انقباضه ~~وحياؤه، ففرح جعفر بذلك فرحا شديدا وقال له: ما حاجتك؟ قال: جئت، أصلحك الله، ~~في ثلاث حوائج أريد أن تخاطب الخليفة فيها: أولاها: أن علي دينا مبلغه ألف ~~ألف درهم أريد قضاءه. وثانيتها: أريد ولاية لابني يشرف بها قدره. وثالثتها: ~~أريد أن تزوج ولدي بابنة الخليفة؛ فإنها بنت عمه وهو كفء لها. # فقال له جعفر بن يحيى: قد قضى الله هذه الحوائج الثلاث؛ أما المال ففي هذه ~~الساعة يحمل إلى منزلك، وأما الولاية فقد وليت ابنك مصر، وأما الزواج فقد ~~زوجته فلانة ابنة مولانا أمير المؤمنين على صداق مبلغه كذا وكذا، فانصرف في ~~أمان الله. فراح عبد الملك إلى منزله فرأى المال قد سبقه، ولما كان من الغد، ~~حضر جعفر عند الرشيد وعرفه ما جرى، وأنه قد ولاه مصر، وزوجه ابنته، فعجب ~~الرشيد من ذلك وأمضى العقد والولاية، فما خرج جعفر من دار الرشيد حتى كتب له ~~التقليد بمصر، وأحضر القضاة والشهود وعقد العقد. # أرأيت كيف لم ينقض الرشيد ما أبرمه جعفر في مسألة خطيرة الخطر كله، لأنها ~~تتعلق بكرامة الرشيد وأسرة الرشيد وشئون الرشيد الخاصة؟ # أليس في ذلك ما يقطع برفيع مكانة القوم، وكبير قدرهم، وسامي منزلتهم عند ~~الرشيد وفي الدولة التي هم مفزع رجالاتها، وموئل زعمائها؟ # وأرجو ألا يفوتك في المثل المتقدم ما جاء فيه خاصا بالملابس؛ فإنه قد يعطيك ~~فكرة ما عن تخصص بعضها للسهرات والردهات والمنادمات مما لا يختلف عن نظام اليوم ~~من «ردنجوت» و«سموكنج» و«فراك» ms132 إلى غير ذلك مما يدل على مبلغ الثروة، واستفحال ~~أمر المدنية عند القوم في تلك الأيام الخاليات؛ فتأمل ...! ~~••• # ربما تطلب إلي مثالا على جودهم وتعلق الناس بهم، فأبلغك، أرشدك الله، أن ~~كتب الأدب مترعة بالمئات من ذلك، بلا مبالغة ولا غلو ولا تهويل ولا إغراق، ~~وسنترك الكلمة في هذا الباب لمعاصرين؛ أحدهما: إسحاق الموصلي، والآخر: ~~الإتليدي فيما يرويه من حديث جرى بين المأمون والمنذر بن المغيرة. وإنا نكتفي ~~بإيراد هذين المثلين للإفصاح عن جود البرامكة وبيان ما جبلت عليه نفوسهم من ~~المروءة وبعد الهمة وحب الخير. # أما مسألة إسحاق الموصلي، فتفصيل الخبر فيها أن الفضل بن الربيع دعا أحمد بن ~~يحيى المكي وعلويه ومخارقا للاجتماع عنده - وذلك أيام المأمون بعد رجوعه ~~ورضاه عنه - إلا أن حالة الفضل كانت ناقصة متضعضعة، فلما اجتمعوا عنده كتب إلى ~~إسحاق الموصلي يسأله أن يصير إليه، ويعلمه الحال في اجتماعهم عنده، فكتب إسحاق ~~إليهم بحضوره، ولكن جاءهم متأخرا، وكان علويه يغني فأخطأ، فقال له إسحاق: ~~أخطأت. فغضب علويه وعاتبه بكلام طويل، ومنه قوله له: إنه من صنيعة البرامكة، ~~فقال إسحاق: أما البرامكة وملازمتي لهم فأشهر من أن أجحده، وإني لحقيق فيه ~~بالمعذرة، وأحرى أن أشكرهم على صنيعهم، وبأن أذيعه وأنشره؛ وذلك والله أقل ~~ما يستحقونه مني، ثم أقبل على الفضل وقد غاظه مدحه لهم، فقال: أتسمع مني شيئا ~~أخبرك به مما فعلوه، وليس هو بكبير في صنائعهم عندي ولا عند أبي قبلي؟ فإن وجدت ~~لي عذرا وإلا فلم؛ كنت في ابتداء أمري نازلا مع أبي في داره، فكان لا ~~يزال يجري بين غلماني وغلمانه وجواري وجواريه الخصومة، كما يجري بين هذه ~~الطبقات، فيشكونهم إليه فأتبين الضجر والتنكر في وجهه، فاستأجرت دارا بقربه ~~وانتقلت إليها أنا وغلماني وجواري، وكانت دارا واسعة، فلم أرض ما معي من الآلة ~~لها، ولا لمن يدخل إلي من إخواني أن يروا مثله عندي، ففكرت في ذلك وكيف أصنع، ~~وزاد فكري حتى خطر بقلبي قبح الأحدوثة من نزول مثلي في دار بأجرة، ms133 وأني لا ~~آمن في وقت أن يستأذن علي وعندي من أحتشمه ولا يعلم حالي، فيقال: صاحب ~~دارك، أو يوجه في وقت فيطلب أجرة الدار وعندي من أحتشمه، فضاق بذلك صدري ~~ضيقا شديدا حتى جاوز الحد، فأمرت غلامي بأن يسرج لي حمارا كان عندي لأمضي ~~إلى الصحراء أتفرج فيها مما دخل على قلبي، فأسرجه وركبت برداء ونعل، فأفضى ~~بي المسير وأنا مفكر لا أميز الطريق التي أسلك فيها حتى هجم بي على باب يحيى بن ~~خالد، فثواثب غلمانه إلي وقالوا: أين هذا الطريق؟ فقلت: إلى الوزير . فدخلوا ~~فاستأذنوا لي، وخرج الحاجب فأمرني بالدخول، وبقيت خجلا قد وقعت في أمرين ~~فاضحين: إن دخلت إليه برداء ونعل وأعلمته أني قصدته في تلك الحال كان سوء ~~أدب، وإن قلت له: كنت مجتازا، ولم أقصدك، فجعلتك طريقا؛ كان قبيحا. ثم عزمت ~~فدخلت، فلما رآني تبسم وقال: ما هذا الزي يا أبا محمد؟ احتبسنا لك بالبر والقصد ~~والتفقد، ثم علمنا أنك جعلتنا طريقا، فقلت: لا والله يا سيدي، ولكني أصدقك، ~~قال: هات، فأخبرته القصة من أولها إلى آخرها، فقال: هذا حق مستو، أفهذا شغل ~~قلبك؟ # قلت: إي والله، وزاد فقال: «لا تشغل قلبك بهذا. يا غلام، ردوا حماره، ~~وهاتوا له خلعة.» فجاءوني بخلعة تامة من ثيابه فلبستها، ودعا بالطعام فأكلت، ~~ووضع النبيذ فشربت وشرب فغنيته، ودعا في وسط ذلك بدواة ورقعة، وكتب أربع رقاع ~~ظننت بعضها توقيعا لي بجائزة، فإذا هو قد دعا بعض وكلائه فدفع إليه الرقاع ~~وساره بشيء، فزاد طمعي في الجائزة، ومضى الرجل وجلسنا نشرب وأنا أنتظر شيئا ~~فلا أراه إلى العتمة، ثم اتكأ يحيى فنام، فقمت وأنا منكسر خائب، فخرجت وقدم ~~لي حماري، فلما تجاوزت الدار قال لي غلامي: إلى أين تمضي؟ فقلت: إلى البيت، ~~قال: قد والله بيعت دارك وأشهد على صاحبها، وابتيع الدرب كله ووزن ثمنه، ~~والمشتري جالس على بابك ينتظرك ليعرفك، وأظنه اشترى ذلك للسلطان، لأني رأيت ~~الأمر في استعجاله واستحثاثه أمرا سلطانيا، فوقعت من ذلك فيما لم يكن ms134 في ~~حسابي، وجئت وأنا لا أدري ما أعمل، فلما نزلت على باب داري إذا أنا بالوكيل ~~الذي ساره يحيى قد قام إلي، فقال لي: ادخل، أيدك الله، دارك حتى أدخل إلى ~~مخاطبتك في أمر أحتاج إليك فيه، فطابت نفسي بذلك، ودخلت ودخل إلي فأقرأني ~~توقيع يحيى: يطلق لأبي محمد إسحاق بمائة ألف درهم يبتاع له بها داره وجميع ~~ما يجاورها ويلاصقها. # والتوقيع الثاني إلى ابنه الفضل: قد أمرت لأبي محمد إسحاق بمائة ألف درهم ~~يبتاع له بها داره، فأطلق إليه مثلها لينفقها على إصلاح الدار كما يريد، ~~وبنائها على ما يشتهي. # والتوقيع الثالث إلى جعفر: قد أمرت لأبي محمد إسحاق بمائة ألف درهم يبتاع له ~~بها منزل يسكنه، وأمر له أخوك بدفع ألف درهم ينفقها على بنائها ومرمتها على ما ~~يريد، فأطلق له أنت مائة ألف درهم يبتاع بها فرشا لمنزله. # والتوقيع الرابع إلى محمد: قد أمرت لأبي محمد إسحاق أنا وأخواك بثلاثمائة ألف ~~درهم لمنزل يبتاعه، ونفقة ينفقها عليه، وفرش يبتذله، فمر له أنت بمائة ألف ~~يصرفها في سائر نفقته. # وقال الوكيل: قد حملت المال واشتريت كل شيء جاورك بسبعين ألف درهم، وهذه كتب ~~الابتياعات باسمي، والإقرار لك، وهذا المال بورك لك فيه فاقبضه. فقبضته وأصبحت ~~أحسن حالا من أبي في منزلي وفرشي وآلتي، ولا والله ما هذا بأكثر شيء فعلوه لي، ~~أفألام على شكر هؤلاء؟! فبكى الفضل بن الربيع وكل من حضره وقالوا: لا والله لا ~~تلام على شكر هؤلاء. # أرأيت إلى أي مدى بلغت مكانة البرامكة من رجالات العصر وأدبائه حتى تملكوا ~~من القلوب أعنتها، ومن النفوس أزمتها؟ وكيف استحوذوا على السويداء ~~والمهج؟ ولم لهجت الألسنة بتمداحهم والإشادة بذكرهم؟ # أما حديث المأمون والمغيرة بن المنذر الذي رواه لنا الإتليدي، فهاكه ~~بحذافيره: قال خادم المأمون: طلبني أمير المؤمنين ليلة وقد مضى من الليل ثلثه، ~~فقال لي: خذ معك فلانا وفلانا - سماهما لي؛ وأحدهما: علي بن محمد، والآخر ~~دينار الخادم - واذهب مسرعا لما أقول لك، فإنه بلغني أن شيخا ms135 يحضر ليلا إلى ~~آثار دور البرامكة وينشد شعرا، ويذكرهم ذكرا كثيرا، ويندبهم ويبكي عليهم ثم ~~ينصرف، فامض أنت وعلي ودينار حتى تردوا تلك الخرابات، فاستتروا خلف بعض ~~الجدر، فإذا رأيتم الشيخ قد جاء وبكى وندب وأنشد أبياتا فأتوني به، قال: ~~فأخذتهما ومضينا حتى أتينا الخرابات، فإذا نحن بغلام قد أتي ومعه بساط وكرسي ~~حديد، وإذا شيخ قد أتى وله جمال، وعليه مهابة ولطف، فجلس على الكرسي وجعل يبكي ~~وينتحب ويقول هذه الأبيات: # ولما رأيت السيف جندل جعفرا # ونادى مناد للخليفة في يحيى # بكيت على الدنيا وزاد تأسفي # عليهم وقلت الآن لا تنفع الدنيا # مع أبيات أطالها، فلما فرغ قبضنا عليه وقلنا له: أجب أمير المؤمنين، ففزع ~~فزعا شديدا وقال: دعوني حتى أوصي بوصية؛ فإني لا أوقن بعدها بحياة. ثم ~~تقدم إلى بعض الدكاكين واستفتح وأخذ ورقة وكتب فيها وصية وسلمها إلى غلامه، ~~ثم سرنا فلما مثل بين يدي أمير المؤمنين قال: من أنت؟ وبما استوجبت منك ~~البرامكة ما تفعله في خرائب دورهم؟ قال الشيخ: يا أمير المؤمنين، إن للبرامكة ~~أيادي خضرة عندي، أفتأذن لي أن أحدثك بحالي معهم؟ قال: قل، فقال: يا أمير ~~المؤمنين، أنا المنذر بن المغيرة من أولاد الملوك، وقد زالت عني نعمتي، كما ~~تزول عن الرجال، فلما ركبني الدين واحتجت إلى بيع ما على رأسي ورءوس أهلي، ~~وبيتي الذي ولدت فيه؛ أشاروا علي بالخروج إلى البرامكة، فخرجت من دمشق ومعي ~~ثلاثون رجلا ونيف من أهلي وولدي، وليس معنا ما يباع ولا ما يوهب، حتى دخلنا ~~بغداد ونزلنا في بعض المساجد، فدعوت ببعض ثياب كنت أعددتها لأستتر بها، فلبستها ~~وخرجت وتركتهم جياعا لا شيء عندهم، ودخلت شوارع بغداد سائلا عن البرامكة، ~~فإذا أنا بمسجد مزخرف وفي جانبه شيخ بأحسن زي وزينة، وعلى الباب خادمان، وفي ~~الجامع جماعة جلوس، فطمعت في القوم ودخلت المسجد وجلست بين أيديهم وأنا أقدم ~~رجلا وأؤخر أخرى، والعرق يسيل مني؛ لأنها لم تكن صناعتي، وإذا الخادم قد أقبل ~~ودعا القوم فقاموا وأنا معهم، فدخلوا ms136 دار يحيى بن خالد فدخلت معهم، وإذا يحيى ~~جالس على دكة له وسط بستان، فسلمنا وهو يعدنا مائة وواحدا، وبين يديه عشرة من ~~ولده، وإذا بمائة واثني عشر خادما قد أقبلوا ومع كل خادم صينية من فضة على كل ~~صينية ألف دينار، فوضعوا بين يدي كل رجل صينيته، فرأيت القاضي والمشايخ يضعون ~~الدنانير في أكمامهم، ويجعلون الصواني تحت آباطهم، ويقوم الأول فالأول، حتى ~~بقيت وحدي لا أجسر على أخذ الصينية، فغمزني الخادم فجسرت وأخذتها، وجعلت الذهب ~~في كمي والصينية في يدي، وقمت وجعلت أتلفت ورائي مخافة أن أمنع من الذهاب، ~~فوصلت وأنا كذلك إلى صحن الدار ويحيى يلاحظني، فقال للخادم: ائتني بهذا الرجل. ~~فأتاه بي، فقال: مالي أراك تتلفت يمينا وشمالا؟ فقصصت عليه قصتي، فقال ~~للخادم: ائتني بولدي موسى. فأتاه به، فقال: يا بني، هذا رجل غريب؛ فخذه إليك، ~~واحفظه بنفسك ونعمتك. فقبض موسى ولده على يدي وأدخلني إلى دار من دوره، ~~فأكرمني غاية الإكرام، وأقمت عنده يومي وليلتي في ألذ عيش وأتم سرور، فلما أصبح ~~دعا بأخيه العباس وقال له: الوزير أمرني بالعطف على هذا الفتى، وقد علمت ~~اشتغالي في بيت أمير المؤمنين، فاقبضه إليك وأكرمه، ففعل ذلك وأكرمني غاية ~~الإكرام، ثم لما كان من الغد تسلمني أخوه أحمد، ثم لم أزل في أيدي القوم ~~يتبادلونني مدة عشرة أيام لا أعرف خبر عيالي وصبياني؛ أفي الأموات هم أم في ~~الأحياء؟ فلما كان اليوم الحادي عشر جاءني خادم ومعه جماعة من الخدم فقالوا: قم ~~فاخرج إلى عيالك بسلام، فقلت: وا ويلاه! سلبت الدنانير والصينية وأخرج على ~~هذه الحالة! # إنا لله وإنا إليه ~~راجعون # فرفع الستر الأول ثم الثاني ثم الثالث ثم الرابع، فلما ~~رفع الخادم الستر الأخير قال لي: مهما كان لك من الحوائج فارفعها إلي، فإني ~~مأمور بقضاء جميع ما تأمرني به، فلما رفع الستر الأخير رأيت حجرة كالشمس ~~حسنا ونورا، واستقبلني منها رائحة الند والعود ونفحات المسك، وإذا بصبياني ~~وعيالي يتقلبون في الحرير والديباج، وحمل إلي مائة ألف ms137 درهم وعشرة آلاف ~~دينار، ومنشور بضيعتين وتلك الصينية التي كانت أخذتها بما فيها من الدنانير ~~والبنادق. وأقمت، يا أمير المؤمنين، مع البرامكة في دورهم ثلاث عشرة سنة لا ~~يعلم الناس أمن البرامكة أنا أم رجل غريب، فلما جاءتهم البلية، ونزل بهم، يا ~~أمير المؤمنين، من الرشيد ما نزل، أجحفني عمرو بن مسعدة وألزمني في هاتين ~~الضيعتين من الخراج ما لا يفي دخلهما به، فلما تحامل علي الدهر كنت في آخر ~~الليل أقصد خرابات دورهم، فأندبهم وأذكر حسن صنيعهم إلي، وأبكي على إحسانهم، ~~فقال المأمون: علي بعمرو بن مسعدة. فلما أتي به قال له: تعرف هذا الرجل؟ ~~قال: يا أمير المؤمنين، هو بعض صنائع البرامكة، قال: كم ألزمته في ضيعته؟ قال: ~~كذا وكذا، فقال له: رد إليه كل ما أخذت منه في مدته، وأفرغهما له ليكونا له ~~ولعقبه من بعده، قال: فعلا نحيب الرجل، فلما رأى المأمون كثرة بكائه قال له: ~~يا هذا، قد أحسنا إليك، فما يبكيك؟ قال: يا أمير المؤمنين، وهذا أيضا من صنيع ~~البرامكة! لو لم آت خراباتهم فأبكيهم وأندبهم حتى اتصل خبري إلى أمير المؤمنين ~~ففعل بي ما فعل، من أين كنت أصل إلى أمير المؤمنين؟ قال إبراهيم بن ميمون: ~~فرأيت المأمون وقد دمعت عيناه وظهر عليه حزنه، وقال: «لعمري هذا من صنائع ~~البرامكة! فعليهم فابك، وإياهم فاشكر، ولهم فأوف، ولإحسانهم فاذكر.» # مما يدل على تقدير المأمون للبرامكة ما رواه القاضي يحيى بن أكثم قال: سمعت ~~المأمون يقول: لم يكن كيحيى بن خالد وولده أحد في الكفاية والبلاغة والجود ~~والشجاعة، قال القاضي: فقلت: يا أمير المؤمنين، أما الكفاية والبلاغة والسماحة ~~فنعرفها فيهم، ففيمن الشجاعة؟ فقال: في موسى بن يحيى، وقد رأيت أن أوليه ~~ثغر السند. ~~••• # مكانة عالية بلا ريب مكانة آل برمك، وسلطان لا حد له سلطانهم، وغنى فاحش قبل ~~الإسلام، وصولة ونفوذ قول في دولة الرشيد، فما الذي يا ترى غير قلب الرشيد ~~عليهم حتى نكبهم؟ # لنذكر ما يقوله المعاصرون ونعقب عليه بكلمة هادئة حكيمة لابن ms138 ~~خلدون: # أما بختيشوع الطبيب المأموني فإنه يقول نقلا عن أبيه جبريل: إنه لقاعد في ~~مجلس الرشيد إذ طلع يحيى بن خالد - وكان فيما مضى يدخل بلا إذن - فلما دخل وصار ~~بالقرب من الرشيد وسلم، رد عليه ردا ضعيفا، فعلم يحيى أن أمرهم قد ~~تغير، قال: ثم أقبل علي الرشيد فقال: يا جبريل، يدخل عليك وأنت في منزلك ~~أحد بلا إذنك؟ فقلت: لا، ولا يطمع في ذلك، قال: فما بالنا يدخل علينا بلا ~~إذن؟! فقام يحيى فقال: يا أمير المؤمنين، قدمني الله قبلك، والله ما ابتدأت ~~ذلك الساعة، وما هو إلا شيء كان خصني به أمير المؤمنين، ورفع به ذكري، حتى إن ~~كنت لأدخل وهو في فراشه مجردا حينا، وحينا في بعض إزاره، وما علمت أن أمير ~~المؤمنين كره ما كان يحب، وإذ قد علمت فإني أكون عنده في الطبقة الثانية من أهل ~~الإذن أو الثالثة، إن أمرني سيدي بذلك، قال: فاستحيا الرشيد، وكان من أرق ~~الخلفاء وجها، وعيناه في الأرض ما يرفع إليه طرفه، ثم قال: ما أردت ما تكره ~~ولكن الناس يقولون، قال جبريل: فظننت أنه لم يسنح له جواب يرتضيه، فأجاب بهذا ~~القول، ثم أمسك عنه وخرج يحيى. # أما أحمد بن يوسف كاتب عصرنا المأموني النابه، فإنه يحدثنا عن ثمامة بن أشرس ~~بحديث سننقله لك. وقبل إيراد هذا الحديث نود أن نذكرك بأن محمد بن الليث الذي ~~سيرد فيه هو محمد بن الليث الذي اختاره المهدي كاتبا للسر في مجلس مشاورته ~~لتدبير رأي في حرب خراسان، وأمره بحفظ مراجعة أعضاء المجالس، وإثبات مقالتهم في ~~كتاب. # وربما كان من المفيد أن نزيد القارئ بمحمد بن الليث معرفة، لا لأنه من رجالات ~~عصرنا ومن ذوي الأثر الأدبي القيم فيه، ولا لأنه صاحب تلك الرسالة الشائقة التي ~~بعث بها من الرشيد إلى ملك الروم التي أثبتناها في المجلد الثاني من هذا ~~الكتاب، بل لأنا نرى في توضيح قدره توضيحا لقدر البرامكة، ولأنك حينما ترى ~~الرشيد يقبض على محمد بن الليث؛ بسبب ms139 البرامكة وكرامتهم ومنزلتهم من نفسه؛ ~~لنصحه له بأن يضع حدا لاستفحال شأن البرامكة، وللرجل قدره ومنزلته، تستطيع ~~أن تتصور تصورا صميما مكانة البرامكة من الرشيد ومن الدولة ومن العصر الذي ~~هم فيه، ولأنك حينما تعلم أن الرشيد أطلق محمد بن الليث من حبسه واعتذر له قبيل ~~نكبة البرامكة؛ تستطيع أن تعلم إذن مقدار التحول الذي نال نفسية الرشيد. # سنرى في مشاورة المهدي التي ذكرها ابن عبد ربه في العقد، والتي أثبتناها لك ~~في المجلد الثاني، أن محمد بن الليث يتكلم في المجلس - وكان الرشيد بلا شك ولي ~~العهد - كلاما يرضي الرشيد. إذن فمحمد بن الليث كان إلى جانب وظيفته كناموس ~~لمجلس المشاورة صاحب رأي في مجلس الاستشارة نفسه يعتد به، فهو ذو شخصية ~~عظيمة من ذوي شخصيات الدولة الذين لكلامهم خطره، ولقولهم أثره. # 2 # قال: أول ما أنكر يحيى بن خالد من أمره، أن محمد بن الليث رفع رسالة إلى ~~الرشيد يعظه فيها، ويذكر أن يحيى بن خالد لا يغني عنك من الله شيئا، وقد ~~جعلته فيما بينك وبين الله، فكيف أنت إذا وقفت بين يديه فسألك عما عملت في ~~عباده وبلاده، فقلت: يا رب، إني استكفيت يحيى أمور عبادك، أتراك تحتج بحجة ~~يرضى بها؟ مع كلام فيه توبيخ وتقريع، فدعا الرشيد يحيى وقد تقدم إليه خبر ~~الرسالة، فقال: تعرف محمد بن الليث؟ قال: نعم، قال: فأي الرجال هو؟ قال: ~~متهم على الإسلام - لاحظ كيف يتهمون في الدين - فأمر به الرشيد فوضع في ~~المطبق دهرا. # فلما تنكر الرشيد للبرامكة ذكره، فأمر بإخراجه فأحضر، فقال له بعد مخاطبة ~~طويلة: يا محمد، أتحبني؟ قال: لا والله يا أمير المؤمنين، قال: تقول هذا؟! قال: ~~نعم، وضعت في رجلي الأكبال وحلت بيني وبين العيال بلا ذنب أتيت ولا حدث ~~أحدثت، سوى قول حاسد يكيد للإسلام وأهله، ويحب الإلحاد وأهله، فكيف أحبك؟! ~~قال: صدقت. وأمر بإطلاقه ثم قال: يا محمد، أتحبني؟ قال: لا والله يا أمير ~~المؤمنين، ولكن قد ذهب ما في قلبي. فأمر أن ms140 يعطى مائة ألف درهم، فأحضرت، فقال: ~~يا محمد، أتحبني؟ قال: أما الآن فنعم! قد أنعمت علي وأحسنت إلي، قال: انتقم ~~الله ممن ظلمك، وأخذ لك بحقك ممن بعثني عليك، قال ثمامة: فقال الناس في ~~البرامكة فأكثروا، وكان ذلك أول ما ظهر من تغير حالهم. # فماذا حدث بعد ذلك؟ # حدث - كما يخبرنا أحد المعاصرين، وهو محمد بن الفضل بن سفيان مولى سليمان بن ~~أبي جعفر - أن يحيى بن خالد دخل دار الرشيد في الآونة التي نحن في صددها، فقام ~~الغلمان إليه احتراما وإجلالا، فما كان من الرشيد إلا أن قال لمسرور الخادم: ~~مر الغلمان ألا يقوموا ليحيى إذا دخل الدار، قال: فدخل فلم يقم له أحد، فاربد ~~لونه، قال: وكان الغلمان والحجاب بعد إذا رأوه أعرضوا عنه، قال: فكان ربما ~~استسقى الشربة من الماء أو غيره فلا يسقونه، وبالحري إن سقوه أن يكون ذلك بعد ~~أن يدعو بها مرارا. # ولننظر في سبب آخر يرويه لنا أحد المطلعين على أخبار ذلك العصر، وهو أبو محمد ~~اليزيدي، قال: من قال: إن الرشيد قتل جعفر بن يحيى بغير سبب يحيى بن عبد الله ~~بن حسن فلا تصدقه، وذلك أن الرشيد دفع يحيى إلى جعفر فحبسه، ثم دعا به ليلة ~~من الليالي فسأله عن شيء من أمره فأجابه، إلى أن قال: اتق الله في أمري ولا ~~تتعرض أن يكون خصمك غدا محمدا # صلى الله عليه وسلم ~~، فوالله ما أحدثت حدثا ولا آويت ~~محدثا! فرق عليه وقال له: اذهب حيث شئت من بلاد الله، قال: وكيف أذهب ولا ~~آمن أن أوخذ بعد قليل فأرد إليك أو إلى غيرك؟ فوجه معه من أداه إلى مأمنه، ~~وبلغ الخبر الفضل بن الربيع من عين كانت له عليه من خاص خدمه، فبلا الأمر ~~فوجده حقا وانكشف عنده، فدخل على الرشيد فأخبره؛ فأراه أنه لا يعبأ بخبره ~~وقال: وما أنت وهذا، لا أم لك، فلعل ذلك عن أمري! فانكسر الفضل، وجاءه جعفر ~~فدعا بالغداء فأكلا، وجعل يلقمه ويحادثه إلى أن كان ms141 آخر ما دار بينهما أن قال: ~~ما فعل يحيى بن عبد الله؟ قال: بحاله يا أمير المؤمنين في الحبس الضيق ~~والأكبال، قال: بحياتي؟ فأحجم جعفر - وكان من أدق الخلق ذهنا وأصحهم فكرا - ~~فهجس في نفسه أنه قد علم بشيء من أمره، فقال: لا وحياتك يا سيدي، ولكن أطلقته ~~وعلمت أنه لا حياة به ولا مكروه عنده، قال: نعم ما فعلت، ما عدوت ما كان ~~في نفسي. فلما خرج أتبعه بصره حتى كاد يتوارى عن وجهه ثم قال: قتلني الله بسيف ~~الهدى على عمل الضلالة إن لم أقتلك. فكان من أمره ما كان. # سبب رابع رواه أحمد بن زهير، ونذكره لك هنا على علاته استكمالا للموضوع من ~~كل نواحيه، يقول الطبري: إنه يظن أن المصدر للرواية هو زاهر بن حرب، قال: «إن ~~سبب هلاك جعفر والبرامكة أن الرشيد كان لا يصبر عن جعفر وعن أخته عباسة بنت ~~المهدي، وكان يحضرهما إذا جلس للشرب، وذلك بعد أن أعلم جعفرا قلة صبره عنه ~~وعنها، وقال لجعفر: تزوجها ليحل لك النظر إليها إذا أحضرتها مجلسي. وتقدم إليه ~~ألا يمسها ولا يكون منه شيء مما يكون للرجل إلى زوجته، فزوجها منه على ذلك، ~~فكان يحضرهما مجلسه إذا جلس للشرب، ثم يقوم عن مجلسه ويخليهما، فيثملان من ~~الشراب وهما شابان، فيقوم إليها جعفر فيجامعها، فحملت منه وولدت غلاما، فخافت ~~على نفسها من الرشيد إن علم بذلك، فوجهت بالمولود مع حواضن له من مماليكها إلى ~~مكة، فلم يزال الأمر مستورا عن هارون، حتى وقع بين عباسة وبعض جواريها شر، ~~فأنهت أمرها وأمر الصبي إلى الرشيد، وأخبرته بمكانه ومع من هو من جواريها وما ~~معه من الحلي الذي كانت زينته به أمه، فلما حج هارون هذه الحجة، سنة سبع ~~وثمانين ومائة، أرسل إلى الموضع الذي كانت الجارية أخبرته أن الصبي به من ~~يأتيه بالصبي وبمن معه من حواضنه، فلما أحضروا سأل اللواتي معهن الصبي، ~~فأخبرنه بمثل القصة التي أخبرته بها الرافعة على عباسة، فأراد - فيما زعم - ~~قتل الصبي ms142 ثم تحوب عن ذلك، وكان جعفر يتخذ للرشيد طعاما كلما حج بعسفان ~~فيقربه إذا انصرف شاخصا من مكة إلى العراق، فلما كان في هذا العام اتخذ الطعام ~~جعفر، كما كان يتخذه هنالك، ثم استزاره فاعتل عليه الرشيد ولم يحضر طعامه، ~~ولم يزل جعفر معه حتى نزل منزله من الأنبار، فكان من أمره وأمر أبيه ما ~~كان.» # أما نحن فلا نريد القطع بأن نكبة ~~البرامكة كانت أثرا لسبب بعينه من هذه الأسباب، وربما كانت نتيجة لطائفة من ~~الأسباب مجتمعة، منها ما نعرفه ومنها ما لم نعرفه بعد ، ونحب ألا يفوتنا هنا أن ~~نفترض فرضا - نعترف بأنه فرض لا أكثر ولا أقل، ونعترف بأنه في حاجة إلى ~~التحقيق العلمي، ولكنا نعترف أيضا أن عرضه على علاته لا يخلو من النفع - وهو ~~أن البرامكة كانوا فيما يظهر متأثرين بالناحية السياسية لمذهب ~~المعتزلة، # 3 # وهي الاعتدال بين أهواء الأحزاب السياسية المتطرفة وتلطيف الخصومة ~~بين جناحي الحزب الهاشمي، فلم يرض الرشيد عن هذا النحو من السياسة، ومالأه على ~~ذلك النفعيون من أنصار الجناح العباسي. وسنرى بعد قليل أن المأمون كان يرى رأي ~~البرامكة في هذا النحو من السياسة المعتدلة الموفقة بين وجهات النظر ~~المختلفة. ~~••• # أما كيفية القبض على البرامكة، واحتياط الرشيد وحذره قبل قتلهم ومصادرته ~~لأموالهم، وما قالته الشعراء في رثائهم، فحديث طويل يتطلب رسالة خاصة، وفقنا ~~الله لدراسة موضوع البرامكة ونكبتهم وأثرهم في الدولة العباسية في موضوعنا «عصر ~~الرشيد» في القريب العاجل إن شاء الله. # على أننا نرى من المستصوب قبل أن تتم هذه الفذلكة الموجزة أن نختمها بكلمة ~~لابن خلدون لا تخلو من تحليل صحيح، ومذهب في الموازنة رجيح، وباب في التاريخ ~~جميل المنهج، معقول التعليل. # قال ابن خلدون: إنما نكب البرامكة ما كان من استبدادهم على الدولة واحتجانهم ~~أموال الجباية، حتى كان الرشيد يطلب اليسير من المال فلا يصل إليه، فغلبوه على ~~أمره، وشركوه في سلطانه، ولم يكن له معهم تصرف في أمور ملكه، فعظمت آثارهم، ~~وبعد صيتهم وعمروا مراتب الدولة وخططها ms143 بالرؤساء من ولدهم وصنائعهم، ~~واحتازوها عمن سواهم: من وزارة وكتابة وقيادة وحجابة وسيف وقلم، يقال: إنه كان ~~بدار الرشيد من ولد يحيى بن خالد خمسة وعشرون رئيسا من بين صاحب سيف وصاحب ~~قلم، زاحموا فيها أهل الدولة بالمناكب، ودفعوهم عنها بالراح؛ لمكان أبيهم يحيى ~~من كفالة هارون ولي عهد وخليفة، حتى شب في حجره، ودرج من عشه، وغلبه على ~~أمره، وكان يدعوه: يا أبت، فتوجه الإيثار من السلطان إليهم، وعظمت الدالة ~~منهم، وانبسط الجاه عندهم، وانصرفت نحوهم الوجوه، وخضعت لهم الرقاب، وقصرت ~~عليهم الآمال، وتخطت إليهم من أقصى التخوم هدايا الملوك وتحف الأمراء، وتسربت ~~إلى خزائنهم، في سبيل التزلف والاستمالة، أموال الجباية، وأفاضوا في رجال ~~الشيعة وعظماء القرابة العطاء، وطوقوهم المنن، وكسبوا من بيوتات الأشراف ~~المعدم، وفكوا العاني، ومدحوا بما لم يمدح به خليفتهم، وأسنوا لعفاتهم ~~الجوائز والصلات، واستولوا على القرى والضياع من الضواحي والأمصار في سائر ~~الممالك، حتى آسفوا البطانة وأحقدوا الخاصة، وأغصوا أهل الولاية، فكشفت لهم ~~وجوه المنافسة والحسد، ودبت إلى مهادهم الوثيرة من الدولة عقارب السعاية، حتى ~~لقد كان بنو قحطبة أخوال جعفر من أعظم الساعين عليهم، لم تعطفهم، لما وقر ~~في نفوسهم من الحسد، عواطف الرحم، ولا وزعتهم أواصر القرابة، وقارن ذلك عند ~~مخدومهم نواشئ الغيرة والاستنكاف من الحجر والأنفة وكامن الحقود التي بعثتها ~~منهم صغائر الدالة، وانتهى بهم الإصرار على شأنهم إلى كبائر المخالفة. # | هوامش # الفصل التاسع # | الحياة العلمية في العصر العباسي # (1) توطئة # هذه فذلكة مجملة بمثابة توطئة لما سنعرض له بما يقتضيه المقام من شرح وإيضاح ~~في العصر المأموني، فمهمتنا الآن أن نلم ببيان العناصر المهمة في الحياة ~~العلمية العباسية. # نعلم من تاريخ اليونان القديم أن أثر اليونان في الثقافة الإنسانية عظيم ~~عميق، لأنه إلى جانب إمداد العالم بمنتجات فلاسفتهم وعلمائهم وكتابهم ومفكريهم، ~~قد أمدوه أيضا بالنخب والملح مما وقف عليه اليونان من زبدة علوم الأشوريين ~~والبابليين والفينيقيين والمصريين والهنود والفرس واليونان والرومان، فإذا ما ~~قلنا: إن العرب وقفوا على الفلسفة اليونانية ومنتجات العقول ms144 اليونانية، فكأننا ~~نقول ضمنا: إنهم وقفوا على آثار العقليات الإنسانية العامة وآثار الثقافة ~~القديمة والحضارات السالفة. # ونعلم أن الدولة العباسية كانت فارسية إلى حد ما، أو على الأقل كانت متسمة ~~بالطابع الفارسي متأثرة به، ونعلم من تاريخ سقوط الدولة الرومانية للأستاذ ~~«چيون» أن «جستنيان» اضطهد مدارس أثينا لأنه كان خصما للفلسفة الوثنية، وكانت ~~الفلسفة الأفلاطونية حين ذاك قد آتت ثمرتها ونضجت، ثم هرع أصحابها إلى الفرس، ~~واتصل بأنوشروان سبعة من علماء اليونان، فأكرم وفادتهم، وأفسح لهم مجال التأليف ~~والنقل فيما هم أهله وأصحاب القدح المعلى فيه. # ويقول ابن النديم في الفهرست: إن الفرس نقلت في القديم شيئا من كتب المنطق ~~والطب إلى اللغة الفارسية، فنقل ذلك إلى اللسان العربي عبد الله بن المقفع، فمن ~~المعقول إذن أن يكون العرب حين اتصلت ثقافتهم بالثقافة الفارسية وتأثروا بها، ~~تأثروا في الوقت نفسه بالثقافة اليونانية أيضا - ولم تكن الثقافة الفارسية مما ~~يستهان بأمره أو يغمط قدره؛ لأنك إذا استقصيت تاريخ ملوكهم الكبار، مثل ~~سابور بن أردشير، تجد أنه في خلال عهده بعث إلى بلاد اليونان وجلب كتب ~~الفلسفة، وأمر بنقلها إلى الفارسية، واختزنها في مدينته، وأخذ الناس في نسخها ~~وتدارسها وهكذا - فالثقافة العربية أفادت أيما إفادة من منتجات الفرس ~~وآثارهم وتراجمهم. ~~(2) حركة النقل # لنتدرج الآن إلى شيء من التوضيح فننقل لك ما يقوله ابن صاعد الأندلسي في هذا ~~الباب؛ لأنه مختصر عما تعرض له أمثال الأساتذة «نللينو» و«ابن أبي أصيبعة» ~~و«القفطي» و«ابن النديم» وغيرهم ممن سيكونون عدتنا وموئلنا حين نعرض لهذه ~~البحوث في العصر المأموني. # يقول ابن صاعد: «إن أول علم اعتني به من علوم الفلسفة علم المنطق والنجوم، ~~فأما المنطق فأول من اشتهر به في هذه الدولة عبد الله بن المقفع الخطيب ~~الفارسي، فإنه ترجم كتب أرسطاطاليس المنطقية الثلاثة التي في صورة المنطق، ~~وهي: كتاب «قاطاغورياس» وكتاب «باري أرمنياس» وكتاب «أتولوطيقا»، وذكر أنه لم ~~يترجم منه إلى وقته إلا الكتاب الأول، وترجم ذلك المدخل إلى كتاب المنطق ~~المعروف ب «إيساغوجي» ل «فرفوريوس ms145 الصوري»، وعبر عما ترجم من ذلك عبارة سهلة ~~قريبة المأخذ، وترجم مع ذلك الكتاب الهندي المعروف بكليلة ودمنة، وهو أول من ~~ترجم من اللغة الفارسية إلى اللغة العربية ...» # وأما علم النجوم فأول من عني به في هذه الدولة محمد بن إبراهيم الفزاري، ~~وذلك أن الحسين بن حميد، المعروف بابن الآدمي، ذكر في تاريخه الكبير المعروف ~~بنظام العقد: «إنه قدم على الخليفة المنصور سنة ست وخمسين ومائة رجل من الهند ~~عالم بالحساب المعروف بالسند هندي، في حركات النجوم مع تعاديل معلومة على ~~كردجات محسوبة لنصف نصف درجة، مع ضروب من أعمال الفلك ومع كسوفين ومطالع البروج ~~وغير ذلك، في كتاب يحتوي على اثني عشر بابا، وذكر أنه اختصره من كردجات منسوبة ~~إلى ملك من ملوك الهند يسمى قبغر، وكانت محسوبة لدقيقة؛ فأمر المنصور بترجمة ~~ذلك الكتاب إلى اللغة العربية، وأن يؤلف منه كتاب تتخذه العرب أصلا في ~~حركات الكواكب، فتولى ذلك محمد بن إبراهيم الفزاري، وعمل منه كتابا يسميه ~~المنجمون «بالسند هند الكبير» وتفسير السند هند باللغة الهندية: الدهر ~~الداهر.» # وقد يكون من المستصوب أن نفهم حقيقة وجهة نظر العرب حين ذاك إلى علم الفلك، ~~فهم كاليونانيين في زمن «بطليموس» كان غرضهم في الهيئة تبين الحركات السماوية ~~مع كل اختلافاتها المرئية بأشكال هندسية تمكنهم من حساب أوضاع الكواكب لأي ~~وقت فرض، فإن كانت تلك الأشكال تصلح لحساب الظواهر رضوا بها، وما اهتموا ~~بالبحث في حقيقة حركات الأجرام السماوية؛ وذلك لظنهم أن البحث عن حقيقة الحركات ~~وعللها يكون على المشتغلين بالحكمة والطبيعة والحكمة الإلهية. # ونحن نجد، بقطع النظر عن أحكام النجوم التي صارت غير مقبولة في أيامنا، أن ~~الهيئة عند العرب كما يقول الأستاذ «نللينو»: قد اشتملت على علم الهيئة الكروي ~~والعملي، وقسم صغير من النظري يخص الكسوفات واستتارات الكواكب السيارة، مع علم ~~التاريخ الرياضي، وعلم أطوال البلدان وعروضها على طريقة كتاب الجغرافية ~~لبطليموس، فقد خرج من علم الهيئة عند العرب علم الميكانيكا الفلكية وعلم طبيعة ~~الأجرام السماوية وأكثر علم الهيئة النظري؛ ms146 إذ إنه يبحث عن حقيقة حركات ~~الكواكب. # فلا مرية إذن في أن العرب، إلى جانب وقوفهم على الفلسفة الفارسية والحكمة ~~اليونانية، قد وقفوا أيضا على آخر الآراء العلمية الخاصة بعلم الفلك في ذلك ~~الحين، وأنهم وقفوا على آراء بطليموس فيما وقفوا عليه من الآراء. وبطليموس كما ~~قال البتاني: قد تقصى علم الفلك من وجوهه، ودل على العلل والأسباب العارضة ~~فيه بالبرهان الهندسي والعددي الذي لا تدفع صحته ولا يشك في حقيقته، فأمر ~~بالمحنة والاعتبار بعده، وذكر أنه قد يجوز أن يستدرك عليه في أرصاده على طول ~~الزمان، كما استدرك هو على أبرخس وغيره من نظرائه؛ لجلالة الصناعة، ولأنها ~~سماوية جسيمة لا تدرك إلا بالتقريب. # ولا يفوتنا أن نشير هنا إلى ترجمة كتاب زيج بطليموس المقول بأن أيوب وسمعان ~~فسراه لمحمد بن خالد البرمكي، ونرجو حين تعرضنا لهذه الموضوعات في العصر ~~المأموني أن نلم بها إلماما أدق وأوسع. # على أنه يجدر بنا في هذه الفذلكة أن نشير إلى الكتب البهلوية الثلاثة التي ~~استطاع الأستاذ «نللينو» أن يكتشف أثر نقلها فيما قبل انتهاء القرن الثاني ~~للهجرة، فواحد منها في علم الهيئة الحقيقي، وهو زيج الشاه أو زيج الشهريار، ~~والآخران في صناعة أحكام النجوم؛ وهما: المبزيذج في المواليد، المنسوب إلى ~~بزرجمهر، وكتاب صور الوجوه لتنكلوس، وكذلك يجدر بنا أن نشير إلى أن كتاب ~~المجسطي نقل في أيام الرشيد. # وإنا نلخص لك هنا ما لاحظه المرحوم جورجي بك زيدان في أمر النقل، من أن ~~العرب، مع كثرة ما نقلوه عن اليونان، لم يتعرضوا لشيء من كتبهم التاريخية أو ~~الأدبية أو الشعر، مع أنهم نقلوا ما يقابلها عند الفرس والهنود، فقد نقلوا جملة ~~صالحة من تاريخ الفرس وأخبار ملوكهم، وترجموا الشاهنامة، ولكنهم لم ينقلوا ~~تاريخ هيرودوتس ولا جغرافية إسترابون ولا إلياذة هوميروس ولا أوديسته، وسبب ذلك ~~أن أكثر ما بعث المسلمين على النقل رغبتهم في الفلسفة والطب والنجوم ~~والمنطق. # 1 # ولا يستخف بما اقتضاه ذلك النقل عن أشهر أمم الأرض في ذلك العصر من ~~التأثير ms147 في الآداب الاجتماعية والآراء العامة، ولا سيما ما نقل عن الفارسية؛ ~~لأن معظمه في الأدب والتاريخ، فدخل الآداب العربية كثير من آداب الفرس ~~الساسانية وأفكارهم، اقتبسها العرب من الكتب التي نقلت عنهم، ولم يبق منها إلا ~~ألف ليلة وليلة، وكليلة ودمنة، ونتف متفرقة في بعض الكتب، وقد درس في هذا ~~الموضوع المتشرق «إينواسترانشتيف» الروسي، ووضع فيه كتابا طبع في ~~بطرسبرج سنة 1909م. # على أنا نلاحظ أن تأثير هذا النقل عن الفرس لا يزال قائما إلى الآن في بعض ~~الكتب العربية التي وضعت في عصور قريبة من عصر المأمون، نذكر منها على طريق ~~التمثيل: كتاب «عيون الأخبار» لابن قتيبة، و«التاج» المنسوب للجاحظ، فعلى هذه ~~المنقولات وأمثالها بنى المسلمون ما ألفوه في هذه العلوم أثناء تمدينهم غير ~~ما اختبروه وأضافوا إليها من عند أنفسهم. # وإن المطلع على ما جاء بالفهرست لابن النديم خاصا بتلك المنقولات يعلم، ~~مع شديد الأسف، أن جلها قد ضاع، على أنه كان للقليل الباقي منها أثره الفعال ~~في نهضة أوروبا، وأهم ما بقي من ذلك التراث القيم هو كتاب المجسطي ~~لبطليموس، ترجمه الحجاج بن يوسف، وكتاب السياسة في تدبير الرياسة، ترجمه يوحنا ~~بن البطريق، وبعض آثار لقسطا بن لوقا البعلبكي وغيرها. ~~(3) العلوم القرآنية واللغوية والفقهية # كان المؤرخون القدماء يقولون في العلوم القرآنية: إنه قد تفرع عن القرآن نحو ~~ثلاثمائة علم. ونحن نحيلك على أمثال «مفتاح السعادة» لأحمد بن مصطفى، المعروف ~~بطاش كبرى زاده، المطبوع بمطبعة دائرة المعارف النظامية بحيدر آباد، ومقدمة ابن ~~خلدون، و«مفاتيح العلوم» وغيرها. وأما النحاة وطبقاتهم واللغة وما دخلها من ~~الألفاظ المستحدثة في العصر العباسي، فأمامك أمثال «شفاء الغليل فيما في كلام ~~العرب من الدخيل» لشهاب الدين الخفاجي، «ودرة الغواص» للحريري، وكتاب «المعرب ~~من الكلام الأعجمي» لأبي منصور الجواليقي المتوفى في منتصف القرن السادس، ~~وطبع في ليبسك سنة 1897م، وكتاب «طبقات النجاة» المعروف «بنزهة الألباء في ~~طبقات الأدباء» لأبي البركات عبد الرحمن بن محمد الأنباري، وغيرها مما لا يقع ~~تحت حصر. # وحسبنا أن نقول لك: ms148 إنه لم يكن في الجاهلية ولا في صدر الإسلام ذلك التراث ~~العظيم من الألفاظ الطبية وأسماء الأدوية والجراحة وأسماء الأمراض والاصطلاحات ~~الفلسفية وغير ذلك مما وضع في العصر العباسي خاصة، أمثال قولهم: صيدلية، ~~وتشريح، ونبض، وهضم، ومبردات، وقابض، ومسهل، وتشنج، وذات الرئة، وبنج، ~~والهيولى، والقاموس، والقانون، إلى مئات الألفاظ من أمثال ذلك النوع الذي تجده ~~في مظانه ولا نرى حاجة بنا إلى الاستطراد فيه. # ويجدر بنا هنا أن نشير إلى أثر من أجل الآثار الاقتصادية للدولة الإسلامية ~~في بداية العصر العباسي، ويمكن النظر إليه كما ينظر الإسكتلنديون إلى كتاب ~~«جون سنكلر» عن تاريخهم الاقتصادي، وهذا الأثر القيم الخالد الذي نظم جباية ~~الدولة أجمل تنظيم وأدقه هو كتاب «الخراج» للفقيه الأكبر أبي يوسف يعقوب بن ~~إبراهيم الأنصاري، صاحب الإمام أبي حنيفة النعمان. # | هوامش # الفصل العاشر # | الحالة الأدبية في صدر عصر بني العباس # (1) توطئة # أسلفنا لك القول في الحالة الأدبية في عصر بني أمية التي كانت في الواقع، إلى ~~جانب ما بيناه لك من اختلافها عن العصر الجاهلي، قريبة في جملتها من غضاضة ~~البدو وخشونة المدر، فلم تتسع لها الأغراض ولم تنفرج لها الجوانب إلا بقدر ما ~~تنطبق عليه جزيرة العرب وبادية الشام من الأفكار والأخيلة، وما توحي به غياض ~~دمشق ونبرات معبد من صفاء الفكر ووضوحه، وجلاء المعنى واقترابه، لا يبالي ~~القوم الإمعان في الآراء البعيدة والأفكار الدقيقة، وإنما كان همهم، كما يقول ~~الرواة، أن تجود ألفاظهم، وتجل تراكيبهم. # وفي الحقيقة أنهم قد اقتعدوا في ذلك من البلاغة ذروتها، وبلغوا من الجزالة ~~غايتها، فكان الرجل منهم يضع لسانه حيث أراد ومتى شاء، وحسبك أن تنظر إلى ما ~~جاء به زياد وعبد الملك والحجاج، وما أرسله جرير والأخطل والفرزدق؛ لتعرف أين ~~كان القوم من البلاغة، وكيف تملكوا أعنتها في أيديهم، فلما جاءت دولة العباسيين ~~وقامت أركانها على سواعد العجم، ودلف إليها السريان واليهود والفرس، وضمتهم ~~الدولة إلى أحضانها، وأفرجت لهم بين ذراعيها، وأنزلتهم في كثير من أمور الدولة ~~وشئونها، وأجرت عليهم من ms149 الأرزاق والخيرات، وتقدموا لها بتراث آبائهم وعصارة ~~قرائح علمائهم، وحولوا ميراثهم إلى ميراثها؛ أفادت لغة العرب، وامتزجت المدنية ~~السامية بالآرية، واتسعت دائرة المعارف، وتشعبت أغراض اللغة، وشمر كل ذي ~~فضل في تدوين العلوم واستنباط أحكامها، ووضع الفنون واصطلاحاتها، وترتيب ~~الدواوين ومراسيمها، وترجموا كتب الحكمة والمنطق، وازدهرت الآداب ازدهار الفتاء ~~والقوة، فانتظمت رخاء الدنيا وسعادة الإنسان، وازينت بالحجج الحكمية ~~والبراهين العقلية، وتولى كبر ذلك بشار وابن المقفع وأبو نواس وأضرابهم، ~~وأدخلوا إليها الجديد عن طريق المجاز والقياس والاشتقاق، ولم يتحرجوا من ~~استعمال الألفاظ الأعجمية في أسماء الألوان والآنية والفرش، وتأنقوا في صوغ ~~العبارات وإحكامها، حتى مال بعضهم إلى السجع والازدواج، ومن أمثلة ذلك ما كتبه ~~أبو شراعة إلى سعيد بن مسلم إذ يقول: «أستنسئ الله أجلك، وأستعيذه من ~~الآفات لك، وأستعينه على شكر ما وهب من النعمة فيك؛ إنه لذلك ولي، وبه ملي. ~~أتاني غلامك المليح قده، السعيد بملكك جده، بكتاب قرأته، غير مستكره اللفظ ~~ولا مزور عن القصد، ينطق بحكمتك، ويبين عن فضلك.» # وجملة القول أن اللغة قد تجدد إهابها، وانفرجت شعابها، ونوعت أساليبها ~~بما دخل عليها من نعيم الدولة وترف الحضارة، وما احتوته من العلوم والفنون، حتى ~~كانت سيدة لغات العالم جميعا. ~~(2) الخطابة والخطباء # كانت الداعية إلى الخطابة في العصر العباسي قوية متوافرة بليغة، كانت قوية ~~لأن طبيعة الانقلابات السياسية الخطيرة، والدعوات المذهبية الحادة، والثورات ~~الاجتماعية العنيفة من شأنها خلق مجالات التكلم، وتقوية الملكات الخطابية ~~وتنميتها وزيادة ثروتها، والعمل على صقلها وبلاغتها، وكانت متوافرة لتعدد ~~موضوعاتها وتشعب مناحيها، ولانكباب الدعاة والنفعيين عليها لانتهاز أمثال تلك ~~المواقف، وكانت بليغة لقرب العصر العباسي من عصر البلاغة الإسلامية الأموية من ~~ناحية الحرارة والتشيع إلى بني العباس، وقوة المحاجة في إنكار ما انتهكه ~~الأمويون من حرمات الدين، ولتعدد أسباب التفاضل بين آل العباس ~~والعلويين. # وإن نظرة تحليلية إلى خطبة المنصور التي خطبها حينما أخذ عبد الله بن الحسن ~~وإخوته والنفر الذين كانوا معه من أهل بيته، تعزز قولنا وتؤيد حكمنا، قال: يا ~~أهل ms150 خراسان، أنتم شيعتنا وأنصارنا وأهل دولتنا، ولو بايعتم غيرنا لم تبايعوا من ~~هو خير منا، وإن أهل بيتي هؤلاء من ولد علي بن أبي طالب تركناهم، والله الذي لا ~~إله إلا هو، والخلافة فلم نعرض لهم فيما بقليل لا وبكثير، فقام فيها علي بن ~~أبي طالب فتلطخ وحكم عليه الحكمان، فافترقت عنه الأمة، واختلفت عليه الكلمة، ~~ثم وثبت عليه شيعته وأنصاره وأصحابه وبطانته وثقاته فقتلوه، ثم قام من بعده ~~الحسن بن علي، فوالله ما كان فيها برجل! قد عرضت عليه الأموال فقبلها، فدس ~~إليه معاوية : إني أجعلك ولي عهدي من بعدي، فخدعه فانسلخ له مما كان فيه ~~وسلمه إليه، فأقبل على النساء يتزوج في كل يوم واحدة فيطلقها غدا، فلم يزل ~~على ذلك حتى مات على فراشه، ثم قام من بعده الحسين بن علي فخدعه أهل العراق ~~وأهل الكوفة، أهل الشقاق والنفاق والإغراق في الفتن، أهل هذه المدرة السوداء - ~~وأشار إلى الكوفة - فوالله ما هي بحرب فأحاربها، ولا سلم فأسالمها، فرق ~~الله بيني وبينها، فخذلوه وأسلموه حتى قتل، ثم قام من بعده زيد بن علي فخدعه ~~أهل الكوفة وغروه، فلما أخرجوه وأظهروه أسلموه، وكان قد أتى محمد بن علي ~~فناشده في الخروج، وسأله ألا يقبل أقاويل أهل الكوفة وقال له: إنا نجد في بعض ~~علمنا أن بعض أهل بيتنا يصلب بالكوفة، وأنا أخاف أن تكون ذلك المصلوب، وناشده ~~عمي داود بن علي وحذره غدر أهل الكوفة، فلم يقبل وتم على خروجه؛ فقتل وصلب ~~بالكناسة، # 1 # ثم وثب علينا بنو أمية فأماتوا شرفنا وأذلوا عزنا، والله ما كانت ~~لهم عندنا ترة يطلبونها، وما كان ذلك كله إلا فيهم، وبسبب خروجهم عليهم، ~~فنفونا من البلاد، فصرنا مرة بالطائف، ومرة بالشام، ومرة بالشراة حتى ابتعثكم ~~الله لنا شيعة وأنصارا، فأحيا شرفنا وعزنا بكم أهل خراسان، ودمغ بحقكم أهل ~~الباطل، وأظهر حقنا، وأصار إلينا ميراثنا عن نبينا # صلى الله عليه وسلم ~~، فقر الحق مقره، ~~وأظهر مناره، وأعز أنصاره، وقطع دابر القوم الذين ظلموا، والحمد ms151 لله رب ~~العالمين، فلما استقرت الأمور فينا على قرارها من فضل الله فيها، وحكمه العادل ~~لنا؛ وثبوا علينا ظلما وحسدا منهم لنا، وبغيا لما فضلنا الله به عليهم ~~وأكرمنا به من خلافته وميراث نبيه # صلى الله عليه وسلم ~~. # جهلا علي وجبنا عن عدوهم # لبئست الخلتان الجهل والجبن # فإني، والله يا أهل خراسان، ما أتيت من هذا الأمر ما أتيت بجهالة؛ بلغني ~~عنهم بعض السقم والتعرم، وقد دسست لهم رجلا فقلت: قم يا فلان، قم يا فلان، ~~فخذ معك من المال كذا، وحذوت لهم مثالا يعملون عليه ، فخرجوا حتى أتوهم ~~بالمدينة فدسوا إليهم تلك الأموال، فوالله ما بقي منهم شيخ ولا شاب ولا صغير ~~ولا كبير إلا بايعهم بيعة استحللت بها دماءهم وأموالهم، وحلت لي عند ذلك ~~بنقضهم بيعتي، وطلبهم الفتنة، والتماسهم الخروج علي، فلا يرون أني أتيت ذلك ~~على غير يقين. ثم نزل وهو يتلو على درج المنبر هذه الآية: # وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم ~~من قبل إنهم كانوا في شك مريب ~~. # ولقد يلاحظ على الخطابة العباسية اتسامها بطابع النعرة الدينية لمباهاتهم ~~بصلتهم من النبي، كما يلاحظ عليها اللغة «الأتوقراطية» التي لا تختلف في شيء ~~عن لغة باباوات رومة في العصور الوسطى، ولغة الملوك الذين يدينون بنظرية «حقوق ~~الملك المقدسة»، وأنهم ورثة الله في أرضه وممثلوه بين خلقه. # خطبة للمنصور الخليفة العباسي # خطب في مكة فقال: # أيها الناس، إنما أنا سطان الله في أرضه، أسوسكم بتوفيقه وتسديده ~~وتأييده، وحارسه على ماله أعمل فيه بمشيئته وإرادته، وأعطيه ~~بإذنه، فقد جعلني الله عليه قفلا إن شاء أن يفتحني فتحني ~~لإعطائكم وقسم أرزاقكم، وإن شاء أن يقفلني عليها أقفلني، فارغبوا ~~إلى الله وسلوه في هذا اليوم الشريف الذي وهب لكم من فضله ما ~~أعلمكم به في كتابه إذ يقول: # اليوم ~~أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا # أن ~~يوفقني للرشاد والصواب، وأن يلهمني الرأفة بكم، والإحسان إليكم. ~~أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. # خطبة للخليفة المهدي ms152 # الحمد لله الذي ارتضى الحمد لنفسه، ورضي به من خلقه، أحمده على ~~آلائه، وأمجده لبلائه، وأستعينه وأومن به وأتوكل عليه توكل ~~راض بقضائه وصابر لبلائه. أوصيكم، عباد الله، بتقوى الله؛ فإن ~~الاقتصار عليها سلامة، والترك لها ندامة، وأحثكم على إجلال عظمته، ~~وتوقير كبريائه وقدرته، والانتهاء إلى ما يقرب من رحمته، وينجي من ~~سخطه، وينال به ما لديه من كريم الثواب، وجزيل المآب. فاجتنبوا ما ~~خوفكم الله من شديد العقاب، وأليم العذاب، ووعيد الحساب، يوم ~~توقفون بين يدي الجبار، وتعرضون فيه على النار، يوم لا تكلم نفس ~~إلا بإذنه، فمنهم شقي وسعيد، يوم يفر المرء من أخيه وأمه وبنيه؛ ~~لكل امرئ يومئذ شأن يغنيه، # يوما لا ~~تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها ~~شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ~~ينصرون ~~، # يوما لا يجزي ~~والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده ~~شيئا إن وعد الله حق فلا تغرنكم ~~الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله ~~الغرور ~~؛ فإن الدنيا دار غرور وبلاء وشرور ~~واضمحلال، وزوال وتقلب وانتقال، قد أفنت من كان قبلكم، وهي عائدة ~~عليكم وعلى من بعدكم، من ركن إليها صرعته، ومن وثق بها خانته، ~~ومن أملها كذبته، ومن رجاها خذلته، عزها ذل، وغناها فقر، ~~والسعيد من تركها، والشقي من آثرها، والمغبون فيها من باع حظه من ~~دار آخرته بها. فالله الله عباد الله، والتوبة مقبولة، والرحمة ~~مبسوطة، وبادروا بالأعمال الزكية في هذه الأيام الخالية قبل أن ~~يؤخذ بالكظم، وتندموا فلا تنالون الندم يوم حسرة وتأسف وكآبة ~~وتلهف. يوم ليس كالأيام، وموقف ضنك المقام. # خطبة لهارون الرشيد # الحمد لله الذي نحمده على نعمه، ونستعينه على طاعته، ونستنصره ~~على أعدائه، ونؤمن به حقا، ونتوكل عليه مفوضين إليه. أوصيكم ~~عباد الله بتقوى الله؛ فإن في التقوى تكفير السيئات، وتضعيف ~~الحسنات، وفوزا بالجنة ونجاة من النار، وأحذركم يوما تشخص فيه ~~الأبصار، وتبلى فيه الأسرار، يوم البعث ويوم التغابن ويوم التلاقي ~~ويوم التنادي، يوم لا يستعتب من سيئة ولا يزداد في حسنة، # يوم الآزفة ms153 إذ القلوب لدى ~~الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ~~ولا شفيع يطاع * يعلم خائنة ~~الأعين وما تخفي الصدور ~~، # واتقوا يوما ترجعون فيه إلى ~~الله ثم توفى كل نفس ما كسبت ~~. ~~حصنوا إيمانكم بالأمانة، ودينكم بالورع، وصلاتكم بالزكاة، وإياكم ~~والأماني؛ فقد غرت وأردت وأوبقت كثيرا حتى أكذبتهم مناياهم، ~~فتناوشوا التوبة من مكان بعيد، وحيل بينهم وبين ما يشتهون، فرغب ~~ربكم عن الأمثال والوعد، وقدم إليكم الوعيد، وقد رأيتم وقائعه ~~بالقرون الخوالي جيلا فجيلا، وعهدتم الآباء والأبناء والأحبة ~~والعشائر باختطاف الموت إياهم من بيوتكم، ومن بين أظهركم، لا ~~تدفعون عنهم ولا تحولون دونهم، فزالت عنهم الدنيا، وانقطعت بهم ~~الأسباب، فأسلمتهم إلى أعمالهم عند الموقف والحساب: # ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ~~ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ~~. # وإن نظرة عجلى إلى النخب الصغيرة التي اخترناها لك عن المنصور ~~والمهدي والرشيد تعطيك فكرة صحيحة؛ بأنا لم نعد لباب الصواب فيما ذهبنا ~~إليه من «أتوقراطيتها» و«بابويتها» في طبيعة منحاها، وطلاوتها وبلاغتها في ~~مبناها. ~~••• # على أن الخطابة العباسية لم تستمر على القوة التي كانت عليها في صدر تلك ~~الدولة حينما استقرت ورسخت، إذ فترت عند ذلك الدواعي، وهدأت الدوافع، ~~وأخذت حالتها في الاضمحلال لاشتداد اختلاط العرب بالأعجام، ولأن الشخصيات ~~البارزة في الدولة كانت، في الغالب، من الفرس وغيرهم من الموالي الذين لم ~~تنجرد ألسنتهم بالخطابة لما يصيبها أحيانا من لكنة العي، وحصر العجمة وإن ~~سمت معلوماتهم، وارتقت في البلاغة أساليبهم. # وربما كان من المعقول أن نقول: إن الخطابة في العصر العباسي كانت بوجه ~~عام أقل منها في العصر الأموي من ناحية البلاغة والأسلوب، مع وجود بعض ~~خطباء مصاقع لا يقلون عن إخوانهم الأمويين بلاغة واقتدارا، بيد أنها كانت ~~متعددة الأبواب؛ لتشعب ما بيناه لك من الوجوه والمناحي. ~~(3) الكتابة # جرت الكتابة في العهد الأول من عصر العباسيين على ما كانت عليه عند بني أمية ~~من جودة اللفظ، ومتانة الأسلوب، وجلاء المعنى، ووضوح القصد وبساطته، فلم يكن ~~القوم ليمعنوا في التصور والتفكير، أو ينظروا إلى السماء فيستوحوها، أو إلى ~~الطبيعة ms154 فيستنطقوها، أو يستشفوا ما وراء العالم، فإن الأفكار كانت لا تزال ~~سهلة يرمون فيها عن حاضر البديهة وعفو الخاطر، فلم يشاركوا الحكماء في تفكيرهم، ~~ولا المناطقة في حججهم، إذا استثنينا نفرا قليلا أمثال ابن المقفع، وإنما ~~كانوا يدورون حول ما ترك آباؤهم من بيت بديع، أو مثل سائر، أو حكمة رائعة، أو ~~فكرة سامية، أو معنى يصل إلى القلب بلا استئذان، وأوغلوا في ذلك حتى صاروا ~~فصحاء الناس وأمراء البيان، فكان الأديب منهم يرسل الرسالة أمام مقصده، فتعمل ~~في النفوس ما لا تعمله الأسنة والرماح ، وناهيك بما كانت تفعله تلك الرسائل ~~في نفوس القوم. # فلما حفلت بغداد، وأقبلت الدنيا، واتسع السلطان وامتدت أطرافه، وضمت ~~الدولة إلى أحضانها أبناء الفرس والسريان، وكانوا يحملون تراث آبائهم وطرف ~~علمائهم، وأوسع الخلائف رحابهم لكل ذي فضل من رجال الدولة، وعرفوا للعلم ~~مقامه فرفعوه، وللأدب صولته فأكرموه، وقربوا العلماء والأدباء، وعقدوا مجالس ~~للمناظرة والمنادمة، كما سنبين لك، وأكب الناس على العلم والتأليف والترجمة، ~~وتكشف كل ذلك عن علوم وفنون لا عهد للعربية بها، فنقلوا إليها الطب والسياسة ~~والحكمة والفلك والمنطق والتنجيم، وألف المسلمون في الفقه والنحو والحديث ~~والتفسير، كان لكل ذلك أثره في أخيلة الكتاب، وأسلات الأقلام، ووحي ~~القرائح، فتعددت الأغراض، ونوعت الأساليب، ومال الكتاب إلى السهولة في ~~العبارة، والتأنق في اللفظ، والجودة في الرصف، وأطالوا في المقدمات، ونوعوا ~~البدء والختام والألقاب والدعاء، ومالوا إلى الغلو والمبالغة، وهاك مثلا ما ~~كتب ابن سيابة إلى يحيى بن خالد من رسالة يقول فيها: «للأصيد الجواد، الواري ~~الزناد، الماجد الأجداد، الوزير الفاضل، الأشم البازل، اللباب الحلاحل، من ~~المستكين المستجير، البائس الضرير، فإني أحمد الله ذا العزة القدير، إليك وإلى ~~الصغير والكبير، بالرحمة العامة، والبركة التامة. أما بعد، فاغنم واسلم واعلم، ~~إن كنت تعلم، أن من يرحم يرحم، ومن يحرم يحرم، ومن يحسن يغنم، ومن يصنع ~~المعروف لا يعدم، قد سبق إلي تغضبك علي، واطراحك لي، وغفلتك عني بما ~~لا أقوم له ولا أقعد، ولا أنتبه ولا أرقد، فلست ms155 بحي صحيح ولا بميت مستريح؛ ~~فررت بعد الله منك إليك، وتحملت بك عليك ...» # أما الإطناب في الكتابة، فكان صفة غالبة في كل ما شمل بيعة أو عهدا أو ~~احتجاجا أو انتصارا، أو تقريرا لمذهب أو استهواء، أو دفعا لشبهة، أو طلبا ~~لنعمة، أو ما يقوم نضالا، أو ما يدعو نزالا. وستجد طرفا من رسائل القوم في ~~ذلك العصر الزاهي الزاهر في باب المنثور بالكتاب الثاني من المجلد ~~الثاني. # وقد بالغوا في تمداح ممدوحهم وذم مذمومهم، وحسبك من ذلك أن ترى ما دار بين ~~المنصور العباسي والنفس الزكية؛ فقد جاء مما كتبه الأول قوله: «أما بعد، فقد ~~أتاني كتابك وبلغني كلامك، فإذا جل فخرك بالنساء؛ لتضل به الجفاة ~~والغوغاء، ولم يجعل الله النساء كالعمومة، ولا الآباء كالعصبة والأولياء، وقد ~~جعل العم أبا، وبدأ به على الوالد الأدنى، فقال جل ثناؤه عن نبيه عليه ~~السلام: # واتبعت ملة آبائي إبراهيم ~~وإسحاق ويعقوب ~~، ولقد علمت أن الله تبارك وتعالى بعث ~~محمدا # صلى الله عليه وسلم # وعمومته أربعة، فأجابه اثنان أحدهما أبي، وكفر به اثنان أحدهما ~~أبوك. فأما ما ذكرت من النساء وقراباتهن، فلو أعطين على قرب الأنساب وحق ~~الأحساب لكان الخير كله لآمنة بنت وهب، ولكن الله يختار لدينه من يشاء من خلقه ~~...» # غير أن ذلك لم يكن ليمنع أن الميل إلى الإيجاز له في نفوس القوم مقامه، وفي ~~قلوب البلغاء عزه وسلطانه، لا سيما ما كان من قبيل التوقيع من أمير أو وزير ~~أو ذي جاه وسلطان، فقد رفع إلى المنصور شكاة من أهل الكوفة لاعوجاج في ~~عاملهم، فوقع عليها: «كيفما تكونوا يول عليكم»، وكتب جعفر إلى عامل شكي له ~~منه: «قد كثر شاكوك وقل شاكروك، فإما اعتدلت وإما اعتزلت.» # وقد أجمع الرواة أن الحال قد بقيت على ذلك من المتانة وحسن الإشارة، ولطف ~~المدخل، وفراهة المعنى، وحسن الابتداع، حتى خلف من بعدهم خلف ضعفت فيهم ملكة ~~اللغة، وأعوزهم البيان، فمالوا إلى الألفاظ وصناعتها، والأسجاع «وزخرفتها»، ~~وبقيت الكتابة تتقلب في أكفهم وتدور حول ms156 نفسها حتى مال رأسها مع رأس العباسيين ~~في القرن السابع الهجري. ~~(4) مجالس الخلفاء والمناظرة # للخلفاء العباسيين - بحكم طبيعة دعوتهم السياسية واستفحال أمر المدنية في ~~أيامهم - مجالس حافلة بالأدباء والشعراء والمغنين والمنادمين قد أترعت ~~بذكرها كتب الآداب، واستوعب الشيء الكثير منها أبو الفرج الأصفهاني في ~~أغانيه. # وكانوا يجلون العلماء كما بينا لك في موقف الرشيد مع أبي معاوية الضرير، ~~ويعتنون بالشعر واللغة، ويحرصون على تعليم أولادهم بوساطة نخبة من رجالات ~~عصرهم، فالمنصور ضم الشرقي بن القطامي إلى ابنه المهدي، وأوصاه أن يعلمه أخبار ~~العرب ومكارم الأخلاق وقراءة الأشعار، والرشيد عهد بتعليم ابنه الأمين إلى ~~الأحمر النحوي ثم الكسائي، وعهد بتأديب المأمون إلى اليزيدي وسيبويه وغيرهما، ~~وللرشيد وصية يقال إنه أوصى بها الأحمر حينما عهد إليه بتأديب الأمين، ونحن ~~نثبتها هنا لتقف منها على نوع التربية التي كان يتطلبها خلفاء ذلك العصر ~~لأبنائهم، ولأنها تدل في الوقت نفسه على مبلغ التحول الذي وصلت إليه المدنية ~~العربية في العصر العباسي، وكيف استفادت من نظم اليونان والفرس وغيرهم ممن وقف ~~العرب على آرائهم ومؤلفاتهم. # أما الوصية فهي: # يا أحمر، إن أمير المؤمنين قد دفع إليك مهجة نفسه، وثمرة قلبه فصير ~~يدك عليه مبسوطة، وطاعته لك واجبة، فكن له بحيث وضعك أمير المؤمنين، ~~أقرئه القرآن وعرفه الأخبار، وروه الأشعار، وعلمه السنن، وبصره ~~بمواقع الكلام وبدئه، وامنعه من الضحك إلا في أوقاته، وخذه بتعظيم ~~مشايخ بني هاشم إذا دخلوا عليه، ورفع مجالس القواد إذا حضروا مجلسه، ~~ولا تمرن بك ساعة إلا وأنت مغتنم فائدة تفيده إياها، من غير أن ~~تحزنه فتميت ذهنه، ولا تمعن في مسامحته فيستحلي الفراغ ويألفه، ~~وقومه ما استطعت بالقرب والملاينة، فإن أباهما؛ فعليك بالشدة ~~والغلظة. # وكانوا يعنون بالمسائل اللغوية واللفظية عناية عظيمة، كما كانوا يعنون أيما ~~عناية بحفظ الأشعار وروايتها، ويعتبرون عدم حفظها مصيبة وكارثة، فقد روى الهيثم ~~بن عدي عن ابن عياش قال: لما مات جعفر المنصور بن الأكبر، مشى المنصور في ~~جنازته من المدينة إلى مقابر قريش ومشى الناس أجمعون ms157 معه حتى دفنه، ثم انصرف ~~إلى قصره، ثم أقبل على الربيع فقال: يا ربيع، انظر من في أهلى ينشدني: # أمن المنون وريبها تتوجع # حتى أتسلى بها عن مصيبتي، قال الربيع: فخرجت إلى بني هاشم وهم بأجمعهم ~~حضور، فسألتهم عنها، فلم يكن فيهم أحد يحفظها، فرجعت فأخبرته فقال: والله ~~لمصيبتي بأهل بيتي ألا يكون فيهم أحد يحفظ هذا لقلة رغبتهم في الأدب، أعظم ~~وأشد علي من مصيبتي بابني، ثم قال: انظر هل في القواد والعوام من الجند من ~~يعرفها، فإني أحب أن أسمعها من إنسان ينشدها . فخرجت فاعترضت الناس فلم أجد ~~أحدا ينشدها إلا شيخا كبيرا مؤدبا قد انصرف من موضع تأديبه، فسألته: هل ~~تحفظ شيئا من الشعر؟ فقال: نعم، شعر أبي ذؤيب، فقلت: أنشدني. فابتدأ هذه ~~القصيدة العينية، فقلت له: أنت بغيتي، ثم أوصلته إلى المنصور، فاستنشده إياها، ~~ثم أجازه بمائة درهم. ~~••• # أما التحول العظيم الذي حصل في أبهاء «صالونات» الخلفاء الخاصة بالمنادمة، ~~فالحديث عنه يطول، وحسبك في ذلك ما يدلي به إسحاق بن إبراهيم، أحد المعاصرين ~~العباسيين، فإنه يحدثك بما ينقع الغلة؛ إذ قد سئل عن أحوال الأمويين في ~~الشراب واللهو فتكلم بإيجاز عن حالتهم، وسئل عن العباسيين فوصف وأجاد، وصور ~~وأفاد، قال: # أما معاوية ومروان وعبد الملك والوليد وسليمان وهشام ومروان بن محمد، ~~فكان بينهم وبين الندماء ستار، وكان لا يظهر أحد من الندماء على ما ~~يفعله الخليفة إذا طرب للمغنى والتذه، حتى ينقلب ويمشي ويحرك ~~كتفيه ويرقص ويتجرد حيث لا يراه إلا خواص جواريه، إلا أنه كان إذا ~~ارتفع من خلف الستار صوت أو نعير طرب أو رقص أو حركة بزفير تجاوز ~~المقدار، قال صاحب الستار: حسبك يا جارية كفي! انتهي! أقصري! ~~يوهم الندماء أن الفاعل لذلك بعض الجواري، فأما الباقون من خلفاء بني ~~أمية فلم يكونوا يتحاشون أن يرقصوا ويتجردوا ويحضروا عراة بحضرة ~~الخلعاء والمغنين، ومع ذلك لم يكن أحد منهم في مثل حال يزيد بن عبد ~~الملك والوليد بن يزيد في المجون والرفث بحضرة الندماء ms158 والتجرد ما ~~يباليان ما صنعا. # قلت: فعمر بن عبد العزيز؟ قال: ما طن في سمعه حرف غناء منذ أفضت الخلافة ~~إليه إلى أن فارق الدنيا، فأما قبلها، وهو أمير المدينة، فكان يسمع الغناء ولا ~~يظهر منه إلا الأمر الجميل، وكان ربما صفق بيديه، وربما تمرغ على فراشه ~~وضرب برجليه وطرب، فأما أن يخرج عن مقدار السرور إلى السخف فلا. # قلت: فخلفاؤنا (خلفاء بني العباس)؟ قال: كان أبو العباس في أول أيامه يظهر ~~للندماء ثم احتجب عنهم بعد سنة - أشار بذلك عليه أسيد بن عبد الله الخزاعي - ~~وكان يطرب ويبتهج ويصيح من وراء الستار: «أحسنت والله! أعد هذا الصوت»، ~~فيعاد له مرارا، فيقول في كلها: «أحسنت»، وكانت فيه فضيلة لا تجدها في أحد؛ ~~كان لا يحضره نديم ولا مغن ولا مله فينصرف إلا بصلة أو كسوة قلت أو ~~كثرت، وكان لا يؤخر إحسان محسن لغد، ويقول: «العجب ممن يفرح إنسانا فيتعجل ~~السرور، ويجعل ثواب من سره تسويفا وعدة.» فكان في كل يوم وليلة يقعد فيه ~~لشغله لا ينصرف أحد ممن حضره إلا مسرورا، ولم يكن هذا لعربي ولا عجمي ~~قبله، غير أنه يحكى عن بهرام جور ما يقارب هذا. # فأما أبو جعفر المنصور فلم يكن يظهر لنديم قط، ولا رآه أحد يشرب غير الماء، ~~وكان بينه وبين الستار عشرون ذراعا، وبين الستار والندماء مثلها، فإذا غناه ~~المغني فأطربه حركت الستار بعض الجواري، فاطلع إليه الخادم صاحب الستار ~~فيقول: قل له: «أحسنت! بارك الله فيك»، وربما أراد أن يصفق بيديه، فيقوم عن ~~مجلسه ويدخل بعض حجر نسائه فيكون ذاك هناك، وكان لا يثيب أحدا من ندمائه ~~وغيرهم درهما فيكون له رسما في ديوان، ولم يقطع أحدا ممن كان يضاف إلى ~~ملهية أو ضحك أو هزل موضع قدم من الأرض، وكان يحفظ كل ما أعطى واحدا ~~منهم عشر سنين ويحسبه ويذكره له. # وكان المهدي في أول أمره يحتجب عن الندماء متشبها بالمنصور نحوا من سنة، ~~ثم ظهر لهم، فأشار عليهم أبو عون بأن ms159 يحتجب عنهم، فقال: «إليك عني يا جاهل! ~~إنما اللذة في مشاهدة السرور، وفي الدنو ممن سرني، فأما من وراء وراء فما ~~خيرها ولذتها؟ ولو لم يكن في الظهور للندماء والإخوان إلا أني أعطيهم من ~~السرور بمشاهدتي مثل الذي يعطونني من فوائدهم لجعلت لهم في ذلك حظا ~~موفرا.» وكان كثير العطايا يواترها، قل من حضره إلا أغناه، وكان لين ~~العريكة، سهل الشريعة، لذيذ المنادمة، قصير المناومة، لا يمل نديما ولا يتركه ~~إلا عن ضرورة، قطيع الخنا، صبورا على الجلوس، ضاحك السن، قليل الأذى ~~والبذاء. # وكان الهادي شكس الأخلاق، صعب المرام، قليل الإغضاء، سيئ الظن، قل من توقاه ~~وعرف أخلاقه إلا أغناه، وما كان شيء أبغض إليه من ابتدائه بسؤال، وكان يأمر ~~للمغني بالمال الخطير الجزيل فيقول: «لا يعطيني بعدها شيئا.» فيعطيه بعد أيام ~~مثل تلك العطية. # ويقال: إنه قال يوما وعنده ابن جامع وإبراهيم الموصلي ومعاذ بن الطبيب، وكان ~~أول يوم دخل عليه معاذ، وكان حاذقا بالأغاني عارفا بها: من أطربني اليوم ~~منكم فله حكمه! فغناه ابن جامع غناء لم يحركه، وكان إبراهيم قد فهم غرضه ~~فغناه: # سليمى أجمعت بينا # فأين تقولها أينا؟ # فطرب حتى قام عن مجلسه ورفع صوته وقال: «أعد بالله وبحياتي!» فأعاد فقال: ~~«أنت صاحبي فاحتكم»، فقال إبراهيم: يا أمير المؤمنين، حائط عبد الملك بن ~~مروان وعينه الخرارة بالمدينة، قال: فدارت عيناه في رأسه حتى صارتا كأنهما ~~جمرتان، ثم قال: «يا ابن اللخناء! أردت أن تسمع العامة أنك أطربتني، وأني ~~حكمتك فأقطعتك، أما والله لولا بادرة جهلك التي غلبت على صحيح عقلك وفكرك ~~لضربت الذي فيه عيناك»، ثم سكت هنيهة، قال إبراهيم: فرأيت ملك الموت قائما ~~بيني وبينه ينتظر أمره، ثم دعا إبراهيم الحراني فقال: «خذ بيد هذا الجاهل ~~فأدخله بيت المال؛ فليأخذ منه ما شاء»، فأخذ الحراني بيدي حتى دخل بي بيت ~~المال، فقال: كم تأخذ؟ فقلت: مائة بدرة، فقال: دعني أؤامره، قلت: فآخذ تسعين، ~~قال: حتى أؤامره، قلت: فثمانين، قال: لا؛ فأبى إلا أن يؤامره، فعرفت ms160 غرضه فقلت ~~له: آخذ سبعين لي، ولك ثلاثون، قال: شأنك، قال: فانصرفت بسبعين ألفا، وانصرف ~~ملك الموت عن الدار. # قال: وكان الرشيد في أخلاق أبي جعفر المنصور يتمثلها كلها إلا في العطايا ~~والصلات والخلع، فإنه كان يقفو فعل أبي العباس والمهدي، ومن خبرك أنه رآه قط ~~وهو يشرب إلا الماء فكذبه، وكان لا يحضر شربه إلا خاص جواريه، وربما طرب للغناء ~~فتحرك حركة بين الحركتين في القلة والكثرة. # وهو من بين خلفاء بني العباس من جعل للمغنين مراتب وطبقات، على نحو ما وضعهم ~~أردشير بن بابك وأنوشروان، فكان إبراهيم الموصلي وإسماعيل أبو القاسم بن جامع ~~وزلزل منصور الضارب في الطبقة الأولى، وكان زلزل يضرب، ويغني هذان ~~عليه. # والطبقة الثانية: سليم بن سلام «أبو عبيد الله الكوفي» وعمرو الغزال ومن ~~أشبههما. # والطبقة الثالثة: أصحاب المعازف والصنج والطنابير، وعلى قدر ذلك كانت تخرج ~~جوائزهم وصلاتهم، وكان إذا وصل واحدا من الطبقة الأولى بالمال الكثير الخطير ~~جعل لصاحبيه اللذين معه في الطبقة نصيبا منه، وجعل للطبقتين اللتين تليانه منه ~~أيضا نصيبا، وإذا وصل أحد من الطبقتين الأخريين بصلة لم يقبل واحد من ~~الطبقة العليا منه درهما، ولا يجترئ أن يعرض ذلك عليه. # قال: فسأل الرشيد يوما برصوما الزامر، فقال له: يا إسحاق، ما تقول في ابن ~~جامع؟ فحرك رأسه وقال: خمر قطربل # 2 # يعقل الرجل ويذهب العقل، قال: فما تقول في إبراهيم الموصلي؟ ~~قال: بستان فيه خوخ وكمثرى وتفاح وشوك وخرنوب، قال: فما تقول في سليم بن سلام؟ ~~فقال: ما أحسن خضابه! قال: فما تقول في عمرو الغزال؟ قال: ما أحسن بنانه! ~~قال: وكان منصور زلزل من أحسن وأحذق من برأ الله بالجس، فكان إذا جس العود ~~فلو سمعه الأحنف ومن تحالم في دهره كله لم يملك أن يطرب. # قال إبراهيم: فغنيت يوما على ضربه فخطأني، فقلت لصاحب الستار: هو والله ~~أخطأ، قال: فرفع الستار ثم قال: يقول لك أمير المؤمنين: أنت والله أخطأت! فحمي ~~زلزل وقال: يا إبراهيم، تخطئني! فوالله ما فتح ms161 أحد من المغنين فاه بغير لفظ ~~إلا عرفت غرضه، فكيف أخطأ وهذه حالي؟! فأداها صاحب الستار، فقال الرشيد: ~~قل له: صدقت، أنت كما وصفت نفسك، وكذب إبراهيم وأخطأ، قال إبراهيم: فغمني ~~ذلك، فقلت لصاحب الستار: أبلغ أمير المؤمنين سيدي ومولاي، أن بفارس رجلا، ~~يقال له سنيد، لم يخلق الله أضرب منه بعود، ولا أحسن مجسا، وإن بعث إليه ~~أمير المؤمنين فحمله عرف فضله، وتغنيت على ضربه، فإن زلزلا # 3 # يكايدني مكايدة القصاص والقرادين، قال: فوجه الرشيد إلى ~~الفارسي فحمل على البريد، فأقلق ذلك زلزلا وغمه، فلما قدم الفارسي؛ أحضرنا ~~وأخذنا مجالسنا وجاءوا بالعيدان قد سويت - وكذلك كان يفعل في مجلس الخلافة ~~ليس يدفع إلى أحد عوده فيحتاج إلى أن يحركه؛ لأنها قد سويت وعلقت ~~مثالثها مشاكلة للزيرة على الدقة والغلظ - قال: فلما وضع عود الفارسي ~~في يديه نظر إليه منصور زلزل فأسفر وجهه وأشرق لونه، فضرب وتغنى عليه ~~إبراهيم، ثم قال صاحب الستار لزلزل: يا منصور، اضرب! قال: فلما جس العود ما ~~تمالك الفارسي أن وثب من مجلسه بغير إذن حتى قبل رأس زلزل وأطرافه، وقال: ~~مثلك، جعلت فداك، لا يمتهن ويستعمل، مثلك يعبد، فعجب الرشيد من قوله، ~~وعرف فضيلة زلزل على الفارسي، فأمر له بصلة ورده إلى بلده. # وكان منصور زلزل من أسخى الناس وأكرمهم؛ نزل بين ظهراني قوم وقد كان يحل لهم ~~أخذ الزكاة، فما مات حتى وجبت عليهم الزكاة. # وكان إسحاق برصوما في الطبقة الثانية، قال: فطرب الرشيد يوما لزمره، فقال ~~له صاحب الستار: يا إسحاق، ازمر على غناء ابن جامع، قال: لا أفعل، قال: يقول ~~لك أمير المؤمنين ولا تفعل! قال: إن كنت أزمر على الطبقة العليا رفعت ~~إليها، فأما أن أكون في الطبقة الثانية وأزمر على الأولى فلا أفعل، فقال الرشيد ~~لصاحب الستار: ارفعه إلى الطبقة الأولى، فإذا قمت فادفع البساط الذي في مجلسهم ~~إليه، فرفع إسحاق إلى الطبقة العالية وأخذ البساط، وكان يساوي ألفي دينار، فلما ~~حمله إلى منزله استبشرت به أمه وأخواته، وكانت ms162 أمه نبطية لكناء، فخرج برصوما ~~عن منزله لبعض حاجاته وجاء نساء جيرانه يهنئن أمه بما خص به دون أصحابه ~~ويدعون لها، فأخذت سكينا وجعلت تقطع لكل من دخل عليها قطعة من البساط حتى أتت ~~على أكثره، فجاء برصوما فإذا البساط قد تقسم بالسكاكين، فقال: ويلك ما صنعت؟! ~~قالت: لم أدر، ظننت أنه كذا يقسم، فحدث الرشيد بذلك فضحك ووهب له ~~آخر. # وزعم سعيد بن وهب أن إبراهيم الموصلي غنى أمير المؤمنين هارون صوتا فكاد ~~يطير طربا، فاستعاد عامة ليله وقال: ما رأيت صوتا يجمع السخاء والطرب وجودة ~~الصنعة والخفة غير هذا الصوت، فأقبل إبراهيم فقال: يا أمير المؤمنين، لو وهب ~~لك إنسان مائة ألف درهم أو لو وجدت مائة ألف درهم مطروحة، كنت أسر بها أو ~~بهذا الصوت؟ قال: والله لأنا أسر بهذا الصوت مني بألف ألف وألف ألف، قال: فلو ~~فقدت من بيت مالك مائة ألف كان أشد عليك، أو لو فقدت هذا الصوت وفاتك هذا ~~السرور؟ قال: بل ألف ألف وألف ألف أهون علي، قال: فلم لا تهب مائة ألف أو ~~مائتي ألف لمن أتاك بشيء فقد ألفي ألف أهون عليك منه؟ فأمر له بمائتي ألف ~~درهم. ~~••• # امتاز العصر العباسي بتقدم مجالس المناظرة ورونقها وتنظيمها وقيد المناقشات ~~فيها، وقد يكون من المفيد إعطاؤك صورة صحيحة للمناظرة وعظمها، واهتمامهم بتزويق ~~عبارتها، وطلاوة أساليبها، وبلاغة تراكيبها، وملاحظة قوة الحجة فيها، بأن ننقل ~~إليك مشاورة المهدي لأهل بيته، وهي - إن صحت - تعتبر أثرا أدبيا له قيمته ~~وخطره، وأثرا سياسيا لمناقشات القوم السياسية، ولتضمنها خططا ونصائح لا ~~يزيد عليها إلا تلك النصائح التي تضمنها كتاب طاهر بن الحسين القائد المأموني ~~لابنه عبد الله - وستراه في موضعه من باب المنثور بالكتاب الثالث في المجلد ~~الثالث من هذا الكتاب - أما المشاورة فستجدها في الكتاب الثاني من المجلد ~~الثاني. ~~(5) الشعر # لا يقدس العرب من علوم الحياة وفنونها شيئا أكثر من تقديسهم الشعر الذي ~~استودعوه أفكارهم وأخبارهم، وحفظوا به فخرهم ومناسبهم، وساقوا به الجيوش ~~والجحافل، فدكت ms163 عروشا وأبادت ممالك، وضمنوه من أخلاقهم وعاداتهم وشئون ~~حياتهم ما جعله مكان فخرهم ومفزع أمرهم، فكنت تجد العربي يسمع البيت من الشعر ~~فيترنح ترنح النشوان، ويثور حتى كأنه جبل نار، وكثيرا ما سجدوا أمامه لمكانه ~~من نفوسهم، وقد روى الأصمعي وغيره من ذلك شيئا كثيرا. # وقد بقيت للشعر هذه المكانة في كل عصوره العربية، ولم ينل منه أن دولة ~~العباسيين قامت على سواعد الفرس، وحلوا منها مكان الصدور والحكام، فإن الخلفاء ~~والسادة وجمهرة الأمراء والأدباء كانوا يحملون فوق أكتافهم رءوسا عربية حفظوا ~~فيها تراث آبائهم ومفاخر أجدادهم ، وأقبلوا على الشعر وإنشاده، وكانوا هم أنفسهم ~~يقرضون الشعر. وإليك ما جاء في عيون الأخبار عن المنصور قال: كان عمرو بن عبيد ~~إذا رأى المنصور يطوف حول الكعبة في قرطين يقول: إن يرد الله بأمة محمد خيرا ~~يول أمرها هذا الشاب من بني هاشم - وكان له صديقا - فلما دخل عليه بعد ~~الخلافة وكلمه وأراد الانصراف، قال: يا أبا عثمان، سل حاجتك، قال: حاجتي ~~ألا تبعث إلي حتى آتيك، وألا تعطيني حتى أسألك، ثم نهض فقال المنصور: # كلهم ماشي رويد # كلهم خاتل صيد # غير عمرو بن عبيد # فلما مات عمرو رثاه المنصور فقال: # صلى الإله عليك من متوسد # قبرا مررت به على حران # قبر تضمن مؤمنا متحنفا # صدق الإله ودان بالقرآن # وإذا الرجال تنازعوا في سنة # فصل الحديث بحكمة وبيان # فلو ان هذا الدهر أبقى صالحا # أبقى لنا حيا أبا عثمان # ولقد أحضروا لأبنائهم المؤدبين يقفونهم على الشعر واستظهاره، وجلسوا للشعراء ~~مجالس أثابوا فيها وأعطوا ووهبوا من المنح ما وهبوا؛ روى الفضل بن الربيع أن ~~مروان بن أبي حفصة دخل على المهدي، بعد وفاة معن بن زائدة الشيباني، في جماعة ~~من الشعراء فيهم سلم الخاسر وغيره، فأنشد مديحا فيه، فقال له: ومن أنت؟ قال: ~~شاعرك يا أمير المؤمنين وعبدك مروان بن أبي حفصة، فقال له المهدي: ألست ~~القائل: # أقمنا باليمامة بعد معن # مقاما لا نريد به زوالا # وقلنا أين نرحل بعد معن # وقد ذهب ms164 النوال فلا نوالا # قد ذهب النوال فيما زعمت، فلم جئت تطلب نوالنا؟! لا شيء لك عندنا، جروا ~~برجله. فجروا برجله حتى أخرج، فلما كان من العام المقبل تلطف حتى دخل مع ~~الشعراء فمثل بين يديه وأنشد: # طرقتك زائرة فحي خيالها # بيضاء تخلط بالجمال دلالها # قادت فؤادك فاستقاد ومثلها # قاد القلوب إلى الصبا فأمالها # قال: فأنصت له الناس حتى بلغ قوله: # هل تطمسون من السماء نجومها # بأكفكم أو تسترون هلالها؟ # أو تجحدون مقالة عن ربكم # جبريل بلغها النبي فقالها؟ # شهدت من الأنفال آخر آية # بتراثهم فأردتمو إبطالها # قال : فرأيت المهدي قد زحف من صدر مصلاه حتى صار على البساط إعجابا بما ~~سمع، ثم قال: كم هي؟ قال: مائة بيت. فأمر له بمائة ألف درهم. # هذه القصة وأمثالها وقعت لكثير من الأمراء والوزراء الذين عرفوا للشعر ~~منزلته، فاستعانوا به على أغراضهم السياسية، كما كان الأمويون يستعينون به ~~فيها، وحسبك أن نقول لك: إنهم استعملوه في المفاخرة، وفي إثارة العصبية ~~واستحقاق الخلافة، وفي الهجاء والتحريض، فقد دخل سديف على عبد الله بن علي ~~العباسي وعنده جماعة من بني أمية فأنشده قوله: # لا يغرنك ما ترى من أناس # إن تحت الضلوع داء دويا # فضع السيف وارفع السوط حتى # لا ترى فوق ظهرها أمويا # فأمر عبد الله فذهبت أرواحهم هباء. # وكثيرا ما كانوا يستشفعون بالشعر والشعراء، ويحتالون به على قضاء حاجاتهم، ~~ويقدمونه أمامهم لمخاطبة الملوك والأمراء عند الغضب، فقد رووا أن الرشيد عند ~~رجوعه من حرب الروم أتاه كتاب، وهو في الطريق، من ملك الروم «نقفور» يفيد نقض ~~الصلح الذي عقد معه، فهاب القوم إخبار الرشيد وامتنعوا عن مكاشفته، وقدموا ~~لمكالمته من الشعراء الحجاج بن يوسف التميمي وإسماعيل بن القاسم أبا العتاهية ~~وغيرهما، فأنشده الحجاج بن يوسف: # نقض الذي أعطيته نقفور # وعليه دائرة البوار تدور # أبشر أمير المؤمنين فإنه # غنم أتاك به الإله كبير # فلقد تباشرت الرعية أن أتي # بالنقض عنه وافد وبشير # ورجت يمينك أن تعجل غزوة # تشفي النفوس مكانها مذكور # أعطاك جزيته وطأطأ ms165 خده # حذر الصوارم والردى محذور # فأجرته من وقعها وكأنها # بأكفنا شعل الضرام تطير # وصرفت بالطول العساكر قافلا # عنه وجارك آمن مسرور # نقفور إنك حين تغدر أن نأى # عنك الإمام لجاهل مغرور # أظننت حين غدرت أنك مفلت؟ # هبلتك أمك ما ظننت غرور # ألقاك حينك في زواخر بحره # فطمت عليك من الإمام بحور # إن الإمام على اقتسارك قادر # قربت ديارك أم نأت بك دور # ليس الإمام وإن غفلنا غافلا # عما يسوس بحزمه ويدير # ملك تجرد للجهاد بنفسه # فعدوه أبدا به مقهور # يا من يريد رضا الإله بسعيه # والله لا يخفى عليه ضمير # لا نصح ينفع من يغش إمامه # والنصح من نصحائه مشكور # نصح الإمام على الأنام فريضة # ولأهلها كفارة وطهور # فكر الرشيد راجعا في أشد محنة وأغلظ كلفة حتى أناخ بفنائه، فلم يبرح حتى رضي ~~وبلغ ما أراد، فقال أبو العتاهية: # ألا نادت هرقلة بالخراب # من الملك الموفق بالصواب # غدا هارون يرعد بالمنايا # ويبرق بالمذكرة القضاب # ورايات يحل النصر فيها # تمر كأنها قطع السحاب # أمير المؤمنين ظفرت فاسلم # وأبشر بالغنيمة والإياب # وكان الشعراء يلعبون دورا هاما في الحياة الحزبية، وحسبك أن تعلم أن ~~للخلفاء شعراء اختصوا بهم كأبي دلامة، وحماد عجرد، وبشار بن برد، ومروان بن ~~أبي حفصة، وسلم الخاسر، وأبي نواس، ومنصور النمري وغيرهم. # وللبرامكة شعراء أمثال: أبان بن عبد الحميد، وابن مناذر، والرقاشي وغيرهم، ~~ولسائر الأمراء شعراء، وهناك شعراء لم يكتسبوا بالشعر كصالح بن عبد القدوس، ~~وشعراء للشيعة كالسيد الحميري، وسليمان قتة، ودعبل، وشعراء لم يتحضروا كربيعة ~~الرقي وكلثوم بن عمرو العتابي وغيرهم. وإنا نحيلك هنا إلى ما أثبتناه لك من ~~منظوم العصر العباسي في الكتاب الثاني من المجلد الثاني. # وجماع المقال أن الشعر العباسي قد تضمن فنونا عديدة، ولكنه لا يحتج به في ~~اللغة كالأموي مثلا؛ لأن النقدة في الشعر والأدب جعلوا حدهم بشارا ولم ~~يتعدوه؛ بسبب تفشي اللحن واستفحال اختلاط الأعجام بالعرب. # على أن الشعراء العباسيين قد تفننوا في أنواعه أيما تفنن من قول في المهاجاة ~~إلى قول ms166 في الأخلاف، إلى ملح إلى تضرع إلى وصف إلى هجو الخلفاء برضاهم ~~إلى مدحهم. # وعلى الجملة فقد استعملوه في كل غرض من أغراض الحياة من مفاخرة وخمريات ~~وزهريات ورثاء، كما أن منهم من ذكر الوقائع العربية في شعره، فأثرى الشعراء ~~وأترفوا، وحسبك أن تعلم أن سلما الخاسر خلف ثروة مقدارها 50000 دينار، 1500000 ~~درهم غير الضياع، ومثله مروان بن أبي حفصة وغيرهما. وسكن الشعراء الآطام ~~والقصور، واقتنوا الأنف الحسانة من الحدائق وشاهقات الدور، واستخدموا الجواري ~~والغلمان، وأمعنوا في شهواتهم ولذاتهم، وتنعموا بحطام الدنيا ومرافهها، فسهلت ~~ألفاظهم، ورقت طباعهم، وقل اقتضابهم، وحاولوا الخروج على الطريقة القديمة، ~~وأرادوا أن يستبدلوا الخمر وساقيها من الدار وبانيها، وتقدم في ذلك النواسي ~~يحمل علمهم فقال: # صفة الطلول بلاغة القدم # فاجعل صفاتك لابنة الكرم # وقد بالغ في ذلك حتى سجنه الخليفة وأخذ عليه ألا يذكر الخمر في شعره، ~~فقال: # أعر شعرك الأطلال والمنزل القفرا # فقد طالما أزرى به نعتك الخمرا # دعاني إلى نعت الطلول مسلط # تضيق ذراعي أن أرد له أمرا # فسمعا أمير المؤمنين وطاعة # وإن كنت قد جشمتني مركبا وعرا # ونهج كثير من الشعراء نهج أبي نواس وركبوا مركبه، وإن كان للطريقة القديمة ~~محبوها حتى الآن. ~~••• # هذا الترف الذي شمل القوم - يضاف إليه اختلاطهم بالأعاجم وما كان لهم في ذلك ~~الوقت من حرية في التصور والتفكير - جعلهم يفتحون في اللغة العربية فتحا ~~جديدا يتناولون فيه أفكار الفرس واليونان فيدخلونها في أشعارهم وآثارهم، وتمتد ~~أيديهم إلى كثير من اللفظ الأعجمي يصورون ما جاد به النعيم، وما استلزمته ~~الحضارة، فيقول أبو نواس في ذلك: # وذات خد مورد # قوهية المتجرد # تأمل العين منها # محاسنا ليس تنفد # فبعضها قد تناهى # وبعضها يتولد # والحسن في كل عضو # منها معاد مردد # ولم يقفوا عند هذا، بل وصفوا مناظر الطبيعة ورغد العيش ونعيمه، وصحبة ~~الإخوان، وغناء القيان، ومصايد الوحش والطير، ومجالس الأنس والسرور، وابتدعوا ~~كثيرا من المعاني الجديدة كقول بشار: # يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة # والأذن تعشق قبل العين أحيانا # قالوا ms167 بمن لا ترى تهذي فقلت لهم # الأذن كالعين توفي القلب ما كانا # وقال أبو تمام: # وإذا أراد الله نشر فضيلة # طويت أتاح لها لسان حسود # لولا اشتعال النار فيما جاورت # ما كان يعرف طيب عرف العود # بقيت هنالك أمور جديرة بالاهتمام كان يصح أن نقف عندها قليلا، فقد بالغوا في ~~الوصف، وفتحوا باب القصص، وتغزلوا بالغلمان، ولكن المقام يضيق عن ذلك. # | هوامش # الكتاب الثالث # | عصر المأمون # الفصل الأول # | محمد الأمين # (1) توطئة # في التاريخ الأموي مأساة مروعة، وهي أن جند الوليد بن يزيد عبد الملك قتلوا ~~خليفتهم وحزوا رأسه، وذهبوا به إلى يزيد فنصبه على رمح وطيف به في ~~دمشق! # كانت تلك المأساة المروعة نتيجة دعوة سياسية حادة على الخليفة الوليد الذي ~~تشبه حالته السياسية من جل وجوهها حالة الأمين، فقد كان من ضحايا نظام ولاية ~~العهد الثنائي؛ ذلك بأن والده يزيد بن عبد الملك أراد أن يجعله خليفة بعده، ~~فاضطر إلى تولية أخيه هشام، ثم ابنه الصغير الوليد بعد هشام. # فحاول هشام أن يولي ابنه مسلمة بدل الوليد، كما حاول يزيد من قبل تولية ابنه ~~الوليد، فلم يفلح هذا ولا ذاك، وكانت النتيجة المعقولة لخطتهما السياسية من ~~محاولة كليهما خلع ولي العهد والبيعة لولده، أن انضم إلى كل بعض القواد ~~والزعماء والأنصار تأييدا له فيما يريد. # وكان هؤلاء القواد والزعماء والأنصار يصبحون موضع المقت والاضطهاد من ولي ~~العهد المضطهد متى ولي الخلافة وصار الأمر إليه، فإذا ما اضطهد الخليفة نفسه ~~وحبطت خطته كان نصيب سيرته من الرواة نصيب الوليد بن يزيد، وهو نصيب محمد ~~الأمين. # نريد أن نقول إرضاء للعلم والتاريخ والمنطق أن الرواة إذا قالوا مثلا: إن ~~الوليد كان كافرا أو كان مجموعة قبائح، أو أنه سلم يوسف الثقفي كلا من ~~محمد وإبراهيم ابني إسماعيل المخزومي موثقين في عباءتين، وأن يوسف أقامهما ~~للناس وجلدهما وعذبهما وأماتهما، أو قالوا: إنه حبس يزيد بن هشام، وفرق بين ~~روح بن الوليد وبين امرأته، أو ذكروا أنه عذب خالد بن عبد الله القسري ms168 سيد ~~اليمن، وأنه سلمه للثقفي فنزع ثيابه وعذبه مر العذاب حتى أماته، أو وصفوا ~~منافسه يزيد بالنسك والورع، فإن من واجب المؤرخ المنصف المتحري للحقائق ~~التاريخية، والراغب في النصفة العلمية، والمتمشي في أناة وترو وحكمة مع ~~الافتراضات التحليلية، والخاضع لأحكام المنطق والحيدة والتعقل، أن ينظر بتحفظ ~~وتحرز كبير إلى مثل تلك الروايات التي يوصف بها الخليفة المضطهد والمغلوب على ~~أمره، وكل من انثل عرشه وضاع ملكه، وختمت بالقتل أو الحرمان حياته. # على أنه يجدر بنا أن نتساءل قبل أن نقتحم موضوعنا في هدوء وسكون: ما هو الروح ~~الذي يغلب على الرواة المعاصرين، والشعراء المعاصرين، والكتاب المعاصرين ~~والمحدثين المعاصرين؟ وما النهج الذي تسلكه الصحافة المعاصرة؟ أليس هو إلى ~~حد غير قليل مناصرة الحزب القوي أو الزعيم القوي مناصرة حارة قوية حادة، وقد ~~لا تخلو من مبالغة في تمدحها بمحاسنه، وإغراق في زرايتها على خصمه ~~بنقائصه. # فمهمة المؤرخ إذن - حين يعرض لحياة خليفة مضطهد انتهت حياته بحز رأسه، ~~مثل حياة الوليد بن يزيد الأموي، ومحمد الأمين العباسي، وحين يعرض لتحليل حياة ~~خليفة منتصر، مثل حياة يزيد خصم الوليد في العصر الأموي، وحياة عبد الله ~~المأمون خصم محمد الأمين في العصر العباسي - ليست ميسورة معبدة؛ بل هي جد ~~شائكة. # وقد يكون من الحصافة والنصفة العلمية أن يعرض ما يرويه الرواة المعاصرون من ~~مدح للغالب وانتقاص للمغلوب على بساط البحث التحليلي، ولسنا نرمى بذلك إلى أن ~~ترفض مقولاتهم، وتنتقص - بلا حق - وجاهة رواياتهم، وإنما نوصي بالحيطة ~~والاحتراس لا أكثر ولا أقل. ~~(2) مولده # بعد هذه التوطئة الوجيزة التي لم نر ندحة عن إثباتها في هذا الموضع، نبدأ ~~كلمتنا عن محمد الأمين من الناحية التحليلية لأخلاقه، أما ناحية النزاع الذي ~~شجر بينه وبين أخيه المأمون، فلها موضعها التاريخي من كتابنا. # هو محمد الأمين بن هارون الرشيد، ولد سنة سبعين ومائة هجرية، وهي السنة التي ~~استخلف فيها والده الرشيد، وكان مولده بعد مولد أخيه عبد الله المأمون بستة ~~أشهر، وولد المأمون في الليلة التي استخلف فيها والده. ms169 # وأم الأمين أم جعفر زبيدة بنت جعفر بن المنصور؛ فهو هاشمي الأب والأم، وقيل: ~~إن ذلك لم يتفق لخليفة عباسي غيره. # وإذ كان أخواله هاشميين ولهم في الدولة نفوذ قوي وكلمة مسموعة، فقد سعوا، ~~فيما يحدثنا التاريخ، حين مد جماعة من بني العباس أعناقهم إلى الخلافة، إلى ~~أن يكون الأمر إلى ابن أختهم، وقد نجحوا. # سعى خال الأمين عيسى بن جعفر بن المنصور إلى الفضل بن يحيى الذي بعثه الرشيد ~~على رأس جيش إلى خراسان، لمحاربة بعض الخارجين على الخلافة، وتسكين الاضطراب في ~~تلك النواحي، وقد كان التوفيق حليفه في ذلك الوجه، فقال عيسى للفضل: «أنشدك ~~الله لما عملت في البيعة لابن أختي، فإنه ولدك وخلافته لك»، فوعده الفضل أن ~~يفعل، فلما كان الفضل بخراسان يدل بما واتاه فيها من ظهور على الخارجين، ~~وهو بعد من آل برمك وزراء الرشيد، وأصحاب السلطان العظيم في الدولة، بايع ~~لمحمد الأمين هو ومن معه من القواد والجند بعد أن فرق أموالا عظيمة، وأعطى ~~أعطيات كثيرة، وتغني بذلك شعراء العصر، أمثال أبان بن عبد الحميد اللاحقي ~~والنمري وسلم الخاسر وغيرهم. ولبيان وجهة نظرهم في البيعة نقتطف لك شيئا مما ~~قاله سلم والنمري؛ قال سلم: # قد وفق الله الخليفة إذ بنى # بيت الخليفة للهجان الأزهر # فهو الخليفة عن أبيه وجده # شهدا عليه بمنظر وبمخبر # قد بايع الثقلان في مهد الهدى # لمحمد ابن زبيدة ابنة جعفر # وقال النمري: # أمست بمرو على التوفيق قد صفقت # على يد الفضل أيدي العجم والعرب # ببيعة لولي العهد أحكمها # بالنصح منه وبالإشفاق والحدب # قد وكد الفضل عقدا لا انتقاض له # لمصطفى من بني العباس منتخب # فلما تناهى أمر البيعة إلى الرشيد ووجد نفسه أمام «الأمر الواقع»؛ إذ قد بايع ~~لمحمد أهل المشرق، بايع له بولاية العهد، وكتب إلى الآفاق فبويع له في جميع ~~الأمصار. # ومن هذا تعلم ما يصح أن يعتبر سرا في أن الأمين كان ولي عهد الرشيد دون أن ~~يكون أكبر ولده سنا. ~~(3) نشأته وأخلاقه # تقرأ ما سطره أمثال ms170 «كارليل» عن «كرومول» و«فردريك الأكبر»، وما كتبه ~~«ترڤيان» عن «ماكولي» و«بزول» عن «جونسون» و«اللورد مورلي» عن «جلادستون»، ~~وغيرهم من الكتاب الذين يعرضون لكتابة تاريخ حياة الملوك أو الساسة أو ~~العبقريين، فتلاحظ في جل كتبهم، وفي الدقيق المستوفى منها على الأخص، أنهم ~~يحفلون أيما احتفال، بقيد ملاحظاتهم عن تاريخ بطلهم في طفولته، وكيف كانت ~~ثقافته في ميعة شبابه وطراوة إهابه، وما هي الأوابد والغرائب أيام كان حدثا ~~صغيرا. # وقد لا تدهشك متانة «ماكولي» وقوة سبكه وارتفاعه إلى ذروة البلاغة في ~~أساليبه، ولا يهولك كثرة ما حفظ ووفرة ما اطلع، إذا علمت، مثلا، أنه وهو لم ~~يعد السادسة أو السابعة كانت محفوظاته في طفولته تبشر بعبقريته في رجوليته، ~~وكذلك يقال عن «شارلس دكنز» وسيع الاطلاع في صباه على جل ما سطر وكتب، ~~حتى صار في مقتبل حياته وقد ملك ناصية البلاغة، وتسنم الذروة في تعرف ~~النفسيات وتحليل روح الطبقات كافة من بائسين معوزين إلى أشراف مترفين، وكذلك ~~يقال عن «سپنسر» الفيلسوف العظيم والمربي النابه الذي كان يحفل في مبدأ نشأته، ~~وهو لم يعد العاشرة مثلا، بالدويبات وغريب الهوام التي كانت على شاطئ النهر، ~~فعكف على دراستها، فتولدت في نفسه صفات الجلد والأناة والمواظبة حتى أصبحنا ~~نراه وهو في شيخوخته يخرج للناس المعجز المطرب في علم النفس وعلم الحياة ~~وعلم الأخلاق وعلم التربية، وهكذا مما لا حد له ولا حصر. # كذلك يقال عن «جونسون» في صباه، وكيف كان يغالب المرض والمرض يغالبه، وكيف ~~كانت أحاديثه في مطامعه، وكيف كان سحر بيانه وتدفقه في مجالسه، وكيف كان أبيا ~~عيوفا مترفعا أنوفا، فرفض في شمم وإباء حذاء جديدا اشتراه له من لاحظ ~~تخرق حذائه وقصر يده عن جديد ... إلى آخر ما يقيده كتاب العصر عن نشأة ~~أبطالهم، مما نمسك القلم عن الاسترسال في إثبات شبيهه ومثيله، مما يفيد في ~~تعرف أحوالهم، ويساعد على تفهم حقيقة أمورهم؛ لأن القارئ إذا زامل الزعيم في ~~طفولته وصباه، ووقف على عبثه وجده، وجلده أو تبرمه، وتعلمه أو تعرمه، ونشاطه ms171 ~~أو خموله، ورزانته أو تبذله، ووقف كذلك على نقائصه وفضائله، وهو حدث بعد، ~~يستطيع أن يفهم فهما صحيحا حكمة تصرفاته في مقتبل حياته، كما يفهم الصديق ~~صديقه والخدن خدنه. # ولنتساءل الآن: هل سجل لنا التاريخ شيئا قيما عن نشأة الأمين ~~وطفولته؟ # أظن أنني لا أعدو الحق كثيرا إذا قلت: لا؛ إذ قلما يعرض المؤرخون القدماء ~~لشيء من طفولة العظماء ورجال التاريخ. # على أنا قد وقفنا من طفولة الأمين على شذرات ليست بذات غناء كبير، نثبتها لك ~~وندرسها معك؛ فربما ساعدتنا بعض المساعدة على تفهم حداثة الأمين، واستخلاص بعض ~~الحقائق عنه. # يحدثنا البيهقي في «المحاسن والمساوي» بما سنلخصه لك خاصا بنشأة الأمين ~~التعلمية؛ لتقف على البيئة التي كان فيها الأمين، ولأن روايته - خصوصا ما ~~جاء عن حلم زبيدة وفزعها منه، مما رواه المسعودي في «مروجه» أيضا - قد تجعلنا ~~نعلل بحق أثر الوسط والوراثة في خلق ما كان بالأمين من استعداد لحب ~~الاستخارة، مما كانت له نتائجه السيئة، ولأنه يفهمنا بوجه عام لم كان ~~الأمين فصيحا أديبا بليغا، ولم كان عابثا مستهترا، ولم كان وادعا ~~متهيبا من الدماء، ولأنه يفسر نشأته في ترف الخلافة ونعيمها، ومرح الحداثة ~~ونهزها، والاستمتاع بمال زبيدة والإدلال بهاشميتها. ~~••• # أنت جد عالم أن الرشيد جعل الأمين في حجر الفضل بن يحيى، والمأمون في ~~حجر جعفر بن يحيى، وأنت جد عالم أن الفضل بن يحيى قال لهشيم بن بشر الواسطي: ~~«ليكن أكثر ما تأخذ به ولي العهد الأمين تعظيم الدماء، فإني أحب أن يشرب ~~الله قلبه الهيبة لها، والعفاف عن سفكها»، وأنت جد عالم بوصية الرشيد للأحمر ~~النحوي بأخذ الأمين بالشدة إن لم تنفع الملاينة في تقويمه، وقد آن لنا أن نترك ~~للأحمر فرصة التكلم، فيروي لك ما كان من أمره مع تلميذه الأمين. # يقول الأحمر: «كنت كثيرا ما أشدد على الأمين في التأديب، وأمنعه الساعات ~~التي يتفرغ فيها للهو واللعب، فشكا ذلك إلى خالصة - ولعلها كانت كبيرة وصيفات ~~أو أمينات القصر الزبيدي - فأتتني برسالة من أم جعفر تعزم ms172 علي بالكف عنه، ~~وأن أجعل له وقتا أجمه فيه لتوديع بدنه، فقلت: الأمير قد عظم قدره، وبعد ~~صوته، وموقعه من أمير المؤمنين ومكانه من ولاية العهد لا يحتملان التقصير، ولا ~~يقبل منه الخطل، ولا يرضى منه بالزلل في المنطق، والجهل بالشرائع، والعمى عن ~~الأمور التي فيها قوام السلطان وإحكام السياسة، قالت: صدقت، غير أنها والدة لا ~~تملك نفسها، ولا تقدر على كف إشفاقها، ومع حذرها أمر إن شئت حدثتك به، ~~فقلت: وما ذاك؟ قالت: حدثتني السيدة أنها رأت في الليلة التي حملت فيها به كأن ~~ثلاث نسوة دخلن عليها، فقعدت منهن ثنتان، واحدة عن يمينها، وواحدة عن يسارها، ~~فأمرت إحدى الثلاث يدها على بطنها، ثم قالت: ملك ربحل، عظيم البذل، ~~ثقيل الحمل، سريع الأمر! وقالت الثانية: ملك قصير العمر، سليم الصدر، منهتك ~~الستر! وقالت الثالثة: ملك قصاف، عظيم الإتلاف، يسير الخلاف، قليل الإنصاف! ~~فانتبهت وأنا فزعة فلم أحس لهن أثرا، حتى كانت الليلة التي وضعته فيها ~~أتينني في الخلق الذي رأيتهن فيه، فقعدن عند رأسه واطلعن جميعا في ~~وجهه، ثم قالت واحدة منهن: شجرة نضرة، وريحانة جنية، وروضة زاهرة، وعين غدقة ~~قليل لبثها، عجل ذهابها! وقالت الثانية: سفيه غارم، طالب للمغارم، جسور ~~على المخاصم! وقالت الثالثة: احفروا قبره، وشقوا لحده، وقربوا أكفانه، وأعدوا ~~جهازه، فإن موته خير له من حياته! قالت: فبقيت متحيرة، وبعثت إلى المنجمين ~~والمعبرين ومن يزجر الطير، فكل يبشرني بطول عمره، ويعدني بقاءه وسعادته، ~~وقلبي يأبى إلا الحذر عليه والتهمة لما رأيت في منامي. وبكت خالصة وقالت: يا ~~أحمر، وهل يدفع الإشفاق والحذر والاحتراق واقع القدر، أو يقدر أحد على أن يدفع ~~عن أحبائه الأجل؟ قلت: صدقت، إن القضاء لا يدفعه شيء.» # ويحدثنا التاريخ أن الرشيد اتخذ فيمن اتخد لتربية الأمين وتعليمه قطربا ~~النحوي، وكان حماد عجرد يتعشق الأمين، ويطمع أن يتخذه الرشيد عليه مؤدبا، فلم ~~يتهيأ له ذلك لتهتكه وقبيح ذكره في الناس، وقد كان رام ذلك فلم يجب إليه، ~~فلما سمع أن قطربا قد استوى ms173 أمره وأجيب إلى ذلك لستره وعفافه، أخذ حمادا ~~المقيم المقعد حسدا على ما ناله قطرب من ذلك وبلغه من المنزلة الرفيعة ~~والدرجة السنية، فأخذ رقعة وكتب فيها أبياتا ودفعها إلى بعض الخدم الذين ~~يقومون على رأس الرشيد، وجعل له على ذلك جعلا، وسأله أن يودع الرقعة دواة ~~أمير المؤمنين، ففعل، فما كان بأسرع من أن دعا الرشيد بالدواة، فإذا فيها رقعة ~~فيها هذه الأبيات: # قل للإمام جزاك الله مغفرة # لا يجمع الدهر بين السخل والذيب # السخل غر وهم الذيب غفلته # والذيب يعلم ما بالسخل من طيب # فلما قرأ الرشيد الرقعة قال: انظروا ألا يكون هذا المعلم لوطيا، أنفوه من ~~الدار؛ فأخرجوه عن تأديب الأمين. قيل: ثم جعل الرشيد على الأمين حراسا، واتخذ ~~عليه حمادا وكان عليه رقباء سبعين أو ثمانين. # ربما كان من الحق أن نقول: إن هذه النشأة كانت لها آثارها السيئة، خصوصا ~~أنا نلاحظ أن الأمين تنقصه الدربة السياسية، وأنت تعلم أن الدربة السياسية هي ~~ناحية يؤبه لها كثيرا في تنمية روح الحكم، وتقوية المواهب الإدارية، وتنظيم ~~ملكات السلطان في ولي العهد، خصوصا ذلك العصر الذي لم تكن فيه وسائل الثقافة ~~الملكية متوافرة توافرها اليوم؛ من سياحة لولي العهد إلى الممالك المتمدينة، ~~ووقوف على مبلغ الحضارة العالمية، كما هي حال ولي عهد إنجلترا ونظرائه مثلا، ~~مع أن الحاجة إلى الثقافة السياسية في ذلك العصر كانت أشد منها اليوم؛ لأن ~~الملك حين ذاك كان صاحب سلطان فعلي مطلق غير مقيد بقانون أو دستور إلا ما ~~يرجع إلى دينه وورعه. # نريد أن نقول: إنه إذا كان ندب الهادي للرشيد حين ولاه قيادة الجند لحرب ~~الروم، قد أوجد الرشيد في مركز القيادة العامة، وفيها من الشيوخ المحنكين ~~والقادة المدربين والزعماء المنظمين مجموعة صالحة للثقافة السياسية، وفرص تسنح ~~في الفينة بعد الفينة للمرانة السياسية، ولتخريج خليفة مدرب في فنون الملك، ~~وإذا كان المأمون قد ندب للحكم في خراسان وغير خراسان حتى نكبت به ظروف ~~الأحوال عن مفاسد مال الخلافة ونعمة ابن زبيدة ms174 ودلال الهاشميين، نريد أن نقول: ~~إنه إذا كان ذلك كذلك، وكانت هذه هي نتائج الدربة السياسية، فمن الميسور أن ~~نفهم مغبة افتقادها، كما أنه من الميسور أن نستنبط أن عنصرا هاما من عناصر ~~تكوين رجال السياسة والحكم كان ينقص الأمين الذي لم تستطع غاشيته من الخدم، ~~وبطانته من الموالي، وأخواله من الهاشميين، وأساتيذه من المربين أن يحولوا بينه ~~وبين ما تشتهيه نفسه وتهوى طفولته. # وهل تظن أنهم يستطيعون أن يكرهوه على أن يأخذ نفسه بحزم في أموره، وبسداد في ~~تصرفه، وقمع لميوله، وتقويم لاعوجاجه، وبما يجعله رجلا كاملا، أظن لا، وأظن ~~أنك محق في نفيك هذا عمن كان في ظروفه وبيئته. # على أنه من العدل والحق أن نقرر أن الأمين لم يكن بليد الذهن أو ثقيل الظل، ~~بل كان نقيض ذلك على حظ من توقد الذهن وفصاحة اللسان، وخفة الروح والظل، ~~وحسبك أن ترى شيئا مما كان ينضح به في مجالس اللهو والمنادمة من سرعة البديهة، ~~وظرافة النكتة، وحلاوة التندر، ورقة الدعابة، وعذوبة الفكاهة؛ لتؤمن بما ~~نقول. # وكل ما أجمع عليه المؤرخون الفرنجة ك «ميور» وكتاب دائرة المعارف ~~الإسلامية، واتفقت عليه كلمة المؤرخين العرب جميعا أنه كان مستهترا مسرفا، ~~مع خور خلقي، وعدم تبصر في العواقب ولا ترو في مهمات الأمور - مما يرجع ~~في الواقع إلى عدم العناية بثقافته السياسية، كما أسلفنا. # وإنا محقون إذا ما قررنا أنه لو وجد الأمين يدا حكيمة تقسو عليه أحيانا ~~فتفل من شباة نفسه العابثة المرحة، وتقوم اعوجاج خلقه الرخو، وتقوي ~~سجاياه المنحلة، وتبعث به إلى الحروب، ليصهر بلظى أوارها، ويصقل من جلادها ~~وسجالها، ويفيد نفسه من خبرة كماتها، ودربة شيوخها، وخدع مديريها، وخطط ~~مشيريها، وتوليه حكم صقع من الأصقاع للمرانة فيه على معضلات الحكم ~~ومشكلاته، والاحتكاك بقادته وقضاته؛ إذن لكان للمأمون منه خصم لا يستهان به ولا ~~تلين قناته لغامز. # على أنا وإن قلنا: إن الأمين كان مستهترا، لا نستطيع مع ذلك أن نستسيغ ~~الخبر الذي رواه الطبري وغيره، والذي ضربه الفخري مثلا ms175 على إهمال الأمين ~~وغفلته وجهله، إلا بشيء من التحفظ كثير، وهاك خلاصة الخبر لكي تقدر معنا ما ~~لهذه الملاحظة من وجاهة وقيمة: # لما اشتد الخلاف بين الأمين والمأمون حتى انتهى إلى غايته، أرسل الأمين ~~لمحاربة أخيه جيشا لم ير في بغداد قبل ذلك أكثف منه، قوامه أربعون ألفا، ~~وقيل خمسون، وزوده بالسلاح الكثير والأموال الوافرة، وعلى رأسه شيخ من شيوخ ~~الدولة جليل القدر، مهيب الجانب، هو علي بن عيسى بن ماهان. وقد خرج معه الأمين ~~إلى ظاهر المدينة مشيعا مودعا، وكان في حكم اليقين أن الظفر سيكون حليفه؛ ~~لكثرة عدده، ووفرة سلاحه وذخيرته، فلما التقى بجيش طاهر بن الحسين قائد ~~المأمون، وعسكره في حدود أربعة آلاف، ثم كانت الغلبة لطاهر، وورد الخبر بنعي ~~علي بن عيسى إلى الأمين وهو يصيد، قال للذي أخبره بذلك: دعني فإن كوثرا قد ~~اصطاد سمكتين وأنا إلى الآن ما اصطدت شيئا! وكان كوثر هذا خادما من الخصيان ~~قيل: إن الأمين كان يحبه كثيرا. # نقول، ولعلك توافقنا فيما نذهب إليه: إنا لا نستطيع أن نقبل هذا الخبر ~~وأمثاله إلا بشيء من التحفظ كثير، فإن خليفة يسمع مثل هذا النبأ العظيم ويعلم ~~أن وراءه الفصل في مصير سلطانه ثم لا يأبه له، لا يكفي أن يوصف بالإهمال ~~والجهل، بل هو جدير بما فوق ذلك؛ بالسفه والبلاهة، والسفية الأبله أولى بالحجر ~~عليه منه بأن يكون ذا سلطان مطلق في دولة بعيدة الأطراف والنواحي، ومحال على ~~الرشيد الذي عرف بالحزم وجودة الحدس والتأني في الأمور أن يسند هذا السلطان ~~العظيم من بعده لسفيه أبله. # لهذا نميل إلى الافتراض كثيرا، بل إلى الترجيح بأن هذا الخبر والكثير من ~~أمثاله ليس إلا أثرا من آثار الدعوة المأمونية التي كان لها من الأثر في ثل ~~عرش الأمين، وتثبيت سلطان المأمون، ما لا يقل عن أثر عساكر المأمون وحزم ~~قواده وحكمة مشيريه. # ويقول «ميور»: إن أهل بغداد قد ندموا وأسقط في أيدي جنودها لفتورهم في الدفاع ~~عن الأمين، وعدم استبسالهم في الذود عنه. ms176 ويعزو مؤرخه الأستاذ «ويل» أسباب ~~ندمهم هذا إلى سخاء الأمين وإسرافه فيما كان يغدق عليهم من الأموال ~~والخيرات. # أما أنه كان سخيا بل مسرفا في السخاء فمما لا ريب فيه، ومهما افترضت ~~المبالغة فيما سنرويه لك نقلا عن المظان الأدبية والمصادر التاريخية، فإن ~~الصورة التي ستقع من نفسك مهما جعلتها متواضعة مقتصدة - وهذا ما نوصيك به ~~دائما - كافية للاقتناع بأنه كان سخيا، بل مسرفا في السخاء. # يقول الأصفهاني في أغانيه: غنى إبراهيم بن المهدي ليلة محمدا الأمين ~~صوتا في شعر أبي نواس: # يا كثير النوح في الدمن # لا عليها بل على السكن # سنة العشاق واحدة # فإذا أحببت فاستكن # ظن بي من قد كلفت به # فهو يجفوني على الظنن # رشأ لولا ملاحته # خلت الدنيا من الفتن # فأمر له بثلاثمائة ألف دينار، فقال إبراهيم: يا أمير المؤمنين، قد أجزتني إلى ~~هذه الغاية بعشرين ألف ألف درهم، فقال الأمين: هل هي الإ خراج بعض الكور؟! ~~هكذا ذكر إسحاق. # أما محمد بن الحارث فقد روى لنا هذه الحكاية عن إبراهيم فقال: لما أردت ~~الانصراف قال: أوقروا زورق عمي دنانير، فانصرفت بمال جزيل. # ثم تعال، أرشدك الله، لننظر معا فيما يرويه أحد المعاصرين، وهو سعيد بن ~~حميد، فإنه يقول: لما ملك محمد وجه إلى جميع البلدان في طلب الملهين وضمهم ~~إليه، وأجرى عليهم الأرزاق، ونافس في ابتياع فره الدواب، وأحد الوحوش ~~والسباع والطير وغير ذلك، واحتجب عن إخوته وأهل بيته وقواده واستخف بهم، ~~وقسم ما في بيوت الأموال وما بحضرته من الجوهر في خصيانه وجلسائه ومحدثيه، ~~وحمل إليه ما كان في الرقة من الجوهر والخزائن والسلاح، وأمر ببناء مجالس ~~لمتنزهاته ومواضع خلوته ولهوه ولعبه بقصر الخلد والخيزرانية وبستان موسى وقصر ~~عبدويه وقصر المعلى، ورقة كلواذى، وباب الأنبار، وتبارى والهوب، وأمر بعمل ~~خمس حراقات في دجلة على خلقة الأسد والفيل والعقاب والحية والفرس، وأنفق في ~~عملها مالا عظيما. # فقال أبو نواس يمدحه: # سخر الله للأمين مطايا # لم تسخر لصاحب المحراب # فإذا ما ركابه سرن برا # سار ms177 في الماء راكبا ليث غاب # أسدا باسطا ذراعيه يهوى # أهرت الشدق كالح الأنياب # لا يعانيه باللجام ولا السو # ط ولا غمز رجله في الركاب # عجب الناس إذ رأوك على صو # رة ليث تمر مر السحاب # سبحوا إذ رأوك سرت عليه # كيف لو أبصروك فوق العقاب؟! # ذات زور ومنسر وجناحي # ن تشق العباب بعد العباب # تسبق الطير في السماء إذا ما اس # تعجلوها بجيئة وذهاب # بارك الله للأمير وأبقا # ه وأبقى له رداء الشباب # ملك تقصر المدائح عنه # هاشمي موفق للصواب # على أنه يصح التساؤل: من أين للخليفة ما يكفيه من الأموال الطائلة والثروات ~~الوفيرة لسد مطامعه، ولإجابته إلى شتى مناعمه؟ # وإنا نظن أنه يكفيك أن تنظر أيضا فيما تنظر إليه من مختلف مصادر المال، من ~~خراج - ربما كان ظالما - وجبايا هائلة مروعة، وموازين غنية، وضرائب مبالغ في ~~فرضها، إلى باب الاستصفاء وحده وما ينجم عنه وعن نكبة الوزراء والكبراء. وحبذا ~~لو وفق لدراسته بعض الباحثين في التاريخ الإسلامي؛ فهو هام وهو ~~خطير. # ثم انظر ما ذكره الحسين بن الضحاك، وهو شاعر الأمين كما تعلم، قال: ابتنى ~~الأمير سفينة عظيمة أنفق عليها ثلاثة آلاف ألف درهم، واتخذ أخرى على خلقة شيء ~~يكون في البحر يقال له: «الدلفين»، فقال في ذلك أبو نواس: # قد ركب الدلفين بدر الدجى # مقتحما في الماء قد لججا # فأشرقت دجلة في حسنه # وأشرق السكان واستبهجا # لم تر عيني مثله مركبا # أحسن إن سار وإن أحنجا # إذا استحثته مجاذيفه # أعنق فوق الماء أو هملجا # خص به الله الأمين الذي # أضحى بتاج الملك قد توجا # ثم لتتدبر معي ما يرويه لنا أحد الأمناء بقصر الرشيد، وهو حسين خادم الرشيد، ~~فإنه يقول: إن الخلافة لما صارت إلى محمد هيئ له منزل من منازله على الشط ~~بفرش أجود ما يكون من فرش الخلافة وأسواه، فقال: يا سيدي، لم يكن لأبيك فرش ~~يباهي به الملوك والوفود الذين يردون عليه أحسن من هذا، فأحببت أن أفرشه لك، ~~قال: فأحببت أن يفرش لي في ms178 أول خلافتي المردراج! قال: مزقوه! قال: فرأيت ~~والله الخدم الفراشين قد صيروه ممزقا وفرقوه. # وهناك مئات من الشواهد التي يرويها المعاصرون، أمثال مخارق المغني، وأبي ~~عبادة البحتري عن مشيخته، والعباس بن الفضل بن الربيع، وكوثر وغيرهم، عن سرف ~~الأمين وبذخه ولهوه وعبثه، يصح أن ترجع إليها في مظانها، وكلها تؤيد صدق ~~اللباب والجوهر. # فمن ذلك ما يرويه لنا حميد بن سعيد، من أن محمدا الأمين لما ملك وكاتبه ~~عبد الله المأمون وأعطاه بيعته؛ طلب الخصيان وابتاعهم وغالى بهم وصيرهم ~~لخلوته في ليله ونهاره، وقوام طعامه وشرابه وأمره ونهيه، وفرض لهم فرضا سماهم ~~الجرادية، وفرضا من الحبشان سماهم الغرابية، ورفض النساء الحرائر والإماء حتى ~~رمى بهم، وحتى قال في ذلك بعض شعراء العصر وقد ذكر أسماء بعضهم وحال الأمين ~~معهم: # ألا يا مزمن المثوى بطوس # غريبا ما يفادى بالنفوس # لقد أبقيت للخصيان بعلا # تحمل منهم شؤم البسوس # فأما نوفل فالشأن فيه # وفي بدر فيا لك من جليس # وما العصمي بشار لديه # إذا ذكروا بذي سهم خسيس # وما حسن الصغير أخس حالا # لديه عند مخترق الكئوس # لهم من عمره شطر وشطر # يعاقر فيه شرب الخندريس # وما للغانيات لديه حظ # سوى التقطيب بالوجه العبوس # إذا كان الرئيس كذا سقيما # فكيف صلاحنا بعد الرئيس # فلو علم المقيم بدار طوس # لعز على المقيم بدار طوس # وفي الحق أن قصف الأمين وانهماكه في لهوه وغلوه في عبثه، واستهتاره في ~~مرحه، واشتغاله بوجه خاص بخدمه، قد جر عليه وبالا كثيرا، وشرا مستطيرا، ~~ونفر منه قلوب العقلاء من مشايعيه ومناصريه، والأقوياء من مؤيديه ~~وذويه. # من أمثال ذلك ما ذكروه عن العباس بن عبد الله بن جعفر، وهو من رجالات بني ~~هاشم جلدا وعقلا وصنيعا، وكان يتخذ الخدم كطبيعة حياة المترفين في ذلك ~~العصر، قالوا: كان له خادم من آثر خدمه عنده يقال له منصور، فوجد الخادم ~~عليه فهرب إلى محمد وأتاه وهو بقصر أم جعفر المعروف بالقرار، فقبله محمد أحسن ~~قبول، وحظي عنده حظوة عجيبة، فركب الخادم يوما ms179 في جماعة خدم كانوا لمحمد يقال ~~لهم السيافة، فمر بباب العباس بن عبد الله، يريد بذلك أن يري خدم العباس ~~هيئته وحاله التي هو عليها، وبلغ ذلك الخبر العباس، فخرج إليه وقامت معركة، ~~وكادوا يحرقون دار العباس، وقبض الأمين على العباس وهم أن يقتله لولا وساطة ~~أم جعفر من ناحية، واشتغاله بخروج الحسين بن علي بن ماهان عليه وانضمامه إلى ~~المأمون من ناحية أخرى. # ولموضوع خدم الخليفة وغاشيته ذوي السلطان من المقربين والزعماء والقادة ~~والوزراء، بل الخدم والأمناء أسوأ أثر في تاريخ المدنية الإسلامية. ~~••• # وهناك ظاهرة خلقية في أخلاق الأمين، وهي حبه للاستخارة، واحتفاله بالبحث عن ~~أمر طالعه، وركونه حتى في آخر لحظة من حياته، وهي لحظة التقرير في مصيره، ~~أيسلم نفسه إلى طاهر أم إلى هرثمة إلى منام رآه. # وربما كانت هذه الخلة فيه من أثر البيئة، كما أسلفنا، أو من روح العصر نفسه، ~~وإن كان ابن ماهان قائده يحتقرها، وسنرى أن المأمون كان على عكس الأمين لا يحفل ~~في مهام أموره بالاستخارة ووحي الأحلام، بل كان يجعل جل اعتماده على مشورة ~~رجالاته وذوي النصيحة من أنصاره. # على أنه ليس معنى ذلك أن الأمين لم يكن يستشير، ولكنه كان في كل شئونه يغلبه ~~هواه على وجه الصواب من أمره، وكان لرياء حاشيته وتأثير بطانته فيه النتيجة ~~السيئة، فكان لا يعمل بما يدلى به إليه من نصح. # وحسبك دليلا على ظهور هذه الخلة فيه ما رواه عمرو بن حفص مولى محمد إذ يقول: ~~دخلت على محمد في جوف الليل، وكنت من خاصته أصل إليه حيث لا يصل أحد من مواليه ~~وحشمه، فوجدته والشمع بين يديه وهو يفكر، فسلمت عليه فلم يرد علي، فعلمت ~~أنه في تدبير بعض أموره، فلم أزل واقفا على رأسه حتى مضى أكثر الليل، ثم رفع ~~رأسه إلي فقال: أحضرني عبد الله بن خازم، فمضيت إلى عبد الله فأحضرته، فلم يزل ~~في مناظرته حتى انقضى الليل، فسمعت عبد الله وهو يقول: «أنشدك الله يا أمير ~~المؤمنين، أن ms180 تكون أول الخلفاء نكث عهده، ونقض ميثاقه، واستخف بيمينه، ورد ~~رأي الخليفة قبله»، فقال: «اسكت، لله أبوك، فعبد الله كان أفضل منك رأيا وأكمل ~~نظرا؛ حيث يقول: لا يجتمع فحلان في هجمة»، ثم جمع وجوه القواد، فكان يعرض ~~عليهم واحدا واحدا ما اعتزمه فيأبونه، وربما ساعده قوم حتى بلغ إلى خزيمة بن ~~خازم فشاوره في ذلك فقال: «يا أمير المؤمنين، لم ينصحك من كذبك، ولم يغشك من ~~صدقك، لا تجرئ القواد على الخلع فيخلعوك، ولا تحملهم على نكث العهد ~~فينكثوا عهدك وبيعتك، فإن الغادر مخذول، والناكث مفلول .» # ولكن الأمين، كما قلنا، كان هواه يعمي عليه وجه الصواب من أمره، وكان ~~واقعا تحت سلطان الفضل بن الربيع وعلي بن عيسى بن ماهان وغيرهما من بطانته، ~~وهم الذين كان رياؤهم سما زعافا، ونفاقهم وباء فتاكا، ولين كلامهم حسكا ~~وقتادا، والذين لم يخلصوا لمليكهم أو بلادهم فيما يدلون به من الآراء، وما ~~يقدمونه من النصائح، وإنما يخلصون لعاجل مصلحتهم، فزينوا له نكث العهد، وسهلوا ~~له أمره، حتى أقدم عليه، وكان ما كان من النزاع على ما سنصفه لك في ~~بابه. # على أنا لا نعني بما ذكرناه لك الآن أن الأمين كان بليد الذهن، وإنما نعني ~~أنه كان ضعيف الإرادة، عديم الدربة، ونكرر لك هنا ما أسلفنا قوله لك من ~~اعتقادنا بتوقد ذهنه، وفصاحة لسانه، ونقرر أيضا، إحقاقا للحق وإنصافا ~~للتاريخ، أنه كان بليغا متعهدا، إلى حد غير قليل، قواده بالنصح والرأي، ~~فقد ذكر أحد معاصريه، وهو عمرو بن سعيد، أن محمدا الأمين لما جاز باب خراسان ~~ترجل وأقبل يوصي علي بن عيسى بن ماهان: «امنع جندك من العبث بالرعية، والغارة ~~على أهل القرى، وقطع الشجر، وانتهاك النساء، وول الري يحيى بن علي، واضمم ~~إليه جندا كثيفا، ومره ليدفع إلى جنده أرزاقهم مما يجيء من خراجها، وول ~~كل كورة ترحل عنها رجلا من أصحابك، ومن خرج إليك من جند أهل خراسان ~~ووجوهها فأظهر إكرامه، وأحسن جائزته، ولا تعاقب أخا بأخيه، وضع عن أهل ~~خراسان ms181 ربع الخراج، ولا تؤمن أحدا رماك بسهم أو طعن في أصحابك ~~برمح.» # ولم تكن هذه الوصية هي الوصية الوحيدة للأمين فنقول: فلتة من عابث؛ فإن هناك ~~ثانية وثالثة وهلم جرا، وها هو ذا أحمد بن مزيد أحد قواده يخبرنا أنه لما ~~أراد الشخوص في مهمته دخل على محمد الأمين فقال: أوصني، أكرم الله أمير ~~المؤمنين، فقال: «أوصيك بخصال عدة: إياك والبغي؛ فإنه عقال النصر، ولا تقدم ~~رجلا إلا باستخارة، ولا تشهر سيفا إلا بعد إعذار، ومهما قدرت عليه باللين فلا ~~تتعده إلى الخرق والشر، وأحسن صحابة من معك من الجند، وطالعني بأخبارك في كل ~~يوم، ولا تخاطر بنفسك طلب الزلفة عندي، ولا تستقها فيما تخاف رجوعه علي ~~...» إلى آخر نصيحته. # ومن العدل أن نقرر أيضا أنه كان إلى آخر لحظة من حياته محاولا الانتصار، ~~باذلا مقدوره في الحرب، ولكن عبثه ولهوه كانا يقعدان به. # وكان طيب القلب يعفو حتى عن الخارجين عليه والمسيئين إليه، وإن موقفه مع حسين ~~بن علي بن ماهان لمعروف مشهور، وكذلك موقفه مع أسد بن يزيد أحد قادته حينما ~~طلب إليه أن يدفع له ولدي عبد الله المأمون ليكونا أسيرين في يديه، فإن أعطاه ~~المأمون الطاعة فبها، وإلا عمل فيهما بحكمه، وأنفذ فيهما أمره، فقال له الأمين: ~~«أنت أعرابي مجنون، أدعوك إلى ولاء أعنة العرب والعجم، وأطعمك خراج كور الجبال ~~إلى خراسان، وأرفع منزلتك عن نظرائك من أبناء القواد والملوك، وتدعوني إلى قتل ~~ولدي، وسفك دماء أهل بيتي! إن هذا للخرق والتخليط!» # هذا الموقف النبيل دليل على سلامة طويته وطهر سجيته، ولكن حظه الحالك ونجمه ~~الآفل، ورياء مشيريه، وضعف إرادته، وخور عزيمته، ولهوه وعبثه، ونصيب المغلوب من ~~الدعوة عليه، والحملة الموجهة إليه قد ضربت بجرانها على سيرته؛ فإذا بها شوهاء ~~مزرية، وإذا بها مقبحة منفرة، حتى قيل فيه ما قيل مما يجدر بنا ألا نخلي ~~كتابنا من إثبات بعضه. # جاء في الجزء السادس من كتاب بغداد لأحمد بن أبي طاهر طيفور: «قال المأمون ~~لطاهر بن الحسين: ms182 يا أبا الطيب، صف لي أخلاق المخلوع، قال: كان، يا أمير ~~المؤمنين، واسع الطرب، ضيق الأدب، يبيح نفسه ما تعافه همم ذوي الأقدار، قال: ~~فكيف كانت حروبه؟ قال: كان يجمع الكتائب ويفضها بسوء التدبير، قال: فكيف كنتم ~~له؟ قال: كنا أسدا تبيت وفي أشداقها أعناق الناكثين، وتصبح في صدورها قلوب ~~المارقين، قال: أما إنه أول من يؤخذ بدمه يوم القيامة ثلاثة - لست أنا ولا أنت ~~رابعهم ولا خامسهم - وهم: الفضل بن الربيع، وبكر بن المعتمر، والسندي بن ~~شاهك، هم والله ثار أخي وعندهم دمه ...» # وقال المسعودي في التنبيه والإشراف: «إن الأمين كات باسطا يده بالعطاء، قبيح ~~السيرة، ضعيف الرأي، سفاكا للدماء، يركب هواه، ويهمل أمره، ويتكل في جليلات ~~الخطوب على غيره، ويثق بمن لا ينصحه، واستوزر الفضل بن الربيع إلى أن استتر ~~الفضل لما تبين من اختلال أمر محمد، ووهي أمره، فقام بوزارته من حضر من كتابه ~~كإسماعيل بن صبيح، وغلب عليه عدة من الأولياء؛ منهم: علي بن عيسى، والسندي بن ~~شاهك، وسليمان بي أبي جعفر المنصور»، وقال غيره: «إنه كان كثير اللهو واللعب، ~~منقطعا إلى ذلك مشتغلا به عن تدبير مملكته.» # ويقول ابن الأثير: «لم نجد للأمين شيئا من سيرته نستحسنه فنذكره»، وهذا حق ~~في جملته عن الأمين كمدبر مملكة وخليفة، فإن فتى غرا لم يثقف الثقافة ~~السياسية اللازمة، ثم يصبح ذا سلطان مطلق في ملك كبير يشبع ذوي المطامع النهمة، ~~ثم تحوطه حاشية من الدهاة ذوي المطامع الواسعة، والأغراض الكبيرة كالفضل بن ~~الربيع الذي أفسد ما بينه وبين أخيه، وبكر بن المعتمر الذي زين له خلعه، ثم ~~هو فوق ذلك ينصرف إلى حد كبير عن معالجة تدبير الملك إلى اللهو، وإلى اللهو بكل ~~ألوانه وضروبه، فقد ذكر الطبري في حوادث سنة ثلاث وتسعين ومائة عن علي بن إسحاق ~~أحد معاصريه، أنه لما أفضت الخلافة إلى محمد، وهدأ الناس ببغداد، أصبح صبيحة ~~السبت، بعد بيعته بيوم، فأمر ببناء ميدان حول قصر أبي جعفر في المدينة للصوالجة ~~واللعب، فقال في ms183 ذلك شاعر من أهل بغداد: # بنى أمين الله ميدانا # وصير الساحة بستانا # وكانت الغزلان فيه بانا # يهدى إليه فيه غزلانا # نقول: إن مثل هذا الفتى الذي يولي وجهه منذ الساعة الأولى إلى مثل هذه ~~الشئون التي كان يجدر به ومن كان في مكانه ألا تكون صاحبة النصيب الأول من ~~عنايته واهتمامه، خليق ألا يجد المؤرخ له عملا صالحا في شأن من شئون الدولة، ~~وقمين على ذلك أن يكون موضع استغلال كبير للدعوة المأمونية. # وقال غير ابن الأثير: «كان الأمين فصيحا بليغا كريما»، وكيف لا يكون تلميذ ~~الأحمر والكسائي وقطرب وحماد وغيرهم من فحول اللغة، وجهابذة البيان، وأساتذة ~~الأدب من منثور ومنظوم فصيحا بليغا؟ # على أنه من الحق والعدل أن نقرر أيضا، أن هذه الصفات تكاد تكون من سجايا كل ~~ناجم من هذه الأسرة الباسقة الفينانة، ومن أجل هذا ذهبنا إلى ما ذهبنا إليه من ~~أن الأمين لم يكن كما صوروه لنا من البله والسخف، ومن الخمول والبلادة، ~~ومحال أن يكون كذلك وتصرفاته في بعض شئون الدولة على ما وصفنا، ومحال أن يكون ~~بليدا بفطرته واستعداده، أو جاهلا غبيا؛ لأنه في الذروة من الهاشمية، وأنت ~~تعلم مقدار اهتمام الخلفاء العباسيين والأمراء الهاشميين بالثقافة الأدبية، كما ~~بينا لك ذلك في كلمتنا عن الحياة الأدبية والعلمية في العصر العباسي، وإنما ~~ظروف حياة الأمين والبيئة التي أحاطت به وما إلى ذلك مما فصلناه لك، جعلت صورة ~~الأمين كما أراناها التاريخ، ثم هي في الوقت نفسه جنحت به إلى الاستهتار، وإلى ~~العبث والمجانة. # وقد يكون أحسن ما نختم به كلمتنا عن تحليل الأمين وسيرته، وأصدق وصف له ما ~~ذكره الفضل بن الربيع، وزيره ووزير أبيه من قبله، والذي سنعرض لشيء من دقيق ~~تصرفاته، وحكيم تدبيراته عندما نعرض لتفصيل النزاع بين الأمين والمأمون، فهذا ~~الوصف ربما كان أقل تحاملا من غيره على الأمين، وربما كان خيرا من سواه في ~~تصوير الأمين وتحليل أخلاقه ونفسيته. # ذكر الطبري أن أسد بن يزيد بن مزيد حدثه أن الفضل بن ms184 الربيع بعث إليه بعد ~~مقتل عبد الرحمن بن جبلة الأنباري، قال: فأتيته، فلما دخلت عليه وجدته قاعدا ~~في صحن داره، وفي يده رقعة قد قرأها واحمرت عيناه واشتد غضبه وهو يقول: ~~ينام نوم الظربان، لا يفكر في زوال نعمة، ولا يتروي في إمضاء رأي ولا مكيدة، قد ~~ألهاه كأسه، وشغله قدحه، فهو يجري في لهوه والأيام تسرع في هلاكه، قد شمر ~~عبد الله له عن ساقه، وفوق له أصيب أسهمه، يرميه على بعد الدار بالحتف ~~النافذ والموت القاصد، قد عبى له المنايا على متون الخيل، وناط له البلاء في ~~أسنة الرماح وشفار السيوف. ثم استرجع وتمثل بشعر البعيث: # ومجدولة جدل العنان خريدة # لها شعر جعد ووجه مقسم # وثغر نقي اللون عذب مذاقه # تضيء له الظلماء ساعة يبسم # وثديان كالحقين والبطن ضامر # خميص وجهر ناره تتضرم # لهوت بها ليل التمام ابن خالد # علي بمرو الروذ غيظا تجرم # أظل أناغيها وتحت ابن خالد # أمية نهد المركلين عثمثم # طواها طراد الخيل في كل غارة # لها عارض فيه الأسنة ترزم # يقارع أتراك ابن خاقان ليله # إلى أن يرى الإصباح لا يتلعثم # فيصبح من طول الطراد وجسمه # نحيل وأضحي في النعيم أصمم # فشتان ما بيني وبين ابن خالد # أمية في الرزق الذي الله قاسم # ثم التفت إلي فقال: «يا أبا الحارث، إنا وإياك لنجري إلى غاية، إن قصرنا ~~عنها ذممنا، وإن اجتهدنا في بلوغها انقطعنا، وإنما نحن شعب من أصل إن قوي ~~قوينا، وإن ضعف ضعفنا، إن هذا قد ألقى بيده إلقاء الأمة الوكعاء يشاور النساء، ~~ويعتزم على الرؤيا، وقد أمكن بمسامعه ما معه من أهل اللهو والجسارة، فهو يعدونه ~~الظفر ويمنونه عقب الأيام، والهلاك أسرع إليه من السيل إلى قيعان الرمل، وقد ~~خشيت والله أن نهلك بهلاكه، ونعطب بعطبه.» # الفصل الثاني # | المأمون # (1) توطئة # لننتقل الآن إلى حداثة المأمون، ولنتبع في دراستنا له نفس الطريقة التي ~~ترسمناها حين دراستنا لحداثة الأمين، فنتكلم عن مولده، كما نتكلم عن نشأته ~~وأخلاقه محاولين أن نجمع شتات المعلومات التاريخية ms185 في هذا الصدد، وأن ننظر فيها ~~نظرة تفهم واستيعاب وإمعان ومقارنة وموازنة بما يقتضيه المقام من إجمال ~~وإيجاز. ~~(2) مولده # ولد عبد الله المأمون لأربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة سبعين ومائة ~~هجرية، وهي التي استخلف فيها الرشيد، فلما بشر بمولده سر به سرورا ~~عظيما، وسماه المأمون تيمنا بذلك، وأمه أم ولد باذغشية تسمى «مراجل»، ويقال: ~~إنها تمت إلى أسرة عريقة في المجد من الأسر الفارسية. # نشأ المأمون في حجر الخلافة، وتهيأ له من وسائل التربية والتثقيف ما لم يتهيأ ~~إلا لأخيه الأمين، وكانت ظاهرة عليه مخايل النجابة والذكاء وبعد الهمة ~~والتعالي بنفسه عن سفساف الأمور. # ومع كبر سن المأمون وظهور هذه الخلال فيه، وثقة الرشيد به ومحبته له لم يتح ~~له ما أتيح للأمين من البيعة بولاية العهد؛ إذ كان لأم الأمين من المكانة لدى ~~الرشيد، وهي زوجه، ما لم يكن لأم المأمون. وقد سبق أن بينا لك في كلامنا على ~~الأمين ما قام به أخواله من المسعى الموفق في أن يكون أمر الدولة من بعد ~~الرشيد لابن أختهم، وما قام به الفضل بن يحيى في خراسان من البيعة للأمين ~~بولاية العهد، حتى أصبح الرشيد أمام الأمر الواقع، فأعلن بولاية العهد للأمين ~~راضيا أو مكرها. ~~(3) نشأته وأخلاقه # وكل الرشيد بكفالة المأمون والنظر في شئونه ومراقبة أحواله جعفر بن يحيى ~~وزيره، كما جعل الأمين في كفالة الفضل أخي جعفر. ونحن نحس عند ذكر كفالة الفضل ~~للأمين إحساسا، قد لا يعدو الواقع كثيرا، أن بين هذه الكفالة وبين إعلان ~~الفضل بولاية العهد للأمين في خراسان صلة. # فلما نما المأمون وترعرع أخذ المؤرخون يذكرون لنا من مظاهر نجابته وحزمه، ~~وتقديره لنفسه وللناس، ومعرفته بمن كانت أهواؤهم معه أو عليه، ووقوفه على ما ~~يجري حوله من شئون وأحوال، مما سنقصه عليك، ما ينبئ بما سيكون لهذا الغلام من ~~شأن عظيم. # ولعل أظهر ما يدل على نجابة المأمون في صباه ما يقصه علينا التاريخ عن أبي ~~محمد اليزيدي مؤدبه الذي يقول: «كنت ms186 أؤدب المأمون وهو في كفالة سعيد الجوهري، ~~فجئت دار الخلافة وسعيد قادم إليها، فوجهت إلى المأمون بعض خدمه يعلمه بمكاني، ~~فأبطأ علي، ثم وجهت آخر فأبطأ، فقلت لسعيد: إن هذا الفتى ربما تشاغل بالبطالة ~~وتأخر، فقال: أجل، ومع هذا فإنه إذا فارقك تعرم # 1 # على خدمه، ولقوا منه أذى شديدا، فقومه بالأدب، فلما خرج ~~تناولته ببعض التأديب، فإنه ليدلك عينيه من البكاء إذ قيل: جعفر بن يحيى ~~الوزير قد أقبل، فأخذ منديلا فمسح عينيه وجمع ثيابه، وقام إلى فراشه فقعد ~~عليه متربعا، ثم قال: ليدخل، فقمت عن المجلس وخفت أن يشكوني إليه فألقى منه ~~ما أكره، قال: فأقبل عليه بوجهه وحدثه حتى أضحكه وضحك إليه، فلما هم ~~بالحركة، دعا المأمون بدابة جعفر ودعا غلمانه فسعوا بين يديه، ثم سأل عني ~~فجئت، فقال: خذ علي بقية حزبي، فقلت: أيها الأمير، أطال الله بقاءك، لقد ~~خفت أن تشكوني إلى جعفر بن يحيى، ولو فعلت لتنكر لي، فقال: تراني، يا أبا ~~محمد، كنت أطلع الرشيد على هذه، فكيف بجعفر بن يحيى حتى أطلعه على أنني أحتاج ~~إلى أدب؟! خذ في أمرك، عافاك الله، فقد خطر ببالك ما لا تراه أبدا ولو عدت ~~إلى تأديبي مائة مرة!» # وكذلك مما يدل على ذكاء المأمون وثقوب بصيرته، وأصالته وحصافته منذ نعومة ~~أظفاره وميعة صباه ما يحكى من أن أم جعفر عاتبت الرشيد في تقريظه للمأمون دون ~~الأمين ولدها، فدعا خادما وقال له: وجه إلى الأمين والمأمون خادما يقول لكل ~~واحد منهما على الخلوة: ما تفعل إذا أفضت الخلافة إليك؟ فأما الأمين فقال ~~للخادم: أقطعك وأعطيك، وأما المأمون فإنه قام إلى الخادم بدواة كانت بين يديه ~~وقال: أتسألني عما أفعل بك يوم يموت أمير المؤمنين وخليفة رب العالمين، إني ~~لأرجو أن نكون جميعا فداء له، فقال الرشيد لأم جعفر: كيف ترين؟ فسكتت عن ~~الجواب. # وأعدل الشواهد على تقدير هذا الغلام لنفسه كأمير وابن خليفة، وشعوره بما له ~~من منزلة اجتماعية خاصة، وبما ينبغي أن يكون له في ms187 نفوس الناس من إجلال ~~واحترام، وما يجب لمثله في آداب التحية وحسن الخطاب ما جبه به الحسن اللؤلؤي، ~~وهو الذي اتخذه الرشيد مؤدبا للمأمون بعد أبي محمد اليزيدي، حين كان يطارحه ~~شيئا من الفقه، وأخذت المأمون سنة من النوم، فقال له اللؤلؤي: نمت أيها ~~الأمير؟ فقال المأمون: سوقي ورب الكعبة، خذوا بيده، فجاء الغلمان فأقاموه، ~~فلما بلغ الرشيد ما صنع قال متمثلا: # وهل ينبت الخطي إلا وشيجه # وتغرس إلا في منابتها النخل # ويحدثنا التاريخ أيضا عن المأمون صبيا، أن الرقاشي هجاه حين مدح الأمين ~~بقوله: # لم تلده أمة تع # رف في السوق التجارا # لا ولا حد ولا خا # ن ولا في الخزي جارا # يعرض بالمأمون لأن الرشيد كان قد حده في جارية أو في خمر. # ومهما يكن من شيء في صبا المأمون فقد كانت ظاهرة فيه مخايل النجابة والذكاء ~~والحزم، وحسن التدبير، وجودة الحدس، والطموح إلى الكمال. # وقد يجد الذين يذهبون إلى أن في تلقيح الأجناس تحسينا للنوع حجة ظاهرة في ~~المأمون لمذهبهم؛ إذ لا تعوزهم الوسيلة في أن يرجعوا نجابته إلى أنه من أم ~~فارسية وأب عربي، أو بعبارة أخرى: إلى أنه قد جمع بين الدم الآري ~~والدم # 2 # السامي. # هذه المخايل حببته إلى الرشيد وجعلته يقدره قدره، فجعله ولي عهد الخلافة ~~بعد أخيه الأمين، وجمعت حوله طائفة من ذوي الهمم الشماء الذين توسموا فيه ~~محققا لأطماعهم الواسعة. # ومن أظهر هؤلاء الذين التفوا حوله لتحقيق مطامعهم الفضل بن سهل الذي اتخذ ~~يحيى بن خالد البرمكي وسيلة إلى الرشيد في أن يكون في خدمة المأمون، وحسبك أن ~~تعلم من أمر الفضل هذا، أنه القائل حين سئل عن السعادة: إنها أمر جائز وكلمة ~~نافذة! وأنه الذي قال له مؤدب المأمون يوما في أيام الرشيد: إن المأمون ~~لجميل الرأي فيك، وإني لا أستبعد أن يحصل لك من جهته ألف ألف درهم، فاغتاظ من ~~ذلك وقال له: ألك علي حقد؟ ألي إليك إساءة؟! فقال المؤدب: لا والله ما قلت ~~هذا إلا محبة لك، ms188 فقال: أتقول لي: إنك تحصل منه ألف ألف درهم؟ والله ما صحبته ~~لأكتسب مالا قل أو جل، ولكن صحبته ليمضي حكم خاتمي هذا في الشرق ~~والغرب! قال: فوالله ما طالت المدة حتى بلغ ما أمل. # حسبك أن نذكر لك هذا من أمر الفضل بن سهل لتعلم ما لهذا الرجل من همة ~~وثابة، وعزيمة مرهفة مضاءة، ومطالع واسعة، وحسبك أن نذكر لك ما وصفه به أحد ~~معاصريه، وهو إبراهيم بن العباس؛ لتقدر الرجل وتقدر كفايته، قال: # يمضي الأمور على بديهته # وتريه فكرته عواقبها # فيظل يصدرها ويوردها # فيعم حاضرها وغائبها # وإذا ألمت صعبة عظمت # فيها الرزية كان صاحبها # المستقل بها وقد رسبت # ولوت على الأيام جانبها # وعدلتها بالحق فاعتدلت # ووسعت راغبها وراهبها # وإذا الحروب بدت بعثت لها # رأيا تفل به كتائبها # رأيا إذا نبت السيوف مضى # عزم بها فشفى مضاربها # وإذا الخطوب تأثلت ورست # هدت فواضله نوائبها # وإذا جرت بضميره يده # أبدت به الدنيا مناقبها # يقول الفخري: قالوا لما رأى الفضل بن سهل نجابة المأمون في صباه، ونظر في ~~طالعه - وكان خبيرا بعلم النجوم - فدلته النجوم على أنه سيصير خليفة، لزم ~~ناحيته وخدمه ودبر أموره حتى أفضت الخلافة إليه فاستوزره. # وسواء أكان مرجع اتصاله بالمأمون إلى خبرته بالنجوم أم إلى جودة حدسه، فقد ~~اتصل بالمأمون وهو صبي، وكان الحامل له على أن يكون في خدمته تحقيق آمال كبار، ~~رأى بكياسته وحذقه في نجابة المأمون خير كفيل بتحقيقها. # ولقد كان استعداد المأمون الفطري منذ نشأته أن يكون رجل جماعة وقائد أمة؛ إذ ~~قد حبته الطبيعة فيما حبته من شتى المواهب موهبة الخطابة والتبريز فيها، ~~فقد أخبرنا محمد بن العباس اليزيدي، قال: حدثني عمي عبد الله وأخي أحمد قالا: ~~لما بلغ المأمون وصار في حد الرجال أمرنا الرشيد أن نعمل له خطبة يقوم بها ~~يوم الجمعة، فعملنا له خطبته المشهورة، وكان جهير الصوت حسن اللهجة، فلما خطب ~~بها رقت له قلوب الناس، وأبكى من سمعه، فقال أبو محمد اليزيدي يمدح ~~المأمون: # لتهن أمير المؤمنين ms189 كرامة # عليه بها شكر الإله وجوب # بأن ولي العهد مأمون هاشم # بدا فضله إذ قام وهو خطيب # ولما رماه الناس من كل جانب # بأبصارهم والعود منه صليب # رماهم بقول انصتوا عجبا له # وفي دونه للسامعين عجيب # ولما وعت آذانهم ما أتى به # أنابت ورقت عند ذاك قلوب # فأبكى عيون الناس أبلغ واعظ # أغر بطاحي النجار نجيب # مهيب عليه للوقار سكينة # جريء جنان لا أكع هيوب # ولا واجب فوق المنابر قلبه # إذا ما اعترى قلب النخيب وجيب # إذا ما علا المأمون أعواد منبر # فليس له في العالمين ضريب # تصدع عنه الناس وهو حديثهم # تحدث عنه نازح وقريب # شبيه أمير المؤمنين حزامة # إذا وردت يوما عليه خطوب # إذا طاب أصل في عروق مشاجه # فأغصانه من طيبه ستطيب # فقل لأمير المؤمنين الذي به # يقدم عبد الله فهو أديب # كان لم تغب عن بلدة كان واليا # عليها ولا التدبير منك يغيب # تتبع ما يرضيك في كل أمره # فسيرته شخص إليك حبيب # ورثتم بني العباس إرث محمد # فليس لحي في التراث نصيب # فلما وصلت هذه الأبيات إلى الرشيد أمر لأبي محمد بخمسين ألف درهم، ولابنه ~~محمد بن أبي محمد بمثلها. ~~••• # وبعد، فليس من شك في نجابة المأمون وتبريزه، ولعل هذه النجابة الخارقة كانت ~~من الأسباب التي حملت الرشيد على أن يستوثق له الأمر في ولاية العهد من أخيه، ~~ولأخيه منه، فجمعهما في بيت الله الحرام حين حج عام ست وثمانين ومائة، ومعه ~~كبار رجال الدولة وجل الظاهرين من الأسرة المالكة، واستكتب كليهما عهدا بما له ~~وعليه قبل الآخر، وأشهد عليهما جماعة من ذوي المكانة والنفوذ، ثم علق العهدين ~~في الكعبة، ليكونا في مكان الاحترام الديني، وقد أثبتنا لك العهدين في باب ~~المنثور من الكتاب الثالث في مجلدنا الثالث. # نقول: لعل هذه النجابة الخارقة كانت من الأسباب التي حملت الرشيد على أن يفعل ~~ما فعل من استيثاق الأمر بين الأخوين؛ خوفا على المأمون ومنه. # ولسنا ننكر أن من جملة تلك الأسباب ما يصح افتراضه من أن ms190 الرشيد كان يقدر قوة ~~حزبي المأمون والأمين، وبعبارة أخرى: حزبي الفرس والعرب، أو العلوية والهاشمية، ~~أو الشيعية والسنية. # ونحن لا نستطيع أن نرجع مظاهر العطف المختلفة، وفي مناسبات كثيرة، من الرشيد ~~على المأمون إلى الأبوة وحدها، فإن للرشيد أولادا غير المأمون وغير الأمين لم ~~ينالوا شيئا من هذه الحظوة العظيمة لديه؛ لذلك نرى - وقد ترى معنا رأينا - أن ~~هذه الحظوة التي ينالها المأمون من الرشيد في مناسبات كثيرة دون إخوته ترجع ~~إلى ما امتاز به المأمون من نجابة خارقة، وميل إلى جد الأمور، وترفع عن ~~سفسافها، وسمو عن دناياها ، واضطلاع بما يكلف القيام به من أعباء ~~ومهام. # ولعل أظهر مظاهر العطف من الرشيد على المأمون ما فعله الرشيد حين وافته منيته ~~ب «طوس»، من وصيته بجميع ما كان معه من جند وسلاح ومال للمأمون دون أن يكون ~~لخليفته من بعده؛ ليشد بذلك من أزر المأمون، ويقوي من جانبه، وأنت جد عالم بما ~~قدمناه لك، من الكلام في العصر الأموي، عن أثر المال، فتقدر معنا ما كان ~~يرومه الرشيد، ولست في حاجة لأن أقول لك: إن أثر المال وسلطانه في نفوذ الكلمة ~~وقوة الشوكة دونه كل أثر وكل سلطان. # ولعلنا لا نعدو الواقع كثيرا حين نذهب إلى القول بأن الرشيد كان يحذر الخلاف ~~بين الأخوين، ويخاف كليهما على الآخر، يخاف الأمين على المأمون؛ لأن الأمين ~~سيصبح الخليفة الذي بيده قوة الدولة من جند ومال، وتصحبه مزاياها من عظم الهيبة ~~ونفوذ الكلمة، وسيكون مطمح آمال الآملين وموضع رجاء الراجين. # ومن شأن كل هذا أن يجعل الناس جميعا أو الأكثرية الساحقة منهم يلتفون حوله ~~رغبة أو رهبة، وجدير بمن كان هذا شأنه أن يخشى ويتقى. # ويخاف المأمون على الأمين؛ لأن ما امتاز به المأمون من نجابة خارقة، وجد ~~وحنكة، وعرفان بشئون الحياة واضطلاع، واعتداد بنفسه يجعل منه خطرا شديدا على ~~الأمين جديرا بأن يخشى ويتقى أيضا، ويظهر أن كل هذا وقر في نفس الرشيد ~~الذي كان معروفا بالحزم وجودة الحدس، وقوة البصر بالعواقب، ms191 فأراد أن يتقيه، ~~ورأى أن خير وسيلة لاتقائه، أن يستكتبهما العهدين، كما قدمنا، فيقطع بذلك أسباب ~~الخلاف بين الأخوين، ويحول دون دس الدساسين، وسعاية الساعين، ويفهم أنصار ~~الفريقين ما للبيعة بين الأميرين من حرمة وتوقير. # غير أن تصرفات الأيام، وآثار البطانة، ونتائج السعاية، ومغبات الرياء والنفاق ~~كانت فوق ما كان يقدر الرشيد، فوقع الخلاف بين الأخوين أعنف ما يكون، ولم ~~يكن ما اتخذه الرشيد من وقاية وحيطة ليصد تياره الجارف. # وكان المأمون الشاب حسن التوفيق في اختيار حاشيته ومشيريه، فجمع حوله طائفة ~~من ذوي الدهاء والحنكة، وهؤلاء وإن كانوا من ذوي المطامع والأغراض قد أخلصوا له ~~النصح، وثقفوه التثقيف الذي يكفل له النجاح، فإن تحقيق أطماعهم الواسعة موقوف ~~على نجاحه. # فإخلاصهم له إخلاص في الواقع لأنفسهم أيضا، ولما كانت أم المأمون فارسية ~~فربما جاز لنا أن نقول: لعل لكونها فارسية أثرا في أن يخلص له هؤلاء المشيرون؛ ~~إذ كانوا كلهم من الفرس، وإذ كانت له بهم هذه القرابة. # وهذا يفسر لنا عاطفة من عواطف المأمون، وهي ميله إلى خراسان، وتعصبه بعض ~~التعصب للخراسانيين؛ إذ يحدثنا التاريخ أن رجلا من الشام اعترض طريقه مرارا ~~وقال: «يا أمير المؤمنين، انظر لعرب الشام كما نظرت لعجم خراسان، فقال له: ~~أكثرت علي! والله ما أنزلت قيسا عن ظهور خيولها إلا وأنا أرى أنه لم يبق في ~~بيت مالي درهم واحد، يعني فتنة ابن العامري، وأما اليمن فوالله ما أحببتها ولا ~~أحبتني قط، وأما قضاعة فساداتها تنتظر السفياني حتى تكون من أشياعه، وأما ربيعة ~~فساخطة على ربها مذ بعث الله نبيه من مضر، ولم يخرج اثنان إلا خرج أحدهما ~~شاريا. # 3 # اعرف! فعل الله بك!» # وإنه ليجوز لنا أن نرجع هذا الميل لا إلى ما ذكره المأمون وحده، بل إلى ~~التربية وأثر البيئة الفارسية في نفسه، وإلى مقابلة حسن الصنيع بمثله، فأم ~~المأمون فارسية، والذين كفلوه وقاموا بتثقيفه فارسيون، والذين أحاطوا به ونصروه ~~فارسيون، ومن هنا نستطيع أن نفهم الرأي الذي يقول به بعض المؤرخين ms192 الفرنجة: إن ~~انتصار المأمون على الأمين كان أيضا انتصارا للفرس على العرب، كما كان ~~انتصارا للفرس على العرب انتصار العباسيين على الأمويين، ومن هنا نستطيع أن ~~نعلل أيضا ما ذهب إليه بعض الباحثين من أن المأمون كان شيعيا وهو عباسي؛ لأن ~~البيئة الفارسية التي نشأ فيها كانت إلى حد غير قليل مهد التشيع للعلويين، ~~فيجوز أن تكون قد صبغت المأمون بشيء من ألوانها، وقد كان لذلك آثاره لا في ~~السياسة ونظام الملك فحسب، بل في الآراء والمذاهب مما سنذكره حين نعرض للكلام ~~على الخليفة المأمون. # ولعلنا نكون بما قدمناه لك عن نشأة المأمون وصباه قد رسمنا لك صورة واضحة ~~لهذا الأمير الذي سيكافح كفاحا شديدا في سبيل الملك، والذي كان له أكبر أثر ~~في الحضارة الإسلامية. # أما شتى مواهب المأمون وآراؤه، وما اشتهر به من الحلم والعفو والكرم والبصر ~~بالسياسة، وجودة الحدس، وكفاية البطانة، وشغفه بالعلم والأدب والجدال، وما كان ~~لهذا الشغف من ثورة علمية وفكرية وكلامية في عصره، فسنرجئ الكلام فيها إلى ~~موضعها من كتابنا، وهو الكلام على الخليفة المأمون بعد أن استقر له الأمر في ~~بغداد، وحين نضجت فيه هذه الخلال وآتت كل ما لها من ثمرات. # | هوامش # الفصل الثالث # | النزاع بين الأمين والمأمون # (1) توطئة # عرفت مما ذكرناه لك في مجمل كلامنا عن الرشيد والأمين، أن الرشيد أعلن ولاية ~~العهد للأمين في سنة 175 هجرية، وسن الأمين فيما قيل وقتئذ خمس سنين، ثم ~~أشرك معه المأمون في ولاية العهد سنة 183 هجرية، ثم استوثق لكليهما من أخيه سنة ~~186 هجرية، وهو عام حج الرشيد، بأن استكتب كلا منهما عهدا بما عليه وله قبل ~~الآخر، وعلق العهدين بالكعبة، كما قدمنا. # ويؤخذ من نصوص العهدين وما تبودل بعد ذلك من الرسائل بين الأمين والمأمون، ~~مما سنورد لك بعضه لما تضمنته من «الديبلوماطيقية العباسية»؛ وهي: لين في حزم، ~~وتيئيس في تأميل طويل الأجل، ويؤخذ منها أن خراسان ونواحيها إلى الري كانت تحت ~~إمرة المأمون يتصرف في جميع شئونها من سياسية وحربية ms193 واقتصادية وقضائية تصرفا ~~تاما، لا تربطه بحاضرة الخلافة إلا رابطة الدعاء للخليفة، وقد صارت إليه إمرة ~~هذه النواحي في عهد الرشيد، وهي من الأمور التي أخذ الأمين بالوفاء بها فيما ~~أخذ به من عهود ومواثيق. # وكان الرشيد قد أشرك في سنة 188 هجرية ولده القاسم مع أخويه في ولاية العهد، ~~وجعل من نصيبه العمل على الشام وقنسرين والعواصم والثغور. # وكانت الأمور جارية مجراها الطبيعي آخر أيام الرشيد، ثم شطرا كبيرا من ~~السنة الأولى من خلافة الأمين، إلا ما كان من أشياء طوى عليها المأمون كشحا ~~دربة منه وسياسة، وحصافة وكياسة، وتريثا وتعقلا، وحزامة وتمهلا . # ولم تنقض السنة الأولى من خلافة الأمين حتى كانت الدسائس قد فعلت فعلها، وحتى ~~كانت المنافسة العنيفة بين البطانتين قد بلغت غايتها، وأخذ كل من الأخوين يحذر ~~أخاه ويتقيه، وامتلأت الصدور حفائظ وإحنا، ولم يبق إلا أن تلمس فتنفجر. ~~وسنفصل لك كل ذلك تفصيلا. ~~(2) بيعة الأمين وخلافته # لما خرج رافع # 1 # بن الليث بن نصر بن سيار بخراسان، وكثف أنصاره، وقويت شكوته، ~~وعظم خطره، رأى الرشيد أن يخرج إليه بنفسه لمحاربته، وتسكين حبل الأمن الذي ~~اضطرب في تلك النواحي، فأصابه من مشاق السفر وتغير الطقس وشدة التفكير ما أعل ~~صحته، وبدا له من ظروف الأحوال ما حمله على تجديد البيعة للمأمون الذي كان ~~بمرو، وأوصى بأن يصير ما معه من قواد وجند وسلاح ومال إلى جانبه، وأخذ المواثيق ~~على من معه بأن يوفوا بهذه الوصية. # ثم أخذت تشتد به العلة حتى وافته منيته بطوس سنة 193 هجرية، وبويع ~~للأمين بالخلافة في عسكر الرشيد، ووصله نعي الرشيد في بغداد يوم الأربعاء لأربع ~~عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة، وقيل: ليلة النصف من هذا الشهر، فكتم الخبر ~~بقية يومه وليلته، ثم أظهره يوم الجمعة. # ويحدثنا التاريخ أن الأمين لما بلغه اشتداد المرض على الرشيد وتوقع وفاته ~~بعث بكر بن المعتمر رسولا إلى مقر الخليفة ليوافيه بالأخبار كل يوم، وكتب معه ~~كتبا، وجعلها في قوائم صناديق منقورة ألبسها جلد ms194 البقر ليخفي أمرها، وكلفه ألا ~~يظهر أحدا على شيء من أمره وما توجه فيه ولو قتل، حتى إذا نفذ أمر الله في ~~الرشيد دفع إلى كل من له كتاب كتابه. # فلما وصل رسول الأمين راب الرشيد قدومه، فسأله عما جاء له، فلما لم يجد ~~في جوابه ما يزيل ريبه أمر بتفتيشه وحبسه. ولعلك تصيب لباب الصواب أو لا تعدوه ~~كثيرا إذا افترضت أن هذا الريب الذي خامره من رسول الأمين كان من العوامل التي ~~حملته على تجديد البيعة للمأمون، وأن يوصي له بما معه من جند وسلاح ~~ومال. # لبث رسول الأمين في الحبس أشهرا؛ إذ تاريخ الكتب التي يحملها إلى من أرسلت ~~إليهم شوال سنة 192ه، ووفاة الرشيد كانت في جمادى الآخرة سنة 193ه، ثم بدا ~~للرشيد أن يحمل بكرا على الإقرار، فكلف الفضل بن الربيع ذلك، وأن يهدده ~~بالموت إذا لم يقر. وقد حالت وفاة الرشيد في ذلك اليوم دون تمام هذا الإقرار، ~~ثم لما وثق الرسول من وفاة الرشيد دفع إلى كل كتابه. # وقد أثبتنا لك من هذه الكتب كتابه إلى أخيه المأمون وكتابه إلى أخيه صالح، في ~~موضعهما من المجلد الثالث من هذا الكتاب؛ لما لهما من خطر في موضوع النزاع، ~~فإنهما يدلان على أن الأمين لم يكن لينكث ما عقد من عهود ومواثيق، وإنما بطانة ~~السوء هي التي زينت له أن يفعل ما فعل، فراجعهما ثمة، وتأمل طويلا فيما ~~لبطانات السوء من وخيم العواقب بين الأشقاء والزعماء والأمراء، وما تجره على ~~البلاد من انتثار العقد وتشتيت الشمل، وتشعث الألفة، وفرقة الجماعة، وسريان ~~الفتن، وذيوع الفوضى، وانتشار الاضطرابات، واندلاع نيران الثورات، ومن ترجيح ~~كفة الأشرار على الأبرار، إلى غير ذلك من شتى النتائج السيئة والعواقب المهلكة ~~التي سنحدثك عنها، وستراها واضحة جلية في كلمتنا الآتية. ~~(3) مبدأ النزاع وكيف تقلب ونتيجته # قد تطلب إلي، وفقك الله، أن تقف على ما كان لتلك الكتب من أثر في نفوس من ~~أرسلت إليهم، وإني شاف غلتك، مجيبك إلى سؤلك، محيلك إلى ms195 الطبري في هذا ~~الصدد إذ يقول: # لما قرأ الذين وردت عليهم كتب محمد ب «طوس» من القواد والجند وأولاد ~~هارون، تشاوروا في اللحاق بمحمد، فقال الفضل بن الرييع: لا أدع ملكا ~~حاضرا لآخر لا يدري ما يكون من أمره. وأمر الناس بالرحيل ففعلوا ذلك؛ ~~محبة منهم للحوق بأهلهم ومنازلهم ببغداد، وتركوا العهود التي كانت ~~أخذت عليهم للمأمون. # أما المأمون، بعد أن انتهى إليه بمرو خبر نكث القوم للعهود التي أخذت عليهم ~~وفرارهم إلى بغداد بما كان الرشيد أوصى بأن يكون له من جند ومال وسلاح، فقد ~~اجتمعت كلمة الرواة على حسن تيقظه وسرعة مبادرته لشتى أموره، وأنه شد لها ~~حيازيمه، وحسر لها عن ساقه. ويحدثنا التاريخ أنه قد جمع من معه من قواد أبيه ~~وأخبرهم الخبر وشاورهم في الأمر، فأشاروا عليه أن يلحق القوم في ألفي فارس ~~ويحول بينهم وبين ما أرادوا. # ولكن المأمون عمل بمشورة الفضل بن سهل الذي كان يثق به وبكفايته، ويؤمن ~~بكياسته وحسن سياسته، ويقتنع بثقوب بصره وصدق نظره، فقد قال له الفضل: إن فعلت ~~ما أشاروا به عليك جعلت هؤلاء هدية إلى محمد، ولكن الرأي أن تكتب إليهم كتابا، ~~وتوجه إليهم فتذكرهم البيعة وتسألهم الوفاء، وتحذرهم الحنث وما يلزمهم في ~~ذلك في الدنيا والدين، وإن كتابك ورسلك تقوم مقامك فتستبرئ ما عند القوم، ~~وتوجه سهل بن صاعد، وكان على قهرمته، فإنه يأملك ويرجو أن ينال أمله، فلم ~~يألوك نصحا، وتوجه معه نوفلا الخادم مولى موسى أمير المؤمنين، وكان عاقلا، ~~فلم ير المأمون وهو الحاذق الفطن ندحة دون صدوره عن رأي ابن سهل، فكتب كتابا ~~ووجه من أشار بهما الفضل إلى القوم، فلحقاهم بنيسابور، فقال الفضل بن الربيع ~~لما وصله كتاب المأمون معتذرا متعللا: «إنما أنا واحد منهم!» وقد نال بعضهم ~~من المأمون وأغلظ لرسوليه، ثم رجع الرسولان بالخبر. # وكان ممكنا بعد أن طوى المأمون كشحا على ما وقع من القوم من نكث للعهود، ~~واغتصاب لما أوصى به الرشيد له من جند ومال وسلاح، وبعد أن ms196 أخذ يهدي إلى أخيه ~~خير ما وصلت إليه يمناه من تحف خراسان ونفائسها، أن تسير الأمور في مجراها ~~الطبيعي، وأن يستقر الأمر بين الأخوين على ما أراد الرشيد، لولا أن بطانة ~~الأمين أوغرت صدره على أخيه، ولولا أن بطانة المأمون حفزته إلى مقابلة العدوان ~~بمثله، وأفعمت قلبه ثقة بالغلبة والظفر، وإيمانا بالفوز والنجح. # وإن كلمة الفضل بن الربيع «لا أدع ملكا حاضرا لآخر لا يدري ما يكون من ~~أمره» فيها الغنية والكفاية في تفهيمنا الأساس الذي بنيت عليه تصرفاته بين ~~الأخوين، فهو ينظر لمصلحة من بيده الملك اليوم، لا يحفل ببيعة ولا عهد، ولا ~~يكترث لوحدة قومية، ولا يحفل بإحلال الوفاق بين العباد، ولا يعمل على مصافاة ~~ولا وداد، وإنما همه الملك الحاضر، والإمعان في إرضاء الملك الحاضر. # كذلك كانت حال الفضل بن سهل في موقفه مع عبد الله المأمون، ومهما كانت صورة ~~المأمون التي صورها لنا التاريخ بأنه المغلوب على أمره في النزاع الذي نشب بين ~~الأخوين، وأن الأمين هو الناكث الغادر، ومهما كانت القلوب الإنسانية تحنو على ~~المظلوم، وتعطف على المغلوب، مهما كان كل ذلك، مما يجعلنا نستسيغ تصرفات الفضل ~~بن سهل مع المأمون، بل مما يدفعنا إلى الافتنان بها، وعزو الحصافة والأصالة ~~والكياسة إلى صاحبها، وأن ليس هناك من هو أنهد منه في مثل مواقفه ولا أجزى، ~~ولا أحكم من تدبيراته ولا أوفى، ولا أرهف غرارا من عزماته ولا أمضى، ولا أقدر ~~منه في خططه ولا أغنى، بيد أنا مع ذلك إذا جردنا النفس الإنسانية من بعض ~~صفاتها ونظرنا «ببرود» - على حد التعبير الإنجليزي - وبحيدة ونصفة منه وله، ~~فإنا نقرر من غير أن نعدو الحق والواقع، أن الفضل بن سهل لعب مع المأمون ذلك ~~الدور الخطير بذاته الذي لعبه الفضل بن الربيع مع الأمين، وأن كلا قد توكأ ~~على أميره لغايته، واستغله في سبيل نجح سياسته، ودفع به إلى حيث يريد. # انظر إليه وقد عادت وفود المأمون من مقابلة الفضل بن الربيع ومن لحق به من ~~جند ms197 وسلاح؛ تره يصارح المأمون عنهم بقوله: أعداء قد استرحت منهم، ولكن افهم ~~عني ما أقول لك: إن هذه الدولة لم تكن قط أعز منها أيام أبي جعفر، فخرج عليه ~~«المقنع» وهو يدعى الربوبية، وقال بعضهم: طلب بدم أبي مسلم، فتضعضع المعسكر ~~بخروجه بخراسان، فكفى الله المؤنة، ثم خرج بعده يوسف البرم، وهو عند بعض ~~المسلمين كافر، فكفى الله المؤنة، ثم خرج أستاذ سيس يدعو إلى الكفر، فسار ~~المهدي من الري إلى نيسابور، فكفى الله المؤنة. # ولكن ما أصنع أكبر عليك، أخبرني كيف رأيت الناس حين ورد عليهم خبر رافع؟ قال ~~المأمون: «رأيتهم اضطربوا اضطرابا شديدا»، فقال له الفضل : وكيف وأنت نازل في ~~أخوالك وبيعتك في أعناقهم، كيف يكون اضطراب أهل بغداد؟ اصبر وأنا أضمن ~~الخلافة، قال المأمون: «قد فعلت وجعلت الأمر إليك فقم به». # على أنه إذا صدق الرواة فيما يروونه لنا من أن الفضل بن سهل قال للمأمون في ~~حديثه معه: «لأصدقنك أن عبد الله بن مالك ويحيى بن معاذ ومن سمينا من ~~أمراء الرؤساء إن قاموا لك بالأمر كان أنفع مني لك برياستهم المشهورة، ولما ~~عندهم من القوة على الحرب، فمن قام بالأمر كنت خادما له حتى تصير إلي محبتك، ~~وترى رأيك في»، وصدقوا في أن الفضل بن سهل لقي هؤلاء الزعماء في منازلهم، ~~وذكر لهم البيعة التي في أعناقهم، وما يجب عليهم من الوفاء، وأن الخيبة كانت ~~نصيب دعوته لهم وتذكيره إياهم، وأنها مع ذلك لم تصدفه عن قصده الذي نهد ~~إليه، ولم تحل بينه وبين مضيه قدما في سبيل غايته التي تأدى بها بأداته، ~~وتذرع لها بذرائعه، وأخذ لها عدته، وأرهف لها عزمته، وأنه قال للمأمون: «لقد ~~قرأت القرآن وسمعت الأحاديث وتفقهت في الدين، فالرأي أن تبعث إلى من بالحضرة ~~من الفقهاء فتدعوهم إلى الحق والعمل به، وإحياء السنة، ونقعد على اللبود وترد ~~المظالم»، وصدقوا حقا في أن المأمون والفضل فعلا ذلك، وأنهما بعثا إلى ~~الفقهاء وأكرما القواد والملوك وأبناء الملوك، وصدقوا في أن الفضل كان ms198 يقول ~~للتميمي: نقيمك مقام موسى بن كعب، وللربعي مقام أبي داود خالد بن إبراهيم، ~~ولليماني مقام قحطبة ومالك بن الهيثم، وصدقوا في أنهما كانا يدعوان كل قبيلة ~~إلى نقباء ورؤساء الدولة كاستمالتهم الرءوس، وصدقوا في أن المأمون والفضل قد ~~حطا عن خراسان ربع الخراج حتى حسن موقع ذلك من الخراسانيين وسروا به ~~وقالوا: «ابن أختنا وابن عم نبينا # صلى الله عليه وسلم ~~»، وصدقوا في أن المأمون تواترت كتبه ~~إلى أخيه محمد الأمين بالتعظيم والهدايا إليه من طرف خراسان، من المتاع والآنية ~~والمسك والدواب والسلاح، حتى أوائل سنة أربع وتسعين ومائة التي عزل فيها الأمين ~~أخاه القاسم عما كان أبوه ولاه من عمل قنسرين والشام والعواصم والثغور، وولى ~~مكانه خزيمة بن خازم، والتي أمر فيها بالدعاء لابنه موسى على المنابر بالإمرة، ~~وحتى مكر كل واحد منهما بصاحبه وظهر بينهما الفساد - إذا صدق الرواة في كل ذلك ~~- فإنا نرى من النصفة العلمية والتاريخية أن نقرر حينئذ أن الفضل بن سهل كان ~~دهيا حقا، وممعنا في الديبلوماتيقية، وكان موقفه لا يقل عن موقف «وارن ~~هاستنج» و«كليف» في الهند، وغيرهما من جهابذة السياسة وأقطاب الدهاء، وربما ~~كانت مكانته أسمى منهما وأرفع وأخلق بمقارنتها بمن يشار إليه بالبنان من ساسة ~~هذا الزمان. # ولننظر معا - وهبنا الله وإياك الجلد والأناة، ووفقنا إلى ما نرومه من تمحيص ~~وتحقيق، وتفهم وتدقيق - في حوادث سنة أربع وتسعين ومائة؛ لنكون ملمين بتحول ~~النزاع الذي شجر بين الأخوين، ولنؤمن الإيمان كله أن البطانة قد لعبت دورا ~~شنيعا في إشعال جذوة الحقد والسخيمة بينهما، وعملت على إضرام أوارها، وسعت ~~جهدها في توسيع مسافة الخلف بين الأخوين حتى كان ما كان، نجد أن الفضل بن ~~الربيع، فيما يرويه لنا المؤرخون، سعى بعد مقدمه العراق على محمد منصرفا عن ~~«طوس» وناكثا للعهود التي كان الرشيد أخذها عليه لابنه عبد الله، وعلم أن ~~الخلافة إن أفضت إلى المأمون يوما وهو حي لم يبق عليه، وكان يترقب في ظفره ~~به عطبه - سعى جهده في إغراء محمد ms199 به، وأعمل قريحته في حثه على خلعه، ~~وزين له، بما في مقدوره، أن يصرف ولاية العهد من بعده إلى ابنه موسى، ولم يكن ~~ذلك في رأي محمد ولا عزمه، بل كان عزمه، فيما ذكر الرواة عنه الوفاء لأخويه عبد ~~الله والقاسم بما كان أخذ عليه لهما والده من العهود والشروط، فلم يزل به الفضل ~~بن الربيع يصغر في عينيه شأن المأمون، ويزين له خلعه، حتى قال له: «ما ~~تنتظر يا أمير المؤمنين بعبد الله والقاسم أخويك، فإن البيعة لك كانت متقدمة ~~قبلهما، وإنما أدخلا فيها بعدك واحدا بعد واحد!» # قال ذلك ابن الربيع وضم إلى رأيه معه علي بن عيسى بن ماهان والسندي وغيرهما ~~ممن بحضرته. # ومن المعقول أن تفترض أن الفضل مضى في الإيقاع على هذه النغمة ثنيا بعد ~~ثني، ومرة إثر أخرى، وقدح في ذلك قريحته، واستخدم شتى وسائل أمثاله ونظرائه حتى ~~أزال محمدا عن رأيه، وقد ذكر المؤرخون أن أول ما بدأ به محمد عن رأي الفضل بن ~~الربيع فيما دبر من ذلك، أن كتب إلى جميع العمال في الأمصار كلها بالدعاء لابنه ~~موسى بالإمرة بعد الدعاء له، وللمأمون والقاسم بن الرشيد. # والآن، بعد أن وقفت على تصرف محمد وجماعة محمد مع المأمون وجماعة المأمون، لك ~~أن تستنبط ما يفعله الفريق الآخر إجابة على تصرف الفريق الأول، ولك أن تنتظر من ~~المأمون أن يدبر أمره تدبير من يرى أن أخاه يدبر عليه خلعه، ولك أن تنتظر مثل ~~ذلك من جماعة المأمون وأنصاره. # وهكذا تنبئنا حوادث السنة نفسها؛ إذ ينبئنا الطبري أن فيها قطع المأمون ~~البريد عن محمد، وفيها أسقط اسمه من الطرز، وفيها لحق رافع بن الليث بالمأمون، ~~وهو من سلالة نصر بن سيار لما انتهى إليه من الخبر عن المأمون، وحسن سيرته في ~~أهل عمله، وإحسانه إليهم، فيما يرويه المؤرخون، أو سعي المأمون ورجالات المأمون ~~كهرثمة وطاهر في إصلاح ما بينه وبين المأمون، وطلب الأمان له؛ ليكون عدة ~~وظهيرا للحزب المأموني، كما نستسيغه نحن ونستخلصه، وفيها ms200 ولى المأمون هرثمة ~~رياسة الحرس، ولهرثمة مكانته وشهرته، وله سيرته ونجدته، ولرافع بيته وأنصاره، ~~وكتائبه وفرسانه، كما أن لطاهر بن الحسين حزمه وشجاعته وفروسته ومرانه، ولابن ~~سهل بلا ريب حذقه في تصرفاته التي بمثلها ترد الأهواء الشاردة، وتستصرف الأبصار ~~الطامحة، وعلى رأسهم أو إلى جانبهم إن شئت المأمون، وقد تسربل بالثوب الذي ~~نصح إليه بلبسه، فأضحى محمود الشيم، مرضي الخلال، وهو باستعداده ونزعته ذلك ~~الرجل السياسي المعتدل المزاج، الهادئ الأعصاب، السديد التصرف، السمح الأخلاق، ~~اللين العريكة، الكريم المهزة، مع أناة وجلد وعزم وحزم ونفاذ ومضاء. # ومن المعقول أيضا أن ينكر الأمين ذلك من ناحيته أيضا، والمعقول أن يبدأ ~~بالتدبير على المأمون ليصدف عنه قلوب رجاله، وأن تتسلسل الحلقات وتستطرد ~~الإجراءات المحتومة الوقوع في مثل هذه الحالات. # وربما كنا على حق إذا قلنا: إن النزاع أضحى بين الفضلين؛ ابن سهل وابن ~~الربيع، وانقلب عنيفا أعظم العنف، فقد كان بين كفايتين لا يعرفان الونية ~~والتضجيع، # 2 # ولهما من الحصافة وثقوب البصيرة، ومن سعة الحيلة وفدح الختل، ~~ومن وفرة الحنكة وغناء الاختبار، ومن مضاء العزيمة وثروة الذهن، لهما من ذلك ~~كله وما إلى ذلك من شتى الصفات السياسية ما لا قبل لأحدهما به من صاحبه، فلكل ~~من صاحبه بواء ونديد، ومنازل عنيد، وكمي صنديد. # انظر إلى الأمين قد كتب إلى العباس بن عبد الله بن مالك، وهو عامل المأمون ~~على الري، وأمره بأن يبعث إليه بغرائب غروس الري، فبعث إليه المسكين بما ~~أمره به، غير عالم أن للمأمون ورجاله عيونا وأرصادا، ولهم قبل ذلك يقظتهم ~~التي لا تني ولا تغفل، فماذا كان من المأمون؟ # بلغ المأمون ما كان من عامله الساذج المسكين فعزله، ووجه مكانه الحسن بن ~~علي المأموني، وأردفه بالرسغي على البريد، وهكذا حاولت الديبلوماتيقية ~~«الربيعية» أن تصرف قلب عامل كبير عن أمر المأمون والقضية المأمونية؛ نكاية ~~بالديبلوماتيقية «السهلية» التي اكتسبت رافعا وضمت إلى حزبها بيت ابن سيار، ~~وناهيك ببيت ابن سيار! # ولنتطرق الآن إلى التكلم عن الحرب الكلامية التي نشبت بين ms201 الأخوين، والتي ~~كانت بلا ريب مقدمة لوقوع الحرب العامة، وبعبارة أدق: لنتكلم عن الوفود ~~السياسية محاولين على قدر استطاعتنا، واستنادا إلى ما بين أيدينا من مصادر ~~ووثائق وصف الكفايات السياسية في ذلك العصر الغني حقا برجالاته ~~ودهاته. ~~(4) الوفود السياسية # لنتساءل أولا: ماذا حدث في السنة التي نحن في صددها، وهي سنة أربع وتسعين ~~ومائة؟ فإنها مليئة - والحق يقال - بمنتجات هاتين العقليتين العاتيتين حقا، ~~الجبارتين بلا مبالغة ولا إغراق، ونعني بهما عقليتي الفضل بن الربيع والفضل بن ~~سهل. # حدث أن وجه الأمين وفدا سياسيا إلى المأمون قوامه العباس بن موسى، وصالح ~~صاحب المصلى، ومحمد بن عيسى بن نهيك، وطلبوا إليه تقديم موسى بن الأمين الذي ~~سماه «الناطق بالحق» على نفسه، وقد يكون من الطريف الممتع حقا أن نوضح ما كان ~~من أمر هذا الوفد، وهل وفق الحزب المأموني فيما حاول من الأخذ بقلوب رجاله، أو ~~بعضهم على الأقل؟ فإن في توضيحنا لذلك ما يمدنا بصورة لا بأس في جملتها، من صور ~~الديبلوماتيقية في ذلك العصر، وإن في تفهمنا هذه الصورة ووقوفنا عليها نفعا ~~عظيما يعيننا، بلا ريب، على تفهم العصر وروح سياسته. # يحدثنا التاريخ أن العباس بن موسى، أحد رجال الوفد الأميني، قال للمأمون: ~~«وما عليك أيها الأمير من ذلك، أي من تقديم موسى عليه، فهذا جدي عيسى بن موسى ~~قد خلع، فما ضره ذلك؟!» ويحدثتا أيضا بأن الفضل بن سهل كان موجودا، كما هو ~~المنتظر، في ذلك المؤتمر السياسي، وأنه لما سمع كلمة العباس هذه صاح به: «أسكت ~~فجدك كان في أيديهم أسيرا، وهذا بين أخواله وشيعته!» # أتعرف ماذا كان من أمر الوفد؟ # إنه قد انصرف، ولكن لا إلى الأمين، بل إلى منازل خصصها لهم المأمون، حيث أفرد ~~لكل واحد من أعضاء الوفد منزلا، وأكرمهم مثل ذلك النوع من الإكرام السياسي ~~الذي تتلقى به الحكومات الحاضرة الوفود السياسية، فتأمل. # ثم لننظر معا، معتصمين بالأناة والصبر قليلا، في تصرف الفريق الآخر في ~~السنة عينها، فنرى أن الوفد قد عاد إلى الأمين ms202 وأخبره بامتناع المأمون، فألح ~~عليه الفضل به الربيع وعلي بن ماهان في البيعة لابنه موسى «الناطق بالحق»، وخلع ~~المأمون، فأجاب الأمين إلى ذلك، وأحضن ابنه علي بن موسى الذي ولاه العراق، ~~وتسارع بعض ولاة الأمين في انتهاز الفرصة للتقرب منه، والتحبب إليه بالمبادرة ~~بأخذ البيعة له قبلهم، وقد كان أول من فعل ذلك بشر بن السعيد الأزدي وصاحب ~~مكة وصاحب المدينة. # لم يكتف الفضل بهذا ولا بالكثير من أمثاله مما ينتظر من مثله في مثل تلك ~~الظروف، من نهيه عن ذكر عبد الله المأمون والقاسم بن الرشيد، وحظر الدعاء لهما ~~على شيء من المنابر، بل دس من ذكر المأمون بسوء، وحط من قدره، ولصق به أقبح ~~النقائص والمثالب، ووصمه بأشنع الوصمات والمعايب. # ولم يكتب الفضل بهذا، بل وجه إلى مكة كتابا مع محمد بن عبد الله، أحد سدنة ~~البيت الحرام، فأتاه بالكتابين اللذين كان الرشيد كتبهما لعبد الله المأمون على ~~محمد الأمين، وكان حظهما من الأمين لما صارا إليه حظ غيرهما من العهود في ~~ذلك العصر، و«المعاهدات» و«قصاصات الورق» في عصرنا الحاضر، فمزقهما وأبطلهما، ~~وأجاز سارقهما. # ثم تعال معي لننظر معا نظرة إنعام وترو في مشاورة المأمون لشيعته، حينما ~~حزبه الأمر، وضاق به السبيل، فهي لعمرك آية في الحكمة والمهارة ~~السياسية. # يقول الطبري: «كان محمد، فيما ذكر، كتب إلى المأمون، قبل مكاشفة المأمون إياه ~~بالخلاف عليه، يسأله أن يتجافى له عن كور من كور خراسان سماها، وأن يوجه العمال ~~إليها من قبل محمد، وأن يحتمل توجيه رجل من قبله يوليه البريد عليه ليكتب إليه ~~بخبره، فلما ورد إلى المأمون الكتاب بذلك كبر ذلك عليه واشتد، فبعث إلى الفضل ~~بن سهل وإلى أخيه الحسن فشاورهما في ذلك، فقال الفضل: «الأمر خطير، ولك من ~~شيعتك وأهل بيتك بطانة، ولهم تأنيس بالمشاورة، وفي قطع الأمل دونهم وحشة، وظهور ~~قلة ثقة، فرأي الأمير في ذلك»، وقال الحسن: كان يقال: «شاور في طلب الرأي من ~~تثق بنصيحته، وتألف العدو فيما لا اكتتام له بمشاروته.» # فأحضر ms203 المأمون الخاصة من الرؤساء والأعلام، وقرأ عليهم الكتاب، فقالوا جميعا ~~له: «أيها الأمير، تشاور في مخطر، فاجعل لبديهتنا حظا من الروية»، فقال ~~المأمون: ذلك هو الحزم، وأجلهم ثلاثا، فلما اجتمعوا بعد ذلك قال أحدهم: ~~«أيها الأمير، قد حملت على كرهين، ولست أرى خطأ مدافعة بمكروه أولهما مخافة ~~مكروه آخرهما»، وقال آخر: «كان يقال، أيها الأمير أسعدك الله: إذا كان الأمر ~~مخطرا فإعطاؤك من نازعك طرفا من بغيته أمثل من أن تصير بالمنع إلى مكاشفته»، ~~وقال آخر: «إنه كان يقال: إذا كان علم الأمور مغيبا عنك، فخذ ما أمكنك من هدية ~~يومك؛ فإنك لا تأمن أن يكون فساد يومك راجعا بفساد غدك»، وقال آخر: «لئن خفت ~~للبذل عاقبة، إن أشد منها لما يبعث ألا تأمن الفرقة»، وقال آخر: «لا أرى مفارقة ~~منزلة سلامة، فلعلي أعطى معها العافية»، فقال الحسن: فقد وجب حقكم ~~باجتهادكم، وإن كنت من الرأي على مخالفتكم، قال المأمون: فناظرهم! قال: لذلك ~~ما كان الاجتماع! وأقبل الحسن عليهم فقال: هل تعلمون أن محمدا تجاوز إلى طلب ~~شيء ليس له بحق؟ قالوا: نعم، ويحتمل ذلك لما نخاف من ضرر منعه، قال: تثقون بكفه ~~بعد إعطائه إياها فلا يتجاوز الطلب إلى غيرها؟ # قالوا: لا، ولعل سلامة تقع من دون ما نخاف ونتوقع، قال: فإن تجاوز بعدها ~~بالمسألة، أفما ترونه قد توهن بما بذل منها في نفسه؟ قالوا: ندفع ما يعرض له في ~~عاقبته بمدافعة ما تنجزون في عاجله، قال: فهذا خلاف ما سمعناه من قول الحكماء ~~قبلنا؛ قالوا: استصلح عاقبة أمرك باحتمال ما عرض من كره يومك، ولا تلتمس هدية ~~يومك بإخطار أدخلته على نفسك في غدك، قال المأمون للفضل: ما تقول فيما اختلفوا ~~فيه؟ قال: «أيها الأمير، أسعدك الله، هل يؤمن محمد أن يكون طالبك بفضل قوتك ~~ليستظهر بها عليك غدا على مخالفتك؟ وهل يصير الحازم إلى فضلة من عاجل الدعة ~~بخطر يتعرض له في عاقبته؟ بل إنما أشار الحكماء بحمل ثقل فيما يرجون به صلاح ~~عواقب أمورهم»، فقال المأمون: ms204 «بل بإيثار العاجلة صار من صار إلى فساد العاقبة ~~في أمر دنيا وآخرة»، قال القوم: قد قلنا بمبلغ الرأي، والله يؤيد الأمير ~~بالتوفيق، فقال: اكتب يا فضل إليه، فكتب». # ويستطرد الطبري بعد ذلك في القول بأن المأمون أملى على الفضل هذا الكتاب ~~ليبعث به إلى أخيه، وهو: «قد بلغني كتاب أمير المؤمنين يسأل التجافي عن مواضع ~~سماها، مما أثبته الرشيد في العقد، وجعل أمره إلي، وما أمر رآه أمير المؤمنين ~~أحد يجاوز أكثره، غير أن الذي جعل إلي الطرف الذي أنابه لا ظنين في النظر ~~لعامته، ولا جاهل بما أسند إلي من أمره ولو لم يكن ذلك مثبتا بالعهود ~~والمواثيق المأخوذة، ثم كنت على الحال التي أنا عليها من إشراف عدو مخوف ~~الشوكة، وعامة لا تتألف عن هضمها، وأجناد لا يستتبع طاعتها إلا بالأموال، وطرف ~~من الإفضال، لكان في نظر أمير المؤمنين لعامته، وما يحب من لم أطرافه ما يوجب ~~عليه أن يقسم له كثيرا من عنايته، وأن يستصلحه ببذل كثير من ماله، فكيف بمسألة ~~ما أوجبه الحق، ووكدته مأخوذه العهد؟ وإني لأعلم أن أمير المؤمنين لو علم من ~~الحال ما علمت لم يطلع ما كتب بمسألته إلي، ثم أنا على ثقة من القبول بعد ~~البيان إن شاء الله». # ألا يجدر بنا - وقد اطلعنا على تلك المشاورة السياسية التي يجوز لك أن تقول ~~عنها، بالنسبة لوقتها وجيلها، وموضوعات وقتها وجيلها: إنها لا تقل في دقتها ~~وحذقها وقوة مناحيها عما يجري حول المائدة الخضراء بين ساسة اليوم - أن نقول: ~~إن المأمون قد حصن بساسة عتاة ومشيرين دهاة. # ثم انظر إلى مبالغة المأمون في حذره، أو مبالغة حزبه في الحيطة والحذر، فقد ~~أثبت المؤرخون أنهم قد وجهوا حراسا من قبلهم على الحدود حتى لا يتركوا ~~للأمين أو لرجاله فرصة الاتصال برعية المأمون، وبالغوا أيما مبالغة في ~~تدبيرهم حتى جاء كما يقول الرواة: «تدبيرا مؤيدا، وعقدا مستحصدا متأكدا، ~~فضمنوا بذلك ألا تحمل رعيتهم على منوال خلاف أو مفارقة». # وهنا لا نرى مندوحة من ms205 إثبات ذلك المجهود العظيم الذي بذله الفضل بن الربيع ~~أو الأمين، كيفما شئت التعبير، في استمالة القلوب النافرة من الجماعة ~~المأمونية، فقد كان، والحق يقال، طلق اليدين، ندي الكفين، كثيرة جدواه، وافرة ~~حذياه، عظيمة عطاياه، ولم يأل جهدا في إرسال دعاته وأنصاره لبث الدعوة ~~الأمينية في العامة، وإظهارهم على رجحانها وحقها وعدلها، وإظهار الحجة ~~المفارقة، والدعاء لأهل القوة إلى المخالفة. وكان هؤلاء الدعاة يبذلون المال، ~~ويضمنون للأنصار معظم الولايات والقطائع، وصفوة القول أن تصرف الأمين وجماعته ~~من هذه الناحية كان قريب الشبه بتصرف المأمون وجماعته. # ولكن هؤلاء الدعاة وجدوا جميع ذلك ممنوعا محسوما، حتى صاروا إلى باب ~~المأمون، وهنا يجب أن نقول: إن الحرب الكلامية قد بدأت تشتد بين الأخوين، ~~والحرب الكلامية، أيدك الله، هي ميزة هامة من ميزات العصر العباسي، وقد صدق ~~«كشاجم» في قوله مشيرا إلى عداوة أصحاب الأقلام في تلك الدولة ومهادنة أصحاب ~~السيوف: # هنيئا لأصحاب السيوف بطالة # تقضى بها أوقاتهم في التنعم # فكم فيهم من وادع العيش لم يهج # لحرب ولم ينهد لقرن مصمم # يروح ويغدو عاقدا في نجاده # حساما سليم الحد لم يتثلم # ولكن ذوو الأقلام في كل ساعة # سيوفهم ليست تجف من الدم # وإن المطلع على تاريخ العصر، المستقصي لدقائقه وجلائله، الواقف على أسراره ~~وخفياته، وآدابه ومشاوراته، ليوافق أولئك الذين يذهبون في القول بأن قوام ~~السياسة في هذه الدولة كان على التحيل والمخادعة أكثر مما كان على القوة ~~والشدة. # لننتقل الآن إلى ذكر الكتاب الذي بعث به الأمين إلى أخيه مع رسله الذين بعثهم ~~للدعوة وإثارة رجالات المأمون قبل كل اعتبار، فهاكه: «أما بعد، فإن أمير ~~المؤمنين الرشيد وإن كان أفردك بالطرف، وضم ما ضم إليك من كور الجبل تأييدا ~~لأمرك، وتحصينا لطرفك، فإن ذلك لا يوجب لك فضلة المال عن كفايتك، وقد كان هذا ~~الطرف وخراجه كافيا لحدثه، ثم يتجاوز بعد الكفاية إلى ما يفضل من رده، وقد ضم ~~لك إلى الطرف كورا من أمهات كور الأموال لا حاجة لك فيها، فالحق فيها ms206 أن تكون ~~مردودة في أهلها ومواضع حقها، فكتبت إليك أسألك رد تلك الكور إلى ما كانت عليه ~~من حالها؛ لتكون فضول ردها مصروفة إلى مواضعها، وأن تأذن لقائم بالخبر يكون ~~بحضرتك يؤدي إلينا علم ما نعنى به من خبر طرفك، فكتبت تلط دون ذلك بما ~~إن تم أمرك عليه صيرنا الحق إلى مطالبتك، فانثن عن همك أنثن عن ~~مطالبتك، إن شاء الله». # ورد الكتاب على المأمون، وقرأه المأمون وجماعته، فسرعان ما رد المأمون وحزبه ~~عليه بهذا الكتاب: «أما بعد، فقد بلغني كتاب أمير المؤمنين، ولم يكتب فيما جهل ~~فأكشف له عن وجهه، ولم يسأل ما لا يوجبه حق فيلزمني الحجة بترك إجابته، وإنما ~~يتجاوز المناظران منزلة النصفة ما ضاقت النصفة عن أهلها، فمتى تجاوزها متجاوز، ~~وهي موجودة الوسع، لم يكن تجاوزها إلا عن نقضها واحتمال ما في تركها، فلا ~~تبعثني يا ابن أبي على مخالفتك وأنا مذعن بطاعتك، ولا على قطيعتك وأنا على ~~إيثار ما تحب من صلتك، وارض بما حكم به الحق في أمرك أكن بالمكان الذي أنزلني ~~به الحق فيما بيني وبينك، والسلام». # ثم انظر إلى نعومة المأمون السياسية - ونثق أنها ستروقك كثيرا، وأنك ستشهد ~~بعلو كعب صاحبها في الفنون السياسية - فإن التاريخ يحدثنا أنه أحضر رسل ~~أخيه وقال لهم: «إن أمير المؤمنين كتبت إليه في أمر كتب إلي جوابه، ~~فأبلغوه الكتاب، وأعلموه أني لا أزال على طاعته، حتى يضطرني بترك الحق الواجب ~~إلى مخالفته»، فأراد أعضاء الوفد الأميني أن يذهبوا في أفانين القول، وأرادوا ~~المحاجة والمدافعة، وأرادوا المفاوضة والمناقشة، ولكن المأمون السياسي ~~المتيقظ جبار العقل قطع عليهم سبيل القول وسبيل التفكير؛ إذ جابههم بقوله: ~~«قفوا أنفسكم حيث وقفنا بالقول بكم! وأحسنوا تأدية ما سمعتم، فقد أبلغتمونا من ~~كتابنا ما لا عسى أن تقولوه لنا». # انصرف أعضاء الوفد ولم يستطيعوا أن يثبتوا لأنفسهم حجة قبل المأمون، ولم ~~يوفقوا إلى حمل خبر يؤدونه إلى صاحبهم، ورأوا من المأمون وجماعة المأمون كما ~~يقول الطبري: «جدا غير مشوب بهزل في منع ms207 ما لهم من حقهم الواقع ~~بزعمهم». # وصل الخبر إلى الأمين فأرغى وأزبد، واستمرت الحرب الكلامية على حدتها بين ~~الأخوين بشأن المال الذي تركه الرشيد وبشأن غير المال، مما يصح الاطلاع عليه، ~~وعلى ما رواه سهل بن هارون وأضرابه وصفا لذلك في مظانه. # على أنه يجدر بنا هنا أن نشير إلى ما كان من نصيحة قدمها للأمين أحد رجالات ~~عصره المشهود لهم بالحزم ونضوج الرأي، وهو يحيى بن سليم، حينما عزم على خلع ~~أخيه، لعلاقتها بما نحن في سبيل القول فيه من ناحية، ولأنها تساعدنا فوق ذلك ~~على تفهم «الدبلوماتيقية العباسية» في ذلك العصر من ناحية أخرى ، وأخيرا لأنها ~~تبين لنا فرق ما بين الأمين والمأمون في تقدير المشورة والأخذ بالنصيحة. # قال يحيى بن سليم للأمين حين مشاورته له في خلع المأمون: «يا أمير المؤمنين، ~~كيف بذلك لك مع ما قد وكد الرشيد من بيعته، وتوثق بها من عهده، والأخذ ~~للأيمان والشرائط في الكتاب الذي كتبه؟» فقال له محمد: «إن رأي الرشيد كان فلتة ~~شبهها عليه جعفر بن يحيى بسحره، واستماله برقاه وعقده، فغرس لنا غرسا ~~مكروها لا ينفعنا ما نحن فيه معه إلا بقطعه، ولا تستقيم لنا الأمور إلا ~~باجتثاثه والراحة منه» فقال: «أما إذا كان رأي أمير المؤمنين خلعه فلا تجاهره ~~مجاهرة، فيستنكرها الناس ويستشنعها العامة، ولكن تستدعي الجند بعد الجند، ~~والقائد بعد القائد، وتؤنسه بالألطاف والهدايا، ونفرق في ثقاته ومن معه، ~~وترغبهم بالأموال وتستميلهم بالأطماع، فإذا وهنت قوته واستفرغت رجاله أمرته ~~بالقدوم عليك، فإن قدم صار إلى الذي تريد منه، وإن أبى كنت قد تناولته وقد ~~كل حده وهيض جناحه، وضعف ركنه وانقطع عزه» فقال محمد: «ما أقطع أمرا ~~كصريمة! أنت مهذار خطيب، ولست بذي رأي، فزل عن هذا الرأي إلى الشيخ الموفق ~~والوزير الناصح، قم فالحق بمدادك وأقلامك». # ونرى من المستصوب، بعد هذا الاستطراد، أن نشير هنا إلى ما رواه الطبري من أن ~~الفضل بن سهل كان قد دس قوما اختارهم ممن يثق بهم من القواد والوجوه ms208 ببغداد؛ ~~ليكاتبوه بأخبار الأمين وجماعته يوما فيوما. وكان التجسس لذلك العهد فنا ~~منظما متقدما، فكان للأمين، وهو ولي عهد، على والده الرشيد عيون، وكان لأخيه ~~حين ذاك عيون، وكان للخليفة على ولاته وعماله وأولاده عيون، ولولاته وعماله ~~عليه عيون، وكان للوزراء والكبراء والزعماء وغيرهم مثل ذلك من العيون والأرصاد ~~بعضهم على بعض، وكانت روح العصر تساعد على ذيوع الجاسوسية واستفحال أمرها، فمن ~~المعقول إذا شاور الأمين أو الفضل بن الربيع أحدا وقال بما فيه مصلحة القضية ~~المأمونية، أن يصل خبر ذلك من فوره إلى المأمون، فيقف بذلك المأمون وجماعته على ~~جلية الخبر وحقيقة الحال عند خصومهم السياسيين. ونكاد نرجح من ناحيتنا أن لتقدم ~~فن الجاسوسية عند المأمون أثره العظيم في غلبته وظهوره على أخيه. # ولننتقل الآن إلى أخبار سنة خمس وتسعين ومائة، ولننظر في حوادثها الجسام نظرة ~~عجلى فيما يهمنا مما نحن في صدده من بحوثنا هذه، فنجد أن الخصومة السياسية بين ~~الأخوين حملت الأمين على أن يأمر بإسقاط ما كان ضرب لأخيه عبد الله المأمون من ~~الدنانير والدراهم بخراسان في السنة التي قبلها؛ وذلك لأن المأمون كان أمر ألا ~~يثبت فيها اسم محمد، وقال بعض المؤرخين: إن تلك الدنانير والدراهم كانت لا تجوز ~~في بعض الأحايين، وكانت تدعى بالرباعية. # وقد سبق لنا القول: إن الأمين أمر بالامتناع عن الدعاء لأخويه: المأمون ~~والقاسم، وإنه أمر بالدعاء لنفسه ولطفله الصغير من بعده، وإنه صدر في ذلك كله ~~عن رأي الفضل بن الربيع وجماعة الفضل بن الربيع، مما كان من نتائجه نشوب الحرب ~~الكلامية بين الأخوين، وإنذارها بوقوع شر مستطير بين الأميرين. ~~(5) نفور الرأي العام واستمرار الوفود السياسية # ونريد الآن أن نقفك على مبلغ نفور الرأي العام من فعل الأمين وجماعته مما ~~رواه لنا المؤرخون، وسنلخصه لك - كطريقتنا التي أخذنا بها أنفسنا، والتي لم ~~نحد عنها إلا إذا دعت الضرورة والمصلحة إلى تصوير أمر هام يحتاج إلى الشرح ~~والإيضاح - ونعتمد في تلخيصنا هذا على مصادر عدة؛ منها: الطبري وابن الأثير ~~واليعقوبي وغيرهم ms209 من الفرنجة الذين كتبوا في التاريخ الإسلامي في العصر الذي ~~نحن بسبيل القول فيه. # روى المؤرخون أن محمدا الأمين عقد في السنة التي نسرد عليك مجمل أخبارها ~~لعلي بن عيسى بن ماهان على كور الجبل كلها: نهاوند وهمذان وقم وأصفهان، حربها ~~وخراجها، وضم إليه جماعة من القواد، وأمر له، فيما ذكر، بمائتي ألف دينار، ~~ولولده بخمسين ألف دينار، وأعطى الجند مالا عظيما، وأمر له بألفي سيف من ~~السيوف المحلاة، وستة آلاف ثوب للخلع، وقيل: إن محمدا الأمين أحضر بعد ذلك ~~رجال بيته ومشيريه وتكلم فيهم بما كان بين الأخوين، وكان من المنتظر لو أن ~~للأمين ظهيرا من الرأي العام أن يجد من يمتدح فعلته، أو يخطب في نشر الدعوة ~~له، وبيان أنه على حق فيما يريد أن يفعل، ولكنا نجد أنه انتهى إلى آخر كلامه ~~فلم يتكلم بعده إلا ثلاثة من جماعته الظاهرين ممن عرفنا مصالحهم في الزلفى إليه ~~والتقرب منه؛ وهم: سعيد بن الفضل الخطيب، ومحمد بن عيسى بن نهيك، والفضل بن ~~الربيع. # على أنا يجب أن نقول: إن الفضل بن الربيع كان ماكرا أعظم ماكر، ولكن مكره ~~كان مفضوحا في هذا الموقف، فقد قال في معرض كلامه: «إن الأمير موسى بن أمير ~~المؤمنين قد أمر لكم، يا معاشر أهل خراسان، من صلب ماله بثلاثة آلاف درهم ~~تقسم بينكم». # نقول: إن مكره كان مفضوحا لأنا نعلم أن موسى كان طفلا غرا لا يفهم ~~هذه الأمور ولا يعقلها، ولكن الفضل أراد أن يقر عين الأمين، ولا يمكن أن ~~يكون جادا في رغبته في إثارة الخراسانيين بهذه الطريقة المكشوفة، ولكنها ~~البطانة يأبى عليها رياؤها ونفاقها وتزلفها إلا أن تصور لولي نعمتها أمير ~~المؤمنين أنه الحكمة والعدل، وأنه النباغة والعبقرية، وأن سلالته قد جمع ~~أحداثها مرانة الشيوخ وكفايتهم، وأصالة المجربين ودرايتهم، وذكاء النوابغ ~~ومواهبهم، وهكذا تستمر البطانة على نغمتها هذه؛ لا صفة بمن عداه وعدا حامته ~~وخاصته، ما شاء هوى الخليفة، حتى يقع في روعه أن حاشيته لا تنطق إلا حقا، ~~ولا ms210 تقول إلا صدقا. # ولنتساءل الآن: ماذا كان من المأمون إزاء تصرفات أخيه؟ # إنه لم يتهاون البتة في أموره صغيرها وكبيرها، وكان يقابل كل تصرف من أخيه ~~بمثيله ونظيره، مع وضع كل شيء موضعه، واستقصاء المصلحة والصواب في ~~تصرفه. # وقد تراسل الأخوان بعد ذلك بكتب عدة، وإنا نثبت هنا نص كتاب المأمون ردا ~~على كتاب بعث به إليه الأمين مع وفد سياسي في شأن البيعة لابنه موسى، قال: «أما ~~بعد، فقد انتهى إلي كتاب أمير المؤمنين منكرا لإبائي منزلة تهضمني بها، ~~وأرادني على خلاف ما يعلم من الحق فيها، ولعمري إن أورد أمير المؤمنين موارد ~~النصفة، فلم يطالب إلا بها ولم يوجب نكرة تركها لانبسطت بالحجة مطالع مقالته، ~~ولكنت محجوجا بمفارقة ما يوجب من طاعته، فأما وأنا مذعن بها، وهو على ترك ~~أعمالها، فأولى به أن يدير الحق في أمره، ثم يأخذ به ويعطي من نفسه، فإن صرت ~~إلى الحق فرغت عن قلبه، وإن أبيت الحق قام بمعذرته، وأما ما وعد من بر طاعته، ~~وأوعد من الوطأة بمخالفته، فهل أحد فارق الحق في فعله فأبقى للمتبين موضع ~~ثقة بقوله؟! والسلام». # ولقد كان من تصرفات المأمون إزاء تصرفات أخيه وحاشيته أن كتب إلى علي بن ~~عيسى، قائد الجيوش الأمينية، لما بلغه ما عزم عليه: # أما بعد، فإنك في ظل دعوة لم تزل أنت وسلفك بمكان ذب عن حريمها، ~~وعلى العناية لحفظها، ورعاية لحقها، توجبون ذلك لأئمتكم، وتعتصمون بحبل ~~جماعتكم، وتعطون بالطاعة من أنفسكم، وتكونون يدا على أهل مخالفتكم، ~~وحزبا وإخوانا لأهل موافقتكم تؤثرونهم على الآباء والأبناء، وتتصرفون ~~فيما تصرفوا فيه من منزلة شديدة ورخاء لا ترون شيئا أبلغ في صلاحكم من ~~الأمر الجامع لألفتكم، ولا أجرى لبواركم مما دعا بشتات كلمتكم، ترون ~~من رغب عن ذلك جائزا عن القصد، ومن أمه على منهاج الحق، ثم كنتم على ~~منهاج الحق، ثم كنتم على أولئك سيوفا من سيوف نقم الله، فكم من أولئك ~~قد صاروا وديعة مسبعة وجزرا جامدة، قد سفت الرياح في وجهه، ms211 ~~وتداعت السباع إلى مصرعه غير ممهد ولا موسد قد صار إلى أمه ... ~~وغير عاجل حظه ممن كانت الأئمة تنزلكم لذلك بحيث أنزلتم أنفسكم من ~~الثقة بكم في أمورها، والتقدمة في آثارها، وأنت مستشعر دون كثير من ~~ثقاتها وخاصتها، حتى بلغ الله بك في نفسك أن كنت قريع أهل دعوتك، ~~والعالم القائم بمعظم أمر أمتك، إن قلت ادنوا دنوا وإن أشرت ~~أقبلوا أقبلوا، وإن أمسكت وقفوا وقروا وئاما لك واستنصاحا، ~~وتزداد نعمة مع الزيادة في نفسك، ويزدادون نعمة مع الزيادة لك بطاعتك، ~~حتى حللت المحل الذي قربت به من يومك، وانقرض فيما دونه أكثر مدتك، لا ~~ينتظر بعدها إلا ما يكون ختام عملك من خير فيرضى به ما تقدم من صالح ~~فعلك، أو خلاف فيضل له متقدم سعيك. وقد ترى، يا أبا يحيى، حالا ~~عليها جلوت أهل نعمتك، والولاة القائمة بحق إمامتك، من طعن في عقدة ~~كنت القائم بشدها، وبعهود توليت معاقد أخذها، يبدأ فيها بالأخصين ~~حتى أفضى الأمر إلى العامة من المسلمين، بالأيمان المحرجة والمواثيق ~~المؤكدة، وما طلع مما يدعو إلى نشر كلمة وتفريق أمة وشت جماعة، وتتعرض ~~به لتبديل نعمة وزوال ما وطأت الأسلاف من الأئمة. ومتى زالت نعمة من ~~ولاة أمركم وصل زوالها إليكم في خواص أنفسكم، ولن يغير الله ما بقوم ~~حتى يغيروا ما بأنفسهم. وليس الساعي في نشرها بساع فيها على نفسه دون ~~السعي على حملتها القائمين بحرمتها، قد عرضوهم أن يكونوا جزرا ~~لأعدائهم، وطعمة قوم تتظفر مخالبهم في دمائهم، ومكانك المكان الذي إن ~~قلت رجع إلى قولك، وإن أشرت لم تتهم في نصيحتك، ولك مع إيثار الحق ~~الحظوة عند أهل الحق - ولا سواء من حظي بعاجل مع فراق الحق فأوبق ~~نفسه في عاقبته، ومن أعان الحق فأدرك به صلاح العاقبة مع وفور الحظ في ~~عاجلته - وليس لك ما تستدعى ولا عليه ما تستعطف، ولكنه حق من حق ~~أحسابك يجب ثوابه على ربك، ثم على من قمت بالحق فيه من أهل إمامتك، فإن ~~أعجزك قول أو ms212 فعل، فصر إلى الدار التي تأمن فيها على نفسك، وتحكم فيها ~~برأيك، وتجاوز إلى من يحسن تقبلا لصالح فعلك، ويكون مرجعك إلى عقدك ~~وأموالك، ولك بذلك الله، وكفى بالله وكيلا، وإن تعذر ذلك بقية على ~~نفسك فإمساكا بيدك وقولا بحق ما لم نخف وقوعه بكرهك، فلعل مقتديا ~~بك ومغتبطا بنهيك، ثم أعلمني رأيك أعرفه إن شاء الله. # على أن ما يرمي إليه الرواة من تحقير شأن الأمين لا يحول بينك وبين تبين ~~حقيقة الأمين ورجاله؛ لأنك ستلاحظ بلا ريب، في ثنايا سطورهم وفلتات الحوادث ~~التي يروونها لك، ما قد يتيح لك أن تؤمن أن عند الأمين بعض رجالات أفذاذ، فإن ~~الطبري يحدثنا في حوادث سنة خمس وتسعين ومائة، أن ابن الربيع أشار على الأمين ~~بأن يكتب لأخيه كتابا تستطيب به نفسه وتسكن وحشته؛ فإن ذلك أبلغ في التدبير ~~وأحسن في القالة من مكاثرة بالجنود، ومعاجلته بالكيد، وإنه لذلك أحضر له ~~إسماعيل بن صبيح للكتابة إلى عبد الله، قال: «يا أمير المؤمنين، إن مسألتك ~~الصفح عما في يديه توليد للظن، وتقوية للتهمة، ومدعاة للحذر، ولكن اكتب إليه ~~فأعلمه حاجتك إليه، وما تحب من قربه والاستعانة برأيه، وسله القدوم إليك؛ فإن ~~ذلك أبلغ وأحرى أن يبلغ فيما يوجب طاعته وإجابته». # 3 # فقال الفضل: القول ما قال يا أمير المؤمنين. # قال: فليكتب بما رأى، قال: فكتب إليه: # من عند الأمين محمد أمير المؤمنين إلى عبد الله بن هارون أمير ~~المؤمنين # أما بعد، فإن أمير المؤمنين رأى في أمرك والموضع الذي أنت فيه من ~~ثغرك، وما يؤمل في قربك من المعاونة والمكانفة على ما حمله الله ~~وقلده من أمور عباده وبلاده، وفكر فيما كان أمير المؤمنين الرشيد ~~أوجب لك من الولاية، وأمر به من إفرادك على ما يصير إليك منها، فرجا ~~أمير المؤمنين ألا يدخل عليه وكف في دينه، ولا نكث في يمينه، إذ كان ~~إشخاصه إياك فيما يعود على المسلمين نفعه، ويصل إلى عامتهم صلاحه ~~وفضله. # وعلم أمير المؤمنين أن مكانك بالقرب منه ms213 أسد للثغور وأصلح للجنود ~~وآكد للفيء، وأرد على العامة من مقامك ببلاد خراسان منقطعا عن أهل ~~بيتك، متغيبا عن أمير المؤمنين وما يحب الاستماع به من رأيك وتدبيرك. ~~وقد رأى أمير المؤمنين أن يولي موسى ابن أمير المؤمنين فيما يقلده ~~من خلافتك ما يحدث إليه من أمرك ونهيك، فاقدم على أمير المؤمنين على ~~بركة الله وعونه، بأبسط أمل، وأفسح رجاء، وأحمد عاقبة، وأنفذ بصيرة، ~~فإنك أولى من استعان به أمير المؤمنين على أموره، واحتمل عنه النصب ~~فيما فيه صلاح أهل بيته وذمته. والسلام. # ولننظر إلى ما يرويه لنا ابن جرير الطبري عن أعضاء هذا الوفد، ~~فإنه يقول : # لما وصلوا إلى عبد الله أذن لهم، فدفعوا إليه كتاب محمد وما كان بعث به معهم ~~من الأموال والألطاف، ثم تكلم العباس بن موسى بن عيسى فحمد الله وأثنى عليه، ثم ~~قال: أيها الأمير! إن أخاك قد تحمل من الخلافة ثقلا عظيما، ومن النظر في أمور ~~الناس عبئا جليلا، وقد صدقت نيته في الخير، فأعوزه الوزراء والأعوان ~~والكفاة على العدل، وقليل ما يأنس بأهل بيته، وأنت أخوه وشقيقه وقد فزع إليك ~~في أموره وأملك للمؤازرة والمكانفة، ولسنا نستبطئك في بره اتهاما لنصرك ~~له، ولا نحضك على طاعته تخوفا لخلافك عليه، وفي قدومك عليه أنس عظيم وصلاح ~~لدولته وسلطانه، فأجب أيها الأمير دعوة أخيك، وآثر طاعته، وأعنه على ما ~~استعانك عليه في أمره، فإن في ذلك قضاء الحق، وصلة الرحم، وصلاح الدولة، وعز ~~الخلافة. عزم الله للأمير على الرشد في أموره، وجعل له الخيرة والصلاح في عواقب ~~رأيه. # وتكلم عيسى بن جعفر بن أبي جعفر فقال: إن الإكثار على الأمير - الله! الله! - ~~في القول خرق، والاقتصار في تعريفه ما يجب من حق أمير المؤمنين تقصير، وقد غاب ~~الأمير - أكرمه الله - عن أمير المؤمنين، ولم يستغن عن قربه من شهد غيره من أهل ~~بيته، ولا يجد عنه غنى، ولا يجد منه خلفا ولا عوضا، والأمير أولى من بر ~~أخاه وأطاع إمامه؛ فليعمل الأمير فيما كتب ms214 به إليه أمير المؤمنين بما هو أرضى ~~وأقرب من موافقة أمير المؤمنين ومحبته، فإن القدوم عليه فضل وحظ عظيم، والإبطاء ~~عنه وكف في الدين، وضرر ومكروه على المسلمين. # وتكلم محمد بن عيسى بن نهيك فقال: أيها الأمير، إنا لا نزيدك بالإكثار ~~والتطويل فيما أنت عليه من المعرفة بحق أمير المؤمنين، ولا نشحذ نيتك بالأساطير ~~والخطب فيما يلزمك من النظر والعناية بأمور المسلمين. # وقد أعوز أمير المؤمنين الكفاة والنصحاء بحضرته، وتناولك فزعا إليك في ~~المعونة والتقوية له على أمره، فإن تجب أمير المؤمنين فيما دعاك إليه فنعمة ~~عظيمة يتلافى بها رعيتك وأهل بيتك، وإن تقعد يغن الله أمير المؤمنين عنك، ولن ~~يضعه ذلك مما هو عليه من البر بك، والاعتماد على طاعتك ونصيحتك. # وتكلم صالح صاحب المصلى فقال: أيها الأمير، إن الخلافة ثقيلة، والأعوان ~~قليل، ومن يكيد هذه الدولة وينطوي على غشها والمعاندة لأوليائها من أهل الخلاف ~~والمعصية كثير، وأنت أخو أمير المؤمنين وشقيقه، وصلاح الأمور وفسادها راجع عليك ~~وعليه؛ إذ أنت ولي عهده والمشارك في سلطانه وولايته، وقد تناولك أمير المؤمنين ~~بكتابه، ووثق بمعاونتك على ما استعانك عليه من أموره، وفي إجابتك إياه إلى ~~القدوم عليه صلاح عظيم في الخلافة، وأنس وسكون لأهل الملة والذمة. وفق الله ~~الأمير في أموره، وقضى له بالذي هو أحب إليه وأنفع له. # ثم انظر، رعاك الله، إلى مبلغ دهاء الفضل ودقة سياسته ومحكم أمره وما يرويه ~~بنفسه عن صنيعه مع أحد أعضاء الوفد في إحدى الدفعات التي أرسل فيها إلى ~~المأمون، لأنا نلاحظ وفود الأمين قد أرسلت إلى أخيه المأمون أكثر من مرة، ~~قال: «أعجبني ما رأيت من ذكاء العباس بن موسى، فخلوت به فقلت: يذهب عليك ~~بعقلك وسنك أن تأخذ بحظك من الإمام - أي المأمون؛ إذ سمي بذلك بسبب خلع ~~الأمين له - فقال له العباس: قد سميتموه بالإمام!» فأجابه الفضل: «قد يكون إمام ~~المسجد والقبيلة! فإن وفيتم لم يضركم، وإن غدرتم فهو ذاك» ثم وصل إلى أن قال ~~للعباس: «لك عندي ولاية الموسم، ms215 ولا ولاية أشرف منها، ولك من مواضع الأعمال ~~بمصر ما شئت ...» # وصل الفضل إلى ذلك القول وما برح به حتى أخذ عليه البيعة للمأمون بالخلافة، ~~وتحول الأمر إلى أن أصبح للحزب المأموني من العباس العين التي تبلغهم ~~الأخبار، والمتفاني في المأمونية يمدهم بالأفكار، ويشير عليهم بالآراء، وحتى ~~أضحى منه الشخص الذي يقول لعلي بن يحيى السرخسي: إن ذا الرياستين أكبر مما ~~وصفت، وإنه قد صافح المأمون الإمام، وإنه لذلك يمسح يده على رأس علي بن يحيى ~~لتناله البركة والخير. فتأمل! # وإنه جميل حقا أن نرى المأمون يتريث في أمره تريث العاقل الحكيم لما جاءه ~~الوفد الأميني، ويتصرف تصرف الكيس الحاذق إذ قال لهم، فيما أثبت الرواة، بعد ~~أن حاجوه وناقشوه في أمر الأمين: قد عرفتموني من حق أمير المؤمنين، أكرمه ~~الله، ما لا أنكره، ودعوتموني من الموالاة والمعونة إلى ما أوثره ولا أدفعه، ~~وأنا لطاعة أمير المؤمنين مقدم، وعلى المسارعة إلى ما سره ووافقه حريص، وفي ~~الروية تبيان الرأي، وفي إعمال الرأي نصح الاعتزام. والأمر الذي دعاني إليه ~~أمير المؤمنين أمر لا أتأخر عنه تثبطا ومدافعة، ولا أتقدم عليه اعتسافا وعجلة ~~وأنا في ثغر من ثغور المسلمين كلب عدوه شديد شوكته، وإن أهملت أمره لم ~~آمن دخول الضرر والمكروه على الجنود والرعية، وإن أقمت عليه لم آمن فوت ما ~~أحب من معونة أمير المؤمنين ومؤازرته وإيثار طاعته؛ فانصرفوا حتى أنظر في ~~أمري ونصح الرأي فيما أعتزم عليه من مسيري إن شاء الله، ثم أمر بإنزالهم ~~وإكرامهم والإحسان إليهم. # تريث المأمون مع الوفد تريث العاقل الحكيم وإن كان في الواقع قد هاله الأمر ~~وخشي سوء مغبته، ويذكر لنا أحد المعاصرين، وهو سفيان بن محمد، أن المأمون لما ~~قرأ الكتاب سقط في يده، وتعاظمه ما ورد عليه منه، ولم يدر ما يرد عليه، ~~فدعا الفضل بن سهل فأقرأه الكتاب وقال: ما عندك في هذا الأمر؟ قال: أرى أن ~~تتمسك بموضعك، ولا تجعل علينا سبيلا وأنت تجد من ذلك بدا، قال: وكيف يمكنني ms216 ~~التمسك بموضعي ومخالفة محمد وعظم القواد والجنود معه، وأكثر الأموال ~~والخزائن قد صارت إليه، مع ما قد فرق في أهل بغداد من صلاته وفوائده، وإنما ~~الناس مائلون مع الدراهم منقادون لها، لا ينظرون إذا وجدوها حفظ بيعة ولا ~~يرغبون في وفاء عهد ولا أمانة؟ فقال له الفضل: إذا وقعت التهمة حق الاحتراس، ~~وأنا لغدر محمد متخوف، ومن شرهه إلى ما في يديك مشفق، ولأن تكون في ~~جندك وعزك مقيما بين ظهراني أهل ولايتك أحرى، فإن دهمك منه أمر جردت له ~~وناجزته وكايدته، فإما أعطاك الله الظفر عليه بوفائك ونيتك، أو كانت الأخرى ~~فمت محافظا مكرما غير ملق بيديك ولا ممكن عدوك من الاحتكام قي نفسك ~~ودمك، قال: إن هذا الأمر لو كان أتاني وأنا في قوة من أمري وصلاح من الأمور كان ~~خطبه يسيرا، والاحتيال في دفعه ممكنا، ولكنه أتاني بعد إفساد خراسان، واضطراب ~~عامرها وغامرها، ومفارقة جيغويه الطاعة، والتواء خاقان صاحب التبت، وتهيؤ ملك ~~«كابل» للغارة على ما يليه من بلاد خراسان، وامتناع ملك أترابنده بالضريبة التي ~~كان يؤديها، وما لي بواحدة من هذه الأمور يد، وأنا أعلم أن محمدا لم يطلب ~~قدومي إلا لشر يريده، وما أرى إلا تخلية ما أنا فيه واللحاق بخاقان ملك الترك ~~والاستجارة به وببلاده، فبالحرى أن آمن على نفسي وأمتنع ممن أراد قهري والغدر ~~بي، فقال له الفضل: أيها الأمير، إن عاقبة الغدر شديدة، وتبعة الظلم والبغي غير ~~مأمون شرها، ورب مستذل قد عاد عزيزا، ومقهور قد عاد قاهرا مستطيلا، ~~وليس النصر بالقلة والكثرة، وحرج الموت أسلم من حرج الذل والضيم، وما أرى أن ~~تفارق ما أنت فيه، وتصير إلى طاعة محمد متجردا من قوادك وجندك كالرأس المختزل ~~عن بدنه، يجري عليك حكمه فتدخل في جملة أهل مملكته من غير أن تبلي عذرا في ~~جهاد ولا قتال، ولكن اكتب إلى جيغويه وخاقان، فولهما بلادهما، وعدهما ~~التقوية لهما في محاربة الملوك، وابعث إلى ملك كابل بعض هدايا خراسان وطرفها ~~وسله الموادعة تجده على ذلك ms217 حريصا، وسلم لملك أترابنده ضريبته في هذه ~~السنة، وصيرها صلة منك وصلته بها، ثم اجمع إليك أطرافك، واضمم إليك من ~~شذ من جندك، ثم اضرب الخيل بالخيل والرجال بالرجال، فإن ظفرت وإلا كنت على ما ~~تريد من اللحاق بخاقان قادرا. فعرف عبد الله صدق ما قال، فقال: اعمل في هذا ~~الأمر وغيره من أموري بما ترى. فتدبر، وفقك الله، هذا التفكير الدقيق، وهذه ~~السياسة المحكمة الأطراف من كليهما. # ثم انظر إلى تصرف المأمون الحكيم، بعد ما قدمناه لك، فإنه أنفذ الكتب إلى ~~رجاله وأنصاره، وعمل على لم شعثه ورأب صدعه، واستقدم طاهر بن الحسين، عامله ~~على الري ، ليعهد إليه في قيادة جنده، ثم مكث يدبر الرأي فيما يجيب به أخاه، ~~واستقر رأيه على مناجزة أخيه ومنازلته، بعد أن أعلمه ابن سهل أن النصر له، وأن ~~النجوم تنبئ بذلك. # وانظر ما يرويه لنا المؤرخون من أنه كتب إلى الأمين: # أما بعد، فقد وصل إلي كتاب أمير المؤمنين، وإنما أنا عامل من عماله، ~~وعون من أعوانه، أمرني الرشيد، صلوات الله عليه، بلزوم هذا الثغر، ~~ومكايدة من كايد أهله من عدو أمير المؤمنين، ولعمري إن مقامي به أرد ~~على أمير المؤمنين، وأعظم غناء عن المسلمين من الشخوص إلى أمير ~~المؤمنين، وإن كنت مغتبطا بقربه، مسرورا بمشاهدة نعمة الله عنده، فإن ~~رأى أن يقرني على عملي، ويعفيني من الشخوص إليه فعل إن شاء الله. ~~والسلام. # ثم دعا العباس بن موسى وعيسى بن جعفر ومحمدا وصالحا فدفع إليهم الكتاب، ~~وأحسن إليهم في جوائزهم، وحمل إلى محمد ما تهيأ له من ألطاف خراسان، وسألهم أن ~~يحسنوا أمره عنده، وأن يقوموا بعذره لديه. ~~(6) إعلان الحرب # ولننتقل الآن إلى الكلام عن الحرب العملية التي تلت هذه الحرب الكلامية، كما ~~هو المنتظر، إن التاريخ يحدثنا أن الأمين ورجال الأمين بدءوا في تعبية الجنود، ~~كما بدأ المأمون ورجال المأمون في حشد الكتائب، وإنا لنرتاب كثيرا في صحة ما ~~ذكره الرواة من أن طاهر بن الحسين، القائد العام للجيوش المأمونية، كان ms218 في جيش ~~عدته ثمانمائة وثلاثة آلاف، بينما كان علي بن عيسى بن ماهان، القائد العام ~~للجيوش الأمينية، في زهاء أربعين ألفا، ونرجح كثيرا أن الرواة قد نقصوا عدد ~~الجنود المأمونية ليظهروا للناس مبلغ كفاية طاهر، وأنه استطاع بجند قليل عددهم ~~أن ينازل جيوشا جرارة ويغلبها على أمرها؛ لأنهم كثيرا ما يجنحون إلى ~~الإغراق والمبالغة في مثل هذه المواقف من مظاهرتهم للأقوياء وانتقاصهم للضعفاء، ~~كما أسلفنا. # نشك في صحة ذلك كثيرا، ونشك كذلك فيما يروونه من أن الجيوش المأمونية قد ~~عثرت في عسكر ابن ماهان على سبعمائة كيس، في كل كيس ألف درهم، وأنها عثرت كذلك ~~على صناديق عدة فيها خمر سوادي وقناني عدة! # قد يكون أمر الأموال صحيحا، ولكننا نميل إلى الافتراض بأن أمر الصناديق ~~العدة إن لم يكن مكذوبا في جملته بقصد الزراية بالجماعة الأمينية، فهو مغالى ~~فيه كثيرا. # ويذهب ابن الأثير في بيان غرور علي بن عيسى بن ماهان إلى أنه لما قرب من الري ~~ظن أن طاهر بن الحسين، قائد القوات المأمونية، لا يثبت له، وأن عليا قال: «ما ~~طاهر إلا شوكة من أغصاني وشرارة من ناري، وما مثل طاهر يؤمر على جيش، وما ~~بينه وبين الأمين # 4 # إلا أن تقع عينه على سوادكم، فإن السخال لا تقوى على نطاح ~~الكباش، والثعالب لا تقوى على لقاء الأسد»، وأن علي بن عيسى بن ماهان قال ~~لابنه لما أشار عليه بأن يبعث طلائع ويرتاد موضعا لعسكره: «ليس طاهر يستعد ~~له بالمكايد والتحفظ؛ إن حال طاهر يؤدي إلى أمرين: إما أن يتحصن بالري فيثب ~~به أهلها ويكفونا مئونته، أو يخليها ويدبر»، فقال له ابنه: «إن الشرارة ~~ربما صارت ضراما»، فأجابه: «إن طاهرا ليس قرنا في هذا الموضع، وإنما تحترس ~~الرجال من أقرانها». # ونحن نقول: إن من الجائز أن يكون شيء من هذا قد وقع، ومن الجائز أن يكون ~~بعلي بن ماهان زهو وغرور وقصر نظر وسوء تدبير، وقد يكون علي حين ~~المقارنة والموازنة أقل شأنا من منازله وخصمه طاهر بن ms219 الحسين، ولكنا مع ذلك ~~نحس إحساسا لا يعدو الواقع كثيرا أن هذا الحديث المعزو إليه من قبيل الروايات ~~المنحولة، والقصص المخترعة التي كثيرا ما تخترع وتنحل في مثل تلك ~~الظروف. # على أنا مع ذلك نقرر أن الجيوش المأمونية كانت على أتم تعبية، وأكمل كفاية، ~~وأدق نظام، وأحسن حال، وأن خديعة طاهر وقواد طاهر من حمل صورة البيعة على أسنة ~~رماحهم # 5 # تعيد إلى الأذهان ما كان بين جند معاوية وجند علي من حمل جند ~~معاوية المصاحف على الرماح. # لننتقل الآن إلى مسألة أخرى لها علاقة بعلي بن عيسى بن ماهان من ناحية، كما ~~أن لها علاقات بما يقع فيه القصاص والمؤرخون والرواة من تناقض من ناحية ~~أخرى، تلك المسألة هي ما يعزى إلى زبيدة من نصيحتها لابن ماهان باحترام المأمون ~~وإجلاله، وأنها قالت له: «يا علي، إن أمير المؤمنين وإن كان ولدي، إليه تناهت ~~شفقتي، وعليه تكامل حذري، فإني على عبد الله متعطفة مشفقة لما يحدث عليه من ~~مكروه وأذى، وإنما ابني ملك نافس أخاه في سلطانه، وغاره على ما في يده، ~~والكريم يأكل لحمه ويمنعه غيره، فاعرف لعبد الله حق والده وإخوته، ولا تجبهه ~~بالكلام؛ فإنك لست نظيره، ولا تقتسره اقتسار العبيد، ولا ترهقه بقيد ولا ~~غل، ولا تمنع منه جارية ولا خادما، ولا تعنف عليه في السير، ولا تساوه ~~في المسير، ولا تركب قبله، ولا تستقل على دابتك حتى تأخذ بركابه، وإن شتمك ~~فاحتمل منه، وإن سفه عليك فلا تراده». # معقول أن يكون ذلك من زبيدة لابن زوجها الرشيد! ولكن التاريخ يحدثنا عن ~~قيد من الفضة قيل إنها أعدته ليقيد به المأمون، كما يحدثنا أن المأمون نفسه ~~اعترف بمسألة هذا القيد، بيد أن نص النصيحة وما اشتملت عليه من الأوامر وما ~~جبلت عليه نفسية السيدة زبيدة مما يرجح عدم صحة القول بإعدادها قيد فضة أو ذهب ~~ليقيد به المأمون. ~~(7) انتصار الجيوش المأمونية ومقولات الشعراء # وقد كتب الله للجيوش المأمونية الفلج والنصر على الجيوش الأمينية. ونترك هنا ~~الكلمة لطاهر ms220 بن الحسين، قائد المأمون، فإنه ينبئ خليفته عن ذلك الانتصار ~~بقوله: «أطال الله بقاءك، وكبت أعداءك، وجعل من يشنؤك فداءك، كتبت إليك ~~ورأس علي بن عيسى بين يدي، وخاتمه في أصبعي، والحمد لله رب العالمين». # وذكر بعض أهل خراسان أن المأمون لما أتاه كتاب طاهر بخبر علي بن عيسى بن ~~ماهان، وما نالته جيوشه من فوز وانتصار، وما أوقع الله بجند خصمه من فشل ~~وانكسار، قعد للناس، فكانوا يدخلون عليه فيهنئونه ويدعون له بدوام العز والنصر، ~~وأن المأمون في ذلك اليوم أعلن خلع محمد، كما أعلن خلافته في جميع كور خراسان ~~وما يليها، وسر بذلك أهل خراسان وخطبت الخطباء وأنشدت الشعراء، وفي ذلك يقول ~~الشاعر: # أصبحت الأمة في غبطة # من أمر دنياها ومن دينها # إذ حفظت عهد إمام الهدى # خير بني حواء مأمونها # على شفا كانت، فلما وفت # تخلصت من سوء تحيينها # قامت بحق الله إذ دبرت # في ولده كتب دواوينها # ألا تراها كيف بعد الردى # وفقها الله لتزيينها؟! # وهي أبيات كثيرة. # وذكر علي بن صالح الحربي أن علي بن عيسى لما قتل أرجف الناس ببغداد إرجافا ~~شديدا، وندم محمد على ما كان من نكثه وغدره، ومشى القواد بعضهم إلى بعض، وذلك ~~يوم الخميس للنصف من شوال سنة 195، فقالوا: إن عليا قد قتل، ولسنا نشك أن ~~محمدا يحتاج إلى الرجال واصطناع أصحاب الصنائع، وإنما يحرك الرجال أنفسها، ~~ويرفعها بأسها وإقدامها، فليأمر كل رجل منكم جنده بالشغب وطلب الأرزاق ~~والجوائز، فلعلنا أن نصيب منه في هذه الحالة ما يصلحنا ويصلح جندنا. # خبرني، لعمرك! أليست هذه بوادر الفوضى وعلامات الانتقاض؟ أوليست هذه هي هي ~~بعينها مبادئ الثورة وأمارات زوال الملك وسقوط العروش وأفول نجم أصحابها؟ أجل ~~إنها لكذلك، وإن في انقسام كلمة الزعماء وإثارتهم النفوس بالاضطراب والقلاقل، ~~وإضرامهم نيران الفتن، وتحريكهم الجند وما إلى الجند للشغب والهياج تقطيعا ~~لأوصال البلاد، ونذيرا بالهدم والفناء. # ولننظر ماذا كان من حماقات رجال الأمين؟ # إن التاريخ ليحدثنا أن رأيهم قد اجتمع على الشغب والاصطياد في الماء ms221 العكر، ~~وأنهم أصبحوا فتوافوا إلى باب الجسر وكبروا، فطلبوا الأرزاق والجوائز، وبلغ ~~الخبر عبد الله بن خازم، فركب إليهم في أصحابه وفي جماعة غيره من قواد الأعراب، ~~فتراموا بالنشاب والحجارة واقتتلوا قتالا شديدا، وسمع محمد التكبير والضجيج، ~~فأرسل بعض مواليه أن يأتيه الخبر، فرجع إليه فأعلمه أن الجند قد اجتمعوا وشغبوا ~~لطلب أرزاقهم، قال: فهل يطلبون شيئا غير الأرزاق؟ قال: لا، قال: ما أهون ما ~~طلبوا! ارجع إلى عبد الله بن خازم فمره فلينصرف عنهم، ثم أمر لهم بأرزاق ~~أربعة أشهر، ورفع من كان دون الثمانين إلى الثمانين، وأمر للقواد والخواص ~~بالصلات والجوائز. # ولنتساءل الآن إزاء إجابة الأمين لسؤل القادة والجند ومبادرته إلى رفدهم، ~~وإسراعه بمنحهم الأعطيات والهبات والجوائز والصلات: أكان في تصرفه حكيما، وفي ~~عمله مسددا موفقا؟ # لا نظن ذلك، وكان الحزم به أولى ليقدع الفتنة، وليضع حدا صارما لشهوات ~~ذوي الغايات والمنتفعين الذين يكثر وجودهم وتتوافر جماعتهم في إبانها ~~وفتراتها. ~~••• # وقد كان اختيار الأمين لعلي بن عيسى بن ماهان خطلا سياسيا؛ لأن سابقة ابن ~~ماهان في خراسان أيام الرشيد كانت سابقة سوء، فهو ممقوت أشد المقت عندهم، ونقرر ~~بهذه المناسبة أنه يخيل إلينا، إلى حد غير قليل، اختلاق تلك القصة التي تعزى ~~إلى الفضل بن سهل، من أنه كتب إلى الدسيس الذي كان ممن يشاورهم الفضل بن الربيع ~~في أمره، أنه إن أبى جماعة الأمين إلا عزمة في الخلاف، فألطف لأن تجعل أمرهم ~~لعلي بن عيسى. # وقال الطبري: وإنما خص ذو الرياستين عليا بذلك لسوء أثره في أهل خراسان، ~~واجتماع رأيهم على كرهه، وأن العامة قائله بحربه، فشاور الفضل الدسيس الذي ~~كان مشاوره، فقال: علي بن عيسى! وإنه إن فعل فلم يرمهم بمثله في بعد صوبه، ~~وسخاوة نفسه، وكان في بلاد خراسان في طول ولايته وكثرة صنائعه، ثم هو شيخ ~~الدعوة وبقية أهل المشايعة. فأجمعوا على توجيهه. # نميل إلى القول بأن نسبة اختيار ابن ماهان إلى تدبير ابن سهل، وإسناد كل فضل ~~إليه من باب الدعوة لابن سهل، ms222 ونحن ممن يقر بذكائه وسعة حيلته، كما ~~أسلفنا. # ولكننا نقرر أيضا أن صلة ابن ماهان بالأمين وبدولة الأمين وبابن الربيع كانت ~~مما يحتم على الأمين لا محالة تقليده أمر جيوشه، وتفضيله على غيره من القادة، ~~لا أن دسيس جماعة المأمون هو الذي أشار بندبه واختياره، فلنحترس كثيرا من ~~مبالغة المؤرخين والرواة، ولنجعل من عقولنا ومنطقنا محكا وحكما. # ونلفت النظر هنا إلى تناقض وقع فيه الرواة من الحزب المأموني، فبينا نراهم ~~يقررون أن جيش المأمون عثر على صناديق عدة من الخمر فيما غنمه من علي بن عيسى ~~بن هامان، إذ بالدسيس يصفه بقوله: «ليس مثله في بعد صوبه وسخاوة نفسه !» # ومهما قيل بأن وصفه كذلك من باب الختل والخديعة، وبأنه كان في حقيقة الأمر ~~سكيرا معربدا، فإنا نرى أثر التأليف القصصي في الروايتين ظاهرا ~~جليا. # وسبق لنا أن قد فندنا، حينما كنا بسبيل القول في الأمين، ما رواه محمد بن ~~يحيى بن عبد الملك النيسابوري من أن الأمين قال لما نعى الناعي إليه قائده: ~~«ويلك! دعني فإن كوثرا قد اصطاد سمكتين وأنا ما اصطدت شيئا بعد»، وترك ~~الناعي وخبره وأقبل على الصيد وكوثره، فلنضم هذه إلى تلك. ~~••• # ويجدر بنا الآن أن نطلعك على بعض مقولات الشعراء في موقف الأخوين، مع ملاحظة ~~ما لاحظناه من مبالغتهم في تمداحهم للقوي وغلوهم في زرايتهم على الضعيف. # قال أحد الشعراء البغداديين: # أضاع الخلافة غش الوزير # وفسق الإمام وجهل المشير # ففضل وزير وبكر مشير # يريدان ما فيه حتف الأمير # وما ذاك إلا طريق غرور # وشر المسالك طرق الغرور # لواط الخليفة أعجوبة # وأعجب منه خلاق الوزير # فهذا يدوس وهذا يداس # كذاك لعمري اختلاف الأمور # فلو يستعينان هذا بذاك # لكانا بعرضة أمر ستير # ولكن ذا لج في كوثر # ولم يشف هذا دعاس الحمير # فشنع فعلاهما منهما # وصارا خلافا كبول البعير # وأعجب من ذا وذا أننا # نبايع للطفل فينا الصغير # ومن ليس يحسن غسل استه # ولم يخل متنه من حجر ظير # وما ذاك إلا بفضل وبكر # يريدان نقض الكتاب ms223 المنير # وهذان لولا انقلاب الزمان # أفي العير هذان أم في النفير؟ # ولكنها فتن كالجبال # ترفع فيها الوضيع الحقير # فصبرا ففي الصبر خير جميل # وإن كان قد ضاق صبر الصبور # فيا رب فاقبضهما عاجلا # إليك وأورد عذاب السعير # ونكل بفضل وأشياعه # وصلبهم حول هذي الجسور ~~(8) عود على بدء، مجهودات الأمين في سبيل الفوز # ولقد سبق أن قلنا لك: إنه مع ما يرمي إليه الرواه من تحقير شأن الأمين ~~ورجالات الأمين يمكننا مع ذلك تبين حقيقة أمره مما يلاحظ في ثنايا السطور ~~وفلتات الحوادث، وقلنا: إن تلك الفلتات قد تتيح لنا أن نؤمن بأن عند الأمين ~~بعض رجالات أفذاذ. ونريد الآن أن نثبت لك ذلك. # وهذا الطبري يحدثنا في حوادث سنة ست وتسعين ومائة، أنه لما قوي طاهر واستعلى ~~أمره، وهزم من هزم من قواد محمد وجيوشه، دخل عبد الملك بن صالح على محمد - ~~وكان عبد الملك محبوسا في حبس الرشيد، فلما توفي الرشيد وأفضى الأمر إلى ~~محمد أمر بتخلية سبيله، وذلك في ذي القعدة سنة 193، فكان عبد الملك يشكر ذلك ~~لمحمد ويوجب به على نفسه طاعته ونصيحته - فقال: يا أمير المؤمنين، إني أرى ~~الناس قد طمعوا فيك، وأهل العسكرين قد اعتمدوا ذلك، وقد بذلت سماحتك، فإن أتممت ~~على أمرك أفسدتهم وأبطرتهم، وإن كففت أمرك عن العطاء والبذل أسخطتهم وأغضبتهم، ~~وليست تملك الجنود بالإمساك، ولا تبقى بيوت الأموال على الإنفاق والسرف، ~~ومع هذا فإن جندك قد رعبتهم الهزائم، ونهكتهم وأضعفتهم الحرب والوقائع، وامتلأت ~~قلوبهم هيبة لعدوهم، ونكولا عن لقائهم ومناهضتهم، فإن سيرتهم إلى طاهر ~~غلب بقليل من معه كثيرهم، وهزم بقوة نيته ضعف نصائحهم ونياتهم، وأهل الشام ~~قوم قد ضرستهم الحروب، وأدبتهم الشدائد، وجلهم منقاد إلي مسارع إلى ~~طاعتي، فإن وجهني أمير المؤمنين اتخذت له منهم جندا تعظم نكايتهم في عدوه، ~~ويؤيد الله بهم أولياءه وأهل طاعته، فقال محمد: فإني موليك أمرهم، ومقويك ~~بما سألت من مال وعدة، فعجل الشخوص إلى ما هنالك، فاعمل عملا يظهر أثره، ~~وتحمد بركته برأيك ونظرك فيه، ms224 إن شاء الله. فولاه الشام والجزيرة واستحثه ~~بالخروج استحثاثا شديدا، ووجه معه كنفا من الجند والأبناء. # حاول الأمين بعد ذلك أن ينتصر على أخيه بكل ما في مقدوره، وبعث له الجند تلو ~~الجند، وإنا مع اعترافنا بكفاية قادته، أمثال عبد الرحمن بن جبلة الذي ندب أهل ~~البأس والنجدة والغناء، نقرر أن طريقة الإرجاف وبث الدعاة التي اتبعها القادة ~~المأمونيون كانت خطرة جدا. # انظر إلى من يقول لأهل حمص: يا أهل حمص، الهرب أهون من العطب، والموت أهون ~~من الذل! إنكم بعدتم عن بلادكم، وخرجتم من أقاليمكم، ترجون الكثرة بعد القلة، ~~والعزة بعد الذلة، ألا وفي الشر وقعتم، وإلى حومة الموت أنختم. إن المنايا في ~~شوارب المسودة وقلانسهم، النفير النفير! قبل أن ينقطع السبيل وينزل الأمر ~~الجليل، ويفوت المطلب ويعسر المذهب، ويبعد العمل ويقترب الأجل. وقام رجل من كلب ~~في غرز ناقته ثم قال: # شؤبوب حرب خاب من يصلاها # قد شرعت فرسانها قناها # فأورد الله لظى لظاها # إن عمرت كلب بها لحاها # ثم انظر لمن يقول: «يا معشر كلب، إنها الراية السوداء، والله ما ولت ولا ~~عدلت، ولا ذل نصيرها ولا ضعف وليها، وإنكم لتعرفون مواقع سيوف أهل خراسان في ~~رقابكم، وآثار أسنتهم في صدوركم، اعتزلوا الشر قبل أن يعظم، وتخطوه قبل أن ~~يضطرم شامكم، داركم داركم! الموت الفلسطيني خير من العيش الجزري، ألا ~~وإني راجع، فمن أراد الانصراف فلينصرف معي!» ثم سار وسار معه عامة أهل ~~الشام. # أرأيت إلى أي مدى كان أثر الدعاية المأمونية؟ # لقد كان المأمون موفقا بلا ريب، وكانت ظروف النصر والإقبال تواتيه من هنا ~~ومن هناك، وتظاهره على النجاح من جراء حكمته وكفاية رجالاته، كما كانت ~~تظاهره من جراء حماقة خصومه وقلة غنائهم. # ثم انظر ما كان من أمر العصبية في حوادث سنتي خمس وتسعين ومائة وست وتسعين ~~ومائة، وما كان من اشتطاط جند الأمين في طلب المال، وما كان من عدم قدرته على ~~إجابة طلبات القادة الكماة، أمثال أسد بن يزيد، وما كان من تقلب ms225 الحسين بن علي ~~معه وعليه، وما كان من ليان الأمين معه بعد أن حبسه، فإن التاريخ يحدثنا بأن ~~كل ما فعله الأمين معه هو أن لامه على خلافه وقال له: «ألم أقدم أباك على ~~الناس، وأوله أعنة الخيل، وأملأ يده من الأموال، وأشرف أقداركم في أهل ~~خراسان، وأرفع منازلكم على غيركم من القواد؟!» فقال له: بلى، قال: «فما الذي ~~استحققت به منك أن تخلع طاعتي وتؤلب الناس علي وتندبهم إلى قتالي؟» قال: ~~الثقة بعفو أمير المؤمنين، وحسن الظن بصفحه وتفضله، قال: «فإن أمير المؤمنين قد ~~فعل ذلك بك، وولاك الطلب بثأرك ومن قتل من أهل بيتك» ثم دعا له بخلعة فخلعها ~~عليه، وحمله على مراكب وأمره بالمسير إلى حلوان، وولاه ما وراء ~~بابه. # انظر إلى ذلك كله، فإنك تستطيع أن تقتنع معنا بأن لسوء التدبير حظا غير ~~قليل في خذلان الأمين وضياع ملكه. ~~(9) مظاهر الثورة وخطباؤها # على أن هناك ظاهرة في الجيش الأميني والأطراف الأمينية مثل ظاهرة الثورة ~~الفرنسية من بعض وجوهها يجدر بنا أن نقيدها لك ولو «على الهامش» كما ~~يقولون. # ذلك أن الزواقيل واللصوص والثوار لعبوا دورهم الخطير، كما أن الفوضى ضربت ~~بجرانها على كل البقاع الأمينية، ولم يكن ثمة من طاعة ولا نظام لا في الجند ~~الأميني ولا في قادة الجند الأميني. # وقد كان هناك خطباء كما كان في الثورة الفرنسية، وإن الطبري ليحدثنا أن محمد ~~بن أبي خالد قام بباب الشام فقال: أيها الناس، والله ما أدري بأي سبب يتأمر ~~الحسين بن علي علينا، ويتولى هذا الأمر دوننا؟ ما هو بأكبرنا سنا، ولا أكرمنا ~~حسبا، ولا أعظمنا منزلة! وإن فينا من لا يرضى بالدنية ولا يقاد بالمخادعة، ~~وإني أولكم نقضا لعهده، وإظهارا للتغيير عليه والإنكار لفعله، فمن كان رأيه ~~رأيي فليعتزل معي، وقام أسد الحربي فقال: يا معشر الحربية، هذا يوم له ما ~~بعده، إنكم قد نمتم وطال نومكم، وتأخرتم فقدم عليكم غيركم، وقد ذهب أقوام ~~بذكر خلع محمد وأسره، فاذهبوا بذكر فكه وإطلاقه. # يحدثنا التاريخ ms226 عن ذلك كله كما يحدثنا بأن شيخا كبيرا من أهل الكفاية قد ~~أقبل على فرس فصاح بالناس: اسكتوا! فسكتوا فقال: أيها الناس، هل تعتدون على ~~محمد بقطع منه لأرزاقكم؟ قالوا: لا، قال: فهل قصر بأحد منكم أو من رؤسائكم ~~وكبرائكم؟ قالوا: ما علمنا، قال: فهل عزل أحدا من قوادكم؟ قالوا: معاذ الله أن ~~يكون فعل ذلك، قال: فما بالكم خذلتموه وأعنتم عدوه على اضطهاده وأسره؟! أما ~~والله ما قتل قوم خليفتهم قط إلا سلط الله عليهم السيف القاتل والحتف ~~الجارف. انهضوا إلى خليفتكم وادفعوا عنه وقاتلوا من أراد خلعه والفتك ~~به. # أما ما أصاب بغداد من سلب ونهب وتحريق وتخريب، وفتنة شعواء وقتل ودماء، فإنا ~~نترك الكلمة في ذلك لشعراء العصر مما أثبتناه لك في باب المنظوم من الكتاب ~~الثالث من المجلد الثالث، فلتراجع ثمة. ~~(10) قتل الأمين # ولقد ضيق طاهر وهرثمة على الأمين الخناق، وفكرا فيمن يتسلم الأمين ليكون ~~له قصب السبق، وإنه لمن المؤلم حقا أن ترى الأمين وهو يقبل أولاده، ومن ~~المؤلم أن تسمعه وهو يقول: «وددت أن الله قتل الفريقين جميعا، فما منهم إلا ~~عدو من معي ومن علي، أما هؤلاء فيريدون مالي، وأما أولئك فيريدون نفسي!» ~~وقال: # تفرقوا ودعوني # يا معشر الأعوان # فكلكم ذو وجوه # كثيرة الألوان # وما أرى غير إفك # وترهات الأماني # ولست أملك شيئا # فسائلوا خزاني # فالويل لي ما دهاني # من نازل البستان؟ # وإنه لمن المؤلم حقا أن يتفقا على أن يأخذ أحدهما بدنه، والآخر خاتم ~~الخلافة وشاراتها! ومن المؤلم حقا أن تختم حياته بمأساته المروعة. # | هوامش # الفصل الرابع # | الخليفة المأمون # (1) توطئة # من تحصيل الحاصل أن نقول ما يقوله الفخري وغيره من أن المأمون كان من أفاضل ~~الخلفاء وعلمائهم، وحلمائهم وحكمائهم، أو أنه كان دينا، عارفا بالعلم، فيه ~~دهاء وسياسة، أو أنه كان فطنا ذكيا، أو أنه كان كاملا عالما جوادا، ~~عظيم العفو، ميمون النقيبة، حسن التدبير، جليل الصنائع، لا تخدعه الأماني، ولا ~~تجوز عليه الخدائع، علمه بما بعد عنه كعلمه بما حضر، أو ms227 أنه كان متصفا ~~بالعدل والحلم. # من تحصيل الحاصل أن نقول ذلك لأنه معلوم متعارف من ناحية، ولأن خطتنا في ~~كتابتنا ومنجهنا في بحوثنا أن نترك للحوادث الكلمة الفاصلة في تحليل صفاته ~~اتباعا للطريقة التحليلية التي اتبعناها فيما كتبناه عن سواه. # وقد أسلفنا لك القول في بيان حياة المأمون قبل الخلافة، وفصلنا لك ما كان من ~~أمر النزاع بين الأخوين، ووصلنا بك إلى مأساة تلك الحرب الشعواء والفتنة ~~العمياء، ألا وهي قتل محمد الأمين في 25 محرم سنة ثمان وتسعين ومائة، والآن ~~نتقدم إلى القول بأن المأمون بويع له بالخلافة العامة في ذلك التاريخ، واستمر ~~كذلك إلى أن توفي غازيا في 19 رجب سنة 218ه، فتكون خلافته قد أنافت على ~~عشرين سنة، أقام منها في خراسان حتى منتصف صفر سنة 204، حين انتقل إلى بغداد ~~مقر الخلافة العباسية. # فيمكننا إذن أن نقسم كلامنا عن حكم المأمون إلى مدتين: المدة الخراسانية، ~~والمدة البغدادية، وفي بيان هاتين المدتين بيان للحالة السياسية الداخلية في ~~عصره، وهو ما سنعالج الكلام فيه الآن. ~~(2) السياسة الداخلية # ملخص الحالة العامة في المدة الخراسانية # اطلعنا في دور النزاع بين الأخوين على شيء غير قليل من تصرفات الفضل بن ~~سهل وتدبيراته، ووقفنا على أثره العظيم في الدولة، كما اطلعنا على ما كان ~~من نجاح طاهر بن الحسين وهرثمة بن أعين في حروبهما للجيوش الأمينية. # ونتساءل الآن، بعد أن تم الأمر للمأمون وحزبه وخلا الجو إلى حد كبير ~~للفضل بن سهل: أمن المعقول أن تستطيع هذه الشخصية البارزة، الفارسية المنبت ~~والنزعة، ذات البيت الكبير والحماة والأصدقاء، والعفاة والأنصار، أن ~~تحتمل أن يكون إلى جانبها شخصيات بارزة من العرب كهرثمة بن أعين، وأبطال من ~~ذوي الفضل العظيم والدور الأول في النجاح كطاهر بن الحسين؟ # نحن نعلم ما كان من أبي مسلم الخراساني مع أمثاله من القادة والكماة، ~~كما نعلم ما كان نصيبه من الخليفة المنصور، نعلم ذلك كما نعلم الكثير من ~~أمثال ذلك، وإنه ليلوح لنا من غير أن نعدو الصواب كثيرا أنه ms228 في مقدورنا أن ~~نجيب عن تساؤلنا هذا. إن المعقول في طبيعة هذه الشخصيات الفذة في تلك ~~الأزمان المطلقة الحكم أنها تعمل على إزالة كل الشخصيات البارزة من طريقها؛ ~~ليكون ذلك لأطماعها ممهدا، ولخططها معبدا. # يلوح لنا أنا لا نعدو الصواب إذا قلنا ذلك؛ إذ إن هذا هو ما فعله الفضل ~~بن سهل مع الظاهرين وأصحاب الكلمة في الدولة، فإن التاريخ ينبئنا أنه رأى ~~مستقبله ومستقبل حزبه يكون مهددا إذا بقى طاهر وهرثمة في العراق، فاستصدر ~~أمرين ملكيين: أولهما بتولية شقيقه الحسن بن سهل جميع ما فتح بجهود طاهر ~~وقيادته الحكيمة وإخلاصه للقضية المأمونية. ينبئنا بأنه نصبه على كور ~~الجبال وفارس وعلى الأهواز والبصرة، وعلى الكوفة والحجاز واليمن، كما ~~ينبئنا بأنه ولى طاهرا الموصل والجزيرة والشام والمغرب. ولكي يتم ~~الأمر بإبعاده كتب إليه أن يسلم الحسن بن سهل جميع ما بيده من الأعمال، ~~وأن يبادر في الشخوص إلى الرقة لمحاربة نصر بن شبث. وثانيهما إلى هرثمة بن ~~أعين يكلفه به أن يشخص إلى خراسان. # ولنتساءل الآن: هل كان من المصلحة السياسية هذه الصدمة العنيفة لزعيمين ~~قويين أحسنا البلاء في الدولة، ولهما مكانتهما ولهما حزبهما؟ # وهل كل من المصلحة السياسية إخلاء العراق وهو مصدر الشقاق والنفاق ~~والعصيان والعدوان من هرثمة وطاهر؟ # وهل كان من المصلحة السياسية أن يترك المأمون مسألة كمسألة تعيين الحسن ~~بن سهل وإقصاء هرثمة وطاهر تمر هكذا؛ فيستغلها الدعاة على ملكه من بني ~~هاشم ممن لم يكن لهم حظ في دولته، ومن غير بني هاشم ممن يودون زوال الملك ~~الهاشمي، فيقول - فيما يقولون عنه: إنه غلب على أمره، أو أن الفرس ملكوا ~~زمامه، أو أن الفضل بن سهل أنزله قصرا فحجبه عن رجالات دولته، وأن السلطان ~~ومقاليد السلطان قد نزعت منه؟ # نعود نتساءل: أكان ذلك كله من مصلحته السياسية؟ # لم يكن ذلك من المصلحة السياسية طبعا، لا سيما أنه لم تسكن الفتن ~~والثورات بعد في الأقطار المأمونية، ولكنا نميل إلى اعتقاد أن المأمون كان ~~مرغما على الوقوع في هذه ms229 الغلطة السياسية وهو ذلك السياسي المحنك والداهية ~~القدير، كما رأيت وكما سترى في موضعه؛ لأن لظروف الأحوال نصيبها في ذلك ~~التصرف منه ومن غيره ممن يكون في مكانه، ولأنه ربما تحاشى بتصرفه ذلك ~~خطرا أجسم، وأوسع نطاقا، وأبعد مدى؛ وهو خطر إغضاب الفضل بن سهل وجماعة ~~الفضل بن سهل. # ومهما يكن من شيء، فإن هذه التصرفات التي كانت من الفضل بن سهل وإقرار ~~المأمون لها، وبقاء المأمون بعد أن تم له الأمر في مرو دون بغداد عاصمة ~~الخلافة العباسية، كانت لها نتائجها السيئة في شيعة المأمون وأنصاره من ~~جهة، وفي أعدائه والراغبين عن سلطانه من جهة أخرى، ذلك بأن أنصار المأمون ~~وقواده ، ونخص بالذكر منهم طاهر بن الحسين وهرثمة بن أعين، قد كسر قلوبهم ~~وفل من عزائمهم، أن يكون جزاؤهم على فوزهم وحسن بلائهم وإخلاصهم تلك ~~التصرفات السيئة التي كانت نصيبهم من المأمون ومن حاشية المأمون. # هذا كان أثرها في شيعته وخاصة أنصاره، وأما غير هؤلاء فقد جعلت هذه ~~التصرفات ألسنتهم تنطلق باتهام المأمون بأنه يميل إلى الخراسانيين، وأنه ~~أصبح آلة في أيديهم يحركونه كما يشاءون، وقد حدث من جراء هذه الإشاعات ~~وفتور همة أنصار المأمون الذين لم يجازوا الجزاء الأوفى أن اضطربت الأمور ~~وكثرت الفتن، ووجد أعداء المأمون الفرصة سانحة لتحقيق أطماعهم، ومن تلك ~~الفتن ما يحدثنا التاريخ عنه من خروج محمد بن إبراهيم العلوي المعروف بابن ~~طباطبا بالكوفة، وقد قام بتدبير أمره رجل من رجالات هرثمة بن أعين وكبار ~~أنصاره، وقد خرج لأنه حبس عنه ما كان يعطاه من رزق. هذا الرجل هو أبو ~~السرايا السري بن منصور، وكان هو الخارج على المأمون في الواقع لا ابن ~~طباطبا، وقد بلغ من أمره أن ضرب الدراهم وجند الجنود حتى اضطر الحسن بن سهل ~~أن يسترضي هرثمة ويستعينه؛ ليكفيه شر هذا الخارج القوي. # ويظهر أن موت الزعماء كان طلسما من الطلاسم أو سرا من الأسرار، أو ~~صناعة من الصناعات الخفية؛ فإنا نجد أن محمد بن إبراهيم هذا، الذي سمت ~~منزلته ms230 بين أتباعه وعظمت طاعتهم له، قد مات بعد أن كتب النصر للقائم ~~بتدبير أموره على سليمان بن جعفر والي الكوفة من قبل المأمون، ثم نرى هذا ~~المنتصر يولي مكانه غلاما أمرد حدثا هو محمد بن محمد بن زيد ~~العلوي. # وتعال معي لننظر في حوادث سنة تسع وتسعين ومائة؛ ففيها ما يكشف القناع عن ~~أمور جسام تفيدنا في تفهم الروح الحزبية بين العلويين والعباسيين، وتفيدنا ~~أيضا في إماطة اللثام عن سبب هام من الأسباب التي يرجع إليها تبرم بعض ~~الولاة الكفاة بدولة الفضل بن سهل، وانفراده هو وجماعته بمراتب الدولة ~~ووظائفها. # تعال ننظر في حوادث تلك السنة، فنجد فيها أن هرثمة جد في طلب أبي ~~السرايا صديقه بالأمس ومنازله اليوم، حتى وصل إلى قصر ابن هبيرة، فكانت ~~بينهما وقعة شديدة قتل فيها من أصحاب أبي السرايا خلق كثير، أليس في هذا ~~ما يقنعك بأن إيماضة رضا وابتسامة تشجيع، لرجل من رجالات الدولة، كافية ~~لأن ينهض فيحارب زميله ويقاتل خدنه؟ ثم نجد في تلك السنة فيها أن محمد بن ~~محمد وثب ومعه الحزب الطالبي على دور بني العباس ودور مواليهم وأتباعهم ~~بالكوفة، فانتهبوها وخربوها وأخرجوهم من الكوفة، واستخرجوا الودائع التي ~~كانت لهم عند الناس فأخذوها، وعملوا في ذلك عملا قبيحا، وتجد كذلك فيها ~~أن مسرورا الكبير، الخادم الرشيدي، قد حج تلك السنة في مائتي فارس من ~~أصحابه، وأنه عبي لحرب من يريد دخول مكة وأخذها من الطالبيين، وأنه قال ~~لعامل مكة داود بن عيسى: أقم لي شخصك أو شخص بعض ولدك وأنا أكفيك ~~قتالهم، فقال له داود: لا أستحل القتال في الحرم، والله لئن دخلوا من هذا ~~الفج لأخرجن من الفج الآخر، فقال له مسرور: تسلم ملكك وسلطانك إلى ~~عدوك ومن لا تأخذه فيك لومة لائم في دينك ولا حرمك ولا مالك؟! قال له: ~~أي ملك لي؟! والله لقد أقمت معهم حتى شخت فما ولوني ولاية حتى كبرت ~~سني، وفني عمري، فولوني من الحجاز ما فيه القوت، إنما هذا الملك لك ~~ولأشباهك، ms231 فقاتل إن شئت أو دع. # هذه حالة نفسية لبعض الولاة العرب قد يكون من النفع أن تلاحظ تبرمها ~~وسخطها من سياسة العصر، أو من الهيمنة الفارسية على شتى أمور الدولة ~~عامة، والجسيمات منها خاصة في ذلك العصر، وربما كانت هذه الحالة النفسية ~~تمثل لك حالات كثيرة من نفسيات العرب لذلك العهد. # ثم لننظر في حوادث سنة مائتين، فنجد أن زيد بن موسى الطالبي المعروف ب ~~«زيد النار» كان بالبصرة، وإنما سمي «زيد النار» لكثرة ما حرقه من دور ~~العباسيين وأتباعهم في البصرة، وكان إذا أتي برجل من المسودة العباسية ~~كانت عقوبته عنده أن يحرق بالنار، ونجد فيها أن إبراهيم بن موسى الطالبي ~~قد خرج باليمن، ونجد أيضا أن الكعبة وخزائنها وأحجارها الكريمة لم تسلم من ~~أبي السرايا وأتباعه العلويين، وكم حبس من العباسيين وكم آذى! حتى ندب محمد ~~بن مسلمة الكوفي لتولي عذاب العباسيين، فأسرف في ذلك حتى سميت داره ب ~~«دار العذاب»، ونجد أيضا أن خارجيا آخر وهو حسن بن حسين أراد اقتفاء ما ~~رسمه أبو السرايا، فذهب إلى علوي وداع محبب معروف في مكة والمدينة وهو ~~محمد بن جعفر ونصبه خليفة اسما، وجعل السلطان بيده فعلا. # ونجد فيها قبائح وفضائح لحسن بن حسين هذا مع زوجة قرشية من بني فهر، ~~وزوجها من بني مخزوم، ولها جمال بارع، فاغتصبها من زوجها، ونجد فيها مثل ~~ذلك الصنيع المعيب من علي بن محمد، الخليفة المنصوب، مع ابن القاضي إسحاق ~~بن محمد، وكان جميلا بارعا في الجمال. # نجد ذلك كله ونجد الكثير من أمثاله مما أدى إلى إثارة الرأي العام في ~~مكة، فاحتجوا حتى رد الصبي لأبيه مكرها مرغما! ونجد فيها أمثلة عدة ~~لاستلاب أموال الناس، كما نجد فيها رجلا عباسيا موتورا من العلويين، ~~وهو محمد بن الحكيم، ممن كان الطالبيون قد انتهبوا داره وعذبوه عذابا ~~شديدا، عثر على محمد بن جعفر الطالبي الخليفة المنصوب، وقد طرد شر طردة، ~~وكان في مقدوره أن يقتله فلم يفعل، فلنقيد هذه الحادثة فإنها تنفعنا في ms232 ~~تفهم السر الذي كان كثيرا ما يحدو بالمأمون إلى احترام العلويين وتقدير ~~مكانتهم والعمل على إرضائهم؛ لأن لهم حرمة في نفوس حزب غير قليل من ~~الشعب. # ونجد في السنة ذاتها أن الحج قد تولاه أكثر من شخص لتعدد السلطات، فندب ~~المأمون أبا إسحاق بن هارون الرشيد، ووجه إبراهيم بن موسى الطالبي الذي ~~خرج باليمن رجلا من ولد عقيل بن أبي طالب، كما وجه غيره من يمثله، مما ~~يدل على الفرقة والانقسام وعلى الفوضى والاضطراب، فلتتعرف ذلك ~~جيدا. # ويجدر بنا هنا أن نبين نتائج الحالة الحزبية بين الفريقين؛ فقد بلغ أبا ~~إسحاق بن الرشيد أن الجماعة الطالبية التي أتت من اليمن للحج قد مرت بها ~~قافلة من الحاج والتجار، وفيها كسوة الكعبة وطيبها، فاستلبت أموالهم ~~وطيبهم، فندب لهم محمد بن عيسى بن يزيد الجلودي الذي أحدق بهم فأسر أكثرهم، ~~وهرب من هرب منهم، وأخذ منهم الطيب وأموال التجار والحاج فوجه به إلى ~~مكة، ودعا بمن أسر من أصحاب العقيلي العلوي فأمر بهم فقنع كل رجل منهم ~~عشرة أسواط، ثم قال لهم: «اعزبوا يا كلاب النار، فوالله ما قتلكم وعر، ولا ~~في أسركم جمال» وخلى سبيلهم. ولنلاحظ تسميته لهم ب «كلاب النار». # وإنا نلخص لك الحوادث التي وقعت بعد أن قمع هرثمة ثورة أبي السرايا ~~التي انتهت بقتله عام 200ه وإخماد فتنته، معتمدين في ذلك على الطبري ~~والأستاذ «ميور» خاصة. # لما قمع هرثمة ثورة أبي السرايا عاد إلى نهروان دون أن يعرج على والي ~~بغداد، وهناك وافاه أمر الخليفة بتوليه حكم سوريا وبلاد العرب، وكان قد ~~اعتزم الذهاب بعد ذلك إلى «مرو» مباشرة ليكشف للخليفة عن حقيقة الموقف ~~وحرجه الذي يخفيه عنه وزيره الفضل، بسبب بقاء الخليفة في «مرو»، وأن الغرب ~~سينتقض عليه سريعا ويخرج من يده إذا هو لم يبادر إلى العودة إلى بغداد، ~~فلما أحس الفضل عزم هرثمة على القدوم فطن إلى ما ينويه، فدس له عند المأمون ~~حتى أوغر صدره عليه، وكادت السنة تنتهي قبل أن يذهب هرثمة إلى ms233 «مرو»، فلما ~~ذهب خشى أن يكتم الفضل خبر قدومه عن المأمون، فدق الطبول عند دخوله ~~المدينة، فلما علم الخليفة الموغر الصدر بقدومه أمر بإحضاره، فلما مثل بين ~~يديه بالغ في تقريعه وتأنيبه على توانيه في تسكين ثورة أبي السرايا، وفي ~~مخالفة ما أصدره إليه من أمره بالذهاب إلى ما ولاه من أعمال، وما كاد هذا ~~القائد يهم بالكلام ويشرح لمولاه الحالة حتى هجم عليه الحرس الذين أسر ~~إليهم الفضل أن يغلظوا في تعذيبه، فانهالوا عليه ضربا ولكما على وجهه ~~وجسمه ثم سحبوه بسرعة إلى السجن حيث مات به بعد زمن قصير متأثرا بجروحه، ~~ولقد اعتقد عامة الناس أن الذي أماته هو الفضل. # وهكذا انطوت صحيفة هذا الباسل العظيم الذي ذب عن ملك المأمون، وكافح ~~في توطيد دعائم الدولة من إفريقية إلى خراسان، والذي يرجع إليه الفضل ~~الأكبر في انتصار المأمون على أخيه المخلوع. # ومات هذا القائد العظيم ضحية للسعاية ونكران الجميل كما مات أمثاله من ~~قبل من صناديد هذه الدولة من جراء السعاية والمنافسة، ومن جراء أعمال ~~البطانة ودسائس الحاشية. # ولنتساءل: ماذا كانت نتيجة قتل هرثمة؟ # يحدثنا التاريخ أن هرثمة كان محبوبا في الغرب، وأن موته أحدث فتنا ~~وقلاقل في بغداد، وثارت الجنود في وجه الحسن بن سهل؛ إذ عدوه آلة في يد ~~أخيه الفضل الذي كانوا ينعتونه بالمجوسي، وبعد قتال دام ثلاثة أيام طردوا ~~الحسن من المدينة، فلجأ إلى «المدائن» ثم ارتد إلى «واسط»، واستمرت الفتن ~~والقلاقل بعد ذلك قائمة ببغداد شهورا عدة نشطت في خلالها عصابات اللصوص ~~وشراذمة الصعاليك، وشمرت عن ساعدها في أعمال النهب والسلب حتى طغى سيل ~~غاراتهم على تلك المدينة المنكودة التي أصبحت تحت رحمتهم. # ويحدثنا التاريخ أنهم قد أسرفوا في ذلك إسرافا عظيما مما فزع له أعيان ~~المدينة ووجهاؤها، فأجمعوا أمرهم على صد هؤلاء السفلة الأشرار ودفع غائلتهم ~~عن المدينة وأهلها، ولما تم لهم ما أرادوا اختاروا من بينهم رجلين من ذوي ~~الفضل والمكانة فيهم وولوهما تدبير الحكم ريثما تستقر الحال ويعود الأمن ~~إلى ms234 نصابه، ثم عرضوا عرش الخلافة على المنصور بن المهدي والبيعة له، فتأبى ~~عليهم ولكنه عاد وقبل أن يتولى الحكم باسم الخليفة المأمون. # ولم توشك هذه السنة أن تنتهي حتى كان قواد الجند في بغداد قد سئموا ~~القتال، فاتفقوا مع الحسن بن سهل الوالي فعاد إلى بغداد بعد أن أصدر عفوا ~~عاما، ووعد بأنه يدفع للجند رواتبهم عن ستة أشهر، وبأن يدفع كذلك لذوي ~~المعاشات أرزاقهم حسبما هو مدرج بقوائمهم. ~~••• # ولنتساءل الآن: ماذا حدث بعد ذلك؟ # حدث أنه ما كاد الأمر ينتهي على هذه الشروط حتى عادت الفتنة والاضطراب ~~أشد مما كانا عليه؛ ذلك بأن المأمون لغرض سياسي أو لنزعة شيعية أو لتقدير ~~كفاية خاصة استدعى واحدا من سلالة سيدنا علي، وهو «علي الرضا» رضي الله ~~عنه، وهو ثامن أئمة الشيعة أو حزب العلويين إلى «مرو»، واختاره وليا لعهد ~~الخلافة مع أنه يكبره باثنتين وعشرين سنة. # وربما كان المأمون في رأيه هذا صادرا عن رأي وزيره الفضل الذي زين له أن ~~هذه أنجح وسيلة لتسكين ثورة العلويين في الغرب، وربما كانت تنجح هذه ~~الوسيلة في التوفيق بين البيتين العلوي والعباسي قبل استفحال الخلف ~~بينهما. # أما وقد استطار الشر بينهم، وقلب بعضهم لبعض ظهر المجن، ولبسوا جلد ~~النمر وتحفزوا للقتال وتداعوا للجلاد، فإن أمر الوفاق بينهم صار حلما، ~~وعاد الإقدام عليه سخفا وحماقة مهلكة. # وماذا ترتب على إسناد ولاية العهد لفرد من العلويين؟ # إن التاريخ يحدثنا أنه ترتب على إسناد ولاية العهد لعلي الرضا أن أمر ~~الخليفة ولاته في جميع أنحاء الدولة بأخذ البيعة لولي عهده، ولكي يجعل ~~المأمون الدولة تصطبغ بصبغة العلويين خلع الشعار الأسود، شعار العباسيين، ~~وارتدى الشعار الأخضر، شعار الشيعة، وأمر عماله بالاقتداء به. # وفي أواخر هذه السنة تلقى الحسن بن سهل من أخيه الفضل أمرا بإعلان ذلك ~~وتنفيذه، فكان لذلك الأمر أسوأ أثر في أهل بغداد؛ إذ وقع عليهم كالصاعقة ~~لأن أهلها كانوا يخافون الشيعة ويمقتونهم، وكذلك شعر العباسيون بأن الضربة ~~موجهة للقضاء على خلافتهم، فشقوا عصا الطاعة ms235 وهموا بخلع المأمون واختيار ~~خليفة سواه، ولم يعارض زعماء البيت الملكي من العباسيين في ذلك، فلم تأت ~~آخر جمعة من هذه السنة حتى دعي لإبراهيم بن المهدي على المنابر خليفة ~~بدلا من المأمون، وسرعان ما بويع له بالخلافة، وكان إبراهيم بارعا في ~~الموسيقى والغناء والشعر، ولكن كانت تنقصه المؤهلات التي يستطيع بها أن ~~يضطلع بأعباء الملك التي ألقيت على عاتقه، والتي ناء بحملها مدة ~~سنتين. # ثم ماذا كان بعد ذلك؟ # نشب القتال بين جنود المأمون وجنود إبراهيم المغتصب للخلافة، فاضطر ~~الحسن بن سهل نائب المأمون أن يرتد إلى واسط مرة أخرى، وخيل إليه أنه إذا ~~جارى أهل الكوفة في ميولهم الشيعية يستطيع أن يضمها إليه، وبدأ ذلك بأن ~~ولى عليها أحد إخوة علي الرضا، ولم يدر أن التوفيق بين عائلتي علي ~~والعباس في مدينة كهذه متقلبة الأهواء ضرب من المستحيل؛ فإن أهلها كانوا ~~على استعداد في أول أمرهم للقاء الحسن كقائد من صميم العلويين، ولكنهم ~~انتقضوا عليه باعتباره الوالي الفارسي من قبل المأمون؛ وعلى ذلك قامت ~~الثورات في هذه المدينة أيضا كما قامت في غيرها. # ثم ماذا حدث بعد ذلك؟ # إن التاريخ يحدثنا أنه بينما كان الغرب غارقا في لجج هذه الفوضى حدث في ~~مرو تغيير جديد ذو شأن؛ ذلك أن المأمون قد تنبه في آخر الأمر لحرج الموقف ~~وخطورة الحالة، ومن الغريب أن أول من نبه الخليفة إلى هذا الخطر المحدق ~~به وبعرش آبائه وأجداده هو علي الرضا نفسه، فتبين المأمون أن ولايته للعهد ~~كانت شؤما على الدولة؛ إذ سارت الأمور فيها من سيئ إلى أسوأ زهاء عام منذ ~~توليه. # ويحدثنا التاريخ أن عليا الرضا خلا بالخليفة وكاشفه أن الفضل وزيره ~~يكاتمه حقيقة الحال ويخفي عنه أمور الدولة، وأن أهل العراق يقولون عنه، أي ~~الخليفة: إنه مجنون أو مسحور، وأن الخلافة توشك أن تفلت من يده بين ~~إبراهيم والعلويين، وأن الحسين أخا الفضل يعمل في القضاء على الغرب، بينما ~~طاهر ذلك القائد الباسل الذي يستطيع أن يقود سفينة الدولة ms236 إلى شاطئ النجاة ~~منبوذ في سوريا. # وقد أيد هذه الحقائق للمأمون جماعة من قواد الدولة وزعمائها بعد أن أمنهم ~~المأمون من غضب وزيره، ونصحوا إليه بأن خير علاج لسلامة الدولة أن يعجل ~~بالعودة إلى بغداد، وقالوا له: إن هذه كانت نصيحة هرثمة التي جاء من أجلها ~~منذ سنتين ليسرها إليه لو أنه أمهله واستمع له. # فأيقن المأمون أخيرا أن استسلامه للفضل وانقياده له كانا سببا لكل ما ~~حدث من الفتن والثورات، فأمر بانتقال بيت الخلافة إلى بغداد، وما كادوا ~~يحلون بسرخس وهم في طريقهم إلى بغداد حتى وجدوا الفضل قتيلا في حمامه - ~~وكان الفضل قبل ذلك قد اضطهد جماعة القواد والزعماء الذين كشفوا أمره عند ~~الخليفة - فوعد الخليفة بمكافأة لمن يأتيه بالقتلة، ولما قبض عليهم ~~دافعوا عن أنفسهم بأنهم إنما قتلوه بأمر مولاهم الخليفة، ولكن لم يغنهم ~~دفاعهم شيئا وضربت أعناقهم، وبعث الخليفة برءوسهم إلى الحسن بن سهل ~~مشفوعة بكتاب تعزية منه، ووعده فيه بأنه سيستوزره خلفا من أخيه، وبلغ من ~~عطف الخليفة عليه، أو من سياسته وحكيم تدبيره أن عقد زواجه من ابنته ~~بوران التي كانت إذ ذاك، فيما قيل، طفلة في الحول العاشر من عمرها، ولم ~~يدخل بها إلا بعد ثمان سنين بعد ذلك، وفي الوقت نفسه زوج إحدى بناته لعلي ~~الرضا الذي كان في ذلك الوقت قد بلغ الرابعة والخمسين من عمره، كما زوج ~~بنتا له أخرى من ابن علي الرضا، وكذلك ولى أحد إخوة علي الرضا إمرة ~~الحج، وبهذه المصاهرة تمت مظاهر حسن العلاقات وتوثيق العرا بينه وبين ~~الحزب العلوي، وكانت هذه المصاهرة في ذاتها تصرفا سياسيا آية في الحكمة ~~والسداد. # لم يمض بعد ذلك غير قليل حتى حدث حادث آخر لم يكن متوقعا؛ ذلك أنه في ~~أثناء سفر الخليفة إلى بغداد نزل بطوس في فصل الخريف، وهناك مات علي الرضا ~~فجأة وقيل: إن موته كان بسبب إفراطه في أكلة عنب، فدفنه المأمون بجوار قبر ~~أبيه الرشيد، فاهتزت الدولة لموته الفجائي الذي جاء عقب مقتل الفضل، ms237 وإنه ~~لمن المعقول في مثل هذه الأحوال أن تنتشر الإشاعات، وتكثر الأراجيف في سبب ~~موته، كما أنه من المعقول أيضا في مثل هذه الأحوال أن يصعب الوقوف على ~~الحقيقة لتضارب الإشاعات وتناقض الأراجيف واختلاف وجهات النظر، وقد قيل ~~فيما قيل: إن المأمون دس له السم في العنب، بيد أن الرعاية التي أظهرها ~~المأمون لعلي الرضا خصوصا بعد توثيق عرا العلاقات بعد المصاهرة قد تدفع ~~هذه الشبهة عن الخليفة. # إنا لا نمنعك من أن تفترض من جهة أخرى أن الفضل وعليا كانا عقبة كأداء ~~في سبيل المأمون لا يزيلها من سبيله إلا موتهما، ويجوز لك أن تذهب في ~~التدليل على أن المأمون كان يعد عليا عقبة في سبيل إرضاء أهالي بغداد، ~~إلى أنه في الوقت الذي كتب فيه كتاب تعزية إلى الحسن بن سهل ينعى فيه موت ~~علي أرسل كتابا آخر إلى أهل بغداد يقول لهم فيه: إن عليا الذي أظهروا ~~سخطهم وتبرمهم من إسناد ولاية العهد له قد قضى، فلا شيء إذن يمنعهم الآن من ~~العودة إلى طاعته وموالاته. # على أنا لا نجاريك في هذا الافتراض لما بيناه لك من ناحية، ولأن نفسية ~~المأمون وخلقه، مما ستقف عليه قريبا، لمما يجعل هذا الافتراض واهنا ~~ضعيفا. # أما فيما يختص بكتاب المأمون إلى البغداديين بشأن موت علي الرضا فنقول ~~لك: إنه وإن لم يحدث أثره المطلوب تماما في نفوس البغداديين لأنهم أجابوا ~~عنه بكتاب جاف فاتر، إلا أنه قد خطا به خطوة ما في سبيل استمالة أهل بغداد، ~~وفي هذا الوقت أخذ أنصار إبراهيم القلائل ينفضون من حوله لضعفه وسوء تدبيره ~~في إدارة الحكم، وتخلى عنه جنوده ولم يتقدموا لمدافعة جنود المأمون، ~~وسقطت المدائن التي كان فيها مقر خلافته في أيدي جنود المأمون وساءت أحواله ~~واضطرب نظام ملكه في فصل الشتاء، ولما دنا قواد المأمون وجنوده للعاصمة ~~لمهاجمتها خرج إليهم قواد المدينة وزعماؤها يظهرون ولاءهم وطاعتهم ~~للمأمون. # وما كادت تنتصف السنة حتى استولى قواد المأمون على المدينة، وحتى اختفى ~~إبراهيم كما اختفى ms238 غيره ممن كانوا قد خرجوا على المأمون، وذلك بعد أن عانت ~~ما عانت من ضروب الفوضى واختلال الأمن وسقم الحال مدة سنتين تقريبا، وبقى ~~مختفيا فيما يقال ثماني سنين ثم قبض عليه متنكرا في زي امرأة، ثم عفا ~~عنه المأمون. وسنذكر ذلك في موضعه. # ملخص الحالة العامة في المدة البغدادية - دخول المأمون ~~بغداد (في صفر سنة 204ه/أغسطس سنة 819م) # لما خمدت ثورة بغداد وفر إبراهيم بن المهدي مختفيا، واستقر النظام ~~وعاد أهلوها إلى الطاعة والولاء لخليفتهم تقدم إليها المأمون متئدا في ~~سيره، إذ كان يقف في أثناء سفره بالمدائن التي يمر بها كي يعيد إليها الأمن ~~ويقر فيها النظام، فأقام في جرجان شهرا كما أقام في النهروان ثمانية ~~أيام، فخرج لاستقباله أهل بغداد يتقدمهم أهل بيته وقواده ووجوه المدينة ~~احتفاء بقدومه إليهم. # وكان المأمون قد كتب في أثناء سفره إلى طاهر وهو في الرقة أن يوافيه في ~~النهروان، فوافاه بها، ثم تقدم بعد ذلك ودخل بغداد في صفر سنة 204ه/أغسطس ~~سنة 819م. # وكان لا يزال الشعار الأخضر شعار العلويين الذي اتخذه المأمون وهو في ~~مرو شعار الدولة، فما زال به كبار قواده وأهل بيته حتى طرحه واستبدل به ~~الشعار الأسود شعار العباسيين. # ويحدثنا يحيى بن الحسن أن المأمون لبس الخضرة بعد دخوله بغداد تسعة ~~وعشرين يوما ثم مزقت، ثم خلع الخلع السنية على من حضر من القواد ~~والأشراف ورجالات الدولة، وعفا عن الفضل بن الربيع وزير الأمين الذي كان ~~اختفى بعد مقتله ثم ظهر مساعدا لإبراهيم بن المهدي في ثورته، وكذلك عفا عن ~~عيسى وزير إبراهيم مع أنهما كانا رأسي الفتن والقلاقل التي أثيرت على حكم ~~المأمون، فكان موقف المأمون معهما غاية في التسامح والكرم. # ولم يكن قد استقر الأمر والنظام في جميع أنحاء الدولة بدخول المأمون ~~بغداد، فقد كان لا يزال نصر بن شبث خارجا في سوريا، وكانت لا تزال مصر ~~مسرحا للفتن والقلاقل، وبابك الخرمي يعظم خطره في شمال فارس، والزط لا ~~يزالون يعيثون في الأرض فسادا على ms239 الخليج الفارسي. وسنقص عليك في موضعه ما ~~وصلت إليه هذه الثورات وكيف أخمدت. # ثم ولي المأمون طاهرا حاكما على بغداد، وأقام ابنه عبد الله واليا ~~على الرقة خلفا من أبيه، غير أن المأمون لم يلبث أن تنكر لطاهر وأظهر له ~~الجفوة، ثم نرى بعد قليل أن طاهرا ولي حاكما على خراسان. # وقد كنا نكون في حيرة من أمر هذا التنكر الفجائي من الخليفة على رجله ~~العظيم من غير سبب ظاهر، ثم ينتهي ذلك بأن يكون حاكما على خراسان، لولا أن ~~ابن طيفور يروي لنا أسباب كل هذا في قصة ممتعة ملخصها: أن طاهرا دخل على ~~المأمون ذات يوم في حاجة، وكان المأمون فيما قيل في مجلس شراب، فأمر له ~~برطلين من النبيذ، ثم بكى المأمون وتغرغرت عيناه فقال له طاهر: يا أمير ~~المؤمنين، لم تبكي، لا أبكي الله عينك؟! فوالله لقد دانت لك البلاد، وأذعن ~~لك العباد، وصرت إلى المحبة في كل أمرك، فقال: أبكى لأمر ذكره ذل، وستره ~~حزن، ولن يخلو أحد من شجن؛ فتكلم بحاجة إن كانت لك. فما زال طاهر بعد ~~ذلك يتخذ الوسائل إلى معرفة السبب حتى وفق بالمال إلى إغراء ساقي المأمون ~~أن يتعرف كنه ذلك السبب، فلما تغدى المأمون ذات يوم قال لساقيه: يا حسين، ~~اسقني، قال: لا والله لا أسقيك أو تقول لم بكيت حين دخل عليك طاهر! قال: ~~يا حسين، وكيف عنيت بهذا حتى سألتني عنه؟ قال: لغمي بذلك، قال: هو أمر ~~إن خرج من رأسك قتلتك، قال: يا سيدي، ومتى أخرجت لك سرا؟! قال: إني ~~ذكرت محمدا أخي وما ناله من الذلة فخنقتني العبرة، فاسترحت إلى الإفاضة، ~~ولن يفوت طاهرا مني ما يكره! قال: فأخبر حسين طاهرا بذلك، فركب طاهر إلى ~~أحمد بن أبي خالد وهو وزير المأمون فقال له: إن الثناء مني ليس برخيص، وإن ~~المعروف عندي ليس بضائع، فغيبني عن عينه، فقال له: سأفعل؛ فبكر علي ~~غدا. # قال وركب ابن أبي خالد إلى المأمون، فلما دخل عليه قال له: ms240 ما نمت ~~الليلة، فقال له: ولم ويحك! قال: لأنك وليت غسان خراسان وهو ومن معه ~~أكلة رأس، # 1 # فأخاف أن يخرج عليك خارجة من الترك فيصطلمه؛ قال: لقد فكرت ~~فيما فكرت فيه، قال: فمن ترى؟ قال: طاهر بن الحسين، قال: ويلك يا أحمد! ~~أهو والله خالع؟ قال: أنا الضامن له، قال له: فأنفذه، قال: فدعا بطاهر من ~~ساعته. # ويظهر أن المأمون، فيما ذكر الرواة، لم يكن مطمئنا مع ضمان وزيره لطاهر ~~إلى تعيينه حاكما على خراسان، فإن بعض الرواة يقول: إن المأمون أسر إلى ~~خصي له أمين بمرافقة طاهر حتى إذا رأى منه خروجا دس له السم. # ثم لم يلبث طاهر بعد أن تولى شئون خراسان وأدارها بحزم وسداد رأي حتى ظهر ~~منه ما كان يخشاه المأمون من خروج وعصيان، فقد أسقط اسم المأمون من خطبة ~~الجمعة، وذكر دعاء مبهما لنصرة الدين، فأنفذ عين المأمون عامل البريد ~~فورا بكتاب إلى المأمون يخبره فيه بما وقع من طاهر، ثم نرى المأمون يتوقع ~~مجيء كتاب آخر وينتظره بفارغ الصبر في اليوم التالي لورود الكتاب الأول، ~~وقد جاءه هذا الكتاب فعلا ينعى طاهرا الذي وجد ميتا في فراشه. # ونحن نرى بعد أن ذكرنا ما ذكرنا أنه لم يبق شيء من الغموض في هذه الناحية ~~من عصر المأمون، وأن تصرفات المأمون مع طاهر ثم خروج طاهر عليه ثم موت طاهر ~~بعد ذلك كلها حوادث واضحة الأسباب معقولة النتائج، ولا نستطيع أن نماشي ~~الأستاذ «ميور» الذي يرى أن على هذه الحوادث جميعها غشاء من الغموض ~~كثيفا. # ثم رأى المأمون بعد موت طاهر أن يولي مكانة ابنه طلحة، وأن يستبقي ابنه ~~عبد الله واليا على الجانب الغربي من الخلافة، ليقمع ما فيه من ثورات ~~ويسكن ما به من اضطراب، ثم أرسل وزيره مع طلحة ليقوي دعائم سلطانه في ~~ولايته، فشخص الوزير إلى ما وراء النهر وقام بحملة موفقة على بعض العصاة ثم ~~قفل راجعا إلى بغداد مزودا، فيما يقول الرواة، بهدية نفيسة له من طلحة ~~مقدارها ms241 ثلاث آلاف ألف درهم، ولكاتبه بأخرى مقدارها خمسمائة ألف ~~درهم. # أما طاهر الذي توفي في فراشه، وربما كان الذي يعلم سر وفاته قبل سواه هو ~~المأمون وبطانته؛ فقد قدمنا لك شيئا في كلمتنا عن النزاع بين الأخوين عن ~~عظيم خطره، وحسن بلائه وخبرته بالحروب، ولا يقل خطره في تدبير الحكم وشئون ~~السياسة عن خطره في الحرب، وكان مع ذلك مشغوفا بالعلم والأدب مشجعا ~~لأربابهما، حاثا على تعلمهما، وليس أدل على تبريزه في العلم والأدب ~~وخبرته بشئون السياسة وبصره بتصرف الأيام من عهده الذي كتبه إلى ابنه عبد ~~الله. ولسنا نرى ما نقدم به إليك هذا العهد خيرا من وصف المأمون له حين ~~بلغه، وتقديره له واحتفائه به واستنساخه ثم إرساله إلى عماله في الولايات، ~~قال ابن طيفور: لما عهد طاهر بن الحسين إلى عبد الله ابنه هذا العهد تنازعه ~~الناس وكتبوه وتدارسوه، وشاع أمره حتى بلغ المأمون فدعا به وقرئ عليه وقال: ~~ما بقى أبو الطيب شيئا من أمر الدين والدنيا والتدبير والرأي والسياسة، ~~وإصلاح الملك والرعية وحفظ البيعة وطاعة الخلفاء وتقويم الخلافة إلا أحكمه ~~وأوصى به وتقدم فيه. وأمر أن يكتب بذلك إلى جميع العمال في نواحي ~~الأعمال. # وكانت كتابة هذا العهد من طاهر لابنه عبد الله حين اختار المأمون عبد ~~الله لولاية مصر ولمحاربة نصر بن شبث؛ لما رآه فيه من حزم وفطنة وكفاية ~~وحسن بلاء، وكان عهد أبيه إليه قانونا يطبقه على نفسه أحزم تطبيق، وكان ~~لا يورد شيئا في شأن من شئونه أو يصدره إلا على منهجه وفي حدود ~~إرشاداته. # ولما كان هذا العهد من الوثائق التاريخية التي لها قيمتها العلمية ~~والأدبية والاجتماعية والسياسية آثرنا ذكره، وقد أثبتناه في باب المنثور من ~~الكتاب الثالث في المجلد الثالث فراجعه. # ثورة نصر بن شبث # أما نصر بن شبث الذي وجه عبد الله بن طاهر لمحاربته بعد أن وجه ~~إليه أبوه، فقد كان ممن خرجوا حين اضطرب نظام الدولة وكثرت الأراجيف ونشط ~~أعداء المأمون خاصة والعباسيين عامة؛ لبقاء المأمون ms242 في مرو بعيدا عن عاصمة ~~الملك وحاضرة الخلافة. # وكان من الممكن أن يكون مصير ثورة نصر مصير غيرها من الثورات التي خمدت ~~بسرعة لولا أن طاهرا لم يجد في محاربته، وقد ذكر أنه قال للحسن بن سهل ~~حينما ندبه للخروج إلى محاربة نصر بن شبث: حاربت خليفة، وسقت الخلافة إلى ~~خليفة، وأؤمر بمثل هذا! وإنما كان ينبغي أن توجه لهذا قائدا من قوادي! ~~وذكر بعض المؤرخين أن طاهرا فر كالمنهزم أمام نصر بعد معارك حامية بين ~~جنديهما، ولكنه حرص بعد ذلك على ما بقي في يده من البلاد أن يغير نصر ~~عليها. # ويظهر أن ما يقوله بعض المؤرخين من أن فتور طاهر في محاربة نصر بن شبث ~~يرجع إلى الصدمة التي صدمه بها آل سهل حين حرموه من ثمار فتوحه في العراق ~~له حظ كبير من الحق؛ فإننا لا نسيغ عجز طاهر عن مناهدة نصر وإخضاعه مع ما ~~هو معروف عنه من الدهاء والبصر بالحرب وحسن تعبئته للجيوش، ووضع أدق الخطط ~~لحملاتها، ومع أن وراءه الدولة تمده بما يحتاج إليه من جند وسلاح ~~ومال. # ومهما يكن من شيء فقد كثف أنصار نصر وعظم خطره حتى ذهب إليه نفر من ~~شيعة الطالبيين فقالوا له: قد وترت بني العباس وقتلت رجالهم، فلو بايعت ~~لخليفة لكان ذلك أقوى لأمرك! فقال: من أي الناس؟ فقالوا: تبايع لبعض آل علي ~~بن أبي طالب، فقال: أبايع بعض أولاد السوداوات فيقول: إنه خلقني ورزقني! ~~قالوا: فتبايع لبعض بني أمية، قال: أولئك قوم قد أدبر أمرهم، والمدبر لا ~~يقبل أبدا، ولو سلم علي رجل مدبر لأعداني إدباره، وإنما هواي في بني ~~العباس، وإنما حاربتهم محاماة عن العرب لأنهم يقدمون عليهم العجم. فتأمل ~~قوله هذا طويلا؛ فهو يميط لنا اللثام عن حقائق يجب أن نقف عليها. # يروى لنا التاريخ أن عبد الله بن طاهر الذي نهد لمحاربة نصر بن شبث كتب ~~إلى المأمون يعلمه أنه حصره وضيق عليه وقتل رؤساء من معه، وأنه قد عاذ ~~بالأمان وطلبه، فأمره أن ms243 يكتب له كتاب أمان، فكتب إليه أمانا نسخته: «أما ~~بعد، فإن الإعذار بالحق حجة الله المقرون بها النصر، والاحتجاج بالعدل دعوة ~~الله الموصول بها العز، ولا يزال المعذر بالحق المحتج بالعدل في استفتاح ~~أبواب التأييد، واستدعاء أسباب التمكين حتى يفتح الله وهو خير الفاتحين، ~~ويمكن وهو خير الممكنين، ولست تعدو أن تكون فيما لهجت به أحد ثلاثة: ~~طالب دين، أو ملتمس دنيا، أو متهورا يطلب الغلبة ظلما؛ فإن كنت للدين ~~تسعى بما تصنع فأوضح ذلك لأمير المؤمنين يغتنم قبوله إن كان حقا، ~~فلعمري ما همته الكبرى ولا غايته القصوى إلا الميل مع الحق حيث مال، ~~والزوال مع العدل حيث زال، وإن كنت للدنيا تقصد فأعلم أمير المؤمنين ~~غايتك فيها، والأمر الذي تستحقها به، فإن استحققتها وأمكنه ذلك فعله بك؛ ~~فلعمري ما يستجيز منع خلق ما يستحقه وإن عظم، وإن كنت متهورا فسيكفي ~~الله أمير المؤمنين مؤنتك، ويعجل ذلك كما عجل كفايته مؤن قوم سلكوا مثل ~~طريقك كانوا أقوى يدا، وأكثف جندا، وأكثر جمعا وعددا ونصرا منك، فيما ~~أصارهم إليه من مصارع الخاسرين، وأنزل بهم من جوائح الظالمين. # وأمير المؤمنين يختم كتابه بشهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ~~وأن محمدا عبده ورسوله # صلى الله عليه وسلم ~~، وضمانه لك في دينه وذمته الصفح عن سوالف ~~جرائمك، ومتقدمات جرائرك، وإنزالك ما تستأهل من منازل العز والرفعة إن ~~أنبت وراجعت إن شاء الله. والسلام». # وقد ذهب عبد الله بن طاهر إلى وجهه في محاربة نصر ولبث في مناهدته حتى ~~اضطره إلى التسليم نحو خمس سنين، وفي أثناء هذه المدة سعى المأمون إلى ~~إخماد الثورة من طريق الصلح، فندب جعفر بن محمد العامري ليؤدي رسالة منه ~~إلى نصر يطلب منه فيها ترك الحرب والجنوح إلى السلم. # وقد كاد يتم الصلح بين الفريقين وتحقن الدماء ويذهب عن الناس في تلك ~~النواحي ما أصابهم من فزع وهلع، لولا خنزوانة # 2 # في رأس نصر قابلتها أخرى، فيما يقول الرواة، في رأس المأمون، ~~حالتا دون ms244 هذه الغاية السامية؛ ذلك بأن نصرا قبل ما اقترحه المأمون، ~~لكنه شرط ألا يطأ بساطه، فلما بلغ المأمون هذا الشرط قال: لا أجيبه والله ~~إلى هذا أبدا ولو أفضيت إلى بيع قميصي حتى يطأ بساطي! ثم كتب إليه ~~المأمون بعد ذلك كتابا هذه نسخته: # أما بعد، فإنك يا نصر بن شبث قد عرفت الطاعة وعزها، وبرد ظلها ~~وطيب مرتعها، وما في خلافها من الندم والخسار وإن طالت مدة الله ~~بك؛ فإنه إنما يملي لمن يلتمس مظاهرة الحجة عليه، لتقع عبره ~~بأهلها على قدر إصرارهم واستحقاقهم، وقد رأيت إذكارك وتبصيرك لما ~~رجوت أن يكون لما أكتب به إليك موقع منك، فإن الصدق صدق والباطل ~~باطل، وإنما القول بمخارجه وبأهله الذين يعنون به، ولم يعاملك من ~~عمال أمير المؤمنين أحد أنفع لك في مالك ودينك ونفسك ولا أحرص على ~~استنقاذك والانتياش # 3 # لك من خطائك مني، فبأي أول أو آخر أو سطة أو إمرة ~~إقدامك يا نصر على أمير المؤمنين تأخذ أمواله، وتتولى دونه ما ~~ولاه الله، وتريد أن تبيت آمنا أو مطمئنا أو وادعا أو ساكنا أو ~~هادئا؟ فوعالم السر والجهر، لئن لم تكن للطاعة مراجعا، ~~وبها خانعا لتستوبلن وخم العاقبة، ثم لأبدأن بك قبل كل ~~عمل، فإن قرون الشيطان إذا لم تقطع كانت في الأرض فتنة وفسادا ~~كبيرا، ولأطأن بمن معي من أنصار الدولة كواهل رعاع أصحابك، ~~ومن تأشب # 4 # إليك من أداني البلدان وأقاصيها، وطغامها # 5 # وأوباشها، ومن انضوى إلى حوزتك من خراب # 6 # الناس، ومن لفظه بلده ونفته عشيرته لسوء موضعه فيهم، ~~وقد أعذر من أنذر. والسلام. # ثم أخذ عبد الله يجد في محاربته وحصره حتى ضيق عليه واضطره إلى طلب ~~الأمان، وقد احتفي بنصر وهو ذاهب إلى بغداد خاضعا للخليفة احتفاء عظيما، ~~بيد أن جماعة ممن كانوا ناقمين على المأمون لم يرقهم أن ينتهي الخلاف بينه ~~وبين ثائر قوي، فأرادوا أن يكدروا صفاء السرور فدبروا مؤامرة، وهي أن ~~يقطعوا جسر الزوارق عند اقتراب نصر بموكبه الحافل، فقبض ms245 عليهم، ولأمر ما ~~كان المأمون على غير عادته قاسيا في عقابهم، فقد جاء بزعيمهم ابن عائشة، ~~فيما قال الرواة، وهو من بني العباس، ووضعه على باب داره في أشعة الشمس ~~المحرقة ثلاثة أيام، ثم أمر بضربه بالسياط، ثم أمر بضرب عنقه مع كثير ممن ~~كانوا معه. # نقول لأمر ما كان المأمون قاسيا في عقابهم لأن الرجل الذي يصل به عفوه ~~وحلمه إلى أن يعفو عن إبراهيم بن المهدي والفضل بن الربيع وغيرهما من أصحاب ~~الكبائر وممن كادوا له حقا، وسعوا في ضياع ملكه واستلاب عرشه، لا بد أن ~~يكون الدافع له إلى القسوة في عقاب هؤلاء الأشخاص حاجة في نفسه عميت ~~علينا، ونحن نعترف بأن المصادر التي بين أيدينا لم تفسر لنا تفسيرا مقنعا ~~السر في هذا الاشتطاط وهذه المبالغة في العقوبة من المأمون الوديع ~~الحليم. # على أن هذه الحادثة تحتاج إلى تحقيق دقيق، ولم تتح لنا المصادر الحاضرة ~~القيام بتعرف وجه الحق فيها، ولا يستبعد البتة أن يكون المأمون منها براء. ~~وليت أعضاء المجمع العلمي العربي وغيرهم من رجال العلم والتاريخ والأدب ~~يعنون بتمحيص مثل هذه النقط المهمة في تاريخ أزهى عصورنا الإسلامية. # الزط # أما الزط فهم المعروفون بالنورة، # 7 # وقد قال ابن خلدون عنهم: إنهم قوم من أخلاط الناس غلبوا على ~~طريق البصرة وعاثوا فيها وأفسدوا البلاد. # أما نحن فلا نستطيع من ناحيتنا أن نسلك هؤلاء القوم في سلك أصحاب ~~الثورات، أو الخارجين على الخليفة لنحلة دينية أو مذهب سياسي، وإنما هم ~~طائفة من هنود آسيا كانوا يسكنون شواطئ الخليج الفارسي، قد وجدوا به حين ~~اضطراب الأمن في أطراف الدولة وضعف سلطان الحكومة، وانصراف القائمين بتدبير ~~الشئون العامة إلى أمر الفتنة القائمة بين الأمين والمأمون التي انتهزها ~~الزط وأمثال الزط فرصة للسلب والنهب والعيث في الأرض فسادا، فتجمعوا ~~واستولوا على طريق البصرة، فهم بقرصان البحر وقطاع الطرق أشبه منهم ~~بالثائرين وأصحاب المبادئ. # ويظهر أنهم كما يقول الأستاذ المرحوم محمد الخضري بك: كانوا إذا أخرجهم ~~الجند تفرقوا في تلك ms246 الفيافي، فإننا نرى المأمون يكلف غير مرة أكثر من ~~قائد أمر القضاء عليهم، ثم نراهم لا يزالون يعيثون في الأرض فسادا حتى ~~السنة الأولى من عهد المعتصم الذي كلف أحد قواده، عجيف بن عنبسة، القضاء ~~عليهم، فاهتم عجيف بحربهم وضيق عليهم طريق البر والبحر وحصرهم من كل وجه، ~~ثم حاربهم وأسر منهم نحو خمسمائة رجل، وقتل منهم نحو ثلاثمائة، وقطع رءوس ~~الأسرى وبعث بالرءوس جميعا إلى المعتصم، وجد في حربهم حتى اضطرهم إلى ~~التسليم، فإذا عدتهم سبعة وعشرون ألف شخص بين رجل وامرأة وصبي، وكان من ~~هذا العدد اثنا عشر ألف مقاتل، ثم حملهم في السفن إلى بغداد، فمروا على ~~المعتصم بأبواقهم وهيئتهم الحربية ثم نقلوا آخر الأمر إلى قرية تسمى عين ~~زربة. # 8 # وقد ذكر ابن الأثير في حوادث سنة 241ه في عهد المتوكل أن الروم أغارت على ~~عين زربة هذه فأخذت من كان فيها أسيرا من الزط مع نسائهم وذراريهم ~~وذويهم. # ثورة مصر # أما مصر فقد كانت مسرحا للقلاقل والفتن، وكان رأس الفتنة وزعيمها عبيد ~~الله بن السري بن الحكم الذي عظم خطره باشتغال عبد الله بن طاهر بمحاربة ~~نصر بن شبث وإخضاعه، ومما زاد في اضطراب النظام في مصر قدوم جماعة من ~~أفاقي الأندلس إلى الإسكندرية يحدثنا عنهم الطبري بقوله: حدثني غير ~~واحد من أهل مصر أن مراكب أقبلت من بحر الروم من قبل الأندلس فيها جماعة ~~كبيرة أيام شغل الناس قبلهم بفتنة الجروي وابن السري، حتى أرسوا ~~مراكبهم بالإسكندرية، ورئيسهم يومئذ يدعى أبا حفص، فلم يزالوا بها مقيمين ~~حتى قدم عبد الله مصر. # ويحدثنا عن الفتنة التي كانت بمصر بقوله: قال لي يونس بن عبد الأعلى: قدم ~~علينا من قبل المشرق فتى حدث، يعني عبد الله بن طاهر، والدنيا عندنا ~~مفتونة قد غلب على كل ناحية من بلادنا غالب، والناس منهم في بلاء، فأصلح ~~الدنيا وأمن البريء وأخاف السقيم واستوثقت له الرعية بالطاعة. # أما ما كان من أمر عبد الله بن طاهر في مصر، فإن التاريخ ms247 يحدثنا أنه لما ~~انتهى أمر نصر بن شبث، كما قدمنا، كتب المأمون إلى عبد الله يأمره بالتوجه ~~إلى مصر لإخماد ما فيها من فتنة، فذهب إليها وجاد الثائرين القتال حتى ~~اضطرهم جميعا إلى طلب الأمان فأجابهم إليه. # وأما الأندلسيون الذين حضرت جماعة كبيرة منهم إلى الإسكندرية فقد طلبوا ~~الأمان على أن يرتحلوا عنها إلى بعض أطراف الروم، فرحلوا إلى جزيرة إقريطش ~~«كريت» فاستوطنوها وأقاموا بها. # وأما ما كان من ابن السري فإنه طلب الأمان إلى عبد الله، وذلك بعد قتال ~~عنيف وانهزامه شر هزيمة. # ولما أخمدت الفتنة في مصر وبلغ المأمون الخبر كتب إلى عبد الله يهنئه، ~~وجعل في أسفل كتابه أبياتا من الشعر إن ثبت صدورها من المأمون حقا ولم ~~تكن من وضع القصاص والرواة، فإنها تعتبر آية في كرم أخلاق المأمون. وقد ~~ذكرناها في علاقة المأمون مع عماله. # وقد كتب إليه أحمد بن يوسف وزير المأمون يهنئه بهذا الفوز كتابا بليغ ~~اللفظ رشيق الأسلوب هذه نسخته: # بلغني، أعز الله الأمير، ما فتح الله عليك وخروج ابن السري ~~إليك، فالحمد لله الناصر لدينه، المعز لدولة خليفته على عباده، ~~المذل لمن عند # 9 # عنه وعن حقه، ورغب عن طاعته، ونسأل الله أن يظاهر له ~~النعم، ويفتح له بلدان الشرك، والحمد لله على ما وليك مذ ~~ظعنت لوجهك، فإنا ومن قبلنا نتذاكر سيرتك في حربك وسلمك، ~~ونكثر التعجب لما وفقت له من الشدة والليان في مواضعهما، ولا ~~نعلم سائس جند ورعية عدل بينهم عدلك، ولا عفا بعد القدرة عمن ~~آسفه # 10 # وأضغنه عفوك، ولقلما رأينا ابن شرف لم يلق بيده ~~متكلا على ما قدمت له أبوته، ومن أوتي حظا وكفاية ~~وسلطانا وولاية لم يخلد إلى ما عفا له حتى يخل بمساماة ما ~~أمامه، ثم لا نعلم سائسا استحق النجح لحسن السيرة وكف معرة ~~الأتباع استحقاقك، وما يستجيز أحد ممن قبلنا أن يقدم عليك ~~أحدا يهوي عند الحاقة والنازلة المعضلة، فليهنك منة الله ~~ومزيده، ويسوغك الله هذه النعمة التي حواها لك، بالمحافظة ms248 على ~~ما به تمت لك، من التمسك بحبل إمامك ومولاك ومولى جميع المسلمين، ~~وملاك وإيانا العيش ببقائه، وأنت تعلم أنك لم تزل عندنا وعند من ~~قبلنا مكرما مقدما معظما، وقد زادك الله في أعين الخاصة والعامة ~~جلالة وبجالة، فأصبحوا يرجونك لأنفسهم، ويعدونك لأحداثهم ~~ونوائبهم، وأرجو أن يوفقك الله لمحابه كما وفق لك صنعه وتوفيقه، ~~فقد أحسنت جوار النعمة فلم تطغك ولم تزدد إلا تذللا ~~وتواضعا، فالحمد لله على ما أنالك وأبلاك وأودع فيك. ~~والسلام. # وقد خرج المأمون إلى مصر في 16 من ذي الحجة سنة 216 هجرية أثر شخوصه إلى ~~دمشق للمرة الثانية، وكان خروجه إلى مصر، فيما يقول الرواة، لإخماد ما قام ~~فيها من فتن واضطرابات، وذلك أن أهالي الوجه البحري خرجوا ومعهم أقباط ~~البلاد على عيسى بن منصور عامل مصر؛ لسوء سيرته فيهم ولقبح صنيعه ~~معهم. # ويحدثنا التاريخ أن عيسى هذا قد بذل ما في مقدوره لإخماد الفتنة والقضاء ~~على الثورة، فلم يحالفه الظفر، وأخرجه الثوار أقبح مخرج من البلاد، فقدم ~~القائد التركي المعروف بالأفشين وعمل على قمع الفتنة وإخماد الثورة، وقتل ~~مقتلة ذريعة من الأهلين فسكنت الفتنة إلى حين. # ثم عادت الفتنة ثانية واندلع لهيبها واستدعت خطورتها قدوم المأمون إلى ~~مصر، فجاء إليها ونظر في شكاة الأهلين وعمل على إنصافهم، وسخط على عيسى بن ~~منصور ونسب إليه وإلي سيئ أعماله كل ما حدث في طول البلاد وعرضها من فتن ~~وثورات. # ويظهر أن الثورة المصرية لم تخمد تماما، وأنها تطلبت من المأمون إلى ~~جانب ما أظهره من رغبة في إحقاق الحق وإجراء العدل شيئا من الحزم واستعمال ~~القوة، فجاد الثائرين القتال حتى أذعنوا أخيرا، ويقول المؤرخون: إنه لبث ~~في مصر أربعين يوما أو يزيد؛ إذ قدمها في الخامس من محرم سنة 217ه وبقي ~~بها إلى الثامن عشر من صفر. # ويظهر أنه قضى هذه المدة إلى جانب اشتغاله بحرب أهلها بالتنقل بين ~~العاصمة وبعض الأعمال مثل سنجار وحلوان وغيرهما. # ومن أعماله في مصر تعمير مقياس النيل وبعض إصلاحات أخرى ms249 بالجزيرة تجاه ~~الفسطاط. وعاد المأمون أخيرا إلى دمشق بعد أن شهد المصريين وخربهم وعدم ~~احتمالهم ظلم الحكام والولاة. # بابك الخرمي # يخبرنا المؤرخون أن بابك الخرمي قد ظهر من كورة في شمال بلاد فارس تسمى ~~«البذ»، وقد كان خروجه للدعوة إلى مذهبه الإباحي سنة 201ه، وكان المأمون لا ~~يزال في «مرو» قبل أن ينتقل إلى عاصمة ملكه بغداد، وقد امتدت فتنة بابك ~~عنيفة طوال عهد المأمون وصدرا من عهد المعتصم. # وقال أبو سعيد عبد الكريم بن محمد السمعاني المروزي في كتاب الإنساب: ~~«الخرمي» # 11 # هذه النسبة إلى طائفة من الباطنية يقال لهم الخرمدينية، قوم ~~يدينون بما يريدون ويشتهون، وإنما لقبوا بذلك لإباحتهم المحرمات من الخمر ~~وسائر اللذات ونكاح ذوات المحارم وفعل ما يتلذذون به، فلما شابهوا في هذه ~~الإباحة المزدكية من المجوس الذين خرجوا في أيام قباذ وأباحوا النساء ~~كلهن وأباحوا سائر المحرمات إلى أن قتلهم أنوشروان بن قباذ، قيل لهم بهذه ~~المشابهة خرمدينية كما قيل للمزدكية. # وقبل أن نخوض في تفصيل حوادث هذا الرجل وما بذله المأمون ثم المعتصم في ~~قتاله، ثم ما كان من مصيره بعد ذلك على يد الأفشين قائد المعتصم التركي سنة ~~221ه، قبل كل هذا نحب أن نورد لك ما ذكره ابن النديم في فهرسته عن مذهب ~~الخرمية البابكية وما يتعلق به؛ لتكون على بصيرة من مذهب الرجل وما كان ~~يدعو إليه من نحلة وبدعة. # قال محمد بن إسحاق: «الخرمية صنفان: الخرمية الأولون ويسمون ~~المحمرة، وهم منتشرون بنواحي الجبال فيما بين أذربيجان وأرمينية، وبلاد ~~الديلم وهمذان ودينور، وفيما بين أصفهان وبلاد الأهواز، وهؤلاء أهل مجوس ~~في الأصل ثم حدث مذهبهم، وهم ممن يعرف باللقطة، وصاحبهم مزدك القديم أمرهم ~~بتناول اللذات والانعكاف على بلوغ الشهوات، والأكل والشرب والمواساة ~~والاختلاط، وترك الاستبداد بعضهم على بعض، ولهم مشاركة في الحرم والأهل ~~لا يمتنع الواحد منهم من حرمة الآخر ولا يمنعه، ومع هذه الحال فيرون أفعال ~~الخير وترك القتل وإدخال الآلام على النفوس، ولهم مذهب في الضيافات ليس هو ~~لأحد ms250 من الأمم؛ إذا أضافوا الإنسان لم يمنعوه من شيء يلتمسه كائنا ما كان، ~~وعلى هذا المذهب مزدك الأخير الذي ظهر في أيام قباذ بن فيروز وقتله ~~أنوشروان وقتل أصحابه، وخبره مشهور معروف. وقد استقصى البلخي أخبار ~~الخرمية ومذاهبهم وأفعالهم في شربهم ولذاتهم وعبادتهم في كتاب «عيون ~~المسائل والجوابات» ولا حاجة بنا إلى ذكر ما قد سبقنا إليه غيرنا». ~~«فأما الخرمية البابكية فإن صاحبهم بابك الخرمي، وكان يقول لمن استغواه: ~~إنه إله، وأحدث في مذاهب الخرمية القتل والغصب والحروب والمثلة، ولم يكن ~~الخرمية يعرفون ذلك.» # ثم ذكر صاحب الفهرست بعد ذلك نشأته وما وقع له في بدء أمره حتى صار إمام ~~هذه النحلة التي تنسب إليه، نقلا عن واقد بن عمرو التميمي الذي عمل أخبار ~~بابك، فقال: وكان أبوه رجلا من أهل المدائن دهانا، نزع إلى ثغر ~~أذربيجان فسكن قرية تدعى «بلال أباد» من رستاق «ميمند»، وكان يحمل دهنه في ~~وعاء على ظهره ويطوف في قرى الرستاق، فهوى امرأة عوراء، وهي أم بابك، وكان ~~يفجر بها برهة من دهره، فبينما هي وهو منتبذان عن القرية متوحدان في غيضة ~~ومعهم شراب يعتكفان عليه، إذ خرج من القرية نسوة يستقين الماء من عين في ~~الغيضة، فسمعن صوتا نبطيا يترنم به فقصدن إليه، فهجمن عليهما فهرب ~~عبد الله وأخذن بشعر أم بابك، وجئن بها إلى القرية وفضحنها فيها، قال ~~واقد: ثم إن ذلك الدهان رغب إلى أبيها فزوجه منها فأولدها «بابكا»، ثم خرج ~~في بعض سفراته إلى جبل سيلان واعتراضه من استقفاه وجرحه فقتله، فمات بعد ~~مديدة، وأقبلت أم بابك ترضع للناس بأجرة إلى أن صار لبابك عشر سنين، ~~فيقال: إنها خرجت في يوم من الأيام تلتمس بابكا وكان يرعى بقرا لقوم، ~~فوجدته تحت شجرة قائلا وهو عريان، وإنها رأت تحت كل شعرة من صدره ورأسه ~~دما، فانتبه من نومه فاستوى قائما وحال ما رأت من الدم فلم تجده، قالت: ~~فعلمت أنه سيكون لابني نبأ جليل. # قال واقد: وكان أيضا بابك مع الشبل بن ms251 المنقى الأزدي برستاق سراة يعمل ~~في سياسة دوابه، وتعلم ضرب الطنبور من غلمانه ثم صار إلى تبريز من عمل ~~أذربيجان، فاشتغل مع محمد بن الرواد الأزدي نحو سنتين ثم رجع إلى أمه وله ~~ثمان عشرة سنة، فأقام عندها، قال واقد بن عمرو: وكان بجبل البذ وما يليه من ~~جباله رجلان من العلوج متحرمين ولهما جدة وثروة، وكان متشاجرين في التملك ~~على من بجبال البذ من الخرمية ليتوحد أحدهما بالرياسة، يقال لأحدهما: ~~«جاويدان بن سهرك»، والآخر غلبت عليه الكنية يعرف ب «أبي عمران»، وكانت ~~تقوم بينهما الحرب في الصيف وتحول بينهما الثلوج في الشتاء لانسداد العقاب، ~~فإن جاويدان، وهو أستاذ بابك، خرج من مدينته بألف شاة يريد بها مدينة رنجان ~~من مدائن ثغور قزوين، فدخلها وباع غنمه وانصرف إلى جبل البذ، فأدركه الثلج ~~والليل برستاق ميمند، فعاج إلى قرية «بلال أباد» فسأل جريرها إنزاله، فمضى ~~به بالاستخفاف منه بجاويدان فأنزله على أم بابك وما تستبيت من ضنك وعدم، ~~فقامت إلى نار فأججتها ولم تقدر على غيرها، وقام بابك إلى غلمانه ودوابه ~~فخدمهم وأسقى لهم الماء، وبعث به جاويدان فابتاع له طعاما وشرابا وعلفا ~~وأتاه به، وخاطبه وناطقه فوجده على رداءة حاله وتعقد لسانه بالأعجمية ~~فهما، ورآه خبيثا شهما، فقال لأمه: أيتها المرأة، أنا رجل من جبل البذ ~~ولي به حال ويسار، وأنا محتاج إلى ابنك هذا؛ فادفعيه إلي لأمضي به معي ~~فأوكله بضياعي وأموالي وأبعث بأجرته إليك في كل شهر خمسين درهما، فقالت ~~له: إنك لشبيه بالخير، وإن آثار السعة عليك ظاهرة، وقد سكن قلبي إليك، ~~فأنهضه معك إذا نهضت. ثم إن أبا عمران نهض من جبله إلى جاويدان فحاربه ~~فهزم، فقتل جاويدان أبا عمران ورجع إلى جبله وبه طعنة أخافته، فأقام في ~~منزله ثلاثة أيام ثم مات - وكانت امرأة جاويدان تتعشق بابكا، وكان يفجر ~~بها - فلما مات جاويدان قالت له: إنك جلد شهم! وقد مات ولم أرفع بذلك صوتي ~~إلى أحد من أصحابه، فتهيأ لغد، فإني جامعتهم إليك، ومعلمتهم أن ms252 جاويدان ~~قال: إني أريد أن أموت في هذه الليلة، وإن روحي تخرج من بدني وتدخل في بدن ~~بابك وتشترك مع روحه، وإنه سيبلغ بنفسه وبكم أمرا لم يبلغه أحد ولا يبلغه ~~بعده أحد، وإنه يملك الأرض ويقتل الجبابرة ويرد المزدكية، ويعز به ~~ذليلكم ويرتفع به وضيعكم، فطمع بابك فيما قالت له واستبشر به وتهيأ ~~له. # فلما أصبحت تجمع إليها جيش جاويدان فقالوا: كيف لم يدع بنا ويوص ~~إلينا؟! قالت: ما منعه من ذلك إلا أنكم كنتم متفرقين في منازلكم من القرى، ~~وأنه إن بعث وجمعكم انتشر خبره، فلم يأمن عليكم شرة العرب، فعهد إلي بما ~~أنا أؤديه إليكم إن قبلتموه وعملتم به، فقالوا لها: قولي ما عهد إليك؛ فإنه ~~لم تكن منا مخالفة لأمره أيام حياته، وليس منا مخالفة له بعد موته ، قالت: ~~قال لي: إني أموت في ليلتي هذه، وإن روحي تخرج من جسدي وتدخل بدن هذا ~~الغلام خادمي، وقد رأيت أن أملكه على أصحابي، فإذا مت فأعلميهم ذلك، ~~وإنه لا دين لمن خالفني فيه واختار لنفسه خلاف اختياري، قالوا: قد قبلنا ~~عهده إليك في هذا الغلام! فدعت ببقرة فأمرت بقتلها وسلخها وبسط جلدها، ~~وصيرت على الجلد طستا مملوءا خمرا وكسرت فيه خبزا، فصيرته حوالي ~~الطست، ثم دعت برجل رجل فقالت: طأ الجلد برجلك، وخذ كسرة واغمسها في ~~الخمر وكلها وقل: آمنت بك يا روح بابك كما آمنت بروح جاويدان، ثم خذ بيد ~~بابك فكفر عليها وقبلها، ففعلوا ذلك إلى وقت ما تهيأ لها فيه طعام، ثم ~~أحضرتهم الطعام والشراب وأقعدته على فراشها، وقعدت معه ظاهرة لهم، فلما ~~شربوا ثلاثا ثلاثا أخذت طاقة ريحان فدفعتها إلى بابك، فتناولها من يدها، ~~وذلك تزويجهم، فنهضوا وكفروا لهما رضا بالتزويج، والمسلمون غريبهم ~~ومواليهم. ~~••• # وبعد، فإنا نستطيع أن نقول مستندين إلى ما ذكره ابن النديم وغيره عن نشأة ~~بابك ومذهبه وتعاليمه: إن الباعث الذي دفعه إلى الخروج غير البواعث التي ~~دفعت نصر بن شبث في الشام، وإبراهيم بن المهدي في بغداد، ومحمد بن ms253 إبراهيم ~~المعروف بابن طباطبا في الكوفة، وغيرهم ممن كانوا منقادين بفكرة سياسية أو ~~عامل جنسي، وإنما كان خارجا على النظم السياسية والاجتماعية والاقتصادية ~~في ذلك العصر، وكذلك كانت وجهة نظر بغداد في قتاله ومطاردته. # أجل! لم تكن الغاية في نظر بغداد من قتاله إخضاعه لسلطان الخلافة، حتى ~~إذا أتيح لها إخضاعه رضيت عنه وكفت القتال دونه، وإنما كانت الغاية التي ~~ترمي إليها القضاء على مذهبه وتعاليمه الضارة بنظم الحياة ~~والاجتماع. # وربما جاز لنا أن نقول: إن موقفه من الخلافة الإسلامية في ذلك العصر أشبه ~~شيء بموقف البلاشفة من الأمم المتحضرة في عصرنا الحاضر. # وهاك ما فعله الخليفة المأمون مع بابك والبابكيين بعد ما عاثوا في الأرض ~~فسادا وأخافوا السبل وأثاروا الاضطراب، بعث المأمون لمحاربتهم بعد أن ~~انتقل إلى بغداد يحيى بن معاذ ، فكانت بينهما وقعة لم يتح الفوز فيها ~~لأحدهما على الآخر، ثم اختار المأمون قائدا آخر هو عيسى بن محمد، فولاه ~~أرمينية وأذربيجان ومحاربة بابك، فنكب وفشل، ثم وجه إليه صدقة بن علي ~~المعروف بزريق، وندب للقيام بأمره أحمد بن الجنيد الإسكافي، فأسره بابك، ثم ~~بعث إليه محمد بن حميد الطوسي فقتله بابك سنة 214ه بهشتادسر وفض عسكره ~~وقتل جمعا كثيرا ممن كان معه. # وهكذا كان أمر بابك؛ كلما وجهت إليه حملة هزمها؛ لمكانه الحصين وقوته ~~الكبيرة وشدة تأثيره في قلوب أتباعه وأنصاره، وأخيرا انصرف عنه المأمون ~~لانشغاله بمناوأة الروم، حتى إذا شعر بدنو منيته كتب في وصيته إلى المعتصم ~~بشأن بابك يقول: # والخرمية فأغزهم ذا حزامة وصرامة وجلد، واكنفه بالأموال ~~والسلاح والجنود، من الفرسان والرجالة، فإن طالت مدتهم فتجرد ~~لهم بمن معك من أنصارك وأوليائك، واعمل في ذلك مقدم النية فيه ~~راجيا ثواب الله عليه. # وقد عظم خطر بابك وكثر الداخلون في مذهبه في أول عهد المعتصم سنة 218ه، ~~وما زال به المعتصم يجرد إليه الحملات تلو الحملات حتى انتهى أمره في ~~سنة 221ه بأسره، وقتله ب «سر من رأى»، هو ورهط من أتباعه، على يد ~~قائد المعتصم ms254 التركي العظيم حيدر بن كاوس الأشروستي المعروف ~~بالأفشين. # مذاهب ونحل # ويحسن بنا أن نشير هنا إلى أن هذا العصر من العصور الإسلامية قد كثر فيه ~~الاختلاط بين أمم الشرق والغرب، فظهرت في العالم الإسلامي مقالات دينية ~~وفلسفية كثيرة غريبة، أشار إليها مؤرخو الآراء والمذاهب، تجد طرفا منها في ~~فهرست ابن النديم، وطرفا في كتب «الملل والنحل»، وطرفا في كتاب الأستاذ ~~«برون» الذي وضعه عن «تاريخ الفرس الأدبي»، ففيه شيء عن المانية # 12 # وغيرها، وقد وقف أبو العلاء المعري عند هذه الآراء والمذاهب في ~~«رسالة الغفران» وقفة ممتعة. # على أنا لا نحب أن نعرض لهذه المقالات بشرح أو تفصيل؛ لأنا نحس إحساسا ~~صادقا، وربما كنا فيه على حق، أن الكثير من هذه الآراء والمذاهب لا يزال ~~غامضا لقلة النصوص وعدم غناء المصادر وكفايتها، ونظن أن الاحتياط في مثل ~~هذا الموقف أسلم وأبقى، وكل ما نأمله هنا ونرجوه حقا أن يتجرد لمثل هذا ~~البحث الممتع النافع بعض الذين يعنون بتاريخ الآراء والمذاهب الفلسفية ~~والدينية في الإسلام. # افتراضات # أما وقد انتهينا من كلمتنا الموجزة عن السياسة الداخلية في عصر المأمون، ~~فقد حق علينا أن نتساءل: لماذا مكث المأمون شطرا طويلا من سني حكمه في ~~خراسان دون بغداد عاصمة الخلافة الإسلامية؟ # أما أن نزعم لك أنا سنجيبك إجابة دقيقة مقنعة، فهذا ما لا نقبله لك ولا ~~لأنفسنا؛ لأن المصادر التي بين أيدينا لم تكشف لنا القناع عن وجه الصواب في ~~ذلك. # إذن فسنقدم لك آراء لنا في هذا الصدد يجدر بنا أن نعتبرها بمثابة ~~افتراضات لا أكثر ولا أقل. # نفترض أن الفضل بن سهل وجماعة الفضل بن سهل، وحولهم حولهم وسلطانهم ~~سلطانهم، آثروا بقاء المأمون في «مرو» عاصمة خراسان حيث تجبى أموال الدولة ~~إليه؛ ليكون نصيب البقاع الفارسية والشيعة الفارسية من هذه الأموال ~~أوفر. # ونفترض أن المأمون وجماعته كانوا يحسون إحساسا، ربما كان صادقا، أن ~~كبار رجالات الدولة من العرب القاطنين بغداد لم يكن هواهم مع دولته ~~الفارسية الطابع والميول، وأنهم كانوا لذلك يخشون ms255 النزوح إلى بغداد قبل ~~لم شعثهم وتقوية سلطانهم. # ونفترض أنهم آثروا القرب من الولايات التي تمدهم بجندها ورجالها، كما ~~آثروا أن يكونوا في أوساطهم الفارسية التي من مصلحتها نصرة المأمون وتوطيد ~~دعائم ملكه، والعمل على خذلان مناوئيه. # هذه افتراضات رأينا أن نقيدها لك لتتأمل فيها، فربما كان بعضها سائغا ~~معقولا، على أن تكون حذرا كل الحذر فلا تتورط في اعتبار كل فرض سائغ ~~معقول لازم الوقوع في التاريخ، فكثيرا ما يقع في التاريخ غير المعقول من ~~الحوادث. ~~(3) السياسة الخارجية # نعتقد أن الوقت لم يأن بعد لدرس السياسة الخارجية في أيام المأمون وغيره ~~من خلفاء المسلمين دراسة علمية محققة؛ ذلك لأن كل ما نعرف من أمر هذه السياسة ~~إنما هو الروايات العربية التي تناقلها المؤرخون متأثرين بأشياء كثيرة. # فقد كان الكثيرون من هؤلاء الرواة يجهلون لغات الأمم الأجنبية التي كانت ~~العلاقات متصلة بينها وبين المسلمين، كما كانوا متأثرين بالحرص على رفع شأن ~~الدولة الإسلامية والتنويه بمجدها وسلطانها؛ فاضطرها هذا كله إلى الغلو حينا، ~~وإلى التقصير حينا آخر. # ولم يظفر البحث بعد بنصوص تاريخية واضحة معاصرة كتبت في غير اللغة العربية، ~~ومع أن الباحثين في تاريخ الإمبراطورية البيزنطية «الروم» جادون في التنقيب على ~~النصوص والآثار التي تجلو تاريخ هذه الدولة في القرون الوسطى، فهم لم يصلوا ~~بعد إلى شيء ذي غناء فيما يمس علاقتها بالدول الإسلامية، فأما الأمم ~~الشرقية الأخر التي كانت على اتصال بالمسلمين فلم تترك لنا شيئا، أو لم نظفر ~~من آثارها التاريخية بشيء ذي قيمة، وإذن فنحن مضطرون إلى أن نعتمد اعتمادا ~~مؤقتا ملؤه الاحتياط والتحفظ على ما كتبه العرب. # ونحن نعلم أن السياسة الخارجية في عصر المأمون كانت تنقسم إلى قسمين ~~متمايزين: الأول سياسته مع دول إسلامية مستقلة عن الخلافة. والثاني سياسته مع ~~دول أجنبية غير إسلامية. # وليس هناك شك في أن سياسة المأمون مع الدول الإسلامية المستقلة كانت واضحة ~~بينة الأسلوب؛ فقد اعتقدت الخلافة العباسية دائما أن المسلمين جميعا يجب أن ~~يذعنوا لسلطانها، وإذن فلم تعترف في ms256 وقت من الأوقات باستقلال الأمويين في ~~الأندلس، ولا الأدارسة في المغرب الأقصى، وإنما اعتبرتهم بغاة وعجزت مع ذلك عن ~~إخضاعهم لسلطانها فعلا أو اسما، فاضطرت إلى أن تتقيهم من ناحية، وتؤلب عليهم ~~من ناحية أخرى. # على ذلك نستطيع أن نفهم تشجيعها دولة بني الأغلب في إفريقية وعطفها عليها؛ ~~فقد كانت هذه الدولة تستمتع بشيء من الاستقلال غير قليل، وتظفر بحماية الحلافة؛ ~~لأنها كانت بمثابة الحرس الأمامي الذي يرد عن الخلافة غارات هؤلاء البغاة، ~~ويحول بينهم وبين التوسع على ساحل البحر الأبيض المتوسط. # نستطيع أن نفهم هذا، وأن نفهم أيضا ما نلمحه لمحا في القصص من اتصال علاقات ~~ودية بين بغداد وملوك الفرنج الذين كانوا يناوئون بني أمية في الأندلس. # أما القسم الثاني من السياسة الخارجية فينقسم أيضا إلى قسمين: أحدهما سياسة ~~الخلافة مع أهل الشرق الذين لم يخضعوا لسلطان المسلمين كالترك والديلم، وهذه ~~السياسة واضحة أيضا - على قلة النصوص - فقد كانت سياسة توسع وبسط للسلطان، ~~ولكن في احتياط وتحفظ ومصانعة، وكانت بغداد تعتبر كل هذه الناحية من الشرق ~~منطقة نفوذ تسلك في استغلالها واتقائها عند الحاجة طريقا كلها حكمة وفطنة، ~~فبينما نراها تهاجم فتفتح وتأسر نراها مرة أخرى موادعة محالفة مستخدمة، وهي ~~تستفيد في الحالين، ولكنك تعلم حق العلم ما أنتجته هذه السياسة آخر الأمر حين ~~ضعف الخلفاء، من تسلط أهل هذه المنطقة على أمور الدولة وعبثهم بعظمة ~~الخلافة. # والقسم الثاني هو سياسة الخلافة مع قياصرة «قسطنطينية»، وهذا القسم هو الذي ~~نستطيع أن نقول في غير تردد: إنه احتاج حقا إلى جهود الخلفاء وكفاياتهم؛ فقد ~~كانت العلاقة بين «قسطنطينية» و«دمشق» أيام الأمويين، وبينها وبين «بغداد» أيام ~~العباسيين شديدة الاضطراب والتعقد لا تكاد تستقر على حال، وإنما هي حرب حينا، ~~وسلم حينا آخر. # ومهما يكن من شيء فقد كانت القاعدة الأساسية لهذه السياسة أن الحرب هي الحال ~~الطبيعية بين الدولتين، فأما السلم فحال عارضة؛ ولذلك كانت تسمى دائما هدنة، ~~وربما كان من المعقول أن نقول: إن أصحاب «قسطنطينية» و«بغداد» كانوا يضطرون ms257 ~~إليها اضطرارا. # غزو المأمون للروم # قدمنا لك في الكلام عن بابك الخرمي أن المأمون أرسل إليه آخر حملة بقيادة ~~محمد بن حميد الطوسي سنة 212ه، وأن هذه الحملة باءت بالهزيمة والفشل كما ~~باء غيرها مما سبقها من حملات، وأن المأمون انصرف عن بابك مؤقتا لاشتغاله ~~بغزو الروم الذين يعلل بعضهم سبب تحفز المأمون إلى غزوهم، بعد أن ظل ~~السلم المسلح بينه وبينهم زهاء ست عشرة سنة، بما تأكده المأمون من مشايعتهم ~~لبابك وإمدادهم إياه بالمعونة. # ويقول الأستاذ «ميور» في بيان سبب هذه المهادنة الطويلة بين الخلافة ~~والروم، وعدم انتهاز المسلمين فرصة الثورة التي نشبت في بلاد الروم بين ~~«توماس» و«ميخائيل» لغزو آسيا الصغرى: «إنه لا شك أن تريث العرب عن اقتحام ~~بلاد الروم في ذلك الوقت يرجع إلى أن بطريق أنطاكية ببلاد سوريا كان قد توج ~~توماس إمبراطورا، ولو نجح في تأميره وسلطانه لكفى العرب مئونة القتال، ~~ولكان توماس هذا تابعا للخليفة المأمون». # على أن المأمون قد شخص سنة 215ه إلى بلاد الروم ليغزوها سالكا إليها ~~طريق الموصل، ثم منبج ثم دابق ثم أنطاكية ثم المصيصة، ومنها خرج إلى طرسوس، ~~وهي الثغر الإسلامي، ومن طرسوس دخل بلاد الروم في منتصف جمادى الأولى ~~(يوليو سنة 830م) ففتح وغنم كثيرا من الحصون ثم شخص إلى الشام، وورد عليه ~~في دمشق الخبر بأن ملك الروم قتل قوما من أهل طرسوس والمصيصة، فأعاد الكرة ~~إلى بلاد الروم، وكان الظفر والتوفيق حليفه في هذه الكرة أيضا. # وفي المدة التي قضاها المأمون بين مصر ودمشق بدأت المناوشات بين عماله ~~وملك الروم، ثم اشتدت حتى اضطر إلى أن يشخص إلى بلاد الروم للمرة ~~الثالثة، وهي المرة التي توفي فيها. # وفيما هو سائر إليها معتزما تحقيق خطة رسمها لنفسه؛ إذ يقول: أوجه ~~إلى العرب فآتي بهم من البوادي ثم أنزلهم كل مدينة افتتحها حتى أضرب إلى ~~القسطنطينية، إذ جاءه رسول ملك الروم يحمل إليه كتاب مولاه يطلب فيه الصلح ~~والمهادنة، وهذه نسخته فيما يقول الرواة العرب: «أما بعد، ms258 فإن اجتماع ~~المختلفين على حظهما أولى بهما في الرأي مما عاد بالضرر عليهما، ولست ~~حريا أن تدع لحظ يصل إلى غيرك حظا تحوزه إلى نفسك، وفي علمك كاف عن ~~إخبارك، وقد كنت كتبت إليك داعيا إلى المسالمة، راغبا في فضيلة المهادنة، ~~لتضع أوزار الحرب عنا، ونكون كل واحد لكل واحد وليا وحزبا، مع اتصال ~~المرافق والفسح في المتاجر وفك المستأسر وأمن الطرق والبيضة، فإن أبيت فلا ~~أدب لك في الخمر، # 13 # ولا أزخرف لك في القول، فإني لخائض إليك غمارها، آخذ عليك ~~أسدادها، شان خيلها ورجالها، وإن أفعل فبعد أن قدمت المعذرة، وأقمت ~~بيني وبينك علم الحجة. والسلام». # أما رد المأمون عليه، فيقول المؤرخون العرب إن نسخته كانت: «أما بعد، فقد ~~بلغني كتابك فيما سألت من الهدنة، ودعوت إليه من الموادعة، وخلطت فيه من ~~اللين والشدة مما استعطفت به من شرح المتاجر واتصال المرافق وفك الأسارى ~~ورفع القتل والقتال، فلولا ما رجعت إليه من إعمال التؤدة، والأخذ بالحظ في ~~تقليب الفكرة، وألا أعتقد الرأي في مستقبلة إلا في استصلاح ما أوثر في ~~معتقبه، لجعلت جواب كتابك خيلا تحمل رجالا من أهل البأس والنجدة ~~والبصيرة، ينازعونكم عن ثكلكم، ويتقربون إلى الله بدمائكم، ويستقلون في ~~ذات الله ما نالهم من ألم شوكتكم، ثم أوصل إليهم من الأمداد، وأبلغ لهم ~~كافيا من العدة والعتاد؛ هم أظمأ إلى موارد المنايا منكم إلى السلامة من ~~مخوف معرتهم عليكم، موعدهم إحدى الحسنيين: عاجل غلبة، أو كريم منقلب، غير ~~أني رأيت أن أتقدم إليك بالموعظة التي يثبت الله بها عليك الحجة؛ من الدعاء ~~لك ولمن معك إلى الوحدانية والشريعة الحنيفية، فإن أبيت ففدية توجب ذمة، ~~وتثبت نظرة، وإن تركت ذلك ففي يقين المعاينة لنعوتنا ما يغني عن الإبلاغ ~~في القول والإغراق في الصفة. والسلام على من اتبع الهدى». ~~(4) كلمة ختامية عن وفاة المأمون ورجالاته ومعاصريه ووصيته # لقد عاجلت المنية المأمون دون تحقيق خطته بموضع يقال له «البدندون» بين ~~«لؤلؤة» و«طرسوس»، وكانت وفاته لثلاث عشرة ليلة بقيت من ms259 رجب سنة 218ه وسنه ~~ثمان وأربعون سنة وأربعة أشهر. # أما عن كبار رجالات المأمون وولاته فيقول اليعقوبي: وكان الغالب عليه في ~~خلافته ذو الرياستين ثم جماعة منهم: الحسن بن سهل، وأحمد بن أبي خالد، وأحمد بن ~~يوسف، وكان على شرطته العباس بن المسيب بن زهير، ثم عزله وولى طاهر بن الحسين ~~ثم عبد الله بن طاهر الذي استخلف إسحاق بن إبراهيم ببغداد، فوجه إسحاق بأخيه ~~خليفة له على شرطته. # وكان على حرسه شبيب بن حميد بن قحطبة، ثم عزله وولاه قومس، واستعمل مكانه ~~هرثمة بن أعين ثم عبد الواحد بن سلامة الطحلاوي قرابة هرثمة، ثم علي بن هشام ثم ~~قتله وولى عجيف بن عنبسة، وكانت حجابته إلى أحمد بن هشام وعلي بن صالح صاحب ~~المصلى، قال: وخلف من الولد الذكور ستة عشر ذكرا؛ وهم: محمد، وإسماعيل، ~~وعلي ، والحسن، وإبراهيم، وموسى، وهارون، وعيسى، وأحمد، والعباس، والفضل، ~~والحسين، ويعقوب، وجعفر، ومحمد الأكبر - وهو ابن معللة وتوفي في حياته - ومحمد ~~الأصغر وعبيد الله أمهما أم عيسى بنت موسى الهادي. # أما صاحب «نهاية الأرب» فقد ذكر في الجزء العشرين من كتابه أن حجابه هم: عبد ~~الحميد بن شبث، ثم محمد وعلي ابنا صالح مولى المنصور، ثم إسماعيل بن محمد بن ~~صالح. # وذكر أن قضاته هم: محمد بن عمر الواقدي، ثم محمد بن عبد الرحمن المخزومي، ثم ~~بشر بن الوليد. وكان نقش خاتمه فيما ذكره المسعودي في التنبيه والإشراف: «الله ~~معه عبد الله به نؤمن». ~~••• # وقد يكون من المفيد لنا من وجهة نظر التاريخ المصري أن نقف على ولاة مصر ~~وقضاتها في عهد المأمون؛ وذلك ييسره لنا كتابان ممتعان وافيان في هذا الموضوع، ~~وهما: كتاب «النجوم الزاهرة» لابن تغري بردي الأتابكي، وكتاب «الولاة والقضاة» ~~الذين ولوا أمر مصر وقضاءها للكندي. ونحن ذاكرون لك هؤلاء الولاة والقضاة على ~~وجه الاختصار: # أما الولاة فهم: مالك بن دلهم، وحاتم بن هرثمة، وجابر بن الأشعث، وعباد بن ~~محمد، والمطلب بن عبد الله، والعباس بن موسى، والسري بن الحكم، وسليمان ms260 بن ~~غالب، ومحمد بن السري، وعبيد الله بن السري، وعبد الله بن طاهر، وعيسى بن يزيد، ~~وعمير بن الوليد، وعبدويه بن جبلة. # ولقد حدثنا المؤرخون في أيامه عما سمي في مصر بالبدع المأمونية الأربع: ~~فالبدعة الأولى منها هي لبس الخضرة وتقريب العلوية وإبعاد بني العباس. ~~والثانية: القول بخلق القرآن، والثالثة: ما كتبه المأمون إلى نائبه ببغداد أن ~~يأخذ الجند بالتكبير إذا صلوا الجمعة وبعد الصلوات الخمس. # ثم أباح المأمون في هذه السنة - وهي سنة 215ه - «المتعة»، فقال الناس: هذه ~~بدعة رابعة. وبعد ولاية ابن جبلة هذا ولاية عيسى بن منصور ونصر بن عبد الله، ~~وشهرته كيدر، والمظفر بن كيدر. # أما قضاة مصر في عهده فهم: عبد الرحمن العمري، وهاشم بن أبي بكر البكري، ~~وإبراهيم بن البكاء، ولهيعة بن عيسى الحضرمي، والفضل بن غانم، وإبراهيم بن ~~إسحاق العاري، وعطاف بن غزوان، وجعله عبد الله بن طاهر على المظالم، وبعدئذ ~~ولي القضاء من قبله عيسى بن المنكدر، وأخيرا هارون بن عبد الله. # أما معاصروه فقد كان يعاصره في الأندلس الحكم بن هشام ثالث أمراء بني أمية، ~~ثم ابنه عبد الرحمن، وفي عهدهما سمعنا رأي الأندلس في القول بخلق القرآن؛ فقد ~~قال أبو خلف المعافري: # لا والذي رفع السما # ء بلا عماد للنظر # ما قال خلق في القرا # ن بخلقه إلا كفر # لكن كلام منزل # من عند خلاق البشر # وكان يعاصر المأمون في بلاد المغرب الأقصى إدريس بن إدريس بن عبد الله ثم ~~ابنه محمد بن إدريس، ويعاصره في إفريقيا من بني الأغلب عبد الله بن إبراهيم بن ~~الأغلب ثم ابنه زيادة الله بن إبراهيم فاتح صقلية، ويعاصره في فرنسا «شارلمان» ~~صديق أبيه، ثم «لويز الأول» الملقب باللين، ويعاصره في القسطنطينية «ليون ~~الأرمني» و«ميخائيل» الملقب بالتمتام، ثم ابنه «توفيل». # أما صفته فهي كما ذكرها صاحب «نهاية الأرب»: «كان المأمون ربعة أبيض طويل ~~اللحية رقيقها قد وخطه الشيب، وقيل: كان أسمر تعلوه صفرة، أجنى أعين ضيق ~~الجبهة، بخده خال أسود» وكذلك وصفه الطبري وغيره. ms261 # ولما حضرته الوفاة أوصى لأخيه المعتصم من بعده، وعلل بعضهم أن الوصية كانت ~~للمعتصم دون ابنه العباس بأن الثاني كان متغيبا عنه ساعة وفاته. # ولقد أثبتنا لك في باب المنثور من الكتاب الثالث في مجلدنا الثالث وصيته التي ~~أوصى بها حين مماته؛ لقيمتها التاريخية، ولأنها توضح بعض آرائه وتفصح عن السر ~~في بعض تصرفاته، فراجعها ثمة. # | هوامش # الفصل الخامس # | الوزارة والأعمال الحكومية في عصر المأمون # تاريخ الوزارات المأمونية ~~(1) توطئة # لسنا نريد أن نتكلم عن تاريخ الوزارة ومكانتها في العصر العباسي، فقد تعرض ~~لدرسها كثيرون نذكر منهم، على سبيل التمثيل، الأستاذ «برون» في كتابه تاريخ ~~الفرس الأدبي، والمؤرخ ابن طباطبا في الآداب السلطانية، وإنما قصارى ما نرمى ~~إليه كتابة فذلكة موجزة عن حياة البارزين من وزراء المأمون، حتى تقف بذلك على ~~صورة كاملة قدر المستطاع عن العصر الذي تصدرنا للكتابة عنه ومكانة رجالاته ~~البارزين فيه فنقول: # وزارتا الفضل بن سهل وأخيه الحسن # يحدثنا التاريخ أن أول وزراء المأمون الفضل بن سهل، وهو من رجال جعفر ~~البرمكي، فلا غرو إذا نزع في سياسة الملك منزع البرامكة، ولا غرو إذا ~~ائتم بهم وتلا تلوهم في تدبير أمور السلطان، ولا غرو إذا كانت دولة بني ~~سهل غرة في جبين الدهر ودرة على مفرق العصر؛ لأنها كانت كما يقول ~~الفخري: مختصر الدولة البرمكية. # أما طريقة اتصاله بالمأمون، فإن المظان التاريخية والأدبية تحدثنا أن ~~جعفرا البرمكي لما عزم على استخدامه للمأمون وصفه يحيى بن خالد بحضرة ~~الرشيد، فقال له الرشيد: أوصله إلي، فلما وصل إليه أدركته حيرة فسكت، ~~فنظر الرشيد إلى يحيى نظر منكر لاختياره، فقال ابن سهل: يا أمير ~~المؤمنين، إن من أعدل الشواهد على فراهة المملوك أن يملك قلبه هيبة ~~سيده، فقال الرشيد: لئن كنت سكت لتصوغ هذا الكلام فلقد أحسنت، وإن كان ~~بديهة إنه لأحسن وأحسن، ثم لم يسأله بعد ذلك عن شيء إلا أجابه بما يصدق ~~وصف يحيى له. # ويروي لنا أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، وهو - كما تعلم - شيخ من ms262 مشيخة ~~الأدب والبيان في عصرنا المأموني، في كتابه «الحيوان»: أن جعفرا الضبي وصف ~~الفضل بن سهل بقوله: أيها الأمير، أسكتني عن وصفك تساوي أفعالك في السؤدد، ~~وحيرني فيها كثرة عددها، فليس إلى ذكر جميعها سبيل، وإن أردت وصف واحدة ~~اعترضت أختها إذ لم تكن الأولى أحق بالذكر، ولست أصفها إلا بإظهار العجز عن ~~وصفها. # ويقول ابن طباطبا: إن الفضل كان سخيا كريما يجاري البرامكة في جوده، ~~شديد العقوبة، سهل الانعطاف، حليما بليغا عالما بآداب الملوك، بصيرا ~~جيد الحدس محصلا للأموال، وكان يقال له: الوزير الأمير. # وكان الفضل بن سهل يتشيع كمذهب غالب الفرس، وكانت له إصابة حسنة بعلم ~~النجوم، كما أسلفنا لك القول في كلمتنا عن المأمون في صباه، ومما يؤيد ذلك ~~ما رواه أبو الحسين علي بن أحمد السلامي في تاريخ ولاة خراسان، أن المأمون ~~لما عزم على إرسال طاهر بن الحسين إلى محاربة أخيه محمد الأمين، نظر الفضل ~~بن سهل في مسألته، فوجد الدليل في وسط السماء، وكان ذا يمينين، فأخبر ~~المأمون بأن طاهرا يظفر بالأمين ويلقب بذي اليمينين، فتعجب المأمون من ~~إصابة الفضل ولقب طاهرا بذلك. # وكان الفضل بن سهل شبيها بأساتذته البرامكة في رفد الشعراء وتشجيع ~~الشعر، وكان منتجع القصاد منهم قبل وزارته، فإن كتب الأدب تحدثنا أن ~~مسلم بن الوليد قال فيه حين ذاك وكان من ندمائه وسماره: # وقائل ليست له همة # كلا ولكن ليس لي مال # وهمة المقتر أمنية # عون على الدهر وأثقال # لا جدة ينهض عزمي بها # والناس سؤال وبخال # فاصبر على الدهر إلى دولة # يرفع فيها حالك الحال # ويقول لنا الفخري: إن الفضل لما علت حاله وتولى الوزارة قصده مسلم بن ~~الوليد، فلما رآه سر به وقال له: هذه الدولة التي يرفع فيها حالك الحال، ~~وأمر له بثلاثين ألف درهم، وولاه بريد جرجان، فاستفاد من ثم مالا ~~طائلا. # ويحدثنا ابن خلكان أن الفضل بن سهل قال يوما لثمامة بن الأشرس المتكلم ~~المعروف: ما أدري ما أصنع بطلاب الحاجات، فقد كثروا علي وأضجروني، ms263 فقال ~~له: زل عن موضعك وعلي ألا يلقاك أحد منهم! فقال: صدقت! وانتصب لقضاء ~~أشغالهم، وكان قد مرض بخراسان وأشفى على التلف، فلما أصاب العافية جلس ~~للناس فدخلوا عليه وهنئوه بالسلامة وتصرفوا في الكلام، فلما فرغوا من ~~كلامهم أقبل على الناس وقال: إن في العلل لنعما لا ينبغي للعقلاء أن ~~يجهلوها: تمحيص الذنوب، والتعرض لثواب الصبر، والإيقاظ من الغفلة، والإذكار ~~بالنعمة في حال الصحة، واستدعاء التوبة، والحض على الصدقة. # وقد مدحه جماعة من أعيان الشعراء، وفيه يقول إبراهيم بن عباس ~~الصولي: # للفضل بن سهل يد # تقاصر عنها المثل # فنائلها للغنى # وسطوتها للأجل # وباطنها للندى # وظاهرها للقبل # ويقول ابن خلكان: إن ابن الرومي أخذ من قول الصولي هذا مدحته التي صاغها ~~في الوزير القاسم بن عبيد الله التي فيها: # أصبحت بين خصاصة وتجمل # والحر بينهما يموت هزيلا # فامدد إلي يدا تعود بطنها # بذل النوال وظهرها التقبيلا # وفيه يقول آخر: # لعمرك ما الأشراف في كل بلدة # وإن عظموا للفضل إلا صنائع # ترى عظماء الناس للفضل خشعا # إذا ما بدا والفضل لله خاشع # تواضع لما زاده الله رفعة # وكل جليل عنده متواضع # وحكى الجهشياري أن الفضل بن سهل أصيب بابن له يقال له: العباس، فجزع عليه ~~أشد الجزع، فدخل عليه إبراهيم بن موسى بن جعفر العلوي وأنشده: # خير من العباس أجرك بعده # والله خير منك للعباس # وقال فيه مسلم بن الوليد من قصيدة له: # لو نطق الناس أو أثنوا بعلمهم # ونبأت عن معالي دهرك الكتب # لم يبلغوا منك أدنى ما يمت به # إذا تفاخرت الأملاك وانتسبوا # فأمر له عن كل بيت من هذه القصيدة بألف درهم. # وإنه ليلوح لنا من قراءتنا الطويلة لكتب الأدب والتاريخ أن جماعة الشعراء ~~الذين كانوا يمتدحون البرامكة - وما أكثرهم - هم بأنفسهم الذين امتدحوا آل ~~سهل، واتخذوا منهم برامكة آخرين. # كما يلوح لنا أن لمقولاتهم وقصائدهم في امتداحهم وإظهار قوتهم واستفحال ~~سلطانهم بعض الأثر في نكبتهم؛ لأنه غير معقول البتة أن يمر على المأمون قول ~~مثل قول القائل: # أقمت ms264 خلافة وأزلت أخرى # جليل ما أقمت وما أزلتا # من غير أن يترك في نفسه بعض ما كانت تتركه على البرامكة أمثال تلك ~~الأقوال في نفس الرشيد، ومهما قيل عن حلم المأمون وعفوه واعتدال مزاجه وسعة ~~صدره؛ فإن النفس الإنسانية هي هي. # وقد مر بك فيما أجملناه لك من الحوادث التي وقعت في حكم المأمون، أنه ~~جعل في سنة 201ه علي بن موسى العلوي ولي عهد المسلمين والخليفة من بعده، ~~وسماه الرضا من آل محمد # صلى الله عليه وسلم ~~، وأنه أمر جنده بطرح السواد ولبس الخضرة، ~~وبينا ما كان لذلك من ثورات وفتن لم تهدأ إلا بعد أن عاد إلى مقر ملكه، ~~وأعلم آله وأنصاره بوفاة الرضا، وعاد إلى لبس السواد وهو شعار ~~العباسيين. # ونريد الآن أن نشير هنا إلى ما كان من الفضل بن سهل فيما نحن في صدده، ~~ونعتمد على ما رواه الطبري، قال: إن علي بن موسى بن جعفر بن محمد العلوي ~~أخبر المأمون بما فيه الناس من الفتنة والقتال منذ قتل أخوه، وبما كان ~~الفضل بن سهل يستر عنه من الأخبار، وأن أهل بيته والناس قد نقموا عليه ~~أشياء، وأنهم يقولون: إنه مسحور مجنون، وأنهم لما رأوا ذلك بايعوا لعمه ~~إبراهيم بن المهدي بالخلافة، فقال المأمون: إنهم لم يبايعوا له بالخلافة ~~وإنما صيروه أميرا يقوم بأمرهم على ما أخبر به الفضل، فأعلمه أن الفضل قد ~~كذبه وغشه، وأن الحرب قائمة بين إبراهيم والحسن بن سهل، وأن الناس ينقمون ~~عليك مكانه ومكان أخيه، ومكاني ومكان بيعتك لي من بعدك، فقال: ومن يعلم ~~هذا من أهل عسكري؟ فقال له: يحيى بن معاذ وعبد العزيز بن عمران وعدة من ~~وجوه أهل العسكر، فقال له: أدخلهم علي حتى أسائلهم عما ذكرت، فأدخلهم ~~عليه، وهم: يحيى بن معاذ، وعبد العزيز بن عمران، وموسى وعلي بن أبي سعيد، ~~وهو ابن أخت الفضل، وخلف المصري، فسألهم عما أخبره فأبوا أن يخبروه حتى ~~يجعل لهم الأمان من الفضل بن سهل ألا يعرض لهم فضمن ذلك ms265 لهم وكتب لكل ~~رجل منهم كتابا بخطه ودفعه إليهم، فأخبروه بما فيه الناس من الفتن وبينوا ~~ذلك له، وأخبروه بغضب أهل بيته ومواليه وقواده عليه في أشياء كثيرة، وبما ~~موه عليه الفضل من أمر هرثمة، وأن هرثمة إنما جاء لينصحه وليبين له ما ~~يعمل عليه، وأنه إن لم يتدارك أمره خرجت الخلافة منه ومن أهل بيته، وأن ~~الفضل دس إلى هرثمة من قتله، وأنه أراد نصحه، وأن طاهر بن الحسين قد أبلى ~~في طاعته ما أبلى، وافتتح ما افتتح، وقاد إليه الخلافة مزمومة حتى إذا ~~وطأ الأمر أخرج من ذلك كله، وصير في زاوية من الأرض بالرقة قد حظرت ~~عليه الأموال حتى ضعف أمره، فشغب عليه جنده، وأنه لو كان على خلافتك ~~ببغداد لضبط الملك ولم يجترأ عليه بمثل ما اجترئ به على الحسن بن سهل، ~~وأن الدنيا قد تفتقت من أقطارها، وأن طاهرا بن الحسين قد تنوسي في هذه ~~السنين منذ قتل محمد في الرقة لا يستعان به في شيء من هذه الحروب، وقد ~~استعين بمن هو دونه أضعافا، وسألوا المأمون الخروج إلى بغداد؛ فإن بني ~~هاشم والموالي والقواد والجند لو رأوا غرتك سكنوا إلى ذلك، وبخعوا ~~بالطاعة لك. # فلما تحقق ذلك عند المأمون أمر بالرحيل إلى بغداد، فلما أمر بذلك علم ~~الفضل بن سهل ببعض ذلك من أمرهم، فتعنتهم حتى ضرب بعضهم بالسياط وحبس ~~بعضا ونتف لحى بعض، فعاوده علي بن موسى في أمرهم، وأعلمه ما كان من ضمانه ~~لهم، فأعلمه أنه يداري ما هو فيه، ثم ارتحل من مرو، فلما أتى سرخس شد ~~قوم على الفضل بن سهل وهو في الحمام فضربوه بالسيوف حتى مات، وذلك يوم ~~الجمعة لليلتين خلتا من شعبان سنة 202 فأخذوا. وكان الذين قتلوا الفضل من ~~حشم المأمون، وهم أربعة نفر: غالب المسعودي الأسود، وقسطنطين الرومي، وفرج ~~الديلمي، وموفق الصقلي، وقتلوه وله ستون سنة وهربوا، فبعث المأمون في ~~طلبهم، وجعل لمن جاء بهم عشرة آلاف دينار، فجاء بهم العباس بن الهيثم بن ~~بزرجمهر ms266 الدينوري، فقالوا للمأمون: أنت أمرتنا بقتله، فأمر بهم فضربت ~~أعناقهم، وقد قيل: إن الذين قتلوا الفضل لما أخذوا سألهم المأمون، فمنهم ~~من قال: إن علي بن أبي سعيد، ابن أخت الفضل، دسهم، ومنهم من أنكر ذلك، ~~وأمر بهم فقتلوا، ثم بعث إلى عبد العزيز بن عمران وعلي وموسى وخلف فسألهم ~~فأنكروا أن يكونوا علموا بشيء من ذلك، فلم يقبل ذلك منهم، وأمر بهم فقتلوا، ~~وبعث برءوسهم إلى الحسن بن سهل في واسط، وأعلمه ما دخل عليه من المصيبة ~~بقتل الفضل، وأنه قد صيره مكانه، وتزوج المأمون من ابنته بوران، وأظهر ~~الحسن في حفلة زواجها من الكرم الخارق، والجود الحاتمي ما دعا المأمون إلى ~~أن نسبه فيه إلى السرف، ولقد قدم على الحسن بن سهل شاعر يلتمس صلته ~~وعارفته، فاشتغل عنه مديدة فكتب إليه: # المال والعقل مما يستعان به # على المقام بأبواب السلاطين # وأنت تعلم أني منهما عطل # إذا تأملتني يا ابن الدهاقين # أما تدلك أثوابي على عدمي # والوجه أني رئيس في المجانين # والله يعلم ما للملك من رجل # سواك يصلح للدنيا وللدين # فقيل: إن الحسن أمر له بعشرة آلاف درهم ووقع في رقعته: # أعجلتنا فأتاك عاجل برنا # قلا ولو أنظرتنا لم يقلل # فخذ القليل وكن كأنك لم تنل # ونكون نحن كأننا لم نسأل # ويظهر لنا مما قرأناه عن الحسن بن سهل في أمالي أبي علي القالي وغيره من ~~مظان الكتب الأدبية، أن له بصرا بالأدب عظيما، ومكانة في الكتابة سامية، ~~وحظا بأفانين القول ومناحيه وفيرا. # فقد روي عنه أنه كتب إلى محمد بن سماعة القاضي: «أما بعد، فإني احتجت ~~لبعض أموري إلى رجل جامع لخصال الخير، ذي عفة ونزاهة طعمة، # 1 # قد هذبته الأخلاق وأحكمته التجارب، ليس بظنين في رأيه، ولا ~~بمطعون في حسبه، إن اؤتمن على الأسرار قام بها، وإن قلد مهما من ~~الأمور أجزأ فيه، له سن مع أدب ولسان، تقعده الرزانة ويسكنه الحلم، قد ~~فر عن ذكاء وفطنة، وعض على قارحة من الكمال، تكفيه اللحظة، وترشده ~~السكتة، ms267 قد أبصر خدمة الملوك وأحكمها، وقام في أمورهم فحمد فيها، له أناة ~~الوزراء وصولة الأمراء، وتواضع العلماء وفهم الفقهاء وجواب الحكماء، لا ~~يبيع نصيب يومه بحرمان غده، يكاد يسترق قلوب الرجال بحلاوة لسانه وحسن ~~بيانه، دلائل الفضل عليه لائحة وأمارات العلم له شاهدة، مضطلعا بما ~~استنهض مستقلا بما حمل، وقد آثرتك بطلبه وحبوتك بارتياده؛ ثقة بفضل ~~اختيارك ومعرفة بحسن تأتيك». # ويقول ابن طباطبا: إن الحسن بن سهل كان أعظم الناس منزلة عند المأمون، ~~وكان المأمون شديد المحبة لمفاوضته، فكان إذا حضر عنده طاوله في الحديث، ~~وكلما أراد الانصراف منعه، فانقطع زمان الحسن بذلك وثقلت عليه الملازمة، ~~فصار يتراخى عن الحضور بمجلس المأمون، ويستخلف أحد كتابه كأحمد بن أبي ~~خالد وأحمد بن يوسف وغيرهما، ثم عرضت له سوداء كان أصلها جزعه على أخيه، ~~فكانت سبب انقطاعه في داره واحتجابه عن الناس . وقد هجاه حين ذاك بعض ~~الشعراء فقال: # تولت دولة الحسن بن سهل # ولم أبلل لهاتي من نداها # فلا تجزع على ما فات منها # وأبكى الله عيني من بكاها # وقد قرأنا في كتاب الأغاني ما يستدل منه على أن الحسن بن سهل هو صاحب ~~الوساطة في العفو عن إبراهيم بن المهدي، وذلك يختلف مع ما رواه البعض من أن ~~بوران ابنته هي التي طلبت العفو عنه، وما وراه البعض الآخر من أن طاهر بن ~~الحسين هو صاحب الوساطة. # وتفصيل الرواية: أن الحسن بن سهل دخل على المأمون وهو يشرب فقال له: ~~بحياتي وبحقي عليك يا أبا محمد إلا شربت معي قدحا، وصب له من نبيذه ~~قدحا، فأخذه بيده وقال: من تحب أن يغنيك؟ فأومأ إلى إبراهيم بن المهدي، ~~فقال له المأمون: غنه يا عم، فغناه: # تسمع للحلي وسواسا إذا انصرفت # يعرض به لما كان لحقه من السوداء أو الاختلاط، فغضب المأمون حتى ظن ~~إبراهيم أنه سيوقع به، ثم قال له: أبيت إلا كفرا يا أكفر خلق الله ~~لنعمه! والله ما حقن دمك غيره، ولقد أردت قتلك فقال لي: إن عفوت عنه ms268 فعلت ~~فعلا لم يسبقك إليه أحد! فعفوت والله عنك لقوله، فحقه أن تعرض به ولا ~~تدع كيدك ولا دغلك! أو أنفت من إيمائه إليك بالغناء! فوثب إبراهيم ~~قائما وقال: يا أمير المؤمنين، لم أذهب حيث ظننت ولست بعائد، فأعرض ~~عنه. # وزارة أحمد بن أبي خالد # يظهر أن المأمون كان قد صدم صدمة عنيفة من وزارة الفضل بن سهل ومن أخيه، ~~لاستبدادهما بجل الأمور من دونه، ويظهر أنه فكر جديا في ألا يستوزر بعد ~~الفضل أحدا، ويقال: إنه لما دعا إليه أحمد بن أبي خالد - وكان أبوه كاتب ~~سر ابن عبيد الله كاتب المهدي ووزيره - قال له: إني كنت عزمت ألا أستوزر ~~أحدا، ثم عرض عليه الوزارة، فتنصل أحمد منها وقال: يا أمير المؤمنين، ~~أعفني من التسمي بالوزارة، وطالبني بالواجب فيها، واجعل بيني وبين العامة ~~منزلة يرجوني لها صديقي ويخافني لها عدوي، فما بعد الغايات إلا ~~الآفات! # وتدل هذه المناقشة، وإن كانت قصيرة، على أن أحمد بن أبي خالد قد وجد ~~العبرة في تاريخ الفضل بن سهل وأمثاله، فرأى أن يكون مقتصدا في مكانته ~~وسلطانه، وقد أعجب المأمون بكلامه واستوزره. # وسترى في كلمتنا المجملة التي عقدناها عن تقدير المأمون للشجاعة الأدبية ~~طرفا من تصرفات أحمد بن أبي خالد وحسن تخلصه في حادثة عمرو بن مسعدة، وكيف ~~كان شجاعا وصادقا، وكيف كان مخلصا للمأمون عاملا على إصلاح ما بينه ~~وبين رجالات دولته. # ويقول صاحب الآداب السلطانية والدول الإسلامية: إن المأمون لما ولي طاهر ~~بن الحسين خراسان استشار فيه أحمد بن أبي خالد، فصوب أحمد الرأي في تولية ~~طاهر، فقال المأمون لأحمد: إني أخاف أن يغدر ويخلع ويفارق الطاعة، فقال ~~أحمد: الدرك في ذلك علي - ويجب أن نشير هنا إلى ما جاء بكتاب عيون ~~الأخبار عن دقة المأمون في مثل هذا الموقف، فإن المعلى بن أيوب أحد ~~المعاصرين يحدثنا عن ذلك بقوله: سمعت المأمون يقول: من مدح لنا رجلا فقد ~~تضمن عيبه - فولاه المأمون، فلما كان بعد مدة أنكر عليه المأمون أمورا ~~وكتب ms269 إليه كتابا يتهدده فيه، فكتب طاهر جوابا أغلظ فيه للمأمون، ثم قطع ~~اسمه من الخطبة ثلاث جمع، فبلغ ذلك المأمون فقال لأحمد بن أبي خالد: أنت ~~الذي أشرت بتولية طاهر وضمنت ما يصدر منه، وقد ترى ما صدر منه من قطع ~~الخطبة ومفارقة الطاعة، فوالله لئن لم تتلطف لهذا الأمر وتصلحه كما أفسدته ~~وإلا ضربت عنقك! فقال أحمد: يا أمير المؤمنين، طب نفسا؛ فبعد أيام يأتيك ~~البريد بهلاكه، ثم إن أحمد بن أبي خالد أهدى لطاهر هدايا فيها كواميخ ~~مسمومة - وكان طاهر يحب الكامخ # 2 ~~- فأكل منها فمات من ساعته. # 3 # فإن صحت هذه الرواية دلت على أن المأمون ورجاله لم يكونوا قد صرفوا ~~أنفسهم يومئذ عن التذرع إلى الخلاص من بعض رجال الدولة بالقضاء على ~~حياتهم. # قال الفخري: إن أحمد بن أبي خالد لما تولى طاهر خراسان حسب هذا الحساب؛ ~~فوهب له خادما وناوله سما وقال له: متى قطع خطبة المأمون فاجعل له هذا ~~السم في بعض ما يحب من المآكل، فلما قطع طاهر خطبة المأمون جعل الخادم له ~~السم في كامخ، فأكل منه فمات في ساعته، ووصل الخبر على البريد بموته إلى ~~المأمون بعد أيام، فكان ذلك مما عظم به أمر أحمد بن أبي خالد. فتأمل طريقة ~~التخلص من الزعماء في ذلك الحين، ولاحظ كيف كانت عندهم خاتمة الحياة لمن ~~يتبرمون لهم من كبار القواد والوزراء، ولتعلل بعد ذلك لم أقفرت البلاد من ~~قادتها وكماتها، ولم أضحت الكلمة النافذة فيما بعد للغلمة الأتراك ~~وغيرهم من الغرباء! # وكان أحمد بن أبي خالد إلى جانب كفايته وبصره بالأمور مصابا بالشره، ~~وقد قال أحد المعاصرين لما ناقب المأمون أحمد بن أبي خالد هذا: ما أظن أن ~~الله خلق في الدنيا نفسا أنبل ولا أكرم من نفس المأمون، فلما سئل: لماذا؟ ~~قال: لأنه عرف نفس الرجل، يعني أحمد بن أبي خالد، وشرهه فكان إذا وجهه ~~إلى رجل برسالة أو في حاجة قال: ائته بالغداة واخلع ثيابك واطمئن عنده، ~~فإن انصرفت وقد قمت ms270 فاكتب إلي بجواب ما جئت به في رقعة، وادفعها إلى ~~فتح يوصلها إلي. # ومما ينسب إليه أنه ولى رجلا كورة عظيمة القدر بخوان فالوذج أهداه ~~إليه، وقيل: إن جماعة من أهل كورة الأهواز شكوا عاملا كان عليهم فعزل ~~وصار إلى مدينة السلام، فتكلموا فيه فأنهي خبرهم إلى المأمون، فأحضرهم ~~وخصمهم وأمر أحمد بن أبي خالد بالنظر في أمورهم، فقال رجل من خصوم ~~العامل: يا أمير المؤمنين، جعلني الله فداءك، تقدم إلى أحمد ألا يقبل من ~~هذا الفاجر هدية حتى يقطع أمرنا، فوالله لئن أكل من طعامه رغيفا ومن ~~فالوذجه جاما ليدحضن الله حجتنا على يديه، وليبطلن حقنا على ~~يديه، فكان من جراء ما قاله متكلم الجماعة أن المأمون طلب إليهم أن ~~يحضروا إليه يوم الأربعاء لينظر في شكايتهم بنفسه، وكان من جراء مثل هذه ~~الشكاوى وما قيل في ابن أبي خالد من أنه «يقتل المظلوم ويعين الظالم ~~بأكلة»، أن أجرى المأمون عليه في كل يوم ألف درهم لمائدته لئلا يشره إلى ~~طعام أحد من بطانته أو من طعام الناس. # ومن طريف حوادثه مع المأمون، وهي تؤيد لنا صحة ما يرمى به من هذه ~~الناحية وتدل على اقتناع المأمون بإصابته بها، ما يرويه لنا ابن طيفور في ~~تاريخه قال: «حدثني بعض أصحابنا قال: قال المأمون يوما لأحمد بن أبي خالد: ~~اغد علي باكرا لأخذ القصص التي عندك؛ فإنها قد كثرت لنقطع أمور أصحابها، ~~فقد طال انتظارهم إياها. فبكر، وقعد له المأمون، فجعل يعرضها عليه ويوقع ~~عليها إلى أن مر بقصة رجل من اليزيديين يقال له: فلان اليزيدي، فصحف وكان ~~جائعا فقال: الثريدي، فضحك المأمون وقال: يا غلام! ثريدة ضخمة لأبي ~~العباس؛ فإنه أصبح جائعا، فخجل أحمد وقال: ما أنا بجائع يا أمير المؤمنين، ~~ولكن صاحب هذه القصة أحمق، وضع نسبته ثلاث نقط، قال: دع هذا عنك فالجوع ~~أضر بك حتى ذكرت الثريد، فجاءوه بصحفة عظيمة كثيرة العراق # 4 # والودك، فاحتشم أحمد، فقال المأمون: بحياتي عليك لما عدلت ~~نحوها، فوضع القصص ومال ms271 إلى الثريد، فأكل حتى انتهى والمأمون ينظر إليه، ~~فلما فرغ دعا بطست فغسل يده ورجع إلى القصص، فمرت به قصة فلان الحمصي، ~~فقال: فلان الخبيصي! فضحك المأمون وقال: يا غلام، جاما ضخما فيه ~~خبيص؛ # 5 # فإن غداء أبي العباس كان مبتورا، فخجل أحمد وقال: يا أمير ~~المؤمنين، صاحب هذه القصة أحمق، فتح الميم فصارت كأنها سنتان! قال: دع ~~عنك هذا؛ فلولا حمقه وحمق صاحبه لمت جوعا، فجاءوه بجام خبيص فخجل، فقال ~~له المأمون: بحياتي عليك إلا ملت إليها! فانحرف فانثنى عليه وغسل يده ثم ~~عاد إلى القصص، فما أسقط حرفا حتى أتى على آخرها». # وبعد، فإنا نستنبط - من هذه الرواية ومما جرى من الحديث بينه وبين ~~المأمون في شأن أكلة ابن أبي خالد عند دينار بن عبد الله التي كلفت المأمون ~~ألف ألف # 6 ~~- شره هذا الوزير الجليل. # ويجدر بنا أن نقيد هنا ملاحظة أخرى ، وهي طول احتمال المأمون وكبير جلده ~~وقوة اصطباره على مطالعة شكاوى الجمهور ومظالمهم، غير مكترث لألم الجوع ~~ولا جانح إلى الرغد والراحة في سبيل نظرها وإنصاف أصحابها. # على أن هذه الهنة في هذا الوزير وإن كانت عائبة للرجل ناقصة من كرامته، ~~فكفايته مقطوع بها، وليس أدل على عظيم قدره وسمو مكانته من حضور المأمون ~~جنازته وصلاته بنفسه عليه، وقوله عنه بعد أن دلي في حفرته وترحم عليه: ~~أنت والله كما قال القائل: # أخو الجد إن جد الرجال وشمروا # وذو باطل إن كان في القوم باطل # وزارة أحمد بن يوسف # وقد استوزر المأمون بعد ابن أبي خالد أحمد بن يوسف الكاتب، ولما كنا ~~سنعقد له بحثا خاصا في قسم الآداب والعلوم، فستجد ثمة طرفا عن حياته ~~وأثره. # وزارة يحيى بن أكثم التميمي # استوزر المأمون بعد أحمد يحيى بن أكثم، وهو من أصحاب ثمامة بن أشرس ~~المتكلم المعروف، ولاه المأمون وظيفتي الوزارة وقاضي القضاة. # ولم أجد اختلافا قويا، هو اختلاف النقيضين، كاختلاف القدماء في يحيى ~~بن أكثم، ولما كان له مظهر بارز في الدولة المأمونية من الوجهة ms272 العلمية ~~والأدبية - لأنه كان كما يقول أحمد بن حنبل رضي الله عنه: متفننا فيها؛ ~~فكان إذا نظر إلى رجل يحفظ الفقه سأله عن الحديث، وإذا رآه يحفظ الحديث ~~سأله في النحو، وإذا رآه يعلم النحو سأله عن الكلام ليقطعه ويخجله - ~~آثرنا أن نلم بحياته وأقوال الناس فيه من قادح ومادح، ونبين قدره على ~~وجه الإجمال لا التفصيل، وسنورد كلامنا فيه أيضا في قسم العلوم والآداب من ~~هذا الكتاب. # وزارات أخرى # وقد ذكر أن المأمون استوزر بعد من قدمناه لك أبا عباد ثابت بن ~~يحيى بن يسار وأبا عبد الله بن يزداد، وقد ائتما في سيرتيهما بمن ~~سبقهما، كما أنه ذكر أنه استوزر عمرو بن مسعدة، وهو صنو أحمد بن يوسف ~~نباهة وكفاية وكتابة. وإنا لا نرى مدعاة لإثبات ما هو من لون واحد، ففي ذلك ~~إضاعة للوقت وتكرار للقول. ~~(2) الجند والقواد في عصر المأمون # لا نريد هنا أن نتكلم عن ديوان الجند وتاريخه ولا عن مرتبات الجند وتحولهم ~~منذ العهود الأولى فإن ذلك يطول كثيرا، على أنا نحيلك مع ذلك إلى ما جاء ~~بالجزء الأول من تاريخ التمدين الإسلامي في هذا الباب، وقصارى ما نريد قوله ~~الآن أن راتب الجندي الراجل، وهو مثل «النفر» في النظام العسكري الحديث، هو 240 ~~درهما في السنة، فضلا عن حصته في الغنائم عند الغزوات. ويظهر أن حصة الجنود ~~من الغنائم كانت حبست عنهم حتى ردها عليهم الأمين سنة 198 هجرية، فأصاب الرجل ~~ستة دنانير. # ولما قام النزاع بين الأمين والمأمون جعل المأمون راتب الجندي ثمانين درهما ~~في الشهر، على أن هذا الراتب عاد إلى ما كان عليه بعد انتهاء الفتنة. # أما القواد العظام في هذا العصر، فإنا نكتفي بما وقفت عليه أثناء النزاع بين ~~الأخوين؛ لأن من التكرار في القول أن نعيد هنا ما قلناه هناك. ~~(3) ديوان القضاء والمظالم والحسبة # ستقف من بحوثنا التي أفردناها لتحليل أخلاق المأمون على شيء من سلطان القضاة ~~في ذلك العهد، ونحيلك هنا إلى المحاضرة القيمة التي ألقيت في ms273 المجمع العلمي ~~بدمشق عن تاريخ القضاة في الإسلام، كما نحيلك إلى الفصل المسهب الذي أفرده في ~~هذا الموضوع صاحب التمدين الإسلامي. # ويكفينا هنا أن نقول: إن نظام الحكم أو الفصل في الدعاوى في ذلك العهد كان ~~متشعبا بقدر ما كان محكما؛ إذ قد كان يوجد إلى جانب ديوان القضاء ديوان ~~المظالم وديوان نظر الحسبة، وهذه الدواوين كلها كانت تنظر فيما يرفع إليها من ~~دعاوى. # ويطول بنا الحديث في هذا المقام لو أردنا استيعاب بيان كل نوع من هذه ~~الدواوين وما يختص بالنظر فيه. # على أنه يجوز لك أن تفترض إلى حد ما أن ديوان المظالم كان يشبه في بعض ~~نظامه وسلطته المحاكم العليا كمحاكم الاستئناف والنقض والإبرام، كما يشبه إلى ~~حد غير قليل المجالس التأديبية. # وإنا نحيلك هنا إلى الفصول الممتعة التي أفردها أبو الحسن علي بن محمد بن ~~حبيب الماوردي في كتابه القيم «الأحكام السلطانية»، فقد عالج فيها الكلام عن ~~القضاة وما يختصون به من الدعاوى، وعن ولاة المظالم وما يختصون به أيضا، وكذلك ~~عن ولاة الحسبة وحدود سلطانهم، وقد نقل عنه صاحب نهاية الأرب في نهاية الجزء ~~السادس جملة صالحة منه؛ فراجعها. # أما راتب القضاة فنقول: إن راتب القاضي بلغ في أيام المأمون 4000 درهم في ~~الشهر، أي حوالي 270 دينارا، وهذا الراتب في ذاته يدل على ما وصلت إليه الثروة ~~في ذلك العصر. وقد كنا نود أن نختص الولاة وراتبهم بكلمة لولا أن المصادر في ~~ذلك تنقصنا، وفيما بيناه عن القضاة مقياس لمن كان في مكانتهم ولمن كان أرفع ~~منهم أو أقل مرتبة؛ فعليك أن تفكر وتقارن. # | هوامش # الفصل السادس # | خلاصة الحياة السياسية والاجتماعية # (1) توطئة # أما أثر المال في النفوس وأثر الأحزاب السياسية وكيف تغيرت وجهات النظر في ~~كثير من الأمور الدينية، فإنك قد وقفت على شيء من ذلك فيما سردناه لك. # على أنا نظن أنه قد آن لنا أن ندون بعض ملاحظاتنا في هذا العصر، وآن لنا أن ~~نتكلم عن نصيب الوزراء والقواد والزعماء في هذه ms274 الدولة التي كان للوزراء ~~والقواد والزعماء الأثر الكبير في تدعيم بنيانها وتقوية أركانها وتشييد ~~سلطانها. ~~(2) نكبة الوزراء # نريد أن نلاحظ أن حياة الوزراء وحياة القواد والزعماء كانت تنتهي في الغالب ~~بنكبتهم في حياتهم أو استصفاء أموالهم. # ومع أنا نحيلك إلى بعض المصادر القيمة في هذا الموضوع مثل كتاب تحفة الأمراء ~~في تاريخ الوزراء لأبي الحسن الهلالي بن المحسن بن إبراهيم الصابي الكاتب، وإلى ~~ما كتب من الفصول في غيره، نريد أن نلاحظ أن جلهم قد نكبه خليفته مثل نكبة ~~المنصور لأبي مسلم وعبد الله بن علي وأبي سلمة الخلال وأبي الجهل، ونكبته لأبي ~~أيوب المورياني، ونكبة الربيع بن يونس الذي سمه الهادي، ونكبة المهدي ليعقوب ~~بن داود، ونكبة الرشيد للبرامكة، والمأمون لمن رأيت. # نلاحظ ذلك ونلاحظ أن غدر الخلفاء بوزرائهم في ذلك العهد قد لاكته الألسنة ~~وتكلمت في الشعراء؛ فقد قال بعضهم حينما قتل المتوكل وزيره محمد بن عبد الملك ~~الزيات: # يكاد القلب من جزع يطير # إذا ما قيل قد قتل الوزير # أمير المؤمنين قتلت شخصا # عليه رحاكم كانت تدور # فمهلا يا بني العباس مهلا # لقد كويت بغدركم الصدور # كما نلاحظ أيضا تنصل شخصيات عظيمة من قبول الوزارة في ذلك العهد لما عهدوه ~~من وخيم عواقبها، وسوء مغبة الاضطلاع بها، فقد ذكر ابن طيفور أن ثمامة بن ~~أشرس المتكلم المعروف قال: لما قتل الفضل بن سهل بعث إلي المأمون وكنت لا ~~أنصرف من عنده إلا الوقعة إلى منزلي، ثم يأتيني رسوله في جوف الليل فآتيه، ~~وكان قد أهلني لمكان الفضل بن سهل من الوزارة، فلما رأيته قد ألح علي في ~~ذلك تعاللت عليه، فقال لي: إنما أردتك لكذا وكذا، فقلت: يا أمير المؤمنين، إني ~~لا أقوم بذلك، وأحر بي أن أضن بموضعي من أمير المؤمنين وحالي أن تزول عنده، ~~فإني لم أر أحدا تعرض للخدمة والوزارة إلا لم يكن لتسلم حاله ولا تدوم ~~منزلته. ورشح له أحمد بن أبي خالد الأحول، ثم انظر إلى اعتلاله عليه مرة أخرى ~~حينما رشح ms275 له يحيى بن أكثم؛ فإنك توقن معنا بنفور رجال الدولة من الوزارة ~~وهربهم من شركها وسوء عقباها. ~~(3) الاستصفاء # هم ينفرون من الوزارة لأن خاتمة حياتهم كانت التقتيل كما رأيت، وينفرون منها ~~لأن مصير أموالهم وأموال ذويهم كان في الغالب إلى الاستصفاء والاغتصاب. # ولقد عم الاستصفاء سائر رجال الحكومة حتى الرعية، وأصبحت بتوالي الأيام ~~المصدر الأول لتحصيل المال. # فالعامل يستصفي مما للرعية، والوزير يستصفي مما للعمال، والخليفة يستصفي مما ~~للوزراء ومما للناس على اختلاف طبقاتهم، حتى لقد أنشئوا للاستصفاء ديوانا ~~خاصا مثل سائر دواوين الحكومة، فكان المال يتداول بالاستصفاء كما يتداول ~~بالمتاجرة. # أما أنواع الاستصفاء ومقاديره في ذلك العصر فنترك الكلمة في هذا للوزير ابن ~~الفرات قريب العهد بالمأمون، قال: «تأملت ما صار إلى السلطان من مالي فوجدته ~~10000000 دينار، وحسبت ما أخذته من الحسين بن عبد الله الجوهري بن الجصاص فكان ~~مثل ذلك». فكأنه لم يخسر شيئا لأنهم يقبضون بالاستصفاء ويدفعون بالاستصفاء، ~~وإذا استصفي أحدهم من مال لم يكن في وسعه أداؤه كله معجلا أجلوه بالباقي، ~~وساعدوه على تحصيله أو جمعه برد جاهه وتغيير زيه وإنزاله في دار كبيرة فيها ~~الفرش والآلة الحسنة؛ ليستطيع التدخل في جمع الأموال من الناس. # وتعددت أسباب الاستصفاء وجهاته حتى أصبح كل صاحب مال أو منصب عرضة له، وهاك ~~بيانا لما قبضه ابن الفرات من الاستصفاء على أيام الراضي بالله ننشرها لك ~~لتكون أنموذجا لأنواع الاستصفاءات ومقاديرها: # دينار # 7300 # من أحمد بن محمد بن إبراهيم البسطامي، عن النصف مما بقى عليه ~~من استصفائه في سنة 300ه. # 11000 # من علي بن الحسين الباذبيني الكاتب، عما تولاه من الموصل. # 30000 # من محمد بن عبد الله الشافعي، عما تصرف فيه لعلي بن عيسى. # 80000 # من محمد بن علي بن مقلة، عما تصرف فيه. # 100000 # من محمد بن الحسن المعروف بأبي طاهر. # 13000 # من الحسن بن أبي عيسى الناقد، عما ذكر أنه وديعة لعلي بن ~~عيسى. # 4000 # ومنه أيضا صلحا عن نفسه. # 20000 # من إبراهيم بن أحمد المادرائي. # 36330 ms276 # من عبد الواحد بن عبيد الله بن عيسى، عن بقية استصفاء ~~والده. # 10000 # من أحمد بن يحيى بن حاني الكاتب عن مصلحة وجبت. # 6000 # من إبراهيم بن أحمد بن إدريس الجهبذ، عن صلحه. # 4000 # من محمد بن عبد السلام بن سهل، عما عنده من الوديعة لمحمد بن ~~علي وإبراهيم بن أحمد المادرائي. # 40000 # من عبد الوهاب بن أحمد بن ما شاء الله، عن صلحه. # 10000 # من محمد بن عبد الله بن الحارث، عن صلحه. # 250000 # من محمد بن أحمد بن حماد، عما تصرف فيه بالموصل وغيرها. # 15000 # من إبراهيم بن أحمد المادرائي، عن الباقي عليه من جملة خمسين ~~ألفا. # 3000 # من أبي عمر محمد بن أحمد الصباح الجرجراي، عن ضمانه الباقي على ~~أبي العباس أحمد بن محمد بن علي المعروف بقرقر. # 700000 # من علي بن محمد بن الحواري وقتل. # 7000 # من هارون بن أحمد الهمذاني. # 2050 # من عبد الله بن زيد بن إبراهيم. # 15000 # من عبد الله بن زيد، صلحا عن نفسه. # 60000 # من علي بن مأمون بن عبد الله الإسكافي كاتب ابن الحواري ~~وقتل. # 700000 # من يحيى بن عبد الله بن إسحاق، عما تصرف فيه مع حامد. # 1300000 # من حامد بن العباس وقتل. # 150000 # من محمد بن محمد بن حمدون الواسطي. # 321000 # من أبي الحسن علي بن عيسى. # 100000 # من إبراهيم بن يوحنا جهبذ حامد بن العباس. # 1200000 # من أبي محمد الحسن بن أحمد المادرائي. # 1000000 # ومنه أيضا. # 1001000 # من أبي بكر محمد بن علي المادرائي. # 10000 # ومنه أيضا. # 7305680 # درهم # 50000 # من أبي الفضل محمد بن أحمد بن بسطام # 200000 # من علي بن الحسن الباذبيني، صلحا عما تصرف فيه بالموصل ~~وقتل # 100000 # من أبي عمر محمد بن أحمد بن الصباح الجرجراي، عن ضمان الباقي ~~من استصفاء أبي ياسر إسحاق بن أحمد # 100000 # من عبيد الله بن أحمد اليعقوبي # 100000 # من الحسن بن إبراهيم الخرائطي، صلحا عما اقتطعه من مال ~~الرئيس # 100000 # من الحسين بن علي بن نصير أخي ms277 نصير بن علي # 2500 # من علي بن محمد بن أحمد بن السمان، عن ورثة قرقر # 10000 # من أبي بكر أحمد بن القاسم الأزرق الجرجاني، عن ضياع علي بن ~~عيسى # 130000 # من الحسين سعد بن القطربلي # 1500000 # من محمد بن أحمد # 3000000 # من أبي الحسن محمد بن أحمد بن بسطام # 50000 # من أحمد بن محمد بن حامد بن العباس # 130000 # من سليمان بن الحسن بن مخلد # ومن المعقول أن نستنبط من ذلك أن الوزير أو العامل لا بد أن يجنح إلى الرشوة، ~~فيعوض المال الذي سيستصفى منه والثروة التي ستغتصب منه. # ومن المعقول أيضا أن نعلل لم تعددت الثورات في بعض الولايات، ولم كثرت ~~الشكايات من بعض الولاة في ذلك العهد. وإنه وإن لم يهتم المؤرخون القدماء ~~بإثبات شكايات العامة وأسباب ثوراتهم، فقد عثرنا بين السطور على العبارة الآتية ~~في الجزء الثاني من اليعقوبي، نثبتها لك بنصها: «أخذ الرشيد العمال ~~والتناء # 1 # والدهاقين # 2 # وأصحاب الضياع والمبتاعين للغلات والمقبلين، # 3 # وكان عليهم أموال مجتمعة، فولى مطالبتهم عبد الله بن الهيثم بن ~~سام، فطالبهم بصنوف من العذاب - وكان ذلك سنة 184، واعتل الرشيد في تلك السنة ~~علة شديدة وشفي منها - فدخل إليه الفضيل فرأى الناس يعذبون في الخراج فقال: ~~ارفعوا عنهم، إني سمعت رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يقول: «من عذب النفس في الدنيا عذبه ~~الله يوم القيامة» فأمر بأن يرفع عن الناس فارتفع العذاب من تلك ~~السنة». # 4 # ويجوز لنا أن نستدل من هذه العبارة ومما ذكره الطبري وسواه من تخفيض بعض ~~الخلفاء لخراج بعض البلدان عقب ثورة من الرعية أو زيارة ملكية، على أن العمال ~~كانوا يجنحون إلى الشدة والعسف وجمع المال بشتى الوسائل، وكل ذلك من جراء ~~النظام المتبع معهم كما أسلفنا، فتأمل كيف يكون عسف الولاة للرعية بسبب عسف ~~الملوك للولاة والعمال. # يعسفون # 5 # ويظلمون والرعية وحدها هي التي تحتمل وتصبر، بيد أن التاريخ يحدثنا ~~دائما في كافة الدول وكافة الأجيال أن نهاية هذا الاحتمال وذلك الصبر هي ms278 يقظة ~~الأمم وانتباهها، ونهضة الشعوب ونضوجها، ورفضها في إباء وشمم، وفي عقيدة ~~وإيمان، وفي شجاعة وحرية، وفي تصميم وقوة إرادة، احتمال أمثال هذه الأدران ~~والمآثم، وتلك الإساءات والمظالم ممن تسلموا مقاليد الرعية من الحكام وذوي ~~السلطان. ~~(4) ثروة الخلفاء ورجال الدولة وبذخهم # نريد أن نقيد ملاحظة أخرى وهي نتيجة لازمة من نتائج الاستصفاء والاغتصاب، تلك ~~الملاحظة هي استفحال ثروة الخلفاء طبعا، واستفحال ثروة كبار رجالاتهم ~~والمقربين من أفراد البيت الملكي من بطانة وحاشية، واستفحال بذخهم، واستفحال ~~أعطياتهم، ونحن وإن كنا لم نجد مصدرا منظما في هذا الموضوع، وخاصة في العصر ~~المأموني، فقد عثرنا في كتاب «لطائف المعارف» للثعالبي أن «المكتفي» وهو قريب ~~الصلة بعصر المأمون قد خلف مائة مليون دنيار! وهذا تفصيلها: # دينار # 20000000 # من العين والورق والأواني المعمولة # 20000000 # من الفرش # 20000000 # من الكراع والسلاح والغلمان # 20000000 # الضياع والعقار والأملاك # 20000000 # الجوهر والطيب وما يجرى معهما # ومن المعقول أن نتخذ من حالة هذا الخليفة العباسي مقياسا لغيره، وإن كنا ~~نعلم أن غيره مثل الرشيد والمأمون كانا أبسط منه سلطانا وأكثر أعوانا، فهما ~~إن لم يكونا أرفع منه شأنا ليسا بأقل منه بالثروة مكانا. # أما ثروة كبار رجالهم، فإنا نذكر لك هنا على سبيل المثال نصا هاما يصح أن ~~نتخذه أساسا لتقدير ثروة أسرة الفضل بن سهل أو أسرة طاهر بن الحسين أو غيرهما ~~من أساطين الدولة وأقطاب المملكة، وهو النص الذي رواه سهل بن هارون، أحد ~~المعاصرين، خاصا بثروة البرامكة، وكلامه حجة لا محالة لأنه إلى جانب كونه من ~~المعاصرين الواقفين على مجريات الأمور وبواطنها في ذلك العهد، فقد كان يشغل ~~وظيفة خازن دار الحكمة في أيام المأمون، قال: «... وأمر الرشيد بضم أموالهم فوجد ~~من العشرين ألف ألف التي كانت مبلغ جبايتهم اثني عشر ألف ألف مكتوب على ~~بدرها صكوك مختومة تفسيرها رقيما حبوا بها، فما كان منها حباء على غريبة ~~أو استطراف ملحة تصدق به يحيى، وأثبت ذلك في ديوانها على تواريخ أيامها، فكان ~~ديوان إنفاق واكتساب فائدة، وقبض ms279 من سائر أموالهم ثلاثين ألف ألف وستمائة ألف ~~وستة وسبعين ألفا إلى سائر ضياعهم وغلاتهم ودورهم ورياشهم، والدقيق والجليل من ~~مواعينهم، فإنه لا يصف أقله ولا يعرف أيسره إلا من أحصى الأعمال وعرف منتهى ~~الآجال». # ويجوز لنا كذلك أن نستخلص مما صرف على زواج بوران بالمأمون مبلغ ثروة الحسن ~~بن سهل، كما يجوز لنا أن نتبين مقدار ثروة عبد الله بن طاهر من رواية صاحب ~~النجوم الزاهرة الخاصة بإحدى مواقفه في الكرم ومؤداها: أنه افتدى الأسرى من ~~الترك بنحو ألفي ألف درهم، ثم انظر ما رواه المسعودي في مروجه خاصا بما ~~فعله إبراهيم بن المهدي في زيارة للرشيد له؛ إذ اصطنع له طاهيه جملة أطعمة ~~فخمة وكان من جملتها جام سمك مقطع، فاستصغر الرشيد قطعه واستفسر منه عن ~~حقيقتها، فأجابه إبراهيم بن المهدي: يا أمير المؤمنين، هذه ألسنة السمك. ~~وقدرت نفقة ما في ذلك الجام بألف درهم. # ثم انظر بذخهم في لباسهم وقد سبق لنا أن أشرنا إلى ما كانوا يلبسونه في ~~المنادمة من مختلف الثياب وغاليها، ونريد أن نبين هنا ما وقفنا عليه من ~~مخلفات بعض المعاصرين من الخلفاء والقواد؛ ليكون مثالا تقريبيا لحالة من ~~لم يصل إلى علمنا خبره، فقد ذكر أن ما خلفه المكتفي من الألبسة هو: # عدد # 4000000 # من الثياب المقصورة سوى الخامات # 63000 # من الأثواب الخراسانية المروية # 8000 # من الملاءات # 13000 # العمائم المروية # 1800 # الحلل الموشاة اليمانية وغيرها منسوجة بالذهب # 180000 # البطائن التي من كرمان في أنابيب القصب # 18000 # الأبسطة الأرمنية # وذكروا أن ذا اليمينين توفي وفي خزانته ألف وثلاثمائة سراويل ديبقي لم ~~يستعملها، وقيل إنهم وجدوا في كسوة بختيشوع الطبيب 400 سراويل ديبقي. # وقد اطلعنا في الجزء العشرين من «كتاب نهاية الأرب» على أن ملك التبت قدم على ~~المأمون ومعه صنم من ذهب على سرير من ذهب مرصع بالجوهر، فأسلم الملك وأخذ ~~المأمون الصنم وأرسله إلى الكعبة، وطالعنا فيه أيضا أن ملك الهند أهدى إليه ~~هدية نفيسة وكتب إليه معددا أمواله وثروته، مما يدل ms280 على بذخ العصر وثروة ~~الملوك فيه. # وقد استفحل أمر البذخ في ذلك العصر حتى أصبحنا نرى أبا العتاهية مثلا وهو ~~المعروف ببخله يهدي إلى الرشيد في سبيل طلبه لعتبة ثلاث مراوح - وكان ~~العباسيون قد تفننوا فيها وفي المذاب التي اخترعت في أيامهم - وكتب على كل ~~مروحة بيتا قال في مجموعها: # ولقد تنسمت الرياح لحاجتي # فإذا لها من راحتيه شميم # أعلقت نفسي من رجائك ماله # عنق يحث إليك بي ورسيم # ولربما استيأست ثم أقول لا # إن الذي ضمن الرياح كريم # ولعلك إذا تذكرت أمر سفن الأمين وبذخه وإسرافه مضافا إليه ما ذكرنا هنا ~~وغيره تؤمن بما نقول من بذخ العصر واستفحال ثروته، على أنا قد عثرنا على مصدرين ~~ننشرهما مع الحيطة والحذر لبيان ثروة العصر، يتضمن الأول بيان الجباية في أيام ~~المأمون، ويتضمن الثاني حالتها في أيام أخيه المعتصم مفترضين في كلتا ~~الحالتين جواز المبالغة في التقدير؛ في المصدرين نرى مع ذلك أن أي تقدير متواضع ~~للخراج في ذلك العصر لا بد أن يكون عظيما ودالا على الثروة والغنى ~~والبذخ. ~~(5) الخراج في عهد المأمون # يمتاز عهد المأمون بوجود أثر تاريخي يدل على مقدار الجباية الخراجية في جميع ~~الأقاليم التي كانت تحت حكم الدولة العباسية، وهو الثبت الذي نقله العلامة ابن ~~خلدون في تاريخه، وقد أحببنا لما في ذلك الثبت من الفائدة أن ننقله عنه، وها هو ~~ذا: # الإقليم # الجباية من الدراهم والدنانير # الجباية من العروض # درهم # السواد # 27800000 # 200 حلة نجرانية # 240 رطلا من طين الختم # كسكر # 11600000 # كور دجلة # 20800000 # حلوان # 4800000 # الأهواز # 25000000 # 30000 رطل سكر # فارس # 27000000 # 30000 قارورة ماء ورد # 20000 رطل زيت أسود # كرمان # 4200000 # 500 ثوب متاع يماني # 20000 رطل تمر # مكران # 400000 # السند وما يليه # 11500000 # 150 رطل عود هندي # سجستان # 4000000 # 300 ثوب معين # 20 رطل من الفانيد # خراسان # 28000000 # 2000 نقرة فضة # 4000 برذون # 1000 رأس رقيق # 20000 ثوب متاع # 30000 رطل إهليلج # جرجان # 12000000 # 1000 شقة إبريسم # قومس # 1500000 # 1000 نقرة ms281 فضة # طبرستان والريان ودماوند # 6300000 # 600 قطعة فرش طبري # 200 كساء و500 ثوب # 300 منديل و300 جام # الري # 12000000 # 20000 رطل عسل # همدان # 11300000 # 1000 رطل رب الرمانين # 12000 رطل عسل # ماها البصرة والكوفة # 10700000 # ماسبذان والريان # 4000000 # شهرزور # 6700000 # الموصل وما يليها # 24000000 # 20000 رطل عسل # أذربيجان # 4000000 # الجزيرة وما يليها من أعمال الفرات # 34000000 # 1000 رأس رقيق # 12000 زق عسل # 10 بزاة # 20 كساء # أرمينية # 13000000 # 20 قسط محفور # 530 رطل رقم # 10000 رطل من المسايح السرماهي # 10000 رطل صونج # 200 بغل # 30 مهرا # برقة # 1000000 # إفريقية # 13000000 # 120 بساط # المجموع # 318600000 # درهم # من الدنانير # قنسرين # 400000 # 1000 حمل زيت # دمشق # 420000 # الأردن # 97000 # فلسطين # 310000 # 300000 رطل زيت # مصر # 2920000 # اليمن # 370000 # سوى المتاع (الذي لم يذكر) # الحجاز # 300000 # 4817000 # دينار، وتساوي 72255000 درهم باعتبار الدينار 15 درهما، وهو ~~تقديره في ذلك العصر، # فيكون المجموع بالدراهم # 72255000 # يضاف إليه جباية الأقاليم المذكورة أعلاه # 318600000 # الجملة # 390855000 # درهم ~~(6) الخراج في عهد المعتصم # أما جباية الدولة في أيام المعتصم، فهاك هي نقلا عن قدامة بن جعفر: كانت ~~جباية السواد معظمها من الحنطة والشعير، وقد ذكر قدامة مقدار كل منهما مفصلا ~~باعتبار طساسيج السواد، أي نواحيه في الشرق والغرب: # اسم الناحية # مقدار الحنطة بالكر # مقدار الشعير بالكر # الدراهم # طساسيج السواد في الجانب الغربي: # الأنبار ونهر عيسى # 11800 # 6400 # 400000 # طسوج مسكن # 3000 # 1000 # 150000 # طسوج قطربل # 2000 # 1000 # 300000 # طسوج بادوريا # 3500 # 1000 # 1000000 # بهر سبر # 1700 # 1700 # 150000 # الرومقان # 3300 # 3300 # 250000 # كوثى # 3000 # 2000 # 350000 # نهر درقيط # 2000 # 2000 # 200000 # نهر جوبر # 1500 # 6000 # 150000 # باروسما ونهر الملك # 3500 # 4000 # 122000 # الزوابي الثلاثة # 1400 # 7200 # 250000 # بابل وخطرنية # 3000 # 5000 # 350000 # الفلوجة العليا # 500 # 500 # 70000 # الفلوجة السفلى # 2000 # 3000 # 280000 # طسوج النهرين # 300 # 400 # 45000 # طسوج عين التمر # 300 # 400 # 45000 # طسوج الجبة والبداة # 1500 # 1600 # 150000 # سورا وبرنسيما # 1500 # 4500 # 250000 # البرس الأعلى والأسفل # 500 # 5500 ms282 # 150000 # فرات بادقلي # 2000 # 2500 # 62000 # طسوج السيلحين # 1000 # 1500 # 140000 # روذستان وهرمزجرد # 500 # 500 # 20000 # تستر # 2200 # 2000 # 300000 # إيغار يقطين # 1200 # 2000 # 204800 # كسكر # 30000 # 20000 # 270000 # طساسيج السواد في الجانب الشرقي: # طسوج بزرجسابور # 2500 # 2200 # 300000 # طسوج الراذانين # 4800 # 4800 # 120000 # طسوج نهر بوق # 200 # 1000 # 100000 # كلواذى ونهر بين # 1600 # 1500 # 330000 # جازر والمدينة العتيقة # 1000 # 1500 # 240000 # روستقباد # 1000 # 1400 # 246000 # سلسل ومهروذ # 2000 # 1500 # 150000 # جلولا وجللتا # 1000 # 1000 # 100000 # الذيبين # 1900 # 1300 # 40000 # الدسكرة # 1800 # 1400 # 60000 # البنذنيجين # 600 # 500 # 35000 # طسوج براز الروذ # 3000 # 5100 # 120000 # النهروان الأعلى # 1700 # 1800 # 350000 # النهروان الأوسط # 1000 # 500 # 100000 # بدرايا وبكسايا # 4700 # 5000 # 330000 # كور دجلة # 900 # 4000 # 430000 # نهر الصلة # 1000 # 3121 # 59000 # النهروان الأسفل # 1700 # 1300 # 53000 # مجموع خراج السواد # 115600 # 123921 # 8821800 # فمجموع جباية السواد باعتبار نواحيه 115600 كر حنطة، و123921 كر شعير، ~~و8821800 درهم، على أن هذا المجموع يختلف عما قاله قدامة المذكور بعد أن أورد ~~خراج كل ناحية بالتفصيل كما تقدم، فقد قال في إيراد المجموع: «ذلك ارتفاع ~~السواد سوى صدقات البصرة من الحنطة 177200 كر، ومن الشعير 99721 كرا، ومن ~~الورق 8095800 درهم»، وقد قال المرحوم جرجي بك زيدان: ولعل سبب هذا الفرق خطأ ~~في قراءة بعض الأعداد، على أن الفرق على كثرته لا يعتد به فيما نحن فيه. بقي ~~علينا أن نحول الحنطة والشعير إلى دراهم، وقد فعل جعفر ذلك فحولهما باعتبار ~~ثمن الكرين المقرونين من الحنطة والشعير 60 دينارا، والدينار على صرف 15 ~~درهما بدينار، فبلغ ذلك 100361850 درهما وقال: إن صدقات البصرة ترتفع في ~~السنة 6000000 درهم، فإذا جمعت ذلك كله بلغ 114457650 درهما على هذه ~~الصورة: # 8095800 # الدراهم المجموعة ورقا # 100361850 # قيمة الحنطة والشعير بالدرهم # 6000000 # صدقات البصرة # 114457650 # درهما # هذا هو ارتفاع السواد، فلنتقدم إلى إيراد جبايات سائر الأقاليم بالمشرق ~~والمغرب وهي مع السواد: # أقاليم المشرق # درهم # السواد # 114457650 # الأهواز # 23000000 # فارس # 24000000 # كرمان ms283 # 6000000 # مكران # 1000000 # أصبهان # 10500000 # سجستان # 1000000 # خراسان # 37000000 # حلوان # 900000 # ماه الكوفة # 5000000 # ماه البصرة # 4800000 # همدان # 1700000 # ماسبذان # 1200000 # مهرجان قذق # 1100000 # الإيغارين # 3100000 # قم وقاشان # 3000000 # أذربيجان # 4500000 # الري ودماوند # 20080000 # قزوين وزنجان وأبهر # 1828000 # قومس # 1150000 # جرجان # 4000000 # طبرستان # 4280700 # تكريت والطيرهان # 900000 # شهرزور والصامغان # 2750000 # الموصل وما يليها # 6300000 # قردي وبذيدي # 3200000 # ديار ربيعة # 9635000 # أرزن وميافارقين # 4200000 # طرون # 100000 # آمد # 2000000 # ديار مضر # 6000000 # أعمال طريق الفرات # 2900000 # المجموع # 311581350 # أقاليم المغرب # دنانير # قنسرين والعواصم # 360000 # جند حمص # 218000 # جند دمشق # 110000 # جند الأردن # 109000 # جند فلسطين # 295000 # مصر والإسكندرية # 2500000 # الحرمين # 100000 # اليمن # 600000 # اليمامة والبحرين # 510000 # عمان # 300000 # المجموع # 5102000 # وإذا ما حولنا هذه الدنانير إلى دراهم باعتبار الدينار 15 درهما؛ فإنها ~~تساوي 76710000 درهم، وبإضافتها إلى مجموع جباية أقاليم المشرق والجزيرة يكون ~~مجموع ذلك كله 388291350 درهما، وهو ارتفاع الخراج على تقدير قدامة. ~~(7) السعايات والجاسوسية # وهناك ملاحظة أخرى جديرة بالقيد وهي انتشار السعايات والدسائس في ذلك العصر ~~انتشارا مروعا، ولعل سبب ذلك جنوح العباسيين إلى استعمال الجواسيس والرقباء ~~بكثرة هائلة، فانظر مثلا ما جاء في الجزء العشرين من كتاب «نهاية الأرب» عن ~~المأمون؛ إذ يقول: إنه كان يحب سماع أخبار الناس حتى جعل برسم الأخبار ببغداد ~~ألف عجوز وسبعمائة عجوز، فتأمل جاسوسية العصر التي لا يبعد البتة أن تكون لها ~~يومئذ إدارات خاصة. # وبعد، فمهما يكن من افتراضك للمبالغة والغلو فيما يرويه لنا صاحب نهاية ~~الأرب، فإن اطلاعك على كتاب ابن طيفور الذي كان معاصرا لكثير من رواته، ~~والذي كان قريب العهد بالمأمون وعصره، يقنعك بكثرة العيون وكثرة الأرصاد كثرة ~~قد تهولك حقا وتدهشك صدقا. # وقد سبق أن قلنا: إن جل الساسة العباسيين كانوا يوصون بحفظ الأسرار، ويحبون ~~الرجل الكتمة القفلة، وكان لحفظ الأسرار عندهم مكانة عظيمة، وإنك إذا نظرت ~~إلى قول المأمون: «تحتمل الملوك كل شيء إلا ثلاثة: إفشاء السر، والقدح في ~~الملك، والتعرض للحرم» علمت حينئذ مكانة حفظ السر ms284 عندهم، وأنها في المنزلة ~~الأولى من اعتبارهم، واستطعت أن تعلل لم كانت خططهم غير واضحة ولا جلية، وربما ~~كانت معماة مبهمة. ~~(8) الدعاوة «البروپاچندا» # وهناك مسألة أخرى نحدثك بها، وهي جديرة بالملاحظة قمينة بالبحث، تلك هي ~~عنايتهم بأمر الدعاوة وتقويتهم حملاتهم فيما يريدون الدفاع عنه، فقد كان ~~إتقانهم لأمرها وعلمهم بأفانينها ووقوفهم على نظمها بالغا مبلغا عظيما؛ إذ ~~كان في مكنتهم وطوع بنانهم أن يصوروا الحق باطلا والباطل حقا، وإن فيما رواه ~~الطبري وغير الطبري عن سني حياة المأمون واستخدامه للرقاع تعلق على ظهر من ~~يقتل أو يعاقب من رجالات دولته الغنية والكفاية فيما نحن بسبيل القول ~~فيه. # وإنا نسوق إليك مثلين لتأييد ما ذهبنا إليه: # فقد ذكر الطبري أن المأمون لما قتل علي بن هشام أمر أن تكتب رقعة وتعلق على ~~رأسه ليقرأها الناس، فكتب - وقد ذكرنا هذا الكتاب فيما سبق لمناسبة أخرى: # أما بعد، فإن أمير المؤمنين كان دعا علي بن هشام فيمن دعا من أهل ~~خراسان أيام المخلوع إلى معاونته والقيام بحقه، وكان فيمن أجاب وأسرع ~~الإجابة، وعاون فأحسن المعاونة، فرعى أمير المؤمنين ذلك له واصطنعه وهو ~~يظن به تقوى الله وطاعته، والانتهاء إلى أمر أمير المؤمنين في عمل إن ~~أسند إليه في حسن السيرة وعفاف الطعمة، وبدأه أمير المؤمنين بالإفضال ~~عليه، فولاه الأعمال السنية ووصله بالصلات الجزيلة التي أمر أمير ~~المؤمنين بالنظر في قدرها، فوجدها أكثر من خمسين ألف ألف درهم، فمد يده ~~إلى الخيانة والتضييع لما استرعاه من الأمانة، فباعده عنه وأقصاه، ثم ~~استقال أمير المؤمنين عثرته، فأقاله إياها وولاه الجبل وأذربيجان ~~وكور أرمينية ومحاربة أعداء الله الخونة، على ألا يعود لما كان منه، ~~فعاود أكثر ما كان بتقديمه الدينار والدرهم على العمل لله ودينه، وأساء ~~السيرة، وعسف الرعية، وسفك الدماء المحرمة، فوجه أمير المؤمنين عجيف بن ~~عنبسة مباشرا لأمره، وداعيا إلى تلافي ما كان منه، فوثب بعجيف يريد ~~قتله، فقوى الله عجيفا بنيته الصادقة في طاعة أمير المؤمنين حتى ~~دفعه عن نفسه، ولو تم ما ms285 أراد بعجيف لكان في ذلك ما لا يستدرك ولا ~~يستقال، ولكن الله إذا أراد أمرا كان مفعولا، فلما أمضى أمير ~~المؤمنين حكم الله في علي بن هشام، رأى ألا يؤاخذ من خلفه بذنبه، فأمر ~~أن يجرى لولده ولعياله ولمن اتصل بهم ومن كان يجري عليهم مثل الذي ~~كان جاريا لهم في حياته، ولولا أن علي بن هشام أراد العظمى بعجيف ~~لكان في عداد من كان في عسكره ممن خالف وخان كعيسى بن منصور ونظرائه. ~~والسلام. # فأنت ترى من هذا إلى أية درجة من العناية والاهتمام وصلت الدعاوة ~~«البروباجندة» المأمونية. # ولا غرو فقد أفادت المأمون أيما إفادة، وقد كان المسلمون بسبب نشاط ~~العباسين في الدعوة لأنفسهم أطوع لهم مما كانوا لبني أمية، واعتقدوا أن خلافتهم ~~تبقى أبد الدهر حتى يأتي السيد المسيح، وغرس في أذهان الناس بتوالي الأزمان أن ~~الخليفة العباسي إذا قتل اختل نظام العالم، واحتجبت الشمس وامتنع القطر وجف ~~النبات! كل ذلك من أثر عناية العباسيين بالدعاوة لأنفسهم، واهتمامهم أيما ~~اهتمام بتبرير تصرفاتهم وتزكية أعمالهم. # ثم انظر ماذا حصل لإبراهيم بن المهدي تر أن الدعوة المأمونية أبت إلا أن ~~يقعد في دار المأمون لينظر إليه بنو هاشم والقواد والجند، وصير الدعاة ~~المقنعة التي كان متنقبا بها في عنقه، والملحفة التي كان ملتحفا بها في ~~صدره ليراه الناس ويعلموا كيف أخذ. # وانظر أخيرا - رعاك الله ووفقك - إلى ما يحدثنا به أحمد بن أبي دواد عن ~~كلمة المأمون في هذا الصدد، قال: «قال لي المأمون: لا يستطيع الناس أن ينصفوا ~~الملوك من وزرائهم، ولا يستطيعون أن ينظروا بالعدل بين الملوك وحماتهم ~~وكفاتهم، وبين صنائعهم وبطانتهم، وذلك أنهم يرون ظاهر حرمة وخدمة واجتهاد ~~ونصيحة، ويرون إيقاع الملوك بهم ظاهرا، حتى يزال الرجل يقول: ما أوقع به إلا ~~رغبة في ماله أو رهبة في بعض ما لا تجود النفوس به، ولعل الحسد والملالة وشهوة ~~الاستبدال اشتركت في ذلك، وهناك خيانات في صلب الملك أو في بعض الحرم فلا ~~يستطيع الملك أن يكشف للعامة ms286 موضع العورة في الملك، ولا أن يحتج لتلك العقوبة ~~بما يستحق ذلك الذنب، ولا يستطيع الملك ترك عقابه لما في ذلك من الفساد على ~~علمه بأن عذره غير مبسوط للعامة ولا معروف عند أكثر الخاصة». ~~(9) صعوبة مهمة المؤرخ # والحق أنها مهمة صعبة أن تستكشف حقيقة الظالم من المظلوم، والغالب من ~~المغلوب، والهادي والضال في هذه الدولة التي لعبت فيها الأقلام والألسنة دورا ~~عظيما، ولولا ما جنحنا إليه من الاطلاع على شتى المصادر، وقضينا في ذلك ~~تمهيدا طويلا ودرسا مملا متعبا، فطالعنا أقوال الأحزاب المتضاربة، ~~ووازنا بين كلمة هذا ودفاع ذاك لما كنا بالغين بعض ما بلغناه من إماطة اللثام ~~عن بعض الحقائق التاريخية. وفي هذا القدر الكفاية عن حياة المأمون الخليفة، وآن ~~لنا أن نتكلم عن نواحيه الخلقية. # | هوامش # الفصل السابع # | شخصية المأمون # (1) توطئة # نريد هنا أن نحلل أخلاق المأمون، ونريد أن نستقصي كل ما قيل عنه، وأن ندرس ~~شتى نواحيه الخلقية بما تستحقه من العناية والتعليق والتوضيح، وسنعتمد فيما ~~سنكتبه على الحوادث وما رواه المعاصرون عنه، ونرجو أن نوفق فيما ~~سنعانيه. ~~(2) كرمه وسخاؤه # يقول صاحب النجوم الزاهرة: إنه لم يفرق ملك ولا سلطان في يوم واحد مثل ما ~~فرقه المأمون يوم ولى ولده العباس على الجزيرة؛ إذ أمر لكل من المعتصم ~~والعباس بخمسمائة ألف دينار، وأمر بمثل ذلك لعبد الله بن طاهر. # وقد يكون من نافلة القول أن نذكر أن المأمون كان من أكثر خلفاء العباسيين ~~جودا وأبسطهم يدا وأسخاهم نفسا، بعد أن نرى كتب التاريخ والأدب مفعمة بما ~~كان له من حوادث غريبة في السخاء والجود. # والذي يتتبع ما ذكره المؤرخون من حوادث جوده وفيض إنعامه يرى أن كرم المأمون ~~وسخاءه يرجع إلى عناصر مختلفة في نفسه، فمنها ما يرجع إلى ما في فطرته من ~~أريحية واهتزاز للمعروف، ومنها ما يرجع إليه كسياسي يريد أن يظفر ويتملك القلوب ~~ويوطد أركان سلطانه بالمال. # ونحن إذا نظرنا إلى الدوحة الهاشمية التي تفرع عنها المأمون، وأنه نشأ في ~~حجر الخلافة في ms287 النعيم والترف، ومن هذا شأنه قل حرصه على المال، وإذا نظرنا ~~أيضا إلى أنه خاض معمعة سياسية وحربية كان المال من أفعل آلاتها وأبعدها أثرا ~~- وقد بينا لك في العصر الأموي ما كان للمال من أثر قوي في إقامة سلطان بني ~~أمية وتوطيده - لم نر غلوا كبيرا فيما أترعت به كتب الأدب والتاريخ من ~~حوادث جود المأمون وكرمه، ولننظر فيما يرويه لنا ابن طيفور في هذا السبيل فإنه ~~قال: إن المأمون لما فتح «حصن فرة» وغنم ما فيه اشترى السبي بستة وخمسين ألف ~~دينار، ثم خلى سبيلهم وأعطاهم دينارا دينارا. # وهاك مثالا مما يصح أن يكون من آثار أريحية المأمون وإرادته توطيد ~~سلطانه: # يحدثنا ابن الأثير والطبري أن العبسي صاحب إسحاق بن إبراهيم قال: كنت مع ~~المأمون بدمشق وكان قد قل المال عنده حتى أضاق وشكا ذلك إلى أبي إسحاق المعتصم، ~~فقال له: يا أمير المؤمنين، كأنك بالمال وقد وافاك بعد جمعة، وكان قد حمل ~~إليه ثلاثين ألف ألف ألف # 1 # درهم من خراج ما يتولاه له، قال: فلما ورد عليه ذلك المال قال ~~المأمون ليحيى بن أكثم: اخرج بنا ننظر إلى هذا المال، قال: فخرجا حتى أصحرا ~~ووقفا ينظرانه، وكان قد هيئ بأحسن هيئة، وحليت أباعره، وألبست الأحلاس ~~الموشاة والجلال المصبغة، وقلدت العهن، وجعلت البدر بالحرير الصيني ~~الأحمر والأخضر والأصفر، وأبديت رءوسها، قال: فنظر المأمون إلى شيء حسن، ~~واستكثر ذلك فعظم في عينه، واستشرفه الناس ينظرون إليه ويعجبون منه، فقال ~~المأمون ليحيى: يا أبا محمد، ينصرف أصحابنا هؤلاء الذين تراهم الساعة خائبين ~~إلى منازلهم، وننصرف بهذه الأموال وقد ملكناها دونهم، إنا إذن للئام! ثم دعا ~~محمد بن يزداد فقال له: وقع لآل فلان بألف ألف، ولآل فلان بمثلها، ولآل فلان ~~بمثلها، قال: فوالله إن زال كذلك حتى فرق أربعة وعشرين ألف ألف درهم ورجله ~~في الركاب ثم قال: ادفع الباقي إلى المعلى يعطي جندنا، قال العبسي: فجئت حتى ~~قمت نصب عينه، فلم أرد طرفي عنها لا يلحظني إلا رآني ms288 بتلك الحال، فقال: يا ~~أبا محمد، وقع لهذا بخمسين ألف درهم من ستة آلاف الألف، قال: فلم يأت علي ~~ليلتان حتى أخذت المال. # ومما يدل على كرم نفس المأمون وحسن تبسطه ما رواه القاسم بن محمد الطيفوري ~~قال: شكا اليزيدي إلى المأمون خلة أصابته ودينا لحقه فقال: ما عندنا في هذه ~~الأيام ما إن أعطيناكه بلغت به ما تريد، فقال: يا أمير المؤمنين، إن الأمر قد ~~ضاق علي، وإن غرمائي قد أرهقوني، قال: فرم لنفسك أمرا تنل به نفعا، ~~فقال: لك منادمون فيهم من إن حركته نلت منه ما أحب، فأطلق لي الحيلة فيهم، ~~قال: قل ما بدا لك، قال: فإذا حضروا وحضرت فمر فلانا الخادم أن يوصل إليك ~~رقعتي، فإذا قرأتها فأرسل إلي: «دخولك في هذا الوقت متعذر، ولكن اختر لنفسك ~~من أحببت»، قال: فلما علم أبو محمد بجلوس المأمون واجتماع ندمائه إليه، وتيقن ~~أنهم قد ثملوا من شربهم أتى الباب فدفع إلى ذلك الخادم رقعة قد كتبها، فأوصلها ~~إلى المأمون فقرأها فإذا فيها: # يا خير إخواني وأصحابي # هذا الطفيلي لدى الباب # خبر أن القوم في لذة # يصبو إليها كل أواب # فصيروني واحدا منكم # أو أخرجوا لي بعض أترابي # قال: فقرأها المأمون على من حضره، فقالوا: ما ينبغي أن يدخل هذا الطفيلي على ~~مثل هذه الحالة، فأرسل إليه المأمون: «دخولك في هذا الوقت متعذر؛ فاختر لنفسك ~~من أحببت تنادمه» فقال: ما أرى لنفسي اختيارا غير عبد الله بن طاهر، فقال له ~~المأمون: قد وقع اختياره عليك فسر إليه، قال: يا أمير المؤمنين، فما أكون ~~شريك الطفيلي، قال: ما يمكن رد أبي محمد عن أمرين؛ فإن أحببت أن تخرج وإلا ~~فافتد نفسك، فقال: يا أمير المؤمنين، له علي عشرة آلاف درهم! قال: لا أحسب ~~ذلك يقنعه منك ومن مجالستك، قال: فلم يزل يزيده عشرة عشرة والمأمون يقول له: لا ~~أرضى له بذلك حتى بلغ مائة ألف، قال: فقال له المأمون: فعجلها له، قال: فكتب ~~له بها إلى وكيله ووجه معه ms289 رسولا، فأرسل إليه المأمون: «قبض هذه في هذه الحال ~~أصلح لك من منادمته على مثل حاله وأنفع عاقبة». # ويتجلى سخاء المأمون مع الوفاء وطيب النفس في موقفه مع غلام سعيد الجوهري ~~الذي كان قد لز بالمأمون في الكتاب، فكان إذا احتاج المأمون إلى محو لوحه ~~بادر إليه فأخذ اللوح من يده فمحاه، وغلب على غلمان المأمون ومسحه وجاء به ~~فوضعه على المنديل في حجره، فلما سار المأمون إلى خراسان وكان من أخيه محمد ~~الأمين ما كان، خرج إليه غلام سعيد هذا فوقف بالباب حتى جاء أبو محمد اليزيدي، ~~فلما رآه عرفه فدخل فأخبر المأمون، فقال له مستبشرا بقدومه: لك البشرى! ثم أذن ~~له فدخل عليه، فضحك إليه حين رآه ثم قال: أتذكر وأنت تبادر إلى محو لوحي؟ قال: ~~نعم يا سيدي. فوصله بخمسمائة ألف درهم. # وانظر فيما يحدثنا به الطبري عن محمد بن أيوب قال: إنه كان بالبصرة رجل من ~~بني تميم، وكان شاعرا ظريفا خبيثا ماكرا، وكنت أنا والي البصرة آنس به ~~وأستحليه، فأردت أن أخدعه وأستنزله فقلت له: أنت شاعر، وأنت ظريف، والمأمون ~~أجود من السحاب الحافل والريح العاصف، فما يمنعك منه؟ قال: ما عندي ما ~~يقلني، قلت: فأنا أعطيك نجيبا فارها ونفقة سابغة وتخرج إليه وقد امتدحته، ~~فإنك إن حظيت بلقائه صرت إلى أمنيتك، قال: والله أيها الأمير، ما إخالك أبعدت ~~فأعد لي ما ذكرت، قال: فدعوت له بنجيب فاره فقلت: شأنك به فامتطه، قال: هذه ~~إحدى الحسنيين، فما بال الأخرى؟ # فدعوت له بثلثمائة درهم وقلت: هذه نفقتك، قال: أحسبك أيها الأمير قصرت في ~~النفقة، قلت: لا، هي كافية إن قصرت عن السرف، قال: ومتى رأيت في أكابر سعد ~~سرفا حتى تراه في أصاغرها؟ فأخذ النجيب والنفقة ثم عمل أرجوزة ليست بالطويلة ~~فأنشدنيها وحذف منها ذكري والثناء علي، وكان ماردا، فقلت له: ما صنعت شيئا، ~~قال: وكيف؟ قلت: تأتي الخليفة ولا تثني على أميرك! قال: أيها الأمير، أردت أن ~~تخدعني فوجدتني خداعا، أما والله ما لكرامتي حملتني ms290 على نجيبك ولا جدت لي ~~بمالك الذي ما رامه أحد قط إلا جعل الله خده الأسفل، ولكن لأذكرك في شعري ~~وأمدحك عند الخليفة، افهم هذا، قلت: قد صدقت، فقال: أما إذ أبديت ما في ضميرك، ~~فقد ذكرتك وأثنيت عليك، قلت: فأنشدني ما قلت، فأنشدنيه، فقلت: أحسنت. # ثم ودعني وخرج فأتى الشام وإذا المأمون «بسلغوس»، قال: فأخبرني قال: بينا ~~أنا في غزاة قرة قد ركبت نجيبي ذاك، ولبست مقطعاتي وأنا أروم العسكر، فإذا أنا ~~بكهل على بغل فاره ما يقر قراره ولا تدرك خطاه، قال: فتلقاني مكافحة ومواجهة ~~وأنا أردد نشيد أرجوزتي، فقال: سلام عليكم - بكلام جهوري ولسان بسيط - فقلت: ~~وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته! قال: قف إن شئت، فوقفت، فتضوعت منه ~~رائحة العنبر والمسك الأذفر، فقال: ما أولك؟ قلت: رجل من مضر، قال: ونحن من ~~مضر، ثم قال: ثم ماذا؟ قلت: رجل من بني تميم، قال: وما بعد تميم؟ قلت: من بني ~~سعد، قال: هيه! فما أقدمك هذا البلد؟ قال: قصدت هذا الملك الذي ما سمعت بمثله ~~أندى رائحة، ولا أوسع راحة، ولا أطول باعا، ولا أمد يفاعا، قال: فما الذي ~~قصدته به؟ قلت: شعر طيب يلذ على الأفواه وتقتفيه الرواة ويحلو في آذان ~~المستمعين، قال: فأنشدنيه، فغضبت وقلت: يا ركيك! أخبرتك أني قصدت الخليفة ~~بشعر قلته ومديح حبرته، تقول أنشدنيه! قال: فتغافل والله عنها وتطامن لها ~~وألغى عن جوابها، قال: وما الذي تأمل منه؟ قلت: إن كان على ما ذكر لي عنه ~~فألف دينار، قال: فأنا أعطيك ألف دينار إن رأيت الشعر جيدا والكلام عذبا، ~~وأضع عنك العناء وطول الترداد، ومتى تصل إلى الخليفة وبينك وبينه عشرة آلاف ~~رامح ونابل؟ قلت: فلي الله عليك أن تفعل، قال: نعم، لك الله علي أن أفعل، ~~قلت: ومعك الساعة مال؟ قال: هذا بغلي، وهو خير من ألف دينار، أنزل لك عن ظهره، ~~قال: فغضبت أيضا وعارضني نزق سعد وخفة أحلامها، فقلت: ما يساوي هذا ~~البغل هذا النجيب، قال: فدع عنك البغل، ولك ms291 الله علي أن أعطيك الساعة ألف ~~دينار، قال: فأنشدته: # مأمون يا ذا المنن الشريفه # وصاحب المرتبة المنيفه # وقائد الكتيبة الكثيفه # هل لك في أرجوزة طريفه # أظرف من فقه أبي حنيفه # لا والذي أنت له خليفه # ما ظلمت في أرضنا ضعيفه # أميرنا مؤنته خفيفه # وما اجتبى شيئا سوى الوظيفه # فالذئب والنعجة في سقيفه # واللص والتاجر في قطيفه # قال: فوالله ما عدا أن أنشدته، فإذا زهاء عشرة آلاف فارس قد سدوا الأفق، ~~يقولون: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته! # قال: فأخذني أفكل # 2 # ونظر إلي بتلك الحالة فقال: لا بأس عليك أي أخي. # قلت: يا أمير المؤمنين، جعلني الله فداءك، أتعرف لغات العرب؟ # قال: إي لعمر الله! # قلت: فمن جعل الكاف منه مكان القاف؟ # قال: هذه حمير. # قلت: لعنها الله ولعن من استعمل هذه اللغة بعد اليوم! # فضحك المأمون وعلم ما أردت، والتفت إلى خادم إلى جانبه فقال: أعطه ما معك، ~~فأخرج إلي كيسا فيه ثلاثة آلاف دينار. # فقال: هاك، ثم قال: السلام عليك ومضى، فكان آخر العهد به. # أما عن كرم نفسه، فإن ابن طيفور يحدثنا أن مخارقا قال: كنا عند المأمون أنا ~~والمغنون بدمشق وعريب معنا . # فقال: غن يا مخارق. # فقلت: أنا محموم. # فقال: يا عريب، جسيه. # فرفعت يدها إلى عضدي، فقال لها المأمون: قد اشتهيته، تحبين أن أزوجك؟ # قالت: نعم! # فقال: من تريدين؟ # قالت: هذا، وأومأت إلى محمد بن حامد، فقال: اشهدوا أني قد زوجتها منه، ثم ~~انظر ما يستطرد به مخارق من أن المعتصم لما ولي كتب إلى إسحاق بن إبراهيم أن: ~~مر محمد بن حامد أن يطلق عريبا، فأمره فتأبى، فكتب إليه أن: اضربه، فضربه ~~بالمقارع حتى طلقها، ففي هذه الرواية ما يساعد على الوصول إلى تنظير في هذه ~~الناحية بين المأمون وأخيه المعتصم. # أما كرم بطانته واقتفاؤهم أثره وترسمهم خطواته، فإن الحديث في ذلك يطول، ~~وقصارانا أن نحيل إلى ما فعل طلحة بن طاهر وعبد الله بن طاهر وغيرهما، فاطلب ~~ذلك في مظانه. # وبعد، ms292 فإنه لمن الجميل الممتع حقا أن يكون الملك كريما بسجيته، جوادا ~~بنزعته، وقد يكون أجمل وأمتع وأبلغ وأوقع أن يكون من وراء فواضله وإنعاماته ~~تشجيع الكفايات على الظهور، واستحثاث أصحاب الهمم والعزمات، والمواهب ~~والعبقريات، وعلى التبريز والإحسان، والإجادة والإتقان خدمة لبني الإنسان ~~ورفعة للأوطان. ~~(3) كيف تملك المأمون قلوب بطانته؟ # نريد أن نترك الكلمة في تصوير هذه الناحية لما يرويه لنا ولاة المأمون ~~أنفسهم، فقد قال رجل من إخوة المأمون للمأمون: يا أمير المؤمنين، إن عبد الله ~~بن طاهر يميل إلى ولد أبي طالب، وكذا كان أبوه قبله، فدفع المأمون ذلك وأنكره، ~~ثم عاد بمثل هذا القول، فدس إليه رجلا ثم قال له: امض في هيئة القراء ~~والنساك إلى مصر، فادع جماعة من كبرائها إلى القاسم بن إبراهيم بن طباطبا، ~~واذكر مناقبه وعلمه وفضائله، ثم صر بعد ذلك إلى بعض بطانة عبد الله بن طاهر، ~~ثم ائته فادعه ورغبه في استجابته له، وابحث عن دفين نيته بحثا شافيا، ~~وائتني بما تسمع منه. # قال: ففعل الرجل ما قال له وأمره به، حتى إذا دعا جماعة من الرؤساء والأعلام ~~قعد يوما بباب عبد الله بن طاهر وقد ركب إلى عبيد الله بن السري بعد صلحه ~~وأمانه، فلما انصرف قام إليه الرجل فأخرج من كمه رقعة فدفعها إليه، فأخذها ~~بيده، فما هو إلا أن دخل فخرج الحاجب إليه، فأدخله عليه وهو قاعد على بساطه ما ~~بينه وبين الأرض غيره، وقد مد رجليه وخفاه فيهما. # فقال له: قد فهمت ما في رقعتك من جملة كلامك، فهات ما عندك. # قال: ولي أمانك وذمة الله معك؟ # قال: لك ذلك. # قال: فأظهر له ما أراد ودعاه إلى القاسم فأخبره بفضائله وعلمه وزهده. # فقال له عبد الله: أتنصفني؟ # قال: نعم. # قال: هل يجب شكر الله على العباد؟ # قال: نعم. # قال: فهل يجب شكر بعضهم لبعض عند الإحسان والمنة والتفضل؟ # قال: نعم. # قال: فتجيء إلي وأنا في هذه الحال التي ترى؛ لي خاتم في المشرق جائز وفي ~~المغرب كذلك، وفيما ms293 بينهما أمري مطاع وقولي مقبول، ثم ما التفت يميني ولا ~~شمالي وورائي وقدامي إلا رأيت نعمة رجل أنعمها علي، ومنة ختم بها رقبتي، ~~ويدا لائحة بيضاء ابتدأني بها تفضلا وكرما، فتدعوني إلى الكفر بهذه النعمة ~~وهذا الإحسان، وتقول: اغدر بمن كان أولا لهذا وآخرا، واسع في إزالة خيط عنقه ~~وسفك دمه! تراك لو دعوتني إلى الجنة عيانا من حيث أعلم أكان الله يحب أن أغدر ~~به، وأكفر إحسانه ومنته، وأنكث بيعته! فسكت الرجل، فقال له عبد الله: أما إنه ~~قد بلغني أمرك، وتالله ما أخاف عليك إلا نفسك، فارحل عن هذا البلد فإن السلطان ~~الأعظم إن بلغه أمرك - وما آمن ذلك عليك - كنت الجاني على نفسك ونفس غيرك، ~~فلما أيس الرجل مما عنده جاء إلى المأمون فأخبره الخبر، فاستبشر وقال: ذلك غرس ~~يدي، وإلف أدبي، وترب تلقيحي، ولم يظهر من ذلك لأحد شيئا ولا علم به عبد ~~الله إلا بعد موت المأمون. # وانظر إلى تلك النصيحة التي تقدم بها عبد الله بن طاهر لمنصور بن طلحة ينهاه ~~عن الكلام في الإمامة؛ إذ يقول: «إنما نبت شعرنا على رءوسنا ببني العباس»، ثم ~~انظر إلى ما كتبه المأمون إلى عبد الله المذكور: # أخي أنت ومولاي # ومن أشكر نعماه # فما أحببت من أمر # فإني الدهر أهواه # وما تكره من شيء # فإني لست أرضاه # لك الله على ذاك # لك الله لك الله # وانظر إلى ما رواه الطبري عما قاله عبد الله بن طاهر وهو محاصر بمصر عبيد ~~الله بن السري إذ قال: # بكرت تسبل دمعا # أن رأت وشك براحي # وتبدلت صقيلا # يمنيا بوشاحي # وتماديت بسير # لغدو ورواح # زعمت جهلا بأني # تعب غير مراح # أقصرى عني فإني # سالك قصد فلاحي # أنا للمأمون عبد # منه في ظل جناح # إن يعاف الله يوما # فقريب مستراحي # أو يكن هلك فقولي # بعويل وصياح # حل في مصر قتيل # ودعى عنك التلاحي # ألا يجوز لنا أن نستخلص مما قدمناه لك أن المأمون كان محبوبا عند بطانته؟ ~~ولسنا ننفي بذلك أن الأمين ms294 لم يكن محبوبا، وأن موته آلم أهل بغداد وجندها، ولا ~~ننكر أن بعضا من جند طاهر بن الحسين انضم إلى الأمين طمعا في ماله، وحبا في ~~سخائه مما بيناه لك في موضعه، ولكنا الآن بموقف الذين يحللون أخلاق المأمون، ~~وفي عنقنا ألا نترك ناحية من نواحيه من غير أن نفيها حقها من البحث، ~~ونعطيها نصيبها من الاستقراء. # وبعد، فإنه مما لا مندوحة للمليك عنه أن يكون وادعا محببا إلى بطانته ~~وحاشيته بإحسانه إليهم، وتعهده إياهم بعطفه ورعايته، وأن يحدب عليهم ويرعاهم ~~بعناية تشملهم ألطافها، وتقلد أعناقهم مننها، وتكون أشمل للرعية وأرعى ~~للأفراد لحقهم من شخصه الجليل؛ إذ هو ملك للرعية جميعها، على اختلاف ألوانها ~~وتباين مراتبها، وهو عظيم التبعة أمام الله والتاريخ عمن تملك عليهم وتولى ~~أمر دنياهم وآخرتهم. ~~(4) تقديره لرجال الدولة # كان المأمون أكثر توفيقا من أخيه الأمين في كفاية بطانته، وقدرة قادته، وحزم ~~مشيريه، وبصر ولاته، وكان مع ظفره بالناصحين من خاصته كثير التأمل لما يجري في ~~ملكه من مظاهر الضعف والقوة، حريصا على تدبر ما يمر به من مختلف الشئون في ~~تعرف الشخصيات القوية التي يرجو أن يستند إليها الملك ويتأيد بها ~~النظام. # ولقد حدثنا الطبري في تاريخه عن إسحاق بن إبراهيم أن المعتصم قال له: يا ~~إسحاق، في قلبي أمر أنا مفكر فيه منذ مدة طويلة، وإنما بسطتك في هذا الوقت ~~لأفشيه إليك، فقلت: قل يا سيدي يا أمير المؤمنين، فإنما أنا عبدك وابن عبدك، ~~قال: نظرت إلى أخي المأمون وقد اصطنع أربعة أنجبوا، واصطنعت أنا أربعة لم يفلح ~~أحد منهم، قلت: ومن الذين اصطنعهم أخوك؟ قال: طاهر بن الحسين، فقد رأيت ~~وسمعت، وعبد الله بن طاهر، فهو الرجل الذي لم ير مثله، وأنت، فأنت والله الذي ~~لا يعتاض السلطان منك أبدا، وأخوك محمد بن إبراهيم، وأين مثل محمد؟ وأنا ~~فاصطنعت الأفشين، فقد رأيت إلى ما صار أمره، وإشناس ففشل رأيه، وإيتاخ فلا شيء، ~~ووصيفا فلا مغني فيه، فقلت: يا أمير المؤمنين، جعلني الله فداك، أجيب ms295 عن ~~أمان من غضبك؟ قال: قل، قلت: يا أمير المؤمنين، أعزك الله، نظر أخوك إلى الأصول ~~فاستعملها فأنجبت فروعها، واستعمل أمير المؤمنين فروعا لم تنجب؛ إذ لا أصول ~~لها، فقال: يا إسحاق، لمقاساة ما مر بي في طول هذه المدة أسهل علي من هذا ~~الجواب. # ولقد كان المأمون، إلى جانب هذه الخبرة بما يحتاج إليه من صفوة الرجال، ~~بصيرا بما في مملكته من ألوان المكر وصنوف الرياء؛ فقد حدثنا ابن طيفور عن ~~إبراهيم بن المهدي قال: قال المأمون يوما وفي مجلسه جماعة: هاتوا من عسكرنا من ~~يطلب ما عندنا بالرياء، قال: فقال كل واحد بما عنده؛ إما أن يقول في عدو بما ~~يقدح فيه، أو يقول بما يعلم أنه يسر خليفته، فلما قالوا ذلك قال: ما أرى عند ~~أحد منكم ما يبلغ إرادتي، ثم أنشأ يحدث عن أهل عسكره أهل الرياء، حتى والله لو ~~كان قد أقام في رحل كل واحد منهم حولا محرما ما زاد على معرفته، قال: فكان ~~مما حفظت عنه في ثلب أصحابه أن قال حين ذكر أهل الرياء وما يعاملون به الناس: ~~تسبيح حميد الطوسي، وصلاة قحطبة، وصيام النوشجاني، ووضوء المريسي، وبناء مالك ~~بن شاهي المساجد، وبكاء إبراهيم بن بريهة على المنبر، وجمع الحسن بن قريش ~~اليتامي، وقصص منجى، وصدقة علي بن الجنيد، وحملان إسحاق بن إبراهيم في السبيل، ~~وصلاة أبي رجاء الضحى، وجمع علي بن هشام القصاص، قال: حتى عددنا جماعة كثيرة، ~~فقال لي رجل من عظماء العسكر حين خرجنا من الدار: بالله هل رأيت أو سمعت بملك ~~قط أعلم برعيته ولا أشد تنقيرا من هذا؟ قلت: اللهم لا! فحدث بهذا الحديث رجلا ~~من أصحاب الأخبار والعلم، فقال: وما نصنع بهذا؟ قد شهدت رسالته إلى إسحاق بن ~~إبراهيم في الفقهاء يخبر بمعايبهم رجلا رجلا، حتى لهو بها أعلم منهم بما في ~~منازلهم. # وإن في ذيوع هذه الأخبار عن المأمون دليلا على عنايته بنشر دعوة الملك ~~الموطد الذي ييئس المخاتلون من التنكر له والخروج عليه، فإن ms296 ظهور الملوك ~~بالنفاذ إلى سرائر الرعية، يزيدهم قوة إلى قوة وسلطانا إلى سلطان. # وإنا إذا نظرنا إلى من استوزره وأعلى مكانه واستخلصه لنفسه من رجالات دولته ~~وقواد ملكه؛ لم نتردد في الحكم للمأمون وأنه كان الموفق المسدد في اختيار أهل ~~الكفايات والنبوغ. # وقد كان إلى جانب هذا يقدر الكفاية في خصومه، ونظرة فيما رواه ابن طيفور عن ~~الحسن بن عبد الخالق خاصا برأي المأمون في الفضل بن الربيع، وهو الذي تعلم ~~مقدار إساءته إليه، تدلك على هذا، فقد قال المأمون في معرض الحديث عن الفضل: # كان يدبرالخطأ فيقع صوابا، ويبعث بالجيش الضعيف فيقع به النصر، ~~وأدبر أنا فيقع بغير ذلك، فلما وقفت على البصيرة من أمري، وفكرت في ~~نفسي، وعملت بالأحزم في ذلك ملت إلى الحزم فوردت العراق. وإن الفضل بن ~~الربيع بقية الموالي، فلا تخبره بذلك عني؛ فإني أكره أن يبلغه عني ما ~~يسره. # ويؤيد صحة هذه الرواية ما ذكره بشر السلماني من المعاصرين إذ يقول: «سمعت ~~أحمد بن أبي خالد يقول: كان المأمون إذا أمرنا بأمر فظهر من أحدنا فيه تقصير ~~يقول: أترون أني لا أعرف رجلا ببابي لو قلدته أموري كلها لقام بها؟ فقال بشر : ~~فقلت لأحمد بن أبي خالد: يا أبا العباس، من يعني؟ قال: الفضل بن ~~الربيع». # ويظهر أن خطة المأمون في تقدير الكفايات أني وجدت قد اتبعها قادة المأمون ~~نفسه، فإن ابن طيفور يحدثنا أنه لما ولي طاهر بن الحسين على شرطة المأمون ~~سنة أربع ومائتين، وكان عليها من قبل العباس بن المسيب بن زهير، كتب طاهر إلى ~~الفضل بن الربيع: «إن في رأيك البركة، وفي مشورتك الصواب، فإن رأيت أن تختار لي ~~رجلين للجسر!» فكتب إليه ابن الربيع: «قد وجدتهما لك، وهما: خيار السندي بن ~~يحيى، وعياش بن القاسم». فولاهما طاهر الجسرين. # وبعد، فإنا نظن أن في هذا القدر الكفاية لإثبات ما كان من تقدير المأمون ~~ورجاله لأهل الكفاية والاقتدار، وحرصهم على استعمال أصحاب المواهب، والاستعانة ~~بهم وبكفاياتهم في خدمة الدولة. ~~(5) قدره للشجاعة ms297 الأدبية # كان المأمون يرضيه أن يكون الرجل نقي السريرة، رابط الجأش، يقدم على كلمة ~~الحق غير هياب، وقد حدثنا ابن أبي طاهر طيفور عمن روى عنه قال: «حدثني أحمد بن ~~أبي خالد الأحول بخراسان فيما كان يخبرني به عن كرم المأمون وفضله واحتماله ~~وحسن معاشرته، أنه سمع المأمون يوما وعنده علي بن هشام وأخواه أحمد والحسين ~~ذكر عمرو بن مسعدة فاستبطأه، وقال: أيحسب عمرو أني لا أعرف أخباره وما يجبي ~~إليه وما يعامل به الناس؟ بلي والله، ثم بعثه ألا يسقط علي منه شيء! ونهض ~~وانصرفنا، فقصدت عمرا من ساعتي فخبرته بما جرى، وأنسيت أن أستحله من ~~حكايته عني، فراح عمرو إلى المأمون، فظن المأمون أنه لم يحضر إلا لأمر مهم؛ ~~لموقعه من الرسائل والمظالم والوزارة، فأذن له، فخبرني عمرو أنه لما دخل عليه ~~وضع سيفه بين يديه وقال: يا أمير المؤمنين، أنا عائذ بالله من سخطه، ثم عائذ بك ~~من سخطك يا أمير المؤمنين، أنا أقل من أن يشكوني أمير المؤمنين إلى أحد، أو ~~يسر علي ضغنا يبعثه بعض الكلام على إظهاره ما يظهر منه! فقال لي: وما ~~ذاك؟ فخبرته بما بلغني ولم أسم له مخبري، فقال لي: لم يكن الأمر كما ~~بلغك، وإنما كانت جملة من تفصيل كنت على أن أخبرك به، وإنما أخرج مني ما أخرج ~~معنى تجاريناه، وليس لك عندي إلا ما تحب، فليفرخ روعك، وليحسن ظنك. فأعدت ~~الكلام، فما زال يسكن مني ويطيب من نفسي حتى تحلل بعض ما كان في قلبي، ثم بدأ ~~فضمني إلى نفسه، وقبلت يده، فأهوى ليعانقني فشكرته، وتبينت في وجهه الحياء ~~والخجل مما تأدى إلي، قال أحمد: فلما غدوت على المأمون قال لي: يا أحمد، ~~أما لمجلسي حرمة؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، وهل الحرم إلا لما فصل عن مجلسك! ~~قال: ما أراكم ترضون بهذه المعاملة فيما بينكم! قلت: وأية معاملة يا أمير ~~المؤمنين؟ هذا كلام لا أعرفه، قال: بلى، أما سمعت ما كنا فيه أمس من ذكر عمرو؟ ~~ذهب بعض ms298 من حضر من بني هاشم فخبره به، فراح إلي عمرو مظهرا منه ما وجب عليه أن ~~يظهره، فدفعت منه ما أمكن دفعه، وجعلت أعتذر إليه منه بعذر قد تبين في الخجل ~~منه، وكيف يكون اعتذار إنسان من كلام قد تكلم به إلا كذلك يتبين في عينيه ~~وشفتيه ووجهه، ولقد أعطيته ما كان يقنع مني بأقل منه، وما حداني عليه إلا ما ~~دخلني من الخساسة، وإنما كان نطق به اللسان عن غير روية ولا احتمال مكروه به، ~~فقلت: يا أمير المؤمنين، أنا أخبرت عمرا به لا أحد من ولد هاشم، فقال: أنت! ~~قلت: أنا، فقال: ما حملك على ما فعلت؟ فقلت: الشكر لك والنصح والمحبة لأن تتم ~~نعمتك على أوليائك وخدمك، أنا أعلم أن أمير المؤمنين يحب أن يصلح له الأعداء ~~والبعداء، فكيف الأولياء والأقرباء؟ ولا سيما مثل عمرو في دنوه من الخدمة، ~~وموقعه من العمل ومكانه من رأي أمير المؤمنين، أطال الله بقاءه. سمعت أمير ~~المؤمنين أنكر منه شيئا، فخبرته به ليصلحه ويقوم من نفسه أودها لسيده ومولاه، ~~ويتلافى ما فرط منه ولا يفسده مثله ولا يبطل العناء فيه، وإنما كان يكون ما ~~فعلت عيبا لو أشعت سرا فيه قدح في السلطان، أو نقض تدبير قد استتب، فأما ~~مثل هذا فما حسبته يبلغ أن يكون ذنبا علي، فنظر إلي مليا ثم قال: كيف ~~قلت؟ فأعدت عليه، ثم قال: أعد، فأعدت الثالثة، فقال: أحسنت والله يا أحمد، لما ~~خبرتني به أحب إلي من ألف ألف وألف ألف وألف ألف! وعقد خنصره وبنصره والوسطى ~~ثم قال: أما ألف ألف فلنفيك عني سوء الظن، وأطلق وسطاه، وأما ألف ألف فلصدقك ~~إياي عن نفسك، وأطلق البنصر، وأما ألف ألف فلحسن جوابك، وأطلق الخنصر، وأمر لي ~~بمال». # وهذه الشجاعة من أتباع المأمون تدلنا على ما كان فيه من الاستعداد لقدر كرائم ~~الخلال، فلو أنه كان معروفا بالاستبداد لما أمكن هذه النفوس أن تبلغ ما كانت ~~تطمح إليه من النبل والكرامة، وفي استماعه لاحتجاج جليسه حرص ms299 على استبقائه ~~واستكناه ما في نفسه، فضلا عما يتوقعه من عواقب هذا التشجيع المقصود من التفاف ~~حول شخصه، وتفان في الوفاء له، وإمعان في خدمته وخدمة بلاده، خدمة الحر للحر ~~بباعث وجداني، لا خدمة العبد للسيد بعامل الإرهاب والإكراه. ولن تكون الخدمة ~~الخالصة للبلاد بالإرهاب والإكراه، ولن تكون خدمة الملوك على وجهها الصحيح ~~بدافع العسف والإعنات، وإنما يكون ذلك جميعه بحسن الصنيع وجميل الأثر، والإحسان ~~بالقول والفعل، وصفاء النفوس من عوامل البغضاء والغل والعدوان. # ثم انظر فيما يرويه لنا أبو الشماخ قال: قال لي المأمون وعنده الزيدي والنقفي ~~مولي الخيزران، وإسماعيل بن نوبخت، وتذاكروا الشعراء فقالوا: النابغة ~~وقالوا: الأعشى وخاضوا فيهم، فقال: لا أشعرهم إلا واحدا كان خليعا؛ الحسن بن ~~هانئ، فقالوا: صدق أمير المؤمنين، قال: الصدق على المناظرة أحسن من الصدق على ~~الهيبة، فقالوا: فبم قدمته؟ قال بقوله: # يا شقيق النفس من حكم # نمت عن ليلى ولم أنم # ثم لم يسبقه إلى هذا البيت أحد: # ثم دبت في عروقهم # كدبيب البرء في السقم # وفي عبارة «الصدق على المناظرة أحسن من الصدق على الهيبة» دلالة على رغبته في ~~إحياء الغرائز الأدبية التي تميتها المصانعة، ويقبرها الرياء، ولا يفوتنا أن ~~نشير إلى أن تقديمه ابن هانئ لتجويده في وصف الراح له دلالته وله مغزاه، فهو ~~يدل إلى حد غير قليل إلى جانب ما علمناه عن المأمون؛ أصيد الهمة، مستحصد العزم، ~~على أنه كان في أوقات أنسه ومرحه الرجل المرح الطروب الذي يتذوق المعاني الفرحة ~~وما لها من مجاملات وأفانين. # وبعد، فإن تربية الشعوب على قدر كرامتها الخاصة ورفعة شأنها بين الأمم لتتطلب ~~تعهدا خاصا ممن يتولى أمرها في هذا السبيل، فيعمل على أن يحس الأفراد ~~والحكام ممن هم في عنقه وتحت هيمنته ما لهم من مكانة ومنزلة، وما لآرائهم ~~وتصرفاتهم من احترام وقدر، أخذا لهم بالشجاعة في المجاهرة بمعتقداتهم، وتنمية ~~للروح الذي تفيده هذه الألفاظ «حرية، إخاء، مساواة» في نفوسهم، وإن في انتهاجهم ~~هذا السبيل لأجل خدمة لممالكهم وشعوبهم وعروشهم. ~~(6) عدله ms300 وإنصافه # كان المأمون عدلا منصفا إلى حد بعيد، وقد عرف فيه الناس هذه الخلة، فكانوا ~~يطمعون في أنصاره والمقربين إليه، ويجهرون بالشكوى من كل من يسوءهم طمعه أو ~~ينفذ إليهم عدوانه. # حدث بعض المعاصرين قال: «شهدت المأمون وقد ركب بالشماسية وخلف ظهره أحمد بن ~~هشام، فصاح به رجل من أهل فارس: الله الله يا أمير المؤمنين! فإن أحمد بن هشام ~~ظلمني واعتدى علي، فقال: كن بالباب حتى أرجع، ثم مضى، فلما جاز الموضع بعدوة ~~التفت إلى أحمد فقال: ما أقبح بنا وبك أن نقفك وصاحبك هذا رءوس هذه الجماعة، ~~ويقعد في مجلس خصمك، ويسمع منه كما يسمع منك، ثم تكون محقا، ثم تكون مبطلا، ~~فكيف إن كنت في صفته لك، فوجه إليك من يحوله من بابنا إلى رحلك، وأنصفه ~~من نفسك، وأعطه ما أنفق في طريقه إلينا، ولا تجعل لنا ذريعة إلى ما تكره من ~~لائمتك، فوالله لو ظلمت العباس ابني كنت أقل نكيرا عليك من أن تظلم ضعيفا لا ~~يجدني في كل وقت ولا مجلوا له وجهي، وسيما من تجشم السفر البعيد وكابد حر ~~الهواجر وطول المسافة». # قال المحدث المعاصر: فوجه إليه أحمد فجاء به وكتب إلى عامله يرد عليه ما أخذ ~~منه، ويشتمه ويعنفه، ووصل الرجل بأربعة آلاف درهم وأمره بالخروج من ~~يومه. # وهناك الكثير من هذا المثل؛ كموقفه مع موسى بن الحسن وإنصافه بأن أخذ حقه من ~~محمد بن أبي العباس الطوسي، وموقفه مع النصراني الذي من أهل # 3 # كشكر. # ثم انظر موقفه المشرف له وللقضاء في أيامه؛ فقد قالوا: إن رجلا دخل على ~~المأمون وفي يده رقعة فيها مظلمة من أمير المؤمنين، فقال: أمظلمة مني؟ فقال ~~الرجل: أفأخاطب يا أمير المؤمنين سواك؟ قال: وما هي ظلامتك؟ قال: إن سعيدا ~~وكيلك اشترى مني جواهر بثلاثين ألف دينار، قال: فإذا اشترى سعيد منك الجوهر ~~تشكو الظلامة مني! قال: نعم، إذ كانت الوكالة قد صحت له منك! قال: لعل سعيدا ~~قد اشترى منك الجوهر وحمل إليك المال أو اشتراه ms301 لنفسه، وعليه فلا يلزمني لك حق، ~~ولا أعرف لك ظلامة، فقال له - بعد كلام طويل: إن في وصية عمر بن الخطاب ~~لقضاتكم: «البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر»، قال المأمون: إنك قد ~~عدمت البينة، فما يجب لك إلا حلفة، ولئن حلفتها لأنا صادق إذ كنت لا أعرف ~~لك حقا يلزمني، قال: فإذن أدعوك إلى القاضي الذي نصبته لرعيتك، قال: نعم، يا ~~غلام، علي بيحيى بن أكثم، فإذا هو قد مثل بين يديه، فقال له المأمون: اقض ~~بيننا! قال: في حكم وقضية؟ قال: نعم، قال: إنك لم تجعل ذلك مجلس قضاء، قال: قد ~~فعلت، قال: فإني أبدأ بالعامة أولا ليصلح المجلس للقضاء، قال: افعل، ففتح ~~الباب وقعد في ناحية من الباب وأذن للعامة، ثم دعي بالرجل المتظلم فقال له ~~يحيى: ما تقول؟ قال: أقول أن تدعو بخصمي أمير المؤمنين المأمون، فنادى المنادي، ~~فإذا المأمون قد خرج ومعه غلام يحمل مصلى حتى وقف على يحيى وهو جالس، فقال ~~له: اجلس، فطرح المصلى ليقعد عليها، فقال له يحيى: يا أمير المؤمنين، لا تأخذ ~~على خصمك شرف المجلس، فطرح له مصلى آخر، ثم نظر في دعوى الرجل، وطالب ~~المأمون باليمين فحلف ، ووثب يحيى بعد فراغ المأمون من يمينه فقام على رجليه، ~~فقال له المأمون: ما أقامك؟ فقال: إني كنت في حق الله جل وعز حتى أخذته منك، ~~وليس الآن من حقي أن أتصدر عليك، ثم أمر المأمون أن يحضر ما ادعى الرجل من ~~المال، فقال له: خذه إليك، والله ما كنت أحلف على فجرة ثم أسمح لك فأفسد ديني ~~ودنياي، والله يعلم ما دفعت إليك هذا المال إلا خوفا من هذه الرعية، لعلها ترى ~~أني تناولتك من وجه القدرة، وإنها لتعلم الآن أني ما كنت أسمح لك باليمين ~~وبالمال. # ويحق لنا أن نستنبط من هذا الموقف قيمة القضاء في تلك الأيام، واحترام ~~الخلفاء أو من يمت إلى الخلفاء لشعائره وأحكامه، ولا نستبعد البتة صحة تلك ~~الرواية؛ لأن تصرفات المأمون العباسي تجعلنا نقرها ms302 ونؤمن بصدقها من جهة، ولأنا ~~قرأنا شبيهاتها من جهة أخرى، فقد قيل: إن إبراهيم بن المهدي تنازع وابن بختيشوع ~~الطبيب بين يدي أحمد بن أبي دواد في مجلس الحكم في عقار بناحية السواد، فأربى ~~عليه إبراهيم وأغلظ، فأحفظ ذلك ابن أبي دواد فقال: يا إبراهيم، إذا نازعت في ~~مجلس الحكم بحضرتنا امرأ فلا أعلمن أنك رفعت عليه صوتا ولا أشرت بيد، وليكن ~~قصدك أمما وريحك ساكنة، وكلامك معتدلا، ووف مجالس الخليفة حقوقها من ~~التعظيم والتوقير والاستكانة والتوجه إلى الواجب، فإن ذلك أشكل بك وأشمل لمذهبك ~~في محتدك وعظيم خطره، ولا تعجلن؛ فرب عجلة تهب ريثا، والله يعصمك من خطل ~~القول والعمل، وأن يتم نعمته عليك كما أتمها على أبويك من قبل، إن ربك حكيم ~~عليم، فقال إبراهيم: أصلحك الله تعالى، أمرت بسداد وحضضت على رشاد، ولست عائدا ~~لما يثلم مروءتي عندك، ويسقطني من عينيك، ويخرجني من مقدار الواجب إلى ~~الاعتذار، فهأنذا معتذر إليك من هذه البادرة اعتذار مقر بذنبه معترف بجرمه، ولا ~~يزال الغضب يستفزني بمواده، فيردني مثلك بحلمه، وتلك عادة الله عندك وعندنا ~~منك، وقد جعلت حقي من هذا العقار لابن بختيشوع؛ فليت ذلك يكون وافيا بأرش ~~الجناية عليه، ولم يتلف مال أفاد موعظة، وحسبنا الله ونعم الوكيل. # فترى مما قدمناه لك مبلغ سلطان القضاء وحرمته عند البيت المالك. # وقد يكون أجمل من هذا كله - فيما لو صح - ذلك الموقف الروائي الذي تقدمت إلى ~~المأمون فيه امرأة تشكو ظلم ابنه العباس؛ فقد شكت إليه بأبيات رقيقة فلم يسعه ~~إلا أن يعدها الإنصاف بأبيات رقيقة على الوزن والقافية، وكانت تلك الأبيات في ~~خفتها وجودة الخاطر بها في ساعتها بردا وسلاما على قلب تلك المرأة ~~المظلومة. # قال الشيباني: جلس المأمون يوما للمظالم، فكان آخر من تقدم إليه وقد هم ~~بالقيام امرأة عليها هيئة السفر، وعليها ثياب رثة، فوقفت بين يديه فقالت: ~~السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فنظر المأمون إلى يحيى بن ~~أكثم، فقال لها يحيى: وعليك السلام يا ms303 أمة الله، تكلمي في حاجتك، فقالت: # يا خير منتصف يهدى له الرشد # ويا إماما به قد أشرق البلد # تشكو إليك عميد القوم أرملة # عدا عليها فلم يترك لها سبد # وابتز مني ضياعي بعد منعتها # ظلما وفرق مني الأهل والولد # فأطرق المأمون حينا ثم رفع رأسه إليها وهو يقول: # في دون ما قلت زال الصبر والجلد # عني وأقرح مني القلب والكبد # هذا أذان صلاة العصر فانصرفي # وأحضري الخصم في اليوم الذي أعد # والمجلس السبت إن يقض الجلوس لنا # ننصفك منه وإلا المجلس الأحد # فلما كان اليوم الأحد جلس، فكان أول من تقدم إليه تلك المرأة فقالت: السلام ~~عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فقال: وعليك السلام، أين الخصم؟ ~~فقالت الواقف على رأسك يا أمير المؤمنين. وأومأت إلى العباس ابنه، فقال لأحمد ~~بن أبي طالب: خذ بيده فأجلسه معها مجلس الخصوم، فجعل كلامها يعلو كلام العباس، ~~فقال لها أحمد بن أبي طالب: يا أمة الله، إنك بين يدي أمير المؤمنين، وإنك ~~تكلمين الأمير، فاخفضي من صوتك، فقال المأمون: دعها يا أحمد، فإن الحق أنطقها ~~وأخرسه، ثم قضى لها برد ضيعتها إليها، وظلم العباس بظلمه لها، وأمر بالكتاب لها ~~إلى العامل ببلدها أن يوفر لها ضيعتها ويحسن معاونتها، وأمر لها بنفقة. # وبعد فإن المؤرخ المنصف لجدير به أن يقف أمام هذه المثل العليا وقفة احترام ~~وإجلال، وعظة واعتبار، وأن يرغب رغبة صادقة في إذاعة هذه المثل ونشرها، والعمل ~~على تداولها وذكرها؛ لأنها قدوة صالحة لحملة التيجان في إنصاف زميلهم الإنسان، ~~وإن قدس العدالة لواجب احترامه، وأحق الناس باحترامه هم الولاة وحملة التيجان، ~~وإن في شعور الرعية وعامة الناس بأنهم وحكامهم سواسية لمدعاة للرضا والاغتباط، ~~والإمعان في خدمة الأوطان، والذب بأرواحهم وقلوبهم عن الملوك وأصحاب ~~السلطان. ~~(7) عفوه # كان المأمون مضرب المثل في العفو حتى لقد كان يخشى أن لا يؤجر عليه؛ إذ صار ~~فطرة فيه، وأظرف أنواع عفوه تغاضيه عما كان يحدث في قصره. # قالت شكر مولاة أم جعفر بنت جعفر بن المنصور: ms304 سمعت المأمون أمير المؤمنين ~~وكانت عنده أم جعفر فدعا بمقاريض، # 4 # فقال الغلام: قد ذهب بالمقاريض إلى الشماسية، ثم قال: يا غلام، ~~بل لنا الخيش # 5 # فوق، فقال الغلام: لا، قال: يبل، فقالت أم جعفر: سبحان الله يا ~~أمير المؤمنين! ما هذا؟ وأنكرت أن يكون سأل عن شيئين فلم يعملا، فقال ~~المأمون: من قدرت على عقوبته لسوء فعله وقبيح جرمه، فقدرتك عليه كافيتك نصرا ~~لك منه، ولا معنى لعقوبة بعد قدرة، الحلم عن الذنب أبلغ من الأخذ به. # وهو هنا يعلل العفو تعليلا مقبولا جديرا بأن يكون درسا في ~~الأخلاق. # ثم انظر مبلغ عفوه وحلمه وسماحة نفسه فيما يرويه أبو الفضل أحمد بن أبي طاهر ~~طيفور في كتابه، قال: «كان للمأمون خادم يتولى وضوءه، فكان يسرق طساسه، فبلغ ~~ذلك المأمون فعاتبه، ثم قال له يوما وهو يوضئه: ويحك! لم تسرق هذه ~~الطساس؟ لو كنت إذا سرقتها أتيتي بها اشتريتها منك! قال: فاشتر هذا الذي ~~بين يديك! قال: بكم؟ قال: بدينارين، قال المأمون: أعطوه دينارين، قال: هذا الآن ~~في الأمان». # ومهما يكن على هذه الرواية من مسحة المبالغة، أو أنها أقصوصة أكثر منها ~~حقيقة، فإن طبيعة المأمون وسجيته وجنوحه إلى العفو وأخذه بالحلم لمما يؤيد ~~لبابها وعصارتها، ويقرر جوهرها وخلاصتها، ولمما يصدق فيه قول من قال له: # أمير المؤمنين عفوت حتى # كأن الناس ليس لهم ذنوب # أما حديث حلمه مع عمه إبراهيم بن المهدي فمتعارف مشهور، ومذاع مذكور، فقد ~~أبي إبراهيم أن يبايعه ثم ذهب إلى الري وادعى فيها الخلافة لنفسه، وأقام مالكها ~~سنة وأحد عشر شهرا واثني عشر يوما، والمأمون يتوقع منه الانقياد إلى الطاعة، ~~والانتظام في سلك الجماعة، حتى يئس من عوده، فركب بخيله ورجله، وذهب إلى الري ~~وحاصر المدينة وافتتحها، فهرب إبراهيم وتنكر ثم أخذ بعد لأي، وقدم إلى ~~المأمون في زي امرأة، فلما مثل بين يديه سلم عليه بالخلافة، فقال المأمون: ~~لا سلم الله عليك، ولا حياك ولا رعاك! فقال إبراهيم: مهلا يا أمير ~~المؤمنين، إن ولي ms305 الثأر محكم في القصاص، ولكن العفو أقرب للتقوى، ومن ~~تناوله الاغترار بما مد له من أسباب الشقاء، أمكن عادية الدهر من نفسه، وقد ~~جعلك الله فوق كل ذي ذنب، كما جعل كل ذي ذنب دونك، فإن أخذت فبحقك، وإن عفوت ~~فبفضلك، ثم أنشد: # ذنبي إليك عظيم # وأنت أعظم منه # فخذ بحقك أو لا # فاصفح بفضلك عنه # إن لم أكن في فعالي # من الكرام فكنه # فقال المأمون: شاورت أبا إسحاق والعباس في قتلك فأشارا به، فقال: فما قلت ~~لهما يا أمير المؤمنين؟ قال المأمون: قلت لهما: نبدؤه بإحسان، ونستأمره فيه، ~~فإن غير فالله يغير ما به، قال: أما أن يكونا قد نصحا في عظيم بما جرت ~~عليه السياسىة فقد فعلا، وبلغا ما يلزمهما، وهو الرأي السديد، ولكنك أبيت أن ~~تستجلب النصر إلا من حيث عودك الله، ثم استعبر باكيا، فقال له المأمون: ما ~~يبكيك؟ قال: جذلا إذ كان ذنبي إلى من هذه صفته في الإنعام، ثم قال: إنه وإن ~~كان قد بلغ جرمي استحلال دمي، فحلم أمير المؤمنين وفضله يبلغانني عفوه، ولي ~~بعدهما شفاعة الإقرار بالذنب، وحق الأبوة بعد الأب، فقال المأمون: يا ~~إبراهيم، لقد حبب إلي العفو حتى خفت ألا أؤجر عليه. أما لو علم الناس ما ~~لنا في العفو من اللذة لتقربوا إلينا بالجنايات! لا تثريب # 6 # عليك، يغفر الله لك، ولو لم يكن في حق نسبك ما يبلغ الصفح عن ~~جرمك، لبلغك ما أملت حسن تفضلك ولطف توصلك، ثم أمر برد ضياعه وأمواله، ~~فقال إبراهيم: # رددت مالي ولم تبخل علي به # وقبل ردك مالي قد حقنت دمي # وقام علمك بي فاحتج عندك لي # مقام شاهد عدل غير متهم # فلو بذلت دمي أبغى رضاك به # والمال حتى أسل النعل من قدمي # ما كان ذاك سوى عارية سلفت # لو لم تهبها لكنت اليوم لم تلم # وبعد، فشد ما يحتاج الولاة والقادة والزعماء إلى خلة العفو والإحسان في حزم ~~وحسن مواتاة؛ ليستلوا من القلوب عداوتها، وليستأصلوا من النفوس سخيمتها، ~~وليضمنوا من ms306 الرعية والأتباع الإخلاص المحض والود الصحيح. ~~(8) احتماله # ومن الدلائل على صلاحية المأمون لما أعدته له الأيام اتصافه بالاحتمال الذي ~~لا يقوم الملك إلا به، ولا تسير الأمور بدونه، وهو خلق يراه البعض سماحة، ~~ونراه من المأمون سياسة هي من الصميم في آداب الملوك، وإنه ليحتمل حتى لتحسبه ~~من الغافلين، ولكن الرجل كان يعرف أن للملك مصاعب ومتاعب أقلها مداراة ~~الناس، والنزول لهم عن بعض ما يشتهون. # روى بعضهم عن قثم بن جعفر أنه قال: قال المأمون في يوم الخميس، وقد حضر الناس ~~الدار، لعلي بن صالح: ادع إسماعيل، قال: فخرج ابن صالح فأدخل إسماعيل بن جعفر، ~~وأراد المأمون إسماعيل بن موسى، فلما بصر به من بعيد، وكان أشد الناس له ~~بغضا، رفع يديه مادهما إلى السماء ثم قال: اللهم أبدلني من ابن صالح مطيعا؛ ~~فإنه لصداقته لهذا آثر هواه على هواي، قال: فلما دنا إسماعيل بن جعفر سلم فرد ~~عليه، ثم دنا فقبل يده، فقال: هات حوائجك؟ قال: ضيعتي بالمغيثة غصبتها ~~وقهرت عليها، قال: نأمر بردها عليك، ثم قال: حاجتك؟ قال: يأذن لي أمير ~~المؤمنين في الحج، قال: أذنا لك، ثم قال: حاجتك؟ قال: وقف أبي أخرج من يدي ~~وصار إلى قثم والقاسم ابني جعفر، قال: فتريد ماذا؟ قال: يرد إلي، قال: ~~أما ما كان يمكننا من أمرك فقد جدنا لك به، وأما وقف أبيك فذاك إلى ورثته ~~ومواليه، فإن رضوا بك واليا عليهم وقيما لهم رددناه إليك، وإلا أقررناه في يد ~~من هو في يده، ثم خرج، فقال المأمون لعلي بن صالح: ما لي ولك عافاك الله! متى ~~رأيتني نشطت لإسماعيل بن جعفر وعنيت به وهو صاحبي بالأمس بالبصرة؟! قال: ذهب عن ~~فكري يا أمير المؤمنين، قال: صدقت، لعمري ذهب عن فكرك ما كان يجب عليك حفظه، ~~وحفظ فكرك ما كان يجب عليك ألا يخطر به، فأما إذ أخطأت فلا تعلم إسماعيل ما ~~دار بيني وبينك في أمره. # فظن علي أنه عنى بقوله هذا إسماعيل بن موسى، فأخبر إسماعيل ms307 بن جعفر القصة ~~حرفا حرفا، فأذاعها، وبلغ الخبر المأمون فقال: الحمد لله الذي وهب لي هذه ~~الأخلاق التي أصبحت أحتمل بها علي بن صالح وابن عمران وابن الطوسي وحميد بن عبد ~~الحميد ومنصور بن النعمان ورعامش. # وبعد، فالاحتمال خلة محببة إلى النفوس تدعو إلى الوفاق والوئام، وهي بالملوك ~~أولى وأجدر لمكانهم من الزعامة والقيادة، ولمنزلتهم من الرياسة والسلطان، ~~ولأنهم أحق الناس بكل سجية تحببهم إلى الناس، وتكون قدوة يرتسمها من عداهم ممن ~~يتصرفون في شئون العباد ومستقبل البلاد. ~~(9) بصره بالأدب # سترى فيما نعرض له في القسم الأدبي من آثار المأمون وكتابته مبلغ تبريزه في ~~الفنون الأدبية، وتملكه أعنة البلاغة، وحسن تصريفه لكل أفانين الثقافة العربية، ~~إلى جانب حسن تصريفه لشتى أمور ملكه. # والآن وسبيلنا تحليل شخصية المأمون، نرى من الواجب لتوفية البحث حقه من مختلف ~~وجوهه أن نشير إلى كلفه بالأدب، مفترضين على كل حال ما قد يكون بمثله من تشيع ~~المغالين من الولاء له وما قد يضاف إليه من الآثار. # ولكن ذلك كله لن يؤثر في اللب والجوهر، وهو أن المأمون كان أديبا عالما ~~بأفانين القول ومناحيه، وليس ذلك ببعيد على من تتلمذ على شيوخ الأدب العربي، ~~كسيبويه واليزيدي ويحيى بن المبارك بن المغيرة، الذي أخذ العربية عن أمثال أبي ~~عمرو بن العلاء وابن أبي إسحاق الحضرمي، وأخذ اللغة والعروض عن الخليل بن أحمد، ~~والذي ألف كتابا في النحو لبعض أولاد المأمون. # فقد أفاد المأمون من هؤلاء وأمثالهم من رجال الأدب والكفاية أيما إفادة، قال ~~عمارة بن عقيل: أنشدت المأمون قصيدة مائة بيت، فأبتدئ بصدر البيت فيبادرني إلى ~~قافيته كما قفيته، فقلت: والله يا أمير المؤمنين، ما سمعها مني أحد قط، فقال: ~~هكذا ينبغي أن يكون، ثم قال لي: أما بلغك أن عمر بن أبي ربيعة أنشد عبد الله بن ~~عباس قصيدته التي يقول فيها: # تشط غدا دار جيراننا # فقال ابن عباس: # وللدار بعد غد أبعد # حتى أنشده القصيدة يقفيها ابن عباس، ثم قال: أنا ابن ذاك. ورووا أن ms308 المأمون ~~قال: # بعثتك مرتادا ففزت بنظرة # وأغفلتني حتى أسأت بك الظنا # فناجيت من أهوى وكنت مباعدا # فيا ليت شعري عن دنوك ما أغني # أرى أثرا منه بعينيك بينا # لقد أخذت عيناك من عينه حسنا # ومهما قيل: إن المأمون أخذ هذا المعنى من العباس بن الأحنف الذي يقول: # إن تشق عيني بها فقد سعدت # عين رسولي وفزت بالخبر # وكلما جاءني الرسول لها # رددت عهدا في عينه نظري # خذ مقلتي يا رسول عارية # فانظر بها واحتكم على بصري # فإن شعر المأمون يدل في جملته على تذوقه الحسن بالشعر الحسن، والخيال الحسن، ~~ثم لتنظر معي في الحديث الذي دار بين عبد الله بن أبي السمط وعمارة بن عقيل، ~~فإن أولهما يقول لعمارة: أعلمت أن المأمون لا يبصر الشعر؟ فقال عمارة: ومن يكون ~~أعلم منه؟ فوالله إنا لننشده أول البيت فيسبقنا إلى آخره، قال عبد الله: إني ~~أنشدته بيتا أجدت فيه فلم يتحرك له، فقال عمارة: وما هو؟ قال: # أضحى إمام الهدى المأمون مشتغلا # بالدين والناس بالدنيا مشاغيل # فقال عمارة: والله ما صنعت شيئا، هل زدت على أن جعلته عجوزا في محرابها؟ ~~فإذن من الذي يقوم بأمر الدنيا إذا تشاغل عنها وهو المطوق بها؟ ألا قلت كما ~~قال جدي جرير في عبد العزيز بن الوليد: # فلا هو في الدنيا مضيع نصيبه # ولا عرض الدنيا عن الدين شاغله # فقال عبد الله: الآن علمت أني قد أخطأت. # ولقد كان المأمون واقفا أتم وقوف وأكمله على شعر العصر ومقولات الشعراء، مع ~~حسن بصر وأتم حذق وأدق تفهم، يدلك على ذلك ما ذكره أبو نزار الضرير الشاعر قال: ~~قال لي علي بن جبلة: قلت لحميد بن عبد الحميد: يا أبا غانم، قد امتدحت أمير ~~المؤمنين بمدح لا يحسن مثله أحد من أهل الأرض، فاذكرني له، فقال: أنشدنيه، ~~فأنشدته، فقال: أشهد أنك صادق، فأخذ المديح فأدخله على المأمون، فقال: يا أبا ~~غانم، الجواب في هذا واضح، إن شاء عفونا عنه وجعلنا ذلك ثوابا لمديحه، وإن شاء ~~جمعنا بين شعره ms309 فيك وفي أبي دلف القاسم بن عيسى، فإن كان الذي قال فيك وفيه ~~أجود من الذي مدحنا به، ضربنا ظهره وأطلقنا حبسه، وإن كان الذي قال فينا أجود ~~أعطيته بكل بيت من مديحه ألف درهم، وإن شاء أقلناه، فقلت: يا سيدي، ومن أبو دلف ~~ومن أنا حتى يمدحنا بأجود من مديحك، فقال: ليس هذا الكلام من الجواب عن المسألة ~~في شيء، فاعرض ذلك على الرجل، قال علي بن جبلة: فقال لي حميد: ما ترى؟ قلت: ~~الإقالة أحب إلي، فأخبر المأمون، فقال: هو أعلم، قال حميد: فقلت لعلي بن ~~جبلة، إلى أي شيء ذهب في مدحك أبا دلف وفي مدحك لي؟ قال: إلى قولي في أبي ~~دلف: # إنما الدنيا أبو دلف # بين مبداه ومحتضره # فإذا ولى أبو دلف # ولت الدنيا على أثره # وإلى قولي فيك: # لولا حميد لم يكن # حسب يعد ولا نسب # يا واحد العرب الذي # عزت بعزته العرب # ثم انظر سعة عطفه وكثير تسامحه وما جبلت عليه نفسه من العفو والحلم فيما رواه ~~أحد قرابة دعبل الشاعر حيث قال: إن دعبلا هجا المأمون بقوله: # أيسومني المأمون خطة عاجز # أوما رأى بالأمس رأس محمد # يوفي على هام الخلائف مثلما # توفي الجبال على رءوس القردد # 7 # ويحل في أكناف كل ممنع # حتى يذلل شاهقا لم يصعد # إن التراث مسهد طلابها # فاكفف لعابك عن لعاب الأسود # فلم يتقدم المأمون بإيذاء دعبل، وكل ما فعل أن قال: هو يهجو أبا عباد ولا ~~يهجروني. يريد حدة أبي عباد. # وكان بصيرا بأخبار العرب واقفا على تاريخ مجاويدهم وغطاريفهم؛ فقد ذكر ~~عمارة بن عقيل قال: قال لي المأمون يوما وأنا أشرب عنده: ما أخبثك يا أعرابي! ~~قال: قلت: وما ذاك يا أمير المؤمنين؟ وهمتني نفسي، قال: كيف قلت: # قالت مفداة لما أن رأت أرقى # والهم يعتاده من طيفه لمم # نهبت مالك في الأدنين آصرة # وفي الأباعد حتى حفك العدم # فاطلب إليهم ثرى ما كنت من حسن # تسدي إليهم فقد باتت لهم صرم # 8 # فقلت عذلك قد ms310 أكثرت لأئمتي # ولم يمت حاتم هزلا ولا هرم # فقال لي المأمون: أين رميت بنفسك إلى هرم بن سنان سيد العرب وحاتم الطائي؟ ~~فعلا كذا وفعلا كذا، وأقبل ينثال # 9 # علي بفضلهما، قال: فقلت: يا أمير المؤمنين، أنا خير منهما، أنا ~~مسلم وكانا كافرين، وأنا رجل من العرب. # ثم انظر بلاغته ومتانة عبارته في مشافهاته ومبادهاته؛ فقد روى إبراهيم بن ~~عيسى قال: لما أراد المأمون الشخوص إلى دمشق هيأت له كلاما مكثت فيه يومين ~~وبعض آخر، فلما مثلت بين يديه قلت: أطال الله بقاء أمير المؤمنين في أدوم العز ~~وأسبغ الكرامة، وجعلني من كل سوء فداه، إن من أمسى وأصبح يتعرف من نعمة الله ~~- له الحمد كثيرا - عليه برأي أمير المؤمنين أيده الله فيه، وحسن تأنيسه له، ~~حقيق بأن يستديم هذه النعمة، ويلتمس الزيادة فيها، بشكر الله، وشكر أمير ~~المؤمنين - مد الله في عمره - عليها، وقد أحب أن يعلم أمير المؤمنين، أيده ~~الله، أني لا أرغب بنفسي عن خدمته، أيده الله، بشيء من الخفض والدعة؛ إذ كان ~~هو، أيده الله، يتجشم خشونة السفر ونصب الظعن، وأولى الناس بمواساته في ذلك ~~وبذل نفسه فيه أنا؛ لما عرفني الله من رأيه، وجعل عندي من طاعته، ومعرفة ما ~~أوجب الله من حقه، فإن رأى أمير المؤمنين، أكرمه الله، أن يكرمني بلزوم خدمته ~~والكينونة معه فعل. # فقال لي المأمون مبتدئا من غير تروية: لم يعزم أمير المؤمنين في ذلك على ~~شيء، وإن استصحب أحدا من أهل بيتك بدأ بك وكنت المقدم عنده في ذلك، ولا ~~سيما إذ أنزلت نفسك بحيث أنزلك أمير المؤمنين من نفسه، وإن ترك ذلك فمن غير ~~قلى لمكانك ولكن بالحاجة إليك، قال إبراهيم: فكان والله ابتداؤه أكثر من ~~ترويتي. # قال أبو العتاهية: وجه إلي المأمون يوما فصرت إليه، فألفيته مطرقا ~~مفكرا، فأحجمت عن الدنو منه في تلك الحال، فرفع رأسه فنظر إلي وأشار بيده أن ~~ادن فدنوت، ثم أطرق مليا ورفع رأسه فقال: يا أبا إسحاق، شأن النفس الملل، ~~وحب الاستطراف، ms311 تأنس بالوحدة كما تأنس بالألفة، قلت: أجل يا أمير المؤمنين، ولي ~~في هذا بيت، قال: ما هو؟ قلت: # لا يصلح النفس إذ كانت مدبرة # إلا التنقل من حال إلى حال # ثم انظر إلى بلاغة المأمون التي كانت سليقة فيه وإن نزلت بساحته الهموم ~~والفوادح؛ فقد ذكر المؤرخون أنه أصيب بابنة له كان يجد عليها وجدا شديدا، ~~فجلس وأمر أن يؤذن لمن بالباب، فدخل عليه العباس بن الحسن العلوي فقال له: يا ~~أمير المؤمنين، إنا لم نأتك معزين، ولكن أتيناك مقتدين، ثم قال: يا أمير ~~المؤمنين، إن لساني ينطلق بمدحك غائبا، وأحب أن يتزيد عنك حاضرا، أفتأذن ~~فأقول، قال المأمون: قل فإنك تقول فتحسن، وتشهد فتزين، وتغيب فتؤتمن، فقال ~~العباس له - وصدق فيما يقول: يا أمير المؤمنين، ما أقول بعد هذا؟! لقد بلغت من ~~مدحي ما لا أبلغه من مدحك. # وانظر إلى حلاوته في بلاغته، وفراهته في طلاوته، ومتانته في عبارته حين نصح ~~لابنه العباس فقال له: ينبغي يا بني لمن أسبغ الله عليه نعمه، وشركه في ملكه ~~وسلطانه، وبسط له في القدرة أن ينافس في الخير بما يبقى ذكره، ويجب أجره، ~~ويرجى ثوابه، وأن يجعل همته في عدل ينشره، أو جور يدفنه، وسنة صالحة يحييها ~~أو بدعة يميتها، أو مكرمة يعتقدها، أو صنيعة يسديها، أو يد يودعها ويوليها، أو ~~أثر محمود يتبعه. # ويقول لنا الجاحظ في البيان والتبيين: كان سهل بن هارون شديد الإطناب في وصف ~~المأمون بالبلاغة والجهارة، وبالحلاوة والفخامة، وجودة اللهجة والطلاوة. # ويقول ثمامة بن أشرس النميري: ما رأيت رجلا أبلغ من جعفر بن يحيى ~~والمأمون. # وإن فيما ذكره ابن الجوزي والعاملي وغيرهما في طرب المأمون للطرف واللغة، ~~لمما يثبت بصره بالأدب وحذقه للغة، وتمكنه في النحو، وإنا نختتم كلمتنا هذه بما ~~قاله المأمون لولده وعنده عمرو بن مسعدة ويحيى بن أكثم؛ فإنها في السماك ~~بلاغة ودقة معنى، وحلاوة أسلوب، وسمو سجايا، وحسن تدبير، ونضوج دربة، ولا ~~يقولها إلا من كان إلى جانب ما وصفناه حمال أعباء نهاضا ms312 # 10 # ببزلاء، قصيا مرمى همته، رفيعا مناط عزمته، وهي مع كل ذلك من ~~عفو الخاطر ونتاج البديهة. # قال: اعتبروا في علو الهمة بمن ترون من وزرائي وخاصتي، إنهم والله ما بلغوا ~~مراتبهم عندي إلا بأنفسهم، إنه من تبع منكم صغار الأمور تبعه التصغير والتحقير، ~~وكان قليل ما يفتقد من كبارها أكثر من كثير ما يستدرك من الصغار، فترفعوا عن ~~دناءة الهمة، وتفرغوا لجلائل الأمور والتدبير، واستكفوا الثقات، وكونوا مثل ~~كرام السباع التي لا تشتغل بصغار الطير والوحش، بل بجليلها وكبارها، واعلموا أن ~~أقدامكم إن لم تتقدم بكم، فإن قائدكم لا يقدمكم ولا يغني الولي عنكم شيئا ما ~~لم تعطوه حقه، وأنشده: # نحن الذين إذا تخمط عصبة # من معشر كنا لها أنكالا # ونرى القروم مخالة لقرومنا # قبل اللقاء تقطر الأبوالا # نرد المنية لا نخاف ورودها # تحت العجاجة والعيون تلالا # نعطي الجزيل فلا نمن عطاءنا # قبل السؤال ونحمل الأثقالا # وإذا البلاد على الأنام تزلزلت # كنا لزلزلة البلاد جبالا # وبعد، فشد ما يروق الرعية تبريز ولاتها في البلاغة والبيان، وشد ما يثلج ~~الأفئدة ويقر العيون تملكهم لأعنة القول، واطلاعهم على الغرر والملح وتشجيعهم ~~لذوي الإحسان. # وجميل جدا أن تنشر الكفايات، وأن يتخذ الولاة من كلمة المأمون: «إن وزرائي ~~والله ما بلغوا مراتبهم عندي إلا بأنفسهم.» سنة يترسمونها، وقاعدة يتبعونها، ~~وحكمة يذيعونها لترتفع النفوس، وتسمو النزعات، ولينال الإحسان أهل ~~الإحسان. ~~(10) علم المأمون # كان المأمون وافر العلم غزير الاطلاع، وليس ذلك بعزيز على خليفة ملأ عصره ~~بأنواع المعارف الإنسانية، ونفخ فيه من روحه القوي حتى استطاع الباحث أن يسمه ~~بسمته، وأن يرجع فضل الحضارة العباسية إليه. # ولكن المأمون في علمه وثقافته لم يقف عند حد الثقافة الذاتية، وإنما وجه حرصه ~~إلى أن يثير في نفوس أصحابه كوامن الرغبة إلى التعمق في الدرس، والشوق إلى ~~إدراك حقائق الأشياء، وكانت له في ذلك طريقه معروفة هي توجبه السمر والحديث إلى ~~فنون العلم وضروب العرفان، فكان حديث الليل وحديث المائدة يفتح لجلسائه أبوابا ~~من القول ما كانت تخطر ms313 لهم ببال. # قال جعفر بن محمد الأنماطي: إن المأمون لما دخل بغداد وقر بها قراره، وأمر أن ~~يدخل عليه من الفقهاء والمتكلمين وأهل العلم جماعة يختارهم لمجالسته ومحادثته، ~~وكان يقعد في صدر نهاره على لبود في الشتاء وعلى حصر في الصيف ليس معها شيء من ~~سائر الفرش، ويقعد للمظالم في كل جمعة مرتين لا يمتنع منه أحد، قال: واختير له ~~من الفقهاء لمجالسته مائة رجل، فما زال يختارهم طبقة بعد طبقة حتى حصل منهم ~~عشرة، كان أحمد بن أبي دواد أحدهم، وبشر المريسي. قال جعفر بن محمد ~~الأنماطي: وكنت أحدهم، قال: فتغدينا يوما عنده، فظننت أنه وضع على المائدة ~~أكثر من ثلاثمائة لون، فكلما وضع لون نظر المأمون إليه فقال: هذا يصلح لكذا، ~~وهذا نافع لكذا، فمن كان منكم صاحب بلغم ورطوبة فليجتنب هذا، ومن كان صاحب ~~صفراء فليأكل من هذا، ومن غلبت عليه السوداء فليأكل من هذا، ومن أحب الزيادة في ~~لحمه فليأكل من هذا، ومن كان قصده قلة الغذاء فليقتصر على هذا، قال: فوالله إن ~~زالت تلك حاله في كل لون يقدم حتى رفعت الموائد، قال: فقال له يحيى بن أكثم: ~~يا أمير المؤمنين، إن خضنا في الطب كنت جالينوس في معرفته! أو في النجوم كنت ~~هرمس في حسابه! أو الفقه كنت علي بن أبي طالب صلوات الله عليه في علمه! أو ~~ذكرنا السخاء فأنت فوق حاتم في جوده! أو ذكرنا صدق الحديث كنت أبا ذر في صدق ~~لهجته! أو الكرم كنت كعب بن مامة في إيثاره على نفسه! قال: فسر بذلك الكلام ~~وقال: يا أبا محمد، إن الإنسان إنما فضل على غيره من الهوام بفعله وعقله ~~وتمييزه، ولولا ذلك لم يكن لحم أطيب من لحم، ولا دم أطيب من دم، وإنك إذا قلت: ~~إن يحيى بن أكثم قد بالغ في تحليل المأمون وغلا في صفته، فأنا معك في ذلك، ~~ولكنني ألاحظ أن هذا الغلو لا يخلو من أثارة من حق وصدق. # ولتنظر معي نظرة مستقص لاطلاع المأمون ms314 وتدفق المعاني إليه، ومواتاة الأفكار ~~له حينما ارتد رجل من أهل خراسان وأمر المأمون بحمله إلى مدينة السلام، فلما ~~أدخل عليه أقبل بوجهه إليه ثم قال له: «أخبرني ما الذي أوحشك مما كنت به آنسا ~~من ديننا، فوالله لأن أستحييك بحق أحب إلي من أن أقتلك بحق، وقد صرت مسلما ~~بعد أن كنت كافرا، ثم عدت كافرا بعد أن صرت مسلما، فإن وجدت عندنا دواء دائك ~~تعالجت به؛ إذ كان المريض يحتاج إلى مشاورة الأطباء، فإن أخطأك الشفاء ونبا عن ~~دائك الدواء، كنت قد أعذرت ولم ترجع على نفسك بلائمة، فإن قتلناك بحكم الشريعة ~~ترجع أنت في نفسك إلى الاستبصار والثقة، وتعلم أنك لم تقصر في اجتهاد ولم ~~تدع الأخذ بالحزم» فقال المرتد: «أوحشني ما رأيت من كثرة الاختلاف في دينكم» ~~فقال المأمون: «فإن لنا اختلافين؛ أحدهما: كالاختلاف في الأذان وتكبير الجنائز، ~~والاختلاف في التشهد وصلاة الأعياد وتكبير التشريق ووجوه القراءات واختلاف وجوه ~~الفتيا وما أشبه ذلك، وليس هذا باختلاف إنما هو تخيير وتوسعة وتخفيف من المحنة، ~~فمن أذن مثنى وأقام فرادى لم يؤثم من أذن مثنى وأقام مثنى، لا يتعايرون ~~ولا يتعايبون، أنت ترى ذلك عيانا، وتشهد عليه بيانا، والاختلاف الآخر: كنحو ~~الاختلاف في تأويل الآية من كتابنا، وتأويل الحديث عن نبينا # صلى الله عليه وسلم ~~، مع ~~إجماعنا على أصل التنزيل واتفاقنا على عين الخبر، فإن كان الذي أوحشك هذا حتى ~~أنكرت كتابنا فقد ينبغي أن يكون اللفظ بجميع ما في التوارة والإنجيل متفقا على ~~تأويله كالاتفاق على تنزيله، ولا يكون بين الملتين من اليهود والنصارى اختلاف ~~في شيء من التأويلات، وينبغي لك ألا ترجع إلا إلى لغة لا اختلاف في ألفاظها، ~~ولو شاء الله أن ينزل كتبه ويجعل كلام أنبيائه وورثة رسله لا تحتاج إلى تفسير ~~لفعل، ولكنا لم نر شيئا من الدين والدنيا دفع إلينا على الكفاية، ولو كان ~~الأمر كذلك لسقطت البلوى والمحنة، وذهبت المسابقة والمنافسة ولم يكن تفاضل، ~~وليس على هذا بنى الله جل وعز ms315 الدنيا» فقال المرتد: «أشهد أن لا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له، وأن المسيح عبد الله ورسوله، وأن محمدا # صلى الله عليه وسلم # صادق، وأنك ~~أمير المؤمنين حقا» قال: فانحرف المأمون نحو القبلة فخر ساجدا، ثم أقبل ~~على أصحابه فقال: «وفروا عليه عرضه، ولا تبروه في يومه، ريثما يعتق إسلامه، ~~كيلا يقول عدوه: إنه يسلم رغبة، ولا تنسوا نصيبكم من بره ونصرته وتأنيسه ~~والفائدة عليه.» # وهذا المنحى الذي نحاه المأمون في إقناع ذلك المرتد يدلنا على ناحيتين من ~~نواحي تفكيره: # الأولى: # بصره بأسرار الشريعة وعلمه بدقائق الدين وتدقيقه في فهم أنواع ~~الخلاف بين المسلمين، ويكاد هذا التقسيم يقضي على كل شبهة عند من ~~يريبهم هذا النزاع الذي طال بين الفرق الإسلامية، وتشعبت به مذاهب ~~الفقهاء. # الثانية: # تعمقه في درس النفسيات واستقصاء خلجات القلب وهجسات الضمير، وذلك ~~ظاهر في مراجعته لحياة الرجل الروحية، وتأمله لما ألفته نفسه وسكن ~~إليه وجدانه قبل إسلامه، فقد بنى على هذه السابقة طريقة التآلف ~~والتسامح التي قضى بها على ما مني به الرجل من الكفر بعد ~~الإيمان. # وبعد، فإن المأمون في علمه وعرفانه أهل للاحتذاء والارتسام من أقرانه، قمين ~~بالتمثل به والاقتفاء من أخذانه، ليكون زمانهم غرة في جبين الدهر كزمانه ، ~~وليكون نصيبهم نصيبه في مهابته ورفعة شأنه، ورسوخ عرشه، وقوة بنيانه. ~~(11) احترامه للدين # كان المأمون شديد الاحترام للتقاليد الدينية يرى فيها صيانة لنفسه واستبقاء ~~لقلوب رعيته، ولكنه كان يشتط في ذلك فيعاقب على هفوة مرت عليها عشرات السنين، ~~وسنقص عليك حادثة هي دلالة على هذا الإسراف، وهي أيضا عنوان على ذوقه في نقد ~~الشعر، وإنا لنرجح أن للظرف الذي وقعت فيه هذه الحادثة تعليلا لما اجترح ~~فيها، فلولا مجلس الغناء ولعبه بالنفس لما عزل قاض لهفوة لفظية طال على عهدها ~~الزمان، وإليك الحديث: # ذكر أحد المعاصرين، وهو أبو حشيشة محمد بن علي بن أمية بن عمرو، قال: كنا ~~قدام أمير المؤمنين المأمون بدمشق: فغنى علويه: # برئت من الإسلام إن كان ذا الذي # أتاك به ms316 الواشون عنى كما قالوا # ولكنهم لما رأوك سريعة # إلي تواصوا بالنميمة واحتالوا # فقال: يا علويه، لمن هذا الشعر؟ فقال: للقاضي، قال: أي قاض ويحك؟ قال: ~~قاضي دمشق، فقال: يا أبا إسحاق، اعزله، قال: قد عزلته، قال: فيحضر الساعة، ~~قال: فأحضر شيخ مخضوب قصير، فقال له المأمون: من تكون؟ قال: فلان بن فلان ~~الفلاني، قال: تقول الشعر؟ قال: قد كنت أقوله، فقال: يا علويه، أنشده الشعر، ~~فأنشده، فقال: هذا الشعر لك؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، ونساؤه طوالق وكل ما ~~يملك في سبيل الله إن كان قال الشعر منذ ثلاثين سنة إلا في زهد أو معاتبة ~~صديق، فقال: يا أبا إسحاق، اعزله؛ فما كنت أولي رقاب المسلمين من يبدأ في هزله ~~بالبراءة من الإسلام ... ثم قال: يا علويه، لا تقل: برئت من الإسلام، ولكن ~~قل: # حرمت مناي منك إن كان ذا الذي # أتاك به الواشون عني كما قالوا # وهذا الموقف من المأمون شبيه كل الشبه بموقفه مع يحيى بن أكثم وزيره وقاضيه، ~~حيث قال له المأمون: «لا أترك قاضيا يشرب النبيذ!» # ثم لننظر ما يروى عن سعيد بن زياد أحد المعاصرين؛ فإنه يدلك على تقديس ~~المأمون لآثار النبي واحترامه لها، وتيمنه لها مع ورع وخشوع، فقد قيل : إنه لما ~~دخل المأمون دمشق قال له: «أرني الكتاب الذي كتبه رسول الله # صلى الله عليه وسلم # لكم» ~~فأراه سعيد إياها، فقال له: «إني لأشتهي أن أدري أي شيء هذا الغشاء على هذا ~~الخاتم» فقال له أبو إسحاق: حل العقدة حتى ترى ما هو، فقال المأمون: ما أشك ~~أن النبي # صلى الله عليه وسلم # عقد هذا العقد، وما كنت لأحل عقدا عقده رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، ~~ثم قال للواثق: خذه فضعه على عينيك؛ لعل الله أن يشفيك، وجعل المأمون يضعه على ~~عينيه ويبكي. # على أنا نرى من الوفاء للنقد العلمي أن نحيل القارئ هنا إلى كلمتنا عن سياسة ~~المأمون، وإلى مذهبه الديني في الاعتزال، كما نحيله إلى مبحثنا في الحياة ~~العلمية والأدبية ms317 في عصره، ونظن أنه سيلاحظ معنا أن هذه السذاجة الطيبة، وذلك ~~الإيمان الجميل في تقدير المأمون للآثار النبوية لا تتفق في حقيقة جوهرها مع ما ~~أجمع عليه المؤرخون في سياسته، ولا مع اعتزاله # 11 # أو توغله فيما ترك الفلاسفة الأولون، ولا مع ما أخذ به المأمون بعض ~~معاصريه من ألوان النقد في شئون دينهم ودنياهم. # والمأمون عند صحة هذه الرواية بين اثنتين: إما أن يكون قوي العاطفة الدينية ~~رقيق الحس يخضع لوجدانه وإيمانه، وإما أن يكون في مثل هذه الأحوال رجل سياسة ~~ودهاء يحسب ألف حساب لعواطف الجماهير، ويحترم ميول الجماعات الدينية. # وبعد، فالدين للديان جل جلاله، وأنعم بالولاة الذين يحترمون ما للجماعات من ~~آراء ومعتقدات وديانات. ~~(12) سياسته # ولقد كان المأمون سياسيا فذا، وليس أدل على «ديبلوماطيقيته» من خطته التي ~~لا نجد لها في عصره ما هو أحكم منها ولا أسد، مع ركونه إلى مشاورة شيعته ~~وأنصاره إذا حزبه أمر، ولا أدل على كياسته وكبير مهارته من تصرفاته مع سفراء ~~أخيه الأمين مما وقفتك على طرف منه في فصل النزاع بين الأخوين. # وكان سياسيا فذا في تزوجه من بوران بنت الحسن بن سهل ليكتسب الحزب ~~الفارسي، وفي تزويجه علي بن موسى الرضا ابنته أم حبيب، ومحمد بن علي بن موسى ~~ابنته أم الفضل ليكتسب الحزب العلوي، راميا بذلك كله إلى ضمان تأييد الأحزاب ~~له، عارفا لنفسيات الجمهور وأمزجة الجماعات. # وكان سياسيا فذا مصيبا لباب الصواب في قوله لأحمد بن أبي دواد عن أهل ~~بغداد: «الناس على طبقات ثلاث في هذه المدينة: ظالم، ومظلوم، ولا ظالم ولا ~~مظلوم، فأما الظالم فليس يتوقع إلا عفونا وإمساكنا، وأما المظلوم فليس يتوقع أن ~~ينصف إلا بنا، ومن كان لا ظالما ولا مظلوما فبيته يسعه.» # وكان سياسيا فذا، في مداراته عماله، وليس أدل على ذلك من تصرفه مع ~~إبراهيم بن السندي صاحب الأخبار وقد رفع إليه خبرا عن حادثة بمصر، فكذبه عبد ~~الله بن طاهر، فعنف المأمون السندي آلم التعنيف أمام ابن طاهر، ثم بعث ms318 إليه ~~وقال له: «إني آمر وأداري عمالي وعمالهم مداراة الخائف، والله ما أجد إلى ~~حملهم على المحجة البيضاء سبيلا، فاعمل لي على حسب ما تراني أعمل، ولن لهم ~~تسلم لك أيامك، ويغض دينك». # وكان سياسيا فذا حينما رفع إليه صاحب خبره: «إنا أصبنا يا أمير المؤمنين ~~رقاعا فيها كلام السفهاء والسفلة، وفيها تهديد ووعيد، وبعضها عندنا محفوظ إلى ~~أن يأمر أمير المؤمنين فيها بأمره، فكتب المأمون بخطه: «هذا أمر إن أكبرناه ~~كثر غمنا به، واتسع علينا خرقه، فمر أصحاب أخبارك متى وجدوا من هذه الرقاع ~~رقعة أن يمزقوها قبل أن ينظروا فيها، فإنهم إذا فعلوا ذلك لم ير لها أثر ولا ~~عين» ففعلوا ذلك فكان الأمر كما قال.» # وتعال ننظر نظرة تحليلية قصيرة فيما يرويه لنا زيد بن علي بن الحسين قال: ~~«لما كان في العيد، بعد قدوم المأمون سنة أربع ومائتين، والمأمون يتغدى وعلى ~~مائدته طاهر بن الحسين، وسعيد بن سلم، وحميد بن عبد الحميد، وعلى رأسه سعيد ~~الخطيب وهو يقرظه ويذكر مناقبه ويصف سيرته ومجلسه، إذ انهملت عينا المأمون ~~بالدموع، فرفع يده عن الطعام، فأمسك القوم حين رأوه بتلك الحال حتى إذا كف ~~قال لهم: كلوا، قالوا: يا أمير المؤمنين، وهل نسيغ طعاما أو شرابا وسيدنا ~~بهذه الحال، قال: أما والله ما ذلك من حدث ولا لمكروه هممت به بأحد، ولكنه جنس ~~من أجناس الشكر لله لعظمته، وذكر نعمته التي أتمها علي، كما أتمها علي ~~أبوي من قبلي، أما ترون ذلك الذي في صحن الدار، يعني الفضل بن الربيع - قال: ~~وكانت الستور قد رفعت ووضعت الموائد للناس على مراتبهم، وكان يجلس الفضل مع ~~أصحاب الحرس - وكان في أيام الرشيد وحاله حاله، يراني بوجه أعرف فيه البغضاء ~~والشنآن، وكان له عندي كالذي لي عنده، ولكني كنت أداريه خوفا من سعايته ~~وحذرا من أكاذيبه، فكنت إذا سلمت عليه فرد علي أظل لذلك فرحا وبه ~~مبتهجا، وكان صغوه إلى المخلوع فحمله على أن أغراه بي ودعاه إلى قتلي، وحرك ~~الآخر ما ms319 يحرك القرابة والرحم الماسة فقال: أما القتل فلا أقتله، ولكني أجعله ~~بحيث إذا قال لم يطع، وإذا دعا لم يجب، فكان أحسن حالاتي عنده أن وجه مع علي ~~بن عيسى قيد فضة بعدما تنازعا في الفضة والحديد ليقيدني به، وذهب عنه قول ~~الله جل وعز: # ثم بغي عليه لينصرنه ~~الله # فذاك موضعه من الدار بأخس مجالسها وأدنى مراتبها، وهذا ~~الخطيب على رأسي، وكان بالأمس يقف على هذا المنبر الذي بإزائي مرة، وعلى المنبر ~~الغربي أخرى، فيزعم أني المأفون ولست بالمأمون، ثم هو الساعة يقرظني تقريظه ~~المسيح ومحمدا عليهما السلام، فقال طاهر بن الحسين: يا سيدنا، فما عندنا فيهما ~~وقد أباحك الله إراقة دمائهما فحصنتهما بالعفو والحلم! قال: فعلت ذلك لموضع ~~العفو من الله، ثم قال المأمون: مدوا أيديكم إلى طعامكم، فأكل وأكلوا.» # ألا يسوغ لنا أن نستنبط مما قدمناه لك أن المأمون كان سياسيا ذهنا، ~~حاذقا في تصرفه مع الفضل؟ ألم يكن للفضل مكانة عند الرشيد ونفوذ بعيد المدى في ~~الدولة؟ ألا يجوز أن سعايته بالمأمون وأكاذيبه عليه، إن لم يداره، تجد آذانا ~~مصغية، وأنها قد تجر عليه من الشرور ما ليس في حاجة إليه؟ # ألم يكن خير سبيل لاتقاء شانئته أن يداريه عملا بقول أبي الدرداء : «إنا ~~لنبش في وجوه قوم وقلوبنا تلعنهم.» # فهل ترى سياسة أحكم وبصرا بالأمور أتم من تصرف المأمون ومداراته؟ ثم انظر ما ~~كان من مداراته للفضل بن سهل، كما صرح بذلك لولي عهده علي بن موسى الرضا، ~~ومداراته لطاهر بن الحسين قاتل أخيه، وما كان من تصرفاته مع الوفود الأمينية؛ ~~تؤمن معنا أن المأمون كان سياسيا، ولعل لاطلاعه على ما ترجم من المؤلفات ~~اليونانية والفارسية مع استعداده الخاص ونزوعه إلى البحوث الكلامية عامة، وحبه ~~للمشاورة واكتنافه بالرءوس المفكرة الناضجة، لعل لهذا وأمثاله الفضل في تكوين ~~المأمون على ما رأيت وتخريجه على ما شاهدت. # وبعد، فإن للحياة تقاليدها، وإن لسياسة الشعوب أسرارها، كما أن للصراحة ~~محامدها، وللمداراة ضرورتها، وأنعم بمن يضع الأمور في مواضعها، ويزن ms320 المواقف ~~بميزانها، ويطب لكل حاجة دواءها وعلاجها. ~~(13) مذهب المأمون الديني # أما مذهب المأمون الديني أو السياسي إن شئت، وهل كان يميل للفرس حقا ~~ويؤثرهم على غيرهم من العرب في خدمة الدولة، وهل كان شيعيا علويا، أو ~~معتدلا في التشيع أو معتزليا؟ فهذا باب يستفيض القول في شتى نواحيه وتزدحم ~~معانيه؛ لاختلاف وجهات النظر فيه، ولعلك تبينت مما كتبناه عن المأمون السياسي ~~بعض ما يساعدك على تفهم مذهبه الديني. # ولما كنا قد أرجأنا الكلام في موضوع المحنة والقول بخلق القرآن إلى قسم ~~العلوم والآداب، فنحن نلفت النظر هنا إلى ذلك. # بيد أنا نرى من واجبنا أن نشير هنا إلى أن المأمون كان محوطا بشيوخ ~~الاعتزال والكلام، أمثال ثمامة بن أشرس ويحيى بن المبارك وغيرهما، ويجوز لنا أن ~~نفترض أن المأمون قد أخذ مذهب الاعتزال من يحيى بن المبارك مؤدبه، فإن ياقوتا ~~الرومي قد ذكر عنه - في الجزء السابع من معجمه - أنه كان يتهم بالميل إلى ~~الاعتزال، فلا يستبعد إذن، وصلته بالمأمون صلة الأستاذ بتلميذه، أن يكون ~~المأمون قد تأثر بميله خصوصا، أنه اتصل به منذ صباه في أيام الرشيد، وكذلك كان ~~محوطا بشيوخ آخرين لهم آثارهم ومكانتهم في الدولة مثل يحيى بن أكثم وغير يحيى ~~بن أكثم. # وكان على ذلك متأثرا بما ترجم من أخلاقيات فلاسفة اليونان وعلومهم، وآداب ~~الفرس وفنونهم، كما كان، إلى حد غير قليل، تحت سلطان الفرس ووزرائهم أمثال ~~الفضل بن سهل، وكان يحسب للعلويين حسابهم، وللعباسيين حسابهم، فلا غرو إذن أن ~~يكون لكل هذه العوامل أثر غير قليل في تكييف مزاجه الديني، وقد يفتر بعض هذه ~~العوامل حينا وقد يشتد حينا آخر طبقا للأحوال. # هذا هو رأينا في مذهبه الديني أو السياسي على وجه عام، على أن هذا لا يمنعنا، ~~وقد اتخذنا لأنفسنا خطة الحيدة في تدوين التاريخ من أن نثبت آراء القدماء فيه، ~~وأن نذكر طرفا مما جاء منها في هذا الصدد. # قال ابن الأثير في كامله: «قال أبو العباس أحمد بن عبد الله بن عمار: ms321 كان ~~المأمون شديد الميل إلى العلويين والإحسان إليهم، وخبره مشهور معهم، وكان يفعل ~~ذلك طبعا لا تكلفا، فمن ذلك أنه توفي في أيامه يحيى بن الحسين بن زيد بن ~~علي بن الحسين العلوي، فحضر الصلاة عليه بنفسه، ورأى الناس عليه من الحزن ~~والكآبة ما تعجبوا منه، ثم إن ولدا لزينب بنت سليمان بن علي بن عبد الله بن ~~عباس، وهي ابنة عم المنصور، توفي بعده، فأرسل له المأمون كفنا وسير أخاه ~~صالحا ليصلي عليه ويعزي أمه، فإنها كانت عند العباسيين بمنزلة عظيمة، فأتى ~~إليها وعزاها عنه، واعتذر عن تخلفه عن الصلاة عليه، فظهر غضبها وقالت لابن ~~ابنها: تقدم فصل على أبيك، وتمثلت: # سبكناه ونحسبه لجينا # فأبدى الكير عن خبث الحديد # ثم قالت لصالح: قل له: يا ابن مراجل، أما لو كان يحيى بن الحسين بن زيد لوضعت ~~ذيلك على فيك وعدوت خلف جنازته.» # ثم تعال معي نتدبر ما يرويه لنا التغلبي أحد المعاصرين، قال: سمعت # 12 # يحيى بن أكثم يقول: أمرني المأمون عند دخوله بغداد أن أجمع له وجوه ~~الفقهاء وأهل العلم من أهل بغداد، فاخترت له من أعلامهم أربعين رجلا وأحضرتهم، ~~وجلس لهم المأمون فسأل عن مسائل وأفاض في فنون الحديث والعلم، فلما انقضى ذلك ~~المجلس الذي جعلناه للنظر في أمر الدين، قال المأمون: يا أبا محمد، كره هذا ~~المجلس الذي جعلناه للنظر طوائف من الناس بتعديل أهوائهم وتزكية آرائهم، فطائفة ~~عابوا علينا ما نقول في تفضيل علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وظنوا أنه لا يجوز ~~تفضيل علي إلا بانتقاص غيره من السلف، والله ما أستجيز أن أنتقص الحجاج! فكيف ~~السلف الطيب؟! وإن الرجل ليأتيني بالقطيعة من العود أو بالخشبة أو بالشيء ~~الذي لعل قيمته لا تكون إلا درهما أو نحوه فيقول: إن هذا كان للنبي # صلى الله عليه وسلم # قد وضع يده عليه أو شرب فيه أو مسه، وما هو عندي بثقة ولا دليل على صدق ~~الرجل، إلا أني بفرط النية والمحبة أقبل ذلك فأشتريه بألف ms322 دينار وأقل وأكثر، ~~ثم أضعه على وجهي وعيني وأتبرك بالنظر إليه وبمسه، فأستشفي به عند المرض ~~يصيبني أو يصيب من أهتم به، فأصونه كصيانتي نفسي، وإنما هو عود لم يفعل شيئا ~~ولا فضيلة له تستوجب المحبة إلا ما ذكر من مس رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، فكيف لا أرعى ~~حق أصحابه وحرمة من قد صحبه وبذل ماله ودمه دونه، وصبر معه أيام الشدة وأوقات ~~العسرة، وعادى العشائر والعمائر والأقارب، وفارق الأهل والأولاد، واغترب عن ~~داره ليعز الله دينه ويظهر دعوته، يا سبحان الله! والله لو لم يكن هذا في ~~الدين معروفا لكان في الأخلاق جميلا، وإن من المشركين لمن يرعى في دينه ~~من الحرمة ما هو أقل من هذا. معاذ الله مما نطق به الجاهلون، ثم لم ترض هذه ~~الطائفة بالعيب لمن خالفها حتى نسبته إلى البدعة في تفضيله رجلا على أخيه ~~ونظيره ومن يقاربه في الفضل، وقد قال الله جل من قائل: # ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض # ثم وسع لنا ~~في جهل الفاضل من المفضول، فما فرض علينا ذلك ولا ندبنا إليه إذ شهدنا لجماعتهم ~~بالنبوة، فمن دون النبيين من ذلك بعد إذ شهد لهم بالعدالة والتفضيل امرؤ لو ~~جهله جاهل رجونا ألا يكون اجترح إثما. وهم لم يقولوا بدعة فيمن قال بقول واحد ~~من أصحاب النبي # صلى الله عليه وسلم # وشك الآخر، واحتج في كسره وإبطاله من الأحكام في ~~الفروج والدماء والأموال التي النظر فيها أوجب من النظر في التفصيل، فيغلط في ~~مثل هذا أحد يعرف شيئا، أو له روية أو حسن نظر، أو يدفعه من له عقل، أو معاند ~~يريد الإلطاط، # 13 # أو متبع لهواه ذاب عن رياسة اعتقدها. # وطائفة قد اتخذ كل رجل منهم مجلسا اعتقد به رياسة لعله يدعو فئة إلى ضرب من ~~البدعة، ثم لعل كل رجل منهم يعادي من خالفه في الأمر الذي قد عقد به رياسة ~~بدعة، ويشيط # 14 # بدمه، وهو قد خالفه من أمر الدين فيما هو أعظم من ms323 ذلك، إلا أن ذلك ~~أمر لا رياسة له فيه، فسالمه عليه وأمسك عنه عند ذكر مخالفته إياه فيه، فإذا ~~خولف في نحلته، ولعلها مما وسع الله في جهله بها، أو فيما اختلف السلف في ~~مثله، فلم يعاد بعضهم بعضا، ولم يروا في ذلك إثما، ولعله يكفر مخالفه أو ~~يبدعه أو يرميه بالأمور التي حرمها الله عليه من المشركين دون المسلمين، بغيا ~~عليهم، وهم المترقبون الفتن، والراسخون فيها، لينهبوا أموال الناس ويستحلوها ~~بالغلبة، وقد حال العدل بينهم وبين ما يريدون، يزأرون على الفتنة زئير الأسد ~~على فرائسها. # وإني لأرجو أن يكون مجلسنا هذا - بتوفيق الله وتأييده ومعونته على إتمامه - ~~سببا لاجتماع هذه الطوائف على ما هو أرضى وأصلح للدين، إما شاك فيتبين ~~ويتثبت فينقاد طوعا، وإما معاند فيرد بالعدل كرها. # ولقد هم في سبيل علويته هذه أن يلعن معاوية، وأن يكتب بذلك كتابا يقرأ ~~يوم الدار وحفل الناس، فثناه عن ذلك يحيى بن أكثم. وقد يكون من الممتع الطريف ~~حقا أن نذكر لك ما قاله يحيى وغيره لتتبين نفسية الزعماء فيما نحن ~~بسبيله. ~~«قال يحيى بن أكثم: يا أمير المؤمنين، إن العامة لا تحتمل هذا، ولا سيما أهل ~~خراسان، ولا تأمن أن تكون لهم نفرة وإن كانت لم تدر ما عاقبتها ، والرأي أن ~~تدع الناس على ما هم عليه، ولا تظهر لهم أنك تميل إلى فرقة من الفرق، فإن ذلك ~~أصلح في السياسة، وأحرى في التدبير، فركن المأمون إلى رأيه، ثم دخل عليه ثمامة، ~~أحد المعاصرين، فقال له المأمون: يا ثمامة، قد علمت ما كنا دبرناه في معاوية، ~~وقد عارضنا رأي هو أصلح في تدبير المملكة وأبقى ذكرا في العامة، ثم أخبره أن ~~ابن أكثم خوفه إياها، وأخبره بنفورها عن هذا الرأي، فقال ثمامة: يا أمير ~~المؤمنين، والعامة في هذا الموضع الذي وصفها به يحيى، والله لو وجهت إنسانا ~~على عاتقه سواد ومعه عصا لساق إليك بعصاه عشرة آلاف منها، والله يا أمير ~~المؤمنين، ما رضي الله جل ثناؤه أن سواها ms324 بالأنعام حتى جعلها أضل منها سبيلا، ~~فقال تبارك وتعالى: # أم تحسب أن أكثرهم ~~يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم ~~أضل سبيلا # والله يا أمير المؤمنين، لقد مررت منذ أيام في ~~شارع الخلد وأنا أريد الدار، فإذا إنسان قد بسط كساءه، وألقى عليه أدوية وهو ~~قائم ينادي عليها: هذا الدواء لبياض العين والعشا والغشاوة والظلمة وضعف ~~البصر، وإن إحدى عينيه لمطموسة، وفي الأخرى مؤسى له، والناس قد انثالوا عليه ~~وأجفلوا إليه يستوصفونه، فنزلت عن دابتي ناحية ودخلت في غمار تلك الجماعة فقلت: ~~يا هذا، أرى عينك أحوج هذه الأعين إلى العلاج وأنت تصف هذا الدواء وتخبر أنه ~~شفاء لوجع العين، فلم لا تستعمله؟ فقال: أنا في هذا الموضع منذ عشر سنين ما ~~مر بي شيخ أجهل منك، فقلت له: وكيف؟ قال: يا جاهل، أين اشتكت عيني؟ قلت: لا ~~أدري، قال: بمصر، فأقبلت علي تلك الجماعة فقالوا: صدق الرجل، أنت جاهل، ~~وهموا بي، فقلت: لا والله، ما علمت أن عينه اشتكت بمصر، فما تخلصت منهم ~~إلا بهذه الحجة.» # نريد بعد ما قدمناه لك أن نقول لك: إن مذهب المأمون الديني كان متمشيا ~~تماما مع مذهبه السياسي، وإنه إذا كان يريد من وراء خطته السياسية من التزوج ~~من هذا الحزب وذاك، ومن إرضاء هذا الطرف وذاك أن يظفر بتكوين وحدة سياسية من ~~شتى الأحزاب ولو أدى ذلك أن يكون من العلويين خليفة، ثم من العباسيين خليفة ما ~~دامت بغيته متحققة من استتباب الأمن، وامتزاج الأحزاب، وتوحيد القوى، فكذلك كان ~~يريد أن يتخذ من مذهبه الديني مذهبا وسطا. ويخيل إلينا من النتائج التي ~~وقفنا عليها من دراسة هذا العصر أن المأمون لم يظفر بغايته لا من الوجهة ~~السياسية كما علمت من انتهاء حياة الرضا من آل محمد، ولا من الوجهة ~~الدينية. # وبعد، فقد قلنا لك: إن الدين للديان جل جلاله، وأكبرنا وأكبرت معنا أولئك ~~الولاة الذين يحترمون ما للجماعات من آراء ومعتقدات وديانات، ويظهر أن المأمون ~~لم يكن فيما رامه في ms325 هذا السبيل موفقا توفيقه فيما عداه، وأن له زلة كان يجدر ~~ألا يقع مثله في مثلها، وسترى ذلك موضحا في الفصل الذي عقدناه عن «محنة ~~القرآن». ~~(14) كلمة ختامية عن المأمون # وإنا بعد أن حللنا شخصية المأمون بما يجب من التفصيل والتوضيح، نرى من ~~المستصوب أن نضم إلى آراء المؤرخين العرب وروايات المعاصرين للمأمون التي لا ~~تخلو من مبالغة في تمدحهم بفضائله، رأي مؤرخ متشرق عكف على دراسة عصر المأمون، ~~وهو السير وليم موير، فربما أفادنا كثيرا من ناحية استيعاب وجهات النظر عند ~~الفرنجة من المؤرخين، ذلك لأن الحقيقة العلمية لا تخدم بمثل ما يخدمها تباين ~~الآراء واختلاف المصادر وتناقض الروايات، وليس من مهمتنا أن نعرض للرد على ~~«السير موير»، وإنما نحن بسبيل إثبات وجهات النظر المختلفة كما قلنا. # قال الأستاذ موير في كتاب الخلافة في مختتم بحثه عن المأمون ما نترجمة لك ~~بنصه: «فمما لا نزاع فيه أن المأمون كان على وجه العموم متصفا بالعدل والحلم، ~~وإنما يؤخذ بأنه كان متقلبا في آرائه وشعوره، سواء أكان ذلك في المسائل ~~السياسية أم الدينية». # ويرجع السبب في ذلك إلى نزعته الفارسية التي ورثها عن أمه، والبيئة التي ~~ربي فيها من جهة، وإلى غريزة حبه للاستسلام بتأثير من حوله كما كان حاله مع ~~الفضل من جهة أخرى. # على أننا مع اعترافنا بعدله لا نستطيع أن ننزهه عن الجنوح في بعض الأحايين ~~إلى الجور واستعمال القسوة من غير مسوغ، فإنه قد تصرف في بعض الحوادث تصرف ~~الجبابرة والقساة من أسلافه الذين أتوا من المنكرات ما سودوا به صحائف ~~تاريخهم. # وسأذكر على سبيل المثال حادثة استعمل فيها المأمون وحشية غريبة، ذلك أن أبا ~~دلف - وكان بطلا من أشراف العرب وزعيما لإمارة همذان؛ إذ كان من أسرة كريمة ~~نالت شهرة عظيمة وصيتا واسعا بين عشائرها وذوي البيوتات فيها - كان من الذين ~~انضموا إلى نصرة الأمين وشايعوه، فلما قتل واستقل المأمون بالخلافة، أبي أبو ~~دلف أن يدخل في طاعته، وآثر العودة إلى مسقط رأسه في فارس، فمدحه ms326 شاعر أعمى ~~بقصيدة رائعة، وغالى في مدحه وإطرائه، ووصفه بأنه أشرف العرب والمقدم عليهم، ~~فاغتاظ المأمون من الشاعر غيظا شديدا؛ إذ ظن أن الشاعر يقصد إهانته، فأمر ~~بتعذيبه وقتله شر قتلة، ولكن لم يمض على ذلك غير قليل من الزمن حتى دخل أبو ~~دلف في طاعة المأمون، فاحتفل به وقربه إليه، فإن كان تجاوزه عن أبي دلف وسعة ~~حلمه عليه مما يعظم شأن المأمون، ويدل على رحابة صدره، فهذا التجاوز لا يغير ~~حكمنا عليه بالقسوة الوحشية في قتل ذلك الشاعر الأعمى، ولو أغضينا عن الشبهات ~~التي حامت حول مقتل الفضل وموت علي الرضا غدرا وغيلة، فإننا لا نستطيع أن نغضي ~~عن معاملته الجائرة لابن عائشة، وما لقيه هرثمة وطاهر مع تفانيهما في نصرته ~~وتوطيد حكمه، واضطهاده لكثير من أجلاء المفكرين وأصحاب الآراء المخالفة لرأيه ~~في بعض مسائل الدين في مجلس المناظرة، مما يدل على قسوته، إلا أننا إذا راعينا ~~طول مدة حكمه وموقفه النبيل في عفوه عن الخارجين عليه في بغداد، نرى كفة عدله ~~وحلمه أرجح من كفة جوره وقسوته، وقصارى القول أن عصر خلافته كان بوجه الإجمال ~~من أزهى عصور التاريخ الإسلامي. ا.ه. ~~••• # وبعد، فلقد حللنا شخصية المأمون الفذة البارزة بما استحقته من الاستقصاء ~~والاستيعاب والدرس والتحليل، وأعقبنا كل كلمة عن سجاياه ما نعتبره موضع العظة ~~والاعتبار من دراسة هذا العصر المترع بالمثل العليا، ونأمل أن نكون قد وفقنا ~~فيما رمناه من إصابة شاكلة الحق ولباب الصواب. # | هوامش # الفصل الثامن # | الحياة العلمية في عصر المأمون # (1) توطئة # قيل: إن سهل بن هارون كان يتولى الهيمنة على إدارة دار الكتب الخاصة بالدولة ~~المأمونية في بغداد، وكانت تعرف ببيت الحكمة، كما كان يتولى تنظيم خزانة ~~المأمون، وقيل: إن بيت الحكمة هذا أنشئ في الغالب أيام الرشيد، حيث قد جمع له ~~فيه البرامكة من الكتب ما وفقوا إليه هندية كانت أو فارسية أو ~~يونانية. # وقيل: إن يحيى بن أبي منصور الموصلي، المنجم المعروف وأحد أصحاب الأرصاد في ~~العصر المأموني، ومحمد بن موسى الخوارزمي، ms327 صاحب الأزياج وصورة الأرض، كانا من ~~خزنة دار الحكمة المأمونية، كما كان جد أحمد الطيبي المعروف بالصنوبري الحلبي ~~والفضل بن نوبخت وأولاد شاكر وغيرهم من رجالات بيت الحكمة في العصر المأموني، ~~أو ممن كان يتردد على هذه الدار للعمل فيها بصفة رسمية أو للمطالعة أو النسخ أو ~~الترجمة أو التأليف. # وقيل: إن الراوية النسابة المعروف علان الشعوبي الفارسي الأصل كان ممن ~~ينسخ في بيت الحكمة، أو في أحد بيوت الحكمة هذه؛ إذ يلوح لنا أنها كانت على ~~الأرجح أكثر من بيت للرشيد والبرامكة والمأمون. # وقيل: إن المأمون بعث إلى حاكم صقلية المسيحي أن يبادر بأن يرسل إليه مكتبة ~~صقلية الشهيرة الغنية بكتبها الفلسفية والعلمية الكثيرة، وإن الحاكم تردد في ~~إرسالها، وكان بين الضن بها والحرص عليها والخوف من القوة المأمونية والهيبة ~~المأمونية، ومن أجل ذلك جمع كبار رجالات الدولة وأدلى إليهم بطلب المأمون، ~~فأشار عليه المطران الأكبر بقوله: «أرسلها إليه؛ فوالله ما دخلت هذه العلوم في ~~أمه إلا أفسدتها.» فأذعن الحاكم لمشورته وعمل بها. # ويقول الأستاذ كرد علي: «إن المأمون هو الذي جمع بعض حكماء عصره على صنعة ~~الصورة التي نسبت إليه، ودعيت الصورة المأمونية، صوروا فيها العالم بأفلاكه ~~ونجومه، وبره وبحره وعامره وغامره، ومساكن الأمم والمدن إلى غير ذلك، وهي أحسن ~~مما تقدمها من جغرافية بطلميوس وجغرافية مارينوس، وقد وضع له علماء رسم الأرض - ~~وقال الزهري: إنهم كانوا سبعين رجلا من فلاسفة العراق - كتابا في الجغرافية ~~أعان عمال الدولة على التعرف إلى البلاد والأمم التي أظلتها الراية العباسية، ~~هذا إلى عنايته بالفلك، وفلكيه الفزاري أول من استعمل الأسطرلاب من العرب، ~~وعني بالطبيعة والرياضيات فوق عنايته بالطب ومعرفة العقاقير والنبات والحيوان، ~~إلى ما شاكل تلك العلوم مما كان له الأثر المحسوس في إدخال المدنية على دولة ~~العرب، وفتح به المأمون باب العقل على مصراعيه في كل مطلب وشأن.» # قيل هذا، وقيل أكثر من هذا مما يدلنا دلالة صحيحة أو دلالة تقريبية على كثرة ~~الكتب في العهد المأموني، ومما يشير إلى ms328 عدم قلتها في أيام من سبقه من الخلفاء ~~العباسيين. # والآن يحق لنا أن نتساءل: هل أفاد المأمون من هذه الكتب؟ وماذا أفادنا ~~المأمون خاصة؟ وما هي الحركة العملية المأمونية، ومن هم رجالها؟ وما هي ~~مؤلفاتها؟! # يحق لنا أن نتساءل عن ذلك وعن مثل ذلك، ويحق لنا أن نعرض لهذه البحوث وأن ~~نوضح بعض ما كنا أجملناه في كلمتنا عن الحياة العلمية في العصر العباسي. # أما أن المأمون أفاد من كتب عصره سواء أكانت مترجمة عن اليونانية أوالفارسية ~~أو غيرهما، أم كانت مؤلفة موضوعة، فهذا ما لا شك فيه مما قد تبينته فيما وضحناه ~~لك عند تعرضنا لتحليل شخصية المأمون، وحين تكلمنا عنه تلميذا، وولي عهد، ~~وخليفة، وأديبا، وعالما، وسياسيا، وباحثا دينيا. # وأما أن المأمون أفاد عصره بمؤلفاته الخاصة، فهذا ما لا ريب فيه أيضا، وهاك ~~ابن النديم يحدثنا في فهرسته أن للمأمون من الكتب كتاب جواب ملك البرغر فيما ~~سأل عنه من أمور الإسلام والتوحيد، ورسالته في إعلان النبوة. # وأما عن الحركة العلمية المأمونية ورجالاتها ومؤلفاتهم، فهذا ما نحن مقبلون ~~على بحثه؛ يحدثنا ابن أبي أصيبعة في طبقاته عن أوكد الأسباب عند المأمون ~~لاستخراج الكتب، فيقول: «قال يحيى بن عدي: قال المأمون: رأيت فيما يرى النائم ~~كأن رجلا على كرسي جالسا في المجلس الذي أجلس فيه فتعاظمته وتهايبته وسألت ~~عنه، فقيل لي: هو أرسطوطاليس، فقلت: أسأله عن شيء، فسألته فقلت: ما الحسن؟ ~~فقال: ما استحسنته العقول، فقلت: ثم ماذا؟ قال: ما استحسنته الشريعة، قلت: ثم ~~ماذا؟ قال: ما استحسنه الجمهور، قلت: ثم ماذا؟ قال: ثم لا ثم، فكان هذا المنام ~~من أوكد الأسباب في إخراج الكتب.» # فإن المأمون كان بينه وبين ملك الروم مراسلات، وقد استظهر عليه المأمون، فكتب ~~إلى ملك الروم يسأله الإذن في إنفاذ ما يختار من العلوم القديمة المخزونة في ~~بلد الروم، فأجاب إلى ذلك بعد امتناع، فأخرج المأمون لذلك جماعة منهم الحجاج بن ~~مطر، وابن البطريق، وسلم صاحب بيت الحكمة وغيرهم، فأخذوا مما وجدوا ما ~~اختاروا، ms329 فلما حملوه إليه أمرهم بنقله فنقل، وقد قيل: إن يوحنا بن ماسويه ممن ~~نفذ إلى بلد الروم، وأحضر المأمون أيضا حنين بن إسحاق، وكان فتي السن، وأمره ~~بنقل ما يقدر عليه من كتب الحكماء اليونانيين إلى العربي وإصلاح ما ينقله غيره، ~~فامتثل أمره. # ومما يحكى عنه أن المأمون كان يعطيه من الذهب زنة ما ينقله من الكتب إلى ~~العربي مثلا بمثل، وقال أبو سليمان المنطقي: «إن بني شاكر؛ وهم: محمد وأحمد ~~والحسن كانوا يرزقون جماعة من النقلة منهم حنين بن إسحاق، وحبيش بن الحسن، ~~وثابت بن قرة وغيرهم في الشهر نحو خمسمائة دينار للنقل والملازمة.» # ويقول القاضي صاعد بن أحمد الأندلسي: «إن العرب في صدر الإسلام لم تعن بشيء ~~من العلوم إلا بلغتها ومعرفة أحكام شريعتها، حاشا صناعة الطب، فإنها كانت ~~موجودة عند أفراد منهم غير منكرة عند جماهيرهم؛ لحاجة الناس طرا إليها، فهذه ~~كانت حال العرب في الدولة الأموية، فلما أدال # 1 # الله تعالى للهاشمية، وصرف الملك إليهم ثابت الهمم من غفلتها، وهبت ~~الفطن من موتتها، فكان أول من عني منهم بالعلوم الخليفة الثاني أبو جعفر ~~المنصور، وكان مع براعته في الفقه كلفا بالفلسفة وعلم النجوم، ثم لما أفضت ~~الخلافة فيهم إلى الخليفة السابع عبد الله المأمون بن هارون الرشيد تمم ما ~~بدأ به جده المنصور، فأقبل على طلب العلم في مواضعه، وداخل ملوك الروم وسألهم ~~صلته بما لديهم من كتب الفلسفة، فبعثوا إليه بما حضرهم من كتب أفلاطون ~~وأرسطوطاليس وأبقراط وجالينوس وأوقليدس وبطلميوس وغيرهم من الفلاسفة، فاستجاد ~~لها مهرة التراجمة وكلفهم إحكام ترجمتها، فترجمت له على غاية ما أمكن، ثم حض ~~الناس على قراءتها ورغبهم في تعليمها، وكان يخلو بالحكماء ويأنس بمناظرتهم ~~ويلتذ بمذاكراتهم، علما منه بأن أهل العلم هم صفوة الله من خلقه، ونخبته من ~~عباده، وأنهم صرفوا عنايتهم إلى نيل فضائل النفس الناطقة، وزهدوا فيما يرغب فيه ~~الصين والترك ومن نزع منزعهم من التنافس في دقة الصناعة العملية، والتباهي ~~بأخلاق النفس والتفاخر بالقوى؛ إذ علموا أن ms330 البهائم تشركهم فيها، وتفضلهم في ~~كثير منها.» فلهذا السبب كان أهل العلم مصابيح الدجى، وسادة البشر، وأوحشت ~~الدنيا لفقدهم. # فهذا الحلم الذي قيل: إنه دفع بالمأمون إلى الاستهامة بأرسطو ومؤلفات أرسطو، ~~أو بعبارة عملية أدق: هذا الميل إلى الفلسفة والمنطق عند المأمون كان من آثاره ~~حركة نقل وتأليف عنيفة قوية، ويخيل إلينا أن المأمون لاتساع دائرة معارفه ~~العامة، ورغبته في القياس العقلي، وتأثره بمذهب الاعتزال - كما سترى في كلمتنا ~~التي عقدناها لك في القول بخلق القرآن - كان لذلك كله وأمثاله أكبر رجل عمل في ~~انتشار حركة الترجمة والتأليف، وخاصة في مؤلفات أرسطو، وكان من نتائج إقبال ~~العرب وغيرهم على تلك المؤلفات وأمثالها أن تولد عندهم علم الكلام والفلسفة ~~الأفلاطونية الجديدة. ~~(2) حركة الترجمة والنقل # يقول الأستاذ «سنتلانه» في مفتتح محاضراته في تاريخ المذاهب الفلسفية ~~بالجامعة المصرية: «إن تاريخ الترجمة في عهد آل عباس على ثلاثة أدوار: فالدور ~~الأول من خلافة أبي جعفر المنصور إلى وفاة هارون الرشيد، أي من سنة 136 إلى سنة ~~193، وهي الطبقة الأولى من المترجمين؛ منهم: يحيى بن البطريق مترجم المجسطى في ~~أيام المنصور، وجورجيس بن جبرائيل الطبيب عاش سنة 148، وعبد الله بن المقفع ~~الذي مات نحو سنة 143 وترجم بعض الكتب المنطقية لأرسطوطاليس، ويوحنا بن ماسويه، ~~وكان في أيام الرشيد، وقد أدرك أيام المتوكل، واعتنى في الأغلب بالكتب الطبية، ~~وسلام الأبرش، وكان في أيام البرامكة، وباسيل المطران. # والدور الثاني من ولاية المأمون سنة 198 إلى سنة 300، وهي الطبقة الثانية من ~~المترجمين؛ منهم: يوحنا بن البطريق، والحجاج بن مطر الذي عاش سنة 214، وقسطا بن ~~لوقا البعلبكي وعاش سنة 220، وعبد المسيح بن ناعمة الحمصي وعاش سنة 220، وحنين ~~بن إسحاق وتوفي سنة 260، وقيل سنة 262، وابنه إسحاق بن حنين وتوفي سنة 298، ~~وثابت بن قرة الصابي المتوفى سنة 288، وحبيش بن الحسن، ويدعى حبش الأعسم ابن ~~أخت حنين، وتوفى سنة 300، ومما ترجم في هذا العصر أغلب كتب أبقراط وجالينوس ~~وأرسطوطاليس، وشيء من كتب أفلاطون ومن التفاسير على الكتب المذكورة. # والدور الثالث من سنة ms331 ثلاثمائة للهجرة، وهي تاريخ وفاة حبيش، إلى منتصف القرن ~~الرابع، ومن مترجمي هذه الطبقة متى بن يونس، وتاريخ وفاته مجهول إلا أنه يذكر ~~عنه أنه كان ببغداد بين سنة 320 وسنة 330، ومنهم سنان بن ثابت بن قرة، ~~المتوفى سنة 360، ويحيى بن عدي وتوفي سنة 364، وأبو علي بن زرعة، من سنة 331 ~~إلى سنة 398، وهلال بن هلال الحمصي، وعيسى بن سهرنجت، وكان أكثر اشتغالهم ~~بالكتب المنطقية والطبيعية لأرسطو، وبالمفسرين كالإسكندر الأفروديسي ويحيى ~~النحوي وغيرهما» ا.ه. # وبعد، فقد سبق لنا أن بينا لك طرفا عن الحياة العلمية في العصر الأموي وفي ~~صدر العصر العباسي، وآن لنا الآن أن نذكر لك بعض أسماء أقطاب الحركة العلمية ~~سواء أكانت في علم الفلك أم الطب أم الفلسفة ترجمة وتأليفا في العصر المأموني، ~~معتمدين في ذلك على الفهرست لابن النديم، وطبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة، ~~وكتاب أخبار الحكماء للقفطي، وهاك جملة منهم؛ وهم: أحمد بن محمد بن كثير ~~الفرغاني، أحد منجمي المأمون، وبختيشوع جورجيس، وجبرائيل بن بختيشوع، وجبرائيل ~~الكحال المأموني، والحارك المنجم صاحب الحسن بن سهل، والحسن بن سهل بن ~~نوبخت، وزكريا الطيفوري، وسهل بن سابور بن سهل المعروف بالكوسج الذي كان ~~يجتمع مع يوحنا بن ماسويه، وجورجيس بن بختيشوع، وعيسى بن الحكم، وزكريا ~~الطيفوري، ثم سند بن علي المنجم المأموني، وسلمويه بن بنان صاحب المعتصم، ~~وصالح بن بهلة الهندي صاحب الرشيد، والعباس بن سعيد الجوهري المنجم صاحب ~~المأمون، وعبد الله بن سهل بن نوبخت المنجم المأموني، وأبو حفص عمر بن الفرخان ~~الطبري، أحد رؤساء التراجمة والمتحققين بعلم النجوم، وموسى بن شاكر وبنوه محمد ~~وأحمد والحسن من منجمي المأمون، وكان بنوه الثلاثة فيما ذكره القفطي من أبصر ~~الناس بالهندسة وعلم الحيل، وموسى بن إسرائيل صاحب أبي إسحاق بن إبراهيم بن ~~المهدي، وما شاء الله المنجم اليهودي، وميخائيل بن ماسويه، ويحيى بن أبي منصور ~~المنجم المأموني، ويعقوب بن إسحاق وتلاميذه: حسنويه ونفطويه وسلمويه ورحمويه ~~وأحمد بن الطيب، ثم يوحنا بن البطريق الترجمان مولى المأمون، ويوحنا بن ماسويه ms332 ~~النصراني السرياني، وأبو قريش المعروف بعيسى الصيدلاني وغيرهم كآل ثابت ~~وماسرجويه، وآل الكرخي، وابن دهن الهندي مدير بيمارستان البرامكة، وكان فيما ~~يذكره ابن النديم ينقل من الهندية إلى العربية، ومنكه طبيب الرشيد الهندي، وكان ~~ينقل من الهندية «السنسكريتية»، وعشرات غيرهم ممن لا يقع تحت حصر. # ولو أردنا أن نكتب عن واحد واحد من رجال هذه الحركة العلمية العنيفة لخرجنا ~~عن وضع كتاب في العصر المأموني إلى وضع موسوعة أو معجم، وإذا لم نكتب عنهم فقد ~~رمينا بالتقصير المعيب ولم نصور العصر بما ينبغي أن يصور به، لذلك آثرنا أن ~~نكتب كلمة عن جبرائيل بن بختيشوع، وقدره في العصر قدره ومنزلته منزلته؛ ~~لتكون مثالا وتوضيحا لسواه من رجالات العلم في ذلك العصر الغني حقا، والغني ~~برجالاته صدقا، وستقف على هذه الكلمة في موضعها من الفصل العاشر من هذا ~~الكتاب. ~~(3) كتب العصر # وإنا ننقل لك هنا طرفا من أسماء الكتب التي ترجمت في ذلك العصر من اليونانية ~~والفارسية والهندية والقبطية والعبرانية واللاتينية والنبطية، معتمدين في ذلك ~~على البحث الطريف الذي كتبه صاحب التمدن الإسلامي، ولخص فيه ما كتبه ابن ~~النديم، وصاحب الطبقات وتراجم الحكماء، منوهين بجهده أمانة للعلم واعترافا ~~بالفضل. # أولا: الكتب المنقولة عن اليونانية ~~(أ) كتب الفلسفة والأدب # كتب أفلاطون ~~(1) # كتاب السياسة نقله حنين بن إسحاق. ~~(2) # كتاب المناسبات نقله يحيى بن عدي. ~~(3) # كتاب النواميس نقله حنين ويحيى. ~~(4) # كتاب طيماوس نقله ابن البطريق وأصلحه حنين. ~~(5) # كتاب أفلاطن إلى أقرطن نقله يحيى بن عدي. ~~(6) # كتاب التوحيد نقله يحيى بن عدي. ~~(7) # كتاب الحس واللذة نقله يحيى بن عدي. ~~(8) # كتاب أصول الهندسة نقله قسطا بن لوقا. # كتب أرسطوطاليس ~~(1) # قاطيغورياس (المقولات) نقله حنين بن إسحاق. ~~(2) # كتاب العبارة نقله حنين بن إسحاق إلى السريانية وإسحاق ~~إلى العربية. ~~(3) # تحليل القياس نقله ثيادورس وأصلحه حنين. ~~(4) # كتاب البرهان نقله إسحاق إلى السرياني ومتى إلى ~~العربي. ~~(5) # كتاب الجدل نقله إسحاق إلى السرياني ويحيى إلى ~~العربي. ~~(6) # كتاب المغالطات أو الحكمة المموهة نقله ابن ناعمة وأبو ~~بشر إلى السرياني ويحيى إلى العربي. ~~(7) # كتاب ms333 الخطابة نقله إسحاق وإبراهيم بن عبد الله. ~~(8) # كتاب الشعر نقله أبو بشر من السرياني إلى العربي. ~~(9) # كتاب السماع الطبيعي نقله أبو روح الصابي وحنين ويحيى ~~وقسطا وابن ناعمة. ~~(10) # كتاب السماء والعالم نقله ابن البطريق وأصلحه ~~حنين. ~~(11) # كتاب الكون والفساد نقله حنين إلى السرياني وإسحاق ~~والدمشقي إلى العربي. ~~(12) # كتاب الآثار العلوية نقله أبو بشر ويحيى. ~~(13) # كتاب النفس نقله حنين إلى السرياني وإسحاق إلى ~~العربي. ~~(14) # كتاب الحس والمحسوس نقله أبو بشر متى بن يونس. ~~(15) # كتاب الحيوان نقله ابن البطريق. ~~(16) # كتاب الحروف أو الإلهيات نقله إسحاق ويحيى وحنين ~~ومتى. ~~(17) # كتاب الأخلاق نقله إسحاق. ~~(18) # كتاب المرآة نقله الحجاج بن مطر. ~~(19) # كتاب أثولوجيا نقله الحجاج بن مطر. # ولكتب أرسطو شروح وتعاليق لبعض تلامذته، أو من جاء بعده كثاوفرسطس، ~~وديدوخس برقلس، والإسكندر الأفروديسي، وفرفوريوس، وأمونيوس، وتامسطيوس، ~~ونيقولاوس، وفلوطرخس، ويحيى النحوي وغيرهم. # ولبعض هؤلاء مؤلفات خاصة، وكلها في الفلسفة وفروعها، وقد نقل كثير ~~منها إلى العربية ولم يعلم ناقلها؛ فأغضينا عن ذكرها، وقد ذكرها صاحب ~~الفهرست. # وذكروا لجالينوس في جملة كتبه الطبية الآتي بيانها بضعة كتب في ~~الفلسفة والأدب، وهي: كتاب ما يعتقده رأيا ترجمه ثابت وكتاب تعريف ~~المرء عيوب نفسه نقله توما وأصلحه حنين وكتاب الأخلاق نقله حبيش وكتاب ~~انتفاع الأخيار بأعدائهم نقله حبيش والمحرك الأول لا يتحرك نقله حبيش ~~وعيسى، وغير ذلك. ~~(ب) كتب الطب وفروعه # كتب أبقراط ~~(1) # كتاب عهد أبقراط نقله حنين إلى السريانية وحبيش وعيسى ~~إلى العربية. ~~(2) # كتاب الفصول نقله حنين لمحمد بن موسى. ~~(3) # كتاب الكسر نقله حنين لمحمد بن موسى. ~~(4) # كتاب تقدمة المعرفة نقله حنين وعيسى بن يحيى. ~~(5) # كتاب الأمراض الحادة نقله عيسى بن يحيى. ~~(6) # كتاب أبيذيميا نقله عيسى بن يحيى. ~~(7) # كتاب الأخلاط نقله عيسى بن يحيى لأحمد بن موسى. ~~(8) # كتاب قاطيطيون نقله حنين لمحمد بن موسى. ~~(9) # كتاب الماء والهواء نقله حنين وحبيش. ~~(10) # كتاب طبيعة الإنسان نقله حنين وعيسى. # كتب جالينوس # وأشهر كتب جالينوس الكتب الستة عشر، وهي: كتاب الفرق، الصناعة، كتاب ~~النبض، شفاء الأمراض، المقالات الخمس، الاسطقصات، كتاب المزاج، القوى ~~الطبيعية، ms334 العلل والأمراض، تعرف علل الأعضاء الباطنة، كتاب النبض ~~الكبير، كتاب الحمايات، البحران، أيام البحران، تدبير الأصحاء، حيلة ~~البرء، وقد نقلها كلها حنين بن إسحاق إلى العربية إلا كتاب العلل ~~الباطنة، وكتاب النبض الكبير، وكتاب تدبير الأصحاء، وكتاب حيلة البرء ~~فقد نقلها حبيش، أما ما بقي من كتب جالينوس الطبية، فإليك أسماءها مع ~~أسماء ناقليها: ~~(1) # التشريح الكبير: حبيش الأعسم. ~~(2) # اختلاف التشريح: حبيش الأعسم. ~~(3) # تشريح الحيوان الحي: حبيش الأعسم. ~~(4) # تشريح الحيوان الميت: حبيش الأعسم. ~~(5) # علم أبقراط بالتشريح: حبيش الأعسم. ~~(6) # الحاجة إلى النبض: حبيش الأعسم. ~~(7) # علوم أرسطو: حبيش الأعسم. ~~(8) # تشريح الرحم: حبيش الأعسم. ~~(9) # آراء أبقراط وأفلاطون: حبيش الأعسم. ~~(10) # العادات: حبيش الأعسم. ~~(11) # خصب البدن: حبيش الأعسم. ~~(12) # المني: حبيش الأعسم. ~~(13) # منافع الأعضاء: حبيش الأعسم. ~~(14) # تركيب الأدوية: حبيش الأعسم. ~~(15) # الرياضة بالكرة الصغيرة: حبيش الأعسم. ~~(16) # الرياضة بالكرة الكبيرة: حبيش الأعسم. ~~(17) # الحث على تعليم الطب: حبيش الأعسم. ~~(18) # قوى النفس ومزاج البدن: حبيش الأعسم. ~~(19) # حركات الصدر: نقله أصطفان وأصلحه حنين. ~~(20) # علل النفس: أصطفان وأصلحه حنين. ~~(21) # حركة العضل: أصطفان وأصلحه حنين. ~~(22) # الحاجة إلى النفس: أصطفان وأصلحه حنين. ~~(23) # الامتلاء: أصطفان وأصلحه حنين. ~~(24) # المرة والسوداء: أصطفان وأصلحه حنين. ~~(25) # علل الصوت: حنين. ~~(26) # الحركات المجهولة: حنين. ~~(27) # أفضل الهيئات: حنين. ~~(28) # سوء المزاج المختلف: حنين. ~~(29) # الأدوية المفردة: حنين. ~~(30) # المولود لسبعة أشهر: حنين. ~~(31) # رداءة التنفس: حنين. ~~(32) # الذبول: حنين. ~~(33) # قوى الأغذية: حنين . ~~(34) # التدبير الملطف: حنين. ~~(35) # مداواة الأمراض: حنين. ~~(36) # أبقراط في الأمراض الحادة: حنين. ~~(37) # إلى تراسوبولوس: حنين. ~~(38) # الطبيب والفيلسوف: حنين. ~~(39) # كتب أبقراط الصحية: حنين. ~~(40) # محنة الطبيب: حنين. ~~(41) # أفلاطون في طيماوس: حنين وإسحاق. ~~(42) # تقدمة المعرفة: عيسى. ~~(43) # الفصد: عيسى وأصطفان. ~~(44) # صفات لصبي يصرخ: ابن الصلت. ~~(45) # الأورام: ابن الصلت. ~~(46) # الكيموس: ثابت وحبيش. ~~(47) # الأدوية والأدواء: عيسى. ~~(48) # الترياق: ابن البطريق. # وهناك كتب في الطب وتوابعه ذكرها صاحب الفهرست ولم يذكر ناقليها، ~~وأما مؤلفوها فمنها بضعة وعشرون كتابا لروفس من أهل أفسس - كان قبل ~~جالينوس - ولعلها لم تنقل كلها، ومما ذكر ناقلوه بضعة كتب لأوريباسيوس، ~~وهي؛ كتاب الأدوية المستعملة نقله أصطفان بن باسيل، وكتاب السبعين ~~مقالة نقله حنين وعيسى بن يحيى إلى السريانية، وكتاب إلى ms335 ابنه أسطاث ~~نقله حنين، وكتاب إلى أبيه أونافيس نقله حنين، ولديسقوريدس العين زربى، ~~ويقال له: السائح في البلاد؛ لسياحته في طلب العقاقير والحشائش، كتاب ~~في الحشائش سيأتي تاريخ نقله، ولإسكندروس كتاب البرسام نقله ابن ~~البطريق، وغير هذه مما لم يعرف ناقلوها. ~~(ج) كتب الرياضيات والنجوم وسائر العلوم # ويشتمل النظر في ذلك على علم النجوم والهندسة والحساب والموسيقى ~~والميكانيكيات، وهاك خلاصة الكلام فيها: ~~(1) # كتب أقليدس، منها: أصول الهندسة نقله الحجاج بن مطر ~~نقلين؛ الهاروني والمأموني، ونقله إسحاق بن حنين وأصلحه ~~ثابت بن قرة، ونقله أبو عثمان الدمشقي. ولا يزال هذا ~~الكتاب باقيا إلى الآن. ومن كتب أقليدس التي لم يعرف ~~مترجموها: كتاب الظاهرات، وكتاب اختلاف المناظر، وكتاب ~~الموسيقى، وكتاب القسمة، وكتاب القانون، وكتاب الثقل ~~والخفة. ~~(2) # كتب أرخميدس، وهي عشرة ولم يعرف ناقلوها. ~~(3) # أبلونيوس، صاحب كتاب المخروطات، وكتاب قطع السطوح، وقطع ~~الخطوط، والنسبة المحدودة، والدوائر المماسة، ولم يعرف ~~ناقلوها. ~~(4) # منالاوس، له كتاب الأشكال الكروية، وكتاب أصول الهندسة، ~~نقله إلى العربي ثابت بن قرة. ~~(5) # بطليموس القلوذي، صاحب كتاب المجسطي الشهير، وقد تقدم ~~خبر نقله وتفسيره على يد يحيى البرمكي، ولبطليموس أيضا ~~كتاب الأربعة، نقله إبراهيم بن الصلت وأصلحه حنين، وكتاب ~~جغرافيا المعمور وصفة الأرض، نقله ثابت إلى العربي نقلا ~~جيدا، ولبطليموس 15 كتابا آخر في الجغرافيا وغيرها لم ~~يعرف ناقلوها. ~~(6) # أبرخس، له كتاب صناعة الجبر ويعرف بالحدود، وكتاب قسمة ~~الأعداد لم يعرف ناقلهما. ~~(7) # ذيوفنطس، له كتاب صناعة الجبر لم يعرف ناقله. # وهناك كتب عديدة في الرياضيات والهيئة والأزياج ونحوها ذكرها ابن ~~النديم ولم يذكر ناقليها، منها: كتاب العمل بالأسطرلاب المسطح لأبيون ~~البطريق، وكتاب جرم الشمس والقمر لأرسطرخس، وكتاب العمل بذات الحلق، ~~وكتاب جداول زيج بطليموس المعروف بالقانون المسير، وكتاب العمل ~~بالأسطرلاب، وكلها لثاون الإسكندري. # أضف إلى ذلك كتب الرياضة التي تقدم ذكرها أثناء ذكر كتب الفلسفة رغبة ~~في إيرادها لأصحابها مع سائر مؤلفاتهم، وقد نقل للمسلمين من كتب ~~الموسيقى عن اليونانية كتاب الموسيقى الكبير لنيقوماخس الجهراسيني، ~~وكتاب الموسيقى المنسوب لأقليدس، وقد تقدم ذكره، ms336 ومقالات في الموسيقى ~~لفيثاغورس وغيره، وكتاب الريموس، وكتاب الإيقاع لأرسطكاس، وكتاب الآلات ~~المصونة المسماة بالأرغن البوقي، والأرغن الزمري لمورطس. # ونقل لهم من كتب الميكانيكيات غير ما جاء في كتب أرخميدس كتاب الحيل ~~الروحانية، وكتاب رفع الأثقال لأيرن، وكتاب استخراج المياه ~~لبادروغوغيا، وكتاب الآلات المصونة على ستين ميلا لمورطس. # ثانيا: الكتب المنقولة عن الفارسية # أكثر الكتب المنقولة عن الفارسية في النهضة العباسية من قبيل الآداب ~~والأخبار والسير والأشعار وبعضها في النجوم مما نقله آل نوبخت وعلي بن زياد ~~التميمي وغيرهم، أما ما بقي من كتبهم المنقولة إلى العربية فهي مع أسماء ~~ناقليها. ~~(1) # كتاب رستم وأسفنديار: جبلة بن سالم. ~~(2) # كتاب بهرام شوس: جبلة بن سالم. ~~(3) # كتاب خداينامه في السير: عبد الله بن المقفع. ~~(4) # كتاب آيين نامه: عبد الله بن المقفع. ~~(5) # كتاب كليلة ودمنة: عبد الله بن المقفع. ~~(6) # كتاب مزدك: عبد الله بن المقفع. ~~(7) # كتاب التاج في سيرة أنوشروان: عبد الله بن المقفع. ~~(8) # كتاب الأدب الكبير: عبد الله بن المقفع. ~~(9) # كتاب الأدب الصغير: عبد الله بن المقفع. ~~(10) # كتاب اليتيمة: عبد الله بن المقفع. ~~(11) # كتاب هزار أفسانه: لم يذكر ناقله. ~~(12) # كتاب شهريزاد مع أبرويز: لم يذكر ناقله. ~~(13) # كتاب الكارنامج أنوشروان: لم يذكر ناقله. ~~(14) # كتاب دارا والصنم الذهب: لم يذكر ناقله. ~~(15) # كتاب بهرام ونرسي: لم يذكر ناقله. ~~(16) # كتاب هزاردستان: لم يذكر ناقله. ~~(17) # كتاب الدب والثعلب: لم يذكر ناقله. ~~(18) # سير ملوك الفرس: وهي غير كتاب، ترجم أحدهما محمد بن جهم ~~البرمكي، وآخر ترجمه زادويه بن شاهويه الأصفهاني، وآخر محمد بن ~~بهرام بن مطيار الأصفهاني. # ومما يجب ذكره من مترجمات الفرس وإن كان من مؤلفاتهم بعد نشوء التمدن ~~الإسلامي: كتاب «شاهنامه» التي نظمها الفردوسي للسلطان محمود الغزنوي سنة ~~384ه في نحو 60000 بيت على نسق إلياذة هوميروس، وقد تضمنت تاريخ الفرس ~~القديم، نقلها إلى العربية الفتح بن علي البنداري الأصبهاني نثرا للملك ~~المعظم عيسى الأيوبي، أتم ترجمتها سنة 697ه، ولا ريب أن العرب نقلوا من ~~اللغة الفارسية كتبا أخرى تاريخية وأدبية وخصوصا ما يتعلق بالمذاهب ~~القديمة ونحوها. ms337 # ثالثا: الكتب المنقولة عن اللغة الهندية # نقل العرب عن اللغة الهندية (السنسكريتية) كثيرا من كتب الطب والنجوم ~~والرياضيات والحساب والأسمار والتواريخ، والكتب الطبية المنقولة عنها كثيرة ~~وإن لم يصل إلينا من أخبارها إلا القليل؛ لأن بغداد كانت في إبان الزهو ~~العباسي كعبة العلماء والأطباء والنجار والسياح من كل الملل، وكان للبرامكة ~~عناية باستقدام أطباء الهند إليها، وقد بعث يحيى بن خالد فاستقدم بضعة ~~صالحة، منهم: «كنكه» و«بازيكر» و«قليرفل» و«سندباز» وغيرهم. # ويظهر مما كتبه المسلمون بعد العصر العباسي في الأدب أو الطب أو الصيدلة ~~أو السير أنهم اعتمدوا في جملة مصادرهم على كتب هندية الأصل، فإنك إذا ~~راجعت مثلا قانون ابن سينا، أو الملكي للرازي، أو غيرهما من كتب الطب ~~الكبرى، رأيتهم يذكرون بعض الأمراض ويشيرون إلى أن الهنود يسمونها مثلا ~~كذا وكذا، أو يعالجونها بكذا وكذا، وإذا قرأت العقد الفريد لابن عبد ربه، ~~أو سراج الملوك للطرطوشي، أو غيرهما من كتب الأدب المهمة رأيت مؤلفيها إذا ~~ذكروا بعض الآداب أو الأخلاق أو نحوها قالوا: «وفي كتاب الهند كذا ~~وكذا.» # كتب الطب وفروعها # على أننا نعلم ما كتبه صاحب طبقات الأطباء أنه اشتهر حوالي العصر ~~العباسي جماعة من علماء الهند في الطب والنجوم والفلسفة وغيرها، منهم ~~كنكه الهندي، وهو من متقدميهم وأكابرهم، وخصوصا في علم النجوم فضلا ~~عن الطب، وله مؤلفاته كثيرة منها: كتاب النموذار في الأعمار، وكتاب ~~أسرار المواليد، وكتاب القرانات الكبير والصغير، وكتاب في الطب يجري ~~مجرى الكناش، وكتاب في التوهم، وكتاب في إحداث العالم والدور في ~~القرآن. ومنهم أيضا صنجهل وباكهر وغيرهما. # وقد نقل كثير من مؤلفاتهم في النجوم والطب إلى اللغة العربية إما ~~رأسا أو بوساطة اللغة الفارسية، بأن ينقل الكتاب من الهندي إلى ~~الفارسي، ثم ينقل من الفارسي إلى العربي، منها كتاب سيرك الهندي، وقد ~~نقله من الفارسي إلى العربي عبد الله بن علي، وكتاب آخر في علامات ~~الأدواء ومعرفة علاجها، أمر يحيى بن خالد البرمكي بنقله، وكتاب فيما ~~اختلف فيه الروم والهند في الحار والبارد، ms338 وقوى الأدوية، وكتب أخرى في ~~فروع الطب. # ومن مشهوريهم منكه الهندي المتقدم ذكره بين المترجمين، وقد أتى بغداد ~~بإشارة يحيى بن خالد لمعالجة الرشيد فشفاه، فأجرى عليه الرشيد رزقا ~~واسعا، وكان منكه يعرف الفارسية أيضا، فكان ينقل من الهندي إلى ~~الفارسي، وله حديث طويل ذكره صاحب طبقات الأطباء، ومنهم صالح بن بهلة ~~الهندي، جاء العراق في أيام الرشيد أيضا، ونال شهرة واسعة وخالط ~~أطباءها يومئذ واختلطوا به، فإن لم يكونوا نقلوا شيئا من كتبه فلا بد ~~أن يكونوا قد اقتبسوا شيئا من آراء الهند فيه. # ومن مشهوريهم أيضا شاناق، وله كتاب في السموم خمس مقالات، نقله من ~~اللسان الهندي إلى الفارسي منكه الهندي، وأوعز يحيى بن خالد إلى رجل ~~يعرف بأبي حاتم البلخي بنقله إلى العربي، ثم نقل للمأمون على يد ~~العباس بن سعيد الجوهري مولاه، ولجودر الحكيم كتاب في المواليد نقل إلى ~~العربي أيضا. # ومن الكتب الطبية التي نقلت من الهندية إلى لسان العرب في العصر ~~العباسي غير ما تقدم ذكره: ~~(1) # كتاب سسرد في الطب نقله منكه. ~~(2) # كتاب أسماء عقاقير الهند نقله منكه لإسحق بن ~~سليمان. ~~(3) # كتاب إستانكر الجامع نقله ابن دهن. ~~(4) # كتاب صفوة النجح ابن دهن. ~~(5) # كتاب مختصر الهند في العقاقير لم يذكر ناقله. ~~(6) # كتاب علاجات الحبالى للهند لم يذكر ناقله. ~~(7) # كتاب كتاب روسا الهندية في علاجات النساء لم يذكر ~~ناقله. ~~(8) # كتاب السكر للهند لم يذكر ناقله. ~~(9) # كتاب التوهم في الأمراض والعلل لم يذكر ناقله. ~~(10) # كتاب رأي الهند في أجناس الحيات وسمومها لم يذكر ~~ناقله. # كتب النجوم والرياضيات # أما الرياضيات والكواكب فللهند شأن كبير فيها، وقد ذكرنا خبر السند ~~هند فيما تقدم، وكان لنقل هذا الزيج تأثير في علم النجوم عند العرب، ~~وقد قلدوه وألفوا على مذهبه. فممن ألف على هذا المذهب محمد بن إبراهيم ~~الفزاري، وحبش بن عبد الله البغدادي، ومحمد بن موسى الخوارزمي وغيرهم. ~~والفزاري أول من عمل إسطرلابا في الإسلام، وما من فلكي من فلكيي ~~المسلمين أراد التوسع في علم النجوم إلا طالع كتبهم، إما ms339 في اللغة ~~الهندية أو في ترجمتها إلى العربية، وأكثر المسلمين عناية في ذلك ~~واطلاعا على آداب الهند وعلومهم أبو ريحان البيروني المتوفى سنة ~~440ه، فإنه طاف بلاد الهند واطلع على علومهم وآدابهم، ثم ألف كتابه ~~«الآثار الباقية عن القرون الخالية»، وله من المؤلفات ما يعد بالعشرات، ~~ومنها كثير في علوم الهند إما ترجمة أو تصحيحا أو نقدا. # ومما ذكره من كتبه التي ألفها في هذا الصدد قوله: وعملت في السند هند ~~كتابا سميته «جوامع الموجود لخواطر الهنود في حساب التنجيم» جاء ما تم ~~منه 550 ورقة، وهذبت زيج الأركند وجعلته بألفاظي؛ إذ كانت الترجمة ~~الموجودة منه غير مفهومة وألفاظ الهند فيها متروكة لحالها، وعملت ~~كتابا في المدارين المتحدين والمتساويين، وسميته بخيال الكسوفين عند ~~الهند، وهو معنى مشتهر فيما بينهم لا يخلو منه زيج من أزياجهم، وليس ~~بمعلوم عند أصحابنا، وعملت تذكرة في الحساب والعد بأرقام السند والهند ~~في 30 ورقة، وكيفية رسوم الهند في تعلم الحساب، وتذكرة في أن رأي ~~العرب في مراتب العدد أصوب من رأي الهند فيها، وفي راسكيات الهند ~~وترجمة ما في إبرهم سدهاند من طرق الحساب، ومقالة في تحصيل الآن من ~~الزمان عند الهند، ومقالة في الجوابات على المسائل الواردة من منجمي ~~الهند، ومقالة في حكاية طريقة الهند في استخراج العمر، وترجمة كلب ~~باره ، وهي مقالة للهند في الأمراض التي تجري مجرى العفونة وغير ~~ذلك. # فيؤخذ من هذا أن الهنود أهل علم ورأي في النجوم وعلومها، وأن ~~المسلمين نقلوا عنهم شيئا كثيرا. # كتب الأدب # وأما ما نقل إلى العربية فمنها: كتب الهند في الأدب والتاريخ ~~والمنطق والأسمار والخرافات: ~~(1) # كتاب كليلة ودمنة، وقد نقل عن طريق الفارسية كما تقدم، ~~وبعد نقله إلى العربية نظموه شعرا كما نظمه الفرس من ~~قبلهم، وممن نظمه في العربية أبان بن عبد الحميد بن لاحق ~~بن عفير الرقاشي، وعلي بن داود. ~~(2) # كتاب سندباد الكبير. ~~(3) # كتاب سندباد الصغير. ~~(4) # كتاب البد. ~~(5) # كتاب يوذاسف. ~~(6) # يوذاسف مفرد. ~~(7) # كتاب أدب الهند والصين. ~~(8) # كتاب هابل في الحكمة. ~~(9) # كتاب ms340 الهند في قصة هبوط آدم. ~~(10) # كتاب طرق. ~~(11) # كتاب دبك الهندي في الرجل والمرأة. ~~(12) # كتاب حدود منطق الهند. ~~(13) # كتاب ساديرم. ~~(14) # كتاب ملك الهند القتال والسباح. ~~(15) # كتاب بيدبا في الحكمة. # ومما نقله العرب عن الهنود كتاب في الموسيقى اسمه في الهندية «بيافر» ~~ومعناه ثمار الحكمة، وفيه أصول الألحان وجوامع تأليف النغم. # رابعا: الكتب المنقولة عن النبطية # قد رأيت فيما تقدم كتبا كثيرة فلسفية وطبية نقلت من اليوناني إلى العربي ~~بوساطة اللغة السريانية أخت النبطية، أو هي عينها، فلا نتعرض لذكرها، وإنما ~~نريد هنا الكتب التي كانت مكتوبة في اللغة الكلدانية أو النبطية، ونقلت إلى ~~العربي رأسا، ولولا نقلها لضاعت، وأهم تلك الكتب: ~~(1) # كتاب الفلاحة النبطية، فإنه فريد في بابه، وقد نقله إلى ~~العربية أحمد بن علي بن المختار النبطي المعروف بابن وحشية سنة ~~291ه، وظل معتمد أهل الزراعة إلى أمد غير بعيد، وقد نقل إلى ~~اللغات الإفرنجية، ولولا نقله إلى العربية لضاع وخسره العالم ~~كما يؤخذ من مطالعة مقدمته، فقد قال ابن وحشية وهو يملي ~~الكتاب على علي بن محمد بن الزيات سنة 318ه: «اعلم يا بني أني ~~وجدت هذا الكتاب في كتب الكسدانيين «الكلدان أو النبط» يترجم ~~معناه في العربية كتاب فلاحة الأرض وإصلاح الزرع والشجر ~~والثمار ودفع الآفات عنها، وكان هؤلاء الكسدانيون أشد غيرة ~~عليها، لئلا يظهر هذا الكتاب، فكانوا يخفونه بجهدهم، وكان الله ~~عز وجل قد رزقني المعرفة بلغتهم ولسانهم، فوصلت إلى ما أردت من ~~الكتب بهذا الوجه، وكان هذا الكتاب عند رجل متميز، فأخفى عني ~~علمه، فلما اطلعت عليه لمته في إخفاء الكتاب عني، وقلت له: ~~إنك إن أخفيت هذا العلم دثر ومضى ولا يبقى لأسلافك ذكر، وما ~~يصنع الإنسان بكتب لا يقرؤها ولا يدع من يقرؤها، فهي عنده ~~بمنزلة الحجارة والمدر، فصدقني في ذلك وأخرج إلي الكتب، ~~فجعلت أنقل كتابا بعد كتاب، فكان أول كتاب نقلته كتاب دواناي ~~البابلي في معرفة أسرار الفلك والأحكام على حوادث النجوم، وهو ~~كتاب عظيم المحل، ونقلت كتاب الفلاحة هذا بتمامه.» إلخ ms341 ~~... ~~(2) # كتاب طرد الشياطين ويعرف بالأسرار. ~~(3) # كتاب السحر الكبير. ~~(4) # كتاب السحر الصغير. ~~(5) # كتاب دوار على مذهب النبط. ~~(6) # كتاب مذاهب الكلدانيين في الأصنام. ~~(7) # كتاب الإشارة في السحر. ~~(8) # كتاب أسرار الكواكب. ~~(9) # كتاب الفلاحة الصغير. ~~(10) # كتاب في الطلسمات. ~~(11) # كتاب الحياة والموت في علاج الأمراض. ~~(12) # كتاب الأصنام. ~~(13) # كتاب القرابين. ~~(14) # كتاب الطبيعة. ~~(15) # كتاب الأسماء. # وأكثرها من نقل ابن وحشية غير ما لا بد من نقله من كتب الدين وأخبار ~~الكلدان القدماء. # خامسا: الكتب المنقولة عن العبرانية واللاتينية والقبطية # لا ريب أن كثيرا من تعاليم اليهود وآدابهم المدونة في التلمود وغيره من ~~كتبهم قد نقل إلى العربية، وإن كنا لا نرى شيئا منها مدونا على أنه ~~مترجم؛ لأنهم كانوا ينقلونها شفاها للصحابة وغيرهم على ما تقدم، وربما ~~دونوا منها شيئا وضاع، وأما ما وصل إلينا خبره من المنقول عن العبرانية، ~~فترجمة أسفار التوراة، نقلها سعيد الفيومي المتوفى سنة 330ه، وهو أقدم من ~~نقل التوراة إلى العربية مما وصل إلينا خبره، وله أيضا شروح وتفاسير ~~عليها. # ولا يبعد أن يكون قد نقل إلى العربية بعض الكتب عن اللاتينية؛ لأنها كانت ~~تحوي كثيرا من العلوم الفلسفية والتاريخية والشرعية وغيرها، وربما فات ~~نقلة الأخبار ذكر ما نقل عنها، وقد رأينا في جملة المترجمين يحيى بن ~~البطريق لا يعرف غير اللغة اللاتينية، وأنه ترجم عدة كتب، فالظاهر أنه ~~ترجمها عن اللاتينية. # وأما القبطية فإذا لم ينقل العرب عنها رأسا، فلا نشك في أنهم نقلوا ~~كثيرا من علوم المصريين بوساطة اللغة اليونانية، وخصوصا صناعة الكيمياء ~~القديمة وغيرها مما برع فيه المصريون، وأما الكيمياء فقد نقلت عن القبطي ~~واليوناني معا بأمر خالد بن يزيد. ~~(4) آثار النهضة المأمونية # هذه هي بعض كتب العصر، وكانت لها آثارها ونتائجها في العقلية العربية أولا، ~~وفي المدينة العربية ثانيا، حتى أصبحنا نرى المأمون يضرب به المثل في عظم ~~الحركة العلمية، وحتى نرى «نولدكا» ومحرري دائرة المعارف البريطانية وغيرهم ~~يمثلون المأمون بأنوشروان وغيره من خدمة الإنسانية ورسل الثقافة ~~العامة. # والحق أن المأمون وعصر المأمون كانا متقدمين عن زمنهما، إذ ms342 كانت حالة المأمون ~~وحالة المملكة المأمونية في ذلك الحين أرقى بمراحل من حالة ملوك أوروبا وممالك ~~أوروبا. # ويقول الدكتور «طوطح» في رسالته الإنجليزية عن حالة التعليم عند العرب: «إنه ~~بينما كان شارلمان يتعلم القراءة مكبا على مطالعة رسائله مع أترابه في مدرسة ~~القصر كان المأمون يعالج الفلسفة ومناقشة أقضيتها هناك في بغداد»، ويقول في ~~مكان آخر من رسالته القيمة: «إن المأمون أوفد عميد بيت الحكمة إلى بلاد اليونان ~~لنقل حكمة اليونان وعلوم اليونان إلى اللغة العربية.» وهناك أقوال كثيرة عن ~~آثار النهضة المأمونية، وهي لا تخرج عما قدمناه لك من رأي السير وليام ميور عن ~~ازدهار العلوم والمعارف في عصر المأمون، فنكتفي بما قدمناه عن التبسط في القول ~~في هذه الناحية الهامة حقا. # على أن لهذه النهضة المأمونية آثارها ونتائجها أيضا في زيادة الثروة اللفظية ~~في اللغة العربية، وقد بينا لك طرفا منه في كلمتنا عن حالتها في الصدر ~~العباسي، فلا حاجة إذن بنا إلى تكراره هنا، وقصارى ما نقوله أنا نحيلك إلى بعض ~~المصادر القيمة فيما نحن في صدده من بيان تأثر اللغة بهذه النهضة التي تشبه في ~~كل وجوهها حركة التجديد «رينساينس» في أوروبا، وهي: كتاب خطي منسوب للجاحظ عن ~~الألفاظ الفارسية في اللغة العربية، وبحوث العلامة أنستانس الكرملي البغدادي في ~~السنة الأولى من المشرق عن الكلم اليونانية في اللغة العربية، كما أحيلك إلى ~~بحوث «مجلة المجمع العلمي» في شأن تفسير الألفاظ العباسية الواردة في كتاب ~~«نشوار المحاضرة». # أما فن التاريخ والجغرافيا فلم تبدأ العناية الجدية بهما إلا منذ أيام ~~اليعقوبي وابن خرداذيه # 2 # في نهاية القرن الثاني. # وأما العلوم القرآنية وما تفرع عنها فقد سبق أن أشرنا إليها في بابها من ~~العصر العباسي، ويظهر أن عناية المأمون بها لم تكن مثل عنايته بالفلسفة ~~اليونانية وما إليها، اللهم إذا كانت موجهة إلى الناحية الاعتزالية ~~الكلامية. # وقد آن لنا الآن أن نتكلم عن القول بخلق القرآن لاتصاله وكبير أثره في الحياة ~~العلمية والعقلية في عصر المأمون. ~~(5) القول بخلق القرآن ms343 # يقول ابن الأثير في تاريخه عن هشام بن عبد الملك: إن الجعد بن درهم قد أظهر ~~مقالته بخلق القرآن أيام هشام، فأخذه وأرسله إلى خالد القسري، وهو أمير العراق، ~~وأمره بقتله، فحبسه خالد ولم يقتله، فبلغ الخبر هشاما، فكتب إلى خالد يلومه ~~ويعزم عليه أن يقتله، فأخرجه خالد من الحبس في وثاقه، فلما صلى العيد يوم ~~الأضحى قال في آخر خطبته: انصرفوا وضحوا يقبل الله منكم، فإني أريد أن أضحي ~~اليوم بالجعد بن درهم، فإنه يقول: ما كلم الله موسى، ولا اتخذ إبراهيم خليلا، ~~تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا، ثم نزل وذبحه. # ويقول ابن الأثير في حياة مروان بن محمد: إن سبب تسميته بالجعدي ذهابه مذهب ~~الجعد بن درهم في القول بخلق القرآن، والقدر وغير ذلك. # ومن هذا تعلم أن القول بخلق القرآن بدعة نبتت في العصر الأموي، ثم لم تجد ~~الجو الذي تنمو فيه وترعرع حتى كان عصر المأمون، فوجدت من شخصيته العالمة، ومن ~~نفوذه العظيم ونفوذ علمائه خير متعهد لنمائها، حريص على نصرتها، شديد اليد ~~بالبطش على مخالفيها. # ولعلك تتساءل لم وجد القول بخلق القرآن من المأمون الصدر الرحب والعامل على ~~نصرته؟ وهل كان موفقا فيما أخذه على عاتقه أو قد اشتد به الغلو في تأييد وجهة ~~نظره حتى خرج به عن القصد؟ # ونحن قبل أن نجيبك عن هذه الأسئلة وقبل أن نعرض للموضوع من وجهاته المختلفة، ~~نريد أن ننقل لك كلمة للأستاذ «ميور» في هذا الصدد، وهي وإن لم تكن تتفق مع ~~وجهة نظرنا في هذا المبحث، تبين لنا وجهة نظر متشرق بحاثة كبير فيما نحن ~~بصدده. # يقول الأستاذ «ميور» في الفصل الذي عقده عن المأمون في كتابه الممتع ~~«الخلافة»: «وفي الحق أن المأمون كان متعصبا لفارس مسقط رأس أمه وزوجه، شديد ~~الميل إلى العلويين، ونشأ عن ذلك في السنوات الأخيرة من حكمه مزيج من حرية ~~الأفكار والتعصب، وكان المأمون في بعض هذه المسائل واسع الحرية حقا لدرجة ~~مدهشة، وقد ألغى من بضع سنوات مضت ms344 الأمر الذي كان أسلافه في أصدروه يحرمون ~~فيه ذكر معاوية أو أحد الأمويين بخير، وأباح للمسيحيين حرية المناقشة في أي ~~الدينين أفضل: الإسلام أم المسيحية، غير أن ميوله الفارسية التي كان يجنح إليها ~~دائما دفعته أخيرا أن يتناقش بحماسة في نظريات المعتزلة الذين أباحوا حرية ~~التفكير، ثم أحاط المأمون نفسه بالفقهاء وعلماء الدين من كل فئة، وأباح لهم ~~المناقشة في حضرته في نظريات كان البحث ممنوعا فيها؛ كعلاقة الإنسان بخالقه، ~~وطبيعة الألوهية وغير ذلك، وأخيرا أعلن تحوله إلى عقائد تخالف تعاليم الدين ~~الصحيحة، فمن ذلك أنه كان يعتقد بمذهب الذين يقولون بالاختيار لا بالجبر، وأن ~~القرآن وإن كان وحيا إلا أنه مخلوق، بدلا من العقيدة # 3 # التي كانت لا تنازع؛ وهي أن القرآن أزلي غير مخلوق، وأعلن المأمون ~~أيضا أن عليا أشرف الخلق بعد النبي، وعلى هذه النظرية بنيت نظرية الإمامة ~~المقدسة أو الزعامة الدينية التي كانت تنتقل من عضو إلى آخر من بيت علي، وبدأ ~~في تلقين الناس أنه يوجد مصادر أخرى غير القرآن والحديث يمكن الاسترشاد بها في ~~مسائل الدين، وفسر القرآن تفسيرا من غير تقييد بلفظه، وبذلك ذللت صعوبات ~~كثيرة كانت تعترض حرية التفكير أو تقف عثرة في تقدم العمران؛ كإباحة شرب ~~الخمر «كذا!» وزواج المتعة. # 4 # وعلى ممر السنين تحولت فكرة المأمون في خلق القرآن من مجرد رأي إلى ~~إعلانه المشئوم الذي حمل فيه رعاياه بالاضطهاد والعقوبات على اتخاذه عقيدة ~~لهم. # وقد أرسل إلى والي بغداد وهو في حملته الأخيرة على الروم أمرا بأن يجمع كبار ~~العلماء والفقهاء ويمتحنهم في هذه المسألة الخطيرة، ويرسل إليه إجابتهم، وقد ~~تأثر كثير من العلماء في مجلس المناظرة الذي كان أشبه بمحكمة التفتيش، حتى ~~أظهروا القول بخلق القرآن، إلا أن البعض بقي ثابتا على عقيدته بأن القرآن غير ~~مخلوق؛ كأحمد بن حنبل صاحب المذهب الحنبلي الذي حملوه مكبلا بالحديد إلى معسكر ~~الخليفة. # ولقد ذكر التاريخ أن اثنين من هؤلاء المخالفين هددا بالقتل، وأرسل عشرون ~~منهم تحت خفارة حراس لينتظروا في ms345 «طرسوس» عودة الخليفة من حروبه، ولكن جاءتهم ~~الأنباء في أثناء سيرهم في الطريق بموت المأمون. ولقد سودت أمثال هذه الفظائع ~~سمعة المأمون في سنوات كثيرة.» ا.ه. # ذلك هو رأي المتشرق «ميور»، ولنرجع الآن إلى معالجة الإجابة عما تساءلت عنه ~~فنقول: إنك جد عالم بأن المأمون كان تلميذا ليحيى بن المبارك الزيدي المتهم ~~بالاعتزال، جد عالم بصلته بثمامة بن أشرس، زعيم المذهب الثمامي في الاعتزال ~~وإعجابه به، حتى عرض عليه الوزارة مرتين، كما أسلفنا لك القول في باب الوزارة، ~~جد عالم بأن المأمون كان يعقد مجالس للكلام في مختلف البحوث، وكان من نتائج هذه ~~المجالس أن قرب إليه كل متكلم حاذق أو مفكر بصير بمداخل القول ومخارجه؛ مثال ~~أبي الهذيل العلاف، وإبراهيم بن سيار وغيرهم، وأنت جد عالم بأن ثمامة والعلاف ~~وإبراهيم كانوا من مشيخة الاعتزال، أنت جد عالم بهذا كله، فلا غرو أن حبب هؤلاء ~~القوم إلى المأمون مذهبهم، ولا غرو أن كانت مهمتهم ميسورة معبدة؛ لأنهم وجدوا ~~من المأمون ذلك التلميذ المتأثر بمذهب أستاذه ابن المبارك. # كل هذه العوامل كانت في الواقع ناحية واحدة، ولها أثرها القوي في تنمية ~~النزعة الاعتزالية في نفس المأمون، بيد أن هنالك ناحية قوية أخرى لها أثرها ~~القوي أيضا، تلك الناحية هي حركة النقل والترجمة، تلك الحركة التي حببت إلى ~~المأمون الفلسفة وما إلى الفلسفة، ووجهت عنايته إلى المنطق وما إلى المنطق، ~~وبعثت في نفسه حب أرسططاليس، حتى أصبح موضع تفكيره في يقظته ونومه. وصفوة القول ~~أن الناحية الثانية لم تكن لتقل عن الأولى أثرا، فقد هيأت منه ذلك التسامح ~~الذي يتبع ما توحي به سلسلة أفكاره. # وسترى في أخذه بالقول بخلق القرآن إلى أي مدى دفعت به حرية التفكير حتى وصلت ~~به إلى ما يناقض حرية التفكير؛ لأنه ليس من حرية التفكير في شيء تلك الطريقة ~~الشاذة في إلزام العلماء وجلة الفقهاء الأخذ بمذهبه، وليس من حرية التفكير في ~~شيء تلك النتائج السيئة التي انتهت إليها مأساة القول بخلق القرآن في أيام ~~المعتصم ms346 وأيام غير المعتصم. # وقد أثبتنا لك في باب المنثور في الكتاب الثالث من مجلدنا الثالث مثلا مما ~~كتبه المأمون إلى ولاته في الأخذ بمذهبه في القول بخلق القرآن، وهو كتابه إلى ~~إسحاق بن إبراهيم، كما أثبتنا لك ما رواه لنا الطبري مما حصل وقتئذ، فراجعهما ~~ثمة. # | هوامش # الفصل التاسع # | الحياة الأدبية في عصر المأمون # (1) توطئة # لكتاب الخلافة «للسير وليام ميور» مكانة رفيعة في التاريخ العربي، ولا سيما ~~عصرنا المأموني، بناحيتيه العلمية والأدبية؛ ذلك لأن الرجل إلى جانب دراسته ~~الدقيقة لمؤلفات العرب وكتابات العرب وبحوث المؤرخين العرب، لم يترك مصدرا من ~~مصادر المتشرقين أمثال: «نولدكه» و«كريمر» و«هرزلد» و«أمرز» و«بربياد» ~~و«مينارد» و«چوچ»، وغيرهم من عشرات المؤرخين إلا وقد استوعبه واستقصى البحث ~~فيه، كذلك لم يترك مصدرا من مصادر التاريخ الفارسي، وهو كما نعلم شديد الصلة ~~بعصرنا المأموني، من غير أن يدرسه حق دراسته ويفهمه حق فهمه، فطالع فيما طالعه ~~في ذلك الباب آثار «ماكولم» و «فرازر» و«برون» و«سيكس» و«جوجينس» ~~وغيرهم. # من أجل هذا، ومن أخذ ذلك المؤرخ البحاثة بالدقة في كل ما تصدر له جاءت جل ~~بحوثه أفضل من سواه، وأرفع مكانة من غيره، ونحن نستبيح لأنفسنا أن ننقل إليك ما ~~ذكره في هذا الباب، قال: «كان حكم المأمون مجيدا عادلا، وكان عصره مزدهرا ~~بأنواع العلوم والفنون والفلسفة، وكان أديبا مولعا بالشعر متمكنا منه، ولقد ~~حدث مرة أن شاعرا كان ينشد بين يديه قصيدة من مائة بيت، فكان الشاعر كلما أنشد ~~شطر بيت بادره المأمون بشطره الآخر، حتى دهش الشاعر وحار في سرعة بديهته. وكان ~~مجلسه حافلا بالعلماء والأدباء والشعراء والفلاسفة؛ إذ كان يقربهم إليه، ويجزل ~~لهم العطاء، وكما كان عصره عامرا بالعلماء والأدباء والنحاة؛ فإنه كان كذلك ~~حافلا بجماعة المحدثين والمؤرخين والفقهاء؛ كالبخاري والواقدي الذي نحن مدينون ~~له بأوثق السير عن حياة النبي، والشافعي # 1 # وابن حنبل. وكان المأمون يجل علماء اليهود والنصارى ويحتفي بهم ~~في مجلسه، لا لعلمهم فحسب بل لثقافتهم في لغة العرب وحذقهم في معرفة لغة ~~اليونان وآدابها. ms347 ولقد أخرجوا من أديرة سوريا وآسيا الصغرى وسواحل الشام ~~وفلسطين كتبا خطية في الفلسفة والتاريخ وعلم الهندسة لعلماء اليونان ~~وفلاسفتهم، ثم ترجموها إلى العربية بدقة وعناية عظيمة، وبهذه الوسيلة انتقلت ~~علوم الغرب إلى العالم الإسلامي، ولم تقتصر جهود هؤلاء الجهابذة على نقل هذه ~~الكتب القديمة إلى اللغة العربية، بل توسعوا وأضافوا إليها ما اكتسبوه من ~~مباحثهم واطلاعهم، وأقاموا مرصدا في «سهل تدمر» مجهزا بجميع الآلات التي ~~تمكنهم من النجاح في دراسة علمي الفلك والهندسة والتوسع فيهما، وقد صنفوا كتبا ~~في الرحلات والتاريخ ولا سيما كتب الطب، وعنوا عناية كبيرة ببعض علوم تافهة، ~~إلا أنها كانت أكثر ذيوعا وانتشارا كالتنجيم والكيمياء، وكان لمجهود هؤلاء ~~العلماء الأثر الأكبر في نهضة أوروبا التي كانت غارقة في بحار الجهالة في ~~العصور الوسطى؛ حيث أيقظتهم من غفلتهم، وأنارت لهم سبل علومهم التي كانوا ~~أغفلوها، وهي علوم اليونان وفلسفتها.» ا.ه. # ويقول الأستاذ البحاثة «كرد علي» في بحث طريف له: إن عصر المأمون قد ازدان ~~بكثير من حملة الشريعة والأدب، منهم: يحيى بن أكثم، وأبو محمد اليزيدي، والحسن ~~بن زياد، وأبو داود الطيالسي، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وابن الأعرابي، والنضر ~~بن شميل، وأبو عمرو الشيباني، ومحمد بن عمر الواقدي، وأبو عبيدة، والفراء، ~~والأخفش، والأصمعي، والصغاني، والضبي، والشافعي، وابن سعد، وأبو داود، وابن أبي ~~دواد، وابن حرب، وابن حنبل، والجاحظ، والقواريري، وقتيبة، وسعدويه الواسطي، ~~وابن الجعد، وابن علية الأكبر، وأبو نصر التمار، وأبو معمر القطيعي، ~~وأبو العوام البزاز، وابن شجاع، وبشر المريسي، وبشر بن الوليد، وسجادة، ~~ومحمد بن نوح، وأبو هارون بن البكاء، والهذيل محمد بن الهذيل، وأبو زكريا ~~المري، ومحمد بن مبشر، إلى مئات غيرهم كانوا فخر الدولة وعنوان نبوغ ~~الأمة. # أما الشعراء والكتاب فكانوا طبقة عالية كثيرة العدد كالحصى، جيدة المنحى ~~والأسلوب، تغلب الرقة والجزالة على أهل هاتين الصناعتين، تأثروا كلهم بالحضارة ~~الجديدة حتى غدا الشعر المدني البديع ظاهر الاختلاف عن الشعر الجاهلي، بعيدا ~~عن وصف الأطلال والدمن والركاب وطلب الثأر والمفاخرات الفارغة. هذا، وكان ms348 ~~الجمهور يشارك الأدباء في فهم الشعر، وقدر الخطب والرسائل قدرها، فلم يكن ~~الشعراء في واد والأمة في آخر، بل كان الشاعر أو الكاتب إذا قرض شعرا أو حبر ~~خطابا تتناقله الأيدي في الحال، وتتعاوره الرواة فيفشو في الأمصار، وهذا ما ~~كان يزيد في طلاوة أدب الأديب، وشعر الشاعر، وخطبة الخطيب، ويحثه على تجويد ~~مقاله. ا.ه. # وبعد، فقد بينا في كلمتنا عن الحياة الأدبية في صدر العصر العباسي ما أخذت ~~تتحول إليه الآداب العربية عامة في الألفاظ والأساليب والمعاني والأغراض، وبينا ~~لك الأسباب التي كانت تبعث على هذا التحول، من شدة الامتزاج بين العناصر ~~المختلفة التي خضعت لسلطان العرب بالغرب، وما استتبعه هذا الامتزاج من إضافة ~~ثقافات ومدنيات جديدة إلى ما كان للعرب من ثقافة ومدنية، ومن اتساع السلطان ~~وامتداد أطرافه، ومن تشجيع الخلفاء لأهل العلم، وإكرامهم لرجال الأدب، ومن ~~انصراف همم أولي الفضل إلى التأليف والترجمة، ومن كثرة حاجات الناس وتنوعها، ~~حتى اضطرت اللغة أمام هذه العوامل وغيرها، مما سبق أن بيناه لك، أن تنفرج ~~جوانبها لتسع هذه الأغراض، ولتقوم بحاجات الناس طبقا لمقتضيات العصر وخضوعا ~~لسنة التحول. # بينا لك كل هذا، وقد يكون من التعسف أن نعرض لتحول الآداب في أيام المأمون ~~خاصة، فإنه إذا افترضنا أن الآداب تحولت تحولا خاصا في أيام المأمون، فقد ~~يكون من العسير تبيين هذا التحول وتحديد مداه، ذلك بأن تحول الآداب بطيء، ولا ~~يمكن تبيينه إلا بعد ظهور آثاره ظهورا لا سبيل إلى الشك فيه، بخلاف الحوادث ~~السياسية، فإنك تستطيع أن تؤقت الحوادث السياسية بالسنة، بل بالشهر، بل باليوم، ~~ولا تستطيع ذلك في الآداب إلا بعشرات السنين. # إذن رأينا في الآداب لعصر المأمون هو رأينا في الآداب لصدر العصر العباسي، ~~وإنما الذي حدث أن السبيل التي سلكتها الآداب في صدر العصر العباسي قد بلغت ~~غايتها في أيام المأمون، فعصر المأمون إذن هو الثمرة الناضجة لتغير الآداب في ~~العصر العباسي، أو بعبارة أخرى: يعتبر عصر المأمون العصر الذي بلغت فيه الآداب ~~العربية الذروة من ms349 الكمال المقدور لها. # وسبيلنا الآن أن نورد لك من آثار عصر المأمون ما يقوم لديك دليلا على هذه ~~النتيجة، وقد أوردنا من هذه الآثار في المجلد الثالث ما فيه الكفاية. ~~(2) المحادثة أو لغة التخاطب # بدأت لغة التخاطب تنحدر مدارجة عن الفصحى منذ الفتوح الإسلامية بسبب اتصال ~~العرب بغير العرب ممن دان لسلطانهم، وانتظم في ملكهم. # ولقد لاحظنا أثناء مطالعتنا في الطبري وفي غير الطبري في الفترة المأمونية، ~~أن بعض جند خراسان كانوا لا يفهمون العربية فيقولون مثلا: «پسر زبيدة» و«مكن» ~~وغيرها من الألفاظ الفارسية التي أثبتها المؤرخون. # وقد يكون من الممتع حقا أن يخصص باحث ممن لهم اطلاع على لغات البلدان التي ~~فتحها العرب كتابا لدراسة مبلغ تأثر اللغة العربية بلغات من خضع لسلطان العرب ~~في الأرجاء المختلفة، وقصارى ما نقرره هنا أن اللغة العربية تأثرت حقا من أثر ~~الفتوح، سواء أكانت فتوح سيف أم فتوح ثقافات وترجمات قد أضعفت من بلاغة اللسان، ~~ومتانة اللفظ، بقدر ما أغنت من ثروة ذهنية عظيمة. # وإنك إذا ذكرت ما كتبناه في الفصل السادس وفي نظيره من كتابنا عن الصدر ~~العباسي في شأن ما زيد في الألفاظ العربية، من ألفاظ العلوم المترجمة في ذلك ~~العصر، وذكرت أن الموالي الفرس وغيرهم هم الذين قد عهد إليهم بالترجمة والنقل ~~والتحرير، إذا ذكرت هذا إلى جانب ما قدمناه لك، فإنك تسوغ معنا ما نذهب إليه من ~~القول بتأثر اللغة في ذلك العصر. # وفي هذا القدر الكفاية، ولنتدرج إلى ذكر كلمة عن الخطابة. ~~(3) الخطابة # قلنا فيما سبق: إن عصر المأمون كان الثمرة الناضجة للآداب العربية في العصر ~~العباسي، فهل كان الأمر كذلك في الخطابة أيضا؟ # أنت تعلم أن قوة الشيء ترجع إلى قوة عوامله وأسبابه، ونحن نرى، معتمدين على ~~ما لدينا من آثار خطابية لهذا العصر، أن أسباب الخطابة وعواملها كانت ضعيفة ~~ضعفا نسبيا، ومن ثم لم تماش الخطابة سائر أنواع الآداب في سبيلها إلى ~~الكمال المقدور لها، ولعل ذلك يرجع إلى ضيق مجالها وضعف الحاجة إليها، فبعد ms350 أن ~~كنا نراها في العصر الأموي الوسيلة إلى قمع الفتن ورد البدع، ولسان الخليفة في ~~رعيته، والقائد في جنده، والزعيم في أتباعه، وبعد أن كنا نرى حظها في عصر ~~الانتقال وصدر العصر العباسي لا يقل عن حظها في العصر الأموي لحاجة الدعاية ~~والزعماء إليها، أصبحنا نرى مجالها في عصر المأمون يضيق، حتى كادت تقصر على ~~التهنئة والتعزية والخطب الدينية؛ كالجمعة والعيدين. وضيق مجالها يرجع إلى ~~استغناء الخلفاء العباسيين وعمالهم وقوادهم عنها بالمنشورات العامة، حيث ~~يتبسطون فيها ويضمنونها ما يريدون من أغراض، ثم تتلى على من يراد أن تتلى ~~عليهم، ولعل ذلك لاصطباغ الخلافة العباسية بالصبغة الفارسية، ولاحتجاب الخلفاء ~~عن مخالطة الجماهير، ولأن جل عمال بني العباس في ذلك العصر كانوا من الموالي، ~~وهؤلاء وإن أوتوا حظا عظيما من بلاغة القول وحسن البيان، فقد كانت لا تزال ~~بألسنتهم لوثة من العجمة تحول بينهم وبين ما تقتضيه الخطابة من اندفاع الألفاظ ~~وتدفقها. # لعل لكل هذا أو بعضه أثرا ما في تضييق مجال الخطابة والاستغناء عنها ~~بالرسائل والمنشورات العامة، ومهما يكن من شيء فقد ألقيت في عصر المأمون خطب ~~قليلة القدر والقيمة، ننشر لك منها على سبيل المثال خطبتين: إحداهما للمأمون في ~~عيد الفطر، والآخرى تهنئة بمقدم المأمون إلى بغداد. # خطبة المأمون # ألا وإن يومكم هذا يوم عيد وسنة وابتهال ورغبة، يوم ختم به الله صيام شهر ~~رمضان، وافتتح به حج بيته الحرام، فجعله أول أيام شهور الحج، وجعله معقبا ~~لمفروض صيامكم، ومتنفل قيامكم؛ فاطلبوا إلى الله حوائجكم، واستغفروه ~~لتفريطكم؛ فإنه يقال: لا كثير مع ندم واستغفار، ولا قليل مع تماد وإصرار. ~~اتقوا الله عباد الله، وبادروا الأمر الذي لم يحضر الشك فيه أحدا منكم، ~~وهو الموت المكتوب عليكم؛ فإنه لا يستقال بعده عثرة، ولا يحظر قبله توبة، ~~واعلموا أنه لا شيء بعده إلا فوقه، ولا يعين على جزعه وعلزه وكربه، ~~وعلى القبر وظلمته، ووحشته وضيقه، وهول مطلعه، ومسألة ملكيه إلا العمل ~~الصالح الذي أمر الله به، فمن زلت عند الموت قدمه، فقد ms351 ظهرت ندامته وفاتته ~~استقالته، ودعا من الرجعة ما لا يجاب إليه، وبذل من الفدية ما لا يقبل منه، ~~فالله الله عباد الله، كونوا قوما سألوا الرجعة فأعطوها إذ منعها ~~الذين طلبوها، فإنه ليس يتمنى المتقدمون قبلكم إلا هذا الأجل المبسوط لكم، ~~فاحذروا ما حذركم الله منه، واتقوا اليوم الذي يجمعكم الله فيه لوضع ~~موازينكم، ونشر صحفكم الحافظة لأعمالكم، فلينظر عبد ما يضع في ميزانه مما ~~يثقل به، ومما يملى في صحيفته الحافظة لما عليه، ولست أنهاكم عن الدنيا ~~بأكثر مما نهتكم به الدنيا عن نفسها، فإن كل ما بها يحذر منها وينهى ~~عنها، وكل ما فيها يدعو إلى غيرها، وأعظم ما رأته أعينكم من فجائعها ~~وزوالها ذم الله لها والنهي عنها، فإنه يقول تبارك وتعالى: # فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا ~~يغرنكم بالله الغرور ~~، وقال: # أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة ~~وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال ~~والأولاد ~~، فانتفعوا بمعرفتكم بها وبإخبار الله عنها، ~~واعلموا أن قوما من عباد الله أدركتهم عصمة الله فحذروا مصارعها، وجانبوا ~~خدائعها، وآثروا طاعة الله فيها، وأدركوا الجنة بما يتركون منها. # خطبة التهنئة # قال ابن أبي طاهر: دخل المأمون بغداد فتلقاه وجوهها، فقال له رجل منهم: ~~يا أمير المؤمنين، بارك الله لك في مقدمك، وزاد في نعمتك، وشكرك عن ~~رعيتك، تقدمت من قبلك، وأتعبت من بعدك، وأيأست أن يعاين مثلك، أما فيما ~~مضى فلا نعرفه، وأما فيما يبقى فلا نرجوه، فنحن جميعا ندعو لك ونثني عليك، ~~خصب لنا جنابك، وعذب ثوابك، وحسنت نظرتك، وكرمت مقدرتك، جبرت الفقير، ~~وفككت الأسير، والخير بفنائك، والشر بساحة أعدائك، والنصر منوط بلوائك، ~~والخذلان مع ألوية حسادك، والبر فعلك، قد طحطح عدوك غضبك، وهزم ~~مغايبهم مشهدك، وسار في الناس عدلك، وشسع بالنصر ذكرك، وسكن قوارع ~~الأعداء ظفرك، الذهب عطاؤك، والدواة رمزك، والأوراق لحظك وأطرافك. ~~(4) الكتابة # قلنا في كلمتنا عن الكتابة في صدر العصر العباسي: إن أسبابا كثيرة وقوية - ~~ذكرناها هناك - دفعت الكتابة فتعددت أغراضها وتنوعت أساليبها، ومال الكتاب ~~إلى السهولة في العبارة، والتأنق ms352 في اللفظ، والجودة في الرصف، وأطالوا في ~~المقدمات، ونوعوا المبدأ والختام، والألقاب والدعاء، ومالوا إلى الغلو ~~والمبالغة. # ثم قلنا بعد كلام: أما الإطناب في الكتابة فكان صفة غالبة في كل ما شمل بيعة ~~أو عهدا أو احتجاجا، أو انتصارا أو تقريرا لمذهب، أو استهواء أو دفعا ~~لشبهة، أو طلبا لنعمة ... إلخ، وقد أثبتنا لك جملة صالحة من آثار العصر المأموني ~~مما يقوم حجة على ما ذهبنا إليه، ونحيلك إلى رسالة أبي الربيع محمد بن الليث ~~إلى قسطنطين ملك الروم، وإلى رسالة يحيى بن زياد الحارثي في تقريظ أمير ~~المؤمنين الرشيد، وقد أثبتناهما لك، نقلا عن النسخة الخطية من كتاب «المنظوم ~~والمنثور» لابن طيفور، في باب المنثور في الكتاب الثاني من المجلد الثاني، كما ~~أثبتنا لك في الكتاب الثالث من المجلد الثالث رسالة قيمة للمأمون تسمى «رسالة ~~الخميس»، كان بعث بها إلى أهل خراسان كمنشور من الخليفة، ورسالة ممتعة لسهل بن ~~هارون خازن بيت الحكمة في عهده، فراجع ذلك ثمة. # ولو قد ذهبنا نورد من آثار عصر المأمون الكتابية لعدونا القصد وأمللنا، ~~فحسبنا ما أحلناك إلى مراجعته الآن، وهو فيه الكفاية لإثبات ما ذهبنا إليه، وقد ~~أوردنا هذه الرسائل من غير أن نعرض لها بتحليل أو بيان، فهي في وضوحها ~~ودلالتها على ما أردنا من إيرادها غير محتاجة إلى شيء. ~~(5) مجالس المناظرة و«أبهاء» الأدب والغناء والمنادمة # أما مجالس المناظرة ومكانتها السامية في العصر المأموني، فقد وقفت على طرف ~~عظيم منه في الفصول التي عقدناها لك عن المأمون وعلمه وأدبه ودينه وسياسته، فمن ~~نافلة القول وتكراره أن ننقلها لك هنا، وقصارانا أن نقول: إن المناقشات الحادة ~~بين سيبويه والكسائي في شأن مسألة نحوية، وبين الشعراء والأدباء في تفضيل شاعر ~~على شاعر، وبين السنيين والمعتزلة في القول بخلق القرآن، وأبهاء الأدب عند ~~الأمين والمأمون وأنصارهما، وأمراء العرب كأبي دلف وعبد الله بن طاهر ~~وغيرهما، لتدل أوضح الدلالة على ما كان للمناظرة في هذا العصر من مكانة، حتى ~~أصبحت من أهم مميزاته وكبريات آثاره. ms353 # وأما المنادمة والغناء، فقد سبق أن نقلنا لك ما رواه صاحب «التاج» عن حالة ~~المنادمة في الصدر العباسي، وقد آن لنا أن نتم لك القول في حالتها في العصر ~~المأموني، ونحيلك في الوقت نفسه إلى كتاب «حلبة الكميت»، و«الأغاني»، و«نهاية ~~الأرب» وغيرها من كتب الأدب، فهي مترعة بأخبار الغناء والمنادمة، غنية بأخبار ~~المنادمين والمغنين. # سئل إسحاق بن إبراهيم الموصلي عن رأيه في حال المنادمة في تلك الأيام، فقال ~~عن الأمين: ما كان أعجب أمره كله، فأما تبذله فما كان يبالي أين قعد ومع من ~~قعد، وكان لو كان بينه وبين ندمائه مائة حجاب خرقها كلها وألقاها عن وجهه، حتى ~~يقعد حيث قعدوا، وكان من أعطى الخلق لذهب وفضة، وأنهبهم للأموال إذا طرب أو ~~لها، وقد رأيته وقد أمر لبعض أهل بيته في ليلة بوقر زورق ذهبا فانصرف به، وأمر ~~لي ذات ليلة بأربعين ألف دينار فحملت أمامي، ولقد غناه إبراهيم بن المهدي غناء ~~لم أرتضه، فقام عن مجلسه فأكب عليه فقبل رأسه، فقام إبراهيم فقبل ما وطئت ~~رجلاه من بساطه، فأمر له بمائتي ألف دينار، ولقد رأيته يوما وعلى رأسه بعض ~~غلمانه فنظر إليه فقال: ويلك! ثيابك هذه تحتاج إلى أن تغسل، انطلق فخذ ثلاثين ~~بدرة فاغسل بها ثيابك . # ولقد حدثني علويه الأعسر، وهو أبو الحسن علي بن عبد الله بن سيف عنه قال: ~~لما أحيط به وبلغت حجارة المنجنيق بساطه كنا عنده، فغنته جارية له بغناء ~~تركت فيه شيئا لم تجد حكايته، فصاح: يا زانية، تغنينني الخطأ! خذوها ~~فحملت، وكان آخر العهد بها. # وسئل عن حال المنادمة عند المأمون فقال: أقام بعد قدومه عشرين شهرا لم يسمع ~~حرفا من الغناء، ثم سمعه من وراء حجاب متشبها بالرشيد، فكان كذلك سبع حجج، ~~ثم ظهر للندماء والمغنين، قال: وكان حين أحب السماع ظاهرا بعينه، أكبر ذاك ~~أهل بيته وبنو أبيه. # ويقال: إنه سأل عن إسحاق بن إبراهيم الموصلي، فغمزه بعض من حضر وقالوا: ما ~~يغادر تيها وبأوا، فأمسك عن ذكره، قال: ms354 فجاءه زرزر يوما فقال له: يا ~~إسحاق، نحن اليوم عند أمير المؤمنين، فقال إسحاق: فغنه بهذا الشعر: # يا سرحة الماء قد سدت موارده # أما إليك طريق غير مسدود # لحائم حام حتى لا حراك به # محلأ عن سبيل الماء مطرود # فلما غناه به زرزر أطربه وبهجه، وحرك له جوارحه وقال: ويلك! من هذا؟ قال: ~~عبدك المجفو المطرح يا سيدي؛ إسحاق، قال: يحضر الساعة، فجاءه رسوله وإسحاق ~~مستعد قد علم أنه إن سمع الغناء من مجيد مؤد أنه سيبعث إليه، فجاءه الرسول، ~~فحدثت أنه لما دخل عليه ودنا منه مد يده إليه ثم قال: ادن مني فأكب ~~عليه، واحتضنه المأمون وأدناه، وأقبل عليه بوجهه مصغيا إليه مسرورا ~~به. # وحسبنا هذا القدر، وإن أردت زيادة وإفاضة فإنا نحيلك إلى بعض أخبارها في ~~الجزء السادس من كتاب بغداد مع ما ذكرناه لك من المراجع. ~~(6) الشعر # أشرنا في كلمتنا عن حالة الشعر وفنونه في صدر العصر العباسي إلى ما أخذ يتحول ~~هو إليه أيضا تبعا لمقتضيات العصر وظروف الزمان، ومسايرة للحياة الاجتماعية ~~والاقتصادية، ولما جد على أحوال الناس ومعايشهم من الغنى والترف، وما ~~يستلزمه الغنى والترف من الاستمتاع بألوان اللهو واللذات، والافتنان في بناء ~~القصور والسفن، وإنشاء الحدائق والمتنزهات. ولقد كان في مرجونا أن نفرد لك ~~فصلا خاصا نضمنه ما كان من الخلفاء في إقامة مبان وقصور وحدائق ودور لم ~~يكن للعرب بها ولا بنظيراتها سابقة عهد، وإنما ألجأتهم إليها المدنية والبذخ، ~~وما أصابوه فيها من رفاهة عيش، وسعة يد، ووفرة غنى، بيد أن ذلك يطول ويخرج ~~بنا عما رسمناه لأنفسنا من القصد والإيجاز، مع الإلمام بكافة النواحي لهذا ~~العصر. # على أنه من الميسور لك أن تتصور مبلغ ما وصل إليه الخلفاء العباسيون وأمراء ~~البيت المالك ورجالات الدولة من الثروة والبذخ، بما أومأنا إليه في كلمتنا عن ~~خراج الدولة وما كان فيها من استصفاء وأعطيات عظيمة. # وقد كانت أيضا الحياة السياسية والفكرية حادة عنيفة، فقد اشتدت الملاحاة بين ~~شيعة العلويين والعباسيين، وبلغ النزاع غايته بين ms355 أصحاب المذاهب وزعماء الآراء، ~~ولا تنس أن تضيف إلى ما تقدم ما كان لترجمة العلوم اليونانية وغير اليونانية من ~~أثر بعيد في أفكار الناس وأخيلتهم وأساليبهم، والدقة في تعبيراتهم، والتنظيم ~~فيما لهم من آثار. # وقد كانت الآثار الشعرية لهذا العصر إلى حد ما مرآة صادقة لأحواله وما كان ~~يجري فيه من شئون. # أسرف الناس في شرب الخمر فافتن الشعراء في وصف الخمر ووصف كئوسها، وتخير ~~الناس السقاة من الغلمان ومن في زي الغلمان، فوصف الشعراء السقاة وتغزلوا في ~~الغلمان، وولع الناس بالصيد، فوصف الشعراء الصيد وما يجري في مجال الصيد، ~~وافتن الناس كما قلنا في بناء القصور وغير القصور، ففتحوا المجال واسعا ~~لخيال الشعراء في شتى الأبواب، واشتدت المنافسة السياسية بين شيعة العلويين ~~والعباسيين، فأخذ شعراء كل فريق ينضحون عن رأيهم، ويؤيدون مذهبهم، وألف ~~العلماء في الفقه والأخلاق والكلام، فأخذ الشعراء يعالجون نظم الفقه والأخلاق ~~والكلام، وهكذا تعددت أغراض الشعر، وتنوعت ألوانه. # وتحضر الناس في بغداد وغير بغداد من الحواضر الإسلامية، فرقت طباعهم، ~~ولانت أخلاقهم، ونبت عن الحوشية أذواقهم، فرق شعر أهل الحواضر، وسلست ~~ألفاظه، وبعدت من الحوشية، وترجمت العلوم اليونانية وغير اليونانية من فلسفة ~~ومنطق وأخلاق، فكان لهذه العلوم أثرها في تنظيم أفكار الشعراء ودقة ~~خيالاتهم. # ولو ذهبنا نورد لك شواهد على كل هذا وغيره لأطلنا وأمللنا، وإنما نحيلك على ~~آثار شعراء هذا العصر، كأبي نواس في الخمر وكئوسها، وأوقات شرابها وسقاتها، ~~والغزل بالغلمان، والصيد والطرد، ووصف مظاهر الحضارة العباسية، وكدعبل الخزاعي ~~والسيد الحميري في النزاع السياسي بين العلويين والعباسيين، وكأبي العتاهية في ~~الأخلاق، وأبان بن عبد الحميد في نظم العلوم كالفقه وغير الفقه، وهذه الإحالة ~~لا تمنعنا أن نورد لك أمثالا من آثار هذا العصر الشعرية. # وهنا تعرض لنا ملاحظة نرى إيرادها حتما علينا، وهذه الملاحظة هي أن الشعر ~~في عصر المأمون كان مرآة صادقة للحياة وما يجري فيها من شئون إلى حد ما. # نقول: «إلى حد ما»، ويدفعنا إلى هذا القول معتقدنا القوي الذي تكون لنا من ms356 ~~دراستنا لروح هذا العصر، ذلك بأنا نرى كثيرا من شعراء الحاضرة المجيدين في هذا ~~العصر وفي العصر الذي قبله ينحلون نتائج أفكارهم وما تجود به قرائحهم شعراء ~~الجاهلية وأعراب البادية. # ونرى أيضا أن كبار الرواة وأهل الأدب ينشدون الشعر الجيد لمحدث، فيعجبون به ~~على أنه قديم أو لأعرابي، حتى إذا تبين لهم أنه لمحدث أنكروه وازوروا ~~عنه. # هذا يدلنا على أن جماعة قوية يعتد بها في هذا العصر كانت تميل إلى إيثار ~~الشعر القديم وشعر أعراب البادية على الشعر الجديد ورجال الشعر الجديد، وإذا ~~كان هذا حقا كان من الطبيعي أن يعيش الشعراء من الناحية الشعرية في غير ~~عصرهم، وأن يكونوا بأخيلتهم في غير حاضرتهم، لكي يتملقوا الروح الغالبة، ~~ويظفروا برضا العلماء، وقد يكون لهؤلاء العلماء والرواة حظ كبير في صرف أذهان ~~الناس إلى الشعر القديم. # وليس معنى ذلك أن شعر المحدثين لم تكن له مكانة رفيعة عند القوم، بل على ~~النقيض كانت له منزلة رفيعة في النفوس. # لذلك نحن نميل إلى القول بأن خير من يمثل هذا العصر أولئك المجددون الذين لم ~~يتقيدوا ببكاء الأطلال، والحنين إلى الرسوم؛ كأبي نواس وأضراب أبي نواس. # على أنه يجدر بنا أن نورد لك مثلين مما كانوا يتذوقونه في هذا العصر من شعر ~~المحدثين وما قاله أبو دلف ناعيا منهح التقعر، بعد إيرادنا لك ما وعدناك ~~بإيراده من شعر لهذا العصر في شتى الأنحاء. # وقد نشرنا لك في باب المنظوم من الكتاب الثالث من المجلد الثالث أمثلة من شعر ~~هذا العصر، كما نشرنا لك تلك القصيدة التي أنشدها محمد بن عبد الملك للمأمون ~~يحرضه فيها على قتل إبراهيم بن المهدي حين ظفر به، فقال المأمون: لا والله ~~أشمته به، بل أعفو عنه! وانظر إلى مطلع القصيدة تر الفلسفة اليونانية جاثمة ~~فيه: # ألم تر أن الشيء للشيء علة # يكون له كالنار تقدح بالزند # وكان للمأمون جارية تسمى عريب - كانت تعشق جعفر بن حامد - وكان يتعشقها، ~~فلما وجدت من المأمون غفلة وضعت على فراشها مثال ms357 رخام يحسب من رآه من بعيد أنها ~~نائمة، وكان جعفر بن حامد قد نزل إلى جانب قصر المأمون، فصعدت إلى السطح ونزلت ~~في زنبيل، فلما قضى نهمته منها قعدت في الزنبيل فصعدت ورجعت إلى مكانها، ~~وطلبها المأمون قبل أن ترجع إلى فراشها فلم يجدها، فعلم إلى أين صارت، فقال أبو ~~موسى حاكيا لهذه القصة: # قاتل الله عريبا # فعلت فعلا عجيبا # ركبت والليل داج # مركبا صعبا مهيبا # فارتقت متصلا بالن # نجم أو منه قريبا # صبرت حتى إذا ما # أقصد النوم الرقيبا # مثلت بين حشايا # ها لكي لا يستريبا # خلفا منها إذا نو # دي لم يلف مجيبا # ومضت يحملها الخو # ف قضيبا وكثيبا # محة لو حركت خف # ت عليها أن تذوبا # فتدلت لمحب # فتلقاها حبيبا # جذلا قد نال بالد # نيا من الدنيا رغيبا # أيها الظبى الذي تس # حر عيناه القلوبا # والذي يأكل بعضا # بعضه حسنا وطيبا # كنت نهبا لذئاب # فلقد أطمعت ذيبا # وكذا الشاة إذا لم # يك راعيها لبيبا # لا يبالي وبأ المر # عى إذا كان خصيبا # ولقد أصبح عبد # الله كشخانا # 2 # حريبا # قد لعمري لطم الخد # د وقد شق الجيوبا # وجرت منه دموع # بلت الذقن الخضيبا # ومما يعتبر من الهجاء السياسي قصيدة جحشويه الشاعر في يحيى بن أكثم قاضي ~~المأمون بالبصرة، إذ فيه أيضا هجو لآل العباس وخلافتهم، قال: # أنطقنى الدهر بعد إخراس # بحادثات أطلن وسواسي # يا بؤس للدهر لا يزال كما # يرفع ناسا يحط من ناس # لا أفلحت أمة وحق لها # بطول لعن وطول إتعاس # ترضى بيحيى يكون سائسها # وليس يحيى لها بسواس # قاض يرى الحد من الزناء ولا # يرى على من يلوط من باس # يحكم للأمرد الظريف على # مثل جوين ومثل عداس # 3 # فالحمد لله قد ذهب ال # جود وقل الوفاء في الناس # أميرنا جائر وقاضينا # يلوط والرأس شر ما راس # لو قصد الرأس واستقام لقد # قام على القصد كل مرتاس # ما أحسب الجور ينقضي وعلى ال # ناس أمير من آل عباس # وقد أثبتنا لك في باب المنظوم ms358 من الكتاب الثالث في مجلدنا الثالث مثلا آخر ~~من الهجاء قاله بعض الشعراء في يحيى بن أكثم، فراجعه ثمة. # وهناك نوع من الشعر يمثل لك ناحية من نواحي العصبية بين القبائل، وهو إلى حد ~~ما يعتبر من الشعر السياسي، وهذا النوع مثل ما قاله مسلم بن الوليد في هجاء ~~قريش والافتخار بالأنصار، ورد ابن قنبر عليه، وإنا نحيلك على موضع ذلك من ~~مجلدنا الثاني للاطلاع عليه؛ لضيق المقام عن إيراده هنا. # وفي هذه القصة الآتية طرافة من الفراسة في العصر آثرنا إثباتها لذلك، ~~وهي: # قال أبو السمراء: خرجنا مع الأمير عبد الله بن طاهر متوجهين إلى مصر، حتى إذا ~~كنا بين الرملة ودمشق إذ نحن بأعرابي قد اعترض، فإذا شيخ فيه بقية على بعير له ~~أورق، فسلم علينا فرددنا عليه السلام، قال أبو السمراء: وأنا وإسحاق بن إبراهيم ~~الرافقي وإسحاق بن أبي ربعي ونحن نساير الأمير، وكنا يومئذ أفره من الأمير ~~دواب، وأجود منه كسا، قال: فجعل الأعرابي ينظر في وجوهنا، قال: فقلت: يا ~~شيخ، قد ألححت في النظر، أعرفت شيئا أم أنكرته؟ قال: لا والله ما عرفتكم قبل ~~يومي هذا، ولا أنكرتكم لسوء أراه فيكم، ولكني رجل حسن الفراسة في الناس جيد ~~المعرفة بهم، قال: فأشرت له إلى إسحاق بن أبي ربعي فقلت: ما تقول في هذا؟ ~~فقال: # أرى كاتبا داهي الكتابة بين # عليه وتأديب العراق منير # له حركات قد يشاهدن أنه # عليم بتقسيط الخراج بصير # ونظر إلى إسحاق بن إبراهيم الرافقي فقال: # ومظهر نسك ما عليه ضميره # يحب الهدايا بالرجال مكور # أخال به جبنا وبخلا وشيمة # تخبر عنه إنه لوزير # ثم نظر إلي وأنشأ يقول: # وهذا نديم للأمير ومؤنس # يكون له بالقرب منه سرور # وأحسبه للشعر والعلم راويا # فبعض نديم مرة وسمير # ثم نظر إلى الأمير وأنشأ يقول: # وهذا الأمير المرتجى سيب كفه # فما إن له فيمن رأيت نظير # عليه رداء من جمال وهيبة # ووجه بإدراك النجاح بشير # لقد عصم الإسلام منه بذائد # به عاش معروف ومات نكير ms359 # ألا إنما عبد الإله بن طاهر # لنا والد بر بنا وأمير # قال: فوقع ذلك من عبد الله أحسن موقع، وأعجبه ما قال الشيخ، فأمر له بخمسمائة ~~دينار وأمره أن يصحبه. # هذا، وقد حدث بعضهم قال: احتج أصحاب المأمون عنده يوما فأفاضوا في ذكر الشعر ~~والشعراء، فقال بعضهم: أين أنت يا أمير المؤمنين من مسلم بن الوليد حيث يقول؟ ~~قال: ماذا قال؟ قال: حيث يقول ورثى رجلا: # أرادوا ليخفوا قبره عن عدوه # فطيب تراب القبر دل على القبر # وهجا رجلا بقبح الوجه والأخلاق فقال: # قبحت مناظره فحين خبرته # حسنت مناظره لقبح المخبر # ومدح رجلا بالشجاعة فقال: # يجود بالنفس إن ضن الجواد بها # والجود بالنفس أقصى غاية الجود # وتغزل فقال: # هوى يجد وحبيب يلعب # أنت لقى # 4 # بينهما معذب # ومما كان يستحسنه المأمون من دعبل الحزاعي هجاء المأمون المعروف قوله: # ألم يأن للسفر الذين تحملوا # إلى وطن قبل الممات رجوع # فقلت ولم أملك سوابق عبرة # نطقن بما ضمت عليه ضلوع # تبين فكم دار تفرق شملها # وشمل شتيت عاد وهو جميع # طوال الليالي صرفهن كما ترى # لكل أناس جدبة وربيع # وقد حدث ابن طيفور عن مشيخته أن منصورا النمري والحسن بن هانئ وأبا العتاهية ~~وأبا زغبة # 5 # اجتمعوا فتذاكروا أبياتا على وزن واحد، ففضل أبو العتاهية ~~عليهم، فقال النمري: # أعمير كيف بحاجة # طلبت إلى صم الصخور # لله در عداتكم # كيف انتسبن إلى الغرور # ولقد تبيت أناملي # يجنين رمان النحور # وقال أبو العتاهية: # لهفي على الزمن القصير # بين الخورنق والسدير # إذ نحن في غرف الجنا # ن نعوم في بحر السرور # وقال الحسن بن هانئ: # وعظتك واعظة القتير # 6 # وعلتك أبهة الكبير # ورددت ما كنت استعر # ت من الشباب إلى المعير # ولقد تحل بعقوة ال # 7 # ألباب من بقر القصور # صور إليك مؤنثا # ت الدل في زي الذكور # أرهفن إرهاف الأعن # نة والحمائل والسيور # أصداغهن معقربا # ت والشوارب من عبير # قال المحدث: ولا أحفظ ما قال أبو زغبة، ففضلوا أبا العتاهية، وأبو نواس ~~عندي أشعرهم. ms360 # وقد روى ابن طيفور أن عامل أبي دلف قد قصر في أمره، فبعث إليه من عزله ~~وقيده وحبسه، فكتب إلى أبي دلف من السجن كتابا تنطع فيه وقعر وطول، فكتب ~~إليه أبو دلف: # يا صاحب التطويل في كتبه # وصاحب التقصير في فعله # وراكب الغامض من جهله # وتارك الواضح من عقله # لم يحظ من ألزمه قيده # بل صير القيد إلى أهله # قيده للحبس تقعيره # فالقيد لم يخرج من رجله # والله لا فارقه قيده # أو يقطع التقعير من أصله # وفي الختام نرى لزاما في عنقنا أن نحيلك على ما قاله الشعراء وصفا لثورة ~~بغداد وحريقها، وعلى رثائهم للأمين، ونماذج أخرى لمختلف مقولاتهم في مختلف ~~المناحي، وقد نشرنا لك من هذا جملة صالحة في باب المنظوم من الكتاب الثالث من ~~مجلدنا الثالث، فإنها تعطيك صورة صادقة لدرجة الشعر في ذلك العصر، فراجعة ~~ثمة. # | هوامش # الفصل العاشر # | نماذج لبعض الشخصيات البارزة في العصر ~~المأموني # (1) توطئة # أعترف أنه من الصعوبة بمكان أن أختار لك أشخاص هذه النماذج؛ لأن الكثرة من ~~رجالات العصر من النباهة والكفاية بمكان، وقد كان يحلو لي حقا ويسرني أيما ~~سرور لو اتسعت رسالتي للكتابة عن رجالات العصر من وزراء وعلماء وقضاة وشعراء ~~وكتاب وأطباء ومغنين وندماء، بيد أن ذلك يتطلب سعة لا يحتملها هذا ~~المقام. # على أنا قد رأينا أن نكتب لك كلمات مجملة عن «جبرائيل بن بختيشوع» من أطباء ~~العصر، وعن «الجاحظ» من ملوك الكتاب ورؤساء الاعتزال، وعن «أبان اللاحقي» ~~الشاعر وصاحب نظم كليلة ودمنة، وعن «أحمد بن يوسف» الوزير المأموني ومدبج ~~رسالاته، وعن «يحيى بن أكثم» قاضي قضاته، وأخيرا عن «إسحاق بن إبراهيم» وهو ~~مجموعة هؤلاء. # ونعترف لك بأن في كتابنا شيئا من التقصير نحسه، وسببه حاجة هذه الموضوعات ~~إلى الإفاضة في الشرح والبيان، وإلى التحليل والإسهاب مما لا قبل لرسالتنا ~~به. # وبعد، فلنبدأ بهذا النماذج فنقول: ~~(2) جبرائيل بن بختيشوع الطبيب النسطوري # لسنا نريد أن نستطرد في الحديث عن بختيشوع الطبيب الشهير، وإنما نريد أن ~~نلم إلمامة به يتعرف ms361 منها القارئ ما كان للرجل من أثر في عصره، فنقول: إن هذه ~~الأسرة هي الأسرة الوحيدة النسطورية التي استقام دور عزها ثلاثة قرون، كان لها ~~خلالها حظ وجاه، وكانت لأفرادها حظوة، فاستعملهم الخلفاء العباسيون، فانتفعوا ~~من الخلفاء، ونفعوا الطب وغير الطب من العلوم بآثارهم ومنتجات عقولهم. # أما هذه التسمية فسريانية، وهي مركبة من لفظتين سريانيتين، بخت ومعناه ~~العبد، ويشوع ومعناه يسوع أي عبد يسوع، وكانت هذه الأسرة من مدينة ~~جنديسابور، وأول من عرفه التاريخ منها هو ديورجيس بن جبرائيل بن بختيشوع، ~~وكان يزاول مهنة الطب فبرع فيها، ونبه ذكره، وأقيم رئيسا لمستشفى مدينته ~~حتى إن أبا جعفر المنصور قد أرسل وفدا من قبله إلى جنديسابور يستدعيه إليه؛ إذ ~~كان قد انتابه مرض فعجزت عن شفائه نطس الأطباء، فتأبى بختيشوع بادئ الرأي حتى ~~اعتقله العامل، ولكن أعيان بلده من مطارنة وقساوسة وغير هؤلاء نصحوا له بأن ~~يمتثل للأمر، فانقاد لنصيحتهم، وولي وجهه شطر دار السلام، ثم كانت له حظوة عند ~~المنصور، وما كنا لنستطرد في الحديث عن هذه الأسرة، وإنما سقنا هذه الكلمة ~~لنأتي على شيء من أخبار أسرة جبرائيل، لنظهر ما لهذا الرجل من المكانة في عالم ~~الطب، وأنه من سلالة كانت تتوارث أخلافها عن أسلافها هذه الصناعة. # نقول: إن جبرائيل هذا قد نبغ على مثال ذويه، وظهرت فيه عوامل الوراثة، فورث ~~عن آبائه الصفات الأدبية، وبرع في صناعة الطب، وكان إلى جانب هذا وديع الخلق، ~~لطيف المحضر، كريم السجايا، عرف في جو الطب سنة 175ه/سنة 791م، ذلك بأن جعفر ~~بن خالد بن برمك بعد أن أبل من مرضة باعتناء بختيشوع، رغب إليه أن يبقى معه ~~طبيبا له، فاعتذر وأناب عنه ابنه جبرائيل هذا، فلقى منه كل رعاية، وكاشفه جعفر ~~بداء خفي كان قد أصابه، فعالجه جبرائيل في ثلاثة أيام، وشفي جعفر، فزادت مكانة ~~جبرائيل عنده وقربه منه، فكان جليسه وكان نديمه، وكان لا يفارقه ساعة واحدة، ~~وحدث أن جارية من جواري هارون الرشيد قد يبست ذراعها، فأبرأها جبرائيل بحيلة ms362 ~~لطيفة بعد أن أخفق الأطباء في معالجتها، فحباه بخمسين ألف درهم، وقد عظم شأنه ~~حتى قال الرشيد لأصحابه: كل من كانت له إلي حاجة فليخاطب بها جبرائيل؛ لأني ~~أقبل كل ما يسألني فيه ويطلبه مني، وكان في صحبة الرشيد أينما حل وحيثما ~~ارتحل، فقد ذهب معه إلى الرقة وصار معه إلى الحجاز. # ولما تولى الأمين الخلافة عرض جبرائيل على الخليفة أن يكون له خادما، ~~فقبله ورحب به، ولم يكن يأكل شيئا إلا بإذنه، ولما بلغ ذلك المأمون اعتقل ~~جبرائيل، ولم يطلق سراحه حتى شفع فيه الحسن بن سهل، وفي سنة 210ه/826م مرض ~~المأمون مرضا أعجز أطباءه، وكان في مقدمتهم ميخائيل صهر جبرائيل، فأخذ ~~جبرائيل على نفسه شفاء المأمون، وكان موفقا، فلم تمض أيام حتى شفي ~~المأمون، فغمره بنعمائه واتخذه أنيسا ونديما، ولم يقف احترام المأمون ~~لجبرائيل وإكرامه له عند هذا الحد، بل قد عداه إلى غيره من عمال الدولة، فقد ~~أصدر المأمون أمره إلى الموظفين والعمال والقواد بأن يوقروا جبرائيل ويجلوه، ~~وكان الرجل يتدخل في شئون طائفته كلها، حتى الشئون الكنسية، وبتأثيره انتخب ~~البطريرك جيورجيس المعروف بابن الصباغ، فتولى الرياسة الدينية في طائفته وهو في ~~سن الشيخوخة، ولما كانت سنة 213ه/828م مرض جبرائيل، واتفق أن الخليفة المأمون ~~كان في ذلك العهد قد سافر إلى بلاد الروم، فأقعد المرض جبرائيل عن ملازمته، ~~ولكنه أناب عنه ابنه بختيشوع، ولم يرجع المأمون وبختيشوع من رحلتهما حتى كان ~~جبرائيل قد توفي. # فأقيم له مأتم حافل قلما كان لمثله في ذلك العصر، ودفن في مدفن القديس سرجيس ~~بالمدينة، وترك مالا كثيرا، وملكا واسعا، فكانت له ضياع بجنديسابور ~~والسوس والبصرة والسواد، حصل عليها بما ناله من الخلفاء من التخصيصات ~~الجزيلة، والهدايا الكثيرة في المواسم والمعاشات، وله من الكتب رسالة في المطعم ~~والمشرب قدمها إلى المأمون، وكتاب المدخل إلى صناعة المنطق، ورسالة مختصرة في ~~الطب، وهي مختصر تأليف ديروكوريدس وجالينوس وبولس الإيجيني، وله أيضا كتاب في ~~صناعة البخور، وقد نسب إليه السمعاني في مكتبته الشرقية معجما سريانيا ms363 على ~~أن هذا مشكوك في روايته. ~~(3) الجاحظ ~~«الكتاب وعاء ملئ علما، وظرف حشي ظرفا، وبستان يحمل في ردن، وروضة تقلب ~~في حجر، ينطق عن الموتى، ويترجم كلام الأحياء، ولا أعلم جارا أبر، ولا ~~خليطا أنصف، ولا رفيقا أطوع، ولا معلما أخضع، ولا صاحبا أظهر كفاية، وأقل ~~جناية، ولا أقل إملالا وإبراما، ولا أقل خلافا وإجراما، ولا أقل غيبة، ولا ~~أبعد من عضيهة، # 1 # ولا أكثر أعجوبة وتصرفا، ولا أقل صلفا وتكلفا، ولا أبعد من ~~مراء، ولا أترك لشغب، ولا أزهد في جدال، ولا أكف عن قتال من كتاب. # ولا أعلم قرينا أحسن مواتاة، ولا أعجل مكافأة، ولا أحضر معونة، ولا أقل ~~مئونة، ولا شجرة أطول عمرا، ولا أجمع أمرا، ولا أطيب ثمرة، ولا أقرب مجتنى، ~~ولا أسرع إدراكا في كل أوان، ولا أوجد في غير إبان من كتاب. # ولا أعلم نتاجا في حداثة سنه، وقرب ميلاده، ورخص ثمنه، وإمكان جوده، يجمع ~~من التدابير الحسنة، والعلوم الغريبة، ومن آثار العقول الصحيحة، ومحمود الأخبار ~~اللطيفة، ومن الحكم الرقيقة، ومن المذاهب القويمة، والتجارب الحكيمة، والإخبار ~~عن القرون الماضية، والبلاد المتراخية، والأمثال السائرة، والأمم البائدة ما ~~يجمع الكتاب.» # بهذا الأسلوب الحسن في منحاه، الناصع البيان في مبناه، الداني القطوف، السديد ~~في منهجه، العذب في مورده، يخاطبنا شيخ الكتاب غير مدافع، والمتفنن في الرسالات ~~غير منازع أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ بعبارات تستساغ في غير مئونة ولا كد ~~ذهن، وتستوعب بلا إرهاق خاطر ولا إعنات روية. # والجاحظ، أيدك الله، ليس وراء كتاباته، كما تعلم، مذهب لمستفيد، ولا مراد ~~لراغب فقرها متناسبة متراصفة، وألفاظها متنخلة متخيرة، وعباراتها مطردة ~~منسجمة، وجملها مما يوطأ له مهاد الطبع، ويرتفع له حجاب السمع، وهي - وأنت جد ~~عليم - من ذلك النوع الذي يدخل الآذان بلا استئذان لمكانها من الألباب، وهو من ~~أجل ذلك يتطلب منا درسا تحليليا مطولا، وليس هذا في مقدورنا لتعدد ~~الموضوعات التي نعالجها، ولأنها تستلزم عناية ببحثها والإشارة إليها، بقدر ما ~~يتطلبه الجاحظ من عناية ودرس، فلنكتف ms364 بإلماعة موجزة عن حياة النابغة الفذ الذي ~~تسنم ذروة الكمال، وبلغ غاية النضج في الأدب العربي وفنونه، وكان إلى جانب ~~هذا صاحب مذهب في الاعتزال، هو المذهب الجاحظي، معتمدين فيها على ما كتبه ابن ~~خلكان وصاحب معجم الأدباء ومؤلفات الجاحظ نفسه. # نشأته # هو أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب الجاحظ، ولم تكن أسرته برفيعة القدر ~~ولا سامية المكانة، بل على النقيض كانت خدما وخولا لمولاهم أبي القلمس ~~عمرو بن قلع الكناني ثم الفقيمي النساب، وقد قيل: إن فزارا جد الجاحظ ~~كان جمالا، وإن الجاحظ نفسه كان يبيع الخبز والسمك بسيحان. # قال الجاحظ: أنا أسن من أبي نواس بسنة، ولدت في أول سنة 150ه وولد في ~~آخرها، وانكب الجاحظ على العلم منذ طفولته انكبابا عظيما، وشغف ~~بالمطالعة والقراءة، وعكف على الدرس والحفظ، وقد قال عنه أبو هفان أحد ~~معاصريه: لم أر قط ولا سمعت من أحب الكتب والعلوم أكثر من الجاحظ، فإنه لم ~~يقع بيده كتاب قط إلا استوفى قراءته كائنا ما كان، حتى إنه كان يكتري ~~دكاكين الوراقين ويبيت للنظر فيها، ثم ثنى أبو هفان بالفتح بن خاقان، ~~وذكر بعده إسماعيل بن إسحاق القاضي. # سمع الجاحظ من أبي عبيدة والأصمعي وأبي زيد الأنصاري، وأخذ النحو عن ~~صديقه أبي الحسن الأخفش، وأخذ الحديث عن يزيد بن هارون والسري بن عبدويه ~~وأبي يوسف القاضي والحجاج بن محمد بن حماد بن سلمة، والكلام عن أبي إسحاق ~~إبراهيم بن سيار النظام المعتزلي النابه الذكر، وبه تأثر وعليه تخرج في ~~مذهبه في الكلام والاعتزال. # وإذ كانت ميوله إلى الاطلاع واستيعاب ما يقع تحت يديه من المؤلفات على ما ~~وصفنا، وكان قصاري همه، في مغداته ومراحته وبكوره وآصاله، أن يحفظ ~~كتابا أو يفهم بابا، وكان العصر الذي فيه درج ونما على ما علمت من غزارة ~~المادة، وتعدد التآليف، وازدحام المعارف، ووفرة مختلف الثقافات، فلا غرو ~~إذا أخبرنا الجاحظ عن نفسه بقوله: «لقد نسيت كنيتي، لقد تغيبت ثلاثة أيام ~~حتى أتيت أهلي فقلت لهم: بم أكنى؟ ms365 فقالوا: بأبي عثمان.» ولا غرو إذا كان ~~الجاحظ قد اتصل بكثير من علماء ونوابغ عصره وشهيري الكتاب والمترجمين من ~~فرس وسريان، فتأثر بلا ريب ذكاؤه بهذا الاختلاط، وطالع جماع ما ترجم في ~~أزمان المنصور والرشيد والمأمون، فما كان يقع بيده كتاب إلا استوفى قراءته ~~كائنا ما كان، حتى إنه كان يكتري دكاكين الوراقين ويبيت فيها للنظر، كما ~~قلنا آنفا، فكان لذلك من نوابغ العالم. # وغلب عليه أمران اثنان: الكلام على طريقة المعتزلة، والأدب ممزوجا ~~بالفلسفة والفكاهة. # ولقد قضى عامة عمره بالبصره موفور الكرامة، محبوا من خلائق الله سيما ~~رؤساء الموالي وأعيان الهاشمية والعثمانية بالعطايا والمنح، لما كان يصنفه ~~لهم من الرسائل التي كان يتعمد في كتابتها التشيع لمذهبهم، ومعاضدة ~~مزاعمهم، ونقض أقوال مخالفيهم، وكانت له مهارة في التلاعب بعقولهم، وابتزاز ~~أموالهم، واقتدار على التعبير في كل ما يعالجه، وفي كل موقف، وكان يحج ~~كثيرا إلى بغداد في أواخر عصر المأمون وغيره، فكان المأمون يرفده، ثم ~~انقطع إلى الانتجاع إلى محمد بن الزيات طوال وزاراته الثلاث، ثم أقام بعد ~~موت ابن الزيات بالبصرة حتى أصيب بالفالج، فبقى مفلوجا حتى أسلم ~~الروح. # ذكاؤه وخلقه # كان له حظ كبير وقسط وفير من الذكاء ورقة الشعور، ودقة العاطفة، وله في ~~ذلك نوادر هي من خوارق الطبيعة، وكان غريب الأطوار، به شذوذ في أحواله ~~وأطواره ؛ ذلك لأنه كان يجمع بين الجد والفكاهة، حاضر النكتة، حاضر البديهة، ~~سريع الخاطر، وكانت به دعابة وتظرف وتماجن، وكان لا يحتفل لما يأخذ الناس ~~به أنفسهم وما يتواضعون عليه من العادات والرسوم وأنواع العصبية والمذهبية ~~والجنسية، وكان كريم الأخلاق، كريم اليد، سخيا سمحا، ولطيف المحضر، خفيف ~~الروح، وكان على ما به من دمامة غاية في الظرف وحلاوة اللفظ، وهو من أجل ~~ذلك كان يجمع بين الضدين. # اعتقاده ومذهبه # قلنا: إنه تخرج على أبي إسحاق إبراهيم بن سيار النظام، زعيم الفرقة التي ~~تنسب إليه من المعتزلة، وكان يلازم أستاذه هذا ويتوفر على دروسه، فمن أجل ~~ذلك كان الجاحظ معتزليا، وزعيم الفرقة ms366 الجاحظية في الاعتزال، وقد انتفع ~~بمواهبه وما حباه الله من فصاحة الكلام وطلاقة اللسان وحسن البيان في ترويح ~~مذهبه والدعاوة له، فكان لسان المعتزلة الناطق، وسلاحهم القاطع، وبرع في ~~الكلام، وخلطه بالفلسفة اليونانية، ويرميه كثيرون بالضلالة، وأنه ماجن ~~مهذار، متناقض نقال، يتلاعب بالناس، وينقض اليوم ما بناه أمس، وقد دافع ~~عنه أبو الحسن الخياط في كتابه «الانتصار» على انتقادات ابن الراوندي ~~العنيفة المرة التي تناول فيها عقيدة الجاحظ بالتجريح الشديد. # ومما قاله أبو الحسن الخياط فيما يفند به هجمات ابن الراوندي: «وأما رميك ~~للجاحظ ببغض الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~، فهو دليل على أنك لا تعرف المحب من المبغض، ~~ولا الولي من العدو؛ لأنه لا يعرف المتكلمون أحدا منهم نصر الرسالة واحتج ~~للنبوة بلغ في ذلك ما بلغه الجاحظ، ولا يعرف كتاب في الاحتجاج لنظم القرآن ~~وعجيب تأليفه، وأنه حجة لمحمد # صلى الله عليه وسلم # على نبوته غير كتاب الجاحظ، وهذه ~~كتبه في إثبات الرسالة، وكتبه في تصحيح مجيء الأخبار مشهورة، وهل يستدل ~~على حب الرسول # صلى الله عليه وسلم # والإيمان به وتصديقه فيما جاء به بشيء أوكد مما ~~يستدل به على حب الجاحظ الرسول وتصديقه إياه!» # وقد تناول كبار المؤلفين من العرب؛ كابن قتيبة، والأزهري، والمسعودي، ~~والبديع الهمذاني، وأبي العباس أحمد بن يحيى، وأبي العباس محمد بن يزيد ~~المبرد ، والفتح بن خاقان، والرئيس أبي الفضل بن العميد وغيرهم شخصية الجاحظ ~~بما تستحقه من العناية والدرس، ومن النقد والتقريظ مما لا نثبته لك هنا ~~مخافة الإطالة والملل، فلتراجع في مظانها ومواضعها. # علمه # يقول صاحب المعجم: «كان الجاحظ من الذكاء وسرعة الخاطر والحفظ بحيث شاع ~~ذكره، وعلا قدره، واستغنى عن الوصف»، وقال غيره: إنه كان واسع العلم بفنون ~~الكلام، كثير التبحر فيه، شديد الضبط لحدوده، ومن أعلم الناس به وبغيره من ~~علوم الدين والدنيا، ولا غرو فإن مؤلفاته العديدة تشهد بأنه كان واسع ~~الاطلاع حقا، غزير المادة، خصب الذهن، كثير المحصول العقلي، وقد أكثر ~~التصنيف في الأدب واللطائف والفكاهات، وأتيح له ms367 أن يكون من أئمة الدين ~~وكبار السمار. # ويقول الفتح بن خاقان في كتاب له إلى الجاحظ: «إن أمير المؤمنين يجد ~~بك، ويهش عند ذكرك، ولولا عظمتك في نفسه، لعلمك ومعرفتك، لحال بينك وبين ~~بعدك عن مجلسه، ولغصبك رأيك وتدبيرك فيما أنت مشغول به ومتوفر عليه، ~~ولقد كان ألقى إلي من هذا عنوانه، فزدتك في نفسه زيادة كف بها عن ~~تجشيمك، فاعرف لي هذه الحال، واعتقد هذه المنة على كتاب «الرد على ~~النصارى»، وافرغ منه وعجل به إلي، وكن ممن جدا به على نفسه، وتنال ~~مشاهرتك، وقد استطلقته لما مضى، واستسلفت لك لسنة كاملة مستقبلة، وهذا مما ~~لم تحتكم به نفسك، وقد قرأت رسالتك في «بصيرة غنام»، ولولا أني أزيد في ~~مخيلتك لعرفتك ما يعتريني عند قراءتها. والسلام.» # رسائله # للجاحظ كثير من قصار الرسائل وطوالها، منها: أنه كتب إلى عبد الله بن ~~خاقان في يوم عيد: «أخرتني العلة عن الوزير، أعزه الله، فحضرت بالدعاء في ~~كتابي لينوب عني، ويعمر ما أخلفت العوائق مني، وأسأل الله تعالى أن يجعل ~~هذا العيد أعظم الأعياد السالفة بركة على الوزير، ودون الأعياد المستقبلة ~~فيما يحب ويحب له، ويقبل منا ما نتوسل به إلى مرضاته، ويضاعف ~~الإحسان إليه على الإحسان منه، ويمتعه بصحة النعمة ولباس العافية، ولا يريه ~~في مسرة نقصا، ولا يقطع عنه مزيدا، ويجعلني من كل سوء فداءه، فيصرف عيون ~~الغير عنه وعن حظي منه». # وكتب إلى محمد بن عبد الملك الزيات يستعطفه: «أعاذك الله من سوء الغضب، ~~وعصمك من سرف الهوى، وصرف ما أعارك من القوة إلى حب الإنصاف، ورجح في ~~قلبك إيثار الأناة، فقد خفت، أيدك الله، أن أكون عندك من المنسوبين إلى نزق ~~السفهاء، ومجانبة الحكماء. # وبعد، فقد قال عبد الرحمن بن حسان بن ثابت: # وإن امرأ أمسى وأصبح سالما # من الناس إلا ما جنى لسعيد # وقال الآخر: # ومن دعا الناس إلى ذمه # ذموه بالحق وبالباطل # فإن كنت اجترأت عليك، أصلحك الله، فلم أجترئ إلا لأن دوام تغافلك عني ~~شبيه بالإهمال ms368 الذي يورث الإغفال، والعفو المتتابع يؤيس من المكافأة، ولذلك ~~قال عيينة بن حصن بن حذيفة لعثمان رحمه الله: عمر كان خيرا لي منك! أرهبني ~~فاتقاني، وأعطاني فأغناني، فإن كنت لا تهب عقابي، أيدك الله، لخدمة سلفت ~~لي عندك، فهبه لأياديك عندي، فإن النعمة تشفع في النقمة، وإلا تفعل ذلك ~~لذلك، فعد إلى حسن العادة، وإلا فافعل ذلك لحسن الأحدوثة، وإلا فائت ما ~~أنت أهله من العفو دون ما أنا أهله من العقوبة، فسبحان من جعلك تعفو عن ~~المتعمد، وتتجافى عن عقاب المصر، حتى إذا صرت إلى من هفوته ذكر، وذنبه ~~نسيان، ومن لا يعرف الشكر إلا لك، والإنعام إلا منك، هجمت عليه ~~بالعقوبة. # واعلم، أيدك الله، أن شين غضبك علي كزين صفحك عني، وأن موت ذكري مع ~~انقطاع سببي منك كحياة ذكري مع اتصال سببي بك، واعلم أن لك فطنة عليم، ~~وغفلة كريم. والسلام.» # وللجاحظ رسائل في الاستعطاف وشكوى الزمان آية في البلاغة أثبتناها في ~~المجلد الثالث من هذا الكتاب. # وقد قال فيه بديع الزمان الهمذاني في المقامة الجاحظية: «إن الجاحظ في ~~أحد شقي البلاغة يقطف، والآخر يقف، والبليغ من لم يقصر نظمه عن نثره، ~~ولم يزر كلامه بشعره، فهل تروون للجاحظ شعرا رائقا؟ قلنا: لا، قال: ~~فهلموا إلى كلامه، فهو بعيد الإشارات، قريب العبارات، قليل الاستعارات، ~~منقاد لعريان الكلام يستعمله، نفور من معتاصه يهمله؛ فهل سمعتم له ~~لفظة مصنوعة أو كلمة غير مسموعة؟» # شعره # قيل: إن للجاحظ شعرا، ولكننا نظرنا فيما ينسبه له يموت بن المزرع وأبو ~~العيناء وأبو الحسن البرمكي وغيرهم فوجدناه أقل طبقة من بلاغته، فمما ينسب ~~إليه قوله: # يطيب العيش أن تلقى حكيما # غذاه العلم والفهم المصيب # فيكشف عنك حيرة كل جهل # وفضل العلم يعرفه اللبيب # سقام الحرص ليس له شفاء # وداء الجهل ليس له طبيب # مصنفاته # صنف الجاحظ أكثر من مائتي كتاب. # قال المسعودي: وكتب الجاحظ مع انحرافه تجلو صدأ الأذهان، وتكشف واضح ~~البرهان، لأنه نظمها أحسن نظم، ورصفها أحسن رصف، وكساها من كلامه أحسن ms369 ~~وأجزل لفظ، وكان إذا تخوف ملل القارئ وسآمة السامع خرج من جد إلى هزل، ~~ومن كلمة بليغة إلى نادرة طريفة، وله كتب حسان؛ فمنها «البيان والتبيين»، ~~وهو أشرفها لأنه جمع فيه من المنثور والمنظوم، وغرر الأشعار، ومستحسن ~~الأخبار وبليغ الخطب ما لو اقتصر عليه مقتصر لاكتفى، و«كتاب الحيوان» ~~و«كتاب الطفيليين» و«كتاب البخلاء»، وسائر كتبه في نهاية الكمال ما لم يقصد ~~منها إلى تصعيب ولا إلى دفع حق، ولا يعلم ممن سلف وخلف أفصح منه. # وقال ابن العميد: كتب الجاحظ تعلم العقل أولا والأدب ثانيا. # أخباره # حدثنا أبو معاذ عبد الله الخولي المتطبب قال: دخلنا يوما ب «سر من ~~رأى» على عمرو بن بحر الجاحظ نعوده وقد فلج، فلما أخذنا مجالسنا أتى رسول ~~المتوكل فيه فقال: وما يصنع أمير المؤمنين بشق مائل، ولعاب سائل، ثم ~~أقبل علينا فقال: ما تقولون في رجل له شقان، أحدهما لو غرز بالمسال ما ~~أحس، والشق الآخر يمر به الذباب فيغوث، وأكثر ما أشكوه الثمانون؟ ثم ~~أنشدنا أبياتا من قصيدة عوف بن محلم الخزاعي، قال أبو معاذ: وكان سبب هذه ~~القصيدة أن عوفا دخل على عبد الله بن طاهر فسلم عليه عبد الله فلم يسمع، ~~فأعلم بذلك، فزعموا أنه ارتجل هذه القصيدة ارتجالا: # يا ابن الذي دان له المشرقان # طرا وقد دان له المغربان # إن الثمانين وبلغتها # قد أحوجت سمعي إلى ترجمان # وبدلتني بالشطاط انحنى # وكنت كالصعدة تحت السنان # وبدلتني من زماع الفتى # وهمتي هم الجبان الهدان # وقاربت مني خطى لم تكن # مقاربات وثنت من عنان # وأنشأت بيني وبين الورى # عنانة من غير نسج العنان # ولم تدع في لمستمتع # إلا لساني، وبحسبي لسان # أدعو به الله وأثني به # على الأمير المصعبي الهجان # فقرباني، بأبي أنتما، # من وطني قبل اصفرار البنان # وقبل منعاي إلى نسوة # أوطانها حران والرقمتان # والجاحظ، أيدك الله، قد جمع إلى مواقفه الكبار في الجدل والتناظر، ومتانة ~~الأسلوب وتدفقه، وسمو المنحى وبلاغته، وقوة اللفظ وفخامته، جنوحا عظيما ~~إلى الدعابة واللطائف والتندر والطرائف، والملح والنخب، ms370 والنكت مع ~~الأدب، مع خفة ظل، وظرف روح حبباه إلى النفوس، ومع نباغة وعبقرية جعلتاه ~~فوق الهام والرءوس، وعذوبة عبارة ومائية أسلوب كأنهما الراح في ~~الكئوس. # ومن جملة أخباره أنه قال: ذكرت للمتوكل لتأديب بعض ولده، فلما رآني ~~استبشع منظري، فأمر لي بعشرة آلاف درهم وصرفني، فخرجت من عنده فلقيت محمد ~~بن إبراهيم وهو يريد الانصراف إلى مدينة السلام، فعرض علي الخروج معه ~~والانحدار في حراقته، وكنا بسر من رأى، فركبنا في الحراقة، فلما ~~انتهينا إلى فم نهر القاطول ضرب ستارا وأمرنا بالغناء، فاندفعت عوادة ~~فغنت: # كل يوم قطيعة وعتاب # ينقضي دهرنا ونحن غضاب # ليت شعري أنا خصصت بهذا # دون ذا الخلق أم كذا الأحباب # وسكتت، فأمر الطنبورية فغنت: # وارحمتا للعاشقينا # ما إن أرى لهم معينا # كم يهجرون ويصرمو # ن ويقطعون فيصبرونا # قال: فقالت لها العوادة، فيصنعون ماذا؟ قالت: هكذا يصنعون، وضربت بيدها ~~إلى الستار فهتكته، وبرزت كأنها فلقة قمر فألقت نفسها في الماء، وعلى رأس ~~محمد غلام يضاهيها في الجمال وبيده مذبة، فأتى الموضع ونظر إليها وهي ~~بين الماء وأنشد: # أنت التي غرقتني # بعد القضا لو تعلمينا # وألقى نفسه في أثرها، فأدار الملاح الحراقة، فإذا بهما متعانقان، ثم ~~غاصا فلم يريا، فاستعظم محمد ذلك وهاله أمرهما، ثم قال: يا عمرو، ~~لتحدثني حديثا يسليني عن فعل هذين وإلا ألحقتك بهما، قال: فحضرني حديث ~~يزيد بن عبد الملك وقد قعد للمظالم يوما وعرضت عليه القصص، فمرت به قصة ~~فيها: «إن رأى أمير المؤمنين أن يخرج إلي جاريته فلانة حتى تغنيني ثلاثة ~~أصوات فعل»، فاغتاظ يزيد من ذلك وأمر من يخرج إليه ويأتيه برأسه، ثم أتبع ~~الرسول رسولا آخر، يأمره أن يدخل إليه الرجل فأدخله، فلما وقف بين يديه ~~قال له: ما الذي حملك على ما صنعت؟ قال: الثقة بحلمك، والاتكال على عفوك، ~~فأمره بالجلوس حتى لم يبق أحد من بني أمية إلا خرج، ثم أمر فأخرجت ~~الجارية ومعها عودها، فقال لها الفتى غني: # أفاطم مهلا بعض هذا التدلل # وإن كنت قد ms371 أزمعت صرمي فأجملي # فغنته، فقال له يزيد: قل، فقال: غني: # تألق البرق نجديا فقلت له # يا أيها البرق إني عنك مشغول # فغنته، فقال له يزيد: قل، فقال: يا مولاي، تأمر لي برطل شراب، فأمر له ~~به، فما استتم شربه حتى وثب وصعد على أعلى قبة ليزيد فرمى نفسه على دماغه ~~فمات، فقال يزيد: # إنا لله وإنا إليه ~~راجعون # أتراه الأحمق الجاهل ظن أني أخرج إليه جاريتي ~~وأردها إلى ملكي! يا غلمان، خذوها بيدها واحملوها إلى أهله إن كان له ~~أهل، وإلا فبيعوها وتصدقوا بثمنها، فانطلقوا بها إلى أهله، فلما توسطت ~~الدار نظرت إلى حفيرة في وسط دار يزيد قد أعدت للمطر، فجذبت نفسها من ~~أيديهم وأنشدت: # من مات عشقا فليمت هكذا # لا خير في عشق بلا موت # فألقت نفسها في الحفيرة على دماغها فماتت، فسري عن محمد وأجزل ~~صلتي. # وبعد، فإن رسالتنا لا تسع التبسط في القول، ولا سيما شخصية بارزة كشخصية ~~الجاحظ، التي تطلب كما قلنا رسالة مسهبة؛ لمكانة الرجل، ففيما قدمناه لك ~~عنه الغنية والكفاية، ونرى واجبا علينا قبل أن نختم كلمتنا أن نحيلك هنا ~~على رسالة خطية منسوبة إليه عثرنا عليها بدار الكتب المصرية، قيل إنه كتبها ~~عن بني أمية، وسبق أن أشرنا إليها في كلمتنا عن العصر الأموي، وهي وحدها ~~تنطق بوجهة نظر الرجل ومذهبه في الاعتزال، وتشهد بطول باعه في التبسط ~~والإسهاب، مع فخامة اللفظ وحلاوته، وفراهة الأسلوب وطلاوته، وسمو البيان ~~ومكانته. وقد أثبتناها لك في باب المنثور من الكتاب الثالث من المجلد ~~الثالث، فراجعها ثمة. ~~(4) أبان بن عبد الحميد اللاحقي # هو أبان بن عبد الحميد بن لاحق بن عفر مولى بني رقاش، كان بالبصرة ثم رحل إلى ~~البرامكة ببغداد، فاتصل بهم ومدحهم ونال جوائزهم، ثم قويت الصلة بينهم وبينه ~~حتى اتخذوه لهم معلما ونصيحا، يستشيرونه في مهام أمورهم وتدبير شئونهم، وبلغ ~~من حفاوتهم به وإكرامهم له أن جعلوا إليه امتحان الشعراء، وتقدير ما يستحقون من ~~الجوائز والصلات، لكن هذا المنصب جعله غرضا لهجو الشعراء ms372 وذمهم؛ لأنه ليس في ~~مقدوره أن يرضيهم جميعا من جهة، ولأنهم كانوا يرونه دون أن يكون لهم حكما من ~~جهة أخرى. # وكان أبو نواس من أشد هؤلاء الشعراء نقمة على أبان، فإن أبا الفرج الأصبهاني ~~يحدثنا أن أبا نواس لم يرض المرتبة التي جعله فيها أبان، فقال يهجوه بهذه ~~الأبيات: # جالست يوما أبانا # لا در در أبان # ونحن حضر رواق ال # أمير بالنهروان # حتى إذا ما صلاة ال # أولى دنت لأوان # فقام منذر ربي # بالبر والإحسان # فكلما قال قلنا # إلى انقضاء الأذان # فقال كيف شهدتم # بذا بغير عيان # لا أشهد الدهر حتى # تعاين العينان # فقلت: سبحان ربي # فقال: سبحان ماني # 2 # وبقية القصيدة في ديوان أبي نواس. # فقال أبان يجيبه: # أن يكن هذا النوا # سي بلا ذنب هجانا # فلقد ... حينا # وصفعناه زمانا # هانئ الجون أبوه # زاده الله هوانا # سائل العباس واسمع # فيه من أمك شانا # عجنوا من جلنار # ليكيدوك عجانا # وجلنار هذه هي أم أبي نواس، كان قد تزوجها العباس بعد أبيه، وربما كان ~~لباعث هذه المهاترة بين أبي نواس وأبان أثر كبير فيما كان بين أبي نواس ~~والبرامكة من كراهية وبغضاء، فإن أبا نواس كان معروفا بسمو المكانة في الشعر، ~~فلا يستطيع مثل أبان أن ينزله عن منزلته التي هو جدير بها، إلا إذا كان في ~~ذلك هوى للبرامكة، وقد يكون بوحي منهم، لكن أبا نواس لم يجد مصدرا للحكم غير ~~أبان فهجاه، ولم يكن هجوه أبانا ليشفي غليله، وإنما يشفي غليله لو استطاع ~~أن ينال بالهجو من يراهم خليقين بهجوه، وهم البرامكة، ولكنه لا يستطيع أن ~~ينالهم بالهجو وهم أصحاب الدولة والسلطان. # كان أبان شديد الإعجاب بنفسه، مدلا بعلمه وأدبه، والقصيدة التي قدمها ~~للبرامكة حين حاول أن يتصل بهم، على زعم أن يكون له شفيع من ترغيبهم فيه، ~~تعطينا صورة واضحة عنه. وهذه هي القصيدة: # أنا من بغية الأمير وكنز # من كنوز الأمير ذو أرباح # كاتب حاسب خطيب أديب # ناصح زائد على النصاح # شاعر مفلق أخف من الري ms373 # شة مما يكون تحت الجناح # لي في النحو فطنة واتقاد # أنا فيه قلادة بوشاح # ثم أروى من ابن سيرين للعل # م بقول منور الإفصاح # ثم أروى من ابن سيرين للشع # ر وقول النسيب والأمداح # وظريف الحديث في كل فن # وبصير بترهات الملاح # كم وكم قد خبأت عندي حديثا # هو عند الملوك كالتفاح # فبمثلي تخلو الملوك وتلهو # وتناجي في المشكل الفداح # أيمن الناس طائرا يوم صيد # لغدو دعيت أو لرواح # أبصر الناس بالجواهر والخي # ل وبالخرد الحسان الصباح # كل ذا قد جمعت والحمد لله # على أنني ظريف المزاح # لست بالناسك المشمر ثوبي # ه ولا الماجن الخليع الوقاح # لو رمى بي الأمير أصلحه الله # رماحا ثلمت حد الرماح # ما أنا واهن ولا مستكين # لسوى أمر سيدي ذي السماح # لست بالضخم يا أميري ولا القز # م ولا بالمجحدر الدحداح # لحية جعدة ووجه صبيح # واتقاد كشعلة المصباح # إن دعاني الأمير عاين مني # شمريا كالبلبل الصياح # على أن أبانا مع إعجابه بنفسه وإدلاله بعلمه وأدبه لم يكن في مقدوره أن ~~يساير كبار معاصريه من الشعراء؛ كأبي نواس وأضرابه في قوة الشعر، واختلاف ~~فنونه، وحسن لفظه، ورقة معانيه. # ولعل ذلك يرجع إلى أنه كان ينقصه خصب النفس، وقوة الحس، والخيال المبدع للصور ~~الشعرية، أي قوة الابتكار والاختراع، فإن هذه القوى جميعا لا بد منها للشاعر ~~لكي يحس وينتزع ويصور، وهذا يفضي بنا إلى إحدى نتيجتين: إما أن نشك فيما ~~وصف به نفسه من جمال الظرف، وخفة الروح، واتقاد الذهن، نشك في اتصافه حقا ~~بهذه الصفات، التي تملأ النفس شعورا بما في الحياة من صور للشعر، وإما أنه كان ~~قصير الباع في تصوير ما تحسه نفسه، وكلا الأمرين يبعد البون بينه وبين أبي نواس ~~وأضراب أبي نواس، ولئن نقصته القوى التي تمده بالصور الشعرية، فقد وفق إلى ~~فن جديد نحسب أنه لم يسبق إليه، وهذا الفن لا يضطره إلى كد القريحة وإعمال ~~الفكر في تصيد المعاني الجميلة، وإبرازها في أثواب زاهية جذابة؛ بل لا يحتاج ~~معه إلى ms374 أكثر من أن تكون لديه ملكة النظم ووزن الكلام؛ إذ المعاني بين يديه لا ~~يتكلف في سبيلها سعيا، أو كد قريحة، وهذا الفن الجديد هو النظم التعليمي، وهو ~~أن يعمد الشاعر إلى كتاب معروف منثور فينظمه، أو إلى قواعد عامة في الشريعة أو ~~في اللغة أو في فرع من فروعهما، فينظمها أيضا، ليسهل حفظها ويقرب تناولها، ~~وهذا ما فعله أبان وما جعلنا نؤثره بالكلام، فإن هذا النوع من النظم يمثل ناحية ~~طريفة من نواحي الأدب الجديدة في عصرنا المأموني، فقد نكون مقصرين كل ~~التقصير، إذا أغفلنا ذكر مبدعه ومبتكره، نقول: «وهذا ما فعله أبان» فإن الصولي ~~وأبا الفرج الأصفهاني يحدثاننا بأن أبانا نظم للبرامكة كتاب كليلة ودمنة، ~~ليسهل عليهم حفظه، فأعطاه يحيى بن خالد عشرة آلاف دينار، وأعطاه الفضل بن ~~يحيى خمسة آلاف دينار، ولم يعطه جعفر شيئا وقال له: يكفيك أن أحفظه فأكون ~~راويتك، وقد نقل الأصفهاني من هذا الكتاب بيتين هما: # هذا كتاب أدب ومحنه # وهو الذي يدعى كليله دمنه # فيه احتيالات وفيه رشد # وهو كتاب وضعته الهند # وقد أبادت الأيام هذا الكتاب كما أبادت كثيرا غيره من الكتب العربية القيمة، ~~حتى يئس الأدباء والمؤرخون في العصر الحديث من العثور على شيء منه، وقد يكون من ~~حسن الحظ أن نعلن سرورنا بأنا قد وفقنا إلى جزء كبير من هذا الكتاب، في ~~جزء أو أوراق من جزء من كتاب الأوراق المنسوب للصولي؛ إذ عثرنا عليه بدار ~~الكتب المصرية منذ أمد طويل حينما كنا نبحث فيها عما وضعه العرب من الموسوعات ~~والمعلمات، وسنذكر في المجلد الثاني ما وجدناه فيه. # ويحدثنا أبو الفرج بأنه عمل أيضا القصيدة التي ذكر فيها مبدأ الخلق وأمر ~~الدنيا وشيئا من المنطق، وسماها «ذات الحلل»، ومن الناس من ينسبها إلى أبي ~~العتاهية، والصحيح أنها لأبان، وسياق أبي الفرج هذا لا يدع سبيلا إلى الشك في ~~وجود هذه القصيدة، ومع الأسف لم ينقل إلينا منها شيئا. # ويحدثنا الصولي، بسنده، أن أبانا لما عمل كتاب كليلة ودمنة شعرا، ms375 في قصيدته ~~المزدوجة، أعطاه البرامكة على ذلك مالا عظيما، فقيل له بعد ذلك: ألا تعمل ~~شعرا في الزهد؟ فعمل قصيدة مزدوجة في الصيام والزكاة، وقد وجدت هذه القصيدة، ~~وترجمتها «قصيدة الصيام والزكاة نقل أبان من فم الرواة» ثم ذكر القصيدة، وقد ~~نشرنا ذلك كله في موضعه من المجلد الثاني. ~~(5) أحمد بن يوسف الكاتب # هو أبو جعفر أحمد بن يوسف بن القاسم بن صبيح الكاتب من أهل الكوفة ومن موالي ~~بني عجل، كان مذهبه الرسائل والإنشاء، وزره المأمون بعد أحمد بن أبي خالد، ~~فقد كان يتولى ديوان الرسائل له، وكان معروفا بين أهل عصره بسمو المكانة في ~~العلم والأدب والكتابة والشعر، حكى عن المأمون وعبد الحميد بن يحيى الكاتب، ~~وحكى عنه ابنه محمد بن أحمد بن يوسف وعلي بن سليمان الأخفش وغيرهما. # كتابته # أما مكانته في الكتابة فرسائله وتوقيعاته التي تحلت بها صدور الأدب، ~~وتزينت بها كتب التاريخ تجعله في مقدمة الكتاب ومن أئمتهم، وهي بما فيها من ~~جودة وإحكام، وتخير للألفاظ، وسلاسة في المعاني، تدل على أنه كان خصيب ~~النفس، سريع الخاطر، وعلى أنه مالك أعنة المعاني، ونواصي الكلام، ولقد شهد ~~له بالسبق في الكتابة والرسائل كبار رجال عصره ومن جاء بعده. # قال الصولي: لما مات أحمد بن أبي خالد الأحول شاور المأمون الحسن بن سهل ~~فيمن يكتب له ويقوم مقامه، فأشار عليه بأحمد بن يوسف، وبأبي عباد ثابت بن ~~يحيى الرازي، وقال: هما أعلم الناس بأخلاق أمير المؤمنين وخدمته وما يرضيه، ~~فقال له: اختر لي أحدهما، فقال الحسن: إن صبر أحمد على الخدمة، وجفا ~~لذته قليلا، فهو أحبهما إلي؛ لأنه أعرف في الكتابة، وأحسنهما بلاغة، ~~وأكثر علما، فاستكتبه المأمون. # وروى الصولي، بسنده، أن الكتاب اجتمعوا عند أحمد بن إسرائيل، فذكروا ~~الماضين من الكتاب، فأجمعوا أن أكتب من كان في دولة بني العباس أحمد ~~بن يوسف، وإبراهيم بن العباس، وأن أشعر كتاب دولتهم: إبراهيم بن العباس، ~~ومحمد بن عبد الملك الزيات، فإبراهيم أجودهما شعرا، ومحمد أكثرهما شعرا، ~~ثم الحسن بن ms376 وهب وأحمد بن يوسف. # فأنت ترى، أعزك الله، أن هؤلاء الكتاب لم يقدموا أحدا من كتاب دولة ~~بني العباس على أحمد بن يوسف في الكتابة، وإن قدموا عليه في الشعر. والحق ~~أن نبوغه في الكتابة هو الذي كان سببا إلى ظهوره ورفعته، فقد روى العلماء ~~أنه لما قتل الأمين أمر طاهر بن الحسين الكتاب أن يكتبوا إلى المأمون ~~فأطالوا، فقال طاهر: أريد أقصر من هذا! فوصف له أحمد بن يوسف، فأحضره ~~لذلك، فكتب: # أما بعد، فإن المخلوع وإن كان قسيم أمير المؤمنين في النسب ~~واللحمة، فقد فرق حكم الكتاب بينه وبينه في الولاية والحرمة، ~~لمفارقته عصمة الدين، وخروجه عن إجماع المسلمين، قال الله عز وجل ~~لنوح عليه السلام في ابنه: # يا نوح إنه ~~ليس من أهلك إنه عمل غير صالح # ولا صلة لأحد في معصية الله، ولا قطيعة ما كانت في ذات الله، وكتبت ~~إلى أمير المؤمنين وقد قتل الله المخلوع، وأحصد لأمير المؤمنين ~~أمره، وأنجز له وعده، فالأرض بأكنافها أوطأ مهاد لطاعته، وأتبع شيء ~~لمشيئته، وقد وجهت إلى أمير المؤمنين بالدنيا وهو رأس المخلوع، ~~وبالآخرة وهي البردة والقضيب، والحمد لله الآخذ لأمير المؤمنين ~~بحقه، والكائد له من خان عهده ونكث عقده، حتى رد الألفة، وأقام ~~به الشريعة. والسلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. # قيل: فرضي طاهر ذلك وأنفذه، ووصل أحمد بن يوسف وقدمه. # وقيل: إن المأمون لما حمل رأس المخلوع إليه وهو بمرو، أمر بإنشاء كتاب ~~عن طاهر بن الحسين ليقرأ على الناس، فكتبت عدة كتب لم يرضها المأمون ولا ~~الفضل بن سهل، فكتب أحمد بن يوسف هذا الكتاب، فلما عرضت النسخة على ذي ~~الرياستين رجع نظره فيها، ثم قال لأحمد بن يوسف: ما أنصفناك، ودعا ~~بقهرمانه، وأخذ القلم والقرطاس، وأقبل يكتب بما يفرغ له من المنازل ويعد له ~~فيها من الفرش والآلات والكسوة والكراع وغير ذلك، ثم طرح الرقعة إلى أحمد ~~بن يوسف وقال له: إذا كان في غد فاقعد في الديوان، وليقعد جميع الكتاب بين ~~يديك ms377 واكتب إلى الآفاق. # قيل: ومما كتبه للمأمون حين كثر الطلاب للصلات ببابه: «داعي نداك يا أمير ~~المؤمنين، ومنادي جدواك جمعا الوفود ببابك يرجون نائلك المعهود، فمنهم ~~من يمت بحرمة، ومنهم من يدل بخدمة، وقد أجحف بهم المقام، وطالت عليهم ~~الأيام، فإن رأى أمير المؤمنين أن ينعشهم بسيبه، ويحقق حسن ظنهم بطوله، ~~فعل إن شاء الله تعالى»، فوقع المأمون: «الخير متبع، وأبواب الملوك مغان ~~لطالبي الحاجات، ومواطن لهم؛ ولذلك قال الشاعر: # يسقط الطير حيث يلتقط الح # ب وتغشى منازل الكرماء # فاكتب أسماء من ببابنا منهم، واحك مراتبهم، ليصل إلى كل رجل قدر ~~استحقاقه، ولا تكدر معروفنا عندهم بطول الحجاب وتأخير الثواب؛ فقد قال ~~الشاعر: # فإنك لن ترى طردا لحر # كإلصاق به طرف الهوان.» # وقال إبراهيم بن العباس: سمعت أحمد بن يوسف يقول: أمرني المأمون أن أكتب ~~إلى النواحي في الاستكثار من القناديل في المسجد، فبت لا أدري كيف أفتتح ~~الكلام، ولا كيف آخذ به، فأتى آت في منامي فقال: قل: فإن في ذلك أنسا ~~للسابلة، وإضاءة للمتهجدة، ونفيا لمكامن الريب، وتنزيها لبيوت الله عن ~~وحشة الظلم. فانتبهت وقد انفتح لي ما أريد، فابتدأت بهذا وأتممت ~~عليه. # ومن رسائله أيضا: «لقد أحلك الله في الشرف أعلى ذروته، وبلغك من الفضل ~~أبعد غايته، فالآمال إليك مصروفة، والأعناق إليك معطوفة، عندك تنتهي الهمم ~~السامية، وعليك تقف الظنون الحسنة، وبك تثنى الخناصر، وتستفتح أغلاق ~~المطالب، ولا يستريث النجح من رجالك، ولا تعروه النوائب في دارك.» وإنا ~~نحيلك على ما أثبتناه لك في المجلد الثالث من آثاره الممتعة. # شعره # كان أحمد بن يوسف شاعرا معرقا في الشعر كما كان معرقا في الكتابة، ~~إلا أن حظه من الشعر كان دون حظه من الكتابة، فإن نقاد عصره لم يقدموا ~~عليه أحدا في الكتابة من كتاب بني العباس ووزرائهم، وقد قدموا عليه ~~كثيرا في الشعر، وقد ذكرنا - فيما سبق من ترجمته - إجماع فريق من الكتاب ~~على سبقه في الكتابة دون الشعر. وقد روى الصولي، بسنده، أن قعنب بن محرز ms378 ~~الباهلي قال: كنا نقول لم يل الوزارة أشعر من أحمد بن يوسف، حتى ولي محمد ~~بن عبد الملك فكان أشعر منه. # ولم يكن المدح كثيرا في شعر أحمد بن يوسف؛ فإنه كان بحكم مركزه كوزير ~~للمأمون ورئيس ديوان رسائله غير محتاج إلى أن يتكسب بشعره أو يمدح الناس، ~~ولذلك لا نرى في شعره مدحا لغير المأمون وليه ورب نعمته، وكذلك كان ~~هجاؤه قليلا؛ فإن مروءته وأدبه ومركزه واعتداده بنفسه كل ذلك كان يرفعه عن ~~أن يكون هجاء مقذعا، وإنما كان يضطر أحيانا إلى ذم أعدائه ومنافسيه ~~في غير إقذاع ولا فحش، فمن ذلك قوله في سعيد بن سالم الباهلي وولده وقد ~~كانت بينهم وبينه عداوة، فذكرهم يوما فقال: «لولا أن الله عز وجل ختم ~~رسالته بمحمد # صلى الله عليه وسلم ~~، وكتبه بالقرآن؛ لبعث فيكم نبي نقمة، وأنزل عليكم ~~قرآن غدر، وما عسيت أن أقول في قوم محاسنهم مساوئ السفل، ومساوئهم فضائح ~~الأمم»، وقال يهجوهم: # أبني سعيد إنكم من معشر # لا تحسنون كرامة الأضياف # قوم لباهلة بن أعصر إن همو # فخروا حسبتهمو لعبد مناف # مطلوا الغداء إلى العشاء وقربوا # زادا لعمر أبيك ليس بكاف # بينا أتاك أتاهم كبراؤهم # يلحون في التبذير والإسراف # وكأنني لما حططت إليهمو # رحلي حططت بأبرق العزاف # أخلاقه وسيرته # كان أحمد بن يوسف فطنا بصيرا بأدوات الملك وآداب السلاطين، ذكيا سريع ~~الخاطر ذا مروءة وكرم، وكان مع ذلك يضرب في المجون واللهو بسهم، ومما يدل ~~على عظيم مروءته ما قاله عبد الله بن طاهر حين خرج من بغداد إلى خراسان ~~لابنه محمد، وما وقع بين محمد هذا وبينه بعد ذلك، قال عبد الله لابنه: إن ~~عاشرت أحدا بمدينة السلام فعليك بأحمد بن يوسف الكاتب؛ فإن له مروءة. فما ~~عرج محمد حين انصرف من توديع أبيه على شيء حتى هجم على أحمد بن يوسف في ~~داره، فأطال عنده، ففطن له أحمد فقال: يا جارية، غدينا. فأحضرت طبقا ~~وأرغفة نقية، وقدمت ألوانا يسيرة وحلاوة، وأعقب ذلك بأنواع من الأشربة في ms379 ~~زجاج فاخر وآنية حسنة وقال: يتناول الأمير من أيها شاء، ثم قال: إن رأى ~~الأمير أن يشرف عبده ويجيئه في غد فأنعم بذلك. فنهض وهو متعجب من وصف ~~أبيه له، وأراد فضيحته، فلم يترك قائدا جليلا ولا رجلا مذكورا من ~~أصحابه إلا عرفهم أنه في دعوة أحمد بن يوسف، وأمرهم بالغدو معه، فلما ~~أصبحوا قصدوا دار أحمد بن يوسف وقد أخذ أهبته وأظهر مروءته، فرأى محمد من ~~النضائد والفرش والستور والغلمان والوصائف ما أدهشه، ونصب ثلاثمائة مائدة ~~وقد حفت بثلاثمائة وصيفة، ونقل إلى كل مائدة ثلاثمائة لون في صحاف الذهب ~~والفضة ومثارد الصين، فلما رفعت الموائد قال ابن طاهر: هل أكل من بالباب؟ ~~فنظروا فإذا جميع من بالباب قد نصبت لهم الموائد فأكلوا، فقال: شتان بين ~~يوميك يا أبا الحسن! «كذا في هذه الرواية كناه بأبي الحسن» فقال: أيها ~~الأمير، ذاك قوتي، وهذه مروءتي! # أما اللهو والمجون فقد كان حظه منهما غير قليل، وحسبنا أن نذكر ما قاله ~~الحسن بن سهل حين شاوره المأمون فيمن يختاره بعد أحمد بن أبي خالد، فأشار ~~عليه بأحمد بن يوسف وبأبي عباد ثابت بن يحيى الرازي، فقال له: اختر لي ~~أحدهما، فقال الحسن: إن صبر أحمد وجفا لذاته قليلا فهو أحبهما ~~إلي. # ولقد كان به ما كان ببعض معاصريه من الكتب والشعراء والأدباء من ميل إلى ~~الغلمان ...! لذلك لم يكن غزله بريئا، ولم يعالجه على أنه فن من فنون الشعر، ~~وإنما كان غزله يترجم ترجمة صادقة عن شعوره ونوازع نفسه؛ فإنك لا تستطيع أن ~~تسمع ما كان بينه وبين موسى بن عبد الملك ثم تحكم له بأنه اصطنع الغزل ~~فنا من فنون الشعر، فقد كان موسى هذا في ناحيته، وهو الذي قدمه وخرجه، ~~وكان يرمى بما كان يرمى به مما نمسك عن ذكره. # حدث موسى نفسه فقال: وهب لي أحمد بن يوسف ألف ألف درهم في مرات. وقد ~~لامه محمد بن الجهم على تقديمه موسى بن عبد الملك على صباه، فكتب إليه ~~أحمد بن ms380 يوسف شعرا يلتمس إليه فيه أن يكف عن عذله، وقد أمسكنا عن ذكره ~~أيضا لما فيه من مجون. # ومن غزله ما قاله في محمد بن سعيد بن حماد الكاتب - وكان يميل إليه وقيل ~~عنه: إنه كان صبيا مليحا: # صد عني محمد بن سعيد # أحسن العالمين ثاني جيد # صد عني لغير جرم إليه # ليس إلا لحسنه في الصدود # وكان محمد بن سعيد يكتب بين يديه، فنظر إلى عارضه قد اختط في خده، فأخذ ~~رقعة وكتب فيها: # لحاك الله من شعر وزادا # كما ألبست عارضه الحدادا # أغرت على تورد وجنتيه # فصيرت احمرارهما سوادا # ورمى بها إلى محمد بن سعيد فكتب مجيبا: عظم الله أجرك في يا سيدي، ~~وأحسن لك العوض مني! # وكان لظرفه وفطنته وبصره بالأمور موضعا لرضا المأمون وعطفه عليه، ويظهر ~~أن علاقته بالمأمون وثقته به وملء يديه منه جعلته لا يتحرز في كلامه ~~كثيرا، فكان يسقط السقطة بعد السقطة حتى أتلف نفسه في بعض سقطاته، فقد ~~حكي أن المأمون كان إذا تبخر طرح له العود والعنبر، فإذا تبخر أمر ~~بإخراج المجمرة ووضعها تحت الرجل من جلسائه إكراما له، وحضر أحمد بن ~~يوسف وتبخر المأمون على عادته، ثم أمر بوضع المجمرة تحت أحمد بن يوسف، ~~فقال: هانوا ذا المروءة! فقال المأمون: ألنا يقال هذا ونحن نصل رجلا ~~واحدا من خدمنا بستة آلاف دينار؟ إنما قصدنا إكرامك وأن أكون أنا وأنت قد ~~اقتسمنا بخورا واحدا، يحضر عنبر! فأحضر منه شيء في الغاية من الجودة، ~~في كل قطعة ثلاثة مثاقيل، وأمر أن تطرح القطعة في المجمرة يتبخر بها ~~أحمد بن يوسف، ويدخل رأسه في زيقه حتى ينفد بخورها، وفعل به ذلك ~~بقطعة ثانية وثالثة وهو يستغيث ويصيح، وانصرف إلى منزله وقد احترق دماغه، ~~واعتل ومات سنة 213، وقيل: سنة 214ه. # وكانت له جارية يقال لها: نسيم، لها من قلبه مكان خطير، فقالت ~~ترثيه: # ولو أن ميتا هابه الموت قبله # لما جاءه المقدار وهو هيوب # ولو أن حيا قبله هابه الردى # إذن لم يكن للأرض ms381 فيه نصيب # وقالت أيضا ترثيه: # نفسي فداؤك لو بالناس كلهم # ما بي عليك تمنوا أنهم ماتوا # وللورى موتة في الدهر واحدة # ولي من الهم والأحزان موتات ~~(6) يحيى بن أكثم القاضي # هو أبو محمد يحيى بن أكثم بن محمد بن قطن ينتهي نسبه إلى أكثم بن صيفي ~~التميمي حكيم العرب المعروف. # عرف التاريخ يحيى بن أكثم حدثا في مجلس سفيان بن عيينة، المعروف بعلمه ~~وورعه ونفوذه؛ إذ يقول ابن خلكان في كتابه «وفيات الأعيان»: ورأيت في بعض ~~المجاميع أن سفيان خرج يوما إلى من جاءه يسمع منه وهو ضجر، فقال: أليس من ~~الشقاء أن أكون جالست صخرة بن سعيد، وجالس هو أبا سعيد الخدري، وجالست عمرو بن ~~دينار، وجالس هو عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وجالست الزهري وجالس هو أنس ~~بن مالك، حتى عد جماعة، ثم أنا أجالسكم، فقال له حدث في المجلس: انتصف يا ~~أبا محمد، قال: إن شاء الله تعالى، فقال: والله لشقاء أصحاب أصحاب رسول الله بك ~~أشد من شقائك بنا! فأطرق سفيان وأنشد قول أبي نواس: # خل جنبيك لرام # وامض عنه بسلام # مت بداء الصمت خير # لك من داء الكلام # إنما السالم من أل # جم فاه بلجام # فتفرق الناس وهم يتحدثون برجاحة الحدث، وكان ذلك الحدث يحيى بن أكثم ~~التميمي، فقال سفيان: هذا الغلام يصلح لصحبة هؤلاء، يعني السلاطين. ~~ا.ه. # هذا كل ما نعلمه عن حداثة يحيى بن أكثم، وهي حداثة تبشر بما سيكون لهذا ~~الناشئ من مكانة ونفوذ جديرين بما وهبه الله من ذكاء وسرعة خاطر، وقوة قلب ~~وسلاطة لسان. تلك المخايل كانت واضحة فيه، وقد جعلته حديث حاضري مجلس سفيان، ~~وحملت سفيان على أن يقول عنه: هذا الغلام يصلح لصحبة هؤلاء - مشيرا إلى ولاة ~~الأحكام. # لقد صدقت الأيام حدس سفيان فيه، فقد انخرط يحيى في سلك القضاة صغيرا ~~لنجابته، ثم درج في مناصب القضاء حتى تبوأ أسمى مناصب الدولة؛ تبوأ منصب قاضي ~~القضاة، ومنصب الوزارة للمأمون، منظورا إليه في كل ما تولاه من ms382 المناصب ~~بالتجلة والإكبار من الخاصة والعامة. # ونحن ذاكرون لك حياته وما تولاه من مناصب ومكانته العلمية والأدبية، وما ~~كان متصفا به من الحزم وحسن السياسة، وأقوال الناس فيه وفي أخلاقه، ووجهة ~~نظر كل فريق من الناس فيه، معتمدين في ذلك على ما بين أيدينا من مصادر تاريخية ~~وأدبية، منبهين على ما يمكن أن يقع بينهما من خلاف كثير أو قليل. # أول عمل تولاه # أما أول عمل تولاه فيحدثنا عنه ابن طيفور بقوله: «قال: حدثني أحمد بن ~~صالح الأضجم، قال: هل تدري ما كان سبب يحيى بن أكثم؟ قلت: لا، وإني أحب أن ~~أعرفه، قال: يحيى بن خاقان هو وصله بالحسن بن سهل وقربه من قلبه وكثره ~~في صدره حتى ولاه قضاء البصرة، ثم استوزره المأمون فغلب عليه، وحدثني عبد ~~الله بن أبي مروان الفارسي قال: كان ثمامة سبب يحيى بن أكثم في قضاء ~~البصرة مرتين، وسبب تخلصه من الخادم الذي أمر بتكشيفه بالبصرة، ويقال: إنه ~~قطع خصيته في تعذيبه بالقصب.» ا.ه. # ويقول ابن خلكان في سبب اتصاله بالقضاء: أراد المأمون أن يولي رجلا ~~القضاء، فوصف له يحيى بن أكثم فاستحضره، فلما حضر دخل عليه، وكان دميم ~~الخلق فاستحقره المأمون لذلك، فعلم ذلك يحيى فقال: يا أمير المؤمنين، ~~سلني إن كان القصد علمي لا خلقي، فسأله المأمون المسألة المعروفة في ~~الميراث بالمسألة المأمونية، وهي أبوان وبنتان لم تقسم التركة حتى ماتت ~~إحدى البنتين وخلفت من في المسألة، فقال يحيى: يا أمير المؤمنين، الميت ~~الأول رجل أم امرأة؟ فعرف المأمون أنه قد عرف المسألة فقلده ~~القضاء. # ثم يذكر لنا ابن خلكان بعد ذلك نقلا عن تاريخ بغداد للخطيب، أن يحيى ~~بن أكثم ولي قضاء البصرة وسنه عشرون سنة أو نحوها، فاستصغره أهل البصرة ~~فقالوا: كم سن القاضي؟ فعلم أنه قد استصغر فقال: أنا أكبر من عتاب بن ~~أسيد الذي وجه به النبي # صلى الله عليه وسلم # قاضيا على مكة يوم الفتح، وأنا أكبر من ~~معاذ بن جبل الذي وجه به النبي # صلى ms383 الله عليه وسلم # قاضيا على اليمن، وأنا أكبر من ~~كعب بن سور الذي وجه به عمر بن الخطاب رضي الله عنه قاضيا على أهل ~~البصرة، فجعل جوابه احتجاجا. # قد عرفت - مما ذكرناه عن ابن طيفور المعاصر ليحيى وعن ابن خلكان - أن ~~بين روايتي المؤرخين في سبب اتصال يحيى بالقضاء خلافا، فابن طيفور يروي ~~لنا أنه اتصل أولا بالحسن بن سهل، نائب الخليفة المأمون في بغداد، ثم ~~ولاه قضاء البصرة. # وابن خلكان يروي لنا أنه اتصل بالمأمون، وبعد أن امتحنه وعرف فضله ولاه ~~القضاء، فهل يمكن التوفيق بين روايتيهما؟ # يخيل إلينا أن كلتا الروايتين صحيحة، خصوصا إذا ذكرنا ما رواه ابن طيفور ~~من أن ثمامة كان سبب يحيى بن أكثم في قضاء البصرة مرتين؛ إذ يمكن أن تكون ~~توليته قضاء البصرة في المرة الأولى كانت عن طريق اتصاله بالحسن بن سهل، ~~وأن توليته في المرة الثانية كانت عن طريق اتصاله بالخليفة المأمون، وأن ما ~~ذكره ابن خلكان في تاريخه من استصغار أهل البصرة له ثم احتجاجه عليهم بما ~~فعله النبي # صلى الله عليه وسلم # وبما فعله عمر رضي الله عنه كان في المرة ~~الأولى. # وبهذا التحليل نستطيع أن نفهم ما يذكره المؤرخون من أنه عزل من قضاء ~~البصرة لأمره بتعذيب خادم بالقصب بعد تكشيفه حتى قطعت خصيته، ثم ما يذكرونه ~~من أنه عزل لقوله أبياتا من الشعر تغزلا في ابني مسعدة، وكانا على ~~نهاية الجمال. # ومهما يكن من شيء فنحن نرجح أنه تولى قضاء البصرة مرتين: الأولى عن طريق ~~الحسن بن سهل، ثم عزل لأحد السببين المذكورين أو غيرهما مما لا نقطع به، ~~والثانية عن طريق المأمون. # بقى شيء آخر فيما يرويه ابن خلكان نريد أن نلفت النظر إليه، فقد يكون فيه ~~شيء من التناقض أو السهو؛ ذلك بأنه يروي لنا أن يحيى حين ولي قضاء البصرة ~~كانت سنه نحو عشرين سنة، وأن أهل البصرة استصغروه فاحتج عليهم بما فعله ~~النبي وعمر، وسواء أكانت توليته عن طريق الحسن بن سهل أم ms384 عن طريق المأمون ~~فهي لا تعدو أوائل القرن الثالث الهجري، ثم يذكر بعد ذلك أنه توفي ~~بالربذة سنة اثنتين وأربعين ومائتين وقبل غرة ثلاث وأربعين وعمره ثلاث ~~وثمانون سنة، إذ مهما بالغنا في سنه متمشين مع رواية ابن خلكان، ~~نقلا عن تاريخ بغداد، من أنه تولى قضاء البصرة وسنه نحو العشرين، فلن ~~نعدو به الستين إلا قليلا، فكيف يمكن التوفيق بين هذا وبين ما يقوله ابن ~~خلكان من أنه توفي وعمره ثلاث وثمانون سنة، ولو فرضنا صحة ما يقوله ابن ~~خلكان في عمره حين الوفاة، وفرضنا أيضا صحة ما نقله عن تاريخ بغداد من أنه ~~تولى قضاء البصرة وسنه نحو العشرين؛ لكانت توليته قضاء البصرة في النصف ~~الأول من عهد الرشيد لا في عهد المأمون، وهو خلاف المجمع عليه وخلاف ما ~~ينقله هو أيضا من أن توليته البصرة كانت سنة اثنتين ومائتين. # ثم نرى يحيى بعد أن عزل من قضاء البصرة في بغداد ثاويا في دار شادها له ~~صديقه الحميم ثمامة بن أشرس بحضرته - وكان ثمامة بن أشرس هذا عالما ~~متكلما سليط اللسان قوي الحجة ذا آراء في الاعتزال، وإليه تنسب الطائفة ~~الثمامية من المعتزلة، وكان متصلا بالمأمون محببا إليه، موثوقا به منه، ~~فكان خير وسيلة لاتصال صديقه يحيى بالخليفة المأمون - ثم عرف المأمون ما في ~~يحيى من علم وذكاء وحزم فأدناه إليه وقربه منه، وخصه برعايته وعطفه حتى ~~غلب عليه دون الناس جميعا. # ويحدثنا ابن طيفور أن يحيى بن أكثم قال للمأمون: أظهر لكل قاض ما تريد ~~أن توليه إياه وأمره بكتمانه، ثم انظر أيفعل أم لا، وضع عليهم ~~أصحاب أخبار، فقال له المأمون: أوليك قضاء القضاة، وقال لغيره ما يريد أن ~~يوليه، فشاع ذلك كله إلا خبر يحيى، فإنه أتاه أن الناس ذكروا أنه يريد ~~الخروج إلى البصرة على قضائها، فذمهم، وقال له: كيف شاع هذا وأمرت ~~باكتراء السفن إلى البصرة؟ قال يحيى: يا أمير المؤمنين، ليس يستقيم كتمان ~~شيء إلا بإذاعة غيره وإلا وقع الناس عليه، قال: ms385 صدقت وحمده. # من المجمع عليه أن يحيى بن أكثم كان قاضي القضاة للخليفة المأمون، ولكن ~~هل توزر له؟ لم يذكره الفخري في وزراء المأمون، لكن ابن طيفور ذكر فيما ~~نقلناه عنه أن المأمون استوزره، فهل يمكن أن يكون المراد من استيزار ~~المأمون له ما ذكره طلحة بن محمد بن جعفر؟ إذ يقول في آخر وصفه لفضل يحيى ~~بن أكثم وعلمه وأخلاقه: «وكان المأمون ممن برع في العلوم فعرف من حال ابن ~~أكثم وما هو عليه من العلم والعقل ما أخذ بمجامع قلبه حتى قلده قضاء ~~القضاة، وتدبير أهل مملكته، فكانت الوزراء لا تعمل في تدبير الملك شيئا ~~إلا بعد مطالعة يحيى بن أكثم.» ليس يبعد أن يكون هذا هو المراد، على أنا قد ~~عددناه من وزراء المأمون في كلمتنا المجملة عن وزرائه. # ومهما يكن من شيء، فقد كان يحيى بن أكثم قاضي القضاة وصاحب الكلمة العليا ~~والأمر النافذ في الدولة، وكانت مكانته من المأمون لا تدنو منها مكانة، ~~ولكي تقدر حظوته لدى المأمون وأدب المأمون معه نورد لك ما يروى عن يحيى بن ~~أكثم نفسه، قال: # بت ليلة عند المأمون فانتبه في بعض الليل فظن أني نائم، فعطش ~~ولم يدع الغلام لئلا أنتبه، وقام متسللا خائفا هادئا في خطاه ~~حتى أتى البرادة، فشرب ثم رجع وهو يخفي صوته كأنه لص حتى اضطجع، ~~وأخذه سعال فرأيته يجمع كمه في فمه كي لا أسمع سعاله، وطلع ~~الفجر فأراد القيام وقد تناومت، فصبر إلى أن كادت تفوت الصلاة ~~فتحركت، فقال: الله أكبر، يا غلام، نبه أبا محمد، فقلت: يا ~~أمير المؤمنين، رأيت بعيني جميع ما كان الليلة من صنيعك، وكذلك ~~جعلنا الله لكم عبيدا، وجعلكم لنا أربابا. # وهاك حكاية أخرى تدل على أدب المأمون وحظوة يحيى لديه، وهي مروية عن ~~ثمامة بن أشرس صديق يحيى وثقة المأمون، قال ثمامة: «كان يحيى بن أكثم يماشي ~~المأمون يوما في بستان موسى والشمس عن يسار يحيى والمأمون في الظل وقد وضع ~~يده على عاتق يحيى وهما ms386 يتحادثان حتى بلغ حيث أراد، ثم كر راجعا في ~~الطريق التي بدأ فيها، فقال ليحيى: كانت الشمس عليك لأنك كنت عن يساري، ~~وقد نالت منك، فكن الآن حيث كنت وأتحول أنا إلى حيث كنت، فقال يحيى: ~~والله يا أمير المؤمنين لو أمكنني أن أقيك هول المطلع بنفسي لفعلت، فقال ~~المأمون: لا والله ما بد من أن تأخذ الشمس مني مثلما أخذت منك، فتحول يحيى ~~وأخذ من الظل مثل الذي أخذ منه المأمون.» ا.ه. # ولم يزل في هذه الرعاية من المأمون والحظوة لديه يفوض إليه المأمون جليل ~~الأعمال، ويرسله في مهام الأمور، حتى كانت سنة 216ه؛ إذ نرى المأمون بمصر ~~يسخط على يحيى بن أكثم الذي كان في حاشيته، ويرسله مغضوبا عليه إلى ~~العراق، ثم يبلغ من حنقه عليه أن يكتب في وصيته إلى ولي عهده المعتصم ~~محذرا إياه من اصطناع الوزراء والركون إليهم، ضاربا بيحيى بن أكثم مثلا ~~في سوء السيرة وقبيح الفعال، ونحن نلقي على مسامعك ما كتبه في وصيته ~~متعلقا بيحيى: «ولا تتخذن بعدي وزيرا تلقي إليه شيئا؛ فقد علمت ما نكبني ~~به يحيى بن أكثم في معاملة الناس وخبث سيرته، حتى أبان الله ذلك منه في ~~صحة مني، فصرت إلى مفارقته قاليا له غير راض بما صنع في أموال الله ~~وصدقاته، لا جزاه الله عن الإسلام خيرا.» # ثم لم تزل تختلف الأحوال على يحيى بن أكثم بعد ذلك، وتتقلب به الأيام حتى ~~أيام المتوكل على الله، فلما عزل القاضي محمد بن القاضي أحمد بن أبي ~~دواد فوض ولاية القضاء إلى القاضي يحيى، وخلع عليه خمس خلع، ثم غضب عليه ~~المتوكل وعزله سنة أربعين ومائتين وأخذ أمواله، وألزم منزله. ثم حج بعد ~~ذلك وأخذ معه أخته واعتزم أن يجاور، ثم بلغه رضا المتوكل عنه ورجوعه له، ~~فبدا له في المجاورة ورجع يريد العراق، فلما كان بالربذة في طريقه إلى ~~العراق وافته المنية يوم الجمعة منتصف ذي الحجة سنة أربعين ومائتين، وقيل: ~~غرة ثلاث وأربعين ومائتين، ودفن هناك. وقد ms387 قدمنا لك ما ذكره ابن خلكان في ~~عمره حين الوفاة، وشفعناه بما يمكن أن يكون في كلامه من تناقض أو سهو أو ~~تحريف. # كان يحيى بن أكثم فقيها عالما بالفقه، بصيرا بالأحكام، وقد عده ~~الدارقطني في أصحاب الشافعي رضي الله عنه، راويا للحديث، آخذا بحظ كبير ~~من كل فن، سمع الحديث عن عبد الله بن المبارك وسفيان بن عيينة وغيرهما، ~~ويروي عنه الترمذي وغيره من رجال السنة وحفظة الحديث، وكانت له منزلة ~~سامية لدى رجال الدين وعلماء الجماعة. # ومما رفع منزلته لدى الناس جميعا ~~موقفه المشهور مع المأمون، مما يدل على سعة علمه، وقوة حجته، وعظيم جراءته؛ ~~ذلك بأن المأمون رأى وهو في طريقه إلى الشام جواز نكاح المتعة، فوقف له ~~يحيى موقفا أكسبه حمد أئمة الدين وثناءهم عليه. ونحن نزجى إليك هذا ~~الحديث نقلا عن ابن خلكان، قال: «حدث محمد بن منصور قال: كنا مع المأمون ~~في طريق الشام فأمر فنودي بتحليل المتعة، فقال يحيى بن أكثم لي ولأبي ~~العيناء: بكرا غدا إليه؛ فإن رأيتما للقول وجها فقولا، وإلا فأمسكا ~~إلى أن أدخل، قال: فدخلنا عليه وهو يستاك ويقول وهو مغتاظ: متعتان كانتا ~~على عهد رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وعلى عهد أبي بكر رضي الله عنه وأنا أنهى عنها! ~~ومن أنت يا جعل حتى تنهى عما فعله رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وأبو بكر رضي الله ~~عنه! فأومأ أبو العيناء إلى محمد بن منصور وقال: رجل يقول في عمر بن الخطاب ~~ما يقوله نكلمه نحن! فأمسكنا، فجاء يحيى بن أكثم فجلس وجلسنا، فقال المأمون ~~ليحيى: ما لي أراك متغيرا؟ فقال: هو غم يا أمير المؤمنين لما حدث في ~~الإسلام، قال: وما حدث فيه؟ قال: النداء بتحليل الزنا! قال: الزنا؟ قال: ~~نعم، المتعة زنا، قال: ومن أين قلت هذا؟ قال: من كتاب الله عز وجل وحديث ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، قال الله تعالى: # قد أفلح ~~المؤمنون # إلى قوله: # والذين هم ~~لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم ms388 ~~أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين * فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم ~~العادون # يا أمير المؤمنين، زوجة المتعة ملك يمين؟ قال: لا، ~~قال: فهي الزوجة التي عند الله ترث وتورث وتلحق الولد ولها شرائطها؟ قال: ~~لا، قال: فقد صار متجاوز هذين من العادين، وهذا الزهري، يا أمير المؤمنين، ~~روى عن عبد الله والحسن ابني محمد بن الحنفية، عن أبيهما، عن علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه قال: أمرني رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أن أنادي بالنهي عن ~~المتعة وتحريمها بعد أن كان قد أمر بها، فالتفت إلينا المأمون فقال: أمحفوظ ~~هذا من حديث الزهري؟ فقلنا: نعم، يا أمير المؤمنين، رواه جماعة منهم مالك ~~رضي الله عنه، فقال: أستغفر الله! نادوا بتحريم المتعة، فنادوا بها.» ~~ا.ه. # أما آراء يحيى الكلامية فإن المؤرخ يقف أمامها موقف حيرة وإحجام، ويحتاج ~~إذا أراد أن يبدي رأيا فيها إلى شيء غير قليل من الأناة والروية؛ ذلك بأن ~~يحيى كان يقف موقفا قريبا من الفتنة العنيفة التي كانت مضطرمة في وقته، ~~فهو قاضي قضاة المأمون، ومنزلته منه منزلة يغبط عليها، والمأمون زعيم ~~القائلين بخلق القرآن، وهي بدعة اعتزالية، ثم هو في الوقت نفسه مرضي عنه ~~من الجماعة وأهل السنة، ثم نراه حينا يقف موقف المعارضة من صديقه وحميمه ~~ثمامة بن أشرس المعتزلي وزعيم الطائفة الثمامية، معارضة تشتد في بعض ~~الأحيان إلى المخاشنة والمهاترة، وأنت تعلم من هو ثمامة وما علاقته ~~بالمأمون وثقة المأمون به، ثم تعلم ما كانت علاقته بيحيى نفسه وكم له من ~~يد عليه، أضف إلى كل هذا ما يرويه ابن خلكان من أنه كان يقول: «القرآن ~~كلام الله، فمن قال: إنه مخلوق يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه» ولاحظ ~~أن المأمون زعيم القائلين بذلك. # فهل يمكن مع ذلك إبداء رأي في عقيدة يحيى الكلامية؟ وهل يمكن أن تكون كل ~~هذه الروايات صحيحة مع ما يبدو عليها من شبه تناقض؟ # نظن أنه باستعمال شيء من التحليل يمكن إبداء الرأي، ويمكن التوفيق ms389 أيضا؛ ~~ذلك بأن يحيى بن أكثم كان كيسا حازما، خفيف الروح، حلو اللسان، فاستطاع ~~بذلك أن يداري الناس جميعا، خاصتهم وعامتهم، وأن يكتسب رضاهم جميعا، ~~فإذا حوور وجودل فاشتد أحيانا؛ فإنما يكون ذلك إلى الحد الذي لا يمس ~~مكانته ونفوذه، فبقي في حظوة لدى المأمون وإخوان المأمون دونها كل حظوة، ~~وكان في الوقت نفسه بموضع الكرامة والرضا من أهل السنة والجماعة. # إلى هنا لم نستطع أن نبدي شيئا في رأيه، وكل ما يمكن أن يستنبط مما ~~تقدم أنه كان حسن التقية، بارعا في المداراة والمصانعة والرياء، وكانت ~~هذه الخلة من أظهر مميزات العصر؛ فالخليفة يداري فيقابل قاتل أخيه ~~بالترحاب، فإذا ما خرج القائد القاتل وسئل المأمون عن عبرة استعبرها ~~كانت إجابته: «قتلني الله إن لم أقتل طاهرا» ثم هو بعد يوصي صاحب أخباره ~~بالرياء، ويعدد لنا أهل الرياء في عصره. وهاك مثلا قاضي قضاته كما ترى من ~~سيرته. # ولكن هل من الممكن أن نستسيغ مشادته العنيفة أحيانا في محاورة صديقه ~~ومصطنعه ثمامة بن أشرس، مع ما في هذه المشادة من نكران للجميل، ومن تعريض ~~نفوذه للضياع، دون أن يكون على خلف معه في الرأي، ودون أن نميل إلى صحة ~~ما يرويه المؤرخون من أنه كان سليما من البدعة ينتحل مذهب أهل ~~السنة؟ # هذا ما يمكن أن تؤدي إليه المقدمات وإن كانت حياة يحيى والبيئة التي تحيط ~~به تجعله إلى الجانب الآخر أقرب. نريد من كل هذا أن نستنبط رأي يحيى ~~الكلامي وإن كان، وهو قاضي القضاة، حريصا على أن يكون بنجوة عن منازعات ~~الأحزاب الكلامية، إذ نظن أن الذي ينصح إلى المأمون حين أراد أن يلعن ~~معاوية، وأن يكتب بذلك كتابا يقرأ في حفل من الناس بقوله: «يا أمير ~~المؤمنين، إن العامة لا تحتمل هذا، ولا سيما أهل خراسان، ولا تأمن أن تكون ~~لهم نفرة، وإن كانت لم تدر ما عاقبتها، والرأي أن تدع الناس على ما هم ~~عليه، ولا تظهر # 3 # لهم أنك تميل إلى فرقة من الفرق، فإن ms390 ذلك أصلح في السياسة، ~~وأحرى في التدبير.» نظن أن الذي يفعل ذلك هو من أحرص الناس. # هذا كله كان في الفترة التي كان فيها متصلا بمناصب الدولة أو على أمل ~~الاتصال بها، أما بعد أن سخط عليه المأمون وأقصاه من مناصب الدولة، وأوصى ~~إلى المعتصم بأن يتدرع بالحذر منه ومن أمثاله، فقد ظهر يحيى بن أكثم ~~معارضا عنيفا لبدعة خلق القرآن، ومن هنا نميل إلى أن نفترض أن الجملة ~~التي رواها ابن خلكان صحيحة النسبة إليه، وأنها من آثاره بعد غضب المأمون ~~عليه. # أدبه # ذكر أن يحيى بن أكثم كان فقيها بصيرا بالأحكام، راويا للحديث، آخذا ~~من كل فن بطرف، ويظهر أن حظه من الأدب الإنشائي لم يكن كحظه من غيره، فإنه ~~لم يؤثر عنه في المصادر التي بين أيدينا من القطع الرائعة النثرية أو ~~الشعرية إلا أبيات من الشعر نسبت إليه في الغزل بالمذكر، من ذلك ما عزي ~~إليه حين دخل عليه ابنا مسعدة، وكانا في نهاية الجمال، وكانا كلما يمشيان ~~في الصحن أنشد قوله: # يا زائرينا من الخيام # حياكم الله بالسلام # لم تأتياني وبي نهوض # إلى حلال ولا حرام # يحزنني أن وقفتما بي # وليس عندي سوى الكلام # ويقال: إن هذه الأبيات كانت سببا لعزله كما قدمنا. # ومما ينسب إليه من الشعر قوله في غلام جميل كان يكتب بين يديه، فقرص ~~القاضي خده، فخجل الغلام وطرح القلم من يده، فأملى عليه هذه ~~الأبيات: # أيا قمرا جمشته فتغضبا # وأصبح لي من تيهه متجنبا # إذا كنت للتجميش والعض كارها # فكن أبدا يا سيدي متنقبا # ولا تظهر الأصداغ للناس فتنة # وتجعل منها فوق خديك عقربا # فتقتل مسكينا وتفتن ناسكا # وتترك قاضي المسلمين معذبا # وقيل: إن هذه الأبيات قالها في الحسن بن وهب وهو صبي، وقد لاعبه وجمشه ~~فغضب الحسن. # أخلاقه # حسبنا أن نذكر لك دلالة على ما لهذا الرجل من فطنة وحزم وتدبير وحسن ~~سياسة أنه تملك قلب المأمون، الذي قدمنا لك عنه ما قدمنا، حتى غلب عليه ~~دون الناس جميعا، وكان ms391 مع ذلك مهيبا، خفيف الروح، سليط اللسان، قوي ~~القلب، سريع الخاطر، وحسبك دلالة على قوة قلبه وسرعة خاطره ما روي من أن ~~المأمون قال له معرضا به: من الذي يقول: # قاض يرى الحد في الزناء ولا # يرى على من يلوط من باس؟ # قال: أوما يعرف أمير المؤمنين من القائل؟ قال: لا، قال: يقوله الفاجر ~~أحمد بن أبي نعيم الذي يقول: # لا أحسب الجور ينقضي وعلى ال # أمة وال من آل عباس # فأفحم المأمون خجلا وقال: ينبغي أن ينفى أحمد بن أبي نعيم إلى ~~السند. وهذان البيتان من قصيدته التي قد ذكرناها في الحياة الأدبية لعصر ~~المأمون. # وقد جعل العلماء مقارنة بين أحمد بن أبي دواد ويحيى بن أكثم في ~~أخلاقهما وآرائهما ونفوذهما لدى الملوك، فيقال: إن كليهما غلب على سلطانه ~~في عصره، ووصفهما بعض البلغاء وقد سئل عن أيهما أنبل فقال: كان أحمد يجد ~~مع جاريته وابنته، ويحيى يهزل مع خصمه وعدوه. # سيرته # أما سيرته فلم نر رجلا في مركزه الديني والاجتماعي حامت حوله الريب ~~والإشاعات مثلما حامت حول هذا القاضي، ومع هذه الريب والإشاعات فقد كان ~~مرعي الجانب، موفور الكرامة، ويظهر أن جل الناس حتى أخص أصدقائه به كانوا ~~يجنحون إلى تصديق هذه الإشاعات، إلا أئمة الدين، فقد كانوا يكبرونه وينكرون ~~أن يكون لهذه الإشاعات ظل من الحق، فقد سئل أحمد بن حنبل عن هذه الإشاعات ~~فأنكرها إنكارا. # ولعل الذي يفسر موقف رجال الدين منه هذا الموقف وإنكارهم ما ينسب إليه من ~~إشاعات موقف يحيى من المأمون يوم «المتعة» وغير يوم المتعة، مما جعله في ~~نظرهم بطلا من أبطال الدين، وخليقا بمثله أن يكون بنجوة من كل ~~منكر. # أما يحيى نفسه، فيحدثنا ابن خلكان نقلا عن ابن الأنباري، أنه قال لرجل ~~كان يأنس له ويمازحه: ما تسمع الناس يقولون في؟ قال: ما أسمع إلا خيرا، ~~قال: ما أسألك لتزكيني، قال: أسمعهم يرمون القاضي ... قال: فضحك، وقال: اللهم ~~غفرا المشهور عنا غير هذا. # ويقال: إن المأمون لما تواترت هذه الإشاعات ms392 أراد أن يمتحنه فأخلى له ~~مجلسا واستدعاه، وكان قد أسر إلى غلام خزري أن يكون في خدمتهما وحده حتى ~~إذا خرج المأمون عابث القاضي، فلما استقر بهم المقام وخرج المأمون أخذ ~~الغلام يعابث القاضي، فسمع المأمون - وكان يستمع حديثهما - القاضي يقول: ~~«لولا أنتم لكنا مؤمنين»، فدخل عليهما منشدا قول أبي حكيمة راشد بن إسحاق ~~الكاتب: # وكنا نرجي أن نرى العدل ظاهرا # فأعقبنا بعد الرجاء قنوط # متى تصلح الدنيا ويصلح أهلها # وقاضي قضاة المسلمين يلوط # وقد قلنا: إن أخص أصدقائه به كان يجنح إلى تصديق هذه الإشاعات، فقد قيل: ~~إن صديقه أبا عبد الله الحسين بن عبد الله بن سعيد اشتهى بعد أن مات يحيى ~~أن يراه في المنام ليعلم ما فعل الله به، فأوحت إليه الأحلام أن الله غفر ~~له بعد أن وبخه على تخليطه، وأن يحيى حاج ربه بالحديث المشهور: «إني ~~لأستحي أن أعذب ذا شيبة بالنار.» فهل يستوحي الأحلام ليعلم ما فعل الله ~~بصديقه من يعتقد براءته؟ # تآليفه # يحدثنا المؤرخون أن يحيى بن أكثم ألف كتبا في الفقه، وأخرى في الأصول، ~~وله كتاب أورده على العراقيين أصحاب أبي حنيفة سماه «كتاب التنبيه». وهذا ~~يؤيد ما قاله الدارقطني من أنه كان من أصحاب الشافعي. ~~(7) إسحاق بن إبراهيم الموصلي # قد يكون حظ المغنين وأهل الموسيقى المسلمين من عناية المؤرخين في العصور ~~الإسلامية أكثر من حظ غيرهم، وقد عني المؤرخون بتسجيل حوادثهم وألحانهم ~~وإيقاعاتهم، وما كان يقع بينهم من خلاف منشؤه المنافسة والحسد، أو التقرب إلى ~~ذوي السلطان، وما كان يتفق لهم من مفاكهات لطيفة، ونكات طريفة. وهذه العناية ~~ظاهرة من الكتب الكثيرة التي أرصدت لهذه الناحية من تاريخ الحضارة الإسلامية، ~~وقد عبث الدهر بجل هذه الكتب ولم يبق منها إلا القليل، وعلى رأس هذا القليل ~~الباقي - وهو الحجة في هذا الموضوع - كتاب «الأغاني» لأبي الفرج ~~الأصفهاني. # وقبل أن نعرض للكلام على إسحاق وتفصيل حياته، نقرر أننا عاجزون كل العجز عن ~~أن نجلو الناحية الفنية من شخصيته، فإن جلاء هذه الناحية ms393 وكشفها لا يتسق إلا ~~لرجل أوتي حظا كبيرا من الموسيقى، يستطيع به أن يقدر مواهب أهل الفن وما ~~وفقوا إليه من إجادة، ونرجو أن يتاح لإسحاق من يتوافر له هذا الحظ، فيجلو لنا ~~شخصيته الفنية، ومبلغ المدى الذي قطعه في سبيل الكمال الموسيقي، كما أتيح ~~«لبتهوفن» وغير «بتهوفن» من أصحاب المواهب الكبيرة في الموسيقى من أبرز ~~شخصياتهم الفنية للناس، وأبان ما لعبقرياتهم من آيات خالدات في الفن. # ولن يستطيع أحد مهما أوتي من مواهب واتخذ من أسباب أن يجلو شخصية إسحاق ~~الفنية ما بقيت مصطلحات الموسيقى العربية مغلقة لم تفتح، وما بقيت تعاليمها ~~ألغازا لم تحل. # وإذ كان هذا هو موقفنا من الناحية الفنية إزاء شخصية إسحاق، فلنكن مؤرخين ليس ~~غير، نورد لك الحوادث كما رواها المؤرخون مع تحليل ما نوفق إلى تحليله من ~~أخلاقه وأعماله فنقول: هو أبو محمد إسحاق بن إبراهيم بن ميمون بن بهمن بن ~~نسك، ووالده إبراهيم وهو ماهان، وسبب نسبته إلى ميمون أنه كتب كتابا إلى صديق ~~له فعنونه: من إبراهيم بن ماهان ... فقال بعض إخوانه من فتيان الكوفة: أما ~~تستحي من هذا الاسم؟ قال: هو اسم أبي، قال: فغيره، قال: فكيف أغيره؟ فأخذ ~~الفتى الكوفي الكتاب فمحا ماهان وكتب ميمونا، فصار من ذلك الحين إبراهيم بن ~~ميمون. # وأصل أسرة إسحاق من فارس، من بيت شريف في العجم، كان هرب جده ماهان من جور ~~بعض عمال بني أمية لخراج طولب بأدائه، فنزل الكوفة، وأم إبراهيم والد إسحاق ~~من بنات الدهاقين الذين هربوا كما هرب ماهان، وتزوجها ماهان بالكوفة، فولدت له ~~إبراهيم ثم مات وسن إبراهيم سنتان أو ثلاث، فكفل إبراهيم آل خزيمة بن ~~خازم، ومن هذا صار ولاؤه إلى تميم. # وقد سأل الرشيد إبراهيم عن السبب بينه وبين تميم، فقال له: ربونا يا أمير ~~المؤمنين فأحسنوا تربيتنا، ونشأت فيهم، وكان بيننا وبينهم رضاع فتولونا بهذا ~~السبب. وقال إسحاق يفتخر بأصله وبيته وكافلي أبيه: # إذا كانت الأشراف أصلي ومنصبي # ودافع ضيمي حازم وابن خازم # عطست بأنف ms394 شامخ وتناولت # يداي الثريا قاعدا غير قائم # وسبب قولهم: الموصلي أنه لما اشتد إبراهيم وأدرك صحب الفتيان واشتهى ~~الغناء وطلبه، فاشتد أخواله عليه في ذلك وبلغوا منه، فهرب إلى الموصل وأقام بها ~~سنة، فلما رجع إلى الكوفة قال له إخوانه من الفتيان: مرحبا بالفتى الموصلي، ~~فغلبت عليه. # ثم ما زال إبراهيم يأخذ بأسباب الغناء حتى حذقه، واتصل بأحد عمال المهدي، ~~ثم بلغ المهدي أمره فطلبه إليه، وبقي بعد ذلك متصلا بالخلفاء ورجالات ~~الدولة حتى توفي في عهد الرشيد سنة 188ه. # أما ابنه إسحاق الذي عقدنا هذا الفصل لتحليل شخصيته وللكشف عن مواهبه ~~وأخلاقه، فولد سنة 150ه ولم يظهر شأنه وتتم منزلته إلا في أيام الرشيد، ثم أخذ ~~نجمه يتألق في سماء الخلافة العباسية أيام الرشيد والأمين والمأمون والمعتصم ~~والواثق، ثم توفي سنة 235ه في صدر أيام المتوكل، وكان يحل من هؤلاء ~~الخلفاء جميعا بموضع العطف والتجلة، وسنذكر شيئا من صلته بكل خليفة، وما كان ~~يغدقه عليه كل خليفة من عطف ومال. # نشأته # كان حظ إسحاق من وسائل التهذيب والتثقيف خيرا من حظ والده إبراهيم، فإن ~~والده نشأ يتيما فكفله غير أبيه، حتى إذا شب وترعرع وظهر ميله إلى نوع ~~خاص من الفنون لم يجد من القائمين بأمره ومن لهم سلطان عليه من يقدر ~~استعداده الفطري، ونزعاته النفسية، حتى اضطر - من إلحاح ضغط أخواله عليه، ~~ومطالبتهم إياه أن يترك الغناء، وألا يأخذ في شيء من أسباب الموسيقى - أن ~~يهيم على وجهه في الأرض، في سبيل تحقيق ما تميل إليه نفسه، ويهيئه له ~~استعداده. # أما إسحاق فقد نشأ في بيت أبيه، وشب وترعرع بعينه، # 4 # وقد وجد من أبيه الذي فهم الحياة ولذعته آلامها من يهتم ~~بتثقيفه، ويحترم نزعاته الفطرية وميوله النفسية. وإسحاق يعد ابن رجل أثير ~~عند الخلفاء، مقدم لدى رجالات الدولة، وفي وفرة من الثراء وحظ عظيم من ~~الترف، مما يصله به الخلفاء وغير الخلفاء، فاستطاع إسحاق لجاه أبيه وماله ~~أن يختلف إلى جلة العلماء وكبار رجال الفن، وأن يرتاد ms395 خير البيئات والأوساط ~~التي لا يقل أثرها في تهذيب النفوس عن أثر التعليم، وقد كان من حظ الموسيقى ~~والآداب أن تتهيأ الأسباب وتستوى الوسائل لرجلها الفذ ونابغتها ~~العظيم. # ويحدثنا إسحاق عن شيء من تربيته وتثقيفه فيقول: «أقمت دهرا أغلس كل ~~يوم إلى هشيم، فأسمع منه ثم أصير إلى الكسائي أو إلى الفراء فأقرأ عليه ~~جزءا من القرآن، ثم أتي منصور زلزل، فيضاربني طريقتين أو ثلاثا، ثم آتي ~~عاتكة بنت شهدة فآخذ منها صوتا أو صوتين، ثم آتي الأصمعي وأبا عبيدة ~~فأناشدهما وأحادثهما وأستفيد منها، ثم أصير إلى أبي فأعلمه بما صنعت ~~وأخذت، وأتغدى معه وأروح معه عشاء إلى أمير المؤمنين.» # فأنت ترى من حديث إسحاق عن فترة من فترات نشأته وتثقيفه أنه كان يختلف كل ~~يوم إلى رجال الحديث، ثم رجال القرآن والنحو، ثم أهل الفن الضاربين على ~~الآلات والملحنين، ثم يذهب بعد ذلك إلى أهل الأدب والرواية، فيناشدهم ~~ويحادثهم، ويستفيد منهم، ثم يجتمع بأبيه بعد ذلك كله يخبره بما صنع وأخذ، ~~حتى إذا جاء المساء ذهب مع أبيه إلى دار الخلافة، وهي - أيدك الله - خير ~~منتدى لرجال العلم والأدب والسياسة في الدولة. # هذه التربية المنظمة والبيئات الراقية أخرجت من طفل إبراهيم الموصلي - ~~ذلك الطفل الذكي النشيط - رجلا يصفه صاحب الأغاني بقوله: «موضعه من العلم، ~~ومكانه من الأدب، ومحله من الرواية ، وتقدمه في الشعر، ومنزلته في سائر ~~المحاسن أشهر من أن يدل عليها بوصف، وسترى في مطاوي ما نورده عليك من ~~أحاديثه ونوادره أنه ما عالج علما من العلوم أو فنا من الفنون إلا برع ~~فيه وبرز.» # فأما الغناء، فحدثنا أبو الفرج صاحب الأغاني أنه كان أصغر علومه، وأدنى ~~ما يوسم به، وإن كان الغالب عليه وعلى ما كان يحسنه، فإنه كان له في سائر ~~أدواته نظراء وأكفاء، ولم يكن له في هذا نظير لحق بمن مضى فيه، وسبق من قد ~~بقي، وسهل طريق الغناء وأنارها، فهو إمام أهل صناعته جميعا، وقدوتهم ~~ورأسهم ومعلمهم، يعرف ذلك منه الخاص والعام، ويشهد ms396 له الموافق والمفارق، ~~على أنه كان أكره الناس للغناء وأشدهم بغضا له، لئلا يدعى عليه ~~ويسمى به. # وهذه الجملة الأخيرة، وهي أنه كان من أكره الناس للغناء ... إلخ، تدلنا ~~بوضوح على نفسية إسحاق ومطامحه من جهة، وعلى ما كان للمغنين وأهل الموسيقى ~~عامة من قيمة ومنزلة من جهة أخرى، كما تدلنا على أن المغنين وأهل الموسيقى ~~كانت منزلتهم مهما نالوا من حظوة لدى الخلفاء وأرباب السلطان دون منزلة ~~الرواة وأهل الأدب، من الفقهاء ورجال الحديث، وتدلنا أيضا على أن إسحاق ~~كان عالي النفس، بعيد الهمة، يكره أن يتصل بفن يقعد به دون ما هو خليق به ~~من منزلة ومكانة، وماذا يصنع إسحاق وقد أوتي موهبة لم يؤتها أحد غيره، ~~وهي موهبة تأبى إلا أن تعلن نفسها، كما يعلن الزهر نفسه بأرجه، ~~والقمري بهديله؟ وماذا يجدي عليه كرهه للغناء وبغضه له وقد يطالبه به ~~من لا يرى سبيلا إلى مخالفته؟ # ولقد كان إسحاق في كراهيته للغناء صادق الشعور، صادق الحس، فإنه لم يحل ~~بين المأمون وبين أن يوليه أسمى المناصب إلا شهرته بالغناء؛ إذ يقول ~~المأمون: «لولا ما سبق لإسحاق على ألسنة الناس وشهرته عندهم بالغناء ~~لوليته القضاء بحضرتي، فإنه أولى به وأعف وأصدق، وأكثر دينا وأمانة من ~~هؤلاء القضاة.» وقد يكون من حق إسحاق أن يكره الغناء ويألم لاتصاله به؛ إذ ~~يرى المناصب السامية في الدولة يتبوؤها قوم هم دونه فيما وصلوا إليها ~~به، وهم وصلوا إليها بالعلم، وقد كان هو عالما بالفقه والحديث وعلم ~~الكلام، وباللغة والشعر وأخبار الشعراء وأيام الناس، وكان لا يدع فرصة دون ~~أن يعلن سخطه وما ناله من ظلم، فقد حدثنا ابن خلكان أن محمد بن عطية العطوي ~~الشاعر قال: كنت في مجلس القاضي يحيى بن أكثم، فوافى إسحاق بن إبراهيم ~~الموصلي، وأخذ يناظر أهل الكلام حتى انتصف منهم، ثم تكلم في الفقه فأحسن، ~~وقاس واحتج، وتكلم في الشعر واللغة ففاق من حضر، ثم أقبل على القاضي يحيى ~~فقال: أعز الله القاضي، أفي شيء مما ms397 ناظرت فيه وحكيته نقض أو مطعن، قال: ~~لا، قال: فما بالي أقوم بسائر هذه العلوم قيام أهلها وأنتسب إلى فن واحد قد ~~اقتصر الناس عليه، يعني الغناء؟ قال العطوي: فالتفت إلي القاضي يحيى وقال ~~لي: الجواب في هذا عليك - وكان العطوي من أهل الجدل - فقال للقاضي يحيى: ~~نعم، أعز الله القاضي، الجواب علي. ثم أقبل على إسحاق فقال: يا أبا محمد، ~~أنت كالفراء والأخفش في النحو؟ فقال: لا، فقال: أنت في اللغة ومعرفة الشعر ~~كالأصمعي وأبي عبيدة؟ قال: لا، قال: فأنت في علم الكلام كأبي الهذيل العلاف ~~والنظام البلخي؟ قال: لا، قال: فأنت في الفقه كالقاضي - وأشار إلى القاضي ~~يحيى؟ فقال: لا، قال: فأنت في قول الشعر كأبي العتاهية وأبي نواس؟ قال: لا، ~~قال: فمن ها هنا نسبت إلى ما نسبت إليه؛ لأنه لا نظير لك فيه، وأنت في ~~غيره دون رؤساء أهله. فضحك وقام وانصرف، فقال القاضي يحيى للعطوي: لقد وفيت ~~الحجة حقها، وفيها ظلم قليل لإسحاق، وإنه ممن يقل في الزمان نظيره. ~~ا.ه. # ومهما يكن من شيء فقد اشتهر إسحاق بالغناء دون غيره مما كان يحسنه من ~~سائر العلوم، وقد كان إسحاق مع ذكائه وعلمه، وعلو نفسه، وبعد همته، ~~مهيبا كريما، جم الأدب، عفيف اللسان. # أما عن كرمه فيروي لنا صاحب الأغاني أنه كان يجري على أبي عبد الله ~~الأعرابي في كل سنة ثلاثمائة دينار، وأن ابن الأعرابي هذا وقف على المدائني ~~يوما فقال له المدائني: إلى أين يا أبا عبد الله؟ فقال: أمضي إلى رجل هو ~~كما قال الشاعر: # نرمي بأشباحنا إلى ملك # نأخذ من ماله ومن أدبه # قال: ومن ذلك؟ قال: إسحاق بن إبراهيم! # وإنا نسوق إليك قصة أخرى، وهي مع دلالتها على شغف إسحاق بالعلم والحرص ~~على استثباته تدل أيضا على سخاء نفسه وكرمه. # قال إسحاق: جئت يوما إلى أبي معاوية الضرير ومعي مائة حديث، فوجدت حاجبه ~~يؤمئذ رجلا ضريرا، فقال لي: إن أبا معاوية قد ولاني حجابته لينفعني، ~~فقلت له: معي مائة حديث، وقد ms398 جعلت لك مائة درهم إذا قرأتها، فأستأذن لي. ~~فدخلت على أبي معاوية، فلما عرفني دعاه فقال له: أخطأت؛ إنما جعلت لك ذلك ~~على الضعفاء من أصحاب الحديث، فأما أبو محمد وأمثاله فلا، ثم أقبل علي ~~يرغبني في الإحسان إليه، ويذكر ضعفه وعنايته به، فقلت له: احتكم في ~~أمره، فقال: مائة دينار، فأمرت الغلام بإحضارها، وقرأت عليه ما أردت ~~وانصرفت. وهذه القصة تدل على أريحيته إلى جانب دلالتها على علمه. # قال أحمد بن الهيثم: كنت يوما جالسا ب «سر من رأى» عند إخوان لي، وكان ~~طريق إسحاق في مضيه إلى دار الخليفة ورجوعه علينا، فجاءني الغلام يوما ~~وعندي أصدقائي فقال: إسحاق بن إبراهيم الموصلي بالباب، فقلت: يدخل، أوفي ~~الأرض من يستأذن عليه لإسحاق؟! فذهب الغلام يأذن له وبادرت إلى تلقيه، ~~فدخل وجلس منبسطا آنسا، فعرضنا عليه ما عندنا، فأجاب إلى الشراب، فأحضرنا ~~نبيذا مشمسا، فشرب منه ثم قال: أتحبون أن أغنيكم؟ فقلنا: إي والله، ~~أطال الله بقاءك، إنا نحب ذلك، قال: فلم لا تسألونني؟ قلنا: هبناك، قال: ~~فلا تفعلوا، ثم دعا بعود فأحضرناه، فاندفع يغني، فشربنا وطربنا، فلما فرغ ~~قال: أحسنت أم لا؟ فقلنا: بلى والله، جعلنا فداك، لقد أحسنت، قال: فما ~~منعكم أن تقولوا لي أحسنت؟ قلنا: الهيبة والإجلال لك، قال: فلا تفعلوا هذا ~~فيما تستأنفون؛ فإن المغني يحب أن يقال له: أحسنت، ثم غنى: # خليلي هبا نصطبح بسواد # ونرو قلوبا هامهن صوادي # وقولا لساقينا زياد يرقها # فقد هد بعض القوم سقي زياد # فقلت: يا أبا محمد، فمن هو زياد؟ قال: غلامي الواقف على الباب، ادعه يا ~~غلام، فدخل فإذا هو غلام خلاسي، # 5 # قيمته عشرون دينارا أو نحوها، فقال: أتسألونني عنه، ~~فأعرفكم إياه، وأدخله إليكم، ويخرج كما دخل! وقد سمعتم شعري فيه ~~وغنائي، أشهدكم أنه حر لوجه الله تعالى، وقد زوجته أختي فلانة، فأعينوه ~~على أمره، قال: فلم يخرج حتى أوصلنا إليه عشرين ألف درهم. ولعل في هذه ~~القصة المتقدمة أيضا مقنعا لك بما كان لإسحاق في نفوس الناس ms399 من هيبة ~~وكرامة. # منزلة إسحاق في الغناء # قدمنا لك أننا نعترف بالعجز عن أن نجلو الناحية الفنية من حياة إسحاق، ~~وأن ذلك لا يتسق إلا لرجل أوتي من المواهب الفنية حظا عظيما، وقدمنا ~~لك أن إسحاق كان يحسن كثيرا من العلوم إحسانا قل أنه يتسق لغيره، وأنه ~~كان مع إجادته الغناء، وتبريزه فيه، وسبقه أقرانه، يكره أن ينتسب إليه أو ~~يسمى به؛ لأنه كان عالي النفس، بعيد مرامي الهمة، ويرى أن انتسابه إلى ~~الغناء يقصر به عن بلوغ مرامي همته. والآن نقول: إنه كان مع هذا شديد ~~الغيرة على الغناء، كثير الذب عنه، وله العذر، فإن صاحب الفن، أيا كان ~~الفن، لا يجد إلى الصبر سبيلا إذا عبث بفنه العابثون أو تهجم ~~المتهجمون. # وإذا كنا نعترف بالعجز عن أن نجلو الناحية الفنية لإسحاق، فإن ذلك لا ~~يمنعنا من أن ننقل إليك شيئا مما رواه المؤرخون؛ لتعلم ما كان يحيط به من ~~إكبار وإعجاب من الخلفاء، ورجالات الدولة، وأصحاب الفن؛ لنبوغه في فنه، ~~وتبريزه فيه، ولتعلم - أيضا مما كان يبديه من ملاحظات - مبلغ ما كان له من ~~دقة حس، وقوة ذوق، وحدة شعور، وسلامة فطرة. # ويعدو بنا الكلام عن القصد لو أطلقنا لأنفسنا العنان في إيراد كل ما نراه ~~حسنا وظريفا من أحاديث إسحاق ومجالسه، وما كان يتفق له من مفاكهات ~~ونوادر ؛ لذلك نكتفي بإيراد بعض حوادثه مما يتصل بالخلفاء الذين عاشرهم وما ~~كانوا يحيطونه به من عطف ورعاية. # وقدمنا لك أن إسحاق ظهر في عهد الرشيد، وتوفي في صدر أيام المتوكل، ~~فلنذكر لك شيئا من تاريخه ونوادره مع كل خليفة من خلفاء هذه الفترة من ~~العصر العباسي. # أما الرشيد فقد كان يلقبه من إعجابه به بأبي صفوان، ولقبه «إسحاق أبو ~~محمد» كما رأيت، وقد بلغ من إعجابه به أن استأثر به لنفسه، ونهاه عن أن ~~يغني أحدا غيره، ويحدثنا إسحاق عن هذا بقوله: نهاني الرشيد أن أغني أحدا ~~غيره، ثم استوهبني جعفر بن يحيى، وسأله أن يأذن له في أن ms400 أغنيه ففعل، ~~واتفقنا يوما عند جعفر وعنده أخوه الفضل، والرشيد يومئذ عقيب علة قد ~~عوفي منها وليس يشرب، فقال لي الفضل: انصرف الليلة حتى أهب لك مائة ألف ~~درهم، فقلت له: إن الرشيد نهاني أن أغني إلا له ولأخيك، وليس يخفى عنه ~~خبري، وأنا متهم بالميل إليكم، ولست أتعرض له ولا أعرضك، فلما نكبهم ~~الرشيد، وقال: إيه يا إسحاق، تركتني بالرقة وجلست ببغداد تغني الفضل بن ~~يحيى! فحلفت بحياته أنني ما جالسته قط إلا علي الحديث والمذاكرة، وأنه ما ~~سمعني قط إلا عند أخيه، وحلفته بتربة المهدي أن يسأل عن هذا في دارهم من ~~نسائهم، فسأل عنه فحدث بمثل ما ذكرته وعرف خبر المائة ألف الدرهم التي ~~بذلها لي ورددتها، فلما دخلت عليه ضحك ثم قال: سألت عن أمرك فعرفته مثلما ~~عرفتني، وقد أمرت لك بمائة ألف درهم عوضا عما بذله لك الفضل. # ويقول الأصمعي: دخلت أنا وإسحاق بن إبراهيم الموصلي يوما على الرشيد، ~~فرأيناه لقس # 6 # النفس، فأنشده إسحاق: # وآمرة بالبخل قلت لها اقصري # فذلك شيء ما إليه سبيل # أرى الناس خلان الكرام ولا أرى # بخيلا له حتى الممات خليل # وإني رأيت البخل يزري بأهله # فأكرمت نفسي أن يقال بخيل # ومن خير حالات الفتى لو علمته # إذا نال خيرا أن يكون ينيل # فعالى فعال المكثرين تجملا # ومالي كما قد تعلمين قليل # وكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنى # ورأي أمير المؤمنين جميل # قال: فقال الرشيد: لا تخف إن شاء الله، ثم قال: لله در أبيات تأتينا بها، ~~ما أشد أصولها، وأحسن فصولها، وأقل فضولها، وأمر له بخمسين ألف درهم، فقال ~~له إسحاق: وصفك والله، يا أمير المؤمنين، أحسن منه، فعلام آخذ الجائزة؟ ~~فضحك الرشيد، وقال: اجعلوها مائة ألف درهم، قال الأصمعي: فعلمت يومئذ أن ~~إسحاق أحذق بصيد الدراهم مني. # وكان من أشد منافسي إسحاق في الغناء إبراهيم بن المهدي أخو الرشيد الذي ~~كان يعتز عليه بجاهه، وبما له من حظ في الفن كبير، ومن أشد الملاحاة التي ~~حدثت بينهما ما ms401 كانت في مجلس الرشيد؛ قال إسحاق: كنت عند الرشيد يوما ~~وعنده ندماؤه وخاصته، وفيهم إبراهيم بن المهدي، فقال الرشيد: غن: # أعاذل قد نهيت فما انتهيت # وقد طال العتاب فما ارعويت # أعاذل ما كبرت وفي ملهى # ولو أدركت غايتك انثنيت # شربت مدامة وسقيت أخرى # وراح المنتشون وما انتشيت # فغنيته، فأقبل علي إبراهيم بن المهدي فقال لي: ما أصبت يا إسحاق ولا ~~أحسنت، فقلت له: ليس هذا مما تعرفه ولا تحسنه، وإن شئت فغنه، فإن لم ~~أجدك أنك مخطئ فيه منذ ابتدائك إلى انتهائك، فدمي حلال! ثم أقبلت على ~~الرشيد فقلت: يا أمير المؤمنين، هذه صناعتي، وصناعة أبي، وهي التي قربتنا ~~منك، وأوطأتنا بساطك، فإذا نازعنا أحد بلا علم لم نجد بدا من الإيضاح ~~والذب، فقال: لا لوم عليك، وقام الرشيد ليبول، فأقبل إبراهيم بن المهدي ~~علي وقال لي: ويلك يا إسحاق، أتجترئ علي وتقول ما قلت يا ابن الزانية! ~~فداخلني ما لم أملك نفسي معه، فقلت له: أنت تشتمني ولا أقدر على إجابتك ~~وأنت ابن الخليفة وأخو الخليفة، ولولا ذلك لقلت لك: يا ابن الزانية كما قلت ~~لي يا ابن الزانية، أوتراني لا أحسن أن أقول لك: يا ابن الزانية، ولكن ~~قولي لك ذلك ينصرف إلى خالك، ولولا ذلك لذكرت صناعته ومذهبه - قال: وكان ~~بيطارا - ثم سكت، وعلمت أن إبراهيم سيشكوني إلى الرشيد ، وسوف يسأل من ~~حضر عما جرى، فيخبرونه، فتلافيت ذلك بأن قلت: أنت تظن أن الخلافة لك، فلا ~~تزال تهددني بذلك، وتعاديني كما تعادي سائر أولياء وغلمان أخيك حسدا له ~~ولولده على الأمر، وأنت تضعف عنه وعنهم، وتستخف بأوليائهم تشفيا، ~~وأرجو ألا يخرجها الله تعالى عن الرشيد ولا عن ولده، وأن يقتلك دونها، ~~فإن صارت إليك - والعياذ بالله تعالى - فحرام علي العيش حينئذ، والموت ~~أطيب من الحياة معك، فاصنع حينئذ ما بدا لك. # فلما خرج الرشيد وثب إبراهيم فجلس بين يديه فقال: يا أمير المؤمنين، ~~شتمني وذكر أمي واستخف بي، فغضب الرشيد وقال لي: ويلك ما تقول؟ قلت: لا ms402 ~~أعلم، فسل من حضر، فأقبل على مسرور وحسين فسألهما عن القصة، فجعلا ~~يخبرانه ووجهه يتربد إلى أن انتهيا إلى ذكر الخلافة، فسري عنه ورجع ~~لونه، وقال: لا ذنب له، شتمته فعرفك أنه لا يقدر على جوابك، ارجع إلى ~~موضعك، وأمسك عن هذا! فلما انقضى المجلس وانصرف الناس أمر بألا أبرح، ~~وخرج كل من حضر حتى لم يبق غيري، فساء ظني وأوهمتني نفسي، فأقبل علي ~~وقال: يا إسحاق، أتراني لم أفهم قولك ومرادك وقد زينته ثلاث مرات؟ أتراني ~~لا أعرف وقائعك وإقدامك وأين ذهبت؟ ويلك لا تعد! حدثني عنك لو ضربك ~~إبراهيم أكنت أضربه وهو أخي يا جاهل! أتراه لو أمر غلمانه فقتلوك! أكنت ~~أقتله بك؟! فقلت: والله يا أمير المؤمنين، قتلتني بهذا الكلام، وإن بلغه ~~ليقتلني، فما أشك في أن بلغه الآن، فصاح بمسرور وقال: علي بإبراهيم، ~~فأحضر، فقال لي: قم فانصرف. # فقلت لجماعة من الخدم - وكلهم كان له محبا وإلي مائلا ولي مطيعا: ~~أخبروني بما يجري، فأخبروني من غد أنه لما دخل عليه وبخه وجهله وقال ~~له: أتستخف بخادمي وصنيعتي، وابن خادمي وصنيعتي وصنيعة أبي في مجلسي! ~~وتقدم علي وتستخف بمجلسي وحضرتي! هاه هاه! وتقدم على هذا وأمثاله! ~~وأنت ما لك وما للغناء؟ وما يدريك ما هو؟ ومن أخذك به وطارحك إياه حتى ~~تتوهم أنك تبلغ فيه مبلغ إسحاق الذي غذي به وعلمه، وهو من صناعته؟ ثم ~~تظن أنك تخطئه فيما لا تدريه، ويدعوك إلى إقامة الحجة عليه فلا تثبت ~~لذلك وتعتصم بشتمه، هذا مما يدل على السقوط، وضعف العقل، وسوء الأدب، من ~~دخولك فيما لا يشبهك، وغلبة لذتك على مروءتك وشرفك، ثم إظهارك إياه ولم ~~تحكمه، وادعائك ما لا تعلمه حتى ينسبك إلى إفراط الجهل، ألا تعلم أن هذا ~~سوء أدب وقلة معرفة، وعدم مبالاة للخطأ والرد القبيح والتكذيب؟ ثم قال: ~~والله العظيم، وحق رسوله، وإلا فأنا بريء من المهدي إن أصابه أحد بمكروه، ~~أو سقط عليه حجر من السماء، أو وقع من دابته، أو سقطت عليه سقيفة، ms403 أو مات ~~فجأة، لأقتلنك به، والله والله وأنت أعلم، قم الآن فاخرج ولا تعرض له. ~~فخرج وقد كاد أن يموت، فلما كان بعد ذلك دخلت عليه وإبراهيم عنده، فجعل ~~ينظر إليه مرة وإلي مرة ويضحك، ثم قال له: إني لأعلم محبتك لإسحاق وميلك ~~إليه وإلى الأخذ عنه، وإن هذا لا يجيئك من جهته كما تريد إلا بعد أن ~~يرضى، والرضا لا يكون بمكروه، ولكن أحسن إليه وأكرمه، واعرف حقه وصله، ~~فإذا فعلت ذلك، وخالف ما تهواه، عاقبته بيد مستطيلة، ولسان منطلق، ثم قال ~~لي: قم الآن إلى مولاك وابن مولاك، فقبل رأسه. فقمت إليه وقام إلي ~~واصطلحنا. # ولعل ما قدمناه لك يعطيك صورة واضحة عما كان لإسحاق من مكانة لدى الرشيد، ~~وما كان للرشيد من حدب عليه وبر به. # أما مكانة إسحاق عند الأمين وبطانته، فإنها لا تقل - أيدك الله - عن ~~مكانته عند الرشيد وبطانة الرشيد، ولا ترى خيرا في الدلالة على هذه ~~المكانة من كلام إسحاق نفسه؛ قال إسحاق: استدناني الأمين يوما وهو مستلق ~~على فراش حتى صارت ركبتي على الفراش، ثم قال: يا إسحاق، أشكو إليك أصحابي، ~~فعلت بفلان كذا ففعل كذا، وفعلت بفلان كذا ففعل كذا، حتى عدد جماعة من ~~خواصه، فقلت له: أنت يا سيدي تتفضل علي وتحسن رأيك في، ظننت أني ~~ممن يشاور في مثل هذا الحديث ، تجاوزت بي حدي ومقداري، وهذا رأي يجل ~~ولا يبلغه قدري، فقال: ولم؟ أنت عندي عالم عاقل ناصح، قلت: هذه المنزلة ~~عند سيدي علمتني ألا أقول إلا ما أعرف، ولا أطلب إلا ما أنال، فضحك وقال: ~~بلغني أنك عملت في هذه الأيام لحنا في شعر الراعي، فلم أسمعه منك، فقلت: ~~يا سيدي، ما سمعه أحد إلا جواري، ولا حضرت عندك منذ صنعته، فقال: غنه، ~~فقلت: الهيبة والصحو يمنعانني من أن أؤديه كما أريد، فلو آنس أمير ~~المؤمنين عبده بشيء يطربه ويقوي طبعه كان أجود، قال: صدقت، ثم أمر ~~بالغداء فتغدينا، وأمر بالستائر فمدت، وغنى من وراءها وشربنا ~~أقداحا، فقال: ms404 يا إسحاق، ما جاء أوان الصوت؟ فقلت: بلى يا سيدي، وغنيت في ~~شعر الراعي: # ألم تسأل بعارمة الديارا # عن الحي المفارق أين سارا # بلى ساءلتها فأبت جوابا # وكيف تسائل الدمن القفارا # فاستحسنه وطرب عليه وقال: يا إسحاق، لا تطلب بعد البغية ووجود المنية، ~~وما أشرب بقية يومي إلا على هذا الصوت، ووصلني وخلع علي من ~~ثيابه. # ومما حدث بين الأمين وإسحاق أن الأمين اصطبح ذات يوم، وأمر بالتوجيه إلى ~~إسحاق، فوجه إليه عدة رسل كلهم لا يصادفه، حتى جاء أحدهم به، فجاء ~~منتشيا ومحمد مغضب، فقال له: أين كنت؟ ويلك! قال: أصبحت يا أمير ~~المؤمنين نشيطا، فبكرت إلى بعض المتنزهات، فاستطبت الموضع فأقمت فيه، ~~وسقاني زياد فذكرت أبياتا للأخطل وهو يسقيني، فدارك فيها لحن حسن، فصنعته ~~وقد جئتك به، فتبسم وقال: هاته، فما تزال تأتي بما يرضي عنك عند السخط، ~~فغناه: # إذا ما زياد علني ثم علني # ثلاث زجاجات لهن هدير # خرجت أجر الذيل حتى كأنني # عليك أمير المؤمنين أمير # فقال: بل على أبيك، قبح الله فعلك! فما زال إحسانك في غنائك يمحو ~~إساءتك في فعلك، وأمر له بألف دينار. وأصله قول الأخطل: # إذا ما نديمي علني # وزياد هذا غلام لإسحاق، وقد ذكرنا فيما سبق أنه أعتقه وزوجه من أخته ~~بدافع من أريحيته وأثر الشراب فيه. # أما عبد الله المأمون، فيحدثنا إسحاق عن ناحية من شخصيته، وهي موقفه من ~~الغناء وسماعه، وقد ألمعنا إليها حين عرضنا للكلام عن المنادمة في عصره، ثم ~~نسوق إليك بعد هذا الحديث ما كان لإسحاق من مكانة لدى المأمون ~~أيضا. # قال إسحاق: أقام المأمون بعد قدومه بغداد عشرين شهرا لم يسمع حرفا من ~~الأغاني، ثم كان أول من تغني بحضرته أبو عيسى بن الرشيد، ثم واظب على ~~السماع مستترا متشبها في أول أمره بالرشيد، فأقام على ذلك أربع حجج، ثم ~~ظهر للندماء والمغنين، وكان حين أحب السماع سأل عني، فخرجت بحضرته وقال ~~الطاعن علي: ما يقول أمير المؤمنين في رجل يتيه على الخلافة، وما أبقى ms405 من ~~التيه شيئا حتى استعمله؟ فأمسك المأمون عن ذكري وجفاني من كان يصلني ~~لسوء رأيه في، فأضر ذلك بي، حتى جاءني علويه يوما فقال لي: أتأذن لي ~~في ذكرك عند المأمون؛ فإنا قد دعينا اليوم؟ فقلت: لا، ولكن غنه بهذا ~~الشعر؛ فإنه سيبعثه على أن يسألك لمن هذا الشعر، فإذا سألك فتح لك ما ~~تريد، وكان الجواب أسهل عليك من الابتداء، فقال: هات، فألقيت عليه لحني ~~في شعري: # يا سرحة الماء قد سدت موارده # أما إليك طريق غير مسدود # لحائم حام حتى لا حراك به # محلأ عن طريق الماء مطرود # ومضى علويه، فلما استقر به المجلس غناه، فما عدا المأمون أن يسمع ~~الغناء حتى قال: ويحك يا علويه! لمن هذا الشعر؟ قلت: يا سيدي، لعبد من ~~عبيدك جفوته واطرحته بغير جرم، فقال: إسحاق تعني؟ فقلت: نعم، فقال: يحضر ~~الساعة، فجاءني رسوله، فحضرت، فلما دخلت قال: ادن، فدنوت، ورفع يديه ~~مادهما إلي، فأكببت عليه فاحتضنني بيديه، وأظهر من بري ما لو أظهره ~~صديق مؤانس لصديقه لسره. # 7 # ثم ما زالت تعظم مكانته عند المأمون حتى سأله يوما أن يكون دخوله مع أهل ~~العلم والأدب والرواة لا مع المغنين، فإذا أراد الغناء غناه، فأجابه إلى ~~ذلك، ثم سأله بعد مدة طويلة أن يأذن له بالدخول مع الفقهاء، فأذن له، فدخل ~~يوما مع يحيى بن أكثم متماسكين، وعلويه ومخارق في حجرة لهما جالسين ~~ينتظران جلوس المأمون، فرأياهما وقد دخلا حتى جلسا بين يدي المأمون، فكاد ~~علويه أن يجن وقال: يا قوم، سمعتم بأعجب من هذا! يدخل قاضي القضاة ~~ويده في يد مغن حتى يجلسا بين يدي الخليفة! ثم مضت مدة فسأل إسحاق ~~المأمون في لبس السواد يوم الجمعة والصلاة معه في المقصورة، فضحك المأمون ~~وقال: ولا كل هذا يا إسحاق! وقد اشتريت منك هذه المسألة بمائة ألف درهم، ~~وأمر له بها. وهذا الخبر يؤيد ما ذكرناه في أول كلامنا على إسحاق من أنه ~~كان يطمح إلى أن يكون في مرتبة غير مرتبة المغنين. ms406 # وانظر إلى دقة إحساس إسحاق وقوة ذوقه في تبينه الخطأ في وتر واحد بين ~~ثمانين وترا، وكان ذلك في مجلس المأمون؛ قال إسحاق: دعاني المأمون يوما ~~وعنده إبراهيم بن المهدي، وفي مجلسه عشرون جارية قد أجلس عشرا عن اليمين ~~وعشرا عن يساره، فلما دخلت سمعت من الناحية اليسرى خطأ فأنكرته، فقال ~~المأمون: أسمعت خطأ؟ فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، فقال لإبراهيم بن ~~المهدي: هل تسمع خطأ؟ قال: لا، فأعاد علي السؤال، فقلت: بلى يا أمير ~~المؤمنين، فإنه لفي الجانب الأيسر، فأعاد إبراهيم سمعه إلى الناحية اليسرى ~~ثم قال: لا والله يا أمير المؤمنين ما في هذه الناحية خطأ! فقلت: يا أمير ~~المؤمنين، مر الجواري اللائي على اليمين يمسكن، فأمرهن فأمسكن، ثم قلت ~~لإبراهيم: هل تسمع خطأ؟ فتسمع ثم قال: ما ها هنا خطأ، فقلت: يا أمير ~~المؤمنين، يمسكن وتضرب الثامنة، فأمسكن وضربت الثامنة، فعرف إبراهيم الخطأ ~~فقال: نعم يا أمير المؤمنين، ها هنا خطأ؛ فقال المأمون عند ذلك لإبراهيم بن ~~المهدي: لا تمار إسحاق بعدها؛ فإن رجلا عرف الخطأ بين ثمانين وترا ~~وعشرين حلقا لجدير ألا تماريه، قال: صدقت يا أمير المؤمنين - وكان في ~~الأوتار كلها مثنى فاسد التسوية - فطرب المأمون وقال: لله درك يا أبا ~~محمد، فكناني يومئذ. # وخبر آخر يدل على حذق إسحاق بفنه في مجلس آخر للمأمون، قال إسحاق: دخلت ~~على المأمون يوما وعقيد يغنيه مرتجلا وغيره يضرب عليه، فقال: يا إسحاق، ~~كيف تسمع مغنينا هذا؟ فقلت: هل سأل أمير المؤمنين غيري عن هذا؟ فقال: نعم، ~~سألت عمي إبراهيم فقرظه واستحسنه، فقلت: يا أمير المؤمنين - أدام الله ~~سرورك وأطاب عيشك - إن الناس قد أكثروا في أمري حتى نسبتني فرقة إلى التزيد ~~في علمي، قال: فلا يمنعك ذلك من قول الحق إذا لزمك، فقلت لعقيد: اردد ~~الصوت الذي غنيته، فرده وتحفظ فيه وضرب عليه ضاربه، فقلت لإبراهيم بن ~~المهدي: كيف رأيته؟ فقال: ما رأيت شيئا أنكره مما سمعته، فأقبلت على عقيد ~~وقلت له لما استوفاه: في أي طريقة ms407 غنيت؟ فقال: في الرمل، فقلت للضارب: ~~في أي طريقة ضربت؟ فقال: في الهزج الثقيل، فقلت: يا أمير المؤمنين، ما عسى ~~أن أقول في صوت يغنيه مغنيه رملا، ويضربه ضاربه هزجا ثقيلا، وليس هو ~~صحيحا في إيقاعه الذي ضرب عليه؟ قال: وتفهمه إبراهيم بن المهدي فقال: ~~صدق يا أمير المؤمنين، والأمر فيه بين! فعجب المأمون من ذلك كيف خفي على ~~كل من حضر. # أما منزلته عند الواثق، فيقول ابن حمدون: سمعت الواثق يقول: ما غناني ~~إسحاق قط إلا ظننت أنه قد زيد في ملكي، ولا سمعته قط يغني غناء ابن سريج ~~إلا ظننت ابن سريح قد نشر، وإني ليحضرني غيره إذا لم يكن حاضرا فيتقدمه ~~عندي بطيب الصوت، حتى إذا اجتمع عندي رأيت إسحاق يعلو، ورأيت من ظننت أنه ~~يتقدمه ينقص، وإن إسحاق لنعمة من نعم الملوك التي لم يحظ أحد بمثلها، ولو ~~أن العمر والشباب والنشاط مما يشترى لاشتريتهن له بشطر ملكي. # أما المتوكل الذي توفي إسحاق في أول عصره، فيحدثنا ابن حمدون أنه سأل ~~عن إسحاق، فعرف أنه كف، وأنه بمنزله ببغداد، فكتب في إحضاره، فلما دخل ~~عليه رفعه حتى أجلسه قدام السرير، وأعطاه مخدة، وقال: بلغني أن المعتصم ~~دفع إليك في أول يوم جلست بين يديه مخدة وقال: إنه لا يستجلب ما عند حر ~~مثل إكرامه، ثم سأله: هل أكل؟ فقال : نعم، فأمر أن يسقى، فلما شرب أقداحا ~~قال: هاتوا لأبي محمد عودا، فجيئ به، فاندفع يغني بشعره: # ما علة الشيخ عيناه بأربعة # تغرورقان بدمع ثم تنسكب # قال ابن حمدون: فما بقي غلام من الغلمان الوقوف إلا وجدته يرقص طربا وهو ~~لا يعلم بما يفعل، فأمر له بمائة ألف درهم، ثم انحدر المتوكل إلى الرقة - ~~وكان يستطيبها لكثرة تغريد الطير فيها - فغناه إسحاق: # أأن هتفت ورقاء في رونق الضحى # على فنن غض النبات من الرند # بكيت كما يبكي الوليد فلم تكن # جليدا وأبديت الذي لم تكن تبدي # فضحك المتوكل ثم قال: يا إسحاق، هذه أخت فعلتك بالواثق لما ms408 غنيته ~~بالصالحية: # طربت إلى أصيبية صغار # وذكرني الهوى قرب المزار # فكم أعطاك لما أذن لك في الانصراف؟ قال: مائة ألف دينار. فأمر له بمائة ~~ألف دينار وأذن له بالانصراف. # وإنا لو ذهبنا نذكر لك من أخبار إسحاق وما كان له من نوادر في مجالس ~~الخلفاء وغير مجالس الخلفاء من رجالات الدولة لعدونا حد القصد، وإنما نحيل ~~من يريد التزيد من أمر إسحاق على كتاب الأغاني، ونختم هذا الفصل من أخبار ~~إسحاق بما قاله محمد بن عمران الجرجاني، حين ذكر عنده، قال: كان - والله ~~- إسحاق غرة في زمانه، وواحدا في عصره، علما وفهما وأدبا ووقارا، ~~وجودة رأي، وصحة مودة، وكان والله يخرس الناطق إذا نطق، ويحير السامع ~~إذا تحدث، لا يمل جليسه في مجلسه، ولا تمج الآذان حديثه، ولا تنبو ~~النفس عن مطاولته، إن حدثك ألهاك، وإن ناظرك أفادك، وإن غناك أطربك، ~~وما كانت خصلة من الأدب ولا جنس من العلم يتكلم فيه إسحاق فيقدم أحد على ~~مساجلته أو مناوأته فيه. # قال إسحاق بن إبراهيم: رأيت في منامي جريرا جالسا ينشد وأنا أسمع، فلما ~~فرغ أخذ كبة من شعري فألقاها في في فابتلعتها، فأول ذلك بعض من ~~ذكرته له أنه ورثني الشعر، قال زيد بن محمد المهلبي: وكذلك كان، لقد مات ~~إسحاق وهو أشعر أهل زمانه. # وقال أبو الفرج الأصفهاني: وكان إسحاق جيد الشعر ، كان يقول وينسبه للعرب، ~~فمن ذلك قوله: # لفظ الخدور عليك حورا عينا # أنسين ما جمع الكناس قطينا # فإذا بسمن فعن كمثل غمامة # أو أقحوان الرمل بات معينا # وأصح ما رأت العيون محاجرا # ولهن أمرض ما رأيت عيونا # فكأنما تلك الوجوه أهلة # أقمرن بين العشر والعشرينا # وكأنهن إذا نهضن لحاجة # ينهض بالعقدات من يبرينا # وأشعاره في هذا النوع كثيرة، ولعل الذي كان يدفع أولئك الشعراء إلى أن ~~ينسبوا خير ما تجود به قرائحهم إلى العرب الجاهلين أو أعراب الصحراء روح ~~ذلك العصر، وأنها كانت روحا تميل إلى القديم، ولا سيما إذا زين هذا ~~القديم بإطار من خيال الرواة ms409 والقصاصين، ويظهر أن ما كانوا يظفرون به ~~رواة للشعر العربي أكثر مما كانوا يظفرون به شعراء مجيدين، وإلا فهل ~~يتصور أن ينسب المرء نتاج قريحته إلى غيره ما لم يكن ثمن ذلك ~~عظيما؟ # ومن شعر إسحاق ما اعتذر به إلى الواثق حين عتب عليه في تأخره عنه، وهو ~~قوله: # أشكو إلى الله بعدي عن خليفته # وما أعالج من سقم ومن كبر # لا أستطيع رحيلا إن هممت به # إليه يوما ولا أقوى على السفر # أنوي إليه رحيلا ثم يمنعني # ما أحدث الدهر والأيام في بصري # ومن شعره أيضا عند علو سنه: # سلام على سير القلاص من الركب # ووصل الغواني والمدامة والشرب # سلام امرئ لم يبق منه بقية # سوى نظر العينين أو شهوة القلب # ومن جيد شعر إسحاق ما كان يستحسنه ابن الأعرابي ويعجب به أيما إعجاب، ~~وهو قوله: # هل إلى أن تنام عيني سبيل # إن عهدي بالنوم عهد طويل # غاب عني من لا أسمي فعيني # كل يوم وجدا عليه تسيل # إن ما قل منك يكثر عندي # وكثير ممن تحب القليل # وكان إسحاق إذا غنى هذه الأبيات تفيض عيناه، ولما سئل عن بكائه أجاب: ~~تعشقت جارية فقلت لها هذه الأبيات، ثم ملكتها، فكنت مشغوفا بها، حتى ~~كبرت واعتلت عيني، فإذا غنيت هذا الشعر ذكرت أيامي المتقدمة، وأنا ~~أبكي على دهري الذي كنت فيه. # وقال إسحاق : أنشدت الأصمعي الأبيات الثلاثة فجعل يعجب بها ويرددها، فقلت ~~له: إنها بنت ليلتها، فقال: لا جرم أن أثر التوليد فيها ظاهر، فقال إسحاق: ~~ولا جرم أن أثر الحسد فيك ظاهر! ولعل هذا هو سبب الجفوة التي كانت بين ~~إسحاق والأصمعي. # فإن ابن منظور يروي لنا في مختصره، أن إسحاق كان يأخذ عن الأصمعي ويذكر ~~عنه الروايات، ثم فسد ما بينهما، فهجاه إسحاق وثلبه، وذكر عند الرشيد أنه ~~قليل الشكر، بخيل، ساقط النفس، لا تزكو الصنيعة عنده، وذكر له أبا عبيدة ~~معمر بن المثنى بالثقة والصدق والسماحة، واشتماله على جميع علوم العرب، ~~وفعل مثل ذلك عند الفضل بن ms410 الربيع، ولم يزل بهما حتى وضع منزلة الأصمعي ~~عندهما، ثم أنفذا إلى أبي عبيدة مالا جليلا واستقدماه، فكان إسحاق سبب ~~ذلك. # وكان إسحاق قليل الهجو، فإذا هجا رأيت في هجوه عفة اللسان، وجمال ~~التعريض، ونريد أن نذكر لك من هذا الباب قوله في أحمد بن هشام، وكان إسحاق ~~يألف أحمد هذا وأخاه عليا وسائر أهله إلفا شديدا، فوقعت بينهم نبوة ~~ووحشة فهجاهم، وهذا مما قاله في أحمد: # وصافية تعشي العيون رقيقة # رهينة عام في الدنان وعام # أدرنا بها الكأس الروية موهنا # من الليل حتى انجاب كل ظلام # فما ذر قرن الشمس حتى كأننا # من العي نحكي أحمد بن هشام # ويقال إن أحمد سأله: ما ذنبي؟ فقال: لأنك قعدت على طريق القافية ~~...! # وكان إسحاق يسأل الله ألا يبتليه بالقولنج لما رأي من صعوبته على ~~أبيه، فرأى في منامه كأن قائلا يقول: قد أجيبت دعوتك، ولست تموت ~~بالقولنج، ولكنك تموت بضده، ثم أصابه ذرب في شهر رمضان سنة 235ه، ~~فكان يتصدق في كل يوم يمكنه صومه بمائه درهم، ثم ضعف عن الصوم فلم يطقه ~~ومات في الشهر. # ولما نعى إلى المتوكل غمه وحزن عليه وقال: ذهب صدر عظيم من جمال الملك ~~وبهائه وزينته! # مؤلفاته # علمت مما أوردناه لك في الكلام على إسحاق أنه كان يحسن كل ما كان عالجه ~~من العلوم إحسانا قل أن يستوي لغيره ، ولكنه قصر تأليفه على ما قصرته ~~عليه وظيفته وعمله، فألف في الأغاني والإيقاع والنغم، وآداب الشراب، ~~والندماء والمنادمات، وأخبار الشعراء، وأهل الفن من المغنين والمغنيات، ~~فمن مؤلفاته: كتاب الأغاني الكبير، وكتاب اللحظ والإشارات، وكتاب الرقص ~~والزفن، وكتاب النغم والإيقاع، وكتاب الندماء والمنادمات، وله مؤلفات عمن ~~سبقه من أهل الفن رجالا ونساء، أمثال: معبد، وابن مسجح، وعزة الميلاء ~~وغيرهم، وله أيضا كتاب الهذليين، وكتاب تفضيل الشعر، وكتاب أخبار ذي ~~الرمة، وكتاب جواهر الكلام، وله كتاب منادمة الإخوان وتسامر الخلان، ~~وكتاب القيان، وغير ذلك مما ينطق بعلو كعبه في شتى الفنون، ويشهد بأنه ~~دائرة معارف عامة. # | هوامش # | المجلد ms411 الثاني # | ملحق الكتاب الأول # | باب المنثور # ذكرنا في مقدمة المجلد الأول من «عصر المأمون» أننا قسمنا المجلد الثاني إلى ملحقات ~~للكتب الثلاثة عن العصور الثلاثة، وعنينا عناية خاصة إلى جانب ذلك بذكر جملة صالحة من ~~آثار كاتب خاص وشاعر خاص لتمثيل عصرهما. واتخذنا من عبد الحميد الكاتب وعمر بن أبي ~~ربيعة أنموذجا أمويا، ومن أبي الربيع محمد بن الليث وبشار بن برد مثالا عباسيا، ~~ومن عمرو بن مسعدة وأبي نواس نموذجا لتصوير الحياة الكتابية والشعرية في عصر الأمين ~~والمأمون، إلى غير ذلك من النماذج والآثار مما يستدعيه المقام، وقد أوردناها من غير أن ~~نعرض لها بتحليل أو بيان - اللهم إلا تفسير بعض ألفاظها الغريبة وشرح كلماتها الغامضة - ~~فهي في وضوحها ودلالتها على ما أردنا من إيرادها غير محتاجة إلى شيء. وها نحن أولاء ~~نذكر ما وعدناك به. ~~(1) رسالتا أبي بكر وعلي # قال # 1 # أبو حيان علي بن محمد التوحيدي البغدادي: سمرنا ليلة عند القاضي أبي ~~حامد أحمد بن بشر المروروذي ببغداد، فتصرف في الحديث كل متصرف؛ وكان غزير الرواية، ~~لطيف الدراية، فجرى حديث السقيفة، فركب كل مركبا، وقال قولا، وعرض بشيء، ونزع ~~إلى فن. فقال: هل فيكم من يحفظ رسالة لأبي بكر # 2 # الصديق، رضي الله عنه، إلى علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وجواب علي ~~عنها، ومبايعته إياه عقيب تلك المناظرة؟ فقال الجماعة لا والله؛ فقال: هي والله من ~~بنات الحقائق، ومخبآت الصنادق، ومنذ حفظتها ما رويتها إلا لأبي محمد المهلبي في ~~وزارته، فكتبها عني بيده. وقال: لا أعرف رسالة أعقل منها ولا أبين؛ وإنها لتدل على ~~علم وحلم، وفصاحة ونباهة، وبعد غور، وشدة غوص. فقال له العباداني: أيها القاضي، فلو ~~أتممت المنة علينا بروايتها! أسمعناها، فنحن أوعى لك من المهلبي، وأوجب ذماما ~~عليك؛ فاندفع وقال: حدثنا الخزاعي بمكة عن أبي ميسرة، قال حدثنا محمد بن أبي فليح ~~عن عيسى بن دوأب بن المتاح، قال سمعت مولاي أبا عبيدة يقول: لما استقامت الخلافة ~~لأبي بكر رضي الله عنه ms412 بين المهاجرين والأنصار، بعد فتنة كاد الشيطان بها، فدفع ~~الله شرها ويسر خيرها، بلغ أبا بكر عن علي تلكؤ وشماس، # 3 # وتهمم # 4 # ونفاس، # 5 # فكره أن يتمادى الحال فتبدو العورة، وتشتعل الجمرة، وتتفرق ذات البين؛ ~~فدعاني بحضرته في خلوة، وكان عنده عمر ابن الخطاب رضي الله عنه وحده، فقال: يا أبا ~~عبيدة، ما أيمن ناصيتك، وأبين الخير بين عينيك، وطالما أعز الله بك الإسلام وأصلح ~~شأنه على يديك، ولقد كنت من رسول الله # صلى الله عليه وسلم # بالمكان المحوط، والمحل المغبوط؛ ~~ولقد قال فيك في يوم مشهود: «لكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة»، ولم تزل ~~للدين ملتجا، وللمؤمنين مرتجى؛ ولأهلك ركنا، ولإخوانك ردءا. قد أردتك لأمر خطره ~~مخوف، وإصلاحه من أعظم المعروف، ولئن لم يندمل جرحه بيسارك ورفقك، ولم تجب # 6 # حيته برقيتك، وقع اليأس، وأعضل البأس؛ واحتيج بعد ذلك إلى ما هو أمر ~~منه وأعلق، وأعسر منه وأغلق؛ والله أسأل تمامه بك، ونظامه على يديك. فتأت # 7 # له أبا عبيدة وتلطف فيه، وانصح لله عز وجل ولرسوله # صلى الله عليه وسلم ~~، ولهذه ~~العصابة غير آل جهدا، ولا قال حمدا، والله كالئك وناصرك، وهاديك ومبصرك، إن شاء الله. # امض إلى علي واخفض له جناحك، واغضض عنده صوتك، واعلم أنه سلالة أبي طالب، ومكانه ~~ممن فقدناه بالأمس # صلى الله عليه وسلم # مكانه، وقل له: البحر مغرقة، والبر مفرقة، والجو ~~أكلف، # 8 # والليل أغدف، # 9 # والسماء جلواء، # 10 # والأرض صلعاء، # 11 # والصعود متعذر، والهبوط متعسر، والحق عطوف رءوف، والباطل عنوف عسوف، ~~والعجب قداحة الشر، والضغن رائد البوار، والتعريض شجار الفتنة، والقحة ثقوب ~~العدواة، وهذا الشيطان متكئ على شماله، متحيل بيمينه، نافخ حضنيه # 12 # لأهله، ينتظر الشتات والفرقة، ويدب بين الأمة بالشحناء والعداوة، ~~عنادا لله عز وجل أولا، ولآدم ثانيا، ولنبيه # صلى الله عليه وسلم # ودينه ثالثا، يوسوس ~~بالفجور، ويدلي بالغرور، ويمني أهل الشرور. يوحي إلى أوليائه زخرف القول غرورا ~~بالباطل، دأبا له منذ كان على عهد أبينا آدم # صلى ms413 الله عليه وسلم ~~، وعادة له منذ أهانه الله ~~تعالى في سالف الدهر، لا منجى منه إلا بعض الناجذ على الحق، وغض الطرف عن الباطل، ~~ووطء هامة عدو الله بالأشد فالأشد، والآكد فالآكد، وإسلام النفس لله عز وجل في ~~ابتغاء رضاه. ولا بد الآن من قول ينفع إذا ضر السكوت وخيف غبه؛ ولقد أرشدك من ~~أفاء # 13 # ضالتك، وصافاك من أحيا مودته بعتابك، وأراد لك الخير من آثر البقاء ~~معك؛ ما هذا الذي تسول لك نفسك، ويدوى به قلبك، ويلتوي عليك رأيك، ~~ويتخاوص # 14 # دونه طرفك، ويسري فيه ظعنك، ويتراد معه نفسك، وتكثر عنده صعداؤك، ~~ولا يفيض به لسانك، أعجمة بعد إفصاح! أتلبيس بعد إيضاح! أدين غير دين الله! أخلق ~~غير خلق القرآن! أهدي غير هدي النبي # صلى الله عليه وسلم ~~! أمثلي «تمشي # 15 # له الضراء وتدب له الخمر!» أم مثلك ينقبض عليه الفضاء، ويكسف في عينه ~~القمر! ما هذه القعقعة بالشنان! # 16 # وما هذه الوعوعة باللسان! إنك والله جد عارف باستجابتنا لله عز وجل ~~ولرسوله # صلى الله عليه وسلم ~~، وبخروجنا عن أوطاننا وأموالنا وأولادنا وأحبتنا، هجرة إلى الله ~~عز وجل، ونصرة لدينه في زمان أنت فيه في كن الصبا، وخدر الغرارة، وعنفوان الشبيبة، ~~غافل عما يشيب ويريب، لا تعي ما يراد ويشاد، ولا تحصل ما يساق ويقاد، سوى ما أنت ~~جار عليه إلى غايتك التي إليها عدل بك، وعندها حط رحلك، غير مجهول القدر ولا مجحود ~~الفضل؛ ونحن في أثناء ذلك نعاني أحوالا تزيل الرواسي؛ ونقاسي أهوالا تشيب ~~النواصي، خائضين غمارها، راكبين تيارها، نتجرع صابها، ونشرج # 17 # عيابها، ونحكم آساسها، ونبرم أمراسها، # 18 # والعيون تحدج بالحسد، والأنوف تعطس بالكبر، والصدور تستعر بالغيظ، ~~والأعناق تتطاول بالفخر، والشفار تشخذ بالمكر، والأرض تميد بالخوف؛ لا ننتظر عند ~~المساء صباحا، ولا عند الصباح مساء، ولا ندفع في نحر أمر إلا بعد أن نحسو الموت ~~دونه، ولا نبلغ مرادا إلا بعد الإياس من الحياة عنده؛ فادين في جميع ذلك رسول الله # صلى الله عليه وسلم ms414 # بالأب والأم، والخال والعم، والمال والنشب، والسبد # 19 # واللبد، والهلة # 20 # والبلة، بطيب أنفس، وقرة أعين، ورحب أعطان، وثبات عزائم، وصحة عقول، ~~وطلاقة أوجه، وذلاقة ألسن؛ هذا مع خفيات أسرار، ومكنونات أخبار، كنت عنها غافلا، ~~ولولا سنك لم تكن عن شيء منها ناكلا، كيف وفؤادك مشهوم، # 21 # وعودك معجوم! والآن قد بلغ الله بك وأنهض الخير لك، وجعل مرادك بين ~~يديك، وعن علم أقول ما تسمع؛ فارتقب زمانك، وقلص أردانك، ودع التقعس والتجسس لم لا ~~يظلع لك إذا خطا، ولا يتزحزح عنك إذا عطا؛ # 22 # فالأمر غض، والنفوس فيها مض، وإنك أديم هذه الأمة فلا تحلم # 23 # لجاجا، وسيفها العضب، فلا تنب اعوجاجا، وماءها العذب فلا تحل أجاجا. ~~والله لقد سألت رسول الله # صلى الله عليه وسلم # عن هذا الأمر، فقال لي: «يا أبا بكر هو لمن يرغب ~~عنه لا لمن يجاحش # 24 # عليه، ولمن يتضاءل عنه لا لمن يتنفج إليه، # 25 # هو لمن يقال هو لك لا لمن يقول هو لي.» # ولقد شاورني رسول الله # صلى الله عليه وسلم # في الصهر، فذكر فتيانا من قريش، فقلت: أين أنت ~~من علي! فقال # صلى الله عليه وسلم ~~: إني أكره لفاطمة ميعة شبابه، وحداثة سنه. فقلت له: متى ~~كنفته يدك، ورعته عينك، حفت بهما البركة، وأسبغت عليهما النعمة؛ مع كلام كثير ~~خاطبته به رغبة فيك، وما كنت عرفت منك في ذلك لا حوجاء # 26 # ولا لوجاء، فقلت ما قلت وأنا أرى مكان غيرك، وأجد رائحة سواك؛ وكنت إذ ~~ذاك خيرا لك منك الآن لي. ولئن كان عرض بك رسول الله # صلى الله عليه وسلم # في هذا الأمر، فلم ~~يكن معرضا عن غيرك: وإن كان قال فيك فما سكن عن سواك؛ وإن تلجلج في نفسك شيء فهلم، ~~فالحكم مرضي، والصواب مسموع، والحق مطاع. ولقد نقل رسول الله # صلى الله عليه وسلم # إلى الله عز ~~وجل، وهو عن هذه العصابة راض، وعليها حذر، يسره ما سرها ويسوءه ما ساءها، ويكيده ما ~~كادها، ويرضيه ما ms415 أرضاها، ويسخطه ما أسخطها. أما تعلم أنه لم يدع أحدا من أصحابه ~~وأقاربه وسجرائه، # 27 # إلا أبانه بفضيلة، وخصه بمزية، وأفرده بحالة! أتظن أنه # صلى الله عليه وسلم # ترك ~~الأمة سدى بددا، عباهل # 28 # مباهل، طلاحى مفتونة بالباطل، مغبونة عن الحق، لا رائد ولا ذائد، ولا ~~ضابط ولا حائط، ولا ساقي ولا واقي، ولا هادي ولا حادي! كلا! والله ما اشتاق إلى ربه ~~تعالى ولا سأله المصير إلى رضوانه وقربه، إلا بعد أن ضرب المدى، وأوضح الهدى، وأبان ~~الصوى # 29 # وأمن المسالك والمطارح، وسهل المبارك والمهايع، # 30 # وإلا بعد أن شدخ يافوخ # 31 # الشرك بإذن الله، وشرم وجه النفاق لوجه الله سبحانه، وجدع أنف الفتنة ~~في ذات الله، وتفل في عين الشيطان بعون الله، وصدع بملء فيه ويده بأمر الله عز ~~وجل. # وبعد، فهؤلاء # 32 # المهاجرون والأنصار عندك ومعك في بقعة واحدة ودار جامعة، إن استقالوني ~~لك وأشاروا عندي بك، فأنا واضع يدي في يدك، وصائر إلى رأيهم فيك. وإن تكن الأخرى ~~فادخل فيما دخل فيه المسلمون، وكن العون على مصالحهم، والفاتح لمغالقهم، والمرشد ~~لضالتهم، والرادع لغوايتهم. فقد أمر الله تعالى بالتعاون على البر والتقوى، ~~والتناصر على الحق. ودعنا نقضي هذه الحياة الدنيا بصدور بريئة من الغل، ونلقى الله ~~تعالى بقلوب سليمة من الضغن. # وبعد، فالناس ثمامة فارفق بهم واحن عليهم ولن لهم، ولا تشق نفسك بنا خاصة فيهم، ~~واترك ناجم الحقد حصيدا، وطائر الشر واقعا، وباب الفتنة مغلقا، فلا قال ولا قيل ~~ولا لوم ولا تبيع، والله على ما نقول شهيد، وبما نحن عليه بصير . # قال أبو عبيدة: فلما تأهبت للنهوض، قال عمر رضي الله عنه: كن لدى الباب هنيهة فلي ~~معك دور من القول؛ فوقفت وما أدري ما كان بعدي، إلا أنه لحقني بوجه يندى تهللا، ~~وقال لي: قل لعلي: الرقاد محلمة، والهوى مقحمة، وما منا إلا له مقام معلوم، وحق ~~مشاع أو مقسوم، ونبأ ظاهر أو مكتوم؛ وإن أكيس الكيس من منح الشارد تألفا، وقارب ~~البعيد تلطفا، ms416 ووزن كل شيء بميزانه، ولم يخلط خبره بعيانه، ولم يجعل فتره مكان ~~شبره، دينا كان أو دنيا، ضلالا كان أو هدى. ولا خير في علم مستعمل في جهل، ولا ~~خير في معرفة مشوبة بنكر. ولسنا كجلدة رفغ # 33 # البعير بين العجان والذنب. وكل صال فبناره، وكل سيل فإلى قرار. وما كان ~~سكوت هذه العصابة إلى هذه الغاية لعي وشي، # 34 # ولا كلامها اليوم لفرق أو رفق. وقد جدع الله بمحمد # صلى الله عليه وسلم # أنف كل ذي ~~كبر، وقصم ظهر كل جبار، وقطع لسان كل كذوب، فماذا بعد الحق إلا الضلال. ما هذه ~~الخنزوانة # 35 # التي في فراش رأسك! ما هذا الشجا المعترض في مدارج أنفاسك! ما هذه ~~القذاة التي تغشت ناظرك! وما هذه الوحرة # 36 # التي أكلت شراسيفك! وما هذا الذي لبست بسببه جلد النمر، واشتملت عليه ~~بالشحناء والنكر! ولسنا في كسروية كسرى، ولا في قيصرية قيصر! تأمل لإخوان فارس ~~وأبناء الأصفر! قد جعلهم الله جزرا لسيوفنا، ودريئة لرماحنا، ومرمى لطعاننا، ~~وتبعا لسلطاننا؛ بل نحن في نور نبوة، وضياء رسالة، وثمرة حكمة، وأثرة رحمة، وعنوان ~~نعمة، وظل عصمة، بين أمة مهدية بالحق والصدق، مأمونة على الرتق والفتق، لها من الله ~~قلب أبي، وساعد قوي، ويد ناصرة، وعين باصرة. أتظن ظنا يا علي أن أبا بكر وثب على ~~هذا الأمر مفتاتا على الأمة خادعا لها أو متسلطا عليها! أتراه حل عقودها وأحال ~~عقولها! أتراه جعل نهارها ليلا، ووزنها كيلا، ويقظتها رقادا، وصلاحها فسادا! لا ~~والله! سلا عنها فولهت له، وتطامن لها فلصقت به، ومال عنها فمالت إليه، واشمأز ~~دونها فاشتملت عليه، حبوة حباه الله بها، وعاقبة بلغه الله إليها، ونعمة سربله ~~جمالها، ويد أوجب الله عليه شكرها، وأمة نظر الله به إليها. والله أعلم بخلقه، ~~وأرأف بعباده، يختار ما كان لهم الخيرة. وإنك بحيث لا يجهل موضعك من بيت النبوة، ~~ومعدن الرسالة، ولا يجحد حقك فيما آتاك الله، ولكن لك من يزاحمك بمنكب أضخم من ~~منكبك، وقرب أمس من قرابتك، ms417 وسن أعلى من سنك، وشيبة أروع من شبيبتك، وسيادة لها أصل ~~في الجاهلية وفرع في الإسلام، ومواقف ليس لك فيها جمل ولا ناقة، ولا تذكر منها في ~~مقدمة ولا ساقة، ولا تضرب فيها بذراع ولا إصبع، ولا تخرج منها ببازن ولا ~~هبع. # 37 # ولم يزل أبو بكر حبة قلب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وعلاقة نفسه، وعيبة سره، ومفزع رأيه ~~ومشورته، وراحة كفه، ومرمق طرفه. وذلك كله بمحضر الصادر والوارد من المهاجرين ~~والأنصار، شهرته مغنية عن الدليل عليه. ولعمري إنك أقرب إلى رسول الله قرابة، ولكنه ~~أقرب منك قربة، والقرابة لحم ودم، والقربة نفس وروح. وهذا فرق عرفه المؤمنون، ولذلك ~~صاروا إليه أجمعون. ومهما شككت في ذلك، فلا تشك أن يد الله مع الجماعة، ورضوانه ~~لأهل الطاعة. فادخل فيما هو خير لك اليوم وأنفع لك غدا، والفظ من فيك ما يعلق ~~بلهاتك، وانفث سخيمة صدرك عن تقاتك، فإن يك في الأمد طول، وفي الأجل فسحة، فستأكله ~~مريئا أو غير مريء، وستشربه هنيئا أو غير هنيء، حين لا راد لقولك إلا من كان ~~آيسا منك، ولا تابع لك إلا من كان طامعا فيك، يمض # 38 # إهابك، ويعرك # 39 # أديمك، ويزري على هديك. هنالك تقرع السن من ندم، وتجرع الماء ممزوجا ~~بدم، وحينئذ تأسى على ما مضى من عمرك ودارج قوتك، فتود أن لو سقيت بالكأس التي ~~أبيتها، ورددت إلى حالتك التي استغويتها. ولله تعالى فينا وفيك أمر هو بالغه، وغيب ~~هو شاهده، وعاقبة هو المرجو لسرائها وضرائها، وهو الولي الحميد، الغفور ~~الودود. # قال أبو عبيدة: فتمشيت متزملا أنوء كأنما أخطو على رأسي، فرقا من الفرقة، ~~وشفقا على الأمة، حتى وصلت إلى علي # 40 # رضي الله عنه في خلاء، فابتثثته بثي كله، وبرئت إليه منه، ورفقت به. ~~فلما سمعها ووعاها، وسرت في مفاصله حمياها، قال: «حلت معلوطة، # 41 # وولت مخروطة»، # 42 # وأنشأ يقول: # إحدى لياليك فهيسى # 43 # هيسى # لا تنعمي الليلة بالتعريس # نعم يا أبا عبيدة، أكل هذا في أنفس القوم، ms418 ويحسون به، ويضطغنون # 44 # علي! قال أبو عبيدة: فقلت: لا جواب لك عندي، إنما أنا قاض حق الدين، ~~وراتق فتق المسلمين، وساد ثلمة الأمة، يعلم الله ذلك من جلجلان # 45 # قلبي، وقرارة نفسي. # فقال علي رضي الله عنه: والله ما كان قعودي في كن هذا البيت قصدا للخلاف، ولا ~~إنكارا للمعروف، ولا زراية على مسلم، بل لما قد وقذني به رسول الله # صلى الله عليه وسلم # من ~~فراقه، وأودعني من الحزن لفقده. وذلك أنني لم أشهد بعده مشهدا إلا جدد علي حزنا، ~~وذكرني شجنا. وإن الشوق إلى اللحاق به كاف عن الطمع في غيره. وقد عكفت على عهد ~~الله أنظر فيه، وأجمع ما تفرق، رجاء ثواب معد لمن أخلص لله عمله، وأسلم لعلمه ~~ومشيئته، وأمره ونهيه. على أني ما علمت أن التظاهر علي واقع، ولا عن الحق الذي سيق ~~إلي دافع. وإذ قد أفعم الوادي بي، وحشد النادي من أجلي، فلا مرحبا بما ساء أحدا ~~من المسلمين وسرني، وفي النفس كلام لولا سابق عقد وسالف عهد، لشفيت غيظي بخنصري ~~وبنصري، وخضت لجته بأخمصي ومفرقي، ولكنني ملجم إلى أن ألقى الله ربي، وعنده أحتسب ~~ما نزل بي. وإني غاد إلى جماعتكم، فمبايع صاحبكم، صابر على ما ساءني وسركم، ليقضي ~~الله أمرا كان مفعولا. # قال أبو عبيدة: فعدت إلى أبي بكر رضي الله عنه فقصصت عليه القول على ~~غرة، # 46 # ولم أختزل شيئا من حلوه ومره، وبكرت غدوة إلى المسجد، فلما كان صباح ~~يومئذ وإذا علي مخترق الجماعة إلى أبي بكر رضي الله عنهما فبايعه، وقال خيرا، ووصف ~~جميلا، وجلس زميتا، # 47 # واستأذن للقيام فمضى وتبعه عمر مكرما له، مستأثرا لما عنده. # فقال علي رضي الله عنه: ما قعدت عن صاحبكم كارها، ولا أتيته فرقا، ولا أقول ما ~~أقول تعلة. وإني لأعرف منتهى طرفي، ومحط قدمي، ومنزع قوسي، وموقع سهمي؛ ولكن قد ~~أزمت على فأسي # 48 # ثقة بربي في الدنيا والآخرة. # فقال له عمر رضي الله عنه: كفكف غربك، واستوقف سربك، ودع ms419 العصي بلحائها، ~~والدلاء على رشائها. فإنا من خلفها وورائها، إن قدحنا أورينا، وإن متحنا أروينا، ~~وإن قرحنا أدمينا. ولقد سمعت أماثيلك التي لغزت بها عن صدر أكل بالجوى، ولو شئت ~~لقلت على مقالتك ما إن سمعته ندمت على ما قلت. وزعمت أنك قعدت في كن بيتك لما وقذك ~~به رسول الله # صلى الله عليه وسلم # من فقده، فهو وقذك ولم يقذ غيرك! بل مصابه أعظم وأعم من ذلك، ~~وإن من حق مصابه ألا تصدع شمل الجماعة بفرقة لا عصام لها، ولا يؤمن كيد الشيطان في ~~بقائها. هذه العرب حولنا، والله لو تداعت علينا في صبح نهار لم نلتق في مسائه. ~~وزعمت أن الشوق إلى اللحاق به كاف عن الطمع في غيره! فمن علامة الشوق إليه نصرة ~~دينه، ومؤازرة أوليائه ومعاونتهم. وزعمت أنك عكفت على عهد الله تجمع ما تفرق منه؛ ~~فمن العكوف على عهد الله النصيحة لعباد الله، والرأفة على خلق الله، وبذل ما يصلحون ~~به، ويرشدون عليه. وزعمت أنك لم تعلم أن التظاهر واقع عليك، وأي حق لط # 49 # دونك! قد سمعت وعلمت ما قال الأنصار بالأمس سرا وجهرا، وتقلبت عليه ~~بطنا وظهرا، فهل ذكرت أو أشارت بك، أو وجدت رضاهم عنك؟ هل قال أحد منهم بلسانه ~~إنك تصلح لهذا الأمر؟ أو أومأ بعينه أو هم في نفسه؟ أتظن أن الناس ضلوا من أجلك، ~~وعادوا كفارا زهدا فيك، وباعوا الله تحاملا عليك؟ لا والله! لقد جاءني عقيل ابن ~~زياد الخزرجي في نفر من أصحابه ومعهم شرحبيل بن يعقوب الخزرجي وقالو: إن عليا ~~ينتظر الإمامة، ويزعم أنه أولى بها من غيره، وينكر على من يعقد الخلافة؛ فأنكرت ~~عليهم، ورددت القول في نحرهم حيث قالوا: إنه ينتظر الوحي ويتوكف # 50 # مناجاة الملك؛ فقلت: ذاك أمر طواه الله بعد نبيه محمد # صلى الله عليه وسلم # أكان ~~الأمر معقودا بأنشوطة، # 51 # أو مشدودا بأطراف ليطة؟ # 52 # كلا! والله لا عجماء بحمد الله إلا أفصحت، ولا شوكاء إلا وقد تفتحت. ~~ومن أعجب شأنك قولك: ms420 «ولولا سالف عهد وسابق عقد، لشفيت غيظي» وهل ترك الدين لأهله ~~أن يشفوا غيظهم بيد أو بلسان؟ تلك جاهلية وقد استأصل الله شأفتها واقتلع جرثومتها، ~~وهور ليلها، وغور سيلها، وأبدل منها الروح والريحان، والهدى والبرهان. وزعمت أنك ~~ملجم؛ ولعمري إن من اتقى الله، وآثر رضاه، وطلب ما عنده، أمسك لسانه وأطبق فاه، ~~وجعل سعيه لما وراه. # فقال علي رضي الله عنه: مهلا يا أبا حفص، والله ما بذلت وأنا أريد نكثه، ولا ~~أقررت ما أقررت وأنا أبتغي حولا عنه، وإن أخسر الناس صفقة عند الله من آثر النفاق، ~~واحتضن الشقاق، وفي الله سلوة عن كل حادث، وعليه التوكل في جميع الحوادث. ارجع يا ~~أبا حفص إلى مجلسك ناقع القلب، مبرود الغليل، فسيح اللبان، # 53 # فصيح اللسان، فليس وراء ما سمعت وقلت إلا ما يشد الأزر، ويحط الوزر، ~~ويضع الإصر، ويجمع الألفة بمشيئة الله وحسن توفيقه. # قال أبو عبيدة رضي الله عنه: فانصرف علي وعمر رضي الله عنهما. وهذا أصعب ما مر ~~علي بعد رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~. ~~(2) ومن كلام عائشة # 54 # رضي الله عنها في الانتصار لأبيها # يروى أنه بلغ عائشة رضي الله عنها أن أقواما يتناولون أبا بكر رضي الله عنه، ~~فأرسلت إلى أزفلة # 55 # من الناس، فلما حضروا، أسدلت أسنارها، وعلت وسادها، ثم قالت: أبي، وما ~~أبيه! أبي والله لا تعطوه # 56 # الأيدي، ذاك طود منيف؛ وفرع مديد، هيهات، كذبت الظنون! أنجح إذ أكديتم، ~~وسبق إذ ونيتم؛ سبق الجواد إذا استولى على الأمد. فتى قريش ناشئا، وكهفها كهلا، ~~يفك عانيها، ويريش مملقها، ويرأب شعبها، ويلم شعثها، حتى حليته قلوبها، ثم استشرى ~~في دين الله فما برحت شكيمته في ذات الله عز وجل حتى اتخذ بفنائه مسجدا يحيى فيه ~~ما أمات المبطلون. وكان رحمه الله غزير الدمعة، وقيذ الجوانح، شجي النشيج، فانقضت ~~إليه نسوان مكة وولدانها يسخرون منه ويستهزئون به # الله ~~يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون # فأكبرت ذلك رجالات من قريش فحنت قسيها، وفوقت سهامها، وامتثلوه ms421 غرضا، فما فلوا له ~~صفاة، ولا قصفوا له قناة، ومر على سيسائه، # 57 # حتى إذا ضرب الدين بجرانه، ورست أوتاده، ودخل الناس فيه أفواجا، ومن ~~كل فرقة أرسالا وأشتاتا، اختار الله لنبيه ما عنده؛ فلما قبض الله نبيه # صلى الله عليه وسلم # ضرب الشيطان رواقه، ومد طنبه، ونصب حبائله، وأجلب بخيله ورجله، واضطرب حبل الإسلام، ~~ومرج عهده وماج أهله، وبغي الغوائل، وظنت رجال أن قد أكثبت أطماعهم نهزها، ولات حين ~~الذي يرجون، وأنى والصديق بين أظهرهم! فقام حاسرا مشمرا، فجمع حاشيتيه ورفع ~~قطريه، فرد رسن الإسلام على غربه، ولم شعثه بطبه، وانتاش الدين فنعشه، فلما أراح ~~الحق على أهله، وقرر الرءوس على كواهلها، وحقن الدماء في أهبها، آلته منيته، فسد ~~ثلمته بنظيره في الرحمة، وشقيقه في السيرة والمعدلة، ذاك ابن الخطاب، لله در أم ~~حملت به ودرت عليه! لقد أوحدت به، ففنخ # 58 # الكفرة وديخها، وشرد الشرك شذر مذر، وبعج الأرض وبخعها، فقاءت أكلها، ~~ولفظت خبأها، # 59 # ترأمه ويصدف عنها، وتصدى له ويأباها. ثم وزع فيها فيئها وودعها كما ~~صحبها. فأروني ماذا ترتئون، وأي يومي أبي تنقمون: أيوم إقامته إذ عدل فيكم، أم يوم ~~ظعنه إذ نظر لكم؟ أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. ثم أقبلت على الناس بوجهها ~~فقالت: أنشدكم الله هل أنكرتم مما قلت شيئا؟ قالوا: اللهم لا. ~~(3) كلمة أم الخير بنت الحريش # 60 # ومن كلام أم الخير بنت الحريش البارقية يوم صفين في الانتصار لعلي رضي الله عنه: ~~يروى أن معاوية كتب إلى واليه بالكوفة أن يحمل إليه أم الخير بنت الحريش البارقية ~~برحلها، وأعلمه أنه مجازيه بقولها فيه بالخير خيرا وبالشر شرا. فلما ورد عليه ~~كتابه، ركب إليها فأقرأها الكتاب، فقالت: أما أنا فغير زائغة عن طاعة ولا معتلة ~~بكذب! ولقد كنت أحب لقاء أمير المؤمنين لأمور تختلج في صدري. فلما شيعها وأراد ~~مفارقتها قال لها: يا أم الخير، إن أمير المؤمنين كتب إلي أنه يجازيني بقولك في ~~بالخير خيرا وبالشر شرا؛ فما عندك؟ قالت: ms422 يا هذا لا يطمعنك برك بي أن أسرك بباطل، ~~ولا تؤيسك معرفتي بك أن أقول فيك غير الحق. فسارت خير مسير حتى قدمت على معاوية، ~~فأنزلها مع حريمه ثلاثا، ثم أدخلها عليه في اليوم الرابع، وعنده جلساؤه، فقالت: ~~السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته؛ قال لها: وعليك السلام يا أم ~~الخير، وبالرغم منك دعوتني بهذا الاسم؛ قالت: مه يا أمير المؤمنين! فإن بديهة ~~السلطان مدحضة لما يجب علمه ولكل أجل كتاب؛ قال: صدقت، فكيف حالك يا خالة؟ وكيف كنت ~~في مسيرك؟ قالت: لم أزل في عافية وسلامة حتى صرت إليك فأنا في مجلس أنيق، عند ملك ~~رفيق؛ قال معاوية: بحسن نيتي ظفرت بكم؛ قالت: يا أمير المؤمنين أعيذك بالله من دحض ~~المقال وما تردي عاقبته، قال: ليس هذا أردنا، أخبريني كيف كان كلامك يوم قتل عمار ~~بن ياسر؟ قالت: لم أكن والله زورته # 61 # قبل ولا رويته بعد، وإنما كانت كلمات نفثهن لساني حين الصدمة، فإن شئت ~~أن أحدث لك مقالا غير ذلك فعلت؛ قال: لا أشاء ذلك. ثم التفت إلى أصحابه فقال: أيكم ~~يحفظ كلام أم الخير؟ فقال رجل من القوم: أنا أحفظه يا أمير المؤمنين كحفظي سورة ~~الحمد؛ قال: هاته؛ قال: نعم كأني بها يا أمير المؤمنين في ذلك اليوم عليها برد ~~زبيدي كثيف الحاشية، وهي على جمل أرمك # 62 # وقد أحيط حولها، وبيدها سوط منتشر الضفر، وهي كالفحل يهدر في شقشقته ~~تقول: # يا أيها الناس اتقوا ربكم إن ~~زلزلة الساعة شيء عظيم # إن الله قد أوضح الحق، وأبان ~~الدليل، ونور السبيل، ورفع العلم، فلم يدعكم في عمياء مبهمة! ولا سوداء مدلهمة، ~~فإلى أين تريدون رحمكم الله! أفرارا عن أمير المؤمنين، أم فرارا من الزحف، أم ~~رغبة عن الإسلام، أم ارتدادا عن الحق! أما سمعتم الله عز وجل يقول: # ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم ~~والصابرين ونبلو أخباركم ~~. # ثم رفعت رأسها إلى السماء وهي تقول: قد عيل الصبر، وضعف اليقين، وانتشر الرعب، ~~وبيدك يا رب أزمة القلوب، ms423 فاجمع الكلمة على التقوى، وألف القلوب على الهدى. هلموا ~~رحمكم الله إلى الإمام العادل، والوصي الوفي، والصديق الأكبر! إنها إحن بدرية، ~~وأحقاد جاهلية، وضغائن أحدية؛ وثب بها معاوية حين الغفلة ليدرك بها ثارات بني عبد ~~شمس. # ثم قالت: # فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا ~~أيمان لهم لعلهم ينتهون ~~. صبرا معشر المهاجرين ~~والأنصار، قاتلوا على بصيرة من ربكم، وثبات من دينكم، وكأني بكم غدا قد لقيتم أهل ~~الشأم كحمر مستنفرة، فرت من قسورة، لا تدري أين يسلك بها من فجاج الأرض، باعوا ~~الآخرة بالدنيا، واشتروا الضلالة بالهدى، وباعوا البصيرة بالعمى، وعما قليل ليصبحن ~~نادمين، حين تحل بهم الندامة، فيطلبون الإقالة! إنه والله من ضل عن الحق وقع في ~~الباطل، ومن لم يسكن الجنة نزل في النار. أيها الناس، إن الأكياس استقصروا عمر ~~الدنيا فرفضوها واستبطئوا مدة الآخرة فسعوا لها. والله أيها الناس لولا أن تبطل ~~الحقوق، وتعطل الحدود، ويظهر الظالمون، وتقوى كلمة الشيطان، لما اخترنا ورود ~~المنايا على خفض العيش وطيبه، فإلى أين تريدون - رحمكم الله - عن ابن عم رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وزوج ابنته وأبي ابنيه؟ خلق من طينته، وتفرع عن نبعته، وخصه بسره، وجعله ~~باب مدينته، وأعلم بحبه المسلمين، وأبان ببغضه المنافقين. فلم يزل كذلك يؤيده الله ~~بمعونته، ويمضي على سنن استقامته، لا يعرج لراحة اللذات. وهو مفلق الهام، ومكسر ~~الأصنام، إذ صلى والناس مشركون، وأطاع والناس مرتابون. فلم يزل كذلك حتى قتل مبارزي ~~بدر، وأفنى أهل أحد، وفرق جمع هوازن؛ فيا لها وقائع زرعت في قلوب قوم نفاقا، وردة ~~وشقاقا، وقد اجتهدت في القول، وبالغت في النصيحة، وبالله التوفيق. والسلام عليكم ~~ورحمة الله وبركاته. # فقال معاوية: والله يا أم الخير ما أردت بهذا إلا قتلى! والله لو قتلتك ما حرجت ~~في ذلك. # قالت : والله ما يسوءني يابن هند أن يجري الله ذلك على يدي من يسعدني الله بشقائه؛ ~~قال: هيهات يا كثيرة الفضول، ما تقولين في عثمان بن عفان؟ قالت: وما عسيت أن أقول ~~فيه، استخلفه الناس ms424 وهم كارهون، وقتلوه وهم راضون؛ فقال: إيها يا أم الخير، هذا ~~والله أصلك الذي تبنين عليه؛ قالت: لكن الله يشهد وكفى بالله شهيدا، ما أردت ~~بعثمان نقصا، ولقد كان سباقا إلى الخيرات، وإنه لرفيع الدرجة. قال: فما تقولين في ~~طلحة بن عبيد الله؟ قالت: وما عسى أن أقول في طلحة، اغتيل من مأمنه، وأتي من حيث ~~لم يحذر، وقد وعده رسول الله # صلى الله عليه وسلم # الجنة. قال: فما تقولين في الزبير؟ قالت: يا ~~هذا لا تدعني كرجيع الصبيغ يعرك في المركن؛ # 63 # قال: حقا لتقولن ذلك وقد عزمت عليك؛ قالت: وما عسيت أن أقول في ~~الزبير ابن عمة رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وحواريه، وقد شهد له رسول الله # صلى الله عليه وسلم # بالجنة، ~~ولقد كان سباقا إلى كل مكرمة في الإسلام. وإني أسألك بحق الله يا معاوية، فإن ~~قريشا تحدث أنك من أحلمها، أن تسعني بفضل حلمك، وأن تعفيني من هذه المسائل، وامض ~~لما شئت من غيرها؛ قال: نعم وكرامة، قد أعفيتك؛ وردها مكرمة إلى بلدها. ~~(4) كلمة الزرقاء # 64 # بنت عدي # ومن كلام الزرقاء بنت عدي بن قيس الهمدانية ما قالته يوم صفين أيضا: يروى أنها ~~ذكرت عند معاوية يوما، فقال لجلسائه: أيكم يحفظ كلامها؟ قال بعضهم: نحن نحفظه يا ~~أمير المؤمنين؛ قال: فأشيروا علي في أمرها؛ فأشار بعضهم بقتلها، فقال: بئس الرأي! ~~أيحسن بمثلي أن يقتل امرأة! ثم كتب إلى عامله بالكوفة أن يوفدها إليه مع ثقة من ذوي ~~محرمها وعدة من فرسان قومها، وأن يمهد لها وطاء لينا، ويسترها بستر خصيف، # 65 # ويوسع لها في النفقة. فلما دخلت على معاوية، قال: مرحبا بك وأهلا! ~~قدمت خير مقدم قدمه وافد، كيف حالك؟ قالت: بخير يا أمير المؤمنين، أدام الله لك ~~النعمة! قال: كيف كنت في مسيرك؟ قالت: ربيبة بيت أو طفلا ممهدا؛ قال: بذلك ~~أمرناهم. أتدرين فيم بعثت إليك؟ قالت: وأنى لي بعلم ما لم أعلم؟ وما يعلم الغيب إلا ~~الله عز وجل؛ قال: ألست الراكبة ms425 الجمل الأحمر، والواقفة بين الصفين بصفين تحضين ~~الناس على القتال، وتوقدين الحرب؟ فما حملك على ذلك؟ قالت: يا أمير المؤمنين، مات ~~الرأس، وبتر الذنب، ولن يعود ما ذهب؛ والدهر ذو غير، ومن تفكر أبصر، والأمر يحدث ~~بعده الأمر؛ قال لها معاوية: أتحفظين كلامك يومئذ؟ قالت: لا والله، ولقد أنسيته؛ ~~قال: لكني أحفظه، لله أبوك حين تقولين: # أيها الناس، ارعووا وارجعوا! إنكم أصبحتم في فتنة غشتكم جلابيب الظلم، ~~وجارت بكم عن قصد المحجة. فيا لها فتنة عمياء، صماء بكماء، لا تسمع ~~لناعقها، ولا تسلس لقائدها. إن المصباح لا يضيء في الشمس، والكواكب لا تنير ~~مع القمر، ولا يقطع الحديد إلا الحديد. ألا من استرشد أرشدناه، ومن سألنا ~~أخبرناه. # أيها الناس، إن الحق كان يطلب ضالته فأصابها! فصبرا يا معاشر المهاجرين ~~والأنصار على الغصص؛ فكان قد اندمل شعب الشتات، والتأمت كلمة التقوى، ودمغ ~~الحق باطله! فلا يجهلن أحد فيقول: كيف العدل وأنى! ليقضي الله أمرا كان ~~مفعولا. ألا وإن خضاب النساء الحناء، وخضاب الرجال الدماء! ولهذا اليوم ما ~~بعده، والصبر خير في عواقب الأمور. إيها إلى الحرب قدما غير ناكصين ولا ~~متشاكسين. # ثم قال لها: يا زرقاء، لقد شركت عليا في كل دم سفكه؛ قالت: أحسن الله بشارتك، ~~وأدام سلامتك؛ فمثلك من بشر بخير وسر جليسه؛ قال: ويسرك ذلك؟ قالت: نعم سررت بالخبر ~~فأنى لي بتصديق الفعل! فضحك معاوية وقال: لوفاؤكم له بعد موته أعجب عندي من حبكم ~~له في حياته! اذكري حاجتك؛ قالت: يا أمير المؤمنين، آليت على نفسي ألا أسأل أميرا ~~أعنت عليه أبدا، ومثلك من أعطى من غير مسألة، وجاد من غير طلبة؛ قال: صدقت، وأمر ~~لها وللذين جاءوا معها بجوائز وكسا. ~~(5) عكرشة بنت الأطرش # ومن كلام عكرشة بنت الأطرش ما قالته يوم صفين أيضا: يروى أنها دخلت على معاوية ~~متوكئة على عكاز لها، فسلمت عليه بالخلافة ثم جلست؛ فقال لها معاوية: الآن صرت عندك ~~أمير المؤمنين؟ قالت: نعم إذ لا علي حي! قال: ألست المتقلدة حمائل السيف بصفين ms426 وأنت ~~واقفة بين الصفين تقولين: أيها الناس، عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم. إن ~~الجنة لا يحزن من قطنها، ولا يهرم من سكنها، ولا يموت من دخلها؛ فابتاعوها بدار لا ~~يدوم نعيمها، ولا تنصرم همومها. وكونوا قوما مستبصرين في دينهم، مستظهرين على ~~حقهم؛ إن معاوية دلف إليكم بعجم العرب، لا يفقهون الإيمان، ولا يدرون ما الحكمة. ~~دعاهم إلى الباطل فأجابوه، واستدعاهم إلى الدنيا فلبوه. فالله الله عباد الله في ~~دين الله! وإياكم والتواكل فإن ذلك ينقض عرى الإسلام، ويطفئ نور الحق. هذه بدر ~~الصغرى، والعقبة الأخرى. يا معشر المهاجرين والأنصار، امضوا على بصيرتكم، واصبروا ~~على عزيمتكم، فكأني بكم غدا وقد لقيتم أهل الشأم كالحمر الناهقة تقصع قصع # 66 # البعير. # ثم قال: فكأني أراك على عصاك هذه قد انكفأ عليك العسكران يقولون هذه عكرشة بنت ~~الأطرش، فإن كدت لتفلين أهل الشأم لولا قدر الله، وكان أمر الله قدرا مقدورا، فما ~~حملك على ذلك؟ قالت: يا أمير المؤمنين، يقول الله جل ذكره: # يا ~~أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم ~~تسؤكم # الآية، وإن اللبيب إذا كره أمرا لا يحب إعادته؛ قال: صدقت، ~~فاذكري حاجتك؛ قالت: كانت صدقاتنا تؤخذ من أغنيائنا فترد على فقرائنا، وقد فقدنا ~~ذلك، فما يجبر لنا كسير، ولا ينعش لنا فقير؛ فإن كان عن رأيك فمثلك من انتبه من ~~الغفلة وراجع التوبة، وإن كان عن غير رأيك فما مثلك من استعان بالخونة، ولا استعمل ~~الظلمة؛ قال معاوية: يا هذه، إنه ينوبنا من أمور رعيتنا ثغور تتفتق، وبحور تتدفق؛ ~~قالت: سبحان الله! والله ما فرض الله لنا حقا فجعل فيه ضررا لغيرنا وهو علام ~~الغيوب؛ قال معاوية: هيهات يا أهل العراق، نبهكم علي فلن تطاقوا. ثم أمر برد ~~صدقاتهم فيهم وإنصافهم. ~~(6) رسالة لعبد الحميد الكاتب # 67 # كتب عبد الحميد # 68 # بن يحيى الكاتب عن مروان بن محمد لبعض من ولاه: # 69 # أما بعد، فإن أمير المؤمنين - عندما اعتزم عليه من توجيهك إلى عدو الله ~~الجلف ms427 الجافي الأعرابي، المتسكع في حيرة الجهالة، وظلم الفتنة، ومهاوي ~~الهلكة، ورعاعة الذين عاثوا في أرض الله فسادا، وانتهكوا حرمة الإسلام ~~استخفافا، وبدلوا نعمة الله كفرا، واستحلوا دماء أهل سلمه جهلا - أحب أن ~~يعهد إليك في لطائف أمورك، وعوام شئونك، ودخائل أحوالك، ومصطرف تنفلك عهدا ~~يحملك فيه أدبه، ويشرع لك به عظته، وإن كنت بحمد الله من دين الله وخلافته ~~بحيث اصطعنك الله لولاية العهد مختصا لك بذلك دون لحمتك وبني أبيك. ولولا ~~ما أمر الله تعالى به دالا عليه، وتقدمت فيه الحكماء آمرين به: من تقديم ~~العظة، والتذكير لأهل المعرفة، وإن كانوا أولى سابقة في الفضل وخصيصاء في ~~العلم، لاعتمد أمير المؤمنين على اصطناع الله إياك وتفضيله لك بما رآك أهله ~~في محلك من أمير المؤمنين، وسبقك إلى رغائب أخلاقه، وانتزاعك محمود شيمه، ~~واستيلائك على مشابه تدبيره. ولو كان المؤدبون أخذوا العلم من عند أنفسهم، ~~أو لقنوه إلهاما من تلقائهم ولم نصبهم تعلموا شيئا من غيرهم، لنحلناهم ~~علم الغيب، ووضعناهم بمنزلة قصر بها عنهم خالقهم المستأثر بعلم الغيب عنهم ~~بوحدانيته في فردانيته وسابق لاهوتيته، احتجابا منهم لتعقب في حكمه، وتثبت ~~في سلطانه وتنفيذ إرادته، على سابق مشيئته. ولكن العالم الموفق للخير، ~~المخصوص بالفضل، المحبو بمزية العلم وصفوته، أدركه معانا عليه بلطف بحثه، ~~وإذلال كنفه، وصحة فهمه، وهجر سآمته. # وقد تقدم أمير المؤمنين إليك، آخذا بالحجة عليك، مؤديا حق الله الواجب ~~عليه في إرشادك وقضاء حقك، وما ينظر به الوالد المعنى الشفيق لولده. وأمير ~~المؤمنين يرجو أن ينزهك الله عن كل قبيح يهش له طمع، وأن يعصمك من كل مكروه ~~حاق بأحد، وأن يحصنك من كل آفة استولت على امرئ في دين أو خلق، وأن يبلغه ~~فيك أحسن ما لم يزل يعوده ويريه من آثار نعمة الله عليك، سامية بك إلى ذروة ~~الشرف، متبحبحة بك بسطة الكرم، لائحة بك في أزهر معالي الأدب، مورثة لك ~~أنفس ذخائر العز؛ والله يستخلف عليك أمير المؤمنين ويسأل حياطتك، وأن ~~يعصمك من زيغ الهوى، ويحضرك ms428 داعي التوفيق، معانا على الإرشادا فيه، فإنه ~~لا يعين على الخير ولا يوفق له إلا هو. # اعلم أن للحكمة مسالك تفضي مضايق أوائلها بمن أمها سالكا، وركب أخطارها ~~قاصدا، إلى سعة عاقبتها، وأمن سرحها، وشرف عزها. وأنها لا تعار بسخف ~~الخفة، ولا تنشأ بتفريط الغفلة، ولا يتعدى فيها بامرئ حده. وربما أظهرت ~~بسطة الغي مستور العيب. وقد تلقتك أخلاق الحكمة من كل جهة بفضلها، من غير ~~تعب البحث في طلبها، ولا متطاول لمناولة ذروتها؛ بل تأثلت منها أكرم ~~نبعاتها، واستخلصت منها أعتق جواهرها؛ ثم سموت إلى لباب مصاصها، # 70 # وأحرزت منفس ذخائرها، فاقتعد ما أحرزت، ونافس فيما ~~أصبت. # واعلم أن احتواءك على ذلك وسبقك إليه بإخلاص تقوى الله في جميع أمورك ~~مؤثرا لها، وإضمار طاعته منطويا عليها، وإعظام ما أنعم الله به عليك ~~شاكرا له، مرتبطا فيه للمزيد بحسن الحياطة له والذب عنه من أن تدخلك منه ~~سآمة ملال، أو غفلة ضياع، أو سنة تهاون، أو جهالة معرفة، فإن ذلك أحق ما ~~بدئ به ونظر فيه، معتمدا عليه بالقوة والآلة والعدة والانفراد به من ~~الأصحاب والحامة. فتمسك به لاجئا إليه، واعتمد عليه مؤثرا له، والتجئ إلى ~~كنفه متحيزا إليه: فإنه أبلغ ما طلب به رضا الله وأنجحه مسألة، وأجزله ~~ثوابا، وأعوده نفعا، وأعمه صلاحا؛ أرشدك الله لحظك، وفهمك سداده، وأخذ ~~بقلبك إلى محموده. ثم اجعل لله في كل صباح ينعم عليك ببلوغه، ويظهر منك ~~السلامة في إشراقه، من نفسك نصيبا تجعله له شكرا على إبلاغه إياك يومك ~~ذلك بصحة جوارح وعافية بدن، وسبوغ نعم، وظهور كرامة، وأن تقرأ فيه من كتاب ~~الله - تبارك وتعالى - جزءا تردد رأيك في آية، وترتل # 71 # لفظك بقراءته، وتحضره عقلك ناظرا في محكمه، وتتفهمه مفكرا في ~~متشابهه: فإن في القرآن شفاء الصدور من أمراضها، وجلاء وساوس الشيطان ~~وصعاصعه، # 72 # وضياء معالم النور، تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون. ~~ثم تعهد نفسك بمجاهدة هواك، فإنه مغلاق الحسنات، ومفتاح السيئات، وخصم ~~العقل. # واعلم أن كل أهوائك ms429 لك عدو يحاول هلكتك، ويعترض غفلتك، لأنها خدع إبليس، ~~وخواتل مكره، ومصايد مكيدته؛ فاحذرها مجانبا لها، وتوقها محترسا منها؛ ~~واستعذ بالله عز وجل من شرها، وجاهدها إذا تناصرت عليك بعزم صادق لا ~~ونية # 73 # فيه، وحزم نافذ لا مثنوية # 74 # لرأيك بعد إصداره، وصدق غالب لا مطمع في تكذيبه؛ ومضاءة صارمة ~~لا أناة معها، ونية صحيحة لا خلجة شك فيها: فإن ذلك ظهري صدق لك على ردعها ~~عنك، وقمعها دون ما تتطلع إليه منك؛ فهي واقية لك سخطة ربك، داعية إليك رضا ~~العامة عنك، ساترة عليك عيب من دونك؛ فازدن بها متحليا، وأصب بأخلاقك ~~مواضعها الحميدة منها، وتوق عليها الآفة التي تقتطعك عن بلوغها، وتقصر بك ~~دون شأوها: فإن المئونة إنما اشتدت مستصعبة، وفدحت باهظة أهل الطلب لأخلاق ~~أهل الكرم المنتحلين سمو القدر، بجهالة مواضع ذميم الأخلاق ومحمودها، حتى ~~فرط أهل التقصير في بعض أمورهم، فدخلت عليهم الآفات من جهات أمنوها، فنسبوا ~~إلى التفريط، ورضوا بذل المنزل، فأقاموا به جاهلين بموضع الفضل، عمهين عن ~~درج الشرف، ساقطين دون منزلة أهل الحجا. فحاول بلوغ غاياتها محرزا لها ~~بسبق الطلب إلى إصابة الموضع، محصنا أعمالك من العجب: فإنه رأس الهوى، ~~وأول الغواية، ومقاد الهلكة؛ حارسا أخلاقك من الآفات المتصلة بمساوي ~~الألقاب وذميم تنابزها، من حيث أتت الغفلة، وانتشر الضياع، ودخل الوهن. ~~فتوق غلوب الآفاق على عقلك، فإن شواهد الحق ستظهر بأماراتها تصديق آرائك ~~عند ذوي الحجا حال الرأي وفحص النظر. # فاجتلب لنفسك محمود الذكر وباقي لسان الصدق بالحذر لما تقدم إليك فيه ~~أمير المؤمنين، متحرزا من دخول الآفات عليك من حيث أمنك وقلة ثقتك ~~بمحكمها: من ذلك أن تملك أمورك بالقصد، وتداري جندك بالإحسان، وتصون سرك ~~بالكتمان، وتداوي حقدك بالأنصاف، وتذلل نفسك بالعدل، وتحصن عيوبك بتقويم ~~أودك، وتمنع عقلك من دخول الآفات عليه بالعجب المردي. وأناتك فوقها ~~الملال وفوت العمل ، ومضاءتك فدرعها روية النظر واكنفها بأناة الحلم. وخلوتك ~~فاحرسها من الغفلة واعتماد الراحة، وصمتك فانف عنه عي اللفظ، وخف سوء ~~القالة؛ واستماعك ms430 فأرعه حسن التفهم، وقوه بإشهاد الفكر؛ وعطاءك فامهد له ~~بيوتات الشرف وذوي الحسب، وتحرز فيه من السرف واستطالة البذخ وامتنان ~~الصنيعة؛ وحياءك فامنعه من الخجل وبلادة الحصر؛ وحلمك فزعه عن التهاون ~~وأحضره قوة الشكيمة؛ وعقوبتك فقصر بها عن الإفراط، وتعمد بها أهل ~~الاستحقاق؛ وعفوك فلا تدخله تعطيل الحقوق، وخذ به واجب المفترض، وأقم به ~~أود الدين؛ واستئناسك فامنع منه البداء وسوء المناقثة. # 75 # وتعهدك أمورك فحده أوقاتا، وقدره ساعات لا تستفرغ قوتك، ولا ~~تستدعي سآمتك؛ وعزماتك فانف عنها عجلة الرأي، ولجاجة الإقدام؛ وفرحاتك ~~فاشكمها عن البطر، وقيدها عن الزهو؛ وروعاتك فحطها من دهش الرأي واستسلام ~~الخضوع؛ وحذراتك فامنعها من الجبن، واعمد بها الحزم؛ ورجاءك فقيده بخوف ~~الفائت، وامنعه من أمن الطلب. # هذه جوامع حلال، دخال النقص منها واصل إلى العقل بلطائف أبنه، وتصاريف ~~حويله، # 76 # فأحكمها عارفا بها، وتقدم في الحفظ لها، معتزما على الأخذ ~~بمراشدها والانتهاء منها إلى حيث بلغت بك عظة أمير المؤمنين وأدبه إن شاء ~~الله. # ثم لتكن بطانتك وجلساؤك في خلواتك ودخلاؤل في سرك، أهل الفقه والورع من ~~خاصة أهل بيتك، وعامة قوادك ممن قد حنكته السن بتصاريف الأمور، وخبطته ~~فصالها بين فراسن # 77 # البزل منها، وقلبته الأمور في فنونها، وركب أطوارها، عارفا ~~بمحاسن الأمور ومواضع الرأي وعين المشورة؛ مأمون النصيحة، منطوي الضمير على ~~الطاعة. ثم أحضرهم من نفسك وقارا يستدعي لك منهم الهيبة، واستئناسا يعطف ~~إليك منهم المودة، وإنصاتا يفل إفاضتهم له عندك بما تكره أن ينشر عنك من ~~سخافة الرأي وضياع الحزم. ولا يغلبن عليك هواك فيصرفك عن الرأي ويقتطعك دون ~~الفكر. وتعلم أنك وإن خلوت بسر فألقيت دونه ستورك، وأغلقت عليه أبوابك، ~~فذلك لا محالة مكشوف للعامة، ظاهر عنك وإن استترت بربما ولعل وما أرى إذاعة ~~ذلك وأعلم، بما يرون من حالات من ينقطع به في تلك المواطن. فتقدم في إحكام ~~ذلك من نفسك ، واسدد خلله عنك: فإنه ليس أحد أسرع إليه سوء القالة ولغط ~~العامة بخير أو شر ممن كان في مثل ms431 حالك ومكانك الذي أصبحت به من دين الله ~~والأمل المرجو المنتظر فيك. وإياك أن يغمز فيك أحد من حامتك وبطانة خدمتك ~~بضعفة يجد بها مساغا إلى النطق عندك بما لا يعتزلك عيبه، ولا تخلو من ~~لائمته، ولا تأمن سوء الأحدوثة فيه، ولا يرخص سوء القالة به إن نجم ظاهرا ~~أو علن باديا، ولن يجترئوا على تلك عندك إلا أن يروا منك إصغاء إليها ~~وقبولا لها وترخيصا لهم في الإفاضة بها. ثم إياك وأن يفاض عندك بشيء من ~~الفكاهات والحكايات والمزاح والمضاحك التي يتسخف بها أهل البطالة، ويتسرع ~~نحوها ذوو الجهالة؛ ويجد فيها أهل الحسد مقالا لعيب يذيعونه، وطعنا في حق ~~يجحدونه؛ مع ما في ذلك من نقص الرأي، ودرن العرض، وهدم الشرف، وتأثيل ~~الغفلة، وقوة طباع السوء الكامنة في بني آدم ككمون النار في الحجر الصلد، ~~فإذا قدح لاح شرره، وتلهب وميضه، ووقد تضرمه. وليست في أحد أقوى سطوة، ~~وأظهر توقدا، وأعلى كمونا، وأسرع إليه بالعيب وتطرق الشين منها لمن كان ~~في مثل سنك: من أغفال # 78 # الرجال وذوي العنفوان في الحداثة الذين لم يقع عليهم سمات ~~الأمور، ناطقا عليهم لائحها، ظاهرا فيهم وسمها، ولم تمحضهم شهامتها، ~~مظهرة للعامة فضلهم، مذيعة حسن الذكر عنهم؛ ولم يبلغ بهم الصيت في الحنكة ~~مستمعا يدفعون به عن أنفسهم نواطق ألسن أهل البغي، ومواد أبصار أهل ~~الحسد. # ثم تعهد من نفسك لطيف عيب لازم لكثير من أهل السلطان والقدرة: من ~~إبطار # 79 # الذرع ونخوة الشرف والتيه وعيب الصلف؛ فإنها تسرع بهم إلى فساد ~~وتهجين عقولهم في مواطن جمة، وأنحاء مصطرفة، منها قلة اقتدارهم على ضبط ~~أنفسهم في مواكبهم ومسايرتهم العامة: فمن مقلقل شخصه بكثرة الالتفات عن ~~يمينه وشماله، تزدهيه الخفة، ويبطره إجلاب الرجال حوله؛ ومن مقبل في موكبه ~~على مداعبة مسايره بالمفاكهة له والتضاحك إليه، والإيجاف في السير مرحا، ~~وتحريك الجوارح متسرعا يخال أن ذلك أسرع له وأحث لمطيته. فلتحسن في ذلك ~~هيئتك، ولتجمل فيه دعتك؛ وليقل على مسايرك إقبالك إلا وأنت مطرق النظر، ms432 غير ~~ملتفت إلى محدث، ولا مقبل عليه بوجهك في موكبك لمحادثته، ولا موجف في السير ~~مقلقل لجوارحك بالتحريك والاستنهاض؛ فإن حسن مسايرة الوالي واتداعه في تلك ~~الحالة دليل على كثير من غيوب أمره ومستتر أحواله. # واعلم أن أقواما يتسرعون إليك بالسعاية، ويأتونك على وجه النصيحة، ~~ويستميلونك بإظهار الشفقة، ويستدعونك بالإغراء والشبهة، ويوطئونك عشوة ~~الحيرة؛ ليجعلوك لهم ذريعة إلى استئكال العامة بموضعهم منك في القبول منهم ~~والتصديق لهم على من قرفوه بتهمة، أو أسرعوا بك في أمره إلى الظنة؛ فلا ~~يصلن إلى مشافهتك ساع بشبهة، ولا معروف بتهمة، ولا منسوب إلى بدعة فيعرضك ~~لإيتاغ # 80 # دينك، ويحملك على رعيتك بما لا حقيقة له عندك، ويلحمك # 81 # أعراض قوم لا علم لك بدخلهم، # 82 # إلا بما أقدم به عليهم ساعيا وأظهر لك منهم منتصحا. وليكن ~~صاحب شرطتك المتولي لإنهاء ذلك هو المنصوب لأولئك، والمستمع لأقاويلهم، ~~والفاحص عن نصائحهم؛ ثم لينه ذلك إليك على ما يرفع إليه منه لتأمره بأمرك ~~فيه، وتقفه على رأيك من غير أن يظهر ذلك للعامة، فإن كان صوابا نالتك ~~خيرته، وإن كان خطأ أقدم به عليك جاهل، أو فرطة سعى بها كاذب، فنالت ~~الساعي منها أو المظلوم عقوبة، أو بدر من واليك إليه عقوبة ونكال، لم ~~يتعصب # 83 # ذلك الخطأ بك ولم تنسب إلى تفريط، وخلوت من موضع الذم فيه ~~محضرا إليه ذهنك وصواب رأيك. # وتقدم إلى من تولى ذلك الأمر وتعتمد عليه فيه ألا يقدم على شيء ناظرا ~~فيه، ولا يحاول أخذ أحد طارقا له، ولا يعاقب أحدا منكلا به، ولا يخلي ~~سبيل أحد صافحا عنه لإصحار # 84 # برائته وصحة طريقته، حتى يرفع إليك أمره، وينهي إليك قضيته على ~~جهة الصدق، ومنحى الحق، ويقين الخبر؛ فإن رأيت عليه سبيلا لمحبس أو مجازا ~~لعقوبة، أمرته بتولي ذلك من غير إدخاله عليك، ولا مشافهة لك منه؛ فكان ~~المتولي لذلك ولم يجر على يديك مكروه رأي ولا غلظة عقوبة. وإن وجدت إلى ~~العفو عنه سبيلا، أو كان مما قرف به ms433 خليا، كنت أنت المتولي للإنعام عليه ~~بتخلية سبيله، والصفح عنه بإطلاق أسره؛ فتوليت أجر ذلك واستحققت ذخره، ~~وأنطقت لسانه بشكرك، وطوقت قومه حمدك، وأوجبت عليهم حقك؛ فقرنت بين خصلتين، ~~وأحرزت حظوتين: ثواب الله في الآخرة، ومحمود الذكر في الدنيا. # ثم إياك أن يصل إليك أحد من جندك وجلسائك وخاصتك وبطانتك بمسألة يكشفها ~~لك، أو حاجة يبدهك بطلبها، حتى يرفعها قبل ذلك إلى كاتبك الذي أهدفته لذلك ~~ونصبته له، فيعرضها عليك منهيا لها على جهة الصدق عنها، وتكون على معرفة ~~من قدرها: فإن أردت إسعافه بها ونجاح ما سأل منها، أذنت له في طلبها، ~~باسطا له كنفك، مقبلا عليه بوجهك؛ مع ظهور سرورك بما سألك، وفسحة رأي ~~وبسطة ذرع، وطيب نفس. وإن كرهت قضاء حاجته، وأحببت رده عن طلبته؛ وثقل عليك ~~إجابته إليها وإسعافه بها، أمرت كاتبك فصفحه # 85 # عنها، ومنعه من مواجهتك بها؛ فخفت عليك في ذلك المئونة، وحسن ~~لك الذكر، ولم ينشر عنك تجهم الرد، وينلك سوء القالة في المنع، وحمل على ~~كاتبك في ذلك لائمة أنت منها بريء الساحة. # وكذلك فليكن رأيك وأمرك فيمن طرأ عليك من الوفود وأتاك من الرسل، فلا ~~يصلن إليك أحد منهم إلا بعد وصول علمه إليك، وعلم ما قدم له عليك، وجهة ما ~~هو مكلمك به، وقدر ما هو سائلك إياه إذا هو وصل إليك، فأصدرت رأيك في ~~حوائجه، وأجلت فكرك في أمره، واخترت معتزما على إرادتك في جوابه، وأنفذت ~~مصدور رويتك في مرجوع مسألته قبل دخوله عليك، وعلمه بوصول حاله إليك؛ فرفعت ~~عنك مئونة البديهة، وأرخيت عن نفسك خناق الروية، وأقدمت على رد جوابه بعد ~~النظر وإجالة الفكر فيه. فإن دخل إليك أحد منهم فكلمك بخلاف ما أنهى إلى ~~كاتبك وطوى عنه حاجته قبلك، دفعته عنك دفعا جميلا، ومنعته جوابك منعا ~~وديعا؛ ثم أمرت حاجبك بإظهار الجفوة له والغلظة عليه، ومنعه من الوصول ~~إليك؛ فإن ضبطك لذلك مما يحكم لك تلك الأسباب، صارفا عنك مئونتها، ومسهلا ~~عليك مستصعبها. # احذر تضييع رأيك وإهمالك ms434 أدبك في مسالك الرضا والغضب واعتوارهما إياك، ~~فلا يزدهيك إفراط عجب تستخفك روائعه، ويستهويك منظره، ولا يبدرن منك ذلك ~~خطأ ونزق خفة لمكروه إن حل بك، أو حادث إن طرأ عليك. وليكن من نفسك ظهري ~~ملجأ تتحرز به من آفات الردى، وتستعضده في مهم # 86 # نازل، وتتعقب به أمورك في التدبير. فإن احتجت إلى مادة من ~~عقلك، وروية من فكرك، أو استنباط من منطقك؛ كان انحيازك إلى ظهريك مزدادا ~~مما أحببت الامتياح منه والامتياز؛ وإن استدبرت # 87 # من أمورك بوادر جهل أو مضي زلل أو معاندة حق أو خطل تدبير، كان ~~ما احتجنت إليه من رأيك عذرا لك عند نفسك، وظهريا قويا على رد ما ~~كرهت، وتخفيفا لمئونة الباغين عليك في القالة وانتشار الذكر؛ وحصنا من ~~غلوب الآفات عليك، واستعلائها على أخلاقك. # وامنع أهل بطانتك وخاصة خدمك من استلحام أعراض الناس عندك بالغيبة، ~~والتقرب إليك بالسعاية، والإغراء من بعض ببعض؛ أو النميمة إليك بشيء من ~~أحوالهم المستترة عنك، أو التحميل لك على أحد منهم بوجه النصيحة ومذهب ~~الشفقة: فإن ذلك أبلغ بك سموا إلى منالة الشرف، وأعون لك على محمود ~~الذكر، وأطلق لعنان الفضل في جزالة الرأي وشرف الهمة وقوة التدبير. # واملك نفسك عن الانبساط في الضحك والانفهاق، وعن القطوب بإظهار الغضب ~~وتنحله: فإن ذلك ضعف عن ملك سورة الجهل، وخروج من انتحال اسم الفضل. وليكن ~~ضحكك تبسما أو كشرا في أحايين ذلك وأوقاته، وعند كل رائع مستخف مطرب، ~~وقطوبك إطراقا في مواضع ذلك وأحواله، بلا عجلة إلى السطوة ولا إسراع إلى ~~الطيرة، دون أن تكنفها روية الحلم؛ وتملك عليها بادرة الجهل. # إذا كنت في مجلس ملئك، وحيث حضور العامة مجلسك، فإياك والرمي بنظرك إلى ~~خاص من قوادك، أو ذي أثرة عندك من حشمك. وليكن نظرك مقسوما في الجميع، ~~وإراعتك سمعك ذا الحديث بدعة هادئة، ووقار حسن، وحضور فهم مجتمع، وقلة تضجر ~~بالمحدث. ثم لا يبرح وجهك إلى بعض حرسك وقوادك متوجها بنظر ركين، وتفقد ~~محض. وإن وجه إليك أحد ms435 منهم نظرة محدقا، أو رماك ببصره ملحا، فاخفض عنه ~~إطراقا جميلا باتداع وسكون. وإياك والتسرع في الإطراق، والخفة في تصريف ~~النظر، والإلحاح على من قصد إليك في مخاطبته إياك رامقا بنظره. # واعلم أن تصفحك وجوه جلسائك وتفقدك مجالس قوادك من قوة التدبير، وشهامة ~~القلب، وذكاء الفطنة، وانتباه السنة. فتفقد ذلك عارفا بمن حضرك وغاب عنك، ~~عالما بمواضعهم من مجلسك، ثم اعد بهم عن ذلك سائلا لهم عن أشغالهم التي ~~منعتهم من حضور مجلسك، وعاقتهم بالتخلف عنك. # إن كان أحد من حشمك وأعوانك تثق منه بغيب ضمير، وتعرف منه لين طاعة، ~~وتشرف منه على صحة رأي، وتأمنه على مشورتك، فإياك والإقبال عليه في كل حادث ~~يرد عليك، والتوجه نحوه بنظرك عند طوارق ذلك، وأن تريه أو أحدا من أهل ~~مجلسك أن بك حاجة إليه موحشة، أو أن ليس بك عنه غنى في التدبير، أو أنك لا ~~تقضي دونه رأيا، إشراكا منك له في رويتك، وإدخالا منك له في مشورتك، ~~واضطرارا منك إلى رأيه في الأمر يعروك، فإن ذلك من دخائل العيوب التي ~~ينتشر بها سوء القالة عن نظرائك، فانفها عن نفسك خائفا لاعتلاقها ذكرك، ~~واحجبها عن رويتك قاطعا لأطماع أوليائك عن مثلها عندك، أو غلوبهم عليها ~~منك. # واعلم أن للمشورة موضع الخلوة وانفراد النظر، ولكل أمر غاية تحيط بحدوده، ~~وتجمع معالمه. فابغها محرزا لها، ورمها طالبا لنيلها؛ وإياك والقصور عن ~~غايتها أو العجز عن دركها، أو التفريط في طلبها. إن شاء الله تعالى. # إياك والإغرام عن حديث ما أعجبك، أو أمر ما ازدهاك بكثرة السؤال، أو ~~القطع لحديث من أرادك بحديثه حتى تنقضه عليه بالخوض في غيره أو المسألة عما ~~ليس منه: فإن ذلك عند العامة منسوب إلى سوء الفهم وقصر الأدب عن تناول ~~محاسن الأمور والمعرفة بمساويها، ولكن أنصت لمحدثك وأرعه سمعك حتى يعلم أن ~~قد فهمت حديثه، وأحطت معرفة بقوله؛ فإن أردت إجابته فعن معرفة بحاجته وبعد ~~علم بطلبته؛ وإلا كنت عند انقضاء كلامه كالمتعجب من حديثه بالتبسم ~~والإغضاء، ms436 فأجزى عنك الجواب، وقطع عنك ألسن العتب. # إياك وأن تظهر منك تبرم بطول مجلسك، أو تضجر ممن حضرك؛ وعليك بالتثبت عند ~~سورة الغضب، وحمية الأنف، وملال الصبر في الأمر تستعجل به والعمل تأمر ~~بإنفاذه؛ فإن ذلك سخف شائن، وخفة مردية، وجهالة بادية. وعليك بثبوت المنطق، ~~ووقار المجلس، وسكون الريح، والرفض لحشو الكلام، والترك لفضوله والإغرام ~~بالزيادات في منطقتك، والترديد للفظك: من نحو اسمع، وافهم عني، ويا هناه، ~~وألا ترى، أو ما يلهج به من هذه الفضول المقصرة بأهل العقل، الشائنة لذوي ~~الحجا في المنطق، المنسوبة إليهم بالعي، المردية لهم بالذكر. وخصال من ~~معايب الملوك، والسوقة عنها غبية النظر إلا من عرفها من أهل الأدب، وقلما ~~حامل لها، مضطلع بها، صابر على ثقلها آخذ لنفسه بجوامعها، فانفها عن نفسك ~~بالتحفظ منها، واملك عليها اعتيادك إياها معتنيا بها، منها كثرة التنخم، ~~والتبصق، والتنخع، والثؤباء، والتمطي، والجشاء، وتحريك القدم، ~~وتنقيض # 88 # الأصابع، والعبث بالوجه واللحية أو الشارب أو المخصرة أو ذؤابة ~~السيف، أو الإيماض بالنظر، أو الإشارة بالطرف إلى بعض خدمك بأمر إن أردته، ~~أو السرار في مجلسك، أو الاستعجال في طعمك أو شربك. وليكن طعمك متدعا، ~~وشربك أنفاسا، وجرعك مصا. وإياك والتسرع إلى الأيمان فيما صغر أو كبر من ~~الأمور، والشتيمة بقول: يابن الهناه؛ أو الغميزة # 89 # لأحد من خاصتك بتسويغهم مقارفة الفسوق بحيث محضرك أو دارك ~~وفناؤك: فإن ذلك كله مما يقبح ذكره، ويسوء موقع القول فيه، وتحمل عليك ~~معايبه، وينالك شينه، وينتشر عليك سوء النبإ به. فاعرف ذلك متوقيا له، ~~واحذره مجانبا لسوء عاقبته. # استكثر من فوائد الخير: فإنها تنشر المحمدة، وتقيل العثرة؛ واصبر على كظم ~~الغيظ: فإنه يورث الراحة، ويؤمن الساحة؛ وتعهد العامة بمعرفة دخلهم، وتبطن ~~أحوالهم، واستثارة دفائنهم؛ حتى تكون منها على رأى عين، ويقين خبرة؛ فتنعش ~~عديمهم، وتجبر كسيرهم؛ وتقيم أودهم، وتعلم جاهلهم، وتستصلح فاسدهم: فإن ذلك ~~من فعلك بهم يورثك العزة، ويقدمك في الفضل؛ ويبقي لك لسان الصدق في ~~العاقبة، ويحرز لك ثواب الآخرة، ويرد عليك ms437 عواطفهم المستنفرة منك، وقلوبهم ~~المتنحية عنك. # قس بين منازل أهل الفضل في الدين والحجا والرأي والعقل والتدبير والصيت ~~في العامة وبين منازل أهل النقص في طبقات الفضل وأحواله، والخمول عند ~~مباهاة النسب؛ وانظر بصحبة أيهم تنال من مودته الجميل، وتستجمع لك أقاويل ~~العامة على التفضيل؛ وتبلغ درجة الشرف في أحوالك المتصرفة بك. فاعتمد عليهم ~~مدخلا لهم في أمرك، وآثرهم بمجالستك لهم مستمعا منهم؛ وإياك وتضييعهم ~~مفرطا، وإهمالهم مضيعا. # هذه جوامع خصال قد لخصها لك أمير المؤمنين مفسرا، وجمع لك شواذها ~~مؤلفا، وأهدها إليك مرشدا؛ فقف عند أوامرها، وتناه عن زواجرها، وتثبت في ~~مجامعها؛ وخذ بوثائق عراها، تسلم من معاطب الردى، وتنل أنفس الحظوظ ورغيب ~~الشرف؛ وأعلى درج الذكر، وتأثل # 90 # سطر العز. والله يسأل لك أمير المؤمنين حسن الإرشاد، وتتابع ~~المزيد، وبلوغ الأمل، وأن يجعل عاقبة ذلك بك إلى غبطة يسوغك إياها، وعافية ~~يحلك أكنافها، ونعمة يلهمك شكرها: فإنه الموفق للخير، والمعين على الإرشاد؛ ~~منه تمام الصالحات، وهو مؤتي الحسنات، عنده مفاتيح الخير، وبيده الملك وهو ~~على كل شيء قدير. # فإذا أفضيت نحو عدوك، واعتزمت على لقائهم، وأخذت أهبة قتالهم، فاجعل ~~دعامتك التي تلجأ إليها، وثقتك التي تأمل النجاة بها، وركنك الذي ترتجي ~~منالة الظفر به وتكتهف # 91 # به لمعالق الحذر، تقوى الله مستشعرا لها بمراقبته، والاعتصام ~~بطاعته متبعا لأمره، مجتنبا لسخطه، محتذيا سنته، والتوقي لمعاصيه في ~~تعطيل حدوده، أو تعدي شرائعه؛ متوكلا عليه فيما صمدت له، واثقا بنصره ~~فيما توجهت نحوه، متبرئا من الحول والقوة فيما نالك من ظفر وتلقاك من عز، ~~راغبا فيما أهاب # 92 # بك أمير المؤمنين إليه من فضل الجهاد، ورمى بك إليه محمود ~~الصبر فيه عند الله من قتال عدو المسلمين، أكلبهم # 93 # عليه وأظهره عداوة لهم، وأفدحه ثقلا لعامتهم، وآخذه بربقهم، ~~وأعلاه عليهم بغيا، وأظهره عليهم فسقا وفجورا، وأشده على فيئهم الذي ~~أصاره الله لهم وفتحه عليهم مئونة وكلا. # 94 # والله المستعان عليهم، والمستنصر على جماعتهم، عليه يتوكل أمير ~~المؤمنين، وإياه يستصرخ عليهم، وإليه ms438 يفوض أمره، وكفى بالله وليا وناصرا ~~ومعينا، وهو القوي العزيز. # ثم خذ من معك من تباعك وجندك بكف معرتهم، ورد مشتعل جهلهم، وإحكام ضياع ~~عملهم، وضم منتشر قواصيهم، ولم شعث أطرافهم، وتقييدهم عمن مروا به من أهل ~~ذمتك وملتك بحسن السيرة، وعفاف الطعمة، ودعة الوقار، وهدى الدعة، وجمام ~~المستجم، محكما ذلك منهم، متفقدا لهم تفقدك إياه من نفسك. ثم اصمد لعدوك ~~المتسمى بالإسلام، الخارج من جماعة أهله، المنتحل ولاية الدين مستحلا ~~لدماء أوليائه، طاعنا عليهم، راغبا عن سنتهم، مفارقا لشرائعهم؛ يبغيهم ~~الغوائل، وينصب لهم المكابد؛ أضرم حقدا عليهم، وأرصد عداوة لهم، وأطلب ~~لغرات فرصهم من الترك وأمم الشرك وطواغي الملل؛ يدعو إلى المعصية والفرقة، ~~والمروق من دين الله إلى الفتنة، مخترعا بهواه للأديان المنتحلة والبدع ~~المتفرقة خسارا وتخسيرا، وضلالا وتضليلا، بغير هدى من الله ولا بيان. ~~ساء ما كسبت له يداه وما الله بظلام للعبيد، وساء ما سولت له نفسه الأمارة ~~بالسوء، والله من ورائه بالمرصاد: # وسيعلم ~~الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ~~. # حصن جندك، واشكم نفسك بطاعة الله في مجاهدة أعدائه، وارج نصره، وتنجز ~~موعوده، متقدما في طلب ثوابه على جهادهم، معتزما في ابتغاء الوسيلة إليه ~~على لقائهم: فإن طاعتك إياه فيهم، ومراقبتك له ورجاءك نصره مسهل لك وعوره، ~~وعاصمك من كل سبة، ومنجيك من كل هوة، وناعشك من كل صرعة، ومقيلك من كل ~~كبوة، ودارئ عنك كل شبهة، ومذهب عنك لطخة كل شك، ومقويك بكل أيد # 95 # ومكيدة، ومعزك في كل معترك قتال، ومؤيدك في كل مجمع لقاء، ~~وكالئك عند كل فتنة مغشية، # 96 # وحائطك من كل شبهة مردية؛ والله وليك وولى أمير المؤمنين فيك، ~~والمستخلف على جندك ومن معك. # اعلم أن الظفر ظفران: أحدهما - وهو أعم منفعة، وأبلغ في حسن الذكر قالة، ~~وأحوطه سلامة، وأتمه عافية، وأحسنه في الأمور وأعلاه في الفضل شرفا، وأصحه ~~في الروية حزما، وأسلمه عند العامة مصدرا - ما نيل بسلامة الجنود، وحسن ~~الحيلة، ولطف المكيدة ويمن النقيبة، واستنزال طاعة ذوي الصدوف بغير إخطار ~~الجيوش ms439 في وقدة جمرة الحرب، ومبارزة الفرسان في معترك الموت؛ وإن ساعدتك ~~طلوق الظفر، ونالك مزيد السعادة في الشرف، ففي مخاطرة التلف مكروه المصائب، ~~وعضاض السيوف وألم الجراح، وقصاص الحروب وسجالها بمغاورة # 97 # أبطالها. على أنك لا تدري لأي يكون الظفر في البديهة، ومن ~~المغلوب بالدولة، ولعلك أن تكون المطلوب بالتمحيص، فحاول إصابة أبلغهما في ~~سلامة جندك ورعيتك، وأشهرهما صيتا في بدو تدبيرك ورأيك، وأجمعهما لألفة ~~وليك وعدوك، وأعونهما على صلاح رعيتك وأهل ملتك، وأقواهما شكيمة في حزمك، ~~وأبعدهما من وصم عزمك، وأعلقهما بزمام النجاة في آخرتك، وأجزلهما ثوابا ~~عند ربك. # وابدأ بالإعذار إلى عدوك، والدعاء لهم إلى مراجعة الطاعة وأمر الجماعة ~~وعز الألفة، آخذا بالحجة عليهم، متقدما بالإنذار لهم، باسطا أمانك لمن ~~لجأ إليك منهم، داعيا لهم إليه بألين لفظك وألطف حيلك، متعطفا برأفتك ~~عليهم، مترفقا بهم في دعائك، مشفقا عليهم من غلبة الغواية لهم وإحاطة ~~الهلكة بهم، منفذا رسلك إليهم بعد الإنذار: تعدهم إعطاء كل رغبة يهش إليها ~~طمعهم في موافقة الحق، وبسط كل أمان سألوه لأنفسهم ومن معهم ومن تبعهم؛ ~~موطنا نفسك فيما تبسط لهم من ذلك على الوفاء بعهدك، والصبر على ما أعطيتهم ~~من وثائق عقدك؛ قابلا توبة نازعهم عن الضلالة، ومراجعة مسيئهم إلى الطاعة؛ ~~مرصدا للمنحاز إلى فئة المسلمين وجماعتهم إجابة إلى ما دعوته إليه وبصرته ~~إياه من حقك وطاعتك، بفضل المنزلة، وإكرام المثوى، وتشريف الجاه. وليظهر من ~~أثرك عليه وإحسانك إليه ما يرغب في مثله الصادف عنك، المصر على خلافك ~~ومعصيتك؛ ويدعو # 98 # إلى اعتلاق حبل النجاة وما هو أملك به في الاعتصام عاجلا، ~~وأنجى له من العقاب آجلا، وأحوطه على دينه ومهجته بدءا وعاقبة؛ فإن ذلك ~~مما يستدعي به من الله نصره عليهم، ويعتضد به في تقديمه الحجة إليهم، ~~معذرا أو منذرا، إن شاء الله. # ثم أذك عيونك على عدوك متطلعا لعلم أحوالهم التي يتقلبون فيها، ومنازلهم ~~التي هم بها، ومطامعهم التي قد مدوا أعناقهم نحوها، وأي الأمور أدعى لهم ~~إلى الصلح، وأقودها لرضاهم ms440 إلى العافية ، وأسهلها لاستنزال طاعتهم، ومن أي ~~الوجوه مأتاهم: أمن قبل الشدة والمنافرة والمكيدة والمباعدة والإرهاب ~~والإيعاد، أم الترغيب والإطماع؛ متثبتا في أمرك، متخيرا في رويتك، ~~مستمكنا من رأيك، مستشيرا لذوي النصيحة الذين قد حنكتهم السن، وخبطتهم ~~التجربة، ونجذتهم الحروب، متشزنا # 99 # في حربك، آخذا بالحزم في سوء الظن، معدا للحذر، محترسا من ~~الغرة؛ كأنك في مسيرك كله ونزولك أجمع مواقف لعدوك رأى عين تنتظر حملاتهم، ~~وتتخوف كراتهم، معدا أقوى مكايدك، وأرهب عتادك، وأنكأ جدك، وأجد تشميرك؛ ~~معظما أمر عدوك لأعظم مما بلغك، حذرا يكاد يفرط: لتعد له من الاحتراس ~~عظيما، ومن المكيدة قويا؛ من غير أن يفثأك # 100 # ذلك عن إحكام أمورك، وتدبير رأيك، وإصدار رويتك، والتأهب لما ~~يحزبك، مصغرا له بعد استشعار الحذر، واضطمار الحزم، وإعمال الزوية، وإعداد ~~الأهبة. فإن ألفيت عدوك كليل الحد، وقم # 101 # الحزم، نضيض # 102 # الوفر، لم يضرك ما اعتددت له من قوة وأخذت له من حزم، ولم يزدك ~~ذلك إلا جرأة عليه، وتسرعا إلى لقائه. وإن ألفيته متوقد الحرب، مستكثف ~~الجمع، قوي التبع، مستعلي سورة الجهل، معه من أعوان الفتنة وتبع إبليس من ~~يوقد لهب الفتنة مسعرا، ويتقدم إلى لقاء أبطالها متسرعا، كنت لأخذك ~~بالحزم، واستعدادك بالقوة، غير مهين الجند، ولا مفرط في الرأي، ولا متلهف ~~على إضاعة تدبير، ولا محتاج إلى الإعداد وعجلة التأهب مبادرة تدهشك، وخوفا ~~يقلقك. ومتى تغتر بترقيق المرققين، وتأخذ بالهوينا في أمر عدوك لتصغير ~~المصغرين، ينتشر عليك رأيك، ويكون فيه انتقاض أمرك ووهن تدبيرك، وإهمال ~~للحزم في جندك، وتضييع له وهو ممكن الإصحار، رحب المطلب، قوي العصمة، فسيح ~~المضطرب؛ مع ما يدخل رعيتك من الاغترار والغفلة عن إحكام أحراسهم، وضبط ~~مراكزهم، لما يرون فيه من استنامتك إلى الغرة، وركونك إلى الأمن، وتهاونك ~~بالتدبير؛ فيعود ذلك عليك في انتشار الأطراف، وضياع الأحكام، ودخول الوهن ~~بما لا يستقال محذوره، ولا يدفع مخوفه. # احفظ من عيونك وجواسيسك ما يأتونك به من أخبار عدوك. وإياك ومعاقبة أحد ~~منهم على خبر إن أتاك ms441 به اتهمته فيه أو سؤت به ظنا وأتاك غيره بخلافه، أو ~~أن تكذبه فيه فترده عليه، ولعله أن يكون قد محضك النصيحة وصدقك الخبر وكذبك ~~الأول، أو خرج جاسوسك الأول متقدما قبل وصول هذا من عند عدوك، وقد أبرموا ~~لك أمرا، وحاولوا لك مكيدة وأرادوا منك غرة فازدلفوا إليك في الأهبة، ثم ~~انتقض بهم رأيهم واختلف عنه جماعتهم، فأرادوا رأيا، وأحدثوا مكيدة، ~~وأظهروا قوة، وضربوا موعدا، وأموا مسلكا لمدد أتاهم، أو قوة حدثت لهم، أو ~~بصيرة في ضلالة شغلتهم؛ فالأحوال بهم متنقلة في الساعات، وطوارق الحادثات. ~~ولكن البسهم جميعا على الانتصاح، وارضخ لهم بالمطامع، فإنك لن تستعبدهم ~~بمثلها. وعدهم جزالة المثاوب، في غير ما استنامة منك إلى ترقيقهم أمر عدوك، ~~والاغترار إلى ما يأتونك به دون أن تعمل رويتك في الأخذ بالحزم، والاستكثار ~~من العدة. واجعلهم أوثق من تقدر عليه، وآمن من تسكن إلى ناحيته، ليكون ما ~~يبرم عدوك في كل يوم وليلة عندك إن استطعت ذلك، فتنقض عليهم برأيك وتدبيرك ~~ما أبرموا، وتأتيهم من حيث أمنوا، وتأخذ لهم أهبة ما عليه أقدموا، وتستعد ~~لهم مثل ما حذروا. # واعلم أن جواسيسك وعيونك ربما صدقوك وربما غشوك، وربما كانوا لك وعليك: ~~فنصحوا لك وغشوا عدوك، وغشوك ونصحوا عدوك؛ وكثيرا ما يصدقونك ويصدقونه. ~~فلا تبدرن منك فرطة عقوبة إلى أحد منهم، ولا تعجل بسوء الظن إلى من اتهمته ~~على ذلك؛ واستنزل نصائحهم بالمياحة # 103 # والمنالة، وابسط من آمالهم فيك من غير أن يرى أحد منهم أنك ~~أخذت من قوله أخذ العامل به والمتبع له، أو عملت على رأيه عمل الصادر عنه، ~~أو رددته عليه رد المكذب به، المتهم له، المستخف بما أتاك منه، فتفسد بذلك ~~نصيحته، وتستدعي غشه، وتجتر عداوته. واحذر أن يعرفوا في عسكرك أو يشار ~~إليهم بالأصابع. وليكن منزلهم على كاتب رسائلك وأمين سرك، ويكون هو الموجه ~~لهم، والمدخل عليك من أردت مشافهته منهم. # واعلم أن لعدوك في عسكرك عيونا راصدة، وجواسيس متجسسة، # 104 # وأنه لن يقع # 105 # رأيه عن ms442 مكيدتك بمثل ما تكايده به، وسيحتال لك كاحتيالك له ، ~~ويعد لك كإعدادك فيما تزاوله منه، ويحاولك كمحاولتك إياه فيما تقارعه عنه؛ ~~فاحذر أن يشهر رجل من جواسيسك في عسكرك فيبلغ ذلك عدوك ويعرف موضعه، فيعد ~~له المراصد، ويحتال له بالمكايد. فإن ظفر به فأظهر عقوبته، كسر ذلك ثقات ~~عيونك، وخذلهم عن تطلب الأخبار من معادنها، واستقصائها من عيونها، واستعذاب ~~اجتنائها من ينابيعها، حتى يصيروا إلى أخذها مما عرض من غير الثقة ولا ~~المعاينة، لقطا لها بالأخبار الكاذبة، والأحاديث المرجفة. واحذر أن يعرف ~~بعض عيونك بعضا: فإنك لا تأمن تواطؤهم عليك، وممالأتهم عدوك، واجتماعهم ~~على غشك، وتطابقهم على كذبك، وإصفاقهم # 106 # على خيانتك، وأن يورط بعضهم بعضا عند عدوك، فأحكم أمرهم فإنهم ~~رأس مكيدتك، وقوام تدبيرك، وعليهم مدار حربك، وهو أول ظفرك. فاعمل على حسب ~~ذلك وحيث رجاؤك به، تنل أملك من عدوك، وقوتك على قتاله، واحتيالك لإصابة ~~غراته وانتهاز فرصه، إن شاء الله. # فإذا أحكمت ذلك وتقدمت في إتقانه، واستظهرت بالله وعونه، فول شرطتك وأمر ~~عسكرك أوثق قوادك عندك، وأظهرهم نصيحة لك، وأنفذهم بصيرة في طاعتك، وأقواهم ~~شكيمة في أمرك، وأمضاهم صريمة، # 107 # وأصدقهم عفافا، وأجزأهم غناء، وأكفاهم أمانة، وأصحهم ضميرا، ~~وأرضاهم في العامة دينا، وأحمدهم عند الجماعة خلقا، وأعطفهم على كافتهم ~~رأفة، وأحسنهم لهم نظرا، وأشدهم في دين الله وحقه صلابة. ثم فوض إليه ~~مقويا له، وابسط من أمله مظهرا عنه الرضا، حامدا منه الابتلاء. وليكن ~~عالما بمراكز الجنود، بصيرا بتقدم المنازل، مجربا، ذا رأي وحزم في ~~المكيدة؛ له نباهة في الذكر، وصيت في الولاية، معروف البيت، مشهور الحسب. ~~وتقدم إليه في ضبط معسكره، وإذكاء أحراسه في آناء ليله ونهاره؛ ثم حذره أن ~~يكون منه إذن لجنوده في الانتشار والاضطراب، والتقدم لطلائعك، فتصاب لهم ~~غرة يجترئ بها عدوك عليك، ويسرع إقداما إليك، ويكسر من إياد # 108 # جندك ويوهن من قوتهم؛ فإن الصوت # 109 # في إصابة عدوك الرجل الواحد من جندك أو عبيدهم مطمع لهم فيك، ~~مقو لهم على شحذ ms443 أتباعهم عليك وتصغيرهم أمرك، وتوهينهم تدبيرك، فحذره ذلك ~~وتقدم إليه فيه؛ ولا يكونن منه إفراط في التضييق عليهم، والحصر لهم، فيعمهم ~~أزله، # 110 # ويشملهم ضنكه؛ وتسوء عليهم حاله، وتشتد به المئونة عليهم، ~~وتخبث له ظنونهم. وليكن موضع إنزاله إياهم ضاما لجماعتهم، مستديرا بهم ~~جامعا لهم؛ ولا يكون منبسطا منتشرا متبددا، فيشق ذلك على أصحاب ~~الأحراس، وتكون فيه النهزة للعدو، والبعد من المادة # 111 # إن طرق طارق في فجآت الليل وبغتاته. وأوعز إليه في أحراسه، ~~وتقدم إليه فيهم كأشد التقدم وأبلغ الإيعاز. ومره فليول عليهم رجلا ركينا ~~مجربا جريء الإقدام، ذاكي الصرامة، جلد الجوارح، بصيرا بمواضع أحراسه، ~~غير مصانع ولا مشفع للناس في التنحي إلى الرفاهية والسعة، وتقدم العسكر ~~والتأخر عنه، فإن ذلك مما يضعف الوالي ويوهنه لاستنامته إلى من ولاه ذلك ~~وأمنه به على جيشه. # واعلم أن مواضع الأحراس من معسكرك، ومكانها من جندك، بحيث الغناء عنهم ~~والرد عليهم، والحفظ لهم، والكلاءة لمن بغتهم طارقا، أو أرادهم خاتلا؛ ~~ومراصدها المنسل منها والآبق من أرقائهم وأعبدهم؛ وحفظها من العيون ~~والجواسيس من عدوهم. واحذر أن تضرب على يديه أو تشكمه عن الصرامة بمؤامرتك ~~في كل أمر حادث وطارئ إلا في المهم النازل والحدث العام: فإنك إذا فعلت ذلك ~~به، دعوته إلى نصحك، واستوليت على محصول ضميره في طاعتك؛ وأجهد نفسه في ~~ترتيبك، وأعمل رأيه في بلوغ موافقتك وإعانتك؛ وكان ثقتك وردأك وقوتك ~~ودعامتك، وتفرغت أنت لمكايدة عدوك، مريحا لنفسك من هم ذلك والعناية به، ~~ملقيا عنك مئونة باهظة وكلفة فادحة. # واعلم أن القضاء من الله بمكان ليس به شيء من الأحكام، ولا بمثل محله أحد ~~من الولاة؛ لما يجري على يديه من مغاليظ الأحكام ومجاري الحدود. فليكن من ~~توليه القضاء في عسكرك [من ذوي] # 112 # الخير والقناعة والعفاف والنزاهة والفهم والوقار والعصمة ~~والورع، والبصر بوجوه القضايا ومواقعها، قد حنكته السن وأيدته التجربة ~~وأحكمته الأمور، ممن لا يتصنع للولاية ويستعد للنهزة، ويجترئ على المحاباة ~~في الحكم، والمداهنة في القضاء، عدل الأمانة، عفيف الطعمة، ms444 # 113 # حسن الإنصاف، فهم القلب، ورع الضمير، متخشع السمت، بادي ~~الوقار، محتسبا للخير. ثم أجر عليه ما يكفيه ويسعه ويصلحه؛ وفرغه لما ~~حملته، وأعنه على ما وليته: فإنك قد عرضته لهلكة الدنيا وبوار الآخرة، أو ~~شرف الدنيا وحظوة الآجلة، إن حسنت نيته، وصدقت رويته، وصحت سريرته، وسلط ~~حكم الله على رعيته؛ مطلقا عنانه، منفذا قضاء الله في خلقه، عاملا بسنته ~~في شرائعه، آخذا بحدوده وفرائضه. # واعلم أنه من جندك بحيث ولايتك، # 114 # الجارية أحكامه عليهم، النافذة أقضيته فيهم؛ فاعرف من توليه ~~ذلك وتسنده إليه. ثم تقدم في طلائعك فإنها أول مكيدتك، ورأس حربك، ودعامة ~~أمرك، فانتخب لها من كل قادة وصحابة رجالا ذوي نجدة وبأس، وصرامة وخبرة، ~~حماة كفاة، قد صلوا بالحرب وذاقوا سجالها، وشربوا مرار كئوسها، وتجرعوا غصص ~~درتها؛ وزبنتهم بتكرار عواطفها، وحملتهم على أصعب مراكبها، وذللتهم بثقاف ~~أودها. ثم انتقهم على عينك، واعرض كراعهم بنفسك؛ وتوخ في انتقائك ظهور ~~الجلد، وشهامة الخلق، وكمال الآلة. وإياك أن تقبل من دوابهم إلا الإناث من ~~الخيل المهلوبة # 115 # فإنهن أسرع طلبا، وأنجى مهربا، وألين معطفا، وأبعد في ~~اللحوق غاية، وأصبر في معترك الأبطال إقداما. # وخذهم من السلاح بأبدان الدروع، ماذية # 116 # الحديد، شاكة النسج، متقاربة الحلق، متلاحمة المسامير وأسوق ~~الحديد، مموهة الركب، محكمة الطبع خفيفة الصوغ؛ وسواعد طبعها هندي، وصوغها ~~فارسي؛ رقاق المعاطف بأكف واقية وعمل محكم. ويلمق # 117 # البيض مذهبة ومجردة، فارسية الصوغ، خالصة الجوهر، سابغة ~~الملبس، واقية الجنن، مستديرة الطبع، مبهمة السرد، وافية الوزن ~~كتريك # 118 # النعام في الصنعة واستدارة التقبيب، واستواء الصوغ، معلمة ~~بأصناف الحرير وألوان الصبغ؛ فإنها أهيب لعدوهم، وأفت لأعضاد من لقيهم، ~~والمعلم مخشي محذور، له بديهة رادعة، وهيبة هائلة؛ معهم السيوف الهندية، ~~وذكور البيض اليمانية؛ رقاق الشفرات، مسنونة الشحذ، مشطبة # 119 # الضرائب. معتدلة الجواهر، صافية الصفائح؛ لم يدخلها وهن الطبع، ~~ولا عابها أمت # 120 # الصوغ، ولا شانها خفة الوزن، ولا فدح حاملها بهور الثقل؛ قد ~~أشرعوا لدن القنا، طوال الهوادي، مقومات الأود، زرق الأسنة، مستوية ms445 ~~الثعالب؛ # 121 # وميضها متوقد، وسنخها # 122 # متلهب، معاقص # 123 # عقدها منحوتة، ووصوم أودها مقومة، وأجناسها مختلفة، وكعوبها ~~جعدة، وعقدها حبكة؛ شطبة الأسنان، مموهة الأطراف، مستحدة الجنبات، دقاق ~~الأطراف، ليس فيها التواء أود، ولا أمت وصم، ولا بها مسقط عيب، ولا عنها ~~وقوع أمنية؛ مستحقبي كنائن النبل وقسي الشوحط # 124 # والنبع؛ أعرابية التعقيب، رومية النصول، مسمومة الصوغ؛ ولتكن ~~سهامها على خمس قبضات سوى النصول، فإنها أبلغ في الغاية، وأنفذ في الدروع، ~~وأشك في الحديد؛ سامطين حقائبهم على متون خيولهم، مستخفين من الآلة ~~والأمتعة والزاد، [إلا ما لا غناء بهم عنه]. # 125 # واحذر أن تكل مباشرة عرضهم وانتخابهم إلى أحد من أعوانك وكتابك؛ فإنك إن ~~وكلته إليهم أضعت مواضع الحزم، وفرطت حيث الرأي، ووقفت دون عزم الروية، ~~ودخل عملك ضياع الوهن، وخلص إليك عيب المحاباة، وناله فساد المداهنة، وغلب ~~عليه من لا يصلح أن يكون طليعة للمسلمين ولا عدة ولا حصنا يدرئون به، ~~ويكتهفون بموضعه. والطلائع حصون المسلمين وعيونهم، وهم أول مكيدتك، وعروة ~~أمرك، وزمام حربك. فليكن اعتناؤك بهم، وانتقاؤك إياهم بحيث هم من مهم عملك، ~~ومكيدة حربك؛ ثم انتخب للولاية عليهم رجلا بعيد الصوت، مشهور الاسم، طاهر ~~الفضل، نبيه الذكر؛ له في العدو وقعات معروفات، وأيام طوال وصولات متقدمات؛ ~~قد عرفت نكايته، وحذرت شوكته، وهيب صوته، وتنكب لقاؤه؛ أمين السريرة، ناصح ~~الجيب؛ # 126 # قد بلوت منه ما يسكنك إلى ناحيته: من لين الطاعة، وخالص ~~المودة، وركانة الصرامة، وغلوب الشهامة، واستجماع القوة، وحصافة التدبير. ~~ثم تقدم إليه في حسن سياستهم، واستنزال طاعتهم، واجتلاب موداتهم واستعذاب ~~ضمائرهم؛ وأجر عليهم وعليه أرزاقا تسعهم، وتمد من أطماعهم سوى أرزاقهم في ~~العامة، فإن ذلك من القوة لك عليهم، والاستنامة إلى ما قبلهم. # واعلم أنهم في أهم الأماكن لك، وأعظمها غناء عنك وعمن معك، وأقمعها كبتا ~~لمحادك، وأشجاها غيظا لعدوك. ومن يكن في الثقة، والجلد، والبأس، ~~والطاعة، والقوة، والنصيحة والعدة، والنجدة حيث وصف لك أمير المؤمنين وأمرك ~~به، يضع عنك مئونة الهم؛ ويرخ من خناقك روع الخوف، ms446 وتلتجئ إلى أمر منيع، ~~وظهر قوي، ورأي حازم، تأمن به فجآت عدوك، وغرات بغتاتهم، وطوارق أحداثهم؛ ~~ويصير إليك علم أحوالهم، ومتقدمات خيولهم؛ فانتخبهم رأى عين، وقوهم بما ~~يصلحهم من المنالات والأطماع والأرزاق، واجعلهم منك بالمنزل الذي هم به من ~~محارز علاقتك، وحصانة كهوفتك، وقوة سيارة عسكرك. وإياك أن تدخل فيهم أحدا ~~بشفاعة، أو تحتمله على هوادة، أو تقدمه لأثرة؛ أو أن يكون مع أحد منهم بغل ~~نفل، # 127 # أو فضل من الظهر، أو ثقل # 128 # فادح، فتشتد عليهم مئونة أنفسهم، ويدخلهم كلال السآمة فيما ~~يعالجون من أثقالهم، ويشتغلون به من عدوهم إن دهمهم منه رائع؛ أو فجأهم منه ~~طليعة. فتفقد ذلك محكما له، وتقدم فيه آخذا بالحزم في إمضائه؛ أرشدك الله ~~لإصابة الحظ، ووفقك ليمن التدبير، وقصد بك لأسهل الرأي وأعوده نفعا في ~~العاجل والآجل، وأكبته لعدوك وأشجاه لهم، وأردعه لعاديتهم. # ول دراجة عسكرك وإخراج أهله إلى مصافهم ومراكزهم رجلا من أهل بيوتات ~~الشرف، محمود الخبرة، معروفا بالنجدة، ذا سن وتجربة، لين الطاعة، قديم ~~النصيحة، مأمون السريرة، له بصيرة بالحق نافذة تقدمه، ونية صادقة عن ~~الإدهان # 129 # تحجزه. واضمم إليه عدة نفر من ثقات جندك وذوي أسنانهم يكونون ~~شرطة معه؛ ثم تقدم إليه في إخراج المصاف، وإقامة الأحراس وإذكاء العيون، ~~وحفظ الأطراف، وشدة الحذر؛ ومره فليضع القواد بأنفسهم مع أصحابهم في ~~مصافهم، كل قائد بإزاء مكانه، وحيث منزله، قد سد ما بينه وبين صاحبه ~~بالرماح شارعة، والترسة موضونة، # 130 # والرجال راصدة، ذاكية الأحراس، وجلة الروع، خائفة طوارق العدو ~~وبياته. ثم مره فليخرج كل ليلة قائدا في أصحابه أو عدة منهم إن كانوا ~~كثيرا، على غلوة أو اثنتين من عسكرك، منتبذا عنك محيطا بمنزلك، ذاكية ~~أحراسه، قلقة التردد، مفرطة الحذر، معدة للروع، متأهبة للقتال، آخذة على ~~أطراف المعسكر ونواحيه، متفرقين في اختلافهم كردوسا كردوسا؛ # 131 # يستقبل بعضهم بعضا [في الاختلاف] # 132 # ويكسع تال متقدما في التردد؛ واجعل ذلك بين قوادك وأهل عسكرك ~~نوبا معروفة، وحصصا مفروضة، لا تعر منها مزدلفا منك ms447 بمودة، ولا تتحامل ~~فيه على أحد بموجدة. إن شاء الله تعالى. # فوض إلى أمراء أجنادك وقواد خيلك أمور أصحابهم، والأخذ على قافية أيديهم، ~~رياضة منك لهم على السمع والطاعة لأمرائهم، والاتباع لأمرهم، والوقوف عند ~~نهيهم؛ وتقدم إلى أمراء الأجناد في النوائب التي ألزمتهم إياها، والأعمال ~~التي استنجدتهم لها، والأسلحة والكراع التي كتبتها عليهم؛ واحذر من قواد ~~عليك بما يحول بينك وبين تأديب جندك، وتقويمهم لطاعتك، وقمعهم عن الإخلال ~~بمراكزهم لشيء مما وكلوا به من أعمالهم؛ فإن ذلك مفسدة للجند، مفثأة ~~للقواد # 133 # عن الجد والإيثار للمناصحة، والتقدم في الأحكام. # واعلم أن في استخفافهم بقوادهم وتضييعهم أمر رؤسائهم دخولا للضياع على ~~أعمالك، واستخفافا بأمرك الذي يأتمرون به ورأيك الذي ترتئي. وأوعز إلى ~~القواد ألا يقدم أحد منهم على عقوبة أحد من أصحابه، إلا عقوبة تأديب في ~~تقويم ميل، وتثقيف أود، فأما عقوبة تبلغ تلف المهجة، وإقامة حد في قطع، أو ~~إفراط في ضرب، أو أخذ مال، أو عقوبة في شعر، فلا يلين ذلك من جندك أحد ~~غيرك، أو صاحب شرطتك بأمرك وعن رأيك وإذنك؛ ومتى لم تذلل الجند لقوادهم، ~~وتضرعهم لأمرائهم؛ توجب لهم عليك الحجة بتضييع - إن كان منهم - لأمرك، أو ~~خلل - إن تهاونوا به - من عملك، أو عجز - إن فرط منهم - في شيء مما وكلتهم ~~به أو أسندته إليهم؛ ولا تجد إلى الإقدام عليهم باللوم وعض العقوبة عليهم ~~مجازا تصل به إلى تعنيفهم، بتفريطك في تذليل أصحابهم لهم، وإفسادك إياهم ~~عليك وعليهم. فانظر في ذلك نظرا محكما، وتقدم فيه برفقك تقدما بليغا؛ ~~وإياك أن يدخل حزمك وهن، أو يشوب عزمك إيثار، أو يخلط رأيك ضياع؛ والله ~~يستودع أمير المؤمنين نفسك ودينك. # إذا كنت من عدوك على مسافة دانية وسنن لقاء مختصر، وكان من عسكرك مقتربا ~~قد شامت طلائعك مقدمات ضلالته وحماة فتنته، فتأهب أهبة المناجز، وخذ اعتداد ~~الحذر، وكتب # 134 # خيولك، وعب جندك. وإياك والمسير إلا في مقدمة وميمنة وميسرة ~~وساقة، قد شهروا الأسلحة، ونشروا البنود والأعلام. وعرف جندك مراكزهم ms448 ~~سائرين تحت ألويتهم قد أخذوا أهبة القتال، واستعدوا للقاء؛ ملتجئين إلى ~~مواقفهم، عارفين بمواضعهم في مسيرهم ومعسكرهم. وليكن ترحلهم وتنزلهم على ~~راياتهم وأعلامهم وفي مراكزهم، قد عرف كل قائد منهم أصحابه مواقفهم: من ~~الميمنة والميسرة والقلب والساقة والطليعة ، لازمين لها، غير مخلين بما ~~استنجدوا له، ولا متهاونين فيما أهيب بهم إليه؛ حتى تكون عساكرك في منهل ~~تصل إليه، ومسافة تختارها، كأنها عسكر واحد في اجتماعها على العدو، وأخذها ~~بالحزم، ومسيرها على راياتها، ونزولها في مراكزها، ومعرفتها بمواضعها: إن ~~ضلت دابة من موضعها، عرف أهل العسكر من أي المراكز هي، ومن صاحبها، وفي أي ~~المحل حلوله منها، فردت إليه، هداية معروفة بسمت صاحب قيادتها؛ فإن تقدمك ~~في ذلك وإحكامك له طارح عن جندك مئونة الطلب، وعناية المعرفة، وابتغاء ~~الضالة. # ثم اجعل على ساقتك أوثق أهل عسكرك في نفسك صرامة ونفاذا ورضا في ~~العامة، وإنصافا من نفسه للرعية، وأخذا بالحق في المعدلة، مستشعرا تقوى ~~الله وطاعته؛ آخذا بهديك وأدبك، واقفا عند أمرك ونهيك، معتزما على ~~مناصحتك وتزيينك، نظيرا لك في الحال وشبيها بك في الشرف، وعديلا في ~~الموضع، ومقاربا في النسب؛ # 135 # ثم أكثف معه الجمع، وأيده بالقوة، وقوه بالظهر، وأعنه ~~بالأموال، واعمده بالسلاح، ومره بالتعطف على ذوي الضعف من جندك ومن أزحفت ~~به دابته وأصابته نكبة: من مرض أو رجلة # 136 # أو آفة، من غير أن يأذن لأحد منهم في التنحي عن عسكره، أو ~~التخلف بعد ترحله، إلا لمجهود سقما، أو لمطروق بآفة جائحة. ثم تقدم إليه ~~محذرا، ومره زاجرا؛ وانهه مغلظا في الشدة على من مر به منصرفا عن ~~معسكرك من جندك بغير جوازك، شادا لهم أسرا، وموقرهم حديدا، ومعاقبهم ~~موجعا، وموجههم إليك فتنهكهم عقوبة، وتجعلهم لغيرهم من جندك عظة. # واعلم أنه إن لم يكن بذلك الموضع من تسكن إليه واثقا بنصيحته قد بلوت ~~منه أمانة تسكنك إليه، وصرامة تؤمنك مهانته، ونفاذا في أمرك يرخي عنك خناق ~~الخوف في إضاعته - لم يأمن أمير المؤمنين تسلل الجند عنك لواذا، # 137 # ورفضهم ms449 مراكزهم، وإخلالهم بمواضعهم، وتخلفهم عن أعمالهم، آمنين ~~تغيير ذلك عليهم، والشدة على من اجترمه منهم، فأوشك ذلك في وهنك، وخذل من ~~قوتك، وقلل من كثرتك. # اجعل خلف ساقتك رجلا من وجوه قوادك، جليدا، ماضيا، عفيفا، صارما، ~~شهم الرأي، شديد الحذر، شكيم القوة، غير مداهن في عقوبة، ولا مهين في قوة، ~~في خمسين فارسا يحشر إليك جندك، ويلحق بك من تخلف عنك بعد الإبلاغ في ~~عقوبتهم، والنهك لهم، والتنكيل بهم. وليكن بعقوتك # 138 # في المنزل الذي ترحل عنه، والمنهل الذي تتقوض منه، مفرطا في ~~النقض له، والتتبع لمن تخلف عنك به؛ مشتدا في أهل المنزل وساكنه بالتقدم، ~~موعزا إليهم في إزعاج الجند عن منازلهم، وإخراجهم عن مكامنهم؛ وإيعاد ~~العقوبة الموجعة والنكال المبسل في الأشعار والأبشار، واستصفاء الأموال ~~وهدم العقار لمن آوى منهم أحدا أو ستر موضعه، أو أخفى محله. وحذره عقوبتك ~~إياه في الترخيص لأحد، والمحاباة لذي قرابة، والاختصاص بذلك لذي أثرة ~~وهوادة. ولتكن فرسانه منتخبين في القوة، معروفين بالنجدة؛ عليهم سوابغ ~~الدروع دونها شعار الحشو وجبب الاستجنان؛ متقلدين سيوفهم، سامطين # 139 # كنائنهم، مستعدين لهيج إن بدههم [أو كمين إن يظهر ~~لهم]. # 140 # وإياك أن تقبل منهم في دوابهم إلا فرسا قويا أو برذونا ~~وثيجا؛ # 141 # فإن ذلك من أقوى القوة لهم، وأعون الظهري على عدوهم، إن شاء ~~الله. # ليكن رحيلك إبانا واحدا، ووقتا معلوما: لتخف المئونة بذلك على جندك، ~~ويعلموا أوان رحيلهم، فيقدموا فيما يريدون من معالجة أطعمتهم، وأعلاف ~~دوابهم، وتسكن قلوبهم إلى الوقت الذي وقفوا عليه، ويطمئن ذوو الرأي إلى ~~إبان الرحيل. ومتى يكن رحيلك مختلفا تعظم المئونة عليك وعلى جندك ولا يزال ~~ذوو السفه [والنزق] يترحلون بالإرجاف وينزلون بالتوهم، حتى لا ينتفع ذو رأي ~~بنوم ولا طمأنينة. # إياك أن تظهر استقلالا، أو تنادي برحيل من منزل تكون فيه، حتى تأمر صاحب ~~تعبئتك بالوقوف بأصحابه على معسكرك آخذا بجنبتي فوهته، بأسلحتهم عدة لأمر ~~إن حضر أو مفاجأة من طليعة للعدو إن رأت منكم نهزة، أو لمحت عندكم غرة. ثم ms450 ~~مر الناس بالرحيل وخيلك واقفة، وأهبتك معدة، وجنتك واقية، حتى إذا استقللتم ~~من معسكركم، وتوجهتم من منزلكم، سرتم على تعبئتكم بسكون ريح، وهدو حملة، ~~وحسن دعة. فإذا انتهيت إلى منهل أردت نزوله أو هممت بالمعسكر به، فإياك ~~ونزوله إلا بعد العلم بأهله، والمعرفة بمرافقته؛ ومر صاحب طليعتك أن يعرف ~~لك أحواله، ويستثير لك علم دفينه، ويستبطن علم أموره ثم ينهيها إليك على ما ~~صارت إليه؛ لتعلم كيف احتماله لعسكرك، وكيف ماؤه وأعلافه وموضع معسكرك منه، ~~وهل لك - إن أردت مقاما به، أو مطاولة عدوك أو مكايدته فيه - قوة تحملك ~~ومدد يأتيه؛ # 142 # فإنك إن لم تفعل ذلك، لم تأمن أن تهجم على منزل يعجزك ويزعجك ~~عنه ضيق مكانه، وقلة مياهه، وانقطاع مواده، إن أردت بعدوك مكيدة، أو احتجت ~~من أمورهم إلى مطاولة، فإن ارتحلت منه كنت غرضا لعدوك، ولم تجد إلى ~~المحاربة والإخطار سبيلا؛ وإن أقمت به أقمت على مشقة وحصر وفي أزل وضيق، ~~فاعرف ذلك وتقدم فيه. فإن أردت نزولا أمرت صاحب الخيل التي وكلت بالناس ~~فوقفت خيله متنحية من معسكرك، عدة لأمر إن غالك، ومفزعا لبديهة إن راعتك، ~~فقد أمنت بحمد الله وقوته فجأة عدوك، وعرفت موقعها من حزرك، حتى يأخذ الناس ~~منازلهم، وتوضع الأثقال مواضعها، ويأتيك خبر طلائعك، وتخرج دبابتك من ~~معسكرك دراجة ودبابا محيطين بعسكرك، وعدة إن احتجت إليها. ولتكن دبابات ~~جندك أهل جلد وقوة، قائدا أو اثنين أو ثلاثة بأصحابهم، في كل ليلة ويوم ~~نوبا بينهم. فإذا غربت الشمس ووجب # 143 # نورها، أخرج إليهم صاحب تعبيتك أبدالهم، عسسا بالليل في أقرب ~~من مواضع دبابي النهار، يتعاور ذلك قوادك جميعا بلا محاباة لأحد فيه ولا ~~إدهان. # إياك وأن يكون منزلك إلا في خندق وحصن تأمن به بيات عدوك وتستنيم فيه إلى ~~الحزم من مكيدتك. إذا وضعت الأثقال وحطت أبنية أهل العسكر، لم يمدد طنب، ~~ولم يرفع خباء، ولم ينصب بناء حتى نقطع لكل قائد ذرعا معلوما من الأرض ~~بقدر أصحابه، فيحفروه عليهم خندقا يطيفونه بعد ذلك ms451 بخنادق الحسك، # 144 # طارحين لها دون اشتجار الرماح، ونصب الترسة، لها بابان قد وكلت ~~بحفظ كل باب منهما رجلا من قوادك في مائة رجل من أصحابه؛ فإذا فرغ من ~~الخندق كان ذانك الرجلان القائدان بمن معهما من أصحابهما أهل ذلك المركز، ~~وموضع تلك الخيل، وكانوا هم البوابين والأحراس لذينك الموضعين، قد كفوهما ~~وضبطوهما وأعفوا من أعمال العسكر ومكروهه غيرهما. # واعلم أنك إذا كنت في خندق، أمنت بإذن الله وقوته طوارق عدوك وبغتاتهم، ~~فإن راموا تلك منك، كنت قد أحكمت ذلك وأخذت بالحزم فيه، وتقدمت في الإعداد ~~له، ورتقت مخوف الفتق منه؛ وإن تكن العافية استحققت حمد الله عليها، ~~وارتبطت شكره بها، ولم يضررك أخذك بالحزم: لأن كل كلفة ونصب ومئونة إنفاق ~~ومشقة عمل مع السلامة غنم وغير خطر بالعاقبة، إن شاء الله. فإن ابتليت ~~ببيات عدوك أو طرقك رائعا في ليلك، فليلفك حذرا مشمرا عن ساقك، حاسرا ~~عن ذراعك، متشزنا # 145 # لحربك؛ قد تقدمت دراجتك إلى مواضعها على ما وصفه لك أمير ~~المؤمنين، ودبابتك في أوقاتها التي قدر لك، وطلائعك حيث أمرك، وجندك على ما ~~عبأ لك، قد خطرت عليهم بنفسك؛ وتقدمت إلى جندك، إن طرقهم طارق أو فاجأهم ~~عدو، ألا يتكلم منهم أحد رافعا صوته بالتكبير مغرقا في الإجلاب، معلنا ~~بالإرهاب لأهل الناحية التي يقع بها العدو طارقا، وليشرعوا رماحهم ناشبين ~~بها في وجوههم، ويرشقوهم بالنبل مكتنين بترسهم، لازمين لمراكزهم، غير مزيلي ~~قدم عن موضعها، ولا متجاوزين إلى غير مركزهم، وليكبروا ثلاث تكبيرات ~~متواليات وسائر الجند هادون، لتعرف موضع عدوك من معسكرك، فتمد أهل تلك ~~الناحية بالرجال من أعوانك وشرطتك، ومن انتخبت قبل ذلك عدة للشدائد بحضرتك، ~~وتدس إليهم النشاب والرماح. # وإياك وأن يشهروا سيفا يتجالدون به، وتقدم إليهم ألا يكون قتالهم في تلك ~~المواضع لمن طرقهم إلا بالرماح مسندين لها إلى صدورهم، والنشاب راشقين به ~~وجوههم؛ قد ألبدوا بالأترسة، واستجنوا بالبيض، وألقوا عليهم سوابغ الدروع ~~وجباب الحشو. فإن صد العدو عنهم حاملين على جهة أخرى، كبر أهل تلك ms452 الناحية ~~التي يقع فيها كفعل الناحية الأولى، وبقية العسكر سكوت والناحية التي صد ~~عنها العدو لازمة مراكزهم منتطقة الهدو ساكنة الريح، ثم عملت في تقويتهم ~~وإمدادهم بمثل صنيعك في إخوانهم. # وإياك أن تخمد نار رواقك؛ وإذا وقع العدو في معسكرك فأججها ساعرا لها ~~وأوقدها حطبا جزلا يعرف به أهل العسكر مكانك وموضع رواقك، فيسكن نافر ~~قلوبهم، ويقوى واهي قوتهم، ويشتد منخذل ظهورهم، ولا يرجمون بك الظنون، ~~ويجعلون لك آراء السوء، ويرجفون بك آناء الخوف؛ وذلك من فعلك راد عدوك ~~بغيظه لم يستفلل منك ظفرا، ولم يبلغ من نكايتك سرورا. وإن انصرف عنك عدوك ~~ونكل عن الإصابة من جندك وكانت بخيلك قوة على طلبه أو كانت لك من فرسانك ~~خيل معدة وكتيبة منتخبة، [و] قدرت على أن تركب بهم أكساءهم، # 146 # وتحملهم على سننهم؛ فأتبعهم جريدة خيل عليها الثقات من فرسانك ~~وأولو النجدة من حماتك؛ فإنك ترهق # 147 # عدوك وقد أمن من بياتك، وشغل بكلاله عن التحرز منك والأخذ ~~بأبواب معسكره والضبط لمحارسه عليك، موهنة حماتهم لغبة أبطالهم: لما ألفوكم ~~عليه من التشمير والجد، قد عقر الله فيهم، وأصاب منهم، وجرح من مقاتلتهم، ~~وكسر من أماني ضلالهم، ورد من مستعلي جماحهم. # وتقدم إلى من توجهه في طلبهم، وتتبعه أكساءهم: في سكون الريح، وقلة الرفث ~~وكثرة التسبيح والتهليل، واستنصار الله عز وجل بألسنتهم وقلوبهم سرا ~~وجهرا، بلا لجب ضجة، ولا ارتفاع ضوضاء، دون أن يردوا على مطلبهم، وينتهزوا ~~فرصتهم. ثم ليشهروا السلاح، وينتضوا السيوف، فإن لها هيبة رائعة، وبديهة ~~مخوفة، لا يقوم لها في بهمة الليل وحندسه إلا البطل المحارب، وذو البصيرة ~~المحامي، والمستميت المقاتل، وقليل ما هم عند تلك الحمية وفي ذلك ~~الموضع. # ليكن أول ما تتقدم به في التهيؤ لعدوك، والاستعداد للقائه، انتخابك من ~~فرسان عسكرك وحماة جندك ذوي البأس والحنكة والجلد والصرامة، ممن قد اعتاد ~~طراد الكماة، وكشر عن ناجذه في الحرب، وقام على ساق في منازلة الأقران، ثقف ~~الفروسية، مجتمع القوة، مستحصد المريرة، صبورا على هول الليل، عارفا ms453 ~~بمناهزة الفرص؛ لم تمهنه الحنكة ضعفا، ولا بلغت به السن كلالا، ولا ~~أسكرته غرة الحداثة جهلا، ولا أبطرته نجدة الأغمار صلفا، جريئا على ~~مخاطرة التلف، مقدما على ادراع الموت، مكابرا لمهيب الهول، متقحما مخشي ~~الحتوف، خائضا غمرات المهالك؛ برأي يؤيده الحزم، ونية لا يخالجها الشك، ~~وأهواء مجتمعة، وقلوب مؤتلفة؛ عارفين بفضل الطاعة وعزها وشرفها، وحيث محل ~~أهلها من التأييد والظفر والتمكين، ثم اعرضهم رأى عين على كراعهم وأسلحتهم، ~~ولتكن دوابهم إناث عتاق الخيل، وأسلحتهم سوابغ الدروع وكمال آلة المحارب، ~~متقلدين سيوفهم المستخلصة من جيد الجوهر وصافي الحديد، المتخيرة من معادن ~~الأجناس، هندية الحديد يمانية الطبع، رقاق المضارب، مسمومة الشحذ، مشطبة ~~الضريبة؛ ملبدين بالترسة الفارسية، صينية التعقيب، معلمة المقابض بحلق ~~الحديد، أنحاؤها مربعة، ومخارزها بالتجليد مضاعفة، محملها مستخف؛ وكنائن ~~النبل وجعاب القسي قد استحقبوها، وقسي الشريان # 148 # والنبع أعرابية الصنعة، مختلفة الأجناس، محكمة العمل، مقومة ~~التثقيف؛ ونصول النبل مسمومة، وعملها مصيصي، وتركيبها عراقي، وترييشها ~~بدوي؛ مختلفة الصوغ في الطبع، شتى الأعمال في التشطيب والتجنيح والاستدارة. ~~ولتكن الفارسية مقلوبة المقابض، منبسطة السية، سهلة الانعطاف، مقربة ~~الانحناء، ممكنة المرمى، واسعة الأسهم؛ فرضها سهلة الورود، ومعاطفها غير ~~مقتربة المواتاة. ثم ول على كل مائة رجل منهم رجلا من أهل خاصتك وثقاتك ~~ونصحائك، له صيت في الرياسة، وقدم في السابقة، وأولية في المشايعة. وتقدم ~~إليه في ضبطهم، وكف معرتهم، واستنزال نصائحهم، واستعداد طاعتهم، واستخلاص ~~ضمائرهم، وتعاهد كراعهم وأسلحتهم، معفيا لهم من النوائب التي تلزم أهل ~~عسكرك وعامة جندك؛ واجعلهم عدة لأمر إن حزبك، أو طارق إن أتاك؛ ومرهم أن ~~يكونوا على أهبة معدة، وحذر ناف لسنة الغفلة عنهم؛ فإنك لا تدري أي الساعات ~~من ليلك ونهارك تكون إليهم حاجتك. فليكونوا كرجل واحد في التشمير والترادف ~~وسرعة الإجابة؛ فإنك عسيت ألا تجد عند جماعة جندك في مثل تلك الروعة ~~والمباغتة - إن احتجت إلى ذلك منهم - معونة كافية، ولا أهبة معدة، بل ذلك ~~كذلك فليكن هؤلاء القوم الذين تنتخب عدتك وقوتك، بعوثا قد وظفتها على ~~القواد الذين ms454 وليتهم أمورهم، فسميت أولا وثانيا وثالثا ورابعا وخامسا ~~وسادسا؛ فإن اكتفيت فيما يطرقك ويبدهك ببعث واحد، كان معدا لم تحتج إلى ~~انتخابهم في ساعتك تلك، فقطع البعث عليهم عند ما يرهقك. وإن احتجت إلى ~~اثنين أو ثلاثة، وجهت منهم إرادتك أو ما ترى قوتك، إن شاء الله. # وكل بخزائنك ودواوينك رجلا ناصحا أمينا، ذا ورع حاجز، ودين فاصل، ~~وطاعة خالصة، وأمانة صادقة؛ واجعل معه خيلا يكون مسيرها ومنزلها ومرحلها ~~مع خزانتك وحولها. وتقدم إليه في حفظها، والترقي عليها، واتهام كل من تسند ~~إليه شيئا منها على إضاعته والتهاون به، والشدة على من دنا منها في مسير، ~~أو ضامها في منزل، أو خالطها في منهل. وليكن عامة الجند والجيش - إلا من ~~استخلصت للمسير معها - متنحين عنها، مجانبين لها في المسير والمنزل؛ فإنه ~~ربما كانت الجولة وحدثت الفزعة، فإن لم يكن للخزائن ممن يوكل بها أهل حفظ ~~لها وذب عنها، وحياطة دونها، وقوة على من أراد انتهابها، أسرع الجند إليها ~~وتداعوا نحوها، حتى كاد يترامى ذلك بهم إلى انتهاب العسكر واضطراب الفتنة؛ ~~فإن أهل الفتن وسوء السيرة كثير، وإنما همتهم الشر؛ فإياك أن يكون لأحد في ~~خزائنك ودواوينك وبيوت أموالك مطمع، أو يجد سبيلا إلى اغتيالها ~~ومرزأتها. # واعلم أن أحسن مكيدتك أثرا في العامة، وأبعدها صيتا في حسن القالة؛ ما ~~نلت الظفر فيه بحزم الروية، وحسن السيرة، ولطف الحيلة. فلتكن رويتك في ذلك ~~وحرصك على إصابته بالحيل لا بالقتال وأخطار التلف؛ وادسس إلى عدوك، وكاتب ~~رؤساءهم وقادتهم وعدهم المنالات، ومنهم الولايات، وسوغهم التراث، وضع عنهم ~~الإحن، واقطع أعناقهم بالمطامع، واستدعهم بالمثاوب؛ واملأ قلوبهم بالترهيب ~~إن أمكنتك منهم الدوائر، وأصارتهم إليك الرواجع؛ وادعهم إلى الوثوب بصاحبهم ~~أو اعتزاله إن لم يكن لهم بالوثوب عليه طاقة؛ ولا عليك أن تطرح إلى بعضهم ~~كتبا كأنها جواب كتب لهم إليك، وتكتب على ألسنتهم كتبا إليك تدفعها إليهم ~~وتحمل بها صاحبهم عليهم، وتنزلهم عنده بمنزلة التهمة ومحل الظنة؛ فلعل ~~مكيدتك في ذلك أن يكون فيها افتراق كلمتهم، ms455 وتشتيت جماعتهم، وإحن قلوبهم، ~~وسوء الظن من واليهم بهم، فيوحشهم منه خوفهم إياه على أنفسهم إذا أيقنوا ~~باتهامه إياهم، فإن بسط يده فقتلهم، وأولغ سيفه في دمائهم، وأسرع الوثوب ~~بهم، أشعرهم جميعا الخوف، وشملهم الرعب، ودعاهم إليك الهرب، فتهافتوا نحوك ~~بالنصيحة وأموك بالطلب. وإن كان متأنيا محتملا رجوت أن يستميل إليك ~~بعضهم ، ويستدعي الطمع ذوي الشره منهم، وتنال بذلك ما تحب من أخبارهم، إن ~~شاء الله. # إذا تدانى الصفان، وتواقف الجمعان، واحتضرت الحرب، وعبأت أصحابك لقتال ~~عدوهم؛ فأكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله، والتوكل على الله عز وجل ~~والتفويض إليه، ومسألته توفيقك وإرشادك، وأن يعزم لك على الرشد المنجي، ~~والعصمة الكالئة، والحياطة الشاملة. ومر جندك بالصمت وقلة التلفت عند ~~المصاولة، وكثرة التكبير في أنفسهم والتسبيح بضمائرهم، ولا يظهروا تكبيرا ~~إلا في الكرات والحملات، وعند كل زلفة يزدلفونها؛ فأما وهم وقوف فإن ذلك من ~~الفشل والجبن؛ وليذكروا الله في أنفسهم ويسألوه نصرهم وإعزازهم، وليكثروا ~~من قول: «لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، حسبنا الله ونعم الوكيل، ~~اللهم انصرنا على عدوك وعدونا الباغي، واكفنا شوكته المستحدة، وأيدنا ~~بملائكتك الغالبين، واعصمنا بعونك من الفشل والعجز إنك أرحم ~~الراحمين». # وليكن في معسكرك المكبرون في الليل والنهار قبل المواقعة، وقوم موقوفون ~~يحضونهم على القتال ويحرضونهم على عدوهم، ويصفون لهم منازل الشهداء ~~وثوابهم، ويذكرونهم الجنة ودرجاتها، ونعيم أهلها وسكانها، ويقولون: اذكروا ~~الله يذكركم، واستنصروه ينصركم، والتجئوا إليه يمنعكم. وإن استطعت أن تكون ~~أنت المباشر لتلبية جندك ووضعهم مواضعهم من رأيك، ومعك رجال من ثقات فرسانك ~~ذوو سن وتجربة ونجدة على التعبية التي أمير المؤمنين واصفها لك في آخر ~~كتابك فافعل، إن شاء الله تعالى. # أيدك الله بالنصر، وغلب لك على القوة، وأعانك على الرشد، وعصمك من الزيغ، ~~وأوجب لمن استشهد معك ثواب الشهداء ومنازل الأصفياء، والسلام عليك ورحمة ~~الله وبركاته. # وكتب سنة تسع وعشرين ومائة. ~~(7) رسالة ثانية لعبد الحميد الكاتب # ومن رسائل عبد الحميد الرسالة التي أوصى فيها الكتاب: # 149 # بسم ms456 الله الرحمن الرحيم # أما بعد؛ حفظكم الله يا أهل صناعة الكتابة، وحاطكم ووفقكم وأرشدكم؛ فإن ~~الله عز وجل جعل الناس بعد الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم ~~أجمعين، ومن بعد الملوك المكرمين أصنافا، وإن كانوا في الحقيقة سواء؛ ~~وصرفهم في صنوف الصناعات، وضروب المحاولات، إلى أسباب معاشهم، وأبواب ~~أرزاقهم، فجعلكم معشر الكتاب في أشرف الجهات، أهل الأدب والمروءات والعلم ~~والرزانة؛ بكم تنتظم للخلافة محاسنها، وتستقيم أمورها؛ وبنصائحكم يصلح الله ~~للخلق سلطانهم، وتعمر بلدانهم؛ لا يستغني الملك عنكم، ولا يوجد كاف إلا ~~منكم؛ فموقعكم من الملوك موقع أسماعهم التي بها يسمعون، وأبصارهم التي بها ~~يبصرون، وألسنتهم التي بها ينطقون، وأيديهم التي بها يبطشون؛ فأمتعكم الله ~~بما خصكم من فضل صناعتكم، ولا نزع عنكم ما أضفاه # 150 # من النعمة عليكم؛ وليس أحد من أهل الصناعات كلها أحوج إلى ~~اجتماع خلال الخير المحمودة، وخصال الفضل المذكورة المعدودة منكم. # أيها الكتاب إذا كنتم على ما يأتي في هذا الكتاب من صفتكم، فإن الكاتب ~~يحتاج في نفسه، ويحتاج منه صاحبه الذي يثق به في مهمات أموره، أن يكون ~~حليما في موضع الحلم، فهيما في موضع الحكم، مقداما في موضع الإقدام، ~~محجاما في موضع الإحجام، مؤثرا للعفاف والعدل والإنصاف، كتوما للأسرار، ~~وفيا عند الشدائد، عالما بما يأتي من النوازل؛ يضع الأمور مواضعها، ~~والطوارق في أماكنها؛ قد نظر في كل فن من فنون العلم فأحكمه، وإن لم يحكمه ~~أخذ منه بمقدار ما يكتفي به؛ يعرف بغريزة عقله، وحسن أدبه، وفضل تجربته، ما ~~يرد عليه قبل وروده، وعاقبة ما يصدر عنه قبل صدروه؛ فيعد لكل أمر عدته ~~وعتاده، ويهيئ لكل وجه هيئته وعادته. فتنافسوا يا معشر الكتاب في صنوف ~~الآداب، وتفهموا في الدين، وابدءوا بعلم كتاب الله عز وجل والفرائض، ثم ~~العربية فإنها ثقاف ألسنتكم، ثم أجيدوا الخط فإنه حلية كتبكم، وارووا ~~الأشعار واعرفوا غريبها ومعانيها، وأيام العرب والعجم وأحاديثها وسيرها؛ ~~فإن ذلك معين لكم على ما تسمو إليه هممكم، ولا تضيعوا النظر في الحساب، ~~فإنه قوام كتاب ms457 الخراج، وارغبوا بأنفسكم عن المطامع سنيها ودنيها، وسفساف ~~الأمور ومحاقرها؛ فإنها مذلة للرقاب، مفسدة للكتاب، ونزهوا صناعتكم عن ~~الدناءة، واربؤا بأنفسكم عن السعاية والنميمة وما فيه أهل الجهالات. # وإياكم والكبر والسخف والعظمة، فإنها عداوة مجتلبة من غير إحنة؛ وتحابوا ~~في الله عز وجل في صناعتكم، وتواصوا عليها بالذي هو أليق لأهل الفضل والعدل ~~والنبل من سلفكم؛ وإن نبا # 151 # الزمان برجل منكم، فاعطفوا عليه وواسوه حتى يرجع إليه حاله، ~~ويثوب إليه أمره، وإن أقعد أحدا منكم الكبر عن مكسبه ولقاء إخوانه، فزوروه ~~وعظموه وشاوروه؛ واستظهروا بفضل تجربته، وقديم معرفته؛ وليكن الرجل منكم ~~على من اصطنعه واستظهر به ليوم حاجته إليه أحوط منه على ولده وأخيه، فإن ~~عرضت في الشغل محمدة فلا يصرفها إلا إلى صاحبه، وإن عرضت مذمة فليحملها هو ~~من دونه؛ وليحذر السقطة والزلة والملل عند تغير الحال، فإن العيب إليكم ~~معشر الكتاب أسرع منه إلى الفراء، وهو لكم أفسد منه لها؛ فقد علمتم أن ~~الرجل منكم إذا صحبه من يبذل له من نفسه، ما يجب له عليه من حقه؛ فواجب ~~عليه أن يعتقد له من وفائه وشكره، واحتماله ونصيحته، وكتمان سره وتدبير ~~أمره، ما هو جزاء لحقه، ويصدق ذلك فعله عند الحاجة إليه، والاضطرار إلى ~~ما لديه؛ فاستشعروا ذلك - وفقكم الله - من أنفسكم في حالة الرخاء، والشدة ~~والحرمان والمواساة والإحسان والسراء والضراء؛ فنعمت الشيمة هذه لمن وسم ~~بها من أهل هذه الصناعة الشريفة؛ وإذا ولى الرجل منكم أو صير إليه من أمر ~~خلق الله وعياله أمر، فليراقب الله عز وجل وليؤثر طاعته؛ وليكن على الضعيف ~~رفيقا، وللمظلوم منصفا؛ فإن الخلق عيال الله، وأحبهم إليه أرفقهم بعياله؛ ~~ثم ليكن بالعدل حاكما، وللأشراف مكرما، وللفيء موفرا، وللبلاد عامرا، ~~وللرعية متألفا، وعن أذاهم متخلفا؛ وليكن في مجلسه متواضعا حليما، وفي ~~سجلات خراجه واستقضاء حقوقه دقيقا؛ وإذا صحب أحدكم رجلا فليختبر خلائقه، ~~فإذا عرف حسنها وقبيحها أعانه على ما يوافقه من الحسن، واحتال على صرفه عما ~~يهواه من القبيح بألطف حيلة وأجمل ms458 وسيلة. # وقد علمتم أن سائس البهيمة إذا كان بصيرا بسياستها التمس معرفة أخلاقها، ~~فإن كانت رموحا لم يهجها إذا ركبها، وإن كانت شبوبا اتقاها من بين يديها، ~~وإن خاف منها شرودا توقاها من ناحية رأسها، وإن كانت حرونا قمع برفق ~~هواها في طرقها، فإن استمرت عطفها يسيرا، فيسلس له قيادها، وفي هذا الوصف ~~من السياسة دلائل لمن ساس الناس وعاملهم وجربهم وداخلهم. # والكاتب لفضل أدبه وشريف صنعته ولطيف حيلته، ومعاملته لمن يحاوله من ~~الناس ويناظره، ويفهم عنه أو يخاف سطوته، أولى بالرفق لصاحبه ومداراته ~~وتقويم أوده، من سائس البهيمة التي لا تحير جوابا، ولا تعرف صوابا، ولا ~~تفهم خطابا، إلا بقدر ما يصيرها إليه صاحبها الراكب عليها؛ ألا فارفقوا ~~رحمكم الله في النظر، واعملوا ما أمكنكم فيه من الروية والفكر، تأمنوا بإذن ~~الله ممن صحبتموه النبوة والاستثقال والجفوة؛ ويصير منكم إلى الموافقة، ~~وتصيروا منه إلى المؤاخاة والشفقة، إن شاء الله؛ ولا يجاوزن الرجل منكم في ~~هيئة مجلسه، وملبسه ومركبه، ومطعمه ومشربه وخدمه، وغير ذلك من فنون أمره ~~قدر حقه؛ فإنكم مع ما فضلكم الله به من شرف صنعتكم، خدمة لا تحملون في ~~خدمتكم على التقصير، وحفظة لا تحتمل منكم أفعال التضييع والتبذير؛ ~~واستعينوا على أفعالكم بالقصد في كل ما ذكرته لكم، وقصصته عليكم، واحذروا ~~متالف السرف، وسوء عاقبة الترف؛ فإنهما يعقبان الفقر، ويذلان الرقاب ~~ويفضحان أهلهما، ولا سيما الكتاب وأرباب الآداب. وللأمور أشباه وبعضها دليل ~~على بعض؛ فاستدلوا على مؤتنف أعمالكم، بما سبقت إليه تجربتكم؛ ثم اسلكوا من ~~مسالك التدبير أوضحها محجة، وأصدقها حجة، وأحمدها عاقبة. # واعلموا أن للتدبير آفة متلفة، وهو الوصف الشاغل لصاحبه، عن إنفاذ علمه ~~ورويته؛ فليقصد الرجل منكم في مجلسه، قصد الكافي في منطقه؛ وليوجز في ~~ابتدائه وجوابه، وليأخذ بمجامع حججه؛ فإن ذلك مصلحة لفعله، ومدفعة للشاغل ~~من إكثاره؛ وليضرع إلى الله في صلة توفيقه، وإمداده بتسديده؛ مخافة وقوعه ~~في الغلط المضر ببدنه، وعقله وأدبه، فإنه إن ظن منكم ظان أو قال قائل: إن ~~الذي برز ms459 من جميل صنعته وقوة حركته، إنما هو بفضل حيلته وحسن تدبيره؛ فقد ~~تعرض بحسن ظنه أو مقالته إلى أن يكله الله عز وجل إلى نفسه، فيصير منها إلى ~~غير كاف، وذلك على من تأمله غير خاف؛ ولا يقل أحد منكم إنه أبصر بالأمور، ~~وأحمل لأعباء التدبير؛ من مرافقه في صناعته، ومصاحبه في خدمته؛ فإن أعقل ~~الرجلين عند ذوي الألباب من رمى بالعجب وراء ظهره، ورأى أن أصحابه أعقل منه ~~وأجمل في طريقته؛ وعلى كل واحد من الفريقين أن يعرف فضل نعم الله جل ثناؤه ~~من غير اغترار برأيه، ولا تزكية لنفسه؛ ولا يكاثر على أخيه أو نظيره، ~~وصاحبه وعشيره؛ وحمد الله واجب على الجميع. # وذلك بالتواضع لعظمته، والتذلل لعزته، والتحدث بنعمته؛ وأنا أقول في ~~كتابي هذا ما سبق به المثل: «من تلزمه النصيحة يلزمه العمل» وهو جوهر هذا ~~الكتاب وغرة كلامه، بعد الذي فيه من ذكر الله عز وجل، فلذلك جعلته آخره ~~وتممته به. تولانا الله وإياكم يا معشر الطلبة والكتبة بما يتولى به من سبق ~~علمه بإسعاده وإرشاده، فإن ذلك إليه وبيده. والسلام عليكم ورحمة الله ~~وبركاته. ~~(8) رسالة ثالثة لعبد الحميد الكاتب # ومن رسائل عبد الحميد رسالة في الشطرنج: # 152 # أما بعد، فإن الله شرع دينه بإنهاج سبله، وإيضاح معالمه بإظهار فرائضه، ~~وبعث رسله إلى خلقه دلالة لهم على ربوبيته، واحتجاجا عليهم برسالاته، ~~ومقدما إليهم بإنذاره ووعيده، ليهلك من هلك عن بينة؛ ويحيا من حي عن بينة؛ ~~ثم ختم بنبيه # صلى الله عليه وسلم # وحيه، وقفى به رسله، وابتعثه لإحياء دينه الدارس ~~مرتضيا له على حين انطمست الأعلام # 153 # مختفية، وتشتتت السبل متفرقة، وعفت آثار الدين دارسة، وسطع رهج ~~الفتن، واعتلى قتام الظلم، واستنهد الشرك، وأسدف # 154 # الكفر، وظهر أولياء الشيطان لطموس الأعلام، ونطق زعيم الباطل ~~بسكتة الحق، واستطرق الجور واستنكح الصدوف عن الحق، واقمطر # 155 # سلهب الفتنة، واستضرم لقاحها، وطبقت الأرض ظلمة كفر ~~وغياية # 156 # فساد؛ فصدع بالحق مأمورا، وأبلغ الرسالة معصوما، ونصح ~~الإسلام وأهله، دالا لهم على ms460 المراشد، وقائدا لهم إلى الهداية، ومنيرا ~~لهم أعلام الحق ضاحية، مرشدا لهم إلى استفتاح باب الرحمة وإعلاق # 157 # عروة النجاة؛ موضحا لهم سبل الغواية، زاجرا لهم عن طريق ~~الضلالة، محذرا لهم الهلكة، موعزا إليهم في التقدمة، ضاربا لهم الحدود ~~على ما يتقون من الأمور ويخشون، وما إليه يسارعون ويطلبون؛ صابرا نفسه على ~~الأذى والتكذيب، داعيا لهم بالترغيب والترهيب؛ حريصا عليهم، متحننا على ~~كافتهم، عزيزا عليه عنتهم، رءوفا بهم رحيما، تقدمه شفقته عليهم وعنايته ~~برشدهم إلى تجريد الطلب إلى ربه فيما فيه بقاء النعمة عليهم، وسلامة ~~أديانهم، وتخفيف آصار # 158 # الأوزار عنهم، حتى قبضه الله إليه # صلى الله عليه وسلم # ناصحا متنصحا، ~~أمينا مأمونا، قد بلغ الرسالة، وأدى النصيحة، وقام بالحق، وعدل عمود ~~الدين، حتى اعتدل ميله، وأذل الشرك وأهله، وأنجز الله له وعده، وأراه صدق ~~أنبائه # 159 # في إكماله للمسلمين دينه، واستقامة سنته فيهم، وظهور شرائعه ~~عليهم. قد أبان لهم موبقات الأعمال، ومفظعات الذنوب، ومهبطات الأوزار، وظلم ~~الشبهات، وما يدعوا إليه نقصان الأديان، وتستهويهم به الغوايات؛ وأوضح لهم ~~أعلام الحق، ومنازل المراشد، وطرق الهدى، وأبواب النجاة، ومعالق العصمة، ~~غير مدخر لهم نصحا ولا مبتغ في إرشادهم غنما. فكان مما قدم إليهم فيه ~~نهيه، وأعلمهم سوء عاقبته، وحذرهم إصره، وأوعز إليهم ناهيا وواعظا ~~وزاجرا، الاعتكاف على هذه التماثيل من الشطرنج والمواصلة عليها، لما في ~~ذلك من عظم الإثم، وموبق الوزر، مع مشغلتها عن طلب المعاش، وإضرارها ~~بالعقول، ومنعها من حضور الصلوات في مواقيتها مع جميع المسلمين. # وقد بلغ أمير المؤمنين أن ناسا، ممن قبلك من أهل الإسلام، قد ألهجهم ~~الشيطان بها، وجمعهم عليها، وألف بينهم فيها، فهم معتكفون عليها من لدن ~~صبحهم إلى ممساهم، ملهية لهم عن الصلوات، شاغلة لهم عما أمروا به من القيام ~~بسنن دينهم، وافترض عليهم من شرائع أعمالهم، مع مداعبتهم فيها، وسوء لفظهم ~~عليها. وإن ذلك من فعلهم ظاهر في الأندية والمجالس، غير منكر ولا معيب ولا ~~مستفظع عند أهل الفقه، وذوي الورع والأديان والأسنان منهم؛ فأكبر ms461 أمير ~~المؤمنين ذلك وأعظمه، وكرهه واستكبره، وعلم أن الشيطان عندما يئس منه من ~~بلوغ إرادته في معاصي الله عز وجل، بمصر المسلمين ومجمعهم صراحا وجهارا، ~~أقدم بهم على شبهة مهلكة، وزين لهم ورطة موبقة، وغرهم بمكيدة حيله، إرادة ~~لاستهوائهم بالخدع، واجتيالهم # 160 # بالشبه والمراصد الخفية المشكلة. وكل مقيم على معصية الله، ~~صغرت أو كبرت، مستحلا لها مشيدا بها، مظهرا لارتكابه إياها، غير حذر من ~~عقاب الله عز وجل عليها، ولا خائف مكروها فيها، ولا راهب من حلول سطوته ~~عليها، حتى تلحقه المنية، فتختلجه وهو مصر عليها، غير تائب إلى الله منها، ~~ولا مستغفر من ارتكابه إياها؛ فكم من أقام على موبقات الآثام وكبائر ~~الذنوب، حتى مدته ومخرم أيامه. # وقد أحب أمير المؤمنين أن يتقدم إليهم، فيما بلغه عنهم، وأن ينذرهم ويوعز ~~إليهم، ويعلمهم ما في أعناقهم عليها، وما لهم في قبول ذلك من الحظ، وعليهم ~~في تركه من الوزر، فآذن # 161 # بذلك فيهم، وأشده في أسواقهم وجميع أنديتهم، وأوعز إليهم فيه. ~~وتقدم إلى عامل شرطتك في إنهاك العقوبة لمن رفع إليه: من أهل الاعتكاف ~~عليها والإظهار للعب بها، وإطالة حبسه في ضيق وضنك، وطرح اسمه من ديوان ~~أمير المؤمنين. وافطمهم عما لهجوا به من ذلك. والتمس بشدتك عليهم فيه ~~وإنهاكك بالعقوبة عليه، ثواب الله وجزاءه، واتباع أمير المؤمنين ورأيه. ولا ~~يجدن أحد عندك هوادة في التقصير في حق الله عز وجل، والتعدي لأحكامه، فتحل ~~بنفسك ما يسوءك عاقبة مغبته، وتتعرض به لغير الله عز وجل ونكاله. واكتب إلى ~~أمير المؤمنين ما يكون منك، إن شاء الله والسلام. ~~(9) رسالة رابعة لعبد الحميد الكاتب # ومن رسائل عبد الحميد هذه الرسالة التي وصف بها الصيد: # 162 # أطال الله بقاء أمير المؤمنين مؤيدا بالعز، مخصوصا بالكرامة، ممتعا ~~بالنعمة، إنه لم يلق # 163 # أحد من المقتنصين، ولا منح متطرف من المتصيدين، إلا دون ما ~~لقانا # 164 # الله به من اليمن والبركة، ومنحنا من الظفر والسعادة في مسيرنا ~~من كثرة الصيد، وحسن المقتنص، وتمكين الجاسة، # 165 ms462 # وقرب الغاية، وسهولة المورد، وعموم القدورة، # 166 # إلا ما كان من محاولة الطلب، وشدة النصب، لنافر الصيد، وقائد ~~الطريدة التي أمعنا في الطلب لها، وأعجزنا البهر عن اللحاق بها، لتفاوت ~~سبقها، ومنقطع هربها، ومتفرق سبلها، ثم آل بنا ذلك إلى حسن الظفر، وتناول ~~الأرب، ونهاية الطرب. # وإني أخبر أمير المؤمنين أنا خرجنا إلى الصيد بأعدى الجوارح، وأثقف ~~الضواري؛ أكرمها أجناسا، وأعظمها أجساما، وأحسنها ألوانا، وأحدها ~~أطرافا، وأطولها أعضاء، قد ثقفت بحسن الأدب، وعودت شدة الطلب، وسبرت ~~أعلام المواقف، وخبرت المجاثم، مجبولة على ما عودت، ومقصورة على ما أدبت. ~~ومعنا من نفائس الخيل المخبورة الفراهة، # 167 # من الشهرية # 168 # الموصوفة بالنجابة، والجري والصلابة. فلم نزل بأخفض سير، وأثقف ~~طلب، وقد أمطرتنا السماء مطرا متداركا، فربت منه الأرض، وزهر البقل، وسكن ~~القتام من مثار # 169 # السنابك، ومتشعبات # 170 # الأعاصير، مهلة أن سرنا غلوات، ثم برزت الشمس طالعة، وانكشفت ~~[مني] السحاب مسفرة، فتلألأت الأشجار، وضحك النوار، وانجلت الأبصار، فلم نر ~~منظرا أحسن حسنا، ولا مرموقا أشبه شكلا، من ابتسام نور الشمس عن اخضرار ~~زهرة الرياض. والخيل تمرح بنا نشاطا، وتجتنبنا أعنتها انبساطا؛ ثم لم ~~نلبث أن علتنا ضبابة تقصر # 171 # طرف الناظر، وتخفي # 172 # سبل السلام، تغشانا تارة وتنكشف أخرى، ونحن بأرض دمثة التراب، ~~أشبة # 173 # الأطراف، مغدقة الفجاج، مملوءة صيدا من الظباء والثعالب ~~والأرانب؛ فأدانا المسير إلى غاية دونها مألف الصيد، ومجتمع الوحش، ونهاية ~~الطلب، قد جاوزناها ونحن على سبيل الطلب ممعنون، وبكل حرة # 174 # جونة # 175 # متفرقون، فرجع بنا العود على البدء، وقد انجلت الضبابة، وامتد ~~البصر، وأمكن النظر، فإذا نحن برعلة # 176 # من ظباء، وخلفة آرام يرتعن آنسات، قد أحالتهن الضبابة عن ~~شخصنا، وأذهلهن أنيق الرياض عن استماع حسنا، فلم نعج # 177 # إلا والضوراي لائحة لهن من بعد الغاية، ومنتهى نظر الشاخص؛ ثم ~~مدت الجوارح أجنحتها، واجتذبت الضوراي مقاودها، فأمرت بإرسالها على الثقة ~~بمحضرها، وسرعة الجوارح في طلبها، فمرت تحف حفيف الريح عند هبوبها، تسف ~~الأرض سفا، كاشفة عن آثارها، ms463 طالبة لخيارها، حارشة بأظفارها، قد مزقتها ~~تمزيق الريح الجراد؛ فمن صائح بها وناعر، وهاتف بها وناعق، يدعو الكلب ~~باسمه، ويفديه بأبيه وأمه؛ وراكض تحت مفره، وخافق يطلبه الرمح، وطامح ~~يمنعه، وسانح قد عارضه بارح، قد حيرتنا الكثرة، وألهجتنا القدرة، حتى ~~امتلأت أيدينا من صنوف الصيد، والله المنعم الوهاب. # ثم ملنا يا أمير المؤمنين بهداية دليل قد أحكمته التجارب، وخبر أعلام ~~المذانب، إلى غدير أفيح، وروضة خضرة، مستأجمة بتلاوين الشجر، ملتفة بصنوف ~~الخمر، # 178 # مملوءة من أنواع الطير، لم يذعرهن صائد، ولا اقتنصهن قانص، ~~فخفق لها بطبول، وصفر بنفير الحتف، فثار منها ما ملأ الأفق كثرتها، وراعت ~~الجوارح خفقات أجنحتها؛ ثم انبرت البزاة لها صائدة، والصقور كاسرة، ~~والشواهين ضارية، يرفعن الطلب لها، ويخفضن الظفر بها، حتى سئمنا من الذبح، ~~وامتلأنا من النصيح؛ # 179 # كانا كتيبة ظفرت ببغيتها، وسرية نصرت على عدوها، وألحقت ضعيفها ~~بقويها، وغلبت # 180 # محسنها بمسيئها؛ لا نملك أنفسنا مرحا، ولا نستفيق من الجذل ~~بها فرحا، بقية يومنا، والله المنعم الوهاب. # ثم غدونا يا أمير المؤمنين إلى أرض وصف لنا صيدها بالكثرة، ورياضها ~~بالنزهة، فزل واصفها عن الطريقة، واعتمد بنا على غير الحقيقة؛ فأتيناها فلم ~~نر صيدا ولا عشبا، ولا نزهة ولا حسنا، فجعلنا نسلك منها حزونا ووعورا، ~~وجدوبا وقفرا، حتى قصر بنا اليأس عن الطلب، وقطع بنا عن الطمع النصب. ~~فبينا نحن كذلك، إذ بدا لنا جأب # 181 # قد أوفى بنا على حائل دل على غابة من ورائها حمير وحش كثيرة، ~~فأممناها، فلما تطرفنا مشيا # 182 # وتقريبا # 183 # إلى عاناته، # 184 # توالى نهيقه، وكثر شهيقه، فالتفتن إليه، فرمقن بأعينهن منا ما ~~استكثرن شخصه، واستهولن أمره، حتى إذا كنا بمرأى ومسمع انجذبن موليات، ~~وهربن مسيبات، فأجهدنا الركض في طلبهن، نتبع آثارهن، ونستشف بلاء بين ~~أحفار # 185 # ودكادك # 186 # وخناذيذ، # 187 # حتى أشفى بنا الطلب لها على واد هائل سائل، بجنبتيه غابة أشبة ~~قد سبقن إليها، واستخفين فيها، فنظمناها بالخيل نظم الخرز، ثم أوغلت عدة ~~فرسان في نقضها ومعرفة أحوالها، ms464 والطبول خافقة، والأصوات شاهقة، فكان وكان؛ ~~والحمد لله على كل حال. # | هوامش # | باب المنظوم # (1) الغزل # ذكرنا في المجلد الأول حالة الغزل في العصر الأموي، وكثرة ما نجد فيه من لواعج ~~الحب ولفحاته، وشكايات الصب وأناته، وزفرات العاشق وعبراته، وبينا أنواعه المتباينة ~~التي قسمناها إلى أربعة أقسام: ~~(1) # غزل إباحي: ويصح لنا أن نتخذ من عمر بن أبي ربيعة زعيما لهذا النوع ~~الذي يجمع إلى وصف المرأة والتشبيب بها، معاني العبث والاستمتاع باللذة ~~المادية مما ينفر منه الأدب الجاهلي، ومما حظره عليه الكثيرون من خلفاء ~~الإسلام وأئمته. وقد كانت مكة والمدينة مسرحا لهذا النوع في العصر ~~الأموي. وقد شرحنا سبب ذلك في المجلد الأول فراجعه ثمة. ~~(2) # غزل عذري: وهو غزل الحب الصادق، والعواطف المتأججة، والنفس المتألمة ~~المعناة، تلك النفس التي تجد لذتها في الكلف بمن تحب والتعلق بها ~~والشعور بالسعادة في الفناء في حبها، حبا يملك عليه لبه ويعذب روحه ~~ويفنى جسمه، كغزل جميل زعيم هذا النوع. وليس أدل على صدق حبه مما ~~أثبتناه عن كتاب الأغاني إذ حاول أبوه أن يصرفه عن حبه وحاجه في ذلك ~~أجمل محاجة، فكان من جميل ما كان مما تجده مفصلا في هذا الباب. ~~(3) # غزل صناعي: بين هذا وذاك، همه الإجادة في الشعر من حيث هو شعر، لا في ~~الحب من حيث هو حب، ولنا في كثير عزة زعيم لهذا النوع الثالث. ~~(4) # غزل قصصي: خلقه الرواة لأنهم رأوا ميل الناس إلى الغزل وإلى حياة ~~القصف وما يتبع حياة القصف، فنظموا قصائد نحلوها لشعراء لا نستطيع أن ~~نحتمل تبعة القول بوجودهم في الحياة، أو القول بأنهم أشخاص خياليون ~~خلقهم الرواة، أو زادوا من عندهم مقطعات نسبوها لهم وأضافوها إلى ~~شعرهم. وزعيما هذا النوع: قيس بن الملوح وليلاه، وقيس بن ذريح ~~ولبناه. # وإيفاء بما وعدناك به نذكر زعيم كل نوع من هذه الأنواع مع ذكر ترجمته والمختار من ~~شعره. ~~(1-1) الغزل الإباحي # عمر بن أبي ربيعة # راق عمر بن أبي ربيعة # 1 # الناس وفاق نطراءه وبرعهم بسهولة الشعر ms465 وشدة الأسر، وحسن ~~الوصف، ودقة المعنى، وصواب المصدر، والقصد للحاجة، واستنطاق الربع، وإنطاق ~~القلب، وحسن العزاء، وخاطبة النساء، وعفة المقال، وقلة الانتقال، وإثبات ~~المحجة، وترجيح الشك في موضع اليقين، وطلاوة الاعتذار، وفتح الغزل، ونهج ~~العلل. وعطف المساءة على العذال، وحسن التفجع، وبخل المنازل، واختصار ~~الخبر، وصدق الصفاء؛ إن قدح أورى، وإن اعتذر أبرا، وإن تشكى أشجى، وأقدم عن ~~خبرة، ولم يعتذر بغرة، وأسر النوم، وغم الطير، وأغذ السير، وحير ماء ~~الشباب، وسهل وقول، وقاس الهوى فأربى، وعصى وأخلى، وحالف بسمعه وطرفه، ~~وأبرم نعت الرسل وحذر، وأعلن الحب وأسر، وبطن به وأظهر، وألح وأسف ، وأنكح ~~النوم، وجنى الحديث وضرب ظهره لبطنه، وأذل صعبه، وقنع بالرجاء من الوفاء، ~~وأعلى قاتله، واستبكى عاذله، ونفض النوم، وأغلق رهن منى وأهدر قتلاه؛ وكان ~~بعد هذا كله فصيحا. # فمن سهولة شعره وشدة أسره # 2 # قوله: # فلما تواقفنا وسلمت أشرقت # وجوه زهاها الحسن أن تتقنعا # تبالهن بالعرفان لما رأينني # وقلن امرؤ باغ أكل وأوضعا # 3 # ومن حسن وصفه قوله: # لها من الريم # 4 # عيناه ولفتته # ونخوة السابق المختال إذ صهلا # ومن دقة معناه وصواب مصدره قوله: # عوجا # 5 # نحي الطلل المحولا # 6 # والربع من أسماء والمنزلا # بسابغ البوباة # 7 # لم يعده # تقادم العهد بأن يؤهلا # ومن قصده للحاجة قوله: # أيها المنكح الثريا سهيلا # 8 # عمرك الله كيف يلتقيان # هي شامية إذا ما استقلت # وسهيل إذا استقل يماني # ومن استنطاقه الربع قوله: # سائلا الربع بالبلي # 9 # وقولا # هجت شوقا لي الغداة طويلا # أين حي حلوك إذ أنت محفو # ف بهم آهل أراك جميلا # قال ساروا فأمعنوا واستقلوا # 10 # وبرغمي ولو وجدت سبيلا # سئمونا وما سئمنا جوارا # وأحبوا دماثة # 11 # وسهولا # قال إسحاق: أنشد جرير هذه الأبيات فقال: إن هذا الذي كنا ندور عليه ~~فأخطأناه. # ومن إنطاقه القلب قوله: # قال لي فيها عتيق مقالا # فجرت مما يقول الدموع # قال لي ودع سليمى ودعها # فأجاب القلب: لا أستطيع # ومن حسن عزائه قوله: # أألحق إن دار الرباب تباعدت # أو انبت # 12 ms466 # حبل أن قلبك طائر # أفق قد أفاق العاشقون وفارقوا ال # هوى واستمرت بالرجال # 13 # المرائر # زع # 14 # النفس واستبق الحياء فإنما # تباعد أوتدني الرباب المقادر # أمت حبها واجعل قديم وصالها # وعشرتها كمثل من لا تعاشر # وهبها كشيء لم يكن أو كنازح # به الدار أو من غيبته المقابر # وكالناس علقت الرباب فلا تكن # أحاديث من يبدو ومن هو حاضر # 15 # وهذه الأبيات يرويها بعض أهل الحجاز لكثير، ويرويها الكوفيون للكميت بن ~~معروف الأسدي، وذكر بعضها الزبير بن بكار عن ابن عبيدة لكثير في أخباره. ~~ومن حسن غزله في مخاطبة النساء - قال مصعب الزبيري: وقد أجمع أهل بلدنا ممن ~~له علم بالشعر أن هذه الأبيات أغزل ما سمعوا - قوله : # تقول غداة التقينا الرباب # أيا ذا أفلت أفول السماك # وكفت سوابق من عبرة # كما ارفض نظم ضعيف السلاك # فقلت لها من يطع في الصدي # ق أعداءه يجتنبه كذاك # أغرك أني عصيت الملا # م فيك وأن هوانا هواك # وألا أرى لذة في الحياة # تقر بها العين حتى أراك # فكان من الذنب لي عندكم # مكارمتي واتباعي رضاك # فليت الذي لام في حبكم # وفي أن تزاري بقرن # 16 # وقاك # هموم الحياة وأسقامها # وإن كان حتف جهيز # 17 # فداك # ومن عفة مقاله قوله: # طال ليلي واعتادني اليوم سقم # وأصابت مقاتل القلب نعم # حرة الوجه والشمائل والجو # هر تكليمها لمن نال غنم # وحديث بمثله تنزل العص # 18 # م رخيم يشوب ذلك حلم # هكذا وصف ما بدا لي منها # ليس لي بالذي تغيب علم # إن تجودي أو تبخلي فبحمد # لست يا نعم فيها من يذم # ومن قلة انتقاله قوله: # أيها القائل غير الصواب # أمسك النصح وأقلل عتابي # واجتنبني واعلمن أن ستعصى # ولخير لك طول اجتنابي # إن تقل نصحا فعن ظهر غش # دائم الغمر # 19 # بعيد الذهاب # ليس بي عي بما قلت إني # عالم أفقه رجع الجواب # إنما قرة عيني هواها # فدع اللوم وكلني لما بي # لا تلمني في الرباب وأمست # عدلت # 20 # للنفس برد الشراب # هي والله الذي هو ms467 ربي # صادقا أحلف غير الكذاب # أكرم الأحياء طرا علينا # عند قرب منهم واجتناب # خاطبتني ساعة وهي تبكي # ثم عزت # 21 # خلتي في الخطاب # وكفى بي مدرها لخصوم # لسواها عند حد تبابي # 22 # ومن إثباته الحجة قوله: # خليلي بعض اللوم لا ترحلا # 23 # به # رفيقكما حتى تقولا على علم # خليلي من يكلف بآخر كالذي # كلفت به يدمل # 24 # فؤادا على سقم # خليلي ما كانت تصاب مقاتلي # ولا غرتي حتى وقعت على نعم # خليلي حتى لف حبلي # 25 # بخادع # موقى إذا يرمي صيود إذا يرمي # خليلي لو يرقى خليل من الهوى # رقيت بما يدني النوار # 26 # من العصم # خليلي إن باعدت لانت وإن ألن # تباعد فلم أنبل # 27 # بحرب ولا سلم # ومن ترجيحه الشك في موضع اليقين قوله: # نظرت إليها بالمحصب من منى # ولي نظر لولا التحرج عارم # 28 # فقلت: أشمس أم مصابيح بيعة # بدت لك خلف السجف # 29 # أم أنت حالم # بعيدة # 30 # مهوى القرط إما لنوفل # أبوها وإما عبد شمس وهاشم # ومد عليها السجف يوم لقيتها # على عجل تباعها والخوادم # فلم أستطعها غير أن قد بدا لنا # عشية راحت وجهها والمعاصم # معاصم لم تضرب على البهم # 31 # بالضحى # عصاها ووجه لم تلحه # 32 # السمائم # نضار ترى فيه أساريع # 33 # مائه # صبيح تغاديه الأكف النواعم # إذا ما دعت أترابها فاكتنفنها # تمايلن أو مالت بهن المآكم # 34 # طلبن الصبا حتى إذا ما أصبنه # نزعن وهن المسلمات الظوالم # ومن طلاوة اعتذاره قوله: # عاود القلب بعض ما قد شجاه # من حبيب أمسى هوانا هواه # يا لقومي فكيف أصبر عمن # لا ترى النفس طيب عيش سواه # أرسلت إذ رأت بعادي ألا # يقبلن بي محرشا # 35 # إن أتاه # دون أن يسمع المقالة منا # وليطعني فإن عندي رضاه # لا تطع بي فدتك نفسي عدوا # لحديث على هواه افتراه # لا تطع بي من لو رآني وإيا # ك أسيري ضرورة ما عناه # ما ضراري نفسي بهجري من لي # س مسيئا ولا بعيدا ثراه # 36 # واجتنابي بيت الحبيب وما الخل ms468 # د بأشهى إلى من أن أراه # ومن نهجه العلل قوله: # وآية ذلك أن تسمعي # إذا جئتكم ناشدا ينشد # فرحنا سراعا وراح الهوى # دليلا إليها بنا يقصد # فلما دنونا لجرس # 37 # النبا # ح والصوت، والحي لم يرقدوا # بعثنا لها باغيا ناشدا # وفي الحي بغية من ينشد # ومن فتحه الغزل قوله: # إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى # فكن حجرا من يابس الصخر جلمدا # ومن عطفه المساءة على العذال قوله: # لا تلمني عتيق حسبي الذي بي # إن بي يا عتيق ما قد كفاني # لا تلمني وأنت زينتها لي # أنت مثل الشيطان للإنسان # ومن حسن تفجعه قوله: # هجرت الحبيب اليوم من غير ما اجترم # وقطعت من ذي ودك الحبل فانصرم # أطعت الوشاة الكاشحين ومن يطع # مقالة واش يقرع السن من ندم # أتاني رسول كنت أحسب أنه # شفيق علينا ناصح كالذي زعم # فلما تباثثنا # 38 # الحديث وصرحت # سرائره عن بعض ما كان قد كتم # تبين لي أن المحرش كاذب # 39 # فعندي لك العتبى على رغم من رغم # فملآن لمت النفس بعد الذي مضى # وبعد الذي آلت وآليت من قسم # ظلمت ولم تعتب وكان رسولها # إليك سريعا بالرضا لك إذ ظلم # ومن تخيله المنازل قوله: # ألم تسأل الأطلال والمتربعا # ببطن حليات # 40 # دوارس بلقعا # إلى السرح # 41 # من وادي المغمس # 42 # بدلت # معالمها وبلا ونكباء # 43 # زعزعا # 44 # فيبخلن أو يخبرن بالعلم بعد ما # نكأن # 45 # فؤادا كان قدما مفجعا # ومن اختصاره الخبر قوله: # أمن آل نعم أنت غاد فمبكر # غداة غد أم رائح فمهجر # بحاجة نفس لم تقل في جوابها # فتبلغ عذرا والمقالة تعذر # أشارت بمدراها # 46 # وقالت لتربها # أهذا المغيري الذي كان يذكر # لئن كان إياه لقد حال بعدنا # عن العهد والإنسان قد يتغير # قال الزبير حدثني إسحاق الموصلي قال: قلت لأعرابي: ما معنى قول ابن أبي ~~ربيعة: # بحاجة نفس لم تقل في جوابها # 47 # فتبلغ عذرا والمقالة تعذر # فقال: قام كما جلس. # ومن صدقه الصفاء قوله: # كل وصل أمسى لديك لأنثى ms469 # غيرها وصلها إليها أداء # كل أنثى وإن دنت لوصال # أو نأت فهي للرباب الفداء # وقوله: # أحب لحبك من لم يكن # صفيا لنفسي ولا صاحبا # وأبذل مالي لمرضاتكم # وأعتب # 48 # من جاءكم عاتبا # وأرغب في ود من لم أكن # إلى وده قبلكم راغبا # ولو سلك الناس في جانب # من الأرض واعتزلت جانبا # ليممت طيتها # 49 # إنني # أرى قربها العجب العاجبا # ومما قدح فيه فأورى قوله: # طال ليلي وتعناني # 50 # الطرب # 51 # واعتراني طول هم ووصب # 52 # أرسلت أسماء في معتبة # عتبتها وهي أحلى من عتب # أن أتى منها رسول موهنا # وجد الحي نياما فانقلب # ضرب الباب فلم يشعر به # أحد يفتح بابا إذ ضرب # قال: أيقاظ، ولكن حاجة # عرضت تكتم منا فاحتجب # ولعمدا ردني، فاجتهدت # بيمين حلفة عند الغضب # يشهد الرحمن لا يجمعنا # سقف بيت رجبا بعد رجب # قلت حلا فاقبلي معذرتي # ما كذا يجزي محب من أحب # إن كفي لك رهن بالرضا # فاقبلي يا هند، قالت: قد وجب # وقالوا: ومن شعره الذي اعتذر فيه فأبرأ قوله: # فالتقينا فرحبت حين سلم # ت وكفت دمعا من العين مارا # 53 # ثم قالت عن العتاب رأينا # منك عنا تجلدا وازورارا # 54 # قلت كلا لاه # 55 # ابن عمك بل خف # نا أمورا كنا بها أغمارا # 56 # فجعلنا الصدود لما خشينا # قالة الناس للهوى أستارا # ليس كالعهد إذ عهدت # 57 # ولكن # أوقد الناس بالنميمة نارا # فلذاك الإعراض عنك وما آ # ثر قلبي عليك أخرى اختيارا # ما أبالي إذا النوى قربتكم # فدنوتم من حل أو من سارا # فالليالي إذا نأيت طوال # وأراها إذا قربت قصارا # ومن تشكيه الذي أشجى فيه قوله: # لعمرك ما جاورت غمدان # 58 # طائعا # وقصر شعوب # 59 # أن أكون به صبا # ولكن حمى أضرعتني # 60 # ثلاثة # مجرمة # 61 # ثم استمرت بنا غبا # 62 # وحتى لو ان الخلد يعرض إن مشت # إلى الباب رجلي ما نقلت لها إربا # 63 # فإنك لو أبصرت يوم سويقة # 64 # مناخي وحبسي العيس دامية حدبا # 65 # ومصرع إخوان كأن أنينهم ms470 # أنين مكاكي # 66 # فارقت بلدا خصبا # إذن لاقشعر الجلد منك صبابة # ولاستفرغت عيناك من عبرة سكبا # ومن إقدامه عن خبرة ولم يعتذر بغرة قوله: # صرمت وواصلت حتى عرف # ت أين المصادر والمورد # وجربت من ذاك حتى عرف # ت ما أتوقى وما أعمد # ومن أسره النوم قوله: # نام صحبي وبات نومي أسيرا # أرقب النجم موهنا أن يغورا # ومن غمه الطير قوله: # فرحنا وقلنا للغلام اقض حاجة # لنا ثم أدركنا ولا تتغبر # سراعا نغم # 67 # الطير إن سنحت لنا # وإن تلقنا الركبان لا نتخبر # 68 # تتغبر من قولهم: غبر فلان، أي لبث. # ومن إغذاذه # 69 # السير قوله: # قلت سيرا ولا تقيما ببصرى # 70 # وحفير # 71 # فما أحب حفيرا # وإذا ما مررتما بمعان # 72 # فأقلا به الثواء وسيرا # إنما قصرنا # 73 # إذا حسر # 74 # السي # ر بعيرا أن نستجد بعيرا # ومن تحييره ماء الشباب قوله: # أبرزوها مثل المهاة تهادى # بين خمس كواعب أتراب # ثم قالوا تحبها قلت بهرا # عدد القطر والحصى والتراب # وهي مكنونة تحير منها # في أديم الخدين ماء الشباب # ومن تقويله وتسهيله قوله: # قالت على رقبة يوما لجارتها # ما تأمرين فإن القلب قد تبلا # 75 # وهل لي اليوم من أخت مواخية # منكن أشكو إليها بعض ما فعلا # فراجعتها حصان # 76 # غير فاحشة # برجع قول ولب لم يكن خطلا # 77 # لا تذكري حبه حتى أراجعه # إني سأكفيكه إن لم أمت عجلا # فاقني # 78 # حياءك في ستر وفي كرم # فلست أول أنثى علقت رجلا # وأما ما قاس فيه الهوى فقوله: # وقربن أسباب الهوى لمتيم # يقيس ذراعا كلما قسن إصبعا # ومن عصيانه وإخلائه قوله: # وأنص # 79 # المطي يتبعن بالرك # ب سراعا نواعم الأظعان # فنصيد الغرير # 80 # من بقر الوح # ش ونلهو بلذة الفتيان # في زمان لو كنت فيه ضجيعي # غير شك عرفت لي عصياني # وتقلبت في الفراش ولا تد # رين إلا الظنون أين مكاني # ومن محالفته بسمعه وطرفه قوله: # سمعي وطرفي حليفاها على جسدي # فكيف أصبر عن سمعي وعن بصري # لو طاوعاني على ألا ms471 أكلمها # إذن لقضيت من أوطارها وطري # ومن إبرامه نعت الرسل قوله: # فبعثت كاتمة الحدي # ث رفيقة بجوابها # وحشية إنسية # خراجة من بابها # فرقت فسهلت المعا # رض من سبيل نقابها # ومن تحذيره قوله: # لقد أرسلت جاريتي # وقلت لها خذي حذرك # وقولي في ملاطفة # لزينب نولي عمرك # فإن داويت ذا سقم # فأخزي الله من كفرك # فهزت رأسها عجبا # وقالت من بذا أمرك # أهذا سحرك النسوا # ن، قد خبرنني خبرك # وقلن إذا قضى وطرا # وأدرك حاجة هجرك # ومن إعلانه الحب وإسراره قوله: # شكوت إليها الحب أعلن بعضه # وأخفيت منه في الفؤاد عليلا # ومما أبطن فيه وأظهر قوله: # حبكم يا آل ليلى قاتلي # ظهر الحب بجسمي وبطن # ليس حب فوق ما أحببتكم # غير أن أقتل نفسي أو أجن # ومما ألح فيه وأسف قوله: # ليت حظي كطرفة العين منها # وكثير منها القليل المهنا # أو حديث على خلاء يسلي # ما يجن الفؤاد منها ومنا # كبرت رب نعمة منك يوما # أن أراها قبل الممات ومنا # ومن إنكاحه النوم قوله: # حتى إذا ما الليل جن ظلامه # ونظرت غفلة كاشح أن يعقلا # واستنكح النوم الذين نخافهم # وسقى الكرى بوابهم فاستثقلا # 81 # خرجت تأطر في الثياب كأنها # أيم يسيب على كثيب أهيلا # 82 # ومن جنيه الحديث قوله: # وجوار مساعفات على الله # و مسرات باطن الأضغان # صيد للرجال يرشقن بالطر # ف حسان كخذل # 83 # الغزلان # قد دعاني وقد دعاهن لله # و شجون مهمة # 84 # الأشجان # فاجتنينا من الحديث ثمارا # ما جنى مثلها لعمرك جاني # ومن ضربه الحديث ظهره لبطنه قوله: # في خلاء من الأنيس وأمن # فبثثنا غليلنا واشتفينا # وضربنا الحديث ظهرا لبطن # وأتينا من أمرنا ما اشتهينا # فمكثنا بذاك عشر ليال # فقضينا ديوننا واقتضينا # ومن إذلاله صعب الحديث قوله: # فلما أفضنا في الهوى نستبينه # وعاد لنا صعب الحديث ذلولا # شكوت إليها الحب أظهر بعضه # وأخفيت منه في الفؤاد غليلا # ومن قناعته بالرجاء من الوفاء قوله: # فعدي نائلا وإن لم تنيلي # إنه ينفع المحب الرجاء # قال الزبير: هذا أحسن من قول كثير: ms472 # ولست براض من خليل بنائل # قليل ولا أرضى له بقليل # ومن إعلائه قاتله قوله: # فبعثت جاريتي وقلت لها اذهبي # فاشكي إليها ما علمت وسلمي # قولي يقول تحرجي # 85 # في عاشق # كلف بكم حتى الممات متيم # ويقول إنك قد علمت بأنكم # أصبحتم يا بشر أوجه # 86 # ذى دم # فكي رهينته فإن لم تفعلي # فاعلي على قتل ابن عمك واسلمي # فتضاحكت عجبا وقالت حقه # ألا يعلمنا بما لم نعلم # علمي به والله يغفر ذنبه # فيما بدا لي ذو هوى متقسم # طرف # 87 # ينازعه إلى الأدنى الهوى # ويبت خلة ذى الوصال الأقدم # ومن تنفيضه النوم قوله: # فلما فقدت الصوت منهم وأطفئت # مصابيح شبت بالعشاء وأنور # وغاب قمير كنت أرجو غيوبه # وروح رعيان ونوم سمر # 88 # ونفضت عني النوم أقبلت مشية ال # حباب وركني خشية القوم أزور # 89 # ومن إغلاقه رهن منى وإهداره قتلاه قوله: # فكم من قتيل ما يباء # 90 # به دم # ومن غلق # 91 # رهنا إذا لفه منى # ومن مالئ عينيه من شيء غيره # إذا راح نحو الجمرة البيض كالدمى # 92 # وكان بعد هذا كله فصيحا شاعرا مقولا. # 93 # ومن شعره المشهور قوله: # أمن آل نعم أنت غاد فمبكر # غداة غد أم رائح فمهجر # لحاجة نفس لم تقل في جوابها # فتبلغ عذرا والمقالة تعذر # أشارت بمدراها وقالت لأختها # أهذا المغيري الذي كان يذكر # فقالت نعم لا شك غير لونه # سرى الليل يطوي نصه # 94 # والتهجر # رأت رجلا أما إذا الشمس عارضت # فيضحى وأما بالعشي فيخصر # أخا سفر جواب أرض تقاذفت # به فلوات فهو أشعث أغبر # قليلا على ظهر المطية ظله # سوى ما نفى عنه الرداء المحبر # 95 # وأعجبها من عيشها ظل غرفة # وريان ملتف الحدائق أخضر # ووال كفاها كل شيء يهمها # فليست لشيء آخر الليل تسهر # وليلة ذي دوران # 96 # جشمنني السرى # 97 # وقد يجشم الهول المحب المغرر # ومن شعره قوله في فاطمة بنت محمد بن الأشعث الكندية: # تشط # 98 # غدا دار جيراننا # وللدار بعد غد أبعد # إذا سلكت غمر # 99 # ذي ms473 كندة # مع الركب # 100 # قصد لها الفرقد # 101 # وحث الحداة بها عيرها # سراعا إذا ما ونت تطرد # 102 # هنالك إما تعزى الفؤاد # وإما على إثرها تكمد # وليست ببدع إذا دارها # نأت والعزاء إذن أجلد # صرمت وواصلت حتى علم # ت أين المصادر والمورد # وجربت من ذاك حتى عرف # ت ما أتوقى وما أحمد # فلما دنونا لجرس # 103 # النبا # ح والضوء والحي لم يرقدوا # نأينا عن الحي حتى إذا # تودع # 104 # من نارها الموقد # وناموا بعثنا لها ناشدا # وفي الحي بغية من ينشد # أتتنا # 105 # تهادى على رقبة # 106 # من الخوف أحشاؤها ترعد # تقول وتظهر وجدا # 107 # بنا # ووجدي وإن أظهرت أوجد # لمما شقائي تعلقتكم # وقد كان لي عنكم # 108 # مقعد # وكفت سوابق من عبرة # على الخد جال # 109 # بها الإثمد # فإن التي شيعتنا الغداة # مع الفجر قلبي بها مقصد # 110 # وشبب عمر بن أبي ربيعة بزينب بنت موسى الجمحية في قصيدته التي يقول ~~فيها: # يا خليلي من ملام دعاني # وألما الغداة بالأظعان # لا تلوما في آل زينب إن ال # قلب رهن بآل زينب عانى # ما أرى ما بقيت أن أذكر المو # قف منها بالخيف # 111 # إلا شجاني # لم تدع للنساء عندي حظا # غير ما قلت مازحا بلساني # هي أهل الصفاء والود مني # وإليها الهوى فلا تعذلاني # حين قالت لأختها ولأخرى # من قطين # 112 # مولد: حدثاني # كيف لي اليوم أن أرى عمر المر # سل سرا في القول أن يلقاني # قالتا: نبتغي رسولا إليه # ونميت الحديث بالكتمان # إن قلبي بعد الذي نلت منها # كالمعمى # 113 # عن سائر النسوان # وكان سبب ذكره لها أن ابن أبي عتيق ذكرها عنده يوما فأطراها ووصف من ~~عقلها وأدبها وجمالها ما شغل قلب عمر وأماله إليها، فقال فيها الشعر وشبب ~~بها، فبلغ ذلك ابن أبي عتيق، فلامه فيه وقال له: أتنطق الشعر في ابنة عمي؟ ~~فقال عمر: # لا تلمني عتيق حسبي الذي بي # إن بي يا عتيق ما قد كفاني # لا تلمني وأنت زينتها لي # أنت مثل الشيطان ms474 للإنسان # إن بي داخلا من الحب قد أب # لى عظامي مكنونه وبراني # لو بعينيك يا عتيق نظرنا # ليلة السفح قرت العينان # إذ بدا الكشح والوشاح من الدر # وفصل فيه من المرجان # 114 # وقلى قلبي النساء سواها # بعد ما كان مغرما بالغواني # لم تدع للنساء عندي نصيبا # غير ما قلت مازحا بلساني # وأنشد ابن أبي عتيق قول عمر: # من # 115 # لسقيم يكتم الناس ما به # لزينب نجوى صدره والوساوس # أقول لمن يبغي الشفاء متى تجئ # بزينب تدرك بعض ما أنت لامس # فإنك إن لم تشف من سقمي بها # فإني من طلب الأطباء آيس # ولست بناس ليلة الدار مجلسا # لزينب حتى يعلو الرأس رامس # 116 # خلاء بدت قمراؤه وتكشفت # دجنته وغاب من هو حارس # وما نلت منها محرما غير أننا # كلانا من الثوب المورد # 117 # لابس # نجيين نقضي اللهو في غير مأثم # وإن رغمت م الكاشحين المعاطس # قال: فقال ابن أبي عتيق: أمنا يسخر ابن أبي ربيعة؟ فأي محرم بقى! ثم أتى ~~عمر فقال له: يا عمر، ألم تخبرني أنك ما أتيت حراما قط؟ قال: بلى، قال: ~~فأخبرني عن قولك: # كلانا من الثوب المورد لابس # ما معناه؟ قال: والله لأخبرنك: خرجت أريد المسجد وخرجت زينب تريده، ~~فالتقينا فاتعدنا لبعض الشعاب، فلما توسطنا الشعب أخذتنا السماء، فكرهت أن ~~يرى بثيابها بلل المطر، فيقال لها: ألا استترت بسقائف المسجد إن كنت فيه! ~~فأمرت غلماني فسترونا بكساء خز كان علي، فذلك حين أقول: # كلانا من اثواب المطارف لابس # فقال له: ابن أبي عتيق: يا عاهر! هذا البيت يحتاج إلى حاضنة! # ومن جيد شعره قوله في زينب بنت موسى: # يا من لقلب متيم كلف # يهذي بخود # 118 # مريضة النظر # تمشي الهوينا إذا مشت فضلا # 119 # وهي كمثل العسلوج # 120 # في الشجر # ما زال طرفي يحار إذ برزت # حتى رأيت النقصان في بصري # أبصرتها ليلة ونسوتها # يمشين بين المقام والحجر # ما إن طمعنا بها ولا طمعت # حتى التقينا ليلا على قدر # 121 # بيضا حسانا خرائدا قطفا # 122 ms475 # يمشين هونا كمشية البقر # قد فزن بالحسن والجمال معا # وفزن رسلا # 123 # بالدل والخفر # ينصتن يوما لها إذا نطقت # كيما يشرفنها على البشر # قالت لترب لها تحدثها # لنفسدن الطواف في عمر # قومي تصدي له ليعرفنا # ثم اغمزيه يا أخت في خفر # قالت لها قد غمزته فأبى # ثم اسبطرت # 124 # تسعى على أثري # من يسق بعد المنام ريقتها # يسق بمسك وبارد خصر # 125 # وقوله فيها أيضا: # ألمم بزينب إن البين قد أفدا # 126 # قل الثواء لئن كان الرحيل غدا # قد حلفت ليلة الصورين # 127 # جاهدة # وما على المرء إلا الحلف مجتهدا # لأختها ولأخرى من مناصفها # 128 # لقد وجدت به فوق الذي وجدا # لو جمع الناس ثم اختير صفوهم # شخصا من الناس لم أعدل به أحدا # ومن شعر عمر في تشوقه إلى مكة بعد أن خرج منها إلى اليمن قوله: # هيهات من أمة الوهاب منزلنا # إذا حللنا بسيف # 129 # البحر من عدن # واحتل أهلك أجيادا # 130 # وليس لنا # إلا التذكر أو حظ من الجزن # لو أنها أبصرت بالجزع عبرته # من أن يغرد قمري على فنن # إذن رأت غير ما ظنت بصاحبها # وأيقنت أن لحجا ليس من وطني # ما أنس لا أنس يوم الخيف # 131 # موقفها # وموقفي وكلانا ثم ذو شجن # وقولها للثريا وهي باكية # والدمع منها على الخدين ذو سنن # 132 # بالله قولي له في غير معتبة # ماذا أردت بطول المكث في اليمن # إن كنت حاولت دنيا أو ظفرت بها # فما أخذت بترك الحج من ثمن # وقال أيضا: # خليلي ما بال المطايا كأنما # نراها على الأدبار بالقوم تنكص # 133 # وقد قطعت أعناقهن صبابة # فأنفسنا مما يلاقين شخص # وقد أتعب الحادي سراهن وانتحى # بهن فما يألو عجول مقلص # 134 # يزدن بنا قربا فيزداد شوقنا # إذا زاد طول العهد والبعد ينقص # ومن شعره قوله: # جرى ناصح بيني وبينها # فقربني يوم الحصاب # 135 # إلى قتلي # فطارت بحد من فؤادي وقارنت # قرينتها حبل الصفاء إلى حبلي # فلما تواقفنا عرفت الذي بها # كمثل الذي بي حذوك النعل ms476 بالنعل # فقلن لها هذا عشاء وأهلنا # قريب ألما تسأمي مركب البغل # فقالت فما شئتن قلن لها انزلي # فللأرض خير من وقوف على رحل # نجوم دراري # 136 # تكنفن صورة # من البدر وافت غير هوج # 137 # ولا عجل # فسلمت واستأنست خيفة أن يرى # عدو مقامي أو يرى كاشح فعلي # فقالت وأرخت جانب الستر إنما # معي فتكلم غير ذي رقبة أهلي # فقلت لها ما بي لهم من ترقب # ولكن سري ليس يحمله مثلي # فلما اقتصرنا دونهن حديثنا # وهن طبيبات بحاجة ذي الشكل # عرفن الذي تهوى فقلن ائذني لنا # نطف ساعة في برد ليل وفي سهل # فقالت فلا تلبثن قلن تحدثي # أتيناك، وانسبن انسياب مها الرمل # فقمن وقد أفهمن ذا اللب أنما # أتين الذي يأتين من ذاك من أجلي # وقد كان عمر حين أسن حلف ألا يقول بيت شعر إلا أعتق رقبة، فانصرف عمر إلى ~~منزله يحدث نفسه، فجعلت جارية له تكلمه فلا يرد عليها جوابا، فقالت له: إن ~~لك لأمرا، وأراك تريد أن تقول شعرا، فقال: # تقول وليدتي لما رأتني # طربت وكنت قد أقصرت حينا # أراك اليوم قد أحدثت شوقا # وهاج لك الهوى داء دفينا # وكنت زعمت أنك ذو عزاء # إذا ما شئت فارقت القرينا # بربك هل أتاك لها رسول # فشاقك أم لقيت لها خدينا # 138 # فقلت شكا إلي أخ محب # كبعض زماننا إذ تعلمينا # فقص علي ما يلقى بهند # فذكر بعض ما كنا نسينا # وذو الشوق القديم وإن تعزى # مشوق حين يلقى العاشقينا # وكم من خلة # 139 # أعرضت عنها # لغير قلي وكنت بها ضنينا # أردت بعادها فصددت عنها # ولو جن الفؤاد بها جنونا # ثم دعا تسعة من رقيقه فأعتقهم بكل بيت واحدا. # وله: # يقولون: إني لست أصدقك الهوى # وإني لا أرعاك حين أغيب # فما بال طرفي عف عما تساقطت # له أعين من معشر وقلوب # عشية لا يستنكف القوم أن يروا # سفاه امرئ ممن يقال لبيب # ولا فتنة من ناسك أو مضت # 140 # له # بعين الصبا كسلى القيام لعوب # تروح يرجو أن تحط ms477 ذنوبه # فآب وقد زيدت عليه ذنوب # وما النسك أسلاني ولكن للهوى # على العين مني والفؤاد رقيب # وله: # ألم تسأل المنزل المقفرا # بيانا فيكتم أو يخبرا # ذكرت به بعض ما قد شجاك # وحق لذي الشجو أن يذكرا # مبيت الحبيبين قد ظاهرا # 141 # كساء وبردين أن يمطرا # وممشى الثلاث به موهنا # خرجن إلى زائر زورا # إلى مجلس من وراء القبا # ب سهل الربى طيب أعفرا # 142 # غفلن عن الليل حتى بدت # تباشير من واضح أسفرا # فقمن يعفين آثارنا # بأكسية الخز أن تقفرا # 143 # مهاتان شيعتا جؤذرا # 144 # أسيلا مقلده # 145 # أحورا # وقمن وقلن لو ان النها # ر مد له الليل فاستأخرا # قضينا به بعض أشجاننا # وكان الحديث به أجدرا # وله: # أفي رسم دار دمعك المترقرق # 146 # سفاها! وما استنطاق ما ليس ينطق # بحيث التقى جمع # 147 # وأقصى محسر # 148 # معالمه كادت على العهد تخلق # ذكرت به ما قد مضى من زماننا # وذكرك رسم الدار مما يشوق # ليالي من دهر إذ الحي جيرة # وإذ هو مأهول الخميلة مؤنق # مقاما لنا عند العشاء ومجلسا # به لم يكدره علينا معوق # 149 # وممشى فتاة بالكساء تكننا # به تحت عين # 150 # برقها يتألق # يبل أعالي الثوب قطر وتحته # شعاع بدا يعشي العيون ويشرق # فأحسن شيء بدء أول ليلنا # وآخره حزن إذا نتفرق # وروي أن ليلى كانت جالسة في المسجد الحرام، فرأت عمر بن أبي ربيعة فوجهت ~~إليه مولى لها فجاء به، فقالت له: يابن ربيعة، حتى متى لا تزال ~~سادرا # 151 # في حرم الله تشبب بالنساء وتشيد بذكرهن! أما تخاف الله! قال: ~~دعيني من ذاك واسمعي ما قلت، قالت: وما قلت؟ فأنشدها الأبيات المذكورة، ~~فقالت له القول الذي تقدم أنها أجابته به. قال: وقال: لها: اسمعي أيضا ما ~~قلت فيك، ثم أنشدها قوله: # أمن الرسم وأطلال الدمن # عاد لي وجدي وعاودت الحزن # إن حبي آل ليلى قاتلي # ظهر الحب بجسمي وبطن # يا أبا الحارث قلبي طائر # فأتمر أمر رشيد مؤتمن # التمس للقلب وصلا عندها # إن خير الوصل ms478 ما ليس يمن # 152 # علق القلب، وقد كان صحا # من بني بكر غزالا قد شدن # 153 # أحور المقلة كالبدر، إذا # قلد الدر فقلبي ممتحن # 154 # ليس حب فوق ما أحببتكم # غير أن أقتل نفسي أو أجن # خلقت للقلب مني فتنة # هكذا يخلق معروض الفتن # وفيها يقول: # إن ليلى وقد بلغت المشيبا # لم تدع للنساء عندي نصيبا # هاجر بيتها لأنفي عنها # قول ذي العيب إن أراد عيوبا # وله في النوار وقد شغلت قلبه: # علق النوار فؤاده جهلا # وصبا فلم تترك له عقلا # وتعرضت لي في المسير فما # أمسى الفؤاد يرى لها مثلا # ما نعجة من وحش ذي بقر # 155 # تغذو بسقط صريمة # 156 # طفلا # بألذ منها إذ تقول لنا # وأردت كشف قناعها مهلا # دعنا فإنك لا مكارمة # تجزى ولست بواصل حبلا # وعليك من تبل الفؤاد وإن # أمسى لقلبك ذكره شغلا # فأجبتها إن المحب مكلف # 157 # فدعي العتاب وأحدثي بذلا # اجتمع نسوة من أهل المدينة من أهل الشرف فتذاكرن عمر بن أبي ربيعة وشعره ~~وظرفه وحسن حديثه فتشوقن إليه وتمنينه، فقالت سكينة بنت الحسين عليهما ~~السلام: أنا لكن به، فأرسلت إليه رسولا وواعدته الصورين، وسمت له الليلة ~~والوقت وواعدت صواحباتها، فوافاهن عمر على راحلته، فحدثهن حتى أضاء الفجر ~~وحان انصرافهن، فقال لهن: والله إني لمحتاج إلى زيارة قبر رسول الله # صلى الله عليه وسلم # والصلاة في مسجده ولكن لا أخلط بزيارتكن شيئا، ثم انصرف إلى مكة ~~وقال: # قالت سكينة والدموع ذوارف # منها على الخدين والجلباب # 158 # ليت المغيري الذي لم أجزه # فيما أطال تصيدي وطلابي # كانت ترد لنا المنى أيامنا # إذ لا نلام على هوى وتصابي # خبرت ما قالت فبت كأنما # رمي الحشا بنوافذ النشاب # 159 # أسكين ما ماء الفرات وطيبه # مني على ظمأ وفقد شراب # بألذ منك وإن نأيت وقلما # ترعى النساء أمانة الغياب # وقال فيها: # أحب لحبك من لم يكن # صفيا لنفسي ولا صاحبا # وأبذل نفسي لمرضاتكم # وأعتب # 160 # من جاءكم عاتبا # وأرغب في ود من لم أكن # إلى وده ms479 قبلكم راغبا # ولو سلك الناس في جانب # من الأرض واعتزلت جانبا # ليممت طيتها، إنني # أرى قربها العجب العاجبا # فما ظبية من ظباء الأرا # ك تقرو # 161 # دميث # 162 # الربى عاشبا # بأحسن منها غداة الغميم # 163 # وقد أبدت الخد والحاجبا # غداة تقول على رقبة # لخادمها: # 164 # يا احبسي الراكبا # فقالت لها: فيم هذا الكلام # وأبدت لها عابسا قاطبا # 165 # فقالت كريم أتى زائرا # يمر بكم هكذا جانبا # شريف أتى ربعنا زائرا # فأكره رجعته خائبا # وقال في جاريته بغوم: # صرمت حبلك البغوم وصدت # عنك في غير ريبة أسماء # والغواني إذا رأينك كهلا # كان فيهن عن هواك التواء # حبذا أنت يا بغوم وأسما # ء وعيص يكننا وخلاء # ولقد قلت ليلة الجزل لما # أخضلت ريطتي على السماء # 166 # ليت شعري - وهل يردن ليت - # هل لهذا عند الرباب جزاء # كل وصل أمسى لدي لأنثى # غيرها وصلها إليها أداء # كل خلق وإن دنا لوصال # أو نأى فهو للرباب الفداء # فعدي نائلا وإن لم تنيلي # إنما ينفع المحب الرجاء # وكان يهوى حميدة جارية ابن تفاحة؛ وفيها يقول: # حمل القلب من حميدة ثقلا # إن في ذاك للفؤاد لشغلا # إن فعلت الذي سألت فقولي # حمد خيرا وأتبعي القول فعلا # وصليني وأشهد الله أني # لست أصفى سواك ما عشت وصلا # وفيها يقول: # يا قلب هل لك عن حميدة زاجر # أم أنت مدكر الحياء فصابر # فالقلب من ذكري حميدة موجع # والدمع منحدر وعظمي فاتر # قد كنت أحسب أنني قبل الذي # فعلت على ما عند حمدة قادر # حتى بدا لي من حميدة خلتي # بين وكنت من الفراق أحاذر # وله في هند: # أربت # 167 # إلى هند وتربين مرة # لها إذ تواقفنا بفرع المقطع # لتعريج يوم أو لتعريس # 168 # ليلة # علينا بجمع الشمل قبل التصدع # فقلن لها لولا ارتقاب صحابة # لنا خلفنا عجبنا ولم نتورع # فقالت فتاة كنت أحسب أنها # مغفلة في مئزر لم تدرع # 169 # لهن - وما شاورنها - ليس ما أرى # بحسن جزاء للحبيب المودع # فقلن لها لا شب # 170 # قرنك فافتحي # لنا ms480 باب # 171 # ما يخفى من الأمر نسمع # وله: # ليت هندا أنجزتنا ما تعد # وشفت أنفسنا مما تجد # 172 # واستبدت مرة واحدة # إنما العاجز من لا يستبد # ولقد قالت لجارات لها # ذات يوم وتعرت تبترد # 173 # أكما ينعتني تبصرنني # عمركن الله أم لا يقتصد # فتهانفن # 174 # وقد قلن لها # حسن في كل عين من تود # حسدا حمله من أجلها # وقديما كان في الناس الحسد # وله: # يا من لقلب دنف مغرم # هام # 175 # إلى هند ولم يظلم # هام إلى ريم # 176 # هضيم الحشى # عذب الثنايا طيب المبسم # لم أحسب الشمس بليل بدت # قبلي لذي لحم ولا ذي دم # 177 # قالت ألا إنك ذو ملة # يصرفك الأدنى عن الأقدم # قلت لها بل أنت معتلة # في الوصل يا هند لكي تصرمي # بينا عمر بن أبي ربيعة يطوف بالبيت إذ رأى عائشة بنت طلحة بن عبيد الله، ~~وكانت من أجمل أهل دهرها، وهي تريد الركن تستلمه، فبهت لما رآها ورأته، ~~وعلمت أنها قد وقعت في نفسه، فبعثت إليه بجارية لها وقالت: قولي له: اتق ~~الله ولا تقل هجرا، فإن هذا مقام لا بد فيه مما رأيت؛ فقال للجارية: ~~أقرئيها السلام وقولي لها: ابن عمك لا يقول إلا خيرا؛ وقال فيها: # لعائشة ابنة التيمي عندي # حمى في القلب، لا يرعى حماها # يذكرني ابنة التيمي ظبي # يرود بروضة سهل رباها # فقلت له وكان يراع قلبي # فلم أر قط كاليوم اشتباها # سوى حمش # 178 # بساقك مستبين # وأن شواك # 179 # لم يشبه شواها # وأنك عاطل عار وليست # بعارية ولا عطل يداها # وأنك غير أفرع # 180 # وهي تدلي # على المتنين أسحم # 181 # قد كساها # ولو قعدت ولم تكلف بود # سوى ما قد كلفت به كفاها # أظل إذا أكلمها كأني # أكلم حية غلبت رقاها # تبيت إلى بعد النوم تسري # وقد أمسيت لا أخشى سراها # وله: # إني وأول ما كلفت بحبها # عجب وهل في الحب من متعجب # نعت النساء فقلت لست بمبصر # شبها لها أبدا ولا بمقرب # فمكثن حينا ثم قلن توجهت ms481 # للحج، موعدها لقاء الأخشب # 182 # أقبلت أنظر ما زعمن وقلن لي # والقلب بين مصدق ومكذب # فلقيتها تمشي بها بغلاتها # ترمي الجمار عشية في موكب # غراء يعشى الناظرين بياضها # حوراء في غلواء # 183 # عيش معجب # إن التي من أرضها وسمائها # جلبت لحينك ليتها لم تجلب # وكان عمر بن أبي ربيعة يهوى كلثم بنت سعد المخزومية، فأرسل إليها رسولا ~~فضربتها وحلقتها وأحلفتها ألا تعاود؛ ثم أعادها ثانية ففعلت بها مثل ذلك، ~~فتحاماها رسله؛ فابتاع أمة سوداء لطيفة رقيقة وأتى بها منزله فأحسن إليها ~~وكساها وآنسها. وعرفها خبره وقال لها: إن أوصلت لي رقعة إلى كلثم فقرأتها ~~فأنت حرة ولك معيشتك ما بقيت؛ فقالت: اكتب لي مكاتبة # 184 # واكتب حاجتك في آخرها، ففعل ذلك، فأخذتها ومضت بها إلى باب ~~كلثم فاستأذنت فخرجت إليها أمة لها فسألتها عن أمرها؛ فقالت: مكاتبة لبعض ~~أهل مولاتك جئت أستعينها في مكاتبتي، وحادثتها وناشدتها حتى ملأت قلبها، ~~فدخلت إلى كلثم وقالت: إن بالباب مكاتبة لم أر قط أجمل منها ولا أكمل ولا ~~آدب؛ فقالت: ائذني لها، فدخلت، فقالت: من كاتبك؟ قالت: عمر بن أبي ربيعة ~~الفاسق! فاقرئي مكاتبتي، فمدت يدها لتأخذها فقالت لها: لي عليك عهد الله أن ~~تقرئيها، فإن كان منك إلي شيء مما أحبه وإلا لم يلحقني منك مكروه؛ فعاهدتها ~~وفطنت وأعطتها الكتاب، فإذا أوله: # من عاشق صب يسر الهوى # قد شفه الوجد إلى كلثم # رأتك عيني فدعاني الهوى # إليك للحين ولم أعلم # قتلتنا، يا حبذا أنتم # في غير ما جرم ولا مأثم # والله قد أنزل في وحيه # مبينا في آيه المحكم # من يقتل النفس كذا ظالما # ولم يقدها نفسه يظلم # وأنت ثأري فتلافي دمي # ثم اجعليه نعمة تنعمي # وحكمي عدلا يكن بيننا # أو أنت فيما بيننا فاحكمي # وجالسيني مجلسا واحدا # من غير ما عار ولا محرم # وخبريني ما الذي عندكم # بالله في قتل امرئ مسلم # فلما قرأت الشعر قالت لها: إنه خداع ملق وليس لما شكاه أصل؛ قالت: يا ~~مولاتي، فما عليك من امتحانه؟ قالت: ms482 قد أذنت له وما زال حتى ظفر ببغيته! ~~فقولي له: إذا كان المساء فليجلس في موضع كذا وكذا حتى يأتيه رسولي؛ ~~فانصرفت الجارية فأخبرته فتأهب لها، فلما جاءه رسولها مضى معه حتى دخل ~~إليها وقد تهيأت أجمل هيئة، وزينت نفسها ومجلسها وجلست له من وراء ستر، ~~فسلم وجلس، فتركته حتى سكن ثم قالت له: أخبرني عنك يا فاسق! ألست ~~القائل: # هلا ارعويت فترحمي صبا # صديان لم تدعي له قلبا # جشم الزيارة في مودتكم # وأراد ألا ترهقي دنبا # ورجا مصالحة فكان لكم # سلما وكنت ترينه حربا # يا أيها المصفي مودته # من لا يراك مساميا خطبا # 185 # لا تجعلن أحدا عليك إذا # أحببته وهويته ربا # وصل الحبيب إذا شغفت به # واطو الزيارة دونه غبا # فلذاك أحسن من مواظبة # ليست تزيدك عنده قربا # لا بل يملك عند دعوته # فيقول هاه # 186 # وطالما لبى # ورأى عمر لبابة بنت عبد الله بن العباس امرأة الوليد بن عتبة بن أبي ~~سفيان تطوف بالبيت فرأى أحسن خلق الله، فكاد عقله يذهب، فسأل عنها فأخبر ~~بنسبها، فنسب بها وقال فيها: # ودع لبابة أن تترحلا # واسأل فإن قلاله # 187 # أن تسألا # البث بعمرك ساعة وتأنها # فلعل ما بخلت به أن يبذلا # قال ائتمر # 188 # ما شئت غير مخالف # فيما هويت فإننا لن نعجلا # لسنا نبالي حين تقضى حاجة # ما بات أو ظل المطي معقلا # حتى إذا ما الليل جن ظلامه # ورقبت غفلة كاشح أن يمحلا # خرجت تأطر # 189 # في الثياب كأنها # أيم # 190 # يسيب على كثيب أهيلا # رحبت حين رأيتها فتبسمت # لتحيتي لما رأتني مقبلا # وجلا القناع سحابة مشهورة # غراء تعشي الطرف أن يتأملا # فلبثت أرقيها بما لو عاقل # 191 # يرقى به ما اسطاع ألا ينزلا # وحجت رملة بنت عبد الله بن خلف الخزاعية فقال فيها: # أصبح القلب في الحبال رهينا # مقصدا يوم فارق الظاعنينا # عجلت حمة الفراق علينا # برحيل ولم نخف أن تبينا # لم يرعني إلا الفتاة وإلا # دمعها في الرداء سحا سنينا # ولقد قلت يوم مكة سرا ms483 # قبل وشك من بينكم نولينا # أنت أهوى العباد قربا ودلا # لو تنيلين عاشقا محزونا # قاده الطرف يوم مر إلى الحي # ن جهارا ولم يخف أن يحينا # فإذا نعجة تراعي نعاجا # ومها بهج المناظر عينا # قلت من أنتم فصدت وقالت # أمبد # 192 # سؤالك العالمينا # قلت بالله ذي الجلالة لما # أن تبلت الفؤاد أن تصدقينا # أي من تجمع المواسم قولي # وأبيني لنا ولا تكتمينا # نحن من ساكني العراق وكنا # قبله قاطنين مكة حينا # قد صدقناك إذ سألت فمن أن # ت عسى أن يجر شأن شئونا # ونرى أننا عرفناك بالنع # ت بظن وما قتلنا يقينا # بسواد الثنيتين ونعت # قد نراه لناظر مستبينا # وقال في الثريا وقد صرمته: # من رسولي إلى الثريا فإني # ضقت ذرعا بهجرها والكتاب # سلبتني مجاجة، # 193 # المسك عقلي # فسلوها ماذا أحل اغتصابي # وهي مكنونة تحير منها # في أديم الخدين ماء الشباب # أبرزوها مثل المهاة تهادى # 194 # بين خمس كواعب أتراب # ثم قالوا تحبها قلت بهرا # عدد القطر والحصى والتراب # أزهقت أم نوفل إذ دعتها # مهجتي، # 195 # ما لقاتلي من متاب # حين قالت لها أجيبي فقالت # من دعاني قالت أبو الخطاب # فاستجابت عند الدعاء كما لب # بى رجال يرجون حسن الثواب # ومن شعره: # كتبت إليك من بلدي # كتاب موله كمد # كئيب واكف # 196 # العيني # ن بالحسرات منفرد # يؤرقه لهيب الشو # ق بين السحر # 197 # والكبد # فيمسك قلبه بيد # ويمسح عينه بيد # لما تزوج سهيل بن عبد العزيز الثريا ونقلها إلى الشأم، بلغ عمر بن أبي ~~ربيعة الخبر، فأتى المنزل الذي كانت الثريا تنزله، فوجدها قد رحلت منه ~~يومئذ، فخرج في أثرها فلحقها على مرحلتين، وكانت قبل ذلك مهاجرته لأمر ~~أنكرته عليه، فلما أدركهم نزل عن فرسه ودفعه إلى غلامه ومشى متنكرا حتى مر ~~بالخيمة، فعرفته الثريا وأثبتت # 198 # حركته ومشيته، فقالت لحاضنتها: # 199 # كلميه، فسلمت عليه وسألته عن حاله وعاتبته على ما بلغ الثريا ~~عنه، فاعتذر وبكى، فبكت الثريا، فقالت: ليس هذا وقت العتاب مع وشك الرحيل، ~~فحادثها إلى وقت طلوع ms484 الفجر ثم ودعها وبكيا طويلا، وقام فركب فرسه ووقف ~~ينظر إليهم وهم يرحلون، # 200 # ثم أتبعهم بصره حتى غابوا، وأنشأ يقول: # يا صاحبي قفا نستخبر الطللا # عن حال من حله بالأمس ما فعلا # فقال لي الربع لما أن وقفت به # إن الخليط أجد # 201 # البين فاحتملا # 202 # وخادعتك النوى حتى رأيتهم # في الفجر يحتث حادي عيسهم زجلا # 203 # لما وقفنا نحييهم وقد صرخت # هواتف البين واستولت بهم أصلا # 204 # صدت بعادا وقالت للتي معها # بالله لوميه في بعض الذي فعلا # وحدثيه بما حدثت واستمعي # ماذا يقول ولا تعيي # 205 # به جدلا # حتى يرى أن ما قال الوشاة له # فينا لديه إلينا كله نقلا # وعرفيه به كالهزل واحتفظي # في بعض معتبة أن تغضبي الرجلا # فإن عهدي به والله يحفظه # وإن أتى الذنب ممن يكره العذلا # لو عندنا اغتيب أو نيلت نقيصته # ما آب مغتابه من عندنا جذلا # قلت اسمعي فلقد أبلغت في لطف # 206 # وليس يخفى على ذي اللب من هزلا # هذا أرادت به بخلا لأعذرها # وقد أرى أنها لن تعدم العللا # ما سمي القلب إلا من تقلبه # ولا الفؤاد فؤادا غير أن عقلا # 207 # أما الحديث الذي قالت أتيت به # فما عبأت به إذ جاءني حولا # ما إن أطعت بها بالغيب قد علمت # مقالة الكاشح الواشي إذا محلا # إني لأرجعه فيها بسخطته # وقد يرى أنه قد غرني زللا # وهي قصيدة طويلة مذكورة في شعره. # وله: # هل تعرف الدار والأطلال والدمنا # زدن الفؤاد على علاته # 208 # حزنا # دار لأسماء قد كانت تحل بها # وأنت إذ ذالك قد كانت لكم وطنا # لم يحبب القلب شيئا مثل حبكم # ولم تر العين شيئا بعدكم حسنا # ما إن أبالي أدام الله قربكم # من كان شط من الأحياء أو ظعنا # فإن نأيتم أصاب القلب نأيكم # وإن دنت داركم كنتم لنا سكنا # إن تبخلي لا يسل القلب بخلكم # وإن تجودي فقد عنيتني زمنا # أمسى الفؤاد بكم يا هند مرتهنا # وأنت كنت الهوى والهم والوسنا # إذ تستبيك بمصقول ms485 عوارضه # ومقلتي جؤذر لم يعد أن شدنا # وقال: # أعبدة ما ينسى مودتك القلب # ولا هو يسليه رخاء ولا كرب # ولا قول واش كاشح ذي عداوة # ولا بعد دار إن نأيت ولا قرب # وما ذاك من نعمى لديك أصابها # ولكن حبا ما يقاربه حب # فإن تقبلي يا عبد توبة تائب # يتب ثم لا يوجد له أبدا ذنب # أذل لكم يا عبد فيما هويتم # وإني إذا ما رامني غيركم صعب # وأعذل نفسي في الهوى فتعوقني # ويأصرني قلب بكم كلف صب # وفي الصبر عمن لا يؤاتيك راحة # ولكنه لا صبر عندي ولا لب # وعبدة بيضاء المحاجر طفلة # منعمة تصبي الحليم وما تصبو # قطوف من الحور الأوانس بالضحى # متى تمش قيس الباع من بهرها تربو # فلست بناس يوم قالت لأربع # نواعم غر كلهن لها ترب # ألا ليت شعري فيم كان صدوده # أعلق أخرى! أم علي به عتب # وقال: # إن طيف الخيال حين ألما # هاج لي ذكرة وأحدث هما # جددي الوصل يا سكين وجودي # لمحب رحيله قد أحما # ليس بين الحياة والموت إلا # أن يردوا جمالهم فتزما # ولقد قلت مخيفا لغريض # هل ترى ذلك الغزال الأحما # هل ترى فوقه من الناس شخصا # أحسن اليوم صورة وأتما # إن تنيلي أعش بخير وإن لم # تبذلي الود مت بالهم غما # وله أيضا: # أيا من كان لي بصرا وسمعا # وكيف الصبر عن بصري وسمعي # وعمن حين يذكره فؤادي # يفيض كما يفيض الغرب دمعي # يقول العاذلون نأت فدعها # وذلك حين تهيامي وولعي # أأهجرها فأقعد لا أراها # وأقطعها وما همت بقطعي # وأصرم حبلها لمقال واش # وأفجعها وما همت بفجعي # وأقسم لو خلوت بهجر هند # لضاق بهجرها في النوم ذرعي # وهو القائل: # ما كنت أشعر إلا مذ عرفتكم # أن المضاجع تمسي تنبت الإبرا # لقد شقيت وكان الحين، # 209 # لي سببا # أن علق القلب قلبا يشبه الحجرا # قد لمت قلبي فأعياني بواحدة # وقال لي لا تلمني وادفع القدرا # إن أكره الطرف يحسر دون غيركم # ولست أحسن إلا نحوك النظرا # قالوا صبوت فلم أكذب ms486 مقالتهم # وليس ينسى الصبا إن واله كبرا # وقال أيضا: # ألا ليت قبري يوم تقضي منيتي # بتلك التي من بين عينيك والفم # وليت طهوري كان ريقك كله # وليت حنوطي من مشاشك والدم # ألا ليت أم الفضل كانت قرينتي # هنا أو هنا في جنة أو جهنم # نظر عمر بن أبي ربيعة في الطواف إلى امرأة شريفة فرأى أحسن خلق الله ~~صورة، فذهب عقله عليها وكلمها فلم تجبه؛ فقال فيها: # الريح تسحب أذيالها وتنشرها # يا ليتني كنت ممن تسحب الريح # كيما تجر بنا # 210 # ذيلا فتطرحنا # على التي دونها مغبرة # 211 # سوح # 212 # أني بقربكم أم كيف لي بكم # هيهات ذلك ما أمست لنا روح # فليت ضعف الذي ألقى يكون بها # بل ليت ضعف الذي ألقى تباريح # 213 # إحدى بنيات عمي دون منزلها # أرض بقيعاتها القيصوم # 214 # والشيح # فبلغها شعره فجزعت منه، فقيل لها: اذكريه لزوجك، فإنه سينكر عليه قوله، ~~فقالت: كلا والله لا أشكوه إلا إلى الله، ثم قالت: اللهم إن كان نوه باسمي ~~ظالما فاجعله طعاما للريح، فضرب الدهر من ضربه؛ ثم إنه غدا يوما على فرس ~~فهبت ريح فنزل فاستتر بسلمة، فعصفت الريح فخدشه غصن منها، فدمي وورم به ~~ومات من ذلك. ~~(1-2) الغزل العذري # جميل # قال نصيب مولى عبد العزيز بن مروان: قدمت المدينة فسألت عن أعلم أهلها ~~بالشعر، فقيل لي: الوليد بن سعيد الأشجعي، فوجدته بشعب سلع مع عبد الرحمن ~~بن حسان وعبد الرحمن بن أزهر، فإنا لجلوس إذ طلع علينا رجل طويل بين ~~المنكبين يقود راحلة عليها بزة حسنة، فقال عبد الرحمن بن حسان لعبد الرحمن ~~بن أزهر: يا أبا حبتر، هذا جميل # 215 # فادعه لعله ينشدنا؛ فصاح به عبد الرحمن: هيا جميل؛ فالتفت ~~فقال: من هذا؟ فقال: أنا عبد الرحمن بن أزهر؛ فقال: قد علمت أنه لا يجترئ ~~علي إلا مثلك، فأتاه، فقال له: أنشدنا؛ فأنشدهم: # ونحن منعنا يوم أول نساءنا # ويوم أفي والأسنة ترعف # 216 # يحب الغواني البيض ظل لوائنا # إذا ما أتانا الصارخ المتلهف ms487 # نسير أمام الناس والناس خلفنا # فإن نحن أومأنا إلى الناس وقفوا # فأي معد كان فيء رماحه # كما قد أفأنا والمفاخر ينصف # وكنا إذا ما معشر نصبوا لنا # ومرت جواري طيرهم وتعيفوا # 217 # وضعنا لهم صاع القصاص رهينة # بما سوف نوفيها إذا الناس طففوا # 218 # إذا استبق الأقوام مجدا وجدتنا # لنا معرفا مجد وللناس معرف # ثم قال له: أنشدنا هزجا؛ قال: وما الهزج؟ لعله القصير! قال: نعم، ~~فأنشده: # رسم دار وقفت في طلله # كدت أقضي الحياة من جلله # 219 # موحشا ما ترى به أحدا # تنسج الريح ترب معتدله # وصريعا بين الثمام ترقى # عازفات المدب في أسله # بين علياء رائش فبلي # فالغميم الذي إلى جبله # واقفا في ديار أم جسير # من ضحى يومه إلى أصله # يا خليلي إن أم جسير # حين يدنو الضجيع من غلله # 220 # روضة ذات حنوة وخزامى # جاد فيها الربيع من سبله # 221 # بينما نحن بالأراك معا # إذ بدا راكب على جمله # فتأطرت # 222 # ثم قلت لها # أكرميه حييت في نزله # فظللنا بنعمة واتكأنا # وشربنا الحلال من قلله # قد أصون الحديث دون أخ # لا أخاف الأذاة من قبله # غير بغض له ولا ملق # غير أني أشحت # 223 # من وجله # وخليل صافيت مرتضيا # وخليل فارقت من ملله # ثم اقتاد راحتله موليا؛ فقال ابن الأزهر: هذا أشعر أهل الإسلام؛ فقال ~~ابن حسان: نعم والله وأشعر أهل الجاهلية، والله ما لأحد منهم مثل هجائه ولا ~~نسيبه؛ فقال عبد الرحمن ابن الأزهر: صدقت. # قال محمد بن سلام: كان لكثير في النسيب حظ وافر، وجميل مقدم عليه وعلى ~~أصحاب النسيب في النسيب، وكان جميل صادق الصبابة والعشق، ولم يكن كثير ~~بعاشق ولكنه كان يتقول، وكان الناس يستحسنون بين كثير في النسيب، ~~وهو: # أريد لأنسى ذكرها فكأنما # تمثل لي ليلى بكل سبيل # ورأيت من يفضل عليه بيت جميل: # خليلي فيما عشتما هل رأيتما # قتيلا بكى من حب قاتله قبلي # قيل إن بثينة واعدت جميلا أن يلتقيا في بعض المواضع، فأتى لوعدها، وجاء ~~أعرابي يستضيف القوم، ms488 فأنزلوه وقروه، فقال لهم: قد رأيت في بطن هذا الوادي ~~ثلاثة نفر متفرقين متوارين في الشجر وأنا خائف عليكم أن يسلبوا بعض إبلكم، ~~فعرفوا أنه جميل وصاحباه، فحرسوا بثينة ومنعوها من الوفاء بوعده، فلما أسفر ~~له الصبح انصرف كئيبا سيء الظن بها ورجع إلى أهله؛ فجعل نساء الحي يقرعنه ~~بذلك ويقلن له: إنما حصلت منها على الباطل والكذب والغدر، وغيرها أولى ~~بوصلك منها، كما أن غيرك يحظى بها؛ فقال في ذلك: # فأجبتها بالقول بعد تستر # حبي بثينة عن وصالك شاغلي # أبثين إنك قد ملكت فأسجحي # 224 # وخذي بحظك من كريم واصل # فلرب عارضة علينا وصلها # بالجد تخلطه بقول الهازل # لو كان في صدري كقدر قلامة # فضلا وصلتك أو أتتك رسائلي # ويقلن إنك قد رضيت بباطل # منها فهل لك في اجتناب الباطل # ليزلن عنك هواي ثم يصلنني # وإذا هويت فما هواي بزائل # صادت فؤادي يا بثين حبالكم # يوم الحجون وأخطأتك حبائلي # منيتني فلويت ما منيتني # وجعلت عاجل ما وعدت كآجل # وتثاقلت لما رأت كلفي بها # أحبب إلي بذاك من متثاقل # وأطعت في عواذلا فهجرتني # وعصيت فيك وقد جهدن عواذلي # حاولنني لأبت حبل وصالكم # مني ولست وإن جهدن بفاعل # فرددتهن وقد سعين بهجركم # لما سعين له بأفوق ناصل # 225 # يعضضن من غيظ علي أناملا # ووددت لو يعضضن صم جنادل # ويقلن إنك يا بثين بخيلة # نفسي فداؤك من ضنين باخل # وقال جميل في وعد بثينة بالتلاقي وتأخرها قصيدة أولها: # يا صاح عن بعض الملامة أقصر # إن المنى للقاء أم المسور # ومنها: # وكأن طارقها على علل الكرى # والنجم وهنا قد دنا لتغور # يستاف # 226 # ريح مدامة معجونة # بذكى مسك أو سحيق العنبر # ومنها: # إني لأحفظ غيبكم ويسرني # إذ تذكرين بصالح أن تذكري # ويكون يوم لا أرى لك مرسلا # أو نلتقي فيه علي كأشهر # يا ليتني ألقى المنية بغتة # إن كان يوم لقائكم لم يقدر # أو أستطيع تجلدا عن ذكركم # فيفيق بعض صبابتي وتفكري # وفيه يقول: # لو قد تجن كما أجن من الهوى # لعذرت أو ms489 لظلمت إن لم تعذر # والله ما للقلب من علم بها # غير الظنون وغير قول المخبر # لا تحسبي أني هجرتك طائعا # حدث لعمرك رائع أن تهجري # فلتبكين الباكيات وإن أبح # يوما بسرك معلنا لم أعذر # يهواك ما عشت الفؤاد فإن أمت # يتبع صداي صداك بين الأقبر # إني إليك بما وعدت لناظر # نظر الفقير إلى الغنى المكثر # يعد الديون وليس ينجز موعدا # هذا الغريم لنا وليس بمعسر # ما أنت والوعد الذي تعدينني # إلا كبرق سحابة لم تمطر # قلبي نصحت له فرد نصيحتي # فمتى هجرتيه فمنه تكثري # وقال في إخلافها إياه هذا الموعد: # ألا ليت ريعان الشباب جديد # ودهرا تولى يا بثين يعود # فنغنى كما كنا نكون وأنتم # قريب وإذ ما تبذلين زهيد # وما أنس ملأشياء لا أنس قولها # وقد قربت نضوي # 227 # أمصر تريد # ولا قولها لولا العيون التي ترى # أتيتك فاعذرني فدتك جدود # خليلي ما أخفي من الوجد ظاهر # ودمعي بما قلت الغداة شهيد # ألا قد أرى والله أن رب عبرة # إذا الدار شطت بيننا ستزيد # إذا قلت ما بي يا بثينة قاتلي # من الحب قالت ثابت ويزيد # وإن قلت ردي بعض عقلي أعش به # مع الناس قالت ذاك منك بعيد # فلا أنا مردود بما جئت طالبا # ولا حبها فيما يبيد يبيد # جزتك الجوازي يا بثين ملامة # إذا ما خليل بان وهو حميد # وقلت لها بيني وبينك فاعلمي # من الله ميثاق له وعهود # وقد كان حبيكم طريفا وتالدا # وما الحب إلا طارف وتليد # وإن عروض # 228 # الوصل بيني وبينها # وإن سهلته بالمنى لصعود # فأفنيت عيشي بانتظاري نوالها # وأبليت ذاك الدهر وهو جديد # فليت وشاة الناس بيني وبينها # يدوف لهم سما طماطم سود # 229 # وليت لهم في كل ممسى وشارق # تضاعف أكبال لهم وقيود # ويحسب نسوان من الجهل أنني # إذا جئت إياهن كنت أريد # فأقسم طرفي بينهن فيستوي # وفي الصدر بون بينهن بعيد # ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة # بوادي القرى إني إذا لسعيد # وهل أهبطن أرضا تظل رياحها # لها بالثنايا القاويات ms490 # 230 # وئيد # 231 # وهل ألقين سعدى من الدهر مرة # وما رث من حبل الصفاء جديد # وقد تلتقي الأهواء من بعد يأسة # وقد تطلب الحاجات وهي بعيد # وهل أزجرن حرفا علاة شملة # بخرق تباريها سواهم قود # 232 # على ظهر مرهوب كأن نشوزه # إذا جاز هلاك الطريق رقود # سبتني بعيني جؤذر وسط ربرب # وصدر كفاثور # 233 # اللجين وجيد # 234 # تزيف # 235 # كما زافت إلى سلفاتها # مباهية طيا الوشاح ميود # إذا جئتها يوما من الدهر زائرا # تعرض منقوض اليدين صدود # يصد ويغضي عن هواي ويجتني # ذنوبا عليها إنه لعنود # فأصرمها خوفا كأني مجانب # ويغفل عنا مرة فنعود # فمن يعط في الدنيا قرينا كمثلها # فذلك في عيش الحياة رشيد # يموت الهوى مني إذا ما لقيتها # ويحيا إذا فارقتها فيعود # يقولون جاهد يا جميل بغزوة # وأي جهاد غيرهن أريد # لكل حديث بينهن بشاشة # وكل قتيل بينهن شهيد # ومن كان في حبي بثينة يمتري # فبرقاء ذي ضال علي شهيد # ألم تعلمي يا أم ذي الودع أنني # أضاحك ذكراكم وأنت صلود # بعثت أمة لبثينة إلى أبيها وأخيها وقالت لهما: إن جميلا عندها الليلة، ~~فأتياها مشتملين على سيفين، فرأياه جالسا منها حجرة # 236 # يحدثها ويشكو لها بثه، ثم قال لها: يا بثينة، أرأيت ودي إياك ~~وشغفي بك ألا تجزيننيه؟ قالت: بماذا؟ قال: بما يكون من المتحابين، فقالت ~~له: يا جميل؟ أهذا تبغي! والله لقد كنت عندي بعيدا منه؛ ولئن عاودت ~~تعريضا بريبة لا رأيت وجهي أبدا! فضحك وقال: والله ما قلت هذا إلا لأعلم ~~ما عندك فيه، ولو علمت أنك تجيبينني لعلمت أنك تجيبين غيري، ولو رأيت منك ~~مساعدة لضربتك بسيفي هذا ما استمسك في يدي، ولو أطاعتني نفسي لهجرتك هجرة ~~الأبد، أو ما سمعت قولي: # وإن لأرضى من بثينة بالذي # لو ابصره الواشي لقرت بلابله # بلا وبألا أستطيع وبالمنى # وبالأمل المرجو قد خاب آمله # وبالنظر العجلى وبالحول ينقضي # أواخره لا نلتقي وأوائله # فقال أبوها لأخيها: قم بنا، فما ينبغي لنا بعد اليوم أن نمنع هذا الرجل ~~من ms491 لقائها، فانصرفا وتركاهما. # ومن قول جميل: # إن المنازل هيجت أطرابي # واستعجمت آياتها بجوابي # قفزا تلوح بذي اللجين كأنها # أنضاء رسم أو سطور كتاب # لما وقفت بها القلوص تبادرت # مني الدموع لفرقة الأحباب # وذكرت عصرا يا بثينة شاقني # وذكرت أيامي وشرخ شبابي # لما نذر أهل بثينة دم جميل وأهدره لهم السلطان ضاقت الدنيا بجميل، فكان ~~يصعد بالليل على قوز # 237 # رمل يتنسم الريح من نحو حي بثينة ويقول: # أيا ريح الشمال أما تريني # أهيم وأنني بادي النحول # هبي لي نسمة من ريح بثن # ومني بالهبوب إلى جميل # وقولي يا بثينة حسب نفسي # قليلك أو أقل من القليل # ومن قوله: # يقيك جميل كل سوء أما له # لديك حديث أو إليك رسول # وقد قلت في حبي لكم وصبابتي # محاسن شعر ذكرهن يطول # فإن لم يكن قولي رضاك فعلمي # هبوب الصبا يا بثن كيف أقول # فما غاب عن عيني خيالك لحظة # ولا زال عنها والخيال يزول # ومنه: # خليلي عوجا اليوم حتى تسلما # على عذبة الأنياب طيبة النشر # ألما بها ثم اشفعا لي وسلما # عليها سقاها الله من سائغ القطر # إذا ما دنت زدت اشتياقا وإن نأت # جزعت لنأي الدار منها وللبعد # أبى القلب إلا حب بثنة لم يرد # سواها وحب القلب بثنة لا يجدي # وفيها يقول: # سلي الركب هل عجنا لمغناك مرة # صدور المطايا وهي موقرة تخدي # 238 # وهل فاضت العين الشروق بمائها # من اجلك حتى اخضل من دمعها بردي # وإني لأستجري لك الطير جاهدا # لتجري بيمن من لقائك أو سعد # وإنى لأستبكي إذا الركب غردوا # بذكراك أن يحيا بك الركب إذ يخدي # فهل تجزيني أم عمرو بودها # فإن الذي أخفى بها فوق ما أبدي # وكل محب لم يزد فوق عهده # وقد زدتها في الحب مني على العهد # ومن قوله فيها: # لها في سواد القلب حب ومنعة # هي الموت أو كادت على الموت تشرف # وما ذكرتك النفس يا بثن مرة # من الدهر إلا كادت النفس تتلف # وإلا اعترتني زفرة واستكانة # وجاد لها سجل من ms492 العين يذرف # وما استطرفت نفسي حديثا لخلة # أسر به إلا حديثك أطرف # وأول هذه القصيدة: # أمن منزل فقز تعفت رسومه # شمال تغاديه ونكباء حرجف # 239 # فأصبح قفرا بعد ما كان آهلا # وجمل المنى تشتو به وتصيف # ظللت ومستن من الدمع هامل # من العين لما عجت بالدار ينزف # أمنصفتي جمل فتعدل بيننا # إذا حكمت والحاكم العدل ينصف # تعلقتها والجسم مني مصحح # فما زال ينمي حب جمل وأضعف # إلى اليوم حتى سل جسمي وشفني # وأنكرت من نفسي الذي كنت أعرف # قناة من المران ما فوق حقوها # 240 # وما تحته منها نقا يتقصف # 241 # لها مقلتا ريم وجيد جداية # 242 # وكشح كطي السابرية أهيف # ولست بناس أهلها حين أقبلوا # وجالوا علينا بالسيوف وطوفوا # وقالوا جميل بات في الحي عندها # وقد جردوا أسيافهم ثم وقفوا # وفي البيت ليث الغاب لولا مخافة # على نفس جمل والإله لأرعفوا # هممت وقد كادت مرارا تطلعت # إلى حربهم نفسي وفي الكف مرهف # وما سرني غير الذي كان منهم # ومني وقد جاءوا إلي وأوجفوا # فكم مرتج أمرا أتيح له الردى # ومن خائف لم ينتقصه التخوف # ومنها: # أأن هتفت ورقاء ظلت سفاهة # تبكي على جمل لورقاء تهتف # فلو كان لي بالصرم يا صاح طاقة # صرمت ولكني عن الصرم أضعف # قيل: إن مروان طلب إلى جميل أن ينزل فيرجز # 243 # به، وهو يريد أن يمدحه، فنزل جميل فقال: # أنا جميل في السنام الأعظم # الفارع الناس الأعز الأكرم # أحمي ذماري ووجدت أقرمي # 244 # كانوا على غارب طود خضرم # 245 # أعيا على الناس فلم يهدم # فقال: عد عن هذا؛ فقال جميل: # لهفا على البيت المعدي لهفا # من بعد ما كان قد استكفا # ولو دعا الله ومد الكفا # لرجفت منه البلاد رجفا # وطلب ذلك إليه الوليد فقال: # أنا جميل في السنام من معد # في الذروة العلياء والركن الأشد # والبيت من سعد بن زيد والعدد # ما يبتغي الأعداء مني، ولقد # أضري بالشتم لساني ومرد # أقود من شئت وصعب لم أقد # فقال له الوليد: اركب لا حملك ms493 الله! وما مدح جميل أحدا قط. # ومن قول جميل في مراجزة جواس بن قطبة، وكان ذلك بوادي القرى: # يا أم عبد الملك اصرميني # فبيني صرمي أو صليني # أبكي وما يدريك ما يبكيني # أبكي حذار أن تفارقيني # وتجعلي أبعد مني دوني # إن بني عمك أوعدوني # أن يقطعوا رأسي إذا لقوني # ويقتلوني ثم لا يدوني # 246 # كلا ورب البيت لو لقوني # شفعا ووترا لتواكلوني # 247 # قد علم الأعداء أن دوني # ضربا كإيزاغ # 248 # المخاض الجون # ألا أسب القوم إذ سبوني # بلى وما مر على دفين # وسابحات بلوى الحجون # قد جربوني ثم جربوني # حتى إذا شابوا وشيبوني # أخزاهم الله ولا يخزوني # أشباه أعيار على معين # أحسسن حس أسد حرون # فهن يضرطن من اليقين # أنا جميل فتعرفوني # وما تقنعت فتنكروني # وما أعنيكم لتسألوني # أنمي إلى عادية طحون # ينشق عنها السيل ذو الشئون # غمر يزف # 249 # رجح السفين # ذو حدب # 250 # إذا يرى حجون # 251 # تنحل أحقاد الرجال دوني # ومن قوله يمدح أخواله من جذام: # جذام سيوف الله في كل موطن # إذا أزمت # 252 # يوم اللقاء أزام # هم منعوا ما بين مصر فذي القرى # إلى الشأم من حل به وحرام # بضرب يزيل الهام عن سكناته # وطعن كإيزاغ المخاض تؤام # إذا قصرت يوما أكف قبيلة # عن المجد نالته أكف جذام # اجتمع جميل وعمر بن أبي ربيعة بالأبطح، فأنشده جميل قصيدته: # لقد فرح الواشون أن صرمت حبلي # بثينة أو أبدت لنا جانب البخل # يقولون مهلا يا جميل وإنني # لأقسم ما بي عن بثينة من مهل # أحلما فقبل اليوم كان أوانه # أم اخشى فقبل اليوم أوعدت بالقتل # لقد أنكحوا حربي نبيها ظعينة # لطيفة طي البطن ذات شوى جزل # وكم قد رأينا ساعيا بنميمة # لآخر لم يعمد بكف ولا رجل # إذا ما تراجعنا الذي كان بيننا # جرى الدمع من عيني بثينة بالكحل # كلانا بكى أو كاد يبكي صبابة # إلى إلفه واستعجلت عبرة قبلي # فلو تركت عقلي معي ما طلبتها # ولكن طلابيها لما فات من عقلي # فيا ويح نفسي حسب ms494 نفسي الذي بها # ويا ويح أهلي ما أصيب به أهلي # وقالت لأتراب لها لا زعانف # قصار ولا كس الثنايا ولا ثعل # 253 # إذا حميت شمس النهار اتقيتها # بأكسية الديباج والخز ذي الخمل # تداعين فاستعجمن مشيا بذي الغضى # دبيب القطا الكدري في الدمث السهل # إذا ارتعن أو فزعن قمن حوالها # قيام بنات الماء # 254 # في جانب الضحل # 255 # أجدك لا ألقى بثينة مرة # من الدهر إلا خائفا أو على رجل # خليلي فيما عشتما هل رأيتما # قتيلا بكى من حب قاتله قبلي # أبيت مع الهلاك # 256 # ضيفا لأهلها # وأهلي قريب موسعون ذوو فضل # ألا أيها البيت الذي حيل دونه # بنا أنت من بيتي وأهلك من أهلي # ثلاثة أبيات فبيت أحبه # وبيتان ليسا من هواي ولا شكلي # وقال في هجرة هجرته إياها بثينة: # ألم تسأل الربع القواء فينطق # وهل تخبرنك اليوم بيداء سملق # 257 # وقفت بها حتى تجلت عمايتي # ومل الوقوف الأرحبي # 258 # المنوق # تعز وإن كانت عليك كريمة # لعلك من رق لبثنة تعتق # لعمركم إن البعاد لشائقي # وبعض بعاد البين والنأي أشوق # لعلك محزون ومبد صبابة # ومظهر شكوى من أناس تفرقوا # وبيض غريرات تثنى خصورها # إذا قمن أعجاز ثقال وأسؤق # عزائز لم يلقين بؤس معيشة # يجن بهن الناظر المتنوق # وغلغلت من وجد إليهن بعد ما # سريت وأحشائي من الخوف تخفق # معي صارم قد أخلص القين صقله # له حين أغشيه الضريبة رونق # فلولا احتيالي ضقن ذرعا بزائر # به من صبابات إليهن أولق # 259 # تسوك بقضبان الأراك مفلجا # يشعشع فيه الفارسي المروق # أبثنة للوصل الذي كان بيننا # نضا مثل ما ينضو الخضاب فيخلق # أبثنة ما تنأين إلا كأنني # بنجم الثريا ما نأيت معلق # قال الرشيد لإسحاق الموصلي: أنشدني أحسن ما تحب في عتاب محب وهو ظالم ~~متعتب، فأنشده قول جميل: # رد الماء ما جادت بصفو ذنائبه # ودعه إذا خيضت بطرق # 260 # مشاربه # اعتاب من يحلو لدي عتابه # وأترك من لا أشتهي وأجانبه # ومن لذة الدنيا وإن كنت ظالما # عناقك مظلوما وأنت تعاتبه # ومن قوله ms495 في زيارة له: # زورا بثينة فالحبيب مزور # إن الزيادة للمحب يسير # إن الترحل أن تلبس أمرنا # واعتاقنا قدر أحم بكور # إني عشية رحت وهي حزينة # تشكو إلي صبابة لصبور # وتقول بت عندي فديتك ليلة # أشكو إليك فإن ذاك يسير # غراء مبسام كأن حديثها # در تحدر نظمه منثور # مخطوطة # 261 # المتنين مضمرة الحشى # ريا الروادف خلفها ممكور # لا حسنها حسن ولا كدلالها # دل ولا كوقارها توقير # إن اللسان بذكرها لموكل # والقلب صاد والخواطر صور # ولئن جزيت الود مني مثله # إني بذلك يا بثين جدير # وعذله فيها ابن عمه روق، فقال: # لقد لامني فيها أخ ذو قرابة # حبيب إليه في ملامته رشدي # وقال أفق حتى متى أنت هائم # ببثنة فيها قد تعيد وقد تبدي # فقلت له فيها قضى الله ما ترى # علي وهل فيما قضى الله من رد # فإن يك رشدا حبها أو غواية # فقد جئته، ما كان مني على عمد # لقد لج ميثاق من الله بيننا # وليس لمن لم يوف لله من عهد # فلا وأبيها الخير ما خنت عهدها # ولا لي علم بالذي فعلت بعدي # وما زادها الواشون إلا كرامة # علي وما زالت مودتها عندي # أفي الناس أمثالي أحب فحالهم # كحالي أم أحببت من بينهم وحدي # وهل هكذا يلقى المحبون مثل ما # لقيت بها أم لم يجد أحد وجدي # وقال فيها: # خليلي عوجا اليوم حتى تسلما # على عذبة الأنياب طيبة النشر # ألما بها ثم اشفعا لي وسلما # عليها سقاها الله من سائغ القطر # وبوحا بذكري عند بثنة وانظرا # أترتاح يوما أم تهش إلى ذكري # فإن تك لم تقطع قوى الود بيننا # ولم تنس ما أسلفت في سالف الدهر # فكيف # 262 # يرى منها اشتياق ولوعة # ببين وغرب من مدامعها يجري # وإن تك قد حالت عن العهد بعدنا # وأصغت إلى القول المؤنب والمزري # فسوف يرى منها صدود ولم تكن ~~- بنفسي - من أهل الخيانة والغدر # أعوذ بك اللهم أن تشحط النوى # ببثنة في أدنى حياتي ولا حشري # وجاور إذا ما مت بيني وبينها # فيا ms496 حبذا موتي إذا جاورت قبري # عدمتك من حب أما منك راحة # وما بك عني من توان ولا فتر # ألا أيها الحب المبرح هل ترى # أخا كلف يغري بحب كما أغري # أجدك لا يبلى وقد بلى الهوى # ولا ينتهي حتى بثينة للزجر # ومن قوله فيها: # قفي تسل عنك النفس بالخطة التي # تطيلين تخويفي بها ووعيدي # فقد طالما من غير شكوى قبيحة # رضينا بحكم منك غير سديد # ومنه: # بثين سليني بعض مالي فإنما # يبين عند المال كل بخيل # فإني وتكرار الزيارة نحوكم # لبين يدى هجر بثين طويل # فيا ليت شعري هل تقولين بعدنا # إذا نحن أزمعنا غدا لرحيل # ألا ليت أياما مضين رواجع # وليت النوى قد ساعدت بجميل # ومنه: # أتعجب أن طربت لصوت حاد # حدا بزلا يسرن ببطن واد # فلا تعجب فإن الحب أمسى # لبثنة في السواد من الفؤاد # ومنه: # خليلي عوجا بالمحلة من جمل # وأترابها بين الأصيفر والخبل # نقف بمغان قد محا رسمها البلى # تعاقبها الأيام بالريح والوبل # فلو درج النمل الصغار بجلدها # لأندب أعلى جلدها مدرج النمل # وأحسن خلق الله جيدا ومقلة # تشبه في النسوان بالشادن الطفل # 263 # ومن قوله: # أمنك سري يا بثن طيف تأوبا # هدوا فهاج القلب شوقا وأنصبا # عجبت له أن زار في النوم مضجعي # ولو زارني مستيقظا كان أعجبا # لما قدم جميل من الشأم بلغ بثينة خبره، فراسلته مع بعض نساء الحي تذكر ~~شوقها إليه ووجدها به، وطلبها للحيلة في لقائه، وواعدته لموضع يلتقيان فيه، ~~فسار إليها وحدثها طويلا وأخبرها خبره بعدها، وقد كان أهلها رصدوها، فلما ~~فقدوها تبعها أبوها وأخوها حتى هجما عليهما، فوثب جميل فانتضى سيفه وشد ~~عليهما، فاتقياه بالحرب، وناشدته بثينة الله إلا انصرف، وقالت له: إن أقمت ~~فضحتني، ولعل الحي يلحقونك، فأبى وقال: أنا مقيم وامضي أنت وليصنعوا ما ~~أحبوا، فلم تزل تناشده حتى انصرف وقال في ذلك، وقد هجرته وانقطع التلاقي ~~بينهما مدة: # هي البدر حسنا والنساء كواكب # وشتان ما بين الكواكب والبدر # لقد فضلت حسنا على الناس مثل ما # على ms497 ألف شهر فضلت ليلة القدر # وقال: # لقد خفت أن يغتالني الموت عنوة # وفي النفس حاجات إليك كما هيا # وإني لتثنيني الحفيظة كلما # لقيتك يوما أن أبثك ما بيا # ألم تعلمي يا عذبة الريق أنني # أظل إذا لم أسق ريقك صاديا # ورحل إلى مصر فأدركته بها منيته، فزعموا أنه قال حين حضرته ~~الوفاة: # صدع النعي وما كنى بجميل # وثوى بمصر ثواء غير قفول # ولقد أجر الذيل في وادي القرى # نشوان بين مزارع ونخيل # قومي بثينة فاندبى بعويل # وابكي خليلك دون كل خليل # ولما أنشدت بثينة قول جميل قالت: # وإن سلوى عن جميل لساعة # من الدهر ما حانت ولا حان حينها # سواء علينا يا جميل بن معمر # إذا مت بأساء الحياة ولينها # وقال: # رحل الخليط جمالهم بسواد # وحدا على أثر البخيلة حادي # ما إن شعرت ولا سمعت ببينهم # حتى سمعت به الغراب ينادي # لما رأيت البين قلت لصاحبي # صدعت مصدعة القلوب فؤادي # بانوا وغودر في الديار متيم # كلف بذكرك يا بثينة صادي # وقال أيضا: # خليلي هل في نظرة بعد توبة # أداوي بها قلبي علي فجور # إلى رجح الأكفال هيف خصورها # عذاب الثنايا ريقهن طهور # تذكرت من أضحت قرى اللد # 264 # دونه # وهضب لتيما والهضاب وعور # فظلت لعينيك اللجوجين عبرة # يهيجها برح الهوى فتمور # على أنني بالبرق من نحو أرضها # إذا قصرت عنه العيون بصير # وإني إذا ما الريح يوما تنسمت # شآمية عاد العظام فتور # ألا يا غراب البين لونك شاحب # وأنت بروعات الفراق جدير # فإن كان حقا ما تقول فأصبحت # همومك شتى والجناح كسير # ودرت بأعداء حبيبك فيهم # كما قد تراني بالحبيب أدور # وكيف بأعداء كأن عيونهم # إذا حان إتياني بثينة عور # فإني وإن أصبحت بالحب عالما # على ما بعيني من قذى لخبير # وله أيضا: # فلو أرسلت يوما بثينة تبتغي # يميني ولو عزت علي يميني # لأعطيتها ما جاء يبغي رسولها # وقلت لها بعد اليمين سليني # سليني ما لي يابثين فإنما # يبين عند المال كل ضنين # فما لك لما خبر الناس أنني # أسأت ms498 بظهر الغيب لم تسليني # فأبلي عذرا أو أجيء بشاهد # من الناس عدل أنهم ظلموني # ولست وإن عزت علي بقائل # لها بعد صرم يا بثين صليني # ونبئت قوما فيك قد نذروا دمي # فليت الرجال الموعدين لقوني # إذا ما رأوني مقبلا عن جنابة # يقولون من هذا وقد عرفوني # وله أيضا: # تنادي آل بثنة بالرواح # وقد تركوا فؤادك غير صاح # فيا لك منظرا ومسير ركب # شجاني حين أمعن في الفياح # ويا لك خلة ظفرت بعقلي # كما ظفر المقامر بالقداح # أريد صلاحها وتريد قتلي # فشتى بين قتلي والصلاح # لعمر أبيك لا تجدين عهدي # كعهدك في المودة والسماح # ولو أرسلت تستهدين نفسي # أتاك بها رسولك في سراح # وله أيضا: # فإن يك جثماني بأرض سواكم # فإن فؤادي عندك الدهر أجمع # إذا قلت هذا حين أسلو وأجتري # على صرمها ظلت لها النفس تشفع # وإن رمت نفسي كيف آتي لصرمها # ورمت صدودا ظلت العين تدمع # وله أيضا: # ألم تعلمي يا عذبة الماء أنني # أظل إذا لم أسق ماءك صاديا # وما زلت بي يا بثن حتى لو انني # من الوجد أستبكي الحمام بكى ليا # وددت على حب الحياة لو انها # يزاد لها في عمرها من حياتيا # وله أيضا: # وقلت لها اعتللت بغير ذنب # وشر الناس ذو العلل البخيل # ففاتيني إلى حكم من اهلي # وأهلك لا يحيف ولا يميل # فقالت أبتغي حكما من اهلي # ولا يدري بنا الواشي المحول # فولينا الحكومة ذا سجوف # أخا دنيا له طرف كليل # فقلنا ما قضيت به رضينا # وأنت بما قضيت به كفيل # قضاؤك نافذ فاحكم علينا # بما تهوى ورأيك لا يفيل # فقلت له قتلت بغير جرم # وغب الظلم مرتعه وبيل # فسل هذي متى تقضي ديوني # وهل يقضيك ذو العلل المطول # فقالت إن ذا كذب وبطل # وشر من خصومته طويل # أأقتله ومالي من سلاح # وما بي لو أقاتله حويل # 265 # ولم آخذ له مالا فيلفي # له دين علي كما يقول # وعند أميرنا حكم وعدل # ورأي بعد ذلكم أصيل # فقال أميرنا هاتوا شهودا # فقلت شهيدنا الملك ms499 الجليل # فقال يمينها وبذاك أقضي # وكل قضائه حسن جميل # فبتت حلفة ما لي لديها # نقير أدعيه ولا فتيل # فقلت لها وقد غلب التعزي # أما يقضى لنا يا بثن سول # فقالت ثم زجت حاجبيها # أطلت ولست في شيء تطيل # فلا يجدنك الأعداء عندي # فتثكلني وإياك الثكول # وله أيضا: # حلفت يمينا يا بثينة صادقا # فإن كنت فيها كاذبا فعميت # إذا كان جلد غير جلدك مسني # وباشرني دون الشعار شريت # 266 # ولو أن راقي الموت يرقي جنازتي # بمنطقها في الناطقين حييت # وقال أيضا: # فقد لان أيام الصبا ثم لم يكد # من الدهر شيء بعدهن يلين # ظعائن ما في قربهن لذي هوى # من الناس إلا شقوة وفتون # وواكلنه والهم ثم تركنه # وفي القلب من وجد بهن رهين # فواحسرتا إن حيل بيني وبينها # ويا حين نفسي كيف فيك تحين # فشيب روعات الفراق مفارقي # وأنشزن نفسي فوق حيث تكون # شهدت بأني لم تغير مودتي # وأني بكم حتى الممات ضنين # وأن فؤادي لا يلين إلى هوى # سواك وإن قالوا بلى سسيلين # وإني لأستغشي وما بي نعسة # لعل لقاء في المنام يكون # ولما علوت اللابتين تشوقت # قلوب إلى وادي القرى وعيون # كأن دموع العين يوم تحملت # بثينة يسقيها الرشاش معين # ورحن وقد ودعن عندي لبانة # لبثنة سر في الفؤاد كمين # كسر الثرى لم يعلم الناس أنه # ثوى في قرار الأرض وهو دفين # فإن دام هذا الصرم منك فإنني # لأغبر هاري الجانبين رهين # لكيما يقول الناس مات ولم أهن # عليك ولم تنبت منك قرون ~~(1-3) الغزل الصناعي # كثير # قال أبو الفرج قال محمد بن عبد العزيز: ما قصد القصيد ولا نعت الملوك ~~مثل كثير. # 267 # وقال إبراهيم بن سعد: إني لأروي لكثير ثلاثين قصيدة لو رقي بها ~~مجنون لأفاق، وكان بعض أصحاب الحديث يأتونه، وهو خبيث النفس، فيسألونه عن ~~شعر كثير فتطيب نفسه ويحدثهم. وقال عبد الله بن أبي عبيدة: من لم يجمع من ~~شعر كثير ثلاثين لامية فلم يجمع شعره. وكان ابن أبي عبيدة يملي شعره ~~بثلاثين دينارا. ms500 وسئل مصعب: من أشعر الناس؟ فقال: كثير بن أبي جمعة، وقال: ~~هو أشعر من جرير والفرزدق والراعي وعامتهم، يعني الشعراء. ولم يدرك أحد في ~~مديح الملوك ما أدرك كثير. وقال محمد بن سلام: كان كثير شاعر أهل الحجاز، ~~وهو شاعر فحل ولكنه منقوص حظه بالعراق. وقال يونس النحوي: كثير أشعر أهل ~~الإسلام، وكان ابن أبي حفصة يعجبه مذهبه في المديح جدا ، ويقول: كان ~~يستقصي المديح، وكان فيه مع جودة شعره خطل وعجب. وقال المسور بن عبد الملك: ~~ما ضر من يروي شعر كثير وجميل ألا تكون عنده مغنيتان مطربتان. # وكان قصيرا، قال الوقاصي: رأيت كثيرا يطوف بالبيت، فمن حدثك أنه يزيد ~~على ثلاثة أشبار فكذبه. وكان إذا دخل على عبد العزيز بن مروان يقول: طأطئ ~~رأسك لا يصبه السقف. وقال كثير: في أي شيء أعطى هؤلاء الأحوص عشرة آلاف ~~دينار؟ قالوا: في قوله فيهم: # وما كان مالي طارفا من تجارة # وما كان ميراثا من المال متلدا # ولكن عطايا من إمام مبارك # ملا الأرض معروفا وجودا وسوددا # فقال كثير: إنه لضرع قبحه الله! ألا قال كما قلت: # دع عنك سلمى إذ فات مطلبها # واذكر خليليك من بني الحكم # وما أعطياني ولا سألتهما # ألا وإني لحاجزي كرمي # إني متى لا يكن نوالهما # عندي بما قد فعلت أحتشم # مبدي الرضا عنهما ومنصرف # عن بعض ما لو فعلت لم ألم # لا أنزر # 268 # النائل الخليل إذا # ما اعتل نزر الظئور لم ترم # وطلب من أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان أرضا له يقال لها: غرب، ~~وقدم بين يدي طلبه تلك الأبيات: # جزتك الجوازي عن صديقك نضرة # وأدناك ربي في الرفيق المقرب # فإنك لا يعطى عليك ظلامة # عدو ولا تنأى عن المتقرب # وإنك ما تمنع فإنك مانع # بحق وما أعطيت لم تتعقب # فقال له: أترغب غربا؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: اكتبوها له، ~~ففعلوا. # ونسب كثير لكثرة نسبيه بعزة الضمرية إليها، وعرف بها فقيل: كثير عزة، وهي ~~عزة ابنة حميد بن وقاص. وكان ابتداء ms501 عشقه إياها أنه مر بنسوة من بني ضمرة ~~ومعه جلب غنم، فأرسلن إليه عزة وهي صغيرة، فقالت: يقلن لك النسوة: بعنا ~~كبشا من هذه الغنم وأنسئنا بثمنه إلى أن ترجع، فأعطاها كبشا، وأعجبته، ~~فلما رجع جاءته امرأة منهن بدارهمه؛ فقال: وأين الصبية التي أخذت مني ~~الكبش؟ قالت: وما تصنع بها وهذه دراهمك؟ قال: لا آخذ دارهمي إلا ممن دفعت ~~الكبش إليها، وخرج وهو يقول: # قضى كل ذي دين فوفي غريمه # وعزة ممطول معنى غريمها # فكان أول لقائه إياها. ثم قال فيها: # نظرت إليها نظرة وهي عاتق # على حين أن شبت وبان نهودها # وقد درعوها وهي ذات مؤصد # 269 # مجوب ولما يلبس الدرع ريدها # من الخفرات البيض ود جليسها # إذا ما انقضت أحدوثة لو تعيدها # نظرت إليها نظرة ما يسرني # بها حمر أنعام البلاد وسودها # وكنت إذا ما جئت سعدى بأرضها # أرى الأرض تطوى لي ويدنو بعيدها # ثم أحبته بعد ذلك عزة أشد من حبة إياها. # قال محمد بن صالح الأسلمي: دخلت عزة على عبد الملك بن مروان وقد عجزت؛ ~~فقال لها: أأنت عزة كثير؟ فقالت: أنا عزة بنت حميد؛ قال: أنت التي يقول لك ~~كثير: # لعزة نار ما تبوخ، # 270 # كأنها # إذا ما رمقناها من البعد كوكب # فما الذي أعجبه منك؟ قالت: كلا يا أمير المؤمنين، لقد كنت في عهده أحسن ~~من النار في الليلة القرة. ويروى أنها قالت له: أعجبه مني ما أعجب المسلمين ~~منك حين صيروك خليفة، وكانت له سن سوداء يخفيها، فضحك حتى بدت، فقالت له: ~~هذا الذي أردت أن أبديه؛ فقال لها: هل تروين قوله: # وقد زعمت أني تغيرت بعدها # ومن ذا الذي يا عز لا يتغير # تغير جسمي والخليقة كالتي # عهدت ولم يخبر بسرك مخبر # قالت: لا أروي هذا، ولكني أروي قوله: # كأني أنادي صخرة حين أعرضت # من الصم لو تمشي بها العصم زلت # صفوحا فما تلقاك إلا بخيلة # فمن مل منها ذلك الوصل ملت # فأمر بها، فأدخلت على عاتكة بنت يزيد؛ فقالت لها: أرأيت ms502 قول كثير: # قضى كل ذي دين فوفي غريمه # وعزة ممطول معنى غريمها # ما هذا الذي ذكره؟ قالت: قبلة وعدته إياها؛ قالت: أنجزيها وعلي ~~إثمها. # ومما قال فيها: # خليلي هذا رسم عزة فاعقلا # قلوصيكما ثم ابكيا حيث حلت # وما كنت أدري قبل عزة ما البكا # ولا موجعات القلب حتى تولت # فقد حلفت جهدا بما نحرت له # قريش غداة المأزمين # 271 # وصلت # أناديك ما حج ليحج وكبرت # بفيفا # 272 # غزال رفقة وأهلت # وكانت لقطع الحبل بيني وبينها # كناذرة نذرا وفت فأحلت # فقلت لها يا عز كل مصيبة # إذا وطنت يوما لها النفس ذلت # ولم يلق إنسان من الحب ميعة # تعم ولا غماء إلا تجلت # كأني أنادي صخرة حين أعرضت # من الصم لو تمشي بها العصم زلت # صفوحا # 273 # فما تلقاك إلا بخيلة # فمن مل منها ذلك الوصل ملت # أباحت حمى لم يرعه الناس قبلها # وحلت تلاعا لم تكن قبل حلت # فليت قلوصي عند عزة قيدت # بحبل ضعيف عز منها فضلت # وغودر في الحي المقيمين رحلها # وكان لها باغ سواي فبلت # 274 # وكنت كذي رجلين رجل صحيحة # ورجل رمى فيها الزمان فشلت # وكنت كذات الظلع لما تحاملت # على ظلعها بعد العثار استقلت # أريد الثواء عندها وأظنها # إذا ما أطلنا عندها المكث ملت # فما انصفت، أما النساء فبغضت # إلي وأما بالنوال فضنت # يكلفها الغيران شتمى وما بها # هواني ولكن للميك استذلت # هنيئا مريئا غير داء مخامر # لعزة من أعراضنا ما استحلت # فوالله ما قاربت إلا تباعدت # بصرم ولا أكثرت إلا أقلت # فإن تكن العتبى # 275 # فأهلا ومرحبا # وحقت لها العتبى لدنيا وقلت # وإن تكن الأخرى فإن وراءنا # منادح # 276 # لو سارت بها العيس كلت # خليلي إن الحاجبية طلحت # 277 # قلوصيكما وناقتي قد أكلت # فلا يبعدن وصل لعزة أصبحت # بعاقبة أسبابه قد تولت # أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة # لدينا ولا مقلية إن تقلت # ولكن أنيلي واذكري من مودة # لنا خلة كانت لديكم فطلت # 278 # فإني وإن صدت لمثن وصادق # عليها بما كانت إلينا أزلت ms503 # 279 # فما أنا بالداعي لعزة بالجوى # ولا شامت إن نعل عزة زلت # فلا يحسب الواشون أن صبابتي # بعزة كانت غمرة فتجلت # فأصبحت قد أبللت # 280 # من دنف بها # كما أدنفت هيماء ثم استبلت # فوالله ثم الله ما حل قبلها # ولا بعدها من خلة حيث حلت # وما مر من يوم علي كيومها # وإن عظمت أيام أخرى وجلت # وأضحت بأعلى شاهق من فؤاده # فلا القلب يسلاها ولا العين ملت # فيا عجبا للقلب كيف اعترافه # 281 # وللنفس لما وطنت كيف ذلت # وإني وتهيامي بعزة بعد ما # تخليت مما بيننا وتخلت # لكالمرتجي ظل الغمامة كلما # تبوأ منها للمقيل اضمحلت # كأني وإياها سحابة ممحل # رجاها فلما جاوزته استهلت # فإن سأل الواشون فيم هجرتها # فقل نفس حر سليت فتسلت # قال ابن سلام: كان كثير مدعيا ولم يكن عاشقا، وكان جميل صادق الصبابة ~~والعشق. واختبرته عزة ذات مرة فوجدت علامة ذلك، وكانت منتقبة فأسفرت، ~~فأبلس # 282 # ولم ينطق وبهت، فلما مضت أنشأ يقول: # ألا ليتني قبل الذي قلت شيب لي # من السم خضخاض بماء الذرارح # 283 # فمت ولم تعلم علي خيانة # وكم طالب للربح ليس برابح # أبوء بذنبي، إنني قد ظلمتها # وإني بباقي سرها غير بائح # ومن قوله يمدح عمر بن عبد العزيز: # وليت فلم تشتم عليا ولم تخف # بريا ولم تتبع مقالة مجرم # وقلت فصدقت الذي قلت بالذي # فعلت فأضحى راضيا كل مسلم # ألا إنما يكفي الفتى بعد زيغه # من الأود الباقي ثقاف المقوم # لقد لبست لبس الهلوك ببابها # تراءى لك الدنيا بكف ومعصم # وتومض أحيانا بعين مريضة # وتبسم عن مثل الجمان المنظم # فأعرضت عنها مشمئزا كأنما # سقتك مدوفا # 284 # من سمام وعلقم # وقد كنت من أحبالها في ممنع # ومن بحرها من مزبد الجود مفعم # وما زلت سباقا إلى كل غاية # صعدت بها أعلى البناء المقدم # فلما أتاك الملك عفوا ولم يكن # لطالب دنيا بعده من تكلم # تركت الذي يفنى وإن كان مونقا # وآثرت ما يبقى برأي مصمم # فأضررت بالفاني وشمرت للذي # أمامك في يوم من ms504 الهول مظلم # وما لك أن كنت الخليفة مانع # سوى الله من مال رغيب ولادم # سما لك هم في الفؤاد مؤرق # صعدت به أعلى المعالي بسلم # فما بين شرق الأرض والغرب كلها # مناد ينادي من فصيح وأعجم # يقول أمير المؤمنين ظلمتني # بأخذ لدينار وأخذ لدرهم # ولا بسط كف لامرئ ظالم له # ولا السفك منه ظالما ملء محجم # فلو يستطيع المسلمون تقسموا # لك الشطر من أعمارهم غير ندم # فعشت به ما حج لله راكب # مغذ # 285 # مطيف بالمقام وزمزم # فأربح بها من صفقة لمبايع # وأعظم بها أعظم بها ثم أعظم # ومن نسيبه بعزة لما أخرجت إلى مصر: # لعزة من أيام ذي الغصن شاقني # بضاحي قرار الروضتين رسوم # هي الدار وحشا غير أن قد يحلها # ويغني بها شخص علي كريم # فما برسوم الدار لو كنت عالما # ولا بالتلاع المقويات # 286 # أهيم # سألت حكيما # 287 # أين شطت بها النوى # فخبرني ما لا أحب حكيم # أجدوا فأما آل عزة غدوة # فبانوا وأما واسط فمقيم # لعمري لئن كان الفؤاد من الهوى # بغى سقما إني إذن لسقيم # ومنها: # ولست براء نحو مصر سحابة # وإن بعدت إلا قعدت أشيم # فقد يقعد النكس الدني عن الهوى # عزوفا ويصبو المرء وهو كريم # وقال خليلي ما لها إذ لقيتها # غداة السنا فيها عليك وجوم # 288 # فقلت له إن المودة بيننا # على غير فحش والصفاء قديم # وإني وإن أعرضت عنها تجلدا # على العهد فيما بيننا لمقيم # وإن زمانا فرق الدهر بيننا # وبينكم في صرفه لمشوم # أفي الحق هذا أن قلبك سالم # صحيح وقلبي في هواك سقيم # وأن بجسمي منك داء مخامرا # وجسمك موفور عليك سليم # لعمرك ما أنصفتني في مودتي # ولكنني يا عز عنك حليم # فإما تريني اليوم أبدي جلادة # فإني لعمري تحت ذاك كليم # ولست ابنة الضمري منك بناقم # ذنوب العدى إني إذن لظلوم # وإني لذو وجد إذا عاد وصلها # وإني على ربي إذن لكريم # ومن نسيبه بها: # لعزة أطلال أبت أن تكلما # تهيج مغانيها الفؤاد المكلما # وكنت إذا ما جئت ms505 أجللن مجلسي # وأظهرن مني هيبة لا تجهما # يحاذرن مني غيرة قد عرفنها # قديما فما يضحكن إلا تبسما # ومنه: # خليلي عوجا منكما ساعة معي # على الربع نقض ساعة ونودع # ولا تعجلاني أن ألم بدمنة # لعزة لاحت لي ببيداء بلقع # وقولا لقلب قد سلا راجع الهوى # وللعين أذري من دموعك أو دعي # فلا عيش إلا مثل عيش مضى لنا # مصيفا أقمنا فيه من بعد مربع # ومنه: # بليلى وجارات لليلى كأنها # نعاج الفلا تحدى بهن الأباعر # أمنقطع يا عز ما كان بيننا # وشاجرني يا عز فيك الشواجر # إذا قيل هذا بيت عزة قادني # إليه الهوى واستعجلتني البوادر # أصد وبي مثل الجنون لكي يرى # رواة الخنا أني لبيتك هاجر # ألا ليت حظي منك يا عز أنني # إذا بنت باع الصبر لي عنك تاجر # ومنه: # وما زلت من ليلى لدن طر شاربي # إلى اليوم أخفي حبها وأداجن # وأحمل في ليلى ضغائن معشر # وتحمل في ليلى علي الضغائن # ومنه: # وإني لأرعى قومها من جلالها # وإن أظهروا غشا نصحت لهم جهدي # ولو حاربوا قومي لكنت لقومها # صديقا ولم أحمل على حربها حقدي # ومنه: # هلا سألت معالم الأطلال # بالجزع من حرض # 289 # وهن بوال # سقيا لعزة خلة سقيا لها # إذ نحن بالهضبات من أملال # 290 # إذ لا تكلمنا وكان كلامها # نفلا نؤمله من الأنفال # ومنه: # ألا حييا ليلى أجد رحيلي # وآذن أصحابي غدا بقفول # 291 # تبدت له ليلى لتذهب عقله # وشاقتك أم الصلت بعد ذهول # أريد لأنسى ذكرها فكأنما # تمثل لي ليلى بكل سبيل # إذا ذكرت ليلى تغشتك عبرة # تعل بها العينان بعد نهول # وكم من خليل قال لي هل سألتها # فقلت له ليلى أضن خليل # وأبعده نيلا وأوشكه # 292 # قلى # وإن سئلت عرفا فشر مسول # حلفت برب الراقصات # 293 # إلى منى # خلال الملا يمددن كل جديل # تراها رفاقا بينهن تفاوت # ويمددن بالإهلال كل أصيل # 294 # تواهقن # 295 # بالحجاج من بطن نخلة # ومن عزور والخبت خبت طفيل # بكل حرام خاشع متوجه # إلى الله يدعوه بكل نقيل # 296 # على ms506 كل مذعان # 297 # الرواح معيدة # ومخشية ألا تعيد هزيل # شوامذ # 298 # قد أرتجن دون أجنة # وهوج تبارى في الأزمة حول # يمين امرئ مستغلظ من ألية # 299 # ليكذب قيلا قد ألح بقيل # لقد كذب الواشون ما بحت عندهم # بليلى ولا أرسلتهم برسول # فإن جاءك الواشون عني بكذبة # فروها ولم يأتوا لها بحويل # 300 # فلا تعجلي ياليل أن تتفهمي # بنصح أتى الواشون أم بحبول # 301 # فإن طبت نفسا بالعطاء فأجزلي # وخير العطا ياليل كل جزيل # وإلا فإجمال إلي فإنني # أحب من الأخلاق كل جميل # وإن تبذلي لي منك يوما مودة # فقدما تخذت القرض عند بذول # وإن تبخلي ياليل عني فإنني # توكلني نفسي بكل بخيل # ولست براض من خليل بنائل # قليل ولا راض له بقليل # وليس خليلي بالملول ولا الذي # إذا غبت عنه باعني بخليل # ولكن خليلي من يديم وصاله # ويحفظ سرى عند كل دخيل # 302 # ولم أر من ليلى نوالا أعده # ألا ربما طالبت غير منيل # يلومك في ليلى وعقلك عندها # رجال ولم تذهب لهم بعقول # يقولون ودع عنك ليلى ولا تهم # بقاطعة الأقران ذات حليل # فما نقعت # 303 # نفسي بما أمروا به # ولا عجت من أقوالهم بفتيل # تذكرت أترابا # 304 # لعزة كالمها # حبين بليط ناعم وقبول # وكنت إذا لا قيتهن كأنني # مخالطة عقلي سلاف شمول # تأطرن # 305 # حتى قلت لسن بوارحا # رجاء الأماني أن يقلن مقيلي # فأبدين لي من بينهن تجهما # وأخلفن ظني إذ ظننت وقيلي # فلأيا # 306 # بلأي ما قضين لبانة # من الدار واستقللن بعد طويل # فلما رأى واستيقن البين صاحبي # دعا دعوة يا حبتر بن سلول # فقلت وأسررت الندامة ليتني # وكنت امرأ أغتش كل عذول # سلكت سبيل الرائحات عشية # مخارم # 307 # نصع أو سلكن سبيلي # فأسعدت نفسا بالهوى قبل أن أرى # عوادي # 308 # نأي بيننا وشغول # ندمت على ما فاتني يوم بنتم # فيا حسرتا ألا يرين عويلي # كأن دموع العين واهية الكلى # 309 # وعت ماء غرب يوم ذاك سجيل # تكنفها خرق تواكلن خرزها # فأبجلنه والسير غير بجيل # 310 # أقيمي ms507 فإن الغور يا عز بعدكم # إلي إذا ما بنت غير جميل # كفى حزنا للعين أن رد طرفها # لعزة عير آذنت برحيل # وقالوا نأت فاختر من الصبر والبكا # فقلت البكا أشفى إذن لغليلي # توليت محزونا وقلت لصاحبي # أقاتلتي ليلى بغير قتيل # لعزة إذ يحتل بالخيف أهلها # فأوحش منها الخيف بعد حلول # وبدل منها بعد طول إقامة # تبعث نكباء # 311 # العشي جفول # لقد أكثر الواشون فينا وفيكم # ومال بنا الواشون كل مميل # وما زلت من ليلى لدن طر # 312 # شاربي # إلى اليوم كالمقصى بكل سبيل # وله: # إذا ما أراد الغزو لم تثن همه # حصان عليها نظم در يزينها # نهته فلما لم تر النهي عاقه # بكت فبكى مما شجاها قطينها # 313 # ولم يثنه يوم الصبابة بثها # غداة استهلت بالدموع شئونها # ولكن مضى ذو مرة متثبت # بسنة حق واضح مستبينها # وله في مدح عبد الملك بن مروان: # أحاطت يداه بالخلافة بعد ما # أراد رجال آخرون اغتيالها # فما أسلموها عنوة عن مودة # ولكن بحد المشرفي استقالها # وكنت إذا نابتك يوما ملمة # نبلت # 314 # لها أبا الوليد نبالها # سموت فأدركت العلاء وإنما # يلقى عليات العلا من سما لها # وصلت فنالت كفك المجد كله # ولم تبلغ الأيدي السوامي مصالها # وله أيضا: # أهاجك برق آخر الليل واصب # تضمنه فرش الجبا فالمسارب # يجر ويستأني نشاصا # 315 # كأنه # بغيقة حاد جلجل الصوت جالب # تألق واحمومى وخيم بالربا # أحم الذرى ذو هيدب متراكب # إذا حركته الريح أرزم # 316 # جانب # بلا هزق # 317 # منه وأومض جانب # كما أومضت بالعين ثم تبسمت # خريع # 318 # بدا منها جبين وحاجب # يمج الندى لا يذكر السير أهله # ولا يرجع الماشي به وهو جادب # وله أيضا: # سيهلك في الدنيا شفيق عليكم # إذا غاله من حادث الدهر غائله # ويخفي لكم حبا شديدا ورهبة # وللناس أشغال وحبك شاغله # وحبك ينسيني من الشيء في يدي # ويذهلني عن كل شيء أزاوله # كريم يميت السر حتى كأنه # إذا استبحثوه عن حديثك جاهله # يود بأن يمسي سقيما لعلها # إذا سمعت عنه بشكوى تراسله ms508 # ويرتاح للمعروف في طلب العلا # لتحمد يوما عند ليلى شمائله # فلو كنت في كبل # 319 # وبحت بلوعتي # إليه لأنت رحمة لي سلاسله # وله أيضا: # أقول لماء العين أمعن لعله # بما لا يرى من غائب الوجد يشهد # فلم أدر أن العين قبل فراقها # غداة الشبا من لاعج الوجد تجمد # ولم أر مثل العين ضلت بمائها # علي ولا مثلي على الدمع يحسد # وله أيضا: # تسمع الرعد في المخيلة منها # مثل هزم الفروم # 320 # في الأشوال # 321 # وترى البرق عارضا مستطيرا # مرح البلق جلن في الأجلال # أو مصابيح راهب في يفاع # سغم الزيت ساطعات الذبال # وله أيضا: # فيا عز إن واش وشى بي عندكم # فلا تكرميه أن تقولي له أهلا # كما لو وشى واش بعزة عندنا # لقلنا تزحزح لا قريبا ولا سهلا ~~(1-4) الغزل القصصي # أخبار قيس بن الملوح (المجنون) # 322 # قال الأصفهاني عن محديثه عن ابن دأب قال: قلت لرجل من بني عامر: أتعرف ~~المجنون وتروي من شعره شيئا؟ قال: أوقد فرغنا من شعر العقلاء حتى نروي ~~أشعار المجانين! إنهم لكثير! فقلت: ليس هؤلاء أعني، إنما أعني مجنون بني ~~عامر الشاعر الذي قتله العشق، فقال: هيهات! بنو عامر أغلظ أكبادا من ذاك، ~~إنما يكون هذا في هذه اليمانية الضعاف قلوبها، السخيفة عقولها، ~~الصعلة # 323 # رءوسها، فأما نزار فلا. # وقال الرياشي سمعت الأصمعي يقول: رجلان ما عرفا في الدنيا قط إلا بالاسم: ~~مجنون بني عامر، وابن القرية، # 324 # وإنما وضعهما الرواة. # وقال المدائني: المجنون المشهور بالشعر عند الناس صاحب ليلى قيس بن معاذ ~~من بني عامر، ثم من بني عقيل، أحد بني نمير بن عامر بن عقيل، قال: ومنهم ~~رجل آخر يقال له: مهدي بن الملوح من بني جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن ~~صعصعة. # وقال ابن الكلبي: حدثت أن حديث المجنون وشعره وضعه فتى من بني أمية كان ~~يهوى ابنة عم له، وكان يكره أن يظهر ما بينه وبينها، فوضع حديث المجنون ~~وقال الأشعار التي يرويها الناس للمجنون ونسبها إليه. ms509 # وعن حماد بن طالوت بن عباد: أنه سأل الأصمعي عنه، فقال: لم يكن مجنونا، ~~بل كانت به لوثة أحدثها العشق فيه، كان يهوى امرأة من قومه يقال لها ليلى، ~~واسمه قيس ابن معاذ. # وذكر عمرو بن أبي عمرو الشيباني عن أبيه أن اسمه قيس بن معاذ. # وذكر شعيب بن السكن عن يونس النحوي أن اسمه قيس بن الملوح، قال أبو عمرو ~~الشيباني: وحدثني رجل من أهل اليمن أنه رآه ولقيه وسأله عن اسمه ونسبه، ~~فذكر أنه قيس بن الملوح. # وذكر هشام بن محمد الكلبي أنه قيس بن الملوح، وحدث أن أباه مات قبل ~~اختلاطه، # 325 # فعقر على قبره ناقته وقال في ذلك: # عقرت على قبر الملوح ناقتي # بذي السرح # 326 # لما أن جفاه الأقارب # وقلت لها كوني عقيرا # 327 # فإنني # غدا راجل أمشي وبالأمس راكب # فلا يبعدنك الله يابن مزاحم # فكل بكأس الموت لا شك شارب # وقال الأصمعي: سألت أعرابيا من بني عامر بن صعصعة عن المجنون العامري ~~فقال: عن أيهم تسألني؟ فقد كان فينا جماعة رموا بالجنون، فعن أيهم تسأل؟ ~~فقلت: عن الذي كان يشبب بليلى، فقال: كلهم كان يشبب بليلى، قلت: فأنشدني ~~لبعضهم، فأنشدني لمزاحم بن الحارث المجنون: # ألا أيها القلب الذي لج هائما # بليلى وليدا لم تقطع تمائمه # أفق قد أفاق العاشقون وقد أنى # 328 # لك اليوم أن تلقى طبيبا تلائمه # أجدك لا تنسيك ليلى ملمة # تلم ولا عهد يطول تقادمه # قلت: فأنشدني لغيره منهم، فأنشدني لمعاذ بن كليب المجنون: # ألا طالما لاعبت ليلى وقادني # إلى اللهو قلب للحسان تبوع # وطال امتراء # 329 # الشوق عيني كلما # نزفت دموعا تستجد دموع # فقد طال إمساكي على الكبد التي # بها من هوى ليلى الغداة صدوع # قلت: فأنشدني لغير هذين ممن ذكرت، فأنشدني لمهدي بن الملوح: # لو ان لك الدنيا وما عدلت به # سواها وليلى بائن عنك بينها # 330 # لكنت إلى ليلى فقيرا وإنما # يقود إليها ود نفسك حينها # قلت له: فأنشدني لمن بقي من هؤلاء، فقال: حسبك! فوالله إن في ms510 واحد من ~~هؤلاء لمن يوزن بعقلائكم اليوم. # وقال الجاحظ: ما ترك الناس شعرا مجهول القائل قيل في ليلى إلا نسبوه إلى ~~المجنون، ولا شعرا هذه سبيله قيل في لبنى إلا نسبوه إلى قيس بن ~~ذريح. # قال أبو الفرج: وأنا أذكر مما وقع إلي من أخباره جملا مستحسنة، متبرئا ~~من العهدة فيها، فإن أكثر أشعاره المذكورة في أخباره ينسبها بعض الرواة إلى ~~غيره وينسبها من حكيت عنه إليه، وإذا قدمت هذه الشريطة برئت من عيب طاعن ~~ومتتبع للعيوب. # أخبرني بخبره في شغفه بليلى جماعة من الرواة، ونسخت ما لم أسمعه من ~~الروايات وجمعت ذلك في سياقة خبره ما اتسق ولم يختلف، فإذا اختلف نسبت كل ~~رواية إلى راويها. # فمن أخبرني بخبره أحمد بن عبد العزيز الجوهري وحبيب بن نصر المهلبي، ~~قالا: حدثنا عمر بن شبة عن رجاله وإبراهيم بن أيوب عن ابن قتيبة، ونسخت ~~أخباره من رواية خالد بن كلثوم وأبي عمرو الشيباني وابن دأب وهشام بن محمد ~~الكلبي وإسحاق بن الجصاص وغيرهم من الرواة. # قال أبو عمرو الشيباني وأبو عبيدة: كان المجنون يهوى ليلى بنت مهدي بن ~~سعد بن مهدي بن ربيعة بن الحريش بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة وتكنى أم ~~مالك، وهما حينئذ صبيان، فعلق كل واحد منهما صاحبه وهما يرعيان مواشي ~~أهلهما، فلم يزالا كذلك حتى كبرا فحجبت عنه، قال: ويدل على ذلك ~~قوله: # تعلقت ليلى وهي ذات ذؤابة # 331 # ولم يبد للأتراب من ثديها حجم # صغيرين نرعى البهم يا ليت أننا # إلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البهم # وقال ابن الكلبي: كان سبب عشق المجنون ليلى، أنه أقبل ذات يوم على ناقة ~~له كريمة وعليه حلتان من حلل الملوك، فمر بامرأة من قومه يقال لها: كريمة، ~~وعندها جماعة نسوة يتحدثن، فيهن ليلى، فأعجبهن جماله وكماله، فدعونه إلى ~~النزول والحديث، فنزل وجعل يحدثهن وأمر عبدا له كان معه فعقر لهن ناقته، ~~وظل يحدثهن بقية يومه، فبينا هو كذلك، إذ طلع عليهم فتى عليه بردة من ms511 برد ~~الأعراب يقال له: «منازل» يسوق معزى له، فلما رأينه أقبلن عليه وتركن ~~المجنون، فغضب وخرج من عندهن وأنشأ يقول: # أأعقر من جرا # 332 # كريمة ناقتي # ووصلي مفروش لوصل منازل # إذا جاء قعقعن الحلي ولم أكن # إذا جئت أرضى صوت تلك الخلاخل # متى ما انتضلنا # 333 # بالسهام نضلته # وإن نرم رشقا # 334 # عندها فهو ناضلي # قال: فلما أصبح لبس حلته وركب ناقة له أخرى ومضى متعرضا لهن، فألفى ليلى ~~قاعدة بفناء بيتها وقد علق حبه بقلبها وهويته، وعندها جويريات يتحدثن معها، ~~فوقف بهن وسلم، فدعونه إلى النزول وقلن له: هل لك في محادثة من لا يشغله ~~عنك منازل ولا غيره؟ فقال: # إي لعمري، فنزل وفعل مثل ما فعله بالأمس، فأرادت أن تعلم، هل لها عنده ~~مثل ما له عندها، فجعلت تعرض عن حديثه ساعة بعد ساعة وتحدث غيره، وقد كان ~~علق بقلبه مثل حبها إياه وشغفته واستملحها، فبينا هي تحدثه، إذ أقبل فتى من ~~الحي فدعته وسارته سرارا طويلا، ثم قالت له: انصرف، ونظرت إلى وجه ~~المجنون قد تغير وانتقع لونه وشق عليه فعلها، فأنشأت تقول: # كلانا مظهر للناس بغضا # وكل عند صاحبه مكين # تبلغنا العيون بما أردنا # وفي القلبين ثم هوى دفين # فلما سمع البيتين شهق شهقة شديدة وأغمي عليه، فمكث على ذلك ساعة، ونضحوا ~~الماء على وجهه حتى أفاق وتمكن حب كل واحد منهما في قلب صاحبه حتى بلغ منه ~~كل مبلغ. # وعن أبي الهيثم العقيلي قال: لما شهر أمر المجنون وليلى وتناشد الناس ~~شعره فيها، خطبها وبذل لها خمسين ناقة حمراء، وخطبها ورد بن محمد العقيلي ~~وبذل لها عشرا من الإبل وراعيها، فقال أهلها: نحن مخيروها بينكما، فمن ~~اختارت تزوجته، ودخلوا إليها فقالوا: والله لئن لم تختاري وردا لنمثلن بك، ~~فقال المجنون: # ألا يا ليل إن ملكت فينا # خيارك فانظري لمن الخيار # ولا تستبدلي مني دنيا # ولا برما # 335 # إذا حث القتار # 336 # يهرول في الصغير إذا رآه # وتعجزه ملمات كبار # فمثل تأيم منه نكاح # ومثل تمول ms512 منه افتقار # فاختارت وردا فتزوجته على كره منها. # وقال: # أيا ويح من أمسى تخلس # 337 # عقله # فأصبح مذهوبا به كل مذهب # خليا من الخلان إلا معذرا # 338 # يضاحكني من كان يهوى تجنبي # إذا ذكرت ليلى عقلت وراجعت # روائع # 339 # عقلي من هوى متشعب # وقالوا صحيح ما به طيف جنة # ولا الهم إلا بافتراء التكذب # وشاهد وجدي دمع عيني وحبها # برى اللحم عن أحناء # 340 # عظمي ومنكبي # تجنبت ليلى أن يلج بك الهوى # وهيهات كان الحب قبل التجنب # ألا إنما غادرت يا أم مالك # صدى # 341 # أينما تذهب به الريح يذهب # فلم أرى ليلى بعد موقف ساعة # بخيف منى ترمي جمار المحصب # ويبدي الحصى منها إذا قذفت به # من البرد أطراف البنان المخضب # فأصبحت من ليلى الغداة كناظر # مع الصبح في أعقاب نجم مغرب # قال أبو الفرج: أنشدني الأخفش عن أبي سعيد السكري عن محمد بن حبيب ~~للمجنون: # فوالله ثم الله إني لدائب # أفكر ما ذنبي إليها وأعجب # ووالله ما أدري علام قتلتني # وأي أموري فيك ياليل أركب # أأقطع حبل الوصل فالموت دونه # أم اشرب رنقا منكم ليس يشرب # أم اهرب حتى لا أرى لي مجاورا # أم اصنع ماذا أم أبوح فأغلب # فأيهما يا ليل ما ترتضينه # فإني لمظلوم وإني لمعتب # وقال: # عرضت على قلبي العزاء فقال لي # من الآن فايأس لا أعزك من صبر # إذا بان من تهوى وأصبح نائيا # فلا شيء أجدى من حلولك في القبر # وداع دعا إذ نحن بالخيف من منى # فهيج أطراب # 342 # الفؤاد وما يدري # دعا باسم ليلى غيرها فكأنما # أطار بليلى طائرا كان في صدري # دعا باسم ليلى ضلل الله سعيه # وليلى بأرض عنه نازحة قفر # وقال: # أيا جبلي نعمان بالله خليا # سبيل الصبا يخلص إلي نسيمها # أجد بردها أو تشف مني حرارة # على كبد لم يبق إلا صميمها # 343 # فإن الصبا ريح إذا ما تنسمت # على نفس محزون تجلت همومها # وقال: # أيا حرجات # 344 # الحي حيث تحملوا # بذي سلم # 345 # لا جادكن ربيع ms513 # وخيماتك اللاتي بمنعرج اللوى # بلين بلى لم تبلهن ربوع # ندمت على ما كان مني ندامة # كما يندم المغبون حين يبيع # فقدتك من نفس شعاع # 346 # فإنني # نهيتك عن هذا وأنت جميع # 347 # فقربت لي غير القريب وأشرفت # 348 # إليك ثنايا # 349 # ما لهن طلوع # وله: # يا صاحبي ألما بي بمنزلة # قد مر حين عليها أيما حين # إني أرى رجعات الحب تقتلني # وكان في بدئها ما كان يكفيني # لا خير في الحب ليست فيه قارعة # كأن صاحبها في نزع موتون # 350 # إن قال عذاله مهلا فلان لهم # قال الهوى غير هذا القول يعنيني # ألقى من اليأس تارات فتقتلني # وللرجاء بشاشات فتحييني # وله: # أمستقبلي نفح الصبا ثم شائقي # ببرد ثنايا أم حسان شائق # كأن على أنيابها الخمر شجها # 351 # بماء الندى من آخر الليل عاتق # 352 # وما شمته إلا بعيني تفرسا # كما شيم في أعلى السحابة بارق # وروى الأصمعي له قوله: # أخذت محاسن كل ما # ضنت محاسنه بحسنه # كاد الغزال يكونها # لولا الشوى ونشوز قرنه # قال: وهو القائل: # ولم أر ليلى بعد موقف ساعة # بخيف منى ترمي جمار المحصب # ويبدي الحصى منها إذا قذفت به # من البرد أطراف البنان المخضب # فأصبحت من ليلى الغداة كناظر # مع الصبح في أعقاب نجم مغرب # ألا إنما غادرت يا أم مالك # صدى أينما تذهب به الريح يذهب # وقال: # يقول أناس عل مجنون عامر # يروم سلوا قلت أنى لما بيا # وقد لامني في حب ليلى أقاربي # أخي وابن عمي وابن خالي وخاليا # يقولون ليلى أهل بيت عداوة # بنفسي ليلى من عدو وماليا # ولو كان في ليلى شذا من خصومة # للويت أعناق المطي الملاويا # 353 # وقال: # ألا ما لليلى لا ترى عند مضجعي # بليل ولا يجري بذلك طائر # بلى إن عجم الطير تجري إذا جرت # بليلى ولكن ليس للطير زاجر # أزالت عن العهد الذي كان بيننا # بذي الأثل أم قد غيرتها المقادر # فوالله ما في القرب لي منك راحة # ولا البعد يسليني ولا أنا صابر # ووالله ما أدري ms514 بأية حيلة # وأي مرام أو خطار # 354 # أخاطر # وتالله إن الدهر في ذات بيننا # علي لها في كل حال لجائر # فلو كنت إذ أزمعت هجري تركتني # جميع # 355 # القوى والعقل مني وافر # ولكن أيامي بحقل # 356 # عنيزة # وبالرضم أيام جناها التجاور # وقد أصبح الود الذي كان بيننا # أماني نفس والمؤمل حائر # لعمري لقد رنقت # 357 # يا أم مالك # حياتي وساقتني إليك المقادر # وقال: # يا للرجال لهم بات يعروني # مستطرف وقديم كان يعنيني # على غريم مليء # 358 # غير ذي عدم # 359 # يأبى فيمطلني ديني ويلويني # 360 # لا يذكر البعض من ديني فينكره # ولا يحدثني أن سوف يقضيني # وما كشكري شكر لو يوافقني # ولا منى كمناه إذ يمنيني # أطعته وعصيت الناس كلهم # في أمره ثم يأبى فهو يعصيني # خيري لمن يبتغي خيري ويأمله # من دون شري وشري غير مأمون # وما أشارك في رأيي أخا ضعف # 361 # ولا أقول أخي من لا يواتيني # 362 # وله: # ألا أيها البيت الذي لا أزوره # وإن حله شخص إلي حبيب # هجرتك إشفاقا وزرتك خائفا # وفيك علي الدهر منك رقيب # سأستعتب الأيام فيك لعلها # بيوم سرور في الزمان تئوب # وبلغ المجنون أن أهل ليلى يريدون نقلها إلى الثقفي فقال: # كأن القلب ليلة قيل يغدى # بليلى العامرية أو يراح # قطاة عزها شرك فباتت # تجاذبه وقد علق الجناح # فلما نقلت ليلى إلى الثقفي قال: # طربت وشاقتك الحمول # 363 # الدوافع # غداة دعا بالبين أسفع # 364 # نازع # شحا # 365 # فاه نعبا # 366 # بالفراق كأنه # حريب # 367 # سليب نازح الدار جازع # فقلت ألا قد بين # 368 # الأمر فانصرف # فقد راعنا بالبين قبلك رائع # سقيت سموما من غراب فإنني # تبينت ما خبرت مذ أنت واقع # ألم تر أني لا محب ألومه # ولا ببديل بعدهم أنا قانع # ألم تر دار الحي في رونق الضحى # بحيث انحنت للهضبتين # 369 # الأجارع # وقد يتناءى الإلف من بعد ألفة # ويصدع ما بين الخليطين صادع # وكم من هوى # 370 # أو جيرة قد ألفتهم # زمانا فلم يمنعهم البين مانع # كأني غداة ms515 البين ميت جوبة # 371 # أخو ظمإ سدت عليه المشارع # تخلس # 372 # من أوشال # 373 # ماء صبابة # فلا الشرب مبذول ولا هو ناقع # 374 # وبيض تطلى بالعبير كأنها # نعاج الملا # 375 # جيبت # 376 # عليها البراقع # تحملن من وادي # 377 # الأراك فأومضت # لهن بأطراف العيون المدامع # فما # 378 # رمن ربع الدار حتى تشابهت # هجائنها # 379 # والجون منها الخواضع # 380 # وحتى حملن الحور # 381 # من كل جانب # وخاضت سدول # 382 # الرقم منها الأكارع # 383 # فلما استوت تحت الخدور وقد جرى # عبير ومسك بالعرانين رادع # 384 # أشرن بأن حثوا الجمال فقد بدا # من الصيف يوم لافح الحر ماتع # 385 # فلما لحقنا بالحمول تباشرت # بنا مقصرات # 386 # غاب عنها المطامع # يعرضن بالدل المليح وإن يرد # جناهن مشغوف فهن موانع # فقلت لأصحابي ودمعي مسبل # وقد صدع الشمل المشتت صادع # أليلى بأبواب الخدور تعرضت # لعيني أم قرن من الشمس طالع # وروي أن أبا المجنون حج به ليدعو الله عز وجل في الموقف أن يعافيه، فسار ~~ومعه ابن عمه زياد بن كعب بن مزاحم، فمر بحمامة تدعو # 387 # على أيكة فوقف يبكي، فقال له زياد: أي شيء هذا؟ ما يبكيك ~~أيضا؟ سر بنا نلحق الرفقة، فقال: # أأن هتفت يوما بواد حمامة # بكيت ولم يعذرك بالجهل عاذر # دعت ساق، # 388 # حر بعد ما علت الضحى # فهاج لك الأحزان أن ناح طائر # تغني الضحى والصبح في مرجحنة # 389 # كثاف الأعالي تحتها الماء حائر # 390 # كأن لم يكن بالغيل، # 391 # أو بطن أيكة # 392 # أو الجزع # 393 # من تول الأشاءة # 394 # حاضر # يقول زياد إذ رأى الحي هجروا # 395 # أرى الحي قد ساروا فهل أنت سائر # وإني وإن غال # 396 # التقادم حاجتي # ملم على أوطان ليلى فناظر # كان المجنون وليلى وهما صبيان يرعيان غنما لأهلهما عند جبل في بلادهما ~~يقال له التوباد، # 397 # فلما ذهب عقله وتوحش، كان يجيء إلى ذلك الجبل فيقيم به، فإذا ~~تذكر أيام كان يطيف هو وليلى به جزع جزعا شديدا واستوحش فهام على وجهه ~~حتى يأتي ms516 نواحي الشأم، فإذا ثاب إليه عقله رأى بلدا لا يعرفه فيقول للناس ~~الذين يلقاهم: بأبي أنتم، أين التوباد من أرض بني عامر؟ فيقال له: وأين أنت ~~من أرض بني عامر! أنت بالشأم عليك بنجم كذا فأمه، فيمضي على وجهه نحو ذلك ~~النجم حتى يقع بأرض اليمن، فيرى بلادا ينكرها وقوما لا يعرفهم فيسألهم عن ~~التوباد وأرض بني عامر، فيقولون: وأين أنت من أرض بني عامر! عليك بنجم كذا ~~وكذا، فلا يزال كذلك حتى يقع على التوباد، فإذا رآه قال في ذلك: # وأجهشت # 398 # للتوباد حين رأيته # وكبر للرحمن حين رآني # وأذريت دمع العين لما عرفته # ونادى بأعلى صوته فدعاني # فقلت له قد كان حولك جيرة # وعهدي بذاك الصرم منذ زمان # فقال مضوا واستودعوني بلادهم # ومن ذا الذي يبقى على الحدثان # وإني لأبكي اليوم من حذري غدا # فراقك والحيان مجتمعان # سجالا وتهتانا # 399 # ووبلا وديمة # وسحا وتسجاما # 400 # إلى هملان # 401 # وكان المجنون يسير مع أصحابه فسمع صائحا يصيح: يا ليلى في ليلة ظلماء أو ~~توهم ذلك، فقال لبعض من معه: أما تسمع هذا الصوت؟ فقال: ما سمعت شيئا، ~~قال: بلى، والله هاتف يهتف بليلى، ثم أنشأ يقول: # أقول لأدنى صاحبي كليمة # أسرت من الأقصى أجب ذا المناديا # إذا سرت في الأرض الفضاء رأيتني # أصانع رحلي # 402 # أن يملي حياليا # يمينا إذا كانت يمينا وإن تكن # شمالا ينازعني الهوى عن شماليا # خطب ليلى صاحبة المجنون جماعة من قومها فكرهتهم، فخطبها رجل من ثقيف موسر ~~فرضيته، وكان جميلا فتزوجها وخرج بها، فقال المجنون في ذلك: # ألا إن ليلى كالمنيحة # 403 # أصبحت # تقطع إلا من ثقيف حبالها # فقد حبسوها محبس البدن وابتغى # بها الربح أقوام تساحت # 404 # مالها # خليلي هل من حيلة تعلمانها # يدني لنا تكليم ليلى احتيالها # فإن أنتما لم تعلماها فلستما # بأول باغ حاجة لا ينالها # كأن مع الركب الذين اغتدوا بها # غمامة صيف زعزعتها شمالها # نظرت بمفضى سيل جوشن # 405 # إذ غدوا # تخب بأطراف المخارم # 406 # آلها # بشافية الأحزان هيج ms517 شوقها # مجامعة الألاف ثم زيالها # إذا التفتت من خلفها وهي تعتلي # بها العيس جلى عبرة العين حالها # وله: # وأحبس عنك النفس والنفس صبة # بذكراك والممشى إليك قريب # مخافة أن تسعى الوشاة بظنة # وأحرسكم أن يستريب مريب # فقد جعلت نفسي - وأنت اجترمته # وكنت أعز الناس - عنك تطيب # فلو شئت لم أغضب عليك ولم يزل # لك الدهر مني ما حييت نصيب # أما والذي يبلو السرائر كلها # ويعلم ما تبدي به وتغيب # لقد كنت ممن تصطفي النفس خلة # لها دون خلان الصفاء حجوب # قيس بن ذريح # 407 # من شعر قيس: # يقولون لبنى فتنة كنت قبلها # بخير فلا تندم عليها وطلق # فطاوعت أعدائي وعاصيت ناصحي # وأقررت عين الشامت المتخلق # وددت وبيت الله أني عصيتهم # وحملت في رضوانها كل موبق # وكلفت خوض البحر والبحر زاخر # أبيت على أثباج موج مغرق # كأني أرى الناس المحبين بعدها # عصارة ماء الحنظل المتفلق # فتنكر عيني بعدها كل منظر # ويكره سمعي بعدها كل منطق # وخرج قيس في فتية من قومه واعتل على أبيه بالصيد، فأتى بلاد لبنى، فجعل ~~يتوقع أن يراها أو يرى من يرسل إليها، فاشتغل الفتيان بالصيد، فلما قضوا ~~وطرهم منه رجعوا إليه وهو واقف، فقالوا له: قد عرفنا ما أردت بإخراجنا معك ~~وأنك لم ترد الصيد وإنما أردت لقاء لبنى وقد تعذر عليك، فانصرف الآن؛ ~~فقال: # وما حائمات حمن يوما وليلة # على الماء يغشين العصي حواني # عوافي لا يصدرن عنه لوجهة # ولا هن من برد الحياض دواني # يرين حباب الماء والموت دونه # فهن لأصوات السقاة رواني # بأجهد مني حر شوق ولوعة # عليك ولكن العدو عداني # خليلي إني ميت أو مكلم # لبينى بسري فامضيا وذراني # أنل حاجتي وحدي ويا رب حاجة # قضيت على هول وخوف جنان # فإني أحق الناس ألا تحاورا # وتطرحا من لو يشاء شفاني # ومن قادني للموت حتى إذا صفت # مشاربه السم الذعاف سقاني # فأقاموا معه حتى لقيها. # لما ألح ذريح على ابنه قيس في طلاق لبنى فأبى ذلك قيس، طرح ذريح نفسه في ~~الرمضاء وقال: ms518 لا والله لا أريم هذا الموضع حتى أموت أو يخليها، فجاءه قومه ~~من كل ناحية فعظموا عليه الأمر وذكروه بالله وقالوا: أتفعل هذا بأبيك وأمك! ~~إن مات شيخك على هذه الحال كنت معينا عليه وشريكا في قتله، ففارق لبنى ~~على رغم أنفه وقلة صبره وبكاء منه حتى بكى لهما من حضرهما؛ وأنشأ ~~يقول: # أقول لخلتي في غير جرم # ألا بيني، بنفسي أنت، بيني # فوالله العظيم لنزع نفسي # وقطع الرجل مني واليمين # أحب إلي يا لبنى فراقا # فبكي للفراق وأسعديني # ظلمتك بالطلاق بغير جرم # فقد أذهبت آخرتي وديني # قال: فلما سمعت بذلك لبنى بكت بكاء شديدا، وأنشأت تقول: # رحلت إليه من بلدي وأهلي # فجازاني جزاء الخائنينا # فمن راني فلا يغتر بعدي # بحلو القول أو يبلو الدفينا # فلما انقضت عدتها وأرادت الشخوص إلى أهلها أتيت براحلة لتحمل عليها، فلما ~~رأى ذلك قيس داخله أمر عظيم واشتد لهفه، وأنشأ يقول: # بانت لبينى فأنت اليوم متبول # وإنك اليوم بعد الحزم مخبول # فأصبحت عنك لبنى اليوم نازحة # ودل لبنى - لها الخيرات - معسول # هل ترجعن نوى لبنى بعاقبة # كما عهدت ليالي العشق مقبول # وقد أراني بلبنى حق مقتنع # والشمل مجتمع والحبل موصول # فصرت من حب لبنى حين أذكرها # القلب مرتهن والعقل مدخول # أصبحت من حب لبنى بل تذكرها # في كربة ففؤادي اليوم مشغول # والجسم مني منهوك لفرقتها # يبريه طول سقام فهو منحول # كأنني يوم ولت ما تكلمني # أخو هيام مصاب القلب مسلول # أستودع الله لبنى إذ تفارقني # عن غير طوع وأمر الشيخ مفعول # ثم ارتحلت لبنى، فجعل قيس يقبل موضع رجليها من الأرض وحول خبائها، فلما ~~رأى ذلك قومه أقبلوا على أبيه بالعذل واللوم، فقال ذريح لما رأى حاله تلك: ~~قد جنيت عليك يا بني؛ فقال له قيس: قد كنت أخبرك أني مجنون بها فلم ترض إلا ~~بقتلي، فالله حسبك وحسب أمي. وأقبل قومه يعذلونه في تقبيل التراب، فأنشأ ~~يقول: # فما حبي لطيب تراب أرض # ولكن حب من وطئ الترابا # فهذا فعل شيخينا جميعا # أرادا لي ms519 البلية والعذابا # وله قصيدة طويلة في تطليقه لبنى يقول فيها: # فواكبدي وعاودني رداعي # 408 # وكان فراق لبنى كالجداع # 409 # تكنفني الوشاة فأزعجوني # فيا لله للواشي المطاع # فأصبحت الغداة ألوم نفسي # على شيء وليس بمستطاع # كمغبون يعض على يديه # تبين غبنه بعد البياع # بدار مضيعة تركتك لبنى # كذاك الحين يهدي للمضاع # وقد عشنا نلذ العيش حينا # لو ان الدهر للإنسان واعي # ولكن الجميع إلى افتراق # وأسباب الحتوف لها دواعي # واجتمع إليه نسوة فأطلن الجلوس عنده وحادثنه وهو ساه عنهن، ثم نادى: يا ~~لبنى، فقلن له: ما لك ويحك؟ فقال: خدرت رجلي ويقال: إن دعاء الإنسان باسم ~~أحب الناس إليه يذهب خدر الرجل، فناديتها لذلك. وقال: # إذا خدرت رجلي تذكرت من لها # فناديت لبنى باسمها ودعوت # دعوت التي لو أن نفسي تطيعني # لفارقتها من حبها وقضيت # برت نبلها للصيد لبنى وريشت # وريشت أخرى مثلها وبريت # فلما رمتني أقصدتني بسهمها # وأخطأتها بالسهم حين رميت # وفارقت لبنى ضلة فكأنني # قربت إلى العيوق # 410 # ثم هويت # فيا ليت أني مت قبل فراقها # وهل ترجعن فوت القضية ليت # فصرت وشيخي كالذي عثرت به # غداة الوغى بين العداة كميت # فقامت ولم تضرر هزالا سوية # وفارسها تحت السنابك ميت # فإن يك تهيامي بلبنى غواية # فقد يا ذريح بن الحباب غويت # فلا أنت ما أملت في رأيته # ولا أنا لبنى والحياة حويت # فوطن لهلكي منك نفسا فإنني # كأنك بي قد يا ذريح قضيت # ومرض قيس، فسأل أبوه فتيات الحي أن يعدنه ويحدثنه أو يعلق بعضهن، ففعلن ~~ذلك، ودخل إليه طبيب ليداويه والفتيات معه، فلما اجتمعن عنده جعلن يحادثنه ~~وأطلن السؤال عن سبب علته، فقال: # تعلق روحي روحها قبل خلقنا # ومن بعد ما كنا نطافا وفي المهد # فزاد كما زدنا فأصبح ناميا # وليس إذا متنا بمنصرم العهد # ولكنه باق على كل حادث # وزائرنا في ظلمة القبر واللحد # فقال له الطبيب: إن مما يسليك عنها أن تتذكر ما فيها من المساوئ ~~والمعايب، فإن النفس تنبو حينئذ وتسلو ويخف ما بها. # فلما ms520 طال على قيس ما به أشار قومه على أبيه بأن يزوجه امرأة جميلة فلعله ~~يسلو بها عن لبنى، فدعاه إلى ذلك فأباه وقال: # لقد خفت ألا تقنع النفس بعدها # بشيء من الدنيا وإن كان مقنعا # وأزجر عنها النفس إذ حيل دونها # وتأبى إليها النفس إلا تطلعا # ولما تزوجت لبنى بآخر أتى موضع خبائها فنزل عن راحلته وجعل ~~يتمعك # 411 # موضعها ويمرغ خده على ترابها ويبكي أحر بكاء ثم قال: # إلى الله أشكو فقد لبنى كما شكا # إلى الله فقد الوالدين يتيم # يتيم جفاه الأقربون فجسمه # نحيل وعهد الوالدين قديم # بكت دارهم من نأيهم فتهللت # دموعي فأي الجازعين ألوم # أمستعبر يبكي من الشوق والهوى # أم اخر يبكي شجوه ويهيم # تهيضني من حب لبنى علائق # وأصناف حب هولهن عظيم # ومن يتعلق حب لبنى فؤاده # يمت أو يعش ما عاش وهو كليم # فإني وإن أجمعت عنك تجلدا # على العهد فيما بيننا لمقيم # وإن زمانا شتت الشمل بيننا # وبينكم فيه العدا لمشوم # أفي الحق هذا أن قلبك فارع # صحيح وقلبي في هواك سقيم # وقال في رحيل لبنى عن وطنها وانتقالها إلى زوجها بالمدينة وهو مقيم في ~~حيها: # بانت لبينى فهاج القلب من بانا # وكان ما وعدت مطلا وليانا # 412 # وأخلفتك منى قد كنت تأملها # فأصبح القلب بعد البين حيرانا # الله يدري وما يدري به أحد # ماذا أجمجم من ذكراك أحيانا # يا أكمل الناس من قرن إلى قدم # وأحسن الناس ذا ثوب وعريانا # نعم الضجيع بعيد النوم تجلبه # إليك ممتلئا نوما ويقظانا # لا بارك الله فيمن كان يحسبكم # إلا على العهد حتى كان ما كانا # حتى استفقت أخيرا بعد ما نكحت # فبت للشوق أذري الدمع تهتانا # إن تصرمي الحبل أو تمسي مفارقة # فالدهر يحدث للإنسان ألوانا # وما أرى مثلكم في الناس من بشر # فقد رأيت به حيا ونسوانا # وشكا أبو لبنى لمعاوية تعرض قيس لابنته بعد طلاقها، فكتب معاوية إلى ~~الأمير يهدر دمه إن ألم بها، وأن يشتد في ذلك؛ فكتب مروان في ذلك إلى ms521 صاحب ~~الماء الذي ينزله أبو لبنى كتابا وكيدا، ووجهت لبنى رسولا إلى قيس تعلمه ~~ما جرى وتحذره؛ وبلغ أباه الخبر، فعاتبه وتجهمه، وقال له: انتهى بك الأمر ~~إلى أن يهدر السلطان دمك؛ فقال: # فإن يحجبوها أو يحل دون وصلها # مقالة واش أو وعيد أمير # فلن يمنعوا عيني من دائم البكا # ولن يذهبوا ما قد أجن ضميري # إلى الله أشكو من ألاقي من الهوى # ومن حرق تعتادني وزفير # ومن حرق للحب في باطن الحشى # وليل طويل الحزن غير قصير # سأبكي على نفسي بعين غزيرة # بكاء حزين في الوثاق أسير # وكنا جميعا قبل أن يظهر الهوى # بأنعم حالى غبطة وسرور # فما برح الواشون حتى بدت لهم # بطون الهوى مقلوبة لظهور # لقد كنت حسب النفس لو دام وصلنا # ولكنما الدنيا متاع غرور # وقال في إهدار معاوية دمه إن هو زارها: # إن تك لبنى قد أتى دون قربها # حجاب منيع ما إليه سبيل # فإن نسيم الجو يجمع بيننا # ونبصر قرن الشمس حين تزول # وأرواحنا بالليل في الحي تلتقي # ونعلم أيا بالنهار نقيل # وتجمعنا الأرض القرار وفوقنا # سماء نرى فيها النجوم تجول # إلى أن يعود الدهر سلما وتنقضي # ترات بغاها عندنا وذحول # 413 # ولما انصرف الناس من الحج مرض قيس مرضا شديدا فلم يأته رسولها عائدا، ~~فقال: # ألبنى لقد حلت عليك مصيبتي # غداة غد إذ حل ما أتوقع # تمنينني نيلا وتلوينني قلى # فنفسي شوقا كل يوم تقطع # وقلبك قط لا يلين لما يرى # فوا كبدي قد طال هذا التضرع # ألومك في شأني وأنت مليمة # لعمري وأجفى للمحب وأقطع # أخبرت أني فيك ميت حسرتي # فما فاض من عينيك للوجد مدمع # ولكن لعمري قد بكيتك جاهدا # وإن كان دائي كله منك أجمع # صييحة جاء العائدات يعدنني # فظلت علي العائدات تفجع # فقائلة جئنا إليه وقد قضى # وقائلة لا بل تركناه ينزع # فما غشيت عينيك من ذاك عبرة # وعيني على ما بي بذكراك تدمع # إذا أنت لم تبكي علي جنازة # لديك فلا تبكي غدا حين أرفع # ومن شعره قوله: ms522 # أتبكي على لبنى وأنت تركتها # وكنت عليها بالملا # 414 # أنت أقدر # فإن تكن الدنيا بلبنى تقلبت # علي فللدنيا بطون وأظهر # لقد كان فيها للأمانة موضع # وللكف مرتاد وللعين منظر # وللحائم العطشان ري بريقها # وللمرح المختال خمر ومسكر # كأني لها أرجوحة بين أحبل # إذا ذكرة منها على القلب تخطر # وقوله: # لقد عذبتني يا حب لبنى # فقع إما بموت أو حياة # فإن الموت أروح من حياة # تدوم على التباعد والشتات # وقال الأقربون تعز عنها # فقلت لهم إذا حانت وفاتي # وقالت له لبنى: أنشدني ما قلت في علتك، فأنشدها قوله: # أعالج من نفسي بقايا حشاشة # على رمق والعائدات تعود # فإن ذكرت لبنى هششت لذكرها # كما هش للثدي الدرور وليد # أجيب بلبنى من دعاني تجلدا # وبي زفرات تنجلي وتعود # تعيد إلى روحي الحياة وإنني # بنفسي لو عاينتني لأجود # وفيها يقول: # ألا ليت أياما مضين تعود # فإن عدن يوما إنني لسعيد # سقى دار لبنى حيث حلت وخيمت # من الأرض منهل الغمام رعيد # على كل حال إن دنت أو تباعدت # فإن تدن منا فالدنو مزيد # فلا اليأس يسليني ولا القرب نافعي # ولبنى منوع ما تكاد تجود # كأني من لبنى سليم مسهد # يظل على أيدي الرجال يميد # رمتني لبينى في الفؤاد بسهمها # وسهم لبينى للفؤاد صيود # سلا كل ذي شجو علمت مكانه # وقلبي للبنى ما حييت ودود # وقائلة قد مات أو هو ميت # وللنفس مني أن تفيض رصيد # وعاتبته على تزوجه، فحلف أنه لم ينظر إليها ملء عينيه، ثم قال: # ولقد أردت الصبر عنك فعاقني # علق بقلبي من هواك قديم # يبقى على حدث الزمان وريبه # وعلى جفائك إنه لكريم # فصرمته وصححت وهو بدائه # شتان بين مصحح وسقيم # وأريته زمنا فعاذ بحلمه # إن المحب عن الحبيب حليم # فلم يزل معها يحدثها ويشكو إليها حتى أمسى، فانصرفت ووعدته الرجوع إليه ~~من غد فلم ترجع، وشاع خبره، فلم ترسل إليه رسولا، فكتب هذين ~~البيتين: # بنفسي من قلبي له الدهر ذاكر # ومن هو عني معرض القلب صابر # ومن حبه يزداد عندي ms523 جدة # وحبي لديه مخلق العهد داثر # وقال ابن أبي عتيق لقيس يوما: أنشدني أحر ما قلت في لبنى؛ ~~فأنشده: # وإني لأهوى النوم في غير حينه # لعل لقاء في المنام يكون # تحدثني الأحلام أني أراكم # فيا ليت أحلام المنام يقين # شهدت بأني لم أحل عن مودة # وأني بكم لو تعلمين ضنين # وأن فؤادي لا يلين إلى هوى # سواك وإن قالوا بلى سيلين # وقال عبد الملك بن عبد العزيز: أنشدت أبا السائب المخزومي قول ~~قيس: # أحبك أصنافا من الحب لم أجد # لها مثلا في سائر الناس يوصف # فمنهن حب للحبيب ورحمة # بمعرفتي منه بما يتكلف # ومنهن ألا يعرض الدهر ذكرها # على القلب إلا كادت النفس تتلف # وحب بدا بالجسم والله ظاهر # وحب لدى نفسي من الروح ألطف # وقصيدة # 415 # قيس العينية من جيد شعره وهي: # عفا سرف من أهله فسراوع # فجنبا أريك فالتلاع الدوافع # 416 # فغيقة فالأخياف أخياف ظبية # بها من لبينى مخرف ومرابع # 417 # لعل لبينى أن يحم لقاؤها # ببعض البلاد إن ما حم # 418 # واقع # بجزع # 419 # من الوادي خلاء أنيسه # عفا وتخطته العيون الخوادع # ولما بدا منها الفراق كما بدا # بظهر الصفا الصلد الشقوق الشوائع # 420 # تمنيت أن تلقى لبيناك، والمنى # تعاصيك أحيانا وحينا تطاوع # وما من حبيب وامق لحبيبه # ولا ذي هوى إلا له الدهر فاجع # وطار غراب البين وانشقت العصا # 421 # ببين كما شق الأديم الصوانع # ألا يا غراب البين قد طرت بالذي # أحاذر من لبنى فهل أنت واقع # وإنك لو أبلغتها قيلك اسملي # طوت حزنا وارفض # 422 # منها المدامع # أتبكي على لبنى وأنت تركتها # وكنت كآت غيه وهو طائع # فلا تبكين في إثر شيء ندامة # إذا نزعته من يديك النوازع # فليس لأمر حاول الله جمعه # مشت # 423 # ولا ما فرق الله جامع # كأنك لم تغنه إذا لم تلاقها # وإن تلقها فالقلب راض وقانع # فيا قلب خبرني، إذا شطت # 424 # النوى # بلبنى وصدت عنك، ما أنت صانع # أتصبر للبين المشت مع الجوى # أم أنت امرؤ ناسي الحياء ms524 فجازع # فما أنا إن بانت لبينى بهاجع # إذا ما استقلت بالنيام المضاجع # وكيف ينام المرء مستشعر الجوى # ضجيع الأسى فيه نكاس روادع # 425 # فلا خير في الدنيا إذا لم تواتنا # لبينى ولم يجمع لنا الشمل جامع # أليست لبينى تحت سقف يكنها # وإياي هذا إن نأت لي نافع # ويلبسنا الليل البهيم إذا دجا # 426 # ونبصر ضوء الصبح والفجر ساطع # تطأ تحت رجليها بساطا # 427 # وبعضه # أطاه برجلي ليس يطويه مانع # وأفرح إن تمسي بخير وإن يكن # بها الحدث الغادي ترعني الروائع # 428 # كأنك بدع لم تر الناس قبلها # ولم يطلعك الدهر فيمن يطالع # فقد كنت أبكي والنوى مطمئنة # بنا وبكم من علم ما البين صانع # وأهجركم هجر البغيض وحبكم # على كبدي منه كلوم صوادع # وأعجل للإشفاق حتى يشفني # مخافة شحط الدار والشمل جامع # وأعمد للأرض التي من ورائكم # ليرجعني يوما عليك الرواجع # فيا قلب صبرا واعترافا # 429 # لما ترى # ويا حبها قع بالذي أنت واقع # لعمري لمن أمسى وأنت ضجيعه # من الناس ما اختيرت عليه المضاجع # ألا تلك لبنى قد تراخى مزارها # وللبين غم ما يزال ينازع # إذا لم يكن إلا الجوى فكفى به # جوى حرق قد ضمنتها الأضالع # أبائنة لبنى ولم تقطع المدى # بوصل ولا صرم فييأس طامع # يظل نهار الوالهين نهاره # وتهدنه # 430 # في النائمين المضاجع # سواي فليلى من نهاري وإنما # تقسم بين الهالكين المصارع # ولولا رجاء القلب أن تعطف النوى # لما حملته بينهن الأضالع # له وجبات # 431 # إثر لبنى كأنها # شقائق برق في السحاب لوامع # نهاري نهار الناس حتى إذا دجا # لي الليل هزتني إليك المضاجع # أقضي نهاري بالحديث وبالمنى # ويجمعني بالليل والهم جامع # وقد نشأت في القلب منك مودة # كما نشأت في الراحتين الأصابع # أبى الله أن يلقى الرشاد متيم # ألا كل أمر حم لا بد واقع # هما برحا بي معولين كلاهما # فؤاد وعين ماقها # 432 # الدهر دامع # إذا نحن أنفدنا البكاء عشية # فموعدنا قرن من الشمس طالع # وللحب آيات تبين بالفتى # شحوب وتعرى من يديه الأشاجع ms525 # 433 # وما كل ما منتك نفسك خاليا # تلاقي ولا كل الهوى أنت تابع # تداعت له الأحزان من كل وجهة # فحن كما حن الظؤار السواجع # 434 # وجانب قرب الناس يخلو بهمه # وعاوده فيها هيام مراجع # أراك اجتنبت الحي من غير بغضة # ولو شئت لم تجنح إليك الأصابع # كأن بلاد الله ما لم تكن بها # وإن كان فيها الخلق قفر بلاقع # ألا إنما أبكي لما هو واقع # وهل جزع من وشك بينك نافع # أحال علي الدهر من كل جانب # ودامت ولم تقلع علي الفواجع # فمن كان محزونا غدا لفراقنا # فملآن فليبكي لما هو واقع ~~(1-5) الشعر السياسي # أوضحنا لك في المجلد الأول ما لاستعمال الشعر من أثر في كثير من الحركات ~~السياسية واستحثاث العزمات وإنهاض الهمم في الانقلابات الاجتماعية، وبينا ميزة ~~استعمال الشعر في الأغراض السياسية في عصر الدولة الأموية، وذكرنا عدة أمثلة ~~تبين ما وصل إليه هذا النوع الطريف، ووعدناك بذكر قصيدة النعمان بن بشير في هذا ~~الباب. وها هي ذي: # النعمان بن بشير # 435 # قال أبو الفرج الأصفهاني: لما كثر الهجاء بين عبد الرحمن بن حسان وعبد ~~الرحمن بن الحكم بن أبي العاصي وتفاحشا، كتب معاوية إلى سعيد بن العاصي، ~~وهو عامله على المدينة، أن يجلد كل واحد منهما مائة سوط، وكان ابن حسان ~~صديقا لسعيد وما مدح أحدا غيره قط، فكره أن يضربه أو يضرب ابن عمه، فأمسك ~~عنهما؛ ثم ولي مروان، فلما قدم أخذ ابن حسان فضربه مائة سوط ولم يضرب أخاه، ~~فكتب ابن حسان إلى النعمان بن بشير وهو بالشأم، وكان كبيرا ~~أثيرا # 436 # مكينا عند معاوية، قال: # ليت شعري أغائب أنت بالشا # م ~~خليلي أم راقد نعمان # أية ما يكن فقد يرجع الغا # ئب ~~يوما ويوقظ الوسنان # إن عمرا وعامرا ~~أبوينا # وحراما قدما على العهد ~~كانوا # أفهم مانعوك أم قلة الكت # اب ~~أم أنت عاتب غضبان # أم جفاء أم أعوزتك القراط # يس ~~أم امري به عليك هوان # يوم أنبئت أن ساقي رضت # وأتتكم ~~بذلك الركبان # ثم ms526 قالوا إن ابن عمك في بل # وى ~~أمور أتى بها الحدثان # فنسيت الأرحام والود والصح # بة ~~فيما أتت به الأزمان # إنما الرمح فاعلمن قناة # أو كبعض ~~العيدان لولا السنان # قال أبو الفرج الأصبهاني: # دخل النعمان بن بشير على معاوية لما هجا الأخطل الأنصار، فلما ~~مثل بين يديه أنشأ يقول: # معاوي إلا تعطنا الحق تعترف # لحى ~~الأزد مشدودا عليها العمائم # أيشتمنا عبد الأراقم # 437 # ضلة # وماذا الذي تجدي عليك ~~الأراقم # فما لي ثأر دون قطع لسانه # فدونك ~~من يرضيه عنك الدراهم # وراع رويدا لا تسمنا دنية # لعلك ~~في غب الحوادث نادم # متى تلق منا عصبة خزرجية # أو ~~الأوس يوما تخترمك المخارم # وتلقاك خيل كالقطا ~~مستطيرة # شماطيط # 438 # أرسال عليها الشكائم # 439 # يسومها العمران: عمرو بن ~~عامر # وعمران حتى تستباح ~~المحارم # ويبدو من الخود العزيزة ~~حجلها # وتبيض من هول السيوف ~~المقادم # فتطلب شعب الصدع بعد ~~التئامه # فتغريه فالآن والأمر ~~سالم # وإلا فثوبي لأمة تبعية # تواريث ~~آبائي وأبيض صارم # وأسمر خطي كأن كعوبه # نوى القسب ~~فيها لهذمي خثارم # فإن كنت لم تشهد ببدر ~~وقيعة # أذلت قريشا والأنوف ~~رواغم # فسائل بنا حيي لؤي بن غالب # وأنت ~~بما يخفى من الأمر عالم # ألم تتبدر يوم بدر سيوفنا # وليلك ~~عما ناب قومك قاتم # ضربناكم حتى تفرق جمعكم # وطارت ~~أكف منكم وجماجم # وعاذت على البيت الحرام ~~عرائس # وأنت على خوف عليك ~~التمائم # وعضت قريش بالأنامل بغضة # ومن ~~قبل ما عضت عليك الأداهم # فكنا لها في كل أمر نكيده # مكان ~~الشجا والأمر فيه تفاقم # فما إن رمى رام فأوهى ~~صفاتنا # ولا ضامنا يوما من الدهر ~~ضائم # وإني لأغضي عن أمور كثيرة # سترقى ~~بها يوما إليك السلالم # أصانع فيها عبد شمس وإنني # لتلك ~~التي في النفس مني أكاتم # فما أنت والأمر الذي لست ~~أهله # ولكن ولي الحق والأمر ~~هاشم # إليهم يصير الأمر بعد شتاته # فمن ~~لك بالأمر الذي هو لازم # بهم شرع الله الهدى فاهتدى ~~بهم # ومنهم له هاد إمام ~~وخاتم # فلما بلغت القصيدة معاوية أمر بدفع الأخطل إليه ms527 ليقطع لسانه، ~~فاستجار بيزيد ابن معاوية، فمنعه منه، وأرضى النعمان حتى كف ~~عنه. # وقال عمرو بن أبي عمرو الشيباني عن أبيه: لما ضرب مروان بن الحكم عبد ~~الرحمن ابن حسان الحد، ولم يضرب أخاه حين تهاجيا وتقاذفا، كتب عبد الرحمن ~~إلى النعمان ابن بشير يشكو إليه، فدخل إلى معاوية، وأنشأ يقول: # يابن أبي سفيان ما مثلنا # جار عليه ملك أو أمير # اذكر بنا مقدم أفراسنا # بالحنو إذ أنت إلينا فقير # واذكر غداة الساعدي الذي # آثركم بالأمر فيها بشير # فاحذر عليهم مثل بدر وقد # مر بكم يوم ببدر عمير # إن ابن حسان له ثائر # فأعطه الحق تصح الصدور # ومثل أيام لنا شتتت # ملكا لكم أمرك فيها صغير # أما ترى الأزد وأشياعها # تجول خزرا كاظمات تزير # يصول حولي منهم معشر # إن صلت صالوا وهم لي نصير # يأبى لنا الضيم فلا يعتلي # عز منيع وعديد كثير # وعنصر في عز جرثومة # عادية تنقل عنها الصخور # | هوامش # | ملحق الكتاب الثاني # | باب المنثور # شرحنا لك في المجلد الأول ما كانت عليه الكتابة في عصر العباسيين من جودة اللفظ، ~~ومتانة الأسلوب، وجلاء المعنى، ووضوح القصد وبساطته. ووعدناك بذكر طرف من رسائل القوم ~~في ذلك العصر الزاهي الزاهر؛ وإليك ما وعدناك به: ~~(1) مشاورة المهدي لأهل بيته في حرب خراسان # قال ابن عبد ربه في العقد الفريد: هذا ما تراجع فيه المهدي ووزراؤه وما دار بينهم ~~من تدبير الرأي في حرب خراسان أيام تحاملت عليهم العمال وأعنفت، فحملتهم الدالة وما ~~تقدم لهم من المكانة على أن نكثوا بيعتهم، ونقضوا موثقهم، وطردوا العمال، والتووا ~~بما عليهم من الخراج؛ وحمل المهدي ما يحب من مصلحتهم ويكره من عنتهم على أن أقال ~~عثرتهم، واغتفر زلتهم، واحتمل دالتهم، تطولا بالفضل واتساعا بالعفو، وأخذا بالحجة ~~ورفقا بالسياسة؛ ولذلك لم يزل مذ حلمه الله أعباء الخلافة وقلده أمور الرعية ~~رفيقا بمدار سلطانه، بصيرا بأهل زمانه، باسطا للمعدلة في رعيته، تسكن إلى كنفه ~~وتأنس بعفوه وتثق بحلمه؛ فإذا وقعت الأقضية اللازمة والحقوق الواجبة، فليس عنده ~~هوادة ms528 ولا إغضاء ولا مداهنة، أثرة للحق وقياما بالعدل وأخذا بالحزم؛ فدعا أهل ~~خراسان الاغترار بحلمه والثقة بعفوه أن كسروا # 1 # الخراج وطردوا العمال وسألوا ما ليس لهم من الحق، ثم خلطوا احتجاجا ~~باعتذار، وخصومة بإقرار، وتنصلا باعتلال؛ فلما انتهى ذلك إلى المهدي خرج إلى مجلس ~~خلائه وبعث إلى نفر من لحمته ووزرائه، فأعلمهم الحال واستنصحهم للرعية، ثم أمر ~~الموالي بالابتداء، وقال للعباس بن محمد: أي عم! تعقب قولنا وكن حكما بيننا؛ وأرسل ~~إلى ولديه موسى وهارون، فأحضرهما الأمر وشاركهما في الرأي، وأمر محمد بن # 2 # الليث بحفظ مراجعتهم، وإثبات مقالتهم في كتاب. # فقال سلام # 3 # صاحب المظالم: أيها المهدي، إن في كل أمر غاية، ولكل قوم صناعة؛ ~~استفرغت رأيهم، واستغرقت أشغالهم، واستنفدت أعمارهم، وذهبوا بها وذهبت بهم، وعرفوا ~~بها وعرفت بهم؛ ولهذه الأمور التي جعلتنا فيها غاية، وطلبت معونتنا عليها أقوام من ~~أبناء الحرب وساسة الأمور وقادة الجنود وفرسان الهزاهز # 4 # وإخوان التجارب، وأبطال الوقائع؛ الذين رشحتهم سجالها، وفيأتهم ظلالها، ~~وعضتهم شدائدها، وقرمتهم نواجذها؛ فلو عجمت ما قبلهم، وكشفت ما عندهم؛ لوجدت نظائر ~~تؤيد أمرك، وتجارب توافق نظرك، وأحاديث تقوي قلبك؛ فأما نحن معاشر عمالك، وأصحاب ~~دواوينك، فحسن بنا وكثير منا أن نقوم بثقل ما حملتنا من عملك، واستودعتنا من ~~أمانتك، وشغلتنا به من إمضاء عدلك، وإنفاذ حكمك، وإظهار حقك. # فأجابه المهدي: إن في كل قوم حكمة، ولكل زمان سياسة، وفي كل حال تدبيرا يبطل ~~الآخر الأول، ونحن أعلم بزماننا وتدبير سلطاننا. # قال: نعم أيها المهدي، أنت متبع الرأي، وثيق العقدة، قوي المنة، # 5 # بليغ الفطنة، معصوم النية، محضور الروية ، مؤيد البديهة، موفق العزيمة، ~~معان بالظفر، مهدي إلى الخير؛ إن هممت نفى عزمك مواقع الظن، وإن اجتمعت صدع فعلك ~~ملتبس الشك؛ فاعزم يهد الله إلى الصواب قلبك، وقل ينطق الله بالحق لسانك؛ فإن جنودك ~~جمة، وخزائنك عامرة، ونفسك سخية، وأمرك نافذ. # فأجابه المهدي: إن المشاورة والمناظرة بابا رحمة، ومفتاحا بركة؛ لا يهلك عليهما ~~رأي، ولا يتغيل # 6 # معهما حزم، فأشيروا ms529 برأيكم، وقولوا بما يحضركم؛ فإني من ورائكم، وتوفيق ~~الله من وراء ذلك. # قال الربيع: أيها المهدي، إن تصاريف وجوه الرأي كثيرة، وإن الإشارة ببعض ~~معاريض # 7 # القول يسيرة؛ ولكن خراسان أرض بعيدة المسافة، متراخية الشقة، متفاوتة ~~السبيل؛ فإذا ارتأيت من محكم التدبير، ومبرم التقدير، ولباب الصواب، رأيا قد أحكمه ~~نظرك، وقلبه تدبيرك، فليس وراءه مذهب طاعن، ولا دونه معلق لخصومة عائب؛ ثم أجبت ~~البرد به، وانطوت الرسل عليه، كان بالحرى ألا يصل إليهم محكمه إلا وقد حدث منهم ما ~~ينقضه؛ فما أيسر أن ترجع إليك الرسل، وترد عليك الكتب بحقائق أخبارهم، وشوارد ~~آثارهم، ومصادر أمورهم؛ فتحدث رأيا غيره وتبتدع تدبيرا سواه؛ وقد انفرجت الحلق، ~~وتحللت العقد، واسترخى الحقاب، # 8 # وامتد الزمان، ثم لعلما موقع الآخرة كمصدر الأولى؛ ولكن الرأي لك أيها ~~المهدي - وفقك الله - أن تصرف إجالة النظر، وتقليب الفكر، فيما جمعتنا له، ~~واستشرتنا فيه من التدبير لحربهم، والحيل في أمرهم، إلى الطلب لرجل ذي دين فاضل، ~~وعقل كامل، وورع واسع، ليس موصوفا بهوى في سواك، ولا متهما في أثرة عليك، ولا ~~ظنينا # 9 # على دخلة مكروهة، ولا منسوبا إلى بدعة محذورة؛ فيقدح في ملكك، ~~ويربض # 10 # الأمور لغيرك؛ ثم تسند إليه أمورهم، وتفوض إليه حربهم، وتأمره في عهدك ~~ووصيتك إياه بلزوم أمرك ما لزمه الحزم، وخلاف نهيك إذا خالفه الرأي عند استحالة ~~الأمور، واشتداد الأحوال التي ينقض أمر الغائب عنها، ويثبت رأي الشاهد لها؛ فإنه ~~إذا فعل ذلك فواثب أمرهم من قريب، وسقط عنه ما يأتي من بعيد، تمت الحيلة وقويت ~~المكيدة، ونفذ العمل وأحد النظر، إن شاء الله. # قال الفضل بن العباس: أيها المهدي، إن ولي الأمور وسائس الحروب ربما نحى جنوده، ~~وفرق أمواله في غير ما ضيق أمر حزبه، ولا ضغطة حال اضطرته؛ فيقعد عند الحاجة إليها، ~~وبعد التفرقة لها عديما منها فاقدا لها، لا يثق بقوة، ولا يصول بعدة، ولا يفزع ~~إلى ثقة؛ فالرأي لك أيها المهدي - وفقك الله - أن تعفي خزائنك من الإنفاق للأموال، ~~وجنودك ms530 من مكابدة الأسفار، ومقارعة الأخطار، وتغرير القتال، ولا تسرع للقوم في ~~الإجابة إلى ما يطلبون، والعطاء لما يسألون؛ فيفسد عليك أدبهم، وتجرئ من رعيتك ~~غيرهم؛ ولكن اغزهم بالحيلة، وقاتلهم بالمكيدة، وصارعهم باللين، وخاتلهم بالرفق، ~~وأبرق # 11 # لهم بالقول، وأرعد نحوهم بالفعل؛ وابعث البعوث، # 12 # وجند الجنود، وكتب الكتائب، واعقد الألوية، وانصب الرايات، وأظهر أنك ~~موجه إليهم الجيوش مع أحنق قوادك عليهم، وأسوئهم أثرا فيهم؛ ثم ادسس الرسل، وابثث ~~الكتب، وضع بعضهم على طمع من وعدك، وبعضا على خوف من وعيدك؛ وأوقد بذلك وأشباهه ~~نيران التحاسد فيهم، واغرس أشجار التنافس بينهم، حتى تملأ القلوب من الوحشة، وتنطوي ~~الصدور على البغضة، ويدخل كلا من كل الحذر والهيبة؛ فإن مرام الظفر بالغيلة، ~~والقتال بالحيلة، والمناصبة بالكتب، والمكايدة بالرسل، والمقارعة بالكلام اللطيف ~~المدخل في القلوب، القوي الموقع من النفوس، المعقود بالحجج، الموصول بالحيل، المبني ~~على اللين الذي يستميل القلوب؛ ويسترق العقول والآراء، ويستميل الأهواء، ويستدعي ~~المواتاة، أنفذ من القتال بظبات السيوف وأسنة الرماح؛ كما أن الوالي الذي يستنزل ~~طاعة رعيته بالحيل، ويفرق كلمة عدوه بالمكايدة، أحكم عملا وألطف منظرا وأحسن ~~سياسة من الذي لا ينال ذلك إلا بالقتال، والإتلاف للأموال والتغرير ~~والخطار. # 13 # وليعلم المهدي أنه إن وجه لقتالهم رجلا لم يسر لقتالهم إلا بجنود كثيفة، تخرج عن ~~حال شديدة، وتقدم على أسفار ضيقة، وأموال متفرقة، وقواد غششة؛ إن ائتمنهم استنفدوا ~~ما له، وإن استنصحهم كانوا عليه لا له. # قال المهدي: هذا رأي قد أسفر نوره، وأبرق ضوءه، وتمثل صوابه للعيون، ومجد حقه في ~~القلوب، ولكن فوق كل ذي علم عليم؛ ثم نظر إلى ابنه علي فقال: ما تقول؟ # قال علي: أيها المهدي، إن أهل خراسان لم يخلعوا عن طاعتك، ولم ينصبوا من دونك ~~أحدا يقدح في تغيير ملكك، ويربض الأمور لفساد دولتك؛ ولو فعلوا لكان الخطب أيسر، ~~والشأن أصغر والحال أدل، لأن الله مع حقه الذي لا يخذله، وعند موعده الذي لا يخلفه، ~~ولكنهم قوم من رعيتك، وطائفة من شيعتك الذين جعلك الله ms531 عليهم واليا، وجعل العدل ~~بينك وبينهم حاكما، طلبوا حقا، وسألوا إنصافا، فإن أجبت إلى دعوتهم ~~ونفست # 14 # عنهم قبل أن يتلاحم منهم حال، أو يحدث من عندهم فتق، أطعت أمر الرب، ~~وأطفأت نائرة # 15 # الحرب، ووفرت خزائن المال، وطرحت تغرير القتال، وحمل الناس محمل ذلك ~~على طبيعة جودك، وسجية حلمك، وإسجاح # 16 # خليقتك، ومعدلة نظرك، فأمنت أن تنسب إلى ضعف، وأن يكون ذلك فيما بقي ~~دربة؛ وإن منعتهم ما طلبوا ولم تجبهم إلى ما سألوا، اعتدلت بك وبهم الحال، وساويتهم ~~في ميدان الخطاب؛ فما أرب المهدي أن يعمد إلى طائفة من رعيته، مقرين بمملكته، ~~مذعنين لطاعته، لا يخرجون أنفسهم عن قدرته، ولا يبرئونها من عبوديته، فيملكهم ~~أنفسهم ويخلع نفسه عنهم، ويقف على الحيل معهم، ثم يجازيهم السوء في حد المنازعة ~~ومضمار المخاطرة؛ أيريد المهدي - وفقه الله - الأموال؟ فلعمري لا ينالها ولا يظفر ~~بها إلا بإنفاق أكثر منها، مما يطلب منهم وأضعاف ما يدعي قبلهم، ولو نالها فحملت ~~إليه، أو وضعت بخرائطها # 17 # بين يديه، ثم تجافى لهم عنها وطال عليهم بها، لكان مما إليه ينسب وبه ~~يعرف من الجود الذي طبعه الله عليه، وجعل قرة عينه ونهمة نفسه فيه. # فإن قال المهدي: هذا رأي مستقيم سديد في أهل الخراج الذين شكوا ظلم عمالنا، ~~وتحامل ولاتنا؛ فأما الجنود الذين نقضوا مواثيق العهود، وأنطقوا لسان ~~الإرجاف # 18 # وفتحوا باب المعصية، وكسروا قيد الفتنة، فقد ينبغي لهم أن أجعلهم ~~نكالا لغيرهم وعظة لسواهم؛ فيعلم المهدي أنه لو أتى بهم مغلولين في الحديد، مقرنين ~~في الأصفاد؛ ثم اتسع لحقن دمائهم عفوه، ولإقالة عثرتهم صفحه؛ واستبقاهم لما هم فيه ~~من حزبه، أو لمن بإزائهم من عدوه، لما كان بدعا من رأيه، ولا مستنكرا من نظره، ~~لقد علمت العرب أنه أعظم الخلفاء والملوك عفوا، وأشدها وقعا، وأصدقها صولة؛ وأنه ~~لا يتعاظمه عفو، ولا يتكاءده # 19 # صفح، وإن عظم الذنب وجل الخطب، فالرأي للمهدي - وفقه الله تعالى - أن ~~يحل عقدة الغيظ بالرجاء لحسن ثواب الله في العفو ms532 عنهم، وأن يذكر أولى حالاتهم وضيعة ~~عيالاتهم، برا بهم وتوسعا لهم؛ فإنهم إخوان دولته، وأركان دعوته، وأساس حقه ~~الذين بعزتهم يصول، وبحجتهم يقول، وإنما مثلهم فيما دخلوا فيه من مساخطه، وتعرضوا ~~له من معاصيه، وانطووا فيه عن إجابته، ومثله في قلة ما غير ذلك من رأيه فيهم، أو ~~نقل من حاله لهم، أو تغير من نعمته بهم، كمثل رجلين أخوين متناصرين متآزرين، أصاب ~~أحدهما خبل عارض، ولهو حادث، فنهض إلى أخيه بالأذى، وتحامل عليه بالمكروه، فلم يزدد ~~أخوه إلا رقة له ولطفا به، واحتيالا لمداواة مرضه ومراجعة حاله؛ عطفا عليه ~~وبرا به ومرحمة له. # فقال المهدي: أما علي فقد كوى سمت اللبان، وفض القلوب في أهل خراسان، ولكل نبأ ~~مستقر، ثم قال: ما ترى يا أبا محمد؟ يعني موسى ابنه. # فقال موسى: أيها المهدي، لا تسكن إلى حلاوة ما يجري من القول على ألسنتهم، وأنت ~~ترى الدماء تسيل من خلل فعلهم؛ الحال من القوم ينادي بمضمرة شر، وخفية حقد؛ قد ~~جعلوا المعاذير عليها سترا، واتخذوا العلل من دونها حجابا؛ رجاء أن يدفعوا الأيام ~~بالتأخير، والأمور بالتطويل؛ فيكسروا حيل المهدي فيهم، ويفنوا جنوده عنهم حتى ~~يتلاحم أمرهم، وتتلاحق مادتهم، وتستفحل حربهم، وتستمر الأمور بهم؛ والمهدي من قولهم ~~في حال غرة ولباس أمنة، قد فتر لها وأنس بها وسكن إليها؛ ولولا ما اجتمعت به ~~قلوبهم، وبردت عليه جلودهم من المناصبة بالقتال، والإضمار للقراع عن داعية ضلال، أو ~~شيطان فساد، لرهبوا عواقب أخبار الولاة، وغب سكون الأمور؛ فليشدد المهدي - وفقه ~~الله - أزره لهم ويكتب كتائبه نحوهم، وليضع الأمر على أشد ما يحضره فيهم، وليوقن ~~أنه لا يعطيهم خطة يريد بها صلاحهم إلا كانت دربة إلى فسادهم، وقوة على معصيتهم، ~~وداعية إلى عودتهم؛ وسببا لفساد من بحضرته من الجنود، ومن ببابه من الوفود، الذين ~~إن أقرهم وتلك العادة، وأجراهم على ذلك الأرب، ولم يبرح في فتق حادث وخلاف حاضر؛ لا ~~يصلح عليه دين، ولا تستقيم به دنيا؛ وإن طلب تغييره بعد استحكام العادة، واستمرار ms533 ~~الدربة، لم يصل إلى ذلك إلا بالعقوبة المفرطة، والمئونة الشديدة، والرأي للمهدي - ~~وفقه الله - ألا يقيل عثرتهم، ولا يقبل معذرتهم، حتى تطأهم الجيوش، وتأخذهم السيوف، ~~ويستحر # 20 # بهم القتل، ويحدق بهم الموت، ويحيط بهم البلاء، ويطبق عليهم الذل؛ فإن ~~فعل المهدي بهم ذلك، كان مقطعة لكل عادة سوء فيهم، وهزيمة لكل بادرة شر منهم، ~~واحتمال المهدي مئونة غزوتهم هذه يضع عنه غزوات كثيرة، ونفقات عظيمة. # قال المهدي: قد قال القوم فاحكم يا أبا الفضل. # فقال العباس بن محمد: أيها المهدي: أما الموالي فأخذوا بفروع الرأي، وسلكوا جنبات ~~الصواب، وتعدوا أمورا قصر بنظرهم عنها أنه لم تأت تجاربهم عليها. # وأما الفضل فأشار بالأموال ألا تنفق، والجنود ألا تفرق، وبألا يعطي القوم ما ~~طلبوا، ولا يبذل لهم ما سألوا، وجاء بأمر بين ذلك استصغارا لأمرهم واستهانة ~~بحربهم؛ وإنما يهيج جسيمات الأمور صغارها. # وأما علي فأشار باللين وإفراط الرفق، وإذا جرد الوالي لمن غمط # 21 # أمره وسفه حقه، اللين بحتا والخير محضا، لم يخلطهما بشدة تعطف القلوب ~~عن لينه، ولا بشر يحبسهم إلى خيره، فقد ملكهم الخلع لعذرهم # 22 # ووسع لهم الفرجة لثنى أعناقهم؛ فإن أجابوا دعوته وقبلوا لينه من غير ~~خوف اضطرهم ولا شدة، فنزوة # 23 # في رءوسهم يستدعون بها البلاء إلى أنفسهم، ويستصرخون بها رأي المهدي ~~فيهم؛ وإن لم يقبلوا دعوته ويسرعوا لإجابته باللين المحض والخير الصراح، فذلك ما ~~عليه الظن بهم والرأي فيهم، وما قد يشبه أن يكون من مثلهم، لأن الله تعالى خلق ~~الجنة وجعل فيها من النعيم المقيم والملك الكبير ما لا يخطر على قلب بشر ولا تدركه ~~الفكر ولا تعلمه نفس؛ ثم دعا الناس إليها ورغبهم فيها، فلولا أنه خلق نارا جعلها ~~لهم رحمة يسوقهم بها إلى الجنة، لما أجابوا لا قبلوا. # وأما موسى فأشار بأن يعصبوا # 24 # بشدة لا لين فيها، وأن يرموا بشر لا خير معه، وإذا أضمر الوالي لمن ~~فارق طاعته، وخالف جماعته، الخوف مفردا، والشر مجردا، ليس معهما طمع ولا لين ~~يثنيهم، اشتدت ms534 الأمور بهم، وانقطعت الحال منهم إلى أحد أمرين: إما أن تدخلهم الحمية ~~من الشدة، والأنفة من الذلة، والامتعاض من القهر؛ فيدعهم ذلك إلى التمادي في ~~الخلاف، والاستبسال في القتال، والاستسلام للموت؛ وإما أن ينقادوا بالكره، ويذعنوا ~~بالقهر على بغضة لازمة، وعدواة باقية، تورث النفاق وتعقب الشقاق؛ فإذا أمكنتهم ~~فرصة، أو ثابت لهم قدرة، أو قويت لهم حال؛ عاد أمرهم إلى أصعب وأغلظ وأشد مما ~~كان. # وقال في قول الفضل: أيها المهدي، أكفى دليل، وأوضح برهان، وأبين خبر بان؛ قد أجمع ~~رأيه وحزم نظره على الإرشاد ببعثة الجيوش إليهم، وتوجيه البعوث نحوهم، مع إعطائهم ~~ما سألوا من الحق، وإجابتهم إلى ما سألوه من العدل. # قال المهدي: ذلك رأى. # قال هارون: ما خلطت الشدة أيها المهدي باللين، وانتظم أمر الدنيا بالدين، فصارت ~~الشدة أمر فطام # 25 # لما تكره، وعاد اللين أهدى قائد إلى ما تحب؛ ولكن أرى غير ذلك. # قال المهدي: لقد قلت قولا بديعا، خالفت فيه أهل بيتك جميعا؛ والمرء مؤتمن بما ~~قال، وظنين # 26 # بما ادعى حتى يأتي ببينة عادلة، وحجة ظاهرة، فاخرج عما قلت. # قال هارون: أيها المهدي، إن الحرب خدعة، والأعاجم قوم مكرة؛ وربما اعتدلت الحال ~~بهم، واتفقت الأهواء منهم؛ فكان باطن ما يسرون على ظاهر ما يعلنون، وربما افترقت ~~الحالان، وخالف القلب اللسان، فانطوى القلب على محجوبة تبطن، واستسر بمدخولة لا ~~تعلن؛ والطبيب الرفيق بطبه، البصير بأمره، العالم بمقدم يده وموضع ميسمه؛ # 27 # لا يتعجل بالدواء، حتى يقع على معرفة الداء، فالرأي للمهدي - وفقه الله ~~- أن يفر باطن أمرهم فر # 28 # المسنة، ويمخض ظاهر حالهم مخض السقاء بمتابعة الكتب، ومظاهرة الرسل، ~~وموالاة العيون، حتى تهتك حجب عيونهم، وتكشف أغطية أمورهم؛ فإن انفرجت الحال، وأفضت ~~الأمور به إلى تغيير حال أو داعية ضلال، اشتملت الأهواء عليه، وانقاد الرجال إليه، ~~وامتدت الأعناق نحوه بدين يعتقدونه، وإثم يستحلونه، عصبهم بشدة لا لين فيها، ورماهم ~~بعقوبة لا عفو معها، وإن انفرجت العيون، واهتصرت الستور، ورفعت الحجب، والحال فيهم ~~مريعة، والأمور بهم ms535 معتدلة في أرزاق يطلبونها، وأعمال ينكرونها، وظلامات يدعونها، ~~وحقوق يسألونها، بماتة # 29 # سابقتهم، ودالة مناصحتهم؛ فالرأي للمهدي - وفقه الله - أن يتسع لهم بما ~~طلبوا، ويتجلى لهم عما كرهوا، ويشعب من أمرهم ما صدعوا، ويرتق من فتقهم ما قطعوا، ~~ويولي عليهم من أحبوا؛ ويداوي بذلك مرض قلوبهم، وفساد أمورهم؛ فإنما المهدي وأمته، ~~وسواد أهل مملكته، بمنزلة الطبيب الرفيق، والوالد الشفيق، والراعي المجرب الذي ~~يحتال لمرابض غنمه، وضوال رعيته، حتى يبرئ المريضة من داء علتها ويرد الصحيحة إلى ~~أنس جماعتها؛ ثم إن خرسان بخاصة الدين لهم دالة محمولة، وماتة مقبولة، ووسيلة ~~معروفة، وحقوق واجبة؛ لأنهم أيدي دولته، وسيوف دعوته، وأنصار حقه، وأعوان عدله؛ ~~فليس من شأن المهدي الاضطغان عليهم، ولا المؤاخذة لهم، ولا التوغير # 30 # بهم، ولا المكافأة بإساءتهم، لأن مبادرة حسم الأمور ضعيفة قبل أن تقوى، ~~ومحاولة قطع الأصول ضئيلة قبل أن تغلظ، أحزم في الرأي، وأصح في التدبير من التأخير ~~لها والتهاون بها، حتى يلتئم قليلها بكثيرها، وتجتمع أطرافها إلى جمهورها. # قال المهدي: ما زال هارون يقع وقع الحيا حتى خرج خروج القدح من الماء، وانسل ~~انسلال السيف فيما ادعى، فدعوا ما سبق موسى فيه أنه هو الرأي، وثنى بعده هارون، ~~ولكن من لأعنة الخيل وسياسة الحرب وقادة الناس إن أمعن بهم اللجاج، وأفرط بهم ~~الدالة؟ # قال صالح: لسنا نبلغ أيها المهدي بدوام البحث وطول الفكر أدنى فراسة رأيك، وبعض ~~لحظات نظرك؛ وليس ينفض عنك من بيوتات العرب ورجال العجم ذو دين فاضل، ورأى كامل، ~~وتدبير قوي؛ تقلده حربك، وتستودعه جندك، ممن يحتمل الأمانة العظيمة، ويضطلع ~~بالأعباء الثقيلة؛ وأنت بحمد الله ميمون النقيبة، # 31 # مبارك العزيمة، مخبور التجارب، محمود العواقب، معصوم العزم؛ فليس يقع ~~اختيارك، ولا يقف نظرك على أحد توليه أمرك، وتسند إليه ثغرك، إلا أراك الله ما تحب، ~~وجمع لك منه ما تريد. # قال المهدي: إني لأرجو ذلك لقديم عادة الله فيه، وحسن معونته عليه؛ ولكن أحب ~~الموافقة على الرأي، والاعتبار للمشاورة في الأمر المهم. # قال محمد بن ms536 الليث: أهل خراسان أيها المهدي، قوم ذوو عزة ومنعة، وشياطين خدعة؛ ~~زروع الحمية فيهم ثابتة، وملابس الأنفة عليهم ظاهرة؛ فالروية عنهم عازبة، # 32 # والعجلة فيهم حاضرة؛ تسبق سيولهم مطرهم، وسيوفهم عذلهم، # 33 # لأنهم بين سفلة لا يعدو مبلغ عقولهم منظر عيونهم، وبين رؤساء لا يلجمون ~~إلا بشدة، ولا يفطمون إلا بالمر؛ وإن ولي المهدي عليهم وضيعا لم تنقد له العظماء، ~~وإن ولي أمرهم شريفا تحامل على الضعفاء؛ وإن أخر المهدي أمرهم، ودافع حربهم، حتى ~~يصيب لنفسه من حشمه ومواليه، أو بني عمه أو بني أبيه؛ ناصحا يتفق عليه أمرهم، وثقة ~~تجتمع له أملاؤهم بلا أنفة تلزمهم، ولا حمية تدخلهم، ولا مصيبة تنفرهم؛ تنفست ~~الأيام بهم، وتراخت الحال بأمرهم؛ فدخل بذلك من الفساد الكبير، والضياع العظيم، ما ~~لا يتلافاه صاحب هذه الصفة وإن جد، ولا يستصلحه وإن جهد، إلا بعد دهر طويل وشر ~~كبير؛ وليس المهدي - وفقه الله - فاطما عاداتهم، ولا قارعا صفاتهم، بمثل أحد ~~رجلين لا ثالث لهما، ولا عدل في ذلك بهما: أحدهما لسان ناطق موصول بسمعك، ويد ممثلة ~~لعينك، وصخرة لا تزعزع، وبهمة لا يثنى؛ وبازل لا يفزعه صوت الجلجل، نقي العرض، نزيه ~~النفس، جليل الخطر، قد اتضعت الدنيا عن قدره، وسما نحو الآخرة بهمته، فجعل الغرض ~~الأقصى لعينه نصبا، والغرض الأدنى لقدمه موطئا؛ فليس يقبل عملا، ولا يتعدى ~~أملا؛ وهو رأس مواليك، وأنصح بني أبيك؛ رجل قد غذي بلطيف كرامتك، ونبت في ظل ~~دولتك، ونشأ على قوائم أدبك؛ فإن قلدته أمرهم، وحملته ثقلهم، وأسندت إليه ثغرهم؛ ~~كان قفلا فتحه أمرك، وبابا أغلقه نهيك؛ فجعل العدل عليه وعليهم أميرا، والإنصاف ~~بينه وبينهم حاكما؛ وإذا حكم النصفة وسلك المعدلة، فأعطاهم ما لهم وأخذ منهم ما ~~عليهم، غرس في الذي لك بين صدورهم، وأسكن لك في السويداء داخل قلوبهم، طاعة راسخة، ~~باسقة الفروع، متماثلة في حواشي عوامهم، متمكنة من قلوب خواصهم؛ فلا يبقى فيهم ريب ~~إلا نفوه، ولا يلزمهم حق إلا أدوه؛ وهذا أحدهما. # والآخر عود من غيضتك؛ ونبعة من ms537 أرومتك، فتي السن كهل الحلم راجح العقل محمود ~~الصرامة مأمون الخلاف؛ يجرد فيهم سيفه، ويبسط عليهم خيره بقدر ما يستحقون، وعلى حسب ~~ما يستوجبون؛ وهو فلان أيها المهدي؛ فسلطه - أعزك الله - عليهم، ووجهه بالجيوش ~~إليهم، ولا تمنعك ضراعة # 34 # سنه، وحداثة مولده؛ فإن الحلم والثقة مع الحداثة، خير من الشك والجهل ~~مع الكهولة؛ وإنما أحداثكم أهل البيت فيما طبعكم الله عليه، واختصكم به من مكارم ~~الأخلاق، ومحامد الفعال، ومحاسن الأمور، وصواب التدبير، وصرامة الأنفس؛ كفراخ ~~عتاق # 35 # الطير المحكمة لأخذ الصيد بلا تدريب، والعارفة لوجوه النفع بلا تأديب؛ ~~فالحلم والعلم والعزم والحزم والجود والتؤدة والرفق ثابت في صدوركم، مزروع في ~~قلوبكم، مستحكم لكم، متكامل عندكم، بطبائع لازمة، وغرائز ثابتة. # قال معاوية بن عبد الله: إفتاء أهل بيتك أيها المهدي في الحلم على ما ذكر. وأهل ~~خراسان في حال عز على ما وصف، ولكن إن ولى المهدي عليهم رجلا ليس بقديم الذكر في ~~الجنود، ولا بنبيه الصوت في الحروب، ولا بطويل التجربة للأمور، ولا بمعروف السياسة ~~للجيوش والهيبة في الأعداء؛ دخل ذلك أمران عظيمان وخطران مهولان، أحدهما: أن ~~الأعداء يغتمزونها منه ويحتقرونها فيه، ويجترئون بها عليه في النهوض به والمقارعة ~~له، والخلاف عليه، قبل الاختبار لأمره، والتكشف لحاله والعلم بطباعه. والأمر الآخر: ~~أن الجنود التي يقود والجيوش التي يسوس إذا لم يختبروا منه البأس والنجدة، ولم ~~يعرفوه بالصيت والهيبة، انكسرت شجاعتهم، وماتت نجدتهم، واستأخرت طاعتهم إلى حين ~~اختبارهم، ووقوع معرفتهم؛ وربما وقع البوار قبل الاختبار؛ وبباب المهدي - وفقه الله ~~- رجل مهيب نبيه حنيك صيت؛ له نسب زاك وصوت عال، قد قاد الجيوش وساس الحروب، وتألف ~~أهل خراسان، واجتمعوا عليه بالمقة، ووثقوا به كل الثقة؛ فلو ولاه المهدي أمرهم، ~~لكفاه الله شرهم. # قال المهدي: جانبت قصد الرمية، وأبيت إلا عصبية؛ إذ رأي الحدث من أهل بيتنا، كرأي ~~عشرة حلماء من غيرنا؛ ولكن أين تركتم ولي العهد. # قالوا: لم يمنعنا من ذكره إلا كونه شبيه جده، ونسيج وحده؛ ومن الدين وأهله، بحيث ~~يقصر ms538 القول عن أدنى فضله؛ ولكن وجدنا الله عز وجل حجب عن خلقه، وستر من دون عباده ~~علم ما تختلف به الأيام، ومعرفة ما تجري عليه المقادير، من حوادث الأمور وريب ~~المنون المخترمة لخوالي القرون ومواضي الملوك، فكرهنا شسوعه # 36 # عن محلة الملك ودار السلطان ومقر الإمامة والولاية وموضع المدائن ~~والخزائن، ومستقر الجنود ومعدن الجود؛ ومجمع الأموال التي جعلها الله قطبا لدار ~~الملك ومصيدة لقلوب الناس ومثابة لإخوان الطمع وثوار الفتن، ودواعي البدع وفرسان ~~الضلال وأبناء الموت. وقلنا: إن وجه المهدي ولي عهده فحدث في جيوشه وجنوده ما قد ~~حدث بجنود الرسل من قبله، لم يستطع المهدي أن يعقبهم بغيره إلا أن ينهد إليهم ~~بنفسه؛ وهذا خطر عظيم وهول شديد، إن تنفست الأيام بمقامه، واستدارت الحال بإمامه، ~~حتى يقع عوض لا يستغنى عنه، أو يحدث أمر لا بد منه، صار ما بعده مما هو أعظم هولا ~~وأجل خطرا له تبعا وبه متصلا. # قال المهدي: الخطب أيسر مما تذهبون إليه، وعلى غير ما تصفون الأمر عليه؛ نحن أهل ~~البيت نجري من أسباب القضايا ومواقع الأمور، على سابق من العلم ومحتوم من الأمر؛ قد ~~أنبأت به الكتب، ونبأت عليه الرسل؛ وقد تناهى ذلك بأجمعه إلينا؛ وتكامل بحذافيره ~~عندنا؛ فبه ندبر وعلى الله نتوكل. إنه لا بد لولي عهدي وولي عهد عقبي بعدي أن يقود ~~إلى خراسان البعوث، ويتوجه نحوها بالجنود. # أما الأول فإنه يقدم إليهم رسله، ويعمل فيهم حيله؛ ثم يخرج نشطا إليهم حنقا ~~عليهم، يريد ألا يدع أحدا من إخوان الفتن ودواعي البدع وفرسان الضلال، إلا توطأه ~~بحر القتل، وألبسه قناع القهر، وقلده طوق الذل؛ ولا أحدا من الذين عملوا في قص ~~جناح الفتنة، وإخماد نار البدعة، ونصرة ولاة الحق، إلا أجرى عليهم ديم فضله، وجداول ~~نهله؛ فإذا خرج مزمعا به مجمعا عليه ، لم يسر إلا قليلا حتى تأتيه أن قد عملت ~~حيله، وكدحت # 37 # كتبه ونفذت مكايده؛ فهدأت نافرة القلوب، ووقعت # 38 # طائرة الأهواء، واجتمع عليه المختلفون بالرضا؛ فيميل نظرا لهم، ms539 وبرا بهم، وتعطفا عليهم، إلى عدو قد ~~أخاف سبيلهم، وقطع طريقهم، ومنع حجاجهم بيت الله الحرام، وسلب تجارهم رزق الله ~~الحلال. # وأما الآخر فإنه يوجه إليهم، ثم تعتقد له الحجة عليهم، بإعطاء ما يطلبون، وبذل ما ~~يسألون؛ فإذا سمحت الفرق بقراباتها له، وجنح أهل النواحي بأعناقهم نحوه؛ فأصغت إليه ~~الأفئدة، واجتمعت له الكلمة؛ وقدمت عليه الوفود قصد لأول ناحية نجعت بطاعتها وألقت ~~بأزمتها؛ فألبسها جناح نعمته، وأنزلها ظل كرامته، وخصها بعظيم حبائه؛ ثم عم الجماعة ~~بالمعدلة، وتعطف عليهم بالرحمة؛ فلا تبقى فيهم ناحية دانية ولا فرقة قاصية، إلا ~~دخلت عليها بركته، ووصلت إليها منفعته؛ فأغنى فقيرها، وجبر كسيرها، ورفع وضيعها، ~~وزاد رفيعها ما خلا ناحيتين؛ ناحية يغلب عليها الشقاء، وتستميلهم الأهواء، فتستخف ~~بدعوته، وتبطئ عن إجابته، وتتثاقل عن حقه، فتكون آخر من يبعث وأبطأ من يوجه؛ فيصطلي ~~عليها موجدة ويبتغي لها علة، لا يلبث أن يجد بحق يلزمهم وأمر يجب عليهم، فتستلحمهم ~~الجيوش، وتأكلهم السيوف، ويستحر بهم القتل، ويحيط بهم الأسر، ويفنيهم التتبع؛ حتى ~~يخرب البلاد، ويوتم الأولاد؛ وناحية لا يبسط لهم أمانا، ولا يقبل لهم عهدا ولا ~~يجعل لهم ذمة؛ لأنهم أول من فتح باب الفرقة، وتدرع جلباب الفتنة، وربض في شق العصا؛ ~~ولكنه يقتل أعلامهم، ويأسر قوادهم؛ ويطلب هرابهم في لجج البحار، وقلل الجبال، وخمل ~~الأودية، وبطون الأرض، تقتيلا وتغليلا وتنكيلا؛ حتى يدع الديار خرابا، والنساء ~~أيامى؛ وهذا أمر لا نعرف له في كتبنا وقتا، ولا نصحح منه غير ما قلنا ~~تفسيرا. # وأما موسى ولي عهدي فهذا أوان توجهه إلى خراسان، وحلوله بجرجان؛ وما قضى الله له ~~من الشخوص إليها، والمقام فيها، خير للمسلمين مغبة، وله بإذن الله عاقبة من المقام، ~~بحيث يغمر في لجج بحورنا، ومدافع سيولنا، ومجامع أمواجنا؛ فيتصاغر عظيم فضله، ~~ويتذأب، # 39 # مشرق نوره، وتقلل كثير ما هو كائن منه؛ فمن يصحبه من الوزراء ويختار له ~~من الناس. # قال محمد بن الليث: أيها المهدي: إن ولي عهدك أصبح لأمتك وأهل ملتك علما، قد تثنت ~~نحوه ms540 أعناقها، ومدت سمته أبصارها؛ وقد كان لقرب داره منك، ومحل جواره لك، عطل الحال ~~غفل الأمر واسع العذر؛ فأما إذا انفرد بنفسه وخلا بنظره وصار إلى تدبيره، فإن من ~~شأن العامة أن تتفقد # 40 # مخارج رأيه، وتستنصت لمواقع آثاره، وتسأل عن حوادث أحواله في بره ~~ومرحمته وإقساطه ومعدلته وتدبيره وسياسته ووزرائه وأصحابه؛ ثم يكون ما سيق إليهم ~~أغلب الأشياء عليهم وأملك # 41 # الأمور بهم وألزمها لقلوبهم، وأشدها استمالة لرأيهم وعطفا لأهوائهم؛ ~~فلا يفتأ المهدي - وفقه الله - ناظرا له فيما يقوي عمد مملكته، ويسدد أركان ~~ولايته، ويستجمع رضا أمته بأمر هو أزين لحاله وأظهر لجماله، وأفضل مغبة لأمره؛ وأجل ~~موقعا في قلوب رعيته، وأحمد حالا في نفوس أهل ملته؛ ولا أدفع مع ذلك باستجماع ~~الأهواء له، وأبلغ في استعطاف القلوب عليه، من مرحمة تظهر من فعله، ومعدلة تنتشر عن ~~أثره ومحبة للخير وأهله، وأن يختار المهدي - وفقه الله - من خيار أهل كل بلدة، ~~وفقهاء أهل كل مصر؛ أقواما تسكن إليهم العامة إذا ذكروا، وتأنس الرعية بهم إذا ~~وصفوا؛ ثم تسهل لهم عمارة سبل الإحسان وفتح باب المعروف، كما قد كان فتح له وسهل ~~عليه. # قال المهدي: صدقت ونصحت، ثم بعث في ابنه موسى فقال: أي بني، إنك قد أصبحت ~~لسمت # 42 # وجوه العامة نصبا، ولمثنى أعطاف # 43 # الرعية غاية؛ فحسنتك شاملة، وإساءتك نائية، وأمرك ظاهر؛ فعليك بتقوى ~~الله وطاعته، فاحتمل سخط الناس فيهما، ولا تطلب رضاهم بخلافهما؛ فإن الله عز وجل ~~كافيك من أسخطه عليك إيثارك رضاه، وليس بكافيك من يسخطه عليك إيثارك رضا من سواه. ~~ثم اعلم أن لله تعالى في كل زمان فترة من رسله، وبقايا من صفوة خلقه وخبايا لنصرة ~~حقه، يجدد حبل الإسلام بدعواهم، ويشيد أركان الدين بنصرتهم؛ ويتخذ لأولياء دينه ~~أنصارا، وعلى إقامة عدله أعوانا؛ يسدون الخلل ويقيمون الميل، ويدفعون عن الأرض ~~الفساد؛ وإن أهل خراسان أصبحوا أيدي دولتنا، وسيوف دعوتنا الذين نستدفع المكاره ~~بطاعتهم، ونستصرف نزول العظائم بمناصحتهم؛ وندافع ريب الزمان بعزائمهم، ونزاحم ركن ~~الدهر ms541 ببصائرهم؛ فهم عماد الأرض إذا أرجفت كنفها، # 44 # وخوف الأعداء إذا برزت صفحتها، وحصون الرعية إذا تضايقت الحال بها؛ قد ~~مضت لهم وقائع صادقات، ومواطن صالحات؛ أخمدت نيران الفتن، وقسمت دواعي البدع، وأذلت ~~رقاب الجبارين ولم ينفكوا كذلك ما جروا مع ريح دولتنا، وأقاموا في ظل دعوتنا، ~~واعتصموا بحبل طاعتنا؛ التي أعز الله بها ذلتهم ورفع بها ضعتهم؛ وجعلهم بها أربابا ~~في أقطار الأرض، وملوكا على رقاب العالمين بعد لباس الذل، وقناع الخوف، وإطباق ~~البلاء ومحالفة الأسى، وجهد البأس والضر؛ فظاهر عليهم لباس كرامتك، وأنزلهم في ~~حدائق نعمتك؛ ثم اعرف له حق طاعتهم، ووسيلة دالتهم، وماتة سابقتهم، وحرمة مناصحتهم؛ ~~بالإحسان إليهم، والتوسعة عليهم، والإثابة لمحسنهم، والإقالة لمسيئهم. # أي بني، ثم عليك العامة فاستدع رضاها بالعدل عليها، واستجلب مودتها بالإنصاف لها؛ ~~وتحسن بذلك لربك، وتوثق به في عين رعيتك، واجعل عمال العذر وولاة الحجج مقدمة بين ~~عملك، ونصفة منك لرعيتك، وذلك أن تأمر قاضي كل بلد، وخيار أهل كل مصر، أن يختاروا ~~لأنفسهم رجلا توليه أمرهم، وتجعل العدل حاكما بينه وبينهم؛ فإن أحسن حمدت، وإن ~~أساء عذرت. هؤلاء عمال العذر وولاة الحجج، فلا يسقطن عليك ما في ذلك إذا انتشر في ~~الآفاق، وسبق إلى الأسماع، من انعقاد ألسنة المرجفين، وكبت قلوب الحاسدين، وإطفاء ~~نيران الحروب، وسلامة عواقب الأمور؛ ولا ينفكن في ظل كرامتك نازلا، وبعرا حبلك ~~متعلقا رجلان: أحدهما كريمة # 45 # من كرائم رجالات العرب، وأعلام بيوتات الشرف؛ له أدب فاضل، وحلم راجح، ~~ودين صحيح. والآخر له دين غير مغموز، # 46 # وموضع غير مدخول، بصير بتقليب الكلام وتصريف الرأي وإنحاء العرب ووضع ~~الكتب، عالم بحالات الحروب وتصاريف الخطوب؛ يضع آدابا نافعة وآثارا باقية، من ~~محاسنك وتحسين أمرك وتحلية ذكرك؛ فتستشيره في حربك، وتدخله في أمرك؛ فرجل أصبته ~~كذلك فهو يأوي إلى محلتي، ويرعى في خصرة جناني؛ ولا تدع أن تختار لك من فقهاء ~~البلدان، وخيار الأمصار، أقواما يكونون جيرانك وسمارك، وأهل مشاورتك فيما تورد، ~~وأصحاب مناظرتك فيما تصدر. فسر على بركة ms542 الله، أصحبك الله من عونه وتوفيقه دليلا ~~يهدي إلى الصواب قلبك، وهاديا ينطق بالخير لسانك. وكتب في شهر ربيع الآخر سنة ~~سبعين ومائة ببغداد. ~~(2) رسالة أبي الربيع محمد بن الليث التي كتبها للرشيد إلى قسطنطين ملك ~~الروم # من عبد الله هارون الرشيد أمير المؤمنين إلى قسطنطين عظيم الروم: سلام على من ~~اتبع الهدى، فإني أحمد الله الذي لا شريك معه، ولا ولد له، ولا إله غيره، الذي ~~تعالى عن شبه المحدودين بعظمته، واحتجب دون المخلوقين بعزته، فليست الأبصار بمدركة ~~له، ولا الأوهام بواقعة عليه، انفرادا عن الأشياء أن يشبهها، وتعاليا أن يشبهه ~~شيء منها، وهو الواحد القهار، الذي ارتفع عن مبالغ صفات القائلين، ومذاهب لغات ~~العالمين، وفكر الملائكة المقربين، فليس كمثله شيء، وله كل شيء، وهو على كل شيء ~~قدير. # أما بعد، فإن الله جل ثناؤه وتباركت أسماؤه، قال لنبيه # صلى الله عليه وسلم # فيما أنزل من ~~آيات الوحي إليه: # ادع إلى سبيل ربك بالحكمة ~~والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ~~ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم ~~بالمهتدين ~~. فرأى أمير المؤمنين من أحسن قوله وأفضل فعله، أن ~~يكون إلى سبيل ربه داعيا، وبرسوله # صلى الله عليه وسلم # متأسيا، ولقوله: # ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال ~~إنني من المسلمين # موافقا. وكنت من كتب الله المنزلة، ~~وآياته المفسرة، وخلقه الكثير بحيث رجا أمير المؤمنين استماعك لموعظته؛ وانتفاعك ~~بمجادلته انتفاع بشر كثير وخلق عظيم قد بؤت بأوزارهم مع وزرك، واحتملت من آثامهم ~~إلى إثمك، فأحب أن يدعوك ومن رجا أن ينتفع بدعوته معك، إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ~~ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله؛ ~~فإن توليتم عن ذلك رغبة عنه، أو تركتموه زهادة فيه، فاشهدوا بأنا مسلمون. واستمعوا ~~ما أمير المؤمنين واصف لكم، ومحتج به إن شاء الله عليكم، بقلوب شاهدة وآذان واعية، ~~ثم اتبعوا أحسن ما تستمعون. ولا قوة إلا بالله. # فإن الله عز ms543 وجل يقول فيما أنزل من كتابه واقتص على عباده: # فبشر عباد * الذين يستمعون القول ~~فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله ~~وأولئك هم أولو الألباب ~~. إن الله تبارك اسمه وتعالى ~~جده، وصف فيما أنزل من آياته، وشرح من بيناته، الأمم الماضية، والقرون الخالية، ~~والملل المتفرقة، الذين يجعلون مع الله آلهة أخرى لا برهان لهم بها، ولا حجة لهم ~~فيها، فقال: # يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ~~ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ~~ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح ~~منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة ~~انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن ~~يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض ~~وكفى بالله وكيلا * لن يستنكف المسيح أن ~~يكون عبدا لله ولا الملائكة ~~المقربون ~~. # قالت العرب الذين يعبدون الملائكة وأهل الكتاب الذين يقولون ثالث ثلاثة بأيتما ~~آية يا محمد تزعم أن الله إله واحد؛ فأنزل الله عز وجل في ذلك آية تشهد لها العقول، ~~وتؤمن بها القلوب، وتعرفها الألباب، فلا تستطيع لها ردا، ولا تطيق لها جحدا، ذكر ~~فيها اتصال خلقه واتفاق صنعه، ليوقن الجاهلون من العرب والضالون من أهل الكتاب، أن ~~إله السماء والأرض، وما بينهما من الهواء والخلق، واحد لا شريك له، خالق لا شيء ~~معه، فقال: # إن في خلق السماوات والأرض ~~واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في ~~البحر بما ينفع الناس ~~. فتفكر في تفسير هذه الآية من كلام ~~الرب عز وجل، وما أوضح فيها من بيان الخلق، فإنه ما من مفكر ينظر فيما ذكر الله ~~فيها مما بين السماء والأرض، إلا رأى من اتصال بعض ذلك ببعض، مثل ما رأى في تدبيره ~~نفسه، وعرف من اتصال خلقه، فيما بين ذوائب شئون رأسه إلى أطراف أنامل قدمه. وفي ذلك ~~أوضح آية وأبين دلالة، على أن الذي خلقه وصنعه إله واحد لا إله معه، ولا من شيء ~~ابتدعه، ولا على مثال صنعه. قد ترون بعيونكم وتعلمون بعقولكم، أن الله ms544 عز وجل خلق ~~للأنام الأرض، وجعلها موصولة بالخلق، فليس يدحوها إلا لهم، ولا يديمها إلا معهم، ~~وجعل ذلك الخلق متصلا بالنبت، لا يقوم إلا به، ولا يصلح إلا عليه. وجعل ذلك النبت ~~الذي جعله متاعا لكم ومعاشا لأنعامكم، متصلا بالماء الذي ينزل من السماء بقدر ~~معلوم، لمعاش مقسوم؛ فليس ينجم النبت إلا به ولا يحيا إلا عنه. وجعل السحاب الذي ~~يبسطه كيف يشاء متصلا بالريح المسخرة في جو السماء تثيره من حيث لا تعلمون، وتسوقه ~~وأنتم تنظرون؛ كما قال عز وجل: # والله الذي أرسل ~~الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت ~~فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور # ووصل الرياح التي يصرفها في جو السماء بما يؤثر في خلق الهواء من الأزمنة التي لا ~~تثبت الهواجر إلا بثباتها، ولا يزول عنه برد إلا بزوالها؛ ولولا ذلك لظل راكدا ~~بالحر المميت، أو ماثلا # 47 # بالبرد القاتل. ووصل الأزمنة التي جعلها متصرفة متلونة بمسير الشمس ~~والقمر الدائبين لكم المختلفين بالليل والنهار عليكم. وجعل مسيرهما الذي لا تعرفون ~~عدد السنين إلا به، ولا مواقع الحساب إلا من قبله، متصلا بدوران الفلك الذي فيه ~~يسبحان، وبه يأفلان؛ ووصل مسير الفلك بالسماء للناظرين سواء. فهذا خلق الله عز وجل، ~~ما فيه تباين ولا تزايل ولا تفاوت؛ كما قال سبحانه وتعالى: # ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت ~~. ولو كان لله شريك ~~أو معه ظهير عليه، يمسك منه ما يرسل، ويرسل منه ما يمسك، أو يؤخر شيئا من ذلك عن ~~وقت زمانه، أو يعجله قبل مجيء إبانه، لتفاوت الخلق، ولتباين الصنع، ولفسدت السموات ~~والأرض، وذهب كل إله بما خلق، كما قال عز وجل - وكذب المبطلين: # بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون * ما ~~اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب ~~كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان ~~الله عما يصفون ~~. # والعجب: كيف يصف مخلوق ربه، أو يجعل معه إلها غيره، وهو يرى فيما ذكر الله من ~~هذه الأشياء صنعة ظاهرة، وحكمة بالغة، ms545 وتأليفا متفقا، وتدبيرا متصلا، من السماء ~~والأرض، لا يقوم بعضه إلا ببعض، متجليا بين يديه، ماثلا نصب عينيه، يناديه إلى ~~صانعه، ويدله على خالقه، ويشهد له على وحدانيته، ويهديه إلى ربوبيته، # فتعالى الله عما يشركون * ~~أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون ~~. حقا ما ~~كرر هؤلاء الجاهلون بربهم الضالون عن أنفسهم، في خلق الله النظر، ولا رجعوا كما قال ~~الله عز وجل الفكر. ولو أعملوا فكرهم وأجهدوا نظرهم، فيما تسمع آذانهم وترى ~~أبصارهم، من حوادث حالات الخلق، وعجائب طبقات الصنع، لوجدوا في أقرب ما يرون ~~بأعينهم: من التأليف لتركيب خلقهم، والأثر في التدبير بصنعهم، ما يدلهم على توحيد ~~ربهم، ويقف بهم على انفراده بخلقهم. فإنهم يرون في أنفسهم بأعينهم ويجدون بقلوبهم، ~~أنها مخلوقة صنعة بعد صنعة، ومحولة طبقة عن طبقة، ومنقولة حالا إلى حال: سلالة من ~~طين، ثم نطفة من ماء مهين، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظما، كساه الله عز وجل لحما، ~~ونفخ فيه روحا، فإذا هو خلق آخر، فتبارك الله أحسن الخالقين، الذي خلق في قرار ~~مكين، من ماء قليل ضعيف ذليل، خلقا صوره بتخطيط، وقدره بتركيب، وألفه بأجزاء ~~متفقة، وأعضاء متصلة، من قدم إلى ساق إلى فخذ إلى ما فوق ذلك: من مفاصل ما يعلن أو ~~عجائب ما يبطن، ليعلم الجاهلون ويوقن الجاحدون، أن الذي صنع ذلك وخلقه ودبره وقدره ~~وهيأ ظاهره وباطنه إله واحد لا شريك معه. فلا يذهبن ذكر هذا صفحا عنكم، ولا تسقط ~~حكمته جهلا عليكم؛ وفكروا في آيات الرسل وبينات النذر، فإن في ذلك فكرا للمبصرين، ~~وبصرا للمعتبرين، وذكرى للعابدين، والحمد لله رب العالمين. # وأمير المؤمنين واصف لكم، ومقتص من ذلك إن شاء الله عليكم، ما فيه شهادات واضحات، ~~وعلامات بينات؛ ومبتدئ بذكر آيات نبينا # صلى الله عليه وسلم # فيما أنزل الله منها في الوحي ~~إليه، فإنه ما أحد يقرع بآيات النبوة قلبه، ويحصن ببينات الهدى عقله، إلا قادته حتى ~~يؤمن بمحمد # صلى الله عليه وسلم ~~، لا يجد إلى إنكار ما جاء به ms546 من الحق سبيلا. فأردت أن تكونوا ~~على علم ومعرفة ويقين وثقة من أمر محمد # صلى الله عليه وسلم # وحقه، وما أنزل إليه من ربه عز ~~وجل. فأحضر كتاب أمير المؤمنين فهمك، وألق إلى ما هو واصف إن شاء الله سمعتك. إن ~~الله عز وجل اصطفى الإسلام لنفسه، واختار له رسلا من خلقه، وابتعث كل رسول بلسان ~~قومه، ليبين لهم ما يتبعون، ويعلمهم ما يجهلون: من توحيد الرب وشرائع الحق: # لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ~~ وكان الله عزيزا حكيما ~~. فلم تزل رسل الله قائمة بأمره، ~~متوالية على حقه، في مواضي الدهور، وخوالي القرون، وطبقات الزمان، يصدق آخرهم بنبوة ~~أولهم، ويصدق أولهم قول آخرهم؛ ومفاتح دعوتهم واحدة لا تختلف، ومجامع ملتهم ملتئمة ~~لا تفترق، حتى تناهت الولاية والوراثة التي بنى عيسى عليه السلام عليها وبشر بها، ~~إلى النبي الأمي الذي انتخبه الله لوحيه، واختاره بعلمه؛ فلم يزل ينقله بالآباء ~~الأخاير، والأمهات الطواهر، أمة فأمة، وقرنا فقرنا، حتى استخرجه الله في خير ~~أوان، وأفضل زمان من أثبت محاتد # 48 # أرومات # 49 # البرية أصلا، وأعلى ذوائب نبعات # 50 # العرب فرعا، وأطيب منابت أعياض # 51 # قريش مغرسا، وأرفع ذرى مجد بني هاشم سمكا: محمد # صلى الله عليه وسلم # خيرها عند ~~الله وخلقه نفسا، على حين أوحشت الأرض من أهل الإسلام والإيمان، وامتلأت الآفاق من ~~عبدة الأصنام والأوثان، واشتغلت البدع في الدين وأطبقت الظلم على الناس أجمعين؛ ~~وصار الحق رسما عافيا، خلقا باليا، ميتا وسط أموات، ما إن يحسون للهدى صوتا ~~يسمعونه، ولا للدين أثرا يتبعونه. فلم يزل # صلى الله عليه وسلم # قائما بأمر الله الذي أنزل ~~إليه، يدعوهم إلى توحيد الرب عز وجل، ويحذرهم عقوبات الشرك، ويجادلهم بنور البرهان، ~~وآيات القرآن، وعلامات الإسلام، صابرا على الأذى، محتملا للمكروه. # قد ألهمه الله عز وجل أنه مظهر دينه، ومعز تمكينه، وعاصمه ومستخلفه في الأرض، فليس يثنيه ريب، ولا ~~يلويه هيب ، ولا يعنيه أذى؛ حتى إذا قهرت البينات ألبابهم، وبهرت الآيات أبصارهم، وخصم نور الحق ms547 ~~حجتهم، فلم # 52 # تمتنع القلوب من المعرفة بدون صدقه، ولم تجد العقول سبيلا إلى دفع حقه. وهم على ذلك ~~مكذبون بأفواههم، وجاحدون بأقوالهم؛ كما قال الله عز وجل العليم بما يسرون، الخابر بما يعلنون: # فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله ~~يجحدون # بغيا وعداوة، وحسدا ولجاجة، افترض الله عليه قتالهم، وأمره أن يجرد السيف ~~لهم، وهم في عصابة يسيرة، وعدة قليلة، مستضعفين مستذلين، يخافون أن يتخطفهم العرب، وتداعى # 53 # عليهم الأمم، وتستحملهم # 54 # الحروب، فآواهم في كنفه، وأيدهم بنصره، وأنذرهم بمقدمة من الرعب، ومشغلة من الحق، وجنود ~~من الملائكة، حتى هزم كثيرا من المشركين بقلتهم، وغلب قوة الجنود بضعفهم، إنجازا لوعده، وتصديقا ~~لقوله: # وإن جندنا لهم الغالبون # فأحسن النظر وقلب الفكر ~~في حالات النبي # صلى الله عليه وسلم # من الوحي قائما لله، لتجد لمذاهب فكرك وتصاريف نظرك، مضطربا واسعا، ~~ومعتمدا نافعا، وشعوبا جمة، كلها خير يدعوك إلى نفسه، وبيان ينكشف لك عن محضه. وأخبر أمير ~~المؤمنين ما كنت قائلا لو لم تكن البعثة للنبي # صلى الله عليه وسلم # بلغتك، ولم تكن الأنباء بأموره تقررت قبلك؛ ~~ثم قامت الحجة بالاجتماع عندك، وقالت الجماعة المختلفة لك: إنه نجم بين ظهراني مثل هذه الضلالات ~~المستأصلة، والجماعات المستأسدة، # 55 # التي ذكر أمير المؤمنين: من قبائل العرب، وجماهير الأمم، وصناديد الملوك، ناجم قد نصب ~~لها وغرى بها، يجهل أحلامها، ويكفر أسلافها، ويفرق ألافها، ويلعن آباءها، ويضلل أديانها، وينادي ~~بشهاب الحق بينها، ويجهر بكلمة الإخلاص إلى من تراخى عنها، حتى حميت العرب، وأنفت العجم، وغضبت ~~الملوك، وهو على حال ندائه بالحق ودعائه إليه، وحيدا فريدا، لا يحفل بهم غضبا، ولا يرهب عنتا، ~~يقول الله عز وجل: # يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ~~ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من ~~الناس # أكنت تقول فيما تجري الأقاويل به وتقع الآراء عليه، إلا أنه أحد رجلين: إما ~~كاذب يجهل ما يفعل ويعمى عما يقول ، وقد دعا الحتف إلى نفسه، وأذن الله لقومه في قتله، ms548 فليست الأيام ~~بمادة ولا الحال بثابتة له إلا ريثما تستلحمه # 56 # أسبابهم، وينهض به حلماؤهم، غضبا لربهم، وأنفة لدينهم، وحمية لأصنامهم، وحسدا من عند ~~أنفسهم. وإما صادق بصير بموضع قدمه ومرمى نبله، قد تكفل الله عز وجل بحفظه، وصحبه بعزه، وجعله في ~~حرزه، وعصمه من الخلق، فليست الوحشة بواصلة مع صحبة الله إليه، ولا الهيبة بداخلة مع عصمة الله ~~عليه، ولا سيوف الأعداء بمأذون لها فيه. ثم إن # 57 # آيتكم يا أهل الكتاب لو قيل لكم: إن الرجل الذي يدعي العصمة وينتحل المنعة، قد نجمت ~~الأمور به على ما قال، وسلمت الحال له فيما ادعى، حتى نصب لعمارات # 58 # العرب، وجماعات الأمم، يقاتل بمن طاوعه من خالفه، وبمن تابعه من عانده، جادا مشمرا، ~~محتسبا واثقا بموعود الله ونصره، لا تأخذه لومة لائم في ربه، ولا يوجد لديه غميزة # 59 # في دينه، ولا يلفته خذلان خاذل عن حقه، حتى أعز الله دينه، وأظهر تمكينه، وانقادت ~~الأهواء له، واجتمعت الفرق عليه، ألم يكن ذلك حقه يقينا عندكم، ودعوته ثبوتا فيكم، حتى تقول ~~الجماعة من حلمائكم وأهل الحنكة من ذوي آرائكم: ما كان الرجل، إذا كان وحيدا فريدا قليلا ضعيفا ~~ذليلا معروفا بالعقل منسوبا إلى الفضل، ليجترئ أن يقول: إن الله عز وجل أوحى إليه فيما أنزل من ~~الكتاب عليه أن يعصمه من العرب جميعا ويمنعه من الأمم طرا، حتى يبلغ رسالات ربه، ويظهره على ~~الدين كله، ويدخل الناس أفواجا في دينه، إلا وهو على ثقة من أمره، ويقين من حاله. # فسبحان الله! يا أهل الكتاب ما أبين حق النبي # صلى الله عليه وسلم # لمن طلبه، وأسهله لمن قصده ~~له. واستعملوا في طلبه ألبابكم، وارفعوا # 60 ~~... أبصاركم، تنظروا بعون الله إليه، وتقفوا إن شاء الله عليه؛ فإن ~~علامات نبوته وآيات رسالته، ظاهرة لا تخفى على من طلبها، جمة لا يحصى عددها، منها ~~خواص تعرفها العرب، وعوام لا تدفعها الأمم؛ فأما الخواص المعروفة لدينا، المعلومة ~~عندنا، التي أخذتها الأبناء عن الآباء، وقبلها الأتباع عن ms549 الأسلاف، فأمور قد كثرت ~~البينات فيها، وتداولت الشهادات عليها، وثبتت الحجج بها، وتراخت الأيام ببعضها، حتى ~~رأيناها عيانا، وقبلناه إيقانا؛ فهي أظهر فينا من الشمس، وأبين لدينا من النهار؛ ~~ولكن غيبت الأزمان عنكم أمرها، ولم ينقل الآباء إليكم علمها، وما لا يدرك إلا ~~بالسمع موضوع الحجة عن العقل، فليس أمر المؤمنين بمجاج لكم، ولا قاصد إليكم من ~~قبلها. وأما الآيات العوام والدلالات الظاهرة في آفاق الأرضين، القاطعة لحجج ~~المبطلين، التي لا تنكر عقول الأمم وجوب حقها، ولا تدفع ألباب الأعداء صحة أمرها، ~~فسيولجها أمير المؤمنين مسالك أسماعكم، ويعيد بها حجة الله في أعناقكم، من وجوه جمة ~~وأبواب كثيرة، إن شاء الله: منها أنه لم تزل الشياطين، فيما خلا من فترات الرسل ~~وندرات النذر، تصعد إلى سماء الدنيا، وتنصت للملأ الأعلى فتسترق السمع وتحتفظ ~~العلم، وتنزل به إلى كل أفاك أثيم، يبنون أكاذيبهم على واضح صدقه، وينفقون أباطيلهم ~~بحسب حقه، خلطا للباطل فيه، وثبوتها # 61 # للعباد عليه. فلما بعث الله محمدا # صلى الله عليه وسلم # وأنزل آيات القرآن عليه، ~~حرست السماء بالنجوم، ورميت الشياطين بالشهب، وانقطعت الأباطيل، واضمحلت الأكاذيب، ~~وخلص الوحي، فبطلت الكهان، وضلت السحار، وكذبت الأحلام، وتحيرت الشياطين، فكانت آية ~~بينة، وعلامة واضحة، وحجة بالغة، تبهر قرائح العقول، وتخرق حجب الغيوب، فلا يقوم مع ~~ضيائها ظلمة، ولا يثبت عند محكمها شبهة، ولا يقيم معها في محمد # صلى الله عليه وسلم # شك، لا من ~~أصحابه خاصة ولا ممن جاء بعده عامة. وإنما جعلها الله عز وجل آية باقية في ~~الغابرين، وحراسة ثابتة من الشياطين، لأن الله جل وعلا جعل نبينا # صلى الله عليه وسلم # آخر ~~النبيين؛ فليس باعثا بعده نبيا يكذب أقاويل الكهنة، ويقطع أخابير الجنة. # وستقول، فيما يذهب إليه الظن ويقع عليه الرأي، أنت ومن عقل من أمتك وأهل ملتك: ~~هذه آية حاسمة وحجة قاطعة بينة قائمة، مستعلية لأمرها، مستغنية بنفسها، لا تحتاج ~~إلى ما قبلها، ولا يتكل على ما بعدها، إن أقرت العقول بما تقول ، أو قامت البينة على ms550 ~~ما تدعي، بلى؛ ثم تقول: وأنى لك بالبينة، ولسنا نقر بكتابك، ولا نؤمن برسولك، ولا ~~نقبل قولك فيما قد سبقنا وإياك زمانه، وحجبت الغيوب عنا وعنك علمه؛ فأرجع إليكم إن ~~قلتم ذلك؛ فإن وجدان القضاة قبل طلب البينات. # وليس يجعل أمير المؤمنين فيما ينازعك ويحاجك فيه حاكما غير عقلك، ولا قاضيا سوى ~~نفسك؛ ولكنه يذكرك الله الذي إليه معادك وعليه حسابك، لما جعلت التفهم لمسألته من ~~بالك، وركبت حدودها في جوابك، عادلا بالقسط، قاضيا بالحق، قائلا بالصدق ولو على ~~نفسك، ناظرا بالأثرة لدينك؛ فلقد وفق الله لك آية، وأهدى إليك بينة، لا تستطيع ~~دفعها لحجبها من عقلك، ولا حجابا لنورها دون بصرك، فلا تدفع الآية بقولك، والبينة ~~بلسانك، جحدا بقطع وصول الحجج إليك، ويد # 62 # تغلق أبواب الفهم عنك؛ فإن اللسان لك مداول حيث شئت، ومنقاد تصرفه فيما ~~هويت؛ ولكن انصب نفسك للفهم وأنت شهيد، وأرد الحق وقبوله فيما تريد. فإذا تصورت ~~البينات مجسدة في قلبك، وتبينت الحجج ممثلة لنظرك، قد أضاء صوابها لك وقرع حقها ~~قلبك، فاجعل القول بها شعارا للسان به متصلا. وافهم المسألة فهمك الله الحق، ~~وجنبك الجحد، ما تقول أنت ومن قبلك في رجل كان يتيما ضعيفا أجيرا ساهيا لاهيا ~~عائلا خاملا، لم # 63 # يتل كتابا، ولم يتعلم خطا، ولم يك في محلة علم، ولا إرث ملك، ولا ~~معدن أدب، ولا بيت نبوة، فتراقت الأيام به، واتصلت الحال بأمره، حتى خرج إلى العرب ~~عامة والقبائل كافة، وحيدا طريدا شريدا، مخذولا مجهولا، مجفوا مرميا ~~بالعقوق لآلهتهم، مقذوفا بالكذب على أصنامهم، منسوبا إلى الهجر لأديانهم، وهم ~~مجمعون على دعوة العصبية، وحمية الجاهلية، متعادون متباغون، مختلفة أهواؤهم، متفرقة ~~أملاؤهم، يتسافكون الدماء، ويتناوحون النساء، ويستحلون الحرم، لا تمنعهم ألفة، ولا ~~تعصمهم دعوة، [ولا] يحجزهم بر، فألف قلوبهم، وجمع شتيتها، حتى تناصرت القلوب، ~~وتواصلت النفوس، وترافدت الأيدي؛ ثم اجتمعت الكلمة، واتفقت الأفئدة، حتى صار غاية ~~لملقى رحالهم، ونهاية لمنتجع أسفارهم، وصاروا له حزبا متفقين، وجندا مطيعين، بلا ~~دنيا بسطها لهم، ولا ms551 أموال أفاضها بينهم، ولا سلطان له عليهم، ولا ملك سلف لآبائهم ~~فيهم، ولا نباهة كانت له بين ظهرانيهم. # أتقول إنه [ما] قال ذلك كله إلا بوحي عظيم، وتنزيل كريم، وحكمة بالغة! فإن قلت ذلك فقد أقررت أن ~~محمدا # صلى الله عليه وسلم # رسول، وتركت ما كنت تقول إنه لم يدركه ولم يبلغه إلا بعقل سديد، ونظر بعيد، ورفق ~~لطيف، ورأي وثيق، استبى به عقول الرجال، واستمال عليه أفئدة العوام. فإن قلتم فأنا سائلكم بإلهكم ~~الذي تعبدون، ودينكم الذي تنتحلون، لما صدقتم أنفسكم وتجنبتم الهوى عنكم: أتؤمن قلوبكم، وتقر ~~عقولكم، ويحتمل نظركم، أن محمدا # صلى الله عليه وسلم # الذي وصفتموه بكمال العقل، وبيان الفضل، ورفق التدبير، ~~كان يقول لرجالات العرب، وجماعات الأمم، [و] دهاة قريش: إن من آيات نبوتي، ودلالات رسالتي، وعلامات ~~زماني، أن الشياطين ترمى بنجوم السماء، ولم تك ترمى بها فيما خلا؛ ثم يجعل ذلك كتابا يقرأ، وقرآنا ~~يتلى، وهو كاذب فيما تلا، ومبطل فيما ادعى، إبطالا تدركه عيون الناظرين، وكذبا يظهر لجميع ~~العالمين! سبحان الله! أرأيتم أن لو كان فيما قال من الكاذبين، وعلى ما ادعى من الآثمين، ثم حاول ~~إبعاد القلوب، وإنغال الصدور، وإنفار النفوس، وتفريق الجموع، أكان يزيد على ذلك! # فيا أهل الكتاب لا يحملنكم الإلف لدينكم على اللعب بتوحيدكم! فلعمر الله لئن ~~تداركتم أنفسكم وناصحتم نظركم لتعلمن أن محمدا # صلى الله عليه وسلم # لو حاول الكذب أو رام ~~الإفك، لما كان يترك جميع الأرض، وما يغيب عن بعض الخلق ويظهر لبعض، ويقصد للسماء ~~المتصلة بالبصر، البارزة للنظر، التي لا تخفى على بشر، ولا تغيب عن أحد، فيدعي فيها ~~كذبا ظاهرا، وإفكا بارزا مكشوفا، لا يبقى صغير ولا كبير ولا ذكر ولا أنثى، إلا ~~عرف أنه إفك وزور، وكذب وغرور، ولا سيما إذا كان يلقى ذلك إلى أقوام أكثرهم أعراب، ~~ليس بينهم وبين السماء حجاب؛ إنما يراعون الكواكب ويتفقدون الغيوم، فأبعد عهد آخرهم ~~بها تفقده لها ونظره إليها، ساعة أو ساعتين، أو ليلة أو ليلتين. لعمر ms552 الله لو عثرت ~~العرب من أمر النبي # صلى الله عليه وسلم # على كذب لكان أول من يواثبه به ويجادل فيه أعداؤه من ~~قريش عامة، وحساده من جيرته خاصة، ونظراؤه من أهل بيته دنية الذين كانوا ~~يستعيرونه # 64 # لكل طريق، ويقعدون له على كل سبيل، ويتساءلون من أمره عن كل ذي حادث، ~~فيتعلقون بالحروف المشكلة، والآيات المشتبهة، جدلا وخصومة بها، وطعنا وإلحادا ~~ومنازعة فيها، حتى لقد وصفهم الله بفعلهم، وأخبر عن ذلك من أمرهم، فقال عز وجل: # بل هم قوم خصمون # وما كان الله عز وجل ~~ليقول ذلك ولا لأحد أن يقوله على الله في أمرهم إلا عن خصومة شديدة، ومنازعة بليغة، ~~ومجادلة معروفة. فأحسن النظر لنفسك، ولا تهلكن شفقة على ملكك؛ فايم الله لئن قلت إن ~~النجوم شيء كانت العرب تراه بعيونها وتعرفه بقلوبها، فما كان محمد # صلى الله عليه وسلم ~~، وهو ~~عارف بها غير جاهل لها، ليقول فيها إلا حقا، وينتحل فيها إلا صدقا، لقد ثبتت ~~فروع كلامك فيها على أسه، ووصلت آخر قولك له بأوله، ثبوتا على ما ذكرت من عقده، ~~ولزوما لما فرطت من نظره، ولكنك لا تجد مع الإقرار بذلك بدا من التصديق برسالته، ~~ولا مذهبا عن الإيمان بنبوته. # ولئن زعمت أنه ادعى أمر النجوم كذبا وانتحلها باطلا، عارفا كان بها أم جاهلا، ~~لقد نسبته من الخطأ الذي لا يعمى عن بصره إلى ما يخطئ فيه بشر، فأكذبت نفسك، وتركت ~~قولك: إنه لم يكن التأليف لقلوب العرب والجمع لشتيت القبائل، إلا برأي سديد، وعقل ~~أصيل، ورفق بالغ، إلى أحد أمرين لا تجد لكلامك وجها تذهب إليه غيرهما، ولا محملا ~~تضعه عليه سواهما: إما أن تقول: إنه ألف قلوب العرب، وفرق جموع الأمم بتنزيل الوحي، ~~فتؤمن أنه نبي؛ وإما أن تقول: فعل ذلك بجهل؛ وهذا قول لا يقبل. كيف يصفه أحد من ~~الجاحدين به المكذبين له بغباوة، أو يرمونه بجهالة، وهم يجوزون به حدود الأنبياء، ~~ويرفعونه فوق أمور العلماء، ويتخطون به مراتب الحكماء، ومنازل الناس تكثيرا لعلمه، ms553 ~~وتسديدا لعقله، وتثبيتا لفضله، فيما لا يقدر الخلق عليه ولا تهتدي الألسن إليه؛ ~~حتى لقد نحلوه فعل الرب الذي لا يقدر عليه الخلق في وجوه كثيرة وأنحاء جمة: من ذلك ~~أنه إذا قالت البقايا من أمتنا: كان محمد # صلى الله عليه وسلم # يخبرنا بالغيوب قبل ظهورها، ويصف ~~الأمور قبل حلولها، ويتجاوز [ما يكون] في زمانه من ذلك إلى ما يكون في زماننا غيبا ~~أطلعه الله عز وجل عليه، أضافوا ذلك علما إليه، فقالوا: كان أعلم الناس بمواقع ~~النجوم، وأبصرهم بمنازل البروج، وأنظرهم في دقائق الحساب. كيف ولم يكن الحجاز دار ~~نجوم ولا محل حساب ولا معدن أدب! بل كيف والمنجم يقيس ويخطئ، ويشك فيما يدعي، وهو ~~أخو صواب لا شك فيه، وفارس صدق لا قياس معه. # ومن ذلك أنه إذا قالت العلماء من المسلمين: كان نبينا # صلى الله عليه وسلم ~~[عليما] بباطن ~~أخبار النبيين، وخفي قصص القرون الأولين، قالوا: كان أحيا الناس قلبا، وأوسعهم ~~سربا، وأسرعهم أخذا، يتتبع ذلك ويحبه، وقد رواه وعلمه. سبحان الله! أولا يعلمون ~~أن المتعلم معروف المعلم، متفاوت الحالات، متنقل الطبقات، وأنه ما أحد يؤدب صغيرا ~~أو يطلب العلم كبيرا، إلا وله درجات في علمه، وتارات في أخذه، ومنازل في تعلمه، ~~تارة تلميذ، وتارة مقارب، وأخرى حاذق؛ وبكل ذلك موصوف من أهله، معروف عند قومه، ~~ظاهر لجيرته، مستفيض في عشيرته، لا يجهل أمره، ولا يخفى ذكره، ولا ينسى عند مواضع ~~الحاجة إليه، وتارات الاحتجاج به عليه. ولو كان ذلك معروفا فيهم، أو موجودا ~~لديهم، أو ظاهرا عندهم، لما أمره الله عز وجل أن يحتج عليهم ويقول في ذلك لهم: لقد ~~لبثت فيكم عمرا من قبله، لا أتلو قرآنا، ولا أدعي وحيا، أفلا تعقلون! # وايم الله! لو كانوا يعقلون أو ينظرون، لعلموا أن معلمه على غير الملة التي ~~يعرفون، لأنه لهم من المخالفين، وعليهم من الطاعنين، يذكر فضائح قولهم، ومعايب ~~أمرهم، ومخازي أسلافهم، وعوائر أديانهم؛ وإنه لو كان معلمه نصرانيا لدعاه إلى ~~النصرانية، أو يهوديا لدعاه إلى ms554 اليهودية، أو مجوسيا لدعاه إلى المجوسة. ولو لم ~~يكن له معلم لما وقع على الحقيقة هداية من تلقاء نفسه ومعرفة بقوة عقله. ولو كان ~~معلمه الشيطان لما دعاه إلى عبادة الرحمن، ولا أمره بهجر الأوثان، وكسر الأصنام، ~~وصلة الأرحام، والإصلاح في الأرض؛ كيف [و] كان الشيطان يصد الناس عن سبيله، ويزهدهم ~~في دينه، وينهاهم عن طاعته، ويخرجهم من عبادته، ويدخلهم في مساخطه، ويحملهم على ~~معاصيه! إنه إذن لرحيم بهم، ناظر لهم، شفيق عليهم، كأنه هو المبعوث إليهم؛ كلا! ما ~~كان لنقذهم من حبائله، ويخلصهم من مصايده، ويخرجهم من ولايته وطاعته وسلطانه وخدعه ~~وفتنته وحزبه، إلى غير ذلك من أمره. وما كان لينهي العرب أن يقتلوا أنفسهم، ~~ويتناوحوا حرمهم، ويؤذوا ذريتهم، ولا ليقول لهم: لم تعبدون نحيت الحجارة التي جعلها ~~الله لكم عارا، وتذرون عبادة الرب الذي خلقكم أطوارا! هيهات! لقد ذهبتم بالشيطان ~~الرجيم إلى صراط العزيز الحكيم، فقلتم قولا تنكره العقول، وتدفعه القلوب، وتستوحش ~~منه النفوس. ألا تسمعون إلى قول الله عز وجل: # فهل ~~عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا ~~أرحامكم ~~. فما كان الشيطان ليرضى للعرب باللعنة والبكم والعمى ~~والصمم؛ فاتق الله ولا تكن من الجاحدين. # ومنها أنه إذا قالت الفقهاء والحكماء: أتانا محمد # صلى الله عليه وسلم # بكلام لم تسمع الآذان ~~بمثله، ولم تقع القلوب على لغته، له رونق كحباب الماء، وزبرج يعلو ولا يعلى وعجائب ~~لا تبلى ولا تفنى، وجدة لا تتغير، (قالوا): كان محمد # صلى الله عليه وسلم # أبلغهم قولا، ~~وأحسنهم وصفا. فيا سبحان الله! ألا يعلمون أن لو كان القرآن كلاما للعباد لما ~~أقرت الأعداء من # 65 ~~... بفضله، ولا عجزت القبائل طرا من مثله، وهو يناديهم في الكتاب ~~ويتحداهم في الوحي، بصوت رفيع، ونداء سميع، فيقول: هاتوا سورة من مثله إن كنتم ~~صادقين، وهم فرسان الكلام، وإخوان البلاغة، وأبناء الخطب، وأهل عداوة له وبغي عليه، ~~فتستحسر الأبصار، وتثقل الأسماع، وتنعقد الألسن، وتخرس الخطباء، وتعجز البلغاء، ~~وتحار الشعراء، وتستسلم الكهان. ثم لقد قايست البصراء بالكلام ms555 والعلماء بالمنطق، ~~بين ما بأيدينا من كلام النبي # صلى الله عليه وسلم # وما جاء به من كلام الوحي، فإذا بينهما بون ~~بعيد وتفاوت شديد، ليس بشبه له ولا مدان ولا قريب. وكذلك ينبغي لكلام الرب عز وجل ~~أن يعلو كلام الخلق، وألا يشبه قول العباد في تأليفه وأحاديثه ومعانيه وجميع ما ~~فيه؛ لأن الله عز وجل لا يشبهه شيء، من ذلك أنه إذا قال المسلمون: كان محمد # صلى الله عليه وسلم # يرى ماضي أسلافنا وصلح آبائنا من العجائب العظام، والآيات الكبار، ما هو ~~جديد عندنا، بين قبلنا فلم يعف أثره، ولم يدرس خبره، ولم يتقادم عهده: من شجرة ~~ناداها فأقبلت ثم أمرها فرجعت، ومن نحو بعير تظلم، وذئب تكلم، وأشباه لذلك كثيرة، ~~ونظائر له عجيبة، قالوا: كان محمد # صلى الله عليه وسلم # كاهنا حاذقا، وساحرا ماهرا، يشبه ~~بالخيال، ويأخذ بالأبصار. كيف والجموع الكثيرة تصدر عن الأطعمة اليسيرة والمياه ~~القليلة، شباعا رواء، أيكون ذلك والسحر سواء! والأخذ بالعيون لا يجري في البطون! ~~ولو كانو ينظرون لدينهم وينصفون من أنفسهم، لعلموا أن أمر الساحر يدور على إفك ~~وغرور، وأن لمحمد # صلى الله عليه وسلم # آثارا قائمة، ومنافع دائمة. ثم لو كانت الكهانة والسحر ~~يبلغان مثل هذا من الأمر، لبطلت آيات الكتب، وعلامات الرسل، ولعلت الشبهة، وسقطت ~~الحجة، وكذبت النبوة، ولبطل ما كان [يفعله] # 66 # عيسى عليه السلام: من إبرائه الأكمه والأبرص وإحيائه الموتى. فلا يكونن ~~التقليد للرجال مبلغ علمك، ولا القبول لدعواهم بلا بينة. # ومن ذلك [أنه] إذا قالت البصراء من أمتنا والعلماء بملتنا: كان النبي # صلى الله عليه وسلم # أميا لا يحسن الكتاب وحافظا لا ينسى القرآن، وقلما يجتمع العقل السديد والحفظ ~~السريع والنسيان البطيء، قالوا: كان أخط الناس يدا، وأذكاهم حفظا، كان يكتب ~~بالنهار، ويدرس بالليل. # ولعمر الله أن لو كانت الحال كما يقولون والأمر كما يصفون، لما خفيت الصحف له، ~~ولا اكتتمت الدارسة عليه، ولما كان يطيق سترها عن أهله، ولا حجابها دون قومه. وكيف ~~تؤمن القلوب وتقر العقول ms556 أن رجلا كبيرا حمل علما كثيرا وحكما جماء: من آيات ~~متشابهة، وسور متوالية، وهو صاحب أسفار مترامية، # 67 # وأخو حرب دائمة، لا يبطئ لفظه، ولا يسقط حفظه! لولا # 68 # أن الله عز وجل كفاه أن يحرك به لسانه، وضمن له جمعه وقرآنه، فقال عز ~~وجل: # سنقرئك فلا تنسى # فلم يكن يسقط واوا ~~ولا ألفا، ولا ينسى كلمة ولا حرفا. ما أبين هذا وأعجبه! وأعجب منه المنكر ~~له. # وأما قولهم في الخط وإكثارهم في الكتاب، فإن الله عز وجل جعله أميا ليثبت حجته، ~~ويصدق مقالته، ولئلا يشك المبطلون في أمره، ويقولون: تعلمه من غيره؛ فإنه قد قال ~~ذلك بطائن من منافقة العرب وطوائف من كفرة العجم، فنطقت [به] الأعداء من جيرته، ~~والحسدة من عشيرته، الذين بلغوا [ما بلغوا] # 69 # من مجادلة حقه، ومخاصمة ربه، كفاة لمن قرب، ووكلاء لمن بعد، فيما لم ~~تكن العرب واقعة عليه، ولا الأمم مهتدية إليه؛ لأنهم # 70 # قد أحاطوا من علم خبره، وخفي أثره، بما كان عن غيرهم محتجبا، ومن ~~سواهم مكتتما. وقالوا: لو كان محمد # صلى الله عليه وسلم # يتعلم من بشر أو يختلف إلى أحد، لما ~~خفي عنا ولسقط # 71 # علينا. وحقا لو كان محمد # صلى الله عليه وسلم # يختلف إلى أحد صغيرا، أو يتعلم من ~~بشر كبيرا، لعرف ذلك أترابه المختلفون معه ورفقاؤه والمقتدون، ولما جهل ذلك من ~~حوله من جيرته نصرة، ولا من معه من أهل بيته دنية، الذين عليهم يورد ومن قبلهم ~~يصدر، ولكان شائعا عند حشم معلمه وجيرة موضعه الذين كان يختلف إليهم، ويتأدب بين ~~ظهرانيهم. ولو كانوا بذلك عالمين، أو فيه من أمره شاكين، ثم بلغهم وتقرر قبلهم أنه ~~يقول: إن الله عز وجل أوحى إليه، فيما أنزل من الكتاب عليه: # وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك ~~إذا لارتاب المبطلون # لخاصمه منهم من كفر، ولكفر به منهم ~~من آمن. ثم يدعي ذلك قرآنا، وينتحله وحيا؟ أما كان يرهب أن ينتشر في الأقربين، ~~ويخرج إلى الأبعدين، ms557 فتبطل حجته، وتنقض دعوته، وتسقط نبوته ، وينفر أصحابه الذين لم ~~يصبروا # 72 # معه في المجاهدة أنفسهم، ويبذلوا عند الشدائد مهجهم، وينفقوا فيه على ~~الحاجة أموالهم، مناصبين لأهل الشرق والغرب والعجم وكل الأمم، وهم قليلون مستضعفون ~~عائلون جائعون، لا طلبا لدنيا ولا طعما في منال، إلا لما تعقبوا من قوله، وعرفوا ~~من صدقه. ولولا أنه أخبرهم ووعدهم أن يغلب كسرى وقيصر لهم، فصدقوا بقوله، وآمنوا ~~بوعده، حتى قويت البصائر، وصرمت العزائم، وقويت النيات، فنشطت النفوس، وشجعت ~~القلوب، وحملت الأبدان، لما وقع لهم طمع فيه، ولا ذهب لهم وهل # 73 # إليه. فكن من ذلك على يقين لا يخلجه شك، ومعرفة لا يخلطها ريب، إن شاء ~~الله. # ومن ذلك أنه إذا قال المسلمون: ما من فعال محمود، ولا مقال معروف، ولا خلق كريم، ~~ولا أدب فاضل، إلا وقد أدب الله عز وجل به محمدا # صلى الله عليه وسلم # وأنزله في الكتاب إليه، ~~فكان يأمر بالمكارم، ويحض على المحامد، ويعمل بالمحاسن التي ليس فيها مدخل لشبهة ~~طاعن، ولا معلق لحجة قائل، ولا مغمز لبصيرة عائب، ولا موضع لخصومة بشر، في وعد أو ~~عهد، أو حل أو عقد، أو مقال أو فعال، أو غير ذلك من الأمور - قالوا: أمور حمل عليها ~~نفسه، ودعاه إليه عقله، وصبر عليها، لما أمل ورجا فيها. سبحان الله! وما أمل بها ~~وارتجى منها؟ إن قالوا: الدنيا، فلقد أكذبهم إدباره عنها، حيث أمكنته القدرة منها، ~~وأعثرته الحال عليها. وإن قالوا: حب الأثرة، فقد جعل نفسه للمسلمين أسوة: في سهامهم ~~وقصاصهم، وحدودهم وحقوقهم، وغير ذلك من أمورهم. وإن قالوا: الملك، فلقد كان أشد ~~الناس لربه تواضعا، وأعظمهم في جنبه تصاغرا، ما إن أكل متكئا قط إلا مرة، ثم قعد ~~كهيئة الفزع لها النادم عليها، فقال: «اللهم إني عبدك ورسولك.» وإن قالوا: النعيم، ~~فمن كان أيبس منه معاشا، وأخشن رياشا، وأغلظ مأكلا! وكيف يذوق العيش أو يجد لذيذ ~~النعيم، من حرم السكر والخمر، ونهى عن الديباج والقز، وكان أكثر دهره صائما، وأطول ~~ليله ms558 قائما! فإن قالوا: طلب الصوت # 74 # ورغب في الدين ، فذلك ما لم يطلبه أحد في حب الصوت والتماس الحمد لما ~~صبر مغاضب قومه، وملاوم أهله، وشتائم العرب وتوعد العجم، واستهزاء قريش؛ يرمونه ~~بالعقوق، ويقذفونه بالجنون، ويبهتونه بالسحر، وليس يدري ما يهجم به الأمر. # 75 # أم يقولون طلب تأثيل الملك لقومه، وأراد توطئة الولاية لأقاربه فيكف يطلب لقومه ~~ما قد زهد فيه لنفسه! أم كيف يطلب لهم عز الملك وقد أوطأهم الذل ثم القتل. لعمر ~~الله أن لو أراد الملك لأقاربه، وأراد طلب السلطان لذوي رحمه، لوكد لهم عقدا لا ~~يحل، ولأبرم لهم أمرا لا ينقض، ولأثل لهم في عنفوان أمره ملكا لا يخرج من أيديهم، ~~ولا يبرح # 76 # أبدا فيهم، امتثالا لصنيعكم واحتذاء على مثالكم؛ مع أقاويل جمة ~~ونظائر كثيرة، لا يستقيم لهم معها أن يقولوا إن محمدا # صلى الله عليه وسلم # غلب العرب وقهر ~~العجم؛ أو قال في أمر السلطان والنجوم بكذب. # فإن قلتم إن محمدا # صلى الله عليه وسلم # كان في قوة عقله وبيان فضله، على ما قلنا وقلتم ~~وصدقنا به نحن وأنتم، ولكن هفت العلماء وزلت الحكماء وأخطأت القلوب؛ فقد يعلم أمير ~~المؤمنين - وأنتم بذلك من العالمين - أن خطأ قلوب العلماء كخطأ دائرة الرحا، ليست ~~العلماء بمخطئة إلا المرة والثنتين، كما لا تخطئ الرحا إلا الحبة والحبتين. ومثل ~~الذي نسبتم إلى النبي # صلى الله عليه وسلم # من الخطأ عندكم والجهل في أنفسكم، كثير لا يحصيه ~~أحد، ولا يبلغه عدد. وأمير المؤمنين واصف بعضه لكم، ومورد ما حضر كتابه إن شاء الله ~~لكم. وايم الله على ذلك لو قالت العلماء من المسلمين هبوا محمدا # صلى الله عليه وسلم # كان في ~~أمر النجوم من المخطئين، فكيف أخطأت العرب وهفت الأمم في ترك مجادلته ورفض منازعته، ~~وكيف لم تقل العلماء من إفتائه # 77 # والحكماء من حكمائهم، توبيخا منهم له، وتعييرا لمن آمن معه: هذا أمر ~~واضح الأكاذيب وأبطل الأباطيل؛ فلا يثبت مع قولهم إيمان، ولا يقيم على شرحهم إنسان. ~~فإن ms559 قلت: فلعل ذلك قد كان، ولكنه درج على طول الأزمان، فكيف إذن صدقت العرب بنبوته، ~~ولم تكفر القبائل برسالته، وهم يسمعون كذبا لا ينفع معه صدق كان قبله، وباطلا لا ~~يعصم معه حق حدث بعده، وإن قلتم: أدخلهم بالقهر وضبطهم بالقتل وأكرههم بالسيف، فما ~~بال القليل من المسلمين الذين قهرهم الكثير من المشركين، ما بالهم آمنوا وصدقوا، ~~وصبروا وصابروا، وجدوا وجاهدوا، كيف لم تنكسر عزائمهم، وتهن بصائرهم، ويرجعوا إلى ~~دينهم، ويهربوا عن توحيدهم! كلا! لو كان الأمر على ما تقول، لارفض القوم عن الرسول، ~~ولكان # صلى الله عليه وسلم # أول مقتول أو مخذول. فأحسن النظر فيما تذهب الأهواء برأيك إليه من ~~آيات النبي # صلى الله عليه وسلم ~~. وإن جمحت الدعوى بكم، فقائل: قد مالت به الأهواء في الباطل، ~~فقال: إنه إلا يكن الأنبياء ذكرت النجوم في صحفها بينت الحكماء منها ذكرا في ~~كتبها، فجعلت المنقض من الكواكب بين الأعوام، دليلا على أمر يحدث تلك الأيام، ولا ~~ما هذا الاختلاق يلط به الجاهل للفساق. # 78 # ما إن وضعت الحكماء ذلك في الكتب، إلا ليالي ملئت السماء من الشهب. ~~وبالله لو ادعيتم غير ذلك فكان حقا، وكانت القالة منكم صدقا، لما كانت الدعوى ~~بناقضة لآية النجوم حجة، ولا مدخلة على أحد فيها شبهة؛ لأن رميا يقع فرط السنين من ~~الكواكب، لا يبطل رجما قد ملأ السماء من كل جانب. ثم لو لم تكن النجوم آية ~~دامغة، # 79 # وحجة بالغة، ودلالة قاهرة، وعلامة باهرة، وأمارة ظاهرة، وشهادة قاطعة، ~~وبينة عادلة، وداعية قائمة، تبطل أظانين المشركين، وتردع أقاويل المنافقين، لما كان ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # ليعظم أمرها، ولا ليكرر في آي القرآن ذكرها، رهبة لمناهضة أحياء ~~العرب، ومعرفة بمجادلة إخوان الكتب، الذين لو وجدوا فيما كتب به إليه أمير المؤمنين ~~من أمر النجوم واحتج [به] عليك من ذكر الرجوم، موقعا لظن أو معلما بطعن أو مغمزا ~~لقول، لناصبوه إذن بالمجادلة، وكاشفوه بالمنازعة، وجاهروه بالقول الذي لا يستطيع له ~~ردا، ولا يطيق له جحدا، ms560 ولكنها آية ملأت الأقطار كثرة، وحسرت الأبصار قوة، قد ~~وجلت العقول، وولهت القلوب، وملأت النفوس جزعا ووجعا، وفزعا شغلهم عن الأولاد، ~~وأذهلهم عن البلاد، حتى بلغ المؤمنين وتقرر عند فقهاء المسلمين أن الله عز وجل، لما ~~ملأ السماء حرسا، وأحدث لها رصدا، وخلق فيها شهبا، ذكرت العقلاء من العرب، وقعات ~~الله عز وجل في الكتب، بقوم نوح وعاد وثمود، وأشباههم من مؤلفي تلك الجنود، الذين ~~كانوا أشد بطشا، وأكثر جمعا، فانفرجت أيديهم عن كرائم أموالهم، وأرسلت أنفسهم ~~متائن عقدهم. وإن أهل الطائف لما فعلوا ذلك بأموالهم، وأجمعوا فيه الخروج إلى ~~فقرائهم، قام فيهم رجل منهم ذو سن وعقل فقال: يا معشر العرب، لا تهلكوا أنفسكم قبل ~~أن تهلكوا، ولا تخرجوا من أموالكم قبل أن تخرجوا، تفقدوا مواقع نجوم السماء، وكواكب ~~بدور الدجى، فإن كانت النجوم التي حدث الرمي بها والنجوم التي أخليتم الأموال لها، ~~هي لبروج الشمس والقمر ومسال # 80 # الحيوان والشجر، فهي جوائح الاستئصال، المتلفة الأنفس والأموال؛ وإن ~~كانت النجوم التي حدث القذف بها، إنما هي نجوم خلقت اليوم، فليست المعرفة بواقعة ~~على مبتداها، ولا الأبصار بلاحقة منتهاها، فأمسكوا العقد # 81 # عليكم والأموال، فإنه أمر يحدث في إحدى هذه الليال. # فإن قلت: وكيف وقعت الأمور في هذا الرجل كالعيان، وصارت المقالة منه كوعي الآذان، ~~أنبأك أمير المؤمنين أن أوعية الفقه من المسلمين، الذين حملوا إلينا سنن الدين، هم ~~أدوا ذلك إلينا، وأبقوه فخرا # 82 ~~... علينا، فما إن ينفك منهم مفتخر يقول: أبونا الذي حبس على العرب ~~الأموال والعقد، فما إن يدفع القول في ذلك منا أحد. هيهات ما كانت العرب لتقر عند ~~الفخار، إلا بطول هو أبين فيها من ضوء النهار. فافهم ما كتب به أمير المؤمنين في ~~هذا إليك، ولا يكن التعلل فيها بالشبهات أوثق ما لديك؛ فإنه قل حجة إلا وإلى جنبها ~~شبهة تخيل للعقول، وتعرض للقلوب، وتجلجل في الصدور؛ فلا يثبت مع تخليها، ولا يقيم ~~لتعرضها بشر إلا من وزن الحق والباطل بميزان عادل، لا يميل ms561 إلى تفريط، ولا ينحط في ~~تقصير. وقد جعل الله عز وجل العقول موازين للأمور، فزنوا ما سمعتم من حجج كلام الرب ~~عز وجل بما تنفون به الشبهة عن الحق، ولا تميلوا اللسان، فتخسروا الميزان. وسيعلل ~~أمير المؤمنين إن شاء الله بما جاء عن ذكر ما كتب به إليكم من أمر النجوم والرجوم ~~والشهب في القرآن والرواية والكتب؛ فألطفوا النظر في صحة معانيه، ونحوا الهوى عن ~~شبهة ما # 83 # وقعت فيه: قال الله عز وجل: # ولقد زينا ~~السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما ~~للشياطين # وقال: # ولقد جعلنا في ~~السماء بروجا وزيناها للناظرين * ~~وحفظناها من كل شيطان رجيم # وقال: # ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح ~~وجعلناها رجوما للشياطين ~~. وإن شطب عن الحق شاطب، أو ~~ذهب إلى الباطل ذاهب، لا يعرف مذاهب كلام العرب، ولا وجوه معاني الكتب، ولا تفسير ~~آي القرآن، فقال: إنما جعلت الكواكب والمصابيح حفظا من الله عز وجل للسماء، ~~ورجوما للشياطين من قبل أن يبعث الله محمدا # صلى الله عليه وسلم # بالدين. # فإن في آيات القرآن ما فيه بيان مما يبطل دعواه التي لا بينة عليها، ويكذب مقالته ~~التي لا شهود لها؛ فقالت الجن - فجعل الله تبارك وتعالى قولها وحيا - وبه منها ~~صدقا: # وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت ~~حرسا شديدا وشهبا ~~. ألا ترون أنها كانت الجن لمست السماء فلم ~~تجدها ملئت حرسا شديدا وشهبا، وقعدت الشياطين منها مقاعد للسمع فلم تجد شهبا ولا ~~رصدا، أولا # 84 # يسمعون إلى ما يحقق ذلك ويسدده ويصدقه ويشهد له من قول الله تعالى: # هل أنبئكم على من تنزل الشياطين ~~* تنزل على كل أفاك أثيم * يلقون السمع وأكثرهم كاذبون # مع ~~قول الجن أيام حرست السماء ورميت الشياطين: # وأنا لا ~~ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم ~~رشدا ~~. فإذا أعملتم في ذلك فكركم، وقلبتم فيه نظركم، فكنتم على برهان ~~يقين، ونور مستبين، من استطاعة الجن للاستماع، وقدرة الشياطين عيسأل يعطى ومن يطلب ~~يجد ومنلى الاستراق، وإمكان السماء للقعود في تلك الحال الأولى، ففكروا في ms562 الحال ~~الأخرى حيث حرست الآيات أن تعارض باطلا بحق، ومنعت الشياطين أن تنزل بصدق، وامتنعت ~~السماء أن يصعد إليها شيطان؛ فقال الله عز وجل: # وما ~~تنزلت به الشياطين * وما ينبغي لهم وما ~~يستطيعون * إنهم عن السمع ~~لمعزولون ~~. قالت الجن: # وأنا كنا ~~نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له ~~شهابا رصدا # إن في قولهم الآن لأعظم نور وبيان. وأبين من ذلك لكم ~~وأصح لمن عقل إن شاء الله منكم، إخبار الله عز وجل حين جعلت الكواكب حفظا من كل ~~شيطان مارد، أنهم # لا يسمعون إلى الملإ ~~الأعلى ويقذفون من كل جانب * دحورا ~~ولهم عذاب واصب # مع إخباره في الحال الأولى أنهم يسمعون ~~ويقعدون وينزلون ويستطيعون ويتلون على ملك سليمان، فكن لهذا من الحافظين، وفيه من ~~المفكرين. # ومن آيات النبي # صلى الله عليه وسلم # أنه لما نفرت القبائل من أعلام الشرك بجموعها، وتداعت ~~القادة من صناديد الكفر بأتباعها حذرا على عير لها أقبلت من الشام بصنوف رغائب ~~أموال عظام، فكانت العير والنفير طائفتين: طائفة ذات عدة كثيرة وشوكة شديدة، وطائفة ~~ذات أموال رغيبة ورجال قليلة وفرصة ممكنة، أخرج الله عز وجل نبيه # صلى الله عليه وسلم # ووعده ~~ومن معه من المسلمين إحداهما، فكره المؤمنون جموع المشركين، وأراد الله عز وجل أن ~~يقطع دابر الكافرين، ويشيد بذلك أركان الدين، فلما تراءت الفئتان، وتناوشت الفرسان، ~~وتلاقى الناس، وقبل ذلك ما قال الله عز وجل: # سيهزم ~~الجمع ويولون الدبر # قبض النبي # صلى الله عليه وسلم # قبضة [من تراب] ~~حثاها في وجوههم، فلم يتناه دون مناخرهم وعيونهم، فانصرفوا منهزمين بلا كثير قتال ~~من المسلمين. يا أهل الكتاب، فأيتما آية أعظم حجة وأوضح بينة وأقهر غلبة من هذه ~~التي لو صدرت الأمور بلا تحقيق لها، لانفضت الجموع من المسلمين كفارا بها. أبشارة ~~الله المسلمين بإمداد الملائكة المقربين، وهزيمة نفير المشركين، التي نجمت الأمور ~~عليها، وتناهت الحال بهم إليها. أم قبضة من تراب يسير، ما ملأ المناخر من عدد ~~كثير. # فلئن قلتم: إن هذه آيات بينات، ms563 وعلامات واضحات، ولكنا [لا] نقر لكم بها ولا نؤمن ~~بقولكم فيها. # أفتؤمنون أن محمدا # صلى الله عليه وسلم # مع ما نسبتموه من الفضل إليه، كان يختلقها كذبا من ~~تلقاء نفسه، ثم يدعيها وحيا من عند ربه، وهو لا يدري لعل الأمور [تقع] بخلاف ما ~~يقول، فيظهر كذبه، ويرفض تبعه. وإن تزعم # 85 # أن أصحابه كانوا كثيرا أقوياء، نشاطا جلداء، فكان على معرفة بقوتهم ~~ويقين من غلبتهم؛ فقد قال الله عز وجل: # وإن فريقا من ~~المؤمنين لكارهون * يجادلونك في الحق ~~بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ~~ينظرون ~~. ولم يكن الرسول ولا غيره ليخبر أصحابه من أمورهم بما ~~يجهلون من أنفسهم، ثم يدعي ذلك تنزيلا من ربهم. هذا لا تقبله الآراء، ولا تقر به ~~الحكماء، ولا يحده النظر. # أم تقولون: إنما أراد محمد # صلى الله عليه وسلم # ببشارته لهم وإخباره ما أخبرهم من هزيمة الله ~~عدوهم، أن يشجع جبنهم ويقوي ضعفهم، فكيف إذا لم يبق # 86 # لما كان يرى من كثرة المشركين وقوتهم، وضعف المسلمين وقلتهم، بظهور ~~الأنباء على خلاف قوله، وأن يحتال # 87 # الخبر على غير ظنه، فيقع ظفر يكذب نبوته، ويقطع حجته، ويكون له ما ~~بعده! وكيف إذا لم ينسب الأمر إلى نفسه وينحي الخبر عن ربه، ليكون الخطر أصغر ~~والشأن أيسر، إن جرت الأقدار بما يحذر، أو وقعت الأمور على ما يكره. ولكنه أثبته في ~~كتاب مسطور، ورق منشور. فعل لعمر الله يدل على النبوة التي كان بها واثقا، ويهدي ~~إلى الوحي الذي كان إليه ساكنا. # وإن عرض لنظرك، أو وقع في خلدك، أن الله عز وجل عود محمدا # صلى الله عليه وسلم # الغلبة ~~وأجراه على المنعة، فكان يجري على عادة قد عرفها، ويسلك جادة قد خبرها؛ فلقد كانت ~~الهزيمة في أول وقعة أوقعها الله، ثم لقد دالت الحرب فيما # 88 # بعد سجالا فيما بينه وبينهم: تارة عليه لهم، وأخرى له عليهم. فناصحوا ~~الله عز وجل في نظركم، وقلبوا فيما يقول أمير المؤمنين فكركم. فلعمر الله ما ms564 كان ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # ليقول لملوك المشركين: إن الله هزمكم برمية من تراب وهو يعلم أنه ~~عنده من الكاذبين. فأحضر كتابي هذا فهمك، واصبر له وإن خصمك؛ فإن هذه آية عظيمة، ~~وحجة بليغة، وبينة عجيبة، في غلبة العرب. # وأعجب من هذه وألطف، وأكثر منها وأعظم، الآية في غلبة العجم. واستمع: أمر الله ~~نبيه # صلى الله عليه وسلم # أن يقول للمؤمنين - وكانوا كما قال الله عز وجل قليلا مستضعفين: إن ~~قبائل العرب ستتحزب عليكم، وإن الله سيهزمهم لكم، وحيا أنزله في الكتاب، فقال: # جند ما هنالك مهزوم من ~~الأحزاب ~~؛ فكان أصحاب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # بعد ما نزل هذا القول ~~عليه بدهور طويلة وسنين كثيرة، محبوسين محصورين في حومة الموت وعسكر الخوف وخندق ~~القهر وذل الحصر، سوادهم الأعم وجلهم الأعظم حفاة عراة عالة، إخوان دير، وأصحاب ~~وبر، لا قوة بهم، ولا منعة لهم، ولا أسلحة عندهم، ولا عدة معهم، قد أحدقت العرب ~~بعسكرهم وأحاطت القبائل بخندقهم، وسالت الأحزاب تصديقا لحتم الله عليهم، تريد أن ~~تزلزل أقدامهم وتهريق دماءهم؛ فكان المؤمنون كما وصف الله عز وجل من سوء الحال، ~~وضيق المآل، وشدة الكظاظ؛ # 89 # فإن الله قد وصف لهم حالهم، وأذكرهم فعلهم؛ ولم يكن النبي # صلى الله عليه وسلم # ليصف لهم عن الله ما يجهلون، ولا ليذكرهم من أمره ما لا يعرفون؛ حذارا أن تنكسر ~~عزائمهم وتتغير بصائرهم، فتنهزم أفئدتهم وتموت نجدتهم، وتختلف كلمتهم؛ فقال الله عز ~~وجل: # إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم ~~وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون ~~بالله الظنونا * هنالك ابتلي المؤمنون ~~وزلزلوا زلزالا شديدا # حتى قالت طائفة منهم لأهل المدينة: # يا أهل يثرب لا مقام لكم ~~فارجعوا # وقالت طائفة أخرى: يا رسول الله، إن بيوتنا عورة، فأذن ~~لنا. يقول الله تعالى: # وما هي بعورة إن يريدون ~~إلا فرارا ~~. فبينا هم على تلك الحال قد أجمعت العرب بتفريقهم في ~~الجبال، وتقسيمهم بالقداح، وأخذهم بالأيدي، إذ قال لهم الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~، فيما ms565 ~~ينبئهم به من علم الغيوب، ويبشرهم به من أمر الفتوح: «إن الله سينصركم على جمع ~~الروم ويغلب لكم جنود فارس فيهزم لكم جنودهم ويورثكم قصورهم ويستخلفكم في الأرض من ~~بعدهم ويبدلكم من بعد خوفكم أمنا.» وعدا صدقه الكتاب، وبشارة نطق بها الوحي، ~~فقال: # وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا ~~الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف ~~الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى ~~لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني ~~لا يشركون بي شيئا ~~. # فقال أقوام وأناس ارتابوا حين تضايقت ~~الحال، وتزلزلت الأقدام، وطارت القلوب، ودارت العيون، وأشرف الموت: ما وعدنا الله ~~ورسوله إلا غرورا أيعدنا هزيمة جموع الأحزاب، وفتح قصور الشأم، وغلبة جنود كسرى، ~~وقد سالت القبائل علينا من كل جانب، وأحدق الموت بنا من كل مكان، فبقينا في مسغبة ~~من الجوع، ومجهدة من الخوف، وضنك من الحال، مقهورين مقموعين. # 90 # وقالت الخاصة من المؤمنين حين عاينوا الجموع من المشركين. وذكروا ما ~~خبرهم الله من تحزبهم عليهم ومسيرهم إليهم: # هذا ما ~~وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم ~~إلا إيمانا وتسليما ~~. فبينا أصحاب النبي # صلى الله عليه وسلم # في مضايق ~~تلك الحال، وشدة ذلك الخصال، # 91 # وعموم تلك البلايا الباهظة، والأمور الفادحة، التي قد أخذ بأنفاسهم ~~غمها، وبلغ مجهودهم كربها، رافعين إلى الله عز وجل أيديهم، يقلبون في السماء ~~أعينهم، إذ أرسل الله على تلك الجنود الكثيفة والجموع العظيمة والأحزاب المقتدرة، ~~ريحا من الأرض وجنودا من السماء، فقطعت الأبنية، وطيرت الأمتعة، وسفت التراب في ~~العيون، وقذفت الرعب في القلوب، فولوا مدبرين، وخرجوا منهزمين، لا يلوي والد على ~~ولد، ولا مولود على أحد. أمر صدق الله فيه قوله، وأنجز به وعده، وهزم الأحزاب وحده، ~~وذكر المؤمنين نعمته فيهم، وعرفهم منته بهم، فقال: # اذكروا ~~نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ~~ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا ~~* إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم ~~وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون ~~بالله الظنونا ~~. وقال عز وجل: ms566 # ورد الله ~~الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله ~~المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا # ما كان ~~الله عز وجل ليقتص على المسلمين في أنفسهم ، إلا ما قد رأوه بأعينهم. # لولا أن هذا ما لا ينكره عقلك ولا يدفعه نظرك، لما جادلتك بالكتاب، ولا نازعتك ~~بالتنزيل. وإني لأترك من آيات النبي # صلى الله عليه وسلم # وعلامات الوحي، ما هو أعظم من هذا ~~وأبين وأجل وأوضح. ولكن ليس لي أن أحاجك من آيات القرآن، إلا بما عليه شاهد من ~~برهان، ومخبر من بيان؛ لا يستطيع عقلك ردا له ولا قلبك جحدا له. وكيف ينبسط ~~لسانك أو يجترئ قلبك أن يقول: إن محمدا # صلى الله عليه وسلم # أخبر أصحابه بالكذب وهم يعلمون، ~~فاقتص عليهم من أمورهم ما لا يعرفون! لا! ما يسوغ لك ولا يجمل بك، ولا يقبل منك أن ~~محمدا # صلى الله عليه وسلم # يقوله من تلقاء نفسه؛ كيف! أما كان يخاف أن يكذبه أصحابه، وتنتقل ~~أحواله، وتنتقض أموره! لعمر الله لو وصفت بهذا من لا يعرف بفضل ولا ينسب إلى عقل، ~~لما كان سائغا لك ولا جائزا منك، فكيف تصف به من يرفع عن الناس قدره، ويفضل عليهم ~~عقله! وتقر أنك لم تر في الدنيا أحدا صنع [ما صنع] وبلغ ما بلغ! فأيتما آية فيما ~~اقتص عليك أمير المؤمنين أعظم أو بينة أعجب: أما كان يتلى على المؤمنين في الكتاب ~~من اجتماع قبائل الأحزاب بجنود عظيمة قبل اجتماعهم بسنين كثيرة، أم ما كان # 92 # ينادي به القرآن من الهزيمة لهم وينطق به الوحي من الفتح عليهم، أم قول ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # لأصحابه: «إن الله عز وجل يؤمن خوفكم ويعز نصركم على الأمم» وهو على ~~تلك الحال ثم نجمت الأمور على ما قال، أم عسكران مطابقان وجيشان متقابلان، باتت ~~الريح تحوس # 93 # أحدهما حتى انهزموا، وبات الآخرون منها في عافية وغفلة حتى أصبحوا؟ ~~فأحسن النظر في أمرك، والتثبت في دينك إن شاء الله. # واعلم أن من أعظم الآيات ms567 وأبين الدلالات، على نبوة محمد # صلى الله عليه وسلم # وحقه، وأن ليس ~~يتقول شيئا من تلقاء نفسه، أنه قال في عنفوان أمره: «إن الله عز وجل سيظهر ديني ~~على الدين كله» وجاء مع ذلك بأثرة عن ربه، في كتاب مخطوط وتنزيل محفوظ. فأي أمريه ~~لك # 94 # أدل، أو أيهما عندك أعجب، إذ كنت بنبوته مصدقا، ولرسالته محققا: ~~الخبر الذي أخبره، أم الفعل الذي صدقه؟ لئن نظرت بعقلك وقلت في نفسك: كيف ترقت إلى ~~هذا نيته وارتفعت نحوه همته، أم كيف امتدت إليه بطنته وقويت عليه رويته؟ بل كيف ~~دعته إليه نفسه، وشجعه عليه قلبه، ودخل فيه طمعه، وطاوعه فيه لسانه، وهو يذكر جنود ~~كسرى، وجموع الروم، وملوك الترك، وملوك الشرك، وقيول اليمن، وصناديد الأمم؟ إن هذا ~~لعجب، ولا سيما إذا لم يكن في إرث ملك قاهر، ولا كنف عز غالب، ولا معدن علم ~~سالف. # ولئن أعدت النظر وكررت، فقلت: كيف وافق خبره أثره، وكيف صدق فعله قوله، حتى غلب ~~الشرق والغرب! إن هذا لعجب! وأعجب من هذا أمر يدلك أمير المؤمنين عليه، ويهديك إن ~~شاء الله إليه: لو قلت لأهل مملكتك ومن قبلك من أمتك: هل بلغكم أو تقرر قبلكم، أنه ~~كان في الدهر الأول، والعصر الخالي، أحد مثل محمد # صلى الله عليه وسلم # بدأت الأمور به مثل حاله ~~من الوحدة والضعف والذلة والقلة، وصدرت الحال به كفعاله في الغلبة والمنعة، والقهر ~~والظهور، وغير ذلك؟ لقالوا لا. # ثم أنت لا تؤمن بمقالته، ولا تقر برسالته، إلفا لدينك، وضنا بملكك، وطمعا في ~~قليل من الدنيا قد نعاه الله إليك، ورغبة في صبابة عيش غير باقية في يديك؛ فهذا ~~عجب. وأعجب من هذا أمر يقفك أمير المؤمنين على نور حقه، ويوضح لك إن شاء الله بيان ~~أمره: أصبحت العرب طرا والأمم جميعا في محمد # صلى الله عليه وسلم # ثلاثة لا رابع لهم ولا ~~مخرج للحق من بينهم: رجل مصدق به من المؤمنين، ورجل مكذب به من الكافرين، ورجل شاك ~~فيه من المنافقين. ms568 # فأما الشاك فلما قيل له: أخرجت نفسك من الحق، وأبرأتها من الصواب، وأقررت عليها ~~بالخطأ، لقولك: لا بد أن يكون الحق في التصديق أو التكذيب، ولست على واحد منهما ، ~~اعتزل عنها. # وأما المكذب فلما قيل له: أنت منكر والمنكر ليس بمدع، ومن لم يدع لم يلزمه بينة ~~ولا يسأل عن حجة، اتبع صاحبه. وايم الله على ذلك، لو سئل هذا المدعي عن بينته وكشف ~~حجته، فقيل له: من أين عرف قلبك، وأيقنت نفسك إيقانا لا يخالجه شك، ومعرفة لا ~~يشوبها ريب ولا ينازعها شبهة، أن محمدا # صلى الله عليه وسلم # ليس برسول، لما دري ما يقول؛ لأنه ~~لا يستطيع أن يتقول على الرسل، ولا أن يتكذب على الكتب، فيقول: قد أخبر الله فيها ~~أنه لا يبعث نبيا، ولا ينزل وحيا في كتاب مسطور، بعد التوراة والإنجيل والزبور. ~~بل قد يجد أهل الكتاب في أقاويل رسلهم وأخابير كتبهم، أن الله تبارك وتعالى ينزل ~~كتابا جديدا أو كلاما حديثا، بعد خراب بيت المقدس في آخر الزمان، ولم ينزل بعد ~~ذلك كتابا إلا القرآن. # وأما الرجل المصدق بمحمد # صلى الله عليه وسلم # فقيل له: أما أنت فقد ادعيت، والمدعي يسأل عن ~~الحجة ويقبل منه البينة، فما بينتك ومن يشهد لك؟ فقال: ألم تقولوا: إن الحق لا يخرج ~~من بيننا، ولا بد أن يكون مع بعضنا؟ قالوا بلى! قال: فأية بينة أحق وأعدل، وأي شهود ~~أزكى وأفضل من شهادتكم بسقوط صاحبي وثبوت الحق من بعدهما في يدي؟ قالوا: إن ~~الأمر لكما تقول، ولكن البينة أشفى للصدور؛ فأقام بينة من الكتاب، وشهودا من ~~الوحي، وآيات سوى ذلك عظاما، وبينات عوام، من كلام لا يقدر عليه الخلق، وصدق لا ~~يكون إلا من قبل الرب، شبيها بما أورده أمير المؤمنين عليكم، وكتب به في صدر كتابه ~~هذا إليكم، مما قد تشهد له قلوب الأمم، ويزكيه فعال العرب. # فلما أقام بينته، وثبتت حجته، ووجب حقه، وقضى به له، قيل له: وكيف توسعت الأمور ~~عليك، وضاقت المقالة لك، أن ms569 تقول: إن الله لا يبعث نبيا بعد محمد # صلى الله عليه وسلم # ولا ~~وحيا ينزل غير القرآن، فأبطلت الكتب المحدثة، وأكذبت الوثيقة، ولم تترك وحيا غير ~~القرآن، ولم يجز للنصارى أن تقول: لا نبي بعد عيسى عليه السلام، ولا كتاب خلف ~~الإنجيل؛ وعن ذلك من أخبار الكتب ما قلنا كل متنبئ # 95 # بعد نبينا كذاب، فشاعت وجازت الحجة، ووضح العذر. وأما النصارى فيجدون ~~في أواخر كتبهم، وأقاويل رسلهم، أن الله عز وجل، يبعث نبيا حديثا، وينزل كتابا ~~جديدا، فليس لهم أن يكذبوا نبينا # صلى الله عليه وسلم # ولا أن يردوا كتابنا. # فهؤلاء الثلاثة. أما الشاك فسقط، وأما المنكر فبطل، وأما المصدق فثبت ثبوتا ليس ~~فيه مدخل شبهة، ولا موضع لحجة، ولا معلق لمنازعة. وذلك أن المنكر لوجوب حقه، والشاك ~~في ثبوت صدقه، لا يجد بدا من أن ينحي الصدق عن الخلق، ويخلي الدنيا من الحق، وهذا ~~قول المكذبين بربهم، الشاكين في بعثهم، فأحسن النظر في معانيه ينكشف لك عما فيه، إن ~~شاء الله. # ومن أبين آياته وأدل علاماته # صلى الله عليه وسلم # ووسع له فيما صدر إليه: أنه لما أخبرت ~~النصارى واليهود أنهم لم يجدوا محمدا # صلى الله عليه وسلم # في التوراة والإنجيل موصوفا ~~مكتوبا، تجمعت العلماء منهم، وتدارست الكتب فيما بينهم؛ فلما نظروا إلى اسمه ~~وعاينوه بنعته، وكانوا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، ويستفتحون بذكره على من سواهم، ~~[كفرت] طائفة حسدا من عند أنفسها، وجحدا من بعد ما تبين لها، وآمنت طائفة، ~~تصديقا بكتابها، وخوفا من ربها. # فلعمر الله لو [لا] أن الذين آمنوا بحقه وصدقوا بأمره، رأوا صفته عيانا، وقبلوا ~~نعته إيقانا، لما فارقوا أديانهم، ولا جادلوا إخوانهم، حتى وقفوهم على اسمه ونسبه، ~~وصفته وعلامته، وهم علماء بني إسرائيل، وحملة الإنجيل: من أهل الكتاب الذين احتج ~~الله عز وجل بهم على العرب، فقال عز وجل: # أولم يكن ~~لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل ~~. ولعمر ~~الله إنها لآية عظيمة، وحجة بليغة، ذكرها الله في كتابه، وجعلها على العرب من ms570 ~~بيناته، فقال لهم: # قل آمنوا به أو لا تؤمنوا ~~إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم ~~يخرون للأذقان سجدا * ويقولون سبحان ~~ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ~~. يقولون : وعدنا أن ~~يرسل رسولا، فقد أرسله، وحقق قوله، وصدق وعده. واحتج النبي # صلى الله عليه وسلم # بذلك وذكره. ~~ولم يكن النبي # صلى الله عليه وسلم # ليجادل ويحتج في أمرهم بكذب وباطل، ولم يكن ليقول للنصارى ~~واليهود، فيما ذكر الله من صدق الموعود: إنه في التوراة والإنجيل مكتوب موجود، إلا ~~وهو من ذلك على حق يقين، ونور مستبين. وكيف كان يستشهد من التوراة والإنجيل بكذب، ~~ويتقول عليهم الباطل، مع حرصه على تصديق أهل الكتاب ليستدعي به إيمان أحياء العرب. ~~أما كان يعلم أنه إذا قال لهم: إنه موجود في مثاني كتبهم، وسمي على أفواه رسلهم، ~~فلم يجدوا خبره يقينا، ولا وصفه مستبينا، أنهم سيدبرون عنه إدبارا، تزداد به ~~العرب نفارا، إلا أن يقولوا خطأ من علمه، وهواء من خبره، فكيف لم يخط إذن في كتبهم ~~حرفا غيره، ولم يخالف منها شيئا سواه، سبحان الله! لقد أكثر المؤمنون العجب من ~~ذهاب الأساقفة بكم، فأنتم إن تنكر ما يقولون لكم، مما ليس لذي لب أن يأذن له أن ~~يؤمن به، ولا أن ينبذ إليه سمعه، # 96 # يقولون: إن أنبياء الله ورسله، المبعوثين بالرحمة إلى خلقه، لطفت ~~النبوة منهم، ووقعت الأخبار المنزلة عليهم، على صغائر الأمور، وغوامض الخطوب، فسار ~~الناس عليها، وأشاروا لهم إلى طلبها، فهي مكررة في مثاني كتبهم، وبطون صحفهم، ~~وأقاويل رسلهم، وتركوا من كلام الله النبأ العظيم، والأمر الكبير، والذكر الحكيم، ~~الذي ملك آفاق الأرضين، واستفاض على جميع العالمين، لم يذكروه بخير يأتمرون به، ولا ~~بشر ينتهون عنه؛ كلا! ما ترك الله على هذا خلقه، ولا بهذا وصف تبارك وتعالى نفسه؛ ~~إنه لأرحم الراحمين، وأحكم الحاكمين. # ولئن رجعت إلى قلبك، لتقولن في نفسك: لعمر الله لو كان هذا الأمر الذي طلع طلوع ~~الشمس، وامتد امتداد النهار فبلغ مشارق الأرض ومغارها، وسهول ms571 الآفاق وحزونتها، ~~حقا وصدقا وعدلا، لبشرت الكتب به، وتنبأت الرسل عليه، ودعت النذر إليه، تزيينا ~~له وترغيبا فيه، وأمرا به. ولو كان ضلالة وجهالة وعماية، لتقدموا في التحذير منه، ~~والتزهيد فيه ، والتثبيط عنه؛ فيدعو ذلك إلى أن تنظروا # 97 # إلى كتب الأنبياء وأقاويل الرسل. فايم الله لئن طلبت لتجدن، ولئن اجتهت ~~لتوفقن، وما الصواب بممنوع، ولا الخير بمحظور. ولقد كانت العلماء بالكتب والبصراء ~~بالتأويل تجده، ولكنها كانت تكتمه بتحريف كلام الكتب عن مواضعه، وصرف تأويل الحكم ~~إلى أشباهه، حسدا من عند أنفسهم وبغيا بعد ما تبين لهم. ثم لقد اقتديتم بهم ~~وجريتم معهم وأخذتم عنهم، بلا حجة لكم، ولا قوة معكم إلا الاقتداء بالآباء والاتباع ~~للآثار. فاتق الله في نفسك، واتهم الرجال على دينك، ولا تجعل النظر إلى غيرك من ذوي ~~الشك في القلوب، والفسخ في # 98 ~~... والتهم في التعطيل، الذين لعلهم يعرض لآرائهم ويقع في أوهامهم أن ~~يقولوا: فلعل ما يتلو عليكم أمير المؤمنين من آيات القرآن، ويقرع لكم من حجج الوحي ~~شيء زيد في المصاحف بعد النبي # صلى الله عليه وسلم ~~. وهذا ما لا يحتمله عقل صحيح ولا نظر قوي، ~~وذاك الشاك في شهادات الرجال، متفقة من بلدان وأمصار مختلفة، وشعوب وقبائل متفرقة، ~~ليس يدعوهم إلى ما شهدوا دين، ولا يحملهم على ما اتفقوا عليه دنيا، لا يستقيم له أن ~~يؤمن # 99 # بما لم تدركه جوارحه وتحيط به حواسه؛ لإسقاطه حجة الإجماع وإبطاله ~~شهادة العوام. واتفاق المختلفين دلالة واضحة. فهو سائلكم عن الحجة في الإنجيل ~~والبينة على التوراة، شكا في الرب وتكذيبا بالرسل، فما كنت قائله له أو مجيبه به ~~في كتابكم، فأجبه بمثله في كتابنا وإن كانت الأحوال منها غير معتدلة ولا مؤتلفة ولا ~~مرتفقة ولا واحدة، تعتدل حالاهما، ويتفق أمرهما، من كتابكم ما لم تنزل به الملائكة ~~وحيا كالقرآن، ولم يشافه المسيح به أصحابه باللسان، إنما كان فعلا أثبت من بعده، ~~ولم يكن الفعال موضوعا بعده. # 100 # وليس يكتب أمير المؤمنين بهذا إليكم شكا فيه، ولا ms572 يورده عليكم مرية ~~به. # ولقد علم أمير المؤمنين أن كتب الله عز وجل محفوظة، وأن حججه مخزونة، لا يزاد ~~فيها على تقادم عهد، ولا ينتقص منها على تقارب دهر، وأن ذلك ثبت في الإنجيل من بعد ~~عيسى عليه السلام، وأنه قال لمن اجتمع إليه من الحواريين: «بالوحي أكلمكم، والأمثال ~~أضرب لكم.» فأمثاله المضروبة كلام، وكلامه الرائع وحي. ولكن ما بال الشك ينفى عن ~~كتابكم، بحجة الاجتماع عليه عندكم، وهو على ما وصف أمير المؤمنين لكم، وسيان في ~~تنزيل كتابنا، وقد أدرك شهادة دينه، إما ما قربا # 101 # من عهده ومعاينة وحيه واجتماع على حفظه، هذا حكم مختلف. # فقل للذين يشكون فيه ويرتابون به: أوقعوا أوهامكم على حالات الأوقات التي تعرفون ~~وقوعها # 102 # بطبقات الرجال الذين يتهمون. # فإن قالوا: أما طبقات الرجال التابعين، وحالات زمان أمير المؤمنين، فذلك ما لا ~~يسوغ الأقاويل فيه، ولا تدخل الشبهة عليه، لانتشار القرآن وامتداد الزمان وكثرة ~~الحملة لآياته فيهم، والحفظة للسانه منهم؛ ولكن الدين الذي نزل به القرآن، وقبض ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # بين أظهرهم. وكيف بوقوع تهمة أو دخول شبهة، على أقوام [لبث] النبي # صلى الله عليه وسلم # عشرين حجة فيهم يتلو كتاب الله عز وجل في كل عام عليهم، حتى حملوه في ~~صدورهم، وحفظوه في قلوبهم، وكرر في آذانهم مسموعا، وأمر على أبصارهم مكتوبا، وجرى ~~على ألسنتهم متلوا، وجمعه كثير منهم محفوظا؛ ثم توارثوه فيهم وتداولوه فيما ~~بينهم، حتى أدوه إلينا، وأوفوا به عندنا، من مواضع متفاوتة، وأصناف وأجناس متباينة، ~~على كلمة واحدة! # فإن قالوا: اتفقت الرجال على الزيادة فيه وأمكنت الحال من الحمل عليه، فليعلموا ~~أن المؤمنين المخلصين ليسوا في الزيادة متهمين، وأن المنافقين الملحدين ليسوا على ~~ذلك بقادرين. وكيف يقدر القليل من المنافقين على مخالفة الجمع من المؤمنين، بعد ما ~~حفظته قلوبهم، ووعته أسماعهم، ثم تكتتم القدرة لهم وتستتر الزيادة منهم! هذا ما لا ~~يقدر عليه منافق، ولا يطيقه مشرك ولا فاسق. وايم الله أن لو قدرت اليهود على ~~الزيادة ms573 في الإنجيل، لأفسدوا كتابكم وغيروا دينكم؛ ولو جعل الله المنافقين على ~~الزيادة في كتابه قادرين، لبدلوا ديننا وغيروا حالنا. ولو كانوا لذلك مقرنين وعلى ~~ذلك مقتدرين، لكان الذي كتب به أمير المؤمنين إليكم، وأورده من حجج الله عليكم، ~~أولى ما تلقون، ورأس ما تقترفون. فلا تلقين إلى ما قاله [المضل] سمعك، ولا تنصت ~~الدهر إليه ذهنك، فإنه اتخذ الشك في كتابنا ذريعة إلى الإخلال بكتابك، وسلما إلى ~~الشك في دينك # 103 # وعلة في الطعن على ملتك؛ ولكن قل يا ولي الشيطان: أنى وقع لك إيمان ~~بأنك من ولد فلان؟ أتقول: شهدت الجيرة، واجتمعت العشيرة، واتفق المختلفون، فذهب ~~الشك، وزال الريب، ووقع الإيقان، من غير العيان؟ صدقت. فما بال الشك فيما اجتمعت ~~العامة على القول به، واتفقت الجماعة في الشهادة عليه من آيات الكتب وبينات الرسل! ~~وإن ذهب بهذا عن أمره، وباعده # 104 # عن شبهه، فنؤمن أنه من نطفة خلق، ومن رحم خرج، فإن جحدوا بي ألا يؤمن ~~بما لا يرى، فقل: أرأيت لو كنت سميعا أعمى، أكنت تؤمن بشيء مما في الدنيا: من سماء ~~أو هواء، أو بحر أو سبع، أو أرض أو جبل، أو شبه ذلك مما لم يدركه العيان ولم يقبله ~~إلا عن الناس؟ فإن قال نعم، فقل: فهل لك إلا بالاجتماع الكفر بالرب، # 105 # وما لدائه دواء غير الصلب. فاتق الله إذ كنت إماما وقائدا لأهل ملكك، ~~لا تقدهم إلى النار فتحمل أوزارهم مع وزرك. # فإن من أبين آيات الوحي، وأدل علامات النبي # صلى الله عليه وسلم # أنه لا يبتدع في الدين أمرا ~~من تلقاء نفسه، ولا يتقدم في الأمور بين يدي ربه. والله أظهر فيما أنزل من الكتاب ~~أمورا كان يحسبها # صلى الله عليه وسلم # مستورة، فقالت تأديبا له، وإخبارا لمن آمن من ~~بعده: # 106 # وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت ~~عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ~~ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن ~~تخشاه ~~. وقال: # عبس وتولى * ~~أن جاءه الأعمى ms574 * وما يدريك لعله يزكى ~~* أو يذكر فتنفعه الذكرى * ~~أما من استغنى * فأنت له تصدى * وما عليك ألا يزكى * وأما من جاءك ~~يسعى * وهو يخشى * فأنت عنه ~~تلهى * كلا إنها تذكرة ~~. وقال تعالى: # ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن ~~إليهم شيئا قليلا * إذا لأذقناك ضعف ~~الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا ~~نصيرا ~~. وقال له حين صرف قلبه عن بيت المقدس إلى البلد الحرام حين ~~سكنت القلوب إليها، وأنست النفوس بها: # ولئن اتبعت ~~أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ~~ولي ولا نصير ~~. وكانت القبلة التي صرفه الله إليها وأمره بها ~~عظيمة على المنافقين واقعة بخلاف الكافرين، كبيرة # 107 # إلا على الذين هدى الله من المؤمنين؛ فإنهم قالوا: إذا اختلفت القبلتان ~~وافترقت الجهتان، كانت الطاعة فيهما واحدة لا اختلاف فيها ولا افتراق عليها. وكيف ~~تختلف الطاعة من رجل بنى بأمر الله عز وجل ثم هدم بوحي الله. # فإن قلت: إن الله حوله عن أفضل القبلتين وأقوم الجهتين، فلا سواء في الفضل البين ~~والخير السر: قبلة سلط الله عليها الكافرين ولم يمنعها من الظالمين، وقبلة منعها ~~بجنود من عنده، وعصمها بغير ما حول من خلقه ولا حرمة يدعيها أحد ممن فيها؛ فأرسل ~~طيرا أبابيل ترمي الأعداء بحجارة من سجيل، فجعلهم كعصف مأكول. فإن تقل: هذا خبر ~~ننكره، وقول لا نعرفه؛ فبأي حديث بعد هذا تؤمن، وتشهد لله عز وجل أنه من قبله، ~~وأنتم تعلمون أنه أنزل الله عز وجل سورة الفيل على قوم أدركه منهم بشر كثير. # فإن قلت: إن محمدا # صلى الله عليه وسلم # خبرهم بما عاينوه وأدركوا خلافه، نقل: إنه أراد أن ~~يفرقهم عنه ويوحشهم منه، وأحب أن يرموه بالكذب، ويقذفوه بالحمق، ويصموه بالجنون، ~~ويظنون # 108 # به الظنون، كلا! ما كان نبي ولا غير نبي ليجاهد أقواما بخلاف ما رأت ~~أبصارهم وشاهدت آباؤهم، فيخبرهم بخلاف ما شهدوا، وتكذيب ما عاينوا. فلا تكونن في ~~هذا من الممترين، ولا بأمر الفيل من المكذبين. # فلعمر الله لو كان ms575 من أمر النبي # صلى الله عليه وسلم # ما تلحد أنت وقومك إليه لما قام معه ~~رجلان ولا اختلف فيه سيفان. وإن فيما صنع الله عز وجل بالفيل وأتباعه، دلالة على ~~قبلة الله وأنبيائه. فاتق الله! فقد شرح أمير المؤمنين علامات النبي # صلى الله عليه وسلم # وكشف ~~الأغطية لك عن النور بآيات الوحي. فإن مالت الأهواء بك، وغلبت الأساقفة عليك، وحضرك ~~الرؤساء الذين يجعلون مع الله آلهة أخرى بلا حجة عندهم، ولا سلطان أتاهم فقل: ~~أنبؤني عما اجتمعت عليه النصرانية وذهبت إليه بهم المعاني من تشقيق الكلام وتصريف ~~الكتب: أحروف تتعسفونها، أم لغة تعرفونها؟ فإن قالوا: إنهم بغير لغة يتكلمون، فهم ~~إذن قوم يلعبون. وإن قالوا: إنهم يتكلمون بلغة معروفة ومعان معلومة، فقل: أخبروني ~~عن قولكم: أب وابن، أهما ما تعترف العقول من المنطق ويقع في القلوب من المعنى أم ~~لا؟ فإن قالوا: لا ليس ذلك بالذي تذهب أوهام العباد إليه، ولا بالذي تقع الحقائق في ~~الآباء والأبناء عليه، إنما هو كقول الله عز وجل في التوراة لإسرائيل: «بكرى» لا ~~يعني ولادة الرحم؛ وكقول المسيح عليه السلام للحواريين: «أنتم إخوتي» لا يعني أخوة ~~النسب. فذلك قول لا يجدون معه بدا من أن ينسبوا عيسى عليه السلام عبدا. وإن ~~قالوا: بل هو ما تجري به ألسن العباد، ويقع في قلوب الخلق من الولادة المعروفة ~~والأبوة المعلومة، فليخبرونا متى كان الأب والدا، والابن مولودا: أقبل الولادة أم ~~بعدها؟ فإن قالوا: قبلها، رجعوا عن القول الأول بتثبيت الأبوة. إلا أن ذلك ليس ~~بالشيء الذي تذهب إليه الأوهام، ولا بالمعنى الذي يقع في قلوب الأنام. # ولا بد إذا سقطت الولادة المعروفة وبطلت الأبوة الموجودة، أن يقولوا: إن الأب ~~والابن اسمان علقا على غير معنى، ونسبان أضيفا إلى غير حق؛ فيقرون أن عيسى عليه ~~السلام خلق مثلهم، وأنهم يتكلمون بغير لغة أحد منهم. وإن قالوا: إنما كان الابن ~~مولودا والأب والدا بعد الولادة، فقد أقروا بأن الابن حدث مخلوق وعبد مربوب، ~~لقولهم إنه لم يكن حتى ms576 ولد، ولم يولد حتى خلق. وقل لمن يقول الزور العظيم، ويقذف ~~بالإفك المبين: أليس الأب أبا على حياله ولم يزل، والابن ابنا نجل، وروح القدس ~~كذلك؟ فإن قالوا: نعم، فقد أقروا بأنهم ثلاثة متباينة، وقعت عليهم ثلاثة أسماء ~~متفاوتة، وتركوا قولهم: إنهم ثلاثة أصلهم واحد. # وإن قالوا: الأب والابن وروح القدس واحد، ولكن بعضه أب وبعضه ابن وبعضه روح ~~القدس، فقد دخلوا في التحديد الذي هو عيب عندهم، وقالوا في التبعيض بما هو كفر ~~قبلهم. وإن قالوا: ليس مبعضا، ولا مجزأ، ولا محدودا، ولا ثلاثة متباينين، فإذا ~~هم قوم يلعبون: يقولون: الأب ابن، والابن أب، والوالد مولود، والمولود والد، ~~والكبير صغير، والصغير كبير، والقليل كثير، والكثير قليل. وهذا من أبين المحال ~~وأخلف المقال. وليس من المنطق ما لا يوجد في لغة عرب ولا عجم، ولا لسان أمة من ~~الأمم. وإنما أرسل الله عز وجل كل نبي بلسان قومه ليبين لهم، فيضل الله الظالمين. ~~ولولا ذلك لما فهمت الأمم مذاهب أقاويل الرسل ولا معاني أحاديث الكتب. فلا تطع ~~الذين يلعبون بأنفسهم، ويتكلمون بغير لغتهم، ويقولون: الثلاثة واحد، والواحد ثلاثة؛ ~~وهذا محال في مجاري المقال، ومعاني الفعال. # لعمر الله لئن اتهمت عقول الأساقفة على دينك، واهتممت بالنظر في توحيدك، لتعلمن ~~أن الواحد لا يكون ثلاثة وأن الثلاثة لا تكون واحدا، إلا على وجه ما له ثان يقول ~~به، ولا منه مخرج تستريح إليه. فألق نحوه سمعك، وأنصت إليه فهمك؛ فإن أمير المؤمنين ~~واصفه لك، وليس واقعا إلا على المخلوقين، ولا لازما غير المحدودين، ولا داخلا ~~على رب العالمين: وهو أن يكون الشيء أصله واحد وأجزاؤه كثيرة، من نحو الإنسان، وهو ~~أصل يجمعه اسم، وله أجزاء تلزمها أسماء؛ فليس الجزء بالأصل، ولا الأصل بالجزء، ولكن ~~الجزء بعض الأصل. فإذا أردت الجزء، قلت يد الإنسان وسمع الإنسان. ولولا أنه محدود ~~مخلوق مجزأ مبعض لما جاز هذا القول فيه ولا دخل هذا المثل عليه؛ وكذلك الشمس: الأصل ~~واحد، وهي شمس، والأجزاء كثيرة وهو عين الشمس ms577 وضوء الشمس وشعاع الشمس ودقيقها ~~وغليظها وحرورها وأعلاها وأسفلها وأشباه ذلك. # فلئن قلت سميت كل جزء من الأجزاء على حياله إنسانا، وكل جزء من الشمس دون أصله ~~شمسا، ونسبت فعل الأصل إلى بعض أجزائه، وتركت أن تنسب الأصل فاعلا ببعض الأجزاء، ~~كما تقول : بسط الإنسان بيده، ومشى برجله، ونظر بعينه، ثم ضربت ذلك لله عز وجل مثلا ~~وجعلت الله له قياسا، فقلت: الأصل واحد، وهو الله عز وجل، والأجزاء كثيرة وهي أب ~~وابن وروح القدس، وكل جزء منها إله على حياله ورب دون غيره، لم تجد بدا أن تلحق ~~اليد والعين والنفس بالأب والابن وروح القدس، فتكثر آلهتك، وتحدد ربك، وتترك قولك: ~~إن الله ليس محدودا ولا مجزأ ولا مبعضا؛ إلا أن يكون إنما تريد مذاهب الأسماء ~~فتقول: المعنى واحد، وهو الله عز وجل، والأسماء أب وابن وروح القدس. فإن كنت تقول ~~هذا وكنت إنما تعبد أسماء، فما تجد بدا من أن تعبد الأسماء كلها وتقول: إنها آلهة ~~على حيالها، حتى تقول باسم ارحمني، وبثان اغفر لي. فاتقوا الله يأهل الكتاب؛ فإن ~~الله عز وجل ليس بأب ولا ابن ولا اسم، ولكن له الأسماء الحسنى فادعوه بها، وذروا ~~الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون. # فإن أشارت الأساقفة إلى بعض الإنسان باليد والرجل وأشباه ذلك وقالوا ليس إنسانا، ~~فقل لا، ولكنه للإنسان، وقل هو إنسان بكماله. وكذلك إن أشاروا إلى بعض الشمس ~~فقالوا: أليس هذا الشمس طالعا، فقل لا، ولكنه بعضها، ولو كانت الأسماء التي تقع ~~أبصاركم عليها وتشير أيديكم إليها من الشمس والسماء والهواء شمسا وهواء وسماء ~~لكانت الشمس والهواء والسماء أكثر مما يبلغه الإحصاء. ولو قصدت بالإجابة لمسالك هذه ~~الأودية، لبطلت الحجج الداحضة وانقطعت الأقاويل المناقضة. وسل من قبلك من أساقف ~~أمتك وشماسة أهل ملتك الذين يزعمون أن عيسى المسيح، ويرفعونه أن يكون عبدا: على أي ~~شيء وقع اسم المسيح من عيسى: على الروح أم الجسد أم على كليهما؟ فإن قالوا: وقع على ~~الروح نفسه، لأن الروح ms578 إله دون غيره، فقد أقروا بأن إلههم يأكل ويشرب، ويمشي ويركب، ~~لأنهم يجدون ذلك من فعل عيسى مبينا قبلهم، موصوفا عندهم. فإن قالوا: وقع اسم ~~المسيح على الجسد بعينه، فكان الجسد هو المسيح إذن دون غيره، والمسيح إذن مخلوق ~~عندهم، والإله إنسان إذن مثلهم، فلم يعبدون المخلوق ويدعون من خلقه وبرأه. وإن ~~قالوا: وقع الاسم على الروح والجسد جميعا، فلن يجدوا مخرجا ولا بدا ولا محيصا، ~~إذا أوقعوا الاسم عليهما، من أن يضيفوا الأعمال إليهما، فيقولوا: إن الجسد المخلوق ~~هو خلقهم، وإن الروح الخالقة قد ماتت قبلهم، وذلك لما يجدون من ذكر موت عيسى عليه ~~السلام في الكتب عندهم وفي الإنجيل الذي قبلهم. وسل من قبلك عن الأب والابن، فقل ~~أيهما أعظم وأيهما أصغر؛ فإن قالوا: الأب أعظم والابن أصغر، فقد جعلوهما متباينين. ~~وإن قالوا: هما واحد وكلاهما عظيم، وليس الأب بأعظم من الابن، ولا الابن بأصغر من ~~الأب، فقد نقض حينئذ جوابهم، وأكذب المسيح عليه السلام كلامهم، حيث يقول: «لو ~~كنتم # 109 # تحبونني لفرحتم حيث أذهب إلى إلهي فإن إلهي أعظم مني» فلم يقل أعظم ~~مني، إلا وهو مقر بأنه أصغر منه. وسلهم عن قول المسيح: # 110 ~~«أنا أذهب إلى إلهي وإلهكم»، فقل: من هذا الإله الذي ذهب عيسى إليه # صلى الله عليه وسلم ~~: إله في السماء متباين منه منقطع عنه؟ فهما إذن اثنان متباينان، أم إله ~~كان به متصلا وكانا جميعا واحدا؟ فكيف إذن يجوز له أن يقول إذن أذهب إليه! إلا ~~أن يقولوا: إن بعضه ذهب إلى بعض! وهذا مما لا يجوز عندهم في صفة الرب عز ~~وجل. # وسل من قبلك: أخرج المسيح من بطن أمه مريم بكماله حتى كان البطن منه فارغا وكان ~~هو منه بكماله خارجا؟ فإن قالوا: نعم، فقد انكسر قولهم: إن الله بكل مكان. وإن ~~قالوا: لم يخرج المسيح ولم يخل البطن، فقد كذبوا إذن في قولهم: إنه قد خرج، وأقروا ~~أنه قد ولد. فتعالى الله عما يصفون، وتنزه عما يشركون. وسلهم لم ms579 هبط عيسى إلى بطن ~~مريم، وتجسد باللحم والدم؛ فإن قالوا: ليمحق الخطايا من الأرض ويربط الشيطان عن ~~الخلق، فقل: كيف إذن لم يربطه عن نفسه! وكيف جلاباه # 111 # من اليهود بصلبه! ولم سلط على أهل دينه يتبعون في كل شعب ويقتلون بكل ~~واد! # وقل للذين يقولون : إن الخالق في كل مكان من السماء والأرض وغير ذلك: أيهما أعظم: ~~المحيط المشتمل، أم المحاط المشتمل عليه كما يقولون؟ تعالى الله عما يشركون. فإن ~~قالوا: إنما التحم بعضه دون بعض، فقد حدوا وبعضوا ونقصوا وانتقصوا، وإما قالوا فلن ~~يجدوا بدا من أن يقولوا: إن بعض المسيح الذي جعلوه ربهم، وهو إله عندهم، ميت بعضه ~~جيفة، وإن بعضه حي طيب؛ لأنهم زعموا أنه التحم بجسد حي فيه روح، فلا بد إذن أن يدخل ~~عليه ما يدخل على الأجسام الحية من الخوف والفزع والفرح والعطش وأشباه ذلك، وهو ~~عندهم كفر عظيم وإفك مبين، فاتق عقوبة الله ربك، ولا تمش مكبا على وجهك، ولكن اطلب ~~والتمس وابحث؛ فقد قال عيسى عليه السلام في الإنجيل: «من # 112 # سأل أعطي ومن طلب وجد ومن استفتح فتح له». # اجمع العلماء والبصراء [الذين] عندك، والأساقفة والرهبان الذين قبلك، فقل: لأي ~~شيء نسبتم المسيح إلها وجعلتموه ربا؟ ونجد الله سماه في الكتاب ابنا، وقد ~~تجدونه قال: «إني أذهب إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم أيضا.» وهذا كلام يحتمل وجهين ~~أحدهما أولى به، وقول لا يحتمل إلا وجها وهو الربوبية. أم كيف تنظرون إلى كلامه: ~~«أذهب إلى أبي وأبيكم» فتفردونها في نفسه وقد قالها فيه وفي غيره! # فاتق الله وكن من القائمين بالحق، الموحدين للرب. إن أمير المؤمنين قد ضرب لك ~~أمثالا جمة، وصرف إليك مسائل كثيرة، وبين لك من آيات النبي # صلى الله عليه وسلم # وعلامات الوحي ~~قليلا من كثير، واضحا من تفسير، لا تمتنع العقول من التصديق به، ولا القلوب من ~~الإقرار به. # وسيذكر لك أمير المؤمنين من علامات النبي # صلى الله عليه وسلم # في التوراة والإنجيل، ما يكتفى ~~به، إن ms580 شاء الله، وباليسير منه؛ لأن كتب الله عز وجل محفوظة، وحججه محروسة، لا يزاد ~~فيها ولا ينقص منها. وإذا وجدت فيها كلمة تدلك على حق وتهديك إلى رشد، فلست واجدا ~~أخرى تصدك عنه وتشككك فيه، إذا تلي ذلك بالحق ووضع على الصدق. ولكن ضلت اليهود ~~والنصارى بتحريف تأويل الكلام، وتصريف تفسير الكتب. وأمير المؤمنين يسأل الله ~~العصمة والتوفيق. # من ذلك ما قد شهد به عيسى عليه السلام عندكم وبينه في الإنجيل لكم، إذ قال ~~للحواريين: # 113 ~~«أنا أذهب وسيأتيكم البارقليط روح الحق الذي لا يتكلم من قبل نفسه إنما ~~يقول كما يقال له، وهو يشهد علي وأنتم تشهدون لأنكم معي من قبل الناس بالخطيئة، وكل ~~شيء أعد الله لكم يخبركم به.» وترجمة البارقليط: أحمد. هذا ما لا شك ولا مرية فيه، ~~وهو الذي يخبر بما وعد الله المؤمنين وصالحي الحواريين في القرآن؛ ولستم تجدون ذلك ~~في التوراة ولا في الإنجيل. # ومن ذلك قول أشعيا # 114 # النبي عليه السلام: «قيل لي: اقم بطارا ما ترى بخبري؟ # 115 # قال: أرى راكبين بعيرين مقبلين أحدهما يقول لصاحبه: سقطت بابل ~~وأصنامها # 116 # المنحوتة.» ولسنا نعلم نبيا ركب بعد موسى # صلى الله عليه وسلم # بعيرا إلا محمدا # صلى الله عليه وسلم # كثيرا. # ومن ذلك قول دواد عليه السلام: # 117 ~~«اللهم ابعث جاعل السنة كي يعلم الناس أنهم بشر» يقول: كي يتبين الناس ~~أن عيسى عليه السلام إنسان. ولسنا نعلم نبيا وضع سنة تنسب إليه إلا محمدا # صلى الله عليه وسلم ~~. أما عيسى فإنه نصب سنة موسى عليه السلام. # ومن ذلك قول حبقوق # 118 # المتنبئ في زمان دانيال: «جاء الله من السماء # 119 # والقديس من جبال فاران، وامتلأت السماء من تحميد أحمد وتقديسه، ومسح ~~الأرض بيمينه، وملك رقاب الأمم.» وقال أيضا: # 120 ~~«تضيء لنوره الأرض، وتحمل خيله في البحر.» فإلى من ينحو هذا القول، ~~وإلى أين يذهب بهذا المعنى؟ لئن ذهب به إلى غير الذي [تحمل] # 121 # خيله في البحر، وبدأ من جبال فاران أمره، وغلب ms581 على الأرض ~~ومسحها، # 122 # وملك رقاب الأمم كلها، لقد تركتم الحق وأنتم تعلمون. # ومن ذلك قول داود عليه السلام في الزبور: # 123 ~~«صدقوا وسبحوا الرب تسبيحا حديثا سبحوا الذي هلله # 124 # الصالحون. ليفرح إسرائيل بخالقه ويتوب صهيون من أجل أن الله اصطفى له ~~أمته، وأعطاه النصر وسدد الصالحين بالكرامة، يسبحونه على مضاجعهم، ويكبرون الله ~~بأصوات عالية، بأيديهم سيوف ذات شفرتين، لينتقم الله من الأمم الذين لا يعبدونه، ثم ~~يقيد ملوكهم بالقيود وأشرافهم بالأغلال.» فأيتما أمة يكبرون الله بأصوات وأذان ~~الصلوات الدائمة وعلى كل شرف وعند كل حرب، وأيتما أمة كانت سيوفها ذات شفرتين إلا ~~أمة محمد # صلى الله عليه وسلم ~~! # ومن ذلك قول # 125 # أشعيا: «سبحوا الرب تسبيحا حديثا، ويسبحه من آفاق الأرض فرح # 126 # يكون في بني فيار.» وبنو فيار قريش أهل فاران الذي نزل فيه القرآن. ~~وأيتما أمة تسبح من آفاق الأرض إلا أمة محمد # صلى الله عليه وسلم ~~. عبدي أكدي. # 127 # ومن ذلك قول أشعيا: # 128 ~~«عبدي الذي وجب به حبي الذي بشرت به نفسي أفيض عليه روحي، يوصي الأمم ~~بالوصايا، لا يضحك ولا يسمع صوته في الأسواق، ويفتح العيون العور، ويسمع الآذان ~~الصم، ويحيي القلوب الغلف، وما أعطيه لا أعطي غيره، أحمد يحمد الله حمدا حديثا، ~~تهليله يأتي من أقصى الأرض، يجوز الماء بشدة أمواجه، ويفرح # 129 # وكورها، سكانها يحمدون الله على كل شرف، ويكبرونه على كل ~~رابية.» # ومن ذلك قول داود # 130 # عليه السلام في المزمور الخامس والأربعين، # 131 # يقول الله عز وجل لمحمد في الزبور: «انصبت رحمتي على شفتيك من أجل ذلك ~~باركتك # 132 # الدهر، تقلد السيف على الأمم، أيها الجبار على الأمم بالقتل والأسر ~~والسباء بهاك وحمدك أحمد تغلب البر منك كلمة الحق وذللت لك الأشياء سيفك بجسمه ~~يمينك ونبالك مسمومة وتسقط عند الأمم.» فأي نبي كان على الأمم جبارا ولهم بإذن ~~الله قتالا إلا نبينا # صلى الله عليه وسلم ~~. # ومن ذلك في آخر التوراة: # 133 ~~«جاء الله تبارك وتعالى من سيناء وأشرف ms582 من ساعير واستبان واستعلن من ~~جبال فاران، وجاء عن يمينه ربوات القديسين.» وتفسير هذا أن الله عز وجل أنزل ~~التوراة على موسى في طور سيناء، وأنزل الإنجيل على عيسى عليه السلام في جبل ساعير ~~وهو جبل بالشام، وأنزل القرآن على محمد # صلى الله عليه وسلم # في جبال فاران وهي بلاد مكة. وأنتم ~~تجدون ذلك في كتبكم مكررا وتعرفونه جميعا بلغتكم. # ومن ذلك قول الله عز وجل لموسى عليه السلام: # 134 ~~«سأقيم لهم من إخوتهم مثلك أجعل كلامي على فهمه ولا يتكلم إلا بما آمره ~~به.» فمن إخوة بني إسرائيل إلا بنو إسماعيل! أما تعلم أن لو كان الله عز وجل يعني ~~أحدا منهم لقال لهم: أقيم لكم نبيا منكم! # فإن قلتم إنما قال من إخوتكم، وهو يريد من أنفسكم، فهب أمير المؤمنين قبل هذا ~~الخلف منكم ووسع في هذا المجال لكم، فكيف تصنعون بقول الله عز وجل في التوراة: «مثل ~~موسى في بني إسرائيل لا يقوم» فهل تجدون من هذا مخرجا، ومن الإيمان أن المعنى وقع ~~على محمد # صلى الله عليه وسلم # بدا. # ألا تسمع قول الله عز وجل: «أجعل كلامي على فمه كي يعنى به، أمي لا يقرأ ولا ~~يكتب.» # أوليس قد أمر عيسى عليه السلام حوارييه أن يقولوا في صلواتهم: # 135 ~~«يا أبانا الذي في السماء تقدس اسمك.» كيف صار عيسى دونهم ابنا، وصار ~~له دونهم أبا، # 136 # وهم يقولون: يا أبانا! أم كيف لم يجعل سليمان بن داود إلها وقد قال ~~الله عز وجل لداود: «يولد لك غلام يسمى لي وأسمى له»! ولم لا يجعلون إسرائيل إلها ~~وقد قال الله عز وجل له: «أنت بكري»! بل لم لا يسمعون المؤمنين عامة والحواريين ~~خاصة [آلهة]، وقد قال المسيح للحواريين: أنتم إخوتي، وقد قال الإنجيل: # 137 ~~«أعط كل من آمن بي سلطانا يدعى له.» وإن كان هؤلاء كلهم للمسيح إخوة ~~أفلا تجعلونهم كلهم آلهة! وكيف يقولون: إن عيسى ابن الله، وهو يقول في مواضع جمة ~~وأماكن كثيرة إنه ابن ms583 الإنسان! فكيف يكون ابن الإنسان ابن الله؟ ومتى كان ذلك؟ لئن ~~قالوا: إن عيسى لم يزل ابن الإنسان، لقد جعلوا مع الله إنسانا قديما وجعلوا الله ~~إنسانا حديثا، وجعلوا المسيح ابن الله لم يزل، وابن الإنسان فيما حدث. وهذه أمور ~~متناقضة، وحجج داحضة، وأقاويل فاحشة. # فإن قالوا: إنما نعبد المسيح لأنه رفع إلى السماء، فليعبدوا الملائكة فإنهم في ~~السماء قبله، وإدريس فقد رفعه الله وغيره. وإن كانوا يعبدون المسيح لأنه لم يخلق من ~~ذكر، فآدم وحواء لم يخلقا من ذكر ولا أنثى، ولم يقعا من غم الرحم وضيق البطن وحال ~~الصبا فيما [وقع] فيه المسيح. # وإن قالوا: إنما نعبد عيسى لأنه أحيا الموتى، فما أحيا حزقيل # 138 # أكثر، وما كان من اليسع تلميذ إلياس أعجب؛ لأنه أحيا الموتى بعد مئتين ~~من السنين. وإن طلبتم ذلك في سير الملوك عند قصة اليسع أصبتموه، إن شاء ~~الله. # وإن كانوا إنما يعبدون المسيح من أجل الأسقام التي أبرأ والعجائب التي أرى، ~~فعجائب موسى أعجب وآياته أعظم. أين ما ذكرت لك من [عجائب] عيسى من عجائب موسى: من ~~انقلاب البحر له، وسلوك الجيش معه! أم أين ذلك من حجر يضربه فينفجر بعيون الماء، ~~ويحمله معه حيث شاء! بل أين تلك وهذه وغير هذه من الآيات من حبس يوشع ~~الشمس # 139 # ثلاث ساعات! وكل ما صنع موسى وعيسى وغيرهما بإذن الله وأمره وقدره ~~وقضائه. فاتق الله وكن من القائلين بالحق، الموحدين للرب، ولا تقل على عيسى ما لم ~~يقل؛ فإنكم لا تجدونه قال لكم في شيء من كتبكم: اعبدوني فإني ربكم. تعالى الله عما ~~يقول الظالمون، ويذهب إليه الجاحدون. # وإن أمير المؤمنين قد أحب أن ينصح لك، في أولى داريك بك وأهم شأنيك لك، فدعاك إلى ~~الإسلام وأمرك بالإيمان الذي به تدخل الجنة وتنجو من النار. فإن قبلت فحظك أصبت، ~~ونفسك أحرزت، ولك ما للمسلمين، وعليك ما عليهم. وإن رددت نصيحة أمير المؤمنين فيما ~~فيه الحظ في آخرتك، فإن أمير المؤمنين ينصح لك فيما فيه ms584 الصلاح في عاجلتك: من إعطاء ~~الجزية التي يحقن الله بها دماءكم ويحرم بها سباءكم، ويجعلها قواما لمعاشكم، ~~وصلاحا لبلادكم، وتوفيرا لأموالكم، وأمنا لجنابكم، وسعة لسربكم، # 140 # وبركة على فقرائكم، وغنى لأهل الحاجة والفاقة والمسكنة منكم. # ولن يذكر أمير المؤمنين في الجزية لكم من حلول الأمن فيكم، وعموم العافية إياكم، ~~واستقامة البركة عليكم، وكف أيدي المسلمين عنكم، وبسطها على الأعداء منكم، شيئا ~~إلا وفي قليل ما كان من أشباه ذلك أيام تلك الفدية التي كان الله أجرى نعمتها لكم ~~على يده، وفتح بركتها عليكم من قبله، ما يدلكم على صدق أمير المؤمنين فيما يذكر، ~~ويشهد له على حقه فيما يقول إن شاء الله. فقد تعلمون أن الله قد أدخل على كل طرف من ~~أطرافكم، وصنف من أصنافكم، بتلك الفدية، أمورا عظيمة البركة، واسعة المنفعة، في ~~أمور غير واحدة: منها: أن قادة جنودكم وساسة حربكم، كانوا بعد وقوع أمرها واستحكام ~~عقدها، فراغا لمحاربة أعدائكم ومناصبة من ناوأكم، بين أن يستعجموهم # 141 # في بلادهم وينزلوا عليهم في ديارهم، ولا يرهبون تعقب بشر إن ساروا في ~~أرضهم، ولا يتخوفون طرادا إن اجتمعوا لقتالهم أن يقيموا في خفض ودعة، وأمن وسعة، ~~مع الأزواج والأولاد والعيال والأوطان والرباع والمحال، وهم اليوم يترقبون الجيوش ~~من كل شعب ويتخوفون الحتوف في كل وقت، لا يهدأ # 142 # لهم جأش، ولا يسكن لهم فزع، ولا ينام لهم ليل، ولا يأمن فيهم حال، قد ~~قطعت الهموم دابرهم، وأضمرت المخاوف جنوبهم، واستأصلت الجنود أموالهم. # ومنها: أن أهل الحراثة وإخوان العمارة، في بلادك وأطراف أرضك، كانوا سراعا إلى ~~عمارة أرضهم وإصلاح ما تحت أيديهم، فيما لا قوام لهم ولا لمعاشهم إلا به، ولا بقاء ~~لدينهم إلا معه؛ قد أمنوا الجيوش ومعرتها، والجنود وبادرتها، وانتشروا للعمارة، ~~وابتكروا في الزراعة، فارقوا رءوس الجبال وإقحام الغياض، وراحوا في أوساط أوطانهم ~~وظلال محالهم، يشققون الأنهار، ويغرسون الأشجار، ويفجرون العيون، حتى نمت الأموال، ~~واخضرت الحال، وأخصب الجناب؛ وأصبحوا اليوم عن الزراعة ممسكين، وللحراثة تاركين، ~~وبغيرها مشتغلين في إصلاح ms585 آلات الهرب، وإحراز العيال في الحصون، ورم القلاع للجلاء، ~~وتحريش الحصون للبلاء، قد انتقلوا عن منابت البر وكرائم الأرض، ومجاري المياه، إلى ~~أوشال الجبال، وأشجار الغياض، وبطون الأودية؛ فليس يبلغون من عمارة بلادهم، ولزوم ~~أوطانهم، [و] من تناول ثمارهم وقوام معاشهم مثل ما كانوا يبلغون، ولا ينالون من خفض ~~العيش وطيب الأمن ولذة الدعة، قريبا مما كانوا ينالون. # ومنها: أن إخوان التجارات، وأصحاب الأموال وأهل الظلف والحافر، كانوا يتناولون ما ~~شارفهم من بلادنا # 143 # وما قاربهم من أسواقنا ، فينفقون تجاراتهم ويغلون بضائعهم، فتعظم ~~الأرباح وتضعف الأثمان. وكانت الباعة من تجار المسلمين وغيرهم من الذميين، ~~يتناولونهم للبيع لهم ويتناولونهم للشراء منهم، فعمت البركة وسهلت المنفعة، حتى ~~نالت الرعاء في جبالها وأقتالها، # 144 # والنساء في غزولهن وعمل أيديهن فضلا عن غيرهن. # ومنها: أنك ومن قبلك من ذوي العبادة والزهادة والتأله والنسك والنيات، كنتم على ~~عافية من أيام الرضا بالحرب، وسلامة من أوزار الحض على قتال الخوف؛ قد نجوتم من ~~معصية المسيح في الدنيا التي نهاكم عنها، والأمور التي أمركم بها، من نحو ~~قوله: # 145 ~~«من لطم خدك الأيمن فأمكنه من الأيسر، ومن انتزع قميصك فأعطه كساءك، ~~ومن لطمك فاغفر له، ومن شتمك فأعرض عنه.» # ومنها: أن من بأقاصي بلادك ونواحي حوزتك، قد ذاقوا تلك الأيام من لذة الخفض، ودعة ~~الحال، وحلاوة الأمن، ورفاهية العيش، وسعة العافية من سباء أزواجهم، وهيض أولادهم، ~~وحطم معاشهم، وأسر رجالهم، وغنيمة بقرهم وغنمهم، وإفساد شجرهم وثمارهم، وإجلاء عن ~~مساكنهم وأوطانهم، ما لم يكن لهم رأي يعرفه، ولا ظن يبلغه، ولا طمع يقاربه، ولا أمل ~~يذهب إليه. وما قد عرفت الخاصة من بطارقتكم، والعامة من أهل ملتكم به: من رأفتكم ~~بهم، ورحمتكم لهم، وشفقتكم عليهم، وأثرتكم إياهم، وبركة ولايتكم ملكهم، ومنفعة ~~سياستكم أمرهم، ما قد ازدادوا لكم به محبة، وفي بقائكم رغبة، ولأمركم طاعة، وعلى ~~ملككم شفقة، وفيما نابكم نصيحة؛ مع ما قد ازددتم بذلك من الهيبة في صدور الأعداء، ~~والشرف في قلوب النظراء، والعظم في عيون الأمم، ms586 حتى أقروا لكم بقوة عزائم العقول، ~~وفضل سياسة الأمور، وصحة تدبير الملك، وصدق النية، ولطف الحيلة التي جعلوا نسبة ~~عملكم بها، ومحل رأيكم فيها؛ على أنكم نظرتم لضعفائكم حتى قووا، ولفقرائكم حتى ~~استغنوا، ولقرائكم حتى بينوا وحيو وقووا المسلمين # 146 # من أيام الحروب وأوزار القتال، ومعصية المسيح عليه السلام، ولأعدائكم ~~الأبعدين وجيرتكم الأقربين، حتى كنتم من فراغكم لهم، واشتغالكم من أمركم بها ما ~~أوطأتموه لحر سحر # 147 # القتل، وذل الأسر وغلبة القهر، والإذعان والاستسلام. وإما كفيتموهم ~~بالصلح، واستوثقتم منهم بالرهن. # فإذا ذكرت ما كان من هذا وأشباهه وأمثاله في الفدية، فاعلموا أن أمثاله وأضعافه ~~مقيم معكم في الجزية، فلا يكون لك رأي غيرها ولا أمر سواها؛ فلقد أكثر أمير ~~المؤمنين العجب من أمركم، وأطال تقليب الفكرة في بعضكم، فظن أن إخراجكم من جميع ما ~~كنتم فيه إلى خلافه مما أصبحتم عليه من انتظار وقعات الحروب، وصولات الجنود وأكل ~~الحدود، وتوقع الجلاء والسباء والقتل، والأسر والحصر، شيئا اختدعكم الله عز وجل ~~فيه عن أنفسكم وكيدا استدرككم به لما علم من قلوبكم. # ألا إن أعجب عذركم وأفظعه كان عند أمير المؤمنين إذ بلغه جرأتكم على الله عز وجل ~~في نقض عهده، واستخفافكم بحقه في خفر ذمته، وتهاونكم بما كان منكم، وأنتم تعلمون أن ~~مواثيق العهود ونذور الأيمان الذي وضعه الله عز وجل حرما بين ظهراني خلقه، وأمانا ~~أفاضه في عباده، لتسكن إليه نفوسهم، وتطمئن به قلوبهم، وليتعاملوا به فيما بينهم، ~~ويقيموا به من دنياهم ودينهم؛ فما من ملك من الملوك ولا أمة من الأمم، تبيح حمى ~~الله عز وجل، تهاونا به وجرأة عليه، إلا أجرى الله عليهم دائرة من دول الأعداء، ~~وأنزل عليهم عذابا من السماء. وقد رجا أمير المؤمنين أن يجري الله نقمته منكم ~~بأيدي المسلمين، بعد إذ كان اعتقد عهدكم، وأخذ ميثاقكم بالأيمان المغلظة، والعهود ~~الموكدة، التي قد اعتقدها في رقابكم، وحملها على ظهوركم، فأشهدتم الله لها على ~~أنفسكم، وتسامع بها من حولكم، وحكم بها بطارقتكم وأساقفتكم. فلا الله اتقيتم، ms587 ولا ~~من الناس استحييتم، نكثا للعهد، وبغضا للمسلمين، وخترا بالأمانة، وإباحة للحمى. ~~فتوقعوا العقوبة، وانتظروا الغيب؛ فلقد وثق أمير المؤمنين أن من عذاب الله ما هو ~~حال إن شاء الله بكم. # ومن أسباب ما يريد الله من الانتقام منكم، ما قد أزمع أمير المؤمنين وعزم عليه، ~~وقذف الله في قلبه: من الإرادة والنية والرغبة في إيطاء الجيوش بلادكم، واستباء ~~المقاتلة أرضكم، والتفرغ لكم من كل شغل، والإيثار لجهادكم على كل عمل، حتى تؤمنوا ~~بالله وأنتم طائعون أو كارهون، وتؤدوا الجزية عن يد وأنتم صاغرون، فكونوا على عدة ~~من الجزية، ويقين من الانتجاع الذي لا طاقة لكم إن شاء الله به، ولا صبر لكم بإذن ~~الله عليه؛ فإن جنود أمير المؤمنين فارغة كثيرة، وخزائنه عامرة وافرة، ونفسه سخية ~~بالإنفاق، ويده مطلقة بالبذل، والمسلمون نشاط إليكم، منقلبون عليكم، قد عودهم الله ~~في لقائكم عادة يرجون انتظار مثلها، وأبلاهم في قتالكم بلاء من أمثالها، إن شاء ~~الله. # وكتاب أمير المؤمنين نذيره بين يدي جنوده، ومقدمه إن شاء الله من جيوشه، إلا أن ~~تؤدوا الجزية عن التي دعاك أمير المؤمنين إليها، وحداك ومن قبلك عليها، رحمة ~~للضعفاء الذين لا ترحمهم، وتوجعا للمساكين مما لا توجع منه لهم من الجلاء والسباء ~~والقتل والأسر والقهر، وقساوة من قلوبكم، وأثرة لأنفسكم، واعتصاما بخواصكم، وإجلاء ~~لعوامكم الضعفاء الفقراء المساكين الذين لا تمنعونهم بقوة، ولا تدفعون عنهم بحيلة، ~~ولا تراقبون في الرحمة لهم والتعطف عليهم، أدب المسيح إياكم، وقوله في ~~الكتاب # 148 # لكم: «طوبى للذين يرحمون الناس؛ فإن أولئك أصفياء الله ونور بني ~~آدم.» # وايم الله لو يعلم من قبلك من المساكين والزراعين والفقراء والضعفاء والعملة ~~بأيديهم، ما لهم عند أمير المؤمنين لتحدروا عليه وأقبلوا إليه، من إيوائهم، ~~وإنزالهم الأرض الواسعة، وإمكانهم من مسايل المياه السائحة، والعدل عليهم بما لا ~~تبلغه أنت ولا تقاربه، رفقا بهم ونظرا لهم وإحسانا إليهم، مع تخليته إياهم ~~وأديانهم، لا يكرههم على خلافها ولا يجبرهم على غيرها، لاختاروا قرب أمير المؤمنين ~~على قربك، وجواره ms588 على جوارك، ولأنقذوا # 149 # أنفسهم وأموالهم وأولادهم وأزواجهم وعيالاتهم، مما يحل بهم في كل عام ~~ويلقون من كل غزاة. فاتق الله واقبل ما عرض عليك من الجزية، ولا يمنعنك ما ~~فيه # 150 # الحظ لك ولأهل مملكتك. ونحن على رجاء أن الله لا يؤخر ذلك منكم ويدفعه ~~عنكم، إلا ليجعله على يد أهل بيت النبوة والرحمة، ولأهل الوراثة فيهم للكتاب ~~والحكمة، الذين لا يدخل عليكم في الإذعان [لهم] وأداء الجزية إليهم حمية ولا نقيصة ~~ولا عار، والذين يفون لكم بما يعقدون، ويتبعون فعلهم ما يقولون. # ثم أمير المؤمنين بخاصة لما جعل الله عليه رأيه وفيه نظره من البر والرحمة ~~والإقساط والوفاء بالعقود والعهود والشروط، نظرا لدينه وخوفا من ربه، ولما قذف ~~الله في قلبه وقلوب المسلمين من المحبة والطاعة والأثرة، ولما جعلهم الله عليه من ~~اجتماع الكلمة، واتفاق الأفئدة، والنصائح في السر والعلانية، وما عوده الله ممن نصب ~~له بمجاذبة ورماه بمكايدة، وعراه بحيلة: من النصر العزيز، والفتح القريب، والظفر ~~المبين. فابذل من الجزية ماشئت، وسم منها ما هويت. واعلم أن أمير المؤمنين ليس ~~يحذوك عليها لحاجة به إليها ولا للمسلمين، ولكن طاعة لربه وأثرة لحقه، وليجعلها ~~سببا لما يريد أن يجري فيما بينه وبينكم. وإنه إنما كان قبول المهدي - رحمه الله - ~~الفدية منكم، بطلبة أمير المؤمنين كانت إليه، والحاجة كانت فيها عليه؛ # 151 # ولم يكن من رغبة فيها، ولا حاجة إليها، ولا استعظام لها، ولقد كان يعطي ~~في المجلس الواحد مرارا أمثالها، ولكن ذلك كان رأي أمير المؤمنين يومئذ فيكم. فأما ~~اليوم إذ استبان له غدركم ونقضكم ونكثكم واستخفافكم بدينكم وجرأتكم على ربكم، فليس ~~بين أمير المؤمنين وبينكم، إلا الإسلام أو الحرب المجلية، إن شاء الله. ولا حول ~~بأمير المؤمنين ولا قوة إلا بالله؛ عليه يتوكل وبه يثق وإياه يستعين. والسلام على ~~من اتبع الهدى. ~~(3) رسالة يحيى بن زياد في تقريظ الرشيد # أما بعد، فإني أسأل الله لأمير المؤمنين في غابر أموره، أحسن ما عوده في سالفها ~~من السلامة التي ms589 حرسه بها من المكاره، والعز الذي قهر له به الأعداء، والنصر الذي ~~مكن له في البلاد، والهدى الذي وهب له به المحبة، والرفق الذي أدر له به الحلب، ~~والاستصلاح الذي اتسقت له به الرعية، حتى يكون بما أعطاه من ذلك، وما هو مستقبل به ~~منه، أبعد خلفائه في الخير ذكرا، وأبقاهم في العدل أثرا، وأطولهم في العمر مدة، ~~وأحسنهم في المعاد منقلبا. # ثم نحمد الله الذي جعل نعمته على أمير المؤمنين شواهد منه على منزلته منه ومكانه ~~عنده؛ لا يحتاج معها إلى شهادات المثنين، ولا صفات المقرظين، ثم جعل ذكر نعمته على ~~أمير المؤمنين ومناصحتها والمجاهدة لمن كادها فريضة أوجبها على العباد، ومحبة ~~امتحنهم بها، وفرقانا ميز به بينهم، فمن أصبح من رعيته أكثر شغله أن يستعمل لسانه ~~في صفته، وذكر محاسنه وفضائله، ووجوب حقه وطاعته؛ فقد أصبح آثرا أولى الأمور ~~وأحسنها مغبة في دنياه ودينه؛ ومن بدل ذلك عن قدرة عليه، ودفعه بعد معرفة، فلم يدعه ~~إلا عن خذلان حاق به، أو بدعة استمالته؛ كانت حجة الله لأمير المؤمنين عليه هي ~~الكافية لمئونته. وقد كان علماء الناس وجهالهم يسوون في عام المعرفة بفضل أمير ~~المؤمنين؛ فأما الخاص فلأهل الفضل فيه فضلهم، غير أنه مهما كان من ذلك فقد أصبحوا ~~وهم فيه على منازل ثلاث: حاسد حجب الحسد بصره عن مواقع الصواب أن يراه، والنعمة أن ~~يشكوها، والحق أن يؤديه؛ وكانت معرفته عليه وبالا، وحسده إلى الضر # 152 # به قائدا. أو ذو هوى. قاده الهوى إلى البدعة وأخرجته الضلالة من ~~الجماعة، فهو عرضة لسوء الأدب أو سيف النكال، لم يوحش الله أحدا بفقده، ولم يعزر ~~أحدا بموالاته. وموفق معصوم # 153 # استنقذه [لله] بموالاة أمير المؤمنين من غل الحسد وبدع الآراء وجبله ~~على صحة الهوى، فهو إن نظر فبعينه ينظر، وإن قال فبلسانه يقول، لا يأمن حتى يعلم أن ~~أمير المؤمنين قد استوطأ مهاد الخفض، ولا يزال له طليعة رأي توفي على خطة حزم وغامض ~~فطنة، تغلغل إلى لطيف منفعته و[تكون] ms590 سهم مكيدة نحو عروة، # 154 # قد علم أن يوم أمير المؤمنين يومه، وأن غده غده، فهو وإن تعرض لأداء ~~الحق في نصيحته ينظر لنفسه نظر من لا يأمل السلامة إلا بسلامته، ولا البقاء إلا ~~ببقائه. وقد رجوت بالقرابة التي جعلها الله لي به، والواجب الذي عرفته من حقه، ~~والعظيم الذي حملته من معروفه، ألا يكون أحد ينظر إليه بعين الإشفاق أقوم ما جعله ~~الله أهله مني، فإن أبلغ الذي أردت فبتوفيق الله، وإن أقصر فعن مثل ما حاولت قصر ~~المجتهد. # فأول ما أنا ذاكره من فضله: أن الله قدم له الصنع في سابق علمه، فجعل محتده خير ~~المحاتد عنصرا، ثم اختار له أبا فأبا لا ينقله من أب إلى أب إلا نقل معه وإليه ~~فضيلة العنصر الذي هو منه حتى صيره بعد فضائل آبائه إلى أفضل بدنة، فكان خير خلف من ~~خير سلف، وأفضل ولد من أفضل أبوة، وأرضى إمام من أزكى أئمة؛ ثم اختار له مكارم ~~الأخلاق، وألبسه جمال الصورة، فلا نعلم نحن ولا آباؤنا خليفة أبعد في حلمه من ذل، ~~ولا في هيبته من تجبر، ولا في شدته من عنف، ولا في لينه من وهن، ولا في أناته من ~~غفلة، ولا في اقتصاده من بخل، ولا في بذله من إضاعة، ولا أرق وجها عند لقاء، ولا ~~أحسن بشرا عند تحية، ولا أغزر دمعا عند موعظة، ولا ألين قيادا عند تذكير بالله ~~منه. # ثم أفضت إليه الخلافة وفي المال ما فيه من القلة، وفي الناس ما فيهم من ~~الإحراج، # 155 # فما دفع عن مال يعطيه عن قلة، ولا قطع عادة توسعة على رعيته؛ ثم استدر ~~الحلب برفقه، فكلما در له منه شخب # 156 # فوقه # 157 # طائفة من جنده حتى سقاهم بعد التفويق ريا، وبعد النهل عللا؛ ثم ساس ~~رعيته بألين السياسة فعفا عن مذنبها ولو شاء لعاقب، وآمن خائفها ولو طلب لأدرك، ~~ودفع بالحسنة السيئة ولو كافأ لقدر، فما برح صنع الله له يفض جموع الضلالة بلا ~~قتال، ويعز ms591 له النصر بلا مكاثرة، حتى فرغ بشغله من كان لا يفرغ من الوزارء، ونام ~~بسهره من كان لا ينام من العامة، واطمأنت بمناآته # 158 # للأسفار دار من كان لا ينال الخفض من الجنود حتى استوطئوا مركب الأمن ~~فكلهم ضنين بمفارقته. أما ذو النية فكرن إلى النقض. وأما من لا يبدله ففعل ما كان ~~يؤخذ به من الاستكراه. وأما الحشر من الجند والرعاع فغلبت عليهم عادة الهوينا، حتى ~~لو رأيناه يجذبه الأمر فما يجد له الأمر غناء عنده ولا نشاطا ولا حدا إن وكله ~~إلى قوته، وقواه بماله. # 159 # فلما رأى ما رأى من تخاذل العامة، وتواكل الجنود، ونزور الفيء، وجمود الحلب، ~~واستكلاب العمال على الخيانة، وجرأة الرعية على منع الحق، ومال الفراغ بكثير من ~~الناس عن القصد، فتحركت الأهواء، واستعرت نيران العصبية، وجاشت صدور الحسدة ~~وأشياعهم بالأماني، وظنوا أن لا شدة معه، وأن عفوه لا نكير بعده، وأمير المؤمنين ~~يرمقهم بعين بصيرة، وأذن مصيخة، وقلب يقظان؛ وقد وقر الحلم أن يخف لأول بوادر ~~السفهاء، فهو ينتظر بالمدبر أن يقبل، وبالمائد أن يعتدل؛ وبالمغلوب على رأيه أن ~~يتذكر فيبصر، شمر في إثرهم تشمير من قدم الروية قبل العجلة، والعفو قبل العقوبة، ~~والتثبت قبل الإقدام، فاتخذ روابط أنتجها على الجلد والنشاط، ليست لهم سوابق تدعوهم ~~إلى الإدلال، وتسمو بهم إلى كثير لم ينالوه؛ إنما همهم أن يتفاضلوا في النجدة، ~~ويستوجبوا بالغناء، ثم فرقهم على خواص خدمه، فإذا أراد أن يتناول بهم فرصة ممكنة، ~~أو عدوا غاط، # 160 # أو راتق فتق قبل الساعة، يغمس يديه إلى أيهم أراده، فينفذ لأمره ولم ~~يشركه فيه مشير، ولم يخرج به توقيع، ولم يخص فيه عامة، ولم يطلع منه على مكيدة، فلم ~~نعلم أننا رأينا جندا أسرع نهضة إذا مروا، وأحسن إجابة إذا دعوا، وأفضل غناء إذا ~~استكفوا من جنده. ثم قصد بنفسه حتى مثل بين النواحي إلى أهمها له فسادا في البيضة، ~~وانقاصا من الأطراف، فأتى ناحية الشأم فوطئها وطأة جمع الله بها لهم شتات الفرقة، ms592 ~~وأخمد بها بينهم نار الفتنة. # وأما الجزيرة فإنه ألفاها وهي كالجرح النغل، فاستأصل الله به منها شأفة الداء، ~~وأطفأ به عنها بوادر السفهاء؛ وخير أمير المؤمنين من منزله الذي هو به منزلا جمع ~~من بسطته في الموضع، ورفاهيته في المعاش، أنه حامل للجنود، جامع للمرافق، فباشر ~~أمره أمرا أمرا، حتى إذا استدبر له منها مبرم، استقبل بعده جسام منتقض؛ وإذا أشحن ~~من ثغوره ثغرا لم يرض حتى يفتتح من حصون أعدائه حصنا، وإذا قضى الله عنه حجة، وصل ~~خطوه منها عزا؛ ثم رأينا ما عزم الله به عليه من ترك الصوائف # 161 # مراقبا للذي كان من غموط أهل الشأم لما كانوا فيه من النعمة، فلم ~~نتشكك في أنه توفيق من الله له وافق سخطا عليهم حتى استباحوا الحرم، وتسافكوا ~~الدماء، ونقضوا ما بينهم من مبرم حبل الإسلام. # ومن ذلك أن أرمينية كانت فيها جنود تخرج عليهم أطماع تحمل إليها، بعد اعترافهم ~~بإخراجهم الأموال من كور الشأم، فلما رأى ذلك فعل كذا وكذا، فلم يتوكل على الله في ~~أمر فوكله إلى نفسه، ولم يكتف به في حفظ طرف أو قاصية ثغر إلا كفاه مئونته، وعلم أن ~~ما يدخل منن أضعاف العافية من عوارض العلل، إنما هو بتقدير من الله لا يمتنع بعذر، ~~ولا يستطاع دفعه بحيلة، يصيب فيه أقواما بالبلايا والتمحيص، ويقسم فيه لأقوام ~~الأجر والجهاد والسعادة، فرأى أن في عاجل ما يرفع عن أهل أرمينية من ضرر مئونتهم ~~وغمطهم نفعا للرعية، وإجمالا للفيء، ورفقا بالعامة مع اقتصاده في الأبواب على ~~أكناف سجيتها، وفي سائر أرمينية على المقاتلة من أهلها، ولم يزل منذ أراه الله ذلك، ~~يكفيه مئونة ذاك الثغر، ويكف عنه بوائقه، حتى كأنه في هدوء الأحداث عنه، وسكون ~~الأفئدة من روعاته مصر من الأمصار، واسط المحلة مأمون النائرة. فلما اغتنم خاقان ما ~~اغتنم، وانتهز الفرصة مبادرا، لما قد أيقن من معالجة المؤمنين إياه، فكأنه حين ~~بلغه ذلك من إعظامه إياه بسببه له، وما أنصب فيه من بدنه، وأسهر فيه ms593 من ليله، وأنضب ~~فيه من نهاره، لم يعلم الذي يكون من اشتباهه في الأزمنة الماضية قبله، وأنه بذلك ~~لجد عالم؛ غير أن حميته للإسلام وشفقته عليه وامتعاضه من أن يتناول شيء من أطرافه، ~~قد زاد ذلك عنده قدرا في العظم، وتفاقما في الخطب، حتى أكمل البعث بأكثر العدد، ~~وأكمل العدة، واستقل أهل الكور والأمصار، وندب له من أهل بيته من لم يترك بعده ~~نهاية في التخير؛ وكان قد صرف باله إلى هذين الثغرين من الخزر والروم، وإلى هذين ~~العدوين المحاربين له من المارقة المتعصبة. # فلما بلغ الله في إحكام أمرهما ما بلغ، لم يستغن عن إعادة النظر في أمر غيرهما من ~~نواحيه ليستبرئ به، وإرادته في أقوام يدافع ظنونهم به في أخرى، وعلم غيرهما أن ما ~~شمل من بمدينة السلام من الأمن والفراغ نتيجة مكروهة، فشخص عنها لتحقيق ذلك مؤثرا ~~لأبغض وطنيه على أحبهما وأخشن عيشيه على ألينهما؛ فلما ظهرت له العورة أقدم إقدام ~~ذي الحجة، فلم ير مثلها نارا خبت، وسحابة أقشعت، لم يسفك بها دم امرئ مسلم صبرا، ~~ولم ينتهك فيها حرمة محرم إباحة. # وذلك أنه بسط يده بسط من يريد الاستصلاح لا من يريد الانتقام، فلم يلبث الظالع أن ~~رجع عن ظلعه، والناطق أن صمت عن بدعته، والناكث أن رجع إلى قصده، وازداد البرئ على ~~البراءة فرحا، والسالم بالسلامة اغتباطا، ولم نر مثله فيما أفضى الله به إليه من ~~خلافته، وحمله من أمور عباه؛ أما ليله بمناجاة ربه فيها واسعتانته إياه عليها ~~فساهر؛ وأما نهاره في حلب فيئها وإحكام أمورها فتعب؛ وأما صدقاته على فقرائها وأهل ~~الحاجة فجارية؛ وأما مجلسه من فقهائها وصلحائها فغاص؛ وأما غلظته على ظالمها ~~فعتيدة؛ وأما أفضاله لمظلومها فمبسوطة؛ ولئن كان الحق ألزم أقواما استوجبوا في ~~أنفسهم وأموالهم، إنا لنعلم أن ما ترك أكثر، وأنه لولا ما خفف من الوطأة على أقوام ~~لحمل الواحد منهم مثل الذي حمله للجميع، ولكنه رضي بالعفو، وسخا نفسا عن ~~الاستقصاء، فأوجب أن يبسط يدا بغلظة ويتبعها أخرى ms594 بلين؛ فكان من ذلك نظره في هذه ~~البقايا التي هي فيء المسلمين ومال الله، غير أن الله جعله قيمه فيه، وفي أخذه ~~وصرفه في وجوهه؛ فلما رأى ضراوة # 162 # العمال بها ومصانعتهم دونها، وأن قد صارت كالسنة اللازمة لا يدعها ~~عفيفهم تورعا، ولا شريفهم تنزها، أحب توفيره للمسلمين فيئهم، أن يحدث لهم أدبا ~~يفطم به عنهم أهل الضراوة، ويعرف به ذوو الاستخفاف بالأمانة، والأمر للتبعة؛ أن ~~عليهم # 163 # من تفقده وأدبه عينا ترمق، ويدا تقبض، ولو أنه حين هم بأخذ تلك ~~البقايا حمل على الموسر بقدر يساره، وأخذ المعسر بطاعته، كان قد أنصف، كلا! ولكنه ~~أحب أن يستبقي قوة، ولا يبلغ من المكثر جهدا، واقتصر بهم على العشر من ذلك، كرما ~~في القدرة حين رأى موضع الرفق، وتجافى عن العلة حين عرف مكان الغدر؛ فأي نعمة أعظم، ~~وأي بلاء أحسن من هذه البقايا! كانت في أيديهم جماما، فلما اطلع طلعها، وأخذ ما ~~أخذ، وترك ما ترك، محللا مع ما جعل الله في ذلك من [كلمات] # 164 # المقصر من العمال المؤذية التي لم تكن تعدو أفواههم، فليس منهم أحد إلا ~~وكان منه له واعظ ألا يكسر شيئا من الخراج تضييعا، أو يأخذه غلولا # 165 # أو ينفقه إسرافا، أو يتركه إرهابا. # فلما تفرغ من علاج الداء المخوف واستأصله، ومن الفيء المتفرق فجمعه، ومن الأمور ~~المعطلة فأحكمها، استخلف على القيام بذلك من يحويه عقله عن حذر، ولا إضاعة عن حفظ، ~~ولا لين عن تشدد، ولا يستحل الأكف عن نقض ما أبرم، ولا مزاولة ما أحكم، ولا فتح ما ~~أغلق، ولا إغلاق ما فتح، فلان خيرة أبويه، ومح بيضته، وجوهر أرومته، الفائت سبقا، ~~البين عدوا، الراسخ عرقا، المنفجر بحرا، المحمود أمرا، القائل فصلا، الحاكم ~~عدلا، ثم انصرف بما أفاده الله من الأجر إلى جناحه الذي كان مده على من خلف من ~~الأهل والأموال والرعايا والجنود، فلان سليلة صلبه، وثمرة قلبه، المحتنك مع فتاء ~~سنه عقلا، والمأمون مع شدة شكيمته حملا، والمحصد مع لينه وتعطفه ms595 أمرا، الشبيه ~~بأمير المؤمنين إن نطق نطقا، وإن نظر لحظا، وإن سئل جودا، وإن اهتصر عودا، وإن ~~ساس رفقا، وإن غضب حلما، وإن وصف علما، وإن كلم فهما، وإن قدر عفوا، وإن لقي ~~بشرا، وإن نازع فلجا، وإن قارع ظفرا؛ فكان عند ظنه به، رعاية للحرمة، وحزما في ~~المكيدة، وحلبا للفيء، وحياطة للغائب، ومباشرة للشاهد؛ هذا قليل من كثير. مما جعلك ~~الله أهله، وإنما اقتصرت عليه لأني رأيت المتكلمين من الخطباء تركوه، وأن ما سمعت ~~من الكتب المقروءة لم تنظمه، فأحببت أن يعلم أمير المؤمنين أن له في كل أمر عمل به ~~في رعيته حجة واضحة، وعذرا معروفا، إن قام به متكلم في خاصة حسن موقعه، وإن قرئ ~~به كتاب في عامة، قويت به حجته. # والحمد لله الذي جعله وذريته أولياء هذه النعم، والمخصوصين بهذه الفضائل، ونسأله ~~أن يبقيه وإياهم للدين الذي سد بهم عورته، والحق الذي أقر بهم جادته، والعدل الذي ~~أوضح بهم أعلامه، حتى يكونوا ورثة هذه الأمة وخلفاءها في غابر الدهر، وباقيات ~~الأيام؛ مستقلين بالعدل، موفقين للسداد، معصومين من الشبهات، مستوجبين مع فضائل ~~الدنيا لأفضل كرامات المعاد. والسلام. # 166 ~~(4) كتب الرشيد ~~(4-1) كتاب عهد البيعة # 167 # بسم الله الرحمن الرحيم # هذا كتاب لعبد الله هارون أمير المؤمنين، كتبه محمد بن هارون أمير المؤمنين ~~في صحة من عقله، وجواز من أمره، طائعا غير مكره؛ إن أمير المؤمنين ولاني العهد ~~من بعده، وصير البيعة لي في رقاب المسلمين جميعا، وولى عبد الله بن هارون أمير ~~المؤمنين العهد والخلافة، وجميع أمور المسلمين بعدي، برضا مني وتسليم، طائعا ~~غير مكره. وولاه خراسان وثغورها، وكورها وحربها، وجندها وخراجها، وطرازها ~~وبريدها؛ وبيوت أموالها وصدقاتها، وعشرها وعشورها، وجميع أعمالها في حياته ~~وبعده؛ وشرطت لعبد الله هارون أمير المؤمنين، برضا مني وطيب نفس، أن لأخي عبد ~~الله بن هارون علي الوفاء بما عقد له هارون أمير المؤمنين: من العهد والولاية ~~والخلافة، وأمور المسلمين جميعا بعدي، وتسليم ذلك له وما جعل له من ولاية ~~خراسان وأعمالها ms596 كلها، وما أقطعه أمير المؤمنين من قطيعة، أو جعل له من عقدة أو ~~ضيعة من ضياعه، أو ابتاع من الضياع والعقد، وما أعطاه في حياته وصحته من مال، ~~أو حلي أو جوهر، أو متاع أو كسوة، أو منزل أو دواب، أو قليل أو كثير؛ فهو لعبد ~~الله بن هارون أمير المؤمنين، موفرا عليه مسلما له. # وقد عرفت ذلك كله شيئا شيئا، فإن حدث بأمير المؤمنين حدث الموت، وأفضت ~~الخلافة إلى محمد ابن أمير المؤمنين، فعلى محمد إنفاذ ما أمره به هارون أمير ~~المؤمنين، في تولية عبد الله بن هارون أمير المؤمنين خراسان وثغورها، ومن ضم ~~إليه من أهل بيت أمير المؤمنين بقرماسين ، # 168 # وأن يمضي عبد الله ابن أمير المؤمنين إلى خراسان والري، والكور ~~التي سماها أمير المؤمنين حيث كان عبد الله ابن أمير المؤمنين من معسكر أمير ~~المؤمنين وغيره، من سلطان أمير المؤمنين، وجميع من ضم إليه أمير المؤمنين حيث ~~أحب من لدن الري إلى أقصى عمل خراسان، ليس لمحمد ابن أمير المؤمنين أن يحول عنه ~~قائدا ولا مقودا ولا رجلا واحدا ممن ضم إليه من أصحابه الذين ضمهم إليه ~~أمير المؤمنين؛ ولا يحول عبد الله ابن أمير المؤمنين عن ولايته التي ولاه إياها ~~هارون أمير المؤمنين: من ثغور خراسان وأعمالها كلها، ما بين عمل الري مما يلي ~~همذان إلى أقصى خراسان، وثغورها وبلادها، وما هو منسوب إليها ولا شخصه إليه؛ ~~ولا يفرق أحدا من أصحابه وقواده عنه، ولا يولي عليه أحدا، ولا يبعث عليه ولا ~~على أحد من عماله وولاة أموره بندارا # 169 # ولا محاسبا ولا عاملا، ولا يدخل عليه في صغير من أمره ولا كبير ~~ضررا، ولا يحول بينه وبين العمل في ذلك كله برأيه وتدبيره، ولا يعرض لأحد ممن ~~ضم إليه أمير المؤمنين من أهل بيته وصحابته، وقضاته وعماله، وكتابه وقواده، ~~وخدمه ومواليه وجنده، بما يلتمس إدخال الضرر والمكروه عليهم في أنفسهم، ولا ~~قراباتهم ولا مواليهم، ولا أحد يتنسل منهم؛ ولا في دمائهم ولا في أموالهم، ms597 ولا ~~في ضياعهم ودورهم، ورباعهم وأمتعتهم، ورقيقهم ودوابهم، شيئا من ذلك صغيرا ولا ~~كبيرا. # ولا أحد من الناس بأمره ورأيه وهواه، وبترخيص له في ذلك، وإدهان منه فيه لأحد ~~من ولد آدم، ولا يحكم في أمرهم، ولا أحد من قضاته ومن عماله، وممن كان بسبب ~~منه، بغير حكم عبد الله ابن أمير المؤمنين ورأيه ورأي قضاته؛ وإن نزع إليه أحد ~~ممن ضم أمير المؤمنين إلى عبد الله ابن أمير المؤمنين، من أهل بيت أمير ~~المؤمنين وصحابته، وقواده وعماله وكتابه وخدمه، ومواليه وجنده، ورفض اسمه ~~ومكتبه ومكانه مع عبد الله ابن أمير المؤمنين، عاصيا له، أو مخالفا عليه، ~~فعلى محمد ابن أمير المؤمنين رده إلى عبد الله ابن أمير المؤمنين، بصغر له ~~وقماء، # 170 # حتى ينفذ فيه رأيه وأمره؛ فإن أراد محمد ابن أمير المؤمنين خلع عبد ~~الله ابن أمير المؤمنين عن ولاية العهد من بعده، أو عزل عبد الله ابن أمير ~~المؤمنين عن ولاية خراسان، وثغورها وأعمالها، والذي من حد عملها ما يلي همذان، ~~والكور التي سماها أمير المؤمنين في كتابه هذا، أو صرف أحد من قواده الذين ضمهم ~~أمير المؤمنين إليه، ممن قدم قرماسين، أو أن ينتقصه قليلا أو كثيرا، مما جعله ~~أمير المؤمنين له، بوجه من الوجوه، أو بحيلة من الحيل، صغرت أو كبرت، فلعبد ~~الله بن هارون أمير المؤمنين الخلافة بعد أمير المؤمنين، وهو المقدم على محمد ~~ابن أمير المؤمنين، وهو ولي الأمر من بعد أمير المؤمنين، والطاعة من جميع قواد ~~أمير المؤمنين هارون، من أهل خراسان وأهل العطاء؛ وجميع المسلمين في جميع ~~الأجناد والأمصار لعبد الله بن أمير المؤمنين والقيام معه، والمجاهدة لمن ~~خالفه، والنصر له والذب عنه؛ ما كانت الحياة في أبدانهم، وليس لأحد منهم جميعا ~~من كانوا أو حيث كانوا أن يخالفه ولا يعصيه، ولا يخرج من طاعته؛ ولا يطيع محمد ~~ابن أمير المؤمنين في خلع عبد الله بن هارون أمير المؤمنين، وصرف العهد عنه من ~~بعده إلى غيره، أو تنقصه شيئا مما جعله ms598 له أمير المؤمنين هارون، في حياته ~~وصحته؛ واشترط في كتابه الذي كتبه عليه في البيت الحرام، وفي هذا ~~الكتاب. # وعبد الله ابن أمير المؤمنين المصدق في قوله، وأنتم في حل من البيعة التي في ~~أعناقكم لمحمد ابن أمير المؤمنين هارون، إن نقص شيئا مما جعله له أمير ~~المؤمنين هارون، وعلى محمد بن هارون أمير المؤمنين أن ينقاد لعبد الله ابن أمير ~~المؤمنين هارون، ويسلم له الخلافة؛ وليس لمحمد ابن أمير المؤمنين هارون، ولا ~~لعبد الله ابن أمير المؤمنين، أن يخلعا القاسم ابن أمير المؤمنين هارون، ولا ~~يقدما عليه أحدا من أولادهما وقراباتهما، ولا غيرهم من جميع البرية؛ فإذا أفضت ~~الخلافة إلى عبد الله ابن أمير المؤمنين، فالأمر إليه في إمضاء ما جعله أمير ~~المؤمنين من العهد للقاسم بعده، أو صرف ذلك عنه إلى من رأى من ولده وإخوته، ~~وتقديم من أراد أن يقدم قبله، وتصيير القاسم بن أمير المؤمنين بعد من يقدم ~~قبله، يحكم في ذلك بما أحب ورأى؛ فعليكم معشر المسلمين إنفاذ ما كتب به أمير ~~المؤمنين في كتابه هذا، وشرط عليهم وأمر به؛ وعليكم السمع والطاعة لأمير ~~المؤمنين فيما ألزمكم وأوجب عليكم لعبد الله بن أمير المؤمنين؛ وعهد الله وذمته ~~وذمة رسوله # صلى الله عليه وسلم # وذمم المسلمين، والعهود والمواثيق التي أخذ الله على ~~الملائكة المقربين والنبيين والمرسلين، ووكدها في أعناق المؤمنين والمسلمين، ~~لتفن لعبد الله أمير المؤمنين بما سمى، ولمحمد وعبد الله والقاسم بني أمير ~~المؤمنين بما سمى، وكتب في كتابه هذا واشترط عليكم، وأقررتم به على أنفسكم؛ فإن ~~أنتم بدلتم من ذلك شيئا، أو غيرتم أو نكثتم، أو خالفتم ما أمركم به أمير ~~المؤمنين، واشترط عليكم في كتابه هذا، فبرئت منكم ذمة الله، وذمة رسوله محمد # صلى الله عليه وسلم ~~، وذمم المؤمنين والمسلمين، وكل مال هو اليوم لكل رجل منكم، أو يستفيده ~~إلى خمسين سنة فهو صدقة على المساكين، وعلى كل رجل منكم المشي إلى بيت الله ~~الحرام الذي بمكة خمسين حجة، نذرا واجبا، لا يقبل ms599 الله منه إلا الوفاء بذلك؛ ~~وكل مملوك لأحد منكم، أو يملكه فيما يستقبل إلى خمسين سنة حر؛ وكل امرأة له فهي ~~طالق ثلاثا البتة، طلاق الحرج لا مثنوية فيها، والله عليكم بذلك كفيل وراع، ~~وكفى بالله حسيبا. ~~(4-2) نسخة الشرط الذي كتب عبد الله بن أمير المؤمنين بخط يده في الكعبة # هذا كتاب لعبد الله هارون أمير المؤمنين، كتبه له عبد الله بن هارون أمير ~~المؤمنين، في صحة من عقله، وجواز من أمره، وصدق نية فيما كتب في كتابه هذا؛ ~~ومعرفة بما فيه من الفضل والصلاح له ولأهل بيته وجماعة المسلمين. # إن أمير المؤمنين هارون ولاني العهد والخلافة، وجميع أمور المسلمين في ~~سلطانه، بعد أخي محمد بن هارون؛ وولاني في حياته ثغور خراسان وكورها وجميع ~~أعمالها، وشرط على محمد بن هارون الوفاء بما عقد لي من الخلافة، وولاية أمور ~~العباد والبلاد بعده، وولاية خراسان وجميع أعمالها، ولا يعرض لي في شيء مما ~~أقطعني أمير المؤمنين، وابتاع لي من الضياع والعقد والرباع، وابتعت منه من ذلك، ~~وما أعطاني أمير المؤمنين من الأموال، والجوهر والكساء، والمتاع والدواب، ~~والرقيق وغير ذلك؛ ولا يعرض لي ولا لأحد من عمالي وكتابي بسبب محاسبة، ولا يتبع ~~لي في ذلك، ولا لأحد منهم أبدا؛ ولا يدخل علي ولا عليهم، ولا على من كان معي؛ ~~ومن استعنت به من جميع الناس مكروها في نفس ولا دم ولا شعر ولا بشر ولا مال، ~~ولا صغير من الأمور ولا كبير، فأجابه إلى ذلك وأقر به، وكتب له كتابا أكد فيه ~~على نفسه، ورضي به أمير المؤمنين هارون، وقبله وعرف صدق نيته فيه؛ فشرطت لأمير ~~المؤمنين، وجعلت له على نفسي أن أسمع لمحمد، وأطيع ولا أعصيه؛ وأنصحه ولا أغشه، ~~وأوفي ببيعته وولايته، ولا أغدر ولا أنكث، وأنفذ كتبه وأموره، وأحسن مؤازرته ~~وجهاد عدوه في ناحيتي؛ ما وفى لي بما شرط لأمير المؤمنين في أمري، وسمى في ~~الكتاب الذي كتبه لأمير المؤمنين، ورضي به أمير المؤمنين، ولم يتبعني بشيء من ~~ذلك، ولم ms600 ينقض أمرا من الأمور التي شرطها أمير المؤمنين لي عليه؛ فإن احتاج ~~محمد ابن أمير المؤمنين إلى جند، وكتب إلي يأمرني بإشخاصه إليه، أو إلى ناحية ~~من النواحي، أو إلى عدو من أعدائه خالفه، أو أراد نقص شيء من سلطانه أو سلطاني ~~الذي أسنده أمير المؤمنين إلينا، وولانا إياه، فعلي أن أنفذ أمره، ولا أخالفه ~~ولا أقصر في شيء كتب به إلي؛ وإن أراد محمد أن يولي رجلا من ولده العهد ~~والخلافة من بعدي. # فذلك له ما وفي لي بما جعله أمير المؤمنين إلي، واشترطه لي عليه، وشرط على ~~نفسه في أمري؛ وعلي إنفاذ ذلك والوفاء له به لا أنقص من ذلك ولا أغيره ولا ~~أبدله ولا أقدم قبله أحدا من ولدي ولا قريبا ولا بعيدا من الناس أجمعين؛ إلا ~~أن يولي أمير المؤمنين هارون أحدا من ولده العهد من بعدي، فيلزمني ومحمدا ~~الوفاء له، وجعلت لأمير المؤمنين ومحمد علي الوفاء بما شرطت وسميت في كتابي ~~هذا، ما وفى لي محمد بجميع ما اشترط لي أمير المؤمنين عليه في نفسي، وما أعطاني ~~أمير المؤمنين من جميع الأشياء المسماة في هذا الكتاب الذي كتبه لي؛ وعلي عهد ~~الله وميثاقه، وذمة أمير المؤمنين وذمتي، وذمم آبائي وذمم المؤمنين؛ وأشد ما ~~أخذ الله على النبيين والمرسلين من خلقه أجمعين، من عهوده ومواثيقه، والأيمان ~~المؤكدة التي أمر الله بالوفاء بها، ونهى عن نقضها وتبديلها؛ فإن أنا نقضت ~~شيئا مما شرطت وسميت في كتابي هذا، أو غيرت أو بدلت أو نكثت أو غدرت، فبرئت من ~~الله عز وجل، ومن ولايته ودينه، ومحمد رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، ولقيت الله يوم ~~القيامة كافرا مشركا؛ وكل امرأة هي لي اليوم، أو أتزوجها إلى ثلاثين سنة طالق ~~ثلاثا البتة، طلاق الحرج؛ وكل مملوك هو لي اليوم، أو أملكه إلى ثلاثين سنة، ~~أحرار لوجه الله؛ وعلي المشي إلى بيت الله الحرام الذي بمكة ثلاثين حجة، نذرا ~~واجبا علي في عنقي، حافيا راجلا لا يقبل الله مني إلا الوفاء ms601 بذلك؛ وكل مال ~~لي أو أملكه إلى ثلاثين سنة هدي بالغ الكعبة، وكل ما جعلت لأمير المؤمنين، ~~وشرطت في كتابي هذا لازم لي، لا أضمر غيره، ولا أنوي غيره. وشهد سليمان بن أمير ~~المؤمنين، وفلان وفلان، وكتب في ذي الحجة سنة ست وثمانين ومائة. ~~(4-3) نسخة كتاب الرشيد إلى العمال # بسم الله الرحمن الرحيم # أما بعد، فإن الله ولي أمير المؤمنين وولي ما ولاه، والحافظ لما استرعاه، ~~وأكرمه به من خلافته وسلطانه، والصانع له فيما قدم وأخر من أموره، والمنعم عليه ~~بالنصر والتأييد في مشارق الأرض ومغاربها، والكالئ والحافظ والكافي من جميع ~~خلقه، وهو المحمود على جميع آلائه، المسئول تمام حسن ما أمضى من قضائه لأمير ~~المؤمنين وعادته الجميلة عنده، وإلهام ما يرضى به ويوجب له عليه أحسن المزيد من ~~فضله؛ وقد كان من نعمة الله عز وجل عند أمير المؤمنين وعندك وعند عوام المسلمين ~~ما تولى الله من محمد وعبد الله ابني أمير المؤمنين من تبليغه بهما أحسن ما ~~أملت الأمة ومدت إليه أعناقها، وقذف الله لهما في قلوب العامة من المحبة ~~والمودة والسكون إليهما والثقة بهما لعماد دينهم وقوام أمورهم وجمع ألفتهم ~~وصلاح دهمائهم ودفع المحذور والمكروه من الشتات والفرقة عنهم حتى ألقوا إليهما ~~أزمتهم، وأعطوهما بيعتهم، وصفقات أيمانهم بالعهود والمواثيق ووكيد الأيمان ~~المغلظة عليهم؛ أراده الله فلم يكن له مرد، وأمضاه فلم يقدر أحد من العباد على ~~نقضه ولا إزالته، ولا صرف له عن محبته ومشيئته، وما سبق في علمه منه؛ وأمير ~~المؤمنين يرجو تمام النعمة عليه وعليهما في ذلك، وعلى الأمة كافة لا عاقب لأمر ~~الله ولا راد لقضائه ولا معقب لحكمه. # ولم يزل أمير المؤمنين منذ اجتمعت الأمة على عقد العهد لمحمد ابن أمير ~~المؤمنين، ولعبد الله ابن أمير المؤمنين من بعد محمد ابن أمير المؤمنين يعمل ~~فكره ورأيه ونظره ورويته، فيما فيه الصلاح لهما ولجميع الرعية؛ والجمع للكلمة، ~~واللم للشعث، والدفع للشتات والفرقة، والحسم لكيد أعداء النعم من أهل الكفر ~~والنفاق، والغل والشقاق، والقطع ms602 لآمالهم من كل فرصة يرجون إدراكها وانتهازها ~~منهما بانتقاص حقهما، ويستخير الله أمير المؤمنين في ذلك ويسأله العزيمة له على ~~ما فيه الخيرة لهما، ولجميع الأمة والقوة في أمر الله وحقه وائتلاف أهوائهما، ~~وصلاح ذات بينهما، وتحصينهما من كيد أعداء النعم، ورد حسدهم ومكرهم وبغيهم ~~وسعيهم بالفساد بينهما، فعزم الله لأمير المؤمنين على الشخوص بهما إلى بيت الله ~~وأخذ البيعة منهما لأمير المؤمنين بالسمع والطاعة والإنفاذ لأمره، واكتتاب ~~الشرط على كل واحد منهما لأمير المؤمنين ولهما بأشد المواثيق والعهود، وأغلظ ~~الأيمان والتوكيد، والأخذ لكل واحد منهما على صاحبه بما التمس به أمير المؤمنين ~~اجتماع ألفتهما ومودتهما وتواصلهما ومؤازرتهما ومكاتفتهما على حسن النظر ~~لأنفسهما، ولرعية أمير المؤمنين التي استرعاهما، والجماعة لدين الله عز وجل ~~وكتابه وسنن نبيه # صلى الله عليه وسلم ~~، والجهاد لعدو المسلمين من كانوا وحيث كانوا وقطع ~~طمع كل عدو مظهر للعداوة ومسر لها، وكل منافق ومارق، وأهل الأهواء الضالة ~~المضلة من فرقة تكيد بكيد توقعه بينهما، وبدحس # 171 # يدحس به لهما، وما يلتمس أعداء الله وأعداء النعم وأعداء دينه من ~~الضرب بين الأمة والسعي بالفساد في الأرض، والدعاء إلى البدع والضلالة، نظرا ~~من أمير المؤمنين لدينه ورعيته، وأمة نبيه محمد # صلى الله عليه وسلم ~~، ومناصحة لله ولجميع ~~المسلمين، وذبا عن سلطان الله الذي قدره وتوحد فيه للذي حمله إياه؛ والاجتهاد ~~في كل ما فيه قربة إلى الله، وما ينال به رضوانه والوسيلة عنده. # فلما قدم مكة أظهر لمحمد وعبد الله رأيه في ذلك وما نظر فيه لهما، فقبلا كل ~~ما دعاهما إليه من التوكيد على أنفسهما بقبوله، وكتبا لأمير المؤمنين في بطن ~~بيت الله الحرام بخطوط أيديهما بمحضر ممن شهد الموسم من أهل بيت أمير المؤمنين ~~وقواده، وصحابته وقضاته، وحجبة الكعبة وشهاداتهم عليهما، كتابين استودعهما أمير ~~المؤمنين الحجبة، وأمر بتعليقهما في داخل الكعبة؛ فلما فرغ أمير المؤمنين من ~~ذلك كله في داخل بيت الله الحرام وبطن الكعبة؛ أمر قضاته الذين شهدوا عليهما ~~وحضروا كتابهما أن يعلموا جميع من ms603 حضر الموسم من الحاج والعمار ووفود الأمصار، ~~ما شهدوا عليه من شرطهما وكتابهما وقراءة ذلك عليهم، ليفهموه ويعوه ويعرفوه ~~ويحفظوه ويؤيدوه إلى إخوانهم وأهل بلدانهم وأمصارهم، ففعلوا ذلك، وقرئ عليهم ~~الشرطان جميعا في المسجد الحرام؛ فانصرفوا وقد اشتهر ذلك عندهم، وأثبتوا ~~الشهادة عليه، وعرفوا نظر أمير المؤمنين وعنايته بصلاحهم، وحقن دمائهم ولم ~~شعثهم، وإطفاء جمرة أعداء الله وأعداء دينه وكتابه وجماعة المسلمين عنهم، ~~وأظهروا الدعاء لأمير المؤمنين والشكر لما كان منه في ذلك، وقد نسخ لك أمير ~~المؤمنين ذينك الشرطين الذين كتبهما لأمير المؤمنين ابناه محمد وعبد الله في ~~بطن الكعبة في أسفل كتابه هذا؛ فاحمد الله عز وجل على ما صنع لمحمد وعبد الله ~~وليي عهد المسلمين حمدا كثيرا، واشكره ببلائه عند أمير المؤمنين وعند وليي ~~عهد المسلمين وعندك وعند جماعة أمة محمد # صلى الله عليه وسلم # كثيرا؛ واقرأ كتاب أمير ~~المؤمنين على من قبلك من المسلمين وأفهمهم إياه، وقم به بينهم وأثبته في ~~الديوان قبلك، وقبل قواد أمير المؤمنين ورعيته قبلك، واكتب إلى أمير المؤمنين ~~بما يكون في ذلك، إن شاء الله. وحسبنا الله ونعم الوكيل، وبه الحول والقوة ~~والطول. كتبه إسماعيل بن صبيح يوم السبت لسبع ليال بقين من المحرم سنة ست ~~وثمانين ومائة. # | هوامش # | باب المنظوم # صورنا لك بالمجلد الأول حالة الشعر في صدر الدولة العباسية وذكرنا لك جملة صالحة من ~~شعراء ذلك العصر ووعدناك بذكر مختارات من شعرهم، وإليك ما وعدناك به. ~~(1) بشار بن برد العقيلي # 1 # سأله المهدي لما دخل عليه فقال له: فيمن تعتد يا بشار؟ فقال: أما اللسان والزي ~~فعربيان وأما الأصل فعجمي، كما قلت في شعري يا أمير المؤمنين: # ونبئت قوما بهم جنة # يقولون من ذا وكنت العلم # ألا أيها السائلي جاهدا # ليعرفني أنا أنف الكرم # نمت في الكرام بني عامر # فروعي وأصلي قريش العجم # فإني لأغني مقام الفتى # وأصبي الفتاة فما تعتصم # وكان أبو دلامة حاضرا، فقال: كلا! لوجهك أقبح من ذلك، وجهي مع وجهك، فقال بشار: ~~كلا! والله ما ms604 رأيت رجلا أصدق على نفسه وأكذب على جليسه منك، والله إني لطويل ~~القامة، عظيم الهامة، تام الألواح، أسجح الخدين، ولرب مسترخي المزورين للعين فيه ~~مراد. ثم قال له المهدي: من أي العجم أصلك؟ فقال: من أكثرها في الفرسان وأشدها على ~~الأقرانن أهل طخارستان؛ فقال بعض القوم: أولئك الصغد، فقال: لا! الصغد تجار؛ فلم ~~يردد ذلك المهدي. # وكان بشار كثير التلون في ولائه، شديد التشيع والتعصب للعجم، مرة يقول يفتخر ~~بولائه في قيس: # أمنت مضرة الفحشاء إني # أرى قيسا تشب # 2 # ولا تضار # كأن الناس حين تغيب عنهم # نبات الأرض أخطأه القطار # وقد كانت بتدمر خيل قيس # فكان لتدمر فيها دمار # بحي من بني عيلان شوس # يسير الموت حيث يقال ساروا # وما نلقاهم إلا صدرنا # بري منهم وهم حرار # ومرة يتبرأ من ولاء العرب فيقول: # أصبحت مولى ذي الجلال وبعضهم # مولى العريب فجد بفضلك فافخر # مولاك أكرم من تميم كلها # أهل الفعال ومن قريش المشعر # فارجع إلى مولاك غير مدافع # سبحان مولاك الأجل الأكبر # وقال يفتخر بولاء بني عقيل: # إنني من بني عقيل بن كعب # موضع السيف من طلى الأعناق # وولد بشار أعمى، فما نظر إلى الدنيا قط، وكان يشبه الأشياء بعضها ببعض في شعره، ~~فيأتي بما لا يقدر البصراء أن يأتوا بمثله؛ فقيل له يوما وقد أنشد قوله: # كأن مثار النقع فوق رءوسنا # وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه # ما قال أحد أحسن من هذا التشبيه، فمن أين لك هذا ولم تر الدنيا قط ولا شيئا ~~فيها؟ فقال: إن عدم النظر يقوي ذكاء القلب ويقطع عنه الشغل بما ينظر إليه من ~~الأشياء، فيتوفر حسه وتذكو قريحته؛ ثم أنشدهم قوله: # عميت جنينا والذكاء من العمى # فجئت عجيب الظن للعلم موئلا # وغاض ضياء العين للعلم رافدا # بقلب إذا ما ضيع الناس حصلا # وشعر كنور الأرض لاءمت بينه # بقول إذا ما أحزن الشعر أسهلا # وكان من أشد الناس تبرما بالناس. وكان يقول: الحمد لله الذي ذهب ببصري. فقيل له ~~لم يا أبا معاذ؟ قال: لئلا ms605 أرى ما أبغض. # وقال الأصمعي: بشار خاتمة الشعراء، والله لولا أن أيامه تأخرت لفضلته على كثير ~~منهم. وقيل لأبي عبيدة: أمروان أشعر أم بشار؟ فقال: حكم بشار لنفسه بالاستظهار، إنه ~~قال ثلاثة عشر ألف بيت جيد، ولا يكون عدد الجيد من شعر شعراء الجاهلية والأسلام هذا ~~العدد، وما أحسبهم برزوا في مثلها، ومروان أمدح للملوك. # وسئل الأصمعي عن بشار ومروان أيهما أشعر؟ فقال: بشار؛ فسئل عن السبب لذلك، فقال: ~~لأن مروان سلك طريقا كثر من يسلكه، فلم يلحق بمن تقدمه وشركه فيه من كان في عصره، ~~وبشار سلك طريقا لم يسلك وأحسن فيه وتفرد به، وهو أكثر تصرفا وفنون شعر، وأغزر ~~وأوسع بديعا، ومروان لم يتجاوز مذهب الأوائل. # وقيل لبشار : ليس لأحد من شعراء العرب شعر إلا وقد قال فيه شيئا استنكره العرب من ~~ألفاظهم وشك فيه، وإنه ليس في شعرك ما يشك فيه؛ قال: ومن أين يأتيني الخطأ؟ وولدت ~~ها هنا، ونشأت في حجور ثمانين شيخا من فصحاء بني عقيل ما فيهم أحد يعرف كلمة من ~~الخطأ، وإن دخلت إلى نسائهم فنساؤهم أفصح منهم، وأيفعت فأبديت # 3 # إلى أن أدركت، فمن أين يأتيني الخطأ؟ # كان جرير بن المنذر السدوسي يفاخر بشارا، فقال فيه بشار: # أمثل بني مضر وائل # فقدتك من فاخر ما أجن # أفي النوم هذا أبا منذر # فخيرا رأيت وخيرا يكن # رأيتك والفخر في مثلها # كعاجنة غير ما تطحن # كان بشار يهوى أمرأة من أهل البصرة، فراسلها يسألها زيارته، فوعدته بذلك ثم ~~أخلفته، وجعل ينتظرها ليلته حتى أصبح، فلما لم تأته أرسل إليها ليعاتبها فاعتذرت ~~بمرض أصابها، فكتب إليها بهذه الأبيات: # يا ليلتي ترذاد نكرا # من حب من أحببت بكرا # حوراء إن نظرت إلي # ك سقتك بالعينين خمرا # وكأن رجع حديثها # قطع الرياض كسين زهرا # وكأن تحت لسانها # هاروت ينفث فيه سحرا # وتخال ما جمعت علي # ه ثيابها ذهبا وعطرا # وكأنها برد الشرا # ب صفا وصادف منك فطرا # جنية إنسية # أو بين ذاك أجل أمرا # وكفاك أني لم ms606 أحط # بشكاة من أحببت خبرا # إلا مقالة زائر # نثرت لي الأحزان نثرا # متخشعا تحت الهوى # عشرا وتحت الموت عشرا # وكان إسحاق الموصلي لا يعتد ببشار ويقول: هو كثير التخليط في نثره، وأشعاره ~~مختلفة لا يشبه بعضها بعضا، أليس هو القائل: # إنما عظم سليمى حبتي # قصب السكر لا عظم الجمل # وإذا أدنيت منها بصلا # غلب المسك على ريح البصل # لو قال: كل شيء جيد ثم أضيف إليه هذا لزيفه. وكان يقدم عليه مروان ويقول: هو أشد ~~استواء شعر منه، وكلامه ومذهبه أشبه بكلام العرب ومذاهبها، وكان لا يعد أبا نواس ~~البتة ولا يرى فيه خيرا. # قال الجاحظ: كان بشار خطيبا صاحب منثور ومزدوج وسجع ورسائل، وهو من المطبوعين ~~أصحاب الإبداع والاختراع، المتفننين في الشعر، القائلين في أكثر أجناسه وضروبه. ~~وقال الشعر في حياة جرير وتعرض له، وحكى أنه قال: هجوت جريرا فأعرض عني، ولو ~~هاجاني لكنت أشعر الناس، وكان يدين بالرجعة، ويكفر جميع الأمة، ويصوب رأي إبليس في ~~تقديم النار على الطين، وذكر مثل ذلك في شعره فقال: # الأرض مظلمة والنار مشرقة # والنار معبودة مذ كانت النار # وقال بعض الرواة لأبي عمرو: من أبدع الناس بيتا؟ قال الذي يقول: # لم يطل ليلي ولكن لم أنم # ونفى عني الكرى طيف ألم # وإذا قلت لها جودي لنا # خرجت بالصمت عن لا ونعم # روحي يا عبد عني واعلمي # أنني يا عبد من لحم ودم # إن في بردي جسما ناحلا # لو توكأت عليه لانهدم # وهذه الأبيات لبشار. # قال: فمن أمدح الناس؟ قال الذي يقول: # لمست بكفي كفه أبتغي الغنى # ولم أدر أن الجود من كفه يعدي # فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى # أفدت وأعداني فأتلفت ما عندي # وهذه الأبيات لبشار. # ودخل بشار على إبراهيم بن عبد الله بن حسن، فأنشده قصيدة يهجو فيها المنصور ويشير ~~عليه برأي يستعمله في أمره، فلما قتل إبراهيم خاف بشار، فقلب الكنية وأظهر أنه كان ~~قالها في أبي مسلم، وحذف منها أبياتا، وأولها: # أبا جعفر ما طول عيش بدائم ms607 # ولا سالم عما قليل بسالم # قلب هذا البيت فقال: أبا مسلم: # على الملك الجبار يقتحم الردى # ويصرعه في المأزق المتلاحم # كأنك لم تسمع بقتل متوج # عظيم ولم تسمع بفتك الأعاجم # تقسم كسرى رهطه بسيوفهم # وأمسى أبو العباس أحلام نائم # يعني الوليد بن يزيد. # وقد كان لا يخشى انقلاب مكيدة # عليه ولا جري النحوس الأشائم # مقيما على اللذات حتى بدت له # وجوه المنايا حاسرات العمائم # وقد ترد الأيام غرا وربما # وردن كلوحا باديات الشكائم # ومروان قد دارت على رأسه الرحا # وكان لما أجرمت نزر الجرائم # فأصبحت تجري سادرا في طريقهم # ولا تتقي أشباه تلك النقائم # تجردت للإسلام تعفو سبيله # وتعري مطاه # 4 # لليوث الضراغم # فما زلت حتى استنصر الدين أهله # عليك فعاذوا بالسيوف الصوارم # فرم وزرا ينجيك يابن سلامة # فلست بناج من مضيم وضائم # جعل موضع «يابن سلامة» «يابن وشيكة» وهي أم أبي مسلم. # لحا الله قوما رأسوك عليهم # وما زلت مرءوسا خبيث المطاعم # أقول لبسام عليه جلالة # غدا أريحيا عاشقا للمكارم # من الفاطميين الدعاة إلى الهدى # جهارا ومن يهديك مثل ابن فاطم # هذا البيت حذفه بشار من الأبيات: # سراج لعين المسضيء وتارة # يكون ظلاما للعدو المزاحم # إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن # برأي نصيح أو نصيحة حازم # ولا تجعل الشورى عليك غضاضة # 5 # فإن الخوافي # 6 # قوة للقوادم # وما خير كف أمسك الغل أختها # 7 # وما خير سيف لم يؤيد بقائم # وخل الهوينا للضعيف ولا تكن # نئوما فإن الحزم ليس بنائم # وحارب إذا لم تعط إلا ظلامة # شبا # 8 # الحرب خير من قبول المظالم # وأدن على القربى المقرب نفسه # ولا تشهد الشورى امرأ غير كاتم # فإنك لا تستطرد الهم بالمنى # ولا تبلغ العليا بغير المكارم # إذا كنت فردا هرك القوم مقبلا # وإن كنت أدنى لم تفز بالعزائم # وما قرع الأقوام مثل مشيع # 9 # أريب ولا جلي العمى مثل عالم # قال أبو عبيدة: ميمية بشار هذه أحب إلي من ميميتي جرير والفرزدق. وقال الأصمعي ~~لبشار: يا أبا معاذ، إن الناس يعجبون من ms608 أبياتك في المشورة؛ فقال له: يا أبا سعيد، ~~إن المشاور بين صواب يفوز بثمرته، أو خطأ يشارك في مكروهه؛ فقال له: أنت في قولك ~~هذا أشعر منك في شعرك. # توفي ابن لبشار فجزع عليه، فقيل له: أجر قدمته، وفرط افترطته، وذخر أحرزته؛ فقال: ~~ولد دفنته، وثكل تعجلته، وغيب وعدته فانتظرته، والله لئن لم أجزع للنقص لا أفرح ~~للزيادة. وقال يرثيه: # أجارتنا لا تجزعي وأنيبي # أتاني من الموت المطل نصيبي # بني على رغمي وسخطي رزئته # وبدل أحجارا وجال # 10 # قليب # وكان كريحان العروس تخاله # ذوى بعد إشراق يسر وطيب # أصبت به في حين أورق غصنه # وألقى علي الهم كل قريب # عجبت لإسراع المنية نحوه # وما كان لو مليته بعجيب # قيل لبشار: إنك لتجيء بالشيء الهجين المتفاوت؛ قال: وما ذاك ؟ قيل: بينما تقول ~~شعرا يثير النقع وتخلع به القلوب مثل قولك: # إذا ما غضبنا غضبة مضرية # هتكنا حجاب الشمس أو تمطر الدما # إذا ما أعرنا سيدا من قبيلة # ذرى منبر صلى علينا وسلما # تقول: # ربابة ربة البيت # تصب الخل في الزيت # لها عشر دجاجات # وديك حسن الصوت # فقال: لكل وجه، فالقول الأول جد، وهذا قلته في ربابة جاريتي، وأنا لا آكل البيض ~~من السوق، وربابة لها عشر دجاجات وديك، فهي تجمع لي البيض، فهذا عندها أحسن من ~~«قفانبك» عندك. وسألته جارية مغنية لبعض ولد سليمان بن علي، وكانت محسنة بارعة ~~الظرف، أن يذكرها في قصيدة ولا يذكر فها اسمها ولا اسم سيدها ويكتب بها إليها، ~~فانصرف وكتب إليها: # وذات دل كأن البدر صورتها # باتت تغني عميد القلب سكرانا ~~«إن العيون التي في طرفها حور # قتلننا ثم لم يحيين قتلانا» # فقلت أحسنت يا سؤلي ويا أملي # فأسمعيني جزاك الله إحسانا ~~«يا حبذا جبل الريان من جبل # وحبذا ساكن الريان من كانا» # قالت فهلا فدتك النفس أحسن من # هذا لمن كان صب القلب حيرانا ~~«يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة # والأذن تعشق قبل العين أحيانا» # فقلت أحسنت أنت الشمس طالعة # أضرمت في القلب والأحشاء ms609 نيرانا # فأسمعيني صوتا مطربا هزجا # يزيد صبا محبا فيك أشجانا # يا ليتني كنت تفاحا مفلجة # أو كنت من قضب الريحان ريحانا # حتى إذا وجدت ريحي فأعجبها # ونحن في خلوة مثلت إنسانا # فحركت عودها ثم انثنت طربا # تشدو به ثم لا تخفيه كتمانا ~~«أصبحت أطوع خلق الله كلهم # لأكثر الخلق لي في الحب عصيانا» # فقلت أطربتنا يا زين مجلسنا # فهات إنك بالإحسان أولانا # لو كنت أعلم أن الحب يقتلني # أعددت لي قبل أن ألقاك أكفانا # فغنت الشرب صوتا مونقا رملا # يذكي السرور ويبكي العين ألوانا # لا يقتل الله من دامت مودته # والله يقتل أهل الغدر أحيانا # كان الزوار يسمون في قديم الدهر إلى أيام خالد بن برمك السؤال، فقال خالد: هذا ~~والله اسم أستثقله لطلاب الخير، وأرفع قدر الكرم عن أن يسمى به أمثال هؤلاء ~~المؤمنين، لأن فيهم الأشراف والأحرار وأبناء النعيم، ومن لعله خير ممن يقصد وأفضل ~~أدبا، ولكننا نسميهم الزوار، فقال بشار يمدحه بذلك: # حذا خالد في فعله حذو برمك # فمجد له مستطرف وأصيل # وكان ذوو الآمال يدعون قبله # بلفظ على الإعدام فيه دليل # يسمون بالسؤال في كل موطن # وإن كان فيهم نابه وجليل # فسماهم الزوار سترا عليهم # فأستاره في المهتدين سدول # وقال بشار هذا الشعر في مجلس خالد في الساعة التي تكلم خالد بهذا في أمر الزوار، ~~فأعطاه لكل بيت ألف درهم. # دخل بشار على عقبة بن سلم فأنشده بعض مدائحه فيه، وعنده عقبة بن رؤبة ينشده رجزا ~~يمدحه به، فسمعه بشار وجعل يستحسن ما قاله إلى أن فرغ، ثم أقبل على بشار فقال: هذا ~~طراز لا تحسنه أنت يا أبا معاذ، فقال بشار: ألي يقال هذا! أنا والله أرجز منك ومن ~~أبيك وجدك؛ فقال له: عقبة أنا وأبي فتحنا للناس باب الغريب وباب الرجز، وإني لخليق ~~أن أسده عليهم؛ فقال بشار: ارحمهم رحمك الله، ولما كان من غد غدا على عقبة بن سلم ~~وعنده عقبة بن رؤبة، فأنشده أرجوزته التي مدحه فيها: # يا طلل الحي بذات الصمد ms610 # بالله خبر كيف كنت بعدي # أوحشت من دعد وترب دعد # سقيا لأسماء ابنة الأشد # قامت تراءى إذ رأتني وحدي # كالشمس تحت الزبرج # 11 # المنقد # صدت بخد وجلت عن خد # ثم انثنت كالنفس المرتد # عهدي بها سقيا له من عهد # تخلف وعدا وتفي بوعد # فنحن من جهد الهوى في جهد # وزاهر من سبط وجعد # أهدي له الدهر ولم يستهد # أفواف نور الحبر المجد # يلقى الضحى ريحانه بسجد # بدلت من ذاك بكى لا يجدي # وافق حظا من سعى بجد # ما ضر أهل النوك ضعف الجد # الحر يلحى والعصا للعبد # وليس للملحف مثل الرد # والنصف يكفيك من التعدي # وصاحب كالدمل الممد # حملته في رقعة من جلدي # أرقب منه مثل يوم الورد # حتى مضى غير فقيد الفقد # وما درى ما رغبتي من زهد # إسلم وحييت أبا الملد # مفتاح باب الحدث المنسد # مشترك النيل وري الزند # أغر لباس ثياب الحمد # ما كان مني لك غير الود # ثم ثناء مثل ريح الورد # نسجته في محكمات الند # فالبس طرازي غير مسترد # لله أيامك في معد # وفي بني قحطان غير عد # يوما بذي طخفة # 12 # عند الحد # ومثله أودعت أرض الهند # بالمرهفات والحديد السرد # والمقربات # 13 # المبعدات الجرد # إذا الحيا أكدى بها لا تكدي # تلحم أمرا وأمورا تسدي # وابن حكيم إن أتاك يردي # أصم لا يسمع صوت الرعد # حييته بتحفة المعد # فانهد مثل الجبل المنهد # كل امرئ رهن بما يؤدي # ورب ذي تاج كريم الجد # كآل كسرى وكآل برد # أنكب جاف عن سبيل القصد # فصلته عن ماله والولد # فطرب عقبة بن سلم وأجزل صلته، وقام عقبة بن رؤبة فخرج عن المجلس بخزي وهرب من تحت ~~ليلته فلم يعد إليه. # قال الجاحظ: فانظر إلى سوء أدب عقبة بن رؤبة وقد أجمل بشار محضره وعشرته، فقابله ~~بهذه المقابلة القبيحة، وكان أبوه أعلم خلق الله به، لأنه قال له وقد فاخره بشعره: ~~أنت يا بني ذهبان الشعر، إذا مت مات شعرك معك، فلم يوجد من يرويه بعدك، فكان كما ~~قال له، ms611 ما يعرف له بيت واحد ولا خبر غير هذا الخبر القبيح الإخبار عنه، الدال على ~~سخفه وسقوطه وسوء أدبه. # وقال بشار في هوى له كانت بالبصرة، ثم خرجت مع زوجها إلى عمان: # هوى صاحبي ريح الشمال إذا جرت # وأشفى لقلبي أن تهب جنوب # وما ذاك إلا أنها حين تنتهي # تناهى وفيها من عبيدة طيب # عذيري من العذال إذ يعذلونني # سفاها وما في العاذلين لبيب # يقولون لو عزيت قلبك لارعوى # فقلت وهل للعاشقين قلوب # إذا نطق القوم الجلوس فإنني # مكب كأني في الجميع غريب # جاء أبو الشمقمق إلى بشار يشكو إليه الضيقة ويحلف له أنه ما عنده شيء، فقال له ~~بشار: والله ما عندي ما يغنيك، ولكن قم معي إلى عقبة بن سلم، فقام معه، فذكر له أبا ~~الشمقمق وقال: هو شاعر وله شكر وثناء، فأمر له بخمسمائة درهم، فقال له بشار: # يا واحد العرب الذي # أمسى وليس له نظير # لو كان مثلك آخرا # ما كان في الدنيا فقير # فأمر لبشار بألفي درهم، فقال أبو الشمقمق: نفعتنا ونفعناك يا أبا معاذ، فجعل بشار ~~يضحك. # دخل يزيد بن منصور الحميري على المهدي وبشار بين يديه ينشده قصيدة امتدحه بها، ~~فلما فرغ منها أقبل عليه يزيد، وكانت فيه غفلة، فقال: يا شيخ، ما صناعتك؟ فقال: ~~أثقب اللؤلؤ، فضحك المهدي، ثم قال لبشار: اغرب ويلك! أتتنادر على خالي؟ فقال له: ~~وما أصنع به؟ يرى شيخا أعمى ينشد الخليفة شعرا ويسأله عن صناعته. # وقف على بشار بعض المجان، وهو ينشد شعرا، فقال له: استر شعرك هذا كما تستر ~~عورتك، فصفق بشار بيديه وغضب ثم قال له: ومن أنت؟ ويلك! قال: أنا - أعزك الله - رجل ~~من باهلة، وأخوالي سلول، وأصهاري عكل، واسمي كلب، ومولدي بأضاخ، # 14 # ومنزلي بظفر بلال، فضحك بشار، ثم قال: اذهب ويلك! فأنت عتيق لؤمك، قد ~~علم الله أنك استترت مني بحصون من حديد. # مر بشار برجل قد رمحته بغلة وهو يقول: الحمد لله شكرا، فقال له: بشار استزده ~~يزدك. ومر به قوم ms612 يحملون جنازة وهم يسرعون المشي بها، فقال: ما لهم مسرعين؟ أتراهم ~~سرقوه فهم يخافون أن يلحقوا فيؤخذ منهم. # رفع غلام بشار إليه في حساب نفقته جلاء مرآة عشرة دراهم، فصاح به بشار وقال: ~~والله ما في الدنيا أعجب من جلاء مرآة أعمى بعشرة دراهم، والله لو صدئت عين الشمس ~~حتى يبقى العالم في ظلمة ما بلغت أجرة من يجلوها عشرة دراهم. # قال قدامة بن نوح: كان بشار يحشو شعره إذا أعوزته القافية والمعنى بالأشياء التي ~~لا حقيقة لها؛ فمن ذلك أنه أنشد يوما شعرا له فقال فيه: «غنني للغريض يابن قنان» ~~فقيل له: من ابن قنان هذا؟ لسنا نعرفه من مغني البصرة، قال: وما عليكم منه؟ ألكم ~~قبله دين فتطالبوه به، أو ثأر تريدون أن تدركوه، أو كفلت لكم به، فإذا غاب ~~طالبتموني بإحضاره؛ قالوا: ليس بيننا وبينه شيء من هذا، وإنما أردنا أن نعرفه، ~~فقال: هو رجل يغني لي ولا يخرج من بيتي، فقال له: إلى متى؟ فقال: مذ يوم ولد وإلى ~~أن يموت. وذكر أيضا في هذه القصيدة «البردان» فقيل له: يا أبا معاذ، أين البردان ~~هذا؟ لسنا نعرفه بالبصرة، فقال: هو بيت في بيتي سميته بالبردان، أفعليكم من تسميتي ~~داري وبيوتها شيء فتسألوني عنه؟ # قالت امرأة لبشار: أي رجل أنت لو كنت أسود اللحية والرأس، قال: أما علمت أن بيض ~~البزاة أشهر من سود الغربان؟ فقالت له: أما قولك فحسن في السمع، ومن لك بأن يحسن ~~شيبك في العين كما حسن قولك في السمع؟ فكان بشار يقول: ما أفحمني قط غير هذه ~~المرأة. # دعاه رجل إلى منزله فأكل وشرب، ولما أراد الانصراف قامت جارية للرجل وأخذت بيده، ~~فلما صار بالصحن أومأ إليها ليقبلها، فأرسلت يدها من يده، فجعل يجول في العرصة وخرج ~~مولى الجارية فقال: ما لك يا أبا معاذ؟ فقال: أذنبت ذنبا ولا أبرح أو أقول شعرا، ~~فقال: # أتوب إليك من السيئات # وأستغفر الله من فعلتي # تناولت ما لم أرد نيله # على جهل أمري وفي سكرتي ms613 # ووالله والله ما جئته # لعمد ولا كان من همتي # وإلا فمت إذن ضائعا # وعذبني الله في ميتتي # فمن نال خيرا على قبلة # فلا بارك الله في قبلتي # لما كثر استهتار نساء البصرة وشبانها بشعر بشار، وقال سوار بن عبد الله ومالك بن ~~دينار: ما شيء أدعي لأهل هذه المدينة إلى الفسق من أشعار هذا الأعمى، وما زالا ~~يعظانه وكان واصل بن عطاء يقول: إن من أخدع حبائل الشيطان وأغواها لكلمات هذا ~~الأعمى الملحد، فلما كثر ذلك وانتهى خبره إلى المهدي نهاه عن ذكر النساء وقول ~~التشبيب، وكان المهدي من أشد الناس غيرة، فقال في ذلك: # يا منظرا حسنا رأيته # في وجه جارية فديته # بعثت إلي تسومني # ثوب الشباب وقد طويته # والله رب محمد # ما إن غدرت ولا نويته # أمسكت عنك وربما # عرض البلاء وما ابتغيته # إن الخليفة قد أبى # وإذا أبى شيئا أبيته # ومخضب رخص البنا # ن بكى علي وما بكيته # ويشوقني بيت الحبي # ب إذا ادكرت وأين بيته # قام الخليفة دونه # فصبرت عنه وما قليته # ونهاني الملك الهما # م عن النساء وما عصيته # لا بل وفيت فلم أضع # عهدا ولا رأيا رأيته # وأنا المطل على العدا # وإذا غلا الحمد اشتريته # أصفي الخليل إذا دنا # وإذا نأى عني نأيته # وأميل في أنس الندي # م من الحياء وما اشتهيته # وكان الخليل بن أحمد ينشد هذه الأبيات ويستحسنها ويعجب بها. # وكان لبشار خمسة ندماء، فمات منهم أربعة وبقي واحد يقال له: البراء، فركب في زورق ~~يريد عبور دجلة العوراء فغرق، فكان بشار يقول: ما خير في الدنيا بعد الأصدقاء؛ ثم ~~رثى أصدقاءه بقوله: # يابن موسى ماذا يقول الإمام # في فتاة بالقلب منها أوام # بت من حبها أوقر بالكأ # س ويهفو على فؤادي الهيام # لم يكن بينها وبيني إلا # كتب العاشقين والأحلام # يابن موسى اسقني ودع عنك سلمى # إن سلمى حمى وفي احتشام # رب كأس كالسلسبيل تعلل # ت بها والعيون عني نيام # حبست للشراة في بيت # 15 # رأس # عتقت عانسا عليها الختام # نفحت ms614 نفحة فهزت نديمي # بنسيم وانشق عنها الزكام # وكأن المعلول منها إذا را # ح شج في لسانه برسام # 16 # صدمته الشمول حتى بعيني # ه انكسار وفي المفاصل خام # وهو باقي الأطراف حيت # 17 # به الكأ # س وماتت أوصاله والكلام # وفتى يشرب المدامة بالما # ل ويمشي يروم ما لا يرام # أنفدت كأسه الدنانير حتى # ذهب العين واستمر السوام # تركته الصهباء يرنو بعين # نام إنسانها وليست تنام # جن من شربة تعل بأخرى # وبكى حين سار فيه المدام # كان لي صاحبا فأودى به الده # ر وفارقته عليه السلام # بقي الناس بعد هلك نداما # ي وقوعا لم يشعروا ما الكلام # كجزور الأيسار # 18 # لا كبد في # ها لباغ ولا عليها سنام # يابن موسى فقد الحبيب على العي # ن قذاة وفي الفؤاد سقام # كيف يصفو لي النعيم وحيدا # والأخلاء في المقابر هام # نفستهم # 19 # علي أم المنايا # فأنامتهم بعنف فناموا # لا يغيض انسجام عيني عليهم # إنما غاية الحزين السجام # وقال في نهي الخليفة إياه عن ذكر النساء: # والله لولا رضا الخليفة ما # أعطيت ضيما علي في شجن # وربما خير لابن آدم في ال # كره وشق الهوى على البدن # فاشرب على أبنة الزمان فما # تلقى زمانا صفا من الأبن # الله يعطيك من فواضله # والمرء يغضى عينا على الكمن # 20 # قد عشت بين الريحان والراح والز # هر في ظل مجلس حسن # وقد ملأت البلاد ما بين يغب # ور إلى القيروان فاليمن # شعرا تصلي له العواتق والش # يب صلاة الغواة للوثن # ثم نهاني المهدي فانصرفت # نفسي صنيع الموفق اللقن # فالحمد لله لا شريك له # ليس بباق شيء على الزمن # وأنشد المهدي قصيدته التي أولها: # تجاللت عن فهر وعن جارتي فهر # وودعت نعما بالسلام وبالبشر # وقالت سليمى فيك عنا جلادة # محلك دان والزيادة عن عفر # 21 # أخي في الهوى مالي أراك جفوتنا # وقد كنت تقفونا على العسر واليسر # تثاقلت إلا عن يد أستفيدها # وزورة أملاك أشد بها أزري # وأخرجني من وزر خمسين حجة # فتى هاشمي يقشعر من الوزر # دفنت الهوى ms615 حيا فلست بزائر # سليمى ولا صفراء ما قرقر القمري # ومصفرة بالزعفران جلودها # إذا اجتليت مثل المفرطحة الصفر # فرب ثقال الردف هبت تلومني # ولو شهدت قبري لصلت على قبري # تركت لمهدي الأنام وصالها # وراعيت عهدا بيننا ليس بالختر # ولولا أمير المؤمنين محمد # لقبلت فاها أو لكان بها فطري # لعمري لقد أوقرت نفسي خطيئة # فما أنا بالمزداد وقرا على وقر # تسلى عن الأحباب صرام خلة # ووصال أخرى ما يقيم على أمر # وركاض أفراس الصبابة والهوى # جرت حججا ثم استقرت فلا تجري # فأصبحن ما يركبن إلا إلى الوغى # وأصبحت لا يزري علي ولا أزري # فهذا وإني قد شرعت مع التقى # وماتت همومي الطارقات فما تسري # ثم قال يصف السفينة: # وعذراء لا تجري بلحم ولا دم # قليلة شكوى الأين ملجمة الدبر # إذا ظعنت فيها الفلول تشخصت # بفرسانها لا في وعوث ولا وعر # وإن قصدت زلت على متنصب # ذليل القوى لا شيء يفري كما تفري # تلاعب تيار # 22 # البحور وربما # رأيت نفوس القوم من جريها تجري # إلى ملك من هاشم في نبوة # ومن حمير في الملك والعدد الدثر # 23 # من المشترين الحمد تندى من الندى # يداه ويندى عارضاه من العطر # فألزمت حبلي حبل من لا تغبه # عفاة الندى من حيث يدري ولا يدري # بنى لك عبد الله بيت خلافة # نزلت بها بين الفراقد والنسر # وعندك عهد من وصاة محمد # فرعت به الأملاك من ولد النضر # ولما أنشد الوليد بن يزيد قول بشار: # أيها الساقيان صبا شرابي # واسقياني من ريق بيضاء رود # 24 # إن دائي الظما وإن دوائي # شربة من رضاب ثغر برود # ولها مضحك كغر الأقاحي # وحديث كالوشي وشي البرود # نزلت في السواد من حبة القل # ب ونالت زيادة المستزيد # ثم قالت نلقاك بعد ليال # والليالي يبلين كل جديد # عندها الصبر عن لقائي وعندي # زفرات يأكلن قلب الحديد # طرب الوليد وقال: من لي بمزج كأسي هذه من ريق سلمى، فيروي ظمئي، وتطفأ غلتي، ثم ~~بكى حتى مزج كأسه بدمعه، وقال: إن فاتنا ذاك فهذا. # مدح ms616 بشار خالد بن برمك فقال فيه: # لعمري لقد أجدى علي ابن برمك # وما كل من كان الغنى عنده يجدي # حلبت بشعري راحتيه فدرتا # سماحا كما در السحاب مع الرعد # إذا جئته للحمد أشرق وجهه # إليك وأعطاك الكرامة بالحمد # له نعم في القوم لا يستثيبها # جزاء وكيل التاجر المد بالمد # مفيد ومتلاف سبيل تراثه # إذا ما غدا أو راح كالجزر والمد # أخالد إن الحمد يبقى لأهله # جمالا ولا تبقى الكنوز على الكد # فأطعم وكل من عارة مستردة # ولا تبقها إن العواري للرد # فأعطاه خالد ثلاثين ألف درهم، وكان قبل ذلك يعطيه في كل وفادة خمسة آلاف درهم، ~~وأمر خالد أن يكتب هذان البيتان في صدر مجلسه الذي كان يجلس فيه، وقال ابنه يحيى بن ~~خالد: آخر ما أوصاني به أبي العمل بهذين البيتين. # وكان إسحاق الموصلي يطعن على شعر بشار ويضع منه، ويذكر أن كلامه مختلف لا يشبه ~~بعضه بعضا، فقيل له: أتقول هذا لمن يقول: # إذا كنت في كل الأمور معاتبا # صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه # فعش واحدا أوصل أخاك فإنه # مقارف # 25 # ذنب مرة ومجانبه # إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى # 26 # ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه # وهي من غرر قصائده، مدح بها عمر بن هبيرة، ومنها قوله: # يخاف المنايا إن ترحلت صاحبي # كأن المنايا في المقام تناسبه # فقلت له إن العراق مقامه # وخيم إذا هبت عليك جنائبه # لألقى بني عيلان إن فعالهم # تزيد على كل الفعال مراتبه # أولاك الألى شقوا العمى بسيوفهم # عن العين حتى أبصر الحق طالبه # وجيش كجنح الليل يزحف بالحصا # وبالشوك والخطى حمرا تغالبه # غدونا له والشمس في خدر أمها # تطالعنا والطل لم يجر ذائبه # بضرب يذوق الموت من ذاق طعمه # وتدرك من نجى الفرار مثالبه # كأن مثار النقع فوق رءوسنا # وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه # بعثنا لهم موت الفجاءة إننا # بنو الموت خفاق علينا سبائبه # 27 # فراحوا فريق في الإسار ومثله # قتيل ومثل لاذ بالبحر هاربه # ومنها: # إذا الملك الجبار صعر خده # مشينا ms617 إليه بالسيوف نعاتبه # رويدا تصاهل بالعراق جيادنا # كأنك بالضحاك قد قام نادبه # وسام لمروان ومن دونه الشجا # وهول كلج البحر جاشت غواربه # أحلت به أم المنايا بناتها # بأسيافنا إنا ردى من نحاربه # وكنا إذا دب العدو لسخطنا # وراقبنا في ظاهر لا نراقبه # ركبنا له جهرا بكل مثقف # وأبيض تستسقي الدماء مضاربه # ومنها: # فلما تولى الحي واعتصر الثرى # لظى الصيف من نجم توقد لاهبه # وطارت عصافير الشقائق واكتسى # من الآل أمثال المجرة ناضبه # غدت عانة # 28 # تسكو بأبصارها الصدى # إلى الجأب إلا أنها لا تخاطبه # ومن حسن شعره: # لو كنت تلقين ما نلقى قسمت لنا # يوما نعيش به منكم ونبتهج # لا خير في العيش إن كنا كذا أبدا # ما في التلاقي ولا في قبلة حرج # من راقب الناس لم يظفر بحاجته # وفاز بالطيبات الفاتك اللهج # أشكو إلى الله هما ما يفارقني # وشرعا في فؤادي الدهر تعتلج # وقال يهجو عبيد الله بن قزعة: # خليلي من كعب أعينا أخاكما # على دهره إن الكريم معين # كأن عبيد الله لم يلق ماجدا # مخافة أن يرجو نداه حزين # ولا تبخلا بخل ابن قزعة إنه # ولم يدر أن المكرمات تكون # فقل لأبي يحيى متى تدرك العلا # وفي كل معروف عليك يمين # إذا جئته في حاجة سد بابه # فلم تلقه إلا وأنت كمين # وفد على خالد بن برمك فأنشده: # أخالد لم أخبط # 29 # إليك بذمة # سوى أنني عاف وأنت جواد # أخالد بين الأجر والحمد حاجتي # فأيهما تأتي فأنت عماد # فإن تعطني أفرغ عليك مدائحي # وإن تأب لم يضرب علي سداد # ركابي على حرف # 30 # وقلبي مشيع # ومالي بأرض الباخلين بلاد # إذا أنكرتني بلدة أو نكرتها # خرجت مع البازي على سواد # فدعا خالد بأربعة آلاف دينار في أربعة أكياس، فوضع واحدا عن يمينه، وواحدا عن ~~شماله، وآخر بين يديه، وآخر خلفه، وقال: يا أبا معاذ، هل استقل العماد؟ فلمس ~~الأكياس ثم قال: استقل والله أيها الأمير. # قال أبان بن عبد الحميد: نزل في ظاهر البصرة قوم من أعراب قيس ms618 بن عيلان، وكان ~~فيهم بيان وفصاحة، فكان بشار يأتيهم وينشدهم أشعاره التي يمدح بها قيسا، فيجلونه ~~لذلك ويعظمونه، وكان نساؤهم يجلسن معه ويتحدثن إليه وينشدهن أشعاره في الغزل، وكنت ~~كثيرا ما آتي في ذلك الموضع فأسمع منه ومنهم، فأتيتهم يوما فإذا هم ارتحلوا، فجئت ~~إلى بشار فقلت: يا أبا معاذ، أعلمت أن القوم قد ارتحلوا؟ قال: لا، فقلت: فاعلم، ~~قال: قد علمت لا علمت، ومضيت، فلما كان بعد ذلك بأيام سمعت الناس ينشدون: # دعا بفراق من تهوى أبان # ففاض الدمع واحترق الجنان # كأن شرارة وقعت بقلبي # لها في مقلتي ودمي استنان # إذا أنشدت أو نسمت عليها # رياح الصيف هاج لها دخان # فعلمت أنها لبشار، فأتيته فقلت: يا أبا معاذ، ما ذنبي إليك؟ قال: ذنب غراب البين، ~~فقلت: هل ذكرتني بغير هذا؟ قال: لا، فقلت: أنشدك الله ألا تزيد، فقال: امض لشأنك ~~فقد تركتك. # مدح بشار المهدي فلم يعطه شيئا، فقيل له: لم يستجد شعرك، فقال: والله لقد قلت ~~فيه شعرا لو قيل في الدهر لم يخش صرفه على أحد، ولكنا نكذب في القول فيكذب في ~~الأمل. # مدح بشار سليمان بن هشام بن عبد الملك، وكان مقيما بحران وخرج إليه، فأنشده قوله ~~فيه: # نأتك على طول التجاور زينب # وما شعرت أن النوى سوف تشعب # يرى الناس ما تلقى بزينب إذ نأت # عجيبا وما تخفي بزينب أعجب # وقائلة لي حين جد رحيلنا # وأجفان عينيها تجود وتسكب # أغاد إلى حران في غير شيعة # وذلك شأو عن هواها مغرب # فقلت لها كلفتني طلب الغنى # وليس وراء ابن الخليفة مذهب # سيكفي فتى من سعيه حد سيفه # وكور علافي # 31 # ووجناء # 32 # ذعلب # إذا استوغرت دار عليه رمى بها # بنات الصوى منها ركوب ومصعب # فعدي إلى يوم ارتحلت وسائلي # بزورك والرحال من جاء يضرب # لعلك أن تستيقني أن زورتي # سليمان من سير الهواجر تعقب # أغر هشامي القناة إذا انتمى # نمته بدور ليس فيهن كوكب # وما قصدت يوما فحيلين خيله # فتصرف إلا عن دماء تصبب # فوصله سليمان ms619 بخمسة آلاف درهم، وكان يبخل، فلم يرضها وانصرف عنه مغضبا، ~~فقال: # إن أمس منقبض اليدين عن الندى # وعن العدو مخيس الشيطان # فلقد أروح على اللئام مسلطا # ثلج المقيل منعم الندمان # في ظل عيش عشيرة محمودة # تندى يدي ويخاف فرط لساني # أزمان خيبني الشباب مطاوع # وإذ الأمير علي من حران # ريم بأحوية العراق إذا بدا # برقت عليه أكلة المرجان # فاكحل بعبدة مقلتيك من القذى # وبوشك رؤيتها من الهملان # فلقرب من تهوى وأنت متيم # أشفى لدائك من بني مروان # قدم بشار على المهدي بالرصافة فدخل عليه في البستان، فأنشده مديحا فيه تشبيب ~~حسن، فنهاه عن التشبيب لغيرة شديدة كانت فيه، فأنشده مديحا يقول فيه: # كأنما جئته أبشره # ولم أجئ راغبا ومحتلبا # يزين المنبر الأشم بعطفي # ه وأقواله إذا خطبا # تشم نعلاه في الندي كما # يشم ماء الريحان منتهبا # قال: وقد طلب منه أن ينشده شيئا من غزله: # وقائل هات شوقنا فقلت له # أنائم أنت يا عمرو بن سمعان # أما سمعت بما قد شاع في مضر # وفي الحليفين من بكر وقحطان # قال الخليفة لا تنسب بجارية # إياك إياك أن تشقى بعصيان # وقال له المهدي: قل في الحب شعرا ولا تطل، واجعل الحب قاضيا بين المحبين لا تسم ~~أحدا، فقال: # اجعل الحب بين حبي وبيني # قاضيا إني به اليوم راض # فاجتمعنا فقلت يا حب نفسي # إن عيني قليلة الإغماض # أنت عذبتني وأنحلت جسمي # فارحم اليوم دائم الأمراض # قال لي لا يحل حكمي عليها # أنت أولى بالسقم والإعراض # قلت لما أجابني بهواها # شمل الجور في الهوى كل قاض # فبعث إليه المهدي: حكمت علينا ووافقنا ذلك، فأمر له بألف دينار. # وقال بشار في عشق السمع: # يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة # والأذن تعشق قبل العين أحيانا # قالوا بمن لا ترى تهذي فقلت لهم # الأذن كالعين توفي القلب ما كانا # هل من دواء لمشغوف بجارية # يلقى بلقيانها روحا وريحانا # وقال في مثل ذلك: # قالت عقيل بن كعب إذ تعلقها # قلبي فأضحى به من حبها أثر # أنى ولم ms620 ترها تهذي فقلت لهم # إن الفؤاد يرى ما لا يرى البصر # أصبحت كالحائم الحيران مجتنبا # لم يقض وردا ولا يرجى له صدر # وقال: # يزهدني في حب عبدة معشر # قلوبهم فيها مخالفة قلبي # فقلت دعوا قلبي وما اختار وارتضى # فبالقلب لا بالعين يبصر ذو الحب # فما تبصر العينان في موضع الهوى # ولا تسمع الأذنان إلا من القلب # وما الحسن إلا كل حسن دعا الصبا # وألف بين العشق والعاشق الصب # وقال: # يا قلب مالي أراك لا تقر # إياك أعني وعندك الخبر # أذعت بعد الألى مضوا حرقا # ما ضاع ما استودعوك إذ بكروا # وقال: # إن سليمى والله يكلؤها # كالسكر يزداد على السكر # بلغت عنها شكلا فأعجبني # والسمع يكفيك غيبة البصر # وقال وقد مدح المهدي فحرمه: # خليلي إن العسر سوف يفيق # وإن يسارا في غد لخليق # وما كنت إلا كالزمان إذا صحا # صحوت وإن ماق # 33 # الزمان أموق # أأدماء لا أسطيع في قلة الثرا # خزوزا ووشيا والقليل محيق # خذي من يدي ما قل إن زماننا # شموس ومعروف الرجال رقيق # لقد كنت لا أرضى بأدنى معيشة # ولا يشتكي بخلا علي رفيق # خليلي إن المال ليس بنافع # إذا لم ينل منه أخ وصديق # وكنت إذا ضاقت علي محلة # 34 # تيممت أخرى ما علي تضيق # وما خاب بين الله والناس عامل # له في التقى أو في المحامد سوق # ولا ضاق فضل الله عن متعفف # ولكن أخلاق الرجال تضيق # هجا بشار يعقوب بن دواد وزير المهدي فقال: # بني أمية هبوا طال نومكم # إن الخليفة يعقوب بن # 35 # دواد # ضاعت خلافتكم يا قوم فالتمسوا # خليفة الله بين الناس والعود # فاتهمه عند المهدي بالزندقة وقال: إنه قد هجا المهدي، فأمر، فضرب بالسياط حتى ~~مات. ~~(2) حماد عجرد # 36 ~~«ولو # 37 # أني أحببت أن أشخص حمادا لوصفته قبل كل شيء بحدة الطبع، وسوء الخلق، ~~وحب الانتقام، والإسراع إليه، ثم بالصراحة في القول، والملاءمة بينه وبين العمل، ~~وبكره النفاق والانصراف عنه، لا يعنيه أرضي الناس عنه أم سخطوا عليه، ثم بحدة ~~اللسان ومضيه ms621 وإقذاعه وكلفه بفاحش القول وبحثه عن أسوئه وأقبحه، ثم بالسخرية من ~~الناس وازدرائهم؛ لا على أنه يتخذ ذلك فلسفة وأصلا من أصول الحياة كالوليد ومطيع ~~وأبي نواس، بل على أنه يتخذ ذلك وسيلة من وسائل الشعراء يخلص بها كلما ضاقت عليه ~~المذاهب وأخذت عليه، أو دعته إلى ذلك حاجة. لم يكن حماد يحفل بما يحفل به الناس من ~~الوفاء والانصراف عن التناقض، وإنما كان صديقا مخلصا حتى تبدوا له حاجة أو تسنح ~~له فرصة أو تضطره ضرورة؛ فإذا صداقته قد استحالت إلى عداء، وإذا هو ليس أقل صدقا ~~وإخلاصا في العداء منه في المودة والحب: فقد مدح يحيى بن زياد واتخذه صديقا ونال ~~جوائزه، ثم كان الخلاف فهجاه. وصادق بشارا وصافاه، ثم اختصما فلم يعرفا في الخصومة ~~رحمة ولا رفقا. وصافى مطيعا وأحبه ومدحه وأكثر في الثناء عليه، ثم اختصما في ~~امرأة مرة وفي غلام مرة أخرى، فهجاه وأقذع في هجائه. وكان على هذا كله يؤثر شعره ~~وضروراته على البر بالناس في معاملتهم: هجا ذات يوم رجلا يقال له حشيش وجعل اسمه ~~قافية لهذا الشعر وأراد أن يبالغ في ذمه فشبهه ببحيش، وكان بحيش هذا رجلا من أهل ~~البصرة وادعا لا يعرف حمادا ولا يعرفه حماد، فلما قرأ الرجل هذا الشعر جزع له ~~وسافر من البصرة حتى بلغ الكوفة فعاتب حمادا؛ فقال له حماد ضاحكا معتذرا: لا بأس ~~عليك فإن هذا من آثام القافية ولن أعود إليه». # وكان السبب في مهاجاة حماد وبشار أن حمادا كان نديما لنافع بن عقبة، فسأله بشار ~~تنجيز حاجة من نافع فأبطأ عنها، فقال بشار فيه: # مواعيد حماد سماء مخيلة # تكشف عن رعد ولكن ستبرق # إذا جئته يوما أحال على غد # كما وعد الكمون ما ليس يصدق # وفي نافع عني جفاء وإنني # لأطرق أحيانا وذو اللب يطرق # وللنقرى # 38 # قوم فلو كنت منهم # دعيت ولكن دوني الباب مغلق # وما زلت أستأنيك حتى حسرتني # بوعد كجاري الآل يخفى ويخفق # فغضب حماد وأنشد نافعا الشعر فمنع بشارا، ms622 فقال بشار: # أبا عمر ما في طلابيك حاجة # ولا في الذي منيتنا ثم أضجرا # وعدت فلم تصدق وقلت غدا غدا # كما وعد الكمون شربا مؤخرا # فكان ذلك سبب التهاجي بين بشار وحماد. وكان بشار يرمي حمادا بالزندقة، وفي ذلك ~~يقول: # ابن نهبي رأس علي ثقيل # واحتمال الرءوس خطب جليل # ادع غيري إلى عبادة الاثني # ن فإني بواحد مشغول # يابن نهبي برئت منك إلى الله # جهارا وذاك مني قليل # فأشاع حماد هذه الأبيات لبشار، وجعل فيها مكان: «فإني بواحد مشغول» «فإن عن واحد ~~مشغول» ليصح عليه الزندقة والكفر بالله تعالى. فما زالت الأبيات تدور في الناس حتى ~~انتهت إلى بشار، فاضطرب منها وجزع وقال: أشاط ابن الفاعلة بدمي، والله ما قلت إلا ~~«فإني بواحد مشغول» فغيرها حتى شهرت في الناس. # كان رجل من أهل البصرة يدخل بين حماد وبشار على اتفاق منهما ورضا بأن ينقل إلى ~~كل واحد منهما وعنه الشعر؛ فدخل يوما إلى بشار فقال له : إيه يا فلان، ما قال ابن ~~الفاعلة، فأنشده: # إن تاه بشار عليكم فقد # أمكنت بشارا من التيه # فقال بشار: بأي شيء ويحك؟ فقال: # وذاك إذ سميته باسمه # ولم يكن حرا نسميه # قال: سخنت عينه، فبأي شيء كنت أعرف! إيه، فقال: # فصار إنسانا بذكري له # ما يبتغي من بعد ذكريه! # فقال: ما صنع شيئا، إيه ويحك! فقال: # لم أهج بشارا ولكنني # هجوت نفسي بهجائيه # فقال: على هذا المعنى دار وحوله حام. وتمام الأبيات: # لم آت شيئا قط فيما مضى # ولست فيما عشت آتيه # أسوأ لي في الناس أحدوثة # من خطأ أخطأته فيه # فأصبح اليوم لسبي له # أعظم شأنا من مواليه # وقال بشار لراوية حماد: ما هجاني به اليوم حماد؟ فأنشده: # ألا من مبلغ عني ال # ذي والده برد # فقال: صدق ابن الفاعلة فما يكون؟ فقال: # إذا ما نسب الناس # فلا قبل ولا بعد # فقال: كذب، أين هذه العرصات من عقيل! فما يكون؟ فقال: # وأعمى قلطبان # 39 # ما # على قاذفه حد # فقال: كذب، بل عليه ثمانون ms623 جلدة، هيه، فقال: # وأعمى يشبه القرد # إذا ما عمي القرد # فقال: والله ما أخطأ حين شبهني بقرد، حسبك حسبك! ثم صفق بيديه وقال: ما حيلتي! ~~يراني فيشبهني ولا أراه فأشبهه. وتمام الأبيات: # دني لم يرح يوما # إلى مجد ولم يغد # ولم يحضر مع الحضا # ر في خير ولم يبد # ولم يخش له ذم # ولم يرج له حمد # جرى بالنحس مذ كان # ولم يجر له سعد # هو الكلب إذا مات # فلم يوجد له فقد # وقال علي بن مهدي: أجمع علماء البصرة أنه ليس في هجاء حماد عجرد لبشار إلا أربعون ~~بيتا معدودة، ولبشار فيه من الهجاء أكثر من ألف بيت جيد. وكل واحد منهما هو الذي ~~هتك صاحبه بالزندقة وأظهرها عليه، وكانا يجتمعان عليها، فسقط حماد وهتك بفضل بلاغة ~~بشار وجودة معانيه، وبقي بشار على حاله لم يسقط، حتى عرف مذهبه في الزندقة فقتل ~~به. # ومن أغلظ ما هجا به حماد بشارا: # نهاره أخبث من ليله # ويومه أخبث من أمسه # وليس بالمقلع عن غيه # حتى يوارى في ثرى رمسه # كان حماد صديقا ليحيى بن زياد، فأظهر يحيى تورعا وقراءة ونزوعا عما كان فيه ~~وهجر حمادا وأشباهه، فكان إذا ذكر عنده ثلبه وذكر تهتكه ومجونه؛ فبلغ ذلك حمادا ~~فكتب إليه: # هل تذكرن دلجى الي # ك على المضمرة القلاص # أيام تعطيني وتأ # خذ من أباريق الرصاص # إن كان نسكك لا يت # م بغير شتمي وانتقاصي # أو كنت لست بغير ذا # ك تنال منزلة الخلاص # فعليك فاشتم آمنا # كل الأمان من القصاص # وأقعد وقم بي ما بدا # لك في الأداني والأقاصي # فلطالما زكيتني # وأنا المقيم على المعاصي # أيام أنت إذا ذكر # ت مناضل عني مناصي # 40 # وأنا وأنت على ارتكا # ب الموبقات من الحراص # وبنا مواطن ما بنا # في البر آهلة العراص # فاتصل هذا الشعر بيحيى بن زياد، فنسب حمادا إلى الزندقة ورماه بالخروج عن ~~الإسلام؛ فقال حماد فيه: # لا مؤمن يعرف إيمانه # وليس يحيى بالفتى الكافر # منافق ظاهره ناسك # مخالف الباطن للظاهر # كان ms624 حماد صديقا لحريث بن أبي الصلت الثقفي، وكان يعيبه بالبخل، وفيه ~~يقول: # حريث أبو الفضل ذو خبرة # بما يصلح المعد الفاسده # تخوف تخمة أضيافه # فعودهم أكلة واحده # ومن قوله: # ألا قل لعبد الله إنك واحد # ومثلك في هذا الزمان كثير # قطعت إخائي ظالما وهجرتني # وليس أخي من في الإخاء يجور # أديم لأهل الود ودي وإنني # لمن رام هجري ظالما لهجور # ولو أن بعضي رابني لقطعته # وإني بقطع الرائبين جدير # فلا تحسبن منحي لك الود خالصا # لعز ولا أني إليك فقير # ودونك حظي منك لست أريده # طوال الليالي ما أقام ثبير # 41 # كان حماد صديقا لحفص بن أبي بردة، وكان حفص أعمش أفطس أعضب مقبح الوجه، فاجتمعوا ~~يوما على شراب وجعلوا يتناشدون ويتحدثون، فأخذ حفص يطعن على مرقش ويعيب شعره ~~ويلحنه؛ فقال له حماد: # لقد كان في عينيك يا حفص شاغل # وأنف كثيل # 42 # العود عما تتبع # تتبع لحنا في كلام مرقش # ووجهك مبني على اللحن أجمع # فأذناك إقواء وأنفك مكفأ # وعيناك إيطاء فأنت المرقع # ومن قوله: # إني أحبك فاعلمي # إن لم تكوني تعلمينا # حبا أقل قليله # كجميع حب العالمينا # وأنشد بشار قول حماد عجرد: # أخي كف عن لومي فإنك لا تدري # بما فعل الحب المبرح في صدري # أخي أنت تلحاني وقلبك فارغ # وقلبي مشغول الجوانح بالفكر # دوائي ودائي عند من لو رأيته # يقلب عينيه لأقصرت عن زجري # فأقسم لو أصبحت في لوعة الهوى # لأقصرت عن لومي وأطنبت في عذري # ولكن بلائي منك أنك ناصح # وأنك لا تدري بأنك لا تدري # فطرب بشار ثم قال: ويلكم أحسن والله! من هذا؟ قالوا: حماد عجرد؛ قال: أوه ~~وكلتموني والله بقية يومي لهم طويل، والله لا أطعم بقية يومي طعاما، ولأصومن غما ~~بما يقول النبطي مثل هذا. # قال محمد بن الفضل السلولي: لقيت حماد عجرد بواسط وهو يمشي وأنا راكب، فقلت له: ~~انطلق بنا إلى المنزل، فإني الساعة فارغ لنتحدث، وحبست عليه الدابة، فقطع شغل عرض ~~لي لم أقدر على تركه، فمضيت وأنسيته، فلما ms625 بلغت المنزل خفت شره فكتبت إليه: # أبا عمر اغفرها هديت فإنني # قد اذنبت ذنبا مخطئا غير عامد # فلا تجدن فيه علي فإنني # أقر بإجرامي ولست بعائد # وهبه لنا تفديك نفسي فإنني # أرى نعمة أن كنت لست بواجد # وعد منك بالفضل الذي أنت أهله # فإنك ذو فضل طريف وتالد # فأجابني عن الأبيات: # محمد يا با الفضل يا ذا المحامد # ويا بهجة النادي وزين المشاهد # وحقك ما أذنبت منذ عرفتني # على خطأ يوما ولا عمد عامد # ولو كان ما ألفيتني متسرعا # إليك به يوما تسرع واجد # 43 # ولو كان ذو فضل يسمى لفضله # بغير اسمه سميت أم القلائد # فبينا رقعته في يدي وأنا أقرؤها إذ جاءني رسوله برقعة فيها: # قد غفرنا الذنب يابن ال # فضل والذنب عظيم # ومسيء أنت يابن ال # فضل في ذاك مليم # حين تخشاني على الذن # ب كما يخشى اللئيم # ليس لي إن كان ما خف # ت من الأمر حريم # أنا والله ولا أف # خر للغيظ كظوم # وبأصحابي ولا ري # بة بر ورحيم # وبما يرضيهم عن # ي ويرضيني عليم # كان عثمان بن شيبة مبخلا وكان حماد يهجوه، فجاء رجل كان يقول الشعر إلى حماد ~~فقال له: # أعني من غناك ببيت شعر # على فقرى لعثمان بن شيبه # فقال: # فإنك إن رضيت به خليلا # ملأت يديك من فقر وخيبه # فقال له الرجل: جزاك الله خيرا فقد عرفتني من أخلاقه ما قطعني عن مدحه وصنت وجهي ~~عنه. # لما مات محمد بن أبي العباس طلب محمد بن سليمان حماد عجرد لما كان يقوله في أخته ~~زينب من الشعر، فعلم أنه لا مقام له معه بالبصرة، فاستجار بقبر أبيه سليمان بن علي ~~وقال فيه: # من مقر بالذنب لم يوجب الل # ه عليه بسيء إقرارا # ليس إلا بفضل حلمك يع # تد بلاء وما يعد اغترارا # يابن بنت النبي أحمد لا أج # عل إلا إليك منك الفرارا # غير أني جعلت قبر أبي أيو # ب لي من حوادث الدهر جارا # وحري من استجار بذاك ال # قبر أن ms626 يأمن الردى والعثارا # لم أجد لي من العباد مجيرا # فاستجرت التراب والأحجارا # لست أعتاض منك في بغية العزة # قحطان كلها أو نزارا # فأنا اليوم جار من ليس في الأر # ض مجير أعز منه جوارا # يابن بنت النبي يا خير من حط # ت إليه الغوارب الأكوارا # إن أكن مذنبا فأنت ابن من كا # ن لمن كان مذنبا غفارا # فاعف عني فقد قدرت وخير ال # عفو ما قلت: كن، فكان اقتدارا # لو يطيل الأعمار جار لعز # كان جاري يطول الأعمارا # فقال: والله لأبلن قبر أبي من دمه؛ فهرب حماد إلى بغداد، فعاذ بجعفر بن المنصور ~~فأجاره، وقال: لا أرضى أو تهجو محمد بن سليمان، فقال يهجوه: # قل لوجه الخصي ذي العار إني # سوف أهدي لزينب الأشعارا # قد لعمري فررت من شدة الخو # ف وأنكرت صاحبي نهارا # وظننت القبور تمنع جارا # فاستجرت التراب والأحجارا # كنت عند استجارتي بأبي أي # وب أبغي ضلالة وخسارا # لم يجرني ولم أجد فيه حظا # أضرم الله ذلك القبر نارا # فبلغ هجاؤه محمد بن سليمان فقال: والله لا يفلتني أبدا، وإنما يزداد حتفا ~~بلسانه! ولا والله لا أعفو عنه ولا أتغافل أبدا. # ومن قوله: # إن الكريم ليخفى عنك عسرته # حتى تراه غنيا وهو مجهود # وللبخيل على أمواله علل # زرق العيون عليها أوجه سود # إذا تكرمت أن تعطي القليل ولم # تقدر على سعة لم يظهر الجود # أبرق بخير ترجى للنوال فما # ترجى الثمار إذا لم يورق العود # بث النوال ولا تمنعك قلته # فكل ما سد فقرا فهو محمود # وقال أيضا: # كم من أخ لك لست تنكره # ما دمت من دنياك في يسر # متصنع لك في مودته # يلقاك بالترحيب والبشر # يطري الوفاء وذا الوفاء ويل # حى الغدر مجتهدا وذا الغدر # فإذا عدا، والدهر ذو غير، # دهر عليك عدا مع الدهر # فارفض بإجمال مودة من # يقلي المقل ويعشق المثري # وعليك من حالاه واحدة # في العسر إما كنت واليسر # لا تخلطنهم بغيرهم # من يخلط العقيان بالصفر! # وهو القائل في محمد بن طلحة: # زرت ms627 امرأ في بيته مرة # له حياء وله خير # يكره أن يتخم إخوانه # إن أذى التخمة محذور # ويشتهي أن يؤجروا عنده # بالصوم والصائم مأجور # يابن أبي شهدة أنت امرؤ # بصحة الأبدان مسرور # وهو القائل في محمد بن أبي العباس السفاح: # أرجوك بعد أبي العباس إذ بانا # يا أكرم الناس أعراقا وأغصانا # لو مج عود على قوم عصارته # لمج عودك فينا المسك والبانا # قيل: إن حمادا مضى إلى الأهواز، فأقام هناك مستترا، وبلغ محمدا خبره فأرسل ~~مولى له إلى الأهواز، فلم يزل يطلبه حتى ظفر به فقتله غيلة. وقيل: إنه خرج من ~~الأهواز يريد البصرة، فمر بشيراز في طريقه، فمرض بها، فاضطرم إلى المقام بسبب علته، ~~فاشتد مرضه فمات هناك ودفن على تلعة. وكان بشار بلغه أن حمادا عليل، ثم نعى إليه ~~قبل موته، فقال بشار: # لو عاش حماد لهونا به # لكنه صار إلى النار # فبلغ هذا البيت حمادا قبل أن يموت وهو في السياق، # 44 # فقال يرد عليه: # نبئت بشارا نعاني ولل # موت براني الخالق الباري # يا ليتني مت ولم أهجه # نعم ولو صرت إلى النار # وأي خزي هو أخزى من أن # يقال لي يا سب # 45 # بشار # فلما قتل المهدي بشارا بالبطيحة اتفق أن حمل إلى منزله ميتا، فدفن مع حماد على ~~تلك التلعة، فمر بها أو هشام الباهلي الشاعر البصري الذي كان يهاجي بشارا، فوقف ~~على قبريهما فقال: # قد تبع الأعمى قفا عجرد # فأصبحا جارين في دار # قالت بقاع الأرض لا مرحبا # بقرب حماد وبشار # تجاورا بعد تنائيهما # ما أبغض الجار إلى الجار # صارا جميعا في يدي مالك # في النار والكافر في النار ~~(3) مروان بن أبي حفصة ~~«لم # 46 # يكن مروان # 47 # متصرفا في فنون الشعر، ولعله لم يعد منها فنا أو فنين؛ فلسنا ~~نعرف له غزلا إلا هذا الغزل الذي تعود الشعراء أن يبدءوا به مدائحهم؛ ولسنا نعرف ~~له هجاء إلا هذا النحو من الهجاء الذي يضطر إليه الشعراء السياسيون حين يدافعون عن ~~مذهبهم ويهاجمون خصومهم. على أن ms628 موقف مروان كان في هذا دقيقا جدا، فهو لم يكن ~~ينصر بني العباس على بني أمية فيبلغ منهم ما يريد، ويهجوهم في حرية؛ وإنما كان ~~السيف هو الذي انتصر للعباسيين من بني أمية، وكان العباسيون في حاجة إلى من ينصرهم ~~على العلويين وأتباعهم من بني هاشم، ولم يكن هجاء العلويين يسيرا! كان الدين يأباه ~~في ذلك الوقت، وكانت كرامة الخلافة العباسية نفسها تأباه أيضا، فالعلويون من بني ~~هاشم وهجاؤهم هجاء للعباسيين؛ ومن هنا سلك مروان وأمثاله من الشعراء السياسيين ~~الذين ناضلوا عن حقوق العباسيين مسلك الدفاع والمناظرة الشريفة البريئة من الشتم ~~والقذف، فكان دفاعهم أبلغ، وكانت مناظراتهم أحسن وقعا من هجاء أولئك الشتامين ~~المسرفين في الشتم؛ ثم لا نعرف لمروان مجونا ولا عبثا، فلم يكن كما قلنا ماجنا ~~ولا عابثا وإنما كان بخيلا، والبخل والعبث شيئان لا يتفقان، ومن ضن على نفسه ~~باللحم وطيبات الطعام لم يستبح لنفسه خمرا ولا ما تستتبعه الخمر. ثم لا نعرف ~~لمروان فخرا وما نحسب أنه فاخر أو مال إلى الفخر، فقد كان رجلا عمليا يعنيه أن ~~يظفر بالمكانة والثروة وكان يضن بوقته وجهده على الفخر الذي لا يفيد. لم يعرض إذن ~~إلا لفنين اثنين: المدح والرثاء، وهو في المدح أشعر منه في الرثاء وهذا طبعي، فهو ~~راغب حين يمدح، يطلب المال ويحرص على أن يظفر به، فمعقول أن يجيد وأن يبلغ من ~~الإجادة حظا عظيما؛ أما في الرثاء فهو لا يرغب ولا يطلب مالا وإنما يفي بعهد ~~ويشكر صنيعة. ومعقول أن موقفه هذا لا يدفعه إلى الإجادة إلا أن يكون حساسا دقيق ~~الشعور راقي النفس، ولم يكن مروان من هذا كله في شيء، وإنما كان كما قلت لك رجلا ~~عمليا يريد المال. على أن رثاءه لمعن ليس بالرديء وكذلك رثاؤه للمهدي، وهل نستطيع ~~أن نعد رثاءه للمهدي رثاء! هو مدح لأنه عزاء للخليفة الجديد، ففيه ذكر للخليفة ~~الراحل، والثناء على وارثه، وفيه المثوبة والعطاء. فهو إلى المدح أقرب منه إلى ~~الرثاء. # أما مدح مروان ms629 فمن آيات المدح العربي، ونحن لا نحفظ منه إلا متفرقات قليلة ولكنها ~~تكفي لنحكم أن مروان كان قد أتقن المدح وبرع فيه، بل نحسب أنه برز في هذا الفن على ~~غيره من المعاصرين، ولكن مدح مروان ينقسم إلى قسمين متمايزين: أحدهما المدح بالمعنى ~~الشائع المعروف، وهو موجه لمعن بن زائدة، فهو يفتن في وصف معن بالجود والكرم ~~والشجاعة والحب، ثم يفتن في مدح بني شيبان الذين ينتمي إليهم معن، وهو لا يخرج في ~~مدحه هذا عن سنة الشعراء من قبله، ولكنه جيد المعاني منتقاها، حسن الألفاظ ~~صافيها. # وأما القسم الثاني فهو هذا المدح السياسي الذي كان ينشده الخلفاء من بني العباس، ~~وهو مدح إن شئت ولكنه يمتاز عن المدح المعروف بما فيه من هذا النضال السياسي الذي ~~كان يحتاج إلى مهارة وفطنة ودقة وخفة، والذي كان يضطر صاحبه إلى أن يقهر العلويين ~~دون أن يؤذيهم، وإلى أن ينصر العباسيين دون أن يزدري خصومهم، وقد بلغ مروان من ذلك ~~ما أراد، فقد أغضب العلويين لا لأنه آذاهم أو هجاهم فيما نعتقد، بل لأنه كان خصما ~~قويا عنيدا ماهرا في الخصام. # ثم هناك شيئان لا بد من الإشارة إليهما ليكمل رأينا في مروان، ولنستطيع أن نحكم ~~على شعره حكما معللا إن صح هذا التعبير: # الأول: # أن مروان لم يكن عراقيا ولم يرض الإقامة في العراق ولم يطل ~~عشرة العراقيين من أهل المجون والعبث، وإنما كان من أهل اليمامة ~~أقام فيها لا يبرحها إلا وافدا على أمير أو وزير أو خليفة، فإذا ~~أنشد قصيدته وظفر بجائزته عاد إلى اليمامة وأقام فيها عامه ثم ~~استأنف الرحلة. ولهذا أثره في شعر مروان، فهو أقرب إلى شعر ~~الجاهليين والإسلاميين منه إلى شعر المحدثين من شعراء الحضارة ~~العباسية، تقرؤه فتجد عليه هذه المسحة التي تخلو أو تكاد تخلو من ~~الدعابة والخفة، وتمتاز بشيء من الجلال والرصانة، يمثل البادية ~~تمثيلا صحيحا؛ ولهذا أثره من وجهة أخرى، فقد رضي علماء اللغة ~~جميعا عن مروان وأحبوه من هذه الناحية، وما ms630 أشك أنا في أنهم كانوا ~~يودون لو استطاعوا إيثاره على بشار وأبي نواس، لأنه كان أقرب منهما ~~إلى الأسلوب البدوي القديم، ولكن أنى لهم ذلك! وقد سلط الله عليهم ~~لسان بشار وأبي نواس فاضطروا إلى أن يحابوا هذين الشاعرين ~~ويتملقوهما، وأجمعوا أو كادوا يجمعون على تقديم بشار وإيثاره على ~~مروان. ومع ذلك فليس إلى المقارنة سبيل بين الشاعرين إذا اتخذنا ~~وجهة البحث والنقد، هذه الوجهة التي كان يعنى بها علماء اللغة وهي ~~وجهة المتانة والرصانة في اللفظ والأسلوب، لا يقاس إلى مروان في ~~هذا أحد من شعراء العراق، أما إذا اتخذنا وجهة أخرى للنقد، إذا ~~اتخذنا اختلاف الفنون التي طرقها الشاعر، وقرب المأخذ، والدنو من ~~أذهان الناس والقدرة على تمثيل حياتهم، فليس مروان يقاس إلى بشار ~~ولا إلى أبي نواس بنوع خاص؛ على أن من علماء اللغة من استطاع أن ~~يكون شجاعا شريفا في فنه لا يخاف ولا يهاب فصدق نفسه وصدق الناس، ~~وآثر مروان على غيره من الشعراء المعاصرين، وهذا العالم اللغوي هو ~~ابن الأعرابي الذي ختم الشعر بمروان وأبى أن يدون لأحد من المحدثين ~~بعده، والذي كان ينشد مع الإعجاب الشديد هذه الأبيات الجيدة من شعر ~~مروان، وهي: # بنو مطر يوم اللقاء كأنهم # أسود ~~لها في بطن خفان أشبل # هم يمنعون الجار حتى ~~كأنما # لجارهم بين السماكين ~~منزل # لهاميم # 48 # في الإسلام سادوا ولم ~~يكن # كأولهم في الجاهلية ~~أول # هم القوم إن قالوا أصابوا وإن ~~دعوا # أجابوا وإن أعطوا أطابوا ~~وأجزلوا # ولا يستطيع الفاعلون فعالهم # وإن ~~أحسنوا في النائبات وأجملوا # وكان ابن الأعرابي يقول: لو أن معنا أعطى مروان كل ما يملك بهذه ~~الأبيات لما بلغ حقه. # الثاني: # أن مروان لم يكن سريعا في الشعر ولا متعجلا ولا مسترسلا مع ~~الطبع وإنما كان بطيئا متمهلا. كان يجيد الشعر لأنه كان يجوده. ~~كان يسلك هذه الطريقة التي يزعم الرواة أن زهيرا كان يسلكها في ~~هذه القصائد التي يسمونها الحوليات، كان ينفق أشهرا في إنشاء ~~القصيدة وأشهرا في إصلاحها وأشهرا ms631 في عرضها حتى إذا استقام له ~~هذا كله أنشد قصيدته لممدوحه خليفة كان أو وزيرا أو أميرا، فليس ~~عجيبا مع هذه الأناة أن يخلو شعره مما يستنكر وأن يبرأ من الضعف ~~والوحشية معا. ولقد يحدثنا الرواة بطائفة من أخبار مروان مع ~~اللغويين والشعراء الذين كان يعرض عليهم شعره قبل أن ينشده ~~الخلفاء. ولست أشير إلا إلى سيرته مع بشار فلها معناها. كان مروان ~~يعرض القصيدة على بشار ويسأله رأيه فيها فلا يجيبه بشار بأنها جيدة ~~أو بأنها رديئة، بل يقدر له قيمة القصيدة ماليا، فيقول: سيعطونك ~~عليها كذا وكذا ... وقد صدق بشار مرتين فأظهر له مروان العجب من ذلك، ~~فقال بشار: ألم أقل لك إني أعلم الغيب! ولم يكن يعلم الغيب، وإنما ~~كان يفهم مروان ويفهم الخلفاء ويفهم الميول السياسية التي كان من ~~شأنها أن تجزل حظ مروان من العطاء. # كان مروان متناقضا ولكنه تناقض مفهوم، كان شديد الحرص على ~~الإجادة، فكان يشك في شعره، ويستشير فيه الشعراء والنحاة، ولكنه ~~كان مع ذلك معجبا بنفسه لا يقدم عليها أحدا بعد هؤلاء الشعراء ~~الثلاثة: الأخطل والفرزدق وجرير. واسمع رأيه فيهم وفي نفسه، فقد ~~عقده شعرا ليثبت كما يقول: # ذهب الفرزدق بالفخار وإنما # حلو ~~القريض ومره لجرير # ولقد هجا فأمض أخطل تغلب # وحوى ~~اللهى ببيانه المشهور # كل الثلاثة قد أجاد ~~فمدحه # وهجاؤه قد سار كل ~~مسير # ولقد جريت ففت غير مهلل # بجراء ~~لا قرف ولا مبهور # إني لآنف أن أحبر مدحة # أبدا ~~لغير خليفة ووزير # ما ضرني حسد اللئام ولم يزل # ذو ~~الفضل يحسده ذوو التقصير # أما رأي مروان في النقد فبديع، كان ينشد الشعر لامرئ القيس ويقول: هو أشعر الناس، ~~ثم ينشد شعر الأعشى ويقول: هو أشعر الناس، ثم ينشد شعر زهير ويقول: هو أشعر الناس، ~~حتى إذا أنشد لطائفة كثيرة من الشعراء، فرآهم جميعا أشعر الناس، قال ضاحكا: الناس ~~أشعر الناس! ولست أعرف رأيا كهذا الرأي يمثل الشك في نقد الناقدين المعاصرين ~~والسخرية بهذا النقد». # وننتقل من ذاك الوصف الرائع ms632 إلى ذكر نبذة صالحة من أخباره وأشعاره. # دخل مروان بن أبي حفصة على المهدي بعد وفاة معن، فأنشده مديحا فيه، فقال له ~~المهدي: ألست القائل: # أقمنا باليمامة بعد معن # مقاما لا نريد به زوالا # وقلنا أين نرحل بعد معن # وقد ذهب النوال فلا نوالا # قد ذهب النوال فيما زعمت، فلم جئت تطلب نوالنا؟ لا شيء لك عندنا. فلما كان من ~~العام المقبل تلطف حتى دخل مع الشعراء، وإنما كانت الشعراء تدخل على الخلفاء كل عام ~~مرة، فمثل بين يديه، وأنشد - بعد رابع أو خامس من الشعراء: # طرقتك زائرة فحي خيالها # بيضاء تخلط بالجمال دلالها # قادت فؤادك فاستقاد ومثلها # قاد القلوب إلى الصبا فأمالها # فكأنما طرقت بنفحة روضة # سحت بها ديم الربيع طلالها # باتت تسائل في المنام معرسا # بالبيد أشعث لا يمل سؤالها # في فتية هجعوا غرارا بعدما # سئموا مراعشة السرى ومطالها # فكأن حشو ثيابهم هندية # نحلت وأغفلت القيون صقالها # وضعوا الخدود لدى سواهم جنح # تشكو كلوم صفاحها وكلالها # طلبت أمير المؤمنين فواصلت # بعد السرى بغدوها آصالها # نزعت إليك صواديا فتقاذفت # تطوي الفلاة حزونها ورمالها # يتبعن ناجية يهز مراحها # بعد النحول تليلها # 49 # وقذالها # هوجاء تدرع الربا وتشقها # شق الشموس إذا تراع جلالها # تنجو # 50 # إذا دفع القطيع كما نجت # خرجاء # 51 # بادرت الظلام رئالها # 52 # كالقوس ساهمة أتتك وقد ترى # كالبرج تملأ رحلها وحبالها # ومنها: # أحيا أمير المؤمنين محمد # سنن النبي حرامها وحلالها # ملك تفرع نبعة من هاشم # مد الإله على الأنام ظلالها # جبل لأمته تلوذ بركنه # رادى جبال عدوها فأزالها # لم يغشها مما يخاف عظيمة # إلا أجال لها الأمور مجالها # حتى يفرجها أغر مهذب # ألفى أباه مفرجا أمثالها # ثبت على زلل الحوادث راكب # من صرفهن لكل حال حالها # كلتا يديك جعلت فضل نوالها # للمسلمين وللعدو وبالها # وقعت مواقعها بعفوك أنفس # أذهبت بعد مخافة أوجالها # ونصبت نفسك خير نفس دونها # وجعلت مالك واقيا أموالها # هل تعلمون خليفة من قبله # أجرى لغايته التي أجرى لها # طلع الدروب مشمرا عن ساقه # بالخيل ms633 منصلتا يجد نعالها # قود تريع إلى أغر لوجهه # نور يضيء أمامها وخلالها # قصرت حمائله عليه فقلصت # ولقد تحفظ فينها فأطالها # حتى إذا وردت أوائل خيله # جيحان بث على العدو رعالها # 53 # أحمى بلاد المسلمين عليهم # وأباح سهل بلادهم وجبالها # أدمت دوابر خيله وشكيمها # غاراتهن وألحقت آطالها # لم يبق بعد مغارها وطرادها # إلا نحائزها # 54 # وإلا آلها # رفع الخليفة ناظري وراشني # بيد مباركة شكرت نوالها # وحسدت حتى قيل أصبح باغيا # في المشي مترف شيمة مختالها # ولقد حذوت لمن أطاع ومن عصى # نعلا ورثت عن النبي مثالها # فزحف المهدي من صدر مصلاه حتى صار على البساط إعجابا بما سمع، ثم قال: كم هي؟ ~~قال مائة بيت، فأمر له بمائة ألف درهم، فكانت أول مائة ألف درهم أعطيها شارع في ~~أيام بني العباس، وهكذا فعل معه الرشيد لما أنشده قصيدته التي يقول فيها: # لعمرك ما أنسى غداة المحصب # إشارة سلمى بالبنان المخضب # وقد صدر الحجاج إلا أقلهم # مصادر شتى موكبا بعد موكب # قال مروان: دخلت على المهدي في قصر السلام، فلما سلمت عليه وذلك بعقب سخطه على ~~يعقوب بن داود، فقلت: يا أمير المؤمنين، إن يعقوب رجل رافضي، وإنه سمعني أقول في ~~الوراثة: # أنى يكون وليس ذاك بكائن # لبنى البنات وراثة الأعمام # فذلك الذي حمله على عدواتي؛ ثم أنشدته: # كأن أمير المؤمنين محمدا # لرأفته بالناس للناس والد # فقال له المهدي: والله ما أعطيك إلا من صلب مالي، فاعذرني، وأمر لي بثلاثين ألف ~~درهم وكساني جبة ومطرفا، وفرض لي على أهل بيته ومواليه ثلاثين ألفا أخرى. # لما قدم معن من اليمن دخل عليه مروان والمجلس غاص بأهله، فأخذ بعضادتي الباب ~~وأنشأ يقول: # أرى القلب أمسى بالأوانس مولعا # وإن كان من عهد الصبا قد تمتعا # ويقول فيها: # ولما سرى الهم الغريب قريته # قرى من أزال الشك عنه وأزمعا # عزمت فعجلت الرحيل ولم أكن # كذي لوثة لا يطلع الهم مطلعا # فأمت ركابي أرض معن ولم تزل # إلى أرض معن حيثما كان نزعا # نجائب لولا أنها سخرت ms634 لنا # أبت عزة من جهلها أن تورعا # كسونا رحال الميس # 55 # منها غواربا # تدارك فيها الني # 56 # صيفا ومربعا # فما بلغت صنعاء حتى تواضعت # ذراها وزال الجهل عنها وأقلعا # إلى أن قال: # وما الغيث إذ عم البلاد بصوبه # على الناس من معروف معن بأوسعا # تدارك معن قبة الدين بعدما # خشينا على أوتادها أن تنزعا # أقام على الثغر المخوف وهاشم # تشاقى سماما بالأسنة منقعا # مقام امرئ يأبى سوى الخطة التي # تكون لدى غب الأحاديث أنفعا # وما أحجم الأعداء عنك بقية # عليك ولكن لم يروا فيك مطمعا # رأوا مخدرا قد جربوه وعاينوا # لدى غيله منهم مجرا ومصرعا # وليس بثانيه إذا شد أن يرى # لدى نحره زرق الأسنة شرعا # له راحتان الغيث والحتف فيهما # أبى الله إلا أن تضرا وتنفعا # لقد دوخ الأعداء معن فأصبحوا # وأمنعهم لا يدفع الذل مدفعا # نجيب مناجيب وسيد سادة # ذرى المجد من فرعي نزار تفرعا # لبانت خصال الخير فيه وأكملت # وما كملت خمسا سنوه وأربعا # لقد أصبحت في كل شرق ومغرب # بسيفك أعناق المريبين خضعا # وطئت خدود الحضرميين وطأة # لها هد ركن منهم فتضعضعا # فأقعوا على الأذناب إقعاء معشر # يرون لزوم السلم أبقى وأودعا # فلو مدت الأيدي إلى الحرب كلها # لكفوا وما مدوا إلى الحرب أصبعا # فقال له معن: احتكم، قال: عشرة آلاف درهم، فقال معن: ربحنا عليك تسعين ألفا، ~~قال: أقلني، قال: لا أقال الله من يقيلك. # لما مات المهدي وفدت العرب على موسى الهادي يهنئونه بالخلافة ويعزونه عن المهدي، ~~فدخل مروان فأخذ بعضادتي الباب وقال: # لقد أصبحت تختال في كل بلدة # بقبر أمير المؤمنين المقابر # ولو لم تسكن بابنه في مكانه # لما برحت تبكي عليه المنابر # مرض عمرو بن مسعدة فدخل عليه مروان وقد أبل من مرضه، فأنشأ يقول: # صح الجسم يا عمرو # لك التمحيص والأجر # ولله علينا الحم # د والمنة والشكر # فقد كان شكا شوقا # إليك النهي والأمر # قال موسى بن يحيى: أوصلنا إلى مروان بن أبي حفصة في وقت من الأوقات سبعين ألف ~~درهم، ms635 وجمع إليها مالا حتى تمت مائة ألف وخمسين ألف درهم وأودعها يزيد بن مزيد، ~~فبينا نحن عند يحيى بن خالد إذ دخل يزيد بن مزيد، وكانت فيه دعابة، فقال: يا أبا ~~علي، أودعني مروان خمسين ومائة ألف درهم، وهو يشتري الخبز من البقال؛ فغضب يحيى ثم ~~قال: علي بمروان، فأتي به، فقال له: قد أخبرني أبو خالد بما أودعته من المال وما ~~تبتاعه من البقال، والله لما يرى من أثر البخل عليك أضر من الفقر لو كان بك. ويروى ~~أنه قال له: والله للبخل أسوأ عليك أثرا من الفقر لو صرت إليه فلا تبخل. وقال عمر ~~بن شبة قال مروان: ما فرحت بشيء قط فرحي بمائة ألف وهبها لي أمير المؤمنين المهدي، ~~فوزنتها فزادت درهما، فاشتريت به لحما. وقال جهم بن خلف: أتينا اليمامة فنزلنا على ~~مروان بن أبي حفصة فأطعمنا تمرا وأرسل غلامه بفلس وسكرجة ليشتري زيتا، فلما جاء ~~بالزيت قال لغلامه: خنتني؛ قال: من فلس! كيف أخونك؟ قال: أخذت الفلس لنفسك واستوهبت ~~الزيت. وقال التوزي: مر مروان بن أبي حفصة في بعض سفراته وهو يريد مغنى امرأة من ~~العرب، فأضافته؛ فقال: لله علي إن وهب لي الأمير مائة ألف أن أهب لك درهما؛ فأعطاه ~~ستين ألف درهم، فأعطاها أربعة دوانق. وقال أبو دعامة: اشترى مروان لحما بنصف درهم ~~فلما وضعه في القدر وكاد ينضج دعاه صديق له، فرده على القصاب بنقصان دانق، فشكاه ~~القصاب وجعل ينادي هذا لحم مروان، وظن أنه يأنف لذلك؛ فبلغ الرشيد ذلك فقال: ويلك! ~~ما هذا؟ فقال: أكره الإسراف. # دخل مروان على موسى الهادي فأنشده قوله فيه: # تشابه يوما بأسه ونواله # فما أحد يدري لأيهما الفضل # فقال له الهادي: أيما أحب إليك؟ أثلاثون ألفا معجلة، أم مائة ألف تدون في ~~الدواوين؟ فقال له: يا أمير المؤمنين، أنت تحسن ما هو خير من هذا، ولكنك أنسيته، ~~أفتأذن لي أن أذكرك؟ قال: نعم؛ قال: تعجل لي الثلاثين ألفا وتدون المائة ألف في ~~الدواوين، فضحك وقال: بل ms636 يعجلان جميعا، فحمل إليه المال أجمع. # قال محمد النوفلي: اجتاز مروان برجل من باهلة من أهل اليمامة، وهو ينشد قوما كان ~~جالسا إليهم شعرا مدح به مروان بن محمد، وأنه قتل قبل أن يلقاه وينشده إياه، ~~أوله: # مروان يابن محمد أنت الذي # زيدت به شرفا بنو مروان # فأعجبته القصيدة، فأمهل الباهلي حتى قام من مجلسه، ثم أتاه في منزله فقال له: إني ~~سمعت قصيدتك وأعجبتني، ومروان قد مضى ومضى أهله، وفاتك ما قدرت عنده، أفتبيعني ~~القصيدة حتى أنتحلها، فإنه خير لك من أن تبقى عليك وأنت فقير؟ قال: نعم؛ قال: بكم؟ ~~قال: بثلاثمائة درهم، قال: قد ابتعتها، فأعطاه الدراهم وحلفه بالطلاق ثلاثا ~~وبالأيمان المحرجة ألا ينتحلها أبدا، ولا ينسبها إلى نفسه ولا ينشدها، وانصرف بها ~~إلى منزله فغير منها أبياتا وزاد فيها وجعلها في معن، وقال في ذلك البيت: # معن بن زائدة الذي زيدت به # شرفا على شرف بنو شيبان # ووفد بها إلى معن حتى أثرى واتسعت حاله، فكان معن أول من رفع ذكره ونوه به. وله ~~فيه مدائح بعد ذلك شريفة ومراث حسنة . قال مروان: كان المنصور قد طلب معن بن زائدة ~~طلبا شديدا وجعل فيه مالا، فحدثني معن باليمن أنه اضطر لشدة الطلب إلى أن قام في ~~الشمس حتى لوحت وجهه، وخفف عارضيه ولحيته، ولبس جبة صوف غليظة، وركب جملا من ~~الجمال النقالة يمضي إلى البادية فيقيم بها، وكان قد أبلى في حرب يزيد بن عمر بن ~~هبيرة بلاء حسنا غاظ المنصور وجد في طلبه، قال معن: فلما خرجت من باب حرب تبعني ~~أسود متقلدا سيفا حتى إذا غبت عن الحرس قبض على خطام جملي فأناخه وقبض علي، فقلت ~~له: ما لك؟ قال أنت طلبة أمير المؤمنين، قلت: ومن أنا حتى يطلبني أمير المؤمنين؟ ~~قال معن بن زائدة، قلت: يا هذا، اتق الله، وأين أنا من معن؟ قال: دع هذا عنك، فأنا ~~والله أعرف بك منك، فقلت له: فإن كانت القصة كما تقول، فهذا جوهر حملته معي يفي ms637 ~~بأضعاف ما بذله المنصور لمن جاءه بي، فخذه ولا تسفك دمي، قال: هاته، فأخرجته إليه، ~~فنظر إليه ساعة وقال: صدقت في قيمته، ولست قابله حتى أسألك عن شيء، فإن صدقتني ~~أطلقتك، فقلت: قل، قال: إن الناس قد وصفوك بالجود فأخبرني، هل وهبت قط مالك كله؟ ~~قلت: لا، قال: فنصفه؟ قلت: لا، قال: فثلثه؟ قلت: لا، حتى بلغ العشر، فاستحييت، ~~فقلت: أظن أني فعلت هذا، فقال: ما أراك فعلته، أنا والله راجل ورزقي من أبي جعفر ~~عشرون درهما وهذا الجوهر قيمته آلاف الدنانير وقد وهبته لك، ووهبتك لنفسك ولجودك ~~المأثور عنك بين الناس، ولتعلم أن في الدنيا أجود منك فلا تعجبك نفسك، ولتحقر بعد ~~هذا كل شيء تفعله ولا تتوقف عن مكرمة؛ ثم رمى بالعقد في حجري وخلى خطام البعير ~~وانصرف؛ فقلت: يا هذا، قد والله فضحتني ولسفك دمي أهون علي مما فعلت، فخذ ما دفعته ~~إليك فإني غني عنه، فضحك وقال: أردت أن تكذبني في مقامي هذا، والله لا آخذه ولا آخذ ~~بمعروف ثمنا أبدا ومضى؛ فوالله لقد طلبته بعد أن أمنت وبذلت لمن جاءني به ما شاء، ~~فما عرفت له خبرا وكأن الأرض ابتلعته. وكان سبب رضا المنصور عن معن أنه لم يزل ~~مستترا حتى كان يوم الهاشمية، # 57 # فلما وثب القوم على المنصور وكادوا يقتلونه، وثب معن وهو متلثم فانتضى ~~سيفه وقاتل فأبلى بلاء حسنا وذب القوم عنه حتى نجا وهم يحاربونه بعد؛ ثم جاء ~~والمنصور راكب على بغلة ولجامها بيد الربيع فقال له: تنح فإني أحق باللجام منك في ~~هذا الوقت وأعظم فيه غناء؛ فقال له المنصور: صدق فادفعه إليه، فأخذه ولم يزل يقاتل ~~حتى انكشفت تلك الحال، فقال له المنصور: من أنت؟ لله أبوك! قال: أنا طلبتك يا أمير ~~المؤمنين معن بن زائدة؛ قال: قد أمنك الله على نفسك ومالك ومثلك يصطنع، ثم أخذه معه ~~وخلع عليه وحباه وزينه، ثم دعا به يوما فقال له: إني قد أملتك لأمر فكيف تكون فيه؟ ~~قال: كما يحب أمير ms638 المؤمنين؛ قال: قد وليتك اليمن فابسط السيف فيهم حتى ينقض حلف ~~ربيعة واليمن، وابلغ من ذلك ما يحب أمير المؤمنين؛ فولاه اليمن وتوجه إليها فبسط ~~السيف فيهم حتى أسرف. قال مروان: وقدم معن بعقب ذلك فدخل على المنصور، فقال له بعد ~~كلام طويل: قد بلغ أمير المؤمنين عنك شيء لولا مكانك عنده ورأيه فيك لغضب عليك؛ ~~قال: وما ذاك يا أمير المؤمنين؟ قال: إعطاؤك مروان بن أبي حفصة ألف دينار لقوله ~~فيك: # معن بن زائدة الذي زيدت به # شرفا على شرف بنو شيبان # إن عد أيام الفعال فإنما # يوماه يوم ندى ويوم طعان # فقال: والله يا أمير المؤمنين ما أعطيته ما بلغك لهذا الشعر، وإنما أعطيته ~~لقوله: # ما زلت يوم الهاشمية معلنا # بالسيف دون خليفة الرحمن # فمنعت حوزته وكنت وقاءه # من وقع كل مهند وسنان # فاستحيا المنصور وقال: إنما أعطيته ما أعطيته لهذا القول؟ قال: نعم يا أمير ~~المؤمنين؛ والله لولا مخافة الشنعة لأمكنته من مفاتيح بيوت الأموال وأبحته إياها؛ ~~فقال له المنصور: لله درك من أعرابي! ما أهون عليك ما يعز على الرجال وأهل ~~الحزم! # وأختم هذه الترجمة بموت مروان يقصه قاتله. روى صاحب الأغاني عن رجل يقال له صالح ~~بن عطية الأصجم أنه قال: لما قال مروان: # أنى يكون وليس ذاك بكائن # لبنى البنات وراثة الأعمام # لزمته وعاهدت الله أن أغتاله فأقتله أي وقت أمكنني، وما زلت ألاطفه وأبره، وأكتب ~~أشعاره حتى خصصت به فأنس بي جدا، وعرفت ذلك بنو حفصة جميعا فأنسوا بي، ولم أزل ~~أطلب غرة حتى مرض من حمى أصابته، فلم أزل أظهر له الجزع عليه وألازمه وألاطفه حتى ~~خلا لي البيت يوما، فوثبت عليه فأخذت بحلقه فما فارقته حتى مات، فخرجت وتركته فخرج ~~إليه أهله بعد ساعة فوجدوه ميتا وارتفعت الصيحة، فحضرت وتباكيت وأظهرت الجزع عليه ~~حتى دفن وما فطن لما فعلت أحد ولا اتهمني به. ~~(4) أبو دلامة # 58 # كان أول ما حفظ من شعره وأسنيت الجوائز له به، قصيدة مدح بها أبا جعفر ms639 المنصور ~~وذكر قتله أبا مسلم يقول فيها: # أبا مسلم # 59 # خوفتني القتل فانتحى # عليك بما خوفتني الأسد الورد # أبا مسلم ما غير الله نعمة # على عبده حتى يغيرها العبد # أنشدها المنصور في محفل من الناس فقال له: احتكم، فطلب عشرة آلاف درهم، فأمر له ~~بها، فلما خلا قال له: إيه، أما والله لو تعديتها لقتلتك. # أمر أبو جعفر أصحابه بلبس السواد وقلانس طوال تدعم بعيدان من داخلها، وأن يعلقوا ~~السيوف في المناطق ويكتبوا على ظهورهم: # فسيكفيكهم ~~الله وهو السميع العليم # فقال أبو دلامة: # وكنا نرجي من إمام زيادة # فجاد # 60 # بطول زاده في القلانس # تراها على هام الرجال كأنها # دنان يهود جللت بالبرانس # ودخل إلى المنصور مرة فأنشده: # إن الخليط أجد البين فانتجعوا # وزودوك خبالا، بئسما صنعوا # والله يعلم أن كادت لبينهم # يوم الفراق حصاة القلب تنصدع # عجبت من صبيتي يوما وأمهم # أم الدلامة لما هاجها الجزع # لا بارك الله فيها من منبهة # هبت تلوم عيالي بعد ما هجعوا # ونحن مشتبهو الألوان أوجهنا # سود قباح وفي أسمائنا شنع # إذا تشكت إلي الجوع قلت لها # ما هاج جوعك إلا الري والشبع # لا والذي يا أمير المؤمنين قضى # لك الخلافة في أسبابها الرفع # ما زلت أخلصها كسبي فتأكله # دوني ودون عيالي ثم تضطجع # شوهاء مشنأة في بطنها بجر # 61 # وفي المفاصل من أوصالها لها فدع # ذكرتها بكتاب الله حرمتنا # ولم تكن بكتاب الله تنتفع # فاخرنطمت # 62 # ثم قالت وهي مغضبة # أأنت تتلو كتاب الله يا لكع # اخرج لتبغ لنا مالا ومزرعة # كما لجيراننا مال ومزدرع # واخدع خليفتنا عنا بمسألة # إن الخليفة للسؤال ينخدع # فضحك أبو جعفر وكتب له بضيعة. # كان واقفا بين يدي السفاح فقال له: سلني حاجتك، قال: كلب أتصيد به، قال: أعطوه ~~إياه، قال: ودابة أتصيد عليها، قال: أعطوه دابة، قال: وغلام يصيد بالكلب ويقوده، ~~قال: أعطوه غلاما، قال: وجارية تصلح لنا الصيد وتطعمنا منه، قال: أعطوه جارية، ~~قال: هؤلاء يا أمير المؤمنين عبيدك، فلا بد لهم من دار يسكنونها، ms640 قال: أعطوهم دارا ~~تجمعهم، قال: فإن لم تكن لهم ضيعة فمن أين يعيشون؟ قال: قد أعطيتك مائة جريب عامرة، ~~ومائة جريب غامرة، قال: وما الغامرة؟ قال ما لا نبات فيه، فقال: قد أقطعتك يا أمير ~~المؤمنين خمسمائة ألف جريب غامرة من فيافي بني أسد، فضحك وقال: اجعلوها عامرة، قال: ~~فأذن لي أن أقبل يدك، قال: أما هذه فدعها، قال: والله ما منعت عيالي شيئا أقل ~~ضررا عليهم منها، قال الجاحظ: فانظر إلى حذقه بالمسألة ولطفه فيها، ابتدأ بكلب ~~فسهل القصة به وجعل يأتي بما يليه على ترتيب وفكاهة حتى نال ما لو سأله بديهة لما ~~وصل إليه. # قال علي بن سلام: كنت أسقي أبا دلامة والسندي إذ خرجت بنت لأبي دلامة، فقال فيها ~~أبو دلامة: # فما ولدتك مريم أم عيسى # ولا رباك لقمان الحكيم # أجز يا أبا عطاء، فقال: # ولكن قد تضمك أم سوء # إلى لباتها وأب لئيم # فضحك لذلك، ثم غدا أبو دلامة إلى المنصور فألفاه في الرحبة يصلح فيها شيئا ~~يريده، فأخبره بقصة ابنته وأنشده البيتين، ثم اندفع فأنشده بعدهما: # لو كان يقعد فوق الشمس من كرم # قوم لقيل اقعدوا يا آل عباس # ثم ارتقوا في شعاع الشمس كلكم # إلى السماء فأنتم أطهر الناس # وقدموا القائم المنصور رأسكم # فالعين والأنف والأذنان في الراس # فاستحسنها وقال: بأي شيء تحب أن أعينك على قبح ابنتك هذه؟ فأخرج خريطة كان قد ~~خاطها من الليل، فقال: تملأ لي هذه دراهم، فملئت فوسعت أربعة آلاف درهم. # لما توفي أبو العباس السفاح دخل أبو دلامة على المنصور والناس عنده يعزونه، فأنشأ ~~أبو دلامة يقول: # أمسيت بالأنبار يابن محمد # لم تستطع عن عقرها تحويلا # ويلي عليك وويل أهلي كلهم # ويلا وعولا في الحياة طويلا # فلتبكين لك النساء بعبرة # وليبكين لك الرجال عويلا # مات الندى إذ مت يابن محمد # فجعلته لك في التراب عديلا # إني سألت الناس بعدك كلهم # فوجدت أسمح من سألت بخيلا # ألشقوتي أخرت بعدك للتي # تدع العزيز من الرجال ذليلا # فلأحلفن يمين حق ms641 برة # بالله ما أعطيت بعدك سولا # فأبكى الناس قوله، فغضب المنصور غضبا شديدا وقال: لئن سمعتك تنشد هذه القصيدة ~~لأقطعن لسانك، فقال: يا أمير المؤمنين، إن أبا العباس أمير المؤمنين كان لي مكرما، ~~وهو الذي جاء بي من البدو كما جاء الله بإخوة يوسف إليه، فقل كما قال يوسف لإخوته: # لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله ~~لكم وهو أرحم الراحمين # فسري عن المنصور وقال: قد أقلناك ~~يا أبا دلامة، فسل حاجتك، فقال: يا أمير المؤمنين، قد كان أبو العباس أمر لي بعشرة ~~آلاف درهم وخمسين ثوبا وهو مريض، ولم أقبضها. فقال المنصور: ومن يعرف هذا؟ فقال: ~~هؤلاء، وأشار إلى جماعة ممن حضر، فوثب سليمان بن خالد وأبو الجهم فقالا: صدق أبو ~~دلامة نحن نعلم ذلك، فقال المنصور لأبي الخازن وهو مغيظ: يا سليمان، ادفعها إليه ~~وسيره إلى هذا الطاغية «يعني عبد الله بن علي» وقد كان خرج بناحية الشام وأظهر ~~الخلاف، فوثب أبو دلامة فقال: يا أمير المؤمنين إني أعيذك بالله أن أخرج معهم، ~~فوالله إني لمشئوم، فقال المنصور: امض، فإن يمني يغلب شؤمك فاخرج، فقال: والله يا ~~أمير المؤمنين ما أحب لك أن تجرب ذلك مني على مثل هذا العسكر، فإني لا أدري أيهما ~~يغلب، أيمنك أم شؤمي، إلا أني بنفسي أوثق وأعرف وأطول تجربة، قال: دعني من هذا فما ~~لك من الخروج بد، فقال: إني أصدقك الآن، شهدت والله تسعة عشر عسكرا كلها هزمت وكنت ~~سببها، فإن شئت الآن على بصيرة أن يكون عسكرك العشرين فافعل، فاستغرب أبو جعفر ~~ضحكا وأمره أن يتخلف مع عيسى بن موسى بالكوفة. # قال أبو دلامة: أتى بي المنصور أو المهدي وأن سكران، فحلف ليخرجني في بعث حرب، ~~فأخرجني مع روح بن حاتم الهلبي لقتال الشراة، فلما التقى الجمعان قلت لروح: أما ~~والله لو أن تحتي فرسك ومعي سلاحك لأثرت في عدوك اليوم أثرا ترتضيه، فضحك وقال: ~~والله العظيم لأدفعن ذلك إليك ولآخذنك بالوفاء بشرطك، ونزل عن فرسه ونزع سلاحه ~~ودفعهما إلي ودعا ms642 بغيرهما فاستبدل بهما، فلما حصل ذلك في يدي وزالت عني حلاوة الطمع ~~قلت له: أيها الأمير هذا مقام العائذ بك، وقد قلت أبياتا فاسمعها، قال: هات، ~~فأنشدته: # إني استجرتك أن أقدم في الوغى # لتطاعن وتنازل وحراب # 63 # فهب السيوف رأيتها مشهورة # فتركتها ومضيت في الهراب # ماذا تقول لما يجئ وما يرى # من واردات الموت في النشاب # فقال: دع عنك هذا وستعلم، وبرز رجل من الخوارج يدعو للمبارزة: فقال: اخرج إليه يا ~~أبا دلامة، فقلت: أنشدك الله أيها الأمير في دمي، قال: والله لتخرجن، فقلت: أيها ~~الأمير فإنه أول يوم من أيام الآخرة وآخر يوم من أيام الدنيا وأنا والله جائع ما ~~شبعت مني جارحة من الجوع، فمر لي بشيء آكله ثم أخرج، فأمر لي برغيفين ودجاجة، فأخذت ~~ذلك وبرزت عن الصف، فلما رآني الشاري أقبل نحوي وعليه فرو قد أصابه المطر فابتل ~~وأصابته الشمس فانفعل # 64 # وعيناه تقدان، فأسرع لي، فقلت له: على رسلك يا هذا، كما أنت، فوقف، ~~فقلت: أتقتل من لا يقاتلك؟ قال: لا، قلت: أتقتل رجلا على دينك؟ قال: لا، قلت: ~~أفتستحل ذلك قبل أن تدعو من تقاتله إلى دينك؟ قال: لا، فاذهب عني إلى لعنة الله، ~~قلت: لا أفعل أو تسمع مني، قال: قل، قلت: هل كانت بيننا قط عدواة أو ترة أو تعرفني ~~بحال تحفظك علي أو تعلم بيني وبين أهلك وترا، قال: لا والله، قلت: ولا أنا والله ~~أضمر لك إلا جميل الرأي، وإني لأهواك وأنتحل مذهبك، وأدين دينك، وأريد السوء لمن ~~أراده لك، قال: يا هذا جزاك الله خيرا فانصرف، قلت: إن معي زادا أحب أن آكله معك ~~وأحب مواكلتك لتتأكد المودة بيننا ويرى أهل العسكر هوانهم علينا، قال: فافعل، ~~فتقدمت إليه حتى اختلفت أعناق دوابنا، وجمعنا أرجلنا على معارفها والناس قد غلبوا ~~ضحكا، فلما استوفينا ودعني، ثم قلت له: إن هذا الجاهل إن أقمت على طلب المبارزة ~~ندبني إليك فتتعبني وتتعب نفسك، فإن رأيت ألا تبرز اليوم فافعل، قال: قد فعلت، ثم ms643 ~~انصرف وانصرفت فقلت لروح: أما أنا فقد كفيتك قرني، فقل لغيري أن يكفيك قرنه كما ~~كفيتك، فأمسك، وخرج آخر يدعو إلى البراز، فقال لي: اخرج إليه، فقلت: # إني أعوذ بروح أن يقدمني # إلى البراز فتخزى بي بنو أسد # إن البراز إلى الأقران أعلمه # مما يفرق بين الروح والجسد # قد حالفتك المنايا إن صمدت لها # وأصبحت لجميع الخلق بالرصد # إن المهلب حب الموت أورثكم # وما ورثت اختيار الموت عن أحد # لو أن لي مهجة أخرى لجدت بها # لكنها خلقت فردا فلم أجد # فضحك وأعفاني. # قال أبو أيوب المورياني لأبي جعفر وكان يشنأ أبا دلامة: إن أبا دلامة معتكف على ~~الخمر، فما يحضر صلاة ولا مسجدا وقد أفسد فتيان العسكر، فلو أمرته بالصلاة معك ~~لأجرت فيه وفي غيره من فتيان عسكرك بقطعه عنهم، فلما دخل عليه أبو دلامة قال له: ما ~~هذا المجون الذي يبلغني عنك؟ فقال: يا أمير المؤمنين ما أنا والمجون وقد شارفت باب ~~قبري! قال: دعني من استكانتك وتضرعك، وإياك أن تفوتك الظهر والعصر في مسجدي، فلئن ~~فاتتاك لأحسنن أدبك ولأطيلن حبسك، فوقع في شر ولزم المسجد أياما، ثم كتب قصة ~~ودفعها إلى المهدي فأوصلها إلى أبيه وكان فيها: # ألم تعلما أن الخيلفة لزني # 65 # بمسجده والقصر، مالي وللقصر # أصلي به الأولى جميعا وعصرها # فويلي من الأولى وويلي من العصر # أصليهما بالكره في غير مسجدي # فمالي في الأولى ولا العصر من أجر # لقد كان في قومي مساجد جمة # ولم ينشرح يوما لغشيانها صدري # يكلفني من بعد ما شبت خطة # يحط بها عني الثقيل من الوزر # وما ضره والله يغفر ذنبه # لو ان ذنوب العالمين على ظهري # فقال: صدق، ما يضرني ذلك، والله لا يصلي هذا أبدا، فدعوه يعمل ما يشاء. # وقال الهيثم في خبره: قد أعفيناك من هذا الحال، ولكن على ألا تدع القيام معنا في ~~ليالي شهر رمضان فقد أظل، فقال: أفعل، قال: فإنك إن تأخرت لشرب الخمر علمت ذلك ~~والله لئن فعلت لأحدنك، فقال أبو دلامة: البلية ms644 في شهر أخف منها في طول الدهر، ~~سمعا وطاعة، فلما حضر شهر رمضان لزم المسجد، وكان المهدي يبعث إليه في كل ليلة ~~حرسيا يجيء به، فشق ذلك عليه وفزع إلى الخيزران وإلى أبي عبيد الله وكل من يلوذ ~~بالمهدي ليشفعوا له في الإعفاء من القيام، فلم يجبهم، فقال له أبو عبيد الله: الدال ~~على الخير كفاعله، فكيف شكرك؟ قال: أتم شكر، قال: عليك بريطة فإنه لا يخالفها، قال: ~~صدقت، ثم رفع إليها رقعة يقول فيها: # أبلغا ريطة أني # كنت عبدا لأبيها # فمضى يرحمه الل # ه وأوصى بي إليها # وأراها نسيتني # مثل نسيان أخيها # جاء شهر الصوم يمشي # مشية ما أشتهيها # قائدا لي ليلة القد # ر كأني أبتغيها # تنطح القبلة شهرا # جبهتي لا تأتليها # ولقد عشت زمانا # في فيافي وجيها # في ليال من شتاء # كنت شيخا أصطليها # قاعدا أوقد نارا # لضباب أشتويها # وصبوح وغبوق # في علاب أحتسيها # ما أبالي ليلة القد # ر ولا تسمعنيها # فاطلبي لي فرجا من # ها وأجري لك فيها # فلما قرأت الرقعة ضحكت وأرسلت إليه: اصطبر حتى مضي ليلة القدر، فكتب إليها: إني ~~لم أسألك أن تكلميه في إعفائي عاما قابلا ، وإذا مضت ليلة القدر فقد فني الشهر، ~~وكتب تحتها أبياتا: # خافي إلهك في نفس قد احتضرت # قامت قيامتها بين المصلينا # ما ليلة القدر من همي فأطلبها # إني أخاف المنايا قبل عشرينا # يا ليلة القدر قد كسرت أرجلنا # يا ليلة القدر حقا ما تمنينا # لا بارك الله في خير أؤمله # في ليلة بعد ما قمنا ثلاثينا # فلما قرأت الرقعة ضحكت ودخلت إلى المهدي فشفعت له إليه وأنشدته الأبيات، فضحك حتى ~~استلقى ودعا به وريطة معه في الحجلة، فدخل، فأخرج رأسه إليه وقال: قد شفعنا ريطة ~~فيك وأمرنا لك بسبعة آلاف درهم، فقال: أما شفاعة سيدتي في حتى أعفيتني فأعفاها الله ~~من من النار، وأما السبعة الآلاف فما أعجبني ما فعلته إما أن تتمها بثلاثة آلاف ~~فتصير عشرة أو تنقصني منها ألفين فتصير خمسة آلاف، فإني لا أحسن حساب ms645 السبعة، فقال: ~~قد جعلتها خمسة، فقال: أعيذك بالله أن تختار أدنى الحالين وأنت أنت، فعبث به المهدي ~~ساعة، ثم تكلمت فيه ريطة، فأتمها له عشرة آلاف درهم. # شرب أبو دلامة في بعض الحانات فسكر وانصرف وهو يميل، فلقيه العسس، فأخذوه وقالوا ~~له: من أنت، وما دينك؟ فقال: # ديني على دين بني العباس # ما ختم الطين على القرطاس # إني اصطحبت أربعا بالكاس # فقد أدار شربها براسي # فهل بما قلت لكم من باس # فأخذوه ومضوا وخرقوا ثيابه وساجه، # 66 # وأتى به أبو جعفر، وكان يؤتى بكل ما أخذه العسس، فحبسه مع الدجاج في ~~بيت، فلما أفاق جعل ينادي غلامه مرة وجاريته مرة، فلم يجبه أحد، وبينما هو في ذلك ~~إذ سمع صوت الدجاج وزقاء الديوك، فلما أكثر قال له السجان: ما شأنك؟ قال: ويلك من ~~أنت؟ وأين أنا؟ قال: في الحبس وأنا فلان السجان، قال: من حبسني؟ قال: أمير المؤمنين، قال: ومن خرق طيلساني؟ قال: الحرس، ~~فطلب منه أن يأتيه بدواة وقرطاس، ففعل، فكتب إلى أبي جعفر: # أمير المؤمنين فدتك نفسي # علام حبستني وخرقت ساجي # أمن صفراء صافية المزاج # كأن شعاعها لهب السراج # وقد طبخت بنار الله حتى # لقد صارت من النطف النضاج # تهش لها القلوب وتشتهيها # إذا برزت ترقرق في الزجاج # أقاد إلى السجون بغير جرم # كأني بعض عمال الخراج # ولو معهم حبست لكان سهلا # ولكني حبست مع الدجاج # فدعا به وقال: أين حبست يا أبا دلامة؟ قال: مع الدجاج، قال: فما كنت تصنع؟ قال: ~~أقوق معهن حتى أصبحت، فضحك وخلى سبيله وأمر له بجائزة، فلما خرج قال له الربيع: إنه ~~شرب الخمر يا أمير المؤمنين، أما سمعت قوله: وقد طبخت بنار الله، يعني الشمس؟ فأمر ~~برده، ثم قال: يا خبيث، شربت الخمر؟ قال: لا، قال: أفلم تقل طبخت بنار الله تعني ~~الشمس؟ قال: لا والله ما عنيت إلا نار الله الموقدة التي تطلع على فؤاد الربيع، ~~فضحك وقال: خذها يا ربيع ولا تعاود. # صام الناس في سنة شديدة الحر على ms646 عهد المهدي، وكان أبو دلامة يتنجز جائزة أمر له ~~المهدي بها، فكتب إليه أبو دلامة رقعة يشكو فيها أذى الحر والصوم، وهي: # أدعوك بالرحم التي قد جمعت # في القرب بين قريبنا والأبعد # إلا سمعت وأنت أكرم من مشى # من منشد يرجو جزاء المنشد # جاء الصيام فصمته متعبدا # أرجو رجاء الصائم المتعبد # ولقيت من أمر الصيام وحره # أمرين قيسا بالعذاب المؤصد # وسجدت حتى جبهتي مشجوجة # مما يناطحني الحصا في المسجد # فامنن بتسريحي بمطلك بالذي # أسلفتنيه من البلاء المرصد # فلما قرأ المهدي رقعته غضب وقال: أي قرابة بيني وبينك؟ قال: رحم آدم وحواء، ~~أنسيتهما يا أمير المؤمنين! فضحك وقال: لا والله ما نسيتهما، وأمر بتعجيل ما أجازه ~~به وزاد فيه، وأنشده أيضا في ذم الصوم: # هل في البلاد لرزق الله مفترش # أم لا ففي جلده من خشنة برش # 67 # أضحى الصيام منيخا وسط عرصتنا # ليت الصيام بأرض دونها جرش # إن صمت أوجعني بطني وأقلقني # بين الجوانح مس الجوع والعطش # وإن خرجت بليل نحو مسجدهم # اضرني بصر قد خانه العمش # دخل أبو دلامة على سعيد بن دعلج مولى بني تميم فقال: # إذا جئت الأمير فقال سلام # عليك ورحمة الله الرحيم # وأما بعد ذاك فلي غريم # من الأعراب قبح من غريم # غريم لازم بفناء بيتي # لزوم الكلب أصحاب الرقيم # له مائة علي ونصف أخرى # ونصف النصف في صك قديم # دراهم ما انتفعت بها ولكن # وصلت بها شيوخ بني تميم # أتوني بالعشيرة يسألوني # ولم أك في العشيرة باللئيم # فأمر له بمائتين وخمسة وسبعين درهما وقال: ما أساء من أنصف، وقد كافأتك عن قومك ~~وزدتك مائة. # دخل أبو دلامة على المهدي فأنشده قصيدته في بغلته المشهورة: # أتاني، بغلة يستام مني، # عريق في الخسارة والضلال # فقال تبيعها قلت ارتبطها # بحكمك إن بيعي غير غال # فأقبل ضاحكا نحوي سرورا # وقال أراك سمحا ذا جمال # هلم إلي يخلو بي خداعا # وما يدري الشقي لمن يخالي # فقلت بأربعين، فقال أحسن # إلي فإن مثلك ذو سجال # فأترك خمسة منها لعلمي # بما ms647 فيه يصير من الخبال # فقال المهدي: لقد أفلت من بلاء عظيم، قال: والله يا أمير المؤمنين لقد مكثت شهرا ~~أتوقع صاحبها أن يردها، ثم أنشده: # فأبدلني بها يا رب طرفا # يكون جمال مركبه جمالي # فقال لصاحب دوابه: خيره من الإصطبل بين مركبين، قال: يا أمير المؤمنين إن كان ~~الاختيار لي وقعت في شر من البغلة، ولكن مره أن يختار لي، فاختار له. # خاصم رجل أبا دلامة في داره فارتفعا إلى عافية القاضي، فأنشأ أبو دلامة ~~يقول: # لقد خاصمتني دهاة الرجال # وخاصمتها سنة وافيه # فما أدحض الله لي حجة # ولا خيب الله لي قافيه # ومن خفت من جوره في القضاء # فلست أخافك يا عافيه # فقال له عافية: والله لأشكونك إلى أمير المؤمنين، ولأعلمنه أنك هجوتني، قال: إذن ~~يعزلك، قال: ولمه؟ قال: لأنك لا تعرف المديح من الهجاء، فبلغ ذلك المنصور فضحك وأمر ~~لأبي دلامة بجائزة. # دخل أبو دلامة على المهدي وعنده إسماعيل بن محمد وعيسى بن موسى والعباس ابن محمد ~~ومحمد بن محمد بن إبراهيم الإمام وجماعة من بني هاشم فقال له: أنا أعطي الله عهدا ~~لئن لم تهج واحدا ممن في البيت لأقطعن لسانك، فنظر إليه القوم، فكلما نظر إلى واحد ~~منهم غمزه بأن عليه رضاه، قال أبو دلامة: فعلمت أني قد وقعت وأنها عزمة من عزماته ~~لا بد منها؛ فلم أر أحدا أحق بالجهاء مني، ولا أدعى إلى السلامة من هجاء نفسي؛ ~~فقلت: # ألا أبلغ لديك أبا دلامه # فليس من الكرام ولا كرامه # إذا لبس العمامة كان قردا # وخنزيرا إذا نزع العمامه # جمعت دمامة وجمعت لؤما # كذاك اللؤم تتبعه الدمامه # فإن تك قد أصبت نعيم دنيا # فلا تفرح فقد دنت القيامه # فضحك القوم ولم يبق منهم أحد إلا أجازه. # خرج المهدي وعلي بن سليمان إلى الصيد، فسنح لهما قطيع من الظباء، فأرسلت الكلاب ~~وأجريت الخيل، فرمى المهدي ظبيا بسهم فصرعه، ورمى علي بن سليمان، فأصاب بعض الكلاب ~~فقتله، فقال أبو دلامة: # قد رمى المهدي ظبيا # شك بالسهم فؤاده # وعلي ms648 بن سليما # ن رمى كلبا فصاده # فهنيئا لهما كل # امرئ يأكل زاده # فضحك المهدي حتى كاد يسقط عن سرجه وقال: صدق والله أبو دلامة؛ وأمر له بجائزة ~~سنية، فلقب علي بن سليمان صائد الكلب، وعلق به. # أنشد أبو دلامة المنصور يوما: # هاتيك والدتي عجوز همة # 68 # مثل البلية درعها في المشجب # 69 # مهزولة اللحيين من يرها يقل # أبصرت غولا أو خيال القطرب # 70 # ما إن تركت لها ولا لابن لها # مالا يؤمل غير بكر أجرب # ودجائجا خمسا يرحن إليهم # لما يبضن وغير عنز مغرب # 71 # كتبوا إلي صحيفة مطبوعة # جعلوا عليها طينة كالعقرب # فعلمت أن الشر عند فكاكها # ففككتها عن مثل ريح الجورب # وإذا شبيه بالأفاعي رقشت # يوعدنني بتلمظ وتثؤب # يشكون أن الجوع أهلك بعضهم # لزبا فهل لك في عيال لزب # لا يسألونك غير طل سحابة # تغشاهم من سيلك المتحلب # يا باذل الخيرات يابن بذولها # وابن الكرام وكل قرم منجب # أنتم بنو العباس يعلم أنكم # قدما فوارس كل يوم أشهب # أحلاس # 72 # خيل الله وهي مغيرة # يخرجن من خلل الغبار الأكهب # فأمر له بدار يسكنها وكسوة ودراهم، وكانت الدار قريبة من قصره، فأمر أن تزاد في ~~قصره بعد ذلك لحاجة دعته إليها، فدخل عليه أبو دلامة فأنشده قوله: # يابن عم النبي دعوة شيخ # قد دنا هدم داره ودماره # فهو كالماخض التي اعتادها الطل # ق فقرت وما يقر قراره # إن تحز عسرة بكفيك يوما # فبكفيك عسره ويساره # أو تدعه فللبوار وأنى # ولماذا وأنت حي بواره # هل يخاف الهلاك شاعر قوم # قدمت في مديحهم أشعاره # لكم الأرض كلها فأعيروا # شيخكم ما احتوى عليه جداره # فكأن قد مضى وخلف فيكم # ما أعرتم وأقفرت منه داره # فاستعبر المنصور وأمر بتعويضه دارا خيرا منها ووصله. # دخل على المهدي يوما وعنده محرز ومقاتل ابنا ذؤال يعاتبانه على تقريبه أبا دلامة ~~ويعيبانه عنده فقال: # ألا أيها المهدي هل أنت مخبري # وإن أنت لم تفعل فهل أنت سائلي # ألم ترحم اللحيين من لحيتيهما # وكلتاهما في طولها غير طائل ms649 # وإن أنت تفعل فهل أنت مكرمي # بحلقهما من محرز ومقاتل # فإن يأذن المهدي لي فيهما أقل # مقالا كوقع السيف بين المقاتل # وإلا تدعني والهموم تنوبني # وقلبي من العلجين جم البلابل # فقال: أو آخذ لك منهما عشرة آلاف درهم يفديان بهما أعراضهما منك، قال: ذلك إلى ~~أمير المؤمنين، فأخذها له منهما وأمسك عنهما. # دخل على أم عبيدة حاضنة موسى وهارون، فدفع إليها رقعة قد كتبها إلى الخيزران ~~فيها: # أبلغي سيدتي بالل # ه يا أم عبيده # أنها أرشدها الل # ه وإن كانت رشيده # وعدتني قبل أن تخ # رج للحج وليده # فتأنيت وأرسل # ت بعشرين قصيده # كلما أخلقن أخلف # ت لها أخرى جديده # ليس في بيتي لتمهي # د فراشي من قعيده # غير عجفاء عجوز # ساقها مثل القديده # وجهها أقبح من حو # ت طري في عصيده # ما حياة مع أنثى # مثل عرسي بسعيده # فلما قرئت عليها الأبيات ضحكت واستعادتها منه لقوله: «حوت طري في عصيدة» وجعلت ~~تضحك ووهبت له جارية. # دخل يوما على المهدي فحادثه ساعة وهو يضحك وقال له: هل بقي أحد من أهلي لم يصلك؟ ~~قال: إن أمنتني أخبرتك وإن أعفيتني فهو أحب إلي، قال: بل تخبرني وأنت آمن، قال: ~~كلهم قد وصلني إلا حاتم بني العباس، قال: ومن هو؟ قال: عمك العباس بن محمد، فالتفت ~~إلى خادم على رأسه وقال: جأ عنقه، فلما دنا منه صاح به أبو دلامة: تنح يا عبد السوء ~~لا تحنث مولاك وتنكثه عهده وأمانه، فضحك المهدي وأمر الخادم فتنحى عنه، ثم قال لأبي ~~دلامة: ويلك! والله عمي أخبل الناس، فقال أبو دلامة: بل هو أسخى الناس، فقال له ~~المهدي: والله لو مت ما أعطاك شيئا، قال: فإن أنا أتيته فأجازني؟ قال: لك بكل درهم ~~تأخذه منه ثلاثة دراهم، فانصرف أبو دلامة فحبر للعباس قصيدة، ثم غدا بها عليه ~~وأنشده: # قف بالديار وأي الدهر لم تقف # على المنازل بين الظهر والنجف # وما وقوفك في أطلال منزلة # لولا الذي استدرجت من قلبك الكلف # إن كنت أصبحت مشغوفا بساكنها ms650 # فلا وربك لا تشفيك من شغف # دع ذا وقل في الذي قد فاز من مضر # بالمكرمات وعز غير مقترف # هذي رسالة شيخ من بني أسد # يهدي السلام إلى العباس في الصحف # تخطها من جواري المصر كاتبة # قد طالما ضربت في اللام والألف # وطالما اختلفت صيفا وشاتية # إلى معلمها باللوح والكتف # 73 # حتى إذا نهد الثديان وامتلآ # منها وخيفت على الإسراف والقرف # صينت ثلاث سنين ما ترى أحدا # كما يصون تجار درة الصدف # فبينما الشيخ يهوي نحو مجلسه # مبادرا لصلاة الصبح بالسدف # 74 # حانت له لمحة منها فأبصرها # مطلة بين سجفيها من الغرف # فخر والله ما يدري غداتئذ # أخر منكشفا أم غير منكشف # وجاءه الناس أفواجا بمائهم # ليغسلوا الرجل المغشي بالنطف # ووسوسوا بقران في مسامعه # فخافه الجن والإنسان لم يخف # شيئا ولكنه من حب جارية # أمسى وأصبح موقوفا على التلف # قالوا لك الويل ما أبصرت قلت لهم # تطلعت من أعالي القصر ذي الشرف # فقلت أيكم والله يأجره # يعين قوته فيها على ضعف # فقام شيخ بهي من رجالهم # قد طالما خدع الأقوام بالحلف # فابتاعها لي بألفي درهم فأتى # بها إلي فألقاها على كتفي # فبين ذاك كذا إذ جاء صاحبها # يبغي الدراهم بالميزان ذي الكفف # وذكر حق على زند وصاحبه # والحق في طرف والطين في طرف # وبين ذاك شهود لا يضرهم # أكنت معترفا أم غير معترف # فإن يكن منك شيء فهو حقهم # أو لا فإني مدفعوع إلى التلف # فضحك العباس وقال: ويحك! أصادق أنت؟ قال: نعم والله، قال: يا غلام ادفع إليه ألفي ~~درهم ثمنها، فأخذها ثم دخل على المهدي فأخبره القصة وما احتال له، فأمر له المهدي ~~بستة آلاف درهم، وقال له المهدي: كيف لا يضرهم ذلك؟ قال: لأني معدم لا شيء ~~عندي. # دخل على إسحاق الأزرق يعوده، وكان إسحاق قد مرض مرضا شديدا ثم تعافى منه وأفاق، ~~فكان من ذلك ضعيفا وعند إسحاق طبيب يصف له أدوية تقوي بدنه، فقال أبو دلامة ~~للطبيب: أتصف هذه الأدوية لرجل أضعفه المرض؟ ما أردت ms651 والله إلا قتله، ثم التفت إلى ~~إسحاق فقال: اسمع أيها الأمير مني، قال: هات ما عندك يا أبا دلامة، فأنشأ ~~يقول: # نح عنك الطبيب واسمع لنعتي # إنني ناصح من النصاح # ذو تجاريب قد تقلبت في الصح # ة دهرا وفي السقام المتاح # غاد هذا الكباب كل صباح # من متون الفتية السحاح # فإذا ما عطشت فاشرب ثلاثا # من عتيق في الشم كالتفاح # ثم عند المساء فاعكف على ذا # وعلى ذا بأعظم الأقداح # فتقوي ذا الضعف منك وتلقى # عن ليال أصح هذي الصحاح # فضحك إسحاق وعواده وأمر لأبي دلامة بخمسمائة درهم، وكان الطبيب نصرانيا فقال: ~~أعوذ بالله من شرك يا ركل «يريد يا رجل»، وقال الطبيب: اقبل مني أصلحك الله ولا ~~تسألني عن شيء قدامه، فقال أبو دلامة: أما وقد أخذت أجرة صفقتي وقضيت الحق في نصح ~~صديقي فانعت له الآن أنت ما أحببت. # دخل على المهدي وبين يديه سلمة الوصيف واقفا، فقال: إني أهديت إليك يا أمير ~~المؤمنين مهرا ليس لأحد مثله، فإن رأيت أن تشرفني بقبوله، فأمر بإدخاله إليه، ~~فخرج وأدخل إليه دابته التي كانت تحته، فإذا برذون محطم أعجف هرم، فقال له المهدي: ~~أي شيء هذا؟ ألم تزعم أنه مهر؟ قال له : أوليس هذا سلمة الوصيف بين يديك قائما، ~~تسميه الوصيف وله ثمانون سنة، وهو عندك وصيف؟ فإذا كان سلمة وصيفا فهذا مهر، فجعل ~~سلمة يشتمه والمهدي يضحك، ثم قال المهدي لسلمة: ويلك! إن لهذه منه أخوات، وإن أتى ~~بها في محفل فضحك، فقال أبو دلامة: والله لأفضحنه يا أمير المؤمنين، فليس من مواليك ~~أحد إلا وقد وصلني غيره، فإني ما شربت له الماء قط، قال: فقد حكمت عليه أن يشتري ~~نفسه منك بألف درهم حتى يتخلص من يدك، قال: قد فعلت على ألا يعاود، فقال له: ما ~~ترى؟ قال: أفعل، فلولا أني ما أخذت منه شيئا قط ما فعلت معه مثل هذه، فمضى سلمة ~~فحملها إليه. ~~(5) أبان بن عبد الحميد اللاحقي # 75 # ذكرنا في المجلد الأول أن أبان كان ms652 صديقا للبرامكة متصلا بهم أشد اتصال، ~~يستشيرونه ويعتمدون عليه في تدبير أمورهم، جدها وهزلها، صعبها وهينها. وكانوا قد ~~اتخذوه أديبهم الرسمي، وبالغوا في ذلك حتى جعلوا إليه امتحان الشعراء وتقدير ما ~~يستحقون من الجوائز والصلات. فغضب الشعراء لذلك؛ وكان أشدهم غضبا أبو نواس الذي ~~كان يكره البرامكة كرها شديدا، وكانت بينه وبين أبان مهاجاة ذكرها صاحب ~~الأغاني. # وكان أبان صديقا للمعذل بن غيلان، وكانا مع صداقتهما يتعابثان بالهجاء، فيهجوه ~~المعذل بالكفر وينسبه إلى الشؤم. ويهجوه أبان وينسبه إلى الفساء الذي تهجى به عبد ~~القيس وبالقصر، وكان المعذل قصيرا. فسعى في الإصلاح بينهما أبو عيينة المهلبي، ~~فقال له أخوه عبد الله وهو أسن منه: يا أخي إن في هذين شرا كثيرا ولا بد من أن ~~يخرجاه، فدعهما ليكون شرهما بينهما وإلا فرقاه على الناس. # ومن قوله يهجو أبا النضير: # إذا قامت بواكيك # وقد هتكن أستارك # أيثنين على قبر # ك أم يلعن أحجارك # وما تترك في الدنيا # إذا زرت غدا نارك # ترى في سقر المثوى # وإبليس غدا جارك # بلى تترك باكيك # ودنياك وأوتارك # وخمسا من بنات اللي # ل قد ألبسن أطمارك # تعالى الله ما أقب # ح إذ وليت أدبارك # خرج أبان من البصرة طالبا للاتصال بالبرامكة، وكان الفضل بن يحيى غائبا فقصده، ~~فأقام ببابه مدة مديدة لا يصل إليه، فتوسل إلى من وصل له شعرا إليه؛ وقال ~~له: # يا عزيز الندى ويا جوهر الجو # هر من آل هاشم بالبطاح # إن ظني، وليس يحلف ظني # بك في حاجتي سبيل النجاح # إن من دونها لمصمت باب # أنت من دون قفله مفتاحي # تاقت النفس يا خليل السماح # نحو بحر الندى مجاري الرياح # ثم فكرت كيف لي واستخرت # لله عند الإمساء والإصباح # وامتدحت الأمير أصلحه # لله بشعر مشهر الأوضاح # فقال: هات مديحك؛ فأعطاه شعرا في هذا الوزن وقافيته، ترى فيه أن الرجل معجب ~~بنفسه، مدل بعلمه وأدبه، تياه لا حد لتيهه وغروره: # أنا من بغية الأمير وكنز # من كنوز الأمير ذو أرباح # كاتب حاسب خطيب أديب ms653 # ناصح زائد على النصاح # شاعر مفلق أخف من الري # شة مما يكون عند الجناح # وهي طويلة ذكرناها في المجلد الأول. # وكان أبان شديد الحرص على المال يضحي في سبيله بأشياء كثيرة، منها العقيدة ~~والرأي. وكان يحسد مروان بن أبي حفصة لمكانه من الرشيد ولظفره بالصلات الضخمة ~~والجوائز السنية؛ فقد انتهى الأمر ببني العباس مع مروان بن أبي حفصة إلى أن كانوا ~~يمنحونه بالبيت ألف درهم، فغاظ ذلك أبان وأراد أن يصيب من أموال الرشيد ما كان يصيب ~~مروان، فعاتب أبان البرامكة على تركهم إيصاله للرشيد وإيصال مديحه إليه؛ فقالوا له: ~~ما تريد من ذلك؟ فقال: أريد أن أحظى منه بمثل ما يحظى به مروان بن أبي حفصة، ~~فقالوا: إن لذلك مذهبا في هجاء آل أبي طالب وذمهم، به يحظى وعليه يعطى، فاسلكه حتى ~~تفعل؛ قال: لا أستحل ذلك؛ قالوا: فما تصنع، لا يجيء طلب الدنيا إلا بما لا يحل! ~~فقال أبان: # نشدت بحق الله من كان مسلما # أعم بما قد قلته العجم والعرب # أعم رسول الله أقرب زلفة # لديه أم ابن العم في رتبة النسب # وأيهما أولى به وبعهده # ومن ذا له حق التراث بما وجب # فإن كان عباس أحق بتلكم # وكان علي بعد ذاك على سبب # فأبناء عباس هم يرثونه # كما العم لابن العم في الإرث قد حجب # وهي طويلة. # فقال الفضل: ما يرد على أمير المؤمنين اليوم شيء أعجب من أبياتك. فركب فأنشدها ~~الرشيد، فأمر لأبان بعشرين ألف درهم. ثم اتصل مدحه للرشيد بعد ذلك وخص به. # وكان أبان هجاء قبيح اللسان، وكان مع هذا شريرا قاسيا يؤثر الشر ويجد فيه لذة. ~~وقد روى له أبو الفرج قصة تمثل نصيبه من القسوة وحب الشر، كما أنها تعطينا صورة من ~~شعره ومن الحياة في عصره. قالوا: كان يقيم بالقرب من أبان رجل ثقفي يقال له: محمد ~~بن خالد، وكان عدوا لأبان، فتزوج محمد هذا ثقفية معروفة هي عمارة بنت عبد الوهاب، ~~وكانت عمارة غنية موفورة الثروة، فاغتاظ أبان لهذا ms654 الزواج، وقال هذه القصيدة التي ~~بلغت عمارة فأفسدت زواجها: # لما رأيت البز والشاره # والفرش قد ضاقت به الحاره # واللوز والسكر يرمي به # من فوق ذي الدار وذي الداره # وأحضروا الملهين لم يتركوا # طبلا ولا صاحب زماره # قلت: لماذا قيل: أعجوبة # محمد زوج عماره # ماذا رأت فيه وماذا رجت # وهي من النسوان مختاره # أسود كالسفود ينسى لدى التن # ور بل محراك قياره # 76 # يجري على أولاده خمسة # أرغفة كالريش طيارة # وأهله في الأرض من خوفه # إن أفرطوا في الأكل سياره # ويحك فري واعصبي ذا به # فهذه أختك فراره # إذا غفا بالليل فاستيقظي # ثم اطفري # 77 # إنك طفاره # فصعدت نائلة سلما # تخاف أن تصعده الفاره ~~«سرور» غرتها فلا أفلحت # فإنها اللخناء غراره # لو نلت ما أبعدت من ريقها # إن لها نفثة سحاره # فلما بلغت هذه القصيدة عمارة هربت، فحرم من جهتها مالا عظيما. والثلاثة الأبيات ~~الأخيرة التي أولها: # فصعدت نائلة سلما # زادها في القصيدة بعد أن هربت. # جلس أبان ليلة في قوم فثلب أبا عبيدة فقال: يقدح في الأنساب ولا نسب له. فبلغ ذلك ~~أبا عبيدة فقال في مجلسه: لقد أغفل السلطان كل شيء حين أغفل أخذ الجزية من أبان ~~اللاحقي، وهو وأهله يهود، وهذه منازلهم فيها أسفار التوراة وليس فيها مصحف، وأوضح ~~الدلالة على يهوديتهم أن أكثرهم يدعي حفظ التوراة ولا يحفظ من القرآن ما يصلي به. ~~فبلغ ذلك أبان فقال: # لا تنمن عن صديق حديثا # واستعذ من تسرر النمام # واخفض الصوت إن نطقت بليل # والتفت بالنهار قبل الكلام # قال عيسى بن إسماعيل: كنا في مجلس أبي زيد الأنصاري فذكروا أبان بن عبد الحميد، ~~فقالوا: كان كافرا؛ فغضب أبو زيد وقال: كان جاري فما فقدت قراءته في ليلة ~~قط. ~~••• # وكان أبان يفوق الشعراء في شيء نحسب أنه هو الذي سبق إليه، فقد ابتكر في الأدب ~~العربي فنا لم يتعاطه أحد من قبله، وهو فن الشعر التعليمي، طرق فيه فنونا مختلفة ~~من العلم والحكمة والدين. وقد تحدث أبو الفرج أنه نظم للبرامكة ms655 كتاب «كليلة ودمنة» ~~ليسهل عليهم حفظه، فأعطاه يحيى بن خالد عشرة آلاف دينار، وأعطاه الفضل بن يحيى خمسة ~~آلاف واكتفى جعفر بأن يكون راويته. وروى أبو الفرج أبياتا أربعة من هذا النظم، وقد ~~عثرنا على قطعة من كتاب مخطوط يوجد في دار الكتب المصرية تحت رقم (594) تاريخ، وهو ~~كتاب «الأوراق» للصولي. وفي هذا الكتاب قطعة صالحة من نظم أبان لكليلة ودمنة، ~~فرأينا أن نثبتها هنا، لأن المنظومة ضاعت ولم يبق منها إلا الأبيات الأربعة التي ~~رواها أبو الفرج. وها هي ذي: # هذا كتاب كذب ومحنه # وهو الذي يدعي كليله دمنه # فيه دلالات وفيه رشد # وهو كتاب وضعته الهند # فوصفوا آداب كل عالم # حكاية عن ألسن البهائم # فالحكماء يعرفون فضله # والسخفاء يشتهون هزله # وهو على ذاك يسير الحفظ # لذ على اللسان عند اللفظ # يا نفس لا تشاركي الجهالا # في حب مذموم كأن قد زالا # يا نفس لا تشقى ولا تعنى # في طلب الدنيا ولا تمنى # ما لم ينله أحد إلا ندم # إذا تولى ذاك عنه وسدم # 78 # دنياك بالأحباب والإخوان # كثيرة الآلام والأحزان # وهي وإن نيل بها السرور # آفاتها وغمها كثير # يا نفس لا يحملك حب أهلك # ولا أدانيك على أن تهلكي # في جمع ما يرضيهم فإنه # يضرب من أمثال ذاك الدخنه # 79 # ينال قوم عرفها وتحترق # رأي به يرضى أخو الرأي الحمق # وجدت ذا النسك الذي قد فكرا # فزاده تفكيره توقرا # وقل لما رضي اهتمامه # وتم من سروره تمامه # وترك الدنيا لمن يشقى بها # ومن يقاسي الكد من أنصابها # فعندها نجا من الشرور # ونال أقصى غاية السرور # ثم سخت عن كل فان نفسه # فلقي السعد وغاب نحسه # وأبصر الثواب في القيامه # فأمن الحسرة والندامه # ومثل الدنيا كبرق الخلب # من يغترر منه بسقي يكذب # وهو قياسا مثل نوم النائم # تفرحه أضغاث حلم الحالم # حتى إذا استيقظ صار هما # ما كان في النوم به ألما # فكيف بالصبر على أيام # عما قليل هن لانصرام # وكيف والدنيا بلاء كلها # لا يأمن الآفات فيها أهلها ms656 # أشهد أن الله فرد واحد # أقر أو أنكر ذاك جاحد # ليس له كفوا ولا ندا أحد # لم يلد الله ولا له ولد # وإنني بما عملت مرتهن # ما كان منه من قبيح وحسن # من باب الأسد والثور # وإن من كان دني النفس # يرضى من الأرفع بالأخس # كمثل الكلب الشقي البائس # يفرح بالعظم العتيق اليابس # وإن أهل الفضل لا يرضيهم # شيء إذا ما كان لا يعنيهم # كالأسد الذي يصيد الأرنبا # ثم إلى العير # 80 # المجد هربا # فيرسل الأرنب من أظفاره # ويتبع العير على أدباره # والكلب من رقته ترضيه # بلقمة تقذفها في فيه # فمن يعش ما عاش غير خامل # له سرور دائم ونائل # فهو وإن كان قصير العمر # أطول عمرا من حليف فقر # ومن يعش في وحشة وضيق # وقلة المعروف في الصديق # فهو وإن عمر طول دهره # ليس بمغبوط بطول عمره # وقيل أيضا إنه قد ينبغي # للرجل الفاضل فيما يبتغي # ألا يرى إلا مع الأملاك # 81 # أو يعبد الله مع النساك # كالفيل لا يصلح إلا مركبا # لملك أو راعيا مسيبا # قال له السبع لقد سمعت # وكل ما تقول قد فهمت # لكنني لست أظن ما تظن # بالثور من غش بلى ظني حسن # 82 # قال له دمنة من ثم أتى # وهذه من حاله هي التي # رفعته حتى تعدى طوره # وكان هذا لك منه شكره # وتلك أخلاق اللئيم الفاجر # الكافر المغرور غير الشاكر # ما إن يزال ناصحا نفاعا # حتى يرى من حاله ارتفاعا # فعندها يسمو إلى ما فوقها # إلى التي لا تستطيع أوقها # 83 # وربما كان هلاك الشجر # في حسن الغصن وطيب الثمر # وذنب الطاووس فهو زينه # كذاك أحيانا وفيه حينه # وباذل النصح لمن لم يشكره # كطارح في سبخ ما يبذره # لا خير للعاقل في ذي المنظره # إن هو لم يحمده عند المخبره # وليس في الصديق ذي الصفاء # خير إذا لم يك ذا وفاء # الرجل العاقل من لا تسكره # كأس سمو واقتدار يبطره # 84 # فالجبل الثابت في أصوله # لا تقدر الريح على تحويله # والناقص العقل الذي ms657 لا رأي له # يطغى إذا ما نال أدنى منزله # مثل الحشيش أيما ريح جرت # مالت به فأقبلت وأدبرت # الأهل والإخوان والأعوان # عند ذوي الأموال حيث كانوا # والمال هادي الرأي والمروة # وهو على كل الأمور قوة # والمال فيه العز والجمال # والذل حيث لا يكون المال # وربما دعا الفقير فقره # إلى التي يحبط فيها أجره # فيخسر الدين كما كان خسر # دنياه والخسران ما لا ينجبر # وليس من شيء يكون مدحا # لذي الغنى إلا يكون برحا # على الفقير ويكون ذما # كذاك يدعى وبه يسمى # فإن يكن نجدا يقولوا أهوج # 85 # كذاك عند الحرب لا يعرج # وهو إذا كان جوادا سيدا # سمي للفقير مضيعا مفسدا # أو يك ذا حلم يقل ضعيف # أو يك بساما يقل سخيف # الرجل العاقل فيما يسدي # مغتبط بكسبه للحمد # لأنه باع قليلا فانيا # واعتاض من ذاك كثيرا باقيا # فأغبط الناس الكثير نائله # ومدرك النجح لديه سائله # فلا تعدن ذا غنى غنيا # حتى يكون ماجدا سريا # واعلم بأن الملك المشاورا # ذا العقل فيما نابه المؤازرا # فإنه يعضد بالتأييد # يغنى به عن كثرة الجنود # والحازم التابع أمر الحزمه # النصحاء غير أهل التهمه # يزداد حزما بهم ورشدا # زيادة البحر إذا ما مدا # بما يصب فيه من أنهاره # حتى يهيج الموج من تياره # والموت من مات كريما صابرا # خير من العيش ذليلا صاغرا # ولم ينقل لنا الصولي في كتابه إلا هذه القطعة. ويعد أبان في هذا ناظما لكتاب ~~معروف، ولكنه قد تجاوز نظم الكتب المعروفة إلى تأليف كتب منظومة، فنظم قصيدة طويلة ~~في الصوم والزكاة، روى منها الصولي طرفا. # فقيل لأبان بعد أن نظم كليلة ودمنة: ألا تعمل شعرا في الزهد؟ فعمل قصيدة مزدوجة ~~في الصيام والزكاة. وترجمتها: # قصيدة الصيام والزكاة # نقل أبان من فم الرواة # وها هي ذي القصيدة: # هذا كتاب الصوم وهو جامع # لكل ما قامت به الشرائع # من ذلك المنزل في القرآن # فضلا على من كان ذا بيان # ومنه ما جاء عن النبي # من عهده المتبع المرضي # صلى الإله وعليه سلما ms658 # كما هدى الله به وعلما # وبعضه على اختلاف الناس # من أثر ماض ومن قياس # والجامع الذي إليه صاروا # رأي أبي يوسف مما اختاروا # قال أبو يوسف أما المفترض # فرمضان صومه إذا عرض # والصوم في كفارة الأيمان # من حيث ما يجري على اللسان # ومعه الحج وفي الظهار # 86 # الصوم لا يدفع بالإنكار # وخطأ القتل وحلق المحرم # لرأسه فيه الصيام فافهم # فرمضان شهره معروف # وصومه مفترض موصوف # 87 # والصوم في الظهار إن لم يقدر # مظاهر يوما على محرر # والقتل إن لم يك عمدا قتله # فإن ذاك في الصيام مثله # شهران في العدة كاملان # متصلان لا مفرقان # والحنث في رواية مقبولة # ثلاثة أيامها موصوله # ومثلها في عدة الأيام # للمحرم الحالق في الإحرام # ثلاثة يصومها إن حلقا # لا بأس إن تابعها أو فرقا # والصوم في المتعة إن لم يجد # هديا وكان بالصيام يفتدي # صيام أيام مؤقتات # ثلاثة في الحج مفروضات # وبعد ما يرجع صوم سبعه # عشرة كاملة في المتعه # أما الثلاثة التي في الحج # فكان من أدركت من محتج # أو غيره ممن يرى أن يرويه # يقول يوما قبل يوم الترويه # ويومها وصوم يوم عرفه # مؤتلفات الصوم لا مختلفة # قالوا وإن أحب أن يفرقا # فذاك ما ليس عليه ضيقا # إن كان ذاك الصوم منه بعدما # يكون في عمرته قد أحرما # ولو أراد الصوم في شوال # من بعد أن يوجب بالهلال # عمرته لكان ذاك مجزيا # بذاك يفتى من أتى مستفتيا # وهي طويلة جدا. # ونحسب أن مكانه من البرامكة هو الذي حمله على اختراع هذا الفن؛ فقد كان مكانه ~~منهم مكان المؤدب لصبيانهم وشبابهم، وكان من الحق عليه أن يسهل لهم العلم تسهيلا. ~~وليس من شك في أن هذه الأموال التي أصابها من البرامكة حينما نظم كليلة ودمنة قد ~~أطعمته، فنظم القصائد الأخرى ليصيب مثل ما أصاب. # أخبار حمدان بن أبان بن عبد الحميد بن أبان ومختار من شعره # قال أبو بكر الصولي: حدثني محمد بن زياد قال: كانت في عبد الصمد بن المعذل ~~عربدة إذا سكر، ms659 فعربد يوما في مجلس فيه حمدان بن أبان بن عبد الحميد بن أبان، ~~وكان أيدا، # 88 # فقال لهم: كلوه إلي وحدي، وأخذه وكتفه وجعله في بيت وأغلق بابه، ~~وقال: إذا أصبحتم فأطلقوه، وانصرف؛ فبلغه أن عبد الصمد حلف ليهجونه سنة، فقال: ~~حمدان يهجوه: # قل لعبد الصمد الأح # مق لا تغضب عليه # وعلى أمك فاغضب # واكوها في الهن كيه # أمك العفلاء جاءت # ني بسلمى ورقيه # وهي ساقت ليلة فا # طمة أخرى إليه # فضينا فيهم الحق # ق وقلبنا السويه # وقد ذكر الصولي في كتابه الأوراق ما اختاره من قصيدة حمدان بن أبان بن عبد ~~الحميد بن أبان في وصف الحب وأهله وهي طويلة، قال: # ما بال أهل الأدب # منا وأهل الكتب # قد وضعوا الآدابا # وأتعبوا الكتابا # لكل فن دفتر # منقط محبر # ففرقت أجناسا # وعلموها الناسا # بالحيل الرقيقه # والفطن الدقيقه # فأرشدوا الضلالا # وعلموا الجهالا # سوى المحبين فلم # 89 # يرعوا لهم حق الذمم # في علم ما قد جهلوا # وما به قد ابتلوا # قد غلقت رهونهم # واستعبرت عيونهم # وحالفوا السهادا # وخالفوا الرقادا # فليلهم طويل # ونومهم قليل # أبدانهم نحيله # متعبة عليله # نفوسهم حزينة # مشغوفة رزينه # ظاهرة غمومهم # باطنة كلومهم # باكية عيونهم # قريحة جفونهم # إن ظلموا لم يظلموا # وإن شكوا لم يرحموا # أحبابهم في لعب # وفي دوام الطرب # صافية ألوانهم # ضاحكة أسنانهم # قد سكنوا القصورا # وقارنوا السرورا # تفرغوا للهجر # وللنوى والغدر # بعاشق يهواهم # بالله ما أقساهم # وعدهم وعيد # إقرارهم جحود # بؤسى لأهل العشق # أهل الضنا والرق # ليس لهم وسيله # ولا وجوه حيله # رأيت لما خذلوا # وفي هواهم وحلوا # أن أرشد المغفلا # الجاهل المضللا # إلى الطريق الواضح # عند البلاء الفادح # وأبتدي كتابا # للوصف بابا بابا # 90 # يا أيها الناس فعوا # وصيتي واستمعوا # ففي صفاتي عجب # وفي كتابي أدب # قصيدتي مقومه # ألفاظها منظمه # فيها هوى العشاق # ومنية المشتاق # وصفت أهل العشق # ولم أمل عن حق # فاسمع مقالا صادقا # يا من يبيت عاشقا # للحب خلتان # هما هما اللتان # الصبر والرفق معا # يوما إذا ما اجتمعا # في عاشق مهجور # مباعد مغرور ms660 # قضى قريبا وطرا # وبلغاه الوطرا # ما الحسن والإحسان # والملك والسلطان # يعدل وصل الإلف # وكسره للطرف # ما حسن في العين # أحسن من إلفين # يوما إذا ما التقيا # في مجلس فاشتفيا # مداومين للنظر # قد أمنا كل حذر # يبادران الخلوه # ويظهران الصبوه # مساعدين اتفقا # باتا ولم يفترقا # هواهما مخزون # سرهما مدفون # مداريين أصبحا # للناس لم يفتضحا # من جرب الحب عرف # ما بين ملك وأسف # لن يبلغ الصب المنى # إلا بصبر وعنا # إن الهوى ضروب # وأمره عجيب # وأهله أطوار # فيه لهم أوطار # للعاقل الشريف # والأحق السخيف # فمنهم مرزوق # محبب معشوق # على اضطراب الخلق # منه وسوء الخلق # تقضي له الأوطار # وتعمل الأشعار # مقرب ما يقصى # مطاوع ما يعصى # ومنهم محروم # محارف # 91 # مشئوم # على جمال هيئته # وحسنه وبهجته # ومنهم من يبتدا # ينال عيشا رغدا # من غير سعي وطلب # وغير كد ونصب # فمد ذاك الأسعد # والبخت منه أجود # إذ فاز باللذات # ودرك الحاجات # ومنهم من يتعب # في حبه ويدأب # أسقمه طول الهوى # وشفه وجد الجوى # فذاك صب قد شقي # بؤسى له ماذا لقي # ومنهم البصير # العاقل النحرير # يحتمل الهجرانا # ويحمل الأحزانا # فلا يزال مبتلى # حتى ينال أملا # ومنهم العميد # الجاهل البليد # يحب بالتضجر # والجهل والتكبر # يلقى الحبيب باهتا # فلا يزال ساكتا # ومنهم من يهوى # بالغيب يأتي عفوا # فيزرع الغموما # مستجلبا هموما # فذاك حب الغيب # ليس به من عيب # من دونه حجاب # ودونه أبواب # فما لذاك لبث # وليس منه مكث # حتى يرى مقهورا # في حبه محسورا # ومنهم جبار # في حبه ازورار # يزهي إذا ما عشقا # ورهنه قد غلقا # يلتزم اللجاجة # فليس يبدي الحاجه # فذاك حب الفوت # وفيه كرب الموت # ومنهم من للنظر # يهوى ولم يعد البصر # إذا رأى خليله # داوى به غليله # يكتم ما يقاسي # من أعين الجلاس # ومنهم من اقتصر # على الحديث والنظر # غايته السلام # واللحظ والكلام # مدافع عن حبه # يكتم وجد قلبه # ينفي الهوى وينكره # وبالتبري يستره # فذاك حب العاقل # حب أديب كامل # وبعضهم لا يقنعه # إلا عمود يودعه # قد طلب الحراما # والتمس الأثاما # فذاك ms661 حب النهم # الماجن المغتلم # حق له الحرمان # والمنع والخذلان # وبعضهم مذاق # معانت ملاق # مستعمل للكذب # محرف في الكتب # فذاك حب الزور # يلسع كالزنبور # وبعضهم عميد # غاية ما يريد # خلوة من يهواه # في مشهد يلقاه # لحظته مسارقه # مبيته معانقه # مكاتم لحبه # في بعده وقربه # فذاك حب يكمد # نيرانه لا تخمد # ومنهم من يهتف # بالحب حين يشغف # إذا الحبيب صدا # ولم ينله ودا # تاه عليه وحزق # 92 # وصد عنه وحمق # وقال في آخرها: # قد تم مني وصف # ولم يخني الرصف # وانقضت القصيده # محبوبة حميده # والحمد للرحمن # ذي العز والسلطان # والذم للشيطان # ذي العرم # 93 # والطغيان ~~(6) منصور النمري # 94 # كان ذا حيلة سياسية، فأدرك أن الرشيد يسره أن يمدح بنفي الإمامة عن علي والطعن ~~عليه، لما كان يراه من تقديم مروان بن أبي حفصة بسبب ذلك، فسلك مذهبه ونحا نحوه - ~~والشعراء يومئذ إنما يطلبون الكسب - لكنه لم يصرح بالهجاء والسب كما فعل مروان؛ ومن ~~قوله فيه قصيدة مطلعها: # أمير المؤمنين إليك خضنا # غمار الهول من بلد شطير # بخوص كالأهلة خافقات # تلين على السرى وعلى الهجير # حملن إليك أحمالا ثقالا # ومثل الصخرة الدر النثير # فقد وقف المديح بمنتهاه # وغايته وصار إلى المصير # إلى من لا تشير إلى رسول # إذا ذكر الندى كف المشير # وذكر في القصيدة يحيى بن عبد الله بن حسن فقال: # يذلل من رقاب بني علي # ومن ليس بالمن الصغير # مننت على ابن عبد الله يحيى # وكان من الحتوف على شفير # ولقد تخلص إلى شيء ليس عليه فيه شيء وهو قوله: # فإن شكروا فقد أنعمت فيهم # وإلا فالندامة للكفور # وإن قالوا بنو بنت فحق # وردوا ما يناسب للذكور # وما لبنى بنات من تراث # مع الأعمام في ورق الزبور # ومنها: # بني حسن ورهط بني حسين # عليكم بالسداد من الأمور # فقد ذقتم قراع بني أبيكم # غداة الروع بالبيض الذكور # أحين شفوكم من كل وتر # وضموكم إلى كنف وثير # وجادوكم على ظمأ شديد # سقيتم من نوالهم الغزير # فما كان العقوق لهم جزاء # بفعلهم وآدى للثئور ms662 # وإنك حين تبلغهم أذاة # وإن ظلموا لمحزون الضمير # فقال له: صدقت وإلا فعلي وعلي، وأمر له بثلاثين ألف درهم. # وأنشد الرشيد يوما قصيدته التي أولها: # ما تنقضي حسرة مني ولا جزع # إذا ذكرت شبابا ليس يرتجع # بان الشباب وفاتتني بلذته # صروف دهر وأيام لها خدع # ما كنت أوفي شبابي كنه غرته # حتى انقضى فإذا الدنيا له تبع # فقال الرشيد: أحسن! والله لا يتهنى أحد بعيش حتى يخطر في رداء الشباب. # ومن قوله فيها يمدح الرشيد: # أي امرئ بات من هارون في سخط # فليس بالصلوات الخمس ينتفع # إن المكارم والمعروف أودية # أحلك الله منها حث تجتمع # 95 # إذا رفعت امرءا فالله يرفعه # ومن وضعت من الأقوام متضع # نفس فداؤك والأبطال معلمة # يوم الوغى والمنايا صابها فزع # ومن قوله يمدح الرشيد: # يا منزل الحي ذا المغاني # إنعم صباحا على بلاكا # هارون يا خير من يرجى # لم يطع الله من عصاكا # في خير دين وخير دنيا # من اتقى الله واتقاكا # وناهيك بقصيدته التي رفعت السيف عن ربيعة بنصيبين بعد أن جرده فيها الرشيد وهي ~~التي يقول فيها: # وقد علم العدوان والجور والخنا # بأنك عياف لهن مزايل # ولو عملوا فينا بأمرك لم يكن # ينال بريا بالأذى متناول # لنا منك أرحام ونعتد طاعة # وبأسا إذا اصطك القنا والقنابل # 96 # وما يحفظ الإحسان مثلك حافظ # ولا يصل الأرحام مثلك واصل # جعلناك فامنعنا معاذا ومفزعا # لنا حين عضتنا الخطوب الحلائل # لأنت إذا عاذت بوجهك عوذ # تطامن خوف واستقرت بلابل # اجتمع جماعة من الشعراء ببغداد وفيهم منصور النمري، وكانوا على نبيذ، فأبى منصور ~~أن يشرب معهم، فقالوا له: إنما تعاف الشراب لأنك رافضي، وتسمع وتصغي إلى الغناء، ~~وليس تركك النبيذ من ورع، فقال: # خلا بين ندماني موضع مجلسي # ولم يبق عندي للوصال نصيب # وردت على الساقي تفيض وربما # رددت عليه الكأس وهو سليب # وأي امرئ لا يستهش إذا جرت # عليه بنان كفهن خضيب # قال النمري: كنت واقفا على جسر بغداد أنا وعبيد الله بن هشام، وقد وخطني الشيب ms663 ~~يومئذ، وعبد الله شاب حديث السن، فإذا أنا بقصرية ظريفة قد وقفت، فجعلت أنظر إليها ~~وهي تنظر إلى عبيد الله ثم انصرفت، وقلت فيها: # لما رأيت سوام الشيب منتشرا # في لمتي وعبيد الله لم يشب # سللت سهمين من عينيك فانتضلا # على سبية ذي الأذيال والطرب # كذا الغواني نرى منهن قاصدة # إلى الفروع معراة عن الخشب # لا أنت أصبحت تعقد بيننا أربا # 97 # ولا وعيشك ما أصبحت من أربي # إحدى وخمسين قد أنضيت جدتها # تحول بيني وبين اللهو واللعب # لا تحسبيني وإن أغضيت عن بصري # غفلت عنك ولا عن شأنك العجب # غضب الرشيد على منصور النمري لما أنشد قصيدته في مدح العلويين وأولها: # شاء من الناس راتع هامل # يعللون النفوس بالباطل # وفيها يقول: # ألا مساعير # 98 # يغضبون لها # بسلة البيض والقنا الذابل # فغضب من ذلك غضبا شديدا وقال للفضل بن الربيع: أحضره الساعة، فبعث الفضل في ~~ذلك، فوجده قد توفي، فأمر بنبشه ليحرقه، فلم يزل الفضل يلطف له حتى كف عنه. # وإليك قصيدته في مدح العلويين نقلا عن الشعر والشعراء لابن قتيبة، لأن صاحب ~~الأغاني أغفلها ولم يذكر منها إلا البيتين السابقين: # شاء من الناس راتع هامل # يعللون النفوس بالباطل # تقتل ذرية النبي وير # جون جنان الخلود للقاتل # ويلك يا قاتل الحسين لقد # نؤت بحمل ينوء بالحامل # أي حباء حبوت أحمد في # حفرته من حرارة الثاكل # بأي وجه تلقى النبي وقد # دخلت في قتله مع الداخل # هلم فاطلب غدا شفاعته # أو لا فرد حوضه مع الناهل # ما الشك عندي في حال قاتله # لكنني أشك في الخاذل # نفسي فداء الحسين حين غدا # إلى المنايا غدو لا قافل # ذلك يوم أنحى بشفرته # على سنام الإسلام والكاهل # حتى متى أنت تعجبين ألا # تنزل بالقوم نقمة العاجل # لا يعجل الله إن عجلت وما # ربك عما يريد بالغافل # وعاذلي أنني أحب بني # أحمد فالترب في فم العاذل # قد ذقت ما دينكم عليه فما # وصلت من دينكم إلى طائل # دينكم جفوة النبي وما ال # جافي لآل النبي ms664 كالواصل # مظلومة والنبي والدها # نذير أرجاء مقلة حافل # ألا مصاليت يغضبون لها # بسلة البيض والقنا الذابل # وقال أيضا: # آل النبي ومن يحبهم # يتطامنون مخافة القتل # أمنوا النصارى واليهود وهم # من أمة التوحيد في أزل # 99 # وأنشد الرشيد هذا بعد موته فقال: لقد هممت أن أنبشه ثم أحرقه. ومن جيد شعره قوله ~~في الرشيد: # يا زائرينا من الخيام # حياكما الله بالسلام # يحزنني أن أطفتما بي # ولم تنالا سوى الكلام # لم تطرقاني وبي حراك # إلى حلال ولا حرام # هيهات للهو والتصابي # وللغواني وللمدام # أقصر جهلي وثاب حلمي # ونهنه الشيب من عرامي # 100 # عمر أبيها لقد تولت # سالمة الخد من عذامي # 101 # لله حبي وترب حبي # ليلة أعياهما مرامي # آذنتاني بطول هجر # وغرتاني مع السوام # وانطوتا لي على ملام # والشيب شر من الملام # بورك هارون من إمام # بطاعة الله ذي اعتصام # له إلى ذي الجلال قربى # ليست لعدل ولا إمام # يسعى على أمة تمنى # أن لو تقيه من الحمام # لو استطاعت لقاسمته # أعمارها قسمة السهام # يا خير ماض وخير باق # بعد النبيين في الأنام # ما استودع الدين من إمام # حامى عليه كما تحامي # يؤنس من رأيه برأي # أصدق من سلة الحسام # وقال: # أعمير كيف لحاجة # طلبت إلى صم الصخور # لله در عداتكم # كيف انتسبن إلى الغرور # إن الليالي ضمنني # ووسمنني سمة الكبير # أطفأن نور شبيبتي # وفرشنني كنف الغيور # ولقد تبيت أناملي # يجنين رمان النحور ~~(7) السيد الحميري # 102 ~~«لم # 103 # يكن السيد الحميري من أنصار الحسن والحسين، أو بعبارة أصح لم يكن من ~~أنصار ولد الحسن والحسين؛ وإنما كان من الكيسانية الذين كانوا ينصرون الابن الثالث ~~من أبناء علي: محمد بن خولة الحنفية؛ والذين كانوا يدينون بأنه لم يمت وإنما تغيب ~~عن الناس واحتجب عنهم حينا وسيعود فيملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا، فلم يكن على ~~السيد الحميري بأس أن يمدح بني العباس ويتقرب منهم ما دام صاحبه محمد بن الحنيفة لم ~~يعد من غيبته بعد. ثم نستطيع أن نميز هذا الشاعر بخصلة لم ms665 نرها في شاعر من الذين ~~تحدثنا عنهم، وهي أنه كان سخيفا ضعيف العقل شديد الإيمان بالخرافات والأوهام، ~~ويظهر أن هذه الخصلة جاءته من مذهبه نفسه في الرجعة، فقد أسرف في هذا المذهب كما ~~أسرف في مدح العلويين والإيمان بهم حتى وصفهم من الخير والكرامة بما يقبل وما لا ~~يقبل؛ فكان كل خير يمكن أن ينسب إلى العلويين، رضيه العقل أم لم يرضه، وكان كل شر ~~يمكن أن ينسب إلى خصوم العلويين، رضيه العقل أم لم يرضه، وكان يكفي أن يسمع رجلا ~~من أهل القصص ورواة الأساطير يروي كرامة من الكرامات يضيفها إلى أحد العلويين حتى ~~ينظم فيها قصيدة طويلة، جيدة، ويتخذ هذه القصيدة وسيلة إلى ذم السلف والنعي ~~عليه. # وخصلة أخرى تقربه من الزنادقة الذين عاصروه ولكنها تجعل الصلة بينه وبينهم ضعيفة ~~واهية في الوقت نفسه. # وهي أنه كان يستبيح ضروبا من اللهو والمنكر، ويسرف في شرب الخمر وغير ذلك من ~~ألوان العبث، لا لأنه كان يجحد الدين أو يزدريه بل لأنه كان يدل على صاحب الدين؛ ~~كان يحب النبي # صلى الله عليه وسلم # وآله ويمنحهم مودته ونصره، ويعتقد أنهم سيعرفون له ذلك ~~وسيشفعون له في ذنوبه وآثامه لما قدم بين يديه من مدح العلويين ونصرهم على خصومهم؛ ~~وكان بنو هاشم وبنو علي خاصة يطمعونه في ذلك ويتعرفون له به، فإذا ذكر لهم أنه يلهو ~~ويشرب الخمر قالوا: وأي ذنب يعظم على الله أن يغفره لرجل من أنصار أهل البيت! بل ~~قال أحدهم: إن من أحب آل علي لم تزل له قدم إلا ثبتت له أخرى؛ وعلى هذا كان السيد ~~الحميري يلهو آمنا في دينه، يعتمد في دينه على العلويين، ويعتمد في دنياه على ~~العباسيين، يقدر أن العلويين سيشفعون له عند الله، ويعلم أن العباسيين يتقون شره ~~ويؤثرون مدحه على هجائه؛ وكان من معاصريه من يكره ذلك ويمقته كل المقت، ويضمر للسيد ~~عداء وحقدا لا يعدلهما عداء ولا حقد؛ ومن هؤلاء سوار بن عبد الله العنبري قاضي ~~البصرة للمنصور، فقد ms666 كان العداء بينه وبين السيد شديدا، وكان قد أجمع ألا يقبل ~~للسيد شهادة، وكان قد سعى بالسيد عند المنصور غير مرة؛ وكان السيد قد هجاه فأسرف في ~~هجائه، فشكا ذلك إلى المنصور فنهاه المنصور عنه وأمره أن يذهب إلى القاضي فيعتذر ~~إليه، وأبى القاضي أن يقبل معذرته، فاستأنف السيد الهجاء وألح فيه. ويقال إن سوارا ~~أعد شهودا يشهدون على السيد بالسرقة ليقطع يده، فعلم السيد ذلك فجزع وفزع إلى ~~المنصور، فعزل المنصور سوارا من القضاء للسيد أو عليه، ولم يلبث سوار أن مات فتبعه ~~السيد بعدائه وبغضه وهجائه.» # قال أبو جعفر الأعرج: كان السيد أسمر تام القامة، أشنب ذا وفرة، حسن الألفاظ جميل ~~الخطاب، إذا تحدث في مجلس قوم أعطى كل رجل في المجلس نصيبه من حديثه. # وقال الفرزدق: إن ههنا لرجلين لو أخذا في معنى البأس لما كنا معهما في شيء: السيد ~~الحميري وعمران بن حطان السدوسي، ولكن الله عز وجل قد شغل كل واحد منهما بالقول في ~~مذهبه؛ وقال الأصمعي لما أنشد شيئا من شعره: ما أسلكه لطريق الفحول لولا مذهبه، ~~ولولا ما في شعره ما قدمت عليه أحدا من طبقته؛ وكان أبو عبيدة يقول: أشعر المحدثين ~~السيد الحميري وبشار. # وكان السيد يذهب مذهب الكيسانية ويقول بإمامة محمد بن الحنفية، وله في ذلك شعر ~~كثير. # وقف السيد على بشار وهو ينشد الشعر، فأقبل عليه وقال: # أيها المادح العباد ليعطى # إن لله ما بأيدي العباد # فاسأل الله ما طلبت إليهم # وارج نفع المنزل العواد # لا تقل في الجواد ما ليس فيه # وتسمي البخيل باسم الجواد # قال بشار: من هذا؟ فعرفه، فقال: لولا أن هذا الرجل قد شغل عنا بمدح بني هاشم ~~لشغلنا، ولو شاركنا في مذهبنا لتعبنا. # ومن قول السيد: # أتعرف رسما بالثويين قد دثر # عفته أهاضيب السحائب والمطر # وجرت به الأذيال ريحان حلفة # صبا ودبور بالعشيات والبكر # منازل قد كانت تكون بجوها # هضيم الحشى ريا الشوى سحرها النظر # قطوف الخطا خمصانة بخترية # كأن محياها سنا دارة القمر # رمتني ms667 ببعد بعد قرب بها النوى # فبانت ولما أقض من عبدة الوطر # ولما رأتني خشية البين موجعا # أكفكف مني أدمعا بيضها درر # أشارت بأطراف إلي ودمعها # كنظم جمان خانه السلك فانتثر # وقد كنت مما أحدث البين حاذرا # فلم يغن عني منه خوفي والحذر # لما استقام الأمر لبني العباس قام السيد إلى أبي العباس السفاح حين نزل عن المنبر ~~فقال: # دونكموها يا بني هاشم # فجددوا من عهدها الدارسا # دونكموها لا علا كعب من # كان عليكم ملكها نافسا # دونكموها فالبسوا تاجها # لا تعدموا منكم له لابسا # لو خير المنبر فرسانه # ما اختار إلا منكم فارسا # قد ساسها قبلكم ساسة # لم يتركوا رطبا ولا يابسا # ولست من أن تملكوها إلى # مهبط عيسى فيكم آيسا # وبعث بهذه الأبيات إلى المهدي يسأله ألا يعطي آل بكر وعمر من مال الدولة: # قل لابن عباس سمي محمد # لا تعطين بين عدي درهما # احرم بني تيم بن مرة إنهم # شر البرية آخرا ومقدما # إن تعطهم لن يشكروا لك نعمة # ويكافئوك بأن تذم وتشتما # وإن ائتمنتهم أو استعملتهم # خانوك واتخذوا خراجك مغنما # ولئن منعتهم لقد بدءوكم # بالمنع إذ ملكوا وكانوا أظلما # منعوا تراث محمد أعمامه # وبنيه وابنته عديلة مريما # وتأمروا من غير أن يستخلفوا # وكفى بما فعلوا هنالك مأثما # لم يشكروا لمحمد إنعامه # أفيشكرون لغيره إن أنعما # والله من عليهمو بمحمد # وهداهم وكسا الجنوب وأطعما # ثم انبروا لوصيه ووليه # بالمنكرات فجرعوه العلقما # أنشد السيد جعفر بن محمد هذه الأبيات يذكر فيها قبر الحسين: # أمرر على جدث الحسي # ن فقل لأعظمه الزكيه # آأعظما لا زلت من # وطفاء ساكبة رويه # وإذا مررت بقبره # فأطل به وقف المطيه # وابك المطهر للمط # هر والمطهرة النقيه # كبكاء معولة أنت # يوما لواحدها المنيه # فانحدرت دموع جعفر على خديه وارتفع الصراخ والبكاء من داره حتى أمره بالإمساك ~~فأمسك. # ومن قول السيد في إمامة ابن الحنفية: # ألا يا أيها الجدل المعني # لنا ما نحن ويحك والعناء # أتبصر ما تقول وأنت كهل # تراك عليك من ورع رداء # ألا إن ms668 الأئمة من قريش # ولاة الحق أربعة سواء # علي والثلاثة من بنيه # 104 # هم أسباطه والأوصياء # فأنى في وصيته إليهم # يكون الشك منا والمراء # بهم أوصاهم ودعا إليه # جميع الخلق لو سمع الدعاء # فسبط سبط إيمان وحلم # وسبط غيبته كربلاء # سقى جدثا تضمنه ملث # هتوف الرعد مرتجز رواء # تظل مظلة منها عزال # 105 # عليه وتغتدي أخرى ملاء # وسبط لا يذوق الموت حتى # يقود الخيل يقدمها اللواء # من البيت المحجب في سراة # شراة لف بينهم الإخاء # عصائب ليس دون أغر أجلى # بمكة قائم لهم انتهاء # وأنشد العتبي قصيدته اللامية التي أولها: # هل عند من أحببت تنويل # أم لا فإن اللوم تضليل # أم في الحشى منك جوى باطل # ليس تدوايه الأباطيل # علقت يا مغرور خداعة # بالوعد منها لك تخييل # ريا رداح النوم خمصانة # كأنها أدماء عطبول # يشفيك منها حين تخلو بها # ضم إلى النحر وتقبيل # وذوق ريق طيب طعمه # كأنه بالمسك معلول # في نسوة مثل المها خرد # تضيق عنهن الخلاخيل # يقول فيها: # أقسم بالله وآلائه # والمرء عما قال مسئول # إن علي بن أبي طالب # على التقى والبر مجبول # فقال: أحسن والله ما شاء، هذا والله الشعر الذي يهجم على القلب بلا حجاب. # قيل للسيد: ما لك لا تستعمل في شعرك من الغريب ما تسأل عنه كما يفعل الشعراء؟ ~~قال: لأن أقول شعرا قريبا من القلوب يلذه من سمعه، خير من أن أقول شيئا معقدا ~~تضل فيه الأوهام. # تقدم السيد إلى سوار القاضي ليشهد عنده، فلم يرض به، فقام مغضبا من مجلسه، وكتب ~~رقعة يقول فيها: # يا أمين الله يا من # صور يا خير الولاة # إن سوار بن عبد الل # ه من شر القضاة # نعثلي جملي # لكم غير موات # جده سارق عنز # فجرة من فجرات # لرسول الله والقا # ذفه بالمنكرات # وابن من كان ينادي # من وراء الحجرات # يا هناة اخرج إلينا # إننا أهل هنات # مدحنا المدح ومن نر # م يصب بالزفرات # فاكفنيه لا كفاه الل # ه شر الطارقات # قيل: فلما قرأها سوار وثب من ms669 مجلسه وقصد أبا جعفر المنصور، وهو يومئذ نازل ~~بالجسر، فسبقه السيد إليه فأنشده: # قل للإمام الذي ينجى بطاعته # يوم القيامة من بحبوحة النار # لا تستعن وجزاك الله صالحة # يا خير من دب في حكم بسوار # لا تستعن بخبيث الرأي ذي صلف # جم العيوب عظيم الكبر جبار # يضحى الخصوم لديه من تجبره # لا يرفعون إليه لحظ أبصار # تيها وكبرا ولولا ما رفعت له # من ضبعه كان عين الجائع العاري # ودخل سوار، فلما رآه المنصور تبسم وقال: أما بلغك خبر إياس بن معاوية حيث قبل ~~شهادة الفرزدق واستزاد في الشهود؟ فما أحوجك للتعرض للسيد ولسانه! ثم أمر السيد ~~بمصالحته. # دخل السيد على المهدي لما بايع لابنيه موسى وهارون، فأنشأ يقول: # ما بال مجرى دمعك الساجم # أمن قدى بات بها لازم # أم من هوى أنت له ساهر # صبابة من قلبك الهائم # آليت لا أمدح ذا نائل # من معشر غير بني هاشم # أوليتهم عندي يد المصطفى # ذي الفضل والمن أبي القاسم # فإنها بيضاء محمودة # جزاؤها الشكر على العالم # جزاؤها حفظ أبي جعفر # خليفة الرحمن والقائم # وطاعة المهدي ثم ابنه # موسى على ذي الإربة الحازم # وللرشيد الرابع المرتضي # مفترض من حقه اللازم # ملكهم خمسون معدودة # برغم أنف الحاسد الراغم # ليس علينا ما بقوا غيرهم # في هذه الأمة من حاكم # حتى يردوها إلى هابط # عليه عيسى منهم ناجم # ومن شعر السيد: # ما جرت خطرة على القلب مني # فيك إلا استترت عن أصحابي # من دموع تجري فإن كنت وحدي # خاليا أسعدت دموعي انتحابي # إن حبي إياك قد سل جسمي # ورماني بالشيب قبل الشباب # لو منحت اللقا شفى بك صبا # هائم القلب قد ثوى في التراب # ومما قاله في الحبس: # قف بالديار وحيها يا مربع # واسأل وكيف يجيب من لا يسمع # إن الديار خلت وليس بجوها # إلا الضوابح والحمام الوقع # ولقد تكون بها أوانس كالدمى # جمل وعزة والرباب وبروع # حور نواعم لا ترى في مثلها # أمثالهن من الصيانة أربع # فعرين بعد تألف وتجمع # والدهر صاح مشتت ما يجمع ms670 # فاسلم فإنك قد نزلت بمنزل # عند الأمير تضر فيه وتنفع # تؤتى هواك إذا نطقت بحاجة # فيه وتشفع عنده فتشفع # قل للأمير إذا ظفرت بخلوة # منه ولم يك عنده من يسمع # هب لي الذي أحببته في أحمد # وبنيه إنك حاصد ما تزرع # يختص آل محمد بمحبة # في الصدر قد طويت عليها الأضلع # وقال يهجو امرأة وارث موسر من خلانه، وكانت تعذل زوجها على إسرافه: # أقول يا ليت ليلى في يدي حنق # من العداوة من أعدى أعاديها # يعلو بها فوق رعن # 106 # ثم يحدرها # في هوة فتدهدى يومها فيها # أو ليتها في غمار البحر قد عصفت # فيه الرياح فهاجت من أواذيها # 107 # أو ليتها قد دنت يوما إلى فرسي # قد شد منه إلى هاديه هاديها # حتى يرى لحمها من حضره زيما # 108 # وقد أتى القوم بعد الموت ناعيها # فمن بكاها فلا جفت مدامعه # لا أسخن الله إلا عين باكيها # وقيل: إن آخر قصيدة له هي قوله: # أشاقتك المنازل بعد هند # وتربيها وذات الدل دعد # منازل أقفرت منهن محت # معالمهن من سيل ورعد # وريح حرجف تستن فيها # بسافي الترب تلحم ما تسدي # ألم يبلغك والأنباء تنمي # مقال محمد فيما يؤدي # إلى ذي علمه الهادي علي # وخولة خادم في البيت تردي # ألم تر أن خولة سوف تأتي # بوارى الزند صافي الخيم نجد # يفوز بكنيتي واسمي لأني # نحلتهما هو المهدي بعدي # يغيب عنهم حتى يقولوا # تضمنه بطيبة بطن لحد # سنين وأشهرا ويرى برضوى # بشعب بين أنمار وأسد # مقيم بين آرام وعين # وحفان # 109 # تروح خلال ربد # تراعيها السباع وليس منها # ملاقيهن مفترسا بحد # أمن به الردى فرتعن طورا # بلا خوف لدى مرعى وورد # حلفت برب مكة والمصلى # وبيت طاهر الأركان فرد # يطوف به الحجيج وكل عام # يحل لديه وفد بعد وفد # لقد كان ابن خولة غير شك # صفاء ولايتي وخلوص ودي # فما أحد أحب إلي فيما # أسر وما أبوح به وأبدي # سوى ذي الوحي أحمد أو علي # ولا أزكى وأطيب منه عندي # ومن ذا يابن ms671 خولة إذ رمتني # بأسهمها المنية حين وعدي # يذبب عنكم ويسد مما # تثلم من حصونكم كسدي # ومالي أن أمر به ولكن # أؤمل أن يؤخر يوم فقدي # فأدرك دولة لك لست فيها # بجبار فتوصف بالتعدي # على قوم بغوا فيكم علينا # لتعدى منكم يا خير معد # لتعل بنا عليهم حيث كانوا # بغور من تهامة أو بنجد # إذا ما سرت من بلد حرام # إلى من بالمدينة من معد # وماذا عزهم والخير منهم # بأشوس أعصل الأنياب ورد # وأنت لمن بغى وعدا وأذكى # عليك الحرب واسترداك مرد ~~(8) سلم بن عمرو الخاسر # كان منقطعا إلى البرامكة وإلى الفضل بن يحيى خصوصا من بينهم، وفيه يقول أبو ~~العتاهية: # إنما الفضل لسلم وحده # ليس فيه لسوى سلم درك # وكان هذا أحد الأسباب إلى فساد ما بينه وبين أبي العتاهية. ولسلم # 110 # يقول أبو العتاهية وقد حج مع عتبة: # والله والله ما أبالي متى # ما مت يا سلم بعد ذا السفر # أليس قد طفت حيث طافت وقب # لت الذي قبلت من الحجر # وله يقول أبو العتاهية وقد حبس إبراهيم الموصلي: # سلم يا سلم ليس دونك سر # حبس الموصلي فالعيش مر # ما استطاب اللذات، مذ سكن المط # بق رأس اللذات والله، حر # ترك الموصلي من خلق الل # ه جميعا وعيشهم مقشعر # لما قال بشار قصيدته الميمية في عمر بن العلاء وهي التي يقول فيها: # إذا نبهتك صعاب الأمور # فنبه لها عمرا ثم نم # فتى لا يبيت على دمنة # 111 # ولا يشرب الماء إلا بدم # بعث بها مع سلم إلى عمر بن العلاء، فوافاه، فأنشده إياها، فأمر لبشار بمائة ألف ~~درهم، فقال له سلم: إن خادمك - يعني نفسه - قد قال في طريقه فيك قصيدة؛ قال: فإنك ~~لهناك! قال: تسمع ثم تحكم؛ قال: هات، فأنشده: # قد عزني الداء فما لي دواء # مما ألاقي من حسان النساء # قلب صحيح كنت أسطو به # أصبح من سلمى بداء عياء # أنفاسها مسك وفي طرفها # سحر وما لي غيرها من دواء # وعدتني وعدا فأوفي به # هل تصلح الخمرة ms672 إلا بماء # ويقول فيها: # كم كربة قد مسني ضرها # ناديت فيها عمر بن العلاء # فأمر له بعشرة آلاف درهم، فكانت أول عطية سنية وصلت إليه. # ومن قوله يرثي باقونة بنت المهدي: # أودى بباقونة ريب الزمان # مؤنسة المهدي والخيزران # لم تنطو الأرض على مثلها # مولودة حن لها الوالدان # باقون يا بنت إمام الهدى # أصبحت من زينة أهل الجنان # بكت لك الأرض وسكانها # في كل أفق بين إنس وجان # دخل سلم على الفضل بن يحيى في يوم نيروز والهدايا بين يديه، فأنشد: # أمن ربع تسائله # وقد أقوت منازله # بقلبي من هوى الأطلا # ل حب ما يزايله # رويدكم عن المشغو # ف إن الحب قاتله # بلابل صدره تسري # وقد نامت عواذله # أحق الناس بالتفضي # ل من ترجى فواضله # رأيت مكارم الأخلا # ق ما ضمت حمائله # فلست أرى فتى في النا # س إلا الفضل فاضله # يقول لسانه خيرا # فتفعله أنامله # ومهما يرج من خير # فإن الفضل فاعله # وكان إبراهيم الموصلي وابنه إسحاق حاضرين، فقال لإبراهيم: كيف ترى وتسمع؟ قال: ~~أحسن مرئي ومسموع، وفضل الأمير أكثر منه؛ فقال: خذوا جميع ما أهدي إلي اليوم ~~فاقتسموه بينكم أثلاثا إلا ذلك التمثال، فإني أريد أن أهديه اليوم إلى دنانير؛ ثم ~~قال: لا والله ما هكذا تفعل الأحرار، يقوم ويدفع إليهم ثمنه ثم نهديه، فقوم ~~بألفي دينار، فحملها إلى القوم من بيت ماله واقتسموا جميع الهدايا بينهم. # كان المهدي يعطي مروان وسلما الخاسر عطية واحدة، فكان سلم يأتي باب المهدي على ~~البرذون الفاره، قيمته عشرة آلاف درهم بسرج ولجام مفضضين، ولباسه الخز والوشي وما ~~أشبه ذلك من الثياب الغالية الأثمان، ورائحة المسك والطيب الغالية تفوح منه، ويجيء ~~مروان بن أبي حفصة عليه فرو كبل # 112 # وقميص كرابيس # 113 # وعمامة كرابيس وخفا كبل # 114 # وكساء غليظ، وهو منتن الرائحة، وكان لا يأكل اللحم حتى يقرم إليه ~~بخلا، فإذا قرم أرسل غلامه فاشترى له رأسا فأكله، فقال له قائل: أراك لا تأكل إلا ~~الرأس، قال: نعم أعرف سعره فآمن خيانة الغلام ms673 ولا أشتري لحما فيطبخه فيأكل منه، ~~والرأس آكل مه ألوانا: آكل من عينيه لونا ومن غلصمته # 115 # لونا ومن دماغه لونا. # كان سلم قد بلي بالكيمياء، فكان يذهب بكل شيء له باطلا، فلما أراد الله عز وجل ~~أن يصنع له عرف أن بباب الشام صاحب كيمياء عجيبا، وأنه لا يصل إليه أحد إلا ليلا، ~~فسأل عنه، فدلوه عليه. قال: فدخلت إليه إلى موضع معور، # 116 # فدققت الباب فخرج إلي، فقال: من أنت عافاك الله؟ فقلت: رجل معجب بهذا ~~العلم؛ قال: فلا تشهرني فإني رجل مستور إنما أعمل القوت، قلت: إني لا أشهرك إنما ~~أقتبس منك، قال: فاكتم ذلك، وبين يديه كوز شبه # 117 # صغير، فقال لي: اقلع عروته، فقلعتها، فقال: اسبكها في البوتقة # 118 # فسكبتها، فأخرج شيئا من تحت مصلاه فقال: ذره عليه، ففعلت، فقال: ~~أفرغه، فأفرغته، فقال: دعه معك، فإذا أصبحت فاخرج فبعه وعد إلي، فأخرجته إلى باب ~~الشام فبعت المثقال بأحد وعشرين درهما ورجعت إليه فأخبرته، فقال: اطلب الآن ما ~~شئت؛ قلت: تفيدني؟ قال: بخمسمائة درهم على ألا تعلمه أحدا، فأعطيته وكتب لي صفة ~~فامتحنتها فإذا هي باطلة، فعدت إليه، فقيل لي: قد تحول وإذا عروة الكوز الشبه من ~~ذهب مركبة عليه، والكوز شبه، ولذلك كان يدخل إليه من يطلبه ليلا ليخفى عليه، ~~فانصرفت وعلمت أن الله عز وجل أراد بي خيرا وأن هذا كله باطل. # قال أبو المستهل: دخلت يوما على سلم وإذا بين يديه قراطيس فيها أشعار يرثي ~~ببعضها أم جعفر، وببعضها جارية غير مسماة، وببعضها أقواما لم يموتوا، وأم جعفر ~~يومئذ باقية؛ فقلت له: ويحك ما هذا؟ فقال: تحدث الحوادث فيطالبوننا بأن نقول فيها ~~ويستعجلوننا ولا يجمل بنا أن نقول غير الجيد، فنعد لهم هذا قبل كونه، فمتى حدث حادث ~~أظهرنا ما قلناه فيه قديما على أنه قيل في الوقت. # دخل سلم على الرشيد فأنشده: # حي الأحبة بالسلام # فقال الرشيد: حياهم الله بالسلام؛ فقال سلم: # أعلى وداع أم مقام # فقال الرشيد: حياهم الله على أي ms674 ذلك كان، فأنشده: # لم يبق منك ومنهم # غير الجلود على العظام # فقال له الرشيد: بل منك، وأمر بإخراجه، وتطير منه ومن قوله، فلم يسمع منه باقي ~~الشعر ولا أثابه بشيء. # استوهب إسحاق الموصلي من الرشيد تركة سلم، وكان قد مات عن غير وارث، فوهبها له ~~قبل أن يتسلمها صاحب المواريث، فحصل منها على خمسين ألف دينار، وروي أنه رفع إلى ~~الرشيد أن سلما قد توفي وخلف مما أخذه منه خاصة ومن زبيدة ألف ألف وخمسمائة ألف ~~درهم سوى ما خلفه من عقار وغيره مما اعتقده # 119 # قديما، فقبضه الرشيد وتظلم إليه مواليه من آل أبي بكر الصديق رضوان ~~الله عليه؛ فقال: هذا خادمي ونديمي، والذي خلفه من مالي فأنا أحق به، فلم يعطهم إلا ~~شيئا يسيرا من قديم أملاكه. ~~(9) ربيعة الرقي # 120 # كان منقطعا عن الحضارة، بعيدا عن مجالسة الخلفاء، فأخمل ذكره بسبب ذلك؛ لكنهم ~~كانوا يستقدمونه إليهم. وأول من فعل ذلك المهدي، فمدحه ونال جوائزه؛ وكان ابن ~~المعتز يرى ربيعة أشعر غزلا من أبي نواس، لأن في غزل أبي نواس بردا كثيرا، وغزل ~~هذا سليم عذب سهل، ولذلك فإن شهرته بلغت إلى بلاط الخليفة. وكان يمدح غير الخلفاء ~~وينال جوائزهم ويعود إلى بلده، وإن قصر أحد في إعطائه هجاه، وله في ذلك حديث مع ~~العباس بن محمد بن علي من أمراء بني العباس. # ومن قوله يمدح يزيد بن حاتم المهلبي ويهجو يزيد بن أسيد السلمي: # حلفت يمينا غير ذي مثنوية # 121 # يمين امرئ آلى بها غير آثم # لشتان ما بين اليزيدين في الندى # يزيد سليم والأغر ابن حاتم # يزيد سليم # 122 # سالم المال، والفتى # أخو الأزد للأموال غير مسالم # فهم الفتى الأزدي إتلاف ماله # وهم الفتى القيسي جمع الدراهم # فلا يحسب التمتام أنى هجوته # ولكنني فضلت أهل المكارم # قال رجل لربيعة: يا أبا أسامة، ما حملك على أن هجوت رجلا من قومك وفضلت عليه ~~رجلا من الأزد؟ فقال: أخبرك، أملقت فلم يبق لي إلا داري، فرهنتها على خمسمائة ~~درهم، ms675 ورحلت إليه إلى أرمينية، فأعلمته بمكاني ومدحته، وأقمت عنده حولا، فوهب لي ~~خمسمائة درهم، فتحملت وصرت بها إلى منزلي، فلم يبق معي كبير شيء، فنزلت في دار ~~بكراء، فقلت: لو أتيت يزيد بن حاتم، ثم قلت: هذا ابن عمي فعل بي هذا الفعل فكيف ~~بغيره! ثم حملت نفسي على أن آتيه، فأعلم بمكاني، فتركني أشهرا حتى ضجرت، فأكريت ~~نفسي من الحمالين. وكتبت بيتا في رقعة فألقيته في دهليزه؛ والبيت: # أراني ولا كفران لله راجعا # بخفى حنين من يزيد بن حاتم # فوقعت الرقعة في يد حاجبه، فأوصلها إليه من غير علمي ولا أمري، فبعث خلفي، فلما ~~دخلت عليه قال: هيه أنشدني ما قلت، فتمنعت، فقال: والله لتنشدني، فأنشدته، فقال: ~~والله لا ترجع كذلك، ثم قال: انزعوا خفيه، فنزعا، فحشاهما دنانير وأمر لي بغلمان ~~وجوار وكسى، ألا ترى لي أن أمدح هذا وأهجوا ذاك؟ قلت: بلى والله، وسار شعري حتى بلغ ~~المهدي، فكان سبب دخولي إليه. # قيل لأبي النحوي: إن الأصمعي قال: لا يقال شتان ما بينهما، وإنما يقال: شتان ما ~~هما، وأنشد قول الأعشى: «شتان ما يومي على كورها» فقال: كذب الأصمعي، يقال: شتان ما ~~هما وشتان ما بينهما، وأنشد لربيعة الرقي: «لشتان ما بين اليزيدين» وفي استشهاد مثل ~~أبي زيد على دفع قول مثل الأصمعي بشعر ربيعة كفاية له في تفضيله. # امتدح ربيعة العباس بن محمد بن علي بقصيدة لم يسبق إليها حسنا، وهي طويلة، يقول ~~فيها: # لو قيل للعباس يابن محمد # قل «لا» وأنت مخلد ما قالها # ما إن أعد من المكارم خصلة # إلا وجدتك عمها أو خالها # وإذا الملوك تسايروا في بلدة # كانوا كواكبها وكنت هلالها # إن المكارم لم تزل معقولة # حتى حللت براحتيك عقالها # فبعث إليه بدينارين، وكان يقدر فيه ألفين، فلما نظر إلى الدينارين كاد يجن غيظا ~~وقال للرسول: خذ هذين الدينارين فهما لك على أن ترد الرقعة إلي من حيث لا يدري ~~العباس، ففعل الرسول ذلك، فأخذها ربيعة وأمر من كتب في ظهرها: # مدحتك مدحة ms676 السيف المحلى # لتجري في الكرام كما جريت # فهبها مدحة ذهبت ضياعا # كذبت عليك فيها وافتريت # فأنت المرء ليس له وفاء # كأني إن مدحتك قد زنيت # ثم دفعها إلى الرسول وقال: ضعها في الموضع الذي أخذتها منه، فردها الرسول؛ فلما ~~كان من الغد أخذها العباس فنظر فيها، فلما قرأ الأبيات غضب وقام من وقته فركب إلى ~~الرشيد، وكان أثيرا # 123 # عنده يبجله ويقدمه، وكان قد هم أن يخطب إليه ابنته، فرأى الكراهة في ~~وجهه، فقال: ما شأنك؟ فقال: هجاني ربيعة الرقي، فأحضر، فقال له الرشيد: تهجو ~~عمي وآثر الخلق عندي؟ لقد هممت أن أضرب عنقك، فقال: والله يا أمير المؤمنين لقد ~~مدحته بقصيدة ما قال مثلها أحد من الشعراء في أحد من الخلفاء، ولقد بالغت في الثناء ~~وأكثرت في الوصف، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمره بإحضارها! فلما سمع الرشيد ذلك ~~منه سكن غضبه وأحب أن ينظر إلى القصيدة، فأمر العباس بإحضار الرقعة، فتلكأ عليه ~~العباس، فقال له الرشيد: سألتك بحق أمير المؤمنين إلا أمرت بإحضارها، فعلم العباس ~~أنه قد أخطأ وغلط، فأمر بإحضارها، فأحضرت، فأخذها الرشيد وإذا فيها القصيدة بعينها، ~~فاستحسنها واستجادها وأعجب بها وقال: والله ما قال أحد من الشعراء في أحد من ~~الخلفاء مثلها، لقد صدق ربيعة وبر؛ ثم قال للعباس: بم أثبته عليها؟ فسكت العباس ~~وتغير لونه وجرض # 124 # بريقه، فقال ربيعة: أثابني عليها يا أمير المؤمنين بدينارين، فتوهم ~~الرشيد أنه قال ذلك من الموجدة على العباس، فقال: بحياتي يا رقي بكم أثابك؟ قال: ~~وحياتك يا أمير المؤمنين ما أثابني إلا بدينارين، فغضب الرشيد غضبا شديدا ونظر في ~~وجه العباس وقال: سوءة لك! أي حال قعدت بك عن إثابته؟ الأموال؟ فوالله لقد مولتك ~~جهدي، أم انقطاع المادة عنك؟ فوالله ما انقطعت، أم أصلك؟ فهو الأصل لا يدانيه شيء، ~~أم نفسك فعلت ذلك بك حتى فضحت آباءك وأجدادك وفضحتني ونفسك؟ فنكس العباس رأسه ولم ~~ينطق، فقال الرشيد: يا غلام، أعط ربيعة ثلاثين ألف درهم وخلعة واحمله على بغلة؛ ms677 ~~فلما حمل المال بين يديه وألبس الخلعة قال: بحياتي يا رقي لا تذكره في شعرك لا ~~تعريضا ولا تصريحا، وفتر الرشيد عما كان هم به أن يتزوج إليه، وظهر له منه بعد ~~ذلك جفاء كثير واطراح له. # قال أبو بشر: كنت حاضرا ربيعة الرقي يوما وجاءته امرأة فقالت: تقول لك فلانة إن ~~بنت مولاي محمومة فإن كنت تعرف لها عوذة # 125 # فافعل، فقال اكتب لها أبا بشر هذه العوذة: # ثقوا ثقوا باسم إلهي الذي # لا يعرض السقم لمن قد شفى # أعيذ مولاتي ومولاتها # وابنتها بعوذة المصطفى # من شر ما يعرض من علة # في الصبح والليل إذا أسدفا # فقلت له: يا أبا ثابت، لست أحسن أن أكتب ثقوا ثقوا، فكيف أكتبها؟ قال انضح المداد ~~من رأس القلم في موضعين حتى يكون كالنفث، # 126 # وادفع العوذة إليها فإنها نافعة، ففعلت ودفعتها إليها، فلم تلبث أن ~~جاءت الجارية وهي لا تتمالك ضحكا، فقالت له: يا مجنون ما فعلت بنا! كدنا نفتضح بما ~~صنعت! قال: فما أصنع! أشاعر أنا أم صاحب تعاويذ! # واتفق للرقي أيضا مثل ذلك مع معن بن زائدة، وقد لقيه في بعض قدماته إلى العراق، ~~فمدحه، فلم يهش له، فهجاه بقصيدة مطلعها: # معن يا معن يابن زائدة الك # لب الذي في الذراع لا في البنان # لا تفاخر إذا فخرت بآبا # ئك وافخر بعمك الحوفزان # 127 # ومن غزله أبيات يغنى بها، وهي: # وتزعم أني قد تبدلت خلة # 128 # سواها وهذا الباطل المتقول # لحا الله من باع الصديق بغيره # فقالت نعم حاشاك إن تك تفعل # ستصرم إنسانا إذا ما صرمتني # بحبك فانظر بعده من تبدل ~~(10) الرقاشي # 129 # كان سهل الشعر مطبوعا، وكان منقطعا إلى آل برمك، مستغنيا بهم عن سواهم، وكانوا ~~يصولون به على الشعراء، ويروون أولادهم أشعاره، ويدونونها القليل والكثير منها، ~~تعصبا له، وحفظا لخدمته، وتنويها باسمه، وتحريكا لنشاطه، فحفظ ذلك لهم. فلما ~~نكبوا صار إليهم في حبسهم، فأقام معهم مدة أيامهم ينشدهم ويسامرهم حتى ماتوا، ثم ~~رثاهم فأكثر من رثائهم؛ فمن ms678 ذلك قوله في جعفر: # كم هاتف بك من باك وباكية # يا طيب للضيف إذ تدعى وللجار # إن يعدم القطر كنت المزن بارقه # لمع الدنانير لا ما خيل الساري # وقوله: # لعمرك ما بالموت عار على الفتى # إذا لم تصبه في الحياة المعاير # 130 # وما أحد حي وإن كان سالما # بأسلم مما غيبته المقابر # ومن كان مما يحدث الدهر جازعا # فلا بد يوما أن يرى وهو صابر # وليس لذي عيش عن الموت مقصر # وليس على الأيام والدهر غابر # وكل شباب أو جديد إلى البلى # وكل امرئ يوما إلى الله صائر # فلا يبعدنك الله عني جعفرا # بروحي ولو دارت علي الدوائر # فآليت لا أنفك أبكيك ما دعت # على فنن ورقاء أو طار طائر # ومن ذلك قوله لما صلب الفضل بن يحيى واجتاز به الرقاشي وهو مصلوب على الجذع، فوقف ~~يبكي ثم قال: # أما والله لولا خوف واش # وعين للخليفة لا تنام # لطفنا حول جذعك واستلمنا # كما للناس بالحجر استلام # فما أبصرت قبلك يابن يحيى # حساما حتفه السيف الحسام # على اللذات والدنيا جميعا # ودولة آل برمك السلام # فكتب أهل الأخبار بذلك إلى الرشيد، فأحضره فقال: ما حملك على ما قلت؟ فقال: يا ~~أمير المؤمنين كان إلي محسنا، فلما رأيته على الحال التي هو عليها حركني إحسانه ~~فما ملكت نفسي حتى قلت الذي قلته؛ قال: وكم كان يجري عليك؟ قال: ألف دينار في كل ~~سنة، قال: إنا قد أضعفناها لك. # ومن قوله يصف جارية: # صفات وحسن أورثا القلب لوعة # تضرم في أحشاء قلب متيم # تمثلها نفسي لعيني فأنثني # عليها بطرف الناظر المتيسم # يحملني حبي لها فوق طاقتي # من الشوق دأب الحائر المتقسم ~~(11) أبو العتاهية # 131 # قال أحمد بن زهير: سمعت مصعب بن عبد الله يقول: أبو العتاهية أشعر الناس، فقلت ~~له: بأي شيء استحق ذلك عندك؟ فقال بقوله: # تعلقت بآمال # طوال أي آمال # وأقبلت على الدنيا # ملحا أي إقبال # أيا هذا تجهز ل # فراق الأهل والمال # فلا بد من الموت # على حال من الحال # ثم ms679 قال مصعب: هذا كلام سهل حق لا حشو فيه ولا نقصان، يعرفه العاقل ويقر به ~~الجاهل. وكان الأصمعي يستحسن قوله: # أنت ما استغنيت عن صا # حبك الدهر أخوه # فإذا احتجت إليه # ساعة مجك فوه # وأنشد له سلم الخاسر: # سكن يبقى له سكن # ما بهذا يؤذن الزمن # نحن في دار يخبرنا # ببلاها ناطق لسن # دار سوء لم يدم فرح # لامرئ فيها ولا حزن # في سبيل الله أنفسنا # كلنا بالموت مرتهن # كل نفس عند ميتتها # حظها من مالها الكفن # إن مال المرء ليس له # منه إلا ذكره الحسن # وقال عبد الله بن عبد العزيز العمري: أشعر الناس أبو العتاهية حيث يقول: # ما ضر من جعل التراب مهاده # ألا ينام على الحرير إذا قنع # وقيل لأبي العتاهية: كيف تقول الشعر؟ قال: ما أردته قط إلا مثل لي، فأقول ما أريد ~~وأترك ما لا أريد. وكان يقول: لو شئت أن أجعل كلامي شعرا كله لفعلت. # حم الرشيد فصار أبو العتاهية إلى الفضل بن الربيع برقعة فيها: # لو علم الناس كيف أنت لهم # ماتوا إذا ما أنت أجمعهم # خليفة الله أنت ترجح بالنا # س إذا ما وزنت أنت وهم # قد علم الناس أن وجهك يغ # ني إذا ما رآه معدمهم # فأنشدها الفضل بن الربيع الرشيد، فأمر بإحضار أبي العتاهية، فما زال يسامره ~~ويحدثه إلى أن برئ، ووصل إليه بذلك السبب مال جليل. وقد حدث ابن الأعرابي بهذا ~~الحديث، فقال له رجل بالمجلس: ما هذا الشعر بمستحق لما قلت؛ قال: ولم؟ قال: لأنه ~~ضعيف؛ فقال ابن الأعرابي، وكان أحد الناس، الضعيف والله عقلك لا شعر أبي العتاهية، ~~ألأبي العتاهية تقول إنه ضعيف الشعر! فوالله ما رأيت شاعرا قط أطبع ولا أقدر على ~~بيت منه، وما أحسب مذهبه إلا ضربا من السحر؛ ثم أنشد له: # قطعت منك حبائل الآمال # وحططت عن ظهر المطي رحالي # ويئست أن أبقى لشيء نلت مم # فيك يا دنيا وأن يبقى لي # فوجدت برد اليأس بين جوانجي # وأرحت من حل ومن ترحال # يأيها ms680 البطر الذي هو من غد # في قبره متمزق الأوصال # حذف المنى عنه المشمر في الهدى # وأرى مناك طويلة الأذيال # حيل ابن آدم في الأمور كثيرة # والموت يقطع حيلة المحتال # ما لي أراك لحر وجهك مخلقا # أخلقت يا دنيا وجوه رجال # قست السؤال فكان أعظم قيمة # من كل عارفة جرت بسؤال # فإذا ابتليت ببذل وجهك سائلا # فابذله للمتكرم المفضال # وإذا خشيت تعذرا في بلدة # فاشدد يديك بعاجل الترحال # واصبر على غير الزمان فإنما # فرج الشدائد مثل حل عقال # ثم قال للرجل: هل تعرف أحدا يحسن أن يقول مثل هذا الشعر؟ فقال له الرجل: يا أبا ~~عبد الله، جعلني الله فداءك، إني لم أردد عليك ما قلت، ولكن الزهد مذهب أبي ~~العتاهية، وشعره في المديح ليس كشعره في الزهد؛ فقال: أفليس الذي يقول في ~~المديح: # وهارون ماء المزن يشفي من الصدى # إذا ما الصدى بالريق غصت حناجره # وأوسط بيت في قريش لبيته # وأول عز في قريش وآخره # وزحف له تحكي البروق سيوفه # وتحكي الرعود القاصفات حوافره # إذا حميت شمس النهار تضاحكت # إلى الشمس فيه بيضه ومغافره # إذا نكب الإسلام يوما بنكبة # فهارون من بين البرية ثائره # ومن ذا يفوت الموت والموت مدرك # كذا لم يفت هارون ضد ينافره # فتخلص الرجل من شر ابن الأعرابي بأن قال له: القول كما قلت، وما كنت سمعت له مثل ~~هذين الشعرين، وكتبهما عنه. # قال ثمامة بن أشرس أنشدني أبو العتاهية: # إذا المرء لم يعتق من المال نفسه # تملكه المال الذي هو مالكه # ألا إنما مالي الذي أنا منفق # وليس لي المال الذي أنا تاركه # إذا كنت ذا مال فبادر به الذي # يحق وإلا استهلكته مهالكه # فقلت له: من أين قضيت بهذا؟ فقال: من قول رسوله الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «إنما لك من مالك ~~ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت». فقلت له: أتؤمن بأن هذا قول رسوله ~~الله # صلى الله عليه وسلم # وأنه الحق؟ قال: نعم؛ قلت: فلم تحبس عندك سبعا وعشرين بدرة ms681 في دارك ~~ولا تأكل منها ولا تشرب ولا تزكي ولا تقدمها ذخرا ليوم فقرك وفاقتك؟ فقال: يا أبا ~~معن، والله إن ما قلت لهو الحق، ولكني أخاف الفقر والحاجة إلى الناس؛ فقلت: وبم ~~تزيد حال من افتقر على حالك وأنت دائم الحرص، دائم الجمع، شحيح على نفسك، لا تشتري ~~اللحم إلا من عيد إلى عيد؟ فترك جواب كلامي كله، ثم قال لي: والله لقد اشتريت في ~~يوم عاشوراء لحما وتوابله وما يتبعه بخمسة دراهم؛ فلما قال هذا القول أضحكني حتى ~~أذهلني عن جوابه ومعاتبته، فأمسكت عنه وعلمت أنه ليس ممن شرح الله صدره ~~للإسلام. # زار مرة عمرو بن مسعدة فحجب عنه، فلزم منزله، فاستبطأه عمرو، فكتب إليه: # كسلني اليأس عنك فما أر # فع طرفي إليك من كسل # إني إذا لم يكن أخي ثقة # قطعت منه حبائل الأمل # وكتب إليه مرة أخرى: # مالك قد حلت عن إخائك واس # تبدلت يا عمرو شيمة كدره # إني إذا الباب تاه حاجبه # لم يك عندي في هجره نظره # 132 # لستم ترجون للحساب ولا # يوم تكون السماء منفطره # لكن لدنيا كالظل بهجتها # سريعة الإنقضاء منشمره # قد كان وجهي لديك معرفة # فاليوم أضحى حرفا من النكره # جلس المهدي للشعراء يوما فأذن لهم، وفيهم بشار وأشجع، وكان أشجع يأخذ عن بشار ~~ويعظمه، وكان في القوم غير هذين أبو العتاهية، قال أشجع: فلما سمع بشار كلام أبي ~~العتاهية قال: يا أخا سليم، أهذا ذلك الكوفي الملقب؟ قلت: نعم، قال: لا جزى الله ~~خيرا من جمعنا معه؛ ثم قال له المهدي: أنشد، فقال: ويحك! أو يستنشد أيضا قبلنا؟ ~~فقلت: قد ترى؛ فأنشد: # ألا ما لسيدتي ما لها # أدلا فأحمل إدلالها # وإلا ففيم تجنت وما # جنيت سقى الله أطلالها # ألا إن جارية للإما # م قد أسكن الحسن سربالها # مشت بين حور قصار الخطا # تجاذب في المشي أكفالها # وقد أتعب الله نفسي بها # وأتعب باللوم عذالها # فقال بشار لأشجع: ويحك يا أخا سليم! ما أدري من أي أمريه أعجب، أمن ضعف، شعره ms682 أم ~~من تشبيبه بجارية الخليفة وهو يسمع ذلك بأذنه؟ حتى أتى على قوله: # أتته الخلافة منقادة # إليه تجرر أذيالها # فلم تك تصلح إلا له # ولم يك يصلح إلا لها # ولو رامها أحد غيره # لزلزلت الأرض زلزالها # ولو لم تطعه بنات القلوب # لما قبل الله أعمالها # وإن الخليفة من بغض «لا» # إليه ليبغض من قالها # فقال بشار لأشجع وقد اهتز طربا: ويحك يا أخا سليم، أترى الخليفة لم يطر عن فراشه ~~طربا لما يأتي به هذا الكوفي! # ولما اتهمه منصور بن عمار بالزندقة، لأنه لا يذكر في شعره الجنة والنار وإنما ~~يذكر الموت، قال فيه: # يا واعظ الناس قد أصبحت متهما # إذ عبت منهم أمورا أنت تأتيها # كالملبس الثوب من عري وعورته # للناس بادية ما إن يواريها # فأعظم الإثم بعد الشرك نعلمه # في كل نفس عماها عن مساويها # عرفانها بعيوب الناس تبصرها # منهم ولا تبصر العيب الذي فيها # وقيل له: زعم الناس أنك زنديق، فقال: والله ما ديني إلا التوحيد، فقيل له قل ~~شيئا يتحدث به عنك، فقال: # ألا إننا كلنا بائد # وأي بني آدم خالد # وبدؤهم كان من ربهم # وكل إلى ربه عائد # فيا عجبا كيف يعصي الإل # ه أم كيف يجحده الجاحد # وفي كل شيء له آية # تدل على أنه واحد # وسمع الجاحظ مرة من ينشد أرجوزة أبي العتاهية التي سماها «ذوات الأمثال» حتى أتى ~~على قوله: # يا للشباب المرح التصابي # روائح الجنة في الشباب # فقال للمنشد: قف، ثم قال: انظروا إلى قوله «روائح الجنة في الشباب» فإن له معنى ~~كمعنى الطرب لا يقدر على معرفته إلا القلوب، وتعجز عن ترجمته الألسنة إلا بعد ~~التطويل وإدامة التفكير، وخير المعاني ما كان القلب إلى قبوله أسرع من اللسان إلى ~~وصفه. وهذه الأرجوزة من بدائع أبي العتاهية، ويقال: إن فيها أربعة آلاف مثل، منها ~~قوله: # حسبك مما تبتغيه القوت # ما أكثر القوت لمن يموت # الفقر فيما جاوز الكفافا # من اتقى الله رجا وخافا # هي المقادير فلمني أو فذر # إن كنت أخطأت ms683 فما أخطا القدر # لكل ما يؤذي وإن قل ألم # ما أطول الليل على من لم ينم # ما انتفع المرء بمثل عقله # وخير ذخر المرء حسن فعله # إن الفساد ضده الصلاح # ورب جد جره المزاح # من جعل النمام عينا هلكا # مبلغك الشر كباغيه لكا # إن الشباب والفراغ والجده # مفسدة للمرء أي مفسده # يغنيك عن كل قبيح تركه # يرتهن الرأي الأصيل شكه # ما عيش من آفته بقاؤه # نغص عيشا كله فناؤه # يا رب من أسخطنا بجهده # قد سرنا الله بغير حمده # ما تطلع الشمس ولا تغيب # إلا لأمر شأنه عجيب # لكل شيء معدن وجوهر # وأوسط وأصغر وأكبر # من لك بالمحض وكل ممتزج # وساوس في الصدر منه تعتلج # وكل شيء لاحق بجوهره # أصغره متصل بأكبره # ما زالت الدنيا لنا دار أذى # ممزوجة الصفو بألوان القذى # الخير والشر بها أزواج # لذا نتاج ولذا نتاج # من لك بالمحض وليس محض # يخبث بعض ويطيب بعض # لكل إنسان طبيعتان # خير وشر وهما ضدان # إنك لو تستنشق الشحيحا # وجدته أنتن شيء ريحا # والخير والشر إذا ما عدا # بينهما بون بعيد جدا # عجبت حتى غمني السكوت # صرت كأني حائر مبهوت # كذا قضى الله فكيف أصنع # الصمت إن ضاق الكلام أوسع # ومن قول أبي العتاهية في الوحدة والتبرم بالناس: # برمت بالناس وأخلاقهم # فصرت أستأنس بالوحده # ما أكثر الناس لعمري وما # أقلهم في حاصل العده # قال الأصمعي: شعر أبي العتاهية كساحة الملوك، يقع فيها الجوهر والذهب والتراب ~~والخزف والنوى. # كان أبو العتاهية لا يفارق الرشيد في سفر ولا حضر إلا في طريق الحج، وكان يجري ~~عليه في كل سنة خمسين ألف درهم سوى الجوائز والمعاون، فلما قدم الرشيد الرقة لبس ~~أبو العتاهية الصوف وتزهد، وترك حضور المنادمة والقول في الغزل، وأمر الرشيد بحبسه ~~فحبس، فكتب إليه من وقته: # أنا اليوم لي والحمد لله أشهر # يروح علي الهم منكم ويبكر # تذكر أمين الله حقي وحرمتي # وما كنت توليني كذلك يذكر # ليالي تدني منك بالقرب مجلسي # ووجهك من ماء البشاشة يقطر # فمن لي ms684 بالعين التي كنت مرة # إلي بها في سالف الدهر تنظر # فلما قرأ الرشيد الأبيات قال: قولوا له: لا بأس عليك؛ فكتب إليه: # أرقت وطار عن عيني النعاس # ونام السامرون ولم يواسوا # أمين الله أمنك خير أمن # عليك من التقى فيه لباس # تساس من السماء بكل بر # وأنت به تسوس كما تساس # كأن الخلق ركب فيه روح # له جسد وأنت عليه راس # أمين الله إن الحبس باس # وقد أرسلت: ليس عليك باس # وكتب إليه أيضا في الحبس: # وكلفتني ما حلت بيني وبينه # وقلت سأبغي ما تريد وما تهوى # فلو كان لي قلبان كلفت واحدا # هواك وكلفت الخلي لما يهوى # فأمر بإطلاقه. # كان الهادي واجدا على أبي العتاهية لملازمته أخاه هارون في خلافة المهدي، فلما ~~ولى موسى الخلافة قال أبو العتاهية يمدحه: # يضطرب الخوف والرجاء إذا # حرك موسى القضيب أو فكر # ما أبين الفضل في مغيب وما # أورد من رأيه وما أصدر # فكم ترى عز عند ذلك من # معشر قوم وذل من معشر # يثمر من مسه القضيب ولو # يمسه غيره لما أثمر # من مثل موسى ومثل والده ال # مهدي أو جده أبي جعفر # فرضي عنه. فلما دخل عليه أنشده: # لهفي على الزمن القصير # بين الخورنق والسدير # إذ نحن في غرف الجنا # ن نعوم في بحر السرور # في فتية ملكوا عنا # ن الدهر أمثال الصقور # ما منهم إلا الجسو # ر على الهوى غير الحصور # يتعاورون مدامة # صهباء من حلب العصير # عذراء رباها شعا # ع الشمس في حر الهجير # لم تدن من نار ولم # يعلق بها وضر القدور # ومقرطق يمشي أما # م القوم كالرشأ الغرير # بزجاجة تستخرج الس # ر الدفين من الضمير # زهراء مثل الكوكب الد # ري في كف المدير # تدع الكريم وليس يد # ري ما قبيل من دبير # ومخصرات زرننا # بعد الهدو من الخدور # ريا رواد فهن يل # بسن الخواتم في الخصور # غر الوجوه محجا # ت قاصرات الطرف حور # متنعمات في النع # يم مضمخات بالعبير # يرفلن في حلل المحا # سن والمجاسد والحرير # ما ms685 إن يرين الشمس إلا # القرط من خلل الستور # وإلى أمين الله مه # ربنا من الدهر العثور # وإليه أتعبنا المطا # يا بالرواح وبالبكور # صعر الخدود كأنما # جنحن أجنحة النسور # متسربلات بالظلا # م على السهولة والوعور # حتى وصلن بنا إلى # رب المدائن والقصور # ما زال قبل فطامه # في سن مكتهل كبير # استنشده المأمون أحسن ما قال في الموت فأنشده: # أنساك محياك المماتا # فطلبت في الدنيا الثباتا # أوثقت بالدنيا وأن # ت ترى جماعتها شتاتا # وعزمت منك على الحيا # ة وطولها عزما بتاتا # يا من رأى أبويه في # من قد رأى كانا فماتا # هل فيهما لك عبرة # أم خلت أن لك انفلاتا # ومن الذي طلب التفل # ت من منيته ففاتا # كل تصبحه المني # ة أو تبيته بياتا # دخل أبو العتاهية على المأمون فأنشده: # ما أحسن الدنيا وإقبالها # إذا أطاع الله من نالها # من لم يواس الناس من فضلها # عرض للإدبار إقبالها # فقال له المأمون: ما أجود البيت الأول، فأما الثاني فما صنعت فيه شيئا، الدنيا ~~تدبر عمن واسى منها أو ضن بها، وإنما توجب السماحة بها الأجر والضن بها الوزر، ~~فقال: صدقت يا أمير المؤمنين، أهل الفضل أولى بالفضل وأهل النقص أولى بالنقص، فلما ~~كان بعد أيام عاد فأنشده: # كم غافل أودى به الموت # لم يأخذ الأهبة للفوت # من لم تزل نعمته قبله # زال عن النعمة بالموت # فقال له: أحسنت، طيبت المعنى، وأمر له بعشرين ألف درهم. # كان أبو العتاهية يحج كل سنة، فإذا قدم أهدى إلى المأمون بردا ومطرفا ونعلا ~~سوداء ومساويك أراك، فيبعث إليه بعشرين ألف درهم، فأهدى مرة له كما كان يهدي كل سنة ~~إذا قدم، فلم يثبه ولا بعث إليه بالوظيفة، فكتب إليه أبو العتاهية: # خبروني أن من ضرب السنه # جددا بيضا وصفرا حسنه # أحدثت لكنني لم أرها # مثل ما كنت أرى كل سنه # فأمر المأمون بحمل العشرين الألف وقال: أغفلناه حتى ذكرنا. # أنشد المأمون بيت أبي العتاهية يخاطب سلما الخاسر: # تعالى الله يا سلم بن عمرو # أذل الحرص أعناق ms686 الرجال # فقال المأمون: إن الحرص لمفسد للدين والمروءة، والله ما عرفت من رجل قط حرصا ولا ~~شرها فوجدت فيه مصطنعا، فبلغ ذلك سلما فقال: ويلي على الجرار الزنديق جمع الأموال ~~وكنزها وعبأ البدور في بيته ثم تزهد مراءاة ونفاقا، فأخذ يهتف بي إذا تصديت ~~للطلب. # كان الرشيد مما يعجبه غناء الملاحين في الزلالات إذا ركبها، وكان يتأذى بفساد ~~كلامهم ولحنهم، فقال: قولوا لمن معنا من الشعراء: يعملوا لهؤلاء شعرا يغنون فيه، ~~فقيل: ليس أحد أقدر على هذا من أبي العتاهية وهو في الحبس، فوجه إليه الرشيد: قل ~~شعرا حتى أسمعه منهم، ولم يأمر بإطلاقه، فغاظه ذلك وقال: والله لأقولن شعرا يحزنه ~~ولا يسر به، فعمل شعرا ودفعه إلى من حفظه من الملاحين، فلما ركب الحراقة سمعه، ~~وهو: # خانك الطرف الطموح # أيها القلب الجموح # لدواعي الخير والش # ر دنو ونزوح # هل لمطلوب بذنب # توبة منه نصوح # كيف إصلاح قلوب # إنما هن قروح # أحسن الله بنا # إن الخطايا لا تفوح # فإذا المستور منا # بين ثوبيه فضوح # كم رأينا من عزيز # طويت عنه الكشوح # صاح منه برحيل # صائح الدهر الصدوح # موت بعض الناس في الأر # ض على قوم فتوح # سيصير المرء يوما # جسدا ما فيه روح # بين عيني كل حي # علم الموت يلوح # كلنا في غفلة وال # موت يغدو ويروح # لبني الدنيا من الدن # يا غبوق وصبوح # رحن في الوشى وأصبح # ن عليهن المسوح # كل نطاح من الده # ر له يوما نطوح # نح على نفسك يا مس # كين إن كنت تنوح # لتموتن وإن عم # رت ما عمر نوح # فلما سمع ذلك الرشيد جعل يبكي وينتحب، وكان الرشيد من أغزر الناس دموعا في وقت ~~الموعظة، وأشدهم عسفا في وقت الغضب والغلظة؛ فلما رأى الفضل بن الربيع كثرة بكائه ~~أومأ إلى الملاحين أن يسكتوا. # لما عقد الرشيد العهد لبنيه الثلاثة: الأمين والمأمون والمؤتمن، قال أبو ~~العتاهية: # رحلت عن الربع المحيل قعودي # إلى ذي زحوف جمة وجنود # وراع يراعي الليل في حفظ أمة # يدافع عنها الشر ms687 غير رقود # بألوية جبريل يقدم أهلها # ورايات نصر حوله وبنود # تجافى عن الدنيا وأيقن أنها # مفارقة ليست بدار خلود # وشد عرى الإسلام منه بفتية # ثلاثة أملاك ولاة عهود # هم خير أولاد لهم خير والد # له خير آباء مضت وجدود # بنو المصطفى هارون حول سريره # فخير قيام حوله وقعود # تقلب ألحاظ المهابة بينهم # عيون ظباء في قلوب أسود # جدودهم شمس أتت في أهلة # تبدت لراء في نجوم سعود # فوصله الرشيد بصلة ما وصل مثلها شاعرا قط. ~~(12) مسلم # 133 # بن الوليد أحد الشعراء المفلقين والبلغاء المبدعين # قال الشعر في صباه، ولم يتجاوز به الأمراء والرؤساء، مكتفيا بما يناله من قليل ~~العطاء، وينفقه على ملاذه مع إخوانه من خلعاء الشعر، ثم انقطع إلى يزيد بن مزيد ~~الشيباني قائد الرشيد، ثم اتصل بالخليفة هارون الرشيد وعد من شعرائه، ومدحه ومدح ~~البرامكة وحسن رأيهم فيه. ولما أصبح الحل والعقد بيد ذي الرياستين الفضل بن سهل ~~وزير المأمون في أول خلافته قربه وأدناه: لأنه كان من خاصته قبل وزارته، وولاه ~~أعمالا بجرجان اكتسب منها ألف ألف درهم ثم لزم منزله إلى أن أنفقها في اللذات، ~~وعاد إلى الفضل فقلده الضياع بأصبهان فاكتسب منها ألف ألف أيضا. ولما قتل الفضل ~~لزم منزله ونسك ولم يمدح أحدا إلى أن مات بجرجان. # ومسلم أول من تكلف البديع في شعره واستكثر منه في قوله، وسبقه بشار إلى ذلك إلا ~~أنه لم يبلغ شأو مسلم فيه. وقد عد العلماء هذا التصنع والتكلف إفسادا للشعر، إذ قد ~~تبعه في ذلك الشعراء مثل البحتري وأبي تمام وابن المعتز وغيرهم. # وقد مزج مسلم كلام البدويين بكلام الحضريين، فضمنه المعاني اللطيفة، وكساه ~~الألفاظ الظريفة، فله جزالة البدويين، ورقة الحضريين. # لقي مسلم أبا نواس فقال له: ما أعرف لك بيتا إلا فيه سقط؛ قال له: فما تحفظ من ~~ذلك؟ قال: قل أنت ما شئت حتى أريك سقطك فيه؛ فأنشد: # ذكر الصبوح بسحرة فارتاحا # وأمله ديك الصباح صياحا # فقال له مسلم: فلم أمله وهو الذي أذكره وبه ms688 ارتاح؟ فقال أبو نواس: فأنشدني شيئا ~~من شعرك ليس فيه خلل؛ فأنشده مسلم: # عاصى الشباب فراح غير مفند # وأقام بين عزيمة وتجلد # فقال له أبو نواس: قد جعلته رائحا مقيما في حالة واحدة وبيت واحد، فتشاغبا ~~وتسابا ساعة. وكلا البيتين صحيح المعنى. # اجتمع أصحاب المأمون عنده يوما فأفاضوا في ذكر الشعر والشعراء، فقال له بعضهم: ~~أين أنت يا أمير المؤمنين من مسلم بن الوليد؟ قال: حيث يقول ماذا؟ قال: حيث يقول ~~وقد رثى رجلا: # أرادوا ليخفوا قبره عن عدوه # فطيب تراب القبر دل على القبر # وحيث مدح رجلا بالشجاعة فقال: # يجود بالنفس إذ ضن الجواد بها # والجود بالنفس أقصى غاية الجود # وهجا رجلا بقبح الوجه والأخلاق فقال: # قبحت مناظره فيحن خبرته # حسنت مناظره لقبح المخبر # وتغازل فقال: # هوى يجد وحبيب يلعب # أنت لقى بينهما معذب # فقال المأمون: هذا أشعر من خضتم اليوم في ذكره. # قال يزيد بن مزيد: أرسل إلي الرشيد يوما في وقت لا يرسل فيه إلى مثلي، فأتيته ~~لابسا سلاحي مستعدا لأمر إن أراده مني، فلما رآني ضحك إلي ثم قال: يا يزيد، خبرني ~~من الذي يقول فيك: # تراه في الأمن في درع مضاعفة # لا يأمن الدهر أن يدعى على عجل # ضافي العنان طموح العين همته # فك العناة وأسر الفاتك الخطل # فقال: لا أعرفه يا أمير المؤمنين، فقال: سوءة لك من سيد قوم يمدح بمثل هذا الشعر ~~ولا يعرف قائله، وقد بلغ أمير المؤمنين فرواه ووصل قائله، وهو مسلم بن الوليد! ~~فانصرفت فدعوت به ووصلته ووليته. # وروي أنه دخل على الرشيد فقال له: يا يزيد، من الذي يقول فيك : # لا يعبق الطيب خديه ومفرقه # ولا يمسح عينيه من الكحل # إذا انتضى سيفه كانت مسالكه # مسالك الموت في الأبدان والقلل # وإن خلت بحديث النفس فكرته # حي الرجاء ومات الخوف من وجل # كالليث إن هجته فالموت راحته # لا يستريح إلى الأيام والدول # فقال: لا أعرف قائله يا أمير المؤمنين، فقال له هارون: أيقال فيك مثل هذا الشعر ~~ولا تعرف قائله! ms689 فخرج من عنده خجلا، فلما صار إلى منزله دعا حاجبه فقال له: من ~~بالباب من الشعراء؟ قال: مسلم بن الوليد؛ قال: وكيف حجبته عني، فلم تعلمني بمكانه! ~~فقال: أخبرته أنك مضيق، وأنه ليس في يديك شيء تعطيه إياه، وسألته الإمساك والمقام ~~أياما إلى أن تتسع؛ فأنكر ذلك وقال: أدخله، فأدخله إليه، فأنشده قوله فيه: # أجررت # 134 # حبل خليع في الصبا غزل # وشمرت همم العذال في عذلي # هاج البكاء على العين الطموح # 135 # هوى # مفرق بين توديع ومحتمل # كيف السلو لقلب راح مختبلا # يهذي بصاحب قلب غير مختبل # عاصى العزاء غداة البين منهمل # من الدموع جرى في إثر منهمل # لولا مداراة دمع العين لانكشف # مني سرائر لم تظهر ولم تخل # 136 # أما كفى البين أن أرمى بأسهمه # حتى رماني بلحظ الأعين النجل # مما جنى لي وإن كانت منى صدقت # صبابة خلس التسليم بالمقل # ماذا على الدهر لو لانت عريكته # ورد في الرأس مني سكرة الغزل # جرم الحوادث عندي أنها اختلست # مني بنات غذاء الكرم والكلل # 137 # ورب يوم من اللذات محتضر # 138 # قصرته بلقاء الراح والخلل # وليلة خلست للعين من سنة # هتكت فيها الصبا عن بيضة الحجل # قد كان دهري وما بي اليوم من كبر # شرب المدام وعزف القينة العطل # إذا شكوت إليها الحب خفرها # 139 # شكواي فاحمر خداها من الخجل # كم قد قطعت وعين الدهر راقدة # أيامه بالصبا واللهو والجذل # وطيب الفرع أصفاني مودته # كافأته بمديح فيه منتخل # 140 # وبلدة لمطايا الركب منضية # 141 # أنضيتها بوجيف الأنيق الذلل # فيم المقام وهذا النجم # 142 # معترضا # دنا النجاء وحان السير فارتحل # يا مائل الرأس إن الليث مفترس # ميل الجماجم والأعناق فاعتدل # حذار من أسد ضرغامة بطل # لا يولغ السيف إلا مهجة البطل # لولا يزيد لأضحى الملك مطردا # 143 # أو مائل السمك أو مسترخي الطول # سل الخليفة سيفا من بني مطر # أقام قائمه من كان ذا ميل # كم صائل في ذرا تمهيد مملكة # لولا يزيد بني شيبان لم يصل # ناب الإمام الذي يفتر ms690 عنه إذا # ما افترت الحرب عن أنيابها العصل # من كان يختل قرنا عند موقفه # فإن قرن يزيد غير مختتل # سد الثغور يزيد بعد ما انفرجت # بقائم السيف لا بالختل والحيل # كم قد أذاق حمام الموت من بطل # حامي الحقيقة لا يؤتى من الوهل # أغر أبيض يغشى البيض أبيض لا # يرضى لمولاه يوم الروع بالفشل # يغشى الوغى وشهاب الموت في يده # يرمي الفوارس والأبطال بالشعل # يفتر عند افترار الحرب مبتسما # إذا تغير وجه الفارس البطل # موف على مهج واليوم ذو رهج # كأنه أجل يسعى إلى أمل # ينال بالرفق ما يعيا الرجال به # كالموت مستعجلا يأتي على مهل # لا يلقح الحرب إلا ريث ينتجها # من هالك وأسير غير مختتل # إن شيم بارقه حالت خلائقه # بين العطية والإمساك والعلل # يغشي المنايا المنايا ثم يفرجها # عن النفوس مطلات على الهبل # 144 # لا يرحل الناس إلا نحو حجرته # كالبيت # 145 # يضحي إليه ملتقى السبل # يقري المنية أرواح الكماة كما # يقري الضيوف شحوم الكوم والبزل # 146 # يكسو السيوف دماء الناكثين به # ويجعل الهام تيجان القنا الذبل # يغدو فتغدو المنايا في أسنته # شوارعا تتحدى الناس بالأجل # إذا طغت فئة عن غب طاعتها # عبى لها الموت بين البيض والأسل # قد عود الطير عادات وثقن بها # فهن يتبعنه في كل مرتحل # تراه في الأمن في درع مضاعفة # لا يأمن الدهر أن يدعى على عجل # ضافي العنان طموح العين همته # فك العناة # 147 # وأسر الفاتك الخطل # لا يعبق الطيب خديه ومفرقه # ولا يمسح عينيه من الكحل # إذا انتضى سيفه كانت مسالكه # مسالك الموت في الأبدان والقلل # وإن خلت بحديث النفس فكرته # حي الرجاء ومات الخوف من وجل # كالليث إن هجته فالموت راحته # لا يستريح إلى الأيام والدول # إن الحوادث لما رمن هضبته # 148 # أزمعن عن جار شيبان بمنتقل # فالدهر يغبط أولاه أواخره # إذ لم يكن كان في أعصاره الأول # إذا الشريكي # 149 # لم يفخر على أحد # تكلم الفخر عنه غير منتحل # لا تكذبن فإن الحلم معدنه # وراثة في بني شيبان ms691 لم تزل # سلوا السيوف فأغشوا من يحار بهم # خبطا بها غير ما نكل ولا وكل # الزائديون قوم في رماحهم # خوف المخيف وأمن الخائف الوجل # كبيرهم لا تقوم الراسيات له # حلما وطفلهم في هدى مكتهل # اسلم يزيد فما في الدين من أود # إذا سلمت وما في الملك من خلل # أثبت سوق بني الإسلام فاطأدت # 150 # يوم الخليج وقد قامت على زلل # لولا دفاعك بأس الروم إذ بكرت # عن # 151 # عترة الدين لم تأمن من الثكل # ويوسف # 152 # البرم قد صبحت عسكره # بعسكر يلفظ الأقدار ذي زجل # غافصته # 153 # يوم عبر النهر مهلته # وكان محتجزا في الحرب بالمهل # والمارق ابن طريف # 154 # قد دلفت له # بعسكر للمنايا مسبل هطل # لما رآك مجدا في منيته # وأن دفعك لا يسطاع بالحيل # شام النزال فأبرقت اللقاء له # مقدم الخطو فيها غير متكل # ماتوا وأنت غليل في صدورهم # وكان سيفك يستشفي من الغلل # لو أن غير شريكي أطاف به # فاز الوليد بقدح الناضل # 155 # الخصل # وقمت بالدين يوم الرس # 156 # فاعتدلت # منه قوائم قد أوفت على ميل # ما كان جمعهم لما لقيتهم # إلا كمثل نعام ريع منجفل # تابوا ولو لم يتوبوا من ذنوبهم # لآب جيشك بالأسرى وبالنفل # كم آمن لك نائي الدار ممتنع # أخرجته من حصون الملك والخول # يأبى لك الذم في يوميك إن ذكرا # عضب حسام وعرض غير مبتذل # ومارقين غزاة من بيوتهم # لا ينكلون ولا يؤتون من نكل # خلفت أجسادهم والطير عاكفة # فيها وأقفلتهم هاما مع القفل # فافخر فما لك في شيبان من مثل # كذاك ما لبنى شيبان من مثل # كم مشهد لك لا تحصى مآثره # قسمت فيه كرزق الإنس والخبل # لله من هاشم في أرضه جبل # وأنت وابنك ركنا ذلك الجبل # قد أعظموك فما تدعي لهينة # إلا لمعضلة تستن # 157 # بالعضل # يا رب مكرمة أصبحت واحدها # أعيت صناديد راموها فلم تنل # تشاغل الناس بالدنيا وزخرفها # وأنت من بذلك المعروف في شغل # أقسمت ما ذب عن جدواك طالبها # ولا دفعت اعتزام الجد بالهزل # يأبى ms692 لسانك منع الجود سائله # فما يلجلج بين الجود والبخل # صدقت ظني وصدقت الظنون به # وحط جودك عقد الرحل عن جملي # فقال له يزيد: قد أمرنا لك بخمسين ألف درهم فاقبضها واعذر؛ فخرج الحاجب فقال ~~لمسلم: قد أمرني أن أرهن ضيعة من ضياعه على مائة ألف درهم: خمسون ألفا منها لك ~~وخمسون ألفا لنفقته، فأعطاه إياها. وكتب صاحب الخبر بذلك إلى الرشيد، فأمر ليزيد ~~بمائتي ألف درهم وقال: اقض الخمسين ألفا التي أخذها الشاعر وزده مثلها، وخذ مائة ~~ألف لنفقتك، فافتك ضيعته وأعطى مسلما خمسين ألفا أخرى. ولما أنشده «لا يعبق ~~الطيب» البيت. قال لجاريته: حرم علينا مسلم الطيب. # كان دواد بن يزيد بن حاتم المهلبي يجلس للشعراء في السنة مجلسا واحدا، فيقصدونه ~~لذلك اليوم وينشدونه، فوجه إليه مسلم راويته بقصيدته التي أولها: «لا تدع بي ~~الشوق» فقدم عليه يوم جلوسه للشعراء ولحقه بعقب خروجهم عنه، فتقدم إلى الحاجب وحسر ~~لثامه عن وجهه، ثم قال له: استأذن لي على الأمير؛ قال: ومن أنت؟ قال: شاعر، قال: قد ~~انصرم وقتك وانصرف الشعراء وهو على القيام؛ فقال له: ويحك! إني قد وفدت على الأمير ~~بشعر ما قالت العرب مثله، وكان مع الحاجب أدب يفهم به ما يسمع، فقال: هات حتى أسمع، ~~فإن كان الأمر كما ذكرت أوصلتك إليه؛ فأنشده بعض القصيدة، فسمع شيئا يقصر عنه ~~الوصف، فدخل على دواد فقال له: قدم على الأمير شاعر بشعر ما قيل فيك مثله؛ فقال: ~~أدخل قائله؛ فلما مثل بين يديه سلم وقال: قدمت على الأمير - أعزه الله - بمدح يسمعه ~~فيعلم تقدمي على غيري ممن امتدحه؛ فقال: هات، فلما افتتح القصيدة وقال: «لا تدع بي ~~الشوق» استوى جالسا وأطرق حتى أتى الرجل على آخر الشعر، ثم رفع رأسه إليه فقال: ~~أهذا شعرك ؟ قال: نعم أيها الأمير؛ قال: في كم قلته يا فتى؟ قال: في أربعة أشهر ~~أبقاك الله؛ قال: لو قلته في ثمانية أشهر لكنت محسنا، وقد اتهمتك، لجودة شعرك ~~وخمول ذكرك، فإن كنت قائل هذا الشعر ms693 فقد أنظرتك أربعة أشهر في مثله، وأمرت بالإجراء ~~عليك، فإن جئتنا بمثل هذا الشعر وهبت لك مائة ألف درهم وإلا حرمتك، فقال: أو ~~الإقالة أعز الله الأمير، قال: قد أقلتك؛ قال: الشعر لمسلم بن الوليد وأنا راويته ~~والوافد عليك بشعره؛ فقال: أنا ابن حاتم، إنك لما افتتحت شعره فقلت: «لا تدع بي ~~الشوق إني غير معمود» سمعت كلام مسلم يناديني، فأجبت نداءه واستويت جالسا؛ ثم قال: ~~يا غلام، أعطه عشرة آلاف درهم، واحمل الساعة إلى مسلم مائة ألف درهم. وهذه هي ~~القصيدة: # لا تدع بي الشوق إني غير معمود # نهى النهى عن هوى الهيف الرعاديد # 158 # لو شئت لا شئت راجعت الصبا ومشت # في العيون وفاتتني بمجلود # 159 # سل ليلة الخيف هل أمضيت آخرها # بالراح تحت نسيم الخرد الغيد # شججتها بلعاب المزن فاغتزلت # 160 # نسجين من بين محلول ومعقود # كلا الجديدين قد أطعمت حبرته # 161 # لو آل حي إلى عمر وتخليد # أهلا بوافدة للشيب واحدة # وإن تراءت بشخص غير مودود # لا أجمع الحلم والصهباء قد سكنت # نفسي إلى الماء عن ماء العناقيد # لم ينهني فند # 162 # عنها ولا كبر # لكن صحوت وغصني غير مخضود # أوفى بي الحلم واقتاد النهى طلقا # شأوي وعفت الصبا من غير تفنيد # إذا تجافت بي الهمات عن بلد # نازعت أرضا ولم أحفل بتمهيد # لا تطبيني # 163 # المنى عن جهد مطلب # ولا أحول لشيء غير موجود # ومجهل كاطراد السيف محتجز # عن الأدلاء مسجور الصياخيد # تمشي الرياح به حسري مولهة # حيرى تلوذ بأطراف الجلاميد # موقف المتن لا تمضي السبيل به # إلا التخلل ريثا بعد تجهيد # قريته الوخد من خطارة # 164 # سرح # تفري الفلاة بإرقال وتوخيد # إليك بادرت إسفار الصباح بها # من جنح ليل رحيب الباع ممدود # وبلدة ذات غول لا سبيل بها # إلا الظنون وإلا مسرح السيد # كأن أعلامها والآل يركبها # بدن توافي بها نذر إلى عيد # كلفت أهولها عينا مؤرقة # إليك لولاك لم تكحل بتسهيد # حتى أتتك بي الآمال مطلعا # لليسر عندك في سربال محسود # من بعد ms694 ما ألقت الأيام لي عرضا # ملقى رهين # 165 # لحد السيف مصفود # وساورتني بنات الدهر فامتحنت # ربعي بممحلة # 166 # شهباء جارود # إلى بني حاتم أدى ركائبنا # خوض الدجى وسرى المهرية القود # تطوي النهار فإن ليل تخمطها # 167 # باتت تخمط هامات القراديد # مثل السمام # 168 # بعيدات المقيل إذا # ألقى الهجير يدا في كل صيخود # حلت بداود فامتاحت وأعجلها # حذو النعال على أين وتحريد # 169 # أعطي فأفنى المنى أدنى عطيته # وأرهق الوعد نجحا غير منكود # والله أطفأ نار الحرب إذ سعرت # شرقا بموقدها في الغرب داود # لم يأت أمرا ولم يظهر على حدث # إلا أعين بتوفيق وتسديد # موحد الرأي تنشق الظنون له # عن كل ملتبس منها ومعقود # تمنى الأمور له من نحو أوجهها # وإن سلكن سبيلا غير مورود # إذا أباحت حمى قوم عقوبته # غادى له العفو قوما بالمراصيد # كالليث بل مثله الليث الهصور إذا # غنى الحديد غناء غير تغريد # يلقى المنية في أمثال عدتها # كالسيل يقذف جلمودا بجلمود # إن قصر الرمح لم يمش الخطا عددا # أو عرد السيف لم يهمم بتعريد # إذا رعى بلدا دانى مناهله # وإن بنين على شحط وتبعيد # جرى فأدرك لم يعنف بمهلته # واستودع البهر # 170 # أنفاس المجاويد # آل المهلب قوم لا يزال لهم # رق الصريح # 171 # وأسلاب المذاويد # مظفرون تصيب الحرب أنفسهم # إذا الفرار تمطى بالمحاييد # 172 # نجل مناجيب لم يعدم تلادهم # فتى يرجى لنقض أو لتوكيد # قوم إذا هدأة # 173 # شامت سيوفهم # فإنها عقل الكوم المقاحيد # نفسي فداؤك يا دواد إذ علقت # أيدي الردى بنواصي الضمر القود # داويت من دائها كرمان وانتصفت # بك المتون لأقوام مجاهيد # ملأتها فزعا أخلى معاقلها # من كل أبلخ # 174 # سامي الطرف صنديد # لما نزلت على أدنى بلادهم # ألقى إليك الأقاصي بالمقاليد # لمستهم بيد للعفو متصل # بها الردى بين تليين وتشديد # أتيتهم من وراء الأمن مطلعا # بالخيل تردي بأبطال مناجيد # وطار في إثر من طار الفرار به # خوف يعارضه في كل أخدود # فاتوا الردى وظبات الموت تنشدهم # وأنت نصب المنايا غير منشود # ولو تلبث ms695 ديان # 175 # لها رويت # منه ولكن شآها عدو مزءود # أحرزه أجل ما كاد يحرزه # فمر يطوى على أحشاء مفئود # 176 # ورأس مهران قد ركبت قلته # لدنا كفاه مكان الليت والجيد # قد كان في معزل حتى بعثت له # أم المنية في أبنائها الصيد # أجن أم أسلمته الفاضحات إلى # حد من السيف من يعلق به يود # ألحقته صاحبيه فاستمر بهم # ضرب يفرق ضبات # 177 # القماحيد # أعذر # 178 # من فر من حرب صبرت لها # يوم الحصين شعار غير مجحود # يوم استضبت سجستان # 179 # طوائفها # عليك من طالب وترا ومحقود # ناهضتهم ذائد الإسلام تقرعهم # عنه ثلاث ومثنى بالمواحيد # تجود بالنفس إذ أنت الضنين بها # والجود بالنفس أقصى غاية الجود # تلك الأزارق إذ ضل الدليل بها # لم يخطها القصد من أسياف داود # كان الحصين يرجى أن يفوز بها # حتى أخذت عليه بالأخاديد # ما زال يعنف بالنعمى ويغمطها # حتى استقل به عود على عود # وضعته حيث ترتاب # 180 # الرياح به # وتحسد الطير فيه أضبع البيد # تغدو الضواري فترميه بأعينها # تستنشق الجو أنفاسا بتصعيد # يتبعن أفياءه # 181 # طورا وموقعه # يلغن في علق منه وتجسيد # فكان فارط قوم حان مكرعهم # بأرض زادان شتى في المواريد # يوم جراشة إذ شيبان موجفة # 182 # ينجون منك بشلو منه مقدود # زاحفته بابن سفيان فكان له # ثناء يوم بظهر الغيب مشهود # نجا قليلا ووافى زجر عائفه # بيومه طير منحوس ومسعود # ولى وقد جرعت منه القنا جرعا # حي المخافة ميتا غير مودود # زالت حشاشته عن صدر معتدل # دانى الكعوب بعيد الصدر أملود # 183 # إذا السيوف أصابته تقطع في # سرادق بحوامي الخيل ممدود # يفدي بما نحلته من خلافته # حشاشة الركض من جرداء قيدود # 184 # حل اللواء وخال الخدر عائذه # فعاذ بالخدر ترب الكاعب الرود # وإن يكن شبها حربا وقد خمدت # فنائيا حيث لا هيد ولا هيد # 185 # كل مثلت به في مثل خطته # قتلا وأضجعته في غير ملحود # عافوا رضاك فعاقتهم بعقوتهم # 186 # عن الحياة مناياهم لموعود # وأنت بالسند إذ هاج الصريخ بها # واستنفدت حربها ms696 كيد المكاييد # واستغزر القوم كأسا من دمائهم # وأحدق الموت بالكرار والحيد # رددت أهمالها # 187 # القصوى مخيسة # وشمت بالبيض عورات المراصيد # كنت المهلب حتى شك عالمهم # ثم انفردت ولم نسبق بتسويد # لم تقبل السلم إلا بعد مقدرة # ولا تألفت إلا بعد تبديد # حتى أجابوك من مستأمن حذر # راج ومنتظر حتفا ومثمود # أهدي إليك على الشحناء ألفتهم # موت تفرق في شتى عباديد # وفي يديك بقايا من سراتهم # هم لديك على وعد وتوعيد # إن تعف عنهم فأهل العفو أنت وإن # تمض العقاب فأمر غير مردود # اسمع فإنك قد هيجت ملحمة # وفدت منها بأرواح الصناديد # اقذف أبا مالك فيها يكنك بها # ويسع فيها بجد منك مجدود # يمضي بعزمك أو يجري بشأوك أو # يفري بحدك كل غير محدود # لا يعدمنك حمى الإسلام من ملك # أقمت قلته من بعد تأويد # كفيت في الملك حتى لم يقف أحد # على ضياع ولم يحزم لمفقود # أعطيتهم منك نصحا لا كفاء له # وأيدوك بركن غير مهدود # لم يبعث الدهر يوما بعد ليلته # إلا انبعثت له بالبأس والجود # أجرى لك الله أيام الحياة على # فعل حميد وجد غير منكود # لا يفقد الدين خيلا أنت قائدها # يعهدن في كل ثغر غير معهود # محملات إذا آبت غنائمها # ومقدمات على نصر وتأييد # هناك أنك مغدى كل ملتمس # جودا وأنك مأوى كل مطرود # تستأنف الحمد في دهر أوائله # موسومة بفعال منك محمود # إذا عزمت على أمر بطشت به # وإن أنلت فنيلا غير تصريد # عودت نفسك عادات خلقت لها # صدق الحديث وإنجاز المواعيد # دخل الوليد على الفضل بن سهل لينشده شعرا، فقال له: أيها الكهل، إني أجلك عن ~~الشعر فسل حاجتك؛ قال: بل تستتم اليد عندي بأن تسمع، فأنشده: # دموعها من حذار البين تنسكب # وقلبها مغرم من حرها يجب # جد الرحيل به عنها ففارقها # لبينه اللهو واللذات والطرب # يهوى المسير إلى مرو ويحزنه # فراقها فهو ذو نفسين يرتقب # فقال له الفضل: إني لأجلك عن الشعر؛ قال: فأغنني بما أحببت من عملك ، فولاه البريد ~~بجرجان. # 188 # هجا ms697 مسلم قريشا وفخر بالأنصار بشعر يمثل لك ناحية من نواحي العصبية بين القبائل ~~وهو يعتبر، إلى حد ما، من الشعر السياسي، فقال: # قل لمن تاه إذ بنا عز جهلا # ليس بالتيه يفخر الأحرار # فتناهوا وأقصروا فلقد جا # رت عن القصد منكم الأبصار # أيكم حاط ذا جوار بعز # قبل أن تحتويه منا الدار # أو رجا أن يفوت قوما بوتر # لم تزل تمتطيهم الأوتار # لم يكن ذاك فيكم فدعوا الفخ # ر بما لا يسوغ فيه افتخار # ونزارا ففاخروا تفضلوهم # ودعوا من له عبيد نزار # فبنا عز منكم الذل والده # ر عليكم بريبه كرار # حاذروا دولة الزمان عليكم # إنه بين أهله أطوار # فتردوا ونحن للحالة الأو # لى وللأوحد الأذل الصغار # فاخرتنا لما بسطنا لها الفخ # ر قريش وفخرها مستعار # ذكرت عزها وما كان فيها # قبل أن تستجيرنا مستجار # إنما كان عزها في جبال # ترتقيها كما ترقي الوبار # أيها الفاخرون بالعز والع # ز لقوم سواهم والفخار # أخبرونا من الأعز أألمن # صور حتى اعتلى أم الأنصار # فلنا العز قبل عز قريش # وقريش تلك الدهور تجار # فانبرى له ابن قنبر يجيبه فقال: # ألا امثل أمير المؤمنين بمسلم # وأقلق به الأحشاء من كل مجرم # ولا ترجعن عن قتله باستتابة # فما هو عن شتم النبي بمجرم # ولا عن مساواة له ولقومه # قريشا بأصداء لعاد وجرهم # ويفخر بالأنصار جهلا على الذي # بنصرته فازوا بحظ ومغنم # وسموا به الأنصار لا عز قائل # أراد قريشا بالمقام المذمم # ومنهم رسول الله أزكى من انتمى # إلى نسب زاك ومجد مقدم # وما كانت الأنصار قبل اعتصامها # بنصر قريش في المحل المعظم # ولا بالألى يعلون أقدار قومهم # صداء وخولان ولخم وسلهم # ولكنهم بالله عاذوا ونصرهم # قريشا ومن يستعصم الله يعصم # فعزوا وقد كانوا وفطيون فيهم # من الذل من باب من العز مبهم # يسومهم الفطيون ما لا يسامه # كريم ومن لا ينكر الظلم يظلم # وإن قريشا بالمآثر فضلت # على الخلق طرا من فصيح وأعجم # فما بال هذا العلج ضل ضلاله # يمد إليهم كف أجذم أعسم # يسامي ms698 قريشا مسلم وهم هم # بمولى يماني وبيت مهدم # إذا قام فيه غيرهم لم يكن لهم # مقام به من لؤم مبنى ومدعم # جعاسيس # 189 # أشباه القرود لو انهم # يباعون ما ابتيعوا جميعا بدرهم # وما مسلم من هؤلاء ولا ألى # ولكنه من نسل علج ملكم # تولى زمانا غيرهم ثمت ادعى # إليهم فلم يكرم ولما يكرم # فإن يك منهم فالنضير ولفهم # مواليه لا من يدعي بالتزعم # وإن تدعه الأنصار مولى أسمهم # بقافية تستكره الجلد بالدم # عقابا لهم في إفكهم وادعائهم # لأقلف منقوش الذراع موشم # فلا تدعوه وانتفوا منه تسلموا # بنفيكموه من مقال ومأثم # وإلا فغضوا الطرف وانتظروا الردى # إذا اختلفت فيكم صوارد أسهمي # ولم تجدوا عنها مجنا يجنكم # إذا اطلعت من كل فج ومعلم # وأنتم بنو أذناب من أنتم له # ولستم بأبناء السنام المقدم # ولا ببني الرأس الرفيع محله # فيسمو بكم مولى مسام وينتمي # فكيف رضيتم أن يسامى نبيكم # ببيتكم الرث القصير المهدم # سأحطم من سامى النبي تطاولا # عليه وأكوي منتماه بميسمي # أيعدل بيت بثربي بكعبة # ثوتها قريش في المكان المحرم # قريش خيار الله والله خصهم # بذلك فاتعس أيها العلج وارغم # ومن تدعي منه الولاء مؤخر # إذا قيل للجاري إلى المجد أقدم # وكان مسلم قال قصيدته في قريش وكتمها، فوقعت إلى ابن قنبر وأجابه عنها، فاستعلى ~~عليه وهتكه وأغرى به السلطان، فلم يكن عند مسلم في هذا جواب أكثر من الانتفاء منها ~~ونسبتها إلى ابن قنبر والادعاء عليه أنه ألصقها به ونسبها إليه ليعرضه للسلطان ~~وخافه، فقال ينتفي من هذه القصيدة: # دعوت أمير المؤمنين ولم تكن # هناك ولكن من يخف يتجشم # وإنك إذ تدعوا الخليفة ناصرا # لكالمترقي في السماء بسلم # كذاك الصدى تدعوه من حيث لا ترى # وإن تتوهمه تمت في التوهم # هجوت قريشا عامدا ونحلتني # رويدك يظهر ما تقول فيعلم # إذا كان مثلي في قبيلي فإنه # على ابن لؤي قصرة غير متهم # سكشفك التعديل عما قذفتني # به فتأخر عارفا أو تقدم # فإن قريشا لا يغادر ودها # ولا يستمال عهدها بالترحم # مضى سلف ms699 منهم وصلى بعقبهم # لنا سلف في الأول المتقدم # جروا فجرينا سابقين بسبقهم # كما اتبعت كف نواشر معصم # وإن الذي يسعى ليقطع بيننا # كملتمس اليربوع في حجر أرقم # أضلك قرع الآبدات طريقها # فأصبحت من عميائها في تهيم # وخانتك عند الجري لما اتبعتها # تميم فحاولت العلا بالتقحم # فأصبحت ترميني بسهمي وتتقي # يدي بيدي أصليت نارك فاضرم # ثم هجاه ابن قنبر بقصيدة أولها: # قل لعبد النضير مسلم الوغ # د الدني اللئيم سنخ النصاب # اخس يا كلب إذ نبحت فإني # لست ممن يجيب نبح الكلاب # أفأرضى ومنصبي منصب الع # ز وبيتي في ذروة الأحساب # أن أحط الرفيع من سمك بيتي # بمهاجاة أوشب الأوشاب # من إذا سيل من أبوه بدا من # ه حياء يحميه رجع الجواب # وإذا قيل حين يقبل من أن # ت ومن تعتزيه في الأنساب # قلت هاجي ابن قنبر فتسربل # ت بذكري فخرا لدى النساب # وهي قصيدة طويلة فلم يجبه عنها مسلم بشيء فقال فيه ابن قنبر أيضا: # لست أنفيك إن سواي نفاكا # عن أبيك الذي له منتماكا # ولماذا أنفيك يابن الوليد # من أب إن ذكرته أخزاكا # ولو اني طلبت ألأم منه # لم أجده إن لم تكن أنت ذاكا # لو سواه أبوك كان جعلنا # ه إذا الناس طاوعونا أباكا # حاك دهرا بغير حذق لبرد # وتحوك الأشعار أنت كذاكا # ثم هجاه بشعر أقذع فيه، فمشى إليه قوم من مشايخ الأنصار واستعانوا بمشيخة من قراء ~~تميم وذوي الفضل والعلم، فمشوا معهم إليه، فقالوا: ألا تستحي من أن تهجو من لا ~~يجيبك! أنت بدأت الرجل فأجابك، ثم عدت فكف، وتجاوزت ذلك إلى ذكر أعراض الأنصار التي ~~كان رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يحميها ويذب عنها ويصونها لغير حال أحلت ذلك منهم. فما ~~زالوا به يعظونه ويقولون له كل قول حتى أمسك عن المناقضة لمسلم فانقطعت. # ولمسلم بن الوليد: # وإني وإسماعيل يوم وداعه # لكالغمد يوم الروع فارقه النصل # أما والحبالات الممرات بيننا # وسائل أدتها المودة والوصل # لما خنت عهدا من إخاء ولا نأى # بذكرك نأي عن ms700 ضميري ولا شغل # وإني في مالي وأهلي كأنني # لنأيك لا مال لدي ولا أهل # يذكرنيك الدين والفضل والحجا # وقيل الخنا والحلم والعلم والجهل # فألفاك عن مذمومها متنزها # وألقاك في محمودها ولك الفضل # وأحمد من أخلاقك البخل إنه # بعرضك لا بالمال حاشا لك البخل # أمنتجعا مروا بأثقال همة # دع الثقل واحمل حاجة ما لها ثقل # ثناء كعرف الطيب يهدى لأهله # وليس له إلا بني خالد أهل # فإن أغش قوما بعدهم أو أزورهم # فكالوحش يستدنيه للقنص المحل # وله يرثي يزيد بن مزيد: # أحق إنه أودي يزيد # تأمل أيها الناعي المشيد # أتدري من نعيت فكيف فاهت # به شفتاك كان به الصعيد # أحامي المجد والإسلام أودي # فما للأرض ويحك لا تميد # تأمل هل ترى الإسلام مالت # دعائمه وهل شاب الوليد # وهل شميت سيوف بني نزار # وهل وضعت عن الخيل اللبود # وهل تسقي البلاد عشار مزن # بدرتها وهل يخضر عود # أما هدت لمصرعه نزار # بلى وتقوض المجد المشيد # وحل ضريحه إذ حل فيه # طريف المجد والحسب التليد # أما والله ما تنفك عيني # عليك بدمعها أبدا تجود # فإن تجمد دموع لئيم قوم # فليس لدمع ذي حسب جمود # أبعد يزيد تختزن البواكي # دموعا أو تصان لها خدود # لتبكك قبة الإسلام لما # وهت أطنابها ووهى العمود # ويبكك شاعر لم يبق دهر # له نشبا وقد كسد القصيد # فمن يدعو الإمام لكل خطب # ينوب وكل معضلة تئود # ومن يحمي الخميس إذا تعايا # بحيلة نفسه البطل النجيد # فإن تهلك يزيد فكل حي # فريس للمنية أو طريد # ألم تعجب له أن المنايا # فتكن به وهن له جنود # لقد عزى ربيعة أن يوما # عليها مثل يومك لا يعود ~~(13) العباس بن الأحنف # 190 # قال إبراهيم بن العباس يصفه: كان والله ممن إذا تكلم لم يحب سامعه أن يسكت، وكان ~~فصيحا جميلا ظريف اللسان، لو شئت أن تقول كلامه كله شعر لقلت. # وقال صالح بن عبد الوهاب: كان العباس من عرب خراسان ومنشؤه ببغداد، ولم تزل ~~العلماء تقدمه على كثير من المحدثين، ولا تزال قد ms701 ترى له الشيء البارع جدا حتى ~~تلحقه بالمحسنين. # وقال الجاحظ: لولا أن العباس بن الأحنف أحذق الناس وأشعرهم، وأوسعهم كلاما ~~وخاطرا، ما قدر أن يكثر شعره في مذهب واحد لا يجاوزه، لأنه لا يهجو ولا يمدح ولا ~~يتكسب ولا يتصرف، وما نعلم شاعرا لزم فنا واحدا لزومه فأحسن فيه وأكثر. # أنشد الحرمازي للعباس بن الأحنف: # لا جزى الله دمع عيني خيرا # وجزى الله كل خير لساني # نم دمعي فليس يكتم شيئا # ورأيت اللسان ذا كتمان # كنت مثل الكتاب أخفاه طي # فاستدلوا عليه بالعنوان # ثم قال: هذا والله طراز يطلب الشعراء مثله فلا يقدرون عليه. # وكان أبو الهذيل العلاف يبغضه ويلعنه لقوله: # إذا أردت سلوا كان ناصركم # قلبي وما أنا من قلبي بمنتصر # فأكثروا أو أقلوا من إساءتكم # فكل ذلك محمول على القدر # فكان أبو الهذيل يلعنه ويقول: يعقد الكفر والفجور في شعره، فقال العباس - وقال ~~محمد بن يحيى: وأظن أن يهجو به أبا الهذيل وما سمعت للعباس هجاء غيره: # يا من يكذب أخبار الرسول لقد # أخطأت في كل ما تأتي وما تذر # كذبت بالقدر الجاري عليك فقد # أتاك مني بما لا تشتهي القدر # قيل للأصمعي: ما أحسن ما تحفظ للمحدثين؟ قال: قول العباس بن الأحنف: # لو كنت عاتبة لسكن روعتي # أملي رضاك وزرت غير مراقب # لكن مللت فلم تكن لي حيلة # صد الملول خلاف صد العاتب # ومما أنشده له إبراهيم بن العباس: # قالت ظلوم سمية الظلم # مالي رأيتك ناحل الجسم # يا من رمى قلبي فأقصده # أنت العليم بموضع السهم # ولشعره الغزلي، وقع في النفس، فإنهم كانوا يغنون كثيرا منه كقوله: # لو كنت عاتبة لسكن روعتي # أملي رضاك وزرت غير مراقب # لكن مللت فلم تكن لي حيلة # صد الملول خلاف صد العاتب # وأنشد له الأصمعي: # أتأذنون لصب في زيارتكم # فعندكم شهوات السمع والبصر # لا يضمر السوء إن طال الجلوس به # عف الضمير ولكن فاسق النظر # فقال: ما زال هذا الفتى يدخل يده في جرابه فلا يخرج شيئا حتى أدخلها فأخرج هذا، ms702 ~~ومن أدمن طلب شيء ظفر ببعضه. # وقال سعيد بن جنيد: ما أعرف أحسن من شعر العباس في إخفاء أمره حيث يقول: # أريدك بالسلام فأتقيهم # فأعمد بالسلام إلى سواك # وأكثر فيهم ضحكي ليخفى # فسني ضاحك والقلب باك # ومما تمثل به الواثق في شر كان بينه وبين بعض جواريه: # عدل من الله أباكني وأضحكها # فالحمد لله عدل كل ما صنعا # اليوم أبكي على قلبي وأندبه # قلب ألح عليه الحب فانصدعا # ومما تمثل به أيضا في مثل ذلك: # أما تحسبيني أرى العاشقين # بلى ثم لست أرى لي نظيرا # لعل الذي بيديه الأمور # سيجعل في الكره خيرا كثيرا # وقال الزبير: ابن الأحنف أشعر الناس في قوله: # تعتل بالشغل عنا ما تكلمنا # الشغل للقلب ليس الشغل للبدن # ويقول: لا أعلم شيئا من أمور الدنيا خيرها وشرها إلا وهو يصلح أن يتمثل فيه بهذا ~~النصف الأخير. # وقال إسحاق: لقد ظرف ابن الأحنف في قوله - يصف طول عهده بالنوم: # قفا خبراني أيها الرجلان # عن النوم إن الهجر عنه نهاني # وكيف يكون النوم أم كيف طعمه # صفا النوم لي إن كنتما تصفان # على قلة إعجابه بمثل هذه الأشعار. # قال أحمد بن إبراهيم: رأيت سلمة بن عاصم ومعه شعر العباس بن الأحنف، وقلت مثلك ~~أعزك الله يحمل هذا! فقال: ألا أحمل شعر من يقول: # أسأت إذ أحسنت ظني بكم # والحزم سوء الظن بالناس # يقلقني الشوق فآتيكم # والقلب مملوء من الياس # وقال أحمد بن إبراهيم: أتاني أعرابي فصيح ظريف، فجعلت أكتب عنه أشياء حسانا، ثم ~~قال: أنشدني لأصحابكم الحضريين، فأنشدته للعباس بن الأحنف: # ذكرتك بالتفاح لما شممته # وبالراح لما قابلت أوجه الشرب # تذكرت بالتفاح منك سوالفا # وبالراح طعما من مقبلك العذب # فقال: هذا عندك وأنت تكتب عني! لا أنشدك حرفا بعد هذا. # وقال عبد الله بن العباس بن الفضل: ما أعرف في العراق أحسن من قول ابن ~~الأحنف: # سبحان رب العلا ما كان أغفلني # عما رمتني به الأيام والزمن # من لم يذق فرقة الأحباب ثم يرى # أثارهم بعدهم لم يدر ms703 ما الحزن # قال حسين بن الضحاك: لو جاء العباس بقول ما قاله في بيتين في أبيات لعذر، وهو ~~قوله: # لعمرك ما يستريح المحب # حتى يبوح بأسراره # فقد يكتم المرء أسراره # فتظهر في بعض أشعاره # ثم قال: أما قوله في هذا المعنى الذي لم يتقدمه فيه أحد فهو: # الحب أملك للفؤاد بقهره # من أن يرى للستر فيه نصيب # وإذا بدا سر اللبيب فإنه # لم يبد إلا والفتى مغلوب # وقال أبو العتاهية: ما حسدت أحدا إلا العباس بن الأحنف في قوله: # إذا امتنع القريب فلم تنله # على قرب فذاك هو البعيد # وقال الكندي: العباس بن الأحنف مليح ظريف حكيم جزل في شعره، وكان قليلا ما ~~يرضيني الشعر، فكان ينشد له كثيرا: # ألا تعجبون كما أعجب # حبيب يسيء ولا يعتب # وأبغي رضاه على سخطه # فيأبى علي ويستصعب # فيا ليت حظي إذا ما أسأ # ت أنك ترضى ولا تغضب # وكان إبراهيم الموصلي مشغوفا بشعر العباس فيغني في كثير من شعره، فمما غنى ~~فيه: # وقد ملئت ماء الشباب كأنها # قضيب من الريحان ريان أخضر # هم كتموني سيرهم حين أزمعوا # وقالوا اتعدنا للرواح وبكروا # ومنه: # تمنى رجال ما أحبوا وإنما # تمنيت أن أشكو إليك وتسمعا # أرى كل معشوقين غيري وغيرها # قد استعذبا طول الهوى وتمتعا # ومنه: # بكت عيني لأنواع # من الحزن وأوجاع # وإني كل يوم عن # دكم يحظى بي الساعي # أعيش الدهر إن عشت # بقلب منك مرتاع # وإن حل بي البعد # سينعاني لك الناعي # وقال الواثق لجلسائه: أريد أن أصنع لحنا في شعر معناه أن الإنسان كائنا من كان ~~لا يقدر على الاحتراس من عدوه، فهل تعرفون في هذا شيئا؟ فأنشدوه ضروبا من ~~الأشعار، فقال: ما جئتم بشيء مثل قول العباس بن الأحنف: # قلبي إلى ما ضرني داعي # يكثر أسقامي وأوجاعي # كيف احتراسي من عدوي إذا # كان عدوي بين أضلاعي # أسلمني للحب أشياعي # لما سعى بي عندها الساعي # لقلما أبقى على كل ذا # يوشك أن ينعاني الناعي # ومما غنى فيه من شعره: # أبكي الذين أذاقوني مودتهم ms704 # حتى إذا أيقظوني للهوى رقدوا # وقال إبراهيم بن العباس: ما رأيت كلاما محدثا أجزل في رقة، ولا أصعب في سهولة، ~~ولا أبلغ في إيجاز، من قول العباس بن الأحنف: # تعالي نجدد دارس العهد بيننا # كلانا على طول الجفاء ملوم # وأنشد إبراهيم بن العباس للأحنف: # إن قال لم يفعل وإن سيل لم # يبذل وإن عوتب لم يعتب # صب بعصياني ولو قال لي # لا تشرب البارد لم أشرب # إليك أشكو رب ما حل بي # من صد هذا المذنب المغضب # ثم قال: هذا والله الكلام الحسن المعنى، السهل المورد، القريب المتناول، المليح ~~اللفظ، العذب المستمع. # ومما غنى فيه من شعره: # نام من أهدى لي الأرقا # مستريحا سامني قلقا # لو يبيت الناس كلهم # بسهادي بيض الحدقا # كان لي قلب أعيش به # فاصطلى بالحب فاحترقا # أنا لم أرزق مودتكم # إنما للعبد ما رزقا # وقال ابن المعتز: لو قيل: ما أحسن شيء تعرفه لقلت: شعر العباس بن الأحنف: # قد سحب الناس أذيال الظنون بنا # وفرق الناس فينا قولهم فرقا # فكاذب قد رمى بالحب غيركم # وصادق ليس يدري أنه صدقا # ومما تمثل به الفضل بن الربيع في أمر كان بينه وبين إحدى جواريه: # تحمل عظيم الذنب ممن تحبه # وإن كنت مظلوما فقل أنا ظالم # فإنك إلا تغفر الذنب في الهوى # يفارقك من تهوى وأنفك راغم # أنشد مخلد الموصلي قصيدته التي يقول فيها: # كل شيء أقوى عليه ولكن # ليس لي بالفراق منك يدان # فجعل يستحسنه ويردده؛ فقال له عبد الله بن ربيعة الرقي: أنت الفداء لمن ابتدأ هذا ~~المعنى فأحسن فيه حيث يقول - وهو العباس بن الأحنف: # سلبتني من السرور ثيابا # وكستني من الهموم ثيابا # كلما أغلقت من الوصل بابا # فتحت لي إلى المنية بابا # عذبيني بكل شيء سوى الصد # فما ذقت كالصدود عذابا # قال الرياشي - وقد ذكر عنده العباس بن الأحنف: والله لو لم يقل من الشعر إلا هذين ~~البيتين لكفيا: # أحرم منكم بما أقول وقد # نال به العاشقون من عشقوا # صرت كأني ذبالة نصبت # تضيء للناس ms705 وهي تحترق # ألف الرشيد العباس بن الأحنف، فلما خرج إلى خراسان طال مقامه بها، ثم خرج إلى ~~أرمينية والعباس معه، فاشتاق إلى بغداد، فعارضه في طريقه، فأنشده: # قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا # ثم القفور فقد جئنا خراسانا # ما أقدر الله أن يدني على شحط # سكان دجلة من سكان جيحانا # مضى الذي كنت أرجوه وآمله # أما الذي كنت أخشاه فقد كانا # عين الزمان أصابتنا فلا نظرت # وعذبت بصنوف الهجر ألونا # فقال له الرشيد: قد اشتقت يا عباس، وأذنت لك خاصة، وأمر له بثلاثين ألف ~~درهم. # وقال مصعب الزبيري: العباس بن الأحنف وعمر بن أبي ربيعة ما ابتذلا شعرهما في رغبة ~~ولا رهبة، ولكن فيما أحباه، فلزما فنا واحدا لو لزمه غيرهما ممن يكثر إكثارهما ~~لضعف فيه. ~~(14) ابن مناذر # 191 # كان ينحو نحو عدي بن زيد في شعره، ويميل إليه ويقدمه، وقد مدح آل برمك وغيرهم. ~~ولما نكبت البرامكة وآلت الوزارة إلى عدوهم الفضل بن الربيع أصبح شعراء البرامكة في ~~خطر، فأراد ابن مناذر أن يتقرب إلى الرشيد طلبا للرزق، فاغتنم ذهابه إلى الحج ~~وتقدم إليه يوم التروية بقصيدة، فلاح البشر في وجه الرشيد؛ فقال الفضل بن الربيع ~~للرشيد: هذا شاعر البرامكة! فعبس الرشيد؛ فقال الفضل: مره أن ينشدك قوله فيهم: ~~أتانا بنو الأملاك من آل برمك؛ فأمره، فاعتذر، فألح عليه، فأنشده هذه القصيدة التي ~~يطري بها البرامكة: # أتانا بنو الأملاك من آل برمك # فيا طيب أخبار ويا حسن منظر # إذا وردوا بطحاء مكة أشرقت # بيحيى وبالفضل بن يحيى وجعفر # فتظلم بغداد ويجلو لنا الدجى # بمكة ما حجوا ثلاثة أقمر # فما صلحت إلا لجود أكفهم # وأرجلهم إلا لأعواد منبر # إذا راض يحيى الأمر ذلت صعابه # وحسبك من راع له ومدبر # ترى الناس إجلالا له وكأنهم # غرانيق # 192 # ماء تحت باز مصرصر # 193 # ولما فرغ منها أتبع ذلك قوله: «كانوا أولياءك يا أمير المؤمنين لما مدحتهم» فأمر ~~الرشيد أن يلطم، فلطموه، وأمر أن يسحب، فسحبوه، وخرج لا يلوي على شيء؛ فلقيه أبو ms706 ~~نواس فدفع إليه صرة فيها ثلثمائة دينار، وقال له: استعن بهذه واعذرني. ولم يعد ابن ~~مناذر يرى خيرا بعد البرامكة. # قال الحسن بن علي كنا عند باب سفيان بن عيينة وقد هرب منا وعنده الحسن بن علي ~~التختاخ ورجل من أصحاب الرشيد، فخلا بهم وليس يأذن لنا، فجاء ابن مناذر فقرب من ~~الباب ثم رفع صوته فقال: # بعمرو وبالزهري والسلف الألى # بهم ثبتت رجلاك عند المقادم # جعلت طوال الدهر يوما لصالح # ويوما لصباح ويوما لحاتم # وللحسن التختاخ يوما ودونهم # خصصت حسينا دون أهل المواسم # نظرت وطال الفكر فيك فلم أجد # رحاك جرت إلا لأخذ الدراهم # فخرج سفيان وفي يده عصا وصاح: خذوا الفاسق؛ فهرب ابن مناذر منه وأذن لنا ~~فدخلنا. # كان الرشيد قد وصل ابن مناذر مرات صلات سنية، فلما مات الرشيد رثاه بقوله: # من كان يبكي للعلا # ملكا وللهمم الشريفه # فليبك هارون الخلي # فة للخليفة للخليفه # قال علي بن محمد النوفلي: رأيت ابن مناذر في الحج سنة ثمان وتسعين ومائة وهو قد ~~كف بصره تقوده جويرية حرة وهو واقف يشتري ماء قربة، فرأيته وسخ الثوب والبدن، فلما ~~صرنا إلى البصرة أتتنا وفاته في تلك الأيام. # كان يحيى بن زياد يرمى بالزندقة، وكان من أظرف الناس وأنظفهم، فكان يقال: أظرف من ~~الزنديق، وكان الحاركي، واسمه محمد بن زياد، يظهر الزندقة تظارفا؛ فقال فيه ابن ~~مناذر: # يابن زياد يا أبا جعفر # أظهرت دينا غير ما تخفي # مزندق الظاهر باللفظ في # باطن إسلام فتى عف # لست بزنديق ولكنما # أردت أن توسم بالظرف # ومن قوله يرثي سفيان بن عيينة: # يجني من الحكمة نوارها # ما تشتهي الأنفس ألوانا # يا واحد الأمة في علمه # لقيت من ذي العرش غفرانا # راحوا بسفيان على نعشه # والعلم مكسوين أكفانا # إن الذي غودر بالمنحنى # هد من الإسلام أركانا # لا يبعدنك الله من ميت # ورثنا علما وأحزانا # خطب أبو أمية امرأة من ثقيف فرد عنها، وتصدى للقاضي أن يضمنه مالا من أموال ~~اليتامى فلم يجبه إلى ذلك ولم يثق به؛ ms707 فقال فيه ابن مناذر: # أبا أمية لا تغضب علي فما # جزاء ما كان فيما بيننا الغضب # إن كان ردك قوم عن فتاتهم # ففي كثير من الخطاب قد رغبوا # قالوا عليك ديون ما تقوم بها # في كل عام بها تستحدث الكتب # وقد تقحم من خمسين غايتها # مع أنه ذو عيال بعد ما انشعبوا # وفي التي فعل القاضي فلا تجدن # فليس في تلك لي ذنب ولا ذنب # أردت أموال أيتام تضمنها # وما يضمن إلا من له نشب # قال له جعفر بن يحيى قل في وفي الرشيد شعرا تصف فيه الألفة بيننا، فقال: # قد تقطع الرحم القريب وتكفر الن # عمى ولا كتقارب القلبين # يدني الهوى هذا ويدني ذا الهوى # فإذا هما نفس ترى نفسين ~~(15) صالح بن عبد القدوس # 194 # كان متهما بالزندقة، فبلغ إلى المهدي خبر زندقته، فبعث إليه يستقدمه من دمشق، ~~وكان قد رحل إليها وهو شيخ طاعن في السن، فلما جاء بغداد ومثل بين يدي المهدي قال ~~له المهدي: ألست القائل: # والشيخ لا يترك أخلاقه # حتى يوارى في ثرى رمسه # قال: بلى يا أمير المؤمنين! قال: وأنت لا تترك أخلاقك حتى تموت؛ فأمر به، فقتل ~~وصلب على جسر بغداد سنة 167ه. وأكثر شعره في الحكم الفلسفية. # ومن أحاسن أقواله القصيدة التي منها ذلك البيت، وهو يقول فيها: # لا يبلغ الأعداء من جاهل # ما يبلغ الجاهل من نفسه # والشيخ لا يترك أخلاقه # حتى يوارى في ثرى رمسه # إذا ارعوى عاد إلى جهله # كذى الضنا عاد إلى نكسه # وإن من أدبته في الصبا # كالعود يسقى الماء في غرسه # حتى تراه مورقا ناضرا # بعد الذي أبصرت من يبسه # وقوله: # لا يعجبنك من يصون ثيابه # حذر الغبار وعرضه مبذول # ولربما افتقر الفتى فرأيته # دنس الثياب وعرضه مغسول # وكان فيه ميل إلى العزلة والانقطاع عن الناس شأن الفلاسفة؛ ومن ذلك قوله: # أنست بوحدتي ولزمت بيتي # فتم العز لي ونما السرور # وأدبني الزمان فليت أني # هجرت فلا أزار ولا أزور # ولست بقائل ما دمت حيا # أقام الجند ms708 أم نزل الأمير # وهو القائل: # إذا لم تستطع شيئا فدعه # وجاوزه إلى ما تستطيع # وله قصيدة حكمية أخلاقية بديعة، وهي التي يقول فيها: # المرء يجمع والزمان يفرق # ويظل يرقع والخطوب تمزق # ولأن يعادي عاقلا خير له # من أن يكون له صديق أحمق # فاربأ بنفسك أن تصادق أحمقا # إن الصديق على الصديق مصدق # وزن الكلام إذا نطقت فإنما # يبدي عقول ذوي العقول المنطق # ومن الرجال إذا استوت أخلاقهم # من يستشار إذا استشير فيطرق # حتى يحل بكل واد قلبه # فيرى ويعرف ما يقول فينطق # لا ألفينك ثاويا في غربة # إن الغريب بكل سهم يرشق # وله منها: # ما الناس إلا عاملان فعامل # قد مات من عطش وآخر يغرق # والناس في طلب المعاش وإنما # بالجد يرزق منهم من يرزق # لو يرزقون الناس حسب عقولهم # ألفيت أكثر من ترى يتصدق # لكنه فضل المليك عليهم # هذا عليه موسع ومضيق # وإذا الجنازة والعروس تلاقيا # ورأيت دمع نوائح يترقرق # سكت الذي تبع العروس مبهتا # ورأيت من تبع الجنازة ينطق # بقي الذين إذا يقولوا يكذبوا # ومضى الذين إذا يقولوا يصدقوا # وله من قصيدته المعروفة بالزينبية: # وابدأ عدوك بالتحية ولتكن # منه زمانك خائفا تترقب # واحذره إن لاقيته متبسما # فالليث يبدو نابه إذ يغضب # إن العدو وإن تقادم عهده # فالحقد باق في الصدور مغيب # وإذا الصديق لقيته متملقا # فهو العدو وحقه يتجنب # لا خير في ود امرئ متملق # حلو اللسان وقلبه يتلهب # يلقاك يحلف أنه بك واثق # وإذا توارى عنك فهو العقرب # يعطيك من طرف اللسان حلاوة # ويروغ منك كما يروغ الثعلب # وصل الكرام وإن رموك بجفوة # فالصفح عنهم والتجاوز أصوب # واختر قرينك واصطفيه تفاخرا # إن القرين إلى المقارن ينسب # إن الغني من الرجال مكرم # وتراه يرجى ما لديه ويرهب # ويبش بالترحيب عند قدومه # ويقام عند سلامه ويقرب # والفقر شين للرجال فإنه # حقا يهون به الشريف الأنسب # واخفض جناحك للأقارب كلهم # بتذلل واسمح لهم إن أذنبوا # ودع الكذوب فلا يكن لك صاحبا # إن الكذوب يشين حرا يصحب # وزن الكلام إذا نطقت ms709 ولا تكن # ثرثارة في كل ناد تخطب # واحفظ لسانك واحترز من لفظه # فالمرء يسلم باللسان ويعطب # والسر فاكتمه ولا تنطق به # إن الزجاجة كسرها لا يشعب # وكذاك سر المرء إن لم يطوه # نشرته ألسنة تزيد وتكذب # لا تحرصن فالحرص ليس بزائد # في الرزق بل يشقي الحريص ويتعب # وارع الأمانة والخيانة فاجتنب # واعدل ولا تظلم يطب لك مكسب # وإذا أصابك نكبة فاصبر لها # من ذا رأيت مسلما لا ينكب # وإذا رميت من الزمان بريبة # أو نالك الأمر الأشق الأصعب # فاضرع لربك إنه أدنى لمن # يدعوه من حبل الوريد وأقرب # واحذر مصاحبة اللئيم فإنه # يعدي كما يعدي الصحيح الأجرب # واحذر من المظلوم سهما صائبا # واعلم بأن دعاءه لا يحجب # ولقد نصحتك إن قبلت نصيحتي # والنصح أغلى ما يباع ويوهب ~~(16) سعيد بن وهب # 195 # كان شاعرا مطبوعا ومات في أيام المأمون، وأكثر شعره في الغزل والتشبيب بالمذكر، ~~وكان مشغوفا بالغلمان والشراب، ثم تنسك وتاب وحج راجلا على قدميه ومات على توبة ~~وإقلاع ومذهب جميل، ومات وأبو العتاهية حي وكان صديقه فرثاه. # أخبر علي بن سليمان الأخفش عن محمد بن مزيد قال: حدثت عن بعض أصحاب أبي العتاهية ~~قال: جاء رجل إلى أبي العتاهية ونحن عنده، فساره في شيء، فبكى أبو العتاهية، فقلنا ~~له: ما قال لك هذا الرجل يا أبا إسحاق فأبكاك؟ فقال - وهو يحدثنا لا يريد أن يقول ~~شعرا: # قال لي مات سعيد بن وهب # رحم الله سعيد بن وهب # يا أبا عثمان أبكيت عيني # يا أبا عثمان أوجعت قلبي # قال: فعجبنا من طبعه، وإنه يحدث فكان حديثه شعرا موزونا. # وكان سعيد بن وهب الشاعر البصري مولى بني سامة قد تاب وتزهد وترك قول الشعر، وكان ~~له عشرة من البنين وعشر من البنات، فكان إذا وجد شيئا من شعره خرقه وأحرقه، وكان ~~امرأ صدق، كثير الصلاة، يزكي في كل سنة عن جميع ما عنده، حتى إنه ليزكي عن فضة كانت ~~على امرأته. # وكان سعيد بن وهب يتعشق غلاما يتشطر يقال له سعيد، ms710 فبلغه أنه توعده أن يجرحه، ~~فقال فيه: # من عذيري من سمى # من عذيري من سعيد # أنا باللحم أجاه # ويجاني # 196 # بالحديد # ونظر سعيد بن وهب إلى قوم من كتاب السلطان في أحوال جميلة، فأنشأ يقول: # من كان في الدنيا له شارة # فنحن من نظارة الدنيا # نرمقها من كثب حسرة # كأننا لفظ بلا معنى # يعلو بها الناس وأيامنا # تذهب في الأرذل والأدنى # وحدث حماد بن إسحاق عن أبيه قال: كان سعيد بن وهب لي صديقا، وكان له ابن يكنى ~~أبا الخطاب من أكيس الصبيان، وأحسنهم وجها وأدبا، فكان لا يكاد يفارقه في كل حال، ~~لشدة شغفه به ورقته عليه، فمات وله عشر سنين، فجزع عليه جزعا شديدا وانقطع عن ~~لذاته، فدخلت إليه يوما لأعاتبه على ذلك وأستعطفه، فحين رأى ذلك في وجهي فاضت ~~دموعه، ثم انتحب حتى رحمته، وأنشدني: # عين جودي على أبي الخطاب # إذ تولى غضا بماء الشباب # لم يقارب ذنبا ولم يبلغ الحن # ث مزجى مطهر الأثواب # فقدته عيني إذا ما سعى أت # رابه من جماعة الأتراب # إن غدا موحشا لداري فقد أص # بح أنس الثرى وزين التراب # أحمد الله يا حبيبي فإني # بك راج منه عظيم الثواب # ثم ناشدني ألا أذاكره بشيء مما جئت إليه، فقمت ولم أخاطبه بحرف. # دخل سعيد بن وهب على الفضل بن يحيى في يوم قد جلس فيه للشعراء، فجعلوا ينشدونه ~~ويأمر لهم بالجوائز حتى لم يبق منهم أحد، فالتفت إلى سعيد بن وهب كالمستنطق؛ فقال ~~له: أيها الوزير، إني ما كنت استعددت لهذه الحال، ولا تقدمت لها عندي مقدمة ~~فأعرفها، ولكن قد حضرني بيتان أرجو أن ينوبا عن قصيدة؛ فقال: هاتهما، فرب قليل أبلغ ~~من الكثير؛ فقال سعيد: # مدح الفضل نفسه بالمعالي # فعلا عن مديحنا بالمقال # أمروني بمدحه قلت كلا # كبر الفضل عن مديح الرجال # قال: فطرب الفضل وقال له: أحسنت والله وأجدت، ولئن قل القول ونزر، لقد اتسع ~~المعنى وكثر، ثم أمر له بمثل ما أعطاه كل من أنشده مديحا يومئذ، وقال: ms711 لا خير فيما ~~يجيء بعد بيتيك، وقام من المجلس، وخرج الناس يومئذ بالبيتين لا يتناشدون ~~سواهما. # وحدث الخريمي قال: كان الفضل بن يحيى ينافس أخاه جعفرا وينافسه جعفر، وكان أنس ~~بن أبي شيخ خاصا بجعفر، ينادمه ويأنس به في خلواته، وكان سعيد بن وهب بهذه ~~المنزلة للفضل، فدخلت يوما إلى جعفر ودخل إليه سعيد بن وهب فحدثه وأنشده وتنادر ~~له، وحكى عن المتنادرين وأتى بكل ما يسر ويطرب ويضحك، وجعفر ينظر إليه لا يزيد على ~~ذلك، فلما خرج سعيد من عنده تجاهلت عليه وقلت له: من هذا الرجل الكثير الهذيان؟ ~~قال: أو ما تعرفه؟ قلت: لا؛ قال: هذا سعيد بن وهب صديق أخي أبي العباس وخلصانه ~~وعشيقه؛ قلت: وأي شيء رأى فيه؟ قال: لا شيء والله إلا القذر والبرد والغثاثة، ثم ~~دخلت بعد ذلك إلى الفضل، ودخل أنس بن أبي شيخ فحدث وندر وحكى عن المضحكين وأتى بكل ~~طريفة، فكانت قصة الفضل معه قصة جعفر مع سعيد، فقلت له بعد أن خرج من حضرته: من هذا ~~المبرم؟ قال: أو لا تعرفه؟ قلت: لا؛ قال: هذا أنس بن أبي شيخ صديق أخي الفضل وعشيقه ~~وخاصته، قلت: وأي شيء أعجبه فيه؟ قال: لا أدري والله إلا القذر والبرد وسوء ~~الاختيار؛ قال: وأنا والله أعرف بسعيد وأنس من الناس جميعا، ولكني تجاهلت عليهما ~~وساعدتهما على هواهما. # وحدث عمرو بن بانة قال: كان في جواري رجل من البرامكة، وكانت له جارية شاعرة ~~ظريفة يقال لها حسناء، يدخل إليها الشعراء ويسألونها عن المعاني، فتأتي بكل مستحسن ~~من الجواب؛ فدخل إليها سعيد بن وهب يوما وجلس إليها فحادثها طويلا ثم قال لها بعد ~~ذلك: # حاجيتك يا حسنا # ء في جنس من الشعر # وفيما طوله شبر # وقد يوفى على الشبر # له في رأسه شق # نطوف بالندى يجري # إذا ما جف لم يجر # لدى بر ولا بحر # وإن بل أتى بالع # جب العاجب والسحر # أجيبي لم أرد فحشا # ورب الشفع والوتر # ولكن صغت أبياتا # لها حظ من الزجر ms712 # قال: فغضب مولاها وتغير لونه وقال: أتفحش على جاريتي تخاطبها بالخنى؟ فقالت له: ~~خفض عليك، فما ذهب إلى ما ظننت وإنما يعني القلم؛ فسرى عنه، وضحك سعيد وقال: هي ~~أعلم منك بما سمعت. ~~(17) الحسن بن وهب # 197 # حدث ميمون بن هارون: قال: كنا عند الحسن بن وهب فقال لبنان: غنيني: # أتأذنون لصب في زيارتكم # فعندكم شهوات السمع والبصر # لا يضمر السوء إن طال الجلوس به # عف الضمير ولكن فاسق النظر # قال فضحكت، ثم قال: فأي خير فيه إن كان كذا أو أي معنى؟ فخجل الحسن من بادرتها ~~عليه، وعجبنا من حدة جوابها وفطنتها. # وحدث محمد بن عيسى قال: جاء عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع إلى الحسن ابن ~~وهب، وعنده بنان جارية محمد بن حماد، وهي نائمة سكرى وهو يبكي عندها، فقال له: ما ~~لك؟ قال: قد كنت نائما فجاءتني فأنبهتني وقالت: اجلس حتى تشرب فجلست، فوالله ما ~~غنت عشرة أصوات حتى نامت، وما شربت إلا قليلا، فتذكرت قول أشعر الناس وأظرفهم ~~العباس بن الأحنف: # أبكي الذين أذاقوني مودتهم # حتى إذا أيقظوني للهوى رقدوا # فأنا أبكي وأنشد هذا البيت. # وحدث محمد بن موسى بن حماد قال: دعا الحسن بن وهب إبراهيم بن العباس فقال له: ~~اركب وأجيئك عشيا فلا تنتظرني بالغداة، فأبطأ عليه، وأسرع الحسن في شربه فسكر ~~ونام، وجاء إبراهيم فرآه على تلك الحال، فدعا بدواة وكتب: # رحنا إليك وقد راحت بك الراح # وأسرعت فيك أوتار وأفراح # وحدث أيضا محمد بن موسى قال: نظر إبراهيم بن العباس الحسن بن وهب وهو مخمور فقال ~~له: # عيناك قد حكتا مبي # تك كيف كنت وكيف كانا # ولرب عين قد أرت # ك مبيت صاحبها عيانا # فأجابه الحسن بن وهب بعشرين بيتا وطالبه بمثلها، فكتب إليه أربعة أبيات وطالبه ~~بأربعين بيتا. وأبيات إبراهيم: # أأبا علي خير قولك ما # حصلت أنجعه ومختصره # ما عندنا في البيع من غبن # للمستقل بواحد عشره # أنا أهل ذلك غير محتشم # أرضى القديم وأقتفي أثره # ها نحن وفيناك ms713 أربعة # والأربعون لديك منتظره # وقال عبيد الله بن سليمان: لعمري ما في الكتاب أشعر من أبي إسحاق وأبي علي (يعني ~~عمه الحسن بن وهب). # حدث علي بن يحيى قال: قلت لإسحاق بن إبراهيم الموصلي، وقد جرى ذكر أحمد بن يحيى ~~المكي: يا أبا محمد، لو كان أبو جعفر أحمد بن يحيى المكي مملوكا كم كان يساوي؟ ~~فقال: أخبرك عن ذلك، انصرفت ليلة من دار الواثق، فاجتزت بدار الحسن بن وهب فدخلت ~~إليه، فإذا أحمد عنده، فلما قام لصلاة العشاء الآخرة قال لي الحسن بن وهب: وكم ~~يساوي أحمد لو كان مملوكا؟ قلت: يساوي عشرين ألف دينار. قال: ثم رجع فغنى صوتا، ~~فقال لي الحسن بن وهب: يا أبا محمد، أضعفها. قال: ثم تغنى صوتا آخر، فقلت للحسن: ~~يا أبا علي أضعفها، ثم أردت الانصراف فقلت لأحمد غنني: # لولا الحياء وأن السير من خلقي # إذن قعدت إليك الدهر لم أقم # أليس عندك سكر للتي جعلت # ما ابيض من قادمات الرأس كالحمم # فغناه أحمد بن يحيى المكي فأحسن فيه كل الإحسان، فلما قمت للانصراف قلت للحسن: يا ~~أبا علي، أضعف الجميع، فقال له أحمد: ما هذا الذي أسمعكما تقولانه ولست أدري ما ~~معناه؟ قال نحن نبيعك ونشتريك منذ الليلة وأنت لا تدري. # وحدث محمد بن موسى قال: كان أبو تمام يعش غلاما خزريا للحسن بن وهب، وكان ~~الحسن يتعشق غلاما روميا لأبي تمام، فرآه أبو تمام يوما يعبث بغلامه، فقال له: ~~والله لئن أعنقت # 198 # إلى الروم لنركضن إلى الخزر؛ فقال له الحسن: لو شئت حكمتنا واحتكمت؛ ~~فقال له أبو تمام: أنا أشبهك بداود عليه السلام وأشبه نفسي بخصمه؛ فقال الحسن: لو ~~كان هذا منظوما خفناه، فأما وهو منثور فلا، لأنه عارض لا حقيقة له؛ فقال أبو ~~تمام: # أبا علي بصرف الدهر والغير # وبالحوادث والأيام فاعتبر # 199 # أذكرتني أمر داود وكنت فتى # مصرف القلب في الأهواء والفكر # أعندك الشمس لم يحظ المغيب بها # وأنت مضطرب الأحشاء للقمر # إن أنت لم تترك السير ms714 الحثيث إلى # جآذر الروم أعنقنا إلى الخزر # إن القطوب له منى محل هوى # يحل مني محل السمع والبصر # ورب أمنع منه جانبصا وحمى # أمسى وتكته مني على خطر # جردت فيه جنود العزم فانكشفت # عنه غيابته عن فجرة هدر # سبحان من سبحته كل جارحة # ما فيك من طمحان العين بالنظر # أنت المقيم فما تغدو رواحله # وفعله أبدا منه على سفر # وحدث وهب بن سعيد قال: جاء دعبل إلى الحسن بن وهب في حاجة بعد موت أبي تمام، فقال ~~له رجل في المجلس: يا أبا علي، أنت الذي تطعن على من يقول: # شهدت لقد أقوت مغانيكم بعدي # ومحت كما محت وشائع من برد # وأنجدتم من بعد إتهام داركم # فيا دمع أنجدني على ساكني نجد # فصاح دعبل: أحسن والله! وجعل يردد: # فيا دمع أنجدني على ساكني نجد # ثم قال: رحمه الله، لو كان ترك لي شيئا من شعره لقلت: إنه أشعر الناس. # وحدث أحمد بن عبيد الله بن ناصح قال: قلت لدعبل وقد عرض علي قصيدة له يمدح بها ~~الحسن بن وهب أولها: # أعاذلتي ليس الهوى من هوانيا # فقلت له: ويحك أتقول فيه هذا بعد قولك: # أين محل الحي يا حادي # خبر سقاك الرائح الغادي # وبعد قولك: # قالت سلامة أين المال قلت لها # المال ويحك لاقى الحمد فاصطحبا # وبعد قولك: # فعلى أيماننا يجري الندى # وعلى أسيافنا تجري المهج # والله إني أراك لو أنشدته إياها لأمر لك بصفع؛ فقال: صدقت والله، ولقد نبهتني ~~وحذرتني، ثم مزقها. # وحدث محمد بن موسى قال: أنشدني الحسن بن وهب لمحمد بن عبد الملك أبياتا يرثي بها ~~سكرانة أم ابنه عمر، وجعل الحسن يتعجب من جودتها ويقول: # يقول لي الخلان لو زرت قبرها # فقلت وهل غير الفؤاد لها قبر # على حين لم أحدث فأجهل قدرها # ولم أبلغ السن التي معها الصبر # وحدث محمد بن يزيد قال: دامت الأمطار ب «سر من رأى»، فتأخر الحسن بن وهب عن محمد ~~بن عبد الملك الزيات، وهو يومئذ وزير والحسن يكتب له، فاستبطأه ms715 محمد، فكتب إليه ~~الحسن يقول: # أوجب العذر في تراخي اللقاء # ما توالى من هذه الأنواء # لست أدري ماذا أقول وأشكو # من سماء تعوقني عن سماء # غير أني أدعو على تلك بالثك # ل وأدعو لهذه بالبقاء # فسلام الإله أهديه غضا # لك مني يا سيد الوزراء # وحدث محمد بن موسى قال: اعتل الحسن بن وهب فتأخر عن محمد بن عبد الملك أياما ~~كثيرة، فلم يأته رسوله، ولا تعرف خبره، فكتب إليه الحسن قوله: # أيهذا الوزير أيدك الل # ه وأبقاك لي بقاء طويلا # أجميلا تراه يا أكرم النا # س لكيما أراه أيضا جميلا # إنني قد أقمت عشرا عليلا # ما ترى مرسلا إلي رسولا # إن يكن موجب التعمد في الص # حة منا علي منك طويلا # فهو أولى يا سيد الناس برا # وافتقادا لمن يكون عليلا # فلماذا تركتني عرضة الظن # من الحاسدين جيلا فجيلا # ألذنب؟ فما علمت سوى الشك # ر قرينا لنيتي ودخيلا # أم ملال؟ فما علمتك للصا # حب مثلي على الزمان ملولا # قد أتى الله بالشفاء فما أع # رف مما أنكرت إلا قليلا # وأكلت الدراج وهو غذاء # أفلت علتي عليه أفولا # بعد ما كنت قد حملت من العل # لة عبئا على الطباع ثقيلا # ولعلي قدمت قبلك آتي # ك غدا إن وجدت فيه سبيلا # فأجابه محمد بن عبد الملك: # دفع الله عنك نائبة الده # ر وحاشاك أن تكون عليلا # أشهد الله ما علمت وما ذا # ك من العذر جائزا مقبولا # ولعمري أن لو علمت فلازم # تك حولا لكان عندي قليلا # إنني أرتجي وإن لم يكن ما # كان مما نقمت إلا جليلا # أن أكون الذي إذا أضمر الإخ # لاص لم يلتمس عليه كفيلا # ثم لا يبذل المودة حتى # يجعل الجهد دونها مبذولا # فإذا قال كان ما قال إذ كا # ن بعيدا من طبعه أن يقولا # فاجعلن لي إلى التعلق بالعذ # ر سبيلا إن لم أجد لي سبيلا # فقديما ما جاد بالصفح والعف # و وما سامح الخليل الخليلا # وكتب محمد بن عبد الملك إلى الحسن بن وهب ms716 وقد تأخر عنه: # قالوا جفاك فلا عهد ولا خبر # ماذا تراه دهاه قلت أيلول # شهر تجذ حبال الوصل فيه فما # عقد من الوصل إلا وهو محلول # وكان محمد قد ندبه لأن يخرج في أمر مهم فأجابه الحسن فقال: # إني بحول امرئ أعليت رتبته # فحظه منك تعظيم وتبجيل # وأنت عدته في نيل همته # وأنت في كل ما يهواه مأمول # ما غالني عنك أيلول بلذته # وطيبه ولنعم الشهر أيلول # الليل لا قصر فيه ولا طول # والجو صاف وظهر الكأس مرحول # والعود مستنطق عن كل معجبة # يضحى بها كل قلب وهو متبول # لكن توقع وشك البين عن بلد # تحله فوكاء العين محلول # ما لي إذا شمرت بي عنك مبتكرا # دهم البغال أو الهوج المراسيل # إلا رعاياتك اللاتي يعود بها # حد الحوادث عني وهو مفلول # وكان الحسن بن وهب يساير محمدا على مسناة، # 200 # فعدل عن المسناة لئلا يضيق لمحمد الطريق، فظن محمد أنه أشفق على نفسه ~~من المسناة، فعدل عنها ولم يساعده على طريقه، وظن بنفسه أن يصيبها ما يصيبه، فقال ~~له محمد: # قد رأيناك إذ تركت المسنا # ة وحاذيتني يسار الطريق # ولعمري ما ذاك منك وقد جد # بك الجد من فعال الشفيق # فقال له الحسن: # إن يكن خوفي الحتوف أراني # أن تراني مشبها بالعقوق # فلقد جارت الظنون على المش # فق والظن مولع بالشفيق # عذر السيد الأجل وقد سا # ر على الخوف من يمين الطريق # فأخذت الشمال بقيا على السي # د إذ هالني سلوك المضيق # إن عندي مودة لك حازت # ما حوى عاشق من المعشوق # طود عز خصصت منه ببر # صار قدري به مع العيوق # وبنفسي وإخوتي وأبي البر # وعمي وأسرتي وصديقي # من إذا ما روعت أمن روعي # وإذا ما شرقت سوغ ريقي # وحدث المبرد قال: استسقى الحسن بن وهب من محمد بن عبد الملك نبيذا ببلد الروم ~~وهو مع المعتصم، فسقاه وكتب إليه: # لم تلق مثلي صاحبا # أندى يدا وأعم جودا # يسقى النديم بقفرة # لم يسق فيها الماء عودا # صفراء صافية كأن ms717 # بكأسها درا نضيدا # وأجود حين أجود لا # حصرا بذاك ولا بليدا # وإذا استقل بشكرها # أوجبت بالشكر المزيدا # خذها إليك كأنما # كسيت زجاجتها عقودا # واجعل عليك بأن تقو # م بشكرها أبدا عهودا # ومن جيد شعره قوله: # بأبي كرهت النار لما أوقدت # فعرفت ما معناك في إبعادها # هي ضرة لك بالتماع ضيائها # وبحسن صورتها لدى إيقادها # وأرى صنيعك بالقلوب صنيعها # بسيالها وأراكها وعرادها # شركتك في كل الأمور بحسنها # وضيائها وصلاحها وفسادها # ومات الحسن بن وهب فرثاه أخوه سليمان بن وهب: # مضى مذ مضى عز المعالي وأصبحت # لالي الحجا والقول ليس لها نظم # وأضحى نجى الفكر بعد فراقه # إذا هم بالإفصاح منطقه كظم # وكتب الحسن بن وهب يشكر: # من شكرك على درجة رفعته إليها، أو ثروة أقدرته عليها، فإن شكري لك على ~~مهجة أحييتها، وحشاشة أبقيتها، ورمق أمسكت به، وقمت بين التلف وبينه؛ فلكل ~~نعمة من نعم الدنيا حد تنتهي إليه، ومدى يوقف عنده، وغاية من الشكر يسمو ~~إليها الطرف، خلا هذه النعمة التي فاقت الوصف، وأطالت الشكر وتجاوزت قدره، ~~وأتت من وراء كل غاية؛ رددت عنا كيد العدو وأرغمت أنف الحسود، فنحن نلجأ ~~منك إلى ظل ظليل، وكنف كريم، فكيف يشكر الشاكر، وأين يبلغ جهده ~~المجتهد. ~~(18) أشجع السلمي # 201 # كان متصلا بالبرامكة وله فيهم أشعار كثيرة، منها قوله في يحيى بن خالد وكان قد ~~غاب: # قد غاب يحيى فما أرى أحدا # يأنس إلا بذكره الحسن # أوحشت الأرض حين فارقها # من الأيادي العظام والمنن # لولا رجاء الإياب لانصدعت # قلوبنا بعده من الحزن # وقال أيضا: # رأيت بغاة الخير في كل وجهة # لغيبة يحيى مستكينين خضعا # فإن يمس من في الرقتين مؤملا # لأوبة يحيى نحوها متطلعا # فما وجه يحيى وحده غاب عنهم # ولكن يحيى غاب بالخير أجمعا # وقال فيه أيضا: # إذا غاب يحيى عن بلاد تغيرت # وتشرق إن يحتلها فتطيب # وإن فعال الخير في كل بلدة # إذا لم يكن يحيى بها لغريب # وقال فيه حين اعتل: # لقد قرعت شكاة أبي علي # قلوب معاشر كانت صحاحا ms718 # فإن يدفع لنا الرحمن عنه # صروف الدهر والأجل المتاحا # فقد أمسى صلاح أبي علي # لأهل الأرض كلهم صلاحا # إذا ما الموت أخطأه فلسنا # نبالي الموت حيث غدا وراحا # وهو القائل: # ليس للحاجات إلا # من له وجه وقاح # ولسان طرمذار # 202 # وغدو ورواح # إن أكن أبطأ الحا # جة عني فاللحاح # فعلي الجهد فيها # وعلى الله النجاح # ويستجاد له في مدح الرشيد: # وصلت يداك السيف يوم تقطعت # أيدي الرجال وزلت الأقدام # وعلى عدوك يابن عم محمد # رصدان ضوء الصبح والإظلام # فإذا تنبه رعته وإذا غفا # سلت عليه سيوفك الأحلام # ويستجاد له أيضا قوله: # غدا يتفرق أهل الهوى # ويكثر باك ومسترجع # وتختلف الأرض بالظاعنين # وجوها تشد # 203 # ولا تجمع # وتفنى الطلول ويبقى الهوى # ويصنع ذو الشوق ما يصنع # وأنت تبكي وهم جيرة # فكيف يكون إذا ودعوا # أتطمع في العيش بعد الفراق # فبئس لعمرك ما تطمع # وفيها يقول في جعفر بن يحيى: # بديهته مثل تدبيره # متى هجته فهو مستجمع # إذا هم بالأملا لم يثنه # هجوع ولا شادن أفرع # ففي كفه للغنى مطلب # وللسر في صدره موضع # وكم قائل إذ رأى بهجتي # وما في فضول الغنى أصنع # غدا في ظلال ندى جعفر # يجر ثياب الغنى أشجع # وما خلفه لامرئ مطمع # ولا دونه لامرئ مقنع # وهو القائل في محمد بن منصور بن زياد يرثيه: # أنعى فتى الجود إلى الجود # ما مثل من أنعى بموجود # أنعى فتى أصبح معروفه # منتشرا في البيض والسود # أنعى فتى مص الثرى بعده # بقية الماء من العود # قد ثلم الدهر به ثلمة # جانبها ليس بمسدود # أنعى فتى كان ومعروفه # يملأ ما بين ذرى البيد # فأصبحا بعد تساميهما # قد جمعا في بطن ملحود # ألآن نخشى عثرات الندى # وعدوة البخل على الجود # ويستجاد له قوله في إبراهيم بن عثمان بن نهيك وكان صاحب شرط الرشيد وكان جبارا ~~عبوسا: # في سيف إبراهيم خوف واقع # بذوي النفاق وفيه أمن المسلم # ويبيت يكلأ والعيون هواجع # مال المضيع ومهجة المستسلم # جعل الخطام بأنف كل مخالف # حتى استقام له ms719 الذي لم يخطم # لا يصلح السلطان إلا شدة # تغشى البرى بفضل ذنب المجرم # ومن الولاة مقحم لا يتقي # والسيف تقطر شفرتاه من الدم # منعت مهابتك النفوس حديثها # بالأمر تكرهه وإن لم تعلم # وقال لأخيه: # أبت غفلات قلبك أن تروحا # وكأس لا تزايلها صبوحا # كأنك لا ترى حسنا جميلا # بعينك يا أخي إلا قبيحا # ويستجاد له قوله في الرشيد: # لا زلت تنشر أعيادا وتطويها # تمضي بها لك أيام وتثنيها # مستقبلا جدة الدنيا وبهجتها # أيامها لك نظم في لياليها # العيد والعيد والأيام بينهما # موصولة لك لا تفنى وتفنيها # وليهنك النصر والأيام مقبلة # إليك بالفتح معقودا نواصيها # ويستجاد له قوله يمدح إسماعيل بن صبيح: # له نظر لا يغمض الأمر دونه # تكاد ستور الغيب عنه تمزق # وهو القائل: # وما ترك المداح فيك مقالة # ولا قال إلا دون ما فيك قائل # وقال أيضا: # مضى ابن سعيد حين لم يبق مشرق # ولا مغرب إلا له فيه مادح # وما كنت أدري ما فواضل كفه # على الناس حتى غيبته الصفائح # 204 # فأصبح في لحد من الأرض ميتا # وكانت به حيا تضيق الصحاصح # 205 # سأبكيك ما فاضت دموعي فإن تغض # فحسبك مني ما تجن الجوانح # 206 # فما أنا من رزء وإن جل جازع # ولا بسرور بعد موتك فارح # كأن لم يمت حي سواك ولم يقم # على أحد إلا عليك النوائح # لئن حسنت فيك المراثي وذكرها # لقد حسنت من قبل فيك المدائح ~~(19) علي بن الجهم # كان علي بن الجهم # 207 # قد هجا بختيشوع، فسبه عند المتوكل فحبسه المتوكل. فقال علي بن الجهم في ~~حبسه عدة قصائد كتب بها إلى المتوكل، فأطلقه بعد سنة ثم نفاه بعد ذلك إلى خراسان. ~~فقال أول ما حبس قصيدة كتب بها إلى أخيه، أولها قوله: # توكلنا على رب السماء # وسلمنا لأسباب القضاء # ووطنا على غير الليالي # نفوسا سامحت بعد الإباء # وأفنية الملوك محجبات # وباب الله مبذول الفناء # هي الأيام تكلمنا وتأسو # وتأتي بالسعادة والشقاء # وما يجدي الثراء على غني # إذا ما كان محظور العطاء # حلبنا ms720 الدهر أشطره ومرت # بنا عقب الشدائد والرخاء # وجربنا وجرب أولونا # فلا شيء أعز من الوفاء # ولم ندع الحياء لمس ضر # وبعض الضر يذهب بالحياء # ولم نحزن على دنيا تولت # ولم نسبق إلى حسن العزاء # توق الناس يابن أبي وأمي # فهم تبع المهافة والرجاء # ولا يغررك من وغد إخاء # لأمر ما غدا حسن الإخاء # ألم تر مظهرين علي عتبا # وهم بالأمس إخوان الصفاء # فلما أن بليت غدوا وراحوا # علي أشد أسباب البلاء # أبت أخطارهم أن ينصروني # بمال أو بجاه أو ثراء # وخافوا أن يقال لهم خذلتم # صديقا فادعوا قدم الجفاء # تظافرت الروافض والنصارى # وأهل الإعتزال على هجائي # وعابوني وما ذنبي إليهم # سوى علمي بأولاد الزناء # فبختيشوع يشهد لابن عمرو # وعزون لهارون المرائي # وما الجذماء بنت أبي سمير # بجذماء اللسان على الخناء # إذا ما عد مثلكم رجالا # فما فضل الرجال على النساء # عليكم لعنة الله ابتداء # وعودا في الصباح وفي المساء # إذا سميتم للناس قالوا # أولئك شر من تحت السماء # أنا المتوكلي هوى ورأيا # وما بالواثقية من خفاء # وما حبس الخليفة لي بعار # وليس بمؤيسي منه التنائي # كان سبب حبس المتوكل علي بن الجهم أن جماعة من الجلساء سعوا به إليه وقالوا له: ~~إنه يخمش الخدم ويغمزهم، وإنه كثير الطعن عليك والعيب لك والإزراء على أخلاقك، ولم ~~يزالوا به يوغرون صدره عليه حتى حبسه، ثم أبلغوه عنه أنه هجاه، فنفاه إلى خراسان ~~وكتب بأن يصلب إذا وردها يوما إلى الليل، فلما وصل إلى الشاذياخ حبسه طاهر بن عبد ~~الله بن طاهر بها، ثم أخرج فصلب يوما إلى الليل مجردا ثم أنزل، فقال في ~~ذلك: # لم ينصبوا بالشاذياخ عشية # الإثنين مسبوقا ولا مجهولا # نصبوا بحمد الله ملء قلوبهم # شرفا وملء صدروهم تبجيلا # ما ازداد إلا رفعة بنكوله # وازدادت الأعداء عنه نكولا # هل كان إلا الليث فارق غيله # فرأيته في محمل محمولا # لا يأمن الأعداء من شداته # شدا يفصل هامهم تفصيلا # ما عابه أن بز عنه لباسه # فالسيف أهول ما يرى مسلولا # إن يبتذل ms721 فالبدر لا يزري به # إن كان ليلة تمه مبدولا # أو يسلبوه المال يحزن فقده # ضيفا ألم وطارقا ونزيلا # أو يحبسوه فليس يحبس سائر # من شعره يدع العزيز ذليلا # إن المصائب ما تعدت دينه # نعم وإن صعبت عليه قليلا # والله ليس بغافل عن أمره # وكفى بربك ناصرا ووكيلا # ولتعلمن إذا القلوب تكشفت # عنها الأكنة من أضل سبيلا # وكتب المتوكل إلى طاهر بن عبد الله بإطلاق علي بن الجهم، فلما أطلقه قال: # أطاهر إني عن خراسان راحل # ومستخبر عنها فما أنا قائل # أأصدق أم أكني عن الصدق أيما # تخيرت أدته إليك المحافل # وسارت به الركبان واصطفقت به # أكف قيان واجتبته القبائل # وإني بعالي الحمد والذم عالم # بما فيهما نامي الرمية ناضل # وحقا أقول الصدق إني لمائل # إليك وإن لم يحظ بالود مائل # ألا حرمة ترعى ألا عقد ذمة # لجار ألا تعمل لقول مشاكل # ألا منصف إن لم نجد متفضلا # علينا ألا قاض من الناس عادل # فلا تقطعن غيظا علي أناملا # فقبلك ما عضت علي الأنامل # أطاهر إن تحسن فإني محسن # إليك وإن تبخل فإني باخل # فقال له طاهر: لا تقل إلا خيرا، فإني لا أفعل بك إلا ما تحب، فوصله وحمله ~~وكساه. # وقال علي بن الجهم للمتوكل: # عفا الله عنك! ألا حرمة # تجود بعفوك أن أبعدا # لئن جل ذنب ولم أعتمد # لأنت أجل وأعلى يدا # ألم تر عبدا عدا طوره # ومولى عفا ورشيدا هدى # ومفسد أمر تلافيته # فعاد فأصلح ما أفسدا # أقلني أقالك من لم يزل # يقيك ويصرف عنك الردى # وأحسن شعر قاله في الحبس قصيدته التي أولها: # قالوا حبست فقلت ليس بضائري # حبسي وأي مهند لا يغمد # أو ما رأيت الليث يألف غيله # كبرا وأوباش السباع تردد # والشمس لولا أنها محجوبة # عن ناظريك لما أضاء الفرقد # والبدر يدركه السرار فتنجلي # أيامه وكأنه متجدد # والغيث يحصره الغمام فما يرى # إلا وريقه يراع ويرعد # والزاعبية لا يقيم كعوبها # إلا الثقاف وجذوة تتوقد # والنار في أحجارها مخبوءة # لا تصطلي إن لم تثرها الأزند # والحبس ms722 ما لم تغشه لدنية # شنعاء نعم المنزل المتودد # بيت يجدد للكريم كرامة # ويزار فيه ولا يزور ويحمد # لو لم يكن في الحبس إلا أنه # لا يستذلك بالحجاب الأعبد # كم من عليل قد تخطاه الردى # فنجا ومات طبيبه والعود # يا أحمد بن أبي دواد إنما # تدعى لكل عظيمة يا أحمد # أبلغ أمير المؤمنين ودونه # خوض الردى ومخاوف لا تنفد # أنتم بنو عم النبي محمد # أولى بما شرع النبي محمد # ما كان من كرم فأنتم أهله # كرمت مغارسكم وطاب المحتد # أمن السوية يابن عم محمد # خصم تقربه وآخر تبعد # إن الذين سعوا إليك بباطل # حساد نعمتك التي لا تجحد # شهدوا وغبنا عنهم فتحكموا # فينا، وليس كغائب من يشهد # لو يجمع الخصماء عندك مجلس # يوما لبان لك الطريق الأقصد # فبأي جرم أصبحت أعراضنا # نهبا تقسمها اللئيم الأوغد # خرج علي بن الجهم إلى الشأم في قافلة فخرجت عليهم الأعراب في خساف، # 208 # فهرب من كان في القافلة من المقاتلة وثبت علي بن الجهم، فقالتهم قتالا ~~شديدا وثاب الناس إليه فدفعهم ولم يحظوا بشيء. فقال في ذلك: # صبرت ومثلي صبره ليس ينكر # وليس على ترك التقحم يعذر # غريزة حر لا اختلاق تكلف # إذا خام # 209 # في يوم الوغى المتصبر # ولما رأيت الموت تهفو بنوده # وبانت علامات له ليس تنكر # وأقبلت الأعراب من كل جانب # وثار عجاج أسود اللون أكدر # بكل مشيح # 210 # مستميت مشمر # يجول به طرف أقب مشمر # بأرض خساف حين لم يك دافع # ولا مانع إلا الصفيح المذكر # فقلل في عيني عظيم جموعهم # عزيمة قلب فيه ما جل يصغر # بمعترك فيه المنايا حواسر # ونار الوغى بالمشرفية تسعر # فما صنت وجهي عن ظبات سيوفهم # ولا انحزت عنهم والقنا تتكسر # ولم أك في حر الكريهة محجما # إذا لم يكن في الحرب للورد مصدر # إذا ساعد الطرف الفتى وجنانه # وأسمر خطي وأبيض مبتر # فذاك وإن كان الكريم بنفسه # إذا اصطلت الأبطال في النقع عسكر # منعتهم من أن ينالوا قلامة # وكنت شجاهم والأسنة تقطر # وتلك سجايانا قديما ms723 وحادثا # بها عرف الماضي وعز المؤخر # أبت لي قروم أنجبتني أن أرى # وإن جل خطب خاشعا أتضجر # أولئك آل الله فهر بن مالك # بهم يجبر العظم الكسير ويكسر # هم المنكب العالي على كل منكب # سيوفهم تفني وتغني وتفقر # كان علي بن الجهم يعاشر جماعة من فتيان بغداد لما أطلق من حبسه ورد من النفي، ~~وكانوا يتقاينون ببغداد ويلزمون منزل مغن بالكرخ يقال له المفضل، فقال فيه علي بن ~~الجهم: # نزلنا بباب الكرخ أطيب منزل # على محسنات من قيان المفضل # فلابن سريج والغريض ومعبد # بدائع في أسماعنا لم تبدل # أوانس ما للضيف منهن حشمة # ولا ربهن بالجليل المبجل # يسر إذا ما الضيف قل حياؤه # ويغفل عنه وهو غير مغفل # ويكثر من ذم الوقار وأهله # إذا الضيف لم يأنس ولم يتبذل # ولا يدفع الأيدي المريبة غيرة # إذا نال حظا من لبوس ومأكل # ويطرق إطراق الشجاع مهابة # ليطلق طرف الناظر المتأمل # أشر بيد واغمز بطرف ولا تخف # رقيبا إذا ما كنت غير مبخل # وأعرض عن المصباح والهج بمثله # فإن همد المصباح فادن وقبل # وسل غير ممنوع وقل غير مسكت # ونم غير مذعور وقم غير معجل # لك البيت ما دامت هداياك جمة # وكنت مليا بالنبيذ المعسل # فبادر بأيام الشباب فإنها # تقضى وتفنى والغواية تنجلي # ودع عنك قول الناس أتلف ماله # فلان فأضحى مدبرا غير مقبل # هل الدهر إلا ليلة طرحت بنا # أواخرها في يوم لهو معجل # سقى الله باب الكرخ من متنزه # إلى قصر وضاح فبركة زلزل # مساحب أذيال القيان ومسرح ال # حسان ومثوى كل خرق معذل # لو ان امرأ القيس بن حجر يحلها # لأقصر عن ذكر الدخول وحومل # إذن لرأى أن يمنح الود شادنا # مقصر أذيال القنا غير مسيل # إذا الليل أدنى مضجعي منه لم أقل ~~«عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزل» # دخل علي بن الجهم يوما على عبد الله بن طاهر في غداة من غدوات الربيع وفي السماء ~~غيم رقيق، والمطر يجيء قليلا ويسكن قليلا، وقد كان عبد الله عزم على الصبوح ms724 ~~فغاضبته حظية له، فتنغص عليه عزمه وفتر، فخبر علي بن الجهم بالخبر وقيل له: قل ~~في هذا المعنى لعله ينشط للصبوح؛ فدخل عليه فأنشده: # أما ترى اليوم ما أحلى شمائله # صحو وغيم وإبراق وإرعاد # كأنه أنت يا من لا شبيه له # وصل وهجر وتغريب وإبعاد # فباكر الراح واشربها معتقة # لم يدخر مثلها كسرى ولا عاد # واشرب على الروض إذ لاحت زخارفه # زهر ونور وأوراق وأوراد # كأنما يومنا فعل الحبيب بنا # بذل وبخل وإيعاد وميعاد # وليس يذهب عني كل فعلكم # غي ورشد وإصلاح وإفساد # فاستحسن الأبيات وأمر له بثلثمائة دينار وحمله وخلع عليه. # لما أطلق عبد الله بن طاهر علي بن الجهم من الحبس أقام معه بالشاذياخ مدة، فخرجوا ~~يوما إلى الصيد. واتفق لهم مرج كثير الطير والوحش وكانت أيام الزعفران، فاصطادوا ~~صيدا كثيرا حسنا، وأقاموا يشربون على الزعفران، فقال علي بن الجهم يصف ~~ذلك: # وطئنا رياض الزعفران وأمسكت # علينا البزاة البيض حمر الدرارج # 211 # ولم تحمها الأدغال منا وإنما # أبحنا حماها بالكلاب البوارج # بمستروحات سابحات بطونها # على الأرض أمثال السهام الزوالج # 212 # ومستشرفات بالهوادي كأنها # وما عقفت منها رءوس الصوالج # ومن دالعات ألسنا فكأنها # لحى من رجال خاضعين كواسج # فلينا بها الغيطان فليا كأنها # أنامل إحدى الغانيات الحوالج # فقل لبغاة الصيد هل من مفاخر # بصيد وهل من واصف أو مخارج # قرنا بزاة بالصقور وحومت # شواهيننا من بعد صيد الروامج # 213 # لما فلج ابن أبي دواد شمت به علي بن الجهم وأظهر ذلك له وقال فيه: # لم يبق منك سوى خيالك لامعا # فوق الفراش ممهدا بوساد # فرحت بمصرعك البرية كلها # من كان منهم موقنا بمعاد # كم مجلس لله قد عطلته # كي لا يحدث فيه بالإسناد # ولكم مصابيح لنا أطفأتها # حتى نزول عن الطريق الهادي # ولكم كريمة معشر أرملتها # ومحدث أوثقت في الأقياد # إن الأساري في السجون تفرجوا # لما أتتك مواكب العواد # وغدا لمصرعك الطبيب فلم يجد # شيئا لدائك حيلة المرتاد # فذق الهوان معجلا ومؤجلا # والله رب العرش بالمرصاد # لا زال فالجك ms725 الذي بك دائبا # وفجعت قبل الموت بالأولاد # ومن جيد شعره قوله: # نطق الهوى بجوى هو الحق # وملكتني فليهنك الرق # رفقا بقلبي يا معذبه # رفقا وليس لظالم رفق # وإذا رأيتك لا تكلمني # ضاقت علي الأرض والأفق # وله أيضا: # يا رحمة للغريب بالبلد النا # زح ماذا بنفسه صنعا # فارق أحبابه فما انتفعوا # بالعيش من بعده وما انتفعا ~~(20) علي بن جبلة # قال المأمون يوما لبعض جلسائه: أقسم على أن حضر ممن يحفظ قصيدة علي بن ~~جبلة # 214 # الأعمى في القاسم بن عيسى إلا أنشدنيها؛ فقال له بعض الجلساء: قد أقسم ~~أمير المؤمنين ولا بد من إبرار قسمه، وما أحفظها ولكنها مكتوبة عندي؛ قال: قم فجئني ~~بها، فمضى وأتاه بها وأنشده إياها، وهي: # ذاد ورد الغي عن صدره # وارعوى واللهو من وطره # وأبت إلا البكاء له # ضحكات الشيب في شعره # ندمي أن الشباب مضى # لم أبلغه مدى أشره # وانقضت أيامه سلما # لم أجد حولا على غيره # حسرت عني بشاشته # وذوى المحمود من ثمره # ودم أهدرت من رشأ # لم يرد عقلا على هدره # فأتت دون الصبا هنة # قلبت فوقي على وتره # جارتا ليس الشباب لمن # راح محنيا على كبره # ذهبت أشياء كنت لها # صارها # 215 # حلمي إلى صوره # دع جدا قحطان أو مضر # في يمانيه وفي مضره # وامتدح من وائل رجلا # عصر الآفاق في عصره # المنايا في مناقبه # والعطايا في ذرا حجره # ملك تندى أنامله # كانبلاج النوء عن مطره # مستهل عن مواهبه # كابتسام الروض عن زهره # جبل عزت مناكبه # أمنت عدنان في ثغره # إنما الدنيا أبو دلف # بين مبداه ومحتضره # فإذا ولى أبو دلف # ولت الدنيا على أثره # لست أدري ما أقول له # غير أن الأرض في خفره # يا دواء الأرض إن فسدت # ومديل اليسر من عسره # كل من في الأرض من عرب # بين باديه إلى حضره # مستعير منك مكرمة # يكتسيها يوم مفتخره # وفيها يقول: # وزحوف في صواهله # كصياح الحشر في أثره # قدته والموت مكتمن # في مذاكيه ومشتجره # فرمت حقويه منه يد # طوت المنشور من ms726 نظره # زرته والخيل عابسة # تحمل البؤسى على عقره # خارجات تحت رايتها # كخروج الطير من وكره # وعلى النعمان عجبت به # عوجة ذادته عن صدره # غمط النعمان صفوتها # فرددت الصفو في كدره # ولقرقور أدرت رحا # لم تكن ترتد في فكره # قد تأنيت البقاء له # فأبى المحتوم من قدره # وطغى حتى رفعت له # خطة شنعاء من ذكره # فغضب المأمون واغتاظ، وقال: لست لأبي إن لم أقطع لسانه أو أسفك دمه. # وكان يمدح حميد بن عبد الحميد، فلما سمع حميد هذا في أبي دلف قال: أي شيء بقيت ~~لنا بعد هذا من مدحك؟ فقال: # إنما الدنيا حميد # وأياديه الجسام # فإذا ولى حميد # فعلى الدنيا السلام # وهو القائل في حميد: # دجلة تسقي وأبو غانم # يطعم من تسقي من الناس # والناس جسم وإمام الهدى # رأس وأنت العين في الراس # وقال للحسن بن سهل: # أعطيتني يا ولي الحق مبتدئا # عطية كافأت مدحي ولم ترني # ما شمت برقك حتى نلت ريقه # كأنما كنت بالجدوى تبادرني # وهو القائل في حميد: # إلى أكرم قحطان # وصلنا السهب بالسهب # إلى مجتمع النيل # وملقى أرحل الركب # حميد مفزع الأم # ة في الشرق وفي الغرب # كأن الناس جسم وه # و منه موضع القلب # إذا سالم أرضا غ # نيت آمنة السرب # وإن حاربها حلت # بها راغية السقب # إذا لاقى رعيل المو # ت بالشطبة والشطب # وبالماذية الخضر # وبالهندية القضب # غدا مجتمع القلب # له جند من الرعب # فيا فوز الذي والى # ويا بؤسى أخى الذنب # أيا ذا الجود فاسلم ما # جرت حقب إلى حقب # فأنت الغيث في السلم # وأنت الموت في الحرب # وأنت الجامع الفار # ق بين البعد والقرب # بك الله تلافى النا # س بعد العثر والنكب # ورد البيض والبيض # إلى الأغماد والحجب # بإقدامك في الحرب # وإطعامك في اللزب # فكم أمنت من خوف # وكم أشغبت من شغب # وكم أصلحت من خطب # وكم أيمت من خطب # وما تمهرها إلا # دراك الطعن والضرب # تناهت بك قحطان # إلى الغاية والحسب # ففاتت شرف الأحيا # ء فوت الرأس للعجب # 216 # ومما أسرف ms727 فيه فكفر أو قارب الكفر قوله في أبي دلف: # أنت الذي تنزل الأيام منزلها # وتنقل الدهر من حال إلى حال # وما مددت مدى طرف إلى أحد # إلا قضيت بأرزاق وآجال # تزور سخطا فتسمى البيض راضية # وتستهل فتبكي أوجه المال # وقال فيها: # كأن خيلك في أثناء غمرتها # أرسال قطر تهامى فوق أرسال # يخرجن من غمرات الموت سامية # نشر الأنامل من ذي القرة الصالي # وقال أيضا: # جلاء مشيب نزل # وأنش شباب رحل # طوى صاحب صاحبا # كذاك اختلاف الدول # أعاذلتي أقصري # كفاك المشيب العذل # بدا بدلا بالشبا # ب ليت الشباب البدل # جلال ولكنه # تحاماه حور المقل # وقد كان حميد ركب يوم عيد في جيش عظيم لم ير مثله، فقال علي بن جبلة يصف ~~ذلك: # غدا بأمير المؤمنين ويمنه # أبو غانم غدو الندى والسحائب # وضاقت فجاج الأرض عن كل موكب # أحاط به مستعليا للمواكب # كأن سمو النقع والبيض فوقهم # سماوة ليل قرنت بالكواكب # فكان لأهل العيد عيد بنسكهم # وكان حميد عيدهم بالمواهب # ولولا حميد لم تبلج عن الندى # يمين ولم يدرك غنى كسب كاسب # ولو ملك الدنيا لما كان سائل # ولا اعتام فيها صاحب فضل صاحب # له ضحكة تستغرق المال بالندى # على عبسة تشجي القنا بالترائب # ذهبت بأيام العلا فاردا بها # وصرمت عن مسعاك شأو المطالب # وعدلت ميل الأرض حتى تعدلت # فلم ينأ منها جانب فوق جانب # بلغت بأدنى الحزم أبعد قطرها # كأنك منها شاهد كل غائب # شخص علي بن جبلة إلى عبد الله بن طاهر إلى خراسان، وقد مدحه فأجزل صلته، واستأذنه ~~في الرجوع فسأله أن يقيم، وكان بره يتصل عنده؛ فلما طال مقامه اشتاق إلى أهله فدخل ~~إليه فأنشده: # راعه الشيب إذ نزل # وكفاه من العذل # وانقضت مدة الصبا # وانقضى اللهو والغزل # قد لعمري دملته # بخضاب فما اندمل # فابك للشيب إذ بدا # لا على الربع والطلل # وصل الله للأمي # ر عرى الملك فاتصل # ملك عزمه الزما # ن وأفعاله الدول # كسروي، بمجده # يضرب الضارب المثل # وإلى ظل عزه # يلجأ الخائف الوجل # كل خلق ms728 سوى الإما # م لإنعامه خول # ليته حين جاد لي # بالغنى جاد بالقفل # فضحك وقال: أبيت إلا أن توحشنا، وأجزل صلته وأذن له. # دخل علي بن جبلة العكوك على حميد الطوسي في أول يوم من شهر رمضان، فأنشده: # جعل الله مدخل الصوم فوزا # لحميد ومتعة في البقاء # فهو شهر الربيع للقراء # وفراق الندمان والصهباء # وأنا الضامن الملي لمن عا # قرها مفطرا بطول الظماء # وكأني أرى الندامى على الخس # ف يرجون صبحهم بالمساء # قد طوى بعضهم زيارة بعض # واستعاضوا مصاحفا بالغناء # وفيها يقول: # بحميد - وأين مثل حميد - # فخرت طيء على الأحياء # جوده أظهر السماحة في الأر # ض وأغنى المقوى عن الإقواء # ملك يأمل العباد نداه # مثل ما يأملون قطر السماء # صاغه الله مطعم الناس في الأر # ض وصاغ السحاب للإسقاء # فأمر له بخمسة آلاف درهم، وقال: استعن بهذه على نفقة صومك؛ ثم دخل إليه ثاني شوال ~~فأنشده: # عللاني بصفو ما في الدنان # واتركا ما يقوله العاذلان # واسبقا فاجع المنية بالعي # ش فكل على الجديدين فاني # عللاني بشربة تذهب اله # م وتنفي طوارق الأحزان # والقيا في مسامع سدها الصو # م رقى الموصلي أو دحمان # قد أتانا شوال فاقتبل العي # ش وأعدى قسرا على رمضان # نعم عون الفتى على نوب الده # ر سماع القيان والعيدان # وكئوس تجري بماء كروم # ومطي الكئوس أيدي القيان # من عقار تميت كل احتشام # وتسر الندمان بالندمان # وكأن المزاج يقدح منها # شررا في سبائك العقيان # فاشرب الراح واعص من لام فيها # إنها نعم عدة الفتيان # واصحب الدهر بارتحال وحل # لا تخف ما يجره الحادثان # حسب مستظهر على الدهر ركنا # بحميد ردءا من الحدثان # ملك يقتني المكارم كنزا # وتراه من أكرم الفتيان # خلقت راحتاه للجود والبأ # س وأمواله لشكر اللسان # ملكته على العباد معد # وأقرت له بنو قحطان # أريحي الندا جميل المحيا # يده والسماح معتقدان # وجهه مشرق إلى معتفيه # ويداه بالغيث تنفجران # جعل الدهر بين يوميه قسمي # ن بعرف جزل وحر طعان # فإذا سار بالخميس لحرب # كل عن نص جريه الخافقان ms729 # وإذا ما هززته لنوال # ضاق عن رحب صدره الأفقان # غيث جدب إذا أقام ربيع # يتغشى بالسيب كل مكان # يا أبا غانم بقيت على الده # ر وخلدت ما جرى العصران # ما نبالي إذا عدتك المنايا # من أصابت بكلكل وجران # قد جعلنا إليك بعث المطايا # هربا من زماننا الخوان # وحملنا الحاجات فوق عتاق # ضامنات حوائج الركبان # ليس جود وراء جودك ينتا # ب ولا يعتفي لغيرك عاني # فأمر له بعشر آلاف درهم، وقال: تلك كانت للصوم فخففت وخففنا، وهذه للفطر فقد ~~زدتنا وزدناك. # ولما مات حميد الطوسي رثاه بقصيدته العينية المشهورة التي تعد من نادر الشعر ~~وبديعه، وهي: # أللدهر تبكي أم على الدهر تجزع # وما صاحب الأيام إلا مفجع # ولو سهلت عنك الأسى كان في الأسى # عزاء معز للبيب ومقنع # تعز بما عزيت غيرك إنها # سهام المنايا حائمات ووقع # أصبنا بيوم في حميد لو انه # أصاب عروش الدهر ظلت تضعضع # وأدبنا ما أدب الناس قبلنا # ولكنه لم يبق للصبر موضع # ألم تر للأيام كيف تصرمت # به، وبه كانت تذاد وتدفع # وكيف التقى مثوى من الأرض ضيق # على جبل كانت به الأرض تمنع # ولما انقضت أيامه انقضت العلا # وأضحى به أنف الندى وهو أجدع # وراح عدو الدين جذلان ينتحي # أماني كانت في حشاه تقطع # وكان حميد معقلا ركعت به # قواعد ما كانت على الضيم تركع # وكنت أراه كالرزايا رزئتها # ولم أدر أن الخلق تبكيه أجمع # حمام رماه من مواضع أمنه # حمام، كذاك الخطب بالخطب يقدع # وليس بغرو أن تصيب منية # حمى أختها أو أن يذل الممنع # لقد أدركت فينا المنايا بثأرها # وحلت بخطب وهيه ليس يرقع # نعاء حميدا للسرايا إذا غدت # تذاد بأطراف الرماح وتوزع # وللمرهق المكروب ضاقت بأمره # فلم يدر في حوماتها كيف يصنع # وللبيض خلتها البعول ولم يدع # لها غيره داعي الصباح المفزع # كأن حميدا لم يقد جيش عسكر # إلى عسكر أشياعه لا تروع # ولم يبعث الخيل المغيرة بالضحى # مراحا ولم يرجع بها وهي ظلع # رواجع يحملن النهاب ولم تكن # كتائبه إلا ms730 على النهب ترجع # هوى جبل الدنيا المنيع وغيثها ال # مريع وحاميها الكمي المشيع # وسيف أمير المؤمنين ورمحه # ومفتاح باب الخطب والخطب أفظع # فأقنعه من ملكه ورباعه # ونائله قفر من الأرض بلقع # على أي شجو تشتكي النفس بعده # إلى شجوه أو يذخر الدمع مدمع # ألم تر أن الشمس حال ضياؤها # عليه وأضحى لونها وهو أسفع # وأوحشت الدنيا وأودى بهاؤها # وأجدب مرعاها الذي كان يمرع # وقد كانت الدنيا به مطمئنة # فقد جعلت أوتادها تتقلع # بكى فقده روح الحياة كما بكى # نداه الندى وابن السبيل المدفع # وفارقت البيض الخدور وأبرزت # عواطل حسري بعده لا تقنع # وأيقظ أجفانا وكان لها الكرى # ونامت عيون لم تكن قبل تهجع # ولكنه مقدار يوم ثوى به # لكل امرئ منه نهال ومشرع # وقد رأب الله الملا بمحمد # وبالأصل ينمي فرعه المتفرع # أغر، على أسيافه ورماحه # تقسم أنفال الخميس وتجمع # حوى عن أبيه بذل راحته الندى # وطعن الكي والزاعبية شرع # | هوامش # | المجلد الثالث # | باب المنثور # (1) نصوص كتب الأمين والمأمون # 1 # نص كتاب الأمين إلى المأمون؛ وهو الكتاب الذي أشرنا إليه في الجزء الأول: إذا ورد ~~عليك كتاب أخيك - أعاذه الله من فقدك - عند حلول ما لا مرد له ولا مدفع، مما قد ~~أخلف وتناسخ الأمم الخالية، والقرون الماضية، بما عزاك الله به. واعلم أن الله ~~جل ثناؤه، قد اختار لأمير المؤمنين أفضل الدارين، وأجزل الحظين، فقبضه الله ~~طاهرا زاكيا، قد شكر سعيه، وغفر ذنبه، إن شاء الله. فقم في أمرك قيام ذي الحزم ~~والعزم، والناظر لأخيه ونفسه، وسلطانه وعامة المسلمين. وإياك أن يغلب عليك الجزع، ~~فإنه يحبط الأجر، ويعقب الوزر، وصلوات الله على أمير المؤمنين حيا وميتا، ~~وإنا لله وإنا إليه راجعون. وخذ البيعة على من قبلك، من قوادك وجندك، وخاصتك ~~وعامتك، لأخيك ثم لنفسك، ثم للقاسم ابن أمير المؤمنين، على الشريطة التي جعلها لك ~~أمير المؤمنين: من نسخها له وإثباتها، فإنك مقلد من ذاك، ما قلدك الله ~~وخليفته. # وأعلم من قبلك رأيى في صلاحهم، وسد خلتهم، والتوسعة عليهم؛ فمن ms731 ~~أنكرته عند بيعته، أو اتهمته على طاعته، فابعث إلي برأسه مع خبره. وإياك ~~وإقالته، فإن النار أولى به. واكتب إلى عمال ثغورك، وأمراء أجنادك، بما طرقك من ~~المصيبة بأمير المؤمنين؛ وأعلمهم أن الله لم يرض الدنيا له ثوابا، حتى قبضه ~~إلى روحه وراحته وجنته، مغبوطا محمودا، قائدا لجميع خلفائه إلى الجنة إن شاء ~~الله، ومرهم أن يأخذوا البيعة على أجنادهم، وخواصهم وعوامهم، على مثل ما أمرتك ~~به، من أخذها على من قبلك؛ وأوعز إليهم في ضبط ثغورهم، والقوة على عدوهم، إني ~~متفقد حالاتهم، ولام شعثهم، وموسع عليهم، ولا آن في تقوية أجنادي وأنصاري. ~~ولتكن كتبك إليهم كتبا عامة لتقرأ عليهم، فإن ذلك ما يسكنهم، ويبسط أملهم. ~~واعمل بما نأمر به لمن حضرك، أو نأى عنك من أجنادك على حسب ما ترى وتشاهد. فإن أخاك ~~يعرف حسن اختيارك، وصحة رأيك، وبعد نظرك، وهو يستحفظ الله لك، ويسأله أن يشد بك ~~عضده، ويجمع بك أمره، إنه لطيف لما يشاء. وكتب بكر بن المعتمر بين يدي وإملائي في ~~شوال سنة 192ه. # 2 # وهذا كتاب محمد الأمين إلى أخيه صالح: # بسم الله الرحمن الرحيم # إذا ورد عليك كتابي هذا، عند وقوع ما قد سبق في علم الله، ونفذ من قضائه، في ~~خلفائه وأوليائه، وجرت به سنته في الأنبياء والمرسلين، والملائكة المقربين، ~~فقال: # كل شيء هالك إلا وجهه له ~~الحكم وإليه ترجعون ~~. فاحمدوا الله على ما صار إليه ~~أمير المؤمنين، من عظيم ثوابه ومرافقة أنبيائه، صلوات الله عليهم، إنا إليه ~~راجعون؛ وإياه نسأل أن يحسن الخلافة على أمة نبيه محمد # صلى الله عليه وسلم ~~. وقد كان لهم ~~عصمة وكهفا، وبهم رءوفا رحيما. # فشمر في أمرك، وإياك أن تلقي بيديك، فإن أخاك قد اختارك لما استنهضك له، ~~وهو متفقد مواقع فقدانك، فحقق ظنه، ونسأل الله التوفيق. وخذ البيعة على ~~من قبلك، من ولد أمير المؤمنين، وأهل بيته ومواليه وخاصته وعامته لمحمد أمير ~~المؤمنين، ثم لعبد الله ابن أمير المؤمنين، ثم للقاسم ابن أمير المؤمنين، على ~~الشريطة ms732 التي جعلها أمير المؤمنين - صلوات الله عليه - من فسخها على القاسم أو ~~إثباتها. فإن السعادة واليمن في الأخذ بعهده والمضي على مناهجه. # وأعلم من قبلك من الخاصة والعامة رأيي في استصلاحهم، ورد مظالمهم، ~~وتفقد حالاتهم، وأداء أرزاقهم، وأعطياتهم عليهم. فإن شغب شاغب، أو نعر ~~ناعر، فاسط به سطوة تجعله نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين. ~~واضمم إلى الميمون ابن الميمون الفضل بن الربيع ولد أمير المؤمنين وخدمه وأهله؛ ~~ومره بالمسير معهم فيمن معه، وجنده ورابطته؛ وصير إلى عبد الله بن مالك أمر ~~العسكر وأحداثه، فإنه ثقة على ما يلي، مقبول عند العامة؛ واضمم إليه جميع جد ~~الشرط، من الروابط وغيرهم، إلى من معه من جنده؛ ومره بالجد والتيقظ، ~~وتقديم الحزم في أمره كله، ليله ونهاره. فإن أهل العداوة والنفاق لهذا السلطان ~~يغتنمون مثل حلول هذه المصيبة؛ وأقر حاتم بن هرثمة على ما هو عليه، ومره ~~بحراسة ما يحفظ به قصور أمير المؤمنين، فإنه ممن لا يعرف إلا بالطاعة، ولا ~~يدين إلا بها، بمعاقد من الله، مما قدم له من حال أبيه المحمود عند الخلفاء؛ ~~ومر الخدم بإحضار روابطهم، من يسد بهم وبأجنادهم مواضع الخلل من عسكرك، ~~فإنهم حد من حدودك؛ وصير مقدمتك إلى أسد بن يزيد بن مزيد، وساقتك إلى ~~يحيى بن معاذ، فيمن معه من الجنود، ومرهما بمناوبتك في كل ليلة. # والزم الطريق الأعظم، ولا تعدون المراحل، فإن ذلك أرفق بك؛ ومر أسد ~~بن يزيد، أن يتخير رجلا من أهل بيته أو قواده، فيصير إلى مقدمته، ثم يصير ~~أمامه، لتهيئة المنازل، أو بعض الطريق، فإن لم يحضرك في عسكرك بعض من سميت، ~~فاختر لمواضعهم من تثق بطاعته، ونصيحته وهيبته، عند العوام؛ فإن ذلك لن ~~يعوزك، من قوادك وأنصارك، إن شاء الله. # وإياك أن تنفذ رأيا، أو تبرم أمرا، إلا برأي شيخك، وبقية آبائك، الفضل ~~بن الربيع، وأقرر جميع الخدم على ما في أيديهم من الأموال والسلاح والخزائن ~~وغير ذلك؛ ولا تخرجن أحدا منهم، من ضمن ما يلي، ms733 إلى أن تقدم علي. وقد ~~أوصيت بكر بن المعتمر بما سيبلغكه؛ واعمل في ذلك بقدر ما تشاهد وترى. وإن ~~أمرت لأهل العسكر بعطاء أو رزق فليكن الفضل بن الربيع المتولي لإعطائهم، على ~~دواوين يتخذها لنفسه، بمحضر من أصحاب الدواوين؛ فإن الفضل بن الربيع لم يزل مثل ~~ذلك لمهمات الأمور. وأنفذ إلي عند وصول كتابي هذا إليك إسماعيل بن ~~صبيح، وبكر بن المعتمر، على مركبيهما من البريد؛ ولا يكون لك عرجة ولا مهلة، ~~بموضعك الذي أنت فيه، حتى توجه إلي بعسكرك بما فيه من الأموال والخزائن ~~إن شاء الله. أخوك يستدفع الله عنك، ويسأله لك حسن التأييد برحمته. وكتب بكر بن ~~المعتمر بين يدي وإملائي في شوال سنة 192ه. ~~(2) القول بخلق القرآن # وهاك مثلا مما كتبه المأمون إلى ولاته في الأخذ بمذهبه في القول بخلق القرآن، وهو ما ~~أرسله إلى عالمه إسحاق بن إبراهيم وما يرويه لنا الطبري مما حصل. # أما الكتاب فهو: # أما بعد، فإن حق الله على أئمة المسلمين وخلفائهم الاجتهاد في إقامة دين الله ~~الذي استحفظهم، ومواريث النبوة التي أورثهم، وأثر العلم الذي استودعهم، والعمل ~~بالحق في رعيتهم، والتشمير لطاعة الله فيهم؛ والله يسأل أمير المؤمنين، أن ~~يوفقه لعزيمة الرشد وصريمته، والإقساط فيما ولاه الله من رعيته، برحمته ~~ومنته؛ وقد عرف أمير المؤمنين أن الجمهور الأعظم، والسواد الأكبر، من حشو ~~الرعية، وسفلة العامة، ممن لا نظر له ولا روية، ولا استدلال له بدلالة الله ~~وهدايته، ولا استضاءة بنور العلم وبرهانه، في جميع الأقطار والآفاق، أهل جهالة ~~بالله وعمى عنه، وضلالة عن حقيقة دينه وتوحيده والإيمان به، ونكوب عن واضحات ~~أعلامه وواجب سبيله، وقصور أن يقدروا الله حق قدره، ويعرفوه كنه معرفته، ~~ويفرقوا بينه وبين خلقه، لضعف آرائهم، ونقص عقولهم، وجفائهم عن التفكر ~~والتذكر؛ وذلك أنهم ساووا بين الله تبارك وتعالى، وبين ما أنزل من القرآن، ~~فأطبقوا مجتمعين، واتفقوا غير متعاجمين، على أنه قديم أول، لم يخلقه الله، ~~ويحدثه ويخترعه، وقد قال الله عز وجل في محكم كتابه، الذي ms734 جعله لما في الصدور ~~شفاء، وللمؤمنين رحمة وهدى: # إنا جعلناه قرآنا ~~عربيا ~~. فكل ما جعله الله فقد خلقه، وقال: # الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل ~~الظلمات والنور ~~. وقال عز وجل: # كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق ~~. فأخبر ~~أنه قصص لأمور أحدثه بعدها، وتلا به متقدمها، وقال: # الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم ~~خبير ~~. وكل محكم مفصل، فله محكم مفصل، والله محكم كتابه ~~ومفصله، فهو خالقه ومبتدعه؛ ثم هم الذين جادلوا بالباطل، فدعوا إلى قولهم، ~~ونسبوا أنفسهم إلى السنة، وفي كل فصل من كتاب الله قصص من تلاوته، مبطل ~~قولهم، ومكذب دعواهم، يرد عليهم قولهم ونحلتهم، ثم أظهروا مع ذلك أنهم ~~أهل الحق والدين والجماعة، وأن من سواهم أهل الباطل والكفر والفرقة؛ ~~فاستطالوا بذلك على الناس، وغروا به الجهال، حتى مال قوم من أهل السمت ~~الكاذب، والتخشع لغير الله، والتقشف لغير الدين إلى موافقتهم عليه، ~~ومواطأتهم على سيئ آرائهم، تزينا بذلك عندهم، وتصنعا للرياسة والعدالة ~~فيهم، فتركوا الحق إلى باطلهم، واتخذوا دون الله وليجة إلى ضلالتهم، فقبلت ~~بتزكيتهم لهم شهادتهم، ونفذت أحكام الكتاب بهم، على دغل دينهم، ونغل ~~أديمهم، وفساد نياتهم ويقينهم؛ وكان ذلك غايتهم التي إليها جروا، وإياها ~~طلبوا في متابعتهم، والكذب على مولاهم، وقد أخذ عليهم ميثاق الكتاب، ألا يقولوا ~~على الله إلا الحق، ودرسوا ما فيه، أولئك الذين أصمهم الله، وأعمى أبصارهم، # أفلا يتدبرون القرآن أم على ~~قلوب أقفالها ~~. فرأى أمير المؤمنين أن أولئك شر الأمة، ~~ورءوس الضلالة، المنقوصون من التوحيد حظا، والمخسوسون من الإيمان نصيبا، ~~وأوعية الجهالة وأعلام الكذب، ولسان إبليس الناطق في أوليائه، والهائل على ~~أعدائه، من أهل دين الله، وأحق من يتهم في صدقه، وتطرح شهادته، ولا يوثق ~~بقوله ولا عمله، فإنه لا عمل إلا بعد يقين، ولا يقين إلا بعد استكمال حقيقة ~~الإسلام، وإخلاص التوحيد؛ ومن عمي عن رشده وحظه، من أهل الإيمان بالله ~~وبتوحيده، كان عما سوى ذلك من عمله، والقصد في شهادته، أعمى وأضل ~~سبيلا. # ولعمر ms735 أمير المؤمنين، إن أحجى الناس بالكذب في قوله، وتخرص الباطل في ~~شهادته من كذب على الله ووحيه، ولم يعرف الله حقيقة معرفته، وأن أولاهم برد ~~شهادته، في حكم الله ودينه من رد شهادة الله على كتابه، وبهت حق الله ~~بباطله، فاجمع من بحضرتك من القضاة، واقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين هذا ~~إليك، فابدأ بامتحانهم فيما يقولون، وتكشيفهم عما يعتقدون، في خلق الله القرآن ~~وإحداثه، وأعلمهم أن أمير المؤمنين غير مستعين في عمله، ولا واثق فيما ~~قلده الله، واستحفظه من أمور رعيته بمن لا يوثق بدينه، وخلوص توحيده ويقينه، ~~فإذا أقروا بذلك، ووافقوا أمير المؤمنين فيه، وكانوا على سبيل الهدى والنجاة، ~~فمرهم بنص من يحضرهم من الشهود على الناس، ومسألتهم عن علمهم في القرآن، ~~وترك إثبات شهادة من لم يقر أنه مخلوق محدث ولم يره، والامتناع من ~~توقيعها عنده؛ واكتب إلى أمير المؤمنين بما يأتيك، عن قضاة أهل عملك في ~~مسألتهم، والأمر لهم بمثل ذلك، ثم أشرف عليهم، وتفقد آثارهم، حتى لا ~~تنفذ أحكام الله، إلا بشهادة أهل البصائر في الدين، والإخلاص للتوحيد؛ واكتب ~~إلى أمير المؤمنين بما يكون في ذلك إن شاء الله. وكتب في شهر ربيع الأول سنة ~~218ه. # وكتب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم في إشخاص سبعة نفر، منهم: محمد بن سعد كاتب ~~الواقدي، وأبو مسلم مستملي يزيد بن هارون، ويحيى بن معين، وزهير بن حرب أبو خيثمة، ~~وإسماعيل بن داود، وإسماعيل بن أبي مسعود، وأحمد بن الدورقي، فأشخصوا إليه، فامتحنهم، ~~وسألهم عن خلق القرآن، فأجابوا جميعا أن القرآن مخلوق، فأشخصهم إلى مدينة السلام، ~~وأحضرهم إسحاق بن إبراهيم داره، فشهر أمرهم وقولهم بحضرة الفقهاء والمشايخ من أهل ~~الحديث، فأقروا بمثل ما أجابوا به المأمون فخلى سبيلهم، وكان ما فعل إسحاق بن ~~إبراهيم من ذلك بأمر المأمون. # وكتب المأمون بعد ذلك إلى إسحاق بن إبراهيم: # أما بعد، فإن من حق الله على خلفائه في أرضه، وأمنائه على عباده، الذين ~~ارتضاهم لإقامة دينه، وحملهم رعاية خلقه، وإمضاء حكمه وسننه، والائتمام ms736 بعدله ~~في بريته، أن يجهدوا لله أنفسهم، وينصحوا له فيما استحفظهم وقلدهم، ~~ويدلوا عليه - تبارك اسمه وتعالى - بفضل العلم الذي أودعهم، والمعرفة التي ~~جعلها فيهم، ويهدوا إليه من زاغ عنه ، ويردوا من أدبر عن أمره، وينهجوا لرعاياهم ~~سمت نجاتهم، ويقفوهم على حدود إيمانهم، وسبيل فوزهم وعصمتهم، ويكشفوا لهم ~~عن مغطيات أمورهم، ومشتبهاتها عليهم، بما يدفعون الريب عنهم، ويعود بالضياء ~~والبينة على كافتهم؛ وأن يؤثروا ذلك من إرشادهم وتبصيرهم، إذ كان جامعا ~~لفنون مصانعهم، ومنتظما لحظوظ عاجلتهم وآجلتهم، ويتذكروا أن الله مرصد من ~~مساءلتهم عما حملوه، ومجازاتهم بما أسلفوه، وقدموا عنده؛ وما توفيق أمير ~~المؤمنين إلا بالله وحده، وحسبه الله وكفى به. ومما بينه أمير المؤمنين ~~برويته، وطالعه بفكره، فتبين عظيم خطره، وجليل ما يرجع في الدين من ~~وكفه وضرره ما ينال المسلمون بينهم من القول في القرآن الذي جعله الله ~~إماما لهم، وأثرا من رسول الله وصفيه محمد # صلى الله عليه وسلم # باقيا لهم، واشتباهه ~~على كثير منهم، حتى حسن عندهم، وتزين في عقولهم، ألا يكون مخلوقا، ~~فتعرضوا بذلك لدفع خلق الله، الذي بان به عن خلقه، وتفرد بجلالته من ابتداع ~~الأشياء كلها بحكمته، وإنشائها بقدرته، والتقدم عليها بأوليته، التي لا ~~يبلغ أولاها، ولا يدرك مداها، وكان كل شيء دونه، خلقا من خلقه، وحدثا هو ~~المحدث له، وإن كان القرآن ناطقا به، ودالا عليه، وقاطعا للاختلاف فيه، ~~وضاهوا به قول النصارى، في ادعائهم في عيسى ابن مريم أنه ليس بمخلوق، إذ كان ~~كلمة الله، والله عز وجل يقول: # إنا جعلناه ~~قرآنا عربيا ~~. وتأويل ذلك: إنا خلقناه، كما قال جل جلاله: # وجعل منها زوجها ليسكن ~~إليها ~~. وقال: # وجعلنا الليل ~~لباسا * وجعلنا النهار معاشا ~~، # وجعلنا من الماء كل شيء ~~حي ~~. فسوى عز وجل بين القرآن وبين هذه الخلائق، التي ذكرها في شية ~~الصنعة، وأخبر أنه جاعله وحده، فقال: # بل هو قرآن ~~مجيد * في لوح محفوظ ~~. فقال ذلك على ~~إحاطة اللوح بالقرآن، ولا يحاط إلا بمخلوق، وقال لنبيه # صلى الله عليه وسلم ~~: # لا ms737 تحرك به لسانك لتعجل به ~~. وقال: # ما يأتيهم من ذكر من ربهم ~~محدث ~~. وقال: # فمن أظلم ممن ~~افترى على الله كذبا أو كذب بآياته ~~. وأخبر عن ~~قوم ذمهم بكذبهم، أنهم قالوا: # ما أنزل الله على ~~بشر من شيء ~~. ثم أكذبهم على لسان رسوله، فقال لرسوله: # قل من أنزل الكتاب الذي جآء به ~~موسى ~~. فسمى الله تعالى القرآن قرآنا وذكرا، وإيمانا ونورا ~~وهدى ومباركا وعربيا وقصصا، فقال: # نحن نقص ~~عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا ~~القرآن ~~. وقال: # قل لئن اجتمعت ~~الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا ~~يأتون بمثله # وقال: # قل فأتوا ~~بعشر سور مثله مفتريات ~~. وقال: # لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من ~~خلفه ~~. فجعل له أولا وآخرا، ودل عليه، أنه محدود مخلوق، وقد ~~عظم هؤلاء الجهلة بقولهم في القرآن؛ الثلم في دينهم، والحرج في أمانتهم، ~~وسهلوا السبيل لعدو الإسلام، واعترفوا بالتبديل والإلحاد على قلوبهم حتى ~~عرفوا، ووصفوا خلق الله وفعله بالصفة التي هي لله وحده وشبهوه به، والإشباه ~~أولى بخلقه، وليس يرى أمير المؤمنين، لمن قال بهذه المقالة حظا في الدين، ولا ~~نصيبا من الإيمان واليقين، ولا يرى أن يحل أحدا منهم محل الثقة في أمانة ~~ولا عدالة ولا شهادة، ولا صدق في قول ولا حكاية، ولا تولية لشيء من أمر ~~الرعية؛ وإن ظهر قصد بعضهم، وعرف بالسداد مسدد فيهم، فإن الفروع مردودة إلى ~~أصولها، ومحمولة في الحمد والذم عليها، ومن كان جاهلا بأمر دينه، الذي أمره ~~الله به، من وحدانيته، فهو بما سواه أعظم جهلا، وعن الرشد في غيره أعمى وأضل ~~سبيلا. # فاقرأ على جعفر بن عيسى وعبد الرحمن بن إسحاق القاضي كتاب أمير المؤمنين، ~~بما كتب به إليك، وانصصهما عن علمهما في القرآن، وأعلمهما أن أمير المؤمنين ~~لا يستعين على شيء من أمور المسلمين، إلا بمن وثق بإخلاصه وتوحيده، وأنه لا ~~توحيد لمن لم يقر بأن القرآن مخلوق، فإن قالا بقول أمير المؤمنين في ذلك ~~فتقدم إليهما في امتحان من يحضر مجالسهما، بالشهادات ms738 على الحقوق، ونصهم عن ~~قولهم في القرآن، فمن لم يقل منهم إنه مخلوق، أبطلا شهادته، ولم يقطعا حكما ~~بقوله، وإن ثبت عفافه بالقصد والسداد في أمره، وافعل ذلك بمن في سائر عملك من ~~القضاة، وأشرف عليهم إشرافا يزيد الله به ذا البصيرة في بصيرته، ويمنع المرتاب ~~من إغفال دينه، واكتب إلى أمير المؤمنين بما يكون منك في ذلك إن شاء ~~الله. # ثم لننظر ما حصل بعد ذلك مما يرويه لنا الطبري قال: فأحضر إسحاق بن إبراهيم لذلك ~~جماعة من الفقهاء والحكام والمحدثين، وأحضر أبا حسان الزيادي، وبشر بن الوليد ~~الكندي، وعلي بن أبي مقاتل، والفضل بن غانم، والذيال بن الهيثم، وسجادة، والقواريري، ~~وأحمد بن حنبل، وقتيبة، وسعدويه الواسطي، وعلي بن الجعد، وإسحاق بن أبي إسرائيل، وابن ~~الهرش، وابن علية الأكبر، ويحيى بن عبد الرحمن العمري، وشيخا آخر من ولد عمر بن ~~الخطاب، كان قاضي الرقة وأبا نصر التمار وأبا معمر القطيعي، ومحمد بن حاتم بن ميمون، ~~ومحمد بن نوح المضروب، وابن الفرخان، وجماعة منهم النضر بن شميل، وابن علي بن عاصم، ~~وأبو العوام البزاز، وابن شجاع، وعبد الرحمن بن إسحاق؛ فأدخلوا جميعا على إسحاق، ~~فقرأ عليهم كتاب المأمون هذا مرتين، حتى فهموه، ثم قال لبشر بن الوليد: ما تقول في ~~القرآن؟ فقال: قد عرفت مقالتي لأمير المؤمنين غير مرة. قال: فقد تجدد من كتاب أمير ~~المؤمنين ما قد ترى. فقال: أقول القرآن كلام الله. قال: لم أسألك عن هذا، أمخلوق هو؟ ~~قال: الله خالق كل شيء. قال: ما القرآن شيء؟ قال: هو شيء. قال: فمخلوق؟ قال: ليس بخالق. ~~قال: ليس أسألك عن هذا، أمخلوق هو؟ قال: ما أحسن غير ما قلت لك، وقد استعهدت أمير ~~المؤمنين ألا أتكلم فيه، وليس عندي غير ما قلت لك. فأخذ إسحاق بن إبراهيم رقعة كانت ~~بين يديه، فقرأها عليه، ووقفه عليها، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله أحدا فردا لم ~~يكن قبله شيء، ولا بعده شيء، ولا يشبهه شيء من خلقه، في معنى ms739 من المعاني، ولا وجه من ~~الوجوه. قال: نعم، وقد كنت أضرب الناس على دون هذا. فقال للكاتب: اكتب ما قال. # ثم قال لعلي بن أبي مقاتل: ما تقول يا علي ؟ قال: قد سمعت كلامي لأمير المؤمنين في ~~هذا غير مرة، وما عندي غير ما سمع. فامتحنه بالرقعة، فأقر بما فيها، ثم قال: القرآن ~~مخلوق؟ قال: القرآن كلام الله. قال: لم أسألك عن هذا. قال: هو كلام الله وإن أمرنا أمير ~~المؤمنين بشيء سمعنا وأطعنا. فقال للكاتب: اكتب مقالته. # ثم قال للذيال نحوا من مقالته لعلي بن أبي مقاتل، فقال له مثل ذلك، ثم قال لأبي حسان ~~الزيادي: ما عندك؟ قال: سل عما شئت. فقرأ عليه الرقعة، ووقفه عليها فأقر بما ~~فيها. ثم قال: من لم يقل هذا القول فهو كافر. فقال: القرآن مخلوق هو؟ قال: القرآن كلام ~~الله، والله خالق كل شيء، وما دون الله مخلوق، وأمير المؤمنين إمامنا، وبسببه سمعنا ~~عامة العلم، وقد سمع ما لم نسمع، وعلم ما لم نعلم، وقد قلده الله أمرنا، فصار يقيم ~~حجنا وصلاتنا، ونؤدي إليه زكاة أموالنا، ونجاهد معه، ونرى إمامته إمامة، وإن أمرنا ~~ائتمرنا، وإن نهانا انتهينا، وإن دعانا أجبنا. قال: القرآن مخلوق هو؟ فأعاد عليه أبو ~~حسان مقالته، قال: إن هذه مقالة أمير المؤمنين. قال: قد تكون مقالة أمير المؤمنين ولا ~~يأمر بها الناس، ولا يدعوهم إليها، وإن أخبرتني أن أمير المؤمنين أمرك أن أقول قلت ما ~~أمرتني به، فإنك الثقة، المأمون عليه فيما أبلغتني عنه من شيء، فإن أبلغتني عنه بشيء ~~صرت إليه. قال: ما أمرني أن أبلغك شيئا. قال علي بن أبي مقاتل: قد يكون قوله ~~كاختلاف أصحاب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # في الفرائض والمواريث، ولم يحملوا الناس عليها. قال ~~له أبو حسان: ما عندي إلا السمع والطاعة، فمرني آتمر. قال: ما أمرني أن آمرك، وإنما ~~أمرني أن أمتحنك. # ثم عاد إلى أحمد بن حنبل، فقال له: ما تقول في القرآن؟ قال: هو كلام الله. قال: ~~أمخلوق ms740 هو؟ قال: هو كلام الله لا أزيد عليها. فامتحنه بما في الرقعة، فلما أتى إلى # ليس كمثله شيء وهو السميع ~~البصير # وأمسك عن لا يشبهه شيء من خلقه، في معنى من المعاني، ولا وجه ~~من الوجوه؛ فاعترض عليه ابن البكاء الأصغر، فقال: أصلحك الله! إنه يقول: سميع من ~~أذن، بصير من عين. فقال إسحاق لأحمد بن حنبل: ما معنى قوله سميع بصير؟ قال: هو كما ~~وصف نفسه. قال: فما معناه؟ قال: لا أدري، هو كما وصف نفسه. ثم دعا بهم رجلا رجلا كلهم ~~يقول: القرآن كلام الله، إلا هؤلاء النفر: قتيبة، وعبيد الله بن محمد بن الحسن، وابن ~~علية الأكبر، وابن البكاء، وعبد المنعم بن إدريس بن بنت وهب بن منبه، والمظفر ابن ~~مرجا، ورجلا ضريرا ليس من أهل الفقه، ولا يعرف بشيء منه إلا أنه دس في ذلك ~~الموضع، ورجلا من ولد عمر بن الخطاب قاضي الرقة، وابن الأحمر، فأما ابن البكاء الأكبر ~~فإنه قال: القرآن مجعول لقول الله تعالى: # إنا جعلناه ~~قرآنا عربيا ~~، والقرآن محدث لقوله: # ما ~~يأتيهم من ذكر من ربهم محدث ~~. قال له إسحاق: فالمجعول ~~مخلوق؟ قال: نعم. قال: فالقرآن مخلوق؟ قال: لا أقول مخلوق ولكنه مجعول. فكتب مقالته، ~~فلما فرغ من امتحان القوم وكتب مقالاتهم اعترض ابن البكاء الأصغر فقال: أصلحك الله! إن ~~هذين القاضيين أئمة، فلو أمرتهما فأعادا الكلام! قال له إسحاق: هما من يقوم بحجة أمير ~~المؤمنين. قال: فلو أمرتهما أن يسمعانا مقالتهما لنحكي ذلك عنهما! قال له إسحاق: إن ~~شهدت عندهما بشهادة فستعلم مقالتهما إن شاء الله. فكتب مقالة القوم رجلا رجلا ~~ووجهت إلى المأمون، فمكث القوم تسعة أيام ثم دعا بهم. وقد ورد كتاب المأمون، جواب ~~كتاب إسحاق بن إبراهيم في أمرهم. وهاك هو ما نجعله ختاما لكلمتنا. ~~••• # بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد، فقد بلغ أمير المؤمنين كتابك جواب كتابه، كان ~~إليك فيما ذهب إليه متصنعة أهل القبلة، وملتمسو الرياسة فيما ليسوا له بأهل من أهل ~~الملة، من القول في ms741 القرآن، وأمرك به أمير المؤمنين، من امتحانهم، وتكشيف أحوالهم، ~~وإحلالهم محالهم، تذكر إحضارك جعفر بن عيسى، وعبد الرحمن بن إسحاق، عند ورود كتاب أمير ~~المؤمنين، مع من أحضرت ممن كان ينسب إلى الفقه، ويعرف بالجلوس للحديث، وينصب نفسه ~~للفتيا بمدينة السلام، وقراءتك عليهم جميعا كتاب أمير المؤمنين، ومسألتك إياهم عن ~~اعتقادهم في القرآن، والدلالة لهم على حظهم، وإطباقهم على نفي التشبيه، واختلافهم في ~~القرآن، وأمرك من لم يقل منهم إنه مخلوق بالإمساك عن الحديث والفتوى، في السر ~~والعلانية، وتقدمك إلى السندي، وعباس مولى أمير المؤمنين بما تقدمت به فيهم إلى ~~القاضيين بمثل ما مثل لك أمير المؤمنين، من امتحان من يحضر مجالسهما من الشهود، ~~وبث الكتب إلى القضاة في النواحي من عملك بالقدوم عليك، لتحملهم وتمتحنهم على ما حده ~~أمير المؤمنين، وتثبيتك في آخر الكتاب أسماء من حضر ومقالاتهم، وفهم أمير المؤمنين ما ~~اقتصصت؛ وأمير المؤمنين يحمد الله كثيرا كما هو أهله، ويسأله أن يصلي على عبده ورسوله ~~محمد # صلى الله عليه وسلم ~~، ويرغب إلى الله في التوفيق لطاعته، وحسن المعونة، على صالح نيته ~~برحمته. # وقد تدبر أمير المؤمنين ما كتبت به من أسماء من سألت عن القرآن، وما رجع إليك فيه ~~كل امرئ منهم، وما شرحت من مقالتهم؛ فأما ما قال المغرور بشر بن الوليد في نفي التشبيه، ~~وما أمسك عنه من أن القرآن مخلوق، وادعى من تركه الكلام في ذلك واستعهاده أمير ~~المؤمنين، فقد كذب بشر في ذلك وكفر، وقال الزور والمنكر، ولم يكن جرى بين أمير ~~المؤمنين وبينه في ذلك، ولا في غيره، عهد ولا نظر أكثر من إخباره أمير المؤمنين من ~~اعتقاده كلمة الإخلاص والقول بأن القرآن مخلوق، فادع به إليك، وأعلمه ما أعلمك به أمير ~~المؤمنين من ذلك، وانصصه عن قوله في القرآن، واستتبه منه، فإن أمير المؤمنين يرى أن ~~تستتبب من قال بمقالته إذ كانت تلك المقالة الكفر الصراح والشرك المحض عند أمير ~~المؤمنين، فإن تاب منها فأشهر أمره، وأمسك عنه، وإن أصر على ms742 شركه، ودفع أن يكون ~~القرآن مخلوقا بكفره وإلحاده، فاضرب عنقه، وابعث إلى أمير المؤمنين برأسه، إن شاء ~~الله، وكذلك إبراهيم بن المهدي فامتحنه بمثل ما تمتحن به بشرا، فإنه كان يقول بقوله، ~~وقد بلغت أمير المؤمنين عنه بوالغ، فإن قال إن القرآن مخلوق، فأشهر أمره واكشفه، وإلا ~~فاضرب عنقه، وابعث إلى أمير المؤمنين برأسه إن شاء الله. # وأما علي بن أبي مقاتل فقل له: ألست القائل لأمير المؤمنين إنك تحلل وتحرم ~~والمكلم له بمثل ما كلمته به، مما لم يذهب عنه ذكره؟! وأما الذيال بن الهيثم، ~~فأعلمه أنه كان في الطعام الذي كان يسرقه في الأنبار، وفيما يستولي عليه من أمر مدينة ~~أمير المؤمنين أبي العباس ما يشغله، وأنه لو كان مقتفيا آثار سلفه، وسالكا مناهجهم، ~~ومحتذيا سبيلهم، لما خرج إلى الشرك بعد إيمانه. وأما أحمد بن يزيد المعروف بأبي ~~العوام، وقوله إنه لا يحسن الجواب في القرآن، فأعلمه أنه صبي في عقله، لا في سنه، ~~جاهل، وأنه إن كان لا يحسن الجواب في القرآن فسيحسنه، إذا أخذه التأديب، ثم إن لم يفعل ~~كان السيف من وراء ذلك إن شاء الله. # وأما أحمد بن حنبل، وما تكتب عنه، فأعلمه أن أمير المؤمنين قد عرف فحوى تلك المقالة، ~~وسبيله فيها، واستدل على جهله، وآفته بها؛ وأما الفضل بن غانم، فأعلمه أنه لم يخف ~~على أمير المؤمنين ما كان منه بمصر، وما اكتسب من الأموال في أقل من سنة، وما شجر بينه ~~وبين المطلب بن عبد الله في ذلك، فإنه من كان شأنه شأنه، وكانت رغبته في الدينار ~~والدرهم رغبته، فليس بمستنكر أن يبيع إيمانه طمعا فيهما، وإيثارا لعاجل نفعهما، وإنه ~~مع ذلك القائل لعلي بن هشام ما قال، والمخالف له فيما خالفه فيه، فما الذي حال به عن ~~ذلك، ونقله إلى غيره؟ وأما الزيادي، فأعلمه أنه كان منتحلا لأول دعي كان في الإسلام ~~خولف فيه حكم رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وكان جديرا أن يسلك مسلكه فأنكر أبو حسان أن ms743 يكون ~~مولى لزياد، أو يكون مولى لأحد من الناس - وذكر أنه إنما نسب إلى زياد لأمر من الأمور ~~- وأما المعروف بأبي نصر التمار، فإن أمير المؤمنين شبه خساسة عقله بخساسة متجره؛ ~~وأما الفضل بن الفرخان، فأعلمه أنه حاول بالقول الذي قاله في القرآن أخذ الودائع ~~التي أودعها إياه عبد الرحمن بن إسحاق وغيره، تربصا بمن استودعه، وطمعا في ~~الاستكثار لما صار في يده، ولا سبيل عليه عن تقادم عهده، وتطاول الأيام به، فقل لعبد ~~الرحمن بن إسحاق: لا جزاك الله خيرا عن تقويتك مثل هذا، وائتمانك إياه، وهو معتقد ~~للشرك، منسلخ من التوحيد. # وأما محمد بن حاتم، وابن نوح، والمعروف بأبي معمر، فأعلمهم أنهم مشاغيل بأكل ~~الربا، عن الوقوف على التوحيد، وأن أمير المؤمنين لو لم يستحل محاربتهم في الله ~~ومجاهدتهم، إلا لإربائهم، وما نزل به كتاب الله في أمثالهم، لاستحل ذلك، فكيف بهم وقد ~~جمعوا مع الإرباء شركا، وصاروا للنصارى مثلا؛ وأما أحمد بن شجاع، فأعلمه أنك صاحبه ~~بالأمس، والمستخرج منه ما استخرجته من المال الذي كان استحله من مال علي بن هشام، وأنه ~~ممن الدينار والدرهم دينه؛ وأما سعدويه الواسطي فقل له: قبح الله رجلا بلغ ~~به التصنع للحديث، والتزين به، والحرص على طلب الرياسة فيه، أن يتمنى وقت المحنة ~~فيقول بالتقرب بها: متى يمتحن فيجلس للحديث. وأما المعروف بسجادة، وإنكاره أن يكون ~~سمع ممن كان يجالس من أهل الحديث، وأهل الفقه، القول بأن القرآن مخلوق، فأعلمه أنه ~~في شغله بإعداد النوى، وحكه لإصلاح سجادته، وبالودائع التي دفعها إليه علي بن يحيى ~~وغيره ما أذهله عن التوحيد وألهاه، ثم سله عما كان يوسف بن أبي يوسف، ومحمد بن الحسن، ~~يقولانه إن كان شاهدهما وجالسهما؛ وأما القواريري ففيما تكشف من أحواله، وقبوله ~~الرشا والمصانعات ما أبان عن مذهبه، وسوء طريقته، وسخافة عقله ودينه، وقد انتهى إلى ~~أمير المؤمنين أنه يتولى لجعفر بن عيسى الحسني مسائله، فتقدم إلى جعفر بن عيسى في رفضه، ~~وترك الثقة به، والاستنامة إليه. # وأما يحيى ms744 بن عبد الرحمن العمري، فإن كان من ولد عمر بن الخطاب فجوابه معروف؛ وأما ~~محمد بن الحسن بن علي بن عاصم فإنه لو كان مقتديا بمن مضى من سلفه لم ينتحل النحلة ~~التي حكيت عنه، وإنه بعد صبي يحتاج إلى تعلم، وقد كان أمير المؤمنين وجه إليك ~~المعروف بأبي مسهر، بعد أن نصه أمير المؤمنين عن محنته في القرآن، فجمجم عنها، ~~ولجلج فيها، حتى دعا له أمير المؤمنين بالسيف، فأقر ذميما، فانصصه عن إقراره، فإن كان ~~مقيما عليه فأشهر ذلك وأظهره إن شاء الله؛ ومن لم يرجع عن شركه ممن سميت ~~لأمير المؤمنين في كتابك، وذكره أمير المؤمنين لك، أو أمسك عن ذكره في كتابه هذا، ولم ~~يقل إن القرآن مخلوق، بعد بشر بن الوليد، وإبراهيم بن المهدي، فاحملهم أجمعين، موثقين ~~إلى عسكر أمير المؤمنين مع من يقوم بحفظهم، وحراستهم في طريقهم، حتى يؤديهم إلى عسكر ~~أمير المؤمنين، ويسلمهم إلى من يؤمر بتسليمهم إليه، لينصهم أمير المؤمنين، فإن ~~لم يرجعوا ويتوبوا حملهم جميعا على السيف إن شاء الله، ولا قوة إلا بالله؛ وقد أنفذ ~~أمير المؤمنين كتابه هذا في خريطة بندارية، ولم ينظر به اجتماع الكتب الخرائطية ~~معجلا به، تقربا إلى الله عز وجل بما أصدر من الحكم، ورجاء ما اعتمد، وإدراك ما ~~أمل، من جزيل ثواب الله عليه، فأنفذ لما أتاك من أمر أمير المؤمنين، وعجل إجابة ~~أمير المؤمنين بما يكون منك في خريطة بندارية مفردة عن سائر الخرائط، لتعرف أمير ~~المؤمنين ما يعملونه إن شاء الله. وكتب سنة 218ه. ~~(3) عهد طاهر بن الحسين # قال ابن طيفور: ولما عهد طاهر بن الحسين إلى عبد الله ابنه هذا العهد، تنازعه الناس ~~وكتبوه وتدارسوه، وشاع أمره حتى بلغ المأمون، فدعا به وقرئ عليه، وقال: ما أبقى أبو ~~الطيب شيئا من الدين والدنيا، والتدبير والرأي، وإصلاح الملك والرعية، وحفظ البيعة، ~~وطاعة الخلفاء، وتقويم الخلافة إلا وقد أحكمه، وأوصى به، وتقدم فيه. وأمر أن يكتب ~~بذلك إلى جميع العمال في نواحي الأعمال. ولما ms745 كان هذا العهد من الوثائق التاريخية التي ~~لها قيمتها العلمية والأدبية والاجتماعية والسياسية آثرنا ذكره على ما فيه من طول رغبة ~~منا في ألا يخلو كتابنا من هذا الأثر العظيم القيمة والخطر، وهاكه: عليك بتقوى الله ~~وحده لا شريك له، وخشيته ومراقبته ومزايلة سخطه، وحفظ رعيتك، والزم ما ألبسك الله في ~~العافية بالذكر لمعادك، وما أنت صائر إليه، وموقوف عليه، ومسئول عنه، والعمل في ذلك كله ~~بما يعصمك الله وينجيك يوم القيامة من عذابه وأليم عقابه، فإن الله قد أحسن إليك، وأوجب ~~عليك الرأفة بمن استرعاك أمرهم من عباده، وألزمك العدل عليهم، والقيام بحقه وحدوده ~~فيهم، والذب عنهم، والدفع عن حريمهم وبيضتهم، والحقن لدمائهم، والأمن لسبيلهم، وإدخال ~~الراحة عليهم في معايشهم، ومؤاخذك بما فرض عليك من ذلك، وموقفك عليه، ومسائلك ~~عنه، ومثيبك عليه بما قدمت وأخرت، ففرغ لذلك فكرك وعقلك وبصرك ورويتك، ولا ~~يذهلك عنه ذهل، ولا يشغلك عنه شغل، فإنه رأس أمرك وملاك شأنك، وأول ما يوفقك الله به ~~لرشدك، وليكن أول ما تلزم به نفسك وتنسب إليه فعالك، المواظبة على ما افترض الله ~~عليك من الصلوات الخمس، والجماعة عليها بالناس قبلك في مواقيتها على سننها في إسباغ ~~الوضوء لها وافتتاح ذكر الله فيها، وترتل في قراءتك، وتمكن في ركوعك وسجودك ~~وتشهدك، ولتصدق فيها لربك نيتك، واحضض عليها جماعة من معك وتحت يدك، وادأب عليها ~~فإنها - كما قال الله - تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، ثم أتبع ذلك الأخذ بسنن رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم ~~، والمثابرة على خلائقه، واقتفاء آثار السلف الصالح من بعده. وإذا ورد ~~عليك أمر فاستعن عليه باستخارة الله وتقواه، ولزوم ما أنزل الله في كتابه، من أمره ~~ونهيه، وحلاله وحرامه، وائتمام ما جاءت به الآثار عن النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، ثم قم فيه بما ~~يحق لله عليك، ولا تمل عن العدل فيما أحببت أو كرهت، لقريب من الناس أو بعيد، ~~وآثر الفقه وأهله، والدين وحملته، وكتاب الله والعاملين به، فإن أفضل ما تزين به ms746 ~~المرء الفقه في دين الله، والطلب له والحث عليه، والمعرفة بما يتقرب به إلى الله، فإنه ~~الدليل على الخير كله، والقائد له، والآمر به، والناهي عن المعاصي والموبقات كلها، وبها ~~مع توفيق الله تزداد العباد معرفة بالله - عز وجل - وإجلالا له ودركا للدرجات ~~العلى في المعاد، مع ما في ظهوره للناس من التوقير لأمرك والهيبة لسلطانك، والأنسة بك ~~والثقة بعدلك. وعليك بالاقتصاد في الأمور كلها، فليس شيء أبين نفعا ولا أحضر أمنا ~~ولا أجمع فضلا من القصد، والقصد داعية إلى الرشد، والرشد دليل على التوفيق، والتوفيق ~~منقاد إلى السعادة، وقوام الدين والسنن الهادية بالاقتصاد، فآثره في دنياك كلها، ولا ~~تقصر في طلب الآخرة والأجر والأعمال الصالحة، والسنن المعروفة ومعالم الرشد، فلا ~~غاية للاستكثار من البر والسعي له، إذا كان يطلب به وجه الله ومرضاته، ومرافقة ~~أوليائه، في دار كرامته. # واعلم أن القصد في شأن الدنيا يورث العز، ويحصن من الذنوب، وأنك لن تحوط نفسك ومن ~~يليك، ولا تستصلح أمورك، بأفضل منه، فأته، واهتد به تتم أمورك، وتزد مقدرتك، وتصلح ~~خاصتك وعامتك، وأحسن الظن بالله عز وجل تستقم لك رعيتك، والتمس الوسيلة إليه في ~~الأمور كلها تستدم به النعمة عليك، ولا تنهض أحدا من الناس، فيما توليه من عملك، ~~قبل تكشف أمره بالتهمة، فإن إيقاع التهم بالبرآء والظنون السيئة بهم مأثم، واجعل من ~~شأنك، حسن الظن بأصحابك، واطرد عنك سوء الظن بهم، وارفضه عنهم، يعنك ذلك على ~~اصطناعهم ورياضتهم، ولا يجدن عدو الله الشيطان في أمرك مغمزا، فإنه إنما يكتفي ~~بالقليل من وهنك فيدخل عليك من الغم، في سوء الظن، ما ينغص عليك لذاذة عيشك، ~~واعلم أنك تجد بحسن الظن، قوة وراحة، وتكفى به ما أحببت كفايته من أمورك، وتدعو به ~~الناس إلى محبتك، والاستقامة في الأمور كلها لك. # ولا يمنعك حسن الظن بأصحابك، والرأفة برعيتك، أن تستعمل المسألة والبحث عن أمورك ~~والمباشرة لأمور الأولياء، والحياطة للرعية، والنظر فيما يقيمها ويصلحها، بل لتكن ~~المباشرة لأمور الأولياء، والحياطة للرعية، والنظر في حوائجهم، ms747 وحمل مئوناتهم، آثر ~~عندك مما سوى ذلك، فإنه أقوم للدين، وأحيا للسنة. وأخلص نيتك في جميع هذا، وتفرد ~~بتقويم نفسك، تفرد من يعلم أنه مسئول عما صنع، ومجزي بما أحسن، فإن الله جعل الدين ~~حرزا وعزا، ورفع من اتبعه وعززه، فاسلك بمن تسوسه وترعاه، نهج الدين، وطريقة ~~الهدى، وأقم حدود الله في أصحاب الجرائم على قدر منازلهم، وما استحقوه، ولا تعطل ~~ذلك ولا تهاون به، ولا تؤخر عقوبة أهل العقوبة، فإن في تفريطك في ذلك، لما يفسد ~~عليك حسن ظنك، واعزم على أمرك في ذلك بالسنن المعروفة، وجانب الشبه والبدعات، ~~يسلم لك دينك، وتقم لك مروءتك، وإذا عاهدت عهدا فف به، وإذا وعدت الخير ~~فأنجزه، واقبل الحسنة، وادفع بها، وأغمض عن عيب كل ذي عيب من رعيتك، واشدد لسانك ~~عن قول الكذب والزور، وأبغض أهله، وأقص أهل النميمة، فإن أول فساد أمرك في عاجل ~~الأمور وآجلها، تقريب الكذوب، والجرأة على الكذب، لأن الكذب رأس المآثم، والزور ~~والنميمة خاتمتها، لأن النميمة لا يسلم صاحبها، وقائلها لا يسلم له صاحب ولا يستقيم ~~لمطيعها أمر. وأحب أهل الصدق والصلاح، وأعن الأشراف بالحق، وواصل الضعفاء، ~~وصل الرحم، وابتغ بذلك وجه الله، وعزة أمره، والتمس فيه ثوابه والدار الآخرة، واجتنب ~~سوء الأهواء والجور، واصرف عنهما رأيك، وأظهر من ذلك لرعيتك، وأنعم بالعدل ~~سياستهم، وقم بالحق فيهم، وبالمعرفة التي تنتهي بك إلى سبيل الهدى، واملك نفسك عند ~~الغضب، وآثر الوقار والحلم. # وإياك والحدة والطيش والغرور فيما أنت بسبيله، وإياك أن تقول إني مسلط أفعل ما ~~أشاء؛ فإن ذلك سريع فيك إلى نقص الرأي، وقلة اليقين بالله وحده لا شريك له. وأخلص ~~لله وحده النية فيه، واليقين به، واعلم أن الملك لله، يعطيه من يشاء، وينزعه ممن يشاء، ~~ولن تجد تغير النعمة، وحلول النقمة، إلى أحد أسرع منه، إلى حملة النعمة، من أصحاب ~~السلطان، والمبسوط لهم في الدولة، إذا كفروا بنعم الله وإحسانه، واستطالوا بما آتاهم ~~الله من فضله. ودع عنك شره نفسك، ولتكن ذخائرك وكنوزك التي ms748 تدخر وتكنز، البر ~~والتقوى، والمعدلة، واستصلاح الرعية وعمارة بلادهم، والتفقد لأمورهم، والحفظ لدمائهم، ~~والإغاثة لملهوفهم، واعلم أن الأموال إذا كثرت وذخرت في الخزائن، لا تثمر، وإذا ~~كانت في إصلاح الرعية، وإعطاء حقوقهم، وكف المئونة عنهم، نمت وربت، وصلحت ~~به العامة، وتزينت به الولاة، وطاب به الزمان، واعتقد فيه العز والمنفعة، فليكن ~~كنز خزائنك تفريق الأموال في عمارة الإسلام وأهله، ووفر منه على أولياء أمير المؤمنين ~~قبلك حقوقهم، وأوف رعيتك من ذلك حصصهم، وتعهد بما يصلح أمورهم ومعايشهم، فإنك ~~إذا فعلت ذلك قرت النعمة عليك، واستوجبت المزيد من الله، وكنت بذلك على جباية ~~خراجك، وجمع أموال رعيتك وعملك أقدر، وكان الجميع لما شملهم من عدلك وإحسانك أسلس ~~لطاعتك، وأطيب نفسا بكل ما أردت، فاجهد نفسك، فيما حددت لك في هذا الباب، ~~ولتعظم حسبتك فيه، فإنما يبقى من المال، ما أنفق في سبيل حقه. # واعرف للشاكرين شكرهم، وأثبهم عليه، وإياك أن تنسيك الدنيا وغرورها هول الآخرة، ~~فتتهاون بما يحق عليك، فإن التهاون يوجب التفريط، والتفريط يورث البوار. وليكن عملك ~~لله، وفيه تبارك وتعالى، وارج الثواب، فإن الله قد أسبغ عليك نعمته في الدنيا، وأظهر ~~لديك فضله، فاعتصم بالشكر، وعليه فاعتمد، يزدك الله خيرا وإحسانا؛ فإن الله ~~يثيب بقدر شكر الشاكرين وسيرة المحسنين، وقضاء الحق فيما حمل من النعم. والبس من ~~العافية والكرامة، ولا تحتقرن ذنبا، ولا تمالئن حاسدا، ولا ترحمن فاجرا، ولا ~~تصلن كفورا، ولا تداهنن عدوا، ولا تصدقن نماما، ولا تأمنن غدارا، ولا ~~توالين فاسقا، ولا تتبعن غاويا، ولا تحمدن مرائيا، ولا تحقرن إنسانا، ولا ~~تردن سائلا فقيرا، ولا تجيبن باطلا، ولا تلاحظن مضحكا، ولا تخلفن وعدا، ~~ولا تذهبن فخرا، ولا تظهرن غضبا، ولا تأتين بذخا، ولا تمشين مرحا، ولا ~~تركبن سفها، ولا تفرطن في طلب الآخرة، ولا تدفع الأيام عيانا، ولا تغمضن عن ~~الظالم رهبة منه، أو مخافة، ولا تطلبن ثواب الآخرة في الدنيا، وأكثر مشاورة ~~الفقهاء، واستعمل نفسك بالحلم، وخذ عن أهل التجارب وذوي العقل والرأي والحكمة، ولا ~~تدخلن ms749 في مشورتك أهل الدقة والبخل، ولا تسمعن لهم قولا، فإن ضررهم أكثر من ~~منفعتهم، وليس شيء أسرع فسادا لما استقبلت في أمر رعيتك من الشح، واعلم أنك إذا ~~كنت حريصا، كنت كثير الأخذ، قليل العطية، وإذا كنت كذلك لم يستقم لك أمرك إلا ~~قليلا، فإن رعيتك إنما تعتقد على محبتك بالكف عن أموالهم، وترك الجور عليهم، ~~ويدوم صفاء أوليائك لك، بالإفضال عليهم، وحسن العطية لهم. فاجتنب الشح، واعلم أنه أول ~~ما عصى به الإنسان ربه، وأن العاصي بمنزلة خزي، وهو قول الله عز وجل: # ومن يوق شح نفسه فأولئك هم ~~المفلحون ~~. فسهل طريق الجود بالحق، واجعل للمسلمين كلهم من نيتك ~~حظا ونصيبا، وأيقن أن الجود من أفضل أعمال العباد، فأعدده لنفسك خلقا، ~~وارض به عملا ومذهبا. # وتفقد أمور الجند في دواوينهم، ومكاتبهم، وأدرر عليهم أرزاقهم، ووسع عليهم في ~~معايشهم، ليذهب بذلك الله فاقتهم، ويقوم لك أمرهم، ويزيد به قلوبهم في طاعتك ~~وأمرك، خلوصا وانشراحا، وحسب ذي سلطان من السعادة، أن يكون على جنده ورعيته، ~~رحمة في عدله وحيطته وإنصافه وعنايته، وشفقته وبره وتوسعته، فزايل مكروه إحدى ~~البليتين، باستشعار تكملة الباب الآخر ولزوم العمل به، تلق - إن شاء الله - ~~نجاحا وصلاحا وفلاحا. # واعلم أن القضاء من الله، بالمكان الذي ليس مثله شيء من الأمور؛ لأنه ميزان الله الذي ~~تعتدل عليه الأحوال في الأرض، وبإقامة العدل في القضاء والعمل تصلح الرعية، ~~وتؤمن السبل، وينتصف المظلوم، ويأخذ الناس حقوقهم، وتحسن المعيشة، ويؤدى ~~حق الطاعة، ويرزق الله العافية والسلامة، ويقوم الدين، وتجري السنن والشرائع، وعلى ~~مجاريها ينتجز الحق والعدل في القضاء. واشتد في أمر الله وتورع عن النطف، وامض ~~لإقامة الحدود، وأقلل العجلة، وابعد من الضجر والقلق، واقنع بالقسم، ولتسكن ~~ريحك، ويقر جدك، وانتفع بتجربتك، وانتبه في صمتك، واسدد في منطقك، وأنصف ~~الخصم، وقف عند الشبهة، وأبلغ في الحجة. # ولا يأخذك في أحد من رعيتك محاباة ولا مجاملة، ولا لوم لائم. وتثبت وتأن، ~~وراقب وانظر، وتدبر وتفكر، واعتبر وتواضع لربك، وارأف بجميع الرعية، ~~وسلط ms750 الحق على نفسك، ولا تسرعن إلى سفك دم، فإن الدماء من الله بمكان عظيم ~~انتهاكا لها بغير حقها، وانظر هذا الخراج الذي استقامت عليه الرعية، وجعله الله ~~للإسلام عزا ورفعة، ولأهله سعة ومنعة، ولعدوه وعدوهم كبتا وغيظا، ولأهل الكفر من ~~معاهدتهم ذلا وصغارا، فوزعه بين أصحابه بالحق والعدل والتسوية، والعموم فيه، ولا ~~تدفعن منه شيئا عن شريف لشرفه، وعن غني لغناه، ولا عن كاتب لك، ولا أحد من خاصتك، ~~فلا تأخذن منه، فوق الاحتمال له، ولا تكلفن أمرا فيه شطط، واحمل الناس كلهم على ~~مر الحق، فإن ذلك أجمع لألفتهم، وألزم لرضى العامة. واعلم أنك جعلت بولايتك ~~خازنا وحافظا، وراعيا، وإنما سمي أهل عملك رعيتك، لأنك راعيهم، وقيمهم، تأخذ ~~منهم ما أعطوك، من عفوهم ومقدرتهم، وتنفقه في قوام أمرهم وصلاحهم، وتقويم أودهم. ~~فاستعمل عليهم في كور عملك، ذوي الرأي والتدبير والتجربة والخبرة بالعمل، والعلم ~~بالسياسة والعفاف، ووسع عليهم في الرزق، فإن ذلك من الحقوق اللازمة لك فيما تقلدت ~~وأسند إليك، ولا يشغلنك عنه شاغل، ولا يصرفنك عنه صارف، فإنك متى آثرته، وقمت فيه ~~بالوجب، استدعيت به زيادة النعمة من ربك، وحسن الأحدوثة في عملك، واستجررت به المحبة ~~من رعيتك، وأعنت على الصلاح، فدرت الخيرات ببلدك، وفشت العمارة بناحيتك، وظهر ~~الخصب في كورك، وكثر خراجك، وتوفرت أموالك، وقويت بذلك على ارتباط جندك، وإرضاء ~~العامة، بإفاضة العطاء فيهم من نفسك، وكنت محمود السياسة، مرضي العدل في ذلك عند ~~عدوك، وكنت في أمورك كلها، ذا عدل وقوة، وآلة وعدة، فنافس في هذا، ولا تقدم عليه ~~شيئا، تحمد مغبة أمرك، إن شاء الله. # واجعل في كل كورة من عملك أمينا، يخبرك أخبار عمالك، ويكتب إليك بسيرتهم ~~وأعمالهم، حتى كأنك مع كل عامل في عمله، معاين لأمره كله، وإن أردت أن تأمره بأمر، ~~فانظر في عواقب ما أردت من ذلك، فإن رأيت السلامة فيه والعافية، ورجوت فيه حسن الدفاع، ~~والنصح والصنع فأمضه، وإلا فتوقف عنه، وراجع أهل البصر والعلم، ثم خذ فيه ~~عدته، فإنه ربما ms751 نظر الرجل في أمر من أمره، قد واتاه على ما يهوى، فقواه على ذلك ~~وأعجبه، وإن لم ينظر في عواقبه أهلكه، ونقض عليه أمره، فاستعمل الحزم في كل ما ~~أردت، وباشره بعد عون الله بالقوة، وأكثر استخارة ربك، في جميع أمورك، وافرغ ~~من عمل يومك، ولا تؤخره لغدك، وأكثر مباشرته بنفسك، فإن لغد أمورا وحوادث تلهيك ~~عن عمل يومك الذي أخرت، واعلم أن اليوم إذا مضى ذهب بما فيه، وإذا أخرت عمله اجتمع ~~عليك أمر يومين، فشغلك ذلك حتى تعرض عنه، فإذا أمضيت لكل يوم عمله، أرحت نفسك ~~وبدنك، وأحكمت أمور سلطانك. وانظر أحرار الناس وذوي الشرف منهم، ثم استيقن صفاء ~~طويتهم، وتهذيب مودتهم لك، ومظاهرتهم بالنصح والمحافظة على أمرك، فاستخلصهم، وأحسن ~~إليهم، وتعاهد أهل البيوتات ممن قد دخلت عليهم الحاجة، فاحتمل مئونتهم وأصلح ~~حالهم، حتى لا يجدوا لخلتهم مسا، وأفرد نفسك للنظر في أمور الفقراء والمساكين، ومن ~~لا يقدر على رفع مظلمة إليك، والمحتقر الذي لا علم له بطلب حقه، فاسأل عنه أخفى ~~مسألة، ووكل بأمثاله أهل الصلاح من رعيتك، ومرهم برفع حوائجهم وحالاتهم إليك، لتنظر ~~فيها بما يصلح الله به أمرهم، وتعاهد ذوي البأساء ويتاماهم وأراملهم، واجعل لهم أرزاقا ~~من بيت المال اقتداء بأمير المؤمنين أعزه الله في العطف عليهم والصلة لهم، ليصلح ~~الله بذلك عيشهم، ويرزقك به بركة وزيادة، وأجر للأمراء من بيت المال، وقدم حملة ~~القرآن منهم، والحافظين لأكثره، في الجراية على غيرهم، وانصب لمرضى المسلمين دورا ~~تئويهم، وقواما يرفقون بهم، وأطباء يعالجون أسقامهم، وأسعفهم بشهواتهم، ما لم ~~يؤد ذلك إلى سرف في بيت المال، واعلم أن الناس إذا أعطوا حقوقهم، وأفضل أمانيهم لم ~~يرضهم ذلك، ولم تطب أنفسهم، دون رفع حوائجهم إلى ولاتهم؛ طمعا في نيل الزيادة، ~~وفضل الرفق منهم، وربما برم المتصفح لأمور الناس لكثرة ما يرد عليه، ويشغل فكره ~~وذهنه، ومنها ما يناله به مئونة ومشقة، وليس من يرغب في العدل ويعرف محاسن أموره في ~~العاجل وفضل ثواب الآجل، كالذي يستقبل ما يقربه ms752 إلى الله، ويلتمس رحمته به. # وأكثر الإذن للناس عليك، وأبرز لهم وجهك، وسكن لهم أحراسك، واخفض لهم ~~جناحك، وأظهر لهم بشرك، ولن لهم في المسألة والمنطق، واعطف عليهم بجودك وفضلك، ~~وإذا أعطيت فأعط بسماحة وطيب نفس، والتمس الصنيعة والأجر، غير مكدر ولا منان، فإن ~~العطية على ذلك تجارة مربحة إن شاء الله. واعتبر بما ترى من أمور الدنيا، ومن مضى من ~~قبلك، من أهل السلطان والرياسة، في القرون الخالية والأمم البائدة، ثم اعتصم في ~~أحوالك كلها بأمر الله، والوقوف عند محبته، والعمل بشريعته وسنته وإقامة دينه وكتابه، ~~واجتنب ما فارق ذلك وخالفه، ودعا إلى سخط الله، واعرف ما تجمع عمالك من الأموال، ~~وينفقون منها، ولا تجمع حراما، ولا تنفق إسرافا. وأكثر مجالسة العلماء، ومشاورتهم ~~ومخالطتهم، وليكن هواك اتباع السنن وإقامتها، وإيثار مكارم الأمور ومعاليها، وليكن أكرم ~~دخلائك وخاصتك عليك من إذا رأى عيبا فيك لم تمنعه هيبتك من إنهاء ذلك إليك، في ~~سر، وإعلامك ما فيه من النقص، فإن أولئك أنصح أوليائك ومظاهريك، وانظر عمالك الذين ~~بحضرتك، وكتابك، فوقت لكل رجل منهم في كل يوم وقتا يدخل عليك فيه بكتبه ومؤامرته ~~وما عنده من حوائج عمالك وأمر كورك ورعيتك، ثم فرغ لما يورده عليك من ذلك سمعك ~~وبصرك، وفهمك وعقلك، وكرر النظر إليه والتدبير له، فما كان موافقا للحزم والحق ~~فامضه واستخر الله فيه، وما كان مخالفا لذلك فاصرفه إلى التثبت فيه والمسألة عنه، ~~ولا تمنن على رعيتك ولا على غيرهم بمعروف تأتيه إليهم، ولا تقبل من أحد منهم إلا ~~الوفاء والاستقامة والعون في أمور أمير المؤمنين، ولا تضعن المعروف إلا على ذلك، ~~وتفهم كتابي إليك، وأكثر النظر فيه، والعمل به، واستعن بالله على جميع أمورك ~~واستخره، فإن الله مع الصلاح وأهله، وليكن أعظم سيرتك، وأفضل رغبتك، ما كان لله رضا، ~~ولدينه نظاما، ولأهله عزا وتمكينا، وللذمة والملة عدلا وصلاحا. وأنا أسأل الله أن ~~يحسن عونك وتوفيقك، ورشدك وكلاءك، وأن ينزل عليك فضله ورحمته، بتمام فضله عليك، ~~وكرامته لك، حتى ms753 يجعلك أفضل أمثالك نصيبا، وأوفرهم حظا، وأسناهم ذكرا وأمرا، وأن ~~يهلك عدوك ومن ناوأك وبغى عليك، ويرزقك من رعيتك العافية، ويحجز الشيطان عنك ووساوسه، ~~حتى يستعلي أمرك بالعز والقوة والتوفيق، إنه قريب مجيب. ~~(4) رسالة الخميس # من عبد الله الإمام المأمون أمير المؤمنين، إلى المبايعين على الحق، والناصرين للدين، ~~من أهل خراسان وغيرهم من أهل الإسلام: سلام عليكم، فإن أمير المؤمنين يحمد إليكم الله ~~الذي لا إله إلا هو، ويسأله أن يصلي على محمد عبده ورسوله. # أما بعد، فالحمد لله القادر القاهر، الباعث الوارث، ذي العز والسلطان، والنور ~~والبرهان، فاطر السموات والأرض وما بينهما، والمتقدم بالمن والطول على أهلهما، قبل ~~استحقاقهم لمثوبته، بالمحافظة على شرائع طاعته، الذي جعل ما أودع عباده من نعمته، ~~دليلا هاديا لهم إلى معرفته، بما أفادهم من الألباب، التي يفهمون بها فصل الخطاب، حتى ~~اقتنوا علم موارد الاختبار، وثقفوا مصادر الاعتبار، وحكموا على ما بطن بما ظهر، ~~وعلى ما غاب بما حضر؛ واستدلوا بما أراهم من بالغ حكمته، ومتقن صنعته، وحاجة متزايل ~~خلقه ومتواصله، إلى القوم # 1 # بما يلمه ويصلحه، على أن له بارئا أنشأه وابتدأه، ويسر بعضه لبعض. ~~فكان من أقرب وجودهم، ما يباشرون به من أنفسهم في تصرف أحوالهم، وفنون انتقالهم، وما ~~يظهرون عليه من العجز عن التأتي لما تكاملت به قواهم، وتمت به أدواتهم؛ مع أثر ~~تدبير الله - عز وجل - وتقديره فيهم، حتى صاروا إلى الخلقة المحكمة، والصورة ~~المعجبة، ليس لهم في شيء منها تلطف يتممونه، ولا مقصد يعتمدونه من أنفسهم؛ فإنه قال ~~تعالى ذكره: # يا أيها الإنسان ما غرك بربك ~~الكريم * الذي خلقك فسواك فعدلك * في أي صورة ما شاء ركبك ~~. ثم ما يتفكرون فيه من خلق ~~السموات، وما يجري فيها من الشمس والقمر والنجوم مسخرات، على مسير لا يثبت ~~العالم إلا به من تصاريف الأزمنة التي بها صلاح الحرث والنسل، وإحياء الأرض، ولفاح ~~النبات والأشجار، وتعاور الليل والنهار، ومر الأيام والشهور والسنين التي تحصى ~~بها الأوقات؛ ثم ما يوجد من دلائل التركيب ms754 في طبقات السقف المرفوع، والمهاد الموضوع، ~~باختلاف أجزائه والتئامها، وخلق الأنهار، وإرساء الجبال. # ومن البيان الشاهد ما أخبر الله عز وجل به من إنشائه الخلق، وحدوثه بعد أن لم يكن ~~مترقيا في النماء، وثباته إلى أجله في البقاء، ثم محاره منقضيا إلى غاية الفناء. ~~ولو لم يكن له مفتتح عدد ولا منقطع أمد، ما ازداد بنشوء، ولا تحيفه نقصان، ولا ~~تفاوت على الأزمان؛ لأن ما لا حد له ولا نهاية، غير ممكن الاحتمال للنقص والزيادة. ~~ثم ما يوجد عليه منفعته من ثبات بعضه لبعض، وقوام كل شيء منه بما يسر له، في بدء ~~استمداده إلى منتهى نفاده؛ كما احتج الله عز وجل على خلقه، فقال: # أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك ~~شيئا ~~. وقال عز وجل: # كل من عليها فان ~~* ويبقى وجه ربك ذو الجلال ~~والإكرام ~~. وكل ما تقدم من الأخبار عن آيات الله عز وجل ودلالاته في ~~سمواته التي بنى، وأطباق الأرض التي دحا، وآثار صنعه فيما برأ وذرأ، ثابت في فطر ~~العقول، حتى يسخر أولي الزيغ ما يدخلون على أنفسهم من الشبهة فيما يجعلون له من ~~الأضداد والأنداد. جل عما يشركون. ولولا توحده بالتدبير، عن كل معين وظهير، لكان ~~الشركاء جدراء أن تختلف بهم إرادتهم فيما يخلقون، ولم يكن التخلف في إثباته وإزالته ~~ليخلو من أحد وجهيه، وأيهما كان فيه فالعجز والنقص مما أتاه وبرأه. جل البديع خالق ~~الخلق ومالك الأمر عن ذلك وتعالى علوا كبيرا؛ كما قال سبحانه: # ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا ~~لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض ~~سبحان الله عما يصفون ~~. ثم من عظيم نعمة الله عز وجل على ~~خلقه افتقاده إياهم، وأنه يسددهم ويدلهم على منافعهم، ويجنبهم مضارهم، ويهديهم ~~لما فيه صلاحهم، ويرغبهم في المحافظة على التمسك بدين الله عز وجل الذي جعله عصمة لهم ~~وحاجزا بينهم. # ولولا ما تقدم به من تلافيهم واستدراكهم بفضل رحمته، لاجتاحهم التلف، لقصور معرفتهم ~~عن التأتي لأقواتهم ms755 ومعايشهم، ولم يكونوا ليقتصروا على حظوظهم وأقسامهم عما بنوا عليه ~~من الجمع والرغبة، ولتهالكوا ببغي بعضهم على بعض، وعدوان قويهم على ضعيفهم، ولكنه ~~بعد تعريفه إياهم ملك قدرته وجلالة عزته، بعث إليهم أنبياءه ورسله مبشرين ومنذرين، ~~بالآيات التي لا تنالها أيدي المخلوقين؛ فرضوا بما قسط بينهم، وارتدعوا عن التباغي ~~والتظالم، لما وعدوا من الثواب الجسيم وخوفوا من العقاب الأليم؛ ولم يكونوا ~~ليطيعوا أمرا لآمر ولا نهيا لناه، إلا بحجة يتبين بها الحق على من خالفه من ~~المبطلين، وتخويف يتقون به مقارفة ما حرم عليهم، ورجاء يتجشمون له مئونة ما ~~تعبدوا به. فافتتح الله عز وجل بأبيهم آدم - عليه السلام - فعلمه الأسماء كلها، ~~وأمر الملائكة بالسجود له - كما اقتص في وحيه المنزل - وكرم ولده وفضلهم، فقال ~~جل وعز: # ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في ~~البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على ~~كثير ممن خلقنا تفضيلا ~~. وجعل ما فطرهم عليه من العطف على ~~ذراريهم وأبنائهم سببا لما أراد من بقائهم وتناسلهم، وما اختصهم به من العلم والفهم ~~حجة عليهم، ليمتحن طاعتهم، ويبلوهم أيهم أحسن عملا. # ولم تزل رسل الله عز وجل إلى خلقه تترى بالنور الساطع، والبرهان القاطع، لا يجدون ~~لما يوردون عليهم من الحق القاهر مردا ولا مدفعا؛ لقول الله عز وجل: # ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم ~~فجآءوهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا وكان ~~حقا علينا نصر المؤمنين ~~. فلم يجد المكذبون مساغا إلى ~~دفع ما أقيم عليهم من لازم الحجة، إلا المعاندة والمجاحدة. وكان أنبياء الله - صلوات ~~الله عليهم - يبعثون في أعصار الحقب، نذرا للأمم، حتى ختمهم الله عز وجل بالنبي ~~الأمي محمد # صلى الله عليه وسلم ~~، فبعثه فردا وحيدا لا عاضد له ولا رافد، إلى قوم يعبدون أصناما ~~بكما، وحجارة صما، فكذب به القوم الذين بعث فيهم أول ما دعاهم، ورامه ملوك ~~أقطار البلاد بتوجيه الأجناد، ومرافدة القوة والعتاد وبغي الغوائل، ونصب الحبائل، وهو ~~يدعو إلى سبيل ربه بما أمره به، إذ يقول تعالى: # ادع إلى ~~سبيل ربك ms756 بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم ~~بالتي هي أحسن ~~. ثم جاهد بمن أطاعه من عصاه، وبمن اتبعه من ~~خالفه، حتى أعز الله كلمته، وأظهر دعوته، وأكمل لعباده دينهم الذي ارتضى لهم. فلما ~~اختار الله له ما لديه، واختصه بما عنده: من النعيم المقيم، والجزاء الكريم، بعد ~~استقامة الدين ودخول الناس فيه أفواجا، خلفه، إذ ختم به الأنبياء، بالبررة النجباء من ~~أدانيه ولحمته، لإقامة الشرائع المفترضة، وإنفاذ حكم الله المنزل، واقتفاء السنة ~~المأثورة وحفظا له في قرابته ومجيبي دعوته، وإتماما لما أوجب له من الفضيلة، وقريب ~~الوسيلة، وانجازا لما وعده من إظهار ما بعثه به، من دينه الذي اصطفاه وارتضاه. وكان ~~اختيار أولي الفضل من لحمته وعصبته لإرث خلافته، ومن عظيم الزلف التي رغب إلى ~~الله فيها أنبياؤه، وبما اقتص في منزل وحيه، واختص - تبارك وتعالى - نبيه # صلى الله عليه وسلم # بما ~~أمره به من مسألة أمته تصيير مودته في القربى جزاءه ممن تبعه على الرسالة، وهداه من ~~الضلالة؛ فكانت فضيلتهم عزيمة من الله عز وجل دون طلب رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~؛ ألزمه تأديته ~~إلى خلقه وألزمهم أداءه، فقال عز وجل: # قل لا أسألكم ~~عليه أجرا إلا المودة في القربى ~~. ودل بما أخبر به ~~وأظهره من تطهيره إياهم وإذهابه الرجس عنهم، على اصطفائه لهم؛ فقال تعالى: # إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل ~~البيت ويطهركم تطهيرا ~~. وكان مما أوجب لهم به حق الوراثة في ~~محكم تنزيله قوله تعالى: # وأولو الأرحام بعضهم ~~أولى ببعض في كتاب الله ~~. ثم قرن طاعتهم بطاعته، فقال: # أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر ~~منكم ~~. وأحلهم من النباهة والصيت بالمحل الذي أعلى به أمرهم ورفع به ~~ذكرهم، لما أحب من النبيين في الدلالة عليهم، والهداية إليهم، فإنه يقول عز وجل: # يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم ~~العسر ~~. # ولو كان الأئمة المقلدون أمر عباده خاملة أنسابهم، متقطعة أسبابهم، غير مخصوصين ~~بفضيلة يرونهم بها دون غيرهم، لم تعد طلبتهم عقد الخلافة لهم، وأن تكون من ~~المفترضات على كافة الأمة، ms757 أو على بعض دون بعض؛ فإن كان لأهل الشرق والغرب من ذوي النقص ~~والكمال أن يختاروا لأنفسهم، فليس في اجتماع آرائهم مع تفرقهم واختلافهم طمع آخر ~~أيام الدهر. وإن كان إلى خاصة دون عامة، فستحتاج العامة من طلب معرفة تلك الحال إلى ~~مثل ما احتاجوا إليه في أئمتهم، إذ لم يكن أهل الارتياب والطلب من أعلام الآفاق ~~ليتواطئوا على اتفاق، لنفاد آجالهم قبل بلوغهم غاية الاجتهاد في الفحص والتكشيف، ~~وحاجتهم إلى اختبار البلدان، وتمحيص أولي الفضائل بالامتحان، وما هو حاق عليهم من الشبه ~~في اختيارهم، والاختلاف فيمن عسوا أن يجتبوه ويقدموه، حتى تتهالك الرعية بتظالمها ~~بينها، ويطرق من يليها من الأمم إياها؛ إذ لا ذائد عنها ولا محامي. فإذا ألزمت ~~الأمة الحاجة إلى نصب الحكام لإقامة الدين، وتقسيط الحقوق من المسلمين، ومجاهدة عدوهم ~~من المشركين، لم يكن لهم في الإمام عليهم مجاز إلى التخلص من حقه إليهم، ولا ريب عند ~~المعرفة برأفة الله ورحمته، ولطفه وحكمه، في دفعه عن عباده ما لم يجعل في حيلتهم له ~~وسعا، ولا في حيلتهم له دركا، وكفايته إياهم ما يعجزهم من البحث والتنقيب عن ولاة ~~أمرهم، بنصبه إياهم، وما رفعهم إليه من الدرجة التي أعلاها وأسناها، إذ وصل نسبهم ~~برسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وافترض مودتهم على خلقه، ولم يشنهم جهلهم للغرض الذي لزمهم ~~له، ولم يجب عليهم فرض في معرفة من سواهم. # ولم يزل سياق أئمة الهدى مطردا، ونظامهم متصلا، يتلقاه كابر عن كابر، ويؤديه أول ~~إلى آخر، حتى تناهى إلى أمير المؤمنين، وهو حال دار دعوته، وبين أنصاره من أهل ~~خراسان، فنظر به خيرهم، وعرفوا ما تصرفت به أحوالهم، وظهر لهم من بيان حجته على من ~~نازعه في الأمر، وشاهدوا من إبلاغه في العذر، واستظهاره بالتأني والصبر، ما أزاح عنهم ~~الشبهة وكشط الحيرة، حتى استزالوا # 2 # نهوضه بحقه، وخافوا الزيغ على أديانهم فيما أعطوه من صفقة أيمانهم؛ وهو ~~ماض على عادته، مستديم للموادعة، متلوم على المراجعة، بالغ غاية ما في وسعه ms758 من ~~الرخصة في دفع الولاية التي نهنه بها الرعية، حتى ضاق عليه في دينه ترك القيام بما ~~أنهضه الله به من ثقلها وقلده من حملها، وخاف المخلوع فانبعث بالشرة ~~والغرة، فتناول أولياء الحق باغيا طاغيا، لما أراد الله من تأييدهم عليه بالبيان ~~والحجة التي يجب لها قلبه، ويفت بها في عضده، ويقبل الله ما شرفكم به من النصر ~~والغلبة فيه التي جعلها الله للمتقين. فاجتمع لكم معشر أهل خراسان في دولة أمير ~~المؤمنين ثلاث خلال اختصكم الله بفضيلتها، وسني مراتبها، دون ثلاث شملتكم وغيركم. # أما الأولى: # من اللواتي خصكم الله بهن؛ فما تقدم لأسلافكم من نصرة أهل بيت ~~النبي، والقائمين بميراثه من آباء أمير المؤمنين. # وأما الثانية: # فما آثركم الله به من نصرته في دعوته الثانية. # وأما الثالثة: # فما تقدمتم به من صحة ضمائركم، ومحض مناصحتكم. # وأما الثلاث اللواتي هن لكم ولغيركم: # فمنهن ما أكد الله لأمير المؤمنين في أعناق المسلمين: من العهد الذي أخذ إصره، ~~وألهمهم الوفاء به والتمسك بوثائق عصمته، عند محاولة المخلوع ما حاول من الإعلان ~~بالردة، والتمس من تبديل معالم الدين وتعفية آثاره، فلم يلف الرعية سدى مهملين، ~~لا جامع لأمرهم، ولا ضام لنثرهم. # ومنهن ما أفادكم الله وإياهم من العبر، عند حلول الغير بمن غدر وختر، تذكرة ~~لأولي النهى، وحجة بالغة على من أدبر وتولى، ليهتدي متحير ويتعظ مزدجر، # وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق ~~الكافرين ~~. ومنهن اجتماع أهل الفضل من المسلمين: ممن لم يكن له نصر ~~ولا أزر في الدعوة الأولى على المشايعة في الدعوة الثانية؛ فأصبح دعاة أمير المؤمنين ~~من أهل الحرمين والمصرين ومدينة السلام والمشرق والمغرب ممن غار أو أنجد من ~~المتمسكين بذممهم الموفين بنذورهم، من إخوانكم؛ وإن كان الله قد قدمكم في الأمرين ~~جميعا بتفوق حالكم على غيركم، يعتدون من معاضدتكم ومكانفتكم بما جعله الله عز وجل ~~ألفة لكم ومودة بينكم، يبيد بها ما كان الشيطان ينزغ به بين أهل التباعد في الأنساب، ~~والتنائي في الأوطان من إيقاع العداوة والبغضاء، والانطواء على ms759 الأحقاد والدمن، وطلب ~~تقديم الإحن، وصار أهل السمو إلى الدرجة العليا والاعتصام بالعروة الوثقى من أولياء ~~أمير المؤمنين وشيعته، منشرحة صدورهم بمكانفته، منبسطة أيديهم بمعاونته على حقه، ~~منفسحة آمالهم في إذكاء ناره على عدوه والإثخان في بلاده وافتتاح ممتنع حصونه، بما ~~جمعهم الله عليه من الألفة، ورفع عنهم من الحمية والعصبية؛ راجين عودتهم إلى أحسن ما ~~مضى عليه سلفهم، في عهد نبيه # صلى الله عليه وسلم ~~، من سلامة الصدور، وصلاح ذات البين، واجتماع ~~القوى على مجاهدة من شاقهم؛ قد أفرد الله عنهم نفرة التحارب والتجاذب، وجعل ما كان ~~يسعى به بعضهم من الإعداد لبعض، زيادة في ريحهم، وحدا في شوكتهم، لائتلافهم في دولة ~~أمير المؤمنين المحدودة المؤيدة بصدق الضمائر، ونفاذ البصائر. وإلى الله يرغب أمير ~~المؤمنين في إعانته على صالح نيته، وتبليغه منتهى سؤله وغاية همته، في إعزاز دينه ~~وإذلال من صد عن سبيله؛ إنه سميع قريب. # ومن أقوى الأسباب إلى استدعاء الشكر على النعمة تذكر ما كانت عليه الحال قبلها، ~~فاستديموا الإفاضة فيما رفع الله من خساستكم وأعلى من أقداركم، بنصرة أهل بيت نبيكم # صلى الله عليه وسلم ~~، وما أبلاكم الله في الدعوة الأولى مما لا يؤدى حقه إلا بعون الله وتوفيقه، ~~فإنه ارتاح لهم بلطفه وتوفيقه، فأنالهم رغائب الأقسام وسني الخطوات، ورفع ~~درجهم ودرج خلوفهم وأعقابهم من بعدهم، بعد إذ هم مستضعفون يخافون أن يتخطفهم ~~الناس، مذعنون بقهر عدوهم واستئثاره عليهم، ثم لم يلبثوا أن صاروا إلى الحال التي ~~يرونهم بها من الغبطة والبهجة، إلا أنهم أخذوها بحقها؛ وكانت في أيدي الظلمة من أهل ~~بيت اللعنة وأتباعهم بخنسة # 3 # الباطل ومحنة الابتلاء، # وليعلم الله من ~~ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز ~~. وليس ~~أحد منكم بخارج من المحنة بما ألبس من النعمة، وإن كنتم أهلها الآخذين لها بحقها، بل ~~الذي يلزمكم استدامتها والقيام بحفظها، على حسب ما أولاكم الله منها، فربما كان الذي ~~يعقب أهلها من الغفلة والاغترار، ويلهيهم بها من حبورها وسرورها، أعظم إثما وحوبا ~~مما يخاف ms760 على أهل البطالة والصبر من ضعف العزم وقلة الصبر، لما يستولي عليهم من ~~استكانة الذلة، والاغترار بالتقصير، والفزع إلى ربهم في تنفيس كربهم، فإنه تبارك ~~وتعالى قد وصف أهل الطبقتين فقال: # وإذا أنعمنا على ~~الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء ~~عريض ~~. فحاجتكم إذا أنجح الله سعيكم وأظفركم بطلبتكم، إلى حياطة ما ~~أودعكم الله من مننه وحراسة ما آتاكم من فضله، بالشكر الممتري للمزيد. فتعهدوا معشر ~~شيعة أمير المؤمنين أنفسكم بتذكر ما سهل الله لكم من الحزونة، وذلل لكم من ~~الصعوبة، وحكم لكم به من النصر، على مراق الملة ومخالفي أهل القبلة، وأباحكم من ~~ديارهم وأموالهم؛ فأصبحتم بمن الله عليكم حماة الدين، وأنصار الأئمة الراشدين، وحصون ~~كافة المسلمين، بعدما اجتث الله بكم قرون النفاق، وأباد بكم صناديد الضلالة، وشرد من ~~لم تستحمله سيوفكم، وأضرع إليكم من أذعن واستسلم، وقد استشرفكم معشر شيعة أمير ~~المؤمنين أهل الشنآن، ولاحظوكم بأعين الحسد والمنافسة، فبين ذلك مجهر معالن، ~~ومستسر مداهن، وداخل في عدادكم، ووالج في سوادكم، يرى أمنه بين ظهوركم، ~~فطعنه عليكم في دولتكم بريبة التمويه وخدع التشبيه، أيسر عليه كلفة وأعظم فيكم ~~خرجا ونكاية؛ فتوقوا هذه الطبقة أشد التوقي، فإن أكثر من يلجأ إلى استباحة ~~الحيلة، من عجز عن المباداة والإصحار، وعند ظهور الحازم وغلبته يحترز من لطيف الخدع ~~وخفي الاستدراج. # واحذروا معشر شيعة أمير المؤمنين من استمراء الطراءة، والركون إلى راحة الدعة ما قد ~~رأيتم وباله عاد على أهله، وأورثتهم عواقبه طول الندم والحسرة؛ فإنكم قد كنتم في حال ~~المراقبة لعدوكم، والخوف لبائقته متيقظين متحفظين لما كان يرومكم به من ختله وحيله، ~~ثم أفضيتم إلى الحج وقد جهدكم السعي ومسكم النصب، وسيلقي الشيطان في أمانيكم أن قد ~~اكتفيتم بسالف ما قاسيتم، ويجد من ضعف العزائم معينا داعيا إلى اغتنام الخفض، ~~والإخلاد إلى الأرض، ما لم تعتصموا بما عاينتم من الاعتبار، وتمتثلوا مواضي الآثار فيمن ~~سلف من القرون الخالية، وما أفضت به إليه العزة من زوال النعم ووقوع الغير، فإن جميع ms761 ~~ما خولكم الله وأفادكم مرتهن بما ألزمكم من حياطته واستنمائه؛ فقد وجبت عليكم ~~الحجة بما حضكم الله عليه، وعظمت عليكم المنة بما هداكم إليه، وأراكم من آياته ~~ومثلاته فيمن خلا قبلكم ما فيه أبلغ الإعذار والإنذار لكم، ومن اجتمع له اقتناء صواب ~~من تقدمه إلى ما ينبعث من نفسه، فكأنه قد اختبر بالتجربة، مع استمداده بما يستفيد، ~~ويستزيد ما يفتح لبه ورأيه، وأيقنوا أنكم لن تصلوا إلى من سواكم، ممن هو أعسر ~~طاعة عليكم وأعذر بمعصيتكم، حتى تبدءوا باستصلاح أنفسكم، وأنه لن يرجى لكم القوة على ~~مجاهدة عدوكم حتى تقووا على مجاهدة أهوائكم، فإن على كل امرئ ريبة من أمره، وغطاء ~~من غيبه، لا يكشفه إلا صحة المعرفة، والإذعان بالنصفة؛ فهناك يؤمن عليه الجهل ~~والمعاندة، وإذا أمنت هاتان الخلتان انسدت بإذن الله ثلم الآفات، وفتوق المكاره، ~~فإنه لا يخاف الضلال على من اهتدى، ولا اعتماد الجور على من انتصف من هوى. # وليكن أول ما تتعهدون به أنفسكم، وتثابرون عليه من صالح أدبكم تناصف الحق بينكم، ~~بتقديم أهل الفضائل والآثار المحمودة منكم وتفخيم أمركم؛ فقد علمتم أن منكم المبرز ~~الفائت الذي لا يدرك شأوه ولا يوازى بلاؤه، حين كشف الإبلاء ضمائر القلوب وجلا ~~مشتبهات الظنون، فصرح بالمحاربة بعد التقدم في الحجة، وفاء بمؤكد العهد وركوبا ~~منه لهائل الخطر، غير هائب مع صحبة الحق ما برق لديه الناكس المخلوع ورعد، ولا ~~مستوحش فيما تفرد به إلى من تولى وأدبر، حتى أتى الغاية التي أجري إليها في الله ~~عز وجل وفي خليفته، ثم لرؤسائكم من أهل المشايعة والمكانفة والنصرة والحظ الجزيل والأثر ~~المبين، ثوابهم واجب وحقهم لازم؛ ثم منكم من يحفظ لسلفه وأوله من الآباء الذين يحفظون ~~ولايتهم، فإن الله - عز وجل - يقول في ذكر اليتيمين: # وأما ~~الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة # الآية. ~~وقال على لسان يعقوب لابنه يوسف: # وكذلك يجتبيك ربك ~~ويعلمك من تأويل الأحاديث # الآية. وأمير المؤمنين يرى ~~توريث الحكمة والذمام سنة عليه في أخلاقه التي يرعاها ويحافظ عليها؛ كما ms762 أنه يرى ~~وراثة التركة فريضة واجبة، فيخلف السلف الصالح عنده من المزية والفضل ما يتلون به أهل ~~الغناء بأنفسهم، ثم يتلوهم من اقتدى [بهم] واهتدى بهديهم. والسابق المتقدم من اعتد ~~ببلاء نفسه إلى بلاء سلفه، ثم يتبعه بعد المبلي بنفسه، ثم يتلوهما المتوسل بآبائه، ثم ~~الصاعد به هواه ورأيه، طبقة فطبقة؛ فليقصر كل امرئ منكم على المرتبة التي أحله بها ~~سعيه، وليسلك إلى الازدياد فيها بالزيادة من نفسه؛ فإن من الفتوق العظيمة على أهل ~~الدول ما ينزغ به الشيطان بينهم، ويكثر عندهم ما يكون منه، فيوافق من الحيف للأنفس ما ~~يجد به مساغا إلى ما يروم من إيقاع الشحناء بينهم، وتثبيت الإحن في صدورهم، بعد التآزر ~~والتناصر. ومتى يجمع المرء لمزية من فوقه، واغتباط من دونه كفي ما ترك. ولن ~~تخلص نياتكم، وتسلم ضمائركم، حتى تمحضوا شكر ما أوليه إخوانكم، وتعتدوا ما ~~نالهم شاملا لكم، وتجانبوا طريقة من اقتصر بأمنيته على خاصته، وتعتب فيما أوثر به ~~أهل الفضل دونه. وكفى عظة فيما نهاكم الله عنه من ذلك؛ يقول الله عز وجل: # ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على ~~بعض # الآية. ولا يلتمسن أحد مودته عن سوء نية بحسن مداراة في ظاهر، ~~فإن الله مقلد كل امرئ ربقة عمله ومطوقه طوق سريرته. ولا يغدرن فيما يلزمه ~~لإمامه؛ فإنه إنما يغدر في حظه ويبخس قسمه، وينحس نفسه. ثم لا يقتصرن على ~~استصلاحها حتى يتناول من كانت منته عليه من أقربيه وحسويه، # 4 # فإن يسير ما هو معان من تأديتهم لا ينشب أن يتجاوز أدنى المراتب إلى ~~أقاصيها، وقريبها إلى متناهيها، حتى يستفيض شاملا عاما، بعد أن بدا محللا ~~خاصا. # واعلموا أن أمير المؤمنين متفقد من تثقيفكم وتقويمكم على صالح الأدب ومحمود السيرة، ~~ما لا يتفقد به من سواكم؛ فإنه إن كان يوجب على نفسه استصلاح الرعية وحملهم على ما ~~فيه رشدهم وقوامهم، لما يلزمه من فضل العناية بالأخص والأولى فالأولى، فإن في أخلائكم ~~من التقديم في التأديب والتعهد، وجوها من الضرر؛ ms763 منها: أنكم أولى بحسن الطاعة وسرعة ~~الإجابة، للطف محلكم وقرب مكانكم عند أمير المؤمنين. # ومنها: أنكم يأنس بكم المؤتمون، ويقتدي بكم التابعون؛ فمتى قصرتم وأخللتم، اقتفى ~~أثركم من نصبتم له أعلاما، ثم لم يكن لكم أن تزروا عليه، ولا أن تأخذوا فوق يده، بل ~~كان قمينا أن يكون يسومكم الرضا بمثل ما سمعتموه، ثم تجري هذه العادة في الطبقات، حتى ~~يطرد السياق، إلى أن يستفيض الفساد في حشو الناس وعامتهم، فلا تغني قوة ولا حزم ولا ~~شدة، إلا العجز والإضاعة؛ ثم يجد الأعداء مساغا إلى الطعن والعيب، فلا يملكون أن ~~يرهقوكم ويستولي عليكم الفشل؛ فإن الأيدي إنما تبسط بنفاذ العزائم، والعزائم إنما ~~تنفذ بثبات الحجة، والحجة إنما تثبت إذا كانت عن الحق. وإذا أضيع أول هذه الرسوم، التي ~~رسم لكم أمير المؤمنين، تبعته تواليه وشفعته لواحقه، ووجد العدو الملاحظ مكان ~~العورة، مطمعا في إهمال ما كان يعد له من الغرة، ويتوفق به من مناهزة الفرصة، ~~وليكن ما تفيضون فيه وتعدونه ظهيرا على طاعن إن طعن في دولتكم، ما ألهم الله أمير ~~المؤمنين: من شمول رعيته بالعدل، وفرش الأمر في مضمراتها ومنقلبها، ورفع به عنهم من سير ~~الجود، وبسط به يده من إثابة أهل البلاء، وتغمد الجرائم لأولي الزلل، والإبلاغ في ~~دعاء من عاند وشاق إلى التوبة والإنابة، وإقالة العثرة بعد القدرة، والحقن لمباح ~~الدماء، فلم تعلموه صبر محملا، ولا هتك لأحد ممن أظفره الله به سترا، ولا ~~وقفه على عورة. ثم تولى الله أمير المؤمنين، في حروبه شرقا وغربا، التي أغناه ~~الله عن الإطناب في وصف صنع الله لكم فيها، لاستفاضة أخبارها في دهمائكم، مع ما أحب من ~~مطالعته إياكم ببالغ أدبه وشافي عطفه، أن يتنكب من الإسهاب، في غير ما صمد له ورأى من ~~تقريع أسماعكم وأذهانكم، لوعي ما التمس أن تعوه من تبصيركم حظكم، وتنبيهكم على رشدكم. ~~وحسب أمير المؤمنين في نفسه وفيكم الله، وكفى به مبينا. # وإن أمير المؤمنين مع ما تقدم به إليكم لعلى ثقة من ms764 حياطة الله خلافته التي ~~جعلها عزا لدينه وقواما لخلقه، وأنه ليس بها ممن أدبر عن حقها اختلال، بل من خلع ~~ربقتها وأضاع حظه منها، جلب الخلة والحاجة وخسران الدنيا والآخرة. وإنما أتي ~~المقصرون في إعظام حقها من ضعف الروية عن بلوغ ما تفضي بهم إليه مصادر العواقب، ~~وتؤديهم إليه رواجع ما قدموا، فلا يكونون بعملهم غير متجاوزين بهممهم، وفيهم الذي هم ~~فيه إلى ما يمنعه. # 5 # واستديموا معشر المسلمين سابغ النعمة بحمد موليها والمتطول بها. وقد ترون ما ~~كنتم فيه قبلها وما آلت إليه حال من سلبها؛ ثم يعقب الندامة حين لا مستعتب ولا ~~نظرة يمكن فيها استقالة الفارط بتقصير ولا هفوة زلل. وثقوا من رعاية أمير المؤمنين ~~محمود آثاركم، وما مضى من بلاء كل امرئ منكم، بما تطمئنون إليه وتتوقعون عادته، ~~بأسنى ما ترتفع إليه آمالكم وتسمو إليه هممكم، إلى ما يدخر الله لمن تمسك بهداه، ~~واعتصم بتقواه، وجاهد عن حقه، وافيا بأمر عهده من جزيل ثوابه وكريم مآبه، إلى الدار ~~التي هي أكبر درجات، وأكبر تفضيلا. # أحب أمير المؤمنين أن يتعهدكم بعظة تنبهكم على حظكم، وتثبت من بصائركم، ~~وتقطع من طمع الشيطان وحزبه فيكم، لما يجب عليه من إرشادكم، ويرجو من تأدية حق الله عز ~~وجل فيكم، ولما يرى من اتصالكم بحبله، وما يشمله من الصنيع فيما ولاكم الله به، ~~وتولاه لكم. # وأمير المؤمنين يسأل الله الذي دل على الدعاء تطولا، وتكفل بالإجابة حتما، فقال ~~عز وجل: # ادعوني أستجب لكم ~~، أن يجمع على رضاه ~~ألفتكم، وأن يصل على الطاعة حبلكم، وأن يمتعكم بأحسن ما أودعكم من مننه، ~~ويوزعكم عليها من شكره، ما يواصل لكم مزيده، وأن يكفيكم كيد الكافرين، وحسد الباغين، ~~ويحفظ أمير المؤمنين فيكم بأفضل ما حفظ به إمام هدى في أوليائه وشيعته، ويحمل عنه ~~ثقل ما حمله منكم. وبالله يستعين أمير المؤمنين، على ما ينوي من جزائكم بالحسنى، ~~وحملكم على الطريقة المثلى، وبه يرضى ناصرا ووليا، وكفى بالله وليا وكفى بالله ~~نصيرا. والسلام عليكم ورحمة الله ms765 وبركاته. # وللمأمون - لما كتبت إليه السيدة زبيدة بعد مقتل ولدها الأمين خطابها الآتي ~~تستعطفه: # كل ذنب يا أمير المؤمنين وإن عظم صغير في جنب عفوك، وكل زلل وإن جل ~~حقير عند صفحك. وذلك الذي عودك الله ؛ فأطال مدتك، وتمم نعمتك، وأدام بك ~~الخير، ورفع بك الشر. # هذه رقعة الواله التي ترجوك في الحياة لنوائب الدهر، وفي الممات لجميل ~~الذكر، فإن رأيت أن ترحم ضعفي، واستكانتي، وقلة حيلتي، وأن تصل رحمي، وتحتسب ~~فيما جعلك الله له طالبا وفيه راغبا فافعل، وتذكر من لو كان حيا لكان ~~شفيعي إليك. # فكتب إليها المأمون: # وصلت رقعتك يا أماه، أحاطك الله وتولاك بالرعاية. وقفت عليها ~~وساءني - شهد الله - جميع ما أوضحت فيها، لكن الأقدار نافذة، والأحكام ~~جارية، والأمور متصرفة، والمخلوقون في قبضتها، لا يقدرون على دفاعها، والدنيا ~~كلها إلى شتات، وكل حي إلى ممات، والغدر والبغي حتف الإنسان، والمكر راجع إلى ~~صاحبه. وقد أمرت برد جميع ما أخذ لك، ولم تفقدي ممن مضى إلى رحمة الله إلا ~~وجهه. وأنا بعد ذلك لك على أكثر مما تختارين؛ والسلام. ~~(5) أحمد بن يوسف # 6 # رسالة ممتعة لأحمد بن يوسف ذكرها ابن طيفور في اختيار المنظوم والمنثور وهي: أما بعد، ~~فالحمد لله القاهر القادر، الخالق الرازق، فاطر السموات والأرض، الذي أحاط بكل شيء ~~علما، ونطق به خبرا، وأتقنه حكمة وعلما، وألف بين مختلفه ومتفقه، ليدل ~~بقوام بعضه على بعض، على اتصال تدبير مشيئته ومبتدعه، وأنه أحد صمد، لا ضد له ولا ند، ~~إذ قدر له حاجته ثم شدها ببلاغها إلى الغاية التي جعلها، فقال جل وعز: # وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله ~~إلا بقدر معلوم ~~، وحكى عن نجيه موسى عليه السلام: # قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم ~~هدى ~~، وقال الله تعالى: # وكل شيء فصلناه ~~تفصيلا ~~، ثم لم يكلف العباد من شكره كفاء نعمته، بل رضي منهم ~~باليسير، وقبل منهم العفو، وجعل طاعتهم إياه عائدة عليهم بجزيل الحظ في دينهم ~~ودنياهم؛ لغناه عن عبادتهم، واتساع قدرته ms766 بالتطول عليهم، مفتتحا وخاتما، وبادئا ~~وعائدا. # والحمد لله الذي اصطفى محمدا # صلى الله عليه وسلم ~~، نبيا لرسالته، وأتمنه على وحيه، وأنزل عليه ~~كتابه العزيز، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، ~~فأدى إلى خلقه الرسالة، واستنقذهم من الضلالة، وصدع بأمر ربه وجاهد في سبيله، ونصح ~~لأمته حتى أتاه اليقين من ربه، بعد استنارة الحق، وظهور الحجة، فصلى الله عليه بشيرا ~~ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، قد تلافى من الهلكه، وجمع الألفة بعد ~~الفرقة، وأوضح الهدى بعد الدروس، ومعالم الرشد بعد الطموس، وكان بالمؤمنين ~~رحيما. # والحمد لله الذي قفى على آثار المرسلين، والأئمة الراشدين، الهادي التقي، ~~الطاهر الزكي، الإمام المأمون أمير المؤمنين، أعز الله نصره، فسد ثلمتهم، ~~ورأب صدعهم، وقلده خلافتهم، وجعله لكافة المسلمين غياثا ورحمة، وجعل ما ألهمه من ~~العدل والإحسان إليهم، منة عليه ورحمة ذخرها له، دون الخلفاء قبله، فيما أظهر من ~~فضل زمانه على الأزمنة، وسياسة من تقدمه، ومنح الرعية من عطفه ونظره، ما لا يحمل ~~عنهم أو به، ولا يؤدي عنهم شكره، إلا هو لا شريك له؛ وأحسن الله جزاء أمير المؤمنين ~~ومثوبته، على صلة رحم رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، التي هي رحمه وقرابته، واختياره لولاية عهده ~~الأمير الرضي علي بن موسى - حفظه الله - حين أحمد سيرته، ورضي محبته، وعرف استقلاله، ~~بما قلده في هديه، ودينه ووفائه، بما أكد الله به عليه، من عهد أمير المؤمنين - ~~أيده الله - في اعتيامه من أزره وأساه بما شفع رأيه، وأنفذ تدبيره، حين هم ~~لاستصلاح ما استرعاه الله، من أمور عباده، لما انتقى القائم بدعوته، ورئيس شريعته، ~~الأمير ذا الرياستين - رحمه الله - فاتخذه مكاتفا ظهيرا ووزيرا دون من سواه، فاتبع ~~منهاج أمير المؤمنين - أيده الله - وسار بسيرته، شرقا وغربا، وغورا ونجدا، موفيا ~~بعهده، قائما بدعوته، مقتفيا لأثره وسنته، فحسم الله به الأدواء، وقمع به الأعداء، من ~~عتاة الأمم، وطواغيت الشرك، وأباد على يده، أهل الشقاق والنفاق، في كل أفق وطرف، ms767 بجد ~~أمير المؤمنين - أعزه الله - وبركة سياسته ودولته، ونجح سعي من قام بنصرة من قام ~~بحقه، وأنار برهانه، حتى توفاه الله عز وجل حين بلغ همته وغايته، وحتم أجله، ~~وانقطعت مدته، سعيدا حميدا، شهيدا فقيدا، عند إمامه أكرمه الله، وعند الخاصة ~~والعامة، وكان من إجلال أمير المؤمنين، الحادث الذي نزل به، فأحيا آثاره، بوصف محاسنه، ~~في مشاهده ومجامعه، وترحمه عليه عند ذكره، وحفظه في لحمته، وأهل حرمته، وفيمن كان ~~يحمد الله على طاعته ونصيحته، ما أتم به نعمته، عندنا وعندكم معشر الشيعة، فقد أصبح ~~أمره بكم متصلا، وموقعه من جماعتكم متمكنا، يقبضكم ما قبضه، ويبسطكم ما بسطه من لومة ~~المصيبة، وحسن العقبى، وقد علمتم معشر أهل الحجا والنهى، والطاعة لله عز وجل ~~وخليفته، وذوي الغباء والبلاء في دعوته من أهل خراسان وغيرهم ممن حضر ممن امتحن الله ~~قلبه بوفاء العهد والاستبصار في حق أمير المؤمنين - أبقاه الله - والمجاهدة دونه، ~~والصبر على مواطن الصدق واللأواء، والذب عن البيضة والحريم، والمتحملين للنصب، ~~والمصائب التي انجلت، حتى كأن لم تكن، وبقي أجرها على الله عز وجل ومحمود ذكرها شائعا ~~في الناس. # إن نعم الله قد جلت ولطفت، وخصت وعمت، وعلت وسمقت، وتمت ودامت، حتى قصرنا عن ~~موازينها، والإحاطة بأدائها، فإذا لم يكن لنا معشر إخواننا سبب إلى مكافأة بلائه بالعمل، فنحن ~~جدراء أن نجتهد في القول، ونطنب في الوصف إن شاء الله جل وعز، فقد جعل ذكر النعم من أسباب ~~الشكر، وقد جدد لنا أمير المؤمنين - أيده الله - من الحياة والكرامة، وجزيل الحيطة، وسني ~~الرتبة التي قرئ بها عليكم كتابه ما يستغرق جهدنا، ويستفرغ وسعنا، فنرغب إلى الله عز وجل ولي ~~الرغبة، ومؤتي السؤل والطلبة، في إعانتنا على تأدية ما وجب له، فيما منحنا من فوائده ونحله، ثم ~~نسترفدكم ونستعينكم على شكره، وإمدادنا بما بلغته طاقتكم في السعي له، فقد آدنا ثقل ما حملنا، ~~وثقل ما طوقنا، وعظمت فاقتنا إلى استعمال القوي من الأنفس والحامة، والخاصة والعامة، في ~~جزاء ما جلل أمير المؤمنين ms768 فينا من سننه، وشملنا من تالد أياديه وطارفها، وقديمها وحديثها، وكيف ~~يوجد إلى موازاة أمير المؤمنين سبيل ببذل جهد، أو بلوغ حشد، فإنما نقتدي بهداه، ونعشو بنوره في ~~ديننا، وليس عجزنا عن أن نجزي حقه، بواضع عنا مئونة الدءوب في التحري لتأديته، فإن الله عز ~~وجل قد أخبر بفضائل الشكر ومناقبه، وجعله من أسمائه: # ومن تطوع خيرا ~~فإن الله شاكر عليم ~~، وقد قال تعالى: # ما يفعل ~~الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما ~~، ~~وقال تعالى: # إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ~~ويغفر لكم والله شكور حليم ~~. # ولولا أن الله عز وجل رضيه لنفسه، لأجللناه عن التسمية؛ إذ كان أكثر ما نستعمله، ~~ونعرفه في مكافأة من من وتطول، ثم ثنى بذكر فضله في العباد، فإن الله تبارك ~~وتعالى افتتح أول ما علم خلقه بالحمد، وجعله بدء كتابه، وخاتمة دعوة أهل جنته، فقال ~~عز وجل: # وآخر دعواهم أن الحمد لله رب ~~العالمين ~~، وخلق الله السموات والأرض، ومن برأ وذرأ في الحياة ليبلو ~~عباده بشكره، وأعد الجنة في الآخرة لمن شكره، والنار لمن كفره، وقال الله تعالى: # وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ~~ ولئن كفرتم إن عذابي لشديد ~~، وقال الله تعالى: # ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة ~~فاتقوا الله لعلكم تشكرون ~~؛ فجمل التقوى واقعة، والشكر ~~مرجوا ليدل على ارتفاع رتبته، وعلو درجته عنده، وقال لنجيه موسى عليه السلام: # إني اصطفيتك على الناس برسالاتي ~~وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين ~~. # فلم يكلفه إلا أخذ ما أعطاه، والشكر على ما أتاه، وأخبر بعزته في العباد، فقال تعالى: # وقليل من عبادي الشكور ~~، فأية نعمة أجل قدرا، وأسنى ~~أمرا، معشر الشيعة من نعمة أمير المؤمنين - أيده الله - عند الأمير ذي الرياستين، ومراتبه التي ~~رتبه بها، فإنه أعطاه رياسة الحرب، ورياسة التدبير، وعقد له على رأسهما علما في رواية دعوته، ~~وقلده سيفهما وختمه بخاتم الخلافة، وخاتم الدولة، وجعل صلاته بين صاحب حرسه، وصاحب شرطته، ~~ومسيره بين أمير المؤمنين وبينهما، أمامه وخلفه، وصير له الجلوس ms769 على الكرسي بحضرته، في صدر كل ~~مجلس جلس، إلا أن يؤثر به من أحب من أبناء الخلفا، وقدمه في دخول دار الأمير راكبا إلى أقصى ~~مكان ينتهي إليه أحد من بني هاشم، لأنه منهم، وأعظمهم غناء عنهم ، فسماه صاحب دعوته وسيفه على ~~عدوه وبابه الذي يدخل إليه منه، وولاه خيوله في أقطار الأرض، ومقدمته بحضرته، وقلده من ~~الثغور ما قد علمت، بما أفرده في عهده، إلى ما أنفذه من أمره، في جميع سلطانه وملكه، من مشارق ~~الأرض ومغاربها، وأين يأتي الوصف على ما فضله به، وقدمه وشرفه على الناس كافة، ولكنا نخطر ~~بذكره، ثم نكل السامعين إلى ما يرجعون إليه من المعرفة التي لا تبلغها الصفة، ثم لم يكن ما أكرمه ~~به في حياته بأعلى مما أكرمه به في وفاته، تولى غسله وتكفينه، ومباشرته لجهازه، إلى حفرته بيده، ~~وقاسى من الغصص، وبرحاء الحزن، وإذراء العبرة، وإراقة الدمعة، ما حال بينه وبين الكلام، وكاد ~~يمنعه من القول والدعاء في صلاته عليه، من الحكم، وحفظ أهل الحرمة به رعاية له فيهم، ووفاء بعهده ~~من بعده، وأقر خاصته، وقواده وعماله، وكتابه على مراتبهم، وحمد بحمده، وذم بذمه، وجدد ~~لجنده، وتل # 7 # كريته، نظرا وعطفا، فلم يبق عليه في إحياء ذكره، وبلوغ كل ما يحبه في حياته غاية ~~إلا أتى من ورائها؛ وأمر بقراءة فتوحه، كما كانت تقرأ على عهده، وأضاف كل ما حدث من بعده إلى ما ~~تقدم من سعيه، وأخبر أنه كان سببه، والمفتتح به، وولى محمد بن الحسن خلافته، ونصبه منصبه، ~~وأقامه مقامه إلى أن جدد العهد لي، فاستخلفته على ما ولي بحضرته. # ثم تتابعت كتب أمير المؤمنين - أكرمه الله - بعد مصاب الأمير ذي الرياستين، بما لا ~~يقارب التفضيل، والإطلاق والتفويض الذي كنتم سمعتم به وبلغكم، فلم يكن يرى وراءه ~~مجاراة، ولا فوقه مصعدا، حتى جدد لنا من كرامته، ما قد قرئ عليكم في كتابه، فبلغ ~~بنا ما لم تكن الهمم تبلغه، والأماني لتحيط به، لولا ما منحنا الله عز وجل ms770 من ~~الترقي في الفضل، إلى ما تنحسر من دونه الأبصار، وتنقطع دونه الآمال، وإنما اقتصصناه ~~وذكرنا ما أبلانا واصطنع عندنا من بلائه بدعائنا إلى الله عز وجل وإلى طاعته بالعدل ~~والإحسان إلى رعيته والنظر بالصفح، والأخذ بالفضل، والأمر بالمعروف، وصلة المروءة ~~بالوفاء بالعهد، والشكر للمنن، ورعاية الأخلاق المحمودة، وإحظاء أهلها، وإقامة سوقها، ~~حتى تنافسوها وتشاحوا فيها، وصارت هي الذرائع إليه، والوسائل عنده، فلو تأمل ~~متأمل أهل الزلفة، والأثرة لديه، لوجد الأخص فالأخص، والأعلى قدرا عنده هو الأفضل ~~دينا ومروءة، فلو لم يكن في الحظوة عنده إلا إيجابها لصاحبها صحة المحبة، والنزاهة عن ~~كل ظنة، لكان فيها أعظم الغبطة، وأعدل الشهادة والدلالة. وسنقص عليكم بما أخبرناكم ~~عنه ما لا سبيل إلى جحده وإنكاره، بوضوح معالمه ومنائره؛ أوليس المجاهد عن دين ~~الله، والمحامي عن بيضة المسلمين، والمواتي لأغلظ عدوهم شوكة، وأخوفهم عداوة، ~~والمنجح في بلادهم، بمن كان لا يرام، ولا يحاول لاستصعابه وشدة مقاساته، حتى أذعن ~~جيغويه بالعبودية له، ثم أباح حريمه حين تمرد عليه، حتى بلغ السبي إلى ولده، وحاربونا ~~به، وتغلغلت خيوله، حتى توصلت إلى قبته، ومنتهى عزه؟ أوليس مسكن التهيج ~~بالمشرق، حتى خبت النيران فيه، وأذعن رؤساؤها وقادتها؟ أوليس غازي بلاد بابل حين ~~طغى أميرها، وبدل، ونكث ونقض، حتى اجتثت أرومته، وأباح حريمه، وأراح المسلمين من ~~معرته؟ أوليس ساد الثغور، ومحصن عوراتها، والمباشر لتدبيرها، والمسعدا ~~لمكايدة المنجح فيمن أرادها، وفاك العناة، من رق الإسار، وناشر الرحمة على ~~فقراء المسلمين وضعفائهم وأهل المسكنة، والخلة منهم، وقاسم الصدقات في أهلها، وعامر ~~الموسم ومحصنه من الآفات حياطة للمسلمين في حجهم، وما يتقربون به إلى ربهم؟ وهل ~~اقترن لأحد من الأئمة ما اقترن له في الملك والدين والعز، والتواضع والسعة، والبذل ~~والقدرة، والعفو والغلظة، والليان في مواضعها، والنسك مع الهمة، والسطوة مع الإقالة؟ ~~وهل ترك معشر الأولياء والإخوان في الدين غاية لم يسم بنا إلى شرفها، وعلى مراتبها، ~~ومستزاد الحظ في عاجل وآجل، لم يبلغناه ونختار لنا خاص مكرمته، ومدخر عاقبته؟ ~~أرشدنا إلى ms771 الدين، وسلك بنا سبل الجنة، حاز لنا الملك، فلم يبق وراء ما ملكنا غاية، ~~وورد بنا الحروب وساسها لنا، فلم يدع غاية للتعليم والدراية، سلط علينا بسلطان ~~الله الذي أتاه، فلم يدع غاية في التقلد والفقه، فكم علمنا الفضائل، ثم فضلنا ~~بها. غلب لنا الأمم، ثم خولناها. علمنا طرائق الشرف، ثم شرفنا بها. أخبرنا عن ~~الأنباء فكفانا مئونة التماسها، وأغنانا بما عنده فيها، أخذ على أيدينا الخير للرعية، ~~فوهب لنا شكرها، وصدق مقالتنا عند الشبهة، وأنفذ أمرنا في التدبير. # فيا أيها الإمام المنصور المهدي الرشيد، حزت فضائل الآباء، واهتديت بهدي الأنبياء، ~~أنشكرك عن الإسلام، فأنت القائم به الداعي له، والناصر لحقه؟ أم نشكرك عن الأمصار، ~~فأنت المفتتح لممتنعها عنوة، والمتطول على أهلها بالرحمة، والمنعطف عليهم بحسن ~~الفائدة بعد ما هيجت منك سورة الغضب، فأطفأت نارها، وأخمدت لهبها، وعدت على من ~~سفه، وأضاع حظه؟ أم نشكرك على المساجد، فأنت الذي أسستها على التقوى، وعمرتها ~~بتلاوة القرآن، وطهرت المنابر وركبتها، تعلوها صائما، وتنطق عليها صادقا، وتدعو إلى ~~الرشد عليها ناصحا، وتختم القرآن قبل أن تبدأها محسنا، وتتلو من قوارعه، ما تصيخ له ~~الأسماع وتلين له القلوب؟ أم نشكرك على البيت العتيق، والركن والمقام، والحجر وزمزم، ~~ومشاعر الحج، وأنت ذببت عنها، وأعدت إليها عهدها، في مبعث نبيها # صلى الله عليه وسلم ~~، فأمنت ~~النازع إليها، من كل فج عميق، والحالين بها من الركوع والسجود؟ # أم نشكرك عن رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، فيما حفظت فيه من عترته، بعفوك عن مجرمهم، ~~ومضاعفتك نواب محسنهم، وإحيائك من أمرهم، ما كان قد اندرس وانطمس، بعد اللقاء بنبي الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وقد راعيت منه في قرابته وقرابتك، وذوي رحمه ورحمك، ما ضيع الناس، ووصلت ~~منهم ما كان وصله؛ إذ كان الله عز وجل قد فرض صلة الأرحام، فكان أطوع خلق الله عز وجل ~~فيما فرض عليه؟ أم نشكرك عن العوام؛ فقد ألبست المسلمين ثوب الأمن، وأذقتهم طعم السعة ~~والرفاهة، وعدلت بينهم بالإنصاف، وتوليت دونهم النصب، ms772 وآثرتهم الراحة؟ أم نشكرك عن ~~الملوك والقواد والأجناد؛ فأنت الذي رفعت منازلهم، ووفرت عددهم، فلم يكن في دهر أحد ~~من الخلفاء أسعد ولا أحظى منهم في سلطانك، بما بذلت لهم من المعاون، ووليتهم من الثغور ~~والأمصار، وأدررت عليهم من الأرزاق والخواص؟ أم نشكرك عن الأحكام والسنن؛ فأنت الذي ~~أنهجت سبيلها، فأوجبت فرضها، ونافست في أهلها؟ أم نشكرك عن الأعداء؛ فأنت الذي بدأتهم ~~بالحجة، ودعوتهم إلى الفيئة والإنابة، ثم ثنيت معقبا بالعفو، ونعشتهم بعد البؤس، ~~وآنستهم من الوحشة؟ أم نشكرك على مكارم الأخلاق، وأنت الذي ثبت وطأتها، ونفيت عنها ~~أضدادها، ولو نطقت بالفضل، لنطقت بشكرك، في إزالتك إياها عن اللئام، وإخطائك من ~~اعتزى إليها؟ أم نشكرك عن الثغور؛ فأنت الذي تممتها، وحصنت عوراتها؟ أم نشكرك عن ~~السلف؛ فأنت الذي أشدت بفعالهم، وحفظتهم في أبنائهم؟ أم نشكرك عن برد رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وعن القضيب الذي شخص به، حتى جعلتهما زينتك، وسموت بهما في أعيادك، عند ~~حشدك، على الطهر والزكاة، والنسك والتقوى؟ # أم نشكرك عن المسلمين في رعايتك إياهم، وما ترعيهم من جنابك، وتنفي عنهم من ~~الآفات، وتقل عنهم من جبابرة الكفر، وتفض من جيوش الشرك والنكث، وتفتح من الحصون ~~المستصعبة، وتسهل من الطرق الوعرة؟ أم نشكرك عن تواضعك لله عز وجل ولصالح المسلمين ~~طلبا للرفعة عند الله؟ أم نشكرك عن الدين وقد جعلت السلطان عبدا وقائدا ومنفذا، ~~وكان مأمورا فجعلته آمرا، وآلة للقوة فجعلت القوة له آلة؟ # فيا من اتصل شكره بشكر الله عز وجل ونعمته بنعمة الله تعالى وطاعته، بطاعة الله فوهب ~~الله لك شرف المنازل، ورقاك درج الفضائل، وجزاك الله عنا وعن غيرنا، مما شكر من ~~ناطق أو صامت، جزيل الثواب ورفيع الدرجات، وأمتعك ما أتاك، وأمتع الأمة ما آتاهم منك، ~~والحمد لله ذي الرغبات، ومتمم الصالحات، شكرا لرب العالمين، فإنه مبلغ طاقتنا، ~~ومنتهى جهدنا، وبه نستعين على تأدية فرائضه، إنه لا يعين على ذلك إلا هو. أحببت أن ~~نشكر إليكم أمير المؤمنين - أيده الله - إذ ورد ms773 علي من أنعامه وأفضاله، ما لا أبلغه ~~بالفعل، وأن يكون ما اقتصصنا عليكم، داعيا لكم، إلى أن تشكروه عنا، وعن أنفسكم، وعن ~~الإسلام والمسلمين، ورجوت بما وفقنا الله له، فيما شرحنا وأوضحنا، من الدلالة والبيان ~~أن يكون مجتمعا ينتفع به من حضرنا، ومن عسى أن يؤدى إليه الخبر عنا، أو حدث بعدنا، ~~وضننت بهذه المكرمة الرائعة، والمأثرة البارعة، التي ادخرها الله لأمير المؤمنين، أعز ~~الله نصره، وأفرده بها، دون الأئمة والخلفاء، أن تمر بالأسماع صفحا، وتجتاز على القلوب ~~سهوا، حتى تؤكد بالشواهد والبرهان، ليبقى ذكرها ونفعها في الخلوف والأعقاب، ونحن ~~نسأل الله عز وجل الذي جمع بأمير المؤمنين - مد الله في عمره - ألفتنا، وعلى طاعته ~~أهواءنا وضمائرنا، وأنالنا من الغبطة في دولته وسلطانه، ما لم تحوه شيعة إمام، ولا ~~أنصار خليفة، أن يتم نور أمير المؤمنين، ويعلي كعبه، ويمتعنا ببقائه، حتى يبلغه ~~سؤله وهمته في الاستكثار من البر وادخار الأجر، واستيجاب الحمد والشكر، وأن يلم به ~~الشعث، ويرأب به الصدع، ويصلح على يديه الفساد، ويرتق به فتوق هذه الأمة، ويثخن ~~بسياسته ونكايته في عدوها، ويتابع الفتوح في بلدانهم حتى يؤتيه من نجح السعي، ورغائب ~~الحظ في الدنيا، ما يجزل عليه ثوابه في الآخرة، وأرشد نجباءه وأصفياءه، الذين يقول لهم: # فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب ~~الآخرة والله يحب المحسنين ~~. # ومن توقيعاته نقلا عن كتاب الصولي: # وقع إلى عامل ظالم: «الحق طريق واضح لمن طلبه، تهديه محجته، ولا تخاف ~~عثرته، وتؤمن في السر مغبته، فلا تستقلن منه ولا تعدلن عنه؛ فقد بالغت في ~~مناصحتك، فلا تحوجني إلى معاودتك، فليس بعد التقدمة إليك إلا سطوة الإنكار ~~عليك.» # ووقع في عناية بإنسان إلى بعض العمال: «أنا بفلان تام العناية، وله شديد الرعاية، ~~وكنت أحب أن يكون ما أرعيته طرفك من أمره في كتابي مستودعا سمعك من خطابي، فلا ~~تعدلن بعنايتك إلى غيره، ولا تمنحن بعقدك سواه حتى تنيله إرادته وتتجاوز به أمنيته ~~إن شاء الله.» # وفي كتاب ابن طيفور من توقيعات أحمد بن ms774 يوسف الشيء الكثير، فارجع إليه إن شئت. ~~(6) رسائل سهل بن هارون # 8 # من كلامه: # حكى الجاحظ قال: لقي رجل سهل بن هارون فقال: هب لي ما لا ضرر به عليك. ~~فقال: وما هو يا أخي؟ قال: درهم. قال: لقد هونت الدرهم وهو طائع الله في أرضه ~~لا يعصي، وهو عشر العشرة، والعشرة عشر المائة، والمائة عشر الألف، والألف ~~دية المسلم. ألا ترى إلى أين انتهى الدرهم الذي هونته؟ وهل بيوت الأموال إلا ~~درهم على درهم؟! فانصرف الرجل، ولولا انصرافه لم يسكت. # وحكى دعبل الخزاعي الشاعر قال: أقمنا يوما عند سهل بن هارون، وأطلنا الحديث ~~حتى أضر به الجوع، فدعا بغذائه، فأتي بصحفة فيها مرق تحته ديك هرم، ~~فأخذ كسرة وتفقد ما في الصحفة فلم يجد رأس الديك، فبقي مطرقا، ثم قال ~~للغلام: أين الرأس؟ قال: رميت به. قال: ولم؟ قال: لم أظنك تأكله! قال: ولم ~~ظننت ذلك؟! فوالله إني لأمقت من يرمي برجله فكيف برأسه! ولو لم أكره ما صنعت ~~إلا للطيرة والفأل لكرهته. أما علمت أن الرأس رئيس يتفاءل به، وفيه الحواس ~~الخمس، ومنه يصيح الديك، ولولا صوته ما أريد، وفيه فرقه الذي يتبرك به، وعينه ~~التي يضرب بصفائها المثل فيقال: شراب كعين الديك، ودماغه عجب لوجع الكلية، ~~ولم أر عظما قط أهش تحت الأسنان منه، وإن كان بلغ من نبلك أنك لا تأكله، ~~فعندنا من يأكله، أوما علمت أنه خير من طرف الجناح ومن رأس العنق؟! انظر أين ~~رميته. فقال: والله ما أدري. قال: أنا والله أدري! إنك رميت به والله في بطنك، ~~فالله حسيبك. # ومن مؤلفاته كتاب البخلاء. # ولما صنف سهل كتابه في البخل أهداه إلى الحسن بن سهل واستماحه، فكتب إليه الحسن: ~~قد مدحت ما ذمه الله، وحسنت ما قبحه الله، وما يقوم بفساد معناك صلاح لفظك، قد ~~جعلنا ثواب مدحك فيه قبول قولك، فما نعطيك شيئا. # واتهم سهل بن هارون بالبخل وأورد له في ذلك قصص ونوادر، وعده الجاحظ من ~~«متعاقلي البخلاء وأشحاء العلماء» قال: ms775 ما علمت أن أحدا جرد في البخل كتابا إلا ~~سهل بن هارون، وأبا عبد الرحمن الثوري، والبخل في الفرس غالب في الجملة، غلبة الكرم ~~على طبائع العرب، فاقتضى ذلك التفريط الذي رآه سهل في تبذير العرب، أن يدلي لقومه ~~بآرائه المفرطة في الاقتصاد والإمساك. وما شوهد قط تفريط إلا وإلى جانبه إفراط. # كتبه وطريقته في التأليف # كان سهل بن هارون منقطع القرين في صنوف العلم والآداب، وناهيك بعالم كبير ~~كالجاحظ كان يؤلف الكتاب الكثير المعاني، الحسن النظم، فينسبه إلى نفسه فلا يرى ~~الأسماع تصغي إليه، ولا القلوب تيمم نحوه، ثم يؤلف - كما قال عن نفسه - ما هو ~~أنقص منه مرتبة وأقل منه فائدة، فينحله عبد الله بن المقفع، أو سهل بن هارون، ~~فيقبل الناس عليها، ويسارعون إلى نسخها. # ويقال إن طريقة سهل في كتابته طريقة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب؛ لا يتكلف ~~لكلامه، فلا يشاهد فيه الناقد أثر التعمل، بل لا يكلف بغير إرسال النفس على ~~سجيتها، فهو وابن المقفع والجاحظ على غرار واحد. # وقيل إن سهلا كاتب سلاطين، والجاحظ مؤلف دواوين. وكأن كلامه نغمة موسيقية تعرف ~~انتهاء جملته من رنتها بعد أن ملكت عليك مشاعرك، لا يحفل بالأسجاع إلا إذا ~~جاءت عفو الخاطر، شأن بلغاء الصدر الأول. وكان يقول الشعر، وأكثر شعره مما أملاه ~~قلبه، في غرض من أغراض المجتمع. وعده الجاحظ من الخطباء والشعراء الذين جمعوا ~~الشعر والخطب والرسائل الطوال والقصار، والكتب الكبار المجلدة، والسير الحسان ~~المولدة، والأخبار المدونة. ولقبه مرة بالكاتب، ولعل لقب الكاتب في شرفه أكبر من ~~عالم. وذكره ابن النديم في البلغاء وقال: إنه شاعر مقل، وعده في الشعراء ~~الكتاب. وقال: إنه كان ممن يعمل الأسمار والخرافات على ألسنة الناس والطير ~~والبهائم هو وعبد الله بن المقفع وعلي بن داود كاتب زبيدة. وشعره خمسون ورقة. أما ~~الدهشة ففي تآليفه، فله ديوان رسائله، وكتاب النمر والثعلب، وكتاب أسباسيوس ~~(أسانوس) في اتخاذ الإخوان، كتاب أسد بن أسد، كتاب سحرة العقل، كتاب تدبير ~~الملك والسياسة، كتاب إلى ms776 عيسى بن أبان في القضاء، كتاب الفرس، كتاب الغزالين، ~~كتاب ندود وودود ولدود، كتاب الرياض، كتاب ثعلة وعفراء، (وفي رواية ثعلة وعفرة) على ~~مثال كتاب كليلة ودمنة، قلده في أبوابه وأمثاله. # وقال المسعودي: يزيد عليه - أي على كليلة ودمنة - في حسن نظمه، وقد صنفه ~~للمأمون. ومن تآليفه: كتاب الهزلية والمخزومي، كتاب الوامق والعذراء، إلى غير ذلك ~~من المصنفات التي لم تبق الأيام - ويا للأسف! - على واحد منها فيما ~~علمنا. # دخل سهل على الرشيد وهو يضاحك المأمون؛ فقال: اللهم زده من الخيرات، وابسط له ~~من البركات، حتى يكون في كل يوم من أيامه مربيا على أمسه، مقصرا عن غده. فقال ~~الرشيد: يا سهل، من روى من الشعر أحسنه وأرصنه، ومن الحديث أفصحه وأوضحه، إذا رام ~~أن يقول لا يعجزه القول؟ فقال سهل: يا أمير المؤمنين، ما ظننت أن أحدا تقدمني ~~إلى هذا المعنى. قال: بل أعشى همدان حيث يقول: # رأيتك أمس خير بني لؤي # وأنت اليوم خير منك أمس # وأنت غدا تزيد الخير ضعفا # كذاك تزيد سادة عبد شمس # وقد شهد مقتل البرامكة في سنة 187ه، وحدث فيما كان عليه يحيى وجعفر من البلاغة ~~فقال: إن سجاعي الخطب، ومحبري القريض عيال على يحيى بن خالد بن برمك وجعفر بن ~~يحيى، ولو كان كلام يتصور درا، ويحيله المنطق السري جوهرا، لكان ~~كلامهما، والمنتقى من لفظهما، ولقد كانا مع هذا عند كلام الرشيد في بديهته ~~وتوقيعاته في كتبه، فدمين عيين، وجاهلين أميين، ولقد عمرت معهم، ~~وأدركت طبقة المتكلمين في أيامهم، وهم يرون أن البلاغة لم تستكمل إلا فيهم، ولم ~~تكن مقصورة إلا عليهم، ولا انقادت إلا لهم، وأنهم محض الأنام، ولباب الكرام، ~~وملح الأيام، عشق منظر، وجودة مخبر، وجزالة منطق، وسهولة لفظ، ونزاهة نفس، ~~واكتمال خصال، حتى لو فاخرت الدنيا بقليل أيامهم، والمأثور من خصالهم، كثير أيام ~~من سواهم من لدن آدم أبيهم إلى النفخ في الصور، وابتعاث أهل القبور، حاشا أنبياء ~~الله المكرمين، وأهل وحيه المرسلين، لما باهت إلا بهم، ولا عولت ms777 في الفخر إلا ~~عليهم، ولقد كانوا مع تهذيب أخلاقهم، وكريم أعراقهم، وسعة آفاقهم، ورفق ميثاقهم، ~~ومعسول مذاقهم، وبهاء إشراقهم، ونقاوة أعراضهم، وتهذيب أغراضهم، واكتمال خلال الخير ~~فيهم، إلى ملء الأرض مثلهم في جنب محاسن المأمون كالنفثة (التفلة) في البحر، ~~والخردلة في المهمه القفر. # قيل: وهذا الكلام على ما فيه من حقيقة في بيان سجايا البرامكة والرشيد والمأمون ~~لم يختتم بالنصفة الحقة، ومال به سهل إلى المصانعة، وخرجه على نحو مبالغة ~~الفرس، في الإطراء والملق لولي الأمر. # وروى بعض الرواة أن المأمون كان استقل سهل بن هارون؛ وقد دخل عليه يوما والناس ~~على مراتبهم، فتكلم المأمون بكلام ذهب فيه كل مذهب، فلما فرغ من كلامه أقبل سهل ~~بن هارون على الجمع فقال: ما لكم تسمعون ولا تعون، وتشاهدون ولا تفقهون، وتفهمون ~~ولا تتعجبون، وتتعجبون ولا تنصفون! والله إنه ليقول ويفعل في اليوم القصير ما فعل ~~بنو مروان في الدهر الطويل، عربكم كعجمكم، وعجمكم كعبيدكم، ولكن كيف ~~يعرف بالدواء من لا يشعر بالداء! فرجع المأمون فيه إلى الرأى الأول؛ وعرف أنه ~~الرجل كل الرجل، فقربه وأدناه على النحو الذي كان عليه في عهد والده. # ومن كلام له في كتابه ثعلة وعفرة: # اجعلوا أداء ما يجب عليكم من الحقوق مقدما قبل الذي تجودون به من ~~تفضلكم، فإن تقديم النافلة مع الإبطاء في الفريضة شاهد على وهن العقيدة، ~~وتقصير الروية، ومضر بالتدبير، ومخل بالاختيار، وليس في نفع ~~تحمد به عوض من فساد المروءة، ولزوم النقيصة. # وهذا مأخوذ من قوله في يحيى بن جعفر: # عدو تلاد المال فيما ينوبه # منوع إذا ما منعه كان أحزما # مذلل نفس قد أبت غير أن ترى # مكاره ما تأتي من العيش مغنما # وكتب إلى صديق له أبل من ضعف: # بلغني خبر الفترة في إلمامها وانحسارها، والشكاة في حلولها وارتحالها، ~~فكاد يشغل القلق بأوله عن السكون لآخره، وتذهل الحيرة في ابتدائه، عن ~~المسرة في انتهائه، وكان تغيري في الحالين بقدرهما ارتياعا للأولى، ~~وارتياحا للأخرى. ~~••• # وكتب في البخل: # بسم الله الرحمن ms778 الرحيم # أصلح الله أمركم وجمع شملكم وعلمكم الخير وجعلكم من أهله. قال الأحنف ~~بن قيس: يا معشر بني تميم، لا تسرعوا إلى الفتنة، فإن أسرع الناس إلى ~~القتال أقلهم حياء من الفرار. وقد كانوا يقولون: إذا أردت أن ترى ~~العيوب جمة فتأمل عيابا؛ فإنه إنما يعيب الناس بفضل ما فيه من العيب. ~~ومن أعيب العيب أن تعيب ما ليس بعيب. وقبيح أن تنهى مرشدا وأن تغرى ~~بمشفق. وما أردنا بما قلنا إلا هدايتكم وتقويمكم، وإصلاح فاسدكم، وإبقاء ~~النعمة عليكم. وما أخطأنا سبيل حسن النية فيما بيننا وبينكم. وقد تعلمون ~~أنا ما أوصيناكم إلا بما اخترناه لكم، ولأنفسنا قبلكم، وشهرنا به في ~~الآفاق دونكم؛ ثم نقول في ذلك ما قال العبد الصالح لقومه: # وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم ~~عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما ~~توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه ~~أنيب ~~، فما كان أحقنا منكم في حرمتنا بكم أن ترعوا حق ~~قصدنا بذلك إليكم على ما رعيناه من واجب حقكم؛ فلا العذر المبسوط ~~بلغتم، ولا بواجب الحرمة قمتم. ولو كان ذكر العيوب يراد به فخر ~~لرأينا في أنفسنا من ذلك شغلا. # عبتموني بقولي لخادمي: أجيدي العجين فهو أطيب لطعمه وأزيد في ~~ريعه. # 9 # وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أملكوا ~~العجين # 10 # فإنه أحد الربعين. # وعبتموني حين ختمت على ما فيه شيء ثمين من فاكهة رطبة نقية ومن ~~رطبة غريبة على عبد نهم وصبي جشع وأمة لكعاء # 11 # وزوجة مضيعة. # وعبتموني بالختم وقد ختم بعض الأئمة على مزود سويق # 12 # وعلى كيس فارغ. وقال: طينة خير من طية، فأمسكتم عمن ختم ~~على لا شيء، وعبتم من ختم على شيء. # وعبتموني أن قلت للغلام: إذا زدت في المرق فزد في الإنضاج ~~ليجتمع مع التأدم باللحم طيب المرق. # وعبتموني بخصف النعل # 13 # وبتصدير القميص، # 14 # وحين زعمت أن المخصوفة من النعل أبقى وأقوى وأشبه بالشد، وأن ~~الترقيع من الحزم والتفريط من التضييع، وقد كان رسول الله # صلى ms779 الله عليه وسلم # يخصف ~~نعله ويرقع ثوبه ويقول: لو أهدي إلي ذراع لقبلت، ولو دعيت إلى ~~كراع لأجبت. وقالت الحكماء: لا جديد لمن لم يلبس الخلق. وبعث زياد ~~رجلا يرتاد له محدثا، واشترط عليه أن يكون عاقلا، فأتاه به موافقا ~~فقال له: أكنت به ذا معرفة ؟ قال: لا، ولكني رأيته في يوم قائظ يلبس ~~خلقا ويلبس الناس جديدا، فتفرست فيه العقل والأدب. وقد علمت أن ~~الخلق في موضعه مثل الجديد في موضعه. وقد جعل الله لكل شيء قدرا وسما به ~~موضعا كما جعل لكل زمان رجالا ولكل مقام مقالا. وقد أحيا الله بالسم ~~وأمات بالدواء وأغص بالماء. وقد زعموا أن الإصلاح أحد الكاسبين كما زعموا ~~أن قلة العيال أحد اليسارين. وقد جبر الأحنف بن قيس يد عنز، وأمر ~~مالك بن أنس بفرك النعل. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: من أكل بيضة ~~فقد أكل دجاجة. ولبس سالم بن عبد الله جلد أضحية. وقال رجل لبعض الحكماء: ~~أريد أن أهدي إليك دجاجة. فقال: إن كان لا بد فاجعلها بيوضا. # وعبتموني حين قلت: من لم يعرف مواضع السرف في الموجود الرخيص لم يعرف ~~مواضع الاقتصاد في الممتنع الغالي. ولقد أتيت بماء للوضوء على مبلغ ~~الكفاية وأشد من الكفاية، فلما صرت إلى تفريق أجزائه على الأعضاء وإلى ~~التوفير عليها من وضيعة # 15 # الماء وجدت في الأعضاء فضلا عن الماء، فعلمت أن لو كنت سلكت ~~الاقتصاد في أوائله لخرج آخره على كفاية أوله، ولكان نصيب الأول كنصيب ~~الآخر، فعبتموني بذاك وشنعتم علي؛ وقد قال الحسن وذكر السرف: أما إنه ~~ليكون في الماء والكلأ، فلم يرض بذكر الماء حتى أردفه الكلأ. # وعبتموني أن قلت: لا يغترن أحدكم بطول عمره وتقويس ظهره ورقة ~~عظمه ووهن قوته، وأن يرى نحوه أكثر ذريته، فيدعوه ذلك إلى إخراج ماله من ~~يده وتحويله إلى ملك غيره وإلى تحكيم السرف فيه وتسليط الشهوات عليه، فلعله ~~يكون معمرا وهو لا يدري، وممدودا له في السن وهو لا يشعر، ولعله أن يرزق ms780 ~~الولد على اليأس ويحدث عليه من آفات الدهر ما لا يخطر على بال ولا يدركه ~~عقل، فيسترده ممن لا يرده، ويظهر الشكوى إلى من لا يرحمه أصعب ما كان ~~عليه الطلب وأقبح ما كان به أن يطلب، فعبتموني بذلك؛ وقد قال عمرو بن ~~العاص: اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا. # وعبتموني بأن قلت: بأن السرف والتبذير إلى مال المواريث وأموال ~~الملوك، وأن الحفظ للمال المكتسب والغنى المجتلب، وإلى من لا يعرض فيه ~~بذهاب الدين واهتضام العرض ونصب البدن واهتمام القلب أسرع، ومن لم يحسب ~~نفقته لم يحسب دخله، ومن لم يحسب الدخل فقد أضاع الأصل، ومن لم يعرف ~~للغنى قدره فقد أوذن بالفقر وطاب نفسا بالذل. # وعبتموني بأن قلت: إن كسب الحلال يضمن الإنفاق في الحلال، وإن ~~الخبيث ينزع إلى الخبيث، وإن الطيب يدعو إلى الطيب، وإن الإنفاق في الهوى ~~حجاب دون الهدى؛ فعبتم علي هذا القول، وقد قال معاوية: لم أر تبذيرا ~~قط إلا وإلى جنبه حق مضيع. وقد قال الحسن: إن أردتم أن تعرفوا من أين ~~أصاب الرجل ماله فانظروا فيماذا ينفقه؛ فإن الخبيث إنما ينفق في السرف. ~~وقلت لكم بالشفقة عليكم وحسن النظر مني لكم وأنتم في دار الآفات، والجوائح ~~غير مأمونات: فإن أحاطت بمال أحدكم آفة لم يرجع إلا إلى نفسه. فاحذروا ~~النقم باختلاف الأمكنة؛ فإن البلية لا تجري في الجميع إلا بموت ~~الجميع. # وقد قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في العبد والأمة والشاة ~~والبعير: فرقوا بين المنايا. وقال ابن سيرين لبعض البحريين: كيف تصنعون ~~بأموالكم؟ قالوا: نفرقها في السفن، فإن عطب بعض سلم بعض. ولولا ~~أن السلامة أكثر ما حملنا أموالنا في البحر. قال ابن سيرين: تحسبها ~~خرقاء وهي صناع. # 16 # وعبتموني بأن قلت لكم عند إشفاقي عليكم: إن للغنى لسكرا وللمال ~~لنزوة، # 17 # فمن لم يحفظ الغنى من سكره فقد أضاعه، ومن لم يرتبط المال ~~لخوف الفقر فقد أهمله. # فعبتموني بذلك وقد قال زيد بن جبلة: ليس أحد ms781 أقصر عقلا من غني أمن ~~الفقر، وسكر الغنى أكثر من سكر الخمر. وقد قال الشاعر في يحيى بن ~~خالد بن برمك: # وهوب تلاد المال فيما ينوبه # منوع إذا ما منعه كان أحزما # وعبتموني حين زعمتم أني أقدم المال على العلم، لأن المال به يفاد ~~العلم وبه تقوم النفس قبل أن تعرف فضل العلم، فهو أصل والأصل أحق بالتفضيل ~~من الفرع، فقلتم: كيف هذا؟ وقد قيل لرئيس الحكماء: الأغنياء أفضل أم ~~العلماء؟ قال: العلماء. قيل له: فما بال العلماء يأتون أبواب الأغنياء أكثر ~~ما يأتي الأغنياء أبواب العلماء؟ قال: ذلك لمعرفة العلماء بفضل المال وجهل ~~الأغنياء بحق العلم. فقلت: حالهما هي القاضية بينهما. وكيف يستوي شيء ~~حاجة العامة إليه وشيء يغني فيه بعضهم عن بعض! # وكان النبي # صلى الله عليه وسلم # يأمر الأغنياء باتخاذ الغنم والفقراء باتخاذ ~~الدجاج. وقال أبو بكر رضي الله عنه: إني لأبغض أهل بيت ينفقون نفقة ~~الأيام في اليوم الواحد. وكان أبو الأسود الدؤلي يقول لولده: إذا بسط الله ~~لك الرزق فابسط، وإذا قبض فاقبض. # وعبتموني حين قلت: فضل الغنى على القوت إنما هو كفضل الآلة تكون في ~~البيت إذا احتيج إليها استعملت وإن استغني عنها كانت عدة. وقد قال ~~الحصين بن المنذر: وددت أن لي مثل أحد ذهبا لا أنتفع منه بشيء. قيل ~~له: فما كنت تصنع به؟ قال: لكثرة من كان يخدمني عليه؛ لأن المال مخدوم. ~~وقد قال بعض الحكماء: عليك بطلب الغنى؛ فلو لم يكن فيه إلا أنه عز في ~~قلبك وذل في قلب عدوك، لكان الحظ فيه جسيما والنفع فيه عظيما. # ولسنا ندع سيرة الأنبياء وتعليم الخلفاء وتأديب الحكماء لأصحاب اللهو؛ ~~ولستم علي تردون ولا رأيي تفندون، فقدموا النظر قبل العزم، وأدركوا ~~مالكم قبل أن تدركوا مآلكم، والسلام عليكم. # وسهل هو القائل: # تقسمني همان قد كسفا بالي # وقد تركا قلبي محلة بلبال # هما أذريا دمعي ولم تذر عبرتي # رهينة خد ذات سمط وخلخال # ولا قهوة لم يبق منها سوى الذي # على أن تحاكي ms782 النور في رأس ذيال # تحلل منها جرمها وتماسكت # لها نفس ~~معدوم على الزمن الخالي # ولكنما أبكي بعين سخية # على ~~حدث تبكي له عين أمثالي # فراق خليل لا يقوم به ~~الأسى # وخلة حر لا يقوم بها ~~مالي # فوا حسرتي حتى متى القلب موجع # لنفر خليل أو تعذر إفضال # وما الفضل إلا أن تجود بنائل # وإلا ~~لقاء الخل ذي الخلق العالي # وهو القائل: # إذا امرؤ ضاق عني لم يضق ~~خلقي # من أن يراني غنيا عنه ~~بالياس # لا أطلب المال كي أغنى ~~بفضلته # ما كان مطلبه فقرا من ~~الناس ~~(7) عمرو بن مسعدة # كان كاتبا بليغا، جزل العبارة وجيزها، سديد المقاصد، فضله شائع، ونبله ~~ذائع؛ أشهر من أن ينبه عليه، أو يدل بالوصف إليه؛ قد ولي للمأمون الأعمال ~~الجليلة، وألحق بذوي المراتب النبيلة. # 18 # وسماه بعض الشعراء وزيرا لعظم منزلته لا لأنه كان وزيرا، وهو ~~قوله: # لقد أسعد الله الوزير ابن مسعده # وبث له في الناس شكر ومحمده # فهو كما كتب الحسن بن سهل إلى محمد بن سماعة القاضي - وقد احتاج إلى رجل يوليه بعض ~~الأعمال - فقال: إنه يريد رجلا جامعا لخصال الخير، ذا عفة ونزاهة طعمة؛ # 19 # قد هذبته الآداب، وأحكمته التجارب، ليس بظنين في رأيه، ولا بمطعون في ~~حسبه، إن اؤتمن على الأسرار قام بها، وإن قلد مهما من الأمور أجزأ # 20 # فيه، له سن مع أدب ولسان، تعقده الرزانة، ويسكته الحلم، قد ~~فر # 21 # عن ذكاء وفطنة، وعض # 22 # على قارحة من الكمال، تكفيه اللحظة، وترشده السكتة، قد أبصر خدمة الملوك ~~وأحكمها، وقام في أمور فحمد فيها، له أناة الوزراء، وصولة الأمراء، وتواضع العلماء، ~~وفهم الفقهاء، وجواب الحكماء، لا يبيع نصيب يومه بحرمان غده، يكاد يسترق قلوب ~~الرجال بحلاوة لسانه، وحسن بيانه، دلائل الفضل عليه لائحة، وأمارات العلم له شاهدة، ~~مضطلعا بما استنهض، مستقلا بما حمل. # ومن كلام عمرو بن مسعدة: # أعظم الناس أجرا، وأنبههم ذكرا، من لم يرض بموت العدل في دولته، وظهور ~~الحجة في سلطانه، وإيصال المنافع إلى رعيته ms783 في حياته، وأسعد الرعاة من دامت ~~سعادة الحق في أيامه، وبعد وفاته وانقراضه. # وقال: الخط صور الكتب، ترد إليها أرواحها. # وقال: الخط صورة ضئيلة لها معان جليلة، وربما ضاق عن العيون، وقد ملأ أخطار ~~الفنون. # وقال: لا تستصحب من يكون استمتاعه بمالك وجاهك، أكثر من إمتاعه لك بشكر لسانه ~~وفوائد علمه، ومن كانت غايته الاحتيال على مالك وإطراءك في وجهك، فإن هذا لا يكون إلا ~~رديء الغيب، سريعا إلى الذم. # وكتب إلى الحسن بن سهل: # أما بعد، فإنك ممن إذا غرس سقى، وإذا أسس بنى، ليستتم تشييد ~~أسسه، ويجتني ثمار غرسه، وثناؤك عندي قد شارف الدروس، وغرسك مشف على اليبوس، ~~فتدارك بناء ما أسست، وسقي ما غرست إن شاء الله. # وكتب إلى بعض أصحابه في شخص يعز عليه: # أما بعد، فموصل كتابي إليك سالم والسلام. أراد قول الشاعر: # يديرونني عن سالم وأديرهم # وجلدة بين العين والأنف سالم # أي يحل مني هذا المحل. # وكتب إلى المأمون في رجل من بني ضبة يستشفع له بالزيادة في منزلته وجعل كتابه ~~تعريضا: # أما بعد، فقد استشفع بي فلان يا أمير المؤمنين لتطولك علي، في إلحاقه ~~بنظرائه من الخاصة فيما يرتزقون به، وأعلمته أن أمير المؤمنين لم يجعلني في ~~مراتب المستشفعين، وفي ابتدائه بذلك تعدي طاعته، والسلام. # فكتب إليه المأمون: «قد عرفنا توطئتك له، وتعريضك لنفسك، وأجبناك إليهما، ووافقناك ~~عليهما.» وقوله: «إن أمير المؤمنين لم يجعلني في مراتب المستشفعين، وفي ابتدائه بذلك ~~تعدي طاعته»، من الكلام السري الذي يدل على مبلغ عمرو وبعد غوره في السياسة ووقوفه ~~على روح عصره ونفسية الخلفاء. # قدم رجل من أبناء دهاقين # 23 # قريش، على المأمون لعدة سلفت منه، فطال على الرجل انتظار خروج أمر ~~المأمون، فقال لعمرو بن مسعدة: توصل مني رقعة إلى أمير المؤمنين تكون أنت الذي ~~تكتبها تكن لك علي نعمتان. فكتب: «إن رأى أمير المؤمنين أن يفك أسر عبده من ربقة ~~المطل بقضاء حاجته، أو يأذن له بالانصراف إلى بلده فعل إن شاء الله.» # فلما قرأ ms784 المأمون الرفعة دعا عمرا فجعل يعجب من حسن لفظها، وإيجاز المراد. فقال ~~عمرو: فما نتيجتها يا أمير المؤمنين؟ قال: الكتاب له في هذا الوقت بما وعدناه، لئلا ~~يتأخر فضل استحساننا كلامه، وبجائزة مائة ألف درهم، صلة عن دناءة المطل، وسماجة ~~الإغفال. # وهذا مما يدل على سعة عقل المأمون وولوعه بالبلاغة وقدره أهلها حق قدرهم، دع ~~ما هنالك من نفس ما أحبت إلا الجود والعطاء. # ومن حكم عمرو بن مسعدة: # العبودية عبودية الإخاء، لا عبودية الرق. الود أعطف من الرحم. إن الكريم ~~ليرعى من المعرفة ما رعى الوصل من القرابة. عليكم بالإخوان فإنهم زينة في ~~الرخاء، وعدة للبلاء. مثل الإخوان مثل النار، قليلها متاع، وكثيرها ~~بوار. النفس بالصديق، آنس منها بالعشيق، وغزل المودة، أرق من غزل ~~الصبابة. من حقوق المودة، عفو الإخوان، والإغضاء عن تقصير إن كان. ذكر رجل ~~رجلا فقال: حسبك أنه خلق كما تشتهي إخوانه. المودة قرابة مستفادة. ما ~~تواصل اثنان فدام تواصلهما، إلا لفضلهما أو فضل أحدهما. أسرع الأشياء انقطاعا ~~مودة الأشرار. المحروم من حرم صالحي الإخوان. لقاء الخليل شفاء الغليل. قلة ~~الزيارة، أمان من الملالة. إخوان السوء كشجر النار يحرق بعضه بعضا. علامة ~~الصديق إذا أراد القطيعة أن يؤخر الجواب، ولا يبتدئ بالكتاب. لا يفسدنك ~~الظن على صديق قد أصلحك اليقين له. من لم يقدم الامتحان قبل الثقة، والثقة ~~قبل الأنس، أثمرت مودته ندما. إذا قدمت الحرمة، تشبهت بالقرابة. ~~العتاب حياة المودة. ظاهر العتاب خير من باطن الحقد. ما أكثر من يعاتب لطلب ~~علة، ويبقى الود ما بقي العتاب. كمون الحقد في الفؤاد ككمون النار في ~~الزناد. القريب بعيد بعداوته، والبعيد قريب بمودته. لا تأمنن عدوك وإن كان ~~مقهورا، واحذره وإن كان مفقودا، فإن حد السيف فيه وإن كان مغمودا. لا ~~تتعرض لعدوك في دولته، فإنها إذا زالت كفتك مئونته. نصح الصديق تأديب، ~~ونصح العدو تأنيب. # روى البيهقي قال: أخبرنا بعض أصحابنا قال: شهدت المأمون يوما وقد خرج من باب ~~البستان ببغداد فصاح به رجل بصري: يا ms785 أمير المؤمنين، إني تزوجت بامرأة من آل زياد، ~~وإن أبا الرازي فرق بيننا وقال: هي امرأة من قريش! قال: فأمر عمرو بن مسعدة فكتب إلى ~~أبي الرازي: إنه قد بلغ أمير المؤمنين ما كان من الزيادية وخلعك إياها إذ كانت من ~~قريش؛ فمتى تحاكمت إليك العرب؟ لا أم لك في أنسابها، ومتى وكلتك قريش يا بن ~~اللخناء بأن تلصق بها من ليس منها؟ فخل بين الرجل وامرأته، فلئن كان زياد من قريش، ~~إنه لابن سمية بغي عاهرة، لا يفتخر بقرابتها، ولا يتطاول بولادتها. ولئن كان ابن ~~عبيد، لقد باء بأمر عظيم، إذ ادعى إلى غير أبيه، لحظ تعجله، وملك قهره. # وأمر المأمون عمرو بن مسعدة أن يكتب لرجل به عناية إلى بعض العمال في قضاء حقه، وأن ~~يختصر كتابه ما أمكنه، حتى يكون ما يكتب به في سطر واحد، لا زيادة عليه، فكتب عمرو: # كتابي إليك كتاب واثق بمن كتبت إليه، معني بمن كتب له، ولن يضيع بين ~~الثقة والعناية حامله. # وكتب إلى بعض الرؤساء، وقد تزوجت أمه فساءه ذلك، فلما قرأها ذلك الرئيس تسلى بها، ~~وذهب عنه ما كان يجده. وقيل: إن هذه الرسالة من إنشاء ابن العميد وهي: # الحمد لله الذي كشف عنا ستر الحيرة، وهدانا لستر العورة. وجدع ~~بما شرع من الحلال أنف الغيرة، ومنع من عضل الأمهات، كما منع من وأد ~~البنات، استنزالا للنفوس الأبية، عن الحمية حمية الجاهلية، ثم عرض لجزيل ~~الأجر، من استسلم لواقع قضائه، وعوض جليل الذخر من صبر على نازل بلائه، ~~وهنأك الذي شرح للتقوى صدرك، ووسع في البلوى صبرك، وألهمك من التسليم ~~لمشيئته، والرضا بقضيته، ما وفقك له من قضاء الواجب في أحد أبويك، ومن عظم ~~حقه عليك، وجعل الله تعالى جده ما تجرعته من أنف، وكظمته من أسف، ~~معدودا فيما يعظم به أجرك، ويجزل عليه ذخرك، وقرن بالحاضر من امتعاضك ~~بفعلها، المنتظر من ارتماضك بدفنها، فتستوفي بها المصيبة، وتستكمل عنها ~~المثوبة، فوصل الله لسيدي ما استشعره من الصبر على عرسها، ms786 بما يكتسبه من ~~الصبر على نفسها، وعوضه من أسرة فرشها، أعواد نعشها، وجعل تعالى جده ما ~~ينعم به عليه بعدها من نعمة، معرى من نقمة، وما يوليه بعد قبضها من منحة، ~~مبرأ من محنة، فأحكام الله تعالى جده وتقدست أسماؤه، جارية على غير مراد ~~المخلوقين، لكنه تعالى يختار لعباده المؤمنين ما هو خير لهم في العاجلة، وأبقى ~~لهم في الآجلة، اختار الله لك في قبضها إليه، وقدومها عليه، ما هو أنفع لها، ~~وأولى بها، وجعل القبر، كفؤا لها، والسلام. # وقال عبد العزيز بن يحيى المكي الذي ناظر بشر بن غياث المريسي بحضرة أمير المؤمنين ~~في مسألة خلق القرآن: # جاءني خليفة عمرو بن مسعدة ومعه جمع من الفرسان والرجالة فحملني مكرما ~~على دابته حتى صار إلى باب أمير المؤمنين فأوقفني حتى جاء عمرو بن مسعدة، ~~فدخل فجلس في حجرته التي كان يجلس فيها ثم أذن لي بالدخول عليه، فدخلت، ~~فلما صرت بين يديه أجلسني ثم قال لي: أنت مقيم على ما كنت عليه أو قد رجعت ~~عنه؟ فقلت: بل مقيم على ما كنت، وقد ازددت بتوفيق الله تعالى إياي بصيرة في ~~أمري. فقال لي عمرو بن مسعدة: أيها الرجل، قد حملت نفسك على أمر عظيم، وبلغت ~~الغاية في مكروهها، وتعرضت لما لا قوام لك به في مخالفة أمير المؤمنين، ~~وادعيت بما لا يثبت لك به حجة على مخالفتك، ولا لأحد غيرك، وليس وراءك بعد ~~الحجة عليك إلا السيف، فانظر لنفسك وبادر أمرك، قبل أن تقع المناظرة وتظهر عليك ~~الحجة، فلا تنفعك الندامة ولا يقبل منك معذرة ولا تقال لك عثرة، فقد رحمتك ~~وأشفقت عليك مما هو نازل بك، وأنا أستقيل لك أمير المؤمنين وأسأله الصفح عن ~~جرمك، وعظيم ما كان منك إذا أظهرت الرجوع عنه والندم على ما كان، وآخذ لك ~~الأمان منه والجائزة، فإن كانت لك ظلامة أزلتها عنك، وإن كانت لك حاجة قضيتها ~~لك، فإنما جلست رحمة لك مما هو نازل بك بعد ساعة إن أقمت على ما أنت ms787 عليه، ~~ورجوت أن يخلصك الله تعالى على يدي من عظيم ما أوقعت نفسك فيه. # شعره # نقلنا أمثلة قليلة من نثر عمرو بن مسعدة، أما شعره فقليل جدا. ذكر المترجمون له ~~أنه كان له فرس أدهم أغر، لم يكن لأحد مثله فراهة وحسنا. فبلغ المأمون خبره، ~~وبلغ عمرو بن مسعدة ذلك، فخاف أن يأمر بقوده إليه فلا يكون له فيه محمدة، فوجه ~~به إليه هدية وكتب معه: # يا إماما لا يدا # نيه إذا عد إمام # فضل الناس كما يف # ضل نقصانا تمام # قد بعثنا بجواد # مثله ليس يرام # فرس يزهى به لل # حسن سرج ولجام # دونه الخيل كما مث # لك في الفضل الأنام # وجهه صبح ولكن # سائر الجسم ظلام # والذي يصلح للمو # لى على العبد حرام # وعمرو هو القائل: # ومستعذب للهجر والوصل أعذب # أكاتمه حبي فينأى وأقرب # إذا جدت مني بالرضا جاد بالجفا # ويزعم أني مذنب وهو أذنب # تعلمت ألوان الرضا خوف هجره # وعلمه حبي له كيف يغضب # ولي غير وجه قد عرفت طريقه # ولكن بلا قلب إلى أين أذهب # ووقع مرة في ظهر رقعة لرجل: # أعزز علي بأمر أنت طالبه # لم يمكن النجح فيه وانقضى أمده # ولعمرو بن مسعدة حكايات منها ما حكاه القاضي التنوخي في كتاب الفرج بعد ~~الشدة: # 24 # قال عمرو بن مسعدة: كنت مع المأمون عند قدومه من بلاد الروم حتى إذا ~~نزلت الرقة قال: يا عمرو، ما ترى الرجحى قد احتوى على الأهواز، وهي سلة الخير ~~وجميع المال قبله وطمع فيها، وكتبه متصلة بحملها، وهو يتعلل ويتربص بي ~~الدوائر؟ فقلت: أنا أكفي أمير المؤمنين هذا، وأنفذ من يضطره إلى حمل ما عليه. ~~فقال: ما يقنعني هذا. فقلت: فيأمر أمير المؤمنين بأمره. فقال: فاخرج إليه بنفسك حتى ~~تصفده بالحديد، فتحمله إلى بغداد وتقبض على جميع ما في يده من أموالنا، وتنظر ~~في أعمالنا وترتب لها عمالا. فقلت: السمع والطاعة! فلما كان في غد دخلت عليه ~~فقال: ما فعلت فيما أمرتك به؟ قلت: أنا على ذلك. قال: أتريد ms788 أن تجيء في غد ~~مودعا؟ قلت: السمع والطاعة! فلما كان في غد جئته مودعا، فقال: أريد أن تحلف ~~لي أنك لا تقيم ببغداد إلا يوما واحدا. فاضطربت من ذلك إلى أن حضني واستحلفني ~~ألا أقيم فيها أكثر من ثلاثة أيام، فخرجت حتى قدمت بغداد، فلم أقم بها إلا ~~ثلاثة أيام، وانحدرت في زلالي أريد البصرة وجعل لي في الزلالي خيش، واستكثرت من ~~الثلج لشدة الحر. # فلما صرت بين جرجان # 25 # وجبل سمعت صوتا من الشاطئ يصيح: يا ملاح! فرفعت سجف الزلالي ~~وإذا بشيخ كبير السن جالس حاسر الرأس حافي القدمين خلق القميص، فقلت للغلام: ~~أجبه. فأجابه، فقال: يا غلام، أنا شيخ كبير السن على هذه الصورة التي ترى، وقد ~~أحرقتني الشمس وكادت تتلفني، وأريد جبل، فاحملوني معكم فإن الله يحسن أجر صاحبكم. ~~قال: فشتمه الملاح وانتهره، فأدركتني رقة عليه وقلت: خذوه معنا. فتقدمنا الشط ~~وصحنا به وحملناه، فلما صار معنا في الزلالي وانحدرنا نتقدم فدفعت إليه قميصا ~~ومنديلا، وغسل وجهه واستراح وكأنه كان ميتا وعاد إلى الدنيا، فحضر وقت الغذاء ~~وتقدمت وقلت للغلام: هاته يأكل معنا. فجاء وقعد على الطعام، فأكل أكل أديب ~~نظيف غير أن الجوع أثر فيه، فلما رفعت المائدة أردت أن يقوم ويغسل يده ناحية ~~كما تفعل العامة في مجالس الخاصة فلم يفعل، فغسلت يدي وتذممت أن آمر بقيامه، ~~فقلت: قدموا له الطشت. فغسل يده، وأردت بعدها أن يقوم لأنام فلم يفعل، فقلت: يا ~~شيخ، أي شيء صناعتك؟ قال: حائك أصلحك الله! فقلت في نفسي: هذه الحياكة علمته سوء ~~الأدب، فتناومت عليه ومددت رجلي فقال: قد سألتني عن صناعتي، وأنت - أعزك الله - ما ~~صناعتك؟ فأكبرت ذلك وقلت: أنا جنيت على نفسي هذه الجناية ولا بد من احتمالها، أتراه ~~الأحمق لا يرى زلالي وغلماني ونعمتي وأن مثلي لا يقال له هذا؟! فقلت: كاتب. فقال: ~~كاتب كامل أم كاتب ناقص فإن الكتاب خمسة، فأيهم أنت؟ فورد علي قول الحائك ~~موردا عظيما، وسمعت كلاما أكبرته وكنت متكئا فجلست، ثم قلت: ms789 فصل ~~الخمسة. # قال: نعم، كاتب خراج يحتاج أن يكون عالما بالشروط والطسوت والحساب والمساحة ~~والبثوق والفتوق والرتوق، وكاتب أحكام يحتاج أن يكون عالما بالحلال والحرام ~~والاحتجاج والإجماع والأصول والفروع، وكاتب معونة يحتاج أن يكون عالما بالقصاص ~~والحدود والجراحات والمواثبات والسياسات، وكاتب جيش يحتاج أن يكون عالما بحلى ~~الرجال وشيات الدواب ومداراة الأولياء وشيئا من العلم بالنسب والحساب ، وكاتب ~~رسائل يحتاج أن يكون عالما بالصدور والفصول والإطالة والإيجاز وحسن البلاغة والخط. ~~قال: فقلت: إني كاتب رسائل. قال: فأسألك عن بعضها. قلت: قل. فقال لي: أصلحك الله، ~~لو أن رجلا من إخوانك تزوج أمك فأردت أن تكاتبه مهنئا فكيف كنت تكاتبه؟ ففكرت ~~في الحال فلم يخطر ببالي شيء، فقلت: ما أرى للتهنئة وجها. قال: فكيف تكتب إليه ~~تعزيه؟ ففكرت فلم يخطر ببالي شيء، فقلت: اعفني. قال: قد فعلت، ولكنك لست بكاتب ~~رسائل. قلت: أنا كاتب خراج. # قال: لا بأس، لو أن أمير المؤمنين ولاك ناحية وأمرك فيها بالعدل والإنصاف ~~وتقضي حاجة السلطان فيتظلم إليك بعضهم من مساحيك، وأحضرتهم للنظر بينهم وبين ~~رعيتك، فحلف المساح بالله العظيم لقد أنصفوا وما ظلموا، وحلفت الرعية بالله إنهم ~~لقد جاروا وظلموا، وقالت الرعية: قف معنا على ما مسحوه وانظر من الصادق من ~~الكاذب، فخرجت لتقف عليه، فوقفوا على براح شكله قاتل قثا، كيف كنت تمسحه؟ قلت: ~~كنت آخذ طوله على انعراجه وعرضه ثم أضربه في مثله. قال: إن شكل قاتل قثا أن يكون ~~زاويتاه محدودتين، وفي تحديده تقويس. قلت: فآخذ الوسط فأضربه في العرض. قال: إذن ~~ينثني عليك العمود! فأسكتني، فقلت: ولست كاتب خراج. قال: فإذن ما أنت؟ قلت: أنا ~~كاتب قاض، قال: أرأيت لو أن رجلا توفي وخلف امرأتين حاملتين إحداهما حرة ~~والأخرى سرية، فولدت السرية غلاما والحرة جارية، فعدت الحرة إلى ولد ~~السرية فأخذته، وتركت بدله الجارية فاختصما في ذلك، فكيف الحكم بينهما؟ قلت: لا ~~أدري. قال: فلست بكاتب قاض. قلت: فأنا كاتب جيش. فقال: لا بأس، أرأيت لو أن رجلين ~~جاءا إليك لتحليهما ms790 وكل واحد منهما اسمه واسم أبيه كاسم الآخر إلا أن أحدهما ~~مشقوق الشفة العليا، والآخر مشقوق الشفة السفلى، كيف كنت تحليهما؟ قال: قلت: فلان ~~الأفلح وفلان الأعلم. قال: إن رزقهما مختلفان، وكل واحد منهما يجيء في دعوة الأخر؟ ~~قلت: لا أدري. قال: فلست بكاتب جيش. قلت: أنا كاتب معونة. قال: لا تبالي، لو أن ~~رجلين رفعا إليك قد شج أحدهما الآخر شجة موضحة، # 26 # وشج الآخر شجة مأمونة، كيف كنت تفصل بينهما؟ قلت: لا أدري. قال: ~~لست إذن كاتب معونة، اطلب لنفسك أيها الرجل شغلا غير هذا. قال: فصغرت إلي ~~نفسي وغاظني، فقلت: قد سألت عن هذه الأمور ويجوز ألا يكون عندك جوابها كما لم يكن ~~عندي، فإن كنت عالما بالجواب فقل. # فقال: نعم، أما الذي تزوج أمك فتكتب إليه: أما بعد، فإن الأمور تجري من عند ~~الله بغير محبة عباده ولا اختيارهم، بل هو تعالى يختار لهم ما أحب. وقد بلغني تزويج ~~الوالدة خار الله لك في قبضها، وإن القبور أكرم الأزواج وأستر العيوب ~~والسلام. # وأما براح قاتل قثا، فتمسح العمود حتى إذا صار عددا في يدك ضربته في مثله ومثل ~~ثلثه، فما خرج فهو المساحة. # وأما الجارية والغلام، فيوزن لبن الاثنتين، فأيهما كان أخف فالجارية له. # وأما الجنديان المتفقا الاسمين، فإن كان الشق في الشفة العليا قيل فلان الأعلم، ~~وإذا كان في الشفة السفلى قلت فلان الأفلح. # وأما صاحب الشجتين، فلصاحب الموضحة ثلث الدية، ولصاحب المأمونة نصف ~~الدية. # فلما أجاب بهذه المسائل تعجبت منه وامتحنته بأشياء كثيرة غيرها فوجدته ماهرا ~~في جميعها حاذقا بليغا، فقلت: ألست زعمت أنك حائك؟ فقال: أنا أصلحك الله حائك ~~كلام ولست بحائك نساجة، وأنشأ يقول: # ما مر بؤس ولا نعيم # إلا ولي فيهما نصيب # فذقت حلوا وذقت مرا # كذاك عيش الفتى ضروب # نوائب الدهر أدبتني # وإنما يوعظ الأديب # قلت: فما الذي بك من سوء الحال؟ قال: أنا رجل كاتب دامت عطلتي، وكثرت عيلتي، ~~وتواصلت محنتي، وقلت حيلتي، فخرجت أطلب تصرفا فقطع علي الطريق ms791 فصرت كما ~~ترى، فمشيت على وجهي، فلما لاح لي الزلالي استغثت بك. قلت: فإني قد خرجت إلى ~~متصرف جليل أحتاج فيه إلى جماعة مثلك، وقد أمرت لك بخلعة حسنة تصلح لمثلك وخمسة ~~آلاف درهم تصلح بها أمرك، وتنفذ منها إلى عيالك، وتقوي نفسك بباقيها، وتصير ~~معي إلى عملي فأوليك أجله. فقال: أحسن الله جزاءك، إذن تجدني بحيث أسرك ، ولا ~~أقوم مقام معذر إليك إن شاء الله. # وأمرت بتقبيضه ما رسمت له قبضه، وانحدر إلى الأهواز معي، فجعلته المناظر للرجحي ~~والمحاسب له بحضرتي، والمستخرج لما عليه، فقام بذلك أحسن قيام، وعظمت حاله معي، ~~وعادت نعمته إلى أحسن ما كانت عليه. # وفي عمرو بن مسعدة يقول أبو محمد عبد الله بن أيوب التيمي: # أعني على بارق ناضب # خفى كوحيك بالحاجب # كأن تألقه في السماء # يدا كاتب أو يدا حاسب # فروى منازل تذكارها # يهيج من شوقك الغالب # غريب يحن لأوطانه # ويبكي على عصره الذاهب # كفاك أبو الفضل عمرو الندى # مطالعة الأمل الكاذب # وصدق الرجاء وحسن الوفاء # لعمرو بن مسعدة الكاتب # عريض الفناء طويل البنا # ء في العز والشرف الثاقب # بنى الملك طود له بيته # وأهل الخلافة من غالب # هو المرتجى لصروف الزمان # ومعتصم الراغب الراهب # جواد بما ملكت كفه # على الضيف والجار والصاحب # بأدم الركاب ووشي الثيا # ب والطرف والطفلة الكاعب # نؤمله لجسام الأمور # ونرجوه للجلل الكارب # خصيب الجناب مطير السحاب # بشيمته لين الجانب # يروي القنا من نحور العدا # ويغرق في الجود كاللاعب # إليك تبدت بأكوارها # حراجيج في مهمه لاحب # كأن نعاما تبارى بنا # بوابل من برد عاصب # يردن ندى كفك المرتجى # ويقضين من حقك الواجب # ولله ما أنت من خابر # بسجل لقوم ومن خارب # فتسقي العدا بكئوس الردى # وتسبق مسألة الطالب # وكم راغب نلته بالعطا # وكم نلت بالعطف من هارب # وتلك الخلائق أعطيتها # وفضل من المانع الواجب # كسبت الثناء وكسب الثنا # ء أفضل مكسبة الكاسب # يقينك يجلو ستور الدجى # وظنك يخبر بالغائب ~~(8) رسائل الجاحظ # رسالته في بني أمية # قال أبو عثمان عمرو ms792 بن بحر الجاحظ: # 27 # أطال الله بقاءك، وأتم نعمته عليك، وكرامته لك. اعلم - أرشد الله ~~أمرك - أن هذه الأمة قد صارت بعد إسلامها، والخروج من جاهليتها، إلى طبقات متفاوتة، ~~ومنازل مختلفة: فالطبقة الأولى عصر النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وأبي بكر وعمر - رضي الله عنهما ~~- وست سنين من خلافة عثمان - رضي الله عنه - كانوا على التوحيد الصحيح، والإخلاص ~~المحض ، # 28 # مع الألفة واجتماع الكلمة على الكتاب والسنة، وليس هناك عمل قبيح، ولا ~~بدعة فاحشة، ولا نزع يد من طاعة، ولا حسد ولا غل ولا تأول، حتى كان الذي كان ~~من قتل عثمان - رضي الله عنه - وما انتهك منه، ومن خبطهم إياه بالسلاح، وبعج ~~بطنه بالحراب، وفري أوداجه بالمشاقص، وشدخ هامته بالعمد، مع كفه عن البسط، ~~ونهيه عن الامتناع، مع تعريفه لهم قبل ذلك: من كم وجه يجوز قتل من شهد الشهادة، ~~وصلى القبلة، وأكل الذبيحة؛ ومع ضرب نسائه بحضرته، وإقحام الرجال على حرمته، مع ~~اتقاء نائلة بنت الفرافصة # 29 # عنه بيدها، حتى أطنوا # 30 # إصبعين من أصابعها، وقد كشفت عن قناعها، ورفعت عن ذيلها ليكون ذلك ~~رادعا لهم، وكاسرا من غربهم؛ مع وطئهم في أضلاعه بعد موته، وإلقائهم على ~~المزبلة جسده مجردا بعد سحبه، وهي الجزرة التي جعلها رسول الله # صلى الله عليه وسلم # كفئا ~~لبناته وأياماه وعقائله، بعد السب والتعطيش والحصر الشديد، والمنع من الفوت، مع ~~احتجاجه عليهم وإفحامه لهم؛ ومع اجتماعهم على أن دم الفاسق حرام، كدم المؤمن، إلا ~~من ارتد بعد إسلام، أو زنى بعد إحصان، أو قتل مؤمنا على عمد، أو رجل عدا على الناس ~~بسيفه فكان في امتناعهم منه عطبه؛ ومع اجتماعهم على ألا يقتل من هذه الأمة، ولا ~~يجهز منها على جريح؛ ثم مع ذلك كله ذمروا # 31 # عليه وعلى أزواجه وحرمه وهو جالس في محرابه ومصحفه يلوح في حجره، ~~لن يرى أن موحدا يقدم على قتل من كان في مثل صفته وحاله. # لا جرم لقد احتلبوا به دما لا تطير رغوته، ولا تسكن ms793 فورته، ولا يموت ثائره، ~~ولا يكل طالبه، وكيف يضيع الله دم وليه، والمنتقم له! وما سمعنا بدم بعد دم ~~يحيى بن زكريا - عليهما السلام - غلا غليانه، وقتل سافحه، وأدرك بطائلته، وبلغ ~~كل محبته، كدمه رحمة الله عليه. # ولقد كان لهم في أخذه، وفي إقامته للناس، والاقتصاص منه، وفي بيع ما ظهر من ~~رباعه، وحدائقه، وسائر أمواله، وفي حبسه بما بقي عليه، وفي طمره حتى لا يحس ~~بذكره، ما يغنيهم عن قتله إن كان قد ركب كل ما قذفوه به، وادعوه عليه، وهذا كله ~~بحضرة جلة المهاجرين والسلف المقدمين، والأنصار والتابعين. # ولكن الناس كانوا على طبقات مختلفة، ومراتب متباينة: من قاتل ومن شاد على ~~عضده، ومن خاذل عن نصرته، والعاجز ناصر بإرادته، ومطيع بحسن نيته، وإنما الشك منا ~~فيه، وفي خاذله، ومن أراد عزله والاستبدال به؛ فأما قاتله، والمعين على دمه، ~~والمريد لذلك منه، فضلال لا شك فيهم، ومراق لا امتراء في حكمهم؛ على أن هذا ~~لم يعد منهم الفجور: إما على سوء تأويل، وإما على تعمد للشقاء، ثم ما زالت ~~الفتن متصلة، والحروب مترادفة، كحرب الجمل، وكوقائع صفين، وكيوم النهروان، وقبل ~~ذلك يوم الزابوقة، # 32 # وفيه أسر ابن حنيف، وقتل حكيم بن جبلة، إلى أن قتل أشقاها ~~علي بن أبي طالب - رضوان الله عليه - فأسعده الله بالشهادة، وأوجب لقاتله النار ~~واللعنة؛ إلى أن كان من اعتزال الحسن - عليه السلام - الحروب وتخليته الأمور، عند ~~انتثار أصحابه، وما رأى من الخلل في عسكره، وما عرف من اختلافهم على أبيه، وكثرة ~~تلونهم عليه؛ فعندها استوى معاوية على الملك، واستبد على بقية الشورى، وعلى ~~جماعة المسلمين، من الأنصار والمهاجرين، في العام الذي سموه عام الجماعة، وما كان ~~عام جماعة، بل كان عام فرقة وقهر وجبرية وغلبة، والعام الذي تحولت فيه الإمامة ~~ملكا كسرويا، والخلافة غصبا قيصريا، ولم يعد ذلك أجمع الضلال والفسق. ~~ثم ما زالت معاصيه من جنس ما حكينا، وعلى منازل ما رتبنا، حتى رد قضية رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم # ردا ms794 مكشوفا، وجحد حكمه جحدا ظاهرا، في ولد الفراش وما يجب ~~للعاهر، مع اجتماع الأمة أن سمية لم تكن لأبي سفيان فراشا، وأنه إنما كان بها ~~عاهرا. فخرج بذلك من حكم الفجار إلى حكم الكفار، وليس قتل حجر بن عدي، ~~وإطعام عمرو بن العاص خراج مصر، وبيعة يزيد الخليع، والاستئثار بالفيء، واختيار ~~الولاة على الهوى، وتعطيل الحدود بالشفاعة والقرابة، من جنس جحد الأحكام المنصوصة، ~~والشرائع المشهورة، والسنن المنصوبة، وسواء في باب ما يستحق من الكفار جحد ~~الكتاب ورد السنة إذا كانت السنة في شهرة الكتاب وظهوره، إلا أن أحدهما أعظم، ~~وعقاب الآخرة عليه أشد، فهذه أول كفرة، كانت من الأمة، ثم لم تكن إلا فيمن يدعي ~~إمامتها، والخلافة عليها؛ على أن كثيرا من أهل ذلك العصر قد كفروا بترك إكفاره، ~~وقد أربت عليهم نابتة عصرنا، ومبتدعة دهرنا، فقالت: لا تسبوه، فإن له صحبة، ~~وسب معاوية بدعة، ومن يبغضه فقد خالف السنة، فزعمت أن من السنة ترك البراءة، ~~ممن جحد السنة؛ ثم الذي كان من يزيد ابنه، ومن عماله، وأهل نصرته، ثم غزو مكة، ~~ورمي الكعبة، واستباحة المدينة، وقتل الحسين - عليه السلام - في أكثر أهل بيته، ~~مصابيح الظلام، وأوتاد الإسلام، بعد الذي أعطى من نفسه، من تفريق أتباعه، والرجوع ~~إلى داره وحرمه، أو الذهاب في الأرض، حتى لا يحس به، أو المقام حيث أمر به، ~~فأبوا إلا قتله، والنزول على حكمهم، وسواء قتل نفسه بيده، أو أسلمها إلى عدوه، ~~وخير فيها من لا يبرد غليله إلا بشرب دمه. # فاحسبوا قتله ليس بكفر، وإباحة المدينة وهتك الحرمة ليس بحجة؛ كيف تقولون في رمي ~~الكعبة، وهدم البيت الحرام، وقبلة المسلمين؟ فإن قلتم ليس ذلك أرادوا بل إنما ~~أرادوا المتحرز به، والمتحصن بحيطانه، أفما كان في حق البيت وحريمه أن يحصروه ~~فيه، إلى أن يعطى بيده! وأي شيء بقي من رجل، قد أخذت عليه الأرض إلا موضع قدمه! ~~واحسبوا ما رووا عليه من الأشعار، التي قولها شرك، والتمثل بها كفر، شيئا ~~مصنوعا؛ كيف تصنع بنقر ms795 القضيب بين ثنيتي الحسين عليه السلام، وحمل بنات ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # حواسر على الأقتاب العارية، والإبل الصعاب، والكشف عن عورة ~~علي بن الحسين عند الشك في بلوغه! على أنهم إن وجدوه وقد أنبت قتلوه، وإن لم يكن ~~أنبت حملوه، كما يصنع أمير جيش المسلمين، بذرارى المشركين؟ وكيف تقول في قول عبيد ~~الله بن زياد لإخوته وخاصته: دعوني أقتله، فإنه بقية هذا النسل، فأحسم به هذا ~~القرن، وأميت به هذا الداء، وأقطع به هذه المادة؟! # خبرونا علام تدل هذه القسوة، وهذه الغلظة! بعد أن شفوا أنفسهم بقتلهم، ونالوا ~~ما أحبوا فيهم؟ أتدل على نصب، وسوء رأي وحقد، وبغضاء ونفاق، وعلى يقين مدخول ~~وإيمان مخروج؟! أم تدل على الإخلاص، وعلى حب النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، والحفظ له، وعلى براءة ~~الساحة وصحة السريرة؟! فإن كان على ما وصفنا لا يعدو الفسق والضلال، وذلك أدنى ~~منازله؛ فالفاسق ملعون، ومن نهى عن نهي الملعون فملعون. # وزعمت نابتة عصرنا، ومبتدعة دهرنا، أن سب ولاة السوء فتنة، ولعن الجورة ~~بدعة، وإن كانوا يأخذون السمي بالسمي، والولي بالولي، والقريب بالقريب، ~~وأخافوا الأولياء، وأمنوا الأعداء، وحكموا بالشفاعة والهوى، وإظهار الغدرة ~~والتهاون بالأمة، والقمع للرعية، وأنهم في غير مداراة ولا تقية، وإن عدا ذلك إلى ~~الكفر، وجاوز الضلال إلى الجحد، فذاك أضل ممن كف عن شتمهم، والبراءة منهم، ~~على أنه ليس من استحق اسم الكفر بالقتل كمن استحقه برد السنة وهدم الكعبة، وليس ~~من استحق اسم الكفر بذلك كمن شبه الله بخلقه، وليس من استحق الكفر بالتشبيه كمن ~~استحقه بالتجوير، # 33 # والنابتة في هذا الوجه أكفر من يزيد وأبيه، وابن زياد وأبيه، ولو ثبت ~~أيضا على يزيد أنه تمثل بقول ابن الزبعرى: # ليت أشياخي ببدر شهدوا # جزع الخزرج من وقع الأسل # لاستطاروا واستهلوا فرحا # ثم قالوا يا يزيد لا تسل # قد قتلنا الغر من ساداتهم # وعدلناه ببدر فاعتدل # كان تجوير النابتي لربه، وتشبيهه بخلقه، أعظم من ذلك وأقطع، على أنهم مجمعون على ~~أنه ملعون من قتل ms796 مؤمنا، متعمدا أو متأولا؛ فإذا كان القاتل سلطانا جائرا، ~~أو أميرا عاصيا، لم يستحلوا سبه، ولا خلعه، ولا نفيه، ولا عيبه، وإن أخاف ~~الصلحاء، وقتل الفقهاء، وأجاع الفقير، وظلم الضعيف، وعطل الحدود والثغور، وشرب ~~الخمور، وأظهر الفجور؛ ثم ما زال الناس يتسكعون مرة، ويداهنونهم مرة، ويقاربونهم ~~مرة، ويشاركونهم مرة، إلا بقية ممن عصمه الله تعالى ذكره، حتى قام عبد الملك بن ~~مروان، وابنه الوليد، وعاملهما الحجاج بن يوسف، ومولاه يزيد بن أبي مسلم، فأعادوا ~~على البيت بالهدم، وعلى حرم المدينة بالغزو، فهدموا الكعبة، واستباحوا الحرمة، ~~وحولوا قبلة واسط، وأخروا صلاة الجمعة، إلى مغيربان الشمس، فإن قال رجل ~~لأحدهم: اتق الله فقد أخرت الصلاة عن وقتها، قتله على هذا القول جهارا غير ~~ختل، وعلانية غير سر، ولا يعلم القتل على ذلك إلا أقبح من إنكاره؛ فكيف ~~يكفر العبد بشيء ولا يكفر بأعظم منه؟! # وقد كان بعض الصالحين ربما وعظ الجبابرة، وخوفهم العواقب، وأراهم أن في الناس ~~بقية ينهون عن الفساد في الأرض، حتى قام عبد الملك بن مروان، والحجاج بن يوسف، ~~فزجرا عن ذلك، وعاقبا عليه، وقتلا فيه، فصاروا لا يتناهون عن منكر فعلوه؛ فاحسب ~~تحويل القبلة كان غلطا، وهدم البيت كان تأويلا، واحسب ما رووا من كل وجه، أنهم ~~كانوا يزعمون أن خليفة المرء في أهله # 34 # أرفع عنده من رسوله إليهم، باطلا ومسموعا مولدا، واحسب وسم ~~أيدي المسلمين ونقش أيدي المسلمات، وردهم بعد الهجرة إلى قراهم، وقتل الفقهاء، ~~وسب أئمة الهدى، والنصب لعترة رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، لا يكون كفرا؛ كيف تقول في ~~جمع ثلاث صلوات فيهن الجمعة، ولا يصلون أولاهن، حتى تصير الشمس على أعالي الجدران، ~~كالملاء المعصفر، فإن نطق مسلم، خبط بالسيف، وأخذته العمد، وشك بالرماح، وإن ~~قال قائل: اتق الله، أخذته العزة بالإثم، ثم لم يرض إلا بنثر دماغه على صدره، ~~وبصلبه حيث تراه عياله؟ ومما يدل على أن القوم لم يكونوا إلا في طريق التمرد على ~~الله عز وجل، والاستخفاف بالدين، والتهاون بالمسلمين، ms797 والابتذال لأهل الحق، أكل ~~أمرائهم الطعام، وشربهم الشراب على منابرهم أيام جمعهم وجموعهم، فعل ذلك ~~حبيش # 35 # بن دلجة، وطارق مولى عثمان، والحجاج بن يوسف، وغيرهم، وذلك إن كان ~~كفرا كله فلم يبلغ كفر نابتة عصرنا، وروافض دهرنا؛ لأن جنس كفر هؤلاء غير كفر ~~أولئك. كان اختلاف الناس في القدر على أن طائفة تقول كل شيء بقضاء وقدر، وتقول ~~طائفة أخرى كل شيء بقضاء وقدر إلا المعاصي ، ولم يكن أحد يقول إن الله يعذب ~~الأبناء ليغيظ الآباء، وإن الكفر والإيمان مخلوقان في الإنسان، مثل العمى والبصر، ~~وكانت طائفة منهم تقول إن الله يرى، لا تزيد على ذلك، فإن خافت أن يظن بها ~~التشبيه قالت يرى بلا كيف تقززا من التجسيم والتصوير، حتى نبتت هذه النابتة، ~~وتكلمت هذه الرافضة، فقالت جسيما، وجعلت له صورة وحدا، وأكفرت من قال بالرؤية ~~على غير التجسيم والتصوير! ثم زعم أكثرهم أن كلام الله حسن وبين وحجة ~~وبرهان، وأن التوراة غير الزبور، والزبور غير الإنجيل، والإنجيل غير القرآن، ~~والبقرة غير آل عمران؛ وأن الله تولى تأليفه، وجعله برهانه على صدق رسوله، وأنه ~~لو شاء أن يزيد فيه زاد، ولو شاء أن ينقص منه نقص، ولو شاء أن يبدله بدله، ولو ~~شاء أن ينسخه كله بغيره نسخه؛ وأنه أنزله تنزيلا، وأنه فصله تفصيلا، وأنه بالله ~~كان دون غيره، ولا يقدر عليه إلا هو، غير أن الله مع ذلك كله لم يخلقه؛ فأعطوا جميع ~~صفات الخلق، ومنعوا اسم الخلق. # والعجب أن الخلق عند العرب إنما هو التقدير نفسه، فلذا قالوا: خلق كذا ~~وكذا، ولذلك قال: # أحسن الخالقين ~~. وقال: # وتخلقون إفكا # وقال: # وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير ~~، فقالوا: صنعه ~~وجعله وقدره، وأنزله وفصله وأحدثه، ومنعوا خلقه، وليس تأويل خلقه أكثر من ~~قدره، ولو قالوا بدل قولهم: قدره ولم يخلقه خلقه ولم يقدره، ما كانت ~~المسألة عليهم إلا من وجه واحد؛ والعجب أن الذي منعه بزعمه أن يزعم أنه مخلوق، أنه ~~لم يسمع ذلك من سلفه، وهو يعلم أنه ms798 لم يسمع أيضا من سلفه أنه ليس بمخلوق، ~~وليس ذلك يهم، ولكن لما كان الكلام من الله تعالى عندهم على مثل خروج الصوت من ~~الجوف، وعلى جهة تقطيع الحروف، وإعمال اللسان والشفتين، وما كان على غير هذه الصورة ~~والصفة فليس بكلام، ولما كنا عندهم على غير هذه الصفة، وكنا لكلامنا غير خالقين، ~~وجب أن الله عز وجل لكلامه غير خالق؛ إذ كنا غير خالقين لكلامنا، فإنما قالوا ذلك، ~~لأنهم لم يجدوا بين كلامنا وكلامه فرقا، وإن لم يقروا بذلك بألسنتهم فذلك ~~معناهم وقصدهم. # وقد كانت هذه الأمة لا تجاوز معاصيها الإثم والضلال، إلا ما حكيت لك عن بني ~~أمية، وبني مروان، وعمالهم، ومن لم يدن بإكفارهم حتى نجمت النوابت، وتابعتها ~~هذه العوام، فصار الغالب على هذا القرن الكفر، وهو التشبيه والجبر، فصار كفرهم ~~أعظم من كفر من مضى في الأعمال التي هي الفسق، وشركاء # 36 # من كفر منهم بتوليهم، وترك إكفارهم، قال الله عز وجل من قائل: # ومن يتولهم منكم فإنه ~~منهم ~~. # وأرجو أن يكون الله قد أغاث المحقين، ورحمهم وقوى ضعفهم، وكثر قلتهم، حتى ~~صار ولاة أمرنا في هذا الدهر الصعب والزمن الفاسد أشد استبصارا في التشبيه من ~~عليتنا، وأعلم بما يلزم فيه منا، وأكشف للقناع من رؤسائنا؛ وصارفوا الناس وقد ~~انتظموا معان # 37 # الفساد أجمع، وبلغوا غايات البدع، ثم قرنوا بذلك العصبية التي هلك بها ~~عالم بعد عالم، والحمية التي لا تبقي دينا إلا أفسدته، ولا دنيا إلا أهلكتها، ~~وهو ما صارت إليه العجم من مذهب الشعوبية، وما قد صار إليه الموالي من الفخر على ~~العجم والعرب، وقد نجمت من الموالي ناجمة، ونبتت منهم نابتة، تزعم أن المولى بولائه ~~قد صار عربيا، لقول النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «مولى القوم منهم.» ولقوله: «الولاء لحمة ~~كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب.» # قال: فقد علمنا أن العجم حين كان فيهم الملك والنبوة كانوا أشرف من العرب، ~~ولما حول ذلك إلى العرب صارت العرب أشرف منهم، قالوا: فنحن معاشر الموالي بقديمنا ms799 ~~في العجم أشرف من العرب، وبالحديث الذي صار لنا في العرب أشرف من العجم، وللعرب ~~القديم دون الحديث؛ ولنا خصلتان جميعا وافرتان فينا، وصاحب الخصلتين أفضل من ~~صاحب الخصلة، وقد جعل الله المولى بعد أن كان عجميا عربيا بولائه، كما جعل حليف ~~قريش من العرب قرشيا بحلفه، وجعل إسماعيل بعد أن كان أعجميا عربيا ولولا ~~قول النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «إن إسماعيل كان عربيا» ما كان عندنا إلا أعجميا لأن ~~الأعجمي لا يصير عربيا، كما أن العربي لا يصير أعجميا، فإنما علمنا أن ~~إسماعيل صيره الله عربيا بعد أن كان أعجميا، بقول النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، فكذلك حكم ~~قوله: «مولى القوم منهم.» وقوله: «والولاء لحمة.» قالوا: وقد جعل الله إبراهيم - ~~عليه السلام - أبا لمن لم يلد، كما جعله أبا لمن ولد، وجعل أزواج النبي أمهات ~~المؤمنين، ولم يلدن منهم أحدا، وجعل الجار والد من لم يلد في قول غير هذا كثير قد ~~أتينا عليه في موضعه، وليس أدعى إلى الفساد، ولا أجلب للشر من المفاخرة، وليس على ~~ظهرها إلا فخور (إلا قليل)، وأي شيء أغيظ من أن يكون عبدك يزعم أنه أشرف منك، وهو ~~مقر أنه صار شريفا بعتقك إياه. # وقد كتبت - مد الله في عمرك - كتبا في مفاخرة قحطان، وفي تفضيل عدنان، وفي رد ~~الموالي إلى مكانهم من الفضل والنقص، وإلى قدر ما جعل الله تعالى لهم بالعرب من ~~الشرف؛ وأرجو أن يكون عدلا بينهم، وداعية إلى صلاحهم، ومنبهة عليهم ولهم؛ وقد أردت ~~أن أرسل بالجزء الأول إليك ثم رأيت ألا يكون إلا بعد استئذانك، واستئمارك، ~~والانتهاء في ذلك إلى رغبتك، فرأيك فيه موفق إن شاء الله عز وجل وبه ~~الثقة. # وكتب إلى بعض إخوانه في ذم الزمان # بسم الله الرحمن الرحيم # حفظك الله حفظ من وفقه للقناعة، واستعمله بالطاعة؛ كتبت إليك وحالي حال ~~من كثفت غمومه، وأشكلت عليه أموره، واشتبه عليه حال دهره، ومخرج أمره، وقل ~~عنده من يثق بوفائه، أو يحمد مغبة إخائه، لاستحالة زماننا، ms800 وفساد أيامنا، ~~ودولة أنذالنا؛ وقدما كان من قدم الحياء على نفسه، وحكم الصدق في قوله، ~~وآثر الحق في أموره، ونبذ المشتبهات عليه من شئونه، تمت له السلامة، وفاز ~~بوفور حظ العافية، وحمد مغبة مكروه العاقبة؛ فنظرنا إذ حال عندنا حكمه، ~~وتحولت دولته؛ فوجدنا الحياء متصلا بالحرمان، والصدق آفة على المال، والقصد ~~في الطلب بترك استعمال القحة، وإخلاق العرض من طريق التوكل دليلا على سخافة ~~الرأي، إذ صارت الحظوة البالغة ، والنعمة السابغة، في لؤم المشيئة؛ وسناء الرزق ~~من جهة محاشاة الرخاء، وملابسة معرة العار؛ ثم نظرنا في تعقب المتعقب ~~لقولنا، والكاشر لحجتنا؛ فأقمنا له علما واضحا، وشاهدا قائما، ومنارا ~~بينا؛ إذ وجدنا من فيه السفولية الواضحة، والمثالب الفاضحة، والكذب ~~المبرح، والخلف المصرح، والجهالة المفرطة، والركاكة المستخفة، وضعف ~~اليقين والاستثبات، وسرعة الغضب والجراءة، قد استكمل سروره، واعتدلت أموره، ~~وفاز بالسهم الأغلب، والحظ الأوفر، والقدر الرفيع، والجواز الطائع، والأمر ~~النافذ؛ إن زل قيل حكم، وإن أخطأ قيل أصاب، وإن هذى في كلامه وهو يقظان ~~قيل رؤيا صادقة من نسمة مباركة؛ فهذه حجتنا والله على من زعم أن الجهل يخفض، ~~وأن النوك يردي، وأن الكذب يضر، والخلف يزري؛ ثم نظرنا في الوفاء ~~والأمانة والنبل والبلاغة وحسن المذهب وكمال المروءة وسعة الصدر وقلة الغضب ~~وكرم الطبيعة، والفائق في سعة علمه، والحاكم على نفسه، والغالب لهواه، فوجدنا ~~فلان بن فلان؛ ثم وجدنا الزمان لم ينصفه من حقه، ولا قام له بوظائف فرضه، ~~ووجدنا فضائله القائمة له قاعدة به؛ فهذا دليل أن الطلاح أجدى من الصلاح، وأن ~~الفضل قد مضى زمانه، وعفت آثاره، وصارت الدائرة عليه كما كانت الدائرة على ~~ضده؛ ووجدنا العقل يشقى به قرينه، كما أن الجهل والحمق يحظى به خدينه؛ ~~ووجدنا الشعر ناطقا على الزمان، ومعربا عن الأيام حيث يقول: # تحامق مع الحمقى إذا ما لقيتهم # ولاقهم بالجهل فعل أخي الجهل # وخلط إذا لاقيت يوما مخلطا # يخلط في قول صحيح وفي هزل # فإني رأيت المرء يشقى بعقله # كما كان قبل اليوم يسعد بالعقل # فبقيت ms801 - أبقاك الله - مثل من أصبح على أوفاز، # 38 # ومن النقلة على جهاز، لا يسوغ له نعمة، ولا تطعم عينه غمضة، في ~~أهاويل يباكره مكروهها، ويراوحه عقائبها؛ فلو أن الدعاء أجيب، والتضرع ~~سمع، لكانت العدة العظمى، والرجفة الكبرى؛ فليت أي أخي ما أستبطئه من ~~النفخة، ومن فجأة الصيحة، قضي فحان، وأذن به فكان؛ فوالله ما عذبت أمة ~~برجفة، ولا ريح ولا سخطة، عذاب عيني برؤية المغايظة المدمنة، والأخبار ~~المهلكة، كأن الزمان يوكل بعذابي، أو ينصب بأيامي، فما عيش من لا يسر ~~بأخ شفيق، ولا يصطبح في أول نهاره، إلا برؤية من يكرهه، ويغمه بطلعته؛ فقد ~~طالت الغمة، وواظبت الكربة، وادلهمت الظلمة؛ وخمد السراج، وتباطأ ~~الانفراج. # وصف الجاحظ لقريش وبني هاشم # قد علم الناس كيف كرم قريش وسخاؤها، وكيف عقولها ودهاؤها؛ وكيف رأيها ~~وذكاؤها، وكيف سياستها وتدبيرها؛ وكيف إيجازها وتحسيرها، وكيف رجاحة أحلامها إذا ~~خف الحليم، وحدة أذهانها إذا كل الحديد؛ وكيف صبرها عند اللقاء، وثباتها في ~~اللأواء؛ وكيف وفاؤها إذا استحسن الغدر؛ وكيف جودها إذا حب المال؛ وكيف ذكرها ~~لأحاديث غد، وقلة صدودها عن جهة القصد؛ وكيف إقرارها بالحق وصبرها عليه؛ وكيف ~~وصفها له ودعاؤها إليه؛ وكيف سماحة أخلاقها، وصونها لأعراقها؛ وكيف وصلوا قديمهم ~~بحديثهم، وطريفهم بتليدهم؛ وكيف أشبه علانيتهم سرهم، وقولهم فعلهم، وهل سلامة صدر ~~أحدهم إلا على قدر بعد غديره؟! وهل غفلته إلا في وزن صدق ظنه؟! وهل ظنه إلا كيقين ~~غيره؟! # وكتب في الاعتذار # أما بعد، فنعم البديل من الزلة الاعتذار، وبئس العوض من التوبة الإصرار، ~~وإن أحق من عطفت عليه بحلمك من لم يستشفع إليك بغيرك، وإنني بمعرفتي بمبلغ ~~حلمك وغاية عفوك، ضمنت لنفسي العفو من زلتها عندك، وقد مسني من الألم ما لم ~~يشفه غير مواصلتك. # وله في الاستعطاف # ليس عندي - أعزك الله - سبب ولا أقدر على شفيع، إلا ما طبعك الله عليه من الكرم ~~والرحمة والتأميل، الذي لا يكون إلا من نتاج حسن الظن وإثبات الفضل بحال المأمول. ~~وأرجو أن تكون من الشاكرين فتكون خير ms802 معتب، وأكون أفضل شاكر، ولعل الله يجعل هذا ~~الأمر سببا لهذا الإنعام، وهذا الإنعام سببا للانقطاع إليكم والكون تحت أجنحتكم، ~~فيكون لا أعظم بركة، ولا أنمى بقية من ذنب أصبحت فيه، وبمثلك - جعلت فداك - عاد ~~الذنب وسيلة، والسيئة حسنة، ومثلك من انقلب به الشر خيرا والغرم غنما. # من عاقب فقد أخذ حظه، وإنما الأجر في الآخرة، وطيب الذكر في الدنيا، على قدر ~~الاحتمال وتجرع المرائر. وأرجو ألا أضيع وأهلك فيما بين كرمك وعقلك، وما أكثر ~~من يعفو عمن صغر ذنبه وعظم حقه، وإنما الفضل والثناء العفو عن عظيم الجرم ~~ضعيف الحرمة، وإن كان العفو عظيما مستطرفا من غيركم فهو تلاد فيكم، حتى ربما ~~دعا ذلك كثيرا من الناس إلى مخالفة أمركم، فلا أنتم عن ذلك تنكلون، ولا على ~~سالف إحسانكم تندمون، وما مثلكم إلا كمثل عيسى ابن مريم - عليه السلام - حين كان ~~لا يمر بملأ من بني إسرائيل إلا أسمعوه شرا وأسمعهم خيرا، فقال له شمعون الصفا: ~~ما رأيت كاليوم كلما أسمعوك شرا أسمعتهم خيرا؟ فقال: كل امرئ ينفق مما عنده، ~~وليس عندكم إلا الخير ولا في أوعيتكم إلا الرحمة، «وكل إناء بالذي فيه ~~ينضح». # وله في ذم الحسد # الحسد - أبقاك الله - داء ينهك الجسد، علاجه عسير، وصاحبه ضجر، وهو باب ~~غامض، وما ظهر منه فلا يداوى وما بطن منه فمداويه في عناء، ولذلك قال النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «دب إليكم داء الأمم من قبلكم: الحسد والبغضاء.» الحسد عقيد الكفر، ~~وحليف الباطل، وضد الحق، منه تتولد العداوة، وهو سبب كل قطيعة ومفرق كل جماعة، ~~وقاطع كل رحم من الأقرباء، ومحدث التفرق بين القرناء، وملقح الشر بين ~~الحلفاء. # دفاع الجاحظ عن مؤلفاته # وقد ذكر الجاحظ جل مؤلفاته في كتاب «الحيوان»، ودافع عنها بعد أن وصفها ~~فقال: # 39 # جنبك الله الشبهة، وعصمك من الحيرة، وجعل بينك وبين المعرفة ~~نسبا، وبين الصدق سببا، وحبب إليك التثبت، وزين في عينك الإنصاف، وأذاقك ~~حلاوة التقوى، وأشعر قلبك عز الحق، وأودع صدرك برد اليقين، وطرد ms803 عنك ذل الطمع، ~~وعرفك ما في الباطل من الذلة، وما في الجهل من القلة. ولعمري لقد كان غير ~~هذا الدعاء أصوب في أمرك، وأدل على مقدار وزنك، وعلى الحال التي وضعت نفسك فيها، ~~ووسمت عرضك بها، ورضيتها لدينك حظا، ولمروءتك شكلا؛ فقد انتهى إلي ميلك على ~~أبي إسحاق، وحملك علي، وطعنك على معبد، وتنقصك له في الذي كان جرى بينهما في ~~مساوي الديك ومحاسنه، وفي ذكر منافع الكلب ومضاره؛ والذي خرجا إليه من استقصاء ذلك ~~وجمعه، ومن تتبعه ونظمه، ومن الموازنة بينهما، والحكم فيهما. # ثم عبتني بكتاب حيل اللصوص، وكتاب غش الصناعات؛ وعبتني بكتاب الملح ~~والطرف، وما حر من النوادر وبرد، وعاد باردها حارا بفرط برده، حتى أمتع ~~بأكثر من أمتاع الحار؛ وعبتني بكتاب احتجاجات البخلاء، ومناقضتهم للسمحاء، والقول ~~في الفرق بين الصدق إذا كان ضارا في العاجل، والكذب إذا كان نافعا في الآجل، ~~ولم جعلنا الصدق أبدا محمودا، والكذب أبدا مذموما، والفرق بين الغيرة ~~وإضاعة الحرمة، وبين الإفراط في الحمية والأنفة، وبين التقصير في حفظ حق ~~الحرمة، وقلة الاكتراث بسوء القالة؛ وهل الغيرة اكتساب وعادة، وبعض ما يعرض من ~~جهة الديانة، ولبعض التزيد فيه والتحسن به، أو يكون ذلك شيئا في طبع الحرية ~~وحقيقة الجوهرية، ما كانت العقول سليمة، والآفات منفية، والأخلاط معتدلة؛ ~~وعبتني بكتاب الصرحاء والهجناء، ومفاخرة السودان والحمران، والموازنة بين حق ~~الخئولة والعمومة؛ وعبتني بكتاب الزرع والنخل، والزيتون والأعناب، وأقسام فضول ~~الصناعات، ومراتب التجارات؛ وبكتاب فضل ما بين الرجال والنساء، وفرق ما بين الذكور ~~والإناث، وفي أي موضع يغلبن ويفضلن، وفي أي موضع يكن المغلوبات والمفضولات، ~~ونصيب أيهما في الولد أوفر، وفي أي موضع يكون حقهن أوجب، وأي عمل هو بهن أليق، ~~وأي صناعة هن فيها أبلغ. # وعبتني بكتاب القحطانية وكتاب العدنانية في الرد على القحطانية، وزعمت أني ~~تجاوزت فيه حد الحمية، إلى حد العصبية، وأني لم أصل إلى تفضيل العدنانية إلا ~~بتنقص القحطانية؛ وعبتني بكتاب العرب والموالي، وزعمت أني بخست الموالي ~~حقوقهم، كما أني أعطيت العرب ms804 ما ليس لهم؛ وعبتني بكتاب العرب والعجم، وزعمت أن ~~القول في فرق ما بين العرب والعجم هو القول في فرق ما بين الموالي والعرب، ~~ونسبتني إلى التكرار والترداد، وإلى التكثير والجهل بما في المعاد من الخطل، وحمل ~~الناس المؤن؛ وعبتني بكتاب الأصنام، وبذكر اعتلالات الهند لها، وسبب عبادة العرب ~~إياها، وكيف اختلفا في جهة العلة مع اتفاقهما على جملة الديانة، وكيف صار عباد ~~البددة # 40 # والمتمسكون بعبادة الأوثان المنحوتة، والأصنام المنجورة، أشد الناس ~~إلفا لما دانوا به، وشغفا بما تعبدوا له، وأظهرهم جدا، وأشدهم على من خالفهم ~~ضغنا، وبما دانوا صبابة وعجبا، وما الفرق بين البد والوثن، وما الفرق بين ~~الوثن والصنم، وما الفرق بين الدمية والجثة، ولم صوروا في محاريبهم وبيوت ~~عباداتهم صور عظمائهم ورجال دعوتهم، ولم تأنقوا في التصوير، وتجردوا في إقامة ~~التركيب، وبالغوا في التحسين والتفخيم، وكيف كانت أولية تلك العبادات، وكيف افترقت ~~تلك النحل، ومن أي شيء كانت خدع تلك السدنة، وكيف لم يزالوا أكثر الأصناف ~~عددا، وكيف شمل ذلك المذهب الأجناس المختلفة! # وعبتني بكتاب المعادن، والقول في جواهر الأرض، وفي اختلاف أجناس الفلز، ~~والإخبار عن ذائبها وجامدها، ومخلوقها ومصنوعها، وكيف يسرع الانقلاب إلى بعضها ~~ويبطئ عن بعضها، وكيف صار بعض الألوان يصبغ ولا ينصبغ، وبعضها ينصبغ ولا يصبغ، ~~وبعضها يصبغ وينصبغ، وما القول في الإكسير والتلطيف؛ وعبتني بكتاب فرق ما ~~بين هاشم وعبد شمس، وبكتاب فرق ما بين الجن والإنس، وفرق ما بين الملائكة ~~والجن، وكيف القول في معرفة الهدهد واستطاعة العفريت، وفي الذي كان عنده علم من ~~الكتاب، وما ذلك العلم، وما تأويل قولهم: كان عنده اسم الله الأعظم؛ وعبتني ~~بكتاب الأوفاق والرياضات، وما القول في الأرزاق والإنفاقات، وكيف أسباب التثمير ~~والترقيح # 41 # وكيف تجتلب التجار الحرفاء، وكيف الاحتيال للودائع، وكيف التسبب ~~إلى الوصايا، وما الذي يوجب لهم التعديل، ويصرف إليهم باب حسن الظن، وكيف ذكرنا ~~غش الصناعات والتجارات، وكيف التسبب إلى تعرف ما قد ستروا، وكشف ما موهوا، ~~وكيف باب الاحتراس منه والسلامة ms805 من أهله! وعبتني برسائلي، وبكل ما كتبت به إلى ~~إخواني وخلطائي من مزح وجد، ومن إفصاح وتعريض، ومن تغافل وتوقيف، ومن ~~هجاء لا يزال وسمه باقيا، ومديح لا يزال أثره ناميا، ومن ملح تضحك، ومواعظ ~~تبكي؛ وعبتني برسائلي الهاشميات، واحتجاجي فيها، واستقصائي معانيها، وتصويري لها ~~في أحسن صورة، وإظهاري لها في أتم حلية، وزعمت أني قد خرجت من حد المعتزلة ~~إلى حد الزيدية، ومن حد الاعتدال في التشيع والاقتصاد فيه إلى حد السرف ~~والإفراط فيه، وزعمت أن مقالة الزيدية خطبة مقالة الرافضة، ومقالة الرافضة خطبة ~~مقالة الغالية، وزعمت أن في أصل القضية، والذي جرت عليه العادة أن كل كبير فأوله ~~صغير، وأن كل كثير فإنما هو قليل جمع إلى قليل، وأنشدت قول الراجز: # قد يلحق الصغير بالجليل # وإنما القرم من الأفيل # 42 # وسحق النخل من الفسيل # وأنشدت قول الشاعر: # رب كبير هاجه صغير # وفي البحور تغرق البحور # وقلت وقال يزيد بن الحكم: # واعلم بني فإنه # بالعلم ينتفع العليم # إن الأمور دقيقها # مما يهيج له العظيم # وقلت وقال الآخر: # صار جدا ما مزحت به # رب جد ساقه اللعب # وأنشدت قول الآخر وهو عنترة: # 43 # ما تنظرون بحق وردة فيكم # تقضى الأمور ورهط وردة غيب # قد يبعث الأمر الكبير صغيره # حتى تظل له الدماء تصبب # وقالت كبشة بنت معد يكرب: # جدعتم بعبد الله آنف قومه # بني مازن أن سب راعي المخزم # وقال الآخر: # أية نار قدح القادح # وأي جد بلغ المازح # وتقول العرب: «العصى من العصية ولا تلد الحية إلا حيية.» وعبت ~~كتابي في خلق القرآن، كما عبت كتابي في الرد على المشبهة؛ وعبت كتابي في ~~أصول الفتيا والأحكام، كما عبت كتابي في الاحتجاج لنظم القرآن، وغريب تأليفه، ~~وبديع تركيبه؛ وعبت معارضتي الزيدية، وتفضيلي الاعتزال على كل نحلة، كما ~~عبت كتابي في الوعد والوعيد، وكتابي على النصارى واليهود؛ ثم عبت جملة كتبي ~~في المعرفة، والتمست تهجينها بكل حيلة، وصغرت من شأنها، وحططت من قدرها، واعترضت ~~على ناسخيها والمنتفعين بها. # وعبت كتاب الجوابات ms806 وكتاب الرسائل، وكتاب الرد على أصحاب الإلهام، وكتاب الحجة ~~في تثبيت نبوة النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وكتاب الأخبار؛ ثم عبت كتابي إنكاري بصيرة غنام ~~المرتد، وبصيرة كل جاحد وملحد، وتفريقي بين اعتزام الغمر # 44 # وبين استبصار المحق؛ وعبت كتاب الرد على الجهمية في الإدراك، وفي ~~قولهم في الجهالات، وكتاب الفرق ما بين النبي والمتنبي، والفرق بين الحيل ~~والمخاريق، وبين الحقائق الظاهرة والأعلام القاهرة؛ ثم قصدت إلى كتابي هذا بالتصغير ~~لقدره، والتهجين لنظمه، والاعتراض على لفظه ، والتحقير لمعانيه فزريت على نحته ~~وسبكه، كما زريت على معناه ولفظه، ثم طعنت في الغرض الذي إليه نزعنا، والغاية التي ~~إليها أجرينا، # 45 # وهنا كتاب معناه أنبه من اسمه، وحقيقته آنق من لفظه، هو كتاب يحتاج ~~إليه المتوسط العامي، كما يحتاج إليه العالم الخاصي، ويحتاج إليه الريض، ~~كما يحتاج إليه الحاذق. # أما الريض فللتعلم والدربة، وللترتيب والرياضة، وللتمرين وتمكين العادة، إذ ~~كان جليله يتقدم دقيقه، وإذ كانت مقدماته مرتبة، وطبقات معانيه منزلة؛ وأما ~~الحاذق فلكفاية المئونة، ولأن كل من التقط كتابا جامعا، وبابا من أمهات العلم ~~مجموعا كان له غنمه، وعلى مؤلفه غرمه، وكان له نفعه، وعلى صاحبه كده، مع ~~تعرضه لمطاعن البغاة، ولاعتراض المنافسين، ومع عرضه عقله المكدود على العقول ~~الفارغة، ومعانيه على الجهابذة، وتحكيمه فيه المتأولين والحسدة، ومتى ظفر بمثله ~~صاحب علم، أو هجم عليه طالب فقه، وهو وادع رافه، ونشيط جام، ومؤلفه متعب ~~مكدود، فقد كفي مئونة جمعه، وخزنه وتتبعه، وطلبه، وأغناه ذلك عن طول ~~التفكير، واستنفاد العمر، وفل الحد، وأدرك أقصى حاجته، وهو مجتمع القوة، وعلى أن ~~له عند ذلك أن يجعل هجومه عليه ضربا من التوفيق، وظفره به بابا من ~~التسديد. ~~(وهذا كتاب) تستوي فيه رغبة الأمم، وتتشابه فيه العرب والعجم؛ لأنه وإن كان ~~عربيا أعرابيا، وإسلاميا جماعيا، فقد أخذ من طرف الفلسفة، وجمع بين ~~معرفة السماع وعلم التجربة، وأشرك بين علم الكتاب والسنة، وبين وجدان الحاسة وإحساس ~~الغريزة، ويشتهيه الفتيان كما يشتهيه الشيوخ، ويشتهيه الفاتك كما يشتهيه الناسك، ms807 ~~ويشتهيه اللاعب ذو اللهو كما يشتهيه الجدي ذو الحزم، ويشتهيه الغفل كما يشتهيه ~~الأديب، ويشتهيه الغبي كما يشتهيه الفطن؛ وعبتني بحكاية قول العثمانية ~~والضرارية وأنت تسمعتني أقول في أول كتابي: وقالت العثمانية والضرارية، وكما ~~سمعتني أقول: وقالت الرافضة والزيدية؛ فحكمت علي بالنصب لحكايتي قول العثمانية، ~~فهلا حكمت علي بالتشيع لحكايتي قول الرافضة، وهلا كنت عندك من الغالية ~~لحكايتي حجج الغالية، كما كنت عندك من الناصبة لحكايتي قول الناصبة، وقد حكينا في ~~كتابنا قول الإباضية والصفرية، كما حكينا أقاويل الأزارقة والنجدية، وعلى هذه ~~الأركان الأربعة بنيت الخارجية، وكل اسم سواها فإنما هو فرع ونتيجة واشتقاق منها، ~~ومحمول عليها، فهلا كنا عندك من المحكمة الخارجة، كما صرنا عندك من الضرارية ~~والناصبة! وكيف رضيت بأن تكون الشيعة إلى أعراض الناس أسرع من المارقة! اللهم إلا ~~أن تكون وجدت حكايتي عن العثمانية والضرارية أشبع وأجمع، وأتم وأحكم وأجود صنعة، ~~وأبعد غاية، ورأيتني قد وهنت حق أوليائك بقدر ما قويت باطل أعدائك، ولو كان ~~ذلك كذلك لكان شاهدك من الكتاب حاضرا، وبرهانك على ما ادعيت واضحا. # وعبتني بكتاب العباسية، فهلا عبتني بحكاية مقالة من ادعى وجوب الإمامة، ومن ~~يرى الامتناع من طاعة الأئمة الذين زعموا أن ترك الناس سدى بلا قيم أرد ~~عليهم، وهملا بلا راع أربح لهم، وأجدر أن يجمع لهم ذلك بين سلامة العاجل وغنيمة ~~الآجل، وأن تركهم نشرا لا نظام لهم أبعد لهم من المفاسد، وأجمع لهم على ~~المراشد! بل ليس ذلك بك، ولكنه لما بهرك ما سمعت، وملأ صدرك الذي قرأت، وأبعلك ~~وأبطرك، فلم تتجه للحجة وهي لك معرضة، ولم تعرف المقاتل وهي لك بادية، ~~ولم تعرف باب المخرج إذ جهلت باب المدخل، ولم تعرف المصادر إذ جهلت الموارد؛ ~~ورأيت أن سب الأولياء أشفى لدائك، وأبلغ في شفاء سقمك؛ ورأيت أن إرسال اللسان ~~أحضر لذة، وأبعد من النصب، ومن إطالة الفكرة، ومن الاختلاف إلى أرباب هذه ~~الصناعة؛ ولو كنت حين فطنت لعجزك وصلت نقصك بتمام غيرك، واستكفيت من هو موقوف ~~على ms808 كفاية مثلك، وحبيس على تقويم أشباهك، كان ذلك أزين في العاجل، وأحق بالمثوبة ~~في الآجل، وكنت إن أخطأتك الغنيمة لم تخطئك السلامة، ولقد سلم عليك المخالف، ~~بقدر ما ابتلي به منك الموافق؛ وعلى أنه لم يبتل منك إلا بقدر ما ألزمته من ~~مئونة تثقيفك، والتشاغل بتقويمك؛ وهل كنت في ذلك إلا كما قال العربي: وهل يضر ~~السحاب نبح الكلاب؟ وإلا كما قال الشاعر: # هل يضر البحر أمسى زاخرا # أن رمى فيه غلام بحجر # وهل حالنا في ذلك إلا كما قال الأول: # ما ضر تغلب وائل أهجوتها # أم بلت حيث تناطح البحران # وقال حسان: # ما أبالي أنب بالحزن تيس # أم لحاني بظهر غيب لئيم # وما أشك أنك قد جعلت طول إعراضنا عنك مطية لك، ووجهت حلمنا عنك إلى الخوف ~~منك، وقد قال زفر بن الحارث لبعض من لم ير حق الصفح فجعل العفو سببا إلى سوء ~~القول: # فإن عدت والله الذي فوق عرشه # منحتك مسنون الغرارين أزرقا # فإن دواء الجهل أن تضرب الطلى # 46 # وأن يغمس العريض # 47 # حتى يغرقا # وقال الأول: # وما نفى عنك قوما أنت خائفهم # كمثل وقمك جهالا بجهال # فاقعس إذا حدبوا واحدب إذا قعسوا # ووازن الشر مثقالا بمثقال # وقال الآخر: # وضغائن داويتها بضغائن # حتى يمتن وبالحقود حقودا # وإني وإن لم يكن عندي سنان زفر بن الحارث، ولا معارضة هؤلاء: الشر بالشر، ~~والجهل بالجهل، والحقد بالحقد، فإن عندي ما قال المسعودي: # فمسا تراب الأرض منها خلقتما # وفيها المعاد والمصير إلى الحشر # ولا تعجبا أن ترجعا فتسلما # فما حشي الأقوام شرا من الكبر # فلو شئت أدلى فيكما غير واحد # علانية أو قال عندي في ستر # فإن أنا لم آمر ولم أنه عنكما # ضحكت # 48 # له حتى يلج ويستشري # وقال النمر بن تولب: # جزى الله عني حمزة بنة نوفل # جزاء مغل بالأمانة كاذب # بما خبرت عني الوشاة ليكذبوا # علي وقد أوليتها في النوائب # يقول: أخرجت خبري إلى من يشتهي أن أعاب عندها. # ولو شئنا لعارضناك من القول بما هو أقبح ms809 أثرا، وأبقى وسما، وأصدق قيلا، وأعدل ~~شاهدا؛ وليس كل من ترك المعارضة فقد صفح، كما أنه ليس كل من عارض فقد انتصر، وقد ~~قال الشاعر قولا إن فهمته كفيتنا مئونة المعارضة، وكفيت نفسك لزوم العار، وهو ~~قوله: # إن كنت لا ترهب ذمي لما # تعرف من صفحي عن الجاهل # فاخش سكوتي آذنا منصتا # فيك لمسموع خنا القائل # فالسامع الذم مقر به # كالمطعم المأكول للآكل # مقالة السوء إلى أهلها # أسرع من منحدر سائل # ومن دعى الناس إلى ذمه # ذموه بالحق وبالباطل # فلا تهج إن كنت ذا إربة # حزب أخي التجربة العاقل # فإن ذا العقل إذا هجته # هجت به ذا خبل خابل # يبصر في عاجل شداته # عليك غب الضرر الأجل # وقد يقال: إن العفو يفسد من اللئيم بقدر إصلاحه من الكريم؛ وقد قال ~~الشاعر: # والعفو عند لبيب القوم موعظة # وبعضه لسفيه القوم تدريب # فإن كنا قد أسأنا في هذا التقريع والتوقيف، فالذي لم يأخذ فينا بحكم القرآن، ولا ~~بأدب الرسول - عليه الصلاة والسلام - ولم يفزع إلى ما في الفطن الصحيحة، أو إلى ~~ما توجبه المقاييس المطردة، والأمثال المضروبة، والأشعار السائرة، أولى ~~بالإساءة، وأحق باللائمة، قال الله جل ثناؤه: # وإبراهيم ~~الذي وفى * ألا تزر وازرة وزر ~~أخرى ~~، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تجن يمينك على ~~شمالك.» وهذا حكم الله جل وعز، وآداب رسوله، والذي أنزل به الكتاب، ودل عليه ~~في حجج العقول. # أخذ البريء بذنب المذنب # ثم قال في أخذ البريء بذنب المذنب: فأما ما قالوا في المثل المضروب: «رمتني ~~بدائها وانسلت.» وأما قول الشعراء وذم الخطباء لمن أخذ إنسانا بذنب غيره، وما ~~ضربوا في ذلك من الأمثال، كقول النابغة حيث يقول في شعره: # وكلفتني ذنب امرئ وتركته # كذي العر يكوى غيره وهو راتع # وكانوا إذا أصاب إبلهم العر كووا السليم ليذهب العر عن السقيم فأسقموا ~~الصحيح من غير أن يبرئوا السقيم، وكانوا إذا كثرت إبل أحدهم فبلغت الألف ~~فقئوا عين الفحل، فإن زادت الإبل على الألف فقئوا عينه الأخرى، فذلك المفقأ ms810 ~~والمعمى اللذان سمعت بهما قال الفرزدق: # غلبتك بالمفقأ والمعمى # 49 # وبيت المجتبي # 50 # والخافقات # وكانوا يزعمون أن المفقأ يطرد عنها العين والسواف # 51 # والغارة، فقال الأول: # فقأت لها عين الفحيل تعيفا # وفيهن رعلاء # 52 # المسامع والحام # الرعلاء: التي تشق أذنها وتترك مدلاة لكرمها. # وكانوا يقولون في موضع الكفارة والأمنية، كقول الرجل: إذا بلغت إبلي كذا ~~وكذا، وكذلك غنمي ذبحت عند الأوثان كذا وكذا عتيرة، والعتيرة: من نسك الرجبية، ~~والجمع عتائر، والعتائر من الشاء، فإذا بلغت إبل أحدهم أو غنمه ذلك العدد استعمل ~~التأويل وقال : إنما قلت: إني أذبح كذا وكذا شاة، والظباء: شاء، كما أن الغنم شاء، ~~فجعل ذلك القربان كله مما يصيد من الظباء، فلذلك يقول الحارث بن حلزة ~~اليشكري: # عننا باطلا شدوخا # 53 # كما تع # تر عن حجرة الربيض الظباء # بعد أن قال: # أم علينا جناح كندة أن يغ # م غازيهم ومنا الجزاء # وكانوا إذا أوردوا البقر فلم تشرب، إما لكدر الماء وإما لقلة العطش، ضربوا ~~الثور ليقتحم الماء؛ لأن البقر تتبعه كما تتبع الشول الفحل، وكما تتبع أتن ~~الوحش الحمار، فقال في ذلك عوف بن الخرع: # تمنت طيىء جهلا وجبنا # وقد خاليتهم فأبوا خلائي # هجوني أن هجوت جبال سلمى # كضرب الثور للبقر الظماء # وقال في ذلك أنس بن مدركة في قتله سليك بن السلكة: # إني وقتلي سليكا ثم أعقله # كالثور يضرب لما عافت البقر # أنفت # 54 # للمرء إذ تغشى حليلته # وإذ # 55 # يشد على وجعائها الثفر # 56 # وقال الهيبان الفهمي: # كما ضرب اليعسوب أن عاف باقر # وما ذنبه أن عافت الماء باقر # ولما كان الثور أمير البقر، وهي تطيعه كطاعة إناث النحل لليعسوب، سماه باسم ~~أمير النحل. # وكانوا يزعمون أن الجن هي التي تصد الثيران عن الماء حتى تمسك البقر عن الشرب ~~حتى تهلك؛ وقال في ذلك الأعشى: # وإني وإن كلفتموني وربكم # لأعلم من أمسى أحق وأحوبا # لكالثور والجني يضرب ظهره # وما ذنبه أن عافت الماء مشربا # وما ذنبه أن عافت الماء باقر # وما إن تعاف الماء ms811 إلا لتضربا # كأنه قال: إذ كان يضرب أبدا لأنها عافت الماء، فكأنها إنما عافت الماء ليضرب؛ ~~وقال يحيى بن منصور الذهلي في ذلك: # لكالثور والجني يضرب وجهه # وما ذنبه إن كانت الجن ظالمه # وقال نهشل بن جري: # أتترك عارض وبنو عدي # وتغرم دارم وهم براء # كدأب الثور يضرب بالهراوى # إذا ما عافت البقر الظماء # وكيف تكلف الشعرى سهيلا # وبينهما الكواكب والسماء # وقال أبو نويرة بن حصين حين أخذه الحكم بن أيوب بذنب العطرق: # أبا يوسف لو كنت تعلم طاعتي # ونصحي إذا ما بعتني بالمحلق # ولا ساق سراق العرافة صالح # بني ولا كلفت ذنب العطرق # وقال خداش بن زهير حين أخذ بدماء بني محارب: # أكلف قتلى معشر لست منهم # ولا دارهم داري ولا نصرهم نصري # أكلف قتلى العيص عيص شواحط # وذلك أمر لم تشف له قدري # وقال الآخر: # إذا عركت عجل بنا ذنب طيئ # عركنا بتيم اللات ذنب بني عجل # ولما وجد اليهودي أخا حنبص الضبابي في منزله فخصاه فمات، وأخذ حنبص بني عبس ~~بجناية اليهودي، قال قيس بن زهير: أتأخذنا بذنب غيرنا، وتسألنا العقل، والقاتل ~~يهودي من أهل تيماء؟ قال: والله لو قتله هيف الريح لوديتموه. فقال قيس لبني عبس: ~~الموت في بني ذبيان خير لكم من الحياة في بني عامر. ثم أنشأ يقول: # أكلف ذا الخصيين إن كان ظالما # وإن كنت مظلوما وإن كنت شاطنا # خصاه امرؤ من أهل تيماء طابن # ولا يعدم الإنسي والجن طابنا # فهلا بني ذبيان أمك هابل # رهنت بهيف الريح إن كنت راهنا # إذا قلت قد أفلت من شر حنبص # أتاني بأخرى شره متباطنا # فقد جعلت أكبادنا تجتويكم # كما تجتوي سوق العضاه الكرازنا # ولما قتل لقمان بن عاد ابنته وهي صحر بنت لقمان قال حين قتلها: ألست امرأة؟ ~~وذلك أنه تزوج عدة نساء وكلهن خنه في أنفسهن، فلما قتل أخراهن ونزل من الجبل ~~كان أول من تلقاه صحر ابنته، فوثب عليها فقتلها، وقال وأنت أيضا امرأة؛ وكان ~~قد ابتلي أيضا بأن أخته كانت محمقة، وكذلك ms812 كان زوجها، فقالت لإحدى نساء لقمان: ~~هذه ليلة طهري وهي ليلتك، فدعيني أنم في مضجعك، فإن لقمان رجل منجب، فعسى أن يقع ~~علي فأنجب، فوقع على أخته فحملت بلقيم. وفي ذلك قول النمر بن تولب: # لقيم بن لقمان من أخته # فكان ابن أخت له وابنما # ليالي حمق فاستحصنت # عليه فغر بها مظلما # فأحبلها رجل محكم # 57 # فجاءت به رجلا محكما # فضربت العرب في ذلك المثل بقتل لقمان بنته صحرا، فقال خفاف بن ندبة في ~~ذلك: # وعباس يدب لي المنايا # وما أذنبت إلا ذنب صحر # وقال في ذلك ابن أذينة : # أتجمع تهياما بليلى إذا نأت # وهجرانها ظلما كما ظلمت صحر # وقال الحارث بن عباد: # قربا مربط النعامة مني # لقحت حرب وائل عن حيال # لم أكن من جناتها علم الل # ه وإني بحرها اليوم صالي # وقال الشاعر - وأظنه ابن المقفع: # فلا تلم المرء في شأنه # فرب ملوم ولم يذنب # وقال آخر: # لعل له عذرا وأنت تلوم # وكم لائم قد لام وهو مليم # وقال بعض العرب في قتل بعض الملوك سنمار الرومي: فإنه لما علا الخورنق، ورأى ~~بنيانا لم ير مثله، ورأى ذلك المستشرف، وخاف إن هو استبقاه أن يموت فيبني مثل ~~ذلك البنيان لملك آخر، فأمر به فرمي من فوق القصر، فقال في ذلك الكلبي في شيء كان ~~بينه وبين بعض الملوك: # جزاني جزاه الله شر جزائه # جزاء سنمار وما كان ذا ذنب # سوى رصه البنيان سبعين حجة # يعلى عليه بالقراميد والسكب # فلما رأى البنيان تم سحوقه # وآض كمثل الطود ذي الباذخ الصعب # فظن سنمار به كل حبوة # وفاز لديه بالمودة والقرب # فقال اقذفوا بالعلج من رأس شاهق # فذاك لعمر الله من أعظم الخطب # وجاء المسلمون يروي خلف عن سلف، وتابع عن سابق، وآخر عن أول، أنهم ~~لم يختلفوا في عيب قول الحجاج: لآخذن السمي بالسمي والولي بالولي، ~~والجار بالجار. ولم يختلفوا عن لعن شاعرهم حيث يقول: # إذا أخذ البريء بغير جرم # تجنب ما يحاذره السقيم # قال: وقيل لعمرو بن عبيد: إن ms813 فلانا لما قدم رجلا ليضرب عنقه فقيل له: إنه ~~مجنون، قال: لولا أن المجنون يلد عاقلا لخليت سبيله. قال: فقال عمرو: وما خلق ~~الله النار إلا بالحق. # ولما قالت التغلبية للجحاف بن حكيم في وقعة البشر: فص الله عمادك، وأطال ~~سهادك، وأقل رمادك، فوالله إن قتلت إلا نساء أسافلهن دمي، وأعاليهن ثدي. فقال ~~لمن حوله: لولا أن تلد هذه مثلها لخليت سبيلها! فبلغ ذلك الحسن فقال: إن الجحاف ~~جذوة من نار جهنم. قال وذم رجل عند الأحنف بن قيس الكمأة بالسمن، فقال عند ذلك ~~الأحنف: رب ملوم لا ذنب له؛ فبهذه السيرة سرت فينا؛ وما أحسن ما قال سعيد بن ~~عبد الرحمن بن حسان: # وإن امرأ يمسي ويصبح سالما # من الناس إلا ما جنى لسعيد # وقلت: وما بال أهل العلم والنظر، وأصحاب الفكر والعبر، وأرباب النحل، والعلماء ~~بمخارج الملل، وورثة الأنبياء، وأعوان الخلفاء، يكتبون كتب الظرفاء والملحاء، وكتب ~~الفراغ والخلعاء، وكتب الملاهي والفكاهات، وكتب أصحاب الخصومات والمراء، وكتب ~~أصحاب العصبية، وحمية الجاهلية، حتى كأنهم لا يحاسبون أنفسهم، ولا يوازنون بين ما ~~عليهم ولهم، ولا يخافون تصفح العلماء، ولا لائمة الأدباء وشنف الأكفاء، ومساءة ~~الجلساء؛ فهلا أمسكت - رحمك الله - عن عيبنا، والطعن عليها، وعن المشورة ~~والموعظة، وعن تخويف ما فيه سوء العاقبة إلى أن تبلغ حال العلماء، ومراتب ~~الأكفاء. # أقسام البيان # وبعد أن تكلم في تقسيم العالم إلى ثلاثة أقسام، وذكر أقسام الحيوان، قال في أقسام ~~البيان: # ووجدنا الحكمة على ضربين: شيء جعل حكمة وهو لا يعقل الحكمة ولا ~~عاقبة الحكمة، وشيء جعل حكمة وهو يعقل الحكمة وعاقبة الحكمة، فاستوى بدن ~~الشيء العاقل وغير العاقل في جهة الذلالة على أنه حكمة، واختلفا من جهة ~~أن أحدهما دليل لا يستدل، والآخر دليل يستدل، فكل مستدل دليل، وليس كل ~~دليل مستدلا، فشارك كل الحيوان سوى الإنسان جميع الجماد في الدلالة وفي ~~عدم الاستدلال، واجتمع للإنسان بأن كان دليلا مستدلا، ثم جعل للمستدل ~~سبب يدل به على وجوه استدلاله، ووجوه ما نتج له الاستدلال، ms814 وسموا ذلك ~~بيانا؛ وجعل ذلك البيان على أربعة أقسام: لفظ وخط وعقد وإشارة، وجعل ~~بيان الدليل الذي لا يستدل تمكينه المستدل من نفسه واقتياده كل من فكر فيه ~~إلى معرفة ما استخزن من البرهان، وحشي من الدلالة، وأودع من عجيب الحكمة؛ ~~فالأجسام الخرس الصامتة ناطقة من جهة الدلالة، ومعربة من جهة صحة ~~الشهادة، على أن الذي فيها من التدبير والحكمة تلوحان لمن استخبرهما، ~~وينطقان لمن استنطقهما كما يخبر الهزال وكمود اللون عن سوء الحال، وكما ~~ينطق السمن والنضرة عن حسن الحال، وقد قال الشاعر: # فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله # ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب # وقال آخر: # متى تك في عدو أو صديق # تخبرك العيون عن القلوب # وقد قال العكلي في صدق شمه الذئب، وفي شدة حسه واسترواحه: # يستخبر الريح إذا لم يسمع # بمثل مقراع الصفا الموقع # وقال عنترة وهو يصف نعيب غراب: # حرق الجناح كأن لحيي رأسه # جلمان بالأخبار هش مولع # وقال الفضل بن عيسى بن أبان في قصصه: سل الأرض فقل: من شق أنهارك، ~~وغرس أشجارك، وجنى ثمارك؟ فإن لم تجبك حوارا، أجابتك اعتبارا، فموضوع ~~الجسم ونصبته دليل على ما فيه، وداعية إليه ومنبهة عليه، فالجماد ~~الأبكم الأخرس من هذا الوجه قد شارك في البيان الإنسان الحي الناطق؛ فمن ~~جعل أقسام البيان خمسة فقد ذهب أيضا مذهبا له جواز في اللغة، وشاهد في ~~العقل، فهذا أحد قسمي الحكمة، وأحد معنيي ما استخزنها الله تعالى من ~~الوديعة. # القسمة الأخرى ما أودع صدور صنوف سائر الحيوان من ضروب المعارف، وفطرها ~~على غريب الهدايات، وسخر حناجرها له بضرب النغم الموزونة، والأصوات ~~الملحنة، والمخارج الشجية، والأغاني المطربة، فقد يقال: إن جميع أصواتها ~~معدلة، وموزونة موقعة، ثم الذي سهل لها من الرفق العجيب في الصنعة ~~مما ذلله الله تعالى لمناقيرها وأكفها، وكيف فتح لها من باب المعرفة ~~على قدر ما هيأ لها من الآلة، وكيف أعطى كثيرا منها من الحس اللطيف، ~~والصنعة البديعة عن غير تأديب وتثقيف، وعن غير تقويم وتلقين، وعن غير تدريج ms815 ~~وتمرين، فبلغت بعفوها ومقدار قوى فطرتها من البديه والارتجال، ومن الابتداء ~~والاقتضاب، ما لا يقدر عليه حذاق رجال الرأي، وفلاسفة علماء البشر بيد ~~ولا آلة، بل لا يبلغ ذلك من الناس أكملهم خصالا، وأتمهم حلالا، من جهة ~~الارتجال والاقتضاب ولا من جهة التعسف والاقتدار، ولا من جهة التقديم فيه، ~~والتأتي له؛ والترتيب لمقدماته، وتمكين الأسباب المعينة عليه فصار جهد ~~الإنسان الثاقب الحس، الجامع القوى، المتصرف في الوجوه، المتقدم في ~~الأمور، يعجز عن عفو كثير منها، وينظر إذ نظر إلى ضروب ما يجيء منها كما ~~أعطيت العنكبوت، وكما أعطيت السرفة ، وكما علم النحل، بل عرف ~~التنوط من بديع المعرفة، ومن غريب الصنعة في غير ذلك من أصناف الخلق، ~~ثم لم يوجدهم العجز في أنفسهم في أكثر ذلك إلا عما قوى عليه الهمج ~~والخشاش وصغار الحشرات، ثم جعل الإنسان ذا العقل والتمكين، والاستطاعة ~~والتصريف، وذا التكلف والتجربة، وذا التأتي والمنافسة، وصاحب الادخار ~~والمتفقد لشأن العاقبة متى أحسن شيئا كان كل شيء دونه في الغموض عليه ~~أسهل، وجعل سائر الحيوان وإن كان يحسن أحدها ما لا يحسن أحذق الناس متى ~~أحسن شيئا عجيبا لم يمكنه أن يحسن ما هو أقرب منه في الظن، وأسهل منه في ~~الرأي، بل لا يحسن ما هو أقرب منه في الحقيقة؛ فلا الإنسان جعل نفسه كذلك، ~~ولا شيء من الحيوان اختار ذلك، فأحسنت هذه الأجناس بلا تعلم ما يمتنع ~~على الإنسان، وإن تعلم فصار لا يحاوله إذ كان لا يطمع فيه، ولا يحسدها إذ ~~كان لا يأمل اللحاق بها، ثم جعل تعالى وعز هاتين الحكمتين إزاء عيون ~~الناظرين، وتجاه أسماع المعتبرين، ثم حث على التفكير والاعتبار، وعلى ~~الاتعاظ والازدجار، وعلى التعرف والتبين، وعلى التوقف والتذكر، ~~فجعلها مذكرة منبهة، وجعل الفطر تنشئ الخواطر، وتجول بأهلها في ~~المذاهب، ذلك رب العالمين، سبحان الله رب العالمين. # وهذا كتاب موعظة وتعريف، وتفقه وتنبيه، وأراك قد عبته قبل أن تقف على ~~حدوده، وتتفكر في فصوله، وتتذكر آخره بأوله، ومصادره بموارده، وقد غلطك فيه ms816 ~~بعض ما رأيت في أثنائه من مزح لم تعرف معانيه، ومن بطالة لم تدرك غورها، ~~ولم تدر لم اجتلبت ولأي علة تكلفت، وأي معنى أريغ بها، ولأي جد ~~احتمل ذلك الهزل، ولأية رياضة تجشمت تلك البطالة، ولم تدر أن المزاح ~~جد إذا اجتلب لأن يكون علة للجد، وأن البطالة وقار وزمانة إذا ~~تكلفت لتلك العاقبة، ولما قال الخليل بن أحمد: لا يصل أحد من علم النحو ~~إلى ما يحتاج إليه حتى يتعلم ما لا يحتاج إليه؛ قال أبو شمر: إذا كان لا ~~يصل إلى ما يحتاج إليه إلا بما لا يحتاج إليه فقد صار ما لا يحتاج إليه ~~يحتاج إليه؛ وذلك مثل كتابنا هذا، لأنا إن حملنا جميع من يتكلف قراءة ~~هذا الكتاب على مر الحق، وصعوبة الجد، وثقل المئونة وحقيقة الوقار، لم ~~يصبر عليه مع طوله إلا من قد تجرد للعلم وفهم معناه، وذاق من ثمرته، ~~واستشعر من عزه، ونال من سروره على حسب ما بورت الطول من الكد، والكثرة من ~~السآمة، وما أكثر من يقاد إلى حظه بالسواجير، وبالسوق العنيف، وبالإخافة ~~الشديدة. # مدح الكتب # ثم ذكر فقرات حسانا في مدح الكتب فقال: ثم لم أرك رضيت بالطعن على كل كتاب ~~لي بعينه، حتى تجاوزت ذلك، إلى أن عبت وضع الكتب كيفما دارت بها الحال، وكيف ~~تصرفت بها الوجوه؛ وقد كنت أعجب من عيبك البعض بلا علم، حتى عبت الكل بلا علم؛ ~~ثم جاوزت ذلك إلى التشنيع، ثم تجاوزت التشنيع إلى نصب الحرب، فعبت الكتاب ونعم ~~الذخر والعدة، ونعم الجليس والعمدة، ونعم النشوة والنزهة، ونعم المشتغل والحرفة، ~~ونعم الأنيس ساعة الوحدة، ونعم المعرفة ببلاد الغربة، ونعم القرين والدخيل، ونعم ~~الوزير والنزيل؛ والكتاب وعاء مليء علما، وظرف حشي ظرفا، وإناء شحن ~~مزاحا وجدا؛ إن شئت كان أبين من سحبان وائل، وإن شئت كان أعيا من باقل، وإن شئت ~~ضحكت من بوادره، وإن شئت عجبت من غرائب فوائده، وإن شئت ألهتك نوادره، وإن شئت ~~شجتك مواعظه، ومن لك بواعظ مله، وبزاجر ms817 مغر، وبناسك فاتك، وبناطق أخرس، ~~وببارد حار؛ وفي البارد الحار يقول الحسن بن هانئ: # قل لزهير إذا انتحى وشدا # أقلل أو أكثر فأنت مهدار # سخنت من شدة البرودة حتى # صرت عندي كأنك النار # لا يعجب السامعون من صفتي # كذلك الثلج بارد حار # ومن لك بطبيب # 58 # أعرابي، وبرومي هندي، وبفارسي يوناني، وبقديم مولد، وبميت ممتع؛ ومن ~~لك بشيء يجمع لك الأول والآخر، والناقص والوافر، والخفي والظاهر، والشاهد والغائب، ~~والرفيع والوضيع، والغث والسمين، والشكل وخلافه، والجنس وضده. # وبعد، فمتى رأيت بستانا يحمل في ردن، أو روضة تتقلب في حجر، وناطقا ينطق عن ~~الموتى، ويترجم كلام الأحياء؛ ومن لك بمؤنس لا ينام إلا بنومك، ولا ينطق إلا بما ~~تهوى، آمن من الأرض، وأكتم للسر من صاحب السر، وأضبط للوديعة من أرباب الوديعة، ~~وأحفظ لما استحفظ من الأميين، ومن الأعراب المعربين، بل من الصبيان قبل اعتراض ~~الأشغال، ومن العميان قبل التمتع بتمييز الأشخاص، حين العناية تامة لم تنقص، ~~والأذهان فارغة لم تقتسم، والإرادة وافرة لم تستعب، والطينة لينة فهي أقبل ما ~~تكون للطابع، والقضيب رطب فهو أقرب ما يكون من العلوق، حين هذه الخصال لم يبل ~~جديدها، ولم يفل غربها، ولم تتفرق قواها، وكانت كما قال الشاعر: # أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى # فصادف قلبا فارغا فتمكنا # وقال عبدة # 59 # بن الطبيب: # لا تأمنوا قوما يشب صبيهم # بين القوابل بالعداوة ينشع # هذا مع قولهم: التعلم في الصغر كالنقش في الحجر. وقال جران العود: # تركن برحلة الروحاء حتى # تنكرت الديار على البصير # كوحي في الحجارة أو وشوم # بأيدي الروم باقية النئور # 60 # النئور: شيء كان يعمل في الجاهلية مثل الخضرة اليوم. # وقال آخر وهو صالح بن عبد القدوس: # وإن من أدبته في الصبا # كالعود يسقى الماء في غرسه # حتى تراه مورقا أخضرا # بعد الذي أبصرت من يبسه # وقال آخر: # يقوم من ميل الغلام المؤدب # ولا ينفع التأديب والرأس أشبب # وقال آخر: # أدبت عرسي بعد ما هرمت # ومن العناء رياضة الهرم # وقد قال ذو الرمة ms818 لعيسى بن عمر: اكتب شعري فالكتاب أعجب إلي من الحفظ، إن ~~الأعرابي ينسى الكلمة قد سهرت في طلبها ليلة، فيضع في موضعها كلمة في وزنها ثم ~~ينشدها الناس، والكتاب لا ينسى، ولا يبدل كلاما بكلام. # وعبت الكتاب ولا أعلم جارا أبر، ولا خليطا أنصف، ولا رفيقا أطوع، ولا ~~معلما أخضع، ولا صاحبا أظهر كفاية، ولا أقل جناية، ولا أقل إملالا وإبراما، ولا ~~أقل خلافا وإجراما، ولا أقل غيبة، ولا أبعد من عضيهة، ولا أكثر أعجوبة وتصرفا، ~~ولا أقل صلفا وتكلفا، ولا أبعد من مراء، ولا أترك شغب، ولا أزهد في جدال، ولا ~~أكف عن قتل، من كتاب؛ ولا أعلم قرينا أحسن مواتاة، ولا أعجل مكافأة، ولا أحضر ~~معونة، ولا أخف مئونة، ولا شجرة أطول عمرا، ولا أجمع أمرا، ولا أطيب ثمرة، ولا ~~أقرب مجنى، ولا أسرع إدراكا، ولا أوجد في كل إبان من كتاب؛ ولا أعلم نتاجا في ~~حداثة سنه، وقرب ميلاده، ورخص ثمنه، وإمكان موجوده، يجمع من التدابير العجيبة، ~~والعلوم الغريبة، ومن آثار العقول الصحيحة، ومحمود الأذهان اللطيفة، ومن الحكم ~~الرفيعة، والمذاهب القديمة، والتجارب الحكيمة، ومن الأخبار عن القرون الماضية، ~~والبلاد المتراخية، والأمثال السائرة، والأمم البائدة ما يجمع لك الكتاب. # وقد قال الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام: # اقرأ ~~وربك الأكرم * الذي علم بالقلم ~~. ~~وصف نفسه تبارك وتعالى جده بأن علم بالقلم، كما وصف نفسه بالكرم، واعتد ذلك في ~~نعمه العظام، وفي أياديه الجسام، وقد قالت: القلم أحد اللسانين. وقالوا: كل من ~~عرف فضل النعمة في بيان اللسان كان بفضل النعمة في بيان القلم أعرف؛ ثم جعل هذا ~~الأمر قرآنا، ثم جعله في أول التنزيل، ومستفتح الكتاب، ثم اعلم - يرحمك الله تعالى ~~- أن حاجة بعض الناس إلى بعض صفة لازمة لطبائعهم، وخلقة قائمة في جواهرهم، وثابتة ~~لا تزايلهم، ومحيطة بجماعتهم، مشتملة على أدانيهم وأقاصيهم، وحاجتهم إلى ما غاب ~~عنهم، مما يعيشهم ويحييهم، ويأخذ بأرماقهم، ويصلح بالهم، ويجمع شملهم، وإلى ~~التعاون على درك ذلك، والتوازر عليه كحاجتهم إلى التعاون ms819 على معرفة ما بحضرتهم، ~~والتوازر على ما يحتاجون من الارتفاق في أمورهم التي لم تغب عنهم، فحاجة الغائب ~~موصولة بحاجة الشاهد، لاحتياج الأدنى إلى معرفة الأقصى، واختلال الأدنى إلى معونة ~~الأقصى؛ معان متضمنة، وأسباب متصلة، وحبال متقيدة، وجعل حاجتنا إلى معرفة أخبار ~~من كان قبلنا كحاجة من كان قبلنا إلى أخبار من كان قبلهم، وحاجة من يكون بعدنا إلى ~~أخبارنا، ولذلك تقدمت في الكتب البشارات بالرسل، ولم يسخر لهم جميع خلقه إلا ~~وهم يحتاجون إلى الارتفاق بجميع خلقه، وجعل الحاجة حاجتين: إحداهما قوام وقوت، ~~والأخرى لذة وإمتاع، وازدياد في الآلة، وفي كل ما أجذل النفوس، وجمع لهم العتاد، ~~وذلك المقدار من جميع الصنفين وفق لكثرة حاجاتهم وشهواتهم، وعلى قدر اتساع ~~معرفتهم، وبعد غورهم، وعلى قدر احتمال طبع البشرية، وفطرة الإنسانية، ثم لم يقطع ~~الزيادة عنهم إلا لعجز خلقهم عن احتمالها، ولم يجز أن يفرق بينهم وبين العجز ~~إلا بعدم الأعيان، إذا كان العجز صفة من صفات الخلق، ونعتا من نعوت العبيد، ولم ~~يخلق الله تعالى أحدا يستطيع بلوغ حاجته بنفسه دون الاستعانة ببعض من سخر ~~له، فأدناهم مسخر لأقصاهم، وأجلهم ميسر لأدقهم، وعلى ذلك أحوج الملوك إلى ~~السوقة في باب، وأحوج السوقة إلى الملوك في باب، وكذلك الغني والفقير، والعبد ~~وسيده. # ثم جعل الله تعالى كل شيء للإنسان خولا وفي يده مذالا ميسرا؛ إما بالاحتيال ~~له، والتلطف في إراغته واستمالته، إما بالصولة عليه والفتك به، وإما أن يأتيه سهوا ~~ورهوا، وعلى أن الإنسان لولا حاجته إليها لما احتال لها، ولما صال عليها، إلا أن ~~الحاجة تفترق في الجنس والجهة، وفي الحظ والتقدير، ثم تعبد الإنسان بالفكر فيها، ~~والنظر في أمورها، وبالاعتبار بما يرى، ووصل بين عقولهم، وبين معرفة تلك الحكم ~~الشريفة، وتلك الحاجات اللازمة بالنظر والتفكير، والتنقب والتنقير، والتنبت، ~~والتوقف، ووصل معارفهم بمواقع حاجاتهم إليها، وتشاعرهم بمواضع الحكم فيها بالبيان ~~عنها، وهو البيان الذي جعله الله تعالى سببا فيما بينهم، ومعبرا عن حقائق ~~حاجاتهم، ومعرفا لمواضع سد الخلة، ودفع الشبهة، ms820 ومداواة الحيرة؛ ولأن أكثر الناس ~~عن الناس أفهم منهم عن الأشباح الماثلة، والأجسام الجامدة، والأجرام الساكنة التي ~~لا يتعرف ما فيها من دفائن الحكم وكنوز الأدب، وينابيع العلم، إلا بالعقل اللطيف ~~الثاقب، وبالنظر التام النافذ، وبالأداة الكاملة، وبالأسباب الوافرة، والصبر على ~~مكروه الفكر، والاحتراس من وجوه الخدع، والتحفظ من دواعي الهوينى، ولأن الشكل أفهم ~~عن شكله وأسكن إليه وأصب به، وذلك موجود في أجناس البهائم وضروب السباع، والصبي عن ~~الصبي أفهم وله آلف، وإليه أنزع، وكذلك العالم والعالم، والجاهل والجاهل، وقال ~~الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام: # ولو جعلناه ~~ملكا لجعلناه رجلا ~~؛ لأن الإنسان عن الإنسان أفهم، وطباعه ~~بطباعه آنس، وعلى قدر ذلك يكون موقع ما يسمع منه؛ ثم لم يرض من البيان لهم بصنف ~~واحد، بل جمع ذلك ولم يفرق، وكثر ولم يقلل، وأظهر ولم يخف، فجعل أصناف ~~البيان التي بها يتعارفون معانيهم، والترجمان الذي إليه يرجعون عند اختلافهم في ~~أربعة أشياء وفي خصلة خامسة، وإن نقصت عن بلوغ هذه الأربعة في جهاتها، فقد تكمل ~~بجنسه الذي وضع له، وصرف إليه. # وهذه الخصال الأربع: هي اللفظ والخط والإشارة والعقد، والخصلة الخامسة: ما أوجد ~~من صحة الدلالة، وصدق الشهادة، ووضوح البرهان في الأجرام الجامدة الصامتة، والساكنة ~~الثابتة، التي لا تنبس ولا تفهم، ولا تحس وتتحرك إلا بداخل دخل عليها، أو عند ~~ممسك خلى عنها بعد تقييده كان لها؛ ثم قسم الأقسام، ورتب المحسوسات، وحصل ~~الموجودات، فجعل اللفظ للسامع، وجعل الإشارة للناظر، وأشرك بين الناظر واللامس، في ~~معرفة العقد إلا بما فضل الله به نصيب الناظر في ذلك على نصيب اللامس، وجعل الخط ~~دليلا على ما غاب من حوائجه عنه، وسببا موصولا بينه وبين أعوانه، وجعله خازنا ~~لما لا يأمن نسيانه مما قد أحصاه وحفظه، وأتقنه وجمعه، وتكلف الإحاطة به، ولم ~~يجعل للشام والذائق في ذلك نصيبا. # ولولا خطوط الهند لضاع من الحساب الكثير البسيط، ولبطلت معرفة التضاعيف، ~~ولعدموا الإحاطة بالباورات، وباورات الباورات، ولو أدركوا ذلك لما أدركوه إلا بعد ms821 ~~أن تغلظ المئونة، وتنتقص المنة، ولصاروا إلى حال معجزة وحسور، وإلى حال ~~مضيعة وكلال حد، مع التشاغل بأمور لولا فقد هذه الآلة لكان أربح لهم، وأرد ~~عليهم أن يصرفوا ذلك الشغل في أبواب منافع الدين والدنيا؛ ونفع الحساب معلوم، ~~والخلة في موضع فقده معروفة، قال الله تعالى: # الرحمن ~~* علم القرآن * خلق الإنسان ~~* علمه البيان ~~، ثم قال: # الشمس والقمر بحسبان ~~، وبالبيان عرف الناس ~~القرآن، قال الله تبارك وتعالى: # هو الذي جعل الشمس ~~ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد ~~السنين والحساب ~~، فأجرى الحساب مجرى البيان، وألحق البيان ~~بالقرآن، وبحسبان منازل القمر عرفنا حالات المد والجزر، وكيف تكون الزيادة في ~~الأهلة وأنصاف الشهور، وكيف يكون النقصان في خلال ذلك، وكيف تلك المراتب وتلك ~~الأقدار. # ولولا الكتب المدونة، والأخبار المخلدة، والحكم المخطوطة التي تحصر الحساب ~~وغير الحساب، لبطل أكثر العلم، ولغلب سلطان النسيان سلطان الذكر، ولما كان ~~للناس مفزع إلى موضع استذكار، ولو تم ذلك لحرمنا أكثر النفع؛ إذ كنا قد علمنا أن ~~مقدار حفظ الناس لعواجل حاجاتهم وأواجلها لا يبلغ من ذلك مبلغا مذكورا، ولا يغني ~~فيه غناء محمودا، ولو كلف عامة من يطلب العلم، ويصطنع الكتب، ألا يزال حافظا ~~لفهرس كتبه لأعجزه ذلك، ولكلف شططا، ولشغله ذلك عن كثير مما هو أولى به؛ ~~ففهمك لمعاني كلام الناس ينقطع قبل انقطاع فهم عين الصوت مجردا، وأبعد فهمك لصوت ~~صاحبك ومعاملك، والمعاون لك ما كان صياحا صرفا، وصوتا مصمتا، ونداء خالصا، ~~ولا يكون مع ذلك إلا وهو بعيد من المفاهمة، وعطل من الدلالة، فجعل الله جل وعز ~~اللفظ لأقرب الحاجات، والصوت لأنفس من ذلك قليلا، والكتاب للنازح من ~~الحاجات. # فأما الإشارة فأقرب المفهوم منها رفع الحواجب، وكسر الأجفان، ولي الشفاه، ~~وتحريك الأعناق، وقبض جلدة الوجه؛ وأبعدها أن تلوي بثوب على مقطع جبل تجاه عين ~~الناظر، ثم ينقطع عملها، ويدرس أثرها، ويموت ذكرها، وتصير بعد كل شيء فضل عن ~~انتهاء مدة الصوت، ومنتهى الطرف في الحاجة، إلى التفاهم بالخطوط والكتب؛ فأي نفع ~~أعظم، وأي ms822 مرفق أعون من الخط، والحال فيه كما ذكرنا! # وليس للعقد حظ الإشارة في بعد الغاية، ولا للاشارة حظ الخط في بعد الغاية، فلذلك ~~وضع الله عز وجل القلم في المكان الرفيع، ونوه بذكره في المنصب الشريف حين قال: # ن والقلم وما يسطرون ~~، فأقسم بالقلم ~~كما أقسم بما يخط بالقلم؛ إذ كان اللسان لا يتعاطى شأوه، ولا يشق غباره، ~~ولا يجري في حلبته، ولا يتكلف بعد غايته، ولكن لما كانت حاجات الناس بالحضرة ~~أكثر من حاجاتهم في سائر الأماكن، وكانت الحاجة إلى بيان اللسان حاجة دائمة راكدة، ~~وراهنة ثابتة؛ وكانت الحاجة إلى بيان القلم أمرا يكون في الغيبة وعند النائبة، إلا ~~ما خصت به الدواوين، فإن لسان القلم هناك أبسط، وأثره أعم، فلذلك قدموا اللسان ~~على القلم، فاللسان الآن إنما هو في منافع اليد والمرافق التي فيها، والحاجات التي ~~تبلغها؛ فمن ذلك حظها وقسطها من منافع الإشارة، ثم نصيبها في تقويم القلم، ثم ~~حظها في التصوير، ثم حظها في الصناعات، ثم حظها في العقد، ثم حظها في الدفع عن ~~النفس، ثم حظها في إيصال الطعام والشراب إلى الفم، ثم التوضؤ والامتساح، ثم انتقاد ~~الدنانير والدراهم، ثم لبس الثياب؛ وفي الدفع عن النفس أصناف الرمي، وأصناف الضرب، ~~وأصناف الطعن، ثم الضرب التقن بالعود وتحريك الوتر، ولولا ذلك لبطل الطرب كله ~~أو عامته؛ وكيف لا تكون كذلك ولها ضرب الطبل والدف وتحريك الصفاقتين، وتحريك مخارق ~~خروق المزامير، وما في ذلك من الإطلاق والحبس؛ ولو لم يكن في اليد إلا إمساك العنان ~~والزمام والخطام، لكان ذلك من أعظم الحظوظ. # وقد اضطربوا في الحكم بين العقد والإشارة، ولولا أن مغزانا في هذا الكتاب سوى هذا ~~الباب لقد كان هذا مما أحب أن يعرفه إخواننا وخلطاؤنا، ولا ينبغي لنا أيضا أن ~~نأخذ في هذا الباب من الكلام إلا بعد الفراغ مما هو أولى بنا منه؛ إذ كنت لم ~~تنازعني، ولم تعب كتبي من طريق فضل ما بين العقد والإشارة، ولا في تمييز ما بين ~~اللفظ وبينهما؛ ms823 وإنما قصدنا بكلامنا إلى الإخبار عن فضل الكتب. # والكتاب هو الذي قيد على الناس كتب علم الدين، وحساب الدواوين، مع خفة ثقله، ~~وصغر حجمه، صامت ما أسكته، وبليغ إذا استنطقته، ومن لك بمسامر لا يبتدئك في ~~حال شغلك، ويدعوك في أوقات نشاطك، ولا يحوجك إلى التجمل له، والتذمم منه؛ ومن لك ~~بزائر إن شئت جعل زيارته غبا، ووروده خمسا؛ وإن شئت لزمك لزوم ظلك، فكان منك ~~مكان بعضك. # والقلم مكتف بنفسه ولا يحتاج إلى ما عند غيره، ولا بد لبيان اللسان من أمور، ~~منها: إشارة اليد، ولولا الإشارة لما فهموا عنك خاص الخاص، إذا كان أخص الخاص قد ~~يدخل في باب العام، إلا أنه أدنى طبقاته، وليس يكتفي خاص الخاص باللفظ عما ~~أداه، كاكتفاء عام العام، والطبقات التي بينه وبين أخص الخاص. # والكتاب هو الجليس الذي لا يطريك، والصديق الذي لا يغريك، والرفيق الذي لا ~~يملك، والمستميح الذي لا يستزيدك، والجار الذي لا يستبطئك، والصاحب الذي لا يريد ~~استخراج ما عندك بالملق، ولا يعاملك بالمكر، ولا يخدعك بالنفاق، ولا يحتال لك ~~بالكذب. # والكتاب هو الذي إن نظرت فيه أطال إمتاعك، وشحذ طباعك، وبسط لسانك، وجود ~~بيانك، وفخم ألفاظك، وبجح نفسك، وعمر صدرك، ومنحك تعظيم العوام، وصداقة الملوك؛ ~~وعرفت به في شهر ما لا تعرفه من أفواه الرجال في دهر، مع السلامة من الغرم، ومن ~~كد الطلب، ومن الوقوف بباب المتكسب بالتعليم، وبالجلوس بين يدي من أنت أفضل منه ~~خلقا، وأكرم عرقا، ومع السلامة من مجالسة البغضاء، ومقارنة الأغبياء. # والكتاب هو الذي يطيعك بالليل كطاعته بالنهار؛ ويطيعك في السفر كطاعته في ~~الحضر، ولا يعتل بنوم، ولا يعتريه كلال السهر؛ وهو المعلم الذي إن افتقرت لم ~~يحقرك، وإن قطعت عنه المادة لم يقطع عنك الفائدة، وإن عزلت لم يدع طاعتك، وإن ~~هبت ريح أعاديك لم ينقلب عليك؛ ومتى كنت منه متعلقا بسبب، أو معتصما بأدنى ~~حبل، لم تضطرك معه وحشة الوحدة إلى جليس السوء؛ ولم لم يكن من فضله عليك، وإحسانه ~~إليك، ms824 إلا منعه لك من الجلوس على بابك، والنظر إلى المارة بك، مع ما في ذلك من ~~التعرض للحقوق التي تلزم، ومن فضول النظر، ومن عادة الخوض فيما لا يعنيك، ومن ~~ملابسة صغار الناس، ومن حضور ألفاظهم الساقطة، ومعانيهم الفاسدة، وأخلاقهم الردية، ~~وجهلاتهم المذمومة، لكان في ذلك السلامة ثم الغنيمة، وإحراز الأصل مع استفادة ~~الفرع، ولو لم يكن في ذلك إلا أن يشغلك عن سخف المنى، وعن اعتياد الراحة، وعن ~~اللعب، وكل ما أشبه اللعب، لقد كان في ذلك على صاحبه أسبغ النعمة، وأعظم المنة؛ وقد ~~علمنا أن أمثل ما يقطع به الفراغ نهارهم، وأصحاب الفكاهات ساعات ليلهم، هو ~~الشيء الذي لا ترى له فيهم مع النيل أثرا في ازدياد في تجربة ولا في عقل، ولا ~~في مروءة ولا في صون عرض، ولا في إصلاح دين، ولا في تثمير مال، ولا في تربية ~~صنيعة، ولا في ابتداء بإنعام. # قال أبو عبيدة: قال المهلب لبنيه في وصيته: يا بني، لا تقفوا في الأسواق ~~إلا على زراد أو وراق. # وحدثني صديق لي قال: قرأت على شيخ شامي كتابا فيه مآثر غطفان، فقال لي: ~~ذهبت المكارم إلا من الكتب. وسمعت الحسن اللؤلؤي يقول: عبرت أربعين عاما ما ~~قلت ولا بت إلا والكتاب موضوع على صدري. وقال ابن الجهم: إذا غشيني النعاس ~~في غير وقت نوم، وبئس الشيء النوم الفاضل عن الحاجة، تناولت كتابا من كتب الحكم ~~فأجد اهتزازي للفوائد، والأريحية التي تعتريني عند الظفر ببعض الحاجة، والذي ~~يغشى قلبي من سرور الاستبانة، وعز التبين، أشد إيقاظا من نهيق الحمير، ~~وهدة الهدم. # وقال ابن الجهم: إذا استحسنت الكتاب واستجدته، ورجوت منه الفائدة، ورأيت ذلك ~~فيه، فلو ترونني وأنا ساعة بعد ساعة أبصر كم بقي من ورقه مخافة استنفاده، وانقطاع ~~المادة من قبله، وإن كان المصحف في عظيم الحجم، وكان الورق كثير العدد، لرأيتم كيف ~~تم عيشي، وكمل سروري. # وذكر القيني كتابا لبعض القدماء فقال: لولا طوله، وكثرة ورقه، لنسخته! قال ابن ~~الجهم: لكنني ما رغبني ms825 فيه إلا الشيء الذي زهدك فيه، وما قرأت كتابا قط ~~كبيرا فأخلاني من فائدة، وما أحصي كم قرأت من صغار الكتب فخرجت منها كلما ~~دخلت. # وقال القيني ذات يوم لابن الجهم: ألا تتعجب من فلان! نظر في كتاب الإقليدس مع ~~جارية سلمويه في يوم واحد وساعة واحدة، فقد فرغت الجارية من الكتاب وهو بعد ~~لم يحكم مقالة واحدة، على أنه حر مخير وتلك أمة مقصورة، وهو أحرص على قراءة ~~الكتب من سلمويه على تعليم جاريته. قال ابن الجهم: قد كنت أظن أنه لا يفهم منه ~~شكلا واحدا، وأراك تزعم أنه قد فرغ من مقالة. قال القيني: وكيف ظننت به هذا الظن ~~كله وهو رجل ذو لسان وأدب؟ قال: لأني سمعته يقول لابنه: كم أنفقت على كتاب كذا ~~وكذا؟ قال: أنفقت كذا وكذا. قال: إنما رغبني في العلم أني ظننت أني أنفق قليلا ~~وأكتسب كثيرا، فأما إذا صرت أنفق الكثير وليس في يدي منه إلا المواعيد فإني لا ~~أريد العلم بشيء. والإنسان لا يعلم حتى يكثر سماعه، ولا بد من أن تصير كتبه أكثر ~~من سماعه، ولا يعلم ولا يجمع ولا يختلف حتى يكون الإنفاق عليه من ماله ألذ عنده من ~~الإنفاق من مال عدوه؛ ومن لم تكن نفقته التي تخرج في الكتب ألذ عنده من عشاق ~~القبان، والمستهترين بالبنيان، لم يبلغ في العلم مبلغا رضيا. وليس ينتفع بإنفاقه ~~حتى يؤثر لذة اتخاذ الكتب إيثار الأعرابي فرسه باللبن على عياله، وحتى يؤمل في ~~العلم ما لا يؤمل الأعرابي في فرسه. # وقال إبراهيم بن السندى مرة: وددت أن الزنادقة لم يكونوا حرصاء على المغالاة ~~بالورق النقي الأبيض، ولا على تخير الحبر الأسود البراق، ولا على استجادة الخط ~~والإرغاب لمن يخط، فإني لم أر كورق كتبهم ورقا، ولا كالخطوط التي فيها خطا. ~~وإني غرمت مالا عظيما مع حبي للمال وبغضي للغرم، لأن سخاء النفس بالإنفاق على ~~الكتب دليل على تعظيم العلم، وتعظيم العلم دليل على شرف النفس وعلى السلامة من ~~سكر الآفات. وقلت ms826 لإبراهيم: إن إنفاق الزنادقة على الكتب كإنفاق النصارى على ~~البيع، ولو كانت كتب الزنادقة كتب حكمة، وكتب فلسفة، وكانت مقاييس تبيين، أو لو ~~كانت كتبهم كتبا تعرف الناس أبواب الصناعات، أو سبل التكسب والتجارات، أو كتب ~~إرفاق ورياضات، أو بعض ما يتعاطاه الناس من الفطن والأدب، أو كان ذلك لا يقرب ~~من غنى، ولا يباعد من مأثم، لكانوا ممن قد يجوز أن يظن بهم تعظيم البيان ~~والرغبة في التبيين، ولكنهم ذهبوا فيها مذهب الديانة على طريق تعظيم الملة؛ فإنما ~~إنفاقهم في ذلك كإنفاق المجوس على بيت النار، وكإنفاق النصارى على صلبان الذهب ، أو ~~كإنفاق الهند على سدنة البد؛ ولو كانوا العلم أرادوا لكان العلم لهم معرضا؛ وكتب ~~الحكمة لهم مبذولة، والطرق إليها سهلة معروفة؛ فما بالهم لا يصنعون ذلك إلا بكتب ~~ديانتهم كما يزخرف النصارى بيوت عبادتهم؛ ولو كان هذا المعنى مستحسنا عند ~~المسلمين، وكانوا يرون أن ذلك داعية إلى العبادة وباعثة على الخشوع، لبلغوا في ذلك ~~بعفوهم ما لا يبلغه النصارى بغاية الجهد. # وقد رأيتم مسجد دمشق حين استجاز هذه السبيل ملك من ملوكنا، ومن رآه فقد علم أن ~~أحدا لا يرومه، وأن الروم لا تسخو أنفسهم به؛ فلما قام عمر بن عبد العزيز جلله ~~بالجلال، وغطاه بالكرابيس، # 61 # وطبخ سلاسل القناديل حتى ذهب عنها ذلك التلألؤ والبريق، وذهب إلى أن ~~ذلك الصنيع مجانب لسنة الإسلام، وأن ذلك الحسن الرائع والمحاسن الدقاق مذهلة ~~للقلوب، مشغلة دون الخشوع، وأن البال لا يكون مجتمعا وهناك شيء يفرقه ويعترض ~~عليه. # والذي يدلنا على ما قلنا أنه ليس في كتبهم مثل سائر، ولا خبر طريف، ولا صنعة ~~أدب، ولا حكمة غرزية ولا فلسفية، ولا مسألة كلامية، ولا تعريف صناعة، ولا استخراج ~~آلة، ولا تعليم فلاحة، ولا تدبير حرب، ولا مقارعة عن دين، ولا مناضلة عن نحلة؛ ~~وجله ذكر النور والظلمة، وتناكح الشياطين، وتسافد العفاريت، وذكر الصنديد ~~والتهويل بعمود السنخ، والإخبار عن شقلون وعن الهامة والهمامة، وهذر وعي ودعوى ~~وخرافة وسخف وتكذب، لا ترى ms827 فيه موعظة حسنة، ولا حديثا مونقا، ولا تدبير معاش ~~ولا سياسة عامة، ولا ترتيب خاصة؛ فأي كتاب أجهل، وأي تدبير أفسد من كتاب يوجب على ~~الناس الطاعة والبخوع بالديانة على جهة الاستبصار والمحبة، وليس فيه صلاح معاش، ولا ~~تصحيح دين، والناس لا يجيبون إلا دينا أو دنيا؟! # فأما الدنيا فإقامة سوقها وإحضار نفعها. وأما الدين فأقل ما يطمع في استجابة ~~العامة واستمالة الخاصة، أن يصور في صورة مغلطة، ويموه تمويه الدينار البهرج ~~والدرهم الزائف الذي يغلط فيه الكثير ويعرف حقيقته القليل. فليس انفاقهم عليها من ~~حيث ظننت. وكل دين يكون أظهر اختلافا وأكثر فسادا يحتاج من الترقيع والتمويه ومن ~~الاحتشاد له والتغليظ فيه إلى أكثر من غيره. # وقد علمت أن النصرانية أشد انتشارا من اليهودية تعبدا، فعلى حسب ذلك يكون ~~تزيدهم في توكيده، واحتفالهم في إظهار تعظيمه. # وقال بعضهم: كنت عند بعض العلماء فكنت أكتب عنه بعضا وأدع بعضا، فقال لي: اكتب ~~كل ما تسمع، فإن أخس ما تسمع خير من مكانه أبيض. وقال الخليل بن أحمد: تكثر من ~~العلم لتعرف، وتقلل منه لتحفظ. وقال أبو إسحاق: القليل والكثير للكتب، والقليل ~~وحده للصدر. وأنشد قول ابن يسير: # أما لو أعي كل ما أسمع # وأحفظ من ذاك ما أجمع # ولم أستفد غير ما قد جمع # ت لقيل هو العالم المقنع # ولكن نفسي إلى كل نو # ع من العلم نسمعه تنزع # أشاهد بالعي في مجلسي # وعلمي في البيت مستودع # فلا أنا أحفظ ما قد جمع # ت ولا أنا من جمعه أشبع # ومن يك في علمه هكذا # يكن دهره القهقري يرجع # إذا لم تكن حافظا واعيا # فجمعك للعلم لا ينفع # قال أبو إسحاق: كلف ابن يسير الكتب ما ليس عليها، إن الكتب لا تحيي الموتى، ولا ~~تحول الأحمق عاقلا، ولا البليد ذكيا؛ وذلك أن الطبيعة إذا كان فيها أدنى قبول ~~فالكتب تشحذ وتفتق وترهف وتشفي؛ ومن أراد أن يعلم كل شيء فينبغي لأهله أن يداووه، ~~فإن ذلك إنما تصور له لشيء اعتراه. فمن ms828 كان عاقلا ذكيا حافظا فليقصد إلى ~~شيئين أو ثلاثة أشياء: فلا ينزع عن الدرس والمطارحة، ولا يدع أن يمر على سمعه ~~وعلى بصره وعلى ذهنه ما قدر عليه من سائر الأصناف، فيكون عالما بخواص ويكون غير ~~غفل من سائر ما يجري فيه الناس ويخوضون فيه؛ ومن كان مع الدرس لا يحفظ شيئا إلا ~~نسي أكثر منه فهو من الحفظ من أفواه الرجال أبعد. # وحدثني موسى بن يحيى قال: ما كان في خزانة كتب يحيى وفي بيت مدرسة كتاب إلا وله ~~فيه ثلاث نسخ. # وقال أبو عمرو بن العلاء: ما دخلت على رجل قط ولا مررت ببابه فرأيته ينظر في دفتر ~~وجليسه فارغ اليد إلا اعتقدت أنه أعقل منه وأفضل. # قال أبو عمرو: وقيل لنا يوما: إن في دار فلان ناسا قد اشتملوا على سوءة، وهم ~~جلوس على خميرة لهم وعندهم طنبور. قال: فذمرنا عليهم في جماعة من رجال الحي، ~~فإذا فتى جالس في وسط الدار وإذا أصحابه حوله، وإذا هم بيض اللحى، وإذا هو يقرأ ~~عليهم كتاب شعر، فقال الذي كان سعى بهم: السوءة في ذلك البيت، وإن دخلتموه عثرتم ~~بها. قال: قلت: والله لا أكشف فتى أصحابه شيوخ وفي يده دفتر علم ولو كان في ثوبه ~~دم يحيى بن زكرياء. قال: وأنشد رجل يونس النحوي قوله: # أستودع العلم قرطاسا فضيعه # فبئس مستودع العلم القراطيس # قال: فقال يونس: قاتله الله! ما أشد صبابته بالعلم وأحسن صيانته له! إن علمك من ~~روحك، ومالك من بدنك، فضعه منك بمكان الروح، وضع مالك بمكان البدن. # وقيل لابن داحة وأخرج كتاب أبي الشمقمق وإذا هو في جلود كوفية ودفتين طائفيتين ~~وبخط عجيب، فقيل له: # 62 # لقد ضيع درهمه من تجود لشعر أبي الشمقمق. قال: لا جرم والله، إن ~~العلم ليعطيكم على حساب ما تعطونه، ولو استطعت أن أودعه سويداء قلبي وأجعله ~~مخطوطا على ناظري لفعلت. # ولقد دخلت على إسحاق بن سليمان في إمرته، فرأيت السماطين بين يديه والرجال مثولا ~~كأن على رءوسهم الطير، ورأيت ms829 فرشته # 63 # وبزته، ثم دخلت عليه وهو معزول، وإذا هو في بيت كتبه وحواليه الأسفاط ~~والرفوف والقماطر والدفاتر والمساطر والمحابر، فما رأيته قط أفخم ولا أنبل ولا أهيب ~~ولا أجزل منه في ذلك اليوم، إلا أنه جمع مع المهابة المحبة، ومع الفخامة الحلاوة، ~~ومع السودد الحكمة. # وقال ابن داحة: كان عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر بن الخطاب لا ~~يجالس الناس، ونزل مقبرة من المقابر، وكان لا يكاد يرى إلا وفي يده كتاب يقرؤه، ~~فسئل عن ذلك وعن نزوله المقبرة، فقال: لم أر أوعظ من قبر، ولا أمتع من كتاب، ولا ~~أسلم من الوحدة. فقيل له: فقد جاء في الوحدة ما قد جاء. قال: ما أفسدها للجاهل ~~وأصلحها للعاقل! # وضروب من الخطوط بعد ذلك تدل على قدر منفعة الخط، قال الله تبارك وتعالى: # كراما كاتبين * يعلمون ما ~~تفعلون ~~، وقال الله عز وجل: # في صحف ~~مكرمة * مرفوعة مطهرة * ~~بأيدي سفرة ~~، وقال: # فأما من أوتي ~~كتابه بيمينه ~~، وقال: # وأما من ~~أوتي كتابه وراء ظهره ~~، وقال: # اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك ~~حسيبا ~~. # الترغيب في اصطناع الكتب ~~(وبعد أن تكلم عن الخط في الأرض عند التفكر وما قيل في ذلك من الأشعار، وذكر ~~الخط ومقدار الحاجة إليه، وتاريخ الشعر قبل الإسلام، وبيان أن فضيلته مقصورة على ~~العرب، استطرد القول بالترغيب في اصطناع الكتب) فقال: إن على من شكر المعرفة بمغاوي ~~الناس ومراشدهم ومضارهم ومنافعهم، أن يحتمل ثقل مئونتهم في معرفتهم، وأن يتوخى ~~إرشادهم وإن جهلوا فضل ما يسدى إليهم. ولن يصان العلم بمثل بذله، ولن تستبقى ~~النعمة فيه بمثل نشره. على أن قراءة الكتب أبلغ في إرشادهم من تلاقيهم؛ إذ كان مع ~~التلاقي يشتد التصنع، ويكثر التظالم، وتفرط العصبية، وتقوى الحمية؛ وعند ~~المواجهة والمقابلة يشتد حب الغلبة، وشهوة المباهاة والرياسة مع الاستحياء من ~~الرجوع، والأنفة من الخضوع؛ وعن جميع ذلك تحدث الضغائن ويظهر التباين؛ فإذا كانت ~~القلوب على هذه الصفة وعلى هذه الهيئة، امتنعت من التعرف، وعميت عن موضع ms830 الدلالة؛ ~~وليست للكتب علة تمنع من درك البغية، وإصابة الحجة؛ لأن المتوحد بدرسها ~~والمنفرد بفهم معانيها، لا يباهي نفسه، ولا يغالب عقله، وقد عدم من له يباهي، ومن ~~أجله يغالب؛ والكتاب قد يفضل صاحبه ويتقدم مؤلفه، ويرجح قلمه على لسانه بأمور: ~~منها، أن الكتاب يقرأ بكل مكان، ويظهر ما فيه على كل لسان، ويوجد مع كل زمان على ~~تفاوت ما بين الأعصار، وتباعد ما بين الأمصار؛ وذلك أمر يستحيل في واضع الكتاب، ~~والمنازع بالمسألة والجواب؛ ومناقلة اللسان وهدايته لا تجوزان مجلس صاحبه، ومبلغ ~~صوته؛ وقد يذهب الحكيم وتبقى كتبه، ويفنى العقل ويبقى أثره. # ولولا ما تسمت لنا الأوائل في كتبها، وخلدت من عجيب حكمتها، ودونت من أنواع سيرها، حتى ~~شاهدنا بها ما غاب عنا، وفتحنا بها كل مستغلق كان علينا، فجمعنا إلى قليلنا كثيرهم، وأدركنا ما لم ~~نكن ندركه إلا بهم، لقد خس حظنا من الحكمة، وضعف سببنا إلى المعرفة؛ ولو ألجئنا إلى قدر قوتنا، ~~ومبلغ خواطرنا، ومنتهى تجربتنا لما تدركه حواسنا وتشاهده نفوسنا، لقد قلت المعرفة، وقصرت ~~الهمة، وانتقضت المنة، وعاد الرأي عقيما، والخاطر فاسدا، ولكل الحد، وتبلد العقل. وأكثر ~~من كتبهم نفعا، وأشرف منها خطرا، وأحسن موقعا، كتب الله تعالى التي فيها الهدى والرحمة، ~~والإخبار عن كل عبرة، وتعريف كل سيئة وحسنة. وما زالت كتب الله تعالى في الألواح والصحف ~~والمهارق # 64 # والمصاحف، فقد قال الله عز وجل: # الم * ذلك ~~الكتاب لا ريب فيه ~~، وقال: # ما فرطنا في ~~الكتاب من شيء ~~. ويقال لأهل التوراة والإنجيل: أهل الكتاب. وينبغي أن يكون ~~سبيلنا لمن بعدنا كسبيل من كان قبلنا فينا. على أنا قد وجدنا من العبرة أكثر مما وجدوا، كما أن ~~من بعدنا يجد من العبرة أكثر مما وجدنا، فيما ينتظر العالم بإظهار ما عنده، وما يمنع الناصر للحق ~~من القيام بما يلزمه، وقد أمكن القول، وصلح الدهر، وهوى نجم التقية، وهبت ريح العلماء، وكسد ~~العي والجهل، وقامت سوق البيان والعلم. والإنسان ليس يجد في كل حال إنسانا يدرسه ومقوما ms831 ~~يثقفه، والصبر على إفهام الريض شديد، وصرف النفس عن مغالبة العالم أشد منه هما. # والمتعلم يجد في كل مكان الكتاب عتيدا، وبما يحتاج إليه قائما. وما أكثر من ~~فرط في التعلم أيام خمول ذكره وأيام حداثة سنه. ولولا جياد الكتب وحسنها، ~~ومبينها ومختصرها، لما تحركت همم هؤلاء لطلب العلم، ونازعت إلى حب الأدب، ~~وأنفت من حال الجهل وأن تكون في غمار الحشو، ولدخل على هؤلاء من الضرر والمضرة ~~والجهل وسوء الحال ما عسى ألا يمكن الإخبار عن مقداره إلا بالكلام الكثير. # ولذلك قال عمر رضي الله تعالى عنه: تفقهوا قبل أن تسودوا. وقد تجد الرجل ~~يطلب الآثار وتأويل القرآن ويجالس الفقهاء خمسين سنة، ولا يعد فقيها ولا يجعل ~~قاضيا؛ وما هو إلا أن ينظر في كتب أبي حنيفة وأشباه أبي حنيفة، ويحفظ كتب الشروط ~~في مقدار سنة أو سنتين حتى تمر ببابه فتظن أنه باب بعض العمال؛ وبالحرى ألا يمر ~~عليه من الأيام إلا اليسير حتى يصير حاكما على مصر من الأمصار، أو بلدة من ~~البلدان. # وينبغي لمن كتب كتابا ألا يكتبه إلا على أن الناس كلهم له أعداء، وكلهم عالم ~~بالأمور، وكلهم متفرغ له؛ ثم لا يرضى بذلك حتى يدع كتابه يغب ويختمر، ولا يثق ~~بالرأي الفطير؛ فإن لابتداء الكتاب فتنة وعجبا، فإذا سكنت الطبيعة وهدأت ~~الحركة، وتراجعت الأخلاط، وعادت النفس وافرة، أعاد النظر فيه وتوقف عند فصوله ~~توقف من يكون وزن طمعه في السلامة أنقص من وزن خوفه من العيب، ويتفهم معنى قول ~~الشاعر: # إن الحديث تغر القوم خلوته # حتى يكون لهم عي وإكثار # ويقف عند قولهم في المثل: «كل مجر في الخلاء يسر»، فيخاف أن يعتريه ما ~~يعتري من أجرى فرسه وحده، أو خلا بقلمه عند فقد خصومه وأهل المزية من أهل صناعته. ~~وليعلم أن صاحب القلم يعتريه ما يعتري المؤدب عند ضربه وعقابه؛ فما أكثر من يعزم ~~على عشرة أسواط فيضرب مائة؛ لأنه ابتدأ الضرب وهو ساكن الطباع فأراه السكون أن ~~الصواب في الإقلال، فلما ضرب ms832 تحرك دمه فأشاع فيه الحرارة وزاد في غضبه، فأراه ~~الغضب أن الرأي في الإكثار؛ وكذلك صاحب القلم، فما أكثر من يبتدئ الكتاب وهو يريد ~~مقدار سطرين فيكتب عشرة. والحفظ مع الإقلال أمكن، وهو مع الإكثار أبعد. # واعلم أن العاقل إن لم يكن بالمشبع فكثيرا ما يغر من ولده ويحسن في عينه ~~منه القبيح في عين غيره، فليعلم أن لفظه أقرب إليه نسبا من ابنه، وحركته أمس به ~~رحما من ولده؛ لأن حركته شيء أحدثه من نفسه وبذاته، ومن عين جوهره فصلت، ومن نفسه ~~كانت، وإنما الولد كالمخطة يمتخطها؛ وكالنخامة يقذفها، ولا سواء إخراجك من نفسك ~~شيئا لم يكن منك، وإظهارك حركة لم تكن حتى كانت منك؛ ولذلك نجد فتنة الرجل بشعره ~~وفتنته بكلامه وكتبه، فوق فتنته بجميع نعمته. # وليس الكتاب إلى شيء أحوج منه إلى إفهام معانيه حتى لا يحتاج السامع بما فيه إلى ~~الروية فيه. ويحتاج من اللفظ إلى مقدار يرتفع به عن ألفاظ السفلة والحشو، ويحطه ~~عن غريب الأعراب، ووحشي الكلام. وليس له أن يهذبه جدا وينقحه ويصفيه ويزوقه حتى ~~لا ينطق إلا باللب وبالسر، وباللفظ الذي قد حذف فضوله وتعرق زوائده، حتى عاد ~~خالصا لا شوب فيه؛ فإنه إن فعل ذلك لم يفهم عنه إلا بأن يجدد لهم إفهاما ~~وتكرارا؛ لأن الناس كلهم قد تعودوا المبسوط من الكلام، وصارت أفهامهم لا تزيد على ~~عاداتهم إلا بأن تعطس عليها وتؤخذ بها؛ ألا ترى أن كتاب المنطق الذي قد وسم بهذا ~~الاسم لو قرأته على جميع خطباء الأمصار وبلغاء الأعراب لما فهموا أكثره؟! وفي كتاب ~~إقليدس، كلام يدور وهو عربي وقد صفي، ولو سمعه بعض الخطباء لما فهمه، إلا بأن ~~يفهمه من يريد تعليمه؛ لأنه يحتاج إلى أن يكون قد عرف جهة الأمر، وتعود اللفظ ~~المنطقي الذي استخرج من جميع الكلام. # وقد قال معاوية بن أبي سفيان - رضي الله تعالى عنهما - لصحار العبدي: ما ~~الإيجاز؟ قال: أن تجيب فلا تبطئ، وتقول فلا تخطئ. قال معاوية: أو كذاك تقول. قال ms833 ~~صحار: أقلني يا أمير المؤمنين، لا تخطئ ولا تبطئ. فلو أن سائلا سألك عن الإيجاز ~~فقلت: لا تخطئ ولا تبطئ وبحضرتك خالد بن صفوان لما عرف بالبديهة وعند أول وهلة أن ~~قولك لا تخطئ مضمن بالقول، وقولك لا تبطئ مضمن بالجواب. وهذا حديث - كما ترى - قد ~~ارتضوه ورووه؛ ولو أن قائلا قال لبعضنا: ما الإيجاز؟ لظننت أنه كان سيقول الاختصار ~~والإيجاز، ليس يعني به قلة عدد الحروف واللفظ. وقد يكون الباب من الكلام من أتى ~~عليه فيما يسع بطن طومار # 65 # فقد أوجز، وكذلك الإطالة. وإنما ينبغي أن يحذف بقدر ما لا يكون سببا ~~لإغلاقه، ولا يردد وهو يكتفي في الإفهام بشطره، فما فضل عن المقدار فهو ~~الخطل. # وقلت لأبي الحسن الأخفش: أنت أعلم الناس بالنحو، فلم لا تجعل كتبك مفهومة كلها؟ ~~وما بالنا نفهم بعضها ولا نفهم أكثرها؟ وما بالك تقدم بعض العويص وتؤخر بعض ~~المفهوم؟ قال: أنا رجل لم أضع كتبي هذه لله، وليست هي من كتب الدين، ولو وضعتها هذا ~~الوضع الذي تدعوني إليه قلت حاجاتهم إلي فيه، وإنما غايتي المنالة، فإذن أضع ~~بعضها هذا الوضع المفهوم لتدعوهم حلاوة ما فهموا إلى التماس فهم ما لم يفهموا، وأنا ~~قد كسبت في هذا التدبير إذ كنت إلى التكسب ذهبت، ولكن ما بال إبراهيم النظام ~~وفلان وفلان يكتبون الكتب لله بزعمهم، ثم يأخذها مثلي في موافقته وحسن نظره وشدة ~~عنايته، فلا يفهم أكثرها؟ # وأقول لو أن يوسف السمتي كتب هذه الشروط أيام جلس سلمان بن ربيعة شهرين للقضاء ~~فلم يتقدم إليه رجلان والقلوب سليمة والحقوق على أهلها موفرة، لكان ذلك خطلا ~~ولغوا، ولو كتب في دهرنا شروط دهر سلمان لكان ذلك غرارة ونقصا، وجهلا بالسياسة ~~وما يصلح لكل دهر؛ ووجدنا الناس إذا خطبوا في صلح بين العشائر أطالوا، وإذا أنشدوا ~~الشعر بين السماطين في مدح الملوك أطالوا؛ فللإطالة موضع وليس ذلك بخطل، وللإقلال ~~موضع وليس ذلك من عجز. # ولولا أني أتكل على أنك لا تمل باب القول في البعير ms834 حتى تخرج إلى الفيل، وفي ~~الذرة حتى تخرج إلى البعوضة، وفي العقرب حتى تخرج إلى الحية، وفي الرجل حتى ~~تخرج إلى المرأة، وفي الذبان والنحل حتى تخرج إلى الغربان والعقبان، وفي الكلب ~~حتى تخرج إلى الديك، وفي الذئب حتى تخرج إلى الضبع، وفي الظلف حتى تخرج إلى ~~الحافر، وفي الحافر حتى تخرج إلى الخف، وفي الخف حتى تخرج إلى البرثن، وفي ~~البرثن حتى تخرج إلى المخلب؛ وكذلك القول في الطير وعامة الأصناف، لرأيت أن ذلك ~~يوجب الملال، ويعقب الفترة المانعة من البلوغ في الفهم، وتعرف ما يحتاج منه إلى ~~التعرف، فرأيت أن جملة الكتاب وإن كثر عدد ورقه، أن ذلك ليس مما تمل من كثرة ~~قراءته أبدا وتعتد علي فيه بالإطالة؛ لأنه وإن كان كتابا واحدا فإنه كتب ~~كثيرة، وكل مصحف منها أم على حدة. فإن أراد قراءة الجميع لم يطل عليه الباب ~~الأول حتى يهجم على الثاني، ولا الثاني حتى يهجم على الثالث، فهو أبدا مستفيد ~~ومستطرف، وبعضه يكون جماما لبعض، ولا يزال نشاطه زائدا، ومتى خرج من آي القرآن ~~صار إلى أثر، ومتى خرج من أثر صار إلى خبر، ثم يخرج من الخبر إلى شعر، ومن الشعر ~~إلى نوادر، ومن النوادر إلى حكم عقلية ومقاييس سداد، ثم لا يترك هذا الباب فلعله ~~أن يكون أثقل، والملال إليه أسرع، حتى يفضى به إلى مزح وفكاهة وإلى سخف ~~وخرافة. ولست أراه سخفا إذ كنت إنما استعملت سيرة الحكماء ومأدبة العلماء، ورأينا ~~الله تبارك وتعالى إذا خاطب العرب والأعراب أخرج الكلام مخرج الإشارة والوحي ~~والحذف، وإذا خاطب بني إسرائيل أو حكى عنهم جعله مبسوطا وزاد في الكلم. فأصوب ~~العمل اتباع آثار العلماء والاحتذاء على مثال القدماء، والأخذ بما عليه الجماعة. ~~وقال ابن يسير في صفة الكتب كلمة له: # أقبلت أهرب لا آلو مباعدة # في الأرض منهم فلم يحصني الهرب # بقصر أوس فما والت خنادقه # إلى النواويس فالماخور فالخرب # فأيما موئل منها اعتصمت به # فمن ورائي حثيثا منهم الطلب # لما رأيت بأني ms835 غير معجزهم # فوتا ولا هربا قربت أحتجب # وصرت في البيت مسرورا به جذلا # جارا لبوءة لا شكوى ولا شغب # فردا تحدثني الموتى وتنطق لي # عن علم ما غاب عني منهم الكتب # هم مؤنسون وألاف غنيت بهم # فليس لي في أنيس غيرهم أرب # لله من جلساء لا جليسهمو # ولا عشيرهمو للسوء مرتقب # لا بادرات الأذى يخشى رفيقهم # ولا يلاقيه منهم منطق ذرب # أبقوا لنا حكما تبقى منافعها # أخرى الليالي على الأيام وانشعبوا # فأيما أدب منهم مددت يدي # يوما إليه فدان من يدي كثب # إن شئت من محكم الآثار يرفعها # إلى النبي ثقات برة نجب # أو شئت من عرب علما بأولها # في الجاهلية أنبتني به العرب # أو شئت من سير الأملاك من عجم # تنبي وتخبر كيف الرأي والأدب # حتى كأني قد شاهدت عصرهمو # وقد مضت دونه من دهرهم حقب # يا قائلا قصرت في العلم نهيته # أمسى إلى الجهل فيما قال ينتسب # إن الأوائل قد بانوا بعلمهم # خلاف قولك قد ماتوا وقد ذهبوا # ما مات منا امرؤ أبقى لنا أدبا # يكون منه إذا ما مات يكتسب # وقال أبو وجزة وهو يصف صحيفة كتب له فيها بستين وسقا: # راحت بستين وسقا في حقيبتها # ما حملت حملها الأدنى ولا السددا # ولا رأيت قلوصا قبلها حملت # ستين وسقا ولا جابت بها بلدا # وقال الراجز: # تعلمن أن الدواة والقلم # تبقى ويفني حادث الدهر الغنم # يقول كتابك الذي تكتبه علي يبقى فتأخذني به وتذهب غنمي فيما يذهب. ومما يدل ~~على نفع الكتاب أنه لولا الكتاب لم يجز أن يعلم أهل الرقة والموصل وبغداد ~~وواسط ما كان بالبصرة وحدث بالكوفة في بياض يوم، فتكون الحادثة بالكوفة غدوة ~~فيعلمها أهل البصرة قبل المساء. # وذلك مشهور في الحمام الهدي: إذا جعلت بردا قال الله جل وعز، وذكر ~~سليمان وملكه الذي لم يؤت أحدا مثله، فقال: # وتفقد ~~الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد # إلى قوله: # أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان ~~مبين ~~، فلم يلبث أن قال الهدهد: # وجئتك من ~~سبإ بنبإ يقين ms836 * إني وجدت امرأة ~~تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم # قال ~~سليمان: # اذهب بكتابي هذا فألقه ~~إليهم ~~، وقد كان عنده من يبلغ الرسالة على تمامها من عفريت ومن ~~بعض من عنده علم من الكتاب، فرأى أن الكتاب أبهى وأنبل وأكرم وأفخم من الرسالة عن ~~ظهر لسان وإن أحاط بجميع ما في الكتاب. وقالت ملكة سبأ: # يا ~~أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم ~~، فهذا مما ~~يدل على قدر اختيار الكتب، وقد يريد بعض الجلة الكبار وبعض الأدباء والحكماء ~~أن يدعو بعض من يجري مجراه في سلطان أو أدب إلى مأدبة أو ندام أو خروج إلى متنزه ~~أو بعض ما يشبه ذلك، فلو شاء أن يبلغه الرسول إرادته ومعناه لأصاب من يحسن ~~الأداء ويصدق في الإبلاغ فيرى أن الكتاب في ذلك أسرى وأنبه وأبلغ، ولو شاء النبي # صلى الله عليه وسلم # ألا يكتب الكتب إلى كسرى وقيصر والنجاشي والمقوقس وإلى بني الجلندي وإلى ~~العباهلة من حمير وإلى هوذة بن علي وإلى الملوك العظماء والسادة النجباء لفعل ~~ولوجد المبلغ المعصوم من الخطأ والتبديل، ولكنه - عليه السلام - علم أن الكتاب ~~أشبه بتلك الحال، وأليق بتلك المراتب، وأبلغ في تعظيم ما حواه الكتاب، ولو شاء الله ~~أن يجعل البشارات على الألسنة بالمرسلين ولم يودعها الكتب لفعل، ولكنه تعالى وعز ~~علم أن ذلك أتم وأكمل، وأجمع وأنبل؛ وقد يكتب بعض من له مرتبة في سلطان أو ديانة ~~إلى بعض من يشاكله أو يجري مجراه، فلا يرضى بالكتاب حتى يخزمه ويختمه، وربما لم ~~يرض بذلك حتى يعنونه ويعظمه. # قال الله جل وعز: # أم لم ينبأ بما في صحف ~~موسى * وإبراهيم الذي وفى ~~، فذكر صحف ~~موسى الموجودة وصحف إبراهيم البائدة المعدومة ليعرف الناس مقدار النفع والمصلحة ~~في الكتب. قالوا: وكانت فلاسفة اليونانية تورث البنات العين وتورث البنين ~~الدين؛ وكانت تصل العجز بالكفاية والمئونة بالكلفة، وكانت تقول: لا تورثوا ~~الابن من المال إلا ما يكون عونا له على طلب المال، واغذوه بحلاوة العلم، واطبعوه ~~على تعظيم الحكمة ms837 ليصير جمع العلم أغلب عليه من جمع المال، وليرى أنه العدة ~~والعتاد، وأنه أكرم مستفاد. وكانوا يقولون: لا تورثوا الابن من المال إلا ما يسد ~~الخلة، ويكون له عونا على درك الفضول إن كان لا بد من الفضول، فإنه إن كان ~~فاسدا زادت تلك الفضول في فساده، وإن كان صالحا كان فيما أورثتموه من العلم، ~~وبقيتم له من الكفاية ما يكسبه الحال، فإن الحال أفضل من المال، ولأن المال لم ~~يزل تابعا للحال، وقد لا يتبع الحال المال، وصاحب الفضول بعرض فساد وعلى ~~شفا إضاعة مع تمام الحنكة واجتماع القوة؛ فما ظنكم بها مع غرارة الحداثة وسوء ~~الاعتبار وقلة التجربة! وكانوا يقولون: خير ميراث ما كسبك الأركان الأربعة، وأحاط ~~بأصول المنفعة، وعجل لك حلاوة المحبة، وبقى لك الأحدوثة الحسنة، وأعطاك عاجل ~~الخير وآجله، وظاهره وباطنه؛ وليس يجمع ذلك إلا كرام الكتب النفيسة المشتملة على ~~ينابيع العلم، والجامعة لكنوز الأدب ومعرفة الصناعات وفوائد الإرفاق؛ وحجج الدين ~~الذي بصحته وعند وضوح برهانه تسكن النفوس وتثلج الصدور، ويعود القلب معمورا، والعز ~~راسخا، والأصل فسيحا؛ وهذه الكتب هي التي تزيد في العقل وتشحذه، وتداويه وتصلحه، ~~وتهذبه وتنفي الخبث عنه، وتفيدك العلم وتصادق بينك وبين الحجة، وتعودك الأخذ ~~بالثقة وتجلب الحال وتكسب المال. ووراثة الكتب الشريفة والأبواب الرفيعة منبهة ~~للمورث وكنز عند الوارث، إلا أنه كنز لا تجب فيه الزكاة ولا حق السلطان، وإذا ~~كانت الكنوز جامدة ينقصها ما أخذ منها كان ذلك الكنز مائعا يزيده ما أخذ منه، ولا ~~يزال بها المورث مذكورا في الحكماء ومنوها باسمه في الأسماء، وإماما متبوعا، ~~وعلما منصوبا، ولا يزال الوارث محفوظا، ومن أجله محبوبا ممنوعا؛ ولا تزال ~~تلك المحبة نامية ما كانت تلك الفوائد قائمة، ولن تزال فوائدها موجودة ما كانت ~~الدار دار حاجة، ولن يزال من تعظيمها في القلوب أثر ما كان من فوائدها على الناس ~~أثر. # وقالوا: متى ورثته كتابا وأودعته علما، فقد ورثته ما يغل ولا ~~يستغل، وقد ورثته الضيعة التي لا تحتاج إلى إثارة، ms838 ولا إلى سقي، ولا إلى ~~إسجال بايغار، ولا إلى شرط، ولا تحتاج إلى أكار ولا إلى أن يثار، وليس عليها عشر ~~ولا للسلطان عليها خرج، وسواء أفدته علما أو ورثته آلة علم، وسواء ~~دفعك إليه الكفاية أو ما يجلب الكفاية، وإنما تجري الأمور وتتصرف الأفعال على ~~قدر الإمكان، فمن لم يقدر إلا على دفع السبب لم يجب عليه إحضار المسبب، فكتب ~~الآباء تحبيب للأحياء، ومحيا لذكر الموتى. # وقالوا: ومتى كان الأب جامعا بارعا وكانت مواريثه كتبا بارعة، وآدابا جامعة، ~~كان الولد أجدر أن يرى التعلم حظا، وأجدر أن يسرع التعليم إليه ويرى تركه خطأ، ~~وأجدر أن يجري من الأدب على طريق قد أنهج له، ومنهاج قد وطئ له، وأجدر أن ~~يسري إليه عرق من نجله وسقي من غرسه، وأجدر أن يجعل بدل الطلب للكتب النظر ~~في الكتب، فلا يأتي عليه من الأيام مقدار الشغل بجمع الكتب، والاختلاف في سماع ~~العلم، إلا وقد بلغ بالكفاية غاية الحاجة، وإنما تفسد الكفاية من تمت آدابه، ~~وتوافت إليه أسبابه، فأما الحدث الغرير، والمنقوص الفقير، فخير مواريثه الكفاية ~~إلى أن يبلغ التمام، ويكمل للطلب. فخير ميراث ورث كتب وعلم، وخير المورثين من ~~أورث ما يجمع ولا يفرق، ويبصر ولا يعمي، ويعطي ولا يأخذ، ويجود بالكل دون ~~البعض، ويدع لك الكنز الذي ليس للسلطان فيه حق، والركاز الذي ليس للفقراء فيه نصيب، ~~والنعمة التي ليس للحاسد فيها حيلة، ولا للصوص فيها رغبة، وليس للخصم عليك فيه حجة، ~~ولا على الجار فيه مئونة. # وأما ديمقراط فإنه قال: ينبغي أن يعرف أنه لا بد من أن يكون لكل كتاب علم وضعه ~~أحد من الحكماء ثمانية أوجه، منها الهمة والمنفعة، والنسبة والصحة، والصنف ~~والتأليف، والإسناد والتدبير، فأولها أن تكون لصاحبه همة، وأن يكون فيما وضع منفعة، ~~وأن يكون له نسبة ينسب إليها، وأن يكون صحيحا، وأن يكون على صنف من أصناف الكتب ~~معروفا به، وأن يكون مؤتلفا من أجزاء خمسة، وأن يكون مسندا إلى وجه من وجوه ~~الحكمة، وأن ms839 يكون له تدبير موصوف. فذكر أن أبقراط قد جمع هذه الثمانية الأوجه في ~~هذا الكتاب، وهو كتابه الذي يسمى «أفوريسموا» تفسيره: كتاب الفصول. وقولك وما ~~بلغ من قدر الكلب مع لؤم أصله، وخبث طبعه، وسقوط قدره، ومهانة نفسه، ومع قلة خيره ~~وكثرة شره، واجتماع الأمم كلها على استسقاطه واستسفاله، ومع ضربهم المثل في ذلك كله ~~به، ومع حاله التي يعرف بها من العجز عن صولة السباع، واقتدارها، ومن تمنعها ~~وتشرفها وتوحشها، وقلة إسماحها، وعن مسالمة البهائم وموادعتها، والتمكين من ~~إقامة مصلحتها، والانتفاع بها؛ إذ لم يكن في طبعها دفع السباع عن أنفسها، ولا ~~الاحتيال لمعاشها، ولا المعرفة بالمواضع الحريزة من المواضع المخوفة. ولأن الكلب ~~ليس بسبع تام ولا بهيمة تامة حتى كأنه من الخلق المركب، والطبائع الملفقة، ~~والأخلاط المجتلبة، كالبغل المتلون في أخلاقه الكثير العيوب المتولدة عن مزاجه؛ وشر ~~الطبائع ما تجاذبته الأعراق المتضادة والأخلاق المتفاوتة، والعناصر المتباعدة، ~~كالراعبي من الحمام الذي ذهبت عنه هداية الحمام، وشكل هديره وسرعة طيرانه، ~~وبطل عنه عمر الورشان، وقوة جناحه، وشدة عصبه، وحسن صوته، وشجا حلقه، وشكل ~~لحونه، وشدة إطرابه، واحتماله لوقع البنادق، وجرح المخالب. وفي الراعبي أنه مسرول ~~مثقل، وحدث له عظم بدن وثقل وزن لم يكن لأبيه ولا لأمه. # وكذلك البغل خرج من بين حيوانين يلدان حيوانا مثلهما ويعيش نتاجهما ويبقى ~~بقاءهما، وهو لا يعيش له ولد وليس بعقيم، ولا يبقى للبغلة ولد وليست بعاقر؛ فلو كان ~~البغل عقيما والبغلة عاقرا لكان ذلك أزيد في قوتهما وأتم لشدتهما، فمع البغل من ~~الشبق والنعظ ما ليس مع أبيه، ومع البغلة من الشوس وطلب السفاد ما ليس مع أمها؛ ~~وذلك كله قدح في القوة ونقص في البنية، وخرج غرموله أعظم من غراميل أعمامه ~~وأخواله، فترك شبههما ونزع إلى شيء ليس له في الأرض أصل، وخرج أطول عمرا من أبويه ~~وأصبر على الأثقال من أبويه؛ أو كابن المذكرة من النساء، والمؤنث من الرجال، ~~فإنه يكون أخبث نتاجا من البغل وأفسد أعراقا من السمع، # 66 # وأكثر ms840 عيوبا من العسبار، # 67 # ومن كل خلق خلق إذا تركب من ضد، ومن كل شجرة مطعمة بخلاف؛ ~~وليس يعتري مثل ذلك الخلاسي # 68 # من الدجاج، ولا الورداني # 69 # من الحمام؛ وكل ضعف دخل على الخلقة، وكل رقة عرضت للحيوان، فعلى ~~قدر جنسه وعلى وزن مقداره وتمكنه يظهر العجز والعيب. وزعم الأصمعي أنه لم يسبق ~~الحلبة فرس أهضم قط. وقال محمد بن سلام لم يسبق الحلبة أبلق قط ولا بلقاء. # والهداية في الحمام والقوة على بعد الغاية إنما هي للمصمتة من الخضر. وزعموا ~~أن الشيات كلها ضعف ونقص، والشية: كل لون دخل على لون. وقال الله عز وجل: # قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول ~~تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة لا شية ~~فيها ~~. وزعم عثمان بن الحكم أن ابن المذكرة من المؤنث يأخذ أسوأ ~~خصال أبيه وأردأ خصال أمه فتجتمع فيه عظام الدواهي وأعيان المساوي، وأنه إذا خرج ~~كذلك لم ينجع فيه أدب ولا يطمع في علاجه طبيب، وأنه رأى في دور ثقيف فتى اجتمعت ~~فيه هذه الخصال، فما كان في الأرض يوم إلا وهم يتحدثون عنه بشيء يصغر في جنبه أكبر ~~ذنب كان ينسب إليه. # وزعمت أن الكلب في ذلك كالخنثى الذي هو لا ذكر ولا أنثى، أو كالخصي الذي لما ~~قطع منه ما صار به الذكر فحلا خرج من حد كمال الذكر بفقدان الذكر، ولم يكمل لأن ~~يصير أنثى للغريزة الأصلية وبقية الجوهرية؛ وزعمت أنه يصير كالنبيذ الذي يفسده ~~إفراط الحر، فيخرجه من حد الخل، ولا يدخله في حد النبيذ. وقال مرداس بن ~~خذام: # سقينا عقالا بالثوية شربة # فمالت بلب الكاهلي عقال # فقلت اصطبحها يا عقال فإنما # هي الخمر خيلنا لها بخيال # رميت بأم الخل حبة قلبه # فلم ينتعش منها ثلاث ليال # فجعل الخمر أم الخل قد يتولد عنها، وقد يتولد عن الخل إذا كان خمرا مرة ~~الخمر. # وقال سعيد بن وهب: # هلا وأنت بماء وجهك تشتهى # رود الشباب قليل شعر العارض # فالآن حين بدت بخدك لحية # ذهبت ms841 بملحك ملء كف القابض # مثل السلافة عاد خمر عصيرها # بعد اللذاذة خل خمر حامض # ويصير أيضا كالشعر الوسط والغناء الوسط، والنادرة الفاترة التي لم تخرج من الحر ~~إلى البرد فتضحك السن ولم تخرج من البرد إلى الحر فتضحك السن. # | هوامش # | باب الرسائل # (1) الفصول المنتخبة من الرسائل المختارة في كل فن # 1 # كتب رجل إلى صديق له: # إن آباءك شادوا أكارمهم بالفضائل التي كانت فيهم، وإنك قد كنت أخذت في ~~مدرجتهم فأوفيت على غايتهم، ثم اختلجك الهوى ببعض جديلتك # 2 # وجودك، من لباس فضلك الذي كنت تطول به على أكفائك، وتملك به أعنة ~~كافة جندك، وألقيت مالك على شر عواقبه عليك لا لك إن زلت مكاره بوادره ~~عنك. # فصل: # قيل إن مروءة الرجل في نفسه نسب لقوم آخرين، ~~فإنه إذا فعل الخير عرف له، وبقي في الأعقاب والأصحاب، ولقيه يوم الحساب. # فصل: # إن حق الله على المسلمين أن ينظروا في دينهم ~~بالنصيحة لأئمتهم، فإن الأئمة إذا صلحوا بدل الهوى بالتقوى في قلوبهم، وماتت سورة ~~الغضب فيهم لأحلامهم، وسكنت العامة إلى عدلهم وذلت لإنصافهم. وإذا كان للمحسن من الحق ~~ما يقنعه، وللظالم من النكير ما يقمعه، بذل المحسن الحق عليه رغبة، وذل المسيء ~~بالحق عليه رهبة. فأول ما آمرك به رجاء الله وتقواه؛ فأما رجاؤه فأن تحسن به في الصنع ~~إذا أطلعته، ويكون لك وقاية إذا آثرته مطمئنا. وأما تقواه فأن تكون له فيما أمرك به ~~ونهاك عنه مراقبا؛ فإن تقية المؤمن تزيد في انشراح صدره، وإن شدة خوفه ترد هواه ~~على عقله. # فصل: # تنبه إذا نبهت، واذكر إذا ذكرت، وانتفع ~~فقد وعظت، واسمع فقد نوديت، نبهك الوعيد، وحذرك الزاجر، وأمرك ونهاك الكتاب، ~~ونعتك آثار الموت، ودعاك إلى الجنة مليء جواد، فالجد الجد، فقبل المهجرة يريح ~~المدلج. # فصل: # ما نظرت في معروفي عند أحد، فوجدته قصر عن ~~أمله وكان يمكنني أن يكون أكثر منه، إلا عددته سيئة لي عنده، لأني ذوقته ما أحب، ~~ثم منعته إياه، وكأني قصدت لإشخاص قلبه. ولا نظرت ms842 في معروفي عند أحد فوجدته قد تناهى ~~عند تناهي أمله وكان يمكنني أن يكون أكثر منه، إلا رأيتني في ذلك واترا لنفسي، لأنه ~~كفى عيبا لها وإزراء بها، أن أقنع # 3 ~~... فضل نتخذه بمثل ما أقنع رجلا من فضل يتخذه عليه. # فصل: # ما أنت ممن يعلم من جهل به، ولا تحس منه ~~بادرة زلة، ولا يقابل بين أمرين إلا عرف خيرهما فآثره، وشرهما فاجتنبه. وقد رأيت ما ~~ساقت إليك الطاعة من حظ العاجلة، فلا تتعرض لزوال ما أنت فيه، فتخسر الحظين، وتندم في ~~الدارين؛ فقد رأيت من عاند الحق كيف صرعه الله وبسط يد وليه على سفك دمه، وإحلال ~~النقمة به، فصار بعد أن كان في الأمنية مثلا، ولجميع الخلق غاية وأملا، فكرة في ~~الاعتبار، وعظة للأبصار. فلا يبعد الله إلا من ظلم وختر، وذهب عن الحق وأدبر. وأنت ~~اليوم محكم في أمرك، مخير في رأيك، تدعى إلى حظك بالحظ الجزيل بتدلل. فاهتبل ما ~~قد هدف لك وهو ممكن ليدك، فإنك إن أهملت وتراخيت، لم يكن بالحق ووليه وحشة إليك، ومضت ~~أحكام الله في نصرها وتأييدها على أذلالها، # 4 # وصفرت يدك بما لا يشرف لك بمثله، وأخطرت بدمك وأسلته أخبث مسيل وأضل ~~سبيل، حيث لا تبكي عليك السماء والأرض. # فصل: # الناس رجلان: عالم لا غنى به عن الازدياد، ~~وجاهل به أعظم الحاجة إلى التعلم، وليس في كل حال يكون العالم لما يبدهه من الأمور ~~معدا، ولا المتعلم على ما يستفيد منه قادرا وفيا. # فصل: # إن أنت عطلتنا من أمورك، وأعفيت ظهورنا من ~~أثقالك ومئونتك، وتركتنا أغفالا في ولايتك من تنبيهك وتحريكك، فقد أنزلتنا منزلة من ~~لا خير عنده، وجعلت نفسك أسوة من لا معين له، وكفى بذلك ظلما. # فصل: # إن إعلامي إياك # 5 ~~... غير محدد شيئا، ولكنه أقرب من الجميل في معرفة عذر المعتذر، وأحمل ~~للائمة على المسيء المقصر. # فصل: # الذي اعتمدنا عليه من رأيك، ونثق به من جميل ~~نظرك، قد خلطني بأهل صنائعك، والخاصة من ثقاتك، وبسط أملي فيك ms843 إلى غاية خير يرتجى، أو ~~جزيل حظ يؤمل. # فصل: # ليس يسوغ لأحد في الأمير أمل، ولا يتوجه ~~إليه منه رغبة، ولا يلزمه في قضاء حقه، ودنانة # 6 # مئونته إلا وفضله مستغرق لها. # فصل: # من أحمد الأمور وأجمل المذاهب، ما كان آخره ~~موصولا بأوله، ومؤديا بدؤه إلى حمد عاقبته؛ فحافظ على الأمور التي حسن فيها عند ~~أمير المؤمنين أثرك، مستقلا فيها لكثير ما يكون منك، معتدا بها في النعم عندك، ~~والإحسان الواصل إليك، فيما يوفقك الله له منها ويخصك به من الفضل في اختيارها، وأمير ~~المؤمنين يستحفظه الله لك، ويستمتعه في النعمة فيك. # فصل: # قد كان يجب أن تجعلنا بمتابعة النعم علينا في ~~خاصة الشاكرين لفضلك، ولا تجعلنا بتواتر الإساءات إلينا في عامة الشاكين لك. # فصل: # علمي بما بنى الله عليه أخلاق الأمير - ~~أكرمه الله - وجعل عليه رأيه في بسط العدل على رعيته، وبث الفضل على ملتمسي فضله، ~~يبعثني على الكتاب في مثل ما كتبت إليه فيه، من ظلامة مظلوم يستعيذ فيها بعدله، وحاجة ~~ملهوف يرجع فيها إلى فضله؛ فأجمع إلى ما ألتمس من الثواب في ذلك موافقة رأي الأمير، ~~وإذكاره ما يجب أن يذكر به؛ فزاد الله الأمير من نعمه، وأوزعه من الشكر عليها ما يوجب ~~له تتابعها عنده، وترادفها له. # فصل: # أنت - والحمد لله - ممن احتمل الصنيعة، وقبل ~~الأدب، وصدق المخيلة، وخلص على المحنة وحسن الظن؛ فاستقامت طريقته وقدمه جميل مذهبه ~~وآثاره، وجرت على قصد السبيل طاعته، واشتدت على السريرة والعلانية مناصحته؛ فأصبح أمير ~~المؤمنين لا يتناهى في برك وتكرمتك، إلا رآك مستحقا لها ولما فوقها، ولا يرفعك ~~إلى درجة إلا رآك أهلا لأشرف منها، صنعا من الله لك بما وفقك له من طاعته، ووهب لك ~~من جميل مراتبه، والمكان منه والأثرة عنده. # فصل: # فضل مشاركتنا إياك في محبوب الأمور ومكروهها ~~يحملنا في السرور بالنعمة عندك - فجددها الله لك - ويوجب الشكر بما يكون لحقها قاضيا، ~~وللمزيد فيها موجبا. # سعيد بن حميد: # شغلك يقطعنا عن مطالبتك بالحق في ~~جوابات كتبنا ms844 إليك، وصدق مودتنا لك يمنعنا من التقصي في الحجة عليك، ومن يكلك إلى رأيك ~~فإنه لا يفي بك إلا لك، صلة إخوانك والتعاهد لهم من برك، بما يشبه فضلك والنعمة عليهم ~~فيك. # وفلان بيني وبينه مودة أقدمه بها على الأخوة؛ لأنك تعلم قرب ما بين المودة ~~والقرابة، وقد بلوته على الحالات كلها، فلم يزدني اختباره إلا اختيارا له؛ ولا أعلم ~~بالعسكر جليلا إلا وهو لي صديق، يشكر بشكره ويوجب على نفسه المنة فيما آتى إليه؛ فأما ~~من بين إخوانه فلست أعدل من قضاء حقه، ولا أتأخر عن معروف أسدي إليه؛ فإن رأيت أن ~~تحله بالمحل الذي يستحقه بنفسه وسلفه، فوالله ما رأيت سوق الأحرار أنفق منها عندكم ~~أهل البيت؛ أبقى الله تبارك وتعالى باقيكم ورحم ماضيكم. # فصل: # إن أحدا ليس بمستخلص شيئا من غضارة عيش إلا ~~من بين خلال مكاره، فمن انتظر بعاجل الدرك آجل الاستقصاء سلبته الأيام فرصته، لأن من ~~صناعتها السلب، ومن شرط الزمان الإفاتة. # فصل: # إن الأمير قد جل فضله عن أن يحيط به وصف، أو ~~يأتي على تعداده اجتهاد، فلو كان شيء أكثر من الشكر لكان الأمير يستحقه علينا، ويستوجبه ~~منا. # فصل: # قد أصبح المختلفون مجتمعين على تقريظه ومدحه، ~~حتى إن العدو يقول اضطرارا ما يقوله الولي اختيارا؛ والبعيد يثق من إنعامه علينا بما ~~يثق به القريب خاصا. # فصل: # المائلون إليه بين نعم مكتنفة من تالد به ~~يستديمونه، وطارف منه يستعيدونه، ومواهب متجددة، وفوائد مترادفة؛ هي مبسوطة به إلى ~~بركة أيامه، وعلو حظ # 7 # من اتصل به، فزاده الله من فضله، وزاد أولياءه به وببركة دولته. # فصل: # اعتمدت أخا لا يذم إخاؤه، ولا تنكر ~~أحواله، على بعد الدار وقربها، واتصال المكاتبة وانقطاعها؛ تجده متصرفا معك في ~~الخطوب التي يطرق بها الزمان، ويدا لك في الأمور التي يمتحن فيها الإخوان. # فصل: # أسأل الله أن يجعل ما تطول به فيه من ~~الجلالة في القلوب والعيون عند الولي والعدو موصولا بالإنساء في مدته، والإدامة لعزه ~~وسلامته، والإعلاء ليده وكلمته. ms845 # أحمد بن يوسف: # عندي فلان وفلان، فإن كنا من شأنك ~~فقد آذناك. # في صفة حرب: # كانت لكم الكرة، وعليهم الدبرة؛ ~~فحملوا حملة كاذبة، أتبعناها بأخرى صادقة. # فصل في هدية: # قد أهديت إليك من فنون كلامي ~~وعيون مقالي، دفترا ظريف المعاني، شريف المباني، صحيح الألفاظ؛ يلذ بأفواه الناطقين، ~~ويلين على أسماع الصامتين. # فصل في شفاعة: # لفلان قبلك حاجة، ليس يحتاج فيها ~~إلى معدلتك ونصفتك المبسوطتين لمن لا يتوسل بخلطتك ومعرفتك، ولكنه يريد ما في ~~ذلك العدل والإنصاف من الرفق والإحسان المذخورين للخاصة والإخوان. # فصل لرجل تميمي: # ضعف حالي يدعوني إلى كثرة ~~الطلب، ومعرفتي بجميل رأيك تحجزني عن الإلحاح عليك، خوفا أن أكون جاهلا بعنايتك، ~~وحسن نظرك، والكرم يستحيي بعضه لبعض، ويبعث بعضه بعضا، ودين حيلته الغير على العقود، ~~فبعثه كرمه للنهوض، أو دعاه هواه إلى المنع، فجاءه عقله على البذل؛ وحالي جانحة لدى ~~فضلك ونعمة الله عليك من سد خلتها، ومداواة علتها بجاهك الواسع، ورفدك ~~النافع. # أحمد بن يوسف: # قد بذلت لنا من نفسك أعز مبذول ~~وأنفسه، والمودة التي كلما يحمد من صاحبها، فهو لها نافع. وثقتنا بك واستنامتنا إلى ~~ناحيتك، على أحسن ما أكد الله بيننا وبينك. وإن كان مدى اللقاء بيننا لم يطل فأثل ~~منه ما يرعاه أهل الوفاء والمخالصة، ويقصر في المحافظة عليه وعلى أكثر منه، من ~~دخلت نيته، وضعفت خلته. # فصل: # قد أصبحت للخاصة عدة، وللعامة عصمة، ~~وللأنام ثقة في مناصحتك. # فصل في الصفح لأبي علي: # إن الذي فرط منك، وإن ~~تجاوز مني ما أرضاه لك، لم يبلغ ما يغضبني عليك؛ وحيث انتهى ما يخالفني من قولك ~~وفعلك، فإن وراءه تغمدا مني لإساءتك وصفحا عن زلتك؛ فإن تأمنا لا نخنك، ~~وإن يسؤ ظنك فإنما نحتاج إلى إصلاحه منك. # أحمد بن يوسف # إلى إبراهيم بن المهدي في هدية استقلها: # بلغني استقلالك لما ألطفتك، والذي نحن عليه من الأنس سهل علينا قلة الحشد ~~لك في البر، فأهدينا هدية من لا يحتشم إلى من لا يغتنم. # كتب عقال بن شبة ms846 # إلى خالد بن عبد الله في ~~شفاعة: # إن الله انتجبك من جوهرة كرم ومنبت شرف، وقسم لك خطرا شهرته العرب ~~وتحدثت به الحاضرة والبادية، وأعان خطرك بقدرة مبسوطة، ومنزلة ملحوظة؛ فجميع ~~أكفائك من جماهير العرب، يعرف فضلك، ويسره ما خار الله لك، وليس كلهم أداله ~~الزمان ولا ساعده الحظ؛ وأنت أحق من تعطف على أهل البيوتات، وعاد لهم بما ~~يبقي له ذكره ويحسن به نشره، مثلك. وقد وجهت إليك فلانا، وهو من دنية ~~قرابتي، وذوي الهيئة من أسرتي، وعرف معروفك؛ وأحببت أن تلبسه نعمتك وتصرفه ~~إلي وقد أودعتني وإياه ما تجده باقيا على النشر، جميلا في الغب. # فصل في التوديع # أستودع الله الأمير بأحسن وداعه، وأسأله أن يجعله في كنفه وحرزه، فقد أكرم المثوى، ~~وأحسن الابتغاء؛ فأطال الله له البقاء، وأدام عليه النعماء. # في الصفح # بلغني كتابك، تذكر كتابي إليك بوضعي عنك موجدتي، وردي لك إلى أحسن ما عهدت من ~~منزلتك عندي؛ وقد حللت منا المحل الذي خلطناك فيه بأنفسنا، وأدخلناك منه مداخل أهل ~~ثقتنا؛ ولست تؤتى من جهالة بما أنت فيه، ولبعض ما أنت عليه من التجارب تستفاد بمثلها ~~العبر، وينتفع بها في عطف الأمور. # جواب في فتح # كتب سالم بن هشام إلى يوسف بن عمر حين قتل زيد بن علي رحمة الله عليه: # قد بلغ أمير المؤمنين كتابك بما أبلى الله في مدره السوء، وأنه لما ~~عضتهم الحرب، وآلمهم الحديد، عادوا بالمسجد الجامع، قد أكذب الله ظنونهم، ~~وخذل مخرجهم، وقتل إمام ضلالتهم؛ وحفظ لأمير المؤمنين ما ضيعوا من حقه، وحاط له ~~ما أباحوا من الغدر فيه؛ وقد رأى أمير المؤمنين أن يجعل من شكر الله على ~~نعمه، الصفح عنهم، وتغمد حرمهم، وأن يعمهم من عدله، بما يرد به الجاهل ~~عن جهله، والغوي عن غوايته؛ ويعلمون مكانه من الله، واستجابته لعزه ونصره؛ وأنه ~~الخليفة المتقى، والإمام المتألف؛ وأنه يقدم العفو في الطاعة، على الحجة ~~في العقوبة، والحسبة في الاستصلاح، على القوة في التأييد؛ فأمسك عنهم بيدك؛ ~~فإن أمير المؤمنين ms847 قد وهب ذلك كله لله، ورجا به ما ليس ضائعا عنده من ~~ثوابه. # في الصفح عن الجفاء # لو كان من نازع إلى الغدر، قلدناه عنان الهجر، لم يكن أقرب منا إلى الذنب، ونحن نرد ~~عليك من نفسك، ونأخذ لنفسك منك، حتى يكون تركنا إياك، وعذرنا فيه وافرا. # فصل: # الحمد لله على البلية التي طال أمدها، وبعد ~~ما بين طرفيها. # آخر: # اقتفرت في التثبت أناة ذوي الحجى، وقدمت ~~المقدم من الأناة على العجلة، وأطعت في أمرك النظرة، وانتهيت إلى العذرة والمعرفة، ~~فملكت ما ملكك، وحكمت على الذي حكم عليك، فأخذت مثل الذي أعطيت. # فصل: # بدء أسباب الأمور دليل على عواقب الأمل فيها، ~~والخيرة بعد الله عز وجل. # فصل اعتذار # لو كان الناس يقضون الحقوق التي تجب عليهم، ويحافظون على الأمور التي تلزمهم، ~~لقلت اللائمة، وخلصت المودة، وارتفعت أسباب العتاب؛ ولكنهم عجزة منقوصون، يضعفون عن ~~العلم، بأكثر ما تدركه عقولهم، وتعوقهم عن ذلك أشغال لا يجب بها العذر، ولا تستحق ~~الإيثار؛ ولم أزل عاتبا على نفسي فيما ضيعت من مكاتبتك، مع معرفتي بفضلك، وموقع ذلك ~~عندك، وما اعتذاري إليك، سوء ظن بك، ولا مخافة للائمتك؛ ولئن فعلت ما ظلمت؛ غير أني ~~أحببت أن أكفيك المئونة، فيما عسيت أن تنقبض عنه من مقايستي ومعاتبتي؛ وأنا أحب أن ~~تقبل العذر، وتعين على مستقبل البر. # فصل: # أنت في زمان إن لم تغالط أهله، وتختلهم على ما ~~في أيديهم، وتصبر على مكاره الأمور بعد المطالبة، لم تصل إلى شيء، ولم تجد أحدا ما على ~~فضل منك وإن عرفه فيك، ولم يفته من محاسنك شيء، إلا رأى في مساوئ غيرك عوضا منه؛ فكان ~~بذلك أثلج، وإليه أسكن؛ فعليك بالصبر، فإن غايته إلى خير، وأقل ما فيه أن صاحبه لا يلوم ~~نفسه، ولا يلومه أحد، ولعله يظفر أو يدلل. # إلى المأمون من عامل # قل من يسارع إلى بذل الحق من نفسه، إذا كان الحق مضرا به، وقل من يدع ~~الاستعانة بالباطل، إذا كان فيه صلاح معاشه، وسبب مكتسبه؛ ms848 وإذا تفرق الحق في أيدي ~~جماعة فطولبت به، تشابهت في الكره لبذله، وتعاونت على دفعه ومنعه، بالحيل وبالشبه ~~قولا وفعلا؛ واحتاج المبتلى باستخراج ذلك الحق من أيديها، إلى استعمال مجاهدتها ~~ومصابرتها على الحيلة في مدافعتها. # ابن الكلبي # كان خبر ما أبلاك الله في فلان بعد أمانه ما عزمت عليه من الأمان، خبرا عظم ~~مكانه من أمير المؤمنين، وحسن موقعه من الدين؛ ثم ردف خبرك بإذعانه عند ما عضه من ~~بأسك، ومسه من مؤلم إيقاعك للاستسلام، وطلب عقد الأمان؛ وإنك بذلت له ما طلب لا لرهبة ~~بقيت في ناحيتك، إلا الاحتذاء على مثال أمير المؤمنين وأدبه؛ فكان إباؤه ما عرضت عليه ~~في أول أمره ذخيرة حظ فيما كشفت عنه البلوى من محمود أثرك، واجتمع لك في ذلك حظان: ~~الظفر آخرا، والدرك لما حاولته أولا، فلا زلت على نصيبك من الحظ، مؤيدا بالنصر ~~والمعونة، والحمد لله على ما حقق من الظن # 8 ~~... من هذه النعمة على يديك وبسعيك. # إبراهيم بن إسماعيل بن داود إلى ذي الرياستين # وصل إلي كتابك بخط يدك المباركة، فلم أر قليلا أجمع، ولا إيجازا أكفأ من إطناب، ~~ولا اختصار أبلغ في معرفة وفهم منه؛ وما رأيت كتابا على وجازته، أحاط بما أحاط، ~~وضربت ظني في فلان فعظم ذلك سروري، وقد يستعطف الظالم، ويستعتب المتجني؛ وفي ~~رفقك وعلمك بالأمور ما يصلح الفاسد، ويذلل الصعب، ويقبل المدبر؛ ولا يمنعنك جور ~~من جار عليك، من الاعتقاد في الحجة عليه، والأخذ بالثقة في أمره، فإن الله عز وجل لم ~~يجعل عليك في ذلك منقصة ولا غضاضة، بل فيه الإعذار والإنذار والاستبصار، وقضاء حاجة ~~النفس، مع التأدية إلى السلامة، والأمن من الندامة. # فصل: # أنا في حال عافية، تتجاوز إلى حال نعمة، ~~والحمد لله حتى يرضى، فقد أرضى؛ فأما ما أشرت به، وخبرت من إمضاء رأيك فيه، ~~والإمساك عنه، فمثلك جعل لمن نصحه شركاء في كل أمره، ولم يجعل رأيه فرضا لبعضه أن ~~يتعدى، # 9 # وذكرت أدب فلانة، وعندنا لفلانة الطمع المستقبل مع الإنعام ms849 المتقدم، مع أنه ~~لا شيء لها عندنا قل ولا جل، ولو كان ما استحللنا حبسه صفقة كف، ولا تغميض طرف؛ ~~وذكرت أنه لا يستغني مثلنا عن مثلها، وأبدال الله كثيرة عتيدة، وما بان علينا فقد ~~أحد ممن كان قبلها في دارنا، فحال بيننا وبينه حائل، ولا اختللنا له مع نظر الله تبارك ~~وتعالى وأخلافه؛ وبعد هذا فأحسن الله جزاءك، وحاط لي فيك ما أحب منك، وكفاك المهم ~~وكفانيه بك، فما تقوم نفس لو كانت لي أخرى مقامك في نصيحتي وبري، والاهتمام لي، بما أنا ~~عنه ساهية لاهية من أمري، لا أعدمنيك الله ولا النصيحة منك. # فصل: # قال أبو جعفر الكرماني للحسن بن سهل ووعده ~~شيئا فأبطأ عليه: أنا أعرف تكامل الثقة فيك، ورجاحة الفضل بك؛ وأعلم أن فعلك يربي ~~على قولك، وأن إنجازك أكثر من وعدك؛ فقدم لي من كرمك، ما أثمره إلى أن # 10 # يلحقه المتأخر عنه، وإلا فدلني على ما أقول إذا سألني من بعثته على ~~شكرك، عما بلغه من الحظ على نيتك. فقال الحسن: تقول ما ينبغي. فقال: فافعل ما ينبغي ~~أقله. # عمرو بن مسعدة # وصل إلي كتابك، على ظمأ مني إليه، وتطلع شديد، وبعد عهد بعيد، ولوم مني على ما ~~مسستني به، من جفائك، على كثرة ما تابعت من الكتب، وعدمت من الجواب، فكان أول ما سبق ~~إلي من كتابك السرور بالنظر إليه أنسا بما تجدد لي من رأيك، في المواصلة بالمكاتبة، ~~ثم تضاعف المسرة، بخبر السلامة، وعلم الحال في الهيئة؛ ورأيتك بما تظاهرت من الاحتجاج، ~~في ترك الكتاب، سالكا سبيل التخلص مما أنا مخلصك منه، بالإغضاء عن إلزامك الحجة، في ~~ترك الابتداء والإجابة؛ وذكرت شغلك بوجوه من الأشغال كثيرة متظاهرة ممكنة، لا أجشمك ~~متابعة الكتب، ولا أحمل عليك المشاكلة بالجواب؛ ويقنعني منك في كل شهر كتاب، ولن ~~[تلزم] # 11 # من نفسك في البر قليلا، إلا ألزمت نفسي عنه كثيرا، وإن كنت لا أستكثر ~~شيئا منك؛ أدام الله مودتك وثبت إخاءك، واستماح لي منك؛ فرأيت في ms850 متابعة الكتب ~~ومحادثتي فيها بخبرك موفقا إن شاء الله. # عيسى بن واضح إلى الفضل بن الربيع # قد أكد الله من حرمتي بك، ووصل من الشعب بيني وبينك ما جعله ذخيرة ليوم ~~الحاجة، وعدة عند ملم النازلة. # جبل بن يزيد # أما بعد، فإن من صحب الدنيا لم يخل من تصرف أحوالها، وكثرة معاريض فجائعها، في ~~اخترام الأنفس في خواصها، ومواقع البلايا بين ذلك فيما يهدها، ويفر من الأشياء عليها؛ ~~وكان ذلك لا سبيل إلى دفعه، ولا حيلة يستعان بها عند نزوله، إلا الرضا عن الله عز وجل ~~فيما قضى، والتسليم لأمره في كل ما أتى، والسكون إلى الأسوة التي نهج الله سبلها، وخفف ~~بها مواقع المصيبات على أهلها؛ ثم الرجاء بعد ذلك لحسن ثواب الله، [وقد] جعله الله لمن ~~لزم أمره وأجشم نفسه مكروهها في مواطن الصبر على المصيبة، والشكر في حال ~~العافية. # وله في المطر # قد كنت كتبت إلى أمير المؤمنين أعلمه المطرة التي أصابتنا، وما أنزل الله بها من ~~رحمته ثم عادت لنا بعدها من الله عائدة رحمة، بولي مطر أنزله الله بأحسن ما رأينا من ~~المطر وابلا جودا، لا يفتر غزيره ولا يرعوي جوده، إلا إلى ديمة عن ديمة، يتراخى ~~إليها يسيرا ريثما تعود، فأقامت علينا سماؤه مستهلة بذلك وكذلك إلى غروب الشمس؛ ثم ~~انقطع مطرها بسكون من الريح، وفتور من القر، وفضل من الله عظيم، ينشر به رحمته، ويبسط ~~به رزقه، فأسبغ النعمة، وأوسع البركة، وأوبق بحمد الله معارف الخصب والحمى. والله محمود ~~على آلآئه ومشكور على بلائه، وما أنزل الله من سقياه ورحمته، بعد الذي أقبلت به السنة ~~البرية والقحط وعدم الإمطار، وشدة ما بلغ الناس من القنوط وسوء الظنون. # وله إلى بعض إخوانه # أما بعد، فإن أعظم الأمور فيما بين الناس حقا أمران: منهما الإخاء في الدين، فهو ~~سبب وصية الله بين عباده بالألفة والمحبة التي انقطعت بها قرائن القلوب من بعضهم إلى ~~بعض، فاتصلت بحبائلهم مرائر حبلها، وتقطعت فيما بينهم عاطفات وصلها؛ ومنهما مجاملة ms851 ~~جميل الأعداء، وحفظ ما يحق لأهل حسن البلاء؛ ثم الصنائع بعد ذلك في مواقعها فضائل بقدر ~~ما جرت به أسبابها ولطفت مداخلها. # فصل: # الصناعة ليست يزيدها الأخلاق الجميلة، ويزيد ~~في أسبابها أواصر المودة؛ وقد جعلك الله في صناعتك مقدما، وفي مودتك متفضلا؛ فلا زالت ~~عنك نعم الله، ولا برحت سكنا لإخوانك، وأنسا وموضعا لما تستميحون من معروفك، ~~ويستميرون من يدبرك. # فصل: # إن لك من قلبي لموضعا معمورا بالمودة ~~والثقة، والاسترسال والأنسة، فلا تخرج فلانا من سعة جميل برك، إلى عقبى ~~استحقاقه. # آخر # قد طالت الصبابة إليك، وللدهر عقب عائدة بالنفع والصنع، ولا سيما لمن كان على مثل ~~شاكلتك في أدبك وفضلك وإنصافك إخوانك وبرك بهم، وما توجبه على نفسك لهم مما يقصرون ~~عن شأوك فيه. # الكلبي # كان أسلافنا تقارضوا ديونا من الصفاء يستأديها كل عقب من صاحبه؛ وقد أورثونا مودة ~~لا نعجز عن اكتساب مثلها. # ابن أعين كاتب الخيزران # ليس يكون منك شيء وإن حسن، إلا وحسن ظني بك يبلغه، فاستتم أحسن ما كان منك، يتم ~~لك أحسن ما تحب مني. ولا يمنعنك الاكتفاء بحالك اليوم من طلب الزيادة في غد؛ فأنه لقل ~~شيء لا يزيد إلا نقص، والزمان يمحق الكثير، كما يربو على الزيادة القليل. # ابن الكلبي # أنت من أطول بمكانه وأثق بجميل رأيه، وأعتمد على رفده، وأرجو درك كل فضيلة به؛ ~~ومما أحب علمه مقر نعم الله عز وجل لديك. # علي بن عبيدة إلى ابن الكلبي # وصل الله أيام عمري باتباع موافقتك؛ ولولا موعد أخذ علي، لأطعتك فيما أمرت به، ~~متبعا مع إجابتك سرور نفسي برؤيتك في السلامة. # أما بعد، فإني أصبحت وقد استفرغ الأمير مني كل مودة ونصيحة، ومبلغ جهد وطاقة فيما ~~عرفت له فيه موافقة. # فصل: # فإن الذي شعب الله بيننا من التواصل ~~والتكاتب، يدعوني إلى متابعة الكتب إليك في تعهد حقك، وإن كان الخبر عن ظاهر الحال قلما ~~يغني، فإن له من الأنس والموقع في الكتب ما ليس لمستعرضات الأخبار. # فصل: # قد كنت أعلمت الأمير ms852 انقطاع بني فلان إلى ~~فلان، بأهوائهم وبصائرهم وشراء # 12 # ما قبله بغيره، وما كان وصل إلينا في ذلك من الأمور التي حملوا إصرها، ~~وبقي لنا أجرها وذكرها ونافلتها وسابقتها؛ فنحن عدد الأمير وخباياه وذخائره، ومن يأمل ~~يومه وغده، ولا متخطى له عنه ولا مقتصر دونه. # عمارة # بلغني كتابك يصف كذا، فإن رأيت ألا تعتمد على ما لصقت [به] من عذرك، وأطعت فيه الهوى ~~من قبول عفوك، وتجعلني أحد من يسر بسرورك، وتشركه في مهمات أمورك، فإني أحدهم ~~وأوسطهم عناية بما عناك وتوسطا لما عراك، فعلت. # فصل: # والدنو من دارك إذ الدار جامعة والحبل متصل، ~~إذ نحن في الاستيفاء بالخبر والعلم بدخلة الحال، بمنزلة من كأنه يعاني من يشتاق إليه ~~ويصبو به في كل يوم، حتى نأت النوى، وأنت في اللقاء والإنظار في كل أمر وعلى كل حال من ~~لا يشك في صفاء غيبه، وصدق إخائه. # فصل: # مشاركتنا إياك في محبوب الأمور ومكروهها يحلنا ~~محلك في السرور بالنعمة يجددها الله لك، ويوجب من الشكر علينا # 13 # مثل الذي يوجب عليك. فوصل الله كل نعمة يهبها لك من الشكر بما يكون لحقها ~~قاضيا، وللمزيد فيها موجبا. # سعيد بن عبد الملك # كتبت على شغل في قطع من القرطاس، ولم يقطع بي حسن الظن بك في قبولك العذر، وتحسينك ~~ما أنت أهل لتحسينه؛ فإنك تقبل دون حقك، وتهب الذنب فيه، فيكون شكرك جاريا على سبيلين، ~~كلاهما يبين لك عن فضلك، ويوجب لك ما لا يقصر معه إلا مغبون الحظ خسيس النصيب. # فصل: # وقد ظهر من أمير المؤمنين في فلان بعد وفاته، ~~ما هو أعدل شاهد على حسن منقلبه، ورد إليك من رأيه وتفقده ما أرجو أن يكون فيه أعظم ~~العوض. والله أسأل أن يتولى لك أمورك في السراء والضراء، والشدة والرخاء، والشكر وحسن ~~العزاء. # جبل بن يزيد إلى بعض إخوانه # تمم الله علينا وعليك النعم، وأجزل لنا # 14 # ولك محاسن صالح القسم. إن الله تبارك وتعالى أجرى بيننا وبينك لطيف مودة، ~~وخاص أخوة، غير ms853 أن المعرفة قد تحمد بعد الخبرة، والثقة إنما تعرف بعد التجربة، وقد ~~أحببت أن يعلم من قبلك # 15 # الذي أحدث الله لك من حال دولتك، وأن يعلم هل أبقت لنا منك النعمة سعة، ~~أم تركت لنا منك صفحة نعرف بها عهدك ونأمل بها وصلك؟ فإن أصحاب السلطان، بحال بلوى في ~~التغير والانتقال، إلا من نالته من الله تبارك وتعالى عصمة. فإن كنت على ما رجونا من ~~الوفاء، وحسن الحفظ للمودة والإخاء، فمثلك لم يرض لنفسه إلا بأجمل الأخلاق وأوفقها ~~للسداد. وإن حجزك عن ذلك ما تأتي به الأقدار في متصرف الليل والنهار، نعذرك بما نعذر ~~به أهل السلطان، إذا غيرتهم الحال، وتنكرت شمائلهم بين الإخوان. # وله إلى بعض إخوانه أيضا: اعلم أني إليك مشوق، وأن صلة الإخوان كرم، وخير الصلات ما ~~لم يكن لها وجه إلا الرجاء والحفظ وتجديد المودة وتصحيح الإخاء؛ فإن الذي يكاتب إخوانه ~~على حال الرغبة يكفي القائل كتابه حيث شاء، إن أحب مال به إلى الصحة، وإن شاء وضعه ~~للرغبة، والرغبة أملكهما # 16 # به. والذي يكاتب إخوانه على حال الضرورة، فقد يستقطع الصلة عند الحدث مخافة ~~الملامة # 17 # من الناس على القطيعة الشنعاء المشهورة لإخوانه؛ فإن الذي لا مودة له قد ~~يصل ذلك في تلك القطيعة بأهل البلاء. # والكتاب على مثل حالنا وحالك اليوم شاهد على أن ذلك ليس إلا صحة الإخاء والشوق إلى ~~المحادثة بالكتاب، حين لا يلومك اللائمون لمنزلة البلاء تلك اللائمة على التقصير، ولا ~~يوضع منك الرغبة في الإطماع. إياك أن تعتل بالأشغال أن كنت في خاصة نفسك، فإن أداء ~~الحق وصلة الإخوان أعظم الخاصة بك خاصة. وإنما أمرنا في كل هذا كأمرك في الذي يستغني من ~~خاصتك تلك التي لنا، فإن لنا ما لك، وهذه التي لنا لك؛ أليس ما سرنا سرك وما ~~سلبناه حظا لك، فهذه كذلك وذلك كهذي. والله يوفقنا وإياك. وأنت أبا يوسف. هكذا حال ما ~~بيننا وبينك ما وصفت لأبي سعيد، غير أنه سألنا أمرا لم يسألناه قط، ms854 فله فضل السبق ~~علينا في المسألة، ولنا فضل المنزلة عليك في اللائمة. ولن أدعك والفعل، دون أن تشفعه ~~بالعمل الذي هو صلة القول. وسلام عليك ورحمة الله، وقضى الله عز وجل بالحسنى لنا ~~ولك. # فصل: # أتاني كتابك، فأنعمت أن يسرني بسلامتك، وما ~~حاق فيه كرم برك، ولطيف عنايتك، ما لم أفقد في حالة من حالاتك، فكان الكتاب مصدقا ~~لما سلف، مبشرا بما يستأنف، مذكرا منك عهدا موصو # 18 ~~... مثاله طرفي وقلبي، ملصقا ذكره بلساني وقلبي. فلا عدمتك، بل أمتعني الله ~~بك فأطال، وكثرني ببقائك. # فصل: # أتاني كتابك فطامن قلبي وطرفي، بعد ما كان ~~شاخصا إليه، متشوقا إلى رؤيته، ثم ملأني سرورا ما رأيت فيه من آثار برك وكريم ~~تفقدك. وأفضل ما عندي منك قبله، مما إن ذكرته، فللاستراحة # 19 # إلى الذكر، وإن أمسكت، فللعجز عن الشكر. فأما الضمير فمبني على الإقرار ~~بفضلك، والنية خالصة بشكرك. وقليل ذلك لك، فأعطاك الله فأطاب، ووهب فأجزل. # فصل: # وصل إلي كتابك فخيل لي حين نظرت إلى أثر يدك ~~بمجرى قلمك في بطن صحيفتك، أنك ماثل بين عيني: أنظر إلى شخصك وأسمع من لفظك، فابتعث ذلك ~~مني طربا شائقا، وصبابة هيجت الأحزان وذكرت الإخوان. وكنت من إخواني الذين أفخر ~~بسلامتهم للود الذي أجرى الله بيننا وبينك، فتواصلنا بحرمته، وتعاطفنا بوصله. # فصل: # إن الله جعل عاقبة كل نعمة وإن عظمت، تبعا ~~لأولها، وجعل الشكر عليها سببا لتمامها وموجبا لأحسن الزيادة منها. # فصل في شكر: # فإن الله جعلك للخير معدنا، وللفضل ~~موضعا، فيما حملته نفسك من ثقل أعباء المروءة، وحملتها عليه من عظام المكارم، حتى صرت ~~بما أنعم الله به عليك، منتهى كل أمل وغاية كل رغبة. ثم ألبست النعمة لباس التواضع، ~~وناسبت في الأخلاق من سبقت به عليك الأمور، حتى كأنهم في النعمة لك شركاء. وتحننت على ~~الأقربين والمتقربين من الإخوان والأكفاء، حتى كأنهم لك ولد، وأجبرت نفسك حين ساعدك ~~الدهر، على طبيعة التقرب إلى العامة؛ فكلهم يدلي إليك بدلو رغبته، ويمتاح منك متاحة ~~فضل؛ فلا ms855 عدمت ألا تزال تنعش سقطة، وتقيل عثرة، وتسد خللا، وتنيل أملا؛ ولا عدم من ~~شهد ذلك منك، أن يستتم هذه النعمة عليك وعلى نفسه؛ فإن من سعادة العامة أن يجعل سارها ~~عند خيارها. ومن البلاء العظيم عليها الموجع لها، أن يخص شرارها بموضع رغباتها. # فاسلم كلأك الله بهذه النعمة، غير منغص بها، ولا مكدر عليك # 20 # صفوها، حتى تسلمك النعمة العاجلة إلى النعمة الباقية؛ فإنا وإن علمنا أن من ~~شأن الدهر الغدران في العواقب فقد علمنا أنك فيما أهدى الله إليك من النعمة، قد أديت ~~حق الله عز وجل ثم حق إخوانك فيها، فكنت آخر من نال فضلك، كرما في السناء، ورضا في ~~الأثرة، غير متطاول لما نأمل، ولا متضعضع لما تحذر؛ فإنا نجزي شكر الماضي منك، ورجاء ~~الباقي، فنرى تضييعا منا في عقد الرأي، وإزراء بنا في وثائق الأمور، ألا نمنحك من ~~أنفسنا مودة الولد ورقة الوالد، وإذا أعطاك امرؤ ثمرة فؤاده، فقد فرغ إليك من جميع حقك؛ ~~لأن ذات يد امرئ في البذل أهون عليه من ذات نفسه في الشكر. وكفى لامرئ من امرئ أن ~~يستولي عليه حتى لا يدع لغيره فيه فضلا. وكفى بك لنا من غيرك. وكثير منا أن نقوى على ~~أداء أدنى صنوف حقك، غير أن أوثق أمورنا فيك عند أنفسنا ألا نسأم النظر إلى فنائك ~~بهجين بك إن برزت، وعاذرين لك إن شغلت. # فصل: # إن الهدى والضلالة يقتسمان دول الأزمنة، لغير ~~كرامة للباطل، ولا هوان للحق. وأهل الحق كيف تصرفت أحوالهم في كرامة من الله عز وجل، ~~ونعمة بين دولة تكون لهم، يقومون لله فيها بحقه ويظهرون هداه ودينه، ودولة تكون ~~للباطل، يكونون فيها كهوفا للخيرات، ومعدنا للحسنات، يستكن الحق في صدورهم، ويأوي ~~البر والصدق إليهم؛ فهم بين يومي صبر وشكر، ليس أحدهما دون صاحبه في الفضل. # وأهل الباطل كيف تصرفت أمورهم بين سخط الله وعقوبته؛ لأن الله تعالى لم يجعل في ~~الباطل فرجا لأهله، وإن كانت لهم دولة كانت إملاء واستدراجا، وكانوا فيها ms856 على مدرجة ~~هلكة وسبيل نقمة؛ وإن كانت الدولة لأهل الحق، كانوا فيها بين ذيل وضيم، وخوف وجزع، وقد ~~سدت عليهم المطالع، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت. ففي أي يوميهم مستراحهم: أيوم ~~دولتهم، وهم لا يشكرون النعمة ولا يقطعون أسباب النقمة؟ أم يوم علو الحق عليهم، وهم لا ~~يصبرون على المحنة ولا يبصرون من العمى؟ وأهل الحق بين حالي غبطة وحسبة، وأهل الباطل ~~بين حالي إملاء ونقمة. # فصل في صفة الجند: # إن الغالب على أهواء جماعة من ~~فئام أولياء الأمير وجنده إعظام الأمير ومعرفة فضله، والتقرب إلى الله بمحبته ومناصحته ~~وطاعته، ومعاداة عدوه؛ وتلك نعمة يعتدونها ويتقربون إلى الله بها، ويتوسلون إلى ~~الأمير بخزي قوم خالفوا. # فصل: # حل بين فلان وبين التشريد بهم والاجتياح لهم، ~~فإن ذلك أرضى لربك، وأجمع للألفة، وأقوم لعمود الخلافة الذي سدد الله دعائم الإسلام وأس ~~الدين به. واعلم أن من حاط الله دينه، ورمت عن فوقه الجماعة، وعادى أهل النقض لها، ~~ابتعثه الله آمنا من هول الحساب وضيق المحشر، والله بنصره أحق وأولى. وكن لله بحيث ~~افترض عليك، فإنه قال لنبيه # صلى الله عليه وسلم ~~: # يا أيها النبي ~~جاهد الكفار ~~. # كتب جعفر بن محمد بن الأشعث إلى رجل لم يكاتبه # لست بما صرفت إلي من معروفك بأسر مني، بما أهديت إلي من قضاء الحق عنك، وقلة ~~ذوي الحرمة بك؛ لأنك قد تصل من لا يثق ولا يأنس إلا بمن يعتمد عليه. # كتب الفضل بن يحيى إلى رجل يشاوره في أمر حدث # ليس كل امرئ وإن كان ذا عزيمة في رأيه، وأصالة في عقله، بمستغن عن مكاشفة أهل ~~الرأي؛ لتوزيع الله عز وجل، أقسام الفضل في خلقه، وإشراكه إياهم، في عطاياه؛ فرأيك ~~في كذا. # ركب إبراهيم بن المهدي إلى أحمد بن يوسف، فكتب أحمد إلى إسحاق بن إبراهيم الموصلي # عندي من أنا عبده، وحجتنا عليك، إعلامنا إياك. # توسل # توسل رجل إلى رجل بمحمد بن عبد الملك وادعى قرابته منه، وبلغ ذلك محمدا فكتب ~~إلى المتوسل إليه: # بلغني ms857 أن رجلا ادعى قرابتي، وأورد عليك كتابا ذكر أنه مني؛ وما أنكر ~~أن ينتفع بي من توسل بنسبي، إلا أنه من ادعى قرابة، ولا قرابة له، كان ~~استعمال الشفاعة في أمره أولى. # كتب طاهر بن الحسين إلى الفضل بن سهل # أسعدك الله بمحاربتك، التي بذلت فيها مهجتك، ومهج من هو موصول بك منا. # محمد بن الجهم # وليس في جميع الناس أعدى لك: من صديق مؤمل، أو حميم راج، إن منعتهما شتماك ~~وبهتاك، وإن أعنتهما الباهتة # 21 # اغتالاك. # محمد بن مسعر # قال: كنت أنا ويحيى بن أكثم عند سفيان، فبكى سفيان، فقال له يحيى: ما يبكيك يا ~~أبا محمد؟ قال: بعد مجالستي من جالس أصحاب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # ابتليت بمجالستكم! ~~فقال له يحيى: فمصيبة من جالست منهم بمجالستهم إياك بعد أصحاب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أعظم من مصيبتك بنا! فقال: يا غلام، أظن السلطان سيحتاج إليك. # دخل ميمون بن مهران على بعض خلفاء بني أمية - وأحسبه عمر بن عبد العزيز - فقال له ~~وقد قعد في أخريات مجلسه: عظني! فقال له: إنك لمن خير أهلك إن وقيت ثلاثا. قال: ~~ما هن؟ قال: السلطان وقدرته، والشباب وغرته، والمال وفتنته. فقال: أنت أولى بمكاني ~~مني فارتفع إلي. فأجلسه معه على سريره. # ابن وهب في الاعتذار # لو لم نعذرك لم نعذر أنفسنا بقطيعتك، فكن لنا في لائمة نفسك، كما كنا لك في ~~عذرك. # وفي مثله # ليس في الإساءة فضل عن الاعتذار، وفي عائدتك فضل عن إساءتنا، فمن أين يسقط بين ~~فضلك والاعتذار! # آخر # فلان من حملة المعروف، يكثر عندهم قليله في شكرهم، ويقل لهم كثيره في عظيم ~~حقوقهم. # فصل: # لئن عميت عن الرأي فيك، لقد أبصرته ~~بك. # فصل: # تغيب فأشتاق، ونلتقي فلا أشتفي. ~~(2) فصول من رسائل مختارة في كل فن # وهي مثل مما كتب به الكتاب في أبواب لا نظير لها. # فمن ذلك ما كتب به في التحميد لله عز وجل في أوائل الفتوح وأواخرها وأوائل الكتب ~~التي فيها تحميد ms858 الله عز وجل. # التحميد الأول # الحمد لله القادر القاهر، المتوحد بالسلطان والربوبية، والمتفرد بالبقاء ~~والقدرة، والمتجبر بالكبرياء والعظمة؛ ذي الجلال والإكرام، والإفضال والإنعام، ~~والعز والبرهان، والأسماء الحسنى، والمثل الأعلى؛ الأول بلا غاية، والآخر بلا ~~نهاية، الذي لا يحيط به وصف الواصفين، ولا تبلغ مدى عظمته أوهام المتوهمين، ولا ~~تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار، وهو اللطيف الخبير؛ لا يئوده حفظ كبير، ولا يعزب ~~عنه علم صغير، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وما تسقط من ورقة إلا يعلمها، ~~ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين. # التحميد الثاني # الحمد لله الذي خلق الأشياء على غير مثال ولا رسوم، وأنشأها على غير حدود، ودبر ~~الأمور بلا مشير، وقضى في الدهور بلا ظهير، وسمك السماء بقدرته، وبناها على إرادته، ~~وأسكنها ملائكته الذين اصطفاهم لمجاورته، وجبلهم على طاعته، ونزههم عن معصيته، ~~وجعلهم حملة عرشه، وسكان سماواته، ورسله إلى أنبيائه، يسبحون الليل والنهار لا ~~يفترون؛ ودحا الأرض وبسطها لكافة خلقه، وقسم بينهم الأرزاق، وقدر لهم الأقوات، فهم ~~في قبضته يتقلبون وعلى أقضيته يجرون، حتى يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير ~~الوارثين. # وصدر تحميد مفرد # الحمد لله العلي مكانه، المنير برهانه، التامة كلماته، الشافية آياته؛ والحمد لله ~~ولي أوليائه وعدو أعدائه. # وصدر تحميد # الحمد لله الغالب الذي لا يغلب، والمقتدر الذي لا يعان، والمنجز وعده، والمؤيد ~~أولياءه، والخاتم بالفلج # 22 # والظهور لهم، والمديل من أعدائه، ومحيط دائرة السوء بهم. # ولكاتب خزيمة بن خازم في فتح الصنارية تحميد مختار # أما بعد، فالحمد لله ذي الملكوت والقدرة، والجبروت والعزة، والسلطان والقوة؛ أهل ~~المحامد كلها، ومدبر الأمور ووليها، وخالق الخلائق وبارئها، ومميتها ومحييها، ~~وباعثها ووارثها؛ الذي أوجب على نفسه بما نفذ من مشيئته، وسبق من علمه، وثبت في ~~اللوح المحفوظ عنده إعزاز دينه، وإظهار حقه، وإعلاء كلمته، وإبلاج حجته، وإزهاق ~~باطل أعدائه؛ الصارفين عن طاعته، والجاحدين لربوبيته، المكذبين بكتبه ورسله؛ بلغ ~~بذلك أمره، ونطق به كتابه؛ فإنه يقول تبارك اسمه في المنزل من ms859 فرقانه: # بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا ~~هو زاهق ولكم الويل مما تصفون ~~. # وتحميد لأحمد بن يوسف إلى الولاة عن الخليفة # أما بعد، فالحمد لله ذي المنن الظاهرة، والحجج القاهرة؛ الذي قطع بينه وبين عباده ~~المعذرة، ورادف عليهم البينة، ومهلة النظرة؛ وجعل ما أتاهم من حظوظ الدنيا بالقسم ~~المكتوب، وما ذخر لهم من ثواب الآخرة بالنجح المطلوب؛ فهم في العاجلة شركاء في ~~النعمة، وفي الآجلة شتى في الرحمة؛ يختص بها أهلها المنتفعين بما ضرب لهم من ~~الأمثال، وتصريف الحال بعد الحال؛ المبادرين بأعمالهم إلى انقضاء مدد آجالهم، قبل ~~حلول ما يتوقع، وفوت ما لا يرتجع. # وتحميد لإبراهيم بن العباس في فتح إسحاق بن إسماعيل # الحمد لله معز الحق ومديله، وقامع الباطل ومزيله، الطالب فلا يفوته من طلب، ~~والغالب فلا يعجزه من غلب ؛ مؤيد خليفته وعبده، وناصر أوليائه وحزبه؛ الذين أقام ~~بهم دعوته، وأعلى بهم كلمته، وأظهر بهم دينه، وأدال بهم حقه، وجاهد بهم أعداءه، ~~وأنار بهم سبيله؛ حمدا يتقبله ويرضاه، ويوجب أفضل عواقب نصره، وسوابغ ~~نعمائه. # التحميد الثاني # الحمد لله الغالب ذي القدرة، والقاهر ذي العزة؛ الذي لم يقابل بالحق باطلا في ~~موطن من مواطن التحاكم بين عباده، إلا جعل أولياء الحق منهم حزبه وجنده، وجعل ~~الباطل بهم فلا منكوبا، ودحيضا زهوقا؛ إن نهض به أولياؤه كانت مراصد عواقبه ~~مفرقة ما جمع، ومبترة ما أعد، وقائدة بأشياعه إلى مصرع الظالمين، حتى يكون الحق ~~الطالب الأعز، والباطل المطلوب الأذل؛ وأولياء الحق الأعلين يدا وأيدا، وأشياع ~~الضلال الأخسرين أعمالا وكيدا؛ قضاء الله وسنته، وعادة الله وإرادته، في الفئة ~~المنصورة أن تعز فلا ترام، وأن يمكن لها في الأرض كما مكن للذين من قبلها؛ وفي ~~الفئة الناكبين عنه، أن تزل فتكون كلمتها السفلى، وكلمة الله هي العليا، والله عزيز ~~حكيم. # وتحميد له مبتدأ مقام بين يدي الخليفة # أما بعد، فالحمد لله الأول بلا أيد يحصى، والآخر بلا أمد يفنى؛ الظاهر لخلقه ~~بعزته، العزيز في سلطانه بعظمته، الفرد في وحدانيته بقدرته، المدبر في ms860 ملكه ~~بجبروته؛ الذي نأى عن الأشياء أن يكون فيها محويا، واتصل بها فلم يك من علمها ~~خليا، وهو فيها غير مستكن، ومعها غير مماس في لجج البحار، ومفاوز القفار، ~~وشوامخ الجبال، وكثبان الرمال؛ مع كل خلق، وفي كل أفق، وعلى كل شرف ومكان، وفي كل ~~وقت وأوان؛ موجود إذا طلب، وقريب حيث ندب؛ عالم خفيات الغيوب، وخطرات القلوب، وما ~~في السموات وما في الأرض، ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم، ولا خمسة إلا هو ~~سادسهم، ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم؛ وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا ~~حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين. # وتحميد ثان يتلو الأول # الحمد لله المتعالي عن تشبيه الجاهلين، وتحديد الواصفين، وتكييف الناعتين؛ يوصف ~~لا بالعرض والطول ، وينعت بغير الشبح الممثول، ويحد لا بالخلق المعدود، والجسم ~~الموجود؛ بل يتناهى من وصفه، إلى ما دل عليه من صنعه، ويوقف عليه من نعته، على ما ~~أخبر به عن نفسه؛ وكيف يوصف من لم يره أحد، ويحد من لم يحده بلد؛ أو يشبه غير ذي ~~أعضاء، أو يكيف غير ذي أجزاء؛ لو رئي لوصف، ولو وصف لمثل، ولو مثل لكان له ~~نظير؛ سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا، لا تجنه الأقطار، ولا يحويه قرار؛ ~~ولا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، وهو اللطيف الخبير؛ لا يوصف أولاه، ولا يدرك ~~أخراه، ولا يعرف منتهاه؛ عظم أن يحصره وهم، وجل أن يدركه فهم، وامتنع من أن ~~يخاله علم، ولا يغيره ليل ولا يوم؛ ولا تأخذه سنة ولا نوم، له ما في السموات وما في ~~الأرض، من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه، يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون ~~بشيء من علمه إلا بما شاء، وسع كرسيه السموات والأرض ولا يئوده حفظهما، وهو العلي ~~العظيم. # وتحميد ثالث # الحمد لله الذي ألهمنا من الإقرار بربوبيته، والإيمان بوحدانيته، وأنه غير ذي ~~صاحبة يسكن إليها من وحشة، ولا ولد يتكثر به من ms861 ضعف قلة، ولا شريك يعاونه من عجز ~~قدرة، ولا ظهير يكانفه لملال فترة؛ ما جعل لنا به أوثق الأسباب لديه، وأرجى الوسائل ~~إليه؛ إذ كان من أنكر ما دللنا الإقرار به يصير بجحد ما أخنعنا الاعتراف فيه، إلى ~~أليم عقوبته بالمعصية التي استحكمت السخطة على أهلها، وحلت النقمة بمن فارقها؛ ثم ~~جعلنا تبع إشراف كثير على أنفسنا في مشيئة منه، بسط إليها آمالنا وأحسن عليها ~~أطماعنا بكرم عفوه، وعظيم حلمه، وسعة رحمته، التي وعد أهل الإيمان بها؛ إذ صار من ~~فارقهم في ذلك بما استهوت عليهم، بتزيينه لهم شياطينهم، ورانت على أفئدتهم # 23 ~~... وما ظلمته قرباؤهم إلى الناس من كل طمع يجدي وخبر ينجي؛ جزاء بما ~~أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا، إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك ~~لمن يشاء، ومن يشرك بالله فقد حبط عمله، وهو في الآخرة من الخاسرين. # وتحميد يتلو الثالث في هذا المقام # الحمد لله الذي ابتدع لا من شيء ما أنشأ، وابتدأ على غير مثال ما ابتدأ؛ فجعل ~~كثيرا من لطائف تقديره، وصنوف تدبيره، وتصاريف أموره؛ حججا واضحة، وآيات بينة، ~~وعبرا شافية؛ تشهد له بعزة القدرة، ونفاذ الحول والقوة؛ فخلق مدبرا بلا مشورة ~~أحد، سبعا دحاهن على الماء على غير سند؛ مبسوطات في تكاثف أجزائهن، على معين ماء ~~مسخر من تحتهن، فجر خلالهن أنهارا، وقدر فيهن من المعاش أقواتا، وجعل لهن من ~~الجبال أوتادا، ثم استوى إلى السماء وهي دخان، فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو ~~كرها قالتا آتينا طائعين. ففطر من الدخان في خفته على الهواء سبعا، جعل بينهن من ~~الجو متسعا، سبع سموات طباقا مرتفعات، بلا دعائم قبلها ولا علاقات، يمسكهن ~~بقدرة أن يرتفعن فوق ما حبسهن عليه، وأن يهوين إلى قرار دون ما رفعهن إليه؛ ~~فأتقن صنعها، وأوحى في كل سماء أمرها؛ وزين السماء الدنيا بالمصابيح النيرة، ~~والشهب الثاقبة، والنجوم الواضحة؛ وسخر الشمس والقمر علما للمهتدين، وسراجا ~~للمبصرين، ورجوما للشياطين، وأوقاتا لاختلاف السنين، ومعرفة لكل حين؛ ms862 لا الشمس ~~ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون؛ فقضاهن سبع ~~سموات في يومين، ولو شاء خلقها في أسرع من طرف العين؛ إنما أمره إذا أراد شيئا أن ~~يقول له كن فيكون؛ بلا معاناة لقول، ولا ضعف من حول؛ ثم أسكنهن من خلقه ملائكة ~~اصطفاهم لعبادته، واجتباهم لتبليغ رسالته، معصومين من أن يشركوا بالله، ما لم ينزل ~~به سلطانا، وأن يقولوا على الله إفكا وبهتانا؛ يسبحونه بالليل والنهار لا يفترون ~~ولا يسأمون من عبادته، ولا يستحسرون عن طاعته؛ يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما ~~يؤمرون. # وتحميد في فتح لابن العباس # أما بعد، فالحمد لله الذي حمد نفسه، وفرض حمده على خلقه، وأعز دينه وأكرم بطاعته ~~أولياءه، وأكرم طاعته بأوليائه، فجعل جنده منهم المنصورين، وحزبه منهم الغالبين؛ ~~نهج بهم سبيله، وأقام بهم حجته، وجاهد بهم أعداءه، وأظهر بهم حقه، وقمع بهم الباطل ~~وأهله؛ وأعلى كلمتهم، وأيد نصرهم، وألف لهم وبهم، ومكن لهم في الأرض، فجعلهم ~~أئمة وجعلهم الوارثين. # والحمد لله المعز لدينه، المظهر لحقه، الناصر لخلفائه، الممكن لحزبه؛ المنتقم ~~بهم ممن صدف عنه، مؤيدا دينه بالنصر، ليظهره على الأديان، وحفه بالعز، فلا يأتيه ~~الباطل من بين يديه ولا من خلفه؛ وجنوده بالفلج فهم الأعلون إن استنصر بهم، ~~والأعزون إن كاد بهم؛ والأقربون منه إخلاصا وعملا؛ حمدا يؤازي نعمه، ويمتري ~~بمثله فواضله ومزيده. # وله في فتح ابن البعيث لما ظفر به # أما بعد، فالحمد لله ناصر أنبيائه وخلفائه، وهادي أوليائه، أولياء الحق وحزب ~~الهدى؛ الذين أقام بهم سبل الرشاد، ونصب بهم مناهج الدين، فأظهره على الدين كله ولو ~~كره المشركون. # وله صدر كتاب الخميس في تحميد الله وتمجيده # أما بعد، فالحمد لله الذي جلت نعمه، وتظاهرت مننه، وتتابعت أياديه، وعم ~~إحسانه؛ إله كل شيء وخالقه، وبارئه ومصوره؛ والكائن قبله، والباقي بعده، كما قال في ~~كتابه: # كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم ~~وإليه ترجعون ~~. العالي في مشيئته والقاهر فوق عباده، المتعالي ~~عن شبه خلقه، ليس كمثله ms863 شيء وهو السميع البصير، خلق العباد بقدرته، وهداهم برحمته، ~~وأوضح لهم السبيل إلى معرفته بما نصب لهم من دلائله، وأراهم من عبره، وصرفهم فيه من ~~صنعه، كما قال جل جلاله: # الذي أحسن كل شيء ~~خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين * ثم ~~جعل نسله من سلالة من ماء مهين * ثم ~~سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع ~~والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون ~~. # وذلك كله من خلقه إياهم بتمثيله ما مثل لهم من الدلائل التي نصبها لهم، ~~والأعلام التي جعلها إزاء قلوبهم، وأسماعهم وأبصارهم، ويسر لهم خواطرهم وفكرهم، ~~والهيئة التي هيأهم لها ليقع الأمر والنهي عليهم؛ فلا يكلفهم فوق طاقتهم، ولا ~~يجشمهم ما يقصر عنه وسعهم، نظرا منه تبارك وتعالى إليهم ورحمة بهم؛ ليؤمنوا به ~~ويعبدوه، فيستحقوا به رحمته ورضوانه، والخلود في النعيم المقيم، والظل المديد، ~~والعيش الدائم؛ كما قال تعالى ذكره: # إلا من رحم ~~ربك ولذلك خلقهم ~~. وكان من نظره ورأفته بهم أن بعث ~~فيهم أنبياءه ورسله، يدعونهم إلى طاعته، ويبينون لهم هداه، ويوضحون لهم سبيله؛ ~~ويهدونهم إلى رحمته، ويعدونهم ثوابه، وينذرونهم عقابه، ويبسطون لهم توبته، ~~ويحذرونهم سخطه، ويبينون لهم سنته وشرائعه، ويكشفون لهم مواعظه، ويعلمونهم كتابه ~~وحكمته، كما قال تبارك وتعالى: # ليهلك من هلك عن ~~بينة ويحيى من حي عن بينة وإن الله لسميع ~~عليم ~~. وكان من رأفته بهم، ونظره لهم، أن بعثهم إليهم بالحجج ~~الظاهرة، والأعلام البينة، والشواهد الناطقة، التي أظهر بها صدقهم، وأقام بها ~~برهانهم، وأوضح بها دليلهم، وأثابهم عمل سواهم، ليكون أدعى لهم إلى تصديقهم، ~~والقبول عنهم، وأوكد للحجة على من أبى ذلك منهم. # وتحميد أحمد بن يوسف في صدر رسالة الخميس التي كانت تقرأ بخراسان # أما بعد، فالحمد لله القادر القاهر، الباعث الوارث، ذي العز والسلطان، والنور ~~والبرهان؛ فاطر السماء والأرض وما بينهما، والمتقدم بالمن والطول على أهلهما؛ قبل ~~استحقاقهم لمثوبته، بالمحافظة على شرائع طاعته، الذي جعل ما أودع عباده من نعمته، ~~دليلا هاديا لهم إلى معرفته، بما أفادهم من الألباب، التي يفهمون بها فصل ms864 الخطاب؛ ~~حتى اقتنوا علم موارد الاختبار، وثقفوا مصادر الاعتبار، وحكموا على ما بطن بما ظهر، ~~وعلى ما غاب بما حضر؛ واستدلوا بما أراهم من بالغ حكمته، ومتقن صنعته، وحاجة متزايل ~~خلقه ومتواصلة، إلى القوام بما يلمه ويصلحه، على أن له بارئا هو أنشأه وابتدأه، ~~ويسر بعضه لبعض، فكان من أقرب وجودهم، ما يباشرون به من أنفسهم؛ في تصرف ~~أحوالهم، وفنون انتقالها، وما يظهرون عليه من العجز عن التأتي لما تكاملت به ~~قواهم، وتمت به أدواتهم، مع أثر التدبير والتقدير فيهم، حتى صاروا إلى الخلقة ~~المحكمة، والصورة المعجبة، ليس لهم في شيء منها تلطف يتيممونه، ولا مقصد ~~يعتمدونه من أنفسهم؛ فإنه قال تعالى ذكره: # يا أيها ~~الإنسان ما غرك بربك الكريم * الذي ~~خلقك فسواك فعدلك * في أي صورة ما شاء ~~ركبك ~~. وما يتفكرون فيه من خلق السماء، وما يجري فيها من الشمس ~~والقمر؛ والنجوم مسخرات على مسير لا يثبت العالم إلا به، من تصاريف الأزمنة، التي ~~بها صلاح الحرث والنسل، وإحياء الأرض، ولقاح النبات والأشجار، وتعاور الليل ~~والنهار، وممر الشهور والأيام؛ والسنين التي تحصي بها الأوقات؛ ثم ما يوجد من دليل ~~التركيب، في طبقات السقف المرفوع، والمهاد الموضوع، باختلاف أجزائه والتئامها، وخرق ~~الأنهار، وإرساء الجبال، ومن التئام الشاهد على ما أخبر الله به من إنشائه الخلق ~~وحدوثه بعد أن لم يكن، مترقيا في النماء، وثباته إلى أجله في البقاء، ثم محاره ~~منقضيا إلى آخر الفناء؛ ولم يكن له مفتتح عدد، ولا منقطع أمد، وما ازداد بنشوء، ~~ولا تحيفه نقصان، ولا تفاوت على الأزمان؛ لأن ما لا حد له ولا نهاية، غير ممكن ~~الاحتمال للنقص والزيادة؛ ثم أجرى فيما ذكر من خلق الله وخلق الإنسان إلى ذكر ما ~~تفضل الله به على عباده الأنبياء، وما اختصهم به من مبعث النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، إلى ذكر ~~الخلفاء أولا، ثم إلى ذكر المأمون ودولته. # وتحميد للعباس في مقام له بين يدي المأمون # الحمد لله على نعمه علينا، وإحسانه إلينا، بالأرض المبسوطة، والسماء المرفوعة، ms865 ~~والرياح المسخرة، والأمطار النازلة، والأوقات القائمة، والمنافع الدائمة؛ والدين ~~المبين، والأدب القويم؛ حمدا يكون إليه صاعدا، ولديه ناميا، ولملكوته مالئا؛ ~~والحمد لله حمدا يثبت رضوانه، ويورث إحسانه، ويوجب مزيده؛ فهو المنعم المحمود، ~~والمتطول المشكور؛ لا إله إلا هو لا شريك له، كما شهد الله وملائكته قائما بالقسط ~~لا إله إلا هو العزيز الحكيم. # وتحميد لعبد الحميد في أبي العلاء الحروري # الحمد لله الناصر لدينه، وأوليائه وخلفائه، المظهر للحق وأهله، والمذل لأعدائه ~~وأهل البدعة والضلالة؛ الذي لم يجمع بين حق وباطل، وأهل طاعة ومعصية، إلا جعل ~~النصرة والفلج والعاقبة لأهل حقه وطاعته، وجعل الخزي والذلة والصغار، على أهل ~~الباطل والخلاف والمعصية؛ حمدا يتقبله ويرضاه، ويوجب به لأمير المؤمنين وأهل طاعته ~~الزيادة التي وعد من شكره؛ والحمد لله على ما يتولى من إعزاز أمير المؤمنين ونصره ~~وإفلاجه وإظهار حقه، على ما وقع بأعدائه وأهل معصيته والخلاف عليه من سطواته ~~ونقماته وبأسه، فيما ولي أمير المؤمنين من موالاة من والاه، وعداوة من بغى عليه ~~وعاداه؛ لا يكله في شيء من الأمور إلى نفسه، ولا إلى حوله وقوته ومكيدته، فإنه لا ~~حول ولا قوة لأمير المؤمنين إلا به. # وتحميد في آخر فتح # الحمد لله المعز لدينه، المظهر لحقه، الناصر لأوليائه، المنتقم من أعدائه أهل ~~الكفر؛ المنزل بهم من بأسه، ونقمته وجوائحه؛ الذي لم يجمع بين أهل حقه، وباطل عدوه، ~~في موطن من مواطن التحاكم، إلا جعل فيه لأوليائه الظفر، وأفرغ عليهم الصبر، ومنحهم ~~النصر؛ وجعل الدائرة وسوء العاقبة على عدوه، وأهل الكفر؛ حمدا كثيرا يرضاه من ~~الشكر، ويحسن به المزيد. # وتحميد في فتح إلى أمير لقمامة # الحمد لله الفتاح العليم، الذي خص الأمير بأفضل الكرامة وأتم النعمة؛ وأحسن ~~الولاية، وأعظم الكفاية؛ وحفظ ما استرعاه، وأعز أولياءه، وقمع بالمذلة أعداءه، وجعل ~~حسن العاقبة له ولأهل طاعته، ودائرة السوء على أهل معاندته؛ حمدا يحسن به القضاء، ~~وتزيد به النعماء. # وصدر تحميد لغسان بن عبد الحميد في خطبة موجزة # الحمد لله الذي لا يدرك خير إلا برحمته، ms866 ولا ينال الفضل إلا بنعمته؛ ولي ~~التسديد للحسنات، والعصمة من السيئات. # تحميد لعبد الحميد في فتح # الحمد لله العلي مكانه، المنير برهانه، العزيز سلطانه، الثابتة كلماته، الشافية ~~آياته، النافذ قضاؤه، الصادق وعده؛ الذي قدر على خلقه بملكه، وعز في سماواته ~~بعظمته، ودبر الأمور بعلمه، وقدرها بحلمه، على ما يشاء من عزمه؛ مبتدعا لها ~~بإنشائه إياها، وقدرته عليها، واستصغاره عظيمها، نافذة إرادته فيها، لا تجري إلا ~~على تقديره، ولا تنتهي إلا إلى تأجيله، ولا تقع إلا على سبق من حتمه، على كل ذلك ~~بلطفه وقدرته، وتصريف وحيه؛ لا معدل لها عنه، ولا سبيل لها غيره، ولا علم أحد ~~بخفاياها ومعادها إلا هو؛ فإنه يقول في كتابه الصادق: # وعنده مفاتح الغيب # إلى آخر الآية. # وتحميد ثان # الحمد لله الذي علا بالحجب التي استتر بها عن جميع خلقه، واستغنى بها عنهم لما ~~توحد به دونهم من عباده الذين فطرهم على المعرفة، رءوفا عليهم بمنه ومتطولا وهو ~~فيما يمضي من أقداره، مفصلا لهم بابتدائه خلقهم في أحسن تقويم، وإعطائه إياهم عاجل ~~كل خير مقسوم، وتسخيره لهم جميع ما في السموات والأرض، وبسطه لهم في معايشهم أوسع ~~الرزق، وإسباغه عليهم فيها أفضل النعم التي لطفت فبطنت، وعظمت فظهرت، ولبست ~~فعمت، وانتشرت فجللت، وكثرت فلا يحصيها عاد، وجزلت فلا يؤدي حق ما افترض منها ~~شاكر، فإنه يقول: # وإن تعدوا نعمة الله لا ~~تحصوها إن الله لغفور رحيم ~~. # والحمد لله الذي لم يقتصر بهم في إكرامه وتفضيله إياهم على عاجل، فإنه مضمحل زائل ~~مما أعطاهم إياه، ولم يكلهم في معرفة خالقهم تبارك وتعالى، ومتولي النعم عليهم، ~~والإحسان إليهم، والارتياش لهم؛ ولا في مبتغى سبيل طاعته، وأداء حقه، وشكر نعمته، ~~واستيجاب غبطة المعاد إليه إلى أن يعوا ذلك بعقولهم، والنظر فيه بألبابهم، والتصريف ~~له على أهوائهم؛ فإنه لو ألجأ ذلك إليهم، وأفردهم فيه إلى أنفسهم، ووكلهم فيما ~~أمرهم به إلى مقدرتهم، لحارت عنه منهم الأبصار، ولتاهت فيه منهم العقول، ولأضلهم عن ~~قصده العمى، ولمال بهم إلى غيره الهوى، ms867 ولاستحكم عليهم شرك الردى؛ ولكنه بعث فيها ~~أنبياءه الهادين، يدعونهم إلى الصراط المستقيم، بنوره المضيء، ودينه القويم، وآياته ~~البينة، وكتبه الفارقة التي بين فيها محابه ومكروهه، وطاعته ومعصيته، وثواب ~~الفريقين في ذلك من عباده ليحذروا ما حذرهم فيه من سخطه، ونزل بهم فيه من نقمته؛ ~~وليسارعوا فيما جعل لأهله به إلى أفضل المثوبة، وأحسن العاقبة في الدنيا والآخرة، ~~وكشف لهم الجهالة، وهدى من الضلالة، وبصرهم سبيل الحق، وبين لهم معالم الإسلام، ~~ليرجع جائر، ويقصد زائغ، ويعرف جاهل، وليعبد الرب بما وحد به نفسه، وليستبين ~~العلم، ويستضيء الحق، وليبتغي من الله الثواب بلزوم دينه الذي شرع، وأداء فرائضه ~~التي فرض، وإيثار طاعته التي أوجب، وليكون لله الحجة البالغة على عباده فيما تركوا ~~من ذلك وسفهوا بعد استبانته لهم، واستفاضته فيهم وإعذاره إليهم، فإنه يقول: # ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن ~~بينة وإن الله لسميع عليم ~~، ويقول: # ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي ~~الذين أحسنوا بالحسنى ~~. # لأنس بن أبي شيخ # الحمد لله الذي بالقلوب معرفته، وبالعقول حجته، الذي بعث محمدا # صلى الله عليه وسلم # أمينا ~~فوفى له، ومبلغا فأدى عنه فحج به المنكر، وتألف به المدبر، وثبت به ~~المستبصر، إلى أن توفاه على منهاج طاعته، وشريعة دينه، ثم أورثكم عهده وخصكم بكلمة ~~التقوى، وجعلكم الأمة الوسطى. # ولعبد الحميد في فتح يعظم فيه أمر الإسلام بمحمد # صلى الله عليه وسلم # أما بعد، فالحمد لله الذي اصطفى الإسلام دينا رضي شرائعه، وبين أحكامه ونور ~~هداه، ثم كنفه بالعز المؤيد، وأيده بالظفر القاهر، وآزره بالسعادة المنتجبة، ~~وجعل من قام به داعيا إليه من جنده الغالبين، وأنصاره المسلطين، كلما قهر بهم ~~مناوئا أورثهم رباعتهم المأمولة، وأموالهم المثرية، ودارهم الفسيحة، ودولتهم ~~المطولة، أمرا حتمه على نفسه؛ ثم جعل من عاندهم وابتغى غير سبيلهم مسلما قد ~~استهوته ذلة الكفر بظلمها، وحيرة الجهالة بحوارها، وتيه الشقاء بمغاويه، وكلما ~~ازدادوا لدعوة الحق إباء، ازداد الحق إليهم ازدلافا، وعليهم عكوفا، وفيهم إقامة، ~~إلى أن يحل بهم عز الغلبة؛ ms868 ونجاة المتجاوز؛ راغبين فيما شوقهم إليه، محافظين على ~~ما ندبهم له، قد بذلوا في طاعة الله دماءهم، وقبلوا المعرض عليهم في مبايعة ربهم ~~لهم بأنفسهم الجنة. محمود صبرهم، مسهل بهم عزمهم، إلى خير الدنيا والآخرة. # والحمد لله الذي أكرم محمدا # صلى الله عليه وسلم # بما حفظ له من أمور أمته؛ أن اختار لمواريث ~~نبوته ما أصار إلى أمير المؤمنين من تطويقه ما حمل بحسن نهوض به وشح عليه، ~~ومنافسة فيه، أن فعل وفعل. والحمد لله الذي تمم وعده لرسوله وخليفته في أمة نبيه ~~مسددا له فيما اعتزم عليه. والحمد لله المعز لدينه، المتولي نصر أمته بنبيه ~~المتخلي ممن عاداهم وناوأهم، حمدا يزيد به من رضي شكره، وحمدا يعلو حمد الحامدين ~~من أوليائه الذين تكاملت عليهم نعمه فلا توصف، وجلت أياديه فلا تحصى، الذي ~~حملنا ما لا قوة بنا على شكره إلا بعونه، وبالله يستعين أمير المؤمنين على ذلك، ~~وإليه يرغب، إنه على كل شيء قدير. # ولعبد الحميد أيضا # أما بعد، فالحمد لله الذي اصطفى الإسلام لنفسه، وارتضاه دينا لملائكته، وأهل ~~طاعته من عباده، وجعله رحمة وكرامة ونجاة وسعادة لمن هدى به من خلقه، وأكرمهم ~~وفضلهم وجعلهم بما أنعم عليهم منه أولياءه المقربين، وحزبه الغالبين، وجنده ~~المنصورين، وتوكل لهم بالظهور والفلج، وقضى لهم بالعلو والتمكين، وجعل من خالفه ~~وعزب عنه وابتغى سبيل غيره أعداءه الأقلين، وأولياء الشيطان الأخسرين، وأهل ~~الضلالة الأسفلين، مع ما عليهم في دنياهم من الذل والصغار، وما عجل لهم فيها من ~~الخذلان والانتقام، إلى ما أعد لهم في آخرتهم من الخزي والهوان المقيم، والعذاب ~~الأليم، إنه عزيز ذو انتقام. # وفي ذكر الإسلام وأهله وما فضلهم الله تعالى به # أما بعد، فالحمد لله الذي عظم الإسلام تعظيما، وفضله تفضيلا، فلم يبق ملك ~~مقرب، ولا نبي مرسل، ولا إمام لأهل حق مهتد إلا دان به، واتصل إلى ولاية الله ~~بما هداه له منه، وليس في دين الله الذي ارتضى، وخيرته من أهل الإسلام الذين اصطفى، ~~تغاشم ولا تظالم، ولا تحاسد، ms869 ولا تقاطع ولا تدابر، ولكنهم كما وصفهم الله عز ~~وجل بالتبار والتراحم، والتواد والتناصف، قلوبهم متفقة، وأهواؤهم مؤتلفة، ~~وأيديهم على أهل معصيته مبسوطة، أعوانا على الحق، وإخوانا في الدين، ألف الله ~~بينهم، وجعل الإسلام نسبهم، فقال في كتابه: # محمد ~~رسول الله والذين معه # إلى آخر الآية. فهذه صفة الله أهل ~~دينه فيما بينهم، وكذلك كان أسلاف الحق قبلهم، في تواد وتبارهم، وتواصلهم ~~وتعاونهم، وبذلك دان أهل السماء، فلم يختلفوا فيه، ولم يرغبوا عنه، ولم يحتذوا ~~مثالا غيره، وبه يدين لله الباقون من خلقه، المتمسكون بحقه إلى يوم القيامة، سنة ~~مسنونة، وشريعة متبوعة، لا يبتغون بها بدلا، ولا يريدون عنها حولا، فأهل طاعة ~~الله أهل سلامة في دنياهم، وإخوان - كما قال الله عز وجل - في آخرتهم، لم تنقطع ~~الولاية فيما بينهم، لانقطاع الدنيا عنهم، ولكن الله وصلها بالآخرة لهم، فجمعهم في ~~داره وجواره، كما ألف في الدنيا بين قلوبهم، وعصم بالإسلام ألفتهم. # تحميد # الحمد لله المثيب على حمده وهو ابتداؤه، والمنعم بشكره وعليه جزاؤه، والمثني ~~بالإيمان وهو عطاؤه. # ولقمامه # الحمد لله الذي أكرم الإسلام وفضله، وشرفه وعظمه، وأعلى منزلته، وجعل أهله ~~القائمين به، والحامدين عليه، أولياءه وحزبه الذين قضى لهم بالتمكين، والظهور على ~~الدين كله ولو كره المشركون. # ولزيد بن علي - رحمة الله عليه - خطبة # الحمد لله الواصل النعم بالشكر، والشكر بالمزيد، حمد من يعلم أن الحمد فريضة ~~واجبة، وأن تركه خطيئة مهلكة، وأومن بالله إيمانا نفى إخلاصه الشرك، ويقينه ~~الشك، وأتوكل عليه توكل الواثق به ثقة أهل الرجاء، ومفزع أهل التوكل. # تحميد في الإسلام # الحمد لله الذي اختار الإسلام دينا لنفسه، وأنبيائه ورسله، وشرفه وعظمه، ~~وأناره، وأظهره، ونزهه وأعزه ومنعه، ولم يقبل غيره، ولم يجعل حسن الجزاء إلا ~~لأهله، الذين كتب لمن أسعده بالوليجة فيه منهم الرضوان والمغفرة والرأفة، وعلى من ~~خالفه وابتغى غير سبيله الحسرة والندامة، والذلة والصغار في الآخرة والأولى، ~~والممات والمحيا، إذ يقول الله عز وجل: # ومن يبتغ غير ~~الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة ms870 من ~~الخاسرين # والحمد لله الذي اجتبى محمدا # صلى الله عليه وسلم # بما اصطفاه من ~~نبوته، واختاره له من رسالته، وحباه بفضيلته، واجتباه من أفضل عمائر العرب، وأشرفها ~~منصبا، وأعرقها حسبا، وأكرمها نسبا، وأوراها زنادا، وأرفعها عمادا، فبعثه ~~بالنور ساطعا، وبالحق صادعا، وبالهدى آمرا، وعن الكفر زاجرا، وعلى النبيين ~~مهيمنا، وإلى سبيل ربه داعيا، وبالكتاب عاملا، فبلغ عن الله الرسالة، وهدى من ~~الضلالة، وانتاش من الهلكة، وأنهج معالم الدين وأدى فرائضه، وبين شرائعه، وأوضح ~~سننه، ونصح لأمته، وجاهد في سبيل الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، # صلى الله عليه وسلم ~~. # تحميد لأبي عبيد الله # الحمد لله الذي شرع لإظهار حقه وإنفاذ سابق قضائه فيمن ذرأ وبرأ من عباده، بإدخال ~~من أراد أن يدخل في رحمته، وإنجاز ما حق له من العبادة على خلقه، بابتدائه خلقهم ، ~~ومظاهرته الآلاء عليهم، وإحسانه البلاء عندهم، وإبلاغه في الحجج إلى عامتهم، دينا ~~رضيه لنفسه وملائكته الذين أسكن سماواته ورسله، فأتمن على وجه من لم يرض إلا به، ~~ولم يقبل إلا إياه، ثم كان ما أعز به نفسه، وأظهر به نوره، وأراد أن يبلو به عباده، ~~تحقيقا لما سبق به علمه، وإنفاذا لما جرت به مقاديره، أن بعث لما شرع من دينه، ~~واصطفى لتسبيحه وتقديسه من ملائكته المقربين، من ارتضى واختار من أنبيائه ورسله ~~المجتبين، لتبليغ رسالته وإظهار حقه، واستشلاء # 24 # من أراد سعادته من خلقه بالرحمة التي اطلعت عليهم وعمتهم، ليعبد ~~مخلصا له، محمودا بما استحمد به إلى خلقه، مشهودا له بما أشهد به من كلمة الحق، ~~فكان منهم التبليغ لما أرسلوا به، والنصيحة لمن أرسلو إليه، غير مختلفين فيما ~~بعثوا له، ولا متفرقين فيما استعملوا فيه، يدعوهم آخر إلى ما دعاهم إليه أول، ~~فيصدق بذلك بعضهم بعضا، ويهدون إلى الحق وإلى طريق مستقيم، فمضت رسل الله ~~وأنبياؤه على ذلك سالكين منهاج الحق وسبيله، والدعاء إلى الله عز وجل وإلى طاعته، ~~هادين مهديين غير مبخوسين شيئا مما كانوا أهله في المنزلة عند الله، والقربة منه، ~~والوسيلة ms871 إليه، هم ومن آمن بهم وعززهم، واتبع النور الذي أنزل معهم، حتى تقضت بهم ~~الأعمار، وتقطعت بهم الآثار، وتخرمتهم الآجال. # وكذا لأبي عبيد الله # الحمد لله الذي جعل الإسلام رحمة قدمها لعباده قبل خلقه إياهم، واستيجابهم ~~إياها منه، فاصطفاه لنفسه وشرعه لهم دينا يدينون به، ثم جعل تحديد وحيه ومتابعة ~~رسله رحمة تلافاهم بها بعد تقديمها، ومنة ظاهرها عليهم قبل استيجابهم لها، تطولا ~~على العباد بالنعماء، وإعذارا إليهم بالحجج، وتقدمة بالوعد، وإنذارا إليهم ~~عواقب سخطه في المعاد. # والحمد لله الذي ابتعث محمدا # صلى الله عليه وسلم # بهداه وشرائع حقه على فترة من الرسل، ~~وطموس من معالم الحق، ودروس من سبل الهدى، عند الوقت الذي بلغ في سابق علمه ~~ومقاديره، أن يجتبي لدينه الأصفياء، ويختار له الأولياء، الظاهرين بحقه، القاهرين ~~لمن ابتغى سبيلا غير سبيله، فعظم حرمته، ووسع حوزته، وصدع بأمره، وجاهد عن حقه ~~في حومات الضلالة وظلمات الكفر، بالحق المبين؛ والسراج المنير، ثم جعله مصدقا لمن ~~سبقه من الرسل ومجددا لما بعثوا له وهدى ورحمة؛ ثم جعل لدينه وظائف وظفها على ~~أهله، وشرائع شرعها لهم لا يكمل دينهم إلا بها، وجعل أداءها إليه، واعتصامهم بها ~~إماما لدينه، ونظاما لنوره، وقواما لحقه، واستيجابا لما وعد عليه من ثوابه، ~~وأمنا لما أوعد من خالفه من عقابه؛ فليس يسع أهل الإيمان بالله الذين أكرمهم به ~~وأجزل لهم فضله وأجره، وجعل لهم عزه وعلوه، واختار لهم الغلبة والعاقبة على من ~~فارقهم فيه إلا معرفتها، وأداؤها بما يستكمل به حدودها، ومما لها من كذا ~~وكذا. # إبراهيم بن المهدي: صدر رسالة له في الخميس # الحمد لله الذي اختار الإسلام دينا لنفسه، ورضي أن يعبده من في سمواته من ~~الملائكة المقربين، ومن في أرضه من النبيين والمرسلين، ومن آمن بالنور الذي هداهم ~~له من الثقلين، واختار لرسالته في سابق علمه، والذكر الحكيم عنده، محمدا # صلى الله عليه وسلم ~~، ~~وأنزل عليه كتابه وجعل طاعته وطاعة نبيه # صلى الله عليه وسلم # موصولة بكذا فقال: # أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ms872 الأمر ~~منكم ~~. # تحميد # الحمد لله المتكبر في جبروته المتعزز بسلطانه، المتعالي في سمواته، المحتجب عن ~~خلقه، فلا تدركه في الدنيا أبصار الناظرين، ولا تحيط به أوهام المتوهمين، ولا تبلغه ~~صفات الواصفين، الذي لا يئوده عظيم، ولا يفوته مطلوب، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا ~~في السماء، وهو السميع العليم. # تحميد آخر # الحمد لله الحكيم العدل، الذي فصل بين الحق والباطل، فنفذ قضاؤه في خلقه، وحكم ~~فيهم فجرى حكمه على إرادته، يقضي بالنصر والتأييد، والعز والفلج، والتمكين للحق ~~وأهله، وبالذل والوقم والخزي والصغار للباطل وأهله، وجعل ذلك من فضله وحكمه عادة ~~جارية باقية، وسنة ماضية، لا راد فيما قضى منه لقضائه. # والحمد لله الذي اختص محمدا # صلى الله عليه وسلم # بكراماته، واصطنعه لرسالاته، وأنزل عليه ~~كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، ~~بما أحل وحرم، ورضي وسخط، وأمر به ونهى عنه، وجعله خاتم النبيين والمهيمن عليهم، ~~وكتابه الذي أنزل، آخر الكتب المصدق بها النبي # صلى الله عليه وسلم ~~. # تحميد في الإسلام وما امتن به على أهله من مبعث النبي # صلى الله عليه وسلم # وهو في صدر ~~الجهاد # أما بعد، فإن لدين الله الذي ارتضاه لنفسه، ولمن اصطفاه من خلقه، واجتباه من ~~عباده وجعله معلما بين الهدى والضلالة، وفرقانا بين الحق والباطل، وحاجزا بين ~~الكفر والإيمان، وظائف وظفها على أهلها، وشرائع شرعها لهم؛ فجعل أداءها إليه ~~ومعرفتها له، ومحافظتهم عليها، واعتصامهم بها قواما لدينه، ونظاما لنوره وثباتا ~~لحقه، واستيجابا لما وعد من ثوابه، وأمنا لما أوعد من عقابه؛ فليس يسع أهل ~~الإيمان بالله والإقامة على حقه من المسلمين الذين سماهم المسلمين بالإسلام، وأحرز ~~لهم فضله وعزه، وأصار لهم الغلبة على من خالفهم وفارقهم بما ركنوا إليه من الصدود ~~عن سبيله، والتكذيب بكتبه ورسله، ودلتهم فيه قرباؤهم، وقادتهم إليه أهواؤهم، من ~~الملل الضالة، والأديان المجموعة، التي لم ينزل بها من الله سلطان، ولا كتاب ولا ~~برهان، إلا معرفتها وأداؤها بما يستكمل من حدودها ومعالمها. ms873 # تحميد في الجهاد وما بعث به النبي # صلى الله عليه وسلم # أما بعد، فإن الله خلق الخلائق بقدرته، وقدر الأمور بعلمه، وأنفذ على ما مضى من ~~مشيئته، من غير أن يكون له ظهير في ملكه، أو معين على ما يرى من عجائب خلقه، ~~واحتذاء منه على سابق من صنعة غيره، فوحد نفسه بما تفرد به دون غيره من خلقه، ~~ليعبد مخلصا مبرأ من الأنداد، إتماما لنوره، وتعزيزا لتوحيده، وتأييدا لدينه، ~~وإعلاء لمن اعتصم به، وإقلالا لمن خالفه وعند عنه وعبد غيره، وإحقاقا لكلمته، ~~فإنه يقول: # كذلك حقت كلمة ربك # الآية؛ ~~بذلك أنزل كتبه، وأرسل رسله، واحتج بهم وبما أنزل إليهم على من مضى من القرون ~~السالفة، والأمم الخالية، يدعو آخرهم إلى ما سبق إليه أولهم، من عبادته وتوحيده، لا ~~يستوحشون من قلة، ولا يؤتون من كثرة؛ يعزهم الله بقوته، ويؤيدهم بجنده، وينصرهم ~~وينصر بهم إلى أن بعث الله محمدا # صلى الله عليه وسلم # بما خصهم به، وجعله مصدقا لهم، ~~ومهيمنا عليهم، وخاتم النبيين بعدهم؛ يمضي لأمر الله، ويجاهد من لم يجبه إلى ~~الدخول في دين الله، فأظهره الله وأنار حقه، وأرهق عدوه، وأنجز له ما وعده وأتم ~~بذلك النعمة عليه وعلى من اتبعه، فإنه يقول: # هو الذي ~~أرسل رسوله بالهدى ~~. # تحميد في فتح # الحمد لله الفتاح العليم، الرحمن الرحيم، العزيز الحكيم، الذي أعز الإسلام ~~بقدرته، وأيده بنصره؛ فلم يلحد فيه ملحد، ويسع في تشتيت الكلمة وشق العصا ساع، ~~ويوضع في الكفر والمعصية موضع، ويمتنع من قضائه وإرادته ممتنع إلا أذله الله ~~وقصمه، وأضرع خده، وأتعس جده، وضلل سعيه، وعجل بواره واستئصاله؛ حمدا دائما لا ~~انقطاع له، ولا نفاد لمدته. # تحميد ثان # والحمد لله الذي اختار الإسلام وشرفه، وكرمه وطهره، وأظهره وأعزه، وفطر ~~عليه ملائكته، وبعث به أنبياءه ورسله، واختار له خيرته من خلقه محمدا # صلى الله عليه وسلم ~~، ~~فبعثه برسالته، وأكرمه بوحيه، واصطفاه على خلقه؛ يبشر بالجنة من أطاعه، وينذر ~~بالنار من عصاه؛ وجعله دينه القيم الذي لا يقبل دينا ms874 غيره ولا يثيب أحدا إلا ~~عليه. # تحميد في فتح # الحمد لله العزيز في ملكوته، القاهر فوق بريته، الذي خلق الخلق بقدرته، وأنفذ ~~فيهم إرادته ومشيئته، وقدر كل شيء وأتقنه وأحكمه، وأحاط علما به؛ فلا يعزب عنه ~~مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب ~~مبين. # صدر تحميد في فتح # الحمد لله الذي ابتدع الخلق لا من شيء، وجعل الليل والنهار كهفا ومستجنا لكل ~~حي؛ بقدرته تبحرت البحار، وجرت لمواقيتها الأنهار؛ فدار وتطارد الليل والنهار، لا ~~إله إلا هو رب العرش العظيم. # والحمد لله الذي فات بعظمته أبصار المرتئين، وعلا بمجده عن خطرات الحاسبين، ~~واحتجب بأستار جبروته عن مواقع فكر المحصلين المتعمقين؛ فلم تحوه الكمية، ولم يقع ~~عليه أدوات التحصيل والكيفية، ولا أدركه هاجس تبعيض ولا كلية، ولم ينسب إلى زيادة ~~في حين، ولا إلى تقصير في شهور ولا سنين، فكل أمره - عز جلاله - تمام ودوام، وكل ~~صفات صنعه اعتدال وكمال؛ وكل ما دونه يحتكم فيه الفناء والزوال، ليس كمثله شيء وهو ~~السميع البصير. # والحمد لله الذي عرفنا ربوبيته إلهاما، ونهج لنا سبل طاعته منا وإكراما، ~~وتعبدنا بفرضه تقويما وتعليما وامتنانا؛ فقامت علينا وعلى الخلق حجته، بالصادع ~~بأمره، والمبلغ لرسالته، والمجاهد فيه حق جهاده، محمد # صلى الله عليه وسلم ~~. والحمد لله الذي ~~أعز دينه، وأظهر تمكينه، ونصر وليه، وخذل عدوه، وأوقع بأسه ونقمته بمحل الفرية، ~~وجرثومة الضلالة، ومناخ الشرك، ومركز الكفر؛ بعد طول الإملاء، والاعتداء في سفك ~~الدماء، والمثلة بالأسرى، وقلة المراقبة والارعواء. # تحميد # الحمد لله حمدا يكون رضاه منتهاه، والمزيد من فضله جزاءه، والحمد لله حمدا إليه ~~يتناهى حمد الحامدين، وشكر الشاكرين. والحمد لله الذي لا تحصى نعماؤه، ولا تجزى ~~آلاؤه، ولا يكافأ بلاؤه، ولا يبلغ شكره إلا بمنه وتوفيقه؛ حمدا يرضاه ويتقبله، ~~ويزكو لديه، ويوجب ما تأذن للشاكرين من يده. # تحميد على فتح # أما بعد، فالحمد لله الواحد القهار، العزيز الجبار، ذي المن والإنعام، والجلال ~~والإكرام؛ الذي اصطفى الإسلام دينا، واصطفى ms875 له من عباده أهلا هداهم له، وأكرمهم ~~به وبين لهم ما يأتون، ولم يتركهم في ريب من أمرهم، ولا شبهة من دينهم؛ فله الحجة ~~البالغة ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة، وإن الله لسميع عليم. # والحمد لله الذي ختم بمحمد # صلى الله عليه وسلم # النبوة، وانتجبه لتبليغ الرسالة، وبعثه إلى ~~خلقه كافة، فبلغ رسالته، وصدع بأمره، وقام فيما بعثه له بحقه، ثم أنجز له وعده، ~~وأتم له كلمته، وأظهر دين الإسلام به على الدين كله ولو كره المشركون. # تحميد في فتح # أما بعد، فالحمد لله الأول الآخر، الظاهر الباطن، الولي الحميد، القوي العزيز؛ ~~الذي لا يقدر العباد قدره، ولا يحصون نعمه، ولا يبلغون شكره؛ المحيط بكل شيء ~~علما، والمحصي كل شيء عددا؛ فلا يعجزه كبير، ولا يعزب عنه صغير، والأرض جميعا ~~قبضته يوم القيامة، والسموات مطويات بيمينه، سبحانه وتعالى عما يشركون. # تحميد # الحمد لله المتوحد بالخلق والأمر، قادرا قاهرا أحاط بكل شيء علما، وأحصى كل ~~شيء عددا، وملأه عظمة، ووسعه عدلا، وأتقنه صنعا. والحمد لله الذي أعز بالحق من ~~أطاعه، وأذل بالباطل من عصاه، وجعل الطاعة والجماعة حرزا حريزا، وموئلا منيفا؛ ~~فلم يجمع بين أهل كفر وإيمان، وطاعة وعصيان، إلا توحد بالصنع لأهل طاعته، وأنجح ~~سعيهم، وأعلى كلمتهم، وأفلج حجتهم، وأنزل بأهل الكفر المعاندين عنه، الرادين لأمره ~~الذلة والصغار في عاجلهم وآجلهم؛ حمدا يكون لمزيده موجبا، ولحقه مؤديا. # تحميد في فتح لسعيد بن حميد عن وصيف # أما بعد، فالحمد لله الحميد المجيد، الفعال لما يريد؛ الذي خلق الخلق بقدرته، ~~وأمضاه على مشيئته، ودبره بعلمه، وأظهر فيه آثار حكمته التي تدعو العقول إلى ~~معرفته، وتشهد لذوي الألباب بربوبيته، وتدل على وحدانيته؛ لم يكن له شريك في ملكه ~~فينازعه، ولا معين على ما خلق فتلزمه الحاجة إليه؛ فليس يتصرف عباده في حال إلا ~~كانت دليلا عليه، ولا تقع الأبصار على شيء إلا كان شاهدا له، بما رسم فيه من آثار ~~صنعه، وأبان فيه من دلائل تدبيره، إعذارا بحجته، ms876 وتطولا بنعمته، وهداية إلى حقه، ~~وإرشادا إلى سبيل طاعته، وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده، وهو أهون عليه؛ وله المثل ~~الأعلى في السموات والأرض، وهو العزيز الحكيم. # والحمد لله العزيز القهار، الملك الجبار، الذي اصطفى الإسلام واختاره، وارتضاه ~~وطهره، وأعلاه وأظهره؛ فجعله حجة أهله على من شاقهم، ووسيلتهم إلى النصر على ~~[من] عند في حقهم، وابتغى غير سبيلهم؛ وبعث به رسله يدعون إلى حقه، ويهدون إلى ~~سبيله، بالآيات التي يبينون بها عن المخلوقين، ويوجبون بها الحجة على المخالفين؛ ~~حتى انتهت كرامة الله إلى خاتم أنبيائه، وحامل كتابه، ومفتاح رحمته # صلى الله عليه وسلم ~~؛ على ~~حين فترة من الرسل، واختلاف من الملل، ودثور من أعلام الحق، واستعلاء من الباطل؛ ~~والناس عاندون عن سبيل ربهم، يتسافكون دماءهم، ويحلون ما حرم الله عليهم، ويعبدون ~~من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم؛ وأيده بالبرهان الواضح، والحجج القواطع، ~~والآيات الشواهد؛ وأنزل عليه كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من ~~خلفه تنزيل من حكيم حميد؛ وجعل فيه أوضح الدليل على رسالته، وأعدل الشواهد على ~~نبوته؛ إذ عجز المخلوقون عن أن يأتوا بمثله على مر الأيام، وكثرة الأعداء ~~والمنازعين؛ يتحداهم به في المواسم، ويقصدهم بحجته في المحافل؛ ولا يزدادون عنه إلا ~~حسورا وعجزا، ولا تزداد حجة الله عليهم إلا تظاهرا وعلوا؛ ثم أيده بالنصر ~~بأنصار ألف بينهم بطاعته، وجمعهم على حقه، ولم شعثهم بنصرة دينه، بعد الشقاق ~~المتصل بينهم، والحرب المفرقة لجماعتهم؛ كما قال عز وجل: # هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين ~~. وقدم إليه ~~وعده بالنصرة والتمكين؛ فجعله بشرى للمؤمنين، وحجة على الكافرين، ودليلا على ما ~~بعثه به من الدين؛ فهزم بالقليل من عددهم الكثير من عدد أعدائهم، وغلب بضعفائهم أهل ~~القوة ممن ناوأهم؛ ففل به حدهم، وفض جموعهم، وافتتح حصونهم، وحريز معاقلهم؛ ~~وأظهر بحجته ونصره عليهم، وأنجز سابق وعده لهم وفيهم، والله لا يخلف ~~الميعاد. # تحميد لابن المقفع # الحمد لله ذي العظمة القاهرة، والآلاء الظاهرة؛ الذي لا يعجزه شيء ولا يمتنع منه، ms877 ~~ولا يدفع قضاؤه ولا أمره؛ # إنما أمره إذا أراد ~~شيئا أن يقول له كن فيكون ~~. والحمد لله الذي خلق الخلق ~~بعلمه، ودبر الأمور بحكمه، وأنفذ فيما اختار واصطفى منها عزمه؛ بقدرة منه عليها، ~~وملكة منه لها، لا معقب لحكمه، ولا شريك له في شيء من الأمور، يخلق ما يشاء ~~ويختار؛ ما كان للناس الخيرة في شيء من أمورهم، سبحان الله وتعالى عما ~~يشركون. # والحمد لله الذي جعل صفوة ما اختار من الأمور دينه الذي ارتضى لنفسه ولمن أراد ~~كرامته من عباده، فقام به ملائكته المقربون، يعظمون جلاله، ويقدسون أسماءه، ويذكرون ~~آلاءه، لا يستحسرون عن عبادته ولا يستكبرون، يسبحون الليل والنهار لا يفترون؛ وقام ~~به من اختار من أنبيائه وخلفائه وأوليائه في أرضه، يطيعون أمره، ويذبون عن ~~محارمه، ويصدقون بوعده، ويوفون بعهده، ويأخذون بحقه، ويجاهدون عدوه ؛ وكان لهم عند ~~ما وعدهم من تصديقه قولهم وإفلاجه حجتهم، وإعزازه دينهم، وإظهاره حقهم، وتمكينه ~~لهم؛ وكان لعدوه وعدوهم عند ما أوعدهم من خزيه، وإحلاله بأسهم، وانتقامه منهم، ~~وغضبه عليهم، مضى على ذلك أمره، ونفذ فيه قضاؤه فيما مضى، وهو ممضيه ومنفذه على ذلك ~~فيما بقي، ليتم نوره ولو كره الكافرون؛ وليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره ~~المجرمون. # والحمد لله الذي لا يقضي في الأمور ولا يدبرها غيره، ابتدأها بعلمه؛ وأمضاها ~~بقدرته، وهو وليها ومنتهاها، وولي الخيرة فيها، والإمضاء لما أحب أن يمضي منها، ~~يخلق ما يشاء ويختار، ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون. # والحمد لله الفتاح العليم، العزيز الحكيم، ذي المن والطول، والقدرة والحول، الذي ~~لا ممسك لما فتح لأوليائه من رحمته، ولا دافع لما أنزل بأعدائه من نقمته، ولا راد ~~لأمره في ذلك وقضائه، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد. # والحمد لله المثيب بحمده ومنه ابتداؤه، والمنعم بشكره وعليه جزاؤه، والمثني ~~بالإيمان وهو عطاؤه. # لآخر # الحمد لله الذي يتطول بالنعم مبتدئا، ويعطي الخير من يشاء ويثيب عليه. # تحميد لغسان بن عبد الحميد # كاتب جعفر بن سليمان في المطر: # الحمد لله ms878 الذي نشر رحمته في بلاده، وبسط سعته على عباده، الذي لا يزال ~~العباد منه في رزق يقتسمونه، وفضل ينتظرونه، لا ينقضه ما قبله، ولا ينقضي ~~ما بعده. # لأحمد بن يوسف في فتح السند # الحمد لله ولي الحمد، وأهل الثناء والمجد، خالق الخلق، ومدبر الأمر؛ المسبغ على ~~عباده، والموجب عليهم حجته؛ فليسوا يرجون إلا سعة فضله، ولا يحذرون إلا ما اجترحوا ~~من معصيته؛ لما سبق من جزيل إحسانه، وتظاهر من امتنانه، وتقدم به الإعذار والإنذار ~~اللذان لا يستخف بما عظم منهما إلا من استحوذ عليه الشيطان، واستولى عليه الخذلان، ~~وقاده الحين إلى موارد الهلكة. # التحميد الثاني # الحمد لله الذي اصطفى الإسلام دينا فطهره وأسناه، وأظهره وأعلاه؛ وزينه بكل ~~حسنة، ونفى عنه كل سيئة، وجعله إلى مذخور كرامته سببا وأصلا، وسبيلا ونهجا، ~~وبعث به محمدا # صلى الله عليه وسلم # ليهدي من كان حيا، ويحق القول على الكافرين. # تقريظه في الخليفة # الحمد لله الذي اصطفى أمير المؤمنين لخلافته، وتلافى الأمة بسلطانه، فجعله القائم ~~فيهم بقسطه، والمستفرغ في التماس مصلحتهم همه. # لأحمد بن يوسف # عن ذي الرياستين إلى إبراهيم بن إسماعيل بن داود صدر فتح: # أما بعد، فالحمد لله الذي حفظ من دينه ما ضيع الملحدون، ورأب منه ما ~~[فرقته] # 25 # الصدعة؛ وأعاد من حبله ما حاولوا نقضه، حتى أعاد لعباده أحسن ~~ألفتهم، ورد إليهم أجمل عودهم، من الاستشلاء بعد التردي في قحم ~~المعاطب، والاستنقاذ بعد التوريط في المهالك؛ وبلغ خليفته القائم بحقه، ~~المؤتم بكتابه، الذائد عن حريم الدين، وميراث النبيين، أجزل ما بلغ ~~للخلفاء الراشدين المهديين، من إعلاء الكلمة، وغلبة الأعداء، والفوز ~~بالعاقبة التي وعدها المتقين؛ وفرغه لما أشعر قلبه، وشرح له صدره، من إمضاء ~~حكم الفرائض الموجبة، واقتفاء السنن الهادية، حيث سلك به من المناهج؛ حمدا ~~يوازي نعمه، ويبلغ أداء شكره، ويوجب مزيده. # والحمد لله على ما خصنا به من إعلاء الدرجة، وإسناء الرتبة، في مشايعة ~~أمير المؤمنين - أيده الله - والمجاهدة عن حقه، والوفاء لله بما عقده له؛ ~~لا نريد بما كان ms879 منا إلا وجهه، ولا نسعى فيه إلا لرضاه؛ حمدا لا يحصى ~~عدده، ولا ينقطع أمده. # تحميد لأبي عبيد الله # أما بعد، فالحمد لله ذي الآلاء والقدرة، والطول والعزة؛ الذي اصطفى الإسلام دينا ~~لنفسه، وملائكته وأنبيائه ومن كرم عليه من خلقه؛ فبعث به محمدا # صلى الله عليه وسلم # اختصاصا له في ذلك بكراماته، واصطفاء له به على عباده؛ فأعزه ومنعه، وكفاه وحاطه، ~~وتوكل لأهله بالعلم والتمكين، والظهور والتأييد؛ فلم يلحد فيه ملحد، ولم يزغ عن ~~قبول حقه زائغ، بعد إعذار الله إليه، وإعادة الحجة لله عليه، إلا أنزل به من الذل ~~والصغار والاجتياح والاستئصال ما يجعل له فيه قمعا؛ حمدا كثيرا دائما مرضيا ~~له، مؤمنا من غيره، موجبا لأفضل مزيد ثوابه. # تحميد لسعيد بن حميد في فتح # أما بعد، فالحمد لله المنعم، فلا يبلغ أحد شكر نعمته ، والقادر فلا يعارض في ~~قدرته، والعزيز فلا يغالب في أمره، والحكم العدل فلا يرد حكمه، والناصر فلا يكون ~~نصره إلا للحق وأهله، والمالك لكل شيء فلا يخرج أحد عن سلطانه، والهادي إلى سبيل ~~رحمته فلا يضل من انقاد لطاعته، والمقدم إعذاره ليظاهر به حجته؛ الذي جعل دينه ~~لعباده رحمة، وخلافته عصمة، وطاعة خلفائه فرضا واجبا على كافة الأمم؛ فهم ~~المستحفظون في أرضه على ما بعث به رسله، وأمناؤه على خلقه فيما دعاهم إليه من دينه، ~~والحاملون لهم على مناهج حقه، لئلا تشعب بهم الطرق المخالفة لسبيله، والهادون لهم ~~إلى صراطه ليجمعهم على الجادة التي ندب إليها عباده؛ بهم حمي الدين من البغاة ~~الطاغين، وحفظت معالم الحق من الغواة المخالفين، محتجين على الأمم بكتاب الله عز ~~وجل الذي استعملهم به، ورعاة للأمر بحق الله الذي اختارهم له؛ إن جادلوا كانت حجة ~~الله معهم، وإن حاربوا فالنصر لهم، وإن جاهدوا كان في طاعة الله نصرهم، وإن بغاهم ~~عدو كانت نكاية الله حائلة دونهم، ومعقلا لهم، وإن كادهم كائد فالله في عونهم؛ ~~نصبهم الله لإعزاز دينه، فمن عاداهم فإنما عادى الذين عز بهم وحرس بهم حقه، ومن ms880 ~~ناوأهم فإنما طعن على الحق الذي تكلؤه حراستهم، جيوشهم بالرعب منصورة، وكتائبهم ~~بسلطان الله من عدوهم محوطة، وأيديهم بذبها عن دين الله عالية، وأشياعهم بتناصرهم ~~غالبة، وأحزاب أعدائهم ببغيهم مقموعة، وحجتهم عند الله وخلقه داحضة، ووسائلهم إلى ~~النصر مردودة، وأحكام الله بخذلانهم واقعة، وأقداره بإسلامهم إلى أوليائه جارية، ~~وعادته فيهم وفي الأمم السالفة والقرون الخالية ماضية، ليكون أهل الحق على ثقة من ~~إنجاز سابق الوعد، وأعداؤه محجوجين بما قدم إليهم من الإنذار، معجلة لهم نقمة ~~الله بأيدي أوليائه، معدا لهم العذاب عند ردهم إليه خزيا موصولا بنواصيهم في ~~دنياهم؛ وعذاب الآخرة من ورائهم، وما الله بظلام للعبيد. وصلى الله على محمد أمينه ~~المصطفى، ورسوله المرتضى، والمنقذ من الضلالة والعمى، صلاة نامية بركاتها، دائما ~~اتصالها، وسلم تسليما. # والحمد لله تواضعا لعظمته، والحمد لله إقرارا بربوبيته، والحمد لله اعترافا ~~بقصور أقصى منازل الشكر عن أدنى منزلة من منازل كرامته. # فيما يقرظ به الخليفة # والحمد لله الذي حاز لأمير المؤمنين وراثته، وساق إليه خلافته، بالحاجة منها ~~إليه، والرغبة منه عنها، واستخلص من خلقه من جعله ظهيرا للحوادث، وعدة للنوازل؛ ~~فلما أفضت الخلافة إليه حسر أمامه أحاجلته، # 26 # وكشف قناعه لمحاربته؛ فالحمد لله الذي اختص أمير المؤمنين بخلافته، ~~وارتضاه لولاية أمر أمة نبيه محمد # صلى الله عليه وسلم ~~، والقيام بحقه، والذب عن حرماته؛ وحاط ~~له ما استرعاه من ذلك، وقلده بحسن الولاية والكفاية، وتوكل له بالحفظ والتأييد، ~~والنصر والغلبة والظهور على من عند عن طاعته، وصدف عن حقه، وابتغى غير سبيله؛ ~~كرامة من الله تطول بها عليه، ومنة منه توحد بها له. # والحمد لله الذي جعل نية أمير المؤمنين عزيمته، وفكره ورويته، منذ أفضى الله ~~بالخلافة إليه، وجعله القائم بإرث نبيه محمد # صلى الله عليه وسلم ~~، واستحفظه من عباده وبلاده ~~فيما فيه عز الدين، ونظام أمر المسلمين وترهين الشكر، وإذلال الأعداء، وإشجاؤهم ~~ووقمهم، وتحصين البيضة، وإشحان الثغور، ولم المنتشر، وضم الأطراف؛ لا يفثأه عن ~~ذلك فاثئ، ولا يذهله عن تفقد كبير أمره وصغيره ومقابلته ms881 ذاهل؛ يستقل كثير ما ~~ينفق من الأموال في سد الثغور، وتحصينها وحراستها، لما يرجو فيه من جسيم الحظ، ~~وجزيل الذخر، وكثير الأجر؛ تقربا إلى الله واحتسابا له في جنب ثوابه، وكريم مآبه؛ ~~حتى رأب به الصدع، ورتق به الفتق، وأمن به السبل، وأقام به العوج، وأفلج به ~~الحجج، وأعلى به الدرج، وأزهق به الباطل، وأحيا به الحق، وأشام به سيوف أهل الضلالة ~~والفتنة؛ لا تأخذه في القيام بحق الله والانتصار لدينه، والانتصاح لأمة نبيه محمد # صلى الله عليه وسلم ~~، والذب عن حوزتهم، والرمي من ورائهم، ودفع بائقة أهل الشقاق والنفاق ~~والخلاف والمعصية عنهم فترة ولا سآمة؛ توفيقا من الله، وتسديدا لحرمته، وتأييدا ~~لعزمه، إذ كان لله شاكرا، ولدينه ناصرا، وبحقه قائما؛ وما توفيق أمير المؤمنين ~~إلا بالله وحده، عليه يتوكل وعليه يتوكل المتوكلون. # والحمد لله الذي لم يزل منذ أفضى إلى أمير المؤمنين بخلافته، وحياه بكرامته، ~~يختصه بالخيرة في كل ما أمضى من أمره، ويتولاه بالتوفيق في كل ما أبرم من تدبيره، ~~ويحمل عنه أعباء ما حمله، ويعينه بتأييده على ما قلده، ويحوطه بجميل الصنع فيما ~~ولاه واستحفظه، ويلهمه جهاد عدوه، ويحبوه بنصره؛ حمدا قاضيا لحق نعمته، موجبا ~~أفضل مزيده. # والحمد لله الذي أورث أمير المؤمنين مواريث نبوته، وصير إليه مقاليد خلافته، ~~وأوجب ذلك له بالقرابة برسوله # صلى الله عليه وسلم ~~، والوراثة لوراثته من عصبته وأولى الناس به؛ ~~ثم أعز نصره، وأعلى كلمته، وأفلج حجته، وأظهر على المشركين والمنافقين، ومن حاده ~~وعانده من الناكثين والمارقين، والباغين والملحدين، فأتعس جدودهم وفعل وفعل. # والحمد لله الذي عرف أمير المؤمنين منذ استخلفه في أرضه، وائتمنه على خلقه، من ~~عظيم نعمه، ولطيف صنعه، وجميل بلائه، واعزاز نصره، وإعلاء يده وكلمته، وإفلاج حجته ~~على من ضاده وحاده، إن الله بعظيم طوله ومنه ارتضى أمير المؤمنين لدينه، ~~واصطنعه لخلافته؛ فملاه سربالها، ورداه بهاءها وجمالها، فاستعمله بالكتاب والسنة ~~والحق والعدل فيها؛ فأيده بقوته، وأعزه بنصره، وحاطه بكفايته، وتولى الصنع له في ~~جميع أموره؛ فلم يكده كائد، ويعانده ms882 معاند، ويمرق عن طاعته الواجبة مارق، ويلحد في ~~إمامته ملحد، ممن يعالن بمعصية وشقاق، أو ينطوي على غل ونفاق، إلا أوهن الله ~~كيده، وأتعس جده، وعاجل المبادئ بعداوته، الشاهر على الدين والمسلمين سيفه، ~~باصطلام وبوار، وأمكن منه بذلة وصغار، وقتل المسر غيره، المنطوي على غله بغيظه ~~وغمه، وأماته بدائه وحسرته؛ إنجازا منه جل ثناؤه لوعده، وإتماما لكلمته فيما وعد ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات من استخلافهم في أرضه، والتمكين في دينه؛ وله الحمد ~~دائما، والشكر خالصا، كما هو أهله، وكما ينبغي أن يحمد ويشكر، لا إله إلا هو ~~الواحد القهار. # والحمد لله الذي لم يبق لأمير المؤمنين عدوا من الناكثين والجاحدين، ~~والمشركين والمنافقين، حاول نقضا لإمامته التي صيرها الله إليه، وقلده إياها؛ ~~أو صاول جيشا من جيوشه التي أعدها للمحاماة عن دين الله ومحارمه، وإقامة سننه ~~ومعالمه، إلا أحل به النقمة، وأصاره إلى الصغار والذلة، والبوار والهلكة، ~~وعجله إلى ناره وعذابه. # والحمد لله الذي لم يزل يتولى أمير المؤمنين بحياطته، ويتوحد له من إعزاز نصره ~~وإعلاء كلمته، وإفلاج حجته، وتأييد أوليائه وأنصار حقه؛ وأنزل البأس والنقمة ~~والمثلات والسطوة بمن عانده، والذب عن حريم المسلمين وأهله؛ بما يبين به عن مكانه ~~منه، ومنزلته عنده؛ حميدا ربنا بذلك كما هو أهله ومستحقه، مشكورا بعظيم منه فيه ~~وطوله، مسئولا لتمام أحسن عائدته وماضي سنته؛ فإن الله المحمود على نعمه، ~~المشكور بآلائه، لم يزل ما يتوحد به لأمير المؤمنين بسلطانه من التعزيز، وفي ~~أوليائه من التأييد بنصره، عادة يتبين بها برهانه، ويفلج بها حجته، ويدل بها على ~~كرامته عليه، ويخبر بها عن منزلته عنده؛ ويجعل ما نزل بأعدائه المتولين عنه، ~~الراغبين إلى غيره، الملحدين في حقه، عظة لمن قسا قلبه، وران عليه سوء عمله، ليكون ~~ما يعطيه من البسط في ملكه، والتمهيد فيما خوله له، ويوفقه من السطوة بعدوه، ~~والتنكيل بمن خالفه، حجتين متظاهرتين، وعبرتين ىعىىن؛ # 27 # فيعتصم معتصم، وينجو ناج، وليشجب [شاجب] # 28 # ويهلك هالك، وقد مضت من الله المشيئة، ووضح منه الإعذار، وكان ms883 الله ~~بعباده عليما، وبأعمالهم خبيرا. # والحمد لله الذي أكرم أمير المؤمنين بخلافته، وجعله وارث وحيه، وقيمه بكتابه في ~~عباده، وأكرم هذه الأمة التي جعلها خير أمة أخرجت للناس به؛ فهو الميمون في تدبيره ~~المنجح حويله، الميمون النقيبة، الموفق الرأي والسياسة؛ فإن الله عز وجل خلق ~~الخلائق بقدرته، واختارهم بعلمه، فاختار أمير المؤمنين لخلافته، واصطنعه للقيام في ~~العباد والبلاد بأمره وقسطه، وألهمه إقامة أحكامه وفرائضه، والعمل بحقه وعدله، ~~وأبلى أهل الشرك به، وأخرها إلى أيام دولته، وحظرها عمن كان قبله؛ حتى حاز له ~~أجرها، وأبقى له سناءها وذكرها، ونشر عنه أحدوثتها وسماعها؛ وفتح عليه البلدان ~~القاصية، والمدائن المتنائية، التي لم تكن ترام من أهلها، ولا يطمع في زوالها؛ ~~وذلت له الملوك القديم عتوها وعنادها، والأمم المستصعب مراسها وجهادها، الحامية ~~في آباد الدهور حماها؛ فأنفذ فيهم مكيدته، وأنجح سعيه، ورماهم بالتخويف ، وملأ ~~قلوبهم رعبا منه؛ فأذعن مذعنوهم بطاعته، وانقادوا لأمره، وصاروا يدا وأعوانا ~~لأوليائه على أعدائه. # أما بعد، فإن أعظم النعم قدرا، وأجلها أمرا، وأسرها موقعا، وأوجبها شكرا، ما ~~عم الإسلام والمسلمين نفعها، وعادت عليهم عائدتها، وجعل الله فيها عز الدين، وذل ~~المشركين؛ وقد جعل الله ذلك في خلافة أمير المؤمنين أطال الله بقاءه بيمنه وبركاته، ~~وما أخلص الله من نيته وطاعته، وتأدية حقه فيما استحفظه من أمر دينه وعباده، وفرغ ~~له نفسه، وأنصب فيه بدنه، وأسهر فيه ليله، من حياطة حريم الإسلام، والزيادة في ~~حدودها متصلا متتابعا، والنعم متظاهرة ومتوافرة، فسهل الصعب، وذلل له العزيز، ~~وقصم عتاة الأعداء ومتكبريهم، والمستعصين والمستصعبين منهم، في آباد الدهور على من ~~رامهم، وفتح عليهم حصون مدائنهم؛ وممتنع قلاعهم، وأنفذ مكيدته فيهم؛ فبين مقتول ~~ومأسور، وشريد طريد عن محلته، وموضع عزه ومنعته، مستسلم معط قياده باخع بطاعته؛ ~~وكذا فإن الله بمنه وطوله قد أوصل لأمير المؤمنين من صنعه له فيما قلده من ~~خلافته، وحياطته إياها فيما يحوطه من دينه، وعرفه من كفايته فيما قام به من حقه، ~~وأيده من نصره فيما جاهد عنه في سبيله، ما ms884 قد جعل النعمة به عامة، والشكر به ~~لازما، والمنة به واجبة، والصنع عظيما؛ فالحمد لله على نعمه في ذلك ~~كثيرا. # والحمد لله الذي جعل اجتهاد أمير المؤمنين ومقام أمره وتدبيره، في آناء الليل ~~ونهاره، فيما فيه صلاح عباده، وإعزاز دينه وإقامة حقه. # تحميد # الحمد لله الذي لما افترض من الطاعة لولاة الأمر من خلفائه جعل أوائلها ناطقة ~~عن فضل أواخرها، وبوادئها مخبرة عن حميد عواقبها، ومواردها مبشرة بالعلو في ~~مصادرها، بما يعقبه أهلها من السعادة في الماضين من أوليائها القائمين بحقها؛ وعاد ~~من الشقوة على مقارفي المعصية الملحدين إليها؛ حين أقبلت بهم هوادي الفتن، وكشفت ~~لهم تواليها عن البوار والهلكة؛ معتذرين حين لا عذر ولا حجة، طالبين للمهارب بعد أن ~~كانت منازل السلامة بهم مطمئنة، وخائفين وقد كانت سبل الأمن لهم واضحة؛ قد جعلتهم ~~النقمة الواقعة بهم أمثالا سائرة ، وفرقت بينهم وبين النعم الشاملة، وحصلت ~~السعادة لمن اتعظ بهم باقية، سنة من الله فيهم ماضية، وعادة جارية، ولن تجد لسنة ~~الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا. # والحمد لله الذي اختار أمير المؤمنين لخلافته فحرس به دينه من البغاة الناكلين ~~عنه، واختصه بإعلاء رتب كرامته، وافترض طاعته على عباده، وجعلها بمواقعها في دينه ~~نظاما لسائر فرائضه، فتاركها مفارق لعصمة حقه، خارج من جملة الأمة التي سبقت لها ~~رحمته؛ يستنصر أشياع الباطل والله خاذله، ويغالب الحق والله غالبه، ويطلب ما لا ~~سبيل له إليه والله طالبه؛ حتى يخلجه أجله عن أمله، وأقدار الله فيه عن تقديره، ~~ونفوذ قضاء الله فيه عن نفوذ حيله؛ فضلا من الله على أوليائه وقضاء منه عدلا ~~في أعدائه، والله ذو الفضل العظيم. # والحمد لله الذي اختار أمير المؤمنين لرعاية عباده، وحفظ بلاده، وتنفيذ أحكامه، ~~وإقامة حدوده؛ فجمع به الألفة، وكف به بوائق الفتنة، وأصلح به أمور الأمة، وسكن ~~به الدهماء، ودفع به عظيم البلاء، وأنقذ به من الجهد واللأواء؛ وجدد لرعيته العبر ~~الشافية، والعظة الناهية، وجعل همه السعي لربه، وطلب الحق الذي أوجبه له من خلافته، ms885 ~~ليؤدي فرضه في الأمانة التي حملها؛ فيوجب له بذلك ما لا يزول ولا ينقطع من ثوابه، ~~فأعمل رأيه في الرأفة بمن ولاه أمره، والحياطة له، والعناية بصلاحهم؛ فأعطاه لين ~~الموعظة في وقت التأني، والنفوذ لإقامة الحجة والبينة، وشدة السطوة على من غمط ~~النعمة وعند به الإصرار عن النزوع والفيئة؛ منا من الله وتفضلا، وإحسانا ~~وتطولا، والله ذو فضل عظيم. # ويسأل الله أمير المؤمنين مبتدئا ومعقبا، وأولا وآخرا، وقبل كل مسألة، ~~وأمام كل رغبة، ومقدمة كل طلبة؛ أن يصلي على صفوته من عباده، وخيرته وخاتم ~~أنبيائه ورسله، محمد عبده ورسوله، أفضل صلواته، ويبارك أكثر بركاته، وأن يديم له ~~كرامته، ويجري عنده أجمل عاداته، ويتمم له ما اختص به من إحسانه؛ حتى يملأ الأرض ~~عدلا وقسطا، والإسلام تأييدا وعزا، والشرك ذلا وقمعا؛ إنه ولي كل نعمة، ~~ومنتهى كل رغبة، وغاية كل حاجة. # ولم يزل أمير المؤمنين منذ الوقت الذي أفضى الله إليه بخلافته، وأكرمه برد حقه من ~~إرث نبوته، يتلقى عظيم النعمة في ذلك بالإخلاص للنية والطوية في الصفح عن كل ~~زلة، والإقالة لكل عثرة، والتعمد للهفوة وقبول الفيئة، والإنابة ممن عظم جرمه، ~~وجل ذنبه، وظن أن لا توبة له؛ وكلما جدد الله له نعمة، جدد له في ذلك نية حسنة، ~~شكرا لله عز وجل على ما ابتدأه به، وارتهانا لنعمه عنده، واستزادة من جميل ~~مواهبه، وتقديم الاهتمام بما فيه صلاح رعيته، واستقامة أمورها، وحياطتها والذب ~~عنها، وكف الأذى والمكروه عن الداني والقاصي منها؛ ويتخلص إلى ذلك بكل ما يجد إليه ~~السبيل ويجتهد فيه، ويعمل لكثرة أوقات دهره في كل ما بلغه محبته نظرا لها، وحدبا ~~على كافتها، وإشفاقا من سوء حالها؛ إذ كان لها والدا برا، وراعيا كالئا، ~~وناظرا لطيفا؛ ويستعمل كل ما يرجو ائتلافها، والإبقاء على أحوالها، والسلامة لها ~~في دينها ودنياها؛ وينصب لذلك ليله ونهاره، ويذيب فيه نفسه، ويجعله شغله دون ~~غيره. # والحمد لله الذي اصطفى أمير المؤمنين بخلافته، وأكرمه بإرث نبوته، وجعل خلافته ~~خلافة يمن وبركة، ولطف وسعادة؛ ms886 انتاش بها أولياءه من موارد الهلكة فرفع منزلتهم، ~~وشرف درجتهم، وأعلى كلمتهم، وأذل بها أعداءهم، وجذ دوابرهم، ورد دائرة ~~السوء عليهم؛ وحباه مزية نصره وتمكينه، وإعزازه وتأييده، وإظهاره على من ناوأه ~~وعند عن حقه، وصدف عن طاعته؛ فإن الله لما اختار أمير المؤمنين لخلافته فأيده ~~بها، جعل الحق نيته، وإعزاز الدين بغيته، ومجاهدة أعداء الله شرقا وغربا وبرا ~~وبحرا نهمته وإرادته؛ ثم يسره في ذلك لما أحسن به عونه، على من استحفظه وقلده، ~~فضلا من الله ونعمة، والله عليم حكيم. # والحمد لله الذي كان لسابق علمه وسالف قضائه، الذي لا يستطيع الناس رده، ولا منعه ~~ولا صرفه، ما ولى المؤمنين من خلافته، وما ابتعثه له من النصر لدينه، والطلب ~~لحقه، والجهاد لأعدائه؛ وأحسن في ذلك عونه فيه وبلاءه، وأيده في نفسه، لم ينقصه ~~خذلان خاذل، ولا مخالفة من خالف ، ولم يزد أمره في شيء من ذلك إلا تماما وإحكاما؛ ~~حتى أظهر حقه، وأفلج حجته، ومحق باطل أعدائه، وأدحض حججهم؛ وجعل أهل طاعته حزبه ~~الغالبين، وجنده المنصورين؛ وجعل عدوه وعدوكم حزب الشيطان الخاسرين، وأولياءه ~~الأذلين؛ بغير حول من أمير المؤمنين في شيء مما ولاه وأبلاه، ولا قوة إلا بالله ~~العلي العظيم. # لأبي عبيد الله # والحمد لله الذي أكرم أمير المؤمنين بما أصار إليه من الخلافة وإرث النبوة، وجعله ~~القائم بأمر عباده وبلاده، والمحيي لسننه، والذاب عن دينه وحقه، والمناصب لأهل ~~الشرك والجحود به؛ ثم نصره وأظهر فضل أيامه ودولته، ومكن له في بلاد عدوه، وجعل ~~كلمته العليا وأنصاره الغالبين، ومن ناوأه من أهل الخلاف الأذلين المقهورين؛ ~~وعرفه من نعمته في ذلك ومنته وجميل صنعه وعاداته، أحسن ما عود أحدا من ~~أوليائه الذابين عن الإسلام وأهله؛ حمدا متتابعا لا انقطاع له ولا انصرام، دون ~~بلوغ حقه، وقد كان كذا وكذا. # ما يكتب به في المخالفين في وقت الهزيمة # نكصوا على أدبارهم منكوبين مهزومين، قد ضرب الله وجوههم، وفت في أعضادهم، ومنح ~~الأولياء أكتافهم؛ فقتلوهم في كل فج، وعلى رأس كل تلعة ومهرب ms887 ومسلك؛ أباد الله ~~خضراءهم وغضراءهم، وحصد شوكتهم، وفل حدهم، وأباخ # 29 # نيران ضلالتهم وكفرهم، وشفى منهم الصدور، وأدرك منهم الإحن؛ ونفل ~~المسلمين أموالهم وذراريهم، وجعلهم لهم خولا وعبيدا، وأورثهم أرضهم وديارهم، ~~وأحل الله بهم من البأس والنقمة والجائحة والظهور والغلبة جزاء من الله لمن أخلد ~~إلى المعصية وابتغى غير سبيله المسلوكة. وكذلك يفعل الله بالقوم الظالمين، ~~ويستدرجهم من حيث لا يعلمون، إن الله لا يخلف الميعاد. ثم أنزل الله عز وجل من صار ~~إلى الأمصار منهم هربا، واعتصم بالحصون، وتعوذ بالجبال، ولاذ بالقلاع، ولجأ إلى ~~الأودية، من صياصيهم، وأمكن من نواصيهم، واستخرجهم من أوزارهم ومعاقلهم ومتعوذهم، ~~وأخذ أسيرا ذليلا منكوبا خائفا قد نخب الوجل قلبه وملأ الرعب صدره، متوقعا أن ~~ينزل الله به من النقمات والمثلات ما لا مرد له عن مثله من القوم الظالمين، وفشت في ~~الكفرة الجراحات، وعضتهم السيوف، وشرعت فيهم الفنا، وهرتهم نار الحرب، وغالهم ~~النزال، ومارسهم الأبطال، واستحر فيهم القتل، فصبر لهم الأولياء أحسن صبر، فلم ~~يطيقوا بالموت مراما ولا على الحرب مقاما. # في صفة الخالعين # الناصبين لدين الله، المكذبين بآياته، الجاحدين رسله، الجاعلين معه إلها، لا ~~إله إلا هو، لطول مدتهم، وشدة شوكتهم، وصعوبة مرامهم، وقطعهم السبل وانتهاكهم ~~المحارم وسفكهم الدماء التي أوجب الله على من سفكها بغير حلها واقترف واحتمل وزرها، ~~أليم العذاب وشديد العقاب، فأبوا إلا تماديا في ضلالتهم، وعتوا في طغيانهم، ~~وثبوتا على عصيانهم، ومقاما على كفرهم، لأحداثه السالفة، وغوائله المتقدمة، ~~وبوائقه المشجية، فوقف مميلا بين ثكل التقدم وحقيقة الاصطلام في التأخر، دعاهم إلى ~~الفيئة والمراجعة والإنابة وقبول الأمان والدخول في الطاعة، استظهارا بالحجة ~~عليهم، ورجاء لصنع الله فيهم. فلما بلغهم نزولي فيمن معي، جمع أصحابه، وضم ~~جنده، وتحرز في معسكره، وخندق على منزله، واحترس بجهده، فأقمت معسكري، وأنا مع ~~ذلك في كل يوم أوجه رسلي وأدعوه إلى حظه، من طاعة أمير المؤمنين والدخول في ~~أمانه، وأعلمه أن له نظراء ممن غمط الطاعة، وسفه الجماعة، وقد ركضوا في الفتنة ~~عمرهم وسعوا فيه ms888 دهرهم، فانتشر خبرهم، وكثر تبعهم، وكبر وزرهم، وثقل وقرهم، ثم ~~أذعنوا لطاعتهم، واستقلوا ناهضين من عثرتهم، ومنتعشين من زلتهم، فغفرت ذنوبهم، ~~وقبلت توبتهم، وفسح لهم في أمانهم، وشرفت منزلتهم، واستبدلوا بالخوف أمنا ~~وبالذل عزا؛ فأبى به ميل الهوى، وغلبة الشقوة، ومستعلي الغواية، والقدر المحارب، ~~والقضاء المحتوم. وتقدمت في موافقتهم وترغيبهم، والأخذ بالمخنق منهم، من غير قتال، ~~ولا تناول سلاح، ولا تناوش صيال، # 30 # وعرضت عليهم التوبة، ودعوتهم إلى الإنابة، وأعطيتهم الأمان، وأعلمتهم ~~أنهم إن قبلوا حمدتهم وأخمدت نار الحرب بيني وبينهم، وإن أبوا إلا تماديا في غيهم ~~ونكوصا على شقائهم، وليت مناجزتهم وعرفت من الله الخيرة في محاربتهم، واستعنته ~~عليهم، واستكفيته أمرهم، ورجوت حسن عادته عند أمير المؤمنين في أمثالهم. ثم وجهت ~~الأولياء فنفذوا نحو عسكرهم ليلا وهم متفرقون في رحالهم، مغترون في أوطانهم، قد ~~أمنوا خدع الحروب ومكرها ومكيدتها، ووقعة البيات وهولها، إلا طائفة منهم أهل عدد ~~وعدة، وبأس في أنفسهم وقوة، اتخذوا الليل جملا، وسروا نحونا يرجون غرتنا ويأملون ~~غفلتنا، فوقف جندنا بمكانهم آخذين أهبتهم، متمسكين بالطاعة فيما به إمرتهم، فأسرعت ~~إليهم من أعدائهم طائفة فدفعوهم عن أنفسهم، ونالوهم بجراحات مع قتلى منهم عند ~~تناوشهم، ثم نكصوا على أدبارهم، ورجعوا القهقرى على أعقابهم إلى الباقين من سريتهم، ~~فاستجاشوهم فاجاهم بالمكانفة والمؤازرة، وأقبلوا بحميتهم وحنقهم حتى حملوا حملة رجل ~~واحد، وضاق الفضاء وطارت أفئدة جندنا رعبا من حملتهم، وبلغت القلوب الحناجر منهم، ~~إلا طائفة قليلة من لواقح الحرب ومواضي رواسخها وأشبال لبدتها، تزينوا بالطاعة ~~فأموا حسن العاقبة، ونصروا الدين، فوثقوا بالتمكين، انتدبوا إليهم، ووقفوا لهم، ~~وازدادوا بصيرة في أمرهم، ونفاذا وجدا في اجتهادهم ومجاهدتهم، فثبتوا قائمين ~~بالقسط في أحوالهم، قائلين بالعدل في أملائهم، يسألونهم الكرة بعد الكرة، ~~ويعدونهم الغلبة، ويمنونهم السلامة، ويضمنون لهم الغنيمة؛ ففاءوا إليهم، ~~ورجعوا إلى الحق لله عز وجل عليهم، فشافعوا ساعة بالقنى بعد تراميهم إرشاقا ~~بالسهام. # فلما رأى أعداء الله جدهم، وعرفوا صدقهم، وخافوا حدهم، نكصوا على أعقابهم، يريدون ~~اللحاق بمعسكرهم، وتحرك أصحابنا في طلبهم، ms889 ورجوا سوء الصباح لهم، فأمعنوا في أثرهم؛ ~~فلما أحسوا الفساق أعطوهم الضمة وولوا إلى ديارهم لا يلوي قريب على قريب، ولا ذو ~~رحم على حبيب؛ ونالتهم القنى فدسرتهم، وعضت هامهم السيوف فكلمتهم، وحيل بينهم وبين ~~الدخول من باب عسكرهم، فأخذوا في غير طريقه منهزمين، قد فل الله حدهم، وقلل ~~كثرتهم، وقتل عامتهم؛ ورجع أصحابنا إلى معسكر أعدائهم بعد التشريد والتفريق ~~بجماعتهم، فأحاطوا بهم في آخر ليلتهم، فلما رأوا غفلتهم، وأمنوا غرتهم، وانتهزوا ~~مكان الفرصة منهم أحاطوا بهم وهم نائمون، فارون غافلون متفرقون، فوضعوا السلاح ~~فيهم، ضربا بالسيوف، وطعنا بالرماح، وضربا بالأعمدة، وذبحا بالشفار، لا يشوون ~~من جرحوا، ولا يبقون من كلموا، غير مدفوعين ولا ممنوعين، حتى انثنت السيوف، وتحطمت ~~القنى واندقت الأعمدة، وكلت الشفار، وبقيت منهم عدة يسيرة وشرذمة قليلة ممن لم ~~ينله القتل، فأخذوا أسرى، وأوثقوا حديدا، وكبلوا قيودا، وكان أول رأس أتاني ~~بخبره # 31 # بشيرهم وأسرع به إلي ذو المعرفة منهم رأس # 32 # عدو الله المارق الباغي، الشاق لعصا المسلمين، ملأني رئيس ضلالتهم، ~~وقائد جهالتهم، ومستغوي جماعتهم، فعرفته بحليته ونعته وصفته في عدد كثير من رءوس ~~قواده وأهل الفتنة وأئمة البدعة، فلم يلبثوا إلا ريثما تصدعوا في كل جبل وخمر، ~~منهزمين هاربين، لا يستطيعون لما أتاهم من عذاب الله دفعا ولا منعا بأيد ولا ~~قوة؛ ولا يلجئون إلى ركن وعصمة، قد تشتت بهم نظامهم، وفارقهم وجوههم وأعلامهم، ~~فأخذهم أسرا قسرا قد منهم النصب، وملأ قلوبهم الرعب وتخرمتهم الوقائع، ونخبتهم ~~الهزائم، وتحيفهم القتل، وغلب الله عز وجل لأمير المؤمنين على حصنه الذي كان مناف ~~عزه، وموضع منعته في نفسه، ومجتمع عدته، ومادة قوته، فقوضوا عساكرهم، وأقشعوا عن ~~حصنهم يتبع آخرهم أولهم، متحيرين متلددين، أذلة خاسرين، فتفرقوا لا نظام لهم ولا ~~جامع لشتاتهم. فلما استحر القتل فيهم، وفشت الجراحات في عامتهم، وطحنتهم الحرب ~~بكلكلها، وألموا وقع حديد أنيابها ومساعرها، قذف الله الرعب في قلوبهم وزلزل بهم ~~أقدامهم، فولوا منهزمين مغلولين، وركب المسلمون أكتافهم، يقتلونهم في رءوس جبالهم، ~~وخلال غياضهم، وبطون ms890 أوديتهم، ومقاصي تلاعهم، وفي كل ناحية من نواحيهم، حتى عجز ~~الليل دونهم، وأعجزوهم هربا في معاقلهم. # وفي العصاة # حتى إذا ظن أن قد عز بضلاله، وتحصن بمعاقله، واستكمل قواه، وكثف تدبيره، ~~ولجأ إلى مانع منه ودافع عنه، عطفت عليه عواطف الحق بأولياء الحق وأنصاره، ناقضين ~~ما أبرم، ومتداولين ما سد، ومتوغلين إلى غيه ببصائرهم، وإلى باطله بحقهم، فاستنزل ~~عن موضع عزه قسرا، وأمكن الله أولياءه أسرا؛ سنة الله فيمن عند عن سبيله، ~~وألحد في دينه، ومرق عن الطاعة وثائقها، واستبدل بالحق ومنهاجه، ولن تجد لسنة الله ~~تبديلا، ولن تجد لسنة الله تحويلا، ولن تجد من دونه ملتحدا ولا نصيرا؛ حتى إذا ~~تراءى الجمعان تبرأ الشيطان من حزبه، وأرهق الله باطلهم بحقه، وجعل الفلج والظفر ~~لأولى الحزبين به، بذلك جرت سنة الله في الماضين من خلقه، وذلك ما وعد من تمسك ~~بأمره وطاعته. # وفي مدح قواد الجيوش وصفة الأولياء في أحوالهم # لما بلا من طاعته، واختبر من نصيحته، ويمن نقيبته، وشدة شكيمته، وصحة عزيمته، ~~وصدق نيته، وثقل وطأته على أعداء الله وأعداء الدين والمسلمين، وعلمه بمراوضة الحرب ~~وممارستها، ومكايدة الأعداء ومواقفتهم فيها، فشمر تشمير أهل الحسبة وحسن الظن ~~بالله من غير ونية ولا فترة ولا بقاء جد ولا اجتهاد، راجيا أن ينجح الله سعيه، ~~ويفلج حجته، ويظهره على عدوه من الاستقلال الذي حمله، والاضطلاع بما أسند إليه، ~~والامتثال لسيرته، والانتهاء إلى أمره، والقبول لأدبه، والخفوف بما يستنهضه له من ~~حروبه وأموره مثل الذي جعل عند فلان: يفضلهم بطوله، ويطولهم بمحاسنه، ويتقدمهم ~~بحسن بلائه وغنائه، ومواقفه ومساعيه، لم يختبره أمير المؤمنين في جميع خصاله إلا ~~وجده عند الاختبار والتحصيل سالكا لمناهجه، قابلا لأمره، متبعا لأثره، ساميا ~~بهمته إلى أقصى الغايات وأعلى الدرجات، حتى صار عند أمير المؤمنين مقدما في ~~القدر والرتبة، مخصوصا بالمنزلة والرفعة، يرى ذلك قليلا في كثير ما وجب بطاعته ~~ونصيحته، فبارك الله عليه وليا ظهيرا. فأقدموا متوكلين على الله مسلمين لأمره ~~صابرين على ما نالهم من اللأواء والجهد والتعب ms891 وكلب الشتاء وحمارة القيظ، وصعوبة ~~المرام من أعداء الله الكفرة، يرجون نصر الله وتنجز ما وعد الصابرين والمجاهدين ~~في سبيله من الظفر والنصر والغلبة على عدوهم، توحد به من نصرهم وإعزازهم أن كان ~~الله عز وجل تكفل لأوليائه بالنصر والعز والحيطة، وجعل حسن العاقبة لهم، وكبت من ~~حادهم وأخلد إلى المعصية والكفر والأسر، ليكونوا بذلك عظة ونكالا لمن أمهله الله ~~منهم، ولتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، والله عزيز حكيم؛ ~~أعظمهم غناء، وأحسنهم بلاء، وأشدهم صولة، وأقساهم نكاية، وآمنهم سريرة، وأمضاهم ~~عزيمة، وأربطهم جأشا، وأصدقهم بأسا، وأملأهم للأقران، وأرعاهم لوثائق الإيمان، ~~وأشدهم تحدبا على السلطان، فآزره بهم، وحصن أطراف خلافته بأيديهم، فكفوه المهم ~~وقاموا دونه بالملم، غير مستطيلين بغناء، ولا متعرضين لطلب جزاء، قد تعبدهم الوفاء، ~~وغنوا بقربة الولاء؛ فإن الله جعل آباءه أعلاما في الطاعة يهدون إليها، ~~وأوليته قادة إلى سبيل النصيحة يتمسك المناصحون بآثارهم فيها، باقيا على كر ~~الأيام ذكر مساعيهم، وزائدة على تصرف الأيام حقوقهم، وباديا للعيون حميد أفعالهم، ~~لا تنصرم الأخبار عن سالف لهم إلا وصلوه بحادث، ولا يتقادم لهم من بلائهم أول إلا ~~اتبعه آخر. ففلان يجري في أمره على منهاج قد أوضحوه له، ويسلك في الطاعة طريقا قد ~~سهلوا له مذاهبه، ويتمسك بعرى وثيقة قد رأى آثارها على من تقدمه، والله محمود. ~~ولم يزل الله يعرف أمير المؤمنين في كل ما أسنده إلى فلان من أعماله وقلده من ~~أموره، المبالغة في قضاء الحق عليه ويمن النقيبة فيما يتولاه، والاجتهاد في كل ما ~~قربه من الله وخليفته. وأمير المؤمنين يحمد الله على ما يخصه به من نعمته، وإياه ~~يستعين على قضاء حقه، إنه سميع قريب. # فإن كتابك ورد على أمير المؤمنين بما لم يزل يتطلع إليه منك ويؤمله عندك، ويرجو ~~أن يوفقك الله فيه لرشدك، ويؤثرك منه بحظك، للذي كان يبلغه وينتهي إليه من خبرك، في ~~أحوالك وتصرفك في خصال الخير، وتنقلك في درجتها، مساميا لأهل الفضل في مراتبهم، ~~متزينا بصالح أفعال ms892 الملوك في قصد سيرتهم، وحسن طريقتهم، ولين أكنافهم. فحقق ~~الله ظنه بك، وأجاب دعاءه لك، وبلغ بك أمنيته، وأعطاه فيك رغبته. وكنت فيما هديت ~~له بانقيادك إليه راغبا، ودخولك فيه محتسبا، مستوليا على أسنى الأمور مئونة، ~~وأفضلها ذخيرة، وأعلاها درجة، وخيرها عاقبة، وأعمها سلامة، وأمنعها كهفا، وأبقاها ~~شرفا، وأعدلها حكما، وأطولها سلما، مستحقا بذلك على الله عز وجل زيادة الملك ~~فيها، وبهاء الثروة، وانبساط القدرة، واتساع المملكة، وظهور الغلبة وعز التمكين، ~~والنصرة في الدار التي حبيت فيها بقليل ما ترجو أن تصير إليه من ثواب الله عز وجل ~~وحسن مجازاته بالنعيم المقيم في دار الأمد، ومحل الأبد، بما لا يبلغه إحصاء، ولا ~~يكون له انتهاء؛ وملأه فرحا وابتهاجا، وسرورا وجذلا، ورجاء لك من الله عز وجل ~~حسن عونه وتوفيقه أن يغلب لك على حظك، وأن يأخذ إلى تقواه بقلبك ويجعل فيما عنده ~~رغبتك ، وإلى ذلك سموك وهمتك. وليس ينفك أمير المؤمنين مقتفرا فيك أثرا يحمده، ~~ومتصفحا بخبر يبهجه، ومستحدثا نعمة من الله عز وجل يرجو اتصالها واتساقها لديه ~~بك، حتى يتناهى إلى الدرجة العليا، والغاية القصوى، فيما [يبتغيه] # 33 # من اجتثاث أرومة الفسقة وقطع دابرهم. وبالله الثقة والحول والقوة، ~~متعرفا من الله فيما فارقه من جهاد عدوه أتم مصادق وعد القائمين بحقه، الصابرين ~~في جنبه، وأحسن ما أبلى، ذائدا عن حريم، ومحصنا لبيضة، ومدافعا عن ملة، فشمر ~~شاريا لله نفسه، طارحا عنه لباس الغفلة، متجافيا عن مهاد الوطأة، وليس تدخله ~~الخلة والوحشة على من كنت قريبا منه، ولا يمتنع لأمير المؤمنين طرف أنت فيه، ولا ~~أمر يعين عليه ويتمسك بسبب من أسبابه. # وصف الأولياء في الكتب # وصار أهل السمو إلى الدرجة العليا، والاعتصام بالعروة الوثقى، من أولياء أمير ~~المؤمنين وشيعته، منشرحة صدورهم بمكانفته، منبسطة أيديهم بمعاونته؛ وقسم لأمير ~~المؤمنين من أولياء دينه وأنصاره، قوم آزرهم بالنصر، وكنفهم باليقين، وألف ~~بصائرهم على الحق، وأيدهم بمؤيدات التقوى؛ فلما أمرهم أطاعوا أمره، ولما فرضوا في ~~ذات الله طاعته، فرض الله نصرهم وتمكينهم، فجاهد ms893 مجاهدهم مستبصرا محتسبا، وقام ~~قائمهم بالحق عليه مخلصا مجتهدا؛ وقادتهم طلائع الدين ودواعيه أرسالا قدما، ~~فاتبعوا سبيله لا ناكلين عن إقدام، ولا متوقفين عن ارتياب، ولا متهيبين، مع دخائلهم ~~وبصائرهم، عدوا ولا عنادا؛ طالبين بثأر الدين بغاته، وبطوائل الإسلام عداته: من ~~صنوف أمم الكفر ومردة النفاق وأئمة الملحدين؛ متقلدين للحق ونصرته، ولئن تمم الحق ~~بهم ومضى، ولين مع الحق من نكث عنه بألسنتهم وأيديهم، حتى فتح الله عز وجل لأمير ~~المؤمنين معاقل الشرك وأممه، وأناخ الباطل وأركانه، وأعلام البدع وأتباعها، فضلا ~~من الله ونعمة، والله عليم حكيم؛ إن هززتهم قطعوا قطع الحسام، وإن أجريتهم في عظيمة ~~وقعوا وقع الجياد، وإن استغنيت ودام الغناء لك عن جميع العاملين، كانوا رصدا لك ~~فوق أعناق الحاسدين. # ما يقرظ به أمير المؤمنين في أواخر الكتب # ليعرفوا موقع نعم الله عند أمير المؤمنين، يحوطه به في أوليائه، من النصر ~~والتمكين، وعلى أعدائه من الوقم # 34 # والتوهين؛ ويشكر الله على النعمة في ذلك، إن الشكر محصن للنعم، وأمان ~~من الغير، لتحلو مواقع النعمة عليهم، فيما يجمع الله بأمير المؤمنين من كلمتهم، ~~ويحوط من حريمهم، ويحل من بأسه ونقمته بمن صدف عن سبيله وحاول تشتيت جماعتهم ~~وتوهين حقهم، ويقابلون ذلك بما ترتبط به نعمه، ويستدر مزيده. # سعيد بن حميد # ليشكروا الله على ما منح خليفته من هؤلاء المراق الخارجين من جماعة المسلمين، ~~فإن الشكر أمان من الغير ومادة للمزيد. ~~(3) التحاميد في أواخر الكتب # تحميد لسعيد بن نصر في آخر كتاب فتح له # الحمد لله المعز لدينه، المظهر لحقه، المؤيد لأوليائه، الصانع للإسلام وأهله، ~~الناصر لخليفته، الحافظ لما استحفظه، المتوحد بالنعمة عليه فيما حمله. # تحميد لإبراهيم بن العباس في آخر كتاب فتح # فالحمد لله المزيل لما يمهد المبطلون، ويمكر به الماكرون، ويكيد به الملحدون، ~~تمكينا لعبده وخليفته، وذبا عن دينه وحقه، وإظهارا لأوليائه وحزبه، وإمضاء ~~لعزائمه وقدرته، منعما قادرا، وممليا ممهلا، عدلا إذا استدرج، متفضلا إذا ~~أنعم، حمدا يستنزل به نصره، ويبلغ به رضوانه، ويمترى بمثله فواضل ~~مزيده. ms894 # تحميد في فتح لإبراهيم بن العباس # والحمد لله بجميع محامده التي حمد بها، على جميع آلائه وجميل بلائه، فيما ولي به ~~خليفته، ونصر به دينه، وأقام به حقه، وأعز به وليه، وقمع به من ألحد عن سبيله، ~~حمدا يؤدي حق نعته، ويوجب به أفضل مزيده بمنه وطوله. # تحميد لأبي عبيد الله في آخر كتاب # فالحمد لله على ما يحدث لأمير المؤمنين في دولته وسلطانه، ولعامة المسلمين من ~~صنعه وكراماته، في جسيم الأمور ولطيفها، وخاصها وعامها، بما يجعله للنعمة تماما، ~~وعلى ما يحل بعدوه من بأسه وقوارعه، ويوقع بهم من جوائحه واستئصاله، ما يكون ~~لموعوده إنجازا، حمدا يبلغ رضاه ويستوجب مزيده. # تحميد آخر # الحمد لله الذي تمم لأمير المؤمنين نعمته، وأكمل دعوته، وجعل العاقبة فيه لمن ~~اختاره لخلافته، ورد إليه من شد عنه من رعيته، وأتى أمير المؤمنين بصنعه على حد ~~نيته وقدر أمنيته، ولم يفل رأيه ولم يخلف ظنه، حمدا كثيرا دائما بما يزكو عنده ~~فيتقبله، ويرفع إليه فيبلغ رضاه؛ حمدا يكون لأسبغ نعمه جزاء، ولأفضل إحسانه ~~كفاء، وللمزيد من فضله وإحسانه موجبا، وإلى أعلى الدرجات عنده مؤديا، وللخلود في ~~جنته وسيلة وسببا. # آخر: # الحمد لله الذي جمع لأمير المؤمنين ما ~~حباه بمزية نصره وتمكينه وإعزازه وتأييده، وإظهاره على من ناوأه وصد عن حقه، وصدف ~~عن طاعته، ووفقه لاختصاص فلان بما وكله إليه وعصبه به من أعباء أموره وجلائل ~~أعماله، وأجرى بفلان وعلى يديه وبركته وسعادة جده ويمن طائره، من تتابع الفتوح، ~~وتواتر النصر، وإقبال الصنع، وإعلاء الحق وإنارته، وإزالة الباطل وإبادته، حمدا ~~يؤدي حقه، ويرى عزه، ويمير من أحسن # 35 # مزيده، بكرمه وجوده. # آخر: # الحمد لله الذي أكرم أمير المؤمنين ~~بالخلافة، وخصه بالإمامة، وقلده من أمور عباده وبلاده ما تولاه بكفايته وكلاءته ~~وتأييده وحياطته، حمدا يوجب المزيد من فضله. # ولإبراهيم بن العباس # الحمد لله الذي أنجز وعده، ونصر عبده، وأيد جنده، وجعل فتوح أمير المؤمنين ~~شرقا وغربا مشفوعة بين إقامة حق وإدالة باطل وإزالة عاند وإبادة عائد ~~وإقالة # 36 ms895 # مستقيل. ويسأل الله أمير المؤمنين، مسألة العبد سيده ومولاه رغبة إليه ~~متذللا له أن يصلي أفضل صلواته عنده على أكرم أنبيائه. # دعاء أمير المؤمنين في الكتب والدعاء له # وأمير المؤمنين يسأل الله ربه ووليه، أن يكنفه فيما حباه واستحفظه عليه بأفضل ~~تأييده وأعز نصره، وأن يهب له مع كل نعمة يجددها له حارسا من شكرها، يتابع به أفضل ~~مزيده، فإن النعمة منه، والشكر بتوفيقه، والمزيد لمن شكره. # وأمير المؤمنين يسأل الله ربه وربكم وولي النعم عليه وعليكم، أن يلهمه وإياكم ~~أداء حقه وشكر نعمته وحمده عليها، ويطوقه وإياكم أفضل الأعمال وأرضاها عنده ~~وأشدها استيجابا لما وعد الشاكرين من مزيده؛ إنه سميع قريب. # وأمير المؤمنين يسأل الله الذي ولاه خلافته وأعلاه بها، أن يطوقه ما حمله، ~~ويلهمه العدل بين رعيته، ويلهمهم نصيحته وطاعته، ويصلح أمرهم به في ولايته وخلافته. ~~ويرغب إلى الله الذي أيده بنصره ومكن له بغير حول منه ولا قوة، أن يلهمه وإياكم ~~شكره وذكره وخشيته، ويشمله وإياكم بطاعته ومرضاته ومحبته، وأن يعرفه وإياكم ~~الزيادة في نعمه والنصر على عدوه والتمكين في بلاده؛ إنه ذو فضل عظيم. # وإلى الله يرغب أمير المؤمنين في إعانته على نيته وتبليغه منتهى سؤله وغاية همته ~~وإعزاز دينه وإذلال من صد عن سبيله؛ إنه سميع قريب. وأمير المؤمنين يسأل الله ~~الذي دل على الدعاء تطولا وتكفل بالإجابة حتما، فقال: # ادعوني أستجب لكم # أن يجمع على رضاه ألفتكم وأن يصل على ~~الطاعة حبلكم، وأن يمتعكم بأحسن ما عودكم من مننه، ويوزعكم عليها من شكره ما يواصل ~~لكم به مزيده، وأن يكفيكم كيد الكائدين، وحسد الباغين؛ ويحفظ أمير المؤمنين فيكم، ~~أفضل ما حفظ به إمام هدى في أوليائه وشيعته؛ ويحمل عنه ثقل ما حمله من أمركم؛ ~~وبالله يستعين أمير المؤمنين على ما ينوي من جزائكم بالحسنى، وحملكم على الطريقة ~~المثلى، وبه يرضى لكم ناصرا ووليا، وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا. # ويسأل الله أمير المؤمنين، أن يحسن على صلاح نيته عونه، وأن يتولاه فيما ~~استرعاه، ولاية ms896 جامعة، لصلاح ما قلده، إنه سميع قريب. # ويسأل الله أمير المؤمنين الذي بيده مفاتيح مقاديره وفواضله، أن يصلي أفضل صلواته ~~على أفضل أنبيائه، وأن يجعل ما ادخر لأمير المؤمنين إلى دولته وخلافته، وحباه به من ~~وسائل الخير عنده، أن يجمع إلى أحسن توفيقه لما يرضى من شكره وحسن معونته على ما ~~أصلح له ربه، فإنه شاكر يحب من شكره ويوجب لمن وفق لشكره مزيدا بمنه ~~وطوله وفضله وإنعامه، إنه جواد كريم. # ويسأل الله أمير المؤمنين مبتدئا ومعقبا وأولا وآخرا، وقبل كل مسألة، وأمام ~~كل رغبة ومقدمة كل طلبة، أن يصلي على صفوته من عباده وخير خلقه وخاتم أنبيائه ~~ورسله، محمد عبده ورسوله، أفضل صلواته، ويبارك عليه أكثر بركاته؛ وأن يديم له ~~كرامته، ويجري عنده على أجمل عاداته، وأن يتمم له ما اختصه به من إحسانه، حتى يملأ ~~الأرض عدلا وقسطا، والإسلام تأييدا وعزا، والشرك ذلا وقمعا، إنه ولي نعمته ~~ومنتهى كل رغبة، وغاية كل حاجة، وهو على كل شيء قدير. # وأمير المؤمنين يقول: الحمد لله طاعة لأمره، واعتصاما من الفتنة بشكره، واستدامة ~~لنعمه المتزايدة # 37 # عنده، إنه سميع قريب. # وأمير المؤمنين، يسأل الله السامع كلام من جهر، والعالم بغيب من أسر، المطلع ~~على ضمائر العباد ووسوستهم، والمستنقذ من يشاء برحمته، والممتن على من يشاء بقدرته، ~~أن يجمع على الحق أهواءكم، وينصركم على أعدائكم، ويصلح ذات بينكم، ولا يكلكم في ~~موطن من مواطن اللقاء، والتحاكم والتناجز إلى أنفسكم، ويكفيكم ويكفي بكم إنه سميع ~~قريب. # الدعاء لأمير المؤمنين في أواخر الكتب # ونسأل الله أن يهنأ أمير المؤمنين ما صنع له، ويعينه على شكر ما أولاه، إنه ولي ~~ذلك وإنا إليه فيه راغبون والسلام. # وله: # ونسأل الله أن يهنأ أمير المؤمنين ~~الكرامات التي يتابعها، والنعم التي يظاهرها عليه، والفتوح التي جعلها في خلافته، ~~وولايته ودولته، ويهب له من المعرفة بحقه في ذلك والشكر له بحسن بلائه فيه، ما يبلغ ~~أعظم رغبة وأقصى أمنية، من ذخائر الخير وفضيلة الأجر وحسن الثواب في الدنيا ~~والآخرة. ms897 # أسأل الله لأمير المؤمنين في غابر أموره، أحسن ما عوده في سالفها، من السلامة ~~التي حرسه بها من المكاره، والعز الذي قهر له به الأعداء، والنصر الذي مكن له في ~~البلاد، والهدى الذي وهب له به المحبة، والرفق الذي أدر له به الحلب، ~~والاستصلاح الذي اتسقت له به الرغبة، حتى يكون بما أعطاه من ذلك، وما هو مستقبل به، ~~أبعد خلفائه ذكرا، وأبقاهم في العدل أثرا، وأطولهم في العمر مدة، وأحسنهم في ~~المعاد منقلبا. # أسأل الله لأمير المؤمنين نعمة لا تزول، وكرامة لا تنفد، وعزا لا يضام، ونصرا ~~لا يغلب، وكفاية ينتظم بها جميع الصلاح، حتى لا يكون بأول من ذلك أسعد منه بآخر، ~~ولا بماض أسر منه بمستقبل. # أسأل الله لأمير المؤمنين في عاقبة كل نعمة أفضل ما وهب له في عاجلها، حتى يجعل ~~كل نعمة أنعم بها عليه، وكرامة حازها له، موصولة بالتمام، محوطة بالحفظ، مكلوءة من ~~الغير، ممدودة إلى طول غايات البقاء؛ لا يشوب صفوها كدر، ولا سلامتها غير، ولا ~~سرورها تنغيص؛ وهنأ الله أمير المؤمنين الظفر، وأدام له عادة النصر والتمكين ~~الموضح، وحجته المدحضة لحجة أعدائه، والغلبة المظهرة لحقه، المجتاحة لمن خالفه؛ ثم ~~لا برحت نعمة الله راهنة بمثله في الأولياء نصرا، وفي الأعداء إباحة، وفي ~~الناكثين تنكيلا. # سر الله أمير المؤمنين بما أهدى له من كفايته، وحاطه به من منعته، وأيده به من ~~نصره، وجعله وما استرعاه من دينه وسلطانه، في كنفه الذي لا يستباح وتحت يده ~~المانعة وجناحه المحفوظ. # أدام الله لأمير المؤمنين السرور بما يقذي به عيون أعدائه في تمكينه وتوهينهم، ~~ونصره وخذلانهم، وإعزازه والمجاهدة لهم؛ ولا زالت نعمة الله تزيده في قوة الظفر، ~~وعزة النصر، وتفد من آفاق الأرض بالبشارات والفتوح، حتى تملأ له ما بين طرفي ملكه ~~أمنا وعزا، ويملأ به قلوب أعدائه خوفا ورعبا، ويعدهم على خلافه سطوة ~~وتنكيلا. # أحمد بن يوسف # وهنأ الله أمير المؤمنين نعمه، وملأه كرامته، وأولى له فتوحه، وأدام إعزازه، ~~وتولى حياطته وكفايته، فيما دنا منه ms898 وما غاب عنه، وأطال بقاءه والامتناع ~~به. ~~(4) مختار ما كتب من باب التهاني في كل فن # تهنئة خليفة بظفر # الحمد لله الذي جمع لأمير المؤمنين مع الغلبة الحجة، ومع الظفر المعذرة، وجمع ~~لعدوه مع الذل السطوة، ومع دحوض الحجة النكال؛ فلم يجمعه والناكثين موطن من مواطن ~~الصبر، إلا جعل الحجة عليهم فيه، ولسان العذر فيه معه، ويد الظهور فيه له؛ ثم وهب ~~له عند الظفر من الشكر، وعند الفلج من التواضع، وعند القدرة من العفو، ما جعله ~~مستوجبا لما أصفاه به، معرفا بأن العذر منقطع ممن نكبه، وأن مستزاد الحجة ومطلب ~~السلامة، في التمسك بطاعته ومناصحته، والمجاهدة دونه. # وفي مثله: # أدام الله لأمير المؤمنين السرور بما ~~يقذي به عيون أعدائه. # وكتب إبراهيم بن المهدي إلى المعتصم يهنئه بخروجه عن أرض الروم بعد فتح ~~عمورية # الحمد لله الذي تمم لأمير المؤمنين غزوته، فأذل بها رقاب المشركين وشفى بها ~~صدور قوم مؤمنين؛ ثم سهل الله له الأوبة سالما غانما، وكذا وكذا؛ وليهنئه ما ~~كتب الله له، مما أحصاه فلا ينساه، ليقفه به موقفا يرضاه، فإنه عز وجل يقول: # إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم # الآية، فطوى الله لأمير المؤمنين نازح البعد برا ~~وبحرا، ووقاه وصب السفر سهلا ووعرا، وحاطه بحراسته كالئا، ودافع عنه بحفظه ~~راعيا؛ حتى يؤديه إلى المحل من داره، والوطن من قراره؛ وجزاه عن الإسلام خاصة، وعن ~~رعيته كافة، بتخيره مستخلفا عليهم، وقائما مقامه فيهم هارون ابن أمير المؤمنين؛ ~~فقد استخلفه رفيقا شفيقا، حليما وقورا، يقظان ساكنا؛ لم يشذب عليه أمر، ولم ~~ينتشر عليه طرف، ولم يضع معه سبيل، ولم يسخط وليا مكانفا، ولا عدوا ~~مخالفا، بلا سيف أشرعه، ولا سور أقرع به؛ فمثل جزاء أمير المؤمنين في تخيره ~~إياه، فجزاه الله على ما حفظ من وصاته، على محمود مقامه، إنه مجيب الداعي. # وكتب أحمد بن يوسف إلى عبد الله بن طاهر يهنئه بظفر # بلغني - فتح الله عليك - خروج ابن السري إليك، فالحمد لله الناصر لدينه المعز ~~لوليه وخليفته ms899 على عباده، المذل لمن صد عن حقه ورغب عن طاعته؛ ونسأل الله أن يظاهر ~~النعم ويفتح بلدان الشرك به؛ والحمد لله على ما والاك منذ ظعنت لوجهك، فإنا نتذاكر ~~سيرتك في حربك وسلمك، ونكثر التعجب لما وفقت له، من وضع الشدة والليان بموضعهما، ~~ولا نعلم سائر جند ولا رعية عدل بينهم عدلك، ولا عفا بعد القدرة عمن آسفه وأضغنه ~~عفوك. # تهنئة خليفة بحج # أصلح الله أمير المؤمنين وأراه من الزيادة في نعمه، ما يكون تماما لما ابتدأه به ~~من فضله؛ والحمد لله على ما خص به أمير المؤمنين من كرامته، وأعطاه من الفضل في ~~نيته، وجعله يستعين على دينه، بما بسط له في دنياه، ويحمل على بدنه النصب فيما ~~يتقرب به إليه؛ فيجفو عن دعته على لينها، ويشخص عن طمأنينته على فضلها، إيثارا ~~لآخرته، وأداء لحق ربه؛ بادر له بذلك ليكرمه به، ثم يستعمل فيه نفسه، تقربا إليه ، ~~فيسعده بالإذن في ذلك حين كان من الله له، وبالعمل فيه حين كان لله منه؛ فيكون ~~قبوله الخير حين يعرضه له، دليلا على قبوله الخير عنه حين يعمل لربه؛ وكان من ذلك ~~ما أذن الله لأمير المؤمنين في زيارة نبيه # صلى الله عليه وسلم # العام، وموافاة مشاعره العظام، ~~في وقتها من الأيام، التي لا توافى إلا معها، ولا تكون مناسكه إلا فيها؛ فكتب الله ~~له في ذلك الآثار الصالحة والأعمال المبرورة، فدخل في الإحرام له بتعظيم حقه، وخرج ~~منه بقضاء نسكه، أجرا عقده الله عليه في ابتدائه، ثم أتمه له باستيفائه. # ولمحمد بن مكرم تهنئة لحاج # بلغك الله الرضا في أملك من نجح كل حاجة وإبلاغ كل أمنية، وتقبل كل دعوة ~~خصصت بها نفسك أو عممت بها أحدا من أهلك، في مجامع وفوده، ومعتزل قراره، فكنت شافع ~~من شاهدك، ووافد من غاب عنك، يستفتح بدعائك، ويرجي بركة محضرك، والقربة إلى الله ~~عز وجل بفضل جاهك. # تهنئة بولاية # نرى ما أحدث الله لك من الولاية، لنا خاصا وإلينا واصلا. # آخر: # ولم تتخطني النعمة ms900 إذ أصابتك، ولم ~~تتعدني إذ دخلت بك، ولم أخل من لازم شكرها، وما ينفلك الله منها، إذ ~~قلدتها، اعتدادا بكل ما طوقت من المنن، وإيجابا على نفسي ما حملت من ~~الشكر. # ولسعيد بن حميد إلى بعض إخوانه # سرك الله بتتابع نعمه، وترادف إحسانه، وزادك من فواضل أقسامه. بلغني - أكرمك ~~الله - ما وهب الله لك من سلطانك، فقواك الله على ما استرعاك. ورزقك الشكر على ما ~~أولاك. # وفي مثل ذلك: # أكمل الله لك السعادة، وزادك في ~~الكرامة، وخصك بدوام النعمة. بلغني ما وهب الله لك من سلطانك، فسررت به، وسألت ~~الله إتمام نعمه عليك فيه بتأييدك، وتوفيقك للعدل في سيرتك، وغرس المحبة لك في قلوب ~~رعيتك، وأن يعينك عليه، ويرزقك السلامة في الدين والدنيا. # وله في مثله: # أنا أهنئ بك العمل الذي ~~وليته، ولا أهنئك به، لأن الله أصاره إلى من يورده موارد الصواب، ويصدره مصادر ~~الحجة، ويصونه من كل خلل وتقصير، ويمضيه بالرأى الأصيل، والمعرفة الكاملة، قرن الله ~~لك كل نعمة بشكرها، وأوجب لك بطوله المزيد منها، وأوزعك من المعرفة بها ما يصونها ~~من الفتن، ويحوطها من النقص. # آخر: # قد وليت من العمل ما أسأل الله عز وجل ~~أن يرزقك بركة بدئه وعاقبته، ويعطيك الرضا ممن وليت له وعليه. # آخر: # هنأك الله هذه النعمة المقبلة، الدال ~~أولها على تمامها، وأوزعك شكرها. # آخر: # أسعدك الله بهذه الولاية وجعلها مباركة، ~~تنتقل بظل السلامة منها، ونيل الكفاية فيها إلى أملك بنهايته ورجائك بغايته، ~~ورزقك السلامة ممن وليت له وعليه. # آخر: # سرك الله بما جدد لك من هذه المنزلة، ~~ونفعك بهذه الولاية، وأرضى عنك من وليت له ومن وليت عليه. # وكتب محمد بن مكرم إلى أحمد بن دينار # نحن من السرور أيها الأمير بما قد استفاض من جميل أثرك فيما تلي من أعمالك، ~~وزمك إياها بحزمك وعزمك، وانتياشك # 38 # أهلها من جور من وليهم قبلك، وسرورهم بتطاول أيامك والكون في ظل يدك ~~وجناحك، في إعانة من تخصه وتعمه نعمتك، وتحول به الحول حيث حالت ms901 بك؛ فالحمد لله ~~الذي جعل العاقبة لك، ولم يردد علينا آمالنا فيك منكوسة، كما ردها على غيرنا في ~~غيرك. ولوددت أن أباك كان عاين آثارك هذه ومناقبك، وإن كان الافتراق لم يقع بينكما ~~حتى علم أنك خلفه، وألقى إليك بأمره ومعاقد ثقته، وجعلك موضع اختصاصه وأثرته، ~~وصرف ذلك عمن كان لا يستحقه، وذم سالف رأيه فيك وفيه وحمد آخره، ثم نعمة ~~اتصلت لك بما قبلها، انتظمت بها أمورك فاعتدلت، وتلاحمت عليها واتسقت، ما منحت في ~~كاتبك، ومستقر ثقتك، وحامل أعبائك، من الكفاية والنصيحة، ووضعه عن قلبك مئونة ~~التهمة والقص لأثره، وإدخاله راحة الطمأنينة إليه وروح الثقة به، لا كما ابتلي ~~أخوك، فإنه صحبه فخلط عليه أمره، وأفشى أسراره إلى صاحب بريده، فأنفل ذلك بينهم، ~~وقطع حبالهم، حتى هجنت آثاره مع حسنها ووضوحها، وصفرت يده من حظ عمله، ولزمه الذم ~~من أهله؛ فهذه كتبه إلي، في اطراح نصيحة له كانت فيه، ويسألني أن أشخص إليه ~~كاتبا يحمل ثقله، ويفتح له ما أرتجه من أمره. وهذا من سعادة جدك، ويمن طائرك، ~~وإقبال الأمور إليك، وسعيها على طريق موافقتك، وهنيئا هنأك الله نعمه خاصها ~~وعامها، وأوزعك شكرها، وأوجب لك بالشكر أحسن المزيد فيها. # تهنئة بعزل # كتب رجل إلى مالك بن طوق لما عزل عن عمله: # أصبحت - والله - فاضحا متعبا: أما فاضحا فلكل وال قبلك بحسن سيرتك؛ ~~وأما متعبا فلكل وال بعدك أن يلحقك. # فصل # سواء علينا أوليت أم صرفت، إنا لنشهد بك الولاية، بما بسط الله من يدك ببذل ~~العرف، ونهنئك بالعرف بما يلحقك من ثناء ما أسلفت من الجميل؛ ولا نخاف عليك أن ~~تفارق عملا وأنت محل له، ولا أن تصحبه وليس به فاقة إليك. فهنأك الله النعمة، ~~وأعانك على الشكر، وأيدك بالمزيد. # تهنئة بعزل عامل عن عمله # بلغني صرفك، فخار الله لك، وهناك لطيف نظره وجليل إحسانه، فإني أرى الرجل عند ~~خروجه من العمل سالما نقيا من مأثمه ودنسه، أولى بالتهنئة منه عند دخوله فيه، ~~وأرى الدعاء له عند بدء تلبسه ms902 به بالخلاص منه معصوما بريئا من تبعاته ورواجع ~~آثامه، أولى بمن عني به وأحب صلاحه، ولذلك قدمت تهنئتك. # ولسعيد بن حميد في مثله إلى بعض إخوانه: # حفظك ~~الله بحفظه، وأسبغ عليك كرامته، وأدام إليك إحسانه. إن سروري بصرفك، أكثر من سرور ~~أهل عملك بما خصوا به من ولايتك. وقد كنت - أعزك الله - فيما يربأ بك عنه، بما ~~أنت عليه في قدرك واستئهالك؛ ولكنا رجونا أن يكون سببا لك إلى ما تستحق، فطبنا ~~نفسا بالذي رجونا. فالحمد لله الذي سلمك منه، ونسأله تمام نعمه عليك وعلينا فيك، ~~بتبليغك أملك وآمالنا فيك، وشفاع ما كان من ولايتك بأعظم الدرجات وأشرف المراتب؛ ثم ~~خصك الله بجميل الصنع، وبلغك غاية المؤملين. إن من سعادة الوالي - حفظك الله - ~~وأعظم ما يخص به في عمله وولايته السلامة من بوائق الإثم، ونوائب الدنيا وشرها، ~~والعاقبة مما يخاف منها؛ وقد خصك الله منها بمنه وطوله ما نرجو أن يكون سببا ~~لك إلى نيل ما تستحق من المراتب. والله نسأل إيزاعك شكر ما من به عليك، وتبليغك ~~غاية أملك في جميع أمورك، برحمته وفضله. # آخر: # ما أحسن ما كشفت عنك الولاية! وأجمل ما ~~أبرز منك العمل! قد كسبك الله حمد ولايتك وعزل عنك لائمتها، بما انتشر عنك من ~~عدلك، وظهر من معروفك، فإذا ساءك هذا فليسررك. # وكتب محمد بن مكرم إلى إبراهيم بن المدبر: # الحمد ~~لله رب العالمين حمدا يجوز حمد الحامدين، الذي جعل قضاءه خيرة لك؛ فإن زادك نعمة ~~وفقك لشكرها، وإن امتحنك ببلوى من نفث حاسد أو كيد كائد، أنار برهانك وأفلح حجتك ~~وجمع بين وليك وعدوك في الشهادة لك؛ وإن نقل أمرا عن يدك، فربما يرجعه إليك ~~مختلا لفقدك. هذا إلى ما جعل عندك من خواص النعم التي إن ذكرناها فأطنبنا أو ~~تجوزنا فقصرنا، كان غايتنا إلى الحسور دون مدى غايتك. وقد زادك الله بهذا الحادث ~~فضلا عظيما، لما ظهر من وله العامة إليك وتطلعها إلى ما كانت فيه: من لين إنصافك ~~وكريم أخلاقك، ووحشة الخاصة ms903 لما فقدت من حسن معاملتك وكثير تفضلك. وأيقن أهل الرأي ~~والتأمل لصفحات الأمور، أن كل ما خرج عنك فعائد إليك ومتصل به غيره، حتى تستقر في ~~يدك عرى الأمور ومعاقدها، وتفتح برأيك وتدبيرك أبوابها ومغالقها، فليهنك أن كل ما ~~زاد غيرك نقصا زادك فضلا، وكل ما نقص من الرجال وحطها ألحق بك شرفا. فزادك الله ~~وزادنا منك، وجعلنا ممن يقبله رأيك، ويقدمه اختيارك، ويقع من الأمور بموافقتك، ~~ويجري منها على سبيل طاعتك. # وكتب سعيد بن حميد إلى بعض إخوانه: # جعلني الله ~~من السوء والمكروه فداءك، وأطال في الخير والسرور بقاءك، وأتم نعمه عليك، وأحسن ~~منها مزيدك، وبلغك أقصى أمنيتك، وقدمني أمامك، وقد بلغني ما اختار الله لك، فسررت ~~من حيث يغتم لك من لا يعرف قدر النعمة عليك، ولا يراك بعين استحقاقك. ولئن ساءني ~~ما ساء إخوانك من عزلك، لقد سرني ما يسر الله لك. والحمد لله الذي جعل انصرافك ~~محمودا، وقضى لك في عاقبتك الحسنى، وأقول: # ليهنك أن أصبحت مجتمع الحمد # وراعي المعالي والمحامي عن المجد # وأنك صنت الأمر فيما وليته # ففرقت ما بين الغواية والرشد # فلا يحسب الباغون عزلك مغنما # فإن إلى الإصدار عاقبة الورد # وما كنت إلا السيف جرد للوغى # فأحمد فيها ثم رد إلى الغمد # وقد قال الأول: # فمن يكن بورود العزل مكتئبا # فإنني بورود العزل مسرور # بعد الولاية عزل يستبين به # طول الولاة وبعد العزل تأمير # أما ما عندي مع تصور العاقبة لك في نفسي، فيمسني في أمرك في حال المحنة ما يخصني ~~منه في وقت تجدد النعمة. وبحسب ضميرك الشاهد على ما عندي ما أجده لك في نفسي. فلا ~~زلت في نعم متتابعة متجددة، ولا عدمت الثروة والزيادة؛ وبلغك الله أقصى أملك، ~~وأمل أخيك لك، وكبت أعداءك، وجعلني وقاءك المقدم عنك. أحب أن تشرح لي صورة الأمر ~~إلام تأدت، وكيف كان الابتداء؛ فإني لا أشك أنها حيلة ونية من عز الصاحب الجليل ~~القدر؛ ولها عاقبة منه إن شاء الله محمودة، وتفضي من ذلك إلى ms904 ما تسكن إليه نفسي، إن ~~شاء الله. # تهنئة بتزويج وبناء بأهل # بطائر اليمن فليكن هذا البناء، وبأسباب السعادة فليتصل عقد هذا الاجتماع، وبكل ~~ذكاء الولد، وثروة العدد، فلتجر لك الأقدار، وفي أطول غايات البقاء فلتدم هذه ~~الغبطة والسرور. # تهنئة بتزويج # بلغني تزوجك من فلانة، فبالرفاء والبنين، تهنئة السلف الصالحين، ومبلغ سنة ~~المجتهدين المتبحرين، ونقول على يمن الطائر، وسعادة الجد، ونماء العدد، واتفاق ~~الهوى، وطيب المناسمة، واجتماع الشمل، وثبات الريع، وتملي النعم. أسأل الله الذي ~~قضاها أن يجعلها لك سكنا ويجعلك لها شجنا، وأن يؤخر حمامها إلى انتهاء نفسك ~~عنها، وجعلك جائزا تربها، ووليت المال وهناءة العيش وملاهاة الغواني ~~بعدها. # تهنئة لغسان بن عبد الحميد بتزويج # قد بلغني جمع الأمير أهله على الحال التي جمعهم عليها من نعمة الله عليه. فالحمد ~~لله على كل ما يرى الأمير فيما له فيه نعمة. فأسأل الله أن يجعل الطائر في ذلك ~~ميمونا، والشمل مجتمعا، والبركة عظيمة، والأمور سليمة؛ وكذلك فقد عظم الله ~~القسم منه لزوجه، جعل الأمير سكنا لها، وأجرى المودة والرحمة بينهما، فإنه يقول عز ~~وجل: # خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا ~~إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ~~. فلما كان الأمير ~~هو المنظور إليه، وهي المنظور إليها، اختارها الأمير لنفسه واختار نفسه لها، وأراد ~~الله عز وجل أن يزيدها مع فضلها في نفسها فضلا باختيار الأمير إياها، وباختصاص ~~الله لها بالأمير دون غيرها؛ فكان ذلك فضلا من الله زينه بفضل، وكرامة من الله ~~وصل بعضها ببعض. فنرغب إلى الله عز وجل في أن يزيد الأمير في كل سعة مبسوطة، ونعمة ~~مقسومة، ويعطيه في ذلك شكرا يكون لرضاه موجبا، كما أعطاه فضلا كان الشكر له به ~~واجبا؛ ثم يملي الأمير ذلك بأحسن ما ملى أحدا من خلقه كرامة اصطنعها ~~عنده. # تهنئة بمولود # كتب العباس بن الحسن الطالبي إلى المأمون يهنئه بمولود له: # قد كان أجذلني ما أحدث الله لأمير المؤمنين من الموهبة التي ليس - وإن ~~كان أولى بها من غيره - بأعظم فيها حظا من رعيته. ms905 فعمر الله لك يا أمير ~~المؤمنين قلوبهم بنور الحكمة وأبصارهم حتى يشد بهم عضدك، ويسد بهم ثلمتك، ~~ويبلغهم الغاية المأمول لهم بلوغها بعدك، غير مقعد بك مهل، ولا محل بك ~~أجل، ولا مكذبك أمل، ولا منقطعة أيامك، حتى تخترم أنفسنا قبلك. # وكتب أحمد بن يوسف إلى بعض إخوانه يهنئه بمولود له: # بارك الله في مولودك الذي أتاك، وهنأك نعمته بعطيته، وملاك كرامته ~~بفائدته، وأدام سرورك بزيادته، وجعله بارا تقيا، ميمونا مباركا ~~زكيا، ممدودا له في البقاء، مبلغا غاية الأمل، مشدودا به عضدك، مكثرا ~~به ولدك، مداما به سرورك، مدفوعا به الآفات عنك، مشفوعا بأكثر العدد، من ~~طيب الولد. # وله في مثل ذلك: # هنأك الله هذه الفائدة التي أفادكها، وبارك الله في الهبة التي رزقكها، ~~وشفعها بإخوة متواترين، يسرونك في حياتك ويخلفونك في عقبك. # كتب رجل إلى رجل يهنئه بمولود: # جعلت فداءك، للبقاء مولودك، في السناء نباته، وفي اليمن شبابه ، وعلى ~~البركة ميلاده. # كتب الحسن بن سهل إلى ذي الرياستين: # إنه ليس من نعم الله، وفوائد قسمه - وإن خص موقعها ووجب شكرها - نعمة ~~تعدل النعمة في الولد، لنمائها في العدد، وزيادتها في قوة العضد، وما ~~يتعجل به من عظيم بهجتها، ويرجى من باقي ذكرها في الخلوف والأعقاب، ولاحق ~~بركتها في الدعاء والاستغفار. وإن الله قد أفادك وأنالك غلاما سريا، ~~سميته فلانا، فكان ميلاده عند فتح الله على أمير المؤمنين. فرجوت أن ~~تكون موافاته بالنصر الذي أظهرنا الله به على عدو الدين والمسلمين من ~~دلائل بركته ويمنه، وشواهد سعادته والسعادة به. فبارك الله لأمير المؤمنين ~~في طارف نعمه وتالدها، وشفع له قديم مننه بحادثها، ورزقه ذكورا طيبين ~~مهذبين، يأنس بهم ربعه، ويتصل بهم نجاحه، ويجعلهم ذرية زاكية، وبقية ~~صالحة. # آخر: # بلغني الذي وهب الله لك، فجعله الله ذخرا سنيا، وعقبا كريما. # عمرو بن مسعدة إلى الحسن بن سهل # أما بعد، فإن هبة الله لك هبة لأمير المؤمنين، وزيادته إياك في عدده لمحلك عنده ~~ومكانك في دولتك من دولته. وقد بلغ أمير المؤمنين ms906 أن الله وهب لك غلاما سريا، ~~فبارك الله لك فيه، وجعله بارا تقيا، مباركا سعيدا زكيا. # تهنئة بمولود # الحمد لله الذي رضي منا بيسير القول عند عظيم النعمة، حمدا نستوجب به بقاء هذه ~~الموهبة للنماء والفائدة؛ فإن نعمة الله وإن كانت لم تزل متتابعة، فقد كان ما ~~يقبض الأمل منا ذكر انفراد الأمير بنفسه وقلة نسله، وما لا يؤمن من انقطاع ~~الذكر بفوات الأجل، ومن دثور الأنام، بواقع الحمام، وقد أصبحنا من الله من يدين ~~في فسحة المهل، ومده مواقع الأجل، لمن أراد فيه موضع أملنا في حسن الخلافة من ~~الأمير وإحياء ذكره. # تهنئة بمولود # سرورك سرور يخصني منه ما يخصك، وتلبسني فيه النعمة ما تلبسك، والحمد لله على ~~النعمة فيك وعندك. # كتب أحمد بن يوسف إلى بعض إخوانه يهنئه بمولود: # أما بعد، فقد بلغني من متجدد نعم الله عز وجل عليك، وإحسانه إليك فيما ~~رزقك من الهبة ما اشتد جذلي به، وسألت الله أن يشفعه بأمثاله؛ ولذلك ~~أقول: # قد شفع الواحد بالوافد # وأرغم الأنف من الحاسد # أبا حسين قر عينا بما # أعطيته من هبة الماجد # قد قلت لما بشروني به # بورك في المولود للوالد # إنا لنرجو وافدا مثله # والطائر الميمون للوافد # وله إلى بعض إخوانه يهنئه بمولود: # أما بعد، فإنه ليس من أمر يجعل الله لك فيه سرورا وفرحا، إلا كنت به ~~بهجا، أعتد فيه بالنعمة من الله الذي أوجب علي من حقك وعرفني من جميل ~~رأيك. فزادك الله خيرا، وأدام إحسانه إليك. وقد بلغني أن الله وهب لك ~~غلاما سريا، أكمل لك صورته، وأتم خلقه، وأحسن البلاء فيه عندك، فاشتد ~~سروري بذلك، وأكثرت حمد الله عليه. فبارك الله فيه، وجعله بارا تقيا، ~~يشد عضدك، ويكثر عددك، ويقر عينك. # وكتب إسحاق بن يحيى إلى بعض إخوانه يهنئه بابنة له: # رب مكروه أعقب مسرة، ومحبوب أعقب معرة. وخالق المنفعة والمضرة، ~~أعلم بمواضع الخيرة. # كتب ابن المقفع إلى صديق له ولدت له جارية: # بارك الله لك في الابنة المستفادة، وجعلها لكم ms907 زينا، وأجرى لكم بها ~~خيرا، فلا تكرهها؛ فإنهن الأمهات والأخوات، والعمات والخالات، ومنهن ~~الباقيات الصالحات؛ ورب غلام ساء أهله بعد مسرتهم، ورب جارية فرحت ~~أهلها بعد مساءتهم. # وكتب عبد الحميد بن يحيى إلى أخ له في مولود ولد له وهو أول مولود كان: # أما بعد، فإن مما أتعرف من مواهب الله، نعمة خصصت بمزيتها، واصطفيت ~~بخصيصتها، كانت أسر لي من هبة الله ولدا سميته فلانا، وأملت ببقائه ~~بعدي حياة وذكرى، وحسن خلافتي في حرمتي، وإشراكه إياي في دعائه، شافعا إلى ~~ربه عند خلواته في صلاته وحجه، وكل موطن من مواطن طاعته، فإذا نظرت إلى ~~شخصه تحرك به وجدي وظهر به سروري، وتعطفت عليه منه أنه الولد، وتولت عني ~~به وحشة الوحدة، فأنا به جذل في مغيبي ومشهدي، أحاول مس جسده بيدي في ~~الظلم، وتارة أعانقه وأرشفه، ليس يعدله عندي عظيمات الفوائد، ولا منفسات ~~الرغائب. سرني به واهبه لي على حين حاجتي، فشد به أزري، وحملني من شكره ~~فيه ما قد آدني بثقل حمل النعم السالفة إلي به، المقرونة سراؤها في العجب ~~بقدر ما يدركني به من رقة الشفقة عليه، مخافة مجاذبة المنايا إياه، ووجلا ~~من عواطف الأيام عليه. فأسأل الله الذي امتن علينا بحسن صنعه في الأرحام، ~~وتأديته بالزكاء، وحرسه بالعافية، أن يرزقنا شكر ما حملنا فيه وفي ~~غيره، وأن يجعل ما يهب لنا من سلامته والمدة في عمره موصولا بالزيادة، ~~معروفا بالعافية، محوطا من المكروه، فإنه المنان بالمواهب والواهب ~~بالمنى، لا شريك له. حملني على الكتاب إليك لعلم ما سررت به علمي بحالك ~~فيه وشركك إياي في كل نعمة أسداها إلي ولي النعم. وأهل الشكر أولى ~~بالمزيد من الله جل ذكره. والسلام عليك. # تهنئة بنقلة إلى دار جديدة # تناهى إلي نقلتك إلى الدار التي أرجو أن يجعلها الله نقلة المكروه عنك، ونقلة ~~السرور إليك، ودوام نعمة الله عليك. جعلها الله لك أيمن دار وأعظمها بركة، ووصل ~~نعمه فينا عندك ونعمه عندنا فيك. # تهنئة لمحمد بن مكرم إلى نصراني أسلم ms908 # أنا أقول الحمد لله الذي وفقك لشكره، وعرفك هدايته، فطهر من الارتياب قلبك، ~~ومن الافتراء عليه لسانك. وما زالت مخايلك ممثلة لنا جميل ما وهب الله لك، حتى كأنك ~~لم تزل بالإسلام موسوما، وإن كنت على غيره مقيما، وكنا مؤملين لما صرت إليه، ~~مشفقين لك مما كنت عليه، وإذ كاد إشفاقنا يستعلي رجاءنا، أتت السعادة بما لم تزل ~~الأنفس تعد منك. فأسأل الله الذي نور لك في رأيك وأضاء لك سبيل رشدك، أن يوفقك ~~لصالح العمل، وأن يؤتيك في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ويقيك عذاب النار. # | هوامش # | باب المنظوم # (1) أبو نواس # كان أبو نواس # 1 # ينادم ولد المهدي ويلازمهم، فلم يلف مع أحد من الناس غيرهم، ثم نادم ~~القاسم بن الرشيد ولقي منه أشياء كرهها وكرهت له، ففارقه. # ثم جلس أبو نواس إلى الناشئ الراوية فقرأ عليه شعر ذي الرمة، فأقبل الناشئ على أبيه ~~هانئ وقال له: إن عاش ابنك هذا وقال الشعر ليقولنه بلسان شتوم. # ثم اتصل بوالبة بن الحباب الأسدي، لقيه بدار النجاشي الأسدي والي الأهواز للمنصور، ~~فقال له والبة: إني أرى فيك مخايل فلاح، وأرى أنك لا تضيعها، وستقول الشعر وتعلو فيه، ~~فاصحبني حتى أخرجك؛ فقال: ومن أنت؟ قال: أبو أسامة. قال: والبة؟ قال: نعم. قال: أنا ~~والله - جعلت فداك - في طلبك، وقد أردت الخروج إلى الكوفة وإلى بغداد من أجلك! قال: ~~ولماذا؟ قال: شهوة للقائك ولأبيات سمعتها لك. قال: وما هي؟ فأنشده: # ولها ولا ذنب لها # حب كأطراف الرماح # جرحت فؤادي بالهوى # فالقلب مجروح النواحي # سل الخليفة صارما # هو للفساد وللصلاح # أجداه كف أبي الولي # د يدا مبارية الرياح # ألقى بجانب خصره # أمضى من الأجل المتاح # وكأنما ذر الهبا # ء عليه أنفاس الرياح # فمضى معه، ثم سأله أن يخرج إلى البادية مع وفد بني أسد ليتعلم العربية والغريب، ~~فأخرجه مع قوم منهم، فأقام بالبادية سنة؛ ثم قدم ففارق والبة ورجع إلى بغداد. # وكان أبو نواس متكلما جدلا راوية فحلا، رقيق الطبع ثابت الفهم في الكلام ms909 اللطيف. ~~ويدل على معرفته بالكلام أشياء من شعره، منها قوله: # وذات خد مورد # قوهية المتجرد # تأمل العين منها # محاسنا ليس تنفد # فبعضه قد تناهى # وبعضه يتولد # والحسن في كل شيء # منها معاد مردد # ومنها قوله: # يا عاقد القلب عني # هلا تذكرت حلا # تركت غيي قليلا # من القليل أقلا # يكاد لا يتجزى # أقل في اللفظ من لا # ومنها قوله في امرأة اسمها حسن: # إن اسم حسن لوجهها صفة # ولا أرى ذا في غيرها جمعا # فهي إذا سميت فقد وصفت # فيجمع الاسم معنيين معا # ومن قوله فيما يتعلق بالحكمة: # قل لزهير إذا حدا رشدا # أقلل أو أكثر فأنت مهذار # سخنت من شدة البرودة حتى # صرت عندي كأنك النار # لا يعجب السامعون من صفتي # كذلك الثلج بارد حار # هذا شيء أخذه أبو نواس من مذهب حكماء الهند، فإنهم يقولون: إن الشيء إذا أفرط في ~~البرودة انقلب حارا، وقالوا: إن الصندل يحك منه اليسير فيبرد، فإذا أكثر منه ~~سخن. # قالوا: كان أبو نواس دعيا يخلط في دعوته. فمن ذلك قوله يهجو عرب البصرة: # ألا كل بصري يرى أنما العلا # مكمهة سحق لهن جرين # 2 # فإن تغرسوا نخلا فإن غراسنا # ضراب وطعن في النحور سخين # فإن أك بصريا فإن مهاجري # دمشق ولكن الحديث فنون # مجاور قوم ليس بيني وبينهم # أواصر إلا دعوة وظنون # إذا ما دعا باسمي العريف أجبته # إلى دعوة مما علي تهون # ثم هجا اليمن في هذه القصيدة بقوله: # لأزد عمان بالمهلب نزوة # إذا افتخر الأقوام ثم تلين # وبكر ترى أن النبوة أنزلت # على مسمع في الرحم وهو جنين # وقالت تميم لا نرى أن واحدا # كأحنفنا حتى الممات يكون # فما لمت قيسا بعدها في قتيبة # وفخر به إن الفخار فنون # وإنما نشأ أبو نواس بالبصرة وليس له بدمشق قبل ولا بعد. # ومما هجا به اليمن أيضا قوله لهاشم بن حديج: # وردنا على هاشم مصره # فبارت تجارتنا عنده # يقول فيها: # رأيتك عند حضور الخوا # ن شديدا على العبد والعبده # وتحتد حتى يخاف الجلي # س ms910 شذاك عليه من الحده # وتختم ذاك بفخر عليه # بكندة فاسلح على كنده # فإن حديجا له هجرة # ولكنها زمن الرده # وما كان إيمانكم بالرسول # سوى قتلكم صهره بعده # تعدونها في مساعيكم # كعد الأهلة معتده # وما كان قاتله في الرجال # بحمل لطهر ولا رشده # فلو شهدته قريش البطا # ح لما محشت ناركم جلده # 3 # وقوله أيضا: # ما منك سلمى ولا أطلالها الدرس # ولا نواطق من طير ولا خرس # يا هاشم بن حديج لو عددت أبا # مثل القلمس لم يعلق بك الدنس # إذ أصبح الملك النعمان وافده # ومن قضاعة أسرى عنده حبس # فابتاعهم بإخاء الدهر ما عمروا # فلم ينل مثلها من مثلهم أنس # أو رحت مثل حوى في مكارمه # هيهات منك حوى حين يلتمس # أو كالسموءل إذ طاف الهمام به # في جحفل لجب الأصوات يرتجس # فاختار ثكلا ولم يغدر بذمته # إذ قيل أشرف تر الأوداج تنبجس # ما زاد ذاك على تيه خصصت به # وكيف بعدل غير السوءة الغرس # وقوله: # يا هاشم بن حديج ليس فخركم # بقتل صهر رسول الله بالسدد # أدرجتم في إهاب العير جثته # فبئس ما قدمت أيديكم لغد # إن تقتلوا ابن أبي بكر فقد قتلت # حجرا بدارة ملحوب بنو أسد # وطردوكم إلى الأجبال من أجأ # طرد النعام إذا ما تاه في البلد # وقد أصاب شراحيلا أبو حنش # يوم الكلاب فما دافعتم بيد # ويوم قلتم لزيد وهو يقتلكم # قتل الكلاب لقد أبرحت من ولد # وكل كندية قالت لجارتها # والدمع ينهل من مثنى ومنفرد # ألهى امرأ القيس تشبيب بغانية # عن ثأره وصفات النوء والوتد # وقد رثى أبو نواس خلفا الأحمر بعد موته بقصائد من شعره، منها قصيدته التي أولها ~~قوله: # لو كان حي وائلا # 4 # من التلف # لوألت شغواء في أعلى شعف # أم فريخ أحرزته في لجف # 5 # مزغب الألغاد لم يأكل بكف # كأنه مستقعد من الخرف # هاتيك أو عصماء في أعلى شرف # تروغ في الطباق # 6 # والنزع الألف # أودى جماع العلم مذ أودى خلف # من لا يعد العلم إلا ما عرف # قليذم ms911 # 7 # من العياليم الخسف # كنا متى نشاء منه نغترف # رواية لا تجتنى من الصحف # ومنها قوله يرثيه: # لا تئل العصم في الهضاب ولا # شغواء تغذو فرخين في لجف # يكنها الجو في النهار ويؤ # ويها سواد الدجى إلى شرف # تحنو بجؤشوشها # 8 # على ضرم # كقعدة المنحني من الخرف # ولا شبوب # 9 # باتت تؤرقه الن # نثرة منها بوابل قصف # دان على الأرض والوصيد وفي # بهو أمين الإياد ذي هدف # 10 # ديدنه ذاك طول ليلته # حتى إذا انجاب حاجب السدف # غدا كوقف الهلوك ينهفت ال # قطقط # 11 # من منبتيه والكتف # كأن شذرا وهت معاقده # بين صلاه فملعب الشنف # وأخدري صلب النواهق صل # صال أمين الفصوص والوظف # منفرد في الفلاة توسعه # ريا وما يختليه من علف # ما ترك الموت من أولى شبحا # بادت بتلك القلال والشعف # لما رأيت المنون آخذة # كل شديد وكل ذي ضعف # بت أعزي الفؤاد عن خلف # وبات دمعي إلا يفض يكف # أنسى الرزايا ميت فجعت به # أمسى رهين التراب في جدف # كان يسني # 12 # برفقه غلقا # في غير عي منه ولا عنف # يجوب عنك التي غشيت بها # من قبل حتى يشفيك في لطف # لا يبهم الحاء في القراءة بالخا # ء ولا لامها مع الألف # ولا يعمي معنى الكلام ولا # يكون إنشاده عن الصحف # وكان ممن مضى لنا خلفا # فليس منه إذ بان من خلف # واختلف أبو نواس إلى أبي زيد فكتب الغريب من الألفاظ، ثم نظر في نحو سيبويه، ثم طلب ~~الحديث فكتب عن عبد الواحد بن زياد ويحيى القطان وأزهر السمان وغيرهم، فلم يتخلف عن أحد ~~منهم، وأدرك الناس فعلم، ثم قدم بغداد بعد ذلك. # وكان أيضا يتنزر ويدعى للفرزدق. ثم وقع بينه وبين الحكم بن قنبر المازني، فهجاه ~~الحكم وذكر بريه العود وبغى عليه ونكبه. ولما قال أبو نواس قصيدته التي يهجو بها ~~خندف، وهي: # ألم تربع على الطلل الطماس # عفاه كل أسحم ذي ارتجاس # 13 # وذاري الترب مرتكم حصاه # نسيج الميث معنقة الدهاس # 14 # سوى سفع أعارتها ms912 الليالي # سواد الليل من بعد اغبساس # 15 # وأورق حالف المثواة هاب # كضاوي الفراخ من الهلاس # 16 # منازل من عفيرة أو سليمى # أو الدهماء أخت بني الحماس # كأن معاقد الأوضاح منها # بجيد أغن نوم في الكناس # وتبسم عن أغر كأن فيه # مجاج سلافة من بيت راس # 17 # فمن ذا مبلغ عمرا رسولا # فقد ذكرت ودك غير ناس # فلم أهجرك هجر قلى ولكن # نوائب لا نزال لها نقاسي # نوائب تعجز الأدباء عنها # ويعيا دونها اللقن النطاسي # وقد نافحت عن أحساب قوم # هم ورثوا مكارم ذي نواس # فإن تك أوقدت للحرب نار # فما غطيت خوف الحرب راسي # سأبلي خير ما أبلى محام # إذا ما النبل ألجم بالقياس # 18 # وسمت الوائلين بفاقرات # بهن وسمت رهط أبي فراس # وقالت كاهل وبنو قعين # حنانك إننا لسنا بناس # فما بال النعاج ثغت بشتمي # وفي زمعاتهن دم الفراس # وما حامت عن الأحساب إلا # لترفع ذكرها بأبي نواس # عارضه الحكم وهجاه، فانقلب على النزارية وادعى أنه من حاء وحكم؛ فزجره يزيد بن منصور ~~الحميري خال المهدي وقال له: أنت خوزي، فمالك ولحاء وحكم! فقال له: أنا مولى لهم. ~~فتركوه، وقال بعضهم لبعض: إنه لظريف اللسان غزير العلوم فدعوه، وبهذا الولاء يتعصب لنا ~~ويكايد عنا ويهجو النزارية. فكان كما قالوا وكما ظنوا، فانقلب إلى اليمن وعدل عن كنيته ~~بأبي فراس واكتنى بأبي نواس، تشبها بكنية ذي نواس كما كانت اليمن تكتني، وندم على هجاء ~~اليمن، ووجدهم له أنصر ولدعوته أقبل، فاعتذر إلى هاشم بن حديج الكندي من هجائه، ومدح ~~اليمن فقال: # أهاشم خذ مني رضاك وإن أتى # رضاك على نفسي فغير ملوم # فأقسم ما جاوزت بالشتم والدي # وعرضي وما مزقت غير أديمي # فعذت بحقوي هاشم فأعاذني # كريم أراه فوق كل كريم # وإن امرأ أغضى على مثل زلتي # وإن جرحت فيه لجد حليم # تطاول فوق الناس حتى كأنما # يرون به نجما أمام نجوم # إذا امتازت الأحساب يوما بأهلها # أناخ إلى عادية وصميم # إلى كل معصوب به التاج مقول # إليه أيادي عامر ms913 وتميم # وكان قبل أن ينتمي لليمن ويدعى لنزار يتعاجم في شعره، فمن ذلك قوله: # فاسقنيها وغن صو # تا، لك الخير، أعجما # ليس في نعت دمنة # لا ولا زجر أشأما # وكان الجاحظ يقول: ما أعرف لأبي نواس شعرا يفضل هذه القصيدة، وهي: # ودار ندامى عطلوها وأدلجوا # بها أثر منهم جديد ودارس # مساحب من جر الزقاق على الثرى # وأضغاث ريحان جني ويابس # حبست بها صحبي فجددت عهدهم # وإني على أمثال تلك لحابس # ولم أدر منهم غير ما شهدت به # بشرقي ساباط الديار البسابس # أقمنا بها يوما ويوما وثالثا # ويوما له يوم الترحل خامس # تدار علينا الراح في عسجدية # حبتها بأنواع التصاوير فارس # قرارتها كسرى وفي جنباتها # مها تدريها بالقسي الفوارس # فللخمر # 19 # ما زرت عليه جيوبها # وللماء ما دارت عليه القلانس # وقوله يصف كرمة وعبر عنها بالهجمة وهو يريد الدنان: # لنا هجمة لا يدرك الذئب سخلها # ولا راعها نزو الفحالة والخطر # إذا امتحنت ألوانها مال صفوها # إلى الكمت إلا أن أوبارها خضر # وإن قام فيها الحالبون اتقتهم # بنجلاء ثقب الجوف درتها الخمر # مسارحها الغربي من نهر صرصر # فقطربل فالصالحية فالعقر # تراث أبي ساسان كسرى ولم تكن # مواريث ما أبقت تميم ولا بكر # قصرت بها ليلي وليل ابن حرة # له حسب زاك وليس له وفر # وفي تعاجم أبي نواس في شعره يقول الرقاشي يهجوه: # نبطي فإذا قيل له # أنت مولى حكم قال أجل # هو مولى الله إذ كان به # لاحقا فالله أعلى وأجل # واضعا نسبته حيث اشتهى # فإذا ما رابه ريب رحل # فقال أبو نواس يهجوه: # هجوت الفضل دهري وهو عندي # رقاشي كما زعم المسول # فلما سوئلت عنه رقاش # لنعلم ما تقول وما يقول # ولما أن نصصناه إليها # لتعلم ما يقال وما نقول # وجدنا الفضل أبعد من رقاش # من الأتن ادعت فيها الفيول # وجدنا الفضل أكرم من رقاش # لأن الفضل مولاه الرسول # يريد بذلك قوله # صلى الله عليه وسلم ~~: «أنا مولى من لا مولى له.» # وقال أيضا يهجوه: # قل للرقاشي إذا جئته # لو ms914 مت يا أحمق لم أهجكا # لأنني أكرم عرضي ولا # أقرنه يوما إلى عرضكا # إن تهجني تهج فتى ماجدا # لا يرفع الطرف إلى مثلكا # دونك عرضي فاهجه راشدا # لا تدنس الأعراض من هجوكا # والله لو كنت جريرا لما # كنت بأهجى لك من أصلكا # وقال أيضا يهجوه: # يا عربيا من صنعة السوق # وصنعة السوق ذات تشقيق # ما رأيكم يا نزار في رجل # يدخل فيكم من خلق مخلوق # ويحمل الوطب والعلاب ولا # يصلح إلا لحمل إبريق # لقد ضربنا بالطبل أنك في ال # قوم صحيح وصيح في البوق # قد أخذ الله من رقاش على # تركهم المجد بالمواثيق # فالناس يسعون للعلا قدما # وهم وراء مكسرو السوق # هذا كذاكم وفي الهياج إذا # هيج فما شئت من بواشيق # 20 # وقال أيضا يهجوه: # أصبح الفضل ظاهر التيه # وذاك مذ صرت أهاجيه # لله شعري، أي مفواهة # لكل من دوني قوافيه # كم بين فضل منذ هاجيته # وبينه قبل أهاجيه # فالحمد لله وإن كنت لم # أحفل بقوم نصحوا فيه # رضيت أن يشتمني ساقط # شسعي خير من مواليه # وكان أبو نواس في دعاويه يتماجن ويعبث ويخفي نسبه واسم أمه لئلا يهجى، وذلك مشهور ~~عنه. ولو غضب هو نفسه على أبيه لهجاه ولم يحتشم. والمذكور من أمره أنه كان مولى ~~الحكميين، يفتخر باليمن ويمدحهم لذلك، ويمدح العجم ويذكرهم لأنه منهم، فلذلك قال في ~~العجم ما قال. # قال أبو الفرج الأصفهاني: كان أبو عبيدة يقول: ذهبت اليمن بجد الشعر وهزله: امرؤ ~~القيس بجده، وأبو نواس بهزله. وكان يقول: ذهبت اليمن بجيد الشعر في قديمه وحديثه: امرؤ ~~القيس في الأوائل، وأبو نواس في المحدثين. وكان يقول: شعراء اليمن ثلاثة: امرؤ القيس ~~وحسان بن ثابت وأبو نواس. وقال أيضا: أبو نواس في المحدثين مثل امرئ القيس في ~~المتقدمين، فتح لهم هذه الفطن ودلهم على المعاني وأرشدهم إلى طريق الأدب والتصرف في ~~فنونه. وكان يقول: يعجبني من شعر أبي نواس قوله: # بنينا على كسرى سماء مدامة # مكللة حافاتها بنجوم # فلو رد في كسرى بن ساسان روحه # إذن ms915 لاصطفاني دون كل نديم # وسئل يعقوب بن السكيت عما يختار روايته من أشعار الشعراء، فقال: إذا أردت من ~~الجاهليين فلأمرئ القيس والأعشى، ومن الإسلاميين فلجرير والفرزدق، ومن المحدثين فلأبي ~~نواس فحسب. وقيل للعتبي: من أشعر الناس؟ قال: عند الناس أم عندي؟ قيل: عند الناس؟ ~~قال: امرؤ القيس. قيل: فعندك؟ قال: أبو نواس. # وقال عبد الله بن محمد بن عائشة: من طلب الأدب فلم يرو شعر أبي نواس فليس بتام ~~الأدب. وسئل: من أشعر المحدثين؟ فقال: الذي يقول: # كأن ثيابه أطلع # ن من أزراره قمرا # يزيدك وجهه حسنا # إذا ما زدته نظرا # بعين خالط التفتي # ر من أجفانها الحورا # ووجه سابري لو # تصوب ماؤه قطرا # وقد خطت حواضنه # له من عنبر طررا # وقال إبراهيم بن العباس الطويل: إذا رأيت الرجل يحفظ شعر أبي نواس علمت أن ذلك عنوان ~~أدبه ورائد ظرفه. # وكان أبو نواس يقول عن نفسه: سفلت عن طبقة من تقدمني من الشعراء، وعلوت عن طبقة من ~~معي ومن يجيء بعدي، فأنا نسيج وحدي. # وحدث جماعة من الرواة ممن شاهد أبا نواس قالوا: كان أقل ما في أبي نواس قول الشعر، ~~وكان فحلا راوية عالما. # وقال أبو عبيدة: بلغني أن أبا نواس يتعاطى قرض الشعر فتلقاني وهو سكران ما طر شاربه ~~بعد، فقلت له: كيف فلان عندك؟ فقال: ثقيل الظل، جامد النسيم. فقلت: زد. فقال: مظلم ~~الهواء؛ منتن الفناء. فقلت: زد. فقال: غليظ الطبع، بارد الشكل. قلت: زد؛ فقال: وخم ~~الطلعة؛ عسر القلعة؛ قلت: زد. قال: ناتئ الجنبات، بارد الحركات. قال: فخففت عنه. فقال: ~~زدني سؤالا أزدك جوابا. فقلت: «كفى من القلادة ما أحاط بالعنق.» # وقال سليمان بن أبي سهل لأبي نواس: ما الذي استجيد من أجناس شعرك؟ فقال: أشعاري في ~~الخمر لم يقل مثلها، وأشعاري في الغزل فوق أشعار الناس، وهما أجود شعري إن لم يزاحم ~~غزلي ما قلته في الطرد. # وكان يقول: ما قلت الشعر حتى رويت لستين امرأة من العرب منهن الخنساء وليلى، فما ظنك ~~بالرجال؟ وإني ms916 لأروي سبعمائة أرجوزة ما تعرف. # وكان قد استأذن خلفا في نظم الشعر، فقال: لا آذن لك في عمل الشعر إلا أن تحفظ ألف ~~مقطوع للعرب ما بين أرجوزة وقصيدة ومقطوعة؛ فغاب عنه مدة وحضر إليه فقال له: قد حفظتها. ~~فقال: أنشدها. فأنشده أكثرها في عدة أيام، ثم سأله أن يأذن له في نظم الشعر؛ فقال له: ~~لا آذن لك إلا أن تنسى هذه الألف أرجوزة كأنك لم تحفظها. فقال له: هذا أمر يصعب علي ~~فإني قد أتقنت حفظها، فقال له: لا آذن لك إلا أن تنساها، فذهب إلى بعض الديرة وخلا ~~بنفسه وأقام مدة حتى نسيها، ثم حضر فقال: قد نسيتها حتى كأن لم أكن قد حفظتها قط. فقال ~~له: الآن فانظم الشعر. # وكان أبو نواس يقول: لا أكاد أقول شعرا جيدا حتى تكون نفسي طيبة، وأكون في بستان ~~مونق، وعلى حال أرتضيها من صلة أوصل بها أو وعد بصلة، وقد قلت وأنا على غير هذه الحال ~~أشعارا لا أرضاها. وكان يعمل القصيدة ثم يتركها أياما، ثم يعرضها على نفسه فيسقط ~~كثيرا منها ويترك صافيها، ولا يسره كل ما يقذف به خاطره. وكان يهمه الشعر في الخمر فلا ~~يعمله إلا في وقت نشاطه. ولم يكن في الشعر بالبطيء ولا بالسريع بل كان في منزلة ~~وسطى. # وكان الأصمعي يقول: يعجبني من شعر الشاعر بيت واحد قد أجاد قائله وهو: # ضعيفة كر الطرف تحسب أنها # قريبة عهد بالإفاقة من سقم # وإني لآتي الأمر من حيث يتقى # ويعلم سهمي حين أنزع من أرمي # قال العنابي لرجلين تناظرا في شعر أبي نواس: والله لو أدرك الخبيث الجاهلية ما فضل ~~عليه أحد. # وقال أبو عمرو الشيباني: أشعر الناس في وصف الخمر ثلاثة: الأعشى والأخطل وأبو ~~نواس. # قال محمد بن عمر: لم يكن شاعر في عصر أبي نواس إلا وهو يحسده لميل الناس إليه وشهوتهم ~~لمعاشرته، وبعد صيته وظرف لسانه. # وقال أبو حاتم: سئل أبو نواس عن شعره فقال: إذا أردت أن أجد، قلت مثل قصيدي: ms917 ~~«أيها المنتاب عن عفره»، وإذا أردت العبث قلت مثل قصيدي: «طاب الهوى لعميده»، فأما الذي ~~أنا فيه وحدي وكله جيد فإذا وصفت الخمر. # وقال أبو ذكوان: كنا عند التوزي فذكرت عنده أبا نواس، فوضع منه بعض الحاضرين؛ فقال له ~~التوزي: أتقول هذا لرجل يقول: # يخافه الناس ويرجونه # كأنه الجنة والنار # ويقول: # فما جازه جود ولا حل دونه # ولكن يصير الجود حيث يصير # ويقول: # فتمشت في مفاصلهم # كتمشي البرء في السقم # قال ابن الأعرابي يوما لجلسائه: ما أشعر ما قال أبو نواس في الخمر؟ فقال ~~بعضهم: # إذا عب فيها شارب القوم خلته # يقبل في داج من الليل كوكبا # وقال آخر: # كأن كبرى وصغرى من فقاقعها # حصباء در على أرض من الذهب # وقال آخر: # ترى حيث ما كانت من البيت مشرقا # وما لم تكن فيه من البيت مغربا # وقال آخر: # فكأن الكئوس فينا نجوم # دائرات بروجها أيدينا # وقال آخر: # صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها # لو مسها حجر مسته سراء # فقال ابن الأعرابي: إن هذا كله لشاعر انفرد بالإحسان فيه، وتقدم من سبقه ومن تأخر ~~عنه، ولكنه أشعر من هذا كله في قوله: # لا ينزل الليل حيث حلت # فدهر شرابها نهار # قال مسلم بن بهرام: لقيت أبا العتاهية فقلت له: من أشعر الناس؟ قال: تريد جاهليها ~~أو إسلاميها أو مولدها؟ قال: كلا أريد. قال: الذي يقول في المديح: # إذا نحن أثنينا عليك بصالح # فأنت كما نثني وفوق الذي نثني # وإن جرت الألفاظ يوما بمدحة # لغيرك إنسانا فأنت الذي نعني # والذي يقول في الزهد: # ألا رب وجه في التراب عتيق # ويارب حسن في التراب رقيق # ويارب حرم في التراب ونجدة # ويارب رأي في التراب وثيق # فقل لقريب الدار إنك راحل # إلى منزل نائي المحل سحيق # وما الناس إلا هالك وابن هالك # وذو نسب في الهالكين عريق # إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت # له عن عدو في ثياب صديق # وكان يقول: سبقني أبو نواس إلى ثلاثة أبيات وددت أني سبقته إليها بكل ما قلته؛ فإنه ~~أشعر ms918 الناس فيها، منها قوله: # يا كبير الذنب عفو الله # من ذنبك أكبر # وقوله: # من لم يكن لله متهما # لم يمس محتاجا إلى أحد # وقوله: # إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت # له عن عدو في ثياب صديق # ثم قال: قلت في الزهد ستة عشر ألف بيت وددت أن أبا نواس له ثلثها بهذه ~~الأبيات. # وقال الجاحظ: سمعت النظام يقول، وقد أنشد شعرا لأبي نواس: كأن هذا الفتى جمع له ~~الكلام فاختار أحسنه. وقال بعضهم: كأن المعاني حبست عليه، فأخذ حاجته وفرق الباقي على ~~الناس. وقال أبو حاتم: كانت المعاني مدفونة حتى أثارها أبو نواس. # حدث الحسين بن الخصيب الكاتب، قال: قال أحمد بن يوسف الكاتب: كنت أنا وعبد الله بن ~~طاهر عند المأمون، وهو مستلق على قفاه، فقال لعبد الله بن طاهر: يا أبا العباس، من ~~أشعر من قال الشعر في خلافة بني هاشم؟ فقال: أمير المؤمنين أعرف بهذا وأعلى عينا. فقال ~~له المأمون: على ذلك قفل. تكلم أنت يا أحمد بن يوسف. فقال عبد الله بن طاهر: أشعرهم ~~الذي يقول : # ويا قبر معن كنت أول حفرة # من الأرض خطت للسماحة منزلا # قال أحمد بن يوسف الكاتب: فقلت: بل أشعرهم الذي يقول: # أشبهت أعدائي فصرت أحبهم # إذ كان حظي منك حظي منهم # فقال المأمون: يا أحمد أبيت إلا غزلا! أين أنتم عن الذي يقول: # يا شقيق النفس من حكم # نمت عن ليلي ولم أنم # فقلنا: صدقت يا أمير المؤمنين. # وكان المأمون يقول: لو سئلت الدنيا عن نفسها فنطقت، لما وصفت نفسها كما وصفها أبو ~~نواس في قوله: # إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت # له عن عدو في ثياب صديق # ورد على العتابي بحلب عدة من الكبار من أهل قنسرين، فدخلوا وسلموا؛ وكان في يده رقعة ~~ينظر إليها، فقال لهم: لقد سلك صاحب هذه الرقعة واديا ما سلكه أحد قبله! فنظروا فإذا ~~هو شعر أبي نواس في جنان جارية آل عبد الوهاب الثقفي، وهو قوله: # ربع الكرى بين الجفون محيل # عفى عليه بكي عليك ms919 طويل # يا ناظرا ما أقلعت لحظاته # حتى تشحط بينهن قتيل # أحللت قلبي من هواك محلة # ما حلها المشروب والمأكول # بكمال صورتك التي من دونها # يتخير التشبيه والتمثيل # فوق القصيرة والقصيرة فوقها # دون السمين ودونها المهزول # ومما أنشده العتابي لأبي نواس فقال أحسن وأجاد: # متتايه بجماله صلف # لا يستطاع كلامه تيها # للحسن في وجناته بدع # ما إن يمل الدرس قاريها # لو كانت الأشياء تعقله # أجللنه إجلال باريها # لو تستطيع الأرض لانقبضت # حتى يصير جميعه فيها # وقوله: # إن السحاب لتستحيي إذا نظرت # إلى نداك فقاسته بما فيها # حتى تهم بإقلاع فيمنعها # خوف من السخط من إجلال منشيها # قال محمد بن صالح بن بيهس الكلابي: لما دخلت العراق صرت إلى مدينة السلام فسألت عمن ~~بها من الشعراء المحسنين، وذلك في أيام خلافة الأمين أو عند موته قبل دخول المأمون ~~بيسير، فقيل لي: قد غلب عليهم فتى من أهل البصرة يقال له الحسن بن هانئ ويعرف بأبي ~~نواس. وقد كنت سمعت شيئا من شعره، فأتاني فتى كان من أهل الأدب، فقلت له: هل تروي ~~لأبي نواسكم هذا شيئا؟ قال: أروي له أبياتا في الزهد وليس هو من طريقته. فقلت: ~~أنشدنيها. فأنشدني: # أخي ما بال قلبك ليس ينقى # كأنك لا تظن الموت حقا # ألا يا بن الذين فنوا وبادوا # أما والله ما ذهبوا لتبقى # وما للنفس عندك من مقام # إذا ما استكملت أجلا ورزقا # وما أحد بزادك منك أحظى # ولا أحد بذنبك منك أشقى # ولا لك غير تقوى الله زاد # إذا جعلت إلى اللهوات ترقى # فقلت له: أحسن والله! قال: أفلا أنشدك أحسن من هذا؟ قلت بلى. فأنشدني في رثاء محمد ~~الأمين: # طوى الموت ما بيني وبين محمد # وليس لما تطوي المنية ناشر # فلا وصل إلا عبرة تستديمها # أحاديث نفس ما لها الدهر ذاكر # لئن عمرت دور بمن لا أوده # لقد عمرت ممن أحب المقابر # وكنت عليه أحذر الموت وحده # فلم يبق لي شيء عليه أحاذر # فقال: بحق ما غلب هذا على أهل الأدب وقدموه ms920 على غيره. # قال محمد بن جعفر الأصم: كنا عند أبي نعيم، فتذاكرنا قول عائشة أم المؤمنين - رضي ~~الله عنها - حين ذكرت شعر لبيد يرثي أخاه أربد: # ذهب الذين يعاش في أكنافهم # وبقيت في خلف كجلد الأجرب # ولقد أنشدني أبو نعيم أبياتا، قلنا: أنشدناها. فقال: # ذهب الناس فاستقلوا وصرنا # خلفا في أراذل النسناس # في أناس نعدهم من عديد # فإذا فتشوا فليسوا بناس # كلما جئت أبتغي الفضل منهم # بدروني قبل السؤال بياس # وبكوا لي حتى تمنيت أني # مفلت عند ذاك رأسا براس # ثم قال: أتدرون لمن الشعر؟ قلنا: لا. قال: للحسن بن هانئ. # قال أبو عبد الرحمن الضرير: رأيت مسلم بن الوليد بجرجان وهو يتولاها، فسألني عمن خلفت ~~من الشعراء؛ فقلت له: أما من الكوفيين فأبو نواس، وهو مقدم عندهم. فقال: ويحك! كيف ~~يتقدم وهو يقول: رويدك يا إنسان لا أنت تقفز؟ أرأيت قوله: «تقفز» خرجت من بين فكي شاعر ~~قط؟! ثم قال: ويلك! وكيف يكون كذلك وهو يحيل ويتخطى من صفة المخلوق إلى صفة الخالق؟ ~~فقلت: مثل ماذا من قوله ؟ قال: أما فيما أحال فكقوله: # وأخفت أهل الشرك حتى إنه # لتخافك النطف التي لم تخلق # وهذا من الإغراق المستحيل في العقول ومما ليس على مذهب القوم؛ وأما في تخطيه بصفة ~~المخلوق إلى صفة الخالق فكقوله: # يجل أن تلحق الصفات به # فكل خلق لخلقه مثل # وكقوله: # بريء من الأشباه ليس له مثل # ومما قيل عن أبي نواس إن الشعر إنما هو بين المدح والهجاء وأبو نواس لا يحسنهما، ~~وأجود شعره في الخمر والطرد، وأحسن ما فيهما مأخوذ ليس له وإنما سرقه، وحسبك من رجل ~~يريد المعنى ليأخذه فلا يحسن أن يبني عليه حتى يجيء به قبيحا، مثل قوله: «وداوني بالتي ~~كانت هي الداء» أخذه من قول الأعشى: «وأخرى تداويت منها بها» والذي أخذه منه أحسن. ~~ومنها أيضا قوله: «إن الشباب مطية الجهل» أخذه من قول النابغة الجعدي: «فإن مطية الجهل ~~الشباب». وقوله: «كطلعة الأشمط من إهابه» أخذه من قول أبي النجم: «كطلعة ms921 الأشمط من ~~كسائه». ولكن رزق أبو نواس في شعره أن سار وحمله الناس وقدمه أهل عصره، وإن له على ذلك ~~لأشياء حسانا لا يدفعها ولا يطرحها إلا جاهل بالكلام أو حاسد. # ومن أحسن مدائح أبي نواس قوله من أرجوزته التي يمدح بها الفضل بن الربيع، وهي: # وبلدة فيها زور # صعراء تحظى في صعر # مرت # 21 # إذا الذئب اقتفر # بها من القوم الأثر # كان له من الجزر # كل جنين ما اشتكر # 22 # ولا تعلاه شعر # ميت النساحي الثغر # عسفتها # 23 # على خطر # وغرر من الغرر # ببازل حين فطر # يهزه جن الأشر # لا متشك من سدر # 24 # ولا قريب من خور # كأنه بعد الضمر # وبعد ما جال الضفر # 25 # وانمح في فحسر: # جأب # 26 # رباع المثغر # يحدو بحقب كالأكر # ترى بأثباج القصر # 27 # منهن توشيم الجدر # رعين أبكار الخضر # شهري ربيع وصفر # حتى إذا الفحل جفر # 28 # وأشبه السفى الإبر # ونش أذخار النقر # 29 # قلن له: ما تأتمر؟ # وهن إذ قلن: أشر # غير عواص ما أمر # كأنها لمن نظر # ركب يشيمون مطر # حتى إذا الظل قصر # يممن من جنبي هجر # أخضر طمام العكر # وبين أحقاف القتر # سار وليس للسمر # ولا تلاوات السور # يمسح مرنانا يسر # 30 # زمت بمشزور المرر # لأم كحلقوم النغر # 31 # حتى إذا اصطف السطر # أهدى لها لو لم تجر # دهياء يحدوها القدر # فتلك عنس لم تدر # شهبا إذا الآل ظهر # إليك كلفنا السفر # خوصا يجاذبن النظر # قد انطوت منها السرر # طي القراري # 32 # الحبر # لم تتقعدها الطير # ولا السنيح المزدجر # يا فضل للقوم البطر # إذ ليس في الناس عصر # ولا من الخوف وزر # ونزلت إحدى الكبر # وقيل صماء الغير # فالناس أبناء الحذر: # فرجت هاتيك الغمر # عنا «وقد صابت بقر» # 33 # كالشمس في شخص بشر # أعيا مجاريك الخطر # أبوك جلي عن مضر # يوم الرواق المحتضر # والخوف يفري ويذر # لما رأى الأمر اقمطر # 34 # قام كريما فانتصر # كهزة العضب الذكر # ما مس من شيء هبر # 35 # وأنت تقتاف الأثر # من ذي ms922 حجول وغرر # معيد ورد وصدر # وإن علا الأمر اقتدر # فأين أصحاب الغمر # إذ شربوا كأس المقر # 36 # وقصروا فيمن قصر # هيهات لا يخفى القمر # أصحرت # 37 # إذ دبوا الخمر # شكرا، وحر من شكر # فالله يعطيك الشبر # 38 # وفي أعاديك الظفر # والله من شاء نصر # وأنت إن خفنا الحصر # 39 # وهر دهر وكشر # عن ناجذيه وبسر # 40 # أغنيت ما أغنى المطر # وفيك أخلاق اليسر # فإن أبوا إلا العسر # أمررت # 41 # حبلا فاستمر # حتى ترى تلك الزمر # تهوي لأذقان الثغر # 42 # من جذب ألوى # 43 # لو نتر # إليه طودا لانأطر # 44 # صعب إذا لاقى أبر # وإن هفا القوم وقر # أو رهبوا الأمر جسر # ثم تسامى ففغر # عن شقشق ثم هدر # ثم تناجى فخطر # بذي سبيب # 45 # وعذر # يمضع أطراف الوبر # هل لك والهل # 46 # خير # فيمن إذا غبت حضر # أو نالك القوم ثأر # وإن رأى خيرا شكر # أو كان تقصير عذر # ولما عمل أبو نواس القصيدة التي أولها: «ومستعبد إخوانه بثرائه» بلغت الأمين، فبعث ~~إليه، وعنده سليمان بن جعفر، فلما دخل عليه قال له: يا عاض بظر أمه العاهرة، ويا مدعي ~~ولاء حاء وحكم! أتدري يا بن اللخناء من توليت وإلى من ادعيت؟ إلى ألأم قبيلتين في ~~اليمن، علوج باغين. أنت تكتسب بشعرك أوساخ أيدي الناس اللئام، وتقول: «ولا صاحب التاج ~~المحجب في القصر»! أما والله ما نلت مني شيئا بعد ذلك أبدا! # فقال له سليمان بن أبي جعفر: إي والله! نعم هو مع هذا من كبار الثنوية # 47 ~~(وكان يرمي بذلك). فقال له محمد الأمين: وهل يشهد عليه شاهد بشيء من ذلك؟ ~~فأتاه سليمان بعدة نفر، فشهدوا عليه أنه شرب في يوم مطير فوضع قدحه تحت السماء في المطر ~~فوقع فيه المطر؛ فقالوا له: ما تصنع بذلك ويحك؟ قال: أنتم تزعمون أنه ينزل مع كل قطرة ~~ملك، فكم تراني أشرب من الملائكة؟! ثم شرب ما في القدح؛ فغضب محمد، وأمر به إلى السجن. ~~فذلك قول أبي نواس: # يا رب إن القوم ms923 قد ظلموني # وبلا اقتراف معطل حبسوني # وإلى الجحود بما عرفت خلافه # ربي إليك بكذبهم نسبوني # ما كان إلا الجري في ميدانهم # في كل خزي والمجانة ديني # لا العذر يقبل لي ويفرق شاهدي # منهم، ولا يرضون حلف يميني # ما كان - لو يدرون - أول مخبأ # في دار منقصة ومنزل هون # أما الأمين فلست أرجو دفعه # عني، فمن لي اليوم بالمأمون # فبلغت أبياته المأمون، فقال: والله لئن لحقته لأغنينه غنى لا يؤمله. فمات قبل ~~دخول المأمون بغداد. # لما وصلت الخلافة إلى محمد الأمين وولى الفضل بن الربيع الوزارة، تفرغ محمد للهو ~~والصيد والنزهة، وكان لا يخرج إلا لصيد أو لنزهة. فخرج ذات يوم وقد أمر الجند والقواد ~~فركبوا، ولبس ثيابه وتقلد سيفه، وأعدت الحراقات # 48 # والزلاجات في دجلة؛ فقال له إسماعيل بن صبيح - وكان كاتب سره: يا أمير ~~المؤمنين، إن قوادك وجندك وعامة رعيتك قد خبثت نفوسهم، وساءت ظنونهم، وكبر عندهم ما ~~يرون من احتجابك عنهم، فلو جلست لهم ساعة من نهار فدخلوا عليك! فإن في ذلك تسكينا لهم ~~ومراجعة لآمالهم! فجلس في مجلسه وأذن للناس عامة فدخلوا على مراتبهم ومنازلهم، وقام ~~الخطباء فخطبوا، والشعراء فأنشدوا، فلم يكن أحد منهم يتعدى إلى الإطناب والتطويل، إلا ~~أمر بالسكوت ومنع من القول . # وقام فيمن قام أبو نواس، فقال: يا أمير المؤمنين! هؤلاء الشعراء أهل حجر ومدر، وإبل ~~ووصف للبقر وبيوت الشعر، قد جفت ألفاظهم، وغلظت معانيهم، ليس لهم بصر بمدح الخلفاء ~~ونشر مكارمهم، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في إنشاده فليفعل. فأذن له ~~فأنشده: # أيا دارها بالماء حتى تلينها # فلن تكرم الصهباء حتى تهينها # أغالي بها حتى إذا ما ملكتها # أهنت لإكرام الخليل مصونها # وصفراء قبل المزج بيضاء بعده # كأن شعاع الشمس يلقاك دونها # ترى العين تستعفيك من لمعانها # وتحسر حتى ما تقل جفونها # نزوع بنفس المرء عما يسوءه # ويجذله ألا يزال قرينها # كأن يواقيتا رواكد حولها # وزرق سنانير تدير عيونها # وشمطاء حل الدهر منها بنجوة # دلفت إليها فاستللت جبينها # كأنا حلول بين ms924 أكناف روضة # إذا ما سلبناها مع الليل طينها # إلى أن أكمل القصيدة. فقال له محمد: ألم أنهك عن شرب الخمر! قال: بلى يا أمير ~~المؤمنين، والله ما شربتها منذ نهيتني عنها ومنعتني من شربها، وأنا الذي أقول: # أيها الرائحان باللوم لوما # لا أذوق المدام إلا شميما # نالني بالملام فيها إمام # لا أرى لي خلافه مستقيما # فاصرفاها إلى سواي فإني # لست إلا على الحديث نديما # كبر حظي منها إذا هي دارت # أن أراها وأن أشم النسيما # فكأني وما أزين منها # قعدي يحسن التحكيما # 49 # كل عن حمله السلاح إلى الحر # ب فأوصى المطيق ألا يقيما # فتبسم محمد، وقال له: أحسنت! وقام بعض الشعراء فأنشد: # ترقى في فضائله الأمين # وزايله المشاكل والقرين # وأورق زهرة التقوى وعزت # خلافته وصدقت الظنون # تمس منابر الخلفاء منه # يد بخلاف طاعتها المنون # يخاف الخوف صولته ويرجو # نداه الجود فهو له خدين # فقال عدة ممن حضر: قد أوجز وأجاد، أكرم الله أمير المؤمنين! فقال أبو نواس: أشعر منه ~~يا أمير المؤمنين الذي يقول: # ألا يا خير من رأت العيون # نظيرك لا يحس ولا يكون # وفضلك لا يحد ولا يجارى # ولا تحوي حيازته الظنون # فأنت نسيج وحدك لا شبيه # نحاشيه عليك ولا خدين # خلقت بلا مشاكلة لشيء # فأنت الفوق والثقلان دون # كأن الملك لم يك قبل شيئا # إلى أن قام بالملك الأمين # قال: ففضله محمد وأحسن جائزته. ويقال: إنه قالها بديها. # ثم نهض محمد من مجلسه ذلك، فركب الحراقة إلى الشماسية، واصطفت له الخيل وعليها ~~الرجال على شاطئ دجلة، وحملت معه المطابح والخزائن. وكان ركوبه حراقة # 50 # على مثال الأسد. فما رأى الناس منظرا كان أبهى ولا مسيرا كان أحسن من ذلك ~~المنظر والمسير. وركب أبو نواس معه يومئذ وهو ينادمه، فقال: # سخر الله للأمين مطايا # لم تسخر لصاحب المحراب # 51 # فإذا ما ركابه سرن بحرا # سار في الماء راكبا ليث غاب # أسدا باسطا ذراعيه يعدو # أهرت الشدق # 52 # كالح الأنياب # لا يعانيه باللجام ولا السو # ط ولا غمز ms925 رجله في الركاب # عجب الناس إذ رأوك على صو # رة ليث تمر مر السحاب # سبحوا إذ رأوك سرت عليه # كيف لو أبصروك فوق العقاب # ذات زور ومنسر وجناحي # ن تشق العباب بعد العباب # تسبق الطير في السماء إذا ما اس # تعجلوها بجيئة وذهاب # بارك الله للأمين وأبقا # ه وأبقى له رداء الشباب # ملك تقصر المدائح عنه # هاشمي موفق للصواب # ويقال: إن هذا الشعر قاله أبو نواس في محمد، وقد ركب حراقته الدلفين؛ فقال له شيخ ~~إلى جانبه: اتق الله يا هذا! فقال له أبو نواس: يا شيخ، إن الله لم يسخر لصاحب ~~المحراب الدلفين، وقد سخر له ما هو خير من الدلفين، فأي شيء تنكر من هذا؟ # قال ابن حبيب: كنت مع مؤنس بن عمران، ونحن نريد الفضل بن الربيع ببغداد، فقال مؤنس: ~~لو دخلنا على أبي نواس في السجن فسلمنا عليه! ففعلنا؛ فقال أبو نواس لمؤنس: أين تريد؟ ~~فقال: أريد أبا العباس الفضل بن الربيع. قال: فبلغه رقعة أعطيكها. قال: نعم. فأعطاه ~~رقعة فيها: # ما من يد في الناس واجدة # كيد أبو العباس مولاها # نام البغاة على مضاجعهم # وسرى إلى نفسي فأحياها # قد كنت خفتك ثم أمنني # من أن أخافك خوفك الله # فعفوت عني عفو مقتدر # وجبت له نقم فألغاها # فكانت هذه الأبيات سبب خروجه من السجن. # انصرف أبو نواس من بعض المواخير سكران، فمر بمسجد قد حضرت فيه الصلاة، فدخل فقام في ~~الصف الأول؛ فقرأ الإمام: # قل يا أيها الكافرون # فقال أبو نواس من خلفه: لبيك! فلما قضيت الصلاة لببوه # 53 # وقالوا له: يا كافر، نشهد عليك بالكفر! ودفعوه. فبلغ خبره الرشيد، فدعا له ~~حمدويه صاحب الزندقة، وأحضر أبا نواس فقال له حمدويه: يا أمير المؤمنين، إن هذا ماجن، ~~وليس هو بحيث يظن. فقال له الرشيد: ويحك! إنه وقع في نفسي منه شيء، فامتحنه. قال: فخط ~~له صورة ماني، # 54 # وقال له: ابصق عليها. فأهوى أبو نواس بفيه ليقيء عليها؛ فقال له حمدويه: قد ~~قلت لك يا أمير ms926 المؤمنين إنه ماجن. قال: ودعا برجل من الزنادقة مشهور، وقال له: ابصق ~~عليها. فقال: وما معنى البصاق! إنه من أخلاق الشرك ولا أفعله، وأبى أن يفعل. فقال ~~الرشيد لبعض خدم القصر: امض بهذا (يعني أبا نواس) إلى السندي، فقل له: أدبه وأطلقه، ~~وبهذا (يعني الزنديق) فقل له: احبسه قبلك إلى أن تستتيبه، فإن تاب وإلا قتلناه. قال: ~~فمضى بهما الخادم، فلما صار في آخر الصحن، قال أبو نواس للخادم: إلى أين تذهب بنا؟ قال: ~~إلى السندي. قال: فما تقول له؟ قال: أقول له يحبسك قبله حتى تستتاب أو تقتل، ويؤدب ~~هذا ويطلقه. قال: فرفع أبو نواس يده ولطمه، وقال له: يا بن الزانية، من الساعة نسيت! ~~وبصر بهم الرشيد، فقال: ردوهم. فقال لأبي نواس: ما هذا الذي رأيت منك؟ قال: أراد والله ~~أن يهلكني ويطرحني بحيث أنسى أبدا أو أبقى مخلدا، سله يا أمير المؤمنين عن الرسالة، ~~فإذا هو قد غيرها. فضحك من أبي نواس وأطلقه. # قال رزين الكاتب: اجتمعنا يوما أنا وأبو نواس وعلي بن الخليل في سوق الكرخ، وكنا ~~نجتمع ونتناشد الأشعار ونتذاكر الأخبار ونتحدث بها؛ فقال أبو نواس: أدبر من كان في نفسي ~~وكان أسرع الخلق في طاعتي، فما أدري ما أحتال له! فقال علي بن الخليل يمازحه: يا أبا ~~علي، سل شيخك وأستاذك يعطفه عليك؛ فقال له أبو نواس: من تعني؟ قال: من أنت في طاعته ~~ليلك ونهارك (يعني إبليس)، فإن لم يقض لك هذه الحاجة، فما ينبغي لك أن تسأله مسألة ولا ~~أن تقر عينه بمعصية. فقال: هو أسد لرأيه من أن يخل بي أو يخذلني. وانقضى مجلسنا ~~ذلك. فلما كان بعد أيام اجتمعنا في ذلك الموضع، وأخذنا في أحاديثنا، فضحك أبو نواس؛ ~~فقلنا له: ما أضحكك؟ فقال: ذكرت قول علي بن الخليل يومئذ: سل شيخك يعطفه عليك. حينئذ ~~قد سألته يا أبا الحسن فقضى الحاجة، وما مضت والله ثالثة حتى أتاني من غير أن أبعث ~~إليه ومن غير أن أستزيره، فعاتبني واسترضاني، وكان الغضب ms927 منه والتجني، وأحسب الشيخ ~~(يعني إبليس) كان يتسمع علينا في وقت كلامنا؛ وقد قلت أبياتا في ذلك. فقلنا: هاتها. ~~فأنشد: # لما جفاني الحبيب وامتنعت # عني الرسالات منه والخبر # واشتد شوقي فكاد يقتلني # ذكر حبيبي والهم والفكر # دعوت إبليس ثم قلت له # في خلوة والدموع تنحدر: # أما ترى كيف قد بليت وقد # أقرح جفني البكاء والسهر؟ # إن أنت لم تلق لي المودة في # صدر حبيبي وأنت مقتدر # لا قلت شعرا ولا سمعت غنا # ولا جرى في مفاصلي السكر # ولا آزال القرآن أدرسه # أروح في درسه وأبتكر # وألزم الصوم والصلاة ولا # أزال دهري بالخير آتمر # فما مضت بعد ذاك ثالثة # حتى أتاني الحبيب يعتذر # ويطلب الود والوصال على # أفضل ما كان قبل يهتجر # فيا لها منة لقد عظمت # عندي لإبليس ما لها خطر # لما قدم أبو نواس على الخصيب # 55 # بمصر أذن له وعنده جماعة من الشعراء فاستنشده، فقال له: هنا جماعة من ~~الشعراء هم أقدم مني وأسن، فأذن لهم في الإنشاد، فإن كان شعري نظير أشعارهم أنشدت وإلا ~~أمسكت؛ فاستنشدهم الخصيب، فأنشدوا مديحا في الخصيب، فلم تكن أشعارهم مقاربة لشعر أبي ~~نواس؛ فتبسم أبو نواس ثم قال: أنشدك أيها الأمير قصيدة هي بمنزلة عصا موسى لتلقف ما ~~يأفكون؟ قال هات. فأنشده قصيدته التي أولها: # أجارة بيتينا أبوك غيور # وميسور ما يرجى لديك عسير # حتى أتى على آخرها، فانفض الشعراء من حوله. # ويقال: إن أبا نواس كان خرج إلى مصر في زي الشطار # 56 # وتقطيعهم بطرة قد صففها وكمين واسعين وذيل مجرور ونعل مطبق، وكان خروجه ~~مع سليمان بن أبي سهل؛ فلما دخل على الخصيب بهذه الصورة ازدراه واستخف به، وكان تورد ~~عليه كتب الجلة ممن بباب السلطان، ووردت كتب أبي نواس فيها فقرأها ولم يستنشده، ~~فانصرف مهموما. وجاءه أهل الأدب فاستمعوا شعره وكتبوه وأنشدوه للخصيب؛ فاستحضره ~~فأنشده: # أجارة بيتينا أبوك غيور # وميسور ما يرجى لديك عسير # فإن كنت لا خلما # 57 # ولا أنت زوجة # فلا برحت دوني عليك ستور # وجاورت قوما ms928 لا تزاور بينهم # ولا وصل إلا أن يكون نشور # فما أنا بالمشغوف ضربة لازب # ولا كل سلطان علي قدير # وإني لطرف العين بالعين زاجر # فقد كدت لا يخفى علي ضمير # كما نظرت والريح ساكنة لها # عقاب بأرساغ اليدين ندور # 58 # طوت ليلتين القوت عن ذي ضرورة # أزيغب لم ينبت عليه شكير # 59 # فأوفت على علياء حين بدا لها # من الشمس قرن والضريب يمور # 60 # تقلب طرفا في حجاجي مغارة # من الرأس لم يدخل عليه ذرور # 61 # ولما قال أبو نواس: # تقول التي من بيتها خف مركبي: # عزيز علينا أن نراك تسير # أما دون مصر للغنى متطلب؟ # بلى إن أسباب الغنى لكثير # فقلت لها واستعجلتها بوادر # جرت فجرى في جريهن عبير # ذريني أكثر حاسديك برحلة # إلى بلد فيه الخصيب أمير # قال له الخصيب: إذا يكثر حسادها وتبلغ أملها. وأمر له بألف دينار. # وتمامها: # إذا لم تزر أرض الخصيب ركابنا # فأي فتى بعد الخصيب تزور! # فما جازه جود ولا حل دونه # ولكن يصير الجود حيث يصير # فتى يشتري حسن الثناء بماله # ويعلم أن الدائرات تدور # ولم تر عيني سوددا مثل سودد # يحل أبو نصر به ويسير # وأطرق حيات البلاد لحية # خصيبية التصميم حين تسور # 62 # سموت لأهل الجور في حال أمنهم # فأضحوا وكل في الوثاق أسير # إذا قام غنته على الساق حلية # لها خطوه عند القيام قصير # فمن يك أمسى جاهلا بمقالتي # فإن أمير المؤمنين خبير # فما زلت توليه النصيحة يافعا # إلى أن بدا في العارضين قتير # 63 # إذا غاله أمر فإما كفيته # وإما عليه بالكفاء تشير # إليك رمت بالقوم هوج كأنما # جماجمها تحت الرحال قبور # رحلن بنا من عقرقوف # 64 # وقد بدا # من الصبح مفتوق الأديم شهير # فما نجدت # 65 # بالماء حتى رأيتها # مع الشمس في عيني أباغ تغور # وغمرن من ماء النقيب بشربة # وقد حان من ديك الصباح زمير # ووافين إشراقا كنائس تدمر # وهن إلى رعن المدخن صور # 66 # يؤممن أهل الغوطتين كأنما # لها عند أهل الغوطتين ثئور # وأصبحن بالجولان ms929 يرضخن # 67 # صخرها # ولم يبق من أجراحهن شطور # وقاسين ليلا دون بيسان لم يكد # سنا صبحه للناظرين ينير # وأصبحن قد فوزن من نهر فطرس # وهن عن البيت المقدس زور # 68 # طوالب بالركبان غرة هاشم # وفي الفرما من حاجهن شقور # 69 # ولما أتت فسطاط مصر أجارها # على ركبها أن لا تزال مجير # من القوم بسام كأن جبينه # سنا الفجر يسري ضوءه وينير # زها بالخصيب السيف والرمح في الوغى # وفي السلم يزهو منبر وسرير # جواد إذا الأيدي كففن عن الندى # ومن دون عورات النساء غيور # له سلف في الأعجمين كأنهم # إذا استؤذنوا يوم السلام بدور # وإني جدير إذ بلغتك بالمنى # وأنت بما أملت منك جدير # فإن تولني منك الجميل فأهله # وإلا فإني عاذر وشكور # وقال يمدح العباس بن الفضل بن الربيع وأجاد: # ساد الملوك ثلاثة ما منهم # إن حصلوا إلا أغر قريع # ساد الربيع وساد فضل بعده # وعلت بعباس الكريم فروع # عباس عباس إذا احتدم الوغى # والفضل فضل والربيع ربيع # وقال يعاتب عمر الوراق: # يا من جفاني وملا # نسيت أهلا وسهلا # ومات مرحب لما # رأيت مالي قلا # إني أظنك تحكي # فيما فعلت القرلى # 70 # تلقاه في الشر ينأى # وفي الرخا يتدلى # وله في عزة النفس: # ومستعبد إخوانه بثرائه # لبست له كبرا أبر على الكبر # إذا ضمني يوما وإياه محفل # يرى جانبي وعرا يزيد على الوعر # أخالفه في شكله وأجره # على المنطق المبرور والنظر الشزر # وقد زادني تيها على الناس أنني # أراني أغناهم وإن كنت ذا فقر # فوالله لا يبدي لساني لجاجة # إلى أحد حتى أغيب في قبري # فلا يطمعن في ذاك مني طامع # ولا صاحب التاج المحجب في القصر # فلو لم أرث فخرا لكانت صيانتي # عن الناس حسبي من سؤالي من الفخر # دخل أبو نواس بعد ما نسك على قوم من إخوانه عندهم شراب ومغن، فعرضوا عليه الجلوس ~~فأبى، وأخذ الدواة والقرطاس وكتب: # إذا لم تنه نفسك عن هواها # وتحسن صونها فإليك عني # فإني قد شبعت من المعاصي # ومن إدمانها وشبعن مني ms930 # ومن أسوأ وأقبح من لبيب # يرى متطربا في مثل سني # ومن شعر أبي نواس: # عفى المصلى وأقوت الكثب # مني فالمربدان فاللهب # منازل قد عمرتها يفعا # حتى بدا في عذاري الشهب # في فتية كالسيوف هزهم # شرخ شباب وزانهم أدب # ثم أراب الزمان فانقسموا # أيدي سبا في البلاد فانشعبوا # لن يخلف الدهر مثلهم أبدا # على هيهات شأنهم عجب # لما تيقنت أن روحتهم # ليس لها ما حييت منقلب # أبليت صبرا لم يبله أحد # واقتسمتني مآرب شعب # لذاك أني إذا رزئت أخا # فليس بيني وبينه نسب # قطربل مربعي ولي بقرى ال # كرخ مصيف وأمي العنب # ترضعني درها وتلحفني # بطلها والهجير يلتهب # إذا ثنته الغصون جللني # فينان # 71 # ما في أديمه جرب # تبيت في مأتم حمائمه # كما تراءى الفواقد السلب # يهب شوقي وشوقهن معا # كأنما يستخفنا الطرب # فقمت أحبو إلى الرضاع كما # تحامل الطفل مسه السغب # حتى تخيرت بنت دسكرة # قد عجمتها السنون والحقب # هتكت عنها والليل معتكر # مهلهل النسج ما له هدب # من نسج خرقاء لا تشد لها # أخية في الثرى ولا طنب # ثم توجأت خصرها بشبا ال # إ شفى فجاءت كأنها لهب # فاستوسق الشرب للندام وأج # راها علينا اللجين والغرب # 72 # أقول لما تحاكيا شبها # أيهما للتشابه الذهب # هما سواء وفرق بينهما # أنهما جامد ومنسكب # ملس وأمثالها محفرة # صور فيها القسوس والصلب # يتلون إنجيلهم وفوقهم # سماء خمر نجومها حبب # كأنها لؤلؤ تبدده # أيدي عذارى أفضى بها اللعب # ومن جيد شعره قوله لما منعه الأمين من شرب الخمر، وذلك أن المأمون أمر الخطباء ~~بخراسان أن يعيبوا الأمين بشعر أبي نواس ويقولوا هو جليسه ونديمه وينشدوا على المنابر ~~شعره، فمنعه الأمين فقال: # غننا بالطلول كيف بلينا # واسقنا نعطك الثناء الثمينا # من سلاف كأنه كل طيب # يتمنى مخبر أن يكونا # أكل الدهر ما تجسم منها # وتبقى لبابها المكنونا # ثم شجت فاستضحكت عن لآل # لو تجمعن في يد لاقتنينا # وإذا ما لمستها فهباء # تمنع الكف ما تبيح العيونا # في كئوس كأنهن نجوم # جاريات بروجها أيدينا # طالعات من ms931 السقاة علينا # فإذا ما غربن يغربن فينا # لو ترى الشرب حولها من بعيد # قلت قوم من قرة يصطلونا # وغزال يديرها ببنان # ناعمات يزيدها العسر لينا # ذاك عيش لو دام لي غير أني # عفته مكرها وخفت الأمينا # أدر الكأس حان أن تسقينا # وانقر العود إنه يلهينا # ودع الذكر للطلول إذا ما # دارت الكأس يسرة ويمينا # ومن قول أبي نواس يمدح العباس بن عبد الله بن جعفر بن أبي جعفر: # غرد الديك الصدوح # فاسقني طاب الصبوح # اسقني حتى تراني # حسنا عندي القبيح # قهوة تذكر نوحا # حين شاد الفلك نوح # نحن نخفيها ويأبى # طيب عرف فيفوح # فكأن القوم نهبى # بينهم مسك ذبيح # أنا في دنيا من العب # باس أغدو وأروح # هاشمي عبد لي # عنده يغلو المديح # علم الجود كتاب # بين عينيه يلوح # كل جو يا أميري # ما خلا جودك ريح # إنما أنت عطايا # أبدا ما تستريح # بح صوت المال مما # منك يشكو ويصيح # ما لهذا أحد فو # ق يديه أو نصيح # جدت بالأموال حتى # قيل ما هذا صحيح # فهو بالمال جواد # وهو بالعرض شحيح # صور الجود مثالا # وله العباس روح # قال محمد بن عيينة: لقيت أبا نواس بعسكر مكرم فقلت له: أحب أن تنشدني من شعرك شيئا ~~تضن به على غيري، فأنشدني: # يكفي الكريم من الكلا # م لمن يحادثه أقله # والشيء شيء لم يزل # بأدقه يأتي أجله # إن لم يصبك من الكري # م الحر وابله فطله # يبدي مكارمه كما # يبدي فرند السيف سله # والنذل يوقع نفسه # متعمدا فيما يذله # والحر يكرم نفسه # بالصفح عمن لا يجله # وقال أبو نواس يمدح الأمين: # صببت على الأمين ثياب مدحي # فكل الناس حسن واستجادا # ولولا فضله ما جاد شعري # ولا أعطتني الفطن القيادا # وقالوا قد أجدت فقلت إني # وجدت القول يمكنني فجادا # ومن خمرياته: # ذكر الصبوح بسحرة فارتاحا # وأمله ديك الصباح صياحا # أوفى على شرف الجدار بسدفة # غردا يصفق بالجناح جناحا # فأدر صباحك بالصبوح ولا تكن # كمسوفين غدوا عليك شحاحا # إن الصبوح جلاء كل مخمر # بدرت يداه ms932 بكأسه الإصباحا # وخدين لذات معلل صاحب # تقتات منه فكاهة ومزاحا # نبهته والليل ملتبس به # وأزحت عنه نعاسه فانزاحا # قال ابغني المصباح، قلت له اتئد # حسبي وحسبك ضوءها مصباحا # فسكبت منها في الزجاجة شربة # كانت له حتى الصباح صباحا # من قهوة جاءتك قبل مزاجها # عطلا فألبسها المزاج وشاحا # شك البزال فؤادها فكأنها # أهدت إليك بريحها تفاحا # صفراء تفترس النفوس فلا ترى # منها بهن سوى السبات جراحا # ومنها: # لا تبك ليلى ولا تطرب إلى هند # واشرب على الورد من حمراء كالورد # كأسا إذا انحدرت في حلق شاربها # أجدته حمرتها في العين والخد # فالخمر ياقوتة والكأس لؤلؤة # من كف لؤلؤة ممشوقة القد # تسقيك من طرفها خمرا ومن يدها # خمرا فما لك من سكرين من بد # لي نشوتان وللندمان واحدة # شيء خصصت به من دونهم وحدي # كان الأصمعي يفضل أبا نواس على شعراء زمانه بهذه القصيدة: # أما ترى الشمس حلت الحملا # وطاب وقت الزمان واعتدلا # وغنت الطير بعد عجمتها # واستوفت الخمر حولها كملا # واكتست الأرض من زخارفها # وشي ثياب تخاله حللا # فاشرب على جدة الزمان فقد # أصبح وجه الزمان مقتبلا # من قهوة تذهب الهموم فلا # أرهب فيها الملام والعذلا # كرخية تترك الطويل من العي # ش قصيرا وتبسط الأملا # تلمع لمع السراب في قدح ال # قوم إذا ما حبابها اتصلا # يقول صرف إذا مزجت له # من لم يكن للكثير محتملا # فسق هذا بقدر طاقته # واحمل على ذا بقدر ما احتملا # عجنا بشيئين من طبائعها # حسن وطيب ترى به المثلا # كان أبو نواس لا يستنشد شيئا من شعره إلا أنشد هذه القصيدة: # وخيمة ناطور # 73 # برأس منيفة # تهم يدا من رامها بزليل # 74 # إذا عارضتها الشمس فاء ظلالها # وإن واجهتها آذنت بدخول # حططنا بها الأثقال فل # 75 # هجيرة # عبورية تذكى بغير فتيل # تأنت # 76 # قليلا ثم فاءت بمذقة # من الظل في رث الأباء ضئيل # كأنا لديها بين عطفي نعامة # جفا زورها عن مبرك ومقيل # حلبت لأصحابي بها درة الصبا # بصهباء من ماء الكروم شمول # إذا ما ms933 أتت دون اللهاة من الفتى # دعا همه من صدره برحيل # فلما توفى الشمس جنح من الدجى # تصابيت واستجملت غير جميل # وعاطيت من أهوى الحديث كما بدا # وذللت صعبا كان غير ذليل # فغنى وقد وسدت يسراي خده # ألا ربما طالبت غير منيل # وأنزلت حاجاتي بحقوي مساعد # وإن كان أدنى صاحب وخليل # وأصبحت ألحى السكر والسكر محسن # ألا رب إحسان عليك ثقيل # كفى حزنا أن الجواد مقتر # عليه ولا معروف عند بخيل # سأبغي الغنى إما جليس خليفة # يقوم سواء أو مخيف سبيل # بكل فتى لا يستطار جنانه # إذا نوه الزحفان باسم قتيل # لنخمس مال الله من كل فاجر # أخي بطنة للطيبات أكول # ألم تر أن المال عون على الندى # وليس جواد مقتر كبخيل # فإن استزيد أنشد هذه القصيدة الأخرى: # كان الشباب مطية الجهل # ومحسن الضحكات والهزل # كان الجمال إذا ارتديت به # ومشيت أخطر صيت النعل # كان البليغ إذا نطقت به # وأصاخت الآذان للمملي # كان المشفع في مآربه # عند الفتاة ومدرك التبل # والآمري حتى إذا عزمت # نفسي أعان يدي بالفعل # فالآن صرت إلى مقاربة # وحططت عن ظهر الصبا رحلي # والراح أهواها وإن رزأت # بلغ المعاش وقللت فضلي # صفراء مجدها مرازبها # جلت عن النظراء والمثل # ذخرت لآدم قبل خلقته # فتقدمته بحظوة القبل # فأتاك شيء لا تلامسه # إلا بحسن غريزة العقل # فترود منها العين في بشر # حر الصفيحة ناصع سهل # فإذا علاها الماء ألبسها # حببا شبيه جلاجل الحجل # حتى إذا سكنت جوامحها # خطت بمثل أكارع النمل # خطين من شتى ومجتمع # غفل من الإعجام والشكل # فاعذر أخاك فإنه رجل # مرنت مسامعه على العذل # ومن طيب شعره، والشطر الأول من القصيدة لفظ ابن الدمينة: # أعاذل ما على وجهي قتوم # ولا عرضي لأول من يسوم # يفضلني على الفتيان أني # أبيت فلا ألام ولا ألوم # أعاذل إن يكن برداي رثا # فلا يعدمك بينهما كريم # شققت من الصبا واشتق مني # كما اشتقت من الكرم الكروم # فلست أسوم للذات نفسي # مياومة كما دفع الغريم # ومتصل بأسباب المعالي # له في كل مكرمة ms934 قديم # رفعت له النداء بقم فخذها # وقد أخذت مطالعها النجوم # بتفدية تزال النفس فيها # وتمتهن الخئولة والعموم # فقام وقمت من أخوين هاجا # على طرب وليلهما بهيم # أجر الزق وهو يجر رجلا # يجور به النعاس ويستقيم # سل الندمان ما أولته منها # وسلها ما احتوى منها الكريم # كلا الشخصين منتصف ولكن # قضت وطرا وذا منها سقيم # وقال: # إني صرفت الهوى إلى قمر # لم تبتذله العيون بالنظر # إذا تأملته تعاظمك ال # إقرار أنه من البشر # ومن قوله: # يا شقيق النفس من حكم # نمت عن ليلى ولم أنم # فاسقني البكر التي اختمرت # بخمار الشيب في الرحم # ثمت انصات الشباب لها # بعد ما جازت مدى الهرم # فهي لليوم التي بزلت # وهي ترب الدهر في القدم # عتقت حتى لو اتصلت # بلسان ناطق وفم # لاحتبت في القوم ماثلة # ثم قصت قصة الأمم # فرعتها بالمزاج يد # خلقت للسيف والقلم # في ندامى سادة زهر # أخذوا اللذات من أمم # فتمشت في مفاصلهم # كتمشي البرء في السقم # فعلت في البيت إذ مزجت # مثل فعل الصبح في الظلم # فاهتدى ساري الظلام بها # كاهتداء السفر بالعلم # ومن طرديات أبي نواس في صفة الكلب: # أنعت كلبا أهله من كده # قد سعدت جدودهم بجده # فكل خير عندهم من عنده # وكل رفد نالهم من رفده # يظل مولاه له كعبده # يبيت أدنى صاحب من مهده # وإن عرى جلله ببرده # ذا غرة محجلا بزنده # تلذ منه العين حسن قده # يا حسن شدقيه وطول قده # تلقى الظباء عنتا من طرده # يشرب كأسا شدها من شده # يا لك من كلب نسيج وحده # أبو نواس وجنان # قال أبو الفرج: كانت جنان هذه جارية آل عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، وكانت ~~حلوة جميلة المنظر أديبة، ويقال: إن أبا نواس لم يصدق في حب امرأة غيرها، وقيل له ~~يوما إن جنان قد عزمت على الحج، فكان هذا سبب حجه وقال: أما والله لا يفوتني ~~المسير معها والحج عامي هذا إن أقامت على عزيمتها! وقال وقد حج وعاد: # ألم تر أنني أفنيت عمري ms935 # بمطلبها ومطلبها عسير # فلما لم أجد سببا إليها # يقربني وأعيتني الأمور # حججت وقلت قد حجت جنان # فيجمعني وإياها المسير # قال من شهده حين حج مع جنان وقد أحرم: لما جنه الليل جعل يلبي بشعر ويحدو به ~~ويطرب، فغنى به كل من سمعه وهو قوله: # إلهنا ما أعدلك # مليك كل من ملك # لبيك قد لبيت لك # لبيك إن الحمد لك # والملك لا شريك لك # والليل لما أن حلك # والسابحات في الفلك # على مجاري المنسلك # ما خاب عبد أملك # أنت له حيث سلك # لولاك يا رب هلك # كل نبي وملك # وكل من أهل لك # سبح أو لبى فلك # يا مخطئا ما أغفلك # عجل وبادر أجلك # واختم بخير عملك # لبيك إن الملك لك # والحمد والنعمة لك # والعز لا شريك لك # وفيها يقول: # جفن عيني قد كان يس # قط من طول ما اختلج # وفؤادي من حر حب # ك والهجر قد نضج # خبريني فدتك نف # سي وأهلي متى الفرج # كان ميعادنا خرو # ج زياد فقد خرج # أنت من قتل عائذ # بك في أضيق الحرج # قال الأصفهاني: قال محمد بن إبراهيم بن كثير الصوفي: دخلنا على أبي نواس نعوده في ~~علته التي مات فيها، فقال له علي بن صالح الهاشمي: يا أبا علي، أنت في أول يوم من ~~أيام الآخرة وآخر يوم من أيام الدنيا، وبينك وبين الله عز وجل هنات، فتب إلى الله ~~عز وجل. فبكى ساعة ثم قال: ساندوني ساندوني! ثم قال: أأخوف بالله عز وجل وقد ~~حدثني حماد بن مسلم عن زيد الرقاشي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: ~~«لكل نبي شفاعة، وإني اختبأت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي يوم القيامة.» أفتراني ~~لا أكون منهم؟ # ومن قوله في مرض موته: # دب في السقام علوا وسفلا # وأراني أموت عضوا فعضوا # ليس تمضي من لحظة بي إلا # نقصتني بمرها في جزوا # ذهبت جدتي بحاجة نفسي # وتطلبت طاعة الله نضوا # لهف نفسي على ليل وأيا # م تجاوزتهن لعبا ولهوا # قد ms936 أسأنا كل الإساءة فالل # هم صفحا عنا وغفرا وعفوا # ثم قال: # شعر حي أتاك من لفظ ميت # صار بين الحياة والموت وقفا # قد برت جسمه الحوادث حتى # كاد عن عين الخلائق يخفى # لو تأملتني لتبصر وجهي # لم تبن من كتاب وجهي حرفا # ولكررت طرف عينيك فيمن # قد براه السقام حتى تعفى # وكان عمر أبي نواس تسعا وخمسين سنة، وكانت وفاته قبل دخول المأمون مدينة ~~السلام بست سنين (سنة 198). ~~(2) العتابي # 77 # قال أحمد بن سهل: تذاكرنا شعر العتابى فقال بعضنا: فيه تكلف، ونصره بعضنا، فقال: شيخ ~~حاضر: ويحكم! أيقال إن في شعره تكلفا وهو القائل: # رسل الضمير إليك تترى # بالشوق ظالعة وحسرى # متزجيات # 78 # ما يني # ن على الوجا من بعد مسرى # ما جف للعينين بع # دك يا قرير العين مجرى # فاسلم سلمت مبرأ # من صبوتي أبدا معرى # إن الصبابة لم تدع # مني سوى عظم مبرى # ومدامع عبرى على # كبد عليك الدهر حرى # أو يقال إنه متكلف وهو الذي يقول: # فلو كان للشكر شخص يبين # إذا ما تأمله الناظر # لمثلته لك حتى تراه # لتعلم أني امرؤ شاكر # وجد الرشيد على العتابي فدخل سرا مع المتظلمين بغير إذن، فمثل بين يدي الرشيد ~~وقال له: يا أمير المؤمنين، قد آذتني الناس لك ولنفسي فيك، وردني ابتلاؤهم إلى شكرك، ~~وما مع تذكرك قناعة بغيرك، ولنعم الصائن لنفسي كنت لو أعانني عليك الصبر، وفي ذلك ~~أقول: # أخضني المقام الغمر إن كان غرني # سنا خلب أو زلت القدمان # أتتركني جدب المعيشة مقترا # وكفاك من ماء الندى تكفان # وتجعلني سهم المطامع بعد ما # بللت يميني بالندى ولساني # فأعجب الرشيد قوله، وخرج وعليه الخلع، وقد أمر له بجائزة. # كلم العتابي يحيى بن خالد في حاجة بكلمات قليلة، فقال له يحيى: لقد نزر كلامك اليوم ~~وقل. فقال له: وكيف لا يقل وقد تكنفني ذل المسألة وحيرة الطلب وخوف الرد؟ فقال: والله ~~لئن قل كلامك لقد كثرت فوائده، وقضى حاجته. # قال يحيى بن خالد البرمكي لولده: إن قدرتم أن تكتبوا ms937 أنفاس كلثوم بن عمرو العتابي ~~فضلا عن رسائله وشعره، فلن تروا أبدا مثله. # وقف العتابي بباب المأمون يلتمس الوصول إليه، فصادف يحيى بن أكثم جالسا ينتظر الإذن، ~~فقال له: إن رأيت - أعزك الله - أن تذكر أمري لأمير المؤمنين إذا دخلت فافعل. قال له: ~~لست - أعزك الله - بحاجبه. قال: فإن لم تكن حاجبا فقد يفعل مثلك ما سألت، واعلم أن ~~الله عز وجل جعل في كل شيء زكاة، وجعل زكاة المال رفد المستعين، وزكاة الجاه إغاثة ~~المهلوف؛ واعلم أن الله عز وجل مقبل عليك بالزيادة إن شكرت، أو التغيير إن كفرت. وإني ~~لك اليوم أصلح منك لنفسك، لأني أدعوك إلى ازدياد نعمتك وأنت تأبى. فقال له يحيى: أفعل ~~وكرامة. وخرج الإذن ليحيى، فلما دخل لم يبدأ بشيء بعد السلام إلا أن استأذن المأمون ~~للعتابي، فأذن له. # وقيل له: لو تزوجت! فقال: إني وجدت مكابدة العفة أيسر علي من الاحتيال لمصلحة ~~العيال. # قال دعبل: ما حسدت أحدا قط على شعر كما حسدت العتابي على قوله: # هيبة الإخوان قاطعة # لأخي الحاجات عن طلبه # فإذا ما هبت ذا أمل # مات ما أملت من سببه # كان العتابي جالسا ذات يوم ينظر في كتاب، فمر به بعض جيرانه، فقال: أيش ينفع العلم ~~والأدب من لا مال له؟ فأنشد العتابي قوله: # يا قاتل الله أقواما إذا ثقفوا # ذا اللب ينظر في الآداب والحكم # قالوا: وليس بهم إلا نفاسته # 79 # أنافع ذا من الإقتار والعدم # وليس يدرون ما الحظ الذي حرموا ~~- لحاهم الله - من علم ومن فهم # ومن قوله أيضا: # لئن كانت الدنيا أنالتك ثروة # فأصبحت ذا يسر وقد كنت ذا عسر # لقد كشف الإثراء منك مخازيا # من اللؤم كانت تحت ستر من الفقر # وقال أيضا: # رحل الرجاء إليك مغتربا # حشدت عليه نوائب الدهر # ردت إليك ندامتي أملي # وثنا إليك عنانه شكري # وجعلت عتبك عتب موعظة # ورجاء عفوك منتهى أملي # لما سعى منصور النمري بالعتابي إلى الرشيد اغتاظ عليه فطلبه، فستره جعفر بن يحيى عنه ~~مدة وجعل يستعطفه ms938 عليه حتى استل ما في نفسه وأمنه، فقال يمدح جعفر بن يحيى: # ما زلت في غمرات الموت مطرحا # قد ضاق عني فسيح الأرض من حيلي # ولم تزل دائبا تسعى بلطفك لي # حتى اختلست حياتي من يدي أجلي # عاد عبد الله بن طاهر وإسحاق بن إبراهيم بن مصعب كلثوم بن عمرو العتابي في علة ~~اعتلها، فقال الناس: هذه خطرة خطرت. فبلغ ذلك العتابي، فكتب إلى عبد الله بن ~~طاهر: # قالوا الزيارة خطرة خطرت # وبحار برك ليس بالخطر # أبطل مقالتهم بثانية # تستنفد المعروف من شكري # فلما بلغت أبياته عبد الله بن طاهر ضحك من قوله وركب هو وإسحاق فعاداه مرة ~~ثانية. # كانت له امرأة من باهلة، فلما مضى إلى رأس عين قالت له: هذا منصور النمري، قد أخذ ~~الأموال فحلى نساءه وبنى داره واشترى ضياعا وأنت ههنا كما ترى! فأنشأ يقول: # تلوم على ترك الغنى باهلية # ذوى الفقر عنها كل طرف وتالد # رأت حولها النسوان يرفلن في الثرى # مقلدة أعناقها بالقلائد # أسرك أني نلت ما نال جعفر # من العيش أو ما نال يحيى بن خالد # وأن أمير المؤمنين أغصني # مغصهما بالمرهفات البوارد # رأيت رفيعات الأمور مشوبة # بمستودعات في بطون الأساود # دعيني تجئني ميتتي مطمئنة # ولم أتجشم هول تلك الموارد # لما قدم العتابي مدينة السلام على المأمون أذن له، فدخل عليه وعنده إسحاق بن إبراهيم ~~الموصلي، وكان العتابي شيخا جليلا نبيلا، فسلم فرد عليه وأدناه وقربه حتى قرب منه، ~~فقبل يده ، ثم أمره بالجلوس فجلس، وأقبل عليه يسائله عن حاله وهو يجيبه بلسان ذلق طلق، ~~فاستظرف المأمون ذلك وأقبل عليه بالمداعبة والمزاح، فظن الشيخ أنه استخف به، فقال: يا ~~أمير المؤمنين، الإيناس قبل الإبساس. # 80 # فاشتبه على المأمون قوله، فنظر إلى إسحاق مستفهما، فأومأ إليه وغمزه على ~~معناه حتى فهم، فقال: يا غلام، ألف دينار! فأتى بذلك، فوضع بين يدي العتابي وأخذوا في ~~الحديث، وغمز المأمون إسحاق بن إبراهيم عليه، فجعل العتابي لا يأخذ في شيء إلا عارضه ~~إسحاق، فبقى العتابي متعجبا، ثم ms939 قال: يا أمير المؤمنين، أتأذن لي في سؤال هذا الشيخ عن ~~اسمه؟ قال: نعم سل. فقال لإسحاق: يا شيخ، من أنت وما اسمك؟ قال: أنا من الناس واسمي ~~كل بصل. فتبسم العتابي وقال: أما أنت فمعروف وأما الاسم فمنكر. فقال إسحاق: ما أقل ~~إنصافك! أتنكر أن يكون اسمي كل بصل، واسمك كلثوم، وكلثوم من الأسماء، أو ليس البصل ~~أطيب من الثوم؟ فقال له العتابي: لله درك! فما أحجك، أتأذن لي يا أمير المؤمنين في أن ~~أصله بما وصلتني به؟ فقال المأمون: بل ذلك موفر عليك ونأمر له بمثله. فقال له إسحاق: ~~أما إذ أقررت بهذه فتوهمني تجدني. فقال: ما أظنك إلا إسحاق الموصلي الذي يتناهى إلينا ~~خبره. قال: أنا حيث ظننت. وأقبل عليه بالتحية والسلام، فقال المأمون - وقد طال الحديث ~~بينهما: أما إذ قد اتفقتما على المودة فانصرفا متنادمين. فانصرف العتابي إلى منزل ~~إسحاق فأقام عنده. # قال عثمان الوراق: رأيت العتابي يأكل خبزا على الطريق بباب الشام، فقلت له: ويحك! ~~أما تستحي؟ فقال لي: أرأيت لو كنا في دار بها بقر كنت تستحي وتحتشم أن تأكل وهي تراك؟ ~~فقال: لا! قال: فاصبر حتى أعلمك أنهم بقر! فقام فوعظ وقص ودعا حتى كثر الزحام عليه ثم ~~قال لهم: روى لنا غير واحد أنه من بلغ لسانه أرنبة أنفه لم يدخل النار! فما بقي أحد إلا ~~أخرج لسانه يومئ به نحو أرنبة أنفه ويقدره حتى يبلغها أم لا، فلما تفرقوا قال لي ~~العتابي: ألم أخبرك أنهم بقر؟ # قال الفضل: رأيت العتابي بين يدي المأمون وقد أسن، فلما أراد القيام قام المأمون ~~فأخذ بيده واعتمد الشيخ على المأمون، فما زال المأمون ينهضه رويدا رويدا حتى أقله ~~فنهض. # وكتب كلثوم بن عمرو العتابي إلى صديق له يستجديه: # أما بعد - أطال الله بقاءك وجعله يمتد بك إلى رضوانه والجنة - فإنك كنت ~~عندنا روضة من رياض الكرم، تبتهج النفوس بها، وتستريح القلوب إليها؛ وكنا ~~نعفيها من النجعة # 81 # استتماما لزهرتها، وشفقة على خضرتها، وادخارا لثمرتها، حتى ms940 ~~أصابتنا سنة كانت عندي قطعة من سني يوسف اشتد علينا كلبها، # 82 # وغابت قطتها، وكذبتنا غيومها، وأخلفتنا بروقها، وفقدنا صالح ~~الإخوان فيها، فانتجعتك. وأنا بانتجاعي إياك شديد الشفقة عليك، مع علمي بأنك ~~موضع الرائد، # 83 # وأنك تغطي عين الحاسد. والله يعلم أني ما أعدك إلا في ~~حومة # 84 # الأهل. واعلم أن الكريم إذا استحيا من إعطاء القليل ولم يمكنه ~~الكثير، لم يعرف جوده ولم تظهر همته. وأنا أقول في ذلك: # إذا تكرمت عن بذل القليل ولم # تقدر على سعة ~~لم يظهر الجود # بث النوال ولا تمنعك قلته # فكل ما سد ~~فقرا فهو محمود # قيل فشاطره جميع ماله. ~~(3) دعبل # 85 # شاعر متقدم مطبوع هجاء خبيث اللسان، لم يسلم منه أحد من الخلفاء ولا من وزرائهم ولا ~~أولادهم ولا ذو نباهة أحسن إليه أم لم يحسن، ولا أفلت منه كبير أو صغير. # وكان دعبل من الشيعة المشهورين بالميل إلى علي صلوات الله عليه. وقصيدته: «مدارس ~~آيات خلت من تلاوة» من أحسن الشعر وفاخر المدائح المقولة في أهل البيت عليهم السلام، ~~وقصد بها أبا علي بن موسى الرضا بخراسان، فأعطاه عشرة آلاف درهم من الدراهم المضروبة ~~باسمه، وخلع عليه خلعة من ثيابه، فأعطاه بها أهل قم ثلاثين ألف درهم، فلم يبعها فقطعوا ~~عليه الطريق فأخذوها؛ فقال لهم: إنها إنما تراد لله عز وجل وهي محرمة عليكم. فدفعوا ~~إليه ثلاثين ألف درهم، فحلف ألا يبيعها أو يعطوه بعضها ليكون في كفنه، فأعطوه فرد ~~كم، فكان من أكفانه. # قال إبراهيم بن المهدي للمأمون قولا في دعبل يحرضه عليه؛ فضحك المأمون وقال: إنما ~~تحرضني عليه لقوله فيك: # يا معشر الأجناد لا تقنطوا # وارضوا بما كان ولا تسخطوا # فسوف تعطون حنينية # 86 # يلتذها الأمرد والأشمط # والمعبديات # 87 # لقوادكم # لا تدخل الكيس ولا تربط # وهكذا يرزق قواده # خليفة مصحفه البربط # قد ختم الصك بأرزاقكم # وصحح العزم فلا تسخطوا # بيعة إبراهيم مشئومة # يقتل فيها الخلق أو يقحطوا # فقال له إبراهيم: فقد والله هجاك أنت يا أمير المؤمنين. فقال: دع ms941 هذا عنك، فقد عفوت ~~عنه في هجائه إياي لقوله هذا! وضحك. ثم دخل أبو عباد، فلما رآه المأمون من بعد قال ~~لإبراهيم: دعبل يجسر على أبي عباد في الهجاء ويحجم عن أحد! فقال له: وكأن أبا عباد أبسط ~~يدا منك يا أمير المؤمنين! قال: لا! ولكنه حديد جاهل لا يؤمن، وأنا أحلم وأصفح، والله ~~ما رأيت أبا عباد مقبلا إلا أضحكني قول دعبل فيه: # أولى الأمور بضيعة وفساد # أمر يدبره أبو عباد # خرق على جلسائه فكأنهم # حضروا لملحمة ويوم جلاد # يسطو على كتابه بدواته # فمضمخ بدم ونضح مداد # وكأنه من دير هرقل مفلت # حرد يجر سلاسل الأقياد # فاشدد أمير المؤمنين وثاقه # فأصح منه بقية الحداد # وكان «بقية» هذا مجنونا في البيمارستان. # قال أبو خالد الخزاعي لدعبل: ويحك! قد هجوت الخلفاء والوزراء والقواد ووترت الناس ~~جميعا، فأنت دهرك كله شريد طريد هارب خائف، فلو كففت عن هذا وصرفت هذا الشر عن نفسك! ~~فقال: ويحك! إني تأملت ما تقول فوجدت أكثر الناس لا ينتفع بهم إلا على الرهبة، ولا ~~يبالي الشاعر وإن كان مجيدا إذا لم يخف شره، ولمن يتقيك على عرضه أكثر ممن يرغب إليك ~~في تشريفه، وعيوب الناس أكثر من محاسنهم، وليس كل من شرفته شرف، ولا كل من وصفته ~~بالجود والمجد والشجاعة ولم يكن ذلك فيه انتفع بقولك، فإذا رآك أوجعت عرض غيره وفضحته ~~اتقاك وخاف من مثل ما جرى على الآخر، ويحك يا أبا خالد! إن الهجاء المقذع آخذ بضبع ~~الشاعر من المديح المضرع ! فضحك أبو خالد وقال: هذا والله مقال من لا يموت حتف ~~أنفه. # كان سبب خروج دعبل من الكوفة أنه كان يتشطر ويصحب الشطار، فخرج هو ورجل من أشجع فيما ~~بين العشاء والعتمة، فجلسا على طريق رجل من الصيارفة، وكان يروح كل ليلة بكيسه إلى ~~منزله، فلما طلع مقبلا إليهما وثبا إليه فجرحاه وأخذا ما في كمه، فإذا هي ثلاث رمانات ~~في خرقة، ولم يكن كيسه ليلتئذ معه، ومات الرجل مكانه، واستتر دعبل وصاحبه، وجد ms942 ~~أولياء الرجل في طلبهما وجد السلطان في ذلك، فطال على دعبل الاستتار فاضطر إلى أن ~~هرب من الكوفة، فما دخلها حتى لم يبق من أولياء الرجل أحد. # قال أحمد بن خالد: كنا يوما بدار صالح بن علي من عبد القيس ببغداد ومعنا جماعة من ~~أصحابنا، فسقط على سطح البيت ديك طار من دار دعبل، فلما رأيناه قلنا: هذا صيدنا، ~~فأخذناه، فقال صالح: ما نصنع به؟ قلنا: نذبحه. فذبحناه وشويناه، وخرج دعبل فسأل عن ~~الديك فعرف أنه سقط في دار صالح، فطلبه منا فجحدناه وشربنا يومنا، فلما كان من الغد خرج ~~دعبل فصلى الغداة ثم جلس على باب المسجد - وكان ذلك المسجد مجمع الناس يجتمع فيه جماعة ~~من العلماء وينتابهم الناس - فجلس دعبل على باب المسجد وقال: # أسر المؤذن صالح وضيوفه # أسر الكمي هفا خلال المأقط # بعثوا عليه بنيهم وبناتهم # من بين ناتفة وآخر سامط # يتنازعون كأنهم قد أوثقوا # خاقان أو هزموا قبائل ناعط # 88 # نهشوه فانتزعت له أسنانهم # وتهشمت أقفاؤهم بالحائط # فكتبها الناس عنه ومضوا؛ فقال لي أبي، وقد رجع إلى البيت: ويحكم! ضاقت عليكم المآكل ~~فلم تجدوا شيئا تأكلونه سوى ديك دعبل! ثم أنشدنا الشعر، وقال: لا تدع ديكا ولا دجاجة ~~تقدر عليه إلا اشتريته وبعثت به إلى دعبل وإلا وقعنا في لسانه! ففعلت ذلك. # قال أحمد بن أبي كامل: كان دعبل ينشدني كثيرا هجاء له، فأقول له: فيمن هذا؟ فيقول: ~~ما استحقه أحد بعينه بعد، وليس له صاحب، فإذا وجد على رجل جعل ذلك الشعر فيه وذكر اسمه ~~في الشعر. # كان دعبل يختلف إلى الفضل بن العباس بن جعفر بن محمد بن الأشعث، وهو خرجه وفهمه ~~وأدبه، فظهر له منه جفاء وبلغه أنه يعيبه ويذكره وينال منه، فقال يهجوه: # يا بؤس للفضل لو لم يأت ما عابه # يستفرغ السم من صماء قرضابه # ما إن يزال وفيه العيب يجمعه # جهلا لأعراض أهل المجد عيابه # إن عابني لم يعب إلا مؤدبه # ونفسه عاب لما عاب أدابه # فكان كالكلب ضراه مكلبه ms943 # لغيره فعدا فاصطاد كلابه # كان دعبل يقول: ما كانت لأحد قط عندي منة إلا تمنيت موته. # كتب دعبل إلى أبي نهشل بن حميد الطوسي قوله: # إنما العيش في منادمة الإخوا # ن لا في الجلوس عند الكعاب # وبصرف كأنها ألسن البر # ق إذا استعرضت رقيق السحاب # إن تكونوا تركتم لذة العي # ش حذار العقاب يوم العقاب # فدعوني وما ألذ وأهوى # وادفعوا بي في صدر يوم الحساب # قال محمد بن زكريا الفرغاني: سمعت دعبلا يقول في كلام جرى «ليسك» فأنكرته عليه؛ ~~فقال: دخل زيد الخيل على النبي # صلى الله عليه وسلم # فقال له: «يا زيد ما وصف لي رجل إلا رأيته دون ~~وصفه ليسك.» يريد غيرك. # قال عمرو بن مسعدة: حضرت أبا دلف عند المأمون وقد قال له المأمون: أي شيء تروي لأخي ~~خزاعة يا قاسم؟ فقال: وأي أخي خزاعة يا أمير المؤمنين؟ قال: ومن تعرف فيهم شاعرا؟ ~~فقال: أما من أنفسهم فأبو الشيص ودعبل وابن أبي الشيص وداود بن أبي رزين، وأما من ~~مواليهم فطاهر وابنه عبد الله. فقال: ومن عسى من هؤلاء أن يسأل عن شعره سوى دعبل! هات ~~أي شيء عندك فيه؛ فقال: وأي شيء أقول في رجل لم يسلم عليه أهل بيته حتى هجاهم، فقرن ~~إحسانهم بالإساءة وبذلهم بالمنع وجودهم بالبخل، حتى جعل كل حسنة منهم بإزاء سيئة منه! ~~قال: حين يقول ماذا؟ قال: حين يقول في المطلب بن عبد الله بن مالك، وهو أصدق الناس له ~~وأقربهم منه، وقد وفد إليه إلى مصر فأعطاه الجزيل وولاه، ولم يمنعه ذلك أن قال ~~فيه: # اضرب ندى طلحة الطلحات متئدا # بلؤم مطلب فينا وكن حكما # تخرج خزاعة من لؤم ومن كرم # فلا تحس لها لؤما ولا كرما # فقال المأمون: قاتله الله! ما أغوصه وألطفه وأدهاه! وجعل يضحك. ثم دخل عبد الله بن ~~طاهر فقال: أي شيء تحفظ يا عبد الله لدعبل؟ فقال: أحفظ أبياتا له في أهل بيت أمير ~~المؤمنين. قال: هاتها ويحك! فأنشده: # سقيا ورعيا لأيام الصبابات # أيام أرفل ms944 في أثواب لذاتي # أيام غصني رطيب من ليانته # أصبو إلى غير جارات وكنات # دع عنك ذكر زمان فات مطلبه # واقذف برحلك عن متن الجهالات # واقصد بكل مديح أنت قائله # نحو الهداة بني بيت الكرامات # فقال المأمون: إنه قد وجد والله مقالا فقال، ونال ببعيد ذكرهم ما لا يناله في وصف ~~غيرهم. # ومن قول دعبل وفيه غناء: # أين الشباب وأية سلكا # لا أين يطلب ضل من هلكا # لا تعجبي يا سلم من رجل # ضحك المشيب برأسه فبكى # يا ليت شعري كيف يومكما # يا صاحبي إذا دمي سفكا # لا تأخذوا بظلامتي أحدا # قلبي وطرفي في دمي اشتركا # قال إبراهيم بن المدبر: لقيت دعبل بن علي فقلت له: أنت أجسر الناس عندي وأقدمهم حيث ~~تقول: # إني من القوم الذين سيوفهم # قتلت أخاك وشرفتك بمقعد # رفعوا محلك بعد طول خموله # واستنقذوك من الحضيض الأوهد # وأولها: # أخذ المشيب من الشباب الأغيد # والنائبات من الأنام بمرصد # فقال: يا أبا اسحاق، أنا أحمل خشبتي منذ أربعين سنة، فلا أجد من يصلبني عليها. # كان دعبل يخرج فيغيب سنين يدور الدنيا كلها ويرجع وقد أفاد وأثرى، وكانت الشراة ~~والصعاليك يلقونه فلا يؤذونه ويؤاكلونه ويشاربونه ويبرون به، وكان إذا لقيهم وضع طعامه ~~وشرابه ودعاهم إليه ودعا بغلاميه: نفنف وشعف، وكانا مغنيين، فأقعدهما يغنيان وسقاهم ~~وشرب معهم وأنشدهم، فكانوا قد عرفوه وألفوه لكثرة أسفاره، وكانوا يواصلونه ويصلونه. ~~وأنشد دعبل لنفسه في بعد أسفاره: # حللت محلا يقصر البرق دونه # ويعجز عنه الطيف أن يتجشما # قال البحتري: دعبل بن علي أشعر عندي من مسلم بن الوليد؛ لأن كلام دعبل أدخل في كلام ~~العرب من كلام مسلم، ومذهبه أشبه بمذاهبهم؛ وكان يتعصب له. # كان المعتصم يبغض دعبلا لطول لسانه. وبلغ دعبلا أنه يريد اغتياله وقتله، فهرب إلى ~~الجبل؛ وقال يهجوه: # بكى لشتات الدين مكتئب صب # وفاض بفرط الدمع من عينه غرب # وقام إمام لم يكن ذا هداية # فليس له دين وليس له لب # وما كانت الأنباء تأتي بمثله # يملك يوما أو تدين له العرب ms945 # ولكن كما قال الذين تتابعوا # من السلف الماضين إذ عظم الخطب # ملوك بني العباس في الكتب سبعة # ولم تأتنا عن ثامن لهم كتب # كذلك أهل الكهف في الكهف سبعة # خيار إذا عدوا وثامنهم كلب # وإني لأعلي كلبهم عنك رفعة # لأنك ذو ذنب وليس له ذنب # لقد ضاع ملك الناس إذ ساس ملكهم # وصيف وأشناس وقد عظم الكرب # وفضل بن مروان يثلم ثلمة # يظل لها الإسلام ليس له شعب # لما مات المعتصم قال محمد بن عبد الملك الزيات يرثيه: # قد قلت إذ غيبوه وانصرفوا # في خير قبر لخير مدفون # لن يجبر الله أمة فقدت # مثلك إلا بمثل هارون # فقال دعبل يعارضه: # قد قلت إذ غيبوه وانصرفوا # في شر قبر لشر مدفون # اذهب إلى النار والعذاب فما # خلقك إلا من الشياطين # ما زلت حتى عقدت بيعة من # أضر بالمسلمين والدين # وقال في ذلك وفي قيام الواثق: # الحمد لله لا صبر ولا جلد # ولا عزاء إذا أهل البلا رقدوا # خليفة مات لم يحزن له أحد # وآخر قام لم يفرح به أحد # ولقد أحسن في وصف سفر سافره، فطال ذلك السفر عليه، فقال فيه: # ألم يأن للسفر الذين تحملوا # إلى وطن قبل الممات رجوع # فقلت ولم أملك سوابق عبرة # نطقن بما ضمت عليه ضلوع # تبين فكم دار تفرق شملها # وشمل شتيت عاد وهو جميع # كذاك الليالي صرفهن كما ترى # لكل أناس جدبة وربيع # ثم قال: ما سافرت قط إلا كانت هذه الأبيات نصب عيني في سفري وهجيراي ومسليتي حتى ~~أعود. # ومن قول دعبل وفيه غناء: # سرى طيف ليلى حين آن هبوب # وقضيت شوقا حين كاد يذوب # فلم أر مطروقا يحل برحلة # ولا طارقا يقرى المنى ويثيب # ومن قوله: # لقد عجبت سلمى وذاك عجيب # رأت بي شيبا عجلته خطوب # وما شيبتني كبرة غير أنني # بدهر به رأس الفطيم يشيب # وقال في صالح بن عطية الأضجم، وكان من أقبح الناس وجها، وخاطب فيها المعتصم: # قل للإمام إمام آل محمد # قول امرئ حدب عليك محام # أنكرت أن ms946 تفتر عنك صنيعة # في صالح بن عطية الحجام # ليس الصنائع عنده بصنائع # لكنهن طوائل الإسلام # اضرب به جيش العدو فإنه # جيش من الطاعون والبرسام # قال أبو تمام: ما زال دعبل مائلا إلى مسلم بن الوليد مقرا بأستاذيته، حتى ورد عليه ~~بجرجان فجفاه مسلم، وكان فيه بخل، فهجره دعبل وكتب إليه: # أبا مخلد كنا عقيدي مودة # هوانا وقلبانا جميعا معا معا # أحوطك بالغيب الذي أنت حائطي # وأجزع إشفاقا من أن تتوجعا # فصيرتني بعد انتكاثك متهما # لنفسي عليها أرهب الخلق أجمعا # غششت الهوى حتى تداعت أصوله # بنا وابتذلت الوصل حتى تقطعا # وأنزلت من بين الجوانج والحشى # ذخيرة ود طالما قد تمنعا # فلا تلحيني ليس لي فيك مطمع # تخرقت حتى لم أجد لك مرقعا # فهبك يميني استأكلت فقطعتها # وجشمت قلبي صبره فتشجعا # ثم تهاجرا فما التقيا بعد ذلك. # أجرى الرشيد على دعبل رزقا سنيا، فكان أول من حرضه على قول الشعر. فوالله ما بلغه ~~أن الرشيد مات حتى كافأه على فعله من العطاء السني والغنى بعد الفقر والرفعة بعد الخمول ~~بأقبح مكافأة، وقال فيه يهجوه من قصيدة مدح بها أهل البيت عليهم السلام: # وليس حي من الأحياء نعلمه # من ذي يمان ومن بكر ومن مضر # إلا وهم شركاء في دمائهم # كما تشارك أيسار على جزر # قتل وأسر وتحريق ومنهبة # فعل الغزاة بأرض الروم والخزر # أرى أمية معذورين إن قتلوا # ولا أرى لبني العباس من عذر # اربع بطوس على القبر الزكي إذا # ما كنت تربع من دين على وطر # قبران في طوس خير الناس كلهم # وقبر شرهم هذا من العبر # ما ينفع الرجس من قرب الزكي ولا # على الزكي بقرب الرجس من ضرر # هيهات، كل امرئ رهن بما كسبت # له يداه فخذ ما شئت أو فذر # استدعى بعض بني هاشم دعبلا وهو يتولى للمعتصم ناحية من نواحي الشام، فقصده إليها فلم ~~يقع منه بحسن ظن وجفاه، فكتب إليه دعبل: # دليتني بغرور وعدك في # متلاطم من حومة الغرق # حتى إذا شمت العدو وقد # شهر انتقاصك ms947 شهرة البلق # أنشأت تحلف أن ودك لي # صاف وحبلك غير منحذق # وحسبتني فقعا بقرقرة # فوطئتني وطئا على حنق # ونصبتني علما على غرض # ترمينني الأعداء بالحدق # وظننت أرض الله ضيقة # عني وأرض الله لم تضق # من غير ما جرم سوى ثقة # مني بوعدك حين قلت ثق # ومودة تحنو عليك بها # نفسي بلا من ولا ملق # فمتى سألتك حاجة أبدا # فاشدد بها قفلا على غلق # وقف الإخاء على شفا جرف # هار فبعه بيعة الخلق # وأعد لي قفلا وجامعة # فاشدد يدي بها إلى عنقي # أعفيك مما لا تحب بها # واسدد على مذاهب الأفق # ما أطول الدنيا وأعرضها # وأدلني بمسالك الطرق # دخل دعبل على عبد الله بن طاهر فأنشده وهو ببغداد: # جئت بلا حرمة ولا سبب # إليك إلا بحرمة الأدب # فاقض ذمامي فإنني رجل # غير ملح عليك في الطلب # فانتقل عبد الله ودخل الحرم ووجه إليه بصرة فيها ألف درهم، وكتب إليه: # أعجلتنا فأتاك عاجل برنا # ولو انتظرت كثيره لم يقلل # فخذ القليل وكن كأنك لم تقل # ونكون نحن كأننا لم نفعل # مات دعبل بقرية من قرى السوس، بعث إليه مالك بن طوق من ضرب ظهره بعكاز لها زج ~~مسموم فمات من غد. ~~(4) حسين بن الضحاك # 89 # شاعر # 90 # ظريف شديد الظرف، ربما انقطع نظيره في شعراء العصر العباسي كله، وهو مع ~~ظرفه وإسرافه في المجون، قليل الفحش في اللفظ. غير متهالك على القول الآثم والألفاظ ~~المنكرة، لا يتخيرها ولا يقصد إليها، وإنما يعرض لها إذا اضطر إليها اضطرارا، وهو على ~~ظرفه ورقة حاشيته وحرصه على نقاء اللفظ وطهره شاعر بالمعنى الصحيح لهذه الكلمة، مجود ~~إذا فكر، مظفر إذا بحث، موفق إلى اللفظ المتين، والأسلوب الرصين في غير جفوة ولا غلظة، ~~لا يعرف التكلف في لفظ ولا معنى، وإنما ينطلق لسانه مع سجيته، وسجيته سهلة مرسلة غنية ~~غزيرة المادة، لا تكاد تنضب، ولا ينالها إعياء أو كلال، وحياته كلها عبر وعظات ولكنها ~~عبر وعظات مبتسمة ليست بالمظلمة ولا العابسة ولا بالتي تردك وتنفرك، وتجعل ms948 للحزن والأسى ~~إلى قلبك سبيلا، ولعلك لا تجد من شعراء هذا العصر رجلا مثله، تقرأ أخباره فتظل ~~مبتسما منذ تبتدئ إلى أن تنتهي دون أن تعبس أو تقطب. وربما تجاوزت الابتسام إلى ~~الإغراق في الضحك من حين إلى حين، ولكنك لن تترك الابتسام إلى الحزن الشديد. وربما ~~اعترضتك في طريقك سحابة محزنة، ولكن هذه السحابة رقيقة هادئة هينة، فهي أضعف من أن تزيل ~~ابتسامتك. وكان هذا الشاعر من المعمرين، بلغ المائة أو كاد، وعاصر طبقات من الشعراء، ~~وألوانا من حاشية الخلفاء، ولكنه ظل محتفظا بشخصيته الوادعة المبتسمة، تغير الناس ~~واختلفت الظروف، وظل هو واحدا لم يتغير. كان خليعا، بل كان يعرف بالخليع، وكان كثير ~~المجون مسرفا فيه، وما أحسب أن أبا نواس سبقه إلى لذة أو برز عليه في مأثم، ولكنه على ~~خلاعته وإسرافه في المجون وتهالكه على اللذات، احتفظ طول حياته بشيء من كرم الخلق ~~وطهارة العنصر وجودة الأصل، كأنما كانت هذه اللذات والآثام تنزلق على نفسه وأخلاقه ~~انزلاقا دون أن تترك فيها أثرا باقيا، وإنما كانت الآثار التي تتركها لياليه ~~الساهرة، وأيامه المملوءة بالعبث، هذه الأشعار الجميلة الحلوة التي سأظهرك على طرف ~~منها. # فلم يكن هذا الرجل كغيره من الشعراء الذين إنما كانوا يصلون إلى الخلفاء بعد الجهد ~~والكد، وبعد التلطف وحسن الحيلة؛ وإنما كان متصلا بالخلفاء اتصالا شديدا، يعاشرهم ~~ويرافقهم ويتدخل في حياتهم الخاصة، وربما تدخل إلى أكثر مما ينبغي. وكان الخلفاء ~~يبحثون عنه، ويحرصون على عشرته، ويبذلون في ذلك غير قليل من الإلحاح والعطاء، وكان شعره ~~كله أو أكثره مرآة لحياة القصر في أيام طائفة غير قليلة من الخلفاء. # فترى من هذا الوصف أنه شاعر أديب ظريف مطبوع، حسن التصرف في الشعر، حلو المذهب، لشعره ~~قبول ورونق صاف، وكان أبو نواس يأخذ معانيه في الخمر فيغير عليها، وإذا شاع له شعر ~~نادر في هذا المعنى نسبه الناس إلى أبي نواس، وله معان في صفتها أبدع فيها، وهاجى مسلم ~~بن الوليد فانتصف منه، وله غزل كثير جيد، ms949 وهو من المطبوعين الذين تخلو أشعارهم ومذاهبهم ~~جملة من التكلف. # قال: أنشدت أبا نواس قصيدتي التي قلتها في الخمر وهي: # بدلت من نفحات الورد بالآء # 91 # ومن صبوحك در الإبل والشاء # فلما انتهيت منها إلى قولي: # حتى إذا أسندت في البيت واحتضرت # عند الصبوح ببسامين أكفاء # فضت خواتمها في نعت واصفها # عن مثل رقراقة في جفن مرهاء # 92 # فصعق صعقة أفزعتني وقال: أحسنت والله يا أشقر! فقلت: ويلك يا حسن، إنك أفزعتني ~~والله! فقال: بلى والله أنت أفزعتني ورعتني، هذا معنى من المعاني التي كان فكري لا بد ~~أن ينتهي إليها أو أغوص عليها وأقولها، فسبقتني إليه واختلسته مني، وستعلم لمن يروى؛ ~~ألي أم لك! فكان والله كما قال، سمعت من لا يعلم يرويها له. # لما قدم المأمون من خراسان أمر بأن يسمى له قوم من أهل الأدب ليجالسوه ويسامروه، ~~فذكر له جماعة فيهم الحسين بن الضحاك، وكان من جلساء محمد المخلوع، فلما رأى اسمه قال: ~~أليس هو الذي يقول في محمد: # هلا بقيت لسد فاقتنا # أبدا وكان لغيرك التلف # فلقد خلفت خلائفا سلفوا # ولسوف يعوز بعدك الخلف # لا حاجة لي فيه، والله ولا يراني أبدا إلا في الطريق. ولم يعاقب الحسين على ما كان ~~من هجائه له وتعريضه به، وانحدر حسين إلى البصرة فأقام بها طول أيام المأمون. # قال أبو صالح بن الرشيد: دخلت يوما على المأمون ومعي بيتان للحسين بن الضحاك، فقلت: ~~يا أمير المؤمنين، أحب أن تسمع مني بيتين. فقال: أنشدهما. فأنشدتهما: # حمدنا الله شكرا إذ حبانا # بنصرك يا أمير المؤمنينا # فأنت خليفة الرحمن حقا # جمعت سماحة وجمعت دينا # فقال: لمن هذان البيتان؟ فقلت: لعبدك يا أمير المؤمنين حسين بن الضحاك. قال: قد أحسن. ~~فقلت: وله يا أمير المؤمنين أجود من هذا. فقال: وما هو؟ فأنشدته قوله: # أجرني فإني قد ظمئت إلى الوعد # متى تنجز الوعد المؤكد بالعهد # أعيذك من خلف الملوك وقد بدا # تقطع أنفاس عليك من الوجد # أيبخل فرد الحسن عني بنائل # قليل وقد أفردته ms950 بهوى فرد # رأى الله عبد الله خير عباده # فملكه والله أعلم بالعبد # ألا إنما المأمون للناس عصمة # مميزة بين الضلالة والرشد # فأطرق ساعة ثم قال: ما تطيب نفسي له بخير بعد ما قال في أخي محمد ما قال. # ومن قوله يرثي محمدا الأمين: # أطل حزنا وابك الإمام محمدا # بحزن وإن خفت الحسام المهندا # فلا تمت الأشياء بعد محمد # ولا زال شمل الملك منها مبددا # ولا فرح المأمون بالملك بعده # ولا زال في الدنيا طريدا مشردا # ولحسين في محمد الأمين مراث كثيرة جياد، وكان كثير التحقق به والموالاة له لكثرة ~~إفضاله عليه، وميله إليه، وتقديمه إياه، وبلغ من جزعه عليه أنه خولط فكان ينكر قتله لما ~~بلغه ويدفعه ويقول: إنه مستتر وأنه قد وقف على دعاته في الأمصار يدعون إلى مراجعة أمره ~~والوفاء ببيعته ضنا به وشفقة عليه. # ومن جيد مراثيه إياه قوله: # سألونا أن كيف نحن؟ فقلنا # من هوى نجمه فكيف يكون؟ # نحن قوم أصابنا حدث الده # ر فظلنا لريبه نستكين # نتمنى من الأمين إيابا # لهف نفسي وأين مني الأمين # ومن جيد قوله في مراثيه إياه: # أعزي يا محمد عنك نفسي # معاذ الله والأيدي الجسام # فهلا مات قوم لم يموتوا # ودوفع عنك لي يوم الحمام # كأن الموت صادف منك غنما # أو استشفى بقربك من سقام # وقال أيضا يرثيه: # يا خير أسرته وإن زعموا # إني عليك لمثبت أسف # الله يعلم أن لي كبدا # حري عليك ومقلة تكف # ولئن شجيت بما رزئت به # إني لأضمر فوق ما أصف # هلا بقيت لسد فاقتنا # أبدا وكان لغيرك التلف # فلقد خلفت خلائفا سلفوا # ولسوف يعوز بعدك الخلف # لا بات رهطك بعد هفوتهم # إني لرهطك بعدها شنف # 93 # هتكوا بحرمتك التي هتكت # حرم الرسول ودونها السجف # وثبت أقاربك التي خذلت # وجميعها بالذل معترف # لم يفعلوا بالشط إذ حضروا # ما تفعل الغيرانة الأنف # تركوا حريم أبيهم نفلا # والمحصنات صوارخ هتف # أبدت مخلخلها على دهش # أبكارهن ورنت النصف # سلبت معاجرهن # 94 # واجتليت # ذات النقاب ونوزع الشنف # فكأنهن خلال ms951 منتهب # در تكشف دونه الصدف # ملك تخون ملكه قدر # فوهى وصرف الدهر مختلف # هيهات بعدك أن يدوم لنا # عز وأن يبقى لنا شرف # لا هيبوا صحفا مشرفة # للغادرين تحتها الجدف # أفبعد عهد الله تقتله # والقتل بعد أمانة سرف # فستعرفون غدا بعاقبة # عز الإله فأوردوا وقفوا # يا من يخون نومه أرق # هدت الشجون وقلبه لهف # قد كنت لي أملا غنيت به # فمضى وحل محله الأسف # مرج النظام وعاد منكرنا # عرفا وأنكر بعدك العرف # فالشمل منتشر لفقدك وال # دنيا سدى والبال منكسف # وقال أيضا يرثيه: # إذا ذكر الأمين نعى الأمينا # وإن رقد الخلي حمى الجفونا # وما برحت منازل بين بصرى # وكلواذى تهيج لي شجونا # عراص الملك خاوية تهادى # بها الأرواح تنسجها فنونا # تخون عز ساكنها زمان # تلعب بالقرون الأولينا # فشتت شملهم بعد اجتماع # وكنت بحسن ألفتهم ضنينا # فلم أر بعدهم حسنا سواهم # ولم ترهم عيون الناظرينا # فوا أسفا وإن شمت الأعادي # وآه على أمير المؤمنينا # أضل العرف بعدك متبعوه # ورفه عن مطايا الراغبينا # وكن إلى جنابك كل يوم # يرحن على السعود ويغتدينا # هو الجبل الذي هوت المعالي # لهدته وريع الصالحونا # ستندب بعدك الدنيا جوارا # وتندب بعدك الدين المصونا # فقد ذهبت بشاشة كل شيء # وعاد الدين مطروحا مهينا # تعقد # 95 # عز متصل بكسرى # وملته وذل المسلمونا # وقال أيضا يرثيه: # أسفا عليك سلاك أقرب قربة # مني وأحزاني عليك تزيد # قال أبو العباس محمد بن يزيد الأزدي: حسين بن الضحاك أشعر المحدثين حيث يقول: # أي ديباجة حسن # هيجت لوعة حزني # إذ رماني القمر الزا # هر عن فترة جفن # بأبي شمس نهار # برزت في يوم دجن # قربتني بالمنى حت # ى إذا ما أخلفتني # تركتني بين ميعا # د وخلف وتجن # ما أرى في من الصب # وة إلا حسن ظني # إنما دامت على الغد # ر لما تعرف مني # أستعيذ الله من إعرا # ض من أعرض عني # لما ولي المعتصم أمر بمكاتبته بالقدوم عليه، فلما دخل وسلم استأذنه في الإنشاد، فأذن ~~له، فأنشده قوله: # هلا سألت تلذذ المشتاق # ومننت ms952 قبل فراقه بتلاق # إن الرقيب ليستريب تنفسا # صعدا إليك وظاهر الإقلاق # ولئن أربت لقد نظرت بمقلة # عبرى عليك سخينة الآماق # نفسي الفداء لخائف مترقب # جعل الوداع إشارة بعناق # إذ لا جواب لمفحم متحير # إلا الدموع تصان بالإطراق # حتى انتهى إلى قوله: # خير الوفود مبشر بخلافة # خصت ببهجتها أبا إسحاق # وافته في الشهر الحرام سليمة # من كل مشكلة وكل شقاق # أعطته صفقتها الضمائر طاعة # قبل الأكف بأوكد الميثاق # سكن الأنام إلى إمام سلامة # عف الضمير مهذب الأخلاق # فحمى رعيته ودافع دونها # وأجار مملقها من الإملاق # حتى أتمها، فقال له المعتصم: ادن مني. فدنا منه، فملأ فمه جوهرا من جوهر كان بين ~~يديه، ثم أمره بأن يخرجه من فمه، فأخرجه وأمر بأن ينظم ويدفع إليه ويخرج إلى الناس وهو ~~في يده، ليعلموا موقعه من رأيه، ويعرفوا فضله، فكان أحسن ما مدح به يومئذ. # ومن شعره قوله: # أمين الله ثق بالله # تعط الصبر والنصره # كل الأمر إلى الله # كلاك الله ذو القدره # لنا النصر بعون الله # والكرة لا الفره # وللمراق أعدا # ئك يوم السوء والدبره # وكأس تلفظ الموت # كريه طعمها مره # سقونا وسقيناهم # ولكن بهم الحره # كذاك الحرب أحيانا # علينا ولنا مره # ومن قوله في غضب حظية للواثق من زيارته أخرى في نوبتها: # غضبت أن زرت أخرى خلسة # فلها العتبى لدينا والرضا # يا فدتك النفس كانت هفوة # فاغفريها واصفحي عما مضى # واتركي العدل على من قاله # وانسبي جوري إلى حكم القضا # فلقد نبهتني من رقدتي # وعلى قلبي كنيران الغضا # كان الواثق يتحظى جارية له فماتت، فجزع عليها وترك الشراب أياما، ثم سلاها وعاد ~~إلى حاله، فدعا الحسين ليلة وقال له: رأيت فلانة في النوم فليت نومي كان طال قليلا ~~لأتمتع بلقائها، فقل في هذا شيئا. فقال: # ليت عين الدهر عنا غفلت # ورقيب الليل عنا رقدا # وأقام النوم في مدته # كالذي كان وكنا أبدا # بأبي زور تلفت له # فتنفست إليه الصعدا # بينما أضحك مسرورا به # إذ تقطعت عليه كبدا # لما أعيته الحيلة في رضا ms953 المأمون عنه رمى بأمره إلى عمرو بن مسعدة وكتب إليه: # أنت طودي من بين هذي الهضاب # وشهابي من دون كل شهاب # أنت يا عمرو قوتي وحياتي # ولساني وأنت ظفري ونابي # أتراني أنسى أياديك البي # ض إذا اسود نائل الأصحاب # أين أخلاقك الرضية حالت # في أم أين رقة الكتاب؟ # أنا في ذمة السحاب وأطما؟ # إن هذا لوصمة في السحاب # قم إلى سيد البرية عني # قومة تستجر حسن الخطاب # فلعل الإله يطفئ عني # بك نارا علي ذات التهاب # فلم يزل عمرو يلطف للمأمون حتى أوصله إليه وأدر أرزاقه. # ولما عفا المأمون عنه أمر بإحضاره، فلما حضر سلم، فرد عليه السلام ردا جافيا، ثم ~~أقبل عليه فقال: أخبرني عنك، هل عرفت يوم قتل أخي محمد هاشمية قتلت أو هتكت؟ قال: لا. ~~قال: فما معنى قولك: # وسرب ظباء من ذؤابة هاشم # هتفن بدعوى خير حي وميت # أرد يدا مني إذا ما ذكرته # على كبد حرى وقلب مفتت # فلا بات ليل الشامتين بغبطة # ولا بلغت آمالهم ما تمنت # فقال: يا أمير المؤمنين، لوعة غلبتني، وروعة فاجأتني، ونعمة فقدتها بعد أن غمرتني، ~~وإحسان شكرته فأنطقني، وسيد فقدته فأقلقني، فإن عاقبت فبحقك، وإن عطفت فبفضلك. فدمعت ~~عينا المأمون وقال: قد عفوت عنك، وأمرت بإدرار رزقك، وإعطائك ما فات منه، وجعلت عقوبتك ~~امتناعي من استخدامك. # ومن قوله: # وكالوردة الحمراء حيا بأحمر # من الورد يمشي في قراطق كالورد # له عبثات عند كل تحية # بعينيه تستدعي الحليم إلى الوجد # تمنيت أن أسقى بكفيه شربة # تذكرني ما قد نسيت من العهد # سقى الله دهرا لم أبت فيه ليلة # خليا ولكن من حبيب على وعد # ومن قوله: # وا بأبي مفحم لعزته # قلت له إذ خلوت مكتتما # تحب بالله من يخصك بال # ود فما قال لا ولا نعما # ثم تولى بمقلتي خجل # أراد رجع الجواب فاحتشما # فكنت كالمبتغي بحيلته # برءا من السقم فابتدا سقما # وقال في هوى له: # عالم بحبيه # مطرق من التيه # يوسف الجمال وفر # عون في تعديه # لا وحق ما أنا ms954 في # ه من عطف أرجيه # ما الحياة نافعة # لي على تأبيه # النعيم يشغله # والجمال يطغيه # فهو غير مكترث # للذي ألاقيه # تائه تزهده # في رغبتي فيه # ومن قوله في هوى له: # إن من لا أرى وليس يراني # نصب عيني ممثل بالأماني # بأبي من ضميره وضميري # أبدا بالمغيب ينتجيان # نحن شخصان إن نظرت ورو # حان إذا ما اختبرت يمتزجان # فإذا ما هممت بالأمر أو هم # بشيء بدأته وبداني # كان وفقا ما كان منه ومني # فكأني حكيته وحكاني # خطرات الجفون منا سواء # وسواء تحرك الأبدان # ومن قوله: # فديت من قال لي على خفره # وغض من جفنه على حوره # سمع بأشعارك المليح فما # ينفك شاد بها على وتره # حسبك بعض الذي أذعت ولا # حسب لصب لم يقض من وطره # وقلت يا مستعير سالفة ال # خشف وحسن الفتور من نظره # لا تنكرن الحبيب من طرب # عاود فيك الصبا على كبره # ومن قوله: # سائل بطيفك عن ليلي وعن سهري # وعن تتابع أنفاسي وعن فكري # لم يخل قلبي من ذكراك إذ نظرت # عيني إليك على صحوي ولا سكري # سقيا ليوم سروري إذ تنازعني # صفو المدامة بين الأنس والخفر # وفضل كأسك يأتيني فأشربه # جهرا وتشرب كأسي غير مستتر # وكيف أشمله لثمي وألزمه # نحري وترفعه كفي إلى بصري # فليت مدة يومي إذ مضى سلفا # كانت ومدة أيامي على قدر # حتى إذا ما انطوت عنا بشاشته # صرنا جميعا كذا جارين في الحفر # ومن قوله لهوى كان له: # تعز بيأس عن هواي فإنني # إذا انصرفت نفسي فهيهات عن ردي # إذا خنتم بالغيب ودي فمالكم # تدلون إدلال المقيم على العهد # ولي منك بد فاجتنبني مذمما # وإن خلت أني ليس لي منك من بد # لما ولي الواثق الخلافة أنشده حسين: # أكلتم وجدي فما ينكتم # بمن لو شكوت إليه رحم # وإني على حسن ظني به # لأحذر إن بحت أن يحتشم # ولي عند لحظته روعة # تحقق ما ظنه المتهم # وقد علم الناس أنى له # محب وأحسبه قد علم # وإني لمغض على لوعة # من الشوق في ms955 كبدي تضطرم # عشية ودعت عن مقلة # سفوح وزفرة قلب سدم # فما كان عند النوى مسعد # سوى العين تمزج دمعا بدم # سيذكر من بان أوطانه # ويبكي المقيمين من لم يقم # كتب إلى الحسن بن رجاء في يوم شك، وقد أمر الواثق بالإفطار، فقال: # هززتك للصبوح وقد نهاني # أمير المؤمنين عن الصيام # وعندي من قيان المصر عشر # تطيب بهن عاتقة المدام # ومن أمثالهن إذا انتشينا # ترانا نجتني ثمر الغرام # فكن أنت الجواب فليس شيء # أحب إلي من حذف الكلام # فوردت رقعته، وقد سبقه إليه محمد بن الحارث بن بسخنر ووجه إليه بغلام نظيف الوجه ~~ومعه ثلاثة غلمة أقران حسان الوجه، ومعهم رقعة كتبها كما تكتب المناشير، وختمها في ~~أسفلها وكتب فيها يقول: # سر على اسم الله يا أش # كل من غصن لجين # في ثلاث من بني الرو # م إلى دار حسين # أشخص الكهل إلى مو # لاك يا قرة عيني # أره العنف إذا استع # صى وطالبه بدين # ودع اللفظ وخاطب # ه بغمز الحاجبين # واحذر الرجعة من وج # هك في خفي حنين # فمضى معهم. # ومن قوله لمن أعرض عنه: # تتيه علينا أن رزقت ملاحة # فمهلا علينا بعض تيهك يا بدر # لقد طال ما كنا ملاحا وربما # صددنا وتهنا ثم غيرنا الدهر # وله في هوى حجب عنه: # ظن من لا كان ظن # بحبيبي فحماه # أرصد الباب رقيبي # ن له فاكتنفاه # فإذا ما اشتاق قربي # ولقائي منعاه # جعل الله رقيبي # ه من السوء فداه # والذي أقرح في الشا # دن قلبي ولواه # كل مشتاق إليه # فمن السوء فداه # سيما من حالت الأح # راس من دون مناه # أمره المتوكل بأن ينادمه ويلازمه، فلم يطق ذلك لكبر سنه، فقال للمتوكل بعض من حضر ~~عنده: هو يطيق الذهاب إلى القرى والمواخير والسكر فيها ويعجز عن خدمتك! فبلغه ذلك، فدفع ~~إلى أحمد بن حمدون أبياتا قالها وسأله إيصالها، فأوصلها إلى المتوكل، وهي: # أما في ثمانين وفيتها # عذير وإن أنا لم أعتذر # فكيف وقد جزتها صاعدا # مع الصاعدين بتسع أخر # وقد رفع ms956 الله أقلامه # عن ابن ثمانين دون البشر # سوى من أصر على فتنة # وألحد في دينه أو كفر # وإني لمن أسراء الإل # ه في الأرض نصب صروف القدر # فإن يقض لي عملا صالحا # أثاب وإن يقض شرا غفر # فلا تلح في كبر هدني # فلا ذنب لي أن بلغت الكبر # هو الشيب حل بعقب الشباب # فمن ذا يلوم إذا ما عذر # وإني لفي كنف مغدق # وعز بنصر أبي المنتصر # يباري الرياح بفضل السما # ح حتى تبلد أو تنحسر # له أكد الوحي ميراثه # ومن ذا يخالف وحي السور # وما للحسود وأشباهه # ومن كذب الحق إلا الحجر # فلما أوصلها شيعها بكلام يعذره وقال: لو أطاق خدمة أمير المؤمنين لكان أسعد بها! فقال ~~المتوكل: صدقت. وأمر له بعشرين ألف درهم. ~~(5) محمد بن عبد الملك الزيات # 96 # كان محمد شاعرا مجيدا لا يقاس به أحد من الكتاب، وإن كان إبراهيم بن العباس مثله ~~في ذلك، فإن إبراهيم مقل وصاحب قصار ومقطعات. وكان محمد شاعرا يطيل فيجيد، ويأتي ~~بالقصار فيجيد؛ وكان بليغا حسن اللفظ إذا تكلم وإذا كتب. # ولما تولى محمد الوزارة اشترط ألا يلبس القباء، وأن يلبس الدراعة ويتقلد عليها سيفا ~~بحمائل، فأجيب إلى ذلك. # وكان يقول: الرحمة خور في الطبيعة، وضعف في المنة، ما رحمت شيئا قط؛ فكانوا يطعنون ~~عليه في دينه بهذا القول، فلما وضع في الثقل والحديد قال: ارحموني! فقالوا له: وهل رحمت ~~شيئا قط فترحم؟ هذه شهادتك على نفسك وحكمك عليها. # لما ماتت أم ابنه عمرو رثاها بقصيدة منها: # يقول لي الخلان لو زرت قبرها # فقلت وهل غير الفؤاد لها قبر # على حين لم أحدث فأجهل قبرها # ولم أبلغ السن التي معها الصبر # ومن شعره قوله: # ما أعجب الشيء ترجوه فتحرمه # قد كنت أحسب أني قد ملأت يدي # ما لي إذا غبت لم أذكر بصالحة # وإن مرضت فطال السقم لم أعد # ومن شعره قوله: # ألم تعجب لمكتئب حزين # خدين صبابة وحليف صبر # يقول إذا سألت به بخير # وكيف يكون مهجور بخير # وكان ms957 لمحمد برذون أشهب لم ير مثله فراهة وحسنا، فسعى به محمد بن خالد إلى المعتصم ~~ووصف له فراهته، فبعث إليه المعتصم فأخذه منه، فقال محمد بن عبد الملك يرثيه: # كيف العزاء وقد مضى لسبيله # عنا فودعنا الأحم الأشهب # دب الوشاة فأبعدوك وربما # بعد الفتى وهو الأحب الأقرب # لله يوم نأيت عني ظاعنا # وسلبت قربك أي علق أسلب # نفس مفرقة أقام فريقها # ومضى لطيته فريق يجنب # فالآن إذ كملت أداتك كلها # ودعا العيون إليك لون معجب # واختير من سر الحدائد خيرها # لك خالصا ومن الحلي الأغرب # وغدوت طنان اللجام كأنما # في كل عضو منك صنج يضرب # وكأن سرجك إذ علاك غمامة # وكأنما تحت الغمامة كوكب # ورأى علي بك الصديق جلالة # وغدا العدو وصدره يتلهب # أنساك لا زالت إذا منيته # نفسي ولا زالت يميني تنكب # أضمرت منك اليأس حين رأيتني # وقوى حبالي من قواك تقضب # ورجعت حين رجعت منك بحسرة # لله ما فعل الأحم الأشهب # ولما وثب إبراهيم بن المهدي على الخلافة اقترض من مياسير التجار مالا، فأخذ من عبد ~~الملك أبي محمد عشرة آلاف درهم وقال له: أنا أردها إذا جاءني مال. ولم يتم أمره، ~~فاستخفى ثم ظهر ورضي عنه المأمون، فطالبه الناس بأموالهم، فقال: إنما أخذتها للمسلمين ~~وأردت قضاءها من فيئهم، والأمر الآن إلى غيري. فعمل محمد بن عبد الملك قصيدة خاطب فيها ~~المأمون ومضى إلى إبراهيم بن المهدي فأقرأه إياها وقال: والله لئن لم تعطني المال الذي ~~اقترضته من أبي لأوصلن هذه القصيدة إلى المأمون! فخاف أن يقرأها المأمون فيتدبر ما ~~قاله، فيوقع به ، فقال له: خذ مني بعض المال ونجم على بعضه. ففعل؛ والقصيدة ~~قوله: # ألم تر أن الشيء للشيء علة # تكون له كالنار تقدح بالزند # كذلك جربت الأمور وإنما # يدلك ما قد كان قبل على البعد # وظني بإبراهيم أن مكانه # سيبعث يوما مثل أيامه النكد # رأيت حسينا حين صار محمد # بغير أمان في يديه ولا عقد # فلو كان أمضى السيف فيه بضربة # فصيره بالقاع منعفر الخد # إذا ms958 لم تكن للجند فيه بقية # فقد كان ما بلغت من خبر الجند # هم قتلوه بعد أن قتلوا له # ثلاثين ألفا من كهول ومن مرد # وما نصروه عن يد سلفت له # ولا قتلوه يوم ذلك عن حقد # ولكنه الغدر الصراح وخفة ال # حلوم وبعد الرأي عن سنن القصد # فذلك يوم كان للناس عبرة # سيبقى بقاء الوحي في الحجر الصلد # وما يوم إبراهيم إن طال عمره # بأبعد في المكروه من يومه عندي # تذكر أمير المؤمنين مقامه # وأيمانه في الهزل منه وفي الجد # أما والذي أمسيت عبدا خليفة # له شر إيمان الخليفة والعبد # إذا هز أعواد المنابر باسته # تغنى بليلى أو بمية أو هند # فوالله ما من توبة نزعت به # إليك ولا ميل إليك ولا ود # ولكن إخلاص الضمير مقرب # إلى الله زلفى لا تبيد ولا تكدي # أتاك بها كرها إليك بأنفه # على رغمه واستأثر الله بالحمد # فلا تتركن للناس موضع شبهة # فإنك مجزي بحسب الذي تسدي # فقد غلطوا للناس في نصب مثله # ومن ليس للمنصور بابن ولا المهدي # فكيف بمن قد بايع الناس والتقت # ببيعته الركبان غورا إلى نجد # ومن سك تسليم الخلافة سمعه # ينادى به بين السماطين من بعد # وأي امرئ سمى بها قط نفسه # ففارقها حتى يغيب في اللحد # وتزعم هذي النابتية أنه # إمام لها فيما تسر وما تبدي # يقولون سني وأية سنة # تنم بصعل الرأس جون القفا جعد # وقد جعلوا رخص الطعام بعهده # زعيما له باليمن والكوكب السعد # إذا ما رأوا يوما غلاء رأيتهم # يحنون تحنانا إلى ذلك العهد # وإقباله في العيد يوجف حوله # وجيف الجياد واصطكاك القنا الجرد # ورجالة يمشون بالبيض قبله # وقد تبعوه بالقضيب وبالبرد # فإن قلت قد رام الخلافة قبله # فلم يؤت فيما كان حاول من جد # فلم أجزه إذ خيب الله سعيه # على خطأ إذ كان منه على عمد # ولم أرض بعد العفو حتى رفعته # وللعم أولى بالتغمد والرفد # فليس سواء خارجي رمى به # إليك سفاه الراي والرأي قد يردي # تعادت له من كل أوب ms959 عصابة # متى يوردوا لا يصدروه عن الورد # ومن هو في بيت الخلافة تلتقي # به وبك الآباء في ذروة المجد # فمولاك مولاه وجندك جنده # وهل يجمع القين الحسامين في غمد # وقد رابني من أهل بيتك أنني # رأيت لهم وجدا به أيما وجد # يقولون لا تبعد من ابن ملمة # صبور على اللأواء ذي مرة جلد # فدانا وهانت نفسه دون ملكنا # عليه لدى الحال التي قل من يفدي # على حين أعطى الناس صفق أكفهم # علي بن موسى بالولاية والعهد # فما كان فينا من أبى الضيم غيره # كريم كفى ما في القبول وفي الرد # وجرد إبراهيم للموت نفسه # وأبدى سلاحا فوق ذي ميعة نهد # وأبلى ومن يبلغ من الأمر جهده # فليس بمذموم وإن كان لم يجد # فهذي أمور قد يخاف ذوو النهى # مغبتها والله يهديك للرشد # وكانت الخلافة في أيام الواثق تدور على إيتاخ وكاتبه سليمان بن وهب، وعلى أشناس ~~وكاتبه أحمد بن الخصيب، فعمل محمد بن عبد الملك قصيدة وأوصلها إلى الواثق على أنها لبعض ~~أهل العسكر، وهي: # يا بن الخلائف والأملاك إن نسبوا # حزت الخلافة عن آبائك الأول # أجرت أم رقدت عيناك عن عجب # فيه البرية من خوف ومن وهل # وليت أربعة أمر العباد معا # وكلهم حاطب في حبل محتبل # هذا سليمان قد ملكت راحته # مشارق الأرض من سهل ومن جبل # ملكته السند فالشحرين من عدن # إلى الجزيرة فالأطراف من ملل # خلافة قد حواها وحده فمضت # أحكامه في دماء القوم والنفل # وابن الخصيب الذي ملكت راحته # خلافة الشأم والغازين والقفل # فنيل مصر فبحر الشأم قد جريا # بما أراد من الأموال والحلل # كأنهم في الذي قسمت بينهم # بنو الرشيد زمان القسم للدول # حوى سليمان ما كان الأمين حوى # من الخلافة والتبليغ للأمل # وأحمد بن خصيب في إمارته # كالقاسم بن الرشيد الجامع السبل # أصبحت لا ناصح يأتيك مستترا # ولا علانية خوفا من الحيل # سل بيت مالك أين المال تعرفه # وسل خراجك عن أموالك الجمل # كم في حبوسك ممن لا ذنوب لهم # أسرى التكذب في ms960 الأقياد والكبل # سميت باسم الرشيد المرتضى فبه # تسمى الأمور التي تنجي من الزلل # عث فيهم مثل ما عاثت يداه معا # على البرامك بالتهديم للقلل # فلما قرأ الواثق هذا الشعر غاظه، ونكب سليمان بن وهب وأحمد بن الخصيب، وأخذ منهما ومن ~~أسبابهما ألفي ألف دينار فجعلها في بيت المال. ~~(6) ابن البواب # 97 # لما أتي المأمون بشعر ابن البواب الذي يقول فيه: # أيبخل فرد الحسن فرد صفاته # علي وقد أفردته بهوى فرد # رأى الله عبد الله خير عباده # فملكه والله أعلم بالعبد # ألا إنما المأمون للناس عصمة # مميزة بين الضلالة والرشد # فقال المأمون: أليس هو القائل: # أعيني جودا وابكيا لي محمدا # ولا تذخرا دمعا عليه وأسعدا # فلا فرح المأمون بالملك بعده # ولا زال في الدنيا شريدا مطردا # واحدة بواحدة، ولم يصله بشيء. ولما سخط عليه قال قصيدة يمدحه بها، ودس من غناه في ~~بعضها لما وجد منه نشاطا، فسأل: من قائلها؟ فأخبر به، فرضي عنه ورده إلى رسمه من ~~الخدمة، وهي: # هل للمحب معين # إذ شط عنه القرين # فليس يبكي لشجو ال # حزين إلا الحزين # يا ظاعنا غاب عنا # غداة بان القطين # أبكى العيون وكانت # به تقر العيون # يا أيها المأمون ال # مبارك الميمون # لقد صفت بك دنيا # للمسلمين ودين # عليك نور جلال # ونور ملك مبين # القول منك فعال # والظن منك يقين # ما من يديك شمال # كلتا يديك يمين # كأنما أنت في الجو # د والتقى هارون # من نال من كل فضل # ما ناله المأمون # تألف الناس منه # فضل وجود ولين # كالبدر يبدو عليه # سكينة وسكون # فالرزق من راحتيه # مقسم مضمون # وكل خصلة فضل # كانت فمنه تكون # ومما يغنى فيه قوله: # أفق أيها القلب المعذب كم تصبو؟ # فلا النأي عن سلماك يسلي ولا القرب # أقول غداة استخبرت مم علتي؟ # من الحب كرب ليس يشبهه كرب # إذا أبصرتك العين من بعد غاية # فأدخلت شكا فيك أثبتك القلب # ولو أن ركبا يمموك لقادهم # نسيمك حتى يستدل بك الركب # أملق ابن البواب حين جفاه الخليفة وعلت ms961 سنه عن الخدمة، فرحل إلى أبي دلف القاسم بن ~~عيسى ومدحه بقصيدة، فوهب له ثلاثين ألف درهم وعاد بها إلى بغداد، فما نفدت حتى مات؛ وهي ~~قوله: # طرقتك صائدة القلوب رباب # ونأت فليس لها إليك مآب # وتصرمت منها العهود وغلقت # من دون نيل طلابها الأبواب # فلأصدفن عن الهوى وطلابه # فالحب فيه بلية وعذاب # وأخص بالمدح المهذب سيدا # نفحاته للمجتدين رغاب # وإلى أبى دلف رحلت مطيتي # قد شفها الإرقال # 98 # والإتعاب # تعلو بنا قلل الجبال ودونها # مما هوت أهوية وشعاب # فإذا حللت لدى الأمير بأرضه # نلت المنى وتقضت الآراب # ملك تأثل عن أبيه وجده # مجدا يقصر دونه الطلاب # وإذا وزنت قديم ذي حسب به # خضعت لفضل قديمه الأحساب # قوم علوا أملاك كل قبيلة # فالناس كلهم له أذناب # ضربت عليه المكرمات قبابها # فعلا العمود وطالت الأطناب # عقم النساء بمثله وتعطلت # من أن تضمن مثله الأصلاب ~~(7) الخريمي # كان متصلا بمحمد بن منصور بن زياد كاتب البرامكة، # 99 # وله فيه مدائح جياد، ثم رثاه بعد موته، فقيل له: يا أبا يعقوب، مدائحك لآل ~~منصور بن زياد أحسن من مراثيك وأجود. فقال: كنا يومئذ نعمل على الرجاء، ونحن اليوم نعمل ~~على الوفاء، وبينهما بون بعيد. # وهو القائل في عينيه: # أصغي إلى قائدي ليخبرني # إذا التقينا عمن يحييني # أريد أن أعدل السلام وأن # أفصل بين الشريف والدون # أسمع ما لا أرى فأكره أن # أخطئ والسمع غير مأمون # لله عيني التي فجعت بها # لو أن دهرا بها يواتيني # لو كنت خيرت ما أخذت بها # تعمير نوح في ملك قارون # حق أخلائي أن يعودوني # وأن يعزوا عني ويبكوني # وهو القائل: # إذا ما مات بعضك فابك بعضا # فإن البعض عن بعض قريب # يمنيني الطبيب شفاء عيني # وهل غير الإله لها طبيب # وقال يذكر بغداد والفتنة التي كانت بها: # قالوا ولم يلعب الزمان ببغ # داد وتعثر بها عواثرها # إذ هي مثل العروس بادئها # مهول للفتى وحاضرها # جنة دنيا ودار مغبطة # قل من النائبات وائرها # 100 # درت خلوف الدنيا لساكنها # وقل ms962 معسورها وعاسرها # وانفرجت بالنعيم وانتجعت # فيها بلذاتها حواضرها # فالقوم منها في روضة أنف # أشرق غب القطار زاهرها # من غره العيش في بلهنية # لو أن دنيا يدوم عامرها # دار ملوك رست قواعدها # فيها وقرت بها منابرها # أهل العلا والثرى وأندية ال # فخر إذا عددت مفاخرها # أفراخ نعمى في إرث مملكة # شد عراها لها أكابرها # فلم يزل والزمان ذو غير # يقدح في ملكها أصاغرها # حتى تساقت كأسا مثملة # من فتنة لا يقال عاثرها # وافترقت بعد ألفة شيعا # مقطوعة بينها أواصرها # يا هل رأيت الأملاك ما صنعت # إذ لم يزعها بالنصح زاجرها # أورد أملاكنا نفوسهم # هوة غي أعيت مصادرها # ما ضرها لو وفت بموثقها # واستحكمت في التقى بصائرها # ولم تسافك دماء شيعتها # وتبتعل فتية تكابرها # وأقنعتها الدنيا التي جمعت # لها ورغب النفوس ضائرها # ما زال حوض الأملاك [...] # مسجورها بالهوى وساجرها # تبقي فضول الدنيا مكاثرة # حتى أبيحت كرها ذخائرها # تبيع ما جمع الأبوة لل # أبناء لا أربحت متاجرها # يا هل رأيت الجنان زاهرة # يروق عين البصير زاهرها # وهل رأيت القصور شارعة # تكن مثل الدمى مقاصرها # وهل رأيت القرى التي غرس ال # أملاك مخضرة دساكرها # محفوفة بالكروم والنخل وال # ريحان قد دميت محاجرها # 101 # فإنها أصبحت خلايا من ال # إنسان قد دميت محاجرها # 102 # قفرا خلاء تعوي الكلاب بها # ينكر منها الرسوم داثرها # وأصبح البؤس ما يفارقها # إلفا لها والسرور هاجرها # بزند ورد والياسرية وال # شطين حيث انتهت معابرها # وبالرحى والخيزرانية ال # عليا التي أشرفت قناطرها # وقصر عبدويه عبرة وهدى # لكل نفس زكت سرائرها # فأين حراسها وحارسها # وأين مجبورها وجابرها # وأين خصيانها وحشوتها # وأين سكانها وعامرها # أين الجرادية الصقالب وال # أحبش تعدو هدلا مشافرها # ينصدع الجند عن مواكبها # تعدو بها سربا ضوامرها # بالسند والهند والصقالب وال # نوبة شيبت بها برابرها # طيرا أبابيل أرسلت عبثا # يقدم سودانها أحامرها # أين الظباء الأبكار في روضة ال # ملك تهادى بها غرائرها # أين غضاراتها ولذتها # وأين محبورها وحابرها # بالمسك والعنبر اليماني وال # يلنجوج مشبوبة مجامرها # يرفلن في الخز والمجاسد وال ms963 # موشي مخطومة مزامرها # فأين رقاصها وزامرها # يجبن حيث انتهت حناجرها # تكاد أسماعهم تسل إذا # عارض عيدانها مزاهرها # أمست كجوف الحمار خالية # يسعرها بالجحيم ساعرها # كأنما أصبحت بساحتهم # عاد ومستهم صراصرها # لا تعلم النفس ما يبايتها # من حادث الدهر أو يباكرها # تضحى وتمسي درية غرضا # حيث استقرت بها شراشرها # لأسهم الدهر وهو يرشقها # محنطها مرة وباقرها # يابؤس بغداد دار مملكة # دارت على أهلها دوائرها # أمهلها الله ثم عاقبها # لما أحاطت بها كبائرها # بالخسف والقذف والحريق وبال # حرب التي أصبحت تساورها # كم قد رأينا من المعاصي بها # كالعاهر السوء ... # حلت ببغداد وهي آمنة # داهية لم تكن تحاذرها # طالعها السوء من مطالعه # وأدركت أهلها جرائرها # رق بها الدين واستخف بذي ال # فضل وعز النساك فاجرها # وخطم العبد أنف سيده # بالرغم واستعبدت مخادرها # وصار رب الجيران فاسقهم # وابتز أمر الدروب ذاعرها # من ير بغداد والجنود بها # قد ربقت حولها عساكرها # كل طحون شهباء باسلة # تسقط أحبالها زماجرها # تلقى بغي الردى أوانسها # يرهقها للقاء طاهرها # والشيخ يعدو حزما كتائبه # يقدم أعجازها يعاورها # ولزهير بالقول مأسدة # مرقومة صلبة مكاسرها # كتائب الموت تحت ألوية # أبرح منصورها وناصرها # يعلم أن الأقدار واقعة # وقعا على ما أحب قادرها # فتلك بغداد ما يبن من ال # دله في دورها عصافرها # محفوفة بالردى منطقة # بالصقر محصورة جبابرها # وبين شط الفرات منه إلى # دجلة حيث انتهت معابرها # كهادي السفراء نافره # تركض من حولها أشاقرها # يحرقها ذا وذاك يهدمها # ويشتفي بالنهاب شاطرها # والكرخ أسواقها معطلة # يستن عيارها وعائرها # أخرجت الحرب من سواقطها # آساد غيل غلبا تساورها # من البوارى تراسها ومن ال # خوص إذا استلأمت مغافرها # تغدو إلى الحرب في جواشنها ال # صوف إذا ما عدت أساورها # كتائب الهرش تحت رايته # ساعد طرارها مقامرها # لا الرزق تبغي ولا العطاء ولا # يحشرها للقاء حاشرها # في كل درب وكل ناحية # خطارة يستهل خاطرها # بمثل هام الرجال من فلق ال # صخر يزود المقلاع بائرها # كأنما فوق هامها عدف # من القطا الكدر هاج نافرها # والقوم من تحتها لهم زجل ms964 # وهي ترامى بها خواطرها # بل هل رأيت السيوف مصلتة # أشهرها في الأسواق شاهرها # والخيل تستن في أزقتها # بالترك مسنونة خناجرها # والنفط والنار في طرائقها # وهابيا للدخان عامرها # والنهب تعدو به الرجال وقد # أبدت خلاخيلها حرائرها # معصوصبات وسط الأزقة قد # أبرزها للعيون ساترها # كل رقود الضحى مخبأة # لم تبد في أهلها محاجرها # بيضة خدر مكنونة برزت # للناس منشورة غدائرها # تعثر في ثوبها وتعجلها # كبة خيل زيعت حوافرها # تسأل أين الطريق والهة # والنار من خلفها تبادرها # لم تجتل الشمس حسن بهجتها # حتى اجتلتها حرب تباشرها # يا هل رأيت الثكلى مولولة # في الطرق تسعى والجهد باهرها # في إثر نعش عليه واحدها # في صدره طعنة يساورها # فرغاء تلقي النثار من يدها # 103 # يهزها بالسنان شاجرها # تنظر في وجهه وتهتف بال # ثكل وعز الدموع خامرها # غرغر بالنفس ثم أسلمها # مطلولة لا يخاف ثائرها # وقد رأيت الفتيان في عرصة ال # معرك معفورة مناخرها # كل فتى مناع حقيقته # تشقى به في الوغى مساعرها # باتت عليه الكلاب تنهشه # مخضوبة من دم أظافرها # أما رأيت الخيول جائلة # بالقوم منكوبة دوائرها # تعثر بالأوجه الحسان من ال # قتلى وغلت دما أشاعرها # يطأن أكباد فتية نجد # يفلق هاماتهم حوافرها # أما رأيت النساء تحت المجا # نيق تعادى شعثا ضفائرها # عقائل القوم والعجائز وال # عنس لم تختبر معاصرها # يحملن قوتا من الطحين على ال # أكتاف معصوبة معاجرها # وذات عيش ضنك ومقعسة # تشدخها صخرة تعاورها # تسأل عن أهلها وقد سلبت # وابتز عن رأسها غفائرها # يا ليت ما والدهر ذو دول # ترجى وأخرى تخشى بوادرها # هل ترجعن أرضنا كما غنيت # وقد تناهت بنا مصايرها # من مبلغ ذا الرياستين رسا # لات تأتى للنصح شاعرها # بأن خير الولاة قد علم الن # اس إذا عددت مآثرها # خليفة الله من بريته ال # مأمون سائسها وجابرها # سمت إليه آمال أمته # منقادة برها وفاجرها # شاموا حيا العدل من مخايله # وأصحرت بالتقى بصائرها # وأحمدوا منك سيرة جلت ال # شك وأخرى صحت معاذرها # واستجمعت طاعة برفقك لل # مأمون نجديها وغائرها # وأنت سمع في العالمين ms965 له # ومقلة ما يكل ناظرها # فاشكر لذي العرش فضل نعمته # أوجب فضل المزيد شاكرها # واحذر فداء لك الرعية وال # أجناد مأمورها وآمرها # لا تردن غمرة بنفسك لا # يصدر عنها بالرأي صادرها # عليك ضحضاحها فلا تلج ال # غمر ملتجة زواخرها # والقصد إن الطريق ذو شعب # أشأمها وعثها وجائرها # أصبحت في أمة أوائلها # قد فارقت هديها أواخرها # وأنت سرسورها وسائسها # فهل على الحق أنت قاسرها # أدب رجالا رأيت سيرتهم # خالف حكم الكتاب سائرها # وامدد إلى الناس كف مرحمة # تسد منهم بها مفاقرها # أمكنك العدل إذ هممت به # ووافقت مده مقادرها # وأبصر الناس قصد وجههم # وملكت أمة أخايرها # تشرع أعناقنا إليك إذا الس # ادات يوما جمت عشائرها # كم عندنا من نصيحة لك في الله # وقربى عزت زوافرها # وحرمة قربت أواصرها # منك وأخرى هل أنت ذاكرها # سعي رجال في العلم مطلبهم # رائحها باكر وباكرها # دونك غراء كالوذيلة لا # تفقد في بلدة سوائرها # لا طمعا قلتها ولا بطرا # لكل نفس نفس تؤامرها # سيرها الله بالنصيحة وال # خشية فاستدمجت مرائرها # جاءتك تحكي لك الأمور كما # ينشر بز التجار ناشرها # حملتها صاحبا أخا ثقة # يظل عجبا بها يحاضرها # ومن جيد شعره قوله: # الناس أخلاقهم شتى وإن جبلوا # على تشابه أرواح وأجساد # للخير والشر أهل وكلوا بهما # كل له من دواعي نفسه هاد # منهم خليل صفاء ذو محافظة # أرسى الوفاء أواخيه بأوتاد # ومشعر الغدر محني أضالعه # على سريرة غمر غلها باد # مشاكس خدع جم غوائله # يبدي الصفاء ويخفي ضربة الهادي # يأتيك بالبغى في أهل الصفاء ولا # ينفك يسعى بإصلاح لإفساد # ومن جيد شعر الخريمي قوله: # أضاحك ضيفي قبل إنزال رحله # ويخصب عندي والمحل جديب # وما الخصب للأضياف أن يكثر القرى # ولكنما وجه الكريم خصيب # ومن جيد شعره قوله: # زاد معروفك عندي عظما # أنه عندك محقور صغير # وتناسيه كأن لم تأته # وهو عند الناس مشهور كبير # وهو القائل: # وإن أشد الناس في الحشر حسرة # لمورث مال غيره وهو كاسبه # كفى سفها بالكهل أن يتبع الصبا # وأن يأتي الأمر الذي ms966 هو عائبه # ويستجاد له قوله: # ودون الندى في كل قلب ثنية # لها مصعد وعر ومنحدر سهل # وود الفتى في كل نيل ينيله # إذا ما انقضى لو أن نائله جزل # وأعلم علما ليس بالظن أنه # لكل أناس من ضرائبهم شكل # وأن أخلاء الزمان غناؤهم # قليل إذا الإنسان زلت به النعل # تزود من الدنيا متاعا لغيرها # فقد شمرت حذاء وانصرم الحبل # وهل أنت إلا هامة اليوم أو غد # لكل أناس من طوارقها الثكل # وفي هذا الشعر يقول: # أبا لصغد بأس إذ تعيرني جمل # سفاها ومن أخلاق جارتي الجهل # فإن تفخري يا جمل أو تتجملي # فلا فخر إلا فوقه الدين والعقل # أرى الناس شرعا في الحياة ولا يرى # لقبر على قبر علاء ولا فضل # وما ضرني أن لم تلدني يحابر # ولم تشتمل جرم علي ولا عكل # وهو القائل: # ما أحسن الغيرة في حينها # وأقبح الغيرة في كل حين # من لم يزل متهما عرسه # مناصبا فيها لريب الظنون # أوشك أن يغريها بالذي # يخاف أن يبرزها للعيون # حسبك من تحصينها وضعها # منك إلى عرض صحيح ودين # لا تطلع منك على ريبة # فيتبع المقرون حبل القرين ~~(8) عبد الله بن طاهر # كان بمحل من علو المنزلة وعظم القدر ولطف مكان من الخلفاء، يستغنى به عن التقريظ له ~~والدلالة عليه، وأمره في ذلك مشهور عند الخاصة والعامة، وله في الأدب مع ذلك المحل الذي ~~لا يدفع، وفي السماحة والشجاعة ما لا يقاربه فيه أحد. # 104 # وكان أديبا ظريفا جيد الغناء، نسب إليه صاحب الأغاني أصواتا كثيرة أحسن فيها ~~ونقلها أهل الصنعة عنه، وله شعر رائع ورسائل ظريفة، فمن شعره قوله: # نحن قوم تليننا الحدق النج # ل على أننا نلين الحديدا # طوع أيدي الظباء تقتادنا العي # ن ونقتاد بالطعان الأسودا # نملك الصيد ثم تملكنا البي # ض المصونات أعينا وخدودا # تتقي سخطنا الأسود ونخشى # سخط الخشف حين يبدي الصدودا # فترانا يوم الكريهة أحرا # را وفي السلم للغواني عبيدا # أعطاه المأمون مال مصر لسنة، خراجها وضياعها، فوهبه كله وفرقه في الناس ms967 ورجع صفرا من ~~ذلك، فغاظ المأمون فعله، فدخل إليه يوم مقدمه، فأنشده أبياتا قالها في هذا المعنى، ~~وهي: # نفسي فداؤك والأعناق خاضعة # للنائبات أبيا غير مهتضم # إليك أقبلت من أرض أقمت بها # حولين بعدك في شوق وفي ألم # أقفو مساعيك اللائي خصصت بها # حذو الشراك على مثل من الأدم # فكان فضلي فيها أنني تبع # لما سننت من الإنعام والنعم # ولو وكلت إلى نفسي عنيت بها # لكن بدأت فلم أعجز ولم ألم # فضحك المأمون وقال: والله ما نفست عليك مكرمة نلتها، ولا أحدوثة حسن عندك ذكرها، ~~ولكن هذا شيء إذا عودته نفسك افتقرت، ولم تقدر على لم شعثك وإصلاح حالك. وزال ما كان في ~~نفسه. # لما فتح عبد الله مصر سوغه المأمون خراجها، فصعد المنبر فلم يزل حتى أجاز بها كلها ~~ثلاثة آلاف ألف دينار أو نحوها، فأتاه معلى الطائي وقد أعلموه ما صنع بالناس في ~~الجوائز وكان عليه واجدا، فوقف بين يديه تحت المنبر فقال: أصلح الله الأمير، أنا ~~معلى الطائي، وقد بلغ مني ما كان منك من جفاء وغلظ، فلا يغلظن علي قلبك، ولا ~~يستخفنك الذي بلغك، أنا الذي أقول: # يا أعظم الناس عفوا عند مقدرة # وأظلم الناس عند الجود للمال # لو أصبح النيل يجري ماؤه ذهبا # لما أشرت إلى خزن بمثقال # تغلي بما فيه رق الحمد تملكه # وليس شيء أعاض الحمد بالغالي # تفك باليسر كف العسر من زمن # إذا استطال على قوم بإقلال # لم تخل كفك من جود لمختبط # ومرهف قاتل في رأس قتال # وما بثثت رعيل الخيل في بلد # إلا عصفن بأرزاق وآجال # إن كنت منك على بال مننت به # فإن شكرك من قلبي على بال # ما زلت مقتضبا لولا مجاهرة # من ألسن خضن في صدري بأقوال # فضحك عبد الله وسر بما كان منه وقال: يا أبا السمراء، أقرضني عشرة آلاف دينار فما ~~أمسيت أملكها. فأقرضه فدفعها إليه. # كان موسى بن خاقان مع عبد الله بن طاهر بمصر، وكان نديمه وجليسه، وكان له مؤثرا ~~مقدما، فأصاب منه ms968 معروفا كثيرا وأجازه بجوائز سنية هناك وقبل ذلك، ثم إنه وجد عليه ~~في بعض الأمر فجفاه وظهر له منه بعض ما لم يحبه، فرجع حينئذ إلى بغداد وقال: # إن كان عبد الله خلانا # لا مبدئا عرفا وإحسانا # فحسبنا الله رضينا به # ثم بعبد الله مولانا # يعني به المأمون، وغنت فيه جاريته وسمعه المأمون، فاستحسنه ووصله وإياها، فبلغ ذلك ~~عبد الله بن طاهر، فغاظه ذلك وقال: أجل! صنعنا المعروف إلى غير أهله فضاع. # ولعبد الله ألحان صاغها، فمنها ومن مختارها وصدورها ومقدمها لحنه في شعر أخت عاصية، ~~فإنه صوت نادر جيد صحيح العمل مزدوج النغم، بين لين وشدة على رسم الحذاق من القدماء، ~~وهو: # هلا سقيتم بني سهم أسيركم # نفسي فداؤك من ذي غلة صادي # الطاعن الطعنة النجلاء يتبعها # مضرج بعد ما جادت بإزباد # ومن غنائه أيضا: # راح صحبي وعاود القلب داء # من حبيب طلابه لي عناء # حسن الرأي والمواعيد لا يل # فى لشيء مما يقول وفاء # من تعزى عمن يحب فإني # ليس لي ما حييت عنه عزاء ~~(9) ما قيل في هجاء الأمين ورثائه # قيل في هجائه: # لم نبكيك لماذا للطرب # يا أبا موسى وترويح اللعب # ولترك الخمس في أوقاتها # حرصا منها على ماء العنب # وشنيف أنا لا أبكي له # وعلى كوثر لا أخشى العطب # لم تكن تعرف ما حد الرضا # لا ولا تعرف ما حد الغضب # لم تكن تصلح للملك ولم # تعطك الطاعة بالملك العرب # أيها الباكي عليه لا بكت # عين من أبكاك إلا للعجب # لم نبكيك لما عرضتنا # للمجانيق وطورا للسلب # ولقوم صيرونا أعبدا # لهم يبدو على الرأس الذنب # في عذاب وحصار مجهد # سدد الطرق فلا وجه طلب # زعموا أنك حي حاشر # كل من قد قال هذا قد كذب # ليت من قد قاله في وحدة # من جميع ذاهب حيث ذهب # أوجب الله علينا قتله # فإذا ما أوجب الأمر وجب # كان والله علينا فتنة # غضب الله عليه وكتب # وقال عبد الرحمن بن أبي الهداهد يرثيه: # يا غرب جودي قد بت ms969 من وذمه # فقد فقدنا الغزير من ديمه # ألوت بدنياك كف نائبة # وصرت مغضى لنا على نقمه # أصبح للموت عندنا علم # يضحك سن المنون من علمه # ما استنزلت درة المنون على # أكرم من حل في ثرى رحمه # خليفة الله في بريته # تقصر أيدي الملوك عن شيمه # يفتر عن وجهه سنا قمر # ينشق عن نوره دجى ظلمه # زلزلت الأرض من جوانبها # إذ أولغ السيف من نجيع دمه # من سكتت نفسه لمصرعة # من عمم الناس أو ذوي رحمه # رأيته مثل ما رآه به # حتى تذوق الأمر من سقمه # كم قد رأينا عزيز مملكة # ينقل عن أهله وعن خدمه # يا ملكا ليس بعده ملك # لخاتم الأنبياء في أممه # جاد وحي الذي أقمت به # سح غزير الوكيف من ديمه # لو أحجم الموت عن أخي ثقة # أسوي في العز مستوى قدمه # أو ملك لا ترام سطوته # إلا مرام الشتيم في أجمه # خلدك العز ما سرى سدف # أو قام طفل العشى في قدمه # أصبح ملك إذا اتزرت به # يقرع سن الشقاة من ندمه # أثر ذو العرش في عداك كما # أثر في عاده وفي إرمه # لا يبعد الله صيورة تليت # لخير داع دعاه في حرمه # ما كنت إلا كحلم ذي حلم # أولج باب السرور في حلمه # حتى إذا أطلقته رقدته # عاد إلى ما اعتراه من عدمه # وقال أيضا يرثيه: # أقول وقد دنوت من الفرار # سقيت الغيث يا قصر القرار # رمتك يد الزمان بسهم عين # فصرت ملوحا بدخان نار # أبن لي عن جميعك أين حلوا # وأين مزارهم بعد المزار # وأين محمد وابناه ما لي # أرى أطلالهم سود الديار # كأن لم يؤنسوا بأنيس ملك # يطول على الملوك بخير جار # إمام كان في الحدثان عونا # لنا والغيث يمنح بالقطار # لقد ترك الزمان بني أبيه # وقد غمرتهم سود البحار # أضاعوا شمسهم فجرت بنحس # فصاروا في الظلام بلا نهار # وأجلوا عنهم قمرا منيرا # وداستهم خيول بني الشرار # ولو كانوا لهم كفؤا ومثلا # إذا ما توجوا تيجان عار # ألا بان الأمام ووارثاه # لقد ضرم ms970 الحشى منا بنار # وقالوا الخلد بيع فقلت ذلا # يصير ببائعيه إلى صغار # كذاك الملك يتبع أوليه # إذا قطع القرار من القرار # وقال مقدس بن صيفي يرثيه: # خليلي ما أتتك به الخطوب # فقد أعطاك طاعته النحيب # تدلت من شماريخ المنايا # منايا ما تقوم لها القلوب # خلال مقابر البستان قبر # يجاور قبره أسد غريب # لقد عظمت مصيبته على من # له في كل مكرمة نصيب # على أمثاله العبرات تذرى # وتهتك في مآتمه الجيوب # وما ادخرت زبيدة عنه دمعا # تخص به النسيبة والنسيب # دعوا موسى ابنه لبكاء دهر # على موسى ابنه دخل الحزيب # رأيت مشاهد الخلفاء منه # خلاء ما بساحتها مجيب # ليهنك أنني كهل عليه # أذوب وفي الحشى كبد تذوب # أصيب به البعيد فخر حزنا # وعاين يومه فيه المريب # أنادي من بطون الأرض شخصا # يحركه النداء فما يجيب # لئن نعت الحروب إليه نفسا # لقد فجعت بمصرعه الحروب # وقال خزيمة بن الحسن يرثيه على لسان أم جعفر: # لخير إمام قام من خير عنصر # وأفضل سام فوق أعواد منبر # لوارث علم الأولين وفهمهم # وللملك المأمون من أم جعفر # كتبت وعيني مستهل دموعها # إليك ابن عمي من جفوني ومحجري # وقد مسني ضر وذل كآبة # وأرق عيني يا ابن عمي تفكري # وهمت لما لاقيت بعد مصابه # فأمري عظيم منكر جد منكر # سأشكو الذي لاقيته بعد فقده # إليك شكاة المستهام المقهر # وأرجو لما قد مر بي مذ فقدته # فأنت لبثي خير رب مغير # أتى طاهر لا طهر الله طاهرا # فما طاهر فيما أتى بمطهر # فأخرجني مكشوفة الوجه حاسرا # وأنهب أموالي وأحرق آدري # يعز على هارون ما قد لقيته # وما مر بي من ناقص الخلق أعور # فإن كان ما أسدى بأمر أمرته # صبرت لأمر من قدير مقدر # تذكر أمير المؤمنين قرابتي # فديتك من ذي حرمة متذكر # وقال أيضا يرثيه: # سبحان ربك رب العزة الصمد # ماذا أصبنا به في صبحة الأحد # وما أصيب به الإسلام قاطبة # من التضعضع في ركنيه والأود # من لم يصب بأمير المؤمنين ولم # يصبح بمهلكة والهم في ms971 صعد # فقد أصبت به حتى تبين في # عقلي وديني ودنياي وفي جسدي # يا ليلة يشتكي الإسلام مدتها # والعالمون جميعا آخر الأبد # غدرت بالملك الميمون طائره # وبالإمام وبالضرغامة الأسد # سارت إليه المنايا وهي ترهبه # فواجهته بأوغاد ذوي عدد # بشورجين وأغتام يقودهم # قريش بالبيض في قمص من الزرد # فصادفوه وحيدا لا معين له # عليهم غائب الأنصار بالمدد # فجرعوه المنايا غير ممتنع # فردا فيا لك من مستسلم فرد # يلقى الوجوه بوجه غير مبتذل # أبهى وأنقى من القوهية الجدد # وا حسرتا وقريش قد أحاط به # والسيف مرتعد في كف مرتعد # فما تحرك بل ما زال منتصبا # منكس الرأس لم يبدئ ولم يعد # حتى إذا السيف وافى وسط مفرقه # أذرته عنه يداه فعل متئد # وقام فاعتلقت كفاه لبته # كضيغم شرس مستبسل لبد # فاجتره ثم أهوى فاستقل به # للأرض من كف ليث محرج حرد # فكاد يقتله لو لم يكاثره # وقام منفلتا منه ولم يكد # هذا حديث أمير المؤمنين وما # نقصت من أمره حرفا ولم أزد # لا زلت أندبه حتى الممات وإن # أخنى عليه الذي أخنى على لبد # وذكر عمر بن شبة أن محمد بن أحمد الهاشمي حدثه أن لبابة ابنة علي بن المهدي قالت ~~البيتين الآتيين وقيل إنهما لابنة عيسى بن جعفر وكانت مملكة بمحمد: # أبكيك لا للنعيم والأنس # بل للمعالي والرمح والترس # أبكي على هالك فجعت به # أرملني قبل ليلة العرس ~~(10) هجاء يحيى # 105 # بن أكثم # وعدناك في المجلد الأول أن نذكر مثلا من الهجاء قاله بعض الشعراء في يحيى بن أكثم، ~~وها هو ذا: # أرقه برح الهوى وسدمه # ومله الحب فبات يألمه # طورا يعانيه وطورا يشتمه # مثل الحريق في الحشا يضرمه # ففاضت العين بدمع تسجمه # نمت عليه كل شوق يكتمه # وباح بالحب الذي يجمجمه # وبات والقلب يسامي هممه # من لمحب قد تراه يرحمه # أصبح بالبأساء عار أنغمه # طال تصابيه وطال سقمه # وبلي الجسم ورقت أعظمه # يشهدني الله على من يظلمه # يمنعه طعم الكرى ويحرمه # واها له يصرم من لا يصرمه # أصبح هذا الدين رثا ms972 رممه # عطله الجور وطال قدمه # سحت من الجور عليه ديمه # فباد مغنى ربعه وأرسمه # إلا بقايا قومه وجممه # أوطنه الجور فأضحى معلمه # يرود فيه شاؤه ونعمه # من يشهد الجور فنحن نعلمه # أنوك قاض في البلاد نعلمه # يقول حقا لا تعيث ترحمه # مذ ولي الحكم أبيح حرمه # وانتهكت من القضاء حرمه # واضطربت أركانه ودعمه # والله يبنيه ونحن نهدمه # يا ليت يحيى لم يلده أكثمه # ولم تطأ أرض العراق قدمه # ملعونة أخلاقه وشيمه # 106 # والله والله لقد حل دمه # لو أن للدين عمادا يدعمه # يعدل عنه الميل أو يقومه # لكان قد رن عليه مأتمه # أرجو ويقضي الله لا يسلمه # من وجهه هذا ولكن يقصمه # بالسيف إذ حلت عليه نقمه ~~(11) وصف ثورة بغداد وحريقها # أما ما أصاب بغداد من سلب ونهب وتحريق وتخريب وفتنة شعواء وقتل ودماء، فإنا نترك ~~الكلمة في ذلك لشعراء ذلك العصر. # قال الأعمى يصف دمار الحرب: # تقطعت الأرحام بين العشائر # وأسلمهم أهل التقى والبصائر # فذاك انتقام الله من خلقه بهم # لما اجترموه من ركوب الكبائر # فلا نحن أظهرنا من الذنب توبة # ولا نحن أصلحنا فساد السرائر # ولم نستمع من واعظ ومذكر # فينجع فينا وعظ ناه وآمر # فابك على الإسلام لما تقطعت # عراه ورجى ضره كل كافر # فأصبح بعض الناس يقتل بعضهم # فمن بين مقهور عزيز وقاهر # وصار رئيس القوم يحمل نفسه # وصار رئيسا فيهم كل شاطر # فلا فاجر للبر يحفظ حرمة # ولا يستطيع البر دفعا لفاجر # تراهم كأمثال الذئاب رأت دما # فأمته لا تلوي على زجر زاجر # وأصبح فساق القبائل بينهم # تسل على أقرانها بالخناجر # فابك لقتلي من صديق ومن أخ # كريم ومن جار شفيق مجاور # ووالدة تبكي بحزن على ابنها # فيبكي لها من رحمة كل ظائر # وذات حليل أصبحت وهي أيم # وتبكي عليه بالدموع البوادر # تقول له قد كنت عزا وناصرا # فغيب عني اليوم عزي وناصري # وابك لإحراق وهدم منازل # وقتل وإنهاب اللهى والذخائر # وإبراز ربات الخدور حواسرا # خرجن بلا خمر ولا بمآزر # تراها حيارى ليس تعرف مذهبا ms973 # نوافر أمثال الظباء النوافر # كأن لم تكن بغداد أحسن منظرا # وملهى رأته عين لاه وناظر # بل هكذا كانت فأذهب حسنها # وبدد منها الشمل حكم المقادر # وحل بهم ما حل بالناس قبلهم # فأضحوا أحاديثا لباد وحاضر # أبغداد يا دار الملوك ومحتمى # صروف المنايا مستقر المنابر # ويا جنة الدنيا ومطلب الغنى # ومستنبط الأموال عند الضرائر # أبيني لنا أين الذين عهدتهم # يحلون في روض من العيش زاهر # وأين ملوك في المواكب تغتدي # تشبه حسنا بالنجوم الزواهر # وأين القضاة الحاكمون برأيهم # لورد أمور مشكلات الأوامر # أو القائلون الناطقون بحكمة # ورصف كلام من خطيب وشاعر # وأين مراح # 107 # للملوك عهدتها # مزخرفة فيها صنوف الجواهر # ترش بماء المسك والورد أرضها # يفوح بها من بعد ريح المجامر # وروح الندامى فيه كل عشية # إلى كل فياض كريم العناصر # وأين قيان تستجيب لنغمها # إذا هو لباها حنين المزامر # وأين الملوك الغر من آل هاشم # وأشياعهم فيها اكتفوا بالمعاذر # يروحون في سلطانهم وكأنهم # يروحون في سلطان بعض العشائر # يجادل عما نالهم كبراؤهم # فنالتهمو بالكره أيدي الأصاغر # فأقسم لو أن الملوك تناصروا # لزلت لها خوفا رقاب الجبابر # وقال عمرو بن عبد الملك الوراق يبكي بغداد ويهجو طاهرا ويعرض به: # من ذا أصابك يا بغداد بالعين # ألم تكوني زمانا قرة العين # ألم يكن فيك أقوام لهم شرف # بالصالحات وبالمعروف يلقوني # ألم يكن فيك قوم كان مسكنهم # وكان قربهم زينا من الزين # صاح الزمان بهم بالبين فانقرضوا # ماذا الذي فجعتني لوعة البين # استوع الله قوما ما ذكرتهمو # ألا تحدر ماء العين من عيني # كانوا ففرقهم دهر وصدعهم # والدهر يصدع ما بين الفريقين # كم كان لي مسعد منهم على زمني # كم كان منهم على المعروف من عون # لله در زمان كان يجمعنا # أين الزمان الذي ولى ومن أين # يا من يخرب بغدادا ليعمرها # أهلكت نفسك ما بين الطريقين # كانت قلوب جميع الناس واحدة # عينا وليس يكون العين كالدين # لما استبيتهم فرقتهم فرقا # والناس طرا جميعا بين قلبين # ولبعض فتيان بغداد: # بكيت دما على بغداد ms974 لما # فقدت غضارة العيش الأنيق # تبدلنا هموما من سرور # ومن سعة تبدلنا بضيق # أصابتها من الحساد عين # فأفنت أهلها بالمنجنيق # فقوم أحرقوا بالنار قسرا # ونائحة تنوح على غريق # وصائحة تنادي وا صباحا # وباكية لفقدان الشفيق # وحوراء المدامع ذات دل # مضمخة المجاسد بالخلوق # تفر من الحريق إلى انتهاب # ووالدها يفر إلى الحريق # وسالبة الغزالة مقلتيها # مضاحكها كلألأة البروق # حيارى كالهدايا مبكرات # عليهن القلائد في الحلوق # ينادين الشفيق ولا شفيق # وقد فقد الشفيق من الشفيق # وقوم أخرجوا من ظل دنيا # متاعهم يباع بكل سوق # ومغترب قريب الدار ملقى # بلا رأس بقارعة الطريق # توسط من قتالهم جميعا # فما يدرون من أي الفريق # فلا ولد يقيم على أبيه # وقد هرب الصديق من صديق # ومهما أنس من شيء تولى # فإني ذاكر دار الرقيق # | هوامش # | بيان المصادر العربية والإفرنجية الهامة التي عولنا عليها في المراجعة لكتاب عصر المأمون # نثبت لك هنا الهام من مراجع الكتاب عدا دواوين الشعراء ومعجمات اللغة التي أشرنا إليها في ~~مواضعها من الكتاب وهوامشه. وهي: # المصادر باللغة العربية # تاريخ الطبري، طبعة مصر وليدن. # تاريخ الكامل لابن الأثير، طبعة مصر. # تاريخ مروج الذهب للمسعودي، طبعة مصر وباريس. # تاريخ اليعقوبي، طبعة ليدن بإشراف المسيو هتسما. # تاريخ أبي الفدا للملك المؤيد، طبعة الأستانة. # تاريخ علماء الأندلس لأبي الوليد عبد الله محمد بن يوسف، طبعة أوروبا. # تجارب الأمم لابن مسكويه، طبعة مصر. # تاريخ العبر والمبتدا والخبر لابن خلدون، طبعة مصر. # الأخبار الطوال لأبي حنيفة الدينوري، طبعة ليدن. # نظم الجوهر لابن البطريق، طبعة أكسفورد سنة 1659 للمستشرق إدوار ~~بوكوك. # تاريخ دمشق لابن عساكر، مخطوط. # تاريخ المشارقة لصليبا بن يوحنا، مخطوط. # تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ، مخطوط. # تاريخ بغداد لابن طيفور (الجزء السادس طبعة أوروبا). # تاريخ التشريع الإسلامي للمرحوم الخضري بك، طبعة مصر. # تاريخ الآداب السلطانية والدول الإسلامية لابن طباطبا، طبعة أوروبا. # تاريخ النجوم الزاهرة لابن تغريبردي، طبعة أوروبا. # البدء والتاريخ لأبي زيد البلخي، طبعة باريس سنة 1899 «أرنست لرو». # الآثار الباقية للبيروني، طبعة ليبسك. # مختصر تاريخ الدول لأبي ms975 الفرج الملطي، طبعة بيروت. # تاريخ الإسحاقي، طبعة أوروبا. # فتوح الشام للواقدي، طبعة مصر. # نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة، طبعة مصر. # ولاة مصر وقضاتها للكندي، طبعة بيروت. # مختصر أخبار الخلفاء لابن الساعي، طبعة مصر. # كشف الظنون لحاجي خليفة، طبعة الأستانة وليبسك ومصر. # المستطرف للابشيهي، طبعة بولاق. # معجم البلدان لياقوت الحموي، طبعة ليبسك ومصر. # المزهر للسيوطي، طبعة بولاق. # الأحكام السلطانية للماوردي، طبعة أوروبا. # أعلام الناس للأتليدي، طبعة مصر. # كتاب المعارف لابن قتيبة، طبعة أوروبا. # معجم الأدباء لياقوت الرومي، طبعة مصر وإشراف مرجليوث. # الفهرست لابن النديم، طبعة ليبسك. # طبقات الأمم لابن صاعد، طبعة بيروت. # طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة، طبعة مصر. # تراجم الحكماء للقفطي، طبعة مصر. # طبقات الأدباء لعبد الرحمن الأنباري، طبعة مصر. # وفيات الأعيان لابن خلكان، طبعة مصر. # فوات الوفيات لابن شاكر الكتبي، طبعة مصر. # الملل والنحل للشهرستاني، طبعة مصر. # ألف باء ليوسف البلوي، طبعة مصر. # مسالك الأبصار لابن فضل الله العمري، طبعة دار الكتب. # فتوح البلدان للبلاذري، طبعة ليدن. # كتاب البلدان لابن الفقيه الهمذاني، طبعة ليدن. # كتاب البلدان لليعقوبي، طبعة ليدن. # مسالك الممالك للأصطخري، طبعة ليدن. # المسالك والممالك لابن حوقل، طبعة ليدن. # أحسن التقاسيم للمقدسي، طبعة ليدن. # المسال والممالك لابن خرداذبه، طبعة ليدن. # الأعلاق النفيسة لابن رستة، طبعة ليدن. # حسن المحاضرة للسيوطي، طبعة مصر. # بلوغ الأرب في أحوال العرب للألوسي، طبعة بغداد. # مقدمة إلياذة هوميروس تعريب البستاني، طبعة مصر. # حضارة الإسلام في دار السلام لجميل مدور، طبعة مصر. # كتاب الأغاني للأصبهاني، طبعة بولاق والساسي. # الجزء الأول من كتاب الأغاني، طبع مطبعة دار الكتب المصرية. # نهاية الأرب، طبع مطبعة دار الكتب المصرية والنسخة الفتوغرافية ~~بالدار. # صبح الأعشى، طبع مطبعة دار الكتب المصرية. # كتاب التاج المنسوب للجاحظ، طبع مطبعة دار الكتب المصرية. # كتاب الأمالي لأبي علي القالي، طبع مطبعة دار الكتب المصرية. # كتاب الكامل للمبرد، طبعة مصر. # كتاب البيان والتبيين للجاحظ، طبعة مصر. # العمدة لابن رشيق، طبعة مصر. # كتاب المحاسن والمساوي للبيهقي، طبعة فردرك شوالي. # كتاب المحاسن والأضداد للجاحظ، طبعة ليدن. # كتاب البخلاء للجاحظ، ms976 طبعة مصر. # كتاب الحيوان للجاحظ، (نسخة فتوغرافية محفوظة بدار الكتب المصرية). # كتاب الكشكول للعاملي، طبعة مصر. # سراج الملوك للطرطوشي، طبعة مصر. # كتاب الخراج لقدامة بن جعفر، طبعة ليدن. # كتاب الخراج لأبي يوسف، طبعة بولاق. # تاريخ الوزراء المنسوب للصولي، طبعة بيروت. # أشهر مشاهير الإسلام، للمرحوم رفيق العظم بك، طبعة مصر. # كتاب نفح الطيب، طبعة مصر وأوروبا. # مفاتيح العلوم للخوارزمي، طبعة مصر. # مفيد العلوم للخوارزمي، طبعة مصر. # كتاب المواهب الفتحية للمرحوم الشيخ حمزة فتح الله، طبعة مصر. # كتاب السيرة لابن هشام، طبعة مصر. # مقدمة ابن خلدون، طبعة مصر. # خطط الشام للأستاذ محمد كرد علي، طبعة دمشق. # مجموعة مجلة المشرق، طبعة بيروت. # مجموعة مجلة المجمع العلمي، طبعة دمشق. # مجموعة مجلة الهلال، طبعة مصر. # مجموعة مجلة المقتطف، طبعة مصر. # بعض فصول ومباحث من المجلة الآسيوية. # حديث الأربعاء للدكتور طه حسين، طبعة مصر. # منهل الرواد في علم الانتقاد لقسطاكي الحمصي بك، طبعة مصر. # محاضرات الأستاذ الإسكندري المدرس بدار العلوم، طبعة مصر. # الوسيط للأستاذ الإسكندري المدرس بدار العلوم، طبعة مصر. # أدبيات اللغة العربية للأستاذ مصطفى صادق الرافعي، طبعة مصر. # أدبيات اللغة العربية للمرحوم عاطف بركات بك وزملائه، طبعة مصر. # مهذب الأغاني للمرحوم الخضري بك، طبعة مصر. # بلاغة العرب للدكتور أحمد ضيف، طبعة مصر. # الشعر والشعراء لابن قتية، طبعة ليدن. # طبقات الشعراء لمحمد بن سلام الجمحي، طبعة ليدن ومصر. # العقد الفريد للملك السعيد، طبعة مصر. # العقد الفريد لابن عبد ربه، طبعة مصر. # لطائف المعارف للثعالبي، طبعة ليدن. # عيون الأخبار لابن قتيبة، طبعة دار الكتب وأوروبا. # حلبة الكميت، طبعة بولاق. # خزانة الأدب لابن حجة الحموي، طبعة بولاق. # خزانة الأدب للبغدادي، طبعة بولاق. # محاضرات الفلسفة لسنتللانه بالجامعة المصرية. # محاضرات علم الفلك بالجامعة المصرية للسنيور كرلو نلينو، طبعة روما. # مفتاح السعادة ومصباح السيادة لطاشكبري زاده، طبعة حيدر آباد. # محاضرات الشيخ عبد الوهاب النجار بالجامعة المصرية. # محاضرات المرحوم الشيخ محمد المهدي بالجامعة المصرية. # محاضرات الأستاذ الخضري بك في تاريخ الأمم الإسلامية، طبعة مصر. # محاضرات الأستاذ الخضري بك في تاريخ الدولة الأموية، ms977 طبعة مصر. # التمدن الإسلامي للمرحوم جورجي بك زيدان، طبعة مصر. # تاريخ آداب اللغة العربية للمرحوم جورجي بك زيدان، طبعة مصر. # طبقات ابن سعد، طبعة أوروبا. # طبقات الشافعية للسبكي، طبعة مصر. # المنثور والمنظوم لابن طيفور. # رسالة بني أمية للجاحظ، خطية. # كتاب الوزراء والكتاب لأبي عبد الله محمد بن عبدوس الجهشياري، طبعة فيينا ~~سنة 1926. # كتاب الاشتقاق لابن دريد الأزدي، طبعة جوتنجن سنة 1854. # الأوراق للصولي، خطية. # مطبوعات تذكار جيب الإنجليزية، وخاصة مؤلفات الأستاذين مرجليوث وبرون. # زهر الآداب للحصري، طبعة مصر. # المشتبه في أسماء الرجال للذهبي، طبعة أوروبا. # الوافي بالوفيات للصفدي (المحفوظ بدار الكتب المصرية تحت رقم 1219). # أخبار أبي نواس لابن منظور، طبعة مصر. # رسائل البلغاء لأستاذ محمد كرد علي، طبعة مصر. # جمهرة أشعار العرب لأبي زيد، طبعة مصر. # المفضليات للضبي، طبعة مصر. # حماسة البحتري، طبعة بيروت. # الصناعتين لأبي هلال العسكري، طبعة مصر. # الموشى لأبي الطيب، طبعة أوروبا. # ديوان الحماسة لأبي تمام، طبعة مصر. # مجاني الأدب وشرحه، طبعة بيروت. # مختارات البارودي، طبعة مصر. # حياة الحيوان للدميري، طبعة مصر. # عيون التواريخ لابن شاكر الكتبي (أجزاء منه محفوظة بدار الكتب ~~المصرية). # الفرج بعد الشدة للتنوخي، طبعة مصر. # المصادر الإفرنجية # Histoire des Arabes par Cl. Huart: Paris. # Life of Mohamet by Sir W. Muir. (London). # The Life and Teachings of Mohammed and the Spirit of Islam by ~~Ameer Ali. (London). # D. S. Margoliouth: Mohammed and the Rise of Islam. (London) ~~in “Heroes of the Nations’ Series”. # H. Lammens: “Etudes sur les régnes des Califs. Omaiyades ~~Moawia 1 # er # et Yasid ~~1 # er ~~”. (Beyiouth). # Library of Universal History (N. Y.). # History of Arabic Literature: Cl. Huart. ~~(London). # A Literary History of Persia: Ed. G. Browne. ~~(London). # A Literary History of the Arabs by R. A. Nicholson. ~~(London). # Short History of the Saracens by Ameer Ali, ~~(London). # The Caliphate: its rise decline and fall by Sir W. Muir. ~~(London). # Annals of the Early Caliphate by Sir W. Muir. ~~(London). ms978 # Baghdad during the Abbasid Caliphate by G. le Strange. ~~(Oxford). # Encyclopaedia of Islam. (Luzac). # Encyclopaedia Britannica. (London). # La Grande Encyclopédie. Paris. # The Historians’ History of the World by H. S. Williams. (New ~~York). # Ency. of Religion & Ethics by I. Hastings. ~~(London). # The History of the Decline and Fall of the Roman Empire by ~~Gibbon. (London). # The History of Philosophy in Islam by J. de Boer translated ~~by Jones. (London). # Muhammedanische Studien by Ignaz Goldziher, ~~(Halle). # Histoire des Musulmans d’Espagne Jusqu’ à la Conquête de ~~l’Andalusie par les Almoravides by R. Dozy. (London). # Development of Muslim Theology, Jurisprudence and ~~Constitutional Theory by D. B. Macdonald. (London). # Margoliouth’s Works Etc. # R. Dozy: Supplément aux Dictionnaires Arabes. ~~1927. # Bibliothek Arabischer Historiker und Geographen: Hans V. ~~Mzik, (Leipzig). ms979