######OpenITI# #META# URI: 1375AntuShuhaybir.Shaqiqatayn.Hindawi13925094 #META# Tags: novels #META# ID: 13925094 #META# Title: رواية الشقيقتين #META# AuthorID: 24136070 #META# Author: هنري لامنس #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 38025757 #META# Translator: أنطون شحيبر #META# Related_books: 1356HenriLammens (TRANSL) #META#Header#End# # رواية الشقيقتين‏ # رواية الشقيقتين‏ # | رواية الشقيقتين # | رواية الشقيقتين # تأليف # هنري لامنس # ترجمة # أنطون شحيبر # | رواية الشقيقتين # ألا أنعم بالطبيعة والدة تستدعي في كل حال من أبنائها العجب! ولكن تراها في بعض ~~الأمور ألطف صنعا منها في غيرها فتلوح من وراء أعمالها يد خالقها المنان. # ومثال ذلك ولادة أختين شقيقتين توأمتين، تجمع الطبيعة بينهما في مولج الحياة، فتربط ~~منهما الجنان بعلائق شديدة وثيقة، وتزرع في قلوبهما منذ نعومة الأظفار عواطف متبادلة تنمو ~~وتتمكن مع تقدمهما بالسن، فتراهما لبعضهما سندا وفي كل أطوار الحياة عضدا، ~~تتقاسمان الأفراح في السراء والأتراح في الضراء، لا يفتر بينهما الوداد إلى ساعة ~~المنون، وربما جمع بينهما ضريح واحد إلى قيام الساعة. # 1 # لو أتيح لك أيها القارئ اللبيب أن ترقى منذ بضعة أعوام إحدى قمم لبنان ليس بعيدا ~~عن السابلة المؤدية من بيروت إلى دمشق الشام لكنت رأيت على منعطف أكمة في مكان ~~يعد من أنزه مواقع الجبل بيتا أنيق الهيئة لطيف البناء، شيده المسيو «ب» وهو إذ ~~ذاك قنصل عام لإحدى الدول الكبرى في سورية، فجعله مصيفا يأوي إليه مع عائلته فرارا من ~~لظى قيظ بيروت. # وكان جانب من المنزل تحجبه أشجار الأزدرخت (الزنزلخت) والصنوبر، يتلاعب في ~~أغصانها نسيم الصبا، وتغرد فوق أفنانها طيور الربى. # أما هندام المسكن فلم يك يشبه بشيء ما جاوره من المعاهد الصيفية، وإنما أراد ~~صاحبه أن يجمع فيه بين هيئة المصايف السويسرية وخواص الدور السورية المحدثة، فكان ~~يعلوه القرميد الأحمر على شكل مخروط، وفي وسط البناء شرف ناتئة مستطيلة «بلكون» ~~لترويح النفس في طرفي النهار. # وكان أمام البيت سطح واسع الفناء، يشرف منه على منظر بهي، فكنت ترى على بعد ~~ثبج البحر الزاخر إذ ترمي عليه الشمس أشعتها الذهبية أو يجيش بأمواجه فينتظم ~~له على الساحل سلك من درر الزبد. # فهناك مضجعة بيروت، وهي أشبه بملكة حسناء ترتفق إلى سفح الجبل وتبسط رجليها في ~~غمر البحار، بينما تمنطق أعطافها مناطق زبرجد صيغت لها من خضرة بساتينها وغابات ~~صنوبرها، ولو كنت ms01 سرحت النظر في الربى القريبة لآنست من لبنان مشهدا يروق البصر ~~ويأخذ بمجامع القلب. # ففي اليوم الذي به تستهل روايتنا كنت ترى أهل الدار الموصوفة آنفا يسعون في تهيئة ~~حجرة لاستقبال ضيف شريف على وشك القدوم من بلاد اليونان اسمه البارون «شرل دي لينس»، ~~وهو كهل في قوة الشباب عمره خمس وثلاثون سنة من أرباب السياسة يتعاطى في عاصمة ~~اليونان أمور دولته بهمة علياء، وكان «شرل» ذا أخلاق راضية وعواطف لينة، بيد أنه ~~شديد التحمس في الدين، يسير على مقتضى مبادئه علانية دون حياء. # وكان المذكور تيتم في حداثة سنه فتربى في حجر أحد أعمامه، وقد ورث من ~~والديه اسما شريفا وثروة طائلة، وكان مع ريعة شبابه ونشاط سنه تائقا إلى الراحة ~~والتخلي من اشتغال مهنته المضنكة مستنكفا من حياة العزلة والتفرد، ومن ثم ما ~~كادت تبلغه ألوكة القنصل المسيو «ب» - وهو صديق حميم لوالده المرحوم - يدعوه بها إلى ~~مصيفه في لبنان، حتى أسرع فطلب عطلة شهرين، وسلم موقتا أشغاله في السفارة ~~بأثينة إلى بعض زملائه، وركب في البيرة سفينة المساجري مبحرا إلى بيروت. # وكان البارون «دي لينس» كلفا بالأسفار البحرية، إلا أن سفرته هذه في غرة آب ~~كانت أحلى لديه وأوقع في قلبه؛ لصفاء الجو، ولين النسيم، ووفرة المناظر ~~البهجة. # وكانت حركة السفينة وهي تمخر في وسط المياه تمثل له حياته السابقة الكثيرة ~~التنقل والتقلب مع أنه لم يكد يبلغ سن الكهولة، فكان يقضي الساعات وهو ~~متوكئ على إطار السفينة يفكر في ما طرأ عليه من كوارث الزمن وصروف الدهر، ويقابل ~~بين عيشته الهنيئة الخالية من الهموم في الوقت الحاضر وحالته أمس بين الهواجس والشواغل ~~السياسية، فيشكر لأفضال المسيو «ب» إذ قرب إليه نوال الفرصة لترويح البال، فلا يعود ~~يسمع ثرثرة اليونان يطنبون تارة في مديح أجدادهم فيرفعونهم فوق السهى، ويدعون ~~أخرى بالفخر على من سواهم من الشعوب، وربما طمحوا بالبصر إلى التملك على بلاد ~~مجاوريهم. فنجا - والحمد لله - من إبداء آرائه في حزب «تريكوبيس» أو الانتصار ل ~~«دالياني»، ms02 ولا يحتاج أن يثني على توقد فهم السيدة ... «بولو» وحسن زي ابنة السيد ... ~~«يدس»، وبموجز الكلام ها قد صار حرا. # وبينما كان «شرل» خائضا في بحر هذه الأفكار كانت السفينة اجتازت أمام رأس سونيوم ~~مواصلة سيرها إلى جهة إزمير مارة بين عديد جزائر الأرخبيل كديلوس ونكسوس التي كانت ~~تظهر في أول ساعات الليل كأجرام عظيمة لا صورة لها، تلوح على ساحلها من وقت ~~إلى آخر ضياء منائرها؛ لتأخذ السفن حذرها من الصخور، فما كان يسمع في هدوء الليل غير ~~صوت السفينة وهي تشق المياه وتخطر في سيرها السريع، وكان نزل أغلب الركاب يأوون إلى ~~مراقدهم، أما السماء فكانت رائقة تتلألأ بكواكب كالدراري، والبحر يعكس أنوارها فيسحر ~~منظرهما العقول ويحمل القلوب إلى خالقها. # إلا أن هذه المناظر وإن كانت تدفع النفس إلى الهذيذ والتأمل لم تك لتشغل عقل ~~البارون عن أفكار مختلفة كانت تتجاذبه منذ زمن قليل. أجل، إن رؤية لبنان الذي ~~هو قاصده لشهية بديعة، والاجتماع بالأصحاب لمورد أفراح عذبة صافية، ولكن ~~ترى ماذا يحل به بعد ذلك؟ وإلى أي طية يوجه أفكاره ليستقر بها قراره ويرتع ~~في ظل الأمن والراحة؟ أفيكون سعادة القنصل «ب» سبق وتفهم نيته فاستدعاه ليعرض ~~عليه - كما فعل غيره كثيرون - الاقتران بإحدى ابنتيه وينزعه حريته بوضع ربقة الزواج ~~في عنقه؟ # وما كاد هذا الفكر يخطر ببال البارون حتى وجم ساكتا وأطرق كاسفا، ثم قام بعد ~~هنيهة فنزل وهو لا يعي إلى المنام، وبات ليلته قلقا يتململ من الهم على فراشه، ~~ولما كان الصباح رقي سطح السفينة فإذا بوجه البحر تجعد قليلا، وبانت على قرب ~~سواحل كرمانية وجبالها الشاهقة كستها أشعة الشمس الطالعة بجلباب نور وبهاء، إلا ~~أن هذه المشاهد الشائقة والمناظر الرائقة لم تعمل في قلبه وعادت أفكار المساء ~~المنصرم فعكرت صباحه، وبقي في صلب يومه منزعجا مشوشا، فجعل يخطو مسرعا ~~ذهابا وإيابا فوق سطح السفينة يهجس كما في اليوم السابق مفكرا في أمر مستقبله ~~وهو يردد هذا القول: ماذا أصنع بعد؟ # ما الجدوى من ms03 هذه التربية المتقنة التي نالها في صباه ومن هذه الدروس التي زين بها ~~عقله؟ وفي صالح من يحسن به أن يصرف قواه؟ أو ماذا يفعل بهذه التركة الواسعة التي ~~أورثه إياها والداه؟ # أفيصير كاهنا أو مرسلا؟ نعما الدعوة لولا أنها من الله لا يسوغ للإنسان أن يسبق ~~فيها إرادته تعالى. # أفيقترن بسنة الزواج؟ تلك طريقة الناس عموما، ولكن يا بؤسه إذا خدع بالمال أو ~~الجمال فوقع بيد امرأة ليس لها من الصفات غير ظاهرها، ويكون خبرها دون خبرها، تقضي ~~عامة أيامها في الأباطيل فتضحى لزوجها أثقل من العبء الثقيل. # أو يبقى وحده معتزلا عن الانشغال عاكفا على العلوم متفرغا لصنيع الخير إلى ذوي ~~جنسه؟ فكانت هذه الأفكار وأمثالها كثيرة تهجس في ضمائره معكرة كأس هنائه في بقية ~~سفره حتى بلغت السفينة بالركاب إلى ميناء بيروت فأفاقه منظرها البهي من ~~سكرته. # 2 # لله بيروت! ما أجمل موقعها، وأبهج مرآها لما ترسو السفينة بالغريب إزاءها لأول ~~مرة! فلا جرم أن محاسنها تخلب قلبه وتسبي مشاهدها لبه. # وكان البارون «دي لينس» مع كثرة ما رآه من البلاد لا يتمالك من العجب لدى نظره هذه ~~المدينة الفائقة ذات المناظر الشائقة، تدخل في البحر كأنها تقتحم أهوال الدأماء، ~~وتتوسد جبالا تأتزر قممها بالسحاب وتعتم بالثلوج الغراء، دورها محكمة ~~البنيان، وأشجارها باسقة الأفنان، وهي تجمع بين مرافق البر والبحر والجبل ~~والسهل. # غير أن أفكار البارون لم ترق بعد كي يلتهي بمحاسن بيروت، ولما كانت خواطره ~~كلها متجهة إلى مصيف سعادة القنصل «ب» ما لبث أن ركب العربة في غد ذلك اليوم ونزل ~~عند الضحى أمام الدار الموصوفة آنفا، فأسرع لاستقباله أهل البيت وتحفوا به ~~وبالغوا في إكرامه حتى نسي بعد هنيهة كل عناء السفر. # والحق يقال إن منزل المسيو «ب» كان يجمع كل أسباب الهناء والراحة، وأصحابه ~~ممن يراعون حقوق الضيف، وهم علاوة على ذلك متصفون بكل ما يجمل الناس من ~~الفضائل الأهلية والآداب الإنسانية. # فما رسخت قدم البارون في هذه الدار حتى انتعشت روحه وشعر ms04 بعودة قواه بين أصحاب لم ~~تشب أخلاقهم شائبة، ولم يعكر صفاء مودتهم كدر، فشتان بين ما وجده عندهم من ~~الأنس ورغد العيش وبين أيامه السابقة في عاصمة اليونان؛ إذ كانت تحدق به هموم ~~رتبته فلا يرى مناصا من مخالطة قوم أعماهم الجخف واستفزهم حب الذات، فكان ~~يتنسم في وسط الجبال الريح الطيبة وهو يتهنأ بنسيم الحرية. # ثم أخذ يتجول بصحبة القنصل في الأنحاء المجاورة لمنزله، وربما كانا يتسنمان ~~صهوات الخيل فتارة يطويان البيد وأخرى يهبطان إلى الوديان أو يسعيان في الجبال للصيد ~~والقنص. # ومجمل القول: أن البارون كان يصرف حياته في الهناء بعيدا عن ضوضاء العالم وعن ~~مجالس المسامرات الباطلة التي لا تجدي القلب راحة. # إلا أن ما زاد البارون بسطا وانشراحا إنما كان اجتماعه مع لفيف عائلة القنصل ~~«ب» في طرفي النهار، فينبذ عندئذ كل تكلف، ويطلق لعواطفه العنان، ويقضي بحديث أهل ~~الدار ساعات يعدها من أهنأ زمن حياته. # وكان منذ أول يوم وصوله شعر قلبه مائلا إلى ابنتي القنصل؛ لما وجد فيهما من ~~السجايا الفريدة، وهما شعبتا أصل واحد نتقتهما أمومة في اليوم ذاته. # واسم الأختين «سوسنة» و«وردة»، لم يكد عمرهما يربي على الثماني عشرة سنة، وهما مع ~~ذلك تتشابهان قدا وحسنا. # أما مولد الفتاتين فكان في أرض المغرب لكنهما نمتا وترعرعتا في الشرق، فجمعتا بين ~~خصال الخافقين، فكنت ترى فيهما سذاجة البلاد الشمالية مدمجة بشيء من ترف أهل ~~الشرق ورزانة طباعهم، فتمتزج بشخصيهما أوصاف كلا الصقعين امتزاجا رائقا. # وكانت أمهما من السيدات العاقلات المجملات بأحسن الصفات قد أرضعتهما بلبانها ~~وأشربتهما منذ الصغر روح التقى والحشمة، فنشأتا في حجرها ومهدتا في كنفها وسترها ~~ودرجتا من وكرها، وهما تألفان الدار الوالدية لا ترضيان لها بديلا، وكادتا لا تعرفان ~~من العالم إلا اسمه، فكان من يراهما يستدل بصفاء عيونهما على طهارة قلبهما. # وبمجمل القول: إن «سوسنة» و«وردة» كانتا تحققان بشخصيهما ما افتتحنا به كلامنا ~~عن ائتلاف الأخوات الشقيقات، والحق يقال إن الأخوة كانت تأنست منهما بملاكين ~~أرضيين فأخرجتا إلى حيز ms05 الوجود ما تخيله القصاصون في رواياتهم المختلفة ذات ~~الغلو البين عن أمر التوأم وما يوجد بينهم من العلائق الوثيقة. # ومن خواص الابنتين المذكورتين تشابههما بالخلقة والقد والصوت كتشابه الذرة ~~بالذرة، لم تفرز بينهما العين اللهم إلا عين والدتهما، أما باقي أهلهما فاضطروا ~~إلى أن يفرقوا بين النجلتين زمنا طويلا بعلامات خاصة؛ لئلا يقع التباس ~~بينهما. # وبقيتا على هذه الحال إلى السنة الثانية من عمرهما، حيث بدا في وجههما بعض تباين، ~~وذلك بأن لون «سوسنة» جعل يضرب إلى البياض وشعرها إلى الشقرة، بينما أضحت «وردة» ~~مزدهرة اللون قانئة الشعر كأن الطبيعة نوت فيهما تطبيق المسمى على الاسم، ~~وجارت الأم الطبيعة بأن كستهما ثيابا تشعر باسميهما وخلقتيهما. # ولا غرو أن ما سبق لنا من الوصف لخلق الشقيقتين وخلقهما وقع في قلب البارون «دي ~~لينس» موقعا أثيرا، وما زاد على ميله نحوهما ما طبع هو نفسه عليه من لين ~~العريكة والهمم العالية، ونما اعتباره للأختين لما رآهما تتباريان فضلا وصلاحا لا ~~تعكر بينهما صفاء الوداد شائبة فكان يشبههما بزنبقتين نمتا من فرع واحد تزدهيان ~~حسنا وتتكاتفان ولاء. # وفي واقع الحال كانت «سوسنة» و«وردة» مرتبطتين ارتباطا غير منفصم، تتشاطران ~~الأفراح والأتراح وتتباثان الأفكار والعواطف فتخالهما نفسا واحدة في جسدين. # وكان مع ذلك في طبعهما بعض اختلاف، فإن «سوسنة» كانت كثيرة التصون بينما كانت ~~«وردة» فكهة طيبة النفس، فكانت من ثم تميل «سوسنة» إلى التخلي والانفراد، ~~وربما فكرت أن تلبس الثوب الرهباني في جمعية الراهبات اللواتي ربينها صغيرة ~~وهذبنها فتاة، وأفشت بسرها لأختها «وردة». بيد أن هذه استولى عليها الكأب ~~وصرحت لأختها ألا سبيل للفراق مطلقا، فلم تعد «سوسنة» إلى الكلام بهذا ~~الصدد. # أما البارون «دي لينس» فمع ما وجده في نفسه من الانعطاف إلى الأختين كان يشعر ~~قلبه مائلا إلى وردة أكثر منه إلى «سوسنة» يسره منها طلاقة لسانها وتوقد ذهنها ~~ودعابة طباعها، فضلا عن سذاجة أخلاقها واستقامة قلبها. # فمذ ذاك الحين لم يعد يرى مانعا لأن يتأهل؛ لأنه كان وجد المرأة الفاضلة التي ms06 ~~يصفها السفر الكريم ويؤثرها على قيمة اللآلئ، ولم يلبث اعتباره لخصائل «وردة» أن ~~يتحول إلى مودة صادقة وحب متين، ولما انتهى بعد شهرين زمن رخصته فآن وقت ~~رجوعه إلى أثينة صرح إلى القنصل بنيته وخطب منه ابنته «وردة»، فبعد فحص الأمر وعرضه ~~على الفتاة لم ير المسيو «ب» بدا من الإجابة إلى طلبته. # 3 # وكان خريف تلك السنة غزير الأمطار، فترطب من جرائها هواء السواحل، أما الجبل ~~فكانت أوراق أشجاره أخذت بالانتشار وصار برده نافحا، فأسرع أعيان بيروت وبارحوا ~~ربوعهم الصيفية منحدرين إلى السهول يتنسمون هواءها المعتدل ويباشرون أشغالهم ~~المألوفة، فعادت المدينة إلى ما كانت عليه من الحركة قبل فصل الصيف. # وكانت عائلة القنصل «ب» رجعت إلى بيروت فيمن رجع فحلت في دار القنصلية عند رأس ~~المدينة، وهو منزل رحب كثير الثروة تحدق به حديقة غناء ذات زهور وأشجار ~~باسقة. # وكان هذا البيت عادة ذا هدو يرتاح فيه أصحابه إلى السكينة، بيد أنك منذ بضعة ~~أيام كنت ترى فيه حركة غير مألوفة، وما ذاك إلا لإعداد رتبة الزيجة ~~المنوية. # ولا غرو أن الأختين كانتا أول من نشط للعمل وعني بتجهيز لوازم هذه الحفلة، إلا ~~أن «وردة» كانت أقل اهتماما في الأمر من أختها، فلا تزال على طبعها فكهة دعبة لا ~~يكدر صفاء قلبها قلق، كأن الأمر لا يهمها بل يعني غيرها، بينما كانت «سوسنة» ~~تزيد رصانة وتصونا. # هذا ولا يخالجن فكر أحد أن خفة الطباع كانت غالبة على «وردة» تسير إلى الزواج ~~وهي لا تدري بما ستتكلف فيه من العناء، وبالحري إنما كانت أعلم ممن سواها أن ~~تحت الزهر شوكا لا يقوى على ألمه إلا من كان شديد النفس ذا حزم وجد، وعليه ~~فكانت الفتاة كثيرا ما تختلي وحدها في غرفتها؛ لتعد ذاتها لهذا الاقتران، طالبة من ~~الله أن يزين قلبها ما يقتضيه سر الزواج من الصفات والفضائل، ويجعل هذا المشروع ميمون ~~الطالع سعيدا موافقا لإرادته عز وجل. # وكانت أم «وردة» قد استدلت في مدة الشهرين الأخيرين بمجرد النظر إلى ms07 ابنتها ~~على ما يخامر قلبها من الأفكار الخطيرة، فانتهزت هذه الفرصة؛ لتمهد لها تلك الطريق ~~الوعرة وترشدها في سواء السبيل. # أما «سوسنة» فكان حدث في نفسها في المدة الأخيرة تغيير يذكر، وذلك أنها كانت ~~في بادئ الأمر تلقت خبر خطبة أختها بفرح عظيم، ولكن لم تمر عليها أيام قلائل حتى ~~غشي قلبها بعض الحزن لم يمكنها أن تستره عن أعين أختها، فلحظت منها ذلك «وردة» ~~وجعلت تسعى في إزالة كربها ببشاشة وجهها وفكاهة طبعها، فلم يجدها فعلها نفعا، ومذ ~~ذاك الحين لم يعد هذان القلبان على ما ألفاه من الوداد والمخالصة. # 4 # إذا ما أقبل الخريف وضرب في الأرض أطنابه أصاب المرء بقدومه تنعما وراحة لم ~~يعهد بهما في غير هذا الفصل، ولا شك أن في ترطب الهواء بعد لهب الصيف، وفي ~~هبوب النسيم ومنظر الأشجار يعلو أوراقها لون الكمدة والاصفرار متعة وبهجة يحدوان به ~~إلى التفكر والاعتبار، وذلك في ساعات المساء أكثر منه في غيرها من الأوقات لما ~~يكور الله الليل على النهار، فيمد على الطبيعة رداء تلوح من خلاله كسيدة ~~مهيبة جليلة، فتتسع الآفاق بأعين البشر وترتفع أنفسهم إلى الأعالي، فلله تلك ~~الساعات اللذيذة! يقضيها المرء في الفكر وهذيذ القلب ويتقرب إلى خالقه شاكرا له على ~~ما أولاه من النعم السابغة، بيد أن هذه الآونة وشيكة الزوال تمر بسرعة ~~البرق. # فلما كان منتصف تشرين الثاني في مساء نهار صفي الأديم بهي الأنوار عند ~~امتداد الظلام على الأرض وطلوع زواهر النجوم في السماء كانت «وردة» جالسة بقرب أختها ~~«سوسنة» في رواق الدار بإزاء الجنينة وفيها الأزهار تعطر بعرفها الأرجاء، ~~والأشجار موسوقة بأثمارها الشهية، لا يسمع سوى صوت خرير الماء يتحدر من فوارة ~~على شكل غلالة في حوض من رخام بني وسط الدار، وعن بعد صوت موج البحر المتكسر ~~فوق صخور الساحل. # فبقيت الأختان هنيهة تسرحان النظر في هذه المناظر، وكلتاهما صامتة لا تبديان ~~حراكا، كأن الاجتماع أضحى لهما عبئا ثقيلا بعد أن كانتا لا تذوقان بغيره لذة، ~~وإذا بمنار ms08 رأس بيروت سطع بغتة فرمى بأشعته الذهبية على دار الأختين وأنار وجهيهما، ~~فالتفتت «وردة» إلى شقيقتها فرأت عينيها مغرورقتين بالدموع، فما كان منها إلا أن ~~صرخت: «ما هذا يا «سوسنة»؟ ترى ماذا أصابك؟ إنك لكاسفة البال، يؤلم قلبك ~~البلبال، فما لك تخفين عني سبب حزنك؟ أفتكون سعادتي المأمولة علة ~~لشقائك؟» # فأطرقت «سوسنة» واجمة ثم ألقت بنفسها على صدر أختها وهي تبكي ثم قالت: «يا أختاه، ~~إني سأفقدك عما قليل، وإذا ما تأهلت لا يعود حبك لي كمن ذي قبل، وسوف ~~تبرحين الدار وتصيرين إلى ما شاء الله ... «أوردة» شقيقتي لو أمكنك أن تشعري بما يحسه ~~قلبي من الألم! فإنه حقيقة يتلظى على جمر القتاد، ولا أدري إذا لم يتفطر بعد ~~فراقك.» # قالت هذا وأذرفت الدموع السخينة وعلا صوت بكائها، بينما كانت تحاول أن تخفي عن ~~أختها ما في قلبها من الغيرة والحسد. # أما «وردة» فما لبثت أن تبينت حقيقة الأمر فكان لاكتشافه في قلبها صدى مؤلم ~~رنق عيشها وذهب ببهجته، فلم يعد يمكنها أن توجه نظرها إلى أختها دون أن تلوم ~~ذاتها على سعادتها. # فمر على ذلك بضعة أيام، وكان كلما قرب النهار المعين لحفلة العرس تزيد في قلب ~~«سوسنة» مضض الأوجاع، لم تجد لسترها عن العيون طريقة، فتارة تظهر ما اكتنه الفؤاد ~~بحدة طبعها، وتارة باختلائها عن أهلها، وحينا بتغلب السوداء على خلقها وخلقها ~~حتى شحب لونها وخاف أبواها أن تضنى منها القوى وينالها داء عياء. # لكن الفتاة أحست بعد حين أن العيون شاخصة إليها تستشف ما في جنانها، فتجلدت ~~وتجملت حتى حجبت عن الكل مكنونات ضميرها، فعاد التبسم إلى وجهها وأبدت لمن ~~قاربها أنسا ولطفا كما اعتادت الأمر في السابق، ثم أخذت تجد وتسعى بنشاط جديد ~~لتهيئة لوازم العيد القريب مع ما ترى في قدومه من زوال سعادتها، ومجمل القول: أنه لم ~~يعد أحد في البيت يقف على ما يتنازع قلبها من الخواطر والهواجس، بيد أن «وردة» ~~لم تك لتنخدع بهذه الظواهر فلبثت مرتابة في أمر أختها. # ولما ms09 حان اليوم المعهود وواقع كلا الخطيبين على الشروط المألوفة في مثل هذه الظروف، ~~احتفل المسيو «ب» بعقد الخطبة بما أمكنه من الأبهة والاحتفال، فنجز الأمر إذا ~~وقر ل «وردة» أن تكنى باسم بارونة «دي لينس» باقترانها مع خطيبها الشريف. # 5 # فبانت الأختان في هذا العيد مرتبطتين بروابط المودة والولاء ما أمكنهما، فقضتا ~~مع آل البيت قسما كبيرا من النهار لاستقبال جماهير الحاضرين لتأدية فروض التهاني ~~إلى العائلة، وكانت بطاقات الزيارة والمكاتيب والتلغرافات ترد من كل الأنحاء ~~داعية للقرينين باليمن والرفاء. # ولما كان البارون من أرباب السياسة تواردت عليه هذه الأنباء من كل عواصم أوربة - ~~كفينة وأثينة وغيرهما - تتمنى له الخير والسعادة، وكان الجميع يتيمنون لهذا ~~القران حسن العقبى؛ لما يروه في العرسين من الخواص والسجايا التي لم تكد تجتمع في ~~غيرهما كالغنى والجمال والآداب والدين، وكان الزوار يطنبون في محاسن «وردة»، لا ~~يرون بينها وبين الورد خلافا سوى أنها لا شوك فيها. # أما «سوسنة» فكان يلوح على محياها بهجة شديدة حتى لم يشك أحد عن صفاء ~~قلبها وإخلاص ودادها، إلا أن أختها لمحت في بشاشة وجهها تصنعا وتجملا مع ~~امتقاع في لونها واصفرار في وجنتيها. # فلما كان المساء نحو الساعة التاسعة دخل لفيف الأهل والأقارب إلى الديوان الكبير ~~يتقدمهم الخطيبان الجديدان، وكانت «سوسنة» رافلة في أبهى ملابسها تزينها الحلي ~~والمصوغات وهي متمنطقة بنطاق أزرق ناصع اللون مرصع بالحجارة الكريمة يبدو حسنه ~~فوق ثيابها البيضاء كالثلج. # أما «وردة» فكانت بخلاف الأمر لابسة لبسا بسيطا حتى لو رآها غريب لظن أن ~~أختها صاحبة العيد ليست هي، أما الحلي فلم ترض منها سوى بصليب صغير من الذهب ~~كان يلوح على صدرها وسوارين من الفضة في زنديها، وكان شعرها الأشقر مجموعا فوق ~~رأسها تضمه عصابة سوداء ذات عقدة واسعة، ولما أشارت إليها أمها أن تستبدل هذه ~~العصابة بغيرها من اللون الأرجواني أجابتها ابنتها بلطف: «إني أوثر الأسود، ~~واختلاف الألوان في اللبس أجود، هذا وإن أحببت يا أماه أن أغير هذه العصابة لفعلت ~~وفقا لرضاك.» ms10 # فأجابتها أمها : «ابقي كما شئت يا مهجة الفؤاد، فدونك هذه الوردة شكيها في ~~نطاقك وكفى بذلك لهذا المساء؛ لأن الوقت قد حان وجماعة المدعوين في ~~انتظارك.» # فلما دخل الجمهور إلى القاعة كانت نوافذها مفتوحة يزف إليها هواء الليل روائح ~~الزهور العطرة الفاغمة في حديقة الدار، وكانت أنواع الثريات تنعكس في مرايا ~~الجدران والخشب المصقول، فتجعل الديوان كأنه شعلة نار، هذا مع ما في القاعة من ~~النقوش والصور الحسنة البهية. # فانتظم القدم كل بمكانه، والمدعوون في ثيابهم العيدية وأرباب الأمر منهم في ~~ملابسهم الرسمية، أما السيدات فلم يدعن في ذلك اليوم شيئا من الأزياء المستجدة ~~ليخطرن في حللهن ويتبارين حسنا وجمالا. # فابتدأ العيد بفرح ومزيد مسرة، ولكن لما أراد الخطيبان أن يفتتحا السهرة ~~بالرقص المعهود، إذا ب «سوسنة» امتقع لونها فوقعت مغشيا عليها في وسط الديوان، ~~فأسرع الناس حولها ونضحوا الماء على وجهها، فأفاقت بعد برهة. # فما شعرت بما جرى لها حتى علا وجهها الاحمرار خجلا فانتصبت مستميحة العذر لكثرة ~~ما أصابها من التعب ذلك النهار، ثم جلست مكانها وأبت أن تركن إلى الراحة في غرفتها، ~~بل أحيت ليلها رقصا مع الراقصين. # فلما قرب منتصف الليل والقوم في جلبة وبسط، وجهت «سوسنة» النظر إلى أختها كأنها ~~تريد أن تبين لها أنها تقاسمها فرحا وتشاطرها سرورا، إلا أنها لم تبصر ب ~~«وردة» فجعلت تسرح الطرف في المجلس قلقة، فلم تر لها أثرا، ثم قامت وسألت والديها ~~ثم البارون «دي لينس» وبقية المدعوين أين أختها؟ فلم يحر أحد جوابا. # فهتفت سوسنة بصوت الكآبة واليأس: شقيقتي وردة شقيقتي ترى أين ذهبت شقيقتي؟! # قالت هذا وجعلت تسرع في الديوان ذهابا وإيابا كأنها فقدت رشدها، ثم خرجت من ~~القاعة والأهل في أثرها. # فأخذ الجميع في البحث والتفتيش في كل حجرة، وتفقدوا كل زاوية من زوايا ~~الدار حتى التمسوا من الجيرة عن الخطيبة خبرا، إلا أن طلبهم لها ذهب أدراج ~~الرياح، وأنكر الجميع أنهم رأوها، فارتاع المدعوون لهذا الأمر واستولى الرعب على ~~القلوب، أما السيدة «ب» فاستطير ms11 لبها روعا وغشي عليها. # وإذا بصوت أمر من وقع الحسام سمع من جهة الغرفة التي كانت تسكنها وردة، فأسرع ~~الجميع إلى تلك الناحية يتراكضون وهم في حيرة من أمرهم، وإذا ب «سوسنة» لا تعي كدرا ~~ولوعة وفي يدها بطاقة كتبت فيها الأسطر الآتية على عجلة: # الوداع يا أبت، الوداع يا أماه، وإياك أيضا أقريت الوداع يا شقيقتي، ~~لا يطلبنني أحد منكم فإنكم لا تجدونني. وأنت أيها البارون «دي لينس» قد ~~حلت وثاقك فأنت حر، اطلب سواي وعش لسعادة غيري، ودمتم. # وردة ب # والحق يقال: إنه لو كانت الصاعقة وقعت في وسط الدار بين ظهراني القوم لما أثرت ~~في القلوب تأثيرا أعظم ولا أصابتها بحيرة أشد. # فللحال صمتت الألسن، وتبددت أجواق الراقصين، وهدأت رنات المزاهر والملاهي، ~~وطفئت المشاعل والثريات، وهم المدعوون في الخروج واحدا بعد آخر. # أما السيدات والصبايا اللواتي لم يأتين إلى هذه الدعوة سوى لترويح الخواطر وطلبا ~~للملذات والرقص فتبلبلت أفكارهن وتولى عليهن الدهش وأسرعن إلى الباب ليركبن ~~العربات ويعدن إلى بيوتهن؛ لأنه مذ حل الدهر بنكباته في هذه الدار لم يطقن بها ~~السكنى، والعالم كما لا يخفى لا يحب بيوت المناحة ومعاهد الحزن، فتبا للدنيا من ~~صديقة مماذقة لا خير فيها! # هذا وإن بعض الأصدقاء المخلصين تخلفوا بعد خروج الجمهور؛ ليخففوا بحضورهم ألم ~~المصابين، ولكنهم لم يلبثوا بعد قليل استأذنوا بالانصراف واستودعوا البارون والقنصل ~~آسفين صامتين، فتلك غاية ما يصنع البشر في مثل هذه البلايا العظيمة، وتضميد مثل هذه ~~الجراح البليغة. # فلما صار منتصف الليل لم يبق في بيت القنصل سوى البارون وأهل العائلة، فكنت ترى ~~الديوان الكبير في حالة يرثى لها، وأثاث الدار مبعثرا مقلوبا، وآثار الفرح ~~والبسط ملقاة لا يعبأ بها. # وكان البارون جالسا في زاوية مطرقا إلى الأرض واجما وبقربه المسيو «ب» يسعى بأن ~~ينهض عزيمته ويقوي همته، بينما كان يخفي في قلبه ما كان هو عليه من الكآبة. # وفي قرنة أخرى من الدار كانت السيدة «ب» وابنتها «سوسنة» تذرفان الدموع مدرارة، ~~فسمعت وقتئذ طرقات ms12 الساعة الاثنتا عشرة فكان لها دوي موجع في قلوب أهل الدار، ~~أما البارون «دي لينس» فكان يعدها كدقات جرس الحزن في يوم وفاة بعض الأحباب ~~كأنها تنذر بخيبة آماله ونهاية ما تخيله لحياته من العز والسعادة. # 6 # لو دخلت أيها القارئ اللبيب بعد ثمانية أيام مضت على ما سردنا من الأخبار في بعض ~~مخادع دار القنصل «ب» لرأيت كهلا جالسا تلوح على وجهه أمارات الحزن وملامح الكآبة، ~~وما ذاك سوى البارون «دي لينس» بيد أن ما جرى لخطيبته أثر في مزاجه فتحسبه وهو في ~~ريعان شبابه كأنه أربى على الخمسين من عمره. # أما الحجرة التي يسكنها البارون فهي غرفة خطيبته «وردة»، فمنافذها المقفلة التي لا ~~يدخلها إلا نور طفيف جعلتها أشبه بغرفة تعرض بها الموتى، فهذه الحجرة كانت بقيت ~~على حالتها من النظام والترتيب كما كانت في عشية يوم العرس، فكان كل شيء في ~~موضعه حيث تركته الفتاة بعد دخولها على المدعوين، وكان فراشها ذاته في حالته من ~~التجعد لم تمسه يد لتهندمه، وكذا بقيت الوسادة والمصدغة وبقرب الفراش صوانة فيها ~~خفان وقفافيز ومبذلة وردية اللون. # هذا وإن القنصل مع كل آل بيته من الحشم والخدم كانوا في مدة هذا الأسبوع بذلوا ~~الجد والجهد ليقفوا للفتاة الضائعة على خبر في البلدة أو أرباضها فلم ~~يجدهم ذلك نفعا، وكان كل من يسمع بهذه القصة الغريبة لا يشك في أن الابنة ~~التجأت إلى الانتحار، وكان الناس يسندون قولهم هذا إلى ما كتبته «وردة» في بطاقة ~~وداعها أن من يطلبها لا يجد لها أثرا ولا خبرا. # وكان في ثاني يوم فقد الفتاة قد رست صباحا في الميناء سفينة روسية متهيئة ~~لأن تقلع عند الظهر فطلب القنصل من إدارة المراكب الروسية لعله تكون الابنة ~~قد ركبت السفينة، لكنهم بعد التفتيش أجاب العمال أن المطلوبة ليست من عداد ~~الركاب. # ولم يسه أهل الصبية أن يرسلوا إلى مدن سورية والأساكل عدة تلغرافات للاستعلام ~~عن الأمر، فكانت الأجوبة كلها بلا فائدة، فكف القنصل عن البحث؛ لئلا يطلع ms13 ~~على سر ما أفظع يجعل حياته وحياة ذويه أمر من الحنظل، أما القواسون والخدم ~~فكانوا يطلقون لألسنتهم كل عنان فيخترعون قصصا أغرب من أحاديث خرافة. # وكان البارون «دي لينس» طلب أن يسلم إلى يده مفتاح غرفة خطيبته؛ ليكون هذا ~~المسكن ذكرا وسلوانا له في بلائه؛ ولذلك كان أبقى كل الأثاث على حاله ساعة غابت ~~الفتاة عن نظره، فكان كل يوم ينفرد معتزلا في هذه الغرفة لتقر عينه بما ~~يراه من بقايا ذكرها لعله يجد شرحا لهذا السر المكنون، فكان قلبه يلقي السؤال ~~على كل هذه الذخائر ليطلع بها على حقيقة الأمر، فما كانت تحير سؤالا، كما لم ~~ينل القنصل وزوجته جوابا عن ابنتهما بعد الإصفاء في السؤال. # ولسائل أن يسأل: و«سوسنة» ماذا كان من أمرها، وعندها كان نصف الخبر؟ # نقول: إن «سوسنة» بعد ما أصابها من الاضطراب لغيبة أختها بقيت مطرقة ~~ساكتة، إلا أنه كان يلوح على وجهها أنها جهينة الخبر قادرة على فك هذا ~~اللغز، بيد أنه لم يجسر أحد أن يلقي عليها سؤالا في هذا الصدد حتى ألحت عليها ~~يوما أمها وناشدتها الله بأن تعلمها عن حقيقة الأمر إن كانت تعرف منه شيئا، ~~فتنهدت الصعداء ثم قالت: «الويل لي يا أماه! قد ماتت شقيقتي فداء عني، فإني ~~أنا سببت لعائلتنا هذا الحداد الذي أصابنا جميعا.» # قالت هذا وأخذت في العويل ثم ألقت بنفسها في حضن والدتها، وأردفت: «قد استولى على ~~قلبي حب البارون «دي لينس»، فكان هذا الهيام في باطني كآكلة كادت تنهك قواي ~~وتذهب بحياتي إلى يوم خطبة أختي «وردة»، فأحست هذه بكنين صدري، ولما غشي علي ~~في ليلة العرس وتوارد الكل فأحدقوا بي لمساعدتي خطر ببالها فكر مشئوم حملها على ~~أن تفعل ما فعلت، فخرجت دون أن يشعر بها أحد، ودخلت في غرفتي، فوجدت بين أوراقي ~~الخاصة رقعة كنت كتبت فيها ما يلي: # لو درت أختي ما استعر في صدري من اللهيب وأنها وحدها قادرة على أن ~~تخمد في هذه النار لتنازلت لي عن حقوقها، ولولا ms14 ذلك لفاتتني السعادة وصارت ~~شقيقتي الحبيبة علة هلاكي وسبب موتي. # فقرأت أختي هذه الأسطر وألحقتها بما تنظرين.» # قالت هذا وناولت «سوسنة» أمها الورقة فإذا مكتوب في ذيلها: # كلا يا «سوسنة»، لا تموتين لأجلي، بل كوني سعيدة في مدى حياتك، ولست أنا ~~بأهلة أن أعكر كأس سعادتك مع ما أعرفه فيك من السجايا الحميدة ~~والمزايا الفريدة، ولا أشك أن البارون خلق لك كما خلقت له، فنوبي ~~عني في الحظوى عنده، فهذه وصيتي أو بالأحرى أمري إليك، واعلمي أن أختك عند ~~الفراق لا تجد سلوانا إلا إذا تحققت كونك سعيدة وأنك صرت بارونة «دي ~~لينس». # شقيقتك «وردة» # فما سمعت أم «سوسنة» هذا الكلام حتى اضطربت حواسها وخامر قلبها القلق، بيد أنها ~~تجلدت وسألت ابنتها: «وما قولك في «وردة»؟ أترين أنها بعد في قيد الحياة؟» ~~- لا أدري يا أماه، إلا أن في هذا الأمر الذي وجهته إلي مع قولها إنها ~~ستسلو بسعادتي ما يشعر بأن أختي لم تمت ... ولكن كيف يميل قلب خطيبها إلي بعد ما ~~طرأ على قلبه من الحزن بسببي؟ # 7 # بعد هذا الحديث بين الابنة وأمها بقيت الأمور على أحوالها في الدار القنصلية ~~مدة شهر كامل، أما البارون «دي لينس» فلم يزل يتردد إلى غرفة وردة يقضي فيها ~~الساعات الطويلة، وكان جعلها كمتحف جمع فيه كل ما أصابه من حوائج خطيبته، فنظمه ~~فيها تنظيما حسنا، فكان تارة ينظر إلى ما طرزته يدها من الثياب، وحينا يطالع ~~كتاب صلاتها، أو يقرأ صفحات من رسائلها الخاصة، فلا يدع شيئا مما يذكره بتلك ~~التي شاطرها يوما قلبه، وكثيرا ما كان يأخذ هذه الذخائر فيضمها إلى قلبه لتقوم ~~عنده بمقام شخصها الحبيب. # وكانت «سوسنة» تحاول أن تضمد جراح قلب البارون، إلا أن مساعيها كانت تذهب ~~سدى. # أما الأم فبقيت زمنا طويلا وهي لم تجسر أن تعلم أحدا بما أوحت إليها ابنتها، ~~وفي آخر الأمر أفشت سرها لزوجها القنصل آملة أنه بدرايته وحذقه يدبر كل شيء ~~على أحسن طريقة، فما علم القنصل بحقيقة الأمر حتى ms15 رأى لهذه الحالة الحرجة ~~مناصا. # فلما كان مساء بعض أيام كانون الثاني انقشعت الغيوم بعد أن همت طويلا الأمطار ~~المدرارة، وعاد للسماء صفاء أديمها، وركدت مياه البحر فتحلت بزرقة ناصعة، ~~بينما كان جبل صنين يظهر للعيان عن بعد مشتملا ببردة ثلوجه الغراء، وأشجار ~~اللوز زاهية بأنوارها الفاغمة، وازدهت ربى بيروت بزهور الربيع فصارت كأنها روض ~~نضير، فانتهز القنصل هذه الفرصة ليعرض على صهره السفر إلى جهات بلاد اليونان، وكانت ~~غايته بذلك أن يشغل بال البارون بزيارة أصحابه، ويعيد لابنته «سوسنة» ما فقدته من ~~الراحة والسكينة، فأجاب البارون إلى سؤله، وبعد إعداد لوازم السفر ركبوا البحر ~~طالبين مرفأ البيرة. # وفي واقع الأمر ما كاد البارون مع عائلة القنصل يطأ أرض اليونان حتى انتعشت قواه ~~وسكن بلباله وهدأ خاطره، وما لبث أصدقاؤه أن يأتوه زرافات ليقرءوا عليه السلام، ووافق ~~وصوله اكتشاف عدد وافر من العاديات والدمى والرسوم القديمة البديعة العمل، فكنت ~~تراه يتردد إلى المتاحف؛ ليطلع على هذه البقايا الجليلة، ويكتب عنها مقالات ~~يرسلها إلى المجلات العلمية. # ولما كان البارون لا يجهل شيئا من أحوال أثينة وتاريخها وآثارها القديمة، أقام ~~نفسه كدليل لحميه القنصل ولعائلته فزاروا أولا هيكل الإلهة «مينرفة» الشهير ب ~~«البرتينون» ثم سائر أبنية المدينة فردا فردا، وكان البارون يصف لهم رسم البلد ~~فيشبهه بقرص كبير من الحلوى قسم إلى أربعة أقسام، فالخطان المعترضان هما ~~سكتا إيول وهرميس، وفي الوسط مركز البلاط الملكي الذي بلغت نفقاته ثمانية آلاف ألف من ~~الدرخمات، وهو مع ذلك أشبه بثكنة جنود أو بمستشفى المرضى، ويحدق بالبلاط بستان ليس ~~سواه في البلدة جمعاء ليستظل به الأهلون. # وكان عند دخول البارون وعائلة القنصل إلى أثينة قد حشدت فيها الجنود فتعرض يوميا ~~على مرأى الشعب، وكان الناس يزدحمون في القهاوي فتعلو فيها جلبتهم، فيقرءون الجرائد ~~ويصرخون طالبين إشهار الحرب، وينسبون رئيس الوزارة «تريكوبيس» إلى الجبن والفشل. # فكان القنصل وهو من مشاهير الضباط لا يتماسك عن الضحك؛ لما يراه في جنود اليونان ~~من سوء النظام وقلة النظافة في ms16 الملابس الرسمية، وما كان يزيده عجبا كثرة ~~الضباط بالنسبة إلى عدد الجنود، وكان أكثرهم من الشبان خرجوا حديثا في المكتب ~~العسكري، وهم مع ذلك يتباهون بهندامهم وقبعاتهم الواسعة المستطيلة وأطواقهم العريضة ~~الصفراء. # وكان القنصل يفكر في ما عسى أن يفعل هؤلاء الضباط المرجلو الشعر المطيبون ~~بأنواع الطيب كالنساء، وكيف تقوم لهم قائمة بإزاء أعدائهم وهم يظنون أن ثرثرة ~~الكلام والبذخ يكفيان للفوز بالانتصار؟! # إلا أن البارون كان معجبا بفرقة «الإفزن» # efzones # فيثني على ملابسهم الوطنية وهي السراويل البيضاء والشملة ~~المزركشة والنعال الحمر المعقفة الرأس في طرفها رعث أزرق تدعى بال ~~«تساروكاس» # tsaroukas # وتبلغ قيمة لبس كل فرد ~~ثلاثة آلاف فرنك، وهذه الفرقة اختصها الملك لنفسه بصفة حرس شرف. # ولما لم يبق في العاصمة ما يستلفت أنظار سياحنا وتصبو لمشاهدته العين، شرعوا ~~لترويح النفس بامتطاء الجياد ذهابا إلى الأرباض، فزاروا مرثون وأطلال دلف ~~وأولمبية. أما «شرل» فقد عهد إليه القيام بإدارة وتنظيم شئون هذه الرحلات التي كان ~~بمعارفه الواسعة وأساليبه الفنية يزيدها رونقا ولذة بحيث تتوفر فيها الفائدة ~~والانبساط. # بل كان كأنه تقمص من الحياة ثوبا جديدا في تلك الديار العظيمة بتاريخها، أجل، ~~إنه بالوقوف لدى معاهد اليونان وأطلالهم تتنبه شعائر علماء الآثار القديمة وتزداد ~~فيهم أميال التأمل والاستطلاع، فلا غرو والحالة هذه إذا ما رأينا «شرل» متغاضيا عن ~~جميع المشاغل إلا العلم؛ ولذلك فإن شفتيه لم تكونا لتتلفظا باسم «وردة» إلا ~~فيما ندر، وقد عادت سيماؤه تتدفق طلاقة وهشاشة وملامحه تشير إلى الرصانة ~~والثبات، وهي الصفات الخليقة بأهل السياسة، وليس هذا فقط، بل إنه أجاب دعوة ~~الملك «جرج» والملكة «أولغا» إلى حضور الحفلات الشائقة التي أقيمت في القصر الملكي، ~~فاستقبله الملك والملكة بحفاوة ولطف؛ لما علماه من حوادث أموره المحزنة، وهكذا ~~أخذ جرح قلبه الصادق في الالتئام والالتحام رويدا رويدا دون أن يشعر ~~بالأمر. # 8 # وقد خطر للبارون في آخر جولاته في اليونان أن يذهب لمشاهدة «الميتيور» # Météores # وهي أديار قائمة في أبهج وأجمل مواقع ~~تسالية، وقد عرض هذا الخاطر ms17 على رفقائه فوقع لديهم أحسن موقع. # وبناء على ذلك فإنهم نحو منتصف شهر آذار شخصوا إلى البيرة، ومنها ركبوا سفينة أقلعت ~~بهم مارة بطريق «فالير» ورأس «سونيوم». # ووقفت لأول مرة لدى أرغاستيريه حيث مناجم «لوريوم» الشهيرة. أما هذه المدينة ~~فتبدو عليها مظاهر الهمجية والبداوة، وترى مداخن كبيرة منتصبة فوق معاملها، وكان ~~الدخان المتصاعد منها يجعل سماءها أشبه بسماء البلاد الشمالية المتلبدة فيها غيوم ~~الأمطار على أنها لا توافق سماء شرقية تبهج الأبصار بصفائها الرائق وجمالها ~~الفتان كما هو الغالب على جزائر اليونان. # ثم دخلت السفينة الخليج الفاصل بين البلاد اليونانية وجزيرة أوبي وهو الخليج المتسع ~~في أوله المتضايق رويدا رويدا حتى مدينة كلسيس حيث يتصل الشاطئان بجسر ~~يمكن تدويره، وفي هذا الموضع يبدو لك مشهد غريب من المد والجزر، وذلك أن جري الماء ~~يندفع برهة من الشمال إلى الجنوب ثم يرجع إلى الوراء. # ثم وصلت السفينة غلوص «فولو» أحد ثغور تسالية البحرية، وهي مدينة كثيرا ما ورد ~~ذكرها في أخبار الحرب الأخيرة التي نشبت بين الدولة العثمانية واليونان. # ولا بد من القول إن غلوص إنما هي باب تلك الولاية كلها على أن أصحابنا - ~~أي البارون ورفاقه - لم يطيلوا المكث فيها، فما لبثوا أن ساروا في وجهة لاريسة على ~~قطار السكة الحديدية فوصلوا ثاني يوم «كالاباكا» وهي المحطة التي ينتهي بها الخط ~~الحديدي لدى صخور «ميتيور» قريبا من حدود البلاد العثمانية. # هذا وإن الجائل في تلك الربوع الجميلة يرى وراء «كالاباكا» على مسافة من المخانق ~~التي يستطرق فيها نهر بينايوس عددا عديدا من الصخور العظيمة الهائلة نحتتها ~~الأدهار ونقشتها الأزمنة والأعصار ورسمت منها المياه المندفعة عليها رسومات متشكلة ~~متنوعة، وعلى قنان كثير من تلك الصخور بنايات عالية الدعائم وهي المعروفة باسم ~~«ميتيور» أي الصوامع المبنية في الهواء، فهذه الأديرة هي أشبه بأعشاش النسور قائمة ~~على شواهق الصخور لا يرتقى إليها بسبيل سابلة. # على أن من أراد الصعود إلى تلك الأديرة فعليه أن يجلس في قفة مشدودة إلى طرف ~~حبل طويل يأتي ms18 الرهبان فيرفعونه إلى فوق بواسطة بكرة، ذلك هو «المصعد» القديم الذي ~~ما برح مستعملا على بساطته في أديرة تسالية «الهوائية» في أيامنا هذه. # فأخذ أصحابنا في الصعود على الطريقة التي مر بك ذكرها فأحسوا بالدوار؛ لأن ~~الصخر الذي صعدوا لدى حائطه كان مرتفعا جدا يبلغ علوه زهاء مائة متر، ~~ولما كان ثقل إنسان واحد أو اثنين لا يكفي لتركيز الحبل على خط عمودي فيحدث ~~عن ذلك أن الصاعد على هذه الطريقة يرتفع تارة بسرعة كلية وتارة يميل ذات ~~اليمين أو ذات اليسار تبعا لصفقات الهواء ثم يصادم الصخر مباغتة حتى إذا ~~بلغ السطح تقدم راهب وبيده خشبة طويلة محاولا جذبه إليه، ولما كان ~~الراهب يخشى على نفسه السقوط في اللجة فتراه يشرع في اجتذاب الصاعد إليه بتأن ~~وروية، وربما أعياه التعب فيعود إلى مقره ليستريح ويبقى ذلك الصاعد المسكين يتمايل ~~في الفضاء على ما يشاء الهواء منتظرا قوة جديدة تجذبه إلى الداخل، وقد كان صعود ~~أصحابنا في هذا المصعد بطيئا جدا وكثيرا ما أوشكوا أن يصادموا الصخر. # على أنهم بلغوا السطح وذلك بعد أن أقبل إلى آلة الجذب هذه ثلاثة من الرهبان في سن ~~الشيخوخة أجسامهم ضئيلة عجيفة ووجوههم متغضنة وظهورهم أحنتها الأيام، فلما رفع ~~المسافرون الأربعة صافحهم الرهبان الثلاثة بهمة وحرارة قلب، إلا أن تلك الحرارة ~~فترت بعض الفتور عند نظرهم النساء وعندما لحظ أولئك الرهبان الأرثوذكس أن ضيوفهم ~~ليسوا من جماعتهم. # وللحال بادر «شرل» فقدم لرئيس الرهبان رسائل التوصية من وزير المذاهب ومن مطران ~~أثينة، وعندئذ أخذ الرهبان في إبداء الحفاوة والانعطاف مع شواهد المحبة ~~والتودد. # وكان «شرل» مبتهجا فرحا متأملا بذلك المصعد وما أحدثه من التأثير في نفوس رفاقه ~~وشرع يتفقد معاهد الدير جميعها، فتارة يسأل الرهبان مستفهما عن الحوادث ~~مستطلعا طلبهم فيما أشكل عليه، وتارة يشاهد بنظارته ما حول الدير من المشاهد ~~الرائقة التي لا يمكن استجلاؤها بالعين المجردة، وقد استمال إليه قلوب ~~الرهبان واستهوى ألبابهم بمعرفته اللغة اليونانية تمام المعرفة وبرقة حاساته وسلامة ~~ذوقه، كما ms19 أنه أعرب عن محبته لهم واعتباره مقامهم وقدم لهم من لفائف التبغ ~~«السيكارات» حيث كانوا مولعين بتدخينه؛ لأن التدخين كان اللذة العالمية الوحيدة ~~التي كانوا متمتعين بها وهم يظهرون التجرد عما سوى ذلك من الأمور ~~الأرضية. # وكان «شرل» بأثناء تفقده قلالي الدير عثر على كتاب يوناني خطي قديم فبادر ~~إلى «سوسنة» وأطلعها على ما فيه من الرسوم والنقوش. # وعند المساء قدم الرهبان لضيوفهم مأدبة العشاء وكان أخص ما عليها من الطعام ~~الزيتون والجبن وبعض أثمار يابسة، وبأثناء الطعام أخذ راهب متقدم في ~~السن يقص على الضيوف أخبار البلاد وحوادثها فسر البارون بذلك منتهى ~~المسرة. # وقد استرسل هذا الراهب المخبر في الكلام عن «إيتافروس» فقال عنه: إنه غول يقتات ~~باللحوم البشرية، وأنه في كل شهر كانت تقدم له فريسة يلتهمها إلى أن جاءت نوبة ~~أسرة ملك تلك البلاد بتقديم الفريسة، وكان ذلك الملك شيخا له بنتان شقيقتان توأمتان ~~عمر كل منهما 18 سنة متشابهتان لطفا وجمالا، اسم إحداهما «صوفية» والأخرى ~~«إلبيس»، فاحتار الملك فيمن يختار منهما ليقدمها للغول، وبالقضاء والقدر أصابت ~~القرعة «إلبيس» التي كانت إذ ذاك مخطوبة لأمير من أمراء إبيروس، فأخذ اليأس من ~~«إلبيس» كل مأخذ، ولما نظرت صوفية ما كانت عليه شقيقتها من الحزن والقنوط تحرك ~~دم النخوة في عروقها وعزمت عزما دونه شجاعة الأبطال، وذلك أنها ليلة اليوم الذي ~~فيه وجب على شقيقتها أن تقرب للغول «إيتافروس» توارت «صوفية» عن قصر أبيها وانطلقت ~~في سبيل الجبل متجهة إلى المغارة التي كان الغول مختبئا فيها، ولكن رغما عن ~~شجاعتها وإقدامها قد أخذ منها الخوف كل مأخذ، فاكفهر لونها، وارتعدت فرائصها ~~فصارت أشبه بالخيال ... # فعندما وصل الراهب عند هذا الحد من الخبر اصفرت ألوان البارون وشرع قلبه ~~يخفق، فلحظ منه القنصل ذلك، وللحال تظاهر أنه منحرف الصحة فنهض عن المائدة ونهض ~~معه الجميع سائرين وراءه. # ولما كان صباح اليوم الثاني باكرا غلسا زايل قومنا دير القديس «برلعم» ~~وانطلقوا يزورون ساحة الوغى الشهيرة في فرسالة، ولما كان البارون عالما بالآثار ms20 ~~القديمة على ما مر بك الخبر أخذ يدل رفاقه على أماكن ومحال الموقعة الشهيرة ~~التي انتهت بها الحرب بين قيصر وبومبة، وكان يقص عليهم حوادثها وبأثناء محادثته عادت ~~إليه الطمأنينة وصفاء البال بحيث ظهر للحاضرين أن ما كان حل به بالأمس من ~~التأثر زال تماما، ثم عادت الجماعة إلى العاصمة أثينة بطريق لاريسة وغولص. # 9 # ولما بلغوا أثينة وجد البارون غلافا ورده بالبريد ففضه وإذا فيه ~~محررات من وزارة الخارجية، ولما قرأه بهت منذهلا؛ إذ علم أن دولته ناوية أن ~~تنصبه سفيرا مرخصا لدى حكومة بخارست. # على أنه لم يتردد في أمره، بل بادر للحال للاستقالة من هذا المنصب، فرفع لحكومته ~~مفترض الشكر والمنة؛ لما لها من الثقة به، وصرح لها بما عزم عليه من ~~الانقطاع عن الخطة السياسية ومناصبها، أجل! إنه عزم من الآن فصاعدا على الانضمام ~~إلى أسرة «ب» الكريمة مشاطرا إياها حظها من الحياة؛ وذلك لأن هذه الأسرة قد ~~فتحت له صدرها شأن الأم نحو ولدها، بل عاملته معاملة ابن لها بالذات؛ ولذلك عقد ~~النية على الرجوع إلى مدينة بيروت قصد أن يقضي فيها حياة منفردة مرددا في ذهنه ~~ما تخطره تلك المدينة على باله من التذكرات. # ولما علمت أسرة «ب» ما كان طرأ على «شرل» من الهواجس وما شغل قلبه من الشواغل التي ~~جعلته أن يأبى المناصب الجليلة لينضم إليها مدى الحياة - تأثرت لحسن وداده هذا وزاد ~~انعطافها إليه، فصارت منزلته عندها منزلة الروح من الجسد. # وقد علمت مما مر بك ذكره أن هذه الأسرة كانت قد أحبت «شرل» محبة الآباء ~~لأبنائهم؛ لما كان متصفا به من المحامد الفريدة، أما الآن فقد تعززت هذه ~~المحبة بما يمازجها من الرجاء بمصاهرته، بل أصبح القنصل وزوجته يعلقان على هذه ~~المصاهرة خير أسرتهما ورغدهما وحسن حالهما في مستقبل الحين. # أما «سوسنة» فإن حبها ل «شرل» كان يزداد وينمو يوما فيوما، بل امتزج الحب ~~بنوع من التجلة والتكرمة لذاك الشاب البالغ في نظرها مبلغا ساميا من الكمال، بل ~~كانت تشعر ms21 أنها هي ذاتها ترقى معارج الصلاح والكمال بمماسة نفسها نفس «شرل»، تلك ~~النفس الكريمة الشريفة الغنية بالفضائل السامية، فنشأ في قلب «سوسنة» من جراء ~~ذلك مطمع جديد ألا وهو ألا تكون دونه فضلا وكمالا. # أما البارون فكان يستغرق أوقاته مهتما في الآثار القديمة وما يتعلق بها من ~~المباحث، على أنه لما كان يرى ملازمة «سوسنة» له بلطافة ووداعة وتأدب أخذ ~~رويدا رويدا يعتاد النظر إليها كنظره إلى ملاك يقطر من يديه ندى التعزية ~~والرجاء، بل اتصل به الأمر إلى أن يرى فيها صورة حية لخطيبته «وردة» التي ~~كان شحوب لونها يوافق تمام الموافقة ما في نفسه من حاسات الكآبة والحزن، فكان ~~من ثم ينظر إليها عن رضى ويصغي بارتياح جملة ساعات إلى كلامها، بحيث إنه عندما ~~كان يتردد البارون عن قبول ما تعرضه الأسرة والأصدقاء من حضور حفلة انشراح أو الذهاب ~~إلى النزهة كانت تتوسط «سوسنة» بالأمر، وكان النجاح دائما نتيجة وساطتها؛ لأن «شرل» ~~لم يكن ليأبى عليها إجابة طلب. # ومجمل القول: أن ذلك الأب الشهم بعد أن قضى مع أسرته زهاء أربعة أشهر في عاصمة ~~البلاد اليونانية ترويحا للنفس عول على الإياب، وكان قد نزل في قلبه وقلب زوجته شيء ~~من التعزية والسلو، بل لقد لمعت في عينه بارقة الآمال؛ إذ رأى «شرل» و«سوسنة» ~~متكاتفين لدى ركوبهما السفينة الماخرة عباب البحر ذهابا إلى بيروت. # 10 # وكان سفرهم شهر حزيران على الباخرة «الزهرة» التي تأخر موعد وصولها إلى بيروت ~~نحو نصف نهار شأن جميع سفن شركة اللويد النمساوية، على أن البحر لم يكن هائجا ثائرا ~~لا تكاد ترى على بساطه الأزرق غير جعودات يعقدها النسيم، لكن ضباط سفن شركة اللويد ~~النمسوية يضرب المثل بحكمتهم وتحذرهم من الأخطار؛ ولذلك كانت السفينة «الزهرة» تسير ~~الهوينا مجتازة جزائر الأرخبيل في اليونان قاطعة على رسلها الرءوس والخلجان الواقعة ~~عند سواحل إزمير وقرمانية وسورية، ولما انتهت إلى بيروت دخلت مرفأها بعظمة ~~ومهابة، وكان في ساريها الكبير راية تخفق مشيرة إلى أن في الباخرة قنصلا أو ms22 أحد ~~منصبي السياسة. # وقد بلغت الباخرة بيروت عند الهاجرة ، وكان القيظ مستعرا والهواء حارا ساكنا على ~~أنه كان يتخلل ذلك السكون نفحات تهب من مخانق لبنان لكنها ما كانت لتصل بيروت ~~إلا والحرارة الشديدة قد دبت فيها بحيث كان يخيل للناس أنهم يستنشقون لهيبا ~~لا هواء. # وكانت السماء صافية يمازج زرقتها هبوات القيظ حتى كأن الجو يستعر استعارا ~~ويشع نارا، وكان ميزان الحرارة قد بلغ الدرجة السادسة والثلاثين في الظل، وكان ~~منذ الصباح آخذا في الارتفاع دالا على كون ذلك النهار ذا حرارة نادرة المثل من ~~شأنها أن تقتل الإنسان اختناقا. # وكان ماء البحر ساخنا جامدا كأنه صفيحة مرآة من الفولاذ الصقيل، تنعكس فيه ~~أشعة الشمس المحرقة كأنها سهام من نار إذا نفذت في العين أدركها العمى. أجل، ~~إن بيروت بقعة سورية الخضراء كانت في ذلك النهار فريسة للقيظ الشديد الذي اشتدت ~~وطأته عليها حتى لم يبق لها إلا أن ترتمي هزيلة جعيفة على الرمل المحرق ~~المحيط بها. # وكان القواسون قد أقبلوا على الشاطئ منذ شروق الشمس بملابسهم الرسمية ~~المزركشة بالذهب يتقدمون مأموري القنصلية وعددا كبيرا من الأصدقاء وجميعهم ينتظرون ~~بذاهب الصبر قدوم المسيو «ب». # أما السفينة «الزهرة» فإنها ألقت مرساتها على مهل وبعد أن جرت المعاملات ~~الرسمية اللازمة دنت القوارب من السفينة وتعلقت بها، وعندئذ تصافح الأحباب ~~والأصدقاء وتبادلت التهانئ بينهم، وكان وجه القنصل العام يتدفق بشرا ويقطر لطفا ~~وهشاشة، والبارون نفسه مع ما يتنازع قلبه من الهواجس لم يتمالك عن الابتسام والبشاشة، ~~وبعد هنيهة من الزمن انطلقوا جميعهم قاصدين دار القنصلية. # وكانت الأم - لما آتاها الله من بعدة الرأي وحسن التدبير - سبقت الجميع إلى ~~الدار؛ لاتخاذ التحوطات اللازمة؛ لتصرف عن نظر خطيب ابنتها المشاهد التي من ~~شأنها إثارة الشجن، وكان أول ما طلب البارون عند صعوده درج الدار القنصلية أن ~~يزور غرفة «وردة»، وكان أبقى مفتاحها معه، فأجابه الجميع إلى طلبه برقة ولطف، ~~وأقبل عليه المسيو «ب» وخاصره بحنان مرافقا إياه في هذه الزيارة المحزنة. # ولما رأى «شرل» ms23 الباب مقفلا شكر لمضيفه انصياعه إلى ما كان قد رغب فيه، وقال ~~في ذاته: «إن مقدسي لم ينتهك حرمته أحد أثناء غيابي، وبناء على ذلك سأجد فيه ~~البقايا المكرمة والآثار المحبوبة لدي على ما تركتها من الحال لدى تأملي ~~إياها المرة الأخيرة.» # وبينا كان يتكلم هكذا اختلجت شفتاه وامتقعتا وابتسم ابتساما خالطه الحزن والكآبة، ثم ~~اندفقت الدموع من عينيه فكانت لهما حجابا شفافا، ثم فتح الباب فما كاد البارون ~~يرمي إلى الغرفة بالنظر حتى ارتد إلى الوراء مبهوتا مذعورا؛ لأنه لم ير ما كان ~~تركه في تلك الغرفة من عدم الترتيب وقلة الانتظام كما كان يوم توارت «وردة». # فلدى هذا المشهد تنهد البارون شديدا وأن أنينا وأقبل على القنصل يلومه على هذا ~~الصنيع، بيد أن رفيقه أسمعه من عذب الكلام ما سكن منه جأشه، وأنشأ في نفسه شيئا ~~من الانتعاش. # ثم شرع نظر البارون يجول في الغرفة متفقدا آثارها، فوجد كل شيء على ما يرام ~~من الانتظام والانتساق، فدله ذلك الترتيب على أن يد امرأة حسنة الذوق بارعة ~~اللطف قد تداخلت في الأمر، فألبست تلك الغرفة من الرونق ثوبا بهيا بحيث إن كل ~~ما فيها أضحى نظيفا رائقا يلمع بضوء شعاع الشمس. # فجعل البارون يبحث عبثا عن الخفين الحمراوين والقفازات «الكفوف» المتجعدة، ~~ولكنه لما لم يجد هذه الأشياء استولى على قلبه الحزن واليأس فرمى بنفسه وقد أعياه ~~التأثر والكآبة على مقعد في تلك الغرفة وهو منقبض الصدر تخنقه الحسرات ... وإذا ~~به للحال سمع من قصاء الغرفة حفيفا خفيفا، ثم ارتفعت السجوف بلطافة وبدت «سوسنة» ~~منجلية متوشحة بملابس شقيقتها الزهراء وفي قدميها خفاها الأحمران، فكانت على تلك ~~الحال أشبه بشقيقتها من الماء بالماء حتى خيل للبارون أنه يرى خطيبته عينها ... فصاح ~~متلهفا: «وردة، عزيزتي وردة.» ثم أسرع متطايرا إليها وألقى بنفسه فاقد الرشد بين ~~ذراعي «سوسنة» وهو لا يستطيع أن ينطق ببنت شفة بعد تلفظه باسم «وردة». # وللحال بادر إليه مضيفوه يحسنون القيام عليه بانعطاف يمازجه الخوف، وقد بذلوا ~~كل ما ms24 في الوسع لتسكين جأشه وإرجاعه إلى نفسه. # 11 # لما كان مساء بعض أيام الخريف كنت ترى الشمس عند أفولها ترمي بأشعتها ~~الأخيرة على بيروت، وتكسو قمم لبنان بحلل بهية تخالها من لون الورد والأرجوان، ~~وكان في المرفأ عدة سفن من كبار البواخر تهتز أعطافها لحركة مياه البحر ~~تثيرها الريح الشمالية، فمن كان يسرح نظره في تلك مشاهد الطبيعة وجد نفسه تائقة ~~إلى التخلي من هموم الحياة مجذوبة إلى الهذيذ في الخالق واعتبار المخلوقات. # وكان على باب المسيو «ب» عربتان ركب إحداهما القنصل الجنرال وزوجته المتردية ~~بملابس الحداد مع خادم وجارية، أما الأخرى فأصعدوا فيها رجلا كهلا فاقد الرشد ~~ممسوس العقل، جلس على جانبيه لمناظرته طبيب وفتاة يحجب اصفرارها برقع أسود، ~~والمصاب ببصيرته كان البارون «دي لينس» نفسه، وأما الفتاة فكانت «سوسنة» ابنة القنصل ~~«ب». # وذلك أن «شرل» كان لدى نظره ل «سوسنة» وهي متشحة بثياب خطيبته «وردة» أصيب ~~بدهش وحيرة عملا في عقله فخبل وجن، ولما بقيت كل الوسائط المتخذة في بيروت ~~لعلاجه غير ناجعة مدة شهرين وطد القنصل عزمه على نقله إلى فينة ليعالجه هناك ~~بعض نطاسيي الأطباء النمسويين. # فأقلعت السفينة في مساء ذلك النهار وتم السفر على غاية ما يرام من موافقة ~~الرياح وهدو البحر، ووصلت أسرة القنصل «ب» إلى فينة في أواخر تشرين الثاني. # وكان بقرب العاصمة في ضاحية هيتسنغ # Hietsing # على ~~مقربة من حديقة الصيد الإمبراطورية ومن الطريق المؤدية إلى مزار «ماريا برون» الشهير ~~جادة قصر على جانبيها صفان من شجر السنديان القديم تنتهي ببقعة من الخضرة، يظهر ~~وراءها قصر جميل أبيض اللون يتراءى رسمه منعكسا في بحرة يتراوح ماؤها بفعل نفحات ~~النسيم، وكان حول البحرة أشجار كبيرة هائلة، تمتد تحتها ووراءها من كل الجهات ~~حقول واسعة قائمة فيها بيوت صغيرة حمراء ومنازل للاصطياف معتدلة الحال منتصبة في وسط ~~الخضرة، وكانت شمس تشرين الثاني المكفهرة ترسل أشعتها الذهبية بين أغصان الأشجار ~~التي كان باقيا عليها شيء من الأوراق المصفرة جعدتها الريح الشمالية. # ففي هذا القصر الذي ms25 كان في سابق العهد منزلا لأجداده نزل «شرل دي لينس» وهو في حالة ~~يرثى لها، فكنت تراه صلب نهاره راقدا على مقعد في غرفته وهو ممتقع اللون واهن ~~القوة تغيرت بهجته وتنكرت بشاشته وخمد نوره وذهب بهاؤه حتى أصبح لا يعرفه من ~~كان قد اعتاد النظر إلى ما كان عليه من الزهرة اللامعة والنضارة ~~الرائقة. # وبينا كان نطس الأطباء يبذلون ما في وسع العلم لإصلاح الاختلال الذي طرأ على ~~عقل البارون، التمس والدا «سوسنة» مساعدة جمعية من الراهبات الزاهدات اللواتي كان ~~لهن في فينة شهرة طائرة بأعمال الرحمة، وكان من جملة أعمالهن المبرورة ومساعيهن ~~المشكورة الذهاب إلى منازل المرضى للقيام عليهم أثناء المرض، فأجابت رئيسة الراهبات هذا ~~الطلب بمحبة، ولما لم يكن لديها إذ ذاك لمثل هذه الخدمة الشريفة سوى راهبة واحدة ~~أمرتها أن تذهب لتمريض ذلك البارون المنكود الطالع وبذل الاعتناء به. # وكانت تلك الراهبة صبية اسمها «أغنس» قد مرت عليها منذ عهد قريب السنة ~~المسماة في عرف الرهبانية بسنة الابتداء، وكانت تلك الراهبة في زهاء العشرين من ~~عمرها، بيد أن الناظر إليها كان يخال له أنها في نحو الثلاثين على الأقل؛ ~~وذلك لما أصابها من الهموم الباطنة والمشاغل العقلية والمتاعب الجسدية، فضلا عما ~~قاسته في سبيل دعوتها الرهبانية الجليلة، تلك الدعوة التي لا تليق إلا بمن كانت في ~~نفسه شهامة الأبطال. # أجل، إن تلك المتاعب والهموم كانت لعبت بصحة الراهبة المتقدم ذكرها، ~~فذهبت بجمالها وغيرت منظرها البهيج وأزالت من ملامحها تلك النضارة السنية والرونق ~~الطري الخاص ببعض الأسرات الحسيبة. # 12 # ولما مثلت هذه الراهبة لأول مرة بحضرة القنصل «ب» وزوجته اهتزت جوارحها ~~وارتجفت فرائصها واختلجت أعضاؤها، وبأقل من لمح البصر اندفع الدم من قلبها المضطرب ~~فلون خديها العجيفين الممتقعين بحمرة وردية، على أن الأب والأم المومأ ~~إليهما لم يكونا ليلحظا ما طرأ على تلك الراهبة من الاضطراب والتأثر السريعين؛ ~~وذلك لأن الحزن كان شديد الوطأة عليهما لا يعيان شيئا ولا يدركان أمرا. # وكانت الراهبة الفتية تقوم بواجبات مهمتها ms26 بإخلاص لا يماثله في التناهي ~~إلا تقواها الحميمة التي كانت تستطرق إلى النفوس محيطة بها كالشمس تنفذ أشعتها في ~~الأجسام الشفافة، وفضلا عن ذلك فإن حركاتها وسكناتها كانت تشير إلى كرامة أصلها ~~وطيب عنصرها، وكانت الديانة قد تجسدت فيها بصورة حية، بل كأنها الرحمة قد تقمصت ~~بها ثوبا قشيبا؛ ولذلك فإن تلك الراهبة استهوت النفوس بدون أن تشعر بالأمر واستلفتت ~~الأنظار إليها استلفاتا. # وكانت السيدة تسر خاصة بمحادثتها ومكالمتها، وتشعر على أثر كل محادثة بابتهاج ~~داخلي يخامر نفسها، بل كثيرا ما كان صوت تلك الراهبة غير المعروفة منها يخترق ~~أعماق أحشائها وتهتز منه جوارحها دون أن يدرك لذلك سببا، وحاولت مرارا عديدة أن ~~تستنطقها عن أمر بلادها وأهلها، ولكنها كلما تأتي بمثل تلك المفاتحات كانت الراهبة ~~«أغنس» تحول المكالمة إلى موضوع آخر؛ ولذلك عمدت السيدة «ب» إلى الإقلاع عن تلك ~~المخاطبة؛ لئلا تحزنها، محترمة بذلك رصانتها وتحفظها، بيد أنها أدركت رغما ~~عن ذلك أن والدي الراهبة ما برحا في قيد الحياة، وأنها غير مولودة في بلاد ~~النمسة. # ومما يذكر أن الراهبة كان يبدو على محياها سيماء الانزعاج عندما كانت تجتمع ~~ب «سوسنة» بل كانت تبذل جهدها؛ لكي لا تقابلها على انفراد، بل إن «سوسنة» لحظت جملة ~~مرات أن الراهبة كانت تحول عنها نظرها؛ لتكفكف دمعة تندفع من عينها ~~فورا. # وفي أحد الأيام ورد بريد سورية وفيه للقنصل «ب» مكاتيب ورسائل متعددة، فأخذ ~~يقرأها وشرع أهل البيت يتحدثون بالأخبار الواردة من بيروت ولبنان، وكانت الراهبة ~~«أغنس» في تلك الفرصة مهتمة شديد الاهتمام بتحضير دواء للبارون على أنها لما ~~سمعت كلمة بيروت التفتت إلى القوم بالرغم عنها، ولم تتمالك أن أبدت حركة دلت على ~~اهتمامها ورغبتها في الاستجلاء والاستطلاع، لكنها انتبهت حالا لأمرها ورجعت عن تلك ~~الحركة الفارطة منها ذهلا، بيد أن زوجة القنصل لحظت منها ذلك، فقالت لها مستفهمة: ~~«يظهر لي أن حوادث سورية تهمك يا حضرة الأخت.» # فأجابت الراهبة بقولها: «صدقت أيتها السيدة الفاضلة، إنني كنت دائما أغبط ~~سكان تلك ms27 البلاد الجميلة، أوليست تلك البلاد وطن المخلص؟! أوليس قد تمت فيها ~~أسرار ديانتنا المقدسة المتناهية في تأثيرها بالنفوس؟! أجل، إنني في صباح هذا ~~اليوم نفسه بينا كنت أتلو فرضي القانوني؛ إذ وقفت على وصف جميل عن لبنان وعن عظمة ~~الأرز القائم على رءوسه ... وفضلا عن ذلك أن الهواء في تلك الربوع لطيف منعش ~~نقي صاف ليس فيه ما نراه هنا من الكدورة والغيوم المتلبدة والمطر الرذاذ المنهمل ~~عندنا منذ أسبوع ...» # ثم انقطعت إلى موضوع آخر فقالت ملتفتة إلى المريض بعين الشفقة: «لهفي على ~~البارون، فإنه منذ جملة أيام لم يستطع الذهاب لاستنشاق الهواء النقي.» # وقد اجتهدت أن تمزج بكلامها هذا السذاجة الفطرية بلهجة الانعطاف الخالص والصداقة ~~المجردة، وهي اللهجة التي عرفت بها طائفة الراهبات حتى إن زوجة القنصل لم ~~يخطر لها إذ ذاك أن في الأمر سرا. # على أنها بعد خروج الراهبة من الغرفة أخذت تحادث زوجها بمحامد الراهبة «أغنس» ~~مكررة ذكر سجاياها، فوافقها على ذلك القنصل و«سوسنة» كل الموافقة، بحيث إن ~~العائلة كلها فتنت بجمال تلك الفضيلة اللامعة بالوداعة والإخلاص والحشمة ~~والاعتدال. # 13 # إن العلة التي كان «شرل دي لينس» مصابا بها كانت في ابتداء إقامته في فينة قد ~~تمكنت منه أيما تمكن حتى غادرته هزيلا نهيكا، بل اتصلت به الحال إلى درجة لم ~~يكن ليقبل معها تناول الطعام إلا من يد الراهبة القائمة بخدمته في مرضه، وكانت نوب ~~السويداء تتعاقب عليه بكثرة فتثور فيه ثائرة الغضب، وإذ ذاك عندما كان يعجز ~~الرجال الأقوياء عن إخماد ثورة حنقه كانت تقبل عليه تلك الراهبة الفاضلة فتتمكن ~~بكلمة واحدة لطيفة من تسكين جأشه المضطرب وتخميد نبضه النابض، وعليه فإنها كانت ~~تقضي شطرا كبيرا من الليل لدى فراشه، بل إنها لم تكن لتلتمس لنفسها الراحة إلا ~~زهاء ساعتين أو ثلاث ساعات، بل كثيرا ما تستيقظ أثناء تلك المدة على صراخ واستدعاء ~~البارون الذي لم يكن ليرضى بأن تفارقه دقيقة. # ولما كان الهواء نقيا والجو صافيا كان يذهب البارون «دي لينس» المنكود الحظ ms28 ~~إلى التماس النزهة في حديقة «شنبرون» الجميلة التي كانت مكارم الإمبراطور سمحت لأهالي ~~فينة أن يروحوا النفس فيها، وكان يذهب إلى تلك الحديقة راكبا عربة تحف به كل ~~من «سوسنة» والراهبة اللتين كانتا متناظرتين في إخلاص الخدمة له والعناية به كأنهما ~~له ملاكان حارسان، وكان وجه البارون الممتقع الكاسف يوجب الخيفة من أن يصبح داؤه ~~عضالا عقاما لا دواء له، وكان يتبادر للذهن لدى مشاهدة عناية الصبية ~~«سوسنة» والراهبة «أغنس» به أن نفسيهما الكريمتين متحدتان بعاطفة واحدة من ~~النزاهة والإخلاص. # وقد حدث أن البارون ورفيقيه الراهبة و«سوسنة» ذهبوا مساء يوما ما في التماس ~~النزهة المحكي عنها، فبقيت السيدة «ب» وحدها في البيت فتمكنت بانفراد عن «سوسنة» من ~~إطلاق العنان لعاطفة أحزانها فجلست في غرفة البارون وشرعت تبكي سرا. # وهناك مرت بخاطرها ذكر حوادث السنتين المنقضيتين، فذكرت وصول البارون مصيفها في ~~لبنان ثم تبادر لذهنها كيف أنها شهدت ذلك الانعطاف القوي الذي اجتذب قلب البارون ~~إلى نفس ابنتها «وردة» بقوة غالبة، وكيف أنها هي ذاتها حسبت نفسها سعيدة بتعزيز ~~الانعطاف في فؤاد ذلك الشاب الشريف اللامع كالشهاب. # ثم أخذت تهذ في تلك الأماني الحلوة العذبة الشهية التي كانت هي وزوجها يعقدان ~~الآمال على تحقيقها في مستقبل الحين، تلك الآمال التي كانا يعلقان عليها سعادة ~~بنتهما العزيزة باتحادها برباط الزيجة مع أكرم رجل، تلك الآمال التي كانت ~~تريهما أنهما لدى بلوغهما في الشيخوخة سيلاقيان «شرل دي لينس» سندا قويا لضعفهما ~~ودعيمة معززة لوهنهما ... # ولدى مرور هذه التذكرات ببال زوجة القنصل كانت تبتسم ابتساما يمر بين دموعها ~~كالسهم اللامع ينشب في الظلام الحالك. # ولكن على أثر تلك الصور البهجة التي كانت ترسمها المخيلة قامت التذكرات المحزنة ~~السوداء، أجل، إنها ذكرت حفلة الخطبة الراقصة ثم الحادثة الفاجعة التي جرت أثناء ~~رجوعهم من أثينة، وهكذا كانت التصورات الأولى لديها كالحلم الجميل والتذكرات السوداء ~~التي عقبتها كالحقيقة المحزنة تنجلي للنائم لدى استيقاظه من الرقاد. # فقضت تلك الوالدة المسكينة حينا في هذه الهواجس وهي تشعر بآلام مبرحة ms29 بانفرادها ~~في تلك الغرفة، ثم قامت بعزم وخرت ساجدة على المصلى الذي كانت الراهبة «أغنس» تقضي ~~عليه نصف لياليها، وقد شعرت من نفسها بحاجة ماسة إلى الصلاة. # ولما كانت حالتها تضطرها أن تخفي في قلبها الهموم والأحزان التي كانت تتآكلها ~~فأصبح من اللوازم الضرورية لها أن تبيح بأمرها لله تعالى إله الرحمة ومهبط ~~التعزية الحقيقية. # وكان على المركع الذي سجدت عليه كتاب صلوات وهو نفس الكتاب الذي كانت الراهبة تستعمله ~~مصلية، ففتحته بلا انتباه رجاء أن تجد فيه صلاة تناسب حالتها، ولكن حالما وقع ~~بصرها على الصفحة الأولى استثبتت أن اسما كان مكتوبا عليها وأن ذلك الاسم كانت ~~محيت كتابته باعتناء فلم يبق منه إلا الحرف الأول وهو «الواو» مرسومة بالخط ~~الثلث، فوقع الكتاب بغتة من يديها المرتجفتين، ولم يبق لها من استطاعة إلى ~~الصلاة، بل ثار ثائرها، ونبض نابضها، واضطرب بالها، وشرعت تقلب أوراقه أشكالا ~~وألوانا طمعا بأن تبدو لها دلائل جديدة. على أن مسعاها كان باطلا، فإن فحصها ~~المدقق لم يجد تلك الوالدة التعيسة نفعا، فأضحى ذلك الحرف حرف «و» سببا لانشغال ~~بالها وبابا للحذر والتخمين. # وبناء على ذلك أخذت الافتراضات الغريبة تتعاقب على ذهنها، فخطر لها أن الراهبة ~~«أغنس» ربما كانت بنتها «وردة». # ولم يكن هذا الافتراض أمرا محالا؛ لأن صوتها ووجهها لم يكونا بالشيء غير المعروف ~~لديها، بل كانت كلما نظرت إليها أو سمعت صوتها تشعر باضطراب داخلي لم تكن لتدرك ~~سببه، بل كانت منذ نظرت إلى الراهبة المرة الأولى أحست بانعطاف شديد ومحبة ~~عظيمة لها ... وكانت تقول في نفسها: «إن للقلب أدلة وحججا لا يفقهها العقل ~~أحيانا، فعلام لا نتبع الهامات القلب ...» ثم كانت تعود إلى رشدها فتقول: «كلا، ~~إن هذه أوهام، بل أضغاث أحلام، فإن «وردة» قد ماتت دون إشكال، وعلى فرض أنها ما ~~برحت حية، فإنها تكون أصغر سنا من الراهبة «أغنس» بزهاء عشر سنين على ~~الأقل.» # وبينا كانت مترددة في الأمر على ما مر بك الكلام: تصدق مرة أن ~~الراهبة «أغنس» هي ms30 بنتها «وردة»، وتنكر مرة الأمر على نفسها، عزمت أن تستجلي ~~الغامض ، وتستطلع الحقيقة بأسرع ما يمكن لها، وهي لهذه الغاية باحت لقرينها بما كان ~~يخامرها من الظنون، فعزم الزوجان أن يكاشفا الراهبة بما يتردد على بالهما رجاء ~~أن يحملاها على الإباحة بسرها، وأنهما إذا لزم الأمر يكاشفان الرئيسة ويستطلعانها ~~طلع الراهبة، وبالجملة: إن الزوجين تواعدا أن يتخذا جميع الوسائل لإزالة الخفاء ~~وكشف الغطاء. # على أن عربة البارون تأخرت ذلك المساء عن الإياب في الوقت المعين خلافا ~~للعادة. # وكانت الحالة الجوية قد تغيرت في ذلك المساء بغتة كما يحدث غالبا في مثل هذا ~~الفصل من السنة، فتلبدت الغيوم في كبد السماء، وانهمل الغيث مدرارا يندفع على زجاج ~~النوافذ، وكانت الرياح السوافي تهب من وقت إلى آخر وتسمع أنينا مزعجا أشبه ~~بالنعيق، وبالجملة: كانت مظاهر الطبيعة تنبه في النفس عواطف الحزن والشجن. # وكان المسيو «ب» وزوجته قلقين بما لا مزيد عليه، بل استولى عليهما الرعب والخوف ~~بشدة شديدة من جراء تأخر الجماعة عن القدوم، وبينا كانا على تلك الحال سمعا ~~وقع حوافر الخيل، ثم أقبلت عربة ووقفت لدى باب البيت، فنزلت منها «سوسنة» و«شرل» ~~وحدهما متخاصرين، أما الراهبة فلم تكن معهما، بل أخبرت «سوسنة» أن الراهبة ~~«أغنس» أحست بضعف على بغتة بينما كانوا قادمين من النزهة، ولحسن الطالع لم ~~يكن الدير بعيدا، فنقلوها إليه حالا، ثم استدعي الطبيب بسرعة كلية، وبعد أن فحص ~~أمرها بتدقيق صرح بأن حالها تنذر بالخطر نظرا إلى ما كانت عليه المريضة من ~~الضعف الشديد والهزال. # 14 # نحن الآن - والساعة التاسعة من الليل - في حجرة حقيرة من حجر دير الراهبات ~~خادمات المرضى في مدينة فينة، وفي تلك الحجرة راهبة تصارع الموت ويصارعها وتنازله ~~وينازلها، وحول مرقد هذه الراهبة التي صارت على مقربة من هوة الأبدية جملة ~~من الراهبات الزاهدات راكعات يصلين سرا ... وكان الكاهن الذي أودعته تلك ~~الراهبة المنازعة آخر ما في نفسها من الأسرار يعظها في ساعتها الأخيرة المهيبة ~~قائلا: «تشجعي أيتها الأخت العزيزة، فإن الإكليل المعد ms31 للنفوس الكريمة إنما ~~ينتظرك فوق في السماء ... إن الله قد قبل الضحية التي قدمتها له بمروءة وشهامة ~~وشجاعة، وسيقبل أيضا صلواتك وتقدمة حياتك فدى الأشخاص الأعزاء لديك.» # وعندئذ ظهر على وجه الراهبة سيماء الموت القريب بصورة أدركها الحاضرون، فسجد ~~الكاهن على ركبتيه ليصلي الصلاة التي بها يستودع الله نفس المحتضرة، فقال وقد ~~خشعت نفوس الحضور: «اخرجي من هذا العالم أيتها النفس المسيحية باسم الآب القدير على ~~كل شيء الذي خلقك، وباسم يسوع المسيح ابن الله الحي الذي تألم من أجلك، وباسم ~~الروح القدس الذي حل فيك، وباسم الملائكة ورؤساء الملائكة، وباسم الآباء والأنبياء، ~~وباسم الرسل والإنجيليين ... وباسم القديسات العذارى، وسائر أولياء الله وقديساته، وليكن ~~اليوم مقرك في السلام ومسكنك في صهيون المقدسة.» ~~«أستودعك الله القدير على كل شيء أيتها الأخت العزيزة، وأسلمك إلى من أنت ~~خليقته حتى إذا ما وفيت بالموت دين البشرية تعودين إلى مبدعك الذي أنشأك من ~~تراب الأرض، ولتلق نفسك الخارجة من الجسد مواكب الملائكة النيرين ومحافل ~~الشهداء المنتصرين وصفوف العذارى المجيدات، ولتقبل قبلة السلام قبلة الراحة ~~الدائمة في أحضان الآباء، ولتظهر لك صورة يسوع المسيح منشأ الحلاوة ومغرس الرجاء، ~~ولينهزم من أمامك إبليس الرجيم وأعوانه حتى إذا ما رأوك في صحبة الملائكة ترتعد ~~فرائصهم ويولوا مدبرين منحدرين إلى دركات الجحيم حيث الظلمات الدائمة ~~...» # وعندها أمسك الكاهن عن الكلام ثم نهض ومنح المحتضرة البركة الأخيرة، وانطلق من ~~الغرفة حاملا بيده الزيت المقدس. # ولم يعد يسمع في الغرفة إلا لهجة الراهبات الراكعات يصلين بصوت منخفض ~~ثم تنفس بل حشرجة الراهبة المحتضرة ... على أن هذه الراهبة نهضت بصعوبة كلية ~~بغتة وأبدت حركة أشارت بها إلى أنها تريد أن تتكلم، فللحال وقفت الرئيسة عند رأس ~~الراهبة «أغنس» ودفنت حزنها في أعماق صدرها محاولة بذلك أن تنزع من مخالب الموت ~~تلك النفس الكريمة المعززة بالشجاعة والشهامة، تلك النفس التي أعجبت منذ زهاء سنة ~~بفضيلتها السامية القائمة على أقوى الدعائم، فانحنت إلى المحتضرة منعطفة وأصغت ~~إليها ... فأخذت «أغنس» تودع في أذن الرئيسة ms32 كلاما سريا ويظهر أن ذلك الكلام ~~كان ذا تأثير في نفس الرئيسة حتى إنها رفعت جملة مرات منديلها إلى عينيها، ~~ومسحت الدموع المنهملة كالغيث المدرار، وفي آخر الأمر التفتت الرئيسة إلى المحتضرة، ~~وقالت لها ما يأتي من الكلام: «كوني باطمئنان وسلام أيتها الأخت العزيزة، فإنني ~~سأتمم مقتضى إرادتك بمنتهى التدقيق، أيتها الفتاة عنوان الشجاعة والشهامة ليتني ~~أتمكن من أن أفديك بحياتي ...» # فعندما حققت الرئيسة للراهبة «أغنس» أنها تقوم بما أسرته إليها ابتسمت إشارة ~~إلى الشكر والإحساس بالجميل، ثم ألقت رأسها على المصدغة التماسا للراحة، فرآها ~~الحضور تحرك شفتيها، وترفع عينيها إلى السماء بحمية، ففهموا أن صلاة حارة ~~كانت تصعد إلى العلاء من تلك النفس الكريمة مغرس البرارة والطهارة. # وعند ذلك أتي بناء على أمر الرئيسة بمنضدة «طاولة» فجعلت على مقربة من سرير ~~المحتضرة، وكان على تلك المنضدة جملة أشياء موضوعة بدون انتظام وهي: أسفاط، وسبحتان، ~~وكتاب الاقتداء بالمسيح، وكتاب القوانين الرهبانية، ومكاتيب وبعض تصاوير ورسوم شمسية ~~قليلة العدد، وصليب صغير وسوار من ذهب، فشرعت الراهبة «أغنس» تتأمل هذه ~~الأشياء بابتسام، وكان بعض التصورات القديمة تتمثل لدى عينيها التي كاد ظلام الموت ~~يحجب ضياءها. # أجل، إن تلك الأشياء كانت كأنها ألسنة ناطقة تخبرها بحوادث حياتها المنقضية، ~~وتنبه في ذهنها التذكرات المتعلقة بتلك الحوادث، بل كأن كل قطعة منها لدى ~~تقليبها إياها بين أصابعها العجيفة التي استطرقت إليها برودة الموت تقول لها: ~~أتذكرين هذا الأمر؟ ... وكيف لا تتذكر جميع هذه الأمور وهي من أجل ذلك تتبسم بلطافة ~~لدى تفكرها بالحوادث الماضية التي تجعل موتها القريب شهيا ... ولا ريب أن ~~صورة الوطن كانت في تلك الساعة تتراءى لها، ولا إشكال أن ذكر العائلة كان يتمثل ~~لدى نظرها. # وهي لذلك قد تأثرت في تلك الساعة، فاندفع شيء من دم قلبها الضئيل، فصعد إلى ~~خديها وصبغهما بحمرة وردية إثر الاصفرار، ثم انهملت من عينيها دمعتان ~~كالدرتين فوق تينك الوجنتين البهيتين، وبعد أن تأملت تلك الأشياء العزيزة لديها، ~~شكرت للرئيسة شكرا أخيرا شكر الوداع قائلة لها ms33 بصوت منخفض: «أسألك أن تصلي من ~~أجلي قليلا.» # أجابت الرئيسة: «بل كثيرا جدا.» # فقالت الراهبة المحتضرة: «أجل، أجل، أقيمي الدعاء من أجلي، والآن إني مشعرة ~~بأن كل شيء قد انقضى ... قد حان وقت الثواب ... إنني أشكرك يا رب شكرا حميما على ~~ما أفضت علي من النعم.» # ثم التفتت إلى الرئيسة قائلة: «أماه، هل تأملت مرة ما تلك الآية التي قالها ~~«بولس» الرسول وهي: «إنني تائق إلى الموت»؟! ... فأنا ... أنا هائمة بالموت ... ولكن ~~ربما كان إثما علي أن أتمنى الوفاة ...» قالت ذلك ثم ألقت رأسها إلى الوسادة، ~~وأخذت تتكلم برهة بصوت عال قائلة: «لقد احتملت من أجله الآلام ... وأنا أقدم ~~حياتي من أجله، فاقبل يا إلهي ضحيتي ... السماح ... السماح يا أبوي المحبوبين، السماح يا ~~شقيقتي الحبيبة ... آه! أنت ههنا، أنت على مقربة مني، وأنتم ههنا أيضا يا ملائكة ~~النزاع السريين ... ارحمني يا إلهي ... ارحمني.» # ولما كانت أصابعها تنقبض بحركة عصبية على غطاء الفراش، اقتربت الرئيسة منها، ~~وأخذت يدها بلطف، وعندئذ فتحت الراهبة عينيها ولم تعد تتلفظ ببنت شفة، بل شخص ~~بصرها إلى العلاء، وكانت كأنها تسمع أصواتا حلوة تقول لها: «تعالي أيتها الأخت الحبيبة ~~... تعالي ... فإن المسيح يستدعيك إلى سمائه، إن آلامك قد انتهت، وأجاعك قد انقضت، ~~وإن أجنحتنا ترف حواليك وتنبسط لتحملك إلى أقصى مكان ... إلى أعلى ~~السماوات.» # وعندئذ نهض جسد الراهبة المحتضرة بانزعاج كأنه يريد أن يتبع أشخاصا غير ~~منظورين، ثم تنهدت تنهدا خفيفا، فخرجت من صدرها نسمة لطيفة، ولفظت بنفسها ~~البارة، فأسلمتها بين يدي خالقها. # وفي تلك الدقيقة انقطعت آلامها، وانتهت أوجاعها بالموت ... # وما فاضت نفس الراهبة التقية حتى سمعت ساعة برج القديس إسطفانوس تدق نصف ~~الليل، وانفتحت وقتئذ أبواب ملاعب العاصمة النمسوية، فانبعثت منها الأنوار والأصوات ~~الموسيقية، وكان النمسويون يخرجون منها زرافات حتى امتلأت الشوارع بشرا، منهم ~~يركبون العربات الناهبة بهم الأرض نهبا، فيسمع لها أعظم دوي، ومنهم يسيرون مشاة ~~فرقا فرقا يتحدثون بتلك اللهجة الحميمة التي عرف بها سكان فينة، على أنه لم يمض ~~المديد من ms34 الزمن حتى عاد السكوت والسكون إلى تلك الشوارع التي أصبحت كالقفر خلوة من بني ~~آدم. # بيد أن الجرس الذي في قبة دير «الراهبات الممرضات» كان إذ ذاك يرن رنة ~~الحزن، وكان صوت الجرس الشبيه بأنين الباكي أو تلهف الشاكي يعلن للمارة ~~القليلين المتأخرين في الإياب إلى منازلهم أن نفسا من النفوس اجتازت من هذه الدنيا ~~إلى ما وراء أبواب الأبدية. # 15 # وكانت الحياة قد أصبحت علقما مرا على المسيو «ب» وزوجته بعد أن رحلت عنهما ~~الراهبة «أغنس» وسمعا بانحراف مزاجها، أجل! إن وجود تلك الراهبة عندهما كان من ~~شأنه أن ينشئ من وقت إلى آخر أشعة من شمس الرجاء في قلب تلك الأسرة التي جار ~~عليها الزمان، واتخذتها المصائب مقعدا ومركبا، بل كانوا يحسبونها لهم روحا محييا، ~~وإذا ما رأوها في البيت تخطو ذهابا وإيابا عدوها من جملة الملائكة الذين تخيلهم ~~الشعراء واقفين على أمهاد الأطفال ليزجوها ويتولوا حراستها. # وكان أهل البيت طلبوا مرارا بإلحاح إلى تلك الراهبة الفاضلة أن تخفف العناء ~~والتعب عن نفسها؛ لئلا تقصر أيامها قبل الأوان، أما هي فكانت تجاوبهم قائلة ~~والابتسام يبدو على ثغرها بلطف عجيب: «إن الحياة ليست بالأمر المهم لدينا، فإن ~~الواجب المفروض علينا نحن إنما هو أن نخلص الخدمة بنزاهة ونشاط، بل أن نموت في سبيل ~~خدمة القريب إن لزم الأمر؛ ولهذا فإني إن مت فإن واحدة من رفيقاتي الراهبات تقوم ~~مقامي في الخدمة، أما هو - وقد أشارت بقولها إلى البارون - فمن الواجب أن يحيا، بل وقد ~~تحدثني نفسي أنه سيحيا بل سيشفى تماما.» # وكانت قائمة على ذلك المريض في مرضه تخدمه بإخلاص ونزاهة، وترقب حركاته وسكناته ~~آناء الليل وأطراف النهار، وبأثناء ذلك لحظت أن ذلك العليل الفاقد الصواب كان ~~يتخلل هذيانه فترات يبدو فيها على أحسن حال التعقل والرشد، وذلك ما كان ~~يدلها على أنه سائر في طريق الشفاء. # وكانت في بعض الليالي يستولي عليها العناء من كثرة السهر، فتنطبق جفونها من ~~شدة النعاس ومن الحمى التي كانت أخذت في أن ms35 تضنيها وتتآكل لحمانها رويدا رويدا، ~~على أنها ما كانت تلبث أن تستيقظ مذعورة بظنها أنها أهملت الواجب المفروض عليها، ولا ~~يسكن جأشها ويعود إليها الاطمئنان حتى تقوم وتدنو من المريض وتستقصي خبره وتمسح ~~عرق جبينه. # وكان البارون يكثر من الهذيان نهارا، فإذا ما حان الليل وقدمت الراهبة «أغنس» ~~لتبيت عند فراشه كان يعود إليه شيء من عقله، وكان في بعض الأحيان يبسط ذراعيه إلى ~~الأمام كمن يرى شبحا محبوبا لا ينظره سواه، وإذ ذاك كانت شفتاه الرقيقتان تتلفظان ~~باسم خطيبته «وردة». # وقد دامت هذه الحال أسابيع كثيرة بدون أن تقبل الراهبة «أغنس» التماس شيء من ~~الراحة تحيي الليل في الصلاة حتى كادت سبحتها تتلف لكثرة ما مرت حباتها بين ~~أصابعها العجيفة. # ولما رآها يوما الدكتور فون ... على هذه الحال - وهو طبيب شيخ من أساتذة مكتب فينة ~~الطبي - قال لها زاجرا متوعدا: «احذري لنفسك أيتها الأخت، وإلا شكوت الأمر لحضرة ~~رئيستك؛ لأنك بخدمتك وعنائك تسيرين على حافة الهاوية وتتلفين صحتك.» # أما هي فأجابته وكانت لهجتها تشير إلى التوسل والاستعطاف والاسترحام: «أسألك يا ~~سيدي ألا تفعل هذا! اصبر علي بضعة أيام؛ لأن لي تمام الثقة أن البارون سيشفى ... ~~أجل، من الواجب أن يشفى.» # وكانت هذه الكلمات التي لفظتها الراهبة بتأكيد ووثوق لم يكونا معهودين بها قد ~~حركت المسيو «ب» تحريكا عظيما ... على أنه لم تمض بضعة أيام حتى مرضت الراهبة ~~المسكينة مرضا عضالا كما سبق، فرقدت على السرير تتقلب على قتاد الأوجاع، وكان ذاك ~~مرضها الأخير؛ إذ إنها رقدت ولم تقم. # وعندما أخبرتها الرئيسة المرة الأولى بالخطر المحدق بها وإشفائها على الموت استمعت ~~الراهبة «أغنس» هذا الخبر بفرح وتهلل، وعانقت الرئيسة هاتفة: «الشكر لك يا ~~رباه! إني أضرع إليك أن تستدعيني من هذه الحياة؛ لأن بموتي خلاص البارون.» # وبينما كانت «أغنس» تتململ على فراش المنون ازداد مرض «شرل» كأن تلك العلة قصدت ~~أن تكذب رأي تلك الفتاة القديسة تكذيبا موقتا. # فتكاثرت النوب عليه، وأصبحت تتعاقب المرة إثر المرة سريعا، وخشي عليه من ms36 ~~الموت العاجل؛ إذ إنه غاب عن الرشد تماما حتى إنه لم يكن ليعرف أحدا، وأصبح حضور ~~«سوسنة» لديه من أبغض ما يكون عليه؛ ولهذا فإن تلك الفتاة المسكينة - أي «سوسنة» - ~~كانت تقضي نهارها باكية منتحبة ناسبة إلى نفسها موت شقيقتها والبارون معا. # وبأثناء ذلك أخبروا المدام «ب» بوفاة الراهبة «أغنس» وسلموها بالوقت ذاته دستجة ~~تتضمن تذكارا من الفقيدة، فاقتبلتها تلك الوالدة المسكينة كذخيرة مقدسة، ولكن ~~ما فتحتها حتى صرخت صرخة عظيمة، ووقعت مغشيا عليها بين ذراعي «سوسنة». # أما الدستجة فكان ضمنها جملة صور فوتغرافية وصليب صغير من ذهب وسواران رسم ~~عليهما حرفان مشتبكان وهما «و» و«ل» «وردة دي لينس» وهما السواران اللذان أهداهما ~~البارون إلى خطيبته واللذان لبستهما وردة في سهرة الخطبة، وكان مع الدستجة مكتوب هذه صورته: # أي والدتي الحبيبة # لا تبلغ هذه السطور إلى يديك حتى تكون المنية أنشبت أظفارها في ابنتك ~~«وردة». # كنت أود أن أعانقك وأعانق والدي و«سوسنة»، ولكني أردت أن أبعد عنكم ~~جميعا مقابلة الحزن هذه، بل أردت أيضا أن أضيف هذه التضحية إلى تضحية ~~حياتي، إني قدمت لله هاتين التضحيتين من أجل شفاء «شرل»، وإني على ثقة ~~بأن الله قبل ضحيتي، فما أحلى هذه الثقة لدي ... إنني أموت راضية ~~فرحة مسرورة؛ لأن الواجب المفروض علي في هذه الدنيا قد كمل وتم، وإني ~~لأنتظركم في السماء حيث يكون اجتماعنا أبديا. # يجب على «سوسنة» أن تقترن ب «شرل»، ذلك جل ما تبتغيه شقيقتها المائتة، بل ~~ذلك أمر مني لا بد من إجرائه ... # كفكفوا دموعكم يا أقاربي الأحياء ... إنني واثقة بأن الدموع التي ~~تذرفونها الآن إنما هي آخر بكاء تبكونه ... لم يكن ليخطر لي مطلقا أن في ~~التضحية وفي الموت حلاوة مثل التي أشعر بها ... # اضربوا الصفح عما سببته لكم من العناء ... ولما كانت الحال تقضي بأن ~~أموت أنا أو أن تموت شقيقتي افتكرت أنه لم يبق مجال للتردد، فجعلت ~~نفسي فدى عن تلك التي أحبها أكثر من حياتي ... إنكم بموتي تفقدون ابنة، ولكن ~~الابنة الباقية لكم ms37 هي خير مني ... الوداع يا والدي، الوداع يا والدتي، ويا ~~شقيقتي الحبيبة ... بل أودعكم على أمل اللقاء. # وردة ب ... # أما البارون فإنه عندما نظر حلي خطيبته الكريمة ظهر عليه كأنه خرج من سبات ~~عميق وتنفس الصعداء ثم أجال البصر نحو الحضور دهشا كأنه لا يدري من سابق أمره ~~شيئا، ولم يلبث أن قام متعافيا وآب إليه رشده وأول ما صنع أنه ترامى على تلك ~~الآثار العزيزة لديه وقبلها بتأثر وهيام شاكرا له تعالى على عظيم منته وجميل ~~رحمته، وكانت الدموع تنهمل من عينيه كالغيث المدرار ... # أجل، إن التقدمة التي قدمتها «وردة» قد قبلت لدى الله، وبناء على ذلك قد نال ~~خطيبها الشفاء من دائه العياء. # 16 # اليوم الذي نروي حوادثه الآن إنما هو يوم أحد الشعانين، أكرم به يوما صفا هناؤه ~~وتوفرت بهجته، وكان أهالي فينة قد ارتدوا بملابس العيد وذهبوا إلى الكنائس والمعابد ~~يقضون فروضهم الدينية، وكنت تراهم بعد انقضاء صلواتهم يخرجون من الكنائس زرافات يحمل ~~كل منهم في يده غصنا من البقس وكان يمتزج بالهواء عرف البخور الطيب بينما ~~كانت أجراس الكنائس تصدح كالبلبل الصياح، وتشدو كالهزار في جميع أرجاء تلك العاصمة ~~الفيحاء، أما الهواء فكان نقيا والجو صافيا والسماء رافلة بحلة زرقاء ~~بهية ترتاح إليها الأبصار، وكانت شمس نيسان الساطعة قد بددت منذ زمان مديد ~~الضباب اللطيف المتصعد من وادي الطونة، وكانت الأشجار المنتصبة صفوفا منظمة في ~~رياض فينة ومتنزهاتها قد ظهرت عليها البراعم زاهرة والأوراق مخضرة، وكانت ~~الطيور تأتي على أغصانها مغردة صادحة بنغماتها الطيبة المطربة كأنها بذلك تحيي ~~الربيع المقبل وتستقبل الطبيعة المنتعشة. # ففي تلك الضحى وعلى تلك الحال التي وصفنا كانت جثة الراهبة «أغنس» راقدة في ردهة من ~~دير «راهبات المرضى» في ظل صليب مرتكز لدى رأسها ... وكانت تلك الفتاة القديسة ~~كأنها نائمة بهدو النوم الأخير. # وكأن الموت ذاته قد وقر فريسته الكريمة واستهابها، فلم يجسر على إتلاف تلك الجثة ~~الطاهرة فلم يعترها فساد، بل كانت وهي جثة مبتسمة ذلك الابتسام العطوف اللطيف ~~الذي ms38 كان أثناء حياتها يبدو دائما على شفتيها. # وكانت الردهة التي فيها جسد الفقيدة مظلمة بعض الشيء؛ لما على نوافذها من السجوف ~~المسدولة، وحول الجنازة صف من الشموع تحدث أنوارها مشهدا مهيبا ينشئ في ~~النفس شعائر يعجز اللسان عن وصفها، وكانت الراهبات رفيقات الفقيدة منتقبات بنقبهن ~~البيضاء يتناوبن الركوع حول مرقدها ويسكبن من عيونهن الدموع ومن أفواههن ~~الصلوات. # وقد أقبل أيضا على الردهة التي كان فيها جسد الفقيدة عدد كبير من الغرباء تباعا ~~مدفوعين إلى الأمر بتلك الجاذبية غير المعروفة التي بها تجتذب القداسة النفوس وتستهوي ~~الألباب. # ثم انفتح باب الغرفة ودخل منه أربعة أشخاص بملابس السواد ووشاحات الحداد الكامل ~~وهم رجل وامرأة عليهما سيماء الوقار، ثم صبية يستند إلى ساعدها شاب عليه ~~آثار المرض، وكنت إذا أمعنت النظر إلى ما كان عليه ذاك الشاب من الهزال واصفرار اللون ~~صعب عليك أن تعرف أنه البارون «دي لينس» خطيب «وردة» الذي كان ممتلئا صحة وقوة ~~ونشاطا، والذي كانت عناصر الحياة والبهجة تبدو على حركاته وسكناته، فتقدم الأربعة ~~إلى مرقد الفقيدة، وجثوا حوله واستمروا مدة راكعين خاشعين متأملين يصلون ~~ويبكون سرا ... أجل إنهم كانوا يجدون لدموعهم رغما عن مرارتها مجرى عذبا وشهيا، ~~فإنهم ببكائهم على الابنة المحبوبة والشقيقة العزيزة والخطيبة المأسوف عليها كانوا ~~يعتقدون أنها في السماء بين مصاف القديسات، ويلتمسون صلواتها، وهي البارة شهيدة ~~الإخلاص. # أما الراهبات، فإنهن خرجن من الغرفة إجلالا للزائرين المتقدم ذكرهم ~~وتلطفا بهم في حال حزنهم. # وكان البارون لا يستطيع أن يحول نظره عن جثة الفقيدة التي كان يظهر وجهها ~~متغير الهيئة كأنه قد أشرقت عليه شعاع من المجد السماوي الذي أصبحت نفسها ~~تتمتع به مع أولياء الله، ثم هتف «شرل دي لينس»: «أيتها الخطيبة الكريمة القديسة، ~~إنني لم أكن أهلا للاقتران بك، مع أني قضيت ثلاثين سنة بالكد والعمل؛ لكي ~~أستحق امتلاك مثل هذا الكنز الثمين، إن الله قد سمح أن ألحظ فضائلك برهة ... فليكن ~~اسمه مباركا ... على أنني أنحني خاضعا لأوامره وأحكامه التي لا يدرك أسرارها ms39 ~~بشر.» # وبينا كان البارون يسترسل في تبيان حزنه وإظهار تلهفه إذ نهض المسيو «ب» بمظهر ~~المهابة ثم قبض بسلطة أبوية على يد «سوسنة» وجعلها في يد «شرل» قائلا: «ليحب كل ~~منكما الآخر يا ولدي، وابقيا متحدين زمنا مديدا، تلك أمنية فقيدتنا العزيزة، وهي من ~~أعالي السماء تبارككما كما أني أبارككما أنا أيضا.» # وبينما كان المسيو «ب» يتفوه بهذه الكلمات خنقته التأثرات، فانقطع عن الكلام، ثم ~~نهض جميعهم ولثموا يد «وردة»، وعانقوا ذلك المصلوب الذي كان فوق رأسها، ومنه التمست ~~الفقيدة المحبوبة الشجاعة أثناء النزاع الذي انتهى بتضحية حياتها. # ثم إن هذه الأسرة التي اشتدت عليها التجارب والامتحانات أحست وقتئذ بسكينة ~~وسعادة لم يشعر بها أعضاؤها منذ سنتين، فتعانقوا جميعا وعيونهم مغرورقة بالدموع، بيد ~~أنها كانت آخر دموع أذرفتها عيونهم في حياتهم حسبما تنبأت لهم «وردة» قبل ~~وفاتها. ~~••• # هذا ولم تطل المدة حتى برح القنصل العام وذووه مدينة فينة عائدين إلى سورية، وما ~~حان أول الصيف حتى اقترن «شرل دي لينس» ب «سوسنة». # وما زالت هذه الأسرة السعيدة عائشة مذ ذاك الآن بالرغد والصفاء في منزلها ~~القديم تقضي عيش السلام والطمأنينة، وتحفظ على صفحات الصدور ذكر الراهبة «أغنس» مع ~~حاسات الشكر وعواطف المحبة والتكريم. # أما غرفة التذكارات فما برحت في الدار على حالها، قد جعل «شرل» ناظرا عليها ~~يدبر شئونها، وقد أضافوا إلى ما كان «شرل» قد جمعه فيها جميع الآثار التي كانت سببا ~~لتعزية «وردة» في حال نزعها واحتضارها، وفي كل سنة «يوم أحد الشعانين» يدخل كل ~~أفراد العائلة تلك الغرفة المعتبرة عندهم كمتحف، بل كمقدس للنقاوة والتقى، ~~ويتذكرون جميع الحوادث الماضية التي تخطرها على بالهم تلك الآثار الباقية، ثم ~~يجثون راكعين أمام ذلك المصلوب الذي أودعته «وردة» قبلتها الأخيرة، ويلتمسون حماية من ~~كانت بحياتها ملاكا قائما على حراسة تلك الأسرة الفاضلة، وهي لا تزال بعد مماتها ~~تشفع بها لدى الله. # وبعد مضي سنة على الحوادث التي مر بك ذكرها كنت ترى «سوسنة» تضم إلى صدرها ~~وبين ذراعيها بحنو وانعطاف ms40 بنتا رزقها الله إياها، وكان أهلها عندما نصروها ~~سموها «أغنس دي لينس» ليعيش بينهم اسم خالتها عنوان الشجاعة والشهامة، ولئن كان ذكرها ~~منطبعا على صفحات الصدور لا يمحوه الدهر ولو مر، ولا الزمان ولو كر. ms41