######OpenITI# #META# URI: 1375CazizKhanki.DhikraMiawiyyaLiWaqicarNazib.Hindawi60791929 #META# Tags: history #META# ID: 60791929 #META# Title: الذكرى المئوية لواقعة نزيب: ٢٤ يونيو سنة ١٨٣٩–٢٤ يونيو سنة ١٩٣٩‎ #META# AuthorID: 92842817 #META# Author: عزيز خانكي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # صحائف مجد وفخار للجندي المصري‏ ~~«نزيب» لا «نصيبين»‏ # تخليد ذكرى نزيب‏ # صحائف مجد وفخار للجندي المصري‏ ~~«نزيب» لا «نصيبين»‏ # تخليد ذكرى نزيب‏ # | الذكرى المئوية لواقعة نزيب # | الذكرى المئوية لواقعة نزيب # | 24 يونيو سنة 1839-24 يونيو سنة 1939 # تأليف # عزيز خانكي # | صحائف مجد وفخار للجندي المصري # في 24 يونيو سنة 1839 انتصر الجيش المصري في أعظم معركة حربية اشتبك فيها في خلال القرن ~~التاسع عشر. # وقعت هذه المعركة في عهد أعظم عاهل جلس على عرش الإمبراطورية المصرية هو محمد علي باشا ~~الكبير. وفي عهد سلطان من أعظم سلاطين آل عثمان هو السلطان محمود الثاني ابن السلطان عبد ~~الحميد الأول. # كانت الفتن والقلاقل والاضطرابات والثورات قد فشت في أرجاء السلطنة العثمانية فاستنجد ~~السلطان محمود بمحمد علي لإخماد الثورات والاضطرابات وقمع الفتن والقلاقل. فلبى التابع طلب ~~المتبوع. # بدأ محمد علي بتجريد حملة تحت قيادة ابنه الأمير طوسون - يعاونه أحمد أغا - لتأديب وإخضاع ~~الوهابيين الذي شقوا عصا الطاعة على السلطان، وغزوا بلاد الحجاز والعراق، واستولوا على مكة ~~المكرمة (في سنة 1802) وعلى المدينة المنورة (في سنة 1806) ومنعوا الحج (مدة ثلاث سنوات)، ~~وبسطوا سلطانهم على جزيرة العرب كلها، وعلى بلاد العراق واستولوا على كربلاء، وجاء وقت كانت ~~فيه مساحة البلاد التي خضعت لسلطانهم تزيد على مساحة فرنسا ست مرات. # بارحت الحملة بركة الحج (بضواحي القاهرة) في 2 أبريل سنة 1811 (بعد مذبحة المماليك في ~~القلعة في أول مارس سنة 1811) # 1 # قاصدة بلاد العرب، وكانت مؤلفة من 10000 مقاتل منهم و7000 مشاة و2000 فارس، ~~شفعها محمد علي بنجدة في سنة 1812، وقد تمكن طوسون من طرد الوهابيين من المدينة المنورة ومن ~~مكة المكرمة ومن جدة، ولما تم فتح الحجاز أرسل محمد علي إلى السلطان مع ابنه إسماعيل مفاتيح ~~الكعبة، قدمها إليه في 30 يناير سنة 1813 في صينية من الذهب الخالص مرصعة بالأحجار الكريمة، ~~فاستقبل السلطان الأمير إسماعيل في جامع أيوب بجميع مظاهر الأبهة التي اشتهر بها سلاطين آل ~~عثمان. # إلا أن الوهابيين لم ييأسوا فجمعوا جموعهم وزحفوا ms01 بقوة كبيرة على الجيش المصري، فاضطر ~~طوسون إلى التقهقر وإخلاء مواقع عدة بعد أن خسر 8000 جندي و25000 جمل، وذهبت سدى نفقات ~~الحملة وقدرها 1400000 جنيه. # حيال إلحاح السلطان لم يجد محمد علي باشا بدا من الذهاب بنفسه إلى جزيرة العرب، فأمر ~~بتجهيز حملة ثانية تكون تحت إمرته هو شخصيا، أبحر من السويس في يوم 25 أغسطس سنة 1813، ~~وبعد ثلاثة أيام وصل إلى جدة، ومنها سافر إلى مكة، # 2 # وبعد أن درس الحالة أيقن أن الشريف غالب (شريف مكة) له ضلع مع الثوار، فأمر ~~بالقبض عليه هو وجميع أفراد عائلته، # 3 # وأرسله إلى مصر، ومنها نفي إلى سالونيك. ثم صادر أمواله ومقدارها 2000000 جنيه، ~~ولتطهير الجو من الدسائس والخيانات عزل شريف جدة أيضا، وأرسله إلى مصر تخفره ثلة من الجنود ~~الأشداء. # بقيت الحرب فترة من الزمان سجالا بين المصريين والوهابيين. أدرك محمد علي أن من الخطأ ~~محاربة العرب في البقاع الكثيرة الهضاب والنجاد، ففكر في خدعة لاستدراجهم إلى السهول ~~والوهاد، فتظاهر بالقهقرى أمام جموع الوهابيين، جازت الحيلة على الأمير فيصل الذي كان قد ~~جمع 30000 مقاتل منهم 5000 هجانة، فترك الهضاب التي كان ممتنعا فيها، وسار إلى الوهاد ~~مقتفيا أثر محمد علي، وبمجرد أن توسط الجيشان السهول تجمعت القوات المصرية على هيئة مربعات ~~- على مثال مربعات جيش نابليون بونابرت عندما غزا مصر في سنة 1798 - وأصلت العرب نارا ~~حامية حصدتهم حصدا، وردتهم خاسرين ستة آلاف قتيل، وفر فيصل بفلول جيشه. غنم محمد علي خيمة ~~فيصل بجميع ما كان فيها من ذهب ومن فضة ومن رياش فاخرة، وبعد هذا النصر زحف في داخلية ~~البلاد، واستولى على مواقع حربية مهمة، ولما اطمأن قلبه عاد إلى مصر، وترك ابنه طوسون يتم ~~غزو البقية الباقية من بلاد العرب، وهنت قوة الوهابيين وركدت ريحهم وانشقت العصا بينهم، ~~ورأوا أن كثيرا من قبائل العرب انفضت من حولهم، ومالت إلى المصريين وانضمت إليهم، وأن لا ~~أمل لهم في قهر المصريين فطلبوا الصلح، عرض عليهم طوسون شروطا قاسية ms02 قبلوها حالا، ~~وبعدما هدأت الحالة عاد طوسون إلى مصر في نوفمبر سنة 1815. # إلا أن الوهابيين نقضوا العهود والمواثيق، وعادوا إلى الثورة والعصيان، وجمعوا 30000 من ~~المقاتلة تحت قيادة الأمير عبد الله وأخيه الأمير فيصل، علم محمد علي بهذه الثورة الجديدة، ~~فأمر بتجريد حملة ثالثة، وفي أثناء هذه الحملة الجديدة مات ابنه طوسون في برنبال (في 6 ~~يوليو سنة 1816)، فعهد محمد علي في قيادة الحملة الثالثة إلى ابنه الكبير إبراهيم (وكان ~~عمره إذ ذاك 27 سنة)، بارح إبراهيم مصر في 5 سبتمبر سنة 1816 إلى قنا، ومنها إلى القصير، ثم ~~إلى ينبع، ثم إلى المدينة المنورة، وفي 19 يناير سنة 1817 وصل إليه رسول من قبل السلطان ~~يحمل إليه رتبة الميرمران الرفيعة. # قضى إبراهيم مدة طويلة من الزمان وهو يقاتل الوهابيين ويطاردهم، إلى أن كتب الله له النصر ~~في 10 سبتمبر سنة 1818، إذ خضع الأمير عبد الله وسلم له نفسه، فأرسله إبراهيم باشا إلى مصر، ~~ومنها إلى إستانبول بناء على طلب السلطان، وعلى الرغم من شفاعة محمد علي وإبراهيم فإن ~~السلطان قتله قتلة سوء إذ أمر بضرب عنقه أمام جامع أيا صوفيا، ولما بسط إبراهيم سلطان ~~أبيه على جزيرة العرب، عاد إلى مصر في ديسمبر سنة 1819 بعد أن قضى ثلاث سنوات وهو يقاتل ~~الوهابيين، وصل إلى الجيزة في 9 ديسمبر، ودخل القاهرة من باب النصر، واستقبله والده يوم 11 ~~ديسمبر في سراي شبرا، وأقيمت معالم الأفراح مدة سبعة أيام وسبع ليال متواليات. # 4 # وفي سنة 1820 وجه محمد على عنايته وجهوده إلى بلاد السودان، فسير حملة أولى تحت قيادة ~~ابنه إسماعيل، وحملة ثانية تحت قيادة صهره محمد بك الدفتردار، وحملة ثالثة تحت قيادة ابنه ~~الكبير إبراهيم. # وفي 15 أكتوبر سنة 1838 سافر إلى السودان ليتفقد أحوالها بنفسه، ولم يعد إلى مصر إلا في ~~14 مارس سنة 1839 بعد غياب طال خمسة أشهر، ومن الغريب أنه سافر هذه السفرة الشاقة الطويلة ~~وكان عمره 70 سنة، وانتهز فرصة وجوده وبنى مدينة الخرطوم، ms03 وأسس مدينة سماها باسمه وصدق من ~~قال عنه: # Toujours le dernier au repos, toujours le premier au ~~mouvement ~~. # كانت حملة إسماعيل مؤلفة من 4000 جندي و18 مدفعا، وحملة الدفتردار من 4000 جندي و8 ~~مدافع، وحملة إبراهيم من بضعة آلاف. # إسماعيل فتح بلاد النوبة ودنقلا وبربر وسنار، وفي 27 مايو سنة 1821 وصل إلى ملتقى النيل ~~الأبيض بالنيل الأزرق، ونصب خيامه على رأس زاوية تحتلها امرأة اسمها «أم درمان» سميت فيما ~~بعد باسمها، وكانت في سنة 1821 محلة قفراء، وما كان يدور بخلد أحد أنه بعد مائة عام يصبح ~~هذا المكان الأقفر مدينة كبيرة يبلغ عدد سكانها 100000، أما الدفتردار فبسط سلطان مصر على ~~دارفور وكردفان، وجعل «الأبيض» حاضرة هذه البلاد الواسعة. # لم يكتف محمد علي بكل هذه الغزوات وهذه الفتوحات، بل استولى أيضا على بلاد التاكة ~~(الواقعة بين العطيرة والبحر الأحمر) وأسس مدينة كسلا، ولمد سلطانه على جميع هذه البقاع ~~النائية استولى على سواكن ومصوع، استأجرهما من السلطان وضمهما إلى الإمبراطورية ~~المصرية. # لم يكد الأمر يستتب لمحمد علي في السودان، وإذا بإرادة من السلطان بها يستنجده مرة أخرى، ~~ويطلب منه إعانة الأسطول العثماني الذي عهد إليه في قمع الفتن والقلاقل والاضطرابات التي ~~نشبت في جزر بحر اليونان، صدع محمد علي بالأمر وجهز أسطولا من 16 قطعة عهد في قيادته إلى ~~إسماعيل أغا المعروف بالجبل الأخضر، أضاف إليه قوة مؤلفة من 800 جندي جعلها تحت إمرة ~~طبوز أوغلو وأقلع الأسطول بالفعل من ثغر الإسكندرية في 10 يوليو سنة 1821، وكتب الله له ~~التوفيق واحتل جزيرة «رودس». # محمد علي. # عاد السلطان بعد سنة أخرى واستنجد بمحمد علي مرة ثالثة لإخماد ثورة في جزيرة «قبرص» عجز ~~الجنود الترك عن إخمادها، ولكي يثير حميته أصدر فرمانا في سنة 1822 بتعيينه واليا عليها ~~مع بقائه واليا على مصر. # وبعد فترة من الزمان - عام سنة 1822 - عاد السلطان واستنجد به مرة رابعة لقمع ثورة في ~~جزيرة «كريت»، وليستثير حميته ولاه عليها، فأنجده محمد علي بأسطول مؤلف من 60 ms04 سفينة، وبقوة ~~مؤلفة من 4500 من المشاة و500 من الفرسان تحت إمرة حسن باشا، ووفق محمد علي في خلال سنة ~~1822 في قمع الثورة وإعادة النظام والأمن إلى الجزر الثلاث رودس وقبرص وكريت. # 5 # وفي سنة 1822 شن الفرس الغارة على بلاد الدولة العلية، وزحفوا قاصدين الاستيلاء على بغداد ~~وأرضروم، فاستعان السلطان بمحمد علي للمرة الخامسة. # عاد السلطان للمرة السادسة واستعان بمحمد علي لقمع ثورة هائلة شبت في بلاد المورة «بلاد ~~اليونان»، وكان الثوار قد ناشبوا العثمانيين منشبة شديدة، واستولوا على مدن وثغور ~~ومعاقل كثيرة، وهزموا سليم باشا ودحروا مصطفى باشا قائدي الآلايات العثمانية، وكي يستثير ~~السلطان حمية محمد علي، أصدر في 16 يناير سنة 1824 فرمانا ولاه به على بلاد المورة أيضا. ~~لبى محمد علي الطلب، وجهز حملة مؤلفة من 18000 جندي منهم 3000 خيالة زودهم بمائة وخمسين ~~مدفعا، وبذخائر كثيرة سارت بها 100 سفينة (استأجرها من الشركات الإنجليزية والنمساوية) ~~تخفرها 63 سفينة حربية مصرية جعلها تحت إمرة إسماعيل أغا الجبل الأخضر، ووصلت إلى مودن # 6 # في 26 فبراير سنة 1825. # وفي يناير سنة 1826 أتبعها بنجدة مؤلفة من 10000 مقاتل شفعها بنجدة ثالثة من 92 سفينة ~~منها 51 سفينة حربية، وبمجرد وصولها أصدر السلطان إرادة شاهانية بتعيين إبراهيم باشا قائدا ~~عاما للأسطولين العثماني والمصري. # سار الجيش المصري تحت إمرة البطل إبراهيم باشا يعاونه سليمان بك (سليمان باشا الفرنساوي) ~~وأحمد بك المانكلي، فأظهر من آيات البسالة والبطولة ما أدهش العالم، استولى على معظم المدن ~~والثغور والقلاع التي عجز رشيد باشا قائد الجيش العثماني عن غزوها، ولولا تدخل الدول العظمى ~~- إنجلترا وروسيا وفرنسا والنمسا - وتحطيمها الأسطولين المصري والعثماني في نافارين يوم 20 ~~أكتوبر سنة 1827، لتم لإبراهيم إخضاع بلاد المورة كلها. وكان من نتائج تدخل الدول وهياج ~~الرأي العام في أوروبا أن اضطر محمد علي إلى إرجاع البقية الباقية من جيشه ومن أسطوله إلى ~~مصر بعد أن خسر 30000 رجل وخسر نفقات الحملة وقدرها 800000 جنيه، وقد اشترك محمد علي بنفسه ~~في ms05 هذه الحرب، إذ ركب ذات يوم سفينة حربية طارد بها سفن الثوار الذين حدثتهم نفوسهم بضرب ~~الإسكندرية، ووصل في هذه المطاردة إلى جزيرة رودس. # وفي أبريل سنة 1828 أعلنت الروسيا الحرب على الدولة العلية، فعاد السلطان واستنجد بمحمد ~~علي للمرة السابعة وطلب منه إرسال أسطوله و28000 جندي. # عاد الوهابيون وشقوا عصا الطاعة، فاستنجد السلطان للمرة الثامنة بمحمد علي. # ولما ذاعت شهرة محمد علي وطبقت الآفاق، عرضت عليه فرنسا غزو بلاد الجزائر وضمها إلى ملكه، ~~فاعتذر كي لا يثير غضب الباب العالي وإنجلترا عليه، فغزتها فرنسا في سنة 1830، وضمتها إلى ~~ملكها. # في مقابل كل هذه التضحيات الكثيرة التي ضحاها محمد علي لمساعدة السلطان في جزيرة العرب ~~وفي رودس وفي قبرص وفي كريت وفي بلاد المورة وفي السودان وفي روسيا، وما خسره من رجال، وما ~~أنفقه من مال، كان السلطان وعد محمد علي بالتنازل له عن بعض الولايات تعويضا له عما خسر من ~~مال ومن رجال، إلا أن السلطان وعد ولم يف. # وكان لمحمد علي في ذمة عبد الله باشا والي عكا دين مقداره 11000 كيس (55000 جنيه)، # 7 # وكان والي عكا هذا قد آوى من قبل ألف فلاح مصري # 8 # انتزحوا عن ديار مصر إلى ولاية عكا في خلال سنة 1831، تابعه محمد علي بالمال ~~فرفض، طالبه بالرجال فرفض، هاج محمد علي فكتب إلى والي عكا مهددا بأنه سيرسل ابنه إبراهيم ~~ليستخلص منه المال والرجال «وزيادة واحد» يريد بالواحد الزيادة عبد الله نفسه. # أجاب والي عكا: «أنا وزير السلطان مثلك، ليس لي أن أمنع رعايا السلطان من الهجرة من مصر ~~إلى سوريا، كما ليس لي أن أمنع هجرة رعاياه من سوريا إلى مصر، إن أردت فاستصدر فرمانا من ~~السلطان برد الفلاحين وأنا أردهم.» شكا محمد علي إلى السلطان، فأجابه السلطان: «إن الفلاحين ~~المصريين هم عبيد بابنا العالي لا عبيد وزيري، لهم حرية الإقامة حيث شاءوا ...» # في 14 أكتوبر سنة 1831 تحرك الجيش المصري # 9 # وفي 2 نوفمبر سنة 1831 تحرك الأسطول المصري، ms06 وأراد الله أن يكتب للجيش المصري ~~وللأسطول المصري الانتصارات الباهرة بسرعة مدهشة. أبلغ ما قرأناه وصفا لبسالة الجندي ~~المصري في هذه المعارك ما كتبه كاد ألفين وبارو اللذان عاصرا محمد علي باشا الكبير. ~~قالا: # Ce fut un spectacle éclatant et imprévu que cette armée ~~d’Arabes, disciplinés à l’européenne, marchant, de victoire en victoire, du ~~Caire à Saint-Jean-d’Acre et de Saint-Jean-d’Acre ~~jusqu’aux approches de constantinople. En France surtout, la gloire nouvelle ~~don’t rayonnait l’Egypte émut et fit vibrer en vives sympathies tous les ~~souvenirs de la campagne Napoléonienne ... (Voir “Histoire de la guerre de ~~Méhémed-Ali contre la Porte Ottomane, 1832-1833” par E. de Cadalvène et V. Barreault) ~~. # وفي 8 نوفمبر سنة 1831 دخل المصريون ثغر يافا. # وفي 13 نوفمبر احتلوا حيفا، وفيها وفد إليهم زعماء قبائل عرب نابلس وطبرية والقدس، وقدموا ~~الطاعة. # أراد السلطان إثارة الرأي العام ضد محمد علي فألف مجلسا كان مفتي الآستانة من أعضائه، ~~أعلن في 23 أبريل سنة 1831 تمرد محمد علي وعزله # 10 # وتعيين حسين باشا # 11 # سردارا وواليا على مصر (بدل محمد علي)، إلا أن قرار التمرد والعزل لم يثن ~~عزيمة محمد علي، فواصل القتال وواصله بعزم وبأس. # وفي 5 أبريل سنة 1832 دخل المصريون طرابلس، # 12 # وكانوا من قبل احتلوا صور وصيدا وبيروت، وكانت كلها داخلة في ولاية عبد الله. # 13 # وفي 14 أبريل سنة 1832 انتصر المصريون في سهل «الزراعة». # وفي 27 مايو سنة 1832 بعد حصار دام من 26 نوفمبر سنة 1831 إلى 27 مايو سنة 1832 سقطت عكا، ~~وفيها أسر المصريون عبد الله والي عكا نفسه # 14 # بعد أن دافع عنها دفاع الأبطال، وبعد أن استشهد من جنوده 5600 من 6000، وقد ~~أرسله إبراهيم باشا إلى مصر، حيث عين له محمد علي جزيرة الروضة مقاما، فأقام فيها ذليلا ~~إلى يوم 22 ديسمبر سنة 1833، وهو يفكر في طمحات الدهر، ولسان حاله يقول: حقا إن الدولة ~~ريح قلب والإمرة برق خلب. وقد كان مجموع ms07 القوات المصرية 24000 (خسرت مصر منهم 4000 ~~بين قتيل وجريح و2000 مريض) غير جنود المدفعية، يعززها أسطول مصري مؤلف من 16 سفينة حربية ~~عقد لواؤها لأمير البحر عثمان نور الدين باشا، وقد بلغ عدد القنابل التي ألقاها المصريون ~~على عكا 50000 وعدد القذائف 203000، وقلعة عكا هذه هي التي عجز نابليون بونابرت عن فتحها في ~~النصف الأول من سنة 1799 في عهد ولاية أحمد الجزار (بعد أن حاصرها من 25 مارس إلى 10 مايو ~~سنة 1799). # 15 # ولما وصل خبر سقوط عكا إلى مصر، أمر محمد علي باشا بأن تقام الأفراح ثلاثة أيام كاملة، ~~تطلق في خلالها مدافع القلاع والبنادر ثلاث مرات في كل يوم من الأيام الثلاثة، كما أمر ~~بالعفو عن المسجونين والمنفيين وإطلاق سراحهم ليعم الفرح أهالي مصر قاطبة. # وفي 13 يونيو سنة 1832 دخل المصريون دمشق، وقد اتخذها محمد علي مركزا لحكومته، ولما ~~أراد الباب العالي استطلاع نواياه أجاب بأنه يقبل ولايتي عكا ودمشق (علاوة على مصر وجدة ~~وكريت التي كان متوليا عليها بالفعل في ذلك الوقت) في مقابل التضحيات الكبيرة التي ضحاها ~~من رجال ومال في سبيل استرجاع الحرمين الشريفين وتأديب الوهابيين وإخضاع المورة وتسديد ~~الجزية إلى السلطان طوال هذا الزمن المديد، وهدد بأخذها كرها إذا لم تعط له طوعا. # وفي 8 يوليو سنة 1832 انتصر المصريون في حمص، وهذه الواقعة مشهورة بهزيمة الباشوات ~~الثمانية؛ لأن القوات التركية كانت تحت قيادة ثمانية باشوات، وهم: محمد باشا والي حلب وهو ~~سر عسكر، وعثمان باشا حاكم المعادن، وعثمان باشا والي القيسارية، وعلي باشا والي دمشق ~~السابق، ومحمد باشا الكريدلي، ونجيب باشا، ودولار باشا، ومحمد باشا، والجنود النظاميون ~~الذي كانوا تحت قيادتهم 10471، وقد دامت هذه المعركة ثلاث ساعات ونصف ساعة استبسل المصريون ~~فيها لدرجة أدهشت الترك، ومن آيات البسالة التي أبداها المصريون أن أحد الخيالة واسمه منصور ~~أصابته ضربة بترت ذراعه، ومع ذلك استمر يقاتل على رأس الخيالة وهو يقاسي لهاث الموت إلى أن ~~استشهد في أثناء المعمعة، وقد بلغت خسارة ms08 المصريين 102 قتيل و162 جريحا، أما العثمانيون ~~فخسروا 3000 قتيل وجريح و3000 أسير و12 مدفعا، وبعد المعركة دخل المصريون مدينة حمص وفيها ~~أسروا 1500 جندي وغنموا 14 مدفعا. # وفي 10 يوليو سنة 1832 استولوا على حماة. # وفي 14 يوليو سنة 1832 دخلوا حلب وأسروا حاميتها وجنودها وعددهم 1000. # وفي 30 يوليو سنة 1832 انتصروا في بيلان. دامت معركة بيلان ثلاث ساعات، وقد بلغ عدد قتلى ~~الترك وجرحاهم 2500، وغنم المصريون 25 مدفعا وجميع ذخائر ومهمات جيش السلطان، وكان جيش ~~السلطان تحت قيادة السردار أكرم حسين باشا نفسه، وبعد المعركة سار الفرسان المصريون تحت ~~إمرة عباس باشا «حفيد محمد علي ووالي مصر بعد إبراهيم»، ودخلوا إسكندرونة، وفيها غنموا 14 ~~مدفعا وذخائر ومؤنا وافرة، ثم دخلوا أنطاكية، # 16 # وقد اتخذها إبراهيم باشا مقرا له، بنى فيها قصرا فخما وبنى بجواره ثكنات ~~تسع 5000 جندي. وبهذا تم لمحمد علي فتح سوريا من أولها إلى آخرها. # بعد ما انتصر الجيش المصري في واقعتي حمص وبيلان، توغل إبراهيم في الأناضول، واحتل طرسوس ~~وأطنة، ثم احتل مضيق كولك بوغاز (وهو مضيق له أهمية حربية عظيمة)، وتابع زحفه فالتقى في ~~جيفته خان بقوة كبيرة من الجيش العثماني تحت قيادة عليش باشا والي قونية وصادق باشا والي ~~أطنة، وكانت القوة المصرية تحت قيادة سليم الحجازي بك وإبراهيم أغا (وهو فرنسانوي من مقاطعة ~~الألزاس اسمه # Rochmann # أسلم، وتسمى باسم إبراهيم أغا)، هجمت ~~القوة التركية، فتلقتها القوة المصرية بنار آكلة، وقاتلتها قتالا شديدا انتهى بانكسار ~~العثمانيين وانتصار المصريين. # تابع المصريون زحفهم والتقوا مرة أخرى بالعثمانيين في «أولو قشلة» فقاتلوهم ومزقوهم، ثم ~~زحفوا إلى أن وصلوا إلى «إريكلي» فاحتلوها. # كان لهذه الانتصارات المتوالية دوي عظيم في الشرق وفي الغرب، وكان وقعها أعظم وأكبر في ~~الآستانة وفي جميع الولايات العثمانية - في آسيا وفي أوروبا وفي أفريقيا. # خاف السلطان على عرشه، فاستدعى رشيد محمد باشا الذي كان قائدا عاما لجيوش تركيا في حرب ~~المورة، واشتهر بانتصاره في 6 مايو سنة 1827 على الجيش اليوناني في ms09 أكبر معركة دارت بين ~~العثمانيين واليونانيين على مقربة من أثينا عاصمة اليونان، وكانت له مواقف حربية عظيمة أخرى ~~في ألبانيا وفي روسيا وخوله سلطة تامة مطلقة لتعبئة جيش كبير يكون كامل المعدات والآلات ~~والمهمات. ولكي يثير حميته أسند إليه رتبة الصدارة العظمى، وولاه على مصر وجدة وكريت وعلى ~~جميع الولايات والبلاد التي انتزعها منه محمد علي وإبراهيم بالقوة، واستثار حميته أكثر بأن ~~قال له: إن كل ما ملك محمد علي وإبراهيم من مال ومتاع يكون لك. # وفي 28 نوفمبر سنة 1832 احتل المصريون قونية. # 17 # وفي 21 ديسمبر سنة 1832 هزموا الجيش العثماني في سهول قونية. # قبل اشتباك الجيشين أرسل الصدر الأعظم رشيد باشا إلى إبراهيم باشا يطلب منه إخلاء جميع ~~الولايات السلطانية التي احتلها بالقوة، ويهدده بالحرب إذا امتنع، ولما لم يذعن إبراهيم ~~باشا ثارت عجاجة الحرب، وتقدم الجيش العثماني لمقاتلة الجيش المصري. بدأت المعركة في 18 ~~ديسمبر سنة 1832 باشتباك قوة مصرية كان يقودها إبراهيم باشا نفسه بقوة تركية كانت مرابطة في ~~بلدة سيلة غرب قونية (وعلى بعد ساعة ونصف منها)، فانتصر إبراهيم باشا على العثمانيين، وغنم ~~منهم 5 مدافع وكمية كبيرة من الذخائر والمؤن، وأسر منهم 500 مقاتل، ثم زحف واستولى على خان ~~حصين سلمت حاميته فورا، وكان من بين الأسرى سلحدار كريتلي أوغلو محمد (الذي شهد وقعة حمص). ~~إزاء هذا النصر حضر إلى إبراهيم باشا 600 من الجنود الأرناءوط، وسلموا أنفسهم، وطلبوا ~~التطوع في جيشه، وفي ثاني يوم 21 ديسمبر - وكان يوم جمعة - التقى الجيشان وجها لوجه. كان ~~الجيش المصري تحت قيادة إبراهيم باشا وسليمان باشا الفرنساوي وإبراهيم بك المناسترلي وأحمد ~~بك مانكلي وأحمد بك إستامبولي، أما الجيش العثماني فكان تحت قيادة الصدر الأعظم نفسه يعاونه ~~خير الدين باشا وسعد الله باشا، وقبل التحام الجيشين دعا الصدر الأعظم ضباطه، وحذرهم من ~~التهاون، وهدد بإعدام من يهمل منهم في تأدية الواجب، ثم زاد فسمح لمن يأنس منه جبنا أو ~~ضعفا أو تراخيا أن يقتله بحد السيف، ثم ms10 استدعى كاخيته وسلمه أختام الدولة التي سلمها إليه ~~السلطان بصفته صدرا أعظم، وعين الجنرال أحمد فوزي باشا ليخلفه في قيادة الجيش إذا ما ~~استشهد في أثناء الحرب. # التحم الجيشان في معركة دامية حامية، وبعد ساعتين وقع الصدر الأعظم أسيرا # 18 # في أيدي البدو الذين كانوا مع إبراهيم باشا، إلا أن المعركة استمرت بعد أسره ~~خمس ساعات أخرى ونصف، وانتهت بانتصار المصريين وانكسار العثمانيين، وكان الجيش العثماني ~~مؤلفا من 53000 جندي و93 مدفعا، والجيش المصري من 15000 جندي و36 مدفعا وقد بلغت خسارة ~~العثمانيين 3000 قتيل و6000 أسير و46 مدفعا وكمية كبيرة من المؤن والذخائر والأعلام، ~~وخسارة المصريين 262 قتيلا و530 جريحا. وبعد المعركة عاد إبراهيم باشا إلى قونية، فوصل ~~إليها في الساعة الثامنة والنصف مساء، حيث كان سبقه إليها الصدر الأعظم، وبقي إبراهيم باشا ~~برهة من الزمان يفكر في تصاريف الدهر، ويستعرض في ذهنه ما أتاه الله له من النصر في خلال ~~سنة واحدة من سقوط عكا وأسر عبد الله واليها، إلى انتصاره في حمص، إلى انتصاره في حلب، إلى ~~انتصاره في بيلان على السردار الأكرم، إلى انتصار في قونية على الصدر الأعظم وأخذه أسيرا، ~~ولعله تذكر في هذه اللحظة الرهيبة أن قونية التي هزم المصريون فيها العثمانيين كانت مهد ~~سلطنة آل عثمان الذين أذلوا المصريين ثلاثة قرون. فجاء المصريون من بلادهم وعلى بعد ألف ~~كيلومتر وكسروا العثمانيين وأذلوهم وأخذوا بثأر آبائهم وأجدادهم. # وفي 2 فبراير سنة 1833 احتل الجيش المصري كوتاهية، وأصبح على بعد 50 فرسخا من الآستانة. # 19 # وفي 28 فبراير سنة 1833 دخل المصريون أزمير، وقد بلغ ذعر الأهالي والحكام من اسم إبراهيم، ~~وفزعهم من اسم الجندي المصري، أن تقدم محمد أغا إلى حاكم أزمير، وطلب منه باسم إبراهيم باشا ~~تسليم المدينة، فأذعن في الحال، وسلم المدينة، مع أنه لم يكن مع محمد أغا من الجند ربع ~~مرباع الترك ولا عشر معشارهم، إذ كان معه أربعة جنود فقط، وصدق من قال: # La ~~popularité vaut dix armées ~~. # إبراهيم ms11 باشا. # يؤيد هذا ما كتبه قنصل إنجلترا في مصر إلى لورد بالمرستون كبير وزراء إنجلترا في رسالة ~~مؤرخة 28 أكتوبر سنة 1835، إذ قال فيها إن اسم إبراهيم يفعل في نفوس الناس فعل السحر. # Le nom d’ibrahim semble talismanique. (Voir Sabry, p. ~~844) # نال الجيش المصري هذا النصر الباهر على الرغم من تفوق الجيش العثماني عددا وعددا؛ إذ إن ~~عدد الجيش العثماني كان يزيد على عدد الجيش المصري ثلاث مرات، وعلى الرغم من أن العثمانيين ~~كانوا يحاربون في داخل بلادهم والمصريين يحاربون على بعد ألف كيلومتر من بلادهم، غزوات بعد ~~غزوات بين شاتية في صبارة الشتاء وصائفة في حمارة القيظ والبلاد فوق كل هذا كثيرة الأمطار ~~والأوحال والضباب والثلج، ومع ذلك كان المصريون يندفعون كالسيل العرم فتطير من أمامهم جحافل ~~العدو كأسراب النعام، فكان إبراهيم والجندي المصري خوف الشعوب وهول الأقوام. # بعد هذا النصر فكر إبراهيم باشا في خلع السلطان محمود ونقل الخلافة من إستانبول إلى مصر، ~~ومال بعض رجال السياسة في أوروبا في وقت من الأوقات (ومنهم سفير إنجلترا في الآستانة وقيصر ~~روسيا وبعض وزرائه) إلى العمل برأيه، وأشاروا بوجوب خلع السلطان محمود ومبايعة محمد علي ~~سلطانا وخليفة، وتمنت ولايات عثمانية كثيرة لو أنها دخلت في طاعة محمد علي، ونعمت ~~بحكمه. # راع السلطان دنو الجيش المصري من إستانبول، وألقت انتصارات المصريين في روعه قرب انهيار ~~عرشه، ولا سيما بعد أن زادت السلطنة وهنا على وهن، فألقى بنفسه في أحضان الروس، وطلب من ~~قيصر روسيا أن ينجده، فأرسل قيصر روسيا أسطوله و13000 جندي من جيشه. ألقى الأسطول مراسيه في ~~البوسفور، ونزل الجنود الروس في بيوك دره وحنكار أسكله سي، # 20 # وأمضى السلطان والإمبراطور نقولا قيصر روسيا في 26 يونيو سنة 1833 معاهدة سموها ~~معاهدة «حنكار أسكه لي سي»، هي أشبه شيء بحماية روسيا على تركيا. # 21 # خافت إنجلترا وخافت فرنسا من عاقبة هذا الاحتلال الروسي، فوجهتا جهودهما إلى ~~التوفيق بين السلطان ومحمد علي باشا وإقناع محمد علي بقبول ولاية عكا والقدس وطرابلس ms12 ونابلس ~~علاوة على ولاية مصر وجدة وكريت، وهددتاه بمظاهرة كبيرة يشترك فيها الأسطولان الإنجليزي ~~والفرنساوي أمام ثغر الإسكندرية إذا رفض، إلا أن محمد علي أصر على طلب سوريا كلها وولاية ~~أطنة كلها # 22 # وجزء من بلاد العراق، وبعد مساومات وتهديدات ومفاوضات قبل السلطان في 4 مايو ~~سنة 1833 إمضاء معاهدة كوتاهية التي بها قبل أن تكون ولاية مصر وراثية في ذرية محمد علي، ~~وتنازل لمحمد علي عن ولاية سوريا كلها «دمشق وطرابلس وصيدا وحلب والقدس ونابلس»، وتنازل ~~لإبراهيم عن ولاية أطنة وجدة، وعينه شيخ الحرم المكي، واسترد من محمد علي جزيرة قبرص، وأخذ ~~عليه عهدا بعدم إعلان استقلال مصر عن الدولة العلية. وبمعاهدة كوتاهية هذه بسط محمد علي ~~سلطانه على مصر والسودان وبلاد العرب وفلسطين وسورية وولاية أطنة، # 23 # فكانت إمبراطورية واسعة الأرجاء مساحتها تزيد على نصف أوروبا، وتزيد 15 مرة على ~~مساحة فرنسا، إمبراطورية عظيمة تضارع إمبراطورية نابليون وإمبراطورية الفراعنة وإمبراطورية ~~الرومان، تمتد من النيل إلى الفرات، ومن البحر الأحمر إلى البحر الأبيض، من فلوات اليمن إلى ~~مشارف الشام، من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، من كعبة المسلمين إلى مقدس النصارى إلى ~~مبكى اليهود، إمبراطورية جمعت اليمني والحجازي والمصري والسوداني والعربي والسوري واللبناني ~~والدرزي والتركي والرومي والأرمني تحت راية واحدة هي راية مصر الخالدة، وتحت صولجان واحد هو ~~صولجان محمد علي الكبير، فجاء هذا النصر السياسي العظيم متمما ومكملا للنصر الحربي ~~الكبير، وبلغ محمد علي في هذا اليوم ذروة المجد، سماه ساسة أوروبا «نابليون الشرق»، وسماه ~~مترنيك # Metternich # كبير ساسة إمبراطورية النمسا والمجر # le vieux renard ~~، وسماه بعض الكتاب والمؤرخين # le Talleyrand de l’Orient ~~، # 24 # كما سموا إبراهيم باشا # Le Sabre vivant # و # Le François ier de l’Orient ~~، كما سموا مصر «أم ~~الدنيا»، وتوالت التهاني على محمد علي وإبراهيم من جميع أنحاء المعمورة، حتى إن شاه العجم ~~أرسل في خلال سنة 1835 أحد وزراء الدولة مرزا جعفر إلى مصر ليحيي باسمه محمد علي وإبراهيم، ~~وزوده بكتاب كتبه بخط يده، ms13 يبدي فيه إعجابه بما أحرزاه من نصر ومجد. # وبعد إمضاء معاهدة كوتاهية أطلق محمد علي سراح عبد الله باشا والي عكا الذي كان أسيرا في ~~جزيرة الروضة بمصر، فبارح مصر في 22 ديسمبر سنة 1833 على باخرة من البواخر العثمانية التي ~~أسرها المصريون في خلال الحرب قاصدا الآستانة. # نفذت معاهدة كوتاهية وانسلخت سوريا من حكم العثمانيين ودخلت في حكم المصريين، إلا أن ~~السلطان أمضى معاهدة كوتاهية على كراهة منه، وقبل التنازل لمحمد علي عن سوريا كرها عنه، ~~وقبل التنازل لإبراهيم عن ولاية أطنة قهرا عنه. الرجل رجل ماكر حقود؛ تظاهر بالمسالمة، ~~إلا أن حقيدته بقيت تتأجج في صدره، وحفيظته بقيت تلعب في عقله إلى أن أضمر على استعادة مصر ~~وسوريا وطرد المصريين منها كلها، بدأ سرا بإثارة الفتن والقلاقل في البلاد التي احتلها ~~محمد علي؛ ففي سنة 1834 ثارت فلسطين واستفحلت الثورة لدرجة حملت محمد علي على السفر حالا ~~إليها على سفينة حربية مصرية اسمها «تمساح» يخفرها الأسطول المصري كله، فوصل إلى يافا ومنها ~~قصد الرملة، وفي أثناء وجوده اجتمع بابنه الكبير إبراهيم وبكبار رجال الجيش المصري وساعدهم ~~على إخماد الفتنة، وبعد أن خضع زعماء «الخليل» وهدأت الحالة نوعا عاد إلى مصر، وفي سنة ~~1836 ثار الدروز بزعامة شبلي العريان، وقاتلوا المصريين في الوديان وفي الجبال مدة سنتين، ~~ولم يخضعوا إلا بعد أن شتت إبراهيم شملهم ومزقهم شر ممزق. # كان السلطان يراقب الحالة في سوريا وفي فلسطين من كثب، عرف أن محمد علي اضطر إلى حشد ~~50000 مقاتل لمحاربة الثوار في فلسطين وفي سوريا، وعرف أن المصريين خسروا ثلاثة أخماس ~~جنودهم في المعارك التي اشتبكوا فيها مع الثوار مدة السنوات الأربع أو الخمس، فظن أن الفرصة ~~قد سنحت لتمزيق معاهدة كوتاهية واسترداد مصر وفلسطين وسوريا وأطنة، وسنحت بالأكثر لمحو عار ~~حمص وبيلان وقونية، ولكسر شوكة محمد علي وخلعه والانتقام منه. # لله در من قال: «إن سنة 1833 تمخضت فولدت سنة 1839.» أو بعبارة أخرى: إن حوادث سنة 1833 ~~كانت حبالى بحوادث ms14 سنة 1839. وهذا هو الواقع؛ لأن محمد علي جرد السلطان من ولايات كثيرة ~~أخذها لنفسه، فطمع في المزيد على حد المثل العربي: «إن الطعام يقوي شهوة النهم»، والسلطان ~~فقد ولايات كثيرة فحنق وحقد وآلى على نفسه أن يستعيدها. دارت مفاوضات فيها طلب السلطان من ~~محمد علي أن يرد له سوريا ويتخلى له السلطان عن بلاد الحجاز، على أن تكون ولايته عليها ~~وراثية مثل ديار مصر، فلم يقبل محمد علي. دعاه السلطان إلى الآستانة ليتفاوض معه، أدرك محمد ~~علي ما وراء الأكمة فاعتذر. # 25 # لجأ السلطان إلى ما يسمونه «سياسة اليشمك والفرجية»، فتودد إلى زهرا هانم # 26 # أرملة الأمير إسماعيل بن محمد علي (الذي مات في شندي حرقا)، وكانت قد حضرت إلى ~~الآستانة لزيارة والدها عارف بك قاضي عسكر الأناضول، حاملة هدايا فاخرة من محمد علي باشا ~~إلى السلطان، انتهز السلطان فرصة اعتزام زهرا هانم السفر من الآستانة إلى مصر على ظهر ~~الباخرة «النيل»، فكلف أحمد فوزي باشا أمير البحر بأن يصعد إلى الباخرة ليحيى الأميرة ~~باسمه، ويهدي إليها ساعة من الذهب الخالص ومعها سلسلة من البرلنتي، ويوزع على البحارة 500 ~~جنيه، ثم استقل السلطان زورقه البخاري، وطاف حول الباخرة ثلاث مرات مودعا، فكان لهذه ~~الحفاوة أثر كبير في نفس الأميرة وفي نفس محمد علي باشا، لكن كل هذه المناورات لم تجد؛ لأن ~~التابع والمتبوع عندا واستعندا. # وفي سنة 1837 أمر السلطان بزيادة القوات العثمانية زيادة كبيرة، وعهد إلى حافظ باشا ~~بحشدها في سيواس على مقربة من حدود سوريا. # وفي أواخر مايو سنة 1838 أظهر محمد علي لقناصل الدول اعتزامه على إعلان استقلال مصر، # 27 # وكان قد بلغ سن السبعين، وأراد توطيد دعائم الإمبراطورية المصرية ليتلقاها ~~أولاده من بعده قوية منيعة الجانب. # 28 # عرف السلطان بنوايا محمد علي، فأمر في يناير سنة 1839 بسرعة تجييش الجيوش والاستعداد ~~للقتال برا وبحرا، وجعل الجيش تحت إمرة محمد حافظ باشا سر عسكر، والأسطول تحت إمرة فوزي ~~باشا أمير البحر. # كان طالع سنة 1839 طالع نحس: ms15 # لأنه في 26 يناير سنة 1839 شب حريق هائل في سراي رءوف باشا أحد وزراء الدولة، ومنها اندلع ~~اللهب إلى الباب العالي، فالتهمه كله وتركه أثرا بعد عين، وقدرت الخسارة بمبلغ 600000 ~~جنيه. # ومما زاد السلطان أسفا على أسف وقلقا على قلق أن النار التهمت صورة السلطان نفسه، ولم ~~تبق منها شيئا ولم تذر. # وحدث أن سقط السلطان عن جواده وأصيب برضوض أقعدته عن الحركة فترة من الزمان. # وتوفيت ليدي إستر ستانهوب # Lady Esther Stanhope ~~«حفيدة ~~لورد شتام وابنة أخي وليم بيت # William Pitt # كبير وزراء ~~إنجلترا» عن 64 عاما، وكانت اتخذت لبنان وطنا لها، وأقامت في قصر مشيد في أعالي الجبال ~~أنفقت منه ثروتها الطائلة لإثارة الفتن والدسائس والاضطرابات ضد حكومة محمد علي، وكانت ~~تسمي نفسها ملكة القدس ~~وتدمر # Reine de Jérusalem et de Palmyre ~~. # وأول عمل عدائي وقع من القوات العثمانية وقع في يوم مولد النبي فبدلا من إطلاق المدافع ~~ابتهاجا واستبشارا بالسلام، جاء إطلاق المدافع إيذانا بالحرب والقتال، بين محمود ومحمد، ~~بين حافظ وإبراهيم، بين جيشين تسعة أعشار الجند فيهما من المسلمين. # ولما أراد الأسطول التركي المعقود لواؤه لعثمان بك رياله السفر إلى البحر الأبيض المتوسط ~~لمنازلة الأسطول المصري، قال العلماء والمنجمون للسلطان: إنه إذا سافر الأسطول في الدقيقة ~~السابعة بعد الساعة التاسعة كتب الله له النصر. ولما تحرك الأسطول في الدقيقة السابعة بعد ~~الساعة التاسعة - كما قال العلماء والمنجمون - اصطدمت سفينة من سفنه أمام قيزقوله سي (في ~~البوسفور) بفرطاقة إيطالية اسمها جلوريا، فتعطلت وعطلت الأسطول. # أراد السلطان أن يضمن لجيشه النصر، فاختار أربعة من الضباط الألمان المشهود لهم بالدربة ~~والخبرة العسكرية، وعينهم مستشارين لحافظ باشا، وهم فون ~~مولباخ # Von Mulbach ~~، والبارون فون مولتكي # Von Moltke ~~(الذي صار فيما بعد الماريشال فون مولتكي، وكان له مع بسمارك فضل الانتصار على نابليون ~~الثالث إمبراطور فرنسا في حرب السبعين)، ووينكي # Winke # وفيشر # Fisher ~~، وكان حافظ يقسم الأيمان المغلظة للسلطان ~~محمود بأنه لا يعود إلى إستانبول إلا بعد سحق المصريين ms16 سحقا، وكان السلطان محمود قد خطر ~~بباله أن يتولى هو قيادة الجيش، وأن ينشر بيرق النبي ويعلن الجهاد، ولكنهم أقنعوه بالعدول ~~عن هذه الفكرة بدعوى أنه لا يليق بأمير المؤمنين وسلطان السلاطين أن ينازل تابعا من ~~أتباعه. # أما الجيش المصري فكان تحت قيادة إبراهيم باشا يعاونه سليمان باشا الفرنساوي، وأحمد باشا ~~المانكلي، وأحمد باشا الدرملي، وعباس باشا «ابن طوسون بن محمد علي باشا»، وسليم بك الحجازي، ~~ومحمد معجون بك، وغيرهم وغيرهم من الأبطال، وكان سليمان باشا الفرنساوي يقول لإبراهيم باشا: ~~«يا مولاي، الواقعة المقبلة ستكون معركة فاصلة، إما أن نذهب نحن إلى إستانبول، وإما أن ~~يذهبوا هم إلى القاهرة.» # وفي شهر أبريل حرض محمد حافظ الكرد على غزو سهول «كليس» ونهب «بولانيك»، وكانت خيول ~~المدفعية المصرية ترعى في سهولها، فسطوا عليها ونهبوا منها 1100 رأس. # وفي 24 مايو تقدمت القوات العثمانية واحتلت أورول ومزار و14 بلدة في المركز نفسه، وليضمن ~~السلطان النصر زود حافظ باشا بأموال طائلة وبهدايا فاخرة؛ ليغري بها زعماء القبائل ورؤساء ~~العائلات وذوي النفوذ والجاه على شق عصا الطاعة على إبراهيم باشا، وخصص جوائز مالية كبيرة ~~لكل من يأتي له بثلاثة من الفرسان الهنادي أسرى أو قتلى، وهدد بإعدام كل شخص (رجلا أو ~~امرأة أو طفلا) يمالئ المصريين على العثمانيين. # وحدث أن وقع فرجاني شيخ عرب الهنادي مع سبعين من رجاله أسرى في أيدي العثمانيين في تل ~~باشر، فاستدعاه حافظ باشا وسأله رأيه في الجيشين وفيمن تكون له الغلبة، فأجابه فرجاني (بعد ~~أن أمنه حافظ باشا على حياته إذا أجاب بكل صراحة): إن جيشك جيش حجاج وتجار وعلماء ومشايخ، ~~لا دربة لهم ولا حنكة ولا نظام، أما جيش إبراهيم فجيش جنود مدربين مزودين بالذخائر ومدججين ~~بالأسلحة لا يعرفون غير الطاعة والنظام. بر حافظ باشا بوعده واحتفظ بفرجاني وحده أسيرا، ~~وأرسل رفاقه الهنادي السبعين إلى إستانبول، والسلطان أمر بضرب أعناقهم جميعا. أما فرجاني ~~فتمكن في ليل حالك من الهرب من معسكر حافظ باشا، وعاد إلى معسكر إبراهيم باشا. ms17 # استمرت المناوشات إلى آخر الأسبوع الأول من شهر يونيو سنة 1839. # بدأ الأسبوع الثاني من شهر يونيو سنة 1839 بثلاث حوادث مهمة: # في 7 يونيو عقد السلطان في إستانبول مجلسا ضم الوزراء والعلماء والكبراء ، ~~وفيه قرروا بالإجماع اعتبار محمد علي متمردا على السلطان، وواجب السلطنة يقضي ~~بتأديبه وإبادته هو وذريته. # 29 # لم يشهروا الحرب عليه بناء على أنه تابع للسلطان، وغاية ما في ~~الأمر أنه تابع خرج على طاعة سيده ومولاه. # وفي 8 يونيو أرسل إبراهيم باشا إلى حافظ باشا كتابا - ندب قومندان المدفعية ~~محمود حاذق بك لتسليمه له - ذكر له فيه عدوان سليمان باشا والي مرعش على القوة ~~المصرية المرابطة في بولانيك. وذهاب قوة من الكرد إلى باياس لإثارة الأهالي على ~~المصريين، وذهاب الحاج عمر أوغلو إلى كردطاغ لبث الفتن والاضطرابات، وهجوم ~~العثمانيين على الهنادي داخل الأراضي التابعة لحكومة محمد علي، وتوزيع الأسلحة ~~على أهالي ولاية عينتاب، ودخول سليمان باشا والي مرعش فيها ورفضه الخروج منها، ~~وإقدام حافظ باشا على إطلاق مدافعه على الهنادي الآمنين في مرابطهم، وطلب منه ~~ردا وافيا لتبرير هذه الاعتداءات، وأفهمه أن سكوته على هذه الاعتداءات ليس ~~عن جبن أو ضعف، وإنما عملا برغبة مولاه السلطان ورغبة الدول في اجتناب الحرب، ~~أما إذا كان حافظ باشا عمل ما عمل تنفيذا لأوامر صدرت إليه فليتقدم إلى ميدان ~~القتال بلا مواربة ولا رياء؛ لأن أمامه رجالا ذوي بأس ومران أثبت ماضيهم أنهم ~~لا يهابون أحدا. # وفي 9 يونيو ورد رد حافظ باشا وفيه يتهم الفرسان الهنادي برياسة معجون بك ~~بنهب عدة بلاد من ولاية أورفا، وبقتل أحد الجنود العثمانيين ظلما وعدوانا، ~~وأن ما فعله العثمانيون كان ردا على ما فعله المصريون وأخذا بالثأر. # بدأ القتال فاستولى العثمانيون على عينتاب، استولوا عليها لا على أثر معركة انتصروا فيها ~~بل على أثر إغراء وإغواء الحامية التي سلمت بلا نزال ولا قتال. # لم ير المصريون بدا من مقابلة العدوان بمثله، فتقدموا في يوم 20 يونيو، وطردوا ~~العثمانيين من بلدة مزار بعد ms18 أن ضربوا القوة العثمانية بالمدافع المصرية ضربا محكما ولى ~~العثمانيون بعده الأدبار وغنم المصريون ذخائر ومؤنا ومهمات كثيرة جدا، ووقعت خزانة ~~القائد في أيديهم، وكان بين الترك أربعة وزراء. # وفي اليوم التالي 21 يونيو خرج إبراهيم باشا وسليمان باشا الفرنساوي لاستطلاع مواقع العدو ~~بقوة مؤلفة من 15000 من البدو وأربعة آلايات من الفرسان وعدة بطاريات مدفعية. أدرك حافظ ~~باشا والضابط الفرنساوي # le capitaine Petit # الذي كان من ضمن ~~هيئة أركان حربه أن ساعة الهجوم قد دقت، وكل دقيقة تمر تضعف من قوة جيشه، وتزيد في قوة جيش ~~خصمه، إلا أن «العلماء» الذين كانوا معه عارضوا معارضة شديدة في بدء القتال بدعوى أن هذا ~~اليوم هو يوم جمعة جعله الله للصلاة لا للقتال، وأن يومي الجمعة والأربعاء كتبهما الله ~~لإبراهيم باشا يفوز فيهما على خصومه، أما باقي الأيام فكتبها الله للعثمانيين ينتصرون فيها ~~على أعدائهم، فعمل حافظ باشا برأي العلماء ولم يهاجم. # رأى إبراهيم باشا وسليمان باشا الفرنساوي أن العثمانيين قد حصنوا مواقعهم تحصينا محكما ~~يدل على أن العقول التي تولت هذا التحصين ليست عقولا عثمانية بل عقولا ألمانية، فقر ~~رأيهما على استدراج الترك إلى السهول، ولكن استدراج الترك من المواقع الحصينة التي هم فيها ~~يقتضي عمل حركة التفاف في غاية الخطر، إذا أدرك العثمانيون خطرها هلك الجيش المصري على بكرة ~~أبيه، وإذا لم يدركوه فالنصر مكفول للمصريين حتما، جرت حركة الالتفاف بالليل كي لا يشعر ~~بها العثمانيون ولا يدركوا مغزاها. # وفي يوم 22 يونيو عبروا كوبري نهر مزار، ولما أتموا حركة الالتفاف أشار الضباط الألمان ~~على العثمانيين بالتقهقر إلى بلدة «بير» تفاديا من وقوعهم في الشرك، إلا أنهم وجدوا معارضة ~~من حافظ باشا الذي أجابهم: «ماذا يقول التاريخ عني إذا تقهقرت؟» وما درى أن التقهقر قد يكون ~~من الخطط الحربية السليمة، وانحاز العلماء إلى رأيه، وقالوا: «إن العثمانيين لا يولون ~~الأدبار أبدا. يشهد التاريخ بأنهم يتقدمون دائما ولا يتقهقرون. النصر بيد الله يؤتيه من ~~يشاء.» استشاط الضباط الألمان غضبا وقدموا ms19 استقالتهم، إلا أن حافظ باشا رفض الاستقالة، ~~وأفهمهم بأن الجندي لا يفر من ميدان القتال ليلة الطعان والنزال. # قضى العثمانيون يوم 23 يونيو في تحصين مواقعهم الجديدة. # وفي غروب هذا اليوم دعا إبراهيم باشا ضباط الجيش المصري وقام في وسطهم خطيبا ذاكرا ما ~~ناله الجيش المصري من الشهرة في أنحاء العالم بفتوحاته وغزواته وانتصاراته العديدة، ثم لفت ~~أنظارهم إلى أن يوم الغد - 24 يونيو سنة 1839 - هو يوم فصل الخطاب، إما النصر والمجد ~~والفخار أو الموت والعار والشنار. وبعدما بارح الضباط خيمة إبراهيم باشا دعاهم سليمان باشا ~~الفرنساوي إلى خيمته، وبعد أن زودهم بالتعليمات الواجب مراعاتها قال لهم: «إلى اللقاء في ~~الغد الساعة الثالثة بعد الظهر في خيمة حافظ باشا، أدعوكم من الآن لنتناول فيها القهوة ~~معا.» # وبين الساعة الحادية عشرة والثانية عشرة ليلا فكر حافظ باشا في مباغتة الجيش المصري، ~~وأخذه على غرة، فسار في الليل، واستطلع مواقع الجيش المصري، ثم أمر بإطلاق المدافع في ~~الحال، وكانت المدافع تصوب قنابلها على خيمة إبراهيم باشا وخيمة سليمان باشا الفرنساوي ~~اللتين كان ضباط أركان حرب حافظ باشا استكشفوا موقعهما في عصاري ذلك اليوم. # استيقظ المصريون فجأة فاختل نظامهم، وتمكنت بعض الكتائب - التي جندها إبراهيم باشا من ~~السوريين - من الهروب، وكان من فكر حافظ باشا أن يستمر في القتال، إلا أن العلماء عارضوه؛ ~~بدعوى أنه لا يليق بجنود أمير المؤمنين أن يتشبهوا باللصوص، ويقاتلوا في ظلمات الليل. ~~وسرعان ما انتهزت المدفعية المصرية الفرصة السانحة، وصبت نارا حامية على بطاريات ~~العثمانيين فأسكتتها وحطمتها. # الجيش العثماني كان مؤلفا من 38000 مقاتل، منهم 5000 من الفرسان و3000 من رجال المدفعية ~~مزودين بمائة وأربعين مدفعا، والجيش المصري كان مؤلفا من 40000 بما فيهم 2000 من الهنادي، ~~وكان مزودا بمائة وعشرين مدفعا. تكافؤ في القوة العددية والعددية، إلا أن الجيش المصري ~~كان يمتاز بالقوة المعنوية، وهي أقوى من القوى العددية ومن القوى العددية؛ لأن الجنود ~~المصريين مارسوا مهنة الحرب والقتال في عكا وفي حمص وفي بيلان وفي ms20 قونية، وانتصاراتهم ~~المتوالية دبت في نفوسهم الإيمان بالنصر، والثقة بقائدهم الأكبر إبراهيم باشا، وبرئيس أركان ~~حربه سليمان باشا الفرنساوي، وبأحمد باشا المانكلي وزير الجهادية، وأحمد باشا الدرملي وسليم ~~بك ووالي بك ومصطفى بك وأحمد بك وعلي بك وجعفر بك. وكانوا فوق هذا وذاك متجانسين تجمعهم ~~رابطة الوحدة المصرية. أما العثمانيون فكانوا أخلاطا من الترك والكرد والأرمن واليهود ~~والصرب والبلغار والأروام، وكان قوادهم متحاسدين متباغضين متخاذلين، كل يسعى إلى الإيقاع ~~بالآخر، وليست لهم ثقة برئيسهم الأعلى حافظ باشا. # وفي مبرق الصبح من يوم 24 يونيو تحرك الجيش المصري، وامتطى إبراهيم باشا جواده المشهور ~~«درزي»، وهو من صفوة جياد نجد، يعدو المائة كليومتر بدون توقف، # 30 # وفي أثناء سير القوات المصرية رأى سليمان باشا رابية أهمل حافظ باشا الاستيلاء ~~عليها مع أهميتها الحربية، فأسرع وأمر بطارية من المدافع الضخمة بالاستيلاء عليها. أدرك ~~حافظ باشا خطأه الجسيم في ترك سليمان باشا يحتل هذه الرابية المهمة، فأمر المدفعية التركية ~~بأن تصوب قنابلها على البطارية المصرية التي نصبت في هذه الرابية، وكان هذا إيذانا ببدء ~~القتال. # تقدم إبراهيم بقلب جريء نحو خطوط العثمانيين الأمامية، فقابلته بنار حامية شتتت ألايا من ~~ألاياته، وكاد الفزع يستولى على جنود الجيش المصري لولا الشجاعة التي أبداها إبراهيم باشا، ~~إذ أشهر سيفه البتار، وصال على الهاربين، وأعمل فيهم سيفه، كما صوب سليمان باشا الفرنساوي ~~مدافعه عليهم، فعادوا إلى خطوط القتال. وما هي إلا فترة قصيرة من الزمان إلا وهبوا كلهم ~~كالأسود على الجيش العثماني، وأعملوا فيه السيف والنار، وما زالوا به حتى ضعضعوا ست أورط من ~~الكرد وقوة كبيرة من الباشبوزق كانت تحت إمرة محمود باشا، فولوا الأدبار، وسبقهم التركمان ~~وفروا هاربين، كما سبقهم لواء خالد باشا الذي قتل في أثناء المعركة، فولى جنوده الأدبار. ~~وكذا جنود إبراهيم بك - أحد قواد العثمانيين - ألقوا سلاحهم بعد أن خر قائدهم صريعا في ~~حومة الوغى. ولما رأى الخيالة العثمانيون ما حل بالمشاة هربوا هم أيضا. وفي أقل من ساعتين ~~انكسر الجيش العثماني وانتصر ms21 الجيش المصري، ووقع معسكر حافظ باشا كله في أيدي إبراهيم باشا ~~وسليمان باشا الفرنساوي، وغنم المصريون كل ما كان في المعسكر من خيام وأثاث ومهمات وأوراق ~~ونقود، حتى خيمة حافظ باشا، # 31 # بما فيها من نياشين ووثائق وخرائط وخزانة فيها 45000 كيس (عبارة عن 240000 ~~جنيه) وجدت كما وضعت وكما تركت قبل القتال. ووقعت خيمة البارون مولتكي الألماني في أيدي ~~المصريين بجميع ما فيها من خرط ووثائق وأسلحة وملابس، كما غنم المصريون 20000 بندقية و179 ~~مدفعا بذخائرها، وأسروا 15000 منهم سبعة باشوات أولهم سليمان باشا والي مرعش، وقتل من جانب ~~العثمانيين 4500 جندي وثلاثة باشوات وكثير من كبار الضباط. ويقول البارون مولتكي في الكتاب ~~الذي وضعه «رسائل عن الشرق»: إن الجيش العثماني خسر في تقهقره خمسة أسداس عدده كما خسر جميع ~~مدفعيته. ومن كبار ضباط الجيش المصري استشهد الكولونل إبراهيم بك من ضباط المشاة. # 32 # وقد طير إبراهيم باشا نبأ هذا النصر العظيم إلى جميع الحكام، وها نص ما كتبه إلى والي ~~حلب: «أخبركم بأني هجمت على الجيش العثماني في «نزيب»، وفي أقل من ساعتين استوليت على ~~مدفعيته وعلى ذخائره وعلى مؤنه، وقد خضع الجيش كله، وأنا سأتابع سيري ولا أقف إلا عند ~~قونية، أما أنتم فأقيموا الأفراح، وبلغوا هذا النبأ السار إلى جميع الجهات.» # وفي الساعة التاسعة والنصف من صباح يوم 4 يوليو، ورد لمحمد علي باشا تلغراف من حفيده عباس ~~باشا يبلغه انتصار إبراهيم باشا بالنص الآتي: «بعد ساعتين قتال مع جيش السلطان استولى ~~إبراهيم باشا على جميع مدافع وخيم ومهمات الجيش العثماني.» # وفي مساء اليوم نفسه وردت خطابات ابنه إبراهيم باشا مفصلة الانتصار العظيم الذي أحرز ~~الجيش المصري، فتلاها محمد علي على قناصل الدول الذين كانوا ماثلين أمامه، وقال لهم: «ها هو ~~الجيش الذي أعده السلطان لطردي من مصر.» وها نص الخطاب الذي أرسله إبراهيم باشا إلى علي ~~برهان بك كاخيته وخازنداره في مصر، وفيه يبشره بالنصر العظيم الذي أحرزه: «أبشرك بأننا ~~استولينا على معسكر جيش السلطان، ms22 بعد ساعتين قتال حطمنا الجيش كله، واستولينا على مدافعه ~~وبنادقه وخيمه، ووقعت جميع مهماته في أيدينا، وقد مزقناه شر ممزق، وكان لمدفعيتنا فضل كبير ~~في إحراز هذا النصر، وإني أشعر بعد هذا النصر بأني قد عدت شابا في سن الخامسة عشرة، وقد ~~كتبت إليك هذه الكلمات وأنا في خيمة حافظ باشا سر عسكر الجيش العثماني، وقد وجدتها كما ~~تركها حافظ باشا تماما .» وقد أمر محمد علي باشا بإقامة الأفراح احتفالا بهذا النصر العظيم ~~مدة ثلاثة أيام كاملة، فيها أطلقت جميع القلاع وجميع سفن الأسطول مدافعها ابتهاجا بهذا ~~الحادث العظيم. # من ضمن الوثائق المهمة التي وجدت في خيمة حافظ باشا ووقعت في قبضة إبراهيم باشا؛ الوثيقة ~~التي تتضمن التعليمات والخطط التي وضعها السلطان لحافظ باشا. وخلاصتها: أن محمد علي ينوي ~~إعلان استقلاله في صيف عام سنة 1839، فأوجب السلطان على حافظ باشا السرعة في القضاء على جيش ~~إبراهيم. حدد السلطان أربعة أو خمسة شهور لطرد المصريين من الأناضول ومن سوريا والاستيلاء ~~على قلعة عكا، وحدد أحد عشر شهرا أو سنة على الأكثر لإتمام الاستيلاء على سوريا ومصر معا، ~~وحدد الجيش العثماني بعدد يتراوح بين 60000 و70000، منهم 40000 مشاة و15000 فارس و5000 من ~~رجال المدفعية وأركان حرب و10000 من الجنود غير النظاميين مزودين بمائة وعشرين مدفعا. وقيل ~~في هذه الوثيقة إن المعلومات التي لدى حكومة السلطان تدل على أن سليمان باشا الفرنساوي غير ~~راض عن وجوده في الجيش المصري، وبما أنه فرنساوي فيحسن استمالته وضمه إلينا، وللوصول إلى ~~استمالته يحسن ندب أحد الضباط الفرنساويين الموجودين في الجيش العثماني ليسهل التفاهم معه. # 33 # وفي الوثيقة أيضا أن محمد علي باشا يميز دائما المسيحيين على المسلمين، لا ~~يرقي المصري المسلم إلا لدرجة يوزباشي، أما النصراني فيرقيه إلى درجة قائمقام وأميرالاي ~~ولواء. فمن ترك محمد علي وانضم إلينا مع 30 عسكريا فامنحوه رتبة يوزباشي، وإذا انضم إلينا ~~قومندان مع أورطته فيمنح رتبة قائمقام، ومن يبث الفتنة والعصيان في جيش إبراهيم يمنح رتبة ~~أعلى. وللوصول إلى ms23 هذه الغاية استعينوا بالجواسيس لتبليغ هذه الوعود إلى المصريين، ~~ولاستمالة الدروز الذين انضموا إلى جيش محمد علي جعل السلطان تحت تصرف حافظ باشا 8000 كيس ~~(40000 جنيه) لإغرائهم. وفيها أيضا أن في جيش إبراهيم أوروباويين كثيرين، فيحسن إغراؤهم ~~بالمال ليفشوا أسرار خطط إبراهيم باشا وسليمان باشا الحربية. # 34 # ويريد الله أن يموت السلطان محمود في سراي جامليجه بإستانبول في صباح يوم الإثنين أول يوليو # 35 # سنة 1839 (19 ربيع الآخر سنة 1225) قبل أن يبلغه نبأ انكسار جيشه في نزيب، مات ~~وهو في سن الرابعة والخمسين من عمره، وفي السنة الأولى بعد الثلاثين من حكمه. # مات السلطان محمود فتولى السلطنة من بعده ابنه السلطان عبد المجيد، وكان عمره 17 سنة ~~(ولد في إستانبول يوم 19 أبريل سنة 1822 الموافق 11 شعبان سنة 1238، وهو ابن السلطان محمود ~~الحادي والعشرون!) # أول عمل عمله السلطان الجديد كان إصداره أمرا بتعيين خسرو باشا صدرا أعظم، وخسرو هذا هو ~~ألد أعداء محمد علي، هو الذي كان واليا على مصر وطرده محمد علي، ولما فر إلى دمياط اقتفى ~~محمد علي أثره وهزمه وأسره في سنة 1803، وحل محله في الولاية على مصر. إذن كان بين خسرو باشا ~~ومحمد علي باشا ثأر منيم، فأول عمل عمله خسرو ليثأر من عدوه كان استصدار فرمان من السلطان ~~الشاب بخلع محمد علي وتعيين عزت باشا السر عسكر واليا على مصر. ولكن هذا الفرمان بقي حبرا ~~على ورق. # السلطان محمود الثاني. # اختيار خسرو للصدارة العظمى جر على السلطنة كارثة لم يرو التاريخ من قبل كارثة مثلها؛ # 36 # ذلك أنه بمجرد ما علم أحمد فوزي باشا أميرال الأسطول العثماني في 2 يوليو بوفاة ~~السلطان محمود ومبايعة السلطان عبد المجيد وإسناد الصدارة إلى عدوه الألد خسرو باشا، حدثته ~~نفسه أن يقلع بالأسطول العثماني إلى مصر ويسلمه إلى محمد علي. قال في نفسه: «إن عدت إلى ~~الآستانة فمصيري معروف. سيجد خسرو ألف وسيلة ووسيلة للوشاية والوقيعة بي لدى السلطان، ~~وعاقبة الوقعية والوشاية في الدولة العلية معروفة ms24 هي الموت، فأولى بي أن أرتمي في أحضان ~~محمد علي وأسلمه الأسطول.» # وبالفعل أقلع أحمد فوزي باشا بالأسطول العثماني من الدردنيل في يوم 4 يوليو، ووصل إلى ~~الإسكندرية في يوم 13 يوليو سنة 1839، وفي يوم 14 انضم الأسطول التركي - وكان مؤلفا من 22 ~~قطعة - إلى الأسطول المصري - وكان مؤلفا من 28 قطعة - فكونا أسطولا ضخما من 50 سفينة ~~حربية عليها 30000 بحار وجندي و3000 مدفع، فكان المنظر من أروع المناظر التي رأتها مصر. # 37 # غادر فوزي باشا الأسطول - بعد أن انتقل من السفينة محمودية إلى السفينة فوزية - ~~فاستقبله الضباط المصريون استقبالا فخما. ولما علم محمد علي بحضوره تقدم بنفسه إلى مدخل ~~ردهة الاستقبال، وبمجرد ما رآه فوزي باشا انتزع سيفه، وسلمه إلى أحد الضباط المصريين، ثم ~~صعد الدرج بسرعة وخر ساجدا أمام محمد علي وأراد تقبيل قدميه، إلا أن محمد علي رفعه وقال ~~له: عفوا يا أخي. ثم عانقه ورحب به وأجلسه بجانبه، ثم قدم إليه الشبوق والقهوة، ولبث معه ~~في خلوة نصف ساعة، بعدها استأذن فوزي باشا في الانصراف، فوضع محمد علي جواده الخاص تحت ~~تصرفه. وفي يوم 16 يوليو استقبل محمد علي فوزي باشا وسبعين من كبار ضباط الأسطول العثماني، ~~أرادوا انتزاع سيوفهم قبل دخولهم على محمد علي، فمنعهم محمد علي زيادة في التلطف، ولما ~~مثلوا أمامه خطب فيهم قائلا: «يا أولادي، نحن كلنا أبناء أمة واحدة، لا يقول المصري: أنا ~~مصري. والتركي: أنا تركي. تجمعنا كلنا جامعة واحدة هي جامعة الدين، وتربطنا كلنا رابطة ~~واحدة هي رابطة الولاء لمولانا السلطان. إن عظمة السلطنة وقوتها يتوقفان على جمع كلمة ~~أبنائها. حال السلطنة الآن غير مرض، فيجب علينا أن نوحد جهودنا لرفع شأن الدولة. ومن أعظم ~~أماني أن أعمل على رفع شأن العرش وسعادة الأمة، وإني مخلص الإخلاص كله لمولانا السلطان ~~قلبا وقالبا. إن السلطان جوهرة لا عيب فيها، لا يدنسها إلا المقربون من العرش، وأقصد ~~بالمقربين من العرش خسرو باشا، الذي كان دائما شؤما على الدولة، إذا بقي ms25 متوليا شئون ~~السلطنة كان مصيرها الخراب؛ فالواجب علينا جميعا أن نعمل يدا واحدة؛ لنحول دون تمكينه من ~~الإضرار بالدولة.» # وقد بقي الأسطول العثماني رابضا في ثغر الإسكندرية مع الأسطول المصري إلى أن تم الصلح ~~بين السلطان ومحمد علي. فأقلع في يوم 23 يناير سنة 1841 بقيادة ياور باشا، ووصل إلى ~~إستانبول يوم 16 مارس بعد أن بقي في حوزة محمد علي سنة ونصفا. # ولتدرك أهمية موقعة نزيب من الناحية الحربية ومن الناحيتين السياسية والأدبية، حسبك أن ~~تعرف رأي الجنرال فيجان # Weygand ~~(الذي كان رئيس هيئة أركان ~~حرب الماريشال فوش القائد العام لجيوش الحلفاء في الحرب الكبرى ) قال في كتابه: # A en juger par les résultats, la journée de Nézib ~~apparalt comme la plus glorieuse des victoires remportées par les armées ~~égyptiennes; certains auteurs l’ont comparée à Austerlitz. (Voir “Histoire ~~militaire de Mohamed Ali et de ses fils”, p. 115, t. II) # ورأيه هذا يطابق آراء جميع رجال الحرب. # أما الناحيتان السياسية والأدبية فتدل عليهما الاستقبالات الفخمة والحفاوة العظيمة، التي ~~استقبل بها سلطان تركيا وملوك أوروبا وكبار رجال السياسة فيها محمد علي باشا وإبراهيم باشا ~~وسليمان باشا الفرنساوي، عندما سافروا إلى تركيا وإيطاليا وفرنسا وإنجلترا، وغيرها من ~~البلاد في خلال سني 1845 و1846 و1847 و1848. # في أغسطس سنة 1846 سافر محمد علي باشا إلى إستانبول، فاستقبله السلطان استقبالا فخما ~~جدا. حسبك أن تعرف أن نفقات رحلة محمد علي باشا في إستانبول بلغت 250000جنيه، أصاب الصدر ~~الأعظم خسرو باشا منها 5000 جنيه، وقبل أن يعود إلى مصر عرج على «قولة» مسقط رأسه حيث زار ~~قبر والديه، واستقبل أهله وإخوانه، وفيها أنشأ مدرسة وتكية. # ولما مرض محمد علي باشا، وأصبح عاجزا عن تولي سلطة الحكم في مصر، أصدر السلطان فرمانا ~~بتولية ابنه إبراهيم باشا على مصر، وأرسل الفرمان إلى مصر مع مظلوم بك أحد رجال المابين، ~~وبعد أن حضر مظلوم بك، وتلا الفرمان أمام أعضاء العائلة وأمام كبراء وعظماء الدولة، سافر ~~معه إبراهيم باشا ms26 إلى إستانبول، فوصل إليها في 24 أغسطس سنة 1848، فاستقبله السلطان ~~استقبالا فخما، وأنزله في السراي السلطانية في الجناح الذي نزل فيه والده من قبل. ولما ~~مثل أمام السلطان سلمه البراءة، وقلده نيشانا رفيع الشأن مثل النيشان الذي ينعم به عادة ~~على الصدور العظام، وأهدى إليه صورته مرصعة بالأحجار الكريمة، وبعد أن تمت الزيارة عاد ~~إبراهيم باشا إلى مصر على ظهر الباخرة المصرية «بني سويف»، فوصل إلى ثغر الإسكندرية يوم 9 ~~سبتمبر سنة 1848. # وفي 11 فبراير سنة 1848 سافر محمد علي باشا إلى أوروبا مع طبيبه الخاص كلوت بك المشهور، ~~فوصل إلى مالطة، وفيها استقبلته الحكومة الإنجليزية استقبال الملوك، ومنها سافر محمد علي ~~باشا إلى نابولي في إيطاليا؛ ليزور ابنه المريض إبراهيم باشا، وفي نابولي بلغه نبأ الثورة ~~التي شبت في فرنسا، وانتهت بخلع صديقه لويس فيليب ملك فرنسا، فغضب محمد علي باشا غضبا ~~شديدا، وهاجت أعصابه هيجانا كبيرا، وعرض أن يسافر بجيشه وبأسطوله ليعيد ملك فرنسا إلى ~~عرشه ، وفي 27 مارس سنة 1848 أبحر إلى مصر حيث لحق به إبراهيم باشا بعد بضعة أيام. # وإبراهيم باشا سافر إلى أوروبا مرتين: # مرة في أواخر أغسطس سنة 1845، وكانت حاشيته مؤلفة من 50 شخصا، منهم سليمان باشا ~~الفرنساوي وسامي باشا وإسكندر بك «ابن سليمان باشا الفرنساوي» ونوبار بك سكرتيره وترجمانه، ~~فقصد مدينة فرنية الحمامات # Vernet les Bains # في جبال ~~البرانس الشرقية # Les pyrénées Orientales # ليستشفي ~~بمياهها الكبريتية، وفيها استقبلته البلدية استقبالا فخما جدا، وأقامت له قوسي نصر كتبت ~~على إحداهما بحروف من نور: # إلى بطل قونية ونزيب. # وكتبت على الثانية: # إلى ابن محمد علي الأمجد. # إلى رافع لواء المدنية في الشرق. # إلى صديق الفرنساويين. # إلى البطل المصري. # وبعد انتهاء المعالجة سافر إلى مدينة بوردو، ومنها إلى مدينة تور، ومنها إلى باريس، فوصل ~~إليها في يوم 25 أبريل سنة 1846، وفي باريس استقبله ملك فرنسا استقبال الملوك، وأسكنه في ~~قصر الإليزيه في الجناح الذي سكنه من قبل نابليون الكبير، ونام إبراهيم باشا في ذات السرير ms27 ~~الذي نام فيه نابليون. وفي مدة إقامته في باريس أقيمت له مآدب رسمية كثيرة جدا، وحضر ~~تمثيل رواية في الأوبرا، كما حضر استعراضا عسكريا من 30000 عسكري، شهده 8 أمراء و6 ~~أميرات تحيط بهم هيئة عسكرية من 60 جنرالا مع طائفة من كبار القواد. روى أحد الذين شهدوا ~~هذا الاستعراض أنه سمع من إبراهيم باشا يقول: «إن يوم 25 مايو هو عندي أجمل يوم من أجمل شهر ~~من أجمل فصل من سنة 1846.» وقال فيه كاتب فرنساوي وما أبلغ ما قال: # L’Occident n’a pas vu de soldat plus intrépide, plus ~~généreux et plus né pour la victoire. Ouvrez lui le monde, il ira Jusqu'au ~~bout ~~. # ومعناها: «لم تر أوروبا جنديا أشجع منه، ولا أكرم منه، خلق للنصر والنصر خلق له، إذا ~~فتحت أمامه بلاد الدنيا غزاها من أولها إلى آخرها.» ثم زار قبر نابليون في الإنفاليد، وقد ~~استقبله في مدخل الإنفاليد 2000 جندي من الجنود الذين شهدوا حروب نابليون في إيطاليا وفي ~~إسبانيا وفي ألمانيا وفي النمسا وفي الروسيا، وكان معه سليمان باشا الفرنساوي، فلما وقع نظر ~~سليمان باشا على قبر نابليون سيده ومولاه أجهش بالبكاء وكاد يغمى عليه، ولزيادة الحفاوة ~~بإبراهيم باشا ضربت الحكومة الفرنساوية «مدالية» نقشت عليها صورة محمد علي باشا، وكتبت ~~عليها: «محمد علي محيي مصر»، ولما بارح إبراهيم باشا باريس سلم محافظ المدينة 500 جنيه ~~ليوزعها على الفقراء. # وفي أثناء وجوده في فرنسا دعته الملكة فكتوريا إلى زيارة إنجلترا، فزار إنجلترا وأيرلندا ~~وإسكتلندا، وزار بوجه خاص مدينة لندن ومدينة برمنجهام ومدينة مانشستر، وكان معه في هذه ~~الرحلة سكرتيره الخاص وترجمانه نوبار الذي يجيد اللغة الإنجليزية واللغة الفرنساوية واللغة ~~الإيطالية واللغة الألمانية واللغة التركية، وكان خير معوان له في رحلته هذه. وفي لندن ~~أقيمت له مآدب رسمية كثيرة: منها مأدبة عشاء أقامتها له الملكة فكتوريا، دعت إليها الأمراء ~~والوزراء والكبراء، فاجتمع إبراهيم بالبرنس ألبير «زوج الملكة فكتوريا»، وبالبرنس جورج أوف ~~كامبردج، وبالدوق ولنجتون «الذي قهر نابليون في واقعة ms28 واترلو»، كما اجتمع باللورد بيل ~~واللورد أبردين ومستر جلادستون. ومن سخرية القدر أنه اجتمع في المآدب الرسمية التي أقيمت له ~~بالأميرال كود رنجتون الذي حطم الأسطولين المصري والعثماني في نافارين عندما كان إبراهيم ~~باشا متوليا قيادة القوات العثمانية والقوات المصرية والأسطولين العثماني والمصري في بلاد ~~اليونان. كما اجتمع بالسر نابير # Sir Napier # قائد الأسطول ~~الإنجليزي الذي هدد محمد علي باشا بضرب الإسكندرية، وضرب بيروت بالفعل، وضرب مواني فلسطين ~~وسوريا ولبنان لإكراه المصريين على التخلي عن لبنان وسوريا وفلسطين، كما اجتمع باللورد ~~بالمرستون الذي حرض تركيا على مناوأة مصر، وكان من ألد أعداء محمد علي وإبراهيم، وفي ~~الوليمة التي أقامها لورد بالمرستون دعا إليها 22 عظيما من عظماء الدولة، وقد تهافتت ~~الشركات الإنجليزية وكبار اللوردات إلى دعوة إبراهيم باشا إلى مآدب كثيرة للاحتفاء ~~به. # سليمان باشا الفرنساوي. # وبعدما أبحر من إنجلترا مر على البرتغال، ونزل في عاصمتها لشبونة، وعند نزوله بها علم أن ~~الملكة وضعت ولدا، فذهب في الحال إلى الكنيسة، وحضر الصلاة التي كانت قائمة شكرا لله، ومن ~~لشبونة أبحر إلى قادس في إسبانيا، ومنها إلى جبل طارق، ثم إلى مالطة، ووصل إلى الإسكندرية ~~يوم 5 أغسطس. # أما سليمان باشا الفرنساوي فاعتذر عن السفر مع إبراهيم باشا إلى إنجلترا، وسافر في رحلة ~~خاصة إلى بلجيكا وهولندا، وانتهز الفرصة فذهب إلى مدينة ليون مسقط رأسه، حيث اجتمع بأهله ~~وأقام عندهم مدة طويلة بعد أن غاب عنهم وعن فرنسا 27 سنة. # والمرة الثانية التي سافر فيها إبراهيم إلى أوروبا كانت للمعالجة. سافر يوم 9 أكتوبر سنة ~~1847، ووصل إلى مالطة، ومنها سافر إلى إيطاليا، وفيها زار مدينة بيزا، ثم مدينة فلورنسا، ~~واستقر به النوى في مدينة نابولي، حيث قضى فصل الشتاء، وفيها لحق به والده الذي كان أبحر من ~~ثغر الإسكندرية في شهر فبراير سنة 1848 للمعالجة هو أيضا. # إبراهيم توفي في 10 نوفمبر سنة 1848 وعمره 60 سنة. # 38 # ومحمد علي توفي بعده في 2 أغسطس سنة 1849 وعمره 80 سنة. # 39 ms29 # وسليمان باشا الفرنساوي توفي بعدهما في 12 مارس سنة 1860 وعمره 72 سنة. # 40 # تلك آيات مجد وفخار كتبها الجندي المصري في سجل التاريخ بحد سيفه البتار، يجب على ~~المصريين كافة أن يعرفوها؛ لأن من عرف بلاده أحبها. # كلمة لمحمد علي باشا # من جوامع الكلم المأثورة عن المغفور محمد علي باشا قوله لأولاده: # ليس لكم يا أولادي وطن غير مصر، فإن لم تسلكوا سبيلي وتتبعوا خطواتي، فلا عز ~~لكم ولا علاء، وأنا منكم بريء ... # أسكنه الله جنة الخلد، وأنزل عليه صيوبا من رحمته. # عزيز خانكي # | هوامش # | «نزيب» لا «نصيبين» # عندما فكرت في كتابة رسالة ألفت فيها نظر الحكومة إلى الاحتفال بالذكرى المئوية لواقعة ~~«نزيب»، راجعت كتبا كثيرة عربية وفرنسية وإنجليزية، فوجدت المؤرخين الإفرنج يسمون الناحية ~~في كتبهم وفي خرائطهم باسم «نزيب». والكتب العربية التي راجعتها صنفان: كتب قديمة كتبها ~~المعاصرون لمحمد علي وإبراهيم، وفيها كتبوا اسم الجهة تارة «نزيب» وتارة «نزب». أما الكتب ~~الحديثة - وأغلبها معرب عن الكتب الإفرنجية - فمؤلفوها اختلفوا: بعضهم كتبها «نزيب» وبعضهم ~~كتبها «نصيبين». # حيال هذا الاختلاف في كتابة اسم الناحية سألت بعض أهالي الجهة، فاتفقوا كلمة على أن اسمها ~~«نزيب» لا «نصيبين». لم أكتف بسؤال أهالي الجهة، فكتبت إلى بعض ذوي المناصب الكبيرة في ~~بيروت وفي بغداد وفي عينتاب (الداخلة في دائرتها الناحية)، ورجوتهم التدقيق في البحث ~~وإفادتي عن الاسم الحقيقي للجهة التي وقعت فيها المعركة، فجاءت إجابتهم متفقة كلها على أن ~~اسم الناحية «نزيب» لا «نصيبين»، فأيقنت أن من كتب اسم الجهة «نصيبين» كان على خطأ، ومن ~~كتبها «نزيب» كان على حق. # وازددت يقينا بعدما اطلعت على الخرائط التي وضعتها حكومة تركيا الجديدة عن ولاية غازي ~~عينتاب؛ إذ كتب فيها اسم الجهة هكذا # Nezip ~~. # ومن الكتب القديمة القيمة التي راجعتها الكتاب المخطوط الذي كتبه المرحوم الدكتور ميخائيل ~~جرجس مشاقة «جد الدكتور خليل مشافة المعروف في مصر»، وقد عاصر محمد علي باشا وإبراهيم باشا، ~~وصحب الجيش المصري في مواقع عدة، وورد اسمه غير مرة في كتب ms30 كثيرة كتبت عن تاريخ حروب محمد علي ~~باشا وإبراهيم باشا. قال في الصحيفة 272 من كتابه المخطوط حكاية عن وقعة نزيب فقابلهم: «في ~~أرض «نزب»، وحصلت بينهم حرب شديدة، وكاد عسكر السلطنة يفوز على المصريين، ولكن شجاعة ~~إبراهيم باشا وكثرة ممارسته على الحروب وتدبيرها أسعفاه على الفوز بالانتصار التام على ~~عساكر السلطنة، حيث السر عسكر اضطر للفرار بنفسه تاركا جميع مهماته غنيمة للمصريين، حتى ~~أوراقه الخصوصية لم يقدر على الوصول إليها، فوقعت بيد إبراهيم باشا. ومما وجد بينها فرمان ...» # وكتب إلي مستشار من مستشاري محكمة النقض والإبرام ببيروت بتاريخ 4 أغسطس سنة 1937، يقول ~~إنه استفهم من عالم أخصائي متضلع في التاريخ له إلمام تام بحروب إبراهيم باشا في سوريا، ~~فأجابه بأن «نزب قرية صغيرة على أحد روافد الفرات. والموقعة الشهيرة حدثت في نزب هذه لا في ~~نصيبين. ونصيبين اسم لمواقع مختلفة أكثرها في شمال العراق. وقوله هذا - أي ما يتعلق ~~بالمعركة المشهورة - يرتكز على الخرائط والتقارير التي وضعت سنة 1839، والتي وقفنا على ~~مضمونها في سراي عابدين الملكية.» # وكتب إلي صاحب منصب كبير في بغداد بتاريخ 17 آب سنة 1937 (وهو الآن في بيروت)، ويعرف ~~ولاية عينتاب معرفة تامة، يقول: «من المؤكد بأن التحام الجيش المصري بالجيش التركي في سنة ~~1839، كان في موقع يسميه الآن الأتراك # Nezip ~~، ونزب اليوم ~~قضاء في ولاية غازي عينتاب في جنوب تركيا على حدود سوريا (ملخصا عن تقويم الجمهورية ~~التركية لسنة 1937 - بالتركية). وقبل الحرب العظمى كانت نزيب قصبة في لواء أورفة من ألوية ~~حلب، وتقع في الجنوب الغربي من أورفة، وتبعد عنها 98 كليومترا (ملخصا عن قاموس الأعلام ~~لشمس الدين سامي - بالتركية). وفي # Eucyclopédie de I’Islam ~~(1: 476 في الحقل 1) يذكر أن نزيب في غرب بيرة جك. وجاء في كتاب «أعلام النبلاء بتاريخ حلب ~~الشهباء» لمحمد راغب الطباخ (3: 362) ما يلي بنصه: حرب نزب (وقد شكلها بكسر النون والزاي ~~مع تشديدها). قال في المناقب الإبراهيمية ما خلاصته: «وفي سنة 1255 هجرية الموافقة لسنة ~~1839 صدرت الإرادة السلطانية ms31 إلى حافظ باشا بأن يسير لاستخلاص بلاد سورية ... وزحف بأربعين ~~ألفا، وما زال سائرا حتى انتهى إلى «نزب»، وهو سهل فسيح الرحاب بين بيرة جك ~~وعينتاب.» # وجاء أيضا في كتاب «رسملي خريطة لي عثمانلي تاريخي» لأحمد راسم (4: 1910) نقلا عن «تاريخ ~~سياسي» ما تعريبه: «وإذ كانت تلك الجيوش بصحراء نزب.» وفي الكتاب المسمى: # Recueil de voyages et de mémoires publié par la Sociéte de Géographie, Paris 1825 (t. II, p. 214) # جدول يحوي الأسماء الواردة في خريطة إيالات ~~بغداد وأورفة وحلب، ومن جملتها: # Nizip Mt ~~. # لا شك إذن في أن موقع المعركة اسمه نزب أو نزيب (لا نصيبين). أما نصيبين التي يكتبها ~~اليوم الترك # Nusaybin # فهي قضاء في ولاية ماردين في جنوب ~~شرقي تركيا على حدود سوريا، وهي آخر محطة في الأراضي التركية لسكة حديد # Express-Orient ~~. # وجاء عن نصيبين في قاموس الأعلام لشمس الدين سامي - بالتركية: «نصيبين قصبة شهيرة في لواء ~~ماردين على بعد 60 كيلومترا منها، وهي على النهر المسمى ججحة الذي يصب في الخابور.» وفي # Encyclopédie de l’Islam ~~(4-919) في مادة نصيبين يذكر ~~أنها كانت وقتا تابعة لإيالة بغداد، وحسب المعلوم كان ذلك في أوائل القرن الماضي.» # وورد في كتاب حروب إبراهيم باشا المصري للدكتور أسد رستم أستاذ التاريخ الشرقي في جامعة ~~بيروت الأمريكية صحيفة 60: «يوم الإثنين في 11 ربيع الثاني سنة 1255 موافق 34 حزيران سنة ~~1839 تحرك الركاب السامي بالسطوة والإقبال من العساكر المنصورة قاصدا نزب ...» # وورد في كتاب المناقب الإبراهيمية والمآثر الخديوية تأليف إسكندر بك إبكاريوس طبع سنة ~~1299 هجرية صحيفة 135: «حرب نزب. وفي سنة 1255 هجرية الموافقة لسنة 1839 مسيحية صدرت الأوامر ~~السلطانة إلى حافظ باشا أن يتجهز في الحال، ويسير بالرجال والأبطال لاستخلاص بلاد سورية من ~~يد الدولة المصرية، فامتثل الأمر المطاع، وسار على قدم الإسراع في سبعين ألف مقاتل بين فارس ~~وراجل قاصدا عربستان من غير تأخير ولا توان، ولما بلغ إبراهيم باشا البطل المغوار والأسد ~~الكرار قدوم هذا العسكر الجرار، استعد لحربه وقتاله، ms32 وزحف بأربعين ألفا من رجاله وأبطاله ~~لملاقاته واستقباله، وما زال سائرا بهذا الموكب حتى انتهى إلى نزب، وهو سهل فسيح الرحاب ~~بين براجيك وعنتاب.» # وورد في كتاب تاريخ مصر الحديث صحيفة 245: «وحصلت مواقع شديدة بين الجيوش المصرية في نزيب ~~انتهت بانهزام الأولى إلى مرعش ...» # وعقد الأستاذ سليمان بك عز الدين في كتابه «إبراهيم باشا في سوريا» فصلا عن هذه الموقعة، ~~وقد سماها «موقعة نزب» قال فيه: «وفي اليوم التالي 21 حزيران توجه إبراهيم باشا وسليمان ~~باشا لاستكشاف مواقع العدو في «نزب»، مستصحبين 1500 من البدو، وأربعة فرق من الخيالة، ~~وبطاريتين من المدافع السيارة ...» ثم قال: «سار متجها إلى الشرق على موازاة نهر مزار، ثم ~~نهر كرزين بعد ملتقاه بنهر مزار، ثم ارتد إلى الشمال الشرقي حتى بلغ الطريق الممتد من حلب ~~إلى البيرة، والمؤدي إلى ما وراء موقع العدو في نزب.» وانتهى بأن قال: «وفي أول تموز سنة ~~1839 توفي السلطان محمود قبل ما يبلغه خبر انكسار جيشه في نزب.» ~~••• # وقد كتب حضرة عبد الله كاروف أحد أهالي نزيب في جريدة «الأهرام» يقول: «نحن ننطق اسم ~~البلدة نزب (بكسر النون وتشديد الزاي)، والأتراك ينطقونها: «نزيب»، وجميع مراسلاتي وجميع ~~الرسائل الواردة إلي من أهالي هذه الجهة مكتوب فيها اسم البلدة «نزب». ونزب هذه تبعد عن ~~براجيك 7 كيلومترات، وعن عينتاب 70 كيلومترا تقريبا، ونزب هذه آخر حدود سوريا، وكانت ~~تابعة في الأصل لسوريا، وألحقت بالجمهورية التركية الجديدة.» # بعد هذا لم يبق شك في أن اسم الناحية التي وقعت فيها الواقعة «نزب» أو «نزيب» لا ~~نصيبين. # | تخليد ذكرى نزيب # نشرت هذه الكلمة في جريدة «الأهرام» يوم 26 أبريل سنة 1939 # ألا يحسن لمناسبة حلول الذكرى المئوية لواقعة نزيب في 24 يونيو القادم - أن يقام في أحد ~~ميادين القاهرة الفسيحة نصب كبير توقد بين جوانبه شعلة ملتهبة لا تنطفئ؛ تخليدا للجنود ~~المصريين البواسل الذين استشهدوا في ساحة الحروب العظيمة التي أبلوا فيها أحسن البلاء مع ~~البطل إبراهيم باشا، وكتبوا لمصر فيها صفحات مجد ms33 وفخار سجلها لهم التاريخ بسطور من ~~ذهب. # قدر الناس من قديم الزمان للذين يسقطون في ميادين القتال، دفاعا عن أوطانهم، ما يبذلون من ~~جهد وعناء وحياة، فأقاموا في عواصم بلادهم أقواس نصر بديعة تكون ذكرى لهم وعبرة لغيرهم ~~وموعظة لأولادهم. # ففي روما نرى حتى اليوم أقواس النصر التي أقامها دروسوس وتيتوس وسبتيموس ساويروس وجاليان ~~وقسطنطين تخليدا لذكراهم وذكرى الأبطال الذين اشتركوا معهم في معاركهم وفي النصر الذي ~~حازوه معهم. # وفي باريس شيدوا تخليدا لذكرى انتصارات لويس الرابع عشر وجنوده قوسين إحداهما باب ~~سان ديني # St. Denis # والأخرى باب سان مارتان # St. Martin ~~. وفي عهد نابليون الأول أقيم في سنة 1806 ~~قوس نصر الكاروسيل وقوس نصر ميدان الإتوال. وأما قوس مارسيليا فقد أقيم لتخليد ذكرى ~~انتصارات عهد الملكية وأيام الإمبراطورية الثانية والجمهورية. # ولعل أجمل هذه الأقواس وأبدعها ذلك الذي أقيم في قلب باريس وفي وسط ميدان الإتوال. أمر ~~بإقامته نابليون الأول على أثر النصر الباهر الذي أحرزه في موقعه إسترلتز في 22 فبراير سنة ~~1806. وقد عهد تصميمه إلى المهندس شالجرين، وافتتح رسميا في 19 يوليو سنة 1836، ويناهز ~~ارتفاعه الخمسين مترا وعرضه 45 مترا وسمكه 22 مترا. وعلى كل جانب من جوانب القوس نحت ~~أكبر المثالين والنحاتين - مثل برادييه ورود وكورتو - رسومات ونقوشات رائعة، وقد زين هذا القوس ~~بأسماء 386 من كبار القواد الذين اشتهروا في حروب نابليون. وبعد انتهاء الحرب الكبرى الأخيرة ~~دفنوا تحت القوس رفات جندي فرنسي مجهول استشهد في ميدان القتال في سبيل الدفاع عن وطنه، وقد ~~نقلت رفاته بموكب رسمي في يوم 11 نوفمبر سنة 1920. # وهذه مائة عام تمر على أكبر موقعة حربية وأكبر نصر أحرزه الجيش المصري في خلال القرن ~~التاسع عشر، ومع ذلك نرى عاصمة مصر خالية من أي أثر يحيى ذكرى جنود محمد علي وإبراهيم. وهل ~~أقل من أن نقيم لهم في حاضرة الدولة قوس نصر يتناسب مع الذكرى المئوية لانتصاراتهم؟! فلتأمر ~~الحكومة بإقامة هذا القوس، ولينقش على جوانبه أسماء كبار قواد الحملات، وعلى رأسهم ms34 الأبطال ~~المغاوير: إبراهيم وطوسون وإسماعيل وسليمان باشا - أجداد حضرة صاحب الجلالة الملك فاروق ~~الأول - والأمير حسن باشا، وإبراهيم يكن باشا، وسليم فتحي باشا، وشاهين باشا، وراتب باشا، ~~وراشد حسني باشا، وأحمد باشا المانكلي، وأحمد باشا إستانبولي، وأحمد باشا الدرملي، ومصطفى ~~مطوش باشا، وحسن باشا الإسكندراني، ومصطفى باشا العرب، وخورشيد طاهر باشا، ومحمد بك ~~الدفتردار، ومحمد بك معجون، وجير الله محمد، ومحمد الماس باشا، وغيرهم من الأبطال الصناديد، ~~ولتنقش أسماء المواقع الحربية التي استبسل فيها الجندي المصري في السودان، وفي بلاد العرب، ~~وفي الأناضول، وفي كريت، وفي رودس، وفي قبرص، وفي المورة، وفي المكسيك، مثل عكا وحمص وحماة ~~وبيلان وقونية وكوتاهية ونزيب ومسيولونجي. ولتضيء شعلة أبدية قبر جندي مصري مجهول رمزا ~~لبطولته وشجاعته وبسالته، واعترافا من بني وطنه بما قاسى وبما ضحى. وإذا كانت الحكومة لا ~~تفكر في إقامة قوس نصر لهؤلاء الأبطال، فليكتتب المصريون بمبلغ لإقامة هذا القوس. وها أنا ~~أتقدم وأفتتح باب الاكتتاب بخمسة جنيهات. # أمام هذا النصب التذكاري ستمر الأجيال تلو الأجيال، ويقف المصريون خاشعين يترحمون على ~~الدماء الطاهرة التي أريقت في سبيل مجد مصر، وينثرون عليها الرياحين، ويدعون للشهداء ~~الأبطال الدعوات الصالحات. # جميل خانكي ms35