######OpenITI# #META# URI: 1375HusaynJamal.KhawatirHimar.Hindawi29694805 #META# Tags: novels :: children.stories #META# ID: 29694805 #META# Title: خواطر حمار: مذكرات فلسفية وأخلاقية على لسان حمار #META# AuthorID: 59726074 #META# Author: الكونتيسة دي سيجور #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 49575962 #META# Translator: حسين الجمل #META# Related_books: 1291CountessSegur.MemoireAne (TRANSL) #META#Header#End# # مقدمة الناشر‏ # مقدمة المترجم‏ # إهداء الكتاب‏ # فاتحة الكتاب‏ # 1 - السوق‏ # 2 - المتابعة‏ # 3 - الأسياد الجدد‏ # 4 - القنطرة‏ # 5 - المخبأ‏ # 6 - المداليون1‏ # 7 - الحريقة‏ # 8 - سباق الحمير‏ # 9 - الأصحاب الصالحون‏ # 10 - الكلب ميدور‏ # 11 - الحمار العالم‏ # 12 - حسن الدفاع‏ # 13 - السفينة‏ # 14 - الخاتمة‏ # مقدمة الناشر‏ # مقدمة المترجم‏ # إهداء الكتاب‏ # فاتحة الكتاب‏ # 1 - السوق‏ # 2 - المتابعة‏ # 3 - الأسياد الجدد‏ # 4 - القنطرة‏ # 5 - المخبأ‏ # 6 - المداليون1‏ # 7 - الحريقة‏ # 8 - سباق الحمير‏ # 9 - الأصحاب الصالحون‏ # 10 - الكلب ميدور‏ # 11 - الحمار العالم‏ # 12 - حسن الدفاع‏ # 13 - السفينة‏ # 14 - الخاتمة‏ # | خواطر حمار # | خواطر حمار # | مذكرات فلسفية وأخلاقية على لسان حمار # تأليف # الكونتيسة دي سيجور # ترجمة # حسين الجمل # | مقدمة الناشر # خواطر حمار # هذا عنوان غريب في اللغة العربية، ومفاجأة جديدة في الكتب العصرية، ونوع طريف من ~~الحكاية على ألسنة الحيوانات، إذا كان مستحدثا في هذا العهد فما هو بالجديد في الآداب ~~الشرقية، فقديما قرأنا كتاب كليلة ودمنة لابن المقفع، وحديثا اطلعنا على كتاب ~~العيون اليواقظ لمحمد عثمان جلال، ولولا براعة الإغراب في الوصف ومعرفة المراد بالكتاب ~~لكان جديرا أن يكون عنوانه «مذكرات أخلاقية فلسفية على لسان حمار». ~~••• # ولقد شاهدنا أن أكثر ما تخرجه المطابع المصرية ~~في هذا العصر وهي فيه أكثر ما كانت عملا، لا يعدو إلا قليلا نوعين اثنين من الكتب: ~~الكتب العلمية، والروايات الغرامية أو الجنائية. فأما الكتب العلمية فمكانها المدارس ~~وقراؤها الطلبة، وأما الروايات فأكثر قرائها ناشئة الجنسين من الطلبة والفتيات، وهم إذا ~~فرغوا من فصول الدراسة وحل زمن العطلة الصيفية انكبوا على تلك الروايات. ويسوء الآباء ~~ورجال التربية والأخلاق أن أكثر تلك الروايات مشحون بالمغريات من الحوادث الشائنة ~~والمخزيات من الفظائع المدهشة، وهي سيئة الأثر في أنفس الناشئين؛ بما تقرب إليهم من ~~الجرائم والمنكرات، وبما تكشف لهم عن وجوه من الشر والموبقات كانت مستترة عنهم وكانوا ~~هم عنها غائبين لولا تلك الكتب المجرمة، وقد كان أولى لهم الجهل بها فإننا ممن يرون أن ~~من الجرائم نشر الجرائم. ~~••• # وكان حقا علينا وعلى القائمين بخدمة ms01 الآداب في الشرق، أن نتخير لمطالعة الناشئة ~~ومحبي الفكاهة والمسامرة طائفة من الكتب تكون مصونة من ذلك التبذل، بريئة من تلك ~~العيوب. ~~••• # ودعانا إلى إيثار هذا الكتاب بالاختيار ما تضمنه من الحكمة البالغة في الفكاهة ~~السائغة، والموعظة الحسنة في الأسلوب الشائق، وأعجبنا من عبارته أنها ليست بالجد المضني ~~ولا بالهزل الساخر. # وهو كتاب وضعته الكونتس دي سيجور من مشهورات الكاتبات باللغة الفرنسية، الغنية بالكتب ~~المؤلفة للطلبة والناشئين، مما روعي في موضوعه القرب من مداركهم والمناسبة ~~لأذواقهم. # فاقترحنا نقله إلى اللغة العربية، من أجل ما بيناه من الأسباب، على الكاتب العصري ~~حسين أفندي الجمل، وهو كاتب معروف لدى الأدباء أكثر من معرفته عند جمهور القراء، إذ كان ~~توظفه في الحكومة يجعل أكثر عمله في الرسميات، وكان ذلك يقضي عليه بالتنكر فيما ينشر ~~ووضع إمضاءات رمزية # 1 # على كثير من رسائله المنشورة في الجرائد والمجلات؛ فأجاب الاقتراح وكان عند ~~حسن الظن في أدبه، إذ أتحفنا بآية مختارة في فن الترجمة بأسلوب ممتع هو السهل الممتنع، ~~ترى المعاني فيه منطبقة على الأصل انطباق الكف على الكف، وكأن الترجمة في اللغتين مرآة ~~تجمع بين الحسناء وخيالها. ~~••• # وإنا لنرجو أن يكون ما تحراه الأستاذ المترجم في ترجمته من تسهيل اللفظ، وتيسير ~~المعنى، وسلاسة الإنشاء داعيا إلى حسن القبول وإقبال أكبر عدد من القراء. # | مقدمة المترجم # الرفق بالحيوان معروف في الشرق قبل الغرب بما سبق إليه الشرقيون من الحضارة والمدنية، ~~وبما أوحت إليهم الأديان السماوية من رقة العواطف والرحمة الإنسانية. # ولقد كان المصريون القدماء يكرمون بعض الحيوانات تكريما ترقى إلى حد التقديس وانتهى ~~إلى درجة العبادة. وإذا كان الغربيون قد سبقونا في هذا العصر إلى تأليف الجمعيات للعطف ~~عليها والعناية بها، فقد كان ملوك العرب يجودون بالرعاية العظيمة للحيوان، وكان الناس على ~~دين ملوكهم. وروي أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ثاني الخلفاء الراشدين كان يركب دابته ~~فإذا أجهدها السير نزل عنها يمشي إراحة لها. # وشوهد رجل من العرب في يده قطع من الخبز يكسرها ويلقيها ms02 بجانب جدار بيته إلى النمل، ~~فقيل له: ما لك وللنمل؟ فأجاب: «هن جارات ولهن حرمة»، فما أحسنها رقة جديرة بالاحترام! وما ~~أجمله عطفا قل مثله في هذه الأيام! # ومن الحيوان المستأنس حيوان هادئ متواضع، هو رفيق الفلاح المصري في كده وشريكه في ~~تعبه، يستقبل الشمس معه للعمل في البكرة ويودعها معه للراحة في الأصيل، ذلك هو الحمار الذي ~~يعمل لصاحبه أكثر من عمله لنفسه، فإن كان لهذا سمي حمارا فحبذا الحمار! # وقد سبق إلى إنصاف هذا الحيوان كاتبة من شهيرات كاتبات الفرنسيين بهذه الرسالة التي ~~جعلت عنوانها «خواطر حمار»، وأبدعت الإبداع كله فيما حدثتنا به عنه من عجائب الحوادث وما ~~صدقت فيه رواية الخيال، فإن فاتني السبق في هذا المضمار فلا أقل من اللحاق بها والنقل عنها ~~وترديد صوتها، اعترافا بجميل هذا الحيوان الوديع الذي يستحق عندنا فوق جزاء المعاونة على ~~العمل بحسن الصنيع، كرامة أنه كان مطية لعيسى عليه السلام وهو المتواضع الرفيع. # ونظرة أخرى في هذا الكتاب تنبئ الناظر فيه بما استودع من محاسن الآداب، وتدل على براعة ~~المؤلفة وحسن تصويرها لوجوه الموعظة، وحذقها الكامل في إدخال الحكمة على القلوب، وإزجاء ~~الفكاهة إلى النفوس من أقرب الأبواب بأيسر الأسباب. # حسين الجمل # مصر الجديدة # | إهداء الكتاب # إلى سيدي الصغير هنري # أنت يا سيدي الصغير كنت بي رحيما، ولكنك كنت إذا ذكرت الحمير تحدثت عنها باحتقار ~~لها جميعا، فلأجل أن تعرف عن علم حقيقة الحمير ويصدق حكمك عليها، كتبت هذه المذكرات ~~وأهديتها إليك. # وسترى يا سيدي العزيز كيف كنت أنا المسكين ورفقائي من الحمير نعاني من الناس قسوة ~~المعاملة، ثم تتحقق أن لنا نصيبا عظيما من الذكاء، وحظا وافرا من المواهب الطيبة. ~~وستعرف كيف أنني كنت شقيا في عهد حداثتي، وكم كنت أجازى بالعقاب الشديد! ولكن ~~الندم والتوبة والعمل بإخلاص وحب كل ذلك أعاد إلي محبة رفقائي ورضا سادتي. # فإذا فرغت من قراءة هذا الكتاب، فإنك تنتهي إلى الحكم بأنه بدلا من أن يقال: «بليد ~~كالحمار، جاهل كالحمار، عنيد كالحمار»، ms03 يجب أن يقال: «ذكي كالحمار، عالم كالحمار، ~~متواضع كالحمار.» # ثم ترى بحق أنت وقومك أن هذه أوصاف صادقة، وأنها إذا اعتبرت مدائح فلم تكن ~~عبثا. # هي هان! # 1 # يا سيدي العزيز، إنني أتمنى لك ألا تكون في النصف الأول من حياتك شبيها ~~بخادمك المخلص. # كديشون # الحمار العالم # | فاتحة الكتاب # سيدي # لا أتذكر جيدا عهد طفولتي، وأظن أنني كنت في الغالب بائسا مثل كل جحش، وكنت لطيفا ~~ظريفا كسائر الحمير. # ولكنني متحقق من أنني كنت قوي الذكاء، كما أنا الآن في سن الهرم أشد ذكاء وأحسن ~~تصرفا من رفقائي. # ولقد خدعت سادتي ومكرت بهم غير مرة، وهم لم يكونوا إلا من بني آدم ولذلك لم يستطيعوا ~~أن يدركوا مقدار فهم حمار وبراعة حيلته. # وسأقص عليك في هذا الكتاب بعض الأدوار التي مثلتها معهم في زمن الصبا وعهد ~~الشبيبة. # كديشون # الحمار العالم # الفصل الأول # | السوق # لما كان الناس لا يعرفون كل ما يعرفه حمار عالم، فإنكم يا من تقرءون هذا الكتاب تجهلون ~~بلا شك ما هو معروف لكل رفقائي الحمير؛ من أنه يقام في كل يوم ثلاثاء سوق في مدينة ~~«ليجل»، يباع فيها الخضار والزبدة والبيض والجبن والفواكه وأشياء أخرى فاخرة. # وكان ذلك اليوم يوم شقاء لرفقائي المساكين، وكان لي كذلك أيضا قبل أن تشتريني سيدتي ~~الكبيرة جدتك الكريمة التي أعيش الآن عندها، فقد كنت مملوكا لفلاحة شرسة قاسية. تصور يا ~~سيدي الصغير كيف أنها كانت تبالغ في القسوة حين تجمع كل البيض الذي يبيضه ما عندها من ~~الدجاج، وكل ما يتجمع عندها من الزبدة والجبن الذي يستخرج من لبن ما تملك من البقر، ~~وكل ما ينضج عندها أثناء الأسبوع من الخضر والفاكهة، ثم تملأ بكل ذلك سلالا تضعها فوق ~~ظهري. # فإذا تم لها كل ذلك وكنت محملا بالأثقال في حالة لا أستطيع معها التحرك، كانت تجيء هذه ~~المرأة الثقيلة وتجلس أيضا فوق السلال، ثم تسوقني بغلظة وعنف إلى أن أصل إلى السوق وكان ~~بينه وبين منزلها مسافة فرسخ، وكنت دائما في ms04 شدة الغيظ الذي لا أستطيع إظهاره لأنني أخشى ~~وقع العصا التي كانت تحملها دائما، وهي عصا غليظة معقدة كانت تؤذيني أذى شديدا كلما ~~ضربتني بها. وكنت كلما اقترب وقت الذهاب إلى السوق أشهق وأنهق برقة أستعطف بها سادتي، فكانت ~~هي تسرع إلي وتقول: اسكت أيها الكسول، ولا تصدعنا بصوتك المنكر «هي هان! هي هان!» كأنك ~~تحسب هذا الصوت موسيقيا مطربا. ثم تنادي ولدها «جول» وتقول له: قرب هذا البليد من ~~الباب لكي أضع الأحمال على ظهره؛ هناك سبت البيض وسبت آخر، والجبن والزبدة، والخضار ~~أخيرا. وهذا حمل تحصل من بيعه في السوق على بضعة ريالات، وتدعو ابنتها مارييت بعد تشييد ~~الحمل على ظهري فتقول لها: أحضري كرسيا لكي تصعد أمك على الحمار. فإذا ركبت تناولت العصا، ~~وبدأت تضرب ضربا متكررا، وكأنها تحسب الضرب مداعبة ضرورية، ثم تسير ولا تكاد العصا تقف أو ~~تكف في يدها عن الضرب على رقبتي وعلى جنبي وأفخاذي، وكنت أسرع في السير وأحيانا أجري، ومع ~~كل ذلك فلا تنقطع الفلاحة عن استمرار الضرب، فكان من حقي أن أقسو وأن أنتقم بل حاولت الرفس ~~لكي ألقيها على الأرض، ولكن كان الحمل ثقيلا فلم أستطع هذه الحركة، ولكني كنت دائما أتحول ~~في الطريق يمينا وشمالا، وكنت مع ذلك مسرورا لأنني أشعر باضطرابها فوقي، فكانت تهددني ~~وتقول لي: سأصلح هذا الاعوجاج بالعصا، وأعلمك الاستقامة في السير. ويستمر الضرب حتى كان ~~يؤلمني كثيرا المشي في الطريق إلى أن نصل إلى السوق، ثم ترفع الأحمال التي على ظهري ~~وتلقى على الأرض. # وتذهب سيدتي بعد أن تربطني لتأكل، ومع أنني كنت أكاد أموت من الجوع والتعب، فإنها لم ~~تعطني لا شيئا من الماء ولا قليلا من البرسيم، لذلك احتلت على الاقتراب من سبت الخضار ~~أثناء غيابها، فرطبت لساني وفمي بما ملأت به معدتي من الخضراوات والكرنب، ولم أذق في حياتي ~~أطعم من هذه الخضراوات، وانتهيت من التهام آخر كرنبة في اللحظة التي عادت فيها ~~سيدتي. # فصرخت حين أبصرت السبت فارغا، ورأيتها ممتقعة ms05 متألمة لأنها أدركت فعلتي. # ولا أكرر على مسمع القارئ ألفاظ الشتم والسباب التي هالتها علي وكانت لهجتها حادة شرسة، ~~وكانت وهي غاضبة تقول من الكلام ما أحمر منه خجلا أنا الحمار. # ولم يكن مني إلا أنني كنت أتلمظ ثم وليتها ظهري، فتناولت عصاها واستمرت في الضرب بقسوة ~~إلى أن ضاع رشدي ونفد صبري فرفستها ثلاث رفسات؛ هشمت الأولى أنفها وكسرت بعض أسنانها، وخلعت ~~الثانية يدها، وأصابتها الثالثة في معدتها وألقتها على الأرض. # فهرع إلي أشخاص كثيرون وأثقلوني ضربا وإهانة، ثم حملوا سيدتي ولا أدري إلى أين، ~~وتركوني مربوطا بجانب المكان الذي ألقيت فيه أحمالي وبقيت وحدي فيه مدة، فلما رأيت أنه لا ~~يفكر في أحد أكلت ما في سبت آخر من الخضار اللذيذ، ثم قرضت الحبل الذي ربطوني به وعدت ~~بهدوء إلى طريق العزبة. # ودهش الذين رأوني في الطريق عائدا وحدي، وصاروا يتهامسون ويتضاحكون، وقال بعضهم: إنه ~~لا يحمل شيئا فأين صاحبته؟ وأين ذهبت أحماله؟ فقال آخر: لا بد من أنه فعل فعلة سيئة، وقالت ~~امرأة: قربوه ليركب هذا الطفل على بردعته، فقال زوجها: إنه يستطيع أن يحملك أنت ~~والطفل. # وأردت أن أحسن ظنهم بي وبحسن أخلاقي، فاقتربت بلطافة من الفلاحة ممهدا لها سبيل الركوب ~~على ظهري، فقال زوجها وهو يساعدها على الركوب: ليس خبيثا هذا الحمار. # فابتسمت لهذا الكلام لأن الحمار الذي تحسن معاملته لا يكون خبيثا، فإننا لا نكون ~~مغضبين عنيدين إلا إذا أردنا أن ننتقم ونجازي على ما يصب علينا من الأذى والإهانة، ~~أما إذا عوملنا برفق فإننا نكون طيبين أحسن من كل أنواع الحيوان. # وذهبت مع هذه المرأة وطفلها إلى منزلها، وكان الطفل جميلا عمره سنتان، فأحبني ولاطفني ~~وأراد أن أبقى عندهم، ولكني فكرت في أن هذا لا يكون من الشرف، فإن سيدتي هي التي اشترتني ~~فأنا مملوك لها، ولقد هشمت أنفها وخلعت يدها وآذيت معدتها وهذا كاف في الانتقام. # وأدركت أن الأم تهم بموافقة طفلها على استبقائي عندها فأسرعت فقفزت من جانبها، وقبل أن ~~تستطيع ms06 اللحاق بي لتمسك لجامي ركضت حتى وصلت إلى المنزل. # وكان أول من أبصرني مارييت بنت سيدتي، فقالت: هذا كديشون، وقد عاد اليوم مبكرا، يا جول ~~اخلع عنه البردعة، فقال جول: كثيرا ما يشغلنا هذا الحمار، وإلا فلماذا عاد وحده؟ أنا أراهن ~~على أنه هرب. وشتمني ثم ضربني برجله على فخذي، وقال: لو تحققت أنك فررت من السوق لضربتك ~~مائة ضربة. # وخلع عني البردعة واللجام فابتعدت راكضا، ولم أكد أتوغل في المزرعة حتى سمعت أصواتا من ~~جهة العزبة، فتلفت فرأيت سيدتي قد عادت محمولة، وكان أولادها يصيحون فأصغيت لما يقولون، ~~فسمعت جول يقول لأبيه: إنني سآخذ كرباج العربجي، وسأربط الحمار في شجرة وأضربه حتى يسقط على ~~الأرض. # فقال له أبوه: اذهب ولكن لا تقتله، فنفقد الثمن الذي دفعناه، وإنني سأبيعه في السوق ~~القادم. # وبقيت مضطربا من الخوف لما سمعت حين أبصرت جول يجري إلى الإصطبل يبحث عن الكرباج، وصار ~~الأمر واضحا وتوقعت الأذى فلم أفكر هذه المرة في استفادتهم من الثمن الذي اشتروني به، ~~وركضت إلى الزريبة التي تحجبني عن النظر، وجريت بسرعة وقوة حتى كسرت في طريقي كثيرا من ~~فروع الأشجار ووصلت إلى آخر المزرعة، ثم جريت في الغيط، واستمررت أجري طويلا وأسرع كثيرا ~~وأنا أحسب أنهم يطاردونني، وأخيرا حين عجزت عن الاستمرار في الجري وقفت وأصغيت فلم أسمع ~~شيئا، وصعدت ربوة فلم أر أحدا فنعست واسترحت وابتهجت بتخلصي من شراسة هؤلاء ~~الفلاحين. # ولكني سألت نفسي: ماذا يكون من أمري، فإذا بقيت في البلد فسيعرفونني وسيمسكونني، ثم ~~يرسلونني إلى العزبة؟ فماذا أصنع، وأين أذهب؟! # ونظرت حولي فرأيت نفسي وحيدا بائسا وبكيت حالتي المحزنة، وكنت على مقربة من غابة جميلة ~~فانتعشت وقلت إنني سأجد في هذه الغابة الحشيش الرطب والماء وما أشتهي من غذاء، فأقمت فيها ~~أياما ثم ذهبت إلى غابة أخرى بعيدة جدا عن عزبة سادتي. # ودخلت هذه الغابة، ثم أكلت الحشيش المبسوط على الأرض بلذة، وشربت الماء الجاري من نبع عذب ~~بهناء. # واقترب الليل فاضطجعت على بساط أخضر من ms07 الطحلب بجانب شجرة صنوبر، ونمت هادئا إلى اليوم ~~التالي. # الفصل الثاني # | المتابعة # فلما أصبحت تذكرت في اليوم التالي بعد أن أكلت وشربت ما وصلت إليه من الراحة والسعادة، ~~وقلت في نفسي: ها أنا نجوت وهم لن يدركوني، وبعد مضي يومين أكون فيهما استكملت راحتي ~~سأمعن في الابتعاد عن هذا المكان أيضا. # ولم أكد أفرغ مما فكرت فيه حتى سمعت نباح كلب عن بعد أعقبه نباح كلب آخر، ثم تبينت زمرة ~~من الكلاب فصرت قلقا خائفا، وقمت فاتجهت إلى نهير لمحته في الصباح، وبمجرد وصولي إليه ~~سمعت صوت جول يخاطب الكلاب: اذهبوا يا كلابي فابحثوا جيدا حتى تجدوا ذلك الحمار البائس وتعضوه وتمزقوا جلده وتحضروه ~~إلي لأقطع الكرباج على ظهره. # فوقعت من شدة الخوف، ولكني عدت إلى التفكير فقلت: إنني إذا سرت في الماء فإن الكلاب لا ~~تستطيع إدراك أثر أقدامي، وأمعنت في السير في مياه النهير بدون توقف زمنا طويلا، ~~وابتعد نباح الكلاب عني وكذلك صوت جول، وانتهيت إلى أنني لم أسمع منهم شيئا، ثم تعبت ~~وأحسست بالظمأ فوقفت هنيهة لأجل الشرب، وأكلت مما حول النهير من العشب، وكنت مبترد ~~الساقين ولكني لم أجسر على الخروج من الماء، لأنني خائف من متابعة الكلاب وشعورها بخطواتي. ~~ولما استرحت عدت إلى السير بجانب النهر دائما إلى أن خرجت من الغابة، فوجدت أنني وصلت إلى ~~مرجع متسع فيه من الثيران نحو خمسين، ونمت في الشمس في جنب البرسيم، ولم تلتفت إلي ~~الثيران أدنى التفات حتى رأيت أنني أستطيع أن آكل وأن أنام كما أشتهي. # وفي المساء دخل رجلان المرج، وقال أكبرهما للثاني: ألا ترى يا أخي أن نبيت الثيران هذه ~~الليلة، فإنه يقال إنه يوجد في الغابة ذئاب؟ فأجابه: ذئاب! من حدثك بهذه ~~السخافة؟ # فقال: ناس من مدينة ليجل، وقيل: إن حمارا من تلك المدينة اختطف وافترس في هذه ~~الغابة. # فأجاب: اسكت يا أخي، فإن كنت تعني حمار العزبة القريبة منا فإن أهلها غلاظ الأكباد، وربما ~~كانوا هم الذين قتلوا الحمار من شدة ms08 الضرب، فقال: فلماذا إذن يقال إن الذئاب أكلته؟ فأجاب: ~~لكيلا يعرف أنهم هم الذين قتلوه. فقال: على كل حال يحسن أن ندخل الثيران. فأجاب: افعل ما ~~شئت يا أخي، فإنني لا أتمسك بالموافقة ولا بالمخالفة. # سمعت هذا منهما وأنا لم أتحرك من مكاني، وإن كنت كثير الخوف من أن يرياني، وكان البرسيم ~~عاليا يخفيني عن النظر، ولحسن الحظ لم تكن الثيران في الجهة التي أنا فيها، فقادوها إلى ~~العزبة التي فيها أصحابها. # ولم أخف من تلك الذئاب لأن الحمار الذي تحدثوا بقتله لم يكن سواي، وأنا لم أحس أثرا لأي ~~ذئب في الغابة، فلذلك نمت ملء جفوني، وأتممت فطوري في الوقت الذي عادت فيه الثيران صباحا ~~إلى المرج، وكان يقودها كلبان ضخمان. # ولمحتهما بخفة حين كان أحدهما يبصرني وينبح بلهجة مهددة، وجرى نحوي فتبعه الآخر. ما ~~العمل؟ وكيف أفر منهما؟ هرعت إلى جانب النهير وابتعدت عنهما، وسمعت صوت أحد الرجلين ~~اللذين سمعتهما ليلا ينادي الكلاب، واستمررت في سبيلي هادئا متابعا السير إلى أن وصلت ~~إلى غابة أخرى لا أعرف اسمها، وأيقنت أنني بعدت عن العزبة وعن مدينة ليجل بنحو عشرة فراسخ ~~وأنني نجوت الآن، لأنه ليس يعرفني هنا أحد، وأستطيع أن أظهر بغير خوف من أن يقودني أحد إلى ~~سادتي. # الفصل الثالث # | الأسياد الجدد # عشت هادئ البال في هذه الغابة نحو أشهر، وضجرت من العزلة، ولكنني مع ذلك أفضل الانفراد ~~على معيشة البؤس مع الناس. # وزاد همي حين أبصرت الحشائش تقل وصارت قاسية، وتساقطت أوراق الشجر وتجمد الماء وترطبت ~~الأرض. # فقلت: وا أسفاه! ماذا أعمل إذا مكثت هنا، سأهلك من البرد والجوع والظمأ؟ ولكن أين أذهب؟ ~~وماذا يحل بي؟ # وبقوة التفكير تخيلت طريقة أجد بها ملجأ، فخرجت من الغابة ودخلت قرية صغيرة قريبة منها، ~~فرأيت فيها منزلا منعزلا نظيفا وامرأة طيبة جالسة على الباب تغزل، وتأثرت بمنظرها الذي ~~يدل على الطيبة والأسى، فاقتربت منها ووضعت رأسي على كتفها، فانبعث من هذه المرأة الطيبة ~~صوت مؤثر، وأسرعت إلي تحرك كرسيها وظهر ms09 أنها تخوفت، فلم أتحرك ونظرت إليها بعين هادئة ~~مطمئنة. # فقالت: دابة مسكينة، ليس على هذا الحمار شيء من سمة الخبث، وإذا لم يكن لك صاحب فإنني ~~يسرني كثيرا أن تكون عندي لكي تخلف حماري جريزون الذي مات من الكبر، وبذلك أستطيع الربح ~~من بيع الخضار في السوق. ولكن لعل لك أصحابا يبحثون عنك. # وسمعت صوتا رقيقا من الداخل يقول: مع من تتكلمين يا جدتي؟ # فقالت: أتكلم مع حمار جاء ووضع رأسه على كتفي، ونظر إلي بعاطفة لم أستطع معها أن ~~أطرده. # فأجابها صاحب الصوت: سننظر. ولمحت على جانب الباب غلاما جميلا في نحو السادسة أو ~~السابعة من العمر، وكانت ثيابه ثياب فقير ولكنها نظيفة، فنظر إلي بعين فاحصة ولكنه كان ~~خائفا قليلا. # وقال لها: هل يمكن أن ألاعبه؟ ~~- نعم بلا شك، ولكن احذر أن يعضك يا جورج. # فبسط الغلام ذراعه ولم يدركني، ولكنه تقدم خطوة وأخرى ثم استطاع أن يصل إلى ظهري. # فلم أتحرك خشية أن أخيفه، ولكنني أدرت رأسي نحوه ولحست يده بلساني. # فقال جورج: ما ألطف هذا الحمار! إنه طيب لأنه لحس يدي. # فقالت الجدة: من الغريب أنه وحده، أين صاحبه؟ اذهب يا جورج إلى الفندق حيث ينزل ~~المسافرون، واسأل عن صاحب هذا الحمار فإنه ربما كان مشغولا بالبحث عنه. # جورج ~~: # هل أقود الحمار بيدي يا جدتي؟ # الجدة ~~: # هو لا يتبعك، فاتركه يذهب حيث يشاء. # وذهب جورج راكضا فأسرعت السير وراءه، فلما رأى ~~أنني أتبعه جاء إلي ولاطفني قائلا: ما دمت تتبعني فإنك لا تمنعني من ركوبك. وقفز إلى ~~ظهري وقال لي: شي ... شي ... # ومشيت مشيا خفيفا فرح به جورج، ولما وصلت إلى الفندق وقفت أمامه ولم أتحرك كأنني ~~مقيد. # فقال صاحب الفندق: ماذا تريد يا ولدي؟ ~~- جئت لأعرف إذا كان هذا الحمار الذي على الباب هو لك أم لأحد النازلين عندك. # فتقدم مسيو دوفال إلى الباب ونظر إلي بإمعان، وقال: كلا، ليس لي هذا الحمار ولا لواحد ~~ممن أعرفهم، فاذهب وابحث في غير هذا المكان. # فصعد جورج ms10 على ظهري، وعدت إلى السير به، ومشينا وهو يسأل من باب إلى باب عن صاحبي فلم ~~يعرفني أحد. # وانتهينا إلى الرجوع إلى تلك الجدة الطيبة، التي كانت مستمرة في الغزل وهي جالسة أمام باب ~~منزلها. # جورج ~~: # يا جدتي، هذا الحمار ليس ملكا لأحد من أهل البلد، فماذا نصنع به هو لا يريد أن ~~يتركني، وإذا تمسك به أحد تخلص منه إلي؟ # الجدة ~~: # ما دام الأمر كذلك فلا يحسن أن تتركه في الليل في العراء فإن ذلك يضره، فاذهب به ~~إلى إصطبل حمارنا جريزون وقدم له شعيرا وماء، وسننظر غدا إذا ذهبنا به إلى السوق ~~لنتعرف صاحبه. # جورج ~~: # وإذا لم نجده يا جدتي؟ # الجدة ~~: # نحتفظ به إلى أن نسأل عنه، فإننا لا نرضى أن نترك هذا الحيوان يهلك من البرد في ~~هذا الشتاء، أو ندعه يسقط في أيدي الغلمان الأشرار الذين يعبثون به ويتركونه يموت ~~من التعب والشقاء. # وقدم لي جورج الشعير والماء ولاطفني وخرج، وسمعته وهو يقفل الباب يقول: كم أتمنى ألا يكون ~~له صاحب وأن يبقى عندنا! # وفي اليوم التالي قدم لي جورج بعد الفطور رسنا وقادني إلي الباب، ووضعت الجدة فوقي ~~بردعة خفيفة وجلست عليها، وأحضر لها جورج سبتا صغيرا من الخضار وضعته على ركبتيها ومشينا ~~إلى سوق مامير، وباعت هذه المرأة الطيبة خضارها في السوق ولم يعرفني أحد، فرجعت مع أسيادي ~~الجدد. # وعشت عندهم أربع سنوات، وكنت سعيدا، فلم أفعل شرا لأحد، وكنت أؤدي عملي جيدا، وأحب ~~سيدي الصغير الذي لم يكن يضربني أبدا، وهم لم يكونوا يتعبونني كثيرا، وكان الغذاء كافيا ~~جدا مع أنني لست نهما، ففي الصيف يقدمون قشور الخضار والحشائش التي لا يأكلها الخيل ولا ~~البقر، وفي الشتاء كان طعامي من الشعير ومن قشور البطاطس والكراث والكرنب، وهذا يكفينا نحن ~~الحمير. # وكانت مع ذلك تمر بي أيام لا أحبها، هي تلك الأيام التي كانت تؤجرني فيها سيدتي إلى ~~الصبيان المجاورين لنا. # وذلك لأنها لم تكن غنية، ففي الأيام التي لم يكن لي فيها عمل ms11 عندهم كانت تؤجرني إلى غلمان ~~القصر القريب منا ليتنزهوا بركوبي، ولم يكونوا دائما طيبين. # وإليك ما جرى ذات يوم في نزهة من تلك النزهات: # الفصل الرابع # | القنطرة # كان في الحوش ستة من الحمير مصفوفة، وكنت من أقواها وأجملها، وأحضر ثلاثة من البنات ~~الصغار طعامنا من الشعير، وكنت وأنا آكل أسمع الأطفال يتحدثون. # فقال شارل: هيا بنا يختار كل منا حماره، أنا أختار هذا. وأشار إلي بأصبعه. # فأجاب الخمسة الأطفال الذين كانوا معه: إنك دائما تختار لنفسك أحسن الموجود، يجب أن يكون ~~التوزيع بالاقتراع. # فقال شارل: كيف يمكن أن نقترع على الحمير يا كارولين؟ هل يمكن وضع الحمير في كيس والسحب ~~منها كما تسحب الأكر؟ # فأجاب أنطوان: كيف تقول هذا؟ أليس من الممكن أن نضع نمرة على كل حمار من الحمير الستة 1 ~~و2 و3 و4 و5 و6، ونضع هذه النمر في كيس ثم نسحب النمر على اسم كل واحد، فتخرج نمرة كل واحد ~~بحسب حظه. # فصاح الباقون: أحسنت. وقالوا لأرنست وهو أصغرهم: اكتب أنت النمر على ظهور الحمير، واكتب ~~مثلها على قطع من الورق. # وضحكت في سري لأنني رأيت أن هؤلاء الأطفال أغبياء، ولو كان عند أحدهم شيء من ذكاء الحمار ~~لرأى أن أحسن من هذا الجهد في الكتابة والتنمير أن يصفوا الحمير بجانب الحائط ويقترعوا ~~عليها، فمن كانت نمرته الأولى أخذ الحمار الأول ومن كانت نمرته الثانية أخذ الثاني ~~وهكذا. # وفي هذه الأثناء أحضر أنطوان قطعة كبيرة من الفحم، وكنت الأول فكتب على جنبي بخط كبير 1، ~~وبينما كان يكتب 2 على جنب الحمار الذي يليني انتفضت بشدة لكي أظهر له أن اختراعه الكتابة ~~بالفحم لم يكن مفيدا، فإن الفحم الذي كتب به نمرتي تطاير واختفت النمرة 1، فصاح الذي كتب ~~منهم شاتما لاعنا وقال: سأعيد الكتابة، وبينما كان يكتب ثانيا نمرة 2 على جنب الحمار ~~الذي بجواري، وكان حمارا خبيثا، انتفض هو أيضا انتفاضة شديدة فتطاير ما كتبه بالفحم ~~ثانيا من نمرته، فغضب أنطوان من هذا العمل المكرر الذي ضايقه ms12 في أثناء الكتابة، ولكن ~~إخوانه ضحكوا كثيرا وسخروا منه. # وأشرت إلى جميع الحمير بأن تنتظر الكتابة ولا تتحرك، وقد حصل ما أشرت به. وعاد أرنست ~~ومعه النمر في منديله، وبدءوا يسحبون النمر كل واحد يأخذ نمرة، فعملت إشارة أخرى إلى ~~رفقائي، وأخذنا جميعا ننتفض ونهتز بسرعة وشدة، فذهب ما تكلفوا من الفحم وما تعبوا فيه من ~~الكتابة، وقال أحدهم: يلزم أن نعود إلى الكتابة. وكانوا متغيظين، ولكن شارل كان يضحك ~~منتصرا، أما أرنست وألبير وكارولين وسيسيل ولويز فصاحوا في وجه أنطوان، وكان هو يضرب الأرض ~~برجله غيظا، وسخطوا وسبوا جميعا، فأخذت أنا ورفاقي في النهيق، وتنبه الآباء والأمهات ~~وساقتهم إلينا هذه الضجة وعرفوا ما جرى. وأخيرا اقترح واحد من الآباء أن يصفونا صفا ~~بجانب الحائط، وبدأ في سحب النمر لهؤلاء الأطفال. # فسحب نمرة 1 فصاح أرنست: هذا لي. # وسحب نمرة 2 فقال سيسيل: هذا حماري. # وسحب نمرة 3 فصاح أنطوان. وهكذا كلما سحب نمرة نادى واحد من الأطفال إلى أن انتهى من ~~الأخير. # ثم قالوا: إذن فلنبدأ السير، وقال شارل: أنا أمشي أولا. # وأجابه أرنست: وأنا ألحق بك حالا وأدركك سريعا. # فقال شارل: أؤكد لك أنك لا تستطيع. # فأجاب أرنست: وأنا أراهن على إمكاني ذلك. # وبدأ شارل يسوق حماره فسار به ركضا، وقبل أن يضربني أرنست بكرباجه أسرعت أنا في السير ~~بحالة أوصلتني في أقرب وقت إلى شارل وحماره فابتهج أرنست، وتضايق شارل وصار يضرب حماره ~~ويكرر الضرب، ولكن أرنست لم يكن في حاجة إلى ضربي لأنني جريت بسرعة كأنني أسابق الرياح، ~~وتجاوزت شارل في دقيقة واحدة. وسمعت الآخرين يضحكون ويصيحون: ما أسرع الحمار نمرة 1! إنه ~~يجري كأنه فرس رهان. # وخامرني الزهو فتشجعت واستمررت في الركض به إلى أن وصلنا إلى قنطرة فتوقفت فجأة، لأنني ~~رأيت لوحا عريضا من خشب أرض القنطرة متآكلا منهارا، ولم أشأ أن أسقط في الماء مع أرنست ~~إذا سرت به على القنطرة، فقفلت راجعا إلى الجماعة التي كانت معنا وكانوا متأخرين عنا ~~كثيرا. # فناداني أرنست: ms13 كلا، كلا، لا ترجع، استمر في اجتياز القنطرة، فقاومت ولم أنتقل، فضربني ~~بعصاه، فاستمررت أمشي نحو الآخرين، فقال لي: اذهب يا عنيد وتحول إلى القنطرة. واستمررت نحو ~~رفاقي وأدركتهم رغم المقاومة والضرب من هذا الغلام الغبي. # فلما أبصره شارل قال له: لماذا تضرب حمارك يا أرنست مع أنه حمار فاره، وقد جعلك تسبقنا ~~وتتجاوز شارل؟ # فأجاب: ضربته لأنه عاند ولم يستمر في السير على القنطرة، بل عاد أدراجه ولم يوافقني على ~~اجتيازها. # فقال له: ذلك لأنه كان وحده، أما الآن وقد صرنا معا فإنه سيجتازها مع سائر ~~الحمير. # فقلت: مساكين كلهم! ووجب علي أن أفكر فيما يمنع سقوطهم في الماء، ويحسن أن أدلهم على أن ~~في الأمر خطرا. # فأسرعت ركضا نحو القنطرة على ارتياح تام من أرنست وصياح مستمر من رفاقه، فلما وصلت إلى ~~القنطرة وقفت فجأة وقفة الخائف المضطرب. # فدهش أرنست وحثني على الاستمرار، فتراجعت بحالة اضطراب زادت في دهشة أرنست، ولكن هذا ~~الغبي لم يدرك شيئا مع أن اللوح الخشب المتآكل من القنطرة كان ظاهرا جدا. واستغرب ~~الآخرون وهم يضحكون من مجهود أرنست في حملي على المسير ومجهودي في التوقف عنه، وانتهوا ~~بالنزول عن حميرهم وكان كل واحد منهم يدفعني ويضربني بدون شفقة ولكني لم أتحرك. # فصاح شارل: اسحبوه من ذيله، فإن الحمير أهل عناد تتراجع إذا أراد الواحد أن تتقدم. # وهموا بأن يسحبوا ذيلي فدافعت عن نفسي بالتحول عنهم فضربوني كلهم، ولكني لم أتحرك ~~ثانيا. # فقال شارل: انتظر يا أرنست، سأذهب وأجتاز القنطرة أنا أولا، وسيتبعني بعد ذلك حمارك بغير ~~شك. # وأراد أن يتقدم فاعترضته، وجعلت نفسي بينه وبين القنطرة، فأرجعوني بقوة الضرب ~~المستمر. # فقلت في نفسي: إذا كان هذا الغبي يريد أن يغرق فإنني قد فعلت كل ما في وسعي لنجاته، وما ~~دام يريد أن يشرب من ماء النهر بسقوطه فيه فلينزل ما دام يريده على كل حال. # ووصلوا بعد الجهد إلى إنقاذ المسكين شارل من الغرق. # ولم يكد حمار شارل يضع قوائمه على اللوح المتآكل ms14 من القنطرة حتى تكسر اللوح وسقط الحمار ~~وشارل في الماء، ولم يحدث أدنى خطر لرفيقي الحمار لأنه كان يعرف العوم مثل كل الحمير. أما ~~شارل فكان يحاول التخلص ويصرخ بأعلى صوته دون وصول إلى ما يتمنى من الإنقاذ، ثم صاح قائلا: ~~أحضروا مدرة ، أحضروا مدرة، فصرخ الأطفال وجروا إليه من كل ناحية، وأبصرت كارولين مدرة طويلة ~~فالتقطتها ومدتها إلى شارل فقبض عليها، ولكن ثقله في الماء كاد يجر إليه كارولين، فصاحت ~~قائلة: ساعدوني! فأسرع إليها أرنست وأنطوان وألبير ووصلوا بعد جهد إلى إنقاذ ذلك المسكين ~~شارل، الذي شرب من الماء أكثر مما يدعو إليه الظمأ، وغطاه الماء من القدم إلى الرأس. فلما ~~نجا ضحكت الأطفال من هيئته التي تغيرت فغضب شارل، وركب الأطفال حميرهم ونصحوه بأن يعود إلى ~~المنزل لتغيير ملابسه، فركب حماره والماء يقطر منه. وضحكت أنا على حدة من شكله المتغير ~~ووجهه المكتئب، وكان تيار المياه قد جرده من قبعته وحذائه، فكان والماء يقطر منه على الأرض ~~وشعره نازل على وجهه وملتصق به، ذا شكل يدعو إلى الضحك. ضحك الأطفال وجاراهم رفقائي الحمير، ~~فكانوا يشاركونهم في الاستهزاء والسخرية من ذلك المنظر. # ويجب أن أزيد هنا أن حمار شارل الذي سقط في الماء كان بغيضا إلينا نحن الحمير جميعا، ~~لأنه كان مشاغبا وكان نهما وبليدا، وهذه صفات نادرة في الحمير. # أخيرا اختفى شارل، وهدأ الأطفال والحمير، وكأنهم فهموا ما أردت من نجاتهم بابتعادي عن ~~القنطرة، فأصبحوا يلاطفونني ويستحسنون عملي ورأيي. وعدنا إلى السير جميعا، وأنا على رأس ~~الجماعة، إلى أن رجعنا وتفارقنا وذهب كل واحد إلى منزله. # الفصل الخامس # | المخبأ # لقد كنت سعيدا كما حدثت فيما مضى ولكن لكل شيء نهاية، فقد ذهبت سعادتي؛ كان والد جورج ~~جنديا فعاد إلى بلده يحمل من المال ما تركه رئيسه، ويعتز بوسام أهداه إليه القائد، فاشترى ~~منزلا في مدينة مامير، وأخذ معه ابنه الصغير وأمه العجوز، ثم باعني إلى جار له يملك مزرعة ~~صغيرة، فحزنت لأنني اضطررت إلى ترك سيدتي العجوز وسيدي ms15 الصغير جورج، وكان كلاهما رحيما ~~بي، وكنت أؤدي عندهم واجباتي أحسن الأداء. # ولم يكن سيدي الجديد لئيما، ولكنه كان ذا رغبة شديدة في العمل الكبير الذي يشغل به كل من ~~يكون عنده، وكنت أيضا كغيري ممن كلفهم كثرة العمل، فقادني إلى عربة صغيرة يحملني عليها ~~الأتربة والسباخ والبطاطس والأخشاب، فابتدأت في التكاسل لأنني لم أكن أطيق أن أكون مربوطا، ~~وكنت أكره على الخصوص أيام السوق، وذلك ليس لأنه كان يحملني فوق طاقتي ولا لأنه كان يضربني، ~~بل لأنني كنت أضطر يوم السوق إلى البقاء جائعا من الصباح إلى الساعة الثالثة أو الرابعة ~~بعد الظهر، وكنت إذا جاء وقت الظهر أكاد أموت من العطش، وكان واجبا علي أن أنتظر حتى يتم ~~بيع كل الحمل، وأن يقبض سيدي ثمن ما يبيعه، وأن يحيي أصحابه، وأن يأكل أكلة العصر. # ولذلك لم أكن لهم حينئذ طيبا، فإنني أحب أن أعامل بالحسنى وإلا فإنني أبحث عن وسيلة ~~للانتقام، فانظر ماذا عزمت عليه في يوم من الأيام، وسترى من ذلك أن الحمير ليست غبية، ~~وستعرف أنني صرت لئيما: # ففي يوم السوق يستيقظون مبكرين، فيجمعون الخضار ويصنعون الزبدة ويلتقطون البيض، وأنا في ~~الصيف أنام في حقل واسع، فكنت ألاحظ هذه الأعمال وأنا أعرف أنهم في الساعة العاشرة قبل ~~الظهر يبحثون عني ليربطوني في العربة التي يملئونها من كل ما يريدون بيعه، وسبق أنني قلت إن ~~يوم السوق يضايقني ويتعبني؛ فرأيت أن أبحث عن مخبأ أحتجب فيه وقت الطلب إلى السوق، فلاحظت ~~أن في وسط ذلك المرج حفرة كبيرة مملوءة من الطحلب والحشائش، وفكرت أنه يمكن أن أختبئ فيها ~~فلا يرونني وقت ذهابهم. ففي يوم السوق حين رأيت الذاهبين والآيبين من سكان المزرعة نزلت ~~بخفة إلى الحفرة، وتوغلت فيها بحالة تجعل من المستحيل على الناظرين أن يروني، ومكثت فيها ~~نحو ساعة مغمورا بالقش والطحلب، في الوقت الذي كان فيه الخادم يبحث عني ويجري في كل ناحية ~~حتى عاد إلى المزرعة، ويظهر أنه أخبر بأنه لم يجدني لأنني رأيت ms16 صاحب المزرعة بنفسه يسأل ~~امرأته وكل من حوله عني، فقال أحدهم: الظاهر أنه ذهب إلى الزريبة. # فأجاب آخر: من أي جهة تظن أنه ذهب وليس له طريق مفتوح في الغيطان؟ إنه ليس بعيدا من هنا، ~~فتشوا عليه في كل مكان وعودوا حالا فإن الوقت يمر بسرعة، وسنتأخر عن الوصول إلى السوق في ~~الوقت المناسب. # وها هم أولاء كلهم قاموا إلى الغيط وفي الغابة يجرون وينادونني، وأنا في أثناء ذلك أضحك ~~في سري وأجتهد في أنني لا أظهر من مكاني. # وعاد المساكين يلهثون من شدة التعب، وكانوا قد بحثوا عني في كل مكان مدة ساعة ~~كاملة. # فأكد صاحب المزرعة أنني قد سرقني لص، وأنني كنت بغير شك بهيما بليدا لأنني تركت اللص ~~يسرقني، ثم ربط إلى العربة فرسا من خيوله وذهب إلى السوق وهو مغتاظ. # ولما رأيت أن كل واحد قد ذهب إلى عمله وأنه لم يعد يراني أحد إذا خرجت من مكمني، رفعت ~~رأسي باحتراس ونظرت فيما حولي، فلما تيقنت أنني وحدي ذهبت وجريت إلى الطرف الآخر من المرج ~~لكيلا يعرف أحد مكان اختفائي، وبدأت أنهق نهيقا عاليا بكل قوتي. # وجرى على أثر هذه الضجة سكان المزرعة. # فصاح الراعي: ها هو قد رجع. # فقالت سيدتي: من أين عاد الآن؟ # فقال العربجي: من الجهة التي كان غائبا فيها. # ولفرحي من تخلصي من السوق تقدمت إليهم، فاستقبلوني استقبالا حسنا ولاطفوني، وقالوا إنني ~~حمار طيب لأنني تخلصت من أيدي اللصوص الذين كانوا في زعمهم سرقوني، وبالغوا في مدحي حتى ~~خجلت لأنني في الحقيقة كنت أستحق الضرب لا الملاطفة. # وتركوني أرعى في المرج بهدوء وراحة، فأمضيت يوما سعيدا لولا ما كان ينغصه علي من ~~وخز الضمير بأنني أتعبت في ذلك اليوم سيدتي. # ولما عاد صاحب المزرعة وأخبروه بعودتي ارتاح واطمأن ولكنه كان في ريب مني، وفي اليوم ~~التالي طاف حول المرج وتفقد بكل عناية الفتحات في جوانب الزريبة، وحين انتهى قال: إن هذا ~~الحمار يكون نحيفا جدا إذا استطاع أن يخرج من بين فتحات ms17 الحيطان، فإنني سددت كل فتحة ~~بالحطب والقش حتى إنه صار من المتعذر أن تمر من تلك الفتحات قطة. # ومضى الأسبوع وهم لا يفتكرون فيما كان من غيابي يوم السوق، ولكنني في يوم السوق التالي ~~عدت إلى تمثيل ذلك الدور الماكر، واختبأت في تلك الحفرة متعبا كثيرا وخائفا ~~جدا. # وبحثوا عني كما بحثوا في المرة الأولى ودهشوا، وظنوا أن لصا ماهرا سرقني وجعلني ~~أخترق سياج الزريبة. # وقال سيدي صاحب المزرعة بلهجة حزن وأسف: إن حمارنا اختفى هذه المرة نهائيا، ولا أظنه ~~يستطيع النجاة مرة ثانية، إذ لا يمكن أن يعود من فتحات السور لأنني سددتها كلها سدا ~~محكما. # وذهب إلى السوق في هذه المرة متنهدا، وناب عني أيضا في جر العربة واحد من خيوله. # وكما فعلت في المرة الأولى خرجت من الحفرة حين ذهب كل من كان قريبا مني، ووجدت من حسن ~~الرأي في هذه المرة ألا أعلن عن عودتي بالنهيق «هي هان!» كما فعلت في المرة الأولى. # ولما رأوني آكل البرسيم بهدوء واطمئنان في المرج، وحين علم سيدي أنني رجعت بعد ذهابه إلى ~~السوق بغير تأخير؛ صرت أراهم يشكون في أمري، ولم أجدهم يلاطفونني كما فعلوا في المرة ~~الأولى، وكانوا ينظرون إلي نظر الارتياب، ولاحظت جيدا أنني أصبحت مراقبا بحالة لم تكن ~~من قبل، فاستهزأت بهم وقلت في نفسي: «أيها الأصحاب الأعزاء، لأنتم أشد مكرا مني إذا أمكنكم ~~أن تكتشفوا محل اختفائي، ولكنني سأريكم أنني أشد مكرا وحيلة، وسأعود إلى الضحك عليكم ~~ثانيا وأستمر عليه دائما.» # واختبأت مرة ثالثة وأنا مسرور كل السرور بمهارتي، ولكنني لم أكد أنزل في حفرتي حتى سمعت ~~نباحا شديدا من كلاب الحراسة، وسمعت أيضا صوت سيدي يقول: «أوقعه وأمسك به، وانزل معه في ~~الحفرة، وعضه في قوائمه، وجره يا كلبي العزيز، أحسنت وبوركت.» # وما لبث الكلب الخبيث حتى أطاع في سيده، فإنه نزل إلي في الحفرة ثم عض قوائمي وبطني، ~~وكاد يفترسني لو لم أطاوعه في الخروج من الحفرة، ثم بادرت وجريت إلى الزريبة أبحث ms18 فيها عن ~~طريق أفتحه لنفسي، ولكن كان صاحب المزرعة يرصدني فضربني بالكرباج وأوقفني حالا وهو مسلح ~~بكرباج يروعني به، واستمر الكلب يعضني وسيدي يزجرني، فندمت على ما كان من كسلي، ثم صرف ~~سيدي كلبه وكف عن الضرب، وربطني من رقبتي وجرني وأنا في غاية الخوف والألم إلى العربة ~~التي كانت تنتظرني. # وعرفت من ذلك أن واحدا من أولاده كان مكلفا بالانتظار في الطريق بقرب سور الزريبة، لكي ~~يفتح لي بابا فيها إذا رآني عائدا، ولكنه لما أبصرني خارجا من الحفرة عرف أباه ~~المستبد. # فحقدت عليه ما ظننته خبثا منه، ولكن الحوادث والتجارب ردتني إلى الحلم وجعلتني أعدل في ~~الحكم عليه. # ومن ذلك اليوم أصبحوا قساة علي وأرادوا أن يحبسوني في الزريبة، ولكنني وجدت لنفسي ~~الطريق إذ كنت أقرض بأسناني أطراف السور، ثم أدخل في كل مكان وأخرج من كل ناحية كما ~~أشاء. # فأقسم صاحب المزرعة أن يزجرني ويضربني، وصار حاقدا علي وصرت أنا أيضا أشد حقدا عليه، ~~وشعرت أنني مهين من أجل تلك الخطيئة، ثم قارنت هذه الحياة التعسة بما كنت عليه من السعادة ~~عند هؤلاء السادة، ولكني بدلا من أن أكون صالحا صرت أتمادى عندهم في العناد واللؤم؛ ففي ~~ذات يوم دخلت إلى بستان الخضار فأكلت كل ما كان فيه من شجيرات السلطة، وفي يوم آخر ألقيت ~~على الأرض ذلك الولد الذي كان دل علي حين خرجت من الحفرة، وفي مرة أخرى أكلت كل ما كان ~~موضوعا في إناء القشدة وكانوا يريدون استخراج الزبدة منها، وصرت أرفس الدجاج، وأدوس ~~الأرانب، وأعض الخنازير، وانتهيت إلى أن ربة الدار تضايقت مني كثيرا، ولم تعد تطيق النظر ~~إلي، فطلبت من زوجها أن يبيعني في سوق «مامير»، وكان موعده بعد خمسة عشر يوما. # ولكني كنت هزيلا ضامرا لما نالني من كثرة الضرب، وما عوقبت به من سوء الغذاء، ولكي ~~يمكن أن يبيعوني بثمن طيب وضعوني في مكان موافق، وزادوا لي الغذاء الصالح، كما أوصى بذلك ~~رجال المزارع المجاورة، ومنعوا الأطفال ورجال المزرعة من ms19 معاملتي معاملة سيئة، وصاروا ~~يقللون شغلي ويكثرون طعامي، فصرت سعيدا جدا في أثناء هذه الخمسة عشر يوما، ثم أخذني ~~سيدي إلى السوق وباعني بمائة فرنك. # فلما تركته هممت بأن أنتقم منه بأن أعضه في يده، ولكني خفت أن يسيء الظن بي الذين ~~اشتروني ، واكتفيت بأنني أعرضت عنه وأدرت له ظهري بحركة احتقار وازدراء. # الفصل السادس # | المداليون1 # لما باعني سيدي في السوق كما ذكرت في الفصل الماضي، اشتراني رجل وامرأة لهما بنت عمرها ~~اثنا عشر عاما، وهي دائما متألمة ومتضجرة، كانت تعيش وحدها في الخلاء لأنها لا تجد ~~أحبابا في سنها، وأبوها لا يهتم بها كثيرا، وأمها التي تحبها لم تكن تحس بألمها من أنها ~~لا تجد لها حبيبا من الناس ولا من الحيوان. # ونظرا لأن الطبيب كان وصف لها شيئا من اللهو والرياضة، فكرت في أن النزهة على ظهر حمار ~~تكفي للهو والتسلية، وكان اسم سيدتي الصغيرة هذه «باولين»، وهي دائما كئيبة وغالبا مريضة ~~مع أنها هادئة وطيبة وجميلة. # كانت تركب علي كل يوم، فأمشي بها في الطرق المزهرة وحول الحدائق الصغيرة التي أعرفها. ~~وفي أول الأمر كان خادم أو مربية ترافقها معي، ولكنهم لما رأوا أنني طيب أحسن الصحبة وأجيد ~~العناية بها تركوها لي وحدي، وكانت تسميني «كديشون» فبقي لي هذا الاسم. # وسمعت والدها يقول لها: اذهبي مع كديشون، فالذهاب مع حمار كهذا لا خطر فيه، فإن له من ~~العقل ما يشبه عقل الإنسان، وإنه دائما يعرف كيف يعود بك إلى المنزل. # ولذلك كنا نخرج دائما معا، أنا وهي، فإذا لاحظت أنها تعبت من المشي كنت أقف بجانب رصيف ~~مرتفع أو أنزل في حفرة صغيرة لكي تستطيع بسهولة أن تصعد على ظهري، ووصلت بها مرة إلى شجرة ~~بندق مثمرة، وتأخرت أنا لكي أترك لها الفرصة لتجمع منها ما تشتهي. وكانت هي تحبني كثيرا ~~وتعتني بي وتلاطفني. # وإذا كان الجو رديئا لا يحسن فيه الخروج، فإنها تجيء عندي في الإصطبل وتقدم إلي خبزا ~~وحشيشا أخضر وأوراق خضار وكرنبا، ثم تبقى ms20 معي وتخاطبني وهي تظن أنني لا أفهم كلامها، ~~وتحدثني بما تشكو منه، ثم تبكي أحيانا وتقول: «آه يا كديشون الصغير المسكين، إنك حمار، ~~ولا تستطيع أن تفهم كلامي، وأنت مع ذلك حبيبي الوحيد لأنني أستطيع أن أقول لك وحدك كل ما ~~أفكر فيه. إن أمي تحبني، ولكنها تغار لأنها تريد ألا أحب غيرها، وأنا لا أعرف أحدا من ~~سني ولذلك أتضجر.» ثم تبكي باولين وتلاطفني. # وكنت أنا أيضا أحبها وأرثي لها، وإذا كانت قريبة مني فإنني أجتهد ألا أتحرك خيفة أن ~~أخدشها برجلي. # وذات يوم رأيتها تجري نحوي وهي فرحة مسرورة، تقول: «كديشون، انظر، أمي أعطتني «مداليون» ~~من شعرها، وأنا أريد أن أضم إليه شيئا من شعرك لأنك أنت أيضا حبيبي، فأنا أحبك وسأجمع شعر ~~كل من يحبونني كثيرا في هذه الدنيا.» # ثم قصت من ناصيتي خصلة من الشعر، وفتحت «المداليون» وضمتها إلى شعر أمها. # فكنت سعيدا برؤية مقدار حب باولين إياي، وكنت فخورا بأن أرى شعري محفوظا في «مداليون»، ~~ولكن يجب أن أعترف بالحق فأقول: إنه لم يكن يحدث تأثيرا حسنا، إذ كان يظهر رماديا ~~غليظا خشنا بجانب شعر أمها الناعم اللامع. ولم تلتفت إلى ذلك باولين، فكانت تقلب ~~«المداليون» وتستحسن ما فيه في اللحظة التي دخلت عليها والدتها وقالت لها: ماذا تنظرين ~~هنا؟ # فقالت وهي تخبئ ما في يدها قليلا: هذا هو «المداليون». # الأم ~~: # لماذا أحضرتيه هنا في الإصطبل؟ # باولين ~~: # لأجل أن يراه كديشون. # الأم ~~: # ما هذه الحماقة يا باولين؟! كأن عقلك ذهب مع حمارك كديشون، أو كأنه يفهم معنى ~~وجود الشعر في المداليون. # باولين ~~: # أؤكد لك يا والدتي أنه يفهم ذلك، لأنه لحس يدي حين ... حين ... وخجلت باولين أن تكمل ~~فسكتت. # الأم ~~: # حين ماذا؟ ولم لم تكملي كلامك؟ ولماذا كان كديشون يلحس يدك؟ # باولين ~~(وهي متضايقة) ~~: # أفضل يا ماما ألا أقول لك، فإنني أخشى أن تعنفيني. # الأم ~~(وهي متأثرة) ~~: # قولي لأرى أي حماقة أخرى جئت بها؟ # باولين ~~: # ليست حماقة يا ماما. # الأم ~~: # إذن فلماذا تخافين؟ أنا أظن ms21 أنك أعطيت كديشون مقدارا من الشعير يجعله ~~مريضا # باولين ~~: # لا، أنا لم أعطه شيئا. # الأم ~~: # اسمعي يا باولين، لقد نفد صبري، وأحب أن تقولي لي ماذا فعلت، ولماذا أنت تركتني ~~منذ نحو ساعة وجئت إلى هنا. # وفي الواقع فإنها صرفت زمنا طويلا في تسوية ما قصته من شعري، واقتضى ذلك أن تنزع الورقة ~~المصمغة وراء المداليون وتخلع الزجاجة، وتضع الشعر ثم تعيد لصقها. # وتوقفت باولين ثانيا لحظة، وقالت بصوت خافت وهي مترددة: أنا قطعت خصلة من شعر كديشون ~~لأجل ... # الأم ~~(وهي نافذة الصبر) ~~: # لأجل ... أتمي كلامك، لأجل ماذا؟ # باولين ~~(بصوت خافت جدا) ~~: # لأجل وضعها في المداليون. # الأم ~~(بغضب شديد) ~~: # في أي مداليون؟ # باولين ~~: # في المداليون الذي أعطيتني إياه. # الأم ~~(وهي غاضبة) ~~: # وماذا صنعت بشعري؟ # باولين ~~: # هو في المداليون أيضا، وها هو. (ثم قدمت المداليون.) # الأم ~~: # شعري تخلطينه بشعر الحمار؟! آه، هذا شديد جدا لا أحتمله. # أنت لا تستحقين الهدية التي أهديتها إليك، أتجعلينني في منزلة واحدة مع الحمار، وتعطين ~~الحمار نفس الانعطاف الذي لي عندك؟! # الطفلة وأمها تنتزع منها المداليون وتلقيه على الأرض والحمار يطل على ذلك ~~باكيا. # ثم انتزعت المداليون من يد الطفلة المسكينة ورفعته بيدها فوق رأسها وألقته على الأرض، ~~وباولين مبهوتة، ثم وقفت فوقه وكسرته قطعا صغيرة، وبدون أن تنظر إلى بنتها خرجت من الإصطبل ~~وأغلقت الباب بحدة وعنف. # وخافت باولين من هذا الغضب القاسي، ومكثت برهة لا تتحرك وأجهشت بالبكاء، وألقت نفسها على ~~عنقي وقالت لي: كديشون، كديشون، أنت ترى كيف يعاملونني! هم لا يريدون أن أحبك، ولكنني أحبك ~~على رغمهم، وأكثر منهم، لأنك أنت طيب، وأنت لم تعنفني أبدا، ولم تسبب لي شيئا من الكدر، ~~وأنت تسعى في رضاي كلما خرجت للتنزه، وا أسفاه يا كديشون! وما أشد حزني لأنك لا تستطيع أن ~~تفهم كلامي ولا أن تخاطبني! كم عندي من الكلام الذي أريد أن أقوله لك! # ثم سكتت وألقت نفسها على الأرض، واستمرت تبكي وتنتحب، فتأثرت وحزنت لبكائها، ولكنني لم ~~أستطع أن أعزيها، ولا ms22 أن أعرفها أنني فاهم ما تقول. # ووجدت في نفسي غضبا شديدا على هذه الأم التي سببت هذا الحزن لبنتها بحماقة أو بفرط ~~الشفقة، ولو استطعت لأفهمتها مقدار الشجن والأسى الذي جلبته إلى باولين، والضرر الذي ~~أحدثته في صحتها الضعيفة، وفي هذا المزاج الرقيق، ولكنني لا أقدر على الكلام، ولذلك كنت ~~أنظر بعطف شديد الدموع التي تذرفها هذه الطفلة. # مضى على ذهاب والدتها نحو ربع ساعة، ثم دخلت مربية باولين ونادتها: إن أمك تدعوك وهي لا ~~تريد أن تبقي هنا في إصطبل كديشون، بل هي تريد ألا تدخليه أبدا. # فصاحت قائلة: كديشون، عزيزي كديشون، هم لا يريدون أن أراك. # فأجابتها: هكذا قالت أمك، وأزيدك أنها تقول إنك بعد انتهاء الفسحة فإن مكانك يكون في ~~الصالون وليس في الإصطبل. # فلم تعارض باولين لأنها تعلم أن أمها تريد أن تكون مطاعة الأمر، ثم عانقتني للمرة ~~الأخيرة، وكنت أحس دموعها تجري على عنقي، ومضت ولم تعد إلى الإصطبل بعد هذه المرة. # ومنذ ذلك الوقت صارت الطفلة أكثر حزنا وأشد تألما، وكنت أرى لونها يصفر ويتغير، ~~وجسمها ينحف ويهزل، ونضارتها تذبل. # وجاء فصل الشتاء، فكانت مدة رياضتها قليلة ونادرة. # وإذا قربوني من رصيف القصر تركب على ظهري دون أن تكلمني، ولكن إذا صرنا بعيدا عن الأنظار ~~فإنها تنزل عني وتداعبني، وتقص علي كل ما كان يشغلها في تلك الأيام، وهي تحسب أنني أستطيع ~~أن أفهم كلامها. # وهكذا فهمت أن أمها كانت دائما متغيرة عليها وناقمة منها حادثة المداليون، وأن باولين من ~~جراء ذلك كانت تزداد حزنا عما كانت عليه، وأن مرضها الذي كانت تشكو منه صار أشد خطرا ~~عليها. # الفصل السابع # | الحريقة # لم أكد أبدأ في النوم ذات ليلة حتى أيقظني صراخ وأصوات تنادي: الحريق! الحريق! فدعاني ~~الخوف والاضطراب إلى التملص من اللجام الذي كنت مربوطا به، ولكني حاولت عبثا، وكانت تدور ~~بي الأرض، لأن ذلك اللجام كان متينا لا يقطع. وأخيرا اهتديت إلى فكرة حسنة هي أن أقرضه ~~بأسناني، فظفرت بذلك بعد مجهود غير ms23 قليل. # وكان لهيب نار الحريق يضيء ما حولي في الإصطبل، وازداد الصراخ وعلا الضجيج، ثم سمعت أصوات ~~الخدم وسقوط الحيطان وطقطقة الأخشاب وملأ الدخان الإصطبل ولم يفكر في أحد، ولم يخطر في ~~بال أحد شيء عني، ولا فكرة يسيرة بفتح باب الإصطبل لأخرج منه . # وازداد اللهيب شدة وأحسست بحرارة لاذعة. # فقلت في نفسي: لقد قضي الأمر وجرى القضاء بأن أموت محترقا هذا الموت الفظيع، وتذكرت ~~عزيزتي باولين وقلت: يا سيدتي العزيزة، لقد نسيت خادمك المسكين كديشون. # ولم تكد تخطر في بالي هذه الكلمة دون أن أنطق بها حتى فتح الباب علي بقوة وسمعت صوت ~~باولين وهي تقول: «يسرني أنك نجوت»، فتقدمت نحوها واجتزنا الباب أنا وهي. في لحظة اضطرنا ~~فيها صوت قرقعة السقوف إلى التقهقر، وكانت الأنقاض تملأ كل الممر، وكادت سيدتي الصغيرة تعرض ~~نفسها للخطر بسبب إنقاذي، وأوشكنا أن نختنق من شدة الدخان وتراكم الغبار وهول ~~الحرارة. # وسقطت باولين على الأرض بجانبي، فابتدرت حركة خطرة ولكن فيها وحدها النجاة لنا، فقبضت ~~بأسناني على ثوب سيدتي الصغيرة التي كانت كالمغمى عليها، واقتحمت الممر الذي كان ممتلئا ~~بالأنقاض الملتهبة التي تغطي الأرض، وكان من حسن حظي أنني استطعت أن أجتاز الممر بدون أن ~~تعلق النار بثيابها. ثم توقفت لأنظر من أي جهة أستطيع أن أسير، وكل ما كان حولنا كان يحترق، ~~ومع أنني كنت يائسا متضعضعا من الخوف والاضطراب، فإنني وضعت باولين التي كانت غائبة عن ~~صوابها إلى الأرض وذلك حين لمحت كهفا مفتوحا، فتقدمت إليه مطمئنا إلى أننا صرنا في ~~مأمن. # فألقيت باولين بجانب وعاء مملوء بالماء لكي تستطيع أن تبل وجهها حين عودتها إلى صوابها، ~~ومن حسن الحظ أنها أفاقت بسرعة. # فلما وجدت نفسها قد نجت، وأنها صارت في مأمن من كل خطر، جثت على ركبتيها وصارت تصلي بخشوع ~~تام شكرا لله على النجاة من ذلك الخطر الهائل، ثم التفتت إلي برقة واعتراف بالجميل ~~أثرا في نفسي كل التأثير. # وشربت قليلا من الماء وأنصتت، وكانت النار لا تزال متقدة، ms24 وكنا نسمع صراخا وأصواتا ~~مبهمة دون أن نستطيع تمييز الأصوات. # فقالت باولين: مسكين أبي! ومسكينة أمي! فإنهما سيعتقدان أنني هلكت في سبيل تخليص كديشون ~~مخالفة أمرهما في التوجه إليه والبحث عنه، فالآن يجب انتظار انطفاء النار. ثم قضينا الليل ~~كله في الكهف، وقالت باولين : إنك طيب يا كديشون، فإنني بك وحدك صرت عائشة، ولم تزد على هذا ~~القول. وكانت جالسة على صندوق متكسر، ورأيت أنها نامت، وكان رأسها مستندا على برميل فارغ. ~~وأحسست أنا بالتعب وكنت عطشان فشربت الماء الذي كان في ذلك الوعاء، وتمددت بجانب الباب ولم ~~يطل علي الوقت حتى أخذني النوم أيضا. # واستيقظت ساعة الفجر، وكانت باولين لا تزال نائمة، فأيقظتها بتلطف، وذهبت إلى الباب ~~وفتحته، ونظرت فرأيت كل شيء محترقا، ورأيت كل شيء منطفئا، وكان من الممكن اجتياز الطريق ~~والوصول إلى خارج المنزل، ولأجل إيقاظ سيدتي العزيزة همهمت «هي! هان!» ففتحت عينيها ورأتني ~~بجانب الباب، فجرت ونظرت فيما حولها، ثم قالت بحزن: كل شيء قد احترق، وكل شيء قد فقد، ~~فلست أعود أرى المنزل فإنني سأموت قبل إعادة بنائه، وهذا ما أشعر به فإنني ضعيفة ومريضة ~~مرضا شديدا كما تقول أمي عني. # ثم بعد أن استمرت تفكر مدة وهي لا تتحرك نادتني قائلة: تعال يا كديشون، ولنخرج الآن، ومن ~~الواجب أن أرى أبي وأمي لأجل أن يطمئنا علي فإنهما يظنان أنني مت. # ومرت بخفة على الحجارة الساقطة والحوائط المتكسرة والكتل التي لا تزال مدخنة، وتبعتها ~~فوصلنا إلى خضرة الحديقة، وهناك صعدت على ظهري واتجهت إلى القرية، ولم يطل علينا الوقت ~~حتى أدركنا المنزل الذي هاجر إليه أهل باولين وهم يظنون أنها احترقت فكانوا لذلك في حزن ~~شديد، فلما أبصروها صاحوا صيحة السرور وأقبلوا عليها فرحين، فقصت عليهم كيف أنني بأي ~~ذكاء وبأي شجاعة عملت على إنقاذها. # وبدلا من أن يتقدموا إلي بشكر، فإن أمها نظرت إلي نظرا شزرا، أما أبوها فلم ينظر ~~إلي أدنى نظر. # وقالت لها أمها: من أجل هذا الحمار كاد يدركك الخطر يا ms25 عزيزتي، فلو لم تأخذك حماقة الرغبة ~~في فتح باب الإصطبل لتخليصه لكان توفر علينا الهم الطويل والحزن الشديد في الليلة الماضية ~~التي قاسيناها بحزن أنا وأبوك. # ولكن باولين أسرعت فأجابت: ولكن هو الذي ... فبادرتها أمها وقالت: اسكتي، اسكتي، ولا ~~تحدثيني عن هذا الحيوان الذي أبغضه كثيرا لأنه كاد يسبب لك الموت. # فتنهدت باولين ونظرت إلي وهي متألمة وسكتت. # ومنذ ذلك اليوم لم أعد أراها، فالاضطراب الذي سببته الحريقة والتعب الذي أصابها في ليلة ~~لم تذق فيها طعم الراحة والنوم، وخصوصا ما أصابها من رطوبة الكهف؛ كل ذلك ضاعف أسباب ~~الألم الذي كانت تشكو منه من زمن، واستولت عليها الحمى منذ الصباح ولم تفارقها، ووضعوها على ~~سرير لم تنزل عنه، وأكمل برد الليلة الماضية الألم والضجر اللذين استوليا عليها، وكانت ~~مريضة بذات الصدر فاشتد عليها المرض ولم تلبث شهرا حتى ماتت غير آسفة على الحياة ولا خائفة ~~من الموت، وكانت تتحدث عني كثيرا وتناديني وهي في بحران الحمى. # ولم يعد أحد يسأل عني ولا يعتني بي، فكنت آكل ما أجد لا ما أشتهي، وأنام في العراء مع شدة ~~البرد والمطر. # ولما رأيت نعش سيدتي العزيزة وهم يخرجون به من المنزل تملكني الأسى والحزن، فتركت البلد ~~ولم أعد إليها من ذلك الوقت. # الفصل الثامن # | سباق الحمير # كنت أعيش عيش البؤس بسبب رداءة الجو، واخترت لي مأوى في الغابة التي وجدت فيها ما يمسك ~~الرمق، ويحول بيني وبين الموت جوعا وظمأ. # ولما جمدت الأنهار من البرد، كنت أتغذى بأكل الثلج وقرض الحشائش وأنام تحت أشجار الصنوبر، ~~وكنت أقارن هذا العيش الضنك بالنعيم الذي كنت ألقاه عند سيدي جورج، بل بالحالة التي كنت ~~عليها عند صاحب المزرعة الذي باعني، فلقد كنت عنده سعيدا كلما نبذت الكسل وتباعدت عن اللؤم ~~وعيب الانتقام، ولكن ليس لي وسيلة للتخلص من هذا البؤس لأنني أحب أن أبقى حرا متصرفا ~~وحدي في أعمالي. # وكنت أحيانا أقترب من بعض القرى المجاورة للغابة لأطلع على ما يجري في هذا ~~العالم. # وجاء ms26 الربيع وهو خير الفصول، فدهشت لأنني رأيت حركة غير عادية، وكان يلوح على القرية ~~مظهر العيد، والناس يمشون جماعات، وكان كل واحد يلبس ملابس الأعياد والآحاد، والذي زاد ~~دهشتي أنني رأيت جميع حمير البلد مجتمعة. # وكان لكل حمار قائد يمسكه بلجام، والحمير كلها نظيفة ممشطة، وبعضها كان يزدان رأسه ~~وعنقه بالورد والأزهار، ولم يكن واحد منها يحمل فوق ظهره بردعة. # فقلت: هذا غريب، فليس اليوم يوم سوق، وماذا تصنع هنا جميع هذه الحمير المنظفة المزخرفة، ~~التي يظهر عليها أنها قد غذيت أحسن غذاء في هذا الشتاء؟ ولما فرغت من هذه الكلمة نظرت ~~إلى ظهري وبطني وأفخاذي وكلها نحيف، والشعر غير ممشط والوبر متكسر، ولكنني كنت أشعر في ~~نفسي بالقوة والحزم. # فاقتربت لأرى ما شأن هذه الحمير المجتمعة، فرأيت الغلام الذي يمسكها وقد تبسم حين لمحني، ~~ثم قال: انظروا يا إخواني الحمار الذي قدم إلينا هل هو ممشط؟ فقال آخر: وهل هو معتنى ~~به؟ وهل هو جيد الغذاء؟ وكيف مع ذلك يحضر السباق؟ # وقال ثالث متهكما: ومن يدري؟ فلندعه يجري ويسابق فليس علينا خطر إذا فاز بالجائزة ~~... # فضحك الجميع من هذا القول، وساءني استهزاؤهم بي، وفهمت أنهم على عزم مسابقة بين الحمير، ~~ولكن كيف تحصل وأين تكون؟ هذا الذي كنت أطمع في معرفته، فاستمررت مصغيا لكلامهم وتظاهرت ~~بأنني لم أفهم شيئا مما قالوا. # وسأل واحد منهم: هل جاء وقت السباق؟ # فقال الآخر: لا أدري، ولكنهم ينتظرون العمدة. # وجاءت امرأة فقالت: أين يكون مجرى الحمير؟ # فأجابها جانون: محل السباق في مرج الطاحون الواسع أيتها الأم ترانشيه. # فسألته: كم عددكم من الحمير هنا؟ # فأجاب: نحن 16، وأنت غير داخلة في هذا العدد. # وتجدد الضحك منهم لهذه السخرية في الإجابة. # فقالت ضاحكة: إنك خبيث. وماذا يستفيد الذي يجيء في السبق أولا؟ # فأجاب: لذة الظفر، ثم جائزة ساعة من الفضة. فقالت: لقد كان يسرني كثيرا أن يكون لي حمار ~~فأطمع في الحصول على الجائزة، ولكني لا أملك من الدنيا ما أقتني به حمارا. # فضحك جانون وقال: ms27 كأنك تحسبين أن مجرد وجود حمار لك يكفي للظفر والفوز بالجائزة! وتضاحك ~~رفاقه جميعا. # فقالت هي: كيف تظن أن يكون لي حمار؟ وهل أنا أستطيع أن أطعمه وأن أدفع ثمنه؟ # أما أنا فلما رأيتهم يتكلمون هكذا عن الحمير، وسمعت كلام الأم ترانشيه وتمنيها أن يكون ~~لها حمار لتفوز بالجائزة؛ ملت إليها وأعجبني منها أن عليها سيما اللطافة وحسن الخلق، ~~فخطر في بالي أن أعمل لكي تفوز هي بالساعة الفضية. # وكنت قد تعودت الجري السريع في الغابة، وقطعت في السير أشواطا بعيدة لكي أستدفئ بالجري ~~من شدة البرد، ولذلك استطعت أن أكون قادرا على الجري، وعلى الاستمرار فيه والصبر عليه ~~كالحصان. # وقلت في نفسي: سنرى ولنجرب، وإنني إذا لم أظفر بالجائزة فلا أخسر شيئا، وإذا ربحت فقد ~~ساعدت الأم ترانشيه على الحصول على الساعة التي أظهرت رغبة في الفوز بها. # ولذلك تقدمت بخطوات معتدلة ووقفت بجانب الحمار الأخير، وزهوت وانتفخت كبرا ونهقت ~~بحدة. # فاحتد أندريه وقال مغتاظا: ألا تريد أن تنتهي من هذا النغم الذي لا يطرب أيها الحمار ~~القذر؟ إنك لست نظيف الشعر، ولا تستطيع الجري، وإنك لا صاحب لك. # فكدت أختنق من الغيظ، ولكني لم أتحرك ولم أغادر مكاني، وصار بعضهم يضحك وبعضهم يغضب، ثم ~~تشاجروا حين صاحت الأم ترانشيه: إذا لم يكن لهذا الحمار صاحب فإنه سيكون له صاحبة، وأنا قد ~~عرفته الآن فهو كديشون، حمار المسكينة مدموازيل باولين، فإنهم طردوه منذ غابت عن المنزل، ~~ولم يكن له فيه من يرحمه، وأنا أظن أنه قد قضى طول هذا الشتاء في الغابة لأنه لم يره أحد ~~منذ وفاة تلك الطفلة. # ولذلك أنا آخذه منذ اليوم في خدمتي، وهو سيجري اليوم في السباق لأجلي. # ولما سمعوا هذا القول صاحوا من كل جانب: إذا كان هذا كديشون، فإننا قد سمعنا كثيرا عن ~~شهرته وفراهته. # وقال جانون: إذا شئت أيتها الأم أن يجري في السباق لأجلك، فلا بد أن تشتركي في المسابقة ~~بأن تضعي في كيس عند العمدة قطعة فضية من النقود ms28 قيمتها نصف فرنك. # فأجابت الأم ترانشيه: بكل ارتياح يا أولادي، ها هي قطعتي. وحلت عقدة في طرف منديلها، ثم ~~قالت: ولكن هل يطلب مني غيرها، لأنه ليس معي كثير من نوعها؟ # فقال جانو: أنت إذا ربحت الجائزة فلن يضيع عليك ما دفعته، لأن كل سكان القرية اشتركوا في ~~السباق، ووضعوا في هذا الكيس أكثر من مائة فرنك. # واقتربت أنا من الأم ترانشيه، ثم درت دورة، وقفزت قفزة، ورفست برجلي في الهواء رفسة قوية، ~~أثرت في الأطفال وجعلتهم يظنون ويخشون أنني سأكون السابق. # فقال جانون لأندريه بصوت خافت: إنك أخطأت إذ جعلت الأم ترانشيه تضع قطعتها في الكيس، فذلك ~~أعطاها حقا في دخول كديشون في المسابقة، وأنا أكاد أراه فائزا بالجائزة، وأتوهمه قد ~~حرمنا جميعا الفوز بالساعة وكيس النقود. # فأجاب جانو: إنك أبله، كأنك لا ترى وجهه، أنا أظن هذا المسكين كديشون سيكون سببا لضحكنا ~~لأنه لا يستطيع أن يذهب بعيدا. # فقال أندريه: أنا لا أدري، ولكن أفضل أن أقدم له شيئا من الشعير لكي يأكله ويذهب فنستريح ~~منه. # فأجاب جانو: والنصف فرنك الذي دفعته الأم ترانشيه؟ # فقال أندريه: إذا ذهب الحمار نرد لها ما دفعته. # وقال جانو: ومع ذلك فإن الحمار ليس ملكا لها، ولا لي ولا لك، فاذهب فأعطه وجبة من الشعير ~~ودعه يذهب، وحاذر أن تراك الأم ترانشيه. # وسمعت أنا كل ما تحاوروا به وتحققته حين أبصرت أندريه قادما إلي ومعه الشعير يحمله في ~~«مريلته»، فبدلا من أن أقترب منه لتناول ما معه اقتربت من الأم ترانشيه التي كانت تتحدث مع ~~بعض معارفها، فتبعني أندريه وأخذ جانو برأسي وشدني من أذني ولوى رأسي نحو الشعير وهو يظن ~~أنني لم أره، ولكنني وقفت ثانيا ولم أتحرك مع شدة رغبتي في الطعام، وبدأ جانو يسحبني ~~وأندريه يدفعني فأخذت أنهق بكل صوتي الجميل. # فالتفتت الأم ترانشيه وأدركت فعلة جانو وأندريه، فقالت لهما: ليس جميلا ما تصنعانه هنا ~~يا ولدي، وما دمتما قد كلفتماني أن أدفع نصف الفرنك فهل يجوز أن تبعدا ms29 كديشون عن ~~المسابقة؟ وهل أنتما تخافان من نجاحه؟ # فقال أندريه: أنخاف من مثل هذا الحمار؟ كلا، نحن لا نخافه. # فأجابت: إذن فلماذا تسحبانه لتبعداه؟ # فقال أندريه: ذلك لأجل إعطائه وجبة من الطعام. # فأجابت بتهكم: لا بأس إذن، وهذا حسن، فضع له الشعير على الأرض ليأكل على رغبته، وأنا كنت ~~مخطئة حين ظننت أنكما تؤذيانه. # فخجل الطفلان، وكانا غاضبين ولكنهما لم يستطيعا إظهار الغضب، وضحك رفقاؤهما لأن حيلتهم ~~انكشفت، وكانت الأم ترانشيه تفرك يديها، أما أنا فكنت مسرورا وأكلت الشعير بشره، وشعرت ~~بأنني زدت قوة بعد أكله، وكنت راضيا عن الأم ترانشيه. ولما فرغت من الطعام صرت قليل الصبر ~~على ابتداء المسابقة متشوقا لتعجيلها. # وأخيرا حدثت ضجة، وجاء العمدة فأمر بترتيب الحمير وصفها صفا واحدا، فوضعت نفسي في ~~الآخر تواضعا. # ولما ظهرت وحدي قال بعض الناس: لمن هذا الحمار، ومن صاحبه؟ # فأجاب أندريه: ليس هو لأحد. # فصاحت الأم ترانشيه: بل هو لي. # فقال العمدة: يجب أن تدفعي رسم المسابقة في الكيس. # فأجابت: لقد دفعت يا سيدي العمدة. # فقال العمدة: حسنا، والتفت إلى الكاتب ليسجل اسمها. # فأجاب الكاتب: لقد تم ذلك من قبل يا سيدي العمدة. # فقال العمدة: هل أنتم مستعدون؟ ثم صاح: واحد، اثنان، ثلاثة، سيروا! فأرخى كل الغلمان ~~لجم الحمير، وضرب كل واحد حماره سوطا شديدا فجرت الحمير كلها. وكان هذا إذنا منه ~~بالسباق. # ومع أنه لم يقدني أحد للجري، فإنني انتظرت دوري للبدء في المسير بشرف، واقتضى ذلك أن كل ~~الحمير تقدمتني قليلا في ابتداء السير، ولكنها لم تكد تبلغ نحو مائة خطوة حتى أدركتها، وها ~~أنا سبقت وأصبحت في مقدمة هذا القطيع. # فصاح الغلمان وأعملوا سياطهم في ظهور الحمير يستحثونها على الجري السريع لأجل اللحاق بي ~~وسبقي، وكنت في أثناء ذلك أدير رأسي نحوهم لأرى امتعاض وجوههم من التأخر، ولكي أتلذذ بسبقي ~~لهم وأضحك من جهودهم الضائعة في إدراكي. ولكنهم تحمسوا كثيرا إذ رأوني بعيدا عنهم وأنا ~~أضعفهم جسما وهم أحسن مني منظرا، فضاعفوا جهدهم لإدراكي وسبقي، وسمعت ms30 ورائي صيحات وحشية ~~مزعجة، وقرب مني حمار جانو. وكان يمكنني أن أستعمل لأجل السبق ما استعملوه من الطرق، ولكنني ~~احتقرت تلك المناورات السخيفة، ورأيت أنه يلزمني ألا أهمل شيئا لكيلا أكون مقهورا، ~~فسبقت منافسي بمسافة بعيدة، وفي تلك اللحظة التي أسرعت في سبقه فيها قبض بأسنانه على ذيلي ~~وعضني، واضطرني الألم إلى السقوط على الأرض، ولكن شرف الفوز بالسبق شجعني على التخلص من ~~أسنانه، ولو أنني تركت فيها قطعة من لحمي وشعري. والرغبة في الانتقام منه أعارتني خفة ~~الأجنحة فجريت بسرعة فائقة، فوصلت إلى نهاية خط المسابقة، ولم أكن الأول فقط بل تركت ورائي ~~بمسافة طويلة جميع من ينافسني في السباق. # كديشون في سباق الحمير وهو سابق والناس يتفرجون. (وفي اللحظة التي سبقته ~~فيها قبض على ذيلي بأسنانه وعضني.) # فكنت مجهودا متعبا، ألهث من شدة التعب، ولكني كنت سعيدا بالفوز، وكنت أسمع بلذة ~~وابتهاج تصفيق ألوف من المشاهدين الذين كانوا يحيطون بالمرج الذي جرت فيه المسابقة. # فوقفت وقفة الظافر، واتجهت بأبهة نحو مكتب العمدة الذي استعد لإعطاء الجائزة، فتقدمت نحوي ~~الأم الطيبة ترانشيه ولاطفتني، ووعدتني بكمية كبيرة من الشعير، وبسطت يدها لاستلام الساعة ~~وكيس النقود حين هم العمدة بإعطائهما إليها، وفي هذه اللحظة رأينا أندريه وجانو يجريان ~~ويصيحان وهما مقبلان على العمدة: تمهل يا سيدي العمدة، تمهل فليس هذا عدلا، لأن هذا الحمار ~~لا يعرفه أحد، وهو لا يخص الأم ترانشيه إلا ادعاء لأول نظرة، فهذا الحمار لا يعد في ~~المسابقة، والذي جاء أولا في السباق هو حماري مع حمار جانو، فالساعة والكيس يجب أن يكونا ~~لنا. # فسأل العمدة: أليست الأم ترانشيه قد وضعت في الكيس قطعة النقود؟ ~~- نعم يا سيدي العمدة، ولكن ... ~~- هل عارض أحد حين وضعت القطعة في الكيس؟ ~~- لا يا سيدي العمدة، ولكن ... ~~- هل في وقت السير في المسابقة حصلت منكما معارضة؟ ~~- لا يا حضرة العمدة، ولكن ... ~~- إذن فحمار الأم ترانشيه قد فاز بحق بجائزة الساعة والكيس. # فصاحوا معترضين: يا حضرة العمدة، اجمع أعضاء المجلس المحلي للفصل ms31 في الموضوع، فإنه ليس لك ~~وحدك حق الاستئثار بالفصل فيه. # وتردد العمدة، فلما رأيته متوقفا قبضت بحركة عنيفة بأسناني على الساعة والكيس، ووضعتهما ~~بلطف بين يدي الأم ترانشيه، التي كانت منتظرة رأي العمدة وهي مضطربة قلقة جازعة. # ولكن هذه الحركة جذبت الجمهور نحوي، وسمعت على أثرها ضجة التصفيق والاستحسان. # الأم ترانشيه وهي تستلم الجائزة بحضور العمدة (فقبضت على الساعة والكيس ~~بأسناني ووضعتهما بين يدي الأم ترانشيه). # فقال العمدة وهو ضاحك: انتهى الفصل في الموضوع بواسطة الفائز نفسه لجانب الأم ترانشيه. ثم ~~التفت إلى أعضاء المجلس فقال: هلموا نبحث حول المائدة هل كان من حقي أن أنصف هذا الحمار أم ~~لا! ثم أضاف باستهزاء قوله وهو ينظر إلى أندريه وجانو: أنا أظن أن أغبى الحمير بيننا ليس هو ~~حمار الأم ترانشيه! فصاح الناس من كل جانب: أحسنت يا حضرة العمدة. # واستمر الناس يضحكون ما عدا أندريه وجانو، فإنهما ذهبا وهما يهددان بقبضة يديهما وينظران ~~إلي شزرا. # أما أنا فهل كنت مسرورا؟ كلا، فقد جرح العمدة كبرياء نفسي حين كان في نظري بعيدا عن ~~الأدب، إذ وصف نوع الحمير بالغباوة في تهكمه على أندريه وجانو، فكان ذلك منه جحودا ~~وظلما. # ولقد كنت في هذه المسابقة شجاعا صبورا ذكيا، فانظروا كيف كانت مكافأتي؟ حتى إن الأم ~~ترانشيه شغلها الفرح بالحصول على الساعة والكيس، فنسيت من أحسن إليها وأوصل إليها هذه ~~الجائزة، ولم تحقق لي وعدها بإعطائي مقدارا من الشعير كنت أرجوه بعد وعدها، ثم تركتني ~~وانصرفت إلى محادثة الجمهور بدون مكافأتي على الربح الذي فازت به على يدي وبفرط ~~جهدي. # الفصل التاسع # | الأصحاب الصالحون # وقضى الله بعد كل ذلك أن أبقى وحدي في المرج فكنت محزونا، وكان ذيلي المجروح من عضة حمار ~~المسابقة يؤلمني. # ثم شعرت فجأة بيد ناعمة تلاطفني، وسمعت صوتا جميلا يخاطبني ويقول: مسكين يا هذا الحمار! ~~إنهم عاملوك بقسوة، تعال عند جدتي فإنها تطعمك وتعتني بك أحسن من أولئك الأصحاب القساة، ~~مسكين أنت! ما أشد نحافتك! # فالتفت فرأيت طفلا جميلا ms32 عمره خمس سنوات، ورأيت أخته التي تزيد عنه ثلاث سنوات وهما ~~يسيران مع مربيتهما. # فقالت روز تخاطب أخاها جاك: ماذا قلت لهذا الحمار المسكين؟ # فأجاب: قلت له يحضر ليقيم عند جدتنا، لأنه يعيش هنا وحده، وهو بائس. # فقالت أخته: نعم نأخذه، انتظر، أنا أريد أن أركب على ظهره، يا دادتي ساعديني على ركوب ~~الحمار. # فساعدتها المربية، واطمأنت روز على ظهري. # وأراد جاك أن يقودني فلم يكن لي لجام يمسك به. # فقال للمربية: انتظري، سأربط منديلي في رقبته بدل اللجام، وحاول جاك أن يلف منديله حول ~~عنقي ولكنه كان صغيرا لا يحيط به، فأعطته الدادة منديلها وكان أيضا صغيرا لا ~~يكفي. # فكاد جاك يبكي لأنه لم يجد ما يستطيع أن يقودني به، وقال للمربية: ما العمل إذن؟ # فأجابته: لنذهب أولا إلى القرية نطلب لجاما أو حبلا، هلمي فانزلي يا روز. ولكن روز ~~تعلقت برقبتي وقالت: لا، أنا لا أريد النزول، أنا أحب أن أبقى فوق ظهره حتى يوصلني إلى ~~المنزل. # فأجابت المربية: كيف ذلك وليس معنا لجام نقوده به؟ وانظري فإنه واقف لا يتحرك كأنه حمار ~~من خشب. # فقال جاك: انتظري يا دادتي وسترين، فأنا أعرف أن اسم هذا الحمار كديشون كما أخبرتني الأم ~~ترانشيه، وها أنا سألاطفه وأقبله وأظنه بعد ذلك سيتبعني بغير لجام. # واقترب مني جاك، وقال لي في أذني بصوت خافت: امش يا كديشون، أرجوك أن تمشي؟ # فتأثرت بما بدا من هذا الطفل من الثقة بي، ولاحظت أنه بدلا من أن يطلب عصا يضطرني بها ~~إلى التقدم فإنه فكر في طريقة ودية طيبة، ولذلك لم يكد يتم كلمته السابقة حتى أخذت أسير ~~أمامهم. # فقال جاك: أرأيت يا دادتي، إنه يفهم كلامي، وهو يحبني؟ وكان مبتهجا، وقد احمر وجهه ~~ولمعت عيناه فرحا، ثم تقدمني ليعرفني الطريق، فقالت الدادة: هل تظن أن حمارا يفهم ~~شيئا؟ إنه مشى لأنه مل الوقوف هنا، فأجاب جاك: ولكن أنت ترين أنه يتبعني! # فقالت الدادة: ذلك لأنه يشم الخبز الذي في جيبك. # فقال جاك: أتحسبين ms33 أنه جائع؟ # فأجابت: بغير شك! ألا ترى أنه في غاية النحافة؟ # فقال جاك: هذا صحيح، يا كديشون المسكين! وأنا لم أفكر في إعطائه ما معي من الخبز. ثم أخرج ~~من جيبه قطعة الخبز التي أعطتها له الدادة لطعامه في هذه النزهة، وقدمها إلي بيده ~~اللطيفة. # ولكنني كنت ممتعضا من كلام الدادة وظنها أنني لم أمش إلا تطلعا إلى ذلك الخبز، فراق ~~لي أن أثبت لها أنها لم تكن على صواب حين ظنت بي هذا الظن، وأن أؤكد لها أنني لم أحمل روز ~~على ظهري إلا تلطفا وتوددا. # ولذلك رفضت تناول الخبز الذي قدمه إلي جاك، واكتفيت بأن ألحس يده. # فقال جاك: يا دادة، انظري! فإنه يقبل يدي، ولا يرضى قبول خبزي، فما أحسن طبعك يا كديشون! ~~وما أحقك بالحب! أنت ترين الآن يا دادة أنه يتبعني لأنه يحبني، وليس لأن معي قطعة من ~~الخبز. # فأجابت الدادة: لك رأيك إذا كنت ترى في حمار ما لا يراه الناس حتى تحسبه مثالا! حسنا، ~~أما أنا فإنني أعرف أن كل الحمير أهل عناد وخبث ولذلك لا أحبها. # فقال جاك: كلا يا دادة، كديشون هذا ليس خبيثا، انظري كيف هو طيب معي. # فقالت: سترى إذا كان هذا يدوم منه. # فالتفت إلي جاك، وقال بتلطف: أنت يا كديشون ستكون طيبا لي وللدادة، وستستمر على هذا، ~~أليس كذلك؟ # فأدرت رأسي نحوه، ونظرت إليه نظرة حنو أدركها مع حداثة سنه، ثم أدرت رأسي نحو المربية ~~وألقيت عليها نظرة جفاء حادة أحست بها، ولذلك قالت: ما أقسى نظرته! إن عليه سيماء اللؤم، ~~فإنه ينظر إلي نظرة جارحة كأنه يريد أن يفترسني. # فدهش جاك وقال: كيف يمكن يا دادة أن تقولي هذا؟ فإنه ينظر إلي نظرة لطيفة كأنه يريد ~~أن يقبلني. # والحقيقة أن كل واحد منهما كان مصيبا في قوله، وأنا لم أكن مخطئا، فإنني اعتزمت أن أكون ~~طيبا مع جاك وروز وأهل المنزل الذين يكونون طيبين معي، ونويت أن أكون شديدا مسيئا لمن ~~يسيء معاملتي أو يشتمني كما ms34 فعلت الدادة. # ولكن هذه الرغبة في الانتقام كانت أخيرا هي السبب فيما حل بي من المصائب، فندمت على ~~التخلق بالحقد وآثرت التسامح. # وكنا نمشي مع الاستمرار في الكلام، حتى وصلنا إلى منزل جدة جاك وروز فتركوني على الباب ~~فوقفت وقفة حمار مهذب، بدون أن أتحرك وبدون أن أتذوق شيئا من الأعشاب والخضرة المحيطة ~~بالمنزل. # ثم عاد جاك بعد دقيقتين ومعه جدته وهو يقول لها: تعالي يا جدتي، انظري كيف ترينه لطيفا، ~~وكيف هو يحبني، لا تصدقي كلام الدادة عنه، وأرجوك أن تصدقيني أنا. # فضحكت الجدة وقالت: سنرى ما يكون من هذا الحمار الشهير، ثم اقتربت مني ولمستني ولاطفتني ~~وأمسكت أذني ووضعت يدها في فمي، فلم يظهر علي ما يجعلها تخاف من أنني أعض يدها، ولم أبتعد ~~عنها. # وقالت الجدة: يظهر أنه لطيف جدا، فكيف قلت يا إميلي إن مظهره يدل على الخبث ~~والمكر؟! # فقال جاك: أليس كذلك يا جدتي؟ هو طيب كثيرا كما رأيت، وإنه يستحق أن نبقيه عندنا. فقالت ~~الجدة: أنا أظن يا عزيزي أنه طيب جدا كما قلت، ولكن كيف نستطيع أن نبقيه عندنا وهو ليس ~~لنا؟ والواجب أن يعاد إلى صاحبه. # فقال جاك: ليس له صاحب يا جدتي. # وكررت هذا القول أخته روز، وقالت: لا شك يا جدتي في أن ليس له صاحب. # فقالت الجدة: كيف لا يكون له صاحب؟! هذا مستحيل! # فأجاب جاك: حقيقة يا جدتي، ليس له صاحب هكذا أخبرتني الأم ترانشيه. # فقالت الجدة: إذن كيف فاز بجائزة السباق لأجلها، وما دامت أخذته لأجل السباق فلا بد أن ~~تكون استعارته من أحد؟ # فقال جاك: كلا يا جدتي، هو جاء وحده لكي يجري مع الحمير، ولكن الأم ترانشيه دفعت رسم ~~السباق لكي تأخذ ما يربحه. وهو ليس له صاحب، فإنه هو كديشون حمار المسكينة باولين، التي ~~ماتت وطرده أهلها، حتى إنه عاش طول الشتاء الماضي في الغابة وحده. # فقالت الجدة: كديشون! الحمار الشهير! الذي أنقذ من الحريق سيدته الصغيرة! إنني مسرورة ~~بمعرفته، فإنه في الحقيقة حمار ms35 نادر يستحق الإعجاب. وتلفتت نحوي، ثم أطالت النظر إلي، ~~فكنت فخورا بأن أسمع أن شهرتي ذاعت كما رأيت، وانتعشت وفتحت خياشيمي وهززت ناصيتي طربا ~~وابتهاجا. # وقالت الجدة: مسكين! ما أشد نحافته! إنهم لم يحسنوا مكافأته على إخلاصه. قالت ذلك بلهجة ~~صدق وأسف وتأنيب. # وسنبقيه عندنا، يا أولادي، ما دام متروكا ومطرودا من الناس الذين كان يجب عليهم ~~الاعتناء به ومعرفة حقه. ادع إلي «بولان» فإنني أريد أن أكلفه بأن يضعه في الإصطبل وأن ~~يهيئ له أسباب الراحة. # ففرح جاك وأسرع يستدعي «بولان» فحضر على الأثر، فقالت له الجدة: هذا حمار اقتاده إلينا ~~الأطفال، فضعه في الإصطبل وقدم له الأكل والشرب. # فقال بولان: وهل يلزم أن نرده إلى صاحبه بعد ذلك؟ # فقالت الجدة: كلا، فإنه ليس له صاحب، ويظهر أنه هو الحمار الشهير كديشون، الذي طردوه بعد ~~موت صاحبته الصغيرة، وهو قد عاد إلى القرية ورآه الأولاد، فجاءوا به إلى هنا وسنبقيه ~~عندنا. # فأجاب بولان: إن سيدتي أحسنت صنعا باستبقائه، فإنه لا نظير له في هذه البلاد، ولقد ~~حدثوني عنه أحاديث مدهشة، وقالوا إنه يسمع ويفهم كل ما يقوله الناس حوله، وسترى سيدتي مصداق ~~ذلك. تعال يا كديشون لتأكل حتى تشبع من الشعير الجيد. # فالتفت وتبعت بولان في ذهابه. # فقالت الجدة: هذا حقيقة مدهش، فإنه قد فهم الكلام! ثم عادت إلى المنزل، وتركت معي جاك ~~وروز فتبعاني إلى الإصطبل فوضعوني فيه، وكان يرافقني فيه فرسان وحمار. # وقام بولان يساعده جاك بتهيئة موضع لنومي، ثم ذهب بولان لإحضار الشعير. # فقال جاك: زد له الشعير، فإنه يلزم له الكثير منه لأنه جرى طويلا. # فقال بولان: لا يا سيدي، لا تكثر له، فإن الإكثار من الطعام يجعله حادا شرسا، فلا ~~تستطيع أن تركبه أنت ولا أختك. # فقال جاك: كلا، فإنه طيب، وإننا مع ذلك نستطيع أن نركبه معا. # فزاد بولان في علفي وأكثر من الشعير، ووضعوا بجانبي جردلا مملوءا ماء وكنت عطشان ~~فبدأت بشرب نصف الجردل، وأكلت الشعير، وذكرني لطف هذا الطفل جحود الأم ms36 ترانشيه. ثم تمددت ~~على القش ورأيتني مضطجعا كأنني ملك، ثم أخذني النوم. # الفصل العاشر # | الكلب ميدور # عرفت الكلب ميدور من زمن بعيد، كنت حدثا صغيرا وكان هو أيضا حدثا حين تعارفنا ~~وتحاببنا، وكنت حينئذ أعيش عيشة البؤس عند أولئك الفلاحين الذين اشتروني من بائع حمير، وهم ~~الذين تخلصت منهم بكثير من المهارة. # وكنت نحيفا لأنني كنت دائما أتألم من الجوع، أما ميدور فقد كان يعامل معاملة كلاب ~~الحراسة وكان من أحسنها وأقواها، ولذلك كان أقل بؤسا مني، وكان يسلي الأطفال الذين يعطونه ~~خبزا ولبنا. # وفوق ذلك فإنه اعترف لي أنه حين يدخل إلى مخزن اللبن مع سيدي أو مع الخادم، فإنه كان يجد ~~الفرصة لتجرع ما يصل إليه من اللبن أو القشدة، وأن يفوز بكثير من قطع صغيرة من الزبدة ~~التي تتناثر من أوعيتها. # وكان ميدور طيبا، فإنه أشفق علي لنحافتي وضعفي، وأحضر إلي ذات يوم قطعة من الخبز ~~وقدمها إلي بهيئة الظافر، وقال لي بلسانه: كل هذا، فإن عندي كثيرا من الخبز الذي ~~يعطونه إياي لأجل غذائي، أما أنت فليس عندك إلا قليل من الشوك والحشائش التي تكاد تكفي ~~لإمساك الرمق. # فأجبته: إنك طيب يا ميدور، ولقد تكلفت من أجلي كثيرا، وإنني شاكر لمجهودك، ولكنني لست ~~كما تظن كثير التألم، فقد تعودت الإقلال من الطعام والنوم والإكثار من العمل، وكثيرا ما ~~ذقت الضرب وتحملت العناء. # فقال ميدور: أنا لم أتكلف شيئا، وإنني أؤكد لك أني غير جائع، وأرجو أن تبرهن لي على ~~محبتك إياي بقبولك هذه التقدمة الصغيرة، هي شيء قليل ولكني أقدمه لك بسرور، وإذا رفضت فإنني ~~أستاء منك. # فأجبت: قبلت إذن لأنني أحبك، وأؤكد لك أن هذا الخبز لازم لي فإنني جائع كثيرا. وأكلت خبز ~~ميدور الكريم، وكان مسرورا وهو ينظر إلي وأنا أمضغ وأبلع، ووجدت لذة في هذه الأكلة التي ~~لم أكن متعودا مثلها. # وذكرت ذلك لميدور مع حسن اعترافي بصنعه الجميل، واقتضى هذا الرضا والشكر أنه استمر على أن ~~يحضر لي في كل يوم أكبر ms37 قطعة من الخبز الذي يقدمونه له. # وكان يجيء ليلا وينام بقربي تحت الشجرة، أو على النبات الذي أستحسن أن أقضي الليل ~~فوقه. # وكنا نتفاهم حينئذ ولا يسمعنا أحد، لأننا كنا نتحدث بغير كلام فنحن الحيوانات لا ننطق ~~بكلمات مثل الناس، ولكنا نتفاهم بلحظات العيون وبحركات الرءوس والآذان والأذيال، ونتفاهم ~~بها فيما بيننا كما يتفاهم الناس بالكلام. # وفي ذات ليلة رأيته عائدا إلي حزينا مكتئبا، وقال لي: يا عزيزي، إنني أخشى ألا ~~أستطيع في المستقبل أن أحضر إليك ما تعودت من الخبز، لأن سادتي قرروا أنني كبرت ولم يعد من ~~اللازم أن أكون مطلق السراح طول النهار، ولذا فلا يحل رباطي إلا في الليل لأجل الحراسة. ~~وفوق ذلك فإن سيدتي عنفت الأطفال على ما كانوا يعطونه إياي من الخبز الكثير، ومنعتهم من ~~أن يعطوني شيئا في المستقبل لأنها تريد أن تطعمني بنفسها طعاما قليلا، وذلك في زعمها ~~يجعلني كلب حراسة مقتدر. # فقلت له: يا حبيبي ميدور، إذا كان الخبز الذي كنت تحضره إلي هو الذي يكدرك فتأكد أنني ~~الآن لست في حاجة إليه. # وذلك لأنني اكتشفت في هذا اليوم فتحة صغيرة في مخزن الدريس (البرسيم الناشف)، وقد سحبت ~~قليلا منه، وأظن أن في إمكاني أن أتناول منه كل يوم كفايتي. # فأجاب ميدور: إنني مسرور بما تقول، ولكني أسر كثيرا إذا قاسمتك ما يصل إلي من ~~الخبز، ويحزنني كثيرا أن أكون مربوطا طول النهار فلا أستطيع أن أراك. # ثم تحادثنا أيضا مدة من الزمن وتركني متأخرا. # وكان فيما قاله لي: إنني عندي الوقت الطويل لأنام نهارا، وأما أنت فليس عندك ما تصنعه في ~~هذا الفصل. # ومضى نهار اليوم التالي دون أن أرى وجه هذا الصديق، فلما جاء الليل انتظرت بصبر نافد، ثم ~~سمعت صوته فركضت نحو الزريبة فرأيت الفلاحة الخبيثة تقبض عليه من جلد رقبته، وكان جول وهي ~~تمسكه يضربه بكرباج طويل. # فوثبت داخل الزريبة من شرم لم يكن مقفولا، وألقيت نفسي على جول وعضضته في ذراعه بحالة ~~اضطرته إلى إلقاء الكرباج ms38 من يده، وأفلتت الفلاحة الكلب ميدور من يدها فنجا، وهذا هو الذي ~~أردته، ولذلك تركت ذراع جول بعد تركها رقبة ميدور. وبينما أنا عائد إلى مكاني، شعرت بمن ~~يقبض على أذني، وكانت هي الفلاحة، قبضت علي بيديها وصرخت في وجه جول وهي تقول: أعطني ~~الكرباج الكبير وأنا أؤدب هذا الحيوان الشرس الذي لم أر أرذل منه في الدنيا، هات الكرباج ~~أو اضربه أنت بنفسك. # فأجابها جول: أنا لا أستطيع تحريك ذراعي، فإن العضة خدرتها وهي تؤلمني ألما ~~شديدا. # فقبضت الفلاحة بيديها على الكرباج الساقط على الأرض وسعت نحوي لكي تنتقم مني لابنها ~~المجرم، ولم أكن أحمق لأنتظر أذاها كما يمكن أن تفتكروا ذلك، فقفزت قفزة شديدة حين همت ~~أن تقبض علي، فاستمرت تتبعني واستمررت في الجري تخلصا منها، مجتهدا في أن أكون بعيدا ~~عن مدى الكرباج الذي في يدها، وراق لي هذا الجري كثيرا، ورأيت غضب الفلاحة يتزايد حتى ~~تعبت، وذلك لأنني أتعبتها في الجري حتى سال منها العرق، فلم تقدر أن تصل إلي بشر، ولم ~~تستطع أن تضربني ولا بطرف الكرباج لشدة ما نالها من التعب. # وسرني أني قد أخذت لصديقي بثأره. # وبحثت عنه بنظري لأنني رأيته يجري حول الإصطبل، ولكنه كان ينتظر حتى تغيب عن نظره سيدته ~~القاسية. # وسمعتها تصيح وهي مغضبة تقول لي: سأنتقم منك وأجازيك أشد الجزاء حين تكون تحت ~~البردعة. # وبقيت وحدي، ورأيت ميدور يخرج رأسه بخوف وحذر من الحفرة التي كان قد اختبأ فيها، فركضت ~~نحوه وقلت له: لقد ذهبت. # ثم سألته: ماذا فعلت بك؟ ولماذا أذنت لجول بضربك؟ # فأجاب: ذلك لأنني قبضت على قطعة خبز ألقاها بعض الأولاد على الأرض، فلما رأتني نهضت إلي ~~ونادت جول وأمرته أن يضربني بغير رحمة. # وسألته: ألم يوجد من فكر في الدفاع عنك؟! # فقال منكرا: هم يفكرون في الدفاع عني؟! كلا، فإنهم بمجرد رؤيته يحمل الكرباج ويهم بالضرب ~~تصايحوا: اضربه يا جول، لكيلا يعود إلى ما كان منه. وأجابهم جول: إنني لا أتركه حتى تسمعوا ~~صياحه، فلما ms39 صرخت أول مرة صراخ الاستغاثة من شدة الضرب صفقوا بأيديهم وقالوا: برافو! برافو! ~~اضرب ثانيا. # فتأسفت وقلت: ملاعين هؤلاء الصغار، ولكن قل لي يا ميدور لماذا أخذت تلك القطعة من ~~الخبز؟ ألم تكن تناولت فطورك؟ # فأجاب: نعم، كنت أفطرت، ولكن الخبز الذي كان في فطوري كان قليلا جدا لا يكاد يكفيني، ~~ولو كنت استطعت أن أنقل إليك تلك القطعة الكبيرة التي ضربت من أجلها، لكنت أحضرت لك ~~أكلة لذيذة. # فقلت: مسكين يا صديقي ميدور! إذن كان ضربك من أجلي، أشكرك يا صديقي، ولا أنسى مودتك ~~وفضلك، ولكن أرجو ألا تعود لمثل هذا. وهل تظن أن هذا الخبز يلذ لي إذا كان يسبب لك ~~ألما؟! أنا أفضل ألا أعيش إلا بالحشائش والشوك وأن أعلم أنهم يحسنون معاملتك. # ثم تحادثنا أيضا طويلا، وطلبت منه ألا يعرض نفسه بعد هذه المرة للأذى من أجلي. # ثم إنني في نفس اليوم أوقعت جول وأخته في حفرة مملوءة بالماء، وتركتهما يتخبطان فيه ~~وتخلصت. وفي مرة أخرى تتبعت الطفل الذي عمره ثلاث سنوات بحالة أوهمته أنني سأعضه، فصاح وجرى ~~وهو مرعوب. وفي مرة ثالثة كان على ظهري حمل من البيض، فتظاهرت بأن عندي مغصا وصرت أدور في ~~الطريق وأجري حتى تكسر أكثر البيض. # ومع أن الفلاحة كانت مغتاظة فإنها لم تجسر على ضربي، فإنها ظنت أنني كنت حقيقة مريضا ~~وحسبت أنني سأموت، وأن الثمن الذي دفعوه في شرائي سيضيع عليهم، فبدلا من أن تضربني أخذتني ~~برفق وأحضرت إلي شعيرا ونخالة، ولم ألق في حياتي أحسن من هذه الرحلة. وفي المساء حدثت ~~ميدور بكل ما جرى فاستلقينا من الضحك. # وفي مرة رابعة رأيت كل ثياب الفلاحة منشورة على الحبال، فأخذتها بأسناني قطعة فقطعة ثم ~~ألقيتها في حفرة مملوءة بالماء القذر ولم يرني أحد، فلما رجعت الفلاحة لم تجد الغسيل على ~~الحبال، وبعد بحث طويل وجدتها في ذلك المستودع فتغيظت كثيرا وضربت الخادم، والخادم ~~ضربت الأولاد، والأولاد ضربوا القطط والكلاب والخرفان، وكانت موقعة لطيفة لدي لأنهم ~~كانوا كلهم يضجون ms40 ويلعنون وهم مغتاظون. وضحكنا كثيرا في مساء ذلك اليوم أنا وميدور. # ولما تفكرت فيما جرى مني ندمت كثيرا، لأنني جازيت الأطفال الأبرياء بذنوب غيرهم، وعاتبني ~~ميدور على ذلك ونصحني بأن أكون أحسن أخلاقا، ولكني لم أصغ إليه بل ازددت سوءا عوقبت ~~عليه عقابا شديدا كما سترى أيها القارئ. # ففي يوم من أيام البؤس والشقاء والحزن، مر رجل فرأى ميدور فناداه ولاطفه، ثم توجه إلى ~~صاحب المزرعة واشتراه منه بمائة فرنك، وكان صاحب المزرعة فرحا مسرورا لأنه يعرف أنه يشتري ~~كلبا آخر ببعض هذا الثمن. # وفي الحال ربط صديقي بحبل وقاده سيده الجديد، وذهب وهو ينظر إلي نظرة حزن وأسف على ~~الفراق، فجريت كثيرا ودرت في أنحاء الزريبة لكي أجد ممرا أخرج منه فلم أجد، وأسفت كثيرا ~~لأنني لم أستطع القيام بتوديع صديقي وتشييعه في سفره. # ومنذ ذلك اليوم اشتد بي الضجر، وكان هذا بعد حادثة السوق بمدة وبعد هروبي إلى الغابة، وفي ~~أثناء السنين التالية لذلك فكرت كثيرا في صديقي، ولكن أين أجده وقد عرفت أن سيده الجديد لم ~~يكن يسكن البلدة، وأنه لم يكن جاءها إلا لرؤية صديق له؟ # ولما قادني جاك نحو جدته دهشت دهشة عظيمة حين أبصرت صديقي ميدور عندها، وكانت دهشة ~~عظمى للناس جميعا حين أبصروا ميدور يهرول نحوي ويتودد إلي وأنا أتبعه حيث كان، وظنوا أن ~~ذلك الفرح من ميدور كان سببه أنه وجد له رفيقا في النزهة. # ولو أنهم كانوا يستطيعون أن يعرفوا محادثتنا، لفهموا ما بيننا من المودة والإخاء. وصار ~~ميدور مسرورا من كل ما قصصت عليه؛ من معيشتي الهادئة البسيطة، ومن طيبة أسيادي، ومن شهرتي ~~المجيدة في البلد بعد حادثة السباق. # وكان يتألم معي إذا حكيت له ما أصابني من المتاعب، وكان يضحك وهو يعتب علي لتلك الأفعال ~~التي فعلتها مع تلك الفلاحة التي اشترتني، ثم يأسف على ما سمع من جحود أهل باولين وإنكارهم ~~جميلي في إنقاذ بنتهم من النار، وذرفت عيناه دمعة حارة حزنا على تلك الطفلة ~~المسكينة. # ولم يفته ms41 الانتقاد على الأم ترانشيه لأنها تركتني بعد فوزي لها بالجائزة وإن كان لها عذر ~~من الفقر. # الفصل الحادي عشر # | الحمار العالم # وفي يوم من أيام الربيع، رأيت وأنا أتناول الطعام في المرج أن الأطفال تجري بقرب المنزل، ~~وكان لويس وجاك يلعبان بقربي ويروق لهما أن يتبادلا الصعود فوق ظهري وكأنهما يحسبان نفسيهما ~~خفيفين في اللعب، وهما كانا - والحق يقال - غير خفيفي الوزن خصوصا جاك فإنه كان سمينا، ~~ولو أنه أصغر سنا من ابن عمه. وكان لويس يتعلق بي وربما شد ذيلي قبل صعوده، وكان جاك ~~يجتهد كثيرا حتى يتعب ليسبقه إلى الصعود فوقي، ولكنه لفرط سمنه كان يسقط ويدور ولا يستطيع ~~الوصول إلا بمساعدة قريبه. ولكي أوفر لهم التعب وضعت نفسي بجانب مرتفع من الأرض يسهل عليهما ~~الصعود منه، أما لويس فقد دل على خفة حركته بالصعود مباشرة، وأما جاك فإنه استفاد من هذا ~~الموقف الجديد وركب بسهولة، وفي هذه اللحظة سمعنا سربا من الأطفال فرحين، وكان اثنان من ~~بينهم يصيحان: عندنا بعد غد ألعاب جميلة في المولد، وسنتفرج على الحمار العالم. # فقال جاك: الحمار العالم! ما هو هذا الحمار العالم؟ # فقالت إليزا: هو حمار تعلم كل أنواع الدوران. # فقال جاك: أي دوران؟ # فأجابت مادلين: دوران ... دوران ... دوران والسلام. # فقال جاك: ما أظنه يفعل ما يفعله كديشون. # فقال هنري: كديشون بلا شك طيب وذكي من بين الحمير، ولكنه لا يستطيع أن يفعل ما يفعله ~~الحمار العالم في المولد. # فقالت كاميل: أنا واثقة أنه يقدر أن يفعل كل ما يعلمونه أن يفعله. # فقال بيير: لننظر أولا ما يصنعه ذلك الحمار العالم، ثم ننظر إذا كان كديشون يستطيع فعله ~~أم لا. # فقالت كاميل: الحق مع بيير، وعلينا أن ننتظر إلى ما بعد انتهاء المولد. # فقالت إليزا: إذن فماذا نصنع بعد المولد؟ # فقالت مادلين وهي ضاحكة: نتناقش في الموضوع. # وتهامس جاك ولويس ثم سكتا، وبعد تحققهما من انصراف سائر الأطفال وأنهما لا يراهما ولا ~~يسمعهما أحد، صارا يتغنيان بنشيد يذكران فيه اسمي ويطلبان ms42 مني أن أكون عارفا بكل ما يفعله ~~الحمار العالم في المولد، ويقولان في هذا النشيد: # كديشون شمرا # وإلى السوق جرى # بانتباه دائم # للحمار العالم # ناظرا أعماله # حاكيا فعاله # فائقا في صنعه # بارعا في طبعه # ليفوز بالثنا # ويعود عندنا # وهو محمود على # صنعه الذي علا # فقال جاك بعد انتهاء النشيد: هذا الذي أنشدناه جميل. # فأجاب لويس: ذلك لأنه شعر موزون. # فقال جاك: شعر؟ أنا أظن أن نظم الشعر صعب. # فأجاب لويس: # هو سهل كما ترى # غير صعب بلا امترا # وها أنا قد زدتك منه. # فقال جاك: هيا بنا نسمع أولاد عمنا هذا النشيد. # فقال لويس: كلا، فإنهم إذا سمعوه عرفوا ما تريد، والأحسن أن نفاجئهم به مفاجأة في نفس ~~المولد. # فقال جاك: وهل تظن أن أبي وعمي يرضيان بأن نذهب إلى المولد ومعنا كديشون؟ # فأجاب لويس: بلا شك، خصوصا إذا عرفناهما سرا لماذا نريد أن يرى كديشون الحمار ~~العالم. # فقال جاك: إذن هلم بنا نسرع في هذا الطلب. # ثم جريا معا نحو منزل، وفي هذه اللحظة جاء الأب والعم إلى المرج لكي يبصرا ماذا يصنع ~~الأطفال، فلما رآهما الطفلان أقبلا وقالا: عندنا شيء نريد أن نقوله. # فقالا: ماذا تريدان؟ تكلما. # فقال لويس: أنتما تعلمان أنه سيوجد في المولد بعد غد حمار عالم. # فأجاب والده: لا، أنا لا أعلم، ولكن ماذا يهمنا من حمار عالم ونحن عندنا الحمار ~~كديشون؟ # فقال لويس: هذا الذي قلناه، وأكدنا أن كديشون أعلم من كل الحمير، ولكن أخواتي وأولاد عمي ~~سيذهبون إلى المولد لرؤية ذلك الحمار العالم، ونحن نريد أن نأخذ كديشون معنا إلى هناك لكي ~~يرى ما يصنعه ذلك الحمار ثم يعمل مثله. # واستغرب والد جاك فقال: كيف تجعلون كديشون يتفرج في وسط الجمهور؟ # وأجاب جاك: نعم يا بابا، فإننا لا نذهب في عربة ولكن نركب كديشون، ونقف به بقرب الدائرة ~~التي يلعب فيها الحمار العالم ألعابه. # فقال أبوه: هذا ممكن، ولكني لا أظن أن كديشون يستفيد شيئا من رؤية هذه الألعاب مرة ~~واحدة. # فالتفت جاك ms43 إلي وقال: أليس كذلك يا كديشون؟ ألست تقدر أن تعمل أحسن من أعمال الحمار ~~العالم متى اطلعت عليها؟ # ولما وجه إلي جاك هذا السؤال كان ينظر إلي نظرة شك، فنهقت لكي يكون مطمئنا، وأنا ~~أضحك من ارتيابه. # فقال جاك: هل سمعتم؟ إن كديشون أجاب بالموافقة، ثم ضحك ضحكة الظافر، وتبعه أبوه وعمه ~~فضحكا أيضا، وقبل كل منهما ولده، وذهبا وهما يعدان بأنني سأرسل إلى المولد، وأنهما ~~والأطفال سيذهبون إليه معي. # فقلت في نفسي: عجبا! هما يرتابان في مهارتي، أليس غريبا أن يكون الأطفال أذكى وأعرف بي ~~من آبائهم؟! # وجاء يوم المولد، وقبل موعد الذهاب بساعة عملوا لي التواليت كاملا، تنظيف تام وتمشيط ~~للشعر، ثم وضعوا علي بردعة ولجاما جديدين، وطلب لويس وجاك أن يبكرا في الذهاب قبل الموعد ~~مبادرة إلى الوصول قبيل اللعب. # فسأل هنري: لماذا تبكرون؟ وكيف تذهبون؟ # فأجاب لويس: سنذهب راكبين كديشون، وسنبكر في المسير. # فقال هنري: أتذهبان أنتما وحدكما؟ # فقال جاك: كلا، فإن أبي وعمي سيذهبان معنا. # فقال هنري: لكن مسير مسافة ميل يكون شيئا مملا. # فقال لويس: لا، نحن لا نمل شيئا ومعنا أبوانا. # فقال هنري: أنا أفضل أن أذهب بالعربة، وبذلك نصل قبلكم. # فأجاب جاك: كلا، لا تصلون قبلنا، لأننا سنقوم قبلكم بمدة. # ولما انتهوا من كلامهم كنت متهيأ للسير، وأنا على أحسن ما يكون من الزينة، وكان الوالدان ~~مستعدين، فوضعا الطفلين على ظهري، وسرت بهم متمهلا لكيلا أكلف الوالدين مشقة الإسراع وهما ~~يمشيان بجانبي. # وبعد ساعة وصلنا إلى ساحة المولد، وكان هناك جمع من الناس قرب دائرة محاطة بحبل، وهي التي ~~سيظهر فيها الحمار العالم ما يعلمه. # وتركنا والدا الطفلين بقرب الحبل، ووصل بعدنا أقاربهما ووقفوا بقربنا. # وقرعت الطبول إيذانا بأن زميلي العالم سيظهر، وكانت الأنظار متجهة إلى المكان الذي ~~سيخرج منه، ثم فتح الباب وظهر الحمار العالم. # وكان نحيفا ضعيفا يلوح على وجهه الحزن والكآبة، ناداه صاحبه فاقترب منه بدون نشاط وعليه ~~سيما الخوف، ولاحظت أن هذا الحمار المسكين كان قد ضرب كثيرا ms44 ليحفظ ما علموه. # وتكلم صاحبه فقال: أيها السادة والسيدات، أتشرف بأن أقدم لكم «ميرليفلور» أمير الحمير، ~~فهو حمار ليس كسائر الحمير، بل هو حمار عالم، أكثر علما من كثير من الموجودين بينكم، فهو ~~حمار بارع ليس له نظير. # هلم يا ميرليفلور، أظهر لنا ما تعلم. فبدأ يحيي السادة والسيدات كما ينتظر من حمار ~~مهذب. # وكنت متكبرا، فأغضبتني تلك الخطبة، واعتزمت أن أنتقم قبل نهاية الفصل. ثم تقدم ميرليفلور ~~ثلاث خطوات وحيا الجمهور بهز رأسه، ولكن كانت تبدو عليه الكآبة والشكوى. # وقال له صاحبه: هيا، قدم هذه الصحبة من الأزهار إلى أجمل سيدة في هذا الجمع. # فضحكت لأنني رأيت كل أيدي السيدات تهيأت وامتدت واستعدت لاستلام الصحبة منه. # ودار ميرليفلور في طرف الدائرة التي يحيط بها المتفرجون، ثم وقف أمام امرأة سمينة غير ~~جميلة، علمت حينئذ أنها امرأة صاحب الملعب، وأنها كانت تحمل إليه في يدها سكرا، وبعد ~~وقوفه وضع عندها الأزهار. # فضايقني منه ما رأيت من قلة ذوقه، ووثبت إلى داخل الدائرة من فوق الحبل بين دهشة عظيمة ~~من الجمهور، ثم تقدمت ونظرت إلى الجمهور محييا من كل جانب: أمام ووراء، وعن اليمين وعن ~~اليسار. # فقال صاحب الحمار العالم: أيتها السيدات وأيها السادة. # ومشيت بخطى مطمئنة نحو المرأة السمينة، وانتزعت الصحبة من عندها وذهبت بها ثم وضعتها على ~~ركبتي الطفلة «كاميل»، وعدت إلى مكاني والجمهور يصفق بيديه تصفيقا حادا. # وتساءل الناس: ما معنى ما كان من ظهوري بذلك المظهر؟ وظن بعضهم أن ذلك كان شيئا ممهدا ~~من قبل، وأنه يوجد في الدائرة حماران عالمان لا حمار واحد، ولكن الذين رأوني في صحبة سادتي ~~من الأطفال والرجال والذين يعرفونني من غيرهم كانوا مبتهجين بذكائي وبراعتي. # وظهر الغضب على وجه صاحب الحمار ميرليفلور، وكان هذا غير متأثر بتفوقي عليه وانتصاري ~~فبدأت أفهم أنه حقيقة بهيم. وأذكر هنا أن هذه البلادة نادرة في جنسنا. # ولما ساد السكوت ناداه صاحبه ثانيا: تعال يا ميرليفلور وأظهر لهؤلاء السادة والسيدات ~~أنك بعد معرفتك تمييز الجمال تستطيع ms45 أن تميز الحماقة، فخذ هذه البرنيطة وضعها على أحمق رأس ~~في هذا الجمع. # وقدم له برنيطة حمار علقت فيها أجراس صغيرة، وزينت بشرائط حريرية ملونة. # فأخذها ميرليفلور واتجه بها نحو غلام أحمر سمين كان هز رأسه مقدما استلفاتا للحمار ~~العالم، واستعدادا لاستلام البرنيطة منه ، وكان من السهل - لمشابهته لتلك المرأة السمينة ~~التي ادعت زورا أنها أجمل من في الحفلة - ملاحظة أن ذلك الغلام لم يكن إلا ابن صاحب ~~الملعب وأنه متواطئ معه على ما حصل. # ورأيت أن هذه هي الفرصة السانحة للانتقام من ذلك الغبي على ما صدر منه من الكلام ~~المهين. # وقبل أن يفكر الناس في ظهوري على المرسح تقدمت ثانيا إلى داخل الدائرة، وسعيت نحو ~~زميلي وانتزعت منه البرنيطة في اللحظة التي هم فيها بوضعها على رأس ذلك الغلام، وقبل أن ~~يلحظ المعلم صاحب الملعب شيئا جريت نحوه ووضعت يدي (قائمتي) الأماميتين على كتفه، ~~وهممت بوضع البرنيطة على رأسه هو فقاومني بعنف وصار في غاية الشراسة، ولكن ضحك الجمهور ~~وتصفيقاته المتواترة كانت تسمع في هذه اللحظة من كل جانب. # وصاح الناس: برافو! هذا هو الحمار العالم الحقيقي. # سقوط الرجل وإلباسه البرنيطة. # وصرت مأخوذا متشجعا بتصفيق الجمهور، فبذلت جهدا آخر في إلباسه برنيطة الحمار فبمجرد ~~انسحابه تقدمت وتسابقنا مسابقة شديدة، فهو أفلت مني بكل قوته وأنا جريت وراءه، ثم تنشطت ~~ووثبت فوق ظهره ووضعت يدي على كتفيه واعتمدت برجلي على ظهره، فسقط على الأرض. # وانتهزت فرصة سقوطه فوضعت البرنيطة على رأسه، وأوغلتها فيه إلى الذقن، وانسحبت فجأة. ~~وقام الرجل فلم يستطع أن يراني لأن عينيه كانتا محجوبتين بالبرنيطة، وكان هو في غاية الخجل ~~من سقوطه، فكان يداري خجله بالدوران والوثب ضمن الدائرة، وإتماما لهذا الدور من اللعب كنت ~~أجاريه في الدوران والوثب مثله. # ثم قطعت هذه المحاورة بأن ذهبت إليه ثم عضضته في أذنه، ثم اعتمدت على رجلي ووثبت مثله ~~تارة إلى الأمام وتارة إلى الوراء. # وليس من السهل أن أصف لكم ما كان عليه الجمهور المشاهد من الابتهاج ms46 والتأثر والاستغراب، ~~وما أظن أن حمارا في الدنيا نال من الإعجاب والظفر مثل ما نلت في تلك الحفلة. # واقتحم الناس الدائرة وكان كثيرون منهم يقتربون مني ويلاطفونني، لأنهم يريدون أن يبصروني ~~من قرب، وصار الذين يعرفونني يفتخرون بي، ويذكرون اسمي ويعرفون بي من لم يكن يعرفني، ~~ويحدثونهم عن عجائب أعمالي بالصدق وبالكذب، وبما رأوا من نوادري المعروفة عندهم، فقال أحدهم ~~إنني أطفأت حريقا وحدي بتمشية خرطوم ماء وتوجيهه إلى النار، وبأنني صعدت إلى الدور الثالث ~~ثم فتحت باب سيدتي الصغيرة وقبضت عليها وهي نائمة في سريرها، ولما كان اللهيب يملأ السلالم ~~والشبابيك وثبت من الدور الثالث بعد الاعتناء بسيدتي ووضعها فوق ظهري، وأنه لم يصبنا أذى ~~ولا جرح في ذلك الوثوب، لأن الملك الحارس الذي كان يحفظ سيدتي ساعدنا في الهواء حتى وصلنا ~~إلى الأرض بسلام. وقال آخر إنني قتلت في ليلة واحدة كثيرا من اللصوص، لأنني عضضتهم بأسناني ~~واحدا بعد واحد بحالة لم تسمح لواحد منهم بالاستعانة بصاحبه والتخلص مني. # وإنني ذات مرة فزت في السباق على جميع حمير البلد، وإنني جريت في شوط واحد مدة خمس ساعات ~~... وقطعت 25 فرسخا بدون وقوف ... # هكذا قالوا، ومن عادة الناس المبالغة وتكبير الصغائر. وكان الإعجاب بي يزداد كلما انتشر ~~هذا الكلام بين الناس، وكانوا يدورون حولي ويتفرسون في، واضطر رجال البوليس إلى تفريق ~~الناس عني منعا للزحام. وسرني من حسن الحظ أن أقارب لويس وجاك حملوا الأطفال وأبعدوهم ~~حين رأوا تجمهر الناس وازدحامهم حولي، وتكلفت تعبا كثيرا لكي أخلص من الناس، ولم أخلص إلا ~~بمساعدة البوليس. وكاد الناس يحملونني إعجابا، واضطرني الحياء إلى التخلص منهم خجلا من ~~هذا التشريف، ولم أتخلص إلا بأنني كنت أمد فمي في كل ناحية لأعض بأسناني من يقترب مني، ~~وكنت أهم برفس خفيف برجلي تنفيرا لهم، ولكني كنت شديد الحرص وعظيم الحذر من أن أجرح أحدا، ~~وأردت بذلك أن أجعلهم يخافون مني فيفسحون لي الطريق. # ولما تخلصت من الجموع تلفت في كل ناحية فلم أجد لويس ms47 ولا جاك، ولم أرض بأن هذين ~~الصغيرين العزيزين يرجعان إلى المنزل مشيا على الأقدام، فلم أضيع الوقت في التفكير بل جريت ~~إلى الإصطبل المعتاد وضع الخيول فيه، فدخلت فيه فلم أجدهما لأنهما ذهبا. # وحينئذ أسرعت السير في الطريق الموصل إلى المنزل، فأدركتهم وهم يركبون عربتين اثنتين تكدس ~~فيهما الأطفال مع الرجال فوق بعض، حتى كانوا خمسة عشر راكبا في هاتين العربتين. # فلما لمحني الأطفال صاحوا مبتهجين: كديشون! كديشون! فوقفت العربتان، وطلب جاك ولويس أن ~~ينزلا لكي يقبلاني ويثنيا علي، ثم تبعهما سائر الأطفال ونزلوا جميعا. # وقال لويس وجاك: أرأيتم كيف أننا كنا نعرف أكثر منكم ذكاء كديشون وخفة روحه؟ # أرأيتم كيف كان متيقظا، وكيف أنه بسرعة أدرك تلاعب ميرليفلور وصاحبه الغبي؟ # فقال بيير: هذا صحيح، ولكنني أحب أن أعرف لماذا اجتهد كديشون في وضع البرنيطة على رأس ~~صاحب الملعب؟ # أذلك لأنه أدرك أن ذلك الرجل غبي، وأن تلك البرنيطة كانت علامة الغباوة والحمق؟ # فقالت كاميل: بلا شك هو أراد هذا، ومن السهل عليه إدراكه. # فضحكت إليز، وقالت: ها أنت تقولين هذا لأنه قدم إليك صحبة الأزهار باعتبارك أجمل من في ~~الحفلة. # فأجابت كاميل: كلا، أنا لم أفكر في ذلك، حتى إنني في هذه اللحظة التي كنت تتكلمين فيها ~~تذكرت أنني كنت مدهوشة، وكنت أتمنى أنه كان قدم الصحبة إلى ماما فإنها هي التي كانت أجمل ~~من في الحفلة. # فقال بيير: أنت التي كنت تمثلينها، وإن الحمار في غياب خالتي لم يكن يستطيع أن ينتخب غير ~~التي انتخبها. # فقالت مادلين: وأنا هل كنت غير جميلة؟ # فقال بيير: كلا، بدون شك، ولكن المسألة مسألة ذوق، وذوق كديشون كان في اختيار ~~كاميل. # وقالت إليزا: بدلا من أننا نتكلم في الجميلات وغير الجميلات، يلزمنا أن نسأل كديشون كيف ~~أمكنه أن يفهم كلام ذلك الرجل. # وتأوهت هنريت، وقالت: وا أسفاه على أن كديشون لا يمكنه أن يتكلم، وإلا فقد كان يحدثنا ~~بأحاديث عجيبة! # فقالت إليزا: من يدري إن كان يفهم كلامنا، أنا قرأت مذكرات عروسة ms48 (لعبة) فهل هذه ~~العروسة كانت تستطيع أن ترى وأن تفهم، فإنها كتبت في مذكراتها أنها كانت ترى وتسمع كل ~~شيء. # فقال هنري: وهل تظنين أنت أن هذا صحيح؟ # فقالت إليزا: نعم، أنا أصدق ذلك. # فقال هنري: كيف تستطيع اللعبة أن تكتب؟! # فقالت إليزا: هي تكتب ليلا بريشة رفيعة جدا، ثم تخفي مذكراتها تحت سريرها. # فضحكت مادلين وقالت: لا تعتقدي شيئا من هذه الجهالات، فإنما هي سيدة من الكاتبات هي التي ~~تكتب هذه المذكرات على لسان اللعبة، ولكي تجعل ما تكتبه فكاهيا مقبولا تظاهرت بأنها هي ~~نفس اللعبة، وكتبت على لسانها كأن اللعبة هي التي تكتب. # فقالت إليزا: ألا تحسبين أن التي كتبت لم تكن هي حقيقة اللعبة؟ # فقالت كاميل: كلا بكل تأكيد، وكيف تظنين أن اللعبة التي لا حياة فيها ولا روح لها، والتي ~~هي مصنوعة من الخشب والجلد ومملوءة بالقش تستطيع أن ترى وتفكر وتسمع وتكتب؟ # وانتهت هذه المحادثة فوصلنا إلى المنزل، وبادر الأطفال فتقدموا مسرعين إلى جدتهم التي ~~كانت باقية في المنزل وحدثوها بكل ما صنعت في المولد، وكيف أنني أدهشت وأطربت كل من كان ~~في ذلك المجتمع. # فقالت الجدة: حقيقة إن كديشون حمار عجيب! وتقدمت إلي تلاطفني، واستمرت تقول: لقد رأيت ~~حميرا تفوق في الذكاء كثيرا من الحيوانات، ولكني لم أر منها مثل كديشون، ويجب الاعتراف ~~بأن الإنسان ليس منصفا في حكمه على الحمير. # سمعت هذا فسررت والتفت نحوها، ونظرت إليها نظرة شكر واعتراف بالجميل. # وسمعتها تقول أيضا: ومن يدري لعله يفهم كلامي! ويا كديشون، تأكد أنني لا أبيعك ما دمت ~~على قيد الحياة، وأنني سأعتني بك كل الاعتناء جزاء إدراكك وإحساسك بكل ما حولك. # فتنهدت حين تذكرت عمرها الطويل، وأنها بلغت التاسعة والخمسين وأنا لم أكد أبلغ السنة ~~العاشرة. وقلت متمنيا: يا سادتي الصغار، إذا ماتت جدتكم فاحفظوني عندكم، ولا تبيعوني ~~ودعوني حتى أموت وأنا في خدمتكم. # وتذكرت صاحب الملعب المسكين، وندمت على ما فعلته معه وما أخزيته به هو وحماره العالم، ~~فإنكم لا تنسون الألم ms49 الذي سببته له في سبيل إظهار مواهبي وبراعتي. # الفصل الثاني عشر # | حسن الدفاع # كان طفل شقي يدعى «أوجست» من أولاد الجيران اعتدى علي بالضرب، فانتقمت منه انتقاما ~~شديدا. # وبينما أنا أحاول عبثا إظهار الندم على ما فعلت به، اقترب الأطفال من المكان الذي كنت ~~أفكر فيه وأنا أقرض الأعشاب. # ورأيت أن أوجست وقف على مسافة مني، ونظر إلي نظرة هادئة. # وقال «بيير»: الدنيا حر في هذا اليوم، ولا أظن أنه يمكننا أن نقوم بنزهة طويلة لشدة الحر، ~~فالأحسن أن نمكث في الظل في هذه الحديقة. # فقال أوجست: الحق مع بيير، خصوصا لأن المرض الذي أصابني وكدت أموت منه جعلني ضعيفا لا ~~أقوى على رحلة طويلة. # فقال هنري: لقد كان كديشون سبب المرض، وأظنك حاقدا عليه وكارها له لما جرى منه. # فقال أوجست: أنا لا أظن أنه كان يقصدني بما فعل، فالظاهر أنه حصل له خوف من شيء في ~~الطريق، فحمله الخوف على الاضطراب الذي كان سبب تلك الوثبة التي ألقتني في تلك الحفرة ~~الخطرة، ولذلك أنا لا أحقد عليه ولكن ... # فقال بيير: ولكن ماذا؟ # فأجاب أوجست، وقد احمر وجهه فجأة: ولكن أنا أفضل ألا أركبه ثانيا. # فتأثرت بقول هذا الطفل المسكين، وزادت شهامته تأسفي وندمي على سوء ما جازيته ~~به. # وشرعت «كاميل» و«مادلين» تستعدان لصنع الطعام، وبنى الأطفال لهم فرنا من الرمل في ~~الحديقة، وأوقدوا فيه النار من الحطب الذي جمعوه بأنفسهم وتهيئوا لذلك بتمام الاستعداد، ~~فقام «أوجست» و«بيير» بجمع الحطب وقطعاه قطعا صغيرة وملأا به الفرن. # وقبل أن يوقدوا النار فيه اجتمعوا ليتفقوا على ما يصنعونه طعاما لهم، فقالت كاميل: أنا ~~أصنع عجة. # وقالت مادلين: وأنا أصنع قهوة ولبنا. # وتكلم كل واحد منهم عما يريد صنعه من أنواع الطعام. # وقال أوجست: وأن أقطع الخبز وأضع غطاء السفرة وأحضر الماء وأجهز طلبات الجميع. # وأخذ كل واحد منهم من المطبخ كل ما يلزم لما يريد أن يصنعه، فأحضرت كاميل البيض والزبدة ~~والملح والفلفل، وقالت لأوجست: تفضل وأوقد لي النار، فإنها تلزم ms50 لتذويب الزبدة وتسوية ~~البيض. فسألها: أين أضع النار؟ فقالت: بجانب الفرن وبسرعة، فإنني كسرت البيض. # ونادت مادلين: أوجست، أوجست، أسرع بإحضار اللبن من المطبخ فإنني نسيته. فأجاب: ولكن يلزم ~~الآن أن أوقد النار لأجل كاميل. # وهكذا تشاغل الأطفال بصنع الطعام الذي أرادوه، وشغلوا أوجست باستحضار طلباتهم كما تعهد، ~~ثم نادى جاك: اطلبوا كديشون كي يجيء لمساعدتنا. # فأجاب لويس: ماذا تريد من كديشون؟ # فقال جاك: يا كديشون، انظر فإن سلتي فارغة، فاذهب واجتهد أن تملأها. # فوجدت نفسي بجانب أربعة من الأطفال النهمين. ووضع جاك السلة تحت أنفي لكي يفهمني ماذا ~~يريد مني، فتوجهت إلى المطبخ فرأيت فيه سلة من الكريز فأخذتها بأسناني، وذهبت بها حتى ~~وضعتها بين أيدي الأطفال الذين كانوا جالسين حول دائرة ينتظرون، فصاح بعضهم فرحا عند ~~عودتي، وتلفت الذين كانوا على غير مقربة مني حين سمعوا الصياح وتساءلوا: ماذا جرى؟ # فأجاب جاك: هذا كديشون. # فقالت له جان: اسكت، فإنهم يعرفون أننا أكلنا كل الكريز الذي كان عندنا. # فأجاب جاك: وماذا في الأمر إذا عرفوا؟ أنا أحب أن يعرفوا كيف أن كديشون طيب وماهر. ثم مشى ~~إليهم وحدثهم بما جلبت لهم أخيرا. # فلما علموا به لم يوبخوا الذين كانوا يريدون إخفاء السلة الأخيرة، وإنما مدحوا جاك ~~لصراحته وأثنوا علي لذكائي ونشاطي. # وفي هذه الأثناء أوقد أوجست النار لأجل كاميل وهي طبخت العجة، ومادلين صنعت المهلبية، ~~وإليزا أنضجت الضلوع، وهنري جهز السلطة، وجاك صنع مربى من الكريز. ولما أتم كل واحد ~~منهم صنع ما اختار صنعه، وتم وضع الأطباق على المائدة؛ ضربت كاميل بيدها على جبهتها وصاحت: ~~نحن لم يفتنا إلا شيء مهم، وهو أننا كنا نستأذن أمهاتنا في أننا سنتغدى وحدنا ونأكل من ~~طبيخنا. # فصاحوا: فلنذهب إذن للاستئذان وأوجست يحافظ على المائدة. ثم ذهبوا جميعا إلى الصالون ~~الذي كان فيه آباؤهم وأمهاتهم. # فدهشوا حين أبصروا الأطفال ووجوههم محمرة وعليهم آثار التعب وهم يضعون على صدورهم ~~«مرايل» كأنهم خدم المطبخ. # وتقدم كل طفل إلى أمه يستأذنها بلطف في أن تسمح ms51 له بأن يتناول طعامه خارجا عن المنزل، ~~فلم تفهم أمهاتهم لأول وهلة سبب هذا الطلب. # ولكن بعد استفهامات وإجابات صدر الإذن، وعادوا جميعا بسرعة إلى مكان المائدة التي كان ~~يحفظها أوجست، ولكنهم لم يجدوه فنادوه باسمه. # فأجابهم بصوت ضعيف كأنه آت من السماء ، فرفعوا رءوسهم فرأوه متسلقا شجرة عالية وقد بدأ ~~ينزل بتحفظ وتمهل. # فقال هنري: لماذا صعدت هذه الشجرة؟ # فلم يجب، ولكنه استمر في النزول، فلما وصل إلى الأرض رأوه شاحب اللون مأخوذا، فقالت ~~مادلين: لماذا تسلقت الشجرة يا أوجست؟ وماذا حل بك؟ # فأجاب: لولا وجود كديشون لما وجدتموني ولما أدركتم طعامكم، وإنما تسلقت الشجرة لكي ~~أنجو بنفسي. # فقال بيير: قص علينا ما جرى، وكيف أن كديشون أمكنه أن يخلص حياتك ويحفظ طعامنا. # وقالت كاميل: هلموا بنا إلى الطعام نتحدث ونحن حوله، فإنني أكاد أموت جوعا. # وجلسوا على الخضرة والحشائش حول المائدة، وقدم كل واحد منهم الطبق الذي جهزه ليأكلوا ~~جميعا منه. وفي أثناء تناولهم الطعام قال أوجست: إنكم لم تكادوا تغيبون عني حتى شاهدت ~~كلبي العزبة الكبيرين هاجمين علي مدفوعين برائحة الطعام، فأخذت عصا من فرع الشجرة ولكن ~~الكلبين لما رأيا اللحم والبيض والخبز اتجها إليها ولم يباليا بالعصا، وهما بالهجوم علي ~~فضربت أكبرهما بها على رأسه فوثب على ظهري. # فقال هنري: كيف وثب على ظهرك، هل استدار خلفك؟ # فأجاب أوجست وهو يحمر خجلا: كلا، فإنني كنت ألقيت العصا، ولم يكن معي شيء أدافع به عن ~~نفسي، وأنتم تفهمون أنه لم يكن يصح أن أترك نفسي حتى يفترسني ذلك الكلب المتوحش. # فأجاب هنري بلهجة المستهزئ: فهمت إذن، إنك أنت الذي أدرت ظهرك ونجوت بنفسك. # الطفل وهو يتسلق الشجرة والكلب يمسك ملابسه بأسنانه. # فقال أوجست: ولكنني ذهبت لأبحث عنكم فجرى ورائي الكلبان الهائلان، على أن كديشون أدركني ~~فقبض بأسنانه على جلد الكلب الكبير من خلفه وألقاه على الأرض في اللحظة التي صعدت فيها على ~~الشجرة، ووثب الكلب الثاني فاقترب مني ولحق بي وأنا أصعد خائفا حذرا، فجر بأسنانه ثيابي ms52 ~~وظننت أنه سيفترسني لولا أن كديشون نجاني من هذا الحيوان الخبيث أيضا، فإنه بعد أن عض ~~الكلب الأول عضة شديدة وقذف به إلى الأرض أسرع إلى الكلب الثاني الذي أمسك بثوبي وقبض بشدة ~~على ذيله، فاضطره إلى ترك ملابسي، وبعد أن صار بعيدا عني هجم عليه كديشون وعضه عضة قوية في ~~خده أظنها خلعت فكه. # وهرب الكلبان بعدما أصابهما أذى شديد من كديشون، وابتدأت في النزول عن الشجرة في الوقت ~~الذي عدتم فيه. # فلما انتهى من حديثه استحسن الأطفال شجاعتي، وأعجبهم ما قمت به من الدفاع الحسن وما كان ~~من حضور بديهتي فيه، وأقبل كل واحد منهم نحوي يحييني ويلاطفني ويصفق لي. # وقال جاك وهو يهتز وعيناه تلمعان سرورا: ألا ترون أن حبيبي كديشون أصبح عظيما؟ أنا لا ~~أدري إذا كنتم تحبونه مثلي ولكني أحبه دائما وكثيرا، أليس كذلك يا كديشون أننا دائما ~~صديقان صميمان؟! # فأجبت بأحسن ما عندي من نهيق الفرح فضحك الأطفال جميعا، ثم عادوا إلى المائدة واستمروا ~~في الأكل، ولما انتهوا منه كان قد اقترب وقت رجوعهم إلى الدراسة. فلما سمعوا الجرس التمسوا ~~التأخر ربع ساعة لأجل الاستعداد، ثم لما مضى الوقت ذهبوا إلى العمل وودعهم أوجست. # وقبل أن أذهب دنا مني أوجست وناداني، فلما رأى أنني مقبل عليه تقدم إلي ولاطفني وشكرني ~~بكلامه وحركته على الخدمة التي أديتها إليه، فسرني أن أرى منه هذه العاطفة. # وثبت عندي أنه كان أفضل مما كانت أظنه أولا، وأنه لم يكن ماكرا ولا خبيثا، وأنه إذا ~~كان جبانا وفيه بعض الغباوة فلم يكن ذلك ذنبا له، وكان من حسن الحظ أنني اجتهدت في يوم ~~آخر فقمت له بخدمة أخرى. # الفصل الثالث عشر # | السفينة # تحدث جاك مع إخوانه فقال: ما أحسن أن يكون لنا دائما غداء لذيذ كالذي كان في الأسبوع ~~الماضي، لقد كان سائغا مستحسنا. # فأجاب لويس: تذكر كيف كان مع ذلك غذاء جيدا تاما. # فقالت كاميل: إن الذي أعجبني هو سلطة البطاطس والتوابل، التي كان ما فيها من الخل ms53 يجعلها ~~شهية. # فردت عليها مادلين: أنا أعرف السبب، ذلك لأن والدتك تمنعك غالبا عن الطعام الذي فيه شيء ~~من الخل، والإنسان يشتهي ما غاب عنه. # فقالت كاميل: هذا جائز، فإن الأشياء التي يندر تناولها تظهر أحسن من غيرها، خصوصا إذا ~~كان الطبع يشتهيها . # وقال بيير: أي شيء تختارون اليوم أن نتسلى به؟ # فهذا يوم الخميس يوم الفسحة وعندنا راحة إلى وقت الظهر. # فقال هنري: هيا بنا نصطاد سمكا من البحيرة الكبيرة. # فقالت كاميل: فكرة طيبة، وبذلك يكون عندنا لطعام الغد طبق من السمك اللذيذ. # فقالت مادلين: كيف نصطاد؟ هل عندنا أدوات صيد؟ # فأجاب بيير: عندنا صنارات كثيرة، والذي ينقصنا هو القضبان التي يكون في طرفها الخيط الذي ~~تربط الصنارة به. # فقال هنري: يمكن أن نطلب من الخادم أن يشتري لنا ما يلزم من القرية. # فأجاب بيير: ذلك لا يوجد في القرية، ولا بد من الذهاب إلى المدينة وهي بعيدة. # وقالت كاميل: هذا أوجست مقبلا، ولعل عنده ما يلزم لنا أو هو يذهب مع الخادم. # فقال جاك: أنا أذهب ولكن مع كديشون. # فقال هنري: لا يمكنك أن تذهب بعيدا هكذا وحدك. # فأجاب جاك: ليس بعيدا جدا، فالمسافة نصف فرسخ. # ووصل أوجست فقال: ما الذي تريدون أن تبحثوا عنه مع كديشون يا إخواني؟ # فأجاب بيير: نبحث عن قضبان وخيوط للصيد، فهل عندك منها؟ # فقال أوجست: ليس عندي، ولكن لا نحتاج للذهاب بعيدا لأجل الحصول عليها، فبالسكين يمكننا ~~أن نصنع من الأغصان ما نريد من القضبان. # فقال هنري: هذا صحيح، وكيف لم نفكر في ذلك مع بساطته؟ # فقال أوجست: هيا بنا نقطع ما يلزم لنا من الغابة، وهل معكم المطاوي؟ أما أنا فمعي واحدة ~~في جيبي. # فقال بيير: أنا عندي واحدة جيدة أحضرتها إلي كاميل من لندرة. # وقال هنري: وأنا عندي واحدة أهدتها إلي مادلين. # وأجاب جاك ولويس بأن كلا منهما يحمل واحدة أيضا. # فقال أوجست: تعاليا معنا إلى الغابة، وفي أثناء قطعنا القضبان تنزعون أنتم القشر والأغصان ~~الصغيرة منها. # وقالت كاميل ومادلين ms54 وإليزا: ونحن؟ ماذا نصنع في أثناء ذلك؟ # فأجاب بيير: تصنعن باقي ما يلزم للصيد، فتحضرن خبزا ودودا وصنارات. # ثم قام كل منهم إلى عمله. # أما أنا فاتجهت بهدوء إلى البحيرة، وانتظرت وصول الأطفال مدة نصف ساعة، ثم رأيتهم قادمين ~~ومعهم كل ما يلزمهم لأجل الصيد. # فقال هنري: أظن أنه يلزم أن نضرب في الماء لكي يعلو السمك بقرب سطحه. # فأجاب بيير: كلا، بل يلزم الهدوء التام، لأن السمك يهرب إلى قرار الماء إذا ~~أخفناه. # فقالت كاميل: أظن أن الأحسن أن نجلب الأسماك إلينا بإلقاء قطع صغيرة من الخبز. # فأجابت مادلين: ولكن يلزم أن يكون ما نلقيه قليلا فإننا إذا أكثرنا لا يعود السمك ~~جائعا، ومتى كان غير جائع لا يقبل على ما في الصنارة. # فقالت إليزا: انتظروا، واتركوني أجهز قطع الخبز في أثناء تركيبكم الصنارات. # وأخذت إليزا الخبز، وبمجرد إلقائها قطعا منه صعد إلى سطح الماء نحو ست سمكات، ولما رأت ~~ذلك إليزا ألقت أيضا خبزا، فتبعها لويس وجاك وهنريت وجان، وأرادوا مساعدتها في الإلقاء ~~أيضا، فألقوا كثيرا منه حتى شبع السمك ولم يعد يمسها. # فقالت إليزا بصوت خافت تخاطب لويس وجاك: أخشى أن نكون ألقينا الكفاية من الخبز. # فقال جاك: كيف هذا؟ بل سيأكل الباقي في هذا المساء أو غدا. # وقالت إليزا: ولكن أنا أخشى أن السمك لا يعض في الصنارات لأنه لم يعد جائعا الآن؟ # فقال جاك: إذا صح هذا فإن أقاربنا لا يكونون مسرورين. # فقالت إليزا: لا تقولوا لهم شيئا، هم مشغولون بالصنارات، ومع ذلك فربما كان السمك يعض في ~~الطعم. # وأقبل بيير وقال: ها هي الصنارات جاهزة، فليأخذ كل واحد منا وليلق في الماء ~~صنارته. # فأخذ كل واحد صنارة وألقاها في الماء كما قال بيير، وانتظروا بضع دقائق ساكتين حذرا من ~~الضوضاء، ولكن السمك لم يعض في شيء منها. # فقال أوجست: ليس هذا الموضع موافقا فلننتقل إلى مكان آخر. # وقال هنري: يظهر أنه لا يوجد هنا سمك، فقد ألقينا كثيرا من قطع الخبز ولكنها باقية لم ms55 ~~تؤكل. # فقالت كاميل: هيا إلى طرف البحيرة بجانب السفينة. # فأجاب بيير: الماء هناك عميق جدا. # فقالت إليزا: وماذا تخشى من ذلك، أتحسب أن السمك لا يعوم هناك؟ # فقال بيير: لا أخاف هذا، ولكن أخاف على أنفسنا إذا سقط منا واحد في الماء. # فأجاب هنري: وكيف تخاف؟ نحن لا نقترب من الشاطئ كثيرا لكيلا نصل إلى المكان ~~العميق. # فقال بيير: هذا صحيح، ولكني لا أحب أن الأطفال الصغار يذهبون إلى هناك. # فقال جاك: يا سلام، يا بيير دعني أذهب معك، وليكن جلوسنا بعيدا عن الشاطئ. # فقال بيير: كلا، يجب أن تبقى في مكانك هذا، ونحن نعود لنأخذكم إذا اقتضى الحال، لأنني لا ~~أظن أنه يوجد هناك سمك أكثر مما يمكن أن يوجد هنا. ثم خفض صوته وزاد فقال: ولكن الحق عليكم ~~إذا نحن لم نحصل على شيء، فإنني رأيتكم وأنتم تلقون من الخبز في الماء أكثر من اللازم حتى ~~ضاعفتم الخبز أكثر مما ينبغي عشر مرات، وأنا لا أريد أن أذكر ذلك لهنري وأوجست وكاميل ~~ومادلين، ولكن من العدل أن تلقوا جزاء ما كان منكم من الطيش. # وامتثل الأطفال فلبثوا في ذلك المكان مؤملين أن يصطادوا بعضا من السمك فيه. # أما أنا فتبعت بيير وهنري وأوجست في ذهابهم إلى طرف البحيرة، فألقوا أدوات صيدهم فلم ~~يجدوا من النجاح فوق ما كان هناك، فغيروا مواقفهم وجربوا الصنارات ولكن لم يظهر لهم ~~سمك. # فقال أوجست: يا إخواني، عندي فكرة ناجحة هي أننا بدلا من أن ننتظر أن السمك يجيء وحده ~~حتى نأخذه، يمكننا أن نصطاد منه 15 سمكة مرة واحدة. # فقال بيير: كيف نعمل لنستطيع أن نصطاد منه 15 في مرة واحدة، مع أننا لم نقدر أن نصطاد ~~سمكة واحدة؟! # فأجاب أوجست: ذلك بواسطة شبكة الصيد. # فقال هنري: لكن ذلك عمل صعب، فإن أبي يقول إنه يجب أن يعرف الإنسان كيف يلقي ~~الشبكة. # فقال أوجست: صعب؟! أي صعوبة؟! أنا ألقيت الشبكة عشر مرات وعشرين مرة، وإلقاؤها ~~سهل. # فسأل بيير: وهل أخذت بها كثيرا ms56 من السمك؟ # فأجاب أوجست: كلا، لم آخذ شيئا من السمك لأنني لم ألقها في الماء! # فقال بيير: فكيف إذن؟! وأين ألقيتها؟ # فأجاب أوجست: كان ذلك على الخضرة وعلى الأرض، وذلك لكي أتعلم كيف ألقيها. # فقال بيير: ولكن ليس الأمر واحدا في الحالتين، وأنا أظن أنك إذا ألقيتها في الماء سيكون ~~إلقاؤك رديئا. # فقال أوجست: أنت تظن أنني أرمي الشبكة رميا رديئا؟ سترى إذا كنت أطرحها رديئا أو جيدا ~~إذا أنا أحضرت الشبكة المنشورة في الحوش. # فقال بيير: لا يا أوجست، فأنا أخشى أنه إذا حدث أمر أن أبي يعنفنا. # فأجاب أوجست: وماذا تظن أنه يحدث ما دمت قد عرفتك أنهم عندنا يصطادون كثيرا بالشبكة؟ أنا ~~ذاهب، فانتظرني ولن أغيب. # ثم ذهب يجري وترك بيير وهنري وهما غير مطمئنين، ولم يلبث حتى عاد وهو يجر وراءه ~~الشبكة، وقال وهو يبسطها على الأرض: الآن فليحذر السمك. ثم ألقاها بنظام وسحبها بتحفظ ~~وتمهل. # فقال له هنري: اسحب بسرعة لأجل أن تنتهي. # فقال أوجست: كلا، بل يجب التمهل والهدوء لكيلا تتقطع الشبكة ولا تفر منها سمكة واحدة. ~~واستمر في سحب الشبكة، ولما تم اجتماعها عنده كانت كلها فارغة ولم يؤخذ فيها شيء من ~~السمك. # فقال: إن مرة واحدة لا تحسب، ولا يجوز اليأس، وسأعاود. # وعاود إلقاء الشبكة، ولكن لم يزد نجاحه في المرة الثانية عن الأولى. # فقال: عرفت السبب، ذلك لأنني قريب جدا من الشاطئ وليس فيه الماء الكافي، سأدخل في ~~السفينة ونظرا لأنها طويلة فسأكون بعيدا عن الشاطئ، وبذلك يمكنني أن أبسط الشبكة كما ~~ينبغي في الماء العميق. # فأجاب بيير: كلا يا أوجست، لا تفعل، ولا تذهب إلى السفينة ومعك الشبكة، فربما اختلطت ~~بالحبال وربما انقلبت أنت في الماء. # فقال أوجست: أنت خائف كأنك طفل عمره سنتان، أنا أشجع منك وسترى. ثم تقدم إلى السفينة وطلع ~~عليها وتجول فيها يمينا ويسارا، وتبين فيه الخوف وإن كان متظاهرا بالضحك. ~~وأوجست خيفة من سوء تصرفه فتشبث بأن يلقي الشبكة، ولم يحسن إلقاءها لأنه كان ~~مضطربا ms57 غير متوازن الجسم بحركة السفينة، فلم يتمكن من إجادة القبض بيديه على أطراف الشبكة ~~فالتفت على قدميه. # وحمله الزهو مع ذلك على أن يحملها ثم يلقيها، ولكنه وقف فجأة خائفا من السقوط في الماء، ~~فتعلقت الشبكة بكتفه اليسرى والتفت عليه وهزته هزة شديدة رمت به إلى البحيرة، وكان ~~رأسه أول ما لمس الماء. # فصاح هنري وبيير صيحة فزع، أعقبها صراخ الخوف والجزع الذي صرخه المسكين أوجست حين سقوطه ~~وقد التفت عليه الشبكة وعاقته عن الحركة، فلم يتمكن من العوم ليعلو على سطح الماء ويقترب ~~من الشاطئ، وكان كلما حاول نفض الشبكة عنه كانت تشتد التفافا على جسمه، فأبصرته يغرق في ~~الماء شيئا فشيئا ولم يمض إلا وقت قليل حتى غمر جسمه. # ولم يكن بيير وهنري يستطيعان أن يقدما له أي مساعدة لأن كلا منهما لا يعرف العوم، ~~ولاحظت أنه إذا تأخر إنقاذ أوجست حتى يتجمع الناس فإنه يكون قد هلك. # فلم أقصر ولم أضيع الوقت قياما بواجبي، فبادرت وألقيت بنفسي في الماء وسبحت نحوه ثم طفوت ~~لأنه كان على عمق كبير من الماء، ثم قبضت بأسناني على الشبكة التي كانت محيطة به وسبحت نحو ~~الشاطئ وأنا أجره ورائي وكان وجهه وشعره يقطران ماء. # وكنت حذرا من أن يصطدم بحجر أو بجذع شجرة وأنا أجره، حتى وصلت به إلى الخضرة فأبقيته ~~فوقها ولكنه كان جامدا لا يتحرك. # وكان بيير وهنري مضطربين فتقدما نحوه، وخلصاه بجهد شديد من الشبكة التي كانت تضمه وتضغط ~~عليه، ولما أبصرا كاميل ومادلين توجها إليهما وطلبا منهما السعي في طلب المساعدة. # وأقبلت الأطفال الصغار التي شاهدت عن بعد أوجست وهو يسقط. # ولم يتأخر خدم المنزل عن المجيء فحملوا أوجست، ومكث معي الأطفال وحدهم. # فقال لي جاك: أحسنت يا كديشون، فإنك خلصت حياة أوجست. ثم التفت إلى إخوانه وقال: ~~أرأيتم كلكم بأي شجاعة ألقى كديشون نفسه في الماء؟ # الحمار وهو ينشل أوجست من الماء ويخرج به إلى البر. # فأجاب لويس: نعم، شاهدنا ذلك، ورأينا كيف كان يعوم لتخليص ms58 أوجست. # وقالت إليزا: وكيف قاده بلطف إلى البر! # وقال جاك: مسكين كديشون! فإنه مبلول بالماء الكثير. # فقالت هنريت: لا تلمسه يا جاك لئلا يبل ثيابك، ألا ترى الماء يسيل من جسمه من كل ~~ناحية؟ # فقال جاك: وماذا في الأمر إذا كنت أبتل بالماء؟ ثم طوق رقبتي بيديه وقال: إذا بلني ~~الماء فهو لا يبلغ مقدار ما بل كديشون. # فقال لويس: أحسن من أن تعانق كديشون وتثني عليه أن تقوده إلى الإصطبل، حتى تستطيع هناك أن ~~تنشف جسمه وأن تقدم إليه الشعير استجماعا لقوته. # فقال جاك: هذا صحيح، ومعك الحق، تعال يا كديشون. # وتبعت جاك ولويس في ذهابهما إلى الإصطبل بعد أن أشارا إلي بأن أتبعهما، فلما دخلنا ~~الإصطبل أقبل الطفلان يجتهدان في تنشيف جسمي، وكانا يفركانه بقبضة من القش. ولما تم التنشيف ~~جاءت هنريت وجان بمشط فسرحا شعر رأسي وذيلي، فكنت بعد ذلك على أحسن حال وتناولت بشهية ~~حسنة كل ما قدموه إلي من الشعير. # وفي أثناء ذلك قالت هنريت بصوت خافت تخاطب جان: كديشون عنده شعير كثير جدا. # فأجابت: لا بأس بالزيادة، فهو طيب جدا وهي مكافأة له. # فقالت جان: أنا أستحسن أن نقدم له قليلا منه. # فقالت هنريت: لماذا؟ # فأجابت جان: لكي نعطي للأرانب التي ليس عندها شعير، وهي تحبه كثيرا. # فقالت هنريت: إذا أبصرك جاك ولويس وأنت تأخذين الشعير من كديشون فإنهما يوبخانك. # فقالت جان: هما لا يرياني، لأنني أنتظر حتى لا ينظرا إلي ثم آخذ. # فقالت هنريت: إذن تكوني سارقة، لأنك تسرقين الشعير من كديشون المسكين الذي لا يستطيع أن ~~يشكو لأنه لا يقدر أن يتكلم. # فأجابت جان وهي متأثرة: هذا صحيح، ولكن أرانبي تكون مسرورة إذا حصلت لها على شيء من ~~الشعير. # ثم جلست بقربي تنظر إلي وأنا آكل. # فقالت هنريت: لماذا تجلسين هنا يا جان؟ تعالي معي نسأل عن أخبار أوجست. # فأجابت جان: أنا أفضل أن أنتظر حتى يفرغ كديشون من أكله، فإذا بقي منه شعير أحمله للأرانب ~~وبذلك لا أكون سرقته. # فحاولت هنريت ms59 أن تأخذها معها فلم تقبل، فتركتها وذهبت. واستمرت جان تنظر إلي وتراقبني ~~وأنا آكل وكأنها كانت تقول: أنا خائفة أن يأكل الشعير كله، وليته كان يبقي منه قليلا! ~~فإنني أكون مسرورة وآخذ ما يتركه لأجل الأرانب. # أوجست وهو يقدم الحمار إلى أهله ويقول: هذا هو الذي أنقذني. # فأكلت أكثر ما كان أمامي، ولكنني أشفقت على تلك الطفلة الصغيرة، وأعجبني منها أنها لم تمس ~~شيئا من طعامي مع شدة رغبتها في إطعام أرانبها، ولذلك تظاهرت بأنني شبعت ورفعت رأسي تاركا ~~بعض الشعير إرضاء لها. فلما أبصرت ذلك فرحت كثيرا، وقامت إلى مكان الشعير فأخذت منه ~~بيديها، ووضعته في طرف مريولها الأسود، وقالت: ما أكرمك وما ألطفك يا كديشون! أنا ما رأيت ~~في حياتي حمارا أحسن منك، ومن أحسن طباعك أنك لست شرها تحب الأكل الكثير، وكل الناس ~~يحبونك لأنك طيب وكريم، والأرانب ستكون مبتهجة، وأنا سأقول لها إنك أنت الذي أبقيت لها ~~الشعير. ثم ذهبت وهي تجري. # ورأيتها حين وصلت إلى مأوى الأرانب وسمعتها وهي تحكي لهم كيف أنني كنت كريما وطيبا ~~وأنني لم أكن نهما، وأنها ستكون مثلي، وأنه ما دمت أنا أبقيت من طعامي للأرانب فيجب على ~~الأرانب أن تبقي من الشعير لصغار الطيور. # ثم قالت للأرانب: وسأعود قريبا لأرى إذا كنتم قنوعين، وإذا كنتم صنعتم كما صنع كديشون. ~~ثم أغلقت الباب على الأرانب، وذهبت تسأل عن أوجست، فتبعتها لكي أطمئن على هذا المسكين، ~~فلما اقتربت من المنزل سرني أنني رأيت أن أوجست كان جالسا على الخضرة مع إخوانه بكل ~~ارتياح. فلما أبصرني قادما نهض وتقدم إلي وقال ملاطفا: هذا هو الذي أنقذني، ولولاه ~~لكنت هلكت، وقد كنت فقدت صوابي في اللحظة التي كان فيها كديشون قابضا على الشبكة حين ~~ابتدأ يجرني إلى البر، ولكنني رأيته جيدا حين ألقى بنفسه في الماء وساعة كان يعوم لأجل ~~إنقاذي، فلست أنسى أبدا المعروف الذي صنعه معي، ولست أحضر إلى هنا مرة أخرى بدون أن أسلم ~~عليه وأشكره. # فقالت جدته: هذا الذي ms60 تقوله حق وصواب يا أوجست، فإن الواجب على كل عاقل أن يشكر من أحسن ~~إليه سواء أكان إنسانا أم حيوانا، أما أنا فإنني أتذكر دائما الخدم التي أداها لنا ~~كديشون، ومهما يكن من الأمر فإنني عزمت على ألا أدعه يفارقنا. # فقالت كاميل: لكنك منذ أشهر كنت يا جدتي قد عزمت على إرساله إلى المطحنة ليشتغل ~~فيها. # فأجابت الجدة: نعم، ولكنني لم أرسله، إنما خطر ذلك في بالي، وكان السبب ما حدث منه أولا ~~ضد أوجست حين ألقاه في الحفرة، وكان هذا على أثر عدة شكاوى ضده من سكان المنزل، أما الآن ~~فإنني عزمت على الاحتفاظ به في المنزل مكافأة له على خدماته العديدة، ولست أكتفي ببقائه ~~عندنا بل أريد أن يكون هنا منعما مستريحا. # فابتهج جاك وصاح: أشكرك كثيرا يا جدتي، وأنا أحب أن أكون الشخص الذي يعتني بكديشون، ~~لأنني أحبه وهو يحبني أكثر من الآخرين. # فقالت له جدته: لماذا تريد أن يحبك كديشون أكثر من حبه للآخرين، وليس هذا من العدل أو ~~الشهامة؟! # فأجاب جاك: بل هو العدل يا جدتي، لأنني أحبه أكثر مما يحبه أولاد عمي، وفوق ذلك فإنه ~~حينما كان غير صالح ولم يكن أحد يحبه كنت أنا أحبه قليلا. ثم أضاف بعد هذه الجملة: وكنت ~~أيضا أحبه كثيرا ... قالها وهو يضحك ملتفتا إلي قائلا: أليس كذلك يا كديشون؟ # فجئت على الأثر واعتمدت برأسي على كتفه، فضحك جميع الحاضرين. واستمر جاك يقول: ألا ترون ~~يا أولاد عمي، وكيف كنتم تظنون أن كديشون لا يحب غيركم؟ # فضحكوا وقالوا: نعم، نعم. # فقال جاك: ألا ترون أيضا أنني أحب كديشون، وأنني أحببته دائما أكثر مما كنتم ~~تحبونه؟ # فأجابوا كلهم بصوت واحد: نعم، نعم. # فقال جاك: وأنت ترين يا جدتي أنه نظرا لأنني أنا الذي جلبت كديشون إلى المنزل، وأنني ~~أحبه أكثر من غيري؛ فمن الحق أن كديشون يحبني أكثر منهم. # فأجابت الجدة وهي ضاحكة: أنا لا أعارض في ذلك وهو يسرني، ولكن إذا كنت غائبا فمن الذي ~~يعتني بكديشون؟ # فبادر ms61 جاك وقال: أنا هنا دائما يا جدتي. # فأجابت جدته: لا يا عزيزي، فإنك لا تكون هنا دائما، لأنك ستذهب مع أبيك وأمك متى ~~ذهبا. # فاكتأب جاك وظل مفكرا وذراعه ممدودة فوق ظهري ورأسه معتمد على يده، ثم أشرق وجهه فجأة ~~وقال: هل تسمحين يا جدتي بأن تهبي لي كديشون؟ # فأجابت: أهبه لك كما تحب يا ولدي العزيز، ولكنك لا تستطيع أن تأخذه معك إلى باريس. # فقال: هذا صحيح، ولكنه سيكون لي، فمتى صار أبي صاحب منزل كبير فإننا نضع فيه ~~كديشون. # فأجابت: أهبه إليك على هذا الشرط، وإلى أن يتم ذلك يعيش هنا، وربما يطول عمره أكثر مني ~~فلا تنسى حينئذ أن كديشون لك، وأنني أترك لك العناية به حتى يعيش سعيدا. # الفصل الرابع عشر # | الخاتمة # ومنذ ذلك اليوم استمر جاك يظهر لي حبه الدائم، وأنا أيضا كنت أعمل ما في وسعي لكي أكون ~~ظريفا ونافعا، ليس له وحده بل لجميع أهل المنزل. ولم آسف على الجهد الذي بذلته في تهذيب ~~نفسي، لأن جميع الناس كان يزداد تعلقهم بي وعطفهم علي، واستمررت على ملاحظة الأطفال ~~وحياطتهم من الحوادث وحمايتهم من شر الناس وأذى الحيوانات. # وكان أوجست يحضر كثيرا إلى المنزل، ولم يكن ينسى زيارتي كما وعد، وكان في كل مرة يهدي ~~إلي تفاحة أو كمثراة أو قطعة من الخبز أو الملح الذي أحبه خاصة، وأحيانا شيئا من ~~الخضراوات التي تعجبني، ولم يكن يفوته أن يقدم إلي من لذيذ الأطعمة كل ما يوافق ذوقي. ~~وهذا يدل على أنني كنت مخدوعا في الحكم بأنه لم يكن طيب القلب، وإنما كنت حكمت عليه هذا ~~الحكم لأنه كان يظهر عليه أحيانا شيء من الكبر والطيش. ~~••• # والذي دعاني إلى تحرير هذه المذكرات، وأوجد عندي فكرة نشرها هو ما سمعته في محاورة دارت ~~بين هنري وأبناء عمه، فقد كان هنري يظن دائما أنني لا أعقل ما أفعل وأنني لا أفهم ولا أدري ~~لماذا أفعله. # فكان من رأي أبناء عمه وخصوصا جاك أنني ذكي مدرك، وأن لي ms62 إرادة في كل ما أعمل. فانتهزت ~~فرصة فصل الشتاء، وكان شتاء قارسا لا أستطيع الخروج فيه، فدونت بعض الحوادث المهمة مما ~~صادفته في حياتي. # وستجد الناشئة في هذه المذكرات، على ما أظن، شيئا من التسلية والفكاهة والموعظة. وعلى كل ~~حال فإنكم ستعرفون منها أنه لكي تكونوا مخدومين أحسن خدمة يجب أن تحسنوا معاملة الخدم، ~~وسترون أن الذين يظهرون منهم بمظهر الغباوة ليسوا أغبياء بالقدر الذي يلوح عليهم، وأن كل ~~حمار له كسائر الحمير قلب يحب به سادته ومن أحسن إليه، ويتألم به مما يجد من سوء المعاملة، ~~وأن له إرادة تحمله على إحسان جزاء المحسن والانتقام ممن أساء، وأنه يستطيع كما يشاء ~~سادته أن يكون سعيدا أو شقيا، وأن يكون بحسب إرادتهم وأعمالهم صديقا أو عدوا مهما يكن ~~الحمار صغيرا أو بائسا. # وإنني أحمد الله على أنني أعيش الآن سعيدا، محبوبا من جميع الناس، معتنى بي كل ~~الاعتناء كما يعتنى بالصديق، برعاية سيدي جاك. ولقد اكتهلت وأوشكت أن أصير هرما، ~~ولكن الحمير تعيش كثيرا. وما دمت أستطيع المشي وأقدر على العمل، فسأجعل كل قواي وذكائي ~~ومواهبي وقفا على خدمة سادتي. ~~(انتهى) ms63