######OpenITI# #META# URI: 1375MuhammadHusaynHaykal.CuthmanIbnCaffan.Hindawi26964862 #META# Tags: history #META# ID: 26964862 #META# Title: عثمان بن عفان: بين الخلافة والملك #META# AuthorID: 73037206 #META# Author: محمد حسين هيكل #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # 1 - حديث الشورى وبيعة عثمان‏ # 2 - عثمان بين أمسه وغده‏ # 3 - الفتح في عهد عثمان‏ # 4 - حكومة عثمان‏ # 5 - نهاية عثمان‏ # 1 - حديث الشورى وبيعة عثمان‏ # 2 - عثمان بين أمسه وغده‏ # 3 - الفتح في عهد عثمان‏ # 4 - حكومة عثمان‏ # 5 - نهاية عثمان‏ # | عثمان بن عفان # | عثمان بن عفان # | بين الخلافة والملك # تأليف # محمد حسين هيكل # «أصدق أمتي حياء عثمان» (حديث شريف). # الفصل الأول # | حديث الشورى وبيعة عثمان # كانت شبة جزيرة العرب، أول ما قام النبي العربي داعيا إلى الإسلام، مقسمة بين قبائل ~~مستقلة بعضها عن بعض، متفاوتة في درجات الحضر والبداوة، تعيش في صراع دائم ونزاع مستمر، ~~يخضع أكثر أرجائها رخاء لسلطان الفرس أو نفوذ الروم. فلما اختار رسول الله الرفيق الأعلى ~~بعد ثلاث وعشرين سنة من بعثه كان نفوذ الفرس والروم قد تقلص عن شبه الجزيرة، ودخلت القبائل ~~العربية في دين الله أفواجا. واستخلف أبو بكر فحارب العرب الذين ارتدوا عن الإسلام ~~وردهم إليه؛ فبدأت الوحدة الدينية والسياسية تنتظم شبه الجزيرة. عند ذلك مهد أبو بكر ~~لقيام الإمبراطورية الإسلامية بغزو العراق والشام، لكن الأجل لم يمهله ريثما يتم ما ~~بدأه. # واستخلف أبو بكر عمر بن الخطاب فتابع سياسة الصديق، فاندفعت جيوش المسلمين من شبه ~~الجزيرة إلى أراضي الإمبراطوريتين الفارسية والرومانية، فقضت على الإمبراطورية الفارسية، ~~وانتزعت من الدول الرومانية أبرز ولاياتها. وامتدت الإمبراطورية الإسلامية في عهد عمر من ~~الصين شرقا إلى ما وراء برقة غربا، ومن بحر قزوين في الشمال إلى بلاد النوبة في الجنوب، ~~واشتملت فارس والعراق والشام ومصر. بذلك ضمت الدولة العربية أمما متباينة أشد التباين في ~~كل مقوماتها، إذ كانت كل أمة منها تختلف عن غيرها في اللغة والجنس، والعقيدة والحضارة، ~~والبيئة الاجتماعية والبيئة الاقتصادية. ولكن سرعان ما انتشر الإسلام بين هذه الأمم، وأصبح ~~الدين الجديد الرابطة التي تربط بينها، كما نجح العرب في صبغ الأمصار المفتوحة بصبغة ~~عربية. # وانتهى قيام الإمبراطورية في عهد عمر بمقتله. فقد ائتمر بحياته فارسيان، ونصراني من نصارى ~~الحيرة. أما الفارسيان فهما ms001 الهرمزان، وأبو لؤلؤة فيروز غلام المغيرة. وأما النصراني الحيري ~~فجفينة . وكان الهرمزان من قواد الفرس الذين شهدوا الغزوة الكبرى بالقادسية وانهزموا فيها. ~~وقد فر بعدها إلى الأهواز وجعل يغير منها على قوات المسلمين التي تجاورها في العراق ~~العربي. وظل دأبه حتى أمر عمر جنوده بالانسياح في بلاد فارس، فحاصر المسلمون الهرمزان ~~«بتستر» وجاءوا به أسيرا إلى المدينة، وهناك دار بينه وبين عمر حوار أيقن الأمير الفارسي ~~معه أن لا نجاة له من القتل إلا أن يسلم، فأسلم فأنزله عمر المدينة وفرض له ألفي دينار كل ~~عام. # وكان فيروز فارسيا قاتل المسلمين في غزوة نهاوند، فأسر ثم وقع في ملك المغيرة بن شعبة. ~~وكان نقاشا نجارا حدادا. ولعل النصل الذي طعن به عمر كان من صنع يده، وعمله في جند فارس ~~هو الذي دعا المؤتمرين فاختاروه لتنفيذ مؤامرتهم. # أما جفينة فكان من نصارى الحيرة، وكان ظئرا لسعد بن مالك أقدمه إلى المدينة للملح الذي ~~كان بينه وبينهم؛ # 1 # لذلك غضب سعد حين قتله عبيد الله بن عمر بعد مقتل أبيه وكاد يقوم بينهما ما لا ~~تحمد عواقبه. # لهذه المؤامرة دلالة أيدتها الحوادث من بعد. ودلالتها أن بعض الأمم التي فتحها المسلمون ~~في عهد عمر لم تكن راضية عن المصير الذي انتهت إليه، وأن نفوس بعض أهلها كانت ثائرة به. ~~والدلالة أكثر وضوحا؛ لأن هؤلاء الذين ائتمروا بعمر فقتلوه كانوا موضع حمايته بالمدينة، ~~وكان رأسهم الهرمزان موضع الرضا من عمر عنه والعطف عليه، حتى كان يستشيره ويجعل له بالمدينة ~~مثل مكانه بين قومه. أما وقد ائتمر مع ذلك بعمر فأحرى بغيره من الفرس المقيمين في وطنهم ~~يحكمهم العرب فيه أن تتأجج الثورة في صدورهم، وإن بقيت مكبوتة بقوة السلطان الأجنبي المتسلط ~~على البلاد. # وقد كشف مقتل عمر في بلاد العرب نفسها عن ظاهرة لم تكن لتوجد، لولا قيام الدولة العربية ~~الإسلامية؛ فمنذ طعن أبو لؤلؤة عمر تولى المسلمين الفزع إشفاقا على مصيرهم، وجعلوا يفكرون ~~فيمن يخلفه إذا قضى الله فيه بقضائه. وتحدث ms002 قوم إلى عمر في هذا الأمر وطلبوا منه أن يستخلف. ~~وتردد عمر بادئ الأمر وقال: «إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني، وإن أترك فقد ترك من هو ~~خير مني.» لكنه خشي بعد إعمال الفكر أن يضطرب الأمر إذا تركه رسلا. فقد اشترك العرب جميعا ~~في محاربة الفرس والروم وأصبح لكل قبيلة أن تزعم لنفسها ما للمهاجرين والأنصار من حق ~~الاشتراك في اختيار الخليفة، وقد يذهب بعضها إلى ادعاء الحق في ترشيح زعيمها لمقام الخلافة. ~~وفي هذا الادعاء من الخطر على الإمبراطورية الناشئة ما لم يفت عمر؛ لذلك لم يلبث أن جعل ~~الخلافة من بعده شورى في ستة يختارون أحدهم لها. وهؤلاء الستة هم: «عثمان بن عفان، وعلي بن ~~أبي طالب، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي ~~وقاص». # فلما عينهم بأسمائهم قال: «لا أجد أحدا أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر الذين توفي رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم # وهو عنهم راض، فأيهم استخلف فهو الخليفة من بعدي.» # واختيار عمر هؤلاء الستة يقف النظر. فليس بينهم واحد من أنصار المدينة ولا من غيرهم من ~~قبائل العرب. بل هم جميعا من المهاجرين ومن قريش. مع ذلك لم يثر اختيار عمر إياهم ثائرة ~~الأنصار ولا ثائرة غيرهم من العرب الذين أقبلوا أفواجا إلى المدينة بعد فريضة الحج، وظلوا ~~بها بعد مقتل عمر حتى بايعوا خليفته. واطمئنان الأنصار وغيرهم من العرب إلى اختيار عمر ~~هؤلاء الستة يعيد إلى الذاكرة ما حدث في سقيفة بني ساعدة إثر وفاة النبي، وحين كان جثمانه ~~لا يزال في بيته لما يثو في قبره؛ فقد أراد الأنصار أن يكون الأمر لهم بعد رسول الله، ~~وكان أكثرهم اعتدالا من يقول: «منا أمير ومن قريش أمير.» فلما قدم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة ~~إلى السقيفة يجادلون الأنصار فيما يطلبونه لأنفسهم كان مما قاله أبو بكر: «نحن المهاجرون، ~~وأنتم الأنصار، إخواننا في الدين، وشركاؤنا في الفيء وأنصارنا على العدو. أما ما ذكرتم ms003 ~~فيكم من خير فأنتم له أهل، وأنتم أجدر بالثناء من أهل الأرض جميعا. فأما العرب فلن تعرف ~~هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش؛ فمنا الأمراء ومنكم الوزراء.» # أصبحت هذه الكلمة دستور الخلافة والحكم بين المسلمين قرونا حسوما منذ قالها أبو بكر؛ ~~لذلك لم يعترض أحد استخلاف أبي بكر عمر، ولم يعترض أحد اختيار عمر الشورى بين هذا الحي من ~~قريش، بل اطمأن له الأنصار واطمأن له العرب جميعا، وتركوا للستة أن يختاروا من بينهم من ~~يرضونه خليفة لجماعة المسلمين. # لماذا ترك عمر الخلافة لاختيار الشورى ولم يستخلف واحدا بعينه من الستة الذين عينهم ~~متأسيا بأبي بكر حين استخلفه؟ # تجري بعض الروايات بأن سعد بن زيد بن عمر قال لعمر: «إنك لو أشرت برجل من المسلمين ائتمنك ~~الناس.» فأجاب عمر: «إني قد رأيت من أصحابي حرصا سيئا.» وهذا الجواب يشهد بأنه خشي إن هو ~~استخلف واحدا بذاته أن يدفع الحرص غيره إلى منافسته، فلا تجتمع كلمة المسلمين فيثور بينهم ~~خلاف تخشى مغبته. ويرى بعضهم أن عمر لم ير واحدا من الستة أفضل من سائرهم، فلم ير أن يحمل ~~أمام ربه وزر مشورة لا يطمئن إليها قلبه كل الاطمئنان. أم تراه خشي حين طعن أن يسرع إليه ~~حينه قبل أن يجمع كلمة المسلمين على واحد منهم، فترك الأمر للشورى يتمون ما لم يجد هو فسحة ~~من الوقت لإتمامه. هذه كلها فروض يتعذر على المؤرخ أن يرجح أحدها، وإن وجب أن يضاف إليها ما ~~روي عن عمر أنه قال: «لو كان أبو عبيدة حيا لاستخلفته وقلت لربي إن سألني: سمعت نبيك ~~يقول: إنه أمين هذه الأمة. ولو كان سالم مولي أبي حذيفة حيا لاستخلفته وقلت لربي إن ~~سألني: سمعت نبيك يقول: إن سالما شديد الحب لله تعالى.» أفتعني هذه العبارة أنه كان يفضل ~~أبا عبيدة وسالما على الستة الذين جعل الشورى فيهم، وأن هؤلاء الستة كانوا عنده ~~سواء؟ # على أنك تستطيع أن تجد تأويلا آخر لتصرف عمر؛ ذلك أنه لم يرد أن ms004 يلقي على أحد هؤلاء ~~الستة عبء الخلافة وقد بلا من ثقله ما أجهده. روي أنه قال لعبد الرحمن بن عوف أول ما أفاق ~~من طعنته: «إني أريد أن أعهد إليك» قال عبد الرحمن: «يا أمير المؤمنين إن أشرت علي قبلت ~~منك.» فسأله عمر: «وما تريد؟» قال عبد الرحمن: «يا أمير المؤمنين أنشدك الله، أتشير علي ~~بذلك؟» وأجابه عمر: «اللهم لا.» وكانت كلمة عبد الرحمن بعد هذه المشورة أن قال: «والله لا ~~أدخل في هذا أبدا.» فقال عمر: «فهب لي صمتا حتى أعهد إلى النفر الذي توفي رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وهو عنهم راض.» # أيا ما يكون الدافع الذي منع عمر من أن يستخلف، وجعله يسمي الشورى ليختاروا الخليفة من ~~بينهم، فقد دلت الحوادث من بعد على صدق رأيه. # فقد اجتمع أصحاب الشورى لأول ما سماهم فإذا هم يختلفون، فيقول لهم عبد الله بن عمر: ~~«أفتؤمرون وأمير المؤمنين حي؟» وسمع عمر هذه العبارة فناداهم: «أمهلوا، فإن حدث بي ~~فليصل بكم صهيب # 2 # ثلاث ليال، ثم أجمعوا أمركم، فمن تأمر منكم على غير مشورة من المسلمين ~~فاضربوا عنقه.» ثم إنه دعا إليه أبا طلحة الأنصاري، وكان من الشجعان المعدودين فقال له: «يا ~~أبا طلحة. كن في خمسين من قومك الأنصار مع هؤلاء النفر أصحاب الشورى، فإنهم فيما أحسب ~~سيجتمعون في بيت أحدهم فقم على ذلك الباب بأصحابك فلا تترك أحدا يدخل عليهم، ولا تتركهم ~~يمضي اليوم الثالث حتى يؤمروا أحدهم. اللهم أنت خليفتي عليهم.» # قبض عمر وآن للشورى أن يجتمعوا ليختاروا أحدهم خليفة على المسلمين. واجتمعوا وأمروا أبا ~~طلحة الأنصاري أن يحجبهم ولم يرضوا أن يجلس المغيرة بن شعبة وعمرو بن العاص بالباب، بل ~~حصبهما سعد بن أبي وقاص وأقامهما وقال لهما: «تريدان أن تقولا: حضرنا وكنا في أهل الشورى.» ~~وبدءوا يتشاورون فما لبثوا أن اشتد بينهم الجدل، وارتفعت منهم الأصوات ارتفاعا دل أبا طلحة ~~الأنصاري على شدة اختلافهم. فدخل عليهم وقال لهم: «إني كنت لأن تدافعوها أخوف مني لأن ms005 ~~تنافسوها. والذي ذهب بنفس عمر لا أزيدكم على الأيام الثلاثة التي أمرتم ، ثم أجلس في بيتي ~~فأنظر ما تصنعون.» # كيف اشتجر الخلاف بين القوم وبلغ هذه الحدة، وكلهم من كبار صحابة رسول الله ومن أحسن ~~المسلمين إيمانا بالله ورسوله؟ # لقد رأينا ما شجر من خلاف بين المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة يسرع إلى تسليم ~~الأنصار بحق قريش في الخلافة. وكان أبو بكر يومئذ جالسا بين عمر وأبي عبيدة. فأخذ بيد كل ~~منهما وقال لمن حوله: «هذا عمر وهذا أبو عبيدة - فأيهما شئتم فبايعوا.» وسمع عمر هذا الكلام ~~فقال: «ابسط يدك يا أبا بكر»، وبسط أبو بكر يده فبايعه عمر وبايعه أبو عبيدة وبايعه ~~الحاضرون جميعا خلا سعد بن عبادة زعيم الأنصار. وأصبح أبو بكر خليفة رسول الله في حكم ~~الدول العربية الإسلامية، حتى إذا حضرته الوفاة لم يجد مشقة ذات بال في جمع كلمة المسلمين ~~على استخلاف عمر. # ألم يكن للشورى في هذين الموقفين عبرة تسمو بهم على الاختلاف، وتدعوهم للاتفاق على من ~~يبايعه المسلمون منهم على الخلافة؟ # والواقع أن الأحوال التي أحاطت بالشورى كانت مختلفة كل الاختلاف عما أحاط بالمهاجرين ~~والأنصار يوم السقيفة، وعما أحاط بالمسلمين يوم استخلف أبو بكر عمر. فيوم توفى الله رسوله ~~كانت شبه الجزيرة ولما تلتئم وحدتها، وكانت أنباء المستنبئين في بني أسد وفي بني حنيفة ~~وفي اليمن ذائعة يعرفها المهاجرون والأنصار، وكان الخوف من انتفاض العرب على الدين الجديد ~~وعلى سلطان المدينة يساور النفوس، فكان ذلك كله واضح الأثر في جمع كلمة المجتمعين بالسقيفة. ~~وزاد كلمتهم إسراعا إلى الاجتماع أن رسول الله كان قد أمر ببعث أسامة بن زيد على رأس جيش ~~يواجه الروم، فزادهم ذلك تقديرا لدقة الموقف وجسامة التبعة التي يحملها من يقوم في خلافة ~~رسول الله، ولم يكن المهاجرون ولا كان الأنصار قد عرفوا يومئذ من إغراء الفيء، ومن تدفقه ~~على المدينة ما يجعلهم يرون الخلافة مغنما؛ لذلك كان الجدل بينهم دائرا حول دين الله ~~ونصرته ومن يجب أن يخلف ms006 رسول الله فيها. أما ما وراء ذلك من شئون الملك وسلطانه فلم يكن ~~يدور بخواطرهم إلا لماما. وكأنما استمسك الأنصار أول الأمر بحقهم في الاستئثار بالخلافة أو ~~بالاشتراك فيها؛ لأن المدينة مدينتهم؛ ولأن المهاجرين طارئون عليهم فيها فهم أحق الناس ~~بولاية أمرها وتدبير شئونها. فلما تبين لهم من محاورات السقيفة أن الأمر ليس أمر المدينة ~~وحدها، ولكنه أمر الدين الناشئ أقروا بما للسابقين الأولين إلى هذا الدين وإلى صحبة رسول ~~الله من حق في خلافته. # ويوم استخلف أبو بكر عمر كانت جيوش المسلمين بالعراق والشام تلقى الفرس والروم وتقف منهم ~~موقف المدافع، ولا يعلم أحد ما يصير إليهم الأمر. بل لقد تثاقل المسلمون عن الذهاب إلى ~~العراق ينصرون المثنى بن حارثة فيه، وأقاموا ثلاثة أيام لا يلبي أحد منهم دعوة عمر فزعا من ~~الفرس وهيبة لهم. وليس حمل التبعة في هذا الموقف الدقيق مما يتنافس فيه المتنافسون يحاول ~~كل أن يستأثر به لنفسه. وتقدير أبي بكر دقة هذا الموقف هو الذي دعاه لاستخلاف عمر؛ لأنه رآه ~~أصلب أصحابه عودا وأقدرهم على متابعة سياسة لا بد لنجاحها من صلابة كصلابة عمر وعزم كعزمه. ~~ورضي المسلمون خلافة عمر مع علمهم بشدته وغلظته، ولم ينافسه في هذه الخلافة أحد؛ لأنهم ~~كانوا مشفقين من حرب الفرس والروم، تساورهم الحشية ألا يكتب الظفر للمسلمين الذين ~~يواجهونهم، وأن يترتب على ذلك من النتائج ما تخشى عواقبه. فلما تولى عمر نجح في سياسة ~~التوسع والفتح، فأقام الإمبراطورية الإسلامية وجعل من المدينة عاصمة العالم، ومن بلاد العرب ~~الدولة الكبرى ترنو إليها أنظار الأمم جميعا من كل صوب، وتتدفق إليها الأموال من أرجاء ~~الإمبراطورية أكداسا، فلا يدري عمر أيعدها عدا أم يكيلها كيلا، تبدلت الحال غير الحال ~~ولم يبق عجبا أن يختلف الشورى، وأن يشتد بينهم الخلاف يريد كل منهم أن تكون الخلافة ~~له. # وثم عامل آخر أثار الخلاف، ثم كان عميق الأثر في حياة الدولة من بعد. ذلك هو تنافس ~~القبائل من قريش تنافسا كان قويا واضح الأثر ms007 في الجاهلية، فلما بعث النبي ودعا إلى ~~المساواة وإلى الحق وإلى العدل المجرد عن الهوى كمن هذا التنافس في حياة الرسول، ثم بدأ ~~يظهر عقب وفاته ولكن على استحياء. فلما انقضت خلافة أبي بكر وخلافة عمر ورأى العرب ~~استعلاءهم على الفرس والروم برزت العصبية للقبيلة كرة أخرى، وعاد الناس يذكرون ما كان في ~~الجاهلية من تنافس بين بني هاشم وبني أمية، وما كان لغيرها من القبائل من المكانة بمكة ~~تدعوها جميعا إلى التنابذ والتناحر. # ويرجع التنافس بين بني هاشم وبني أمية إلى أكثر من مائة سنة قبل مولد النبي، فقد اجتمعت ~~مناصب البيت الحرام كلها إلى قصي بن كلاب، وأقر أهل مكة بإمارته عليهم في النصف الأول من ~~القرن الخامس للميلاد. وكان لقصي ثلاثة بنين هم عبد الدار وعبد مناف وعبد العزى، فلما كبر ~~قصي وعجز عن الاضطلاع بالأمر جعل إمارة مكة ومناصب البيت الحرام لعبد الدار أكبر بنيه، وكان ~~بنو عبد مناف أشرف في قومهم وأعظم مكانة. وكانوا أربعة هم: عبد شمس ونوفل وهاشم والمطلب، ~~وأغرتهم قوتهم بأن أجمعوا على أن يأخذوا ما بأيدي بني عمومتهم. وانقسمت قريش حلفين: حلف ~~المطيبين ينصر بني عبد مناف، وحلف الأحلاف ينصر بني عبد الدار. ثم تداعى القوم إلى الصلح، ~~فجعلوا لبني عبد مناف السقاية والرفادة، # 3 # ولبني عبد الدار الحجابة واللواء والندوة. # وكان هاشم أكبر إخوته فولي السقاية والرفادة. فلما تقدمت به السن خيل لابن أخيه أمية بن ~~عبد شمس أنه قدير على منافسته بأن يطعم قريشا في موسم الحج مثلما يطعمها هاشم، لكنه عجز ~~فعيره الناس بعجزه، فخرج إلى الشام فأقام بها عشر سنين. يقول المقريزي: «فكان هذا أول ~~عداوة بين بني هاشم وبني أمية.» # 4 # بقيت هذه العداوة يرثها الأبناء عن الآباء. كانت العرب تحترم الجوار، فإذا أجار العربي ~~رجلا أصبح بمأمن من أن يعتدي عليه أحد. وكان هذا عرفا محترما بينهم كل الاحترام. مع ذلك ~~آذى حرب بن أمية عبد المطلب بن هاشم جد النبي في يهودي كان في ms008 جوار عبد المطلب، فما زال حرب ~~بن أمية يغري به حتى قتله وأخذ ماله . # وظل التنافس متصلا بين بني أمية وبني هاشم، فلما بعث النبي كان بنو أمية أشد الناس عداوة ~~له وتأليبا عليه، وكانت منافستهم بني هاشم أكبر باعث لهم على ذلك. # تجسس سليمان بن حرب والأخنس بن شريق وأبو الحكم بن هشام على الرسول ثلاث ليال، فسمعوا من ~~وراء حجاب ما يتلو محمد من القرآن. وذهب الأخنس إلى أبي جهل في بيته وسأله: «يا أبا الحكم ~~ما رأيك فيما سمعت من محمد؟» فكان جواب أبي جهل: «ماذا سمعت؟! تنازعنا نحن وبنو عبد مناف ~~الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تحاذينا على الركب وكنا ~~كفرسي رهان قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك مثل هذا؟ والله لا نؤمن به ~~أبدا ولا نصدقه!» # وكان أبو سفيان بن حرب بن أمية زعيم الذين حاربوا محمدا. كان ذلك دأبه ومحمد بمكة ثم ظل ~~ذلك دأبه بعد أن هاجر رسول الله إلى المدينة. وحسبك أن تذكر أنه كان على رأس قريش في غزوة ~~أحد. فلما انتصرت قريش صاح: «يوم بيوم بدر والموعد العام المقبل.» وكان على رأس الأحزاب في ~~غزوة الخندق، وكان قبل أحد وبعد الخندق يحرض على محمد ويدعو إلى قتله، فلما سار النبي لفتح ~~مكة وخرج أبو سفيان ورأى أنه لا قبل لأهل مكة بلقاء المسلمين، استجار العباس بن عبد المطلب ~~فأجاره وذهب به إلى ابن أخيه فسأل رسول الله أبا سفيان: أما آن لك أن تعلم أني رسول الله؟ ~~فكان جواب أبي سفيان: «بأبي أنت وأمي ما أوصلك وأحلمك وأكرمك، أما هذه ففي النفس منها شيء.» # 5 # ورأى بعد هذا الجواب أنه مقتول إن لم يسلم، فأسلم فرارا من القتل لا إيمانا بالله ~~ورسوله، وبعد الفتح أسلم أهل مكة جميعا ومن بينهم بنو أمية، وكانوا أكثر قبائلها عددا ~~وأعزها نفرا. # ولقد بقي التعصب للقبيلة آخذا بنفس أبي سفيان بعد إسلامه وإسلام بني أمية، وإن أعجزته ms009 ~~قوة رسول الله وقوة الإسلام عن أن يبدي ما في نفسه، فلما توفي رسول الله وبويع أبو بكر ظن ~~الفرصة سانحة لإلقاء بذور الفتنة. روي أنه أقبل بعد اجتماع البيعة لأبي بكر، وهو يقول: # والله إني لأرى عجاجة لا يطفئها إلا دم، ثم نادى يا آل عبد مناف، فيم أبو بكر من ~~أموركم ... أين المستضعفان، أين الأذلان علي والعباس؟ وأنشد يتمثل: # ولا يقيم على ضيم يراد به # إلا الأذلان عير الحي والوتد # وتجمع الروايات التي أوردت هذا الحديث على أن عليا أبى أن يتابع أبا سفيان، وأنه قال ~~له: إنك والله ما أردت بهذا إلا فتنة. وإنك والله طالما بغيت بالإسلام شرا. وقال له: ~~طالما عاديت الإسلام وأهله فلم تضره بذاك شيئا، إني وجدت أبا بكر لها أهلا. # وقد اختلفت الروايات في موقف أبي سفيان من المسلمين بعد بيعة أبي بكر. فبعض يذهب إلى أنه ~~حسن إسلامه وأنه كان يحض المسلمين بالشام على قتال الروم. وقد يؤيد هذه الرواية أن ابنيه ~~يزيد ومعاوية كانا على رأس الجند بالشام، فلما مات يزيد جعل عمر بن الخطاب إمارة الشام ~~لمعاوية. ويذهب البعض إلى أن أبا سفيان كان يظهر غير ما يبطن وأنه كان كهفا للمنافقين، ~~فكان إذا رأى الروم ظهرت قال: إيه بني الأصفر! فإذا كشفهم المسلمون تمثل بقول النعمان بن ~~امرئ القيس بن أوس - أحد ملوك الحيرة: # بنو الأصفر الملوك الر # وم لم يبق منهم مذكور # فلما فتح الله على المسلمين وحدث الزبير بن العوام بحديث أبي سفيان قال: قاتله الله، ~~أيأتي إلا نفاقا؟ أولسنا خيرا من بني الأصفر؟ # والراجح أن الرواية الأخيرة مما وضعه الدعاة لبني العباس من بعد. فليس طبيعيا أن يتعصب ~~أبو سفيان للروم على قومه العرب وابناه على رأس القوات التي تقاتل الروم. وربما كان من وضع ~~هؤلاء الدعاة كذلك ما روي عن الحسن أن أبا سفيان دخل على عثمان بن عفان حين صارت الخلافة ~~إليه، فقال له: «قد صارت إليك بعد تيم وعدي، فأدرها كالكرة، واجعل ms010 أوتارها بني أمية»، فصاح ~~به عثمان: «قم عني!» # لكنا إن استطعنا أن نرجح كذب الرواية الأولى بسبب مغايرتها لمنطق الأحداث، فلا نستطيع أن ~~نرجح كذب الرواية الثانية، وقد كان أبو سفيان متعصبا لقومه بني أمية أشد التعصب. # على أن هذا التنافس بين بني هاشم وبني أمية لم يمنع قوما من قرابة رسول الله الأدنين أن ~~يناصبوه العداوة؛ لأنه طعن في دينهم وعاب ما كان يعبد آباؤهم. كان عمه أبو لهب وامرأته ~~حمالة الحطب يؤذيانه أكثر مما كان يؤذيه بنو أمية وسائر قريش. وبقي عمه أبو طالب على دينه ~~مع منعه النبي بكل ما كان له في مكة من جاه وأيد. وإنما أسلم عمه حمزة تعصبا لابن أخيه حين ~~رأى أبا جهل يسب محمدا ويؤذيه. ولم يسلم عمه العباس حتى سار جيش المسلمين لفتح مكة. # لم يكن ذلك من أعمام محمد عجبا يؤاخذهم مؤاخذ به. فللعقائد سلطان على النفس يمسك ~~الأكثرون معه عن مناقشة ما وجدوا عليه آباءهم، لمعرفة ما يحتويه من حق وما يشوبه من باطل، ~~والأقلون الذين أنار الله بصائرهم هم الذين يهديهم الله إلى الحق عن بينة، فلا يتعصبون ~~لباطل متى تبينوا الحق فأضاء آمالهم بنوره. هؤلاء لا تمنعهم عصبية لقبيلة ولا لجنس ولا ~~لعقيدة عن أن يقبلوا على الحق متى دعوا إليه، فإذا اقتنعوا آمنوا به وأصبحوا من أكبر دعاته. ~~كان ذلك شأن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وطلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص والزبير ~~بن العوام، لم يكن أحد هؤلاء الصحابة من بني هاشم. وكان عثمان بن عفان من بني أمية، فهو ~~عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس. وكان أبو بكر أول رجل أسلم حين دعاه رسول ~~الله بعد بعثه إلى الإسلام. وأذاع أبو بكر بين أصحابه دعوة الحق فتابعه هؤلاء الخمسة وعثمان ~~على رأسهم، ودخلوا في دين الله وآمنوا بالله ورسوله. وهؤلاء الخمسة الذين سبقوا إلى الإسلام ~~واستمسكوا به وحاربوا في سبيله ومات رسول الله وهو ms011 عنهم راض، هم الذين جعل عمر بن الخطاب ~~الشورى فيهم، وجعل معهم علي بن أبي طالب ابن عم رسول الله وختنه على ابنته فاطمة. ذلك أن ~~عليا كان أول من أسلم من بني هاشم ثم حضر الغزوات كلها مع رسول الله. # وكانوا لسبقهم إلى الإسلام وصحبتهم رسول الله ذوي مكانة بين المسلمين. وكان لبعضهم برسول ~~الله صلة قرابة أو رحم زادتهم قربا من قلوب الناس. وكان علي بن أبي طالب أقربهم رحما ~~برسول الله وأكثرهم به صلة. وكان ابن عمه أبي طالب بن عبد المطلب، وأبو طالب هو الذي كفل ~~محمدا صبيا بعد وفاة جده عبد المطلب، وهو الذي منعه من قريش بعد بعثه حين بالغت قريش في ~~إيذائه؛ لذلك كفل رسول الله عليا في صباه فوفى بذلك لعمه أبي طالب خير وفاء. ومقام علي مع ~~ابن عمه هو الذي جعله أول من أسلم من الصبيان، أسلم ولما يبلغ الحلم. فلما شب زوجه رسول ~~الله ابنته فاطمة، فكانت معه إلى أن توفيت بعد أبيها بستة أشهر؛ وفاطمة هي أم الحسن والحسين ~~ابني علي. # يلي الزبير بن العوام عليا في القرابة من رسول الله. فأمه صفية بنة عبد المطلب عمة ~~محمد، وهو ابن العوام بن خويلد أخي خديجة أم المؤمنين. وقرابته هذه دفعته فأسلم، وهو ابن ست ~~عشرة سنة ثم لم يتخلف عن غزوة غزاها رسول الله، وذلك بعد أن هاجر الهجرتين جميعا إلى ~~الحبشة فرارا إلى الله بدينه من أذى قريش. وقد بايع رسول الله يوم أحد على العرب. فلما ~~كان يوم الخندق ندب رسول الله من يأتيه بخبر الأحزاب الذين حاصروا المدينة، فانتدب الزبير ~~فقال رسول الله: (إن لكل نبي حواريا وحواريي الزبير بن العوام). وكانت مع الزبير إحدى ~~رايات المهاجرين الثلاث يوم فتح مكة. وكان الزبير إلى قوة شكيمته وشدة بأسه كريما في الناس ~~عزيزا عليهم؛ لهذا أدناه رسول الله وبادله الحب، فلما خط الدور بالمدينة جعل له بقيعا ~~واسعا وأقطعه نخلا. وقد أحبه أبو بكر وعمر كما ms012 أحبه رسول الله، فأقطعه الصديق الجوف، ~~وأقطعه عمر العقيق أجمع. # لم يكن لعثمان بن عفان مثل هذه القرابة من رسول الله، فجده أبو العاص بن أمية بن عبد ~~شمس بن عبد مناف بن قصي الجد الخامس للنبي، لكنه كان ختن رسول الله على ابنتيه رقية وأم ~~كلثوم، وكان رسول الله قد زوجهما قبل بعثه من ابني عمه أبي لهب، فلما بعث واشتدت عداوة أبي ~~لهب له أمر ابنيه فسرحا ابنتي محمد. فتزوج عثمان رقية، فهاجرت معه الهجرتين إلى الحبشة، ~~وبقيت معه إلى ما بعد الهجرة إلى المدينة. وقبيل غزوة بدر مرضت فتخلف عثمان عن الغزوة بإذن ~~رسول الله لتمريضها، فلم يغن عنها التمريض فماتت فزوج رسول الله عثمان أختها أم كلثوم، ~~فبقيت معه سنوات ثم ماتت قبل أبيها. قال رسول الله يعزي عثمان: «لو أن لنا ثالثة زوجناك.» ~~ذلك بأن عثمان كان رجلا صالحا لينا حسن المعاشرة كريما، فكان رسول الله يحبه أعظم الحب ~~ويعرف له فضله ورجحان عقله وحسن إيمانه. # ولم يكن صهر عثمان إلى النبي هو وحده الذي أدناه من محمد وحببه إلى قلبه، بل إنه كان كذلك ~~من السابقين الأولين إلى الإسلام، لم يصده عنه منافسة قومه بني أمية لبني هاشم. وقد أثار ~~إسلامه غضب قومه عليه. أخذه عمه الحكم بن أبي العاص بن أمية فأوثقه رباطا وقال له: «تدع ~~دين آبائك إلى دين محدث. والله لا أدعك أبدا حتى تدع ما أنت عليه.» وكان جواب عثمان: ~~«والله لا أدعه أبدا ولا أفارقه.» ورأى عمه صلابته في الحق وشدة استمساكه به فلم يجد بدا ~~من إرساله. # واشتد به أذى قومه من بعد فهاجر إلى الحبشة الهجرتين جميعا، فلما هاجر بعد ذلك إلى ~~المدينة لم يضن على المسلمين بالبذل من ماله الكثير لمعونتهم، بل اشترك بأوفر نصيب في تجهيز ~~جيش العسرة إلى تبوك، واشترى بئر رومة من يهودي ليشرب منها المسلمون، وجعل رشاءه فيها ~~كرشاء واحد منهم. وكان رسول الله قد بعثه سفيرا إلى قريش عام الحديبية. فلما ms013 طال مكثه ~~عندهم وظن المسلمون أنه قتل بايع رسول الله أصحابه بيعة الرضوان لقتال قريش ، # 6 # وضرب بإحدى كفيه على الأخرى بيعة لعثمان كأنه بمحضر مما حدث. وكان عثمان كاتبا ~~من كتاب الوحي. لا جرم، وذلك قربه من رسول الله أن قد كان له بين المسلمين حظوة ومقام ~~كريم. # أما سعد بن أبي وقاص فكان من بني زهرة أخوال النبي، هو سعد بن مالك بن وهيبب بن عبد مناف ~~بن زهرة بن كلاب. فهو قرشي زهري. وأمه هي بنت سفيان بن أمية. وقيل: بنت أبي سفيان بن أمية. ~~وكان سعد من أسبق الناس إلى الإسلام. أسلم وهو ابن سبع عشرة سنة، وكان ذا مال ونعمة يرتدي ~~الخز ويلبس في يده خاتما من ذهب، شهد مع رسول الله الوقائع كلها، ووقف إلى جانبه ودافع عنه ~~يوم أحد حين ولى الناس. وكان له من مواقف البطولة والإقدام ما جعل المسلمين يجمعون على ~~اختياره لمواجهة الفرس في القادسية بعد نكبة أبي عبيدة بن مسعود الثقفي في غزوة القرقس. ~~وكان لسبقه إلى الإسلام ولشدة تعلقه بالنبي ولبطولته وإقدامه من أحب الناس إلى رسول الله ~~وأقربهم إلى قلبه؛ لذلك كان مما قاله له عمر بن الخطاب يوم ولاه إمارة الجيش الذاهب إلى ~~القادسية: «يا سعد، سعد بنو وهيب، لا يغرنك من الله أن قيل: خال رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وصاحبه، فإن الله - عز وجل - لا يمحو السيئ بالسيئ، ولكنه يمحو السيئ بالحسن، ليس بين الله ~~وبين أحد نسب إلا بطاعته، فالناس شريفهم ووضيعهم في ذات الله سواء، الله ربهم وهم عباده ~~يتفاضلون بالعافية ويدركون ما عنده بالطاعة، فانظر الأمر الذي رأيت النبي # صلى الله عليه وسلم # منذ بعث ~~إلى أن فارقنا يلزمه فالزمه، فإنه الأمر.» # 7 # وكان عبد الرحمن بن عوف كسعد بن أبي وقاص قرشيا زهريا من أخوال رسول الله. هو عبد ~~الرحمن بن عوف بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب، وأمه الشفاء بنت عوف بن عبد الحارث بن زهرة ~~بن ms014 كلاب، وهي لذلك وثيقة القربى من أبيه، وكان عبد الرحمن صهرا لعثمان بن عفان وابن عم ~~لسعد بن أبي وقاص. وكان منذ نشأته تاجرا أمينا زادت أمانته ربح تجارته وجعلته موضع الثقة ~~من الناس جميعا، وموضع الثقة من رسول الله منذ دخل في دين الله مع السابقين والأولين، حتى ~~كان رسول الله يقول عنه: «أمين في الأرض أمين في السماء.» # 8 # لما هاجر إلى المدينة نزل على سعد بن الربيع الخزرجي، فقال له سعد: «هذا مالي ~~فأنا أقاسمه، ولي زوجتان فأنا أنزل لك عن إحداهما.» قال عبد الرحمن: «بارك الله لك في مالك ~~وفي زوجك، ولكن إذا أصبحت فدلوني على سوقكم»، فدلوه، فخرج إليها فرجع رابحا، ثم لم يزل بعد ~~ذلك يتجر ويزداد ربحه حتى كان عند وفاته من أكثر المسلمين مالا. وكان رسول الله يؤثره ~~بصحبته، كما كان يشير على أبي بكر وعمر. وكان لأمانته ورفقه يحظى من ثقة أهل الرأي ~~وطمأنينتهم بما جعل الكثيرين يرشحونه للخلافة بعد عمر. # وكان طلحة بن عبيد الله من بني تيم بن مرة قبيلة أبي بكر. فهو ابن عثمان بن عمر بن كعب بن ~~تيم بن مرة. وأمه الصعبة بنت عبيد الله الحضرمي، وأم الصعبة عائشة بنت وهب بن عبد الدار بن ~~قصي بن كلاب. وكان طلحة تاجرا يذهب في رحلتي الشتاء والصيف إلى اليمن وإلى الشام. وكان يعد ~~من حكماء قريش ومن أكثر أهل مكة شجاعة وكرما، فلما بعث النبي وأسلم أبو بكر كان طلحة أول ~~من جاء إلى الصديق، وذهب معه إلى النبي وأعلن إليه إسلامه. عاد يوما بعد رحلته إلى الشام ~~فذكر للنبي أن أهل المدينة ينتظرون هجرته إليهم. فلما استقر المسلمون بالمدينة وبدأت ~~الغزوات كان طلحة في مقدمة الذين اشتركوا فيها. بعثه رسول الله يتعرف أخبار أبي سفيان قبيل ~~غزوة بدر. ولما أصيب رسول الله في أحد وقف طلحة إلى جانبه، وكان من أشد المدافعين عنه حتى ~~أصابته جراحات كادت تقضي عليه. وبعد غزوة تبوك أمر رسول الله طلحة ms015 فأحرق بيت سويلم اليهودي ~~الذي اتخذه المنافقون كهفهم للدس بين المسلمين. وعلى أثر وفاة رسول الله اعتزل طلحة مع علي ~~بن أبي طالب والزبير بن العوام في بيت فاطمة، فلم يحضر اجتماع أبي بكر وعمر وأبي عبيدة في ~~سقيفة بني ساعدة. وإذ بويع أبو بكر بالخلافة ووقف في وجه المرتدين والذين منعوا الزكاة كان ~~طلحة مع علي والزبير على حراسة المدينة. ثم إن الخليفة استبقاه بعد ذلك إلى جانبه مع ~~المشيرين عليه أمثال عمر وعثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف، وغيرهم من كبار الصحابة والسابقين ~~إلى الإسلام. وكان طلحة ممن عارضوا أبا بكر في استخلاف عمر حين كان الصديق في مرضه الأخير. ~~ذهب إليه في جماعة من المسلمين، وقال له: «استخلفت على الناس عمر وقد رأيت ما يلقى الناس ~~منه وأنت معه، فكيف به إذا خلا بهم وأنت لاق ربك. فغضب أبو بكر وصاح في طلحة: أبالله ~~تخوفني؟ إذا لقيت ربي فسائلني قلت: استخلفت على أهلك خير أهلك.» # 9 # ولم يغير رأي طلحة في عمر من مكانته عند الفاروق بعد استخلافه. فقد بقي بالمدينة يشير ~~عليه كما كان يشير على أبي بكر. فلما طعن عمر جعل طلحة في الشورى رغم غيابه عن المدينة، ثم ~~قال لجماعة الشورى: انتظروا أخاكم طلحة ثلاثة أيام فإن جاء وإلا فاقضوا أمركم. # أما وهؤلاء هم الرجال الذين اختارهم عمر للشورى، وهذه صلتهم برسول الله ومواقفهم معه، ~~فكيف اشتد الخلاف بينهم لأول ما اجتمعوا يختارون أحدهم في الخلافة حتى يقول لهم أبو طلحة ~~الأنصاري: «أنا كنت لأن تدافعوها أخوف مني لأن تنافسوها.» سقنا من الاعتبارات ما يشهد بأن ~~الخلافة أصبحت بعد انفساح رقعة الإمبراطورية مأربا يطمع فيه الطامع. وثمة اعتبار آخر أدى ~~إلى شدة الخلاف وكان طبيعيا أن يؤدي إلى هذه الشدة؛ فقد كانت العرب تحجم عن استخلاف بني ~~هاشم مخافة أن تجتمع النبوة والخلافة في بيتهم، فيجتمع لهم بذلك سلطان الدين وسلطان الدنيا، ~~فلا تطمع بعد ذلك قبيلة غيرهم في أن يكون لها حظ في ms016 الخلافة. وكانت العرب تخشى استخلاف بني ~~أمية؛ لأنهم كانوا أكثر قريش عددا وأعزها نفرا، فإذا آلت الخلافة إليهم لم يكن يسيرا بعد ~~ذلك دفعهم عنها. فرأى بنو هاشم وبنو أمية في موقف العرب منهم ظلما لا مسوغ له، ورأى كل من ~~البيتين أن يعمل لرفع هذا الخطر الجائر بأن يسعى إلى الخلافة، ويلتمس الوسيلة ليكون الخليفة ~~من بين أبنائه. أما وعثمان وعلي في الشورى فالفرصة لهذا السعي سانحة ومن سوء السياسة أن ~~تضيع. # على أن ما بين بني هاشم وبني أمية من تنافس قديم حال بينهما وبين إعلان ما تكنه صدور ~~رجالهما للناس. وأعانهما اختيار عمر جماعة الشورى على ستر هذا المكنون في الصدور، وإن كشف ~~اختلاف الشورى وما انتهى إليه أمرهم عن الكثير منه. # لم يكن العباس بن عبد المطب عم النبي يطمع في الخلافة لنفسه. فهو لم يكن من السابقين إلى ~~الإسلام، بل كان أدنى لأن يكون من مسلمة الفتح. فقد أسلم حين كان جيش رسول الله معدا لفتح ~~مكة. ولكنه كان من أكثر بني هاشم حكمة ومن أشدهم حرصا على أن تكون الخلافة في بيت النبي. ~~روي أنه قال لعلي بن أبي طالب حين سمى عمر الشورى: «لا تدخل معهم.» وأجابه علي: «إني أكره ~~الخلاف.» فكان رد العباس: «إذن ترى ما تكره.» # وكان عمر قد قال للشورى: إن رضي ثلاثة رجلا منهم وثلاثة رجلا منهم فحكموا عبد الله بن ~~عمر، فأي الفريقين حكم له فليختاروا رجلا منهم، فإن لم يرضوا بحكم عبد الله بن عمر فكونوا ~~مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف. فلما سمعهما علي خرج فلقي عمه العباس فقال له علي: عدلت ~~عنا. فقال العباس: وما علمك؟ فقال علي: قرن بي عثمان وقال: كونوا مع الأكثر فإن رضي رجلان ~~رجلا ورجلان رجلا فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف، فسعد لا يخالف ابن عمه عبد ~~الرحمن، وعبد الرحمن صهر عثمان لا يختلفان، فيوليها عبد الرحمن عثمان، أو يوليها عثمان عبد ~~الرحمن، فلو كان الآخران ms017 معي لم ينفعاني، بله أني لا أرجو إلا أحدهما. # فلما سمع العباس قول علي أجابه في شيء من الحدة : «لم أدفعك في شيء إلا رجعت إلي مستأخرا ~~بما أكره، أشرت عليك عند وفاة رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أن تسأله فيمن هذا الأمر فأبيت، وأشرت ~~عليك بعد وفاته أن تعاجل الأمر فأبيت، وأشرت عليك حين سماك عمر في الشورى ألا تدخل معهم ~~فأبيت، احفظ عني واحدة، كلما عرض عليك القوم فقل: لا، إلا أن يولوك. واحذر هؤلاء الرهط ~~فإنهم لا يبرحون يدفعوننا عن هذا الأمر حتى يقوم لنا به غيرنا، وايم الله لا نناله إلا بشر ~~لا ينفع معه خير.» # ولم يكن بنو أمية أقل من بني هاشم حرصا على أن تكون الخلافة فيهم. فلما حان دفن عمر فحمل ~~جثمانه إلى مسجد النبي ليصلى عليه، أقبل عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وكل يريد أن يتقدم ~~صاحبه لهذه الصلاة فلما رآهم عبد الرحمن بن عوف على هذه الحالة قال: إن هذا لهو الحرص على ~~الإمارة. لقد علمتما ما هذا إليكما، ولقد أمر به غيركما. تقدم يا صهيب فصل عليه. # 10 # اختلف أهل الشورى وارتفعت منهم الأصوات فدخل عليهم أبو طلحة وقال لهم: أنا كنت لأن ~~تدافعوها أخوف مني لأن تنافسوها، لا والذي ذهب بنفس عمر لا أزيدكم على الأيام الثلاثة التي ~~أمرتم، ثم أجلس في بيتي فأنظر ما تصنعون. ومع ذلك ظل الخلاف متصل الحدة يوما كاملا في ~~رواية، ويومين كاملين في رواية أخرى. وخشي عبد الرحمن بن عوف تفاقمه وما يؤدي إليه هذا ~~التفاقم من نتائج تخشى عواقبها، فقال للمجتمعين: «أيكم يخرج منها نفسه ويتقلدها على أن ~~يوليها أفضلكم.» ونظر إليه القوم وقد تولتهم الدهشة. فأي كلام هذا؟! إنهم يتنازعون أشد ~~النزاع يريد كل أن تكون الخلافة له. فكيف يريد عبد الرحمن أن يتنزل أحدهم عن مطمعه ليكون ~~حكما بينهم يوما أو يومين، ثم لا يكون له بعد ذلك في الخلافة نصيب؟! # لكن دهشتهم لم تطل مداها؛ ms018 فقد أسرع عبد الرحمن فقال: «فأنا أنخلع منها.» وأسرع عثمان ~~فأجابه: «أنا أول من رضي.» وقال سعد والزبير: «قد رضينا .» وإذ كان طلحة غائبا فلم يبق إلا ~~أن يصرح علي بن أبي طالب عن رأيه. لكن عليا بقي ساكتا لا يقبل ولا يرفض. فلعله ظن هذا ~~الصنيع من عبد الرحمن خدعة أراد بها أن يمهد الطريق لتولية صهره عثمان، فسكت يفكر فيما يفسد ~~به هذه الخدعة. لكن عبد الرحمن لم يمهله ليدبر الرأي في نفسه بل سأله: «ما تقول يا أبا ~~الحسن؟» وأبدى علي ريبته في صنيع ابن عوف بقوله: «أعطني موثقا، لتؤثرن الحق ولا تتبع ~~الهوى، ولا تخص ذا رحم، ولا تألوا الأمة نصحا»، فسارع عبد الرحمن فأجاب في غير تردد: ~~«أعطوني مواثيقكم على أن تكونوا معي على من بدل وغير، وأن ترضوا من اخترت لكم، وعلي ميثاق ~~الله أن لا أخص ذا رحم لرحمه، ولا آلو المسلمين نصحا.» # أي داع دعا عبد الرحمن لأن يسلك هذا المسلك؟ لقد كان يعلم أن كثيرين من المسلمين يرشحونه ~~للخلافة، وأن العرب كانت ترضاه مطمئنة لسابقته؛ ولتظل الخلافة بعيدة عن بني هاشم وبني أمية. ~~أفكان صدق الرغبة عن تولي الخلافة منذ كاشفه عمر رغبته في أن يعهد إليه؟ ما باله إذن قبل أن ~~يكون في الشورى، وما له لم يتنح منذ اللحظة الأولى عن الاشتراك مع أهلها؟ يذهب المؤرخون ~~المسلمون إلى أنه لم يكن يرفض أن يكون في الذين توفي رسول الله وهو عنهم راض، وأن رغبته عن ~~الخلافة كان ميسورا تحقيقها مع وجوده فيمن اختارهم عمر. وهذا صحيح. ويذهب بعض المستشرقين ~~إلى أنه أراد أن ينخلع من الترشيح وأن يجعل تولية الخليفة لنفسه ليولي صهره عثمان، ويحتجون ~~لذلك بقول علي لعمه العباس: «وعبد الرحمن صهر عثمان لا يختلفان، فيولي أحدهما الآخر.» بل إن ~~جماعة منهم ليسرفوا في الظن فيزعمون أن عبد الرحمن لم يكن يحسب أن يطول العمر بعثمان، وكان ~~يومئذ قد بلغ السبعين وأن أعباء الخلافة كانت لا شك تهيضه، ms019 وأنه عند ذلك يستخلف عبد الرحمن ~~لا محالة. وهذا الإسراف في المظنة لا مسوغ له، فعبد الرحمن كان مؤمنا صادق الإيمان، يعلم ~~أن لكل أجل كتابا # فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ~~ساعة ولا يستقدمون ~~. أما صهره لعثمان وما قد يميل ذلك به إلى إيثار ~~ابن عفان على علي فاستنتاج قد يغري بتصديقه ما حدث بالفعل من تولية عبد الرحمن عثمان. ~~لكنه لا يعدو أن يكون استنتاجا قد يشوبه الخطأ. والطريقة التي اتبعها عبد الرحمن في اختيار ~~الخليفة لا تجعل لهذا الاستنتاج محلا. # فقد كان عبد الرحمن يعلم أن عليا وعثمان هما المتنافسان الأساسيان؛ ولذلك سعى لحصر ~~الترشيح فيهما، وأول ما صنع من ذلك أن خلا بعلي وقال له: «تقول إنك أحق من حضر بالأمر ~~لقرابتك وسابقتك وحسن أثرك في الدين، ولم تبعد، ولكن أرأيت لو صرف هذا الأمر عنك فلم تحضر، ~~من كنت ترى من هؤلاء الرهط أحق بالأمر؟» فأجابه علي: عثمان. ثم إنه خلا بعثمان وقال له: ~~«تقول شيخ من بني عبد مناف، صهر رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وابن عمه، لي سابقة وفضل، ولم تبعد، فلم ~~يصرف هذا الأمر عني؟ ولكن لو لم تحضر، أي هؤلاء الرهط تراه أحق به؟» وأجابه عثمان: علي. ~~وكان عبد الرحمن قد طلب إلى الشورى أن يفوض ثلاثة منهم ما لهم من حق في ولاية الأمر إلى ~~ثلاثة: ففوض الزبير ما له من حق فيها إلى علي، وجعل سعد حقه إلى عبد الرحمن، وترك حق طلحة ~~لعثمان. أما وقد خلع عبد الرحمن نفسه فقد انحصر الترشيح في علي وعثمان، وأصبح الأمر في ~~اختيار أحدهما معلقا في عنق عبد الرحمن. # أتراه يستخير الله ويقضي بينهما أيهما أفضل فيوليه؟ لقد كان في حل من أن يفعل أن أعطى ~~القوم ميثاقه وأخذ منهم ميثاقهم. لكنه خشي إن هو استقل برأيه أن لا تقره عليه كثرة المسلمين ~~الذين اجتمعوا بالمدينة من أنحاء الإمبراطورية الإسلامية المختلفة بعدما أدوا فريضة الحج، ~~ثم أمسكهم مقتل عمر في انتظار ما ms020 تسفر عنه الشورى؛ لذلك جعل يلقى أصحاب رسول الله ومن وافى ~~المدينة من أمراء الأجناد ورءوس الناس يسألهم جميعا، مثنى وفرادى، مجتمعين ومتفرقين، سرا ~~وعلانية، حتى يجتهد في أفضل الرجلين فيوليه. # يجمع المؤرخون على أن مشاورات عبد الرحمن أسفرت عن كثرة تشبه الإجماع في صف عثمان، لكنهم ~~يختلفون في الأسباب التي جمعت هذه الكثرة حوله. يقول بعضهم: إن الناس مالوا إلى رجل لا يكون ~~كعمر بطشا وشدة وانصرافا عن الدنيا وصرفا للناس عنها، وإن عثمان كان هذا الرجل ولم يكنه ~~علي؛ لذلك رغبوا عن ابن أبي طالب مخافة أن يحملهم على ما كان عمر يحملهم عليه. ويذهب البعض ~~إلى أن مشاورات عبد الرحمن استمرت يومين وليلتين، كان بنو هاشم وبنو أمية يقوم كل منهما ~~أثناءها بالدعاية لصاحبه. وإذ كان بنو أمية أكثر عددا وأوفر مالا وأسخى يدا فقد طغت ~~دعايتهم على دعاية الهاشميين ومالت بالكثرة الكبرى إلى ناحية عثمان. فإذا صح هذا فلعل ~~الدعاية الأموية قامت على أن الأمر إذا آل لصاحبهم وسع على الناس، وتركهم ينعمون بما تدره ~~مغانم الفتح من أسباب المتاع ولم يبطش بهم بطش عمر. وفي رأي ثالث أن الناس رأوا عثمان ناهز ~~السبعين أو جاوزها ولم يكن علي قد بلغ الستين، وذكروا صحبة عثمان لرسول الله ومواقفه منه، ~~ثم رأوا خلافته غير مانعة عليا أن يكون الخليفة من بعده، فكان عطفهم على شيخوخته وتقديرهم ~~ماضية سبب ميلهم إليه واختيارهم إياه. # وأيا ما صح من هذه الأسباب فقد كانت الكثرة التي تشبه الإجماع واضحة في صف عثمان، مع ~~ذلك خشي عبد الرحمن بن عوف أن يتهمه أنصار علي إن هو أعلن هذه النتيجة، فذهب إلى دار ابن ~~أخته المسور بن مخرمة فأيقظه، وقد مضى أكثر الليل من تلك الليلة الأخيرة التي فرضها عمر ~~لاختيار أمير المؤمنين، وطلب إليه أن يدعو له عليا وعثمان، فلما أقبلا قال لهما: إني سألت ~~الناس فلم أجدهم يعدلون بكما أحدا، ثم أخذ العهد على كل منهم لئن ولاه ليعدلن، ولئن ولي ms021 ~~عليه ليسمعن وليطيعن. # وخرج بهما إلى المسجد في الصبح بعد أن نودي في الناس أن الصلاة جامعة، فلما تم جمع الناس ~~صعد عبد الرحمن المنبر فدعا دعاء طويلا ثم قال: «أيها الناس، إن الناس قد أحبوا أن يلحق ~~أهل الأمصار بأمصارهم وقد علموا من أميرهم.» قال سعيد بن زيد وهو في محله: إنا نراك لها ~~أهلا. وأجابه عبد الرحمن: أشيروا علي بغير هذا. وأشار عمار بن ياسر والمقداد بن عمرو ~~بعلي، وأشار عبد الله بن أبي سرح وعبد الله بن أبي ربيعة بعثمان. وأدى اختلاف الفريقين ~~إلى تشاتم بين عمار وابن أبي سرح. وخشي سعد بن أبي وقاص أن يمتد الخلاف وتثور ثائرته، فصاح: ~~يا عبد الرحمن أفرغ قبل أن يفتتن الناس! قال عبد الرحمن: إني قد نظرت وشاورت فلا تجعلن أيها ~~الرهط على أنفسكم سبيلا. # ألمح الآن عبد الرحمن بن عوف وهو بمجلسه على المنبر والمسلمون من حوله قد امتلأ بهم فراغ ~~المسجد، فلا يفوتني شيء من أمارات الجد البادية على وجهه. إنه عزم أن يجعل الخلافة لعثمان ~~وأن يدعو الناس لبيعته. أتراهم يسارعون إلى تلبية دعوته؟ أم ينقسمون ويجري بينهم ما جرى منذ ~~هنيهة بين عمار بن ياسر وعبد الله بن أبي سرح؟ لئن حدث هذا الأمر وافتتن الناس لتكونن ~~الطامة الكبرى، ولتصبحن المدينة مسرحا لاضطراب يستطير شره. فكثرة الناس عبيد لأهوائهم ~~ومنافعهم، وهم يضحون في سبيلها بأمن الدولة وسلامتها. ولكن التردد في تولية الخليفة لا يحسم ~~الشر ولا يجنب المسلمين الفتنة بل هو أدعى إلى قيامها وإلى اشتدادها؛ لذا دعا عبد الرحمن ~~عليا فأخذ بيده، وقال له: هل أنت مبايعي لتعملن بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخليفتين من ~~بعده؟ فأجابه علي: «أرجو أن أفعل وأعمل بمبلغ علمي وطاقتي.» وأرسل عبد الرحمن يده ودعا ~~عثمان وأخذه بيده وقال له: «هل أنت مبايعي لتعملن بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخليفتين من ~~بعده؟» وأجابه عثمان: «اللهم نعم.» فرفع عبد الرحمن رأسه إلى سقف المسجد ويده في يد عثمان ~~وقال ثلاثا: ms022 «اللهم اسمع واشهد.» ثم قال: «اللهم إني قد خلعت ما في رقبتي من ذلك، وجعلته ~~في رقبة عثمان.» وبايعه. عند ذلك أقبل من بالمسجد يتزاحمون يبايعون عثمان. # تختلف الروايات في موقف علي من بيعة عثمان، ولكنها تجمع على أن الناس أقبلوا على بيعة ~~الخليفة الشيخ أفواجا، لم يختلف منهم أحد ولم يعترض أحد. أفكان ذلك حبا منهم لعثمان؟ أم ~~اغتباطا بالفراغ من أمر خطير في حياة الدولة لم يكن من الفراغ منه بد؟ فقد كان الرجال ~~الستة موضع إجلال المسلمين وإكبارهم. بل لقد نسب إلى علي أنه قال بعد بيعة عثمان: «إن ~~الناس تنظر إلى قريش وقريش تنظر إلى بيتها فتقول: إن ولي عليكم بنو هاشم لم تخرج منهم ~~أبدا، وما كانت في قريش تداولتموها بينكم»؛ لذلك لم يثر عدول عبد الرحمن بن عوف عن علي بن ~~أبي طالب ثائرة، بل قابل الناس خلافة عثمان مقابلة رضا واطمئنان. # أما علي بن أبي طالب فتختلف الروايات في موقفه من عثمان اختلافا يتعذر معه ترجيح إحداها. ~~روى ابن سعد بإسناد أن أول من بايع عثمان عبد الرحمن بن عوف ثم علي بن أبي طالب. وروي ~~بإسناد آخر أن عليا بايع عثمان أول الناس ثم تتابع الناس فبايعوه. وروى ابن كثير أن عبد ~~الرحمن بن عوف قعد على المنبر مقعد النبي، وأجلس عثمان بعد أن بايعه على الدرجة الثانية. ~~وجاء إليه الناس يبايعونه وبايعه علي بن أبي طالب أولا، ويقال: آخرا. ويسوق الطبري ~~روايتين تدلان على أن اختيار عثمان ترك في نفس علي أثرا عميقا. أما الأولى فتذهب إلى أنه ~~لما أقبل الناس يبايعون عثمان بعد أن بايعه عبد الرحمن، تلكأ علي، فقال عبد الرحمن: # فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما ~~عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما ~~. فرجع علي يشق الناس ~~حتى بايع وهو يقول: خدعة أيما خدعة! أما الرواية الثانية فتجري بأنه لما بايع عبد الرحمن ~~عثمان قال له علي: حبوته حبو دهر، ليس هذا أول يوم تظاهرتهم فيه ms023 علينا، فصبر جميل والله ~~المستعان على ما تصفون، والله ما وليت عثمان إلا ليرد الأمر إليك. والله كل يوم هو في شأن. ~~وأجاب عبد الرحمن: «يا علي لا تجعل على نفسك سبيلا، فإني قد نظرت وشاورت الناس فإذا هم ~~لا يعدلون بعثمان.» وخرج علي وهو يقول: «سيبلغ الكتاب أجله.» # يشير ابن كثير إلى روايتي الطبري هاتين فيقول: «وما يذكره كثير من المؤرخين كابن جرير ~~وغيره من رجال لا يعرفون أن عليا قال لعبد الرحمن: «خدعتني، وإنك إنما وليته لأنه صهرك ~~وليشاورك كل يوم في شأنه»، وإنه تلكأ حتى قال له عبد الرحمن: # نكث ~~فإنما ينكث على نفسه # إلى آخر الآية، إلى غير ذلك من الأخبار ~~المخالفة لما ثبت في الصحاح فهي مردودة على قائليها وفاعليها، والله أعلم.» # يتعذر ترجيح إحدى هذه الروايات. ويغلب على الظن أن الكثير منها وضع من بعد دعاية لأغراض ~~سياسية. من ذلك ما فسر به الطبري قول علي بن أبي طالب: خدعة وأيما خدعة، وذلك حين دعاه عبد ~~الرحمن بن عوف لبيعة عثمان حتى لا ينكث على نفسه. فقد ذكر ابن جرير أن عمرو بن العاص لقي ~~عليا في ليالي الشورى فقال له: «إن عبد الرحمن رجل مجتهد وإنه ما أعطيته العزيمة كان أزهد ~~له فيك ولكن الجهد والطاقة فإنه أرغب له منك»، ثم لقي عثمان فقال له: «إن عبد الرحمن رجل ~~مجتهد وليس والله يبايعك إلا بالعزيمة فأقبل.» ولست أشك في أن هذه الرواية نسجت بعد الذي ~~كان بين علي وعمرو بن العاص عند الخلاف مع معاوية. فلم يكن عمرو كارها لعثمان حين مقتل ~~الفاروق. وإن طائفة من الروايات لتجري بأن عثمان عزل عمرا عن مصر بعد قليل من توليته. ~~والإجماع منعقد على أن عثمان استعان بعمرو حين هاجم الروم الإسكندرية، فلما انتصر ابن العاص ~~أراد عثمان أن يجعله أميرا على جند مصر مع بقاء عبد الله بن أبي سرح واليا عليها وصاحب ~~خراجها فرفض عمرو وقال: أنا إذن كماسك البقرة بقرنيها وآخر يحلبها! ثم ms024 عاد إلى مكة وبقي بها ~~حتى انضم إلى معاوية في خلافه مع علي. وهذا كله يشهد بأن عمرا وعثمان حين الشورى كانا على ~~وفاق يدعو عمرو لخدعة علي؛ وهو لذلك يقطع بأن الرواية التي أوردها الطبري تعليلا لقول علي: ~~«خدعة وأيما خدعة»، منقوضة من أساسها. # وأعتقد كذلك أن ما أورد من الألفاظ على لسان علي أو عبد الرحمن بن عوف أو غيرهما أدنى إلى ~~أن يكون موضوعا عبر به واضعوه عما اقتنع بعضهم بأنه حدث، وما أراد بعضهم به الدعاية ~~السياسية لغرض بذاته. ولست أريد الإسهاب في الإبانة عن الحجة التي تدعوني لهذا الاعتقاد. ~~وحسبي أن أشير إلى ما ذكره جامعو الحديث عن النبي # صلى الله عليه وسلم # أنه لم يصح عندهم عشر معشار ما ~~روي لهم منه. ورواية عبارات بألفاظها عن علي بن أبي طالب أو عبد الرحمن بن عوف أو غيرهما ~~أدعى إلى التمحيص. فإنما دونها المؤرخون بعد أن مرت عشرات السنين على الحوادث التي رووها، ~~وبعد أن لعبت الدعايات السياسية دورا خطيرا في حياة الدولة الإسلامية. لا عجب وذلك هو ~~الشأن أن يدونوا ألفاظا تعبر عن مشاعر أصحابها، وإن لم تكن هذه الألفاظ قد صدرت عنهم ~~بذاتها. # لكن ثمة أمرين لا ريبة عندي في صحتهما: أولهما أن عليا وبني هاشم لم تسترح نفوسهم لبيعة ~~عثمان بحجة أنهم أهل بيت النبي، فإذا ألقت الخلافة مقاليدها إليهم لم تخرج منهم ~~أبدا. # الأمر الثاني أن الكثرة الكبرى من المسلمين استراحت لبيعة عثمان، وأقبلت عليها راضية ~~مطمئنة. فليس منهم من ذكر حين البيعة أن عثمان من بني أمية، أو ذكر عداوة بني أمية لرسول ~~الله ومنافستهم القديمة لبني هاشم وتخلفهم عن الدخول في الإسلام حتى فتحت مكة أبوابها عجزا ~~عن مقاومة المسلمين، بل ذكروا جميعا سبق الخليفة الشيخ إلى الإسلام، ووقوفه في جانب رسول ~~الله، وإحسانه معاملة زوجتيه رقية وأم كلثوم، وهجرته إلى الحبشة وإلى المدينة، وبذله عن سعة ~~لنصرة دين الله والمؤمنين به. روي أن طلحة بن عبيد الله قدم ms025 المدينة غداة بيعة عثمان. فلما ~~دعى للبيعة له قال: أكل قريش راض به؟ قيل: نعم. وذهب إلى عثمان فسأله: أكل الناس بايعوك؟ ~~وأجابه عثمان: نعم. قال طلحة: قد رضيت، لا أرغب عما قد اجتمعوا عليه، وبايعه. ولقد تمت بيعة ~~عثمان في جو من التفاؤل وحسن الرجاء في المستقبل. فلما فرغ الناس منها بدأ من جاءوا بعد ~~الحج إلى المدينة ينصرفون عنها إلى مواطنهم بالعراق وفارس وبالشام ومصر، وكل يرجو أن يزيده ~~الله سعة من فضله. # وكذلك عادت الأمور سيرتها الأولى، وجرى الناس في مألوف حياتهم، وآن لعثمان أن يضطلع ~~بأعباء الخلافة يصرف أمورها على نحو يتفق مع ما جبل عليه من دماثة في الطبع ورقة في الخلق ~~وصدق في الإيمان وتجرد للخير، وأن يواجه موقفا يختلف عن موقف عمر، وعن موقف أبي بكر يوم ~~اضطلع كل منهما بعبء الخلافة، ويحتاج في مواجهته إلى لون جديد من السياسة وفق عثمان إليه ~~توفيقا ظاهرا أول الأمر، ثم أعجزه تقدم السن وأعجزته الأحداث فلم يحسن تدبيره من ~~بعد. # الفصل الثاني # | عثمان بين أمسه وغده # كان عثمان قد ناهز السبعين حين بويع. وكان رجلا ليس بالطويل ولا بالقصير حسن الوجه، رقيق ~~البشرة، أسمر اللون، به شيء من أثر الجدري، كبير اللحية عظيمها، عظيم الكراديس، عظيم ما بين ~~المنكبين، أصابه الصلع بعد أن كان كثير شعر الرأس. وكان يشد أسنانه بالذهب، ويتختم في يده ~~اليسرى، ويرتدي اللباس الحسن والثوب الثمين؛ ذلك أنه كان واسع الثروة يعيش في خفض ~~ولين. # وكان شديد الحياء. روي عن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أنه قال: «أصدق أمتي حياء عثمان.» وكان ~~حياؤه يزيد في تلفته. وكان لإحدى نسائه جارية تدعى بنانة، فكان إذا اغتسل جاءته بثيابه ~~فيقول لها: «لا تنظري إلي فإنه لا يحل لك.» ثم كان حياؤه يدعو إلى الحياء منه. روي عن عائشة ~~أم المؤمنين أن رسول الله كان جالسا كاشفا فخذه فاستأذن عليه أبو بكر فأذن له وهو على ~~حاله، واستأذن عليه عمر فأذن له وهو ms026 على حاله، ثم استأذن عثمان فأرخى عليه ثيابه. فلما ~~قاموا قالت عائشة: «يا رسول الله، استأذن أبو بكر وعمر فأذنت لهما وأنت على حالك، فلما ~~استأذن عثمان أرخيت عليك ثيابك.» قال رسول الله: «يا عائشة، ألا نستحي من رجل والله إن ~~الملائكة لتستحي منه.» أو قال: «ألا أستحي ممن تستحي منه الملائكة.» وفي رواية أن عائشة ~~قالت: «يا رسول الله ما لي لا أراك فزعت لأبي بكر وعمر كما فزعت لعثمان.» فكان جوابه: «إن ~~عثمان رجل حيي، فإني خشيت إن أذنت له على تلك الحالة ألا يبلغ إلي حاجته.» # وكان عثمان لحيائه يهاب الحديث. روى ابن سعد في الطبقات قول أحدهم: ما رأيت أحدا من ~~أصحاب رسول الله كان أتم حديثا ولا أحسن من عثمان، إلا أنه كان يهاب الحديث، وكان لهيبته ~~الحديث يعاف الحوار وطول الجدل، فإذا التزم أمرا أصر عليه فتعذر صرفه عنه، وكان يزيد في ~~إصراره على رأيه ما أفاء الله عليه من بسطة في الرزق، وأنه من بني أمية أكثر قريش عددا ~~وأقواها يدا. على أن ما جلبه عليه حياؤه من هيبة الحديث جعله لين الجانب، كما جعله ثراؤه ~~وعلو حسبه كريما محسنا. وحببه كرمه وحببته رقته إلى الناس. ثم كان لاعتداده لعشيرته ~~واعتزازه برأيه محترما فيهم مرموقا منهم بعين التقدير والإكبار. # وكان تاجر بز في جاهليته وإسلامه. وكانت أمانته وما قدمنا من صفاته سببا في رواج ~~تجارته وكثرة ربحه، ثم كانت وكان حياؤه مانعين له في صباه وشبابه من الانزلاق مع نزوات ~~الشباب. فلم يؤثر عنه أنه كان صاحب فخر أو صحاب نساء. وإن دلت الروايات مجتمعة على أنه كان ~~رقيق القلب حلو المعشر، للعاطفة على نفسه سلطان أي سلطان. وكانت رقته وحلاوة معشره تدعوانه ~~لتجنب الأذى والقسوة ما استطاع إلى ذلك سبيلا. # ولد عثمان في السنة السادسة لعام الفيل، فكان يصغر النبي بست سنوات. ولقد عاش في صباه وفي ~~شبابه عيش أمثاله الموسرين من قريش عامة ومن بني أمية خاصة. فلما بعث رسول الله ms027 كان في ~~السابقين الأولين إلى الإسلام. وقد ذكر المؤرخون في سبب إسلامه روايات نثبت بعضها ~~هنا. # قال ابن هشام في السيرة: «إن أبا بكر بعد إسلامه جعل يدعو إلى الله وإلى الإسلام من وثق ~~به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه؛ فأسلم بدعائه عثمان بن عفان وسبعة آخرون سبقنا إلى ذكرهم. ~~فجاء بهم أبو بكر إلى رسول الله # صلى الله عليه وسلم # حين استجابوا لدعائه فأسلموا وصلوا.» وقال ابن سعد ~~في الطبقات: خرج عثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله على أثر الزبير بن العوام، فدخلا على ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فعرض عليهما الإسلام، وقرأ عليهما القرآن وأنبأهما بحقوق الإسلام ~~ووعدهما الكرامة من الله، فآمنا وصدقا، فقال عثمان: «يا رسول الله، قدمت حديثا من الشام، ~~فلما كنا بين معان والزرقاء فنحن كالنيام إذا مناد ينادينا: أيها النيام هبوا، فإن أحمد قد ~~خرج بمكة، فقدمنا فسمعنا به. وكان إسلام عثمان قديما قبل دخول رسول الله # صلى الله عليه وسلم # دار ~~الأرقم.» وقال ابن كثير في البداية والنهاية: «أسلم عثمان - رضي الله عنه - قديما على يدي ~~أبي بكر الصديق»، وكان إسلامه عجيبا فيما ذكر الحافظ بن عساكر. وملخص ذلك أنه لما بلغه أن ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # زوج ابنته رقية، وكانت ذات جمال، من ابن عمه عتبة بن أبي لهب، تأسف إذ ~~لم يكن هو تزوجها، فدخل على أهله مهموما، فوجد عندهم خالته سعدية بنت كريز، وكانت كاهنة، ~~فبشرته بزواجه من رقية. قال عثمان: «فعجبت من أمرها حيث تبشرني بالمرأة وقد تزوجت بغيري. ~~فقلت: أيا خالة ما تقولين؟!» قالت: «عثمان لك الجاه، ولك الشأن، هذا النبي معه البرهان، ~~أرسله بحقه الديان، وجاءه التنزيل والفرقان، فتابعه لا تغتالك الأوثان.» قال: «قلت: إنك ~~لتذكرين أمرا ما وقع ببلدنا.» فقالت: «محمد بن عبد الله رسول من عند الله، بتنزيل الله، ~~يدعو به إلى الله»، ثم قالت: «مصباحه مصباح، ودينه فلاح، وأمره نجاح، وقرنه نطاح، ذلت له ~~البطاح، ما ينفع الصياح، لو ms028 وقع الذباح، وسلت الصفاح، ومدت الرماح.» قال عثمان: «فانطلقت ~~مفكرا فلقيني أبو بكر فأخبرته»، فقال: «ويحك يا عثمان، إنك لرجل حازم، ما يخفى عليك الحق ~~من الباطل، ما هذه الأصنام التي يعبدها قومك، أليست من حجارة صم لا تسمع ولا تبصر ولا تضر ~~ولا تنفع.» قلت: «بلى، والله إنها لكذلك.» فقال: «والله لقد صدقتك خالتك، هذا رسول الله ~~محمد بن عبد الله، قد بعثه الله إلى خلقه برسالته، هل لك أن تأتيه؟» فاجتمعنا برسول الله. ~~فقال: «يا عثمان، أجب الله إلى حقه، فإني رسول الله إليك وإلى خلقه»، قال: فوالله ما تمالكت ~~نفسي منذ سمعت رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أن أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ثم ~~لم ألبث أن تزوجت رقية ابنة رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، فكان يقال: # أحسن زوج رآه إنسان # رقية وزوجها عثمان # هذه روايات قيلت في إسلام عثمان، لك أن تأخذ منها ما تشاء وأن تدع ما تشاء. ولك أن تقول ~~إن رواية ابن كثير موضوع أكثرها، فلم يكن أمر محمد قد فشا إلى يومئذ في قريش، وكانت دعوته ~~لا يزال الناس يتحدثون عنها على استحياء. ولست أدري أكان لتعلق عثمان برقية أثر في إسلامه. ~~فلم تكن هي قد بلغت العشرين، حتى ولو أنها كانت كبرى ما أعقب رسول الله، وكان عثمان يومئذ ~~يقارب الأربعين. وكان قد تزوج غيرها في جاهليته فكان يكنى أبا عمر، فلما ولد له من رقية ~~غلام سماه عبد الله واكتنى به، وبقيت له هذه الكنية رغم أن الغلام مات طفلا في السادسة من ~~عمره. ولعل ابن كثير ساق هذه الرواية عن الحافظ ابن عساكر عمن أخذها الحافظ عنهم؛ لأنها ~~تتفق وما عرف من رقة عثمان وتملك العاطفة قلبه. وهذا المعنى هو ما دعانا إلى إثباتها هنا، ~~وإن كنا في ريب منها حتى لنرجح أنها وضعت من بعد لسبب من الأسباب. # أسلم عثمان وتزوج رقية بنت رسول الله وأقام معها بمكة يزاول تجارته، ms029 ويشارك إخوانه ~~السابقين إلى الإسلام في الأخذ بما ينزل الوحي به وما يلقي محمد عليهم من تعاليمه. وبدأ ~~الإسلام ينتشر فبدأت قريش تناوئ المسلمين وتصيبهم بالأذى. وظلوا كذلك سنوات حسوما. فلما ~~ضاقوا به ذرعا أمرهم رسول الله أن يتفرقوا في الأرض فرارا إلى الله بدينهم، ونصح إليهم أن ~~يذهبوا إلى أرض الحبشة. وكان أول الذين ذهبوا إليها أحد عشر مسلما رجالا ونساء، وكان ~~عثمان وزوجته رقية أسبق هؤلاء إلى الهجرة. # ما هو السبب في إسراع عثمان إلى الهجرة وفي أخذه زوجه معه؟ وما باله لم يبق بمكة كما بقي ~~بها من السابقين إلى الإسلام من آثروا المقام إلى جانب رسول الله يمنعونه، ولا يضيقون صدرا ~~بالأذى في سبيل الله؟ أفكان ذلك طلبا منه للسلامة وإيثارا للعافية؟ أم أنه، وكان يمقت ~~القسوة، لم يطق أن يرى غيره من المسلمين يقاسي العذاب ألوانا؟ أو ترى بني أمية كانوا أشد ~~بالذين أسلموا من بني قومهم بطشا، فكان عثمان الأموي وصهر رسول الله أشد تعرضا للمكروه؟ ~~قد يكون بعض هذه الأسباب أو كلها مما أسرع به إلى الهجرة. ولعله أسرع إلى الهجرة مخافة أن ~~تصاب زوجه رقية بسوء ولا يستطيع منعها من قومه فيكون ذلك له عار الأبد. وهذا الدافع الأخير ~~كان قوي الأثر في نفس عثمان. روي أن امرأة مسلمة قدمت من أرض الحبشة فسألها رسول الله عن ~~رقية وعلى أي حال رأتها، فكان جوابها: «رأيتها وقد حملها على حمار من هذه الدواب وقد رأيته ~~يسوقها.» فتأثر رسول الله لما سمع فقال: «صحبها الله إن كان عثمان لأول من هاجر إلى الله ~~بعد الوحي.» # أيا ما يكون دافع عثمان للإسراع إلى الهجرة، فقد ذهب مع ابنة رسول الله إلى الحبشة وبقي ~~بها الهجرتين جميعا، ثم هاجر بعد ذلك من مكة إلى المدينة. فلما خط رسول الله دور المهاجرين ~~من قريش إلى يثرب كانت دار عثمان في مواجهة دار الرسول، وكان باب عثمان في مواجهة ~~بابه. # أقام عثمان بالمدينة ينعم بعطف النبي وبما ييسره ms030 له ثراؤه من خفض العيش ولينه. واتخذه ~~رسول الله أمين سره فكان يكتب الوحي أحيانا. على أن رسول الله لم يشركه في غزوة من الغزوات ~~التي سبقت بدرا. فلما خرج رسول الله على رأس المسلمين يلقى قريشا ببدر كانت رقية ابنته ~~مريضة اشتد بها المرض، فأذن لعثمان في التخلف لتمريضها. ولم يغن عنها التمريض فماتت ودفنت ~~يوم جاء البشير بانتصار المسلمين. وقسم رسول الله فيء بدر فجعل لعثمان سهما فيه كسهم من ~~شهدها؛ ولذلك اعتبر عثمان من البدريين. # حزن عثمان لموت رقية أشد الحزن. وعرف له رسول الله حسن عشرته أهله، فزوجه من أختها أم ~~كلثوم. وماتت أم كلثوم في حياة أبيها فحزن عثمان لموتها فكان مما واساه بها رسول الله قوله: ~~«لو أن لنا ثالثة لزوجناك.» وزواج عثمان من رقية وأم كلثوم هو الذي جعل المسلمين يلقبونه من ~~بعد «ذا النورين». # أفكان لعثمان زوجات شاركن رقية ثم شاركن أم كلثوم فراشه؟ أم أنه لم يشرك مع أيهن زوجا ~~غيرها؟ يتعذر القطع في هذا الأمر أو إثباته، وإن أمكن القول: بأنه تزوج امرأة أو أكثر قبل ~~رقية، ثم تزوج غير واحدة بعد أم كلثوم. وقد تزوج في جاهليته وإسلامه غير رقية وأم كلثوم من ~~فاخته ابنة غزوان بن جابر، وأم عمرو بنت جندب بن عمرو من الأزد، وفاطمة ابنة الوليد بن عبد ~~شمس بن المغيرة، وأم البنين بنت عيينة بن حصن الفزاري، ورملة ابنة شيبة بن ربيعة بن عبد شمس ~~بن عبد مناف، ونائلة بنة الفرافصة بن الأحوص وهي التي حضرت مقتله. وقد أعقب من هاتيك النسوة ~~جميعا بنين وبنات يزيدون على الخمسة عشر. # تخلف عثمان عن غزوة بدر يمرض رقية. فلما استدار العام وكانت غزوة أحد شهدها مع سائر ~~المسلمين. ثم كان موقفه وموقف أمثاله بها مما عفى الله عنه بعد أخذهم به. ذلك أن المسلمين ~~انتصروا صبح ذلك اليوم، ثم دارت الدائرة عليهم فأذاعت قريش أن محمدا قتل. وفت هذا النبأ ~~في أعضاد المسلمين ففر منهم من فر؛ ms031 وكان عثمان في هؤلاء. وعرف المسلمون بعد قليل أن النبي ~~حي، فعاد أكثرهم إليه ودافعوا المشركين عنه. ولم يكن عثمان في هؤلاء وعير بعضهم عثمان بذلك ~~في خلافته فكان جوابه: كيف يعيرني بذلك وقد عفى الله عني فقال: # إن ~~الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم ~~الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور ~~حليم ~~. # 1 # وبعد أحد شهد عثمان الخندق وخيبر وفتح مكة وغزوات حنين والطائف وتبوك فكان شأنه فيها ~~جميعا شأن رجل من المسلمين ليس في مقدمتهم ولا في مؤخرتهم. ذلك بأنه لم يكن من أبطال الحرب ~~أمثال حمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب والزبير بن العوام وسعد ابن أبي وقاص وخالد بن ~~الوليد ممن تثير حمية القتال نفوسهم وتدفعهم بين الصفوف في الوطيس يواجهون الموت ولا ~~يهابونه، بل كان رجلا ساكن النفس يسير حين الحرب في صفوف الجماعة لا يتقدمها ولا يستأخر ~~عنها. # وتستطيع أن تقول إن عثمان كان يحب المسالمة ما وجد إليها الوسيلة. وإنما كان إيمانه هو ~~الذي يدعوه للخروج مع رسول الله في غزواته. يشهد بذلك موقفه من قريش أيام الحديبية. فقد سار ~~رسول الله على رأس ثلاثمائة من المسلمين في السنة السادسة من الهجرة يريدون العمرة بمكة ~~آمنين غير مقاتلين. وعلمت قريش بمسيرهم فأقسمت ألا يدخل محمد وأصحابه عليهم مكة عنوة. ورأى ~~محمد فرسان مكة تبدو بظاهرها، فنزل بأصحابه الحديبية يريد السلم ويريد حج البيت وإعظام ~~حرمته. وأراد رسول الله أن يبعث إلى قريش سفيرا عمر بن الخطاب، فاعتذر عمر بما تعرفه قريش ~~من عداوته لها وغلظته عليها وأنه يخشاها على نفسه، واقترح أن يذهب عثمان بن عفان في هذه ~~السفارة فهو أعز بمكة منه. وذهب عثمان فأجاره عثمان بن سعيد ثم حاول أن يقنع قريشا لتخلي ~~بين محمد والبيت الحرام، فلم ترض قريش أن يدخل المسلمون مكة هذا العام عنوة. وطال احتيال ~~عثمان بمكة يحاول أن يجد الوسيلة لبقاء السلم بين قريش والمسلمين. وظن المسلمون أن ms032 قريشا ~~قتلت سفيرهم غدرا في الشهر الحرام فتولاهم القلق. وتولى رسول الله على عثمان من القلق أكثر ~~مما تولى أصحابه فقال : «لا نبرح حتى نناجز القوم»، ودعا أصحابه إليه فبايعوه بيعة الرضوان ~~أن يقاتلوا قريشا وألا يفروا حتى الموت. فلما تمت بيعتهم ضرب رسول الله بإحدى يديه على ~~الأخرى بيعة لعثمان كأنه حاضر معهم. وإن القوم ليأخذون الأهبة للقتال إذ عرفوا أن عثمان لم ~~يقتل، وإذ أقبل عليهم عثمان يبلغ رسول الله ما دار بينه وبين قريش. وتبين رسول الله أن ~~قريشا اقتنعت بأنه. جاء معتمرا وأنها لا تريد القتال ولكنها تخشى على هيبتها بين العرب أن ~~تضيع إذا دخل المسلمون مكة هذا العام عنوة، فاتخذ - عليه السلام - محادثات عثمان أساسا ~~لمفاوضات مع رسل قريش انتهت إلى عهد الحديبية، وبه رضي الفريقان أن يرجع محمد وأصحابه عن ~~مكة عامهم هذا، وأن يعودوا إليها في العام الذي يليه فيقيمون بها ثلاثة أيام يحجون البيت ~~ويعظمون حرمته. # وكان عثمان إلى حبه المسالمة سخيا بماله فيما يصلح المسلمين. لما أزمع رسول الله الخروج ~~لغزو الروم بتبوك وجهز جيش العسرة شارك عثمان في هذا الجهاز بثلاثمائة بعير كاملة العدة، ~~وبألف دينار وضعها في حجر رسول الله يعين بها على تجهيز الغزاة. ورأى رسول الله ما صنع ~~عثمان، فقال: «ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم»، وكررها مرتين. وكان ليهودي بالمدينة بئر يبيع ~~المسلمين ماءها بما يبهظهم، فقال رسول الله يوما لأصحابه: «من يشتري بئر رومة فيجعلها ~~للمسلمين يضرب بدلوه في دلائهم وله بها شرب في الجنة.» فأتى عثمان اليهودي فساومه فيها فأبى ~~أن يبيعها كلها فاشترى منه نصفها باثني عشر ألف درهم، واتفق مع اليهودي على أن يكون له يوم ~~ولعثمان يوم. وجعل المسلمون يسقون في يوم عثمان ليومين. وذهب اليهودي إلى عثمان فقال له: ~~«أفسدت على بئري فاشتر النصف الآخر.» فاشتراه للمسلمين بثمانية آلاف درهم، وجعل رشاءه فيها ~~كرشاء رجل من المسلمين. # وكان عثمان شديد العطف على ذوي قرباه. وقد بالغ في هذا ms033 العطف مبالغة كان لها من بعد في ~~حياته وفي حياة الدولة أبعد الأثر. ولم يكن هذا العطف من ضعف الشيخوخة بعد ولايته إمارة ~~المؤمنين كما ظن بعضهم، بل كان بعض خلقه. لما فتح رسول الله مكة عفا عن قريش كافة إلا جماعة ~~عينهم بأسمائهم ارتكبوا جرائم عظمى، فلم يكن لهم في العفو العام متسع. وهؤلاء أمر بقتلهم ~~وإن وجدوا تحت أستار الكعبة. وكان من هؤلاء عبد الله بن سعد بن أبي سرح أخو عثمان للرضاعة. ~~فقد كان أسلم وكان يكتب الوحي لرسول الله ثم ارتد مشركا إلى قريش وزعم أنه كان يزيف ما ~~يكتب من الوحي. وعرف ابن أبي سرح أمر رسول الله بقتله، ففر إلى عثمان فغيبه حتى اطمأن الناس ~~بمكة ثم ذهب به إلى رسول الله فاستأمن له. يقول ابن هشام في السيرة: فزعموا أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # صمت طويلا ثم قال: نعم. فلما انصرف عنه عثمان قال لمن حوله من أصحابه: لقد صمت ~~ليتقدم إليه بعضكم فيضرب عنقه. فقال رجل من الأنصار: هلا أومأت إلي يا رسول الله؟ قال: ~~«إن النبي لا يقتل بالإشارة.» وقد كان هذا العطف من عثمان بعض ما أوخذ به من بعد. # تشهد شفاعة عثمان للعفو عن عبد الله بن سعد بشدة عطفه على ذوي قرابته، وهي تشهد كذلك بما ~~كان لعثمان عند رسول الله من مكانة جعلته، وهو يود لو يقوم من أصحابه من يقتل ابن سعد، ~~ينتهي مع ذلك إلى العفو عند إرضاء لعثمان؛ ولعله فعل لأنه رأى، وهو يعرف من حياء عثمان ما ~~يعرف، أن ابن عفان ما كان ليتغلب على حيائه، ولم يبلغ من حرصه على الإبقاء على ابن سعد أن ~~يتحدث في ذلك إلى رسول الله بمحضر من هؤلاء الذين كانوا بمجلسه؛ لذلك أشفق إن هو رفض رجاء ~~عثمان فيوجع قلبه، أو أن يجعل لبني أمية ما يعيرونه به. # وهذه المكانة هي التي جعلت رسول الله يستخلف عثمان على المدينة في غزوته إلى ذات الرقاع، ms034 ~~ثم يستخلفه عليها في غزوته إلى غطفان. # على أن ما كان لعثمان من هذه المكانة في قلب رسول الله لم يجعل له من الرأي في سياسة ~~النظام الناشيء ما كان لأبي بكر وعمر. فأبو بكر وعمر كانا وزيري رسول الله وصاحبي مشورته، ~~فكانا إذا اتفقا في أمر لم يخالفهما فيه أبدا. ولم يكن لعثمان من الرأي في الحرب ما كان ~~لسعد بن أبي وقاص أو الزبير بن العوام. وإنما كان عثمان رجلا ورعا شديد الإيمان، منصرفا ~~إلى العبادة وتلاوة القرآن، وكان كريما سخي اليد، فكان له بذلك كله عند رسول الله منزلة ~~زاد فيها إحسانه معاشرة زوجتيه رقية وأم كلثوم. # وكان شأن عثمان في عهد أبي بكر كشأنه مع رسول الله. كان منصرفا إلى تجارته، وكان يدع ~~لخليفة رسول الله من حرية التصرف في شئون الدولة ما توجبه التبعة الملقاة على عاتقه أمام ~~الله وأمام المسلمين. لما عزم الصديق غزو الشام بعد غزو العراق دعا إليه جلة المهاجرين ~~والأنصار يشيرون عليه. أما عمر فشجعه على المضي فيما يريد وكان مما قاله: سرب إليهم الخيل ~~في إثر الخيل وبعث الرجال والجنود تتبعها الجنود. وأما عبد الرحمن بن عوف فدعا إلى الحيطة ~~والحذر، وكان مما قاله: «والله ما أرى أن تقحم الخيل عليهم إقحاما، ولكن تبعث الخيل فتغير ~~في أداني أرضهم، ثم تبعثها تغير فترجع إليك، ثم تبعثها فتغير ثم ترجع إليك. فإذا قبلوا ذلك ~~مرارا اضرب بعددهم حتى تبلغ من أداني أرضهم قعودا فتقوى بذلك على قتالهم.» وسكت الناس بعد ~~الذي سمعوا من ابن عوف فسألهم أبو بكر: ماذا ترون وحكم الله؟ وبعد هنيهة قال عثمان: «أرى ~~أنك ناصر لأهل هذا الدين شفيق عليهم، فإن رأيت رأيا لهم فيه رشد وصلاح وخير فاعزم على ~~إمضائه، فإنك غير ضنين، ولا متهم عليهم.» وسارع الحاضرون حين سمعوا قول عثمان فأقروا ~~رأيه، وألقوا التبعة كلها على الخليفة. # وكان عثمان ممن أحسنوا الشهادة في عمر حين أراد أبو بكر أن يستخلفه، وأن يجمع كلمة ~~المسلمين ms035 عليه. فقد كان كثيرون ممن استشارهم الصديق مشفقين من غلظة عمر وشدته. أما عثمان ~~فأجاب الصديق حين سأله عن عمر: «اللهم علمي به أن سريرته خير من علانيته، وأن ليس فينا ~~مثله.» فلما بويع عمر أقام عثمان بالمدينة يباشر تجارته ويشير على أمير المؤمنين مع ~~المشيرين عليه. ولكنه خالف عمر غير مرة. لما طلب أهالي بيت المقدس الصلح على أن يحضر عمر ~~بنفسه إلى مدينتهم كان رأي عثمان ألا يفعل. قال مخاطبا أمير المؤمنين: «فأنت إن أقمت ولم ~~تسر إليهم رأوا أنك بأمرهم مستخف، ولقتالهم مستعد، فلم يلبثوا إلى السير حتى ينزلوا على ~~الصغار ويعطوا الجزية.» وخالفه علي بن أبي طالب، وأشار على عمر بالسير إلى بيت المقدس، فقد ~~أصاب المسلمين جهد عظيم من استمرار الحرب والقتال وطول المقام. وآثر عمر رأي علي وأخذ به ~~واستخلفه على المدينة وسار والناس معه فعقد صلح بيت المقدس. # وكان عثمان على رأس المعارضين في فتح مصر والذين يخالفون ابن العاص عن رأيه في ذلك ~~ويعترضونه. وبلغ من شدة ابن عفان في هذه المعارضة أن قال لعمر: يا أمير المؤمنين إن عمرا ~~لمجرأ وإن فيه حبا للإمارة، فأخشى أن يخرج من غير نفر ولا جماعة فيعرض المسلمين للهلك ~~رجاء فرصة لا يدري تكون أم لا! وقد حشد عثمان لمعارضة ابن العاص في فتح مصر قوة من الرأي ~~العام بالمدينة حسب عمر حسابها رغم اقتناعه برأي ابن العاص ومشاركته إياه فيه؛ لذلك لم ~~يواجه عثمان والذين عارضوا معه، بل تحايل على معارضتهم بأن ترك لعمرو فرصة الدخول إلى مصر ~~وقتال الروم فيها، واستنقاذها من أيديهم خالصة للمسلمين. هاتان مسألتان من كبريات المسائل ~~التي وجهت تاريخ الإسلام، والتي خالف فيها رأي عثمان. # على أن عمر وعثمان كانا أقرب إلى الاتفاق في أكثر الأمور، كما أن عثمان لم يكن أكثر من ~~غيره من كبار الصحابة مخالفة لرأي عمر أو اتفاقا معه. وقد رأيت كثيرين عارضوا فتح مصر كما ~~عارضه عثمان. والذين أيدوا عثمان في هذه المعارضة خالفوه ms036 في مواقف أخرى؛ ذلك بأن هؤلاء ~~الذين صحبوا رسول الله كانوا جميعا يبتغون بالرأي مصلحة الإسلام والمسلمين. مخلصين يريدون ~~وجه الله ، يرجون رضاه ويخشون غضبه. # وكانوا يؤمنون بأن التمسك بالحق ما اقتنع المرء به أول واجب على من حسن إسلامه، وأن ~~الرجوع إلى الحق متى بدا وجهه لا يصح أن يصد عنه تعصب أو غرور. فإذا أصر المرء على باطل بعد ~~اقتناعه ببطلانه أتى منكرا يلعن الله صاحبه وينزل به غضبه. وكيف لمؤمن بالحق أن يحيد عن ~~الحق أو أن يكتمه، فمن كتم الحق أو سكت عنه فهو شيطان أخرس. # كان عثمان عزيزا على عمر حبيبا له طول خلافته. فما طعن عمر عين الشورى ثم بايع الناس ~~عثمان. قيل إنه لما تمت بيعته صعد المنبر يخطب الناس فأرتج عليه، فقال: «أيها الناس. إن أول ~~مركب صعب، وإن بعد اليوم أياما، فإن أعش تأتكم الخطبة على وجهها. وما كنا خطباء وسيعلمنا ~~الله.» وقيل: بل خطب عثمان الناس حين تمت بيعته، فقال: «أيها الناس إنكم في دار قلقة وفي ~~بقية أعمار، فبادروا آجالكم بخير ما تقدرون عليه. فلقد أتيتم، صبحتم أو مسيتم، ألا وإن ~~الدنيا طويت على الغرور فلا يغرنكم بالله الغرور. اعتبروا بمن مضى، ثم جدوا ولا تغفلوا. أين ~~أبناء الدنيا وإخوانها الذين أثاروها وعمروها وتمتعوا بها طويلا. ألم تلفظهم؟ أرموا ~~بالدنيا حيث رمى الله بها، واطلبوا الآخرة فإن الله قد ضرب لها مثلا بالذي هو خير، فقال - ~~عز وجل: # واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء ~~أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما ~~تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا * المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات ~~الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا ~~.» # 2 # يثبت ابن كثير هذه الخطبة ويفند قول الذين قالوا: إن عثمان أرتج عليه، ويرى أن ما ذكروه ~~لا سند له. وابن كثير مبالغ في هذا القول. فقد أثبت ابن سعد في الطبقات مقال عثمان حين أرتج ~~عليه وذكر سنده. وأنا أشد ميلا لترجيح رواية ms037 ابن سعد وللشك في هذه الخطبة المنبرية التي ~~أثبتها ابن كثير والطبري وغيرهما. فطبيعي أن يشغل عثمان بما كان أيام الشورى عن تهيئة خطاب ~~يلقيه على الناس إثر بيعته. وطبيعي أن يقول لهم: إن بعد اليوم أياما، وإن الخطبة ستأتيهم ~~من بعد على وجهها. وقد أثبت الطبري وابن كثير أن أول تصرف كان لعثمان بعد بيعته أنه زاد في ~~عطاء الناس على ما كان عليه أيام عمر. فكيف تتفق زيادة العطاء وخطبته كلها تزهيد في الدنيا ~~وترغيب عن المتاع بها! # أيا ما يكون الأمر فالخطبتان لا تصف أيهما ما كان يدور بخاطر عثمان من سياسة الغد. ~~وأكبر الظن أنه لم يكن بعد قد رسم سياسة واضحة الحدود كما فعل أبو بكر حين عزم قتال أهل ~~الردة، وكما فعل عمر حين أمر برد السبي من العرب إلى عشائرهم، وحين أمر بإجلاء نصارى نجران ~~عن ديارهم، وحين انتدب الناس للذهاب إلى العراق مددا للمثنى. ولعل ما كان بين عمر وعثمان ~~من اختلاف في المزاج بين الشدة واللين هو الذي استأنى عثمان فلم يرسم هذه السياسة. # على أن أمرا واجهه أول ما بويع لم يكن له بد من الفصل فيه. وذلك أمر عبيد الله بن عمر بن ~~الخطاب. فقد اقتنع عبيد الله بأن مقتل أبيه لم يكن جريمة فردية ارتكبها أبو لؤلؤة فيروز ~~غلام المغيرة بن شعبة من تلقاء نفسه، بل كان نتيجة لمؤامرة اشترك فيها الهرمزان الفارسي ~~وجفينة أحد نصارى الحيرة. وكان اقتناعه بذلك عن بينة. فقد شهد عبد الرحمن بن عوف أنه رأى ~~السكين التي طعن بها عمر مع الهرمزان وجفينة عشية الحادث الذي روع المسلمين، وشهد عبد ~~الرحمن بن أبي بكر، قال: «قد مررت على أبي لؤلؤة قاتل عمر ومعه الهرمزان وجفينة وهم نجي ~~فلما بغتهم ثاروا، فسقط من بينهم خنجر له رأسان ونصاب في وسطه، فانظروا ما الخنجر الذي قتل ~~به عمر.» ونظر الناس فوجوده الخنجر الذي وصف عبد الرحمن بن أبي بكر. عند ذلك ثار ثائر عبيد ~~الله ms038 فتقلد سيفه، ثم بدأ بالهرمزان وجفينة فقتلهما، وانطلق إلى دار فيروز فقتل ابنة له ~~صغيرة تدعي الإسلام. # حدث هذا قبل أن يبايع عثمان وثار له الناس، وتوعدوا عبيد الله وحبسوه. فلما بويع عثمان لم ~~يكن له من القضاء في أمر عبيد الله بد. يذكر الطبري رواية عن شعيب عن سيف عن أبي منصور أنه ~~قال: «سمعت القماذيان يحدث عن قتل أبيه - الهرمزان - قال: كانت العجم بالمدينة يستروح بعضها ~~إلى بعض، فمر فيروز بأبي ومعه خنجر له رأسان فتناوله منه، وقال: ما تصنع بهذا في هذه ~~البلاد؟ فقال: أبس به، فرآه رجل؛ فلما أصيب عمر قال: رأيت هذا الخنجر مع الهرمزان دفعه إلى ~~فيروز، فأقبل عبيد الله فقتله؛ فلما ولى عثمان دعاني فأمكنني منه - أي: من عبيد الله بن عمر ~~- ثم قال: يا بني هذا قاتل أبيك وأنت أولى به منا فاذهب فاقتله؛ فخرجت به وما في الأرض أحد ~~إلا معي إلا أنهم يطلبون إلي فيه. فقلت لهم: ألي قتله؟ قالوا: نعم. وسبوا عبيد الله. فقلت: ~~أفلكم أن تمنعوه؟ قالوا: لا، وسبوه. فتركته لله ولهم، فاحتملوني، فوالله ما بلغت المنزل إلا ~~على رءوس الرجال وأكفهم.» # هذه رواية الطبري. وهي تجعل العفو عن عبيد الله من عمل القماذيان بن الهرمزان. وهذا قول ~~يخالف المشهور، فأكثر الرواة يذكرون أن عثمان جلس بعد بيعته إلى جانب المسجد، فجيء بعبيد ~~الله بن عمر من محبسه ليحاكمه، فلما مثل بين يديه قال عثمان للحاضرين: «أشيروا علي في هذا ~~الذي قتل في الإسلام ما قتل.» وأجابه علي بن أبي طالب: «ما من العدل تركه، وأرى أن ~~تقتله.» # فاعترض أحد حضور المجلس رأي علي بقوله: «قتل عمر أمس ويقتل ابنه اليوم؟!» ووجم الحاضرون ~~حين سمعوا هذا الاعتراض، وأمسك علي عن القول. ولعله أمسك مخافة أن يتهم بأنه يريد أن يثير ~~على عثمان يوم بيعته. وأجال عثمان بصره فيمن حوله يلتمس عندهم الرأي، ويود لو وجد أحدهم من ~~قتل عبيد الله مخرجا. قال عمرو بن العاص: «إن الله قد ms039 أعفاك من هذا الحدث، وقد كان وليس لك ~~على المسلمين سلطان. تلك قضية لم تكن في أيامك، فدعها عنك.» ولم يقنع هذا الرأي عثمان فقال: ~~«أنا وليهم - يريد ولي الذين قتلوا - وقد جعلتها دية واحتملتها في مالي.» # كان هذا الرأي من عثمان عين الحكمة. فهو لم يعف عبيد من جريرة جريمته. وهو لم يأمر ~~بتحقيق؛ لأنه إذا أثبت مؤامرة الهرمزان وجفينة وفيروز أثار ثائرة الفرس والنصارى، ثم لم ~~يبرئ عبيد الله من قتل ابنة أبي لؤلؤة عمدا في غير إثم وبغير حق. وقد استراح الناس جميعا ~~لصنيع عثمان إلا جماعة دفعتهم الحمية للتعريض به ونقده. من هؤلاء زياد بن عبيد البياض الذي ~~انطلق يقول الشعر يسيء به إلى عبيد الله وينقد به حكم عثمان. وقد جاء به عثمان وأمره أن يكف ~~عن هذا التعريض فكف. بذلك نامت فتنة لم يكن من الخير أن تستيقظ، وانصرف المسلمون في أرجاء ~~الإمبراطورية إلى مألوف حياتهم قبل مقتل عمر. # فرغ عثمان من أمر عبيد الله بن عمر ثم جعل يفكر في السياسة التي يسير عليها. إنه يعلم أن ~~بني هاشم لم يستريحوا لبيعته، وأن جمهور الناس يرجون خطة غير ما أخذهم به عمر من بطش وشدة، ~~ويطمعون في حياة أكثر لينا مما ألفوا إلى يومئذ. وهو يعلم أن الجند هم عماد النظام وحماة ~~الإسلام والمدافعون عن الإمبراطورية. فإذا استطاع أن يتألف الجمهور والجند جميعا استبشروا ~~الناس بعهده واطمأنوا له، هذا على أن يستقر في نفوسهم أنه ليس أقل من عمر حرصا على الدفاع ~~عن الدولة وما فتحت، وعلى إقامة العدل بين الناس عدلا يزيدهم أمنا على أنفسهم وأموالهم، ~~وطمأنينة إلى غدهم. وهو يعلم أن الولاة في البلاد المفتوحة هم أعوانه الأولون، فإذا أنسوا ~~إليه حفظوا النظام وبثوا السكينة في قلوب الناس في أقطار الأرض. فكيف يبلغ هذا كله في رفق ~~ولين يتفقان مع طبعه، ثم لا يشوبهما ضعف يشوه جمالهما، أو يدعو الذين لم يستريحوا إلى بيعته ~~إلى تمرد أو خروج. # تتفق الروايات على ms040 أن أول ما صنع عثمان أن زاد في عطاء الناس عما كان في عهد عمر. زاد في ~~عطاء كل واحد من جند المسلمين مائة درهم على ما فرضه عمر لهم، وكان عمر قد جعل لكل مسلم في ~~كل ليلة من رمضان درهما من بيت المال يفطر عليه، ولأمهات المؤمنين درهمين، فأقر عثمان ذلك ~~وزاده، ثم إنه اتخذ في المسجد سماطا للمتعبدين والمعتكفين وأبناء السبيل والفقراء ~~والمساكين. بذلك استبشر الجند واسبتشر الناس ورأوا فيه فألا حسنا بمستقبل يكونون فيه أطيب ~~حياة وألين عيشا، وليس لأحد أن يؤاخذ به عثمان والأموال تتدفق على المدينة من أرجاء ~~الإمبراطورية، فلا تضيق بما وسع أمير المؤمنين على المسلمين. # وليطمئن الناس إلى أن ما ألفوا من عدل في عهد عمر لن يعبث به عابث كتب عثمان إلى عماله: ~~«أما بعد فإن الله أمر الأئمة أن يكونوا رعاة، ولم يتقدم إليهم أن يكونوا جباة. وإن صدر هذه ~~الأمة خلقوا رعاة ولم يخلقوا جباة. وليوشكن أئمتكم أن يصيروا جباة ولا يكونوا رعاة. فإذا ~~عادوا كذلك انقطع الحياء والأمانة والوفاء. ألا وإن أعدل السيرة أن تنظروا في أمور المسلمين ~~وفيما عليهم فتعطوهم ما لهم وتأخذوهم بما عليهم، ثم تثنوا بالذمة فتعطوهم الذي لهم ~~وتأخذوهم بالذي عليهم، ثم العدو الذي تنتابون فاستفتحوا عليهم بالوفاء.» # هذا كتاب صور به عثمان سياسته في الرعية وما يجب على عماله أن يأخذوها به. وهي سياسة كلها ~~السداد والحكمة. فهو يأمر هؤلاء العمال أن يرعوا الناس بالرفق وألا يرهقوهم جباية ~~واستغلالا، وأن يأخذوا من المسلم ومن الذمي ما عليه، وأن يعطوا المسلم والذمي ماله عدلا ~~بغير بغي، وأن يفوا بما يقطعونه للعدو من عهد حتى تذهب حميته فلا يثير الناس بالمسلمين. تلك ~~أعدل السير في نظر عثمان. إليها يطمئن الجميع فيسود الأمن ويستتب النظام، وتستقر الأمور في ~~نصاب، لا يدع لشاك أن يشكو ظلما أو هضما. # كان لعمال الخراج من الاستقلال عن الولاة ما خشي عثمان معه أن يظلموا الناس فيبهظوهم بما ~~لا يجب عليهم ms041 أداؤه، أو أن يستغلوا مناصبهم لفائدتهم وفائدة ذويهم فيثيروا النفوس ويسيئوا ~~إلى نزاهة الحكم؛ لذلك كتب إلى عمال الخراج يقول: «أما بعد فإن الله خلق الخلق بالحق فلا ~~يقبل إلا الحق. خذوا الحق وأعطوا الحق به. والأمانة الأمانة، قوموا عليها ولا تكونوا أول من ~~يسلبها فتكونوا شركاء من بعدكم إلى ما اكتسبتم، والوفاء الوفاء لا تظلموا اليتيم ولا ~~المعاهد، فإن الله خصم لمن ظلمهم.» # لم يرد عثمان أن يفهم الناس من كتبه إلا الولاة وإلى عمال الخراج أنه أعفى العامة من ~~الواجبات الملقاة عليهم، أو أنه حين زاد في عطائهم يدعوهم إلى التمرغ في متاع الدنيا ورفه ~~العيش؛ لذلك أذاع فيهم كتابا، قال فيه: «أما بعد، فإنكم إنما بلغتم ما بلغتم بالاقتداء ~~والاتباع؛ فلا تلفتنكم الدنيا عن أمركم، فإن أمر هذه الأمة صائر إلى الابتداع بعد اجتماع ~~ثلاث فيكم: تكامل النعم، وبلوغ أولادكم من السبايا، وقراءة الأعراب والأعاجم القرآن. وقد ~~قال رسول الله: الكفر في العجمة، فإذا استعجم عليهم أمر تكلفوا وابتدعوا.» # وهذه الكتب الثلاثة إلى الولاة وإلى عمال الخراج وإلى العامة تصف مجملا من سياسة عثمان ~~في إدارة الشئون الداخلية لبلاد الدولة كلها. ولكن عثمان لم يكن ليغيب عنه أن الإمبراطورية ~~الناشئة لما تستقر إلى حال من الطمأنينة يستريح الخليفة إليه، وأن الفرس والروم لن تهدأ ~~نفوسهم بعد الذي أصابهم في عهد عمر، وأنهم لا بد ينتهزون أول فرصة للثورة بالمسلمين حيثما ~~وجدوا في الحكم العربي ضعفا عن مقاومتهم. ولم يكن هذا الأمر ليغيب على من كان أقل من عثمان ~~بصرا بالأمور، واحتياطا لما قد يحدث. كتب عثمان إلى أمراء الأجناد في مختلف بلاد الدولة ~~من غرب مصر إلى شرق فارس يقول: «أما بعد، فإنكم حماة المسلمين وذادتهم، ولقد وضع لكم عمر ما ~~لم يغب عنا، بل كان عن ملأ منا، ولا يبلغني عن أحد منكم تغيير ولا تبديل فيغير الله ما بكم ~~ويستبدل بكم غيركم، فانظروا كيف تكونون، فإني أنظر فيما ألزمني الله النظر فيه والقيام ~~عليه.» # هذه ms042 هي السياسة التي رسمها عثمان وأذاعها في الأمصار أول ما بويع، وتستطيع أن تضيف إليها ~~أنه أقر الولاة في ولاياتهم، لم يعزل أحدا منهم، ولم ينقل أحدا إلى غير ولايته التي كان ~~فيها حين استشهد عمر. أقر نافع بن عبد الحارث الخزاعي على مكة، وسفيان بن عبد الله الثقفي ~~على الطائف، ويعلى بن منية على صنعاء، وعثمان بن أبي العاص الثقفي على البحرين وما والاها، ~~والمغيرة بن شعبة على الكوفة، وأبا موسى الأشعري على البصرة، ومعاوية بن أبي سفيان على ~~دمشق، وعمير بن سعد على حمص، وعمرو بن العاص على مصر، كما أقر عبد الله بن أبي ربيعة على الجند. # 3 # وليس في هذه السياسة؛ كما ترى، جديد يقف النظر أو يدعو إلى إعمال الرأي كما كان في سياسة ~~عمر حين رفع الحظر عن أهل الردة، وحين أمر برد السبي من العرب إلى عشائرهم، وبإخراج نصارى ~~نجران من ديارهم. ولعل حجة عثمان في نهج هذه السياسة كانت أنه عاهد عبد الرحمن بن عوف قبيل ~~توليته على أن يعمل بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخليفتين من قبله، وأنه لم يقل ما قاله ~~علي بن أبي طالب أنه يعمل بمبلغ حكمته وطاقته؛ لذلك لم يفكر في جديد يضيفه إلى سياسة ~~الخليفتين أبي بكر وعمر، مخافة أن يتهم بأنه ابتدع من عند نفسه وعمل بعلمه مخالفا بذلك ~~عهدا قطعه وبايعه الناس عليه. أم أن عثمان كان لشدة حيائه كثير العطاء تألفا للناس، ثم لم ~~يتعرض في كتبه الأولى لرسم سياسة جديدة قد يضطر للرجوع عنها، فيكون رجوعه حجة يؤاخذه بها ~~خصومه ويتخذونها عمادا لدعاية ما أغناه عنها. # أيا ما يكنه الأمر لقد كان متعذرا على عثمان وعلى غير عثمان في الموقف الذي بلغته ~~الأمور حين مقتل عمر أن يتخذ خطة غير خطة الانتظار ومراقبة الأحوال، وما يمكن أن تتحول ~~إليه. فقد كانت منازعات العرب الذين استوطنوا البصرة والكوفة متصلة، وكانت كل واحدة من ~~المدينتين تسرع إلى مناوأة عامل الخليفة عليها، حتى اضطر عمر ms043 غير مرة إلى أن يولي عماله وأن ~~يقول: «هات أمرا أصلح به قوما أن أبدلهم أميرا مكان أمير.» وكان يزدجرد كسرى الفرس لا ~~يزال مقيما في فرغانة عاصمة الترك بسمرقند ينتظر الفرصة للعود إلى بلاده ومناجزة المسلمين. ~~وكان الروم قد اطمأنت أمورهم بعض الشيء بعاصمة قسطنطين، وكانوا يتهيئون للأخذ بالثأر وشن ~~الغارة من جديد على الشام وعلى مصر. وكان العرب في شبه الجزيرة وخارج شبه الجزيرة قد أنسوا ~~إلى ألوان من المتاع وافتنوا فيه، فلم يكن عجبا أن يغريهم ذلك بطلب المزيد منه والتذمر إذا ~~لم ينالوا ما يطلبون. لم يكن بد لمن ولي أمر دولة تلك حالها أن يطيل التفكير قبل أن يرسم ~~خطة لسياستها. فإذا كان ولي الأمر في مثل حياء عثمان ولينه كان أشد حاجة للأناة وطول ~~التفكير. وكان الأمر كذلك بخاصة؛ لأن عمر قتل والناس مطمئنون إلى أنه لا يزال له في العمر ~~فسحة، لا يفكر أحد بذلك منهم في سياسة تخالف سياسته. # ولا يغيب عن الذاكرة مع هذا كله أن جند المسلمين في أرجاء مختلفة من أرض فارس وبرقة وجنوب ~~مصر كانوا دائمي الأهبة لقتال العدو في قتال نظامي حينا، وفيما يشبه حرب العصابات أحيانا، ~~فلم يكن لعثمان أن يغفل هذا الأمر، ولم يكن له بد من أن يعيره أعظم جانب من التفاته. ذلك أن ~~الحوادث لم تطاوع عمر أن يقف بالفتح الإسلامي في حدود يعقد الصلح مع خصومه الفرس والروم على ~~احترامها، فاضطر لمتابعة الفتح حتى قتل ولا يزال جنده متحصنا بأطراف فارس وأطراف مصر. وما ~~كان لخليفة أن يقيض عن ذلك أو تتعرض الإمبراطورية كلها للانتقاض من أطرافها. والاحتياط لهذا ~~الأمر هو عبء جسيم واجهه الخليفة الثالث لأول ما بويع. # وكان الفرس والروم يعرفون من شئون العرب ما يجعلهم يزيدون في هذا العبء فداحة. فقد فكروا ~~في الانتقاض لأول ما جاءتهم الأنباء بمقتل عمر وبيعة عثمان. فتمردت ولايات كانت أذعنت ~~لسلطان العرب وصالحتهم، فنقضت صلحها ومنعت الجزية التي صالحت عليها، لم يكن للخليفة ms044 بد من ~~رد هذه الولايات إلى حمى الطاعة، وأن يفرض عليها جزاء أقله ما صالحت عليه في عهد عمر مخافة ~~أن تنقض غيرها من الولايات صلحها، وتعلن الثورة والعصيان. فإذا وقع ذلك تفاقمت الأمور ~~وتعذرت ملافاتها. ~~••• # حدث أول انتقاض من هذا النوع في أذربيجان وأرمينية، ثم هاجم الروم الشام، ثم نقضت ~~الإسكندرية عهدها واستعانت بالروم فأعانوها. أما وقد تتابعت هذه الأحداث وأمثالها فلا بد من ~~قمعها والقضاء عليها في مهدها. وقد فعل عثمان، فأدى ما فعل إلى امتداد الفتح، وإلى اتخاذ ~~المسلمين قواعد حربية لحماية الإمبراطورية، وإلى إنشائهم قوة بحرية إلى جانب قواتهم البرية. ~~وسنوجز في الفصول التالية ما تم من ذلك كله، وما ترتب عليه في سياسة الدولة الخارجية؛ لنعود ~~بعد ذلك إلى تفصيل سياسة الحكم الداخلي في عهد عثمان، وإلى ما انتهت إليه هذه السياسة من ~~ثورة بالخليفة، ثم بالخلافة ليصبح الأمر بعد علي ملكا عضودا في بني أمية. # الفصل الثالث # | الفتح في عهد عثمان # امتدت الإمبراطورية الإسلامية في عهد عمر من أقصى فارس شرقا إلى حدود برقة وطرابلس ~~غربا. ومن بحر قزوين في الشمال إلى بلاد النوبة في الجنوب. وقد آمن ما فتحه المسلمون من ~~بلاد هذه الإمبراطورية بأن غزاتهم لا غالب لهم. مع ذلك كانت أسباب الانتقاض لا تفتأ الحين ~~بعد الحين تحرك نفوس الناس من أهل هذه الأقاليم إلى الثورة بالمسلمين ونكث ما عاهدوهم عليه. ~~ولم يكن ذلك عجبا، والفاتحون يخالفونهم في الجنس واللغة والعقيدة، ثم لم يكن عجبا وقد كان ~~عرب الحيرة والغساسنة إلى سنوات معدودة قبل الفتح يخضعون لسلطان الفرس ونفوذ الروم. # ولم يكن عجبا كذلك أن تحرك عوامل الفتنة نفوس الناس في البلاد المفتوحة، وذلك بحكم ~~موقفهم من المسلمين وموقف المسلمين منهم. فلم تكن للمسلمين قوات مرابطة في هذه البلاد، بل ~~كانوا يصالحون كل إقليم يفتحونه على جزية معينة يدفعها أهله لهم، ثم يتركون حكم الإقليم ~~لأبنائه، وتنسحب قواتهم بعد ذلك عنه إلى المعسكرات العربية. وكانت أعظم هذه المعسكرات مركزة ~~بالشام، في ms045 دمشق وفي حمص، كما كانت مركزة بالعراق في البصرة وفي الكوفة. أما في مصر فلم يكن ~~للعرب مسلحة قوية إلا في حصن بابليون حيث تقع مصر القديمة اليوم؛ لهذا حدث غير مرة في عهد ~~عمر نفسه أن انتقضت ولايات بعد إذعانها فمنعت الجزية وامتنعت من العرب بحصونها، فبعث إليها ~~عمر من ردها إلى الطاعة وأعادها إلى الإذعان. لكنه لم يكن يترك من جنده بينها من يحفظ ~~نظامها ويلزمها احترام عهدها؛ لأن انفساح الإمبراطورية السريع جعله في حاجة إلى تنقل هذه ~~القوات من ميدان إلى ميدان. ثم إنه يخشى إن هو ترك قوات صغيرة في الأقاليم المفتوحة أن يثور ~~الناس بها، وأن يتغلبوا عليها فيكون لذلك من سيئ الأثر في النفوس ما لا يحب. وهو إلى هذا قد ~~كان قادرا دائما أن يرد العصاة عن عصيانهم، وأن ينزل بهم من العقاب ما يكون عبرة ~~لغيرهم. # كانت ولاية أذربيجان وما والاها من ناحية الغرب آخر ما أخضعه المسلمون من ولايات فارس في ~~عهد عمر. وتقع أذربيجان إلى الجنوب الغربي من بحر قزوين، وهي بلاد جبلية ترتفع أرضها فوق ~~سطح البحر نحو خمسمائة متر وألف متر، وبها قمم يبلغ ارتفاعها أربعة آلاف من الأمتار. وكان ~~بها معابد كثيرة للنار حين غزاها المسلمون. وقد أخضعها عتبة بن فرقد وصالح أهلها بإذن حذيفة ~~بن اليمان، وأعطاهم كتابا بالأمان على سهلهم وجبلهم وشعائرهم وأهل ملتهم، وعلى أنفسهم ~~وأموالهم وعقائدهم وشرائعهم، على أن يؤدوا الجزية على قدر طاقتهم. # وامتد الفتح من أذربيجان إلى الباب وإلى موقان. فلما أخضعهما المسلمون تحول عبد الرحمن بن ~~ربيعة عنهما يريد غزو الترك المجاورين لها فاعتصموا منه بالجبال. وإنه ليعد للسير إليهم حيث ~~اعتصموا إذ جاءته الأنباء بمقتل عمر فترك الترك لم يتعقبهم، وأقام حيث كان ينتظر أوامر ~~عثمان. # أفأصدر عثمان إليه أمرا بمتابعة الغزو؟ لا تسعفنا روايات المؤرخين بما تطمئن له النفس. ~~فقد اختلفوا في هذا الأمر كما اختلفوا في تاريخ الغزوات من بعد رسول الله. وأنت ترى في ~~الكتاب الواحد ms046 من اختلاف الروايات ما تقف أمامه حائرا؛ أي رواية تأخذ وأي رواية تدع. فقد ~~قيل: إن أذربيجان منعت في عهد عثمان ما كانت صالحت عليه حذيفة من جزية قدرها ثمانمائة ألف ~~درهم، وإن الوليد بن عقبة سار إليها فردها إلى الطاعة وفرض عليها جزية حذيفة. وذهاب ~~الوليد بن عقبة يكاد يتفق عليه جميع المؤرخين. لكنهم يختلفون؛ أذهب إلى أذربيجان سنة أربع ~~وعشرين للهجرة، أي: بعد بيعة عثمان بأشهر، أم ذهب إليها سنة خمس وعشرين، أم سنة ست وعشرين. ~~ويرجع اختلاف الرواة إلى قولهم: إن الوليد إنما غزا أذربيجان بعد أن ولاه عثمان الكوفة، وهو ~~قد تولاها بعد سعد بن أبي وقاص. والرواة يختلفون: أتولى سعد الكوفة توا بعد مقتل عمر، أم ~~أقر عثمان المغيرة بن شعبة عليها سنة ثم ولاها سعدا سنة وأشهرا، ثم تولاها الوليد بن ~~عقبة من بعده. فإذا كان الوليد لم يذهب إلى أذربيجان إلا بعد ولايته الكوفة، فهو قد ذهب ~~إليها سنة خمس وعشرين إن كان المغيرة بن شعبة قد عزل عن الكوفة إثر مقتل عمر، وسنة ست ~~وعشرين إن كان سعد لم يتولها إلا بعد أن أقام المغيرة بن شعبة سنة على ولايتها. # على أن الطبري وابن الأثير، ومن جروا مجراهما يذكرون أن الوليد بن عقبة ذهب إلى أذربيجان ~~سنة أربع وعشرين، أي: قبل ولايته الكوفة. وهذا ممكن، وأراني أميل إليه وإن كنت لا أقطع به. ~~ويدعوني إلى هذا الميل أن أهل أذربيجان كانوا أقرب أهل فارس عهدا بغزو المسلمين، وأنهم ~~رأوهم رجعوا عن الغزو حين جاءهم النبأ بمقتل عمر، فأدخل ذلك في روعهم أن سياسة الخليفة ~~الجديد تخالف سياسة سلفه. ولما لم يكونوا قد تعودوا من أداء الجزية ما تعوده الذين أدوها ~~سنوات عدة في عهد عمر، فقد منعوا ما صالحوا عليه حذيفة بن اليمان. ولم يتردد عثمان حين عرف ~~أمرهم أن بعث الوليد بن عقبة لغزوهم فغزاهم وردهم إلى الطاعة، وإلى أداء الجزية. ثم إن ~~الوليد بعث عبد الله بن شبيل بن عوف ms047 الأحمسي إلى موقان، والبير، والطيلسان، وكلها تجاوز ~~أذربيجان، فغزاها وسبى وغنم من أهلها، ورد إلى قلوبهم الإيمان ببأس المسلمين وعظيم ~~سلطانهم. # تجاور أرمينية هذه البلاد التي تغلب عليها الوليد بن عقبة ومن سار تحت لوائه من الأمراء ~~والجنود. وكانت أرمينية قبل خلافة عمر مستقلة في بعض العهود، مقسمة بين الفرس والروم في ~~عهود أخرى. وكانت أفسح رقعة من أرمينية التي نعرفها اليوم. روى البلاذري أنها كانت مقسمة ~~إلى أرمينية الأولى، وأرمينية الثانية، وأرمينية الثالثة، وأرمينية الرابعة. وذكر أسماء ~~البلاد التي كانت واقعة في كل منها، وأنها كانت تمتد من شمشاط غربا إلى تغلب، وإلى بلاد ~~بحر الخزر شرقا. فلما كانت خلافة عمر، وأجلى المسلمون هرقل عن الشام، واستولوا على أنطاكية ~~وحمص وشمال الشام كله سار خالد بن الوليد في بلاد أرمينية، فغزا مرعش وشمشاط وما والاها من ~~البلاد التي كانت في حكم الروم، وعاد منها إلى الشام بالغنائم والأسلاب من غير أن يصالح ~~أهلها على أمان أو جزية. وعلى أثر عودته ولاه عمر إمارة قنسرين. فلما بعث الروم بعد ذلك ~~بالجنود على السفن إلى أنطاكية فانتقضت، وانتقضت حمص وحلب وبلاد الشمال من أرض الشام، أجلب ~~المسلمون بخيلهم ورجلهم على هذه البلاد، وحصروها وطردوا الروم منها، ثم تجاوزها عياض بن ~~غنم، وخالد بن الوليد إلى أرمينية فساروا فيها حتى بلغ خالد آمد والرهاء. وكان خالد في ~~مسيرته يفتح البلاد ويستفيء الغنائم ويلقي في القلوب الرعب. واجتمع له من الفيء شيء عظيم ~~عاد به إلى قنسرين من غير أن يعقد هو أو يعقد عياض بن غنم صلحا مع أهل أرمينية على أمان أو ~~جزية. وكذلك ظلت أرمينية وليس للمسلمين فيها سلطان، وإن كانت قد ذاقت من بأسهم ما جعلها ~~تتربص بهم الدوائر. # ترى أوجد أهل أرمينية في ثورة أذربيجان، بعد قليل ~~من بيعة عثمان، فرصة الثأر لأنفسهم من المسلمين فانضموا إلى ما جاورهم من أرض فارس وشجعوهم ~~على الانتفاض، فقاتلهم المسلمون وأخضعوهم؟ أم ترى المسلمين حين أخضعوا أذربيجان وما والاها، ~~فلم يقف ms048 في سبيلهم أحد اندفعوا في أرض أرمينية كذلك فأخضعوها لسلطانهم؟ أم تحرك الروم في ~~أرمينية وأرادوا السير منها لغزو الشام فلم يكن بد من أن يواجههم المسلمون؟ الاتفاق بين ~~المؤرخين قائم على أن المسلمين غزوا أرمينية وأخضعوها. على أن الروايات تختلف في المقدمات ~~ثم تتفق في النتيجة. يقول الطبري ومن أخذ عنه: إن الوليد بن عقبة حين فرغ من إخضاع أذربيجان ~~وموقان والطيلسان بعث سلمان بن ربيعة الباهلي، فسار في أرض أرمينية، فقتل وسبى وغنم وانصرف ~~وقد ملأ يده حتى أتى الوليد، فانصرف الوليد ودخل الموصل فنزل الحديثة. ويقول البلاذري: # 1 # إن عثمان لما استخلف كتب إلى معاوية بن أبي سفيان يأمره أن يوجه حبيب بن مسلم ~~الفهري إلى أرمينية، أو إن عثمان كتب إلى حبيب نفسه يأمره بغزو أرمينية، وإن حبيبا نهض ~~إليها في ستة آلاف، فقاتل أهل (قاليقلا) فطلبوا الأمان على الجلاء والجزية، وجلا كثير منهم ~~فلحقوا ببلاد الروم. وبلغ حبيبا بعد أشهر أن أهل أرمينية استعانوا بالروم، وجمعوا للمسلمين ~~جمعا عظيما فاستمد حبيب عثمان، فكتب عثمان إلى معاوية، فأمده بألفي رجل أسكنهم (قاليقلا)، ~~وأقطعهم القطائع وجعلهم مرابطة بها. # هاتان روايتان مختلفتان في ظاهرهما، لكنك تستطيع التوفيق بينهما، فأرمينية كما ذكرنا كانت ~~ممتدة في أرض فارس وفي أرض الروم، فلا عجب أن يكون سلمان بن ربيعة الباهلي قد سار بأمر ~~الوليد بن عقبة في جانبها الفارسي، وأن يكون حبيب بن مسلم الفهري قد سار في جانبها الرومي، ~~بأمر عثمان أو أمر معاوية. وهذا ما نرجحه. وهو لا يخالف سياق الوقائع من بعد وإن اختلف ~~الرواة في تفصيل هذه الوقائع. # فقد ذكر الطبري أن الوليد بن عقبة حين دخل الموصل أتاه كتاب من عثمان يقول فيه: «أما بعد ~~فإن معاوية بن أبي سفيان كتب إلي يخبرني أن الروم قد أجلبت على المسلمين بجموع عظيمة. وقد ~~رأيت أن يمدهم إخوانهم من أهل الكوفة. فإذا أتاك كتابي هذا فابعث رجلا ممن ترضى نجدته ~~وبأسه وشجاعته وإسلامه في ثمانية آلاف أو تسعة ms049 آلاف أو عشرة آلاف من المكان الذي يأتيك فيه ~~رسولي والسلام.» فقام الوليد في الناس، فقال بعد حمد الله والثناء عليه: «أما بعد فإن الله ~~قد أبلى المسلمين في هذا الوجه بلاء حسنا، ورد عليهم بلادهم التي كفرت، وفتح بلادا لم ~~تكن افتتحت، وردهم سالمين غانمين مأجورين، فالحمد لله رب العالمين. وقد كتب إلي أمير ~~المؤمنين يأمرني أن أندب منكم ما بين العشرة آلاف إلى الثمانية آلاف تمدون إخوانكم من أهل ~~الشام، فإنهم قد جاشت عليهم الروم، وفي ذلك الأجر العظيم والفضل المبين. فانتدبوا رحمكم ~~الله مع سلمان بن ربيعة الباهلي.» ولم تمض ثلاثة أيام حتى خرج ثمانية آلاف رجل من أهل ~~الكوفة بإمرة سلمان بن ربيعة، فدخلوا مع أهل الشام إلى أرض الروم، وعلى جند أهل الشام حبيب ~~بن مسلمة بن خالد الفهري، فشنوا الغارات معا على أرض الروم، فأصابوا ما شاءوا من السبي ~~وملئوا أيديهم من الغنم وافتتحوا حصونا كثيرة. # هذه رواية الطبري. أما البلاذري فيذكر أن عثمان لم يكتف بالكتابة إلى معاوية حين استمده ~~حبيب بن مسلمة الفهري، بل كتب كذلك إلى سعيد بن العاص الأموي فأمده بجيش من الكوفة عليه ~~سلمان بن ربيعة الباهلي، وأن سلمان سار في ستة آلاف رجل مددا للحبيب. لكن حبيبا قاتل ~~الروم قبل أن يبلغه سلمان وظفر بهم ظفرا دل على حيلته وشجاعته. قالت له امرأته حين فكر في ~~مهاجمتهم: «أين موعدك؟» قال: «سرادق الطاغية أو الجنة.» فلما انتهى إلى السرادق وجدها ~~عنده. فلما بلغه سلمان وقد فرغ من عدوه أراد أهل الكوفة أن يكون لهم نصيب في الغنيمة، فأبى ~~عليهم أهل الشام ما أرادوا، وتوعد بعضهم سلمان بالقتال فقال جندي من أهل الكوفة: # فإن تقتلوا سلمان نقتل حبيبكم # وإن ترحلوا نحو ابن عفان نرحل # وهذه الرواية التي يذكرها البلاذري ويؤيدها يرويها الطبري وينسبها للواقدي للتوهين منها؛ ~~لأن فتوح الشام المنسوب للواقدي مملوء بالخرافات وموضع شبهة من المؤرخين. كذلك يذكر ~~البلاذري رواية الطبري التي أثبتنا من قبل ثم يقول: إن الخبر ms050 الذي رواه هو أثبت، ويذكر ~~أسانيده. # ومهما يكن من أمر هذا الاختلاف في التفاصيل، فالروايات كلها تنتهي إلى أن أذربيجان ثارت ~~وأن أرمينية أرادت معاضدتها فأخضع المسلمون أذربيجان وما والاها وساروا في أرمينية من جانب ~~فارس ومن جانب الروم فاستولوا عليها، وإلى أن الروم خيل إليهم حين جاءتهم الأنباء بثورة ~~أذربيجان وقيام أهل أرمينية أنهم قادرون على استرداد ما ضاع من هيبتهم ومن سلطانهم، فدحرهم ~~المسلمون وردوهم على أعقابهم، وفتحوا من بلادهم ما لم يكونوا قد فتحوا من قبل. وقد حدث هذا ~~كله في أول خلافة عثمان، فكان بالغ الأثر في رد السكينة إلى ربوع الشام وأقاليم فارس، وفي ~~إعادة اليقين إلى أهل الأقاليم المفتوحة بأن مقتل عمر واستخلاف عثمان لم يوهن من بأس ~~المسلمين ولم يضعف من شوكتهم. # يجب مع ذلك أن نقف وقفة قصيرة نذكر أثناءها ما حدث من خلاف على اقتسام الغنائم بين أهل ~~الكوفة وأهل الشام، وما أدى إليه هذا الخلاف من تهديد هؤلاء وأولئك بعضهم لبعض. لقد حدث مثل ~~هذا الخلاف في عهد عمر. لكنه لم يؤد إلى أي تهديد. أفكانت هذه ظاهرة جديدة للعهد الجديد. ~~أم كانت مظهرا لشعور أصيل في نفس من استوطنوا العراق ومن استوطنوا الشام كان له من بعد ~~أثره؟ لا نريد أن نسبق الحوادث بجواب على أي من هذين السؤالين. فما حدث من بعد في عهد عثمان ~~وفي عهد علي كفيل بأن يفصح عن الجواب خير إفصاح. وحسبنا أن نذكر هنا أن الذين استوطنوا ~~الشام من عرب شبه الجزيرة كانوا من المهاجرين والأنصار أهل مكة والمدينة، وأن الذين ~~استوطنوا البصرة والكوفة قد جاءوا إليها من سائر أرجاء شبه الجزيرة، وأن المهاجرين والأنصار ~~كان لهم على غيرهم من العرب فضل السبق إلى الإسلام، ثم كان لسائر العرب من فضل الجهاد ~~لإقامة الإمبراطورية الإسلامية ما لا يقل عما كان للمهاجرين والأنصار وإن لم يزد ~~عليه. # ترى هل أذعن الروم بعد هزيمتهم فلم يفكروا في مناجزة المسلمين؟ هل كفاهم ما أصابهم ~~بالشام وبأرمينية؛ ms051 ليقنعوا بما بقي لهم في الأناضول وفي البلقان وفي إفريقية؟ لعلهم كانوا ~~يفعلون لو لم يكونوا يعتزون بما لهم على البحر من قوة ليس للعرب مثلها، ولو لم تغرهم ~~الإسكندرية بالوثوب إليها على متن الماء، وقد ظنوا أنهم قادرون على استرجاعها واسترجاع مصر ~~منها. # فقد فتح عمرو بن العاص مصر، وأجلى الروم عنها، واستقرت له ولايتها في عهد عمر. وكانت ~~سياسته فيها أن يتألف أهلها بتخفيف الضرائب وبتركهم أحرارا في عقيدتهم، وترك المناصب ~~الإدارية لأبناء البلاد وللروم الذين آثروا البقاء بها على الهجرة إلى وطنهم الأول. على أن ~~هذه السياسة التي أرضت المصريين في مجموعهم أغضبت أهل الإسكندرية. فقد كان لهؤلاء من ~~الامتيازات قبل الفتح العربي ما أعفاهم من كثير من الضرائب. فلما سوى القائد العربي بينهم ~~وبين غيرهم وفرض عليهم ما فرضه على غيرهم أحفظ ذلك قلوبهم، وهيأ للروم الذين لم يغادروا ~~عاصمة الإسكندرية فرصة التأليب على المسلمين وإثارة النفوس بحكمهم. ولم يدر بخلد عمرو أن ~~يؤدي ما قد يحدث من ذلك إلى فتنة أو انتفاض؛ لذلك أبقى للإسكندرية حصونها المنيعة، ولم يبق ~~بها من جنده غير حامية لا تزيد على الألف تحفظ النظام فيها وتفرض سلطان المسلمين عليها. ~~فلما استقر الأمر في بلاد القسطنطينية كاتب الروم المقيمون بالإسكندرية عاهل بيزنطة، وأوحوا ~~إليه أنه قادر إذا بعث إليهم السفن تحمل الجنود من غير أن يفطن المسلمون إلى ما يصنع أن ~~يأخذ المدينة على غرة، وأن يتحصن بها، ثم يسير منها إلى أرجاء مصر فيعيد فتحها، ويسترد هذا ~~الإقليم الغني الذي أمتع رومة ثم أمتع بيزنطة بخيره الوفير. # لم تبلغ هذه الأنباء عمرا لأن الروم كتموها؛ ولأن ابن العاص كان في شغل عنها بما كان ~~بينه وبين عمر من خلاف استفحل حتى اتهم عمر عمرا بأنه يفيد لنفسه من خراج مصر؛ ولذا بعث ~~إلى مصر محمد بن مسلمة يقاسمه ماله، وكان عمر موشكا أن يعزل عمرا لولا أنه قتل. ولم يكن ~~عثمان خيرا من عمر رأيا في ابن العاص. ولعله ms052 لم ينس ما قاله فيه منذ أربع سنوات حين سار ~~لفتح مصر؛ لذلك أضفى على عبد الله بن سعد بن أبي سرح، أخيه في الرضاع، عطفا أثار نفس عمرو ~~وأحفظ قلبه. وكان عبد الله بن سعد عاملا بمصر عينه ابن الخطاب تحت إمرة عمرو بن العاص. ~~وأوجس عمرو خيفة أن يقدم عثمان ابن أبي سرح وأن يمد في سلطانه، فزاده ذلك انصرافا عن ~~التفكير في أمر الإسكندرية، فلم يبلغه شيء من أنباء الروم وأفاعيلهم بها؛ وبخاصة لأن الروم ~~كتموا ذلك أشد الكتمان. # لا أريد بالحديث عن عمرو في هذا المقام أن اتهمه بالتقصير. فسلطانه بمصر في هذه الفترة من ~~الزمن يحيطه أشد الإبهام. قيل: إن عمر بن الخطاب إنما ولى عبد الله بن سعد ليضعف من سلطان ~~عمرو؛ لذلك أسند إليه حكم الصعيد والفيوم وجعل له جباية الخراج. فلما بويع عثمان عزل عمرا ~~وجعل ولاية مصر كلها لعبد الله بن سعد. ويذهب البعض من أصحاب هذه الرواية إلى أن عمرا غادر ~~مصر إلى مكة عقب عزله، ويذهب البعض الآخر إلى أنه ظل مقيما بمصر رغم عزله. وفي رواية أخرى ~~أن عثمان لم يعزل عمرا، لكنه مد في سلطان عبد الله بن سعد وأظهر عطفه الشديد عليه. # أما وذلك وضع عمرو بمصر في هذه الفترة من الزمن فمن العسير اتهامه بالتقصير لعدم تتبعه ~~أنباء الروم بالإسكندرية. بل إن له من العذر، حتى لو أنه كان باقيا على ولاية مصر، أنه كان ~~يدفع عن نفسه تهما شنيعة يراد إلصاقها به. وأية تهمة يمكن أن تسند لحاكم أشنع من اتهامه ~~بعدم النزاهة، ومحاولة استغلال الحكم لمنفعته ولزيادة ثروته. # أيا ما يكون الأمر فقد أرسل روم الإسكندرية إلى الإمبراطور قنسطانز الثاني # Constans II # يسألونه أن يخلصهم من حكم المسلمين، ~~ويهونون عليه الأمر بضعف مسلحة العرب في الإسكندرية، وبأنه صاحب البحر دون المسلمين، فإذا ~~بعث بالجنود في السفن سرا فلم يفطن المسلمون له نزلت قواته عاصمة مصر فاستولت عليها ~~واستولت منها على أقاليم مصر كلها. ms053 وراقت الفكرة قنسطانز وبلاطه وخيل إليهم أنهم متى عادوا ~~إلى مصر فملكوها لم يكن ما أصابهم بالشام شيئا مذكورا. # ولا ريب كان لقنسطانز أبلغ العذر في الاقتناع بهذا الرأي. فلم يكن للعرب إلى يومئذ شراع ~~واحد في البحر الأبيض. وقد طلب معاوية بن أبي سفيان إلى عمر بن الخطاب تجهيز السفن لحراسة ~~الشواطيء بالشام ومصر ولمواجهة الروم إذا حاولت سفنهم مواجهة هذه الشوطيء، فأشفق ابن الخطاب ~~مما طلب معاوية، وذكر ما أصاب العلاء بن الحضرمي حين غامر فاجتاز الخليج الفارسي بالجند في ~~السفن فقطع عليه الفرس خط رجعته إلى سفنه. فلما ألح معاوية على عمر كتب إلى ابن العاص ليصف ~~له البحر فكان جواب عمرو: «إني رأيت البحر خلقا كبيرا يركبه خلق صغير ليس إلا السماء ~~والماء، إن ركد أحزن القلوب، وإن ثار أراغ العقول، يزداد فيه اليقين قلة والشك كثرة. هم فيه ~~كدود على عود، إن مال غرق، وإن نجا برق.» فزاد هذا الوصف إشفاق عمر فلم يبح لمعاوية أن يجهز ~~السفن ومنعه من العود إلى مخاطبته في الأمر. أما والمسلمون لا يعرفون من أمر البحر شيئا، ~~وللروم على متنه القوة، وفي مقدورهم أن ينقلوا جندهم في السفن إلى مصر، فلا عجب أن ينتهز ~~قنسطانز فرصة إن فاتته ضاع أمله في استرداد مصر، وفي استرداد هيبة الإمبراطورية التي ورثها ~~عن أجداده، بل ضاع أمله في بقاء هذه الإمبراطورية في آسيا وإفريقية. # وجهز قنسطانز أسطولا من ثلاثمائة سفينة أوقرها بالرجال. وجعل على قيادتها مانويل الخصي ~~ودفعها للغاية التي أرادها، لكنه أخفى على الناس مقصدها حتى يظل أمرها سرا مكتوما فلا ~~يعرفه العرب. ونجح كيده فبلغ الأسطول الإسكندرية ونزل جنوده بها، فتلقاهم الروم المقيمون ~~فيها وانضموا إليهم وساروا معهم إلى مسلحة العرب، فقتلوا رجالها جميعا لم ينج منهم إلا نفر ~~لاذوا بالفرار. واستقر مانويل وجنوده بالعاصمة العظيمة، وخيل إليهم أن مغامرتهم نجحت، وأن ~~جلاء المسلمين عن مصر أصبح قدرا مقدورا. # كان نزول الروم الإسكندرية في الأشهر الأولى من السنة الخامسة والعشرين ms054 للهجرة (664 ~~ميلادية)، أي بعد عام وأشهر من بيعة عثمان. هذا تاريخ يكاد الرواة يجمعون عليه. وإجماعهم ~~هذا يدل على أن مقتل عمر شجع بلاد القسطنطينية على المسارعة إلى إجابة الروم من أهل ~~الإسكندرية، ظنا منهم أن وفاة الفاروق ستفت في عضد المسلمين وتقضي على الفتح الإسلامي ~~الذي سار في عهده سيرة أذهلت الروم والفرس جميعا. # ماذا صنع العرب حين بلغت أنباء الروم الفسطاط؟ أتراهم خفوا للقائهم ووقفوا عن الزحف داخل ~~البلاد؟ أم تولتهم الخشية أن يهزمهم الروم فلزموا مسالحهم حتى يأتيهم المدد من شبه الجزيرة؟ ~~تضطرب الروايات عن هذه الفترة الأولى كاضطرابها في أمر عمرو بن العاص وبقائه بمصر أو ذهابه ~~إلى مكة. والثابت أن الروم أغاروا على ما جاور الإسكندرية من البلاد، وسار جيشهم في أرجاء ~~مصر السفلى ينهب القمح والثمر والأموال من قراها ولا يدافعه مدافع. والظاهر أن العرب وقفوا ~~من هذه الحوادث موقف الحيرة والاضطراب، وأنهم استمدوا أمير المؤمنين بالمدينة الرأي وطلبوا ~~إليه المعونة. وأجمع أهل الرأي بالمدينة كما أجمع المسلمون بمصر على أن الرجل الذي يستطيع ~~مواجهة هذا الموقف الدقيق هو عمرو بن العاص دون سواه. فقد كان اسمه يبعث الرهبة في نفوس ~~الروم، وكانت سياسته تلقى من أهل مصر الرضا والتأييد؛ لهذا عهد إليه عثمان أن يتولى قتال ~~الروم فيجليهم عن مصر كما أجلاهم عنها أول مرة. أفكان عمرو بمصر؟ أم كان بمكة حين عهد إليه ~~الخليفة هذا العهد؟ لا نستطيع البت في هذا الأمر وقد اختلفت الروايات فيه. وإنما الثابت أن ~~عمرا لم يتردد في تنفيذ ما أمره الخليفة به، ولم يجد فيما أصابه من عمر ومن عثمان بعده ما ~~يرده عن القيام بواجب مقدس هو الجهاد لله وفي سبيل الله. # أم صحيح ما يقال من أن الجهاد في سبيل الله لم يكن هو الذي أسرع بعمرو إلى إجابة عثمان ~~إلى دعوته، وإنما دفعه إلى هذا الإسراع ما جبل عليه من الجرأة وحب الإمارة، ومن الحرص على ~~أن يعرف المسلمون أن عمر بن ms055 الخطاب ظلمه حين خاصمه، وكان أحرى به أن يجزيه بالخير عن فتح ~~مصر، وأن عثمان بن عفان لم ينصفه حين قدم عليه عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وأن المسلمين لا ~~غنى لهم عن تدبيره وحسن حيلته، وأنهم سيحملون عثمان على أن يجعله على جند مصر وخراجها متى ~~رد عادية الروم وأجلاهم عنها؟ لا نريد أن نسبق الحوادث بالجواب، فالحوادث كفيلة بإبرازه في ~~وضوح وجلاء. # ندع هذا الجواب إذن ونقف مع عمرو بالفسطاط، ونسايره إلى مقر القيادة بحصن بابليون. لقد ~~كان عمرو يعرف أفاعيل جيش الروم، وأنهم ساروا في بلاد مصر السفلى يغنمون وينهبون، ويتوفرون ~~على الملذات ينتهبونها انتهابا، وأن المصريين وقفوا من هؤلاء الغزاة القساة موقف الخوف ~~والفزع، لا يعترضونهم ولا يعاونهم من أهل البلاد إلا قليلون. # كان خارجة بن حذافة أمير الجند في حصن بابليون. وكان رأي خارجة أن يسارع عمرو إلى ~~مناجزتهم قبل أن يأتيهم المدد أو ييأس أهل مصر من العرب، فينضموا إلى الروم فتتعذر المقاومة ~~وتسوء العاقبة. لكن القائد الداهية رأى غير هذا الرأي. رأى أن يترك الروم ينتشرون في البلاد ~~ويعيثون في الأرض فسادا فيزداد المصريون لهم بغضا. قال مجيبا دعوة خارجة لمبادرة العدو: ~~«لا، ولكن دعهم يسيروا إلي فإنهم يصيبون من مروا به فيخزى بعضهم ببعض.» وهذه كلمة تدل ~~على أن عمرا كان أعلم بالروم من أنفسهم، فكان يعرف أنهم يضمرون للمصريين أشد البغض منذ ~~خرجت مصر من يدهم، وأنهم سيسيئون لا محالة معاملتهم. # وسار الروم في أرجاء مصر السفلى لا يلقون أية مقاومة. ولا يدعون المصريين مع ذلك وادعين، ~~بل يغصبونهم ما لهم ويوجهون إليهم شر ألوان المهانة. وفي هذه الأثناء كان عمرو بن العاص ~~ينظم ببابليون جنده ويعد للقتال عدته. فلما علم أن الروم اقتربوا من نقيوس خرج إليها وقد ~~عزم لقاءهم بها. خرج على رأس خمسة عشر ألفا مؤمنين بأنهم إن لم يهزموا الروم ارتدوا على ~~أعقابهم إلى شبه الجزيرة العربية يجللهم عار الفرار. والتقى الجيشان تحت أسوار حصن ms056 نقيوس ~~على شاطيء النهر، ولا يخامر الريب أي جندي من الروم أو من المسلمين في أن مصير اليوم حاسم، ~~وأن أي الفريقين ظهر خلصت له مصر بخبراتها وبكل ما فيها من ثروة ونعيم؛ لذلك اشتد القتال ~~وحمي وطيسه واستمات الفريقان فيه فترجح النصر بينهما، ورأى عمرو شدة القتال فاندفع بين ~~الصفوف، تحته فرسه، وفي يده سيفه، يضرب به هام كل رومي لقيه، وإنه لكذلك إذ أصاب فرسه سهم ~~أرداه. فترجل عنه، وقاتل مع المشاة أشد ما يكون حماسة، وقد عقد العزم على أن ينتصر أو ~~يستشهد. ولم يكن الروم وقائدهم أقل من العرب ولا من أميرهم حماسة. ولقد تضعضع العرب أثناء ~~المعركة وولى بعضهم الأدبار. فلما رأى عمرو صنيعهم زاده ما رأى عزما وإقداما وإصرارا على ~~الفوز أو الشهادة. ورأى العرب من حوله صنيعه فازدادوا على وطيس الحرب إقبالا. وفي هذه ~~الساعات الحاسمة أبدى الروم وأبدى العرب من ضروب الشجاعة وآيات البسالة ما سجل التاريخ من ~~حوادثه ما هو أدنى إلى الأساطير. قيل: إن فارسا من الروم عليه سلاح مذهب رأى مقتل الرجال ~~من قومه ومن عدوه فتقدم الصفوف ودعا العرب إلى المبارزة، فبرز إليه منهم رجل اسمه حومل، ~~فاقتتلا طويلا برمحين فلم يغلب أحدهما الآخر. وألقى الرومي الرمح وأخذ سيفه فصنع حومل ~~صنيعه، وبلغ من بأسهما وبراعتهما في الصراع أن وقف الجيشان صفوفا خلف صفوف يشهدان هذا ~~المنظر الرائع من مناظر البطولة. وتصاول الفارسان بالسيوف ثم حمل الرومي على مبارزه فتلقاه ~~حومل وضربه بالسيف فقتله. وأصيب حومل بجراحات مات منها بعد أيام. # وعاد القتال بعد مصرع البطل الرومي فالتقى الجيشان واشتبك الناس وثار بينهم النقع. وسمت ~~فعلة حومل بنفوس المسلمين. فأراد كل منهم أن يكون كحومل بأسا وشجاعة، فاندفعوا إلى عدوهم ~~يريدون الشهادة ويرون الجنة فتحت لهم أبوابها. ولم يصبر الروم لحملاتهم فتضعضع عزمهم ووهنت ~~قوتهم. فانهزموا مولين الأدبار لا يلوون على شيء يريدون الإسكندرية يلوذون بحصونها من الموت ~~وهو ملاقيهم. وتعقبهم العرب وقد زادهم النصر قوة على قوتهم، ms057 ولم يبق لديهم ريب في أن الله ~~ناصرهم على عدوهم. # مات حومل بعد أيام من وقعة نقيوس فأرسل عمرو جثته إلى الفسطاط على سرير ودفنه في مشهد ~~أكرم به فعال هذا البطل المغوار أيما إكرام. يقول المقريزي: «ورئي عمرو يحمل سريره بين ~~عمودي نعشه حتى دفنه بالمقطم.» وعاد عمرو بعد أن أدى لهذا الشهيد واجبه الأخير، فسار مع ~~الجيش يتعقب العدو المنهزم ليحاصره في العاصمة العظيمة. # لم يجد المسلمون مشقة في تعقب عدوهم، ولم يقف سيرهم إقدام العدو على تدمير الجسور وتخريب ~~الطرق فقد عانى قبط مصر من بطش الروم ونهبهم في كل قرية مروا بها بعد نزولهم الإسكندرية، ~~مما أعاد إلى ذاكرتهم ذلك الاضطهاد الديني الذي خضعوا له قبل الفتح العربي سنوات حسوما، ~~كما ذكروا أن الفتح العربي هو الذي أنجاهم من ذلك الاضطهاد. فلما انهزم الروم بنقيوس وفروا ~~يبتغون ملاذا بحصون الإسكندرية، وحطموا وراءهم كل جسر وأفسدوا كل طريق، هرع القبط من أهل ~~القرى حين رأوا العرب يتعقبون هؤلاء الطغاة، فأصلحوا ما أفسده الروم وأمدوا العرب بما هم في ~~حاجة إليه من عدة ومئونة، مظهرين من الاغتباط بما أصاب الروم، ما زاد العرب اطمئنانا إلى ~~غدهم، وإلى أنهم لن يؤتوا من خلفهم. # وبلغ عمرو أسوار الإسكندرية، فألفى الروم تحصنوا بها، وأقفلوا أبوابها وأقاموا المجانيق ~~في أعاليها يقذفون بها من يقترب من المدينة. وأسف عمرو حين تبدت أمامه العاصمة في قوة ~~منعتها، ورأى أنه أخطأ إذ ترك أسوارها قائمة بعد الفتح الأول، وأقسم لئن أظفره الله بها ~~ليهدمن هذه الأسوار حتى تصبح كبيت الزانية يؤتى من كل مكان. وعسكر بجنوده في جانب المدينة ~~الشرقي ليحصرها بينه وبين البحر وترعة الثعبان فلا يستطيع أحد منها خروجا. # أفطال هذا الحصار أم قصر؟ وهل أقام عمرو من آلات الحصار ما صدع به الأسوار ثم دخل ~~المدينة؟ أم خان واحد من حرسها الروم ففتح الباب الذي يحرسه لعمرو فدخل منه المسلمون؟ ليس ~~لدينا من أسانيد التاريخ الثابتة ما يبين لنا زمن الحصار أو ms058 يرجح خيانة (ابن بسامة)، حارس ~~الباب مما يسر اقتحام المسلمين المدينة بعد صدعهم أسوارها. فالروايات تضطرب هنا اضطرابها ~~في كثير من وقائع الفتح لذلك العهد. فأما الأمر الذي أجمع عليه المؤرخون فذلك أن العرب ~~أخذوا المدينة عنوة، وأنهم دخلوها يقتلون ويفتحون ويحرقون، وأن جند الروم فرت طائفة منهم ~~بالمدينة فلاذت بالبحر، وأن أكثرهم قتل بالمدينة، وأن القائد مانويل الخصي كان في القتلى. ~~وقد استمر العرب يقتلون ويغنمون حتى توسطوا المدينة، وحتى لم يبق أمامهم من يقاتلهم. هنالك ~~أمرهم عمرو أن يرفعوا أيديهم، ثم أمر من بعد فبني بالمكان الذي حقنت فيه الدماء مسجدا هو ~~مسجد الرحمة. # فر الروم إلى السفن وهربوا في البحر نجاة بأنفسهم. عند ذلك عادت إلى الإسكندرية السكينة، ~~وعاد إليها من أهل مصر من كان قد فر منها لدخول الروم فيها. ويذكر (بتلر) # 2 # أن بطريق القبط بنيامين كان بين الذين فروا منها ثم عادوا إليها، وأنه هو الذي ~~طلب إلى عمرو ألا يسيء إلى القبط؛ لأنهم لم ينقضوا عهدهم معه، وألا يعقد صلحا مع الروم، ~~وأن يدفنه بكنيسة يخنس إذا مات. أما مؤرخو العرب فيذكرون أن الذي طلب هذه الأمور إلى عمرو ~~هو المقوقس. والراجح أن المقوقس هنا هو بنيامين؛ لأن المقوقس كان لقبا ولم يكن اسما، وبذلك ~~تتفق الروايتان. # أعاد عمرو فتح الإسكندرية فتم بذلك جلاء الروم عن مصر للمرة الثانية، وهم لم يمض بين ~~نزولهم الإسكندرية وفرارهم منها في هذه المرة غير أشهر. وفي هذه الفترة الوجيزة بلغ عمرو ما ~~أراد، واطمأن أهل مصر كرة أخرى إلى عود المسلمين وإلى حكمهم. فقد ألفوا هذا الحكم من قبل ~~وسكنوا إلى عدله. وهم اليوم أشد رضا به وسكونا إليه بعد أن رأوا الروم ينهبون أموالهم، ~~ورأوا المسلمين يردون عليهم هذه الأموال بعد أن غنموها من الروم. فقد ذهب أهل القرى إلى ~~عمرو حين استتب له الأمر في العاصمة وقالوا له: «إن الروم أخذوا دوابنا وأموالنا ولم نخالف ~~نحن عليكم وكنا على الطاعة.» فأراهم عمرو ما غنم ms059 المسلمون وطلب البينة ممن ادعى لنفسه شيئا ~~منها، ورده على من أثبتت البينة صحة قوله. ولم يكن عمرو ولا كان أهل مصر بعد ذلك في ريب من ~~أن ولاية مصر ستعود له كما كانت بعد الفتح الأول، وأنه سيتولى سياستها وتدبير أمرها بما عرف ~~من عدله وحسن بصره بالأمور. # ولقد كان له ولأهل مصر أبلغ العذر عما اعتقدوا من ذلك. فيكف يخرج عثمان عمرا من مصر وقد ~~أخرج عمرو الروم منها. ولكن عمرا قدر فأخطأ، وكان عثمان أبلغ منه كيدا. فقد تركه على ~~ولاية مصر حتى عاد عبد الله بن سعد بن أبي سرح من غزو إفريقية، وذلك في تاريخ تختلف ~~الروايات أكان في السنة السادسة والعشرين أم في السنة السابعة والعشرين للهجرة. عند ذلك ~~أراد عثمان أن يقتصر عمرو على إمارة جند مصر، وأن يكون عبد الله بن سعد واليها وصاحب ~~خراجها. ورأى عمرو في ذلك تعريضا بأمانته، وإيماء إلى أنه إن يكن قائدا ماهرا، فإن ~~نزاهته ليست فوق مستوى الشبهات؛ لذا رفض ما أراد عثمان وقال: «أنا إذن كماسك البقرة بقرنيها ~~وآخر يحلبها.» وعاد إلى مكة وفي نفسه من الحفيظة على عثمان ما سنرى أثره من بعد. يشهد بهذه ~~الحفيظة أن عبد الله بن سعد بعث من خراج مصر، وعمرو بمكة، أكثر مما كان يبعث به عمرو، فقال ~~عثمان يخاطب ابن العاص: «هل تعلم أن تلك اللقاح قد درت بعدك؟!» وأجابه عمرو: «وهلكت ~~فصالها!» يريد أن المصريين أرهقوا بخراج لم يفرض هو عليهم مثله. # ولى عثمان عبد الله بن سعد مصر بعد عوده من غزو إفريقية في السنة السادسة والعشرين أو ~~في السنة السابعة والعشرين للهجرة. وفي بعض الروايات أن عبد الله بن سعد استقل بولاية مصر ~~قبل أن يذهب لغزو إفريقية، وأن هذا الغزو تم في السنة الثامنة والعشرين أو في السنة ~~الثلاثين أو بعد ذلك. والرواة يذكرون هذه التواريخ ولا يؤكدونها. وأنا أرجح أن غزو إفريقية ~~تم بعد أن قضى عمرو على ثورة الروم بمصر وجلائهم ms060 للمرة الثانية عن الإسكندرية، وأن ذلك كان ~~في أواخر السنة الخامسة والعشرين، أو أوائل السنة السادسة والعشرين للهجرة؛ ولهذا الترجيح ~~سند في كثير من الروايات، وله إلى جانب ذلك سببه. فما كان عثمان ليعزل عمرا عن مصر ~~ويوليها عبد الله بن سعد ليبعثه توا إلى إفريقية، بل الأدنى إلى المنطق أن يظل عمرو بمصر ~~يرد إلى ربوعها السكينة، وأن يذهب عبد الله بن سعد إلى إفريقية فلا يكون بقاؤه بمصر مثارا ~~لنزاع بينه وبين عمرو. ومما يعزز هذا الترجيح أن عبد الله بن سعد لم يكن له في مقاومة الروم ~~بمصر بلاء يذكر، وأن الذين يقولون: إنه قاومهم قبل أن يتولى عمرو بن العاص قتالهم يثبتون أن ~~مقاومته باءت بالفشل. # وأنت تذكر أن ابن العاص كان قد سار إلى برقة إلى طرابلس ففتحهما بعد مصر في عهد عمر، وأنه ~~أراد أن يتابع مسيرته ليفتح إفريقية، فنهاه عمر عن ذلك ورده عنه. فلما فتحت مصر للمرة ~~الثانية أمر عثمان عبد الله بن سعد أن يسير إلى إفريقية وأمده بالرجال في قوة، اختلف أكانت ~~عشرة آلاف، أم عشرين ألفا، أم أربعين ألفا. وتخطى عبد الله برقة وطرابلس حيث كان السلطان ~~مطمئنا للمسلمين، وبلغوا إفريقية يريدون غزوها. وكانت إفريقية في تسمية العرب هي شمال ~~القارة الإفريقية الممتد من تونس إلى طنجة في مراكش. وكانت هذه الأصقاع خاضعة لنفوذ الروم، ~~متمتعة بحظ من الحكم الذاتي بإمرة أمير من الروم يدفع جزية عظيمة كل عام إلى بلاط بيزنطة. ~~وفي قول أن حاكمها حين غزاها العرب، واسمه جريجوري (أو جرجير كما يسميه الطبري وابن الأثير ~~وغيرهما) كان قد استقل بها على بيزنطة وأعلن نفسه إمبراطورا عليها. فلما تخطى عبد الله بن ~~سعد حدود طرابلس إلى تونس لقيته قوات جريجوري بظاهر مدينة سبيطلة ومنعته من التقدم، وكانت ~~هذه القوات جرارة ذكر مؤرخو العرب أن عددها بلغ مائة وعشرين ألفا أو مائتي ألف. ولقد ظل ~~عبد الله بن سعد يداور هذه القوات يلتمس الوسيلة للظفر بها فلم يقدر. ms061 والراجح أنه أقام على ~~ذلك أشهرا لا يواتيه النصر ولا يغلبه الروم. والراجح أنه كان يتقدم لمواجهتها أحيانا فلا ~~ينال منها فيرتد عنها إلى طرابلس يريح ظهر رجاله ، ويأخذ ما هو في حاجة إليه من مدد ~~ومؤن. # ظل عبد الله بن سعد على ذلك أشهرا انقطعت أخباره أثناءها عن مصر وعن المدينة، فأشفق ~~عثمان أن يكون قد أصابه شر، فأمر عبد الله بن الزبير على جماعة من كبار المجاهدين بينهم ~~طائفة من الصحابة والتابعين، وسيرهم مددا لعبد الله بن سعد يعينونه على النصر وينقذونه ~~وجيشه من الفناء، وسار عبد الله بن الزبير ومعه عبد الله، وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب، ~~وعبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأمثالهم، فتخطوا تهامة ~~والحجاز إلى مصر. ثم برقة وطرابلس حتى بلغوا جند عبد الله بن سعد وهم يقاتلون الروم. وكبر ~~المسلمون حين رأوهم واطمأنت نفوسهم إلى أن الله قد أذن لهم بنصر ظلوا أشهرا يطلبونه فلا ~~يبلغونه. # وتجرى روايات بأن عبد الله بن الزبير لم يجد عبد الله بن سعد على رأس المقاتلين فسأل عنه ~~فقيل: إنه مختبئ حذر. ذلك أنه سمع منادي جريجوري يقول: من قتل عبد الله بن سعد فله مائة ألف ~~دينار وأزوجه ابنتي؛ لذلك خاف عبد الله أن يندس إليه من يقتله. وجاء ابن الزبير عبد الله بن ~~سعد وأشار عليه أن يأمر مناديا ينادي: «من أتاني برأس جرجير نفلته مائة ألف درهم، وزوجته ~~ابنتي واستعملته على بلاده.» وفعل عبد الله ذلك، فصار جرجير أشد خوفا منه على نفسه. # وعجب ابن الزبير لإبطاء النصر كل هذا الإبطاء. فلما رأى المسلمين يقاتلون عدوهم من بكرة ~~كل يوم إلى الظهيرة، فإذا كان الظهر عاد كل فريق إلى خيامه ليستأنف القتال بكرة الغد، أيقن ~~أن الأمر على هذا النحو لن ينتهي إلى غاية، فذهب إلى مقر عبد الله بن سعد وقال له: «إن ~~أمرنا على هذا النحو يطول مع هؤلاء، وهم في أمداد متصلة وبلاد هي ms062 لهم، ونحن منقطعون عن ~~المسلمين وبلادهم. والرأي عندي أن تترك توا جماعة صالحة من أبطال المسلمين في خيامهم ~~متأهبين، ونقاتل نحن الروم في باقي العسكر إلى أن يضجروا ويملوا، فإذا رجعوا إلى خيامهم ~~ورجع المسلمون، ركب من كان في الخيام من المسلمين ولم يشهدوا القتال وهم مستريحون، ونقصدهم ~~على غرة فلعل الله ينصرنا عليهم.» # راق هذا الرأي عبد الله بن سعد، فاستشار فيه كبار الصحابة فأقروه. فلما كان الغد تولى عبد ~~الله بن الزبير تنفيذه. ترك شجعان المسلمين في خيامهم وعندهم خيولهم وهم على أهبة القتال، ~~وسار مع بقية الجيش، فقاتلوا الروم إلى الظهر قتالا شديدا ثم لم يتركوهم ساعة الظهر حتى ~~ألحوا عليهم بالقتال حتى أتعبوهم. وعاد ابن الزبير وقد أيقن الروم أن القتال لن يستأنف إلا ~~بكرة الغد؛ ولذا ألقوا سلاحهم واستراحوا في خيامهم. لكنهم ما كادوا يفعلون حتى كان ابن ~~الزبير قد عاد إليهم فغشيهم ومعه شجعان المسلمين الذين لم يقاتلوا في الصباح، فخالطوهم ~~وحملوا حملة رجل واحد مهللين مكبرين، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وقتلوا أميرهم جريجوري ~~وأخذوا ابنته سبية فكانت من نصيب رجل من الأنصار. # سار عبد الله بن سعد بعد هذا النصر إلى سبيطلة، وكانت دار الملك، فحصرها وفتحها وغنم ~~المسلمون منها أموالا عظيمة، وبلغ سهم الفارس منها ثلاثة آلاف دينار، وسهم الراجل ألف ~~دينار. # ومن سبيطلة بعث ابن سعد جيوشه في البلاد فبلغت قفصة. وكذلك فتح المسلمون إفريقية سهلها ~~وجبلها ومهدوا لانتشار دين الله فيها. وصالح عبد الله بن سعد أهلها على مليونين وخمسمائة ~~ألف دينار، وفي رواية أنه صالحهم على ثلاثمائة قنطار ذهبا. وعاد عبد الله بن سعد من ~~إفريقية إلى مصر بعد أن أقام بها خمسة عشر شهرا. # وحسن إسلام أهل إفريقية من بعد، وكانوا من أسمع أهل البلدان وأطوعهم. ومما يروى أن ~~قنسطانز إمبراطور الروم بعث إليها بعد فتح المسلمين بلادهم أميرا نزل قرطاجنة وطلب إليهم ~~أداء جزية قدر ما أدوا للمسلمين، فردوا طلبه بأنه لم يستطع منعهم فلا جزية له ms063 عليهم. # تجري في شأن الفيء الذي غنمه العرب حين فتحوا إفريقية روايات نثبتها: منها أن عثمان بن ~~عفان جعل لعبد الله بن سعد حين ولاه فتح إفريقية، خمس ما يستحقه بيت المال من الفيء. وبيت ~~المال يستحق الخمس من مجموع ما غنم المسلمون. فلما تم الفتح قسم ابن سعد أربعة أخماس الغنم ~~على الجنود، واحتجز لنفسه خمس الخمس وبعث أربعة أخماسه إلى المدينة. وسار وفد من الجند ~~الذين فتحوا إفريقية إلى عثمان وشكوا إليه ما احتجزه عبد الله لنفسه، فقال لهم: «أنا نفلته، ~~وأمرت له به، وذلك إليكم الآن، فإن رضيتم فقد جاز، وإن سخطتم فهو رد.» قالوا: «فإنا نسخطه.» ~~قال عثمان: «فهو رد.» وكتب إلى عبد الله برد ذلك وباستصلاحهم. وفي رواية أنهم لم يكتفوا بأن ~~يرد عبد الله إليهم ما أخذه لنفسه، بل قالوا لعثمان: «اعزله عنا فإنا لا نريد أن يتأمر ~~علينا وقد وقع ما وقع.» فكتب إليه عثمان أن «استخلف على إفريقية رجلا ممن ترضى ويرضون، ~~واقسم الخمس الذي كنت نفلتك في سبيل الله، فإنهم قد سخطوا النفل.» ففعل عبد الله بن سعد ~~ورجع إلى مصر. # هذه رواية الطبري. أما ابن الأثير فيقول: «وحمل خمس إفريقية إلى المدينة فاشتراه مروان بن ~~الحكم بخمسمائة ألف دينار فوضعها عنه عثمان، وكان هذا مما أخذ عليه. وهذا أحسن ما قيل في ~~خمس إفريقية. فإن بعض الناس يقول: أعطى عثمان خمس إفريقية لعبد الله بن سعد. وبعضهم يقول: ~~أعطاه مروان بن الحكم وظهر بهذا أنه أعطى عبد الله خمس الغزوة الأولى، وأعطى مروان خمس ~~الغزوة الثانية التي افتتحت فيها جميع إفريقية - والله أعلم.» # ومؤاخذة عثمان لبيعه خمس الفيء لمروان بن الحكم ترجع - إن صحت - إلى أن عثمان خالف في ذلك ~~سنة رسول الله وسنة أبي بكر وعمر، ونقض بهذه المخالفة ما عاهد عليه حين استخلف من الأخذ ~~بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخليفتين من بعده. فلم تجر سنة رسول الله ولا سنة أبي بكر ~~وعمر ببيع الغنائم، بل كانت توزع ms064 عينا على المسلمين يأخذ كل منها نصيبه بالعدل والقسطاس ~~المستقيم. يضاف إلى ذلك أن مروان كان ابن عم عثمان، وأنه كان سفيرا إلى الطائف فلم يدخل ~~مكة إلا في خلافة عثمان. # فتح عبد الله بن سعد إفريقية، وعاد إلى مصر. والرواة يختلفون: أترك ابن سعد أميرا من ~~المسلمين يتولى أمر إفريقية؟ أم أنه لم يستخلف عليها أحدا؟ فالطبري يذكر أن عثمان أمر عبد ~~الله بن سعد أن يستخلف على إفريقية، ويضيف أن أهل إفريقية اجتمعوا على الإسلام وحسنت ~~طاعتهم. ويفهم من هذا القول: أنه خلف وراءه من المسلمين من أقام بإفريقية يفقه من أسلم من ~~أهلها في دينهم ويقيم بينهم حدود الله. أما ابن الأثير فيذكر أنه: «قام بأمر إفريقية بعد ~~جرجير رجل من الروم فطرده البطريق بعد فتن كثيرة فسار إلى الشام وبه معاوية، وقد استقر له ~~الأمر بعد قتل علي، فوصف له إفريقية، وطلب إليه أن يرسل معه جيشا، فسير معه معاوية بن حديج ~~السكوني ... فوصل إلى إفريقية وهي نار تضطرم، وأن ابن حديج قاتل أهل إفريقية وتغلب عليهم.» ~~ويقول البلاذري: «لما صالح عبد الله بن سعد بطريق إفريقية، رجع إلى مصر ولم يول على إفريقية ~~أحد ... فلما ولي معاوية بن أبي سفيان ولى معاوية بن حديج السكوني مصرا، فبعث في سنة خمسين ~~عقبة بن نافع الفهري فغزاها وأخضعها.» # والذي يخلص من هذه الروايات أن المسلمين اكتفوا بإجلاء الروم عن إفريقية ثم تركوها لأهلها ~~بعد أن صالحهم عبد الله بن سعد على الجزية، وأن أهل إفريقية أسلم كثير منهم، وأن البلاد وفت ~~بما عاهدت عليه طيلة عهد عثمان وفي عهد علي، فلما عظمت الفتن بين المسلمين واحتدم النزاع ~~بين علي ومعاوية نكث أهل إفريقية، من أسلم منهم ومن لم يسلم. فلما استقر الأمر لمعاوية جرد ~~لهذه البلاد من فتحها ورد أهلها إلى الطاعة من جديد، ومن يومئذ أقام أهل الشمال الإفريقي ~~على الإسلام وحسنت طاعتهم. # هذا ما أرجحه وتؤيده أكثر الروايات، فأما الذي لا خلاف عليه أن سلطان ms065 الروم تقلص عن شمال ~~إفريقية، منذ فتحها المسلمون في عهد عثمان، وأن كل محاولة أريد بها استرداد هذه الأقاليم ~~ذهبت عبثا. # 3 # امتدت الإمبراطورية الإسلامية بفتح إفريقية، فاشتملت كل البلاد التي تشاطئ البحر المتوسط ~~من أنطاكية في شمال الشام، وفي أقصي الشرق من ذلك البحر إلى أقصى الغرب منه في شمال ~~إفريقية. وأيقن معاوية بالشام أن هذه الشواطيء الممتدة ألوف الأميال لا يمكن أن تأمن فجاءات ~~العدو من البحر إلا أن يكون للعرب أسطول يواجه أسطول الروم إذا حاول العودة إلى أي من هذه ~~الأقاليم. كان هذا رأيه منذ تولى الشام وعرف مهاجمة الروم أنطاكية من البحر؛ لذلك كتب إلى ~~عمر يذكر له قرب جزيرة قبرص من حمص، ويقول: إن قرية من قرى حمص ليسمع أهلها نباح كلابهم ~~وصياح دجاجهم. ولم يأذن له عمر كما قدمنا. فلما تولى عثمان وهاجم الروم مصر من البحر ثم ~~امتدت شواطيء الإمبراطورية حتى الشمال الإفريقي كله، أعاد معاوية الكرة على عثمان واستأذنه ~~في غزو قبرص من البحر. وخشي عثمان إن هو أذن أن يخالف سيرة عمر، فينقض عهده يوم بيعته ~~ويؤاخذه الناس بمخالفته. لكنه رأى في طلب معاوية من حسن الرأي وبعد النظر ما يكون الرفض معه ~~من سوء السياسة؛ لذلك كتب إلى معاوية يقول: «لقد شهدت ما رد عليك عمر حين استأمرته في غزو ~~البحر.» وأعاد معاوية عليه القول فأجابه إلى ما طلب، لكنه قال له: «تنتخب الناس ولا تقرع ~~بينهم، خيرهم، فمن اختار الغزو طائعا فاحمله وأعنه.» وكذلك جعل عثمان ركوب البحر والغزو ~~فيه تطوعا لمن يشاء، فأمن مخالفة عمر في سيرته، ولم يرفض أمرا اعتبره من حسن الرأي وبعد ~~النظر. # لم يلبث معاوية حين تناول كتاب عثمان أن جهز السفن للقتال. وعرف عبد الله بن سعد بن أبي ~~سرح أمر عثمان لمعاوية، فجهز السفن في مرفأ الإسكندرية وحمل عليها من تطوع للقتال على متن ~~الماء. بذلك أصبح للمسلمين أسطول لا يقل عن أسطول الروم بأسا، وأصبحت الدولة الإسلامية ~~ولها إلى جانب ms066 قوتها البرية قوة بحرية على شواطئ بحري الروم والقلزم، فيها من غناء القتال ~~وعدته ما لم يكن للعرب به عهد من قبل. # كان معاوية لا ريب على حق فيما أشار به من بناء الأسطول وغزو قبرص، واتخاذ قواعد في البحر ~~لحماية الإمبراطورية الناشئة. فقد كانت الإمبراطورية تزداد على الأيام سعة، وتزداد شواطئها ~~امتدادا. ولم يكن قد بقي للروم من سيولة للعود إليها إلا البحر. فإذا أيقنوا أن أسطولهم ~~سيلقى من بأس أسطول المسلمين ما يلقى جنودهم في الميادين من بأس جند العرب فت ذلك في ساعدهم ~~وفتح أمام المسلمين أبواب التوسع إلى أقصى ما تمكنهم منه قوتهم وجيوشهم. ولعل عمر لو استطال ~~به العمر وامتدت في عهده شواطئ الفتح كان ينتهي إلى الرأي الذي انتهى إليه عثمان. وقد كانت ~~مشورة عثمان بالتطوع للغزو في البحر مشورة موفقة لم تفتح باب الخلاف ولم تترك لمعترض ~~سبيلا؛ لذا أسرع ببناء الأسطول الإسلامي في الشام وفي مصر، وأقبل المتطوعون عليه بأكثر مما ~~توقع عثمان وتوقع معاوية، وأصبحت الدولة الإسلامية في زمن وجيز دولة بحرية مرهوبة الجانب، ~~ثم صادر الأسطول أداة جوهرية في امتداد الفتح وفي تقوية كيان الإمبراطورية من بعد. # تقع قبرص في أقصى الشمال الشرقي للبحر المتوسط، قريبة من أرض الأناضول الواقعة شمالها، ~~ومن الشام الواقعة إلى شرقها. وليس يفصل البحر بينها وبين هاتين الأرضين إلا بفاصل ضيق. وفي ~~قبرص سلسلتان من الجبال يزيد ارتفاع بعض القمم فيها على ثلاثة آلاف من الأمتار. وقد كانت ~~أرض الجزيرة - ولا تزال - مشهورة بخصبها وجودة فاكهتها وطيب هوائها. وهي إلى هذا قاعدة ~~حربية منيعة تتحكم في شرق البحر الأبيض كله؛ لذلك كانت مطمع الطامعين على توالي الحقب. ~~وكانت في ذلك العهد داخلة في منطقة نفوذ الروم، ثم كانت أول جزيرة غزاها المسلمون في البحر ~~الأبيض. ركب إليها معاوية بن أبي سفيان البحر واصطحب معه زوجه فاختة بنت قرظة، وطائفة من ~~الصحابة الذين استوطنوا الشام بعد أن جاءوا إليه من مكة والمدينة. وسارت سفينة معاوية في ms067 ~~الطليعة وسارت من خلفها السفن عليها متطوعة المسلمين. فلما بلغوا قبرص وارتقوا إلى ساحلها ~~لم ير حاكمها ولا رأى أهلها قتالهم. وما لهم يقاتلونهم والجزيرة في حكم الروم، فإذا لم يدفع ~~الروم عنها لم تستطع هي الدفاع عن نفسها. وها لم تتصد للمسلمين سفينة من سفن الروم ولم ~~تحاول منعهم عن مقصدهم. وتفاوض الفريقان في الصلح، ورأى أهل قبرص ألا يعرضهم صلحهم مع ~~المسلمين إلى خلاف مع الروم قد يجر عليهم أذى لا قبل لهم بدفعه؛ لهذا صالحوا المسلمين على ~~جزية سبعة آلاف ومائتي دينار يؤدونها لهم كل عام، على شريطة أن يؤدوا للروم مثلها. وفي ~~مقابل هذا الصلح المزدوج مع الروم ومع المسلمين جميعا لا يمنعهم المسلمون ولا يقاتلون عنهم ~~من أرادهم من ورائهم، ويكون أهل قبرص عيونا للمسلمين يؤذنونهم بسير عدوهم من الروم. # هذه رواية البلاذري في فتح قبرص. وهو يذكر أن غزوها كان في السنة الثامنة والعشرين أو ~~السنة التاسعة والعشرين للهجرة، وأن أهل قبرص وفوا بعهدهم إلى السنة الثانية والثلاثين. وفي ~~هذه السنة «أعانوا الروم على الغزاة في البحر بمراكب أعطوهم إياها، فغزاهم معاوية سنة ثلاث ~~وثلاثين في خمسمائة مركب ففتح قبرص عنوة، فقتل وسبى ثم أقرهم على صلحهم وبعث إليها باثني ~~عشر ألفا، كلهم أهل ديوان فبنوا بها المساجد، ونقل إليها جماعة من بعلبك، وبنى بها مدينة ~~وأقاموا يعطون الأعطية إلى أن توفي معاوية وولي بعده ابنه يزيد، فأقفل ذلك البعث وأمر بهدم ~~المدينة. وبعض الرواة يزعم أن غزوة معاوية الثانية قبرص في سنة خمس وثلاثين.» # ورواية البلاذري هذه تفيد أن معاوية فتح قبرص وحده. أما الطبري وابن الأثير، ومن أرخ على ~~وتيرتهما فيذكرون أن أسطول الشام، وأسطول مصر سار كل منهما يقصد قبرص. وكان على أسطول مصر ~~عبد الله بن سعد بن أبي سرح. وأصحاب هذه الرواية لا يذكرون أن معاوية هو الذي تولى بنفسه ~~قيادة الأسطول إلى قبرص بل يقولون: إنه استعمل على البحر عبد الله بن قيس الحارثي. ويتعذر ~~القطع بصحة إحدى ms068 الروايات وزيف الأخرى. والذي أرجحه أن معاوية فتح قبرص بادئ الرأي صلحا، ~~وذلك حين كان الروم في شغل بنكبتهم في مصر وفي إفريقية، وأن عبد الله بن قيس الحارثي كان ~~معه في هذا الفتح الذي لم يرق فيه دم ولم يجر فيه قتال. فلما نقض أهل قبرص وأعانوا الروم ~~سار أسطول الشام وأسطول مصر إلى الجزيرة ففتحاها عنوة وقتلا وسبيا من أهلها. وكان عبد ~~الله بن قيس، وعبد الله بن سعد أميري البحر على الأسطولين في هذه الغزوة الثانية. # ويظهر من رواية الطبري ومن أخذ عنه أن عبد الله بن قيس برع في إمارة البحر أيما براعة، ~~وأنه غزا خمسين غزاة ما بين شاتية وصائفة في البحر ولم يغرق فيه أحد ولم ينكب. # ويضيف الرواة أن عبد الله بن قيس «كان يدعو الله أن يرزقه العافية في جنده وألا يبتليه ~~بمصاب أحد منهم، ففعل، حتى إذا أراد الله أن يصيبه وحده خرج في قارب طليعة فأتى إلى المرقى ~~من أرض الروم عليه سؤال يفدون بذلك المكان، فتصدق عليهم، فرجعت امرأة من السؤال إلى ~~قريتها فقالت للرجال: هل لكم في عبد الله بن قيس. قالوا: وأين هو؟ قالت: في المرقى. قالوا: ~~أي عدوة الله، ومن أين تعرفين عبد الله بن قيس، فهو يختبئ. وقالت: أنتم أعجز من أن يخفى عبد ~~الله على أحد. فساروا إليه فهجموا عليه فقاتلوه وقاتلهم فأصيب وحده وأفلت الملاح حتى أتى ~~أصحابه ... وقيل لتلك المرأة بعد: بأي شيء عرفته؟ قالت: بصدقته، أعطى كما يعطي الملوك ولم ~~يقبض قبض التجار.» ورواة هذا الحديث يذكرون أن سفيان بن عدي الأزدي سار بعد مقتل عبد الله ~~بن قيس لقتال عدوه فلم يظفر به. وكذلك مات أول أمير للبحر من المسلمين قتيلا بغير قتال، ~~ومات الرجل الذي لم يهزم قط لعجز أصحابه عن الأخذ بثأره والظفر بعدوه. # أيقن الروم بعد استيلاء المسلمين على قبرص، وبعد أن أصبح لهم أسطول يدافع عن شواطئ الشام ~~وإفريقية، أنهم لن يستطيعوا العود إلى مصر وإفريقية، ms069 ولن يستطيعوا مناهضة المسلمين في ~~الشام، ما لم يحطموا أسطول المسلمين لتعود لهم بتحطيمه سيادة البحر؛ وليكون لهم على موجه ~~السلطان النافذ واليد المطلقة. ولن يتسنى ذلك لهم إذا تركوا المسلمين يكبر أسطولهم وتزداد ~~كفاية ملاحيهم؛ لذلك عزموا غزوهم في البحر وتحطيم أسطولهم. وكانوا مطمئنين إلى مقدرتهم على ~~الظفر بهذا الأسطول؛ لأن سفنهم كانت أكثر من سفن المسلمين عددا، ولأن ملاحيهم كانوا أكثر ~~من ملاحي المسلمين براعة. # كان ذلك عام إحدى وثلاثين للهجرة في رواية، وأربع وثلاثين في رواية أخرى. وتنفيذا لعزمهم ~~اجتمع الروم إلى قسطنطين بن هرقل وقد تولى قيادة خمسمائة أو ستمائة من السفن أطلقت شراعها ~~تشق عباب البحر المتوسط إلى الإسكندرية تلقى فيها أسطول المسلمين الأكبر، # 4 # وعرف المسلمون نبأ الروم وسيرهم لقتالهم فتولى عبد الله بن سعد بن أبي سرح والي ~~مصر قيادة أسطول الإسكندرية وإفريقية وعدته مائتا سفينة شحنها بالشجعان المجربين ذوي البأس ~~في الحرب. وأرسى بها بعيدا عن الإسكندرية وفي طريق الروم إليها. وتراءى الأسطولان حين آذنت ~~الشمس بالمغيب فبات الروم يدقون نواقيسهم، وبات المسلمون يصلون ويقرءون القرآن، وكل ينتظر ~~ما يتنفس عنه الغد. فلما أصبحوا صف ابن أبي سرح أسطوله ورجاله، وأقام مكانه ينتظر مجيء ~~الروم إليه. وهبت من جانب البحر ريح عاتية اتقاها أسطول المسلمين بأن أرسى إلى شواطئه، ولم ~~ينزعج لها الروم؛ لأنها كانت مواتية لمواقع أسطولهم. فلما سكنت الريح بعث ابن أبي سرح يقول ~~لقسطنطنين: إن شئتم خرجنا نحن وأنتم إلى البر؛ لأن الأعجل مقاومتكم. ولم يرض الروم هذا ~~العرض؛ لأنهم ذاقوا من قبل بأس المسلمين في قتال البر؛ ولأن تدمير أسطول عدوهم كان مقصدهم ~~الأول؛ لذلك بعثوا يقولون: الماء، الماء. ولم يتردد عبد الله بن سعد عن منازلتهم في الميدان ~~الذي اختاروه. فتقدمت سفنه وتقدمت سفن الروم وأنشبوا القتال عنيفا غاية العنف، بلغ من عنفه ~~أن تداخلت سفن الأسطولين، فكان الرجال يثبون على الرجال بالسيوف والخناجر، ولا تجد الرحمة ~~إلى قلب أحد منهم سبيلا. ودفعت الأمواج سفن الأسطولين إلى ms070 الشاطئ فكان القتلى يهوون إلى ~~رماله تغمرهم المياه ثم تنحسر عنهم وقد خالطتها دماؤهم فانقلب لونها أحمر قانيا. وحمى ~~الوطيس وأبلى الروم وأبلى المسلمون أحسن البلاء، فكثر القتلى في الجانبين كثرة لم يعهد لها ~~في ذلك العهد وفي مثل هذه الوقائع نظير. روي عن بعض من حضر ذلك اليوم أنه قال: «رأيت الساحل ~~حيث تضرب الريح الموج وإن عليه لمثل الظرب العظيم من جثث الرجال، وإن الدم لغالب على الماء، ~~وصبر الناس يومئذ صبرا لم يصبروه في موطن قط.» وأصابت قسطنطين جراحات أوهنت قوته وضعضعت ~~عزمه. فلما بلغ منه ومن رجاله ورأى المسلمين لا يهن لهم عزم أيقن أن الدائرة لهم عليه فولى ~~مدبرا بما بقي من أسطوله ورجاله، وقد آمن بأن بأس المسلمين في البحر لا يقل عن بأسهم في ~~البر، وأنهم لا غالب لهم. # رأى عبد الله بن سعد فرار عدوه فلم يتعقبه، بل أمر الأسطول بالمقام في مكان الموقعة وبقي ~~هناك أياما حتى استراح الناس ثم قفل راجعا إلى مرفأ الإسكندرية، وقد طعن عليه خصومه وخصوم ~~عثمان بن عفان بما فعل من ذلك، وأذاعوا في الناس أنه لو تعقب أسطول الروم لقضى عليه القضاء ~~الأخير، ولسوغ هذا القضاء، ولو إلى حد، ما أصاب المسلمين من خسائر فادحة في الرجال. أما ولم ~~يفعل بل ترك عدوه يولي الأدبار، فحق على عثمان أن يعزله. لكن عثمان لن يفعل وابن أبي سرح ~~أخوه في الرضاع، وعثمان هو الذي استوهب دمه من النبي يوم فتح مكة بعد أن أهدر النبي هذا ~~الدم الفاسد المفسد. وانطلقت ألسنتهم في عثمان وأظهروا من القول ما لم يكونوا ينطقون به، ~~حتى لقد أمر ابن سعد ألا يركب معه محمد بن حذيفة ومحمد بن أبي بكر زعيما هذه الحركة. # أما قسطنطين فسار في سفينته إلى صقلية. فلما عرف أهلها ما أصابه، قالوا له: أهلكت ~~النصرانية وأفنيت رجالها، لو أتانا العرب لم يكن عندنا من يمنعهم، ثم أدخلوه حماما وقتلوه ~~فيه وتركوا من كان معه يعودون إلى ms071 القسطنطينية. # يطلق المؤرخون على هذه الغزاة اسم غزوة الصواري. وقد يتبادر إلى الذهن أنهم أسموها كذلك ~~لما رووا أن المسلمين حين تهيئوا للمعركة ربطوا سفنهم بعضها ببعض، أو أنهم دنوا من الروم ~~وربطوا سفنهم بسفنهم كما يقول ابن كثير في (البداية والنهاية). أم لعلها سميت كذلك؛ لأن ~~المكان الذي وقعت فيه كان يدعى ذات الصواري. فالمؤرخون الذين رووا نبأ هذه الغزاة يقولون ~~جميعا: إن عبد الله بن سعد أقام أياما بعد المعركة بذات الصواري، ثم عاد بعدها ظافرا إلى ~~الإسكندرية. # ومقام عبد الله بن سعد بذات الصواري هو الذي دفع بعضهم للومه أن لم يتعقب أسطول قسطنطين ~~في فراره. وليس لدينا من تفصيل الوقائع ما يجعلنا نشارك هؤلاء اللائمين في لومهم، ولا ما ~~يدعونا لالتماس العذر لابن سعد؛ لأن العدد العظيم الذي فقده المسلمون من الرجال وما نال من ~~بقي حيا من شدة الجهد قد مال به إلى الاكتفاء بظفره الحاسم بعدوه، وإلى إيثار المقام ~~بمكان الموقعة لدفن القتلى وليستريح الناس. على أن الثابت أن الروم لم تقم لهم بعد هذه ~~الغزاة في البحر قائمة، وأن المسلمين أصبحوا بعدها سادة البحرين المتوسط والأحمر، فأمنوا ~~بذلك أن يسير العدو على ظهر الماء إلى أي مكان من شواطئهم. وذلك ما حدث. فلم يفكر الروم من ~~بعد في العود إلى إفريقية، أو إلى مصر، أو الشام. ~~••• # بينما كان الروم يحاولون غزو الشام واسترداد مصر وإفريقية، ويسيرون لتدمير أسطول المسلمين ~~فيلقاهم المسلمون ويردونهم على أعقابهم في كل مكان، ويدمرون أسطولهم، كانت ولايات فارس يثور ~~بعضها الحين بعد الحين فيلزمها المسلمون الطاعة، ويندفعون إلى ما وراءها من أرض آسيا. وقد ~~رأينا كيف صالحت أذربيجان المسلمين في آخر عهد عمر، فلما استخلف عثمان منعت ما كانت صالحت ~~عليه، فسار إليها الوليد بن عقبة فأخضعها على مثل صلحها الأول، كما رأينا في أرمينية وكيف ~~أعان عليه الروم، فكان ذلك داعيا إلى اشتباكهم بالمسلمين وانتصار المسلمين عليهم. # وليس يرجع انتقاض الولايات الفارسية إلى وفاة عمر وإلى قيام عثمان ms072 في الخلافة مقامه. ~~فكثيرا ما حدث في عهد عمر أن انتقضت هذه الولايات ومنعت ما صالحت المسلمين عليه فغلبها ~~المسلمون على أمرها من جديد وردوها إلى الطاعة والإذعان. نقضت همذان صلحها مع المسلمين بعد ~~غزوة نهاوند، فسار إليها نعيم بن مقرن فاستولى على ما حولها من البلاد ثم حاصرها فطلب أهلها ~~الصلح فقبل نعيم منهم على أن تقيم بهمذان قوة من المسلمين يذكر وجودها أهل المدينة بالعهد ~~ويقبض أميرها منهم الجزية. ونقضت اصطخر وانتقض في ولاية فارس كل مكان استطاع الانتقاض فسار ~~الحكم بن أبي العاص إليها، وكان شهرك ملك هذه الولاية لا يزال متوجا، فانتصر عليه انتصارا ~~حاسما وقتله هو وابنه وأخضع هذه الأرجاء من أرض كسرى إلى الصلح الذي عاهدت المسلمين عليه ~~من قبل. وانتقضت غير اصطخر وهمذان مدن وولايات أخرى؛ فأعاد المسلمون إلى نفوس أهلها اليقين ~~بأن مقاومتهم قد تحطمت، وأن كل ثورة يقومون بها تنقلب وبالا عليهم. # وليس عجبا أن يطمئن أهل مصر والشام وأن تثور ولايات فارس الحين بعد الحين. فقد كانت ~~الشام وكانت مصر قبل الفتح العربي ولايتين رومانيتين خاضعتين لسلطان بيزنطة، وكانت تؤدي إلى ~~عاهل القسطنطينية خراجا فادحا. فلما فتحها المسلمون لم يكرهوا أحدا من أهلها على ~~الإسلام، وتركوا من شئون الإدارة لأبنائها ما طمأن هؤلاء الأبناء إلى الحكم العربي، وخففوا ~~عن الناس أعباء الضرائب، فرضي الناس حكمهم ولم يكونوا يرضون حكم الروم. أما والعرب غالبون ~~على أمر هذه البلاد كما كان الروم، أجانب عنها مثلهم، فلم يكن لدافع معقول أن يحرك أهل ~~الشام أو أهل مصر للثورة بالعرب الفاتحين، وكانوا أكثر من الروم عدلا ورحمة؛ لذلك كان ~~حكمهم أحب إلى القلوب وأدنى إلى أن تسيغه نفوس لم يترك الروم لذويها من القوة أو المنعة ما ~~يدفعون به غزو غاز أو فتح فاتح. # وثم عامل آخر أدى إلى اطمئنان أهل الشام وأهل العراق. ذلك أن قبائل كثيرة من العرب نزحت ~~إلى هذه البلاد، واستقرت بها وأقامت فيها إمارة الغساسنة بالشام وإمارة اللخميين بالحيرة، ms073 ~~وذلك إلى أجيال كثيرة قبل بعثة النبي العربي؛ لذلك كثيرا ما أسرعت هذه القبائل فانضمت إلى ~~بني عمومتها من العرب في صراعهم الروم والفرس، مع استمساك هذه القبائل أول الأمر بدينها. ~~فلما تم للعرب الغلب في الشام وفي العراق، ودخل كثيرون من العرب الذين استقروا بهذين ~~القطرين في الدين الجديد، فأصهروا إلى بني عمومتهم من أبنائه وأصبحوا وإياهم أمة إسلامية ~~واحدة، كان ذلك من العوامل القوية الأثر في اندحار الروم حين حاولوا العود لغزو الشام، وحين ~~عاونوا أهل أرمينية كي تكون بلادهم ثغرة ينفذ الروم منها إلى العراق. # ولم يغير من سكينة أهل العراق إلى الحكم الجديد أن المدائن عاصمة كسرى كادت تقع في ~~بلادهم. فقد فرت قوات الفرس من المدائن ومن العراق كله إلى أرجاء إيران، فخلصت المدائن ~~للعرب الفاتحين، ولأهل العراق الذين استقروا به منذ مئات السنين؛ لذا لا يحدثنا التاريخ عن ~~انتقاض حدث في العراق بعد فتحه، سواء في عهد عمر أو عهد عثمان. وربما كان إنشاء البصرة ~~والكوفة بأرض العراق وإقامة جند المسلمين بهما، وما كان لهذا الجند من قوة وبطش قد كان ذا ~~أثر في استقرار الأمر بالعراق واستتباب السكينة في ربوعه. # فأما ما امتد إلى شرق العراق العربي من أرجاء فارس فقد بقيت الثورة كمينة في نفوس أهله، ~~وبقيت لهم بقية ضئيلة من أمل في رجوع كسرى يزدجرد إليهم من منفاه في بلاد الترك ليعيد إلى ~~بلاده مجد آبائه من بني ساسان. ولم يكن دافع هذا الأمل إلى نفوسهم عقيدة دينية تؤمن بها ~~قلوبهم، فهم يدفعون عنها ويدفعون حياتهم ثمنا لها، بل كانت تحركهم إليه عزة قومية وطئها ~~العرب بأقدامهم وبسنابك خيولهم. ولكن هذه العزة المهانة لم تبلغ من نفوسهم مبلغ التفاني في ~~سبيلها، وبيع الأرواح بيع السماح لافتدائها. # وربما استبقى العرب أنفسهم هذه البقية الضئيلة من الأمل في نفوس الفرس. فقد كان المسلمون ~~الذين أقاموا بالبصرة وبالكوفة طرازا غير طراز المسلمين الذين أقاموا بالشام وبمصر. كان ~~المسلمون الذين آزروا معاوية بالشام، والمسلمون الذين ms074 آزروا عمرو بن العاص وعبد الله بن سعد ~~بن أبي سرح بمصر، أكثرهم من أهل مكة والمدينة من المهاجرين والأنصار، وكثير منهم صحب رسول ~~الله وامتثل تعاليمه وقاتل في سبيل الله معه. وهؤلاء لم يكن يثور بينهم نزاع أو تتلظى بينهم ~~فتنة إلى سنوات عدة من عهد عثمان؛ لذلك لم يكن عمر ولا كان عثمان بحاجة إلى تغيير ولاتهم ~~الحين بعد الحين، بل استقر معاوية بالشام منذ ولاه عمر عليه إلى أن صار الملك إلى بني أمية ~~فاتخذوا دمشق عاصمتهم، واستقر ابن العاص ثم استقر عبد الله بن سعد من بعده بمصر إلى آخر ~~العهد بعثمان. أما أهل البصرة والكوفة فكانوا من قبائل العرب البعيدة عن مكة والمدينة، قل ~~منهم من كان قد صحب النبي أو استمع إليه أو قاتل معه؛ لذلك كانت العصبية القبلية كثيرا ما ~~تثور بينهم، وكثيرا ما كان أمير المؤمنين يضطر لتغيير ولاتهم. ومنازعاتهم وبرمهم بالولاة ~~هو الذي دفع عمر بن الخطاب ليقول: «هات أمرا أن أصلح به قوما أن أبدلهم أميرا مكان ~~أمير.» # ثم إن القبائل التي سكنت البصرة والكوفة كانت لا تفتأ تظهر البرم بسلطان قريش، ويذكر ~~بنوها أن الفتح في فارس تم بأيديهم، فليس لقريش حق في التسلط عليهم، وكانت أنباء ذلك تصل ~~إلى الفرس في شتى الولايات، فكانت تشجعهم على الثورة والانتقاض الحين بعد الحين. # وكانت أنباء ما يحدث من ذلك تبلغ يزدجرد في منفاه فيحرك في نفسه شعاعة من أمل في مناوأة ~~العرب، واستخلاص عرشه من أيديهم، وقد كان له في كثير من الولايات أنصار يؤمن بعضهم بحقه ~~المقدس في العود إلى عرش آبائه، ونجحوا في أن يبثوا في قلوب البعض الحقد على الفاتحين الذين ~~سلبوهم سلطانهم، فكان هؤلاء وأولئك يعملون على بث القلق وإلهاب النفوس ودفعها للثورة ~~والانتقاض. # كانت هذه العوامل تتحرك في عهد عمر، لكنها كانت أشد بروزا في عهد عثمان. ذكرنا من قبل أن ~~عثمان أبقى المغيرة بن شعبة على ولاية الكوفة سنة أربع وعشرين للهجرة تنفيذا لوصية ms075 عمر ألا ~~يعزل الخليفة من بعده واليا من ولايته قبل انسلاخ عام من وفاته. وكان عمر حين سمى الشورى ~~سمى سعد بن أبي وقاص بينهم؛ فقد قال: «فإن أصابت الخلافة سعدا فذاك، وإلا فأيهم استخلف ~~فليستعن به فإني لم أعزله عن عجز ولا خيانة.» أما وسعد بطل القادسية وفاتح المدائن ومنشئ ~~البصرة والكوفة فلا عجب أن يوليه عثمان إمارة الكوفة خلفا للمغيرة بن شعبة. وتولاها سعد ~~فذكرت ولايته الناس بحميد فعاله في العراق كله. مع ذلك تحركت نفوس الفرس؛ لأنهم لم يذوقوا ~~في بلادهم بأسه، فلم تنخلع قلوبهم لسماع اسمه. يقول البلاذري: «إن سعد بن أبي وقاص لما ولى ~~الكوفة لعثمان بن عفان ولى العلاء بن وهب ماه وهمذان، فغدر أهل همذان ونقضوا، فقاتلهم. ثم ~~إنهم نزلوا على حكمه فصالحهم على أن يؤدوا خراج أرضهم وجزية الرءوس ويعطوا مائة ألف درهم ~~للمسلمين، ثم لا يعرض لهم في حرمة ولا مال ولا ولد.» # ولم تكن همذان وحدها هي التي انتقضت في عهد عمر، وفي عهد عثمان. بل انتقضت غيرها مدن ~~وولايات كثيرة. وقد كانت الري كثيرة الانتقاض منذ فتحها نعيم بن مقرن في عهد عمر. يقول البلاذري: # 5 ~~«لما ولي سعد بن أبي وقاص الكوفة في مرته الثانية أتى الري وكانت ملتاثة ~~فأصلحها، وغزا الديلم وذلك في أول سنة خمس وعشرين، ثم انصرف. وحدثني بكر بن الهيثم عن بكر ~~بن ضريس قاضي الري، قال: لم تزل الري بعد أن فتحت أيام حذيفة تنتقض وتفتح حتى كان آخر من ~~فتحها قرظة بن كعب الأنصاري في ولاية أبي موسى الكوفة لعثمان فاستقامت.» # لم تغن فعال سعد عنه، فلم يبق واليا على الكوفة غير سنة وبعض السنة ثم عزله عثمان عنها، ~~وولى مكانه الوليد بن عقبة. ويذكرون سببا لعزله أنه استقرض مالا من بيت المال، وكان عليه ~~عبد الله بن مسعود. فلما تقاضى عبد الله سعدا ما استقرضه لم يتيسر لسعد أداؤه، فاستعان ~~قوما عند عبد الله لينظره إلى ميسرة، وأبى عبد الله وألح ms076 في اقتضاء ما لبيت المال عند والي ~~الكوفة. وتلاقى سعد وعبد الله بعد ذلك، فقال ابن مسعود: «أد المال الذي قبلك»، فقال سعد: ~~«ما أراك إلا ستلقى شرا، هل أنت إلا ابن مسعود عبد من هذيل؟!» ويجيبه عبد الله بن مسعود: ~~«وإنك لابن حمينة.» ويشتد الجدال، فيتدخل أحد حضور المجلس قائلا: «والله إنكما لصاحبا رسول ~~الله ينظر إليكما.» ولم يهدئ هذا القول، ولا هدأ ما قيل من مثله من حدتهما، ثم خرج سعد ~~رافعا يديه يكاد يستنزل اللعنة على عبد الله، ورفع إلى عثمان ما حدث فغضب على الرجلين ~~وهم بعزلهما. ثم إنه راجع نفسه فرأى سعدا أحق باللوم؛ لأن امتناعه عن أداء ما عليه هو ~~الذي جر إلى النزاع، فجريرة سعد فيما وقع أعظم؛ لذا عزله عن الكوفة واستبقى ابن مسعود على ~~بيت المال وأسند منصب سعد إلى الوليد بن عقبة. # كان الوليد بن عقبة أمويا كعثمان، وكان إلى ذلك أخا عثمان لأمه. وكان متهما بشرب ~~الخمر. لكنه كان شجاعا جريء الجنان. سبقنا إلى ذكر فعاله حين انتقضت أذربيجان وكيف ردها ~~إلى الطاعة، وكيف قاد الذين قاتلوا المنتقضين في أرمينية. ثم إنه كان رجلا حازما حسن ~~الإدارة يستعين على أهواء الخاصة وشهواتهم بتألف قلوب الكافة وتقريبهم منه بالعطاء. قيل: ~~«كان الوليد أدخل الناس على الناس خيرا، فكان يقسم للولائد والعبيد.» # 6 # ويقول الطبري: «كان الناس في الوليد فرقتين، العامة معه والخاصة عليه؛ لذا كان ~~محبوبا إلى الناس قريبا إلى قلوبهم. بقي في ولاية الكوفة خمس سنين وليس لداره باب، ولا ~~يجترئ عليه مع ذلك مجترئ لمحبة الناس له وتعلقهم به»؛ ولذا كان جند الكوفة طوع بنانه، ~~وكانوا على أهبة دائمة للقضاء على كل انتقاض يقع في ولايات فارس الخاضعة لسلطانه. على أن ~~أخذه الخاصة بالشدة انتهى إلى ائتمارهم وتربصهم، حتى إذا أمكنتهم الفرصة شكوه إلى عثمان ~~لشربه الخمر فاستقدمه، وأقام عليه الحد وعزله، وولى سعيد بن العاص بن أمية مكانه. وسنعود ~~عند الكلام عن حكومة عثمان إلى تفصيل الأسباب ms077 التي أدت إلى ائتمار المؤتمرين بالوليد بن ~~عقبة، وكيف نجحوا في إقناع الخليفة بإقامة الحد عليه وعزله. # وكان سعيد بن العاص أمويا قريب القرابة لعثمان. كان قد ربي في حجر عثمان. فلما فتح ~~المسلمون الشام ذهب إليه وأقام مع معاوية بن أبي سفيان وقاتل معه وعرف بلاءه وصلاحه. فلما ~~بلغ عمر بن الخطاب أمره استقدمه إلى المدينة واستعمله وأسبغ عليه عطفه، ولم يمت عمر حتى كان ~~سعيد من الرجال المعدودين في قرش، فلما ولاه عثمان الكوفة ذهب إليها وهو يعلم من تفشي الروح ~~القبلية فيها ما جعله يؤثر الشدة على الرفق بأهلها، فلم يلبث حين بلغها وأزال عنه غبار ~~السفر أن صعد المنبر فخطب الناس فقال: «والله لقد بعثت إليكم وإني لكاره، ولكني لم أجد ~~بدا إذ أمرت أن أئتمر. ألا إن الفتنة قد أطلعت خطمها وعينيها، والله لأضربن وجهها حتى ~~ألحقها أو تعييني، وإني لرائد نفسي اليوم.» # ليس هذا الفصل مكان التفصيل لسيرة سعيد مع أهل الكوفة وسياسته فيهم، وإنما حديثنا فيه عن ~~سياسة الفتح في عهد عثمان. وقد كان لسعيد بن العاص من الأثر في ذلك بالقضاء على انتقاض ~~طبرستان ما نقف الآن عنده. فقد كان ملك طبرستان قد صالح سويد بن مقرن في عهد عمر بن الخطاب ~~على طبرستان، وجبل جيلان بأن يدفع أهلها جزية كل عام، وهم من بعد ذلك آمنون لا يغار عليهم ~~ولا يتطرق أحد إلى أرضهم إلا بإذنهم. وقد ظلوا سنوات يؤدون الجزية كاملة حينا، منقوصة ~~حينا. فلما كانت سنة ثلاثين من الهجرة فشا الانتقاض في أرجاء مختلفة من بلاد الفرس، فنقضت ~~خراسان، ونقضت جرجان، ونقضت طبرستان، ونقضت بلاد غيرها. وعرف سعيد بن العاص أن والي البصرة، ~~وكان عبد الله بن عامر، قد سار إلى خراسان يخضعها. فسار هو إلى قومس وجرجان وطبرستان. ومن ~~عجب أن هذه البلاد التي صالحت سويد بن مقرن في آخر عهد عمر دون قتال فزعا من بأس المسلمين، ~~ورهبة لسلطانهم قد فكرت هذه المرة أن تقف وقفة المستيئس ms078 تريد أن تدفع هؤلاء الغزاة الذين ~~بسطوا سلطانهم على ملك كسرى سبع سنوات أو تزيد. على أن سعيدا لم يلق مقاومة بقومس ولا ~~بجرجان، بل صالحه أهل جرجان على مائتي ألف، فلما أراد أن يزحف من جرجان إلى طبرستان مشاطئا ~~بحر قزوين قاتله أهل طميسه من ثغور طبرستان أشد قتال حتى صلى صلاة الخوف. واستمرت مقاومة ~~هذا الثغر زمنا دل سعيدا على أن أهل طبرستان جمعوا له فيه، فما زال يدبر مكيدة الحرب حتى ~~حاصرهم وحصرهم، وأراهم أن لا سبيل لهم إلى المضي في مقاومته. وتولاهم اليأس فسألوه الأمان ~~فأجابهم إلى ما طلبوا على ألا يقتل منهم رجل واحد، لكنهم كانوا قد أرهقوه وجنده وقتلوا من ~~المسلمين من لم يكن لقتلهم مثله عهد من قبل؛ لذلك لم يلبث القوم حتى فتحوا لسعيد أبواب ~~حصنهم أن رأوه يقتحمه عليهم ويقتل من فيه جميعا خلا رجلا واحدا. واحتوى المسلمون ما في ~~الحصن، ثم انطلقوا في أرض طبرستان وصحاريها، فلم يجدوا من يقاومهم. # أبلى جند الكوفة هذا البلاء الحسن في مقاومة الولايات الفارسية التي انتقضت. ولم يكن جند ~~البصرة أقل من جند الكوفة حسن بلاء. وقد كان أبو موسى الأشعري والي البصرة حين وفاة عمر. ~~فلما استخلف عثمان أقره عليها ست سنوات، أي: إلى سنة تسع وعشرين، وقيل: بل أبقاه ثلاث سنوات ~~ثم عزله وولى مكانه عبد الله بن عامر ابن خال عثمان. # وقد ظلت الولايات الواقعة في سلطان جند البصرة مطمئنة إلى سكينتها زمنا بعد مقتل عمر، ~~ثم امتدت إليها عدوى الانتقاض من غيرها من بلاد فارس، فأرسل إليها أبو موسى من ردها إلى حمى ~~الطاعة. # ولا يفصل المؤرخون ما صنع أبو موسى، ومن بعثهم من أمراء الجند لرد المنتقضين إلى الطاعة. ~~ولعل اختلاف الروايات في مدة ولايته البصرة أثناء خلافة عثمان، وهل كانت ثلاث سنوات أو ست ~~سنوات، هو الذي صرفهم عن هذا التفصيل. يقول الطبري: # 7 ~~«عزل عثمان أبو موسى الأشعري عن البصرة، وكان عامله عليها ست سنين وولاها عبد ms079 ~~الله بن عامر بن كريز ... وقيل: إن أبا موسى إنما عمل لعثمان على البصرة ثلاث سنين.» ويقول ~~بإسناد: «لما ولى عثمان أقر أبا موسى على البصرة ثلاث سنين وعزله في الرابعة، وأمر على ~~خرسان عمير بن سعد، وعلى سجستان عبد الله بن عمير الليثي، فأثخن فيها إلى كابل، وأثخن عمير ~~في خراسان حتى بلغ فرغانة.» ثم يقول في سبب عزل أبي موسى: «ولما كانت السنة الثالثة كفر أهل ~~أيذج والأكراد، فنادى أبو موسى في الناس فحضهم وندبهم، وذكر من فضل الجهاد في الرحلة حتى ~~حمل نفر على دوابهم، وأجمعوا على أن يخرجوا رجالا. وقال آخرون: والله لا نعجل بشيء حتى ~~ننظر ما صنيعه، فإن أشبه قوله فعله فعلنا كما فعل أصحابنا. فلما كان يوم خرج أخرج ثقله من ~~قصره على أربعين بغلا، فتعلقوا بعنانه، وقالوا: احملنا على بعض هذه الفضول وارغب من الرجلة ~~فيما رغبتنا فيه. فقنع القوم حتى تركوا دابته ومضى، فأتوا عثمان فاستعفوه منه، وقالوا: ما ~~كل ما نعلم يجب أن نقوله، فأبدلنا به: فقال: من تحبون؟ فقال غيلان بن خرشة: في كل أحد عوض ~~من هذا العبد الذي قد أكل أرضنا وأحيا أمر الجاهلية فينا ... فدعا عبد الله بن عامر وأمره على ~~البصرة.» # وكان عبد الله بن عامر في فتوة الشباب. كان ابن خمس وعشرين سنة، قوي الجنان جريئا في ~~الحرب. لما سمع أبو موسى بتوليته قال لأهل البصرة: «يأتيكم غلام خراج ولاج، كريم الجدات ~~والخالات والعمات يجمع له الجندان.» ولم يكذب أبو موسى؛ فقد جمع عثمان لعبد الله بن عامر ~~جند أبي موسى وجند عثمان بن أبي العاص الثقفي من عمان والبحرين. # انتفض أهل ولاية فارس لأول ما تولى عبد الله بن عامر أمر البصرة، فسير إليهم عبيد الله بن ~~معمر ليردهم إلى الطاعة، ولقيهم عبيد الله على باب اصطخر فإذا بهم تواعدوا واستعدوا. ولقد ~~استماتوا في القتال فانهزم المسلمون أمامهم وقتل عبيد الله فيمن قتل. فلما بلغ عبد الله بن ~~عامر ما حدث استنقذ جند ms080 البصرة وسار بالناس إلى اصطخر، فلقيه الفرس فيها كما لقوا عبيد الله ~~وقد استماتوا في القتال. لكن أبا عامر كان أوسع حيلة وأجرأ جنانا وأبرع محاورة؛ لذلك تراجع ~~الفرس ولاذوا بحصون المدينة فحاصرها عبد الله وحاصرهم فيها ورماها بالمجانيق وما زال يضيق ~~عليها الحصار حتى وهنت، فأخضعها عنوة وقتل بها مقتلة عظيمة وأفنى أكثر أهل البيوتات فيها ~~ومن كان قد لجأ إليها من أساورة الفرس. فلما ذلت اصطخر سار عبد الله عنها إلى غيرها من مدن ~~ولاية فارس، فقاوم بعضها عبثا وألقى بعضها سلاحه دون مقاومة. فقد اشتد عبد الله في معاملة ~~هؤلاء الثائرين المنتقضين شدة أذلت أهل فارس جميعا ونكست رءوسهم. # وهناك من اصطخر المدينة المقدسة وعاصمة الفرس القديمة بعث عبد الله بن عامر أمراء جنده ~~إلى ولاية خراسان التي انتقضت ليذلوها ويلزموها الطاعة ويبعث إلى نفوس أهلها اليقين بأن ~~انتقاضهم لن يكون من أثره إلا أن يعرضهم للفناء أو للهوان. وبينما كان هؤلاء يسيرون في ~~خراسان كان سعيد بن العاص يغزو جرجان وطبرستان وما والاها من الأرجاء، ويلزمهم جزاء ما ~~نقضوا وثاروا ذلة وهوانا وجزية مضاعفة. # حدث انتقاض الكثير من ولايات فارس سنة ثلاثين من الهجرة. وسبب ذلك أن يزدجرد كسرى الفرس ~~كان قد فر في خلافة عمر إلى خاقان الترك بسمرقند. فلما فتح الأحنف بن قيس بلاد خراسان وبلغ ~~حدود الترك خشي خاقان الترك أن يجتاز المسلمون إلى بلاده، وأن يسلبوه ملكه، وأن يصنعوا به ~~ما صنعوا بيزدجرد، فحشد جنده وحشد معه أهل فرغانة وسار بهم وبيزدجرد يلقى المسلمين بخراسان. ~~وكان عمر بن الخطاب حين عرف فعال الأحنف بن قيس، وبلوغه بلخ قد أظهر غاية إعجابه به فصاح: ~~«هو الأحنف وهو سيد أهل الشرق.» ثم بعث إليه في نفس الوقت يأمره ألا يجتاز خراسان إلى بلاد ~~الترك. فلما أقبل خاقان ويزدجرد، ودخل خراسان انسحب الأحنف إلى مرو الروز وأقنع الترك بأنه ~~لا يريد قتالهم، ولا يريد أن يتخطى أرض الفرس إلى أرضهم. فلما اقتنع خاقان بذلك ارتد ms081 راجعا ~~إلى بلاده. وكان يزدجرد قد وصل في قوة فارسية إلى مرو الشاهجان فحصر حارثه بن النعمان أمير ~~الجند المسلمين بها، واستخرج خزانته من موضعها. وكانت هذه الخزائن ثروة يخطئ تقديرها ~~الإحصاء. فلما عرف انسحاب خاقان الترك وعوده إلى بلاده أراد أن يلحق به، وأن يحمل خزانته ~~إلى عاصمة الترك معه. وأبى عليه أهل فارس أن يحمل الخزائن معه وأشاروا عليه أن يصالح العرب ~~ليبقى بينهم. فلما أبى عليهم ما أرادوا، وأصر على الفرار بالخزائن ثاروا به وقاتلوه ~~واستولوا على الخزائن، ففر وحاشيته إلى فرغانة عاصمة سمرقند. # وأقام لاجئا عند خاقان وفي نفسه بقية ضئيلة من أمل ضعيف في أن يعود يوما إلى عرشه. فلما ~~قتل عمر كبرت هذه البقية وخيل إليه أن الفرصة سانحة لإثارة فارس بالمسلمين، فكاتب رجاله في ~~مختلف الولايات كيما يحرض الناس على الثورة والانتقاض. وكان أهل الولايات المختلفة لا تزال ~~تملأ نفوسهم رهبة المسلمين منذ حطموا قوتهم، ثم كانوا قد رأوا من عدل المسلمين وتسامحهم ما ~~جعل القليل من هذه الولايات هو وحده الذي يسمع لدعاية كسرى، فينتقض على الحكم الجديد. وأسرع ~~المسلمون فقضوا على ما حدث من الانتقاض في أول عهده، فسكنت فارس كلها إلى ما أصابها، وسكن ~~يزدجرد زمنا غير قصير إلى سوء مصيره. على أن ما كان يحدث بالبصرة وبالكوفة من تغير ~~المسلمين على ولاتهم، قد أدى إلى استرخاء قبضة المسلمين على الولايات الشرقية من أرض فارس. ~~وشعر عمال يزدجرد بما حدث من ذلك فكاتبوه وأذاعوا الدعوة في أهل الولايات المختلفة أن كسرى ~~قادم إليهم ليسترد ملكه، ودعوا أهل البلاد ليجمعوا أمرهم ليقوموا قومة رجل واحد في مؤازرة ~~عاهلهم ليعود إلى عرشه؛ وليرد إلى بلاده ما ضاع من هيبتها ومن مكانتها. ونجحت الدعاية وعاد ~~يزدجرد من ملجئه في فرغانة إلى خراسان فشجع ذلك كل فارسي وأثار حماسته ونخوته. وكذلك انتقضت ~~الولايات الشرقية كلها وسارت بالمسلمين تريد أن تجليهم عن أرضها. # ترامت أنباء ذلك إلى سعيد بن العاص بالكوفة وإلى عبد الله بن ms082 عامر بالبصرة، فأيقنا أن ~~الأمر إن يفلت من أيديهم تذهب ريح المسلمين في بلاد الفرس جميعا. عند ذلك ينقلب خصوم ~~عثمان بالمدينة عليه وينزعونه من الخلافة. وإذا ضاع عثمان ضاع سعيد وضاع ابن عامر وضاع كل ~~أموي. وتلك هي الطامة الكبرى؛ لذا سار كل من الرجلين بنفسه وسير أمراء جنده وحرضهم وحضهم ~~على الجهاد في سبيل الله دفاعا عن دين الله وعن المسلمين جميعا. ولا أحسبهما نسيا ما في ~~هذا الجهاد من دفاع عن العصبية وعن سلطانهما الذاتي المتصل بهذه العصبية. فلو أنها ذهبت ~~وذهب هذا السلطان الذاتي معها فهيهات أن يعود. # التقى المسلمون والفرس في مواقع عدة ودار بين الفريقين قتال رأيت من شدته ومن احتماء ~~وطيسه في بعض المواطن ما يذكرنا بالغزوات الكبرى. وقد ظفر الفرس بالمسلمين في بعض هذه ~~المواقع. انهزم عبيد الله بن معمر أمام الفرس في اصطخر، وأدى حياته ثمنا لهزيمته وهزيمة ~~المسلمين الذين كانوا في إمرته. وكان عبد الله بن عامر قد وجه الأسود بن كلثوم العدوى إلى ~~بيهق، من أعمال نيسابور، فدخل البلد من ثغرة كانت في أسوارها، ودخل معه طائفة من المسلمين، ~~فأخذ العدو عليهم تلك الثغرة فقاتلهم حتى قتل هو والذين معه. # على أن ظفر الفرس كان نادرا. وكان عبد الله بن عامر لا يلبث حينما يسمع بشيء منه أن يخف ~~بنفسه أو يبعث من أمراء جنده من يرد العدو على أعقابه، ويرفع أعلام النصر عالية للمسلمين. ~~وسار إلى اصطخر بعد مقتل ابن معمر، ففتحها وأذل أهلها، وأكمل أدهم بن كلثوم ما بدأه أخوه ~~الأسود ففتح بيهق. واندفع ابن عامر في أرض خراسان ووجه أمراء الجند إلى شتى أرجائها فأشاع ~~بها من الفزع ما تطايرت أمامه كل دعاية ليزدجرد، وما جعل أمراء الفرس على المدن يهرعون إلى ~~الصلح يلتمسونه التماسا، ويقدمون في سبيله طائل الأموال وبارعات السبايا. # وقد ذكر البلاذري تفصيلا لبعض ما صالح عليه الفرس من أهل المدن والولايات المختلفة، فإذا ~~به يبلغ عدة ملايين، لا أدري كيف كان يحصيها ms083 العرب! أكانوا يعدونها عدا أم يكيلونها ~~كيلا؟! لا أراني بحاجة إلى تفصيل ما فرض على كل مدينة أو كل ولاية فتفصيله يطول ولا غناء ~~فيه. وحسب القارئ لتستبين له صورة من ذلك أن يعلم أن المسلمين ساروا إلى أقصى الشرق من حدود ~~فارس فردوا كل منتقض إلى الطاعة، وفتحوا ما لم يكن قد فتح في عهد عمر، وأنهم انحدروا في ~~أفغانستان حتى صاروا على مقربة من حدود الهند. وتختلف الروايات: هل أخذوا كابول وغيرها من ~~مدن أفغانستان واستقروا بها؟ أم أنهم ردوا عنها، أم فتحوها ثم خرجت عن الطاعة فلم يعودوا ~~إليها في عهد الخلافة؟ وأرجح الروايات أنهم لقوا من الشدة في جبال الأفغان ما صرفهم أيام ~~عثمان عن متابعة الغزو في تلك النواحي. # روي أن الناس قالوا لعبد الله بن عامر حين تم له كل هذا الفتح: ما فتح لأحد ما فتح عليك، ~~فارس وكرمان وسجستان وخراسان! فقال: «لا جرم لأجعلن شكر الله على ذلك أن أخرج محرما من ~~موقفي هذا، سأحرم بعمرة من نيسابور.» وقدم على عثمان واستخلف على خراسان قيس بن ~~الهيثم. # بينما كان المسلمون تساير أعلامهم النصر في مختلف الأرجاء من أرض فارس، كان يزدجرد يفر من ~~ولاية إلى ولاية حتى انتهى به الفرار إلى أن قتل في منزل رجل ينقر الأرض على شاطئ نهر ~~المرغاب. والروايات في قتله كثيرة مضطربة. ويرجع اضطرابها إلى اختلاف التاريخ لفتح الولايات ~~المختلفة من بلاد فارس، وهل تم كله في عهد عمر، أم أن فارس وكرمان وسجستان وخراسان لم تفتح ~~إلا في عهد عثمان. والذي رجحناه في كتابنا عن الفاروق، ونرجحه هنا أن فارس كلها فتحت في عهد ~~عمر، وأنها نقضت بعد ذلك وثارت، وأن يزدجرد انتهز فرصة ثورتها فعاد من ملجئه عند خاقان ~~الترك إليها. ويتعذر القول في أي سنة من عهد عثمان عاد. لكنه لم يلبث بعد عوده أن حاول قتال ~~العرب، فجمع حوله جندا يقاتل به عدوه. لكن هذا الجند لم يغن عنه شيئا، ففر من كرمان ms084 إلى ~~سجستان إلى خراسان، وهناك على شط المرغاب لقي حتفه. # وتجمع الروايات على أنه لم يقتل حين فراره أمام المسلمين، بل قتل لاختلافه مع ملوك الفرس ~~وأساورتهم، يقول البلاذري: # 8 # إن «يزدجرد جلس ذات يوم بكرمان، فدخل عليه مرزبانها فلم يكلمه تيها، فأمر بجر ~~رجله وقال: ما أنت بأهل لولاية قرية فضلا عن الملك، ولو علم الله فيك خيرا ما صيرك إلى ~~هذه الحال! فمضى إلى سجستان فأكرمه ملكها وأعظمه، فلما مضت عليه أيام سأله عن الخراج فتنكر ~~له. فلما رأى يزدجرد ذلك سار إلى خراسان فلما صار إلى حد مرو تلقاه ماهويه مرزبانها معظما ~~مبجلا. وقدم عليه نيزك طرخان فحمله وخلع عليه وأكرمه، فأقام نيزك عنده شهرا ثم شخص وكتب ~~إليه يخطب ابنته، فأحفظ ذلك يزدجرد وقال: اكتبوا إليه إنما أنت عبد من عبيدي فما جرأك على ~~أن تخطب إلي. وأمر بمحاسبة ماهويه مرزبان مرو وسأله عن الأموال، فكتب ماهويه إلى نيزك يحرضه ~~عليه ويقول: هذا الذي قدم مفلولا طريدا فمننت عليه ليرد عليه ملكه، فكتب إليك بما كتب. ثم ~~تضافرا على قتله. وأقبل نيزك في الأتراك حتى نزل الجنابذ فحاربوه فتكافأ مع الترك، ثم دارت ~~الدائرة عليه فقتل أصحابه ونهب عسكره، فأتى مدينة مرو فلم يفتح له فنزل عن دابته ومشى حتى ~~دخل بيت طحان على المرغاب.» # ثم يقص البلاذري بعد ذلك قصة قتله في بيت ذلك الطحان. # وقد أورد الطبري قصة نيزك ويزدجرد على غير هذا النحو. كما أورد قصصا أخرى تنتهي كلها إلى ~~مقتل يزدجرد في بيت الطحان. وخلاصة ما أورده الطبري عن قصة نيزك أن يزدجرد فر بعد وقعة ~~نهاوند إلى أصبهان وبها يومئذ دهقان يقال له: مطيار. وكان له عند أهل أصبهان حظوة؛ لأنه ~~قاتل العرب ونال منهم. وأراد مطيار أن يدخل يوما على يزدجرد فحجبه بوابه فعظم ذلك عليه ~~فوثب على البواب فشجه فأدماه. ودخل البواب على يزدجرد فأفظعه منظره ورأى بعد أن عرف سبب ما ~~نزل به أن لا مقام له بأصبهان ms085 فارتحل عنها إلى سجستان، ثم سار من سجستان إلى مرو في ألف رجل ~~من الأساورة. وكان ماهويه دهقان مرو. ولأمر ما أراد يزدجرد أن يصرف الدهقنة عنه إلى ابن ~~أخيه سنجان، فعمل ماهويه على هلاكه؛ لذا كتب إلى نيزك طرخان أن تكون أيديهم معا في أخذ ~~يزدجرد وقتله ومصالحة العرب عليه. وكتب نيزك إلى يزدجرد أنه قادم إلى نصرته. وخدع قوم ~~يزدجرد فلقي نيزك في غير سلاح ولا جند، مطمئنا إليه وواثقا به؛ فلما توسط نيزك عسكره خطب ~~إلى يزدجرد ابنته ليقاتل معه عدوه. وغضب يزدجرد وسب نيزك فعلاه نيزك بخفقته، ففر يزدجرد حتى ~~انتهى إلى بيت الطحان على المرغاب وهناك قتل. # وفي رواية أخرى يسوقها الطبري عن ابن إسحاق أن يزدجرد هرب من كرمان إلى مرو فسأل مرزبانها ~~مالا فمنعه. فخاف أهل مرو أن يعدو عليهم يزدجرد بعسكره، فأرسلوا إلى الترك يستنصرونهم عليه ~~فأخذوه فبيتوه وقتلوا أصحابه ففر يزدجرد إلى منزل الطحان على المرغاب حيث قتل. # والروايات في مقتل يزدجرد تختلف اختلافها في فراره. ولا حاجة بنا إلى تفصيل هذه الروايات ~~في مثل إسهاب الطبري وغيره من المؤلفين. وحسبنا أن نشير إلى أن بعضها يذكر أن الطحان رأى ~~على يزدجرد حلة فلما نام قتله، أو أنه قدم له طعاما فأكل وأتى له بشراب فسكر، فلما كان ~~المساء أخذ منه الشراب فوضع تاجه على رأسه فعرفه الطحان فطمع فيه فقتله وأخذ جواهره وثيابه ~~وألقاه في الماء، ثم عرف ماهويه خبره فقتل الطحان وأهل بيته وأخذ تاج كسرى وجواهره وثيابه. ~~ويذكر البعض أن الطحان أخبر ماهويه بوجود يزدجرد عنده فعبث ماهويه عسكره، فذهبوا إلى يزدجرد ~~فقتلوه، أو أنهم ذهبوا إليه فوجوده في النهر فأخرجوه منه فقال لهم: دعوني أصالح العرب، ~~فأبوا عليه وقتلوه. وفي رواية أن الترك انتقموا له ووضعوا جثته في تابوت وحملوها إلى اصطخر ~~حيث دفن. وأيما الروايات تصح فكلها تتفق على أن يزدجرد قتل بعد فراره إلى منزل ذلك الطحان، ~~وبمقتله انتهت دولة الأكاسرة من بني ساسان. # فلم ms086 يكن ليزدجرد عقب يجتمع الناس حوله أو ينادون بأنه الوارث الشرعي للعرش. ثم إن كسرى ~~قضى أربعا وعشرين سنة بين اعتلائه العرش، ومقتله لم يسترح إلى الملك أثناءها إلا أربع ~~السنوات الأولى، ثم ظل من بعد ذلك عشرين سنة حسوما في فرار دائم أمام العرب الذين كانوا ~~يطاردونه من ولاية إلى ولاية، ويضطرونه إلى مغادرة بلاده يستنصر الترك أو الصين، فلا ~~يزجرونه إلا حين يخاف الترك أن يدهمهم العرب في عقر دارهم. أما وذلك شأنه وهذه ميتته، فأحرى ~~بمقتله أن يسقط هيبة الملك في نفس كل فارسي، وأن يجعل أمراء الولايات يغتبط كل منهم، حين ~~يبقى المسلمون، له سلطان كسلطانه في عهد الأكاسرة، ثم تكون الكلمة العليا للعرب في شئون ~~الدولة العامة. والمؤرخون يذكرون أن يزدجرد اتصل بامرأة بيرو قبيل مقتله فولدت بعد أن مات ~~غلاما ذاهب السن سمي المخدج، وأن المخدج هذا ولد له بخراسان أولاد بينهم جاريتان بعث ~~الحجاج بن يوسف بهما أو بإحداهما إلى الوليد بن عبد الملك فكان يزيد بن الوليد الناقص من ~~نسل إحدى الجاريتين. فطبيعي ألا يكون لهذا المخدج أو لعقبه نصير من الفرس يجمع كلمة الناس ~~حوله. # خمدت بمقتل يزدجرد مقاومة الفرس في أرجاء المملكة جميعها، فصالح المسلمين منهم من لم يكن ~~صالحهم، ولم يشذ عن ذلك إلا جماعة الترك من أهل بلخ، وكانوا يجاورون ولاية الباب في أقصى ~~الشمال الغربي من أرض إيران المشاطئة لبحر الخزر. ولا عجب أن تظل هذه المنطقة من أرض فارس ~~أكثر المناطق استعصاء على الفاتحين وأشدها ثورة بهم. فهي منطقة جبلية وعرة المسالك، وأهلها ~~قوم ألفوا الحرب والانتقاض، فلا يسلمون طائعين وإن أحاط بهم العرب من كل جانب. ولقد أراد ~~عبد الرحمن بن ربيعة حين بلغ أرضهم أن يقتحمها عليهم فقاوموه وقتلوه، وهزموا من كان في ~~إمرته من المسلمين. وخشي عثمان ما ربما يكون لذلك من أثر في سائر الولايات، وأراد أن يثأر ~~المسلمون لإخوانهم فكتب إلى سعيد بن العاص أمير الكوفة، وإلى معاوية بن أبي سفيان ms087 أمير ~~الشام ليمد المسلمين الذين انحازوا بعد هزيمتهم إلى الباب، فسار حبيب بن مسلمة الفهري بأمر ~~معاوية، وسلمان بن ربيعة الباهلي بأمر سعيد بن العاص إلى حيث أمرهم عثمان أن يسيروا. وانتصر ~~المسلمون وأخذوا (فرج بلنجر) عنوة. لكن أهل الكوفة وأهل الشام اختلفوا من بعد. وكان هذا أول ~~خلاف وقع بين جند المسلمين، والطبري ينسب خلافهم إلى أن سلمان أراد أن يتأمر على حبيب فأبى، ~~وقال أهل الشام: ... لقد هممنا بضرب سلمان. وقال أهل الكوفة: ... إذن والله نضرب حبيبا فيكثر ~~القتل فيكم وفينا. وفي ذلك يقول شاعر أهل الكوفة أوس بن مغراء: # إن تضربوا سلمان نضرب حبيبكم # وإن ترحلوا نحو ابن عفان نرحل # وإن تقسطوا فالثغر ثغر أميرنا # وهذا أمير في الكتائب مقبل # ونحن ولاة الثغر كنا حماته # ليالي. نرمي كل ثغر وننكل # أما البلاذري فيرد الخلاف إلى أن سلمان بلغ مكان الموقعة بجنده بعد أن فرغ أهل الشام من ~~عدوهم. فطلب أهل الكوفة إليهم أن يشركوهم في الغنيمة فأبوا، فتغالظ حبيب وسلمان في القول ~~وتوعد بعض أهل الشام سلمان بالقتل، فقال شاعر أهل الكوفة الأبيات التي سلف ذكرها. ~~••• # استتب الأمر للمسلمين في فارس كما استتب لهم في إفريقية، فلم يلقوا إلى آخر خلافة عثمان ~~محنة تذكر. وقد يحسب بعضهم هذا عجبا. فسنرى عما قريب حين نعرض بالحديث لحكومة عثمان ~~واتجاهات الرأي في عهده وما نشأ عن هذه الاتجاهات من آثار انتهت إلى الثورة وإلى مقتل ~~عثمان، أن دبيب الشقاق كان يدب في هذه الدولة الناشئة حتى لقد هدد كيانها بالخطر. فكيف مع ~~ذلك أقام أهل فارس على الهوان، وكيف تقاعس الروم فلم ينتهزوا الفرصة، ولم ينهضوا للأخذ ~~بثأرهم واسترداد ما ضاع من ملكهم؟! # ليس الجواب على هذا السؤال عسيرا، فقد بلغ النظام الاجتماعي والنظام السياسي في الفرس ~~والروم مبلغا من الهرم والانحلال صرف الناس عن التحمس له والدفاع عنه؛ لذلك لم تكن تحرك ~~فرق الجند حين ذهابها لقتال العرب فكرة تدافع عنها، أو رجاء تريد تحقيقه، أو مثل إنساني ms088 ~~أعلى يسعد الناس به، بل كانت هذه الفرق تذهب طوعا لأمر السادة الحاكمين. وقل أن دفعت ~~الطاعة للحاكم وحدها إلى تضحية وإن قلت، ما بالك والجندي يسير إلى ميدان القتال ليضحي ~~بحياته؛ لهذا كان قواد الفرس وقواد الروم لا يضربون للجنود مثلا في الإقدام، وكان الجنود ~~أنفسهم أشد ما يكونون اغتباطا ورضا من الغنيمة بالإياب. # أما المسلمون فكانوا لا يزالون مأخوذين بجلال الدين الجديد والدعوة السامية إلى الأخوة ~~الإنسانية، مندفعين إلى مثل أعلى يريدون تحقيقه. صحيح أن دبيب الخلاف بدأ يدب بين بني هاشم ~~وبين بني أمية منذ استخلف عثمان. لكنه كان يدب على استحياء، فلم يكن يبدو للناس منه أثر، ~~ولم يكن يحركهم إلى الانتقاض. وصحيح كذلك أن العرب من مختلف القبائل كانوا ينقمون على قريش ~~سيادتها عليهم وسلطانها فيهم، وكانوا يظهرون البرم بهذا السلطان بين حين وحين. لكن هذه ~~المنافسة وهذا البرم كانا لا يزالان في المهد، يتحدث عنهما الأفراد ولا يصلان إلى تحريك ~~الجماعات. ولم تكن هذه المنافسات لتبلغ بحال إلى حيث تطغي على إيمان العرب بالرسالة السامية ~~التي ألقى القدر عليها نشرها في ربوع الأرض جميعا؛ لذا لم يكن من أثر التيارات الخفية التي ~~كانت تمهد للثورة ولمقتل عثمان أن تقف سير الفتح أو تضعف ما دفعه الدين الجديد، والنظام ~~الجديد إلى نفس المسلمين من قوة، وإن أمكن القول: بأن المسلمين كانوا قادرين لولاها على أن ~~يذهبوا إلى أبعد مما ذهبوا، وأن يفتحوا أكثر مما فتحوا. # وهذا تفسير طبيعي؛ فقد قاوم العرب الدين الجديد مقاومة عنيفة، وتغلب على مقاومتهم لهذا ~~الدين العرب الذين آمنوا به ورأوا فيه دعوة سامية إلى مبادئ بالغة غاية الرفعة. فلما واجهوا ~~الفرس وواجهوا الروم وظفروا بهم زادهم الظفر بهذا الدين إيمانا، ولم يبق في نفوس الجماعات ~~العربية ريب في أن الاستمساك به هو الذي أعزهم وأعلى كلمتهم وجعلهم سادة أولئك الذين كانوا ~~إلى عهد قريب سادة العالم. مع ذلك لم تنتزع المبادئ السامية الجديدة من النفوس كل ما ورثت ~~من ماضيها ms089 الطويل القديم، ولم تنتزع منها بخاصة ما اعتبره أصحاب هذا الماضي غير متناف مع ~~هذه المبادئ. وهل تتنافى خصومة بني هاشم وبني أمية مع ما أوحى الله إلى رسوله. أو ليست ~~قرابة بني هاشم إلى الرسول مؤيدة لهم في طلب الخلافة من بعده. أوليس ما نفاه الإسلام من ~~تفاضل بين الناس إلا بالتقوى، وما أقره من أن الأمر شورى بين المسلمين مؤيدا لبني أمية وهم ~~أكثر من بني هاشم نفرا وأعز منهم بين العرب مكانة. ولكن ما فضل بني أمية على سائر العرب ~~وهؤلاء العرب هم الذين فتحوا، وغنموا وأقاموا بناء الإمبراطورية. وما فضل العرب على غيرهم ~~من اليهود والنصارى الذين دخلوا في الإسلام. واليهود والنصارى أهل كتاب قبل إسلامهم، على ~~حين كان العرب كفارا عبدة أوثان وأصنام؛ لا عجب إذن أن تتحرك هذه المعاني في النفوس في عهد ~~عثمان. فالإيمان بالفكرة المجردة شيء، ومواجهة هذه الفكرة بواقع الحياة وتطبيقها على هذا ~~الواقع شيء آخر. # على أن هذا التفكير لم يكن ليطغى على جلال الفكرة الإسلامية في عهد عثمان. فقد كان في ~~النشأة الأولى لا يزال، ولم يكن ليمتد إلى الجماعات المندفعة بقوة الدين الجديد تفتح بلادا ~~عدا الانحلال على كل ما فيها من عقائد ونظم؛ لذلك اطرد الفتح واستقر. مع ذلك أثمر هذا ~~التفكير اتجاهات جديدة في حياة الإمبراطورية الناشئة، وكان له من الأثر ما انتهى إلى الثورة ~~وإلى مقتل عثمان. # وقد كان لحكومة عثمان أثر في اطراد الفتح واستقراره. وكان لها أثر كذلك في تشجيع العوامل ~~التي انتهت إلى مقتل الخليفة الشيخ. وسنرى هذا الأثر في الفصل التالي عن حكومة عثمان ~~واتجاهات الرأي في عهده. # الفصل الرابع # | حكومة عثمان # لم يكن من أثر التيارات الخفية التي كانت تمهد للثورة ولمقتل عثمان أن تقف من سير الفتح ~~أو تضعف ما دفعه الدين الجديد والنظام الجديد إلى نفوس المسلمين من قوة، وإن أمكن القول: ~~بأن المسلمين كانوا قادرين، لولا هذه التيارات، على أن يذهبوا إلى أبعد مما ذهبوا، وأن ~~يفتحوا ms090 أكثر مما فتحوا. # لم يقتصر أثر هذه التيارات على الفتح يحد من خارق اندفاعه، بل امتد هذا الأثر إلى حياة ~~الأمة العربية كلها، فوجه الكثير من شئونها توجيها هيمن على الإمبراطورية الإسلامية وعلى ~~التاريخ الإسلامي كله من بعد؛ لذلك كانت دراسة هذه التيارات والعوامل جوهرية لإدراك التطور ~~السياسي والمذهبي الذي وجه الحوادث من بعد توجيها لا يزال أثره بالغا إلى اليوم. # أول هذه العوامل ما سبقت الإشارة إليه من تنافس بين بني هاشم وبين بني أمية تنافسا يرجع ~~عهده إلى مائة عام قبل النبي العربي. وقد استجن هذا التنافس بعد أن استقرت دعوة رسول الله ~~فأقبل الناس من أرجاء شبه الجزيرة يدخلون في دين الله أفواجا. فلما اختار رسول الله جوار ~~الرفيق الأعلى جالت بخاطر بني هاشم فكرة الخلافة على أنها ميراثهم عنه # صلى الله عليه وسلم ~~، ولكنها ~~جالت بخاطرهم على استحياء، فلم تكن لها في حياة الدولة أثر في خلافة أبي بكر وعمر. فلما فتح ~~المسلمون فارس والشام ومصر، ثم قتل عمر بن الخطاب، تجلى هذا التنافس وبرزت هذه العصبية في ~~صورة جلوناها عند الحديث عن الشورى وبيعة عثمان. وقد اختلفت الروايات في موقف علي من هذه ~~البيعة، لكنها جميعا تجمع على عدم اقتناع بني هاشم بها ونظرهم إليها نظرة أذكرتهم ما قاله ~~عمر بن الخطاب لابن عباس: «إن الناس كرهوا أن يجمعوا لكم النبوة والخلافة، فإن قريشا ~~اختارت لنفسها فأصابت.» وذلك قول علي بن أبي طالب بعد بيعة عثمان: «إن الناس تنظر إلى قريش، ~~وقريش تنظر إلى بيتها فتقول: إن ولي عليكم بنو هاشم لم تخرج منهم أبدا، وما كانت في غيرهم ~~من قريش تداولتموها بينكم.» # كان لبرم بني هاشم بإسناد الخلافة إلى رجل من بني أمية أثر عميق في حكومة عثمان. كذلك كان ~~لبرم العرب من غير قريش بسلطان قريش مثل هذا الأثر. فقد ذهب الذين غادروا مكة والمدينة من ~~المهاجرين والأنصار ومسلمة الفتح إلى الشام واستقروا به. وذهب من غادروا اليمن ونجد أو سائر ~~قبائل العرب ms091 في الجنوب والشرق من شبه الجزيرة إلى العراق واستقروا به. وإذ كان الولاة في ~~عهد الخلفاء الثلاثة الأولين من رجالات مكة والمدينة فقد بدأ غيرهم من العرب يتساءلون: ما ~~فضل هؤلاء علينا وليس لهم أكثر مما لنا من أثر في الفتح وفي بناء الإمبراطورية؟ لقد سبقونا ~~حقا إلى الإسلام، فإذا كان هذا السبق مسوغا أن كون الخلافة في قريش فلم يكون مسوغا ~~لاستئثارهم بكل مناصب الدولة؟ فالإسلام لا يجعل لعربي فضلا على عجمي إلا بالتقوى. ما بالك ~~والذين نزلوا البصرة والكوفة عرب كأهل الحجاز وكأهل مكة والمدينة سواء. إن هذا الاستئثار ~~إنما يدفع إليه الحرص على سيادة طائفة من العرب على طائفة سيادة لا يقرها الإسلام ولا ~~يرضاها صاحب الرسالة به. ألم يجعل رسول الله لزيد بن حارثة، وكان مولى اشترته خديجة أم ~~المؤمنين وأعتقته، سبقا على كثير من قريش ومن المهاجرين والأنصار؟ فكيف يؤخر أهل نجد ~~وغيرهم ممن كان لهم في الفتح فضل أي فضل ويقدم عليهم أهل مكة والمدينة؟ إن هذا لهو الظلم ~~الذي لا يرضاه حر، وهو الاستعلاء تأباه النفس العربية التي ألفت المساواة والحرية قرونا ~~طويلة قبل أن يزيدها الإسلام بالمساواة والحرية إيمانا! # وثمة عامل ثالث لم يكن أقل من هذين العاملين أثرا في توجيه سياسة الدولة الوجهة التي ~~انتهت إلى الثورة وإلى مقتل عثمان. ذلك هو شعور الأعاجم وشعور اليهود والنصارى باستعلاء ~~العرب عليهم وتحكمهم فيهم، ولم يكن للعرب قبل عشرين سنة من ذلك العهد أي سلطان. فإلى أن ~~اختار رسول الله الرفيق الأعلى، وإلى أن قضى أبو بكر على الردة في شبه الجزيرة، كان الروم ~~وكان الفرس ينظرون إلى أولئك العرب على أنهم دونهم مكانة في الحضارة وقدرا في المقام ~~العالمي. فكيف بهم اليوم يرضون أن يسود العرب بلاد قيصر وبلاد كسرى؟ وكان هذا الشعور أشد ~~وضوحا في فارس منه في الشام وفي مصر؛ لأن فارس كانت مستقلة وكانت تنافس الروم المتحكمين في ~~الشام وفي مصر سيادة العالم. ترى أبلغ الضعف والتخاذل من الفرس ms092 فلم يبق لهم من التخلص من ~~هؤلاء العرب رجاء؟! # وأهل الكتاب واليهود منهم خاصة، سواء منهم من أسلم نفاقا ومن لم يسلم، لم يكن أحد منهم ~~يظن أن دينا جديدا سيجليهم عن مواطنهم في شبه الجزيرة. وها هم هؤلاء العرب قد أجلوهم ~~عنها. # كان لهذه العوامل أثرها العميق في حياة الدولة الناشئة. وقد ظهر بعض هذا الأثر في عهد عمر ~~وانتهى إلى مؤامرة الهرمزان وجفينة وأبي لؤلؤة فيروز غلام المغيرة بقتله. لكن أحدا لم يفكر ~~يومئذ في اجتثاث أسباب الفتنة من جذورها؛ لأن أحدا لم يظن أن هذه الأسباب يمكن أن تستفحل ~~فتثير الحرب الأهلية بين العرب وأنفسهم، وتنتقل بهم من نظام الخلافة إلى نظام الملك، وتغير ~~سير الحوادث تغييرا بالغ الأثر في حياة الإمبراطورية الإسلامية وفي حياة العالم كله؛ ولهذا ~~انصرف تفكير عمر في عهده إلى معالجة ما يبدو من مظاهر هذه العوامل بما يقضي على أثرها ~~الوقتي. ولم يكن عمر ليفعل أكثر من هذا فقد كان عهده كله عهد جهاد وحرب اتصلت على السنين ~~طيلة خلافته، فلم يكن بد من أن يوجه أكبر همه إلى نجاح الفتح وإلى طمأنينة العرب للنظام ~~الجديد الذي أقامه. وكذلك كان شأن عثمان في أول خلافته، إذ كانت الأمور مستقرة فلم يكن ~~يساوره أو يساور غيره من الخوف أن تثور الأرض بفعل هذه العوامل، وأن تبلغ الثورة مبلغ الحرب ~~الأهلية؛ لهذا وقف تفكير عثمان كما وقف تفكير عمر من قبل عند معالجة كل انتقاض بما يرد ~~الطمأنينة إلى النفوس ويدفع بالفتح إلى أن يسير سيرته المظفرة. # والواقع من الأمر أن هذه العوامل كانت من الضعف في عهد عمر وفي السنوات الأولى من عهد ~~عثمان، فلم يكن لأي من الخليفتين أن يخشاها. لقد كان عمر يظن أن ما يبدو من ظواهر الانتقاض ~~يرجع إلى سوء تصرف الولاة، وقد تولى عثمان الخلافة ولم يكن أحد يسيء به الظن لأول عهده، بل ~~إن المؤرخين ليجمعون على أن السنوات الست الأولى من خلافته كانت محل الرضا عنها ms093 والطمأنينة ~~إليها والاغتباط بازدياد الرخاء أثناءها من جانب العرب، ومن جانب من اطمأنوا لحكم المسلمين، ~~من غير العرب. ويذهب أكثر المؤرخين إلى أن الرضا والطمأنينة كانت أكثر شمولا في هذا النصف ~~الأول من عهد الخليفة الشيخ مما كان في عهد عمر؛ لذلك لم يكن لأحد من بني هاشم أو من غيرهم ~~أن يشكو أو يثير ثائرة. فقد كان عثمان لينا في غير ضعف، عادلا عدل عمر من غير أن يكون ~~باطشا بطشه أو قاسيا قسوته. فقد رأيت أنه استفتح عهده بأن زاد في عطاء الناس ووسع عليهم، ~~فزاد ذلك في طمأنينتهم ورضاهم. # وما كان عثمان ليغير شيئا من نظام الحكم الذي وضعه عمر حين دون الديوان وأقام القضاء ~~ونظم المسالح ووضع بها الجند، وما كان له أن يخرج عن نظام الشورى الذي جرى عليه النبي # صلى الله عليه وسلم # وتابعه عليه أبو بكر وعمر؛ لذلك سارت الأمور لأول عهده هادئة مستقرة، ورجع الناس ~~إلى مواطنهم بعد أن بايعوه وكلهم الرجاء الصالح في أن تستقر الإمبراطورية الناشئة، وأن ~~تزداد على الأيام سعة وتزيد العرب رضا عن الحياة وتمسكا بالدين الذي أعزهم وأعلى ~~كلمتهم. # لم يكتف عثمان أول عهده بأن زاد عطاء الناس عما كان عليه في عهد عمر زيادة أرضت الكافة ~~والخاصة، بل أفسح لكبار المسلمين الذين أقاموا بالمدينة في حريتهم وأتاح لهم بذلك أن ~~يستمتعوا بأنعم الحياة على نحو كان عمر يأباه عليهم. فقد منع عمر أعلام المهاجرين من قريش ~~من الخروج في البلدان إلا بإذنه وإلى أجل، وكثيرا ما رفض الإذن بتاتا. وكان الرجل منهم ~~يستأذنه في الغزو وهو ممن حبس بالمدينة من المهاجرين فيقول له عمر: «قد كان لك في غزوك مع ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # ما يبلغك. وخير لك من الغزو اليوم ألا ترى الدنيا ولا تراك.» فعل عمر ~~هذا بالمهاجرين ولم يكن فعله بغيرهم من أهل مكة. وكانت حجته في ذلك خشية أن تغري المهاجرين ~~الدنيا، وأن يستكثروا من الأموال في البلاد المفتوحة فيطغوا، ms094 فيكونوا لغيرهم مثلا سيئا ~~يضر بالدولة الناشئة. فلما ولي عثمان لم يأخذ المهاجرين بالذي كان يأخذهم به عمر؛ لأنه رأى ~~قريشا ملت هذه الشدة في آخر عهد الفاروق؛ لذلك خلى عثمان عن المهاجرين وأباح لهم من الحرية ~~في التنقل في أنحاء الإمبراطورية ما كان محظورا عليهم، فانساحوا في الأقطار ورأوا الدنيا ~~ورآهم الناس، واضطربوا في البلاد وأخذوا من أنعم الحياة بالنصيب الوافر، فحبب ذلك إليهم ~~حكومة عثمان وآثروا خفضها ولينها على ما اضطرهم إليه عمر من زهد وتقشف. # لم يفكر أحد في مؤاخذة عثمان بما في هذه الإباحة من مخالفة لسنة الخليفتين من قبله. ~~فالناس إنما يثورون بالحاكم ويلتمسون المنطق الذي يسوغون به ثورتهم حين لا يرضي مطالبهم ~~وأهواءهم أكثر مما يثورون به إذا تردد الرأي في تصرفاته بما يحقق المصلحة العامة وما لا ~~يحققها. ذلك شأنهم في كل أمة وكل عصر. وقد كان للمسلمين في رقعة الإمبراطورية الفسيحة لأول ~~عهد عثمان ما يكفل لمن شاء منهم ما شاء من رخاء ورفه عيش. وقد منعهم عمر من المتاع بهذا ~~الرخاء وطال بهم هذا المنع، فملت نفوسهم هذه الشدة ولم يبق لها ما يسوغها. أما وقد أباح لهم ~~عثمان ما ترضاه نفوسهم فهم من عثمان راضون وإن خالف سنة الخليفتين من قبله. فإنما أملت ~~تصرفات أبي بكر وعمر في هذا الأمر أحداث لم يبق لها على الزمان وجود. # لم يكن عثمان يستطيع أن يلزم الناس من التقشف والزهادة ما كان يفرضه عمر عليهم؛ ذلك لأن ~~عمر كان متقشفا شديد القسوة بنفسه، وكان يرى من الواجب عليه أن يشعر بشعور الضعيف والبائس ~~والمحروم. وكان يقدر على احتمال هذه القسوة بنفسه لما حباه الله من صحة وقوة؛ ولأنه كان يوم ~~ولي أمر المؤمنين في الخمسين من عمره. وكان صلبا شديد المراس فلم يكن لأحد من رعيته أن ~~يلومه إذا هو طالب غيره أن يحذو حذوه، وأن يتأسى بسيرته. أما عثمان فكان في ذلك كله نقيض ~~عمر. ولي الأمر وقد ناهز السبعين أو جاوزها. ms095 وقد كان، حتى في شبابه وفتوته، يحب لين العيش، ~~يطعم أطايب الطعام ويلبس فاخر الثياب ويتختم ويشد أسنانه بالذهب. وكان له من سعة المال ما ~~يدفع عنه - بعد أن ولي الأمر - كل شبهة في الأخذ لنفسه من أرزاق المسلمين. أما وذلك شأنه ~~فلم يكن في وسعه أن يمنع المهاجرين أو غير المهاجرين من أن يمشوا في مناكب الأرض، وأن ~~يأكلوا مما رزقهم الله حلالا طيبا. # وروي عن عمرو بن أمية الضمري أنه قال: إن قريشا كان من أسن منهم مولعا بأكل الخزيرة، # 1 # وإني كنت أتعشى مع عثمان خزيرة من طبخ من أجود ما رأيت قط، فيها بطون الغنم ~~وأدمها اللبن والسمن، فقال عثمان: كيف ترى هذا الطعام؟ فقلت: هذا أطيب ما أكلت قط. فقال: ~~يرحم الله ابن الخطاب ما أكلت معه هذه الخزيرة قط. قلت: نعم كادت اللقمة تفرث في يدي حين ~~أهوي بها إلى فمي وليس فيها لحم، وكان أدمها السمن ولا لبن فيها. فقال عثمان: «صدقت إن عمر ~~- رضي الله عنه - أتعب والله من تبع أثره، وإنه كان يطلب بثنيه عن هذه الأمور ظلفا، أما ~~والله ما آكله من مال المسلمين ولكن آكله من مالي، أنت تعلم أني كنت أكثر قريش مالا وأجدهم ~~في التجارة، ولم أزل آكل من الطعام ما لان منه. وقد بلغت سنا فأحب الطعام إلي ألينه، ~~ولا أعلم لأحد علي في ذلك تبعة.» # 2 # وعن عبيد الله بن عامر قال: «كنت أفطر مع عثمان في شهر رمضان فكان يأتينا بطعام هو ألين ~~من طعام عمر، قد رأيت على مائدة عثمان الدرمك الجيد وصغار الضأن كل ليلة، وما رأيت عمر قط ~~أكل من الدقيق منخولا، ولا أكل من الغنم إلا مسانها. وقيل لعثمان في ذلك فقال: يرحم الله ~~عمر ومن يطيق ما كان عمر يطيق؟!» # أما وذلك شأن عثمان في شبابه وشيخوخته، فلم يكن مستطاعا أن يحبس المهاجرين بالمدينة أو ~~يصدهم عن أن يضربوا في الأرض ويأكلوا من رزق الله، ولم يكن مستطاعا أن ms096 يلزم الخليفة الناس ~~التقشف والانصراف عن الدنيا أو يطلب إلى ولاته في الأمصار أن يلزموهم شيئا من ذلك. # لم يكن الطعام الطيب والثياب الفاخرة والحياة الناعمة هي وحدها ما يطبق عثمان في حياته ~~الخاصة، بل كانت نظرة عثمان للأمور العامة والخاصة نظرة رجل له بكل متاع بريء هوى. كان مسجد ~~النبي بالمدينة هو مكان الحكم، فكان # صلى الله عليه وسلم # ثم كان أبو بكر وعمر يجلسون فيه يديرون الأمور ~~العامة. فإذا احتاج الأمر إلى مشاورة جمهور المسلمين نودي أن الصلاة جامعة، فاجتمع الناس ~~بالمسجد فشاورهم النبي ثم شاورهم من بعده خليفتاه. كذلك فعل عثمان لكنه لم يرض عن بناء ~~المسجد، وهو دار الحكم، على ما كان عليه في عهد النبي وفي عهد الخليفتين من قبله، بل رأى أن ~~يخلع عليه من الهيبة ما لم يفكر فيه عمر، وما يجعله جديرا بأن تصدر منه الأوامر إلى أهالي ~~الولايات الذين يقيمون بقصور دمشق والفسطاط والكوفة والبصرة. # كان مسجد النبي أول ما بني بسيطا، جدره من اللبن، وسقفه من الجريد، وعمده من خشب النخل. ~~وبقي المسجد كذلك ست سنوات تباعا، ولم يغير منه ما كان من انتشار الإسلام وازدياد الرخاء ~~بالمدينة وما أفاء الله على أهلها من بسطة الرزق. فلما فتح المسلمون خيبر وخلصت المدينة ~~للمسلمين وزاد عددهم بها بمن هداهم الله للإسلام، لم يكن من توسيع رقعة المسجد بد، فزاد ~~النبي في رقعته مائة متر مربع أو أكثر. لكنه لم يغير من عمارته باللبن والجريد وجذوع النخل ~~شيئا. # ولم يحدث في خلافة أبي بكر إلا ما روي من أن سواري المسجد نخرت فبناها. فلما كان عهد عمر ~~واطردت زيادة المسلمين بالمدينة لم يكن من توسيع المسجد كرة أخرى بد، فزاد عمر في رقعة ~~المسجد ولكنه لم يغير من عمارته. فقد بنى الجدر كما بناها رسول الله، وجعل الأساس من ~~الحجارة وما فوقه من اللبن، وجعل عمده من الخشب والسقف من الجريد، وجعل للمسجد ستة أبواب، ~~واتخذ إلى جانبه مكانا سمي البطحاء، أمر ms097 من أراد أن يلفظ أو يرفع صوتا أن يخرج إليه ~~تنزيها له عن أن يكون له شيء من تجارة الدنيا أو يكون فيه عبث أو تأثيم. # فلما آلت الخلافة لعثمان كلمه الناس أول ما تولاها أن يزيد في المسجد، وشكوا إليه ضيقه ~~يوم الجمعة بعد أن ازداد سكان المدينة زيادة عظيمة لامتداد الفتح. واستشار عثمان أهل الرأي ~~فأجمعوا على هدم المسجد وبنائه وتوسيعه. # وزاد عثمان في رقعة المسجد زيادة عظيمة. لكنه لم يقف عند زيادة رقعته على نحو ما فعل عمر، ~~بل أحدث من التطور في عمارته ما يتفق واتجاه ميوله، فأنكر صنيعه يومئذ جماعة من المسلمين ~~الذين أرادوا أن يبنى المسجد على نحو ما بناه رسول الله. ولم يحفل عثمان بقولهم، ولم يجدد ~~المسجد باللبن، ولم يجعل عمده الخشب وسقفه الجريد، بل بنى جدره كلها بالحجارة المنقوشة، ~~وجعل عمده من حجارة منقورة أدخل فيها بعض الحديد، وصب فيها الرصاص ونقشها من خارجها، وجعل ~~سقفه من الساج. بذلك أقر المسجد على أساس من بنائه، وخلع عليه بعض الرونق والرواء؛ ولذلك ~~أنكر عليه بعض أصحاب رسول الله صنيعه وآخذوه بمخالفته سنة رسول الله وسنة الخليفتين أبي بكر ~~وعمر. # خلع عثمان على مسجد النبي هذه الهيبة؛ لأنه كان مركز الحكم، فكانت الأوامر تصدر منه إلى ~~الولاة الذين يقيمون في قصور دمشق والفسطاط والكوفة والبصرة. وإنما يدعونا إلى هذا القول ~~أنه لم يصنع مثل هذا الصنيع بالمسجد الحرام بمكة حين وسعه. فقد كانت الكعبة بيت الله الحرام ~~قائمة، وليس حولها إلا فناء ضيق يصلي الناس فيه، وظل ذلك شأنه طيلة عهد النبي وفي خلافة أبي ~~بكر، فلما امتد الفتح وكثر الذين يشهدون الحج ويصلون حول البيت في عهد عمر ضاق بهم هذا ~~الفضاء حين الصلاة. ثم كانوا يدخلون إليه من الأبواب القائمة بين الدور المحيطة به. عند ذلك ~~اشترى عمر دورا حول الكعبة وهدمها وأدخلها في حرم البيت الحرام وأحاطها بجدار قصير. وزاد ~~عدد الذين يشهدون الحج في خلافة عثمان، فاحتذى مثل عمر ms098 وأضاف إلى الكعبة دورا اشتراها، ~~وأحاطها بجدار قصير لا يرتفع إلى قامة الرجل كما فعل عمر من قبل. هو إذن لم يصنع بمسجد مكة ~~ما صنعه بمسجد المدينة؛ لأن مسجد مكة كان خالصا للعبادة والصلاة؛ ولأن مسجد المدينة كان ~~دار الحكم وكانت تقام فيه الصلاة. # لم يدفع عثمان إلى ما صنع من عمارة المسجد، وما أباح للمهاجرين من الانتشار في بلاد ~~الإمبراطورية، وما كان من زيادة العطاء، تهالك على الدنيا أو حب لمظاهر السلطان. فقد كان ~~الخليفة الشيخ من أتقى الناس ومن أكثرهم حياء وأصدقهم إيمانا، وكان يقول: «لو أن قلوبنا ~~طهرت ما شبعنا من كلام ربنا، وإني لأكره أن يأتي علي يوم لا أنظر في المصحف.» لما تسور ~~الثائرون بعثمان عليه داره ألفوه يقرأ القرآن، وما مات حتى خرق مصحفه من كثرة ما كان يديم ~~النظر فيه. وقالت امرأته نائلة للذين أحاطوا به في داره يوم مقتله: «إن تقتلوه أو تدعوه، ~~فقد كان يحيي الليل بركعة يجمع فيها القرآن.» وكان عثمان إذا قام في الليل للصلاة لا يوقظ ~~أحدا ليعينه على وضوء إلا أن يجده يقظان. فقيل له غير مرة: «لو أيقظت بعض الخدم؟» فكان ~~يقول: «لا، الليل لهم يستريحون فيه.» # وما كان عليه عثمان من صدق الإيمان هو الذي أدى به إلى جمع الناس على قراءة واحدة للقرآن، ~~وإلى إحراق ما سوى مصحف عثمان من المصاحف. فقد كان حذيفة بن اليمان يقاتل مع المسلمين في ~~أرمينية وأذربيجان في السنة الثانية أو في السنة الثالثة من خلافة عثمان. وكان قد اجتمع في ~~هذا القتال خلق من أهل الشام ممن يقرءون على قراءة المقداد بن الأسود، وأبي الدرداء، وجماعة ~~من أهل العراق ممن يقرءون على قراءة ابن مسعود وأبي موسى الأشعري، وآخرون حديثو عهد ~~بالإسلام كانوا يفضلون قراءة على قراءة، وبالغ كل فريق في تفضيل قراءتهم ودب الخلاف لذلك ~~بينهم، وعظم اختلافهم وتشتتهم، حتى إن الرجل ليقول لصاحبه: إن قراءتي خير من قراءتك، وبلغ ~~حدا كاد يكون فتنة. فقد اختلفوا ms099 وتنازعوا، وأظهر بعضهم إكفار بعض والبراءة منه وتلاعنوا ~~ورأى حذيفة خلافهم وانتشار الكلام السيئ بينهم ففزع وفر راجعا إلى المدينة، ودخل على عثمان ~~قبل أن يدخل إلى بيته فقال له: أدرك هذه الأمة قبل أن تهلك ! قال عثمان: في ماذا؟ قال حذيفة: ~~في كتاب الله، إني حضرت هذه الغزوة وقد صحبت ناسا من العراق والشام والحجاز. ثم وصف له ما ~~تقدم من اختلافهم في القراءة وأردف: وإني أخشى عليهم أن يختلفوا في كتابهم كما اختلف اليهود ~~والنصارى. ورأى عثمان الخطر، فجمع الناس يشاورهم في الأمر. فسألوه رأيه فقال: الرأي عندي أن ~~يجتمع الناس على قراءة. فإنكم إذا اختلفتم اليوم كان من بعدكم أشد اختلافا. وأقره أهل ~~الرأي فبعث إلى حفصة يسألها أن ترسل إليه مصحف أبي بكر لنسخه في المصاحف. ذلك أن مصحف أبي ~~بكر كان عند الصديق في حياته، ثم عند عمر بن الخطاب، ثم عند أم المؤمنين حفصة بنت عمر. # وأمر عثمان زيد بن ثابت الأنصاري أن يكتب المصحف، وأن يملي عليه سعيد بن العاص الأموي، ~~بحضرة عبد الله بن الزبير، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، وأمرهم إذا اختلفوا في ~~شيء أن يكتبوه بلغة مضر؛ لأن القرآن نزل على رجل من مضر. فلما أتموا كتابته على قراءة واحدة ~~أمر عثمان فكتب لأهل الشام مصحفا، ولأهل مصر مصحفا، وبعت إلى البصرة مصحفا، وإلى الكوفة ~~مصحفا، وأرسل إلى مكة مصحفا وإلى اليمن مثله، وأقر بالمدينة مصحفا. وهذه المصاحف اطمأنت ~~لها الأمة ولا يزال الناس يسمونها المصاحف العثمانية؛ لأنها كتبت بأمر عثمان وإن لم تكتب ~~بخطه. # ولما أرسلت هذه المصاحف إلى الأمصار وأوجب الخليفة القراءة بما فيها أمر أن يجمع ما سواها ~~من المصاحف فجمع وأحرق. وقد أثار هذا الأمر من جانب عثمان ثائرة كثيرين، بينهم قوم من ~~الصحابة والتابعين، وآخذوا عثمان بأنه صنع ما لم يصنعه أبو بكر وعمر. روي عن ابن مسعود أنه ~~تعنت لما أخذ منه مصحفه فحرق، وتكلم في تقدم إسلامه على زيد بن ثابت، ms100 وأمر أصحابه أن ~~يغلوا مصاحفهم، وتلا قوله تعالى: # ومن يغلل يأت بما غل ~~يوم القيامة ~~، فكتب إليه عثمان يدعوه إلى اتباع الصحابة فيما أجمعوا ~~عليه من المصلحة في ذلك جمعا للكلمة وحسما لكل شقاق. # ولا شبهة في أن ما صنعه عثمان من جمع الناس على قراءة واحدة قد كان الحكمة عين الحكمة؛ ~~لأنه بصنيعه هذا قد أبقى للقرآن صفاءه كما أوحاه الله إلى رسوله # صلى الله عليه وسلم ~~. وصحيح قول علي بن ~~أبي طالب: «أعظم الناس أجرا في المصاحف أبو بكر، رحمة الله على أبي بكر هو أول من جمع بين ~~اللوحين.» لكن عثمان لم يكن أقل من أبي بكر أجرا لما صنع تلافيا للاختلاف وحسما للخلاف. ~~وليس ينقص من أجره أن اختلف الناس وإن لامه بعضهم لحرقه كل المصاحف إلا مصحفه. فلو أنه لم ~~يفعل لبقي النزاع وما انحسم الشر. # سئل علي بن أبي طالب في إحراق المصاحف فقال: «لو لم يصنعه هو لصنعته.» وبالغ قوم مع ذلك ~~في التثريب على عثمان لحرق المصاحف فوقف علي في الناس فقال: «أيها الناس، إياكم والغلو في ~~عثمان تقولون: حرق المصاحف، والله ما حرقها إلا عن ملأ من أصحاب محمد # صلى الله عليه وسلم ~~، ولو وليت ~~مثل ما ولي لفعلت مثل ما فعل.» # كيف لام قوم عثمان لعمارته مسجد على نحو ما صنع وهو إنما فعل بعد مشاروته أولي الرأي من ~~أصحاب رسول الله؟ وكيف لامه قوم على جمعه الناس على قراءة واحدة للقرآن وعلى حرقه المصاحف ~~التي تخالف هذه القراءة، وهو لم يفعل ذلك إلا عن ملأ من أصحاب رسول الله؟ وما بال هؤلاء ~~الناس لم يكونوا يلومون عمر بن الخطاب وقد كان يجتهد بالرأي في كثير من الشئون، وكان يخالفه ~~في اجتهاده من يخالفه؟ أتراهم استلانوا عثمان فاستضعفوه فأنكروا عليه ما لم يكونوا ينكرون ~~على عمر لبأسه وشدته؟! أم تراهم رأوا عمر يعيش عيشهم، قاسيا بنفسه، ناسيا إياهم، متجردا ~~لله، فلم يكن لأحد أن يؤاخذه بشيء إيمانا بأنه يصنع ما ms101 يصنع عن بينة ويقين؟ ثم رأوا عثمان ~~في خفض من العيش لا يستطيع أكثرهم أن يبلغه، فنفسوا عليه، فكان لومهم وتثريبهم مظهر هذه ~~النفاسة؟! مهما يكن من شيء فإن التطور الذي حدث في بلاد العرب منذ عهد الرسول في الناحية ~~الفكرية، وفي الناحية الاقتصادية كان عظيم الأثر في موقف هؤلاء الناس من عثمان. فقد انتقلت ~~بلاد العرب في هذه الفترة القصيرة، التي لا تزيد على ثلاثين سنة، من دين إلى دين، ومن ~~التبعية أو ما يشبهها للفرس أو الروم إلى التغلب على الفرس والروم، ومن حال اقتصادية أدنى ~~إلى العسر إلى يسار ورخاء لم تعرف مثلهما من قبل. وقد كان رسول الله وكان أبو بكر وعمر ~~يؤثرون أن يسير المسلمون سيرة الشظف؛ لأنهم كانوا يهيئون بمغانم الحرب لمتابعة الحرب. أما ~~وقد زادت المغانم وزاد الخراج والجزية، على ما تقتضيه الحرب فقد تشعب الرأي. أيظل الناس على ~~ما كانوا عليه من إعراض عن الدنيا؟ أم يأخذون من متاعها بالنصيب الذي يسره لهم ما أفاءه ~~الله عليهم من أخلاف الرزق؟ كان أكثر الذين يؤثرون الشظف هم الذين آخذوا عثمان لعمارته ~~المسجد عمارة خالف بها ما كان عليه لعهد النبي والخليفتين الأولين، ولعلهم كذلك هم الذين ~~آخذوه بإحراق المصاحف. فالمعرضون عن الدنيا هم أشد الناس تشبثا بحرية الرأي، وبالحرية ~~الفردية. أما الذين رأوا في هذا التطور مدعاة لحياة جديدة غير التي كانوا عليها إلى أن ~~انتهت خلافة الفاروق، فكان أكثرهم على رأي عثمان في عمارة المسجد وفي توحيد القراءة. # لم يكن للوم اللائمين أثر في السنوات الأولى من خلافة عثمان؛ لأن هذا التطور جعل ما صنعه ~~الخليفة الشيخ أمرا محتوما لا مفر منه، وجعل اتجاهه الجديد في سياسة الحكم موضع الرضا من ~~جانب الكثرة العظمى. فقد كان أهل الشام وأهل العراق من العرب ومن الفرس والروم يجيئون إلى ~~المدينة على أنها عاصمتهم، وهم قد ألفوا أن يروا من جلال الملك في بلاد الروم وبلاد الفرس ~~ما يجعلهم يصرفون أنظارهم عن دار للحكم اتخذ ms102 بناؤها من اللبن وعمدها من جذوع النخل، وسقفها ~~من الجريد. فإذا وجب أن يبقى المسجد على بساطته، فلا بد أن يكون له من ظاهر الهيبة ما يجعل ~~هؤلاء الأجانب عن شبه الجزيرة يعظمونه ولا تزور أبصارهم عنه. # ثم إن التطور ألقى على الخليفة عبئا جديدا نهض عمر بشيء منه، وكان لا بد لعثمان من أن ~~يضاعف الجهد للنهوض به. ذلك تنظيم الحياة المدنية تمهيدا للحضارة التي وضع القرآن أساسها. ~~لقد كان معظم الجهد في عهد رسول الله وفي عهد أبي بكر مبذولا لتوطيد الدعوة الدينية ~~الجديدة وتثبيت قواعدها. فلما اتسعت رقعة الإمبراطورية لم يكن ثمة بد من التفكير في العمران ~~ونشره ليعم الناس الرخاء؛ وليكون لهم من ارتفاع مستوى العيش ما يجعلهم يطمئنون للنظام الذي ~~يسر له سعة الرزق؛ لهذا زاد عثمان عطاء الناس وأباح للمهاجرين ما كان مباحا لغيرهم من ~~التنقل في أنحاء الإمبراطورية والنيل من خيراتها. بذلك عم الرخاء العرب وآن لهم أن يفكروا ~~في التمتع بما أبيح لهم التمتع به من طيبات ما رزقهم الله. # بل إن كثيرين منهم بدءوا ينظرون إلى ألوان من اللهو على أنها بعض المتاع المباح. فمع أن ~~القرآن نص على أن الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان، وطلب إلى المسلمين ~~اجتناب هذا الرجس أقام كثيرون منذ عهد النبي يشربون الخمر ويباشرون الميسر. ومع أن عمر جلد ~~شارب الخمر ثمانين جلدة بعد أن استشار المسلمين؛ لم يمتنع عن شربها من استتر واستطاع النجاة ~~من الحد. وكان كثيرون يرون في عهد عمر أن الشراب إنما يحرم منه ما أسكر، فأما ما لم يسكر ~~فلا يحد صاحبه. وكان عمر يقسو بهؤلاء ولا يرضى عن أمر فيه ما يضعف النفس أو يستذلها لعادة ~~من عاداتها. فلما تولى عثمان ظل الأمر على ما كان عليه في عهد عمر، وكان ولاة عثمان أكثر ~~تغاضيا عن هذه الألوان من اللهو؛ لأن كثيرين منهم كانوا يتوقرون عليها توقرا كان له في ~~حكومة هذا العهد أثر بالغ. # 3 # الفصل ms103 الخامس # | نهاية عثمان # كانت الكوفة موطن الثورة الأساسي في خلافة عثمان، فكثيرا ما أظهر أبناؤها تذمرهم من ~~أمرائهم وولاتهم، فسخطوا على سعد بن أبي وقاص، ثم اتهموا الوليد بن عقبة بشرب الخمر، فولى ~~عثمان سعيد بن العاص ، فلما قدم على الكوفة قال لأهلها في خطبة له: إنه تولى أمورهم وهو كاره ~~لذلك، وأعلن أن الفتنة قد أطلعت خطمها وعينيها. ثم أخذ سعيد يدرس أحوال الكوفة وأهواء أهلها ~~ليتبين مواطن الداء. ولما وقف على حقيقة الحال فيها كتب إلى عثمان بما شاهده في هذه ~~المدينة، فقال: «إن أهل الكوفة قد اضطرب أمرهم، وغلب على أهل الشرف والبيوتات منهم، والغالب ~~على تلك البلاد روادف قدمت، وأعراب لحقت، حتى لا ينظر إلى ذي شرف أو بلاء من نابتتها ولا ~~نازلتها.» فبعث عثمان إلى سعيد بن العاص يطلب إليه أن يقدم الصحابة على غيرهم من سكان ~~الكوفة. وقد جاء في كتابه: «أما بعد، ففضل أهل السابقة والقدم، ومن فتح الله عليه تلك ~~البلاد، وليكن من نزلها من غيرهم تبعا لهم، إلا أن يكونوا تثاقلوا عن الحق وتركوه، وقام به ~~هؤلاء، واحفظ لكل منزلته، وأعطهم جميعا بقسطهم من الحق، فإن المعرفة بالناس يصاب بها ~~العدل.» # كذلك ألقى عثمان على أهل المدينة خطبة، أخبرهم فيها بما وصله عن الحالة في الكوفة وحذرهم ~~الفتنة، وعرض عليهم أن ينقل إلى الناس فيئهم حيث يقيمون في بلاد العرب، فرحب أهل المدينة ~~بذلك وقالوا له: كيف تنقل إلينا ما أفاء الله علينا من الأرض؟ فقال عثمان: «نبيعها ممن شاء ~~بما كان بالحجاز واليمن وغيرهما من البلاد.» فأظهروا ابتهاجهم وفتح الله لهم أمرا لم يكن ~~في حسابهم. # وكان هناك فريق من المسلمين يملك كثيرا من المال بالحجاز، فاشتروا بهذا المال أرضا في ~~بلاد العراق التي اشتهرت بالخصب والثراء، وأصبح عدد كبير منهم من كبار الأثرياء مما أدى إلى ~~تذمر العرب الذين كانوا يقيمون في أمصار العراق، وازداد سخطهم على عثمان وولاته لحرمانهم من ~~الفيء والغنائم، وطالبوا الخليفة بألا يعطي من الفيء ms104 إلا الذين قاتلوا عليه. كما أن كثيرا ~~من سكان الأمصار الإسلامية أظهروا عدم ارتياحهم لسياسة عثمان. # أخذت بعض الشخصيات تثير السخط في نفوس أهل هذه الأمصار. من ذلك ما قام به عبد الله بن سبأ ~~- وكان يهوديا من أهل صنعاء ببلاد اليمن ثم اعتنق الإسلام في أيام عثمان - إذ تنقل في ~~الأمصار الإسلامية محاولا إثارة الناس ضد عثمان. ففي البصرة تأثر بدعوته كثير من العامة. ~~ولما تناهى أمره إلى عبد الله بن عامر أخرجه منها، فرحل إلى الكوفة يبث دعوته، ثم طرد ابن ~~سبأ من الكوفة، فقصد الشام، لكن معاوية ما لبث أن أمره بالرحيل عنها، فذهب إلى مصر حيث أخذ ~~ينشر دعوته، ويرسل منها رسله إلى أشياعه في البصرة والكوفة؛ وكانت دعوته تتضمن أن لكل نبي ~~وصيا، وأن عليا وصي محمد وأنه خاتم الأوصياء بعد محمد خاتم الأنبياء، وبذلك هيأ العقول ~~إلى أن عثمان أخذ الخلافة بغير حق من علي وصي رسول الله. # ومن الشخصيات التي عارضت سياسة عثمان أبو ذر الغفاري - أحد كبار أئمة الحديث - الذي دعا ~~إلى إصلاح أحوال المسلمين وتخفيف الفروق بين الأغنياء والفقراء. ذلك أن العرب الذين نزحوا ~~إلى الولايات المفتوحة حصلوا على ثروات كبيرة، في حين كان إلى جوارهم بعض المسلمين يحيون ~~حياة أقرب إلى الفاقة منها إلى التقشف. وصار أبو ذر ينكر على عثمان سياسته في التولية ~~والعزل. فلما أمره عثمان بالرحيل إلى الشام، رحل إليها وأخذ يقول هناك ما قاله في المدينة، ~~ويدعو إلى مواساة الفقراء، وما زال ينشر دعوته حتى رأى معاوية بن أبي سفيان أن يختبر صدق ~~نوايا أبي ذر، فبعث إليه ذات ليلة برسول يحمل إليه ألف دينار، ثم أوعز إلى رسوله في الصباح ~~ليستردها منه معتذرا بأن المقصود بها غيره، فوجد أن أبا ذر وزعها على الفقراء، فأيقن ~~معاوية أن أبا ذر جاد في دعوته. ولما خشي معاوية على أهل الشام من دعوة أبي ذر وكثرت شكايات ~~الأغنياء مما يلقون من الفقراء، كتب يشكو منه إلى عثمان؛ فبعث ms105 عثمان إلى معاوية يأمره ~~بإنفاذه إليه، ثم أذن له بعد قدومه إلى المدينة بالإقامة في الربذة؛ # 1 # وصار يجري عليه العطاء حتى مات. # رأى عثمان إزاء الدعايات السيئة في الأمصار الإسلامية ضد سياسته أن يبعث في طلب ولاته على ~~هذه الأمصار في موسم الحج سنة 34ه ليكشفوا له عن أسباب الفتنة؛ فقدم عليه عبد الله بن عامر ~~ومعاوية بن أبي سفيان وعبد الله بن أبي سرح وسعيد بن العاص وعمرو بن العاص؛ فلما اجتمع ~~شملهم في الموسم، قال لهم: «إن لكل إمام وزراء ونصحاء، وإنكم وزرائي ونصحائي وأهل ثقتي. وقد ~~صنع الناس ما رأيتم وطلبوا إلي أن أعزل عمالي وأن أرجع عن جميع ما يكرهون إلى ما يحبون؛ ~~فاجتهدوا رأيكم وأشيروا علي.» فقال له ابن عامر: «أرى لك يا أمير المؤمنين أن تشغلهم ~~بالجهاد عنك حتى يذلوا لك ولا يكون همة أحدهم إلا في نفسه ...» وقال سعيد: «احسم عنك الداء، ~~فاقطع عنك الذي تخاف. إن لكل قوم قادة متى تهلك يتفرقوا ولا يجتمع لهم أمر»؛ فقال عثمان: ~~«إن هذا هو الرأي لولا ما فيه.» وقال معاوية: «أشير عليك أن تأمر أمراء الأجناد فيكفيك كل ~~رجل منهم ما قبله وأكفيك أنا أهل الشام.» وقال عبد الله بن سعيد: «إن الناس أهل طمع فأعطهم ~~من هذا المال تعطف عليك قلوبهم.» ثم قام عمرو بن العاص، فقال: «يا أمير المؤمنين إنك قد ~~ركبت الناس بمثل بني أمية فقلت وقالوا وزغت وزاغوا. فاعتدل أو اعتزل، فإن أبيت فاعتزم عزما ~~وأقدم قدما.» فقال له عثمان: «أهذا الجد منك؟» فسكت عمرو حتى تفرقوا فقال: «والله يا أمير ~~المؤمنين لأنت أكرم علي من ذلك، ولكني علمت أن بالباب من يبلغ الناس قول كل رجل منا، فأردت ~~أن يبلغهم قولي فيثقوا بي، فأقود إليك خيرا وأدفع عنك شرا.» # لما عاد عثمان إلى المدينة بعد أن فرغ من مشاورة ولاته. عقد مجلسا آخر شهده معاوية بن ~~أبي سفيان وبعض كبار الصحابة، ومن بينهم علي بن أبي طالب، وطلحة بن ms106 عبيد الله، والزبير بن ~~العوام، وسعد بن أبي وقاص. وبدأ معاوية الحديث بقوله: «أنتم أصحاب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وخبرته وولاة أمر هذه الأمة، لا يطمع في ذلك أحد غيركم، اخترتم صاحبكم من غير غلبة ولا طمع ، ~~وقد كبرت سنه وولى عمره، ولو انتظرتم به الهرم كان قريبا، مع أني أرجو أن يكون أكرم على ~~الله أن يبلغ به ذلك، وقد فشت قالة خفتها عليكم، فما عتبتم فيه من شيء فهذه يدي لكم به ولا ~~تطمعوا الناس في أمركم، فوالله لئن طمعوا في ذلك لا رأيتم فيها أبدا إلا إدبارا.» فرد علي ~~بن أبي طالب على مقالة معاوية بقوله: «وما لك وذلك؟ وما أدراك، لا أم لك.» فغضب معاوية إذ ~~عرض علي بأمه هند وقال: «دع أمي مكانها، ليست بشر أمهاتكم، قد أسلمت وبايعت النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وأجبني فيما أقول لك.» فقال عثمان: «صدق ابن أخي إني أخبركم عني وعما وليت، إن ~~صاحبي اللذين كانا قبلي ظلما أنفسهما ومن كان منهما بسبيل احتسابا، وإن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # كان يعطي قرابته وأنا في رهط أهل عيلة وقلة معاش، فبسطت يدي في شيء من ذلك المال لمكان ما ~~أقوم به فيه، ورأيت أن ذلك لي، فإن رأيتم ذلك خطأ فردوه، فأمري لأمركم تبع. فقالوا: أصبت ~~وأحسنت.» وانفض جمعهم وهم راضون. # 2 # أخذت الأمصار تحذو حذو الكوفة في التعبير عن استيائها من سياسة عثمان وسياسة عماله؛ فأقبل ~~إلى المدينة في رجب سنة 35ه وفد كبير من أهل العرب في مصر. وكانوا قد كاتبوا أشياعهم من أهل ~~الأمصار أن يتوافدوا بالمدينة. وأظهروا أنهم يريدون أن يسألوا عثمان عن أشياء لتطير في ~~الناس ولتحق عليه. فأرسل إليهم عثمان رجلين أحدهما من بني مخزوم والآخر من بني زهرة؛ ليقفا ~~على سبب مجيئهم إلى المدينة. فلما التقيا بهم، قالوا لهما: نريد أن نذكر له (أي: لعثمان) ~~أشياء قد زرعناها في قلوب الناس، ثم نرجع إليهم فنزعم لهم أنا قررناه بها، ms107 فلم يخرج منها ~~ولم يتب، ثم نخرج كأنا حجاج حتى نقدم فنحيط به، فنخلعه، فإن أبى قتلناه. ثم عاد الرجلان إلى ~~عثمان وأخبراه بما سمعاه عن هؤلاء القوم، فضحك وقال: «اللهم سلم هؤلاء، فإنك إن لم تسلمهم ~~شقوا.» # دعا عثمان المسلمين إلى صلاة جامعة، فأقبلوا جميعا إلى مسجد المدينة، وفيهم صحابة الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~، فوقف عثمان فيهم خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، وأخبرهم خبر القوم، ثم قام ~~الرجلان اللذان كان عثمان قد بعثهما للوقوف على حقيقة أغراض الوافدين إلى المدينة، فقالا ~~لعثمان: «اقتلهم، فإن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قال: من دعا إلى نفسه أو إلى أحد وعلى الناس إمام ~~فعليه لعنة الله، فاقتلوه.» فقال عثمان: «بل نعفو ونقيل ونبصرهم بجهدنا، ولا نحاد أحدا حتى ~~يركب حدا أو يبدي كفرا، إن هؤلاء ذكروا أمورا قد علموا منها مثل الذي علمتم إلا أنهم ~~زعموا أنهم يذاكرونها ليوجبوها علي عند من لا يعلم.» ثم أخذ عثمان يسوق ما اتهمه به هؤلاء ~~الثوار ويدافع عن نفسه فيرد الاتهام عنه، فقال: «قالوا: أتم الصلاة في السفر وكانت لا تتم، ~~ألا وإني قدمت بلدا فيه أهلي، فأتممت لهذين الأمرين أوكذلك؟» فقالوا «اللهم نعم.» وانتقل ~~عثمان إلى الاتهام الثاني، فقال: «وقالوا: وحميت حمى، وإني والله ما حميت حمى قبلي، والله ~~ما حموا شيئا لأحد ما حموا إلا غلب عليه أهل المدينة، ثم لم يمنعوا من رعيته أحدا، ~~واقتصروا لصدقات المسلمين يحمونها؛ لئلا يكون بين من يليها وبين أحد تنازع، ثم ما منعوا ولا ~~نحوا منها أحدا إلا من ساق درهما. وما لي من بعير غير راحلتين ... وإني قد وليت وإني أكثر ~~العرب بعيرا وشاة، فما لي اليوم شاة ولا بعير غير بعيرين لحجي، أكذلك؟» فقال له الحاضرون: ~~«اللهم نعم.» وطلبوا منه أن يقتل هؤلاء الثوار؛ فأبى عثمان ومضى يفند اتهاماتهم له؛ فقال: ~~«وقالوا: إني رددت الحكم بن العاص - وقد سيره رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~- والحكم مكي سيره رسول ~~الله # صلى الله ms108 عليه وسلم # من مكة إلى الطائف، ثم رده رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~؛ فرسول الله سيره، ورسول الله ~~رده ... أكذلك؟» فأجاب الحاضرون: «اللهم نعم.» ثم قال عثمان: وقالوا: استعملت الأحداث، ولم ~~أستعمل إلا مجتمعا محتملا مرضيا، وهؤلاء أهل عملهم فسلوهم عنه. وهؤلاء أهل بلده، ولقد ~~ولى من قبلي أحدث منهم، وقيل في ذلك لرسول الله # صلى الله عليه وسلم # أشد مما قيل لي في استعماله أسامة. # 3 # أكذلك؟» فأجاب الحاضرون في المسجد: نعم. # واصل عثمان تفنيد الاتهامات التي وجهت إليه فقال: «وقالوا: إني أحب أهل بيتي وأعطيهم، ~~فأما حبي فإنه لم يمل معهم على جور، بل أحمل الحقوق عليهم. وأما إعطاؤهم، فإني أعطيهم من ~~مالي، ولا أستحل أموال المسلمين لنفسي ولا لأحد من الناس، ولقد كنت أعطي العطية الكبيرة ~~الرغيدة من صلب مالي أزمان رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وأنا يومئذ ~~شحيح حريص، أفحين أتيت على أسنان أهل بيتي وفني عمري وودعت الذي لي في أهلي، فقال الملحدون ~~ما قالوا، وإني والله ما حملت على مصر من الأمصار فضلا فيجوز ذلك لمن قاله، ولقد رددته ~~عليهم وما قدم علي إلا الأخماس، ولا يحل لي منها شيء.» # استمع المسلمون الذين شهدوا هذا الاجتماع بالمسجد إلى دفاع عثمان عن سياسته، ورأوا أن ~~يقتل عثمان كل من رفع لواء العصيان والثورة. غير أن عثمان آثر العفو عنهم ليعودوا إلى ~~بلادهم. ولا غرو. فقد كان العفو والتسامح من أبرز صفات عثمان. # عاد أهل مصر إلى بلدهم، لكنهم ما لبثوا أن أقبلوا إلى المدينة في شوال من هذه السنة، وخرج ~~في نفس الوقت جموع من الكوفة والبصرة، وأظهروا أنهم يريدون الحج حتى لا يتعرض أحد لهم، فلما ~~جاءوا إلى المدينة رأوا عليا وطلحة والزبير، فعرض وفد مصر على علي بن أبي طالب أن ~~يبايعوه فأبى وأمرهم بالانصراف عنه، وقدم وفد البصرة على طلحة فصدهم عنه. فعادوا يجرون ~~أذيال الخيبة، وقدم وفد الكوفة على الزبير فخيب ظنهم. # تظاهرت ms109 وفود الأمصار الثائرة بالعودة إلى بلادهم حتى يفترق أهل المدينة، لكنهم ما لبثوا ~~أن كروا راجعين، وفوجئ أهل المدينة بهؤلاء الثوار مكبرين في أرجاء بلدهم، وضربوا حصارا حول ~~دار عثمان وأعلنوا أن من كف يده فهو آمن، فلزم الناس بيوتهم. # أخذ كل من علي بن أبي طالب وطلحة والزبير يسأل الثوار عن سبب رجوعهم إلى المدينة، فأجاب ~~أهل مصر عليا بقولهم: أخذنا مع بريد كتابا بقتلنا. وقال البصريون والكوفيون مثل ذلك ~~لطلحة والزبير، وأضافوا: نحن ننصر إخواننا ونمنعهم جميعا. وقد روى الطبري قصة ذلك الكتاب ~~فقال: إنما رد أهل مصر إلى عثمان بعد انصرافهم عنه أنه أدركهم غلام لعثمان على جمل له ~~بصحيفة إلى أمير مصر أن يقتل بعضهم وأن يصلب بعضهم، فلما أتوا عثمان قالوا: هذا غلامك. قال: ~~غلامي انطلق بغير علمي. قالوا: جملك. قال: أخذه من الدار بغير أمري، قالوا: خاتمك. قال: نقش ~~عليه. # لما تحقق عثمان من خطورة الحالة بالمدينة ورأى نفسه عاجزا عن إخماد حركة الثوار، بعث ~~بكتب إلى الأمصار يطلب فيه المدد والنجدة. وجاء في هذه الكتب: «بسم الله الرحمن الرحيم. أما ~~بعد فإن الله - عز وجل - بعث محمدا بشيرا، فبلغ عن الله ما أمره به، ثم مضى وقد قضى الذي ~~عليه، وخلف فينا كتابا فيه حلاله وحرامه وبيان الأمور التي قدر فأمضاها على ما أحب العباد ~~وكرهوا، فكان الخليفة أبو بكر - رضي الله عنه - وعمر رضي الله عنه، ثم أدخلت في الشورى من ~~غير علم ولا مسألة ولا ملأ من الأمة، ثم أجمع أهل الشورى عن ملأ منهم، ومن الناس على غير ~~طلب مني ولا محبة فعملت فيهم ما يعرفون ولا ينكرون تابعا غير مستتبع، متبعا غير مبتدع، ~~مقتديا غير متكلف. فلما انتهت الأمور وانتكث الشر بأهله بدت ضغائن وأهواء على غير إجرام ~~ولا ترة فيما مضي إلا إمضاء الكتاب، فطلبوا أمرا وأعلنوا غيره بغير حجة ولا عذر، فعابوا ~~علي أشياء مما كانوا يرضون وأشياء عن ملأ من أهل المدينة لا يصلح غيرها، فصبرت ms110 لهم نفسي ~~وكففتها عنهم منذ سنتين، وأنا أرى وأسمع، فازدادوا على الله - عز وجل - جرأة حتى أغاروا ~~علينا في جوار رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، وأرض الهجرة، وثابت إليهم ~~الأعراب، فهم كالأحزاب أيام الأحزاب أو من غزانا بأحد إلا ما يظهرون، فمن قدر على اللحاق ~~بنا فليلحق.» # وعلى الرغم من وجود الثوار بالمدينة، فإن عثمان ظل فترة يخرج إلى المسجد يصلي بالناس كما ~~كان يصلي بهم من قبل؛ فقصد المسجد ذات يوم، ثم جلس على المنبر ووجه حديثه إلى الثوار بقوله: ~~يا هؤلاء العدى، الله الله، فوالله إن أهل المدينة ليعلمون أنكم ملعونون على لسان محمد # صلى الله عليه وسلم ~~، فامحوا الخطايا بالصواب فإن الله - عز وجل - لا يمحو السيئ إلا بالحسن. فقام محمد ~~بن مسلمة وقال: «أنا أشهد بذلك.» وتصدى له حكيم بن جبلة وأرغمه على السكوت والقعود. ثم قام ~~زيد بن ثابت وطلب الاطلاع على الكتاب الذي زعم الثوار أن عثمان كتبه وبعث به إلى وليه على ~~مصر. لكن الثوار سرعان ما هبوا في وجهه وثارت ثائرتهم، فحصبوا الناس حتى اضطروهم إلى الخروج ~~من المسجد، ثم تحولوا إلى عثمان فحصبوه حتى سقط من فوق المنبر مغشيا عليه؛ فحمله بعض ~~المسلمين إلى داره. # ولما أفاق من وعكته؛ خرج إلى المسجد يصلي بالناس، واستمر على ذلك عشرين يوما أو ثلاثين ~~يوما في بعض الروايات حتى حال الثوار بينه وبين الخروج إلى المسجد، وعهدوا بالصلاة إلى ~~زعيمهم الغافقي بن حرب العكي، الذي أعلن المصريون والكوفيون والبصريون طاعتهم له. ثم بعث ~~الثوار إلى عثمان برسالة جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد، فاعلم أن الله لا ~~يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، فالله الله؛ ثم الله الله، فإنك على دنيا، فاستتم ~~إليها معها آخرة، ولا تلبس نصيبك من الآخرة، فلا تسوغ لك الدنيا، واعلم أنا والله لله ~~نغضب، وفي الله نرضى، وإنا لن نضع سيوفنا عن عواتقنا حتى تأتينا منك توبة مصرحة ...» وما لبث ~~الثوار أن ms111 أعادوا الكرة على عثمان، فبعثوا إليه وفدا من قبلهم ولما التقى هذا الوفد ~~بعثمان عاتبه على كتابه إلى واليه بمصر؛ فنفى عثمان صدور هذا الكتاب عنه، فقال له أعضاء ~~الوفد: اعزل عنا عمالك الفساق، واستعمل علينا من لا يتهم على دمائنا وأموالنا واردد علينا ~~مظالمنا، فأجابهم عثمان بقوله: ما أراني إذن في شيء إن كنت أستعمل من هويتم، وأعزل من ~~كرهتم. الأمر إذن أمركم! فقالوا: والله لتفعلن أو لتعزلن أو لتقتلن، فانظر لنفسك أو دع. ~~فأبى عليهم وقال: لم أكن لأخلع سربالا سربلنيه الله. # وهكذا أراد الثوار حسم الأمر، فخيروا عثمان بين أن يمحو مظالمهم أو ينزل عن الخلافة، وإلا ~~قتلوه. فأبى عثمان تحقيق الأمرين الأول والثاني. وكان الثوار قد طالت بهم الإقامة في ~~المدينة، وأرادوا أن يحققوا ما قدموا من أجله، ومن ثم أخذوا يشددون الحصار على عثمان ~~ليرغموه على النزول عن الخلافة. # لم يكن عثمان يظن أن من بين المسلمين من يقدم على قتل خليفتهم، ويتضح لنا ذلك من قوله ~~لأصحابه: «ولم يقتلونني وقد سمعت رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يقول: لا يحل دم امرئ مسلم إلا في إحدى ~~ثلاث: رجل كفر بعد إيمانه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفسا بغير نفس. فوالله ما زنيت في ~~جاهلية ولا في إسلام قط، ولا تمنيت أن لي بديني بدلا منذ هداني الله، ولا قتلت نفسا، ففيم ~~يقتلونني؟» # على أن الثوار المحاصرين لدار عثمان ما لبثوا أن شرعوا في تنفيذ ما توعدوه به وأخذوا ~~يدبرون قتله، فأشرف عليهم عثمان من داره، وصاح فيهم: يا قوم، لا تقتلوني فإني وال وأخ مسلم، ~~فو الله إن أردت إلا الإصلاح ما استطعت أصبت أو أخطأت، وإنكم إن تقتلوني لا تصلوا جميعا ~~أبدا ولا تغزوا جميعا أبدا ولا يقسم فيؤكم بينكم. ثم عاد عثمان يناشد الثوار التعقل ~~والروية، ولما أيقن أنه أخفق في حث الثوار على العدول عن موقفهم بدا عليه الحنق والغيظ، ~~وتوجه إلى ربه بالدعاء عليهم، فقال: «اللهم أحصهم عددا، واقتلهم ms112 بددا، ولا تبق منهم ~~أحدا.» # طال حصار الثوار لدار عثمان، وساءت معاملتهم له، فمنعوه من الخروج والصلاة في مسجد النبي ~~وحالوا دون وصول الماء إليه، فأرسل عثمان إلى بعض أصحاب النبي وأمهات المؤمنين يطلب إليهم ~~أن يمدوه بحاجته من الماء، فسارع علي إلى تلبية رغبته، وأقبل على الثوار، وقال لهم: «إن ~~الذي تصنعون لا يشبه أمر المؤمنين ولا أمر الكافرين، لا تقطعوا عن هذا الرجل المادة، فإن ~~الروم وفارس لتأسر فتطعم وتسقي، وما تعرض لكم هذا الرجل، فبم تستحلون حصره وقتله؟!» قالوا: ~~«لا والله ولا نعمة عين، لا نتركه يأكل ولا يشرب.» # قيل: إن الحصار استمر أربعين يوما. وكان عثمان من حين لآخر يحذر الثائرين الفتنة ويذكرهم ~~بآيات الله، فلا يحفلون به. وبينما هو على هذه الحال، إذ دعاه رجل من الصحابة يدعى نيار بن ~~عياض الأسلمي أن يخلع نفسه، فرماه كثير بن الصلت الكندي - أحد الذين كانوا يدافعون عن عثمان ~~- بسهم أصاب منه مقتلا؛ فطلب الثوار من عثمان أن يسلمهم قاتل ابن عياض ليقتلوه به، فأبى ~~عثمان تسليمه لهم، وقال: «لم أكن لأقتل رجلا نصرني وأنتم تريدون قتلي.» ولم يلبث الثوار أن ~~أقدموا على مهاجمة دار عثمان وأشعلوا النار في بابها والسقيفة التي عليه، فخرج إليهم أصحاب ~~عثمان يقاتلونهم ويصدونهم عن الدار. ودار بين الفريقين قتال عنيف، وأصيب فيه كثير من أنصار ~~عثمان بجراح وقتل آخرون. ولم يكتف الثوار بذلك، بل أخذوا يتسللون إلى دار عثمان عن طريق دار ~~عمرو بن حزم الأنصاري، فوجدوا عثمان يقرأ في المصحف سورة البقرة. وتقدمهم محمد بن أبي بكر ~~الذي أمسك بلحية عثمان؛ وقال له: «قد أخزاك الله يا نعثل!» (ونعثل هذا كان رجلا يهوديا ~~من أهل المدينة يشبه عثمان في طول وكثافة لحيته.) فاستاء عثمان من فعله وقال له: «لست بنعثل ~~ولكن عبد الله وأمير المؤمنين.» واستمر ابن أبي بكر يجذب لحية عثمان وهو يقول لعثمان: «ما ~~أغنى عنك معاوية، ما أغنى عنك ابن عامر، ما أغنت عنك كتبك؟» فقال له عثمان: ms113 «يا ابن أخي دع ~~عنك لحيتي، فما كان أبوك ليقبض على ما قبضت عليه.» فرد عليه ابن أبي بكر بقوله: «لو رآك أبي ~~تعمل هذه الأعمال أنكرها عليك، وما أريد بك أشد من قبضي على لحيتك.» فقال عثمان في صبر ~~وجلد: «أستنصر الله عليك وأستعين به.» فطعنه ابن أبي بكر في جبينه بمشقص (وهو سهم له نصل ~~عريض)، ثم رفع كنانة بن بشر مشاقص كانت في يده فوجأ بها في أصل أذن عثمان فمضت حتى دخلت في ~~حلقه، ثم علاه بالسيف فضربه به. وأراد عثمان أن يتقي ضربة السيف بيده فقطعها، كما أكبت عليه ~~زوجه نائلة، وتلقت السيف عنه بيدها، فقطع إصبعها. وضرب سودان بن حمران المرادي عثمان في ~~جنبه فخر صريعا. وكان ذلك في يوم الجمعة الثامن عشر من ذي الحجة سنة 35ه، ثم هجم العامة ~~على الدار فنهبوها كما نهبوا بيت المال. # لم يسمح الثوار في بادئ الأمر بدفن جثمان عثمان، فظل ثلاثة أيام دون دفن. وطلب بعض ~~القرشيين من علي بن أبي طالب أن يتوسط لدى الثوار؛ ليسمحوا بمواراة جثمانه التراب؛ فأذنوا ~~بدفنه. ولم يشهد جنازته سوى مروان بن الحكم وجبير بن مطعم، وحكيم بن حزام، وأبو جهم بن ~~حذيفة العدوي، ونيار بن مكرم، وزوجتي عثمان نائلة بنت الفرافصة وأم البنين بنت عيينة. وحاول ~~الدهماء قذف جنازة عثمان بالحجارة، فنهرهم علي بن أبي طالب، وهرع القوم بالجثمان ليواروه ~~متخذين من الظلام ستارا يحجبهم عن عيون الثوار. ms114