######OpenITI# #META# URI: 1375MuhammadHusaynHaykal.FaruqCumar.Hindawi13538483 #META# Tags: history #META# ID: 13538483 #META# Title: الفاروق عمر #META# AuthorID: 73037206 #META# Author: محمد حسين هيكل #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تقديم‏ # 1 - عمر في جاهليته‏ # 2 - إسلام عمر‏ # 3 - في صحبة النبي‏ # 4 - في عهد أبي بكر‏ # 5 - عمر يستفتح عهده‏ # 6 - أبو عبيد والمثنى في العراق‏ # 7 - فتح دمشق وتطهير الأردن‏ # 8 - القادسية‏ # 9 - فتح المدائن‏ # 10 - المسلمون في العراق‏ # 11 - جلاء هرقل عن سورية‏ # 12 - عمر في بيت المقدس‏ # 13 - مصير خالد بعد إخضاع الشام‏ # 14 - المجاعة والوباء‏ # 15 - التوسع في فتح فارس‏ # 16 - غزوة نهاوند‏ # 17 - القضاء على سلطان الأكاسرة‏ # 18 - التفكير في فتح مصر‏ # 19 - فتح مدينة مصر وحصونها‏ # 20 - فتح الإسكندرية‏ # 21 - مصر في يد المسلمين‏ # 22 - حكومة عمر‏ # 23 - الحياة الاجتماعية في عهد عمر‏ # 24 - اجتهاد عمر‏ # 25 - مقتل عمر‏ # خاتمة‏ # المراجع العربية‏ # المراجع الأجنبية‏ # تقديم‏ # 1 - عمر في جاهليته‏ # 2 - إسلام عمر‏ # 3 - في صحبة النبي‏ # 4 - في عهد أبي بكر‏ # 5 - عمر يستفتح عهده‏ # 6 - أبو عبيد والمثنى في العراق‏ # 7 - فتح دمشق وتطهير الأردن‏ # 8 - القادسية‏ # 9 - فتح المدائن‏ # 10 - المسلمون في العراق‏ # 11 - جلاء هرقل عن سورية‏ # 12 - عمر في بيت المقدس‏ # 13 - مصير خالد بعد إخضاع الشام‏ # 14 - المجاعة والوباء‏ # 15 - التوسع في فتح فارس‏ # 16 - غزوة نهاوند‏ # 17 - القضاء على سلطان الأكاسرة‏ # 18 - التفكير في فتح مصر‏ # 19 - فتح مدينة مصر وحصونها‏ # 20 - فتح الإسكندرية‏ # 21 - مصر في يد المسلمين‏ # 22 - حكومة عمر‏ # 23 - الحياة الاجتماعية في عهد عمر‏ # 24 - اجتهاد عمر‏ # 25 - مقتل عمر‏ # خاتمة‏ # المراجع العربية‏ # المراجع الأجنبية‏ # | الفاروق عمر # | الفاروق عمر # تأليف # محمد حسين هيكل # بسم الله الرحمن الرحيم * الحمد لله ~~رب العالمين * الرحمن الرحيم * مالك ~~يوم الدين * إياك نعبد وإياك نستعين * اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين ~~أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا ~~الضالين ~~. # | تقديم # ليس في التاريخ الإسلامي، بعد رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، رجل تردد الألسن اسمه ما تردد اسم ~~عمر بن الخطاب، وهي تردده وتقرن به، في إعجاب وإكبار، ما عرف عن عمر من جليل الصفات وعظيم ~~المواهب، فإذا ذكر الناس ms001 الزهد في الدنيا مع القدرة على النهل من أنعمها ذكروا زهد عمر، ~~وإذا ذكروا العدل المطلق غير مشوب بشائبة ذكروا عدل عمر، وإذا ذكروا النزاهة لا يفرق صاحبها ~~بين أقرب الناس إليه وأبعدهم عنه ذكروا نزاهة عمر، وإذا ذكروا العلم والفقه في الدين ذكروا ~~فقه عمر ودينه، وأنت تتلو من أنباء ذلك في الكتب ما تحسب الكثير منه مبالغة لا يكاد العقل ~~يصدقها؛ فهي أدنى إلى المعجزات التي تنسب إلى الأنبياء منها إلى ما عرف عن أكبر العظماء ~~سموا وجلال قدر. # ويرجع ذلك إلى قيام الإمبراطورية الإسلامية في عهده، فقد خلف عمر أبا بكر على إمارة ~~المؤمنين حين فرغ أبو بكر من حروب الردة، وحين كانت جنود المسلمين تواجه الفرس والروم ~~على تخوم العراق والشام، فلما قبض عمر كانت الإمبراطورية الإسلامية قد اشتملت العراق ~~والشام جميعا، وقد تخطتهما فاشتملت فارس ومصر، بذلك بلغت حدودها الصين من الشرق، وإفريقية ~~من الغرب، وبحر قزوين من الشمال، والسودان من الجنوب، وقيام هذه الإمبراطورية العظيمة في ~~عشر سنوات معجزة لا ريب، والمعجزة أعظم قدرا بعد أن تحطمت فارس والروم الإمبراطوريتان ~~صاحبتا السلطان على عالم يومئذ، وتحطمتا بأيدي العرب الذين كانوا إلى سنوات قبلها قبائل ~~متنافرة لا تهدأ منازعاتها ولا تطمئن فيما بينها إلى قرار. # أما وقد تمت هذه المعجزة في عهد عمر وبتوجيهه فهو، لا جرم، رجل عظيم، وقد بدت بوادر هذه ~~العظمة في عهد رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وفي عهد أبي بكر، ثم ضاعف نصر المسلمين من بعدهما قدرها، ~~كما زادها مر العصور وأضاف إليها، فقد تبين الناس على تعاقب الأجيال أن هذه الإمبراطورية لم ~~تكن وليدة عبقرية حربية تبقى الإمبراطورية ما بقيت وتزول بزوالها، بل كانت قائمة على أساس ~~قوي من خلق متين وحضارة سليمة الأساس، فإذا صح أن يشيد الناس بعظمة يوليوس قيصر والإسكندر ~~الأكبر وجنكيزخان ونابليون؛ لأنهم أقاموا من الإمبراطوريات ما أقاموا، فأحر بهم أن يكونوا ~~أكثر إشادة بعظمة عمر بن الخطاب وأكبر قدرا لآثارها. # تمت المعجزة بقيام ms002 الإمبراطورية الإسلامية في عهد عمر، فقد كان المسلمون، إلى يوم استخلف، ~~يخشون الفرس والروم، ولذلك اثاقلوا حين ندبهم عمر للذهاب إلى العراق يواجهون الفرس فيه، ~~وكان لهم من العذر عن تثاقلهم أن كان اسم فارس لا يزال يزلزل القلوب والأسماع، وكان جند ~~المسلمين قد جلوا عن العراق بعد ذهاب خالد بن الوليد إلى الشام بأمر أبي بكر، وأقام الناس ~~على تثاقلهم أياما، ثم لبى أبو عبيد الثقفي دعوة عمر وذهب في بضعة آلاف يلقى جنود كسرى، ~~فنكب في غزوة الجسر إذ مات وانهزم جيشه. # ولم تزعزع هزيمته من عزمة عمر، بل زادته إقداما ودفعته لينهض بنفسه على رأس المسلمين ~~يريد مواجهة الفرس ليمحو عار تلك الهزيمة، وقد كان فاعلا لولا أن صرفه أولو الرأي عما ~~أراد، عند ذلك أرسل سعد بن أبي وقاص مكانه، وظفر سعد بالفرس في غزوة القادسية ظفرا ~~حاسما؛ فتح له أبواب عاصمة الفرس، وفتح للمسلمين أبواب فارس جميعا، وفي هذه الأثناء كان ~~أبو عبيدة بن الجراح وخالد بن الوليد يسيران مظفرين في الشام، يردان هرقل عاهل ~~الروم على أعقابه، ويدفعانه دفعا ليفر إلى عاصمة ملكه. # تم ذلك ولما تنقض من خلافة عمر سنتان، ومن يومئذ حالف النصر أعلام المسلمين حيثما ساروا، ~~ففتحوا المدائن وفتحوا بيت المقدس، ثم تخطوا العراق إلى فارس، وتخطوا الشام إلى مصر فاستقر ~~لهم الأمر فيهما، وكذلك شاد عمر الإمبراطورية الإسلامية في عشر سنوات لتستقر في العالم، ~~وتوجه حضارته الأجيال والقرون. # أليس من حق عمر، وذلك شأنه، أن تردد الألسن اسمه، وأن تذكر من جليل صفاته وعظم مواهبه ما ~~يثير في النفس غاية الإعجاب والإكبار! # وهذا الإكبار يدعونا لتمحيص التاريخ وتحقيق وقائعه، حتى نستكشف العوامل التي أتاحت لعمر ~~تشييد الإمبراطورية، فلولا أن تضافرت عوامل عدة لما كفت عبقريته وحدها لتشييدها. # وقيام الإسلام أول هذه العوامل وأقواها، فالإسلام هو الذي وحد العرب بعد شتات، وجعل من ~~قبائلهم المتنافرة أمة متضافرة، ودفعهم لإذاعة تعاليمه وإعلاء كلمته ودفع من يريدون فتنة ~~الناس عنه. # فقد كان العرب ms003 قبل إسلامهم ضعافا أمام الفرس والروم، وكانت مناطق كثيرة من بلادهم خاضعة ~~لنفوذ كسرى ونفوذ قيصر، فلما أسلموا أسرع هذا النفوذ إلى الزوال عن شبه الجزيرة كلها، مع ~~ذلك ظلت هيبة الفرس والروم آخذة بنفوسهم، حتى لقد حسبوا، حينما دعوا لغزو العراق ولغزو ~~الشام، أن حصونهما لا تؤخذ، وأن جنودهما لا تقهر، لكنهم لم يلبثوا، حين تخطوا التخوم ~~وواجهوا هذه الجيوش وحاصروا هذه الحصون، أن تبينوا أن السوس نخرها، فهي كالجدار المتداعي، ~~تنقض أعاليه لأول صدمة، وتندك أسسه ما وجدت المعول القوي الذي يأتي عليها من ~~القواعد. # وإنما قدر العرب بعد إسلامهم على الفرس والروم؛ لأن الإسلام أنشأهم نشأة جديدة، وبث فيهم ~~روحا أحالتهم خلقا جديدا، ذلك بأنه اقتحم على نفوسهم مناطق عقائدها وعباداتها، واتصل ~~بوجدانهم في صميمه، فألقى فيه بذرة التوحيد صافية الجوهر، نقية من كل شائبة، بسيطة لذلك كل ~~البساطة، ثم إنه فرض عليهم من العبادات ما زادهم بالتوحيد إيمانا وما ربط بين قلوبهم بأوثق ~~رباط، فرض عليهم الصلاة والصيام والزكاة والحج؛ فأما ما وراء ذلك من سالف شعائرهم فقضى عليه ~~إلى غير رجعة، بذلك تحررت نفوسهم من قيود الوهم، وتطهرت قلوبهم من رجس الوثنية، وشعر كل ~~واحد منهم بأنه لا حجاب بينه وبين الله ما عمل صالحا وأجاب داعي الله. # ولم يفرض الإسلام هذه العبادات على أنها شعائر رسمية من شأن الدولة، بل هي فروض الله على ~~المؤمنين به يثيبهم عنها، ويؤاخذهم بتركها، فمن آمن بالله ثم لم يؤد لله فرضه فعلى الله ~~حسابه، ومن أدى فرض ربه وعمل صالحا فله عند الله مثوبة الصالحين، وأعظم بها من ~~مثوبة! # أخذ هذا الإيمان بمجامع القلوب فجمع بينها، فانتقل أثره من الفرد إلى الجماعة، وما كان ~~أعظم هذا الأثر! كان المسلمون يجتمعون للصلاة، فيربط اجتماعهم بينهم، ويمحو توجههم إلى الله ~~ما في نفوسهم من غل، فإذا هم إخوة يحب أحدهم لأخيه ما يحب لنفسه، ويؤدون فريضة الصوم فإذا ~~غنيهم وفقيرهم سواسية أمام الله والناس، وإذا غنيهم طهر الصوم نفسه ms004 يعطف على فقيرهم فينال ~~رضا الله عنه ومثوبته له، ويؤتون الزكاة فتزيل ما بين طوائفهم من نضال؛ لأنها تجعل للفقير ~~حقا معلوما في مال الغني، ويجمعهم الحج كل عام من مختلف بقاع الأرض، ليتواصوا بالصبر ~~والصلاة، وليتعاونوا على البر والتقوى. # وكان النظام الاجتماعي الذي سنه الإسلام بسيطا كالنظام الروحي، فكان له مثل أثره في ~~توحيد الجماعة العربية، كانت المساواة أمام الله أساس التوحيد الإسلامي، والمساواة أمام ~~القانون أساس النظام الاجتماعي، فقد كانت المرأة العربية تعامل قبل الإسلام معاملة غير ~~كريمة، فرفعها الإسلام إلى مقام الكرامة، وجعلها مساوية للرجل أمام الله؛ وإنما فضل الرجل ~~عليها بما أنفق من ماله وما عاملها بالمعروف وجعل صلته بها صلة مودة ورحمة، وكان الفقراء ~~يسامون المهانة، فرفع مكانهم إذ جعل تفاضل الناس عند الله بالتقوى لا بالمال، هذه القواعد ~~وما إليها مما نظم الوحي به شئون الجماعة العربية لعهد رسول الله، وما جعله نظاما للجماعة ~~الإنسانية كلها، قد كان له من الأثر في توحيد العرب وتقوية روحهم المعنوية ما قامت ~~الإمبراطورية الإسلامية على أساسه. # وقد بدت آثار ذلك في حياة الرسول، وبدت تباشير الإمبراطورية المقبلة من خلاله، ففي السنة ~~السابعة من هجرته # صلى الله عليه وسلم # إلى المدينة بعث رسله إلى قيصر وإلى كسرى وإلى غيرهما من الملوك ~~والأمراء يدعونهم إلى الإسلام، وقد أغلظ كسرى لرسوله في الجواب، وبعث إلى بازان عامله على ~~اليمن ليجيئه برأس «هذا الرجل الذي بالحجاز»، لكن كسرى قتل قبل أن تصل رسالته إلى بازان، ~~وشعر هذا الأمير الفارسي بقوة محمد وأصحابه، فخلع عن اليمن نير الأكاسرة، وانضم إلى رسول ~~الله، فكان انضمامه الخطوة الأولى في تحرير البلاد العربية من ربقة النير الأجنبي. # وكان رسول الله لا يفتأ بعد ذلك يفكر في الروم ومناجزتهم، فلما كانت السنة التاسعة من ~~الهجرة سار على رأس جيش العسرة إلى تبوك؛ وسمع الروم بمقدمه فخافوه وانسحبوا داخل حدود ~~الشام ولم يلقوه، مع ذلك صالح يوحنا بن رؤبة صاحب أيلة كما صالح أهل الجرباء وأذرح على ms005 ~~الجزية، وأيلة والجرباء وأذرح من أعمال الشام الخاضعة لسلطان الروم، بذلك كانت تبوك قاضية ~~على كل نفوذ للروم في شبه الجزيرة، وكانت أول إرهاص باتجاه الإمبراطورية الإسلامية إلى ~~ناحية الشام. # اختار الله رسوله إليه، فبايع المسلمون أبا بكر بخلافته، وخيل إلى جماعة من العرب أنهم ~~قادرون على الثورة بخليفة الرسول وبدينه، فكان انتصار أبي بكر في حروب الردة دليلا ~~قاطعا على أن العرب أشربت نفوسهم مبادئ التوحيد؛ ولذلك لم يقل أحد من الذين ادعوا النبوة ~~إنهم يدعون الناس إلى وثنيتهم وإلى جاهليتهم الأولى، كما دل على أن الذين امتثلوا هذه ~~المبادئ من أصحاب رسول الله المهاجرين والأنصار قد وهبوا لها نفوسهم فلا غالب لهم، من ثم ~~أسرعت وحدة العرب إلى التماسك والثبات، فلم يمض عام على خلافة أبي بكر حتى كان المسلمون ~~يواجهون الفرس في دلتا الفرات فيقهرونهم، ولم ينقض العام الثاني حتى كانوا يواجهون الروم ~~في الشام ويثبتون لهم، وكذلك مهد أبو بكر للفتح وللإمبراطورية بعد أن هيأ الدين الجديد لها ~~القلوب والأفئدة، ثم تابعه عمر فدفع بالإمبراطورية إلى الحدود التي ذكرناها. # هذه اللمحة السريعة عن نشأة الإمبراطورية تشهد بأن الإسلام دفع إلى نفوس العرب قوة معنوية ~~عظيمة حفزتهم لطرح نير الأجنبي عن كواهلهم، وللاندفاع إلى ما وراء تخومهم، ومواجهة الفرس ~~والروم في أعقار دورهم، والقوة المعنوية أس الظفر في كل نضال، ذلك بأن صاحبها لا يعرف ~~الهزيمة ولا يرضاها؛ فإذا ارتد يوما لم يوهن ذلك من عزمه، بل حفزه لمضاعفة الجهد، وجعله ~~يستهين بكل صعب، ويستهين بالحياة نفسها في سبيل الظفر بالغاية التي يريد بلوغها، وتاريخ ~~العالم من أقدم العصور إلى وقتنا الحاضر شهيد بأن الفوز في النضال قد كان دائما لصاحب ~~العقيدة الثابتة والإيمان الراسخ؛ لأن هذا الإيمان وهذه العقيدة يورثان صاحبهما من القوة ما ~~يجعل الجبل إذ يقول له انتقل من مكانك ينتقل. # أقامت العقيدة إذن بناء الإمبراطورية الإسلامية، ومن هنا كان الرسول بهذه العقيدة، محمد # صلى الله عليه وسلم ~~، هو الذي وضع الأساس الثابت لهذا ms006 البناء، ثم كان صفيه وخليله أبو بكر هو الذي مهد ~~لقيامه بما قضى على الذين حاولوا مناوأة هذه العقيدة، وحين دفع العرب فتخطوا تخوم العراق ~~وتخوم الشام، وجاء عمر من بعده فأتم هذا البناء وتركه متين الدعائم، فازدادت رقعته فسحة ~~بقوته الذاتية المنبعثة من روح الإسلام، وظلت هذه الرقعة تنفسح ، حتى أصاب الفكرة الدافعة ~~لإقامة الإمبراطورية ما أصابها؛ إذ غشت عليها أوهام، ما أشبهها بأوهام الجاهلية، أثارت ~~التنازع والبغضاء بين المسلمين. # وقد روينا حديث التاريخ عن عهد رسول الله وعهد أبي بكر، فرأينا ما كان لهذه القوة ~~المعنوية من أثر في نفوس المؤمنين بالعقيدة الباعثة لها، وفي هذا الكتاب من أعمال البطولة ~~التي قام بها المؤمنون في عهد عمر ما يثبت إيمانك بأثر هذه القوة، وما يدحض قول الذين ~~قالوا: إنما اندفع المسلمون لقتال الفرس والروم حبا للغزو وتهافتا على مغانمه، فكيف لأمة ~~قليلة العدد والعدة أن تخاطر بغزو جيران يزيدون عليها في العدد والعدة أضعافا مضاعفة، لغير ~~شيء إلا إرضاء هوى الغزو الكمين في طبعها! ومتى وهب الناس حياتهم راضين طمعا في مغنم قد ~~تذهب حياتهم قبل أن يبلغوا منه قليلا أو كثيرا! ألا إنه الإيمان الصادق بالعقيدة السليمة ~~هو الذي سما بنفوس هؤلاء المسلمين الأولين فخلدوا على التاريخ من صحف المجد ما قل في ~~التاريخ نظيره، وليس هذا التقديم موضعا لسرد ما فعلوا، فسيجده القارئ مفصلا في خلال ~~الكتاب، مقنعا كل منصف يريد الاقتناع بالحق بأن القوة التي بثها الإسلام في نفوس الذين ~~أخذوا في ذلك العهد بمبادئه هي التي دفعتهم إلى ميادين المجد والشرف، وهي التي حببت إليهم ~~الاستشهاد في سبيل الدعوة إلى الحق الذي أوحاه الله إلى رسوله، ومن أحب الاستشهاد في سبيل ~~الله انتصر لا محالة. # ولو أن القوة المعنوية التي اندفع المسلمون بتأثيرها واجهت قوة معنوية تقف في سبيلها ~~لتغير، ولو إلى حد، وجه الحوادث، لكن دولتي الفرس والروم كانتا تسيران مسرعتين إلى ~~الانحلال؛ فلم يكن لأيتهما من الجلد ما يمكنها من الثبات أمام ms007 الغزاة المؤمنين، فقد كان ~~النزاع على العرش في بلاط كسرى بالغا أشده، وكانت الثورات والحروب الداخلية تنشب الحين بعد ~~الحين بسببه، ولم يكن الروم أحسن حالا؛ فقد ثار هرقل بالقيصر فوكاس وقتله وجلس على عرش ~~بزنطية مكانه، ثم إنه رأى النزاع الديني بين الفرق المسيحية يفت في عضد الإمبراطورية، فأراد ~~فرض مذهب رسمي تتوحد فيه هذه المذاهب ويؤمن به المسيحيون جميعا، فانقلب سعيه وبالا عليه؛ ~~لأنه لم يدع إلى مذهبه بالحسنى، ولم يتخذ إليه سبيل الحكمة والموعظة الحسنة، هذا إلى أن ~~فارس والروم كانتا في حروب متصلة؛ تغزو فارس أرجاء الروم فتنتزع منها الشام ومصر، ثم يسترد ~~هرقل للروم ما انتزعه الفرس منهم، فتذيب هذه الحروب الدولتين وتذهب بريحهما، وكان من أثر ~~هذه الأحداث أن كان الشعب الفارسي ينظر إلى أعمال الأكاسرة وبلاطهم، فيرى عبثا يصرفه عن ~~التشبث بنصرتهم، وكانت الشعوب الخاضعة للروم تجد من ظلم القياصرة وعمالهم ما يخذلها عن ~~القيام بمعاونتهم، لهذا كله تداعت القوة المعنوية في فارس وفي الروم، فلم تستطع أي الدولتين ~~أن تصد التيار الجارف الذي اندفع إليهما من شبه الجزيرة. # وثم عامل آخر لا يصح إغفاله، ذلك هو انتشار العرب في العراق والشام، وقيام الملوك ~~اللخميين في الحيرة والغسانيين في الشام، هؤلاء وأولئك لم يلبثوا - حين رأوا بني عمومتهم ~~يقاتلون الفرس والروم ويحالف النصر أعلامهم - أن انضم كثيرون منهم إلى صفوف المسلمين في ~~القتال عونا لهم، وإن لم يدخلوا من بادئ الأمر في دينهم، وقد كان لهذه المعاونة من الأثر ~~في غزوات عدة ما خذل الفرس وخذل الروم، وأسرع بالمسلمين إلى قهرهم واكتساح بلادهم. # هذه أهم العوامل التي أدت إلى قيام الإمبراطورية الإسلامية بالسرعة التي قامت بها، وإلى ~~استقرارها بعد ذلك القرون الطوال، على أن الفضل في هذا الاستقرار يشترك فيه عامل آخر كان له ~~أعظم الأثر، هذا العامل هو السياسة التي أديرت على مقتضاها شئون البلاد المفتوحة وشئون ~~البلاد العربية نفسها، ولعمر بن الخطاب في إقرار هذه السياسة حظ عظيم. # صحيح أن المبادئ ms008 الأساسية لهذه السياسة ترتكز على قواعد الإسلام وتعاليمه، وقد فصل رسول ~~الله وفصل أبو بكر من بعده بعض هذه المبادئ تفصيلا اقتدى به عمر، فكان قوي الأثر في ~~توجيهه، وعلى أساس من هذه المبادئ وهذا التوجيه أنشأ عمر للبلاد العربية وللإمبراطورية كلها ~~نظاما اتبع في عهده، واتبع زمنا من بعده ، وهذا النظام هو الذي صان الإمبراطورية وأبقاها، ~~ثم كان له أعمق الأثر في إسلام أهل فارس والعراق والشام ومصر وغيرها من البلاد التي انضمت ~~من بعد إلى العالم الإسلامي، وقد اجتهد عمر برأيه في وضع هذا النظام اجتهادا يسجل له في ~~صحف التاريخ مجدا لا يقل عن مجده في بناء الإمبراطورية إن لم يزد عليه. # وسيرى القارئ من تفصيل هذا النظام في فصول الكتاب ما يغني عن القول فيه هنا، على أنني ~~أضرب منه مثلا، ذلك أن الغزاة المسلمين أرادوا أن يقسم الخليفة بينهم سواد العراق وأرض ~~الشام على أنها فيء غنموه، فأبى عمر ذلك عليهم، وترك الأرض لأهل البلاد يستغلونها كما كانوا ~~يفعلون من قبل، لقاء خراج يدفعونه عنها، ولم يكفه هذا، بل بعث رجالا قاموا بمساحة هذه ~~الأراضي وبجلب المياه إليها لتسهيل ريها وتيسير كل السبل لاستغلالها، ومن قبيل ذلك أنه أقر ~~سياسة عمرو بن العاص حين حبس من خراج مصر وجزيتها ما يقتضيه إصلاح الترع والجسور، ولم يبعث ~~إلى المدينة إلا بما فاض عن ذلك. # ثم إنه رأى إعفاء من أسلم من أهل البلاد المفتوحة من الجزية ومساواتهم بالمسلمين ~~الفاتحين، فكان ذلك مغريا لكثير منهم بالدخول في الإسلام، وإسلامهم هو الذي جعل منهم في ~~أجيال قليلة هذا العالم الإسلامي المترامي الأطراف، وقد أعفاهم عمر من الجزية وساواهم ~~بالفاتحين وهو يعلم ما سيترتب على ذلك من نقص في موارد المدينة، ومن رد الحكم في هذه البلاد ~~إلى أهلها، ومع ذلك لم يتردد في الأمر ولم تثنه هذه الاعتبارات عنه؛ لأن المسلمين لم يفتحوا ~~هذه البلاد لإخضاع أهلها، وإنما فتحوها لتكون الدعوة للإسلام حرة فيها، فإذا أسلم بنوها ~~أصبحوا ms009 بنعمة الله إخوانا للمسلمين الفاتحين، لهم من الحقوق ما لهم، وعليهم من الواجبات ما ~~عليهم. # أما وقد كانت هذه سياسة عمر، وكان هذا هو النظام الذي وضعه للإمبراطورية الناشئة، فطبيعي ~~أن يذكره المسلمون على كر الدهور في أرجاء العالم الإسلامي كله، وأن يقرنوا ذكره بكل إجلال ~~وإكبار، وقد فعلوا، ولن يزالوا يفعلون، ولذلك أرخ العلماء والكتاب لعمر أكثر مما أرخوا ~~لغيره من أمراء المؤمنين، لم يثنهم عن ذلك أن لم تكن لعمر بطانة تدعو إليه وتدفع الناس ~~بمختلف الوسائل للإشادة بذكره. # بل لقد بلغ من إكبار المؤرخين لسيرته أن أضافوا إليه أمورا أدنى إلى المعجزات التي خص ~~بها الأنبياء، وإن ذكروا ما لا يستطيع المؤرخ إثباته، وعمر في غير حاجة إلى شيء من ذلك يضاف ~~إلى سيرته، فما قام هو به وما تم في عهده مما يقره النقد التاريخي؛ يقيم له في صحف التاريخ ~~صرحا عاليا باقيا إلى الأبد. # ولو أن المؤرخين الأقدمين لم يضيفوا هذه الخوارق إلى سيرة عمر لأغنوا من جاء بعدهم عن بذل ~~الجهد في تمحيصها، ولجنبوهم الاختلاف على مبلغ صحتها، ولما طفف ذلك من قدر عمر، ولا نقص من ~~جلال صنعه، وقد رأيت من الخير أن أغفل من هذه الحوادث ما لا يقره العقل ولا يثبت للنقد، ثم ~~رأيتني بعد ذلك مضطرا إلى أن أثبت حوادث يتصور العقل في شيء من العسر وقوعها، ومع هذا ~~تضافر المؤرخون على روايتها تضافر تواتر يدعو إلى النزول على حكمهم فيها، وما كان لي ألا ~~أفعل، ومن هذه الحوادث ما يزيد صورة عمر وضوحا، ومنها ما يتصل بسياسته في الحرب وبسياسته ~~في إدارة شئون الدولة أوثق اتصال، على أنني حاولت أن أفسر ما استطعت تفسيره من هذه الحوادث ~~على هدي البحث العلمي، وأكبر رجائي أن يكون التوفيق قد صادفني فيما حاولته من ذلك. # على أن هذه الصعوبة في التمحيص والتفسير ليست كل ما يلقاه المنقب في كتب الأقدمين عن سيرة ~~عمر، بل إنك لترى هؤلاء الأقدمين يختلفون في بعض الأحيان ms010 على الوقائع اختلافا يقف الإنسان ~~منه موقف الحيرة، ثم إن من هؤلاء المؤرخين من يسهبون في طائفة من الوقائع ويتناولون أدق ~~تفاصيلها، على حين يجملون طائفة أخرى إجمالا لا تكاد تبين معه دلالتها، وأسوق مثالا لذلك: ~~إن الطبري وابن الأثير والبلاذري يتحدثون عن وقائع الغزو في العراق بإسهاب تكاد ترى معه ~~أعمال كل بطل من أبطال هذه الوقائع، فإذا انتقلوا إلى سياسة المسلمين وإدارتهم للبلاد بعد ~~فتحها أجملوا الحديث فيها إجمالا لا يتفق بحال مع إسهابهم الأول، وهؤلاء المؤرخون أنفسهم ~~أقل إسهابا حين الحديث عن فتح الشام، وإن كانوا مع ذلك قد وفوه حقه، أما حديثهم عن مصر ~~فموجز إيجازا لا يبالغ من يسميه مخلا، وحسبك لتشاركني في هذا الرأي أن تعلم أن الطبري قد ~~أفرد لغزوة القادسية وحدها أكثر من ستين صفحة، وقد تحدث عن فتح المدائن في اثنتي عشرة صفحة، ~~ثم لم يجعل لفتح مصر كلها غير خمس صفحات. # ولا شك في أن غزوة القادسية جديرة بأعظم العناية في التأريخ لها؛ فهي التي مهدت للمسلمين ~~العود إلى العراق بعد أن أجلاهم الفرس عنه، وفتحت لهم أبواب المدائن ثم أبواب فارس كلها، ~~لكن فتح مصر لم يكن دون فتح العراق وفتح فارس خطرا، وكان لذلك جديرا، بأن يلفت هؤلاء ~~المؤرخين ليتوفروا على استيفائه أكثر مما فعلوا. # وقد نلتمس لهؤلاء المؤرخين من العذر أنهم دونوا ما استطاعوا الوقوف عليه من الروايات، أو ~~أنهم كانوا أكثر عناية بالبلاد التي نشئوا فيها منهم بالبلاد البعيدة عنهم، ولا أراني في ~~حاجة إلى الاعتذار عنهم ولا إلى نقد طريقتهم وقد فصلت بيننا وبينهم قرون عدة، وأنا بعد بصدد ~~الحديث عما يلقاه من يؤرخ اليوم لذلك العصر القديم من جهد، ولذا أسارع إلى القول بأن في ~~متناول هذا المؤرخ مادة لا ينضب معينها يستطيع أن يسد بها كل نقص، فما أجمله الطبري وابن ~~الأثير وابن خلدون والبلاذري وابن كثير قد فصله غيرهم تفصيلا يقف منه الإنسان على ما ~~يشاء، أشرت إلى إجمال هؤلاء تاريخ الفتح ms011 العربي لمصر؛ لكن هذا الفتح مفصل في كتب أخرى أدق ~~تفصيل، فقد كتب ابن عبد الحكم والسيوطي وابن تغري بردي عنه وفصلوه ما فصل الطبري فتح ~~العراق، والكتب التي وضعت في لغات غير العربية تلقي من الضياء على تاريخ الفتح الإسلامي ~~والإمبراطورية الإسلامية ما لا غنى لمؤرخ عن الاستنارة به ، وتمحيص الوقائع بموازنة ما جاء ~~عنها في كتب المؤرخين على اختلاف لغاتهم ومناهجهم وميولهم خير عون على الاهتداء إلى الحق، ~~هذا إلى ما لمؤرخي العصر الحديث في الشرق والغرب من فضل في بحث ما أوردته كتب الذين سبقوهم ~~وفي تمحيصه وإبرازه في صورة تتفق ومألوف هذا العصر في التفكير والتقدير، أما ومادة التاريخ ~~متوافرة هذا التوافر فلن يصد الجهد باحثا عن الاستفادة منها في الناحية التي يريد أن يعرض ~~لها ويطالع الناس بما يعتقده الحق فيها. # فلكل مؤرخ ناحية تستأثر بعنايته يتوفر على دراستها ويجعل ما سواها سندا له في هذه ~~الدراسة، والمؤرخ الذي ينقطع لدرس عهد بذاته من كل نواحيه يقسم هذا العهد، وإن قصر، ويفرد ~~لكل ناحية منه دراسة خاصة قد تستغرق المجلد أو المجلدات، فإذا أراد أن يلخص هذه النواحي ~~جميعا كان تلخيصه أدنى إلى البحث في فلسفة التاريخ منه إلى التاريخ نفسه. # ولنأخذ موضوع عمر مثلا يوضح ما تقدم، فقد يعنى المؤرخ بشخص عمر ويقف عنده، ويجعل من كل ~~ما يقع في بيئته وعصره وسيلة للمزيد من إيضاح صورته، وقد يعنى بعهد عمر في ناحيته ~~الاقتصادية أو في ناحيته الاجتماعية أو في غير هاتين الناحيتين من نواحي الحياة العربية، ~~وبما كان لعمر من أثر في الناحية التي جعلها المؤرخ غرض دراسته، وكل واحدة من هذه النواحي ~~جديرة بعناية خاصة في الدرس، كفيلة بأن تبرز للناس سفرا قيما يجمع بين المتاع به والفائدة ~~منه، ودراسة الحياة الأدبية للجماعة العربية في عهد عمر دراسة مستفيضة كفيلة بأن تبين للناس ~~كيف تأثرت هذه الحياة بالتطورات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والدينية التي سبقت هذا ~~العهد وعاصرته، وأن تضيف إلى المكتبة العلمية ms012 ثروة علمية وأدبية أعظم بما فيها للناس من ~~متاع وفائدة. # وقد تناولت في هذا الكتاب، كما تناولت في «حياة محمد» وفي «الصديق أبو بكر» نواحي من ~~الحياة العربية لذلك العهد، رأيت تناولها مما يكمل به ما عرضت له من بحث، لكني لم أتناولها ~~بدراسة مستفيضة؛ لأنها لم تكن غرضي الذي قصدت إليه، بل تناولتها بالقدر الذي يتم به هذا ~~الغرض، فأما ما قصدت إليه من وضع هذه الكتب فقد بينته في تقديم كل واحد منها، فقلت في تقديم ~~«حياة محمد» إنه: بينما يقوم بين الشرق والغرب تعاون علمي جدير بأن يؤتي خير الثمرات، إذا ~~طائفة من رجال الكنيسة المسيحية ومن كتاب الغرب لا يفترون عن الطعن على الإسلام وعلى محمد، ~~وإذا الاستعمار الغربي يؤيد بقوته أصحاب هذه المطاعن باسم حرية الرأي، ويؤيد في الوقت نفسه ~~دعاة الجمود من المسلمين، ويخاصم من يحاربون هؤلاء أو أولئك، وقد رأيت ما يحدث من ذلك في ~~بلاد الشرق الإسلامي، بل في البلاد الإسلامية كلها، ورأيت ما يقصد إليه من القضاء على الروح ~~المعنوية في هذه البلاد بالقضاء على حرية الرأي وحرية البحث ابتغاء الحقيقة، فشعرت بأن ~~علي واجبا لا مفر لي من القيام به، فعمدت إلى دراسة حياة محمد صاحب الرسالة الإسلامية ~~وهدف مطاعن المسيحية من ناحية، وجمود الجامدين المسلمين من ناحية أخرى، على أن تكون دراسة ~~علمية خالصة لوجه الحق، ولوجه الحق وحده، وهذه الدراسة جديرة لذاتها بأن تهدي الإنسانية ~~طريقها إلى الحضارة التي تتلمسها. # أما كتاب «الصديق أبو بكر» فقد بدأت فيه بدراسة الإمبراطورية الإسلامية وأسباب عظمتها ~~وانحلالها؛ لأن هذه الإمبراطورية قامت على أساس من تعاليم النبي العربي وسننه، ولأن الشعوب ~~التي تمخضت عنها هذه الإمبراطورية بعد انحلالها ترتبط كلها بالإسلام، ويرتبط أكثرها ~~بالعربية، وقد عقد بينها الماضي صلات لا انفصام لها ما بقي الإسلام وما بقيت اللغة العربية، ~~وفي تنظيم هذه الصلات خير للإنسانية عظيم ولا سبيل إلى هذا التنظيم إلا معرفة ما كان بين ~~هذه الأمم في الماضي من صلات، ms013 فمعرفة الماضي هي سبيلنا لتشخيص الحاضر ولتنظيم ~~المستقبل. # وهذا الكتاب عن عمر حلقة ثالثة من هذه السلسلة، لكنها تختلف عن الحلقتين الأوليين، كما ~~تختلف كل واحدة من هاتين الحلقتين عن الأخرى اختلافا ظاهرا، هذا مع توالد الحلقات الثلاث ~~كل واحدة عن سابقتها، كما تخرج الجذور من البذر، ثم ينبثق الجذع باسقا من الجذور، ثم تتفرع ~~الأغصان من الجذع، قد تذبل الأغصان ويبقى الجذع مع ذلك قوي الحيوية، بل قد يجف الجذع ثم ~~تبقى الجذور سليمة قادرة على أن تنشئ جذعا أقوى وفروعا أكثر نضارة، فإذا كانت ~~الإمبراطورية الإسلامية قد انحلت فلا يزال الإسلام الذي أنشأها قديرا على أن ينشئ وحدة ~~إنسانية عظيمة تلائم روح العصر ونظامه. # وقد اقتضاني تصوير النشأة الأولى للإمبراطورية الإسلامية أن أتناول بالبحث نواحي الحياة ~~المختلفة لشبه الجزيرة والبلاد التي فتحها المسلمون الأولون؛ على أنني لم أقف عند هذه ~~النواحي إلا بالقدر الذي اقتضاه قيام هذه الإمبراطورية، وليس هذا القدر مع ذلك باليسير؛ فهو ~~يجلو صورة، وإن موجزة، للحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في بلاد العرب، وصورة مثلها ~~قد تكون أكثر إيجازا لنواحي الحياة في البلاد المفتوحة، وقد حاولت هذا التصوير في الكتابين ~~السابقين من هذه السلسلة، ثم حاولته على وجه أوفى في هذا الكتاب، وبخاصة ما اتصل بشئون ~~الفرس والروم، وأكبر رجائي ألا يبلغ هذا الإيجاز مبلغا يقصر عن أن ينقل إلى ذهن القارئ ما ~~أردت تصويره. # وهذه الحلقات الثلاث التي تؤرخ لنشأة الإمبراطورية الإسلامية والعالم الإسلامي، تصور فترة ~~من تاريخ العالم هي لا شك أمتع الفترات في الحياة الإنسانية، وأكثرها وقفا للنظر، وإيحاء ~~للتفكير والتأمل، فهي تدل على أن الحياة الإنسانية فكرة أولا وقبل كل شيء، وهي في إقامتها ~~هذا الدليل ترسم لنا سلسلة من الصور تعاقبت في زمن قصير تعاقبا محتوما، ولكنه مع ذلك فذ ~~في تاريخ الإنسانية مذ كانت الإنسانية، ذلك بأنها تصور الفكرة المستجمة في نفس من أعده ~~القدر ليبلغ العالم رسالته؛ وظهور هذه الفكرة بوحي من الله إلى رسوله ليدعو إليها بالحكمة ms014 ~~والموعظة الحسنة؛ وقيام الناس في وجه الفكرة ومحاربتهم لها ابتغاء وأدها والقضاء عليها، ~~وانتصار الفكرة بانتصار رسولها، وإقبال الناس لذلك عليها مأخوذين بعظمته وقوة شخصيته؛ ~~وانصراف الناس بعد وفاة صاحب الفكرة إلى مألوف حياتهم فرارا من فروضها؛ وقومة من صدق ~~إيمانهم بالفكرة وإعادتهم المرتدين إلى حماها وإلزامهم أداء فروضها؛ وتأصل الفكرة بعد ~~ذلك في الوجود تأصلا جعل منها قوة لا قبل لشيء في الحياة بها ولا قدرة لسلطان أن يتغلب ~~عليها؛ وبلوغها من هذا التأصل مبلغا جمع إليها عالما يغرس في أقطار الأرض المختلفة ~~أصولها، أية صورة أروع من هذه الصورة وأكثر إمتاعا للعقل والقلب والمدارك! وهل قام في ~~تاريخ العالم دليل على قوة الفكرة لذاتها ومقدرتها على اكتساح الإمبراطوريات مثل هذا ~~الدليل؟! # لا ريب في أن تاريخ الإنسانية يتلخص كله في بضعة أفكار رئيسية قام نظام العالم على أسسها، ~~وقد سلكت كل واحدة من هذه الأفكار طريقها إلى النفوس وتركت على الحياة أثرها، لكن كل واحدة ~~منها لم تكن تكاد تظهر حتى تلقى من المقاومة ما يردها إلى حدود ضيقة تنكمش فيها ليرددها ~~الناس من بعد يريدون تمحيص ما تنطوي عليه من حق ونفي ما يخالطها من زيف، ثم ينتهون إلى ~~صورة معدلة من الفكرة الرئيسية يرتضون العيش في كنفها، وهم لا ينتهون إلى الصورة المعدلة ~~قبل أن تنقضي أجيال ويستحر نضال وتسيل دماء وتزهق أرواح، ثم تكون في أثناء ذلك كله محل أخذ ~~ورد ونفي وإثبات وتعديل يجعل ما تنتهي إليه شيئا مختلفا عن صورتها الأولى جد ~~الاختلاف. # بل إن من الأفكار ما يظهر ثم لا يحتمل النضال، فيختفي إلى غير عودة، ولدينا من ذلك مثل ~~يقابل قيام الإسلام حين نشأته، ذلك ما حاوله هرقل من توحيد المذاهب المسيحية وإدماجها في ~~مذهب رسمي يفرض في أرجاء الإمبراطورية كلها، فقد بذل هرقل غاية جهده لتنجح محاولته: جمع ~~المجامع من كبار رجال الدين وفرض عليهم أن يتفقوا، واتفق من هؤلاء الرجال من اتفق، وأقام ~~على رأيه من أقام، ثم إن ms015 الإمبراطور أرسل عماله إلى الشام وإلى مصر وإلى غيرهما من البلاد ~~الخاضعة لسلطانه يدعون الناس إلى المذهب الرسمي طوعا وكرها، ولجأ هؤلاء العمال إلى كل ~~الوسائل لتنفيذ ما أمرهم هرقل بتنفيذه، مع ذلك التوى القصد عليهم، وثار الناس في كل البلاد ~~بهم، فأخذوا الثائرين بألوان النكال، فكانت مآس ومذابح انتهت كلها إلى إخفاق الإمبراطور ~~فيما حاول، وقد رأى هذا الإخفاق بعينه قبل أن يموت، ولعله سأل نفسه مرات وظل يسأل إلى ساعته ~~الأخيرة: كيف نجح النبي العربي ولا سلطان له في إقامة دين جديد، وأخفق هو، وله من الأيد ~~والسلطان ما له، في جمع الناس حول مذهب موحد لدين استقر في العالم أكثر من ستة ~~قرون؟! # وهو قد عجز، ولا ريب، عن أن يظفر بجواب على سؤاله، فلو أنه ظفر بهذا الجواب لما ترك عماله ~~يمعنون في إرهاق الناس وفي تعذيبهم وقتلهم، حتى يفتح المسلمون سورية ويفتحوا مصر ويجلوه ~~وجنوده عنهما ويضطروهم إلى الفرار منهما، ولو أن بطش الملك لم يطغ على تفكيره ولم يحجب ~~الجواب عنه لاهتدى إليه، فهذا الجواب بسيط كل البساطة؛ وهو أن النبي العربي نجح؛ لأنه لم ~~يكن له سلطان غير سلطان العقيدة السلمية التي دعا الناس طوعا بأمر ربه إليها، وأن هرقل ~~أخفق؛ لأنه أراد إكراه الناس على مذهب لم تهتد بصائرهم إلى أنه خير مما يؤمنون به، وقد نجح ~~النبي العربي؛ لأنه لم يكن يتعصب لغير الحق، فكان يقول بوحي ربه: # آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى ~~وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد ~~منهم ونحن له مسلمون ~~، وأخفق هرقل؛ لأنه تعصب لمذهب على غيره من ~~مذاهب تنسب كلها لعيسى عليه السلام ولحوارييه، ونجح النبي العربي؛ لأنه لم يكن يبتغي للناس ~~غير الهدى إلى سبيل ربهم، فكان يقول لوفد النصارى الذين جاءوا من نجران يجادلونه: # قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا ~~وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك ms016 به شيئا ولا ~~يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا ~~اشهدوا بأنا مسلمون ~~. # وأخفق هرقل لأنه أراد أن يتخذ بعض الناس بعضا أربابا من دون الله، فثار الناس به حين ~~رأوا دعوته وليس فيها من الحق ما يصرفهم عما وجدوا عليه آباءهم. لهذه الأسباب نجح النبي ~~العربي بإذن ربه، وقامت على أساس دعوته إمبراطورية استقر فيها ما دعا إليه. وكانت هذه ~~الإمبراطورية قمينة أن تضم العالم كله في كنفها لولا أن غير أصحابها ما بأنفسهم فغير الله ~~ما بهم. # وإنما غير المسلمون ما بأنفسهم يوم افترقوا مذاهب وشيعا، فنقلوا تفكير الناس وعنايتهم ~~من جلال العقيدة في صفاء جوهرها، إلى الخوض في التفاصيل والجدل فيها جدلا زاد بينهم ~~شقة الخلاف وجعل بعضهم لبعض عدوا. وطالما عاب رسول الله ثم عاب أبو بكر وعمر من بعده ~~من دار مثل هذا الجدل بخواطرهم. بل لقد نبههم رسول الله إلى أن من هلك قبلهم من الأمم ~~إنما هلك بسبب المجادلة في أمور لا يؤدي الجدل فيها إلى حق ولا ينشأ عنه غير الخلاف ~~والتنازع والبغضاء. فقد رأى المسلمون الأولون ما في ذلك من حق فامتثلوا أمر النبي، ~~وأيقنوا أن الذين يجادلون في الدين إنما مثلهم كمثل اليهود والمنافقين الذين كانوا ~~يندسون بين المسلمين يسألونهم: إذا كان الله قد خلق الخلق فمن خلق الله؟ أو يسألونهم عن ~~الروح، يحاولون بهذه المسائل وبمثلها أن يدسوا إلى عقولهم الشك في عقيدتهم. وقد كان الوحي ~~ينزل بالجواب على بعض هذه المسائل في إيجاز حاسم، فيقول الله تعالى: # قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ~~ولم يولد * ولم يكن له كفوا أحد ~~، ويقول: # ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي ~~وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ~~، ويقول: # ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم ~~البينات ~~، ويقول: # إن الذين فرقوا ~~دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء ~~. # وكان عمر أشد الناس كراهية للاختلاف، فكان يهدد الذين يختلفون ولو كانوا من أصحاب رسول ~~الله ms017 ومن أرفعهم مكانة عند المسلمين. ولا عجب في أن يكون ذلك شأنه، وسترى من بعد أنه يتفق ~~مع تفكيره في جاهليته وفي إسلامه. وليس يرجع ذلك إلى ما زعمه بعضهم من ضيق أفقه؛ فقد كان ~~عمر من أكثر أهل زمانه علما وأوسعهم أفقا، بل لأنه كان يقدم نظام الجماعة على كل اعتبار، ~~ويرى في ثبات هذا النظام واستقراره أقوى كفيل بخير الأفراد وبخير المجموع كله. # كيف يتفق هذا النفور الشديد من الاختلاف في الرأي مع دعوة الإسلام إلى النظر والتدبر ~~والحكم؟ وكيف يمكن لحرية الرأي أن تستقر في بيئة يهدد صاحب السلطان فيها بمعاقبة ~~المختلفين؟ # هذا اعتراض أورده بعض المستشرقين بالفعل. ونحن ندفعه هنا، لغير شيء إلا أن تاريخ الفكر ~~الإنساني ينفيه. فكثرة العلماء تذهب الآن إلى أن التجريد المنطقي في الفروض النظرية إنما ~~تسلط على تفكير الإنسانية في العصر الميتافيزيقي حين لم يجد الذهن من المقررات العلمية ~~سندا له في الحياة، فكان هذا التجريد ملجأ نشاطه. وهو قد اتجه بهذا التجريد إلى نظريات لا ~~تثبت عن طريق العلم، وتناول به أمورا يدخل معظمها في دائرة ما سماه هربرت سبنسر ~~«ما لا سبيل إلى معرفته # The unknowable ~~» فلما استقر ~~العلم وقامت الفلسفة الواقعية على أساسه، أصبح هذا التجريد المنطقي ترفا عقليا ضعيف ~~الأثر في حياة العالم الفكرية. فإذا كان رسول الله وكان خلفاؤه الأولون قد نهوا عن الخوض ~~فيما لا سبيل إلى معرفته، لأن هذا الخوض يثير الخلاف والتنازع، فهم بذلك لم يحرموا حرية ~~الفكر، بل قاوموا طريقة بذاتها من طرق التفكير يصفها العلم اليوم بأنها طريقة الجدل ~~العقيم. # فأما صور التفكير المستندة إلى وقائع الحياة والوجود، والتي يعتبرها العلم اليوم موضع ~~نظره ومجال بحثه، فكانت محل التشاور والعناية في ذلك العهد، وكان ما يتصل منها بشئون الحكم ~~والقضاء مدار الاجتهاد بالرأي، فإن أصاب المجتهد فمن الله، وإن أخطأ فمن نفسه ومن ~~الشيطان. # وسيرى القارئ في صلب الكتاب تفصيلا لبعض ما حرم الاختلاف فيه وحكمة هذا التحريم. ~~وحسبي أن أشير ms018 إلى نهي رسول الله عن الخوض في مسألة القدر لنستبين هذه الحكمة. فقد أثارت ~~مسألة القدر في عصور التجريد «الميتافيزيقي» أشد الخلاف وأعظم الجدل، وهي مع ذلك لم ~~تنته ولا يمكن أن تنتهي يوما إلى نتيجة. وهذا دليل على أن النهي عن الخوض فيها كان ~~الحكمة عين الحكمة. وتبلغ هذه الحكمة حد البداهة إذا ذكرنا أن الدين كان يومئذ في ~~إبان نشأته، وأن اليهود والمنافقين والمشركين كانوا يحاربون مبادئه الرئيسية بإثارة ما قد ~~يتصل بها من المسائل الجدلية، لينشروا حول هذه المبادئ جوا من الريبة يصرف الناس عنها. ~~فإذا أضفنا إلى ذلك أن الصدر الأول للإسلام كان عهد جهاد متصل، وأن ما يؤدي إليه الجدل من ~~الاختلاف يجني على هذا الجهاد ويضر بالجهد الذي يبذل لنجاحه، لم يبق للاعتراض الذي ~~أورده بعض المستشرقين أساس، وكان لشدة عمر في النهي عن كل ما يثير الخلاف مسوغ بل ~~موجب. # لا أستطيع، وقد أجملت في هذا التقديم ما تضافر من العوامل لقيام الإمبراطورية الإسلامية، ~~ألا أتحدث عن عمر نفسه. فسيرى القارئ صورته واضحة قوية الأثر في كل فصل من فصول هذا الكتاب. ~~وقد يرى من بروز شخصيته ما يدعو للموازنة بينه وبين أبي بكر. لهذا أسارع قبل الحديث عن عمر ~~فأثبت هنا نص ما ذكرته في تقديم «الصديق أبو بكر» إذا قلت: «قد يبلغ الأمر ببعضهم أن يوازن ~~بين عهد أبي بكر وعهد عمر ليفاضل بينهما. وهذه مفاضلة لا موضع لها بين رجلين بلغ كل منهما ~~من مراتب العظمة ما قل أن يبلغه سياسي أو حاكم لأمة في تاريخ العامل كله. ولقد كان عهد ~~عمر من أعظم عهود الإسلام لا ريب؛ فيه استقرت قواعد الإمبراطورية، واستتب نظام الحكم، ~~ورف لواء الإسلام على مصر وغير مصر من البلاد التي اعتز بها الروم واعتز بها الفرس، لكن ~~هذا العهد الفاروقي العظيم مدين لعهد الصديق ومتمم له، كدين خلافة الصديق لعهد رسول الله ~~وإتمامها له.» # على أنه إذا لم يكن للموازنة بين العهدين موضع وعهد عمر ms019 متمم لعهد أبي بكر، فإن الموازنة ~~بين الرجلين يسيرة، ومن شأنها أن تجلو لنا من صورتيهما ما يزيدنا إدراكا لقيمة ما أحرزه كل ~~منهما من الفوز في عهده. ولسنا نجد في هذه الموازنة تصويرا خيرا من تصوير رسول الله حين ~~شاور المسلمين في أسرى بدر، فأشار أبو بكر بقبول الفداء منهم، وأشار عمر بضرب أعناقهم. فقد ~~ضرب رسول الله للمسلمين في كل من الرجلين مثلا؛ فأما أبو بكر فمثله في الملائكة كمثل ميكال ~~ينزل برحمة الله وعفوه على عباده، ومثله في الأنبياء كمثل إبراهيم، كان ألين على قومه من ~~العسل. قدمه قومه إلى النار وطرحوه فيها فما زاد على أن قال: # أف ~~لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون ~~. وأن قال: # فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك ~~غفور رحيم # ومثله في الأنبياء كمثل عيسى إذ يقول: # إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت ~~العزيز الحكيم ~~. ومثل عمر في الملائكة كمثل جبريل ينزل بالسخط من الله ~~والنقمة على أعداء الله. ومثله في الأنبياء كمثل نوح إذ يقول: # رب ~~لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ~~، وكمثل موسى إذ يقول: # ربنا اطمس على أموالهم واشدد على ~~قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ~~. # هذه الصورة تصف كلا الرجلين في حياة الرسول أدق الوصف. فلما استخلف أبو بكر بقي على رفقه ~~ولينه في كل أمر لا يتصل بعقيدته وإيمانه. فأما ما اتصل بالعقيدة والإيمان، فلم يكن موضع ~~رفق أو لين عنده؛ ذلك أن نفسه كانت تنطوي على قوة هائلة لا تعرف التردد ولا الإحجام، وعلى ~~مقدرة ممتازة في بناء الرجال وإبراز ملكاتهم ومواهبهم، وفي دفعهم إلى ميادين الخير العام ~~ينفقون فيها كل ما آتاهم الله من قوة ومقدرة؛ لذلك كان إذا عهد إلى أحدهم في أمر ترك له من ~~الحرية في تنفيذه ما يتفق وثقته به، وثقته بحسن تقديره هو في اختيار هذا الرجل، ومن ثم ~~رأيناه يضع الخطط العامة لقواده في حروب الردة وفي غزو العراق والشام، ويترك ms020 تفصيلها ~~لهم ولا يسألهم حسابا ما نجحوا في مهمتهم. فإذا لم يصادفهم التوفيق فكر في سبب إخفاقهم ~~والتمس الوسيلة لعلاجه. كذلك فعل حين أبى على القواد الذين لم ينتصروا في حروب الردة ~~وفي غزو الشام أن يعودوا إلى المدينة، حتى لا يوهن عودهم إليها من يقيمون بها، وحين وقف ~~قواد الشام موقف الجمود أمام الروم، فأمدهم بخالد بن الوليد ونقله إليهم من العراق، حتى ~~ينسي الروم وساوس الشيطان. # ولم يكن ذلك شأنه مع القواد في وقائع الحرب وكفى، بل كان كذلك شأنه في الأمور الدينية؛ لا ~~يتدخل فيما عهد منها إلى عماله إلا لتقويم معوج أو إصلاح فاسد. أما ما سارت الأمور ~~سيرتها السليمة فهو يدعها لينصرف إلى غيرها من شئون الدولة؛ ولهذا ترك زيد بن ثابت بعد أن ~~عهد إليه في جمع القرآن يقوم بمهمته، فلم يكن يتدخل في عمله إلا حين يطلب زيد إليه ~~رأيه. # والأمير الذي يقف من سياسته عند الأمور العامة مطمئنا إلى عماله واثقا بهم، يبرز اسم ~~عماله إلى جانب اسمه، فيحسب من لا يتعمق في الأمور أن لبعض العمال فضلا أعظم من فضله. وهذا ~~خطأ في التقدير؛ فالفكرة الأساسية هي كل شيء في كل عمل. وحرية العامل الموثوق به في ~~تولي التفاصيل تزيد هذا العامل نشاطا وإقداما على الاضطلاع بالتبعات، وحرصا على ~~الفوز بمزيد من ثقة الأمير به، ليزداد ركونه إليه وتقديمه له. # كانت هذه السياسة متفقة مع طبيعة أبي بكر وما عرف من لينه ورفقه وحسن إيمانه وقوة عقيدته، ~~متفقة كذلك مع سنه؛ فقد تولى الخلافة حين جاوز الستين من عمره، ضعيف البدن رقيقه. أما ~~عمر فتولى الخلافة وسنه حول الخمسين، وفيه من قوة الشباب ونشاطه ما لم يكن لأبي بكر. ثم إن ~~عمر كان عنيفا بطبعه، قوي البدن، جم النشاط في كل شيء، لا تكمن ذاتيته حتى تبرزها الحوادث ~~في جلال قوتها، بل كانت ذاتيته دائمة البروز، وكان لذلك حريصا على أن يتولى الجليل والدقيق ~~من شئون المسلمين أفرادا وجماعات ما استطاع. ms021 وهذا البروز في الذاتية كان يدفعه - مع ثقته ~~بمن يعهد إليهم في أمور الدولة - إلى أن يجعل عينه دائما عليهم وأن يكون دائم الاتصال بهم، ~~حتى تخاله وهو بالمدينة حاضرا مع من كان منهم بالعراق أو بالشام أو بفارس أو بمصر. وهذا ~~الاتصال وهذه المراقبة جعلاه دقيق المحاسبة لهم دقة ثارت لها غير مرة نفوس بعضهم. ولو أن من ~~ثارت به نفوسهم كان رجلا غير عمر في قوته وصلابته وبأسه لكان لهذه الثورة من الأثر ما يخشى ~~ألا تحمد عاقبته. # وكان لذاتية عمر وبروزها أثر في الحياة العقلية كأثرها في إدارة الشئون العامة؛ فقد كان ~~من أكثر المسلمين اجتهادا بالرأي، كان ذلك شأنه في حياة الرسول وفي حياة أبي بكر، ثم كان ~~المجتهد الأول في خلافته، فلم تعرض مسألة تعني الجماعة الإسلامية إلا كان له فيها رأي، ولم ~~تكن مسألة فقهية إلا كان ما يستقر عليه حكمه فيها حجة يأخذ بها الناس في عهده، ويأخذ بها ~~الناس من بعده، وسترى أنه خالف رسول الله وخليفته أبا بكر غير مرة، وأن الوحي أيد رأيه ~~أحيانا وخالفه أحيانا أخرى، وأن الناس في خلافته كانوا يطمئنون إلى اجتهاده أيما اطمئنان. ~~ولقد زاد في قدر رأيه أنه اطرح وراء ظهره كل مصلحة خاصة وكل اعتبار ذاتي، وأنه تجرد لله ~~ولدين الله ولخير المسلمين تجردا لم يوصف به أحد من أمراء المؤمنين بعده. # ولو أن ما روي عن إنكار نفسه كان كله صحيحا لكن عمر مثلا فذا في التاريخ، ولكان ~~أدنى إلى مراتب الأنبياء والرسل منه إلى مراتب العظماء. # 1 # فهذا الرجل الذي بلغ أسمى مكانة في عصره، فكان العاهل المطلق اليد في ~~الإمبراطورية الكبرى لعالم يومئذ، قد كان يأبى على نفسه كل ما يرفه عنها، ويحرص على ~~أن يعيش عيش الفقير ليمسه ما يمسه. على أن زهده في الدنيا لم يكن زهد عائف عنها، بل كان زهد ~~قادر عليها متحكم فيها؛ ولذلك كان - مع شدة ورعه وعظيم تقواه - ينكر صنيع أولئك المتنسكين ~~الذين يرون ms022 في الحرمان متاعا ولذة، والذين يخفضون من أصواتهم إذا تكلموا ويتباطئون في ~~مشيهم إذا ساروا، يريدون أن يقول الناس عنهم إنهم نساك؛ ذلك لأنه كان يمقت الضعف في كل ~~مظاهره، وكان أشد مقتا للتظاهر به. # وزهد عمر في أنعم الحياة هو الذي طوع له أن يكون مضرب المثل في العدل؛ فقد كان لهذا الزهد ~~لا يخشى إلا الله، ولا يرجو أحدا غيره. وكانت خشيته الله ورجاؤه إياه شديدين. وكان يعلم أن ~~الله محاسبه عما ولي من أمر المسلمين فيزداد خشية، فتزيده الخشية حرصا على تحري العدل ~~إرضاء لله جل شأنه؛ لذلك كان في عدله لا يفرق بين قريب له وبعيد عنه؛ فالمؤمنون عنده ~~جميعا سواء، ومن دخل في ذمة المسلمين أصبح وله من الحق في عدل أمير المؤمنين ما لهم. وحبه ~~العدل مجردا من الهوى جعله يطلب إلى عماله أن يكونوا مثله عدلا وإنصافا، ويطلب إلى الناس ~~في أرجاء الإمبراطورية أن يرفعوا إليه ما قد ينزل بهم على يد عماله من حيف حتى ينصفهم ~~إذا رأى إنصافهم حقا؛ فإن شكوا إليه عاملا كيدا بغير حق أنصف هذا العامل منهم، لتبقى ~~للحكم هيبته، وليبقى للعامل العادل مكانه وسلطانه. # وزهد عمر في أنعم الحياة هو الذي دفع إلى قلبه من الرفق بالفقراء والعطف عليهم ما خشي ~~الناس يوم استخلف ألا يكون له منه نصيب. فقد رأوه في عهد رسول الله عادلا صارم العدل، ~~ورأوه في عهد أبي بكر شديد البطش بالظالمين؛ فلم يدر بخلد أحدهم أنه سيعرف الرحمة ~~حياته. لهذا لم يلبث حين آل الأمر إليه أن احتفظ بكل شدته على الظالمين، ثم كان بالضعفاء ~~والفقراء برا رحيما، بل كان أحن عليهم من آبائهم وأمهاتهم: يكفكف دموعهم ويحمل إليهم ~~بنفسه حقوقهم، ويرعاهم صغارا وكبارا. والضعفاء والفقراء هم السواد في كل أمة؛ لذلك لم ~~يلبث هذا السواد أن وجد في عمر ملجأه وملاذه، وأن أصبح هذا الرجل الباطش أحب إليهم من ~~أنفسهم ومن أبنائهم. # لا أريد بما قدمت أن عمر بن الخطاب لم ms023 يكن يخطئ، أو أنه لم تكن له ميول تجعل الناس ~~يختلفون في بعض أحكامه، وسنرى كيف اختلفوا فيما كان بينه وبين خالد بن الوليد؛ يرى بعضهم ~~أنه ظلم القائد القاهر الذي وضع للإمبراطورية أساسها، ويرى آخرون أنه قصد إلى خير ~~الإمبراطورية أكثر مما قصد إلى العدل في أمر خالد. وسنرى كذلك كيف عزل سعد بن أبي وقاص ~~سياسة في غير عجز ولا خيانة. لكن اختلاف الناس فيما اختلفوا فيه من آراء عمر ومن تصرفاته ~~وأحكامه، لا يغير من أنه لم يمل يوما مع الهوى ولم يخالف يوما ضميره، وأنه كان يحاسب ~~نفسه أدق الحساب كلما اجتهد برأي أو قضى بحكم أو أصدر أمرا. # هذه صورة مجملة من حياة عمر ومن تصرفاته، وهي مفصلة في هذا الكتاب تفصيلا أرجو أن يجلوها ~~بينة واضحة، وهذه الصورة تدلك على ما كان لشخصه من أثر في بناء الإمبراطورية العظيمة في ~~الزمن الوجيز الذي قامت فيه، وتكشف لك عن السبب الذي أبقى على التاريخ اسم هذا الرجل العظيم ~~يتحدث الناس عنه على مر الأجيال في مشارق الأرض ومغاربها حديث إكبار وإعجاب. # على أن ما فصل في هذا الكتاب لم يتخط التاريخ السياسي لهذه الفترة القصيرة من ~~حياة المسلمين الأولين. أما ما جاء في فصوله عن حياة العرب الاجتماعية وعن الفرس والروم ~~فإنما جاء مجملا أريد به إيضاح هذا التاريخ السياسي، ولم يقصد به إلى تفصيل ما حدث من تطور ~~الحياة الاجتماعية في بلاد العرب بقيام الإسلام، ولا إلى تفصيل الحياة السياسية نفسها في ~~البلاد التي فتحها المسلمون. كذلك لم يتناول الفصل الذي أفرد لاجتهاد عمر تفصيل هذا ~~الاجتهاد. وقد تناول بعض العلماء الباحثين في عصرنا طائفة من هذه النواحي ببحوث ممتعة أيما ~~إمتاع. وللمستشرقين في مثل هذه البحوث فضل تقترن به أسماؤهم مع أسماء علماء العربية ~~وكتابها. مع ذلك لا يزال هذا الميدان مفتقرا إلى التنقيب. وما أشك في أنه سيلقى من ~~العناية ما هو جدير به. # وأختتم هذا التقديم بالضراعة إلى الله أن يوفقنا ms024 جميعا للحق في كل ما نعرض له من بحث. ~~فالحق خير ما يرجو الباحث المنصف. والله خير حافظا من الزلل، وهو الحكم العدل اللطيف ~~الخبير. # محمد حسين هيكل # | هوامش # الفصل الأول # | عمر في جاهليته # استهل ذو القعدة لسنوات قبل مبعث النبي، فأقبل العرب أفواجا يحدون إبلهم من شتى الأرجاء ~~في شبه الجزيرة ليقيموا سوق عكاظ كعادتهم قبل الحج من كل عام، وكانت السوق تضطرب بمن جاءوا ~~إليها من مختلف القبائل، وفيهم من أهل مكة عدد غير قليل، وقد أقام هؤلاء العرب مضاربهم في ~~فسحة البطحاء المترامية التي تقوم السوق عليها، ثم جعلوا ناحية منها للتجارة، وفي هذه ~~الناحية أقام جماعة أمام مضاربهم متاجر يعرضون فيها سلعا قل منها ما كان من صناعة ~~الحجازيين أنفسهم، في حين قد جاء أهل مكة ومن إليهم بأكثرها من اليمن ومن الشام في رحلتي ~~الشتاء والصيف، والناس يؤمون هذه المتاجر رجالا ونساء، يبتاعون منها ما يشاءون، وأكثر ~~ما تقف النسوة عند البزازين بائعي الأقمشة والثياب، يقلبن بين أيديهن شتى ألوانها، ثم ~~يخترن من نسج اليمن أو صناعة الشام ما تهوي إليه قلوبهن، فإذا كانت بينهن مليحة جذبت إلى ~~المضرب من الشبان والرجال من يتظاهرون بالشراء، وإن كانوا أشد حرصا على اجتلاء جمال ~~المليحة منهم على مس الحرائر والمتاع بألوانها واقتناء ما يعجب منها، وعلى مقربة من هذه ~~المتاجر قامت حلقات اللهو يؤمها الشبان طرفا من النهار وأطرافا من الليل؛ ولا تأبى الحسان ~~أن يكن على مقربة منها، فإذا أقبل الليل ذهب الشبان يحتسون الشراب حتى تميل أعناق بعضهم، ثم ~~تركوا لنوازع اللهو والهوى العنان، وكم أدت هذه النوازع إلى مهاترات ومصاولات بدأت طفيفة ~~ثم تجسمت، حتى انتهت إلى قتال بين القبائل امتد على السنين. # قام شاعر يوما في جانب السوق ينشد قصيدة له؛ يتغزل في مطلعها، ثم ينتقل من الغزل إلى ~~المفاخرة بنفسه وبقبيلته، ثم إلى التعريض بقبيلة نازعت قبيلته العام الفائت وإلى النيل ~~منها، والتف حول هذا الشاعر المجيد حلقة من أهل السوق تسمع ms025 له وتستجيد غزله، فلما انتقل من ~~الغزل إلى الفخر صفق له قوم طربا، وصاح به آخرون إنكارا واستهجانا، أما إذا انتقل إلى ~~التعريض بالقبيلة التي خاصمت قبيلته وإلى النيل منها، فها هي ذي صيحات الطرب وصيحات الإنكار ~~تنقلب نزاعا عنيفا يحرك السيوف في غمودها، فلما أتم الشاعر قصيدته قام شيخ ذو حكمة ودعا ~~القوم إلى السلم، وما زال بهم حتى جنحوا لها. # كان بين الذين يستمعون لهذا الشاعر شاب تجاوز سنه العشرين، ضخم جسيم مديد القامة، تعلو ~~هامته هامات الجمع كله، أبيض اللون تعلوه حمرة تضرب بلونه إلى السمرة، وقد كان ينصت إلى ~~الشاعر إنصات إعجاب يدفعه ليهز رأسه الحين بعد الحين، آية اغتباطه بما سمع وطربه له ودقة ~~تذوقه إياه، لم يشارك الصائحين في صياحهم؛ لأن مفاخرة الشاعر بقبيلته لم تعنه، وتعريضه ~~بالقبيلة الأخرى لم يعنه كذلك؛ فهو ليس من هذه القبيلة ولا من تلك، بل لعل القبيلتين كانتا ~~بعيدتين عن موطنه بعدا زاده انصرافا عن أمرهما إلى المتاع بجمال الشعر الذي يسمعه، وأتم ~~الشاعر قصيدته فأقام الفتى ينصت لما يقول الحكيم، فلما جنح القوم للسلم انصرف يتقدم جماعة ~~من أصحابه مسرعا في مشيته حتى لقد شق على تابعيه أن يلحقوا به، ذلك لأنه كان أروح في ~~رجليه سعة فلا يعرف في المشي بطئا، وكان أصحابه يحادثونه علهم يستوقفونه فلا يفوتهم بسعة ~~خطوه، واتصل هذا الحديث متنقلا من الحوار الهادئ إلى جدل فيه عنف وشدة، عند ذلك وقف الشاب، ~~وقد احمرت عيناه وبدت عليه أمارات الغضب، فنفخ وفتل شاربه الطرير وقال: بهذا الفتى تخوفوني! ~~لست للخطاب إن لم أصرعه لأول ما ألقاه! # واندفع في طريقه أكثر إسراعا، حتى كانت خطوات أصحابه من خلفه أدنى إلى الهرولة منها إلى ~~السير، فلما بلغوا حلقة المصارعة المنصوبة في جانب من عكاظ ألفوا فتيانا أشداء مفتولي ~~العضل يشهدون أحدهم جاثما على صدر صاحبه وقد ألقاه إلى الأرض صريعا، وما لبث القوم حين ~~رأوا عمر بن الخطاب يسير إليهم أن فسحوا له طريقا، وقام ms026 المتصارعان فوقفا مع النظارة ~~وأيقنا أن عمر لم يجئ شاهدا، وإنما جاء مصارعا، وأدار عمر بصره في الحاضرين ولا يزال ~~الغضب آخذا منه، فلما صادف الفتى الذي دار عنه الحديث بينه وبين أصحابه دعاه لينازله، ~~وابتسم الفتى وتقدم حتى توسط الحلقة، وهو أشد ما يكون اطمئنانا إلى نفسه وثقته بقوته ~~ومقدرته، إنه لم يصارع عمر من قبل، فهذه أول مرة جاء فيها مع قبيلته إلى عكاظ؛ لكنه لم ~~يغلب مرة منذ جاء، حتى لقد هابه الأقران وحسبوا حسابه، وكان يقرب عمر طولا وجسامة، وتقدم ~~إليه عمر يصاوله، وحاول الفتى البدوي أن يصرع عمر، وأبدى من ضروب المهارة في النزال ما جعل ~~النظارة يتكاثرون ويزداد عددهم إلى ما لم يألفه أحد من قبل، وأقبلت فتيات كن على مقربة من ~~المكان سمعن اسمي المتصارعين، فحرصن أن يرين ما سيكون منهما، فقد عرفن، كما عرف الناس في ~~الأعوام التي خلت، أن ابن الخطاب لا غالب في المصارعة له، فلما أقبل هذا البدوي وصرع كل ~~الذين صارعوه، رجا أهل عكاظ جميعا أن يصارع ابن الخطاب، وراهن بعضهم بعضا لأي الفتيين ~~يكون الغلب، فلما دعا عمر صاحبه للمصارعة سرى النبأ في السوق كلها مسرى البرق، وأقبل كل من ~~لم يمسكه عمله، يريد أن يأخذ من هذا المشهد نصيب، وترك عمر صاحبه زمنا يحاوره ويحتال ~~ليصرعه، وهو منه في موقف المدافع، لا يبذل من الجهد ما يبذل البدوي البارع، فلما أحس به ~~هاضه الجهد انقض عليه فركب أكتافه وألقاه على الأرض صريعا، وضجت الحلقة بذكر عمر ومقدرته، ~~وتذاكر شهودها سابق فعاله في مثل هذه المواقف، ولم تكن الفتيات والنساء أقل من الرجال ~~والفتيان إشادة بالفتى القرشي النبيل ذي الأيد. # بدأت الشمس بعد قليل تنحدر إلى المغيب، وبدأ النظارة ينصرفون كل إلى مقصده، وصار عمر يجوس ~~خلال السوق وأصحابه من حوله يبدون من الإعجاب به ما يكافئهم عنه بابتسامة قلما كانوا يرونها ~~مرتسمة على محياه، وهو لم يكن يخص أصحابه بهذه الابتسامة؛ فقد كان يرى أبصار من ms027 يمر بهم ~~شدت إليه وهم أشد من أصحابه إعجابا به، ويرى فتيات يشرن إليه ويتهافتن يردن أن يحظين ~~منه بنظرة رضا عنهن أو هوى لحسن المليحة منهن، فيبعث ذلك إلى نفسه من أسباب الرضا ما تعبر ~~هذه الابتسامة عنه. # وجن الليل فمال في أصحابه إلى ملهى قام على حافة السوق، تنفسح البادية من ورائه إلى مدى ~~الأفق، وتخير عمر أدنى مكان من البادية فجلس فيه بعد أن أهدى تحية المساء لمن مر بهم من ~~معارفه الكثيرين الذين ردوا تحيته بأحسن منها، وأضافوا من عبارات الإعجاب به والثناء عليه ~~ما أعجبه، وأقبلت خمارة هيفاء تتهادى وكل نظرها إلى الفتى الظافر، وقد طوقت ثغرها ابتسامة ~~بدت من خلالها ثناياها الغر العذاب، وأبدى عمر في حديثه إليها سماحة لم يبدها منذ أقيمت ~~السوق، فلم تأب أن تتيه دلا عليه، وبعد هنيهة عادت أدراجها ثم كرت راجعة تحمل الخمر ~~المعتقة لهؤلاء الشاربين الأوفياء الذين لم يقضوا من ليالي السوق ليلة في غير حانتها، وكان ~~عمر بين أصحابه يشرب بالكبير، ويشرب سائرهم بالصغير، وتقدم الليل والفتيان يشربون ويسمرون، ~~ينتقل بهم الحديث من الجد إلى المجانة، ومن الغزل بالنساء إلى ركوب الخيل، ومن أيام العرب ~~إلى أنسابها، وعمر يفيض في ذلك كله إفاضة عليم حلت الخمر عقدة لسانه، وزاده الظفر بصاحبه ~~البدوي إقبالا على الحديث واسترسالا فيه، وفيما يتذاكرون فارسا رأوه ضحى يركب جوادا ~~ينهب به الأرض، صاح عمر: واللات والعزى لقد خلتني إياه إعجابا بقدرته على رياضة ~~جواده! # وابتسم صاحبه الذي حاوره من قبل في أمر البدوي المصارع وقال: تغفر العزى لابن عمك زيد بن ~~عمرو قوله: # فلا العزى أدين ولا ابنتيها # ولا صنمى بنى طسم أدير # أربا واحدا أم ألف رب # أدين إذا تقسمت الأمور! # وتجهم عمر لما سمع من ذلك قال: تبا له! ولا غفرت العزى كفرانه! خيرا فعل الخطاب إذ ~~أخرج ابن أخيه من مكة ومنعه من أن يدخلها منذ فارق ديننا، وعادى أوثاننا، وصبا يلتمس إلها ~~عند اليهود والنصارى، فلم يظفر ms028 من هؤلاء ولا من أولئك بخير فزعم أنه على دين أبيه إبراهيم، ~~ولو أن الخطاب ترك لي أمره لصرعته فأوردته حتفه. # وينتقل الحديث من بعد إلى شئون أدعى إلى طمأنينة النفس، وإن القوم لفي سمرهم إذا طرقت ~~سمعهم أصوات ناعمة لعذارى خرجن من مضاربهن إلى فسحة البادية ينعمن فيها بأسرار الليل أو ~~يقضين فيها بعض شأنهن، وأمسك عمر عن الحديث وكأنما لعبت هذه الأصوات بفؤاده، فلما رآه ~~أصحابه أمسك أجالوا فيه أبصارهم، فإذا هو يهم بالقيام ويقول: سأدعكم هنيهة لبعض شأني وسرعان ~~ما أعود، وابتسموا، فصاحبهم صاحب نساء كما أنه صاحب خمر، وقصد عمر إلى ناحية الصوت الناعم، ~~فسمع غانية تقول لصاحباتها: هذا عمر يقدمنا؛ فلنخيل إليه أننا نفر منه كي لا يصرعنا، فلما ~~اقترب منهن تظاهرت كل بالفرار إلى ناحية، ولم تبق إلا هاته الغانية أسقطت خمارها، وزعمت ~~أنها تصلحه، وعرفها ابن الخطاب صاحبته التي لقيها منذ أيام، فسعد معها بأحلى سويعات عكاظ ~~هذا العام، وأدركت صاحباتها حيلتها فتعالت أصواتهن بضحكات السخط والسخر والغيرة، وعاد عمر ~~إلى أصحابه على موعد منها، ولم يطل به المقام حتى نقد الخمارة قدر ما شربوا، ثم انصرف عن ~~أصحابه إلى حيثما اتفق. # كان النهار ضحى حين لقي عمر أصحابه كرة أخرى، وقد تذكروا مصارعة أمس وما أبدى عمر فيها من ~~مهارة، وتمنوا لو أن عمر صارع صاحبه كرة أخرى حتى يصرعه، فلا تقوم لهذا البدوي من بعد في ~~ميدان المصارعة قائمة، وخالهم عمر ورأى في قولهم ما لا تقره الشهامة، إنه الفائز، فإذا أراد ~~صاحبه أن يثأر لنفسه فلن يتردد في مصاولته، لكنه لن يبدأ بالدعوة إلى هذه المصاولة ولن ~~يتحداه، والسوق بعد موشكة على ختامها، فبعد ثلاثة أيام ينصرف الناس عن عكاظ إلى مجنة ~~ليتجهزوا للطواف بالبيت، فتقدم كل قبيلة هديها قربانا لصنمها، فإذا نحر الناس ذهبوا إلى ذي ~~المجاز يتروون منه لصعود عرفات، وفي الأيام الثلاثة التي تسبق مجنة يشغل الناس بالتجهز للحج ~~عن كل مصارعة أو مصاولة. # وانقضت ثلاثة الأيام ms029 وقد أذعن الفتى البدوي لما أصابه؛ إذ رأى ابن الخطاب قرنا لا يقهر، ~~وتجهز الناس للانصراف من عكاظ، فكان عمر أسبقهم إلى هذا التجهز: دعا غلامه فأتاه بجواده حين ~~أضحى النهار، ورأى شبان من نبلاء القبائل المختلفة هذا الجواد، فأعجبوا بلونه الأدهم وأذنيه ~~الصغيرتين ورأسه المترفع وساقيه الدقيقتين وبطنه الضامر، وكأنما أدركت بعضهم الغيرة لما ~~رأوا من اعتزاز عمر بنفسه وبجواده، اعتزازا فيه صلف وغلظة، فدعوه للسباق، فإذا فرغوا من ~~السباق استراحوا ثم انحدروا إلى مجنة بعد أن تكسر القيلولة. # وقبل عمر دعوتهم، فدعوا فجيئوا بجيادهم، وساروا جميعا إلى فسحة البادية، فاختاروا حلبة ~~سباق فيها، وامتطى كل جواده ودفعه حين أشار المشير، فإذا عمر وجواده كأنهما قطعة واحدة لا ~~يدري الشاهد أهي تنهب الأرض أم تلقي في يد الريح التراب، ولم يكن إعجاب أهل السوق بفوز عمر ~~في السباق دون إعجابهم بفوزه في المصارعة، ولم يقف أمر الفتيات عند الإعجاب به؛ فقد أخذ ~~منهن بمجامع القلوب وملك عليهن كل الجوارح، وكانت صاحبته التي أمتعته بأحلى سويعات عكاظ هذا ~~العام تبتسم بينهن ابتسامة زادتهن غيرة، وجعلتهن يرمقنها من عيونهن العربية الجميلة بنظرات ~~لعلها بعض ما عناه عمر بن أبي ربيعة حين قال: # حسدا حملنه من أجلها # وقديما كان في الناس الحسد # وأفاض الناس من عكاظ إلى مجنة ثم إلى ذي المجاز، فقضوا المناسك لأصنامهم، ورجعت كل قبيلة ~~منهم إلى مقامها من شبه الجزيرة. # واستدار العام وجاء موسم عكاظ، فكان لعمر فيه مثل ما كان له في العام الذي سبقه، وظل ذلك ~~شأنه عدة سنوات. # ثم إنه تأخر عاما عن مفتتح السوق، فافتقده الناس وتساءلوا عن سبب تخلفه، وزاد تساؤلهم ~~أنه كان قد بدأ يزاول التجارة ويشتغل بها، وكيف لتاجر له من المكانة ما لعمر أن يغيب عن سوق ~~العرب العامة ومعرضهم السنوي الأكبر! لكنهم عرفوا أنه اضطلع بالمهمة التي كان يضطلع بها ~~آباؤه من قبيلة عدي بن كعب، مهمة السفارة بين قريش وغيرها من القبائل كلما حدث بينهم خلاف، ~~وأن هذه ms030 المهمة وكلت إليه في أمر ذي بال جد بين إحدى قبائل قريش وجماعة ثقيف، ولشد ما ~~اغتبط أهل السوق جميعا حين علموا أن عمر جاء إليهم ليقضي معهم ما بقي من أيام السوق، وأنه ~~أتم سفارته على خير حال، جاء ممتطيا جواده الأدهم، فبدأ يباشر تجارته وكانت قد سبقته، ثم ~~لم تثنه مباشرتها عن المصارعة، ولم يزعزع ما له من شهرة بين أصحابه أنه صاحب خمر وصاحب ~~نساء. # وبعث رسول الله # صلى الله عليه وسلم # بعد هذا العام، ثم أذاع في الناس رسالته، فانبرى له عمر يحاربه ~~بحمية الشباب والفتوة حربا جاهلية عنيفة أشد العنف، فإذا جاء إلى عكاظ، وجلس إلى الناس ~~وصادف حديثهم سيرة الرجل الذي قام في قريش يدعوها إلى نبذ الأصنام وعبادة الواحد الأحد، هاج ~~عمر وماج، وأطلق لسانه في محمد، وعابه بما فرق من كلمة قريش وبما صبأ عن دين آبائه وأجداده، ~~ولقد كان الغضب يبلغ منه لخروج محمد على قومه، فلا يحجم عن التهديد بقتله لولا منع بني هاشم ~~له وما يجره هذا القتل من ثارات لا قبل لمكة بها. # وظل ذلك شأنه حتى أسلم، فصار يدافع عن دين الله وعن رسول الله بمثل الحمية التي كان ~~يحاربهما بها قبل إسلامه. # هذه صورة من شباب عمر بن الخطاب، ترتسم أمامك واضحة تمام الوضوح كلما ازددت إمعانا في ~~قراءة كتب التاريخ الإسلامي قديمها وحديثها، فإذا أردت أن تعود إلى ما قبل شبابه لم تجد في ~~هذه الكتب ما يعينك على رسم صورة من طفولته وصباه في هذا الوضوح، وإن أسعفتك في أمره بخير ~~مما تسعفك في أمر الكثيرين ممن عاصروه. # فهو من قبيلة عدي بن كعب، وهي قبيلة عدنانية من قريش، انتهى إليها الشرف كما انتهى إلى ~~عشرة رهط من عشرة أبطن في مقدمتها هاشم، وأمية، وتيم، ومخزوم، على أن عديا لم تبلغ من ~~المكانة في مكة قبل الإسلام ما بلغه بنو هاشم وبنو أمية؛ فلم يكن لها من مناصب مكة الدينية ~~أو الزمنية، ولم يكن ms031 لها من الثروة ما لهم، مع ذلك كانت تنافس بني عبد شمس الشرف، وتحاول أن ~~تبلغ مكانتهم، وظل هذا التنافس ممتدا على الأجيال، حتى اضطر بنو عدي في حياة الخطاب بن ~~نفيل والد عمر إلى الجلاء عن منازلهم القائمة عند الصفا والانحياز إلى قبيلة بني سهم ~~والمقام في جوارهم، وقد حفز هذا التنافس أجداد عمر، فكانوا، على قلة عددهم وعلى ضعف مكانتهم ~~من القبائل الكبرى، ذوي دراية وعلم وحكمة. # وقدمهم علمهم وقدمتهم حكمتهم إلى مكان السفارة والحكم في المنافرات، فكانوا المتحدثين عن ~~قريش إلى غيرها من القبائل فيما ينجم من خلاف يتسنى حسمه بالمفاوضة، وكانت حكومتهم ترضى ~~في المنافرات، وكانوا ذوي بلاغة وحسن عبارة، وقد أدت بهم الحكمة إلى أن ظهر بينهم زيد بن ~~عمرو أحد من اعتزلوا عبادة الأوثان وامتنعوا من أكل ذبائحها، ثم كان بينهم عمر بن الخطاب، ~~وحسبك به فخرا لقبيلة ينتمي إليها. # هذه قبيلة عمر، أما أبوه فهو الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط ~~بن رزاح بن عدي بن كعب، وعدي هو أخو مرة الجد الثامن للنبي، فأما أمه فحنتمة بنت هاشم ~~بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. # وقد كان الخطاب شريفا في قومه، لكنه لم يكن ذا مال ولا خدم. كتب عمر إلى عمرو بن العاص ~~وهو على مصر كتابا يسأل فيه عن أصل المال الذي جمعه بها؛ فغضب ابن العاص وكان مما أجاب فيه: ~~... ووالله لو كانت خيانتك حلالا ما خنتك وقد ائتمنتني؛ فإن لنا أحسابا إذا رجعنا ~~إليها أغنتنا عن خيانتك، وذكرت أن عندك من المهاجرين الأولين من هو خير مني، فإذا ~~كان ذلك فوالله ما دققت لك يا أمير المؤمنين بابا ولا فتحت لك ~~قفلا. # وبلغ الغضب من ابن العاص لكتاب عمر أن قال لمحمد بن مسلمة حين ذهب إليه من قبل عمر يحاسبه: ~~... لعن الله زمانا صرت فيه عاملا لعمر! والله لقد رأيت عمر وأباه على كل واحد ~~منهما عباءة قطوانية ms032 # 1 # لا تجاوز مأبض ركبتيه، وعلى عنقه حزمة حطب، والعاص بن وائل في مزررات ~~الديباج. # فقال له محمد: # إيها عنك يا عمرو! فعمر خير منك، وأما أبوك وأبوه فإنهما ~~في النار ... # وكان الخطاب فظا غليظا، مر عمر في خلافته يوما بمكان كثير الشجر يقال له ضجنان، فقال: # لقد رأيتني وإني لأرعى على الخطاب في هذا المكان، وكان والله ما علمت فظا ~~غليظا. # وفي رواية الطبري أن عمر لما مر في خلافته بضجنان قال: # لا إله إلا الله المعطي ما شاء من شاء! كنت أرعى إبل الخطاب في مدرعة صوف، وكان ~~فظا يتعبني إذا عملت، ويضربني إذا قصرت، وقد أمسيت وليس بيني وبين الله أحد ~~... # ثم تمثل بأبيات من الشعر. # 2 # ولم يكن الخطاب يتزوج من النساء لشهوة، بل ليكثر ولده؛ فقد كانت كثرة الولد بعض ما تفاخر ~~به العرب، وأنت تذكر أن عبد المطلب جد النبي عليه السلام أحس قلة حوله في قومه لقلة أولاده، ~~فنذر إن ولد له عشرة بنين ثم بلغوا معه أن يمنعوه لينحرن أحدهم لله عند الكعبة، وقد ذكرنا ~~أن بني عدي كانوا يحسون قلة حولهم لقلة عددهم، ولذلك أجلاهم بنو عبد شمس عن منازلهم عند ~~الصفا، فلا عجب أن يلتمس الخطاب كثرة الولد يمتنع بها ما استطاع. # وكان الخطاب رجلا ذكيا، موفور الاحترام في قومه، شجاعا يخوض المعارك على رأس بني عدي ~~في جرأة وثبات جنان، اشتركت بنو عدي في حرب الفجار، فكان على رأسها زيد بن عمرو بن نفيل ~~والخطاب بن نفيل عمه وأخوه لأمه؛ ذلك أن نفيلا كان على جيداء فولدت له الخطاب وعبدنهم، ~~ثم مات نفيل فتزوج ابنه عمرو زوجته جيداء، وكان من أم غيرها، وقد كان هذا نكاحا ينكحه أهل ~~الجاهلية، وولدت جيداء لعمرو زيد بن عمرو، فكان للخطاب أخا وابن أخ، # 3 # وتقارب الرجلين في السن هو الذي جعلهما على رأس قومهما في حرب الفجار. # ولما اعتزل زيد بن عمرو عبادة الأوثان وامتنع من أكل ما يذبح لها، جعل يقول ms033 لقومه: «أيرسل ~~الله قطر السماء، وينبت بقل الأرض، ويخلق السائمة فترعى منه وتذبحوها لغير الله! والله ما ~~أعلم على ظهر الأرض أحدا على دين إبراهيم غيري!» ثم قال الشعر يدعو إلى نبذ ~~عبادتها، # 4 # عند ذلك خاصمه الخطاب واشتد في خصومته وألب عليه جماعة من قريش أخرجوه من مكة ~~ومنعوه أن يدخلها، وكان الخطاب أشدهم في ذلك وأقساهم عليه. # وقد تزوج الخطاب، فيمن تزوج، حنتمة بنت هاشم بن المغيرة من بني مخزوم، وهي لخالد بن ~~الوليد ابنة عم لحا؛ فالمغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم جدهما معا، وكان المغيرة ~~المخزومي سيدا من سادات قريش وبطلا من أبطالها، وكانت له إمارة الجند التي كانت لسيد بني ~~مخزوم، وكان لذلك يلقب صاحب الأعنة، وكان لمكانته من قريش أول من نصح إلى عبد المطلب جد ~~النبي ألا يذبح ابنه عبد الله وفاء لنذره؛ فقد قال له: «والله لا تذبحه أبدا حتى تعذر فيه، ~~فإن كان فداؤه بأموالنا فديناه.» وكانت حنتمة لمكانتها هذه مرعية الجانب من زوجها، ~~مفضلة عنده على غيرها من ضرائرها، فلما ولدت عمر فرح أبوه لمولده، وقرب للأصنام مبالغة في ~~إظهار سروره، ونال فقراء بني عدي الكثيرون يومئذ من الطعام ما قل عهدهم به. # متى ولد عمر؟ ذلك أمر لا سبيل إلى القطع به، فالثابت أنه مات في أحد الأيام الثلاثة ~~الأخيرة من شهر ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين من الهجرة، لكن الخلاف قائم على سنه يوم مات: قيل: ~~كان ابن خمس وخمسين، وقيل: كان ابن سبع وخمسين، وقيل: كان ابن ستين، وقيل: كان ابن ثلاث ~~وستين، وقيل غير ذلك، وأكبر الظن أنه مات حول الستين، فإذا صح ذلك كان قد هاجر وهو دون ~~الأربعين، وليست صحة هذا الظن مما نستطيع الجزم به. # ونشأ عمر في طفولته وصباه نشأة أمثاله من أبناء قريش، ثم امتاز عليهم بأنه كان ممن تعلموا ~~القراءة، وهؤلاء كانوا قليلين جدا، فلم يكن في قريش كلها حين بعث النبي غير سبعة عشر ~~رجلا يقرءون ويكتبون، ms034 ونحن نقول اليوم إنه امتاز على أقرانه بذلك، أما العرب لذلك العهد ~~فلم يكونوا يعدون القراءة والكتابة مزية، بل كانوا يرغبون عن تعلمها وعن تعليمها ~~أبناءهم. # ولما شب عمر جعل يرعى لأبيه إبله بضجنان وغير ضجنان من ضواحي مكة، وقد ذكرنا حديثه عن ~~أبيه وقسوته عليه حين رعيه إبله، وروى صاحب العقد الفريد أن عمر قال يوما للنابغة الجعدي: ~~أسمعني بعض ما عفا الله لك عنه من غنائك، فأسمعه كلمة له، قال: «وإنك لقائلها؟» قال «نعم!» ~~قال: «لطالما غنيت بها خلف جمال الخطاب.» وكان رعي الإبل بعض ما يعهد به إلى أبناء قريش على ~~اختلاف منازلهم من الشرف. # ولما تدرج عمر من الصبا إلى الشباب بدا في مظهر من القوة بذ به أقرانه، فاقهم طولا ~~وجسامة، حتى لقد رأى عوف بن مالك الناس جمعوا في صعيد واحد، فإذا رجل قد علاهم جميعا على ~~نحو يقف النظر، فسأل عنه، فقيل: هذا عمر بن الخطاب، # 5 # وكان أبيض اللون تعلوه حمرة، أعسر أيسر، في رجليه روح يسرع به في ~~مشيته. # وقد حذق من أول شبابه ألوانا من رياضة البدن؛ حذق المصارعة وركوب الخيل والفروسية، لما ~~أسلم لقي رجلا راعيا فقال له: أشعرت أن ذلك الأعسر الأيسر أسلم؟ فقال الراعي: الذي كان ~~يصارع في سوق عكاظ؟ فلما أجاب الرجل أنه هو، صاح الراعي: أما والله ليوسعنهم خيرا أو ~~ليوسعنهم شرا، وكان ركوب الخيل من أحب ألوان الرياضة إليه طول حياته، أقبل يوما في ~~خلافته على فرس يركضه حتى كاد يوطئه الناس، وعجب الناس حين رأوه فقال: وما أنكرتم! وجدت ~~نشاطا فأخذت فرسا فركضته، وكان له في الحرب مواقف ورثها عن أخواله بني مخزوم، وذلك قول ~~أبي بكر في مرض وفاته: «وددت أني كنت إذ وجهت خالد بن الوليد إلى الشام وجهت عمر بن الخطاب ~~إلى العراق، فكنت قد بسطت يدي كلتيهما في سبيل الله.» # وكما حذق الفروسية والمصارعة وغيرهما من ضروب الرياضة وألوانها، تذوق الشعر ورواه، كان ~~يسمع الشعراء في عكاظ وفي غير ms035 عكاظ، ويحفظ عنهم ويروي ما يروقه من شعرهم، وكان له من بعد ~~أحاديث طويلة مع الحطيئة وحسان بن ثابت والزبرقان وغيرهم، ثم إنه برز في معرفة أنساب ~~العرب إذ تعلمها عن أبيه، فصار من أنسب العرب للعرب، وكان جيد البيان حسن الكلام، لهذا كله ~~كان يذهب في سفارات قريش إلى غيرها من القبائل، وكانت حكومته ترضى في المنافرة كحكومة ~~أبيه من قبله. # وكان عمر، كغيره من شبان مكة ورجالها، محبا للشراب متوفرا عليه، بل لعله كان أشد من ~~أمثاله ولعا به، كذلك كان له صدر شبابه غرام بالغانيات، جعل الذين يترجمون له يجمعون على ~~أنه كان صاحب خمر وصاحب نساء، وإنما كان يجري في هذا على مألوف قومه؛ فقد كان لأهل مكة ~~بالنبيذ غرام أي غرام، وكانوا يجدون في النشوة به نعيما أي نعيم، وكانوا يتخذون من جواريهم ~~وما ملكت أيمانهم متاعا للهوهم وشهوتهم، ويجدون في غير الجواري سلوة وجدهم وغرامهم، ~~وشعرهم في الجاهلية يتحدث عن ذلك ويفتن فيه، ومن بعد الإسلام كان شعر عمر بن أبي ربيعة ~~وأمثاله فتنة لغانيات مكة ممن ورثن عن أمهاتهن وخالاتهن نزوعا إلى الهوى أثمه الإسلام ولم ~~يكن مأثما قبله. # فلما تم لعمر شبابه هوت إلى الزواج نفسه، وقد ورث عن قومه ميلا لكثرة الزوجات طلبا ~~للولد، فتزوج في حياته تسع نسوة ولدن له اثني عشر ولدا: ثمانية بنين وأربع بنات، تزوج زينب ~~بنت مظعون فولدت له عبد الرحمن وحفصة، وأم كلثوم بنت علي بن أبي طالب فولدت له زيدا الأكبر ~~ورقية، وأم كلثوم بنت جرول بن مالك فولدت له زيدا الأصغر وعبيد الله، وقد فرق الإسلام بين ~~عمر وأم كلثوم بنت جرول، وتزوج جميلة بنت ثابت بن أبي الأفلح فولدت له عاصما، وكانت جميلة ~~هذه تدعى عاصية، فغير النبي اسمها، وقال لها: بل أنت جميلة، وتزوج أم حكيم بنت الحارث بن ~~هشام بن المغيرة فولدت له فاطمة، وتزوج عاتكة بنت زيد بن عمرو فولدت له عياضا، أما ~~لهية فأم ولد، وولدها عبد الرحمن ms036 الأوسط، وفكيهة أم ولد كذلك وقد أنجبت زيدا أصغر ~~ولده، كما أن عبد الرحمن الأصغر أمه أم ولد اختلف المؤرخون في اسمها. # وقد تزوج عمر أربعا من أولئك النسوة بمكة، وخمسا بعد هجرته إلى المدينة، على أن جمعهن ~~لم يكتمل قط في بيته، فقد رأيت الإسلام فرق بينه وبين أم كلثوم بنت جرول، وقد طلق نسوة ~~غيرها: طلق أم حكيم بنت الحارث بن هشام، وطلق جميلة التي ولدت عاصما، ولو أن السن امتدت به ~~لتزوج غير أولئك النسوة التسع، فقد خطب أم كلثوم بنت أبي بكر وهي صغيرة، وهو على إمارة ~~المؤمنين، وأرسل فيها إلى أختها عائشة، فسألت أم المؤمنين أختها في ذلك فرغبت عنه، وقالت: ~~إنه خشن العيش شديد على النساء، وخطب كذلك أم أبان بنت عتبة بن ربيعة، فكرهته وقالت: يغلق ~~بابه ويمنع خيره، ويدخل عابسا ويخرج عابسا. # وما ذكرته أم كلثوم بنت أبي بكر عن شدته وغلظته، وما ذكرته أم أبان عن عبوسه وقسوة عيشه، ~~كان بعض طبعه في شبابه، ثم لزمه في سائر حياته، لما استخلف كان أول دعائه قوله: «اللهم إني ~~غليظ فليني! اللهم إني ضعيف فقوني! اللهم إني بخيل فسخني!» ولقد ورث الغلظة عن أبيه وقسوته ~~عليه في صباه، ثم أعانته قوة بدنه من بعد على بقائها، أما ما ذكر عن بخله فسببه أنه لم يكن ~~غنيا، وأن أباه لم يكن غنيا، وقد ظل متوسط الحال في الغنى طيلة حياته، مع أنه كان يعمل ~~في التجارة كالكثيرين من أبناء مكة، ولعل غلظته هي التي حالت بينه وبين الإفادة من التجارة ~~ما أفاد غيره، فهو لهذه الغلظة لم يكن يستطيع بالتجارة أن ينبع الماء من الحجارة، ولا أن ~~يحيل التراب ذهبا، على تعبير قومه من قريش، هذا مع أنه لم يكن يقف من تجارته عند رحلتي ~~الشتاء والصيف إلى اليمن وإلى الشام، بل كان يذهب إليهما وإلى غيرهما من بلاد فارس والروم، ~~لكنه كان في رحلاته هذه أكثر اشتغالا بتثقيف ذهنه منه بإنماء تجارته، وقد ms037 أشار المسعودي في ~~مروج الذهب إلى رحلات عمر في جاهليته وأنه لقي في أثنائها كثيرا من أمراء العرب وتحدث ~~إليهم، وأغلب الظن أن ما كان يقوم به من السفارة عن قريش، وما بلغه من المعرفة بالأنساب ~~وأيام العرب، وما اطلع عليه في أثناء قراءاته في كتب عصره، قد جعله أكثر حرصا على الكسب ~~لزيادة علمه منه على الكسب لنماء ماله. # وهذه حال تجعل صاحبها أكثر اعتدادا بذاته واعتزازا بنفسه، فصاحب المال في حاجة إلى ~~إدامة صلاته الحسنة بالناس، محافظة على ماله وطمعا في تكثيره، والعامل في التجارة نجاحه ~~فيها بحسن حيله وافتنانه في أساليبها، أما طالب الحكمة والراغب في المعرفة، فيستهين بالمال ~~ويذل الدنيا؛ لأن الحرص على المال يصرفه عن الحكمة ويزيده تعلقا بالدنيا وإذعانا لذوي ~~السلطان فيها، ومن أذل الدنيا واستهان بالمال وطلب الحكمة والمعرفة اعتز بنفسه أيما اعتزاز؛ ~~وقد يبلغ من ذلك أن يعتزل الناس ازورارا عنهم، ورغبة عما بأيديهم، وتساميا عليهم، وهذه ~~مرتبة لم يبلغها عمر في شبابه، فأما الاعتزاز بالنفس والاعتداد بالذات فكان له منهما أوفر ~~نصيب. # والتماس عمر أسباب المعرفة قد جعله منذ شبابه يفكر في شئون قومه وما يصلحهم؛ ثم جعله ~~اعتزازه بنفسه يتعصب لرأيه فيما ينتهي إليه من ذلك، فلا يقبل فيه جدلا، وقد مالت به شدته ~~ومال به بأسه إلى أن يبلغ بتعصبه حد العنف، وأن يناضل عن رأيه بيد البطش، كما يناضل عنه ~~بحدة اللسان، لكن ذلك لم يمنعه من أن يقلب آراء غيره فيما بينه وبين نفسه، ليكون أبلغ حجة ~~في دفعها وأقوى يدا في القضاء عليها. # ولم تكن الآراء في مكة ولا في غيرها من بلاد العرب لتختلف في شئون الاقتصاد وشئون ~~الاجتماع وما إليهما؛ فقد ألف الناس في هذه الشئون ألوانا من الرأي، ورثوها عن آبائهم، ~~وأخذوا بها في حياتهم، واطمأنوا إليها فيما بينهم من صلات؛ وإنما وقع الخلاف على دينهم ~~وعباداتهم، ذلك أن النصارى واليهود المقيمين بينهم كانوا ينكرون عبادة الأصنام، ويرونها ~~باطلا يجب أن يتنزه العاقل ms038 عنه، وقد كان الذين رآهم العرب ببلاد الروم في أثناء رحلة الصيف ~~من أمثال هؤلاء اليهود والنصارى أرقى من العرب حضارة، وكانوا ينسبون رقيهم إلى أديانهم، ثم ~~إن المبشرين بالمسيحية في ذلك العصر كانوا ذوي نشاط في الدعوة إلى دينهم والتبشير به مثل ~~نشاطهم اليوم؛ لذلك صبأ من العرب أفراد ذوي حكمة أنكروا الأصنام وعبادتها. # ترى أصبأ عمر ، وهو القارئ الكاتب، مع الصابئين؟ # كلا! بل كان حربا على هؤلاء أهول الحرب، وكان يرى في خروجهم على دين قومهم تقويضا لركن ~~الجماعة العربية، ويرى لذلك محاربتهم والقضاء عليهم حتى لا يستفحل أمرهم، ولعله لم يكن ~~متعصبا في هذا الرأي للأصنام وعبادتها تعصبه لقومه، حرصا على نظامهم وعلى ما يكفله النظام ~~من إمساك كيانهم وشد أزرهم إزاء غيرهم من الأمم. # والواقع أن العالم اضطرب منذ أقدم العصور بين أمرين جوهريين لحياته، وهو لا يزال حتى ~~اليوم مضطربا بينهما، ينصر أحدهما حينا وينصر الآخر حينا، هذان الأمران هما الحرية ~~والنظام: حرية الفرد، ونظام الجماعة، فالجماعة لا حياة لها إلا بالنظام، والفرد لا حياة له ~~إلا بالحرية، فإذا تعارضت حرية الفرد ونظام الجماعة فأيهما نؤيد؟ النظام لا ريب، فحرية ~~الفرد لا كفيل لها إلا نظام الجماعة، وإذا أهدر نظام الجماعة أهدرت حرية الفرد معه، لكن! ~~أليست لحرية الفرد حدود تجعلها لا تتعارض ونظام الجماعة! أوليس لنظام الجماعة حدود كذلك ~~تجعله لا يتعارض وحرية الفرد! هذه الحدود هي التي كانت ولا تزال موضع الخلاف، فلحرية الفرد ~~حدود في الحياة الاقتصادية، وفي الحياة الاجتماعية، وفي الحياة السياسية، وفي غير هذه من ~~مظاهر الحياة، ولنظام الجماعة كذلك حدود في مظاهر الحياة ومرافقها جميعا، ولطالما قامت ~~الثورات وشبت الحروب بسبب الخلاف على هذه الحدود للحرية وللنظام في الأمة الواحدة وفي ~~علاقات الأمم بعضها ببعض، بل إن الحرب كثيرا ما شبت لأغراض السيادة والاستعلاء، ثم لم يلبث ~~الدعاة لها أن استظلوا بلواء الحرية حينا، وبلواء النظام العالمي الكفيل للحرية العامة ~~حينا آخر. # وقد تواضع الناس في كثير من الأزمان ms039 على أن حرية الرأي والعقيدة لا يمكن أن تتعارض مع ~~نظام الجماعة، ما دامت محصورة في حدود العقيدة والرأي والتعبير عنهما، لكن ذلك لم يكن أمرا ~~مقررا في عهد عمر، وكثيرا ما شبت الحرب بين فارس والروم تعصبا لدين على دين، بل لقد شبت ~~الحروب الصليبية بعد ذلك بين أوروبا المسيحية والمسلمين، وظلت أزمانا طويلة متصلة الضرام ~~بسبب العقيدة، ذلك لأن الدين اعتبر من أسس الحياة الاجتماعية، وقد أدى ذلك إلى اعتبار الذين ~~يدينون بغير دين الدولة في حكم الأجانب عنها، إذا تسامحت معهم؛ لأنهم ورثوا عقائدهم عن ~~آبائهم فإنها لن تجعل لهم من الحقوق ما لبني دينها، لا عجب إذن أن يكون عمر في جاهليته ~~عدوا لمن يعبدون غير الأصنام، ولا عجب أن يكون حربا على من صبأ من بني قومه على عبادة ما ~~كان يعبد آباؤه وأجداده. # ولم يغن عن هؤلاء الصابئين عنده أنهم كانوا ذوي حكمة ورجحان عقل؛ بل لعل حكمتهم ورجحان ~~عقلهم جعلاهم أكبر جريرة في نظره، فالناس لا يتبعون الجهال منهم ولا يتابعون عامتهم، وإنما ~~يتبعون من بني عشيرتهم من عرفوا حسن بصره بالأمور، ودقة منطقه في تحري الحق، فإذا جاز ~~لقس بن ساعدة الإيادي أن يعيب أوثان العرب فهو نصراني له من دينه ما يعذره، أما زيد بن ~~عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل، وعثمان بن الحويرث، وعبد الله بن جحش وأمثالهم من أهل مكة ~~الذين انصرفوا عن عبادة الأصنام، وقال بعضهم الشعر في التوحيد، فلا عذر لهم ولا مفر من ~~خصومتهم وحربهم، فلو أنهم تركوا وشأنهم لأضلوا جمهور الناس وفرقوا كلمتهم، ولأوشكوا أن ~~يثيروا في الأرض الفساد، وهذه الحدة من عمر وأمثاله قد حفظت على قريش وحدتها، وعلى مكة ~~مكانتها، وجعلت الحكماء يقصرون حكمتهم على أنفسهم، فلا يثيرون غيرهم لاتباعهم، وتغيير ما ~~ورث الناس من عقائد آبائهم وأجدادهم. # وقد كان عمر من أشد قريش على الصابئين فيها وأكثرهم جرأة عليهم، وأقسامهم معاملة لهم، ~~وكان له من غلظته ومن سرعته إلى الغضب ما يدفعه ms040 إلى المبالغة في شدته، وهو لم يكن قد جاوز ~~الخامسة والعشرين، فكان شبابه يذهب به في التعصب لرأيه إلى أبعد مدى، وقد اقترنت حدته في ~~التعصب لرأيه بغلظته وقسوته، فكان يحارب الخارجين على عبادة الأصنام أشد الحرب، ثم كان أشد ~~حربا للذين يعيبونها. # في هذا الحين أذن الله فبعث محمدا إلى قومه يدعوهم للهدى ودين الحق، فلما بدأت دعوة ~~التوحيد تنتشر، أخذ المتعصبون للأصنام من أهل مكة يعذبون المستضعفين ممن أسلموا ليردوهم إلى ~~عبادة الأصنام، وكان عمر بن الخطاب من أشد أهل مكة خصومة للدعوة الجديدة ومحاربة لها، ~~وسعيا لفتنة الذين اتبعوها. # ذكر ابن هشام أن أبا بكر مر به يوما وهو يضرب جارية ويعذبها لتترك الإسلام، ولقد ظل ~~يضربها حتى مل لكثرة ما ضربها، عند ذلك تركها وقال: إني أعتذر إليك! إني لم أتركك إلا ~~ملالة، وأجابته الجارية: كذلك فعل الله بك، وابتاع أبو بكر الجارية فأعتقها. # لم يكن عمر يحارب محمدا ودعوته تعصبا وجهلا؛ فقد رأيته من أحكم أهل مكة وأكثرهم علما، ~~وهو قد سمع من أقوال محمد ما أعجبه، فلم يزد ذلك خصومته للدعوة الحديثة إلا لجاجة وقوة، ولم ~~يزده إلا إمعانا في إيذاء من يستطيع إيذاءهم من المسلمين، حتى كانوا يلقون منه البلاء أذى ~~لهم وشدة عليهم، ذلك بأنه رأى في متابعة هذا الرجل تقويضا لنظام مكة وإثارة للفساد فيها، ~~ومكة ونظامها وطمأنينة أهلها أحب إليه من محمد ومن دعوته التي فرقت كلمة قريش وهونت مكانة ~~البلد الحرام، والصبر على هذه الدعوة يزيد كلمة قريش فرقة ومكانة مكة تهوينا، ولئن وقفت ~~قريش من محمد عند مناوأة الذين اتبعوه ومحاولة رد الضعفاء منهم عن دينهم، ليذهبن ذلك بريح ~~مكة، وليجلعن قريشا مضغة في أفواه العرب جميعا. # وأي ذنب جنى هؤلاء الضعفاء حتى يعذبوا! إنما الذنب ذنب محمد وسحر بيانه وقوة منطقه، ~~فهذا البيان الساحر هو الذي خلب عقول الضعفاء وعقول غيرهم ممن صبئوا عن دين آبائهم ~~وأجدادهم، فلو أن محمدا مات؛ لانقضت الفتنة وانجلت الغمة، وأظل السلام ms041 البلد الحرام وما ~~قتل فرد لنجاة قبيلة، بل لنجاة قبائل مكة جميعها، فتعود كلمتها إلى الاجتماع، ونظامها إلى ~~الاستقرار! # لكن محمدا يقول كلاما حسنا، وهو لم يزد على ترديد هذا الكلام ودعوة الناس بالحسنى ~~لاتباعه، وهو بعد رجل لم تجرب عليه قريش كذبا قط، أفيقتل لغير شيء إلا أن يقول ربي ~~الله، ويقول ذلك لأنه يعتقده ويؤمن به ! # وكيف السبيل إلى قتله أو التخلص منه وهو من بني هاشم، وبنو هاشم يمنعونه! وبين الذين ~~آمنوا به واستجابوا لدعوته وقاموا معه جماعة ذوو مكانة ينتمون إلى قبائل عزيزة تمنعهم كما ~~يمنع بنو هاشم محمدا، فأبو بكر وطلحة بن عبد الله من بني تيم بن مرة؛ وعبد الرحمن بن عوف ~~وسعد بن أبي وقاص من بني زهرة، وعثمان بن عفان من بني عبد شمس؛ وأبو عبيدة بن ~~الجراح من بني فهر بن مالك، والزبير بن العوام من بني أسد، ولهؤلاء جميعا من المكانة ~~في قبائلهم ما يقتضيها الذود عنهم إذا اعتدى معتد عليهم، فلو أن عمر حاربهم وحارب محمدا ~~معهم وألب قريشا عليهم لأثار بمكة حربا أهلية أشد خطرا على مكانتها من محمد ~~ودعوته. # كانت نفس عمر تضطرب بهذه الخواطر كلما خلا إليها، فإذا خرج إلى قومه ورأى تفرق كلمتهم ~~راجعه حرصه على أن تعود إلى مكة سكينتها بالقضاء على مصدر هذه الفرقة، وظل هذا الخاطر يتردد ~~في نفسه، حتى أمر محمد من اتبعه بالهجرة إلى الحبشة فرارا إلى الله بدينهم، فلما رآهم عمر ~~يفارقون أهلهم ووطنهم رق لهم، وحز الألم في قلبه لفراقهم، وعظم عليه الأمر، فثارت نفسه وطال ~~تفكيره في التخلص من محمد ودعوته، إنه إن يفعل يرح قريشا ويرض آلهة الكعبة وآلهة ~~العرب جميعا، فإن أصابه بفعلته مكروه احتمله في سبيل قريش وفي سبيل مكة، وقريش أهله، ومكة ~~وطنه، والمكروه في سبيل الأهل والوطن سائغ مستحب. # ذلك ما استقر عليه عزمه، لكنه نسي أن لله في الخلق حكمة، وأن حكمته جل شأنه قضت أن يغلب ~~عقل عمر ثورة غضبه، ms042 فيؤمن بمحمد ليكون الفاروق الذي يتحدث الناس باسمه في إجلال وإكبار إلى ~~آخر الدهر. # | هوامش # الفصل الثاني # | إسلام عمر # المشهور أن عمر بن الخطاب أسلم بعد خمسة وأربعين رجلا وإحدى وعشرين امرأة، وتزيد روايات ~~في هذا العدد وتنقص أخرى منه، وقد لاحظ ابن كثير في «البداية والنهاية» أن عمر أسلم بعد ~~هجرة المسلمين إلى الحبشة، وأن عدد الذين هاجروا إليها قارب التسعين بين رجال ونساء، وأن ~~عمر ذهب بعد هجرتهم يريد محمدا وأصحابه والمسلمين بدار الأرقم عند الصفا فكانوا أربعين ~~رجالا ونساء، أنت إذن في حل من القول بأن الذين سبقوا عمر إلى الإسلام يقرب عددهم من ~~ثلاثين ومائة، وإن تعذر عليك أن تصل من ضبط العدد إلى أكثر من هذا التقريب المخالف ~~للمشهور. # أما الروايات في سبب إسلامه فتختلف، وأشهرها أن عمر ضاق ذرعا بما فرقت دعوة محمد من كلمة ~~قريش، وما حملته وأمثاله على إيذاء من أسلموا ليفتنوهم عن دينهم، ويردوهم إلى دين قومهم، ~~فلما أشار محمد على أصحابه أن يتفرقوا في الأرض فرارا إلى الله بدينهم، ونصح لهم أن يذهبوا ~~إلى أرض الحبشة، ورآهم عمر يترحلون، رق لهم وشعر بالوحشة لفراقهم. روي عن أم عبد الله بنت ~~أبي حثمة أنها قالت: «والله إنا لنترحل إلى أرض الحبش إذ أقبل عمر بن الخطاب حتى وقف ~~علي وهو على شركه، وكنا نلقى منه البلاء أذى لنا وشدة علينا، وقف وقال: إنه للانطلاق ~~يا أم عبد الله؟ قلت: نعم والله! لنخرجن في أرض الله، آذيتمونا وقهرتمونا، حتى يجعل الله ~~مخرجا، فقال: صحبكم الله، ورأيت له رقة لم أكن أراها، ثم انصرف وقد أحزنه، فيما أرى، ~~خروجنا.» وعاد زوجها، فذكرت له هذا الحديث الذي دار بينها وبين عمر وأنها طمعت في إسلامه، ~~فقال لها: لا يسلم هذا حتى يسلم حمار الخطاب. # وتجري الرواية بأن عمر حزن لترحل بني قومه عن وطنهم، بعد أن عذبوا وأوذوا، وجعل يفكر في ~~الوسيلة التي تنقذهم مما هم فيه، فرأى أن هذا الأمر لا ينجح فيه ms043 إلا علاج حاسم، هنالك عزم ~~أن يقتل محمدا؛ فليس إلى اجتماع كلمة قريش مع بقائه بينها سبيل، فغدا يوما متوشحا سيفه ~~يريد رسول الله ورهطا من أصحابه ذكر له أنهم اجتمعوا بدار الأرقم عند الصفا، وهم قريب ~~من أربعين ما بين رجال ونساء، وفيما هو في طريقه لقيه نعيم بن عبد الله فقال له: أين تريد؟ ~~قال: أريد محمدا، هذا الصابئ الذي فرق أمر قريش، وسفه أخلاقها، وعاب دينها وسب آلهتها، ~~فأقتله، قال نعيم: والله لقد غرتك نفسك من نفسك يا عمر! أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على ~~الأرض وقد قتلت محمدا؟ أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم! قال عمر: وأي أهل بيتي؟ فأجابه ~~صاحبه: ختنك وابن عمك سعيد بن زيد بن عمرو، وأختك فاطمة بنت الخطاب، فقد والله أسلما وتابعا ~~محمدا على دينه، فعليك بهما. # فرجع عمر عامدا إلى أخته وختنه، وكان عندهما خباب بن الأرت ومعه صحيفة يقرئهما ~~فيها سورة «طه»: فلما سمعوا حس عمر اختفى خباب في مخدع لهم وأخفت فاطمة الصحيفة، ودنا عمر ~~من البيت، وسمع قراءة خباب فقال حين دخل: ما هذه الهينمة التي سمعت؟ قالت فاطمة: ما سمعت ~~شيئا، قال: بلى والله، لقد أخبرت أنكما تابعتما محمدا على دينه، وبطش بسعيد بن زيد، ~~فقامت فاطمة لتكفه عن زوجها فضربها فشجها، فلما فعل ذلك قالا له: نعم، قد أسلمنا وآمنا ~~بالله ورسوله، فاصنع ما بدا لك! فلما رأى عمر ما بأخته من الدم ندم على ما صنع، فارعوى وقال ~~لأخته: أعطيني هذه الصحيفة التي سمعتكم تقرءون آنفا، أنظر ما هذا الذي جاء به محمد، ~~وأجابته أخته: إنا نخشاك عليها: قال: لا تخافي، وحلف لها بآلهته ليردنها إليها متى أتم ~~قراءتها، وأعطته فاطمة الصحيفة، فلما قرأ منها صدرا قال: ما أحسن هذا الكلام وأكرمه! فلما ~~سمع خباب عبارته خرج من مخبئه وقال له: يا عمر والله إني لأرجو أن يكون الله قد خصك بدعوة ~~نبيه، فإني سمعته أمس وهو يقول: اللهم أيد الإسلام بأبي ms044 الحكم بن هشام أو بعمر بن الخطاب، ~~فالله الله يا عمر! عند ذلك قال عمر له: فدلني يا خباب على محمد حتى آتيه فأسلم، فقال له ~~خباب: هو في بيت عند الصفا في نفر من أصحابه، فأخذ عمر سيفه فتوشحه، وسار حتى ضرب الباب على ~~رسول الله وأصحابه، وسمع القوم صوته ونظر أحدهم من خلل الباب فرآه متوشحا السيف، فرجع ~~فزعا يقول: يا رسول الله، هذا عمر بن الخطاب متوشحا السيف، قال حمزة بن عبد المطلب: ~~فأذن له، فإن كان جاء يريد خيرا بذلناه له، وإن كان يريد شرا قتلناه بسيفه، وقال رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم ~~: ائذن له، فأذن له الرجل، ونهض إليه رسول الله حتى لقيه في الحجرة، فأخذ ~~بمجمع ردائه، ثم جبذه به جبذة شديدة، وقال له: ما جاء بك يا بن الخطاب؟ فوالله ما أرى أن ~~تنتهي حتى ينزل الله بك قارعة! فقال عمر: يا رسول الله جئتك لأومن بالله ورسوله وبما جاء من ~~عند الله؛ فكبر رسول الله تكبيرة عرف منها أصحابه أن عمر قد أسلم. # هذه أشهر الروايات في إسلام عمر، وثم روايات أخرى، من أشهرها ما أسند إلى عمر نفسه أنه ~~كان يقول: «كنت للإسلام مباعدا، وكنت صاحب خمر في الجاهلية، أحبها وأشربها، وكان لنا مجلس ~~يجتمع فيه رجال من قريش، فخرجت ليلة أريد جلسائي أولئك في مجلسهم، فلم أجد فيه منهم أحدا، ~~فقلت: لو أني جئت فلانا الخمار، وكان بمكة يبيع الخمر، لعلي أجد عنده خمرا فأشرب منها، ~~فخرجت إليه فلم أجده، فقلت: لو أني جئت الكعبة فطفت بها سبعا أو سبعين! فجئت المسجد أريد ~~أن أطوف بالكعبة، فإذا رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قائم يصلي، وكان إذا صلى استقبل الشام، وجعل ~~الكعبة بينه وبين الشام وكان مصلاه بين الركنين: الركن الأسود والركن اليماني، فقلت حين ~~رأيته: والله لو أني استمعت لمحمد الليلة حتى أسمع ما يقول! وخشيت إذا أنا دنوت منه ~~روعته! فجئت من قبل الحجر فدخلت تحت ثياب ms045 الكعبة، فجعلت أمشي رويدا، ورسول الله # صلى الله عليه وسلم # قائم يصلي يقرأ القرآن، حتى قمت في قبلته مستقبله، ما بيني وبينه إلا ثياب الكعبة، ~~فلما سمعت القرآن رق له قلبي، فبكيت ودخلني الإسلام، فلم أزل قائما في مكاني حتى قضى رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم # صلاته ثم انصرف يريد بيته فتبعته، حتى إذا اقترب من بيته أدركته، فلما سمع ~~حسي عرفني وظن أني إنما اتبعته لأوذيه، فزجرني ثم قال: ما جاء بك يا بن الخطاب هذه الساعة! ~~قلت: جئت لأومن بالله وبرسوله وبما جاء من عند الله، فحمد الله ثم قال: قد هداك الله يا ~~عمر، ثم مسح صدري ودعا لي بالثبات، وانصرفت عن رسول الله مؤمنا بدينه.» # ولهذه الرواية المنسوبة إلى عمر صورة وردت في مسند الإمام أحمد بن حنبل لعلها تكمل ما ~~تقدم، وهي تجري بأن عمر قال: «خرجت أتعرض رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قبل أن أسلم، فوجدته قد سبقني ~~إلى المسجد فقمت خلفه، فاستفتح سورة الحاقة، فجعلت أعجب من تأليف القرآن، قلت: هذا والله ~~شاعر كما قالت قريش فقرأ: # إنه لقول رسول كريم * وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ~~. ~~قلت: كاهن! فقرأ: # ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون ~~* تنزيل من رب العالمين * ولو ~~تقول علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه ~~باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين * ~~فما منكم من أحد عنه حاجزين ~~، إلى آخر السورة، فوقع الإسلام في ~~قلبي كل موقع.» # هذه هي الرواية التي تلي الأولى في الشهرة، وابن إسحاق يثبت الروايتين ويردفهما بقوله: ~~«والله أعلم أي ذلك كان.» # هاتان الروايتان ومثلهما مما أوردته الكتب عن إسلام عمر تصور اليوم الذي ترك عمر فيه دين ~~آبائه وأجداده، وأشهد رسول الله على إيمانه بالله وبرسوله وبما جاء من عند الله، لكنها ~~جميعا لا تصور التصور النفسي الذي أدى بعمر إلى أن يسلم، أفكان ذلك أمرا مفاجئا؟ أفبلغ ~~من مباعدة عمر للإسلام وعداوته له أنه أبى النظر فيه والتدبر لشيء من أمره، ثم قذف الله ms046 ~~بالإيمان إلى قلبه، وجعل الصحيفة التي كان خباب يقرؤها لأخته، أو القرآن الذي كان رسول الله ~~يتلوه في صلاته، وسيلته جل شأنه لهداية هذا الرجل الذي كان لدينه عدوا؟ أم كان الأمر غير ~~هذا، وأن عمر قد سمع القرآن قبل أن يقرأه في صحيفة خباب، وقبل أن يختفي تحت ثياب الكعبة ~~فيسمعه من رسول الله، وأنه قلب فيه نظره بينه وبين نفسه، ثم كان يعود إلى التفكير في أمره ~~وأمر محمد ومن اتبعه، وأن تفكيره الطويل هداه بإذن الله إلى ما اهتدى إليه؟ # لا تصور لنا روايات المؤرخين عن إسلام عمر ما كان من هذا أو ذاك، مع أن تصويره ليس بالأمر ~~العسير، ومع أن هذا التصوير يحسم أمرا يعتبره الجمهور من المسلمات، ونراه مرجوحا لا يثبت ~~للنقد لحظة. # هذا الأمر هو ما جرت به الرواية المشهورة من أن عمر ذهب يقتل محمدا وهو في أصحابه عند ~~الصفا لولا أن هداه الله حين قرأ الصحيفة التي كان خباب يقرئها ختنه وأخته، فليس ~~بمعقول أن يقصد عمر إلى قتل محمد بالسيف وهو بين أربعين من أصحابه فيهم حمزة بن عبد المطلب ~~وأبو عبيدة بن الجراح وغيرهما من أبطال مكة، ثم يحسب مع ذلك أنه قادر على تنفيذ ~~مقصده، قد يصح أنه عزم التخلص من محمد بالقتل، وأنه فكر في الوسيلة لتنفيذ عزمه، فلما قرأ ~~الصحيفة ورأى ما فيها حسنا رجع عما فكر فيه ثم أسلم، أما أنه أراد القتل على النحو الذي ~~تصوره القصة المشهورة في إسلام عمر فلا يسيغه العقل، وهو لذلك مرجوح عندي، والراجح ما ورد ~~في الرواية الثانية على لسان عمر نفسه وما أيده ابن حنبل في مسنده. # وهذا الراجح يتفق وما عرف عن نفسية عمر وشخصيته، فقد كان من صميم قومه، وكان متعصبا ~~لهم، حريصا على نظامهم وعلى مكانة بلدهم، ثم إنه كان رجل عمل، قيمة الفكرة عنده أثرها ~~الفعال في الحياة، فأما التأمل للتأمل، وأما الهيام بالفكرة لذاتها وإطالة التقليب فيها ~~ابتغاء الحقيقة المطوية في جوانبها، ms047 ولو لم يكن للحقيقة ولا للفكرة مظهر يتأثر الناس في ~~حياتهم به، فذلك ما لم يكن يغريه أو يخرجه عن إلف قومه، كان ذلك رأيه في شئون الحياة ~~جميعا، بل كان رأيه في شئون العاطفة نفسها، فهو لم يكن يطمئن أن يقضي الشاب وقته يتلطف ~~بامرأة أو يتغنى بمفاتنها، يريد بذلك أن يفتنها، بل كان يرى ذلك ضعفا غير جدير برجل كملت ~~رجوليته؛ لذلك لم يعطف يوما على أولئك الغزلين الذين يتخذون من التغني بالحب صناعة لهم، ~~أما مظهر رأيه هذا في أمر العقيدة، فكان في شدة برمه بابن عمه زيد بن عمرو؛ لأنه صبأ عن ~~دين قومه، وذهب يلتمس دين الحق عند غيرهم، هذا كله كان في رأي عمر خيالا لا أثر في الحياة ~~له، ولا يتفق مع ما فطر عليه من حرص على نظام الجماعة، وعلى مكانة مكة بين العرب ~~جميعا. # وقد كان هذا الاتجاه الفكري متفقا مع خلق عمر؛ فقد كان قويا في بدنه، وكان لذلك يؤمن ~~بالقوة في كل مظاهرها، وكان أشد بمظاهر القوة إيمانا أول ما بعث النبي؛ لأنه كان في فتوة ~~شبابه، لما تخفف تجاريب الحياة من حدته واندفاعه، لهذا كان يعذب من يستطيع تعذيبهم ممن ~~يتبعون رسول الله ليفتنهم عن دينهم، ولو استطاع أن يحاربهم جميعا لحاربهم، لكنه كان يعلم ~~أن قبائل قريش تمنع رجالها، وأن من قبيلته بني عدي من لم يكونوا على رأيه؛ لذلك وقف أمره ~~كما وقف أمر غيره من قريش عند تعذيب المستضعفين، دون أن يستطيعوا البطش بأبي بكر وعثمان بن ~~عفان وأبي عبيدة بن الجراح وأمثالهم ممن كانت قبائلهم تمنعهم، وإن لم يصدهم ذلك عن ~~مقاطعتهم وإيذاء من يستطيعون إيصال الأذى إليه منهم. # على أن عمر كان إلى هذا كله رقيق القلب، دقيق الحس بمعنى العدل، ومن آيات رقته ما كان منه ~~حين قامت أخته تكفه عن زوجها فضربها فشجها، فلما رأى ما بها من الدم ندم وارعوى، وهذه رقة ~~كثيرا ما نجدها في الأقوياء والباطشين حين يرون ms048 أنفسهم جاوزوا الحد اعتمادا على قوتهم، ~~وحواره مع أم عبد الله بنت أبي حثمة يوم أزمعت الرحيل مع المهاجرين إلى أرض الحبشة، ~~يشهد بهذه الرقة ويدل عليها أبلغ الدلالة، وقد بلغ من تأثر أم عبد الله بنت أبي حثمة ~~بهذه الرقة أن قالت لزوجها حين رجع إليها: «لو رأيت عمر آنفا ورقته وحزنه علينا، حتى طمعت ~~في إسلامه .» هذه الخصال مجتمعة تفسر لنا إسلام عمر من بعد. # لقد كان حريصا على نظام مكة وعلى مكانتها، مشفقا أن تسيء الدعوة للدين الجديد إليها، ~~فلما رأى النبي وأصحابه يدعون إلى ربهم بالحسنى ولا يثيرون في الأرض فسادا، ثم رآهم إلى ~~ذلك أقوياء في دينهم كل القوة، ورأى عقيدتهم أثمن عندهم من كل ما في الحياة ومن الحياة ~~نفسها، عاد يفكر في أمرهم وفي موقفه منهم، فقد هددوا وأوذوا وعذبوا، فما استكانوا وما ~~ضعفوا، وما كان جوابهم على ما أصابهم إلا أن قالوا ربنا الله، وزاد بهم الأذى والعذاب، ~~فآثروا التضحية بوطنهم على التضحية بعقيدتهم، فركبوا البحر مهاجرين إلى أرض الله فرارا ~~بدينهم، ليس هذا الدين إذن فكرة نظرية لا أثر لها في حياة أصحابها، ولا في حياة الجماعة ~~التي يعيشون فيها، بل هو قوة دافعة جسيمة الأثر في الحياة الفردية والحياة القومية كلتيهما، ~~وقد بدا هذا الأثر في حياة مكة منذ بدأ الإسلام فيها، وسيكون هذا الأثر أعظم على الأيام ~~وأكثر وضوحا، فماذا يئول إليه أمر مكة ومكانتها إذا اتصلت هذه الهجرة، وتسامع العرب أن ~~أبناءها لا يقيمون بها؛ لأنهم يظلمون فيها مع ما بينهم وبين القبائل التي تتألف منها أم ~~القرى من صلة القربى وآصرة المودة، ويظلمون لغير شيء إلا أنهم خالفوا قومهم عن عقيدتهم، وفي ~~بلاد العرب شتى العقائد: فيها المؤمنون بمختلف الأصنام والأوثان، وفيها من أهل الكتاب ~~اليهود والنصارى، وفيها مجوس يتبعون فارس، أليس خيرا لمكة أن يترك هؤلاء المسلمون لا ~~يضارون في عقيدتهم ولا يفتنون عنها، وأن تترك الحرية لمن شاء أن يدخل في دينهم وأن يكون ~~معهم؟! ms049 وهل لرجل كعمر تعلم ما لم يتعلمه غيره، وعرف من حكمة الفرس والروم واليهود والنصارى ~~أكثر مما عرفوا، أن يظل مباعدا للمسلمين، وألا ينظر في دينهم نظر البصير الناقد لا نظر ~~المتعصب الحاقد؟! # لقد سمع وقومه دعوة محمد والقرآن الذي يوحى إليه، وقد عرف نبأ الذين خرجوا يستمعون إلى ~~رسول الله وهو يصلي في أثناء الليل في بيته ، وكيف عادوا ليلة بعد أخرى يستمعون إليه، وعرف ~~ما كان من تلاومهم، ثم عرف أن أبا الحكم بن هشام سئل عما سمع من ذلك فقال: «تنازعنا نحن ~~وبنو عبد مناف الشرف: أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تحاذينا على ~~الركب، وكنا كفرسي رهان قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك مثل هذا! والله لا ~~نؤمن به أبدا ولا نصدقه!» ولهذا ظل أبو الحكم ومن معه يعذبون المسلمين بغيا بغير حق، وظل ~~المسلمون على دينهم لا يفتنهم العذاب، بل يزيدهم له حبا وبه تمسكا، أليست هذه حجة دامغة ~~على أنهم على الحق، وأن أبا جهل إنما أبى أن ينظر في دين محمد، وأن يؤمن به أو يصدقه، لما ~~بين بني عبد شمس وبني عبد مناف من تنافس؟! فما لعمر لا ينظر في هذا الدين، ولا تنافس بين ~~بني عدي وبني عبد مناف؟! لهذا ذهب عمر يستتر بثياب الكعبة ليرى محمدا يصلي، وليسمع ما يتلو ~~في صلاته من قرآن ربه، ولهذا حرص على أن يتلو سورة طه في الصحيفة التي كانت عند أخته، ولقد ~~نظر في هذا كله وأطال فيه الفكر فاهتدى، فأيد الله به دينه، ونصر به رسوله. # كان النبي عليه السلام شديد الحرص على أن يؤيد الإسلام برجل قوي جريء الجنان، لا يخشى أن ~~يناهض خصومه في سبيل عقيدته، ولذلك كان يدعو ربه: «اللهم أيد الإسلام بأبي الحكم بن هشام أو ~~بعمر بن الخطاب!» وكان أبو الحكم رجلا حديد الوجه، حديد اللسان، قوي الشكيمة، لا يبالي ~~الحرب ولا يهابها، وكان عمر بن الخطاب ما رأيت، فإسلام أحدهما جدير ms050 بأن يؤيد المسلمين، وأن ~~يدفع الكثير مما يصيبهم من الأذى، لكن أبا الحكم كان متأثرا بما قدمنا من عامل المنافسة ~~بين عشيرته وعشيرة محمد، فلم يكن إيمانه بالدين الذي جاء به محمدا أمرا ميسورا، أما عمر ~~فقد ظلت الدوافع تؤدي به إلى طريق الحق شيئا فشيئا، وتحطم من حوله قيود التعصب لقومه ~~ولنظام مدينته رويدا رويدا، وتغلب في نفسه عناصر العدل الأصيل فيها على سائر العناصر، حتى ~~انتهى إلى ما قدمنا، فجاء إلى محمد وهو بين أصحابه في دار الأرقم عند الصفا، أو تبعه في ~~الطريق من مصلاه عند الكعبة إلى بيته، فلما سأله رسول الله: ما جاء بك؟ قال في غير تردد: ~~جئت لأومن بالله وبرسوله وبما جاء من عند الله. # وكذلك أسلم عمر عن بينة بعد أن تبين ما لهذا الدين من أثر قوي في نفوس المؤمنين به، يتعدى ~~أفرادهم إلى حياة الجماعة ونظامها؛ لذلك دخل في دين الله بالحمية التي كان يحاربه من قبل ~~بها، وحرص على أن يكون لجماعة المسلمين نظام يدافعون عنه كما تدافع قريش عن نظامها، فما لبث ~~حين أسلم أن عمل على أن يذيع في قريش كلها إسلامه، روي أنه قال: «لما أسلمت تلك الليلة ~~تذكرت أي أهل مكة أشد لرسول الله # صلى الله عليه وسلم # عداوة حتى آتيه فأخبره أني قد أسلمت، فأقبلت حين ~~أصبحت حتى ضربت على أبي جهل بابه، فخرج إلي فقال: مرحبا وأهلا بابن أختي! ما جاء بك؟ ~~قلت: جئت لأخبرك أني قد آمنت بالله وبرسوله محمد وصدقت بما جاء به، فضرب الباب في وجهي ~~وقال: قبحك الله! وقبح ما جئت به!» # وكان عبد الله بن عمر يوم أسلم أبوه غلاما يعقل ما يرى: وقد ذكر من حرص أبيه على إذاعة ~~إسلامه، وتحديه قريشا في ذلك فيما روي عنه أنه قال: «لما أسلم أبي عمر قال: أي قريش أنقل ~~للحديث؟ فقيل له: جميل بن معمر الجمحي، فغدا عليه فقال له: أعلمت يا جميل أني قد أسلمت ~~ودخلت في دين ms051 محمد؟ فوالله ما راجعه حتى قام يجر رداءه واتبعه عمر، حتى إذا وقف على باب ~~المسجد صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش - وهم في أنديتهم حول الكعبة - ألا إن عمر بن الخطاب ~~قد صبأ! فيقول عمر من خلفه: كذب ولكني قد أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ~~ورسوله، عند ذلك ثاروا به، فما برح يقاتلهم ويقاتلونه حتى قامت الشمس على رءوسهم، وأعيا عمر ~~فقعد، وقاموا على رأسه وهو يقول: افعلوا ما بدا لكم، فأقسم بالله أن لو قد كنا ثلاثمائة رجل ~~لقد تركناها لكم، أو تركتموها لنا، فبينما هم على ذلك إذ أقبل شيخ من قريش عليه حلة حبرة ~~وقميص موشى، حتى وقف عليهم فقال: ما شأنكم؟! قالوا: صبأ عمر! قال: فمه! رجل اختار لنفسه ~~أمرا فماذا تريدون؟ أترون بني عدي بن كعب يسلمون لكم صاحبهم هكذا؟ خلوا عن الرجل، فوالله ~~لكأنما كانوا ثوبا كشط عنه ...» # فلما هاجر عمر سأله ابنه عبد الله: يا أبت! من الرجل الذي زجر القوم عنك بمكة يوم أسلمت ~~وهم يقاتلونك؟ فقال عمر: ذاك يا بني العاص بن وائل السهمي. # والعاص بن وائل السهمي هو أبو عمرو بن العاص، وقد بلغ من حمايته عمر حين أسلم أكثر مما ~~رأيت، توعدت قريش عمر بعد أن انفضت عنه، فبات في داره خائفا يترقب، قال عبد الله بن عمر: ~~فبينما هو في الدار خائف إذ جاءه العاص بن وائل السهمي وهو من بني سهم، وهم حلفاؤنا في ~~الجاهلية، فقال له: ما بالك؟ قال عمر: زعم قومك أنهم سيقتلونني أن أسلمت، قال: لا سبيل ~~إليك، وبعد أن قالها أمن عمر، فقد خرج العاص من عنده فلقي الناس قد سال بهم الوادي، فسألهم: ~~أين تريدون؟ قالوا: نريد هذا ابن الخطاب الذي صبأ، قال: قد صبأ عمر فما ذاك! فأنا له جار! ~~فتفرق الناس. # ولم يكن عجبا أن يجير العاص عمر بن الخطاب بعد الذي قدمنا من جوار بني سهم لبني عدي بن ~~كعب في الجاهلية، وذلك ms052 حين نافس بنو عدي بني عبد شمس فغلبوا على أمرهم، وأجلاهم بنو عبد ~~شمس عن منازلهم عند الصفا، واضطروهم إلى جوار بني سهم، وقد زاد هذا الجوار عمر جرأة في ~~إسلامه، وتحديا لقريش، ودفعا لأذاها عن المسلمين، بذلك زادت شخصيته بروزا واعتداده بنفسه ~~ظهورا، فكان له من المواقف ما لم يكن لغيره ممن سبقه إلى الإسلام، وما يسجله له المؤرخون ~~تسجيل ثناء عليه وإعجاب به أي إعجاب. # روي أن عمر راح يسأل النبي: يا رسول الله! ألسنا على الحق إن متنا أو حيينا؟ فقال عليه ~~الصلاة والسلام: «بلى! والذي نفسك بيده إنكم على الحق إن متم أو حييتم.» قال: ففيم ~~الاختفاء؟ والذي بعثك بالحق لتخرجن! فما لبث النبي أن خرج في صفين أحدهما فيه عمر والآخر ~~فيه حمزة، ولهما كديد # 1 # كأنه الطحين، فدخلوا المسجد وقريش تنظر وتعلوها كآبة، فلا يجرؤ سليط منها ولا ~~حكيم أن يقترب من صفين فيهما هذان. # إنه أسلم، فيجب أن يعرف الناس جميعا أنه أسلم: ليغضب منه من شاء أن يغضب، وليحاربه منهم ~~من شاء أن يحاربه، وليتألب عليه من اجتمعوا في أنديتهم حول الكعبة وليناضلوه، وليبلغ ذلك ~~منه حتى يناله الإعياء، فلن يصرفه ذلك عن تحديهم ومصارحتهم بأنه محاربهم، وبأن المسلمين متى ~~بلغوا ثلاثمائة رجل فستكون الحرب حتى يجلي المسلمون المشركين عن مكة، أو يجليهم المشركون ~~عنها، ولن يرده ما يعرفه من حدة أبي جهل وبأسه عن أن يذهب إليه في داره فيضرب عليه بابه ~~ليقول له إنه أسلم، هو قوي مؤمن بالقوة، وهو شاب أشد بالقوة إيمانا، وهو جريء صريح لا يهاب ~~الأقران ولا يخشى أحدا؛ لذلك لم يستخف كما استخفى غيره من المسلمين، بل أقسم ليصلين ~~مع المسلمين عند الكعبة، وذلك بعد أن كانوا يصلون مستخفين في شعب من شعاب الجبل المحيط ~~بمكة. # ولقد برت يمينه، كان عبد الله بن مسعود يقول: «كان إسلام عمر فتحا، كانت هجرته نصرا، ~~وكانت إمارته رحمة، لقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلي بالبيت حتى أسلم عمر، ms053 فلما أسلم قاتلهم ~~حتى تركونا فصلينا.» وكان يقول: «ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر.» وروي عن صهيب بن سنان ~~أنه قال: «لما أسلم عمر أظهر الإسلام ودعا إليه علانية، وجلسنا حول البيت حلقا وطفنا ~~بالبيت، وانتصفنا ممن غلظ علينا، ورددنا عليه بعض ما يأتي به.» # والحق أن عمر لم تطب نفسه إلا أن جاهد قريشا، ليكون له ولإخوانه المسلمين ما لغيرهم من ~~حق في بيت الله والصلاة لله حوله، وهو ما لبث حين جاهدها أن رأى معه حمزة بن عبد المطلب ~~يجاهد جهاده، ويخرج وإياه مع المسلمين إلى موقف إيجابي لم يقفوه من قبل، موقف النضال ليكون ~~لهم من الحقوق ما لغيرهم من قريش، وليكون لهم من حرية الدعوة إلى دينهم، ما لا سبيل لقريش ~~أو لغير قريش أن تقف دونه. # وكان لهذا الموقف الإيجابي أثره في قبائل قريش جميعا، كان فيها كثيرون تهوي قلوبهم إلى ~~الإسلام، ثم يمنعهم الخوف من أذى قريش أن يدينوا به، فلما رأوا عمر أسلم وقاتل قريشا وصلى ~~عند الكعبة وصلى المسلمون جميعا عندها، دخلوا في دين الله وظنوا أنهم أصبحوا بمنجاة من ~~الأذى ومن العذاب، عند ذلك قالت قريش بعضها لبعض: «إن حمزة وعمر قد أسلما، وقد فشا أمر محمد ~~في قبائل قريش كلها.» وجعلوا يفكرون في هذا الموقف الجديد كيف يواجهونه. # وانتشر النبأ بإقبال كثيرين من قريش على الإسلام، ثم انتقل هذا النبأ من الحجاز إلى ~~الحبشة، وعرفه المسلمون الذين هاجروا إليها، فعادوا إلى وطنهم، فلما دنوا من مكة بلغهم أن ~~ما تحدثوا به من إسلام أهلها لا يتفق والواقع، ذلك أن قريشا ما لبثت حين رأت كثيرين من ~~أبنائها يقتفون أثر عمر ويتبعون محمدا، أن تعاهدت قبائلها فيما بينهم فكتبوا صحيفة تعاقدوا ~~فيها على بني هاشم وبني المطلب، على ألا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم، ولا يبيعوهم شيئا ~~ولا يبتاعوا منهم، ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيدا على أنفسهم، ورأى الذين هوت ~~أنفسهم إلى الإسلام ولما يسلموا ما صنعت قريش، فترددوا، فوقفوا ms054 دون اتباع رسول الله، بذلك ~~عادت الحرب العوان بين قريش والمسلمين، وعرف المسلمون الذين عادوا من الحبشة ما كان من ذلك، ~~فلم يدخل أحد منهم البلد الحرام إلا بجوار أو مستخفيا، ورجع منهم إلى الحبشة ~~كثيرون. # عادت الحرب العوان بين قريش والمسلمين، وصار عمر يتعرض لما يتعرض له أصحاب رسول الله، ~~ويصيبه ما يصيبهم، ويتبع الوحي الذي ينزل من عند الله ثم يزداد بقوة إيمانه ودقة نظامه وحسن ~~رأيه قربا من النبي وحظوة عنده، ليكون له من بعد في صحبة رسول الله، وفي عهد أبي بكر، وفي ~~حياة الإسلام ذلك الأثر البالغ الذي جعل اسمه علما على القوة والعدل والرحمة والبر مجتمعة، ~~وجعل عهده من أعظم العهود في تاريخ الإمبراطورية الإسلامية، بل في تاريخ الحضارة ~~الإنسانية. # | هوامش # الفصل الثالث # | في صحبة النبي # دخل عمر في دين الله بالحمية التي كان يحاربه من قبل بها، فما لبث حين أسلم أن حرص على أن ~~يذيع في قريش كلها إسلامه. كان المسلمون لا يستطيعون أن يصلوا بالبيت العتيق، فقاتل عمر ~~قريشا حتى تركوهم فصلوا، وكانت الدعوة إلى الإسلام تجري خفية، حتى إذا أسلم عمر دعي إليه ~~علانية، وجلس المسلمون حول البيت وطافوا به وانتصفوا ممن غلظ عليهم؛ لذلك فشا أمر محمد في ~~قبائل قريش كلها، فأقبل كثيرون من أبنائها على الإسلام، هنالك ائتمرت قريش، فتعاهدت قبائلها ~~فكتبوا بينهم صحيفة علقوها في جوف الكعبة وتعاقدوا فيها على ألا تكون بينهم وبين محمد وبني ~~هاشم وبني المطلب تجارة أو صلة، بذلك ازدادت الحرب شدة بين قريش والمسلمين. # وقد استعانت قريش في هذه الحرب بكل الأسلحة؛ استعانت بسلاح الدعاية فزعمت أن محمدا ساحر ~~البيان يفرق بقوله بين المرء وابنه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجه، وبين المرء ~~وعشيرته، ودست عليه النضر بن الحارث يخلفه في كل مجلس ليقص على قريش نبأ فارس ودينها، ثم ~~يقول: والله ما محمد بأحسن حديثا مني، وما حديثه إلا أساطير الأولين، اكتتبها كما ~~اكتتبتها، وأذاعت أن غلاما نصرانيا اسمه جبر هو ms055 الذي يعلم محمدا أكثر ما يأتي به، وكان ~~محمد يكثر من الجلوس عند المروة إلى مبيعة هذا الغلام. # ثم إن قريشا اشتدت في إيذاء محمد وأصحابه؛ كانت أم جميل زوج أبي لهب تحمل الشوك فتطرحه ~~على طريق رسول الله حيث يمر، وكان أمية بن خلف يهمزه ويلمزه كلما رآه، وكانت فتنة ~~المستضعفين بمختلف أساليب العنف من مألوف ما يجري بمكة كل يوم. # وكان رسول الله والمسلمون الذين أقاموا معه بمكة ولم يهاجروا إلى الحبشة يلقون ما يصيبهم ~~من ذلك كله صابرين على البأساء والضراء، فلما بلغ منهم الأذى وقاطعتهم قريش احتموا في شعب ~~من شعاب الجبل بظاهر مكة، فكانوا فيه يعانون الحرمان، ولا يجدون من الطعام إلا القليل يحمله ~~إليهم من أهل مكة من أخذتهم الشفقة بهم، ولولا ذلك لهلكوا جوعا، وقد ظلوا في هذا الشعب ~~ثلاث سنوات حسوما، لا يخرجون منه إلا في الأشهر الحرم. # وفي هذه الأشهر كان محمد ينزل إلى العرب يبلغهم رسالة ربه، فيرى بعضهم في صبره وصبر ~~أصحابه على الأذى إيمانا بالحق الذي أوحاه الله إليه فيتبعونه. # وضاق هشام بن عمرو وزهير بن أبي أمية ذرعا بالصحيفة الظالمة التي قاطعت قريش بها محمدا ~~فاتفقا مع آخرين فنزعوها من جدار الكعبة وشقوها، ولم تثر قريش لعملهم، فعاد محمد وأصحابه من ~~الشعب، وجعل يذيع دعوته بمكة وفي القبائل التي تفد إليها في الأشهر الحرم. # وكانت قريش تزداد في حرب محمد عنفا كلما ازداد في الدعوة إلى الله إمعانا، ومات عمه أبو ~~طالب، وماتت زوجه خديجة، فشجع ذلك قريشا على زيادة التعرض له وإيذائه، وأراد أن يستنصر ~~ثقيفا بالطائف فردوه بشر جواب، وعرض نفسه في المواسم على القبائل وأتاها في منازلها، فلم ~~يسمع له منها أحد. # ثم كان الإسراء، فانصرف جماعة من المسلمين عن دينهم، وازدادت قريش إيذاء لمن أقاموا على ~~إسلامهم حتى ضاقوا بما يلقون منها ذرعا، على أن دعوة محمد كانت قد اتصلت على السنين، فتركت ~~من الأثر ما جعل كثيرين يفكرون فيها وفي الحق الذي ms056 تنطوي عليه، وكان أهل يثرب أكثر تأثرا ~~بها من سائر العرب؛ لذلك أسلمت طائفة منهم كانوا النواة لبيعة العقبة الأولى، وكان إسلامهم ~~أول ما دعا رسول الله للتفكير في الهجرة إلى يثرب. # فلما استدار العام أقبل من المدينة خمسة وسبعون مسلما، ثلاثة وسبعون رجلا وامرأتان، ~~وهؤلاء هم الذين بايعوا بيعة العقبة الثانية أو الكبرى، بايعهم رسول الله على أن يمنعوه مما ~~يمنعون منه نساءهم وأبناءهم، ومن يومئذ أمر أصحابه بمكة أن يلحقوا الأنصار بيثرب على أن ~~يتركوا مكة متفرقين حتى لا تثور قريش بهم، وكان هذا مبدأ الهجرة إلى المدينة، وبدأ انتقال ~~الإسلام إليها وانتشاره منها إلى سائر الأرجاء من شبه الجزيرة. # هذه الفترة التي انقضت بين إسلام عمر وأمر محمد أصحابه أن يلحقوا الأنصار بيثرب هي لا ريب ~~من أدق الفترات التي مر بها رسول الله ودين الله، أفكان لعمر بن الخطاب فيها مواقف تتفق وما ~~عرف من صراحته وبأسه وقوة شكيمته؟ لم نقف في كتب السيرة وكتب التاريخ على شيء من ذلك فيه ~~غناء، لكن ذلك ليس معناه أن عمر في فتوة شبابه ومضاء بأسه وبالغ قوته، قد وقف من الأحداث ~~التي مرت حينئذ برسول الله وبالمسلمين موقفا سلبيا، فهو من غير شك قد كان من أكثر ~~المسلمين شجاعة في احتمال ما ينزل بهم وصبرا عليه، ومن أشدهم دفعا لما يستطيع دفعه من ~~الأذى عن رسول الله وعن إخوانه المسلمين، لكنه رجل يؤمن بالنظام ويحرص أشد الحرص على ~~اتباعه، كان ذلك شأنه في الجاهلية، فأحر به أن يكون شأنه في الإسلام، وقد كانت سياسة رسول ~~الله في هذه الفترة التي نتحدث عنها تتجنب البأس والشدة في كل مظاهرهما، ولا تتجاوز المغفرة ~~لمن أساء إليه، والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، فإذا ~~الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم، كان ذلك موقفه من قريش بمكة، ومن ثقيف بالطائف، ومن ~~سائر القبائل التي دعاها إلى النور والهدى فاستكبرت وأعرضت عن دعوته. وهذه سياسته لم يكن ~~لبأس ms057 عمر وقوته أن يظهرا معها ظهورهما يوم أسلم وقاتل المشركين حتى صلى وصلى المسلمون معه ~~عند الكعبة. # فلما كانت الهجرة هاجر عمر إلى المدينة كما هاجر غيره من المسلمين، فترك مكة في سر من ~~أهلها، وإن جرت رواية تنسب إلى علي بن أبي طالب بأنه قال: «ما علمت أن أحدا من المهاجرين ~~هاجر إلا مختفيا إلا عمر بن الخطاب ، فإنه لما هم بالهجرة تقلد سيفه وتنكب قوسه، وانتضى في ~~يده أسهما واختصر عنزته # 1 # ومضى قبل الكعبة، والملأ من قريش بفنائها، فطاف بالبيت سبعا متمكنا، ثم أتى ~~المقام فصلى، ثم وقف على الحلق واحدة واحدة يقول لهم: شاهت الوجوه! لا يرغم الله إلا هذه ~~المعاطس! من أراد أن يثكل أمه أو يوتم ولده أو يرمل زوجته فليلقني وراء هذا ~~الوادي.» # فابن هشام وابن سعد والطبري لا يثبتون هذه الرواية، بل يذكر ابن هشام في السيرة وابن سعد ~~في الطبقات أن رسول الله أذن للناس في الهجرة، على أن يتركوا مكة متفرقين حتى لا تثور قريش ~~بهم، فجعل المسلمون يخرجون أرسالا، يركب أهل القوة ويعتقبون، فأما من لم يجدوا ظهرا ~~فيمشون، قال عمر بن الخطاب: «فكنت قد اتعدت أنا وعياش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص بن ~~وائل، وكنا إنما نخرج سرا، فقلنا: أيكم ما تخلف عن الموعد فلينطلق صاحباه، فخرجت أنا ~~وعياش بن أبي ربيعة، واحتبس هشام بن العاص ففتن فيمن فتن، وقدمت أنا وعياش فنزلنا قباء.» ثم ~~تذكر الرواية بعد ذلك أن عياشا عاد إلى مكة استجابة لطلب أمه، وأنه حبس هناك ثم فتن ~~فافتتن. # هل تتناقض هاتان الروايتان؟ أم يستطاع التوفيق بينهما بأن عمر تحدى المشركين على ما جاء ~~في الرواية المنسوبة إلى علي بن أبي طالب، ثم هاجر بعد ذلك فخرج سرا على رواية ابن هشام ~~وابن سعد؟ نرجح أن عمر لم يتحد أحدا، وأنه هاجر من مكة في سر من أهلها، وهو لم يفعل ذلك ~~ضعفا منه أو جبنا، فهو لم يعرف الجبن ولا الضعف حياته، ms058 لكنه كان رجل نظام، فهو يتبع ~~الجماعة ويحمل غيره على اتباعها، وقد كان المسلمون جميعا يخرجون في هجرتهم سرا فلا عجب ~~أن يجاريهم عمر في ذلك حرصا على نظامهم، وحتى لا يشعر الذين يخرجون سرا بأنهم دون عمر في ~~قوة إيمانه بالله ورسوله. # بلغ عمر قباء، فنزل بها في بني عمرو بن عوف على رفاعة بن عبد المنذر، ونزل أهله على ~~رفاعة معه فلما جاء رسول الله مهاجرا وفي صحبته أبو بكر، كان عمر فيمن استقبله وسار في ~~ركبه إلى المدينة، وعمل عمر مع رسول الله والمسلمين في بناء المسجد وبناء بيت رسول الله، ~~حتى انتقل عليه الصلاة والسلام إليه من بيت أبي أيوب الأنصاري. # كانت الهجرة إلى المدينة بدء عهد جديد وسياسة جديدة في حياة الإسلام والمسلمين، اجتمع ~~الذين هاجروا من مكة إلى الذين أسلموا بالمدينة، فكانوا قوة رفعت صوت المسلمين وأعلت ~~كلمتهم، وأراد رسول الله أن يزيد هذا الصوت رفعة، وهذه الكلمة قوة، بأن يزيد ما بين ~~المهاجرين والأنصار من رابطة، فيضاعف في نفوسهم الشعور بوحدتهم وعزتهم؛ لذلك دعاهم ليتآخوا ~~في الله أخوين أخوين، فكان هو وعلي بن أبي طالب أخوين، وكان عمه حمزة مولاه زيد بن حارثة ~~أخوين، وكان أبو بكر وخارجة بن زيد أخوين، وتآخى كذلك كل واحد من المهاجرين مع واحد من ~~الأنصار إخاء جعل له الرسول حكم إخاء الدم والنسب، وفي هذا الإخاء كان عمر بن الخطاب وعتبان ~~بن مالك، أخو بني سالم بن عوف بن عمرو بن عوف الخزرجي، أخوين. # 2 # عززت هذه المؤاخاة مكانة المسلمين بالمدينة فخشي أهل يثرب من المشركين ومن اليهود بأسهم، ~~لذلك لم يتردد اليهود فوادعوا رسول الله، وعقدوا معه عهدا يقرر حرية العقيدة وحرية الرأي ~~وحرمة المدينة وحرمة الحياة وحرمة المال وتحريم الجريمة، وأضعف هذا العهد الذين أقاموا على ~~شركهم من أوس المدينة وخزرجها، كما قوى المسلمين وزادهم بأسا وعزة. # هذه المكانة التي بلغها المسلمون في حياة المدينة العامة قد فتحت لعمر بن الخطاب ميادين ~~لم تكن مفتوحة ms059 أمامه بمكة، إنه رجل نظام، ورجل رأي يناضل عنه في سبيل النظام، وقد كان ~~المسلمون بمكة قلة عصمها إيمانها بالله ورسوله فلم تفتن ولم تضعف، متخذة من المقاومة ~~السلبية سلاحها لدفع من يحاول فتنتها عن دين الله، والمقاومة السلبية لا تتفق وطبيعة عمر ~~الثائرة القوية المتحفزة لتحدي من يتعرض لصاحبها؛ لذلك لم يكن بمكة متسع لنشاطه يبدو فيه ~~وتظهر آثاره، أما وقد أصبح للمسلمين في حياة المدينة ونظامها هذا الأثر، فقد آن لعمر أن ~~تظهر شخصيته وأن يكون له في الحياة العامة أثره. # بل لقد بدت في عمر صفات لم تعرف له بمكة: بدا أنه رجل محدث، يلهم الرأي وكأنما حدث ~~بما ظن. لما اطمأن رسول الله بالمدينة كان الناس يجتمعون للصلاة حين مواقيتها بغير دعوة، ~~وأراد رسول الله أن يجعل للمسلمين بوقا كبوق اليهود يدعون به لصلاتهم؛ لكنه كره البوق، ~~فأمر بناقوس يدق ساعات الصلاة كما يدق الناقوس للنصارى، فنحت الناقوس وكلف عمر أن يشتري ~~الغداة له خشبتين، وبينما عمر نائم في داره إذ رأى في المنام: «لا تجعلوا الناقوس، بل أذنوا ~~للصلاة.» فذهب إلى رسول الله يخبره بما رأى فإذا الوحي سبقه به. # ويروى أن عبد الله بن زيد سبقه إلى رسول الله فقال له: يا رسول الله، إنه طاف بي هذه ~~الليلة طائف؛ مر بي رجل عليه ثوبان أخضران يحمل ناقوسا في يده، فقلت له: يا عبد الله أتبيع ~~هذا الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ قلت: ندعو به إلى الصلاة، قال: أفلا أدلك على خير من ذلك؟ ~~وألقى إليه صيغة الأذان، فأمر رسول الله بلالا فأذن بها، فسمعها عمر وهو في بيته، فخرج إلى ~~رسول الله يجر رداءه ويقول: يا نبي الله! والذي بعثك بالحق، لقد رأيت مثل الذي رأى! # من يومئذ بدأ الأذان للصلاة يعطر جو المدينة كل يوم خمس مرات فكان الحجة القائمة على أن ~~كلمة المسلمين أصبحت العليا، والأذان للصلاة دعوة للنظام الذي يزيد الآخذين به أيدا وقوة، ~~أما وقد حدث به عمر قبل ms060 أن ينزل به الوحي، فذلك الدليل على أن دين الحق قد أخذ على هذا ~~الرجل القوي مسالك نفسه، فصار لا يفكر في شيء تفكيره في النظام الذي يزيد هذا الدين عزا ~~وانتشارا. # على أن اليهود والمشركين الذين أقاموا على دينهم برموا بسلطان المسلمين وقوتهم، فبدءوا ~~يأتمرون بهم ويعملون على مناوأتهم، وقد كان للمسلمين في مقاومة مؤامراتهم أساليب لا تخلو من ~~شدة وعنف؟ وكان عمر بن الخطاب يشارك في هذه المقاومة كغيره من المسلمين. # وأراد رسول الله أن يرهب اليهود والمنافقين، وأن يقنع قريشا بأن الخير لها أن تصالحه على ~~حرية الدعوة لدين الله، فبعث السرايا، وأمر عليها حمزة بن عبد المطلب وعبيدة بن الحارث وسعد ~~بن أبي وقاص وعبد الله بن جحش، كما خرج بنفسه على رأس بعضها، ولم تذكر كتب السيرة ولا ~~كتب التاريخ شيئا عن اشتراك عمر في هذه السرايا الأولى، ولعل رسول الله قد آثر أن يبقى عمر ~~بالمدينة لما كان من حسن سياسته مع صراحته في الحق، يشهد بذلك ما حدث حين قدم وفد من نصارى ~~نجران إلى المدينة يجادلون رسول الله، فرد جدالهم وجدال اليهود بقوله تعالى: # قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا ~~وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا ~~يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا ~~اشهدوا بأنا مسلمون # ثم دعا الوفد إلى قبول ما نزل عليه من ذلك أو ~~يلاعنهم، ورأى هؤلاء النصارى أن يعودوا إلى قومهم ولا يلاعنوه، ثم رأوا شدة حرصه على العدل، ~~فرغبوا إليه في أن يبعث معهم رجلا يحكم بينهم في أمور اختلفوا عليها، فقال لهم رسول الله: ~~ائتوني العشية أبعث معكم القوي الأمين، روى ابن هشام أن عمر بن الخطاب كان يقول: ما أحببت ~~الإمارة قط حبي إياها يومئذ رجاء أن أكون صاحبها، فرحت إلى الظهر مهجرا، فلما صلى بنا ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # الظهر سلم، ثم نظر عن يمينه وعن يساره، فجعلت أتطاول له ليراني، فلم ms061 يزل ~~يلتمس ببصره حتى رأى أبا عبيدة بن الجراح فدعاه فقال: اخرج معهم فاقض بينهم بالحق ~~فيما اختلفوا فيه فذهب بها أبو عبيدة. # وإنما طمع عمر في أن يوليه رسول الله الحكم لما كان يتولاه هو وآباؤه في الجاهلية من ~~السفارة والحكم في المنافرات بين القبائل، فاختيار النبي أبا عبيدة مع ما كان لعمر في ~~نفسه من مكانة، يشهد بأن رسول الله حرص على بقاء ابن الخطاب بالمدينة كيما يستعين بصراحته ~~وجرأته وحسن رأيه هذا، على أنه قد يكون خشي شدة عمر وغلظته، فاختار أبا عبيدة؛ لأنه جمع بين ~~الأمانة ولين الجانب ورضا النفس. # لم تقنع قريش بما أراد رسول الله من موادعتها على حرية الدعوة لدين الله، بل ظلت على ~~عداوتها له ولأصحابه، فلما خرج يلقاها ببدر في ثلاثمائة من المسلمين، وعرف أن الذين جاءوا ~~من مكة يزيدون على الألف، استشار أصحابه: أيقاتلهم أم يعود أدراجه إلى المدينة، وكان عمر ~~كما كان أبو بكر ممن أشاروا بالقتال، فلما بدأت المعركة ثم حمي الوطيس، كان مهجع مولى ~~عمر بن الخطاب أول قتيل من المسلمين، وفي أثناء المعركة قتل عمر خاله العاص بن هشام، يروى ~~أن عمر التقى يومئذ هو وسعيد بن العاص فقال له: «إني أراك كأن في نفسك شيئا، أراك تظن أني ~~قتلت أباك، إني لو قتلته لم أعتذر إليك من قتله، ولكني قتلت خالي العاص بن هشام بن المغيرة، ~~فأما أبوك فإني مررت به وهو يبحث بحث الثور بروقه # 3 # فحدت عنه، وقصد له ابن عمه علي فقتله.» # هذه الكلمة التي قالها عمر هي أول ما يروى عنه في هذه الغزوة التي وجهت تاريخ الإسلام ~~وتاريخ العالم كله وجهة جديدة، وهي تصور الأثر الذي تركه الإسلام في نفس عمر أدق تصوير، ففي ~~سبيل هذا الدين يجب أن يستهين الإنسان بكل شيء، ويجب ألا يتردد حين القتال إذا واجهه أخ أو ~~قريب، إنه يقدم حياته لله وفي سبيل الله، فليس له أن يتردد لأي اعتبار دون ما ينصر دين ms062 ~~الله. # وأسر المسلمون سبعين من قريش أكثرهم من ساداتها وذوي المكانة فيها، فكان عمر بن الخطاب ~~أشد المسلمين على هؤلاء الأسرى وأحرصهم على أن يقتلوا، وقد طمع الأسرى في الحياة وأن ~~يفتدوا، فبعثوا إلى أبي بكر أن يكلم رسول الله ليمن عليهم أو يفاديهم، ووعدهم أبو بكر ~~خيرا، وخافوا أن يفسد عمر عليهم أمرهم، فأرسلوا إليه فجاءهم فقالوا له مثل قولهم لأبي بكر، ~~فنظر إليهم شزرا، وتحدث أبو بكر إلى رسول الله ليمن على هؤلاء الأسرى أو يفاديهم فيأخذ ~~منهم ما يأخذ قوة للمسلمين، أما عمر فكان الشدة كل الشدة والبأس غاية البأس، قال: «يا رسول ~~الله! هم أعداء الله، كذبوك وقاتلوك وأخرجوك، اضرب رقابهم، هم رءوس الكفر وأئمة الضلالة، ~~يوطئ الله بها الإسلام ويذل بهم أهل الشرك.» # واستشار رسول الله المسلمين في هذا الأمر فانتهوا إلى قبول الفداء، وأفدى النبي الأسرى ~~وأطلق سراحهم، لكن الوحي ما لبث بعد ذلك أن نزل بقوله تعالى: # ما كان ~~لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض ~~الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم ~~. # وكذلك كان عمر محدثا فيما أبدى من رأي عن أسرى بدر، كما كان محدثا في أمر النداء ~~بالأذان للصلاة، وبذلك زاد في نظر النبي وفي نظر المسلمين قدر رأيه وزادت عند النبي وعند ~~المسلمين رفعة مكانته. # وقدم مكرز بن حفص في فداء سهيل بن عمرو، وكان سهيل خطيبا بالغ الحجة، فلما رأى عمر ~~مكرزا يفتديه، أسرع إلى رسول الله يقول: دعني أنزع ثنيتي سهيل بن عمرو فيدلع لسانه، ~~فلا يقوم عليك خطيبا في موطن أبدا، وأجابه رسول الله: «لا أمثل به فيمثل الله بي وإن كنت ~~نبيا.» وعبارة عمر صريحة الدلالة في إصراره على رأيه وألا يترك القادرون من هؤلاء الأسرى ~~يعودون لمناوأة المسلمين، وهو قد أصر على هذا الرأي مع ما كان من إقرار جماعة المسلمين قبول ~~الفداء. # نزل الوحي مؤيدا رأي عمر في أمر الأسرى، فزاد ذلك عمر قربا من النبي ومكانة عنده، وأصبح ms063 ~~وزيره كما كان أبو بكر وزيره، وكانت حفصة بنت عمر زوجا لخنيس بن حذافة أحد السابقين ~~إلى الإسلام، وقد فارقها خنيس قبل بدر بأشهر، فتزوجها رسول الله كما تزوج عائشة بنت أبي بكر ~~من قبل، وربطت المصاهرة بينه وبين عمر، وأتاحت لابن الخطاب أن يتردد عليه، كما كان أبو بكر ~~يتردد عليه. # استدار العام وخفت قريش تأخذ لثأرها من بدر، وأشار الناس على رسول الله بالخروج لملاقاتهم ~~بظاهر المدينة عند أحد، ودخل رسول الله بيته، ودخل معه أبو بكر وعمر، فعمماه وألبساه ~~درعه، وتقلد سيفه وسار في أصحابه يواجه عدوه، وانتصر المسلمون أول النهار، ثم دارت الدائرة ~~عليهم حين خالف الرماة أمر رسول الله فنزلوا من مراكزهم فوق الجبل يشاركون الناس في ~~الغنيمة؛ فقد دار خالد بن الوليد بفرسان قريش وراء المسلمين، ثم صاح صيحة ردت قريشا ~~لمهاجمة محمد وأصحابه وهم في شغل بجمع أسلاب الموقعة، واضطرب المسلمون لهجوم قريش وتداعت ~~صفوفهم، ثم زادهم تداعيا أن صاح مشرك: إن محمدا قد قتل؛ فقد خيل إلى المسلمين حين سمعوا ~~هذه الصيحة أنهم لم يعد لهم ولا للدين الذين آمنوا به بقاء، وما بقاء هذا الدين ثم ما ~~بقاؤهم وقد وعد الله رسوله النصر، وهذا رسول الله يقتل بيد المشركين، وهؤلاء أصحابه يهزمون ~~ويفتك المشركون بهم! بل لقد ألقى رجال من كبار المهاجرين والأنصار بأيديهم وتولاهم اليأس، ~~فانتحوا ناحية من الجبل جلسوا فيها، وانتهى أنس بن النضر إلى مجلسهم ذاك، فألفى عمر بن ~~الخطاب وطلحة بن عبيد الله وطائفة من المسلمين معهم وهم في اضطرابهم ويأسهم لا يدرون ما ~~يصنعون، عند ذلك هتف بهم: «ما يجلسكم؟» قالوا: «قتل رسول الله.» قال: «فماذا تصنعون ~~بالحياة بعده! قوموا فموتوا على ما مات عليه.» ثم استقبل المشركين، فقاتلهم قتالا شديدا، ~~وأبلى في قتالهم أحسن البلاء، ولم يقتل حتى ضرب سبعين ضربة أزالت معالمه، فلم يعرف جثمانه ~~بعد موته إلا أخته، عرفته ببنانه. # على أن المسلمين ما لبثوا، حين عرفوا أن رسول الله لم يمت، أن ms064 عادوا إلى إيمانهم بأن الله ~~ناصر رسوله، فأسرع إليه أبو بكر وعمر وعلي بن أبي طالب والزبير بن العوام ورهط غيرهم ~~يمنعونه، وعرف خالد بن الوليد مكانهم، فعلا الجبل على رأس فرسان معه يريد أن يقضي على محمد ~~ومن حوله، لكن عمر بن الخطاب ورهطا من المسلمين واجهوا خالدا وفرسانه، وقاتلوهم مستميتين ~~دفاعا عن الرسول فردوهم على أعقابهم، ولم يصل خالد إلى بغيته. # قدمت أن ما حدث به عمر عن الأذان للصلاة يشهد بأن دين الحق كان قد أخذ على هذا الرجل ~~القوي مسالك نفسه، فجعله لا يفكر في شيء تفكيره فيه وفي النظام الذي يزيده عزا وانتشارا، ~~وموقف عمر من أسرى بدر ونزول الوحي فيهم مؤيدا رأيه، ووقفته في وجه خالد بن الوليد قبل أن ~~يفاجئ النبي ومن معه، هذان الموقفان يدلان أبلغ دلالة على استئثار دين الله بنفس عمر ~~استئثارا جعله يتعصب له ويشتد في نصرته، ولا عجب في ذلك؛ فقد كان عمر منذ نشأته مؤمن القلب ~~بما يعتقده، وإذا آمن القلب وهب المؤمن نفسه هبة خالصة لما يؤمن به، لقد رأينا مواقف عمر في ~~جاهليته؛ رأينا تعصبه لقريش على غيرها من القبائل، وتعصبه لدين قريش على دعوة محمد تعصبا ~~جعله يشارك في تعذيب المسلمين الأولين؛ فلما هدى الله قلبه إلى الإيمان به، ووقف في جانب ~~دين الله ينصره بالحمية التي كان يقاتله من قبل بها، والآن قد عز المسلمون بدينهم ونبيهم، ~~فلا شيء يعدل عند عمر أن ينصر هذا الدين وأن يضحي له بكل شيء، وأن يضحي في سبيله بحياته، ~~وما أصابه وأصاب المسلمين من يأس حين تحدثت قريش بوفاة النبي، كان بعض هذا التعصب للدين ~~تعصبا جعل الحزن يخرج بعمر عن سداده، فلما عرف أن رسول الله حي أقبل يلقي بحياته في سبيل ~~ما آمن به قلبه، فنصره الله على القائد العبقري الذي اعتزت به قريش والذي كسب لها ~~أحدا. # على أن إيمان عمر وتعصبه لهذا الإيمان لم ينهنها من اعتزازه بنفسه واعتداده برأيه أمام ~~رسول ms065 الله نفسه، وقد كان عمر في هذا الاعتزاز بالرأي من أقوى المسلمين شكيمة وأبلغهم حجة، ~~صحيح أن المسلمين جميعا كانوا لا يعرفون الجمود، وكان صاحب الرأي منهم يشير على رسول الله ~~ويجادل لينصر رأيه أو يقتنع بنقيضه، شأنه في ذلك شأن المؤمنين في عهود الثورة، إذ يريدون أن ~~يبلغوا بها إلى أسمى ما تنطوي عليه مبادئها، لكن عمر كان أصرحهم وأكثرهم جرأة ، لم يمنعه حبه ~~رسول الله وعظيم إيمانه برسالته أن يدلي أمامه برأيه وأن يصر عليه، وأنت قد رأيته في موقفه ~~من أسرى بدر كيف طلب أن ينزع ثنيتي سهيل بن عمرو بعد ما قبل المسلمون فداء هؤلاء الأسرى، ~~وسنرى له مثل هذه المواقف من بعد في صحبة رسول الله وفي خلافة أبي بكر، ثم نرى من اجتهاده ~~في حياة الرسول ما أقر القرآن بعضه، كما نرى الكثير من الأحكام والمبادئ التي اجتهد فيها ~~برأيه بعد وفاة الرسول باقيا يأخذ المسلمون به إلى اليوم. # لما سار رسول الله لقتال بني المصطلق وفرغ منهم، ازدحم رجلان من المسلمين على الماء ~~واختلفا فاقتتلا، وكان أحد الرجلين من المهاجرين والآخر من الأنصار؛ فصرخ المهاجر: يا معشر ~~المهاجرين! وصرخ صاحبه: يا معشر الأنصار! عند ذلك قال عبد الله بن أبي بن سلول رأس ~~المنافقين بالمدينة لمن حوله: «لقد كاثرنا المهاجرون في ديارنا والله ما أمرنا وإياهم إلا ~~كما قال الأول: سمن كلبك يأكلك، أما والله إن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها ~~الأذل.» وبلغت هذه المقالة رسول الله وعنده عمر بن الخطاب فهاج هائج عمر فقال: يا رسول ~~الله! مر به عباد بن بشر فليقتله، وأجابه رسول الله فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدا ~~يقتل أصحابه! وأمر أن يؤذن بالرحيل في ساعة لم يكن المسلمون يرتحلون فيها. # وذهب ابن أبي إلى رسول الله ينكر ما قال، فنزل الوحي بتكذيبه، عند ذلك ذهب عبد الله بن ~~عبد الله بن أبي، وكان مسلما حسن الإسلام، فقال: «يا رسول الله! إنه قد بلغني أنك ms066 تريد قتل ~~عبد الله بن أبي، فإن كنت فاعلا فمرني به فأنا أحمل إليك رأسه، فوالله لقد علمت الخزرج ما ~~كان بها من رجل أبر بوالده مني، وإني لأخشى أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أنظر ~~إلى قاتل أبي يمشي في الناس فأقتله، فأقتل رجلا مؤمنا بكافر فأدخل النار.» وأجابه رسول ~~الله: «إنا لا نقتله بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا.» وأقام ابن أبي بعد ذلك ينظر ~~إليه أهل المدينة شزرا ولا يقيمون له وزنا، وتذاكر النبي يوما شئون المسلمين مع عمر، ~~وتناول الحديث ذكر ابن أبي وتعنيف قومه إياه، فقال رسول الله: «كيف ترى يا عمر؟ أما والله ~~لو قتلته يوم قلت لي أقتله لأرعدت له آنف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته.» قال عمر: «قد ~~والله علمت لأمر رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أعظم بركة من أمري.» # ولما مات عبد الله بن أبي هم النبي بالصلاة عليه، فقام عمر يذكر كيد الرجل للإسلام ~~ونكايته به، ويذكر قوله تعالى: # استغفر لهم أو لا ~~تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله ~~لهم ~~، وابتسم النبي لحماسته في الطعن على رجل مات وقال: «لو أعلم أني إن زدت ~~على السبعين غفر له زدت.» وصلى عليه ومشى معه حتى فرغ من دفنه، وقد نزل بعد ذلك قوله ~~تعالى: # ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا ~~تقم على قبره ~~. # وأذن رسول الله في الناس بالحج لست سنوات من هجرته إلى المدينة، فلما قرب من مكة خرجت ~~فرسان قريش تلقاه لتصده عن دخولها؛ فقد أقسمت لا يدخلها محمد عليهم عنوة، وكان رسول ~~الله إنما جاء حاجا ولم يجئ غازيا؛ لذلك نزل الحديبية في أصحابه وعزم أن يفاوض قريشا ~~لتفسح لهم طريق الطواف بالبيت وأداء فريضة الحج، ودعا إليه عمر بن الخطاب ليدخل مكة فيتحدث ~~إلى قريش فيما جاء له، قال عمر: «يا رسول الله إني أخاف قريشا على نفسي، وليس بمكة من بني ~~عدي بن كعب أحد ms067 يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظتي عليها، ولكني أدلك على رجل أعز ~~بها مني: عثمان بن عفان.» ودخل عثمان مكة، وطال حديثه مع قريش واحتباسه عن المسلمين حتى ~~ظنوا أنه قتل، وبايع رسول الله أصحابه بيعة الرضوان لقتال قريش أن قتلوا عثمان، على أن ~~عثمان عاد يذكر أن قريشا تأبى على المسلمين أن يدخلوا مكة هذا العام حفظا لهيبتها بين ~~العرب ، لكنها لا تأبى المفاوضة للخروج من موقف الخصومة بعد أن أيقنت أن محمدا جاء حاجا ~~ولم يجئ غازيا، واتصل الحديث بين الفريقين ابتغاء التعاهد والصلح، ولقد ضاق عمر صدرا بما ~~كان النبي يقبله في هذه المحادثات، حتى لقد وثب فأتى أبا بكر فقال: يا أبا بكر! أليس برسول ~~الله؟ قال أبو بكر: بلى! قال عمر: أولسنا بالمسلمين؟ قال أبو بكر: بلى! قال عمر: أوليسوا ~~بالمشركين؟ قال أبو بكر: بلى! قال عمر: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ قال أبو بكر: يا عمر ~~الزم غرزه، # 4 # فإني أشهد أنه رسول الله، قال عمر: وأنا أشهد أنه رسول الله. # لم يقنع عمر بهذا الحديث بينه وبين أبي بكر، فذهب إلى رسول الله، والغضب لا يزال آخذا ~~منه، فقال: يا رسول الله! ألست برسول الله؟ قال: بلى! قال: أولسنا بالمسلمين؟ قال: بلى، ~~قال: أوليسوا بالمشركين؟ قال: بلى! قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟! قال رسول الله: أنا ~~عبد الله ورسوله، لن أخالف أمره ولن يضيعني، وسكت عمر لهذا الجواب، وكان يقول من بعد: ما ~~زلت أتصدق وأصوم وأصلي وأعتق من الذي صنعت يومئذ، مخافة كلامي الذي تكلمت به حين رجوت أن ~~يكون خيرا. # أرأيت إلى هذا الاعتزاز بالنفس والاعتداد بالرأي! وما لعمر لا يعتز برأيه، وقد أيده الوحي ~~في موقفه من أسرى بدر! ولقد ظل على رأيه حين أشار بقتل عبد الله بن أبي حتى أيقن أن أمر ~~رسول الله أعظم بركة من أمره، كما ظل على رأيه في عهد الحديبية حتى نزل الوحي يؤيد رسول ~~الله ويذكر أن هذا العهد فتح ms068 مبين، وكذلك كان يجادل رسول الله في الرأي مجادلة رجل لرجل حتى ~~يتبين له الحق، إما بنزول الوحي، أو بتأييد الواقع رأيه، أو نقض الواقع له. # رأيت أن عمر لم يتجه بتفكيره إلى النظريات المجردة يقلبها ويمتحنها ليرتب عليها آثارها ~~المنطقية، وإنما كان اتجاهه في الإسلام، كما كان قبله، إلى ما له أثر عملي في واقع الحياة ~~الحاضرة أمامه، وهذا الأثر العملي هو الذي استثار رأيه في أسرى بدر، وفي أمر ابن أبي، وفي ~~عهد الحديبية، كما أنه هو الذي استثار رأيه من بعد فيما لم ينزل به الوحي من شئون المسلمين ~~العامة، ومن شئون رسول الله الخاصة. # كان لأهل مكة غرام بالنبيذ، وكان عمر صاحب خمر في الجاهلية، وقد ظل المسلمون يشربون الخمر ~~طيلة مقامهم بمكة وعدة سنوات بعد الهجرة إلى المدينة، ورأى عمر ما يهيجه الشراب من سورة ~~الغضب في النفوس، وما يدعو إليه من تنابز الشاربين ولمز بعضهم بعضا، وكثيرا ما انتهز ~~اليهود والمنافقون أوقات الشراب ليثيروا بين الأوس والخزرج منازعاتهم القديمة، عند ذلك سأل ~~عمر رسول الله عن الخمر، ولم يكن قد نزل فيها قرآن وقال: اللهم بين لنا فيها، فنزلت ~~الآية: # يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما ~~إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من ~~نفعهما ~~، ولما لم يكن في هذه الآية نهي عن الخمر فقد ظل بعض المسلمين يقضون ~~ليلهم متوفرين على شرابهم، فإذا ذهبوا إلى الصلاة لم يعلموا ما يقولون فيها، وعاد عمر فقال: ~~اللهم بين لنا في الخمر، فإنها تذهب العقل والمال! فنزلت الآية: # يا ~~أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى ~~تعلموا ما تقولون ~~، ومن يومئذ كان منادي الرسول للصلاة يقول: لا يقربن ~~الصلاة سكران، وأقل المسلمون من الشراب وإن لم ينتهوا عنه، فبقي من أثره في بعضهم ما يسوء، ~~شج أحد الأنصار مهاجرا بعظمة من عظام الجزور التي كانوا يأكلونها حين شرابهم لخلاف قام ~~بينهما، وثمل حيان فتشاجرا فشج بعضهم بعضا فاضطغنا، ورأى عمر ذلك فعاد يقول: اللهم بين ms069 لنا ~~في الخمر بيانا شافيا فإنها تذهب العقل والمال، فنزل قوله تعالى: # يا ~~أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب ~~والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم ~~تفلحون * إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم ~~العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر ~~الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون ~~، ولم يرق أناسا من ~~المسلمين هذا النهي فقالوا: أتكون الخمر رجسا وهي في بطن فلان وفلان قتل يوم أحد، وفي بطن ~~فلان وفلان قتل يوم بدر؟ فنزل قوله تعالى: # ليس على الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا ~~وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا ~~وأحسنوا والله يحب المحسنين ~~. # هذا موقف عمر في شأن من شئون المسلمين العامة قبل أن ينزل الوحي بحكم فيه، ولم تكن شئون ~~رسول الله الخاصة في رأي عمر كشئون غيره من الناس، بل كانت كشئون المسلمين العامة سواء، ~~لذلك لم يكن يأبى أن يتعرض لها وأن يحدث النبي فيها، روى البخاري عن عائشة أنها قالت: «كان ~~عمر يقول لرسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: احجب نساءك فلم يفعل، وكان أزواج النبي يخرجن ليلا قبل ~~المناصع، # 5 # خرجت سودة بنت زمعة، وكانت امرأة طويلة، فرآها عمر بن الخطاب وهو في المجلس ~~فقال: عرفتك يا سودة، حرصا على أنه ينزل الحجاب، فأنزل الله عز وجل آية الحجاب.» وروي عن ~~عمر أنه قال: «قلت: يا رسول الله! سيدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين ~~بالحجاب، فنزلت آية الحجاب.» وآية الحجاب قوله تعالى: # يا نساء ~~النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن ~~بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا * وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج ~~الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن ~~الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل ~~البيت ويطهركم تطهيرا # وقوله جل شأنه: # يا ~~أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين ~~يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا ~~يؤذين وكان الله غفورا رحيما ~~. # كان لعمر مع ms070 النبي في شئونه الخاصة موقف آخر، لعله لم يكن يقفه لولا أن ابنته حفصة كانت ~~من أمهات المؤمنين، ذلك أن أزواج النبي أوفدن إليه يوما زينب بنت جحش وهو عند عائشة تصارحه ~~بأنه لا يعدل بينهن، وأنه لحبه عائشة يظلمهن، فلما ولدت مارية إبراهيم وشغف رسول الله ~~بالطفل حبا، ظاهرت عليه حفصة وعائشة وتابعهما سائر أزواجه، حتى رأى أن يهجرهن وأن يهدد ~~بفراقهن، ورد في الصحيح عن ابن عباس أنه سأل عمر: من اللتان تظاهرتا على النبي من أزواجه؟ ~~وأجابه عمر: تلك حفصة وعائشة، ثم قال: «والله إن كنا في الجاهلية ما نعد للنساء أمرا، حتى ~~أنزل الله تعالى فيهن ما أنزل، وقسم لهن ما قسم، فبينما أنا في أمر أأتمره إذ قالت لي ~~امرأتي: لو صنعت كذا وكذا! فقلت لها: وما لك أنت ولما ها هنا وما تكلفك في أمر أريده؟ فقالت ~~لي: عجبا لك يا بن الخطاب! ما تريد أن تراجع أنت، وإن ابنتك لتراجع رسول الله # صلى الله عليه وسلم # حتى يظل يومه غضبان، قال عمر: فآخذ ردائي ثم أخرج مكاني حتى أدخل على حفصة، فقلت لها: يا ~~بنية! إنك لتراجعين رسول الله # صلى الله عليه وسلم # حتى يظل يومه غضبان؟ فقالت حفصة: والله إنا لنراجعه، ~~فقلت: تعلمين أني أحذرك عقوبة الله وغضب رسوله، يا بنية لا تغرنك هذه التي قد أعجبها حسنها ~~وحب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # إياها، ثم خرجت حتى أدخل على أم سلمة لقرابتي منها فكلمتها، فقالت ~~لي أم سلمة: عجبا لك يا بن الخطاب! قد دخلت في كل شيء حتى تبتغي أن تدخل بين رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وأزواجه، قال عمر: فأخذتني أخذا كسرتني به عن بعض ما كنت أجد، فخرجت من عندها، ~~وكان لي صاحب من الأنصار إذا غبت أتاني بالخبر، وإذا غاب كنت أنا آتيه بالخبر، وكنا نتخوف ~~ملكا من ملوك غسان ذكر لنا أنه يريد أن يسير إلينا، فقد امتلأت صدورنا منه، فإذا صاحبي ~~الأنصاري يدق ms071 الباب، وقال: افتح افتح، فقلت: جاء الغساني؟ فقال: بل أشد من ذلك، اعتزل رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم # أزواجه، فقلت: رغم أنف حفصة وعائشة! فأخذت ثوبي فأخرج حتى جئت، فإذا رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم # في مشربة يرقى إليها بعجلة، # 6 # وغلام لرسول الله # صلى الله عليه وسلم # أسود على رأس الدرجة، فقلت له: قل هذا عمر بن ~~الخطاب، فأذن لي، قال عمر : فقصصت على رسول الله # صلى الله عليه وسلم # هذا الحديث، فلما بلغت حديث أم ~~سلمة تبسم.» # وفي رواية أن النبي اعتزل نساءه شهرا كاملا، فلما أوفى الشهر على التمام أقام المسلمون ~~بالمسجد ينكتون الحصى ويقولون: طلق رسول الله # صلى الله عليه وسلم # نساءه، عند ذلك ذهب عمر إلى رسول ~~الله في مشربته، فنادى غلامه رباحا كي يستأذن له، ولم يجب رباح، فكرر عمر النداء، فلما لم ~~يجب رباح للمرة الثانية، رفع عمر صوته قائلا: يا رباح استأذن لي عندك على رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فإني أظنه ظن أني جئت من أجل حفصة، والله لئن أمرني بضرب عنقها لأضربن عنقها، وأذن ~~له النبي # صلى الله عليه وسلم # فدخل، وبعد هنية قال: يا رسول الله، ما يشق عليك من أمر النساء؟ إن كنت ~~طلقتهن فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك، ثم انعكف يحدث ~~النبي حتى تحسر الغضب عن وجهه وحتى ضحك. # ويروى أن عمر دخل على نساء النبي حين اعتزلهن النبي وقال لهن: إن انتهيتن أو ليبدلن الله ~~رسوله خيرا منكن، وأجابته إحداهن قائلة: يا عمر! أما في رسول الله # صلى الله عليه وسلم # ما يعظ نساءه ~~حتى تعظهن أنت! وفي هذا كله نزل قوله تعالى: # يا أيها النبي ~~لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله ~~غفور رحيم * قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم ~~والله مولاكم وهو العليم الحكيم * وإذ أسر ~~النبي إلى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به وأظهره ~~الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض ms072 فلما نبأها به ~~قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير * إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه ~~فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة ~~بعد ذلك ظهير * عسى ربه إن طلقكن أن ~~يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات ~~تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكارا ~~، فلما نزلت هذه ~~الآية رجع رسول الله إلى نسائه تائبات عابدات مؤمنات. # 7 # هذه أمور أثبت المؤرخون جميعا أن الوحي نزل فيها يؤيد رأي عمر، وفي صحيح البخاري أن عمر ~~قال: «وافقني ربي في ثلاث قلت: يا رسول الله، لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت: # واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ~~، وقلت يا ~~رسول الله، لو أمرت نساءك أن يحتجبن فإنه يكلمهن البر والفاجر، فنزلت آية الحجاب، واجتمع ~~نساء النبي # صلى الله عليه وسلم # في الغيرة عليه فقلت لهن: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا ~~منكن، فنزلت هذه الآية.» ولعل نزول الوحي موافقا رأي عمر في هذه المواقف هو الذي جعل رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم # يقول: «جعل الله الحق على لسان عمر وقلبه.» أو يقول: «إن الله وضع الحق على ~~لسان عمر يقول به.» # لهذه المواقف الكثيرة التي وقفها عمر من أسرى بدر، ومن عبد الله بن أبي، ومن الحديبية، ~~ومن حكم الخمر، ومن نساء النبي، دلالة تلفت النظر، وتكشف عن جانب من شخصية عمر كان يزداد ~~على الزمن وضوحا وقوة، ولسنا نقصد جرأته وصراحته وبروز شخصيته، وما إلى ذلك مما أسلفنا ~~ذكره، ولسنا كذلك نريد حسن رأيه وواسع علمه، وإنما نرمي إلى ما دلت هذه المواقف عليه من ~~عظيم اشتغاله بالشئون العامة، وتوفره عليها توفر من تعنيه سياسة قومه وتدبير أمورهم والعمل ~~على حسن نظامهم، والواقع أنه برز في هذه الناحية أكثر مما برز غيره؛ ولذلك كان النبي يدعوه ~~وزيره، وكان حين يشاور أصحابه يجعل لرأي عمر مكانة تعدل مكانة الرأي الذي يبديه أبو بكر صفي ~~رسول الله وخليله. # وكان قدر عمر لا يفتأ لهذا يسمو ms073 في عيون المسلمين جميعا، مع أن النبي كان يخالف رأيه في ~~كثير من المواقف مخالفة ترجع إلى ما كان لعمر من صلابة تجاوز الحزم، ولا تلتقي من ثم مع ما ~~جمع رسول الله بين الحزم والحسنى، وبين القدرة والعفو. # لما سار المسلمون إلى فتح مكة، خرج العباس بن عبد المطلب، فرأى جيش ابن أخيه وقوته وأن لا ~~قبل لقريش به، وخرج أبو سفيان بن حرب في جماعة يتنطسون الأخبار، وفيما أبو سفيان يتحدث إلى ~~أصحابه عرف العباس صوته فقال له: يا أبا سفيان، هذا رسول الله في الناس، وا صباح قريش إذا ~~دخل مكة عنوة! قال أبو سفيان: فما الحيلة فداك أبي ~~وأمي؟ وكان العباس على بغلة النبي البيضاء، فأركبه في عجزها، ورد أصحابه إلى مكة وسار به ~~يريد النبي، ورأى عمر البغلة وعرف أبو سفيان، وأدرك أن العباس يريد أن يجيره، فأسرع إلى ~~خيمة النبي وطلب إليه أن يضرب عنقه، فقال العباس: إني يا رسول الله قد أجرته، واحتدمت ~~المناقشة بين عمر والعباس في أمر أبي سفيان، فأرجأ رسول الله الأمر إلى الصباح، وفي الصباح ~~أسلم أبو سفيان بعد حوار بينه وبين رسول الله، فجعل النبي له من الفخر أنه: «من دخل دار أبي ~~سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن.» وذهب عمر محنقا لنجاة أبي ~~سفيان، حتى إذا فتحت مكة أبوابها، علم أن أمر رسول الله في هذه كأمره من قبل في قصة ابن ~~أبي، كان أعظم بركة من أمره. # على أن صرامة عمر وصراحته ومخالفة النبي رأيه في بعض ما أشار به لم تنقص يوما من مكانة ~~عمر أو من احترامه، ذلك بأنه كان صادق الإخلاص في كل ما يراه ويشير به، وللمخلص علينا حق ~~احترامه وإكباره، وإن لم نأخذ بمشورته؛ ما بالك به إذا جاء الحق على لسانه في الكثير من ~~مواقفه! ثم ما بالك به إذا خالفناه فرأيناه على الحق فرجعنا إلى رأيه! بعث النبي أبا هريرة ~~يبشر بالجنة ms074 من شهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه، فلما سمعه عمر رده إلى رسول الله ~~ردا عنيفا، وذهب في أثره يسأل رسول الله: أحق قد بعثته يبشر الناس هذه البشرى؟ فلما أجاب ~~رسول الله أن نعم، قال عمر: فلا تفعل، فإني أخشى أن يتكل الناس عليها، فخلهم يعملون، ~~وأخذ رسول الله برأيه وقال: فخلهم. # ولما اشتد برسول الله مرضه الأخير أشار إلى رجال من المسلمين كانوا في البيت حوله فقال: ~~«إيتوني بدواة وصحيفة، أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا.» واختلف الحاضرون، يقول بعضهم: ~~«قربوا ليكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده.» ويخالفهم آخرون على رأسهم عمر فيقولون: «إن رسول ~~الله قد غلبه الوجع، وعندكم القرآن وحسبنا كتاب الله.» # ورأى النبي خلافهم فقال: «قوموا، ما ينبغي أن يكون بين يدي النبي خلاف.» ولم يكتب، ولعله ~~قد تأثر برأي عمر أكثر مما تأثر برأي غيره، لما عرف من صدقه في إخلاصه وصراحته في ~~رأيه، # والرجل أجدر باحترامنا وإكبارنا ما أنكر ذاته فصدر رأيه عن إخلاص للخير العام وحرص عليه، ~~وكان عمر في ذلك خير مثل، وقد رأيت فيما قدمنا من آرائه كيف تنزه عن كل شائبة، بل لقد رأيته ~~كيف ود أن يحرم الله الخمر ولم تكن محرمة، وقد كان في جاهليته رجل خمر يحبها ويتوفر على ~~شرابها، فهو إنما ود أن تحرم حرصا على خير الجماعة وتماسكها وقوة نظامها، ثم إنه كان من ~~أشد الناس زهدا في المال، فكان إذا أعطاه رسول الله مالا من فيء غنمه المسلمون قال: أعطه ~~أفقر إليه مني، وقال ذلك يوما لرسول الله فقال له: خذه فتموله وتصدق به. # بل لقد بلغ من زهده أن أصاب أرضا بخيبر، فأتى النبي # صلى الله عليه وسلم # فقال: أصبت أرضا بخيبر لم ~~أصب مالا قط أنفس عندي منه، فما تأمر به؟ وأجابه رسول الله: «إن شئت حبست أصلها وتصدقت ~~بها.» فتصدق عمر بها في الفقراء والقربى وفي الرقاب وفي سبيل الله والضيف، لا جناح على من ~~وليها ms075 أن يأكل منها بالمعروف ويطعم صديقا غير متمول فيها، وقال: إنه لا يباع أصلها ولا ~~توهب ولا تورث، فكانت هذه أول صدقة تصدق بها في الإسلام، وكانت الأصل الأول لنظام الوقف عند ~~المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها. # رجل ذلك شأنه وهذا زهده لا عجب أن كان موضع التقدير والاحترام من كل المسلمين على ما كان ~~في خلقه من شدة وغلظة، وموضع المحبة والإكبار من رسول الله حتى كان يدعوه يا أخي. استأذنه ~~عمر يوما في العمرة فأذن وقال له: «لا تنسنا يا أخي من دعائك.» وكان عمر كلما ذكر هذه ~~الكلمة يقول: ما أحب أن لي بها ما طلعت عليه الشمس لقوله: «يا أخي». # وإخلاصه وتنزهه عن الهوى وحبه العدل هو الذي أبقى الفاروق لقبا له، وقد اختلف فيمن سمى ~~عمر الفاروق، روي عن عائشة أنها سئلت عن ذلك فقالت: النبي عليه السلام، وروي أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قال: «إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه، وهو الفاروق فرق به بين الحق ~~والباطل.» وذكر ابن سعد في الطبقات عبارة بإسنادها نصها: «بلغني أن أهل الكتاب كانوا أول من ~~قال لعمر الفاروق، وكان المسلمون يأثرون ذلك من قولهم، ولم يبلغنا أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قال من ذلك شيئا.» وأي صح من هذه الروايات فقد كان عمر فاروقا لا ريب، وذلك ما خلد اسم ~~الفاروق على الزمن؛ بقي لعمر إلى يومنا هذا، وسيبقى له أبد الدهر. # أما شدته وغلظته فهي التي جعلت رسول الله يؤثر أبا بكر عليه، ثم لا يؤثر عليه غير أبي بكر ~~أحدا، لإخلاصه وصراحته وعزمه وحزمه، وبلغ من شهرة عمر بالشدة والغلظة أن لم يخفف منهما ما ~~كان له في مواقف كثيرة من لين جانب ورقة عاطفة ذكرنا شيئا منهما في حديث إسلامه، روي أن ~~عمر استأذن على رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وعنده نساء من قريش يكلمنه ويستكثرنه عالية أصواتهن، ~~فلما استأذن عمر قمن يبتدرن الحجاب، ودخل عمر، ورسول ms076 الله يضحك ويقول: «عجبت من هؤلاء ~~اللاتي كن عندي فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب.» قال عمر: فأنت يا رسول الله أحق أن يهبن، ثم ~~قال: أي عدوات أنفسهن! أتهبنني ولا تهبن رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~؟ قلن: نعم! أنت أفظ وأغلظ ~~منه. # ولعل شدة عمر هي التي جعلت رسول الله يأمر في مرضه أن يصلي أبو بكر بالناس، وغاب أبو بكر ~~مرة فصلى عمر بالناس وكبر بصوته الجهير، فقال رسول الله: «فأين أبو بكر؟ يأبى الله ذلك ~~والمسلمون.» # وقد تعجب لهذه الشدة وهذه الغلظة أين كانتا ساعة وفاة رسول الله؛ إذ أذهل النبأ عمر عن ~~الواقع فكذب من حاول إقناعه بالحقيقة الأليمة، ووقف في المسلمين يقول: «إن رجالا من ~~المنافقين يزعمون أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قد توفي، وإنه والله ما مات ولكنه ذهب إلى ربه كما ~~ذهب موسى بن عمران، فقد غاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع إليهم بعد أن قيل قد مات، ووالله ~~ليرجعن رسول الله كما رجع موسى، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهن زعموا أنه مات.» فلما جاء أبو ~~بكر ورأى رسول الله أيقن أنه مات، فوقف في الناس يقول: «إنه من كان يعبد محمدا فإن محمدا ~~قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت.» # وما محمد ~~إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل ~~انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر ~~الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين ~~، فلما تلا أبو بكر هذه الآية خر ~~عمر إلى الأرض ما تحمله رجلاه، وكأنه لم يسمعها من قبل، فأين كانت شدته وغلظته هذه الساعة! ~~بل أين هو في جزعه وهلعه من ثبات أبي بكر رقيق القلب سريع الدمع خليل رسول الله وصفيه، وأين ~~هو من تجلده؟! # على أن عمر لم يلبث حين راجعه صوابه أن عاد الرجل السياسي، فأخذ يفكر في مصير المسلمين ~~بعد الحادث الفاجع، وقد كان لتفكيره ولتصرفه في مواجهة هذا الموقف الدقيق من الأثر ما رد ms077 عن ~~الإسلام كل عادية، وما مهد لانتشاره في الخافقين. # | هوامش # الفصل الرابع # | في عهد أبي بكر # أيقن عمر أن رسول الله قد مات، فأخذ يفكر في مصير المسلمين من بعده، وكان الأمر جديرا ~~بأعمق التفكير؛ فلو أن العرب تنازعوا أمرهم بينهم لأصاب الإسلام شر ما له من دافع، فقد كان ~~البعيدون عن مكة والمدينة، في مختلف الأرجاء من شبه الجزيرة، لا يخفون برمهم بسلطان قريش ~~وسلطان المدينة، وبرمهم بهذا السلطان هو الذي أثار الأسود العنسي في اليمن، وهو الذي دفع ~~بني حنيفة من أهل اليمامة ليتابعوا مسيلمة بن حبيب حين زعم أنه نبي، ودفع بني أسد ليتابعوا ~~متنبئهم طليحة بن خويلد، فما عسى أن يكون مصير الإسلام بعد رسول الله إذا لم يحزم المسلمون ~~أمرهم، ولم يواجهوا هذا الحادث الجلل بوحدتهم وثبات عزمهم؟ # فكر عمر في هذا الأمر لأول ما أيقن أن رسول الله قد مات، وسرعان ما تبين في وضوح أن الأمر ~~إذا ترك فلم يتوله في الحال من ينهض به ويدبر سياسة المسلمين، أوشك المهاجرون والأنصار أن ~~يختلفوا، وأوشكت الثورة أن تضطرم في بلاد العرب كلها؛ لذا أسرع يشق طريقه خلال المجتمعين ~~بالمسجد يتحدثون في وفاة رسول الله، وسار حتى أتى أبا عبيدة عامر بن الجراح، فقال ~~له: «ابسط يدك أبايعك، فأنت أمين هذه الأمة على لسان رسول الله.» ووجم أبو عبيدة حين ~~سمع مقالة عمر، وأدرك ما أدركه من ضرورة البت العاجل في أمر المسلمين، لكنه لم يرض رأي ~~عمر، بل حدق فيه وقال له: «ما رأيت لك فهة # 1 # قبلها منذ أسلمت! أتبايعني وفيكم الصديق وثاني اثنين!» وإن الرجلين ليتبادلان ~~الرأي في هذا الأمر الخطير إذا جاءهم النبأ بأن الأنصار اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة يريدون ~~أن تكون الإمارة على المسلمين لهم، عند ذلك أسرع عمر فأرسل إلى أبي بكر في بيت عائشة ليخرج ~~إليه، ورد أبو بكر الرسول يقول: «إني مشتغل.» لكن عمر رأى أمر المسلمين أخطر من أن يترك ~~لحظة أو يشغل عنه شاغل ms078 ولو كان جهاز رسول الله؛ لذا بعث كرة أخرى يقول لأبي بكر: «إنه قد ~~حدث أمر لا بد لك من حضوره.» # وخرج أبو بكر يسأل: أي أمر يمكن أن يصرفه عن جهاز رسول الله؟ قال عمر: «أما علمت أن ~~الأنصار اجتمعت في سقيفة بني ساعدة يريدون أن يولوا هذا الأمر سعد بن عبادة، وأحسنهم مقالة ~~من يقول: منا أمير ومن قريش أمير؟» ورأى أبو بكر خطر الموقف ، فأسرع ومعه عمر وأبو ~~عبيدة يريدون السقيفة. # فلما بلغوها تولى أبو بكر مجادلة الأنصار في حزم ورفق، أما عمر فأقام إلى جانبه ينتظر ما ~~يصير إليه الأمر، فلما رأى الحباب بن المنذر يحرض الأنصار ليثوروا إن لم يكن منهم أمير ومن ~~المهاجرين أمير قام فقال: «هيهات! لا يجتمع اثنان في قرن! والله لا ترضى العرب أن يؤمروكم ~~ونبيها من غيركم! ولكن العرب لا تمتنع أن تولي أمرها من كانت النبوة فيهم وولي أمورهم منهم! ~~ولنا بذلك على من أبى من العرب الحجة الظاهرة والسلطان المبين، من ذا ينازعنا سلطان محمد ~~وإمارته ونحن أولياؤه وعشيرته، إلا مدل بباطل أو متجانف لإثم، أو متورط في هلكة!» ~~ورد الحباب يطلب إلى الأنصار إجلاء المهاجرين عن المدينة أو يتولوا عليهم الأمر، ثم وجه ~~الحديث إلى المهاجرين الثلاثة يقول: «أما والله إن شئتم لنعيدنها جذعة.» فصاح به عمر: ~~«إذن يقتلك الله!» ورد الحباب: «بل إياك يقتل!» # حركت هاتان العبارتان النفوس إلى الثورة، فتدخل أبو عبيدة بن الجراح في الأمر ~~وقال موجها حديثه إلى أهل المدينة: «يا معشر الأنصار! كنتم أول من نصر وآزر، فلا تكونوا ~~أول من بدل وغير.» # سكنت هذه العبارة ثورة النفوس، فعاد القوم يتجادلون بالحجة، وانضم بشير بن سعد من زعماء ~~الخزرج إلى المهاجرين فشق كلمة الأنصار، وقدر أبو بكر أن الأمر استوى وأن اللحظة لحظة ~~الفصل، فقام يدعو الأنصار إلى الجماعة ويحذرهم الفرقة، ثم أخذ بيد كل من عمر وأبي ~~عبيدة ونادى: «هذا عمر وهذا أبو عبيدة، فأيهما شئتم فبايعوا!» ورأى عمر الناس ~~اختلفوا ms079 فلم يدع للخلاف أن تنبت شجرته، فقام فنادى بصوته الجهوري: «ابسط يدك يا أبا بكر!» ~~وبسط أبو بكر يده فبايعه عمر وهو يقول: «ألم يأمر النبي أن تصلي أنت بالمسلمين! فأنت خليفة ~~رسول الله، فنحن نبايعك لنبايع خير من أحب رسول الله منا جميعا.» وبايع أبو عبيدة أبا ~~بكر وهو يقول: «إنك أفضل المهاجرين وثاني اثنين إذ هما في الغار، وخليفة رسول الله على ~~الصلاة أفضل دين المسلمين، فمن ذا ينبغي له أن يتقدمك أو يتولى هذا الأمر عليك!» وتتابع أهل ~~السقيفة فبايعوا أبا بكر مجمعين، لم يند عنهم إلا سعد بن عبادة، فلما تمت البيعة عادوا ~~إلى المسجد يتلقفون الأنباء من بيت عائشة عن جهاز الرسول، فلما كان الغد جلس أبو بكر في ~~المسجد، وقام عمر يعتذر إلى المسلمين عما ذكره من أن النبي لم يمت فقال: «إني قلت لكم ~~بالأمس مقالة ما كانت مما وجدت في كتاب الله، ولا كانت عهدا عهده إلي رسول الله، ولكني ~~قد كنت أرى أن رسول الله سيدبر أمرنا ويبقى ليكون آخرنا، وإن الله قد أبقى فيكم كتابه الذي ~~هدى به رسوله، فإن اعتصمتم به هداكم الله كما هداه به، وإن الله قد جمع أمركم على خيركم، ~~صاحب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وثاني اثنين إذ هما في الغار، فقوموا فبايعوا.» وقام الناس جميعا ~~فبايعوا بيعة العامة بعد بيعة السقيفة. # هذا أول موقف لعمر بعد وفاة رسول الله، وهو كما ترى موقف حزم وبعد نظر وحسن سياسة بل هو ~~موقف يرشح عمر للإمارة، ويشهد بجدارته لتولي سياسة الدولة الناشئة، مع إنكاره لذاته وتوجهه ~~بكل تفكيره لخير الجماعة وحسن نظامها، لقد كان أشد الناس جزعا لوفاة رسول الله فلم يصدق ~~حدوثها، فلما تيقنها لم يملك الجزع عليه تفكيره، ولم يصرفه الحزن عن التحدث إلى أبي ~~عبيدة في أجل شأن المسلمين خطرا؛ في تدبير أمورهم وتوجيه سياستهم، وهو لم يكن يبتغي ~~الأمر لنفسه على جدارته به، بل كان يفكر فيه تفكيرا منزها عن الأثرة ms080 والهوى؛ لذلك أسرع ~~يريد أن يبايع أبا عبيدة، فلما نبهه أمين الأمة إلى أن الصديق أحق المسلمين جميعا بالأمر ~~لم يتردد في إقرار رأيه، ولم يلبث حين عرف اجتماع السقيفة أن دعا أبا بكر ليواجهوا الأنصار ~~فيه، ثم لم يصرفه عن مواجهتهم، ما قيل له من أن الانصار قر رأيهم فلن يعدلوا عنه، وذهابه مع ~~صاحبيه إلى السقيفة هو الذي أدى إلى بيعة أبي بكر، وإلى اجتماع كلمة المسلمين. # لم يكن موقف عمر فيما قيل من تخلف علي بن أبي طالب وبني هاشم عن بيعة أبي بكر دون موقفه ~~في السقيفة حزما وحسن سياسة، أنا في ريب من روايات التخلف عن البيعة، وقد أبديت هذا الرأي ~~حين فصلت بيعة أبي بكر، # 2 # لكني لا أستطيع مع ذلك أن أجزم بأن عليا وبني هاشم أقبلوا على البيعة راضين ~~إقبال غيرهم من المسلمين، والثابت أن فاطمة ابنة رسول الله ظلت مغاضبة أبا بكر إلى أن ~~توفيت، أفكان ذلك لحرمان الصديق إياها ما طلبته ميراثا لها من أبيها، أم لأنها كانت ترى ~~زوجها أحق من أبي بكر بالخلافة؟ ذلك ما اختلف فيه، فأما الذي لا خلاف عليه فذلك أن عمر كان ~~يرى رأي أبي بكر أن تركة النبي صدقة لا تورث، ولا ريب أن رأيه هذا أغضب فاطمة، أفأدى ~~غضبها إلى ثورة علي وإلى تهديد عمر وأخذه الأمر بالحزم؟ أيا كان ما حدث فقد ترك ما روي ~~عنه أثرا في تاريخ الإسلام، لا يزال باقيا، وأقل هذا الأثر عدم إكبار الشيعة وغيرهم من ~~العلويين عمر، بل عدم رضاهم عنه. # كانت سياسة أبي بكر بعد بيعته ألا يدع أمرا كان رسول الله يصنعه، وألا يصنع أمرا كان ~~رسول الله يدعه؛ لذلك كان أول ما أمر به في خلافته أن يتم بعث الجيش الذي جهزه رسول الله ~~بإمرة أسامة بن زيد لغزو الروم بالشام، وقد برم المسلمون بهذا الأمر كما برموا به في عهد ~~رسول الله؛ لأن أسامة كان حدثا لما يبلغ العشرين، وزاد في ms081 برمهم خشيتهم أن تتعرض المدينة ~~للخطر إذا غاب هذا الجيش عنها وانتقض العرب عليها وقاموا يناوئون سلطانها؛ لذلك قالوا لأبي ~~بكر: «إن هؤلاء - أي جيش أسامة - جل المسلمين، والعرب على ما ترى قد انتقضت بك، فليس ينبغي ~~أن تفرق عنك جماعة المسلمين.» وأجابهم أبو بكر في حزم: «والذي نفس أبي بكر بيده، لو ظننت أن ~~السباع تخطفني لأنفذت بعث أسامة كما أمر به رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، ولو لم يبق في القرى غيري ~~لأنفذته.» # أفكانت سياسة عمر في هذا الموقف كسياسة أبي بكر حزما وقوة؟ ذكروا أن أسامة طلب إلى عمر ~~أن يستأذن أبا بكر في دعوة الجيش إلى المدينة ليكون عون الخليفة على المشركين، وقالت ~~الأنصار لعمر: «فإن أبى إلا أن نمضي فأبلغه عنا واطلب إليه أن يولي أمرنا رجلا أقدم سنا ~~من أسامة.» ولم يرفض ابن الخطاب طلب أسامة ولم يرفض طلب الأنصار، بل ذهب إلى أبي بكر فأبلغه ~~ما قالوا، فكان رد الخليفة: «لو خطفتني الكلاب والذئاب لن أرد قضاء قضى به رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~.» وقال في طلب الأنصار: «ثكلتك أمك وعدمتك يا بن الخطاب! استعمله رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وتأمرني أن أنزعه!» # سار جيش أسامة وفيه جلة المسلمين مهاجريهم والأنصار، وفيه عمر بن الخطاب شأنه شأن رجل ~~منهم يدين بالولاء لأسامة أمير الجند، وسار أبو بكر يودع الجند ويوصيهم، فلما آن له أن ~~يرجع، قال لأسامة: «إن رأيت أن تعينني بعمر فافعل.» وأذن أسامة لعمر أن يدع الجيش وأن يرجع ~~مع أبي بكر. # من الحق علينا أن نقف هنيهة ننبه إلى هذا الاختلاف في الاتجاه السياسي بين أبي بكر وعمر، ~~فقد كان أبو بكر متبعا وليس بمبتدع، فما صنع رسول الله هو لا محالة يصنعه، وللمسلمين أن ~~يقولوا ما شاءوا، وأن يخالفوه عن رأيه، فلن يسمع لهم ما كان يصدر عن أمر رسول الله، وقد أمر ~~رسول الله أن يتم بعث أسامة فليتم، ليختلف المهاجرون والأنصار، ولتثر شبه الجزيرة ms082 كلها، ~~ولتتعرض المدينة لما عسى أن تتعرض له من خطر، كل ذلك لا يمكن أن يصرف الصديق عن إنفاذ ما ~~أمر رسول الله بإنفاذه، أليس الله قد اصطفاه وأوحى إليه كتابه، ووعده النصر وأن يحفظ دينه! ~~فكيف تطوع لمسلم نفسه ألا ينفذ أمره! وكيف لخليفته الأول أن يكون أول مخالفيه. # وكان عمر يرى واجبا على السياسي أن يقيم وزنا لكل ما حوله من الأحداث، ومن هذه الأحداث ~~أن خلاف المهاجرين والأنصار لم يظهر في عهد رسول الله ما ظهر في اجتماع السقيفة، وأن انتقاض ~~العرب على سلطان المدينة لم يبلغ حد الثورة إلا حين ذاعت الأنباء بوفاة رسول الله في مختلف ~~الأرجاء من شبه الجزيرة. إن المسلمين قد كانوا يدينون لأمر رسول الله عن إيمان وتسليم، وليس ~~من حق أبي بكر أن يطمع في أن يدينوا له كما كانوا يدينون للرسول المصطفى من عند الله، فجدير ~~بالخليقة أن يقيم لهذه الأمور وزنها، وجدير به، وقد انقطع الوحي بوفاة الرسول، أن يكون ~~السياسي الذي يدبر الأمور بثاقب نظره وحسن بصره بالأمور، بعد أن لم يبق لغير البصر بالأمور ~~تدبير أو سلطان. # هذا اختلاف جوهري بين الرجلين في سياسة الدولة، لكن هذا الاختلاف لم يكن ليجني على تقدير ~~أحدهما صاحبه ومحبته إياه واحترامه له؛ لذلك أدى عمر لأبي بكر حقه، فلم يصنع أكثر من أن ~~أبلغه رأي المسلمين وأيده بحجته، فلما أصر الصديق على رأيه سار عمر في الجيش جنديا ~~مجاهدا في سبيل الله بإمارة أسامة، وما كان له ألا يفعل وقد بايع أبا بكر وأقر له بخلافة ~~رسول الله، وأدى أبو بكر لعمر حقه، فاصطفاه وزيرا يشير عليه كما كان يشير على رسول الله، ~~وكذلك ظلت علاقات الرجلين علاقات مودة صادقة واحترام متبادل وتعاون وثيق لخير الإسلام ~~والمسلمين. # وقد حدث مثل هذا الاختلاف في الرأي بين الرجلين وجيش أسامة لا يزال في الشمال من شبه ~~الجزيرة يقاتل أنصار الروم، ذلك حين أرادت قبائل عبس وذبيان القريبتين من المدينة أن تمنعا ~~الزكاة، ms083 فقد رأى أبو بكر أن يقاتلهم، ودفع حجة مخالفيه في الرأي بقوله: «والله لو منعوني ~~عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله # صلى الله عليه وسلم # لقاتلتهم على منعه!» وكان عمر من هؤلاء ~~المخالفين القائلين بموادعة من أرادوا منع الزكاة والاستعانة بهم على المرتدين، وقد كان ~~عنيفا في تأييد رأيه، حتى لقد وجه الكلام إلى أبي بكر في شيء من الحدة يقول: «كيف تقاتل ~~الناس وقد قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله وأن ~~محمدا رسول الله، فمن قالها عصم مني ماله ودمه إلا بحقها وحسابهم على الله!» وأجاب أبو بكر ~~على اعتراض عمر بقوله: «والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، وقد ~~قال: إلا بحقها.» مع هذا الخلاف في الرأي، ومع أن أبا بكر حمل التبعة كاملة فقاتل الذين ~~منعوا الزكاة وظفر بهم، لم يتغير ما بين الرجلين من ود، وسار عمر إلى جانب الصديق مجاهدا ~~في صفوف المسلمين، إنه رجل نظام، وأبو بكر هو المسئول عن شئون الدولة، فواجب عمر أن يشير ~~برأيه، وواجبه كذلك أن يطيع أمر الخليفة متى أمر، وقد فعل، ثم بقي الوزير الذي يسمع لقوله ~~وتقدر مشورته. # ظفر أبو بكر بالذين منعوا الزكاة، فكان ظفره حجة ملموسة لرجاحة رأيه وحسن سياسته، ويروى ~~عن عمر في هذا الشأن أنه قال: «والله ما هو إلا أن رأيت الله شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت ~~أنه الحق.» فلما عزم أبو بكر بعد هذا النصر أن يقاتل المرتدين في أرجاء شبه الجزيرة جميعا ~~لم يخالفه أحد، ولعل المسلمين رأوا في الرجل الذي لزم الرسول عشرين عاما سويا نفحة من ~~روح الرسول جعلته يرى بنور الله ما لا يرون، ويلهم من الرأي ما لا يلهمون، وسارت جيوش ~~المدينة بإمرة عمرو بن العاص وخالد بن الوليد إلى قضاعة وإلى بني أسد تحارب المرتدين وتردهم ~~إلى دين الله، والمسلمون مطمئنون إلى نصر الله جنده المجاهدين في سبيله، وابن ms084 الخطاب مقيم ~~إلى جانب الخليفة يشير عليه بالرأي ويدبر وإياه سياسة الدولة. # وقضى خالد بن الوليد على الردة في بني أسد، وانتقل من منازلهم إلى البطاح يقضي على ~~الردة في بني تميم، فقتل زعيمهم مالك بن نويرة وتزوج من امرأته، # 3 # مخالفا بذلك تقاليد العرب إذ كانوا يجتنبون النساء في الحرب. # غضب أبو قتادة الأنصاري لمقتل مالك بن نويرة بعد ما أظهر إسلامه، وظنها حيلة من خالد ~~ليتزوج الجميلة ليلى، وكان يقال: إنه يهواها في الجاهلية، وذهب أبو قتادة ومتمم بن نويرة ~~أخو مالك إلى المدينة، ولقيا أبا بكر وقصا عليه ما رأيا، فلم يزد على أن ودى مالكا، وكتب ~~برد السبي، ثم أنكر على أبي قتادة أن يطعن في خالد أو أن يتهمه، وتحدث أبو قتادة إلى عمر بن ~~الخطاب، فشاركه عمر في رأيه وانطلق يطعن معه على خالد وينال منه، ثم إنه ذهب إلى أبي بكر ~~محنقا وقال له: «إن في سيف خالد رهقا، وحق عليه أن يقيده.» ولم يكن أبو بكر يقيد من ~~عماله؛ لذلك قال حين ألح عمر عليه: «هبه يا عمر تأول فأخطأ، فارفع لسانك عن خالد.» ولم يكف ~~هذا الجواب عمر، فلم يكف عن المطالبة بعزل خالد، حتى ضاق الخليفة بإلحاحه فقال له: «لا يا ~~عمر! ما كنت لأشيم سيفا سله الله على الكافرين!» # هذا جواب حاسم لا ريبة معه في أن أبا بكر لن يعزل خالدا، أترى عمر اكتفى به، مطمئنا ~~إلى أنه أدى واجبه في المشورة، وإلى أن واجبه بعد ذلك أن ينزل على رأي الخليفة وألا يثير ~~الشبهة فيه؟ كلا! فقد كان عمر ثائرا بخالد ثورة جعلته يبالغ في النيل منه، فيجمع من حوله ~~متمما وأبا قتادة ومن لف لفهما، ويستنشد متمما شعره في رثاء مالك، ويظهر الرضا عنه وعما ~~يقول، وكيف لعمر أن تطيب نفسه فيسكت عن رجل قتل امرأ مسلما ونزا على امرأته، فوجب رجمه! ~~ليكن هذا الرجل سيف الله! وليكن خال عمر وابن عم أمه! وليكن له من ms085 الفضل في قتال المرتدين ~~ما له! إن الأمر يتصل بنظام الجماعة والمحافظة عليه، ولا شيء أضر بهذا النظام من التفريق ~~بين الناس في المعاملة، والتسامح مع أحدهم في أمر يؤخذ به غيره ويعاقب عليه؛ لذلك لم يهدأ ~~ثائره حتى استدعى أبو بكر خالدا إلى المدينة، ولا يشك عمر في أن الخليفة سينتهي إلى رأيه ~~فيعزل القائد العبقري، لكن أبا بكر لم يصنع إلا أن عنف خالدا على التزوج من امرأة لم يجف ~~دم زوجها، ثم تجاوز عما كان من قتله مالكا ومن معه من بني تميم، وأمره أن يسير ليلقى ~~مسيلمة ورجاله باليمامة، مطمئنا إلى أن الله سينصر خالدا على بني حنيفة، فيصهره النصر ~~وينسى الناس زواجه من ليلى. # لم يتزحزح عمر مع ذلك عن رأيه فيما صنع خالد وفي وجوب عزله وكان لهذا الإصرار أثره من بعد ~~حين تولى عمر إمارة المؤمنين، فقد عزل خالدا عن إمارة الجيش أول ما تولى، ثم عزله من بعد ~~ذلك عن عمله في الجيش كله، وسنقص تفصيل ذلك ورأينا فيه في مواضعه من هذا الكتاب. # لم ترو كتب التاريخ أن أبا بكر وعمر اختلفا في أمر ما اختلفا في أمر خالد، وهو اختلاف ~~يتفق وطبائع الرجلين واتجاه كل منهما في سياسة الدولة، فقد كان عمر يرى أن لا عذر لرجل عن ~~إثم إلا أن يكفر عنه، بذلك يستقر الأمر، ويقوم نظام الحكم على أساس متين من المساواة ~~الصحيحة، والكبراء الذين يأتمون أكبر جريرة عنده، فالعفو عنهم أشد على نظام الجماعة خطرا، ~~أما أبو بكر فكان يذكر أن رسول الله هو الذي سمى خالدا سيف الله، وأنه إذا وجب أن تدرأ ~~الحدود بالشبهات في أوقات السلم، فأوجب أن تدرأ بها في أوقات البأس والخطر، وقد كان ~~المسلمون في حاجة إلى خالد وعبقرية قيادته يوم استدعاه أبو بكر وعنفه أكثر من حاجتهم إليه ~~من قبل لذلك لم يعزله أبو بكر، بل وجهه إلى مسيلمة باليمامة فقضى عليه، ثم وجهه إلى العراق ~~ففتحه، ثم نقله إلى ms086 الشام فأنسى الروم به وساوس الشيطان. # أدى إصرار عمر على رأيه في خالد أن يتسقط كل هناة له، وأن يطلب إلى الصديق مؤاخذته بها، ~~تزوج خالد إثر انتصاره باليمامة بنتا بكرا، فكتب الصديق يعنفه ويقول له: «لعمري يا بن أم ~~خالد إنك لفارغ! تنكح النساء وبفناء بيتك دم ألف ومائتي رجل من المسلمين لم يجفف بعد!» ونظر ~~خالد في الكتاب فقال: هذا عمل الأعيسر، والأعيسر عمر بن الخطاب، ولما فتح العراق وبلغ فيه ~~منازل هذيل وقضى عليهم، قتل رجلين معهما كتاب من أبي بكر بإسلامهما، ورأى عمر في مقتلهما ما ~~يؤاخذ خالد به، وقال عن الرجلين: «كذلك يلقى من ساكن أهل الحرب.» # يرى بعضهم عجبا أن يثور عمر بخالد كل هذه الثورة، وخالد خال عمر، وخالد سيف الله وناصر ~~دينه، وقد يزيل هذا العجب ما يرويه بعض المؤرخين من أن عمر كان سيئ الرأي في خالد من قبل ~~إسلامه، وكان سيئ الرأي فيه حياته، # 4 # ولعل عمر لم ينس لخالد غزوة أحد وموقفه منها، وانتصار المشركين على المسلمين ~~بمهارته فيها، ثم مهاجمته رسول الله لولا أن وقف عمر في وجهه وصده عن غرضه، ومهما يكن من ~~شيء فالثابت أن ابن الخطاب لم يحبب خالدا وإن لم يمنعه ذلك من تقدير قدرته والإعجاب ~~بعبقرية قيادته، وكان خالد يبادل عمر هذا الشعور، ويرى إصبعه في كل أمر يجيئه من الخليفة لا ~~يوافق هواه، وذلك قوله حين نقله أبو بكر من العراق إلى الشام: «هذا عمل الأعيسر ابن أم ~~سخلة، حسدني أن يكون فتح العراق على يدي.» # من حقك أن تعجب لهذا الاختلاف الواضح بين أبي بكر وعمر في أمر خالد بن الوليد، لكن من ~~الحق عليك أن تعجب بهذين الرجلين العظيمين كيف لم يغير هذا الاختلاف البين من مودتهما ومن ~~وثيق تعاونهما لخير الإسلام والمسلمين، فقد ظل عمر على ولائه لأبي بكر وعلى عهده معه، يؤدي ~~واجبه في الإدلاء بالمشورة، وينفذ أمر الخليفة بإخلاص تام في كل ما يعهد الخليفة إليه في ms087 ~~تنفيذه، وقد ظلت ثقة الصديق بعمر كما كانت، ولم يعرها وهن ولم تتغير في قليل ولا كثير، ~~وهذا الإخلاص المتبادل وهذه الثقة الأكيدة هما ملاك النظام في الدولة ومصدر بأسها وقوتها، ~~ولذلك بلغت المملكة الإسلامية في عهد هذين الرجلين شأوا لم يتح لمملكة غيرها في العالم ~~كله، وظل اسم أبي بكر واسم عمر في صحف التاريخ علما على الصدق والأمانة والقوة، ولا يدانيه ~~في الجلال والعظمة علم غيره. # أبى أبو بكر أن يقيد من خالد بن الوليد لقتله مالك بن نويرة وتزوجه من ليلى، ووجهه إلى ~~اليمامة، فكان نصره فيها حاسما، وكان إيذانا من الله بالقضاء على الردة في أرجاء شبه ~~الجزيرة جميعا، وإن استشهد فيها من المسلمين ألف ومائتان، وقد جزع أهل المدينة لمن ~~استشهدوا، وكان عمر بن الخطاب من أشدهم جزعا لمقتل أخيه زيد، حتى لقد واجه ابنه عبد الله ~~حين رجع إلى المدينة بقوله: «ما جاء بك وقد هلك زيد؟ ألا واريت وجهك عني!» وأجاب ابنه في ~~صدق وإيمان: «سأل الله الشهادة فأعطيها؟ وجهدت أن تساق إلي فلم أعطها.» # على أن جزع عمر لمقتل أخيه لم يثنه عن التفكير في أمر هو أجل الأمور في حياة الإسلام ~~والمسلمين خطرا، فقد كان فيمن استشهد عدد من حفاظ القرآن، فما عسى أن يكون الأمر إذا ~~تلاحقت الغزوات فقتل فيها مثل من قتل من الحفاظ باليمامة؟ فكر عمر في هذا الأمر حتى استقر ~~رأيه، ثم ذهب إلى أبي بكر وهو بمجلسه من المسجد، فقال له: «إن القتل قد استحر بقراء القرآن ~~يوم اليمامة، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن كلها، فيذهب قرآن كثير، وإني أرى ~~أن تأمر بجمع القرآن.» # فوجئ الصديق بهذا الاقتراح فكان جوابه: «كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~؟» ~~وأيد عمر رأيه بالحجة فأقنع أبا بكر، فدعا زيد بن ثابت وذكر له ما دار بينه وبين عمر، ثم ~~قال له: «إنك رجل شاب عاقل ولا نتهمك، كنت تكتب الوحي لرسول الله ms088 # صلى الله عليه وسلم ~~، فتتبع القرآن ~~فاجمعه.» وتردد زيد كما تردد أبو بكر، ثم شرح الله صدره للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر، فقام ~~فتتبع القرآن يجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب وصدور الرجال، وكذلك كانت مشورة عمر هي التي ~~أدت إلى جمع القرآن وإلى بقائه كما جمع من يومئذ، حتى ليقول عنه المستشرق الإنجليزي وليم ~~ميور: «والأرجح أن العالم كله ليس فيه كتاب غير القرآن ظل اثني عشر قرنا كاملا بنص هذا ~~مبلغ صفائه ودقته.» # وتذهب رواية إلى أن عمر أول من جمع القرآن في المصحف، وهذا قول يخالف التواتر، على أن ~~التواتر يقر بفضله في المشورة على أبي بكر بالجمع وإقناعه به، فلو أن عمر لم يتنبه إلى ما ~~قد يتعرض له القراء في غير اليمامة من المواطن، وما قد يترتب على ذلك من ذهاب قرآن كثير، ~~لما فكر الصديق في جمع القرآن ولما أقدم عليه، بل لو أن عمر لم يراجع أبا بكر حين قال: «كيف ~~أفعل شيئا لم يفعله رسول الله.» ولم يقنعه بضرورة الجمع لما حرص أبو بكر عليه، ولا دعا زيد ~~بن ثابت ليقوم به، فإذا كان لأبي بكر من الفضل في هذا العمل العظيم ما جعل علي بن أبي طالب ~~يقول: «رحمة الله على أبي بكر! كان أعظم الناس أجرا في جمع المصاحف.» فلا ريب في أن عمر ~~يشاركه في الأجر والفضل جميعا، وفي أن المسلمين مدينون له دينهم لأبي بكر في جمع كتاب ~~الله، وهذه واحدة من نفحات روحه العظيمة، ومن أجل هذه النفحات وأعظمها خيرا ~~وبركة. # لعلك رأيت فيما سبق ما بلغه عمر من مكانة في عهد الصديق، ورأيت أنه كان في هذا العهد كما ~~كان في صحبة رسول الله رجل مشورة وحسن سياسة أكثر مما كان رجل مواقع وغزوات، بل لقد رأيته ~~كيف خالف أبا بكر في قتال من منعوا الزكاة، كما ود قبل ذلك ألا يتم بعث أسامة، فلما رأى ~~سياسة الجهاد والحزم تؤدي إلى الرفعة والنصر، آمن بها، ms089 وأيد أبا بكر فيها بكل قوته، أليست ~~سياسة الجهاد هي التي قضت على الردة وأعادت المرتدين إلى حظيرة الإسلام، وجمعت شبه ~~الجزيرة إلى لواء واحد؟ أولم تفتح هذه السياسة أبواب العراق وتمهد للإدالة من دولة كسرى؟ ~~لا عجب إذن أن يؤمن عمر بها، وأن يندفع في تأييدها اندفاعه في تأييد كل ما يؤمن به. # لما تقدم خالد بن الوليد في العراق، ودوت أنباء نصره في شبه الجزيرة وما حولها، عزم أبو ~~بكر على فتح الشام، وأصبح يوما فدعا إليه أهل الرأي وعمر في مقدمتهم، وذكر لهم أن رسول ~~الله كان عول على أن يصرف همته إلى الشام، فقبضه الله إليه، واختار له ما لديه، «والعرب بنو ~~أم وأب، وقد أردت أن أستنفرهم إلى الروم بالشام، فمن هلك منهم هلك شهيدا، وما عند الله خير ~~للأبرار، ومن عاش منهم عاش مدافعا عن الدين، مستوجبا عند الله عز وجل ثواب للمجاهدين.» ~~وطلب إليهم رأيهم في ذلك، فكان عمر بن الخطاب أسبقهم إلى إجابته، قال: «والله ما استبقنا ~~إلى شيء من الخير قط إلا سبقتنا إليه، قد والله أردت لقاءك بهذا الرأي الذي ذكرت، فما قضى ~~الله أن يكون ذلك حتى ذكرته الآن، فقد أصاب الله بك سبل الرشاد، سرب إليهم الخيل في أثر ~~الخيل، وابعث الرجال تتبعها الرجال، والجنود تتبعها الجنود، فإن الله عز وجل ناصر دينه، ~~ومقر الإسلام وأهله، ومنجز ما وعد رسوله.» # لم يتحمس الحاضرون لهذه الدعوة مع ما كان من كلام أبي بكر وعمر، بل تداولوا الحديث وقد ~~أخذتهم هيبة الروم، فلما فرغوا منه عاد أبو بكر يدعوهم للتجهز فسكتوا، عند ذلك صاح فيهم ~~عمر: «ما لكم يا معشر المسلمين لا تجيبون خليفة رسول الله إذ دعاكم لما يحييكم!» وهزت هذه ~~الصيحة الحاضرين، فرضوا الجهاد وإن آثروا أن يستعين الخليفة على عدوه بأهل اليمن وأهل شبه ~~الجزيرة جميعا. # قف هنا وقفة أخرى، فهذا التغير الذي طرأ في اتجاه عمر، وأدى إلى تأييد سياسة الغزو بكل ~~هذه القوة، يعزز تصويرنا ms090 السابق لطريقة تفكيره، ويزيدنا اقتناعا بأنه كان رجلا عمليا لا ~~يقيم وزنا للفكرة من حيث هي، ولذاتها، بل من حيث ما تترك من أثر في واقع الحياة، ذلك ما ~~ذكرناه حين صورنا طريقة تفكيره لمناسبة إسلامه، وانقلابه من سياسة الحذر إلى سياسة الغزو في ~~عهد الصديق يزيد هذه الصورة جلاء ووضوحا، فهو قد كان للإسلام مباعدا، وكان على المسلمين ~~حربا حين لم يكن للمسلمين من البأس ما يحمل غيرهم على الاعتداد بهم، فكان يرى وجودهم خطرا ~~على نظام مكة وعلى مكانتها الدينية، فلما رأى المسلمون يثبتون على دينهم ويحتملون الأذى ~~والتضحية في سبيله، ويبلغ بهم ذلك حتى يهاجروا عن وطنهم، تبين له ما لهذا الدين الجديد من ~~سلطان على نفوس من يدينون به، وأيقن أنهم لن يغلبوا، عند ذلك راجع نفسه وجعل يفكر فيما يسمع ~~من القرآن، حتى آمن بالله ورسوله وما جاء من عند الله، فلما آمن أيد المسلمين بمثل القوة ~~التي كان يحاربهم بها من قبل، وهو قد كان لسياسة أبي بكر في القتال مباعدا، لم يطب نفسا ~~ببعث أسامة ولم يرض قتال الذين منعوا الزكاة، فلما جهز أبو بكر المدينة لحروب الردة ~~وقف بعيدا عن هذا التجهيز، فلا يكاد المؤرخون يذكرون له يومئذ رأيا، لكن سياسة أبي بكر في ~~الغزو نجحت فقضت على المرتدين وفتحت العراق، عند ذلك انقلب عمر يؤيدها بكل قوته، كما آمن ~~فانقلب يؤيد الإسلام بكل قوته. # وقد كان لهذا الاتجاه الجديد في تفكير عمر أثره من بعد في استخلاف أبي بكر إياه، وفي نجاح ~~سياسة الفتح التي بدأها أول الخلفاء، وسنرى من بعد كيف أدت حماسة عمر لهذه السياسة إلى ~~إقامة الإمبراطورية الإسلامية على أنقاض الإمبراطوريتين الفارسية والرومية. # على أن ما حدث يومئذ من تغير في اتجاه عمر السياسي لم يصحبه تغير في تفكيره الاجتماعي، ~~وكان تفكير عمر في الناحية الاجتماعية يخالف تفكير الصديق في طائفة من الأمور الجوهرية ~~مخالفة تبلغ بعض الأحيان حد المناقضة، كان أبو بكر شديد الحرص على المساواة بين ms091 المسلمين لا ~~يفرق فيهم بين عربي وعجمي، ولا بين السابقين إلى الإسلام ومن دانوا بعدهم به، فتح في عهده ~~منجم للذهب على مقربة من المدينة فكان يسوي في قسمة الذهب الذي يجيء منه بين المسلمين، وقيل ~~له في تفضيل السابقين إلى الإسلام على قدر منازلهم، فكان جوابه: «إنما أسلموا لله ووجب ~~أجرهم عليه، يوفيهم ذلك في الآخرة، وإنما هذه الدنيا بلاغ.» ولقد دعا أهل مكة يشاورهم في ~~غزو الشام ويستمدهم إليه، كما فعل مع أهل المدينة، أما عمر فكان يميل بتفكيره إلى نظام ~~الطبقات، كان يؤثر السابقين إلى الإسلام، ويؤثر أهل البيت على هؤلاء السابقين، وقد ترك هذا ~~التفكير العمري أثرا في حياة المسلمين وفي سياسة الدولة الإسلامية وجه التاريخ الإسلامي في ~~كثير من الحقب، ولا يزال باقيا إلى اليوم، وسنرى من ذلك، حين الكلام عن الديوان وعن نظام ~~الحكم، ما لا يدع مجالا للريب فيه. # وهو لم يكن يخفي هذا الميل إلى تفضيل بعض الطبقات على بعض في عهد أبي بكر، لما شاور ~~الصديق أهل مكة في غزو الشام واستمدهم إليه، على نحو ما فعل مع أهل المدينة، عارضه عمر في ~~ذلك معارضة أساسها الحرص على أن يكون للمهاجرين والأنصار من السابقين إلى الإسلام أولوية في ~~الرأي والسلطان على سائر المسلمين، وقد اعترض سهيل بن عمرو رأي عمر في ذلك وقال له: «ألسنا ~~إخوانكم في الإسلام وبني أبيكم في النسب! أفإنكم أن كان الله قدم لكم في هذا الأمر ~~قدما صالحا لم نؤت مثله قاطعون أرحامنا ومستهينون بحقنا؟» وأجابه عمر في صراحة: «إني ~~والله ما قلت ما بلغكم إلا نصيحة لمن سبقكم للإسلام وتحريا للعدل فيما بينكم وبين من هو ~~أفضل منكم من المسلمين.» # على أن ما رآه عمر من تفضيل السابقين للإسلام وتفضيل أهل بدر وتفضيل آل البيت، لم يكن ~~مصدره الهوى، وإنما كان مصدره الاقتناع، فلم يكن له أي أثر في معاملته لهؤلاء جميعا وفي ~~عدله بينهم في خلافة أبي بكر وفي خلافته، ذلك أنه كان مفطورا ms092 على العدل، كمل في نفسه معناه ~~وتجسمت في بصيرته صورته، ولي القضاء في عهد أبي بكر عامين فلم يختلف إليه متقاضيان، ولا ريب ~~أن قد كان لاشتغال المسلمين بالغزو والفتح في حروب الردة وفي فتح العراق والشام أثر في ~~ذلك كبير، ولا ريب كذلك في أن ما اشتهر عن عمر من العدل قد كان له فيه أثر أي أثر، فمن ~~العوامل التي تشجع الناس على التقاضي طمع من لا حق له في أن يخطئ القاضي فيضل طريق الحق، أو ~~يحابي فيحيد عن هذا الطريق، ولم يعرف الناس أن عمر كان يحابي في الحق أحدا، أو أنه كان ~~ينظر في الأمور بغير روية أو تمحيص يهديانه الحق ويكشفان له عنه، لا عجب وذلك شأنه ألا يذهب ~~إليه متقاض يلتمس عنده غير الحق، ثم لا عجب أن يخشى الباغي سطوته، فيرجع عن بغيه ويرد إلى ~~صاحب الحق حقه. # وكان العدل في فطرة عمر منذ نشأته، ثم نمت فكرة العدل في نفسه حتى بلغت الكمال؛ لأنه سما ~~بعقله وقلبه فوق شهوات هذه الحياة الدنيا، فلم يجعل لها عليه سلطانا، اشتغل بالتجارة صدر ~~شبابه فكفاه منها أن ترزقه وترزق عياله رزق كفاف لا رزق نعمة وترف، وكان يذهب في تجارته إلى ~~العراق وإلى الشام واليمن، فكان أشد حرصا على مقابلة الأمراء والحكماء من أهل هذه البلاد ~~ليزداد بالتحدث إليهم علما، منه على أن تزداد تجارته ربحا فيصبح من الأغنياء، فلما أسلم ~~اتجه به إسلامه شيئا فشيئا إلى ناحية التطهر، فاتخذ من التقشف وسيلته إلى هذه الغاية، ~~لذلك استغنى عما في أيدي الناس، فلم يكن له عند أحد منهم حاجة، ولم يكن له في أحد منهم مطمع ~~أو مأرب، ولعل ما عرف عنه من غلظة قد دفعه إلى هذا التطهر وأعانه عليه، فهو لم يكن يبالي أن ~~يقول لكل إنسان كل ما يعتقده من غير مداراة أو التماس للرضا، ألم يذهب إلى رسول الله إثر ~~عهد الحديبية يقول له: «ألست برسول الله؟ أولسنا بالمسلمين؟ أوليسوا ms093 بالمشركين؟ فعلام ~~نعطي الدنية في ديننا!» ولم يكن عمر يصطنع هذه الجرأة معتزا بها ما استغنى عن الناس، ~~فإذا احتاج إليهم دارى وتزلف، فإنما يداري ويتزلف من تذله الدنيا وتستهويه، فأما من أذل ~~الدنيا مستغنيا عنها فهو أشد استغناء عن الزلفى وعن المداراة، وذلك شأن المتطهرين أولي ~~النفوس الكبيرة والقلوب المصفاة، وكان عمر في الطليعة من هؤلاء. # هذه الصفات التي اجتمعت لعمر مالت به إلى إيثار الخير العام على نفسه وعلى أهله وذويه، ~~وهذا التفكير الذي انتهى به إلى أن يؤمن بسياسة أبي بكر في التوسع بالعراق والشام، جعلت أبا ~~بكر يراه أجدر من يخلفه على سياسة المسلمين، لكن في عمر شدة وغلظة ترغبان بالكثيرين من أولي ~~الرأي عن مودته، وأصحاب الرأي هم أعوان الخليفة في سياسة الدولة، فإذا انقطعت المودة بينه ~~وبينهم لم يسرعوا إلى معاونته بالرأي، فشق عليه أن يسوسهم وأن يسوس الدولة بهم، أفلا يجمل ~~بأبي بكر أن يوازن بين صفات عمر وحسن سياسته وبين ما فطر عليه من غلظة قد تفسد عليه الأمر ~~ثم لا تكافئها سائر مزاياه؟ # فكر الصديق في هذا الأمر حين شعر في مرضه بأنه مشف على الموت، أتراه يدع المسلمين ~~يختارون لأنفسهم، فلا يشير عليهم في الأمر برأي ولا يستخلف منهم أحدا، وله أسوة في رسول ~~الله؟! هذا أيسر طريق وأهونه، لكن الصديق ذكر سقيفة بني ساعدة وموقف الأنصار بها، وذكر ما ~~كان موشكا أن يحدث لولا أن جمع الله كلمة المسلمين على بيعته، ولئن اختلف المسلمون حين ~~وفاته ليكونن اختلافهم أجسم خطرا، فلم يبق الأمر دائرا بين المهاجرين والأنصار دون غيرهم ~~بعد أن جاهد العرب ولا يزالون يجاهدون في العراق والشام، يواجهون فارس والروم، فإذا قبض ~~واختلفوا، أدى اختلافهم إلى فتنة قد تثور في بلاد العرب كلها، فتفسد الأمر وتقضي على سياسة ~~التوسع وهو لا يزال في بداءته، فأما إذا استخلف وجمع كلمة المسلمين على من استخلفه فقد اتقى ~~ما يخشى، وإذا كان رسول الله لم يستخلف، فذلك لئلا يظن الناس ms094 أن من استخلفه قد استمد الأمر ~~على المسلمين بوحي من عند الله، فأصبح خليفة الله، ولا خوف من مثل هذا الظن إذا استخلف أبو ~~بكر، فجنب المسلمين الاختلاف، وكفل لسياسة التوسع الاستمرار والنجاح، فليفعل! وليكن عمر ~~خليفته! وليجمع كلمة المسلمين عليه! وهو إن استطاع أن يجمعها فذلك التوفيق من الله توفيقا ~~ينصر دينه. # وأصبح فدعا إليه عبد الرحمن بن عوف فسأله عن عمر، فقال: «هو والله أفضل من رأيك فيه من ~~رجل، ولكن فيه غلظة.» قال أبو بكر: «ذلك لأنه يراني رفيقا، ولو أفضى الأمر إليه لترك ~~كثيرا مما هو عليه، ويا أبا محمد قد رمقته فرأيته إذا غضبت على الرجل في الشيء أراني الرضا ~~عنه، وإذا لنت له أراني الشدة عليه.» وانصرف عبد الرحمن، فدعا الخليفة عثمان بن عفان فسأله ~~عن عمر، فقال: «اللهم علمي به أن سريرته خير من علانيته، وأنه ليس فينا مثله.» وبعد انصراف ~~عثمان شاور أبو بكر سعيد بن زيد وأسيد بن حضير وغيرهما من المهاجرين والأنصار، حريصا على ~~أن يجمع كلمتهم على خلافة عمر، وسمع بعض أصحاب النبي بمشاورات أبي بكر في استخلاف عمر، ~~فأشفقوا من غلظة ابن الخطاب وشدته أن يفرق ذلك كلمة المسلمين، فاجتمع رأيهم على أن يهيبوا ~~بالخليفة ليرجع عن عزمه، واستأذنوا فدخلوا عليه، فقال طلحة بن عبيد الله: «ما أنت قائل لربك ~~إذا سألك عن استخلافك عمر علينا، وقد رأيت ما يلقى الناس منه وأنت معه، فكيف به إذا خلا بهم ~~بعد لقائك ربك؟!» وغضب أبو بكر لما سمع من ذلك وصاح بأهله: أجلسوني، فلما أجلسوه قال، ولا ~~يزال الغضب آخذا منه مأخذه: «أبالله تخوفوني! خاب من تزودكم من أمركم بظلم! أقول: اللهم ~~استخلفت على أهلك خير أهلك!» ثم اتجه إلى طلحة فقال له: «أبلغ عني ما قلت لك من ~~وراءك.» # أشفق أبو بكر من هذا الحديث ألا يكون قد جمع كلمة المسلمين على الرضا بخلافة عمر له، فقضى ~~ليله مؤرقا، فلما أصبح دخل عليه عبد الرحمن بن عوف فبادله ms095 التحية، ثم تحدث الصديق ~~وكأنما عناه ما حدث بالأمس فقال: «إني وليت أمركم خيركم في نفسي، فكلكم ورم أنفه من ذلك ~~يريد أن يكون الأمر له دونه.» وأجابه عبد الرحمن: «خفف عليك رحمك الله! فإن هذا يهيضك، إنما ~~الناس في أمرك بين رجلين: إما رجل رأى ما رأيت فهو معك، وإما رجل خالفك فهو مشير عليك، ~~وصاحبك كما تحب، ولا نعلمك أردت إلا خيرا، ولم تزل صالحا مصلحا.» # لم يكتف أبو بكر بمشاروة أولي الرأي من المسلمين وبخاصة بعد أن رأى منهم من خالفه في ~~رأيه؛ لذلك أشرف من حجرة بداره على الناس بالمسجد، فقال يخاطبهم جميعا: «أترضون بمن أستخلف ~~عليكم؟ فإني والله ما ألوت من جهد الرأي، ولا وليت ذا قرابة، وإني قد وليت عمر بن الخطاب، ~~فاسمعوا له وأطيعوا!» وأجاب الناس: «سمعنا وأطعنا.» عند ذلك رفع يديه إلى السماء وقال: ~~«اللهم إني لم أرد بذلك إلا صلاحهم، وخفت عليهم الفتنة فعملت فيهم ما أنت به أعلم، واجتهدت ~~لهم رأيا فوليت عليهم خيرهم وأقواهم عليهم وأحرصهم على ما أرشدهم.» وسمع الناس دعاءه ~~فازدادت كثرتهم اطمئنانا لما صنع. # ودعا أبو بكر عمر فعهد إليه وأوصاه بمتابعة الحرب في العراق والشام من غير هوادة، وذكره ~~بما يجب على من ولي أمر المسلمين من تحري الحق، وبأن الله ذكر آية الرحمة مع آية العذاب، ~~ليكون العبد راغبا راهبا لا يثني على الله غير الحق، فإن فعل لم يكن غائب أحب إليه من ~~الموت، يحاسبه الله بعده فيثيبه عن الحق واتباعه، فلما فرغ من وصيته خرج عمر من عنده وهو ~~يفكر في هذا الأمر الذي ألقي على عاتقه فود لو أن الصديق برئ من مرضه ليواجه موقفا ما ~~أدقه. # لكنه لم يتردد في قبول ما ألقي عليه متى آن له أن ينهض بتبعته، إنها تبعة عظيمة وعبء جم ~~المتاعب، لكن! من لهذا العبء كابن الخطاب يحمله وينهض به! ولقد حمله عمر بعزم وقوة، فلم ~~يترك هذه الدنيا حتى امتد الفتح الإسلامي فشمل فارس ms096 والشام ومصر، وحتى قامت الإمبراطورية ~~الإسلامية على أمتن دعامة وأقوى أساس. # | هوامش # الفصل الخامس # | عمر يستفتح عهده # قبض أبو بكر بعد مغيب الشمس من مساء الإثنين لإحدى وعشرين ليلة خلت من شهر جمادى الآخرة ~~للسنة الثالثة عشرة من الهجرة (22 أغسطس سنة 632م)، فلما جن الليل غسل وحمل على السرير ~~الذي حمل عليه رسول الله إلى المسجد، وصلي عليه، ونقل جثمانه إلى قبر الرسول، ودفن في ~~حفرة إلى جنبه # صلى الله عليه وسلم ~~، وجعل رأسه إلى كتف رسول الله وألصق اللحد باللحد، وقد تولى دفنه ~~عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله وعبد الرحمن بن أبي بكر. # أتم عمر واجبه الأخير للخليفة الأول، وخرج من حفرة القبر بدار عائشة فسلم على أصحابه، ثم ~~انطلق عائدا أدراجه يؤم داره بعد منتصف الليل، # 1 # ودخل مضجعه وجعل يفكر فيما يتنفس عنه الغد، فسيبايعه المسلمون من بكرة النهار ~~ليتولى أمورهم، فيواجه منهم من رضي استخلافه كارها، ثم يواجه الموقف الحربي الجليل الدقيق ~~في العراق وفي الشام؛ فماذا عسى أن يفعل ليتغلب على هذين الأمرين وهما بأعظم مكان من جلال ~~الخطر في حياة الدولة الناشئة. # كان موقف المسلمين بالعراق والشام يومئذ بالغا غاية الدقة، فقد جمدت قوات المسلمين ~~بالشام أمام قوات الروم فأنجدها أبو بكر بخالد بن الوليد في عدد من جيش العراق، مع ذلك ~~أقامت القوات وخالد على رأسها ولا يبلغ المسلمين بالمدينة من نبئها ما يبعث إلى نفوسهم ~~الأمل في نصرها أو يطمئنهم على مصيرها، وقد ضعف جيش العراق بغياب خالد فيمن فصل بهم من ~~المسلمين إلى الشام، فلم يستطع المثنى بن حارثة الشيباني، على براعته ومقدرته، أن ~~يحتفظ بكل ما غنمه المسلمون من سواد العراق، فارتد إلى الحيرة وتحصن بها، حقا إنه انتصر ~~على جيش من الفرس وجهه شهريران بن أردشير بقيادة هرمز جاذويه، فالتقى هو والمسلمون على ~~أطلال بابل فردوه مدحورا، لكن المثنى رجع بعد نصره يتحصن بمواقفه الأولى خيفة أن يباغت، ~~موقنا أنه لن يستطيع التقدم ms097 وإن استطاع المقاومة، بل لقد تصبح المقاومة أمرا عسيرا إذا ~~اطمأن بلاط فارس وزال اضطرابه، لهذا كتب إلى أبي بكر يستأذنه في الاستعانة بمن ظهرت توبتهم ~~من أهل الردة، وكان أبو بكر قد حرم الاستعانة بهم في الحرب، فلما أبطأ عليهم رد ~~الخليفة استخلف بشير بن الخصاصية على من بالعراق من المسلمين، وذهب إلى المدينة يعرض ~~موقفه الدقيق، ويدافع عن رأيه في الخروج منه. # ترى كيف يواجه عمر هذه الأمور كلها؟ في هذا وفيما يتصل به بات يفكر ليله، ضارعا إلى الله ~~أن يلهمه الرأي، وأن يهديه الصراط السوي، إنه سيرى المثنى في طليعة من يراهم متى أصبح، ~~وسيطلب المثنى إليه ما طلبه إلى أبي بكر من قبل، أن يعينه بمن ظهرت توبتهم من أهل ~~الردة، وسيردد المثنى أن التائبين من أهل الردة يطمعون في مغانم الغزو، فلا أحد ~~أنشط إلى الحرب منهم، وقد أوصى أبو بكر عمر في أمر العراق وصية لا بد من تنفيذها، إذ دعاه ~~إليه وقال له: «اسمع يا عمر ما أقول لك ثم اعمل به! إني لأرجو أن أموت من يومي هذا، فإن أنا ~~مت فلا تمسين حتى تندب الناس مع المثنى، وإن تأخرت إلى الليل فلا تصبحن حتى تندب الناس مع ~~المثنى، وإن فتح الله على أمراء الشام فاردد أصحاب خالد إلى العراق فإنهم أهله وولاة أمره ~~وحده، وهم أهل الضراوة بهم والجرأة عليهم.» # أفيندب الناس مع المثنى أم يدعه يستعين بمن ظهرت توبتهم من أهل الردة؟ إنه ليخشى أن ~~يتقاعس الناس إذا ندبهم بعد ما رأوا أصحابهم بالشام لا يستطيعون التقدم فيه، ورأوا المثنى ~~بالمدينة خائفا من الفرس وصولتهم، ولكن المسلمين لا بقاء لهم بالعراق إذا لم تعزز قواتهم ~~فيه بمدد قوي، والتفكير في الانسحاب من تلك البلاد أمر لا يخطر للمثنى ببال؛ فهو الذي دفع ~~أبا بكر لغزوها، وهو الذي تقدم خالدا والمسلمين جميعا إليها؛ فليس هينا على نفسه أن يجلو ~~عن بلد كان الطليعة في غزوه، وأن يجلو عنه وهو موقن ms098 بمقدرته على فتحه، ولو أن عمر أمده ~~بالتائبين من أهل الردة، لتابع الفتح ففض على كسرى إيوانه. # ولم يخطر الانسحاب من العراق ببال عمر كذلك؟ فإنما استخلفه أبو بكر ثقة منه بأنه أقدر ~~المسلمين على متابعة سياسته ولا سبيل إلى متابعة هذه السياسة إلا أن يأخذ الأمر بالحزم، وأن ~~ينفذ وصية الصديق فيندب الناس مع المثنى، وأن يعزز قوات المسلمين بالشام، أترى وجوه ~~المسلمين وأصحاب رسول الله الذين برموا باستخلافه يعاونونه في ذلك صادقين؟ وإذا ترددوا في ~~معاونته فما عساه يصنع؟ وماذا يكون من أثر ترددهم في العرب وفي ولائهم للمدينة؟ ألا إن ~~سياسة الحزم وحدها هي التي تنجح في هذا الموقف، والحزم لا ينقص عمر، فليعزم الأمر، وليتوكل ~~على الله! # بات عمر وقد عناه التفكير في هذا كله، وأصبح فخرج إلى الناس بالمسجد، فأقبلوا على بيعته ~~إقبالا سكن بعض ما جاشت به نفسه، فلما كان الظهر وازدحم الناس للصلاة، صعد عمر المنبر درجة ~~دون الدرجة التي كان يقوم أبو بكر عليها، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي، وذكر أبا ~~بكر وفضله ثم قال: «أيها الناس! ما أنا إلا رجل منكم، ولولا أني كرهت أن أرد أمر خليفة رسول ~~الله ما تقلدت أمركم.» قال هذه العبارة متأثرا في تواضع ورفق أخذ بهما الناس ورأوا فيهما ~~دليلا على صدق فراسة الصديق فيه، وبعد نظره في استخلافه، فأثنوا على عمر خيرا وزادهم ~~ثناء عليه أن رأوه يتوجه بنظره إلى السماء ويقول: «اللهم إني غليظ فليني! اللهم إني ضعيف ~~فقوني! اللهم إني بخيل فسخني!» وأمسك عمر هنيهة حتى سكن الناس، ثم قال: «إن الله ابتلاكم ~~بي، وابتلاني بكم، وأبقاني فيكم بعد صاحبي، فوالله لا يحضرني شيء من أمركم فيليه أحد ~~دوني، ولا يتغيب عني فآلو فيه عن الجزء والأمانة، ولئن أحسنوا لأحسنن إليهم، ولئن أساءوا ~~لأنكلن بهم.» # أتم عمر كلامه ثم نزل فأم الناس للصلاة، حتى إذا فرغ منها التفت إليهم فندبهم للذهاب إلى ~~العراق مع المثنى، وذكر لهم وصية أبي بكر ms099 في ذلك، وسمع الناس نداء الخليفة، فنظر بعضهم إلى ~~بعض ثم لم يجب الدعوة منهم أحد، وكأنما ذكروا ما أصاب إخوانهم بالشام، فلم يريدوا أن يصابوا ~~بمثله، أليس أبو بكر قد دعاهم لغزو الشام فترددوا فقام عمر يومئذ فصاح بهم: «ما لكم يا معشر ~~المسلمين لا تجيبون خليفة رسول الله إذا دعاكم إلى ما يحييكم!» عند ذلك أجابوا الدعوة، ~~فساروا لمواجهة هرقل وجنوده، وها هم أولاء أبو عبيدة بن الجراح وعمرو بن العاص ~~ويزيد بن أبي سفيان، ومن معهم من الصحابة ومن تبعهم من الأمراء والأبطال من مختلف الأرجاء ~~في شبه الجزيرة، في موقفهم من الروم لا يستطيعون التغلب عليهم، ثم لم يغن عنهم أن أمدهم ~~أبو بكر بخالد بن الوليد بعدما دوخ الفرس بانتصاراته في العراق، أتراهم يكونون أحسن حظا ~~إذا لبوا نداء عمر وساروا مع المثنى في العراق؟! أم تراهم يقفون هناك من جنود كسرى موقف ~~أصحابهم بالشام من جنود هرقل؟! وليس يطمع أحد منهم في أن يرد عمر خالدا إلى العراق وهم ~~يعلمون سوء رأيه فيه، ويذكرون موقفه منه في حادث مالك بن نويرة. # والمثنى بن حارثة قائد عظيم لا ريب، لكنه ليس من قريش وليس من أصحاب رسول الله، بل هو من ~~بني بكر بن وائل، ثم إنه لم يلبث، حين فصل ابن الوليد من العراق إلى الشام، أن انسحب من ~~سواد العراق إلى الحيرة، ثم جاء إلى المدينة يستمد الخليفة، ويدل بذلك على أنه في مكان من ~~الفرس لا يحسد عليه، ولعل له عذره، فاسم الفرس كان يلقي في قلوب العرب الرعب، ولقد ظن بعضهم ~~أن خالدا غلبهم؛ لأنهم استخفوا بادئ الرأي بأمره، فلم يواجهوه من قوتهم بما يرده على عقبه، ~~أما وذلك الشأن فما لهم ولقتال قد تدور عليهم دائرته؟ # لم يخف أحد من الزعماء وأولي الرأي ملبيا نداء عمر، وإذا تثاقل هؤلاء كان غيرهم من ~~جمهور الناس أكثر تثاقلا، هنالك أطرق عمر هنيهة، ثم عاد إلى مجلسه من المسجد وعاد الناس ~~يتتابعون على ms100 بيعته وانصرف الناس بعد العشاء، وبقي عمر ليله يفكر، فلما أصبح وأخذ مكانه من ~~المسجد، وعاد الناس يتتابعون على بيعته، ونادى المنادي لصلاة الظهر، فما لبث عمر حين انفتل ~~منها أن نادى في الناس بصوته الجهير يأمرهم أن يردوا سبايا أهل الردة إلى عشائرهم، ~~ويعلل ذلك بقوله: «إني كرهت أن يصير السبي سنة في العرب.» # سمع الناس هذا الأمر، فشخصت أبصارهم إلى عمر، وجعلوا يتساءلون بينهم: ماذا أراد به؟! لقد ~~سبى المسلمون من العرب في حروب الردة تنفيذا لأمر أبي بكر حين أذاع في أرجاء شبه ~~الجزيرة أنه أمر كل قائد من قواده ألا يقبل من مرتد إلا الإسلام، ومن أبى يقاتله على ذلك، ~~ولا يبقي على أحد منهم قدر عليه، وأن يحرقهم بالنيران ويقتلهم كل قتلة، ويسبي النساء ~~والذراري، أفيريد عمر بهذا الأمر أن يخالف أبا بكر وأن يجري على غير سنته؟ أم أنه رأى الناس ~~تقاعسوا حين ندبهم للذهاب مع المثنى فأراد أن يستميل العرب من مختلف القبائل إليه ليمد ~~المثنى بهم؟ أيا ما كان الأمر، فما أمر به جديد في سياسة الدولة يقف النظر ويوجب ~~التساؤل. # الحق أن عمر لم يذق النوم في الليلتين اللتين انقضتا منذ قبض أبو بكر إلا غرارا، فالناس ~~يتتابعون على بيعته احتراما لعهد الصديق ووصيته، ولكن الكثيرين من زعمائهم لا يزالون ~~يبرمون به لغلظته، وقد كان لبعضهم في ولاية الأمر مأرب، ولن تستقيم الأمور في دولة لا ~~يتضامن أولو الرأي فيها على توجيه سياستها، والموقف أدق من أن يدعه عمر للزمن مكتفيا بأن ~~يدعو الله أن يحببه للناس وأن يحبب الناس إليه، فإن لم يأخذ الأمر بالحزم أوشكت شئون الدولة ~~أن تضطرب، أما وقد أمر برد السبي إلى عشائرهم فتألف قبائل العرب وكسب قلوبا كانت تنفر من ~~شدته، فليمض غير متردد في سياسته، ولقد خرج إلى الناس بالمسجد في اليوم الثالث، فلما فرغوا ~~من بيعته قام فيهم فقال: «إنما مثل العرب مثل جمل أنف # 2 # اتبع قائده، فلينظر قائده حيث يقوده، أما ms101 أنا فورب الكعبة لأحملنهم على ~~الطريق.» # ازدادت الأبصار شخوصا إلى عمر، وخيل إلى الحاضرين بالمسجد جميعا أن هذا الرجل سيكون ~~عليهم سوط عذاب بشدته وغلظته، ورأى عمر ذلك في وجوههم، فصعد المنبر حين ازدحموا لصلاة الظهر فقال: # بلغني أن الناس هابوا شدتي، وخافوا غلظتي، وقالوا: قد كان عمر يشتد علينا ورسول ~~الله بين أظهرنا، ثم اشتد علينا وأبو بكر والينا دونه، فكيف وقد صارت الأمور إليه، ~~ومن قال ذلك فقد صدق. ~~... إنني كنت مع رسول الله، فكنت عبده وخادمه، وكان من لا يبلغ أحد صفته من اللين ~~والرحمة، وكان - كما قال الله - بالمؤمنين رءوفا رحيما، فكنت بين يديه سيفا ~~مسلولا حتى يغمدني أو يدعني فأمضي، فلم أزل مع رسول الله حتى توفاه الله وهو عني ~~راض، والحمد لله كثيرا وأنا به أسعد. # ثم ولي أمر المسلمين أبو بكر، فكان من لا تنكرون دعته وكرمه ولينه، فكنت خادمه ~~وعونه، أخلط شدتي بلينه، فأكون سيفا مسلولا حتى يغمدني أو يدعني فأمضي، فلم أزل ~~معه كذلك حتى قبضه الله عز وجل وهو عني راض، فالحمد لله على ذلك كثيرا وأنا به ~~أسعد. # ثم إني وليت أموركم أيها الناس، فاعلموا أن تلك الشدة قد أضعفت، ولكنها إنما تكون ~~على أهل الظلم والتعدي على المسلمين، فأما أهل السلامة والدين والقصد فأنا ألين لهم ~~من بعضهم لبعض، ولست أدع أحدا يظلم أحدا أو يتعدى عليه حتى أضع خده على الأرض، ~~وأضع قدمي على الخد الآخر حتى يذعن بالحق، وإني بعد شدتي تلك أضع خدي على الأرض ~~لأهل العفاف وأهل الكفاف. # ولكم علي أيها الناس خصال أذكرها لكم فخذوني بها؛ لكم علي ألا أجتبي شيئا من ~~خراجكم ولا ما أفاء الله عليكم إلا من وجهه، ولكم علي إذا وقع في يدي ألا يخرج ~~مني إلا في حقه، ولكم علي أن أزيد عطاياكم وأرزاقكم إن شاء الله تعالى، وأسد ~~ثغوركم، ولكم علي ألا ألقيكم في المهالك، ولا أجمركم في ثغوركم، # 3 # وإذا غبتم في البعوث فأنا أبو العيال. ms102 # فاتقوا الله، عباد الله، وأعينوني على أنفسكم بكفها عني! وأعينوني على نفسي ~~بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإحضاري النصيحة فيما ولاني الله من أمركم، ~~أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. # قال عمر هذا القول ثم نزل فأم الناس للصلاة، وأتمها ثم انصرف عنهم، وجعل الناس يفكرون ~~فيما سمعوا منه، لقد عرفوه رجلا صريحا ظاهره كباطنه، وسره كعلانيته وعرفوه رجلا عادلا ~~مع ما فيه من شدة وغلظة، وها هو ذا يذكر لهم أن شدته لن تكون إلا على الظالمين، وهو لا ~~يخدعهم حين يقول إنه سيكون لأهل السلامة والقصد ألين من بعضهم لبعض، فقد عرفوا من رفقه في ~~بعض المواضع ما لا سبيل إلى إنكاره أو نسيانه، ثم إنه وعدهم أن يزيد في عطاياهم وأرزاقهم، ~~وأن يكون أبا لعيالهم إذا غابوا عنهم في حرب، أليس خليقا بهم أن يولوه كل ثقتهم، وأن ~~يجيبوا دعوته إذا دعاهم؟! # كان ذلك شأن كثيرين من سواد الحاضرين، أما زعماؤهم فقد ظلوا في تحفظهم، برما بعمر من ~~جانب بعضهم، وهيبة للموقف في الشام وفي العراق من جانب الأكثرين، وعاد عمر لصلاة العصر، ثم ~~ندب الناس مع المثنى فاثاقلوا، وكان المثنى حاضرا، وكان شديد الإلحاح على عمر أن يعينه ~~بمن ظهرت توبتهم من أهل الردة، فهم لقتال الفرس أنشط، وزاد إلحاحه شدة حين أمر عمر برد ~~السبي من أهل الردة إلى عشائرهم، ثقة منه بأن هذا الأمر سيجعلهم أكثر إقبالا على السير ~~معه، فلما أبطأ عمر في إجابته إلى ما طلب ورأى الناس يزدادون إقبالا على عمر وطمأنينة ~~لخلافته، طمع في أن يتقدموا لما ندبهم الخليفة له، لكنه رأى تثاقلهم، وتبين في وجوههم أن ~~وجه فارس من أكره الوجوه إليهم، وأثقلها عليهم، لشدة سلطانهم وعزهم وشوكتهم وقهرهم الأمم، ~~عند ذلك وقف يخطبهم فقال: # أيها الناس! لا يعظمن عليكم هذا الوجه، فإنا قد تبحبحنا # 4 # ريف فارس وغلبناهم على خير شقي السواد، وشاطرناهم ونلنا منهم واجترأ ~~من قبلنا عليهم، ولها إن شاء الله ما ~~بعدها. # سمع عمر ms103 عبارة المثنى ورأى حسن أثرها في الناس فقام فيهم خطيبا، فكان مما قاله لهم: # إن الحجاز ليس لكم بدار إلا على النجعة، # 5 # ولا يقوى عليه أهله إلا بذلك، أين الطراء المهاجرون عن موعود الله، ~~سيروا في الأرض التي وعدكم الله في الكتاب أن يورثكموها، فإنه قال: # ليظهره على الدين كله ~~، والله مظهر دينه، ~~ومعز ناصره، ومول أهله مواريث الأمم، أين عباد الله ~~الصالحون! # شعر الناس بما في تثاقلهم من سبة لهم بعد الذي سمعوا من كلام المثنى ومن كلام عمر، إنهم ~~نصروا رسول الله وأعزوا دين الله، ونصروا أبا بكر من بعده فنصرهم الله، فما بالهم لا ~~يتحركون لدعوة عمر! وترددوا: أيلبون الدعوة أم يظلون على تقاعسهم، وإنهم لكذلك إذ تقدم أبو ~~عبيد عمرو بن مسعود الثقفي للسير إلى العراق، فكان أول منتدب لهذا الأمر الجليل، وثنى من ~~بعده سليط بن قيس، عند ذلك اجتمع الناس إليهما وأجمعوا السير معهما، فكان معهما ألف رجل من ~~أهل المدينة، ورأى عمر اجتماع ذلك البعث فاغتبط أيما اغتباط، وخفق قلبه شكرا لله أن أخرج ~~المسلمين من ذلك الجمود الذي كانوا فيه، والذي أوشك أن يفسد عليهم أمرهم. # من من المهاجرين والأنصار يتولى إمارة البعث؟ فكر الذين ترددوا في إجابة الدعوة في هذا ~~الأمر، وخافوا أن يجعل عمر الإمارة على جيش فيه عدد عظيم من أهل المدينة لواحد من غير أهل ~~المدينة؛ لذلك أسرع قوم إلى الخليفة يقولون له: «أمر عليهم رجلا من السابقين من ~~المهاجرين والأنصار.» لكن ترددهم ثلاثة الأيام الأولى من خلافة عمر قد حز في نفسه وأحفظه ~~عليهم؛ لذلك لم يتردد أن أجابهم: «لا والله لا أفعل! إن الله إنما رفعكم بسبقكم وسرعتكم إلى ~~العدو، فإذا جبنتم وكرهتم اللقاء فأولى بالرياسة منكم من سبق إلى الدفع وأجاب إلى الدعاء، ~~والله لا أؤمر عليهم إلا أولهم انتدابا.» ثم دعا أبا عبيد فولاه الإمارة، ودعا سعد بن عبيد ~~وسليط بن قيس وقال لهما: «أما إنكما لو سبقتماه لوليتكما ولأدركتما بها إلى ما ms104 لكما من ~~القدمة.» # اطمأن المثنى بن حارثة حين رأى هذا الجيش يتأهب للسير معه إلى العراق، أما عمر فرأى ألا ~~حاجة بالمثنى إلى البقاء بالمدينة، ولذلك أمره أن يرجع إلى العراق فيلحق بقواته فيه، وقال ~~له: «النجاء حتى يقدم عليك أصحابك ...» وأخذ الجيش الجديد في الأهبة، حتى إذا دنا موعد ~~الرحيل قال عمر لأبي عبيد يوصيه: # اسمع من أصحاب النبي # صلى الله عليه وسلم # وأشركهم في الأمر، ولا تجتهد مسرعا حتى تتبين، ~~فإنها الحرب، والحرب لا يصلحها إلا الرجل المكيث الذي يعرف الفرصة والكف. # هذه مشكلة معقدة ألهم الله عمر فيها الرأي، فحلها في أربعة الأيام الأولى من خلافته، ثم ~~لم يصرفه اشتغاله بها عن التفكير في المشاكل الأخرى القائمة أمامه، فقد فكر في أمر الشام، ~~وفي أمر نصارى نجران، وفي سائر الأمور التي كان يرى فيها غير رأي أبي بكر، وفكر في الخطة ~~التي يجب أن يسير عليها لينفذ رأيه ويجمع المسلمين حوله، وكان حين تنفيذه رأيه في هذه ~~المشاكل صريحا كعهد المسلمين به، حازما غاية الحزم، لا يعرف التردد ولا المداراة، ولا ~~يأبى أن يحمل التبعة كاملة؛ لأنه كان يؤمن بأنه على الحق، وأن الله مؤيده لذلك لا ~~محالة. # لقد عرف الناس جميعا سوء رأيه في خالد بن الوليد، وحرصه في حادث مالك بن نويرة على أن ~~يقيد أبو بكر منه، ولم يتغير رأي عمر في خالد من بعد هذا الحادث، وقد فصل خالد من العراق ~~إلى الشام بأمر أبي بكر وولي الإمارة على قوات المسلمين فيه، ثم قضى به أكثر من شهر فلم ~~يتغلب على قوات الروم، بل لم يواجههم، أية فرصة خير من هذه لعزل خالد عن إمارة الجيش ورد ~~هذه الإمارة إلى أبي عبيدة! وهذا ما فعل عمر، فقد كتب إلى أبي عبيدة غداة قبض أبو ~~بكر، يخبره بوفاة الخليفة، ثم كتب بعزل خالد وتولية أبي عبيدة إمارة الجيش مكانه، وأن ~~يكون خالد أمير اللواء الذي كان أبو عبيدة أميره، وبعث بوفاة أبي بكر مع ms105 يرفأ ~~مولاه، وبعزل خالد وإمارة أبي عبيدة مع محمية بن زنيم وشداد بن أوس، وأوصى أبا ~~عبيدة في كتاب توليته بقوله: «لا تقدم المسلمين إلى هلكة رجاء غنيمة، ولا تنزلهم ~~منزلا قبل أن تستر يده لهم وتعلم كيف مأتاه، ولا تبعث سرية إلا في كثف من الناس، وإياك ~~وإلقاء المسلمين في هلكة! وقد أبلاك الله بي وأبلاني بك، فغمض بصرك عن الدنيا وأله ~~قلبك عنها، وإياك أن تهلك كما أهلكت من كان قبلك فقد رأيتم مصارعهم!» # كيف غامر عمر بعزل خالد وخالد على رأس قوات المسلمين بالشام، وهذه القوات في موقف دقيق! ~~فقد كانوا هناك بإزاء الروم لا يواجهونهم ولا يقدرون من أمرهم على شيء، ولا يقدر الروم من ~~أمر المسلمين على شيء، كان ذلك موقفهم قبل أن يذهب خالد بن الوليد من العراق إليهم، ثم ظلوا ~~فيه بعد أن أقدم خالد بينهم، كان كلا الفريقين يتحين الفرصة التي يخرج فيها من جموده، ويوقع ~~فيها بعدوه، أفلا يخشى الخليفة أن يفت أمره بعزل خالد من أعضاد المسلمين فيزيد موقفهم دقة؟ ~~أولم يكن الأجمل به أن يتريث حتى يخرج خالد بالمسلمين من المأزق الذي هم فيه، وله بعد ذلك ~~أن يأمر بما يشاء؟! # هذه اعتبارات لها من غير شك قيمتها في تطور القتال، وسنرى من بعد أن أبا عبيدة قدرها ~~قدرها دون أن يخشى برم الخليفة به، أو غضبه عليه، لكن عمر نظر في الأمر من غير هذه ~~الناحية، فلو أنه أرجأ الأمر بعزل خالد إلى ما بعد المعركة لأضر ذلك بسياسته وأفسد عليه ~~خطته، فليس للمعركة مصير إلا أن ينهزم المسلمون فيها أو ينتصروا، فإن انهزموا لم يغن عزل ~~خالد عن هزيمتهم، وإن انتصروا وخالد قائدهم لم يكن لعمر أن يعزل قائدا في أوج نصره، فإن ~~فعل أتى أمرا إدا، وعمر حريص على ألا يبقى خالد على القيادة العامة بالشام أو بغير ~~الشام؛ لذلك أسرع فأصدر الأمر بعزله، وله من العذر أن خالدا لم يحقق ما ندبه أبو بكر ~~لتحقيقه، ms106 فإذا انتصر المسلمون بعد هذا فلا تثريب على عمر فيه، فهو إنما صنع ما اقتنع بأنه ~~الحق، وصنعه وخالد في موقف لا يظلمه فيه من يأمر بعزله. # يتساءل الناس إلى يومنا هذا عن السر في عزل عمر خالدا، وخالد سيف الله على لسان رسول ~~الله، وهو الذي قضى على الردة وفتح العراق، وهو البطل لا يشق غباره، وعبقري الحرب ~~غير منازع، أحقا أن مقتل مالك بن نويرة وتزوج خالد من امرأته قد بقي له من الأثر في نفس ~~عمر ما حمله على هذا التصرف؟ أم خشي عمر أن يفتتن خالد بالناس كما افتتنوا به لانتصاره ~~المتصل في الحرب، وقد يجر افتتانه على الدولة شرا؟ يرى بعضهم هذا الرأي الأخير، ويذكرون ~~أن خالدا رجع إلى المدينة يسأل عمر عما حمله على عزله فأجابه: «ما عزلتك لريبة فيك ولكن ~~افتتن بك الناس، فخشيت أن تفتتن بالناس.» وهذه رواية لا سند لها، فالثابت أن خالدا لم يذهب ~~إلى المدينة بعد عزله، وأنه بقي بالشام يتابع غزواته بإمرة أبي عبيدة حتى عزله عمر عن ~~كل عمله بالجيش في السنة السابعة عشرة من الهجرة. ولا أحسب كذلك أن مقتل مالك بن نويرة كان ~~سبب العزل، فقد انقضت سنتان بين هذا الحادث واستخلاف عمر، وفي هاتين السنتين بلغت عبقرية ~~خالد في القيادة أوجها، وكانت فعاله في غزوة اليمامة وفي حرب العراق حديث الناس جميعا في ~~شبه الجزيرة وفي فارس والروم، وعندي أن عمر إنما عزل خالدا؛ لأن الثقة بين الرجلين لم تكن ~~قائمة قبل خلافة عمر ولا في أثنائها. # ولست أقصد ثقة عمر بعبقرية خالد، أو ثقة خالد بعدل عمر، وإنما أقصد الثقة القائمة على ما ~~يكون للرجل من حسن الرأي في صاحبه حتى ليغضي عن هناته، وحتى لتذهب الحسنة التي ~~يأتيها صاحبه أضعافها من سيئاته، وقد كان عمر يرى في خالد زهوا يدفعه إلى التسرع في ~~الحرب، وإن لم يكن للتسرع مسوغ، وإن خالف به أمر ولي الأمر، وقد دفعه الزهو والتسرع إلى ~~القتال يوم ms107 فتح مكة، حين نهى النبي عن القتال، كما دفعه للسير إلى بني تميم وقتل مالك بن ~~نويرة دون إذن من أبي بكر، وكان خالد ينسب كل ما يوجهه الخليفة الأول إليه من لوم إلى تحريض ~~عمر، حتى ليقول حين أمره الصديق بمغادرة العراق إلى الشام: «هذا عمل الأعيسر ابن أم سخلة، ~~حسدني أن يكون فتح العراق على يدي.» وإذا ضاعت الثقة بين رجلين على هذا النحو، لم يكن ~~تعاونهما مستطاعا، وبخاصة إذا كان أحدهما رئيس الدولة والآخر أمير جندها وصاحب لوائها، لا ~~عجب إذن بعزل عمر خالدا حتى لا تكون بينهما صلة مباشرة، بل يكون أبو عبيدة هو الذي ~~يوجه خالدا ويصدر إليه أوامره، وقد كانت الصلة بين خالد وأبي عبيدة صلة مودة وحسن ~~رأي. # قد يعترض على رأينا هذا بأن الخليفة لا يلي أمر الدولة لحسابه، بل لحساب المسلمين جميعا، ~~وكان من الواجب لذلك على عمر أن ينسى ما بينه وبين خالد، وأن يدع سيف الله يمضي لا يشيمه، ~~متأسيا في ذلك بأبي بكر، وما صنع ضاربا المثل للمسلمين في تقدير الرجال بأعمالهم، والسمو ~~بهذا التقدير على الآراء والميول الذاتية، وهذا اعتراض له وجاهته في المنطق النظري لا ريب، ~~لكن وجاهته هذه تتضاءل كل التضاؤل أمام الواقع من أمر هذه الحياة، فنحن معشر الناس، لا ~~نتصرف في شئون الحياة بعقولنا وحدها، بل إن لعواطفنا علينا لسلطانا أي سلطان، وسواء أكان ~~ما نتصرف فيه من خاصة شئوننا أو بعض ما وكل إلينا من شئون غيرنا فإنا نتأثر حين التصرف فيه ~~بشعورنا كتأثرنا بعقولنا، وقد يكون الشعور أكبر من العقل أثرا في اتجاهاتنا، ومن المحال أن ~~نقيم بين حكم الشعور وحكم العقل حدا فاصلا، صحيح أن بعض الناس أكثر تأثرا بشعورهم، ~~وبعضهم أكثر تأثرا بعقلهم، لكن اختلاف الكم لا يغير من تزاوج الشعور والعقل في توجيه ~~أحكامنا، ولا ريب أن قد تأثر عمر بشعوره نحو خالد، ولعله كذلك قد ظن أن خالدا حسده على ~~الخلافة، كما ظن خالد من قبل أن ms108 عمر حسده على فتح العراق، والرجلان بالغان غاية القوة كل في ~~ناحيته، فإذا تعارض شعور كل منهما نحو صاحبه على هذا النحو، خيف أن يتصادما، وأن يكون ~~لتصادمهما أثر سيئ في شئون الدولة وفي مصيرها؛ لذلك أخذ عمر الأمر بحزم حاسم لا يعرف هوادة، ~~غير ناظر إليه من ناحية العدل وما يوجبه، بل من ناحية النظام العام ومن ناحية أمن الدولة ~~وسلامتها. # على أن تصرف عمر بعزل خالد لم يكن شذوذا منه، وإن كان الأول من نوعه ، بل كان سياسة جرى ~~عليها مع الولاة والأمراء طيلة عهده، وسنرى من بعد أن مؤاخذة هؤلاء الولاة والأمراء بالشدة ~~كانت من مألوف خطته، وأنه كان يدعوهم إليه، ويحاكمهم عما يبلغه من شكايات، ويعزل من لا ~~يقتنع بدقته وأمانته في أداء عمله، ذلك أنه كان يحرص على تركيز السلطة كلها في يديه، وذلك ~~قوله أول ولايته: «والله لا يحضرني من أمركم شيء فيليه أحد دوني، ولا يتغيب عني فآلو فيه عن ~~الجزء والأمانة، ولئن أحسنوا لأحسنن إليهم، ولئن أساءوا لأنكلن بهم.» إذا اجتمع هذا الرأي ~~في سياسة الدولة إلى ما عرف عن عمر وسوء رأيه في خالد وضياع الثقة والألفة بين الرجلين، ~~تكشف السر في عزل خالد، وتكشف مكان هذا السر من نفس عمر. # عزل عمر خالدا عن إمارة الجيش بالشام وردها إلى أبي عبيدة، لكن ذلك لن يغير من موقف ~~المسلمين بإزاء الروم، ولن يشد أزرهم في قتالهم، بل لعله يؤدي إلى النقيض فتكون الطامة ~~الكبرى. # وإذا كان عمر أمر برد السبي من أهل الردة إلى عشائرهم فكسب بذلك قلوبهم، فقد أقبلوا ~~سراعا من كل حدب يلبون دعوته يريدون أن يأخذوا في الحرب بنصيب يطهرهم من سابق ردتهم، ويجعل ~~لهم ولذويهم من مغانم الحرب ما لسائر المسلمين؛ لذلك اطمأن عمر إلى توفيق الله في معالجة ~~الموقف الدقيق لجيوش المسلمين خارج شبه الجزيرة، فاتجه بتفكيره إلى ناحية أخرى لا تخالف ~~سياسة رسول الله وسياسة الصديق في أساسها، وإن خالفت هذه السياسة في بعض تفاصيلها. ms109 # ذلك أن رسول الله دعا الناس كافة إلى دين الله، لم يفرق في دعوته بين أهل الكتاب وغيرهم، ~~وقد رأى يهود المدينة في هذه الدعوة خطرا عليهم، فوادعوا محمدا وعاهدوه على حرية العقيدة، ~~لكنهم ما لبثوا حين رأوه يستقر له الأمر أن ائتمروا به، فقاتلهم وأجلاهم عن المدينة وعن ~~أكثر منازلهم من شبه الجزيرة، ولم يبق منهم إلا قليلون بعد غزوة خيبر صالحوه على البقاء ~~بأرضهم والعمل فيها على أن يكون للمسلمين النصف من غلاتها، أما نصارى نجران فبعثوا وفدا ~~يجادل النبي، فلما دعاهم ألا يعبدوا إلا الله ولا يشركوا به شيئا ولا يتخذ بعضهم بعضا ~~أربابا من دون الله، تولوا وعادوا إلى بلادهم، ثم إنهم بعثوا إليه وفدا صالحه على الجزية ~~يدفعونها لقاء دفاع المسلمين عن حرية عقيدتهم، فلما تولى أبو بكر أقر نصارى نجران وعاهدهم ~~على ما عاهدهم النبي عليه، واقتضى يهود خيبر ما كان يقتضيهم رسول الله. # ونظر عمر في الأمر يوم استخلف فاتجه فيه وجهة جديدة، فقد دعا إليه يعلى بن أمية وألقى ~~عليه أن يجلي نصارى نجران عن ديارهم، وقال له: «إيتهم ولا تفتنهم عن دينهم، ثم أجل من ~~أقام منهم على دينه، وأقرر المسلم، وامسح أرض كل من يجلى منهم، ثم خيرهم البلدان، وأعلنهم ~~أنا نجليهم بأمر الله ورسوله ألا يترك بجزيرة العرب دينان، فليخرج من أقام على دينه منهم، ~~ثم نعطيه أرضا كأرضهم إقرارا لهم بالحق على أنفسنا، ووفاء بذمتهم فيما أمر الله من ذلك ~~بدلا بينهم وبين جيرانهم من أهل اليمن وغيرهم فيما صار لجيرانهم من الريف.» # يحسب بعضهم أخذ عمر بهذه السياسة نقضا لما صنعه رسول الله وما تابعه الصديق عليه، ~~والمستشرقون يذهبون لذلك في التحامل على عمر إلى حد لومه على ما صنع، أما المؤرخون المسلمون ~~فيلتمسون له المعاذير، فيذكر بعضهم أن رسول الله إنما عاهد نصارى نجران على ألا يفتنوا ~~عن دينهم «ما رعوا العهد، ونصحوا، ولم يأكلوا الربا»، وإنهم أكلوا الربا أضعافا مضاعفة، ~~فنقضوا العهد، فحق لعمر أن ms110 يجليهم عن شبه الجزيرة، ويذكر آخرون أنهم اختلفوا فيما بينهم ~~واشتد خلافهم، فطلبوا إلى عمر أن ينقلهم إلى ديار غير ديارهم، ويذهب غير هؤلاء وأولئك إلى ~~أنهم قويت شوكتهم، فخشيهم عمر فأجلاهم، وسواء أصح بعض ما روي من ذلك أم لم يصح كله، فإنه في ~~رأيي لم يكن السبب في تصميم عمر على إجلائهم عن شبه الجزيرة، وإنما يرجع السبب في ذلك إلى ~~تكييف عام لسياسة الدولة اقتنع به عمر فنفذه في حزم وعدل. # ولكي نقدر هذا التكييف يجب أن ننفي عن عمر تهمة التعصب كما يلقيها عليه المستشرقون! فهم ~~يذكرونها متخذين من اقتناع أهل هذا العصر الحاضر بمبدأ حرية العقيدة حجة لهم في مؤاخذة عمر ~~بما صنع، وهذا خطأ أدى إليه تجاهل الواقع، فالواقع من عصر عمر أن العقيدة كانت أساسا ~~جوهريا في حياة الجماعة، فكان المخالفون لعقيدة الجماعة أو الخارجون عليها يعدون في حكم ~~الأجانب عن الجماعة، بل في حكم الخارجين عليها، وكان حربهم لذلك حلا لصاحب الأمر بل ~~واجبا عليه، ولهذا حورب محمد في دعوته إلى الله وإلى دين الله، ولهذا شبت حروب شعواء بين ~~الروم والفرس بسبب العقيدة، وقد ظل الأمر على هذا في أوروبا وغير أوروبا إلى عهد غير بعيد ~~منا، ففي سبيل العقيدة شبت الحروب الصليبية بين النصارى والمسلمين، وفي سبيلها حدثت المآسي ~~والمجازر بين الكاثوليك والبروتستانت، وقد عاهد رسول الله نصارى نجران؛ لأن شبه الجزيرة ~~لما تكن وحدتها السياسية قد تمت، فكانت نجران لصيقة باليمن التي ظلت على وثنيتها زمنا ~~غير قليل بعد هذا العهد بين محمد وهؤلاء النصارى، فلما قبض رسول الله وخلفه أبو بكر، كانت ~~اليمن في طليعة من انتقض على سلطان المدينة وارتد عن الإسلام، فكان طبيعيا أن يعاهد ~~الصديق نصارى نجران على ما عاهدهم رسول الله عليه، وقد قضت حروب الردة على الانتقاض ~~وعلى الردة جميعا، وأدى القضاء عليهما ثم أدى ما تلاهما من غزو العراق والشام إلى ~~توطيد الوحدة السياسية والوحدة الدينية في أرجاء شبه الجزيرة جميعا، فأصبحت ms111 كلها دولة ~~واحدة، عاصمتها المدينة، وحاكمها خليفة رسول الله، وكذلك تولى عمر أمر المسلمين وقد زالت ~~الأسباب التي أدت إلى معاهدة نجران في عهد النبي وفي عهد الصديق، وآن لعمر أن يفكر تفكيرا ~~جديدا في سياسة دولة اتحدت أجزاؤها من شمال شبه الجزيرة إلى جنوبها، وأصبحت المدينة ~~عاصمتها لا ينازعها منازع. # أما وقد أصبحت بلاد العرب دولة متحدة تدين كلها بدين واحد، ويسوسها رجل رضي أهلها جميعا ~~بيعته، فجدير بأميرها أن ينفي عنها كل سبب للضعف أو الوهن، ومن أسباب الوهن لأمة أن تتعدد ~~أجناسها أو تتعدد الشرائع ذات السلطان النافذ بين أهلها، ذلك أمر أقره الناس ولا يزالون ~~يقرونه، ولذلك نرى المعاهدات المختلفة إلى أحدث العصور تنقل الجماعات من أهل الجنس الواحد ~~إلى صعيد واحد، ولذلك لا تبيح أمة متحضرة أن يقوم فيها أكثر من تشريع واحد، والإسلام يتناول ~~فيما يتناوله أمورا لا تتفق ومقررات النصرانية، فهو يحرم الربا، والنصرانية لا تحرمه، ~~ويحرم الخمر، والنصرانية لا تحرمها! وهو دين التوحيد، والنصرانية دين تثليث، وقد كانت هذه ~~المقررات وما إليها نافذة يومئذ لا يستطيع أحد أن يتسامح فيها كما يتسامح الناس فيها اليوم ~~باسم حرية العقيدة، فلم يكن عجبا أن يصر عمر على ألا يترك بجزيرة العرب دينين وقد أصبح ~~للعرب في شبه الجزيرة كلها دين واحد ارتضوه في عهد رسول الله وعادوا إليه بعد ما ارتد بعضهم ~~عنه في عهد أبي بكر، فوحدة الدين هي الكفيلة بطمأنينتهم وبمتانة وحدتهم، وبألا تقوم بينهم ~~وبين من لم يكونوا على دينهم ثائرات تجني على الطمأنينة أو تعبث بالوحدة، وهذا ما فعل؛ ~~ولهذا دعا إليه يعلى بن أمية وألقى عليه أن يجلي نصارى نجران. # وتصرف عمر في هذا الأمر خليق بالحمد، غير خليق بالتحامل ولا باللوم، فهو لم يلجأ إلى ما ~~لجأ إليه أصحاب الكثرة من الكاثوليك أو البروتستانت؛ إذ كانوا يرهقون خصومهم في المذهب حتى ~~ليقتلوهم بعد أن يذيقوهم العذاب ألوانا؛ بل كان أول ما أوصى به يعلى ألا يفتن نصارى نجران ms112 ~~عن دينهم، وأن يدع لهم الحرية كاملة في البقاء عليه أو التحول عنه إلى الإسلام، وأن يعطيهم ~~أرضا كأرضهم خارج شبه الجزيرة، بذلك لا يظلمهم ولا يصنع معهم إلا ما تصنعه الدول المتحضرة ~~اليوم، إذ تنقل أهل جنس من الأجناس إلى حيث تقيم كثرة من بني جنسهم، وحيث يأمنون أن يضرهم ~~الاختلاف في الجنس مع جيرانهم أشد مما يضر الكثرة الضخمة القائمة من حولهم. # لم يرتب الناس بعد ما عرفوا من أمر عمر بإجلاء نصارى نجران في أنه سيجلي اليهود ويجلي ~~غير المسلمين جميعا عن شبه الجزيرة، وقد كانت هذه السياسة جديدة، لكنهم لم ينكروها ولم ~~يعجبوا لها، بل لعلهم كانوا أكثر عجبا لتولية أبي عبيد الثقفي إمرة الجيش بالعراق وفيه ~~من فيه من أهل المدينة مهاجريهم والأنصار، ثم كانوا أكثر من ذلك عجبا لعزل خالد بن الوليد ~~عن إمارة الجيش بالشام، لكنهم رأوا عمر يأخذ الأمر بالحزم والعدل معا، وذكروا مواقفه من ~~رسول الله ومن أبي بكر، ثم ذكروا موقف المسلمين ودقته بالعراق والشام، ورأوه يخطبهم منكرا ~~نفسه متجردا لله في سبيل خيرهم جميعا، فآثروا أن يدعوا له الأمر وأن يلقوا عليه التبعة، ~~وأن يضرعوا إلى الله بالدعاء أن يوفقه كما وفق أبا بكر قبله. # ولم يكن ما يخطبهم عمر به أقل من سائر الاعتبارات أثرا في نفوسهم؛ فقد كان إخلاصه يتجلى ~~في عباراته، وكان إنكاره لنفسه وتجرده لله في سبيل خيرهم تنم عنهما كل كلمة من كلماته، كان ~~يقول لهم: # إني لأرجو أن عمرت فيكم، يسيرا أو كثيرا أن أعمل بالحق فيكم ~~إن شاء الله، وألا يبقى أحد من المسلمين، وإن كان في بعثه، إلا أتاه حقه ونصيبه من ~~مال الله. # وكان يقول: # إني امرؤ مسلم وعبد ضعيف ~~إلا ما أعان الله عز وجل، ولن يغير الذي وليت من خلافتكم من خلقي شيئا إن شاء ~~الله، إنما العظمة لله عز وجل، وليس للعباد منها شيء فلا يقولن أحدكم إن عمر قد ~~تغير منذ ولي، أعقل الحق من نفسي، ms113 وأتقدم وأبين لكم أمري، فأيما رجل كانت له حاجة ~~أو ظلم مظلمة أو عتب علينا في خلق فليؤذني، فإنما أنا رجل منكم ... وأنا حبيب ~~إلي صلاحكم، عزيز علي عتبكم ... وأنا مسئول عن أمانتي وما أنا فيه، ومطلع على ما ~~يحضرني بنفسي إن شاء الله، لا أكله إلى أحد، ولا أستطيع ما بعد منه إلا بالأمناء ~~وأهل النصح منكم للعامة، ولست أجعل أمانتي إلى أحد سواهم إن شاء ~~الله. # بهذه الأقوال وبمثلها كان عمر يخطب الناس فيتألف قلوبهم ، وقد تألف قلوب العرب في أرجاء ~~شبه الجزيرة منذ أمر برد السبي من أهل الردة إلى عشائرهم، فلما أمر أبا عبيدة، وعزل ~~خالدا، وأمر بإجلاء نصارى نجران لم ير الناس في ذلك كله ما يبرمون به، وإن رأوا فيه جديدا ~~استفتح عمر به عهده، مستقلا فيه برأيه، غير متأس فيه بسلفه، وما لهم يبرمون به، وتبعة ~~ذلك كله عليه، وقد عرفوه رجلا يضطلع بأجسم التبعات فلا ينوء بحملها، وكثيرا ما يلهمه الله ~~الرأي فيما ينهض به منها، فيكون التوفيق رائده ونصيبه! # وجلس عمر يوما في المسجد وقد فرغ من توجيه المسلمين إلى سياسته، وقد آن لهم أن ينفذوها، ~~وأقبل عليه أبو عبيد يودعه ليسير إلى العراق في الجيش الذي اجتمع حول الراية، وأقبل في أثره ~~عدد من الناس غير قليل، وكلهم يحيون خليفة خليفة رسول الله، وقد وجدوا هذا اللقب، برغم ~~ترديدهم له، ثقيل النطق ثقيلا على السمع فجعلوا يتحدثون بينهم فيما اختلجت به نفوسهم، ~~وإنهم لكذلك إذ أقبل بعضهم يحيي عمر ويقول: «سلام الله عليك يا أمير المؤمنين.» # 6 # واغتبط الناس لهذا اللقب الجديد حين سمعوه وافترت ثغورهم أمارة رضاهم عنه، ومن ~~يومئذ لم يدع أحد عمر خليفة خليفة رسول الله بل دعاه الناس جميعا «أمير المؤمنين.» وبقي ~~هذا اللقب له ولمن بعده من خلفاء المسلمين وملوكهم. # والآن قد سبقنا المثنى إلى العراق فلنسارع لنلحقه به، ولنرو حديثه حين يدركنا أبو عبيد ~~بجيشه، فتكون القيادة العامة له، ثم يكون له من حسن ms114 البلاء ما ينتهي به إلى المغامرة وإلى ~~الاستشهاد. # | هوامش # الفصل السادس # | أبو عبيد والمثنى في العراق # كان أبو عبيد بن مسعود الثقفي أول منتدب للعراق؛ لذلك ولاه عمر إمارة الجند فيه، وأمره ~~بالسير إليه متى تم تجهيز جيشه، أما المثنى بن حارثة فعجله عمر وقال له: «النجاء حتى يقدم ~~عليك أصحابك!» وامتطى المثنى جواده ورجع أدراجه يريد الحيرة، وجعل وهو في طريقه إليها يذكر ~~أياما خلت في خلافة أبي بكر، حين قضى العلاء بن الحضرمي على الردة في البحرين، فانضم ~~هو إليه وقعد بكل طريق للمرتدين المنهزمين الذين يعيثون في الأرض فسادا، ثم سار مشاطئا ~~الخليج الفارسي يقاوم دسائس الفرس، ويقضي على أنصارهم من القبائل حتى بلغ مصب الفرات، عند ~~ذلك أمده الصديق بخالد بن الوليد، فسار المثنى تحت لواء القائد العبقري يدوخ معه جيوش كسرى ~~وتفتض جنودهما الأمصار، وتفتح الحيرة والأنبار وعين التمر وغيرها من البلاد، حتى يبلغ خالد ~~الفراض على تخوم الشام من شمالي العراق. # ويستقر الأمر بخالد في أرض الأكاسرة، ويغتبط المثنى بما فتح الله عليهم من ذلك، ويقيم مع ~~قواته بالحيرة وبأرض السواد أكثر من سنة، ثم إذا أبو بكر يأمر خالدا بالمسير إلى الشام ~~يتولى فيه إمارة الجند لمقاتلة الروم، ويفصل خالد من العراق في عدد من خيرة رجال الجيش فيه، ~~فيخشى المثنى العاقبة، ثم يفتح الله عليه فيقهر هرمز جاذويه على أطلال بابل، ويرتد إلى ~~الحيرة يتحصن بها، ثم يستمد أبا بكر بمن ظهرت توبتهم من أهل الردة، ويبطئ الخليفة عنه ~~لاشتغاله بأمر الشام، فيسير المثنى إلى المدينة، فإذا الصديق مشف على الموت، ثم إذا الله ~~يختاره إليه، وإذا عمر يتولى الأمر من بعده، فيندب الناس مع المثنى ويجعل أبا عبيد على ~~رأسهم. # لم ينس المثنى وهو يذكر هذه الحودث ما ساد بلاط فارس من الاضطراب في أثنائها، وما أوهن ~~هذا الاضطراب من قوة الفرس وشد من عزم المسلمين، لقد حكم الأكاسرة الفرس وحكموا عرب العراق ~~حكما مطلقا لا معقب لكلمتهم فيه، وكان كسرى ms115 أبرويز هو الذي قتل أبا قابوس النعمان بن ~~المنذر وقضى على ملك اللخميين بالحيرة، وهو الذي حارب الروم وغلبهم، وامتد ملكه في أرضهم ~~إلى بيت المقدس وإلى مصر، فلما تولى هرقل أمر الروم، قاتل كسرى ورده على أعقابه، واغتبط ~~العرب واغتبط الفرس الذين برموا ببطش كسرى لما حل به، فلما ثار به ابنه شيرويه وقتله، اختلف ~~أمراء الفرس وانقسم رأيهم فيما أصابه، وصار شيرويه في الفرس سيرة حمق وغرارة جعلت أهل بلاطه ~~يبرمون به، وجعلت كل طامع في العرش يحالف من الأمراء من يعاونه لبلوغ غرضه، وقتل شيرويه، ~~فجعل هؤلاء الطامعون يقتتلون فيقتل بعضهم بعضا، جهرة حينا، وغيلة حينا، ثم يتولى صاحب ~~الغلب منهم الأمر شهورا حتى يقتل؛ لذلك تعاقب على العرش في أربع سنين تسعة من الأمراء، لا ~~عجب وذلك هو الأمر أن تضعف قوة الفرس وأن ينهد ركنهم، فتدور الدائرة عليهم في الغزوات التي ~~دارت بين العرب وبينهم. # وتنبه أهل فارس لما جره الاضطراب عليهم من فساد أمرهم فملكوا عليهم شهريران بن أردشير ~~وتعاهد أمراؤهم على معاونته، وعرف شهريران مسيرة خالد بن الوليد من العراق إلى الشام، فكان ~~إجلاء المسلمين عن العراق أول ما استقر عليه عزمه، لكن المثنى قهر قائده على أطلال بابل ~~فحم فمات. # خلفت دخت زنان ابنة كسرى أخاها على العرش، لكنها ضعفت عن النهوض بالأمر فخلعت، وتولى ~~سابور بن شهريران الملك مكانها، واستوزر سابور الفرخزاد، وأراد أن يزوجه آزرميدخت ~~ابنة كسرى، فساءها أن يتزوجها عبدها، فدست عليه سياوخش الفاتك فقتله في مخدعها ليلة عرسه، ~~ثم سارت معه في أعوانها إلى سابور فحصرته وقتلته، ورأى المثنى أن يواجه الفرس وبلاطهم ~~مضطرب، فاستمد أبا بكر فأبطأ عليه، فذهب بنفسه إلى المدينة يستعجل المدد، وها هو ذا في ~~طريقه عائد إلى الحيرة، ترى ألا يزال الفرس في اضطرابهم فلا شيء أيسر من الظفر بهم؟ أم ~~تراهم اطمأن ملكهم، فلا بد للظفر بهم من قوات كثيرة العدد والعدة. # بلغ المثنى الحيرة، فكان أول سؤاله عما يجري في بلاط ms116 فارس، وعلم أنهم شغلوا عن المسلمين ~~في أثناء غيبته باختلافهم، ثم علم أن بوران ابنة كسرى تعمل على جمع كلمتهم، وكانت بوران ~~أميرة ذات حكمة، فكان الفرس كلما اختلفوا رضوا حكمها واطمأنوا إلى عدلها، فلما قتل سياوخش ~~الفرخزاد، وجلست آزرميدخت على العرش، اختلف أهل فارس، ورأت بوران أن لا سبيل إلى مصالحتهم، ~~هنالك بعثت إلى القائد رستم بن الفرخزاد من أنبأه بمقتل أبيه واستحثه على السير إلى ~~المدائن، وكان رستم حين ذاك على فرج خراسان، وكان قائدا بارعا ، فأقبل في جنده مسرعا ~~يريد المدائن، ولاقى في طريقه إليها جيوشا لآزرميدخت فهزمها، ثم حاصر المدائن وحصر ~~آزرميدخت وسياوخش فيها، وظفر بعدوه فدخل العاصمة، وقتل سياوخش، وفقأ عين آزرميدخت، وأقام ~~بوران على عرشها، وتولت بوران السلطان في فارس على أن تملكه عشر حجج، ثم يكون الملك في آل ~~كسرى: في الرجال منهم إن وجدوا وإلا ففي النساء، واستوزرت بوران رستم، وأطلقت يده في أمور ~~الدولة، وجعلته على الجند، وأمرت أهل فارس أن يسمعوا له ويطيعوا. # عرف المثنى ذلك كله وهو مقيم بالحيرة لا يستطيع شيئا إزاءه، لقد نحف جيشه فلم يبق في ~~مقدوره أن يهاجم حتى يجيئه أبو عبيد، وقد أقام أبو عبيد بالمدينة شهرا بعد المثنى يجهز ~~جيشه ويتجهز للسير به، فلما أتم تجهيزه استأذن عمر في السير فأذن له بعد أن أعاد عليه النصح ~~أن يسمع من أصحاب النبي وأن يشركهم في الأمر، وأن يشاور سليط بن قيس لجرأته وتجربته، وكان ~~لعمر بسليط ثقة، حتى لقد قال لأبي عبيد: «إنه لم يمنعني أن أؤمر سليطا إلا سرعته في الحرب، ~~وفي التسرع إلى الحرب ضياع إلا عن بيان، والحرب لا يصلحها إلا المكيث.» وسار أبو عبيد في ~~الجند، حتى إذا بلغ العراق ألفى المثنى قد انسحب من الحيرة إلى خفان على حدود ~~البادية. # ذلك أن رستم كان رجلا جريئا طموحا، يثير طموحه إعجاب الفرس وتعلقهم به، وطموحه هذا هو ~~الذي جعل المؤرخين يذكرون أنه كان عالما بالنجوم، وأنه رأى فيها مآل ms117 فارس، وأنه سئل كيف ~~يتولى أمرها وهو يرى في النجوم ما يرى، فقال: الطمع وحب الشرف. # وما لبث حين أمرته بوران أن كتب إلى دهاقين السواد يأمرهم أن يثوروا بالمسلمين، ودس في ~~كل رستاق رجلا يثير أهله، ثم بعث جندا لمصادمة المثنى، وانتشرت أوامره في الناس، فثار أهل ~~العراق من أعلاه إلى أسفله بالمسلمين، وبلغ المثنى نبأ ما حدث، ورأى أن لا قبل لجنوده ~~بلقاء من عبأهم رستم لمصادمته، فآثر الحذر وانسحب من الحيرة إلى خفان حتى لا يؤتى من ~~خلفه، وأدركه أبو عبيد بخفان فنزل في الناس ليريحوا ظهورهم وأقام يتدبر خطته لمهاجمة ~~القوات التي جاءت تنازله. # كان رستم قد بعث في المدائن جيشين يواجهان المسلمين، جعل على أحدهما القائد جابان، وأمره ~~أن يتخطى الفرات إلى الحيرة، وجعل على الآخر القائد نرسي وأمره أن يعسكر بكسكر بين ~~الفرات ودجلة، وكان أبو عبيد قد خرج من المدينة في أربعة آلاف ثم اجتمع إليه في الطريق عدد ~~عظيم زاد جنده إلى عشرة آلاف، فلما جم الناس خرج يلقى جابان، فالتقيا بمكان يقال له: ~~النمارق بين الحيرة والقادسية، والتقى الفريقان واقتتلوا قتالا شديدا أظفر الله فيه أبا ~~عبيد بجابان وجنوده، وأسر جابان وأسر قائد تحت إمرته يدعى مردانشاه، وقتل هذا الأخير من ~~أسره، أما جابان وكان شيخا كبيرا، فخدع الذي أسره إذ قال له: «إنكم معشر العرب أهل وفاء، ~~فهل لك أن تؤمنني وأعطيك غلامين أمردين خفيفين في عملك وأعطيك كذا وكذا ...» وأجزل له الوعد، ~~قال آسره؛ نعم. قال: فأدخلني على أميركم حتى يكون ذلك بمشهد منه، فأدخله على أبي عبيد فشهد ~~على ما تم، على أن قوما من المسلمين عرفوه وقالوا لأبي عبيد اقتله فإنه الأمير، وأجابهم ~~أبو عبيد: «وإن كان الأمير، فإني لا أقتله وقد أمنه رجل من المسلمين: فالمسلمون في التواد ~~والتناصر كالجسد، ما لزم بعضهم فقد لزمهم كلهم.» # عرفت بوران ما حل بجابان، وعرفه رستم، فأمر الجالينوس أن يسير لنصرة زملائه وأن يلحق نرسي ~~بكسكر، وفصل الجالينوس يغذ ms118 السير إلى غايته، لكن أبا عبيد كان أسرع منه سيرا، فإنه ما لبث ~~حين هزم جابان أن أمر جنده بالسير لمواجهة نرسي، ولاقوه والمنهزمين الذين فروا إليه من ~~النمارق بمكان يدعى السقاطية على مقربة من كسكر، وذلك قبل أن يصله الجالينوس، ولم يثبت ~~نرسي للمسلمين أكثر مما ثبت جابان، ففر في جنده تاركا لعدوه مغانم كثيرة، وعرف أبو عبيد أن ~~الجالينوس في جنده قد بلغ قرية بارسما فواجهه وهزمه، ففر كما فر نرسي في المنهزمين حتى ~~بلغوا المدائن . # ووجه أبو عبيد قواده، والمثنى في مقدمتهم، فاحتلوا سواد العراق من أعلاه إلى أسفله، ~~وأذاعوا الرعب في الناس، وأعادوا إلى ذاكرتهم أيام خالد بن الوليد وفعاله، ورجع الدهاقين ~~إلى أبي عبيد يصالحونه ويعتذرون عما كان منهم في ممالأة الفرس على العرب، ويذكرون أنهم ~~غلبوا على أمرهم، فلم يكن لهم فيما حدث نهي ولا أمر، ولما أتم أبو عبيد الصلح معهم جاءوا ~~بآنية فيها ألوان من طعام فارس الشهي وقالوا: هذا قرى لك وكرامة أكرمناك بها، قال: أكرمتم ~~الجند بمثله وقريتموهم؟! قالوا: لا! فرده وقال: «لا حاجة لنا فيه! بئس المرء أبو عبيد إن ~~صحب قوما من بلادهم وأهراقوا دماءهم دونه، أو لم يهريقوها، فاستأثر عليهم بشيء يصيبه! لا ~~والله لا يأكل مما أفاء الله عليهم إلا مثلما يأكل أوساطهم!» ولم يأكل من طعام أتى به ~~الدهاقين غداة ذلك اليوم حتى علم أنهم قربوا مثله لأصحابه. # أفاء الله على المسلمين بعد غزوة السقاطية مغانم كثيرة، بينها من الأطعمة مقادير عظيمة، ~~فلم يفرحوا منها بشيء فرحهم بلون من التمر يدعى النرسيان كان ملوك فارس يحبونه، وقد ~~اقتسموه بينهم وجعلوا يطعمون منه الفلاحين، ثم بعثوا بخمسه إلى عمر بالمدينة وكتبوا له: «إن ~~الله أطعمنا مطاعم كانت الأكاسرة يحبونها، وأحببنا أن تروها لتذكروا إنعام الله ~~وإفضاله.» # وعاد المثنى ودخل الحيرة واستقر بها وكله الرجاء أن يستتب له الأمر فيها كما استتب لخالد ~~بن الوليد من قبل، فقد ظل خالد بها سنة كاملة لم يجرؤ جيش من ms119 جيوش فارس على التصدي له في ~~أثنائها، ترى أيواتي الحظ المثنى ما واتى خالدا، فيقيم بالحيرة زمنا ثم يفتح المدائن؟ كان ~~ذلك كله أمامه، وكان له في تحقيقه أكبر الرجاء. # لكن أمله سرعان ما ذوى، فقد عظم على رستم، وفيه من الطموح والكبرياء ما ذكرنا أن تنهزم ~~جيوش فارس أمام هؤلاء الأجلاف من العرب، فسأل خاصته: «أي العجم أشد على العرب فيما ترون؟» ~~وأجابوه: «إنه ذو الحاجب بهمن جاذويه.» فدعاه إليه ووجهه على قوة عظيمة، ورد الجالينوس ~~معه وقال له: إن عاد لمثل ما فعل فاضرب عنقه، وليظهر للناس مبلغ عنايته بالموقف وحرصه على ~~رفع ما أنزل المسلمون بجند فارس، جعل في مقدمة الجيش راية كسرى، وكانت من جلود النمر، عرضها ~~ثماني أذرع وطولها اثنتا عشرة ذراعا؛ وسار بهمن من المدائن يقصد مواجهة عدوه والقضاء ~~عليه. # وتراجع أبو عبيد وجنوده إلى قرية قس الناطف، فعبروا النهر إليها، وتحصنوا ينتظرون عدوهم ~~بها، وأقبل بهمن عليهم فلم يكن إلا النهر بينه وبينهم، ثم بعث إلى أبي عبيد يقول له: «إما ~~أن تعبروا إلينا وندعكم والعبور، وإما أن تدعونا نعبر إليكم.» وأشار أصحاب أبي عبيد ألا ~~يعبر، وأن يدع الفرس يعبرون، لكن أبا عبيد أخذته العزة فقال: «لا يكونوا أجرأ على الموت ~~منا، بل نعبر إليهم!» فناشده سليط بن قيس ووجوه الناس وقالوا: «إن العرب لم تلق مثل جنود ~~فارس مذ كانوا، وإنهم قد حفلوا لنا واستقبلونا من الزهاء والعدة بما لم يلقنا به أحد، وقد ~~نزلت منزلا لنا فيه مجال وملجأ ومرجع من فرة إلى كرة.» فقال: «لا أفعل! جبنت والله إذن ~~وجبن سليطا.» فرد عليه سليط بقوله: «أنا والله أجرأ منك نفسا، وقد أشرنا عليك بالرأي ~~فستعلم.» # من عجب أن يقف أبو عبيد من أصحابه هذا الموقف، وأن ينسى نصيحة عمر إياه أن يستشير أصحاب ~~رسول الله، وأن يشركهم في الرأي معه، وأن يقيم لرأي سليط وزنه، وأعجب من ذلك أن ينسى قول ~~عمر: «إنك تقدم على أرض المكر والخديعة والخيانة، ms120 تقدم على قوم قد جرءوا على الشر ~~فعلموه، وتناسوا الخير فجهلوه.» وألا يذكر أن الخليفة أمره ولم يؤمر سليطا؛ لأن ~~الحرب لا يصلحها إلا الرجل المكيث، وسليط سريع إلى الحرب، وفي التسرع إلى الحرب ضياع إلا عن ~~بيان، لكنها الأقدار تنسي البصير بصره، والحكيم حكمته، ومن يدري! فلعل مشورة سليط بألا ~~يعبر المسلمون النهر إلى الفرس زادت أبا عبيد عنادا وتشبثا برأيه، ولذلك أمر جنوده ~~بالعبور فعبروا من المروحة حيث تحصنوا، إلى قس الناطف حيث أقام الفرس، وعبر سليط بن قيس في ~~مقدمة العابرين. # كان جند المسلمين دون عشرة الآلاف، مع ذلك ضاق بهم المكان الذي تركه لهم الفرس وراء ~~الجسر، فلم يكن لهم فيه مرجع من فرة إلى كرة، ولم يمهلهم بهمن حين تم عبورهم أن أمر جنوده ~~فحملوا عليهم، وفي مقدمتهم الفيلة عليها الجلاجل، ونظرت خيل المسلمين إلى هذه الفيلة وسمعت ~~رنين جلاجلها، فأنكرت ما رأت وما سمعت، وفرت فلم يثبت منها إلا القليل على كره، ورشق الفرس ~~المسلمين بالنبل فقتلوا منهم خلقا كثيرا، وحز الألم في نفوس المسلمين لما أصابهم وألا ~~يصلوا إلى عدوهم، ورأى أبو عبيد أن صفوفه توشك أن تضطرب؛ فترجل وترجل جنوده، ومشوا إلى ~~الفرس فصافحوهم بالسيوف فقتلوا منهم ستة آلاف، فاشتد بذلك ساعدهم، لكن الفيلة تقدمت إليهم ~~فجعلت لا تحمل على جماعة إلا دفعتهم، ونادى أبو عبيد رجاله أن يقطعوا بطن هوادج الفيلة وأن ~~يقلبوا عنها أهلها وأن يقتلوهم، ففعلوا فلم يتركوا فيلا إلا قلبوا راحلته وقتلوا أصحابه، ~~بذلك تداول الفريقان التقدم والتراجع، فكانت المعركة سجالا بينهما ساعات من النهار. # كان أبو عبيد شديد الحرص على أن ينتصر ذلك اليوم، وزاده حرصا ما كان من مخالفته سليط بن ~~قيس والذين أشاروا عليه ألا يعبر الجسر إلى عدوه، فلو أن النصر تم للفرس لركبه عار الهزيمة ~~وحده، ولكان هذا العار مسبة الدهر له؛ لذلك كان مضطرب النفس تتداوله الانفعالات كلما تغير ~~مصير المعركة؛ يغتبط ما رأى الفرس يتراجعون، فإذا تقدموا ملكته خشية العار ودفعته ms121 للمغامرة، ~~وقد اطمأن حين قلب جنوده عن الفيلة أهلها فلم يبق عليها من يقودها، لكنه رأى على مقربة منه ~~فيلا أبيض عظيما يضرب بخرطومه يمنة ويسرة فيشتت المسلمين من حوله، وكأنه بطل بارع يعرف ~~مواقع ضرباته، وأيقن أبو عبيد أن قتل هذا الفيل يقوي روح المسلمين ويضعضع روح الفرس، فتقدم ~~إليه فضرب خرطومه بسيفه، وهاج حر الضربة هائج الفيل، فتقدم إلى أبي عبيد فضربه برجله فألقاه ~~على الأرض، ثم وقف فوقه فأزهق روحه، وكان أبو عبيد قد أوصى إن مات أن يتأمر مكانه على ~~التعاقب سبعة من قومه بني ثقيف سماهم بأسمائهم، فلما رأى أولهم ما حل بأميره أخذ اللواء ~~مكانه، وقاتل الفيل حتى تنحى عن أبي عبيد، فجر جثته إلى المسلمين ثم عاد يحاول قتل الفيل، ~~لكنه لقي حتفه كما لقي أبو عبيد حتفه، وتتابع الثقفيون السبعة كل منهم يأخذ اللواء فيقاتل ~~حتى يموت، # 1 # عند ذلك خشعت أنفس الناس وضعفت روحهم، وارتد كثيرون منهم إلى الجسر يبتغون ~~النجاة بأنفسهم، وما بقاؤهم أمام جيش لا قبل لهم به، وقد مات أمراؤهم فاختل نظامهم واضطربت ~~صفوفهم! # ورأى المثنى دقة الموقف فتقدم إلى اللواء فحمله، وهو لم يكن يطمع في أن يقاتل وينتصر بعد ~~الذي أصاب المسلمين، إنما كان يرجو أن يرتد بهم في نظام فيعبر النهر إلى المروحة، ثم يرى ~~بعد ذلك رأيه، وإنه ليدبر الخطة للتراجع إذ رأى عبد الله بن مرثد الثقفي يقطع الزوارق ~~الأولى من الجسر، ويصيح بأعلى صوته: «أيها الناس! موتوا على ما مات عليه أمراؤكم أو نظفر.» ~~ورأى الناس ما فعل ابن مرثد، فتولاهم الفزع فتواثبوا في النهر، فغرق منهم من لم يصبر، وخشي ~~المثنى أن تعم الفوضى، فوقف واللواء بيده ينادي: «يأيها الناس! أنا دونكم، فاعبروا على ~~هيئاتكم ولا تدهشوا، فإنا لن نزايل حتى نراكم من ذلك الجانب!» وأمر فجيء بابن مرثد فضربه ~~وضمت السفينة التي قطعت فصلح الجسر، فبدأ الناس يعبرون مرتدين والمثنى يقاتل دونهم، ويحول ~~هو ورجاله بين الفرس وبينهم، وأصابت المثنى ms122 وهو في موقفه ذاك ضربة رمح جرحته وأثبتت فيه ~~حلقا من درعه، وقاتل معه أبو زيد الطائي النصراني دفاعا عن المسلمين، ولم يكن سليط بن قيس ~~دون المثنى إقداما وجرأة، بذلك استطاع من بقي من جند المسلمين أن يعبروا إلى المروحة ~~والمثنى واقف دونهم لم يزعزعه ذلك الجرح الذي أصابه، فلما رأى المثنى عبور أصحابه جميعا ~~سار في مؤخرتهم، تاركا وراءه سليط بن قيس شهيدا، يختلط دمه بتراب ذلك الميدان الذي تردى ~~فيه ألوف من أبطال المسلمين. # ترى أيعبر بهمن جاذويه النهر وراءهم فيقتلهم عن آخرهم ويعفي في أرض العراق على كل أثر ~~للمسلمين؟! أم يكتفي بهذا النصر الحاسم وله به عند رستم وبوران والفرس جميعا فخار لم يتح ~~لغيره من القواد مثله؟! # لم يغب عن المثنى أن ذا الحاجب قد يتعقبه؛ لذلك انحدر مسرعا بجنوده من المروحة إلى ~~الحيرة، ثم تابع انحداره إلى الجنوب يريد أليس، وهو يحسب لمتعقبيه ألف حساب، وكيف لا يفعل ~~وقد قتل من جند المسلمين في الموقعة من قتل وغرق منهم في الفرات من غرق، وفر ألفان من أهل ~~المدينة يريدون النجاة بأنفسهم! لكن الأقدار التي غشت على بصر أبي عبيد فدفعته ليعبر الجسر ~~فيلقى حتفه، ويورد المسلمين موارد الهلكة، كانت أبر بالمثنى وأرفق، فقد بلغ ذا الحاجب ~~والمعركة دائرة أن الفرس بالمدائن اختلفوا فرقتين، إحداهما مع رستم، والأخرى مع الفيرزان ~~تناصب رستم العداوة؛ لذلك عاد بالجيش إلى العاصمة، ولم يتخلف من قواده إلا جابان ومردانشاه ~~في كتيبة من الجند، وسار هذان القائدان يتعقبان المثنى وهما يحسبان أنهما قادران عليه، لكن ~~أهل أليس أخبروا المثنى بما ترامى إليهم عن فارس، فخرج في رجاله وفي عدد كبير من أهل أليس، ~~فأسروا جابان ومردانشاه وأصحابهما، وضرب أعناقهم جميعا، وكذلك لقي جابان حتفه جزاء خدعه ~~أبا عبيد يوم أسر بالنمارق فاستأمن آسره فأمنه، أما وقد غادر جابان فرجع يقاتل المسلمين ~~ويخفر ذمتهم، فقتله بعد أسره هو العدل بعينه. # كان أول من قدم المدينة من المسلمين الذين شهدوا غزوة ms123 الجسر عبد الله بن زيد. # ولقد رآه عمر بن الخطاب حين دخل المسجد فناداه: ما عندك يا عبد الله؟ وسار عبد الله وألقى ~~الخبر عليه فلم يبد جزعا، بل تلقاه ساكنا، ودخل بعض الذين فروا من الغزاة إلى المدينة ~~منكسي رءوسهم خزيا من عار الهزيمة والفرار، أما سائرهم فنزلوا البوادي حياء أن يلقوا أهلهم ~~فيعيروهم فرارهم وجبنهم، ورأى عمر حالهم فرق لهم ورحمهم، وجعل يدفع عنهم برم الناس بهم ~~وسخطهم عليهم، فكان يقول: «اللهم كل مسلم في حل مني ! أنا فئة كل مسلم، من لقي العدو ففظع ~~بشيء من أمره فأنا له فئة، يا معشر المسلمين لا تجزعوا! أنا فئتكم وإنما انحزتم إلي، يرحم ~~الله أبا عبيد! لو كان انحاز إلي لكنت له فئة.» وكان معاذ القارئ أخو بني النجار ممن فروا ~~من الجسر إلى المدينة، وكان يبكي كلما قرأ قوله تعالى: # ومن ~~يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا ~~إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس ~~المصير ~~، فكان عمر يقول: «لا تبك يا معاذ! أنا فئتك، وإنما انحزت ~~إلي.» # يذكرنا موقف عمر من هؤلاء الذين فروا مرتدين إلى المدينة بعد هزيمتهم بالجسر بموقف رسول ~~الله من الجند المسلمين الذين عادوا من غزوة مؤتة بعد إذ قتل قوادهم فيها، فداور خالد بن ~~الوليد بمن بقي منهم وارتد بهم إلى المدينة غير منتصر على عدوه، فقد جعل أهل المدينة يحثون ~~على هذا الجيش التراب ويقولون: «يا فرار! فررتم في سبيل الله!» فيقول رسول الله: «ليسوا ~~بالفرار ولكنهم الكرار إن شاء الله.» ولم يكن ارتداد المسلمين بمؤتة كهزيمتهم بالجسر ~~فظاعة وسوء أثر، ولم يكن عمر كرسول الله رحمة ورقة، مع ذلك كان رءوفا بمن نكبوا في ~~الجسر، بل كان فئتهم؛ وقف بجانبهم ودافع عنهم، وأبدى من العطف عليهم ما سكن من روعهم وخفف ~~من عار هزيمتهم، ولا عجب، وقد صارت إليه إمارة المؤمنين، أن يكون بالمؤمنين رحيما، فيكون ~~أبرهم بهم، وأشدهم عطفا على الضعفاء منهم، وإن ظل شديد ms124 البأس على الأقوياء، شديد البطش ~~بالظالمين. # كان هذا شأن عمر ومن ارتدوا من الجسر، أما المثنى فتحصن بأليس زمنا بعد أن قتل جابان ~~ومرادنشاه وجنودهما، فلما أراح ظهره وجم جنوده، جعل يفكر في موقفه بالعراق ومصير المسلمين ~~فيه، إنه موقف حرج لا ريب، ومتى اطمأن الأمر في بلاط المدائن فستعود الجنود متراصة تتقدمها ~~الفيلة لتهاجمه، فماذا يصنع يومئذ؟ أفكتب القدر في لوحه أن يعود سلطان الأكاسرة إلى ما كان ~~عليه؟ إن يكن ذلك قضاء الله فلم يعد له ولا لجنده بالعراق بقاء، وليس في وسعه إلا أن ينسحب ~~كما انسحب الذين فروا إلى المدينة، وأن يعود إلى أرض قومه بني بكر بن وائل يقضي بالبحرين ~~بقية أيامه. # لكنه المثنى الذي قال عنه قيس بن عاصم المنقري حين سأل أبو بكر عنه: «هذا رجل غير ~~خامل الذكر، ولا مجهول النسب، ولا ذليل العماد هذا المثنى بن حارثة الشيباني.» # وقد كان له مواقف بالعراق ليست دون موقفه اليوم حرجا ولا دقة، كان له مثل هذا الموقف أول ~~ما جاء من البحرين إلى دلتا النهرين، وذلك قبل أن يمده أبو بكر بخالد بن الوليد، وكان موقفه ~~أكثر دقة يوم فصل خالد من العراق إلى الشام لينسي الروم وساوس الشيطان، رجل ذلك شأنه ليس ~~بالذي يستسلم أو يلقي بيديه مخافة ما تكنه الأقدار في حجب الغيب، فإنما هو قوة تلقي بها ~~الأقدار لتوجيه مصاير العالم، فليعالج النكبة بما عرف عنه من دقة القائد الصبور المحنك، ~~وليستمد الخليفة فهو لا ريب ممده، والحرب لا يصلحها إلى الرجل المكيث. # وكذلك وقف المثنى جلدا جريئا، يواجه الأيام السود التي أعقبت غزوة الجسر وكادت تعفي ~~على سلطان المسلمين بالعراق، ولم يكتف بأن بعث إلى عمر يطلب المدد؛ فمجيء الجند من المدينة ~~يقتضي زمنا قد يواثبه الفرس فيه، بل بعث فيمن يليه من قبائل العرب، فتوافوا إليه في جمع ~~عظيم، بينهم نصارى بني النمر الذين قالوا: نقاتل مع قومنا، ونقل عسكره من أليس إلى مرج ~~السباخ بين القادسية وخفان ms125 ليكون على مقربة من تخوم العرب، يلجأ إليهم إذا غلبه الفرس، ~~ويلقى عندهم مددا جديدا إذا غلب الفرس، وما كان أشد حاجته إلى المدد ليتابع ظفره! وفي مرج ~~السباخ اجتمع إلى عسكره عدد عظيم من الجند، اطمأن له، فأقام فيهم ينتظر ما الله فاعل بالفرس ~~وبه. # لم يكن عمر بن الخطاب دون المثنى قلقا على موقف المسلمين بالعراق بعد غزوة الجسر، ولم ~~يغب عنه أن المثنى بحاجة إلى مدد سريع يواجه به هذا الموقف الدقيق، وكان العرب يفدون إلى ~~المدينة من شتى الأرجاء في شبه الجزيرة ملبين نداء الخليفة منذ رفع الحظر عمن ظهرت توبتهم ~~من أهل الردة، فندبهم عمر إلى العراق، فجعلوا يتحامونه ويتثاقلون عنه، ويبدون الرغبة في ~~الشخوص إلى الشام والاشتراك في غزوه، لكن خالد بن الوليد كان قد ظفر بالروم في الشام حين ~~لاقوه على اليرموك، فلم يكن به من حاجة إلى مدد؛ لذلك لم يرض عمر أن يشخصهم إلى الشام، ~~ولم يرغب أحد في الشخوص إلى العراق، وكان جرير بن عبد الله البجلي قدم على أبي بكر في ~~خلافته، فذكر عدة له من رسول الله أن يجمع بني بجيلة وكانوا مشتتين في القبائل، فرده أبو ~~بكر وقال له: «ترى شغلنا وما نحن فيه بغوث المسلمين ممن بإزائهم من الأسدين فارس ~~والروم، ثم أنت تكلفني التشاغل بما لا يغني عما هو أرضى لله ورسوله! دعني وسر نحو خالد بن ~~الوليد حتى أنظر ما يحكم الله في هذين الوجهين!» فلما ولي عمر أعاد عليه جرير عدة رسول ~~الله، وأقام عليها البينة: فكتب عمر إلى عماله، فجعلوا بني بجيلة في صعيد واحد، فلما ~~اجتمعوا قال عمر لجرير: «اخرج حتى تلحق بالمثنى.» فقال جرير: «بل الشام فإن أسلافنا بها.» ~~وأردف عمر: «بل العراق فإن الشام في كفاية.» ولم يزل عمر ببني بجيلة وهم يأبون عليه حتى جعل ~~لهم الربع في خمس ما يفيء الله على المسلمين يضاف إلى نصيبهم من الفيء، عند ذلك رضوا الذهاب ~~إلى العراق وعليهم جرير ورأى ms126 الناس ما صنع بنو بجيلة فحذوا حذوهم، وكان الذين فروا من غزوة ~~الجسر في مقدمتهم، ثم تابعهم بنو الأزد وعليهم عرفجة بن هرثمة، وبنو كنانة ~~وعليهم غالب بن عبد الله؛ وخلق كثير من مختلف القبائل، وتحمل الناس جميعا ومعهم نساؤهم ~~وأبناؤهم، وساروا يريدون العراق ينضمون إلى جنده ويمدون المثنى فيه. # هذا موقف عمر بالمدينة، وذلك موقف المثنى بالعراق، فماذا كان موقف الفرس بالمدائن؟ ترامت ~~إليهم أنباء الأمداد التي تسير تباعا إلى العراق، فهالهم أمرها وأدركوا الخطر عليهم منها، ~~فقسم رستم والفيرزان السلطان بينهما، وجمعا جندا عظيما جعلا عليه القائد مهران الهمذاني، ~~وأمراه أن يسرع السير للقاء هؤلاء الغزاة المسلمين، وسارت هذه القوات تتقدمها الفيلة، ~~ومهران أحرص الناس على أن يحرز نصرا ينسي الفرس نصر ذي الحاجب في غزوة الجسر، وعرف المثنى ~~مسيرة هذا الجيش وهو في عسكره بمرج السباخ، فأرسل إلى جرير بن عبد الله وإلى غيره من ~~الأمراء الذين جاءوا يمدونه يقول: «إنا جاءنا أمر لم نستطع منه المقام حتى تقدموا علينا، ~~فعجلوا اللحاق بنا وموعدكم البويب.» # 2 # ثم سار بقواته حتى انتهى إلى البويب على شاطئ الفرات حيث وافاه جند المسلمين ~~جميعا، وسار مهران كذلك بقواته حتى كان قبالة المسلمين لا يفصل بينهما إلا النهر. # أجال المثنى بصره في قواته فاطمأن، فلئن لم يكن فيها من الفيلة مثل ما للفرس، إنها لتمثل ~~بمن انضم إليها من الأمداد قوات العرب جميعا في شبه الجزيرة وخارج شبه الجزيرة، ففيها ~~أولئك الذين استمدهم المثنى وهو بأليس فأمدوه، وفيها بجيلة والأزد وكنانة وغيرها من قبائل ~~العرب الذين أجابوا نداء عمر، وفيها من بني النمر نصارى قدموا مع أنس بن هلال وجلاب ~~جلبوا خيلا، وفيها من تغلب نصارى جاءوا مع ابن مردى الفهر التغلبي وجلاب جلبوا خيلا، ~~وفيها غير بني النمر وبني تغلب رجال من قبائل عربية أخرى مقيمة بالعراق، هؤلاء جميعا رأوا ~~موقف العرب من العجم فقالوا: نقاتل مع قومنا، وكذلك جمعت رابطة الجنس إلى جيش المسلمين ~~عددا غير قليل من نصارى ms127 العراق وقفوا بجانبهم وحاربوا في صفوفهم. # وبعث مهران إلى المثنى يقول: «إما أن تعبروا إلينا وإما أن نعبر إليكم.» ولم يكن المثنى ~~قد نسي ما أصاب أبا عبيد حين عبر النهر يلقى ذا الحاجب، وكان عمر قد أهاب به بعد غزوة الجسر ~~ألا يعبر نهرا قبل أن يتم له النصر؛ لذلك بعث إلى مهران أن اعبروا أنتم، وعبر الفرس إلى ~~البويب وتعبئوا في صفوف ثلاثة مع كل صف فيل. # وخرج المثنى على فرسه الشموس، وكان لا يركبه إلا لقتال، فإذا فرغ من القتال ودعه، وكان ~~الفرس يدعى الشموس للين عريكته، وطاف المثنى راكبا في صفوفه يعهد إليهم عهده ويحضهم ~~ويأمرهم بأمره ويحرضهم ويهزهم بأحسن ما فيهم، فكان يقف عليهم راية راية يقول: «إني لأرجو ~~ألا تؤتى العرب من قبلكم، والله ما يسرني اليوم لنفسي شيء إلا وهو يسرني لعامتكم.» فكانوا ~~يجيبونه بمثل قوله، وإذ كان الشهر رمضان فقد نادى المسلمين: «أيها الناس إنكم صوام والصوم ~~مرقة ومضعفة، وإني أرى من الرأي أن تفطروا فتقووا بالطعام على عدوكم.» وأجابه الناس ~~إلى ما طلب فأفطروا، وسمع المثنى من جانب الفرس زجلا يرددونه وهم يقتربون، فقال: «إن الذي ~~تسمعون فشل، فالزموا الصمت وأتمروا همسا.» وجعل الناس يستمعون إلى المثنى وهو يتحدث ~~إليهم منصفا إياهم جميعا، فلم يستطع أحد منهم أن يعيب له قولا أو فعلا، بل ازدادوا له ~~حبا وبه تعلقا، فلما قال لهم: «إني مكبر ثلاثا فتهيئوا ثم احملوا مع الرابعة.» تهيأت ~~الرايات جميعا تنتظر الشدة على العدو وهي أشد ما تكون اغتباطا بلقائه وحرصا على ~~الظفر به. # ولم يكد المثنى يكبر أول تكبيرة حتى أعجل الفرس العرب وعاجلوهم فشدوا عليهم، واختلت لشدة ~~الفرس بعض صفوف المسلمين من بني عجل؛ فأرسل المثنى من يقول لهم: «إن الأمير يقرأ عليكم ~~السلام ويقول لكم: لا تفضحوا المسلمين اليوم.» واعتدل بنو عجل وشدوا مع سائر الجند على ~~الفرس، فأعادت شدتهم للصفوف نظامها، واشتبك الفريقان في قتال دام ساعات أعنف قتال، ورأى ~~المثنى أن المعركة تترجح ms128 حامية الوطيس بين الفريقين، وأنها تؤذن أن تطول، ففكر في الوسيلة ~~التي يكفل بها النصر للعرب؛ وذلك بأن يحمل على قائد الفرس فيزيله عن مكانه أو يقتله، ولينفذ ~~عزمه دعا إليه أنس بن هلال النمري ثم دعا ابن مردى الفهر التغلبي، وقال لكل منهما: «إنك ~~امرؤ عربي وإن لم تكن في ديننا، فإذا رأيتني قد حملت على مهران فاحمل معي.» وحمل المثنى على ~~مهران حملة صادقة فأزاله حتى دخل في ميمنته، ورأى الفرس ما حدث فاندفعوا يحمون قائدهم ~~فاجتمع القلبان وثار النقع، فلا يعرف أي الفريقين لمن منهما الغلب، وانكشف الغبار لحظة رأى ~~المسلمون فيها تراجع قلب الفرس، فحملت عليهم الميمنة والميسرة فدفعوهم إلى ناحية النهر ~~يبتغون النجاة، والمثنى في أثناء ذلك يحرض جنده ويرسل إليهم من يقول لهم: «عاداتكم في ~~أمثالهم، انصروا الله ينصركم.» فيزداد المسلمون حماسة وشدة على العدو وضربا في ~~صميمه. # ولم يطق الفرس أن يثبتوا لهذا البأس فانهزموا وانقلبوا يولون الأدبار، يريدون أن يعبروا ~~الجسر، فلما رأى المثنى انهزامهم سابقهم إلى الجسر وسبقهم إليه وردهم عنه، فازداد اضطرابهم، ~~فتفرقوا تصعد جماعة على شاطئ النهر وتصوب أخرى، وحصرهم فرسان المسلمين وهم في اضطرابهم ~~فقتلوهم شر قتلة، وبلغ من فزع الفرس وهم على هذه الحال أن كان الرجل من المسلمين يقتل ~~عدة منهم فلا يرتد إليه أحد يحاول قتله، حتى لقد سمي يوم البويب هذا يوم الأعشار؛ لأنهم ~~أحصوا مائة رجل من العرب قتل كل واحد منهم عشرة من الفرس في المعركة. # وظل المسلمون يتعقبون الفالة من عدوهم يمعنون فيهم قتلا إلى الليل، فلما أصبحوا عادوا ~~يتعقبونهم كرة أخرى إلى الليل، بذلك أزهق في البويب من الأرواح أكثر مما أزهق في أية غزوة ~~أخرى، فكانوا يحرزون قتلى الفرس بمائة ألف، بقيت جثثهم صرعى طريحة في الميدان حتى بليت ~~وصارت عظاما، ثم بقيت دهرا طويلا لم تدفن إلا بعد بناء الكوفة، ثم عفى عليها التراب ~~أزمان الفتنة. # انتصر المسلمون بالويب كما ترى نصرا مبينا، وكان اجتماع الناس على محبة ms129 المثنى من أسباب ~~ذلك النصر، بل كان أجل هذه الأسباب وأعظمها، لقد رأوه يخوض الغمار قوي اليقين جريء الجنان، ~~ففعلوا فعله واستبسلوا استبساله، فنصرهم الله، وكان الذين فروا من الزحف يوم الجسر يقاتلون ~~لا يبالون الموت يريدون أن يتطهروا من عار هزيمتهم، فبينما كان المثنى يعدل الصفوف للمعركة ~~رأى أحدهم يتقدم صفه مندفعا نحو الفرس مستقبلا، فقرعه بالرمح وقال له: «لا أبا لك! الزم ~~موقفك، فإذا أتاك قرنك فأغنه عن صاحبك ولا تستقتل.» وأجاب الرجل: «إني بذلك لجدير.» ~~واستقر ولزم الصف، وكان لسائر القواد والجنود مواقف بطولة تسجل بمداد الفخر. لما حمي وطيس ~~المعركة اندفع مسعود بن حارثة أخو المثنى يخوض غمارها، فصرع قبل أن ينهزم الفرس فتضعضع من ~~معه، فرأى ذلك وهو دنف فقال: «يا معشر بكر بن وائل! ارفعوا رايتكم رفعكم الله! لا ~~يهولنكم مصرعي.» وكان قبل أن يصاب قد قال لهم: «إن رأيتمونا أصبنا فلا تدعوا ما أنتم ~~فيه؛ فإن الجيش ينكشف ثم ينصرف، الزموا مصافكم وأغنوا غناء من يليكم.» وقاتل أنس بن هلال ~~النمري النصراني حتى قتل، وحمل غلام نصراني من التغلبيين على مهران فقتله واستولى على فرسه ~~ثم انتحى يترنم بقوله: «أنا الغلام التغلبي، أنا قتلت المرزبان.» ولما سبق المثنى الفرس إلى ~~الجسر فمنعهم من عبوره حاز عرفجة بن هرثمة كتيبة منهم إلى الفرات، فلما أحرجوا كروا على ~~عرفجة ورجاله وقاتلوهم قتال المستميت ونالوا منهم، فقال رجل لعرفجة: «لو أخرت رايتك!» فكان ~~جواب ابن هرثمة: «علي إقدامها.» وحمل بها على الفرس فولوا نحو الفرات، فما بلغه منهم أحد ~~حيا، وجرح من أعلام المسلمين يومئذ وقتل عدد غير قليل، كما جرح وقتل مثلهم من بني النمر ~~وبني تغلب وغيرهم من عرب العراق، لكن النصر توج استشهادهم فأبقى على التاريخ ذكرهم، فهم ~~أحياء عند ربهم يرزقون. # وانتهت المعركة، فضم المثنى أخاه مسعودا وأنس بن هلال النصراني إليه، وتوجع لما أصابهما، ~~لم يفرق اختلاف دينهما من وجده عليه، ثم صلى على من استشهد من المسلمين وقال: «والله إنه ms130 ~~ليهون علي وجدي أن شهدوا البويب، أقدموا وصبروا ولم يجزعوا ولم ينكلوا، وفي الشهادة ~~كفارة.» # وجلس المسلمون أمسية فراغهم من المعركة مغتبطين يسمرون، قال المثنى: «قاتلت العرب والعجم ~~في الجاهلية والإسلام، والله لمائة من العرب في الجاهلية كانوا أشد علي من ألف من العرب، ~~ولمائة من العرب اليوم أشد علي من ألف من العجم، إن الله أذهب بأسهم ووهن كيدهم، فلا ~~يروعنكم زهاء ترونه، ولا قسي فج ولا نبال طوال؛ فإنهم إذا أعجلوا عنها أو فقدوها ~~كالبهائم أينما وجهتموها اتجهت .» وذكر بعضهم أخذ المثنى الجسر على الفرس وما أدى ذلك إليه ~~من إفناء جيشهم، فلم يدع المثنى المتحدث يسترسل في حديثه، بل أنكر صنيع نفسه في ذلك وأظهر ~~الندم عليه وقال: «لقد عجزت عجزة وقى الله شرها بمسابقتي إياهم إلى الجسر حتى أحرجتهم؛ فإني ~~غير عائد فلا تعودوا ولا تقتدوا بي، أيها الناس، فإنها كانت مني زلة، لا ينبغي إحراج أحد ~~إلا من لا يقوى على امتناع.» # وهذه العبارة من القائد المنتصر في معركة عظيمة أزالت عن المسلمين عار معركة الجسر، تشهد ~~بشجاعة المثنى وصراحته في الحكم على نفسه، كشجاعته في قيادة المعارك وخوض غمارها، فلو أنه ~~كان ممن يزدهيهم الفخر ويلعب بلبهم إعجاب الناس بهم لما قال منها كلمة، لكنه رأى الفرس ~~الذين ارتدوا عن الجسر يقتلون من المسلمين ويستميتون يريدون الثأر منهم، فأسف لموت من مات ~~من جنوده، وندم على فعلته، وقدر ما ربما كان يترتب على استماتة عدوه من انقلاب كفة النصر، ~~ثم كان جريئا في إعلان خطئه حتى لا يقع في مثله غيره. # غنم المسلمون في البويب مغانم كثيرة، وأصابوا بقرا وغنما ودقيقا، فبعثوا بها إلى ~~عيالات من قدم من المدينة وقد خلفوهن على تخوم شبه الجزيرة، وإلى عيالات من أقاموا بالحيرة ~~ممن سبق إلى العراق في الأيام التي خلت قبل البويب والجسر، ورأى النسوة اللاتي أقمن على ~~تخوم شبه الجزيرة إقبال الخيل عليهن تحمل الميرة، فحسبنها غارة فقمن دون الصبيان بالحجارة ~~والعمد، فقال عمرو بن ms131 عبد المسيح وكان مع القافلة: «هكذا ينبغي لنساء هذا الجيش.» واستأمن ~~الرجال النساء وبشروهن بالفتح ودفعوا إليهن ما جاءوا به، وقالوا هذا أول المغنم. # وأمر المثنى القواد والرجال فانطلقوا في السواد حتى بلغوا ساباط على مرأى من المدائن ~~وجيوش الفرس تفر أمامهم فرار النعام لا تمنعهم من شيء ولا تمنع منهم أحدا، وانطلق المثنى ~~بدوره فغزا الخنافس والأنبار أيام سوقهما، فنال منهما ما شاء الله أن ينال من المغانم، وبلغ ~~المسلمون دجلة وأغاروا على قرية بغداد وبلغوا تكريت، وجعلوا كلما غزوا يقتلون المقاتلة ~~ويسبون الذرية ويستاقون الأموال، حتى كان لهم من ذلك ما لا يحصى، بذلك دان لهم العراق كله ~~كرة أخرى، وقسم المثنى الفيء على الناس، وفضل أهل البلاء من جميع القبائل، ونفل بجيلة ربع ~~الخمس تنفيذا لعهد عمر، ثم بعث بثلاث أرباعه إلى أمير المؤمنين بالمدينة. # استتب الأمر للمثنى كما استتب من قبل لخالد بن الوليد، فانتشر المسلمون في سواد العراق ~~ينالون من رزقه وينعمون بخيراته، وأقام المثنى بالحيرة يفكر فيمن أفنت هذه الموقعة الضروس ~~من جند المسلمين، وفي الوسيلة لتعزيز الجيش بمن يقوم مقامهم فيه، ولعله لم يكن يستعجل ~~المدد، فقد استولى الرعب على نفوس الفرس بعد ما كرثتهم البويب، حتى لقد خيل إليه أن لا قيام ~~لهم بعدها، وأن خلافهم بالمدائن سيشتد على أثرها، وأن الثورة ستشب بسبب هذا الخلاف في كل ~~أرجاء فارس فتوهن أمرها وتزعزع نظامها. # جدير بنا أن ندع المثنى يفكر في موقفه، وأن نفكر نحن فيما للبويب من دلالات على التاريخ؛ ~~فلهذه الغزوة أكثر من دلالة، لقد رأينا النصارى العرب من أهل العراق يقفون في خطوط المسلمين ~~يحاربون الفرس بالحمية التي يحاربهم بها المسلمون، ورأينا المثنى يقول لأنس بن هلال النمري: ~~«يا أنس! إنك امرؤ عربي وإن لم تكن على ديننا، فإذا رأيتني حملت على مهران فاحمل معي.» ثم ~~يقول مثل هذا القول لابن مردى الفهري التغلبي، ألا يقطع ذلك بأن الحرب في العراق لم تكن ~~حربا صليبية، ولا حربا إسلامية، وأن ms132 الدين لم يكن هو الذي أثارها، وإنما أثارها حرص العرب ~~على أن يتخلص بنو جنسهم من النير الأجنبي الذي ركبهم قرونا طويلة، وأن يكون الجنس العربي ~~وحدة سياسية أينما كانت منازله؟ أحسب الأمر واضحا فلا سبيل إلى الريبة فيه، والاعتبارات ~~التي أثارت الحرب في العراق هي التي أثارت الحرب في الشام، أما الفتح لنشر الإسلام بالسيف ~~فلم يدر بخاطر أبي بكر ولا بخاطر عمر، وإن دار بخاطرهما أن تكون الدعوة إلى الإسلام حرة لا ~~يقف في سبيلها عائق من العوائق . # ذلك أن الدعوة إلى الإسلام بقوة السلاح لا تتفق ومبادئ الإسلام، ولا يقرها الكتاب الذي ~~أوحاه الله إلى رسوله، وقد كان النبي وخلفاؤه يذكرون دائما قوله تعالى: # ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ~~وجادلهم بالتي هي أحسن ~~، وقوله تعالى: # ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة ~~كأنه ولي حميم ~~، وإنما انتشر الإسلام تبعا لاتساع رقعة الفتح؛ لأن ~~أهل البلاد المفتوحة رأوا مبادئ هذا الدين القيم فأكبروها ثم اعتنقوها، عن بينة وتفكير ~~حينا، وتشبها بالرجال الذين أتوا بالمعجزات في الفتح وفي الحكم حينا آخر، فإذا صح لهذا ~~السبب أن نقرن انتشار الإسلام باتساع رقعة الفتح، فلا صحة لما يقال من أن هذا الفتح كانت ~~غايته نشر الإسلام ببطش السيف. # هذا بعض ما تدل عليه غزوة البويب، وهي تدل كذلك على أن ما كان بين العرب والفرس من خصومة ~~قد بلغ حدا لا رجاء معه في صلح ولا في هدنة، فقد جاءت البويب على إثر غزوة الجسر حيث ~~انهزم المسلمون هزيمة نكراء، فمحت آثار هزيمتهم وجعلت كلمتهم العليا، وألقت في نفوس الفرس ~~الرعب وهدت عزيمتهم، مع ذلك لم يفكر المسلمون في التسليم ولا في الصلح إثر غزوة الجسر، ولم ~~يفكر الفرس في التسليم ولا في الصلح إثر غزوة البويب، فلم يكن بد من أن تتصل الحرب حتى يذعن ~~أحد الفريقين دون قيد أو شرط. # ولهذا لم يلبث الفرس حين زال عنهم روع البويب أن عادوا يفكرون فيما يوشك أن ms133 يصير إليه ~~أمرهم إذا ظلوا فيما هم فيه من فرقة وانقسام، ولقد خيل إليهم أن هؤلاء الغزاة من العرب ~~سيدخلون عليهم عاصمة ملكهم، ويفتضون عليهم كل حصونهم، ويخضعون أبناء كسرى لسلطانهم، إلا أن ~~تكون المعجزة فتتحد كلمتهم ليواجهوا الغزاة ويجلوهم عن أرضهم، وكيف لكلمتهم أن تتحد ورستم ~~والفيرزان يتنازعان السلطان، والأمراء والدهاقين منقسمون تؤيد طائفة أحد المتنازعين وتؤيد ~~الأخرى منافسه! لذا ذهب أهل الفرس إليهما جميعا فحذروهما عاقبة اختلافهما وما يجره على ~~فارس من وهن يعرضها للهلكة، «فما بعد بغداد وساباط وتكريت إلا المدائن!» ثم إنهم أنذروهما ~~قائلين: «والله لتجتمعان أو لنبدأن بكما قبل أن يشمت بنا شامت!» # وتشاور الفيرزان ورستم فاستكتبا بوران كتابا إلى نساء كسرى وسراريه، فجاءوا بهن وعرفوا ~~منهن أنه لم يبق ذكر من ذرية كسرى إلا يزدجرد بن شهريار بن كسرى وكانت أمه قد أخفته ~~عند أخواله حين قتل شيري جميع الذكور من ذرية أبيه، فجاءوا به، وهو يومئذ في الحادية ~~والعشرين من عمره، فجعلوه على عرش أجداده واجتمعوا عليه وتباروا في معونته، فاطمأنت فارس ~~بعد انزعاجها، وأخذت تعد العدة كيما تثأر لكرامتها وشرفها. # وترامت إلى المثنى أنباء الفرس فزايلته طمأنينته، وأيقن أن أهل السواد لن يلبثوا أن ~~ينتقضوا على المسلمين إذا سارت جيوش الفرس ونحوهم، فكتب إلى عمر بالمدينة يذكر له ما عنده ~~وما يتوقع من ثورة وانتقاض، لكن كتابه أبطأ قبل أن يبلغ عمر، وتجهز الفرس، فأثار تجهزهم قرى ~~العراق ومدنه، فلم يجد المثنى بدا من أن ينسحب كرة أخرى إلى تخوم شبه الجزيرة، فسار في ~~جنده حتى نزل بذي قار، وجمع ما استطاع من الناس في عسكر واحد، ثم أقام ينتظر مدد الخليفة ~~ليعود من جديد ويفتح المدائن. # ولما وصل كتاب المثنى إلى عمر وعرف تجهز العجم بعد أن اجتمع أمرهم واتحدت كلمتهم قال: ~~«والله لأضربن ملوك العجم بملوك العرب!» وكتب إلى المثنى ومن معه يأمرهم بالخروج إلى تخوم ~~العراق والتفرق في المياه التي تلي العجم، وأن يستمدوا أهل النجدة ليكونوا معهم حتى ms134 لا ~~يبغتهم الفرس وهم في غير عدد وعدة. # نزل المثنى بذي قار، فلم يفكر الفرس في السير لمواجهته، وهناك أقام حتى أدركه سعد بن أبي ~~وقاص، إذ جاء أميرا على الجيوش التي جهزها عمر ليجهز بها على فارس، لكن مقام المثنى ~~مع سعد لم يطل؛ فقد نغر عليه الجرح الذي أصابه يوم الجسر وما زال به حتى قضى عليه، بهذا ~~تجري بعض الروايات وتجري روايات أخرى بأن المثنى قبض بذي قار قبل أن يصل سعد إلى العراق، ~~وأنه ترك لسعد وصية نورد حديثها في موضعه. # والآن وقد قبض المثنى فحق علينا أن نختم هذا الفصل، وقبل أن نندفع مع الحوادث في تيارها ~~الجارف، أن نقف هنيهة على قبر هذا القائد القادر نودعه ونوفيه بعض حقه. # فقد حمل هذا الرجل عن المسلمين في حرب الفرس عبئا لم يحمل أحد مثله، كان أول مسلم ذهب ~~إلى دلتا النهرين فدعا أبا بكر للتفكير في فتح العراق، ولولا ذهابه إليها ومغامراته فيها ~~لما فكر الخليفة في مواجهة فارس، وقد فتح مع خالد بن الوليد ما شاء الله أن يفتحاه من سواد ~~العراق، ولولا إقدام ابن حارثة وحسن رأيه وبراعة قيادته لما استطاع بعد أن ذهب خالد إلى ~~الشام أن يثبت للفرس وأن يواجههم. # ولقد أوصى أبو بكر عمر بعد ذلك أن يندب الناس مع المثنى، فكان طبيعيا أن يتولى المثنى ~~إمارة القوات التي تسير إلى العراق لنجدته، فهو الذي عرف مداخله وسار في أرجائه، فله من ~~الجرأة على أهله ما ليس لغيره، ولو أن أبا بكر عاش لما أمر أحدا غيره، لكن عمر أمر أبا ~~عبيدا؛ لأنه كان أول الناس انتدابا، ولأنه كان ثقفيا من أهل الحجاز! وكان المثنى من بكر ~~بن وائل، أفغضب المثنى لذلك أو حز في نفسه أن خالف عمر وصية أبي بكر في أمره؟ كلا! بل سما ~~بتفكيره فوق هذا الاعتبار، وقدر تعصب أهل الحجاز لبني وطنهم، فسبق أبا عبيد إلى العراق ثم ~~سار تحت لوائه، فانتصر معه يوم النمارق ms135 وحمل اللواء بعد مقتله ومقتل أصحابه يوم الجسر، ثم ~~انسحب إلى أليس، حتى جاءه المدد وكان يوم البويب قاد الموقعة ببراعة تعيد إلى الذاكرة فعال ~~خالد بن الوليد في أعظم غزواته. # وتأمير عمر أبا عبيد على المثنى من الخطوات الأولى التي أقر بها أمير المؤمنين نظام ~~الطبقات بين المسلمين، وقد يلتمس لعمر من العذر عن هذه الخطوة أن أبا عبيد تقدم حين أحجم ~~غيره، فكان أول الناس انتدابا، لكن الواقع أنها كانت خطوة تتفق وتفكير عمر، يشهد بذلك أن ~~جرير بن عبد الله البجلي ذهب في أعقاب غزوة الجسر مددا للمثنى، فلما عرف المثنى أنه مر ~~قريبا منه كتب إليه أن أقبل إلي فإنما أنت مدد لي، ورد عليه جرير: «إني لست فاعلا إلا ~~أن يأمرني بذلك أمير المؤمنين، أنت أمير وأنا أمير.» وكتب المثنى إلى عمر يشكو جريرا، فرد ~~عليه أمير المؤمنين بقوله: «إني لم أكن لأستعملك على رجل من أصحاب محمد # صلى الله عليه وسلم ~~.» ولما وجه ~~عمر سعد بن أبي وقاص إلى العراق كتب إلى المثنى وإلى جرير أنه أمر سعدا عليهما، ذلك ~~أن سعدا كان من السابقين الأولين إلى الإسلام، وكان عمر يرى السابقين الأولين إلى الإسلام ~~طبقة تفضل غيرها من سائر طبقات المسلمين. # لم يغضب المثنى لتأمير غيره عليه؛ ذلك لأنه كان مؤمنا حسن الإيمان، كما كان جنديا ~~باسلا يقدر معنى النظام وطاعته، ويسمو بالنظام وبالإيمان جميعا على أهواء النفس وشهواتها، ~~على أن إقصاءه عن إمارة الجيش لا يغض من قدره، ولا يمحو ما سجل التاريخ له في صحفه، فإن يكن ~~خالد بن الوليد عبقري الحرب وسيف الله، فالمثنى بن حارثة هو السابق الأول إلى فتح العراق، ~~وهو القائد المحنك الذي حمل العبء في أشد مواقف المسلمين به دقة، وهو الحكيم الذي جمع قلوب ~~العرب من أهل العراق حوله مع أنهم لم يكونوا على دينه، فاستطاع بما صنع من ذلك أن يضرب ~~الفرس في البويب ضربة لم يفيقوا منها ولم ينتصروا قط بعدها. # ويزيد المثنى ms136 فخارا أنه أتم ذلك كله في زمن ما أقصره، فقد بلغ أبو عبيد تخوم العراق ~~مستهل الخريف من سنة أربع وثلاثين وستمائة لميلاد السيد المسيح، فانتصر بالنمارق في أوائل ~~أكتوبر من تلك السنة، وقتل بالجسر في أخريات الشهر نفسه، فتولى المثنى القيادة وانتصر ~~بأليس ثم انتصر نصره الحاسم بالبويب في شهر نوفمبر، ولو أنه جاءه المدد في أعقاب البويب ~~لسار إلى المدائن ففضها قبل أن يطوي ذلك العام أيامه، لكن المدد أبطأ عليه، ثم إن الموت ~~عاجله، فمات وقد عقد النصر على هامته إكليلا من الفخار باقيا على الدهر ما بقي ~~الدهر. # والآن وداعا أيها القائد القادر وفي ذمة الله! ولنترك الآن ميدانك يدوي بآيات نصرك لنقف ~~بالشام إلى جانب صاحبك ابن الوليد! وليذكر الناس جميعا على تعاقب الأيام أن المثنى بن ~~حارثة الشيباني كان الطليعة في التمهيد للإمبراطورية الإسلامية، ثم كان من بناتها ذوي ~~الحكمة والأيد، ولن يغض من عظمة صنيعه في بنائها أنه لم يكن قرشيا، ولم يكن من أصحاب رسول ~~الله، وأنه لم يتول إمارة الجيش بعد خالد، فقد تولاها بالفعل في البويب فكان فيها ندا ~~لخالد إقداما، ولعله كان فيها أكثر من خالد تسامحا وحكمة. # | هوامش # الفصل السابع # | فتح دمشق وتطهير الأردن # لعلك تذكر أن أبا بكر لما عزم فتح الشام واستمد العرب جميعا لغزوه وجه أربعة ألوية إلى ~~أرضه، جعل على أحدها أبا عبيدة بن الجراح، وعلى الثاني عكرمة بن أبي جهل، وعلى ~~الثالث يزيد بن أبي سفيان، وعلى الرابع عمرو بن العاص، وأنه اختص كل لواء بمنطقة في الشام ~~يغزوها، فإذا اجتمعت هذه الجيوش فالأمير عليها أبو عبيدة، وقد لقيت هذه الجيوش من ~~مقاومة الروم وبأسهم ما اضطرها إلى الاجتماع في صعيد واحد على ضفة اليرموك، ولم تدعها جند ~~هرقل تتقدم، بل وقفت إزاءها على ضفة النهر الأخرى، وضاق أبو بكر ذرعا بجمود جنوده، فكتب ~~إلى خالد بن الوليد بالعراق ليسير إلى الشام أميرا على جيوشه كلها، وبلغ خالد الشام، وأقام ~~شهرا آخر على ms137 ضفة اليرموك دون أن يواجه الروم، وقبض أبو بكر وتولى عمر إمارة المؤمنين ~~والموقف لا يزال على جموده، فكان من أول ما استفتح به عهده أن حمل محمية بن زنيم ~~وشداد بن أوس كتابا إلى أبي عبيدة بعزل خالد عن إمارة الجيش وبردها إليه كما كانت قبل أن ~~يفصل خالد من العراق إلى الشام. # 1 # بينا محمية بن زنيم وشداد بن أوس في طريقهما إلى الشام يحملان رسالة عمر بعزل خالد، كان ~~خالد يدبر للقاء الروم والقضاء عليهم، ولقد عرف أن الروم يتجهزون للقائه، فعبأ جيوشه كراديس ~~على نحو لم يألفه العرب من قبل؛ وذلك لأنه ليس أكثر في رأي العين من الكراديس، ثم حمل بهم ~~غداة ذلك اليوم فالتقى هو وجيش الروم فحطمه، وقضى على كل أمل للروم في استبقاء ~~الشام. # 2 # تجري طائفة من الروايات بأن رسولي عمر بعزل خالد وصلا إلى الشام صبح اليوم الذي وقعت فيه ~~هذه المعركة الفاصلة، وأنهما رفعا رسالة أمير المؤمنين إلى أبي عبيدة فلم يذع ما فيها ~~حتى انتهت المعركة، فلما تم فيها النصر للمسلمين أنبأ خالدا بها وأذاع في الجيش أمرها، ~~وتولى القيادة مكان خالد، وتذهب روايات أخرى إلى أن أبا عبيدة لم يذع ما في الرسالة ~~إثر الموقعة، بل أخفاه وسار تحت إمرة خالد إلى دمشق، حتى إذا فتحت وتم الصلح مع أهلها أذاع ~~أمر أمير المؤمنين، وتسوق بعض الروايات الحوادث غير هذا المساق، وتذكر أن عمر أمر بعزل خالد ~~عن كل عمله في الجيش وبمحاكمته في أمور نسبها إليه وطلب سؤاله عنها. # والراجح عندي أن أبا عبيدة لم يذع النبأ بعزل خالد أول ما بلغه، سواء كان قد بلغه ~~صبح يوم اليرموك أو بعد انتصار خالد فيها، وأنه كتم هذا النبأ أياما حار في أثنائها ما ~~يصنع به وكيف يذيعه، وفي هذه الأثناء عرف الناس أن أبا بكر قبض وأن عمر تولى مكانه، ~~فاختلفوا رأيا، وبرم بعضهم بولاية عمر كما برم بها قوم من أهل المدينة، ثم هدأت ثائرتهم ms138 ~~ورضوا الواقع، حين علموا أنه تم بوصية أبي بكر، وقدر خالد أن عمر لن يرضاه أميرا على جيوش ~~المسلمين بالشام، وأنه لا بد أن سيعزله، وتحدث بذلك إلى بعض المقربين منه، ولعله تحدث به ~~إلى أبي عبيدة، عند ذلك أنبأه أبو عبيدة برسالة عمر فلم يغضب ولم يثر، ورضي ~~طائعا أن يتولى قيادة لوائه بإمرة ابن الجراح، كما قبل ابن الجراح من قبل أن يكون ~~تحت لوائه طوعا لأمر أبي بكر حين بعث خالدا من العراق إلى الشام، # 3 # ولم يثر الناس بأمر عمر وعزله خالدا؛ لأنهم كانوا يعرفون ما بين الرجلين منذ ~~حادث مالك بن نويرة، وكذلك تم هذا التبديل في إمارة الجيش إثر موقعة انتصر فيها خالد نصرا ~~حاسما، فلم يترك في نظام المسلمين وجندهم أي أثر تخشى مغبته. # هذا ما أرجحه، وهو ما يستخلص من مختلف الروايات، وقد كتب به أبو عبيدة إلى عمر ~~وأنبأه بما تم من نصر على الروم في اليرموك، وبعث إليه بخمس الفيء، وذكر له أنه خلف بشير بن ~~سعد بن أبي الحميري على اليرموك ليحمي ظهره، وخرج إلى مرج الصفر يتعقب فلول ~~المنهزمين الذين تجمعوا بفحل، وأنه أتاه الخبر بأن هرقل أمد دمشق بقوات من حمص، وكان هرقل ~~يقيم بها، فهو لا يدري أيبدأ بدمشق أم بفحل من بلاد الأردن. # وتناول عمر كتاب أبي عبيدة، فلم يلبث حين قرأه أن كتب إلى أبي عبيدة: # أما بعد فابدءوا بدمشق فانهدوا لها فإنها حصن الشام وبيت مملكتهم، واشغلوا عنكم ~~أهل فحل بخيل تكون بإزائهم في نحورهم، فإن فتحها الله قبل دمشق فذلك الذي نحب، وإن ~~تأخر فتحها حتى يفتح الله دمشق فلينزل بدمشق من يمسك بها ودعوها، وانطلق أنت وسائر ~~الأمراء حتى تغيروا على فحل، فإن فتح الله عليكم فانصرف أنت وخالد إلى حمص، وضع ~~شرحبيل وعمرا بالأردن وفلسطين. # تلقى أبو عبيدة رسالة عمر، فبعث إلى فحل بعشرة من قواده في مقدمتهم أبو الأعور ~~السلمي، وسار هو وخالد بن الوليد في قوة الجيش الكبرى ms139 يقصدون دمشق، ورأى الروم الذين لجئوا ~~إلى فحل مقدم المسلمين عليهم، وكان أثر اليرموك وما أورثه إياهم من فزع لا يزال آخذا ~~بنفوسهم، فأطلقوا ماء بحيرة طبرية ونهر الأردن في الأرض حولهم، فأوحلت وتعذر السير فيها، ~~وغاظ المسلمون ما صنع عدوهم، فوقفوا بإزائهم يحاصرونهم ولا يستطيعون التقدم في الأرض ~~الموحلة إليهم، وظل ذلك موقفهم حتى فرغ إخوانهم من فتح دمشق، واستطاعوا أن يمدوهم بقوات ~~زادتهم بأسا وإقداما. # ولم يكن عجبا أن يفتح المسلمون دمشق مع مناعة حصونها وما أمدها هرقل به من جند عظيم، فقد ~~كانوا إلى حين نصرهم الله باليرموك يسيرون في أرض مياهها جارية، لكن ما بها من خصب وزرع لم ~~يزد على مواقع الخصب بالمدينة وما حولها، فلم يبلغ إغراؤه ما بلغت دلتا النهرين بالعراق، ~~فلما ساروا من الواقوصة على اليرموك إلى دمشق رأوا جمالا يبهر بهاؤه اللب، وتسحر بهجته ~~القلب، رأوا أراضي البلقاء في الجنوب تمتد مروجها إلى مسرح النظر، ورأوا في الشمال مراعي ~~جولان أبهى نضرة وأمرع خصبا، ثم رأوا مزارع القمح والشعير متلاحقة بين هذه المراعي تقوم ~~خلالها الأشجار مختلفا أنواعها، منها المثمر وغير المثمر، ومنها ذو الأريج يفوح شذى زهره ~~فيعطر ما حوله من الأرجاء، والنهيرات والغدران تجري مياهها الصافية مصقولة الصفحة حينا، ~~متدفقة في اندفاع حينا آخر، تسقي هذه الزروع والأشجار والحدائق الغناء، وقد تحدرت من تلال ~~كست سفوحها الخضرة أو نمت فوقها الأشجار الباسقة، فجلت رباها كأنها الأعلام بين أودية تنبسط ~~تارة وتتموج بين الارتفاع والانخفاض تارة أخرى، وهي في انبساطها وفي تموجها يكسوها بساط من ~~الزهر بألوانه البهيجة الفواحة، وزادت بنات الأصفر على تعبير العرب، هذا الوسط الطبيعي ~~الرائع رواء وبهجة، يتهادين فوق هذه الربى وبين هذه الأودية، فتمسك النظر قدودهن الممشوقة ~~وخدودهن الملساء أشربت وجناتها حمرة تنم عن عافية وري، وقد سواهن البارئ أحسن تسوية وقومهن ~~أحسن تقويم، فكن ملائك هذه الجنان التي يسير العربي خلالها في الطريق إلى العاصمة الحصينة، ~~وها هنا وهناك تقوم المدائن التي أنشأها الرومان ms140 وأقاموا فيها المسارح والملاعب والكنائس، ~~وكلها عمائر تلفت عظمتها النظر وتثير الإعجاب، وهناك على حدود الأفق إلى الشمال تبدو أعالي ~~الجبال توجت هاماتها الثلوج، فبدت في جلال، ما أشبهه بجلال المشيب، ناصع البياض، أي شيء هذا ~~السحر الباهر وهذا الجمال الساحر! وهل من باعث غير الإيمان أقوى منهما يدفع إلى المغامرة في ~~سبيلهما! ولهؤلاء الجنود المسلمين من قوة الإيمان بالله ورسوله أوفى حظ وأوفر نصيب، وقد زاد ~~هذا السحر قوة الإيمان في نفوسهم، فدفعهم يسرعون إلى عاصمة الشام وهم أشد ما يكونون حرصا ~~على فض حصونها والدخول إلى قلبها. # بل لقد زادهم اسم دمشق حرصا على الإسراع إليها والاستيلاء عليها، فكم سمعوا بعجائبها من ~~إخوانهم وآبائهم الذين كانوا يذهبون أثناء رحلة الصيف بالشام إليها! وكم حدثهم عن تاريخها ~~بنو وطنهم من المسيحيين الذين يحجون إلى بيت المقدس، ثم يذهبون إلى مقر الملك بالشام يجتلون ~~نعمة الحضارة فيه، ويبتاعون من متاجره الغنية تحفا لا مثيل لها بالمدينة المقدسة بفلسطين، ~~قص عليهم هؤلاء المسيحيون تاريخها، فأذكوا في نفوسهم تطلعا أي تطلع لمشاهدتها والتمتع ~~بجناتها الفيحاء ومياهها الجارية وظلالها الوارفة وفاكهتها الشهية، وما فيها من جمال يحدث ~~عن حاضر فاتن وماض أكثر فتنة، فدمشق من أقدم مدائن العالم إن لم تكن أقدمها ~~جميعا، # 4 # وقد توالت عليها عصور عظيمة كانت فيها مقر عبادة وثنية ضخمة، فلما جاءت ~~المسيحية جعلت من معبدها الوثني كنيسة لأتباع السيد المسيح لا يبذها في جمالها وجلالها إلا ~~كنيسة أنطاكية كبرى معابد المسيحية بالشام، هذا إلى ما أقامه الروم فيها من عمائر فاقت كل ~~ما وقعت عليه أعين هؤلاء العرب في طريقهم إليها جلالا وعظمة، كيف إذن لا تنهب جيوش ~~المسلمين الطريق إليها نهبا! وكيف يخامرها ريب في أنها لا بد مستولية عليها بعد أن قهرت ~~الروم باليرموك، وقضت من جندهم على عشرات الألوف خروا صرعى في الميدان أو تردوا هلكى في ~~هاوية الواقوصة! # ولم يجد هذا الجيش الظافر في طريقه مقاومة تذكر، فلم يكن الروم يعتمدون في قتالهم ms141 على ما ~~كان يعتمد عليه الفرس من التحصن بالأنهار ومجاري المياه المتشابكة بين دجلة والفرات؛ لأنه ~~ليس بالشام مثل هذه الأنهار، ولم يكن الروم يندفعون إلى المعارك مستميتين اندفاع الفرس؛ لأن ~~العراق كان للفرس منه نصيب عظيم، وكانت المدائن عاصمة الأكاسرة على شاطئ دجلة أكبر أنهاره، ~~أما الشام فكان ولاية رومية، وكانت القسطنطينية عاصمة القياصرة بعيدة عن بيت المقدس وعن ~~دمشق؛ فلم يكن في نفوس المدافعين عنها من الحماسة والاستماتة ما كان في نفوس المدافعين عن ~~المدائن، ولم تبعث العصبية الدينية في نفوسهم حب الاستشهاد في سبيل بيت المقدس، فقد غلب ~~الفرس الروم واستولوا على كنيسة القيامة وعلى كنيسة المهد من قبل، فلم يجد أهل البلاد في ~~هذا التغيير الذي طرأ على حكامهم ما يدعوهم إلى افتداء هذه المعابد بأرواحهم، فإذا كان هرقل ~~قد رد الفرس واسترد فلسطين، فلم يكن حكم عماله خيرا من حكم الفرس ولا أكثر رفقا ومعدلة، ~~لذلك لم يعتمد هرقل على شيء في هذه البلاد اعتماده على المدن المحصنة، كدمشق وحمص وأنطاكية، ~~اعتزازا بحصونها، واطمئنانا إلى قوة مقاومتها. # بلغ المسلمون غوطة دمشق فازدادوا حماسة واندفاعا؛ فقد رأت أعينهم هذا السهل الفسيح تقوم ~~عليه أم المدائن وأقدمها، وكأنه قطعة من الجنة هبط بها الملائكة من سماء الخلد إلى هذه ~~الأرض: أنهار جارية، وعيون دافقة، وأشجار متشابكة الأغصان، وأعناب وتين وزيتون وجنة نعيم، ~~وبين هذه الظلال الوارفة تسري خلالها نسمات تضوع عطرا، قامت منازل المترفين الذين آتاهم ~~الله من فضله ورزقهم من طيبات هذه الدنيا، تحدث عما كان فيها ومن كان فيها من سادة يمتعون ~~وجوار كأنهن الحور العين، أين من هذا الجمال الرائع والنعمة السابغة، ما رأت عيون الذين ~~صحبوا خالد بن الوليد إلى العراق، وكانوا يرونه سحرا أي سحر، وفتنة أي فتنة! فإذا صحت كلمة ~~خالد بالعراق: «ألا ترون إلى الطعام كرفغ التراب! وبالله لو لم يلزمنا الجهاد في الله ~~والدعاء إلى الله عز وجل ولم يكن إلا المعاش، لكان الرأي أن نقارع على هذا الريف ms142 حتى نكون ~~أولى به، ونولي الجوع والإقلال من تولاه ممن اثاقل عما أنتم عليه.» إذا صحت هذه الكلمة ~~بالعراق مرة فإنها تصح أمام دمشق وغوطتها ألف مرة، فما يرون هنا ليس هو الطعام بلغ من ~~الكثرة مبلغ التراب، وإنما يرون مع الطعام ما لم يكن يدور لهم في خيال، وما حسبه أكثرهم مما ~~لم تره عين ولم تسمع به أذن ولم يخطر على قلب بشر. # ألفى المسلمون منازل الغوطة وقصورها خالية لا يسمع فيها إلا غناء الأطيار على أفنان ~~بساتينها، ذلك أن أهل المنازل والقصور هجروها ليحتموا من الغزاة بأسوار المدينة المنيعة، ~~وكانت أسوار دمشق مضربا للممثل في التحصن والمنعة، بنيت من حجارة ضخمة متينة، وعلت إلى ~~ارتفاع يزيد على ستة أمتار في سمك يزيد على ثلاثة، وكانت حصونها رفيعة الذرى كثيرة ~~الشرفات، يحتمي بها الرماة بالسهام والمجانيق من المدافعين فيها، وقد زادها هرقل تحصينا ~~بعد غزو الفرس إياها، أملا في أن ترد كل طامع في الإمبراطورية، وكان بالأسوار أبواب منيعة ~~يحكم إغلاقها فلا تدع سبيلا لداخل إلى المدينة أو خارج منها، وأحيطت الأسوار بخندق يزيد ~~عرضه على ثلاثة أمتار طمته مياه نهر بردى، بذلك كانت دمشق كلها قلعة واحدة ذات أبراج في ~~كل نواحيها، فلم يكن لمهاجمتها سبيل إلا بعد حصار طويل يفت في أعضاد أهلها، ويضعف عزائمهم ~~ويحملهم على التسليم. # قدر أبو عبيدة ما يقتضيه اقتحام المدينة الحصينة من هذا الحصار الطويل، فأمر جنوده ~~ففتحوا كنائس الغوطة ومنازلها واتخذوها مساكن يأوون إليها، وقدر أن هرقل قد يبعث بجنود من ~~حمص أو فلسطين يحصرون قواته حول دمشق بين حصون المدينة وجيوش الروم، فبعث ذا الكلاع ~~الحميري فعسكر بين دمشق وحمص، وبعث علقمة بن حكيم ومسروق العكي فعسكرا بين دمشق وفلسطين، ~~فلما اطمأن إلى ما صنع من ذلك أمر قواده وجنوده بالتقدم لحصار العاصمة، تمهيدا لاقتحامها، ~~وعين لكل منهم بابا من أبوابها ينزل عليه، فنزل هو على باب الجابية، ونزل عمرو بن العاص ~~على باب توماء، ونزل شرحبيل بن حسنة ms143 على باب الفراديس، ونزل يزيد بن أبي سفيان على ~~الباب الصغير أو باب كيسان، أما خالد بن الوليد فنزل على الباب الشرقي، وكان على مقربة من ~~هذا الباب دير يسمى دير صليبا اتخذه خالد مقرا له، ولذلك سمي من بعد دير خالد. # ونصب المسلمون المجانيق والدبابات حول المدينة وبدءوا يهاجمون حصونها، لكن هذه الحصون ~~كانت أمنع من أن تفتضها عدة العرب وطرازها ساذج والجنود الذين يستعملونها غير مدربين على ~~فنون الحصار؛ لذلك قاومت كل هجوم ورد حماتها جنود الدبابات ورماة المجانيق بسهامهم ونبلهم، ~~وكان نسطاس حاكم المدينة وباهان قائد جنودها على ثقة من أن هرقل لن يدع عاصمة ملكه بالشام ~~تسقط في أيدي أعدائه وهو مقيم على مقربة منها بحمص في جيش عظيم، وأن هؤلاء العرب لن يلبثوا ~~لذلك أن يفضوا حصارها وينفضوا عنها كما فعل غيرهم من قبل، ولهذه الثقة طالت مقاومتهم ولم ~~يجد المسلمون إلى المدينة منفذا، والحق أن هرقل لم يكذب ظنهم؛ فقد بعث من حمص بقوات سارت ~~مددا لدمشق، لكن هذه القوات لقيت ذا الكلاع وفرسان اليمن في طريقها، فكان بين الفريقين ~~قتال عنيف ارتد الروم على أثره منهزمين إلى حمص، وعرف نسطاس وباهان ما كان من ذلك فاضطربا ~~حينا، لكنهما سرعان ما استردا ثقتهما بقدرة دمشق على المقاومة، فعما قريب يشتد البرد فلا ~~يطيق العرب أبناء الصحراء الحارة احتماله، فيعودون أدراجهم، وتعود إلى مدينتهم حرمتها ~~وكرامتها. # على أن طمأنينتهم هذه لم تمنعهم من أن يبعثوا إلى هرقل من يستعجل مدده مخافة أن يطول ~~بالناس الحصار فتهن عزائمهم، وأرسل إليهم قيصر يقول: إنه ممدهم، ويحرضهم على الثبات ~~والمقاومة، وقوت رسالة هرقل عزيمتهم، وجعلتهم يثبتون لهجمات المسلمين ويصدونها، وإن لم ~~يغامروا بالخروج من أسوار مدينتهم لمواجهة الذين هزموا جند الروم في اليرموك وقضوا عليهم، ~~وطالت مقاومتهم وطال حصار المسلمين إياها زمنا اختلف فيه: قيل: كان سبعين يوما، وقيل: ~~أربعة أشهر، وقيل: ستة أشهر، وضيق المسلمون عليهم الحصار طول هذا الزمان، وطال انتظارهم مدد ~~قيصر على غير جدوى، ms144 وانقضى الشتاء وأقبل الربيع والعرب على حصارهم لا يريمون عنه، عند ذلك ~~وهت قوتهم ووهنت عزائمهم، وانقطع رجاؤهم في مدد قيصر وفي جلاء المحاصرين، فبدءوا يفكرون في ~~التفاهم معهم وفي مصالحتهم. # انتهى المسلمون بالدخول إلى المدينة وعقد الصلح مع أهلها، كيف دخلوا؟ أكان ذلك عنوة ~~أم فتح الدمشقيون لهم الأبواب؟ ومن من المسلمين عقد الصلح، وعلى أي شيء عقد؟ هنا تختلف ~~الروايات بل تضطرب، وأكثر هذه الروايات شهرة أن خالد بن الوليد كان مقيما على الباب الشرقي ~~لا ينام ولا ينيم، وكانت له عيون زاكية فلا يخفى عليه مما يجري في دمشق شيء، ونمى إليه ~~يوما أن بطريق المدينة ولد له ولد فرح به، فأولم للناس، فأكل الجند وشربوا وغفلوا عن ~~مواقفهم، وكان خالد قد اتخذ حبالا كهيئة السلالم وأوهاقا، # 5 # فلما أدرك الليل أعجازه نهد هو وجنده الذين قدم بهم من العراق، وقال لهم: إذا ~~سمعتم تكبيرنا من السور فارقوا إلينا، ثم تقدمهم ومعهم القعقاع بن عمرو ومذعور بن عدي ~~وأمثالهم من الشجعان المغاوير، فعبروا الخندق عائمين على القرب، وأثبتوا أوهاق حبالهم في ~~شرف السور وتسلقوا سلاليمها، حتى إذا ارتقوا على الجدار جذبوا بعض الحبال وأثبتوها في ~~الشرف التي تلي داخل المدينة وألقوها، فانحدر خالد وطائفة ممن معه ونزلوا أمام الباب ~~فعالجوا فتحه بسيوفهم، وكثر إخوانهم الذين أقاموا بأعلى الجدار، فلما سمع رجال خالد تكبيرهم ~~أسرعوا يعبرون الماء ويتسلقون الجبال إلى زملائهم فوق السور. # وكان الباب الشرقي أمنع أبواب دمشق وأكثرها ماء وأحصنها مدخلا؛ لذلك لم يكن عليه من ~~الحراس إلا عدد قليل، فاجأهم خالد ومن معه وهم في غفلتهم فقتلوهم، وفتحوا أغلاق الباب ~~بالسيوف فدخل منه من لم يرق إلى أعلى السور واندفعوا داخل المدينة يكبرون، وفزع الناس في ~~سائر أرجائها، وانتشر بينهم خبر المسلمين واقتحامهم الباب الشرقي وقتلهم من قابلهم، عند ذلك ~~أسرعوا إلى سائر الأبواب ففتحوها وصالحوا أبا عبيدة فأمنهم ودخل من باب الجابية ولا ~~علم له بما فعل خالد، فلما عرف ما يجري من سفك ms145 الدماء بعث إلى خالد أن يكف عن القتال فقد ~~صالح الناس وأمنهم، واعترض خالد بأنه فتح باب المدينة عنوة، لكن أبا عبيدة كان ~~الأمير على الجند؛ فلم يكن بد لخالد من أن يسمع لأمره وأن يجري الصلح على الجانب الذي ~~فتحه. # هذه أكثر الروايات شهرة في فتح دمشق، وهي تنهض، على غرابة وقائعها، وتجد من يؤيدها من ~~مؤرخي العرب ومن المستشرقين؛ لأن بطلها خالد بن الوليد، ولو أن بطلها كان غير هذا العبقري ~~صاحب المعجزات في الحرب لرماها المؤرخون جميعا بالتهافت، بل لما أقدم أحد على روايتها، فمن ~~غير خالد لا ينام ولا يدع غيره ينام! ومن غيره يستوي إليه علم ما تحتويه دمشق من أسرار داخل ~~أسوارها، حتى ليعلم أن البطريق ولد له ولد وأنه أولم للناس، وأن الحرس بلغ منهم الطعام ~~والشراب فغفلوا عن مواقعهم؟ ومن غيره، بعد حصار دام سبعين يوما أو أربعة أشهر، أو ستة أشهر ~~يقدم على أن يعبر الخندق مع أصحابه مستعينين بالقرب، وأن يتسلق الأسوار على الحبال وأن يهبط ~~بنفسه داخل هذه الأسوار معرضا نفسه للخطر حين انبلاج الصبح! لكن لخالد في الحرب معجزات ~~رأيناها في حروب الردة وفي فتح العراق وفي غزوة اليرموك، فلا عجب أن تكون هذه إحدى ~~المعجزات التي كفلت له في كل غزواته النصر والسؤدد، وأن تجد لذلك من يؤيدها من مؤرخي العرب ~~ومن المستشرقين. # على أن هذا التأييد لم يعصمها من تفنيد الناقدين لها وطعن الطاعنين عليها، وأخذهم بغيرها ~~من روايات أدنى إلى المألوف في مثل موقف دمشق، من هذه الروايات أن أبا عبيدة هاجم باب ~~الجابية بقواته ففتحه عنوة، على حين صالح خالد أهل المدينة مما يلي الباب الشرقي فلما ~~التقى القائدان في قلب دمشق أجاز أبو عبيدة صلح خالد وأجراه على المدينة كلها، ولا ~~فرق بين هذه الرواية والرواية الأولى إلا فيما يتصل بخوارق خالد، كعلمه بوليمة البطريق ~~وأثرها في الحراس، وتسلقه الأسوار والأوهاق، ولو لم يذكر من هذه الخوارق شيء وقيل: إن ~~خالدا فتح الباب ms146 الشرقي عنوة، وإن أبا عبيدة صالح من يلي باب الجابية ثم أجرى ~~الأمر في المدينة كلها مجرى الصلح، لتساوت الروايتان، ولكان معناهما أن قواد المسلمين عرفوا ~~أن الحصار أوهن عزائم المحصورين، فاتفقوا على مهاجمة أبواب المدينة جميعا، فلما رأى ~~الدمشقيون هجومهم اختلفوا فيما يصنعون، ففتحت طائفة أبوابها، وتأخرت طائفة، فاقتحم القائد ~~الذي يليها بابها عنوة، وكذلك دخل من دخل من المسلمين صلحا واقتحم من اقتحم دون أن يلقى ~~مقاومة، ثم أجري الأمر في المدينة كلها على الصلح. # هذا التصوير يوفق بين تينك الروايتين ولا يناقض غيرهما من الروايات المختلفة عن فتح دمشق، ~~ومن هذه الروايات أن أسقف المدينة وقف على أسوارها غير مرة يتحدث إلى خالد بن الوليد، وأنه ~~قال له يوما: «يا أبا سليمان إن أمركم مقبل، ولي عليك عدة، فصالحني على هذه المدينة!» ~~ورضي خالد فدعا بدواة وقرطاس وكتب: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى خالد بن الوليد ~~أهل دمشق إذا دخلها، أعطاهم أمانا على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم وسور مدينتهم، لا يهدم ولا ~~يسكن شيء من دورهم، لهم بذلك عهد الله وذمة رسوله # صلى الله عليه وسلم # والخلفاء والمؤمنين، لا يعرض لهم ~~إلا بخير إذا أعطوا الجزية.» ويضيف البلاذري بعد أن يثبت هذا الكتاب أن الأسقف أفضى إلى ~~خالد ذات ليلة بأن المدينة في عيد وأن أهلها في شغل، وأشار عليه أن يلتمس سلما، فجيء ~~بسلمين فارتقى عليهما جماعة من المسلمين إلى أعلى السور، ونزلوا إلى الباب وليس عليه ~~إلا رجل أو رجلان، فتعاونوا عليه وفتحوه عند طلوع الشمس، وكان أبو عبيدة من جانبه قد ~~دخل باب الجابية عنوة، فنشر له الأسقف كتاب خالد، فقال بعض المسلمين: «والله ما خالد ~~بأمير، فكيف يجوز صلحه؟» فقال أبو عبيدة: «إنه يجير على المسلمين أدناهم.» وأجاز ~~الصلح. # وتذهب رواية أخرى إلى أنه لما طال الحصار واشتد الأمر على أهل دمشق دسوا إلى المسلمين من ~~تحدث معهم في الصلح، فأصر المسلمون على المشاطرة؛ أي أن يكون لهم النصف في كل ما ms147 في دمشق، ~~فتردد أهل المدينة في قبول ما عرض عليهم، فلما رأوا حاميتهم عاجزة عن الدفاع عنهم، وأن لا ~~مفر لهم من التسليم، بعثوا إلى أبي عبيدة وحصلوا منه على أمان المدينة، ثم فتحوا ~~أبوابها له، فدخلها هو وقواده وجيشه من غير قتال. # ويذهب بعض المستشرقين إلى أن حامية دمشق يئست من الدفاع عنها فغادرتها، فقرر سكانها ~~التسليم ففتحوا مدينتهم للجيش العربي، ثم صالحهم أبو عبيدة بعد أن دخل المدينة واستقر ~~بها. # هذه هي الروايات المختلفة في فتح دمشق، والمؤرخون متفقون مع اختلافها على أن المدينة فتحت ~~صلحا ولم تفتح حربا، وهذا يرجح ما قدمنا من أن طول الحصار واليأس من مدد هرقل أديا ~~بالدمشقيين إلى طلب الصلح فاختلف على شروطه، فأراد المسلمون أن يقتحموا أسوار المدينة ففتح ~~أهلها أبوابها لهم، ولعل بعض هذه الأبواب قد تأخر ففتح عنوة، ثم كانت المفاوضات وكان ~~الصلح. # ونود قبل أن نذكر شروط هذا الصلح أن نجتاز مع أبي عبيدة وخالد بن الوليد وزملائهما ~~أسوار دمشق، وأن نسير هنيهة معهم خلال هذه المدينة العامرة ذات التاريخ الحافل والجمال ~~الرائع وأن نلقي في أثناء مسيرتنا هذه النظرة على ما تحويه، فلهذه النظرة بشروط الصلح أوثق ~~الصلة، تحدثت عن جمال الطريق المؤدي من اليرموك إلى دمشق، وعن جمال الغوطة، أما المدينة ~~فتبذ هذا الجمال جلالا وبهاء؛ فهي ملتقى تجارة الشرق والغرب من أقدم العصور، وهي لذلك من ~~أكثر المدن سكانا وأضخمها ثروة، يشقها طريق مستقيم يصل غربها بشرقها، ويجري من باب الجابية ~~إلى الباب الشرقي، وتقوم على جانبيه متاجر لم ير العرب لها نظيرا في بلادهم، ولم يروا لها ~~نظيرا في العراق، ويجري خلال المدينة نهر بردى بمياهه المتدفقة الصافية، وقد قامت حوله ~~القصور الفخمة ذات الحدائق الغناء ترتفع خلالها نوافير المياه صاعدة في السماء، وما أكثر ~~كنائس دمشق وأجملها! فهي من العمائر الرومانية المتفاوتة البهاء؛ يبلغ عددها خمس عشرة، ~~وأعظمها كنيسة القديس يوحنا المعمدان، بنى الرومان هذه الكنيسة معبدا وثنيا قبل أن ~~يدينوا بالمسيحية، فلما ms148 تنصروا جعلوها مكان عبادتهم وصلواتهم للسيد المسيح ولأمه العذراء ~~البتول، ويقوم من حول هذه الكنائس والقصور والمتاجر ما اعتاد الرومان تشييده من مسارح ~~وحمامات وملاعب، ما أشد ما يقف هذا كله نظر هؤلاء العرب الذين يمرون به! إنهم لم يشهدوا ~~مثله فخامة وجلالا وعظمة، أين منه ما رأت عيونهم بصنعاء وبالحيرة! وأين منه الخورنق ~~والسدير قصرا النعمان بن المنذر بن ماء السماء! ترى أية شروط للصلح يمليها عليهم هذا الثراء ~~العظيم، وهذا الجمال الباهر؟ وهل تراهم يعفون عنه فلا يشاركون أصحابهم فيه؟ أو تراهم ~~يحرصون على أن يكون لهم منه نصيب أقله نصفه؟! # تختلف الروايات في ذلك كاختلافها في فتح دمشق، ففي رواية للبلاذري أن الصلح جرى على ما في ~~كتاب خالد بن الوليد لأسقف دمشق، وهو الكتاب الذي أثبتنا نصه من قبل، والذي يجعل للمسلمين ~~الجزية دون غيرها، يأخذونها لقاء تأمينهم أهل المدينة على أنفسهم وأموالهم ودورهم وكنائسهم ~~وسور مدينتهم، ويثبت البلاذري تأييدا لهذا الرأي قول أبي عبد الله الواقدي: «قرأت كتاب ~~خالد بن الوليد فلم أجد فيه أنصاف المنازل والكنائس.» ويضيف الواقدي أن المسلمين إنما نزلوا ~~منازل دمشق واستقروا بها؛ لأن أصحاب هذه المنازل تركوا المدينة لما فتحت، ولحقوا بهرقل إذ ~~كان يقيم بأنطاكية، فأصبحت منازلهم لا مالك لها فنزل المسلمون بها. # أما الطبري فقد روى أن صلح دمشق كان على المقاسمة على الدينار والعقار، وعلى جزية دينار ~~عن كل رأس، ويفسر ابن كثير المقاسمة في المال والعقار بأن جانبا من المدينة فتح عنوة ~~فكان كله حقا للمسلمين، على حين فتح جانب منها صلحا فوجبت عليه الجزية دون سواها، ولذلك ~~أخذ المسلمون نصف ما في المدينة من كنائس ومنازل وأموال بحكم الفتح عنوة، وفرضوا عليها ~~الجزية بحكم الفتح صلحا. # ويقرر الذين يذكرون المقاسمة في الكنائس والمنازل والأموال أن المسلمين أخذوا سبع كنائس ~~من الكنائس الأربع عشرة القائمة بدمشق، وأنهم قسموا الكنيسة الكبرى، كنيسة القديس يوحنا ~~المعمدان، فتركوا نصفها للنصارى يقيمون فيه صلواتهم ويتلون فيه الإنجيل، وجعلوا النصف الآخر ms149 ~~مسجدا للمسلمين يتلى فيه القرآن ويذكرون فيه اسم الله وينادى من فوقه للصلاة. # وظلت هذه القسمة نحوا من ثلاثين سنة طلب في أثنائها معاوية بن أبي سفيان، ثم طلب عبد ~~الملك بن مروان أن يزيدا في المسجد بأن يضاف جانب من الكنيسة إليه، ومع ما عرضا في ذلك من ~~مال طائل، لقد أبى النصارى عليهما ورفضوا إجابة طلبهما تمسكا منهم بحكم الصلح الذي تم عند ~~فتح دمشق، ولما استخلف الوليد بن عبد الملك طلب إلى النصارى ما طلب سلفاه وعرض عليهم مالا ~~طائلا، فأبوا عليه كما أبوا عليهما، فهددهم ليهدمنها إن لم يقبلوا عرضه، وخوفوه غضب الله ~~فلم يخف وهدمها وأدخلها في المسجد، فلما استخلف عمر بن عبد العزيز شكا النصارى إليه ما صنع ~~الوليد بكنيستهم، فكتب إلى عامله يأمره بأن يرد عليهم ما كان لهم، وكره فقهاء دمشق وأهلوها ~~من المسلمين أمر عمر وقالوا: «نهدم مسجدنا بعد أن أذنا فيه وصلينا ويرد بيعة!» وعرضوا على ~~النصارى أن يعطوهم كنائس الغوطة التي أخذت عنوة وصارت في أيدي المسلمين، على أن يمسكوا ~~عن المطالبة بما كان لهم من كنيسة يوحنا، فرضي النصارى، وأقر عمر بن عبد العزيز هذا ~~الاتفاق. # فلولا أن صلح دمشق كان على المقاسمة لما جعل جانب من كنيسة يوحنا مسجدا، ولما طلب معاوية ~~وعبد الملك أن يدخلا ما بقي بأيدي النصارى في المسجد، ولما هدم الوليد الكنيسة، ولما شكا ~~النصارى الأمر إلى عمر بن عبد العزيز، كذلك يقول الذين يذكرون أن صلح دمشق كان على ~~المقاسمة، وأنه لم يقتصر على الجزية، وقد يجيبهم مخالفوهم بأن كنيسة يوحنا لم تقسم في صلح ~~خالد ولم يقسم غيرها من الكنائس والمنازل والأموال، فهذا الصلح لم يفرض إلا الجزية، وإنما ~~طلب معاوية بن أبي سفيان وطلب عبد الملك بن مروان أن تكون الكنيسة مسجدا بعد أن أصبحت دمشق ~~عاصمة الدولة الإسلامية، وبعد أن زاد عدد المسلمين فيها على عدد النصارى، وبعد أن أصبح ~~الأمر فيها لأمير المؤمنين، فإن يكن النصارى قد أبوا ms150 عليهما ما طلبا فتركا الكنيسة لم ~~يمساها، فذلك الدليل على التسامح الإسلامي وعلى احترام عهد الصلح مع ما كان من تبدل ~~الأحوال؛ إذ صارت دمشق عربية إسلامية بعد أن كانت مسيحية رومية، ومجاراة هذا التبدل هي التي ~~طوعت للوليد بن عبد الملك أن يفعل ما فعل، ولهذا التطور رضي النصارى في عهد عمر بن عبد ~~العزيز أن يدعوا الكنيسة مسجدا للمسلمين، وأن يأخذوا كنائس الغوطة خارج أسوار العاصمة ~~الإسلامية. # ونحن نميل إلى ترجيح هذا الرأي الأخير، وهو على كل حال أكثر الآراء تواترا، ورواته هم ~~أكثر الرواة عددا. # اختلف الرواة في أمر المقاسمة، لكنهم جميعا متفقون على أن الصلح فرض على أهل دمشق جزية ~~يدفعونها لقاء منعهم وحرية عقيدتهم وحماية مدينتهم وأموالهم، كانت هذه الجزية دينارا ~~وكيلا معينا من الحنطة على كل رأس وزيتا وخلا لقوت المسلمين، هذا خلا الضرائب التي كان ~~الدمشقيون يدفعونها لحكامهم من الروم، فقد ظلوا يدفعونها لمن قام على حكمهم من ~~المسلمين. # أبلغ أبو عبيدة عهد الصلح عمر بن الخطاب، فكتب إليه بتعديله، وذلك بأن فرق بين ~~الطبقات في الجزية، إذ جعل على الأغنياء أربعة دنانير عن كل رأس، وأربعين درهما على من ~~دونهم، وقيل: بل جعلها طبقات على قدر غنى الغني وإقلال المقل وتوسط المتوسط، ثم ألزمهم ~~أرزاق المسلمين من الحنطة والزيت ومن الودك والعسل. # هذا نصاب الجزية في صلح دمشق، وذلك ما قيل في أمر المقاسمة، وعلى أساس من هذا الصلح ~~العادل بعد حصار طويل استقر المسلمون بعاصمة الشام وجلت عنها حامية هرقل، وجلا عنها ~~المتعصبون للروم من أهله، وكانت سياسة المسلمين في إدارتها هي السياسة التي رسمها أبو بكر ~~في عهده حين بعث خالد بن الوليد يفتح العراق؛ تركوا لأهل دمشق ما كان لهم من إدارة مدينتهم، ~~وأقاموا الأمر فيها على الأساس الذي صوره خالد في كلمته لبعض أهل العراق: «إن كنتم عربا ~~فماذا تنقمون من العرب! وإن كنتم عجما فماذا تنقمون من الإنصاف والعدل!» فلما اطمأن المقام ~~للمسلمين بالمدينة الجميلة بدءوا يفكرون ms151 في الواجب عليهم لدينهم ووطنهم. # كان طبيعيا أن يتجه أبو عبيدة بادئ ذي بدء إلى التفكير فيمن خلف وراءه من جنود ~~المسلمين عند فحل بالأردن، وفيما يجب عليه بعد أن يتغلب على قوات الروم هناك، على أن كتاب ~~عمر إليه بتعديل نصاب الجزية تناول أمورا لم يكن له بد من المسارعة إلى تنفيذها، وفي مقدمة ~~هذه الأمور رد القوات التي فصل بها خالد بن الوليد إلى العراق على أن يظل خالد بالشام، فقد ~~كان مما أوصى به أبو بكر عمر حين استخلفه أن قال له : «إذا فتح الله على أمراء الشام فاردد ~~أصحاب خالد إلى العراق فإنهم أهله وولاة أمره وحده، وهم أهل الضراوة بهم والجرأة عليهم.» ~~وها قد فتح الله دمشق على أبي عبيدة، ثم إن المسلمين بالعراق يلاقون في قتال الفرس ~~الشدائد، فهم أشد ما يكونون حاجة إلى المدد، والقوة التي فصلت من العراق إلى الشام مدد لا ~~يستهان به؛ ففيها من الأبطال الصناديد من عركوا الحرب وعركتهم، ومن كان لهم في كل المواقع ~~التي حضروها بلاء مشهود؛ لذلك أمر أبو عبيدة هاشم بن عتبة على جند العراق وجعل معه ~~القعقاع بن عمرو وأضرابه من أولي النجدة والبأس، وعوضهم عمن استشهدوا في وقائع الشام ~~جندا يعدل الجند الذي جاء من العراق عددا وقوة، وخرجوا جميعا يقصدون المثنى وعسكره بذي ~~قار على تخوم البادية، متخذين طريق القوافل المعبد، بعيدين عن الطريق التي غامر بهم خالد ~~فيها حين جاء إلى الشام لينسي الروم وساوس الشيطان، ولم يدر بخاطر هاشم بن عتبة وقواده ~~وجنوده في أثناء مسيرتهم خلال الصحراء أنهم يتقدمون إلى العراق ليقفوا مع المسلمين بإمرة ~~سعد بن أبي وقاص، فيواجهوا الفرس في الموقعة الحاسمة التي فتحت الطريق إلى المدائن وإلى ~~قلب فارس؛ موقعة القادسية. # فلندعهم الآن في مسيرتهم، ولنصحب أبا عبيدة في الشام، وسنعود عما قليل إليهم نشهد ~~معهم هذه الموقعة الفاصلة التي قضت على جيش كسرى وأدالت دولته وفتحت صحفا في التاريخ جديدة ~~مجيدة. # 6 # اطمأن أبو عبيدة ms152 إلى مقام المسلمين بدمشق، فاتجه إلى التفكير فيمن خلفهم وراءه من ~~جنود المسلمين عند فحل الأردن، ولقد دفعت حماسة الظفر جماعة من أصحابه، فأشاروا عليه أن ~~يسير من دمشق إلى حمص ليفتحها، فقد كان هرقل مقيما بها في أثناء حصار دمشق، فلما رأى قواته ~~لا تستطيع الوصول إلى عاصمة الشام للذود عنها جلا عن حمص إلى أنطاكية، فلو أن أبا ~~عبيدة سار إلى حمص ففتحها لجلا هرقل عن أنطاكية إلى الأناضول أو إلى القسطنطينية، فإذا ~~فعل انهدت عزائم جنوده في أنحاء الشام جميعا فألقوا بأيديهم لا يقاومون ولا يقاتلون، لكن ~~أبا عبيدة خالف هذه المشورة، وما كان له أن يقبلها وقد أمره عمر ألا يتقدم ما بقي وراءه من ~~الروم جند يهددون رجعته، أو يستطيعون أن يقطعوا ساقته، وقد استقر من جند الروم عند فحل إلى ~~الجنوب من بحيرة طبرية من نجوا من اليرموك، ثم أيدهم هرقل بقوات جديدة، وكانت هذه القوات لا ~~تزال في فزعها من هزيمة اليرموك حين سار أبو الأعور السلمي في جند المسلمين ليقاتلها؛ لذلك ~~أطلقت مياه البحيرة والنهر في الأراضي التي حولها فتوحلت، فعاقت جيش المسلمين عن التقدم، ~~لكن الروم لم يستطيعوا هم كذلك أن يتقدموا ولم يجدهم لذلك مدد هرقل نفعا، وبقيت الأرض ~~متوحلة طول الشتاء وطيلة حصار دمشق، وبقي الروم محصورين وراء فحل في وادي بيسان، فلما سلمت ~~دمشق وكان الصيف قد أقبل، وبدأت الأرض تجف، وترك أبو عبيدة يزيد بن أبي سفيان على قوة ~~من فرسان اليمن بدمشق، وتقدم ومعه خالد بن الوليد وقوات الجيش مجتمعة، فبلغ فحل ووادي بيسان ~~حين بدأ جفاف الأرض يسمح للجيوش بالالتقاء والقتال. # وكان أبو بكر قد جعل إمارة الأردن لشرحبيل بن حسنة، كما جعل حمص لأبي عبيدة، ~~والبلقاء ليزيد بن أبي سفيان، والعربات لعمرو بن العاص، وجعل القيادة العملية لمن يقع ~~القتال في إمارته، ولم يعدل عمر عن هذا الأمر؛ لذلك تولى شرحبيل القيادة على جيوش المسلمين ~~المقيمين عند فحل، ومن أقام منها بإمرة أبي الأعور ms153 السلمي من قبل أن تحصر دمشق، ومن جاء ~~منها بعد حصار دمشق بقيادة أبي عبيدة. # وبعث شرحبيل أبا الأعور في لوائه إلى طبرية فحاصرها، وجعل خالد بن الوليد على مقدمة ~~الجيش، وأبا عبيدة وعمرو بن العاص على مجنبتيه، وضرار بن الأزور على الفرسان، وسارت هذه ~~القوات جميعا فعبرت اليرموك عند أم قيس على مقربة من مصبه بالأردن، ثم تخطت وادي الغور، ~~حتى إذا بلغت فحل عسكرت بها فوقفت قبالة الروم ببيسان، ولما لم تستطع أن تتخطى الأرض ~~المستوحلة إليهم تشاور الأمراء، فكتبوا إلى عمر بموقفهم وأقاموا ينتظرون جوابه، ولم تكن قلة ~~المئونة تعجلهم إلى التزحزح عن موقفهم؛ فقد أصابوا من ريفه أفضل مما أصاب الروم، إذ كان ~~الخصب من حولهم يجعل مادتهم متصلة وعيشهم رغدا، وكان الروم بإزائهم يقفون في ثمانين ألفا ~~أشد ما يكونون حرصا على أن يظفروا بأولئك الذين قضوا على قواتهم باليرموك وفتحوا عليهم ~~دمشق. # ولما طال وقوف المسلمين عند فحل خيل إلى سقلار بن مخراق قائد هرقل على قواته العظيمة أن ~~الخير في أن يأخذ عدوه على غرة منه فيوقع به ويقضي عليه، وتخيرت له طلائعه، خلال الأرض ~~المحيطة به، مكانا تسير منه قواته، فلما أقبل الليل تخطى بجنده هذا المكان ولا يخامره ~~الريب في أن المسلمين قد أمنوه فهم في غير عدة القتال، وأنهم لذلك ستضطرب صفوفهم لأول ~~صدمة من صدماته، لكنه قدر فأخطأ؛ فقد كان المسلمون على حذر لا يأمنون مجيء الروم، وكان ~~شرحبيل لذلك لا يبيت ولا يصبح إلا على تعبئة؛ لذلك تلقى سقلار وجنوده فقاتلهم أشد قتال ~~وأمره، واستبسل الروم مستقتلين، فطالت المعركة الليل كله واستمرت اليوم الذي يليه إلى ~~الليل، وكان لخالد بن الوليد ولضرار بن الأزور يومئذ مواقف ذكرت المسلمين بفعالهما فيما ~~سبقها من الغزوات والوقائع، فلما أظلم الليل خارت قوى الروم، فاضطربت صفوفهم، فانهزموا وهم ~~حيارى بعد ما أصيب سقلار ومن يليه من قواده. # أما لهذه القوات المنهزمة من ملجأ تفر إليه أو خط دفاع تحتمي به؟ كلا! فقد ms154 أسلمتهم ~~هزيمتهم وحيرتهم إلى الوحل فتعذر عليهم السير فيه، فلحق بهم المسلمون، وكانوا يحسبونهم على ~~قصد فإذا هم في اضطرابهم لا يطيقون سيرا ولا فرارا، ولا يستطيعون أن يردوا يد لامس، ~~وركبهم المسلمون فوخزوهم بالرماح وألقوهم في الوحل وقتلوهم شر قتلة، فأصيب الثمانون ألفا ~~لم يفلت منهم إلا الشريد، وكذلك ظفر المسلمون أحسن ظفر وأهنأه، وغنموا ما شاء الله أن ~~يغنموا، واقتسموا ما أفاء الله عليهم، واطمأنوا إلى أن الله ناصرهم، وكتب أبو عبيدة ~~إلى أمير المؤمنين بالمدينة يخبره بظفرهم، وبأنه سيسير ومعه خالد بن الوليد إلى حمص. # وازداد المسلمون بنصر الله إيمانا حين رأوه جل شأنه يصنع لهم وهم كارهون، كرهوا توحل ~~الأرض إذ حال بينهم وبين عدوهم، فكان ما كرهوا عونا لهم وحصارا لعدوهم وقضاء آخر الأمر ~~عليه أيما قضاء، أليست هذه آية الله وبرهانه على أنه لا محالة ناصرهم وأنهم سيديلون من دولة ~~الروم والفرس جميعا؟ # 7 # كان أبو الأعور لا يزال محاصرا طبرية حين فرغ المسلمون من فحل، ونهد شرحبيل ومعه عمرو بن ~~العاص من فحل إلى بيسان فنزل بجنوده يحاصرها، وتحصن أهل بيسان بكل مكان وحاولوا صد ~~المسلمين، وما لهم لا يصدونهم وقد علموا أن خالد بن الوليد وأبا عبيدة عادا إلى دمشق ليسيرا ~~منها إلى حمص، وأن أبا الأعور لا يزال على حصار طبرية، وأن قوات المسلمين مقسمة في أماكن ~~مختلفة من الشام، فالقوات التي بقيت منها لمحاصرتهم ليست مما يتعذر صده! لكنهم لم يطل مع ~~ذلك مقاومتهم واضطروا بعد قليل إلى التسليم وقبول صلح كصلح دمشق، ذلك بأن حالهم المعنوية ~~كانت قد هوت إلى منحدر من الضعف بسبب ما أصابهم في اليرموك وفي دمشق وفي فحل، ثم إن أهل ~~الشام لم تبلغ منهم عداوة المسلمين مبلغا يعاون الروم على المقاومة؛ فقد حكمهم الروم حكم ~~بأس وقسوة لا يثيران في النفس حماسة لهذا الحكم أو حرصا على بقائه، ومن أهل الشام قبائل ~~كثيرة من العرب والنصارى، تنازعتهم رابطة الجنس ورابطة الدين زمنا، فهم عرب ms155 كالمسلمين، ~~ونصارى كالروم؛ فلما رأوا ضعف هرقل وجبن بلاطه وهزائم قواده لم يأب بعضهم أن يكون مع العرب ~~المسلمين وأن يدلهم على عورات الروم، هذا إلى ما للنصر من لألاء يبهر الأنظار ويدعو ~~الجماهير للإعجاب بالمنتصر والانضمام إليه. # وبلغ أهل طبرية ما أصاب بيسان وأهلها، فطلبوا إلى أبي الأعور أن يصالحوا شرحبيل، فجمعهم ~~به فصالحوه كما صالحه أهل بيسان على صلح دمشق؛ وذلك أن يشاطروا المسلمين المنازل في المدن ~~وما أحاط بها، فيدعوا لهم نصفها، ويجتمعوا في النصف الآخر، وأن يدفعوا جزية دينارا عن كل ~~رأس كل سنة، وكيلا من البر عن كل قدر معين من الأرض، واحتذى أهل أذرعات وعمان وجرش ومآب ~~وبصرى مثالهم، وصالحوا المسلمين مثل صلحهم، وكذلك أذعنت بلاد الأردن إلى حوران وإلى ~~البادية، ورضيت سلطان المسلمين الذين أقاموا الجند في المدن ثم تركوا لأهلها إدارة شئونها، ~~على أن يتولوا هذه الإدارة بالعدل والنصفة. ~~••• # والآن أنتابع أبا عبيدة بن الجراح وخالد بن الوليد في مسيرتهما إلى حمص، أم نسير ~~مع هاشم بن عتبة والقعقاع بن عمرو وجيش العراق لنرى ما فعل الله بالمثنى ومن بقي معه ~~من رجاله، ولنشهد القادسية مع سعد بن أبي وقاص؟ وبعبارة أخرى: أنتابع قوات المسلمين في ~~فتح الشام حتى يفتح الله عليهم الشام كلها، أم ننتقل إلى العراق فنقص أنباءه إلى أن يتم ~~فتحه؟ جرى بعض المؤرخين على الطريقة الأولى، وآثر آخرون الطريقة الثانية. وسنتابع نحن ~~الآخرين فننتقل إلى العراق، لتكون رقعة الدولة الإسلامية تحت نظرنا نتابعها في مجموعها، ~~ونراها أمام أعيننا تنفرج شيئا فشيئا إلى الشرق وإلى الغرب، ذلك أدنى إلى أن نقدر الجهد ~~الذي كان هؤلاء المسلمون الأولون يبذلونه في مواجهة الأسدين فارس والروم في وقت واحد، أدنى ~~كذلك إلى أن نحيط بسياسة عمر، وأن نعرف كيف كان يواجه هذه الحوادث الجسام المتلاحقة، وكيف ~~كان ينهض معها بأعباء الحكم في المدينة وفي شبه الجزيرة جميعا على نحو يزيد العرب طمأنينة ~~إلى حياتهم، وحماسة للفتح الذي كان يدر عليهم من خيرات ms156 فارس والروم ما لم يدر مثله ~~بخواطرهم في أي عهد من عهود تاريخهم. # على أنه لا بد لنا، قبل أن ننتقل مع هاشم بن عتبة وأصحابه إلى العراق، من أن نقف وقفة ~~قصيرة لنذكر هنا ما ذكرنا في سيرة أبي بكر عن اختلاف المؤرخين في التسلسل التاريخي لوقائع ~~الفتح في الشام، فقد رأينا من حوادث هذا الفصل أن أبا بكر قبض والمسلمون على اليرموك، وأن ~~المسلمين انتصروا باليرموك في عهد عمر، وذلك يوم أقبل البريد إلى الشام بوفاة أبي بكر وعزل ~~خالد بن الوليد عن إمارة الجيش وبإسنادها إلى أبي عبيدة بن الجراح، وأنهم ساروا ~~بعد ذلك بأمر عمر إلى دمشق فحاصروها وفتحوها، ثم عادوا بعد صلح دمشق إلى الأردن فطهروه ~~وصالحوا أهله على صلح أهل دمشق، وهذه رواية الطبري وابن خلدون وابن الأثير وابن كثير ومن ~~أخذ أخذهم، أما الأزدي والواقدي والبلاذري فيخالفون الطبري في هذا الترتيب لوقائع الفتح في ~~الشام، ويذكرون أن أجنادين ودمشق وغيرهما من الوقائع كانت قبل اليرموك، ويذهب بعضهم إلى أن ~~اليرموك كانت آخر الغزوات بالشام، ومن العسير أن نقطع برأي حاسم في هذا الاختلاف، والطبري ~~نفسه يذكر هذا الاختلاف ولا يقطع فيه برأي، فيقول: «قال محمد بن إسحاق: كان فتح دمشق في سنة ~~أربع عشرة في رجب، وكانت وقعة فحل قبل دمشق، وإنما صار إلى دمشق رافضة فحل واتبعهم المسلمون ~~إليها، وزعم أن واقعة فحل كانت سنة ثلاث عشرة في ذي القعدة، وأما الواقدي فإنه زعم أن فتح ~~دمشق كان في سنة أربع عشرة، وزعم أن وقعة اليرموك كانت في سنة خمس عشرة، وزعم أن هرقل جلا ~~في هذه السنة بعد وقعة اليرموك في شعبان من أنطاكية إلى قسطنطينية، وأنه لم يكن بعد اليرموك ~~وقعة.» # لا غناء في الوقوف عند هذا الاختلاف ما دام القطع فيه برأي غير ميسور، وقد أخذنا في هذا ~~الفصل برواية الطبري ومن أخذ مأخذه، فلنجر عليها، ولن يجني ذلك في شيء على ما نريده من ~~التأريخ للإمبراطورية الإسلامية في ms157 عهد عمر، فسواء تقدم فتح دمشق على اليرموك أو تأخر عنه، ~~فوقائع الفتح متفق على جملتها وإن وقع الخلاف على تاريخها وعلى بعض تفاصيلها، ورواية الطبري ~~عن سيف بن عمرو عمن روى عنه أن اليرموك كانت في رجب من سنة ثلاث عشرة (سبتمبر سنة 634)، وأن ~~دمشق حوصرت في شوال من تلك السنة، وفتحت في أوائل السنة التي تليها (بين ديسمبر سنة 634 ~~وأوائل الربيع من سنة 635)، وأن فحل وقعت بعد دمشق في صيف سنة 635، ثم تلتها سائر مدن ~~الأردن. # سار أبو عبيدة وخالد بن الوليد بعد فحل إلى حمص، وسار هاشم بن عتبة عائدا إلى ~~العراق، فلندع خالدا وأبا عبيدة، ولنسر مع جيش العراق لنشهد القادسية، هذه الغزوة الفاصلة ~~التي فتحت أمام المسلمين أبواب المدائن، والتي تعد في رأي المؤرخين جميعا إحدى الغزوات ~~الحاسمة التي وجهت تاريخ العالم وجهة جديدة. # | هوامش # الفصل الثامن # | القادسية # قضت جيوش المسلمين على قوات الروم بفحل، فانصرف أبو عبيدة وخالد يريدان حمص، في حين ~~سار هاشم بن عتبة والقعقاع بن عمرو على رأس جيش العراق مددا لقوات المسلمين فيه، ~~وسار سعد بن أبي وقاص من المدينة مثل مسيرتهما من الشام على رأس جيش تزيد عدته على ثلاثين ~~ألفا وجهه عمر ليقضي على سلطان الفرس في العراق كله. # وكانت إمارة سعد على هذا الجيش نتيجة مشاورة طويلة؛ ذلك أن المثنى بعث إلى عمر بعد غزوة ~~البويب يذكر له اجتماع الفرس وتمليكهم يزدجرد بن شهريار بن كسرى وإرساله الجيوش إثر ~~الجيوش لقتال العرب، وما أدى ذلك إليه من ثورة أهل السواد بالمسلمين، واضطرارهم إياهم ~~للانسحاب إلى ذي قار على تخوم شبه الجزيرة، عند ذلك كتب عمر إلى عماله على الكور والقبائل ~~في بلاد العرب كلها يقول لهم: «لا تدعوا أحدا له سلاح أو فرس أو نجدة أو رأي إلا ~~انتخبتموه ثم وجهتموه إلي، والعجل العجل!» وقال: «والله لأضربن ملوك العجم بملوك ~~العرب!» فلما اجتمع له من الجند بضعة آلاف خرج بهم حتى نزل على ماء يدعى صرارا ms158 فعسكر به، ~~ولا يدري الناس أيسير بنفسه على رأس هذا الجيش إلى العراق، أم يقيم بالمدينة ويؤمر على ~~الجيش رجلا غيره، وسأله عثمان بن عفان في ذلك، فدعا الناس للصلاة، فلما اجتمعوا سألهم ~~رأيهم فيمن يسير على رأس الجيش إلى العراق، قال العامة: سر وسر بنا معك، ودخل عمر في رأيهم ~~وكره أن يدعهم إلا أن يخرجوا من هذا الرأي في رفق، ثم إنه دعا أصحاب المشورة فاجتمعوا إليه، ~~فقال لهم: احضروني الرأي فإني حائر، وترادوا القول بينهم، ثم أجمع ملؤهم على أن يبعث أمير ~~المؤمنين رجلا من أصحاب رسول الله على رأس الجيش ويبقى هو بالمدينة يمد هذا الرجل بالجنود، ~~«فإن كان هذا الذي يشتهي من الفتح فذلك ما يريد ويريدون، وإلا ندب جندا آخر يغيظ به العدو ~~حتى يجيء نصر الله.» وكان مما قاله عبد الرحمن بن عوف لعمر في تأييد هذا الرأي: «أقم ~~وابعث جندا، فقد رأيت قضاء الله لك في جنودك قبل وبعد، فإنه إن يهزم جيشك فليس كهزيمتك، ~~وإن تقتل أو تهزم في أنف الأمر خشيت ألا يكبر المسلمون، وألا يشهدوا أن لا إله إلا الله ~~أبدا.» عند ذلك جمع عمر المسلمين فخطبهم، وكان مما قاله لهم: «يحق على المسلمين أن يكونوا ~~وأمرهم شورى بينهم، وإني إنما كنت كرجل منكم حتى صرفني ذوو الرأي منكم عن الخروج، فقد رأيت ~~أن أقيم وأن أبعث رجلا.» # وسأل عمر خاصته عمن يتخيره لإمارة هذا الجيش الذي اجتمع إليه، وإنهم ليعرضون الأسماء فيما ~~بينهم إذ جاء عمر كتاب من سعد بن أبي وقاص، وكان على بعض صدقات نجد، يخبر بأنه تخير له ~~ألف فارس ذوي نجدة ورأي، وسمع القوم ما في الكتاب وعمر يسألهم عمن يؤمره، عند ذلك أجابوه: ~~قد وجدت الرجل! قال: فمن؟ قالوا: الأسد في براثنه! سعد بن مالك! ووافقهم عمر، وبعث إلى سعد ~~فقدم عليه من نجد، فأمره على حرب العراق، ثم كان أول ما أوصاه به قوله: «يا سعد، سعد بني ~~وهيب! لا يغرنك من ms159 الله أن قيل خال رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وصاحبه؛ فإن الله عز وجل لا يمحو ~~السيئ بالسيئ، ولكنه يمحو السيئ بالحسن! وليس بين الله وبين أحد نسب إلا بطاعته؛ فالناس ~~شريفهم ووضيعهم في دين الله سواء، يتفاضلون بالعافية ويدركون ما عنده بالطاعة، فانظر الأمر ~~الذي رأيت النبي # صلى الله عليه وسلم # يلزمه فالزمه، وعليك بالصبر!» # وإنما أوصى عمر سعدا بهذه الوصية لما كان لسعد من مكانة بين المسلمين وقربى من رسول ~~الله؛ فقد كان من بني زهرة أخوال النبي، وكان من أسبق قريش إلى الإسلام، أسلم وهو ابن سبع ~~عشرة سنة، وكان لذلك يقول: «أسلمت يوم أسلمت وما فرض الله الصلاة.» ويقول: «ما أسلم رجل ~~قبلي إلا رجل أسلم في اليوم الذي أسلمت فيه، ولقد أتى علي يوم وإني لثلث الإسلام.» وكانت ~~عائشة ابنته تصفه بقولها: «كان أبي رجلا قصيرا دحداحا غليظا ذا هامة شثن الأصابع ~~أشعر، وكان يخضب بالسواد.» وكان سعد ذا مال ونعمة، فكان يرتدي الخز ويلبس في يده خاتما من ~~ذهب، وهو لذلك صاحب حديث الوصية، فقد مرض وهو بمكة في عنفوان شبابه مرضا أشفى منه على ~~الموت، فعاده رسول الله يوما فقال له: «يا رسول الله! إن لي مالا كثيرا وليس يرثني إلا ~~ابنتي، أفأوصي بثلثي مالي؟» قال رسول الله: لا، قال سعد: فبنصفه، وأجاب رسول الله: لا، ~~قال سعد: فالثلث؟ عند ذلك قال رسول الله: «الثلث، والثلث كثير، أن تذر ورثتك أغنياء خير ~~من أن تذرهم عالة يتكففون الناس.» # وكان سعد إلى صفاته هذه فارسا شجاعا وبطلا مقداما، وكان من الرماة المذكورين من أصحاب ~~رسول الله، شهد بدرا وأحدا والخندق والحديبية وخيبر وفتح مكة وغزوات الرسول كلها، وكان في ~~فتح مكة يحمل إحدى رايات المهاجرين الثلاث، وقد ثبت يوم أحد مع رسول الله حين ولى الناس، ~~ودافع عن رسول الله دفاعا مجيدا حتى كان # صلى الله عليه وسلم # يقول له: «ارم سعد فداك أبي وأمي!» هذا ~~إلى أنه أول من رمى سهما في ms160 الإسلام حين ذهب في سرية عبيدة بن الحارث إلى ماء بالحجاز ~~بوادي رابغ، فلقيهم جمع من قريش على رأسهم أبو سفيان فانسحبوا من غير قتال إلا هذا السهم ~~الذي رمى به سعد، ولذلك كان يقول: «إني لأول رجل من العرب رمى بسهم في سبيل الله.» فارس هذه ~~صفاته لا عجب أن يكون الأسد في براثنه، وأن يتفق للناس رأيا واحدا على تأميره في الجيش ~~الذاهب للعراق ليواجه موقفا من أدق المواقف التي واجهت المسلمين فيه. # خرج سعد من المدينة قاصدا العراق على رأس أربعة آلاف من الجند معهم نساؤهم وأبناؤهم، ~~وكانت القوات تقبل بعد خروجه تترى إلى المدينة تلبية لنداء عمر، فكان يبعثها في إثر سعد ~~لتنضم إليه، بذلك ازداد جنده عددا وقوة، وزاد في قوته أن بعثت شبه الجزيرة بخيرة رجالها من ~~الأبطال والفرسان والشعراء والخطباء والرؤساء وكل ذي رياسة ومكانة، وكان بين هؤلاء عمرو بن ~~معدي كرب الزبيدي وطليحة بن خويلد الأسدي والأشعث بن قيس الكندي وغيرهم من الزعماء، كل على ~~رأس قبيلته، وبلغت القوات عشرين ألفا حين اقترب سعد من زرود، أما قوات المثنى التي انسحبت ~~إلى ذي قار بعد معركة البويب، وبعد أن تولى يزدجرد أمر فارس، فكانت ثلاثة آلاف انضم ~~إليهم من القبائل المجاورة خمسة آلاف غيرهم، وكانت القوات التي فصلت من الشام بإمرة هاشم بن ~~عتبة ثمانية آلاف، بذلك بلغ الجيش الذي سار من مختلف الأنحاء ليشهد القادسية ستة ~~وثلاثين ألفا أو نحوها، وذلك أضخم جيس عبأه المسلمون لغزو العراق منذ سار المثنى إلى ~~دلتا النهرين في عهد أبي بكر. # وقد اكتمل جمع هذه القوات كلها، خلا القوة المقبلة من الشام، حين بلغ سعد شراف، لكن ~~المثنى لم يكن في جنوده، فقد نغر عليه جرح الجسر فمات بعد أن استخلف على الجيش بشير بن ~~الخصاصية، ولم يكن المعنى بن حارثة أخو المثنى في هذه الجنود أيضا، فقد علم أن قابوس بن ~~قابوس بن المنذر ذهب إلى القادسية بأمر الفرس يدعو العرب إلى الاشتراك مع ms161 جنود كسرى في قتال ~~المسلمين، وأنه كاتب بني بكر بن وائل بمثل ما كان النعمان بن المنذر يكاتبهم به لينضموا إلى ~~دعوته، وقد أسرع المعنى من ذي قار إلى بني بكر بن وائل فأفسد على قابوس خطته، واستبقى ~~قومه بني بكر على ولائهم للمسلمين، ثم رجع إلى ذي قار فاصطحب سلمى زوج أخيه المثنى، وسار ~~بها حتى أدرك سعدا بشراف حين أزمع الرحيل إلى القادسية. # ودخلت سلمى ودخل المعنى على سعد، فقص عليه نبأ قابوس وبني بكر بن وائل، ثم ذكر له وصية ~~المثنى إليه ألا يقاتل عدوه من أهل فارس، إذ اجتمع أمرهم وملؤهم، وألا يقتحم عليهم عقر ~~دارهم، وأن يقاتلهم على حدود أرضهم، على أدنى حجر من أرض العرب وأدنى مدرة من أرض العجم، ~~فإن يظهر الله المسلمين عليهم فلهم ما وراءهم وإن تكن الأخرى كانوا أعلم بسبيلهم وأجرأ على ~~أرضهم إلى أن يرد الله الكرة عليهم، فلما سمع سعد رأي المثنى ووصيته ازداد حزنه لموته ~~وترحم عليه، وأمر المعنى على عمله وأوصى بأهل بيته خيرا، ثم خطب سلمى إلى نفسها ~~فتزوجها وبنى بها، وكان مثل هذا الزواج بعض عادات العرب تكريما لذكرى العظيم المتوفى ~~وإكراما لأرملته حتى تظل في مثل عزها وكرامتها في حياة زوجها الأول. # كان عمر بن الخطاب بالمدينة على علم بحركات جيش العراق وتنقلاته، فقد كانت أوامره إلى سعد ~~أن يكتب له في كل موقف وأن يتلقى أوامره، وكان سعد قد كتب إليه أول ما نزل شراف وقبل أن ~~يجيئه الخبر بموت المثنى يذكر له أنباءه ويسترشده، فلما قرأ عمر هذا الكتاب بعث إلى سعد، ~~فكان رأيه كرأي المثنى في وصيته، أمر سعدا بالمبادرة إلى القادسية، والقادسية باب فارس في ~~الجاهلية، وأن يكون بين الحجر والمدر، وأن يأخذ الطرق والمسالك على فارس، ثم قال له: «ولا ~~يهولنك كثرة عددهم وعددهم فإنهم قوم خدعة مكرة، وإن أنتم صبرتم وأحسنتم ونويتم الأمانة ~~رجوت أن تنصروا عليهم، ثم لم يجتمع شملهم أبدا، إلا أن يجتمعوا وليست معهم ms162 قلوبهم. وإن ~~كانت الأخرى فارجعوا إلى ما وراءكم حتى تصلوا إلى الحجر فإنكم عليه أجرأ، وإنهم عنه أجبن ~~وبه أجهل، حتى يأتي الله بالفتح عليهم ويرد لكم الكرة.» وكان مما ختم به كتابه قوله: «اكتب ~~إلي بجميع أحوالكم وتفاصيلها، وكيف تنزلون، وأين يكون منكم عدوكم، واجعلني بكتبك إلي ~~كأني أنظر إليكم، واجعلني من أمركم على الجلية.» # وكان عمر فيما يصدره من أوامره لا تفوته كبيرة ولا صغيرة، فلم يكن يكفيه أن يشجع القواد ~~والجند وأن يهز قلوبهم، وأن يذكر لهم مفاخرهم ومفاخر قومهم، ثم لم يكن يكفيه أن يحذرهم بأس ~~العدو وخداعه، بل كان يرسم لهم الخطط، ويذكر لهم موعد الانتقال من مكان إلى مكان، وكأنما ~~كان على علم بهذه الأرض وتقويمها، كان مما جاء في بعض كتبه إلى سعد قوله: «إذا بلغت ~~القادسية، والقادسية باب فارس في الجاهلية، وهي أجمع تلك الأبواب لمادتهم، وهو منزل رغيب ~~خصيب حصين دونه قناطر وأنهار ممتنعة، فتكون مسالحك على أنقابها ويكون الناس بين الحجر ~~والمدر.» وكتب له باليوم الذي يرتحل فيه من شراف وقال له: «فإذا كان يوم كذا وكذا فارتحل ~~بالناس حتى تنزل فيما بين عذيب الهجانات وعذيب القوادس، وشرق بالناس وغرب بهم.» ~~وجاء في كتاب آخر بعث به إلى سعد قوله: «اكتب إلي أين بلغك جمعهم، ومن رأسهم الذي يلي ~~مصادمتكم، فإنه قد منعني من بعض ما أردت الكتابة به قلة علمي بما هجمتم عليه والذي استقر ~~عليه أمر عدوكم، فصف لنا منازل المسلمين والبلد الذي بينكم وبين المدائن صفة كأني أنظر ~~إليها.» وكتب إليه سعد يصف البلدان ويصور له موقع القادسية بين العتيق، أحد فروع الفرات، ~~وخندق سابور، ويذكر له سهل القادسية الأخضر الممتد إلى الحيرة بين طريقين يطلع أحدهما بمن ~~سلكه على ما بين الخورنق والحيرة ويسير الآخر إلى الولجة في فيض من المياه، ثم يذكر له أن ~~أهل السواد الذين كانوا قد صالحوا المسلمين قد انتقضوا عليهم وانضموا عونا لأهل فارس. ورد ~~عمر على هذا الكتاب يقول: «قد ms163 جاءني كتابك وفهمته، فأقم بمكانك حتى ينفض الله لك عدوك، ~~واعلم أن لها ما بعدها، فإن منحك الله أدبارهم فلا تنزع عنهم حتى تقتحم عليهم المدائن فإنه ~~خرابها إن شاء الله، وإنه قد ألقي في روعي أنكم ستهزمونهم فلا تشكن في ذلك.» وجعل يدعو ~~لسعد خاصة وله وللمسلمين عامة. # هذه الكتب المتبادلة بين سعد وعمر تشهد باهتمام أمير المؤمنين بأمر العراق، وتتبعه أنباء ~~الجند فيه بدقة دونها كل دقة، وحرصه بذلك على أن يكون وكأنه القائد الذي يسير على رأس الجيش ~~ويجهز للمعركة، فهو يوجهه ويشرف على كل حركة من حركاته، وقد كان ذلك شأنه مع جند المسلمين ~~بالشام، فكان يكتب إلى أبي عبيدة بن الجراح بمثل ما كان يكتب به إلى سعد بن أبي ~~وقاص، وكان يتابع بنظره، بل بقلبه وكل جوارحه، مسير هؤلاء القواد ومن يلونهم من الجنود، ~~وكأنه حاضر معهم وسائر في خطاهم؛ مشفق عليهم من عدوهم، شريك لهم في سرائهم وضرائهم، حريص ~~أشد الحرص على نصرهم، وليبلغ هذا النصر جعل يذيع النداء تلو النداء في أرجاء شبه الجزيرة ~~يدعو إليه كل قادر على القتال فيوجهه إلى العراق أو إلى الشام، ذلك بأنه لم يبق لديه ريب ~~في أنه إن لم يفتح المدائن ويضم إليه العراق كله، وإن لم يفتح حمص وأنطاكية ويضم إليه الشام ~~كله، بقيت بلاد العرب يهددها الأسدان فارس والروم، وتهديد بلاد العرب يهدد الدين الناشئ ~~فيها، وحماية هذا الدين وحرية الدعوة فرض عين على كل مسلم، وعلى أمير المؤمنين قبل كل مسلم، ~~ولا بد لحمايته من تقليم أظافر الأسدين، ومن القضاء على كل قوة تهدد شبه الجزيرة. # تلقى سعد كتب عمر، فبدأ سيره من شراف يريد القادسية، على أنه لم يفصل من شراف حتى كان ~~قد عبأ جيشه تعبئة عرفها عمر وأقرها، فأمر أمراء الأجناد، وعرف العرفاء، فجعل على كل ~~عشرة عريفا، وأمر على الرايات رجالا من أهل السابقة في الإسلام، وجعل على المقدمة ~~والمجنبتين أبطالا حاربوا مع رسول الله # صلى الله عليه ms164 وسلم ~~، وكان في هذا الجيش أربعمائة وألف حاربوا ~~مع رسول الله، منهم بضعة وسبعون بدريا، وبضعة عشر وثلاثمائة ممن كانت لهم صحبة في بيعة ~~الرضوان وما بعدها، وثلاثمائة ممن شهدوا الفتح، وسبعمائة من أبناء الصحابة في جميع أنحاء ~~العرب، وسار سعد بالناس متمهلا حتى بلغ العذيب فنزلها وأقام بها زمنا قبل أن يسير إلى ~~القادسية. # وكانت العذيب من مسالح فارس الحصينة ذات البروج المنيعة، ولقد بلغتها طلائع المسلمين في ~~وجه الصبح، فوقفت قبالتها، وجعلت تنظر إليها فإذا رجل يتراءى بكل برج من بروجها؛ لذلك ~~أمسكوا ولم يتقدموا، حتى إذا أدركهم كثف من الجيش ساروا يريدون اقتحام هذه البروج، فلما ~~دنوا منها رأوا رجلا يركض نحو القادسية، ورأوا البروج خلاء ليس بها أحد، عند ذلك أيقنوا أن ~~الرجل كان مكيدة، وكان يتراءى بين البروج ليراهم ويعرف قوتهم فينطلق بخبرهم إلى الفرس، ثم ~~وجدوا بالبروج رماحا ونشابا وأسفاطا انتفعوا بها، وقد انطلق في أثر ذلك الفارس زهرة بن ~~الحوية ليأسره فلم يدركه، فعاد يشارك المسلمين في الحديث عن ثباته ورباطة جأشه. # استقر سعد بالعذيب حين لم يجد بها من الفرس أحدا، ثم جعل يبعث قوات من جنده تغير على ما ~~حولها تنشر الرعب في نفوس الناس وتجيء بالغنائم والأسرى، وقد سارت إحدى هذه الغارات بليل ~~تريد الحيرة، فلما جاوزوا السيلحين وقطعوا جسرها في طريقهم إلى عاصمة اللخميين سمعوا جلبة ~~وضوضاء، فأحجموا وأقاموا كمينا حتى يتبينوا، وإنهم لكذلك إذ جازت بهم خيول تتقدم ابنة ~~مرزبان الحيرة تزف إلى صاحب الصنين أحد أشراف العجم، فلما جازت الخيل كمين المسلمين ~~حمل هؤلاء على من يحيطون بالعروس ففروا، فأخذوا الأثقال وأخذوا ابنة المرزبان في ثلاثين ~~امرأة من الدهاقين ومائة من التوابع ومغانم عظيمة القيمة، ثم رجعوا بذلك كله إلى سعد ~~بالعذيب فقسمه بين المسلمين. # تولى أهل العراق الفزع فانكمشوا وسكنت ثورتهم بالمسلمين، واطمأن سعد إلى موقفه بالعذيب ~~فحصن الموقع، وترك به كثيرا من أسر العرب، ووضع به خيلا يحمي هذا الحريم، وأمر عليهم ~~غالب بن عبد ms165 الله الليثي، ثم سار إلى القادسية فنزل بها بحصن قديس، ونزل زهرة بن الحوية ~~بحيال قنطرة العتيق، ووزع الجند كل فرقة في مكان، وأقام بها يبعث الغارات تجيء إليه بمئونة ~~الجيش غنما وأبقارا وبرا ودقيقا وكل ما يحتاج إليه الناس. # 1 # وأقام سعد بالقادسية شهرا أخصب الجيش فيه بما كان يجيء من الطعام في هذه الغارات التي ~~اتسع نطاقها بين الحيرة وكسكر والأنبار، وكتب سعد إلى عمر يخبره بموقفهم، ولعله وصف ~~القادسية أدق الوصف في هذا الكتاب، ويذكر له أن الفرس لم يوجهوا إليهم أحدا ولم يسندوا إلى ~~أحد قيادة جيش لمحاربتهم فيما يعلمون، لكنه لم يلبث بعد ذلك أن علم من أهل الحيرة أن ~~يزدجرد ولى رستم بن الفرخزاد أمر الحرب، وأمره بالسير لمواجهة المسلمين، فكتب إلى عمر ~~كرة أخرى بالخبر، فكتب عمر إليه: # لا يكربنك ما يأتيك عنهم ولا ما يأتونك به، واستعن بالله وتوكل عليه، ~~وابعث إليهم رجالا من أهل المنظرة والرأي والجلد يدعونه، فإن الله جاعل دعاءهم ~~توهينا لهم وفلجا عليهم، واكتب إلي في كل يوم. # قد تعجب لتباطؤ الفرس دون مواجهة سعد وجنوده، بعد اجتماعهم على يزدجرد ومعاونتهم له ~~حتى ينتقم لهم من هزيمة جيوشهم بالبويب، فقد فصل سعد عن المدينة في أوليات الربيع من تلك ~~السنة، ثم أقام بشراف وبالعذيب أشهرا، وأقام بالقادسية أكثر من شهر قبل أن يعلم بمسيرة ~~عسكر من الفرس لقتاله، فأين كان الفرس؟ وماذا كان يصنع يزدجرد طيلة هذه الأشهر؟ # الواقع أنهم لم يكونوا في غفلة عن الأمر، فقد بعث يزدجرد إلى رستم بن الفرخزاد وقال ~~له: «أنت رجل فارس اليوم، وأنا أريد أن أوجهك لقتال العرب.» وأجابه رستم: «دعني بالمدائن، ~~فلعل الدولة أن تثبت بي إذا لم أحضر الحرب، فيكون الله قد كفى ونكون قد أصبنا المكيدة، ~~والرأي في الحرب أنفع من بعض الظفر، والأناة خير من العجلة، وقتال جيش بعد جيش أشد على ~~عدونا، ولن تزال العرب تهاب العجم ما لم تضربهم بي.» ونظر يزدجرد فيما قال رستم ms166 وشاور ~~أهل الرأي فيه، فلما بلغه ما فعل العرب وأخذهم ابنة مرزبان الحيرة وغارتهم على بلاد العراق، ~~أعاد القول على رستم، وأعاد رستم كلامه وقال: «لقد اضطرني تضييع الرأي إلى إعظام نفسي ~~وتزكيتها، ولو أجد من ذلك بدا لم أتكلم به، فأنشدك الله في نفسك وملكك! دعني أقم بعسكري ~~وأسرح الجالينوس، فإن تكن لنا فذلك، وإلا بعثنا غيره، حتى إذا لم نجد بدا ولا حيلة صبرنا ~~لهم وقد وهناهم وحسرناهم ونحن جامون، فإني لا أزال مرجوا في أهل فارس ما لم أهزم.» ~~فلما اشتدت غارات العرب على السواد من أسفله إلى أعلاه، وبعث مرازبته ودهاقينه إلى ~~يزدجرد أنه إن لم ينجدهم نزلوا على أمر المسلمين طائعين أو كارهين، زال من نفسه كل ~~تردد وأمر رستم فسار إلى ساباط، وعلم سعد بمسيرته فكتب إلى عمر فأجابه بما قدمنا وأمره أن ~~يبعث إلى صاحب الفرس من يناظرونه ويدعونه. # أفأراد عمر بكتابه أن يبعث سعد رسله إلى رستم، أم إلى يزدجرد؟ وإلى أيهما سار الرسل ~~بالفعل؟ هنا تختلف الروايات: فيجري بعضها بأن الرسل تحدثوا إلى رستم، فلما أخفقت رسالتهم ~~وقعت القادسية، ويذهب بعضها إلى أن الرسل ذهبوا وفدا إلى يزدجرد بالمدائن فأخفقت ~~رسالتهم فكانت القادسية، وتجري رواية ثالثة بأن الرسل ذهبوا إلى رستم، فلما لم تنجح مهمتهم ~~ذهبوا وفدا إلى يزدجرد فلم يكونوا أكثر توفيقا في إقناعه، فعادوا من المدائن ~~ليشاركوا إخوانهم المسلمين في غزوة القادسية. # ولعل وفد المسلمين ذهب إلى يزدجرد بالمدائن قبل أن يلقى أحدا منه رستم بالقادسية، ~~فقد كان رستم لا يزال بساباط على مقربة من المدائن كما رأيت، ولم يكن قد سار منها إلى ~~القادسية ليقف قبالة سعد وجيشه على ضفة الفرات الأخرى، وكان رستم يبطئ في مسيرته تنفيذا ~~للسياسة التي أشار بها على يزدجرد؛ لذلك اكتفى حين بلغ ساباط بما بعثته مسيرة جيشه من ~~الطمأنينة إلى نفوس أهل السواد، ثم بعث إلى أهل الحيرة وإلى غيرهم من أهل المدن المنتشرة من ~~أسفل السواد إلى أعلاه يعاتبهم لتزعزع عقيدتهم ms167 في قوة دولتهم ولفزعهم من العرب، ويعدهم أنه ~~ممزق شمل هؤلاء العرب، وملق بهم إلى صحاري شبه الجزيرة؛ فلا تحدثهم أنفسهم بالعودة إلى ~~العراق أبدا. # أما سعد فلم يكن له من تنفيذ أمر عمر بد؛ لذلك بعث ليزدجرد وفدا فيه أهل الرأي ~~والسياسة والشجاعة، بينهم النعمان بن مقرن، وفرات بن حيان، والأشعث بن قيس، وعمرو بن ~~معدي كرب، والمغيرة بن شعبة، والمعنى بن حارثة وغيرهم من أمثالهم، وأمرهم أن يدعوه إلى ~~الإسلام، فإذا أبى فالمناجزة، وبلغ الوفد المدائن، فعجب أهلها حين رأوا رجاله عجافا، ~~وجعلوا ينظرون إلى أشكالهم، وإلى أرديتهم على عواتقهم، والسياط في أيديهم والنعال في ~~أرجلهم، وإلى خيولهم الضعيفة وخبطها الأرض بأرجلها، ويتساءلون بينهم: كيف يقدم هؤلاء على ~~غزونا ويطمعون في الظفر بنا واقتحام عاصمتنا؟! واستأذن الوفد على يزدجرد، فاستدعى ~~وزراءه واستشارهم، ثم أذن للوفد فدخل عليه، فقال لهم في كبرياء وعظمة: «ما الذي أقدمكم هذه ~~البلاد؟ أتراكم اجترأتم علينا لما تشاغلنا بأنفسنا؟» فأجابه النعمان بن مقرن وذكر له ~~بعث الله رسوله في العرب وما جاء به من عند الله، ودعاه إلى الإسلام، ثم قال له: «فإن ~~أبيتم فالجزية، فإن أبيتموها فالمناجزة.» وختم كلامه بقوله: «فإن أجبتم إلى ديننا خلفنا ~~فيكم كتاب الله وأقمناكم عليه على أن تحكموا بأحكامه ونرجع عنكم، وشأنكم وبلادكم، وإن أتيتم ~~بالجزية قبلنا ومنعناكم، وإلا قاتلناكم.» # كبر على يزدجرد أن يسمع مثل هذا القول، ولكنه آثر الحكمة والحلم مقرونين إلى ~~الحزم فقال: «إني لا أعلم أمة في الأرض كانت أشقى ولا أقل عددا ولا أسوأ ذات بين منكم، ~~وقد كنا نوكل بكم قرى الضواحي ليكفوناكم، ولا تغزوكم فارس ولا تطمعون في أن تقدموا ~~لهم، فإن كان عددكم كثر فلا يغرنكم كثرته، وإن كان الجهد دعاكم فرضنا قوتا إلى خصبكم، ~~وأكرمنا وجوهكم، وكسوناكم وملكنا عليكم ملكا يرفق بكم.» وسمع الوفد هذه المقالة فسكتوا، ~~عند ذلك قام المغيرة بن شعبة فقال: «أيها الملك، هؤلاء رءوس العرب ووجوههم، وهم أشراف ~~يستحيون من الأشراف، وإنما يكرم الأشراف ويعظم ms168 حقهم الأشراف، وليس كل ما أرسلوا به قالوه، ~~ولا كل ما تكلمت به أجابوك عنه، فجاوبني لأكون الذي أبلغك وهم يشهدون على ذلك لي، فأما ما ~~ذكرت من سوء الحال فهي على ما وصفت وأشد ...» وذكر له من سوء عيش العرب وإرسال الله رسوله ~~إليهم على نحو مقالة النعمان بن مقرن، ثم قال: «اختر: إن شئت الجزية، وإن شئت السيف، ~~أو تسلم فتنجي نفسك.» # لم يطق يزدجرد الصبر على ما سمع فقال وقد أخذ منه الغضب: «لولا أن الرسل لا تقتل ~~لقتلتكم، لا شيء لكم عندي!» ثم أمر من جاء بوقر من تراب فقال: «احملوه على أشرف هؤلاء ثم ~~سوقوه حتى يخرج من باب المدائن، ارجعوا إلى صاحبكم فأعلموه أني مرسل إليه رستم حتى يدفنه ~~ويدفنكم معه في خندق القادسية، ثم أورده بلادكم حتى أشغلكم بأنفسكم بأشد مما نالكم من ~~سابور!» # لم يفزع الوفد لغضب يزدجرد ولم تنخلع قلوبهم لوعيده، بل قام عاصم بن عمرو فحمل ~~التراب على عاتقه وهو يقول: «أنا أشرفهم، أنا سيد هؤلاء.» وسار يحمل التراب فخرج من ~~الإيوان، إيوان كسرى، فركب راحلته وانطلق وأصحابه حتى بلغوا القادسية ودخلوا على سعد بحصن ~~فديك، وقص عاصم بن عمرو ما حدث وكيف حملوا أرض فارس ثم قال: «أبشروا فقد والله أعطانا ~~الله مقاليد ملكهم.» # يتفق مؤرخو العرب جميعا على رواية ما حدث بين يزدجرد ووفد سعد، ولا يقع بينهم خلاف ~~إلا على بعض العبارات التي تبادلها الفريقان، ويذهب بعض المستشرقين إلى أن هذه الروايات ~~وضعت من بعد، إن لم يكن في جوهرها، فعلى الأقل في تفاصيلها، ونحن لم نورد هنا من هذه ~~التفاصيل إلا أقلها، ويستشهد المستشرقون على ما يقولونه بأن هؤلاء المؤرخين المسلمين لا ~~يفوتهم في كل مناسبة يتصل فيها وفد من المسلمين بغيرهم من المجوس أو من النصارى أن يجروا ~~على لسان المتكلمين من المسلمين حديث العرب قبل بعث النبي وما كان بينهم من عداوة وبغضاء، ~~وما كانوا فيه من بؤس وشقاء، حتى إذا بعث الله رسوله ms169 إليهم بالهدى ودين الحق ألف بين قلوبهم ~~وأغناهم من جوع، وأفاء عليهم من الخير ما لم يعرفه آباؤهم وأجدادهم، مع أن من هؤلاء ~~المسلمين من كانوا يعيشون قبل الإسلام في رخاء ونعمة، كأهل اليمن وأهل البلاد التي تشاطئ ~~الخليج الفارسي، لقد نسب المؤرخون مثل هذه الأقوال إلى المسلمين الذين هاجروا في عهد النبي ~~إلى أرض الحبشة، وذلك حين دعاهم النجاشي وسألهم عن سبب خروجهم على دين قومهم، وقد نسبوا ~~مثلها إلى المسلمين الذين ذهبوا إلى أرض العراق واتصلوا بأهله في عهد أبي بكر، ثم نسب ما ~~يشبهها إلى خالد بن الوليد حين لقي جرجة القائد الرومي في موقعة اليرموك، وها هم أولاء ~~ينسبون مثلها إلى الوفد الذي لقي يزدجرد، أفلا يدل ذلك على أن هذه الأقوال وضعت في ~~أزمان متأخرة لغايات سياسية، وأنها أجريت على ألسنة المسلمين الأولين دعاية للإسلام من ~~ناحية، وتثبيتا لسلطان أمير المؤمنين من ناحية أخرى؟ # ويضيف المستشرقون، تأييدا لنقدهم، أن المؤرخين المسلمين لا يتورعون عن رواية أمور هي ~~أدنى إلى الخرافة، من ذلك أن يزدجرد دعا إليه أولي الرأي ودعا رستم من ساباط، وذكر لهم ~~ما كان بينه وبين وفد المسلمين وقال: إنه استحمق أشرفهم لحمله التراب على رأسه، ولو شاء ~~اتقى بغيره، فقال له رستم: إنه ليس بأحمق، وليس هو بأشرفهم، وإنما أراد أن يفتدي قومه ~~بنفسه، وتطير رستم لما سمع، وخرج من عند الملك غضبان كئيبا، ذلك أنه كان منجما دلته ~~النجوم على أن الذين خرجوا من المدائن بترابها إنما خرجوا معهم بأرض فارس، وليتقي مغبة هذه ~~النبوءة بعث في أثرهم رجلا وقال: «إن أدرك التراب فرده ~~تداركنا أمرنا، وإن ذهبوا به إلى أميرهم غلبونا على أرضنا.» ولما لم يدركهم الرجل ازداد ~~رستم تطيرا، واستهجن رأي الملك وفعله. # لكنه مع ذلك لم يستطع أن يخالف الملك حين أمره أن يسير لمواجهة المسلمين، ذلك أن ~~يزدجرد قال له: «لتسيرن أو لأسيرن بنفسي.» وسار رستم من ساباط، وبعث على مقدمته ~~الجالينوس في أربعين ألفا، وخرج هو ms170 في ستين ألفا، وجعل على الميمنة الهرمزان وعلى الميسرة ~~مهران بن بهرام الرازي، ثم إنه كتب إلى أخيه البندوان يقول: «أما بعد فرموا حصونكم ~~واستعدوا وأعدوا فكأنكم بالعرب قد قارعوكم عن أرضكم وأبنائكم، وقد كان من رأيي مدافعتهم ~~ومطاولتهم حتى تنقلب سعودهم نحوسا.» وبعد أن ذكر ما يرى من ذلك في النجوم ختم كتابه بقوله: ~~«ولا أرى هؤلاء القوم إلا سيظهرون علينا ويستولون على ما يلينا.» مع ذلك تابع سيره وكأنما ~~يدفعه القدر كارها إلى حتف فارس وحتفه. # يرى المستشرقون هذه الرواية عن حديث النجوم أدنى إلى الخرافة، ويجدون فيها تأييدا لنقضهم ~~رواية المؤرخين المسلمين عما دار بين وفد سعد ويزدجرد، ولا أراني أميل ميلهم وإن كنت ~~لا أتهمهم فيه. # فأما أن المسلمين الأولين كانوا يذكرون لعدوهم ما كانوا عليه من فرقة وضعف قبل الإسلام، ~~وما صاروا إليه من وحدة وعزة حين اجتمعوا إلى لوائه، وأنهم كانوا يحدثونهم عن بعث رسول الله ~~بهذا الدين وعن المبادئ السامية التي جاء بها فكان اتباعها سبب عزتهم ووحدته؛ أما ذلك كله ~~فلا عجب فيه ولا موجب لابتداعه من بعد لغايات سياسية أو غير سياسية، فقد كان هذا الدين ثورة ~~على العقائد والنظم السائدة يومئذ في بلاد العرب وفي فارس والروم، وكان ثورة عالمية قام ~~صاحب الرسالة يبلغها الناس كافة ويدعوهم إلى اعتناق مبادئها، ويلقي على الذين آمنوا به ~~واتبعوه أن يقوموا في هذه الدعوة مقامه، وقد كتب رسول الله إلى هرقل وإلى كسرى وإلى غيرهما ~~من الملوك والأمراء يبلغهم رسالة الإسلام ويدعوهم إليه، فليس عجبا أن يحذو المسلمون في ذلك ~~حذوه، وأن يتحدثوا عن دينهم في كل مكان نزلوه، وإلى كل شخص اتصل بهم أو اتصلوا به، بل ذلك ~~كان الطبيعي يومئذ، وهو الطبيعي كلما قامت ثورة تدعو إلى مبدأ جديد، كان رجال الثورة ~~الفرنسية يتحدثون عنها ويذيعون مبادئها حيثما نزلوا من بقاع الأرض، وكانوا يذكرون ما أصاب ~~فرنسا قبلها من اضطهاد وظلم، وما نالت فرنسا بعدها من سؤدد وعزة ومكانة أدت إليهما ms171 مبادئها ~~السامية، وكذلك فعل الروس ولا يزالون يفعلون، فليس العجب في أن يتحدث المسلمون عن دينهم وأن ~~يذكروا سوء حالهم قبله ورفعة مكانهم بعده، وإنما يكون العجب ألا يفعلوا، وكيف لمؤمن ألا ~~يدعو الناس إلى ما يؤمن به وهو يعتقد أنه الحق، ويعتقد أن الساكت عن الحق شيطان أخرس! وكيف ~~لمؤمن يرى في المبادئ التي يدين بها قوام السعادة للإنسانية، ثم لا يدعو الناس إليها، فإذا ~~آمنوا بها كفاه ذلك منهم وكان أساسا للإخاء الصحيح بينه وبينهم، وأساسا لحريتهم ولسعادتهم ~~وإسلامهم! # أما القول بأن حديث النجوم أدنى إلى الخرافة ، فذلك ما لا أتعرض للخوض فيه؛ فلست عالما ~~بالنجوم، ولست أعرف لذلك مبلغ ما تهدينا إليه من علم بشئون هذه الأرض التي نعيش عليها، وما ~~يقع من الأحداث فيها، على أن كثيرين لا يزالون يؤمنون بها ويحسبون أن علمها يهديهم إلى ما ~~يغيب عن غيرهم، ومهما يكن من شيء فالثابت أن الفرس في ذلك العهد قد كانوا من أكثر الناس ~~اطمئنانا إلى علم النجوم واهتداء بها في حياتهم العامة والخاصة، وأنهم لم يكونوا يرون ~~علمها حديث خرافة، ومن الواجب على المؤرخ ألا يجعل مقياسه في ثبوت الوقائع وعدم ثبوتها مبلغ ~~اتفاقها مع تقديره الذاتي للأمور والآراء، وإنما يكون مقياسه لصحتها عقائد الناس وآراءهم في ~~الزمن الذي حدثت هذه الوقائع فيه، أما والفرس كانوا يزاولون في ذلك العهد علم النجوم، فأبلغ ~~الظن أن أمراء الجند منهم كانوا أشد الناس بهذا العلم عناية، والمتواتر على كل حال أن رستم ~~كان عالما بالنجوم، وأنه رأى فيها ما يضمره الغيب لفارس، وأن طموحه وكبرياءه هما اللذان ~~دفعاه ليخالف ما رأى، وليشارك بوران في حكم بلاده وأن يسير بأمر يزدجرد على رأس الجند ~~للقاء سعد بن أبي وقاص والمسلمين. # بينما كان رستم يسير على رأس مائة وعشرين ألفا من جنود فارس يريدون القادسية كان سعد ~~يبعث بالغارات إلى النجف والفراض ومنازل القبائل المنتشرة في السواد، يستاقون منها ~~الدواب والماشية والغلال وشتى ألوان الطعام إلى جند المسلمين. ms172 # وبلغ رستم الحيرة وكانت قد هادنت المسلمين، فدعا إليه كبراءها ولامهم على ما صنعوا وهددهم ~~وهم بالانتقام منهم؛ فقال له حكيمهم: لا تجمع علينا أن تعجز عن نصرتنا، وتلومنا على أن ~~ندفع عن أنفسنا، وجاوز رستم الحيرة إلى النجف، وقدم الجالينوس إلى السيلحين، وإنه ~~بالنجف إذ علم أن خيول المسلمين تغير على النهرين، فأرسل إليهم قوة تقاتلهم، وعرف المغيرون ~~نبأ هذه القوة، فرجع عمرو بن معدي كرب ومن معه أدراجهم إلا طليحة بن خويلد الأسدي فإنه أبى ~~أن يرجع معهم، وقال أحدهم إذ رأى إباءه: «أنت رجل في نفسك غدر، ولن تفلح بعد قتل ~~عكاشة بن محصن.» يشير إلى ما كان من رجال طليحة حين تنبأ وقاتل خالد بن الوليد ~~في غزوة البزاخة، # 2 # مع ذلك أصر طليحة على إبائه أن يرجع معهم، ومضى حتى دخل معسكر رستم خفية وقتل ~~اثنين من فرسانه وساق جواديهما ثم خرج يعدو به فرسه، فركب جماعة من أصحاب رستم في طلبه فقتل ~~اثنين منهم وأسر الثالث وقد شارف عسكره، عند ذلك ارتد طالبوه، ودخل هو على سعد والأسير معه، ~~وقال الأسير حين سأله سعد عن فعال طليحة: «باشرت الحروب منذ أنا غلام، وسمعت بالأبطال، فلم ~~أسمع بمثل هذا، إن رجلا قطع فرسخين إلى عسكر فيه سبعون ألفا فلم يرض أن يخرج كما دخل حتى ~~سلب فرسان الجند وهتك عليهم البيوتات، فلما أدركناه قتل الأول وهو يعد بألف فارس، ثم الثاني ~~وهو نظيره ثم أدركته أنا وخلفت من بعدي من يعدلني وأنا الثائر بالقتيلين، فرأيت الموت ~~واستؤسرت.» # وتابع رستم مسيرته حتى بلغ القادسية بعد أن قضى أربعة أشهر مذ فصل من المدائن للقاء عدوه، ~~وإنما تمهل وتباطأ ظنا منه أن يهن العرب إذا لم يجدوا مئونة تكفيهم، أو أن يسأموا طول ~~المقام فينصرفوا إلى بلادهم، وتمهل كذلك تطيرا من لقاء سعد بعد ما دلته النجوم على ~~مصير فارس، وقد رأيت أنه كان يؤثر البقاء بالمدائن وأن يعبئ لقتال العرب جيشا إثر جيش حتى ~~يتضعضع ركنهم ms173 وينهد عزمهم، لكن يزدجرد أبى عليه رأيه وأمره أن يسير بنفسه، فتباطأ حتى ~~قضى هذه الأشهر الأربعة في طريق كان يستطيع قطعها في أيام معدودات. # بلغ رستم القادسية في جيش عدته مائة وعشرون ألفا، يتقدمهم ثلاثة وثلاثون فيلا بينها فيل ~~سابور الأبيض، وكانت سائر الفيلة تألفه وتتبعه، لكنه كان يود، مع جسامة هذه القوة، أن يصرف ~~العرب عن بلاده دون قتال، علما منه أنه إن ينهزم دونهم تفتح لهم أبواب المدائن وأبواب فارس ~~كلها؛ فهو رجل فارس الذي تشرئب إليه الأعناق من كل صوب، والقائد البطل القادر ليس في فارس ~~كلها بطل مثله، وهو قد تطير من النجوم ودلالتها، ثم إنه رأى في نومه أحلاما زادته بدلالة ~~النجوم إيمانا، هذا إلى ما أبدى العرب من بطولة لم تثبت لها أعداد فارس وعددها، ولم تثبت ~~لها الفيلة في الغزوات المتلاحقة التي بدأت منذ اقتحم المثنى دلتا النهرين إلى أن انتصر على ~~الفرس انتصاره العظيم بالبويب، ففي هذه المواقع جميعا كان العرب دون الفرس عددا وعدة، ~~وكانوا مع ذلك يبلغون منهم ويركبون أكتافهم، وينقلون الغنائم الطائلة بعد انتصارهم، هم إذن ~~قوم كتب النصر لهم، فإن هو ردهم إلى شبه الجزيرة دون قتال أسدى إلى بلاده وإلى مليكه يدا ~~دونها كل نصر. # صف رستم إذن عسكره قبالة عسكر المسلمين، وقدم الفيلة أمامه، وبدا بذلك في مظهر من القوة ~~يدخل إلى النفوس الرعب، ثم بعث إلى سعد ليبعث له رجلا من عقلاء المسلمين يبين له ما جاء ~~هؤلاء المسلمون فيه، وعبر إليه المغيرة بن شعبة وجلس معه على السرير، وحدثه عن رسول الله ~~وبعثه بمثل ما حدث أصحابه يزدجرد بالمدائن، وقال له: «إن عيالنا قد ذاقوا طعام بلادكم ~~فقالوا: لا صبر لنا عليه.» ثم انتهى من حديثه إلى ما انتهى إليه أصحابه: أن يسلم الفرس أو ~~يؤدوا الجزية، فإن أبوا هذا وذاك فالقتال. # وعظم على أصحاب رستم أن يذكر المغيرة الجزية تفرضها العرب على فارس، فهاج هائجهم، لكن ~~رستم استمهل المغيرة حتى يروئ في ms174 الأمر، ثم بعث الغداة إلى سعد أن يوفد إليه من يحدثه ~~حديث الصلح، وتكلم رسول سعد بمثل حديث المغيرة، فعرض عليه رستم ما عرضه يزدجرد على ~~أصحابه، أن يفرض العرب قوتا إلى خصبهم، وأن يكرم وجوههم، وأن يعودوا إلى بلادهم، فلما أبى ~~سفير المسلمين منه إلا الإسلام أو الجزية أو القتال، استمهله رستم كرة أخرى، ثم بعث يطلب ~~سفيرا آخر، وكان المسلمون منذ عهد النبي لا يؤجلون مثل هذه السفارات أكثر من ثلاثة أيام ~~يكون بعدها الصلح أو تكون بعدها الحرب، فلما أصر المسلمون على موقفهم: الإسلام أو الجزية أو ~~القتال، لم يبق من الحرب مفر. # ترى هل بلغ من تطير رستم وإشفاقه من مصير القتال أنه كان يريد الصلح بأي ثمن؟! تذهب بعض ~~الروايات هذا المذهب، ويذكر بعض المؤرخين أن رستم مالت نفسه إلى الإسلام، لولا أن رده ~~أصحابه عنه، وهذا رأي مرجوح يدفعه ما سنراه من بأس الفرس في اليومين الأولين من وقعة ~~القادسية، ويذهب بعض المؤرخين إلى أن رستم أراد بمطاولة المسلمين أن يوقع الخلاف بينهم في ~~الرأي، فإذا اختلفوا بعد الذي رأوا من قوة هذا الجيش الزاحف إليهم زادهم اختلافهم ضعفا ~~وعجزا عن مقاومة القائد القادر وجنوده، وأيما الرأيين صح، فقد بقي المسلمون لا يتغير رأي ~~واحد منهم عن رأي صاحبه، ولا يرضى أحد منهم دون الإسلام أو الجزية إلا بالقتال، عند ذلك بعث ~~رستم إلى سعد يقول له: إما أن تعبروا إلينا وإما أن نعبر إليكم، وما كان لسعد أن يعبر النهر ~~ومثل غزوة الجسر حاضر أمام ذهنه، وما كان له أن يدع رستم يعبر إليه وينظم صفوفه لقتاله، ~~لذلك بقي مكانه مطمئنا إلى موقفه يحميه النهر من أمامه، وخندق سابور عن يمينه، والصحراء ~~المترامية وراء ظهره. # ما كان لسعد أن يعبر النهر، وما كان لرستم أن يقف جامدا مكانه؛ فقد تضعضعت هيبة الدولة ~~وضعف سلطان المدائن في نفوس أهل العراق من فرس وعرب، فإذا لم يضرب رستم في القادسية ضربته، ~~أوشك هذا السلطان أن ms175 ينهار، وأوشكت هذه الهيبة أن تزول، هذا إلى أن جنود يزدجرد كانوا ~~يتحرقون للقاء المسلمين يريدون أن يزيلوا ما لحق إخوانهم قبل ذلك من خزي وعار؛ لذلك لم يكن ~~لرستم بد من أن يعبر النهر وأن يلقى عدوه، وإذ أبى سعد عليهم أن يعبروا العتيق على القنطرة ~~وقال لهم: لا نرد عليكم شيئا غلبناكم عليه، فقد تمهل رستم حتى جن الليل، ثم أمر رجاله ~~فطموا العتيق بالتراب والقصب وبكل ما كان لديهم مما لا حاجة لهم به في الحرب، وعلى هذا ~~الجسر عبر جيش الفرس، ثم جعل رستم الفيلة في القلب والمجنبتين عليها الصناديق والرجال، وجعل ~~جنوده من ورائها، وضرب لنفسه قبة نصب فيها سريره الفخم المكفت بالذهب، بذلك وقف الجيشان ~~متأهبين للقتال ينتظران بدأه بين ساعة وساعة، وهما يعلمان أنهما مقبلان على معركة حاسمة ليس ~~بعدها إلا أن يندحر الفرس فينفتح أمام العرب طريق المدائن، أو يندحر العرب فيعودوا إلى ~~صحاري شبه الجزيرة، وليس يعلم إلا الله أيستطيعون بعده أن يعودوا إلى العراق كرة ~~أخرى. # معركة ذلك شأنها كان يزدجرد حريصا على أن يعرف أنباءها ساعة فساعة، بل لحظة فلحظة، ~~حتى كأنه حاضرها، وقد كان على النقيض من رستم، واثقا بحسن مصيرها، أليس شابا، والشباب لا ~~يعرف اليأس ولا يتصور الفشل والهزيمة! أولم تجتمع فارس حوله كما لم تجتمع حول أحد سبقه ~~على العرش، وقد عقدت العزم على أن تنتصر! هي لا ريب ستنتصر إذن؛ لذلك اشتد حرصه على أن ~~يتابع أطوار المعركة التي تنصرها، ولذلك وضع الرجال من المدائن إلى القادسية، يلقي أدناهم ~~من المعركة بأنبائها إلى من بعده فيلقيها هذا إلى من يليه، وهكذا حتى تبلغ المدائن؛ بذلك ~~تطير الأنباء نبأ بعد نبأ إلى مسامعه فيتلقاها وهو أشد ما يكون ثقة بأن يأتيه النبأ الأخير ~~منها بانتصار رجاله الحاسم. # ولعل أول نبأ سمعه قد زاده استبشارا بالخاتمة التي يؤمن بها، ذلك أن سعد بن أبي وقاص ~~عاوده أول المعركة مرض كان يتردد عليه جعله لا يستطيع أن ms176 يركب أو يجلس فهو مكب على وجهه في ~~صدره وسادة يعتمد عليها ويشرف على الناس من القصر يرمي بالرقاع فيها أمره ونهيه، ذلك المرض ~~كان عرق النسا ودمامل جعلت هذا الفارس البطل ذا الفعال المجيدة يعجز عن كل حركة يوجبها ~~مكانه من جيش المسلمين في هذا الوقت الرهيب، وزاد يزدجرد استبشارا ما ألقي إليه من ~~برم بعض المسلمين بسعد وتندرهم بمرضه، حتى ليقول قائلهم: # نقاتل حتى أنزل الله نصره # وسعد بباب القادسية معصم # فأبنا وقد آمت نساء كثيرة # ونسوة سعد ليس فيهن أيم # وبلغ سعدا ما يتندر به الناس وأن طائفة من وجوه القوم تتهمه وتشغب عليه وترميه بالخور ~~وضعف العزم، فحز ذلك في نفسه وأثار غضبه فقال لمن حوله: احملوني وأشرفوا بي على الناس، ~~وارتقى به من حوله، ورأى الجند ما به من الوجع فعذروه لكن ذلك لم يكفه، بل شتم الذين ~~شغبوا عليه وهم بهم وقال لهم: «أما والله لولا أن عدوكم بحضرتكم لجعلتكم نكالا لغيركم، ~~والله لا يعود أحد بعدها يحبس المسلمين عن عدوهم ويشاغلهم وهم بإزائهم إلا سننت به سنة ~~يؤخذ بها من بعدي.» وأمر برجال بينهم أبو محجن الثقفي فحبسهم وقيدهم في القصر، إزاء هذا ~~الحزم لم يكتف القوم بأن يعذروا سعدا، بل أعلنوا ولاءهم وطاعتهم، فكان مما قاله جرير بن ~~عبد الله البجلي: «أما إني بايعت رسول الله على أني أسمع وأطيع لمن ولاه الله الأمر وإن كان ~~عبدا حبشيا.» وسرى مثل هذا الروح في نفوس الجند، فسكنت بوادر الفتنة وانطفأت ~~نارها. # عند ذلك كتب سعد إلى الرايات يقول: «إني قد استخلفت عليكم خالد بن عرفطة وليس يمنعني ~~أن أكون مكانه إلا وجعي الذي يعودني، إني مكب على وجهي وشخصي لكم باد، فاسمعوا له وأطيعوا، ~~فإنه إنما يأمركم بأمري.» وقرئ هذا الكتاب على الناس فأجمعوا على عذر سعد والرضا بما ~~صنع. # وخطب سعد وهو على حاله تلك من يليه من الجند، فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: # إن الله هو الحق لا شريك ms177 له في الملك، وليس لقوله خلف، قال الله جل ثناءه: # ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر ~~أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ~~، إن هذا ميراثكم ~~وموعود ربكم، وقد أباحها لكم منذ ثلاث حجج، فأنتم تطعمون منها وتأكلون منها، ~~وتقتلون أهلها وتجبونهم وتسبونهم إلى هذا اليوم بما نال أصحاب الأيام منكم، وقد ~~جاءكم هذا الجمع، وأنتم وجوه العرب وخيار كل قبيلة وعز من وراءكم، فإن تزهدوا في ~~الدنيا وترغبوا في الآخرة جمع الله لكم الدنيا والآخرة، ولا يقرب ذلك أحدا إلى ~~أجله، وإن تفشلوا وتهنوا وتضعفوا تذهب ريحكم وتوبقوا ~~آخرتكم. # ورأى عاصم بن عمرو ما بسعد من الوجع، فزاده ذلك تأثرا بما سمع من كلامه، فقام في الناس فقال: # هذه بلاد قد أحل الله لكم أهلها، وأنتم تنالون منهم منذ ثلاث سنين ما لا ينالون ~~منكم، وأنتم الأعلون والله معكم، إن صبرتم وصدقتموهم الضرب والطعن، فلكم أموالهم ~~ونساؤهم وأبناؤهم وبلادهم، وإن خرتم وفشلتم، والله لكم من ذلك جار وحافظ، لم ~~يبق هذا الجمع منكم باقية مخافة أن تعودوا عليهم بعائدة هلاك، الله! الله! ~~اذكروا الأيام وما منحكم الله فيها، ألا ترون أن الأرض وراءكم بسابس قفار ليس فيها ~~خمر ولا وزر يعقل إليه ولا يمتنع به! اجعلوا همكم ~~الآخرة. # ودعا سعد إليه جماعة من الذين انتهى إليهم رأي الناس وانتهت إليهم نجدتهم وعظم فيهم ~~شرفهم، وكان منهم من أولي الرأي المغيرة بن شعبة وعاصم بن عمرو، ومن أهل النجدة طليحة بن ~~خويلد وعمرو بن معدي كرب، ومن الشعراء الشماخ والحطيئة وعبدة بن الطيب، ومن سائر الطوائف ~~أمثالهم، وقال لهم: «انطلقوا فقوموا في الناس بما يحق عليكم، ويحق عليهم، عند مواطن البأس، ~~فأنتم من العرب بالمكان الذي أنتم به، أنتم شعراء العرب وخطباؤهم وذوو رأيهم ونجدتهم، وأنتم ~~سادتهم، فسيروا في الناس فذكروهم وحرضوهم على القتال.» # وانطلق هؤلاء جميعا يخطبون ويقولون الشعر ويعدون الناس النصر في عبارات تهز المشاعر ~~والقلوب، قال الهذيل الأسدي لقومه: «يا معشر معد! اجعلوا حصونكم السيوف، وكونوا عليهم ~~كأسود ms178 الأجم، وتربدوا لهم تربد النمور، وادرعوا العجاج، وثقوا بالله وغضوا الأبصار، ~~فإذا كلت السيوف فأرسلوا عليهم الجنادل فإنها يؤذن لها فيما لا يؤذن للحديد فيه.» وقال عاصم ~~بن عمرو: «يا معشر العرب إنكم أعيان العرب، وقد صمدتم لأعيان العجم، وإنما تخاطرون بالجنة ~~ويخاطرون بالدنيا، فلا يكونن على دنياهم أحوط منكم على آخرتكم، لا تحدثوا اليوم أمرا ~~تكونوا به شينا على العرب غدا.» وقام كل بنحو هذا الكلام وخطب كل أمير أصحابه، فتحاضوا ~~على الطاعة والصبر، وتعاهدوا وتواصوا بالنصر أو الموت دونه. # ورأى رستم تجهز العرب، فثارت في نفسه الحمية لوطنه ، فأنسته طيرته وأنسته دلالات ~~النجوم، وأعادته الجندي المثل الذي عرفته فارس بطلها الأكبر؛ لذلك لم يلبث، حين عبر جنده ~~النهر واصطفوا صف القتال، أن لبس درعيه ومغفرا وأخذ سلاحه، وأمر بفرسه فأسرج فركبه وهو ~~يقول: غدا ندقهم دقا، وبعث من يحرض الجند على القتال دفاعا عن وطنهم ودفعا لهؤلاء ~~العرب الأجلاف الذين خضعوا أجيالا لنير فارس، ثم إذا هم اليوم تحدثهم نفوسهم بقتالها ~~والظفر بها، أي عار كهذا العار يجب دفعه! # وكذلك وقف الجيشان ينتظران أمر الصدام، وقد أخذت منهما الحماسة كل مأخذ بما يسمعه ~~المسلمون عن جنة الخلد ونعيم الدنيا، وما يسمعه الفرس عن الوطن وعن ملك كسرى وعظمته. # وكان سعد بن أبي وقاص قد أرسل في الناس: إذا سمعتم التكبير فشدوا شسوع نعالكم، فإذا ~~كبرت الثانية فتهيئوا، فإذا كبرت الثالثة فشدوا النواجز على الأضراس واحملوا، وأمر من يقرأ ~~سورة الجهاد فقرئت في كل كتيبة، فهشت قلوب الناس واطمأنوا إلى ما هم مقبلون عليه، فلما فرغ ~~القراء كبر سعد فكبر الذين يلونه، ثم كبر الثانية فتهيأ الناس، فلما كبر الثالثة أنشب أهل ~~النجدات القتال وخرجوا يبارزون أهل فارس، وأقبل أهل فارس عليهم وهم في مثل حماستهم يلبون ~~نداء من يريدون نزالهم، وكان غالب بن عبد الله الأسدي في مقدمة من خرجوا يبارزون، خرج وهو ~~يقول: # قد علمت واردة المسائح # ذات اللبان والبنان الواضح # أني سمام البطل المشايخ # وفارج الأمر ms179 المهم الفادح # فخرج إليه هرمز، وكان من ملوك الباب، وكان متوجا، فأسره غالب، فجاء به سعدا ثم رجع إلى ~~المطاردة. # وخرج عاصم بن عمرو وهو يقول: # قد علمت بيضاء صفراء اللبب # مثل اللجين إذ تغشاه الذهب # أني امرؤ لا من يعيبه السبب # مثلي على مثلك يغريه العتب # وبينما هو يرتجز طارد فارسيا نفر منه، فلقي فارسا معه بغل ففر الفارس واستاق عاصم ~~البغل والرحل، فإذا الرجل خباز الملك، وإذا في الرحل طعام رستم، فلما نظر فيه سعد نفله ~~الناس ليأكلوه. # كبر سعد الرابعة فالتقى الجيشان، فأبلى أبطال المسلمين بلاء لم يعرف سعد له نظيرا، وقد ~~كان هؤلاء الأبطال يقدرون ما رمتهم به فارس من عدد وعدة فنزع ذلك من قلوبهم كل رحمة، كان ~~عمرو بن معدي كرب يحرض الناس بين الصفين إذ خرج إليه رجل من الأعاجم يرمي بنشابه فلا ~~تنزل واحدة منها الأرض، ورمى بنشابة أصابت درع عمرو، فالتفت إليه فحمل عليه وكسر عنقه، ثم ~~وضع سيفه في حلقه فذبحه، ثم ألقاه وهو يقول: هكذا فاصنعوا بهم، ثم إنه أخذ سواري الفارس ~~القتيل ومنطقته ويلمق # 3 # ديباج كان عليه. # ورأى الفرس بني بجيلة وعليهم جرير بن عبد الله يصولون ويجولون، فوجهوا إليهم ثلاثة عشر ~~فيلا حملت عليهم، ففرت خيلهم نفارا وبقي الرجال وتكاد الفيلة تبيدهم، ورأى سعد ما أصاب ~~بجيلة فأرسل إلى بني أسد ليذبوا عنهم، فخرج طليحة بن خويلد وجماعة من قبيلته كل واحد في ~~كتيبة وطليحة يصيح بهم: «يا عشيرتاه! لو علم سعد أن أحدا أحق بإغاثة هؤلاء منكم استغاثهم، ~~ابتدئوهم الشدة، وأقدموا عليهم إقدام الليوث الحربة، فإنما سميتم أسدا لتفعلوا فعله، ~~شدوا ولا تصدوا، وكرروا ولا تفروا! شدوا عليهم باسم الله.» فشدوا عليهم فما زالوا يطعنونهم ~~حتى حبسوا الفيلة عنهم، لكن الفيلة عادت فحملت عليهم، فأرسل سعد إلى عاصم بن عمرو يقول: «يا ~~معشر بني تميم، ألستم أصحاب الإبل والخيل! أما عندكم لهذه الفيلة من حيلة؟» قالوا: بلى ~~والله! ونادى عاصم الرماة ليذبوا ركبان الفيلة عنهم ms180 بالنبل وليستدبروا الفيلة وليقطعوا ~~وضنها، وخرج يحميهم والرحى تدور على أسد، وصنع أصحاب عاصم بالفيلة كما أمرهم، فاستدبروها ~~وضربوها بالنبل فارتفع عواؤها وألقت بركبانها فقتلوا، ونفس عن أسد وعن بجيلة جميعا بعد ~~أن قتل من أسد وحدها أكثر من خمسمائة. # كان سعد رابضا في محبس مرضه بقديس ينظر إلى هذه المعركة الدائرة الرحى، ويعجب حينا ~~بفعال أبطال العرب، ويفزع حينا مما تصيب به الفيلة والفرسان رجال بجيلة وأسد، ويحز في ~~نفسه ألا يخوض هذه الحرب الزبون كما خاض من قبل أمثالها، وكانت سلمى بنت حفص زوج المثنى ~~بن حارثة ثم زوج سعد من بعده مقيمة إلى جانبه ترى ما يرى، وتذكر ما كان لزوجها الأول من ~~مواقف في مثل هذه الأيام الكبر، فلما رأت الفرس يشتدون على أسد ويقتلون منهم صاحت: ~~«وامثنياه! ولا مثنى للخيل اليوم!» قالت ذلك عند رجل ضجر مما يرى في أصحابه وفي ~~نفسه، وأثار كلامها سعدا فلطم وجهها وقال: «أين المثنى من هذه الكتيبة التي تدور عليها ~~الرحى!» يعني أسدا وعاصما. # ولم تطأطئ اللطمة من رأس البدوية الأنوف، بل حدقت في سعد وقالت: «أغيرة وجبنا!» وخجل ~~سعد لما صنع فتندى بالعرق جبينه وقال: «والله لا يعذرني اليوم أحد إن لم تعذريني وأنت ترين ~~ما بي!» وعرف الناس ما دار بين سعد وسلمى، فأكبروا البدوية الجريئة، ولم يبق شاعر إلا اعتد ~~بها، وإن عرفوا سعدا غير جبان ولا ملوم. # مع ما كان من الفعال المجيدة والبلاء العظيم الذي أبلاه المسلمون، ظل سعد مشفقا من مصير ~~المعركة لما كان يراه من شدة الفرس وكثرة عددهم وفعال فيلتهم، وانقضى النهار وغربت الشمس ~~والقتال لا يزال حاميا وطيسه، فلما ذهبت هدأة من الليل رجع الجيشان كل إلى مواقفه، وكل ~~يحسب للغد حسابه، والمسلمون أشد لهذا الغد حسابا بعد ما نزل بهم في ذلك اليوم الأول من ~~كوارث. # ويطلق المؤرخون على هذا اليوم الأول من أيام القادسية اسم أرماث، وليس يذكر أحد منهم لهذه ~~التسمية سببا، ويحسب بعض المستشرقين أن أرماث ms181 اسم للمكان الذي وقع القتال فيه، وليس لهذا ~~الظن ما يسوغه، فقد اتصل القتال بالقادسية ثلاثة أيام وليلة في مكان واحد، ثم أطلق على كل ~~يوم من هذه الأيام اسم يميزه. # رجع الجيشان مساء يوم أرماث كل إلى مواقفه، فلما تنفس الصبح شغل العرب وشغل الفرس بدفن ~~القتلى ونقل الجرحى، وقد دفن المسلمون قتلاهم بواد قريب من العذيب، ونقلوا الجرحى إلى ~~العذيب ليقوم النساء على العناية بهم، أما الفرس فدفنوا القتلى في المؤخرة وحملوا الجرحى ~~إلى الضفة الأخرى من النهر. # وبينما هؤلاء وأولئك في شغل بهذا الأمر كان القعقاع بن عمرو التميمي يسرع ~~السير في ألف من الجند الذين فصلوا من الشام نجدة لجيش العراق تنفيذا لأمر عمر بن الخطاب ~~إلى أبي عبيدة أن يرد جيش العراق إليه بعد أن ينصره الله بدمشق، فلما فتحت دمشق وانتصر ~~المسلمون بفحل، سار هاشم بن عتبة في ستة آلاف مددا لسعد بن أبي وقاص، وجعل ~~القعقاع بن عمرو على مقدمته وعجله أمامه كي يدرك سعدا قبل فوات الوقت، والقعقاع هو ~~ذلك البطل المعلم الذي أمد به أبو بكر خالد بن الوليد عشية مسيرته إلى العراق، فلما قال ~~له قوم: أتمد رجلا ارفض عنه جنوده برجل؟! كان جوابه: لا يهزم جيش فيهم مثل هذا، وصدق ~~أبو بكر، فقد سار القعقاع مع خالد في غزو العراق فكان عنده في مثل مكانة المثنى بن ~~حارثة، بل كان أقرب إلى فؤاده وأعظم حظوة عنده؛ لذلك جعله على الحيرة مكانه حين فصل إلى ~~دومة الجندل مددا لعياض بن غنم، ثم اختاره من أمراء جنده حين فصل من العراق إلى الشام، ~~لا عجب وذلك شأنه أن يكون من أجرأ العرب على الفرس بالعراق وأعرفهم بأساليب حربهم، ثم لا ~~عجب أن يقدمه هاشم بن عتبة وأن يعجله لغياث سعد والمسلمين، فجيش فيه مثل القعقاع لا ~~يهزم. # كان القعقاع على مقبرة من القادسية فجر الغداة من يوم أرماث، وليشد مقدمه عزائم ~~المحاربين في الموقعة الخطيرة قسم رجاله الألف عشر فرق، وعهد ms182 إليهم ألا تسير فرقة حتى تكون ~~الفرقة التي سبقتها على مدى البصر، ثم سار هو على رأس الفرقة الأولى، وبلغ سعدا وأصحابه ~~بالقادسية قبل استئناف المعركة، فسلم عليهم وبشرهم بالجنود وإقبالها، ثم تقدم الصفوف يستفتح ~~القتال بعد أن قال للناس: اصنعوا كما أصنع، فلما كان بين الصفين نادى: من يبارز! فخرج إليه ~~ذو الحاجب وعرفه بنفسه قائلا: أنا بهمن جاذويه! عند ذلك صاح القعقاع: يا لثارات أبي ~~عبيد وسليط وأصحاب يوم الجسر! ولم يطل بين الرجلين الجلاد، فقد انقض القعقاع على ذي ~~الحاجب وأورده حتفه. # ورأى الناس صنيعه ورأوا الجنود المقبلة من الشام ترد داركا فتنشطوا وكأن لم تكن بالأمس ~~مصيبة، وزادهم نشاطا أن لم يروا الفيلة بينهم؛ فقد تكسرت توابيتها بالأمس فأصبح الفرس ~~يعالجون إصلاحها، فلم يفرغوا من ذلك حتى دارت رحى القتال وحمي وطيسه، وكان القعقاع كلما ~~رأى فرقة من فرق جيشه كبر وكبر الناس معه، فازدادوا بذلك نشاطا وألقوا في روع الفرس أن ~~هذا المدد المقبل عليهم لا آخر له ولا طاقة لجنود رستم بقتاله، وكيف يطيقونه وقد رأوا ~~القعقاع وحده يصرع كل من يلقاه! صرع ذا الحاجب! فأراد فارسان معلمان من أبطال فارس ~~الصناديد، أن يثأرا لصاحبهما، فخرجا يبارزان القعقاع فلقيهما ومعه الحارث بن ظبيان بن ~~الحارث فأورداهما حتفا كحتف ذي الحاجب، ونادى القعقاع في الناس: يا معشر المسلمين، ~~باشروهم بالسيوف فإنما يحصد الناس بها، فتواصى الناس وحملوا بسيوفهم على الفرس وجعلوا ~~يضربونهم حتى المساء. # وكان سعد بن أبي وقاص قد حبس أبا محجن الثقفي وقيده كما قدمنا، وكان أبو محجن ~~من فرسان العرب المشهود لهم، فلما اشتد القتال وتردد تكبير الناس في أذنه، صعد يجر أغلاله ~~حتى أتى سعدا يستعفيه ويستقيله، لكن سعدا زجره ورده، فذهب إلى زوجه سلمى بنت حفص فطلب ~~إليها أن تحل قيده وأن تعيره البلقاء فرس سعد، وأقسم إن ~~سلمه الله أن يرجع فتضع رجله في القيد، قالت سلمى: وما أنا وذاك! فرجع مكتئبا يرسف في ~~القيد ويقول: # كفى حزنا أن ms183 ترتدي الخيل بالقنا # وأترك مشدودا علي وثاقيا # إذا قمت عناني الحديد وأغلقت # مصاريع دوني قد تصم المناديا # وقد كنت ذا مال كثير وإخوة # فقد تركوني واحدا لا أخا ليا # ولله عهد لا أخيس بعهده # لئن فرجت أن لا أزور الحوانيا # فلما سمعت سلمى شعره رقت له وقالت: إني استخرت الله ورضيت بعهدك، وأطلقته، فاقتاد البلقاء ~~وركبها وعليه سلاحه، وانطلق بين الصفين يكبر ويركض الفرس إلى الميمنة حينا وإلى الميسرة ~~حينا آخر، ويقصف الأعداء قصفا منكرا، ولم يعرفه الناس فظنوا أنه بعض أصحاب هاشم بن ~~عتبة، أما سعد بن أبي وقاص فجعل ينظر من القصر ويقول: والله لولا محبس أبي محجن ~~لقلت: هذا أبو محجن وهذه البلقاء، فلما انقضى اليوم رجع فوضع رجليه في القيد، وتحمل سعد ~~فنزل فوجد فرسه يعرق، فسأل في ذاك فروت له سلمى ما حدث، فرضي عن أبي محجن ~~وأطلقه. # 4 # واتصل القتال يومئذ إلى منتصف الليل والمسلمون يرون فيه الظفر، وقد بلغ من ابتهاجهم على ~~أثره ما تشهد روايات المؤرخين به، ذكروا أن القعقاع وحده قتل يومئذ ثلاثين رجلا، وقد ~~رفه غياب الفيلة عن المسلمين فازدادوا إقداما وازدادوا للفرس توهينا. # ويضيف المؤرخون أن بني عم القعقاع جللوا إبلا وبرقعوها، ودفعوها تحمل على الفرس ~~كأنها الفيلة، فكان أثرها فيهم يومئذ كأثر الفيلة في العرب يوم أرماث؛ فقد ولت خيل الفرس ~~نفارا من منظرها، فركبتهم قوات المسلمين وأعملوا فيهم السيوف قتلا وبترا، وبلغت الحماسة ~~من بعض الجند فاندفع خلال صفوف الفرس يريد قتل رستم، فلما كان على مقربة منه موشكا أن ~~يضربه بسيفه تعرض له من الفرس من قتله وأنقذ رستم من يده، وكذلك تنصف الليل والمسلمون ~~يزاحفون عدوهم يريدون إجلاءه عن مواقعه، فيصيبون منه ويكثرون القتل فيه، ويكادون يظفرون به ~~لولا كثرة عدده وشدة مقاومته، فلما تنصف الليل لم يكن للفريقين بد من أن يرجع كل إلى عسكره ~~يعيد تنظيم صفوفه ليعود في الصباح إلى الزحف ابتغاء الظفر. # يطلق المؤرخون على هذا اليوم الثاني من أيام القادسية ms184 اسم أغواث، ويحسب بعض المستشرقين ~~أنهم اختاروا له هذا الاسم؛ لأن القعقاع أغاث فيه جيش سعد بمن جاء بهم من الشام، وليس من ~~اليسير إقرار هذا التفسير إلا أن نجد لسائر أيام الغزاة تفسيرا من نوعه، وقد رأينا أن يوم ~~أرماث لا يمكن أن يكون له مثل هذا التفسير، أما الليلة التي انقضت بين يوم أرماث ويوم أغواث ~~فيطلق المؤرخون عليها اسم ليلة الهدأة، كما أنهم يطلقون اسم السواد على الليلة التي تلت يوم ~~أغواث. # بلغ من اغتباط المسلمين بيوم أغواث أن باتوا على إثره ينتمي كل منهم إلى قبيلته، وبلغ من ~~اعتباط سعد به واطمئنانه إلى قوة المسلمين بعده أن قال لبعض من عنده حين عزم النوم: «إن ~~تم الناس على الانتماء فلا توقظني فإنهم أقوياء على عدوهم، وإن سكتوا ولم ينتم الآخرون ~~فلا توقظني فإنهم على السواء، فإن سمعتهم ينتمون فأيقظني فإن انتماءهم من السوء.» # اطمأن سعد ونام، أما القعقاع بن عمرو فبات ليله يسرب أصحابه الذين جاءوا معه من ~~الشام إلى المكان الذي كانوا فيه بالصحراء صبح يوم أغواث، وقد أمرهم إذا طلعت الشمس أن ~~يقبلوا مائة مائة على نحو ما فعلوا في أمسهم، فإن أدركهم هاشم بن عتبة وجاء بمن معه ~~يشارك في المعركة فذاك، وإلا جددوا للناس رجاء في المدد، فزادهم هذا الرجاء إقداما في ~~الحرب وإيمانا بالفوز فيها. # أصبح الناس والجيشان في مواقفهم، وبين الصفين من القتلى والجرحى ألفان من المسلمين وعشرة ~~آلاف من الفرس، ودفن كل جيش قتلاه، ونقل الجرحى إلى حيث يعنى بهم، وكانت نساء المسلمين ~~يعنين بالجرحى ويمرضنهم، ويبذلن من صنوف العناية ما يرفه عنهم وما ينسيهم ألمهم، بذلك ~~اشتركن في هذه المعركة الحاسمة، فكان لهن فيها فضل سجله الشعراء وخلدته كتب التاريخ. # ووقف القعقاع في المؤخرة حين طلعت الشمس ينظر إلى ناحية الصحراء، فلما بدأت خيله تقبل ~~وكبر وكبر الناس معه وقالوا: جاء المدد، وأدرك هاشم بن عتبة وجنوده رجال القعقاع، ~~فلما عرف ما صنع صاحبه جعل رجاله فرقا، وأمرهم ms185 أن يتلاحقوا دراكا، فلا تسير فرقة حتى ~~تغيب الأخرى عن نظرها، وسار هو على رأس الفرقة الأولى ومعه قيس بن هبيرة، فبلغ القادسية ~~حين أخذ المسلمون مصافهم للقتال، فلما رآه الناس ورأوه كبر، كبروا معه، واندفع هاشم إلى ~~القلب حتى بلغ النهر وهو يرمي العدو بأسهمه، ثم عاد فكرر فعلته، فلم يجرؤ أحد على ~~مصاولته. # لم يضعضع المدد الذي جاء المسلمين من عزيمة الفرس؛ فقد أصلحوا توابيت فيلتهم واقتحموا بها ~~المعركة منذ طلعت الشمس، وهم موقنون أنها ستفتك بالمسلمين أكثر مما فتكت بهم يوم أرماث، وقد ~~اتخذوا حيطتهم لكي لا يصنع المسلمون بها مثلما صنعوا ذلك اليوم حين قطعوا وضنها وقلبوا ~~توابيتها وقتلوا رجالها ونخسوها فولت مدبرة فأحاطوها بفرسان يحمونها، وأنست الفيلة إلى ~~هؤلاء الحماة فلم تفتك بهم، لكنها لم تفتك كذلك بعدوهم، ذلك أن الفيل إذا كان وحده كان ~~أوحش، فإذا أطاف أصحابه به كان آنس، وقد شد فرسان المسلمين على حماة الفيلة من العجم فكانت ~~المعركة تدور حول الحيوانات الضخمة فتذرها في حيرة لا تدري من تضرب ومن تدع؛ لذا ظل القتال ~~على شدته سجالا بين الفريقين؛ يتقدم العرب تارة فيردهم الفرس، ويتقدم الفرس تارة فيردهم ~~العرب، ثم يزداد الفرس بأسا إذ يقدم عليهم من المدائن حرس يزدجرد مددا، فلا ينهنه ~~ذلك من همة العرب ولا يخفف من حر النزال. # على أن الفيلة ما لبثت حين ألفت الموقف واشتدت من حولها المعركة أن عادت إلى مثل فتكها ~~يوم أرماث، ورآها سعد تفعل الأفاعيل وتفرق بين الكتائب، فسأل جماعة من الفرس الذين أسلموا ~~عن مقاتلها، فقالوا: إنها مشافرها وعيونها، فأرسل إلى القعقاع وعاصم ابني عمرو يقول: ~~اكفياني الأبيض وكان هذا الفيل بإزائهما، وبعث إلى حمال والربيل، وكانا من بني أسد، ~~يقول: اكفياني الفيل الأجرب، وكان بإزائهما، وكان هذان الفيلان أشد الفيلة ضراوة، وكانت ~~الفيلة كلها تتبعهما، وترجل القعقاع وعاصم فوضعا رمحيهما في عيني الفيل الأبيض، فتراجع ~~الحيوان من الألم ونفض رأسه، وطرح سائسه ودلى مشفره فضربه القعقاع بسيفه، وحمل ms186 حمال ~~والربيل على الفيل الأجرب ففقأ إحدى عينيه وضربا مشفره، وصاح الفيلان، وارتد الفيل الأجرب ~~إلى ناحية صفوف الفرس فخنسوه، فانقلب إلى صفوف المسلمين فوخزوه، فجعل يهرول ذهابا وجيئة ~~بين الصفين وهو يصيح صياح الخنزير، ثم اندفع فوثب في النهر فاتبعته الفيلة كلها وقد ألقت ~~ركبانها عن ظهورها وتخطت الماء وولت مدبرة ولم تعقب. # هنا اضطرب ميزان المعركة؛ فقد بدأت كفة الفرس فيها ترجح حين بدأت الفيلة تفرق كتائب ~~المسلمين، فلما اضطربت الفيلة بين الصفوف وقف الجيشان ينظران إليها يحاولان ردها واتقاء ~~شرها، فلما رأوها تعبر العتيق وتوليهم أدبارها، قويت عزائم المسلمين ورأوا في فرارها آية من ~~آيات الله لنصرهم على عدوهم، أما الفرس فاعتدوا بعددهم وبالمدد الذي بعثه يزدجرد ~~إليهم، فأعادوا تنظيم صفوفهم واستأنفوا القتال بحماسة زادها فرار الفيلة استعارا، وكذلك ~~التقى الجيشان في صدام أي صدام، وظلا يقتتلان حتى أقبل الليل والغبار مخيم، فلا سعد يعلم ~~ولا رستم يعلم لمن الدائرة وعلى من تدور. # أترى الجنود رجعوا إلى صفوفهم كما فعلوا أول من أمس؟ أتراهم واصلوا القتال جانبا من ~~الليل ثم رجعوا كما فعلوا أمس؟ لا هذا ولا ذاك، بل واصل الجيشان القتال وكأنما دار بخواطر ~~الجند من الفرس والعرب جميعا ألا يضعوا السلاح حتى يحسم بينهم، وكأنما دار هذا الخاطر ~~بأنفسهم من غير أن يكون لسعد أو لرستم في الأمر رأي، بل لقد حدث الأمر وليس يعرف أحد من ~~المسئول عن حدوثه؛ فهي الأقدار قضت به ودفعت إليه، وإذا أراد الله أمرا فلا مرد له، ~~ولا راد لقضائه. # والواقع أن القتال هدأ وطيسه حين أقبل الليل، وقدر ~~سعد أن الجيشين سيقضيانه يتهيآن ليوم رابع أشد من أرماث وأغواث وعماس فتكا، لكنه خشي أن ~~يأتيه العدو من مخاضة بأسفل العسكر، فأرسل طليحة وعمرا في جماعة من الجند وقال لهما: «إن ~~وجدتما القوم قد سبقوكما إليها فانزلا بحيالهم، وإن لم تجداهم علموا بها فأقيما حتى ~~يأتيكما أمري.» ولم يجدا على المخاضة أحدا، فسولت لهما نفساهما أن يخوضاها، وأن يأتيا ms187 ~~الأعاجم من خلفهم، واختلفا كيف يفعلان، أخذ طليحة مكانه وراء العسكر وكبر ثلاث تكبيرات ~~ارتاع لها أهل فارس، وظنوا أن جيش المسلمين أزمع الغدر بهم، وتعجب لسماعها المسلمون وظنوا ~~أن الأعاجم فتكوا برجالهم فهم يكبرون مستغيثين، وأغار عمرو على جماعة من الفرس أسفل ~~المخاضة، فلم يبق لديهم ريب في غدر العرب بهم فقدموا صفوفهم زاحفين، ورأى القعقاع ~~صنيعهم! فزاحفهم من غير أن يستأذن سعدا، وأطل سعد من مجلسه بقديس وقد بدأ يحسب لزحف الفرس ~~الحساب، فلما رأى القعقاع يزاحفهم قال: اللهم اغفر له وانصره، فقد أذنت له وإن لم ~~يستأذني! وقال لأصحابه إذا كبرت ثلاثا فاحملوا، لكنه ما لبث حين كبر الأولى أن رأى أسدا ~~تزحف، والنخع تحمل، وبجيلة تندفع في الغمار، وكندة تتقدم، ورأى رحى الحرب تدور حول ~~القعقاع، فاستغفر الله لهؤلاء جميعا ودعاه أن ينصرهم، وكبر الثانية والثالثة، فلحق ~~الناس بعضهم بعضا، واستقبلوا الفرس بالسيوف وخالطوهم؛ فكان للسيوف قعقعة وصليل كصوت ~~القيون، وكان المقاتلون لا يتكلمون بل يصيحون، وكان القتال يشتد أو يحمى وطيسه كلما تقدم ~~الليل، وبات الجيشان يقتتلان أشد قتال وأقساه، وسعد ورستم قد انقطعت عنهما الأصوات والأنباء ~~فلا يعلمان من أمر ما يدور شيئا، ولا يملك سعد في مرضه غير الدعاء يقبل عليه في ضراعة ~~وابتهال أن ينصر الله جنده، ولم يغمض لسعد، كما لم يغمض لأحد من الجند تلك الليلة جفن، ~~فلما بدأ الصبح ينبلج عن الأفق نوره جعل المسلمون ينتمون إلى قبائلهم، عند ذلك اطمأن سعد ~~إلى أنهم الأعلون، وأنهم آخذون برقاب الفرس أخذا، وزاده طمأنينة أن سمع القعقاع بن عمرو ~~يرتجز: # نحن قتلنا معشرا وزائدا # أربعة وخمسة وواحدا # نحسب فوق اللبد الأساودا # حتى إذا ماتوا دعوت جاهدا # الله ربي واحترزت عامدا # تنفس الصبح عن هذه الليلة الدامية الصاخبة، يسميها المؤرخون ليلة الهرير، ولما يكن ~~النصر عقد لواءه لأحد الفريقين، أفأحس الجند الجهد بعد أن قضوا أربعا وعشرين ساعة في قتال ~~أعنف قتال، فآن لهم أن يريحوا ظهورهم وأن يناموا؟! كلا! بل سار ms188 القعقاع في الناس يقول: ~~«إن الدائرة بعد ساعة لمن بدأ القوم، فاصبروا ساعة واحملوا؛ فإن النصر مع الصبر.» واجتمع ~~إليه جماعة من الرؤساء ومعهم جنودهم، فصمدوا لرستم حتى خالطوا الذين دونه، ورأت القبائل ~~صنيع المهاجرين والأنصار، فقام فيهم رؤساؤهم يشيرون إلى هؤلاء المسلمين ويقولون: لا يكونن ~~هؤلاء أجد في أمر الله منكم، ويشيرون إلى الفرس ويقولون: ولا هؤلاء أجرأ على الموت منكم، ~~وحملت القبائل على من بإزائهم في قتال شديد ظل متصلا حتى قام قائم الظهيرة، عند ذلك بدأت ~~صفوف الفرس تضطرب؛ تراجع الفيرزان والهرمزان في المجنبتين فانفرج القلب، وهبت ريح ~~دبور عاصف، فأطارت طيارة رستم عن سريره فهوت في العتيق، وزحف القعقاع بمن معه إلى السرير ~~فبلغوه، فإذا رستم قد قام عنه إلى بغال قدمت عليه بمال، فوقف بجوار أحدهما يستظل بحمله ~~واندفع رجال القعقاع إلى ناحية النهر، وهم لا يعلمون بأمر المال تحمله البغال ولا بأمر ~~رستم واحتمائه بظلها، فضرب هلال بن علقمة أحدها فقطع حبال الحمل الذي تحته رستم، فوقع عليه ~~أحد العدلين فكسر فقاره وهلال لا يشعر به، وزحف رستم وألقى بنفسه في النهر، فرآه هلال ~~فعرفه، فاقتحم النهر وراءه ثم خرج به فضرب جبينه بالسيف حتى قتله، ثم صعد سريره يصيح: قتلت ~~رستم ورب الكعبة! إلي! إلي! وأطاف الجند به يكبرون ويهللون، وعرف الأعاجم ما أصاب قائد ~~الفرس الأعظم فأسقط في أيديهم، فوهنت قوتهم وانهد ركنهم! فقام فيهم الجالينوس يدعوهم إلى ~~عبور النهر على الردم كما عبر الفيرزان والهرمزان، ولكن الردم انهار بهم في النهر المتدافع ~~التيار، فغرق بانهياره ثلاثون ألف فارسي مقترنين بالسلاسل، وأخذ ضرار بن الخطاب علم الفرس ~~الأكبر - درفشكابيان - وكانت قيمته ألف ألف ومائتي ألف، وكذلك انهزمت جيوش ~~يزدجرد شر هزيمة، وانطلقت فلولهم يولون الأدبار لا يعقبون. # مع ذلك أمر سعد فخرج القعقاع وشرحبيل يتعقبانهم، ثم اتبعهما زهرة التميمي والناس من ~~ورائه، وأدرك زهرة الجالينوس يجمع المنهزمين فقتله، وجعل المسلمين يقتلون من يلونهم من ~~الفرس ويأسرونهم، فلا يلقون منهم أية مقاومة، بل ms189 إن بعض الروايات لتذهب إلى أن الجند ~~المسلمين كانوا يأمرون المنهزمين بأن يقتل بعضهم بعضا فيفعلون، ذلك أن الفرس تحطمت روحهم ~~المعنوية فلم يبق فيهم عصب لمقاومة، لقد رأوا القتل يصيب من ثبت منهم، ورأوا قوادهم يفرون، ~~فألقوا بأيديهم واستسلموا، فكان الشاب من جند المسلمين يسوق العشرات منهم فيسيرون أمامه ~~منكسة رءوسهم وكأنهم قطيع من النعم، لا إرادة لهم ولا رجاء يحركهم إلا الإبقاء على حياة ~~عار ومذلة، أما الذين أنجاهم الفرار، فتفرقوا وكل واحد منهم يحس أنه أدرك بالفرار كبرى ~~أماني الحياة. # هذا نصر حاسم أحرزه المسلمون، فتوجهم فخارا، ودفع نساءهم وصبيانهم حين عرفوا أمره أن ~~يندفعوا إلى ميدان المعركة ليشاركوا فيه، روي عن أم كثير امرأة همام بن الحارث النخعي أنها ~~قالت: «شهدنا القادسية مع أزواجنا، فلما أتانا أن قد فرغ من الناس شددنا علينا ثيابنا ~~وأخذنا الهراوى ثم أتينا القتلى، فما كان من المسلمين سقيناه ورفعناه، وما كان من المشركين ~~أجهزنا عليه، وتبعنا الصبيان نوليهم ذلك ونصرفهم به.» وكذلك اشترك المسلمون جميعا، ~~رجالا ونساء وصبية، في هذه المعركة العنيفة الفاصلة التي جعلت كلمة الذين آمنوا العليا، ~~وكان لها من الأثر في قيام الإمبراطورية الإسلامية ما كان لغزوة بدر من الأثر في قيام ~~الإسلام. # ولم يضن المسلمون بثمن ليدركوا هذا النصر المؤزر، لقد رأيت فعالهم المجيدة، ورأيت من ~~بلاء أبطالهم ما كان القعقاع بن عمرو مثلا بارزا فيه، وقد رأيتهم كيف أرخصوا دماءهم ~~وأرواحهم في سبيل النصر فجزاهم الله الحسنيين، قتل منهم في الساعات الثلاثين التي ~~انتهت إلى الظفر ستة آلاف، وقتل يومي أرماث وأغواث ألفان وخمسمائة، وهذا العدد من القتلى ~~كان مما يفوق تصور العرب لذلك العهد، لكنه لم يكن شيئا بالقياس إلى من قتل من الفرس في ~~حومة الوغى، ومن غرق منهم في النهر حين الهزيمة، ومن تردى بعد ذلك قتيلا حين ~~الفرار. # رجع القعقاع وزهرة وسائر الأمراء والجند فأحاطوا بسعد، فألفوه خفف النصر بعض علته، ~~وجمع الناس الأسلاب والأموال، فإذا شيء لا يحيط به خيال ms190 عربي، وأرسل سعد إلى هلال بن علقمة ~~فسأله عن رستم وقال له: جرده إلا ما شئت، فلم يدع هلال على القتيل شيئا إلا أخذه، فبلغ ذلك ~~سبعين ألفا، ولولا أن قلنسوته سقطت في النهر لضاعف ذلك حظ هلال، وجاء زهرة بن الحوية ~~بسلب الجالينوس، فاستكثر سعد أن ينفله إياه كاملا فكتب إلى عمر في ذلك فرد عليه عمر: ~~«تعمد إلى مثل زهرة وقد صلي بمثل ما صلي به، وقد بقي عليك من حربك ما بقي، تفسد قلبه، ~~أمض له سلبه وفضله أصحابه عند عطائه بخمسمائة.» # وقسم سعد الفيء في الناس، فكان عطاء الفارس ستة آلاف والراجل ألفين، ثم فضل أهل البلاء ~~فزاد كل واحد منهم خمسمائة، مع ذلك بقي من الفيء شيء كثير غير الخمس الذي نحاه سعد ليبعث ~~به إلى المدينة، وكتب سعد إلى عمر بما فعل، وسأله عما يفعل بما بقي عنده، فكتب إليه عمر: ~~«أن رد على المسلمين الخمس، وأعط من لحق بك ممن لم يشهد الواقعة.» # 5 # ونفذ سعد أمر عمر، فبقي لديه ما اضطره أن يبعث إلى عمر يسأله عما يفعل به، وأمر ~~عمر أن يوزع على حملة القرآن، وإنه ليوزعه عليهم إذ أتاه عمرو بن معدي كرب وبشر بن ربيعة ~~الخثمي وكانا أبليا في الموقعة بلاء ضاعف جزاءهما، وهذا البلاء هو الذي أطمعهما في أن يكون ~~لهما حظ مع حملة القرآن، وسأل سعد عمرو بن معدي كرب: ما معك من الله تعالى؟ قال عمرو: إني ~~أسلمت باليمن ثم غزوت فشغلت عن حفظ القرآن، عند ذلك أبى سعد أن يجعل له من مال الحفاظ ~~نصيبا، وسأل بشرا عما يحفظ من القرآن، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم! وضحك القوم ولم يفز ~~بشر من هذا المال بنصيب. # أوتحسب الفارسين رضيا جواب سعد أو سكتا قانعين؟ كلا، بل قال عمرو: # إذا قتلنا ولا يبكي لنا أحد # قالت قريش ألا تلك المقادير # نعطى السوية من طعن على نفذ # ولا سوية إذ تعطى الدنانير # وقال بشر بن ربيعة: # أنخت بباب ms191 القادسية ناقتي # وسعد بن وقاص علي أمير # وسعد أمير خيره دون شره # وخير أمير بالعراق جرير # تذكر هداك الله وقع سيوفنا # بباب قديس والمكر عسير # عشية ود القوم لو أن بعضهم # يعار جناحي طائر فيطير # 6 # وكتب سعد إلى عمر بقصة عمرو وبشر وما قال لهما وردهما عليه، وبعث إليه بأبياتهما، فكتب ~~عمر إليه: أن أعطهما على بلائهما، فأعطى كل واحد منهما ألفي درهم أرضتهما ولم تغضب أحدا؛ ~~فقد عرف الناس جميعا أنهما، إلى حسن بلائهما، أحرص على المال من غيرهما. # وكذلك انتهت المعركة إلى ما رأيت من نصر حاسم، حين كان الناس في كل الأرجاء من شبه ~~الجزيرة يتطلعون ببصائرهم وقلوبهم إلى ناحيتها، وهم على أحر من الجمر شوقا لمعرفة أنبائها، ~~يقول المؤرخون: «كانت العرب، من العذيب إلى عدن أبين، ومن الأبلة إلى بيت المقدس، ~~يتربصون وقعة القادسية، يرون أن ثبات ملكهم وزواله بها، وقد بعث أهل كل بلدة قاصدا يكشف ما ~~يكون من خبرهم.» وكان عمر بن الخطاب أشد الناس تطلعا وشوقا لمعرفة ما تنتهي إليه؛ لذلك ~~كان يخرج كل صباح إلى ظاهر المدينة يسأل الركبان عن أهل القادسية، فإذا انتصف النهار رجع ~~إلى أهله ومنزله، وإنه ليسير يوما إذ لقيه راكب على ناقة عرف حين سأله أنه مقبل من هناك، ~~فقال له: يا عبد الله حدثني، قال الرجل: هزم الله المشركين، وجعل عمر يخب معه يسأله والراكب ~~يحدثه وهو على ناقته لا يعرفه، وكان هذا الراكب سعد بن عميلة الفزاري رسول سعد بن أبي ~~وقاص إلى أمير المؤمنين، وكان يحمل رسالة سعد إلى عمر بالفتح وبعدة من أصيب من المسلمين ~~وأسماء من عرف منهم، فلما دخل الرجلان المدينة وسلم الناس على عمر بإمرة المؤمنين، قال ابن ~~عميلة: هلا أخبرتني رحمك الله أنك أمير المؤمنين! وأجابه عمر في بساطة: لا بأس عليك يا أخي! ~~وتناول منه كتاب سعد وقرأه على الناس. # بينما كان عمر يتلو على أهل المدينة كتاب سعد بالفتح، كان يزدجرد بالمدائن قد كرثته ~~الأنباء، فأكب ms192 يستعيد أقوال رستم وما كان يشير به فيتولاه الحزن ويقعد به الهم دون التفكير ~~فيما يستطاع عمله ... وماذا يستطيع هو، وماذا تستطيع فارس كلها؟! لقد انطلق المسلمون في وادي ~~العراق من أعلاه إلى أسفله، فعاد الناس جميعا إلى طاعتهم معتذرين عن ولائهم للفرس بأنهم ~~غلبوا على أمرهم، كان سعد يعذرهم تألفا لهم وحرصا على أن تسود الطمأنينة ربوعهم، بل لقد ~~أقبل عليه من قبائل العرب المنتشرة فيما بين النهرين من ذكر أن إخوانهم الذين سبقوهم إلى ~~الإسلام كانوا أوفر منهم عقلا وأكثر حكمة، ثم أعلنوا بين يديه إيمانهم بالله ورسوله، ماذا ~~يستطيع يزدجرد إزاء ذلك كله وقد كانت تبلغه أنباؤه فتزيده هما على همه وتدفع اليأس ~~إلى نفسه، لولا أن أبقت حمية شبابه سرابا من الأمل يلمع أمامه فيخدعه عن الواقع، ويغريه ~~بالتعلق بعرش حرمه صبيا، فلما اعتلاه تزلزلت قوائمه، وتزعزعت أركانه! وهيهات لسراب أن ~~يحقق أملا، أو يدفع للقضاء حكما! ~~••• # هذه وقعة القادسية التي فتحت الطريق إلى إيوان كسرى في عاصمة ملكه، ومهدت للإدالة من ~~دولته والقضاء الأخير على سلطانه؛ لذلك روى أكثر المؤرخين من تفاصيلها ما روت كتب السيرة من ~~تفاصيل غزوة بدر، وأضافوا إليها من الخوارق ما لا يحمل على تصديقه إلا ما كان لهذه الغزوة ~~من أثر حاسم في تاريخ العالم، بل لقد أسهب المستشرقون والفرس في روايتها ما أسهب المؤرخون ~~المسلمون، وليس في ذلك من عجب والقادسية أعظم أثرا في تاريخ الإنسانية من غزوات تيمورلنك ~~ونابليون، بل من كل الغزوات التي وقعت إلى عصرنا الحاضر وكان لها في توجيه الحضارة أبلغ ~~الأثر. # من الحق على المؤرخ، وذلك شأن القاسية، أن يقف عندها يستشف أسرارها ويستخلص عبرها، لقد ~~فتح خالد بن الوليد سواد العراق وسار فيه من جنوبه إلى شماله، وأخضع ريفه ومدنه، وتولى كل ~~أمره، وكان له في قتال الفرس عليه معجزات باقية على التاريخ، أفيرجع ظفره بهم إلى تشاغلهم ~~بما كان في بلاطهم من اضطراب، وما كان بين أمرائهم من تنازع على العرش جعلهم ms193 يقتتلون، فيقتل ~~بعضهم بعضا غيلة حينا وجهرة حينا، حتى لقد جلس على هذا العرش تسعة ملوك في أربع سنوات؟ ~~إن يكن ذلك هو الذي أظفر خالدا بهم، فكيف ظفر به أبطال القادسية، وقد اجتمعت كلمة فارس بعد ~~شتات، وقد تعاقد الأمراء والرعية جميعا على أن يكونوا رجلا واحدا حول يزدجرد ~~ينصرونه ويؤازرونه؟ نعم كيف بقيت العلة وقد انتفى سببها، وكيف ظفر المسلمون على قلتهم ~~بالفرس على كثرتهم، والفرس في بلادهم وهم أصحاب العدة والحضارة، والمسلمون طارئون عليهم، ~~وأكثرهم بدو على فطرتهم، لا يملكون من عدة الحرب ما يملك عدوهم، ولا يعرفون من أساليبها ما ~~يعرف! # السر في ذلك أن اجتماع كلمة الفرس لم يغير ما بأنفسهم، وإنما كان أمرا ظاهرا قضت به ~~ضرورات الساعة، ثم بقيت القلوب في أعماقها شتى، وبقي السادة والأمراء يفكر كل منهم في نفسه ~~وفي مطامعه قبل أن يفكر في وطنه، فلو أنهم انتصروا على العرب وأجلوهم عن بلادهم، لعاد الأمر ~~كما كان، ولاضطرب البلاط كرة أخرى، ولطغت المطامع الذاتية على كل اعتبار سواها، ألم تر إلى ~~رستم كيف تلكأ فلم يخرج على رأس الجيش إلا كارها مخافة ثورة الشعب به إذا خرج يزدجرد ~~مكانه! ألم تر إلى تباطئه وتباطؤ سائر القواد في السير حتى قضوا أربعة أشهر منذ فصلوا من ~~المدائن إلى أن بلغوا القادسية! والواقع أن رستم لم يكن يرى في النجوم إلا ما كان مرتسما ~~في قرارة فؤاده، لقد استولى عليه حب نفسه فعز عليه أن يهزم أو يقتل، فرأى مصير وطنه مرتبطا ~~في النجوم بما يخاف من هزيمته ومقتله، ولو أنه عرف فارس ونسي نفسه ورأى موته وحياته ~~سيين في سبيل وطنه، لما تعلل ولا تباطأ، ولما رأى في النجوم ما رأى، ولسما بروحه فوق ~~الخوف وفوق الإشفاق، ولسرت منه إلى القواد والجند قوة تجعلهم جميعا يخوضون غمار الموت لا ~~يبالونه، لكن القواد والجند كانوا كرستم تعلقا بذواتهم وإشفاقا مما يصيبهم، فكانت روح كل ~~واحد منهم أعز عليه من فارس ومن كل ms194 ما فيها، وإنما كانوا يسيرون إلى المعركة تحرك الرؤساء ~~أطماعهم وأهواؤهم، ويحرك الجند إذعان ومذلة ألفوها أجيالا طويلة، أترى ما تقضي به ضرورة ~~الساعة من اجتماع الكلمة كافيا ليقضي في النفوس على هذه العوامل الكمينة التي تأصلت فجعلت ~~كل رجل في الدولة يعيش لذاته، وكل جماعة فيها لا تفكر إلا في مصالحها؟ # وكان من أثر هذه العوامل أن قضت في النفس الفارسية على فكرة المثل الأعلى تعيش الأمة من ~~أجله وتجاهد في سبيله، والناس إذا لم تجتمع على مثل أعلى مصور في رسالة يريدون صادقين ~~تحقيقها، لم يهزهم للجهاد دافع غير حب الذات والمحافظة على الحياة، وكان هذا شأن السادة ~~الأمراء في فارس، وشأن يزدجرد نفسه، أورثه حب الذات حرصا على العرش أكبر من حرصه على ~~حرمة بلاده، كما أورث حب الذات السادة والأمراء حرصا على مطامعهم غشى في نفوسهم على كل ~~ما سواه، وسرى هذا الروح في الأمة الفارسية كلها، فأورث أهلها الخضوع والرضا بحياة الذلة، ~~وقد خدعت عما بها من ذلك حين غلبت الروم وانتزعت من أيديهم الشام ومصر، ونسيت أن الروم ~~كانوا كالفرس تدهورا وانحلالا، فلما ردهم الروم على أعقابهم ظنوا الحرب سجالا، وفاتهم أن ~~القوة السليمة من العلل لا ترد على أعقابها، فإن ردت يوما فلعلة بها، ولم تعبأ فارس ~~بغارات المسلمين أول ما شنوها، وحسبت أنهم لن يلبثوا أن يعودوا أدراجهم هيبة لاسم فارس ~~وإعظاما لبأسها، فلما رأت ظفرهم بها وقهرهم لها، تفتحت منها الأعين، ولكن لترى هزائمها ~~وزوال ملكها. # أفيغني جيش انحلت قوته المعنوية هذا الانحلال إذا وقف بإزاء جيش كملت فيه هذه القوة، فهو ~~يجاهد في سبيل مثل أعلى يؤمن به ويرى الموت في سبيله شهادة يتقدم بها إلى ربه، فتفتح له ~~أبواب الجنة يدخلها خالدا في نعيم مقيم ورضوان من الله سرمدي! وقد اجتمعت كلمة المسلمين ~~حول هذا المثل الأعلى فوهبوا أنفسهم لله في سبيله، واستحبوا الموت على الحياة لتحقيقه، ~~فكانوا بذلك قوة من قوى القدر هيأها ليرد الإنسانية بها إلى الصراط ms195 السوي، وألقى عليها ~~رسالة يجب أن يسمع العالم لها محافظة على حياته. # مثل هذه القوة لا يقف في سبيلها سلطان وإن عظم، ولا تصدها عن أداء رسالتها قوة من ~~القوى. # لهذا فرت فيلة الفرس أمامها، وتداعت صفوفهم لبأسها، وولى جمعهم مدبرا من خشية أبطالها، ~~فانفسحت لها السبل تذيع عن جانبيها رسالتها فيقبل الناس على هذه الرسالة طائعين، وقد رأوا ~~قوة الحق ماثلة في كل كلمة من كلماتها، وكل عبارة من عباراتها، ثم رأوها تدفع الباطل فيزهق، ~~إن الباطل كان زهوقا. # هذا هو السر في ظفر المسلمين بالفرس في غزوة القادسية، أما العبرة التي تستخلص منها فخير ~~ما يعبر عنها قوله تعالى: # إن الله لا يغير ما بقوم ~~حتى يغيروا ما بأنفسهم ~~، وقد غير الإيمان بالله ورسوله ما بأنفس ~~المسلمين، وهداهم إلى الحق الذي تقوم الحضارة الفاضلة على أساسه، فعزوا بالإسلام وأعزوه، ~~أما الفرس والروم فظلوا أشد حرصا على متع الحياة ولينها منهم على المبادئ السامية التي ~~تجعل للحياة الإنسانية قيمتها ومعناها، وتجعلنا لذلك حقيقين أن نحياها فأذلهم المتاع ولينه، ~~ولم يغن عنهم شيئا. # غير المسلمون ما بأنفسهم حين آمنوا بالله ورسوله، فاجتمعوا حول مثل أعلى صوره الله في ~~رسالته إلى نبيه، فأصبح المسلمون بفضل هذا الاجتماع أمة واحدة، وصار كل واحد منهم في هذه ~~الأمة كالعضو في الجسد، لا قوة له بذاته، بل بقوة الجسد كله، بذلك صار كل رجل من أبناء ~~الأمة، وكل امرأة من نسائها، قوة يجذبها المثل الأعلى إليه، ويدفعها قوية للمغامرة في ~~سبيله، ويسمو بها إلى حيث لا تعرف الضعف ولا التراجع ولا الهزيمة، بل تؤثر الموت الكريم على ~~الموقف الشائن، أرأيت إلى طليحة بن خويلد الأسدي كيف كان ضعيفا أمام خالد بن الوليد في ~~حروب الردة، وكيف كان قويا بالغ القوة على الفرس في القادسية! وهل رأيت كيف انهزم ~~عمرو بن معدي كرب والأشعث بن قيس في ردتهما أمام جند المسلمين، وكيف أبليا في القادسية بلاء ~~ذكره لهما الذاكرون! ذلك أن طليحة كان يوم تنبأ ms196 قوي الشكيمة ضعيف الإيمان، فلم تغن قوة ~~شكيمته عن ضعف إيمانه، وكذلك كان عمرو بن معدي كرب والأشعث بن قيس وسائر الذين ارتدوا ~~وحاربوا المسلمين، فلما عادوا إلى الإسلام وصاروا فلذة من الأمة التي اعتزت بإيمانها، ~~زادهم الإيمان قوة على قوتهم، فكان لهم من الفعال في القادسية ما رأيت، وكان لهم بعد ~~القادسية من فعال البطولة والمجد ما خلده التاريخ. # وكان أمير المؤمنين من هذا الجسد بمكان الرأس، يدبر أمور الجميع لخير الجميع، ويجد ~~السعادة في أن يشقى ليسعد الجميع، وقد تأسى عمر في هذا الأمر برسول الله ثم بأبي بكر، فكان ~~مثلا عاليا بعدله وحزمه وإيثاره كل رجل من أبناء الأمة على نفسه، وإيثاره خير الأمة على ~~خير أي من أفرادها بذاته، رأى الخير بعد القادسية في أن يرد الخمس من المغانم على المحاربين ~~فرده، ورأى أن يجزل سعد العطاء لأهل البلاد ففعل، ورأى أن يتألف أهل العراق ممن اعتذروا عن ~~انتقاضهم على المسلمين فتألفهم سعد، ولم يغضب أحد من أهل المدينة لشيء من هذا وفيه ما فيه ~~من حرمانهم؛ لأنهم رأوا أمير المؤمنين يريد الخير للإسلام كله، ورأوه يستشيرهم فيما جل ودق ~~من أمره، وخير الإسلام خيرهم، وإنكار الذات بعض ما أمرهم الله به؛ لذلك أعانوا عمر على ما ~~فعل، فجزاهم الله بعد ذلك عنه أضعافا مضاعفة. # هذا بعض ما في القادسية من سر وعبرة، وهذا السر وهذه العبرة هما اللذان شادا بفضل الله ~~للإسلام إمبراطوريته ومجده، فلنتابع بناة هذه الإمبراطورية والذين رفعوا لواء هذا المجد، ~~ولنسر معهم؛ فإنهم لن يلبثوا أن يسيروا إلى المدائن فيفتحوها، ولن يلبث سعد أن يجلس على ~~إيوان كسرى بعد أن فر عنه صاحبه مودعا إياه الوداع الأخير. # 7 # | هوامش # الفصل التاسع # | فتح المدائن # فر الفرس بعد القادسية فرار النعام، فبلغ الجانب الأكبر منهم أطلال بابل، وتفرق الآخرون ~~في أرجاء فارس، أما المسلمون فأقاموا بالقادسية شهرين حتى أراحوا ظهورهم وأبل سعد من ~~مرضه، وكان عمر قد كتب إلى سعد ألا يبرح منازله حتى ms197 يأتيه أمره، فلما اطمأن إلى أنباء الجند ~~وأمدهم، أمر سعدا بالسير إلى المدائن، وأن يخلف النساء والعيال بالعتيق، على أن يجعل معهم ~~كثفا من الجند يكون لهم حظ سائر الجند من المغنم جزاء حمايتهم عيالات المسلمين. # وقدم سعد زهرة بن الحوية فسار إلى الحيرة ونزلها، فلما بلغها عبد الله بن ~~المعتم وشرحبيل بن السمط عاود سيره إلى المدائن، ولقيه في أثناء مسيرته جمع من ~~الفرس ببرس # 1 # فهزمهم ففروا ينضمون لمن سبقوهم إلى بابل، وعرف زهرة نبأ الذين اجتمعوا ببابل ~~من فلول القادسية فكتب إلى سعد به إذ كان بالحيرة مع هاشم بن عتبة، وسار سعد يريد بابل، ~~فلقي الفيرزان فهزمه في أسرع من لفت الرداء، وفر الفيرزان إلى نهاوند، والهرمزان إلى ~~الأهواز، ومهران إلى المدائن، وتقدم جند المسلمين، فلقيهم شهريار بكوثي فقتلوه وهزموا ~~أصحابه، ونفل سعد سلب شهريار لمن قتله، وتقدم زهرة بن الحوية إلى ساباط، فصالحه أهلها ~~على الجزية، وذلك حين عرفوا أنه هزم الجند الذي اعترضه فيما بين سورا والدير وقتل قواده، ~~وكذلك كانت جنود المسلمين تسير في أرجاء السواد فلا تلقى مقاومة تذكر، وكان المدنيون يهرعون ~~من كل صوب إلى أمراء هذه الجنود بالطاعة، يعلن فريق منهم إسلامه، ويرضى فريق أداء الجزية، ~~وينزل الجميع على حكم هؤلاء الذين غزوهم وأقاموا العدل بينهم، ثم جلوا عنهم حين فصل ~~خالد بن الوليد إلى الشام، ها هم أولاء يعودون إليهم في قوة بددت كل أمل في جلائهم مرة ~~أخرى، من ذا يجليهم وقد هلك رستم وتضعضعت الروح المعنوية في نفوس الفرس جميعا! إنه إذن ~~الإذعان لقضاء قضاه الله فلا مرد له، ولن يقدر عليه أحد. # أقام سعد ببابل، وقدم زهرة بن الحوية على رأس قوة تسير إلى المدائن، ترى هل أثارت أطلال ~~بابل في نفوس سعد والذين نزلوها ذكر المدينة القديمة التي شهدت حضارة الإنسانية الأولى ~~متداولة بينها وبين طيبة ومنفيس وعالم الفراعنة الأولين؟! وهل تراهم ذكروا عهد الآشوريين ~~وثقافتهم وما كان لبابل في عهدهم من جلال وعظمة بأسوارها ms198 المنيعة، ومعابدها الضخمة، ~~وأبراجها الحصينة، وحدائقها المعلقة، وقصورها الفخمة مهد الترف والنعمة والجمال والدلال؟ هم ~~لا ريب قد ذكروا برج بابل، وذكروا تداول الأمم الطارئة عليه، حتى أصبح مضرب المثل لكثرة ~~اللغات التي يتكلمها من نزلوه أسارى أو فاتحين، ولكن لعل ما ذكروه من أمر البرج ومن أمر ~~المدينة نفسها لم يتعد حديثا يتداولونه أويقات سمرهم، فقد كانوا في شغل بما هم مقبلون ~~عليه من فتح المدائن، والمدائن عامرة، وبابل أطلال، والمدائن عاصمة الفرس، وبابل لم تبق ~~عاصمة ولم تبق مدينة، والمدائن عنوان الحياة، وبابل أثر دارس لعهد مضى، والناس يتعلقون ~~بالحاضر وقلما يتخذون من الماضي عبرة، وأكثرهم لا يلتمسون العبرة ما بسم لهم وجه الحياة، ~~فإذا تجهم وجه الحياة وانقبض، ذكروا العهود الخوالي لعل فيها ما يأسو كلوم الحاضر. وقد ~~كان وجه الزمان باسما للمسلمين أي ابتسام، فما لهم ولبابل والآشوريين الذين أصبحوا أحاديث، ~~وهم يرون من حولهم حياة زاخرة، وكنوزا ثمينة، وشعبا لا يلبث حين يسمع باسمهم أن يهرع ~~إليهم بالطاعة، ويلتمس عندهم العفو والمغفرة. # بل إن منهم لمن ذكروا لمرأى بابل فعال المسلمين بها يوم عسكر المثنى بن حارثة على مرتفع ~~من أطلالها، وأقام بين شبكة من جداول دجلة ينتظر هرمز جاذويه وهجومه عليه، ذكر هؤلاء ذلك ~~الموقف العصيب الذي فجأهم بعد مسيرة خالد إلى الشام، وارتقاء شهريران بن أردشير عرش كسرى ~~واعتزامه طرد العرب من بلاده، وذكروا كيف قتل المثنى فيل هرمز، وكيف هزم الفرس وتعقبهم حتى ~~قاربوا المدائن، وتحدث هؤلاء بما شهدوا من ذلك إلى أصحابهم الذين جاءوا مع سعد من المدينة، ~~والذين انضموا إليه من شتى الأرجاء في شبه الجزيرة، وذكروا لهم أن هذا السواد الذي يسيرون ~~فيه بين غدران مترعة ومزارع واسعة وحدائق يانعة، قد خضع لسلطانهم، فأكلوا من خيراته، ~~وأرسلوا إلى المدينة ما استطاعوا أن يرسلوه من ثمراته. # فبابل وسائر الأماكن التي يمر المسلمون بها كانت بعض ما فتحوا وحكموا، كانت القادسية في ~~يدهم، وكانت الحيرة مقر إمارتهم، وكانت برس وكوثي وغيرهما ms199 من الريف والقرى تدين لهم، ~~وكانت المدائن مطمح أنظارهم، فهم اليوم يمرون بأماكن لكثيرين منهم فيها ذكريات رفاهة ~~ونعمة، وإنما الفرق بين أمسها ويومها أنها كانت لهم بالأمس مستقرا وكانوا فيها سادة ~~حاكمين، وهي اليوم ميدان فتح جديد، فهم ينتقلون من واحدتها إلى الأخرى متجهين شمالا بشرق ~~من القادسية إلى الحيرة، إلى برس، إلى بابل يريدون ساباط والمدائن وهم يجدونها اليوم أهون ~~أمرا مما كانت من قبل بعد أن فت الوهن في أعضاد أهلها فأيقنوا أن لا مفر لهم من الله ~~إلا إليه. # سار زهرة بن الحوية وهاشم بن عتبة يريدون المدائن، فلما كانا على مقربة من بهرسير ~~لقيتهما بساباط كتيبة لبوران ابنة كسرى كان رجالها يحلفون كل يوم ألا يزول ملك فارس ما ~~عاشوا، وكان مع هذه الكتيبة أسد تألفه كسرى، ولم تثبت الكتيبة للمسلمين أكثر مما ثبت جنود ~~فارس ببرس وبابل، وكيف تثبت وقد رأت حظ الأسد كحظ الفيلة بالقادسية! فقد اندفع هاشم بن ~~عتبة فضربه بالسيف ضربة جدلته قتيلا، هنالك فرت الكتيبة تحتمي ببهرسير، وأدرك سعد ~~رجاله وعرف فعالهم، فقبل رأس ابن أخيه هاشم إكبارا لقتلة الأسد، وقبل هاشم قدم عمه تقديرا ~~لعطفه، ثم رفع سعد رأسه إلى السماء شكرا لله، واتجه بعد ذلك بنظره إلى ناحية المدائن وتلا ~~قوله تعالى: # أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم ~~من زوال ~~. # وجعل سعد أول الليل يفكر في موقفه من المدائن، أيهاجمها وجنوده لا تزال تهزمهم نشوة ~~الظفر، فهم أشد ما يكونون حرصا على اقتحامها؟ أم يريحهم أياما ثم يسير بهم إليها؟ لكنه ~~منه على مقربة؛ فإذا هو وقف دونها يغري وقوفه أهلها بالحرص على الذود عنها، الخير إذن أن ~~يأخذهم على غرة؛ لذلك أمر بعد أن ذهبت هدأة من الليل فارتحل الناس حتى نزلوا على ~~بهرسير. # وبهرسير ضاحية للمدائن، تقع على ضفة دجلة اليمنى، وتقع المدائن قبالتها على ضفته ~~اليسرى؛ فهي لذلك جزء منها وإن فصلها النهر عنها، والمدائن كلها تقع على نحو عشرين ميلا ~~إلى الجنوب من ms200 بغداد التي كانت يومئذ قرية ليس لها على غيرها من قرى دجلة أي امتياز. # وكانت المدائن عاصمة إيران منذ عهد بعيد، خلفت بابل ثم فاقتها جلالا وبهاء وعظمة، وقد ~~ظلت ولها جلالها مع ما أصابها من غزو الروم إياها واستيلائهم غير مرة عليها، ومع ما كان من ~~اضطراب بلاطها وقيام الثورات فيها؛ لذلك كانت الأبصار تشرئب من جوانب العالم إليها، وكان ~~اسمها يبهر خيال الناس جميعا ويثير فيه من معاني الروعة والسحر ما لا يثيره اسم رومية ولا ~~اسم القسطنطينية؛ فقد جمعت من معاني الترف الشرقي أبهى صوره وأكثرها وحيا لآلهة الفن ~~وشياطين الشعر، لا عجب وذلك شأنها أن يسير المسلمون إليهم وكلهم شوق لما سيشهدون فيها مما ~~لم تره عين ولم تسمعه أذن، ولا عجب أن يزيدهم هذا التصور حماسة وإقداما ليصبح ما ظنوه ~~خيالا قد تجسم أمامهم حقيقة واقعة. # سار سعد بالناس إلى بهرسير والحماسة تهز الجند هزا؛ لذلك كانوا كلما قدمت خيل عليهم ~~وقفوا ثم كبروا غير مرة، لكنهم ألفوا أهلها تحصنوا بها وأغلقوا دونهم أسوارها، فلا سبيل ~~إلى اقتحامها، ولا مفر لذلك من حصارها. # وحاصرها سعد وهو لا يخشى أن يبغته أحد من خلفه، فقد بث الخيول فأغارت على ما بين دجلة ~~والفرات، فأصابوا مائة ألف فلاح جاءوا بهم أسرى، وحفروا الخنادق من حولهم، لكن هؤلاء ~~الفلاحين لم يكونوا جندا محاربين، فلم يكن من أسرهم فائدة، ولم يكن في إطلاقهم من الأسر ~~خطر؛ لذلك أشار شيرزاد دهقان ساباط على سعد فصرفهم إلى قراهم ليعملوا في الأرض ويكثروا من ~~غلاتها، وكتب سعد إلى عمر بما صنع، فأقر الخليفة مشورة شيرزاد، فأمن أهل السواد من شواطئ ~~دجلة إلى أرض العرب وأقاموا يفلحون الأرض، وأدى الدهاقين الخراج والجزية فازداد الفلاحون ~~أمنا، وأقام سعد على حصار بهرسير وهو لا يخشى أن يبغت من خلفه، وهو مطمئن إلى أقوات ~~جيشه. # ونصب المسلمون المجانيق وجعلوا يرمون بهرسير داخل أسوارها، ولم يهن الفرس لشدة هذا ~~الرمي، فقد أيقنوا أنهم إن لم يردوا عدوهم ms201 عن مدينتهم انكشفت أمامه العاصمة وعظم الخطر ~~عليها، وليس الدفاع عن بهرسير بالأمر العسير؛ فأسوارها قوية وحصونها منيعة، وجسر دجلة ~~يصلها بالمدائن، وعلى هذا الجسر تجيء من أرجاء فارس المترامية أمداد لا تحصى وأقوات لا ~~نهاية لها؛ لذا ثبتوا للحصار شهورا طوالا، يختلف المؤرخون أكانت تسعة أو ثمانية عشر ~~شهرا، وفي أثناء هذا الحصار كانت قواتهم تتخطى الأسوار أحيانا تقاتل المسلمين لعلها تنزل ~~بهم من الهزيمة ما يردهم على أعقابهم، لكن المسلمين كانوا لا يفتئون يظفرون بهذه القوات ~~ويردونها إلى المدينة مجللة بالعار تحتمي بأسوارها، فلما طال الحصار واشتد بالفرس ما يصيبهم ~~أخرجوا جيشا عليه من القواد من كانت للجند بهم ثقة أي ثقة، لكن هذا الجيش انهزم كذلك ورجع ~~إلى المدينة، وفتت هزيمته في أعضاد الفرس وأدخلت في روعهم أن هؤلاء المسلمين لا غالب ~~لهم. # وكانت أنباء الحصار والقتال تبلغ يزدجرد يوما فيوما، بل ساعة فساعة، فيتولاه الهم ~~ويكاد يساوره اليأس، وطال ذلك به ورأى المسلمين بعد كل هذه الأشهر لا يهنون، ورأى وراءهم ~~من ثراء العراق طعاما كرفغ التراب، ثم رأى الفرس يزداد تهافتهم وتضعف حماستهم، فأيقن أن ~~بهرسير لا محالة صائرة إلى عدوه، عند ذلك بعث إلى سعد رسولا يعرض للصلح أن يكون دجلة ~~حدا فاصلا بينه وبين العرب، «فلنا ما يلينا من دجلة وجبلنا، ولكم ما يليكم من دجلة إلى ~~جبلكم.» لكن سعدا رفض مصالحة يزدجرد ورد رسوله، وكيف يصالحه وأمر عمر بفتح المدائن ~~صريح لا لبس فيه! وكيف يصالحه بعد أن هزم جنده أهل بهرسير وأسروا منهم، وهم موشكون أن ~~يقتحموا عليهم أسوارهم! ولم يكن الرسول قد بلغ يزدجرد ليبلغه رفض سعد بن أبي وقاص ~~حين أمر بتشديد الحصار ومضاعفة الرمي بالمجانيق، ولم يجب أحد من بهرسير رماة المسلمين ~~بنشابة ولا بسهم، فأيقن سعد أن حامية المدينة تخلت عنها، فنادى في الناس ونهد بهم ~~ليقتحموها، وتسورها الرجال وفتحوا أبوابها فلم يجدوا بها من يرد عادية عليها، ولم يخرج ~~إليهم منها إلا رجل نادى بالأمان علموا ms202 منه أن حامية بهرسير انتقلت إلى المدائن بأمر ~~يزدجرد، وأنها أحرقت الجسر وجمعت كل السفن التي تجري فوق دجلة، ليبقى النهر بتياره ~~المتدفع خط دفاع يرد الغزاة عن العاصمة العامرة. # دخل المسلمون بهرسير في جوف الليل، فلم يثنهم ذلك عن الاندفاع إلى ناحية دجلة يريدون ~~عبوره إلى المدائن ليقتحموها كما اقتحموا ضاحيتها، ولم يجدوا الجسر يعبرون عليه ولم يجدوا ~~سفنا تحملهم، فوقفوا على شاطئه، فرأوا أمامهم منظرا بهرهم، فأقاموا مبهوتين يحدقون فيه ~~ملء عيونهم وملء قلوبهم ولا يكادون يصدقون ما يرون؛ بناء ضخم بالغ غاية الروعة والهيبة ~~والفخامة يقوم أمامهم على الشاطئ الآخر إلى ارتفاع لم تألفه أبصارهم، ويميزه بياض لونه برغم ~~دجى الليل المدلهم، ورق الليل وصفت السماء وسرى في الجو نسيم عذب زاده لطفا وزاد هذا ~~المنظر الفذ روعة وجلالا؛ فأمسك الجند أنفاسهم وفتحوا عيونهم وأفواههم أن ملك الإعجاب ~~عليهم كل حواسهم، وتلاحقت فرق الجند إلى النهر ووقفت على شاطئه تولاها البهر وكأنما سمرت ~~في أماكنها، فلما أقبل ضرار بن الخطاب في زمرته، ورأى ما رأوا، نادى بأعلى صوته: الله أكبر! ~~هذا أبيض كسرى! هذا ما وعد الله ورسوله! عند ذلك تعالت الأصوات بالتكبير من كل جانب وأيقن ~~الناس جميعا أنهم بإزاء هذا الإيوان الذي طالما سمعوا به مذكورا في شعر الشعراء وأحاديث ~~المحدثين، وجعلوا يكبرون حتى أصبحوا وكلهم الشوق ليعبروا إلى الإيوان، وليحيطوا به وليملئوا ~~عيونهم منه وليدخلوه، وليروا تخت كسرى في بهوه العظيم، وليروا قائدهم جالسا عليه يعلن كلمة ~~التوحيد فتجيبه الأصداء من كل جوانب القصر بأن صدق الله وعده، فكلمة الذين كفروا السفلى ~~وكلمة الله هي العليا، والله عزيز حكيم. # لم يكن عجبا أن يتولى المسلمين البهر لمرأى قصر كسرى؛ فقد كان هذا القصر عجيبة الأرض ~~لذلك العهد، ولم يكن قدمه موضع العجب فيه، فقد كان يومئذ حديثا لم يمض على بنائه مائة ~~عام؛ إنما كان جلاله وكانت عظمته موضع العجب، شاده كسرى أنوشروان، سنة خمسين وخمسمائة ~~لميلاد السيد المسيح، طرازا بذ به أفخر عمائر ms203 الرومان والإغريق جميعا، كانت واجهته تزيد ~~على مائة وخمسين مترا، ويربي ارتفاعه على أربعين مترا، وكانت القباب الجاثمة فوق أبهائه ~~الخمسة تتوج بهاءه وجلاله، وتثير التطلع في نفوس هؤلاء العرب الذين شدت أبصارهم إليه عما ~~عسى تحتوي هذه الأبهاء من ثراء وزخرف، إن بها لا ريب من ذلك ما يقصر الخيال دونه، وهذا ~~البهو الذي يتوسطها، وتعلو قبته قبابها جميعا، هو لا ريب هذا الإيوان الذي لم يسمع الناس ~~في العالم كله بشيء من مثله، أليست الأحاديث تجري عن تخت كسرى والجواهر الكريمة التي ترصع ~~قوائمه بما يشبه الأساطير! والتخت والإيوان والقصر قائمة كلها أمام الجند لا يفصل بينهم ~~وبينها إلا النهر وهي تزيدهم في كل لحظة بهرا، متى إذن يعبرون إليها ويرون رأي العين كل ما ~~فيها؟! # بينما تدرو هذه الخواطر في نفوس المسلمين يغذيها خيالهم، ويزيدها منظر المدائن حياة وقوة، ~~كان يزدجرد مشتت الخاطر يهيم على وجهه في أبهاء القصر وقد ركبته الوساوس من كل جانب، ~~إن دجلة حصن طبيعي بسعة مجراه وتدفع تياره، وقد زاده في هذا الفصل سعة وزاده تياره تدفعا ~~ذوبان الثلوج في أعالي الجبال التي ينبع منها بأذربيجان والموصل، ولا سبيل للمسلمين ~~إلى تخطيه بعد أن جمعت السفن كلها إلى جانبه الشرقي، ألا تستطيع قوات الفرس أن تحمي شاطئه، ~~وأن تدفع بذلك كل خطر عن العاصمة؟ هذا هو التفكير الطبيعي في مثل هذا الموقف، وكان جديرا ~~بيزدجرد أن يتجه إليه، وأن يدعو قواده يدير معهم الرأي فيه، وأن يبعث من روحه الشاب ~~إلى أرواحهم وأرواح الناس جميعا من أهل العاصمة حماسة للذود عن حرمتهم وعن كرامتهم، ولو ~~أنه فعل لكان ذلك أقل ما يجب عليه لنفسه، ولأمة أسلمته زمامها، والتفت حوله للدفاع عن ~~كيانها. # لكن اضطرابه أضل قلبه وأفسد تفكيره، وجعله يرى هؤلاء المسلمين جنا لا تقف قوة في سبيلهم ~~ولا طاقة لأحد إلا بالفرار أمامهم، ومن أولى منه بأن يكون أمام الناس في هذا الفرار، نجاة ~~بنفسه وبأهله! لذلك أمر رجاله فحملوا بيت ms204 ماله وما خف من متاعه وخزائنه، وحملوا النساء ~~والذراري وخفوا بهم يقصدون حلوان، ورأى الناس ما صنع عاهلهم، فخارت عزائمهم واندفعوا يفكرون ~~في النجاة بأنفسهم وذويهم، أليس الناس على دين ملوكهم! ولماذا يكون أهل الملك وجواريه أعز ~~عليه من زوج الجندي أو القائد وأبنائهم عليه! بذلك انهارت روح المقاومة في أنفس الفرس، ولم ~~يبق لهم أمل في غير الحظ يسعدهم فيجعل النهر أداة في رد الغزاة عنهم، أو يعثر بهم كرة أخرى ~~فلا سلطان لهم عليه ولا سبيل إلى مقاومته. # وكذلك كان دجلة يجري بين جندين: جند تحطمت قواه فلم يبق له عزم ولا إرادة فألقى بيديه ~~وترك للحظ مصيره، وجند سمت روحه المعنوية وبلغ من قوة الإيمان بالنصر حتى خيل إليه أن يضرب ~~النهر بعصاه ينفرج فيه طريق يجتازه عليه إلى إيوان كسرى، هذه معجزة أتاحها الله لكليمه موسى ~~ففر بها من مصر مع قومه، وسيتيح الله اليوم مثلها لجند المسلمين فيعبرون النهر ويقتحمون ~~المدائن ويديلون دولة الأكاسرة، ويرفعون لواء الحق فوق الإيوان الأعظم. # نعم! هي معجزة تلك التي اجتاز المسلمون بها دجلة، لقد وقفوا على شاطئه ينظرون إلى تدافع ~~مياهه، ويفكر سعد في الوسيلة إلى عبوره، فلا يسعفه التفكير بنافع، فأمر رجاله فجاءوه بعلوج ~~من الفرس سألهم فدلوه على مخاضة في النهر تخاض إلى صلب الوادي، لكنه خشي عادية التيار على ~~الجند، وهو حريص أن يبقي على كل رجل؛ لذلك تردد فلم يعمل بما أشاروا به، فلما كان الغد أتاه ~~النبأ بأن يزدجرد أمر بخزائنه أن تحمل إلى حلوان، عند ذلك جمع الناس وقام فيهم خطيبا، ~~فحمد الله وأثنى عليه وقال: «إن عدوكم قد اعتصم منكم بهذا البحر فلا تخلصون إليه منه، وهم ~~يخلصون إليكم إذا شاءوا فيناوشونكم في سفنهم، وليس وراءكم شيء تخافون أن تؤتوا منه؛ فقد ~~كفاكموهم أهل الأيام وعطلوا ثغورهم وأفنوا ذادتهم، وقد رأيت من الرأي أن تبادروا جهاد العدو ~~بنياتكم قبل أن تحصركم الدنيا، ألا إني قد عزمت على قطع هذا البحر إليهم.» # أية ms205 مفاجأة هذه التي فاجأ سعد بها رجاله! أولم يكن إلى أمس مترددا! ألا يخاف أن يتردد ~~الناس فلا يقوون على أمر فيه من الخطر أهوله! لكن الناس لم يترددوا؛ فقد سحرهم مرأى المدائن ~~أعظم السحر، وجذبهم قصر كسرى إليه بقوة دونها كل قوة، فهم يقدمون على المستحيل ليدخلوا ~~العاصمة وليحيطوا بالقصر؛ لذلك لم يكد سعد يتم كلمته حتى قالوا جميعا: «عزم الله لنا ولك ~~على الرشد فافعل.» # ولكن كيف يعبرون؟ وهبهم عبروا على خيولهم، فجند فارس على الشاطئ الآخر يصدونهم فلا يخرجون ~~من الماء، تنبه سعد لهذا فندب الناس وقال: من يبدأ ويحمي لنا الفراض # 2 # حتى نلاحق به الناس لكي لا يمنعوهم من الخروج؟! وانتدب عاصم بن عمرو ذو البأس، ~~وانتدب بعده ستمائة من أهل النجدة، فأمر سعد عاصما عليهم، فساروا حتى بلغوا شاطئ دجلة ~~قال عاصم لأصحابه: من ينتدب معي لنكون قبل الناس دخولا في هذا البحر فنحمي الفراض من ~~الجانب الآخر؟ وانتدب له ستون فارسا تقدمهم هو إلى حافة النهر وهو يقول للذين ترددوا: ~~أتخافون من هذه النطفة! ويتلو قوله تعالى: # وما كان لنفس أن ~~تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ~~، ثم دفع فرسه فاقتحم النهر ~~واقتحم زملاءه معه، ورأى القعقاع بن عمرو هذه الكتيبة الأولى تتقدم في سبحها، ومد بصره ~~إلى الجانب الآخر من النهر، فرأى الفرس وكأنما يتهيئون للقائها، فأمر أصحابه الستمائة ~~فدفعوا خيولهم إلى النهر فدخلوه كما دخله عاصم وأصحابه، وتولى الفرس العجب لما صنع عدوهم، ~~فقال بعضهم: مجانين، مجانين! وقال آخرون: إنكم والله ما تقاتلون إنسا بل تقاتلون ~~جنا! # وأقام الفرس ينظرون إلى هؤلاء المغامرين، فلما رأوا عاصما وأصحابه توسطوا النهر أرسلوا ~~فرسانا ليمنعوهم من الخروج وليقاتلوهم في الماء، ودنوا من عاصم حين دنا من الفراض، فقال ~~عاصم لأصحابه: الرماح، الرماح! أشرعوها وتوخوا العيون، وارتدت خيول الفرس حين أصابت الرماح ~~عيونها، فلم يملك فرسانها دفعها ليلقوا هؤلاء الذين خاضوا غمار الموت في لجة النهر لا ~~يبالون ما يصيبهم، ولم يصب أحد من كتيبة ms206 الأهوال بأذى، بل خرج عاصم على رأسها إلى الشاطئ ~~ففر الفرس أمامه، وأدركه القعقاع على رأس الكتيبة الخرساء فلم يبق على الشاطئ من الفرس ~~أحد. # ورأى سعد بن أبي وقاص تحكم أصحابه في فراض المدائن، فأمر فرسانه فاندفعوا جميعا ~~ألوفا مؤلفة إلى لجة النهر من حيث اقتحمه عاصم، وامتلأ النهر بالخيل، فلم يكن ماؤه في هذه ~~الساعة ليرى، وأمر عاصم أصحاب الزوارق والسفن من الفرس فدفعوها إلى جانب بهرسير، فنقلت ~~من جيش المسلمين من لم يعبر على جواده، فلما عبر سعد بالجيش كان أهل المدائن جميعا قد ~~فروا، ولم يبق منهم إلا من تحصنوا بالقصر الأبيض، ولم يقاوم هؤلاء، بل قبلوا أداء الجزية، ~~وفتحوا أبواب القصر للمسلمين. # هذه معجزة من معجزات الحروب لا يكاد العقل يصدقها، فيقول ابن كثير في البداية والنهاية ~~بعد أن يتم وصفها: «وكان يوما عظيما وأمرا هائلا، وخطبا جليلا، وخارقا باهرا، ~~ومعجزة لرسول الله # صلى الله عليه وسلم # خلقها الله لأصحابه لم ير مثلها في تلك البلاد ولا في بقعة من ~~البقاع.» وهذه العبارة للمؤرخ الإسلامي تصور شعوره وتصور شعورنا حين ترتسم أمامنا هذه ~~الفعال الباهرة وهذا الإقدام فاق كل إقدام، وهل كلمة غير المعجزة تصح وصفا لهذه الأعمال؟ ~~وأية معجزة كأن تقتحم كتيبة الأهوال النهر وعاصم على رأسها، وأن تقتحم الكتيبة الخرساء ~~النهر والقعقاع على رأسها، ثم لا يخشى رجل في الكتيبتين أن يبتلعه الموج أو أن يرميه ~~الفرس من الشاطئ الآخر بالنبال! لكنه الإيمان بالنصر يسمو بالنفس إلى حيث تصبح الحياة ويصبح ~~الموت أمامها ألفاظا يتساوى مدلولها في سبيل الغاية التي تريد دركها، ولم يكن للمسلمين صبر ~~على المدائن، فهم يريدون أن يقتحموها وإن بذلوا لفتحها كل ثمن، وإن بذلوا لفتحها مهجهم ~~وأرواحهم؛ لذا قال الفرس حين رأوهم: إنا لا نقاتل إنسا بل نقاتل جنا لم يثبتوا لهذا الجن ~~الذي جاءهم من خلل الموج وكأنه بعض قوى القدر التي تزلزل الأرض وتدك الجبال، أليست البراكين ~~والصواعق من قوى القدر؟ كذلك كانت الكتيبتان، وكذلك كان ms207 سعد وسائر الجيش إذ اندفعوا إلى ~~النهر فرقة بعد فرقة يحيلون لجة مائه خيولا وفرسانا، كيف لقوة أن تثبت أمام هذه القوة! ~~وماذا يصنع الفرس، وقد انحلت قواهم وتحطمت روحهم، إلا أن يفروا أمام هذا الجن الذي جاءهم ~~فملأ نفوسهم رعبا وفزعا! ~~«هذه معجزة لم ير مثلها في تلك البلاد ولا في بقعة من البقاع.» تلك ألفاظ ابن كثير، ولولا ~~أن تيمورلنك أتى بمعجزة مثلها إذ عبر جيشه النهر سابحا حين هاجم بغداد في العقد الأخير من ~~القرن الرابع عشر المسيحي، لتردد بعضهم في تصديقها، بل إن البلاذري ليذكرها في شيء من ~~الحذر، ويضيف إليها روايات يراها أدنى إلى أن تصدق، من ذلك رواية أبان بن صالح إذ يقول: ~~«انتهى المسلمون إلى دجلة وهي تطفح بماء لم ير مثله قط، وإذا الفرس قد رفعوا السفن والمعابر ~~إلى الجيزة الشرقية وحرقوا الجسر، فاغتم سعد والمسلمون إذ لم يجدوا إلى العبور سبيلا، ~~فانتدب رجل من المسلمين فسبح فرسه وعبر فسبح المسلمون، ثم أمروا أصحاب السفن فعبروا ~~الأثقال، فقالت الفرس: والله ما تقاتلون إلا جنا فانهزموا.» ومنه رواية أبي عمرو بن ~~العلاء إذا يقول: «لم يجد سعد معابر فدل على مخاضة عند قرية للصيادين، فأخاضوها الخيل، ~~فجعل الفرس يرمونهم، فسلموا غير رجل من طيئ لم يصب يومئذ غيره.» # أنت لا ريب ترى ما في هذه الروايات من احتياط يشعر بأن أصحابها يترددون في التسليم ~~بالرواية التي سقناها وأجمع عليها الطبري وابن الأثير وابن خلدون وابن كثير وغيرهم، ولكن ~~هذا الاحتياط لا ينفي هذه الرواية ولا يثبت ما يعارضها، وإنما هو احتياط من يرى فيها عجبا ~~يدعو إلى شيء من الشك فيها، ولو أن هؤلاء الذين تشككوا عاشوا إلى أواخر القرن الرابع عشر ~~المسيحي وعرفوا أن تيمورلنك عبر دجلة بجيشه، كما عبر سعد بجيشه؛ لانقضى عجبهم وزال من ~~نفوسهم كل شك في الرواية التي اجتمعت الأقوال عليها، بل لما رأوا عجبا فيما يدعو منها إلى ~~العجب، ولأيقنوا أن سعدا «اقتحم بفرسه دجلة واقتحم الناس ms208 لم يتخلف عنه أحد، فساروا فيها ~~كأنما يسيرون على وجه الأرض حتى ملئوا ما بين الجانبين، فلا يرى وجه الماء من الفرسان ~~والرجالة، وجعل الناس يتحدثون على وجه الماء كما يتحدثون على وجه الأرض، وذلك لما حصل لهم ~~من الطمأنينة والأمن، والوثوق بأمر الله ووعده ونصره وتأييده ... وأن سعدا دعا لجيشه هذا في ~~هذا اليوم بالسلامة والنصر، وقد رمى بهم في هذا اليم فسددهم الله وسلمهم، فلم يفقد من ~~المسلمين رجل واحد، ولم يعدم للمسلمين شيء من أمتعتهم غير قدح من خشب لرجل كانت علاقته رثة ~~فدفعه الموج إلى الجانب الذي يقصدونه، فأخذه الناس ثم ردوه على صاحبه ... وكان الذي يساير سعد ~~بن أبي وقاص في الماء سلمان الفارسي، فجعل سعد يقول: حسبنا الله ونعم الوكيل، والله ~~لينصرن الله وليه، وليظهرن الله دينه، وليهزمن الله عدوه، إن لم يكن في الجيش بغي أو ذنوب ~~تغلب الحسنات، فقال له سلمان: ذللت لهم والله البحور كما ذلل لهم البر، أما والذي ~~نفس سلمان بيده ليخرجن منه أفواجا كما دخلوا أفواجا، فخرجوا منه كما قال سلمان لم يغرق ~~أحد ولم يفقدوا شيئا.» # وخرج جيش المسلمين من الماء تنفض خيوله أعرافها صاهلة، ودخلوا المدائن فلم يجدوا إلا من ~~تحصن بالقصر، ذلك أن يزدجرد كان قد أخذ سائر أهله وما قدر عليه من الأموال والمتاع ~~وفروا إلى حلوان، ودعا سعد من تحصنوا بالقصر لينزلوا فنزلوا، ودخل بجنده، وجعل يجيل بصره ~~فيما احتواه هذا القصر المنيف من نفائس ومتع ويتلو قوله تعالى: # كم ~~تركوا من جنات وعيون * وزروع ومقام كريم * ونعمة كانوا فيها فاكهين * كذلك ~~وأورثناها قوما آخرين * فما بكت عليهم ~~السماء والأرض وما كانوا منظرين ~~. # ما أعظم هذا الفتح وأجله! فهذه مدينة كسرى وهذا إيوانه، وهؤلاء هم جنود شبه الجزيرة ~~المجدبة الجرداء يسيرون تولاهم البهر خلال جنات القصر بين أزهار يانعة وأشجار باسقة وتمر ~~وفاكهة وأعناب شتى ألوانها، لم تقع أعينهم على مثلها، وينتقلون من الحدائق إلى الأبهاء ~~فيزيدهم ما فيها بهرا، نقوش جل جمالها ms209 وجلت دقتها عن الوصف، وأثاث لم يروا في دمشق نظيره، ~~وطنافس من حرائر فارس طرزت بالذهب والفضة، وأسباب الترف والنعمة جمعت إلى هذا الإيوان من ~~بدائع صنع الشرق في مختلف أرجائه، أي شيء هذا كله! وهل يجزي الشكر لله عنه؟! لكن سعدا ~~وأصحابه لا يملكون غير الشكر لله على ما فتح عليهم؛ لذلك صلى سعد شكرا لله صلاة الفتح، ~~ثماني ركعات بتسليمة واحدة، ثم أمر أصحابه فجاءوا بعيالات المسلمين من الحيرة ومن سائر مدن ~~العراق وقراه، فأنزلهم في المدائن. # ونزل سعد قصر الأكاسرة وأقام به، واتخذ الإيوان مصلى، وترك ما به من تماثيل قائما لم ~~يحركه، وما له يحركها ولم تكن إلا بعض الزخرف الذي ازدان به القصر وازدانت به أبهاؤه ~~جميعا، وإن خص الإيوان منه بأكثره بهاء وروعة! وقد كسا الزخرف وكست النقوش جدران القصر من ~~مستوى الأرض إلى أعلى العقود، ثم تركت الجدران التي تبدو للنظر من الخارج ملساء ساطعة ~~البياض. # ووجد سعد خزائن كسرى مترعة بالأموال وبنفيس الثياب والأمتعة والآنية والألطاف والأدهان ~~وما إلى ذلك مما لا تعبر الألفاظ والأرقام عن قيمته، وكان سعد قد بعث جنده يطاردون ~~يزدجرد والذين فروا معه إلى حلوان، فأدركوهم وجاءوا به وبما حملوه، فإذا قيمته تضاهي ~~قيمة ما بالقصر، ووجد المسلمون بدور المدائن من التحف والنفائس ما أذهل خيالهم، وما دل على ~~ترف أهلها ترفا لم يعرفه غير الفرس. # وإنا لتتولانا الدهشة اليوم لنفاسة هذه الغنائم وقيمتها وكثرتها، فلا عجب أن تولت أولئك ~~الفاتحين الذين رأوا هذه الغنائم بأعينهم أضعاف ما يتولانا من البهر والدهشة، وأن يذكر ~~المؤرخون العرب هذه الغنائم في تفصيل يسوغ دهشتنا ودهشة الفاتحين. # ذكروا أن سعدا وجد بخزائن كسرى ثلاثة آلاف ألف ألف ألف دينار، ثلاث مرات، ووجدوا بالقصر ~~من التحف والأمتعة ما لا تدرى قيمته، وجاء الذين خرجوا في أثر يزدجرد بتاج كسرى مرصعا ~~بالدر والجوهر، وبثيابه من الديباج المنسوج بالذهب المنظوم بالجوهر، ومن غير الديباج ~~منسوجا ومنظوما، كما جاءوا بخرزات كسرى ووشاحه ودرعه التي فيها ms210 الجواهر، وطارد القعقاع ~~بن عمرو فارسيا فقتله وأخذ منه عيبتين فيهما أسياف وأدراع لكسرى ولهرقل ولخاقان الترك ~~وللنعمان ولملوك آخرين غزاهم الفرس وغزوا الفرس، وجاء عصمة بن خالد الضبي بسفطين في أحدهما ~~فرس من ذهب بسرج من فضة وعلى ثغره ولباته الياقوت والزمرد المنظوم على الفضة، ولجامه ~~كذلك، وفارس من فضة مكلل بالجواهر، وفي الآخر ناقة من فضة عليها شليل # 3 # من ذهب وبطان من ذهب ولها زمام من ذهب، وكل ذلك منظوم بالياقوت، وعليها رجل من ~~ذهب مكلل بالجواهر، ووجد المسلمون بدور المدائن سلالا مختومة برصاص ظنوا ما فيها طعاما ~~فإذا هو آنية من الذهب والفضة متماثلين ، ووجدوا بدور المدائن كذلك كافورا كثيرا حسبوه ~~لكثرته ملحا فعجنوا به فوجدوه مرا. # ترى أأغرت هذه الكنوز أولئك العرب، فهم أحد منهم بأن يأخذ شيئا منها لنفسه ولا يرده إلى ~~من ولاهم سعد قبضها ليقسمها من بعد؟ كلا! بل جاء كل بما استولى عليه من السلب فسلمه والي ~~القبض حتى يرى سعد فيه رأيه، ولما جاء القعقاع بن عمرو بأسياف كسرى والملوك وأحضرها عند ~~سعد خيره بينها، فاختار سيف هرقل وترك سائرها، وأقبل رجل إلى والي القبض بحق نفيس، فقال ~~الوالي والذين معه: ما رأينا فيما عندنا مثل هذا ما يعدله أو يقاربه، وسألوا الرجل: هل أخذت ~~منه شيئا؟ قال: لا والله، لولا الله ما أتيتكم به! وسألوه: من هو؟ فقال: لا أخبركم ~~فتحمدوني، ولكني أحمد الله وأرضى بثوابه، وعرف سعد أمر هذا الرجل وأمثاله، فقال: والله إن ~~الجيش لذو أمانة، ولولا ما سبق لأهل بدر لقلت إنهم على فضل أهل بدر، وكان جابر بن عبد الله ~~يقول: «والله الذي لا إله إلا هو ما أطلعنا على أحد من أهل القادسية أنه يريد الدنيا مع ~~الآخرة، فقد اتهمنا ثلاثة نفر هم طليحة وعمرو بن معدي كرب وقيس بن المكشوح فما رأينا ~~كأمانتهم وزهدهم.» وهذه الشهادة من جابر لأولئك الثلاثة لها دلالة خاصة؛ فقد كانوا على رأس ~~المرتدين الذين حاربهم أبو بكر وحاربوه ms211 حرصا على الدنيا وسلطانها، وها هم أولاء حسن ~~إسلامهم فأصبحوا في طليعة العرب جهادا في سبيل الله، وزهدا في الدنيا، وتقربا إلى الله ~~بالعمل الصالح والبلاء في الحرب أحسن البلاء. # فصل سعد خمس الغنائم ليرسله إلى المدينة، وحرص على أن يكون فيه كل ما يعجب منه العرب ~~وكل ما يعجبهم، ثم أراد أن يرسل خمس القطيف، وهو بساط كسرى، فرآه لا تعتدل قسمته، فقال ~~للمسلمين: هل تطيب أنفسكم عن أربعة أخماسه، فنبعث به إلى عمر يضعه حيث يشاء، فإنا لا نراه ~~ينقسم وهو بيننا قليل، وهو يقع من أهل المدينة موقعا؟ وكان هذا البساط مربعا ستون ذراعا ~~في مثلها، وكانت الأكاسرة تعده للشتاء إذا اشتد القر وذهبت الرياحين، وقد صورت في هذا ~~القطيف طرق المملكة وبسطت فيه الأرض مذهبة تجري خلالها أنهار رصعت بالدرر، وجعلت حافاته ~~كالأرض المزروعة فيها نبات الربيع قام على سوق من ذهب، وجعل ورقه من الحرير وتمره من ~~الجوهر، وأقر الناس رأي سعد، فأرسل القطيف مع الخمس إلى المدينة. # وقسم سعد الفيء في الجند، وكان قد تم ستين ألف فارس، فأصاب الفارس منهم اثني عشر ألفا، ~~ثم جعل لأهل البلاد على قدر بلائهم، وقسم سعد المنازل بين الناس، وأنزل العيالات في الدور ~~فأقاموا بها حتى ارتحل منهم من ارتحل عنها بعد أن امتد الفتح إلى ما وراءها من ريف فارس، ~~وأنت في حل من أن تصور لنفسك مبلغ ما أدت إليه هذه المغانم من غبطة الناس ومن حماستهم لفتح ~~جديد يدر عليهم مغانم جديدة. # ذهب بشير بن الخصاصية بخمس الفيء إلى المدينة، ووضعه بين يدي أمير المؤمنين، وكان عمر ~~قد سبقت إليه الأنباء بفتح المدائن، إذ كتب سعد إليه بما يجعله كأنه حاضرها، مع ذلك دهش لما ~~رأى من كثرة هذا الفيء ونفاسته وإحضار المسلمين له كاملا، فالتفت من حوله يقول: «إن ~~قوما أدوا هذا لأمناء!» وأجابه علي بن أبي طالب: «إنك عففت فعفت رعيتك، ولو رتعت ~~لرتعت.» ونظر عمر إلى ثياب كسرى وأسيافه ودروعه، فألبسها ms212 خشبة ونصبها أمامه ليرى الناس ~~ما في هذه الزينة من العجب، وقيل إنه دعا إليه سراقة بن جعشم، وكان من أجسم العرب ~~وأبدنهم، فألبسه قميص كسرى وسراويله وقباءه وسيفه ومنطقته وسواريه وتاجه وخفيه وقال ~~له: أدبر فأدبر، ثم قال له أقبل فأقبل، ثم قال: بخ بخ، أعيرابي من بني مدلج عليه ~~قباء كسرى وسراويله وسيفه ومنطقته وتاجه وخفاه! رب يوم يا سراق بن مالك لو كان عليك ~~فيه هذا من متاع كسرى وآل كسرى كان شرفا لك ولقومك! ... وقيل كذلك: إنه كانت لكسرى عدة أزياء ~~لكل حالة زي، فجاء عمر بأجسم عربي بأرض المدينة وجعل يلبسه إياها زيا بعد زي، فيرى الناس ~~ينظرون إليها أمرا عظيما من سحر الدنيا وفتنتها، فلما فرغ الأعرابي من لبسها جميعا رفع ~~عمر رأسه إلى السماء وقال: «اللهم إنك منعت هذا رسولك ونبيك، وكان أحب إليك مني، وأكرم عليك ~~مني، ومنعته أبا بكر، وكان أحب إليك مني، وأكرم عليك، وأعطيتنيه، فأعوذ بك أن تكون أعطيتنيه ~~لتمكر بي!» # هذه لفتة من لفتات عمر سيذكرها من بعد، وسيذكر أثرها في الأمة في صراحة دونها كل صراحة؛ ~~فقد أحس بما لهذا الترف من فتنة تجذب النفوس إليه فتجعله مثلها الأعلى تنفق في سبيله كل ما ~~أوتيت من قوة وتدبير، وتنصرف لذلك عن المعاني الإنسانية الكريمة التي تسمو بقلوبنا وعقولنا ~~إلى أرفع الذرى فتقربنا من الله وتجعلنا بفضل منه نرى وجه الحق ذي الجلال، ولهذه اللفتة، ~~ولخشية عمر أن يكون الله قد أعطاه متاع كسرى ليمكر به، بكى حتى رحمه من كان عنده، ثم أشار ~~إلى هذا المتاع وقال لعبد الرحمن بن عوف: «أقسمت عليك لما بعته ثم قسمته قبل أن ~~تمسي!» # وقسم عمر الخمس بين الناس على أقدارهم، ونفل منه من غاب ومن شهد من أهل البلاء، ورأى ~~القطيف لا ينقسم فقال لمن حوله: «أشيروا علي في هذا القطيف.» قال الملأ: قد جعل الجند ذلك ~~لك، فالرأي فيه رأيك، وقال بعض: إنه لأمير المؤمنين لا يشركه فيه أحد، ms213 وأبى عمر أن يقبضه أو ~~يبدي في أمره رأيا فقام علي بن أبي طالب فقال: «لم يجعل الله علمك جهلا، ويقينك شكا، ~~إنه ليس لك من الدنيا إلا ما أعطيت فأمضيت، أو لبست فأبليت، أو أكلت فأفنيت، وإنك إن ~~تبقه اليوم على هذا لم تعدم في غد من يستحق به ما ليس له.» قال عمر: «صدقتني ونصحتني.» ~~ثم قطع القطيف وقسمه بين الناس، فأصاب عليا منه قطعة لم تكن أجود تلك القطع، ومع ذلك ~~باعها بعشرين ألفا. # بينما كان عمر يقسم الفيء بين الناس بالمدينة، فيرى الناس فيما يصيبهم منه نعمة من الله ~~لم يكن لهم بمثلها عهد ، كان سعد بن أبي وقاص قد اطمأن بالمدائن واستقر بقصر كسرى وجعل ~~إيوانه مصلى للمسلمين، ينادى فيه باسم الله، وتقام فيه الصلاة، ويجتمع الناس به كل جمعة ~~ليخطبهم سعد ويؤمهم، وكان يزدجرد قد نزل حلوان مغموما مدحورا، يقطع الهم نياط قلبه ~~ويفري الأسى كبده، ويذكر عظمة فارس وجلال مجدها، فيزداد به الحزن، ويتراءى له شبح رستم وما ~~كان يذكره من دلالات النجوم، أين يومه اليوم من تلك العهود الخوالي حين زحف أسلافه من إيران ~~إلى العراق فاكتسحوه إلى شواطئ دجلة، وحين أقاموا بطيسفون قبالة سلوقية، وحين مدوا ~~طيسفون، وضموا إليها ما حولها من البلاد، وجعلوا منها ومن سلوقية بلدا واحدا هو المدائن، ~~ثم أطلقوا على سلوقية اسم بهرسير لينسى أهلها أيام عزها، إذا كانت مدينة يونانية حريصة ~~على استقلالها، حرص إسبرطة على استقلالها! وأين يومه اليوم من عهود أجداده الأكاسرة بني ~~ساسان الذين دوخوا العالم، ومن عهد جده أردشير صاحب القصر والإيوان والفخامة والنعمة! إنه ~~اليوم مليك غلب على أمره، وطرد من عاصمة ملكه، ففر كما يفر الجبناء، أتراه يصبر على هذه ~~الهزيمة ويرضى بهذه النكبة، وهل كتب القدر لهؤلاء العرب أن يطاردوه إلى أقصى الأرض؟ إن به ~~من حرارة الشباب وإقدامه ما يمد له من حبال الأمل، أبقيت له من هذا لأمل بقية؟ أم حطمت ~~الهزيمة هذا الإقدام وأثلجت تلك الحرارة، ms214 فقضت في نفسه على كل أمل وكل رجاء؟! # لم يفكر الشاب المنهزم في شيء أول ما نزل حلوان، لقد عرض على المسلمين الصلح على أن يكون ~~دجلة حدا فاصلا بينه وبينهم، أتراهم وقد فتحوا المدائن يكتفون بها ويقفون عندها؟ إنهم إن ~~يفعلوا يحققوا بعض رجائه، والمستقبل كفيل من بعد بتدبير شأنه، لكنهم منتصرون، والمنتصر لا ~~يعرف هوادة، وجيوشه الكثيرة تطير إلى كل جانب تطلب النجاة، فليترك الأمر للأيام! وغد لناظره ~~قريب! # ماذا يكون في غد؟ ذلك حديثنا في الفصل التالي. # | هوامش # الفصل العاشر # | المسلمون في العراق # استقر سعد بقصر كسرى، وأقام المسلمون في دور المدائن من حول القصر ينعمون بحياة دعة ~~ونعمة، وما لهم لا يفعلون وفي أيديهم من المغانم التي نفلوها ما يكفيهم السنين، وأقواتهم ~~تجيئهم من البلاد المجاورة سهلة وفيرة، ودجلة يجري من تحتهم فينسيهم البادية وكثبان الرمال، ~~والجسر الذي يصل بين سلوقية وطيسفون، ويجعل منهما هذه المدائن البارعة متنزه المترفين، جدير ~~بأن يلهم الشاعر العربي ما ألهم مثل هذا الجسر ببغداد علي بن الجهم إذ قال: # عيون المها بين الرصافة والجسر # جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري! # وكان الناس يجتمعون بسعد في قصر كسرى، فيتحدث سعد إلى ذوي العلم منهم بماضي هذه البلاد، ~~ويذكر ويذكرون أياما سلفت كانت فيها مقر حضارة العالم، ففي أرجاء مختلفة منها قامت دول ~~البابليين والآشوريين والكلدان، وكنت بعض هذه الدول تستقر بها، وكان بعضها يطرأ عليها ثم ~~يترحل عنها، ثم تطلق كل دولة اسمها على الجانب الذي استقرت به بين النهرين: دجلة ~~والفرات. # و«بين النهرين» اسم أطلق هو أيضا على هذه الأصقاع من أقدم العصور؛ فكذلك كانت تسمى عهد ~~الفراعنة الأقدمين حين امتد سلطان مصر إليها، وكذلك كانت تسمى حين خضعت لحكم الإغريق بعد ~~حكم الفراعنة، ولا عجب أن يظل هذا الاسم باقيا إلى اليوم، وهو يصف مواقع أرضها بين نهرين ~~يجريان فيها بالخصب والحياة. # ولم يطلق اسم العراق على ما بين النهرين إلا بعد أن دخلت في سلطان الفرس؛ فقد ms215 زحف الفرس ~~من سهل إيران إليها بعد أن جلا الفراعنة والإغريق عنها، فاكتسحوا البلاد إلى شواطئ دجلة وما ~~وراءها، وأقاموا بطيسفون عاصمة ملكهم، ثم جعلوا منها ومن البلاد السبع المحيطة بها ومن ~~سلوقية اليونانية المستقلة، تلك «المدائن» التي أقامت قرونا تزهى على التاريخ بجلال ~~عظمتها، وسعة سلطانها، وطائل ثرائها، وترف أهلها، وإذا كانت بلاد ما بين النهرين تجاور ~~العراق العجمي، فقد غلب الفرس عليها اسمه واعتبروها جزءا منه، كما اعتبروا سلوقية جزءا من ~~طيسفون، ومن يومئذ أطلق اسم العراق على هذه البلاد. # ويمتد هذا العراق الذي غلب المسلمون عليه الفرس من دلتا النهرين جنوبا، حتى ينتهي في ~~الشمال إلى ما دون بلاد الموصل، متاخما الشام من أعلاه متاخمة كان لها أثرها في تاريخ ~~الفرس والروم، ثم كان لها أثرها في تاريخ الفتح الإسلامي، وقد أدت متاخمة العراق للشام إلى ~~انتقال الأديان التي ظهرت بفسلطين إلى ربوعه، وإلى غزوها وثنية اليونان ومجوسية الفرس ~~فيه، ولذا استقرت به جالية كبيرة من اليهود، ثم انتقلت النصرانية إليه بعد انتقالها إلى ~~الشام. # ولما كانت بلاد ما بين النهرين تجاور العرب، كما تجاور العجم، فقد نزحت إليها قبائل كثيرة ~~من شبه الجزيرة، استقرت بها وجعلتها منازلها، كما نزحت إلى الشام قبائل كثيرة استقرت به ~~وجعلته منازلها، فلما غزا العرب ما بين النهرين كانوا قد ألفوا العراق اسما لهذه البقعة من ~~الأرض، فلم يطلقوا عليها اسما غيره، ثم أطلقوا اسم السواد على ما بين دجلة والفرات وما ~~جاورهما، وليفرق المؤرخون بين هذا العراق وعراق العجم أسموا أحدهما العراق العربي، والآخر ~~العراق العجمي. # وطبيعة الأرض في العراقين متابينة أشد التباين، فالعراق العربي سهل يجري فيه النهران، ~~وتنتشر فيه شبكة من النهيرات والجداول والغدران، تجعل الجانب الأكبر منه أخضر يانعا كثير ~~الخيرات وافر الثمرات، وهو ينتهي من الشرق إلى جبل رفيع الذرى يفصل بينه وبين العراق ~~العجمي، تتلاحق وراءه جبال وأودية تنتهي إلى سهل إيران، وقد كان هذا الجبل حاجزا طبيعيا ~~شديد المنعة، يفصل آسيا وشرقها الأقصى من ms216 هذه البلاد الواقعة في غرب آسيا، والتي كانت لذلك ~~أكثر اتصالا بالشعوب المقيمة حول البحر الأبيض في إفريقية وأوروبا منها بالبلاد المجاورة ~~لها في الشرق. # وكان من أثر هذا الوضع الجغرافي الذي أتاح لقبائل العرب أن تهاجر إلى العراق وإلى الشام ~~أن امتدت منازل الجنس العربي من خليج عدن والمحيط الهندي في الجنوب إلى أقصى الشمال من أرض ~~العراق والشام، وأن خضعت هذه القبائل كما خضعت أرجاء كثيرة من شبه الجزيرة قرونا طويلة ~~لحكم فارس والروم، وها هم أولاء عرب شبه الجزيرة يغزون الدولتين العظيمتين، فيبلغون دمشق في ~~الشام والمدائن في العراق وينزل سعد بن أبي وقاص قصر كسرى في عاصمة ملكه. # وأقام سعد بالعاصمة الفاتنة حتى جم وجم جنده، وما كان له أن يتعقب الفرس في بلاد العراق ~~المترامي الأطراف فيما وراء دجلة، فلم يكن عمر قد أذن له في تعقبهم؛ لذلك لم يزد على تنطس ~~أخبارهم وإرسال العيون من رجاله ليعودوا إليه بأنبائهم، وقد جاءته الأنباء بأن الفرس الذين ~~فروا منهزمين بلغوا جلولاء، على نحو أربعين ميلا في شمال المدائن، وأنهم رأوا الطرق ~~عندها تفترق إلى شتى الأرجاء من إيران، فقال بعضهم لبعض: «لو افترقتم لم تجتمعوا أبدا، ~~وهذا مكان يفرق بيننا، فهلموا فلنجتمع للعرب به ولنقاتلهم، فإن كانت لنا فهو الذي نحب، وإن ~~كانت الأخرى كنا قد قضينا الذي علينا وأبدينا عذرا.» وجاءته الأنباء كذلك بأن يزدجرد ~~اجتمع إليه وهو في طريقه إلى حلوان رجال وأعوان وجنود من شتى البلدان، فأمر عليهم مهران ~~ووجهه معهم إلى جلولاء، وأقام بمقره الجديد يمدهم بالرجال والأقوات، واجتمع هؤلاء وفلال ~~المدائن واحتفروا حول المدينة خندقا عظيما أحاطوه بحسك الحديد، وأقاموا بها العدد ~~والعدد وآلات الحصار وتواثقوا وتعاهدوا ألا يفروا، وأن يفنوا المسلمين عن آخرهم ويجلوهم عن ~~بلادهم. # جاءت هذه الأنباء سعدا وهو في مقره بقصر كسرى، فبعث بها إلى عمر بالمدينة، وكتب عمر إليه ~~أن سرح هاشم بن عتبة إلى جلولاء في اثني عشر ألفا، واجعل على مقدمتهم القعقاع بن ~~عمرو، ms217 وعين له من يكونون على الميمنة والميسرة والساقة بأسمائهم، وكان الجند قد جم واستراح، ~~وتحركت في نفسه الحماسة للقتال، بعد أن قضى بالمدائن أشهرا استمتع فيها بما فتح الله وأفاء ~~عليه من مغانم طائلة لا عهد له بمثلها، # 1 # وبلغ هاشم جلولاء، فألقى الفرس متحصنين بها، مستميتين في الدفاع عنها، ~~فحاصرها، ولم يكن الحصار وحده ليحملها على التسليم، فقد كانت الأمداد تجيء تباعا من حلوان، ~~كما كانت الأمداد تجيء إلى المسلمين تباعا من المدائن؛ لذا طال الحصار ثمانين يوما كان ~~الفرس يخرجون في أثنائها للقاء المسلمين ثم يرتدون إلى حصونهم منهزمين، وأيقن الفرس أنهم إن ~~أقاموا على ذلك ذهبت شوكتهم، ولم يغن عنهم أنهم أضعاف جند المسلمين عددا؛ لذا أمرهم قائدهم ~~مهران يوما فصبحوا المسلمين بأهول الحرب، يقول ابن كثير: «فاقتتلوا قتالا شديدا لم يعهد ~~مثله حتى فنى النشاب من الطرفين، وتقصفت الرماح من هؤلاء ومن هؤلاء، وصاروا إلى السيوف ~~والطبرزينات، # 2 # وحانت صلاة الظهر فصلى المسلمون إيماء، وذهبت فرقة المجوس وجاءت مكانها أخرى، ~~فقام القعقاع بن عمرو في المسلمين فقال: أهالكم ما رأيتم أيها المسلمون؟ قالوا: نعم! إنا ~~كالون وهم مريحون، فقال: بل إنا حاملون عليهم ومجدون في طلبهم، حتى يحكم الله بيننا، ~~فاحملوا عليهم حملة رجل واحد حتى نخالطهم! فحمل وحمل الناس، فأما القعقاع فإنه صمم ~~الحملة في جماعة من الفرسان والأبطال والشجعان حتى انتهى إلى باب الخندق، وأقبل الليل ~~بظلامه.» ورأى القعقاع الناس يتحاجزون لإقبال الليل فنادى مناديه «أين أيها المسلمون! ~~هذا أميركم على باب خندقهم، فأقبلوا عليه ولا يمنعنكم من بينكم وبينه من دخوله!» وحمل ~~المسلمون وقاتلوا عدوهم قتالا أذكرتهم شدته ليلة الهرير إلا أنه كان أعجل، فلما انتهوا إلى ~~باب الخندق ورأوا القعقاع قد أخذ به، ورأوا الفرس ينهزمون أمامهم يمنة ويسرة إذ يحول ~~الخندق بينهم وبين الارتداد إلى المدينة، عند ذلك أخذهم المسلمون من كل وجه وقعدوا لهم كل ~~مرصد، حتى لقد قتل منهم في ذلك الوقت مائة ألف رجل، وفر من بقي منهم ms218 يريدون حلوان، فاتبعهم ~~القعقاع فأدرك مهران بخانقين فقتله، وفر الفيرزان على فرسه ينهب الأرض إلى حلوان، فذكر ~~ليزدجرد مصيبة جلولاء، ففر يزدجرد إلى الري، وقدم القعقاع حلوان، فخرج إليه ~~حماتها فقاتلوه قتالا شديدا، ثم انهزموا أمامه، ودخل المسلمون فغنموا وسبوا وضربوا الجزية ~~عليها وعلى ما حولها من الكور والأقاليم. # وكتب سعد إلى عمر بفتح جلولاء وبالغنائم العظيمة التي غنمها المسلمون فيها، وبنزول ~~القعقاع حلوان، واستأذنه في مطاردة الفرس داخل بلادهم، لكن عمر آثر الحذر فخالف بطل ~~القادسية وفاتح المدائن عن رأيه، وكتب إليه يقول: «وددت لو أن بين السواد والجبل سدا لا ~~يخلصون إلينا ولا نخلص إليهم، حسبنا من الريف السواد! إني آثرت سلامة المسلمين على ~~الأنفال.» # كان هذا الرأي الذي رآه عمر كله السداد، وليس يقف سداده عند إيثار سلامة المسلمين على كل ~~ما سواها، بل يتخطى ذلك إلى أن المسلمين لم يكونوا قد أمنوا العراق واطمأنوا إلى حياة ~~الاستقرار فيه، فقد كان شماله لا يزال مخشي الانتقاض، مع انتصار المسلمين بتكريت والموصل ~~وهيت وقرقيسياء، وذلك بعد فتح المدائن، وكان جنوبه على مثل هذه الحال مع إخضاع المسلمين ~~إياه قبل المدائن وبعدها، فليس من بعد النظر في شيء أن يدفع المسلمون جنودهم إلى جبال إيران ~~وإلى ما وراء هذه الجبال من سهول مترامية الأطراف، فإذا انتفض العراق من بعد، كما انتفض قبل ~~نزول سعد به وانتصاره الحاسم فيه، لم يكن التغلب عليه أمرا يسيرا، ومن الخير أن يتخذ ~~المسلمون جبال إيران حدا فاصلا بينهم وبين الفرس، وأن يفرغوا للقضاء على كل أثر للانتقاض ~~بالعراق، ليفرغوا بعد ذلك إلى تنظيم الحكم فيه. # هذا، ثم إن سياسة عمر كانت إلى ذلك العهد سياسة عربية ترمي إلى ضم الجنس العربي الممتد من ~~المحيط الهندي إلى شمال العراق والشام في وحدة يكون السلطان فيها لشبه الجزيرة، بل يكون ~~السلطان فيها للمدينة، وحسبه أن تطمئن هذه الربوع جميعا لوحدتها تحت هذا السلطان، وأن تكفل ~~فيها حرية الدعوة لدين الله بالحجة والموعظة الحسنة، وأن يكون ms219 بينها وبين الفرس والروم من ~~حسن الجوار ما يذهب عن العرب والمسلمين الروع، والله مظهر بعد ذلك دينه على الدين كله ولو ~~كره الكافرين. # لم يكن لسعد إلا أن ينزل على رأي أمير المؤمنين وحكمه، وقد أرضى هذا الرأي الأبطال والجند ~~بعد إذ رأوا القوات تسير بين حين وحين تقمع كل انتقاض يحدث في أنحاء السواد، وبعد إذ وقع ~~لهم من مغانم القادسية والمدائن وجلولاء أضعاف ما كانوا يطمعون فيه، فلم يكن حظ المحارب ~~من مغانم جلولاء دون حظه من مغانم المدائن، كان المال الذي أصابوه منها ثلاثين ألف ألف، ~~فيه من النفائس والتحف ما حمله الذين فروا من المدائن، ثم إنهم أصابوا من الدواب وعدة الحرب ~~ما لم يدع الفرس شيئا منه بالعاصمة، كما أنهم سبوا بجلولاء ولم يقع لهم بالمدائن سبي، ~~فلما قسم سعد هذا الفيء العظيم أصاب كل فارس تسعة آلاف وتسع دواب غير من كان له حظ في ~~السبايا ومن بينهن من نشأن في الدلالة والنعمة، فأعجزتهن هذه النشأة عن الفرار في الجبال ~~والسهول. # وبعث سعد بأخماس هذا الفيء إلى المدينة مع جماعة فيهم زياد بن أبي سفيان، فلما قدموا ~~على عمر وصف زياد فتح جلولاء وحلوان في بلاغة وبراعة وصفا دفع عمر إلى أن يقول له: «هل ~~تستطيع أن تقوم في الناس بمثل الذي كلمتني به؟» وأجابه زياد: «نعم يا أمير المؤمنين! فوالله ~~ما على وجه الأرض رجل أهيب في صدري منك، فكيف لا أقوى على ذلك مع غيرك!» وقام فقص على ~~الناس خبر الواقعة وفعال أبطال المسلمين فيها وكم قتلوا من الفرس، وما أصابوا منهم، كل ذلك ~~في عبارة قوية أخاذة بمجامع القلوب، وأعجب عمر به فقال: هذا والله الخطيب المصقع! ومست ~~هذه التحية قلب زياد فقال: «إن جندنا أطلقوا بالفعال لساننا.» # وأشار بعض أصحاب الرأي على أمير المؤمنين أن يجعل الفيء في بيت المال، فقال: والله لا ~~يجنه سقف بيت حتى أقسمه! وبات الفيء في صحن المسجد وعليه عبد الرحمن بن عوف وعبد ms220 ~~الله بن أرقم يحرسانه، فلما أصبح عمر وصلى بالناس الغداة وطلعت الشمس أمر فكشف عن ~~الفيء، فلما نظر إلى ياقوته وزبرجده وجوهره وذهبه وفضته بكى، فقال له عبد الرحمن بن عوف: ~~«ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟! فوالله إن هذا لموطن شكر!» قال عمر: «والله ما هذا ~~يبكيني! وتالله ما أعطى الله قوما هذا إلا تحاسدوا وتباغضوا، وما تحاسد قوم إلا ألقي ~~بأسهم بينهم.» # نقف هنيهة عند هذه الكلمة الحكيمة، فلم يكن العرب يعرفون الكسب الهين قبل أن ينهال عليهم ~~هذا الفيء العظيم من كل صوب، بل كانوا يسعون في مناكب الأرض يبتغون من رزق الله، فينال كل ~~منهم جزاء عمله على قدر حظه، كانوا يذهبون بالتجارة رحلتي الشتاء والصيف إلى اليمن وإلى ~~الشام يحتملون ما يصيبهم من مشقة الطريق ومن عادية المعتدين، وكانوا يحمون القوافل التي ~~تسير بين الغرب والشرق تحمل ما تحمل من أموال، لقاء أجر يتعرضون في سبيل اقتضائه لقتال من ~~تحدثهم أنفسهم بسلب هذه القوافل، وكانوا لذلك يلقون العناء في ما ينالون من أسباب العيش ~~ومتع الحياة، وها هم أولاء اليوم يغنمون من الحروب ما شاء الله أن يغنموا، ويجبى إليهم ~~من الخيرات ما شاء الله أن يجبى، فما عسى أن يؤدي إليه ذلك الانقلاب الخطير في حياتهم ~~الاقتصادية؟! لا عجب أن ينتهي بهم إلى الدعة وحب الترف، والدعة تدعو إلى التحاسد ~~والبغضاء إذ يريد كل أن ينال الحظ الأوفر ويزداد به ترفا ونعمة، والناس إذا استناموا للدعة ~~لانت قناتهم، وإذا تباغضوا ذهبت ريحهم، أين ذلك مما يدعو الله إليه من إخاء وتعاون ~~وتساند ليكون أبناء الأمة عزا للأمة، وليكونوا أعوانا للحق الذي أوحاه الله إلى رسوله ~~ينصرونه ويعززونه! وقد خشي عمر ما تؤدي إليه الدعة من لين وتباغض فبكى، وكأنما رأى ~~خلال الغيب ما خطه القدر في لوحه لهذه الأمة التي بايعته فعزت به وعز بها، وأسالت ~~النضار بفعالها في صحاري شبه الجزيرة الجرداء. # وقسم عمر هذا الفيء الذي أبكاه بين الناس على ملأ وتشاور وإجماع ms221 من المسلمين، ~~ونفل من ذلك بعض أهل المدينة، وقد صنع في هذه القسمة ما صنعه حين قسم الفيء الذي بعث ~~به سعد على إثر غزوة القادسية. # حضر زياد بن أبي سفيان قسمة هذا الفيء، ثم رجع إلى سعد بن أبي وقاص بكتاب عمر ~~وأمره ألا يطارد الفرس داخل بلادهم، وقرأ سعد الكتاب فأكبر حكمة أمير المؤمنين، ذلك ~~أنه يوم كتب إلى عمر باجتماع الفرس بجلولاء وإمداد يزدجرد إياهم بالقوات من حلوان، ~~كتب إليه كذلك بأن أهل الموصل من الروم اجتمعوا بتكريت على دجلة إلى شمال المدائن، وأن ~~كثيرين من نصارى العرب من إياد وتغلب والنمر انضموا إليهم ومالئوهم على مقاومة ~~المسلمين، وكتب إليه عمر، فبعث عبد الله بن المعتم إلى تكريت في خمسة آلاف، ساروا ~~إليها وحاصروها أربعين يوما، وأرهق الحصار المدافعين عن المدينة، فعزم الروم على الفرار في ~~السفن بأموالهم، وعرف ابن المعتم نبأهم، فراسل العرب النصارى يدعوهم إلى الإسلام وإلى ~~نصرته على أن يكون لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، فلما أجابوه إلى ما طلب ألقى إليهم ~~أن يأخذوا أبواب المدينة المؤدية إلى السفن على الروم، فإذا خرجوا ليركبوها قتلوا منهم من ~~قدروا على قتله، وحمل المسلمون على المدينة، وكبروا وكبر الأعراب من الجانب الآخر، فاضطرب ~~الروم وأخذوا في الخروج من الأبواب، فأخذتهم سيوف المسلمين من أمامهم وسيوف الأعراب الذين ~~أسلموا ليلتئذ من خلفهم، لم يفلت منهم أحد، عند ذلك جرد عبد الله بن المعتم ربعي ~~بن الأفكل العنزي ليسير إلى الموصل، تنفيذا لعهد عمر في كتابه إلى سعد، وسار ابن الأفكل ~~مسرعا ومعه من أسلم من إياد والنمر وتغلب، ففجأ الحصنين نينوى والموصل قبل وصول ~~أنباء تكريت إليهما، وأراد من بالحصنين المقاومة، فلما عرفوا ما أصاب تكريت أجابوا إلى ~~الصلح والجزية، وقسمت مغانم تكريت فبلغ نفل الفارس ثلاثة آلاف ونفل الراجل ألف ~~درهم. # بلغت هزائم الروم بتكريت والموصل سمع إخوانهم بالشام، وكانوا يلقون من بأس خالد بن ~~الوليد وأبي عبيدة بن الجراح ما سنقص نبأه بعد حين، ms222 فتولاهم الفزع أن يبلغ ~~المسلمون بالعراق تخوم الشام فيأخذوهم من خلفهم، على حين يقاتلهم خالد وأبو عبيدة ~~يدفعونهم متراجعين إلى تلك التخوم، بذلك يحصرون فلا يجدون ملجأ إلا الإذعان والتسليم؛ لذا ~~بعثوا إلى أهل الجزيرة الموالين للروم يستعدونهم على من عندهم من المسلمين، وبلغت ~~أنباؤهم هذه سعدا حين رجع هاشم بن عتبة منتصرا من جلولاء، كما بلغه أن جندا عظيما ~~من أهل الجزيرة اجتمعوا بمدينة هيت على شاطئ الفرات، فأرسل إليهم بأمر عمر جيشا جعل عليه ~~عمرو بن مالك، وألفاهم عمرو تحصنوا بالمدينة وحفروا خندقا حولها، فخلف الحارث بن يزيد على ~~حصارهم بعد أن تبين منعة موقفهم، وسار هو شمالا إلى قرقيسياء عند ملتقى الفرات ~~والخابور على تخوم ما بين العراق والشام، فأخذها عنوة على غرة من أهلها فأجابوه إلى ~~الجزية؛ ثم كتب إلى الحارث بن يزيد أن يخلي عن الجنود الذين تحصنوا بهيت إذا هم خرجوا ~~منها، وإلا حفر حول خندقهم خندقا وجعل أبوابه من ناحيته، وبعث الحارث إلى هيت بما عزم من ~~ذلك، فأيقنوا أنه الحصار حتى الموت، فأذعنوا وانصرفوا عن المدينة واحتلها المسلمون. # عرف سعد أنباء هيت وقرقيسياء وانتصار جنوده فيهما، فازداد إيمانا بحكمة عمر إذ أمره ألا ~~يتعقب جنود يزدجرد في جبال فارس وسهولها، فلو أنه تعقبهم بقواته ثم انتقض العراق أو ~~حاول الفرس إثارته لتعذر عليه قمع الفتنة فيه، ولقد بلغه بعد انتصار هاشم بجلولاء أن قوات ~~الفرس اجتمعت بماسبذان على تخوم ما بين العراق العربي من الشرق وفارس من الغرب، فأرسل إليهم ~~ضرار بن الخطاب في جيش قاتلهم بسهل ماسبذان، فهزمهم وقتل قائدهم، ثم طردهم إلى مدينة ~~ماسبذان فاستولى عليها عنوة ورأى أهلها فروا في الجبال، فدعاهم فاستجابوا إلى الجزية، ~~فأقرهم في مدينتهم. # أدى انتصار هذه الحملات المتلاحقة في شمال العراق وشرقه إلى خضوع أهله لسلطان المسلمين ~~وإذعانهم لأمرهم، وقد أذعن جنوب العراق قبل أن يذعن شماله وشرقه؛ ذلك بأن أهله رأوا بأس ~~المسلمين منذ غزاهم خالد بن الوليد والمثنى بن حارثة في عهد ms223 أبي بكر، وقد انتقض هذا الجنوب ~~على سلطان المسلمين حين انتقض العراق كله على هذا السلطان، فلما وجه عمر سعد بن أبي ~~وقاص إلى القادسية وجه عتبة بن غزوان لغزو الجنوب، فسار ومعه عرفجة بن هرثمة البارقي ~~إلى الأبلة، على مقربة من موقع البصرة اليوم، فاستردها من الفرس بعد قتال ظل سجالا ~~أسابيع عدة، وكانت الأبلة يومئذ مرفأ ترسو به السفن القادمة من الصين والهند والذاهبة ~~إليهما، وكان به من الهنود المشتغلين بالتجارة عدد كبير، وحمل أهل الأبلة ما خف من متاعهم، ~~وخرجوا منها حين انهزم المدافعون عنها، ودخلها المسلمون فغنموا ما فيها واقتسموه، ثم عبر ~~عتبة النهر على أثر الجيش المنهزم وتعقبه، واستولى على دست ميسان وأخذ مرزبانها أسيرا بعث ~~بمنطقته إلى المدينة، وعرف عمر ممن حمل المنطقة إليه أن العرب بالعراق شغفوا بأنعم الدنيا ~~حبا، فخشي مغبة ذلك عليهم، ودعا إليه عتبة يسأله عما أصابهم، واستخلف عتبة مجاشع بن مسعود ~~على الجيش والمغيرة بن شعبة على الصلاة، فلما عرف عمر استخلافه مجاشعا أظهر الغضب منه وقال ~~له: تستعمل رجلا من أهل الوبر على أهل المدر! أتدري ما حدث؟ وذكر له أن المغيرة بن شعبة ~~هزم الفرس بالمرغاب، وأنه برغم انتصار مجاشع بالفرات؛ قد أسند أمر الجند إلى المغيرة، حتى ~~لا يكون لبدوي إمارة على قرشي أو على رجل من أصحاب رسول الله. # لم يكن انتصار المغيرة على الفرس يسيرا؛ فقد اشتد القتال وتداوله الفريقان واستمات فيه ~~الفرس، وإنهم لكذلك إذ رأوا كتيبة حسبوها مددا للمسلمين فانهدت قوتهم فانهزموا، ولم تكن ~~هذه الكتيبة إلا نساء المسلمين خرجن من أخبيتهن، واتخذن من خمرهن رايات وسرن بها يردن ~~معاونة الرجال. # وأمر عتبة بالعودة إلى عمله، فاستعفاه من ذلك فأبى، وإن عتبة لفي طريقه إلى العراق إذ ~~وافاه أجله، فظل المغيرة على إمارة الجند مكانه. # 3 ~~••• # اطمأن الأمر للمسلمين في العراق فآن لهم أن يفكروا في نظامه وفي موقفهم منه، أتراهم ~~يتركونه مكتفين بأن يتركوا فيه من رجالهم من يفقهون أهله الذين ms224 أسلموا في دينهم، ومن يحصلون ~~الجزية ممن لم يسلموا؟ ذلك ما كان يفعله رسول الله حين كان الناس من قبائل شبه الجزيرة ومن ~~مدنها يعلنون إسلامهم، وكان يبعث إليهم من يفقههم في دينهم، ومن يقبض منهم الزكاة، ترى لو ~~أن عمر فعل ذلك بالعراق أفكان يأمن العاقبة؟ إن رسول الله لم يكن غزا القبائل ولم يكن فتح ~~المدن التي أسلمت، اللهم إلا مكة والطائف، مع ذلك انتهز المرتدون في أرجاء شبه الجزيرة أول ~~فرصة فأعلنوا تمردهم قبيل وفاته، ثم انتشرت الردة حين بيعة أبي بكر كما تنتشر النار في ~~الهشيم، هذا وأهل شبه الجزيرة كانوا عربا، فلم يكن سلطان المدينة ليثقل عليهم، ولم تكن ~~نفوسهم لتنفر منه كما ينفر غير العرب، طبيعي وقد أدت ردة العرب إلى ما عرفت من حروب أن يخشى ~~عمر تمرد الفرس من أهل العراق ولم يكن أكثرهم قد أسلموا، بل تمرد عرب العراق أنفسهم من أسلم ~~منهم ومن بقي على دينه، فقد ألف هؤلاء جميعا سلطان الحيرة وسلطان المدائن وما كان يحيط ~~بهذا السلطان من نعمة ورفاهية، كما ألفوا لونا من الحياة فيه ترف لا يتفق في كثير والحياة ~~العربية في شبه الجزيرة، ولا يتفق في كثير وتعاليم الدين الذي أوحاه الله إلى النبي العربي، ~~فلو أنهم تركوا وشأنهم لكانوا أدنى من عرب شبه الجزيرة إلى التمرد، وعمر أبعد نظرا وأشد ~~حذرا من أن يدع الفتنة يذر قرنها في بلاد فتحها، وهي بعد تجاور شبه الجزيرة وقد يمتد إليها ~~من هذه الفتنة شرر ما أغنى أمير المؤمنين عن التقدير لنتائجه. # لم يكن ذلك وحده ما يخلق بعمر أن يخشاه، فلو أنه أمن تمرد أهل العراق إذا تركهم وترك معهم ~~من المسلمين من يفقه الذين أسلموا منهم في دينهم لوجب عليه أن يحسب الحساب للفرس الذين ~~انهزموا أمام جيوشه إلى ما وراء جبالهم، لقد تمنى لو أن بينه وبينهم جبلا من نار فلا يخلص ~~إليهم ولا يخلصون إليه، ولكن هذا الجبل لم يكن موجودا، وليس عجبا ms225 أن يفكر الفرس الذين ~~انهزموا إلى سهول إيران في الرجعة إلى العراق ليثأروا لأنفسهم وليستردوا ما ضاع منهم، كما ~~فعلوا بعد أن استولى خالد بن الوليد على الحيرة والأنبار ثم فصل إلى الشام مددا لجند ~~المسلمين فيه، وثأر الفرس لأنفسهم أدنى إلى النجاح إذا انسحبت قوات المسلمين من العراق، أما ~~إن بقيت به وعززت مراكزها فيه فسيتردد الفرس طويلا قبل التفكير في الثأر؛ فإذا أقدموا عليه ~~كانت جيوش أمير المؤمنين في منعة وقوة وعدة للقائهم والقضاء عليهم وردهم إلى ما وراء ~~جبالهم، بل كانت في عدة للتقدم في سهولهم والاستيلاء على بلادهم، كما استولت على العراق ~~وأزالت عنه سلطانهم. # لم يغب هذان الاعتباران عن تقدير عمر، بل لعلهما لم يكونا موضع تفكيره؛ لأنهما بديهيان، ~~ولأن عمر يوم عزم متابعة الغزو في العراق لم يكن يقصد من غزوه إلى إجلاء الفرس عنه وتركه ~~بعد ذلك وشأنه، وإنما كان قصده أن يضم العراق وأن يضم الشام إلى هذه الوحدة العربية الممتدة ~~من خليج عدن والمحيط الهندي وخليج فارس في الجنوب إلى أقصى الشمال من بادية الشام؛ لذلك كان ~~طبيعيا أن يلي الظافرون بالعراق أمره، وأن يطمئنوا إلى الاستقرار به، وأن يتولوا تنظيم ~~الحكم فيه، أفيقيمون هذا النظام على نحو ما كان الروم والفرس يصنعون في البلاد التي ~~يفتحونها؟ أم ماذا عسى أن يكون النظام الذي يقرره عمر في البلاد المفتوحة للإمبراطورية ~~الإسلامية الناشئة؟ # لو أن أمير المؤمنين قدر لإرضاء جنده الظافر بالعراق لسار على خطة الفرس والروم ولجعل ~~لهذا الجند كل شيء، ولما ترك لأهل البلاد إلا الفتات الذي يفيض عن هذا الجند، كما أن دهاقين ~~الفرس لم يكونوا يتركون للفلاحين الذين يعملون في أرضهم إلا الفتات الذي يفيض عنهم، وقد غنم ~~جنود المسلمين في القادسية والمدائن وجلولاء وغيرها من الوقائع ما لم يكونوا يحلمون ~~بمثله، وقد رأوا من خيرات العراق في شتى أرجائه ما يغريهم بعيش نعمة وترف يستمتعون بما ~~يشاءون منه في ظلال سيوفهم، وأنت تذكر ما قاله خالد بن ms226 الوليد لجنوده يوم انتصر بالولجة أول ~~عهد المسلمين بغزو العراق، لقد قام يومئذ فيهم وقال لهم: «ألا ترون إلى الطعام كرفغ التراب! ~~والله لو لم يلزمنا الجهاد في الله والدعاء إلى الله عز وجل، ولم يكن إلا المعاش لكان الرأي ~~أن نقارع على هذا الريف حتى نكون أولى به، ونولي الجوع والإقلال من تولاه ممن اثاقل عما ~~أنتم عليه.» # وأين طعام الولجة من طعام المدائن! وأين ثراء الفرات من ثراء دجلة! وأين عظمة الحيرة ~~وجلال الخورنق والسدير من عظمة قصر كسرى ومقر ملكه وعرشه! والمسلمون هم اليوم سادة هذا ~~الثراء والناعمون به، وهم اليوم في أوج نصرهم، أفلا يجدر بعمر أن يرضيهم ويجعل لهم من أنعم ~~العراق ما كان يجعله كسرى لجنوده الظافرين، وما كان يجعله قيصر لجنوده الظافرين! # إلى هذا الأمر اتجه عمر بتفكيره، وفيه جعل يشاور ~~أصحابه، وكان أول ما دار بخاطره أن ذكر أوامر أبي بكر إلى قواده يوم وجههم إلى العراق ~~يفتحونه، لقد كان العرب في العراق يعملون فلاحين في أرضه، ثم ينالهم القليل من خيره؛ أما ~~وافر الخير فيذهب إلى الدهاقين الفرس الذين كانوا يسومون العرب الخسف والظلم، وقد أمر أبو ~~بكر قواده ألا ينالوا هؤلاء الفلاحين العرب بسوء، لا يقتلون منهم أحدا ولا يأخذون منهم ~~أسرى، ولا يسيئون إليهم في أمر يتصل بهم، وهذه السياسة كلها الحكمة لا ريب ويجب اتباعها مع ~~فلاحي العراق جميعا، عربهم وغير العرب، ويجب أكثر من هذا أن يشعر الفرس أنفسهم، ممن لم ~~يقاوموا الفاتحين ولم يقوموا في وجوههم أن الحكم الجديد لم ينل مصالحهم المادية بأذى، ولم ~~يصبهم في أشخاصهم وأهليهم بسوء، يتساوى من هؤلاء من أقاموا بأرضهم، ومن فروا فزعا من ~~القتال ثم عادوا إلى أرضهم آمنين وحسب الأمير المسلم أن يقتضيهم خراجا أو جزية لا ينوءون ~~بأيهما، بهذا، وبإقامة العدل بين الأهلين يطمئن المحكومون ويستريحون إلى سلطان ~~المسلمين. # على أنه يجب أن يشعروا كذلك بأن للحاكمين من القوة والبأس ما يحطم كل خيال للانتقاض يمكن ~~أن ms227 يداعب خواطرهم باسم الإباء الذاتي أو العزة القومية، ويجب لذلك أن تكون للفاتحين مدن ~~خاصة بهم، لا يشاركهم أحد من المحكومين في مساكنها، بل يستأثرون بها، ويجتمع جندهم فيها، ثم ~~يكون هذا الجند على أهبة للقتال في كل وقت، بهذا يأمن المسلمون ثورة العراق بهم، ويأمنون ~~تفكير الفرس في الثأر لأنفسهم، ويطمئنون إلى سلطانهم، وإلى أنهم قادرون في كل حين أن ~~يحافظوا عليه عزيزا كريما. # هذه هي السياسة التي استقر عندها رأي عمر بعد مشورة أصحابه، وقد أعانت الحوادث على ~~تنفيذها في هوادة لا تثير هواجس أهل العراق ولا هواجس الفرس، ولا تشعر المسلمين الفاتحين ~~بأنهم حرموا مغانم الفتح، ذلك لأن جو مدن العراق أضر بصحة الجند المسلمين، قدمت وفود الجند ~~على عمر من جلولاء وحلوان وتكريت والموصل يذكرون له الفتح والمغانم، فلما فرغ من النظر في ~~حاجاتهم قال لهم: «والله ما هيئتكم بالهيئة التي أبدأتم # 4 # بها! ولقد قدمت وفود القادسية والمدائن وإنهم لكما أبدءوا فما غيركم؟» قالوا: ~~«وخومة البلاد.» وبعث إلى سعد بالمدائن يسأله عما غير ألوان العرب، فأجابه بمثل ما قالوا، ~~وكان حذيفة بن اليمان مقيما بالمدائن مع سعد، وكان قد كتب إلى عمر قبل مجيء الوفود إليه ~~يقول: «إن العرب قد رقت بطونها، وجفت أعضادها وتغيرت ألوانها.» وخشي الخليفة ما يجره ذلك ~~على المحاربين من ضعف، فكتب إلى سعد يقول له: «إن العرب لا يوافقها إلا ما وافق إبلها من ~~البلدان، فابعث رائدا يرتاد لهم منزلا بريا بحريا ليس بيني وبينكم فيه بحر ولا جسر.» ~~وإنما أراد عمر بهذا الكتاب أن يحقق غرضين؛ أولهما: أن يكون المكان الذي يختار لمقام هؤلاء ~~العرب جافا كالبادية، تجري مع ذلك فيه المياه الصالحة، والثاني ألا يحول بحر أو جسر دون ~~إرسال المدد إلى الجند المقيمين بهذا المكان إذا احتاجوا يوما إليه، وكان حذر عمر يجعله ~~يرى البحر مركبا ذا خطر، ويرى لذلك ألا يفصل بينه وبين جنده ما يعرض المدد الذي يبعثه إليه ~~لأي خطر. # واستقدم سعد عبد الله ms228 بن المعتم من الموصل والقعقاع بن عمرو من جلولاء، وبعثهما ~~يرتادان المكان الصالح لمقام العرب كما وصفه أمير المؤمنين، وسأل عمر من حوله بالمدينة ممن ~~لهم علم بمواقع العراق أيعرفون مكانا بهذه الصفة، واتفق رأي الجميع على أن موضع الكوفة على ~~مقربة من الحيرة خير المواقع، فالكوفة كالحيرة تقع على الفرات في مكان نضارة وخضرة، وهو غير ~~بعيد مع ذلك عن الصحراء، وسار سعد من المدائن إلى موقع الكوفة فاختار أعلى مكان منها وأمر ~~أن يبنى المسجد عليها، وأن يترك حوله فناء فسيح قدر مرمى السهم من أوسط المسجد يكون سوقا ~~للبيع والشراء، وأقيم المسجد وبنيت له ظلة مائتا ذراع من أساطين رخام اتخذت من قصور ~~للأكاسرة تشبه سماؤها سماء الكنائس الرومية، وأحيط صحن المسجد بخندق لئلا يقتحمه الناس ~~ببنيان، وبني معمار فارسي من آجر مباني الأكاسرة دارا لسعد بحيال المسجد، جعلت فيها بيوت ~~الأموال، وسميت قصر سعد، وأقام الجند منازلهم حول فناء المسجد، فاختارت كل قبيلة مكانا ~~نزلته وجعلت به خيامها، فلما استقر الناس كتب سعد إلى عمر يقول: «إني قد نزلت بالكوفة ~~منزلا فيما بين الحيرة والفرات بريا وبحريا ينبت الحلفاء والنصى، وخيرت المسلمين بينها ~~وبين المدائن، فمن أعجبه المقام بالمدائن تركته فيها كالمسلحة.» # وطاب مقام الناس بالكوفة، ورجع إليهم ما كانوا فقدوا ~~من قوتهم، فأستأذنوا عمر في أن يقيموا منازل من القصب تكون أكثر من الخيام ثباتا، فأذن في ~~كتاب يقول فيه: «إن المعسكر أشد لحرمكم وأذكى لكم، وما أحب أن أخالفكم.» ولم يلبث الناس حين ~~قرئ عليهم كتاب عمر أن ابتنوا منازلهم من القصب وأقاموا بها، ثم وقع الحريق في هذه المنازل ~~فالتهمها، فأمسى أصحابها دون مأوى، أيعودون فيقيمون بالخيام؟ ذلك ملجأ لا غنى عنه ليقي ~~الناس العراء، لكنهم ألفوا المنازل فلم يبق لهم على المقام بالخيام صبر؛ لذلك بعثوا إلى ~~عمر يذكرون له خبر الحريق ويستأذنونه في البناء باللبن، فأذن لهم وقال «افعلوا ولا يزيدن ~~أحدكم على ثلاثة أبيات، ولا تطاولوا في البنيان، والزموا السنة ms229 تلزمكم الدولة.» وكذلك قامت ~~منازل الكوفة وأقام الناس بها، وجعلت تنازع الحيرة مكانتها حتى نزعتها عنها، وجعلت عاصمة ~~اللخميين أدنى إلى قرية تقوم إلى جانب هذا البلد الذي صارت في سنوات عاصمة ذات شأن في ~~التاريخ الإسلامي. # استقر سعد بالكوفة، فزاد في قصره بابا جعل له ظلة؛ لأن غوغواء الناس بالسوق كانت تمنعه ~~من الحديث، وادعى بعضهم أن سعدا قال لمعماره: سكن عني الصوت، وبلغ ذلك عمر وأن الناس يسمون ~~الدار قصر سعد، فسرح محمد بن مسلمة إلى الكوفة وقال له: «اعمد إلى القصر حتى تحرق ~~بابه، ثم ارجع عودك على بدئك.» وقدم ابن مسلمة الكوفة، وبلغ نبؤه سعدا فاستدعاه، فأبى ~~أن يدخل القصر، فخرج هو إليه وعرض عليه نفقة، فأبى أن يأخذها ورفع إليه كتاب عمر فإذا فيه: ~~«بلغني أنك بنيت قصرا اتخذته حصنا ويسمى قصر سعد، وجعلت بينك وبين الناس بابا، إنه ليس ~~بقصرك ولكنه قصر الخبال، انزل منه منزلا مما يلي بيوت الأموال وأغلقه، ولا تجعل على القصر ~~بابا يمنع الناس من دخوله وتنفيهم به عن حقوقهم، ليوافقوا مجلسك ومخرجك من دارك إذا خرجت.» ~~فلما تلا سعد ما في الكتاب حلف إنه ما قال الذي قالوا، واقتنع ابن مسلمة بصحة يمينه، ~~فعاد أدراجه، فقص على عمر الخبر كله، وقال له عمر: «فهلا قبلت من سعد؟!» قال ابن ~~مسلمة: لو أردت ذلك كتبت لي به أو أذنت لي فيه، وأجابه عمر: «إن أكمل الرجال رأيا من ~~إذا لم يكن عند عهد من صاحبه عمل بالحزم أو قال به ولم ينكل.» وعذر أمير المؤمنين سعدا ~~وأقره. # بنيت البصرة في الوقت الذي بنيت فيه الكوفة وبنيت على مقربة من الأبلة في دلتا النهرين ~~متصلة بالخليج الفارسي، وكان ذلك في السنة الثامنة عشرة من الهجرة، الرابعة من خلافة عمر، ~~وفي رواية أن البصرة أقيمت قبل الكوفة، وإن لم تبن دورها باللبن حتى بنيت به دور الكوفة، ~~ذكر البلاذري أن عتبة بن غزوان غزا الأبلة في السنة الرابعة عشرة للهجرة، فلما فتحها ms230 كتب ~~إلى عمر: إنه لا بد للمسلمين من منزل يشتون فيه إذا شتوا، ويسكنون فيه إذا انصرفوا من ~~غزوهم، وأجابه الخليفة: أن اجمع أصحابك في موضع واحد، ولكن قريبا من الماء والمرعى، واكتب ~~إلي بصفته، واطمأن عمر إلى موقع البصرة حين وصفه له عتبة، فنزلها الناس فبنوا مساكن ~~بالقصب، وبنى عتبة مسجدا من قصب كذلك، وكان الناس إذا غزوا نزعوا القصب وحزموه، فإذا رجعوا ~~من الغزو أعادوا بناءه، ثم إن الحريق التهم الكوفة، فأذن عمر فبنى أهل البصرة كما بنى أهل ~~الكوفة باللبن، وصارت البصرة من بعد ثغر العراق على الخليج الفارسي، فبنيت مساكنها ~~بالحجارة، وأقيم بها مسجد من أفخم المساجد ثم كان لها في تاريخ الإسلام مثل ما كان للكوفة ~~من أثر. # ليس من شأننا ونحن نؤرخ لعهد عمر أن نعدوه لنذكر ما قامت به كل من المدينتين من بعده، ~~وحسبنا أن نشير إلى أنهما تركتا، في تاريخ اللغة والأدب والفقه والثقافة الإسلامية، مذاهب ~~ما زال أثرها يذكر إلى اليوم، وقد كان بين المدينتين من التنافس في ذلك كله مثل ما كان ~~بينهما من التنافس في توجيه سياسة الدولة العامة وسياستها بالعراق خاصة، وقد بدأت كل مدينة ~~منهما تتبوأ مكانتها في عهد عمر، وكان ذلك طبيعيا؛ إذ كانت الكوفة عاصمة العراق، وكانت ~~البصرة ثغره الأول، وإذ استأثر أهل شبه الجزيرة بالمدينتين كما قدمنا، فهاجر أهل الجنوب من ~~اليمن وما جاورها إلى الكوفة، وهاجر أنصار المدينة وأهل الشمال إلى البصرة، وقد كان لهذه ~~الهجرة في غزوة فارس من بعد أحسن الأثر. # على أي الموارد كان يعتمد أهل المدينتين لحياتهم بعد إنشائهما؟ لقد اطمأن الأمر بالعراق ~~كله زمنا قبل أن تعود قوات المسلمين لقتال يزدجرد وجنوده بفارس فتغنم منهم الغنائم، ~~ولم يكن العرب أهل زراعة ليعتمدوا على عملهم في أرض العراق، أفكانوا يغصبون الفلاحين فيه ~~ثمرات كدهم كما كان يصنع دهاقين الفرس من قبل؟! # يتعدى الجواب على هذا السؤال أمر الكوفة والبصرة وما كان يعتمد عليه أهلهما في حياتهم إلى ~~ما ms231 كانت قوات المسلمين بالمدائن وجلولاء وتكريت والموصل وشتى أرجاء العراق تعتمد عليه ~~لحياتها، لقد ذكرنا من قبل أن عمر اتجه بسياسته إلى ما اتجه إليه أبو بكر قبله، فأمر قواده ~~وجنوده ألا ينالوا الفلاحين في العراق بأذى، وأن يقيموا بين أهله جميعا عدلا يطمئنون معه ~~إلى سلطان المسلمين فيه، وحسب الأمير المسلم أن يقتضيهم خراجا أو جزية لا ينوءون بأيهما، ~~فلما فتحت جلولاء كتب سعد إلى عمر في أمر الفلاحين، من فر منهم ومن أقام، وكان قد فر منهم ~~بضعة وثلاثون ومائة ألف يتألف منهم بضعة وثلاثون ألف بيت، فكتب إليه عمر: # أن أقر الفلاحين على حالهم إلا من حارب أو هرب منك إلى عدوك، وأجر لهم ما أجريته ~~للفلاحين قبلهم، وإذا كتبت إليك في قوم فأجروا أمثالهم مجراهم، أما من سوى الفلاحين ~~فذاك إليكم ما لم تغنموه - أي تفتحوه - ومن ترك أرضه من أهل الحرب فخلاها فهي لكم، ~~فإن دعوتموهم وقبلتم منهم الجزاء ورددتموهم قبل قسمتها فذلك، ومن لم تدعوهم ففيء ~~لكم لمن أفاء الله ذلك عليه. # 5 # ونفذ سعد أوامر عمر هذه، فأقر الفلاحين، ودعا من لج، ووضع الخراج على من رجع، وقبل ~~الذمة، واستصفى ما كان لآل كسرى ومن لج معهم من الأمراء والدهاقين وغيرهم وكان ما استصفاه ~~من هذه الأموال كثيرا موزعا بين جبل فارس وتخوم العرب، وكانت هذه الأموال التي استصفاها ~~سعد حبسا لا يجوز بيعه، كما لا يجوز بيع المنافع العامة من الآحام ومفيض المياه وسكك ~~البريد وما كان لبيوت النار: معابد المجوس. # ترتب على تنفيذ هذه السياسة أن بقيت للفلاحين أرضهم واعتبروا من أهل الذمة، سواء منهم من ~~أقام بأرضه في أثناء الحرب ومن فر منها جزعا ثم عاد بعد الحرب إليها، وكذلك ردت ~~الأرض المملوكة للذين اشتركوا في الحرب من الفلاحين وغير الفلاحين، ثم دعاهم سعد إليه ~~واعتبرهم من أهل الذمة ولما يكن قد قسم أرضهم بين رجال المسلمين، أما الأراضي التي كانت لآل ~~كسرى ولمن اشترك في الحرب من الأمراء والأشراف ms232 والدهاقين، فاعتبر ملكا خاصا للدولة، حرم ~~التعامل فيه، وأبيح للفلاحين من أهل العراق استغلاله لقاء أجر يدفعونه لخزانة الدولة، وقد ~~أجري هذا الحكم على الأراضي المملوكة لبيوت النار، فأما المنافع العامة من مجاري المياه ~~وسكك البريد فكانت ملكا عاما، حرمة التعامل فيها قائمة بحكم المنفعة التي خصص ~~لها. # أدى هذا التنظيم إلى تدفق الأموال في خزانة الدولة من مصادر شتى؛ من الخراج والجزية وأجر ~~الأرض المملوكة للدولة، وأجري العطاء من هذه الأموال على الجند وأهليهم بالكوفة والبصرة ~~وسائر مسالح المسلمين، وكان هؤلاء الجنود يودون لو قسمت أرض السواد بينهم وصارت ملكا ~~لأفرادهم ولذويهم من بعدهم، ولم يكن سخاء العطاء الذي يصيبهم ليمنعهم من أن يفاتحوا الولاة ~~بهذه الرغبة، لكن عمر كان يأبى عليهم ما يطلبون من ذلك، قائلا: «لولا أن يضرب بعضكم وجوه ~~بعض لفعلنا.» وإنما أبى عمر منذ اليوم الأول أن يجعل الأرض قسمة بين الجند حتى لا يسكنوا ~~إلى الزراعة ويألفوا حياة الاستقرار، فإذا دعوا إلى قتال اثاقلوا عنه، على حين لا تزال ~~الدولة في حاجة إلى قوتهم وحماستهم، وإلى جيش تام العدة دائم الأهبة، وكيف لأمير المؤمنين ~~أن يطمئن إلى استقرار جنده وقد يرجع الفرس غدا لثأرهم، وقد يثيرون العراق كما أثاروه من ~~قبل؟! فلتبق أرض كسرى ملكا للدولة يستغلها عمالها بأيدي الفلاحين من أهل العراق، ولتقم ~~جنود المسلمين بمسالحها متأهبة لإجابة كل دعوة للقتال. # وكان عطاء أهل الكوفة وأهل البصرة كعطاء غيرهم من المقاتلين رخاء ووفرة، بل لقد ضاعفت ~~كثرة المقيمين بهما هذا العطاء مما جعل أهلها في رخاء ورغد، مع ذلك نفس أهل البصرة على ~~أهل الكوفة موقع بلدهم وما كان يدره عليهم من الخير، سأل عمر بن الخطاب وفدا من أهل البصرة ~~قدموا إليه عن حاجتهم، فقال الأحنف بن قيس وكان معهم: «يا أمير المؤمنين! إن مفاتح الخير ~~بيد الله، وإن إخواننا من أهل الأمصار نزلوا منازل الأمم الخالية بين المياه العذبة والجنان ~~الملتفة، وإنا نزلنا سبخة ملتفة لا يجف نداها ولا ينبت مرعاها، ms233 ناحيتها من قبل المشرق البحر ~~الأجاج ومن قبل المغرب الفلاة، فليس لنا زرع ولا ضرع، تأتينا منافعنا وميرتنا في مثل مريء ~~النعامة، يخرج الرجل الضعيف فيستعذب الماء من فرسخين، وتخرج المرأة لذلك فتربق ولدها كما ~~يربق العنز، # 6 # يخاف بادرة العدو وأكل السبع، فإلا ترفع خسيستنا وتجبر فاقتنا نكن كقوم هلكوا.» ~~فزاد عمر في عطائهم وأمر عامله على الكوفة، وكان أبا موسى الأشعري، فأجرى لهم نهرا من دجلة ~~على ثلاثة فراسخ إلى شمالها. # وكذلك عاش المسلمون بالعراق في رخاء لا شيء من مثله في شبه الجزيرة، ثم كان لهم مع ذلك ~~الرخاء عزة السادة الفاتحين، وقد أقاموا على هذه الحال عدة سنوات لا يفكرون في فتح فارس ولا ~~يسعون إلى فتح جديد، مكتفين برد الهرمزان إذا حاول مناوشتهم في الجنوب الشرقي من ناحية ~~البصرة، ذلك أن عمر كان مصرا على رأيه أن يكتفي بالعراق والدفاع عن تخومه، ولذلك أبى على ~~الذين هزموا الهرمزان أن يلاحقوه داخل بلاده، وأمرهم أن يهادنوه على شروط نقضها الهرمزان ~~غير مرة فأخذ أسيرا وأرسل إلى عمر بالمدينة، وليس المقام ها هنا مقام تفصيل لما صنع ~~الهرمزان مع المسلمين وما صنعوه وسنعود إلى هذا التفصيل بعد حين. # أصر عمر على أن يكتفي بالعراق وأن يدفع الفرس عن تخومه، وكان الفرس قد شغلوا عن العراق ~~بما أصابهم من اضطراب بلاطهم وفساد أمرهم وتسلط الأثرة على نفوسهم، فاضطربت شئون هذا ~~العراق، وفسدت مرافقه، وتدهور إنتاجه، فرأى عمر أن يصرف همته إلى إصلاحه؛ لذلك أمر رجاله أن ~~يمسحوا أرضه، وأن ينظموا مجاريه ليصل الماء إلى كل بقعة صالحة للزراعة فيه، وأن يصلحوا ~~قناطره وجسوره، وأن يعمروا كل ما خربه الفساد أو خربته الحرب في أرجائه، وكان المهندسون ~~الفرس الذين أقاموا بالعراق خير عون على تنفيذ هذا الإصلاح، ذلك أنهم رأوا السلطان مستتبا ~~للمسلمين في البلاد ورأوا كسرى عاجزا عن استرداد هذا السلطان، ثم رأوا أمنا مطمئنا ~~وعدلا شاملا، فآثروا التعاون مع الفاتحين لخير العراق وأهله، وزاد ما تم من ms234 هذا الإصلاح ~~في ثبات السلطان الجديد واستقراره، فقد رأى كبراء الفرس الذين أقاموا أهل ذمة وردت إليهم ~~أموالهم ما يجره هذا الإصلاح لهم من زيادة ثروتهم، ورأى الفلاحون فيه عمرانا يزيدهم أمنا ~~ونعمة، ورأى العرب من أهل القبائل التي استقرت به أن بني جنسهم خير من الفرس حكما وأعم ~~عدلا، فاستراح الجميع إلى النظام الذي أقامه أمير المؤمنين أساسا لحكم البلاد، وانصرفوا ~~إلى أموالهم يثمرونها، وإلى أعمالهم يدأبون لإتقانها وتجويدها، وما كان لهم أن يتجهوا ~~بتفكيرهم إلى غير هذه الناحية وهم يرون قوات المسلمين على مقربة منهم في كل مكان، دائبة ~~الأهبة للقضاء على كل انتقاض يحاول أحدهم أن يثير ثائرته. # كان العمل للرزق وللثراء حافز أهل العراق جميعا، أما الفاتحون فكانوا في نعمة بما يصيبهم ~~من العطاء، وكانوا مع ذلك ينافس بعضهم بعضا وينفس بعضهم على بعض، وقد رأيت أهل البصرة كيف ~~نفسوا على أهل الكوفة موقع بلدهم وكثرة خيراتهم، وكانت القبائل التي أقامت بكل من هذين ~~البلدين تتنافس ويفاخر بعضها بعضا، ذلك أن روح القبيلة الأصيل فيهم حفزهم إلى هذا التنافس ~~وهذه المفاخرة، وزاد في حفزهم فراغ قوى هذا الروح وشجعه، ثم إنهم رأوا في مفاضلة عمر بينهم ~~وتفضيله قريشا على غيرها، ورفعه مكانة المهاجرين والأنصار على من سواهم، ما أغراهم بالكيد ~~لمن آثرهم الخليفة برعايته، وهذا الكيد هو الذي دعا بعضهم فنسب إلى سعد بن أبي وقاص ما ~~لم يقله حين بنى باب قصره، وسعى قوم بسعد إلى عمر أنه لا يحسن الصلاة، فأرسل عمر يسأل أهل ~~الكوفة في ذلك، وسأل عنه سعدا، فلما علم أنه يصلي بالناس صلاة رسول الله قال: ذلك الظن بك ~~يا أبا إسحاق! وبلغ من كيد أهل الكوفة لسعد أنه قال لهم يوما: اللهم لا ترض عنهم أميرا ~~ولا ترضهم بأمير، وكأنما استجاب الله دعاء سعد؛ فلم يكن أمير على الكوفة إلا سعى به أهلها ~~إلى الخليفة، ذلك أن الأمير كان يراهم يكيد بعضهم لبعض ويثور بعضهم ببعض، فيعمل للقضاء على ~~فتنتهم، ms235 فينقلبون إلبا عليه عند أمير المؤمنين. # لم يكن لهذا التنافس بين أهل الكوفة والبصرة وغيرهم من سائر المسلمين بالعراق أثر تخشى ~~مغبته في عهد عمر؛ فقد كان المسلمون جميعا جنودا يدعون إلى الميدان حينا بعد حين، فيسكن ~~تنافسهم، وينقلب أهلوهم إلى التطلع لأخبارهم وما يصيبون من نصر أو يصيبهم من ضر، هذا إلى أن ~~النشاط الذي ملأ أرجاء العراق لإصلاحه جعل الناس في شغل به عن الاستماع لهذه المنافسات ~~وأنبائها، ثم إن عمر كان إلى حزمه وشدته حكيما رحيما، فلم تدع شدته لفتنة أن تثور، ولم ~~تدع حكمته ورحمته لمظلوم أن يشكو، بذلك سارت الأمور في العراق راضية مطمئنة، لا تزعج ~~الخليفة ولا تزعج غيره من المسلمين. ~~••• # بينما كانت سعد بن أبي وقاص يسير من القادسية إلى المدائن ويبعث قواده إلى جلولاء ~~وتكريت والموصل، وينشئ الكوفة والبصرة، ويطمئن له الأمر في العراق كله، كان أبو عبيدة ~~بن الجراح وخالد بن الوليد ويزيد بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة ومن معهم ~~من القواد والجند يجاهدون الروم بالشام، وكان عمر بن الخطاب ينتقل من المدينة إلى بيت ~~المقدس وإلى دمشق، فلننتقل الآن إلى الشام لنصحبهم، فنرى كيف أتموا وحدة الجنس العربي من ~~جنوب شبه الجزيرة إلى شمال بادية السماوة. # | هوامش # الفصل الحادي عشر # | جلاء هرقل عن سورية # بينما كان سعد بن أبي وقاص يهزم الفرس بالقادسية، ثم يقتحم العراق إلى المدائن، وينشئ ~~البصرة والكوفة، وينظم الحكم في البلاد، كان أبو عبيدة بن الجراح وزملاؤه بالشام ~~يتقدمون فيه ويفتحون مدنه ويجلون الروم عنه، وما كان لهم ألا يفعلوا بعد أن هزموا تذارق ~~باليرموك، وفتحوا دمشق، وقضوا على قوات هرقل بفحل، وأخضعوا ما حولها من أرض طبرية وبيسان، ~~ذلك أن طبرية واليرموك وفحل ودمشق تقع كلها على مقربة من تخوم الشام إلى ناحية البادية، ~~وللروم من الحصون والمعاقل المنيعة في داخلية البلاد ما يهدد الغزاة إذ لم يفضوها على ~~حماتها، فليتقدموا إلى هذه المعاقل، وليفتحوا بلادا عزم أبو بكر ثم عزم ms236 عمر على ~~فتحها. # وكانت خطة الفتح بالشام تختلف عن خطته بالعراق، كانت إمارة الجند بالعراق موحدة منذ ~~تولاها خالد بن الوليد في عهد أبي بكر، وظلت كذلك من بعده حتى عهد بها عمر إلى سعد بن أبي ~~وقاص، أما الشام فأنت تذكر أن أبا بكر بعث إليه أربعة جيوش عين لكل منها منطقة، وجعل على كل ~~منها أميرا له تصريف القتال في منطقته، فإذا اجتمعت فأبو عبيدة بن الجراح أميرها، ~~وكان عمرو بن العاص هو الأمير على القوات التي أرسلت إلى فلسطين. # وقد اجتمعت هذه الجيوش على اليرموك حين عجز كل منها منفردا عن مواجهة الروم، وضاق أبو ~~بكر ذرعا بمقامها على اليرموك دون قتال، فبعث خالد بن الوليد من العراق إليها وجعله أميرا ~~عليها، فلما قبض أبو بكر وتولى عمر عزل خالدا ورد الإمارة إلى أبي عبيدة، وأبلغ أبو ~~عبيدة خالدا هذا الأمر بعد اليرموك في رواية، وبعد دمشق في رواية، وخلف أبو ~~عبيدة يزيد بن أبي سفيان في قوة على دمشق بعد فتحها، وسار ومعه خالد بن الوليد وعمرو ~~بن العاص وسائر القواد والجند، فهزم الروم بفحل، واستولت قواته على بيسان وطبرية وصالحوا ~~أهلها. عند ذلك كتب إليه عمر أن يغزو حمص، فسار بقواته شمالا نحو دمشق ومعه خالد بن ~~الوليد، وترك عمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة بالأردن ليفتحوا فلسطين، فكان عمرو هو أمير ~~قوات الحرب فيها مع بقاء أبي عبيدة أميرا على الجند كله. # والآن فلنتابع أبا عبيدة في مسيرته بالشام لنعود من بعد فنساير ابن العاص حتى يبلغ ~~بيت المقدس، فيقيم على حصارها حتى يعقد عمر الصلح مع أهلها، وليس يدعونا للبدء بمسايرة أبي ~~عبيدة أنه الأمير الأول، وإنما يدعونا لذلك أنه سيعود هو وخالد بن الوليد ليكونا مع عمر على ~~أبواب مدينة المسجد الأقصى، فمن الخير أن تكون رقعة الفتح بالشام كله مجلوة أمامنا في ذلك ~~اليوم المشهود، يوم سار الفاروق مع بطريق إيلياء # 1 # خلال المدينة المقدسة ليضع القواعد لمسجد الصخرة، فيربط في ms237 بقعة واحدة من الأرض ~~بين الأديان الثلاثة السماوية: اليهودية والمسيحية والإسلام. # كتب عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة يأمره بغزو خمص، فسار في قواته ومعه خالد بن الوليد ~~في طريق دمشق يريد غايته، فلما بلغ عاصمة الشام أمر هاشم بن عتبة ففصل في قوات العراق ~~مددا لسعد بن أبي وقاص فيما كان مقبلا عليه من غزو الفرس بالقادسية، وسار أبو ~~عبيدة يريد حمص، فاتصل بالقوة التي وقفت ردءا لدمشق من شمالها بإمرة ذي الكلاع ~~الحميري فأمرها بالسير معه، فلما بلغ مرج الروم إلى الشمال الشرقي من دمشق لقي جيشا من ~~الروم بعث به هرقل بإمرة توذر البطريق فوقف قبالته، وإنه لكذلك إذ أقبلت فرقة من الفرسان ~~على رأسها شنس الرومي مددا لتوذر، لكن شنس عسكر على حدة، وتداول أبو عبيدة وخالد بن ~~الوليد ما يصنعان، فاستقر رأيهما على أن يلقى خالد توذر، وأن يلقى أبو عبيدة شنس، ولا ~~يشكان في أن جيشي هرقل يريدان صدهما عن التقدم إلى حمص. # وقضى كل من الرجلين ليله ينظم خطته لمواجهة عدوه، فلما تنفس الصبح كان خالد قد استقر رأيه ~~على مصادمة توذر والقضاء عليه، ولكن ما أشد دهشته! فليس لتوذر وجيشه فيما حوله من الأرض ~~أثر، أين ذهب؟! وكيف ذهب؟! وكيف غابت عن حيلة القائد العبقري حيلته! ولم يك إلا كلمح البصر ~~حتى أيقن خالد أن غريمه انسحب بجنده من أول الليل يقصد دمشق، ثقة منه بأن حماتها لن يطيقوا ~~مقاومته، وظنا منه بأن جيش المسلمين كله سيقف بإزاء شنس يقاتله، وكانت حامية دمشق أضعف ~~بالفعل من أن تصد وحدها هذا الجيش الزاحف عليها، فلو أنه افتض المدينة وتحصن بها لما أغنى ~~الانتصار على شنس شيئا، ولعاد أبو عبيدة وخالد جميعا لحصار عاصمة الشام من جديد، ~~ولأضعف ذلك من عزم المسلمين وضعضع من ركنهم؛ لذلك استاذن أبا عبيدة وأسرع في كتيبة من ~~الفرسان يلاحق توذر حتى لا يدهم يزيد بن أبي سفيان في مأمنه، وكانت الأنباء قد بلغت يزيد ~~بمقدم توذر وجيشه، فخرج ms238 ليصدهم ولا علم له بأمر خالد وكتيبته، وأنشب يزيد القتال بعد أن غلق ~~أبواب المدينة آملا أن يطول الأمر بينه وبين الروم حتى يأتيه المدد، وبينما توذر يهاجمه ~~أقبل خالد في كتيبته فأخذ الروم من خلفهم، وكبر خالد وكبر الذين معه، فسمع رجال يزيد ~~تكبيرهم فأيقنوا مقدم المدد فزاد ذلك في قوتهم، أما الروم فما لبثوا حين سمعوا التكبير ~~وأحسوا هجمة خالد عليهم أن تداعت قواتهم واضطربت صفوفهم، فأخذهم يزيد من أمامهم، وخالد من ~~خلفهم وأمعنوا فيهم قتلا فلم يفلت منهم إلا الشريد، وغنم المسلمون خيلهم ودوابهم وأداة ~~حربهم وكل ما خلفوا من متاعهم، فقسمه يزيد على أصحابه وأصحاب خالد، ثم عاد إلى دمشق مجللا ~~بفخار النصر، مطمئنا إلى أن الله منجز المسلمين وعده ما صدقوا وصبروا وآثروا الآخرة على ~~الدنيا. # عاد خالد بعد هذه الموقعة التي قتل فيها توذر فسار إلى مرج الروم، فألفى أبا عبيدة ~~انتصر على شنس وقتله ومزق جيشه كل ممزق، وانطلق يلاحق فلوله إلى حمص، وبلغت هذه الأنباء ~~هرقل وبلغه أن أبا عبيدة يحاصر بعلبك، فارتحل إلى الرهاء بعد ما بعث إلى أهل حمص يعدهم ~~المدد ويشجعهم على المقاومة، وكيف لا يقاومون والفصل شتاء وبرد حمص قارس فلا طاقة لهؤلاء ~~العرب باحتماله والصبر عليه! ولم تطل مقاومة بعلبك، بل صالح أهلها أبا عبيدة فتركهم ~~إلى حمص، فحاصروها وعلى مقدمته خالد بن الوليد، وامتنع أهل المدينة بحصونها فلم يكونوا ~~يخرجون لقتال المسلمين إلا في اليوم الشديد برده، وبلغ البرد بالمسلمين أشده، وطال بالروم ~~الحصار وهم ينتظرون مدد هرقل أو جلاء المسلمين فرارا من البرد، لكن المسلمين صبروا، ومدد ~~هرقل لم يصل، وانصرم الشتاء، فأيقن أهل حمص أن لا طاقة لهم من بعد بهؤلاء الذين لا يبرحونهم ~~ولا يفتئون يضيقون الخناق عليهم، وإنهم ليختلفون، فيقول بعضهم بمصالحة المسلمين، ويرى بعضهم ~~الصلح عارا دونه الموت، إذا الأرض زلزلت فتصدعت جدران المدينة وتهافتت منها دور كثيرة، ~~فأخذ أهلها الرعب، ورأوا فيما حدث نذيرا من الله بعذاب شديد، ففزعوا إلى ms239 رؤسائهم يطلبون ~~الصلح فلا نجاة لهم إلا به. # ولو أن المسلمين اقتحموا حمص في هذا الوقت لما قاومت ولأخذوها عنوة، لكنهم كانوا قد ~~طال حصارهم لها، واشتد عليهم شتاؤها، ثم كان اضطراب الأرض بالزلزال قد رابهم وروعهم، فلم ~~يشعروا بما كان من رعب أهل المدينة وفزعهم؛ لذلك أجابوا رؤساء المدينة إلى الصلح حينما ~~فاتحوهم فيه، فتركوا لأهلها دورهم وبنيانهم، وصالحوهم على صلح دمشق في الخراج والجزية، ~~وأخذوا منهم من المنازل ما يكفي لإقامتهم، ثم إن أبا عبيدة كتب إلى عمر بما حدث، فبعث ~~عمر إليه: «أن أقم في مدينتك وادع أهل القوة والجلد من عرب الشام؛ فإني غير تارك البعثة ~~إليك بمن يكاتفك إن شاء الله.» # أقام أبو عبيدة في مدينته حتى تنصف الربيع من السنة الخامسة عشرة للهجرة، فلما زالت ~~عن جنده شدة الشتاء وما أصابهم من زمهريره، عاودهم النشاط للفتح، وانضم إليه أهل القوة ~~والجلد من عرب الشام فازدادوا نشاطا، فعاد أبو عبيدة يفكر في متابعة الغزو بشمال ~~الشام، وزاده إقبالا على هذا التفكير ما ترامى إليه من أنباء عمرو بن العاص وزملائه الذين ~~نازلوا جنود هرقل بفلسطين، وتداول المشورة مع خالد بن الوليد، فاستقر رأيهما على السير ~~شمالا إلى أنطاكية من ناحية، وإلى حلب من الناحية الأخرى، والطريق إلى أنطاكية بشاطئ نهر ~~الأرند، # 2 # ويمر بحماة وشيزر، وتهدده قلاع اللاذقية، ودون الطريق إلى حلب حصن قنسرين ~~تحيط به هضاب لا بد من اجتيازها قبل بلوغ هذا المعقل المنيع. # خلف أبو عبيدة عبادة بن الصامت على حمص، ومضى في الجيش نحو حماة، ففتحت له أدستان ~~أبوابها، ثم تلقاه أهل حماة مذعنين، فصالحهم على صلح حمص، وبلغ أهل شيزر أن المسلمين يسيرون ~~إليهم فأسرعوا إلى مصالحتهم على صلح حماة، وفتح أبو عبيدة سلمية، ثم سار حتى أتى ~~ثغر اللاذقية، فلما رأى أهلها مقدمه تحصنوا بمعقلهم وأغلقوا باب مدينتهم وأعدوا لمقاومة ~~عدوهم، مطمئنين إلى أنه إن حاصرهم استطاعوا الوقوف في وجهه، حتى يأتيهم المدد من طريق ~~البحر، ورأى أبو عبيدة ms240 حصون المدينة وأدرك صعوبة مرامها، وأنه إن يقف قبالتها يطل ~~وقوفه، فإذا جاءتها الأمداد كان بين أن ينصرف عنها عاجزا دونها، أو يقيم على حصارها فيصرفه ~~ذلك عن السير إلى أنطاكية؛ لذلك لجأ إلى الحيلة، فعسكر على بعد من المدينة ثم أمر أن تحفر ~~حفائر كالأسراب تستر الحفيرة منها الفارس راكبا، فلما فرغ رجاله من حفرها أظهروا أنهم ~~منصرفون عن المدينة إلى حمص، ورآهم أهل اللاذقية يسيرون فاطمأنوا ورجعوا إلى مألوف حياتهم، ~~فلما جن الليل عاد المسلمون أدراجهم فاستتروا بتلك الحفائر، وأصبح أهل اللاذقية ففتحوا ~~أبوابها وانتشروا بظاهرها، فلم يرعهم إلا المسلمون يخرجون من مكانهم مندفعين إلى المدينة ~~يدخلونها عنوة، فيقف حرسهم على بابها يمنعون أهلها من دخولها، وتحيط قواتهم بالحامية ~~المقيمة في حصونها، وفر الذين خرجوا إلى ظاهر المدينة، تولاهم الفزع فهم يطلبون النجاة ~~حيثما وجدوا إلى النجاة سبيلا، ولم يجد الذين أقاموا بالمدينة بدا من التسليم فسلموا، ~~وطلب الفارون الأمان، فصالحهم أبو عبيدة على خراج يؤدونه قلوا أو كثروا، وترك لهم ~~كنيستهم وبنى المسلمون من بعد مسجدا على مقربة منها. # وسار أبو عبيدة من اللاذقية إلى معرة حمص # 3 # ففتحها، ووجه خالد بن الوليد منها إلى قنسرين كورة ولاية حلب، ولم تكن ~~مناعة قنسرين لتخفى على ابن الوليد، ولم يكن يخفى عليه ما يجيئها من مدد، ولكن! متى ~~راعت خالدا قوة حصن أو مناعة مدينة! ومتى ردته الصفوف المتراصة عن اقتحامها وخوض لجتها! ~~لذلك سار إلى غايته مطمئنا إلى أن الله ناصره، وكان لقنسرين حاضر إلى جنوبها يقيم بها ~~عرب من تنوخ وسليح في خيامهم وكأنهم طلائع لهذه المدينة المنيعة، شأنهم في ذلك شأن إخوانهم ~~العرب الذين ينزلون ظاهر المدن لحمايتها، وعلم الروم أن القادم عليهم هو العبقري القاهر، ~~فلم يطمئنوا إلى مقدرة أهل الحاضر على الوقوف في وجه الغزاة، فخرج ميناس، أعظم رجل في ~~المملكة بعد هرقل، على رأس جند عظيم، فسار إلى الحاضر فعبأ جيشه بها وأقام ينتظر مقدم ~~المسلمين ليصدهم عن التوغل في ملك قيصر، ms241 وبعث رجالا من أهل ثقته يتنطسون أخبار عدوه ليدبر ~~على ضوئها خطة لقائه، وإنه ليتنسم هذه الأخبار إذ فجأه خالد مع الصبح من حيث لا يدري، وحاول ~~ميناس أن يصد هذه المفاجأة، لكن خالدا كان قد أحكم تدبيره فهاجم الروم بكل قوته، فلم ~~يستطيعوا الصبر أمامه، وكيف يصبرون واسمه يهز القلوب، ويدك العزائم! وكيف يصبرون وقد تداولت ~~أسماعهم أنباء المسلمين وفتحهم دمشق وحمص وحماة واللاذقية! ومتى كان لجيش تحطمت قوته ~~المعنوية صبر! وحاولوا الفرار فإذا خالد قد أخذ عليهم مسالكه، فأمعن جنده فيهم قتلا فمات ~~أكثرهم على دم واحد، وتردى ميناس على رأسهم يتخبط في دمه، ولجأ الذين فروا إلى ~~قنسرين وتحصنوا، فتبعهم خالد إليها فألفاهم غلقوا أبوابها، عند ذلك بعث إليهم ~~النذير يقول: «لو كنتم في السحاب لحملنا الله إليكم أو لأنزلكم إلينا.» وقاومت حصون المدينة ~~زمنا أيقن أهلها بعده أن لا مفر لهم من النزول على حكم قاهر ميناس وتذريق وقواد الروم ~~جميعا، فبعثوا إليه طالبين الأمان على صلح حمص، لكن خالدا رأى أن يعاقبهم بمقاومتهم فأبى ~~إلا تخريب المدينة، ففر أهلها إلى أنطاكية تاركين أموالهم ونساءهم وأبناءهم وديعة بيد ~~القدر. # هذه هي الرواية المشهورة في فتح قنسرين، على أن بعض المؤرخين المولعين بالأدب يضيفون ~~إليها موقفا كان لجبلة بن الأيهم الغساني في الدفاع عن هذه المدينة، وأنت تعلم أن جبلة كان ~~آخر ملوك بني غسان من قبل هرقل، وأنه كان حليفا صادق الولاء للروم، وقد كان، كغيره من ~~ملوك بني غسان وملوك الحيرة محبا لشعراء العرب، يكرمهم ويحسن وفادتهم، وكان حسان بن ثابت ~~الأنصاري شاعر رسول الله أحب الشعراء إليه وأحظاهم عنده، ومدائح حسان فيه لا تزال تروى إلى ~~اليوم على أنها من عيون الشعر العربي، وكان جبلة مقيما عند جسر الحديد على نهر الأرند ~~قريبا من أنطاكية حين ترامت إليه أنباء قنسرين وحصارها، فسار إليها يخفف الضغط عنها ~~ويعين حاميتها على قهر عدوهم، وإنه لفي مسيرته إذ جاءته طلائعه برجل من المسلمين ذكر أنه ~~سعيد بن ms242 عامر الخزرجي، وأنه ينتمي إلى أجداد جبلة من مزيقياء إحدى بطون بني ثعلبة ~~العنقاء، وادكر جبلة حين سمع اسم الخزرج صديقه الشاعر الأنصاري، فسأل سعيدا: كم لك منذ ~~فارقته؟ وأجابه سعيد، عهدي به قريب، وقد دعاني إلى دعوة صنعها وأمر جاريته أن تنشد شعرا ~~فيك فأنشدت: # لله در عصابة نادمتهم # يوما بجلق في الزمان الأول # أولاد جفنة حول قبر أبيهم # قبر ابن مارية الجواد المفضل # يغشون حتى ما تهر كلابهم # لا يسألون عن السواد المقبل # بيض الوجوه كريمة أحسابهم # شم الأنوف من الطراز الأول # فلما سمع جبلة ذلك منه أجازه وذكر له أن الملك بعثه مددا لقنسرين، وطلب إليه أن يحذر ~~خالدا بأس جنوده ومضاء أسيافهم ، وتابع جبلة وجيشه السير مع الروم ولقي خالدا وكاد ينتصر ~~عليه لولا أن جاء المسلمين مدد رجح كفتهم، فهزموا جبلة واستولوا على المدينة المحصورة، ففر ~~من أهلها إلى أنطاكية من فر، وقدم أبو عبيدة في جنده فألفى خالدا تم له النصر، فصالح ~~أهل قنسرين على الأمان والجزية، وأن تهدم حصونهم وأسوارهم، ورأى العرب من أهل الحاضر ما ~~كان من ذلك، فأقبلوا يعلنون الطاعة وأسلم منهم كثيرون، أما من بقي على نصرانيته فضربت عليه ~~الجزية. # وهذه الرواية عن جبلة وسيره للدفاع عن قنسرين مرجوحة في رأيي؛ ولذلك لم يذكرها الطبري ~~وابن خلدون وابن الأثير وابن كثير ومن إليهم، وإن ذكرت في فتوح الشام المنسوب للواقدي، أما ~~الرواية المشهورة التي ذكرها المؤرخون الثقات فهي الراجحة، وقد كتب أبو عبيدة إلى عمر ~~بفعال خالد بن الوليد وقضائه على ميناس وجيشه واقتحامه قنسرين على منعتها، وقوله ~~لأهلها: «لو كنتم في السحاب لحملنا الله إليكم أو لأنزلكم إلينا.» فأخذ عمر الإعجاب بعبقرية ~~خالد بارزة في هذه الأعمال أيما بروز، وقال: «أمر خالد نفسه! يرحم الله أبا بكر! هو كان ~~أعلم بالرجال مني!» # هذه الكلمات التي قالها عمر تدلنا على أن خالدا أتى في قنسرين بمعجزات فاقت مواقفه ~~بدمشق وحمص وما سواهما من البلاد التي فتحها المسلمون منذ تولى عمر ms243 الخلافة إلى يوم تنفست ~~عنها شفتاه، ودلالتها على ذلك أشد وأقوى لما نعرفه عن عمر وسوء رأيه في خالد، حتى لقد عزله ~~عن إمارة الجيش أول ما آلت إليه إمارة المؤمنين، وقد بلغ من عمق الأثر الذي تركته هذه ~~الفعال في نفس عمر أن أسند إلى خالد إمارة قنسرين حين لقيه ببيت المقدس بعد أشهر من ذلك ~~اليوم. # ومن عجب أن تترك فعال خالد بقنسرين كل هذا الأثر في نفس أمير المؤمنين، وأن تكون ~~قنسرين عاصمة الولاية الممتدة حولها؛ ثم لا يقص المؤرخون الثقات من تفاصيل فتحها أكثر ~~مما رأيت، # 4 # وليس هذا الإيجاز مما خصت به قنسرين، بل جرى عليه الطبري ومن أخذ مأخذه، ~~وجرى عليه البلاذري ومن تابعه، فأجملوا وقائع الفتح بالشام إجمالا لا يتفق وتفصيلهم وقائع ~~العراق وما حدث فيها، وإنما فصلوا من وقائع الشام غزوة اليرموك وفتح بيت المقدس، وأعاروا ~~فتح دمشق بعض العناية، لاعتبارهم اليرموك مفتاح الشام كما اعتبروا القادسية مفتاح العراق، ~~ولأن دمشق عاصمة الشام وبيت المقدس مدينة المسجد الأقصى، وكم وددنا لو أنهم فصلوا ما حدث ~~بقنسرين لنقف منه على السر في كلمة أمير المؤمنين. # ذكرنا أن أهل قنسرين بعثوا إلى خالد يطلبون الأمان على صلح حمص، وأن خالدا رأى أن ~~يجزيهم بمقاومتهم، فأبى إلا تخريب المدينة، ففر أهلها إلى أنطاكية، فلما جاء أبو عبيدة ~~وعرف ما طلبوا رأى فيما أراد خالد أن يجزيهم به عدلا لا غبار عليه، ولذلك هدم حصون المدينة ~~وأسوارها ثم رأى أن يقرن إلى العدل الرحمة، فأجاب أهل المدينة إلى الأمان والصلح الذي ~~طلبوا، قيل: إن كنائس المدينة ومنازلها قسمت فاستولى المسلمون على نصفها، وقيل: بل أقيم ~~مسجد على بقعة من أرضها وترك ما سوى ذلك لأهلها كما كان فعاد الذين فروا إلى أنطاكية وقد ~~رضوا أداء الجزية، وأمر أبو عبيدة فأحسنت معاملتهم كما أحسنت معاملة غيرهم في البلاد ~~التي فتحها المسلمون، وقام العدل بينهم على أساس من المساواة الصحيحة وإنصاف الضعيف من ~~القوي. # مع ذلك بقي في ms244 نفوسهم من الحفيظة والحقد ما دفعهم إلى الانتقاض والغدر حين سار المسلمون ~~عنهم يريدون حلب، ووجه أبو عبيدة إليهم قوة حصرتهم وأخذت منهم بقرا وغنما وتركت ~~بينهم حامية تكفل إذعانهم، وتحمي مؤخرة الجيش الفاتح، واطمأن أبو عبيدة فسار حتى نزل ~~حاضر حلب فاجتمع له أصناف من عرب هذا الحاضر، صالحهم على الجزية، وأسلم منهم بعد ذلك من ~~أسلم، وقدم أبو عبيدة عياض بن غنم إلى حلب فحاصرها، فلم يلبث أن طلبوا الصلح مع أن ~~حصونهم منيعة، وما مناعة الحصون إذا تضعضعت القلوب وضعفت الهمم وخارت العزائم! وقد رأى أهل ~~حلب ما حل بمن قبلهم ورأوا المقاومة لا ترد هؤلاء الفاتحين الذين لا يهابون الموت، فألقوا ~~بأيديهم، قيل : إن عياضا قبل ما طلبوا من الأمان على أنفسهم وأولادهم ومدينتهم وكنائسهم ~~وحصنهم، فصالحهم عليه، وأن يدعوا مكانا يقيم المسلمون فيه مسجدهم، وقيل: بل صولحوا على ~~قسمة منازلهم وكنائسهم، وقيل: إن أبا عبيدة دخل حلب فلم يجد بها أحدا ورأى أهلها ~~انتقلوا إلى أنطاكية، فلما تم الصلح رجعوا إليها. # تردد ذكر أنطاكية في هذا الفصل، وقد رأينا من قبل أن هرقل لجأ إليها حين جلا عن حمص بعد ~~فتح دمشق، وسنرى أبو عبيدة الآن يسير إليها فيفتحها، فلا يلبث هرقل بعد فتحها أن يذر ~~الشام كله وأن يرتد إلى القسطنطينية، ثم لا يلبث جبلة بن الأيهم أن ينضم إلى المسلمين وأن ~~يذهب إلى عمر بالمدينة، وليس في ذلك عجب؛ فقد كانت أنطاكية إلى يومئذ عاصمة الإمبراطورية ~~الرومية في الشرق، والمدينة التي تلي فيها مدينة قسطنطين، وكان أباطرة الروم يؤثرونها على ~~الإسكندرية لقربها منهم، ولشعورهم بأنها أوثق ارتباطا بهم من العاصمة المصرية التي يفصلها ~~البحر عنهم، والتي كانت تثور الحين بعد الحين بهم؛ لذلك كانت أنطاكية موضع عنايتهم، فكانوا ~~يقيمون بها من المعابد والعمائر والملاعب ما جعلها تزهى على دمشق وغير دمشق من سائر مدن ~~الشرق، كان ذلك شأنها أيام الوثنية الإغريقية والرومية، ثم كان ذلك شأنها أيام ~~المسيحية، كانت معابد الأوثان تقوم في ms245 أرجائها فخمة ضخمة، وقد دكتها الزلازل غير مرة ~~فأعادها الأباطرة أكثر فخامة، وكانت الكنائس المسيحية التي قامت من بعد لا تقل عن تلك ~~المعابد جلالا ومهابة، ذلك أن لأنطاكية سبقا إلى المسيحية تفاخر به؛ فأهلها أول من أطلق ~~عليهم اسم المسيحيين، وبطارقتها يذكرون أن القديس بطرس هو الذي نصر آباءهم، وقد أقام ~~برنابا بينهم وأذاع تعاليمه فيهم، فكان له بالمدينة من التلاميذ والأتباع ما جعلها في ~~العصور المسيحية الأولى مقر نشاط ديني عظيم، ومقام بطريق آسيا، وقد عقدت بها في النصف ~~الثاني من القرن الثالث الميلادي عشرة مجامع كنسية تركت مقرراتها من الأثر في تكوين الفرق ~~المسيحية ما يفصله تاريخ النصرانية، ونشأ عن ذلك أن انفسحت رقعة المدينة في ذلك العهد فبلغ ~~ساكنوها مائة ألف نسمة، وما كانت لتضيق بمعيشة هذا العدد العظيم وموقعها عند مصب الأرنط على ~~بحر الروم يجيء إليها بكل ما يحتاج إليه أهلها محمولا على السفن من مختلف بلاد ~~الإمبراطورية، كما أن موقعها على طريق القوافل المؤدي إلى حلب، والمتفرع من حلب إلى العراق، ~~وإلى آسيا الصغرى، قد جعلها مستقر تجارة عظيمة متصلة بين الشرق والغرب. # ظلت هذه المكانة لأنطاكية إلى عهد عمر، فكانت عنده عظيمة الذكر والأمر، وكان فتحها يعادل ~~في نظره فتح المدائن وفتح بيت المقدس؛ لذلك كان ينتظر أنباء أبي عبيدة عنها بالتلهف ~~الذي كانت ينتظر به أنباء سعد بن أبي وقاص عن القادسية، ولم يكن أبو عبيدة يجهل ~~مناعة أنطاكية بموقعها وقوة حصونها، كما لم يغب عنه أن الروم الذين نجوا بعد هزائمهم في ~~وقائع الشام كلها قد اجتمعوا وعزموا الدفاع عنها، وكانت أنطاكية منيعة حقا، تحيط بها من ~~كل جوانبها أسوار رفيعة سميكة يدهش ارتفاعها ويدهش سمكها، وكانت هذه الأسوار ترتفع أحيانا ~~من أخاديد الوادي الممتد إلى ناحية حلب، وتعلو الجبال المحيطة ببعض نواحي المدينة أحيانا ~~أخرى، حتى ليخيل إلى الناظر إليها أن الجبال أحاطت بها من كل جانب، فلا سبيل إلى اختراقها ~~أو تخطيها. موقع هذه مناعته، وبه من قوات ms246 الروم كل من تراجع بعد حروب الشمال بالشام، جدير ~~أن يصد المسلمين عنه، بل أن يصرفهم عن التفكير في منازلته، وكان جديرا بهرقل أن يتحصن به، ~~وأن يجلب إليه عن طريق البحر كل مدد يدفع به عدوه ويغسل به العار الذي لحقه ولحق ~~إمبراطوريته، لكن هرقل لم يفكر في العود من الرهاء إلى أنطاكية، ولا في إمداد المدينة ~~العظيمة بل تركها يسير أبو عبيدة إليها، فيخرج إليه أهلها فيهزمهم في معركة حامية خارج ~~حصونها، ثم يحاصرها من كل جوانبها، فلا تجد مفرا من التسليم له والنزول على حكمه، وصالحهم ~~أبو عبيدة على الجزية والجلاء، ورحل عنهم. # وكأنما كبر على أنطاكية أن تنزل بها هذه الهزيمة ~~النكراء، فنقض أهلها عهدهم، فبعث أبو عبيدة إليهم عياض بن غنم، فقضى على انتقاضهم، ~~وصالحهم على الصلح الأول، وكتب أبو عبيدة إلى عمر بما كان من ذلك كله، فكان أمر ~~الخليفة إليه أن يرتب حامية مرابطة بأنطاكية، وألا يؤخر عن رجالها العطاء حتى لا تنتقض ~~المدينة كرة أخرى. # لم يبق بعد أنطاكية إلا أن يطهر المسلمون ما بقي من شمال الشام، وأن يقضوا على كل انتقاض ~~فيه؛ لذلك سار أبو عبيدة إلى حلب حيث اجتمع جيش من الروم كرة أخرى فهزمه وبدد شمله، ثم ~~فتح قورس ومنبج، وبعث خالد بن الوليد ففتح مرعش، بذلك كله اتصل الفتح في الشام ~~بالفرات، وقربت الشقة بين قوات المسلمين فيه وقواتهم في العراق، هذا إلى أن يزيد بن أبي ~~سفيان خرج من دمشق فغزا بيروت ففتحها وفتح الثغور المجاورة لها، وترامت هذه الأنباء كلها ~~إلى هرقل وهو بالرهاء فأيقن أن سورية لم تبق له، وأنها ضاعت منه وانسلخت عن ~~إمبراطوريته. # ماذا عساه يصنع؟ أفيبقى بالرهاء يؤلب أهل الجزيرة ~~ومن جاورهم ليقاوموا، ولعل القدر يبسم لهم بعد عبوسه؟! كلا بل تولاه اليأس وأيقن أفول نجمه؛ ~~لذلك سار من الرهاء قاصدا القسطنطينية، فلما مر بشمشاط كان خالد بن الوليد يسير في بلاد ~~قلقية من مرعش إلى تل أعزاز إلى الدلوك مهددا ms247 بذلك رجعته، وفصل هرقل مسرعا من ~~شمشاط فمر في طريقه بشرف علاه وأشرف منه على أرض سورية الجميلة وقال والهم ملء جوانحه: ~~سلام عليك يا سورية، سلاما لا اجتماع بعده، ولن يعود إليك رومي أبدا إلا خائفا! وبلغ ~~بزنطية منهد الركن، فألقى بها عصا تسياره دامي القلب كئيبا محسورا. # أليس عجيبا أن يكون ذلك مصير هرقل ومصير سورية! لقد غزا الفرس الروم في سنة أربع عشرة ~~وستمائة للميلاد واستولوا على الشام ومصر، فلم يلبث هرقل حين جلس على عرش الإمبراطورية أن ~~سار على رأس جيشه وحارب الفرس وهزمهم، وأجلاهم عن مصر والشام، واسترد منهم الصليب الأعظم، ~~ثم رده في حفل حافل إلى بيت المقدس، فما بال جيوشه تنهزم أمام المسلمين كل هذه الهزائم؟! ما ~~باله لا يتولى قيادتها ولا يبعث إليها من قوة روحه مثل ما فعل أول ما جلس على عرشه؟! بل ما ~~باله يبقى بعيدا عنها، فيقيم بحمص ثم بأنطاكية، ثم بالرهاء، ليفر آخر الأمر فرار الجبان ~~إلى بيزنطية فينزلها مذموما مدحورا؟! هذا ولما تكن عشر سنوات قد انقضت بين انتصاره على ~~الفرس وانهزامه أمام المسلمين؛ فقد هزم الفرس في سنة خمس وعشرين وستمائة، وبدأت هزائمه أمام ~~المسلمين سنة أربع وثلاثين وستمائة، وكان فراره من سورية كلها سنة ست وثلاثين وستمائة، أليس ~~لهذا الانقلاب العجيب من سر يمكن جلاؤه؟ أم أنه القدر دفع المصادفة فأدت إليه، فلا سبيل ~~لتفسيره ومعرفة أسبابه؟! # ليس في حياة العالم أمر لا يخضع لسنن الكون، ولو أنا عرفنا كل هذه السنن وأحطنا علما بكل ~~ما يقع من الحوادث جليلها ودقيقها، لاستطعنا أن نفسر الظواهر الاجتماعية، وأن نعرف ما يترتب ~~عليها، بالدقة التي نعرف بها مدار الأفلاك وسير الكواكب، لكن كثيرا من السنن لا يزال علمه ~~غائبا عنا، ومن حوادث الكون كثير تفوتنا معرفته؛ إما لأنه مضى ولم يدونه من سبقنا تدوينا ~~نطمئن إلى دقته، أو لأن حياتنا أقصر من أن نحيط في أثنائها بكل الدقائق التي تجعل حكمنا على ~~الظواهر الاجتماعية دقيقا دقة ms248 رياضية، لكن ذلك لم يمنع الكتاب والمفكرين في كل العصور من ~~أن يلتمسوا الأسباب ويرتبوا عليها النتائج، فإذا جاء بعدهم نظراؤهم محصوا آراءهم لينفوا ~~زيفها وليبلغوا بها غاية الدقة، وهذا التمحيص ابتغاء الدقة سيظل متصلا على الأجيال حتى ~~نبلغ من العلم بالسنن الكونية في شئون الاجتماع ما بلغنا من العلم بالقوانين الرياضية، ~~فتتجلى أمامنا أسرار الوجود الإنساني ويستوي لنا علم ماضيه ومستقبله، وأغلب ظننا أن الأمد ~~لا يزال بعيدا بيننا وبين هذا المبلغ، فليكن دأبنا مداومة التمحيص لمعرفة الحقيقة؛ فهذا ~~التمحيص هو مظهر الحيوية العقلية والنشاط الروحي، فإذا لم يتيسر لنا أن نكشف عن كل الحقائق ~~كاملة استطعنا أن نظفر منها بأكبر حظ مستطاع. # والآن ما سر الانقلاب الذي طرأ على هرقل وجيوشه، فجعلها تنهزم أمام قوات المسلمين ولما ~~تمض عشر سنوات بعد انتصارها على الفرس، وإجلائها إياهم عن مصر والشام، وتهديدها عاصمة ~~ملكهم؟! أتراها أجهدتها تلك الحروب وقد استطالت ست سنوات واستنزفت من الأموال ودماء الرجال ~~ما استنزفت؟ قد يكون لهذا السبب قيمته في بعض الأحيان؛ لكنه لا قيمة له فيما نحن بصدده، وهو ~~لذلك لا يفسر انقلاب الروم من النصر إلى الهزيمة في هذه السنوات القليلة، ذلك لأن قوة العرب ~~لم تكن كقوة الفرس أو كقوة الروم نظاما وعدة، وعشر سنوات كافية لتجنيد جيش جديد من أرجاء ~~الإمبراطورية لا يستطيع العرب تجنيد مثله عددا وعتادا، وقد رأينا في اليرموك ودمشق وفحل ~~والغزوات كلها أن أعداد الروم كانت تزيد على أعداد العرب أضعافا مضاعفة، ثم لم يغن ذلك ~~عنها ولم يؤتها القوة على المسلمين، بل صدقت كلمة خالد بن الوليد في اليرموك: «إنما تكثر ~~الجنود بالنصر وتقل بالخذلان لا بعدد الرجال.» لا مفر إذن من أن نلتمس لهذا الانقلاب ~~أسبابا أخرى تفسره وتجلوه. # وهذه الأسباب شتى، ولكنها تتضافر جميعا فتؤدي إلى نتيجة محتومة هي في رأينا علة ما حدث، ~~وخلاصة هذه النتيجة أن سياسة الدولة انتهت إلى برم الناس بها وسوء رأيهم فيها، وإلى ~~انصرافهم لذلك عن تأييدها، وعدم ms249 حماستهم لمؤازرتها، والنصر متعذر في جو نفسي هذا شأنه، ذلك ~~بأن التجنيد الحربي لا يكفي وحده لإحراز النصر، فالتجنيد المدني ليس دونه خطرا، ونحن نشعر ~~اليوم بهذا الأمر شعورا قويا، ويخيل إلينا أن مرجعه أن المدنيين يقاسون من أهوال الحرب ~~ما يقاسي الجنود في الميدان؛ فهم معرضون للحصر البحري، والغزو الجوي، وما إلى ذلك مما لم ~~يكونوا يتعرضون في تلك العصور لمثله، وهذا صحيح، ولكنه لا يصور إلا الناحية العنيفة مما قد ~~يتعرض المدنيون له، ولا يصور ما هم مطالبون به من تضحيات إيجابية متصلة هي أساس قوة الجند، ~~وعلى قدرها يكون رجاؤهم في النصر، فالمدنيون هم الذين يمدون الجيش بعتاده وأقواته، وهم ~~الذين يستحبون الحرمان حين الحرب ويؤثرون الجيش على أنفسهم وذويهم، ليكفل لهم نصره حياة ~~سلم فيها أمن ودعة، وهم إنما يبذلون هذه التضحيات مخلصين يوم يطمئنون إلى سياسة الدولة، ~~وإلى قيام الحكم على أساس العدل بينهم وإصلاح شئونهم، فإذا لم يرضوا هذه السياسة وبرموا بها ~~لم يبذلوا هذه التضحية إلا كارهين، ولم يكن عندهم من الحماسة لانتصار الدولة ما يزيد جيوشها ~~إقداما وبأسا، وهذه الحال النفسية أقوى أثرا في انتصار الجيوش وخذلانها من كل مدد ~~وعتاد. # وهذه الحال النفسية هي التي قوت هرقل ونصرته على الفرس، فقد كانت عوامل الفساد ~~والانحلال تدب في كيان الإمبراطورية الرومية قبل أن يجلس هذا العاهل على عرشها ويتولى ~~أمورها؛ لذلك غلبها الفرس واستولوا على ممتلكاتها، فلما قام هرقل بالثورة على فوكاس لسوء ~~حكمه وتولى الأمر مكانه، آمن الناس بأن عصرا جديدا يوشك أن يبزغ فجره، وأن الإمبراطورية ~~لن تلبث أن تسترد ما كان لها من عزة وسؤدد؛ لذلك أقبلوا على هرقل يؤازرونه مخلصين، يبذلون ~~من التضحيات كل ما يستطيعون بذله، ويرخصون أمنهم بل حياتهم في سبيل نصرته، وما أعظم ما ~~يستطيع من يرخص حياته! لذا ظفر هرقل فاسترد ما أضاع سلفه، وانتظر الناس من بعد أن يتحقق ~~رجاؤهم في العصر الجديد. # لكن هرقل ما لبث حين استتب له الأمر في مصر ms250 والشام أن لجأ إلى سياسة أحفظت عليه أهل مصر ~~والشام، لقد خوت خزائنه، ولا بد أن يملأها، فبهظ أهل هاتين الولايتين بالضرائب فنفروا، لكن ~~نفورهم من فداحة الضرائب لم يكن وحده ليغير على العاهل العظيم قلوبهم لو أنهم وجدوا عن ~~التضحية المادية عوضا في حكم يكفل لهم الأمن والحرية، ولا شيء أعز على الناس من حرية ~~العقيدة، إنهم ينفرون إذا حاولت صرفهم عما وجدوا عليه آباءهم بالحكمة والموعظة الحسنة، وهم ~~لا يستمعون إليك إلا أن يتبينوا إخلاصك لهم وحرصك على هداهم، فإذا اطمأنوا إلى ذلك قاربوك ~~في حذر أول الأمر، حتى إذا آمنوا بما دعوتهم بذلوا في سبيل إيمانهم دماءهم وأرواحهم، أما ~~وذلك شأنهم مع الذين يدعونهم للحق بالحسنى فأحر بهم أن تثور نفوسهم إذا أراد حاكم أن ~~يصرفهم قسرا عن عقيدتهم ليفرض عليهم عقيدة غيرها، فإذا لم يستطيعوا الثورة الصريحة عليه ~~مكروا به وتمنوا له السوء، وكان هذا شأن هرقل في مصر والشام وسائر بلاد الإمبراطورية؛ لذلك ~~تغيرت عليه النفوس ونفرت منه القلوب، فلم يجد سندا من قوة المدنيين ومن روحهم المعنوية ~~تؤازر جيوشه في حرب المسلمين. # فهو حين تم له النصر على الفرس وجاء بالصليب الأعظم إلى بيت المقدس أعطى اليهود العهد ~~الذي طلبوه بالأمان على أنفسهم ومعابدهم، لكن المسيحيون وقساوستهم جعلوا، بعد حفلة إعلاء ~~الصليب، يذكرون اليهود بالسوء ويغرونه بهم، إذ يتهمونهم بأنهم كانوا أشد من الفرس قسوة على ~~المسيحيين وأفظع منهم جرما في تدمير الكنائس وإحراقها، ولقد تردد هرقل بادئ الرأي في نقض ~~عهده، فلما ألح عليه من حوله وذكروا له من الحجج ما يحله من هذا العهد، زال تردده، فأمر ~~بإجلاء اليهود عن بيت المقدس بل أباح دماءهم «حتى لم يبق منهم في دولة الروم ومصر والشام ~~إلا من هرب أو اختفى.» # 5 # ولم يكن الذين هربوا من بيت المقدس إلى الصحراء فيما وراء نهر الأردن قليلين، ~~هؤلاء ظل حقدهم على هرقل لهذه الفعلة النكراء متقد الضرام لم يطفئه أنه أذن لهم من بعد ~~بالعود ms251 إلى موطنهم، فتربصوا، حتى إذا لاحت أعلام المسلمين ضووا إليهم وصاروا لهم أدلاء ~~يكشفون لهم عن عورات البلاد ويقفونهم على أسرار الدولة. # لم يكن اليهود وحدهم هم الذين أكل قلوبهم الحقد على ~~هرقل، بل كان النصارى يشكون كذلك مر الشكوى، ذلك أن هرقل رأى، حين اطمأن له الأمر، أن يوحد ~~المذاهب المسيحية في الإمبراطورية كلها، إيمانا منه بأن تعدد المذاهب هو الذي فرق كلمتها ~~وخضد شوكتها، وكان أكبر رجائه أن يحقق زعماء الكنيسة هذه الوحدة بحكمتهم لتقوم في أرجاء ~~الإمبراطورية على الرضا والوفاق، دون إجبار أو إكراه، ولو أن ذلك تم لكان قوة للدولة على ~~أعدائها، ولشاد لهرقل مجدا باقيا على التاريخ، لكنه لم يكن ليتم، فبقيت المذاهب على ~~تعددها، واضطر الإمبراطور أن يكره الناس على الإذعان للمذهب الرسمي الذي فرض عليهم، فمن ~~أبى حقت عليه كلمة العذاب، وأبى الناس فاضطهدوا، فشكوا إلى هرقل بطش عماله، فأعارهم أذنا ~~صماء، فانصرفت عنه النفوس ونفرت منه القلوب. # كان هرقل حسن القصد لا ريب حين أراد تحقيق الوحدة المذهبية، لكنه نسي حقيقة لو ذكرها لسار ~~غير سيرته، ولما تغير الناس عليه، فتوحيد القوانين تيسيرا للمعاملات بين الناس أمر مرغوب ~~فيه، بل أمر واجب، ومهما يكن من اختلاف الرأي في صلاح القانون الذي ينظم هذه المعاملات فمن ~~المستطاع تغييره يوم يخشى سوء أثره، لكن حرية الضمير في أمر العقيدة لا يمكن أن يحد القانون ~~منها أو أن ينظمها، فهذه الحرية ملاك حياتنا الإنسانية، كما أن الهواء ملاك حياتنا المادية، ~~لذلك يضيق الناس بكل حد منها، ويثورون أعنف الثورة بمن يحاول القضاء عليها، وزعماء الكنيسة ~~وأئمة المذاهب أحرص على حريتهم وعلى حرية الناس في هذا الأمر، فلن يتفقوا على حده ~~وتقييده، ذلك بأنهم إن قيدوه ضعف سلطانهم الروحي على النفوس وتزعزعت مكانتهم في القلوب، ~~وهذا ما حدث بالفعل حين اختار هرقل أسقفا لأنطاكية، وآخر لبيت المقدس، وثالثا ~~للإسكندرية، وفرض على الناس أن يقبلوا المذهب الذي أقره مجمع خلقدونية، فلم ينزل واحد من ~~هؤلاء الأساقفة عن ms252 مذهبه ولا عن حرية رأيه، ثم اختلفوا في سياستهم باختلاف طباعهم، فاضطهد ~~أسقف الإسكندرية المصريين ليحملهم على تغيير مذهبهم، ولجأ أسقف بيت المقدس إلى الحيلة، وكان ~~أسقف أنطاكية أوسع صدرا، ولو أن هرقل لم يفرض مذهبا ولم يلزم الناس اعتناقه لما انصرفت ~~عنه النفوس ولا تغيرت عليه القلوب، ولقد بلغ من تغيرها أن وقف أهل الشام حين غزا العرب ~~بلادهم لا تتحرك في نفوسهم الحماسة لدفعهم، بل كان كثير منهم يضرعون إلى الله في أعماق ~~نفوسهم أن تزول دولة قيصر عنهم، كتب أبو الفرج العبري يقول: «لما شكا الناس إلى هرقل لم يجب ~~جوابا، ولهذا أنجانا الله المنتقم من الروم على يد العرب، فعظمت نعمته لدينا أن أخرجنا من ~~ظلم الروم وخلصنا من كراهتهم الشديدة وعداوتهم المرة.» # فداحة الضرائب، وحقد اليهود، والاضطهاد الديني؛ هذه عوامل ثلاثة جعلت المدنيين من أهل ~~الشام ينظرون إلى الروم المحاربين فلا تحركهم حماسة لنصرهم، أو حرص على معاونتهم، وثم عامل ~~رابع تضافر مع هذه العوامل الثلاثة التي أدت إلى هزيمة هرقل وفراره من سورية، فلم تكن حماسة ~~العرب المقيمين على تخوم بادية الشام لتدفعهم إلى الاستماتة في قتال بني عمومتهم من أبناء ~~شبه الجزيرة، ولعل جبلة بن الأيهم كان أكثر هؤلاء العرب حماسة في نصرة هرقل، فهو مدين بملكه ~~للروم الذين عززوه ونصروه وجعلوا له من المكانة ما يخشى أن يزول إذا انتصر المسلمون، مع ذلك ~~لا تروي كتب التاريخ من مظاهر هذه الحماسة إلا تلك القصة المرجوحة التي أشرنا إليها حين ~~الحديث عن فتح قنسرين، والتي لا يثبتها المؤرخون الثقات في كتبهم، أما والجو الذي أحاط ~~بهرقل وجنوده هو ما رأيت، فلا عجب أن تدور عليه الدوائر وأن يأفل نجمه، وأن يفر إلى بزنطية ~~كاسف البال حسيرا مدحورا. # وهذه العوامل هي التي جعلته يدع لغيره قيادة جيشه، فقد سمع بفعال العرب في العراق لعهد ~~أبي بكر فآثر أن يقوم تذارق إلى اليرموك في عدد ضخم من الجند، فلما هزم الجيش وقتل تذارق ~~رأى ألا ms253 يغامر بنفسه مخافة أن ينهزم فيدفن في الميدان كل مجده، ولعله ذكر يومئذ رسالة النبي ~~العربي يحملها إليه دحية بن خليفة الكلبي وهو في طريقه إلى بيت المقدس يرد الصليب الأعظم ~~إلى قبر السيد المسيح، وذكر كيف استهان بهذه الرسالة ولم يكترث لها، وها هو ذا يرى العرب ~~الذين اتبعوا محمدا وآمنوا برسالته ينتشرون في الأرض ويندفعون إلى بلاده غزاة فاتحين، ~~يستحبون الموت على الحياة فيهب الله لهم كل أنعم الحياة، أين منهم جنوده الذين لا يصبرون ~~على البأساء ولا يجدون في الفرار عارا! وكيف لهرقل وذلك شأنه وشأن جنده أن ينتصر؟ بل وكيف ~~له ألا ينحدر من قمة المجد إلى حضيض الهوان؟ لقد نسي أن لله في الكون سننا لا تبديل لها، ~~وأن جهل هذه السنن يؤدي بالناس إلى الخطأ ويورطهم في الضلال، وهذا النسيان هو السبب فيما ~~أصابه، وما جعله في التاريخ عبرة المعتبر. # رأى جبلة بن الأيهم مصير هرقل، ورأى قبائل العرب من أهل الشام يهرع الكثيرون منهم إلى ~~الإسلام، فأيقن أن لا بقاء لملكه ولا لعزه إلا أن يسلم ويسلم ذووه معه، وكتب إلى أبو ~~عبيدة بإسلامه وإسلام بني غسان، فاغتبط أمين الأمة، وأبلغ النبأ أمير المؤمنين فاغتبط ~~عمر له، ثم إن جبلة كتب إلى عمر يستأذنه في القدوم عليه فأذن له، فخرج إلى المدينة في ~~خمسمائة من أهل بيته، وأمر عمر الناس باستقباله، فلم يبق بالمدينة بكر ولا عانس إلا تبرجت ~~وخرجت تنظر إلى جبلة وإلى زيه، وكان جبلة قد أمر مائتي رجل من أصحابه فلبسوا السلاح ~~والحرير، وركبوا الخيول معقودة أذنابها، وألبسوها قلائد الذهب والفضة، ولبس جبلة تاجه وفيه ~~قرطا مارية جدته، وأعجب أهل المدينة بذلك كله فلما انتهى جبلة إلى عمر رحب به ولطف له ~~وأدنى مجلسه. # وأقام جبلة بالمدينة زمنا ثم خرج مع عمر، فبينا هو يطوف بالبيت وطئ إزاره رجل من بني ~~فزارة فانحنى، فرفع جبلة يده فهشم أنف الفزاري، واستعدى الرجل عمر، فدعا جبلة وسأله فأقر ~~بما حدث، قال عمر: ms254 «قد أقررت فإما أن ترضي الرجل، وإما أن أقيده منك.» وأنكر جبلة ما سمع ~~وقال: «وكيف ذلك وهو سوقة وأنا ملك؟!» قال عمر: «إن الإسلام جمعك وإياه، فلست تفضله بشيء ~~إلا بالتقى والعافية.» قال جبلة: «قد ظننت يا أمير المؤمنين أن أكون في الإسلام أعز مني في ~~الجاهلية.» قال عمر: «دع عنك هذا، فإنك إن لم ترض الرجل أقدته منك.» قال جبلة: «إذن ~~أتنصر». قال عمر: «إن تنصرت ضربت عنقك؛ لأنك أسلمت فإن ارتددت قتلتك.» فلما رأى جبلة الصدق ~~من عمر قال: «أنا ناظر في هذا ليلتي هذه.» # وكان قد اجتمع بباب عمر من شتى الأحياء خلق كثير يعجب بعضهم لحزم عمر، ويرى بعض فيه شدة ~~ما أغناه عنها، وبلغ من اختلافهم أن كادت تقوم بينهم فتنة، فلما أمسوا تفرقوا وأذن عمر ~~لجبلة في الانصراف، وأسر جبلة إلى رجاله فتحملوا بليل إلى الشام فأصبحت مكة منهم خالية، ~~وتابع جبلة مسيرته إلى القسطنطينية، فدخل على هرقل متنصرا هو ومن معه، فسر بهم هرقل ~~وظن أنه فتح من الفتوح عظيم، وأقطعه حيث شاء وأجرى عليه ما شاء. # 6 # وعاش جبلة في جوار هرقل عيش ترف ونعمة يضاهئان ما كان له في ملكه بالشام أو يزيدان عليه، ~~لكنه ظل مع ذلك دائم الحنين إلى منازله بأكناف دمشق، روى أبو الفرج في الأغاني أن عمر بعث ~~رجلا إلى هرقل بكتاب منه، فلما أزمع الرجل الرحيل ذهب إلى جبلة فرأى ما هو فيه من عز يزيد ~~على عز هرقل نفسه، ورأى الجواري حوله يغنينه وينشدنه شعر حسان بن ثابت فيه، وسأل جبلة ~~الرسول عن حسان فقال: أما إنه مضرور البصر كبير السن، فأمر جاريته فأتته بخمسمائة دينار ~~وخمسة أثواب من الديباج دفعها إلى الرسول ليدفعها إلى حسان، ثم راود الرسول على مثلها لنفسه ~~فأبى، فبكى جبلة، ثم قال لجواريه: ابكينني، فوضعن عيدانهن وأنشأن ينشدن قول جبلة: # تنصرت الأشراف من عار لطمة # وما كان فيها لو صبرت لها ضرر # تكنفني فيها لجاج ونخوة # وبعت بها العين ms255 الصحيحة بالعور # فيا ليت أمي لم تلدني وليتني # رجعت إلى القول الذي قاله عمر! # ويا ليتني أرعى المخاض بدمنة # وكنت أسيرا في ربيعة أو مضر! # ويا ليتني بالشام أدنى معيشة # أجالس قومي ذاهب السمع والبصر! # ورجع الرسول إلى المدينة وذكر لعمر حال جبلة وصلته حسانا، فلما حصل شاعر رسول الله على ~~الدنانير والأثواب انصرف عن أمير المؤمنين وهو يقول: # إن ابن جفنة من بقية معشر # لم يغذهم آباؤهم باللوم # لم ينسني بالشام إذ هو ربها # كلا ولا متنصرا بالروم # يعطي الجزيل ولا يراه عنده # إلا كبعض عطية المذموم # وتجري بعض الروايات بأن جبلة اشتد حنينه إلى منازله بأكناف دمشق، وود لو استطاع أن يعود ~~إلى الإسلام فيعود إليها على أن يزوجه عمر إحدى بناته، وأنه مات قبل أن يصله رد عمر بإجابته ~~إلى ما أراد، وهذه الرواية غير صحيحة؛ لأن جبلة عاش إلى عهد معاوية بن أبي سفيان، قيل: إن ~~معاوية بعث إليه أن يرجع إلى الإسلام ووعده أن يقطعه غوطة دمشق بأسرها فأبى، وقيل: إن جبلة ~~بعث إلى معاوية يعرض الرجوع إلى الإسلام على أن يعطيه منازله وعشرين قرية من الغوطة، فكتب ~~إليه معاوية يجيبه إلى ما طلب، فوجده قد مات، وقد يستطاع التوفيق بين الروايتين الأخيرتين ~~بأن جبلة أبى ما عرضه عليه معاوية، ثم إنه ندم لإبائه فعاد يطلب ما رفض ومات قبل أن يجاب ~~إليه. # وكانت تقيم مع جبلة بالقسطنطينية جالية من أهله وعشيرته آثروه على منازلهم وأهلهم بالشام، ~~وقد قربهم ملوك الروم وأعزوهم فكانوا في بلاطهم حتى دالت دولتهم، يرجح ذلك أن عددا من رجال ~~البلاط في قصر هرقل وخلفائه كانوا يسمون باسم جبلة، وهو اسم عربي لم يعرفه الإغريق ولا عرفه ~~الروم قبل أن ينزل جبلة بن الأيهم عاصمتهم. # أقام جبلة في جوار هرقل يهز الحنين إلى منازله قلبه، وأقام هرقل حسيرا في عاصمة ملكه، ~~يود لو استطاع الرجعة إلى الشام يسير بين جناته الفيحاء، وجباله المجللة بالثلوج، وأوديته ~~الخصبة، حتى يبلغ قبر المسيح ببيت ms256 المقدس، أتراه يحاول هذه الرجعة وقد ودع سورية الوداع ~~الأخير، أم أنه وهن عزمه وانهد ركنه؟ ذلك ما سنرى من بعد، فلندعه الآن كاسف البال في قصره، ~~ولنعد إلى فلسطين نساير قواد المسلمين في ربوعه، حتى ندخل معهم بلد المسجد الأقصى. # | هوامش # الفصل الثاني عشر # | عمر في بيت المقدس # انتصر المسلمون باليرموك في أول خلافة عمر، وقد فرت ~~فلول الروم من هناك إلى فحل فاجتمعت بها، فبعث أبو عبيدة أبا الأعور السلمي ينازلها، ~~وسار هو إلى دمشق، وأقام أبو الأعور فيمن معه من الجند بإزاء تلك الفلول ومن انضم إليها من ~~المدد الذي بعث به هرقل إلى فحل، فلما فتح المسلمون دمشق عاد أبو عبيدة وخالد بن ~~الوليد وعمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة، فحاصروا الروم بفحل، وما زالوا بهم حتى هزموهم، ثم ~~استولوا على طبرية وبيسان ووقفوا على أبواب فلسطين، عند ذلك سار أبو عبيدة وخالد بن ~~الوليد إلى حمص تنفيذا لأمر عمر، تاركين عمرو بن العاص وشرحبيل على القوات التي كانت في ~~إمرتهم للاستيلاء على فلسطين، وفتح أبو عبيدة حمص، وسار المسلمون منها إلى حماة فحلب ~~فأنطاكية فشمال الشام وجنوب قلقية والنصر يسير في ركابهم، فلم يجد هرقل بدا من الفرار إلى ~~القسطنطينية، مودعا سورية الوداع الأخير. # بينما كان أبو عبيدة يسير مظفرا في شمال الشام، كان عمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة ~~يواجهان قوات الروم التي اجتمعت بفلسطين ويعملان للقضاء عليها، ولم يكن ذلك أمرا يسيرا، ~~فقد كانت هذه القوات عظيمة كثيرة العدد والعتاد، وكان على قيادتها أطربون # 1 # أكبر قواد الروم وأكثرهم غورا، وقد رأى ألا يفرق جنده في أماكن كثيرة حتى ~~تتوحد القيادة في يده، وحتى لا يفت ظفر العرب ببعض هذه القوات في أعضاد سائرها، فوضع ~~بالرملة جندا عظيما ووضع بإيليا # 2 # جندا مثله، وترك بغزة وسبسطية ونابلس واللد ويافا حامياتها، وأقام ينتظر ~~مقدم العرب عليه، واثقا من قدرته على الظفر بهم وتشتيت شملهم. # أدرك عمرو بن العاص دقة الموقف، ورأى أنه إذا واجه ms257 أطربون بكل جيشه فانضمت قوات الروم ~~بعضها إلى بعض لم يقدر عليها، وقد تقدر عليه؛ لذلك كتب إلى عمر، فأمر الخليفة يزيد بن أبي ~~سفيان أن يوجه أخاه معاوية إلى قيسارية ليفتحها، فلا يجيء إلى أطربون مدد من البحر عن ~~طريقها، وكانت قيسارية ثغرا جليل الخطر حصين الموقع تحميه قوة كبيرة، وسار معاوية ~~فحصر أهلها، فجعلوا يزاحفونه فيهزمهم ويردهم إلى حصونهم، فلما طال ذلك بهم خرجوا يقاتلونه ~~مستميتين فقضى عليهم حتى كانت قتلاهم في المعركة ثمانين ألفا، بلغوا بعد الهزيمة والفرار ~~مائة ألف، وبسقوط قيسارية والقضاء على جندها أمن المسلمون جانبها، وامتنع كل مدد يجيء ~~إلى الروم عن طريقها. # 3 # وحاصر العرب غزة كما استولوا على قيسارية، وكانت غزة قد سقطت في يد المسلمين أيام ~~أبي بكر ثم جلوا عنها، وبوقوع هذين الثغرين في نفوذ العرب أمن عمرو ناحية البحر، واضطر ~~أطربون إلى الاعتماد على القوات التي في إمرته دون غيرها. # لم يكتف عمرو بهذا، فقد رأى أطربون يتقدم بقواته إلى أجنادين، فوجه علقمة بن حكيم ~~ومسروقا العكي إلى ناحية إيلياء فشغل بهما جندها، ووجه أبا أيوب المالكي إلى ناحية ~~الرملة فلم يبق بد من احتفاظها بحاميتها، وكتب عمرو بذلك كله إلى عمر، وذكر له دهاء أطربون ~~وسعة حيلته، ووصف له من قوة الروم وعدتهم ما جعل الخليفة يأمر بإرسال المدد العظيم إليه، ثم ~~إنه أعاد النظر في الكتاب فابتسم لصفته أطربون بالدهاء والمكر، وقال لمن حوله: «قد رمينا ~~أطربون الروم بأطربون العرب فانظروا عم تنفرج.» # وبلغت الأمداد فلسطين، فبعث عمرو ببعضها قوة لمن شغلوا جند العدو بإيلياء والرملة وسار هو ~~في جلة الجيش يلقى أطربون بأجنادين، فإذا الروم بحصونهم وخنادقهم في منعة أي منعة، كيف ~~السبيل إليهم؟ وهل من يدله على مأتاهم؟ لم يجد لذلك وسيلة إلا الحيلة، فبعث الرسل يتفاوضون ~~في الصلح، وأسر إليهم أن يوافوه بمداخل العدو وعوراته، لكن الرسل لم تشفه، فآثر أن يتولى ~~الأمر بنفسه، على ألا يظهر عدوه على أمره، فلئن عرف أطربون أن ms258 عمرا هو الذي يحادثه ~~ليأخذنه أسيرا، ثم لن يفلته، هذا إن لم يقتله، وتنكر عمرو وسار إلى أطربون ودخل عليه كأنه ~~رسول بعد أن تأمل حصونه وعرف منها ما أراد، وتحدث الرجلان، فداخلت أطربون الريبة في شخص ~~محدثه، وقال في نفسه: «والله إن هذا لعمرو، أو إنه الذي يأخذ عمرو برأيه، وما كنت لأصيب ~~القوم بأمر أعظم عليهم من قتله!» ثم دعا جنديا من رجال حرسه، فأسر إليه إذا مر العربي ~~بمكان بذاته أن يقتله، وفطن عمرو إلى أن في الأمر كيدا، فقال لأطربون: «قد سمعت مني وسمعت ~~منك، فأما ما قلته فقد وقع مني موقعا، وأنا واحد من عشرة بعثنا عمر بن الخطاب مع هذا ~~الوالي لنكاشفه ويشهدنا أموره، فأرجع فآتيك بهم الآن، فإن رأوا في الذي عرضت مثل الذي أرى ~~فقد رآه أهل العسكر والأمير، وإن لم يروه رددتهم إلى مأمنهم وكنت على رأس أمرك.» # سمع أطربون هذا القول فخالج نفسه الشك فيما ظن، فاسترجع الحارس الذي أسر إليه بقتل هذا ~~العربي، وقال لعمرو: انطلق فجئ بأصحابك، وخرج عمرو مسرعا إلى عسكره لا يلوي على شيء ولا ~~يظن أن يعود لمثلها، وعرف أطربون الأمر فقال: «خدعني الرجل، هذا أدهى الخلق.» وبلغ عمر ما ~~حدث فقال: «غلبه عمرو، لله عمرو!» # لم يبق أمام عمرو إلا أن ينشب القتال بعد أن عرف مآخذه ومآتيه، وبعد أن أعد له عدته، ~~والتقى الجيشان بأجنادين كما التقى جيشا المسلمين والروم من قبل بالواقوصة على اليرموك، ~~وكلاهما يعلم ما لهذا اليوم في حياة الإمبراطورية وفي حياة الإسلام من أثر؛ لذلك بلغت شدة ~~القتال بأجنادين ما بلغت باليرموك، فكثر القتلى من الجانبين، وترجح النصر زمنا بينهما، لكن ~~المسلمين كانوا أكثر صبرا، فقد كانت أنباء أبي عبيدة وخالد بن الوليد وانتصاراتهما ~~بشمال الشام قد بلغتهم وبلغت الروم، وكان أهل فلسطين من اليهود والنصارى يقفون من حكامهم ~~ومن غزاتهم موقف المتفرج، لا تحركهم حماسة للروم ولا غضب على المسلمين، فكان لعمرو وجنوده ~~من أنباء إخوانهم، ومن موقف ms259 المدنيين حولهم، ما زادهم حماسة وحملهم على الثبات والنصر، فلما ~~آذنت الشمس بالمغيب رأى أطربون صفوفه تضطرب ورجاله تولاهم الإعياء، فانسحب في الناس ~~متقهقرا إلى ناحية بيت المقدس، ورآه علقمة بن حكيم ومسروق العكي في تقهقره فأمرا رجالهما ~~ففسحوا له طريقا، فدخل المدينة بمن بقي من جنوده معتمدا على مناعة حصونها وقوة مقاومتها، ~~منتظرا يوما يكون الحظ فيه أقل عبوسا فيكون له من الرجاء في النصر ما فاته هذا ~~اليوم. # وأمر عمرو علقمة بن حكيم ومسروقا العكي وأبا أيوب المالكي فعسكروا بقواتهم في أجنادين، ~~وأقام هو معهم ينظر في مهاجمة أطربون ببيت المقدس، ورأوا قبل مهاجمته أن يحيطوا به، وأن ~~يقطعوا خط رجعته من ناحية البحر ففتحوا رفح وغزة وسبسطية ونابلس واللد وعمواس ~~وبيت جبرين ويافا، فتحوا بعضها عنوة، وسلم بعضها ورضي الجزية بغير قتال، بذلك بقيت ~~بيت المقدس والرملة وحدهما حصينتين يحيط بهما المسلمون، أتراهم وقد أمنوا ألا يجيئهم أحد من ~~خلفهم يحاصرون بيت المقدس ويهاجمونها، أم يكتبون بذلك إلى عمر ويقيمون حيث هم إلى أن يجيئهم ~~رأيه؟ # وإنهم ليفكرون فيما يصنعون إذ تناول عمرو رسالة من أطربون يقول فيها: «أنت صديقي ونظيري، ~~وأنت في قومك مثلي في قومي، والله لا تفتتح من فلسطين شيئا بعد أجنادين، فارجع ولا تغتر ~~فتلقى ما لقي الذين قبلك من الهزيمة!» وتعجب عمرو حين قرأ الكتاب، ورد عليه بأنه «صاحب ~~فتح هذه البلاد.» وطلب إلى أطربون أن يشاور وزراءه لعلهم ينصحونه قبل أن يدهمه، لكن أجنادين ~~كانت قد استنفدت من جند المسلمين ما جعلهم بحاجة إلى المدد؛ لذلك آثر ابن العاص أن يكتب إلى ~~عمر يستمده ويستشيره، فبعث إليه يقول له: «إني أعالج حربا كئودا صدوما وبلادا ~~ادخرت لك فرأيك.» # 4 # تناول عمر بن الخطاب هذا الكتاب وقرأه، والثابت في روايات المؤرخين جميعا، المسلمين منهم ~~وغير المسلمين، أنه ذهب من بعد إلى بيت المقدس وعقد الصلح مع أهله، لكن ما حدث بين تناوله ~~الكتاب ومجيئه إلى فلسطين وعقده الصلح يقع عليه خلاف كبير. ms260 # ومن المتفق عليه أن أهل بيت المقدس تولاهم الروع من أجنادين، وثبت في نفوسهم أن مدينتهم ~~صائرة إلى العرب لا محالة؛ لذلك بادروا بالاتفاق مع الأسقف صفرنيوس فنقلوا الصليب الأعظم ~~وكل ما كان في الكنائس من الآنية، وجعلوا كل ذلك عند الساحل ثم وضعوه في سفينة وبعثوا به ~~إلى دار الملك بالقسطنطينية، ليوضع الصليب من بعد في كنيسة القديسة أيا صوفيا، وقد انسحب ~~أطربون بقواته من بيت المقدس إلى مصر قبل أن تبدأ مفاوضات الصلح بين عمر ورسل المدينة ~~المقدسة، لكن الخلاف يقع على ما سوى ذلك وعلى ما يتصل به من الحوادث، فهل تقدم عمرو بن ~~العاص فحاصر إيليا قبل أن يبرحها أطربون وقبل أن يحضر عمر بن الخطاب لمصالحة أهلها، أم هم ~~طلبوا الصلح قبل أن يحاصروا؟ وهل جاء خالد بن الوليد وأبو عبيدة بن الجراح من ~~الشام فتوليا حصار المدينة ولم يكن عمرو حاصرها، أم تولياه معه؟ وهل جاء عمر بن الخطاب من ~~شبه الجزيرة في أمداد اشتركت في الحصار ثم كانت مفاوضات الصلح، أم جاء في عدد قليل من ~~الرجال بعد أن طلب أهل إيليا الصلح على أن يعقدوه مع أمير المؤمنين؟ وهل طال زمن الحصار أم ~~قصر؟ هذه كلها أمور ترد في أمرها روايات يصعب التوفيق بينها وحسبنا أن نوجزها هنا لنفصل ~~بعدها ما أتمه عمر في بيت المقدس حين مفاوضات الصلح وبعدها. # يجمل بي قبل إيجاز هذه الروايات وتمحيص ما يستطاع تمحيصه منها أن أشير إلى أن موقع إيلياء ~~بالمنطقة الجبلية في جنوب فلسطين جعلها منذ القدم قلعة حصينة ذات شأن كبير من الناحية ~~الحربية، وأن قدماء المصريين كانوا يعتمدون عليها في رد أعدائهم الذين يحاولون الانحدار إلى ~~مصر من ناحيتها، وقد ثارت المدينة بحكم المصريين وتخلصت منهم ثم ردت إليه غير مرة، ففي ~~عهد داود وسليمان استقلت عن مصر فبنى سليمان هيكله بها، واحترق الهيكل واخترقت إيلياء كلها ~~حين غزا الفرس فلسطين في القرن السادس قبل الميلاد، وأعيد بناء الهيكل من بعد، ثم ms261 اتخذه ~~اليهود معبدهم والمكان المقدس لشعائرهم، فقووا عمارته وحصنوه وجعلوا منه قلعة ثبتت لغزو ~~الرومان في القرن الأول قبل الميلاد، وهدم هيرودس الهيكل حين تولى أمر فلسطين من قبل ~~الرومان، ثم أعاد بناءه وزاد فيه ورفع عمده، وجعله أكثر مما كان فخامة ومنعة، فلما استقرت ~~المسيحية بفلسطين وتطاول عليها العهد أهمل الهيكل حتى كاد يصبح أطلالا، مع ذلك ظلت المدينة ~~المقدسة معتمدة على مناعة موقعها وقوة حصونها، فلم تفتح أبوابها للفرس حين غزوها في أوائل ~~القرن السابع الميلادي، بل قاومت حصارهم ثمانية عشر يوما اضطرت بعدها للتسليم، فلما ~~استردها هرقل أذاق اليهود العذاب قتلا ونفيا وتنكيلا، لاتهامه إياهم بأنهم مالئوا الفرس ~~حين الغزو ودلوهم على عورات البلاد. # هذه اللمحة السريعة من تاريخ بيت المقدس تنفي الرواية القائلة بأنها لم تقاوم المسلمين، ~~وأن أطربون انسحب منها أول ما جاءه النبأ بمسير الغزاة إليها، وأن أسقفها صفرنيوس لم يلبث ~~حين بلغ عمرو بن العاص أسوارها أن بعث إليه يطلب الصلح على أن يحضر أمير المؤمنين فيتولى ~~عقده بنفسه، فقد رأيت كيف قاومت الغزو في كل تاريخها، وكيف قاومت الفرس قبل عشرين سنة من ~~مجيء المسلمين إليها، ولقد ظفر الفرس يومئذ بالروم في الشام وهزموهم في عدة مواقع، كما ظفر ~~المسلمون بهم في اليرموك ودمشق وفحل وأجنادين، ثم لم يحمل ظفر الفرس المدينة المقدسة على ~~الإذعان دون مقاومة، طبيعي وذلك شأنها أن تقاوم المسلمين كما قاومت الفرس، وأن تصدق الرواية ~~التي تقول إنهم حاصروها شهورا قبل أن تطلب الصلح، وأن ينهار القول بأنها سلمت بالصلح دون ~~مقاومة. # ويجب كذلك أن نستبعد الرواية القائلة بأن خالد بن الوليد أو أبو عبيدة بن الجراح ~~حاصرها أحدهما أو كلاهما، على ما ذكره الطبري وابن الأثير وابن كثير وغيرهم، يقول الطبري: ~~«كان سبب قدوم عمر إلى الشام أن أبا عبيدة حصر بيت المقدس، فطلب أهله منه أن يصالحهم ~~على صلح مدن الشام، وأن يكون المتولي للعقد عمر بن الخطاب فكتب إليه بذلك فسار عن المدينة.» ~~وإنما نستبعد ms262 هذه الرواية؛ لأن أبا عبيدة وخالدا كانا حين حصار بيت المقدس، في شغل ~~بفتح حمص وحلب وأنطاكية، وبإخضاع ما جاورها من البلاد، وأن هرقل كان إزاءهما بالرهاء يجمع ~~الجيوش لردهما على أعقابهما، وقد كان ذلك كله كما كان حصار بيت المقدس في السنة الخامسة ~~عشرة من الهجرة (636 للميلاد)، والراجح أن حصار بيت المقدس استطال شهورا من تلك السنة، كان ~~هذان القائدان يسيران في أثنائها بأقصى الشمال من سورية حتى يضطرا هرقل فيرحل إلى عاصمة ~~ملكه على البسفور، أما وذلك شأنهما فالقول بأن أحدهما أو كليهما حاصر بيت المقدس قول لا ~~ينهض، ويجب لذلك استبعاده. # بقيت الرواية القائلة بأن عمرو بن العاص هو الذي حاصر بيت المقدس، وأن حصاره لها طال، ~~وأنها قاومته مقاومة عنيفة، وهذه هي الرواية الراجحة في رأينا؛ لأنها تتفق وما عرف عن بيت ~~المقدس من مقاومة كل من أقدموا على غزوها في مختلف العصور، ولأن عمرو بن العاص لم يكن دون ~~أبي عبيدة مهارة في القيادة ومقدرة عليها؛ وحسبه أنه فاتح مصر معقل الروم المنيع، ~~ولعلك تذكر أنه ود، حين وجه أبو بكر الجيوش لغزو الشام أن يكون أميرا عليها، وأن عمر بن ~~الخطاب قال له يومئذ: «إنك إن لم تكن أميرا هذه المرة، فما أسرع ما تكون إن شاء الله ~~أميرا ليس فوقك أحد.» ومن قبل ذلك كان أميرا على الجند الذي عهد إليه أبو بكر في القضاء ~~على ردة قضاعة، رجل ذلك شأنه، وله من الحيلة في الحرب والسلم ما لم يشتهر غيره بمثله، وهو ~~بعد صاحب الإمارة على جيوش المسلمين بفلسطين وصاحب فتحها، هو لا ريب الذي تولى حصار بيت ~~المقدس، وهو الذي أقام على حصارها، والذي دارت محادثات الصلح بينه وبين أهلها. # وقد طال هذا الحصار واشتدت مقاومة المدينة، حتى كتب عمرو إلى عمر يستمده ويقول له: «إني ~~أعالج حربا كئودا صدوما وبلادا ادخرت لك فرأيك.» يقول الطبري في رواية: إن ~~أهل إيلياء «كانوا أشجوا عمرا وأشجاهم، ولم يقدر عليهم ولا على ms263 الرملة.» لذلك أمده ~~الخليفة بجند عظيم ليتقوى به ويقدر عليهم. # هل سار عمر من المدينة مع هذا الجند، أو بقي بها حتى فاوض أهل بيت المقدس عمرا في الصلح ~~واتفقوا على تسليم المدينة على أن يأتي الخليفة بنفسه ليكتب عهدها؟ المشهور أن عمر لم يترك ~~المدينة إلا ليتم الصلح مع أهل إيلياء، وأنه لذلك ذهب في نفر قليل، وبعض الروايات تجري ~~بما يخالف هذا المشهور، روي عن عدي بن سهل أنه قال: «لما استمد أهل الشام عمر على أهل ~~فلسطين استخلف عليا وخرج ممدا لهم، فقال علي: أين تخرج! إنك تريد عدوا كلبا.» وفي ~~رواية ذكرها ابن كثير «أن عمر ذهب إلى فلسطين يتم الصلح مع أهل إيلياء، وأنه سار بالجيوش ~~نحوهم واستخلف على المدينة علي بن أبي طالب.» ومن عجب أن يسير عمر بالجيوش لغير شيء إلا أن ~~يتم الصلح ويكتب عهده، ومن عجب كذلك أن يطلب أهل بيت المقدس أن يقدم عمر من المدينة ~~ليتم الصلح معهم وهم يعلمون أن بينه وبينهم مسيرة أسابيع ثلاثة تطرد العير في أثنائها مقبلة ~~من المدينة إليهم؛ لذلك أرجح أن عمر ضاق صبرا بطول الحصار وبكتب عمرو إليه عن بأس عدوه، ~~وأنه أمده، فلما طلب إليه مددا جديدا خرج مع المدد حتى نزل الجابية بين بادية الشام وأرض ~~الأردن، وكان أبو عبيدة وخالد بن الوليد قد فرغا من إخضاع الشام، فدعاهما ليوافياه إلى ~~الجابية حتى يتشاور معهما ومع غيرهما من قواد المسلمين في أنجع الطرق للقضاء على مقاومة ~~المدينة المحصورة. # وعرف أطربون وصفرنيوس مقدم عمر، وعرفا ما نزل بالروم على أيدي أبي عبيدة وخالد من ~~المصائب، وقدرا أن المدينة لن تستطيع المقاومة طويلا من بعد، فانسحب أطربون مستخفيا في ~~قوة من الجند إلى مصر؛ فلما اطمأن البطريق الشيخ إلى نجاته تولى مفاوضة المسلمين في تسليم ~~المدينة، وإذ كان قد علم أن أمير المؤمنين بالجابية فقد اشترط أن يأتي بنفسه ليكتب عهدها، ~~وليس بين الجابية وبيت المقدس ما يتعذر إجابة صفرنيوس إلى طلبه. ms264 # هذا ما أرجحه، وما يتفق وسياق التاريخ لوقائع الغزو بالشام وفلسطين، والرواية المشهورة لا ~~تأباه ولا تنكره مع أنها تخالفه في أن عمر إنما سار من المدينة بعد أن طلب أهل بيت المقدس ~~الصلح، مشترطين أن يتولاه الخليفة بنفسه، وأصحاب هذه الرواية يختلفون بينهم فيمن بعث بمطلب ~~أهل إيلياء أن يقوم عمر بمصالحتهم أكان أبا عبيدة أم عمرو بن العاص؛ كما يختلفون في ~~السنة التي تم فيها فتح المدينة، ولست أناقش أقوالهم ابتغاء تمحيصها بعد ما رجحت ما ~~يخالفها، فحسبي أن أثبت هنا هذه الرواية المشهورة عن سير عمر من المدينة إلى إيلياء. # ومجمل هذه الرواية أن عمر تناول كتاب قائده بالذهاب إلى فلسطين فقرأه على المسلمين ~~بالمسجد واستشارهم فيه، ورأى عثمان بن عفان ألا يبرح عمر المدينة: «فأنت إن أقمت ولم تسر ~~إليهم رأوا أنك بأمرهم مستخف ولقتالهم مستعد، فلم يلبثوا إلا اليسير حتى ينزلوا على ~~الصغار ويعطوا الجزية.» وخالف علي بن أبي طالب رأي عثمان وأشار على عمر بالسير إلى إيلياء، ~~فقد أصاب المسلمين جهد عظيم من البرد والقتال وطول المقام ... «فإذا أنت قدمت عليهم كان لك ~~وللمسلمين الأمن والعافية والصلاح والفتح، ولست آمن أن ييأسوا منك ومن الصلح ويمسكوا حصنهم ~~ويأتيهم المدد من بلادهم وطاغيتهم، لا سيما وبيت المقدس معظم عندهم وإليه يحجون.» وآثر عمر ~~رأي علي وأخذ به، فاستخلفه على المدينة، وأمر الناس بالتأهب للسير معه. # وسار عمر من المدينة حتى نزل الجابية # 5 # وكان قد كتب إلى أمراء الأجناد أن يوافوه بها ليوم سماه لهم، وأن يستخلفوا على ~~أعمالهم، فلما عرفوا مقدمه صاروا إليه يتقدمهم يزيد بن أبي سفيان، ثم أبو عبيدة، ثم ~~خالد بن الوليد على الجند في عرض يأخذ بالنظر، ورآهم عمر مقبلين عليهم الحرير والديباج، ~~فغلى الدم في عروقه لمرآهم، فنزل عن فرسه وأخذ الحجارة ورماهم بها وصاح مغضبا: «سرع ما ~~لفتم عن رأيكم! إياي تستقبلون في هذا الزي! وإنما شبعتم منذ سنتين، وبالله لو فعلتم هذا ~~على رأس المائتين لاستبدلت بكم ms265 غيركم.» واعتذر أمراء الجند قائلين: «يا أمير المؤمنين إنها ~~يلامقة وإن علينا السلاح.» ورأى عمر سلاحهم فخفف مرآه من ثورة غضبه فقال: «فنعم إذن.» ~~وركب حتى دخل الجابية وسار القوم في صحبته. # وبينما عمر معسكر بالجابية فزع الناس إلى السلاح إذ رأوا خيلا مقبلة عليها الفرسان في ~~أيديهم السيوف، فتبسم عمر لمرآهم وقال: مستأمنة، لا تراعوا وأمنوهم، وكان هؤلاء رسل ~~صفرنيوس أسقف بيت المقدس جاءوا يتمون الصلح مع أمير المؤمنين، وصالحهم عمر على صلح دمشق، بل ~~على صلح أكثر منه سخاء، وكتب معهم كتابا أورد الطبري نصه كما يلي: # بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من ~~الأمان: أعطاهم أمانا لأنفسهم وأموالهم، ولكنائسهم وصلبانها وسقيمها وبريئها وسائر ~~ملتها ؛ إنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينتقص منها ولا من حيزها، ولا ~~من صليبهم ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم ولا يضار أحد منهم، ~~ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود، وعلى أهل إيلياء أن يعطوا الجزية كما يعطي ~~أهل المدائن، وعليهم أن يخرجوا منها الروم واللصوص، فمن خرج منهم فإنه آمن على نفسه ~~وماله حتى يبلغوا مأمنهم، ومن أقام منهم فهو آمن وعليه مثل ما على أهل إيلياء من ~~الجزية، ومن أحب من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وماله مع الروم ويخلي بيعهم وصلبهم ~~فإنهم على أنفسهم وعلى بيعهم وصلبهم أن يبلغوا مأمنهم، ومن كان بها من أهل الأرض ~~فمن شاء منهم قعد وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية، ومن شاء سار مع الروم، ~~ومن شاء رجع إلى أهله، وإنه لا يؤخذ منهم شيء حتى يحصد حصادهم، وعلى ما في هذا ~~الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخلفاء، وذمة المؤمنين إذا أعطوا الذي عليهم من ~~الجزية. # وختم عمر الكتاب بتوقيعه، ثم أشهد خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعبد الرحمن بن عوف، ~~ومعاوية بن أبي سفيان. # رجع رسل صفرنيوس بالكتاب إلى بيت المقدس فاغتبط به الأسقف واغتبط به ms266 أهل المدينة جميعا، ~~وكيف لا يغتبطون وقد أقرهم المسلمون وأمنوهم على أموالهم وأنفسهم وعقائدهم، لا يضار أحد ~~منهم بسبب دينه، ولا يكره على شيء في أمره! وكيف لا يغتبطون وقد أباح هذا العهد لمن شاء من ~~أهل المدينة أن يرحل عنها مع الروم، وأباح لمن شاء من الروم ومن الأجانب المقيمين بالمدينة ~~أن يظلوا بها آمنين، ثم لم يفرض عليهم غير الجزية يؤدونها لقاء منعهم وكفالة أمنهم! أين هذا ~~مما كان يريد هرقل أن يكره أهل المدينة عليه من ترك مذهبهم إلى مذهب الدولة الرسمي فمن أبى ~~جدع أنفه، وصلمت أذناه، وهدم بيته! ألا إن هذا الصلح لعهد جديد فتح الله به على ~~النصارى من أهل بيت المقدس، وهو عهد لم يتهيأ لهم في التاريخ ولم يكن لهم رجاء قط في ~~مثله. # وترامت أنباء هذا الصلح إلى أهل الرملة، فتطاولت أعناقهم يريدون أن يعقدوا مع أمير ~~المؤمنين صلحا مثله، وكذلك كان شأن غيرهم من أهل فلسطين، وقد ظفر أهل اللد من عمر بكتاب ~~جرى عليهم وعلى البلاد التي دخلت من بعد معهم فيه، وفي هذا الكتاب أعطى عمر أهل اللد أمانا ~~على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبهم وسقيمهم وبريئهم وسائر ملتهم، وألا يكرهوا على دينهم، ~~ولا يضار أحد منهم، على أن يعطوا من الجزية ما يعطي أهل مدائن الشام، ولما فرغ أمير ~~المؤمنين من ذلك كله أقام على فلسطين رجلين جعل لكل منهما نصفها؛ فلعلقمة بن حكيم الرملة ~~وما معها، ولعلقمة بن مجزز إيلياء وما معها. # أتم عمر صلح فلسطين فصرف أبا عبيدة وخالدا ومن جاء معهما من شمال الشام كلا إلى ~~عمله، # 6 # ثم إنه أراد الذهاب إلى بيت المقدس مستصحبا عمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة، ~~فوجد فرسه لا يزال يتوجى، فجيء ببرذون فركبه، فلما سار جعل البرذون يتخلع به وتصلصل جلاجله، ~~فكره عمر ذلك منه، فنزل عنه وضرب وجهه بردائه وقال: «قبح الله من علمك هذا من الخيلاء!» ولم ~~يركب برذونا قبله ولا بعده، وأقام أياما جم في ms267 أثنائها فرسه فركبه ودخل بيت المقدس، ~~وتلقاه البطريق صفرنيوس وكبراء المدينة فتلطف بهم وأدناهم، وتحدث إليهم حديثا أدخل محبته ~~في قلوبهم؛ فقد رأوا منه الصدق فيما أعطاهم من أمان على أنفسهم وعقائدهم ومعابدهم، ورأوا ~~منه حبا للحق والعدل أين منه ما كان في عهد قيصر من بطش واضطهاد! وأمسى الوقت وانصرف ~~القوم على أن يلقوه صبح الغد، فلما خلا عمر بنفسه صلى شكرا لله على ما أنعم به ~~عليه. # وأية نعمة أكبر من أن يكون فاتح بلد المسجد الأقصى وخليفة رسول الله في الصلاة به! لقد ~~أنعم الله على عبده ورسوله فأسرى به ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بارك ~~حوله ليريه من آياته، فلما بلغ # صلى الله عليه وسلم # بيت المقدس صلى على أطلال هيكل سليمان إماما ~~لإبراهيم وعيسى وموسى، ومن يوم تمت هذه المعجزة بإذن الله لم يذهب رسول الله إلى فلسطين ولم ~~يرد المسجد الأقصى، وخلفه أبو بكر فلم يجعل الله من حظه أن يرده، وقد أوتي عمر هذا الحظ؛ ~~فتحت له بيت المقدس أبوابها، واستقبلته استقبال الظافر المحبوب لعدله وتسامحه وحرصه على ألا ~~يكره أحد في دينه، وبيت المقدس هي من بعد أول قبلة للمسلمين، وهي للنصارى مكان قبر ~~المسيح، ولليهود أرض المعاد، أفنعمة أكبر من هذه النعمة يشكر عمر ربه عليها! فإذا أقام ~~الليل بطوله مصليا، فلن يقضي إلا بعض ما عليه من حق، و # إن ربك ~~من بعدها لغفور رحيم ~~. # أصبح عمر فجاء إليه صفرنيوس فسار معه خلال المدينة يريه آثارها ومواضع الحج منها، وكم ~~ببيت المقدس من آثار! فهو بلد الرسل والأنبياء: إليه سار كليم الله يوم خرج من مصر ومعه بنو ~~إسرائيل؛ وبه كانت قصة صلب المسيح، وتقوم لذلك فيه كنيسة القيامة، يذكر المسيحيون أن جثمانه ~~دفن بها ثم رفع إلى السماء منها، وبه من آثار الأنبياء محراب داود وصخرة يعقوب، وهي الصخرة ~~التي تذكر كتب السيرة أن رسول الله صعد منها في المعراج، هذا إلى أطلال هيكل سليمان التي ms268 ~~بقيت تذكر ملكا عظيما وأنبياء عدة، ولقد قام الكثير من هذه الآثار على أطلال معابد ~~وثنية شادها حكام فلسطين من قبل رومية، وشاد مثلها قبلهم حكام فلسطين من قبل مصر، ~~ولعل صفرنيوس لم يضن على عمر فذكر له ما كان معروفا من قصص هذه المعابد، وهو كثير، ~~وبينما الرجلان بكنيسة القيامة أدرك عمر موعد الصلاة، فطلب البطريق إليه أن يصلي بها فهي من ~~مساجد الله، واعتذر عمر بأنه إن يفعل يتبعه المسلمون على تعاقب القرون، إذ يرون عمله سنة ~~مستحبة، فإذا فعلوا أخرجوا النصارى من كنيستهم وخالفوا عهد الأمان، واعتذر للسبب نفسه عن ~~الصلاة بكنيسة قسطنطين المجاورة لكنيسة القيامة، وكانوا قد مدوا له عند بابها بساطا يصلي ~~عليه، # 7 # وإنما صلى في مكان قريب من الصخرة المقدسة على أطلال الهيكل، وفي هذا المكان ~~شيد المسلمون من بعد مسجدا فخما، هو المسجد الأقصى، أما في عهد عمر فقد كان هذا المسجد ~~ساذج البناء كمسجد النبي بالمدينة يوم أقيم. # يذهب بعض المستشرقين إلى أن عمر إنما اعتذر عن الصلاة بكنيسة القيامة لما كان بها من صور ~~وتماثيل، وأنه أبدى العذر الذي ذكرناه سترا للسبب الحق، وحرصا على ألا يجرح شعور البطريق ~~الشيخ، وهذا تفسير غير صحيح لحادث تاريخي جليل الخطر في علاقة أهل الأديان المختلفة بعضهم ~~ببعض في مختلف بقاع الأرض، ومما يشهد بعدم صحته أن عمر زار كنيسة المهد ببيت لحم مع صفرنيوس ~~بعد زيارته كنيسة القيامة، فلما أدركه موعد الصلاة صلى بها، وفيها من التماثيل والصور ~~والصلبان ما بكنيسة القيامة بل ما يزيد عليه، ثم إنه خشي أن يتخذ المسلمون صلاته بها سنة ~~فيخرجون منها أصحابها، فكتب للبطريق عهدا خاصا يجعل هذه الكنيسة للنصارى، وألا يدخلها من ~~المسلمين أكثر من شخص واحد في المرة، هذا، وقد رأينا سعد بن أبي وقاص اتخذ إيوان كسرى ~~مصلى للمسلمين ولم يحرك ما به من التماثيل، وكان في مقدوره أن يزيلها بعد أن فتح المدائن ~~وأصبح صاحب الإيوان، وما كان لعمر أن يتحرج من ms269 الصلاة في الكنيسة وبها من الصور والتماثيل ~~ما بها وكان رسول الله قبل هجرته إلى يثرب يصلي عند الكعبة وبها من الأصنام والأوثان ما لم ~~يصده أو يصد مسلما عن الصلاة عندها، ولقد جاء إلى مكة بعد سبع سنوات من هجرته ومعه ألفان ~~من المسلمين لعمرة القضاء، فطاف بالبيت والأصنام لا تزال تعمره، وعلا بلال سقف الكعبة وأذن ~~لصلاة الظهر، وصلى محمد وصلى الألفان معه عندها صلاة الإسلام، وما كان لمحمد والذين اتبعوه ~~ألا يصلوا بمكان فيه صور أو تماثيل، والإسلام إيمان بالله، والأعمال فيه بالنيات، فمن صدق ~~إيمانه وخلص لله وجهه فأينما ولى فثم وجه الله، وإنما حطم محمد الأوثان والأصنام حول ~~الكعبة وفي جوفها يوم فتح مكة حتى يكون بيت الله حراما على كل دين إلا على الدين الذي ~~أوحاه الله إلى نبيه بينات من الهدى والفرقان، كي لا تذكر هذه الأصنام والأوثان أحدا ~~بجاهليته فيثور في نفسه إليها حنين، أما الذين صفت قلوبهم لله وتطهرت نفوسهم من كل عبادة ~~إلا عبادته جل شأنه فأولئك لا خوف عليهم أينما صلوا، وأولئك يرون وجه الله في كل خلقه، جل ~~ثناؤه وتباركت أسماؤه! # وكان اعتذار عمر عن الصلاة بكنيسة القيامة حادثا جليل الخطر في تاريخ الأديان وعلاقة ~~أهلها بعضهم ببعض في مختلف بقاع الأرض، فهو يصور تسامح الإسلام وصدق عمر في تمسكه بأن لا ~~إكراه في الدين، ويصور سياسة المسلمين لذلك العهد وقيامها على أساس من حرية العقيدة، وأن ~~الدعوة إلى سبيل الله إنما تكون بالحكمة والموعظة الحسنة، وبالمجادلة بالتي هي أحسن، فإذا ~~الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم، عجب أن يحدث ذلك على يد الفاروق في بيت المقدس لأكثر ~~من ثلاثمائة وألف سنة خلت، ثم يظل بيت المقدس مدار الحروب التي اتصلت من بعد على الأجيال ~~والقرون، ويبقى إلى عصرنا الحاضر مثارا للنعرة الدينية والتعصب المذهبي في شتى أرجاء ~~العالم، وموضع النزاع المستمر بين النصارى واليهود والمسلمين، ولو أن الملوك والساسة من أهل ~~الأمم المختلفة أدركوا ما أدركه ms270 عمر في ذلك العهد، ورأوا مثله أن لا إكراه في الدين، وجعلوا ~~ما لقيصر لقيصر وما لله لله، ولم يزعموا لأنفسهم حقا على فلسطين باسم أرض المعاد أو هيكل ~~سليمان، إذن لاستراح العالم من عناء يقاسيه في شتى أرجائه، لا تخلو منه قارة من القارات ولا ~~أمة من الأمم، قد يجيبك منصف بحق: ومتى أراد الناس أن يستريحوا؟ وهل لهم في غير المنازعات ~~وسيلة إلى الجاه والمجد والرخاء؟ أليس تاريخ العالم سلسلة متصلة الحلقات من الحروب أثارتها ~~الأهواء باسم الدين تارة، وباسم حرية العقيدة أخرى، والدين وحرية العقيدة مما يزعمون براء، ~~وإنما يتخذان تعلة لتسويغ الحروب إطفاء لشهوات وأهواء لا يعنيها من الدين ولا من ~~حرية العقيدة إلا أن تتحقق! وهذا جواب حق، وهو يدل على أن ضمير الإنسانية ما يزال في ~~طفولته، وأن تعاليم الأنبياء والرسل والفلاسفة والحكماء لما تثمر في نفس الإنسانية الأثر ~~الذي أراده أصحابها. # أما وشأن عمر في معاملة المسيحيين ما قدمت فلا حاجة بي إلى إدحاض ما زعم بعضهم من أنه ~~أثبت في صلح بيت المقدس عهدا على النصارى ألا يمنعوا المسلمين من دخول كنائسهم في الليل أو ~~في النهار، وألا يتحدثوا عن دينهم أو يحاولوا إقناع غيرهم باعتناقه، وألا يلبسوا لباس ~~المسلمين ولا يتزينوا بزينتهم، وألا يتكلموا العربية لغة الفاتحين ولا يتسموا بأسمائهم، ~~وألا يركبوا الخيل ولا يحملوا السلاح، وأن يقفوا إذا مر بهم مسلم، فإذا أقبل عليهم ظلوا ~~وقوفا حتى يجلس، وألا يبيعوا الخمر ولا يرفعوا على كنائسهم صلبانا ولا يدقوا أجراسها، ~~وألا يتخذوا خادما كان في خدمة مسلم، فلا شيء من هذا أو من مثله يتفق وموقف عمر بكنيسة ~~القيامة وكنيسة المهد، ولا شيء من مثله يتفق وما أبداه صفرنيوس وأهل إيلياء جميعا من ~~الغبطة لصلح عمر، وموقفه بالكنيستين واستقبال البطريق وكبراء المدينة له وإقبالهم عليه قد ~~فصله المؤرخون المسيحيون الأولون ولم يرد في كتب المتقدمين من مؤرخي العرب عنه شيء يذكر، ~~وإنما ينسب هذه الأمور إلى عمر دعاة هم الذين دفعوا ms271 الصليبيين لغزو فلسطين، ودعايتهم ذات ~~الهوى تضيف إلى الفاروق عن عمد كل ما حدث، في العصور المتأخرة عنه، من مساوئ الحكم أو مظاهر ~~التعصب، وقد أدت عوامل التدهور التي دبت من بعد في كيان المملكة الإسلامية إلى مساوئ في ~~الحكم، وقد كان بين المسلمين ومن انتسبوا إليهم في ذلك العهد المتأخر متعصبون ودعاة إلى ~~التعصب، لكن عمر كان بريئا من هذا كله، وكان ساميا عليه غاية السمو، وما حاجته إليه وقد ~~فتح الله له كل أبواب العالم، وقد كان الكثيرون يدخلون في الإسلام أفواجا غير مكرهين ولا ~~مضطهدين، وكانت جيوش الإمبراطوريتين الفارسية والرومية لا تثبت لجيوشه ولا تملك أمامها إلا ~~الهزيمة والفرار، فلو أن عمر لم يكن السياسي المحنك البعيد النظر لهدته مع ذلك فطرته إلى أن ~~يحسن معاملة أولئك الذين تفتح له أبواب مدنهم ويسلمونه مقاليد أمورهم، ما بالك به وقد ~~كان ملهما في السياسة، فلم يكن الظفر ينسيه الحذر أو يدفعه إلى التعاظم والبطر، ولم يكن ~~الحزم ينسيه أن العدل والرحمة أبلغ أثرا في نفوس الأمم المحكومة ما ظلت ساكنة إليهما، فلم ~~تدفعها النعرة إلى ما يوجب البطش والجبروت، ولذا أجمع المنصفون من المؤرخين المسيحيين على ~~الإشادة بعدل عمر وتسامحه ورفقه، وعلى إكبار موقفه ببيت المقدس واعتداله في الصلح مع ~~أهله. # ولم يغير من إجماع هؤلاء المنصفين ما روي من أن عمر قام يوما يخطب المسلمين ببيت المقدس، ~~فذكر في خطبته قوله تعالى: # من يهد الله فهو المهتد ومن ~~يضلل فلن تجد له وليا مرشدا ~~؛ فقام قس من النصارى كان ~~حاضرا فقال: إن الله لا يضل أحدا، فلما كررها قال عمر لمن حوله: «انظروا إن عاد إلى قوله ~~فاضربوا عنقه.» فأمسك القس لهذا النذير، وليس يرجع بقاء المنصفين على إجماعهم إلى أن هذه ~~الرواية لا تعتمد على سند ثابت بمقدار ما يرجع إلى أنها إن صحت لم تطعن على تسامح عمر ~~وعدله، فلم يكن عمر ساعتئذ في موقف جدل مذهبي مع هذا القس، وإنما كان في موقف الخطيب ms272 يذكر ~~المسلمين بما يؤمنون به ولا يمارون فيه، فتدخل هذا القس بالمقاطعة وتكريره لها إخلال ~~بالنظام يدعو إلى الظن بأن مقترفه أراد أن يفسد على أمير المؤمنين موقفه؛ لذلك لم يزد عمر ~~على النذير، فلما أمسك القس ولم يمض في المقاطعة مضى هو في خطابه حتى أتمه، ثم صلى ~~بالمسلمين ولم ينل القس بسوء. # ولو صح ما روي عن هذا القس لاتخذناه حجة جديدة على ما كان لتعدد المذاهب والفرق المسيحية ~~في ذلك العهد من أثر في الحياة العامة؛ فلم يغضب أحد من المسيحيين لنذير عمر ولم يجد فيه ~~مظهر تعصب أو اضطهاد؛ ذلك لأن تعدد المذاهب أدى بأصحابها إلى التقاطع، وجعلهم يرون في ~~مقاطعة القس مخالفة لآداب اللياقة لا يوجبها التعصب لعقيدة مقررة، أما والمسلمون يتسامحون ~~مع أصحاب المذاهب جميعا فيسوون بينهم ولا يجادلونهم في مقرراتهم، فقد استحق القس نذير عمر، ~~ولم يكن لأحد أن يعترضه أو يثور بسببه. # على أن تسامح عمر لم يكن معناه أن يدع بيت المقدس للمسيحيين، وألا يكون للمسلمين حظهم ~~الديني منه؛ فبيت المقدس قبلة المسلمين الأولى، وإلى مسجده الأقصى أسرى الله بعبده؛ فقدسيته ~~عند عمر لم تكن دون قدسيته عند النصارى، هذا إلى أن المسلمين لم يكونوا ينزلون بلدا حتى ~~يقيموا لهم مسجدا به، وقد ذكرنا أن عمر اعتذر لصفرنيوس عن الصلاة بكنيسة القيامة، وأنه صلى ~~بمكان قريب من صخرة يعقوب على أطلال الهيكل، وفي هذا المكان أقيم مسجده ساذج البناء كمسجد ~~النبي بالمدينة يوم أقيم، ذكر ابن كثير أن عمر استشار كعب الأحبار في أي مكان يصلي، وكان ~~كعب الأحبار يهوديا فأسلم، فقال له: إن أخذت عني صليت خلف الصخرة وكانت القدس كلها بين ~~يديك، فقال عمر: ضاهيت اليهودية، لا! ولكن أصلي حيث صلى رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وفي رواية ~~الطبري أن عمر سأل كعبا: أين ترى أن نجعل المصلى؟ قال كعب: إلى الصخرة، وأجابه عمر: ضاهيت ~~والله اليهودية يا كعب! وقد رأيتك وخلعك نعليك! بل نجعل قبلته صدره كما ms273 جعل رسول الله ~~قبلة مساجدنا صدورها إنا لم نؤمر بالصخرة، ولكن أمرنا بالكعبة، وجعل قبلة المسجد صدره ~~متجها إلى الكعبة غير متجه إلى الصخرة. # وإنما صرف عمر القبلة إلى الكعبة ولم يجعل الصخرة دونها؛ لأن الكعبة قبلة المسلمين في ~~كتاب الله، ثم لم يصرفه ذلك عن إعظام الصخرة، فهي موضع الإسراء في حديث رسول الله، ولقد بلغ ~~من إعظامه لها أنه رأى عليها كناسة كان الروم يلقونها فوقها، فقال لأصحابه: اصنعوا كما ~~أصنع، ثم جثا في أصلها وجعل يحمل ما عليها بنفسه فيلقيه بعيدا عنها، وصنع أصحابه صنيعة، ~~وما زالوا بالصخرة حتى زال كل ما عليها، وقد بقيت الصخرة محاطة برعاية المسلمين من يومئذ ~~إلى أن أقام عبد الملك بن مروان عليها قبة بالغ في العناية بعمارتها ، فشادها على نحو جعلها ~~أروع آية في البناء، حتى لقد بذ بها عمارة المسجد الأقصى والمسجد الحرام، بل بذ بها كل ما ~~بناه من المساجد، وكان عبد الملك قد شغف بالعمارة البزنطية لمقامه بدمشق بين كنائس النصارى ~~وآثارهم؛ ولذلك كانت المساجد التي شادها تأخذ بالقلوب والأبصار. # تم لعمر ما أراد من زيارة بيت المقدس فعاد أدراجه إلى المدينة متخذا إليها الطريق الذي ~~جاء منه، فلما كان بالجابية أقام أياما ثم غادرها على فرسه، وكانت أنباء ما صنع بفلسطين قد ~~بلغت عليا والمسلمين، فاستقبلوه بظاهر المدينة استقبالا حافلا، وكيف لا يفعلون وقد خلصت ~~لهم الشام كما خلصت لهم العراق! وكيف لا يفعلون وعمر أول من قام بمثل هذه الرحلة من يوم بعث ~~الله رسوله يبلغ الناس في ربوع الأرض دينه! # ترى، أيطمئن عمر لما فتح الله عليه فينظم حكمه ويعزز وحدته؟ كان ذلك رجاءه؛ ولذلك ود لو ~~أن بينه وبين الفرس جبلا من نار فلا يخلصون إليه ولا يخلص إليهم، وود لو أن بينه وبين ~~الروم سدا يصرفهم عنه ويصرفه عنهم، لكن مشيئة القدر كانت أقوى من مشيئته، وقد كتب القدر ~~في لوحة أن يقضي خالد وأبو عبيدة على كل انتقاض بالشام، وأن يفتح ms274 عمر بعد ذلك من ~~الممالك ما شاء الله أن يفتحه، فلندع أمير المؤمنين بالمدينة يدبر أمره ويحكم تدبيره، ولنعد ~~إلى الشام لنرى ما الله صانع به! # | هوامش # الفصل الثالث عشر # | مصير خالد بعد إخضاع الشام # عاد أبو عبيدة وخالد بن الوليد ويزيد بن أبي سفيان من بيت المقدس كل إلى عمله، فأقام ~~يزيد بدمشق، ونزل أبو عبيدة بحمص، واستقل خالد بإمارة قنسرين، وجعل كل واحد منهم ~~يدبر الأمر في ولايته بحزم يلطف الرفق من حدته، وعدل تجري الرحمة في مسالكه، وقد أمنوا ~~فجاءات العدو بعد أن لحقته الهزيمة في كل مكان، وبعد أن دانت الشام للمسلمين من أقصى الجنوب ~~بفلسطين إلى أقصى الشمال في سورية. # على أن أهل الجزيرة المقيمين بين العراق والشام، والذين دهم رجال سعد بن أبي وقاص من ~~قبل منازل إخوانهم بهيت وتكريت والموصل وقرقيسياء، لم تهدأ نفوسهم بعد الذي نزل بإخوانهم، ~~بل رأوا مساكنهم معرضة لغزو المسلمين إذا ظل هؤلاء يسيرون بالشام سيرتهم بالعراق؛ يفتحون ~~ويخضعون القبائل، ويفرضون الجزية على من لم يدخل الإسلام، وكانوا قد يئسوا من يزدجرد ~~بعد فراره إلى الري؛ لذلك كتبوا إلى هرقل أنهم معدون لمعاونته إذا بعث من البحر جندا يقاتل ~~المسلمين ويسترد منهم ما استولوا عليه، ونظر هرقل في الأمر فرأى أنه لن يصاب بشر مما نزل ~~به، فإن يبسم له الحظ فينتصر بهؤلاء الحلفاء على عدوه، ويقهر المسلمين في شمال الشام، ~~استطاعت جيوشه أن تلاحقهم إلى دمشق وإلى بيت المقدس، ويومئذ تكون المعجزة، فيسترد قبر ~~المسيح من العرب كما استرده من الفرس، ثم يسير إليه مجتازا سورية ومعه الصليب الأعظم يعيده ~~إلى مكانه كما فعل قبل عشر سنين، ألا لئن تم ذلك ليكونن للصليب فيه من الفضل مثل ما كان له ~~في عهد قسطنطين، ولينصرن الله المسيحية على يديه نصرا تعتز به على كل دين! # وأعاد أهل الجزيرة الكتابة إلى هرقل، فرأى منهم عزما لا يلين، ورأى أكثرهم من العرب ~~النصارى الذين استمسكوا بدينهم وآثروا الجهاد في سبيله، وكان ms275 هرقل قد زايله الروع إذ قضى ~~أكثر من سنة بعيدا عن ميادين القتال بالشام، ثم إنه رأى ثغوره ما يزال الكثير منها حصينا ~~يقاوم هجمات المسلمين، ورأى أسطوله لم يصب بأذى، ورأى المسلمين يخافون البحر وكل ما يأتي من ~~ناحيته، فقوى ذلك من عزمه ومال به إلى إجابة أهل الجزيرة لما يطلبون، صحيح أن تخوم ~~المسلمين في شمال الشام حصينة فلا يتيسر اقتحامها عليهم، لكن هؤلاء العرب النصارى كفيلون ~~بأن يقضوا مضجع خالد وأبي عبيدة إذا جاءوهم من قبل البادية، فإذا سار مدده من ~~البحر في الوقت نفسه وعرف المسلمون أنهم يهاجمون من الشرق والغرب فت ذلك في أعضادهم، وأثار ~~أهل الشام بهم، وأتاح له فرصة الثأر منهم. # وكتب هرقل إلى هذه القبائل يشجعهم ويحرضهم، ويذكر لهم أنه أمر سفنه فهي تمخر البحر تحمل ~~الرجال والعتاد من الإسكندرية إلى أنطاكية، وسارت هذه القبائل بكل قواتها من الجزيرة تريد ~~حمص، وبلغت أبا عبيدة أنباء ذلك كله، فدعا إليه خالد بن الوليد من قنسرين يشاوره، ~~واستقر رأي الرجلين على أن تجتمع قوات المسلمين بشمال الشام لمواجهة العدو، فجمعا بحمص جند ~~أنطاكية وحماة وحلب وسائر المسالح القريبة منها، وترامت إلى هذه البلاد أنباء هرقل ومدده ~~المقبل من البحر، وأنباء الجزيرة وسير قبائلها إلى حمص، فتطاولت أعناق أهلها وذهبوا ~~يتساءلون: عم تسفر هذه الحملة الجديدة التي يقوم بها قيصر وحلفاؤه؟ فلما أقبلت سفن ~~هرقل إلى أنطاكية فتحت المدينة أبوابها لجنوده وثارت بالمسلمين، واندلع لهب الثورة في شمال ~~الشام كله، وألفى أبو عبيدة نفسه محصورا في حمص يحيط به الثائرون من كل جانب، ويسير أعداؤه ~~لمهاجتمه مقبلين من ناحية البحر ومن ناحية البادية، ماذا عساه يصنع؟ جمع أصحابه وذكر لهم ~~أنه كتب إلى أمير المؤمنين يستمده لمواجهة هذا الموقف الدقيق، واستشارهم في مواجهة العدو ~~وقتاله أو التحصن في انتظار المدد المقبل من المدينة، وانفرد خالد بن الوليد في المشورة ~~بمناجزة العدو؛ أما سائر الأمراء فرأوا التحصن واستعجال المدد، ورأى أبو عبيدة رأيهم ~~وخالف خالدا، فزاد ms276 في مناعة الحصون، وكتب إلى عمر بما رآه أصحابه. # لم ينس عمر يوما أن جنده بالعراق والشام قد يتعرض لمثل هذا الخطر، فيتعرض الفتح ~~الإسلامي كله لمثل ما تعرض له يوم تولى إمارة المؤمنين، لهذا أمر بإنشاء البصرة والكوفة ~~وجعلهما مسالح للمسلمين لا يقيم بهما غيرهم، ثم جعل في كل مصر من ستة أمصار أخرى أربعة آلاف ~~فارس على تمام الأهبة لمثل هذه المفاجآت، فلما جاءه كتاب أبي عبيدة ورأى الخطر العظيم ~~المحيط به، كتب في التو إلى سعد بن أبي وقاص: «أن اندب الناس مع القعقاع بن عمر، ~~وسرحهم من يومهم الذي يأتيك فيه كتابي إلى حمص، فإن أبا عبيدة قد أحيط به، وتقدم ~~إليهم في الجد والحدة.» ونفذ سعد أمر الخليفة ليومه، فندب القعقاع في أربعة آلاف من ~~الفرسان المجربين فانطلقوا يغذون السير من الكوفة إلى حمص. # كان الأمر أخطر من أن يكفي لمواجهته سير القعقاع على رأس أربعة آلاف؛ فقد بلغ عدد ~~الذين ساروا من الجزيرة إلى حمص ثلاثين ألفا، غير من بعثهم هرقل على السفن إلى أنطاكية، ~~وكان عمر يعلم أن رجاله في كل بلد من بلاد الشام قد شغلوا بأهله، فلو أنهم تركوا هذه البلاد ~~إلى حمص لاضطرب النظام في الشام كله؛ لذلك أردف أمره بسير القعقاع من الكوفة بأوامر أخرى ~~كلها حسن التفكير وبعد النظر، فإنما أغرى القبائل التي سارت من الجزيرة إلى حمص بما صنعت ما ~~خيل إليها من بعد منازلها عن المسلمين وغزوهم، فلو أن هذه المنازل غزيت لارتدت هذه ~~القبائل على أعقابها، ولخفف ذلك عن أبي عبيدة وجنوده، فليسرح سعد بن أبي وقاص ~~سهيل بن عدي إلى الجزيرة في الجند، «فإن أهل الجزيرة هم الذين استثاروا الروم على أهل حمص»، ~~ولتكن الرقة مقصد سهيل، وليسرح عبد الله بن عتبان إلى نصيبين، فإذا أخضع هذان الأميران ~~الرقة ونصيبين، فليسيرا إلى حران والرهاء، وليسرح الوليد بن عقبة إلى عرب الجزيرة من ~~ربيعة وتنوخ، ولتكن لعياض بن غنم إمارة الجند كله في حرب الجزيرة، ms277 فإذا سار هؤلاء ~~الأمراء جميعا ذكر أهل الجزيرة ما أصاب أهل هيت وقرقيساء والموصل فلم يقاوموا. # لم يكتف عمر بهذا كله؛ فقد قدر أن هرقل لم يندفع إلى المغامرة بإرسال جنوده على متن ~~البحر إلى الشام بعد الذي أصابه من الهزائم فيه إلا لأنه استوثق من قوته، واطمأن إلى قدرته ~~على الثأر لنفسه، ولا أدل على ذلك من أنه جعل ابنه قسطنطين على رأس الجيوش التي نقلتها ~~السفن من الإسكندرية، ولو أن هرقل نجح في هذه المغامرة لقضى ذلك على سياسة عمر أيما قضاء، ~~ولن يرضى عمر تصور هذا الاحتمال، ولن يألو جهدا في إفساده، لا بد إذن من تعبئة كل قوة ~~يستطيع تعبئتها لمواجهة هذا الخطر الداهم، بل لا بد أن يواجهه هو بنفسه؛ لذلك حشد ما استطاع ~~من قوات المدينة وما حولها وسار هو على رأسها متخذا طريق دمشق إلى ميدان القتال. # وكذلك تحركت الإمبراطورية الناشئة من شتى أرجائها للدفاع عن كيانها، سار القعقاع بأسرع ~~ما يستطيع غياثا لأبي عبيدة، وانطلق سهيل بن عدي وعبد الله بن عتبان والوليد بن عقبة ~~وعياض بن غنم لغزو الجزيرة وتأديب أهلها، وفصل عمر من المدينة قاصدا حمص، ودوت هذه الأنباء ~~في العراق والشام كما دوت في شبه الجزيرة، وبلغت أبا عبيدة وأصحابه كما بلغت قبائل ~~الجزيرة الذين جاءوا لحصاره، واطمأن أبو عبيدة لما بلغه، أما القبائل فأيقنت أن ~~منازلها بالجزيرة لن ترعى لها حرمة بعد الذي صنعت، وأنه مصيبها ما أصاب الموصل وهيت ~~وقرقيساء من قبل، فانخلعت منها القلوب وآثرت الرجعة من حيث أتت، لعل في رجعتها ما يكفر عن ~~ذنبها. # وأصبح أبو عبيدة يوما فعلم أن القبائل تفرق أهلها مرتدين إلى بلادهم وذويهم، وأنه ~~لم يبق بإزائه إلا الروم جند هرقل، فدعا إليه أمراء جنده وذكر لهم أنه يرى مناجزة القوم، ~~واغتبط خالد بن الوليد، وأشار بمفاجأتهم قبل أن يأخذوا للموقف الجديد عدته، وظن الروم حين ~~رأوا القبائل تتخلى عنهم، ورأوا المسلمين يخرجون من حصون حمص للقائهم أن في الأمر ms278 مكيدة ~~دبرت لهم فتولتهم الحيرة، وهاجمهم أبو عبيدة فلم تمنعهم حيرتهم من الشدة في لقائه شدة ~~تشهد بأنهم أعدوا لهذا اللقاء ما استطاعوا من قوة، فلولا انصراف القبائل عنهم لكان لهم من ~~البأس ما يسوغ مخاوف أبي عبيدة ومخاوف عمر، لكن حيرتهم أضعفت مقاومتهم وانتهت بهم إلى ~~الهزيمة، ففروا قبل أن يبلغ القعقاع بن عمرو حمص، وقبل أن يبلغ عمر الجابية # 1 # في طريقه إلى الشام، فلما بلغها ألفى رسول أبي عبيدة بها يذكر له انتصارهم ~~قبل ثلاثة أيام من وصول القعقاع إليهم، ويستشيره في الفيء وهل يكون لرجال القعقاع ~~نصيب منه، واطمأن عمر ولم ير بعد الذي بلغه أن يتابع مسيرته، فكتب إلى أمين الأمة كي يشرك ~~أهل الكوفة في العطاء؛ فسيرهم لنجدته هو الذي أدخل الرعب إلى قلب عدوه فأدى ذلك إلى هزيمته، ~~«جزى الله أهل الكوفة خيرا، يحمون حوزتهم ويمدون أهل الأمصار»، ثم تحمل راجعا إلى ~~المدينة. # ترى هل انسحبت جنود هرقل إلى قنسرين أو حماة أو غيرهما من البلاد التي اندلع فيها ~~لهيب الثورة لينظموا بها صفوفهم للمقاومة، أم تعقبهم المسلمون فقضوا عليهم؟ وماذا فعل ~~الثوار بحلب وأنطاكية والمعاقل المنيعة حين بلغهم انتصار المسلمين بحمص؟ لا يذكر المؤرخون ~~عن ذلك شيئا يصح الوقوف عنده، وأغلب الظن أن فلول الروم التي نجت من الموت طارت إلى السفن ~~بأنطاكية فأقلعت بهم في البحر إلى الإسكندرية أو إلى بزنطية وقد تولاهم وتولى قيصر اليأس أن ~~يعودوا إلى الشام أبدا، ولم يلبث الثائرون حين عرفوا إقلاع السفن بالجند أن هدأت ثورتهم، ~~فعاد خالد بن الوليد إلى قنسرين، وعاد كل أمير في شمال الشام إلى إمارته، مطمئنين ~~جميعا إلى أن الأمور سكنت إلى قرار لن يكدر صفوه من بعد مكدر. # على أن مقام خالد بقنسرين لم يطل؛ فقد سارت القوات التي فصلت من العراق يظلها لواء ~~سهيل بن عدي وعبد الله بن عتبان والوليد بن عقبة بإمرة عياض بن غنم لغزو الجزيرة وتأديب ~~أهلها، فلما بلغت منازل القبائل التي آزرت هرقل ms279 كانت هذه القبائل قد بدأت تنصرف مرتدة عن ~~حمص، وكان سهيل بن عدي قد سلك بجنده طريق الفراض حتى انتهى إلى الرقة، فتحصن أهلها منه ~~فحاصرهم، فقالوا فيما بينهم: «أنتم بين أهل العراق وأهل الشام، فما بقاؤكم على حرب هؤلاء ~~وهؤلاء!» وبعثوا إلى عياض بن غنم بواسط يريدون الصلح، وعقد لهم سهيل بن عدي الصلح عن ~~أمر عياض؛ لأنه أمير القتال وجعلهم من أهل الذمة، أما عبد الله بن عتبان فسلك على دجلة حتى ~~انتهى إلى الموصل، ومن ثم عبر النهر وسار إلى نصيبين، # 2 # فلقيه أهلها بالصلح فعقده لهم على صلح أهل الرقة، وقدم الوليد بن عقبة على بني ~~تغلب وعرب الجزيرة فضووا إليه إلا بني إياد فإنهم ارتحلوا إلى أرض الروم، وكتب الوليد إلى ~~عمر بالمدينة يخبره بما صنعوا وأقام ينتظر جوابه في أمرهم، ثم إن عياضا ضم إليه سهيلا ~~وعبد الله بن عتبان وسار في الناس إلى حران، فأخذ ما دونها، حتى إذا انتهى إليها تلقاه ~~أهلها بالإجابة إلى الصلح والجزية، فأجراهم مجرى أهل الذمة، وكذلك فعل أهل الرهاء حين سار ~~إليهم سهيل بن عدي، بذا دخلت الجزيرة كلها في حكم المسلمين، فكانت أسهل البلاد وأيسرها ~~فتحا، وبفتحها التقى سلطان المسلمين بالعراق والشام. # ومن عجب أن يكون ذلك شأن القبائل التي كاتبت هرقل ووعدته بتأييدها، وإنما عذرها أنها رأت ~~الروم يفرون أمام عدوهم، فأيقنت أن هؤلاء المسلمين قد صنع لهم فلا سبيل إلى مقاومتهم، ~~والخير كل الخير في مصالحتهم. وإن المؤرخين البزنطيين ليذكرون أن حاكم الرهاء صالح عياضا ~~على أن يدفع له مائة ألف ذهبا يتقي بها غزو المسلمين ولايته وأن هرقل رفض صنيعه وعزله عن ~~عمله، فلم ينفذ لقيصر أمر بعد أن زال سلطانه عن هذه الأرجاء وصار كل أمرها للمسلمين، ~~وكيف ينفذ له أمر وقد صار لا يستطيع أن يرفض لأمير المؤمنين مطلبا؛ لأنه لا يستطيع أن يؤيد ~~رفضه بالقوة التي تدعمه وتعززه! # لما كتب الوليد بن عقبة إلى عمر يذكر له أن عرب الجزيرة ms280 نهضوا معه إلا بني إياد فإنهم ~~ارتحلوا إلى أرض الروم، كتب عمر إلى هرقل يقول: # إنه بلغني أن حيا من أحياء العرب ترك دارنا وأتى دارك، فوالله لتخرجنه أو ~~لننبذن إلى النصارى ثم لنخرجنهم إليك. # ولم يجد هرقل بدا من النزول على ما أراد عمر فأخرج إيادا من أرضه؛ فعاد أربعة آلاف منهم ~~إلى منازلهم حتى خضعت لسلطان المسلمين، وتفرق سائرهم فيما بين الشام والجزيرة من بلاد ~~الروم، وإنما كتب عمر إلى هرقل هذا الكتاب حتى لا يتخذ المنهزمون أمام المسلمين أرض عدوهم ~~ملجأ يتحصنون به ليوم ثأر، وحتى يجمع العرب كلهم في صعيد واحد تحت سلطان واحد. # لم يصنع بنو تغلب صنيع إياد، ولم يرتحلوا إلى أرض الروم؛ لكنهم أبوا على الوليد بن عقبة ~~حين لم يقبل منهم إلا الإسلام، واحتكموا فيما بينهم وبينه إلى أمير المؤمنين، وكتب الوليد ~~إلى عمر بإبائهم، فأجاز عمر رأيهم وأبى أن يفرض الوليد الإسلام عليهم، «فإنما ذلك لجزيرة ~~العرب لا يقبل من أحد فيها إلا الإسلام، فدعهم على ألا ينصروا وليدا ولا يمنعوا أحدا ~~من الإسلام.» فلما بلغهم حكم عمر رضي بعضهم أن يدخل في دين الله، وأصر بعض على نصرانيته، ثم ~~لم يقبل هؤلاء أن يكونوا أهل ذمة يؤدون الجزية، وذهب وفد منهم إلى المدينة، وكان بينهم بعض ~~من أسلم منهم، فقال مسلموهم لعمر: «لا تنفروهم بالخراج فيذهبوا، ولكن ضعفوا عليهم الصدقة ~~التي تأخذونها من أموالهم فيكون جزاء؛ فإنهم يغضبون من ذكر الجزية، على ألا ينصروا ~~مولودا إذا أسلم آباؤهم.» وأصر عمر على أن يؤدوا الجزية، فقالوا: «والله لئن وضعت علينا ~~الجزاء لندخلن أرض الروم.» قال عمر: «لئن هربتم إلى الروم لأكتبن فيكم ثم لأسبينكم.» قالوا: ~~«فخذ منا شيئا ولا تسمه جزاء.» قال عمر: «أما نحن فنسميه جزاء وسموه أنتم ما شئتم.» ولما ~~رأى علي بن أبي طالب ما بلغه هذا الحوار من شدة، قال: يا أمير المؤمنين! ألم يضعف عليهم ~~سعد بن مالك الصدقة؟ قال عمر: بلى! ورضي منهم الصدقة بدل ms281 الجزاء. # وإنما أصر نصارى بني تغلب على ألا يؤدوا الجزية أن كان في قومهم عز وامتناع فكانوا يرون ~~في أداء الجزية آية خضوع ومذلة لا تليق بهم ولا تتفق وما عرف الناس لهم من إكرام وكرامة، ~~وكرامتهم وقوتهم هما اللتان جعلتا الوليد بن عقبة يريدهم على الإسلام ليكون له بهم قوة ~~ومنعة، ولقد كان تشدد عمر معهم في أداء الجزية بادئ الرأي ثم قبول صدقتهم مضاعفة بعد مشورة ~~علي بن أبي طالب، سياسة منه يحمد عليها، مع مخالفتها لموقف أبي بكر من أهل الردة، ~~ومخالفتها لموقفه هو من أعدائه الأقوياء في فارس والروم، فبنو تغلب عرب، وكان عمر حريصا ~~على عزة العرب، ولئن أقام على نصرانيته منهم من أقام ليرجعن هؤلاء جميعا إلى الإسلام ولو ~~بعد حين، والرفق في هذا الموقف أبلغ، وقد دلت الأيام على حسن فراسة عمر وبعد نظره؛ إذ ~~نصرت تغلب المسلمين من بعد نصرا عزيزا، وأيدتهم على أعدائهم في مواقف كثيرة. # لم يكتف عمر بقبول الصدقة من هؤلاء النصارى! بل رأى أن ما بينهم وبين الوليد بن عقبة من ~~خلاف قد يدفعهم إلى إخراجه فيضعف صبره فيسطو عليهم؛ لذلك عزله عنهم وأمر عليهم فرات بن حيان ~~كيما يطمئن إلى استتباب الأمن واستقرار الطمأنينة في ربوعهم. # تم ذلك كله في السنة السابعة عشرة من الهجرة فتم به استقرار السلطان للمسلمين بالشام من ~~أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال، والواقع أن ما بقي من سيرة عمر لا يعرف في الشام انتقاضا، ~~ولا يعرف من جانب هرقل محاولة لاسترداده، إلا ما قيل عن قيسارية، فقد سبق أن ذكرنا ~~رواية الحصار الذي ضربه معاوية بن أبي سفيان عليها قبيل فتح بيت المقدس، وإلى ما قيل من ~~فتحه إياها وقتله فيها ثمانين ألفا بلغوا بعد الهزيمة والفرار مائة ألف، على أن البلاذري ~~ينبه إلى اختلاف الروايات في أمر هذه المدينة فيقول: «قال قائلون: فتحها معاوية، وقال ~~آخرون: بل فتحها عياض بن غنم بعد وفاة أبي عبيدة وهو خليفته، وقال قائلون: بل ~~فتحها ms282 عمرو بن العاص ... والذي اجتمع عليه العلماء أن أول الناس الذي حاصرها عمرو بن العاص، ~~نزل عليها في جمادى الأولى سنة 13 فكان يقيم عليها ما أقام، فإذا كان للمسلمين اجتماع في ~~أمر عدوهم سار إليهم فشهد أجنادين وفحل والمرج ودمشق واليرموك، ثم رجع إلى فلسطين فحاصرها ~~بعد إيلياء، ثم خرج إلى مصر من قيسارية، وولي يزيد بن أبي سفيان بعد أبي عبيدة ~~فوكل أخاه معاوية بمحاصرتها وتوجه إلى دمشق مطعونا فمات بها.» والذي يخلص من هذه الروايات ~~أن قيسارية حوصرت وطال حصارها؛ حتى لقد قيل إنها حوصرت سبع سنين، ذلك بأنها كانت ~~ثغرا حصينا ومعقلا منيع الأبراج والأسوار، به من السكان والجند عدد لا نظير له بأنطاكية ~~ولا بدمشق، يقول البلاذري: إن مائة ألف كانوا يقومون كل ليلة على سورها يحرسونها، وكان سبب ~~فتحها أن يهوديا أتى المسلمين ليلا فدلهم على طريق في سرب فيه الماء إلى حقو الرجل، فدخل ~~المسلمون المدينة منه في الليل فكبروا، فأراد الروم أن يهربوا من السرب فوجدوا المسلمين ~~عليه، ويقال: إن عمرو بن العاص كان فتحها في السنة السابعة عشرة ثم نقض أهلها وأمدهم الروم، ~~ففتحها معاوية وأقام فيها مسلحة ووكل بها الحفظة، وقد وجد بها معاوية سبعمائة ألف من ~~المرتزقة وثلاثين ألفا من السامرة ومائتي ألف من اليهود، ووجد بها ثلاثمائة سوق قائمة ~~كلها. # سبق أن قلنا: إن خالد بن الوليد لم يقم بقنسرين طويلا، ولم نعثر في كتب الثقات على ~~تفاصيل لغزوه بعد انصرافه من حمص إلى إمارته أكثر من أنه سار في دروب الروم مع عياض بن ~~غنم، وعاد من غزواته بمغانم كثيرة، وأراني في حل من القول بأن ما حدث، إثر مجيء السفن ~~عليها جنود الروم إلى أنطاكية، من ثورة شمال الشام بسلطان المسلمين، لم يزل فجأة إثر هزيمة ~~الروم بحمص، وأن ما أشار إليه المؤرخون من انتقاض حلب وحماة وأنطاكية وغيرها من الحواضر قد ~~اقتضى خالدا وعياض بن غنم وغيرهما من قواد المسلمين أن يقمعوه، وقد ذكر الواقدي ms283 أن حلب ~~قاومت مقاومة عنيفة، وأن خالد بن الوليد إنما تغلب عليها بعد حصار طويل، فلما سكنت الثورة ~~في شمال الشام تجاوزه المسلمون إلى إرمينية، كما كانوا قد تجاوزوه بعد غزو خالد بن الوليد ~~مرعش وشمشاط وغيرهما من قبل، ثم عادوا إلى الشام كما عادوا إليه أول مرة، ذلك أن عياض ~~بن غنم ما لبث حين تم له الأمر بالجزيرة أن سار صوب إرمينية يعزز تخوم المسلمين ويدخل ~~الروع في نفوس أعدائهم، وسار خالد بن الوليد من شمال الشام إلى تلك الأرجاء حتى بلغ آمد ~~والرهاء، فكان في مسيرته يفتح البلاد ويستفيء المغانم، ويلقي في القلوب الرعب، # 3 # ثم عاد إلى قنسرين وقد اجتمع له من الفيء شيء عظيم؛ لذلك انتجعه رجال من ~~الآفاق يرجون جوائزه فلم يضن عليهم، وكان الأشعث بن قيس فيمن انتجعه فأجازه بعشرة آلاف ~~درهم. # تحدث الناس بفعال خالد بن الوليد بقلقية وإرمينية معجبين، وذكروا بها خوارقه المجيدة ~~وانتصاراته المعجزة بالعراق والشام، وتحدثوا بجوائزه وأعطياته للأبطال والشعراء وبجائزته ~~العظيمة للأشعث بن قيس، فذكروا بها أريحية ملوك بني غسان وملوك الحيرة، ونمي حديث الإعجاب ~~به وخبر هذه الجائزة إلى عمر بالمدينة كما كان ينمى إليه كل شيء من أمور عماله، فهاج ~~هائجه على خالد ورآه لا يرجع عن غيه، فقد بلغه من قبل أن خالدا، إذ كان بآمد من أرض ~~إرمينية، دخل حماما فتدل بغسل فيه خمر، فكتب إليه: «بلغني أنك تدلكت بخمر، وإن الله قد ~~حرم ظاهر الخمر وباطنه ومسه فلا تمسوها أجسادكم.» وأجابه خالد: «إنا قد فتناها فعادت ~~غسولا غير خمر.» ولم يعجب عمر هذا الجواب، فرد عليه مغضبا: «إن آل المغيرة ابتلوا ~~بالجفاء فلا أماتكم الله عليه!» وكان عمر قد أمره أن يحبس ما يصيبه من المال على ضعفة ~~المهاجرين وها هو ذا يجعله أعطيات لذوي البأس والشرف واللسان، ألا يدل ذلك على أنه لا ينفذ ~~ما أمره به من مراجعته في حساب المال، وألا يعطى شاة ولا بعيرا إلا بإذنه، وأنه مصر ~~على ms284 قوله يوم وجه إليه هذا الأمر: «إما أن تدعني وعملي، وإلا فشأنك بعملك.» # كيف يستقيم الحال وخالد يريد أن يستأثر بالسلطان ويستقل بالأمر دون حسيب أو معقب! بل ~~كيف يستقيم وقد فتن خالد بالناس لإعجابهم به وإكبارهم فعاله، فخيل إليه أنه أصبح صاحب ~~الأمر والنهي في الشام كله، وأنه صار فيه ملكا كجبلة وآبائه من بني غسان يثيب ويعاقب، ~~ويعطي ويمنع! ألا لئن ترك وشأنه ليبلغن به الزهو يوما، فلا يقيم لأمر الخليفة وزنا ولا ~~يحسب له حسابا، فلئن أراد الخليفة يومئذ نزعه من عمله ليثورن به وليجدن من الجند ومن أهل ~~الشام أعوانا له؛ وقد يؤيده الروم فتكون الطامة الكبرى، ويومئذ لا يلومن عمر إلا نفسه، ثم ~~ليحاسبنه الله على ما قصر في أمر المسلمين بتردده وإحجامه. # هاج هائج عمر على خالد فقال: «والله ما صدقت الله إن كنت أشرت على أبي بكر بأمره فلم ~~أنفذه! والله لا يلي لي خالد عملا أبدا.» وكتب إلى أبي عبيدة أن يستقدم خالدا ~~وأن يعقله بعمامته وينزع عنه قلنسوته حتى يعلم: أأجاز الأشعث بن قيس من ماله أم من ~~إصابة أصابها، فإن زعم أنها من إصابة فقد أقر بخيانته، وإن زعم أنها من ماله فقد أسرف، ~~وأمره أن يعزله على كل حال، وأن يضم إليه عمله. # تناول أبو عبيدة هذا الكتاب فتولته الحيرة؛ فلخالد في نفسه وفي نفوس الجند والمسلمين ~~جميعا منزلة أعظم المنزلة، لكن أمير المؤمنين مطاع ويجب تنفيذ أمره، فليدع خالدا ~~إليه، وليترك التنفيذ لرسول عمر ولمؤذن النبي، وكتب إلى خالد فقدم عليه، فلم يذكر له عن ~~كتاب عمر شيئا، بل جمع الناس وجلس لهم على المنبر، ثم قام البريد الذي أوفده الخليفة يسأل ~~خالدا: أمن مالك أجزت بعشرة آلاف أم من إصابة أصبتها؟ ودهش خالد مما سمع ولم يجب، وكرر ~~البريد السؤال فلم ينبس خالد ببنت شفة، كل ذلك وأبو عبيدة جالس على المنبر ~~ساكت لا يقول شيئا، فلما ألح البريد في السؤال وألح خالد في الصمت، قام بلال ms285 فقال: إن أمير ~~المؤمنين أمر أن تعقل بعمامتك، وأن تنزع عنك قلنسوتك حتى تجيب عما تسأل الآن عنه، ~~وزادت بخالد الدهشة فلم يخرج من صمته، هناك تناول بلال قلنسوته، ولم يديه وراء ظهره ~~وعقله بعمامته، وقال: «ما تقول؟ أمن مالك أم من إصابة؟» # دهش خالد لهذا الموقف فوجم وأعياه الجواب، وهو في الحق موقف يخرج بكل إنسان عن صوابه، ~~أليس هو موقف الاتهام الصريح بخيانة الأمانة؟ فإذا فوجئ به إنسان علانية وعلى ملأ من الناس ~~جشأت نفسه وتولاه الذهول؛ ما بالك به موجها إلى خالد بن الوليد وهو في أوج ظفره بأعداء ~~الله وأعداء المسلمين! # وعلى أي نحو يوجه هذا الاتهام؟ على نحو هو الإهانة كل الإهانة: تضم يداه إلى ظهره، ~~وتعقلان بعمامته، وترفع قلنسوته عن رأسه! ما كان أغنى أمير المؤمنين عن هذا كله! ~~أولم يكن حسبه أن يدعو خالدا إلى المدينة ما دام قد عزله عن عمله، فإذا لقيه بها سأله ~~عما شاء، كما شاء فيما بينه وبينه؟! # لم تكن دهشة المسلمين الذين شهدوا هذا المنظر بأقل من دهشة خالد، ولقد تهامس بعضهم ~~يتساءلون بينهم: ماذا يراد بسيف الله بعد هذا الموقف الذي يزرى بأحد الجند، بله القائد ~~النابغة الذي فتح العراق والشام ودوخ الفرس والروم؟! أمن أجل عشرة آلاف من الدراهم تعقل ~~يداه وتنزع قلنسوته، وهو الذي استفاء المسلمون ببأسه مئات الألوف بل ملايينها؟ وماذا ~~تراه صنع بهذه العشرة الآلاف لتلحقه هذه الإهانة؟ أفأخذها لنفسه وأنكرها على أبي عبيدة ~~أو على الخليفة؟ كلا! بل أجازها الأشعث بن قيس أمير كندة صاحب البلاء العظيم في العراق ~~والشام، ولطالما أجيز الأشعث وأمثاله ذوو المكانة ممن شهدوا المواقع وكان لهم فيها بلاء ~~وخطر! ألا إنها لقسوة من أمير المؤمنين برجل بلغ من ثقة رسول الله وثقة الصديق وثقة ~~المسلمين به أعظم مبلغ! # كان أبو عبيدة ينظر إلى الناس من مجلسه على المنبر فيرى أمارات الدهشة والإنكار ~~بينة على وجوههم، فلا يزيده ذلك إلا إمعانا في الصمت الذي التزمه في هذا ms286 الشأن، والذي ~~أصر عليه منذ دعا خالدا إليه وأمر غيره أن ينفذ أمر عمر فيه، ولعله لم يكن أقل الحاضرين ~~دهشة لهذا المنظر وأسفا عليه، لقد كان يعرف أكثر من غيره ما يؤاخذ عمر خالدا به من الزهو ~~والتسرع إلى الحرب وشدة الحرص على الاستقلال بالرأي، ولقد صرف غاية همه خلال السنوات التي ~~انقضت من خلافة عمر ليزيل من نفس أمير المؤمنين سوء رأيه في خالد وشدة برمه به، وقد بلغ من ~~ذلك أن حمل عمر على إطراء خالد إثر قنسرين وما أحرزه ابن الوليد من النصر المؤزر فيها، ~~أفذهب كل جهده هباء! فلم تكن صيحة عمر يومئذ: «أمر خالد نفسه! يرحم الله أبا بكر، كان ~~أعلم بالرجال مني!» إلا صيحة إعجاب بفعلة عظيمة جزى خالد عنها بإمارة قنسرين، ثم ظل مع ~~ذلك برما به! إن يكن ذلك فهو أعجب، وأعجب منه أن يجيء الأمر بعزل خالد في أوج مجده، ~~والفرس والروم والعرب والمسلمون يتحدثون جميعا بفعاله، ويطأطئون الرءوس إكبارا لعظمته ~~وإجلالا لعبقريته! # كان ذلك شأن أبي عبيدة وشأن جموع المسلمين شهود هذا المنظر، فماذا كان شأن خالد ~~نفسه؟ أترانا نستطيع أن نصور ما كان يدور تلك الساعة بخلده، وما كانت تختلج به جوارحه؟! ~~إن ألفاظ الدهشة والألم والكبرياء الجريح والغيظ المكظوم والثورة المكبوتة لتضيق منفردة ~~ومجتمعة عن أن تصف ما كانت تضطرب به في هذه الساعة نفس رجل لم يطأطئ يوما رأسه ولم يعرف ~~الذلة حياته، بل كان في جاهليته وفي إسلامه مثال الأنفة والكرامة والعزة، وكان البطل ~~المعلم، كم جدل سيفه رءوس الأعزة، والقائد القاهر عنت لقوة بأسه العروش والممالك، ~~أتراه اليوم يقيد بعمامته وكم قيد بالسلاسل ألوف الأسرى! أتراه يتهم بخيانة ~~المسلمين في أموالهم وهو الذي أعز الله به الإسلام والمسلمين! يا لسخرية القدر! أما كان ~~خيرا له أن يصرع في ميدان البطولة والشرف من أن يجاء به إلى موقف الخونة الأنذال فيصرع ~~شرفه وتهدر بطولته! # ولكن كيف له أن يخرج من هذا الموقف المهين؟ فهذا بلال ms287 يسأله: أمن ماله أم من إصابة أصابها ~~أجاز الأشعث بعشرة آلاف؟ وبلال لن يفك طائعا عقاله حتى يجيب، أفيلزم الصمت فيطول به هذا ~~المنظر المزري؟ أم يكسر عقاله بيديه ويضع على رأسه قلنسوته وينظر إلى الحاضرين جميعا ~~تلك النظرة الفاتكة التي عرفها خصومه وأصدقاؤه فيقول لهم: لا جواب عندي وليفعل عمر بعد ذلك ~~ما بدا له؟ لكنه جندي من جنود المؤمنين، وعمر أمير المؤمنين، وهو الذي قضى بسيفه على ~~المرتدين يوم ثاروا يحاولون أن ينازعوا أبا بكر إمارته، يثور هو بعمر فينازعه حقوق إمارته؟ ~~كلا! إنه لأعظم إيمانا بالله من أن يثور بمن ولاه المؤمنون إمارتهم؛ لذلك لم يزد حين كرر ~~بلال سؤاله: أمن مالك أجزت أم من إصابة أصبتها، على أن أجاب: بل من مالي! # ضج المسلمون فرحا حين سمعوا هذه الكلمة تتنفس عنها شفتا خالد، وخيل إلى كثيرين أن كل شيء ~~قد انتهى، وأنه سيعود إلى إمارته بقنسرين كما كان، ثم ينسي الزمان وتنسي فعاله ما ~~حدث، وزادهم اطمئنانا إلى ذلك أن بلالا لم يلبث حين سمع كلمة خالد أن أطلقه وأعاد ~~قلنسوته ثم عممه بيده وقال: «نسمع ونطيع لولاتنا، ونفخم ونخدم موالينا.» # وخرج خالد وخرج الناس من هذا المجلس، يتحدث بعضهم إلى بعض، ويختلف بعضهم مع بعض: يرى قوم ~~أن أمير المؤمنين على حق، فهو لم يحاسب خالدا إلا كما يحاسب غيره من عماله، ويرى آخرون أن ~~خالدا خير أمير لجند المسلمين وأكثرهم نصرا، فمن حقه يوم توزن أخطاؤه أن توزن معها جلائل ~~أعماله، ومن حقه إذا أراد عمر محاسبته أن يدعوه إليه وأن يحاسبه بنفسه وألا يقف موقف متهم ~~آثم بين جند يقدرونه، ويقدسونه، وتعصب لخالد قوم أثارت إهانته نفوسهم، فذهبوا يذكرون ~~مواقف عمر منه في عهد أبي بكر وعزله إياه عن إمارة الجند يوم استخلف، ويزعمون أن أمير ~~المؤمنين إنما عرض خالدا للإهانة غيرة منه لتعلق الناس به ومحبتهم له؛ فهي المنافسة حركت ~~ترات قديمة وليس فيها من العدل شيء. # أما خالد فلم تزايله دهشته ms288 بعد هذا المجلس، بل جعل يسائل نفسه وقد تولته الحيرة: ماذا ~~أراد عمر به؟ فليس طبيعيا أن يكتفي بإجابته أنه أجاز الأشعث من ماله، وهو لا بد قد كتب ~~لأبي عبيدة بأكثر مما حدث، ولو أنه لم يقصد إلى أكثر من العلم بمصدر العشرة الآلاف ~~لكفاه أن يسأل أبو عبيدة خالدا وأن يبلغ أمير المؤمنين جوابه، فأما أن يقفه بين الناس ~~هذا الموقف المهين، فلأمر له ما وراءه، وهذا الأمر خطير لا ريب، تشهد بذلك حيرة أبي ~~عبيدة حيرة ألزمته الصمت، أفيسأله خالد عنه فيخرجه من حيرته ويقف هو على جلية الخبر؟ ~~تحدث في هذا إلى بعض خلصائه، فذكروا له أن الناس يتناقلون بينهم أنه يذكر أن المال الذي ~~أجاز به الأشعث من إصابة أصابها فلن يناله سوء وسيرده أبو عبيدة إلى عمله، أتراه يلقى ~~أبا عبيدة فيسر إليه بما يشاء عمر حتى يعود إلى قنسرين أميرا كما كان؟! تردد في ~~هذا الأمر بعد أن راودته عنه نفسه، فهو إن يفعل فيعرف الناس تنهدم في أنفسهم كرامته، وتنهدم ~~معها ثقتهم به؛ لذلك ذهب إلى أخته فاطمة بنت الوليد يستشيرها، فقالت له: «والله لا يحبك عمر ~~أبدا، وما يريد إلا أن تكذب نفسك ثم ينزعك.» وأقر خالد رأيها وقبل رأسها وقال لها: صدقت، ~~وأقام ينتظر الأيام وما تكشف عنه. # بينما كان ذلك يجري بحمص كان عمر ينتظر بالمدينة مقدم خالد عليه معزولا عن عمله، فلم ~~يدر قط بخلده أن يحجم أبو عبيدة عن تبليغ خالد أمر عزله أو أن يدع خالدا ~~يتولى من الشئون ما لم يبق له بعد العزل أن يتولاه، فلما طال به الانتظار وأبطأ خالد عليه ~~ظن الذي كان، وأدرك أن أبا عبيدة في لينه وتؤدته وتواضعه قدر ما ينزل بنفس خالد من ~~الهم إذ يعرف المصير الذي أراده له أمير المؤمنين، وما ينشأ عن ذلك من قلق الجند والمسلمين ~~في وقت ما أحوج أبا عبيدة فيه إلى اتقاء كل قلق وكل فتنة، أترى أمين الأمة توقع أن ms289 ~~يعدل عمر عن أمره، فإذا سكنت الأيام من جماح ثورته كتب إليه برد خالد إلى عمله، ولذا سكت ~~وصبر حتى تمر العاصفة فلا يرى أحد لها أثرا؟ دار بنفس أمير المؤمنين أن يكون هذا الخاطر قد ~~مر بخلد أبي عبيدة فلم يطق أن تقوم في نفسه ظنة بأناته وبسداد رأيه ومضاء عزيمته، ~~فكتب إلى خالد يستقدمه ويبلغه الأمر الذي أحجم أبو عبيدة عن أن يبلغه له، فلما تناول ~~خالد كتابه ثارت نفسه، ورأى في صنيع أبي عبيدة إشفاقا عليه، وهو رجل يزدري الإشفاق ~~وينكره؛ لذلك ذهب إلى أمين الأمة تضطرب نفسه بين محبته والغضب منه، وقال له: «رحمك الله! ما ~~أردت إلى ما صنعت؟! كتمتني أمرا كنت أحب أن أعلمه قبل اليوم!» وأجابه أبو عبيدة في ~~مودة وعطف: «والله ما كنت لأروعك ما وجدت لذلك بدا، وقد علمت أن ذلك يروعك.» # لم يبق لخالد إلا أن يرجع إلى المدينة معزولا يلقى أمير المؤمنين، فخرج يريد قنسرين ~~وثورة نفسه على أشدها، والغيظ يكاد يفري مهجته، أذلك جزاؤه عن كل ما قدم! وهل أخفى عمر في ~~نفسه ترته القديمة عليه طيلة هذه السنين ليستخدمه ما كان بحاجة إلى قوة ساعده وعبقرية ~~قيادته، فلما رأى القدرة على الاستغناء عنه تلمس له هنة فلم يجد، فتخذ من قصة الأشعث ~~وجائزته حجة يقيم عليها هذه المسرحية ليعزله عن عمله بعد أن يهدر كرامته ويمرغ في التراب ~~أمام الناس عزته؟! يا له من حاقد لا ينسى حقده! ولعل هذا الحقد كان يزداد ضراما كلما رفع ~~الحظ نجم خالد فيجعله أكثر علوا وسموا، ولو أنه عزله عن كل عمله يوم استخلف لكان له من ~~العذر أنه أشار على أبي بكر بأمر فلم ينفذه، فلما تولى هو مكانه نفذه، فأما أن يدعه أربع ~~سنوات يخوض المعارك ويدوخ الأقران ويقهر الجيوش، فيخضع دمشق ويطهر الأردن، ويستولي على حمص، ~~ويأخذ قنسرين عنوة، ويرد حلب إلى الطاعة، ويطرد هرقل من سورية، ويتخطى قلقية إلى ~~إرمينية، ويصل بين الفتحين في العراق والشام، ms290 ثم يعزله بعد ذلك كله بتهمة الخيانة أو السرف، ~~فذلك العذر الذي لا طاقة لخالد باحتماله، والذي لا عذر عنه من شدة عمر بسائر عماله، فلم ~~يأثم خالد ولم يرتكب نكرا، وأين ثراؤه على عظيم بلائه! وأين ما صنعوا مما صنع! إنهم أولو ~~فضل لا ريب، وانتصار ابن أبي وقاص بالقادسية وفتحه المدائن، وطرده يزدجرد إلى ~~الري، من أعظم أعمال البطولة، وفتح ابن العاص بيت المقدس نصر أكبر النصر، لكن خالدا صاحب ~~الفضل الأول في فتح العراق وفتح الشام، وفتحهما هو الذي دوخ كسرى ودوخ قيصر، وهو الذي فتح ~~الباب واسعا لمسيرة المسلمين بعده إلى ما شاءوا من الآفاق، أولو كانت جائزة الأشعث سيئة ~~فأين قوله تعالى: # إن الحسنات يذهبن ~~السيئات ~~؟! فليكن جزاء خالد عند الله! والله من بعد حسيب عمر ورقيبه! # كانت هذه الخواطر تدور بنفس خالد وهو في طريقه بين حمص وقنسرين، فكان يفضي بها إلى ~~بعض خلصائه فيهونون عليه الأمر ويذكرونه بقوله تعالى: # وما تدري ~~نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت ~~، ~~وبقوله: # لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ~~ولا في الأرض # ويجيبهم خالد ومس الإهانة يحز في نفسه: «إن عمر ولاني ~~الشام حتى إذا صارت بثنية # 4 # وعسلا عزلني.» فلما بلغ قنسرين كظم غيظه، وتحمل وخطب أهل عمله، وذكر ~~مجيد فعالهم معه، ولم يذكر لهم عمر بسوء، ثم ودعهم وعاد بأهله ومتاعه إلى حمص، فخطب أهلها ~~وودعهم، وفصل عنهم منصرفا إلى المدينة. # فلما بلغها ولقي أصحابه بها ألفى أمر عمر فيه وما أصابه من مهانة حين تنفيذه قد سبقه ~~إليهم، ورأى منهم متعصبين له ناقمين من عمر، فتحدث إليهم بأعماله، وذكر لهم إخلاصه لله ~~وللدين الذي أوحاه الله إلى رسوله، وقص عليهم ما استفاء المسلمون على يديه، والقليل الذي ~~اختص هو به من هذا الفيء، فزادهم ذلك له تعصبا، ومن عمر نقمة، ثم إنه لقي عمر فقال له: ~~«لقد شكوتك إلى المسلمين، وبالله إنك في أمري غير مجمل يا عمر!» ولم يجد ms291 الخليفة موضعا ~~للين يمكن أن يساء به تفسير أمره، فقال لخالد ولا يزال يتهمه: «فأين هذا الثراء! من أين هذا ~~اليسار الذي تجيز منه بعشرة آلاف؟» وجعل يكرر عليه السؤال كلما رآه، فلما ضاق به خالد قال ~~له: «من الأنفال والسهمان، ما زاد على الستين ألفا فهو لك.» # 5 # وقوم عمر عروض خالد بثمانين ألف درهم ترك له منها ستين ألفا وأخذ العشرين ~~الزائدة فأدخلها بيت المال. # وتحدث قوم إلى عمر في أمر خالد وما صنع به، ورأوا أنه قسا عليه وأن خالدا جدير بالكرامة، ~~وقالوا له: يا أمير المؤمنين لو رددت على خالد ماله! لكن عمر كان لا يزال على سوء رأيه في ~~سيف الله ولا يزال يتهمه؛ لذلك أجاب الذين تحدثوا إليه: إنما أنا تاجر للمسلمين، والله لا ~~أرده عليه أبدا # 6 # وأنكر قوم هذه الشدة من عمر، ورأوا فيها من المبالغة ما لا يفسره إلا شدة ~~ضغنه على خالد وعظيم حرصه على النيل منه، فما ثمانون ألف درهم قيمتها دون السبعة الآلاف ~~من الدنانير لرجل غزا وسبى واستفاء من المرتدين ومن العراق ومن الشام ست سنوات تباعا ما ~~قيمته الملايين! وهذا الضغن يبدو في قول الطبري بعد أن روى رفض عمر أن يرد إلى خالد ماله، ~~«فكأن عمر يرى أنه اشتفى من خالد حين صنع به ذلك.» # ولعل عمر إنما قسا على خالد وبالغ في القسوة عليه بعد عوده إلى المدينة معزولا؛ لأنه رأى ~~جماعة من المتعصبين لخالد يحاولون إثارة الفتنة وأن يمشوا بين الناس بالفساد، فلو أنه أظهر ~~اللين لظن قومه لينه ضعفا، ولأيقنوا أنه عزل خالد في غير إثم، ولجرأ ذلك على الشر وشجع ~~عوامل القلق، ولم يغب ذلك عن فطنة خالد ولم تفته مرامي أمير المؤمنين فيه، فقد كان يرى عمر ~~إذا خلا إليه كان الرقة معه واللطف به، فإذا تحدث إليه قوم في الأمر كان ما رأيت بأسا وشدة ~~عاتب خالد عمر يوما في خلوة وأعاد عليه أنه كان في أمره غير مجمل، ms292 فقال عمر له: «يا خالد! ~~والله إنك علي لكريم، وإنك إلي لحبيب ولن تعاتبني بعد اليوم على شيء أبدا.» وكفت هذه ~~الكلمة خالدا فهدأت من ثورة نفسه وجعلته يرد الذين حاولوا تحريضه على القيام مع خصوم عمر ~~في الثورة به بقوله: أما وعمر حي فلا! وكيف لخالد أن يثور بأميره لأمر أصدره، وهو جندي يعرف ~~النظام ويؤمن به، وهو مسلم حسن الإسلام حريص على أن ينتصر دين الحق على يديه أو على يدي ~~غيره! لذا سكن كارها إلى حياة لا ترضاها نفسه، حياة الجندي البطل يرى ميادين القتال مفتوحة ~~أمامه، وهو مبعد عنها لا يستطيع خوض غمارها؛ لأن أميره عزله وأقصاه، وحسبك لتقدر ما حز ذلك ~~في نفسه أن تذكر قوله، حين أقام بالحيرة سنة لا يقاتل الفرس امتثالا لأمر أبي بكر: «ألا ~~إنها لسنة كأنها سنة نساء.» # واطمأن عمر إذ برت يمينه ألا يلي له خالد عملا أبدا ثم لم تثر لعزل خالد عاصفة، ولم ~~يمالئ خالد أحدا على إثارتها، فغلب جانب البر فيه جانب الشدة والبأس، فأذاع في الأمصار: ~~«إني لم أعزل خالدا عن سخطة ولا خيانة، ولكن الناس فتنوا به، فخفت أن يوكلوا إليه ~~ويبتلوا به فأحببت أن يعلموا أن الله هو الصانع، وألا يكونوا بعرض فتنة.» # أفتعبر هذه الإذاعة تعبيرا صادقا عن رأي عمر في خالد، وتشهد أنه اقتنع بأن الرجل لم ~~يرتكب إثم الخيانة ولا إثم الإسراف حين أجاز الأشعث بعشرة الآلاف؟ أم هي إذاعة سياسية قصد ~~بها ابن الخطاب إلى تسكين الخواطر التي ثارت لما أصاب سيف الله، تعصبا له وإعجابا به، ~~وخشية أن يجري عمر في سياسته على تغليب الهوى والأخذ بالظنة في أمر بناة الإمبراطورية ~~الناشئة؟ أغلب الظن أنها كانت إذاعة سياسية أريد بها الاعتذار عن أمر أوشك حين وقوعه أن ~~يحدث حدثا، وآية ذلك أن خالدا مات بعد أربع سنوات من عزله، ولم يترك من حطام الدنيا غير ~~فرسه وغلامه وسلاحه، فلما عرف عمر ذلك من أمره حزن وقال: «يرحم الله ms293 أبا سليمان! كان على ~~غير ما ظنناه به.» إذن لقد قامت بنفس عمر ظنة في خيانة خالد أو في إسرافه كانت سبب سخطه ~~عليه وعزله إياه، وخطب الناس بالجابية يوما فقال: «إني أعتذر إليكم عن عزل خالد بن الوليد، ~~فإني أمرته أن يحبس هذا المال على ضعفة المهاجرين، فأعطى ذا البأس وذا الشرف وذا اللسان، ~~فأمرت أبا عبيدة.» لم تكن فتنة الناس بخالد هي إذن وحدها التي أدت إلى عزله مخافة أن ~~يوكلوا إليه ويبتلوا به ويتعرضوا للفتنة بسببه، وليعلموا أن الله هو الصانع، بل كانت في نفس ~~عمر سخطة على خالد لأسباب كانت فتنة الناس بسيف الله بعضها أو كانت أعظمها. # لم يسكن الناس لإذاعة عمر ولم يروها مسوغة عزل خالد، بل ظل منهم كثيرون وفي نفوسهم على ~~عمر موجدة لهذا العزل أي موجدة، لما خطب بالجابية يعتذر جابهه أبو عمرو بن حفص بن ~~المغيرة بكلام يقول فيه: «والله ما أعذرت يا عمر! ولقد نزعت عاملا استعمله رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، ووضعت لواء رفعه رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وأغمدت سيفا سله الله، ولقد قطعت الرحم ~~وحسدت ابن العم!» وأجابه عمر: «إنك قريب القرابة، حديث السن، مغضب في ابن عمك.» # عاش خالد أربع سنوات بعد عزله بعيدا عن ميادين فخره ومجده، يحز الهم في قلبه أن يرى ~~إخوانه وبني وطنه يقتحمون فلسطين إلى مصر والعراق إلى فارس، وهو مقيم في بيته، وسيفه في ~~غمده لا يجرده لنصر أو شهادة، ولا يبديه مشهورا أمام الأبطال يهز قلوب العدو هزا، ويحصد ~~رقابهم حصدا، أفما كان حسبه خلال هذه السنوات أن يستمتع بهذا المجد انعقد له لواؤه، ~~وتكلل بغاره جبينه؟! # كلا! فما المجد لرجل لا يزال قديرا على أن يرفع صرحه ويعلي بناءه! إنما يسكن إلى مجد ~~بلغه من يقعد به الجهد عن أن يسمو من مراتبه إلى أعظم مما بلغ، وكان خالد لا يزال قديرا أن ~~يقتحم مراتب المجد جميعا، فيفتح من أرض الروم أضعاف ما فتح، ويبلغ ms294 عاصمة قيصر كما بلغ سعد ~~بن أبي وقاص عاصمة كسرى، أما وعمر قد ألزمه عقر داره، فكسر سيفه وهد ركنه، فما أطول ~~أيامه وأشد ألمه! وقد اخترم الهم حياته فمات بعد هذه السنوات المريرة # 7 # وهو يقول: «لقد طلبت القتل في مظانه فلم يقدر لي إلا أن أموت على فراشي.» وفي ~~الرواية المشهورة أن خالدا بكى حين حضرته الوفاة وقال: «لقد حضرت كذا وكذا زحفا، وما في ~~جسدي موضع إلا وفيه ضربة بسيف، أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، وها أنا ذا أموت على فراشي حتف ~~أنفي كما يموت العير، فلا نامت أعين الجبناء!» # حزن المسلمون لموت خالد أشد الحزن، وكان عمر بن الخطاب من أشدهم حزنا، رووا أنه سمع أمه ~~تندبه وتقول: # أنت خير من ألف ألف من القو # م إذا ما كبت وجوه الرجال # فقال: «صدقت والله إن كان لكذلك!» وكان عمر ينهى عن الندب على الميت وبكائه حتى لقد شتت ~~النسوة اللاتي اجتمعن ببيت عائشة يندبن أباها أبا بكر، فلما اجتمع نساء المدينة يبكين ~~خالدا لم يعرض عمر لهن ولم يعترض عليهم فقيل له: ألا تسمع! ألا تنهاهن: # 8 # فقال: «وما على نساء قريش أن يبكين أبا سليمان ما لم يكن نقع أو ~~لقلقة، # 9 # على مثله تبكي البواكي!» ودخل هشام بن البختري في ناس من بني مخزوم على ~~عمر بن الخطاب فقال: يا هشام أنشدني شعرك في خالد، فأنشده أجود شعره، فلما فرغ من الإنشاد ~~قال عمر: «قصرت في الثناء على أبي سليمان رحمه الله، إنه كان ليحب الشرف وأهله، وإن كان ~~الشامت به متعرضا لمقت الله.» وجرى ذكر خالد يوما فاسترجع عمر وقال: «كان والله سدادا ~~لنحور العدو! ميمون النقيبة.» فقال له علي: «فلم عزلته؟» قال: «ندمت على ما كان مني!» ~~ويروى أن عمر كان غائبا يحج حين مات خالد، وأنه كان قد عزم على توليته بعد أن يرجع من ~~الحج، فلما رجع وجده قد مات، وطبيعي أن هذه الرواية إن صحت لا تستند إلى ms295 أكثر من قول نسب ~~إلى عمر أو نقل عنه بعد وفاة خالد بن الوليد. # أفكان عمر صادق الحزن على خالد حين خرج عن مألوف رأيه فترك نسوة قريش يندبنه ثم أظهر ~~الندم على عزله وقال فيه كل ما قاله؟ أم اقتضته مروءته أن يكون مجملا مع ابن خاله في ~~مماته، ولم يكن مجملا معه في حياته، فترك النسوة يبكين لعل في البكاء ما يخفف لوعتهن، وقال ~~ما قال يعزي به بني خالد وأهله؟ الله أعلم بالسرائر، ونحن بعد إزاء روايات مضطربة عن هذا ~~الموقف من مواقف عمر، يتعذر علينا أن نقطع أيها الصحيح وأيها الموضوع. # وإن يصدق حزن عمر فلا عجب والموت يسمو بمن مات إلى مقام السيرة المبرأة عن الشماتة ~~والحقد، فللأحياء منها المثل والعبرة، ولقد كان لعمر من قوة ثقته وشدة بأسه وعظيم إيمانه ~~وعدله ، وبالغ رقته ورحمته، وما بينه وبين خالد من صلة الرحم، ما يدعوه للحزن عليه والأسى ~~لمصاب أهله فيه، وكيف لا يحزن وعلى مثل خالد تبكي البواكي! بل كيف لا يحزن ولا يزال اسم ~~خالد يدوي في الآفاق كما لا يزال اسم عمر يدوي فيها، وخالد أعظم بناة الإمبراطورية ~~الإسلامية، وعمر أعظم من وطد ركنها ووجه سياستها! # هذه قصة خالد وعمر وقد وقف غير واحد من المؤرخين عندها، ونصبوا أنفسهم منصب الحكم بين ~~الرجلين ليقولوا: أظلم عمر خالدا أم لم يظلمه حين عزله، وكثيرون يتعصبون لخالد ويقفون في ~~صفه ويرون أن عمر لم ينصفه، فلو أن قصة الأشعث بن قيس صحت على أسوأ وجهيها وكان خالد قد ~~أجازه من إصابة أصابها، لما كفت في رأيهم سببا لعزله، صحيح أن عمر كان شديدا في محاسبة ~~عماله، وأنه كان يسألهم عما كسبوا من مال في ولاياتهم، ويقبض منهم ما لعلهم كسبوه بسببها، ~~لكنه لم يعزل كل من وجه إليه هذه التهمة، بل لقد وجهها إلى عمرو بن العاص وهو على مصر غير ~~مرة ثم لم يعزله، ولم يكن أحد من ولاة عمر وعماله كخالد بأسا وأيدا، ms296 ولم يكن لواحد منهم ~~مثل عبقريته في القيادة وإقدامه في الحرب، فليس من الإنصاف أن يشتد عمر في مؤاخذته ما لم ~~يشتد في مؤاخذتهم، أما الذين يتعصبون لعمر ويقفون في صفه، ويرون أنه لم يظلم خالدا حين ~~عزله، فيذكرون أن جائزة الأشعث لم تكن وحدها سبب عزله، وإنما كانت بعض المظاهر لزهو خالد ~~وخروجه على أمر الخليفة، فقد أمره ألا يتصرف في الفيء إلا بعد مراجعته فلم يفعل، وأن ~~يحبسه على ضعفة المهاجرين فجعله لذوي الشرف واللسان؛ لذلك خشي عمر أن يفتتن خالد ~~بالناس كما فتنوا به، فيكون الخطر على الدولة في بقائه، كما خشي أن يظن الناس أن خالدا ~~أصبح ضرورة لا غنى عنها لانتصار جيوش المسلمين، فتصغر أقدر القادة دونه، وتعظم العقيدة فيه ~~فتضعف العقيدة بالله، وذلك شر إن أصاب الدولة وتأصل فيها فسد أمرها ، ولا سبيل إلى استئصال ~~هذا الشر إلا بعزل مصدره، ولو في غير جريرة، فإذا رأى الناس جيوش الدولة لا تزال من بعد ~~مظفرة، قرت عقيدتهم بالله وثقتهم بقوادهم وساستهم، فكان للدولة ولدين الله بذلك كسب لا يقاس ~~عزل رجل بجانبه، ولو كان هذا الرجل خالد بن الوليد. # لم ير كثيرون أن يقفوا من خالد وعمر موقف الحكم إكبارا لهما عن مقام القضاء، والاتهام، ~~واقتناعا بأن ما انتهى إلينا من تفاصيل الحوادث وملابساتها فيه من القصور والاضطراب ما ~~يردنا عن الحكم، وإن أسفوا مع ذلك على ما حدث أشد الأسف، فخالد وعمر رجلان قل نظيرهما في ~~الرجال، فلو أنهما تضامنا إلى النهاية في بناء الإمبراطورية وسياستها، لأسرع الفتح أكثر مما ~~أسرع، ولاتسعت رقعته أكثر مما اتسعت، ولدخل المسلمون القسطنطينية وخالد على رأسهم، ولأدالوا ~~من دولة قيصر ما أدالوا من دولة كسرى، ولكان لذلك أثره الباقي في حياة الإسلامة وفي حياة ~~العالم، ولرأينا من هذا الأثر غير ما نرى اليوم، ولسارت الحضارة غير سيرتها التي ~~عرفنا. # وهذه فروض لا يدري أحد ما كان يصح منها لو لم يحدث ما حدث، وعندي أن عمر إنما عزل ms297 خالدا ~~عن كل عمل للسبب الذي عزله من أجله عن إمارة الجند غداة خلافته، فالثقة بين الرجلين لم تكن ~~قائمة في عهد أبي بكر ولا من قبله، وكان عمر يود لو أن أبا بكر عزل خالدا لحادث ابن نويرة ~~أو لحادث غيره، فلما أبى الصديق أن يأخذ بظنة عمر فيه ولم يعزله، لم يكن لعمر يوم تولى أن ~~يفصله عن الجند كله، فقد كانت جيوش المسلمين على اليرموك في إمرته، وكانت ضخامة اسمه وثقة ~~الصديق به تحولان دون عزله؛ لذا اكتفى برد أبي عبيدة إلى مكانه من إمارة الجند، وأن ~~يسير خالد تحت لوائه، فلما انتصر خالد في اليرموك وفتح دمشق ودوت فعاله في شبه الجزيرة كما ~~دوت في العراق والشام، ثم كانت جيوش الروم لا تزال قوية بإزاء المسلمين، لم يكن لعمر إلا أن ~~يحتمل ابن خاله وإن على مضض وأن يعجب بفعاله وإن بقي على سوء رأيه فيه، فلما فر هرقل إلى ~~عاصمة ملكه ثم قمع المسلمون ما حدث من الانتقاض في شمال الشام، وحصنوا ما بينهم وبين الروم ~~من تخوم، وأمن عمر عودة هرقل وجنوده، لم يبق لخالد إلا أن يكبح جماح زهوه؟ وأن ينزل على ~~رأي الخليفة في الفيء وغير الفيء، كما ينزل كل عامل غيره، لكن خالدا ظل على اعتزازه ~~بنفسه واعتداده بمقدرته، فاستأثر بما رأى أنه من الحق لنفسه أن يستأثر به حين توزيع العطاء ~~من مغانمه، مخالفا بذلك أمير المؤمنين عن رأيه، خارجا فيه عن سياسته، وحرك ذلك في نفس عمر ~~كل ما اجتمع فيها من سوء الرأي بخالد قبل حادث ابن نويرة وبعده، فكان الذي حدث من استدعاء ~~خالد إلى حمص ليقف بين الناس موقف المتهم، ولتنزع قلنسوته ويعقل بعمامته؛ وليسأل كأنه ~~خائن للأمانة، وليعزل بعد ذلك فيبقى بعيدا عن ميادين فخره ومجده حتى يموت على فراشه كما ~~يموت العير، فلا نامت أعين الجبناء! # رحم الله خالدا ورحم عمر! لقد كانا قوتين من أضخم قوى القدر، اتسعت لهما شبه الجزيرة ما ~~كانتا ms298 كمينتين، فلما تفتحتا وانتشرتا ضاق بانتشارهما ملك الفرس والروم مجتمعين؛ فاصطدمتا ~~فلم يكن بد من أن تنكمش إحداهما حتى تبلغ الأخرى مدى انتشارها، وقد رضي خالد أن يكون القوة ~~التي تنكمش، لكي لا يؤدي الصدام إلى تحطيم القوتين جميعا، ومن توفيق الله أن حانت ساعة ~~انكماشه بعد أن اطمأن المسلمون بالشام إلى سلطان أقروه، وعدل أقاموه، وسياسة ~~أحكموها. # أفقر المسلمون بالشام على نحو ما قروا بالعراق، فاستأثروا فيه بمدن أقاموها كما ~~أقاموا البصرة والكوفة، ثم انتشروا في سائر أرجائه؟ كلا! بل أقاموا بدمشق وحمص وغيرهما من ~~المدن الكبيرة فيه، وشجعوا القبائل التي أسلمت وكانت مقيمة بالحاضر المتصل بهذه المدن على ~~الإقامة معهم بها، ثم لم ينتشروا فيما وراءها، وقد يبدو هذا عجيبا؛ ففي الشام الحدائق ~~الغناء، والأودية الممرعة الخصب تكسوها المزارع إلى مدى الأفق، والجبال الباسقة تجلل ~~هاماتها الثلوج ناصعة البياض، والأشجار المثمرة من أعناب وتين وزيتون، والمياه المتدفقة ~~منحدرة من السفوح المرتفعة إلى المنبسطات السهلة الواسعة، فكيف لم يجذبهم كل ذلك إليه ما ~~جذبتهم أرض العراق! السر في ذلك أن بالعراق من أرض البادية ومن أشجار النخيل ما استهوى ~~نفوسا ألفت النخيل وألفت البادية، والناس أكثر ميلا لما ألفوا واطمئنانا إليه، ثم إن أهل ~~العراق كانوا أسرع إلى الإسلام؛ فكان ذلك أدعى لتوثيق الأواصر بينهم وبين أهل شبه الجزيرة، ~~أما نصارى الشام فاستمسك أكثرهم بادئ الأمر بدينهم، ورأوا أداء الجزية أيسر عليهم من تركه، ~~فظل اختلاف الدين حجابا بينهم وبين العرب الفاتحين، على أن سياسة الحكم في القطرين لم ~~تختلف، بل كانت قائمة فيهما على حماية أهل الذمة والتسوية بينهم وإن اختلفت مذاهبهم ~~وأجناسهم، وأن يكون المسلمون جميعا سواء فيما فرضه عليهم الدين الجديد، يؤدون لله حقه، ~~ويهبون له حياتهم راضين مطمئنين. # أدى استقرار المسلمين بالشام والعراق إلى وحدة الجنس العربي، أفما آن لعمر أن يضم هذه ~~الإمبراطورية الناشئة في وحدة تزيدها قوة؟ كان ذلك أكبر رجائه، بل كان ذلك عزمه الصادق، لكن ~~للأقدار حكما لا يستقر أمامه عزم، ms299 وقد أرادت الأقدار أن تزداد الإمبراطورية سعة، وأن تزداد ~~رقعتها انفساحا، وسنرى من بعد ما ينطوي عليه حكم الأقدار في ذلك من موعظة بالغة. # | هوامش # الفصل الرابع عشر # | المجاعة والوباء # كان المسلمون في المدينة وفي شتى الأرجاء من شبه الجزيرة ينعمون بأنباء النصر الذي حالف ~~جنودهم في العراق والشام، وبأخماس الفيء ترد إلى الخليفة، فيقسمها بينهم أعطيات تزيدهم ~~رخاء، وتنقلهم من شظف البداوة وتقشفها إلى ما يشبه الحضارة لينا وطراوة، فقد زادتهم ~~هذه الأعطيات قدرة على أن يبتاعوا من تجارة اليمن والشام ما يشاءون، وأن يقتنوا من خيرات ~~مصر تجيء إليهم محمولة على السفن ما يجدون في اقتنائه متاعا لم يكن لهم من قبل بمثله عهد، ~~وزادهم ذلك إقبالا على الحياة وتحمسا للفتح، واستمساكا بالدين القيم الذي يسر لهم نصر ~~الدنيا والآخرة. # وإنهم لكذلك ناعمون إذ فجأهم القدر، في أخريات السنة السابعة عشرة وطيلة السنة التي ~~تلتها، بهولين عظيمين؛ أصابهم أحدهما في موطنهم من شبه الجزيرة، وأصاب الآخر إخوانهم ~~المجاهدين في الميادين، فأما أول الهولين فالمجاعة التي انتشرت في بلاد العرب من أقصى ~~جنوبها إلى أقصى الشمال، والتي دامت تسعة أشهر هلك فيها الزرع والضرع، والحرث والنسل، وأصاب ~~الناس منها أشد الجهد والبلاء، وأما الهول الثاني فطاعون عمواس الذي امتد من الشام إلى ~~العراق، فأفنى الألوف من خيرة المسلمين، رجالا ونساء، جندا ومدنيين، حتى ارتاع له عمر ~~وارتاع له الناس جميعا أيما ارتياع. # وسبب المجاعة أن أمسك المطر في شبه الجزيرة كلها تسعة أشهر كاملة؛ وأن تحركت الطبقات ~~البركانية من أرضها فاحترق سطحها وكل من عليه من نبات، فصارت الأرض سوداء مجدبة كثيرة ~~التراب، فإذا تحركت الريح سفت رمادا؛ لذا سمي هذا العام عام الرمادة، ونشأ عن إمساك ~~المطر وهبوب الرياح وهلاك الزرع والضرع جوع أهلك الناس والأنعام؛ فقد فني الكثير من قطعان ~~الغنم والماشية، وجف ما بقي منها، حتى كان الرجل يذبح الماشية فيعافها لقبحها برغم جوعه ~~وبلواه، ومن ثم أقفرت الأسواق فلم يبق فيها ما يباع ويشترى، وأصبحت ms300 الأموال في أيدي ~~أصحابها لا قيمة لها إذ لا يجدون لقاءها ما يسد رمقهم، وطال الجهد واشتد البلاء، فكان الناس ~~يحفرون أنفاق اليرابيع والجرذان يخرجون ما فيها. # كان أهل المدينة أحسن من غيرهم حالا أول العهد بالمجاعة، فالمدينة حضر ادخر أهلها حين ~~الرخاء ما اعتاد أهل الحضر ادخاره، فلما بدأ الجدب جعلوا يخرجون ما ادخروا يعيشون منه، أما ~~أهل البادية فلم يكن لهم مدخر فاشتد بهم الكرب من أول الأمر، ثم إنهم هرعوا إلى المدينة ~~يجأرون إلى أمير المؤمنين بالشكوى، ويلتمسون لدى أهلها فتاتا يقيمهم، وازداد هؤلاء ~~اللاجئون عددا فضاقت بهم المدينة، واشتد أهلها بالبلاء، فصاروا في مثل حال أهل البادية ~~جدبا وجوعا. # ماذا يصنع عمر بنفسه؟ وماذا يصنع بهؤلاء الجياع؟ لقد كان بيت المال في يده، وكان في مقدور ~~عماله بالعراق والشام أن يبعثوا إليه ما يبقي به على نظام عيشه قبل المجاعة، ثم كان له من ~~العذر لو أنه فعل، أن تبعته كانت تقتضيه ألا يبلغ من الحمل على نفسه والقسوة بها فينوء به ~~الجهد عن رعاية سائر المسلمين، ولكن تصرفه في هذا الموقف كان مثلا رائعا يجدر بكل من ولي ~~الأمر في أمة أن يعرفه وأن يحتذيه. # حدث بعد ما اشتدت المجاعة أن جيء عمر بخبز مفتوت بسمن، فدعا رجلا بدويا فأكل معه فجعل ~~البدوي يتبع باللقمة الودك إلى جانب الصفحة، فقال له عمر: كأنك مقفر من الودك؟ وأجابه ~~الرجل: أجل! ما أكلت سمنا ولا زيتا ولا رأيت آكلا له منذ كذا وكذا إلى اليوم، فحلف عمر ~~لا يذوق لحما ولا سمنا حتى يحيا الناس، وظل على هذا العهد حتى أذن الله فعاد المطر وزال ~~عن الناس الجدب. # وقد كان جادا في هذا العهد كل الجد، قدمت السوق عكة من سمن ووطب من لبن، ~~فاشتراها غلام له بأربعين درهما، وذهب إليه الغلام فقال له: قد أبر الله يمينك وعظم أجرك، ~~قدم السوق وطب من لبن وعكة من سمن فابتعتهما بأربعين، قال عمر: أغليت فتصدق بهما فإني أكره ms301 ~~أن آكل إسرافا، وأطرق هنيهة ثم قال: كيف يعنيني شأن الرعية إذا لم يمسني ما يمسهم. # حكمة ما أعظمها وما أجلها لذاتها! وهي أكثر عظمة وجلالا إذ تصدر من رجل اجتمع له يومئذ ~~من ملك كسرى وملك قيصر ما كان المسلمون يفاخرون به فارس والروم والعالم كله، اجتمع له ~~العراق والشام وما فيهما من خير ونعمة، وقد كان عمر قديرا يومئذ أن يجمع من ترف الفرس ~~ونعيم الروم ما شاء، لكنه كان يرى النعيم تعلقا بالدنيا، والترف مضلة لصاحبه، فسما ~~عليهما ابتغاء الآخرة وابتغاء وجه الله ورضاه، وكان يرى أنه، وهو أمير المؤمنين، لا يمكن أن ~~يعنيه شأن الرعية إذا لم يشعر بما يشعر به أكثرهم فقرا وإملاقا، ليسارع إلى القضاء على ~~الفقر وعلى الإملاق، رآه الناس عام الرمادة وقد اسود لونه وكان أبيض مشربا بحمرة؛ ذلك أنه ~~كان يأكل السمن واللبن واللحم، فلما أمحل الناس حرمها على نفسه وأكل بالزيت، وأكثر من ~~الجوع، حتى كان الناس يقولون وقد رأوا ما أصابه: لو لم يرفع الله المحل عام الرمادة لظننا ~~أن عمر يموت هما بأمر المسلمين. # والواقع أنه اهتم بأمرهم وبذل في سبيلهم كل جهده، كتب إلى عماله في العراق والشام ~~يستنجدهم لغياث أهلهم في شبه الجزيرة، وكانت عباراته إلى هؤلاء العمال صادرة من قلبه، تشهد ~~بسمو تقديره لتبعته، وعظيم شعوره بأنه مسئول أمام الله وأمام ضميره عن كل فرد من رعيته، كتب ~~إلى عمرو بن العاص بفلسطين يقول: «سلام عليك! أما بعد، أفتراني هالكا ومن قبلي، وتعيش ~~أنت ومن قبلك! فيا غوثاه! يا غوثاه يا غوثاه!» وأجابه عمرو: «أما بعد، فلبث، لأبعثن ~~إليك بعير أولها عندك وآخرها عندي.» وبعث عمر بمثل هذا الكتاب إلى معاوية بن أبي سفيان ~~وأبي عبيدة بن الجراح بالشام، وإلى سعد بن أبي وقاص بالعراق، فأجابوه جميعا بنحو ~~مما أجاب به عمرو بن العاص. # وكان أبو عبيدة بن الجراح أسرع الأمراء استجابة لنداء عمر وغياثا لأهل شبه ~~الجزيرة؛ سبقهم جميعا فقدم في أربعة آلاف راحلة ms302 محملة طعاما، فولاه عمر قسمته فيمن حول ~~المدينة، فلما فرغ من ذلك أمر له عمر بأربعة آلاف درهم؛ فقال: لا حاجة لي فيها يا أمير ~~المؤمنين! إنما أردت الله وما قبله، فلا تدخل علي الدنيا! لكن عمر أجابه: خذها فلا بأس ~~بذلك إذا لم تطلبها، وإني قد وليت لرسول الله مثل هذا فأعطاني بعد أن قلت له مثل ما قلت ~~لي، وقبض أبو عبيدة المال وانصرف إلى عمله. # وبعث عمرو بن العاص الطعام من فلسطين على الإبل وفي السفن من ثغر أيلة، # 1 # بعث في البحر عشرين سفينة تحمل الدقيق والودك، وبعث في البر ألف بعير تحمل ~~الدقيق، وبعث معاوية بن أبي سفيان ثلاثة آلاف بعير من الشام، وبعث سعد بن أبي وقاص ألف ~~بعير تحمل كلها الدقيق، هذا خلا خمسة آلاف كساء أرسلها عمرو، وثلاثة آلاف عباءة أرسلها ~~معاوية. # وولى عمر من يطعم الناس ويكسوهم في أمصار المملكة وباديتها، وتولى هو بنفسه إطعام أهل ~~المدينة ومن اجتمع إليهم من العرب، وانصرف رسله إلى أرجاء شبه الجزيرة يخففون عن الناس ~~بلواهم، فلقي الموكلون بالتوزيع ما بعث به سعد بن أبي وقاص من الأقوات عند أفواه ~~العراق، فأقاموا ينحرون للناس الجزر ويطعمونهم الدقيق ويلبسونهم العباء حتى رفع الله ~~البلاء، وكذلك فعل الرسل ما بين مكة والمدينة، وقال عمر لرسوله الذي بعثه يلقى عير الشام: ~~«أما ما لقيت من الطعام فمل به إلى أهل البادية، فأما الظروف فاجعلها لحفا يلبسونها، ~~وأما الإبل فانحرها لهم يأكلون من لحومها ويحملون من ودكها ولا تنتظر أن يقولوا ننتظر بها ~~الحيا، وأما الدقيق فيصطنعون ويحرزون حتى يأتي أمر الله بالفرج.» # تولى عمر إطعام أهل المدينة ومن اجتمع إليها، فكان يأدم الخبز بالزيت يجعله ثريدا، وينحر ~~بين الأيام الجزور فيجعلها على الثريد، ويأكل مع القوم مما يأكلون، فلما أقبلت الإبل من ~~العراق والشام كان ينحر على مائدته كل يوم عشرين جزورا يطعمها الناس، وكان له عيون يجتمعون ~~عنده إذا أمسوا فيخبرونه بكل ما رأوه يومهم، وأمر ليلة ms303 بعد أن فرغ الناس من العشاء بإحصاء ~~الذين طعموا على موائده فكانوا سبعة آلاف رجل، وأحصيت العيالات التي لم تأت والمرضى ~~والصبيان فكانوا أربعين ألفا، وزاد هؤلاء وأولئك بعد أيام فكان الذين تعشوا عنده عشرة آلاف ~~والآخرون خمسين ألفا، وكان العمال يقدمون في السحر إلى قدور عمر فيعملون حتى يصبحوا، ~~ثم توزع العصيدة ويوزع اللحم على المرضى والصبيان والعيالات ممن لا ينالون طعامهم على موائد ~~أمير المؤمنين، وكان عمر يتعهد هؤلاء جميعا بنفسه ليطمئن إلى أنهم حصلوا على ما يدفع عنهم ~~غائلة الجوع، وكان يرسل الدقيق والتمر والأدم إلى منازل القادرين على تهيئتها لغذائهم شهرا ~~بشهر، يوزع ذلك عليهم في نظام يشبه نظام «البطاقات» أيام الحرب في عهدنا الحاضر، يزيد فيه ~~وينقص منه على قدر ما عنده، وكان لذلك يقول: «لو لم أجد للناس ما يسعهم إلا أن أدخل على أهل ~~كل بيت عدتهم فيقاسموهم أنصاف بطونهم حتى يأتي الله بالحيا فعلت، فإنهم لن يهلكوا على أنصاف ~~بطونهم.» # 2 # مع هذه العناية من عمر بالعرب جميعا فشا المرض في الناس، وهلك منهم كثيرون، فكان يتعهد ~~المرضى، ويبعث بالأكفان لمن مات ويصلي عليهم، وقد استطاع خلال الأشهر التسعة التي قاسى ~~الناس فيها هول الكارثة أن يخفف منها ما قدر أمراء الأنصار على إمداده، فلما قصرت مواردهم ~~ازداد في شبه الجزيرة المرض والموت وبلغ الهول منهم أشده، فلم يجد عمر ملجأ من الله إلا ~~إليه، لقد كان طيلة هذه الأشهر التسعة يصلي بالناس العشاء ثم يدخل إلى بيته فلا يزال يصلي ~~حتى آخر الليل، ضارعا إلى الله ألا يجعل هلاك الأمة على يديه، فلما لم يستجب ربه دعاءه، ~~ولم تسعف السماء الناس بمطر، عزم على أن يستسقي، فكتب إلى عماله أن يخرجوا بالناس في يوم ~~عينه، وأن يتضرعوا إلى ربهم أن يرفع المحل عنهم، وخرج هو بالناس ذلك اليوم وعليه برد ~~رسول الله، فلما انتهى إلى المصلى تضرع الناس وألحوا في الدعاء، وبكى عمر بكاء طويلا حتى ~~أخضل لحيته، وكان العباس بن ms304 عبد المطلب قائما إلى جنبه، فأخذ عمر بيده ورفع رأسه إلى ~~السماء وقال: «اللهم إنا نستشفع بعم رسولك إليك!» ودعا العباس ربه وعيناه تهملان، وأقام ~~الناس يدعون ربهم تضرعا وخشية وقد أيقنوا الموت إن لم يسعفهم الله بالمطر، واستجاب الله ~~لعباده المؤمنين الذين صدقوه ما عاهدوا عليه، إن الله بعباده لرءوف رحيم. # استجاب الله لعباده ففتح أبواب السماء بماء منهمر وسيل دافق، وسرعان ما ربت الأرض ~~واخضرت، فلم يبق للأعراب الذين قدموا المدينة أن يقيموا بها؛ لذلك جعل عمر يسير بينهم ~~يقول: اخرجوا! اخرجوا! الحقوا ببلادكم! يخشى أن يظل منهم بالمدينة من يظنها ألين عيشا، بل ~~إنه وكل بهؤلاء الأعراب من يخرجونهم إلى باديتهم ويعطونهم قوتا وحملانا تبلغهم منازلهم، ~~ثم كان يخرج بنفسه من يحتاج خروجهم إلى أمره، فلما بلغوا مساكنهم عادوا إلى مألوف حياتهم ~~وإن لم يجدوا من أعطيات الفيء ما يرفه عنهم، فقد شغل عمر بهذه المجاعة في شبه الجزيرة ~~فشدد أوامره إلى جنده ألا يقاتلوا عدوهم إلا إذا أكرهوا دفاعا عن أنفسهم. # لم يبعث عمر جباته عام الرمادة ليقبضوا الزكاة، بل أخرهم إلى أن ارتفع الجدب، فلما ~~اطمأن الناس إلى العيش وكثرت عندهم مادته، أمر الجباة أن يسيروا إليهم وأن يأخذوا من كل ~~قادر حصتين: حصة عن عام الرمادة، وأخرى عن العام الذي بعده، وأن يقسموا إحدى الحصتين على ~~المعوزين، ويقدموا عليه بالثانية، بذلك زاد في تخفيف الفقر عن الفقراء، ثم لم يرهق غيرهم ~~ولم يحملهم ما لا طاقة لهم به. # يجدر بنا أن نقف هنيهة ها هنا ننظر في سياسة عمر كما تجلوها تصرفاته في أثناء هذه الشدة ~~التي أصابته وأصابت قومه، ولسنا نريد بوقفتنا أن نبدي ما تثيره هذه التصرفات في النفس من ~~إعجاب بعمر وإكبار له، وإنما نريد أن نستشف من هذه التصرفات فكرة مجملة عن صورة الحكم في ~~ذهن رجل ألقت عليه الأقدار أن يكون أول بادئ بتفصيل نظام الحكم في الجماعة الإسلامية، وأشد ~~هذه التصرفات أخذا بالنظر حمل عمر على نفسه وقسوته ms305 عليها، وأنه لم يكن يحمل عليها رغبة عن ~~الطيبات مما رزق الله، فالإسلام لا يدعوه للرغبة عنها، وإنما كان يفعل ليشعر بشعور الضعفاء ~~والمعوزين وذوي الحاجة، وذلك قوله: «كيف يعنيني شأن الرعية إذا لم يمسسني ما يمسهم!» لذلك ~~نزل بعيشه إلى مستوى حياة الفقراء الذين لم يكونوا يجدون إلا مائدته يجلسون إليها مع الألوف ~~من الجائعين لينالوا ما يبقي عليهم الحياة، فكان يأكل معهم ولا يرضى أن يتناول طعامه في ~~بيته حتى لا يظن أحد أنه يؤثر نفسه بشيء لا يناله ذو الفاقة من قومه، وقد حقق بتصرفه هذا ~~غرضين جليلين: أولهما الشعور بألم الناس شعورا يدفعه إلى مضاعفة الجهد في العناية بهم ~~والعمل لرفع الضر عنهم، والثاني طمأنينة السواد إلى أن أمير المؤمنين يشاركهم في بأسائهم ~~وضرائهم، فلا تثور نفوسهم، بل يظلون راضين بكل ما يصيبهم؛ لأن أكبر رجل في الدولة يشاركهم ~~فيه، وقد بلغ عمر من هذين الغرضين خير ما يبلغه حاكم في أية أمة من الأمم. # كان عمر إذن يرى أن أول واجب على ولي الأمر أن يجعل حياته في مستوى الحياة لجمهور الشعب، ~~لكنه كان يرى كذلك أن يدع القادرين على تثمير المال واستغلال الأرض يستمتعون بطيبات الرزق، ~~ليزيدهم المتاع بها حرصا على إتقان العمل وسعيا لزيادة خبراته ومضاعفة ثمراته، بذلك يزداد ~~جمهور الشعب لولي الأمر حبا، وبسياسته تعلقا، وعلى التضحية في سبيل هذه السياسة إقبالا، ~~وتزداد مكانة ولي الأمر في نظر القادرين وذوي المكانة سموا إذ يرون تعلق الشعب به ومحبته ~~له، فلا يدور بخلد أحدهم أن يناوئه أو يخرج عليه، ثم تزداد أواصر الود بين طبقات الشعب ~~المختلفة تمكينا؛ لأن ولي الأمر يقوم من هذه الطبقات مقام القلب من جسم الإنسان يوزع بينها ~~أسباب الحياة بالقسط، ويوجهها جميعا للخير العام. # لم تكد المجاعة تنقضي ويرفع الله عن الناس الضر حتى روعهم النبأ بانتشار الوباء في الشام ~~وامتداده إلى العراق، فقد فشا الطاعون في عمواس من أرض فلسطين، ثم انتقلت عدواه إلى الشام، ~~فجعل يفتك ms306 بكل من يصابون به فتكا ذريعا مزعجا، لم يكن الواحد منهم يكاد يطعن حتى يدركه ~~الموت، وما أكثر الذين كانوا يطعنون! وطال هذا الوباء شهرا هلك في أثنائه من المسلمين خمسة ~~وعشرون ألفا، فيه من أكابر الناس وأشرافهم عدد غير قليل، منهم أبو عبيدة بن ~~الجراح، ومعاذ بن جبل، ويزيد بن أبي سفيان، والحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو، وعتبة بن ~~سهيل، وغيرهم ممن في طبقتهم، وكان الحارث بن هشام قد خرج من المدينة إلى الشام في سبعين من ~~أهل بيته فماتوا جميعا لم يبق منهم إلا أربعة وقيل: إن أربعين من ولد خالد بن الوليد ~~ماتوا في هذا الطاعون الذي انتشر في الجند كما انتشر بين المدنيين، فأفزع الناس وأخافهم ~~عواقبه، فلو أن أعداءهم حاولوا العود إليهم لعجزوا هم عن مقاومتهم، لكن الروم أشفقوا من ~~الوباء أن يصيبهم منه ما أصاب المسلمين، فلم يفكروا في الرجعة إليه خوفا على أنفسهم من هذا ~~الهول الذي فدح عدوهم. # لم تكن أنباء هذا الوباء مزعجة أول انتشاره، وكان عمر قد أزمع الذهاب إلى الشام ينظم ~~شئونه بعد ما تم فتحه، وسار من المدينة، حتى إذا بلغ سرع على مقربة من تبوك لقيه أمراء ~~الأجناد أبو عبيدة بن الجراح ويزيد بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة فأخبروه أن الأرض ~~سقيمة، وذكروا له طرفا من أنباء الطاعون وشدة إصابته، وراع عمر ما سمعه منهم، فلما أمسى ~~جمع المهاجرين الأولين يستشيرهم: أيتابع طريقه إلى الشام مع ما فيها من وباء أم يعود أدراجه ~~إلى المدينة؟ واختلف رأيهم، فمن قائل: خرجت لوجه تريد فيه الله وما عنده، وما نرى أن يصدك ~~عنه بلاء عرض لك؛ ومن قائل: إنه لبلاء وفناء وما نرى أن تقدم عليه، واختلف الأنصار كما ~~اختلف المهاجرون كأنما سمعوا قولهم فأعادوه، هنالك جمع عمر مهاجرة الفتح من قريش ~~فاستشارهم، فلم يختلف عليه اثنان، بل قالوا جميعا: ارجع بالناس فإنه بلاء وفناء، وأمر عمر ~~فنادى ابن عباس في الناس ليعدوا رواحلهم، فلما صلوا الصبح ms307 التفت عمر إليهم وقال: «إني ~~راجع فارجعوا.» # لم يكن أبو عبيدة حاضرا مشاورات عمر وما انتهى إليه من رأي، فلما عرف ذلك قال له: ~~«أفرارا من قدر الله يا عمر!» ودهش الخليفة لهذا الاعتراض، ونظر مليا إلى أبي عبيدة ~~ثم قال: «لو غيرك يقول هذا يا أبا عبيدة! نعم! فرارا من قدر الله إلى قدر الله.» وأطرق ~~هنيهة ثم أردف «أرأيت لو أن رجلا هبط واديا له عدوتان إحداهما خصبة والأخرى جدبة، أليس ~~يرعى من رعى الجدبة بقدر الله، ويرعى من رعى الخصبة بقدر الله!» # خلا عمر بأبي عبيدة بعد هذا الحديث يتذاكران في شئون الشام وفيما يجب أن يقابل ~~الوباء به، وإنهما لفي حديثهما إذ أقبل عبد الرحمن بن عوف فرأى الناس في هرج، فسألهم ما ~~شأنهم، فلما أخبروه الخبر قال: عندي من هذا علم، سمعت رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يقول: «إذا سمعتم ~~بهذا الوباء فلا تقدموا عليه، وإذا وقع وأنتم به فلا تخرجوا فرارا منه.» واطمأن عمر ~~لهذا الحديث وقال: الحمد لله، انصرفوا أيها الناس! # وعاد عمر بالناس إلى المدينة، وعاد أمراء الأجناد ومن معهم إلى أعمالهم، وجعل عمر يفكر في ~~أمر المسلمين بالشام وفيما دهاهم من فتك الطاعون، فأخذته الشفقة بأبي عبيدة أن يصاب به ~~وأن يتوفى منه وكان عمر يرجو أن يطول بأبي عبيدة العمر ليخلفه على إمارة المؤمنين، ~~أليس أبو بكر قد دعا الناس لمبايعة أحد الرجلين: أبي عبيدة أو عمر، فبايع الناس أبا ~~بكر، ثم بايعوا عمرا؛ فجدير به أن يستخلف أبا عبيدة وأن يدعو الناس لمبايعته؛ فإذا ~~توفي في الطاعون فمن ذا ترى عمر يستخلف؟ هذا إلى أن عمر كان يحب أبا عبيدة أصدق الحب، ~~ويضعه في أسمى مكان من نفسه، ولذا فكر في إبعاده عن الشام لاستخراجه من الوباء، لكنه كان ~~يعرف ما انطوت عليه نفس صاحبه من صدق الإيمان بالله وبفكرة الواجب، وأنه لن يدع رجاله ~~بالشام فرارا بنفسه من قدر الله، فكتب إليه فلم يشر إلى شيء مما ms308 دار بنفسه، بل قال له: ~~«أما بعد، فإني قد عرضت لي إليك حاجة أريد أن أشافهك فيها فعزمت عليك، إذ نظرت في كتابي هذا ~~ألا تضعه من يدك حتى تقبل إلي.» وقرأ أبو عبيدة الكتاب فأدرك مراد عمر، وأنه إنما حرص ~~على أن يستخرجه من الوباء، فقال: يغفر الله لأمير المؤمنين! ثم كتب إليه: «إني قد عرفت ~~حاجتك إلي، وإني في جند من المسلمين لا أجد بنفسي رغبة عنهم، فلست أريد فراقهم حتى يقضي ~~الله في وفيهم أمره وقضاءه، فحللني من عزمتك يا أمير المؤمنين ودعني في جندي.» وقرأ عمر هذا ~~الكتاب فبكى، فسأله من حوله: أمات أبو عبيدة؟ فأجاب ولا يزال الدمع آخذا بخناقه: «لا! ~~وكأن قد.» # وددت لو أني وقفت عند كلمة عمر حين اعترض أبو عبيدة عوده إلى المدينة بقوله: أفرارا ~~من قدر الله، وأود لو أقف الآن عند هذين الكتابين اللذين تبادلهما عمر وأبو عبيدة، ففي ~~كلمة عمر وفي الكتابين ما يجلو لنا صفحة من حياة ذلك العصر فيها عناصر قوته وأسباب انفساح ~~الإمبراطورية الإسلامية فيه، لكني أوثر أن أقص ما حدث إلى أن رفع الله البلاء وإلى أن عادت ~~الحياة في الشام سيرتها الطبيعية، فذلك يزيد هذه الصفحة جلاء، ويكشف عن تفكير المسلمين ~~الأولين من أصحاب رسول الله وعن حريتهم في هذا التفكير وعدم تقيدهم إلا بالحق يملك عليهم ~~بصائرهم ويهديهم الله إليه على علم. # قرأ عمر كتاب أبي عبيدة فبكى، وأخذ يفكر في الوسيلة لإنقاذ أهل الشام مما نزل بهم، ~~وشاور أهل الرأي، ثم كتب إلى أبي عبيدة يقول: «إنك أنزلت الناس أرضا عميقة فارفعهم ~~إلى أرض مرتفعة نزهة.» وإن أبا عبيدة ليفكر في تنفيذ هذا الأمر إذ طعن فمات، فخلفه ~~معاذ بن جبل، فطعن هو وماتا جميعا، واستخلف معاذ عمرو بن العاص فخطب الناس فقال: إن هذا ~~الوجع إذا وقع فإنما يشتعل اشتعال النار فتحصنوا منه في الجبال، ثم خرج وخرج الناس فتفرقوا ~~في المرتفعات، فأذهب ذلك شدة الوباء وانتهى بزواله، وبلغت عمر ms309 مقاله ابن العاص فلم يكرهها، ~~بل رأى فيها تنفيذا للأمر الذي بعث به إلى أبي عبيدة. # ما علة هذا الوباء؟ وإلى أي سبب يرجع؟ ليس فيما لدينا من الروايات ما يجلو لنا هذه العلة، ~~ويكشف لنا عن سبب نطمئن إليه ونقتنع به، وإن بعض المتأخرين ليذهبون إلى أن طاعون عمواس نجم ~~عن كثرة القتلى في الميادين كثرة تعذر معها دفن أكثرهم، فأثار ذلك في الجو من الميكروبات ما ~~كان سبب الوباء، أما المتقدمون من المؤرخين فيردون سببه إلى غضب من الله استنزله أبو ~~عبيدة على أهل الشام لشرب جماعة من المسلمين فيه الخمر، فقد كتب إلى عمر: «إن نفرا من ~~المسلمين أصابوا الشراب، فسألناهم فتأولوا وقالوا: خيرنا فاخترنا، قال: # فهل أنتم منتهون ~~، ولم يعزم علينا.» ولم يكن القرآن قد ~~نص على حد للخمر، ولم يحد رسول الله ولا حد أبو بكر شاربا لها، لذلك جمع عمر أصحاب الرأي ~~بالمدينة، وقص عليهم ما جاء في كتاب أبي عبيدة، فرأوا أن عبارة القرآن: # فهل أنتم منتهون ~~، تعني الأمر؛ أي فانتهوا، وأجمعوا على ~~أن يضرب الذين شربوها ثمانين جلدة وأن يفسقوا، # 3 # وكتب عمر إلى أبي عبيدة أن ادعهم، فإن زعموا أنها حلال فاقتلهم، وإن زعموا ~~أنها حرام فاجلدهم ثمانين، ودعاهم أبو عبيدة وسألهم على رءوس الناس، فقالوا: إن الخمر ~~حرام، فجلدهم ثمانين وقال: ليحدثن فيكم يا أهل الشام حادث، فكان الطاعون. # وأحسب الأكثرين اليوم يؤثرون رأي المتأخرين أو ما يماثله، ولا يرون دعاء أبي عبيدة ~~على أهل الشام سبب الوباء، وقد سقت الكلمة التي نسبت إلى أبي عبيدة وإنني لفي ريب من ~~صدورها عنه، فما كان له أن يرجو هذا البلاء الماحق لأهل الشام جميعا لغير شيء إلا أن بعضهم ~~شرب الخمر، فما أكثر ما يرتكب الناس من آثام أعظم من أم الكبائر ثم لا يرسل الله عليهم ~~البلاء حاصدا يصيب المذنب والبريء! وأبو عبيدة رجل رقيق الطبع شديد الإيمان، أبر بمن ~~يسوسهم من أن تصدر عنه هذه الكلمة، ما بالك وفيمن ms310 يسوسهم من الجند من رأيت من وفائه لهم ما ~~يشهد به كتابه لعمر حين دعاه إلى المدينة ليستخرجه من الطاعون! على أن ريبنا في صدور هذه ~~الكلمة من أبي عبيدة لا ينفي أن قوما شربوا الخمر، فلما سألهم تأولوا قوله تعالى: # فهل أنتم منتهون ~~، وأنه رفع أمرهم إلى عمر ثم أوقع عليهم ~~الحد تنفيذا لأمر الخليفة، فتواتر الرواية بهذا الحادث وتنفيذ الحد في عهد عمر ومن بعده ~~يقطع بصحتها، وهي تتفق وما حدث في حياة النبي حين دعا عمر الله أن يبين لهم في الخمر، وأن ~~يبين لهم فيها بيانا شافيا؛ لأنها تذهب العقل والمال، لا عجب وذلك شأنه أن يقسو على ~~شاربيها وأن يضع لها الحد وأن يقيمه في خلافته، فيقام من بعده على أنه من حدود الله. # وأيا ما كان سبب الوباء فقد أدى تفرق الناس في المرتفعات ، استجابة لدعاء عمرو بن العاص، ~~إلى ذهاب شدته ثم إلى زواله بعد أن أفنى من المسلمين بالشام خمسة وعشرين ألفا، وبعد أن ~~انتقل من الشام إلى العراق ففتك فيه بأهل البصرة أشد مما فتك بغيرهم، وكان أهل البصرة من ~~خيرة جند المسلمين، مع ذلك لم يفكر يزدجرد في استرداد العراق أكثر مما فكر هرقل في ~~استرداد فلسطين أو الشام، فقد خشي ما خشيه هرقل أن يصاب جنوده بالوباء وأن ينتقل معهم إلى ~~أرض فارس، فتكون الطامة شرا من الحرب وآثارها. # كيف يواجه عمر الموقف بعد أن زال الوباء؟ إنه إن يترك الشام على حاله بعد فناء من فني من ~~المسلمين، وبعد أن مات من جندهم به عدد عظيم، يتعرض الفتح فيه لعواقب لا يرضاها، فقد يفكر ~~الروم في القدوم إليه يحاولون استرداده، ثم إن النظام الاقتصادي فيه قد شابه اضطراب سببته ~~مواريث الذين ماتوا، وهو لا يأمن أن يثير توزيع التركات ثائرات بين المسلمين أنفسهم، فليس ~~له إلا أن يذهب بنفسه، فينظر في ذلك كله ويضع كل أمر في نصابه؛ لذا فصل من المدينة في جماعة ~~من الصحابة وخلف عليا ms311 عليها، واتخذ الطريق إلى أيلة، فلما بلغها دفع إلى أسقفها قميصا له ~~قد انجاب مؤخره عن مقدمه من طول السير، وقال له: اغسل هذا وارقعه، وغسل الأسقف القميص ~~ورقعه، وخاط قميصا آخر مثله، وعاد بالقميصين إلى عمر وقال له: أما هذا فقميصك قد غسلته ~~ورقعته، وأما هذا فكسوة لك مني، فلبس عمر قميصه ورد الآخر وقال: هذا أنشفهما للعرق. # وسار عمر من أيلة فنزل الجابية فجعلها مقره، وذكر له عماله بالشام وفلسطين ما كان من أمر ~~المسلمين وما نزل بهم، فزار بلاد سورية جميعا، وتفقد شئون المسلمين في شتى أرجائها، وبذل ~~لهم، ورتب منازلهم بدمشق وحمص وسائر المدن التي بلغ فيها فتك الوباء أشده، ثم إنه نظم ثغور ~~الشام ومسالحه، وأعاد توزيع القوات في كوره، وسمى الرجال الذين عينهم عليها، فلما فرغ من ~~ذلك قسم المواريث، فورث بعض الورثة من بعض، وأخرجها إلى الأحياء من ورثة كل منهم، بذلك ~~استقر كل أمر في نصابه، وعاد كل شيء إلى نظامه، واطمأن الناس بعد طول الفزع، ولم يفكر الروم ~~في الرجعة إلى الشام. # وكان عمر حين جاءه النبأ بموت أبي عبيدة ويزيد بن أبي سفيان قد ولى مكانهما شرحبيل ~~بن حسنة ومعاوية بن أبي سفيان، فلما كان بالجابية عزل شرحبيل عن عمله، وسأله شرحبيل: أعزله ~~عن سخطة؟ فقال: لا! إنك لكما أحب، ولكني أريد رجلا أقوى من رجل، قال شرحبيل: فاعذرني في ~~الناس لا تدركني هجنة، فقام عمر فقال: «أيها الناس! إني والله ما عزلت شرحبيل عن سخطة، ~~ولكني أردت رجلا أقوى من رجل.» والحق أن شرحبيل كان قائدا حسن المداورة بالجيوش، لكنه لم ~~يكن رجل سياسة يعرف كيف يوجه الناس إلى أغراضه القريبة والبعيدة، أما معاوية فكان على شبابه ~~سياسيا محنكا ذا بصر بموارد الأمور ومصادرها. # ولما قفل عمر من رحلته بالشام إلى الجابية يريد المدينة خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال: # ألا إني قد وليت عليكم، وقضيت الذي علي في الذي ولاني الله من أمركم إن شاء ~~الله، قسطنا ms312 بينكم فيأكم ومنازلكم ومغازيكم، وأبلغنا ما لديكم فجندنا لكم الجنود ~~وهيأنا لكم الفروج، وبوأناكم ووسعنا عليكم ما بلغ فيؤكم وما قاتلتم عليه من شأنكم، ~~وسمينا لكم أطماعكم، وأمرنا لكم بأعطياتكم وأرزاقكم فمن علم علم شيء ينبغي ~~العمل به فبلغنا، نعمل به إن شاء الله. # وحضرت الصلاة وكان عمر قد أزمع الرحيل بعدها، فقال له الناس: لو أمرت بلالا فأذن! وكان ~~بلال قد انقطع عن الأذان منذ قبض رسول الله، فأراد الناس سماعه بعد إذ رفع عنهم البلاء، ~~ليذكروا نعمته جل شأنه، إذ أرسل رسوله إليهم فهداهم للإسلام وأورثهم الأرض ووطد لهم أكنافها ~~وأذل لهم الفرس والروم، فلما أصابهم الضر رفعه عنهم ولم ينزل نقمته عليهم، وأذن بلال بصوته ~~الندي لم تغير منه السنون، فأحيا في نفوس الذين أدركوا رسول الله عهدا كانوا يقفون فيه ~~وراءه # صلى الله عليه وسلم # صفوفا متراصة يصلي بهم ثم يحدثهم فيزيدهم هدى، فلم يبق من هؤلاء واحد إلا ~~بكى حتى بللت دموعه لحيته، وبكى من لم يدرك النبي لبكائهم، ثم كان عمر أشدهم بكاء؛ لأنه كان ~~أكثرهم لفضل الله ولفضل رسوله ذكرا، ولقد ظل هذا النداء للصلاة، أرسله مؤذن النبي للمرة ~~الأولى والأخيرة في جو الشام على مقربة من بيت المقدس، علما في التاريخ على فتح المسلمين، ~~واستقرار الإسلام فيها، وقراره بها إلى يوم الدين؛ لذلك لا ينسى مؤرخ أن يذكره، فهو لذاته ~~نصر من الله وفتح مبين. # ودع عمر أهل الشام وعاد إلى المدينة وقد استقر عزمه على أن يزور العراق، لكن الله لم يشأ ~~له أن يزوره، وقيل: إنه كان أزمع الذهاب إلى العراق قبل مسيرته إلى الشام، فإذا بلغ شماله ~~انحدر إلى حلب ودمشق من الفراض، فصرفه كعب الأحبار عن عزمه وجعله يبدأ بالشام، فكانت رحلته ~~إليه آخر رحلة له خارج شبه الجزيرة. # 4 # أما وقد فرغنا من حديث عمواس وطاعونها وموقف عمر منه، فلنتحدث عن دلالة ما وقع فيه على ~~حرية المسلمين العقلية لذلك العهد، وعما انطوت هذه الحرية عليه من ms313 عناصر القوة، وكيف فتحت ~~لهم أبواب الإمبراطورية العظيمة التي ظلت تزداد على الأيام فسحة وعظمة حتى غير المسلمون ما ~~بأنفسهم فغير الله ما بهم. # لما سار عمر يريد الشام فلقيه أمراء الأجناد بسرغ وذكروا له أن الأرض سقيمة فأمر الناس ~~بالعود إلى المدينة، اعترضه أبو عبيدة بن الجراح بقوله: «أفرارا من قدر الله يا ~~عمر!» فقال: «نعم! فرارا من قدر الله إلى قدر الله.» وهذا الاعتراض وهذا الجواب يصوران ~~التفكير القدري وما وقع عليه من خلاف لا يزال قائما إلى اليوم، ونحسب كلمة عمر أدق تصويرا ~~للقدرية الإسلامية، فابن الجراح والذين أشاروا على عمر بالسير إلى الشام وقالوا له: ~~خرجت لوجه تريد فيه الله وما عنده، ولا نرى أن يصدك عنه بلاء عرض لك؛ هؤلاء إذ يؤمنون بأنا ~~لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، وبأن لكل أجل كتابا فإذا جاء أجلهم فلا يستقدمون ساعة ولا ~~يستأخرون، يرون أن تفكيرنا أقصر من أن يرد عادية القدر عنا، فإذا اعتزمنا أمرا وجب لذلك ~~علينا أن نغض الطرف عن كل ما سواه، وأن نمضي قدما في سبيله، لا يصدنا دونه بلاء يعرض أو ~~عقبة تقوم، وهذا الرأي يؤمن به أمراء الجند مصدر قوة ليس كمثلها قوة، والجندي الذي يؤمن ~~بالله مكفول له النصر لا محالة، فأول ما يقضي به الإيمان الصحيح ألا يهاب الجندي الموت، وأن ~~يقدم عليه مغتبطا به، فإن استشهد ففي سبيل الله وفي سبيل الوطن وفي سبيل القضية التي ~~ينصرها، وإن ظفر فعاش كان له فخر الأبد، وإيمان الجند بهذا الرأي هو الذي نصر المسلمين في ~~مختلف الميادين؛ لأنهم آثروا الشهادة في سبيل الله، فوهب لهم الله حياة كرامة وعزة. # لكن القدرية بهذا المعنى العظيم الأثر في حياة الجندي لا يمكن أن تكون القدرية كما يجب أن ~~يفهمها السياسي المسئول عن مصالح الناس ومصيرهم في الحرب وفي غير الحرب، وكما يجب أن يفهمها ~~المفكر الذي يقلب الأمور على وجوهها وينظر فيها من كل نواحيها، فصحيح أن لكل أجل كتابا، ms314 ~~وأن تفكيرنا أقصر من أن يرد عادية القدر عنا، لكنا يجب مع ذلك أن ننظر في الأمور وأن ~~نتدبرها لنحسن التصرف فيها إلى غاية ما يهدينا إليه علمنا وعقلنا، وما يهدينا إليه العقل ~~والعلم وحسن التفكير هو من قدر الله؛ كما أن إقدام الجندي على الموت في ميدان القتال وما ~~يصيبه نتيجة هذا الإقدام هو من قدر الله، وأول واجب على أمير الجند ألا يلقي بجنده إلى ~~التهلكة بسوء رأيه، وألا يعرضهم للموت حتى يستقر رأيه على ملاءمة الأحوال لخوض المعركة، ~~فإذا خاضها وجب عليه أن يعمل للانتصار فيها بأقل تضحية ممكنة، وأول واجب على السياسي ورجل ~~الدولة ألا يعرض نفسه ومن يسوسهم إلى هلكة يستطيع تجنبها، أو يستطيع إنقاذ الناس منها، من ~~غير إضرار بمصلحة الدولة العليا وبسياستها للحاضر وللمستقبل، فإذا ظفر من ذلك بما أراد كان ~~ظفره فخرا له كفخر الجندي بانتصاره، ثم كان هذا الظفر قدرا من الله ورحمة بعباده. # وذلك ما رآه الذين قالوا عن الطاعون إنه بلاء وفناء، وأشاروا على عمر أن يرجع إلى المدينة ~~فسمع إلى مشورتهم، وكان سماعه لها ونزوله عليها الحكمة كل الحكمة، فلو أنه سار إلى الشام ~~فطعن فمات لأصابت المسلمين خسارة عظيمة قد تنتقض بسببها عليهم أمورهم، ولو أنه سار إلى ~~الشام فطعن بعض أصحابه فعاد بسائرهم فانتقل الوباء إلى شبه الجزيرة لتعرض أهلها لكارثة ~~توقيتهم إياها واجب على أمير المؤمنين، وهو حين يفر من الموت ويتحاشى نقل الوباء ~~إلى شبه الجزيرة إنما يفر من قدر الله، فيجنب نفسه ويجنب شبه الجزيرة كارثة لم يردها الله ~~لهم. # والمثل الذي ضربه عمر لأبي عبيدة في هذا المقام يفسر رأيه في القدرية خير تفسير، ~~فإذا وجد راع واديا فيه عدوة خصبة وأخرى جدبة، فرعى الجدبة رعاها بقدر الله، وإذا رعى ~~الخصبة رعاها بقدر الله، ذلك أنه إما عالم فمختار بينهما، فاختياره قدر من الله؛ لأن عقله ~~الذي وهبه الله هو الذي هداه إليه، أو جاهل لهما فراع ما أمامه بقدر الله؛ لأن ms315 الأخرى ~~مغيبة عليه فلا اختيار له بين العدوتين، وقد عرف عمر العدوتين في أمر الشام ووبائه، فوجب ~~عليه أن يختار بينهما، وقد استشار فاختار ففر من قدر الله إلى قدر الله. # ولقد زاده الله اطمئنانا إلى اختياره ما رواه عبد الرحمن بن عوف عن رسول الله أنه ~~قال: «إذا سمعتم بهذا الوباء في بلد فلا تقدموا عليه، وإذا وقع وأنتم فيه فلا تخرجوا ~~فرارا منه.» فهذا الحديث إنما يفرض الحجر الصحي على ما نفهمه في عصرنا الحاضر، إذ يعزل ~~البلد الموبوء عن غيره من البلاد، ثم يعزل الأصحاء من أهله عن المرضى، ولا يسمح لهؤلاء ~~الأصحاء أن يختلطوا بغيرهم في بلد آخر مخافة أن يكون الداء جنينا فيهم، فتنتقل عدواه منهم ~~ولو لم تظهر آثاره عليهم، والاحتياط لمثل هذا الاحتمال واجب، وهذا الاحتياط هو الذي دعا ~~أمير المؤمنين؛ لأن يعجل بالعود إلى المدينة. # وليس يمنع الحجر الصحي الناس من أن ينتجعوا في حدود بلدهم مكانا يرونه أذهب للداء عنهم ~~وذلك ما كتب به عمر إلى أبي عبيدة إذ قال له: «إنك أنزلت الناس أرضا عميقة فارفعهم ~~إلى أرض مرتفعة نزهة.» وهو بعينه ما أشار به عمرو بن العاص حين طلب إلى الناس أن يتجبلوا من ~~الطاعون في الجبال، ولم يكره عمر رأي ابن العاص؛ لأنه رآه فرارا من قدر الله إلى قدر الله، ~~توجبه الحكمة ويقضي به العقل وتفرضه الروية، ومعنى ذلك أن ما نكسبه في الحياة إنما نكسبه ~~بقضاء وقدر، والعاقل حكيم يهديه الله إلى الخير فيكون ذلك قدر الله له، فإذا لم يغن عن ~~إنسان تفكيره فأصابه ما يؤذيه كان ما يصيبه قدر الله له. # أترى إلى هاتين النظريتين في مدلول القدرية، يؤيد إحداهما أبو عبيدة وطائفة من ~~المسلمين معه، ويؤيد الأخرى عمر بن الخطاب وطائفة من المسلمين معه، ويؤمن كل من الفريقين ~~بأن له الحرية التامة في التمسك برأيه، وعليه في الوقت نفسه أن يحتم الرأي الآخر، ثم لا ~~يطعن تأييده هذا الرأي أو ذاك في عقيدته ms316 ولا يغير من حسن إيمانه وإسلامه! أما وعمر أمير ~~المؤمنين فرأيه هو الذي ينفذ، ثم يبقى أبو عبيدة ومن معه على رأيهم لا يبدلونه ولا ~~ينزلون عنه، ويبقى عمر على احترامهم واحترام رأيهم، كما يبقون هم على احترامه واحترام ~~رأيه. # هذه الحرية العقلية وما أدت إليه من تبادل الاحترام بين هؤلاء المسلمين الأولين كانت عنصر ~~قوتهم وسبب ظفرهم بعدوهم وتغلبهم عليه وفتحهم بلاده، ذلك بأنهم كانوا يؤمنون بأن كل واحد ~~منهم إنما يصدر في رأيه عن قصد الخير للجماعة، وأنه يتحرى الحق لوجه الله جل شأنه، واختلاف ~~الآراء في طبيعة الإنسان ما دام حرا عزيز الجانب، وإنما يغلب رأي حين تراه الجماعة حقا ~~تقضي مصلحتها بتغليبه، ومصلحة الجماعة متأثرة أبدا بأحوال تتغير بالزمان والمكان، فلا ~~ضير عليها أن تغلب الرأي الذي تراه حقا في زمانها ومكانها، وأن يبقى من يخالفونها عن ~~رأيها أحرارا ما قصدوا إلى الخير وابتغوا برأيهم وجه الحق وحده. # قدمت أن رأي عمر هو في نظري أدق تصويرا للقدرية الإسلامية، وهو يتفق كذلك مع الجبرية ~~العلمية كما نفهمها نحن في هذا العصر، وكما فهمها فلاسفة الإغريق منذ أكثر من ألفي سنة، ~~وهذه الجبرية تذهب إلى أننا غير مختارين في رأي أو عمل، وأن اختيارنا لهذا الرأي أو ذاك، ~~ولهذا الأمر أو ذاك، يتأثر بعوامل كثيرة لا سلطان لنا عليها، من بيئتنا ووراثتنا ونشأتنا ~~التعليمية وحالنا الصحية كما يتأثر بغرائزنا الإنسانية وبأهوائنا الذاتية، وكثيرا ما وجه ~~حياتنا ووجه تفكيرنا وعملنا حادث طارئ لم يكن في حسباننا ولا في حسبان غيرنا، والبيئة ~~والوراثة والنشأة والغرائز والأهواء والطوارئ كلها من قدر الله الذي لا نملك له تحويلا ولا ~~تبديلا؛ لذلك كان فارا إلى قدر الله من يفر من قدر الله. # أدت الحرية العقلية إلى تبادل الاحترام بين المسلمين الأولين، فلم يكن ما حدث من خلاف في ~~الرأي بين عمر وأبي عبيدة ليمنع عمر من التفكير في استخراج صاحبه من أرض الوباء إبقاء ~~عليه لخيره وخير المسلمين، والكتابان اللذان تبودلا بين ms317 الرجلين في هذا الشأن يقفان النظر ~~ويثيران في الذهن شتى الفكر، فأنت إذا نظرت إليهما من ناحية العاطفة رأيتهما مثلا في ~~الوفاء قل نظيره؛ وفاء من عمر لأبي عبيدة أمين الأمة وصاحبه في السقيفة والقائد ~~السياسي الذي رضي أهل الشام حكمه، ووفاء من أبي عبيدة لجنوده الذين خاضوا معه المعارك ~~وبذلوا أنفسهم في سبيل الله وأظفروه بالروم أيما ظفر، وإن أنت نظرت إليهما من ناحية الخير ~~العام للدولة الناشئة رأيت الرجلين يختلفان رأيا على هذا الخير وهما يلتقيان مع ذلك عنده، ~~فعمر يعرف قدر أبي عبيدة وما للمسلمين من خير في بقائه، ويرى لذلك إنقاذه من وباء فتاك ~~لا فخر لمن يموت به، وأبو عبيدة يعرف واجبه لجنده ويرى مغادرته إياهم نجاة بنفسه شر ~~مثل يضرب لهم ولمن دونه من أمرائهم، هذا إلى أن كلا من الرجلين يستمسك في كتابه برأيه ، ~~فلا يرى عمر بأسا من أن يفر الإنسان من قدر الله إلى قدر الله، وهو يدعو أبا عبيدة ~~إلى هذا الفرار، ويصر أبو عبيدة على ألا يفر مما كتب في لوح القدر وإن رأى الموت ~~جاثما أمامه، فيبقى بالشام فيموت راضيا بقضاء الله وقدره، ويقرأ عمر كتاب أبي عبيدة، ~~ويرى مخالفته له وعدم إذعانه لأمره، فلا يثور ولا يغضب، ولا يرى في هذه المخالفة خروجا على ~~واجب النظام، بل تأخذه الشفقة بصاحبه فيبكي إذ يراه وكأن قد مات. # هذه الثقة بين أمير المؤمنين وكبار المسلمين، مع إكباره لهم واحترامه رأيهم، كانت من ~~عناصر القوة التي دفعت فتحهم، فأسرع ونجح في أحوال رأينا من دقتها في القادسية وفي شمال ~~الشام شهيدا على ما كان لإيمان المسلمين بالله من فضل في إقدامهم وجرأتهم، وقد زادتهم هذه ~~العناصر ثباتا وقوة، فقد كانت الحرية المحترمة والثقة المتبادلة قوام الإمبراطوريات الكبرى ~~التي اكتسحت العالم في عصور مختلفة، فوجهت سياسته وأقرت فيه حضارة تقدم بها خطوات في سبيل ~~الكمال. # لا أريد أن أختم هذا الفصل من غير أن أشير إلى ما كان لأمر عمر بعزل ms318 شرحبيل بن حسنة عن ~~إمارة الأردن وإقامة معاوية بن أبي سفيان أميرا على الشام كله من أثر أدى من بعد إلى قيام ~~الدولة الأموية، وإلى انتقال العاصمة الإسلامية من المدينة إلى دمشق، وإلى اختلاط العرب ~~بغيرهم من العناصر التي دخلت في دينهم اختلاطا جعل الدولة الناشئة تتطور لتصير إسلامية ~~أكثر منها عربية، فقد كان عمر لإكرامه بني هاشم لا يوليهم في البلاد المفتوحة، بل كان ~~يبقيهم بالمدينة مع كبار الصحابة ليشيروا عليه، وقيل له في ذلك فقال يوما لابن عباس: «إني ~~رأيت رسول الله # صلى الله عليه وسلم # استعمل الناس وترككم ... والله ما أدري احترمكم عن العمل ورفعكم عنه ~~وأنتم أهل ذلك، أم خشي أن تهاونوا لمكانكم منه فيقع العتاب عليكم، ولا بد من عتاب.» وكان ~~معاوية رجلا حكيما عصمته حكمته أن تغشي مطامعه على بصيرته، حليما صانه حلمه عن بطش ~~القدرة، ثاقب النظر يتألف الناس بسلطانه ويجذبهم إليهم بحسن حديثه وحسن حيلته، وطال عهده ~~بالشام بقية عهد عمر، ووليه أيام عثمان، فانتهت سياسته بأهل الشام إلى تعلقهم به والتفافهم ~~حوله ومناصرتهم له حتى على الأدنين من أهل بيت رسول الله، فكان لذلك من الأثر في حياة ~~الإمبراطورية الإسلامية ما كان. # ولم يكن عمر ليقدر ما حدث من ذلك بطبيعة الحال، فقد سكنت منافسات بني عبد شمس وبني عبد ~~مناف منذ أسلم أبو سفيان وقومه بفتح مكة، وقد رأيت أبا سفيان وبنيه وصدق إخلاصهم في أثناء ~~وقائع الفتح؛ لذلك نسي الناس الحفائظ القديمة، فلم تثر إقامة معاوية على إمارة الشام في نفس ~~شبهة، ولم يفكر أحد فيما ترتب من بعد عليها، وهل كان لأحد يومئذ أن يفكر في أن الثورات ~~الكبرى كالعواطف الهوجاء، تقتلع، وتذر وراءها من الآثار ما تذر، ثم تبقى كوامن الأرض كما ~~هي، لتنبت بعد مرور العاصفة نباتها القديم في صورة تلائم الجو الجديد؟ # أقر عمر الأمور في الشام، ثم ودع أهله وعاد إلى المدينة مطمئنا إلى زوال الهولين اللذين ~~نزلا بالمسلمين، واستقر بهما زمنا سار بعده ms319 إلى مكة على رأس المسلمين يؤدي فريضة الحج ~~كعادته كل عام، فلما فرغ منها عاد إلى المدينة يستقبل من أنباء الفرس ومن أنباء الروم في ~~مصر ما يتجه به إلى سياسة جديدة يواجه بها أحداثا كان يرجو ألا تكون، فلننتقل معه لنستقبل ~~هذه الأنباء، ولنرى من أثرها في سياسة الإسلام والمسلمين ما يفسح رقعة الإمبراطورية إلى ~~حدود الصين من الشرق وإلى حدود تونس من الغرب. # | هوامش # الفصل الخامس عشر # | التوسع في فتح فارس # كانت سياسة عمر أن يقف بالفتح في حدود العراق والشام لا يتعداهما، وأن يجمع العرب بذلك في ~~وحدة تمتد من جنوب شبه الجزيرة إلى شمال بادية السماوة؛ لذلك كتب إلى سعد بن أبي وقاص ~~بعد فتح المدائن، حين بعث يستأذنه في مطاردة الفرس وراء جبلهم: «وددت لو أن بين السواد ~~والجبل سدا لا يخلصون إلينا ولا نخلص إليهم ! حسبنا من الريف السواد، إني آثرت سلامة ~~المسلمين على الأنفال.» وكان عمر مخلصا في هذه السياسة كل الإخلاص، والواقع أنها كانت خطوة ~~جديدة في سياسة الإسلام؛ فقد كان رسول الله يحرص كل الحرص على تأمين شبه الجزيرة وتخومها ~~حتى لا يعتدي الفرس أو الروم عليها، وكان يرجو أن يهدي الله كسرى وقيصر وأمراء مصر والشام ~~والعراق إلى الإسلام بلا قتال، وكانت هذه سياسة أبي بكر حين أنفذ بعث أسامة لقتال الروم على ~~تخوم الشام كما أمر به رسول الله، فلما دخل المثنى بن حارثة الشيباني العراق وأمده الصديق ~~بخالد بن الوليد فانتصر على الفرس، ثم لما بدأ الفتح في الشام، لم يدر بخاطر أبي بكر ولا ~~بخاطر عمر أن يتخطيا حدود العراق والشام إلى ما وراءهما، فقد كان بالعراق والشام من قبائل ~~العرب التي نزحت من شبه الجزيرة وأقامت مملكة الحيرة ومملكة غسان من يمتون إلى ~~المسلمين بأوثق الصلة؛ فمن حق المسلمين أن يطمعوا في مؤازرتهم وانضمامهم إليهم، فأما ما ~~وراء ذلك من أرض الفرس وأرض الروم فلم يكن للخليفتين الأولين مطمع في غزوه وفتحه. # على أن الحوادث كثيرا ms320 ما كانت أقوى من الرجال، وكثيرا ما حملتهم على تعديل اتجاههم ~~وتغيير سياستهم، وقد حملت الحوادث عمر على تعديل سياسته بإزاء الفرس وبإزاء الروم على كره ~~منه بادئ الأمر، ثم ملأته حماسة للسياسة الجديدة بعد أن حالف النجاح هذه السياسة إلى مدى لم ~~يتوقعه الخليفة ولم يتوقعه أحد غيره. # فأنت تذكر أن الهرمزان أحد قواد الفرس بالقادسية قد نجا من الموت وفر بعد الهزيمة فلجأ ~~إلى الأهواز وأقام بها، وأن يزدجرد عاهل الفرس فر بعد فتح المدائن إلى حلوان ثم إلى ~~الري، وأن سائر جنود فارس وقوادها فروا أشتاتا في مختلف أرجائها، فلما أمر عمر سعدا ألا ~~يتعقبهم وأن يتولى تنظيم العراق وإصلاحه، خيل إلى الفرس أن العرب أمسكوا عن تعقبهم خوفا ~~منهم، فأطمعهم ذلك فيهم وأغراهم بمناوشتهم، وكان أهل الأهواز أسبق من غيرهم إلى المناوشة، ~~فكانوا لذلك أول من اصطدم بالمسلمين، فدارت الدائرة عليهم، فكانت هزيمتهم طليعة ما تلاها من ~~هزائم الفرس واندحارهم. # والأهواز تقع إلى الجنوب الشرقي من العراق العربي وتتصل به، ويجري فيها من فروع دجلة ~~نهير دجيل ونهير كارون، ولا يفصلها عن العراق العربي جبل فارس الرفيع الذرى، وإن فصلت ~~بينهما في بعض الأماكن مرتفعات يتعذر اجتيازها إلا من مسالك مألوفة لأهل تلك الأرجاء، وكان ~~موقع الأهواز على مقربة من الأبلة والبصرة، سببا في اشتباك أهلها بالعرب قبل غيرهم من أهل ~~فارس، فأكثر الروايات على أن المسلمين فتحوا الأبلة في عهد أبي بكر أول ما ذهب خالد بن ~~الوليد إلى العراق، وأن الفرس استردوها بعد ذلك فبقيت في سلطانهم حتى فتحها عتبة بن غزوان ~~في عهد عمر بن الخطاب. # وتوفي عتبة وولى عمر المغيرة بن شعبة على البصرة مكانه، # 1 # وكان عتبة قد شخص إلى المدينة قبيل وفاته، فحدثت أهل الأهواز أنفسهم بالثورة ~~بسلطان المسلمين في غيابه، فخرج المغيرة حتى يؤمن التخوم بينه وبينهم، ولم يجد مشقة في ~~التغلب عليهم، لكن ما يعرفه من سياسة عمر جعله لا يتعقبهم داخل بلادهم، بل يكتفي بقهرهم ~~ومصالحتهم على ms321 مال يدفعونه، ثم إنهم لم يلبثوا إلا قليلا حتى نكثوا عهدهم، فأحلوا المسلمين ~~من صلحهم وأباحوهم أرضهم. # ذلك أن عمر عزل المغيرة بن شعبة عن البصرة وولاها أبا موسى الأشعري، وأمره أن يشخص ~~المغيرة إليه ليحاكمه، فقد كانت أم جميل إحدى نساء بني هلال تغشى الأمراء والأشراف، وكان ~~بعض النساء يفعلن ذلك في زمانها، فغشيت المغيرة يوما فهبت ريح فتحت كوة داره، فرآه أبو ~~بكرة وجماعة معه عليها، ثم خرج المغيرة ليؤم الناس للصلاة، فمنعه أبو بكرة وقال له: ~~لا تصل بنا، وكتب إلى عمر بما حدث، ودعا عمر أبا موسى الأشعري إليه أول ما قرأ الكتاب ~~وقال له: «يا أبا موسى إني مستعملك، إني أبعث بك إلى أرض قد باض بها الشيطان وفرخ فالزم ما ~~تعرف، ولا تستبدل فيستبدل الله بك.» وأجاب أبو موسى: «يا أمير المؤمنين أعني بعدة من أصحاب ~~رسول الله من المهاجرين والأنصار، فإني وجدتهم في هذه الأمة وهذه الأعمال كالملح لا يصلح ~~الطعام إلا به.» قال عمر: «فاستعن بمن أحببت.» فاستعان أبو موسى بتسعة وعشرين ~~صحابيا. # وبلغ أبو موسى البصرة ومعه كتاب عمر إلى المغيرة، وإنه لأوجز كتاب كتب به أحد من الناس: ~~«أما بعد، فإنه بلغني نبأ عظيم، فبعثت أبا موسى أميرا، فسلم ما في يدك، والعجل!» وكتب أمير ~~المؤمنين إلى أهل البصرة: «أما بعد، فإني قد بعثت أبا موسى أميرا عليكم ليأخذ لضعيفكم من ~~قويكم، وليقاتل بكم عدوكم، وليدفع عن ذمتكم، وليمضي لكم فيأكم ثم ليقسمه بينكم، وليتقي لكم ~~طرقكم.» # وارتحل المغيرة ومتهموه حتى قدموا على عمر، فجمع بينهم، فشهد ثلاثة شهادة كاملة، ~~وشهد الرابع بما يؤيد أقوالهم، ولكنه أجاب بأنه لم يعرف المرأة ولم ير الفعل، فأمر عمر ~~بالثلاثة فجلدوا الحد، قال المغيرة موجها القول إلى أمير المؤمنين: «اشفني من الأعبد.» ~~يريد بذلك أن يرد إلى البصرة، لكن عمر نظر إليه شزرا وقال: «اسكت! أسكت الله نأمتك، أما ~~والله لو تمت الشهادة لرجمتك بأحجارك!» وكذلك ظل أبو موسى على ولايته البصرة. # رأى ms322 أهل الأهواز هذا التغيير في ولاة البصرة، فخيل إليهم أنه سيجر إلى اضطراب يثير ~~المسلمين بعضهم ببعض ويمكنهم من الثورة بهم، أليسوا قد ألفوا مثل ذلك في بلاط كسرى! ألم ~~يروا صلات أشرافهم وأمرائهم يكتنفها جو من الدسائس يجعل كل أمير يثور بخصومه ما أمكنته ~~الفرصة! لذلك نقضوا عهدهم وأبوا أداء الجزية التي صالحوا المغيرة عليها، وزاد في تشجيعهم ~~على الثورة بالمسلمين أن العلاء بن الحضرمي أمير البحرين اجتاز الخليج الفارسي بالجند في ~~السفن لغزو المنطقة المقابلة له، منطقة فارس، ونزل بجنوده فسار قاصدا إصطخر العاصمة ~~العظيمة بعد ما تغلب على من لقيه من جنود الفرس، لكنه نسي أن يحمي ظهره، فقطع الفرس عليه خط ~~رجعته إلى السفن، وكان العلاء قد اندفع إلى هذه المغامرة من غير أن يستأذن أمير المؤمنين، ~~مع ما يعرفه من كراهية عمر ركوب البحر، وإنما فعل ذلك ؛ لأنه نفس على سعد بن أبي وقاص ~~أن يفتح المدائن، فأراد هو أن ينافسه فيفتح إصطخر فيكون له مثل فخاره، فلما أخفق وأحيط به ~~استغاث، فأمر عمر حامياته بالبصرة والكوفة فأنقذوه وأنقذوا من معه، وعزل عمر العلاء عن ~~البحرين وجزاه عن مغامرته بأن جعله مرءوسا لسعد بن أبي وقاص بالعراق. # شجعت هذه العوامل الفرس على الثورة بالمسلمين، فأبوا أداء الجزية التي كانوا قد ارتضوها، ~~فلم يكن بد من مناجزتهم، حتى لا يغريهم سكوت المسلمين عنهم بالإمعان في الثورة، والتفكير في ~~المقاومة، والاسترسال من ذلك إلى اجتياز التخوم وانتهاك حرمة العراق العربي؛ لذلك جمع أبو ~~موسى قواته ودفعها إلى مدينة الأهواز، ففتحها بعد أن كانت قد فتحت مناذر ونهر تيري. # من هم أمراء الجند الذين تولوا قيادة المسلمين في هذا الغزو؟ ومن الذين واجهوهم من قواد ~~الفرس وقاتلوهم فانهزموا أمامهم؟ وكيف كانت مسيرة الجيوش؟ وماذا كانت خطة القتال؟ تختلف ~~الروايات على إجمال ذلك وتفصيله اختلافا كبيرا، على أنها تنتهي جميعا إلى أن المسلمين ~~اجتازوا تخوم خوزستان، وساروا في أرضها وحصروا الأهواز وفتحوها؛ وأن الفرس طلبوا الصلح بعد ~~فتح الأهواز ms323 فأجابهم المسلمون إليه على أن يظل ما فتحوه من أرض خوزستان في حوزتهم وسلطانهم، ~~وأن يقر الفرس في بلادهم ولا يتخطوها. # والروايات على اختلافها تتفق في تأييد المعروف من سياسة عمر وحرصه على أن يقف بالفتح في ~~حدود العراق العربي، كما أنها تقص من التفاصيل ما يكشف عن جانب له قيمته في هذا المعنى، ~~لذلك يجمل بنا أن نلخص هذه الروايات في إيجاز لا يجني عليها. # يطيل الطبري الحديث عن فتح مناذر ونهر تيري، وعن موقف الهرمزان من المسلمين، وخلاصة ~~روايته أن الهرمزان فر من القادسية إلى الأهواز، وجعل يغير بأهلها على ميسان ودست ~~ميسان المجاورتين للعراق العربي متجها إليهما من وجهين هما مناذر ونهر تيري، وقد استمد ~~عتبة بن غزوان سعد بن أبي وقاص لقتاله فأمده، فوجه سلمى بن القين وحرملة بن ربطة ~~فنزلا على حدود ميسان ودست ميسان واستمدا غالبا وكليبا، من أبناء عمومتهم من العرب ~~الذين استوطنوا الأهواز، ودفعوهم للقاء الهرمزان، واتحد هؤلاء العرب من أبناء العم، فلقوا ~~الفرس وقتلوا منهم مقتلة عظيمة وأخذوا مناذر ونهر تيري، وبلغوا دجيلا واجتازوه إلى سوق ~~الأهواز، وعرف الهرمزان ما أصاب قومه، فطلب إلى المسلمين الصلح فأجيب إليه على ألا يجلو ~~المسلمين عما فتحوا من أرض خوزستان. # ثم حدث أن اختلف الهرمزان مع غالب وكليب على تخوم ما بينهما من البلاد، ولم ينزل على حكم ~~سلمى وحرملة، بل استعان بالأكراد حتى كثف جنده، ونقض ما بينه وبين المسلمين من عهد، وأحيط ~~عمر علما بما حدث فأمر حرقوص بن زهير السعدي الصحابي على الجند الذي نهد لقتال الهرمزان، ~~فأجلاه عن الأهواز، واضطره أن يفر مشرقا إلى رامهرمز، ثم أمر حرقوص جزء بن معاوية ~~بمطاردته، فلما رأى الهرمزان أن لا قبل له بقتال المسلمين طلب الصلح كرة أخرى، فأذن عمر ~~بإجابته إليه، وكتب إلى جزء وإلى حرقوص بلزوم ما غلبا عليه، وأذن لجزء عمارة البلاد، فشق ~~الأنهار وعمر الموات. # هذه خلاصة وجيزة لرواية ابن جرير، وقد أخذ ابن الأثير في تاريخه الكامل بهذه ms324 الرواية، أما ~~ابن كثير فقد أوجز في تلخيصها، فلم يزد على القول بأن المسلمين نصروا على الهرمزان وفتحوا ~~مناذر والأهواز ونهر تيري، وقتلوا من جيشه جما غفيرا، وسلبوا ما بيده من الأقاليم ~~والبلدان إلى تستر، وابن خلدون أكثر إيجازا، ولعل ما بين رواية ابن جرير ورواية ~~البلاذري من خلاف هو الذي دعاهم إلى هذا الإيجاز. # وخلاصة رواية البلاذري أن المغيرة بن شعبة غزا سوق الأهواز بعد أن هزم البيرواز وصالحه ~~على مال، فلما ولي أبو موسى البصرة مكان المغيرة نكث البيرواز، فغزاه أبو موسى ففتح ~~الأهواز، وأصاب المسلمون من الفرس سبيا كثيرا، لكن عمر كتب إليهم: «إنه لا طاقة لكم ~~بعمارة الأرض، فخلوا ما في أيديكم من السبي، واجعلوا عليهم الخراج.» فردوا السبي ولم ~~يملكوهم، وسار أبو موسى من بعد إلى مناذر فحاصر أهلها فاشتد قتالهم، واستشهد المهاجر بن ~~زياد في حربهم ، فجزوا رأسه ونصبوه بين شرفتين من شرفات قصرهم، وتولى الربيع أخو المهاجر ~~إمارة المقاتلة، ففتح مناذر عنوة بعد أن قتل المقاتلة وسبى الذرية، وكتب عمر إلى أبي ~~موسى: «إن مناذر كقرية من قرى السواد، فردوا عليهم ما أصبتم.» # أنت ترى أن اختلاف الروايات لا يقتصر على أسماء الذين قاموا بهذه الغزوات وكيف قاموا بها، ~~بل يتجاوز ذلك إلى تعاقبها التاريخي، والخلاف على تعيين بدئها ليس بأقل من الخلاف على أمراء ~~الجند فيها؛ فقد قيل: إنها بدأت في السنة الخامسة عشرة من الهجرة، وقيل: في السنة السادسة ~~عشرة، وقيل: في السنة السابعة عشرة، وقيل: في السنة التاسعة عشرة، وقيل: في السنة المتممة ~~العشرين، وأكبر الظن أنها بدأت في أواخر السنة الخامسة عشرة، وأن ما كان ينقضي بين كل صلح ~~ونقضه جعلها تستطيل على الزمان كل هذه السنوات. # على أن الروايات المختلفة تتفق كلها على أن عمر كان حريصا على سياسته ألا يتخطى الفتح ~~حدود العراق العربي، ولذلك كان يجيز الصلح كلما طلبه الفرس بعد هزيمتهم، وكان يأمر برد ~~السبي إلى حريتهم والاكتفاء منهم بالخراج، ثم يأمر رجاله بتعمير البلاد ms325 وشق الأنهار خلالها ~~وإصلاح الموات من أرضها وإقامة العدل بين أهلها، ولو أن الفرس أذعنوا للأمر وارتضوا هذه ~~السياسة وأخلصوا في عهدهم مع المسلمين، لبقي ليزدجرد سلطان فارس ولما امتد الفتح ~~الإسلامي في عهد عمر إلى ما امتد إليه. # لم يكن قتال الفرس والتغلب عليهم ثم الظفر بهم بالأمر اليسير في هذه الأرجاء؛ فقد كانوا ~~يقاومون أشد المقاومة، وكانوا يقفون المسلمين مواقف بالغة غاية الدقة، ويضطرونهم أحيانا ~~إلى الارتداد عن موقع إلى غيره حين يرون هذا الموقع أمنع من أن ينال، ولقد خرج جزء بن ~~معاوية يتعقب الهرمزان في تراجعه إلى رامهرمز، حتى إذا انتهى إلى قرية الشغر أعجزه ~~الهرمزان، فمال إلى قرية لا يطيق أهلها منعها. # عرف يزدجرد مقاومة بني وطنه، فطمع في استرداد ما ضاع من ملكه، فجعل يثير حمية الفرس ~~ويحرك حماستهم بإظهار الألم على ما سلف من هزائمهم وما استولى عليه العرب من بلادهم، قيل: ~~إنه كان بمرو وقتئذ، وقيل: كان بإصطخر، أو بقم، وإنه كتب إلى أهل فارس يذكرهم الأحقاد ~~ويؤلبهم «أن قد رضيتم يا أهل فارس أن قد غلبتكم العرب على السواد وما والاه والأهواز، ثم لم ~~يرضوا بذلك حتى توردوكم في بلادكم وعقر داركم، فتحركوا أهل فارس تنتصروا.» وتكاتب أهل فارس ~~وأهل الأهواز وتعاقدوا وتعاهدوا وتواثقوا على النصرة. # بلغت هذه الأنباء حرقوص بن زهير وأمراء المسلمين، فأبلغوها عمر، فكتب إلى سعد بن أبي ~~وقاص أن ابعث إلى الأهواز بعثا كثيفا مع النعمان بن مقرن وعجل، وسمى جماعة ~~من أبطال المسلمين يسيرون معه لينزلوا بإزاء الهرمزان حتى يتبينوا أمره، وكتب إلى أبي موسى ~~أن ابعث إلى الأهواز جندا كثيفا عليهم سهيل بن عدي، وسمى طائفة من الأبطال يسيرون على رأس ~~الجند معه. # أفكان ذلك عدولا من عمر عن سياسته أن يلزم المسلمون العراق العربي، فهو يريد بهذه البعوث ~~أن يوغل في أرض فارس؟ أم كان تأديبا للفرس، فإذا أذلتهم الهزيمة لم يعودوا إلى الغدر؟ ~~الواقع أن عمر كان مترددا بين هذا وذاك، ثم كان ms326 أشد ميلا إلى الاستمساك بسياسته منه إلى ~~الاستيلاء على أرض فارس، قدم عليه وفد من جند البصرة فيهم الأحنف بن قيس، فتحدث إليهم ثم ~~وجه الكلام إلى الأحنف يقول له: «إنك عندي مصدق، وقد رأيتك رجلا! فأخبرني: أأن ظلمت ~~الذمة، ألمظلمة نفروا أم لغير ذلك؟» وأجابه الأحنف، «لا! بل لغير مظلمة والناس على ما تحب.» ~~قال عمر: «فنعم إذن، انصرفوا إلى رحالكم!» فلما بلغته أنباء يزدجرد وتحريضه أهل فارس ~~على المسلمين أراد أن يلقي على هؤلاء الغدرة العجزة درسا لا ينسونه، فبعث إليهم ~~النعمان بن مقرن وسهيل بن عدي. # سار النعمان مجتازا أرض الأهواز ليلقى الهرمزان برامهرمز؛ وسمع الهرمزان بمسيره فنهد ~~يلقاه بأربك، # 2 # في جيش عظيم من أهل فارس، وبادره الشدة وهو يرجو أن يقتطعه، واشتد القتال بين ~~الفريقين، فلما رأى الهرمزان بأس المسلمين تراجع من أربك إلى رامهرمز، فإلى تستر مطمئنا ~~إلى أنه يستطيع أن يتحصن بأسوارها وبروجها، وتقدم النعمان إلى رامهرمز فاستولى ~~عليها. # وكان سهيل بن عدي قد سار من البصرة يريد لقاء الهرمزان، فلما بلغته أنباء النعمان ~~واستيلاؤه على رامهرمز وانحياز الهرمزان إلى تستر، مال من سوق الأهواز، فجعل وجهته إلى هذه ~~المدينة الحصينة، وبلغها، فألفى النعمان بن مقرن سبقه إليها ووقف بجنده أمام حصونها، ~~وخرج سلمى وحرملة وحرقوص وجزء فنزلوا جميعا على أسوارها، وحاصرت كل هذه القوات تلك المدينة ~~المنيعة، وقد تحصن الهرمزان وجنوده من أهل فارس ومن أهل الأهواز بخنادقها، ووقفوا قبالة ~~عدوهم مطمئنين إلى منعة حصونها منعة تحول دون اقتحامها وترد كل عاد إليها. # ولم يخطئ الهرمزان في تقديره؛ فقد حاول المسلمون اقتحام أسوار المدينة فردوا عنها، ~~وزاحفهم الفرس غير مرة، فارتدوا على أعقابهم أحيانا، وردوا المسلمين عن مواقفهم أحيانا ~~أخرى، وطال الحرب سجالا بين الفريقين، وأيقن المسلمون بأس عدوهم بعد أن اجتمع إلى الهرمزان ~~داخل أسوار المدينة جند عظيم جاء لنصرته من شتى الأرجاء ملبيا نداء كسرى، لا قبل للمسلمين ~~إذن باقتحام المدينة إلا أن يجيئهم مدد يزيدهم قوة، وكان أبو سبرة ms327 على جند الكوفة وجند ~~البصرة جميعا، فكتب إلى عمر يصف له منعة تستر وقوة الفرس المتحصنين بها ويستمده، وكتب عمر ~~إلى أبي موسى الأشعري أن يسير في جند البصرة جميعا مددا لأبي سبرة، وأن يضع نفسه وقواته ~~تحت إمرته، وسار أبو موسى بجنده يمد أبطالا شهدوا المواقع وأبلوا فيها بلاء كفل ~~انتصارهم بها جميعا. # واستمر الحصار واشتد القتال، وكان الفرس يخرجون من أسوار المدينة يزاحفون المسلمين ثم ~~يرتدون إلى الحصون بعد أن يصاب من الفريقين عدد كبير، وكتب أبو موسى إلى عمر يصف له ما ~~يلقونه، فكتب الخليفة إلى عمار بن ياسر، وكان على الكوفة، أن يسير مددا إلى أبي سبرة، وأن ~~يقيم عبد الله بن مسعود على إمارة الكوفة مكانه. # ورأى المسلمون حين أدركهم عمار وجنوده أن لا مقام لهم حول الأسوار، فلا بد أن يقتحموا ~~المدينة بعد أن طال حصارهم لها شهورا، ورأى الهرمزان من أعلى الحصون تجهز المسلمين للقتال ~~فأمر جنده بالخروج إليهم والشدة عليهم، وكله اليقين أنه ظافر بهم فردوهم على أعقابهم، ~~وخرج هو بنفسه، حتى إذا كان على أبواب المدينة يقاتل المسلمين ويقتل منهم، لقيه البراء بن ~~مالك وعرفه فاندفع إليه يريد قتله، ولم تخدع البراء نفسه؛ فقد كان البطل المجرب والفارس ~~المعلم، عرف له المسلمون مواقفه في حروب الردة وفي حروب العراق والشام جميعا، وشهدوا ~~له بأنه لا يغلب، ولقد أردى أمام تستر مائة مبارز خرجوا إليه ينازعونه الشجاعة والبأس، لكن ~~الهرمزان لم يكن دونه قوة وبأسا؛ لذلك انفلت من ضربة سددها إليه خصمه، ورمى البراء بضربة ~~أصمته قتيلا، وخرج مجزأة بن ثور يأخذ بثأر البراء فلم يكن أحسن منه حظا، فاستشهد كما ~~استشهد غيره من خيرة أبطال المسلمين وشجعانهم. # لكن المسلمين كانوا يعلمون أن تستر عاصمة خوزستان وأكثر بلادها منعة، وأنها إن تغنم تخضد ~~شوكة الفرس وتضعضع عزمتهم؛ لذلك لم يفل من عزمهم مقتل الصناديد من إخوانهم، بل زادهم ~~استشهاد هؤلاء حبا للقتال وإقداما عليه وبلاء فيه وإقبالا على الموت ابتغاء الظفر، ~~ومالت ms328 الشمس آخر النهار وقد تولى الفرس الإعياء، فلم يكن لهم بد من التراجع إلى المدينة ~~والتحصن بقلاعها وأسوارها، وأصبح الصباح فلم يخرج منهم للقتال أحد، ذلك بأنهم رأوا المسلمين ~~استحبوا الموت على الحياة، وأقسموا لا يبرحون تستر أو يفنوا عن آخرهم. # وضاقت المدينة بالفرس وطالت حربهم، فخرج أحد بنيها على غفلة منهم واستأمن أبا موسى فأمنه ~~على أن يدله على مأتى للمدينة يكون منه فتحها، وفرض أبو موسى للرجل ولأهله رزقا إذا أظفر ~~الله المسلمين بعدوهم، ودلهم الرجل على مدخل الماء للمدينة، فوجه أبو موسى معه أشرس بن عوف ~~الشيباني، فخاض الرجل به دجيلا ودخل معه المدينة من سرب يجري إلى جانب مدخل ~~الماء، # 3 # ثم ألبسه لباس الخدم وسار به في طرقات تستر، وأظهره على عوراتها، وأراه ~~الهرمزان، ثم رده إلى أبي موسى، فشهد عنده بصدق ما قاله هذا الفارسى، وندب أبو موسى أربعين ~~رجلا مع أشرس وأتبعهم مائتين، وسار الجميع في أعجاز الليل، فدخلوا المدينة وقتلوا الحرس ~~وعلوا الأسوار وكبروا، وراع الهرمزان ما فاجأه من أصواتهم، ففر إلى قلعته وهو يقول لمن ~~حوله: «ما دل العرب على عورتنا إلا بعض من معنا ممن رأى إقبال أمرهم وإدبار أمرنا.» واختلط ~~حابل الفرس بنابلهم حين رأوا أميرهم يفر من بينهم، ورأوا أبواب المدينة يفتحها العرب ~~ويدخلونها عليهم، وبلغ من اختلاطهم واضطراب أمرهم أن كان الرجل منهم يقتل أهله وولده ~~ويلقيهم في دجيل خوفا من الغزاة، ألم يكونوا قد سمعوا أن مدينتهم أعز من أن تنال، وأن ~~أميرهم أعظم شوكة وأشد بأسا من كل محارب! وهذا الأمير يفر والمدينة تفتح أبوابها والعرب ~~يقتحمونها! فأي خير بعد هذا في عيش ذلة وضعة وانكسار! ومتى يستحب الموت على الحياة إن لم ~~يكن في مثل هذا المقام! # تحصن الهرمزان بقلعته، فأطاف به الذين دخلوا من مخرج الماء، فأطل عليهم وقال لهم: «إن في ~~جعبتي مائة نشابة، ووالله ما تصلون إلي ما دام معي منها نشابة، وما يخيب لي سهم! فما ~~خير إساري إذا أصبت ms329 منكم مائة بين قتيل وجريح!» وإنما وجه إليهم هذا القول وهو موقن أنه لا ~~محالة مقتول إذا أسر في قتال، وأن لا أمل له في حياة إلا على صلح، وقال له القوم: ماذا ~~تريد؟ فأجابهم: أن أضع يدي في أيديكم على حكم عمر يصنع بي ما شاء، وأجابه القوم إلى ما طلب، ~~فرمى بقوسه وأمكنهم من نفسه، فشدوه وثاقا وساروا به إلى أبي موسى وذكروا ما كان بينهم ~~وبينه، فحمل الهرمزان مع أنس بن مالك والأحنف بن قيس إلى عمر فكان بين الرجلين حديث طويل ~~نقصه في ختام هذا الفصل. # كان تسليم الهرمزان نفسه إيذانا بإذعان تستر؛ لذلك كف من بقي من أهلها عن المقاومة ~~وألقوا بأيديهم، فتسلم المسلمون المدينة، واستولوا على ما فيها من الأموال، فاستأثروا ~~لأنفسهم بأربعة أخماسه، وجعلوا الخمس لأمير المؤمنين، وقد بلغ نفل الفارس يومئذ ثلاثة آلاف، ~~ونفل الراجل ألف درهم. # يجمل بنا، قبل أن نتابع جيوش المسلمين في مسيرتها لفتح ما بقي من أرض خوزستان، أن نقف ~~هنيهة نلتمس ما ينطوي عليه فتح تستر من عبرة، فتستر عاصمة خوزستان كما رأيت، وكانت من أشد ~~مدن الفرس منعة وأقواها حصونا، وكان يزدجرد قد وعد الهرمزان أن يطلق يده بالسلطان في ~~خوزستان وفي منطقة فارس الواقعة في جنوبها، فكان ذلك من أقوى الحوافز دفعا له إلى ~~الاستماتة في المقاومة والوقوف في وجه المسلمين أشهرا، فكيف تسول لرجل من أهل تستر بعد ~~ذلك نفسه أن يدل العرب على مدخلها ويكشف لهم عن عورتها؟ بل إن بعض الروايات لتجري بأن جماعة ~~من أمراء الفرس انضموا برجالهم إلى المسلمين المحاصرين تستر وعاونوهم في قتال بني وطنهم ~~منحدرين بذلك إلى هاوية سحيقة من الانحلال النفسي، ثم ما للهرمزان يرضى، بعد أن أبلى ما ~~أبلى في الدفاع عن المدينة الحصينة، أن يسلم آخر الأمر نفسه، وأن ينزل على حكم خليفة ~~المسلمين في حياته وفي موته؟ # لا أراني في حاجة إلى أن أكرر هنا ما ذكرته تعليقا على القادسية من ضعف الشعور القومي ms330 في ~~النفس الفارسية لذلك العهد ضعفا جعل حب الذات والحرص على الحياة أقوى سلطانا على هذه ~~النفس من كل اعتبار معنوي، وما أدى ذلك إليه من اضطراب البلاط واقتتال الأمراء على السلطان، ~~وإنما أريد أن أرتب على هذه الحال المعنوية الآثار التي انتهت إلى هزيمة تستر وما تلاها من ~~الهزائم. # فحيثما أدى انحلال الروابط الاجتماعية في أمة من الأمم إلى انحلال روحها المعنوي، ضعفت ~~مناعة هذه الأمة فقصرت عن أن تمد ببصرها إلى المستقبل، وأن تقدر لما يصيبها فيه، فالروابط ~~الاجتماعية ملاك الحياة المعنوية وقوامها في الأمة، ومكان القوة المعنوية من الأمة مكان ~~غريزة الاحتفاظ بالحياة في الفرد، وكما تدعونا هذه الغريزة للاحتفاظ بكل عضو من أعضائنا ~~سليما ما استطعنا الاحتفاظ به والدفاع عنه، فإذا أوجب الاحتفاظ بحياتنا بتر عضو من الأعضاء ~~لم نتردد في بتره بدافع من هذه الغريزة نفسها، كذلك تدعو القوة المعنوية القائمة من الجماعة ~~مقام تلك الغريزة من الفرد لأن تدافع الجماعة عن كل فرد من بينها إلى غاية ما تستطيع الدفاع ~~عنه، فإذا لم يكن بد من التضحية بطائفة من الأفراد محافظة على كيان المجموع لم تتردد ~~الجماعة في التضحية بهم، واستحب هؤلاء الأفراد هذه التضحية دفاعا عن الكيان القومي الذي ~~أعزهم، والكفيل وحده بأن يعز أبناءهم وحفدتهم. # وكما يحدث أن تنحل حيوية الجسم، فإذا كل عضو من أعضائه يؤدي وظيفته لحسابه لا لحساب مجموع ~~الجسم فتضعف بذلك غريزة الاحتفاظ بالحياة ضعفا ينتهي إلى الموت، كذلك يحدث أن تضعف القوة ~~المعنوية في الأمة بانحلال الروابط الاجتماعية بين أبنائها واقتصار كل منهم على التفكير في ~~نفسه ولنفسه، غير معتد بما بينه وبين سائر أفراد الأمة من تضامن هو الحفيظ لكيان الجماعة، ~~عند ذلك تضعف الأمة بعد قوة، وتذل بعد عز، وتنحل معنوياتها انحلالا هو النذير بانقراضها ~~بوصفها جماعة لها كيانها. # الأمة التي تبلغ الروح المعنوية فيها أوج قوتها لا تعرف اليأس ولا الاستسلام وتؤثر الموت ~~على حياة ضعف ومذلة ومثل هذه الأمة لا يمكن أن تذل ms331 أو تضعف، ولا يمكن أن تفنى؛ لأن حيويتها ~~المعنوية تتغلب على كل ضعف وتحول دون كل انحلال ... أفرادها فيما بينهم كتلة واحدة متضامنة ~~على الزمان كتضامنها في المكان، فإذا فقدت الأمة طائفة منهم قامت طائفة غيرها مكانها وأدت ~~عملها، حتى تسترد بالتعويض الطبيعي ما فقدت، فتعود أكثر مناعة وأشد بأسا مما كانت، وهذه ~~الأمة لا يمكن أن يقوم من أبنائها من يدل عدوها على عورتها حرصا على أمنه في الحياة أو على ~~حياته نفسها، فإذا أحيط برجل من رجالاتها ما أحيط بالهرمزان آثر الموت مجاهدا ليكون جهاده ~~ويكون موته مثلا عاليا لمعاصريه، ودرسا ساميا لمن يجيء بعده، وإذا قضى القدر أن تغلب ~~هذه الأمة يوما فلتعود في غدها فتسترد قوتها وتثأر لنفسها، وتحيا بذلك مع سائر الأمم حياة ~~عزة وبأس وسلطان. # أما وقد انحلت الروابط الاجتماعية في الأمة الفارسية لأسباب أشرنا إليها في غير موضع من ~~هذا الكتاب فأدى هذا الانحلال إلى تداعي قوتها المعنوية، فقد كان طبيعيا أن يغلبها الروم ~~وأن يغلبها العرب؛ إذ كان أبناؤها لا يلبثون حين يرون الدائرة تدور عليهم أن يدلوا عدوها ~~على عورتها، وأن يكونوا إلبا عليها معه ليجتنوا لأنفسهم أمن الحياة وإن جنوا بأنفسهم على ~~أمن الوطن، وقد رأيت على ذلك أكثر من مثل: رأيت اضطراب البلاط ودسائسه، ورأيت فرار القواد ~~والجنود، ثم رأيت فرار يزدجرد نفسه من المدائن وحلوان، فلا عجب وذلك شأن الحياة ~~المعنوية في أمة أن يغدر بها من أبنائها من ينسى أنه ابنها وأن فضلها عليه عظيم، ثم لا عجب ~~أن يلتمس كل واحد الحياة لنفسه، والمجد لنفسه، والجاه لنفسه، ما دامت الروابط القوية قد ~~عراها التفكك والانحلال. # تقع تستر على نهر كارون شمال الأهواز، على نحو خمسين فرسخا منها، وتقع سوس على بضعة ~~فراسخ إلى الغرب من تستر؛ لذلك كانت المناوشات مستمرة بين أهل سوس والمسلمين في أثناء ~~حصارهم تستر، فلما فرغوا منها كان طبيعيا أن يتجهوا إلى سوس ويحاصروها ويقاتلوا أهلها، ~~وقد فعلوا، ولقي المسلمون جهدا في ms332 قتالهم الذي طال حتى نفد ما في المدينة من طعام، ولم يجد ~~أهلها مفزعا من الموت إلا إلى الصلح، فسألوا دهقانها أن يفاوض المسلمين فيه، وطلب الدهقان ~~إلى أبي موسى أن يؤمنه على حياة مائة من أهله ففعل، وسمى الدهقان المائة ونسي نفسه فأمر به ~~أبو موسى أن يقتل، فنادى: «رويدك! أعطك مالا كثيرا.» وأبى أبو موسى وضرب عنقه، ولو أنه ~~ذكر حكم أبي بكر، يوم عفا عن الأشعث بن قيس حين نسي نفسه في مثل هذا الموقف، لما قتل رجلا ~~أسلمه مفاتح مدينته. # أورد الطبري في الروايات التي جرت عن فتح السوس أن سياه الأسواري كان قد خرج من أصبهان ~~بأمر يزدجرد لقتال المسلمين، فلما رآهم غلبوا على تستر بعد أن احتلوا بلاد الأهواز، ~~دعا الرؤساء الذين كانوا خرجوا معه وذكر لهم فعال المسلمين وأنهم لا يلقون جندا إلا فلوه، ~~ولا ينزلون حصنا إلى فتحوه؛ فانظروا لأنفسكم، وأنه اتفق معهم فبعث إلى أبى موسى يقول: «إنا ~~قد رغبنا في دينكم، فنسلم على أن نقاتل معكم العجم ولا نقاتل معك العرب وإن قاتلنا أحد من ~~العرب منعتمونا منه، وننزل حيث شئنا، ونكون فيمن شئنا منكم، وتلحقونا بأشراف العطاء، ويعقد ~~لنا الأمير الذي هو فوقك بذلك.» وأجابهم أبو موسى: بل لنا ما لكم وعلينا ما عليكم، فلم ~~يرضوا، وكتب أبو موسى إلى عمر بما حدث، فأجابه: «أعطهم ما سألوك.» فأسلموا، وفرض لهم أبو ~~موسى، وجعل لمائة منهم ألفين ألفين، ولستة هم زعماؤهم ألفين وخمسمائة. # وكتب أبو موسى إلى عمر يذكر له أن بالسوس قبر النبي «دانيال» وأن جسده مكشوف يستسقي به ~~الناس، فأمره عمر أن يكفنه وأن يدفنه، ولا يزال قبر دانيال حتى اليوم بهذه المدينة موضع ~~الإجلال والاحترام، وقد أقيم حوله في القرن التاسع عشر المسيحي معبد يزار ويتبرك به. # فرغ المسلمون من السوس فخرجوا إلى جندي سابور الواقعة على مقربة منها إلى الشمال ~~الشرقي، فأقاموا على حصارها زمنا، ثم إذا أبوابها تفتح لهم فجأة، كأن الصلح بينهم وبين ~~أهلها ms333 قد تم، وبعث المسلمون يسألونهم في ذلك مخافة أن تكون مكيدة، فذكروا أنهم قبلوا الأمان ~~الذي بعثه المسلمون إليهم، وأقروا لهم بالجزية على أن يمنعوهم، وعجب المسلمون، ثم تبينوا أن ~~عبدا من عبيدهم هو الذي كتب لأهل المدينة بالأمان، وكتبوا إلى عمر بما حدث، فأمر بإجازة ~~الصلح والوفاء به. # كانت أنباء هذه الفتوح تبلغ عمر في مواقيتها، فلا يسعه كلما بلغه نبأ منها إلا أن يسجد ~~شكرا لله على توفيقه المسلمين وتسديد خطاهم، وكان يزيده شكرا ما يعرفه من أمر هذه المدن ~~التي تفتح، وما يذكره له الرسل من صفة ما لم يره منها، فالأهواز، أو هرمزشير على لغة الفرس ~~كانت مدينة عظيمة تضم سبع كور على طراز المدائن، وكانت آهلة بالتجارة والسكان، وكان الفرس ~~يعظمونها في مختلف الأرجاء من مملكتهم، وتستر عاصمة خوزستان ذات الصيت الذائع في عالم ~~يومئذ، ومعقل الفرس الأمنع في الجنوب الغربي من سهل إيران، والسوس، وهي شوشان القديمة التي ~~ظلت عاصمة ميديا زمنا طويلا، كانت فتنة الناس جميعا بجمالها وروعتها. وخوزستان كلها، ~~المملكة الفسيحة الأرجاء، الممتدة ما بين العراق العربي والعراق العجمي، كانت درة من أغلى ~~الدرر في تاج الأكاسرة، لقد نصر الله المسلمين وأعزهم في كل مواقفهم بهذه البلاد، أفيتابع ~~عمر الفتح فيأمر باقتحام فارس إلى أقصى الشرق، أم يقف من هذه الفتوح عند ما استولى عليه، ~~ويدع الفرس فيما وراء ذلك لا يزعجهم ولا يحرك الثارات في نفوسهم، فيدفعهم إلى مقاومة جيوشه ~~مقاومة لا يعلم إلا الله ما تكون نتائجها؟ # بينا يفكر عمر في هذا الأمر، ويستخير الله فيما يصنع، كان أنس بن مالك والأحنف بن قيس ~~يسيران من تستر في رجالهما يحملون خمس الفيء والهرمزان معه إلى أمير المؤمنين، فلما ~~اقتربوا من المدينة ألبسوا الهرمزان لباسه من الديباج الموشى بالذهب ووضعوا على رأسه تاجه ~~«الآزين» المرصع بالدر والجوهر، وأمسك بيده صولجانا من الذهب الخالص المكلل بالياقوت ~~واللآلئ، ليرى عمر وأهل العاصمة الإسلامية صورة البهرج العظيم الذي يتزين أمراء الفرس به، ~~وبلغوا المدينة ms334 وقصدوا دار عمر، فعلموا أنه ذهب إلى المسجد يلقى وفدا من أهل الكوفة، ~~فانطلقوا يطلبونه هناك فلم يروه وبصر بهم غلمان من أبناء المدينة عرفوا ما يريدون، فذكروا ~~لهم أن أمير المؤمنين نائم في ميمنة المسجد متوسد برنسه، وكان عمر قد جلس لوفد أهل الكوفة ~~في برنس له، فلما خرجوا عنه نزع برنسه ثم توسده فنام، وعاد الأحنف وأنس والهرمزان واتبعهم ~~الغلمان والنظارة الذين أخذوا بمنظر الأمير الفارسي في حلة إمارته فساروا في أثره يملئون ~~أنظارهم منه، حتى دخلوا المسجد وأجالوا نظرهم في أرجائه، ورأوا عمر وليس في المسجد نائم ولا ~~يقظان غيره، فجلسوا سكوتا مخافة إزعاجه، ولم يفطن الهرمزان إلى قصد القوم من هذه الحركات ~~المتعاقبة ذهابا وجيئة؛ لأنه لم يفهم شيئا مما يقولون، فلما رآهم اطمأنوا بالمسجد وليس ~~فيه إلا ذلك الرجل النائم في يده درة معلقة خيل إليه أنهم سيصلون قبل أن يلقوا مليكهم، فلم ~~يدر بخاطره إلا أن يكون عمر الساعة في إيوانه دونه حجابه، فهذا الملك القادر الذي قهرت ~~جيوشه فارس والروم لا بد أن يكون له إيوان على بابه حجاب، ومهما يكن من حديث الناس عن بساطة ~~عيشه، فلن تبلغ البساطة منه أن يستغني هذا الملك الواسع عن دواوين ترعى نظامه، ولا بد لأمير ~~المؤمنين من إيوان وحجاب ينتظم بهم وقته وعمله! ورأى الأحنف بن قيس يشير إلى كل هامس أن ~~يمسك فلا يزعج الخليفة عن نومه، فسأل بعض ممن يعرفون لغته: فأين عمر؟ قالوا وأشاروا إلى ~~النائم: هو ذا، وأخذ الأمير الفارسي بما رأى مما لم يكن يجري له بخاطر، فوجم هنيهة ثم سأل: ~~وأين حرسه وأين حجابه؟ قالوا: ليس له حارس ولا حاجب ولا كاتب ولا إيوان، وزاد عجب الهرمزان ~~فقال لمن حوله أو قال في نفسه: «ينبغي أن يكون هذا الرجل نبيا فإلا يكن فإنه يعمل عمل ~~الأنبياء!» # وأيقظ الهمس عمر فاستوى جالسا، فرأى الأمير على مقربة منه عليه حلته وفي يده صولجانه يشع ~~منهما لألاء الجوهر فقال: الهرمزان! قال القوم: ms335 نعم، فتأمله وتأمل ما عليه وقال: «أعوذ ~~بالله من النار وأستعين الله! الحمد لله الذي أذل للإسلام هذا وأشياعه! يا معشر المسلمين ~~تمسكوا بهذا الدين واهتدوا بهدي نبيكم ولا تبطرنكم الدنيا فإنها غرارة!» قال الوفد الذين ~~جاءوا من تستر: «هذا ملك الأهواز فكلمه.» وأجاب عمر: «لا! حتى لا يبقى عليه من حليته شيء.» ~~وكيف يكلم أمير المؤمنين رجلا قتل من أبطال المسلمين وشجعانهم من قتل وهو في حلة الملك ~~وزيه، وقد ينتهي أمره إلى التنكيل به وقتله! # ونزع القوم كل ما على الهرمزان إلا ما يستره، وألبسوه ثوبا صفيقا، فلما رآه عمر على هذه ~~الحال قال له: «هيه يا هرمزان! كيف رأيت وبال الغدر وعاقبة أمر الله؟!» وأجاب الهرمزان: «يا ~~عمر! كنا وإياكم في الجاهلية وقد خلى الله بيننا وبينكم فغلبناكم إذ لم يكن معنا ولا معكم، ~~فلما كان معكم غلبتمونا.» قال عمر: «إنما غلبتمونا بالجاهلية باجتماعكم وتفرقنا، والآن فما ~~عذرك وما حجتك في انتقاضك مرة بعد مرة؟» ورأى الهرمزان الغضب في عين عمر وهو يلقي عليه هذا ~~السؤال فقال: «أخاف أن تقتلني قبل أن أخبرك!» قال عمر: «لا تخف ذلك!» واستسقى الهرمزان ماء ~~فأتي به في قدح غليظ فقال: «لو مت عطشا لم أستطع أن أشرب في مثل هذا؟» فأتي به في إناء ~~يرضاه، فلما أخذه جعلت يده ترتجف وقال: «إني أخاف أن أقتل وأنا أشرب الماء.» قال عمر: «لا ~~بأس عليك حتى تشربه.» فأكفأ الهرمزان الإناء وأراق ما فيه من ماء، فقال عمر: «أعيدوا عليه ~~ولا تجمعوا عليه القتل والعطش.» قال الهرمزان: «لا حاجة لي في الماء، إنما أردت أن أستأمن ~~به.» # عند ذلك جرى بين الرجلين حوار تدخل فيه الأحنف بن قيس وأنس بن مالك، وكان فيه من جانب عمر ~~عنف وشدة، وقد أورد الطبري وابن كثير هذا الحوار كما يلي: # عمر ~~: # إني قاتلك؟ # الهرمزان ~~: # قد آمنتني! # عمر ~~: # كذبت؟ # أنس بن مالك ~~: # صدق يا أمير المؤمنين، قد آمنته! # عمر ~~: # ويحك يا أنس؟ أنا أؤمن قاتل مجزأة والبراء؟ ms336 والله لتأتيني بمخرج أو ~~لأعاقبنك! # أنس ~~: # قلت له: لا بأس حتى تخبرني، وقلت له: لا بأس حتى تشربه. # وأقر الأحنف بن قيس ومن حوله كلام أنس، وذكروا جميعا أن أمير المؤمنين أمن الهرمزان، ~~فنظر إليه عمر مغضبا وقال: «خدعتني! والله لا أنخدع إلا لمسلم!» وأسلم الهرمزان، وفرض له ~~عمر ألفين، وأنزله المدينة. # ويروي البلاذري عن أنس بن مالك حديثا مسندا إلى مروان بن معاوية عن حميد عن أنس أنه ~~قال: «حاصرنا تستر فنزل الهرمزان فكنت الذي أتيت به إلى عمر، بعث بي أبو موسى، فقال له عمر: ~~تكلم، فقال: أكلام حي أم كلام ميت، فقال: تكلم لا بأس، فقال الهرمزان: كنا معشر العجم ما ~~خلى الله بيننا وبينكم نقضيكم ونقتلكم، فلما كان الله معكم لم يكن لنا بكم يدان، فقال عمر: ~~ما تقول يا أنس؟ قلت: تركت خلفي شوكة شديدة وعدوا كلبا؛ فإن قتلته يئس القوم من الحياة ~~فكان أشد لشوكتهم، وإن استحييته طمع القوم في الحياة، قال عمر: يا أنس، سبحان الله؟ قاتل ~~البراء بن مالك ومجزأة بن ثور السدوسي؟ قلت: فليس لك إلى قتله سبيل، قال: ولم؟ أعطاك؟ أصبت ~~منه؟ قلت: لا! ولكنك قلت له: لا بأس، فقال: متى؟ لتجيئن معك بمن شهد وإلا بدأت بعقوبتك؟ ~~فخرجت من عنده فإذا الزبير بن العوام قد حفظ الذي حفظت فشهد لي فخلى سبيل الهرمزان فأسلم ~~ففرض له عمر.» # كان المغيرة بن شعبة يتولى ترجمة كلام الهرمزان إلى عمر وكلام عمر إلى الهرمزان، وكان لا ~~يحذق الفارسية ما يحذقها زيد بن ثابت، فدعا عمر بزيد فجاء فتولى الترجمة، فلم يجد عمر في ~~كلام الهرمزان جوابا على نقضه عهد المسلمين مرة بعد مرة، عند ذلك وجه عمر القول إلى الوفد ~~الذين جاءوا من تستر فسألهم: لعل المسلمين يفضون إلى أهل الذمة بأذى فلهذا ينتقضون بكم، ~~قال رجال الوفد: ما نعلم إلا وفاء وحسن ملكة، قال عمر: فما بالهم ينتقضون؟ وتتابع رجال ~~الوفد يحاول كل منهم أن يجد لهذا الانتقاض علة مع وفاء ms337 المسلمين لهم، فلم يجد عمر في كلام ~~أحد منهم شيئا يشفيه ويبصره، عند ذلك قال الأحنف بن قيس «يا أمير المؤمنين أخبرك، إنك ~~نهيتنا عن الانسياح في البلاد، وأمرتنا بالاقتصار على ما في أيدينا، وإن ملك فارس حي بين ~~أظهرهم وإنهم لا يزالون يساجلوننا ما دام ملكهم فيهم، فلم يجتمع ملكان فاتفقا حتى يخرج ~~أحدهما صاحبه، وقد رأيت أنا لم نأخذ شيئا بعد شيء إلا بانبعاثهم وغدرهم، وملكهم هو الذي ~~يحرضهم ويبعثهم ولم يزل هذا دأبهم حتى تأذن لنا بالانسياح فنسيح في بلادهم ونزيل ملكهم ~~ونخرجه من مملكته وعز أمته، هنالك ينقطع رجاء أهل فارس ويسكن جأشهم.» # استمع عمر إلى الأحنف مليا، وأطرق إطراقة طويلة، ثم قال له: «صدقتني والله وشرحت لي ~~الأمر عن حقه.» وعرف الهرمزان حديث الأحنف فأقره، فازداد عمر ثقة به واطمئنانا له، ثم إن ~~الأنباء جاءت باجتماع أهل نهاوند لقتال المسلمين، فلم يبق لدى أمير المؤمنين في صدق ~~هذا الحديث ريب، فخرج من تردده، ورأى أن الوقوف بالفتح في حدود العراق لم يعد مستطاعا، وأن ~~الحوادث تحمله طائعا أو كارها على العدول عن هذه السياسة، وتدفعه للتوسع في بلاد الفرس ~~حتى يجلي يزدجرد عن أرضها جميعا؛ لذلك أذن أن ينساح المسلمون في بلاد فارس وعبأ ~~الألوية لقتال أهلها. # وأقام الهرمزان بالمدينة وحسن إسلامه، وصار لا يفارق عمر ولا يضن عليه بالمشورة، فلما ~~قتل عمر اتهم الهرمزان بالممالأة عليه وتدبير المؤامرة لاغتياله، وقد اقتنع عبيد الله بن ~~عمر بذلك، فقتله وقتل جفينة معه، وسنفصل ذلك من بعد ونتحدث عن آثاره. # والآن، فلنعد إلى فارس لنرى ما حدث بها، وكيف اجتمع أهل نهاوند لمقاومة المسلمين ~~فيها، ولننظر كيف نظم عمر سياسته الجديدة، وسياسة التوسع في الفتح فاستولى على فارس كلها، ~~وعلى مصر كلها. # | هوامش # الفصل السادس عشر # | غزوة نهاوند # سمع عمر إلى الأحنف بن قيس ثم قال له: «صدقتني والله وشرحت لي الأمر عن حقه.» فلما ~~جاءته أنباء نهاوند لم يبق للتردد في نفسه موضع. # وكان طبيعيا أن ms338 تزيل هذه الأنباء كل أثر للتردد من نفسه؛ فإن أمراء الفرس في شتى ~~الولايات لم يلبثوا، حين عرفوا ما أصاب الهرمزان وجنوده، أن ألقي في روعهم أنه مصيبهم ما ~~أصابه إذا ظلوا فيما هم فيه من تخاذل وانحلال، فتكاتبوا وأرسل بعضهم إلى بعض الرسل أن ~~يجتمعوا كلمة واحدة لدفع هؤلاء الغزاة الذين كانوا، إلى سنوات قلائل، يدينون ببأس فارس ~~وسلطانها، ولا يستطيع أحدهم أن يرفع رأسه من هيبتها، فأصبحوا اليوم يغزونها في عقر دارها، ~~ويمدون سلطانهم على ولايات واسعة منها، ثم لا يفتئون يتقدمون فيها، وكأن ليس لأحد على وجه ~~الأرض ببأسهم قبل. # وكان أول ما اتفق هؤلاء الأمراء عليه أن كتبوا إلى يزدجرد ليكون على رأس حركتهم، حتى ~~يجتمع الناس حولها وينضموا إلى لوائها؛ فهو كسرى عنوان فارس ووارث مجدها وصاحب نظامها، يدين ~~له الناس بالطاعة في شتى أرجائها، ولا يختلف عن أمره كبير ولا صغير من أبنائها، وكان ~~يزدجرد قد اضطرب في أرجاء فارس بين مختلف العواصم منذ فر من المدائن، فكانت الحوادث ~~تدفعه من حلوان إلى الري إلى أصبهان إلى إصطخر إلى مرو، ثم تزيده أنباء المسلمين على السنين ~~اضطرابا، فلما جاءته كتب الأمراء ورأى ما فيها من اجتماع كلمتهم وشدة حماستهم لدفع عدوه ~~وعدوهم، عاودته من شبابه نفحة بدلت بأسه أملا واضطرابه طمأنينة، فكتب إلى أهل إيران كلها، ~~سهلها وجبلها، يحثهم ويحرك حماستهم، كتب إلى الباب وإلى خراسان وحلوان وسجستان ~~وطبرستان وجرجان ودماوند والري وأصفهان وهمذان وسائر الولايات والبلاد في مملكته، ~~يشجع أهل فارس ويذكر لهم أن غزو العرب ليس إلا عاصفة ثائرة لا تلبث أن تمر، وسحابة عارضة لا ~~تلبث أن تنقشع، وأن الأمر في انقشاع السحابة ومرور العاصفة إلى تكاتفهم وتضامنهم وثباتهم في ~~وجه عدوهم، فإذا ثبتوا طردوه من ديارهم وردوه على أعقابه خائب الظن كاسف البال يتحدث ~~بفعالهم. # انتشرت أنباء خوزستان والهرمزان في فارس كلها، فانزعج الناس كبارا وصغارا لها، فلما ~~جاءهم كتاب كسرى أسرعوا إلى تلبية ندائه، فبعث كل أمير من جنده ms339 إلى نهاوند حتى بلغ ~~عددهم مائة وخمسين ألفا اجتمعوا بإمرة الفيرزان، فلما اجتمعوا عنده وجلس إليه أمراء هذا ~~الجند المقبل من شتى الأرجاء قال لهم: «إن محمدا الذي جاء العرب بهذا الدين لم يتعرض ~~لبلادنا، وقام أبو بكر من بعده فلم يتعرض لنا في دار ملكنا، ولم يثر بنا إلا فيما يلي بلاد ~~العرب من السواد، وهذا عمر بن الخطاب لما طال ملكه انتهك حرمتنا وأخذ بلادنا، ولم يكفه ذلك ~~حتى غزانا في عقر دارنا فأخذ بيت المملكة وانتقصكم السواد والأهواز، وهو آتيكم إن لم تأتوه، ~~وليس بمنته حتى تخرجوا من في بلادكم من جنده وتقلعوا هذين المصرين، البصرة والكوفة، ثم ~~تشغلوه في بلاده وقراره.» # نقل الأمراء هذا الحديث إلى الجند فاشتعلت حماستهم، فأقاموا ينتظرون اليوم الذي يواجهون ~~فيه عدوهم ويقسم كل منهم أن لن يرجع إلى موطنه حتى يتم النصر لكسرى وجنوده، وبلغت هذه ~~الأنباء عمر بن الخطاب نبأ إثر نبأ، فأيقن أن الأحنف بن قيس صدقه الرأي، ولم يبق لديه ريب ~~في أنه إن لم يوجه للفرس الضربة القاضية القاصمة فلن يزالوا يناوئونه، وقد يبسم لهم الحظ ~~يوما فإذا خيولهم تغير على العراق العربي من جديد، وإذا هذه الدولة العربية التي اطمأن عمر ~~إلى قيامها تتعرض للاضطراب، بل للضياع. # وزاد في شغل عمر بأمر العراق ومصيره ما أبدى بعض العرب الذين استقروا به من ميل إلى ~~الخصومة والشغب، أغراهم به ما استراحوا إليه من رخاء جعلهم يتنافسون وينفس بعضهم على ~~بعض، ثم لم يصرفهم عنه تهيؤ الفرس لحربهم وإعدادهم لقتالهم، فبينما يرسل سعد بن أبي وقاس ~~أنباء يزدجرد والفيرزان والجند الذين اجتمعوا بنهاوند إلى أمير المؤمنين إذا جماعة ~~من أهل الكوفة، على رأسهم الجراح بن سنان الأسدي يؤلبون على سعد ويثورون به ويشكونه إلى عمر ~~في كل شيء حتى يقولوا: إنه لا يحسن الصلاة، ولقيهم عمر بالمدينة وسمع شكاتهم، ثم قال لهم: ~~«إن الدليل على ما عندكم من الشر نهوضكم في الأمر وقد استعد لقتالكم من استعد، وايم ms340 الله لا ~~يمنعني ذلك من النظر فيما لديكم!» وكان عمر قد أقام محمد بن مسلمة على تحقيق ما ينسب ~~من الشكايات إلى عماله، فأوفده إلى الكوفة، فجعل يسأل الناس عما نسب إلى سعد، فيقولون: لا ~~نعلم إلا خيرا ولا نشتهي به بدلا؛ لم يخالف عن ذلك إلا الذين اتهموه، وعاد ابن مسلمة ~~إلى المدينة ومعه سعد والجراح بن سنان وأصحابه، فاستمع إليهم عمر فلم يجد ما يؤاخذ به ~~سعدا، لكنه آثر مع ذلك ألا يدعه في هذا الموقف الدقيق على عمله، وبالكوفة من يثيرون الناس ~~به، فسأله من استخلفت على الكوفة؟ قال: عبد الله بن عبد الله بن عتبان، وكان ابن عتبان ~~شيخا كبيرا من أشراف الصحابة، فأقر عمر نيابته على الكوفة واستبقى سعدا بالمدينة معزولا ~~من غير عجز ولا خيانة، ولولا ما كان سعد قد أبلغه إلى عمر عن اجتماع الفرس بنهاوند وما ~~كان قد شافهه به، بعد قدومه المدينة، من تهيئتهم للقتال وتعاهدهم عليه، لرده إلى عمله ولما ~~سمع فيه لشكايات لم يثبت شيء منها عنده. # وأرسل ابن عتبان إلى عمر من أنباء الفرس ما أيد أقوال سعد عن تأهبهم، وما زاد الخليفة ~~إشفاقا من تدبيرهم، وتواترت الأنباء بعد ذلك مروعة تهز القلوب رعبا، فهذه قوات فارس التي ~~اجتمعت بإمرة الفيرزان قد سارت إلى همذان، وهي الآن قد تابعت مسيرتها تقصد حلوان، بل ها ~~هي ذي في طريقها إلى الكوفة وعما قريب تبلغها، ترى ماذا يصنع أمير المؤمنين؟! لقد أدرك ~~بفراسته ما في هذه الأنباء من مبالغة يصورها الفزع؛ إذ يدفع إلى النفوس من خوف الخطر ومن ~~توقعه ما يجعلها تتوهم الأشياء وتجسمها إلى أضعاف الواقع من حقيقتها، لكن الأمر الذي لا ريب ~~فيه أن الفرس قد جمعوا وأعدوا، وأنه إلا يواجههم ويبادرهم الشدة ازدادوا جرأة وقوة، وقد ~~تنتهي بهم جرأتهم إلى تهديد ما استولى عليه جنده في خوزستان والعراق العربي، الخطر إذن ~~جسيم، والتأهب لملاقاته واجب مقدس. # وأراد عمر أن يستشير الناس، كدأبه في مثل هذه الأمور، ms341 فنادى مناديه فيهم: الصلاة جامعة، ~~فلما التأم عقدهم بالمسجد صعد المنبر وذكر للناس ما أنهاه إليه عماله عن تهيؤ الفرس ~~واجتماعهم وكثرة عدوهم، ثم قال: «إن هذا اليوم له ما بعده، ألا وإني قد هممت بأمر فاسمعوا ~~وأجيبوا وأوجزوا ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم، أفمن الرأي أن أسير فيمن قبلي ومن قدرت ~~عليه حتى أنزل وسطا بين هذين المصرين فأستنفرهم ثم أكون لهم ردءا حتى يفتح الله عليهم ~~ويقضي ما أحب؟» وتكلم القوم، فأشار بعضهم بأن يسير أمير المؤمنين بالجيوش إلى العراق، وأن ~~يدعو جنده بالشام وباليمن، ليواجه الفرس ويغزو بلادهم، وأشار آخرون أن يقيم بالمدينة وأن ~~يبعث كل من قدر عليه من الجند لغزو الفرس، وكان قوم أكثر من هؤلاء ومن أولئك حذرا، وكان ~~بينهم علي بن أبي طالب إذ قام فكان مما قاله: «يا أمير المؤمنين! إنك إن أشخصت أهل الشأم من ~~شأمهم صارت الروم إلى ذراريهم، وإن أشخصت أهل اليمن من يمنهم سارت الحبشة إلى ذراريهم، ~~وإنك إن شخصت من هذه الأرض انقضت عليك الأرض من أطرافها وأقطارها، حتى يكون ما تدع وراءك ~~أهم إليك مما بين يديك من العورات والعيالات، وإنما مكانك من العرب مكان النظام من الخرز ~~يجمعه ويمسكه، فإن انحل تفرق ما فيه وذهب ثم لم يجتمع بحذافيره أبدا، وإن الأعاجم إن ~~ينظروا إليك غدا قالوا: هذا أمير العرب وأصل العرب، فكان ذلك أشد لكلبهم فتألبوا عليك، ~~أما ما ذكرت من عدد القوم فإنا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة ولكنا كنا نقاتل ~~بالنصر، فأقم مكانك واكتب إلى أهل الكوفة؛ فهم أعلام العرب ورؤساؤهم، فليذهب منهم الثلثان ~~وليقم الثلث واكتب إلى أهل البصرة يمدونهم.» # اقتنع عمر برأي علي وسر به فأعلن في الناس أنه مقيم بالمدينة ومرسل الجيوش تلو الجيوش ~~أمدادا لقتال الفرس، ثم قال: «أشيروا علي برجل أوله أمر هذه الحرب وليكن عراقيا.» ~~قالوا: أنت أفضل رأيا، وأحسن مقدرة، وأبصر بجندك، وقد وفد عليك أهل العراق وجنده فرأيتهم ~~وخبرتهم، قال: «أما والله لأولين ms342 أمرهم رجلا يكون أول الأسنة إذا لقيها غدا، النعمان بن ~~مقرن!» قال الناس: هو لها! # وكان النعمان لها حقا، عرفه المسلمون فارسا مقداما لا يعرف التردد ولا الفرار، مكيثا ~~غير متسرع إلا لفرصة، وكان على ميمنة أبي بكر حين خرج يقاتل الذين منعوا الزكاة فهزمهم بذي ~~القصة، وكان في غزوات العراق كلها إلى جانب خالد بن الوليد من يوم ذهب خالد إليه، وكان ~~النصر يسير في ركابه سيره في ركاب خالد، فلما ولى عمر سعد بن أبي وقاص جند العراق كان ~~النعمان معه في الطليعة؛ برز في القادسية وفي فتح العراق العربي، ثم أبلى في حروب خوزستان ~~أعظم بلاء، روي أنه كان عاملا على كسكر، فكتب إلى عمر يشكو إليه أن سعد بن أبي وقاص ~~استعمله على جباية الخراج وهو يحب الجهاد فكتب عمر إلى سعد: «إن النعمان كتب إلي يذكر أنك ~~استعملته على جباية الخراج، وأنه قد كره ذلك ورغب في الجهاد، فابعث به إلى أهم وجوهك.» ~~فلما استقر رأي عمر على توليته حرب الفرس الذين اجتمعوا ~~بإمرة الفيرزان كتب إليه: # بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى النعمان بن ~~مقرن سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد فإنه قد ~~بلغني أن جموعا من الأعاجم كثيرة قد جمعوا لكم بمدينة نهاوند، فإذا أتاك كتابي ~~هذا فسر بأمر الله وبعون الله وبنصر الله بمن معك من المسلمين، ولا توطئهم وعرا ~~فتؤذيهم، ولا تمنعهم حقهم فتكفرهم ولا تدخلهم غيضة، فإن رجلا من المسلمين أحب ~~إلي من مائة ألف دينار، فسر في وجهك هذا حتى تأتي ماه؛ فإني قد كتبت إلى أهل ~~الكوفة أن يوافوك بها، فإذا اجتمع إليك جنودك فسر إلى الفيرزان ومن جمع معه من ~~الأعاجم من أهل فارس وغيرهم، والسلام عليك. # وكتب عمر إلى عبد الله بن عبد الله بن عتبان والي الكوفة بعد سعد بن أبي وقاص، أن ~~استنفر من أهل الكوفة مع النعمان بن مقرن كذا وكذا، ms343 فإني قد كتبت إليه بالتوجه من ~~الأهواز إلى ماه، فليوافوه بها وليسر بهم إلى نهاوند، وقد أمرت عليهم حذيفة بن اليمان ~~حتى ينتهي بهم إلى النعمان، وقد كتبت إلى النعمان: إن حدث بك حدث فعلى الناس حذيفة بن ~~اليمان، وإن حدث بحذيفة حدث فعلى الناس نعيم بن مقرن. ودفع عمر هذا الكتاب إلى السائب بن ~~الأقرع ليسير به إلى الكوفة، وجعل السائب أمينا على الفيء وقال له: «إن فتح الله عليكم ~~فاقسم ما أفاء الله عليهم بينهم، ولا تخدعني ولا ترفع إلي باطلا، وإن نكب القوم فلا ~~تريني ولا أرينك.» # وكتب في اليوم نفسه إلى أبي موسى الأشعري أن سر بأهل البصرة إلى ماه والأمير النعمان بن ~~مقرن، وكتب إلى سلمى بن القين وحرملة بن ريطة وأمراء الجند الذين كانوا بين فارس والأهواز ~~أن اشغلوا فارس عن إخوانكم، وحوطوا بذلك أمتكم وأرضكم، وأقيموا على حدود ما بين فارس ~~والأهواز حتى يأتيكم أمري، وإنما أراد عمر بأمره هذا أن يقطع عن أهل نهاوند أمداد فارس ~~فلا يزيدوا الفيرزان قوة على قوته. # بهذا كله تجهز عمر لمواجهة الخطر الذي تواترت لديه أنباؤه، وهيأ الجو حوله ليقوم المسلمون ~~في وجه الفرس غير وانين ولا مترددين، وسارت الجيوش إلى ماه فانتهت إلى النعمان بن ~~مقرن، وفيها الفرسان والأبطال أولو البأس والخطر، ومنهم من حضر القادسية والمدائن ~~وغيرهما من الوقائع فأراد أن يضيف إلى فخاره فخارا جديدا، ومنهم من لم يحضر القادسية فخف ~~يريد نهاوند لكي لا يفاخره غيره ويستعلي عليه بحسن بلائه. # وبلغوا حلوان، فأراد النعمان أن يتنطس أخبار الفرس ليعرف أبثوا من العيون والأرصاد على ~~الطريق ما يجب الاحتياط له، فبعث طليحة بن خويلد الأسدي وعمرو بن معدي كرب الزبيدي وعمرو بن ~~أبي سلمى المزني طليعة يرتادون ويتبينون، وسار ثلاثتهم يوما إلى الليل، ثم رجع عمرو بن أبي ~~سلمى فأخبر القوم أنه لم ير شيئا، وسرى طليحة وعمرو بن معدي كرب طول الليل ثم رجع عمرو ~~فسأله الناس: ما رجعك؟ قال: سرنا يوما ms344 وليلة ولم نر شيئا، وخفت أن يؤخذ علينا الطريق، ~~ومضى طليحة ولم يحفل بصاحبيه حتى انتهى إلى نهاوند، فعلم علم القوم وعرف أنباءهم، ثم ~~عاد فدخل على النعمان فأخبره أن ليس بينه وبين نهاوند شيء يكرهه، عند ذلك نادى النعمان ~~بالرحيل، وسار في جنوده على تعبئة حتى نزل قريبا من حصون أعدائه، وهناك كبر المسلمون ثلاث ~~تكبيرات زلزلت الأعاجم وملأت قلوبهم رعبا. # عرف الفيرزان أنباء المسلمين وأنهم جاءوا ثلاثين ألفا يقاتلونه فلم يستهن بهم، ولم يخدعه ~~أنه قبالتهم في خمسين ومائة ألف متعاهدين على القتال إلى الموت، متحصنين في بروج ذات منعة؛ ~~فقد حضر القادسية ورأى من بأس هؤلاء العرب ما راعه، ثم انتهت به الهزيمة كما انتهت ~~بالهرمزان إلى الفرار؛ لذا بعث إلى عسكر المسلمين أن أرسلوا إلينا رجلا نكلمه، وسار إليه ~~المغيرة بن شعبة فاجتاز الميادين المحيطة بنهاوند وتخطى أسوارها وانتهى إلى مقر ~~الفيرزان فيها، وكانت نهاوند مدينة عظيمة تقع في العراق العجمي بين حلوان وهمذان على ~~ثلاثين فرسخا إلى الشرق من حلوان وعشرة فراسخ غرب همذان، وبها مراع فسيحة وأنهار وبساتين ~~تدر على أهلها الرخاء ورفاهة العيش، وفي وسطها حصن متين البناء قوي الجدران يحمي أسوارها ~~الرفيعة المنيعة، وأدخل المغيرة على الفيرزان فإذا هو جالس فوق سرير من ذهب وعلى رأسه التاج ~~ومن حوله حراسه كأنهم الشياطين يكاد التماع حرابهم ونيازكهم يخطف البصر، ودار بين الرجلين ~~حديث ما أشبهه بما دار بين يزدجرد ووفد المسلمين بالمدائن، انتهى منه الفيرزان إلى ~~قوله: «وما منعني أن آمر هؤلاء الأساورة حولي أن ينتظموكم بالنشاب إلا تنجسا لجيفكم، فإن ~~تذهبوا نخل عنكم، وإن تأبوا نركم مصارعكم.» وانتهى منه المغيرة بعد موافقته على الذي ~~كان من شقاء العرب إلى قوله: «والله ما زلنا مذ جاءنا رسول الله نتعرف من ربنا الفتح والنصر ~~حتى أتيناكم، وإنا والله لا نرجع إلى ذلك الشقاء أبدا حتى نغلبكم على ما بأيديكم أو نقتل ~~بأرضكم.» # عاد المغيرة بن شعبة إلى المسلمين بعد ما أخفقت سفارته، فلقي النعمان ms345 في فسطاط عظيم كان ~~قد ضرب له لم ير فسطاطا بالعراق مثله جلالا وعظمة، فلما عرف النعمان إخفاق سفارته أنشب ~~القتال وحصر المدينة، فكانت الحرب سجالا بين العرب والفرس يومين كاملين، وكان الفرس لا ~~يخرجون من حصونهم إلا إذا أرادوا ورأوا في الخروج مغنما لهم، ذلك أنهم أحاطوا أسوارهم بحسك ~~الحديد، ولم يتركوا إلا فرجا يخرجون منها كلما عزموا الخروج، فلم تكن خيول المسلمين لتقوى ~~على اجتياز هذا الحسك، وقد اشتد ذلك على المسلمين وخافوا أن يطول وأن تسوء عاقبته، فاجتمع ~~أهل الرأي منهم فذهبوا إلى النعمان فأفضوا إليه بمخاوفهم، وكان النعمان يروي في الذي ~~رووا فيه، فلما سمع منهم قال لهم: على رسلكم لا تبرحوا، وبعث إلى أهل الرأي والنجدات في ~~الحروب، فلما توافوا إليه قال لهم: قد ترون المشركين واعتصامهم بالحصون، وأنهم لا يخرجون ~~إلا إذا شاءوا، وقد ترون الذي فيه المسلمون من التضايق من هذا الموقف، فما الرأي الذي ~~نستخرجهم به إلى المنابذة وترك التطويل؟ وتكلم القوم، فأشار بعض بتضييق الحصار، فالتحصن ~~عليهم أشد من المطاولة عليكم، وقال عمرو بن معدي كرب: ناهدهم وكاثرهم ولا تخفهم، فرد ~~الحاضرون جميعا رأيه وقالوا: إنما تناطح بنا الجدران، والجدران أعوان لهم علينا، وتكلم ~~طليحة بن خويلد فقال: «... وأما أنا فأرى أن تبعث خيلا مؤدية # 1 # فيحدقوا بهم ثم يرموهم لينشبوا القتال ويحمشوهم، # 2 # فإذا استحمشوا واختلطوا بهم وأرادوا الخروج، أرزوا # 3 # إلينا استطرادا، # 4 # فإنا لم نستطرد لهم في طول ما قابلناهم، وإنا إذا فعلنا ذلك ورأوا ذلك منا ~~طمعوا في هزيمتنا ولم يشكوا فيها، فخرجوا فجادونا وجاددناهم حتى يقضي الله فينا وفيهم ما ~~أحب.» # استراح الحاضرون جميعا إلى هذا الرأي واستجادوه، فأمر النعمان القعقاع بن عمرو أن ~~يذهب صبح الغد فيهاجم المدينة بالقوة التي في إمرته، فإذا برز الفرس له أظهر الفرار بين ~~أيديهم، وتقدم القعقاع في الجند فرمى المدينة بالنبل، وأظهر العزم على اقتحام الأسوار، ~~وأبدى من ضروب البأس ما جعل الفرس ينهدون إليه في حذر يصدون هجومه، ms346 وأعجل المسلمون كل من ~~برز إليهم فأثاروا حماسة عدوهم، فخرجوا إليهم فرأوهم قلة يمكن التغلب عليها، فاجتازوا ~~الأسوار والحسك إليهم يقاتلونهم وثبت لهم القعقاع زمنا حتى لا تنكشف حيلته، ثم ولى ~~بجنده مدبرا أمامهم، فلما رأوا فراره خرجوا في أثره يريدون القضاء عليه، وكان النعمان قد ~~أمر جنده بالتقهقر إلى ما وراء مرمى النبل من حصون المدينة وأسوارها، فتراجعت القوات في ~~بكرة الصبح إلى حيث استطاع أكثرها الاختفاء عن أعين العدو بمرتفع توارت وراءه، وتابع ~~القعقاع فراره، وتابع الفرس مطاردته، ملتزمين أول الأمر من الحذر ما جعلهم ينقلون أمامهم ~~حسك الحديد يحتمون به من كرة العدو إذا حاول الرجعة لمهاجمتهم، وكان القعقاع قد أيقن ~~ابتعاد جند المسلمين في تراجعهم فأمعن في الفرار، وأمعن الفرس في تعقبه وقد ثبت عندهم أن ~~هزيمة المسلمين تمت فلا حاجة للحذر منهم والاحتياط لهم، وتركوا حسك الحديد وراءهم وأسرعوا ~~يطلبون هؤلاء الفارين ليستأصلوا شأفتهم، واندفع الجيش كله والفيرزان على رأسه يريد أن يطهر ~~أرض فارس من هؤلاء الغزاة الأجلاف، فخلت نهاوند من حماتها ولم يبق بها إلا حراس ~~أبوابها، فلما بعدوا عن المدينة ولم يبق لهم مطمع في حماية حصونها وأسوارها ريعوا، فقد رأوا ~~المسلمين يقفون، ورأوا القعقاع ومن معه كأنما يريدون أن يثبتوا لهم، لكن روعهم لم يلبث ~~أن سكن، وحسبوها مكيدة أراد القعقاع بها أن يحمي ظهر الجيش المتقهقر في هزيمته، حتى لا ~~يفنيه الفرس ويقضوا بذلك على سلطان المسلمين القضاء الأخير. # وانضم القعقاع بقواته إلى سائر الجند، وأقام مع الناس ينتظر أمر النعمان بالهجوم، وكان ~~اليوم يوم جمعة، وكان النعمان قد أمر الناس ألا يقاتلوا الفرس حتى تزول الشمس ثم يأذن لهم، ~~وأدرك الفرس المسلمين قبيل الزوال، فرموهم بالنشاب فأفشوا فيهم الجراحات، فأشار قوم على ~~النعمان في الحملة فلم يفعل، وقال له المغيرة بن شعبة: لو أن الأمر إلي علمت ما أصنع، ~~وأجابه النعمان في سكون وتؤدة: «رويدا تر أمرك، وقد كنت تلي الأمر فتحسن، فلا يخذلنا ~~الله ولا إياك! ونحن نرجو ms347 في المكث مثل الذي ترجو في الحث.» # وحان للشمس أن تزول، فركب النعمان برذونا له أحوى قريبا من الأرض؛ وجعل يمر على الرايات ~~راية راية يشجعهم ويحرضهم ويحركهم بأحسن ما فيهم، يذكر أن الله أنجز لهم صدور وعده بنصرهم، ~~فلم تبق إلا أعجازه وأكارعه، ويذكرهم ما مضى إذ كانوا أذلة، وما استقبلوا من هذا الأمر وهم ~~أعزة، وأن عدوهم إنما يخاطر بأرضه في حين يخاطرون هم بدين الله ودينهم فلا يكن الفرس على ~~دنياهم أحمى من المسلمين على دينهم، «فكل رجل منكم مسلط على ما يليه، فإذا قضيت أمري ~~فاستعدوا، فإني مكبر ثلاثا، فإذا كبرت الأولى فليتهيأ من لم يكن تهيأ، وإذا كبرت الثانية ~~فليشد عليه سلاحه وليتأهب للنهوض، وإذا كبرت الثالثة فإني حامل إن شاء الله فاحملوا معي، ~~اللهم أعز دينك وانصر عبادك، واجعل النعمان أول شهيد اليوم على إعزاز دينك ونصر ~~عبادك.» # جعل النعمان يقول هذه العبارات ومثلها لكل راية مر بها، فلما فرغ من حث الناس وقضى إليهم ~~أمره، رجع إلى موقفه وأعين الجند مشدودة إليه وهو معلم ببياض القباء والقلنسوة، ~~فكبر الأولى والثانية والثالثة والمسلمون عطاش للحرب يريدون أن يطيروا إليها وأن يفنوا ~~عدوهم فيها، وليس منهم أحد يريد أن يرجع إلى أهله حتى يقتل أو يظفر، وما لبث النعمان حين ~~أتم تكبيراته أن اندفع واللواء في يده، فانقض على الفرس انقضاض العقاب على فريستها، وجعل ~~يطيح بالرءوس ويجدل الفرسان، فإذا هم حوله صرعى يتخبطون في دمائهم، وشد المسلمون حوله، فكان ~~كل منهم النعمان بطشا وبأسا، ورأى الفرس صدق المسلمين في حملتهم فشدوا كذلك عليهم، فالتقى ~~الفريقان متصافحين بالسيوف، فلم يكن يسمع إلا وقع الحديد على الحديد، وإلا صيحات الأبطال ~~وكلهم الحماسة المتقدة والشجاعة التي لا تعرف من الموت فرارا، وبلغ القتال من الشدة مبلغا ~~لم يسمع السامعون بمثله في غير هذه الموقعة، وكثر القتل في الفرس لكثرة عددهم ولاستماتة ~~المسلمين في قتالهم حتى تخضبت الأرض بدمائهم، واستحرت الحرب وانهمرت الدماء، فكان الناس ~~والدواب تزلق عليها ms348 لكثرة ما تلطخ به أديم الأرض منها، وتحدرت الشمس إلى ناحية المغيب ~~والنعمان على جواده واللواء في يده يهزه يمنة فتهوي بسيوف المسلمين رءوس الفرس يمينا، ~~ويهزه يسرة فتهوي رءوسهم يسارا. # وبينا يشق طريقه في قلب العدو زلق جواده في الدماء فصرعه، وأراد الله أن يستجيب في هذه ~~الساعة لدعائه، فيستشهد في سبيله، فأصابه سهم في خاصرته، ورآه أخوه نعيم هوى فسجاه بثوبه، ~~وأخذ اللواء من يده ودفعه إلى حذيفة بن اليمان، فأقامه حذيفة مكان أخيه وأمره بإخفاء ما حدث ~~حتى لا يتزعزع الناس، وسار باللواء إلى حيث كان النعمان فأقامه، وأقبل الليل والوطيس حام ~~والمسلمون يدفعون عدوهم أمامهم ويندفعون في صدره يضعضعون روحه، وانتشر الظلام وقد أصاب ~~الفرس الإعياء فانكشفوا وتراجعوا منهزمين، فإذا حسك الحديد وراءهم يقف تراجعهم، فيمعن ~~المسلمون فيهم قتلا، فيردي ألوفهم وكأنهم غنم مصرعة، وأراد الناجون اتقاء الحسك فانحرفوا، ~~فإذا من خلفهم خندق عميق أعماهم الخوف عنه وستره الظلام عنهم، فهووا فيه بخيولهم، فهلك منهم ~~فيه خلق كثير قدره بعض المؤرخين بثمانين ألفا غير الذين قتلوا في المعركة وكانوا ثلاثين ~~ألفا، وكذلك قضي على هذا الجيش اللجب الذي اجتمع من كل أرجاء فارس يريد أن يجلي المسلمين ~~عنها، فإذا المسلمون يذيقونه الموت نكالا فلا يفلت منه إلا الشريد. # وكان الفيرزان فيمن فر يطلب النجاة بنفسه، فاندفع وحيدا شريدا يركض جواده نحو همذان ~~يرجو الاحتماء بها، ورآه نعيم بن مقرن فدفع القعقاع بن عمرو في أثره، فأدركه القعقاع ~~حين انتهى إلى ثنية همذان، إذ كانت دواب من الحمير والبغال تحمل العسل سائرة في ~~الثنية بين الجبال، فسدت على القائد الهارب طريقه، فترجل يريد النجاة في الجبل، فاتبعه ~~القعقاع وأدركه وقتله، وعرف المسلمون يومئذ ما حدث فقالوا: «إن لله جنودا من عسل.» ~~فصارت مثلا، وسميت تلك الثنية من بعد: «ثنية العسل». # ومضى الفلال من جيش الفرس مشردين حتى بلغوا همذان، ولم يدعهم المسلمون يدخلونها آمنين، بل ~~طاردوهم إليها وحصروهم فيها، وأقسموا لا يبرحونها حتى تفتح أبوابها، وعرف أميرها ms349 ما أصاب ~~الفيرزان وجنوده: فبعث إلى المسلمين يستأمنهم ويصالحهم عليها، وصالحه القعقاع على أن ~~يضمن لهم همذان ودستبى، وألا يؤتى المسلمون منهم، وأن يؤمنهم المسلمون فلا يغير عليهم ~~مغير، بذلك أمن الناس وعاد كل هارب، وسكنوا إلى طمأنينة الحياة. # رجع القعقاع ومن معه من المسلمين فألقوا حذيفة دخل نهاوند بعد المعركة بجيشه ~~واستولى على ما فيها من الأسلاب والغنائم، ودفعها إلى السائب بن الأقرع الذي عينه عمر على ~~الأقباض، وقد بلغت الأنفال يومئذ مبلغا فاق كل ما توقعه المسلمون، فقد قسمها حذيفة بن ~~اليمان في الفاتحين، ونقل ذوي النجدات، وأعطى من أرصدهم من الجند ليحفظوا ظهر المقاتلين حتى ~~لا يؤتوا من خلفهم، كما أعطى من كان ردءا للمسلمين ومنسوبا إليهم مثل الذي أعطى لأهل ~~المعركة، مع ذلك بلغ نفل الفارس من هؤلاء جميعا ستة آلاف ونقل الراجل ألفين. # هذا، ثم إن كسرى كان قد استودع صاحب المعبد الذي به بيت النار جواهر أعدها لنوائب الزمان ~~ولم يكن المسلمون قد عثروا بها، وإنهم لفي جذلهم بما أفاء الله عليهم إذ أقبل صاحب بيت ~~النار مستأمنا لنفسه ولمن شاء على أن يدل حذيفة على الذخيرة الثمينة، وأمنه حذيفة؛ فأخرج ~~له سفطين مملوءين جوهرا ثمينا لا يقوم، ورآهما المسلمون وكانوا قد أترعوا مما نالهم من ~~الفيء، فعفوا عنهما، ورأوا أن يجعلوهما لعمر خاصة، فلما اطمأن الناس إلى مقامهم وإلى ~~فيئهم، حمل السائب بن الأقرع السفطين وخمس الفيء وسار إلى المدينة يبلغ عمر أنباء النصر ~~ويدفع إليه هذه المغانم العظيمة. # بينا يجري كل ذلك بنهاوند كان عمر بالمدينة يتسقط أنباء المسلمين، وهو أشد ما يكون ~~إشفاقا أن يبلغه منها ما لا يحب؛ لذلك لم يكن يذوق النوم إلا غرارا، ثم يقضي سائر ليله ~~يستنصر الله لجنده، فلما كانت تلك الليلة التي قدر للقائهم، جعل يخرج ويتلمس الخبر، وقد ~~ألقي في روعه أن الله نصر جنده وأنجز وعده، وكان حذيفة قد بعث طريف بن سهم ليسرع بالخبر ~~إلى المدينة، فلما بلغها وسأله عمر ذكر له ms350 ما أنعم الله به على المسلمين من نصر وفتح وكتم ~~عنه إلا ما سره، واغتبط عمر والمسلمون بما سمعوا، فرفعوا أكفهم إلى الله تضرعا وخشية، ~~وهرعوا إلى المسجد فصلوا شكرا لله، ثم خرج عمر في جماعة من أصحابه وكله الشوق أن يقف على ~~الجلية من الأمر، وأمعنوا في الطريق الذي يؤدي إلى فارس، فبصروا عن بعد براكب توسم فيه ~~عثمان بن عفان أنه السائب بن الأقرع، فلما دنا منهم وسلم عليهم قال له عمر: ما وراءك! قال: ~~البشرى والفتح، وسأل عمر: فما فعل النعمان؟ قال: زلت فرسه في دماء القوم فصرع فاستشهد، قال ~~عمر وقد أفزعه النبأ وهزه: إنا لله وإنا إليه راجعون! ولم يتمالك أن بكى حتى نشج كأنما أصيب ~~في بعض ولده أو في أعز عزيز لديه، فلما سكنت عنه ثورة الحزن سأل السائب عمن قتل من ~~المسلمين فذكر له أعيان الناس وأشرافهم، ثم قال: وآخرون من أفناء الناس لا يعرفهم أمير ~~المؤمنين، قال عمر، والحزن لا يزال آخذا بخناقه: وما ضرهم ألا يعرفهم عمر! لكن الله يعرفهم ~~وقد أكرمهم بالشهادة! وما يصنعون بمعرفة عمر! # وانطلق القوم والسائب معهم، حتى إذا دخلوا المدينة أدخلوا خمس الفيء إلى المسجد وأمر ~~عمر نفرا من أصحابه، منهم عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن أرقم، بالمبيت فيه، ~~ليقسمه بين المسلمين متى أصبح. # وقام عمر فدخل منزله، فاتبعه السائب فأخبره خبر السفطين وما فيهما من جواهر لا تقوم، ~~وذكر له أن أهل الغزاة جعلوهما لأمير المؤمنين خاصة، روى الطبري عن السائب بن الأقرع أنه ~~قال: «فأخبرته خبر السفطين فقال: أدخلهما بيت المال حتى ننظر في شأنهما والحق بجندك، ~~فأدخلتهما بيت المال وخرجت سريعا إلى الكوفة، وبات عمر تلك الليلة التي خرجت فيها، فلما ~~أصبح بعث في أثري رسولا، فوالله ما أدركني حتى دخلت الكوفة وأنخت بعيري وأناخ بعيره على ~~عرقوبي بعيري، فقال: الحق بأمير المؤمنين، فقد بعثني في طلبك فلم أقدر عليك إلا الآن، ~~قلت: ويلك! ماذا ولماذا؟ قال: لا أدري والله ms351 فركبت معه حتى قدمت على عمر، فلما رآني قال: ما ~~لي ولابن أم السائب، بل ما لابن أم السائب وما لي! قلت: وما ذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: ~~ويحك! والله ما هو إلا أن نمت في الليلة التي خرجت فيها فباتت ملائكة ربي تسحبني إلى ذينك ~~السفطين يشتعلان نارا يقولون: لنكوينك بهما، فأقول: إني سأقسمهما بين المسلمين، فخذهما عني ~~لا أبا لك والحق بهما، فبعهما في أعطية المسلمين وأرزاقهم، فخرجت بهما حتى وضعتهما في مسجد ~~الكوفة، وغشيني التجار، فابتاعهما مني عمرو بن حريث المخزومي بألفي ألف، ثم خرج بهما إلى ~~أرض الأعاجم فباعهما بأربعة آلاف ألف؛ فما زال أكثر أهل الكوفة مالا بعد.» # وفي رواية أخرى أوردها الطبري كذلك أن السائب اتبع عمر بذينك السفطين حين دخل منزله ~~وأخبره خبرهما، فقال له عمر: يا بن مليكة! والله ما دروا هذا ولا أنت معهم، فالنجاء ~~النجاء، عودك على بدئك حتى تأتي حذيفة فيقسمهما على من أفاءهما الله عليهم! فانطلق السائب ~~راجعا حتى انتهى إلى حذيفة فباعهما، فأصاب أربعة آلاف ألف قسمها بين من أفاءها الله عليهم، ~~فنال كل فارس منها أربعة آلاف درهم غير ستة الآلاف التي أصابها من قبل. # كان اغتباط أهل المدينة لفتح نهاوند عظيما، لكنه لم يغتبط أحد بهذا الفتح اغتباط أهل ~~الكوفة، حتى لقد سموه فتح الفتوح، ولعلهم كذلك فعلوا؛ لأن زهرة المقاتلة في المعركة كانوا ~~من الكوفيين، أو لأن الكوفة كانت أقرب إلى مكان المعركة من المدينة، فكان أهلها أشد إشفاقا ~~منها وأدق تقديرا لنتائجها؛ فلما تم النصر فيها دعوها بهذا الاسم تيمنا وتعبيرا عما ~~بعثته إلى نفوسهم من الطمأنينة على موطنهم، وأيا ما كان السبب فقد كانت نهاوند فتح ~~الفتوح بالفعل؛ إذ لم تقم للفرس بعدها قائمة، بل غزاهم المسلمون في عقر دارهم، وأزالوا ~~سلطانهم عن كل ولاياتهم، ثم لم يغن عنهم تجمعهم لصد تيار المسلمين المتدفق في أرضهم، بل ~~انتهى الأمر إلى إخراج كسرى من فارس شريدا يلتمس العون من غير أهله والنجاة في ms352 غير بلاده، ~~ثم يموت بعيدا عن مواطن ملكه، كأن لم يستقر بها يوما ولم يكن بها صاحب السلطان. # وكان عمر أشد من أهل الكوفة بنهاوند اغتباطا، وأكثر لغزاتها تقديرا وبهم إعجابا، ~~حتى لقد زاد عطاء الذين أحسنوا البلاء فيها، فمنح كل واحد منهم ألف درهم فوق فيئه تشريفا ~~لهم وإظهارا لشأنهم، وكيف لا تبلغ منه الغبطة هذا المبلغ وكان يعلم أن جيش الفرس ~~بنهاوند قد جمع كل الأبطال من شتى أرجاء المملكة، وأن أشراف فارس وأمراءها جميعا ~~تعاهدوا على إخراج العرب من أراضيهم، وردهم مهيضي الأجنحة إلى شبه جزيرتهم! وها هم أولاء ~~الأبطال يفرون منهزمين، والأشراف والأمراء يلتمسون ملجأ من خزي هزيمتهم فلا يجدونه، بل لا ~~يجدون أمامهم إلا العرب ينتشر سلطانهم، وتعلو كلمتهم، ويهز اسمهم الأسماع والقلوب في ولايات ~~كسرى جميعا، من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، ومن أقصى الغرب إلى أقصى الشرق. # رأيت همذان وإسراع أهلها إلى طلب الصلح التماسا للأمن حين عرفوا مصير نهاوند ~~والفيرزان، وكان أبو موسى الأشعري أميرا على جند البصرة الذين قاتلوا بنهاوند، فلما ~~سار منصرفا عنها مر بالدينور، فأقام عليها خمسة أيام لم يقع قتال إلا في اليوم الأخير ~~منها، ولم يكد هذا اليوم ينتهي حتى طلب أهلها الصلح، وأقروا بالخراج والجزية، وسألوا الأمان ~~على أنفسهم وأموالهم وأولادهم، فصولحوا على ما طلبوا، وصالح أبو موسى أهل السيروان على مثل ~~صلح الدينور، وصالح عامله أهل الصيمرة على حقن الدماء وترك السباء والصفح عن البيضاء ~~والصفراء، وعلى أداء الجزية وخراج الأرض وفتح جميع الكور بمهرجان قذق، وصالح حذيفة بن ~~اليمان دنبارا الفارسي على بلدة ماه، وأعطى أهلها عهدا بالأمان على أنفسهم وأموالهم ~~وأرضهم، لا يغيرون عن ملة، ولا يحال بينهم وبين شرائعهم، لهم المنعة ما أدوا الجزية في كل ~~سنة إلى من وليهم من المسلمين، وعلى كل حالم في ماله ونفسه على قدر طاقته، وما أرشدوا ابن ~~السبيل وأصلحوا الطرق وقروا جنود المسلمين من مر بهم فأوى إليهم يوما وليلة ووفوا ونصحوا، ~~فإن غشوا وبدلوا ms353 فذمتنا منهم بريئة. # أما وقد أصاب الفرس كل هذا الفزع بهزيمة نهاوند فازدادوا اضطرابا وازدادت معنوياتهم ~~انحلالا فليس إلا أن يأخذهم عمر وهم فيما هم فيه، وأن يدفع قواته في سائر ولاياتهم حتى ~~تذعن كلها لسلطانه ولا يبقى فيها لمقاومة أثر، ولا تحدث أميرا من أمرائها نفسه بمثل ما ~~كانت تحدثه به من قبل؛ لذلك عقد بنفسه ألوية عهد إلى أصحابها بالانسياح في أرض فارس جميعا، ~~فجعل لواء خراسان إلى الأحنف بن قيس، ولواء أردشير وسابور إلى مجاشع بن مسعود السلمي، ولواء ~~إصطخر إلى عثمان بن أبي العاص الثقفي، ولواء درابجرد إلى سارية بن زنيم الكناني، ~~ولواء كرمان إلى سهيل بن عدي، ولواء سجستان إلى عاصم بن عمرو، ولواء مكران إلى الحكم بن ~~عمرو التغلبي، وأمرهم أن يكونوا على أهبة المسير إلى هذه الأمصار والولايات. # وكذلك كانت نهاوند من فتح فارس ما كانت القادسية من فتح العراق العربي ، وقد حاول ~~يزدجرد بعدها أن يقاوم بالري وبمرو وبإصطخر كما حاول أن يقاوم بالمدائن، وقد أمده ~~أمراء الولايات بأذربيجان وخراسان وفارس ومكران، وحاولوا الوقوف إلى جانبه لصد تيار ~~المسلمين عنهم والاحتفاظ لوطنهم بعزته وكرامته، وسنرى من محاولاتهم، ومن اضطراب يزدجرد ~~بين ولاياتهم، ومن أمر المسلمين معه ما نجمله في الفصل التالي. # | هوامش # الفصل السابع عشر # | القضاء على سلطان الأكاسرة # تقع نهاوند وهمذان في صميم العراق العجمي، وهما لذلك من صلب المملكة الفارسية؛ ~~فأهلهما من الفرس جنسا ولغة ودينا، لا يمتون إلى العراق العربي وأهله بنسب، ولا يعرفون من ~~لغة العرب كلمة؛ لذلك كانت نكبة الفرس في نهاوند نكبة في صميم ملك كسرى، فلم يكن له ولا ~~لبني وطنه بعدها إلا الإذعان والنزول على حكم المسلمين، أو الحرب الضروس تنتهي بهم إما إلى ~~نصر يخرج العرب من بلادهم، أو هزيمة تزيل الأكاسرة عن عرشهم، وتقضي القضاء الأخير على ~~دولتهم وسلطانهم! # وكان الأمر كذلك بخاصة؛ لأن العراق العجمي يتوسط ولايات المملكة كلها: تقع إلى شماله ~~أذربيجان وطبرستان وجيلان، وإلى شرقه سمان وصحراء إيران، وإلى ms354 جنوبه فارس وكرمان، وإلى ~~غربه وجنوبه الغربي يقع العراق العربي وتقع خوزستان، وبالعراق العجمي مدن كبيرة تعد في حكم ~~العواصم، منها أصفهان وهمذان والري، فإذا توغل المسلمون فيه واستولوا على هذه المدن فتح ذلك ~~أمامهم أبواب إيران كلها فانساحوا فيها، وهيهات لقوة بعد ذلك أن تقف في طريقهم! # ولكن! كيف ليزدجرد أن يقف تيار الغزاة الجارف؟ لقد رآهم منذ نصرهم بالقادسية يندفعون ~~خلال العراق العربي إلى المدائن وجلولاء، ويقيمون البصرة والكوفة، ويحطمون مقاومة ~~الهرمزان في خوزستان، ويواجهون قوات فارس مجتمعة بنهاوند فيقضون عليها أيما قضاء، ألا ~~يدل ذلك على أن الأقدار حالفتهم ووقفت في صفهم فلن يستطيع أحد صدهم! ومحالفة الأقدار هي ~~التي طوعت لهم غزو هرقل بالشام وطرده إلى بزنطية والاستيلاء على بيت المقدس مهد النصرانية ~~ومستقر هيكل سليمان، أليس خيرا ليزدجرد أن يصالح غزاة ذلك شأنهم، فيدع لهم ما فتحوا ~~ويكتفي بما بقي له من ملك أجداده؟! ولعل القدر الذي تجهم له اليوم يكون أبر به غدا! أم ترى ~~تصده كبرياء الملك تأثل في فارس عشرات الأجيال والقرون عن أن يطلب الصلح مقهورا، وتدفعه ~~حماسة الشباب إلى مغامرة جديدة؟! الحق أنه اضطرب بين الأمرين أشد الاضطراب، فمن ذا يكفل له ~~إذا طلب الصلح ألا يرفض خليفة المسلمين مطلبه، فيكون الرفض مذلة له شر مذلة؟! ومن ذا يكفل ~~له إذا دعا قومه إلى مغامرة جديدة أن يجيب مرازبة فارس وأمراؤها نداءه، فإذا لم يجيبوه أقام ~~في ملكه كأنه مخلوع عن عرشه، لا يسمع له أمر، ولا ينضوي أحد إلى لوائه؟! لذا ترك الأمر ~~للقدر يجري به كما يشاء، من غير أن يكون له في رحمة القدر كبير رجاء. # وأضعف رجاءه انصراف الأمراء والمرازبة كل إلى شأنه، لقد تعاهدوا على نصرته يوم تولى العرش ~~وجلس بالمدائن في إيوان كسرى؛ لأن المملكة كان لها يومئذ جيش تعتز به، ويحمل الناس على ~~طاعته، وقد انضووا إلى لوائه وبعثوا بالجيوش إلى نهاوند لمقاتلة عدوه يوم كان الرجاء في ~~صد الغزاة لا يزال قويا ms355 في نفوسهم، أما وقد تضعضع جيش الدولة، وضعف الرجاء في جلاء الغزاة، ~~فقد اضطربوا وانصرف أكثرهم يفكر كل أمير في إمارته وفي مصير ولايته: أيدافع المسلمين عنها، ~~أم يصالحهم على أن يظل واليا باسمهم عليها، لم تبق صلة هؤلاء الأمراء بيزدجرد صلة ~~ولاء ونظام، بل صلة مجاملة لمليك أوهن القدر سلطانه، فجعل يتنقل تنقل الشريد بين بلاد ~~مملكته، فإن يكن القدر قد كتب في لوحه قرب خاتمته فلهم العذر أمام أنفسهم عما صنعوا، وإن ~~تكن الأخرى فلهم إلى يزدجرد عودة، وهو لا ريب يقدر يومئذ حكم الضرورة عليهم. # أنت في حل من التثريب على هؤلاء الأمراء لهذا التفكير؛ فالدول لا تقوم ولا يرتفع شأنها ~~بمثله، لكن هذا التفكير كان طبيعيا بحكم الأحداث التي أصابت فارس في العهد الأخير، وكان ~~طبيعيا؛ لأنه كان وليد التاريخ الفارسي منذ أقدم الحقب، فقد استقر الفرس في الأرض التي ~~أطلق عليها اسمهم قبل ميلاد المسيح بعدة قرون، وكانوا يوم استقروا بها شعبا شديد الحرص على ~~بساطة العيش، صعب المراس، صلب القناة في الحرب، شديد الطموح إلى التوسع والفتح، وقد التقوا ~~هم والميديون في العراق العجمي، ودارت بين الفريقين حرب طاحنة انتهت إلى صلح أذعن به أهل ~~ميديا لسلطان الفرس وانخرطوا في سلكهم، واندفعوا وإياهم يقاتلون عدوهم، وتخطى الفرس بلاد ~~إيران إلى ما بين النهرين، وساروا منها إلى مصر وإلى بلاد الإغريق، فكانت بينهم وبين مدن ~~اليونان وقائع ردهم بها الإغريق عن أوروبا، وكانت فارس يومئذ ولايات استقر في كل ولاية منها ~~أمير من أمرائها المحاربين، فنصب نفسه ملكا عليها، واستقل بإدارة شئونها، ثم اجتمعت هذه ~~الولايات في اتحاد قام كسرى على رأسه، وتولى توجيه شئونه العامة، واتخذ «الملك الأعظم» ~~لقبا له، وقاتل الفرس الدول المجاورة لهم في الشرق والغرب فانفسح سلطانهم، حتى دهمهم ~~الإسكندر المقدوني، فغلبهم على أمرهم ومد سلطانه في أرجاء بلادهم، وكانت سياسة الإسكندر تدع ~~شئون الحكم الداخلي لأهل البلاد؛ لذا بقي أمراء فارس ولهم ما كان لهم من سلطان مطلق في ~~الولايات ms356 التي أقاموا أنفسهم ملوكا عليها، فزاد ذلك في استمساكهم بهذا الملك وحرصهم عليه، ~~واستردت فارس استقلالها بعد الإسكندر، وقام بنو ساسان بأمرها فكانوا أكاسرتها، وكانت ~~المدائن عاصمتها، وإن احتفظ أمراؤها ومرازبتها بسلطانهم في مختلف ولاياتها، وعاد بنو ساسان ~~بفارس سيرتها الأولى تقاتل وتمد سلطانها، وتدفقت إليها الأموال من مختلف الأرجاء في البلاد ~~المفتوحة تدفقا نزع بأهلها إلى الترف، فأخذوا من أسبابه بأعظم حظ وأوفر نصيب، واطمأن الفرس ~~إلى هذا الترف عهودا طوالا تفننوا في أثنائها في أسبابه، فتحدر بهم شيئا فشيئا إلى ~~الشهوات الدنيا، فأورثهم رخاوة أضعفت فيهم صفات البطولة والإقدام التي كانت لآبائهم ~~وأجدادهم، ثم لم يستعيضوا عن هذه الصفات صدق العزم وقوة الجلد مما تبعثه الحضارة السليمة ~~إلى نفوس الآخذين بها، فانكمش بذلك سلطانهم شيئا فشيئا، وقد حاولوا استعادة هذا السلطان ~~في أوائل القرن السابع المسيحي، فحاربوا الروم وظفروا بهم واستولوا على بيت المقدس وعلى ~~مصر ، وانهزم الروم أمامهم بسبب ما فشا فيهم من سوء الحكم وفساد النظام، فلما تولى هرقل أمر ~~الروم رد الفرس على أعقابهم، واسترد الصليب الأعظم منهم، ولم يقف أثر الهزيمة بالفرس عند ~~ارتدادهم إلى تخومهم، بل ضعفت نفوسهم، وفشت الفوضى في بلاطهم، وتزعزعت ثقتهم بأنفسهم، فلما ~~فاجأهم العرب زادتهم هذه العوامل رخاوة، فلم يستطيعوا الثبات في وجه غزاتهم، فجعل كل منهم ~~يتلمس النجاة لنفسه، وجعل أمراؤهم يلتمسون السلطان الزائف في كنف الفاتح يستمتعون به ولو ~~إلى حين، تاركين كسرى رمز وحدتهم وعزتهم تجري الأقدار في أمره بما تشاء. # كان ذلك شأن عاهل الفرس وشأن كثيرين من المرازبة والأمراء في دولته، أما عمر فلم يلبث حين ~~اطمأن إلى انتصار جنده بنهاوند ومصالحتهم أهل همذان أن ذكر قول الأحنف بن قيس: إن الفرس ~~لن يزالوا يقاومون المسلمين ما دام يزدجرد بين أظهرهم، فلم يجتمع ملكان فاتفقا حتى ~~يخرج أحدهما صاحبه، لا مفر إذن من تعقب الفرس في أرجاء ملكهم حتى يجلو عنه كسرى فيصير ~~خالصا للمسلمين، فأي الخطط أنجع لبلوغ هذه الغاية؟ # لم يكن لعمر ms357 أن يسير الألوية التي عقدها لتنساح في أرض فارس قبل أن يفتح العراق العجمي ~~كله، فيحمي بذلك ظهره، ويأمن خط رجعته، ويسيطر على الطرق التي تسير خلالها الأمداد من ~~العراق العربي ومن شبه الجزيرة لتعزيز جنده، ولكن! هل تسير القوات في هذا العراق العجمي من ~~همذان إلى الري تفتحها، أم تنحدر من نهاوند إلى أصبهان لتخضع من هذه الولاية المترامية ~~الأطراف أفسح أرضها رقعة، وأكثرها بخوزستان وبالعراق العربي اتصالا؟ # فقد كان يزدجرد مقيما بالري حين دخل العرب نهاوند وهمذان، فلما رآهم اقتربوا من ~~مقره خف إلى أصبهان يحرض أهلها على المقاومة، وبلغ ذلك عمر فأمر بالسير إلى أصبهان وكان ~~رجاؤه أن يتولى يزدجرد الدفاع عنها فيقع أسيرا، فتتحطم بأسره مقاومة الفرس كلها؛ لذلك ~~أمر عبد الله بن عبد الله بن عتبان فسار إليها فيمن كان معه من جند الكوفة ومن تبعه من جند ~~النعمان بن مقرن بنهاوند. # وفي رواية أن عمر بن الخطاب شاور الهرمزان فقال له: ما ترى؟ أبدأ بفارس أم بأذربيجان ~~أم بأصبهان؟ وأجابه الهرمزان: إن فارس وأذربيجان الجناحان وأصبهان الرأس، فإن قطعت أحد ~~الجناحين قام الجناح الآخر، فإن قطعت الرأس وقع الجناحان، فابدأ بالرأس، واطمأن عمر إلى هذا ~~الرأي فأمر بالسير لفتح أصبهان. # وأصبهان، أو أصفهان، مدينة عظيمة كانت عاصمة إقليم من أقاليم العراق العجمي يطلق عليه ~~اسمها، وكانت تتألف من مدينتين متجاورتين: جي واليهودية، وهذه الأخيرة كانت مستعمرة يهودية ~~الأصل، أنشأها يزدجرد الأول إجابة لرغبة زوجه اليهودية شوشن دخت، أما جي فهي القصبة، ~~وهي من أصح المواضع تربة وأطيبها هواء وأعذبها ماء، ولذلك اختارها الملوك مسكنا لهم، وتقع ~~أصبهان في نهاية المنطقة الجبلية من جهة الجنوب، وهي خصبة الأرض واسعة الرقعة، تصل الطرق ~~المعبدة بينها وبين شتى أرجاء المملكة، فالطريق منها إلى الري يمر بقاشان ثم بقم. # سار ابن عتبان في جنده، فلقيه جيش عظيم من الفرس بظاهر أصبهان، ولم يمهله أمير # 1 # هذا الجيش أن أنشب القتال معه، واشتد القتال وحمي وطيسه وكان على مقدمة ms358 الفرس ~~شيخ كبير هو شهريار بن جاذويه، # 2 # وكان من أبطال الفرس المعدودين ومن المبارزين الذين لا يثبت لهم في الميدان ~~خصم، وقد رأى المعركة تترجح ورأى القتلى من الفرس يكثرون كثرة خشي أن تدخل الضعف إلى نفوس ~~سائرهم، فبرز إلى الصف الأول ودعا من جنود المسلمين من ينازله، وبرز له عبد الله بن ورقاء ~~الرياحي فصاوله فقتله. # ورأى الفرس فارسهم المعلم صريعا فاضطربوا، ثم جلوا عن هذا الرستاق فنزله المسلمون ~~وسموه لذلك رستاق الشيخ، وتراجع الفرس إلى جي، يحتمون بأسوار أصبهان، على حين أقام المسلمون ~~في خطوطهم الجديدة ينظمون خطتهم لمهاجمة المدينة العظيمة الحصينة. # عرف يزدجرد ما أصاب الفرس برستاق الشيخ، ففر من أصبهان ناجيا إلى كرمان، وتقدم عبد ~~الله بن عبد الله بن عتبان إلى جي فحاصر أصبهان فتحصن جندها بقلاعها وجعلوا يزاحفون ~~المسلمين ويقاتلونهم ثم يعودون إلى حصونهم، فلما طال ذلك بهم وضاقوا به خرجوا يريدونها ~~موقعة حاسمة، واصطف الجيشان للقتال وكان موشكا أن يبدأ غير أن الفاذوستان # 3 # أمير أصبهان بعث إلى عبد الله بن عتبان يقول له: لا تقتل أصحابي ولا أقتل ~~أصحابك، ولكن ابرز لي، فإن قتلتك رجع أصحابك، وإن قتلتني سالمك أصحابي، وإن كان أصحابي لا ~~تقع لهم نشابة، وتصاول الرجلان زمنا، ثم قال الفاذوستان لعبد الله: «ما أحب أن أقاتلك فإني ~~قد رأيتك رجلا كاملا، ولكن ارجع معك إلى عسكرك فأصالحك وأدفع المدينة إليك على أن من شاء ~~أقام ودفع الجزية وأقام على ماله، وعلى أن تجري من أخذتم أرضه عنوة مجراهم ويرجعون، ومن ~~أبى أن يدخل فيما دخلنا فيه ذهب حيث شاء ولكم أرضه.» وأقر عبد الله هذا الصلح، ودخل أهل ~~أصبهان في الذمة إلا ثلاثين رجلا خالفوا قومهم ولحقوا بكرمان في حاشيتهم. # بينا يقاتل المسلمون ليفتحوا أصبهان كانت بلاد الشمال الواقعة جنوب بحر قزوين تجتمع إلى ~~إسفنديار الرازي أخي رستم الذي هزم وقتل بالقادسية، تعد العدة معه لدفع المسلمين عن الري، ~~وعرف أهل همذان اجتماعهم فتشجعوا ونقضوا الصلح الذي عقدوه ms359 مع المسلمين بعد نهاوند، ~~وبلغت عمر أنباء الانتقاض في همذان، فأمر نعيم بن مقرن أن يطير إليها وأن يدخلها عنوة ~~عقابا لأهلها حتى لا يعودوا لمثل فعلتهم، ولكي يعتبر غيرهم بهم فلا يجرؤ قوم من بعدها على ~~نقض عهدهم مع المسلمين، وسمع أهل همذان اسم نعيم وعرفوا سيره إليهم، فذكروا نهاوند ~~وذكروا الفيرزان ومصيره بثنية العسل فسقط في أيديهم وتولاهم الرعب، وأيقنوا أنهم ~~محصورون مقهورون لا محالة، وزاد بهم الجزع حين ترامى إليهم استيلاء نعيم على ما حول همذان ~~من البلاد، ولم يبق لديهم ريب فيما قدر لهم من سوء المصير، فلما انتهى نعيم إليهم وحاصر ~~مدينتهم بعثوا إليه يطلبون الصلح وهم في ريب من قبوله ما طلبوا، وكيف يطمئن إليهم وقد نكثوا ~~من قبل عهدهم؟ وما كان أشد اغتباطهم حين رأوه يقبل منهم الجزية على أن تقيم بهمذان قوة من ~~المسلمين يذكر وجودها أهل المدينة بالعهد ويقبض أميرها منهم الجزية ، ترى أقبل نعيم منهم ولم ~~يفتض مدينتهم ضنا بأرواح رجاله أن يصاب منهم أحد؟ أم ترامت إليه أنباء إسفنديار والذين ~~اجتمعوا إليه فآثر أن يحتفظ بقوته كاملة يواجه بها هذه الجموع المتزايدة تريد مهاجمته طمعا ~~في أن تدفعه عن الري، وأن تجليه عن همذان، وأن تسترد ما كسبه هو وما كسبه أخوه النعمان من ~~قبل؟ # أيا كان السبب الذي أدى بنعيم إلى مصالحة أهل همذان فإن الجموع التي انضمت إلى إسفنديار ~~كانت تزداد على الأيام عددا وقوة، وبلغ نعيما، وهو على رأس اثني عشر ألفا من المسلمين ~~بهمذان، أن هذه الجموع تتحرك نحوه من جهات مختلفة: تحرك الديلم وعلى رأسهم أميرهم موتا، ~~وتحرك أهل الري وعليهم الزينبي # 4 # أبو الفرخان، وتحرك أهل أذربيجان بإمرة إسفنديار، وجعلوا واج روذ ~~وجهتهم وملتقاهم، وكانت دستى أقرب محلة من واج روذ؛ لذلك جعل نعيم عيونه بها يتنطسون ~~الأخبار ويبعثونها إليه، وسبقت الديلم إلى الملتقى، فبعث العيون بأنبائهم إلى همذان، فخرج ~~نعيم منها واستخلف يزيد بن قيس عليها، وسار في جنده حتى نزل قبالة ms360 القوات المتحالفة التي ~~اجتمعت لقتاله، وكانت هذه القوات قد كمل عددها، فلم تمهل المسلمين أول ما نزلوا الميدان أن ~~شدت عليهم، وفي ظنها القدرة على الظفر بهم، بل على استئصالهم، واشتد القتال بين الفريقين ~~شدة ذكر بها الناس يوم نهاوند، وكان المسلمون قد ألفوا النصر فلم يكن التغلب عليهم ~~يسيرا، أما هذه القوات من الديلم والفرس فلم تعرف لواء يجمعها فهي تدافع عنه وتموت دونه؛ ~~لذلك انكشفت منهزمة حين أقبل المساء بعد أن قتل المسلمون منهم عددا غفيرا. # كان نعيم قد بعث إلى عمر بإخضاع همذان ومصالحته أهلها، وذكر له ما ترامى إليه من اجتماع ~~الديلم وأهل الري وأذربيجان لقتاله، وفزع عمر لهذا النبأ وجعل يدعو الله أن يؤازر جنده ~~وأن يؤيدهم بنصره، وأقام بالمدينة ينتظر أنباء هذا الجند وهو أشد ما يكون إشفاقا عليهم، ~~وإنه لكذلك إذ قدم عليه عروة بن زيد الخيل، وكان قدم عليه من قبل بنبأ غزوة الجسر حيث قتل ~~أبو عبيد الثقفي وانهزم المسلمون، فلما رآه عمر قال: بشير! وأجاب الرجل: بل عروة، فقال عمر: ~~إنا لله وإنا إليه راجعون! عند ذلك فطن عروة فقال: بل أحمد الله فقد نصرنا وأظهرنا، وحدثه ~~بما كان، فلما أتم حديثه قال عمر: هلا أقمت وأرسلت؟ وأجاب عروة: قد استخلف أخي وأحببت أن ~~آتيك بنفسي، ومن يومئذ سماه عمر البشير، وأمر عمر فقرئ الكتاب الذي حمله عروة من نعيم ~~بالفتح والنصر، فحمد الناس الله وصلوا شكرا لأنعمه. # وعاد عروة إلى همذان يحمل من عمر إلى نعيم كتابا فيه: «أما بعد فاستخلف على همذان وسر ~~حتى تقدم للري وتلقى جمعهم، ثم أقم بها فإنها أوسط تلك البلاد وأجمعها لما تريد.» ولم يلبث ~~نعيم حين قرأ هذا الكتاب أن أقر يزيد بن قيس على همذان وسار بالناس إلى الري وهو لا يشك في ~~أن الله سيفتحها عليه، وكيف يخامره في ذلك شك أو تخالط نفسه فيه ريبة، وقد لقي جموع الري مع ~~الديلم وأهل أذربيجان، فهزمت وقتل منهم موتا ملك الديلم! ms361 ولعله أفرط في تفاؤله؛ فقد ~~كان الملك بالري يومئذ سياوخش بن مهران بن بهرام جوبين، وكان قد أيقن بعد واج روذ أن ~~المسلمين لن يصيروا حتى يهاجموه ليفضوا عليه عاصمته؛ لذلك استمد أهل دنباوند وطبرستان ~~وقومس وجرجان وقال لهم: قد علمتم إن هؤلاء حلوا بالري أنه لا مقام لكم، فأمدوه بقوات ~~اجتمعت فكانت أضعاف القوات التي سار بها نعيم عددا وعدة، وتحصنت هذه القوات كلها بالري، ~~وكان سياوخش قد زاد معاقلها مناعة وقوة؛ فلما رأى ما اجتمع في هذه المعاقل أيقن أن المسلمين ~~لن يظفروا به، ولن يستطيعوا أن يفضوا عليه حصونه. # لم يكن عجبا أن يجتمع أهل الشمال للدفاع عن الرى؛ فقد كانت العاصمة الكبيرة لهذه ~~الأرجاء، والحصن الحصين تلوذ به وتلجأ إليه، وكان بها من المعابد القائمة حول بيوت النار ما ~~جعل نفوس كثيرين تهوي إلى زيارتها في المواسم الدينية، وترى في الاعتداء عليها اعتداء على ~~قدس يجب الدفاع عنه ، ثم إنها كانت بموقعها من الأقاليم المحيطة بها، ملتقى تجارة واسعة تجلب ~~إليها من الشرق ومن الغرب، وتجعل أهلها في رخاء ورفه عيش، وكان أهلها وأهل الأقاليم المحيطة ~~بها مطمئنين لمناعتها، مطمئنين بذلك إلى مقامهم بها أو في جوارها، فلما رأوها تتعرض للغزو ~~تعاهدوا للدفاع عنها وذهبوا بجموعهم إلى واج روذ يصدون غزاتها، ثم لم تثنهم الهزيمة عن ~~الاجتماع كرة أخرى والتحصن بالمدينة والدفاع عنها. # ولعل حماستهم في الدفاع عنها كانت تكلف المسلمين الضحايا الكثيرة لفتحها، لولا أن أرادت ~~الأقدار أن يتم هذا الفتح بأيسر مما قدر له نعيم وأصحابه؛ فقد أساء سياوخش ملك الري لقاء ~~الزينبي أبو الفرخان بعد وقعة واج روذ، وعنفه على ارتداده أمام المسلمين وعزله عن عمله، ~~وأحفظ الزينبي ما حدث، فخرج من الري حين عرف مقدم نعيم لفتحها، فلقيه بظاهرها فتحدث إليه ~~مسالما وحالفه على سياوخش، ونزل المسلمون في سفح جبل الري، فلقيهم حماتها وأنشبوا معهم ~~قتالا لم ينته آخر النهار إلى ظفر أي الفريقين، فلما كان الليل قال الزينبي لنعيم: إن ~~القوم ms362 كثير وأنت في قلة فابعث معي خيلا أدخل بهم مدينتهم من مدخل لا يشعرون به وناهدهم ~~أنت، فإنهم إذا خرجوا إليك لم يثبتوا لك، واطمأن نعيم لقوله، فبعث معه من الليل خيلا عليهم ~~ابن أخيه المنذر بن عمرو، فأدخلهم الزينبي المدينة دون أن يشعر بهم أحد، وبات نعيم يشاغل ~~حماة الري يرميهم بالنبل والنشاب فشغلهم عما يدور داخل مدينتهم، فلما كان الفجر برزت ~~خيل المسلمين بالمدينة وعلت أصوات الفرسان بالتكبير، فأيقن الفرس حين سمعوه أنهم أخذوا على ~~غرة من ورائهم فانهزموا، فاتبعهم المسلمون يمعنون فيهم قتلا، ودخل نعيم المدينة، وانهزم ~~سياوخش فلم يقف له أحد على أثر، واستفاء المسلمون من الري نحوا من فيء المدائن، وكتب نعيم ~~إلى عمر بالفتح وبعث إليه بأخماس الفيء. # ما عسى أن يكون مصير الري بعد أن تم فتحها؟ أليس من أبنائها من يصالح المسلمين عليها؟ ~~نعم! صالح نعيم الزينبي على أهل الري ونصبه مكان سياوخش مرزبانا عليهم بعد أن هدم قلاعهم ~~وخرب حصونهم، وأمر ببناء مدينة جديدة بجوار مدينتهم العتيقة، بذلك سقط آل بهرام، وآل شرف ~~الملك من قبل المسلمين إلى الزينبي الأمير وأبنائه، وبقيت الري مع ما أصابها مدينة عظيمة ~~وثغرا من ثغور المسلمين في عهد بني أمية وبني العباس، على أن نجمها هوى من بعد ومنذ بنيت ~~طهران على مقربة منها إلى شمالها الغربي، وإن بقيت أطلالها إلى اليوم بارزة للعيان تحدث ~~عما كان لها حين عزها من جلال وعظمة. # وكان نصر المسلمين بالري حاسما؛ لذلك أسرعت المدن والأقاليم القريبة منها تطلب الصلح ~~وتؤدي الجزية، فلما سار سويد بن مقرن بأمر عمر إلى قومس لم يقم له أحد فأخذها سلما، ~~وعسكر بها وصالح أهلها، وكان أهل دنباوند قد صالحوا أخاه نعيما بعد انهزام الحلفاء عن الري ~~وعود كل منهم إلى مقره. # ودنباوند مدينة قائمة على جبل قريب من الري، وكان أهلها قد دخلوا حصون الري للدفاع عنها، ~~فلما فتحت المدينة أبوابها، وجلا حلفاؤها ومنهم أهل دنباوند مرتدين إلى منازلهم لم يكن أمام ms363 ~~أهل دنباوند غير الصلح عقدوه على جزية مائتي ألف درهم يدفعونها كل سنة، على ألا يغار على ~~أرضهم وألا يدخل عليهم بغير إذنهم ما وفوا بعهدهم، أما قومس فكورة كبيرة واسعة بها مدن وقرى ~~ومزارع، تقع إلى الجنوب من جبل طبرستان ممتدة بين الري ونيسابور، وتفصل طبرستان بينها وبين ~~بحر قزوين. # بفتح الري وصلح قومس ودنباوند لم يبق بين المسلمين وشواطئ قزوين # 5 # من أرض فارس غير جرجان وطبرستان وأذربيجان، فلو أنهم فتحوها وصالحوا أهلها ~~لبلغوا أقصى الشمال في هذه المنطقة من ملك كسرى، وقد عسكر سويد بن مقرن بعد صلح قومس ~~ببسطام، وكاتب ملك جرجان يدعوه إلى الصلح أو يسير إليه بجنوده، وبادر الملك الفارسي فصالحه ~~عن دهستان وجرجان على الجزية يؤديها أهلها ولهم الذمة والمنعة والأمان على أنفسهم وأموالهم ~~ومللهم وشرائعهم، وأدمج في هذا الصلح نص لم يؤلف من قبل مثيل له: «ومن استعنا به منكم فله ~~جزاؤه على معونته عوضا عن جزيته.» ولا أدل من هذا النص على أن الجزية إنما كانت تفرض ~~مقابل منع المسلمين من تغلبوا عليهم، فإذا دفع هؤلاء عن أنفسهم أو أعانوا المسلمين كان لهم ~~جزاؤهم. # تقع جرجان إلى الجنوب الشرقي من شاطئ قزوين، وتقع طبرستان إلى الجنوب من هذا الشاطئ ~~مجاورة جرجان، وتقع أذربيجان إلى جنوبه الغربي مجاورة طبرستان، وإذ رأى ملك طبرستان أن ~~المسلمين أحاطوا به من الجنوب باستيلائهم على الري ومصالحتهم أهل قومس، ومن الشرق بصلحهم مع ~~أهل جرجان؛ وأنه لم يبق له منفذ إلى أرض فارس إلا من طريق أذربيجان المهددة بالغزو هي ~~كذلك، فقد آثر الصلح وراسل سويدا فيه، فتوادعا وتصالحا على طبرستان وجبل جيلان بأن يدفع ~~أهلها جزية كل عام، وهم من بعد ذلك آمنون لا يغار عليهم ولا يتطرق أحد إلى أرضهم إلا ~~بإذنهم. # تجاور أذربيجان طبرستان من الغرب، ويتاخم شمالها بلاد الديلم، كما يتاخم جنوبها بلاد ~~العراق الغربي وبلاد الجزيرة، وكانت أردبيل الواقعة على مقربة من مكان تبريز اليوم أجل ~~مدنها، وهي بلاد جبلية ترتفع ms364 أرضها فوق سطح البحر نحو خمسمائة وألف متر، وبها قمم يبلغ ~~ارتفاعها أربعة آلاف من الأمتار، وكلمة أذربيجان بالفارسية معناها أرض النار أو معابد ~~النار، وإنما أطلق على هذا الإقليم هذا الاسم لكثرة معابد النار التي كانت قائمة في ذلك ~~الحين به، فلما خمدت في الفرس عبادة النار ودان أهلها بالإسلام أبدل اسم أذربيجان باسم ~~مازندجران. # بينما كان سويد بن مقرن يسير في جرجان وفي طبرستان ويعقد الصلح مع أهلهما كان أخوه ~~نعيم ينظم شئونها مستعينا بالزينبي الذي أقامه واليا عليها، فلما اطمأن إلى أمرها أمد ~~عتبة بن فرقد وبكير بن عبد الله اللذين سارا بأمر عمر لإخضاع أذربيجان بسماك بن ~~خرشة الأنصاري في قوة من غزاة الري، وإن بكيرا ليتقدم في قواته إذ لقيه إسفنديار بن ~~الفرخزاد عائدا في جنوده من هزيمة واج روذ، فالتحم الفريقان في قتال عنيف انتهى بإسفنديار ~~إلى الهزيمة والأسر، ولم يقتله بكير بل أمسكه عنده، ذلك أن إسفنديار قال له: الصلح أحب إليك ~~أم الحرب؟ وأجاب بكير: بل الصلح، فاستطرد القائد الفارسي قائلا: فأمسكني عندك، فإن أهل ~~أذربيجان إن لم أصالح عليهم أو أجئ إليهم لم يقيموا لك وجلوا إلى الجبال فتحصنوا ~~إلى يوم ما. وتحطمت مقاومة أذربيجان حين تقدم عتبة بن فرقد إلى حيث عسكر بهرام أخو ~~إسفنديار فهزمه وألجأه إلى الفرار، عند ذلك صالح عتبة إسفنديار عليها وأعطاه كتابا بالأمان ~~لأهل أذربيجان، سهلها وجبلها وحواشيها وشفارها وأهل مللها على أنفسهم وأموالهم ومللهم ~~وشرائعهم، على أن يؤدوا الجزية على قدر طاقتهم. # كان طبيعيا أن يتابع المسلمون مسيرتهم في شمال فارس حتى لا يبقى به لمقاومة أثر، وكان ~~على بحر قزوين إلى جانب أذربيجان فرضة يقال لها الباب أو باب الأبواب، وكانت محصنة، ~~قد وضعت على أفواهها سلاسل فلا مخرج لسفينة منها ولا مدخل لسفينة إليها إلا بإذن، وكان أمير ~~الباب يدعى شهربراز، فلما عرف مقدم المسلمين كتب إلى أميرهم عبد الرحمن بن ربيعة ~~واستأمنه، ثم لقيه وقال: «إني بإزاء عدو كلب وأمم مختلفة، ms365 ولست أنا من القبج ولا من ~~الأرمن في شيء، وإنكم قد غلبتم على بلادي وأمتي، فأنا منكم، ويدي مع أيديكم، وجزيتي إليكم ~~والنصر لكم والقيام بما تحبون، فلا تذلونا بالجزية فتوهنونا بعدوكم.» فبعث به عبد الرحمن ~~إلى سراقة بن عمرو، وكان الأمير على الجيش، فأعاد عليه شهربراز حديثه، وقبل منه عبد ~~الرحمن فأعفى من يقوم مع المسلمين في حرب العدو، أما من أقام ولم ينهض فعليه الجزاء، وصار ~~ذلك سنة فيمن يحارب العدو من المشركين، وقد كتب به سراقة إلى عمر بن الخطاب فأجازه ~~وحسنه. # فرغ سراقة من الباب فوجه قواده إلى الجبال المحيطة بها، فرضي أهلها الجزية دون قتال؛ إلا ~~موقان، فإنها تحصنت من بكير ففضها على أهلها، ثم تراجعوا على الجزية، وفي هذه الأثناء مات ~~سراقة واستخلف عبد الرحمن بن ربيعة، وخرج عبد الرحمن يريد غزو الترك، فقال له شهربراز: ~~إنا لنرضى منهم أن يدعونا من دون الباب، وأجابه عبد الرحمن : لكنا لا نرضى منهم بذلك حتى ~~نأتيهم في ديارهم، وتالله إن معنا لأقواما لو يأذن لنا أميرنا في الإمعان لبلغت بهم الروم! ~~وسأله الأمير الفارسي عن هؤلاء الأقوام من هم؟ فأجابه: أقوام صحبوا رسول الله ودخلوا في هذا ~~الأمر بنية، كانوا أصحاب حياء وتكرم في الجاهلية؛ فازداد حياؤهم وتكرمهم، فلا يزال هذا ~~الأمر لهم دائما، ولا يزال النصر معهم، حتى يغيرهم من يليهم، وحتى يلفتوا عن حالهم، على ~~أنه لم يمض في فتح الترك إذ جاءته الأنباء بوفاة عمر، وكان أهل هذه المنطقة قد اعتصموا من ~~المسلمين بالجبال، فعاد عنهم زمنا ثم عاد إلى غزوهم في عهد عثمان. # ها قد رأيت كيف تحطمت مقاومة الشمال الفارسي كله بعد همذان والري، وكيف كان ملوكه ~~ومرازبته يسارعون فيطلبون الصلح فتقبل طائفة منهم الجزية، وتؤثر طائفة أن يقف القادرون من ~~أبنائها محاربين في صف المسلمين لتعفى من ذل هذه الجزية؛ ثم رأيت سائر الولايات الفارسية، ~~فيما وراء العراق العجمي إلى الشرق وإلى الجنوب، لا تمد إلى هذا الشمال يد معونة، ms366 أفكان ذلك ~~غدرا بالشمال وتخليا عنه؟ أم شغلت هذه الولايات بنفسها فلم تفكر فيه؟ من حقك أن تلتمس ~~لهذه الولايات عن قعودها عذرا؛ فقد روعها المسلمون بانتصارهم في شتى الأرجاء من مملكتهم، ~~فشل الروع تفكيرهم في إمداد غيرهم لمقاومة قوة حالفتها الأقدار فلا تقف قوة في وجهها، ثم ~~إن الولايات جميعها كانت تتوقع أن يغير المسلمون عليها، وتفزع إذ تتخيلهم يجتاحون أرضها، ~~فكانت منهم في موقف الخائف الوجل يريد أن يدفع عن نفسه خطرا ما أضعف رجاءه في القدرة على ~~دفعه، ولن يطلب أحد إلى مذعور أن يمد لغيره يد معونة وهو عاجز عن عون نفسه. # بل لم يكن توقعهم غزو المسلمين مجرد وهم يجسمه خيالهم؛ فقد كانت الأحوال كلها تؤيده ~~وتجعله حقيقة تراها أعينهم ولا ينقصها إلا الزمن لتدهمهم بكل آثارها، وكيف كان لهم أن ~~يتناسوها وقد أصبح المسلمون في خوزستان وفي العراق العجمي يجاورون ولاية فارس من شمالها، ~~ويجاورون خراسان من غربها، فإذا تخطوا إلى فارس وإلى خراسان انفسحت أمامهم كرمان ومكران في ~~الجنوب، وأصبح ما وراء خراسان إلى أقصى الحدود من أرض الفرس ميدانا لانسياحهم، وقد اعتاد ~~الفرس أن يروا غزاتهم ينحدرون إليهم ويجتاحون أرضهم كأنهم القدر النازل لا محيص منه ولا ~~سبيل لاتقائه، بل لقد ذكر أهل ولاية فارس ما أصابهم منذ سنين حين تخطى العلاء بن الحضرمي ~~خليج فارس على السفن إليهم، وما كان بينه وبينهم من قتال أعانتهم الأقدار يومئذ فيه، ترى ~~أتعينهم الأقدار اليوم كما أعانتهم بالأمس؟ أم ينحدر المسلمون إليهم من البصرة ويتخطون ~~إليهم الخليج الفارسي من البحرين، ثم يجتاحون أرضهم كما اجتاحوا العراق وخوزستان وأصفهان ~~والري وغيرها من أراضي الملك الأعظم؟ # لم يكد نعيم بن مقرن يفتح الري حتى أذن عمر للأمراء الذين عقد لهم الألوية أن ينساحوا في ~~أرض الفرس كلها، فاندفعت القوات المعسكرة بأصفهان إلى خراسان وتدفقت قوات من البصرة ومن ~~البحرين إلى فارس وكرمان، وسارت الأمداد من بلاد العرب تعزز الجيوش المنتشرة في مختلف ~~الأرجاء من أرض كسرى، ms367 ولا يشك عمر في أن الله سيفتح عليه هذه الأرض جميعا ويورثها ~~المسلمين، فهو لا يريد أن يدع للفرس متنفسا تجتمع في أثنائه كلمتهم أو تفكر في أثنائه ~~ولاية في أمر غيرها، وكذلك أصبحت بلاد كسرى من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب مسرحا لحرب ~~عوان كانت جيوش المسلمين في كل غزواتها قلة أبدا، ثم كانت مع ذلك منتصرة فيها جميعا، ~~وكان الملك الشريد كسرى يزدجرد يتتبع أخبار هذا القتال حيثما كان من منازل فراره فلا ~~يرى لنفسه ملجأ يأوي إليه ليستقر فيه، بل يضطر إلى النقلة من ملجأ إلى ملجأ، والاعتصام ~~بمدينة بعد مدينة، فتنفضه الملاجئ كلها فلا يجد في مدينة عاصما، فيستأنف الفرار والنقلة ~~حتى يخرج من بلاده كشر ما يخرج مليك طريد يلتمس النصرة من قوم غير قومه، وناس غير ~~أهله. # اندفع المسلمون من البحرين ومن البصرة لغزو ولاية فارس، فركب عثمان بن أبي العاص الثقفي ~~السفن عابرا الخليج الفارسي إلى جزيرة أيزكاوان فاستولى عليها، ثم تخطاها إلى أرض فارس، ~~فسار بجنوده إلى مدينة توج الحصينة يحاصرها، هناك ألفى مجاشع بن مسعود وقد انحدر من ~~البصرة فاستوقفه الفرس عند توج، وقاومت المدينة الحصينة هذه القوات المتدفقة إليها من ~~الشمال ومن الغرب ما استطاعت فلما طال بها الحصار وهنت مقاومتها، ففتحها المسلمون وقتلوا من ~~المدافعين عنها مقتلة عظيمة، واحتووا ما فيها وفرضوا عليها الجزية، وكذلك أذعنت توج منكسة ~~الرأس، ولقد طالما فاخرت من قبل بأنها ردت العلاء بن الحضرمي على أعقابه. # وسار مجاشع إلى سابور وأردشير ففتحهما بعد قتال، أما عثمان بن أبي العاص فسار يريد إصطخر ~~عاصمة هذا الإقليم ومدينته الكبرى، وجمع الهربز كل قواته للدفاع عن العاصمة العتيدة وقد عزم ~~أن يرد غزاتها أو يموت دونها، ذلك أن إصطخر كان لها في نفوس الفرس مكانة سامية بلغت حد ~~القدسية؛ فقد كانت أول عاصمة للفرس حين نزلوا هذا الإقليم من أرض إيران، كما كانت موطن ~~الساسانيين أكاسرة الفرس في الزمن الذي نتحدث عنه، فساسان جد الملك أردشير الأول ms368 كان ~~قيما على بيت نار في إصطخر يقال له: بيت نار الإلهة أناهيذ، وكانت المدينة بعد قيام ~~الساسانيين تعد مركزا دينيا للدولة؟ ثم ظلت عاصمتها زمنا غير قصير، وبها لذلك مقابر ~~الكثيرين من ملوكها، لا عجب وذلك شأنها أن يجمع الفرس جموعهم لصد غزاتها، وأن يعقدوا العزم ~~على الاستماتة في الدفاع عنها. # وتجاور إصطخر موقع برسوبوليس القديمة عاصمة هذا الإقليم في عهد الأكمينيين الذين سبقوا ~~بني ساسان، فالصخور التي دفن بها بعض الملوك الساسانيين بإصطخر تجاور مقابر من قبلهم من ~~ملوك الأكمينيين ببرسوبوليس، والراجح أن إصطخر أنشئت عقب اضمحلال برسوبوليس في أعقاب غزو ~~الإسكندر الأكبر؛ ولذلك استخدمت أطلالها في بناء كثير من عمائر المدينة الجديدة، وأسرعت ~~إصطخر بعد بنائها إلى النماء والازدهار إذ أصبحت العاصمة الرسمية لدولة بني ساسان، ثم أدى ~~مركزها الديني إلى أن تقام بها أفخم العمائر، وصف المقدسي مسجدها الكبير وذكر عمده الكثيرة ~~الهائلة ورءوسها الضخمة المنقوشة على صورة رأس الثور، وروى أن هذا المسجد كان بيت نار في ~~العهد الغابر، استعملت في بنائه مواد أخذت من برسوبوليس، وقد أشاد المقدسي بعظمة الجسر ~~المقام على النهر في إصطخر كما اشاد بجمال حدائقها الغناء، وكانت الجبال التي تجاورها غنية ~~بالمعادن المختلفة، فكان ذلك سببا في زيادة نمائها وازدهارها. # جمع الهربز كل قواته للدفاع عن المدينة العتيدة، وخرج إلى ظاهرها بضاحية جور، وهناك لقيه ~~عثمان بن أبي العاص فانتصر عليه ورده إلى أسوار إصطخر، وتحصنت القوات بالمدينة وقاومت ~~المسلمين مقاومة عنيفة، لكن الأمداد كانت تصل تباعا إلى المسلمين فتزيد الحصار على الفرس ~~ضيقا، وطال بالهربز وجنوده ما يلاقون من شدة هذا الحصار فوهنت عزائمهم، وفتحت المدينة ~~أبوابها، ودخلها المسلمون فقتلوا حماتها وأصابوا منها ما شاءوا وفر من أهلها من فر، ثم دعا ~~ابن أبي العاص الناس إلى الجزاء والذمة فعادوا وعاد الهربز، ونزلوا جميعا على حكم ~~الغزاة. # وبلغ عثمان أن بعض المسلمين أخذ من المغنم لنفسه قبل قسمة الفيء، فقام في الناس فقال: «إن ~~الله إذا أراد بقوم خيرا ms369 كفهم ووفر أمانتهم، فاحفظوها؛ فإن أول ما تفقدون من دينكم ~~الأمانة، فإذا فقدتموها جدد لكم كل يوم فقدان شيء من أموركم.» وجمع عثمان الفيء وكان ~~عظيما، فخمسه وبعث إلى الخليفة بخمسه، وأكبر عمر فعال عثمان فأقامه واليا على ~~البحرين. # ترى أأذعنت إصطخر لما أصابها عن رضا ونزلت على حكم القدر؟ كلا! بل بقي ماضيها المجيد ~~يصور لها هول ما أصابها ويحرك دخيلتها فلا تفتأ الحين بعد الحين تضطرب بنذر الثورة ~~والانتقاض، وقد انتقضت بعد قليل من صلح الهربز مع ابن أبي العاص ثم انتقضت كرة أخرى في عهد ~~عثمان بن عفان، فكان نصيبها في المرتين أن ردت إلى الطاعة وأكرهت على احترام العهد، # ومما ساعد انتقاضها في المرة الأولى أن شهرك ملك فارس كان قريبا من كسرى في مقره ~~بكرمان، فلما عرف ما أصاب إصطخر بعث يحرض أهلها ويبذر بذور الثورة في الإقليم كله، ويذكر ~~الناس بمواقفهم المجيدة قبل سنين قليلة حين جاء العلاء بن الحضرمي من البحرين يحاول غزوهم، ~~وانتقضت إصطخر، وانتقض في فارس كل مكان استطاع الانتقاض، وتابعوا شهرك وانضموا إلى لوائه، ~~وسار الحكم بن أبي العاص أخو عثمان للقاء شهرك، فنزل في توج وحصنها واتخذها مقر قيادته، ~~وجعل يغير منها على ما حوله من المدن ثم يعود إليها يسوق أمامه مغانمه، ولم تسلم أقاليم ~~سابور وأردشير وأرجان وإصطخر من هذه الغارات، وأثارت فعال المسلمين شهرك فسار بقواته يلقى ~~الحكم بتوج، واستبقى في مؤخرته كتيبة أمر رجالها بقتل كل فارسي يرتد عن الميدان، والتقى هو ~~والحكم في موقعة حامية ظلت متأججة الوطيس زمنا غير قليل، ولا يعرف أحد لمن يكون النصر ~~فيها، على أن غبارها ما لبث أن تكشف عن انتصار المسلمين وفرار الفرس ومقتل شهرك وابنه، وكان ~~لهذه المعركة من الأثر أن حطمت ما بقي من قوة معنوية في نفوس الناس، حتى لقد انتقل عثمان بن ~~أبي العاص من البحرين لنجدة أخيه فكان يسير من هذا الإقليم الفسيح حيث شاء فلا يلقى مقاومة ~~تذكر. # ويذكر البلاذري أن ms370 أبا موسى الأشعري سار بأمر عمر من البصرة، وأنه انضم إلى عثمان بن أبي ~~العاص في هذه المرحلة من قتال فارس، ففتح معه أرجان صلحا على الجزية والخراج، ثم فتحا ~~شيراز على أن يكون أهلها أهل ذمة يؤدون الخراج إلا من أحب منهم الجلاء، وألا يقتلوا ولا ~~يستعبدوا، كما فتحا سينير من إقليم أردشير وتركا أهلها عمارا للأرض، وأتى عثمان بن أبي ~~العاص درابجرد، وكانت منزل علم ودين لأهل فارس، فصالحه الهربز عنها على مال أعطاه ~~إياه، وعلى مساواة أهلها بغيرهم ممن فتحت بلادهم بفارس، ثم صالحه مثل هذا الصلح على مدينة ~~فسا القريبة من درابجرد. # يخالف الطبري ومن أخذ عنه، رواية البلاذري في فتح فسا ودرابجرد، ويذكرون أن سارية ~~بن زنيم هو الذي قصد إلى هذين البلدين، فلما انتهى إلى عسكر الفرس بهما نزل عليهم وحاصرهم ~~وأطال حصارهم، فاستمدوا فاجتمع إليهم أكراد فارس وأتاهم الفرس من كل جانب، فلما صاروا في ~~قوة لا قبل للمسلمين بها عزموا مهاجمتهم في غدهم، ورأى عمر بن الخطاب تلك الليلة فيما يرى ~~النائم انبلاج الصبح وابتداء المعركة وموقف الفريقين وعددهم، وأن المسلمين بصحراء إن أقاموا ~~فيها أحيط بهم، وإن لجئوا منها إلى جبل هناك جعلوه خلفهم لم يؤتوا إلا من وجه واحد فكان ~~ذلك أكفل لنصرهم، فلما أصبح وكان في الساعة التي رأى فيها ما رأى أمر مناديه فنادى، الصلاة ~~جامعة، ثم قام في الناس فقال: أيها الناس: إني رأيت هذين الجمعين وأخبرهم بما رأى، ثم صاح ~~وهو يخطب: يا سارية بن زنيم! الجبل، الجبل، ثم أقبل على الناس وقال: إن لله جنودا، ~~ولعل بعضها أن يبلغهم! # في تلك الساعة أجمع سارية ومن معه على الاستناد إلى الجبل، ففعلوا وقاتلوا الفرس من وجه ~~واحد فظفروا بهم وقتلوا منهم، واستولوا في المغانم على سفط فيه جواهر استوهبه سارية من ~~الجند وبعث به وبالفتح إلى عمر، وبلغ رسول سارية المدينة، فألفى عمر يطعم الناس فأكل معهم ~~فلما انصرف تبعه الرجل إلى داره، فظن عمر أنه ms371 لم يشبع فأدخله معه، وجيء بغذاء الخليفة، خبز ~~وزيت وملح جريش، فنظر عمر إليه ونادى امرأته: ألا تخرجين يا هذه فتأكلين؟ فقالت: إني لأسمع ~~حس رجل، فقال عمر: أجل! فقالت: لو أردت أن أبرز للرجال اشتريت لي غير هذه الكسوة! ورد عليها ~~عمر: أوما ترضين أن يقال أم كلثوم بنت علي وامرأة عمر؟! وأجابته أم كلثوم من خدرها إجابة ~~عتب بل سخط: ما أقل غناء ذلك عني! فالتفت عمر للرجل فقال: ادن فكل، فلو كانت راضية لكان ~~غداؤنا أطيب مما ترى! # فرغ عمر من طعامه، فذكر له الرجل أنباء سارية فسري عنه، ثم ذكر له نبأ السفط وأن سارية ~~استوهبه من المسلمين وجعله لأمير المؤمنين، فتجهم وصاح به؛ لا ولا كرامة، حتى تقدم على ذلك ~~الجند فتقسمه بينهم؛ وفتح الباب يطرد الرجل من بيته واعتذر الرجل وذكر أنه أنضى بعيره، ~~فأبدله عمر بعيرا من إبل الصدقة، وجعل بعيره مكانه، ورجع الرجل مغضوبا عليه ~~محروما. # هذه رواية الطبري ومن أخذ عنه في فتح فسا ودرابجرد، وهي الرواية المشهورة فإن تكن هي ~~الصحيحة فمن حقك أن تسأل: أثم صلة بين صيحة عمر يا سارية الجبل، وبين استناد سارية وأصحابه ~~إلى الجبل في تلك اللحظة؟ أم هي مصادفة بحتة، فعمر في شغله بشئون المسلمين الذين يقاتلون في ~~فارس قد رأى في نومه ما رأى، وسارية في موقفه الحربي، قد استند بجنده إلى الجبل؟ تجرى رواية ~~بأن أهل المدينة سألوا رسول سارية إذ كان بين أظهرهم: هل سمعوا بفارس شيئا يوم الوقعة، ~~فقال: نعم! سمعنا: «يا سارية الجبل الجبل.» وقد كدنا نهلك: فلجأنا إليه ففتح الله علينا، ~~ولا أراني أجد تفسيرا علميا يقنعني بهذه الرواية، فالوحي قد انتهى بوفاة رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، والإذاعة اللاسلكية لم تكن معروفة، بل لم تكن تجري في خيال أحد ذلك العهد، ولست ~~أستطيع أن أقطع بأن الأمر جاء من طريق انتقال الأفكار، وأن نفحة من روح عمر تسلطت على نفس ~~سارية، فكان ينفذ أمر الخليفة كما ms372 ينفذ النائم في التنويم المغناطيسي أمر منومه، ومع ذلك ~~فهذا التأويل الأخير، على تعذر تصوره، أدنى إلى تفسير هذه الرواية إن صحت، وفي هذه الحالة ~~يكون سارية، إذ أمر أصحابه أن يستندوا إلى الجبل، قد ذكر لهم أنه سمع هذا الأمر في صوت من ~~السماء. # بينما كانت جنود ابن أبي العاص تسير في إقليم فارس كان سهيل بن عدي يغزو كرمان، وكان ~~الحكم بن عمرو التغلبي يغزو مكران، ولم يثبت أهل كرمان للمسلمين ففتحوا بلادهم وغنموا منهم ~~من الإبل والشاء ما شاء الله أن يغنموا # 6 # أما أهل مكران فتحصنوا بنهر مكران، ودارت بينهم وبين غزاتهم معركة عظيمة انتهت ~~بظفر المسلمين الذين أمعنوا في عدوهم قتلا ثم اتبعوهم يقتلونهم أياما حتى انتهوا إلى ~~النهر، ثم رجعوا فأقاموا بمكران، وكتب الحكم إلى عمر بالفتح، وبعث إليه بالأخماس وفيها فيلة ~~مع صحار العبدي، # 7 # فأمر عمر ببيع الفيلة وقسم أثمانها على الفاتحين. # كان يزدجرد بكرمان حين سار المسلمون إليها يفتحونها، فلما رآها لا تقاوم أكثر مما ~~قاوم غيرها، فر منها إلى خراسان وأكبر رجائه أن يثبت أهلها وأهل سجستان للمسلمين، وإنما بعث ~~إلى نفسه هذا الرجاء أن خراسان وسجستان كان بينهما وبين البصرة والكوفة وغيرهما من مسالح ~~المسلمين آماد غير قليلة؛ فليس إرسال الجنود لغزوهما يسيرا كإرسالها إلى العراق العجمي، أو ~~إلى فارس وكرمان. # تقع سجستان إلى الشمال من مكران، وكان عمر بن الخطاب قد عقد لواءها لعاصم بن عمرو، فقصد ~~إليه ولحقه عبد الله بن عمير بها، ولقي أهل سجستان غزاتهم على تخوم بلادهم، فلم يثبتوا لهم ~~بل انسحبوا إلى الداخل وتحصنوا بزرنج عاصمتهم، وحصرهم المسلمون بزرنج، ثم بثوا كتائبهم ~~تغير على ما حول العاصمة وتغنم وتسبي، وأيقن المدافعون عن زرنج أن طول الحصار أضر بإقليمهم، ~~فطلبوا الصلح على أن تكون مزارع سجستان حمى لا يطؤها المسلمون، وقبل المسلمون ما طلبوا، ثم ~~كانوا إذا ساروا تحاموا الأرض خشية أن يصيبوا منها شيئا فينقضوا العهد، فتقوم لأهل سجستان ~~الحجة عليهم فلا يدفعوا ms373 الخراج، وبذلك حفظ كل من الفريقين عهده وقام بواجبه. # كيف أسرعت سجستان إلى التسليم وهي فيما يقول المؤرخون: «أعظم من خراسان وأبعد فروجا، ~~يقاتلون القندهار والترك وأمما كثيرة»؟ أيسر التعليل أنهم رأوا كسرى يسرع إلى الفرار كلما ~~رأى جيوش المسلمين مقبلة على مكان يقيم به، فكان طبيعيا أن يقتدوا به وألا يقاوموا مقاومة ~~تجر عليهم النكال، فلم يقاومون والملك الأعظم لا يقاوم! ثم لم يضحون بأرواحهم، والملك ~~الأعظم لا يضحي براحته! # ترى أيقاوم الملك الأعظم في مقره الأخير بخراسان؟ لم يكن له إلا أن يفعل! فلو أنه فر من ~~خراسان كما فر من حلوان ومن الري ومن أصبهان ومن كرمان لما بقي له في أرض فارس ملجأ، ولكان ~~بين أن يسلم نفسه لأعدائه وينزل على حكمهم كما فعل الهرمزان، أو يتخطى تخوم بلاده إلى بلاد ~~التتار أو بلاد الصين، فيقيم في حماية عاهلها يلتمس منه العون، فإما أعانه فنصره على عدوه ~~فرده إلى ملكه، وإما تباطأ عنه فقضى في مقره حياة عار ومذلة لا نجاة له منها إلا أن يموت ~~بائسا حزينا. # كان يزدجرد مقيما بمرو حين تخطى الأحنف بن قيس تخوم خراسان على رأس القوات التي عقد ~~له عمر بن الخطاب لواءها، وخراسان بلاد واسعة؛ تتاخم العراق العجمي من الغرب، وأفغانستان ~~والهند من الشرق، وتقع كرمان وسجستان إلى جنوبها وتمتد في الشمال إلى أقصى تخوم إيران، ومن ~~أمهات مدنها نيسابور وهراة ومرو وبلخ، وكانت خراسان في ذلك العهد ذات ثروة زراعية، كما ~~كانت تصنع بها المنسوجات القطنية والحريرية النفيسة، وقد طمع يزدجرد حين أقام بها يحرض ~~أهلها، في أن تصد الغزاة عما بقي له من أرض آبائه وأجداده، ونسي أو تناسى أنه جمع قوات فارس ~~كلها وقذف بها إلى نهاوند، فدارت الدائرة عليها، وحطمها المسلمون هناك كل محطم. # والواقع أن المؤرخين المسلمين لم يبالغوا حين سمو غزوة نهاوند فتح الفتوح؛ فلم يكن ~~الفرس يثبتون بعدها للمسلمين في الوقائع الكثيرة التي دارت في شمال فارس وفي جنوبها، ولم ~~تكن خراسان ms374 أكثر من غيرها ثباتا، دخلها الأحنف بن قيس من الطبسين، فلم يلق مقاومة ~~تذكر حتى بلغ هراة، وهراة مدينة عظيمة قائمة في قلب خراسان، تحف بها الجبال من كل جانب، ~~وتتشعب المياه في دورها وطرقاتها، ولها تجارة واسعة جعلتها من أكثر المدن رخاء وثروة، ~~وأتاحت لها أن تحتفظ داخلها بأقوات تكفيها الشهور الطوال، ثم إنها كانت إلى مناعة موقعها ~~الطبيعي، محصنة تحصينا زادها منعة، فكان بها حصون كثيرة تحيط بها، وسور يرد غائلة المعتدين ~~عليها، مع هذا كله لم يطل وقوف الأحنف بن قيس أمامها، بل فتحها عنوة فدانت له ~~وصالحته. # كان سقراط هراة نذيرا بسقوط خراسان كلها، وقد خلف الأحنف فيها كتيبة من جنده، وبعث بقوات ~~إلى نيسابور وإلى سرخس، وسار بنفسه على رأس الجيش يريد مرو الشاهجان حيث يقيم ~~يزدجرد، ومرو هذه تقع إلى شمال هراة وتقع نيسابور بينهما، وكانت مرو عاصمة خراسان ~~ومدينتها الكبرى، لكن موقعها الطبيعي لم يكن في مناعة موقع هراة؛ فقد كانت في أرض مستوية ~~بعيدة عن الجبال، وكانت المياه والأقوات حولها وفيرة ميسورة؛ لذلك لم يلبث يزدجرد حين ~~سمع بمسيرة الأحنف إلى مرو أن خرج إلى مرو الروذ، وهي مدينة قريبة منها، تقوم على نهر عظيم ~~يمكن التحصن به، لكن الأحنف لم يمهله حتى يتحصن، فقد جاءته أمداد من الكوفة استطاع بها أن ~~يتابع مسيرته، وأن يزعج كسرى مرة أخرى، فيخرج من مرو الروذ إلى بلخ، ونزل الأحنف مرو الروذ، ~~وقدم أهل الكوفة فساروا إلى بلخ ثم اتبعهم الأحنف حين حاصروا المدينة القائمة على تخوم فارس ~~وطخرستان، وكان طبيعيا ألا تقاوم بلخ أكثر مما قاومت هراة أو مرو، وكان طبيعيا أن ~~يفر يزدجرد منها، فهو قد جعل الفرار أمام المسلمين دأبه وديدنه، ودخل الأحنف بلخ ~~على رأس جند الكوفة، فلما اطمأن إلى إذعانها أقام ربعي بن عامر عليها وعلى ما حولها، وعاد ~~هو فنزل مرو الروذ واتخذها معسكرا لجنده ومقرا لقيادته. # لم يبق ليزدجرد في أرض مملكته موضع يقر فيه أو يفر إليه؛ ms375 لذلك فر هذه المرة مجتازا ~~النهر الذي يفصل بين فارس وأرض التتار، فنزل بسمرقند على خاقان الترك لائذا به لاجئا ~~إليه، وكان قد كتب إلى خاقان الترك وإلى إمبراطور الصين، منذ كان بمرو الشاهجان يستمدهما ~~ويستعديهما على المسلمين، فأبطأ رسله إليهما ولم يعودوا إليه من عندهما بجواب، فلما دفعه ~~المسلمون فلجأ إلى خاقان الترك، دفعت النخوة هذا الأخير لنجدته، ولعل خاقان الترك رأى في ~~تقدم المسلمين ما يهدد ملكه، فآثر أن يصدهم قبل أن يجتازوا إليه أرضه، واتخذ من لجوء كسرى ~~إليه حجة يحرك بها نخوة قومه، وحشد خاقان جنده وحشد معهم أهل فرغانة والصفد، وسار بهم ~~وبيزدجرد يلقى المسلمين بخراسان. # كان الأحنف بن قيس قد كتب في هذه الأثناء إلى عمر بفتح خراسان وغلبته على المروين ~~وبلخ، فلما قرأ عمر كتابه تهلل وجهه وصاح: هو الأحنف وهو سيد أهل الشرق! لكنه ما لبث، بعد ~~هذا الإعجاب بقائده الظافر، أن عاد إلى التفكير فيما يجب أن يعقب هذه الخطوة، فعاوده حذره ~~فقال: «لوددت لو أني لم أكن بعثت إلى خراسان جندا، ولوددت أنه كان بيننا وبينها بحر من ~~نار!» وخشي أن يتقدم الأحنف بجنوده إلى ما وراء خراسان من أرض المشرق، كما خشي أن تأخذ ~~المسلمين نشوة الظفر فتطغيهم فيعيثوا في الأرض فسادا، فكتب إلى الأحنف يقول له: «أما بعد، ~~فلا تجوزن النهر واقتصر على ما دونه، وقد عرفتم بأي شيء دخلتم على خراسان، فداوموا على الذي ~~دخلتم به يدم لكم النصر، وإياكم أن تعبروا فتنفضوا!» # وقد كان لهذا الحذر من جانب عمر ما يسوغه؛ فقد اتسعت رقعة الفتح في الشرق فتناولت أرض ~~فارس كلها؛ وقد طالت خطوط المسلمين وتوزعت قواتهم في أرجاء الشام والعراق وفارس، ولا يأمن ~~الخليفة انتفاض بعض هذه البلاد على نحو ما حدث إذ حصر أبو عبيدة بحمص، هذا إلى أن ~~التقدم فيما وراء فارس قمين أن يثير به التتار والمغول دفاعا عن أنفسهم وعن بلادهم، فمن ~~الخير ومن حسن الرأي أن يقف الفتح زمنا حتى ms376 يستتب الأمر ويطمئن أهل البلاد المفتوحة إلى ~~حكم المسلمين، ومن الخير لذلك ألا يتقدم الأحنف أو غير الأحنف من أمراء الجند إلى ما وراء ~~تخوم فارس. # دلت الحوادث من بعد على أن عمر كان حصيف الرأي، بعيد النظر في حذره؛ فقد سار خاقان الترك ~~في جنده ويزدجرد إلى جانبه فعبروا النهر إلى بلخ، واضطروا جند الكوفة أن يتراجعوا إلى ~~مرو الروذ، وأن ينضموا إلى الأحنف وجنده، وتعقبهم خاقان في تراجعهم وقد زاد عدد جنده بمن ~~انضم إليهم من الفرس، وبلغ مرو الروذ في جمع عظيم مزعج، ورأى الأحنف دقة الموقف لكثرة عدوه، ~~كما رأى أنه إن تم له النصر فردهم إلى بلخ وإلى ما وراء النهر لم يكن له أن يعبره، فذلك رأي ~~أمير المؤمنين، لهذا رأى أن ينسحب بجنوده إلى موضع يجري نهر مرو الروذ أمامه، ويقوم جبل ~~خلفه، حتى يكون النهر خندقا بينه وبين عدوه، ويكون الجبل حصينا يكفل له ألا يؤتى من خلفه، ~~فلما أصبح جمع الناس وقال لهم: «إنكم قليل وإن عدوكم كثير فلا يهولنكم، فكم من فئة قليلة ~~غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين، ارتحلوا من مكانكم هذا فأسندوا إلى هذا الجبل ~~فاجعلوه في ظهوركم، واجعلوا النهر بينكم وبين عدوكم وقاتلوهم من وجه واحد.» وانسحب الجند ~~إلى هذا المكان، وأقبل الترك فوقفوا قبالتهم. # لم يكتف الأحنف بما صنع من ذلك، بل حرص على أن يعرف الترك وخاقانهم أمر عمر ألا يجتاز ~~المسلمون النهر إلى بلادهم، فبعث دسيسا أذاعوا هذا النبأ فيهم، واطمأن خاقان إلى صحة النبأ ~~حين رأى المسلمين لا يحاولون اجتياز النهر إليهم ولا يدعونهم لقتالهم، فقد أقام الجيشان ~~أياما والترك يغادون المسلمين ويراوحونهم، فإذا جاء الليل تنحوا عنهم، ثم لا يخرج المسلمون ~~إليهم، وبعث الأحنف عيونه فدلوه على مكان القوم بالليل، ثم خرج ليلته طليعة لأصحابه حتى ~~كان قريبا من معسكر خاقان، فلما تنفس الصبح خرج فارس ثان من طليعة الترك كأنما كان يتحدى ~~المسلمين، فبارزه الأحنف فقتله، وخرج فارس ثان ms377 من الطليعة فأورده الأحنف حتفه، وخرج ثالث ~~فكان مصيره مصير صاحبيه. # رجع الأحنف بعد ذلك إلى عسكره وهو على تعبئة، وخرج خاقان الترك من قبته فرأى الفرسان ~~الثلاثة الذين قتلوا، ورأى النهر بينه وبين المسلمين، ورأى الأحنف ورجاله لا يدعون لقتال، ~~وأيقن صحة ما نمي إليه من أمر عمر فقال لرجاله: قد طال مقامنا وما لنا في قتال هؤلاء القوم ~~من خير، فانصرفوا بنا، وارتد بالجيش حتى بلغ بلخ، وقال المسلمون للأحنف: ما ترى في اتباعهم؟ ~~فأجابهم: أقيموا بمكانكم ودعوهم، بذلك ثبت في نفس خاقان الترك اليقين بأن المسلمين لا ~~يريدون قتاله، وأنهم لن يجتازوا النهر عند بلخ إلى أرضه فازداد حرصا على ترك فارس إلى ~~عاصمة ملكه، وترك المسلمين يصفي يزدجرد معهم حسابه. # وكان يزدجرد حين انسحب جند الكوفة من بلخ وانضموا إلى الأحنف بمرو الروذ قد فصل في ~~قوة فارسية من بلخ إلى مرو الشاهجان، فحصر حارثة بن النعمان ومن معه من المسلمين بها، ~~واستخرج خزانته من موضعها، وعهد إلى أمنائه في السهر عليها فلما انسحب خاقان من مرو إلى بلخ ~~وبلغت يزدجرد أنباء عن عزم هذا الحليف على الانسحاب من فارس كلها إلى بلاده، أراد أن ~~يحمل الخزائن وأن يلحق بحليفه، وكانت هذه الخزائن عظيمة تحوي جواهر كسرى وكل ما جمعه من ~~خزائن فارس في أثناء فراره، وكانت من ثم ثروة يخطئ تقديرها الإحصاء، وعرف أهل فارس عزم ~~يزدجرد على حملها والفرار بها، فسألوه: أي شيء تريد أن تصنع؟ وأجابهم، أريد اللحاق ~~بخاقان فأكون معه أو بالصين، فقالوا له: مهلا! إن هذا رأي سوء؛ فإنك إنما تأتي قوما في ~~مملكتهم وتدع أرضك وقومك، ولكن ارجع بنا إلى هؤلاء القوم فنصالحهم فإنهم يلون بلادنا، وإن ~~عدوا يلينا في بلادنا أحب إلينا مملكة من عدو يلينا في غير بلادنا، فأبى عليهم وأبوا ~~عليه، قالوا: فدع خزائننا نردها إلى بلادنا ومن يليها ولا نخرجها من بلادنا إلى غيرها، ~~فخالفهم يزدجرد وأصر على رأيه، فخرجوا إليه وثاروا به وقاتلوه وحاشيته، واستولوا ms378 على ~~خزائنه، ففر فيمن معه إلى بلخ، فإذا خاقان سبقه إلى الانسحاب منها، فتابع فراره حتى بلغ ~~فرغانة عاصمة الترك بسمرقند. # وأقبل أهل فارس على الأحنف فصالحوه وعاهدوه، ودفعوا إليه خزائن كسرى وأمواله، ورجعوا إلى ~~بلادهم فاطمأنوا بها، فسار الأحنف بجند الكوفة من مرو الروذ إلى بلخ فأنزلهم بها، ثم عاد ~~إلى مقر قيادته، وقد كان ما استفاءه المسلمون في هذه المواقع عظيما، حتى بلغ نفل المحارب ~~مثله يوم القادسية. # وكتب الأحنف إلى عمر بالفتح وبعث إليه بالأخماس، فأمر بالكتاب فقرئ ثم خطب الناس، فكان ~~مما قاله: # ألا إن الله قد أهلك ملك المجوسية وفرق شملهم فليسوا يملكون من بلادهم شبرا يضر ~~بمسلم، ألا وإن الله قد أورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأبناءهم لينظر كيف تعملون، ~~والله بالغ أمره، ومنجز وعده، ومتبع آخر ذلك أوله، فقوموا من أمره على رجل يوف لكم ~~بعهده، ويؤتكم وعده، ولا تبدلوا ولا تغيروا فيستبدل الله بكم غيركم؛ فإني لا أخاف ~~على هذه الأمة أن تؤتى إلا من قبلكم. # فر يزدجرد من أرض فارس إلى أرض الترك؛ فتم بفراره القضاء على دولة الأكاسرة من بني ~~ساسان، مع هذا أقام في مقره سنين يداعب الأمل والغرور خياله أن يعود يوما إلى ملك آبائه ~~وأجداده، لذا كان يكاتب من يطمئن إلى مكاتبتهم من أهل خراسان، طامعا أن تثور الأرض ~~بالمسلمين يوما فتتاح له فرصة الثأر منهم، وقد ثارت خراسان في زمن عثمان بن عفان، فخيل إلى ~~يزدجرد أن الفرصة تاحت، فسار من بلاد الترك حتى نزل مرو واجتمع بمن كان يكاتبهم، لكن ~~المسلمين ما لبثوا أن قضوا على الثورة وأخذوا بيدهم زمام الأمر في الأرض التي كفرت ~~بسلطانهم، عند ذلك رأى أصحاب يزدجرد أنه لا طاقة لهم بما يريد، فاختلفوا معه وانفضوا ~~من حوله، فعاد يحاول الفرار والرجعة من حيث أتى، لكن الفرار لم يكن هذه المرة يسيرا؛ فقد ~~تخلت عنه الأرض كلها، وقد بث المسلمون عيونهم من الفرس ليحيطوا به ويقتادوه إليهم أسيرا، ~~وعرف الملك الشريد ما ms379 دبر له، فأوى إلى طاحونة على شاطئ النهر، وهناك قتل شر قتلة، قيل: ~~إن أهل خراسان أحاطوا به في ملجئه: ثم دخلوا عليه فقتلوه وألقوا بجثته في النهر، وقيل: إن ~~صاحب الطاحونة رأى عليه حلته فلما نام قتله، وإن الترك خفوا لنجدته فوجدوه قتل، فانتقموا ~~له من صاحب الطاحونة وأهله فقتلوهم جميعا، ثم وضعوا جثته في تابوت وحملها بعضهم إلى إصطخر، ~~وقيل: إن صاحب الطاحونة ذهب إلى أمير مرو فأخبره خبره، فعرفه وقال لجنده: اذهبوا فجيئوني ~~برأسه، فدخل عليه الطحان فقتله وحز رأسه ودفع بها إلى الجند ورمى بجثته في النهر، وأيا ما ~~صح من هذه الروايات فكلها تتفق على أن سليل الأكاسرة العظام قتل وهو في ملجئه عند ذلك ~~الطحان، وبمقتله انتهت دولة الأكاسرة من بني ساسان. # تم فتح فارس وفرار يزدجرد في عهد عمر، فهل ترى أذعن الفرس لحكم المسلمين من أول ~~الأمر عن طواعية ورضا؟ لا ريب في أنهم رأوا هذا الحكم أكثر إنصافا ومعدلة وأقل إرهاقا ~~لهم من حكم الأكاسرة؛ فقد تركهم العرب لم يزعجوهم عن دينهم ولم يتدخلوا في شئونهم، ثم جعلوا ~~لأمراء الولايات من الاستقلال أكثر مما كان لهم في عهد يزدجرد وأسلافه، كما تركوا ~~المناصب العامة للفرس لم يحاولوا استغلالها لأنفسهم مكتفين بالجزية يقتضونها وفاقا ~~للمعاهدات المعقودة بينهم وبين مختلف الولايات، لكن أبناء فارس لم يلبثوا أن شعروا بما في ~~حكم الأجنبي من مذلة لهم وعار عليهم، وأن أدركوا ما يحتويه نص ورد في المعاهدات كلها من جرح ~~لشعورهم وإذلال لكرامتهم؛ فقد جاء في الفقرة الأخيرة من صلح أصبهان: «ومن سب مسلما بلغ ~~منه، فإن ضربه قتلناه.» وكان صلح الري يلزم أهلها بأن «يقروا المسلمين يوما وليلة، وأن ~~يفخموا المسلم، فمن سب مسلما أو استخف به نهك عقوبة، ومن ضربه قتل.» ونص صلح جرجان على ~~أن «من سب مسلما بلغ جهده، ومن ضربه حل دمه.» أفيغني ترك الفرس أحرارا في دينهم، وعدم ~~التعرض لهم في التمتع بأموالهم عن الكرامة المهدورة والدم المباح كلما ms380 استخف فارسي بمسلم أو ~~سبه أو ضربه؟! لذلك بدأ الفرس ينتقضون بعد قليل من استقرار المسلمين بينهم، مما اضطر عثمان ~~إلى إرسال القوات المسلحة الحين بعد الحين لتأديبهم. # ولم يكن تأديبهم وردهم إلى الطاعة عسيرا؛ فلم يكن عمر قد فاته أن أمة عريقة في الحضارة ~~والمجد كأمة الفرس لن تذعن من بادئ الأمر لسلطان الأجانب عنها، فأقام المسالح في شتى ~~أرجائها، واحتاط بذلك لكل انتقاض يمكن أن تقوم به طائفة من أبنائها، وقد كان عمر في هذا ~~الأمر كما كان في كثير غيره حصيفا بعيد النظر، فالشعور بالكرامة أقوى أثرا في النفس من كل ~~شعور، ولن يستطيع كبحه إلا قوة تضطر الثائر، لمهانة نزلت به، أن يختار بين كرامته وحياته، ~~وتجعل الشعور بالكرامة وغريزة الاحتفاظ بالحياة يقفان وجها لوجه، وقد كان لهذه الوقفة أثر ~~بعيد في حياة الشعب الفارسي أدت به إلى أن يدين بالإسلام، ثم كان له من الأثر في حياة ~~الإمبراطورية الإسلامية ما لا يدخل تفصيله في نطاق هذا الكتاب. # فقد رأى العقلاء من أبناء فارس سمو الإسلام، ثم رأوا أن لا نجاة لكرامتهم مما نصت عليه ~~المعاهدات إلا أن يدينوا بدين الحاكمين، وأن يندمجوا فيهم جهد طاقتهم، وأن يستردوا بذلك ~~سلطانا لم تمكنهم الأسلحة في حمى يزدجرد من الاحتفاظ به، ولم يبلغ تعصبهم لدينهم أن ~~يمنعهم من أن ينعموا بمزايا الإسلام، وأولها أن يصيروا بمجرد إسلامهم أندادا للحاكمين ~~يساوونهم ويصاهرونهم، ثم إنهم حرصوا بعد إسلامهم على أن تسود عقيدتهم القديمة في أمر ~~السلطان، فبلغوا من ذلك ما أرادوا أو نحوا منه، جاء في كتاب «تاريخ المؤرخ» الذي نشرته ~~«الإنسيكلوبيديا بريتانيكا» في هذا الموضوع ما خلاصته: # دخل الفرس في الإسلام أفواجا عقب الفتح، ولذلك أسباب كثيرة يمكن ردها جميعا إلى ~~سببين اثنين؛ أولهما: أن الإسلام كان دين الحاكمين، والثاني: أن الفرس لم يكونوا ~~يعنون إلا قليلا بالدين الرسمي للدولة السابقة، هذا إلى أن العقيدتين كانتا ~~تلتقيان في مواضع كثيرة، فلم يكن الانتقال من إحداهما إلى الأخرى ليثير نفوسا ms381 ~~تزعزع إيمانها بعقيدتها الأولى؛ فقد ضعف إيمان الفرس بتعدد الآلهة، وأصبح تصورهم ~~أرمزد قريبا من فكرة الألوهية الإسلامية، ثم إن بساطة العقيدة العربية كانت ~~منجاة للفرس من تعقيد الشعائر المزدية، وكانت الزكاة المفروضة في القرآن تقابل بل ~~تسمو على ما تدعو إليه «الأفيستا» من الصدقة والإحسان، أما ما جاء في القرآن عن ~~الجنة والنار وعن الآخرة فكان مذكورا في كتبهم، بذلك لم يغير الإسلام في نظر الشعب ~~الفارسي شيئا من عقائده الأساسية إلا أن جاءه باسمين جديدين: الله ومحمد، وأن أحل ~~الكلمات الثمان التي تعتبر قواعد الإسلام محل الكلمات الإحدى والعشرين التي تقوم ~~عليها عقيدة الفرس. # كان لهذا الانتقال الديني أثره في الناحية السياسية، فالعقيدة الفارسية تجعل ~~السلطان للملك على أنه ابن الله، فله المجد والقدسية بحكم مولده الأسمى، وقد أدت ~~ثورة الفرس وانتقاضهم على سلطان المدينة وسلطان دمشق إلى اجتماعهم حول الوارث ~~الشرعي لمحمد: ابن عمه علي العربي الذي أقصي عن الخلافة، وإلى أن يحيطوه بهالة من ~~الجلال والقدسية ألف أسلافهم أن يحيطوا بها ملكهم القومي، وكما ألف أسلافهم أن ~~يلقبوا كسرى: «الملك المقدس ابن السماء.» وأن تصفه كتبهم بأنه «السيد والمرشد.» ~~كذلك فعلوا في عهدهم الإسلامي فدعوه الإمام، وكان هذا اللقب على بساطته جليل المعنى ~~إذ جمع صاحبه السلطان الدنيوي والتوجيه العقلي. # فلما قبض علي اجتمع الفرس حول ولديه الحسن والحسين، ثم اجتمعوا من بعدهما حول ~~عقبهما، وقد قيل: إن الحسين تزوج بنت آخر الأكاسرة الساسانيين، فتركزت الإمامة بذلك ~~في عقبه بازدواج الحق المقدس، ثم بارك دم الحسين بسهول كربلاء على هذه الوحدة التي ~~جمعت بين الإسلام وفارس القديمة. # وكانت الثورة التي خلعت بني أمية وأجلست العباسيين ذوي قرابة رسول الله على العرش ~~من صنع الفرس، بذلك حققوا مبدأهم في الإمامة، وإن لم يتوجوا بالسلطان من بذلوا كل ~~جهدهم في سبيل تتويجه ... إلخ. # هذه الحوادث التي يذكرها «تاريخ المؤرخ» ويذكرها المؤرخون جميعا، تتخطى عهد عمر، وإنما ~~سقناها هنا لنلفت القارئ إلى أن الفرس لم تطمئن نفوسهم لحكم العرب، ms382 بل برموا به وحاولوا ~~الانتقاض عليه جهرة من أول الأمر، فلما غلبوا على أمرهم جعلوا كل همهم أن يكون السلطان ~~لهم، فبلغوا من ذلك الشيء الكثير في ميادين الحياة العامة جميعا، وقد بلغ من برمهم بفتح ~~المسلمين بلادهم أن ثارت نفوس طائفة منهم بعمر، حتى قيل: إن مقتله بعد قليل من فتح خراسان ~~كان ثمرة لمؤامرة فارسية، وسنفصل ذلك من بعد، وحسبنا أن نقول ها هنا إن عمر كان صادقا كل ~~الصدق حين قال يوم كتب إليه الأحنف بن قيس بفتح خراسان: «إن الله قد أهلك ملك المجوسية ~~وأورث الإسلام أرضهم وديارهم وأبناءهم.» وأن هذا الفتح كان النذير الصادق بانتهاء دولة ~~الأكاسرة من بني ساسان. # 8 # أما وقد فرغنا من فتح فارس فلننتقل إلى ميدان آخر كانت أسلحة المسلمين مشهورة فيه حين ~~كانت أسلحتهم مشهورة في أرض كسرى، وكان لها من مجيد الفعال هناك ما كان لها من مجيد الفعال ~~هنا، ثم كان قائدهم عمرو بن العاص أوسع قواد المسلمين حيلة وأشدهم ذكاء. # هذا الميدان الآخر هو مصر. # | هوامش # الفصل الثامن عشر # | التفكير في فتح مصر # بينما كانت أسلحة المسلمين تنساح في بلاد الفرس، بإمرة الأحنف بن قيس ونعيم بن مقرن وسويد ~~أخيه وعبد الله بن عبد الله بن عتبان وغيرهم من أمراء الجند ذوي المكانة والبأس، كان عمرو ~~بن العاص يتقدم بجنوده في مصر؛ يفتح مدنها، ويجلي الروم عنها ويديل دولتهم فيها، وقد بدأ ~~عمرو مسيرته إلى مصر في شهر ذي الحجة للسنة الثامنة عشرة من الهجرة، وتخطى إلى أرضها في ~~مستهل السنة التاسعة عشرة، ثم سار في قتال أهلها وقتال الروم بها حذرا أول الأمر، فلما ~~جاءته الأمداد من الخليفة طوعت له سرعة السير وكفلت له الغلبة والنصر. # وكانت مسيرة عمرو إلى مصر بإذن من عمر بن الخطاب، لكن عمر لم يأذن بهذا السير إلا بعد ~~تردد طويل، فالمتواتر أن ابن العاص خاطب الخليفة في غزو مصر حين فتحت بيت المقدس أبوابها، ~~وبعد أن صالح أمير المؤمنين أهلها ms383 في السنة السادسة عشرة من الهجرة، ولعل عمرا قد ذكر في ~~حديثه يومئذ أن قائد الروم الأطربون انسحب بقوات الروم من فلسطين إلى وادي النيل، فمن الخير ~~تعقبه وهو منهزم قبل أن تتاح له فرصة التحصن في بلاد وافرة الخصب عظيمة الثروة؛ يستطيع أن ~~يجد في حصونها المنيعة وفي ميرتها الوفيرة، من وسائل الدفاع وأسباب المقاومة، ما ينسي هرقل ~~هزيمته وفراره من المدينة المقدسة، ولعل عمرا ذكر كذلك في حديثه ما تعج به مصر من خيرات ~~ينال الروم أكثرها ولا يبقى للمصريين منها إلا القليل الذي يقيم أودهم ليعملوا في أرضها ~~المعطاء، ولعله أعاد هذه الأحاديث غير مرة على الخليفة، وعززها بأن علاقات مصر بحكامها من ~~الروم ليست خيرا مما كانت علاقة العراق بحكامها من الفرس؛ وأن النزاع المذهبي قد أثار على ~~ضفاف النيل حفائظ المصريين وأضعف من حماستهم لحكامهم، إن لم يدعهم للتمرد عليهم، وهذه كلها ~~عوامل تكفل للعرب الظفر بأعدائهم في الوادي الخصيب، فإذا أضيف إليها ما استقر في نفوس الناس ~~لذلك العهد من بأس المسلمين ومن أن الله معهم فلا غالب لهم، لم يبق موضع للتردد في غزو مصر ~~ونشر لواء الإسلام فيها، ثم كان للمسلمين من ثراء مصر ومن خيراتها الوفيرة ما يضاعف حظهم من ~~نعيم الدنيا، بقدر ما يضاعف الاستشهاد حين الجهاد حظهم من نعيم الآخرة. # سمع عمر هذه الأحاديث ومثلها غير مرة، وكان ينصت لها ويطيل التفكير فيها، فالإغراء بغزو ~~مصر لمن استطاع غزوها قوي شديد، وأين منها العراق والشام ثروة ونضرة! وهل يحدث تاريخ في ~~بقاع الأرض بمثل ما يحدث تاريخها، أو تنهض في المشرقين آثار في جلال آثارها! لكن عمر كان ~~يتردد كلما حدث في أمرها، فلا يأذن لابن العاص في غزوها، فلما انتهى بعد سنتين إلى الإذن ~~بهذا الغزو وجد جماعة من كبار الصحابة بالمدينة راغبة عنه، خاشية سوء مغبته، تحاول حمله على ~~الرجوع عنه، ورد ابن العاص عن السير إليه. # وقد تداولت عمر أسباب متلاحقة حملته على هذا التردد، وأول ms384 هذه الأسباب أن سياسته في الفتح ~~كانت إلى آخر السنة السابعة عشرة من الهجرة سياسة عربية بحتة؛ فهو لم يكن يريد أن يتعدى ~~العراق والشام بعد أن ضمهما إلى شبه الجزيرة، وكان يرى أن يضمهما إليها؛ لأن القبائل ~~العربية التي نزحت إليها طوعت للخميين والغسانيين أن يقيموا ملكا عربيا خضع لنفوذ كسرى ~~ولنفوذ قيصر، ومن الحق أن يكون هذا الملك للعرب وحدهم، يستقلون به ويكونون أصحاب السلطان ~~فيه، حتى يجتمع العرب في وحدة تمتد من خليج عدن والمحيط الهندي إلى أقصى الشمال من بادية ~~السماوة، ولذلك أبى على سعد بن أبي وقاص أن يتخطى سهول العراق إلى جبل فارس، وود لو أن ~~بين السواد والجبل سدا من نار، فلا يخلص الفرس إليه ولا يخلص هو إليهم، وقد ظل حريصا على ~~هذه السياسة حتى لم يكن للمسلمين من قتال الهرمزان مفر، فلما جمع الفرس لهم بعد ذلك ~~بنهاوند وأظفر الله المسلمين بهم، أمر عمر بالانسياح في بلادهم ليخرج يزدجرد منها، ~~وليقضي على كل خارج عليه فيها. # وسبب آخر حمل عمر على التردد في فتح مصر، ذلك أن الشام لم تكن خضعت كلها لسلطان المسلمين ~~إلى آخر السنة السادسة عشرة، وقد بقي شمالها يناوئهم ولا يستقر لهم فيه أمر حتى قضى أبو ~~عبيدة بن الجراح وخالد بن الوليد على مقاومتهم، وذلك حين بعث هرقل قواته تحملها السفن ~~من الإسكندرية إلى أنطاكية، وحين خرج أهل الجزيرة يمدونه، ثم انتهى الأمر بهؤلاء وأولئك إلى ~~الفرار، هذا، ثم إن قيسارية ظلت في موقعها الحصين على شاطئ البحر تقاوم قوات المسلمين ~~وتهدد مراكزهم بفلسطين إلى أن افتضها معاوية بن أبي سفيان. لم يكن لعمر، وذلك كان شأن سورية ~~وفلسطين إلى أخريات السنة السابعة عشرة من الهجرة أن يغامر بإرسال قواته من الشام لمواجهة ~~الروم بمصر، أتراه يقدم على هذه المغامرة إذا فتح الله عليه الشام؟ كان يتردد في هذا، وكان ~~يجد من عثمان بن عفان ومن غيره من الصحابة المقيمين بالمدينة من يزيده دون الإقدام ~~والمغامرة ms385 ترددا. # فلما خضعت الشام كلها طرأ سبب جديد أبقاه في تردده؛ فقد فشت المجاعة في شبه الجزيرة وهددت ~~أهلها بالفناء، فشغلت عمر عن التفكير فيما سواها، وكيف يفكر في غزو الروم بمصر والناس في ~~شبه الجزيرة جياع لا يصلحون مددا لأي جند يواجه الروم أو يواجه الفرس! ولم تكد المجاعة ~~تنقضي حتى فشا طاعون عمواس بفلسطين وامتد منها إلى الشام والبصرة، فأزعج عمر والمسلمين ~~جميعا، حتى لقد ساورتهم الخشية من انتقاض العراق والشام بهم؛ ورجعة الفرس والروم للقضاء ~~ثم على سلطانهم، وكان طبيعيا أن ينسى عمر في أثناء المجاعة والطاعون كل ما حدثه به ~~عمرو بن العاص عن مصر وأن ينصرف كل الانصراف عن التفكير في غزوها. # ولزم ابن العاص الصمت في أثناء هذه الحوادث فلم يخاطب عمر في غزو مصر، لكن الأمل في إقناع ~~الخليفة عند سنوح الفرصة لهذا الفتح العظيم ظل مع ذلك ماثلا أمامه، ولما عادت شبه الجزيرة ~~إلى مألوف حياتها، وبرئت الشام من الوباء وجاء الخليفة إليها يصلح شئونها وينظم جندها، لقيه ~~عمرو بالجابية وسار معه في أرجاء البلاد وعاد يحدثه في فتح مصر ويدلي إليه بحجج جديدة حسبها ~~تزيل تردده، فلو أن المسلمين قنعوا، بعد الذي أصابهم من هول المجاعة والطاعون، بالاستقرار ~~في البلاد التي فتحوها لظن أعداؤهم بهم الضعف، ولأغراهم هذا الظن بمهاجمتهم، وهذا الأطربون ~~بمصر قد جمع إليه الجند وأعد للقتاء العدة، فإذا لم يجد من يهاجمه خرج في قواته إلى فلسطين ~~يقاتل المسلمين، أليس الخير أن يفاجئه المسلمون في مأمنه؛ فالهجوم خير وسائل الدفاع؟! وإذا ~~تقدمت قوات العرب لغزو مصر أيقن الروم أن المسلمين لا يزال بأسهم شديدا كما كان، فهابوهم ~~ووقفوا منهم موقف المدافع، بذلك تأمن الشام رجعتهم لغزوها، وكيف لهرقل أن ينقل الجند على ~~السفن من مصر إلى أنطاكية أو غير أنطاكية والمسلمون يهاجمونه في مصر نفسها! فإذا فتح الله ~~مصر يوما للمسلمين وأورثهم إياها، وذلك ما يؤمن ابن العاص به، فذلك الفوز الذي لا فوز ~~يعدله؛ وإن تكافأت القوتان ms386 فطلب الروم الصلح، أمن المسلمون جانبهم في الشام وفي جزيرة ~~العراق، وفي سائر الأرجاء التي دانت من قبل بأسلحة أمير المؤمنين، ولا خوف من أن يهزم ~~المسلمون في مصر وأن تؤدي هزيمتهم إلى كارثة تضيع ما كسبوا من ملك قيصر، فقد أصبحت الشام ~~كلها حصينة بقوات المسلمين المنتشرة فيها، وبانضمام العرب من أهلها إلى بني عمومتهم في ~~الدفاع عنها، وباطمئنان غير العرب من أهلها إلى أن المسلمين خير من الروم حكما، وأكثر منهم ~~عدلا وإنصافا. # سمع عمر إلى هذه الحجج وقلبها في نفسه فمالت به إلى مشاركة ابن العاص في رأيه، وزاده ~~ميلا إلى هذه المشاركة ما رآه من إيمان عمرو بالقدرة على فتح مصر إيمانا مستندا إلى منطق ~~تتعذر معارضته، هذا إلى أن الإغراء بفتح مصر شديد؛ فقد كان عمر وكان كثيرون من العرب في ~~عهده يعرفون الشيء الكثير عن مصر وثروتها، وعن برم أهلها بسلطان الروم وأساليب حكمهم؛ لذلك ~~لم يرفض طلب عمرو ولكنه استمهله حتى يكتب إليه بعد عوده إلى المدينة، وأقام ابن العاص ينتظر ~~هذا الكتاب ويدبر في أثناء انتظاره خطة السير إلى مصر. # كان عمر وكان كثيرون من العرب يعرفون الشيء الكثير عن مصر، ولم يكن علمهم بها مقصورا على ~~ما ينقله عنها من يذهبون في تجارتهم إليها من أمثال عمرو بن العاص، بل كان أوسع من ذلك مدى ~~وأكثر دقة وإحاطة، فبين مصر وبلاد العرب صلات ترجع إلى أقدم الحقب، ذلك أن مصر كانت دولة ~~بحرية منذ عهد الفراعنة، فكانت أساطيلها الحربية والتجارية تشق عباب البحرين الأبيض ~~والأحمر من أقدم عصور التاريخ، وكانت سفن من هذه الأساطيل تذهب إلى الجنوب من بلاد العرب ~~تحمل إليه التجارة وتجيء منه بمختلف السلع، وفي مقدمتها العطور والروائح التي توضع في حنوط ~~الموميات، وكانت هذه السفن تسير وترسو من حيث تقع القصير اليوم، ثم ينقل ما تجيء به إلى ~~مصر في طريق امتد في عهد الأسر الفرعونية الأولى بين القصير على البحر الأحمر وقفط على ~~ضفة النيل، وقد ms387 أثبت الأثريون ما سجلته نقوش الكرنك وطائفة من المعابد المصرية من صور لهذه ~~السفن المصرية وما تحمل من تجارة، كما أثبتوا ما سجلته نقوش الدير البحري من قيام الملكة ~~الفرعونية «هاناسو» بشق طريق ملاحي يصل النيل بالبحر الأحمر عند خليج السويس مارا ~~بالبحيرات المرة، وفي هذا الطريق الملاحي كانت السفن تنتقل بين البحرين الأبيض والأحمر، ~~تحمل تجارة مصر والمغرب إلى الشرق، وتحمل تجارة مصر والشرق إلى الغرب، فكانت مصر يومئذ، ~~أكثر مما هي اليوم، مركز التجارة للعالم المعروف كله، وكان تيسير الانتقال لهذه التجارة بعض ~~ما يوليه ملوكها أعظم العناية. # ولم تكن الأساطيل البحرية وحدها أداة هذه الصلات القديمة المتصلة على القرون بين مصر ~~وبلاد العرب، بل كان برزخ السويس أداة اتصال بينهما لم تنقطع في عصر من العصور، وكان في شبه ~~جزيرة سيناء طريق عبده المصريون القدماء إلى مناجم النحاس الواقعة بها، وكان هذا الطريق ~~يجري في شمال الحجاز حتى يتصل عند تيماء بالطريق المؤدي إلى بابل على شاطئ الفرات، وكانت ~~بابل وكان العراق كله تابعا لمصر في عصور مختلفة؛ فكان هذا الطريق وسيلة الصلة بين البلدين ~~في التجارة كما كان سببا لنشوب الحرب بينهما في بعض العصور. # وكان هذا الطريق الممتد من سيناء في شمال الحجاز يتصل كذلك بطريق القوافل المنحدر إلى مكة ~~وإلى اليمن، وفي هذا الطريق كان جانب كبير من تجارة مصر وبلاد البحر الأحمر ينقل إلى اليمن ~~وفارس، وإلى الهند وبلاد الشرق الأقصى، كما كان جانب عظيم من تجارة اليمن وفارس والهند ~~والشرق الأقصى ينقل إلى مصر وبلاد البحر الأبيض في الطريق عينه، فكان المصريون الذين يصحبون ~~تجارتهم يجتازون بلاد العرب أثناء سير القوافل بها، وكان العرب الذين ينقلون متاجر الشرق ~~إلى مصر يدخلونها بقوافلهم ويقيمون بها ريثما يعودون منها بتجارة جديدة، وكان ذلك يحدث من ~~أقدم العصور، ثم ظل متصلا مع إلف الناس البحر ونقلهم التجارة في السفن على متنه. # ومؤرخو العصور القديمة يذكرون أن هذا الاتصال أدى إلى استقرار عدد غير قليل من ms388 العرب ~~ببوادي مصر منذ عهد الفراعنة، وإلى استقرار جالية من المصريين عند واحة على طريق القوافل، ~~وأن هذه الجالية كانت النواة التي نشأت حولها مدينة يثرب، مدينة الرسول عليه الصلاة ~~والسلام. # لم تكن صلة التجارة وحماية القوافل هي وحدها التي ربطت بين العرب والمصريين في العصور ~~القديمة، بل ربطت بينهما كذلك صلة رحم إن نسيها أهل اليمن لم ينسها أهل الحجاز، وما كان ~~لأهل مكة بخاصة أن ينسوها، فإسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام أبو العرب، و«هاجر» أم ~~إسماعيل مصرية صميمة، فقد ارتحل إبراهيم مع زوجه «سارة» من العراق إلى فلسطين ثم إلى مصر، ~~فأهدى إليه ملكها هاجر، فولدت له إسماعيل، وغضبت سارة حين رأت إبراهيم يسوي بينها وبين ~~هاجر، فأقسمت لا تساكنها، فذهب إبراهيم بهاجر وابنها إلى بلاد العرب وأنزلهما بالوادي الذي ~~تقوم مكة اليوم به، وتزوج إسماعيل فتاة ولودا من جرهم أعقبت له اثني عشر ولدا هم آباء ~~العرب المستعربة، فهؤلاء العرب ينتمون من ناحية خئولتهم في جرهم إلى العرب أبناء يعرب ~~بن قحطان، وينتمي أبوهم إسماعيل من ناحية خئولته إلى مصر. # نزل إبراهيم مصر وانتقل بهاجر إلى بلاد العرب، فربط بين الجنسين برابطة النسب لمائة وألفي ~~سنة قبل مولد المسيح، وأضاف بذلك صلة جديدة إلى صلة التجارة القائمة بين الشعبين من أقدم ~~الحقب، وبعد قرنين اثنين من هذا النسب نشأت بين الشعبين صلة سياسية تركت أثرا باقيا على ~~التاريخ؛ فملوك مصر الرعاة «الهكسوس» عرب نزحوا إلى فلسطين واستقروا بها، ثم ساروا منها إلى ~~مصر فغزوها وأقاموا بها ملكا دام خمسة قرون متعاقبة، من أوائل القرن المتمم العشرين إلى ~~أواخر القرن الخامس عشر قبل الميلاد، وقد ظل ملكهم ممتدا في وادي النيل كل هذه القرون، ثم ~~أجلاهم المصريون عنه، فخرجوا من مصر وقد بلغ عددهم قرابة ربع المليون، ويذكر بعض المؤرخين ~~أن هؤلاء الهكسوس هم بنو إسرائيل، وأن قصة يوسف الصديق حدثت في عهدهم. # ظلت هذه الصلات في التجارة والسياسة والنسب متصلة بين مصر وبلاد العرب، تضعف حينا وتقوى ms389 ~~حينا آخر، وقد أضعفها استيلاء الروم على مصر زمنا، ثم عادت إلى مثل ما كانت عليه، ذلك أن ~~العرب ظلوا يقومون برحلة الصيف إلى الشام، ثم كان منهم من ينحدر من طريق القوافل عند ~~أيلة - العقبة - إلى مصر، وكان أكثرهم يسيرون إلى الشام، فإذا بلغوها وقضوا وطرا من ~~تجارتهم فيها توجهوا إلى مصر، وذلك ما كان عمرو بن العاص يصنعه في الجاهلية وفي ~~الإسلام. # ولم يكن طريق البحر أقل إدامة للصلة بين مصر وبلاد العرب من طريق القوافل، فقد كانت السفن ~~عليها الملاحون المصريون ترسو بجدة وغيرها من فرضات بلاد العرب، تبادلها التجارة ~~ويأخذ الملاحون منها ما يحتاجون إليه من أقوات، وأدت هذه الصلات إلى نزول بعض المصريين بلاد ~~العرب وإقامتهم بها، كما كان بعض العرب الذين يذهبون في رحلة الصيف ينزلون مصر ويقيمون ~~بواديها، وكتب السيرة تذكر أن السيل طغى على بناء الكعبة فتهدم لسنوات قبل مبعث النبي ~~العربي، وأن البحر رمى إذ ذاك بسفينة قادمة من مصر مملوكة لتاجر رومي اسمه «باقوم» فحطمها ~~فابتاع أهل مكة أخشابها لإدخالها في بناء الكعبة، واستعانوا بقبطي يقيم بمكة ويعرف نجر ~~الخشب وتسويته، فوافقهم على أن يعمل لهم وأن يعاونه «باقوم» ولم يكن هذا القبطي المصري ~~الوحيد المقيم بالبلد الحرام. # كان العرب بحكم هذه الصلات يعرفون الشيء الكثير عن مصر، وقد تحدث القرآن عنها في مواضع ~~كثيرة منه، فزاد المسلمون بها علما، لقد كانوا يعرفون عن نهرها العظيم، وأرضها المعطاء ~~وزروعها الناضرة، وخيراتها الوفيرة ما يذكره لهم أهلوهم الذين يتجرون بها، فلما أورد القرآن ~~قصص يوسف وموسى زادهم بحديث أهلهم علما وتثبيتا، يقول تعالى في سورة الدخان تعقيبا على ~~ما كان من غرق فرعون وقومه: # كم تركوا من جنات وعيون * وزروع ومقام كريم * ونعمة كانوا ~~فيها فاكهين ~~، ويقول في سورة الدخان: # ونادى ~~فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه ~~الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون # ويقول على لسان بني ~~إسرائيل: # وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام ms390 ~~واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها ~~وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي ~~هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما ~~سألتم ~~، ويذكر في غير موضع صروح مصر وآثارها ويشير إلى تاريخها وعبادات ~~أهلها، وهذه الآيات ومثلها مما ورد في وصف مصر إنما ورد حين قص القرآن حديث إبراهيم ويوسف ~~وموسى والأنبياء، فأثار في نفوس المسلمين صورة مصر الطبيعية، كما أثار في نفوسهم صورة من ~~تاريخها منذ أقدم العهود إلى عهدهم. # أعاد حديث موسى إلى ذاكرتهم صورة من حياة ابن عمران منذ مولده، وبعد أن أمر فرعون بقتل كل ~~مولود ذكر في مملكته استجابة لمن فسروا له أضغاث أحلامه، فقد ألقت أم موسى رضيعها في النيل، ~~فالتقطه آل فرعون وعنوا به، فلما شب موسى نصر رجلا من قومه بني إسرائيل على مصري، فوكز ~~المصري فقضى عليه، فقتل نفسا بغير حق، وفر موسى مخافة المصريين ونزل مدين فتزوج ابنة شيخها ~~وآجره عشرة حجج عاد بعدها من طريق الطور يريد مصر، فناداه ربه من جانب الوادي الأيمن ~~وألقى عليه رسالته، وذهب موسى وأخوه هارون إلى فرعون وملئه يدعوانهم إلى الله، فاستكبر ~~فرعون ونادى في قومه: # أنا ربكم الأعلى ~~، وقال ~~لوزيره: # يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ ~~الأسباب * أسباب السماوات فأطلع إلى إله ~~موسى وإني لأظنه كاذبا ~~، وأظهر موسى معجزاته، فدعا فرعون ~~السحرة، فلما رأوا عصا موسى تلقف ما صنعوا آمنوا به، واتبع بنو إسرائيل موسى، فرأى فرعون في ~~بقائهم إثارة للفساد في الأرض، فأراد القضاء عليهم، وفر موسى وبنو إسرائيل يريدون أرض ~~المعاد، فأتبعهم فرعون وجنوده فأغرقه الله في اليم، فهلك تاركا وراءه جنات وعيونا ~~وزروعا ومقاما كريما ونعمة كان هو وقومه فيها فاكهين. # وذكر العرب بحديث يوسف بما بمصر من نعمة وترف كان لحكامها منهما الحظ الأوفى، فقد ابتاع ~~عزيز مصر يوسف، فأنزلته امرأته منزلة الكرامة عسى أن ينفعهم أو يتخذوه ولدا، فلما ترعرع ~~وبدت فتنة جماله جنت به امرأة العزيز غراما، # وقال ms391 نسوة في ~~المدينة امرأت العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها ~~حبا إنا لنراها في ضلال مبين * فلما سمعت ~~بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكأ وآتت كل ~~واحدة منهن سكينا وقالت اخرج عليهن فلما رأينه ~~أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن ~~هذا إلا ملك كريم * قالت فذلكن الذي ~~لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن ~~لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين ~~، ~~وأصر يوسف على إبائه فسجن، فلم ير النسوة اللاتي قطعن أيديهن ما يدفعهن إلى لوم المرأة ~~المفتونة به على ما فعلت، ولبث في السجن بضع سنين، ثم خرج بعد أن فسر رؤيا الملك: سبع بقرات ~~سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات، فقال: # تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا ~~قليلا مما تأكلون * ثم يأتي من بعد ذلك ~~سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما ~~تحصنون * ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث ~~الناس وفيه يعصرون ~~، وجعله الملك على خزائن الأرض، فأحسن تدبيرها حتى ~~عاد إليها النماء والخصب كأحسن ما كانت، وحتى عادت جنة ناضرة تنبت أرضها من بقلها وقثائها ~~وفومها وعدسها وبصلها ما شاء الله أن تنبت. # في هذا الحديث عن يوسف وعن موسى صورة من طبيعة مصر وثروتها، ومن عبادات أهلها وعقائدهم، ~~ومن عاداتهم وأخلاقهم، ومن تاريخهم وصورة الحكم فيهم في العصور الأولى، وإنما أوجزنا فيما ~~تقدم بعض ما ذكره القرآن عن مصر، وطبيعي أن يتتبع المسلمون الأولون كل ما جاء فيه عنها، وأن ~~يثير تتبعه في نفوسهم كل ما يذكرونه من أمرها، وكان اليهود والنصارى يجادلونهم في أمر ~~موسى وعيسى والأنبياء وما ورد في القرآن عنهم، فيزيدهم الجدال علما، ويزيد علمهم بمصر فسحة ~~وعمقا. # ولم تكن معرفة المسلمين مصر مقصورة على ما كان من أمرها في العصور الأولى، بل كانوا ~~يعرفون من أمرها في زمانهم أكثر مما يعرفونه من تاريخها، ذلك أن العرب كانوا يتابعون ما ~~يجري بين فارس والروم بعناية ms392 بالغة، حتى لقد انقسموا في ذلك أحزابا يتشيع فريق منهم لفارس ~~وفريق للروم، فلما كان العقد الثاني من القرن السابع وانتصر الفرس على الروم وفتحوا مصر ~~والشام، كان رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قد بعث، وكان خصومه يتشيعون للفرس ويذكرون أن الروم هزموا؛ ~~لأنهم أهل كتاب كالمسلمين. # وتشيع المسلمون للروم، واشتد تشيعهم لهم حين نزل قوله تعالى: # غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد ~~غلبهم سيغلبون ~~، وأقام الفريقان يتابعان ما يجري بين الدولتين ~~العظيمتين، ويعلقان بما يعن لهما على ما يبلغهما من أنباء الوقائع التي تشتبكان ~~فيها. # وقد اتصل القتال بين الدولتين في مصر زمنا غير قليل ذلك لأن الفرس دخلوها في سنة 616 ~~لميلاد المسيح، وأقاموا بها تسع سنوات حتى أجلاهم هرقل عنها وعن الشام، وفي أثناء هذه ~~السنوات كان المسلمون يمدون أبصارهم إلى تلك الأرجاء، مؤمنين بأن الروم سيغلبون الفرس لا ~~محالة، كما أوحى الله إلى نبيه، فلما تمت كلمة ربك وارتد الفرس إلى بلادهم كان رسول الله قد ~~هاجر إلى المدينة، وكانت سراياه تسير منها إلى ما حولها، فلما استتب له الأمر، بعث رسله إلى ~~كسرى وإلى قيصر وإلى ملوك الحيرة وغسان وإلى أمراء الجنوب من شبه الجزيرة وإلى حاكم مصر ~~يدعوهم جميعا إلى الإسلام. # وقد يلفت النظر أن المقوقس حاكم مصر كان أجمل الملوك والأمراء ردا على رسالة النبي ~~وأكثرهم مجاملة له، وقد بعث مع حاطب بن أبي بلتعة رسول النبي إليه بكتاب يشير فيه ~~إلى أنه يعتقد أن نبيا سيظهر، ولكنه ظن أنه سيظهر في الشام، ويذكر أنه استقبل رسوله بما ~~يجب له من إكرام، وأنه بعث بهدية: جاريتين وبغلة بيضاء وحمار ومقدار من المال وبعض خيرات ~~مصر، # 1 # وقد اصطفى محمد مارية القبطية إحدى الجاريتين لنفسه، فولدت له إبراهيم، فرفعها ~~إلى مقام زوجاته، ثم كان يقول: «استوصوا بالقبط خيرا فإن لهم ذمة ورحما.» # واختيار النبي حاطب بن أبي بلتعة لأداء رسالته إلى المقوقس، واختياره عمرو بن العاص في ~~الوقت نفسه رسولا إلى ms393 ملكي عمان، يشهد بأن حاطبا كان كثير التردد على مصر في التجارة، ~~ويبعث على الظن بأنه كان يعرف لغة المصريين، ولو أن عمرو بن العاص كان أهدى بهذه البلاد ~~وأكثر علما بلغة أهلها لآثره النبي على حاطب ولاختاره رسولا إلى المقوقس. # ولا ريب في أن المسلمين قد ازدادوا معرفة بمصر وعلما بما فيها بعد أن اختار رسول الله ~~الرفيق الأعلى، وبعد أن فتحوا العراق والشام واستقروا بهما واتصلوا بأهلهما مدى السنوات ~~التي انقضت قبل أن يفاتح عمرو بن العاص أمير المؤمنين في فتح مصر، فقد ظل الفرس حكاما لمصر ~~عشر سنوات قبل أن يجليهم هرقل عنها، فعرفوا من مواقعها وحصونها وثروتها وحضارتها ما أفضوا ~~به إلى العرب الذين اتصلوا بهم من بعد، وكانت الصلة بين مصر والشام وثيقة؛ إذ كانتا جميعا ~~في حكم الروم، وإذ كان أهل الشام يذهبون إلى مصر يبادلون أهلها التجارة، وقد عرف المسلمون ~~منهم ما يعرفونه هم عن مصر؛ لذلك كانت صورة مصر واضحة في ذهن عمر، وفي ذهن ابن العاص، وفي ~~ذهن كثيرين حتى بدأ عمرو يفاتح الخليفة في فتحها. # وكانت هذه الصورة مغرية أيما إغراء؛ فقد كان خصب مصر ووفرة إنتاجها مضرب المثل في العالم ~~كله؛ وكان ما يفيض عن حاجات أهلها من القمح والشعير وغيرهما من أنواع الغلال يغذي ~~الإمبراطورية الرومية، ثم إنها كان بها غير الغلال أرزاق لا تحصى، وكانت ثروتها من الأحجار ~~والمعادن فوق الحصر، وقد كانت، مع خضوعها لسلطان الروم وما كان من اجتياح الفرس أرضها في ~~قتالهم قيصر أعظم مركز في العالم اجتمع فيه العلم والفن والصناعة والزراعة والتجارة اجتماع ~~نماء وازدهار يأخذ بالنظر، ويستهوي اللب، وكانت عاصمتها الإسكندرية قد احتفظت بكل ما كان ~~لها يوم أنشأها الإسكندر المقدوني من بهاء وجمال، وأضافت إليه في أثناء القرون العشرة التي ~~انقضت منذ إنشائها ما زادها جلالا وعظمة، وما جذب الناس من أقطار الأرض للمقام بها، فكان ~~سكانها يزيدون على المليون، وكانوا يمثلون الأجناس والعقائد المختلفة المعروفة لذلك العهد، ~~فلم يكن ms394 المصريون الخلص منهم يزيدون على نصفهم، وكان النصف الآخر من الروم واليونان ~~والفينيقيين والعرب وغيرهم؛ ومن هؤلاء من كانوا يدينون باليهودية، ومنهم من كانوا يدينون ~~بالمسيحية، وكلهم يعيشون في جو المدينة الساحر مطمئنين إلى رخائها وجلال عظمتها، وأية عظمة ~~وأي جلال! كانت منارتها الكبرى، منارة فاروس إحدى عجائب الدنيا السبع، وكان بها من المعابد ~~الضخمة وساحات الفن الفسيحة والقصور الفخمة والمسارح والحمامات العامة ما لا يقع تحت حصر، ~~وكان ذلك كله يبهر السائح القادم إليها من أعظم المدن رقيا وحضارة، وكانت أكبر أسواق ~~العالم وأكثر ثغوره ازدحاما بالحركة، وكانت بها تجارة عظيمة في القمح والكتان والورق ~~والزجاج، وغير ذلك من مزروعات مصر ومصنوعاتها، ثم كانت تحمل إليها مقادير كبيرة من الذهب ~~والعاج مجلوبة من بلاد النوبة وإثيوبيا، ومن أنواع البهار والحرير والفضة والجواهر وغيرها ~~آتية من بحار الهند والصين إلى البحر الأحمر منتقلة إلى النيل في القناة التي تصل ما بين ~~البحرين، جارية بعد ذلك فوق النهر العظيم إلى الإسكندرية. # لم يكن عجبا وتجارة الإسكندرية بهذه الضخامة، أن تكون ميناؤها أكبر موانئ العالم، وأن ~~تكون صناعة السفن أكبر صناعاتها، كانت ميناؤها تتسع لاثني عشر ألف سفينة من مختلف الأحجام، ~~وكان بناء السفن فيها متصلا لا ينقطع في يوم من أيام العام، وكان الخشب اللازم لبناء السفن ~~يحمل إليها من الشام، وكانت مصر تنبت نوعا متينا من الكتان اسمه «الدقس» تصنع منه حبال ~~السفن وتنسج قلاعها، وكانت السفن الحربية تصنع بالإسكندرية كما كانت تبنى بها السفن ~~التجارية. # وكان يبنى بها من السفن الحربية نوعان: أحدهما ضخم تحمل السفينة منه ألف رجل، والآخر ~~خفيف تحمل السفينة منه مائة رجل، وكان النوعان يجهزان بآلات تقذف «النار الإغريقية» المهلكة ~~المؤلفة من مواد سريعة الالتهاب شديدة الاشتعال لا يمكن إطفاؤها، ذات قوة على النسف ~~والتحريق، تحدث تخريبا كبيرا، وتلقي في النفوس الرعب، وكان في بعض السفن الضخمة صروح ~~عالية فوق ظهرها، فإذا حاذت إحداها أسوار مدينة محصنة كان جند السفينة مع المدافعين عن ~~المدينة على ms395 علو سواء، فأمكنهم أن يثبوا من الصروح إلى الأسوار، أو يقيموا جسرا بين الصرح ~~والأسوار يعبرون عليه. # أما السفن التجارية التي كانت تصنع بالإسكندرية فكان بعضها يبلغ من الضخامة أن يحمل أربعة ~~آلاف إردب من القمح وكان الكثير منها يسير بالتجارة في البحر الأحمر، ويرسو في فرضات شبه ~~الجزيرة، فينقل بما يحمل من التجارة الناتجة في مصر أو المجلوبة إليها صورة من حياة هذا ~~الشعب المصري الدائم الدأب والجد إلى عرب الحجاز وعرب اليمن حضرهم وبدوهم. # لم يكن النشاط التجاري والصناعي كل ما امتازت به الإسكندرية على غيرها من مدن العالم! فقد ~~كانت، منذ أنشأها الإسكندر الأكبر واستقر بها البطالسة إلى أن فتحها العرب، مركز النشاط ~~العقلي والعلمي في العالم كله، صحيح أن هذا النشاط كان يخبو أحيانا ويضطرم أحيانا أخرى، ~~وأن بعض المدن كانت تشارك فيه الإسكندرية في بعض الحقب، وبخاصة أيام حكم الرومان مصر، لكن ~~العاصمة المصرية ظلت دائما مرجع هذا النشاط، وظل أبناؤها من العلماء والشعراء والكتاب ~~وأرباب الفن يوجهون الحياة العقلية في العالم عشرة قرون كاملة، إليهم يرجع الفضل في نشر ~~الثقافة الإغريقية التي سبقت إنشاء مدينتهم، وفي إقامة مذاهب جديدة يمت بعضها بأوثق الصلة ~~إلى مذاهب الإغريق، ويخالف بعضها هذه المذاهب، ويستقل بعضها بنفسه كل الاستقلال، ولم يكن ~~ذلك عجبا وقد كانت الإسكندرية ملجأ العلماء ورجال الفن والأدب من كل أمة وملة، وكان بها من ~~المكتبات العامة ومن مناهل العلم ومدارسه ما لم يكن لغيرها. # وقد سمت مدرسة الطب في الإسكندرية إلى مكانة لم تسم إليها مدرسة أخرى في العالم كله؛ ~~فكان الأطباء الذين يتخرجون فيها مشهودا لهم، وكانوا موضع الإكبار حيثما نزلوا من بقاع ~~الأرض، كذلك ازدهرت فيها دراسات الفقه والإلهيات ازدهارا بدا واضحا في المذاهب الفلسفية ~~التي اختصت بها مدرسة الإسكندرية، والتي حاولت التوفيق بين المسيحية في أساسها الروحي ~~ومذاهب الإغريق الفلسفية المستندة إلى منطق العقل وحده، وكان ازدهار الفقه لذلك العهد بعض ~~ما قويت به النزعة الدينية التي أقامت مصر وأقعدتها، ووقفتها ms396 في وجه الروم وقفة بلغت قبيل ~~الفتح العربي حد العنف، وكان الفلك والرياضة وتقويم البلدان والهندسة من فروع العلم التي ~~تدرس في معاهدها، وقد وضع علماؤها مؤلفات لم يبق منها إلا ما ذكره المؤرخون من بعد عنها، ~~هذا إلى تعلق الكتاب والأدباء بالشعر تعلقا جعلهم يفتنون فيه، وجعل العلماء أنفسهم ينظمون ~~العلم شعرا. # لا عجب، وذلك شأن العلوم والآداب، أن تزدهر الفنون وأن يزداد أهلها براعة، وأن تظهر ~~آثارها في نشاط أهل الإسكندرية وفي حياة مدينتهم، وقد اشتهرت مصر منذ عهود الفراعنة الأولين ~~ببراعة بنيها في هندسة العمارة، فكان طبيعيا أن تجمع عمارة هذا العهد المسيحي بين جلال ~~المعابد القديمة وزخرف العمار الإغريقية، وأن تجمل مباني الإسكندرية بالمرمر المصري ~~البديع ونقوش الفسيفساء ذات الألوان، والفسيفساء الزجاجية، والحق أن تنظيم الإسكندرية ~~وعمارتها كانا من الروعة بما يقف النظر ويبهر الفؤاد؛ فقد خطت على صورة رقعة ~~الشطرنج: ثمانية طرق تجري بين الغرب والشرق، تقاطعها ثمانية أخرى تجري من الشمال إلى ~~الجنوب، والطريقان المتوسطان منها فسيحان تقوم على جانبيهما أفخم مباني المدينة، وكانت ~~أسوار المدينة وحصونها وقصورها وكنائسها مشيدة من مرمر ناصع البياض يغشى النظر دونه، فكان ~~ظاهر أكثرها يغطى نهارا بنسيج أخضر من صناعة مصر. # هذه صورة من عاصمة مصر لذلك العهد، وهي تشهد بترف أهلها وسمو مكانتهم في الحضارة، وبأنها ~~اجتمع لها من ألوان الثقافة ومتاع العقل ما لم يجتمع لغيرها من عواصم العالم يومئذ، فقد ~~كانت تتجاور فيها المذاهب الفلسفية والدينية المتناقضة جوار كفاح كلامي لم يبلغ حد العنف في ~~غير العهود التي حاول الأباطرة فيها أن يفرضوا مذهبهم على أهل مصر، أما في غير هذه العهود ~~فكان التراشق الجدلي أقصى ما بلغه النضال بين أصحاب هذه المذاهب، كان الأبيقوريون يدعون ~~إلى المتاع بالحياة والنهل من موردها السائغ، لا ينسيهم المتاع أن الحياة سخرية مستطابة ~~ونعيم قتال، وكان الرواقيون يسخرون من الأبيقوريين ويدعون للزهد في المتاع؛ لأنه يتلف ~~العقل ويفسد طهارة النفس، وكان المتطهرون من المسيحيين ينأون بجانبهم عن مغريات ms397 المدينة، ~~ويلتمسون في عزلة الصحراء القريبة منها سكينة نفوسهم وطمأنينة قلوبهم، أما في عهود الاضطهاد ~~الديني فكان الأمر يختلف، وكثيرا ما كانت تصبح الإسكندرية الرافلة في حلل النعيم مسرحا ~~لاضطرابات تفسد جوها المرح، وتشيع فيها القلق والفوضى. # وكان الاضطهاد الديني منتشرا في مصر وفي عاصمتها حين كان ابن العاص يحاول إقناع الخليفة ~~بفتحها، ذلك أن هرقل لم يلبث، حين انتصر على الفرس وأعلى الصليب في بيت المقدس، وحين رأى ~~الأنظار تشد إليه من أرجاء العالم المسيحي كله لينقذ المسيحية مما ألم بها، أن فكر في ~~توحيد المذاهب المسيحية وصوغها مذهبا واحدا، وقد تحدث في هذا الأمر إلى بطارقة الشام ~~وبزنطية ممن يمثلون شتى المذاهب المسيحية، ثم دعاهم إلى مجمع «خلقدونية» فأقروا مذهبا ~~مسيحيا موحدا، عند ذلك جعل بطركة الدين في الإسكندرية لقيرس أسقف فاسيس في بلاد ~~القوقاز، وطلب إليه أن يحمل أهل مصر على اعتناق المذهب الرسمي «الموحد» غير أنه لم يفطن ~~إلى أن مذهبه الذي حاول به التوفيق قد تأباه كنيسة مصر، ولم يعرف أن أهل مصر إذا أبوا ذلك ~~المذهب كان شر الطرق إلى ضمهم للجماعة أن يرغمهم عليه ويقذف به في حلوقهم، إذ قد كرهوا ~~مرارة مذاقه منذ ذاقوه، وعلى أي حال كانت هذه خطته في مصر والشام، وكان من رأي ذلك العصر أن ~~أمور الدين والعقيدة مما ينبغي للدولة أن تقوم عليه ويصدر الناس فيه عن أمرها. # 2 # كان بنيامين # 3 # كبير أساقفة القبط بمصر إذ ذاك، وكان حبيبا للناس عزيزا عليهم، وكان رجلا ~~ذكيا محبا للخير والفضل قاسيا على القسوس والشمامسة من أهل العناد والكبر، شديد التعصب ~~للمذهب المسيحي الذي يؤمن المصريون به، مذهب اليعاقبة الذي يقول: «إن الطبيعة الإلهية ~~والبشرية امتزجتا في المسيح فصارتا فيه طبيعة واحدة؛ فكان عند التجسد ذا طبيعتين، أما بعده ~~فصار ذا طبيعة واحدة.» وهذا المذهب يخالف مذهب الملكانية الذي يقول: «إن الابن مولود من ~~الأب قبل الدهور غير مخلوق، وهو جوهره ونوره، والابن اتحد بالإنسان المأخوذ من مريم، فصارا ms398 ~~واحدا وهو المسيح.» فلما قدم قيرس الإسكندرية في خريف سنة 631، ليحمل أهل مصر على اعتناق ~~المذهب الرسمي، فر بنيامين من الإسكندرية، وسار متخذا من الأديار المنتشرة بالصحراء ملجأه ~~حتى بلغ قوص، وهناك أقام بدير صغير قريب منها قائم في الصحراء تحميه الجبال فلا يسهل الوصول ~~إليه. # كان فرار بنيامين نذيرا أزعج القبط وأفزع أهل الدين منهم، فرأوا في دعوة قيرس إلى المذهب ~~الجديد كفرا لا كفر بعده، ولم يغن عن قيرس تظاهره أول ما نزل مصر بأنه جاء مسالما، ~~وأنه لا يفرض المذهب بالقوة بل يدعو إليه ويحاول الإقناع به؛ فقد تنكر له القبط اليعاقبة ~~وتنكر له الملكانيون على سواء، ورأوا جميعا في دعوته بدعة هي الضلالة بعينها، وازداد ~~الناس نفورا من هذه البدعة حين جاء صفرنيوس من بيت المقدس إلى مصر، وقام على رأس ~~الملكانيين فيها، فلما جمع قيرس مجلسا دينيا بالإسكندرية ودعا أعضاءه لبحث ما يدعوهم ~~إليه أظهر صفرنيوس أنه يحاول أن يثني قيرس عن عزمه، بالحجة تارة وبالتوسل أخرى، ورأى قيرس ~~نفور الشعب من دعوته وعداوته لها، فلجأ إلى البطش والتعذيب يكره الناس بهما على الدخول ~~فيما يريدهم عليه. # لجأ قيرس إلى البطش والتعذيب، ولج في «الاضطهاد الأعظم» عشر سنوات حسوما، وكان التعذيب ~~وحشيا لم يعرف عصر من العصور مثله، عذب أخو الأسقف بنيامين بأن أوقدت له المشاعل وسلطت ~~على جسمه، فأخذ يحترق حتى سال دهنه من جانبيه إلى الأرض، فلما لم يتزعزع إيمانه خلعت أسنانه ~~ووضع في كيس مملوء بالرمل وحمل إلى الشاطئ، ثم عرضت عليه الحياة إذا آمن بالمذهب الجديد ~~فأبى، وتكرر العرض وتكرر الإباء ثلاث مرات ألقي العابد بعدها في البحر فمات غرقا، وتلقى ~~الأب صمويل في ديره بالصحراء كتابا يحمله إليه أمير فرقة عدتها مائة جندي يدعوه إلى المذهب ~~الجديد، فطوى صمويل الكتاب وقال: «ليس لنا من رئيس إلا بنيامين، ولعنة الله على ذلك الكتاب ~~الكفار الذي جاء من الإمبراطور الروماني، ولعنة الله على مجمع خلقدونية وكل من آمن بما ~~أقره.» وضرب صمويل ms399 حتى ظن أنه مات، لكنه عاد إلى نفسه وإلى محاربة قيرس، وأمر قيرس فجيء به ~~مكتوف اليدين من خلاف وفي عنقه طوق من الحديد، فسار مستبشرا وهو يقول: «سأمنح إن شاء الله ~~اليوم الشهادة بأن يسفك دمي في سبيل المسيح.» ثم جعل يسب قيرس لا يخشى شيئا، ودخل قيرس ~~فأمر جنده أن يضربوه حتى سال دمه، ثم قال له: «صمويل أيها الزاهد الشقي، من ذا أقامك رئيسا ~~للدير، وأمرك أن تعلم الرهبان أن يسبوني ومذهبي؟ وأجابه العابد: إن البر في طاعة الله وطاعة ~~وليه البطريق بنيامين لا في طاعتك والدخول في مذهبك الشيطاني، يا سلالة الطاغوت! ويا أيها ~~المسيح الدجال!» وأمر قيرس جنده بضرب صمويل على فمه وقال له: «لقد غرك يا صمويل أن رهبانك ~~يجلونك ويعلون من شأن زهدك: ولهذا تجرأت وقويت نفسك ولكني سأشعرك أثر سبابك للعظماء إذ ~~سولت لك نفسك ألا تؤدي ما ينبغي عليك أن تؤديه لعظيم رجال الدين وكبير جباة المال في أرض ~~مصر .» # وأجاب العابد: «لقد كان إبليس من قبل كبيرا على الملائكة، ولكن كبره وكفره فسقا به عن ~~أمر ربه، وهكذا أنت أيها الخادع الخلقيدوني؛ فإن مذهبك مذموم، وإنك أشد لعنة من الشيطان ~~وجنوده.» وضاق قيرس بكلام العابد ذرعا فأومأ إلى الجند أن يقتلوه؛ واستنقذه حاكم الفيوم من ~~يديه فأمر به أن ينفى من الأرض. # هاتان الصورتان من تعذيب أخي بنيامين وتعذيب صمويل تصفان بطش قيرس في الاضطهاد الأعظم، ~~كان الذين يأبون الدخول في المذهب الجديد يجلدون ويعذبون ويلقون في غيابات السجون ويلاقون ~~الموت، وكان أثر هذا الاضطهاد أن ازداد الناس كراهية لهرقل ولقيرس، حتى لقد هاجر كثيرون من ~~مصر إلى بلاد النوبة وإلى إثيوبيا فرارا إلى الله بدينهم، أما الذين لم يستطيعوا الفرار ~~ولم يطيقوا العذاب ففتنوا عن دينهم كارهين، فأظهر كثيرون منهم غير ما يبطنون، وقد خدع ~~غير هؤلاء وأولئك بسلطان المال والجاه، فارتضوا المذهب الجديد، لا حبا فيه ولا إيمانا ~~به، بل حرصا على ما ييسره لهم من مطامع هذه ms400 الحياة الدنيا، على أن ما لقيه الشعب في هذه ~~السنوات العشر قد زرع في قلبه لبزنطية ولقيصر ولقيرس كراهية امتزجت بحياته وجرت مجرى الدم ~~في شرايينه. # أفكان التعصب الديني هو وحده الذي دفع شعب مصر للنفور من المذهب الجديد كل هذا النفور، ~~ولمحاربته هذه الحرب العوان؟ قد لا يخطئ من لا يجيب عن هذا السؤال بالإيجاب؟ فالتوجه ~~الديني أصيل في الشعب المصري بحكم طبيعته، كذلك كان شأنه في عهود الفراعنة، وكذلك ظل شأنه ~~على القرون، ولعل بساطة عقيدته، مع تغير الأديان التي دان بها، كانت ذات أثر في تمسكه ~~بمذهبه: فهو موحد من أقدم العصور، وهو على توحيده يشعر بأن الإله الخالق المنعم جل شأنه ~~أعظم من أن يسمو سواد الناس إلى الاتصال بذاته وإن تطهرت قلوبهم، فلا بد من زلفى تقربهم ~~إلى الله، وتحلهم منه محل الرضا. # لكن هذا التوجه الديني لم يكن وحده هو الذي دفع المصريين ليقاوموا في سبيل مذهبم ما ~~قاوموا سني الاضطهاد الأعظم؛ فقد دانوا بالمسيحية بعد وثنيتهم الفرعونية، ثم كان لهم في فقه ~~مذهبهم القبطي بحوث تبحر رجال الدين فيها ما تبحر أسلافهم في العهود الفرعونية في فقه ~~مذهبهم، ثم دانوا بعد ذلك بالإسلام، فكان الفقه الإسلامي موضع عنايتهم به وتبحرهم فيه، ولم ~~يحملوا على المسيحية وعلى الإسلام بالاضطهاد والإكراه، بل دعوا إليهما بالحجة فرأوا ~~الخير في قبولهما فقبلوهما، فما لهم نفروا من مذهب هرقل الرسمي لأول ما عرض عليهم بل أبوا ~~أن ينظروا فيه؟ ثم ما لهم قاوموه من بعد هذه المقاومة التي اضطرت قيرس إلى اضطهادهم وفتنتهم ~~على النحو البشع الذي رأيناه؟ # لا ريب أنه كان للعامل السياسي في هذا الأمر أثر عظيم، فقد ضاق الشعب المصري بحكم الرومان ~~ضيقا أثاره برومية ثم بيزنطية ثورات عنيفة غير مرة، وهو لم يكن أقل ضيقا بهذا الحكم قبل ~~تغلب الفرس على فوكاس واستئثارهم بأرض مصر ولا بعد تغلب هرقل على الفرس وإجلائهم عن مصر، ~~فقد كان حكم فوكاس حكم بطش وإرهاق ثارت مصر به ms401 فآزرت هرقل في ثورته على القيصر الطاغية، وقد ~~شعر المصريون في السنوات العشر التي استقر الفرس فيها بينهم بحرية لم يكن لهم بمثلها في عهد ~~فوكاس عهد، ذلك أن الفرس تركوا لهم أمر الحكم على نحو من اللامركزية المألوفة في بلادهم، ~~وأعفوهم من كثير من الأعباء التي كانت ترهقهم، وإن أقاموا بينهم سادة متعالين، فلما انتصر ~~هرقل على الفرس، واسترد مصر، فرح المصريون؛ لأنهم مسيحيون مثله، ولأنهم طمعوا في أن يذكر ~~لهم يدهم عنده أيام ثورته بفوكاس، وعظم رجاؤهم ألا يرهقهم حكمه، لكنهم سرعان ما رأوا الحكم ~~الروماني القديم عاد كما كان، ورأوه شرا من حكم الفرس بمراحل. # لم يكتف صاحب السلطان من قبل قيصر بأن يأخذ منهم غلاتهم ومصنوعاتهم ليرسلها إلى بيزنطية ~~مقابل الضرائب المفروضة عليهم، بل اعتبرت الأرض ملكا تفرض على أصحابها جزية، وإن شئت فقل ~~تكليفا، يدفعونها أجرا للأرض التي يزرعونها ... وربما احتمل الناس الضريبة والجزية بشيء من ~~الصبر أيام الرخاء، لكن مصر عادت إلى هرقل في سني شدة وبأساء، فقد انتهى الإضراب في عهد ~~فوكاس إلى تعطيل القناة التي كانت تصل البحر الأحمر بالنيل فالبحر الأبيض، ثم لم يعدها ~~الفرس ولم يعدها عمال هرقل، فتدهورت التجارة تدهورا أفلس بسببه كثير من اليهود واليونان ~~المشتغلين في أسواق الإسكندرية وتدهورت أسعار الحاصلات والمصنوعات في داخل البلاد تدهورا ~~أدى إلى أزمة انزعج لها الناس أيما انزعاج، وما قيمة صناعة الزجاج أو صناعة المنسوجات أو ~~صناعة الورق من البردي أو غيرها من الصناعات المصرية التي كانت زاهرة في مصر السفلى وفي مصر ~~الوسطى، إذا لم تجد أسواقا في الخارج لتصريفها، واقتصر أمرها على أن تؤخذ جزية لقيصر! لذا ~~كره الناس حكم الروم، وودوا لو استطاعت مصر أن تتخلص منه وأن تستقل بنفسها، لكن الروم ~~كانوا قد حرموا على مصر صناعة الأسلحة واستعمالها، وكانت الطبقة المستنيرة من المصريين ~~الموظفين في الدولة قد ذلت لوظائفها، فلم يكن بد من التذرع بوسيلة ينفس بها الشعب عن نفسه، ~~وذلك بأن ينزع للثورة، وسرعان ما ms402 جاء قيرس بالمذهب المسيحي الجديد يحاول فرضه على مصر حتى ~~هب رجال الدين في وجهه يلعنونه، بذلك فتحوا للشعب بابا يروي ظمأه للانتقاض، فكان الاضطهاد ~~الأعظم الذي رأيت، والذي زاد المصريين كراهية لقيصر ولقيرس ولحكمهما ولمذهبهما ~~الجديد. # لم يكن علم ذلك كله ليخفى على أمير المؤمنين ولا على المستنيرين حوله من المسلمين، فقد ~~دام الاضطهاد والتعذيب في مصر عشر سنوات، بدأت قبيل وفاة النبي واستمرت طيلة خلافة الصديق، ~~وظلت متصلة في عهد عمر إلى أن دخل العرب مصر، وفي هذه السنوات العشر كان المصريون والعرب ~~يتبادلون التجارة كما كانوا يفعلون من قبل، فكانت أنباء العرب البارزة تبلغ المصريين، وكانت ~~أنباء المصريين البارزة تبلغ العرب، وزاد العرب علما بأنباء مصر متاخمتهم لها بالشام، ولا ~~جرم قد كان عمرو بن العاص من أكثر الناس بها علما؛ إذ كان بفلسطين، أدنى الأرض من ميدان ~~الاضطهاد والتعذيب، ومن ثورة المصريين بقيصر وبعماله؛ لذلك لم يغب عنه أن شعب مصر المضطهد ~~لن تأخذ منه الحماسة فيعاون الروم إذا قاتلهم العرب في أرض مصر، وإن أيقن أن هذا الشعب لن ~~يقاتل الروم في صف العرب من خشية أن تدور على العرب الدائرة، ولأنه ليس بينه وبين العرب صلة ~~تثير الحماسة في قلبه، فهو ليس من جنسهم، وليست لغته لغتهم ولا عقيدته عقيدتهم. # وزاد ابن العاص اقتناعا بما ظنه من فتور المصريين عن نصرة الروم ما كان الناس في مصر وفي ~~غير مصر يعرفونه يومئذ عن سياسة المسلمين، وأنها كانت تدع الناس أحرارا في دينهم، لا تحاول ~~صرفهم عنه أو حملهم على تغييره، فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، ومن استمسك بدينه ورضي الجزية ~~فله ما اختار، أما وقد كان الاضطهاد الديني دعامة الثورة بالروم، ثورة تتلظى بها نفوس ~~المصريين جميعا، فلا عجب أن يلقوا تسامح المسلمين الديني بالغبطة، وأن يقفوا من قتالهم ~~الروم موقف المتفرج: لا يغضبون الروم بمظاهرة المسلمين عليهم، ولا تدفعهم لقتال المسلمين ~~حماسة لعقيدة مشتركة بينهم وبين حكامهم، أو طمأنينة إلى عدل يسوي بينهم ms403 وبين هؤلاء ~~الحكام. # لقي ابن العاص أمير المؤمنين حين جاء إلى الشام بعد طاعون عمواس، وسار معه من الجابية في ~~أرجاء فلسطين وسورية، وجعل يعيد على سمعه ما كان قد فاتحه فيه من أمر مصر، ويذكر له ما سبق ~~إلى ذكره من حجج تؤيد رأيه، ويدلي إليه بحجج جديدة، حين انتهى عمر إلى الاقتناع برأيه، وإن ~~استمهله في تنفيذه حتى يكتب إليه من المدينة بعد عوده إليها. # وزاد عمر ميلا إلى الاقتناع بهذا الرأي ما يعرفه من جرأة ابن العاص في الحرب، ودهائه في ~~السياسة، واقتداره لذلك على أن يسير بإذن الله في ذلك الفتح سيرا موفقا، وقد دلت الحوادث ~~على أن أمير المؤمنين لم يخطئ في تقديره، وأن شخصية عمرو وما اجتمع فيها من الدهاء والإقدام ~~قد جعلته الرجل المختار في فتح مصر، فلم تكن جرأته في الحرب جرأة مغامرة كجرأة خالد بن ~~الوليد، بل كانت جرأة الداهية الذي يرى النجاح في المكث أكثر مما يراه في الحث ، ويرى ~~المطاولة والصبر حتى تحين فرصة الإقدام، وحين يثق بأن النجاح حليف هذا الإقدام، هذا إلى أن ~~دهاءه كان يجنبه إثارة غير المحاربين به، فكان يؤثر ملاينتهم في حزم على البطش بهم إلا أن ~~يضطر إلى البطش اضطرارا فإذا اضطر إليه لم يتردد دونه، على ألا يتجاوز به قدر الحاجة إليه، ~~ثم إنه كان أكثر أمراء الجند إيمانا بأن الحرب خدعة، فليس للمعايير المعروفة للفضل والنبل ~~وزن في أثنائها، قائد ذلك شأنه جدير بتوفيق الله إذا سار لفتح مصر. # وكان عمرو بن العاص في العقد الخامس من عمره، أو كان قد تجاوزه، حين فكر في فتح ~~مصر، # 4 # وكان قصير القامة، عظيم الهامة، ناتئ الجبهة له عينان سوداوان ثاقبتان تنمان ~~عما يتأثر به في حالي سروره وغضبه، يعلوهما حاجبان غزيران، ومن دون ذلك فم واسع ولحية عظيمة ~~ترسم من حولهما سيما البشر والأنس، وكان عريض الصدر، بعيد ما بين المنكبين، عظيم الكفين ~~والقدمين؛ لذلك كان مظهره ينم عن القوة في غير ms404 شدة، وكان فارسا متفوقا في فنون الفروسية ~~والضرب بالسيف، قوي البنية مرن الأعضاء، مرونة وقوة عودتاه احتمال المشقات، وكان إلى ذلك ~~راجح العقل، كثير الأناة واسع الحيلة، فصيح اللسان مفتنا في أساليب الكلام؛ لذلك بعثت به ~~قريش إلى الحبشة أول ما هاجر المسلمون إليها ليحمل النجاشي بقوة حجته على ردهم إلى مكة، وقد ~~أبدى من حسن الحيلة في محاولته ما يشهد بمقدرته، وإن لم يوفق لتحقيق الغاية من ~~سفارته. # وقد هداه رجحان عقله من بعد إلى الإسلام، ذلك أنه رأى رسول الله هاجر إلى المدينة، ورأى ~~كلمته تعلو بين العرب، فساوره الشك في مقدرة قريش على النيل منه فآثر أن ينصرف إلى تجارته ~~ينميها، وعاد سيرته الأولى يسافر في هذه التجارة إلى الشام واليمن والحبشة ومصر، فلما كانت ~~غزوة الأحزاب واشترك مع أهل مكة فيها فآبت قريش بالهزيمة، أيقن أن قريشا لم يبق لها بمحمد ~~قبل، عند ذلك جمع رجالا من قريش وقال لهم: «والله إني أرى أمر محمد يعلو الأمور علوا ~~منكرا، وإني قد رأيت أن نلحق بالنجاشي فنكون عنده، فإن ظهر محمد على قومنا كنا عند ~~النجاشي، فإنا أن نكون تحت يديه أحب إلينا من أن نكون تحت يدي محمد؛ وإن ظهر قومنا فنحن من ~~قد عرفوا، فلن يأتينا منهم إلا خير.» وأقر سامعوه رأيه وساروا معه إلى الحبشة وقد قر رأيهم ~~على المقام بها حتى ينتهي ما بين قريش ومحمد إلى وضع ثابت، فلما عقد محمد عهد الحديبية مع ~~قريش فتهادنا عشر سنين، واتفقا على ألا يدخل محمد مكة عام العهد وأن يدخلها للعمرة العام ~~الذي يليه، أيقن عمرو أن أمر محمد يزداد علوا، وأن مقامه بالحبشة سيطول، فلما استدار ~~العام، وعرف أنباء عمرة القضاء وما كان من دخول المسلمين مكة وطوافهم بالكعبة وسعيهم بين ~~الصفا والمروة، أيقن أن محمدا على الحق، فخرج إلى مكة فلقي خالد بن الوليد متأهبا للسير ~~إلى المدينة ليسلم، فذهب الرجلان فأسلم ابن الوليد وبايع، ودنا ابن العاص من محمد فقال: «يا ms405 ~~رسول الله! إني أبايعك على أن يغفر لي ما تقدم من ذنبي، ولا أذكر ما تأخر.» وأجابه محمد: ~~«يا عمرو بايع، فإن الإسلام يجب ما كان قبله، وإن الهجرة تجب ما كان قبلها.» فبايع عمرو ~~وانصرف. # ترى هل اندفع عمرو إلى الإسلام بعد ما أيقن أن محمدا منتصر على قريش لا محالة فآثر أن ~~يسبق قومه إلى صف المنتصر؛ أم أنه تدبر رسالة محمد حين طال مقامه بالحبشة فآمن بها فدعاه ~~إيمانه إلى أن يسلم؟ روي أن فتى من قريش ذهب إليه فقال له: يا أبا عبد الله! إن القوم قد ~~ظنوا بك الميل إلى محمد؛ فواعده عمرو ميقات الظل من جبل حراء، فلما التقيا سأل عمرو الفتى: ~~أنشدك الله، أنحن أهدى أم فارس والروم؟ وأجابه الفتى في غير تردد: بل نحن، فاستطرد عمرو: ~~فما ينفعنا فضلنا عليهم في الهدى إن لم تكن لنا هذه الدنيا وهم فيها أكثر أمرا! قد وقع في ~~نفسي أن ما يقول محمد من البعث حق ليجزى المحسن في الأخرى بإحسانه والمسيء بإساءته. # ولئن صحت هذه الرواية لتكونن بالغة في الدلالة على اتجاه عمرو في تفكيره، وعلى أنه كان ~~يؤمن بنظرية المنفعة إيمانا قويا، فهو قد أنكر على محمد مع قومه، فلما ذهبت ريح قريش ~~راجع نفسه ونظر في أمر النبي وفيما يدعو إليه من الإيمان بالله إيمانا يدخل صاحبه الجنة، ~~وقد يجعل له هذه الدنيا، فبادر إلى الإسلام عن بينة وإيمان، لا عن خوف ولا عن إذعان؛ وذلك ~~قد يفسر ما روي عنه # صلى الله عليه وسلم # أنه قال: «أسلم الناس وآمن الناس عمرو بن ~~العاص.» # وأسرع عمرو إلى كسب ثقة النبي حتى لقد كان يقول: «ما عدل بي رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وبخالد بن ~~الوليد أحدا من أصحابه في حربه منذ أسلمنا.» ولا عجب أن تعظم ثقة رسول الله بالرجلين وقد ~~عرفهما بمكة، وعرف مكانهما من قومهما، ورأى موقفهما في خصومته حين الغزوات التي كانت بينه ~~وبين قريش وخبر بأسهما، ثم ms406 إنه عرف من دهاء عمرو وحزمه ما زاده ثقة به، كان عمرو على إمارة ~~المسلمين في غزاة ذات السلاسل في الشمال من أرض الحجاز، فلما انتصر على القبائل من أعدائه ~~أبى على أصحابه أن يتعقبوهم! وأمر الجند ألا يوقدوا نارا يصطلون عليها، وتوعد المخالف أن ~~يلقيه فيما يوقد، وعاد إلى المدينة، فشكا أصحابه، فسأله رسول الله في الأمر، فكان جوابه: ~~«كرهت أن آذن لهم أن يوقدوا نارا فيرى عدوهم قلتهم، وكرهت أن يتبعوهم فيكون للعدو ~~مدد.» # عظمت ثقة النبي بعمرو على حداثة عهده بالإسلام، فكان فيمن بعثهم رسلا للملوك والأمراء ~~يدعونهم لدين الله، بعثه إلى عمان على الخليج الفارسي يدعو أميريها جيفرا وعبادا ابني ~~الخلندى للدخول في الإسلام، وكانت عمان في ذلك العهد خاضعة لنفوذ فارس، مع ذلك لم يتردد ~~عمرو في الذهاب إليها وأداء الرسالة التي عهد النبي إليه في أدائها، وقد تحدث إلى عباد فجعل ~~يقنعه بالحجة تارة، ويعده تارة، ويتوعده وأخاه تارة، ويذكر له أن رسول الله يقيم جيفرا إذا ~~أسلم أميرا على عمان، كما أقام باذان من قبله أميرا على اليمن، وعند ذلك يأخذ جيفر ~~الصدقات من أغنياء عمان ليردها على فقرائها، وأقام الأخوان أياما يتشاوران، ورأى جيفر أمر ~~المسلمين يعظم، وخشي ما توعدهم به عمرو أن يوطئ محمد خيله أرضهم، فدخل في الإسلام وبقي ~~أميرا على عمان، وأقام ابن العاص إلى جانبه يبث الدعوة لدين الله ويفقه الناس فيه، وظل ~~كذلك حتى قبض رسول الله وتولى أبو بكر خلافة المسلمين، فلما فشت الردة في العرب عاد ~~عمرو إلى المدينة يتلقى أوامر أبي بكر في مقاومة المرتدين. # هذه المقدرة التي أبداها عمرو في السياسة وفي الحرب جعلته شديد الاعتداد بنفسه، ولوعا ~~بالإمارة، حتى لا يرضى أن يتأمر عليه أحد إلا كارها. لما أرسله النبي إلى شمال الحجاز ~~يقاتل القبائل في ذات السلاسل، خاف هو أن يدهمه العدو بجند عظيم، فاستمد النبي فبعث إليه ~~أبا عبيدة بن الجراح في المهاجرين الأولين ومنهم أبو بكر وعمر، وقال لأبي ms407 ~~عبيدة حين وجهه: «لا تختلفا». وحان وقت الصلاة وأراد أبو عبيدة أن يؤم الناس فأبى ~~عليه عمرو وقال: إنما جئت مددا لي، قال أبو عبيدة: لا! ولكني على ما أنا عليه وأنت ~~على ما أنت عليه، وأجابه عمرو: بل أنت مدد لي، فقال أبو عبيدة: يا عمرو! إن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قال لي: لا تختلفا، وإنك إن عصيتني أطعتك، قال عمرو: فإني الأمير عليك وأنت مدد ~~لي، قال أبو عبيدة: فدونك؛ وصلى عمرو بالناس. # هذا الحديث بين الرجلين يكشف عن جانب من نفس عمرو، ويشهد بحبه الإمارة حبا ملك عليه ~~نفسه، فلأبى عبيدة سابقة في الإسلام ليست لعمرو بن العاص، بل ليست لعمر بن الخطاب، وأبو ~~عبيدة أمين الأمة على لسان رسول الله، وقد أمره رسول الله في هذا المدد على أبي بكر وعمر، ~~مع ذلك أصر عمرو على أنه جاء مددا له، ويجب لذلك أن يكون مرءوسا له، وكان أبو عبيدة ~~رجلا لينا سهلا هينا عليه أمر الدنيا، وكان إلى ذلك يؤمن بأمر رسول الله الإيمان كله، ~~فلما رأى تشبث عمرو بالإمارة نزل على إرادته وقاتل مرءوسا له. # وكان عمرو أميرا على اللواء الذي بعثه أبو بكر في قتال المرتدين بقضاعة، فلما قضى على ~~ردتهم، وقضى على الردة في بلاد العرب كلها، وعزم الصديق فتح الشام، وأرسل إليه الجيوش ~~على أحدها أبو عبيدة وعلى آخر عمرو بن العاص، وجعل لأبي عبيدة القيادة العامة إذا ~~اجتمعت جيوش المسلمين بالشام في غزاة، توجه ابن العاص إلى عمر بن الخطاب وسأله أن يكلم أبا ~~بكر ليجعله أميرا على المسلمين بالشام، فقال له عمر: «لا أكذبك، ما كنت لأكلمه في ذلك ~~أبدا، وأبو عبيدة أفضل منزلة عندنا منك.» وألح ابن العاص يقول: «إنه لا ينقص أبا ~~عبيدة شيئا من فضله أن ألي عليه.» فكان جواب ابن الخطاب على إلحاحه: «ويحك يا عمرو! ~~إنك لتحب الإمارة! والله ما تطلب بهذه الرياسة إلا شرف الدنيا، فاتق الله يا عمرو ولا تفعل ~~بشيء ms408 من سعيك إلا وجه الله، فاخرج إلى هذا الجيش، فإنك إن لم تكن أميرا هذه المرة فما أسرع ~~ما تكون إن شاء الله أميرا ليس فوقك أحد.» وخرج ابن العاص مذعنا لإمارة أبي عبيدة لا ~~عن رضا، لكن إذعانه لم ينقص من قدره عند أبي عبيدة ولا عند غيره من أمراء الجند، بل ~~كانوا جميعا يعرفون له ذكاءه ودهاءه ورجحان عقله وبعد نظره، وكانوا لذلك يلتمسون عنده ~~الرأي كلما حزب الأمر، فيجدون في مشورته خير ما يدفع الخطر، ويضيء السبيل إلى الظفر. # ولعل حبه الإمارة وحرصه عليها لم يكن مرجعهما إلى اعتداده بنفسه وكفى، بل كانا يرجعان ~~كذلك إلى حسبه ونسبه ومكانه من قريش؛ فقد كان من قبيلة بني سهم القرشية صاحبة الرياسة على ~~الأموال الخاصة بآلهة قريش، فكان زعيمها يتصرف في هذه الأوقاف بما تقضي به سنة القوم لذلك ~~العهد، وكان أبناؤها لذلك يحسنون القيام على الأموال إحسانا ظهرت آثاره في مقدرة عمرو بن ~~العاص على جمع المال وتثميره ، سواء في حياته الخاصة أو فيما تولاه من المناصب العامة، وقد ~~كان لبني سهم إلى ذلك منصب الفصل في المنازعات، وهو منصب أفاد أفرادها منه حسن الرأي ~~والأناة ودقة التقدير، لهذا ولذاك زاد ثراء بني سهم وارتفعت مكانتها، واجتمعت لها أسباب ~~القوة، فاستطاعت أن تجير قبيلة بني عدي قوم عمر بن الخطاب حين أجلاها بنو عبد شمس عن ~~منازلها القائمة عند الصفا، كما استطاع العاص بن وائل السهمي أبو عمرو أن يجير عمر بن ~~الخطاب حين أعلن في الناس إسلامه فأراد بنو سهم قتله، وكان العاص بن وائل وافر الثراء، حين ~~كان يلبس الديباج مزررا بالذهب، لا عجب، وذلك نسب عمرو وتلك قبيلته، أن يزداد اعتزازا ~~بنفسه وأن يطمح إلى الإمارة ويحرص عليها. # وجعله حبه الرياسة يتوسم سيماها في غيره. سمع وهو بالمدينة يوما خطبة من خطب زياد فأعجب ~~ببلاغتها وقال: «لله در هذا الغلام! لو كان من قريش لساق العرب بعصاه.» وهذا الطموح إلى ~~الإمارة هو الذي دعاه لمناصرة ms409 معاوية على علي، فقد رأى المسلمين لذلك العهد مقبلين على ~~الدنيا راغبين عما يدعو علي له من التقشف والزهد، ورأى معاوية يتألفهم بالمثوبة والعطاء، ~~ويظهر لهم المحبة والود، فأيقن أن الدنيا مقبلة عليه مدبرة عن علي، لكنه، فيما يروى، لم ~~يخف على معاوية رأيه الحق في أمره، والمطامع التي دفعته إلى مناصرته، سمع معاوية يوما ~~يكثر من الحديث في رغبته عن الدنيا وعن إمارة المؤمنين لولا حرصه على خير المسلمين، فغص ~~عمرو بما سمع من ذلك، فلما خلا إليه قال له: «يا معاوية أحرقت قلبي بقصصك! أترى أننا خالفنا ~~عليا لفضل منا عليه؟ لا والله! إن هي إلا الدنيا نتكالب عليها، وايم الله لتقطعن لي قطعة ~~من دنياك أو لأنابذنك!» # لم يكن تطلع عمرو للإمارة وحبه المال وإقباله على الدنيا ليصرفه عن التفقه في الدين ~~والعلم بكلام الله، فكان من أكثر المسلمين علما به وفقا فيه، كما كان من أغزر العرب ثقافة ~~وأكثرهم علما بمعارف عصره، ثم إنه كان كريم النفس رضي الخلق، رقيق القلب، ذواقا للجمال، ~~يطرب للشعر، ويقبل على الغناء ويحبه حبا جما، وقد ملك بصفاته هذه أفئدة الناس، كما فرض ~~ذكاؤه عليهم احترامه، وكان جواب آفاق كبني قومه، وجوبه الآفاق في تجارته وفي سفارته ~~هو الذي ذهب به إلى اليمن وإلى الحبشة وإلى الشام ومصر، ولسنا نشك في أنه تردد على مصر غير ~~مرة، وإن ذهب بعض المؤرخين إلى أنه لم يذهب إليها إلا مرة واحدة هي التي دفعته في ظنهم إلى ~~التفكير في فتحها. # وقصة ذهابه إلى مصر هذه المرة الواحدة طريفة في روايتهم، طرافة تدعونا لذكرها وإن رأيناها ~~أدنى إلى الأساطير، فقد زعموا أن عمرا قدم بيت المقدس لتجارته في نفر من قريش، وإن شماسا ~~روميا من أهل الإسكندرية جاء بيت المقدس حاجا وكان نازلا من الجبال، فمر بعمرو وهو ~~يرعى إبله وإبل أصحابه، وكان الشماس قد أجهده العطش لشدة الحر في ذلك اليوم، فاستسقى عمرا ~~فسقاه حتى روي، ثم إن الشماس نام مكانه إلى ms410 جانب حفرة خرجت منها حية عظيمة بصر بها عمرو ~~فنزع لها بسهم فقتلها، واستيقظ الشماس ورأى الحية، وقص عليه عمرو نبأها، فأقبل الشماس فقبل ~~رأس عمرو وقال له: قد أحياني الله بك مرتين، مرة من شدة العطش، ومرة من هذه الحية؛ فما ~~أقدمك هذه البلاد؟ وذكر له عمرو أنه جاء في تجارته، وأنه يرجو أن يصيب ما يشتري به بعيرا، ~~وعرف الشماس أن دية الرجل في العرب مائة من الإبل قيمتها ألف دينار، فقال لعمرو: هل لك أن ~~تتبعني إلى بلادي ولك عهد الله وميثاقه أن أعطيك ديتين؛ فإن الله عز وجل أحياني بك مرتين، ~~وعرف عمرو أن الشماس من الإسكندرية، وأنها بلد لم يدخل قط مثلها، فاستشار أصحابه واستصحب ~~أحدهم يأنس به، وسار مع الشماس حتى بلغوا الإسكندرية، فرأى عمرو من عمارتها وجودة بنائها ~~وكثرة أهلها وما بها من الأموال، فأعجب بها وقال: ما رأيت مثل مصر قط وكثرة ما فيها من ~~الأموال، ووافق دخول عمرو الإسكندرية عيدا فيها عظيما يجتمع له الأمراء والأشراف وأهل ~~المدينة، فألبس الشماس عمرا ثوبا من ديباج وذهب به إلى هذا العيد، وكان الملوك والأمراء ~~يترامون في هذا العيد بكرة لهم من ذهب مكللة، فمن وقعت الكرة في كمه واستقرت به لم يمت حتى ~~يملكهم، وإنهم ليترامون بالكرة في ذلك اليوم إذ أقبلت تهوي حتى وقعت في كم عمرو بن العاص، ~~وعجب الناس لذلك وقالوا: ما كذبتنا هذه الكرة قط إلا هذه المرة، أترى هذا الأعرابي يملكنا! ~~هذا ما لا يكون أبدا! ثم إن الشماس جمع لعمرو ألفي دينار من أهل الإسكندرية ودفعها له، ~~وبعث معه دليلا رده هو وصاحبه إلى بيت المقدس، يقول ابن عبد الحكم: «فبذلك عرف عمرو مدخل ~~مصر ومخرجها، ورأى منها ما علم أنها أفضل البلاد وأكثرها مالا.» # أحسب القارئ يوافقني على أن هذه القصة مع طرافتها أدنى إلى الأساطير، وأنها لا يمكن بحال ~~أن تكون سبب التفكير في فتح مصر، ولعل رواية الرواة لها هي التي جعلت البلاذري والمقريزي ms411 ~~وابن عبد الحكم وغيرهم من المؤرخين يروون ما قيل من أن عمرو بن العاص سار إلى فتح مصر من ~~تلقاء نفسه في ثلاثة آلاف وخمسمائة جندي وأن عمر غضب لذلك وكتب إليه يوبخه ويعنفه على ~~افتتانه برأيه، وهذا القول لا يزيد عندنا على أنه حديث خرافة، فلو أن عمرا سار إلى غزو مصر ~~من تلقاء نفسه لكان أيسر جزائه عند عمر أن يعزله، وإنما دعا للتفكير في فتح مصر ما سقناه ~~مما أدى بعمر إلى الميل لمشاركة ابن العاص في رأيه، مع ذلك استمهله حتى يكتب إليه بعد عوده ~~إلى المدينة، فلما نزلها جمع أولي الرأي فيها وذكر لهم حجج عمرو وشاورهم في الأمر فانقسم ~~رأيهم، وإذ كان عمر يرى الفتح، فقد كتب إلى عمرو يأمره بالشخوص إلى مصر، وبعث بالكتاب مع ~~شريك بن عبدة، وفيه يقول: «اندب الناس إلى السير معك إلى مصر، فمن خف معك فسر به.» وكان ~~عمرو محاصرا قيسارية حين جاءه كتاب أمير المؤمنين، فاستخلف معاوية بن أبي سفيان على ~~حصارها، وفصل في قوة صغيرة اختلف أكانت ثلاثة آلاف وخمسمائة أم أربعة آلاف، ثم إنه رد شريك ~~بن عبدة رسول الخليفة يطلب المدد حتى لا تضعف مسالح الشام، وسار متمهلا بساحل البحر، ~~جاعلا وجهته إلى العريش، آملا أن يلحقه المدد حتى يدخل أرض مصر، وإنه لفي مسيرته وتمهله ~~إذ جاء النبأ بأن الذين يرون في فتح مصر خطرا على المملكة الناشئة وفي مقدمتهم عثمان بن ~~عفان، قد ازداد نشاطهم بالمدينة، فخشي أن يضطر عمر آخر الأمر إلى النزول على رأيهم فلا ~~يبعث إليه بمدد بل يرده عن مسيرته. # ولم يخطئ عمرو في تقديره؛ فقد كان عثمان والذين معه يرون تلك الغزاة عظيمة الخطر ولا ~~يفتئون يكررون ذلك على مسامع عمر، بل لقد زاد عثمان فقال: «يا أمير المؤمنين، إن عمرا ~~لمجرأ وفيه إقدام وحب للإمارة، فأخشى أن يخرج من غير ثقة ولا جماعة فيعرض المسلمين ~~للهلكة رجاء فرصة لا يدري تكون أم لا.» ترى ماذا يفعل ms412 عمر وقد سمع ما سمع؟ أيرد قائده عن ~~السير بعد أن أمره به، وبعد أن مال إلى رأيه؟ وإن فعل وكان ابن العاص قد تخطى حدود مصر، ~~أفلا يكون ارتداده خذلانا للمسلمين قد يجرئ عليهم عدوهم؟! لكنه خشي كذلك أن تثور ثائرة ~~عثمان والذين معه، إن أعرض عن رأيهم ولم يظهر الرضا عما يقولونه، ثم إن مخاوفهم قد تبطل إذا ~~هو أمد عمرا بقوات تجعل ظفره بجيوش الروم في مصر أمرا محققا! لذلك كتب إلى عمرو يقول: ~~«إن أدركك كتابي قبل أن تدخل مصر فارجع إلى موضعك، وإن كنت قد دخلت فامض لوجهك واعلم أني ~~ممدك.» ودفع بالكتاب إلى رسول يحمله إلى القائد السائر إلى مصر. # أدرك الرسول عمرا وهو برفح، فلم يذكر له شيئا عن المدد الذي كان ينتظره، بل حاول أن ~~يدفع إليه كتاب الخليفة، وذكر عمرو نشاط عثمان والذين يتهيبون الإقدام على هذا الفتح، وقدر ~~أن الكتاب قد ينطوي على أمر بالعدول عنه، فأخذ يستدرج الرسول وهو يسايره وجعل يسأله عن ~~المدينة وأبنائها، وظل على ذلك حتى نزلوا قرية بين رفح والعريش، وسأل عمرو عن هذه القرية من ~~أي أرض هي؟ فقيل: إنها أرض مصر، فنزلها ونزل الرسول معه ودفع إليه الكتاب، فلما قرأه ابن ~~العاص قال لمن حوله: «إن أمير المؤمنين عهد إلي وأمرني إن لحقني كتابه ولم أدخل أرض مصر ~~أن أرجع، ولم يلحقني كتابه حتى دخلنا أرض مصر، فسيروا على بركة الله وعونه.» كذلك قال، ~~فكانت كلماته هذه أول الفتح. # 5 # وإنما دفع عمرو رجاله للسير في أرض مصر؛ لأنه خشي إن هو أقام بالقرية التي نزلها حتى ~~يجيئه المدد أن يزداد عثمان بن عفان والذين يرون رأيه نشاطا، فيحبس الخليفة المدد عنه ثم ~~يرده إلى أرض فلسطين، فتفوت المسلمين بذلك فرصة يؤمن ابن العاص بقدرته على انتهازها، فقد ~~كان يرى الروم بمصر أشد عجزا عن القتال منهم بالشام، ومصر أكثر الأرض أموالا، فإذا فتحت ~~كانت قوة للمسلمين ليس كمثلها قوة. # وسار عمرو في ms413 أربعة الآلاف الذين معه إلى العريش، فألفوها خلاء ليس بها للروم قوة، وشد ~~ذلك من عزم عمرو ودفعه لمتابعة سيره، ورجع رسول الخليفة إلى المدينة وذكر له أن عمرا دخل ~~أرض مصر وسار يطلب الروم فيها، فلن يرتد عنها إلا إذا اضطرته الهزيمة إلى الارتداد، عند ذلك ~~لم يبق في وسع الذين رأوا في إقدامه مخاطرة تعرض المسلمين للخطر إلا أن يمسكوا حتى يتبين ~~لهم أمره، فإما خذل فكان خذلانه دليلا على حسن رأيهم وبعد نظرهم، وإما ظفر فكانوا أول ~~المعجبين به والمهنئين له! # وقد كتب القدر لعمرو أن يكون الظفر نصيبه، وأراد الله أن تدخل مصر في حمى الإسلام، وأن ~~تصبح الدرة الغالية في تاج الإمبراطورية الإسلامية. # | هوامش # الفصل التاسع عشر # | فتح مدينة مصر وحصونها # عاد رسول عمر يطوي الطريق إلى المدينة، حاملا إلى أمير المؤمنين النبأ بأن عمرو بن العاص ~~دخل أرض مصر أشد ما يكون عزما على فتحها، وأكثر ما يكون حاجة إلى المدد، وسار ابن العاص ~~إلى العريش فلم يجد بها من يدافع عنها، فتخطاها منحدرا إلى الجنوب من بحيرة سربونة سائرا ~~في الطريق الذي سار فيه الفرس لفتح مصر قبل خمس وعشرين سنة من ذلك التاريخ، ولم يلق عمرو ~~من يقف سيره حتى بلغ مدينة الفرما، وهناك لقيه الروم في قوة وقفت في وجهه وحاولت صده عن ~~الغزو. # والطريق من العريش إلى الفرما طويل يبلغ نحو سبعين ميلا، وهو يجري خلال الصحراء، تتخلله ~~عيون وقرى تهون على السائر شقته؛ لذلك كان الطريق المعبد بين فلسطين ومصر من أقدم الحقب، ~~حتى لقد شهد «مقدم إبراهيم ويعقوب ويوسف وقمبيز والإسكندر وكليوبترا وأسرة المسيح» # 1 # إلى هذه البلاد، وكان هذا الطريق طريق الحاج بين مصر وبيت المقدس، كما كان طريق ~~التجارة والأسفار بين آسيا وأفريقيا، وقد سار عمرو بن العاص فيه غير مرة من قبل في تجارته، ~~كما سار فيه مع ذلك الشماس الذي روينا قصته، والذي قيل: إنه سار بعمرو إلى الإسكندرية ~~ليجزيه عن إحيائه إياه مرتين. ms414 # والفرما هي «برمون» القبطية، و«بلوز» الفرعونية، وهي تقع على هضبة من الأرض قريبة من ~~البحر الأبيض ومن مصب الفرع «البلوزى» من أفرع النيل السبعة؛ فقد كان النيل في ذلك العهد ~~والعهود التي سبقته يتفرع في مصر السفلى - الوجه البحري - سبعة أفرع: اثنان منهما هما ~~المعروفان في وقتنا الحاضر باسم فرع دمياط وفرع رشيد، وكان أولهما يسمى في ذلك الزمن الفرع ~~الفتنتي والثاني يسمى الفرع البلبيتي؛ أما الفرع الثالث فكان مستقلا عنهما يبتدئ ~~جنوبهما بنحو ستة أميال ويتجه إلى الشرق خلال ما نعرفه اليوم باسم مديرية الشرقية حتى يصب ~~في البحر الأبيض على مسافة تزيد على أربعة وعشرين ميلا شرقي الموقع الذي تقوم فيه بورسعيد، ~~وهذا الفرع الثالث هو الفرع البلوزي، أما الأفرع الأربعة الأخرى فكانت تتشعب من فرعي النيل ~~الباقيين في عهدنا الحاضر، وكان اثنان منها يجريان في مديريتي الشرقية والدقهلية أو يصبان ~~في البحر الأبيض خلال بحيرة المنزلة؛ الشرقي منهما هو الفرع التانيتي الذي يمر بتانيس، وهي ~~«صان الحجر» المدينة الأثرية المعروفة في عهدنا الحاضر، والآخر هو الفرع المنديزي الذي ~~يخترق مديرية الدقهلية متشعبا من النيل عند نقطة قريبة من موقع ميت غمر ليصب في أثناء ~~بحيرة المنزلة في موضع بين بورسعيد ودمياط، وكان الفرع السبنتي يخترق مديرتي المنوفية ~~والغربية مبتدئا من فرع دمياط على مقربة من موقع القناطر الخيرية ليصب في بحيرة البرلس، ثم ~~كان الفرع الكانوبي يتشعب من أوسط فرع رشيد ليتجه شمالا بغرب حتى يصب على مقربة من ~~الإسكندرية إلى شرقيها. # وكانت هذه الشبكة المائية الرئيسية تمد ترعا كثيرة تروي هذا المثلث العظيم من أرض مصر ~~الخصبة المعطاء، وكان هذا المثلث يمتد غربا فيما وراء الإسكندرية حتى يبلغ برقة، فكانت ~~منطقة مريوط آهلة ألف ناسها الترف، يقيمون في منازل جميلة تحيط بها حدائق زاهرة غناء، ~~وكانت هذه المنطقة الكثيرة الفاكهة تمتد إلى تخوم برقة وتنتج من شهي الثمار ما يرسل الكثير ~~منه إلى بلاد الروم، وكانت أعنابها ذات شهرة واسعة جعلت «فرجيل» و«سترابو» يتحدثان عن جودة ms415 ~~خمرها ما تحدث أبو نواس وأصحابه عن خمر هيت وعانات. # كان ابن العاص على رأس الزاوية الشمالية الشرقية من هذا المثلث حين نزل الفرما، وكانت ~~أنباء سيره قد سبقت إلى الروم منذ تخطي تخوم مصر، فماذا تراهم يصنعون؟ لم يدر بخواطرهم أن ~~يواجهوه أثناء سيره في الصحراء بين العريش والفرما؛ لأنهم كانوا يعلمون أن العرب أقدر الناس ~~على حرب الصحراء، ولأن قرب العريش وما جاورها من فلسطين يجعل إمداد عمرو بالجنود من بيت ~~المقدس وما جاورها أمرا يسيرا؛ لذلك آثر المقوقس حاكم مصر أن يدع عمرا يمضي في طريقه حتى ~~يبعد عنه المدد أو الأمل فيه، وأن يتخذ من حصون الفرما القوية أول موضع للقاء المسلمين، دون ~~أن يخاطر فيذهب إلى هذا الموقع بنفسه، أو يبعث إليه الأطربون كبير القواد. # وتحصن الروم بالمدينة لمواجهة العرب، مؤمنين بقدرتهم على الذود عنها ورد العدو على أعقابه ~~دونها؛ فقد علموا أن العرب الذين جاءوا مع عمرو قلة في العدد، وأنهم ليس معهم من عدة ~~الحصار ما كان مع الفرس حين هاجموا الفرما من قبل ففتحوها دون أن يلقوا كبير مشقة، وعرف ~~عمرو عدتهم وقوتهم وأنهم يزيدون على جنده أضعافا، مع ذلك لم يتردد في النزول وفي إنشاب ~~الحرب، بعد ما خطب أصحابه وذكرهم بأن المسلمين كانوا قلة دائما حيثما واجهوا الروم والفرس، ~~وأنهم قهروا عدوهم في المواقع كلها؛ لأن الله وعدهم النصر وكان معهم، ولم يكذب عمرو أصحابه؛ ~~فقد حاصروا الفرما شهرا ثم اقتحموها واتخذوها معقلا بعد أن هزموا الروم فيها شر ~~هزيمة. # كيف حدث هذا؟ كيف استطاع أربعة آلاف أن يحاصروا مدينة منيعة قوية الأسوار والحصون، ~~فيقهروا جندها ويقتحموا أسوارها ويفتضوا حصونها؟ يرى بعض المؤرخين الأمر عجبا، فيلتمسون له ~~العلة ويزعمون أن قبط الفرما أمدوا العرب بالمعونة في أثناء الحصار، فكان ذلك سبب قهرهم ~~عدوهم، كذلك يقول المقريزي وأبو المحاسن، ويذكر ابن عبد الحكم «أنه كان بالإسكندرية أسقف ~~للقبط يقال له أبو ميامين، فلما بلغه قدوم عمرو بن العاص كتب إلى القبط ms416 يعلمهم أنه لا تكون ~~للروم دولة، وأن ملكهم قد انقطع، ويأمرهم بتلقي عمرو، فيقال: إن القبط الذين كانوا بالفرما ~~كانوا يومئذ لعمرو أعوانا.» وهذا الذي يذكره ابن عبد الحكم لا يستقيم أكثر مما تستقيم ~~رواية المقريزي ورواية أبي المحاسن، فأبو ميامين هذا هو الأسقف بنيامين، وهو لم يكن ~~بالإسكندرية حين مجيء العرب إلى مصر، بل كان قد فر منها منذ سنوات إلى قوص، كما ذكرنا في ~~الفصل السابق. # ولعل ابن عبد الحكم وغيره من المؤرخين المتأخرين إنما أثبتوا هذه القصة؛ لأنهم لم يجدوا ~~تأويلا لانتصار عمرو على الروم إلا أن يكون قد لقي العون من أهل مصر، فأثبتوا القصة ~~وصدقوها استنادا إلى ما كان من كراهية القبط لحكم الروم وقيامهم في وجه الاضطهاد الديني ~~الذي فرض عليهم، والواقع أن القبط لم يعاونوا المسلمين ولم يعاونوا الروم، وأنهم لا أثر لهم ~~في ظفر المسلمين بعدوهم واستيلائهم على مواقعه وحصونه. # لا شك في أن القبط لم يعاونوا الروم في قتال العرب إلا بالقدر الذي يضطرهم إليه خضوعهم، ~~كارهين لسلطان قيصر وعماله، ولكن لا شك كذلك في أنهم لم يعاونوا العرب، إلا أن تكون معاونات ~~فردية يتبرع بها خفية من بلغت ثورة نفوسهم بالروم وحكمهم مبلغا جعلهم يغامرون بحريتهم ~~وبحياتهم، ليدلوا العرب على عورات الروم، وليكشفوا لهم عن أسرارهم، أما فيما وراء ذلك فقد ~~وقف شعب مصر من الفريقين المتحاربين موقف المتفرج شديد التطلع، لقد أصابه الروم من ألوان ~~الظلم والاستغلال والاضطهاد بما أزال من نفسه كل حماسة لنصرهم، وهو لا يعرف من أمر العرب ما ~~بدعوه إلى كراهيتهم ولا إلى الترحيب بهم، هذا إلى أن قوة الروم وبأسهم في مصر جعلاه يشك في ~~الغلب، لمن يكون آخر الأمر، صحيح أن أنباء العرب وانتصارهم في الشام والعراق كانت تبلغه، ~~لكنه لما يكن قد نسي تغلب هرقل على الفرس في مصر وإجلاءه إياهم عنها، فلو أن هذا الشعب ناصر ~~العرب جهرة فانتصر الروم فالويل ثم الويل له، وسيلقى من ألوان الاضطهاد أضعاف ما كان ms417 يلقى ~~من قبل، وليس طبيعيا أن يناصر الروم وفي نفسه من كراهيتهم ما فيها، أما والحرب لا تزال في ~~بداءتها، وليس يعلم أحد مصيرها، فالحكمة تقتضيه أن ينتظر ليرى، وأن يكيف موقفه من بعد ~~تكييفا يجنبه الظلم والضرر، ويحقق له ما يستطاع تحقيقه من منفعة. # وموقف الشعب المصري هذا هو الموقف الطبيعي لكل شعب في مثل حاله يومئذ، لقد ود أن يخرج ~~الروم من بلاده حتى تخلص له خيراتها فيستأثر بحقه الطبيعي فيها، وحتى تتم له حريته وكرامته ~~وعزته كاملة في كل أرجائها، لكنه غلب على أمره منذ عصف الإسكندر المقدوني بحريته واستقلاله، ~~كما عصف بحرية غيره من الأمم واستقلالها، فلما مات الإسكندر وآل أمر مصر إلى البطالسة ~~الإغريق، فانفصلوا عن أمتهم وانفصلوا عن رومية واستقلوا بمصر وأصبحوا مصريين، لم ير الشعب ~~المصري فيهم عنصرا أجنبيا يثور به أو ينتقض عليه، فالأسر المالكة كانت يومئذ في مصر وفي ~~غير مصر من أصل أجنبي، ولا يزال ذلك شأنها إلى اليوم، وقد جاءت هذه الأسر إلى البلاد التي ~~استقرت على عرشها غازية في عهد من العهود، مستعينة بقوات من الجنود الأجراء الذين اتخذوا ~~الحرب والفتح صناعتهم، فلما سكنت الحرب وضوى الناس إلى السلام اطمأنت هذه الأسر إلى البلاد ~~التي تربعت على عرشها واتخذت منها وطنها، فرحب بهم أهلوها واتخذوهم حصنا يقيهم المنازعات ~~بينهم، وكان ذلك شأن البطالسة؛ أووا إلى مصر وأصبحوا مصريين، واستقلوا بمصر واستقلت بهم ~~مصر، وظل الأمر على ذلك حتى جاء «يوليوس قيصر» ثم جاء «أنطونيو» فنزلا مصر في عهد ~~«كليوباترا» وبنزولهما مصر انضمت إلى الإمبراطورية الرومانية المترامية الأطراف الممتدة إلى ~~أقصى الغرب وأقصى الشمال من أوروبا، وإلى بادية السماوة من أرض آسيا. # ولم يمض غير قليل على هذا الانضمام حتى جد عنصر نقل العالم من فكرة التوسع في الفتح ~~ابتغاء المجد إلى ميدان أكثر سموا في اتجاهه، وأجدر بالإنسان يوم يتم النضج لضمير ~~الإنسان، ذلك العنصر كان المسيحية، فقد دعت الناس إلى المحبة والإخاء، وإلى احتقار متع ~~الحياة الدنيا، ms418 وللتنزه عن التقاتل بسببها، وما لبثت المسيحية حين انتشرت في رومية وفي مصر، ~~أن أنست الناس ما بينهم من عداوة وبغضاء، وأن صورت أمامهم فكرة الإمبراطورية المقدسة ~~يعيشون تحت سمائها إخوانا متحابين في ظل الله، على أن هذه الصورة سرعان ما غشيتها سحب ~~أضعفت إيمان الناس بها، وذلك حين بدأت المذاهب المسيحية تتعدد، فبدأ أصحاب كل مذهب ينظرون ~~إلى أصحاب المذاهب الأخرى نظرة كراهية وحقد، بذلك عاد الناس إلى ما كانوا من قبل فيه، فعاد ~~المصريون يمقتون الرومان المتحكمين في بلادهم، ثم ازدادوا لهم مقتا بسبب الاضطهاد الأعظم ~~الذي أخضعهم الروم له. # لم يعاون المصريون عمرو بن العاص في الفرما، فكيف استطاع بقوته الصغيرة أن يحاصر مدينة ~~منيعة قوية الأسوار والحصون فيقهر جندها ويقتحم أسوارها ويفتض حصونها، لقد أقام أمامها ~~شهرا في الرواية المشهورة، وشهرين في رواية أخرى، فكان جنودها يخرجون إليه من حين إلى حين ~~يقاتلونه ثم يرتدون إلى مدينتهم يتحصنون بها، وكان عمرو يغير في هذه الأثناء بكتائب صغيرة ~~على ما حوله من البلاد، يجيء منها بالأقوات التي يحتاج إليها جيشه، وكانت حامية المدينة ~~تتوقع، بعد أن طال حصارها، أن تبعث الحكومة المركزية إليها مددا يعاونها على رد العرب ~~وإجلائهم عن مصر، لكن المدد لم يجئ، ولم يبلغ الحامية نبأ يبشر بقرب قدومه، عند ذلك رأى ~~أميرها أن يغامر فيخرج بها إلى ما وراء الأسوار يلقى العدو وجها لوجه، طامعا في التغلب ~~عليه والظفر به، لكنه ما لبث حين اشتد القتال أن ألفى المسلمين ليوثا ضارية لا تهاب الموت، ~~فأمر أصحابه بالارتداد إلى الحصون والاحتماء بها ورآهم المسلمون يرتدون فتعقبوهم، وأمعنوا ~~فيهم قتلا وأفشوا الاضطراب في صفوفهم، وسبقوهم إلى باب المدينة وملكوه عليهم، وتجاوزوا ~~الأسوار إلى الحصون فاحتلوها، لم يبق للروم إلا التسليم، واستولى عمرو على المدينة، فهدم ~~أقوى حصونها، وأحرق السفن الراسية في المرفأ القريب منها، وخرب كل كنيسة أو دير يمكن التحصن ~~به فيها، ثم اتخذها معقلا يؤمن الطريق إلى فلسطين وإلى بلاد العرب، وأقام يفكر ms419 في الخطوة ~~التي يجب عليه أن يخطوها بعد أن كسب الموقعة الأولى في الصميم من أرض مصر. # ما السبب في قعود المقوقس عن إمداد حامية الفرما؟ هذا سؤال يرد بخاطر كل مؤرخ، ويذهب بتلر ~~إلى أنه لا يجد ما يفسر به هذا القعود إلا خيانة قيرس لقيصر، طمعا منه في فصل بطرقة ~~الإسكندرية وشقها عن القسطنطينية، بالاتفاق مع العرب وإعانتهم على دولته، وبتلر لا يدعم هذا ~~الرأي بأي سند، من الواقع، بل يستنبطه من الحوادث استنباطا، وفي رأينا أنه مذهب أملته ~~عاطفة مسيحية، ولم تمله حقيقة تاريخية، إذ لما يكن قيرس قد رأى أحدا من العرب ليتفق معه، ~~وهو قد ثبت من بعد لقتال عمرو والمسلمين في بابليون وفي الإسكندرية، فالقول بأنه خان دولة ~~الروم لغاية في نفسه استنباط مصدره العاطفة وليس له من منطق التاريخ سند. # ونحن نرى أن القعود عن إمداد حامية الفرما يرجع إلى أكثر من سبب وأول هذه الأسباب شعور ~~الروم في مصر بعداوة الشعب المصري لهم عداوة لا يسهل التكهن بما يمكن أن تتنفس عنه، فلو ~~أنهم بعثوا بقواتهم المعسكرة في مصر أو في الإسكندرية للقتال في الفرما ثم ثار المصريون بهم ~~لفت ذلك في أعضادهم، ولما كان إمداد الفرما لينقذهم من شر هذه الثورة في المدن الكبرى، ثم ~~إنهم كانوا يذكرون هزائمهم أمام المسلمين في سورية وفي فلسطين، وكانوا لذلك لا يريدون ~~المغامرة بمقاومة هؤلاء الجبابرة في ميدان لا يثقون بقدرتهم على المقاومة فيه، لهذا آثروا ~~أن يتحصنوا ببابليون على مقربة من مصر ومن منف ليكون النيل خندقا بينهم وبين عدوهم، وأن ~~يقتصر أمرهم في الفرما وفي غيرها من البلاد الصغيرة الحصينة على وقف العرب أطول زمن حتى ~~تتاح لهم الفرصة لتقوية حصونهم في المراكز الرئيسية، فإذا غامر العرب من بعد وبلغوا مدينة ~~مصر صدتهم حصونها عن التقدم، وربما أمكن القضاء عليهم، فكان ذلك كافيا لصرفهم عن مصر وصدهم ~~عن التفكير في العودة إليها. # قد يكون هذا التفكير خاطئا من الناحية الحربية، لكن الحوادث ms420 التي وقعت من بعد تدل على ~~أنه كان تفكير المقوقس وأصحابه في الفترة الأولى من دخول العرب مصر، فقد انضم إلى عمرو بعد ~~فتح الفرما جند من البدو المقيمين على تخوم الصحراء المصرية طمعوا في مغانم القتال، فعوضوا ~~المسلمين عمن فقدوا في أول حصار ضربوه بمصر، ثم إن عمرا سار منحدرا إلى الجنوب ملازما ~~هذه التخوم فتخطى مدينة مجدل القديمة إلى موضع «القنطرة» اليوم، ومن ثم اتجه غربا إلى ~~القصاصين، وتابع مسيرته جنوبا بغرب حتى بلغ بلبيس، وفي الطريق الطويل الذي قطعه فرسان ~~المسلمين في أرض مصر لم يكن عمرو «يدافع إلا بالأمر الخفيف» على تعبير ابن عبد الحكم ومن ~~أخذ عنه من مؤرخي العرب، وهؤلاء المؤرخون يروون أن راعيا من البدو الموالين للمسلمين دنا ~~من منازل قرية في طريق عمرو، فسمع نفرا من القبط يقول أحدهم: ألا تعجبون من هؤلاء القوم ~~يقدمون على جموع الروم وهم في قلة من الناس! ويجيب آخر: إن هؤلاء القوم لا يتوجهون إلى أحد ~~إلا ظهروا عليه، وهذا السير الطويل وهذا الحديث الذي يتناقله المصريون صريح في الدلالة على ~~أن المقوقس وأصحابه لم يكونوا مطمئنين لولاء المصريين، وأنهم لذلك آثروا التحصن عند مدينة ~~مصر على مواجهة الغزاة في هذه الأرض المكشوفة المتاخمة للصحراء، فلم يلق المسلمون من يعترض ~~طريقهم أو يدافعهم «إلا بالأمر الخفيف» حتى بلغوا بلبيس وصاروا على ثلاثة وثلاثين ميلا من ~~مدينة مصر وحصونها. # يتفق المؤرخون على أن المسلمين أقاموا ببلبيس شهرا قاتلوا في أثنائه عدوهم وظفروا به، ~~لكنهم يختلفون: أكان القتال بين الفريقين عنيفا أم أن المسلمين لم يلقوا فيه من بأس الروم ~~أكثر مما لقوا مذ غادروا الفرما، وتذهب بعض الروايات إلى أن المقوقس بعث إلى عمرو، أول ما ~~نزل بلبيس، من يفاوضه ليرجع عن مصر، وأن عمرا تحدث إلى الأساقفة المفاوضين عن بعث الله ~~رسوله بالحق، وأنه # صلى الله عليه وسلم # أمر أصحابه بالإعذار إلى الناس، «فنحن ندعوكم إلى الإسلام، فمن ~~أجابنا إليه فمثلنا، ومن لم يجبنا عرضنا عليه ms421 الجزية وبذلنا له المنعة، وقد أعلمنا أنا ~~مفتتحوكم، وأوصانا بكم حفظا لرحمنا فيكم، وأن لكم إن أجبتمونا بذلك ذمة إلى ذمة.» وفطن ~~الأساقفة إلى أن عمرا يشير بصلة الرحم إلى هاجر أم إسماعيل، فقالوا: قرابة بعيدة لا يصل ~~مثلها إلا الأنبياء! ثم أضافوا: آمنا حتى نرجع إليك، فقال عمرو: إن مثلي لا يخدع، ولكني ~~أؤجلكم ثلاثة أيام لتنظروا وتناظروا قومكم وإلا ناجزتكم فاستزادوه فزادهم يوما ثم يوما ~~خامسا، ورجع الملأ إلى المقوقس فحدثوه بحديث عمرو فأبى القائد الأطربون إلا مناجزة ~~المسلمين، وقال الأساقفة المفاوضون للناس وقد رأوا مخاوفهم: «أما نحن فنسجهد أن ندفع عنكم ~~ولا نرجع إليهم، وقد بقيت أربعة أيام فلا تصابون فيها بشيء إلا رجونا أن يكون له ~~أمان.» # سار الأطربون عقب هذا الحديث في اثني عشر ألفا كاملي العدة حتى يأخذ المسلمين ببلبيس على ~~غرة، ولقد فجاهم وبيتهم بياتا شديدا، لكن عمرا كان الحذر كل الحذر، وكان كل جيشه فرسانا ~~في عدة القتال؛ لذلك حميت المعركة بين الفريقين، فيما يذكر أصحاب هذه الرواية، فقتل فيها ~~من العرب عدد ليس بالقليل، وخسر الروم ألف قتيل وثلاثة آلاف أسير، ثم انهزم الأطربون وتمزق ~~جيشه، ويقال إنه قتل. # لماذا أقام عمرو شهرا كاملا ببلبيس؟ وهل أقام هذا الشهر قبل لقائه جند الروم وظفره بهم، ~~فلما تم له النصر سار يريد مدينة مصر؛ أم أنه أقام هذا الشهر بعد انتصاره يدبر خطته ويفكر ~~في موقفه، فلما اطمأن إلى تدبيره تابع مسيرته؟ ليس في المراجع التي وقفت عليها ما يكشف عن ~~ذلك، وكل ما استطاع بتلر أن يستنبطه من بحوثه في تواريخ الفتح العربي أن جيش عمرو كان ~~بالعريش في عيد الأضحى من السنة الثامنة عشرة للهجرة، وهذا التاريخ يوافق 12 ديسمبر سنة ~~639، وأنه فتح الفرما حول 20 يناير سنة 640 بعد حصار دام شهرا، وأنه بلغ هليوبوليس في ~~الأيام الأخيرة من شهر أبريل لتلك السنة، فهو إذن قد بلغ بلبيس في شهر فبراير، ثم أقام بها ~~معظم شهر مارس، لكن إيراد ms422 هذه التواريخ لا جواب فيه عما تسأل عنه، وأنت تستطيع أن تجيب ~~استنباطا أن المفاوضين المصريين جاءوا عمرا أول ما نزل ببلبيس، وأن الموقعة بينه وبين ~~الأطربون كانت في الأيام الأولى من مقامه بها، فلما تم له النصر لم يسارع إلى السير، بل ~~أقام حتى يطمئن إلى ولاء البلاد المحيطة به، وأنه بقي لذلك شهرا اتصل فيه بالمصريين وكسب ~~ولاءهم، لكنك تستطيع أن تجيب استنباطا كذلك بأنه أقام ببلبيس هذا الشهر قبل أن يجيئه ~~المفاوضون المصريون، وأنه كان ينتظر أن يجيئه المدد الذي وعده الخليفة به في أثناء هذا ~~الشهر، فلما سار الأطربون إليه فقدر عليه وظفر به، أراد أن يستفيد مما بعثه النصر إلى نفوس ~~جنده من حماسة، وإلى نفوس عدوه من اليقين بأن المسلمين لن يغلبهم غالب، فسار يريد مدينة مصر ~~راجيا أن يفتحها الله عليه ويوطئه أكنافها. # أفجاءه المدد الذي كان ينتظره قبل أن يلقى الأطربون فتغلب عليه وهذا المدد معه، أم أنه ~~ظفر به وليس معه إلا الجند القليل الذي بقي له بعد الفرما والبدو الذين انضموا له وعوضوه ~~عمن فقدهم في حصارها؟ الظاهر من الروايات أن المدد لم يجئه إلا بعد انتصاره ببلبيس ومسيرته ~~منها، يقول ابن عبد الحكم ويتابعه السيوطي وابن تغري بردي: «فتقدم عمرو لا يدافع ~~إلا بالأمر الخفيف، حتى أتى بلبيس فقاتلوه بها نحوا من شهر حتى فتح الله عليه، ثم مضى لا ~~يدافع إلا بالأمر الخفيف حتى أتى أم دنين، فقاتلوه بها قتالا شديدا وأبطأ عليه الفتح، ~~فكتب إلى عمر يستمده فأمده بأربعة آلاف تمام ثمانية آلاف.» وظاهر هذا النص صريح في أن عمرا ~~غادر بلبيس بعد انتصاره على الأطربون قبل أن يصله المدد، وأنه هزم الأطربون وعدة جيشه اثنا ~~عشر ألفا بأربعة آلاف من الذين كانوا معه من العرب ومن بدو مصر. # سار عمرو من بلبيس متاخما الصحراء حتى نزل قريبا من قرية «أم دنين» على النيل عند ~~مأخذ خليج تراجان الذي يصل مدينة مصر بالبحر الأحمر عند السويس، وكانت ms423 أم دنين تقع في ~~موضع حي الأزبكية من أحياء القاهرة اليوم، وكانت حصينة يجاورها مرفأ على النيل فيه السفن ~~كثيرة، وكانت تقع إلى الشمال من بابليون، حصن مدينة مصر الأعظم، فكانت مسلحتها لذلك طليعة ~~الدفاع عن هذه المنطقة العزيزة على المصريين ومقر ملكهم في عهد الفراعنة الأقدمين، وكان حصن ~~بابليون حصنا رومانيا منيعا يقع موقع مصر القديمة اليوم، وكان متين البنيان قوي ~~الأسوار، قاومت متانته أحداث الزمن فلم ينقض بنيانه إلا في العشرين سنة الأخيرة من القرن ~~التاسع عشر المسيحي، ثم بقيت مع ذلك منه أطلال لا تزال تشهدها أعيننا، وعلى أميال قليلة إلى ~~الجنوب من هذا الحصن كانت تقع مدينة منف الخالدة الذكر الباقية الأثر، منف عاصمة مصر حين ~~كان العالم كله يتطلع إلى مصر على أنها مهبط الوحي ومستقر الحضارة فيه، وقد بقي لمنف كل ~~جلالها حتى نافستها الإسكندرية بهاء وجلالا، وظلت تفاخر الإسكندرية بما حولها من تراث ضخم ~~خلفه زوسر ورمسيس وفراعنة مصر أيام أظلت العالم حضارة مصر، كما كانت تفاخرها بالأهرام ~~وبالمقابر العظيمة القائمة حولها، وكان اسم مصر يطلق على مدينة منف أو على مدينة تقابلها ~~على الجانب الآخر من النيل نما أمرها وزاد سكانها حتى كانت تسمى باسم منف في بعض الأحايين، ~~وفي الصحراء الغربية الذاهبة بين منف والجيزة كانت تتصل سلسلة من الأهرام ذات العظمة ~~والجلال، تتلاحق حتى تنتهي إلى هرم خوفو والهرمين المجاورين وأبي الهول الرابض تحت سفوحها ~~يرقب بعيون ثابتة مطلع كل شمس، وقد قامت كلها قبالة حصون الروضة وبابليون وأم ~~دنين. # أفتصور المسلمون الذين ساروا مع عمرو هذا المشهد الباهر لا نظير له في العالم كله؟ وهل ~~حدثهم عنه أحد من البدو الذين ساروا معهم بعد ما فصلوا من الفرما، وحين ساروا من بلبيس بعد ~~ظفرهم بجند الروم؟ وهل كان منهم من أحد شهد فتح المدائن وشهد أبيض كسرى ليرى عجائب الدنيا ~~مجتمعة في هذا المكان الذي أقبلوا عليه من أرض مصر؟ أم تراهم كانوا في شغل بقلة عددهم وما ~~يريدهم ms424 عليه عمرو من مواجهة الروم في حصون عزيزة المنال؟ لقد نزلوا قريبا من أم دنين؛ ~~فبهرهم منظر النيل بسعة مجراه وبالخصب الممرع حوله وبأشجار الربيع ونباته يتثنى ريان ضاحك ~~الخضرة، فوق أرض أخذت زخرفها وازينت فهي جنة للناظرين، لكنهم سرعان ما شغلوا عن هذا المنظر ~~بالحصون القائمة أمامهم، وبما عرفوا من أن الروم أعدوا لهم بعد ما أيقنوا أن هذه الحصون ~~ملاذهم، فإن تفتض عليهم فلا بقاء من بعد ذلك لهم، فقد جاء الروم إلى حصن بابليون بجل ~~قوتهم، وأمدوا حصن أم دنين بمسلحة قوية، وتهيئوا لقتال لم يبق لديهم شك في أنه قتال ~~حياة أو موت، فإما ردوا العرب بعده على أعقابهم، وإما قالوا في أعقابه ما قاله هرقل يوم ودع ~~سورية الوداع الأخير: عليك السلام يا سورية سلاما لا اجتماع بعده! # وأدرك عمرو بن العاص دقة الموقف وخطره؛ فقد جاءته عيونه بأنباء عرف منها أنه لن يستطيع أن ~~يفتح حصن بابليون أو يحاصره بمن معه من الجند، ولن يستطيع أن يفتح مدينة مصر، وهي في جوار ~~الحصن وفي حمايته، لكنه أدرك كذلك أنه إن يرجع عن مهاجمة الروم يضعف شوكة رجاله ويذهب ~~عزمهم، فيقوى عليهم عدوهم فيردهم ناكصين على أعقابهم، وما كان له أن يأتي أمرا ذلك أثره، ~~وهو الذي أصر على فتح مصر، وهو موقن أن أمير المؤمنين لا ريب ممده عما قليل، لا بد له إذن ~~من مغامرة يكتب له فيها النصر، وله من بعدها أن يداور ليكسب من الوقت ما يشاء حتى يجيء ~~المدد، أما وحصن بابليون لا سبيل إليه فليحاصر حصن أم دنين، وليبذل في سبيل فتحه كل ما ~~يستطيع بذله، فإذا استولى عليه أصبحت السفن الراسية في مرفئه رهن أمره، وأصبح في مقدوره أن ~~يدبر خطته وأن يحكم مداورته. # وكان الحذر يقتضي عمرا ألا يفرط في رجاله أو يدفعهم إلى هلكة، وأن يستعجل أمير المؤمنين ~~المدد ليضاعف الأمل في قرب مجيئه قوة الجند الذين معه؛ لذلك بعث رسولا إلى المدينة بكتاب ~~يصف فيه ms425 مسيره إلى مصر وموقفه من حصونها وحاجته إلى المدد لاقتحامها، وأذاع في الجند أن ~~المدد موشك أن يجيء، ثم إنه تقدم إلى أم دنين فحاصرها ووقف قبالتها يمنع عنها العتاد ~~والميرة، ولم يفكر الروم المقيمون في حصن بابليون أن يخرجوا إليه وقد علمهم مصير الأطربون ~~أنه لا طاقة لهم بالقتال المكشوف، أما مسلحة أم دنين فكانت تخرج إلى القتال أحيانا ثم ~~ترتد إلى الحصن إن لم تظفر بالمسلمين، ومضت أسابيع لم يتغير الموقف فيها، وإن لم يشعر ~~المسلمون أثناءها بشيء من القلق أن كانت الميرة في متناول أيديهم. # وإنهم لكذلك أن جاءتهم الأنباء بمقدم أول مدد لهم، وبأن هذا المدد موشك أن يبلغهم فقوى ~~بأسهم، واشتدت سطوتهم، وأقبل المدد، ورآه حماة الحصن من جنود هرقل، فسقط في أيديهم وقل ~~خروجهم للقاء المسلمين، فلما رأى عمرو ذلك منهم، وكان قد عرف مداخل الحصن ومخارجه، تخير ~~وقتا أمر فيه أصحابه أن يشدوا كلهم على الحصن شدة رجل واحد ليأخذوه عنوة، وسار هو في ~~طليعتهم إلى بابه، ففتحه الله عليهم فاستولوا عليه بعد مقتلة عظيمة، وبعد أن أسروا من بقي ~~فيه حيا. # لم يذكر المؤرخون تفصيل ما وقع في اليوم الحاسم لهذه المعركة، ويذهب بتلر إلى أن عمرا شق ~~على رجاله في ذلك اليوم، مستندا إلى قصة رواها مؤرخو العرب أن عمرا رأى جماعة يترددون في ~~القتال فصاح بهم يحثهم عليه ويدفعهم إليه، فقال له أحدهم: إنا لم نخلق من حديد، فانتهره ~~عمرو بقوله: اسكت! إنما أنت كلب! وأجابه الرجل: فأنت أمير الكلاب! فأعرض عمرو عنه ونادى ~~بأصحاب رسول الله وقال لهم: تقدموا فبكم ينصر الله، فاندفعوا في الوطيس وتبعهم الناس، ففتح ~~الله على المسلمين، وابن الأثير يذكر هذه القصة حين يذكر وقعة عين شمس، وأيا ما كانت ~~الموقعة التي حدثت القصة فيها فلا ريب في أن إقبال المدد قد كان له أثر كبير في استيلاء ~~المسلمين على أم دنين بعد أن أبطأ عليهم فتحها، وأن عمرا نزلها ثم عبر مع جنده النيل ms426 في ~~السفن التي كانت بمرفئها، وسار على رأسهم يتخطون الصحراء مجتازين أهرام الجيزة. # أخذ الروم اللاجئون إلى بابليون حين عرفوا مصير أصحابهم بأم دنين، وتولتهم الدهشة ~~حين قيل لهم: إن جيش المسلمين تخطى النيل ضاربا في الصحراء، فما مقصد عمرو من عبور النهر؟ ~~وما عسى أن تكون وجهته؟ أتراه أزمع السير على الفرع الكانوبي يريد الإسكندرية محاولا فتحها ~~بمن معه من الجند؟ إنه إذن لمردود دون غايته، ولن يبوء إلا بالهزيمة النكراء، لكنهم عرفوا ~~من أنبائه في أثناء سيره بمصر، وجربوا من دهائه وبعد نظره ما أورثهم الريبة من مقصده، ~~وأعماهم عن غرضه، وهو لم يفكر بالفعل في السير إلى الإسكندرية، وكيف يسير إليها وهو يعلم ~~أنها مفتوحة لمدد الروم من البحر! بل كيف يسير إليها تاركا وراءه حصن بابليون سليما ~~زاخرا بالرجال والعتاد! إنما فكر في أن يسير إلى الفيوم يشيع الفزع في نفوس أهلها، ويقيم ~~الدليل للمصريين على أن دولة الروم لا محالة زائلة، وليس في طريق الصحراء بين الفيوم ~~وبابليون عقبة واجتياز هذا الطريق هين على أبناء البادية من أهل شبه الجزيرة، وهو بعد طريق ~~قريب يقطعه الفارس في ساعات معدودة، فإذا استطاع عمرو إشاعة الفزع في هذا الإقليم بلغ ~~مقصده، وكسب من الوقت ما يكفي الخليفة لإرسال مدد جديد يستطيع به عمرو أن ينفذ خطته في ~~الفتح، وأن يدخل به مصر في حكم المسلمين. # لكن عمرا لم يلبث حين بلغ تخوم الفيوم أن علم أن الروم أعدوا للدفاع عن الإقليم ووضعوا ~~الجنود على مداخله؛ لذلك لزم الصحراء وجعل يغير بكتائب قليلة على البلاد القريبة منه، يسوق ~~النعم طعاما لجيشه، وجاء البدو المقيمون بهذه المنطقة بأنباء عرف منها أن كتيبة من الروم ~~بإمرة رجل اسمه حنا تسير مختفية في النخيل والآجام قبالته متنطسة أخباره فإذا حاول اقتحام ~~البلاد الآهلة دعت الجيش المرابط في ثغور الفيوم لمواجهته، عند ذلك أغذ السير حتى بعد ~~بحنا وكتيبته عن الجيش، ثم ارتد إليه وحاصره ومن معه وقتلهم عن آخرهم. # أذاعت هذه ms427 الفعلة الرعب في قلوب أهل الإقليم جميعا، وقد حزن قائد الروم بالفيوم لمقتل ~~حنا أشد الحزن وأمر بالبحث عن جثته، فلما انتشلت من النهر حنطت ووضعت على سرير وحملت إلى ~~حصن بابليون، وبعث بها إلى هرقل في القسطنطينية، وحزن هرقل لمرآها وأقسم ليدافعن عن مصر بكل ~~قوته، واندفعت قوة من الفيوم تلقى جيش المسلمين وتنشب القتال معه، لكن عمرا اكتفى بالظفر ~~بحنا وأصحابه وبما أنزله من الرعب في أهل الإقليم، وظل متحصنا بالصحراء راغبا عن لقاء عدو ~~يخشى الصحراء ويرى الموت كامنا فيها، ولشد ما اغتبط الروم حين رأوه ينسحب بقواته ~~ممعنا في الفيافي؛ فقد خيل إليهم أنه خشي لقاءهم ففر منهم، فعادوا إلى قومهم وعلى ثغورهم ~~ابتسامة الرضا بأن كفاهم الله شر القتال! # والواقع أن عمرا لم ينسحب؛ لأنه خافهم، بل انسحب عائدا إلى أم دنين يسرع السير جهد ~~طاقته؛ لأن رسولا من المسلمين جاءه فذكر له أن أمير المؤمنين بعث إليه بمدد جديد، وأن هذا ~~المدد سار من الفرما إلى بلبيس في الطريق الذي سار فيه عمرو وأنه يوشك أن يصل إلى حصون ~~الروم، فلم يكن لعمرو بد من أن يرجع للقاء المدد خشية أن يقطعه الروم عنه وأن يردوه عن عبور ~~النهر إليه، والمحقق أنه أبدى في ذلك مهارة فائقة؛ فقد كانت جيوش الروم مشرفة على النيل من ~~حصن بابليون، وكان في مقدورها أن تخرج من الحصن وأن تعبر النهر، وأن تحول بين قائد المسلمين ~~والمدد المقبل إليه، لكنها لم تفعل واستطاع عمرو أن يعبر الشاطئ الشرقي وجيشه معه، وأن يتصل ~~بالمدد الذي نزل هليوبوليس على مقربة من الحصن الروماني. # كيف أتم القائد البارع هذه المعجزة من معجزات الحرب؟ أتراه اتخذ الليل لباسا له ولجيشه ~~ثم عبر النهر محتميا في ظلمته؟ وهل بقي الروم في غفلة عنه في أثناء سيره وأثناء عبوره فلم ~~يواجهوه ولم يحاولوا رده؟ أم هم عرفوا مجيء المدد وسيره للقائهم فخافوا أن يتخلوا عن الحصن ~~فيهاجمه المدد ويفتضه على من فيه؟ لم يذكر ms428 المؤرخون ما يلقي شيئا من النور على هذه ~~المداورة البارعة، وهذا الانسحاب الدقيق من الفيوم إلى هليوبوليس، وكل ما يذكره بتلر ~~استنادا إلى مراجعه الكثيرة أن عمرا استطاع أن يعبر النهر، إما عنوة وإما غرة من الروم ~~«وأغلب الظن أنه عبر النهر في موضع أسفل من موضع أم دنين إلى الشمال منها، فقد علم بأن ~~أمداد المسلمين سائرة في طائفتين ميممة شطر «عين شمس» وهي «هليوبوليس» وعلم أن مقامه في ~~الجانب الغربي مخطر، والحق أنه فزع خوفا من أن يفطن الروم إلى الأمر، فيحولوا بينه وبين ~~الاتصال بالمدد الذي جاء به الزبير، ولكن «تيودور» (قائد الروم) ضيع الفرصة على عادته، فلم ~~يضرب الضربة القاضية، واستطاع عمرو أن يسير للقاء المدد ويبلغ عسكر المسلمين في هليوبوليس ~~وقد امتلأت قلوب أصحابه عزة وبشرا بما وفقوا له من الفوز في غزوتهم.» # كانت عدة المدد الذي أقبل ثمانية آلاف، عليهم الزبير بن العوام ومعه عبادة بن الصامت ~~والمقداد بن الأسود ومسلمة بن مخلد، وقد اغتبط عمرو بمقدمهم أيما اغتباط، فلو أنهم أبطئوا ~~عليه أكثر مما أبطئوا لبلغ موقفه من الدقة ما يتعذر معه على أكثر القواد مهارة أن يغالبه ~~ويغلبه، والحق أن المغامرة التي أقدم عمرو عليها، منذ قدم مصر إلى أن جاءه المدد، جديرة أن ~~تعقد تاج الفخر على هامة أشد القواد مخاطرة وأعظمهم براعة، فقد ظل يواجه الأخطار ويقتحمها، ~~ويدفع إلى النفوس اليقين بأن الروم لا حيلة لهم في قوم هزموا كسرى وقهروا قيصر، ألم يواجه ~~جموع الروم في الفرما وفي بلبيس وفي أم دنين وفي الفيوم، فلم يظفروا به مرة واحدة على ~~حين ظفر هو بهم مرات! وفي هذه الأثناء كانت كتبه إلى عمر باستعجال المدد لا تنقطع، وكان ~~المدد الأول إليه قليلا فلم يضعضع ذلك من عزمه، ولم يبعث اليأس إلى نفسه، بل كان يلتمس ~~وجوه الحيلة للإبقاء على القوة المعنوية سامية بروح جيشه، واثقا من مضاعفة أمير المؤمنين ~~المدد له، ومن إنفاذ خطته كاملة متى حانت الفرصة لإنفاذها. # وقد ms429 يتولانا العجب لإبطاء المدد عن عمرو كل هذا الزمن؛ فقد كان انتصاره في الفرما وفي ~~بلبيس قمينا أن يعجل أمير المؤمنين بإمداده، حتى لا يتعرض لمواجهة الروم في حصونهم المنيعة ~~على النيل بجنده القليل، أتراه ظن أن قائده يقيم بالعريش أو بالفرما حتى يأتيه المدد، وأنه ~~لن يغامر بقتال عدوه وهو فيمن هو فيهم من الجند، فلما جاءته الأنباء بانتصاره في الفرما ~~وبمسيرته إلى بلبيس، وبأنه يوشك أن يواجه الروم في عاصمة الفراعنة، ندب الناس مددا له، ثم ~~ضاعف هذا المدد من بعد وجعل على رأسه الزبير بن العوام حين جاءته أنباء أم دنين وانتصار ~~عمرو فيها؟ # 2 # أيا ما يكن الأمر فقد كان الزبير يومئذ قد هم بالغزو وأراد أن يأتي أنطاكية، والزبير ~~ابن عمة النبي وصاحبه، وكان من أبطال العرب المعدودين، فلما عرف عمر ما هم به دعاه وقال له: ~~«يا أبا عبد الله! هل لك في ولاية مصر؟» فأجابه الزبير: «لا حاجة لي فيها، ولكني أخرج ~~مجاهدا وللمسلمين معاونا، فإن وجدت عمرا قد فتحها لم أعرض لعمله، وقصدت إلى بعض السواحل ~~فرابطت به، وإن وجدته في جهاد كنت معه.» ودعا له عمر وودعه، فسار على رأس الجيش حتى دخل مصر ~~وجعل وجهته عين شمس. # وكان اختيار عمر للزبير توفيقا من الله أعظم التوفيق؛ فقد عرف هذا البطل بشدة المراس ~~وقوة الشكيمة منذ نشأته، وكان إلى ذلك كريما في الناس عزيزا عليهم، أسلم وهو ابن ست عشرة ~~سنة، وهاجر إلى أرض الحبشة الهجرتين جميعا، فلما سار إلى المدينة لم يتخلف عن غزاة غزاها ~~رسول الله، وقد بايع رسول الله على الموت في أحد، وندب النبي الناس يوم الخندق من يأتيه ~~بخبر الأحزاب وبني قريظة، فانتدب الزبير، وندبهم الثانية فانتدب الزبير، وندبهم الثالثة ~~فانتدب الزبير، فقال رسول الله: «إن لكل نبي حواريا وحواريي الزبير بن العوام.» وكانت مع ~~الزبير إحدى رايات المهاجرين الثلاث يوم فتح مكة، لهذا كله أدناه النبي ومحضه الحب، فلما خط ~~الدور بالمدينة جعل له بقيعا ms430 واسعا وأقطعه نخلا كانت من أموال بني النضير، ورخص له في ~~لبس الحرير، وقد أحبه أبو بكر وعمر كما أحبه رسول الله، فأقطعه الصديق الجرف وأقطعه عمر ~~العقيق أجمع؛ بل لقد أحبه كل من عرفه، وكان الجنود الذين يسيرون في إمرته أشد الناس حبا ~~له. # تخطى عمرو بن العاص النيل وسار إلى عين شمس، واتصل بالزبير وبالمدد العظيم الذي جاء معه، ~~وكان الزمن قد جر على عين شمس يومئذ ذيل العفاء، فلم تبق «أون» مدينة الشمس الفرعونية ~~العظيمة التي كانت كعبة العلوم والدراسات، والتي عرفها أفلاطون وعرفها غيره من فلاسفة ~~اليونان، وتلقوا فيها المعرفة والحكمة، ودرسوا بها الفلسفة والفلك ورأوا من سعة عمرانها ~~وعظمة عمارتها وجلال معابدها ومسلاتها وتماثيلها ما ذكره «هيرودوتس» كما ذكر تبحر رجال ~~الدين بها في التاريخ المصري كله، فقد جرت الإسكندرية وفلسفتها على عين شمس ما هوى بها ~~وبمنف من ذروتهما الرفيعة، فلما حكم الرومان مصر ثم دان أهلها بالمسيحية، هجر العلم وهجر ~~الفقه عين شمس إلى غير عودة، ونقلت منها المسلات والتماثيل إلى طائفة من مدن الدلتا، بل نقل ~~بعضها عابرا البحر الأبيض إلى رومية، وكذلك تدهور كل ما في مدينة الشمس بعد أن أضاءها ~~العلم وأضاءتها الحكمة بنورهما قرونا طويلة، فلم يبق بها حين نزلها العرب من مجدها القديم ~~إلا اسمها اليوناني «هليوبوليس» وإلا أسوار مهدمة وتماثيل مطمورة تحت الثرى، ومسلة لا تزال ~~قائمة ببلدة المطرية إلى يومنا الحاضر، تدل شاهدها على موقع مدينة الشمس القديمة، ويروي ~~صمتها حديث ذلك العهد المجيد العظيم. # وقد اختار عمرو بن العاص أطلال عين شمس، فعسكر بها وعسكر معه المدد الذي جاء مع الزبير بن ~~العوام؛ لأن هذا المكان كان نهدا من الأرض يسهل الدفاع عنه، ولأنه كان فيه ماء كثير، ومن ~~حوله ميرة وفيرة تصلح لإمداد الجيش بالمئونة، فلما اطمأن إلى منازله فيها ورأى من حوله خمسة ~~عشر ألفا وخمسمائة جندي أيقن أن ساعة الفصل بينه وبين الروم اقتربت، فجمع أصحابه من أولي ~~الرأي في الحرب وتداول ms431 معهم في خطة القتال، وكان أكبر همه أن يستخرج الروم من حصن بابليون ~~ليقاتلهم في السهل، وسرعان ما جاءته عيونه بأن الله محقق عما قليل رجاءه، فقد تداول تيودور ~~أمير جند الروم مع أصحابه، فرأوا أن مقامهم بالحصن يظهرهم أمام المصريين مظهر الجبن والضعف، ~~ويغري الناس بالانضمام إلى المسلمين ومعاونتهم، وقد كانت أعدادهم تفوق أعداد المسلمين، ~~وكانوا خيرا منهم عدة؛ لذلك عزموا على الخروج إلى العرب لمناجزتهم، وأزمعوا السير إلى عين ~~شمس لإجلائهم عنها، فلما عرف عمرو خطتهم دبر للقائهم والقضاء عليهم، فأخرج خمسمائة رجل ~~ساروا تحت الليل من وراء الجبل حتى دخلوا مغار بني وائل عند قلعة الجبل، وأخرج خمسمائة ~~آخرين جعل عليهم خارجة بن حذافة فساروا قبيل الصبح إلى أم دنين - في حي الأزبكية الحالي ~~- وزود هؤلاء وهؤلاء بأوامره، فلما تنفس الصبح سار من عين شمس على رأس قواته كلها حتى بلغ ~~موضع العباسية في وقتنا الحاضر، وهناك أقام ينتظر جموع الروم القادمة من حصن بابليون عند ~~مصر القديمة. # وخرج الروم من حصنهم في الصباح الباكر، وساروا بين الأديار والبساتين المحيطة بالحصن من ~~شماله الشرقي، وإنهم ليتقدمون إلى عين شمس إذا بلغهم أن عمرا انحدر منها في صحبه يريد ~~لقاءهم، وقد استخفهم الطرب لذلك، وأيقنوا الظفر به وتعاهدوا فيما بينهم على القتال حتى ~~الموت، فلم يكن عندهم من شبهة في أنهم إن يفتهم النصر ذلك اليوم فقد اندك صرحهم ودالت ~~دولتهم في هذه البلاد الغنية المعطاء، والتقى الفريقان فأنشبوا القتال وعضوا على النواجذ ~~والتحموا وعلاهم غبار المعركة، ولا يريد أيهم أن ينفصلوا حتى تفصل الحرب بينهم، وإنهم لكذلك ~~إذ انحدرت الكتيبة المختبئة في مغار بني وائل تهوي من الجبل فتعصف بمؤخرة الروم عصفا، ولم ~~يكن الروم على علم بهذه المكيدة؛ لذا تولاهم الفزع لما أصابهم، فاضطربت صفوفهم وتقهقروا ~~متياسرين نحو أم دنين، عند ذلك خرج الكمين الآخر إليهم فأمعن فيهم قتلا، فخيل إليهم أن ~~ثلاثة جيوش من العرب تقاتلهم من ثلاث نواح مختلفة، وأنهم لا أمل لهم في ms432 المقاومة، فانحل ~~نظامهم ولاذ أكثرهم بالهرب يطلبون النجاة من سيوف العرب، وبلغت طائفة من الفارين الحصن ~~فلاذت به، وساق الفزع طائفة إلى النهر فنزلت السفن تلتمس النجاة في حمى الماء حتى تبلغ ~~الحصن على ظهره، وكان عدد الذين هلكوا في الموقعة وفي الطلب أجل من أن يحصى، ورأى العرب ما ~~أصاب عدوهم من الفزع، فمالوا إلى حصن أم دنين فاستولوا عليه كرة أخرى، وكذلك انتصر ~~المسلمون في هذه الموقعة التي يسميها المؤرخون موقعة عين شمس نصرا حاسما وطد أقدامهم على ~~ضفاف النيل، وأراهم مصر كلها في قبضة أيديهم. # وكيف لا يرونها في قبضة أيديهم وقد علموا أن الذين هربوا إلى حصن بابليون لائذين به لم ~~يلبثوا حين سمعوا بهلاك من هلك من جيش الروم أن فروا من ملجئهم وركبو السفن، وساروا في ~~الفرع الغربي للنيل - فرع رشيد - حتى بلغوا حصن نقيوس إلى الشمال من منوف، ولئن بقيت مع ذلك ~~مسلحة قوية وكل إليها الدفاع عنه، لقد أشاع انتصار المسلمين من الفزع في الناس جميعا ما ~~دفع إلى نفوسهم اليقين بأن النصر كتب لهؤلاء الغزاة لا محالة، وكان تصرف عمرو بعد الموقعة ~~مما زاد الناس بهذا الأمر إيمانا، فقد سار إلى مدينة مصر فاستولى عليها بغير قتال، ولم ~~يستطع الجيش الذي بالحصن أن يمد لها يد المعونة كما كان يفعل من قبل، ثم نقل عسكره من عين ~~شمس فأنزله في شمال الحصن وشرقه بين البساتين والكنائس، في المكان الذي أقام فيه الفسطاط من ~~بعد. # وجاءته الأنباء بأن حامية الروم بالفيوم فرت إلى «نقيوس» حين علمت بنصر المسلمين فجهز ~~كتيبة عبرت النهر وسارت في طريق الصحراء، فاستولت على إقليم الفيوم كله، ولم يكتف بهذا، بل ~~أرسل قوة أخرى إلى جنوب الدلتا، فاستولت في إقليم المنوفية على أثريب ومنوف، لهذا كله آمن ~~الناس بأن النصر قد حالف الغزاة، فخشعت نفوسهم وخضعوا طوعا أو كرها لما فرضه عليهم عمرو ~~من الأموال والميرة، وبخاصة بعد أن رأوا الحكام من الروم يؤتى بهم بأمره مجموعة أيديهم ms433 في ~~الأصفاد وأرجلهم في القيود، واستولى الروع على كثيرين وأفزعتهم رهبة الغزاة الفاتحين، ففروا ~~إلى الإسكندرية زرافات يخطئها العد، يرجون أن يجدوا في حصونها وأسوارها ملجأ، ويطمعون في أن ~~يمدها قيصر من البحر بقوات تمكنها من دفع الغزاة القاهرين. # لم يبطر الظفر عمرا، ولم يغره بالسير إلى الإسكندرية ليفتحها قبل أن يفتض حصن بابليون ~~على من فيه، فلو أنه فعل لاضطر إلى توزيع قواته ليذر جانبا منها على حصار الحصن وليسير ~~بسائرها إلى الشمال على فرع النيل يقاتل حتى يبلغ العاصمة، وفي هذا التوزيع من الخطر ما لم ~~يغب عنه؛ فقد كثرت القوات اللائذة بالحصن، وأصبح في مقدورها الذود عنه، لا سيما أنها كانت ~~مهددة بالفناء إذا فتح العرب أبواب الحصن ودخلوه عليها عنوة، فلم يكن لها بد من أن ~~تقاتل قتال المستميت، ولئن كانت روحها المعنوية قد تضعضعت، لقد كانت ترجو أن يفتق طول ~~الحصار الحيلة لهرقل أو لقواد الروم بالإسكندرية فيمدوا الحصن وينقذوا من فيه، ولم تكن هذه ~~القوات في ريب من أن الحصار سيطول؛ فقد تقدم الصيف وبدأ فيضان النيل وارتفاع مياهه، فلم يكن ~~في مقدور المسلمين أن يجتازوه أو يهاجموا الحصن على متنه، ولم يكن لهم بد من انتظار هبوط ~~الفيضان، فليصبر حماة الحصن وليصابروا؛ فكثيرا ما غيرت المفاجآت سير الحرب، والظفر في كل ~~حرب لأطول الجند صبرا وأكثرهم احتمالا. # عزم عمرو على محاصرة الحصن، وعزم اللاجئون إليه على الدفاع عنه أو يبيدوا دونه، وقوى ~~عزمهم على الاستماتة في الدفاع ما كانت عليه أسوار الحصن وأبراجه من منعة لا تنال، فهذا ~~الأثر الذي لا تشهد أعيننا منه اليوم في مصر القديمة إلا أطلالا دوارس لأسواء متهدمة ~~وبقايا محطمة لبرجين بينهما باب قديم قد كان حين الفتح العربي قلعة رومانية من أمنع القلاع ~~وأقواها، كانت أسواره ترتفع نحو ستين قدما، وكان سمك هذه الأسوار ثماني عشرة قدما، وكانت ~~صروحه تزيد على الأسوار ارتفاعا، وكان في كل صرح سلم صاعد إلى أعلى البناء يشرف الناظر منه ~~على جبل ms434 المقطم من الشرق، وعلى الجيزة والأهرام وصحراء لوبيا من الغرب، ويرى منه مجرى النيل ~~إلى مسافات بعيدة من الشمال ومن الجنوب، وكان النيل يبلغ باب الحصن الأكبر، فكانت السفن ~~الرومانية ترسو عنده إلى جانب درج يهبط منه إليها، وكان هذا الباب الأكبر مصنوعا من الحديد ~~أو مصفحا به فكان اقتحامه مستحيلا لمتانته ولحماية السفن له، هذا إلى أن جزيرة الروضة ~~القائمة وسط النهر كانت بها حصون قوية تزيد حصن بابليون منعة وقوة، وكان في داخل الحصن آبار ~~يستسقى منها حماته، كما كانت المزارع والحدائق الممتدة من حوله تمده بالميرة، وكان يحيط ~~بالحصن خندق عليه قنطرة متحركة لا يستطيع فتحها أو تحريكها إلا من داخله، لهذا كله أمنت ~~القوات المتحصنة به جانب العدو، واطمأنت إلى مقدرتها على الدفاع عنه حتى يأتيها المدد أو ~~تحدث مفاجأة من مفاجآت الحرب ترد العرب على أعقابهم. # حاصر عمرو الحصن ومن فيه، وكان يعلم أن الحصار قد يطول بسبب ارتفاع النهر وتدفع تياره، ~~ولمناعة الحصن وقوة أسواره، لكنه كان يعلم كذلك أن الفيضان لن يدوم إلا شهرا أو شهرين، ~~فمناجزة القوم في أثنائهما كفيلة بأن تزيد روحهم ضعفا، ثم إن تدفع التيار بسبب الفيضان ~~يجعل مجيء المدد على النيل من نقيوس أو من الإسكندرية إلى الحصن أمرا عسيرا، فإذا ~~تعاقبت الأيام والأسابيع ويئس حماة الحصن من المدد ازدادت روحهم ضعفا فذهب ريحهم، فإذا ~~ثبتوا مع ذلك حتى ينزل الفيضان أصبح اقتحام الحصن عليهم أمرا مستطاعا. # كان المقوقس بالحصن # 3 # منذ ابتدأ الحصار، وكان على إمرة جنود الحصن قائد رومي يسميه مؤرخو العرب ~~«الأعيرج» ويحسب بتلر أن هذه التسمية تحريف منهم لاسم «جورج» وكان جند الحصن كلهم من الروم ~~إلا قليلا من القبط لعلهم كانوا في خدمتهم، وكان الروم بالحصن يرمون العرب بالمجانيق، ~~فيجيبهم العرب بالحجارة والسهام، ودام الحصار على ذلك شهرا والعرب لا تهن لهم عزيمة ولا ~~ينفد لهم صبر، ورأى المقوقس وأصحابه أن النيل قد بدأ فيضانه ينزل، إذ كان شهر أكتوبر سنة ~~640 قد ms435 بدأ، فاجتمعوا في سر ممن معهم وتشاوروا في الأمر وبسط لهم المقوقس رأيه، وكان يرى أن ~~المدد لن يأتي ليرفع عنهم الحصار قبل أشهر، وأن العرب سيضيقون عليهم الخناق في هذه الأثناء ~~ويرهقونهم بألوان البأساء، وكيف لا يفعلون وقد قضوا من قبل على جيوشهم في الفرما وبلبيس وأم ~~دنين والفيوم وعين شمس! وها هم أولاء يحاصرونهم بما لا قبل لهم به، أليس خيرا أن يفتدوا ~~أنفسهم بالمال ليرحل هؤلاء العرب ولتعود مصر إلى ملك الروم؟! وما زال المقوقس يسوق الحجج في ~~بيان ساحر حتى انضم الحاضرون جميعا إلى رأيه، لكنهم رأوا أن من الخير أن تجري المفاوضة مع ~~العرب سرا حتى لا يقف أحد من المدافعين عن الحصن على شيء من أمرها، وأن يتولاها المقوقس ~~بنفسه، وتسلل المقوقس وجماعة من أصحابه من الحصن بعد جنح الليل، وركبوا السفن إلى جزيرة ~~الروضة فلما بلغها أرسل إلى عمرو بن العاص برسالة مع أسقف بابليون وجماعة معه يقول فيها: # إنكم قد ولجتم في بلادنا وألححتم على قتالنا، وطال مقامكم في أرضنا، وإنما أنتم ~~عصبة يسيرة، وقد أظلتكم الروم وجهزوا إليكم ومعهم من العدة والسلاح، وقد أحاط بكم ~~هذا النيل، وإنما أنتم أسارى في أيدينا، فابعثوا إلينا رجالا منكم نسمع من كلامهم، ~~فلعله أن يأتي الأمر فيما بيننا وبينكم على ما تحبون ونحب، ويقطع عنا وعنكم القتال ~~قبل أن تغشاكم جموع الروم، فلا ينفعنا الكلام ولا نقدر عليه، ولعلكم أن تندموا إن ~~كان الأمر مخالفا لطلبكم ورجائكم، فابعثوا إلينا رجالا من أصحابكم نعاملهم على ما ~~نرضى نحن وهم به من شيء. # وانتظر المقوقس أن يعود إليه رسله في اليوم نفسه برد عمرو، فما كان هذا الرد ليزيد على ~~قبول المفاوضة أو رفضها، فإن رفضت عاد كل إلى موقفه وعاد القتال كما كان، وإن قبلت اختار كل ~~فريق مفاوضيه ابتغاء الوصول إلى صلح إن أمكن، لكن رسل المقوقس حبسوا عنه يومين كاملين، فخاف ~~عليهم وقال لأصحابه: أترون القوم يحبسون الرسل أو يقتلونهم ويستحلون ذلك في ms436 دينهم! وإنما ~~أراد عمرو بحبسهم أن يريهم حال المسلمين، ولقد عادوا بعد يومين يحمل رئيسهم رسالة عمرو إلى ~~المقوقس يقول فيها: # إنه ليس بيني وبينكم إلا إحدى ثلاث خصال: إما دخلتم في الإسلام فكنتم إخواننا ~~وكان لكم ما لنا، وإما أبيتم فأعطيتم الجزية عن يد وأنتم صاغرون، وإما جاهدناكم ~~بالصبر والقتال حتى يحكم الله بيننا وبينكم وهو خير الحاكمين. # دهش المقوقس لما سمع؛ فليس هذا جواب من يريد المفاوضة، بل هو جواب المنتصر يريد أن يفرض ~~حكمه، أترى بلغ من هؤلاء القوم الغرور أو بلغت منهم الثقة بالنفس فليس إلى إغرائهم بالمال ~~أو بغير المال سبيل! وسأل رسله كيف رأوهم؟ فأجابه رئيسهم: «رأينا قوما الموت أحب إلى أحدهم ~~من الحياة، والتواضع أحب إليهم من الرفعة، ليس لأحدهم في الدنيا رغبة ولا نهمة، وإنما كان ~~جلوسهم على التراب، وأكلهم على ركبهم، وأميرهم كأنه واحد منهم؛ ما يعرف رفيعهم من وضيعهم؛ ~~ولا السيد من العبد، وإذا حضرت الصلاة لم يتخلف عنها منهم أحد؛ يغسلون أطرافهم بالماء ~~ويخشعون في صلاتهم.» # أطرق المقوقس حين سمع هذا الوصف، ثم رفع رأسه وقال لأصحابه: «والذي يحلف به لو أن هؤلاء ~~استقبلوا الجبال لأزالوها، ولا يقدر على قتال هؤلاء أحد! ولئن لم نغتنم صلحهم اليوم وهم ~~محصورون بهذا النيل، لم يجيبونا بعد اليوم إذا أمكنتهم الأرض وقووا على الخروج من ~~موضعهم.» # أترى هوى الضعف بنفس المقوقس فأملى عليه هذا الجواب؟ أم كان يطمع في إغراء العرب بعرض سخي ~~يستهويهم فيرضونه ويرحلون عن أرض مصر؟ الجواب عن هذا وذاك تنطق به الحوادث من بعد؛ فقد رد ~~المقوقس رسله إلى المسلمين يقول لهم: «ابعثوا إلينا رسلا منكم نعاملهم ونتداعى نحن وهم على ~~ما عساه يكون فيه صلاح لنا ولكم.» # ولم يرفض عمرو ما طلب إليه، فبعث عشرة نفر أحدهم عبادة بن الصامت، وكان أسود اللون ضخما ~~طويلا، وأمره أن يكلم القوم، وألا يجيبهم إلى شيء دعوه إليه إلا إحدى هذه الخصال الثلاث، ~~ودخل القوم على المقوقس وأراد عبادة مخاطبته، ms437 فلما رآه قال: «نحوا عني هذا الاسود وقدموا ~~غيره يكلمني.» ولعله أراد بهذا أن يوقع بينهم، لكنهم أجابوه جميعا بأنهم يرجعون إلى قول ~~عبادة ورأيه، وتكلم عبادة وذكر ما أمر الله ورسوله المسلمين به من الزهد في الدنيا، والرغبة ~~في الآخرة، والجهاد في الله، وحب الاستشهاد في سبيله، وأعجب المقوقس بكلامه، وأبدى إعجابه ~~لأصحابه، ثم قال لعبادة: «لقد توجه إلينا لقتالكم من جميع الروم ما لا يحصى عدده قوم ~~معروفون بالنجدة والشدة ممن لا يبالي أحدهم من لقي ولا من قاتل، وإنا لنعلم أنكم لن تقدروا ~~عليهم لضعفكم وقلتكم، وقد أقمتم بين أظهرنا شهرا وأنتم في ضيق وشدة من معاشكم وحالكم، ونحن ~~نرق عليكم لضعفكم وقلتكم وقلة ما بأيديكم، وتطيب أنفسنا أن نصالحكم على أن نفرض لكل رجل ~~منكم دينارين ولأميركم مائة دينار ولخليفتكم ألف دينار، فتقبضونها وتنصرفون إلى بلادكم قبل ~~أن يغشاكم ما لا قوة لكم به.» # هذا الكلام يجمع إلى الوعد الوعيد، وإلى الإغراء التهديد؛ فهذه ثلاثون ألف دينار تعرض على ~~عبادة ثمنا للانصراف عن الحرب، فإن أباها كان مهددا بمدد الروم الذي يتكلم المقوقس عنه، ~~ولكن أوامر عمرو إلى عبادة كانت صريحة، وكان عبادة شجاعا لا يهاب الموت؛ لذلك أجاب المقوقس ~~مزدريا جمع الروم وعددهم، ذاكرا قوله تعالى: # كم من فئة ~~قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع ~~الصابرين ~~، وأن كل رجل من المسلمين يدعو ربه صباح مساء أن يرزقه الشهادة، ~~وأنهم إلى ذلك في أوسع السعة من معاشهم وحالهم، «فانظر الذي تريد فبينه لنا، فليس بيننا ~~وبينك خصلة نقبلها منك أو نجيبك إليها إلا خصلة من ثلاث، فاختر أيتها شئت ولا تطمع نفسك في ~~الباطل، بذلك أمرني الأمير، وبها أمره أمير المؤمنين، وهو عهد رسول الله # صلى الله عليه وسلم # من قبل ~~إلينا.» ثم ذكر له أنهم إن أسلموا انصرف العرب عنهم، وإن أبو الإسلام وأدوا الجزية أدخلهم ~~المسلمون في حمايتهم ودافعوا عنهم، وإن أبو الإسلام والجزية جميعا فليس إلا الحرب تفصل بين ~~الفريقين. # حاول ms438 المقوقس عبثا أن يصرف عبادة إلى خصلة غير هذه الخصال الثلاث، والتفت إلى من معه ~~يستطلع رأيهم فأبوا إجابة المسلمين إلى شيء مما طلبوا؛ فانصرف عبادة وأصحابه لم يغيروا مما ~~قالوه حرفا، وعاد المقوقس ينصح أصحابه بمصالحة المسلمين، فسألوه: أي خصلة نجيبهم إليها؟ ~~قال: «إذن أخبركم، أما دخولكم في غير دينكم فلا آمركم به، وأما قتالهم فأنا أعلم أنكم لن ~~تقووا عليهم ولن تصبروا صبرهم، ولا بد من الثالثة.» قالوا: فنكون لهم عبيدا أبدا! قال: ~~«نعم! تكونون عبيدا مسلطين في بلادكم، آمنين على أنفسكم وأموالكم وذراريكم، خير لكم من أن ~~تموتوا عن آخركم أو تكونوا عبيدا تباعوا وتمزقوا في البلاد مستعبدين أبدا أنتم وأهلكم ~~وذراريكم.» قالوا: الموت أهون من هذا! وعادوا إلى الحصن وقطعوا الجسر من الجزيرة، وعادت ~~الحرب بينهم وبين المسلمين. # ماذا حدث بعد ذلك؟ يقول مؤرخو العرب: «فألح المسلمون عند ذلك بالقتال على من بالقصر حتى ~~ظفروا بهم وأمكن الله منهم فقتل منهم خلق كثير وأسر من أسر منهم، وانحازت السفن كلها إلى ~~الجزيرة .» ويقول بتلر: «ويظهر لنا أن كبار الروم طلبوا أن يهادنهم العرب شهورا ليروا ~~رأيهم، فأجابهم عمرو جوابا قاطعا أنه لن يمهلهم أكثر من أيام ثلاثة، غير أن عمل المقوقس ~~لم يلبث أن ذاع في الناس، فثار ثائرهم وأبى جند الإمبراطور إلا القتال، فما انتهت أيام ~~الهدنة الثلاثة حتى أخذ أهل الحصن يتجهزون للخروج إلى المحاصرين يناجزونهم، ولم يبعثوا ~~ردا إلى عمرو، وخرجوا إليه بغتة فوق قناطرهم فأخذوا جنود المسلمين على غرة، ولم تذهل تلك ~~البغتة العرب، فأسرعوا إلى سلاحهم وقاتلوا الروم قتالا شديدا، وقاتلهم الروم يومئذ ~~مستبسلين، غير أن العرب تواردوا إليهم منذ نذروا بهم فتكاثروا عليهم، فما استطاعوا إلا أن ~~يتراجعوا إلى الحصن بعد أن قتلت منهم مقتلة عظيمة.» # ليس بين الروايتين فيما نرى خلاف، وكلاهما متفق على أن العرب أحرزوا هذا النصر بعد أيام ~~معدودة من مفاوضة عبادة بن الصامت والمقوقس، ولم يرد المقوقس أن يضيع الفرصة فعاد إلى قومه ~~يحدثهم في ms439 ضرورة الإذعان لما طلبه العرب من الجزية، وأقره القوم كارهين، فبعث إلى عمرو يذكر ~~له أنه لا يزال على رأيه في مصالحته، «فأعطني أمانا اجتمع أنا وأنت، وأنا في نفر من ~~أصحابي، وأنت في نفر من أصحابك، فإن استقام الأمر بيننا تم لنا ذلك جميعا، وإن لم يتم ~~رجعنا إلى ما كنا عليه.» وأبى أصحاب عمرو ما عرضه المقوقس، وآثروا الحرب حتى تصير الأرض ~~كلها لهم فيئا وغنيمة، فقال لهم عمرو: قد علمتم ما عهد إلي أمير المؤمنين في عهده؛ فإن ~~أجابوا إلى خصلة من الخصال الثلاث التي عهد إلي فيها أجبتهم إليها وقبلت منهم، ومع ما قد ~~حال هذا الماء بيننا وبين ما نريد من قتالهم، وقد كان هذا الرأي من عمرو رأي السياسي المحنك ~~والقائد البارع، فقد أحدق الماء بالمسلمين من كل وجه، وصاروا لا يقدرون على أن يتقدموا نحو ~~الصعيد ولا إلى غير ذلك من المدائن والقرى، فدفعهم إلى القتال خطأ في التقدير، وانتظارهم ~~هبوط الماء قد يتيح للعدو فرصة وقد يهيئ للإسكندرية إمداده، ثم إن الروم في الحصن قد تضعضعت ~~قواهم وخارت عزائمهم فمن حسن الرأي مفاوضتهم وهم فيما هم فيه من هذه الحالة النفسية، حتى لا ~~يبعث اليأس إلى نفوسهم قوة التجلد والاستماتة، ولهم من مناعة الحصن ملجأ يستطيعون المقام ~~فيه زمنا طويلا. # وتصالح عمرو والمقوقس على أن يفرض على جميع من بمصر أعلاها وأسفلها من القبط دينارين على ~~كل نفس شريفهم ووضيعهم ممن بلغ منهم الحلم، ليس على الشيخ الفاني ولا على الصغير الذي لم ~~يبلغ الحلم ولا على النساء شيء، وعلى أن للمسلمين منهم النزل بجماعتهم حيث نزلوا، ومن نزل ~~عليه ضيف واحد من المسلمين أو أكثر من ذلك كانت لهم ضيافة ثلاثة أيام مفترضة عليهم، وأن لهم ~~أرضهم وأموالهم وكنائسهم وصلبهم وبرهم وبحرهم، وألا يغزوا ولا يمنعوا من تجارة صادرة ولا ~~واردة. # عقد هذا الصلح وعلق نفاذه على رضا الإمبراطور به، وأخذ المقوقس على نفسه أن يبعث به إلى ~~هرقل، واتفق الفريقان ms440 على أن تبقى جيوشهما حيث هي حتى يجيء رد قيصر، وأن يبقى الحصن مع ~~الروم إلى ذلك الحين، وركب المقوقس النهر إلى الإسكندرية، ومنها بعث بتفصيل ما حدث إلى ~~القسطنطينية مصحوبا بمذكرة إضافية طلب في ختامها إلى هرقل إقرار الصلح حتى يكفي مصر شر ~~الحرب وويلاتها، وحار هرقل حين اطلع على المذكرة وعلى الوثائق، فلم يعلم منها أكان الصلح ~~خاصا بحصن بابليون، أم كان مداه ترك مصر كلها للعرب؟ وهل يبقى العرب في البلاد بعد أخذ ~~الجزية أو يرحلون عنها؟ لذلك استدعى المقوقس إليه يجلو له ما اشتبه عليه، وحاول المقوقس حين ~~لقيه أن يهون الأمر، فذكر له أن العرب قد يحملون على الخروج بعد من مصر، فلما أحرجه ~~الإمبراطور بالسؤال لم يجد خيرا من الحقيقة يصارحه بها، فقال له: «لو رأيت هؤلاء العرب ~~وبلاءهم في القتال لعرفت أنهم قوم لا يغلبون، فليس لنا من سبيل خير من الصلح مع عمرو قبل ~~أن يفتح حصن بابليون عنوة وتصبح البلاد غنيمة لهم.» # لم يكن هرقل بالذي يجهل قوة العرب وبأسهم؛ فقد بلا من ذلك في الشام من سنوات عدة ما لم ~~ينسه وما لا يمكن أن ينساه، لكنه لم يتوقع قط أن تدور الدائرة على جيوشه في مصر، وأن تدور ~~عليهم بهذه السرعة، فالعوامل الجنسية والجغرافية التي أعانت العرب في الشام لا شيء من مثلها ~~في وادي النيل، وهو أعرف الناس بحصن بابليون، وأنه أمنع من أن ينال منه محاصر ما حسنت قيادة ~~المدافعين عنه، وقد كان له بمصر مائة ألف من الجند يقاتلهم اثنا عشر ألفا، فكيف يغلب هذا ~~العدد القليل الذي يسير في الصحراء تلك القوات الضخمة المتحصنة في أسوار متينة وقلاع مملوءة ~~عتادا؟ لا بد في الأمر من سر هو الذي أدى إلى النكبة النكراء التي أصابته في صميم ملكه، ~~لهذا ثار ثائره، فاتهم المقوقس بأنه خان الدولة وتخلى للعرب عن مصر، وحكم عليه بأنه مرتكب ~~مجرم ووصفه بالجبن والكفر، وأسلمه إلى حاكم المدينة فشهره وأوقع به المهانة، ms441 ثم نفاه من ~~بلاده طريدا. # لم يكن هرقل غاليا حين ثارت بنفسه الهواجس وتولاه الريب في الأسباب التي أدت إلى هزيمة ~~جنده، ولسنا نقصد من هذا القول إلى الحكم على المقوقس بأنه تعمد خيانة الدولة، وإنما نقصد ~~إلى أن الحصن كان يستطيع أن يقاوم، وألا تنزل بحماته أية هزيمة لو أن قائده كان قادرا فلم ~~يعرض من فيه للقاء العرب في ميدان مكشوف، واكتفى بأن يسدد إليهم النبل والمجانيق، ولا أدل ~~على ذلك مما حدث بعد نفي المقوقس، فقد رفض هرقل إقرار الصلح مع عمرو وعرف المسلمون بمصر هذا ~~الرفض في الأيام الأخيرة من ديسمبر سنة 640، فانتهت الهدنة وعاد القتال بين الفريقين، وكان ~~حماة الحصن قد قل عددهم، ولم يأتهم مدد من أية ناحية، وكانت الأحوال كلها مواتية للعرب؛ وقد ~~انتهى الفيضان وهبط ماء النيل، وغاض الماء من الخندق الذي حول الحصن، وأصبح في مقدورهم ~~مهاجمته، غير أن الروم ألقوا في الخندق حسك الحديد عوضا عن مائه، وجعلوا هذا الحسك كثيفا ~~عند مدخل أبوابه، فصد هذا العمل العرب عن التقدم لمهاجمة الحصن وأخذه عنوة وأبقاهم حوله ~~شهورا عدة اقتصر الأمر في أثنائها على ترامي الفريقين بالمجانيق والسهام، ولم يكن في مقدور ~~حماة الحصن غير هذا؛ ولذا ردهم العرب إلى الحصن كل مرة خرجوا فيها منه يحاولون لقاءهم، ~~وكذلك تصرمت أشهر الشتاء والحصن يقاوم، فلو أنه جاء المدد من نقيوس أو من الإسكندرية، ولو ~~أن هرقل بعث من لدنه بقائد من مهرة قواده على قوة من الجند للدفاع عنه، لتغير وجه الموقف، ~~وللقي المسلمون في الاستيلاء على هذه المنطقة المنيعة مشقة كبيرة، لكن المرض فتك بأهل الحصن ~~ولم يأتهم المدد، وكانت عيونهم تصعد كل يوم فوق أبراجه فلا ترى إلى أبعد حدود الأفق لهذا ~~المدد أثرا، ثم إنهم كانت تبلغهم الأنباء كل يوم بأن العرب يشنون الغارات على ما حولهم من ~~الأراضي، وأقبل شهر مارس من سنة 641 وجف ماء النيل أو كاد، وفي هذه الأثناء جاءت الأنباء ~~بموت هرقل في ms442 النصف الأول من فبراير سنة 641 # 4 # فاضطرب الروم لموته أي اضطراب، مع ذلك بقي الحصن يقاوم، وبقي الأمل يداعب نفوس ~~حماته بمجيء المدد لإنقاذه. # وكانت نكبة هرقل في مصر من الأسباب التي عجلت منيته؛ فقد حم بعد لقائه المقوقس وأعجزه ~~الاضطراب عن التفكير في إمداد بابليون أو تنظيم الدفاع عنها، ولم يفكر أحد غيره في هذا ~~الأمر؛ لأن الدولة كانت كلها ترزح تحت عبء ثقيل من عار هزيمتها منذ استولى العرب على دمشق ~~وعلى بيت المقدس، وطردوا الروم من الشام وساروا ينشرون الفزع في أرجاء مصر، على أن متانة ~~أسوار الحصن وأبراجه طوعت للذين ظلوا على قيد الحياة من حماته أن يثبتوا للغزاة إلى آخر شهر ~~مارس والأيام الأولى من شهر أبريل. # ولقد ضاق العرب ذرعا بالشهور السبعة التي انقضت منذ حاصروا الحصن، فهانت عليهم الحياة ~~وهانت عليهم أنفسهم، وذكروا فعال خالد بن الوليد بدمشق، وسعد بن أبي وقاص بالمدائن، ~~ونعيم بن مقرن بنهاوند، فلم يروا أن يكونوا دون هؤلاء الأبطال إقداما وجرأة، وكان ~~الزبير بن العوام أشدهم حماسة وأكثرهم على الموت في سبيل الله إقبالا، فقام في الناس فقال: ~~«إني أهب نفسي لله، وأرجو أن يفتح الله بذلك على المسلمين.» ثم أقبل بعد أيام تحت جنح الليل ~~مع كتيبة آزرته فطمموا الخندق المحيط بالحصن في موضع اختاروه ووضعوا سلما على السور علاه ~~الزبير بعد أن أمر أصحابه إذا سمعوا تكبيره أن يرقوا إليه وأن يجيبوه جميعا، واستوى الزبير ~~بأعلى الحصن وانطلق يكبر وسيفه يلمع في يده، فتبعه أصحابه وصعدوا السلم وساروا إلى جانبه ~~وكبروا معه؛ وأجاب المسلمون من خارج الحصن تكبيرهم، فلم يشك الروم أن العرب قد اقتحموا ~~الحصن فهربوا، وعمد الزبير إلى باب الحصن ففتحه ودخل المسلمون واستولوا على ما فيه. # هذه رواية، وتذهب رواية أوردها بتلر عن الطبري إلى أن الزبير علا الحصن مع أصحابه، ~~وأناموا من كان هناك من حرسه، وملكوا رأسه، وأرادوا الهبوط إليه، فألفوا حماته بنوا حائطا ~~تعترض الممشى التي فوق السور من ms443 تلك الناحية فأقاموا حيث كانوا، فلما بكر الصبح عرض قائد ~~الجند في الحصن على عمرو أن يسلمه إليه على أمان من فيه من الجند، واعترض الزبير على الصلح ~~وقال لعمرو: لو صبرت قليلا لنزلت من السور إلى داخل الحصن، ولكان الأمر على ما نشتهي، ولم ~~يقف عمرو عند قوله، بل كتب عهد الصلح مع قائد الحصن، على أن يخرج الجند منه في ثلاثة أيام ~~فيركبوا النهر ومعهم قوتهم لبضعة أيام تاركين الحصن وما فيه من الذخائر وآلات الحرب ~~للمسلمين، والطبري لا يورد مثل هذا التفصيل، على أن المؤرخين المسلمين جميعا يذكرون أن ~~عمرا أجاب المقوقس إلى الصلح على الجزية بعد أن اقتحم المسلمون الحصن، فإذا صح أن المقوقس ~~لم يكن بالحصن وكان قد نفي بعد ذهابه إلى هرقل، فلعل قائد الحامية هو الذي صالح عمرا على ~~ما جاء في رواية بتلر. # خرج جند الروم من الحصن في اليوم السادس من شهر أبريل سنة 641 من ميلاد المسيح؛ لكنهم ~~أبوا، في هذا اليوم الذي انسحبوا فيه يجلل هامهم الخزي والعار، إلا أن يجعلوا منه للمصريين ~~يوم نواح وحسرة؛ فقد سحبوا القبط الذين سجنوهم داخل الحصن في أثناء الحصار، وقطعوا أيديهم، ~~ونكلوا بهم تنكيلا أثار الأسقف المصري حنا النقيوسى مؤرخ ذلك العهد، وحمله على أن يسبهم في ~~ديوانه وأن يسميهم: «أعداء المسيح الذين دنسوا الدين برجس بدعهم، وفتنوا الناس عن إيمانهم ~~فتنة شديدة لم يأت بمثلها عبدة الأوثان ولا الهمج، وعصوا المسيح وأذلوا أتباعه، فلم يكن في ~~الناس من أتى بمثل سيئاتهم ولو كانوا من عبدة الأوثان.» # خلص الحصن للمسلمين بعد خروج الروم منه، وبذلك انتهت المرحلة الأولى من مراحل الفتح ~~العربي لمصر، ولقد كان لهذه المرحلة من الخطر ما تشهد به الحوادث التي وردت في هذا الفصل ~~وقد استطاع عمرو بأناته وحكمته وحسن رأيه أن يدور حول هذا الخطر حينا، وأن يقتحمه حينا ~~آخر، حتى اجتازه آخر الأمر رافعا لواء النصر والظفر، فلندعه الآن يجلس بين جنده يجمون ~~جميعا، ثم يدبر ms444 هو لتنظيم ما فتحه من الأقاليم، ليكتب بعد ذلك إلى عمر يستأذنه في السير ~~إلى الإسكندرية. # ولم يكن لديه ريب، يوم بعث يطلب هذا الإذن، في أن الله قد مهد له السبيل لإدراك بغيته، ~~فقد رأى من كراهية القبط للروم، ورأى من تخاذل الروم وضعفهم، ما ثبت في نفسه اليقين بأن ~~عاصمة الإسكندر الأكبر ستفتح أبوابها أمامه، وستتلقاه كما تلقت يليوس قيصر وأنطونيو من قبل، ~~وأنه سيجلس بها على عرش البطالسة والرومان، كما جلس سعد بن أبي وقاص بالمدائن في إيوان ~~الأكاسرة من بني ساسان. # ولعله كان يستعجل إذن أمير المؤمنين بالسير بعد أن رأى جيشه قد جم، ورأى الأرض من حوله ~~دانت له، فقد أمر بعد ما استتب له الأمر، فأقيم جسر من السفن بين الحصن وجزيرة الروضة، وبين ~~الجزيرة والجيزة، فوصل بذلك بين شاطئي النهر، وتيسر له الإشراف على ما يجري فيه من السفن ~~والبضائع، ثم إنه نشر جنوده فيما استولى عليه من الأقاليم، فرأى القبط من جنود الحرس الوطني ~~ينظرون إليهم شزرا ويقولون: ما أرث العرب وأهون عليهم أنفسهم! ما رأينا مثلنا دان لهم؛ ~~فخاف أن يثير هذا الأمر القبط بهم فأمر بجزر فذبحت وطبخت بالماء والملح، ودعا القبط فأجلسهم ~~إلى جانب جنده من العرب، فجعل العرب يحتسون المرق وينهشون اللحم على نحو زاد زراية القبط ~~عليهم، وزادهم طمعا فيهم، فلما كان الغد أمر بطعام من ألوان مصر فصنع، وأمر جنده أن ~~يجيئوا في ثياب أهل مصر وأحذيتهم، ودعا القبط كما دعاهم أمس، فأكل العرب أكل أهل مصر ونحوا ~~نحوهم، فتفرق القبط بعد الطعام وقد رابهم ما رأوا، ثم أمر عمرو جنوده بكرة الغداة فتسلحوا ~~للعرض فعرضهم على أعين القبط، ثم قال لهؤلاء: إني قد علمت أنكم قد رأيتم في أنفسكم أنكم في ~~شيء حين رأيتم اقتصاد العرب وهون تزجيتهم، فخشيت أن تهلكوا، فأردت أن أريكم حالهم وكيف كانت ~~في أرضهم، ثم حالهم في أرضكم، ثم حالهم في الحرب، فتفرق القبط وهم يقولون، لقد رمتكم العرب ~~برجلهم، ms445 وفي رواية أنهم قالوا: إن العرب قوم لا يغلبون وقد وطئونا تحت أقدامهم، وبلغ عمر ~~ما صنع عمرو فقال لجلسائه: إن عمرا يقاتل بالقول، وغيره يقاتل بالسيف، أو قال: والله إن ~~حربه للينة ما لها سطوة ولا ثورة كثورات الحروب من غيره. # خشع القبط حين رأوا بأس العرب ودانوا لهم؛ بل لقد اختار جماعة منهم الإسلام فدخلوا فيه، ~~فساواهم ذلك بالمسلمين وأعفاهم من دفع الجزية، وإن عرضهم للعنة بني قومهم، وأخذ هؤلاء القبط ~~الذين أسلموا يساعدون إخوانهم العرب في اقتضاء الجزية واستصفاء أموال المسيحيين الذين ~~أخرجتهم الحرب من ديارهم، بذلك كله توطد سلطان عمرو على ما كان تحت يده من الأرض وازداد ~~بسطة، وأصبح في مقدوره أن يسير إلى الإسكندرية مطمئنا متى أذن له أمير المؤمنين في السير ~~إليها. # لم يكن جند عمرو دونه رغبة في السير للقتال، فقد سما النصر على حصن بابليون ومن فيه ~~بقوتهم المعنوية سموا كبيرا، وثبت في نفوسهم ما ثبت في نفس عمرو من اليقين بأن الله ~~معهم، وأنهم لا غالب لهم، وبهذا الروح كله العزة والأنفة كانوا يجوسون خلال الديار، ~~ويتنقلون حيثما شاءوا من الأرض، ويغشون ما شاءوا أن يغشوه من مدن الفراعنة وآثارهم الباقية ~~في هذه البقعة الناطقة في صمتها بحديث التاريخ كله، والتي شهدت فجر الحضارة، ورأت مولد ~~الضمير الإنساني وتفتح عينيه، فإذا عادوا إلى عسكرهم آخر النهار عادوا وقد ملأ الإعجاب ~~أفئدتهم وملك عليهم حواسهم، فلم يتناول حديثهم إلا ما شهدت أعينهم من هذه الآثار الخالدة ~~ليس من آثار العالم ما يدانيها عظمة وجلالا، ومن هذه الحياة الزاخرة في مدينة منف وفي ~~صرتها مصر القائمة قبالتها على النيل تنافسها في عظمة الحياة ثم تقصر دونها حين ينطق ~~التاريخ بما لمنف على الأجيال من مجد وسلطان. # وكان ما أثارته منف بجلال آثارها أعمق أثرا في نفوسهم من الخضرة الزاهية والنعيم المقيم ~~الذي تراه أعينهم في كل ما حولهم من الأرض الخصبة المعطاء، لقد رأوا مثل هذه الخضرة في ~~العراق والشام، وقد ملئوا ms446 منها أعينهم مذ نزلوا مصر فزادتهم إيمانا بقدرة الخالق الباري ~~جل شأنه، لكنهم رأوا بمنف ما لم يجن عليه قيام الإسكندرية، وما لم يروا له في غير منف من ~~مدن العالم نظيرا، رأوا آثارا تحدث عن حضارة الفراعنة الأقدمين وعبادتهم حديثا عجبا، ~~كان فيها معبد «فتاح» الضخم الفسيح، تعبد فيه الشمس كما كانت تعبد بالكرنك في طيبة، وكان ~~بظاهرها معبد السرابيوم، مقام العجل أبيس، محاطا بكل مجالي الإجلال والإكبار، وكان أمام ~~هذا المعبد صفان طويلان من آباء الهول يلقيان في روع الداخل إليه الهيبة، وكانت قبور ~~العجول المقدسة قائمة وراء المعبد تأخذ عظمتها بالنظر، ثم لا تحول هذه العظمة دون العجب من ~~قوم يحدث ما تركوا من صور وتماثيل وملاعب وعمائر كلها العظمة عن سمو مكانتهم من الحضارة، ~~ذلك كان شأنهم في تصوير معبوداتهم، وفي إقامة ما أقاموا لهذه المعبودات ورموزها من تماثيل ~~بارعة يخطئها العد فكيف أنساهم رهبانهم وفراعنتهم عبادة الله الواحد الأحد تؤمن به القلوب ~~المضيئة بنور الحق! صدق تعالى: # إنك لا تهدي من أحببت ~~ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين ~~، ولذلك ~~محت المسيحية هذه الألوان والطقوس من العبادة، وها هو ذا الإسلام يسير جنده في أرض ~~الفراعنة، وتخفق أعلامه فوق ربوعها ليقر فيها دين الحق إلى يوم الدين. # وأين يستقر الحق إن لم يستقر في جنة الله على الأرض! ومن ذا يقره فيها إلا جنود الله ~~الذين وهبوا أنفسهم لله مخلصين له الدين حنفاء! لذلك لم تجذب منف بجمالها هؤلاء الجنود ~~للبقاء حولها، بل كان الشوق إلى الإسكندرية يحرك نفوسهم بالقوة التي كان يحرك بها نفس ~~قائدهم، ويدعوه إلى استعجال الإذن من أمير المؤمنين بهذا السير. # ولم يبطئ هذا الإذن، فقد عرف عمر أن النيل يعود بعد ثلاثة أشهر إلى مده وفيضانه، وأن ~~الخير في أن يسير جيش مصر يفتح عاصمتها قبل أوان هذا الفيضان، وما لبث ابن العاص حين تسلم ~~الإذن بالسير أن خلف في حصن بابليون مسلحة من المسلمين جعل عليها خارجة بن ms447 حذافة ~~السهمي، ثم سار على رأس جيشه يريد المدينة العظيمة، مستقر الجمال والعلم والفن في العالم ~~كله. # | هوامش # الفصل العشرون # | فتح الإسكندرية # يجمل بنا قبل أن نتابع مسيرة الغزاة العرب إلى مدينة الإسكندر أن نتخطى مياه بحر الروم ~~إلى البسفور، لنرى من حوله ما تضطرب به أحشاء الإمبراطورية الرومية، وما يبدو من أثر هذا ~~الاضطراب في عاصمة قسطنطين. # فقد مات هرقل بالقسطنطينية والاضطراب يسود بلاطه بسبب ما أصاب الإمبراطورية من النكبات في ~~الشام وفي مصر، وازداد البلاط بموته اضطرابا، وفشت فيه دسائس الطامعين وذوي المآرب من ~~الأشراف ومن رجال القصر، ولقد عظم أمر هذه الدسائس في شئون الدولة؛ لأن الأمر لم يؤل ~~بعد هرقل إلى عاهل ذي حزم وقوة، بل آل إلى ولديه «قسطنطين» و«هرقليوناس» وهما أخوان لأب، ~~وإلى «مرتينا» زوج هرقل وأم هرقليوناس التي شاركتهما في الحكم، وقد حاولت مرتينا أن تستأثر ~~بالأمر كاستئثارها به في العهد الأخير من حياة زوجها، في حين كان قسطنطين أكبر الأخوين ~~وآثرهما عند الناس، وكان له بسبب ذلك حزب قوي يؤيده، ونشأ عن ذلك ما كان لا بد أن ينشأ عنه؛ ~~جعل كل شريف وكل عظيم غاية همه أن يكسب لنفسه الجاه والسلطان بالزلفى إلى الإمبراطورة أو ~~إلى قسطنطين، أو الائتمار مع مرتينا على ابن زوجها ومع قسطنطين على زوج أبيه، بذلك سادت ~~بلاط بزنطية حال كالتي سادت بلاط فارس قبل أن يعتلي يزدجرد عرش الأكاسرة، فكان ذلك مما ~~أعان المسلمين على الأسدين، فارس والروم، ومكنهم من الظفر بهم. # مع ذلك كان الناس يتطلعون إلى هذا الثالوث الذي جلس على عرش هرقل؛ يرجون في حكمته ما ينقذ ~~الإمبراطورية مما هوت إليه في السنوات الأخيرة من عهد العاهل الشيخ العظيم الذي سما به الحظ ~~في أول حكمه إلى ذروة رفعت اسم هرقل فوق السماك، ثم قذف به في آخر أعوامه من هذه الذروة ~~الشاهقة إلى حمأة الهزيمة والعار، وكانت مصر وما يجري فيها وما يمكن عمله لإنقاذها، أول ما ~~يشغل رجال الدولة وأهل بزنطية ms448 جميعا، فضياع مصر وغلاتها معناه نقص الأقوات في أرجاء ~~الإمبراطورية كلها؛ لذلك أسرع قسطنطين فبعث إلى قيرس فجاء به من منفاه، كما دعا أحد قادة ~~الروم في مصر ليشير عليه بما يجب للدفاع عنها، واغتبطت مرتينا بدعوة قيرس لعلمها بميله ~~إليها وثقتها بدهاء البطريق وقوة مكره، وكان قيرس لا يزال على رأيه الذي صارح هرقل به، لكنه ~~أظهر الاقتناع بحجج الذين يرون ألا يدخل الروم في صلح مع العرب، ووعد قسطنطين بإرسال ~~الأمداد الكبيرة إلى مصر، وأمر بتجهيز السفن التي تحمل تلك الأمداد، وأبدت الإمبراطورة ~~مرتينا من الحماسة لهذا كله ما ضاعف حماسة الشعب واغتباطه، لكن هذا الشعب لم يلبث أن فوجئ ~~باعتلال قسطنطين ووفاته بعد مائة يوم من وفاة أبيه؛ لذلك أسرع الناس إلى اتهام مرتينا بأنها ~~دبرت موته، وعمل جانب من البلاط والنبلاء على ترويج هذا الاتهام، وكان كونستانس بن قسطنطين ~~ممن أعلنوا هذه التهمة وأذاعوها؛ فأدى ذلك إلى ثورة الناس بمرتينا وانتقاضهم عليها، وإلى ~~وقوف الأمداد دون السير إلى مصر. # وعبثا حاولت مرتينا أن تكذب ما ينسب إليها، وأن تستخلص العرش لابنها هرقليوناس، فقد ~~اتخذت محاولتها استخلاص العرش لابنها حجة عليها، فثار الجند كما ثار الشعب بها، وظلت هذه ~~الثورة وارية الضرام أشهرا، ثم انتهت إلى مبايعة كونستانس بن قسطنطين شريكا لهرقليوناس في ~~ولاية الأمر. # رأى قيرس أن الثورة موشكة على نهايتها، وأن كونستانس سيرث مكان أبيه من العرش، فأسرع ~~بالسفر إلى مصر، متفقا مع مرتينا وابنها، وسافر معه عدد كبير من القسوس وجيش أعد مددا ~~لقوات الروم المدافعة عن مصر، ولعله أدخل في روع الإمبراطورة أن هذا الجيش سيكون قوة لها في ~~أرض الفراعنة، وأنها تستطيع أن تلجأ هي وابنها إليه إذا عادت دسائس خصومها في بزنطية فأثارت ~~الشعب بها كرة أخرى، وبلغ الأسطول الذي أقل قيرس ومن معه عاصمة مصر في شهر سبتمبر سنة 641، ~~فاستقبل أهلها البطريق الشيخ استقبال البطل الفاتح الذي جاء من قبل قيصر ينقذ مدينتهم، ~~وينقذ دينهم، وينقذ الإمبراطورية. # 1 # أفكان لقيرس ms449 خطة مرسومة وسياسة ذاتية جاء بها إلى مصر؟ يذهب بتلر إلى أنه جاء وطيد العزم ~~على مصالحة العرب، وأنه «من غير شك حمل الإمبراطور - وهو غرير لا رأي له - على الإذعان ~~للعرب والتسليم لهم، كما حمل على رأيه هذا مجلس الشيوخ المستضعف، ورجال البلاط وهم من أهل ~~العجز والخور ... ومن الجلي فوق ذلك أنه استمال الإمبراطورة مرتينا إلى رأيه الضعيف، لا سيما ~~وقد كان أنصارها ممن يرون مصالحة العرب، وإن كلفهم ذلك ما كلفهم، وكانت هي دائما ترمي في ~~سياستها إلى التسليم والإذعان وذلك كان رأي قيرس الذي ظل يجاهر به في كل حين.» ويفسر بتلر ~~رأيه هذا بأن قيرس كان «يريد أن يزيد في سلطانه الديني بالإسكندرية، وأن يقيمه على أطلال ~~الدولة بعد خرابها، ولسنا نجد رأيا آخر أكثر ملاءمة لما بدا منه، فهو خير رأي نستطيع به أن ~~ندرك ما كان بينه وبين عمرو من صلات خفية، وما قارفه من خيانة دولته الرومانية فلنصفه بأنه ~~كان خائنا للدولة في سبيل ما توهمه صلاحا للكنيسة.» # أراني في حل من مخالفة بتلر في مذهبه هذا، ومن القول كرة أخرى بأنه متأثر فيه بنزعته ~~المسيحية أكثر من تأثره بوقائع التاريخ، فقد كان قيرس يعلم تمام العلم أن المسلمين يكفلون ~~حرية العقيدة لأهل البلاد التي يفتحونها، وينصون على ذلك نصا صريحا في المعاهدات التي ~~يعقدونها معهم، كذلك فعلوا في الشام وفي العراق في عهد أبي بكر وفي عهد عمر، وما كانوا ~~ليخالفوا سنتهم هذه في مصر، وهم إذ يفرضون الجزية على أهل البلاد المفتوحة إنما يفرضونها ~~لقاء تأمين دافعيها على أنفسهم وذراريهم وأموالهم وعقائدهم ومعابدهم، لا يفرقون في هذا ~~التأمين بين الملكانيين والمينوفيسيين، ولا بين الروم الحاكمين والقبط المحكومين، ولا نحسب ~~قيرس غرته نفسه فظن بها القدرة على أن يلعب بعمرو بن العاص داهية العرب أو أن يخدعه، فيسترد ~~لنفسه ما كان له من قبل من حرية الاضطهاد والعسف، فإذا صح ما ظنه بتلر من أن قيرس جاء إلى ~~مصر معتزما مصالحة ms450 العرب، فلم يكن ذلك لغرض ديني أو لغرض سياسي، بل لأنه رأى قتالهم غير ~~مؤد إلى نتيجة إلا هزيمة الروم واندحارهم، وبخاصة بعد أن فشت الدسائس في بلاطهم فزادتهم ~~ضعفا وآذنت دولتهم بالتدهور والانحلال. # وما لنا نسبق الحوادث فنتحدث عن مقاصد قيرس وسياسته، مع أن الحوادث ستحدد هذه السياسة ~~تحديدا لا يبقى معه مجال للأخذ بالظن، فلندع قيرس بالإسكندرية ولنعد إلى بابليون لنتابع ~~المسلمين في مسيرتهم إلى غايتهم. # فقد فصل عمرو بجنده من بابليون في شهر مايو من تلك ~~السنة؛ أي حين كان الاضطراب لمقتل قسطنطين قد بلغ أشده في عاصمة الإمبراطورية الرومية، وقد ~~آثر عمرو السير على الضفة اليسرى للنيل حيث مديرية البحيرة اليوم، حتى لا تقف الترع التي ~~تشق جنوب الدلتا بمديرية المنوفية في طريق جيشه، وقد استطاع في أثناء مقامه ببابليون أن ~~يستعين بالقبط الذين دخلوا في سلطانه على إصلاح الطرق وإقامة الجسور، فكان ذلك مما أعانه ~~على سرعة السير، واستصحب عمرو في مسيرته جماعة من رؤساء القبط اصطفاهم وأحسن معاملتهم ~~ليكونوا أداة اتصال بينه وبين من يلقاهم من أهل البلاد. # كان الاستيلاء على «نقيوس» وحصنها المنيع أول ما فكر عمرو فيه، وكانت نقيوس تقع على ضفة ~~النهر اليمنى على فراسخ إلى الشمال من منوف، وكانت منوف في سلطان المسلمين كما قدمنا، وقد ~~آثر الروم أن يلقوا عمرا قبل أن يبلغ نقيوس ليصدوه عن عبور النهر إليها، وأن يلقوه لذلك في ~~أثناء مسيرته على الضفة اليسرى، فرابطوا له عند «طرنوط» أو «الطرانة» كما يسميها بعض ~~المؤرخين، وهي تقع على النيل قبالة زاوية رزين إلى الجنوب من منوف، ولقيهم عمرو بها وأنشب ~~القتال معهم، فلم يجد مشقة في التغلب عليهم برغم استبسالهم في القتال. # تابع عمرو مسيرته حتى كان قبالة نقيوس وحصنها المنيع، وكان أكبر ظنه أن يعتصم أهل الحصن ~~به وأن يجعلوا النهر بينهم وبين الغزاة؛ لذلك اتجه إلى تدبير الوسيلة التي يعبر بها إليهم، ~~وشاور الرؤساء القبط الذين ساروا معه في هذا الأمر ولم يدر بخلده ms451 أن يذر نقيوس وحصنها ~~وراءه، وأن يتخطاها ممعنا في السير نحو العاصمة؛ فقد خشي أن تخرج مسلحة الحصن منه وأن تدهم ~~مؤخرته فتفسد عليه خطته، ولم يكن عبور النهر في هذه الأيام من شهر مايو بالأمر العسير؛ فقد ~~انخفض ماء النيل وركد تياره، فأصبح اجتيازه في السفن أو فوق جسر منها في متناول الجيش ~~الفاتح. # لكن الروم فكروا في الأمر غير تفكير ابن العاص؛ فقد ألقي في روعهم أنهم إن يتركوه ~~متابعا طريقه إلى العاصمة دون مقاومة، وبخاصة بعد أن انهزمت أمامه حامية طرنوط، فت ذلك في ~~أعضاد الناس فأسرعوا إلى التسليم والإذعان لهؤلاء الذين لا يقاومهم أحد؛ لذا خرج أمير الحصن ~~في جنده جميعا، فركبوا سفنا أعدت للدفاع عن المدينة، وحاولوا صد العرب دون غايتهم، ورآهم ~~عمرو في السفن ورأى منهم من حاول الخروج للوقوف في طريقه، فأمر رجاله فرموهم بالنبل، فارتد ~~الذين تركوا السفن إليها وحسبوها ملجأ يقيهم الالتحام بعدوهم، ولم يدعهم فرسان المسلمين ~~يفرون، بل طاردوهم إلى الماء وجعلوا يرمون من فيه بالسهام، وخيل إلى القائد الرومي أن ~~المسلمين سيقتحمون النهر إليه، ولعله كان قد سمع بصنيعهم حين عبروا دجلة إلى المدائن على ~~خيولهم ودجلة في فيضه وتدفع تياره، فأمر ملاح السفينة التي كان بها فانطلقت مسرعة تولى به ~~فرارا إلى الإسكندرية، ورأى جنده صنيعه، فوضعوا سلاحهم وألقوا بأيديهم وجعلوا النجاة من ~~الموت غاية همهم، ولم ينلهم العرب بغيتهم، بل حصروهم وقتلوهم عن آخرهم، ثم دخلوا المدينة من ~~غير مقاومة بعد أن خلت من المدافعين عنها. # يقول حنا النقيوسي مؤرخ ذلك العصر: # إنهم دخلوا المدينة فقتلوا كل من وجدوه في ~~الطريق من أهلها، ولم ينج من دخل الكنائس لائذا، ولم يدعوا رجلا ولا امرأة ولا ~~طفلا، ثم انتشروا فيما حول نقيوس من البلاد، فنهبوا فيها وقتلوا كل من وجدوه بها، ~~فلما دخلوا مدينة «صوونا» وجدوا بها «اسكوتاوس» وعيلته، وكان يمت بالقرابة للقائد ~~تيودور، وكان مختبئا في حائط كرم مع أهله، فوضعوا فيهم السيف فلم يبقوا على أحد ms452 ~~منهم، ولكن يجدر بنا أن نسدل الستار على ما كان؛ فإنه لا يتيسر لنا أن نسرد كل ما ~~كان من المسلمين من المظالم بعد أن أخذوا جزيرة نقيوس. # 2 # وهذه العبارة التي أوردها بتلر من كتاب حنا لا تخلو من مبالغة؛ ولذا علق عليها مترجم بتلر ~~الأستاذ محمد فريد أبو حديد بقوله: «أغلب الظن أن هذه مبالغة من الكاتب (حنا النقيوسي) ~~دفعته إليها غيرته وحقده على الغالبين من العرب، إذ كان من أول أصول العرب في الحرب ألا ~~يقتلوا من استسلم، وألا يقتلوا امرأة ولا شيخا ولا طفلا، يأمرهم بذلك دينهم، ويحضهم عليه ~~أمر خلفائهم الأولين إلى القواد والجنود.» # أقام عمرو بنقيوس يستبرئ ما حولها من الأرض ويطهرها من كل أثر للروم، وبعث شريك بن ~~سمي على كتيبة لتعقب الروم الذين فروا من نقيوس يريدون الإسكندرية، وأدرك شريك الروم ~~الفارين، فرأوه ومن معه قلة لا تستطيع ثباتا، فارتدوا إليهم وأحاطوا بهم، ورأى شريك ~~كثرتهم، ورأى نهدا من الأرض قريبا منه فاعتصم به وحاربهم من فوقه لكنه أدرك منذ اللحظة ~~الأولى أنه مخذول إذا لم يسعفه مدد، فأمر مالك بن ناعمة الصدفي، وكان صاحب فرس لا يشق في ~~الجري غباره، فانحط من ذلك النهد على الروم فاقتحم صفوفهم، وطار عدوا إلى عمرو بنقيوس ولم ~~يدركه أحد، وأمد عمرو شريكا لأول ما بلغه حرج موقفه، وعرف الروم مسير المدد فلاذوا بالفرار ~~من قبل أن يلقوه، من ذلك اليوم أطلق على النهد الذي وقع القتال حوله اسم القائد العربي الذي ~~اعتصم به، فهو يعرف إلى يومنا باسم «كوم شريك». # وأدرك عمرو شريكا والذين معه، وسار في قوته الكاملة تاركا فرع رشيد عن يمينه، متابعا ~~الفرع الكانوبي المؤدي إلى الإسكندرية، وعلم أن الروم أعدوا للقائه عند سلطيس على ستة ~~أميال إلى الجنوب من دمنهور، فقصد إليهم واشتبك معهم، ودار بين الفريقين قتال شديد انتهى ~~بهزيمة الروم، وما كان لهم ألا ينهزموا وليس ثم حصون يمتنعون بها! ولقد فروا بعد هزيمتهم ~~فلم يقفوا بدمنهور، بل ms453 لم يقفوا دون حصون كريون آخر سلسلة من الحصون قبل الإسكندرية، وهناك ~~انضموا إلى سائر جيش الروم، وتأهب الجميع للقتال يقودهم تيودور. # وقدر تيودور قائد الروم الأكبر في مصر أنهم إن ~~ينهزموا بكريون تنكشف العاصمة أمام العرب، فيغريهم ذلك بحصارها والتضييق عليها، ولئن كانت ~~حاميتها قوية والدفاع عنها يسيرا، فإن الخير كل الخير في الحيلولة بين الغزاة وبلوغ ~~أسوارها ما كان إلى هذه الحيلولة سبيل؛ لذلك خرج بنفسه إلى كريون في جند عظيم اطمأن به إلى ~~قدرته على الوقوف عندها وصد الغزاة دونها، وزاد في اطمئنانه أن الروم كانوا قد رمموا حصون ~~كريون وزادوها قوة، وأن ترعة الثعبان أمامها كانت تحمي المدافعين عنها، وأن الطريق بينها ~~وبين الإسكندرية كان معبدا يحمل المدد الكثير إذا أحوج الأمر إلى مدد، وإذ عرف الروم في ~~الموقع المحيطة بكريون أن الموقعة حاسمة، وأن لها لذلك ما بعدها، فقد أقبلوا من كل حدب ~~ينسلون يعززون تيودور وجنوده، أقبلوا من خيس ومن سخا ومن بلهيب ومن غيرها من البلاد، ~~وانضموا إلى صفوف الإمبراطورية يؤيدونها ويزيدونها بأسا وقوة . # كم كان عدد الجند الذين بلغ بهم عمرو كريون؟ لم يذكر المؤرخون ما يفيد أن أمير المؤمنين ~~بعث إلى مصر غير الاثني عشر ألفا الذين سبق أن ذكرناهم وقد خاض هؤلاء معارك عدة قتل منهم ~~فيها لا ريب عدد غير قليل، وقد ترك عمرو منهم مسالح في البلاد التي فتحها ليحفظوا الأمن ~~والنظام فيها، وليكفلوا السكينة في ربوعها، أتراه استعان بالبدو الضاربين في صحاري مصر ~~شرقا وغربا على نحو ما فعل بعد انتصاره في الفرما؟ يتعذر القول بأي من هذين الاحتمالين، ~~وأغلب الظن أن أمير المؤمنين أمد عمرا بمدد جديد بعد ظفره بحصن بابليون وحين أذن له في ~~السير إلى الإسكندرية، ولم يكن إمداده في ذلك الوقت متعذرا؛ فقد كانت مسالح البصرة والكوفة ~~هي التي تمد جيوش المسلمين في فارس، وكانت الشام قد سكنت إلى حال من الطمأنينة لم يبق معها ~~خوف من انتقاض أهلها بحكامهم، وكان الروم في ms454 شغل بمصر عن محاولة الرجعة إلى الشام أو مهاجمة ~~ثغوره، فضلا عن اشتغالهم بما فشا من الدسائس في بلاطهم، فإذا ذكرنا مع ذلك كله أن عمر ~~لم يضن يوما على أمراء جنده في مختلف الميادين بمدد، وأنه وعد ابن العاص أن يمده إذا دخل ~~مصر، كنا في حل من القول بأنه أرسل إليه الجند تلو الجند بعد الذي صادفه من نجاح في فتح ~~مصر، وأن عمرا سار إلى الإسكندرية وفي إمرته ما يزيد على خمسة عشر ألفا إن لم يزد على ~~عشرين ألفا. # ولعله قد استعان بالمصريين وبالبدو في تعبيد الطرق وحراستها، وفي المجيء بالميرة إلى ~~جيشه، بل لعله قد استعان بمن اطمأن إليه منهم، وجعله في المسالح التي تشرف على الأمن وتحفظ ~~النظام، أما الجند المقاتلون الذين كانوا يلقون الروم في المعارك فكانوا جميعا من العرب ~~المسلمين. # التقى عمرو والروم في كريون، واشتد القتال بين الفريقين شدة لم تؤلف فيما سبقها من ~~المعارك، وظلوا كذلك حتى فصل بينهم الظلام ولم يظفر أي الفريقين بخصمه، بل لعل الروم كانوا ~~أرجح في ذلك اليوم كفة لكثرة عددهم، ولاستماتتهم في الدفاع عن مواقعهم، ولأن حصون كريون ~~كانت تحمي ظهورهم وتشد أزرهم، واستحر القتال منذ الصباح إلى اليوم التالي ثم انفصل الفريقان ~~في آخره كما انفصلا في اليوم الأول، وظل القتال دائرا على هذا النحو بضعة عشر يوما، ترجح ~~فيه كفة المسلمين تارة، وترجح كفة الروم تارات، وقد أظهر الروم فيه من ضروب البراعة ومن شدة ~~البأس وصلابة العود ما أدخل الروع إلى نفوس المسلمين، حتى لقد صلى عمرو يوما صلاة الخوف ~~ركعة وسجدتين مع كل طائفة من جنده، على أن بأس الروم لم يذهب عزم المسلمين ولم يضعف روحهم، ~~بل زادهم حماسة وإقبالا على الموت، كان وردان مولى عمرو بن العاص يحمل اللواء في مقدمة ~~المسلمين، وكان عبد الله بن عمرو بن العاص يقاتل إلى جانبه، وأصابت عبد الله في أحد أيام ~~المعركة جراحات بالغة هاضته وأجهدته، فالتفت إلى جاره وقال له: ms455 «يا وردان! لو تأخرت قليلا ~~نصيب الروح!» يريد فترة يتنفس فيها وينفس بها عن نفسه، فأجابه وردان، وهو يندفع أمامه ~~واللواء في يده والحماسة آخذة منه «الروح تريد، الروح أمامك وليس خلفك.» واندفع عبد ~~الله لسماع هذا الجواب يقاتل متقدما غير عابئ بجراحه، وعرف أبوه ما أصابه، فبعث رسولا ~~يسأل عن حاله، فكان جواب عبد الله أن تمثل بقول ابن الإطنابة: # أقول لها إذا جشأت وجاشت # مكانك تحمدي أو تستريحي # ورجع الرسول إلى عمرو بجواب عبد الله، فرضي عنه وقال: هو ابني حقا، وبهذا الصبر، وبهذه ~~الحماسة، وبهذا الإقبال على الموت لا يهابونه، فتح المسلمون مدينة كريون وحصنها وهزموا ~~الروم عنها. # كيف كان انتصارهم؟ وماذا كانت فعالهم؟ وكيف انهزم الروم بعد الذي أبدوه من براعة وأظهروه ~~من بأس وقوة احتمال؟ ذلك ما لا يذكر المؤرخون عنه شيئا، مع اتفاقهم على أن معركة كريون ~~دامت عشرة أيام أو بضعة عشر يوما، وأن الفريقين كانا يريانها حاسمة بينهما، وكل ما يذكره ~~ابن عبد الحكم، بعد الذي قدمنا من صلاة الخوف ومن جراحات عبد الله بن عمرو، قوله: «تم فتح ~~الله للمسلمين وقتل منهم المسلمون مقتله عظيمة، واتبعوهم حتى بلغوا الإسكندرية.» وتلك هي ~~بعينها عبارة السيوطي ومن أخذوا عن ابن عبد الحكم، وهذا القول على إيجازه، وعلى أنه لا يصف ~~فعال المسلمين وكيف كان انتصارهم، صريح في أن هزيمة الروم كانت تامة منكرة، أما بتلر فيشتم ~~من رواية حنا النقيوسي أن تقهقر الروم إلى الإسكندرية كان وئيدا مع أن رواية حنا كما ~~أوردها بتلر لا تزيد على أن عمرا أرسل جيشا عظيما من المسلمين إلى الإسكندرية فملكوا ~~كريون، فسار من فيها مع قائدهم تيودور إلى الإسكندرية. # وهذا الإيجاز في تصوير معركة حاسمة دامت عشرة أيام أو أكثر، يوجب الشيء الكثير من الأسف، ~~فمعرفة العوامل والأسباب التي أدت إلى انتصار المسلمين وهزيمة الروم لها من غير شك قيمتها ~~في الدلالة على الحالة النفسية للفريقين من ناحية، وعلى الحالة النفسية للشعب المصري بإزاء ~~الفريقين من ms456 ناحية أخرى، لقد استأسد الروم في أول الأمر وكانت الإسكندرية تمدهم كلما ~~احتاجوا إلى المدد، فما بالهم تقاعسوا في نهايته مع أنهم كانوا أضعاف المسلمين في العدد، ~~وكانوا في منعة بحصونهم وبالمدد الذي تبعثه العاصمة لهم؟ أفكان ذلك الضعف في قيادتهم ~~ومهارة في قيادة عدوهم؟ أم كان سببه وصول أنباء إلى الإسكندرية بتفاقم الاضطراب في عاصمة ~~الإمبراطورية، وأن هذه الأنباء بلغت الجند في كريون فأضعفت معنوياتهم؟ أم أن العرب وصلتهم ~~أمداد قووا بها فاقتحموا على عدوهم حصونه؟ أم شعر المسلمون بحرج موقفهم فتعاهدوا على النصر ~~أو الموت، كما فعلوا باليمامة وباليرموك، فلم يستطع الروم في حرصهم على الحياة أن يصدوا ~~هجمة المسلمين؟ أم كان للشعب المصري أثر في موقف الفريقين بأن عاون العرب على الروم، فكان ~~لهذه المعاونة أثرها؟ قد يكون لبعض هذه العوامل، وقد يكون لها جميعا أثر في النتيجة التي ~~انتهت المعركة إليها، وقد يكون ثم عوامل أخرى، لا اتصال لها بها، هي التي أدت إلى هذه ~~النتيجة، نحن لا نستطيع على كل حال أن نثبت أن عاملا بذاته كان سبب النصر؛ لأن المؤرخين ~~الذين أسهبوا ما أسهبوا في تصوير القادسية، وفي تصوير اليرموك، وفي تصوير نهاوند، لم ~~يذكروا شيئا فيه غناء يمكن الاطمئنان إليه في بيان العوامل والأسباب التي أدت إلى انتصار ~~المسلمين وهزيمة الروم في كريون. # على أننا مع ذلك نستطيع أن نستنبط من سياق الحوادث أن موقف المصريين لم يكن له أثر يذكر ~~في نتيجة المعركة؛ فهم كانوا يمقتون الروم في أعماق قلوبهم أشد المقت، فلم يكونوا يبذلون ~~لهم أي عون إلا مكرهين، وهم كانوا مع ذلك في ريب من مقاصد المسلمين بإزائهم، وبخاصة أن ~~هؤلاء المسلمين كانوا بحكم الحرب، يأخذون لأنفسهم من أموال المصريين كل ما يحتاجون إليه ~~لميرتهم وذخيرتهم، وكانوا يعاملون من لا يذعنون لهم من أهل البلاد معاملة بطش وقسوة، هذا ~~إلى أن أهل البلاد كانوا قبل مجيء العرب في ثورة دائمة بالروم، وكانوا يرجون أن تتيح لهم ~~هزائم هرقل بالشام فرصة ms457 التخلص من حكمه وحكم عماله ليستقل المصريون بأمر بلادهم، فيرتفع ~~الظلم والعسف عنهم وتخلص لهم خيرات أرضهم، أترى العرب إذا غلبوا الروم على مصر ألا يحلون ~~محلهم فيها، ويستأثرون بالسلطان على أهلها، ويختصون أنفسهم بما كان الروم يختصون أنفسهم به ~~من خيراتها! ألم يفرض هؤلاء المسلمون الجزية عليهم في صلح بابليون؟ والمسلمون يخالفونهم في ~~الجنس واللغة والعقيدة والعادات؛ وقد يحاولون غدا أن يحملوهم على تغيير دينهم، كما حاول ~~الروم أن يحملوهم على تغيير مذهبهم! لهذا كله كان المصريون يمقتون حكم الروم ويخافون حكم ~~العرب، فلم يكونوا يعاونون هؤلاء إلا كارهين، أو يعانون أولئك إلا مكرهين، قوم ذلك شأنهم لا ~~يخطئ من يستنبط أنهم لم يكن لهم أثر فيما أصاب العرب من نصر، وما أصاب الروم من هزيمة في ~~موقعة كريون. # لا ينصرف هذا الرأي بطبيعة الحال إلى فئة قليلة من المصريين انضموا إلى الروم بدافع من ~~مصلحتهم أو من حماستهم للمسيحية وخشيتهم أن يحملهم المسلمون على تغييرها، وهو لا ينصرف كذلك ~~إلى فئة قليلة انضمت إلى المسلمين ودان بعض أفرادها بالإسلام بدافع من مصلحتهم كذلك، أو ~~حقدا منهم على الروم بسبب عسفهم بالمصريين واضطهادهم لهم، فمثل هذه الفئات القليلة توجد في ~~كل أمة وعصر، وإنما ينسحب هذا الرأي على كثرة المصريين في أداني البلاد وأقاصيها؛ فهذه ~~الكثرة التي تصور اتجاه المجموع أصدق تصوير، كانت حانقة على الروم غير راغبة في العرب، وكان ~~أكبر همها ألا يشارك أبناء مصر مشارك في حكمها وفيما تنتجه أذرع بنيها من ثمرات ~~أرضها. # انتصر العرب على الروم بكريون وردوهم على أعقابهم، ولم يقم عمرو بكريون إلا ريثما جم ~~جنده، ثم سار على رأس هذا الجند الباسل حتى بلغ الإسكندرية دون أن يلقى في طريقه ما يصده، ~~فلما اقترب من أسوارها وقف الجند كله أمامها وقد أخذه البهر من كل مكان لمرآها، فأين منها ~~دمشق! وأين منها بيت المقدس، بل أين منها أنطاكية! بل أين منها المدائن وفيها أبيض كسرى! ~~فتح هؤلاء العرب أبناء البادية عيونهم ms458 واسعة على منظر رائع تسحر روعته العقول والقلوب، ~~وظلوا وقوفا يجيلون أعينهم يمنة ويسرة فلا تقع إلا على ما يزيدهم سحرا وبهرا، ~~فهم يرون من شرق المدينة العظيمة ومن غربها هذا البحر الأبيض يترامى أمام النظر إلى حدود ~~الأفق، وقد كست السماء الصفو ماءه زرقة جعلت الماء في لون السماء وفي صفائها ورقتها، والماء ~~مع ذلك دائم التقلب مع الموج المتدافع يأخذ بعضه برقاب بعض حتى يتفانى عند الشاطئ على رمال ~~ناعمة ملساء، وترتد هذه الأعين من البحر إلى المدينة العظيمة، فما أسرع ما تنسى البحر وموجه ~~فيما ترى من عجب دونه كل عجب! فهذه ضواحي المدينة أمامهم نثرت فيها الحدائق نثرا، وقامت ~~فيها القصور والأديار خلال غابات من أشجار ضخمة، بعضها مثمر وبعضها لا ثمر له، ومن بعد ~~الضواحي تقوم أسوار وحصون يصغر أمامها كل ما رأوا من أسوار وحصون، ولا يزيد حصن بابليون ~~الذي وقفهم أمامه ما وقفهم على أنه واحد من هذه المجموعة الضخمة القائمة حول العاصمة ~~الفاتنة تحدث عن مناعتها وقوة دفاعها، وتحمي هذه الأسوار والحصون بدائع من العمارة لا تشهد ~~الأعين منها إلا أعاليها وقد زينت بقباب دقيقة النقش وعمد ترتفع فوقها بعض هذه القباب فتزيد ~~الناظر إليها عجبا منها وإعجابا بها، وبين هذه القباب تندلع في الجو مسلات أكثر ارتفاعا ~~مما رأوا في عين شمس، ولم يكونوا قد رأوا له في غير مصر نظيرا، ويقع النظر في أثناء ذلك ~~على كنيسة سان مارك «القديس مرقس» القائمة بين هذه المسلات في حراسة الطلسمات المنقوشة على ~~جوانبها الأربعة، فإذا الكنيسة درة في العمارة، صاغها البناء الصناع فلم يترك لونا من ~~ألوان الجمال إلا أسبغه عليها، وينتقل النظر في الناحية الأخرى من المدينة، فإذا معبد ~~السرابيوم بسقفه المذهب يأخذ وهجه باللب، وإذا عمود «دقلديانوس» الفارع يشرف على القلعة ~~التي تحرس المعبد وما حوله، ويتخطى النظر متجها إلى ناحية البحر، فإذا منارة فاروس تنبعث ~~خلال الجو معلنة للشاهدين أنها من عجائب الدنيا السبع، ويتردد نظر الجند بين هذه ms459 العجائب، ~~من عمائر وتماثيل ومسلات وكنائس وحصون وأسوار، فلا يزدادون إلا سحرا وبهرا، ولا عجب، فقد ~~كانت إسكندرية ذلك العهد أجمل مدائن العالم وأبهاها، أفيضن هذا الجيش الباسل ببذل في سبيل ~~اقتحامها وفتحها؟! كلا! لقد عوده الله النصر، فلم تخذله أسوار ولا حصون أيا كانت قوتها ~~ومناعتها. # ورأى عمرو فتنة الجند وحماستهم، فلم يتردد، مع ما اشتهر به من حرص وحذر، فأمرهم أول ~~مقدمهم باقتحام أسوار المدينة وأبراجها، وكان تقديره أن هزيمة الروم بكريون لا بد أن تكون ~~قد أدخلت الروع إلى نفوس المدافعين عن الإسكندرية، وأقنعتهم بأن مصيرهم لن يكون خيرا من ~~مصير أصحابهم الذين ولوا مدبرين إليهم، ولم يخالج المسلمين ريب في أن المدينة البارعة ستفتح ~~أبوابها لقاء هجمتهم، فاندفعوا ينفذون الأمر مهللين مكبرين، فلم يرعهم إلا الحجارة العظيمة ~~تتساقط عليهم مقذوفة من المجانيق المنصوبة فوق أسوار المدينة، ذلك أن الروم أيقنوا حين ~~انسحبوا من كريون أن العرب سيلحقون بهم، وأن نشوة الظفر ستنسيهم الحيطة، وستدفعهم إلى ~~مهاجمة المدينة، ولذا أدخل تيودور الجيش في حصونها وأمر بإخلاء ضواحيها، وأقام القاذفين ~~بالمجانيق على أسوارها ليرموا الحجارة الضخمة منها في وجه العدو المقبل عليها، وأيقن عمرو ~~حين رأى وابل القذائف أن الروم أعدوا واستعدوا، فعاده حذره، وأمر رجاله بالارتداء إلى ما ~~وراء مرمى المجانيق، وهناك ضرب عسكره وأقام يدبر أمره. # عسكر عمرو شرق المدينة فيما بين الحلوة وقصر فاروس، وسرعان ما أدرك أن مهاجمة المدينة ~~ليست بالأمر الميسور، فقد كان البحر يحميها من شمالها، وكان الروم وحدهم هم المتسلطين عليه، ~~فلم يكن للعرب فيه شراع واحد، وكانت بحيرة مريوط تحميها من الجنوب، وكان اجتيازها عسيرا بل ~~غير مستطاع، وكانت ترعة الثعبان تدور حولها من الغرب، بذلك لم يبق إليها طريق إلا من ~~الشرق، وهو الطريق الجاري بينها وبين كريون، وكانت المدينة حصينة من هذه الناحية بأسوارها ~~وحصونها، كما كانت حصينة بهما من سائر نواحيها، وكان تموين الإسكندرية من البحر يسيرا، إذ ~~كانت مدن الساحل المصري كلها في يد الروم، فكان ms460 في مقدورها أن تبعث السفن محملة بالميرة إلى ~~سكان العاصمة وحماتها، وكان هؤلاء الحماة، ويبلغ عددهم خمسين ألفا، موقنين أنهم إن يهزموا ~~لم يبق للروم في مصر دولة، بل لقد بلغتهم كلمة قيصر: «لئن ظفر العرب بالإسكندرية لقد هلك ~~الروم وانقطع ملكهم، فليس للروم كنائس أعظم من كنائس الإسكندرية.» فزادتهم هذه الكلمة حماسة ~~في الدفاع عن المدينة والاستماتة دونها، لا أمل إذن في مهاجمة المدينة ما دام حماتها ~~متحصنين بأسوارها وبروجها ولا رجاء في مناجزة هؤلاء الحماة والظفر بهم إلا أن يخرجوا منها ~~للقاء العرب في ميدان مكشوف! أتراهم يفعلون؟ فإن لم يفعلوا فماذا عسى أن يصنع القائد ~~الداهية؟ أفقدر للإسكندرية وحدها أن تنقذ مصر كلها من يده؟ # لم ييأس عمرو مع ذلك من التغلب على عدوه، وكان أول رأيه أن يقف حياله بعيدا عن مرمى ~~مجانيقه، فإذا طال بالروم الحصار شعروا بما في ذلك من مذلة لهم، فغامروا بالخروج فتمكن ~~المسلمون منهم؛ لذلك أقام بعسكره بين الحلوة وقصر فاروس شهرين كاملين، لم يخرج له الروم في ~~أثنائها ولم يحاولوا مناجزته ، ونقل عمرو عسكره بعد ذلك إلى المقس، فخرجت عليه الجند من ~~ناحية البحيرة مستترة بحصن هناك، فواقعوه فقتل من المسلمين بكنيسة الذهب اثنا عشر رجلا، ثم ~~ارتدت الروم إلى الحصون حين رأوا المسلمين يجتمعون ليلقوهم، ولم يغير ذلك من عزم عمرو ~~المقام بإزاء المدينة، وإن دعاه لمضاعفة الحذر والحيطة، وكذلك بقي الروم محصورين قلما ~~يخرجون، وبقي المسلمون قبالتهم تأتيهم أرزاقهم من البلاد المجاورة لهم، ولم يدر بخاطر ~~عمرو أن يغامر بهم لمهاجمة حصون يعلم علم اليقين أنها لا تنال. # لكنه رأي بعد قليل من حصار المدينة أن بقاءه أمامها، يرصد خروج حاميتها من غير أن يقوم ~~جيشه بعمل حربي يقوي به عزم جنده قمين أن يدفع إلى نفوس الجند السأم، وأن يشعرهم بالعجز عن ~~مناجزة عدوهم؛ وفي ذلك ما يزعزع من ثقتهم بأنفسهم، وطمأنينتهم إلى غدهم، وقد هداه تفكيره ~~إلى ما يحقق غرضين في وقت معا، فيزيل سأم جنده ms461 ويضعف من عزم الروم المحتمين بالعاصمة؛ فبعث ~~كتائب تجوس خلال بلاد الدلتا تطارد الروم فيها، ثم أبقى معظم الجند على حصار ~~الإسكندرية. # هل سار عمرو على رأس هذه الكتائب بنفسه أم جعل الإمارة عليها لغيره من أمراء جنده؟ تختلف ~~الروايات في هذا الأمر، وتذهب طائفة منها إلى أن بعض هذه الكتائب كان يجوس خلال صعيد مصر ~~حين كان بعضها الآخر يجوس خلال الدلتا، وأن عمرا بدأ ينفذ الخطة مذ كان محاصرا حصن ~~بابليون وقبل أن يسير إلى الإسكندرية، والقارئ يذكر ما قدمنا من أنه بعث، وهو على حصار ~~بابليون، كتائب استولت على أثريب ومنوف، كما استولت كتائب أخرى على إقليم الفيوم كله، أفظلت ~~هذه الكتائب تتقدم في الدلتا وفي الصعيد حين كان عمرو يسير بمعظم الجيش إلى كريون وإلى ~~الإسكندرية؟ أم جمع عمرو كل قواته حين أزمع السير إلى العاصمة الحصينة، فلم يتخلف منها عن ~~السير معه إلا ما تركه في بابليون وفي البلاد التي تم فتحها لحفظ النظام، وللقضاء على كل ~~سبب للانتقاض يمكن أن يظهر فيها؟ # يذهب بتلر معتمدا على رواية حنا النقيوسي، إلى أن عمرا سار بنفسه، بعد ما رأى منعة ~~الإسكندرية، على رأس كتائب فصلت من الإسكندرية إلى كريون فدمنهور ثم اتجه بها إلى الشرق حتى ~~بلغ سخا من إقليم الغربية، فوقف دونه ما يحيط بها من أسوار وما يكتنفها من مياه؛ ولم يقدر ~~عليها، ولذلك تركها وسار جنوبا إلى طوخ الواقعة على نحو ثلاثين ميلا منها فصده أهلها، ~~فسار إلى دمسيس فعجز عن فتحها، ولم يكسب عمرو من مسيرته هذه، وقد استغرقت اثني عشر ~~شهرا، إلا أن أشعر أهل الدلتا بشوكته، وأن أوقع بالبلاد غير المحصنة وغنم منها، ثم عاد إلى ~~بابليون، ويضيف بتلر في موضع آخر من كتابه، مستندا دائما إلى رواية حنا النقيوسي، أن ~~عمرا ذهب على رأس قوات إلى الصعيد، وأنه فتحها أو فتح على الأقل بلاد مصر الوسطى، ثم عاد ~~بعد ذلك إلى بابليون فأقام بها وهناك جاء إليه المقوقس من ms462 الإسكندرية وصالحه. # ويروي البلاذري عن يزيد بن أبي حبيب عن الجيشاني أنه قال: «سمعت جماعة ممن شهدوا فتح مصر ~~يخبرون أن عمرو بن العاص لما فتح الفسطاط وجه عبد الله بن حذافة السهمي إلى عين شمس، فغلب ~~على أرضها وصالح أهل قراها على مثل حكم الفسطاط، ووجه خارجة بن حذافة العدوي إلى الفيوم ~~والأشمونين وإخميم والبشرودات وقرى الصعيد ففعل مثل ذلك، ووجه عمير بن وهب الجمحي إلى تنيس ~~ودمياط وتونة ودميرة وشطا ودقهلة وبنا وبوصير ففعل مثل ذلك، ووجه عقبة بن عامر الجهني - ~~ويقال وردان مولاه صاحب سوق وردان بمصر - إلى سائر قرى أسفل الأرض ففعل مثل ذلك، فاستجمع ~~عمرو بن العاص فتح مصر فصارت أرضها أرض خراج.» # ونحن نميل إلى الأخذ برواية البلاذري، وإن لم تذكر بها تواريخ معينة، ونميل لذلك بخاصة؛ ~~لأن ابن عبد الحكم وغيره ممن أرخوا لفتح مصر يقررون أن عمرا بقي على حصار الإسكندرية مذ ~~سار إليها إلى أن تم له فتحها، وعلى ذلك كانت كتائبه تسير في الدلتا وفي الصعيد حين كان هو ~~على هذا الحصار، وإذا صح أن هذه الكتائب لم تفتح البلاد المحصنة إلا بعد فتح الإسكندرية ~~فالذي لا شبهة فيه أنها حصرت الروم في هذه البلاد، وأنها مدت سلطانها على ما سواها من ~~الأرجاء التي سارت فيها، ولا شبهة كذلك في أن أهل مصر لم يرحبوا بالعرب ولم يثوروا بهم ولم ~~يقاوموهم؛ لأنهم كانوا يخشون أن ينتصر الروم بالإسكندرية ثم يعود الأمر لهم في مصر كلها، ~~كما كانوا لا يعرفون ما سيئول إليه أمرهم إذا عقد النصر لواءه للعرب، أترى هؤلاء العرب ~~يدعونهم يستقلون ببلادهم؟ ما أحسبهم خدعوا أنفسهم بمثل هذا الأمل وقد رأوا المسلمين يستقرون ~~بالشام ويأخذون بأيديهم مقاليد حكمه؛ لذلك أذعنوا للواقع فلم يقاوموا أحدا ولم يثوروا ~~بأحد، بل ظلوا على ولائهم الظاهر للروم حيثما بقي الأمر للروم، وأبدوا ولاء ظاهرا للعرب، ~~حيثما آل السلطان للعرب، ووقفوا في المعركة الدائرة في أرضهم موقف المتفرج، وقد شدت أنظارهم ~~إلى العاصمة ms463 العظيمة فكلهم التشوف إلى أنبائها والتطلع إلى ما ينتهي إليه أمرها. # وكيف لا يكون ذلك شأنهم وقد كان الشهر يمضي يعقبه الشهر والعاصمة الحصينة آمنة مطمئنة لا ~~يجرؤ المسلمون على التفكير في مهاجمتها، بله اقتحامها، ذلك لأنها كانت مفتوحة للروم من ~~ناحية البحر فهم يستطيعون أن يمدوها بما يشاءون من جند وعتاد، والظاهر من مختلف الروايات أن ~~القتال عندها كان مقصورا أغلب الأمر على مناوشات لا تبلغ أن تكون حربا، روى ابن عبد الحكم ~~أن طرفا من الروم خرجوا من باب حصن الإسكندرية، فحملوا على الناس فقتلوا رجلا من مهرة ~~فاحتزوا رأسه وانطلقوا به فغضب المهريون وقالوا: «لا ندفنه أبدا إلا برأسه.» فقال لهم ~~عمرو: «تتغضبون! كأنكم تتغضبون على من يبالي بغضبكم، احملوا على القوم إذا خرجوا فاقتلوا ~~منهم رجلا ثم ارموا برأسه يرموكم برأس صاحبكم.» وخرج الروم يوما فقتل العرب منهم رجلا ~~فاحتزوا رأسه ورموا به إلى الروم، فرمى الروم برأس المهري إليهم فدفنوه، وطبيعي ألا تحسم ~~مثل هذه المناوشات حربا، ولقد ضاق عمرو بها ذرعا، ثم لم يستطع أن يدفع جنده لأكثر منها، ~~حذرا أن يسوقهم إلى هلكة يؤاخذه بها عثمان بن عفان ومن كانوا على رأيه فعابوا على ابن ~~العاص جرأته في الإقدام على فتح مصر، ولعله كذلك كان يجد من جنده من يتقاعسون إذا دعوا ~~للإقدام، وإن كان على ثقة من أن أكثرهم يستحب الموت على الحياة، يدل على ذلك ما روي من قوله ~~يصف طوائف هذا الجند «ثلاث قبائل في مصر: أما مهرة فقوم يقتلون ولا يقتلون، وأما غافق ~~فقوم يقتلون ولا يقتلون، وأما بلي فأكثرها رجلا صحب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وأفضلها ~~فارسا.» # على أن أمداد الروم إلى الإسكندرية ما لبثت أن انقطعت بعد قليل من موت هرقل؛ فقد شغل أهل ~~بزنطية بما ساد بلاطهم من الاضطراب، وبما نشأ في عاصمتهم من الانتقاض على مرتينا وابنها، ~~فنسوا الإسكندرية ونسوا مصر، ولم يعد منهم أحد يفكر في الدفاع عنها، وذلك قول المؤرخين ~~المسلمين ms464 إذ يذكرون موت هرقل: «إن الله كسر بموته شوكة الروم.» وفت انقطاع المدد عن عاصمة ~~مصر في أعضاد حماتها، فأوجسوا خيفة أن يدهمها العرب، أو أن يتغلبوا على بلاد الساحل فيقطعوا ~~عنها ميرتها، وزاد في مخاوفهم ما كان يبلغهم من انتشار هؤلاء العرب في الصعيد وفي مصر ~~السفلى، ومن حصرهم حاميات الروم في البلاد الحصينة داخل أسوار هذه البلاد، وما عسى أن ~~تستطيعه الإسكندرية إذا حرمت الطعام وفشت فيها المجاعة! وما بقاء جنود الروم بعاصمة هذا ~~حالها في حين أن عاصمتهم على ضفاف السفور مضطربة مهددة بشر ألوان الفساد والفوضى! هذه كلها ~~عوامل تزعزع الروح المعنوية في نفس كل جيش مقاتل، وقد زعزعت روح الجيوش المدافعة عن ~~الإسكندرية، وجعلتها لا ترى في مناعة الحصون والأسوار المحيطة بها ما يدفع عنها أو يعصمها ~~من الهزيمة إذا غامر محاصروها بمهاجمتها. # وكيف لا تنحل روحهم وكان اشتغال الروم في مدينة قسطنطين بدسائس بلاطهم وباضطراب شئونهم قد ~~صرفهم عن التفكير في مصر والدفاع عنها! وكان شعور الجند المدافع عن الإسكندرية بهذه الحال ~~يشتد يوما فيوما فيزيد روحهم المعنوية بتوالي الأيام انحلالا، وكان عمرو بن العاص وجنوده ~~مقيمين على حصار الإسكندرية لا يبرحونها، مطمئنين إلى وفرة ميرتهم وذخيرتهم، وإلى ما يبلغهم ~~من أنباء إخوانهم المنتشرين في الصعيد وفي الدلتا، أما عمر بن الخطاب بالمدينة فكان ينتظر ~~أنباء مصر إذ ترد إليه الفينة بعد الفينة، وهو أشد ما يكون استعجالا للنبأ بسقوط ~~الإسكندرية في يد المسلمين، لكن هذا النبأ أبطأ عنه شهرا، وساءه هذا الإبطاء فأخذ يبحث عن ~~السبب فيه، فهؤلاء الجنود هم الذين فتحوا أمنع المدن وأقواها حصونا، وهو لم يقصر عن إمداد ~~عمرو بما يكفل له الظفر بخصومه، فما باله مع ذلك يقيم أمام أسوار المدينة المحصورة كأنما ~~طاب له ولجنده هذا المقام، وكأنهم اكتفوا به فلم يحاولوا ما بعده؟! ولم تكن أنباء الروم ~~واضطراب ملكهم لتغيب عن خليفة المسلمين فكيف وهذه فرصة نادرة للظفر بهم يضيعها ابن العاص ~~والذين معه، مع أنهم ظفروا ms465 بالروم من قبل في أجنادين حين كان هرقل لا يزال حيا، وحين كان ~~الروم يرون أجنادين الحصن الأول في خط الدفاع عن بيت المقدس، ويرون دفاعهم عن بيت المقدس ~~دفاعا عن دينهم وعن قبر المسيح نفسه؟! ليست قوة الروم إذن هي التي وقفت المسلمين على أبواب ~~الإسكندرية، ولا بد أن يكون قد طرأ على هؤلاء المسلمين ما أضعف إقدامهم على الموت وحرصهم ~~على الشهادة، وما عسى أن يطرأ عليهم إلا ما أغرتهم به خيرات مصر من تعلق بالدنيا وشره ~~إلى نعيمها! وعمر أشد الناس إيمانا بأن حب الدنيا يفسد في النفس نخوتها وإقدامها، لذلك جعل ~~الغضب يأخذ من نفسه كلما أبطأ عنه نبأ الفتح، فلما فاض عنه الغضب قال لأصحابه يحدثهم عن ~~مصر: «ما أبطئوا بفتحها إلا لما أحدثوا.» ثم كتب إلى عمرو بن العاص يقول له: «أما بعد، فقد ~~عجبت لإبطائكم عن فتح مصر. إنكم تقاتلونهم منذ سنتين، وما ذلك إلا لما أحدثتم وأحببت من ~~الدنيا ما أحب عدوكم، وإن الله تبارك وتعالى لا ينصر قوما إلا بصدق نياتهم، وقد كنت وجهت ~~إليك أربعة نفر وأعلنتك أن الرجل منهم مقام ألف رجل على ما كنت أعرف، إلا أن يكونوا ~~غيرهم ما غير غيرهم، فإذا أتاك كتابي هذا فاخطب الناس وحضهم على قتال عدوهم ~~ورغبهم في الصبر والنية، وقدم أولئك الأربعة في صدور الناس، ومر الناس جميعا أن يكون لهم ~~صدمة كصدمة رجل واحد، وليكن ذلك عند الزوال يوم الجمعة فإنها ساعة تنزل الرحمة ووقت ~~الإجابة، وليعج الناس إلى الله ويسألونه النصر على عدوهم.» # كم كانت الأشهر التي حاصر فيها العرب الإسكندرية، فأحفظ طولها عمر ودفعه إلى أن يكتب هذا ~~الكتاب؟ يقول ابن عبد الحكم: إنها كانت أربعة عشر شهرا خمسة قبل موت هرقل وتسعة بعده، ~~ويروي البلاذري أن عمرا بلغ الإسكندرية فوجد أهلها معدين لقتاله، فأرسل إلى المقوقس يهدده ~~ويذكر له ظفر المسلمين بالروم في كل مكان، ونصح المقوقس لقومه بالصلح «فأبوا إلا المحاربة، ~~فقاتلهم المسلمون قتالا شديدا وحصروهم ms466 ثلاثة أشهر، ثم إن عمرا فتحها بالسيف وغنم ما ~~فيها، واستبقى أهلها ولم يقتل ولم يسب وجعلهم ذمة كأهل إليونة.» ويذهب بتلر، في ~~الملحق الرابع الذي جعله في ذيل كتابه عن «تواريخ الفتح العربي»، إلى أن المسلمين بدءوا ~~حصار الإسكندرية في أواخر يونيو سنة 641، وأن المدينة سلمت في 8 نوفمبر سنة 641، وهذا يعني ~~أن الحصار دام أربعة أشهر ونصف شهر، وقد يؤيد هذا القول الذي أورده بتلر ما جاء في كتاب عمر ~~بن الخطاب إلى عمرو بن العاص: «إنكم تقاتلونهم منذ سنتين.» فما بين وصول عمرو إلى العريش في ~~ديسمبر سنة 639 وتسليم الإسكندرية في نوفمبر سنة 641 يعادل سنتين هلاليتين؛ وهما لا ريب ~~كافيتان لإثارة عمر ودفعه لأن يبعث إلى قائده على جيوش مصر يتهمهم بأنهم أحدثوا وأن الدنيا ~~غيرتهم. # تلا عمرو كتاب أمير المؤمنين وأخذ يفكر في خطة يفتح بها الإسكندرية، وفي رواية أنه بدأ ~~هذا التفكير ولم يصله كتاب من المدينة، روى ابن عبد الحكم عن أبيه عبد الله ابن عبد الحكم ~~أنه قال: «لما أبطأ على عمرو بن العاص فتح الإسكندرية استلق ظهره ثم جلس فقال: إني فكرت في ~~هذا الأمر فإذا هو لا يصلح آخره إلا من أصلح أوله - يريد الأنصار - فدعا ~~عبادة بن الصامت فعقد له ففتح الله على يديه الإسكندرية في يومه ذاك.» # أما الذين يثبتون كتاب أمير المؤمنين فيقولون إن عمرا جمع الناس وقرأ عليهم الكتاب، ثم ~~دعا أولئك النفر الذين ذكروا فيه فقدمهم، وأمر الناس أن يتطهروا ويصلوا ركعتين، ثم يرغبوا ~~إلى الله عز وجل ويسألوه النصر على عدوهم، ففعلوا ففتح الله عليهم. # وفي رواية أن عمرا استشار مسلمة بن مخلد في خطة الفتح، فأشار عليه أن يعقد ~~لعبادة بن الصامت ليباشر القتال، فدعا عمرو عبادة وتناول منه سنان رمحه وعقد له وولاه قتال ~~الروم، فقاتلهم ففتح الله عليه الإسكندرية ليومه. # هذه الروايات التي أوردها ابن عبد الحكم تنتهي كلها إلى ما تنتهي إليه رواية البلاذري من ~~أن المسلمين هاجموا المدينة ms467 ففتحها الله عليهم، وأن ذلك كان يوم الجمعة لمستهل المحرم سنة ~~عشرين من الهجرة، وأنت تراها جميعا خلوا من كل تفصيل، وغاية ما أورده البلاذري من هذا ~~التفصيل أن عمرا وجد أهل الإسكندرية معدين لقتاله إلا القبط، فإنهم كانوا يحبون الموادعة ~~فأرسل المقوقس يسأل عمرا الصلح والمهادنة إلى مدة، فأبى عمرو ذلك، فأمر المقوقس النساء أن ~~يقمن على سور المدينة مقبلات بوجوههن إلى داخله، وأقام الرجال في السلاح مقبلين بوجوههم إلى ~~المسلمين ليرهبهم بذلك؛ فأرسل إليه عمرو: «إننا قد رأينا ما صنعت، وما بالكثرة غلبنا من ~~غلبنا، فقد لقينا هرقل ملككم فكان من أمره ما كان.» فقال المقوقس لأصحابه: قد صدق هؤلاء ~~القوم؛ أخرجوا ملكنا من دار مملكته حتى أدخلوه القسطنطينية، فنحن أولى بالإذعان فأغلظوا له ~~القول وأبو إلا المحاربة، فقاتلهم المسلمون قتالا شديدا وحصروهم ثلاثة أشهر، ثم إن عمرا ~~فتحها بالسيف، وهذا تفصيل طريف قد يصور حيلة المقوقس أول ما حاصر عمرو الإسكندرية، وما دار ~~بين الرجلين من سفارة إذ ذاك؛ لكنه لا يصور الموقعة الحاسمة التي انتهت بفتح الإسكندرية ~~عنوة، ولا يصف قتال المسلمين حين اقتحموا ما يحيط بالمدينة من أسوار متينة، وحين ~~اجتاحوا حصونها المنيعة ودخلوها ظافرين منتصرين. # وليس يسعنا إلا أن نبدي من الأسف على هذا الإغفال مثل ما أبدينا حين الكلام عن فتح كريون، ~~فصيحات الأبطال الذين فتحوا الإسكندرية، والتحامهم بعدوهم وكيف قاومهم العدو، والأسباب التي ~~أدت إلى ظفر الأولين وهزيمة الآخرين، وكيف استقبل شعب الإسكندرية الفاتحين، كلها أمور عظيمة ~~الشأن، وشأنها لا يقف عندما تنطوي عليه من رائع القصص، بل تتعدى ذلك إلى أنها تجلو لنا ~~الميول والاتجاهات الإنسانية التي كانت قائمة بنفوس الجماعات في ذلك العصر، وتهدينا إلى ~~تبين العوامل التي كيفت ما حدث بعد ذلك من تطور في أحوال المنتصرين والمنهزمين على سواء، ~~وترسم لنا جانبا من صورة الإنسانية لذلك العصر على نحو يكشف عن اتجاه الضمير الإنساني في ~~عصر بعينه، ومعرفتنا هذا الاتجاه تمكننا من أن نضع رسما بيانيا، على تعبير ms468 المهندسين ~~والطبيعيين، لسير الإنسانية في دأبها المتصل على العصور ابتغاء الكمال. # وليس يخفف من أسفنا ما أورد المؤرخون من مواقف فردية لبعض الأبطال؛ فهذه المواقف، إن صحت ~~الرواية في أمرها لا تصور اتجاها عاما للتفكير الإنساني في العهد الذي وقعت فيه، وإن ~~أمكن أن تصور ناحية من نواحي الخلق الفردي لأبطال ذلك العهد، ذكروا أن الروم بالإسكندرية ~~قاتلوا المسلمين يوما من الأيام قتالا شديدا، فلما حمي الوطيس بارز رجل من الروم مسلمة ~~بن مخلد فصرعه وألقاه عن فرسه، وأهوى عليه لولا أن حمى مسلمة رجل من أصحابه، وكان مسلمة على ~~شجاعته بدينا، فلما رأى عمرو بن العاص ما حدث غضب من مسلمة وقال: «ما بال الرجل الذي يشبه ~~النساء يتعرض مداخل الرجال ويتشبه بهم!» وغضب مسلمة من قول عمرو؛ لكنه كظم غضبه وأسرها في ~~نفسه، ثم إن القتال اشتد واقتحم المسلمون حصن الإسكندرية ودخله عمرو ومسلمة فيمن دخله، وكر ~~عليهم الروم وأخرجوهم جميعا من الحصن إلا أربعة نفر لم يستطيعوا الخروج، فأغلق عليهم الروم ~~باب الحصن وحبسوهم فيه، وكان عمرو ومسلمة بين هؤلاء الأربعة ؛ لكن الروم لم يعرفوهما، وتكلم ~~رومي بالعربية فقال لعمرو وأصحابه: إنكم قد صرتم بأيدينا أسارى فاستأسروا ولا تقتلوا ~~أنفسكم، فامتنعوا عليه، فقال لهم الرومي: إن في أيدي أصحابكم رجالا منا أسروهم، ونحن ~~نعطيكم العهود نفادي بكم أصحابنا ولا نقتلكم، فأبوا عليهم، فاستأنف الرومي قائلا: هل لكم ~~إلى خطة نصف بيننا وبينكم: أن يبرز منكم رجل ومنا رجل، فإن غلب صاحبنا صاحبكم استأسرتم لنا ~~وأمكنتمونا من أنفسكم، وإن غلب صاحبكم صاحبنا خلينا سبيلكم إلى أصحابكم؟ فرضي المسلمون ~~الأربعة بذلك، وبرز من الروم رجل وثق أصحابه بنجدته وشدته، وأراد عمرو أن يبرز بنفسه، فمنعه ~~مسلمة حتى لا يتعرض للقتل فيكون قتله بلاء على أصحابه جميعا، واستأذنه في أن يبرز، قال ~~عمرو: دونك، فربما فرجها الله بك، وبارز مسلمة الرومي فتجاولا ساعة ثم أعان الله مسلمة على ~~الرومي فقتله، وفتح لهم الروم باب الحصن فخرجوا وقد استحيا عمرو مما ms469 كان قاله لمسلمة، ~~فاستغفره منه فغفره له، فقال عمرو: «والله ما أفحشت إلا ثلاث مرار: مرتين في الجاهلية وهذه ~~الثالثة، وما منهن إلا وقد ندمت، وما استحييت من واحدة منهن أشد مما استحييت مما قلت لك! ~~والله إني لأرجو ألا أعود إلى الرابعة ما بقيت!» # هذه الصورة أدنى إلى الأساطير، وهي مع ذلك تصف لنا جانبا من خلق مسلمة، وجانبا من خلق ~~عمرو وكلا الجانبين مضيء يجمل التأسي به، لكنها لا تزيد على هذا الوصف، فلا تصور اتجاها ~~عاما في حياة الجماعة كان له أثره في هذا اليوم الحاسم الذي قضى على وجود الروم في مصر، ~~ومن عجب أن تبلغ الروايات التي انتهت إلينا من الإيجاز فلا تذكر أي أبواب المدينة دخل منه ~~المسلمون، ولا كيف اقتحموه، ولا كيف دافع الروم عنه، مع أن هذا اليوم الحاسم قد كان لا ريب ~~من أهول الأيام في حروب ذلك العهد؛ فكان أهول من أيام القادسية الثلاثة، ومن يوم المدائن ~~ويوم نهاوند! وأعجب من ذلك أن يكتفي المؤرخون المسلمون من وصف هزيمة الروم بمثل هذا ~~القول: «فلما هزم الله تبارك وتعالى الروم وفتح الإسكندرية هرب الروم في البر ~~والبحر.» # مهما يكن من أمر هذا الإيجاز، فالمؤرخون المسلمون جميعا متفقون على أن الإسكندرية فتحت ~~عنوة، وأن الروم هربوا لفتحها يلتمسون من سيوف الغزاة ملجأ حيثما وجدوه، ولكن بتلر يصور ~~هذا الفتح صورة تختلف عن ذلك كل الاختلاف، صورة التسليم على صلح، لا صورة الإذعان عن هزيمة، ~~فهو يذكر، كما قدمنا، أن عمرو بن العاص سار بنفسه على رأس الكتائب التي ذهبت من الإسكندرية ~~تذيع الفزع في بلاد الدلتا، وأن المطاف انتهى به إلى بابليون حين فيض النيل وبينما هو في ~~الحصن وافاه قيرس آتيا من الإسكندرية يحمل رسالة الإذعان والتسليم، ويقول للأمير العربي: ~~«إن الله قد أعطاكم هذه الأرض، فلا تدخلوا بعد اليوم في حرب مع الروم.» ثم ينتهي بعد ~~المفاوضة إلى عقد الصلح معه. # وعاد قيرس إلى الإسكندرية يحمل عهدا عقده مع القائد ms470 العربي وأهلها لا يعلمون ما صنع، ولم ~~يجد مشقة في حمل أمراء الجند على إقرار هذا الصلح والنزول على أحكامه، وتسامع الناس همسا ~~بما حدث، فثارت نفوسهم، ثم زادهم ثورة ما فجأهم من دخول فئة من العرب مدينتهم؛ يسيرون على ~~خيلهم لا يلوون على شيء، ولا يعبثون بضجة الناس من حولهم، وبلغت منهم الثورة لصنيع قيرس أن ~~أقبلوا إلى قصره، وأحاطوا به يريدون أن يقتلوه، ومع إحداق الخطر بحياته استطاع البطريق ~~الشيخ ببلاغته وقوة حجته وهيبة شيخوخته، أن يسكن ثائرة الناس، وأن يقنعهم بصدق رأيه، وأن ~~يحملهم على قبول ما صنع، بل لقد بلغ من تأثر الثائرين بأقواله أن جعلوا «يتلاومون على ما ~~اقترفوا من الوثوب والحنق على ذلك الحبر الطاهر، في حين يسعى جهد طاقته ليحول بينهم وبين ~~الهلاك على يد الغزاة، وأخذوا يجمعون قسط الجزية التي فرضت عليهم وزادوا عليها مقدارا ~~كبيرا من الذهب، ووضع ذلك المال في سفينة خرجت من الباب الجنوبي الذي تدخل منه الترعة، ~~وذهب قيرس بنفسه ليحمله إلى قائد المسلمين وبذلك تم فتح الإسكندرية.» # 3 # هذه رواية بتلر، وهي تختلف عن تصوير المؤرخين المسلمين لفتح الإسكندرية أشد الاختلاف، وقد ~~أورد بتلر في روايته هذه طائفة من نصوص المعاهدة التي أشار إلى أن المقوقس عقدها مع عمرو بن ~~العاص خاصة بالإسكندرية، ولو أن هذه الرواية بقيت قائمة، لكانت جديرة أن تبعث إلى نفس ~~القارئ شيئا من الاضطراب إذ يوازن بينها وبين رواية المؤرخين المسلمين، فقد أبدى هذا ~~المؤرخ العالم من النزاهة ومن الحرص على الدقة العلمية في بحوثه ما يدعو لاحترام رأيه في ~~الوقائع التي حققها، وإن اختلف الإنسان معه في استنباطاته وفي آرائه وفي طريقة توجيهها، لكن ~~هذه النزاهة نفسها هي التي اقتضت هذا العالم الدقيق أن يعدل عن رأيه حين ثبت له عدم صحته، ~~وأن يسلم بأن عمرا والمقوقس لم يعقدا غير معاهدة واحدة هي التي وضعت شروطها حين حصار حصن ~~بابليون، ثم رفضها هرقل ونفى قيرس من أجلها، بهذا أصبحنا قادرين على ms471 أن نطمئن كل الاطمئنان ~~إلى رواية المؤرخين المسلمين على إيجازها، وأن نسلم بأن الإسكندرية فتحت عنوة، وأن ما ~~ربما حدث بعد هذا الفتح بين المقوقس والقائد العربي لم يتجاوز تنظيم الوسيلة لجلاء جند ~~الروم عن العاصمة المصرية وعن بلاد مصر كلها. # 4 # دخل المسلمون الإسكندرية عنوة فاقتحموا أسوارها وفتحوا بابها، ففر الروم منهم إلى ~~البر والبحر، وأذعن لهم سكان العاصمة وأسلموهم مقاليدها، فأخذ هؤلاء البدو من أهل شبه ~~الجزيرة يجوسون خلال مدينة الإسكندر، فلا يكادون يخطون فيها خطوة بعد خطوة حتى يبلغ منهم ~~البهر حد الذهول، لقد تولتهم الدهشة، أول مقدمهم، لحصارها، حين رأوا ضواحيها وأسوارها، وحين ~~تبدت لهم أعاليها من وراء الأسوار محدثة عما فيها من بدائع الفن والعمارة وزخرفها، بل لقد ~~كانت الأسوار وحدها عجبا بمتانتها وبراعة صناعتها وما ينهض فيها من بروج وحصون، أما الآن ~~وقد تخطوا الأسوار إلى داخل المدينة فليس ما يرونه عجبا وكفى، بل هو بارع باهر يسحر اللب ~~ويلعب بالفؤاد، فهذان الطريقان العظيمان، اللذان يشقان المدينة من الغرب إلى الشرق ومن ~~الشمال إلى الجنوب فريدان لا نظير لهما في كل ما رأوا بالشام أو بالعراق، تكتنفهما على ~~طولهما عمد من مرمر ناصع يأخذ لألاؤه النظر، ويتقاطعان في ميدان فسيح غرست فيه الحدائق ~~الغناء فجعلته روضة من رياض الجنة، وقامت من حوله القصور المنيفة تحيط بها جنات من أعناب ~~وزهر وفاكهة وكل زرع نضير، ويبلغ أحد الطريقين البحر فينكشف المرفأ للنظر، وتتجلى من حوله ~~عجائب يحار المرء عند أيها يقف، فإذا وقف عند أحدها سحر به فلم تطاوعه نفسه إلى مجاوزته، ~~فهذه قصور البطالسة يحدث ما بقي من جمالها وإبداعها عن عظمة في العلم والفن لا تدانيها ~~عظمة، وهذه المقبرة الكبرى التي كانت بها جثة الإسكندر وعليها غشاء من ذهب، وهذا المتحف ~~تتصل به مكتباته العجيبة التي كانت مقر العلوم في العالم أجمع، وهذا إيوان عظيم تحيط به ~~أربعة صفوف من العمد، يسميه أهل المدينة «التترابيلوس» ويذكرون أن الإسكندر الأكبر دفن به ~~النبي أرميا، ms472 وهم لذلك يحترمونه ويجلونه، وإلى جانب ذلك المشهد تقوم الكنيسة الكبرى، كنيسة ~~القديس مرقس، البديعة البناء، وعلى مقربة منها تقوم طائفة من الكنائس تعنو لعظمتها، وهي مع ~~ذلك بدائع في الفن تشهد بما جبل عليه أهل مصر من حب الإنفاق في بناء المعابد زلفى إلى ~~الآلهة التي يعبدونها. # كانت كنيسة القديس مرقس تحتوي على جثمان ذلك الرسول موضوعا أمام المحراب في تابوت من ~~المرمر، وكانت لهذا السبب ولفخامة بنائها موضع الإكبار والتقديس من جميع الناس، على أن ~~كنيسة «القيصريون» القائمة في الحي نفسه عند ثنية المرفأ الأعظم كانت أعظم منها شأنا، ~~وكادت لذلك أن تحل محلها، ولم تكن «القيصريون» كنيسة في أول تشييدها، بل كان معبدا وثنيا ~~أقامته «كليوبترا» فوق نهد من الأرض مشرف على البحر ليراه كل قادم إلى الإسكندرية، فيرى ~~العظمة والجلال والجمال مجتمعة، وقد شادت الملكة البارعة ابنة البطالسة الأعظمين هذا المعبد ~~الفخم إعظاما ليليوس قيصر، ولذلك أطلق عليه اسم «القيصريون» فلما انتحرت وآل حكم مصر إلى ~~الرومان أتم القيصر «أغسطس» بناء المعبد وزاد فيه وجعله من العظمة بما جعل «فيلو» يقول في ~~وصفه: «... كان معبد قيصر أثرا لا مثيل له، وكان على ميناء فسيحة عظيمة البناء، عجيب ~~الصناعة، عالي السمك يعده الناس علما من أعلام البحر؛ قد زانته أبدع الصور والتماثيل، ~~تقدم إليه جليل الهدايا والقرابين؛ وكانت تجمله كله حلية من الذهب والفضة، فكان نموذجا ~~في جمال تنسيقه، وإبداع أجزائه المؤلفة من متاحف ومكاتب وقباب وساحات وأبهاء ومماش وخمائل ~~من أشجار ظاهرة، وقد وضع كل شيء في موضعه اللائق به، وأبدعت فيه يد الصناعة فأبرزته في حلة ~~أنيقة من الرونق، بذل في سبيلها المال لم يدخر باذله ثمينا ولا غاليا، وكان إلى ذلك متعة ~~لأهل الأسفار وجلاء لأعينهم إذا وقعت عليه في غدواتهم وروحاتهم.» # 5 # وكان في صدر «القيصريون» مسلتان أثارتا من العرب أشد العجب، فقد كانت من الجرانيت الأحمر، ~~وكانتا مربعتين تقومان على قاعدتين كسيت إحداهما بغطاء من النحاس على شكل أربعة من ~~الجعلان نقشت ms473 عليها نقوش قديمة، وكانت هذه الجعلان تفصل بين المسلة وبين القاعدة، ثم ~~كانت القاعدة قطعة واحدة من الجرانيت تحتها ثلاث طبقات مدرجة من الحجر، أما القاعدة الثانية ~~فكان يفصل بينها وبين المسلة أربعة تماثيل من حجر شفاف خاله العرب زجاجا، وكان على رأس كل ~~من المسلتين غطاء من النحاس أو البرنز يرتكز عليه تمثال من هذا المعدن، ويمثل أحد التمثالين ~~إلها لعله إله النصر، ويمثل الآخر إلهة لعلها من آلهة البحر، وكانت هذه المسلات بتماثيلها ~~وقواعدها بارعة الجمال في دقة صناعتها، فكانت متاعا لعين الناظر إليها من البحر إذ تمر بها ~~السفن داخله إلى المرفأ أو خارجة منه. # كانت هذه المجموعة البديعة: من قصور ومعابد وكنائس وتماثيل وعمد ومسلات، مشرفة على البحر ~~عند نهاية أحد الطريقين الرئيسيين للمدينة، فكان العرب إذ يبلغونها يقفون عند كل واحد منها ~~مسحورين تولاهم البهر، وما ندري لعل بهرهم بها أول دخولهم المدينة قد أتاح للروم الذين فروا ~~في البحر فرصة الابتعاد بالسفن عن الشاطئ. # وفي حي آخر على مقربة من الباب الجنوبي للإسكندرية، كان يقوم عمود «دقلديوناس» الذي سماه ~~العرب من بعد «عمود السواري.» وهذا العمود لا يزال قائما يشهد في صمته بما كان عليه معبد ~~السرابيوم القائم حوله من جمال وجلال وعظمة، فما من شيء يرسم أمامنا صورة منه إلا أطلال ~~الكرنك، لولا أن الكرنك مصري كل عمارته العظمة والجلال، وأن السرابيوم قد جمع بين الفنين ~~المصري والإغريقي، فجمع إلى الجلال المصري دقة الفن الإغريقي وزينته. # فقد شيد هذا المعبد أول ما شيد في عهد البطالسة قدسا للإله «سيرابيس» ويذكرون أن ~~بطليموس الذي شاده جاء بتمثال إله من جزيرة إغريقية، وأطلق عليه اسما مشتقا من الاسمين ~~أوزوريس وأبيس، ليجمع حوله عبادة أهل الإسكندرية، من المصريين الأصليين، ومن اليونان الذين ~~نزحوا إليها واستوطنوها، وشاد بطليموس قدس هذا الإله فوق ربوة يذهب بعضهم أنها ربوة طبيعية ~~كربوة الأكروبوليس بأثينا، على حين يذهب آخرون إلى أنها من صنع الإنسان، وأيا ما يكن ~~الواقع فقد كان هذا ms474 البناء قائما على نهد له نواة من الصخر الطبيعي، وكان مشرفا بارتفاعه ~~على المدينة، وكان قاصده يصل لذلك إليه عن أحد الطريقين: أولهما سلم مائة درجة، والثاني سفح ~~ممهد تسير عليه العجلات. # والظاهر من روايات المؤرخين أن بناء السرابيوم كان مستطيلا خمسمائة ذراع في مائتين ~~وخمسين، وكان قدس سيرابيس يقوم في وسطه مشيدا داخله وخارجه من أثمن المرمر، وقد خلع على ~~بنائه من الروعة غاية ما بلغه فن المعمار في مصر، وفي وسط هذا القدس كان يقوم تمثال عظيم ~~لسيرابيس من الخشب الملبس بالذهب والعاج، له ذراعان ممدودتان، تكاد كل منهما تلمس الحائط ~~الذي يليها، وكانت تزين القدس نقوش باهرة لا سبيل إلى تقويمها، وقد أحيط القدس بصف من العمد ~~توازي العمد التي كانت تحيط بالفناء كله في أربعة صفوف متوازية، ولقد هدم المسيحيون هذا ~~القدس الوثني قبل دخول العرب، فلم تصدهم عنه روعة عمارته، ولم تحملهم على الاكتفاء بإخراج ~~التمثال الوثني منه والإبقاء على بنائه البارع البديع. # ولم يكن بناء السرابيوم فيما حول قدس سيرابيس دون هذا القدس جلالا، قال «أميانيوس» في ~~وصفه: «إن الوصف ليعجز عن تصوير صورة حقيقية له، فقد كانت أبهاؤه ذات العماد، وتماثيله التي ~~كأنها من الأحياء، وما كان به غير ذلك من آثار الفن، كل ذلك كان يميزه ويخلع عليه بهاء ~~يجعله فذا في العالم، فلا شيء مما فيه يزيد عليه جمالا اللهم إلا بناء الكابتول، ذلك ~~الفخر الخالد الذي تفخر به رومية العظيمة.» # وكان في بناء السرابيوم حجرات عظيمة شغلت بعضها مكتبة الإسكندرية وشغلت بعضها مشاهد لآلهة ~~مصر القديمة، وكان فيه مسلتان قديمتان وحوض ماء عظيم من المرمر الفائق الجمال، وقد اتخذ ~~المسيحيون بعض مبانيه كنائس بقي بعضها قائما إلى ما بعد الفتح العربي، وكان يلاصق مدخله ~~بناء له قبة مذهبة عالية قائمة على دائرة مزدوجة من الأعمدة، وقد بقي هذا البناء، كما بقي ~~كثير من عمد السرابيوم قائما إلى زمن طويل بعد الفتح، وكان بعض المؤرخين يذكرون هذا ~~البناء، ويطلقون عليه اسم ms475 «مدرسة أرسطو» و«قبة أرسطو» و«بيت الحكمة». # وعلى مقربة من السرابيوم أقيم ميدان لسباق الخيل، قيل إنه كان يتسع لألف من النظارة، وإن ~~بناءه كان يتيح لهذا العدد العظيم أن يروا ويسمعوا ما يجري فيه من غير مشقة، أما دار ~~التمثيل فكانت في حي آخر استقلت فيه ببناء عظيم تلفت عظمته النظر ويسحر جماله ~~الفؤاد. # أخذ الفاتحون بهذا العمران الذي تجلى لهم أول ما دخلوا المدينة وجاسوا خلالها، لكنهم لم ~~يلبثوا أن بلغت منهم الدهشة حين رأوا أسفل هذه المباني الرائعة مباني أخرى تحت أرض المدينة، ~~ثم رأوا هذه المباني السفلى طبقات بعضها دون بعض، أربع طبقات أو خمسا، وفي كل طبقة منها ~~عدد عظيم من العمد ومن الحجرات التي كانت تستعمل صهاريج لخزن المياه، وقد كانت المياه تجري ~~إليها في أثناء فيض النيل في قنوات تصلها بالترعة الحلوة، فإذا امتلأت شرب الناس منها طول ~~العام. # أخذ العرب وتولاهم البهر لما رأوا من ذلك كله، على أن ذلك كله لم يثر من دهشتهم وعجبهم ~~وإعجابهم ما أثارته المنارة الكبرى، كان ذلك البناء العظيم العجيب، قائما في الشمال الشرقي ~~من جزيرة فاروس المتصلة بالمدينة بطريق طويل، قائم على عقود متينة، # 6 # وقد أقام بطليموس الثاني هذه المنارة التي كانت عجيبة من عجائب الدنيا السبع ~~لهداية السفن، فشادها من أحجار بيضاء تلمع نهارا في ضوء الشمس فإذا جن الليل أضيئت ليراها ~~راكب البحر، فكانت بذلك هادي السفن إلى المدينة اليوم كله. # وقد شاد بطليموس المنارة على صخر في البحر، وبناها من صخور متينة منحوتة صب بينها الرصاص ~~حتى لا يتسرب ماء البحر إلى أي جزء من أجزائها، وكان ارتفاعها ثلاثمائة ذراع قسمت إلى طبقات ~~أربع: أولاها مما يلي الأرض مربعة، والثانية التي تعلوها مثمنة، والثالثة مستديرة، والرابعة ~~مكشوفة بها مواضع للنار التي تهدي السفن، ومرآة طال حديث الكتاب والمؤرخين عنها، وكان في كل ~~طبقة طنف يشرف على المدينة، ويصل بين الطبقات سلم صاعد خلال المنارة من أسفلها إلى ~~أعلاها، تضيئه نوافذ فتحت في ms476 مواضع مختلفة من البناء على نحو هندسي دقيق. # وكان بالمنارة غرف كثيرة متداخلة، أثار عددها وتداخلها عجب العرب، حتى لقد قال المقريزي: ~~«ويقال: إن كل من دخل هذه المنارة اختبل وضل الطريق مما بها من الغرف العدة والطبقات ~~والمماشي.» فأما المرآة التي كانت في أعلاها فكانت أعجوبة الأعاجيب، ولذلك كثرت الأقاويل في ~~معدنها وفي الغرض من وضعها وفي مبلغ قوتها، ويقول المسعودي: «إنها مرآة عظيمة من الحجر ~~الشفاف: يمكن أن ترى فيها السفن الآتية من بلاد الروم وهي بعيدة عن مدى البصر.» ويقول آخر: ~~«إنها من زجاج محكم الصنعة.» ويقول ثالث: «إنها من الحديد الصيني.» ويقول السيوطي: «إن ~~عرضها كان سبع أذرع؛ وإنها كانت تظهر السفن الآتية من بلاد أوروبا، وكانت تستعمل لإحراق سفن ~~العدو، فكان الموكلون بها يديرونها نحو الشمس وهي مائلة للغروب فتنعكس عليها الأشعة وتحرق ~~سفن العدو، والإجماع على أنها تظهر السفن وهي أبعد من مدى البصر.» ويذهب بعضهم إلى أن ~~الإنسان كان يرى فيها كل شيء إلى القسطنطينية. # وكانت المنارة سليمة حين الفتح العربي، وكذلك كانت المرآة لكنهما لم تدوما بعد الفتح ~~طويلا، والمؤرخون يختلفون فيما بينهم: هل جاهد العرب بعد هدمها لإعادة بنائها، ولا غناء في ~~تحقيق خلافهم، والذين يذهبون منهم إلى أن المسلمين حاولوا إعادتها متفقون فيما بينهم على ~~أنهم لم ينجحوا في هذه المحاولة. # 7 # لا حاجة بي إلى أن أذكر ما تركته عمارة الإسكندرية، وما امتازت به من جمال وجلال، من ~~الأثر العميق في نفوس العرب الذين فتحوها، وحسبك، لتدرك عمق هذا الأثر، أن تتلو عبارة عمرو ~~بن العاص إلى عمر بن الخطاب في هذا الفتح إذ يقول: «أما بعد فإني فتحت مدينة لا أصف فيها، ~~غير أني أصبت فيها أربعة آلاف بنية بأربعة آلاف حمام، وأربعين ألف يهودي عليهم الجزية، ~~وأربعمائة ملهى للملوك.» فهذا الإيجاز من رجل اشتهر بالإطناب ودقة التصوير في الوصف حجة على ~~أن عمرا رأى كل وصف يقصر عن تصوير ما رآه بالإسكندرية على حقيقته، بل لقد بعث ms477 عمرو بن ~~العاص معاوية بن حديج رسولا إلى عمر ينبئه بالفتح، فسأله معاوية: «ألا تكتب معي كتابا؟» ~~فكان جواب ابن العاص: «وما أصنع بالكتاب؟ ألست رجلا عربيا تبلغ الرسالة وما رأيته وما ~~حضرت؟!» وقد كان هذا جوابه وهو يعرف حرص عمر على أن يقف على الدقيق والجليل من كل شيء، وأن ~~يقف عليه مفصلا أوفى تفصيل. # كان للإسكندرية أثر عميق في نفوس الذين فتحوها، ثم كان لها أعمق الأثر في نفوس المؤرخين ~~الذين أثبتوا بعد قرنين حديث أولئك الفاتحين، فأنت ترى في رواياتهم مبالغات عجيبة لا يفسرها ~~إلا دهشة رواتها دهشة جعلتهم يصدقون كل ما يسمعون، يقول ابن عبد الحكم في رواية مسندة: ~~«وكان بالإسكندرية فيما أحصي من الحمامات اثنا عشر ديماس، أصغر ديماس منها يسع ألف مجلس، ~~كل مجلس منها يسع جماعة نفر.» ويقول: «لما فتحت الإسكندرية وجد بها اثنا عشر ألف بقال ~~يبيعون البقل الأخضر.» ويذكر السيوطي أن أهل الإسكندرية جميعا كانوا يلبسون الثياب السود ~~والحمر؛ لأن أرضها وبناءها من المرمر الأبيض، وكان تألق الرخام سببا في اتخاذ الرهبان ~~السواد في لباسهم، وكان من المؤلم أن يسير الإنسان في المدينة بالليل فإن ضوء القمر إذا وقع ~~فيها على الرخام الأبيض جعلها تضيء، حتى كان الحائك يستطيع أن يضع الخيط في الإبرة بغير أن ~~يستضيء بمصباح؛ وما كان يستطيع أحد أن يدخل المدينة إلا إذا اتخذ غطاء لعينيه يقيه بريق ~~الطلاء والمرمر، ويقول المسعودي في وصف السرابيوم: «وكان في ذلك القصر مائة عمود، وفي صدره ~~عمود عظيم لم ير مثله في الحجم وله قمة كالتاج ... وكان ذلك العمود يهتز عند هبوب الريح ~~عليه.» ويقول السيوطي: «إنه قد بنى الجان لسليمان في الإسكندرية إيوانا للاجتماع، به ~~ثلاثمائة عمود علو كل منها ثلاثون ذراعا.» وكانت من المرمر المجزع، بلغ من صقله أن صار ~~كالمرآة يرى الإنسان فيه من يسير خلفه، وكان في وسط الإيوان عمود علوة مائة ذراع وإحدى عشرة ~~ذراعا، وكان سقفه قطعة واحدة من المرمر الأخضر نحته الجن، وكان ms478 هؤلاء الجان على صورة ~~الإنسان لهم رءوس كالقباب وعيون تمزق الأسد. هذه الروايات وما ورد من مثلها، وهو كثير، تشهد ~~كلها بأن عاصمة مصر تركت في نفس الفاتحين أثرا لم يحسوا مثله في جميع أنحاء البلاد التي ~~فتحوها فصاروا يذكرون ما شهدوا ويضيفون إليه ما سمعوا عنه من أحاديث صحيحة أو ملفقة لا يثبت ~~الكثير منها للنقد. # وقع هذا الأثر في نفوس الفاتحين أول ما دخلوا الإسكندرية، ثم إنهم لم يلبثوا فيها إلا ~~قليلا حتى رأوا حياة أهلها عجبا زادهم دهشة وإعجابا، فهذه الأجناس المختلفة التي تسكنها، ~~وهذه الأديان والمذاهب المتباينة التي تتجاور فيها وهذه اللغات واللهجات العدة التي يتكلمها ~~أهلها؛ هذا كله تجتمع فيه صورة مليئة بالحياة لا يماثلها شيء مما كانوا يتخيلونه عن برج ~~بابل، مع ذلك لم يكن اختلاف الأجناس، ولا تباين الأديان والمذاهب، ولا تعدد اللغات واللهجات ~~ليجني في قليل ولا كثير على طمأنينة أهل العاصمة للعيش وسكينتهم للحياة، فقد غرق سادتها في ~~ألوان من الترف والنعيم أنستهم كل خلاف بينهم، وأنستهم كل ما سوى المتاع بهذا الترف بلغ من ~~تعدد فنونه وألوانه ما وقف العرب حيارى لا يكادون يصدقون ما يرون وما يسمعون! # فلم تكد المدينة تستعيد طمأنينتها بعد انتهاء حصارها حتى عادت سيرتها الأولى، تستمتع ~~بصنوف اللهو، وتستمرئ المتاع بشتى ألوانه؛ فهذه مجالس العلم تعقد يتحدث حضورها في الفلسفة ~~وفي الرياضة وفي الطب وفي الفن وفي غير ذلك من متع العقل وترفه وهم يعنون في منطقهم وفي ~~نظام حديثهم بالافتتان في هذا الترف، حتى ليظنهم شاهد مجلسهم كأن الحياة كلها للعقل وما ~~أبدع من علم وفن، وهذه دور اللهو فيها الراقصات البارعات، والمغنيات المشجيات، وفيها من ~~التمثيل والموسيقى وألوان الفن الجميل كله ما لم تره من قبل أعينهم، ولم تسمعه آذانهم، ولم ~~يخطر على قلوبهم، وهذه دور الصناعة تعج عجيجا شديدا، ويشمر الصناع فيها عن سواعدهم، فهي ~~تنتج من كل شيء ما لا مثيل لإتقانه في غير الإسكندرية، وهذه متاجر المدينة في أحيائها التي ms479 ~~لم تصبها الحرب بالكساد يتعامل الناس فيها مغتبطين بما يجيء إلى عاصمة وادي النيل من ثمرات ~~مصر المختلفة في الزراعة والصناعة، وبما ينتقل إليها من النوبة ومن الشرق الأقصى ومن الشام ~~ومن بلاد أوروبا المختلفة، وهؤلاء سراة الإسكندرية، في ثيابهم الجميلة بشتى ألوانها يذهبون ~~إلى دور اللهو وإلى المتاجر وإلى دور العلم وإلى مسارح التمثيل، فإذا أووا إلى قصورهم زادهم ~~المتاع فيها حبا للحياة وحرصا على أنعمها، أي شيء هذا كله! إلا أنه إلى الخيال أقرب منه ~~إلى الحقيقة! وهو مع ذلك حقيقة ملموسة تقع عليها حواس الفاتحين، فهم منها في عجب بالغ يذرهم ~~وليس لهم إلى حديث في غيرها سبيل. # ولم يكن أمراء الجند أقل من الجند عجبا وإعجابا، وقد رأيت أثر هذا الإعجاب والعجب في ~~كتاب عمرو بن العاص إلى الخليفة، إذ أعجزه الجلال عن وصف ما رأى، فلم يذكر إلا «أربعة آلاف ~~بنية بأربعة آلاف حمام، وأربعين ألف يهودي عليهم الجزية، وأربعمائة ملهى للملوك.» وهذا ~~العجز هو الذي جعله يبعث معاوية بن حديج إلى المدينة ولا يبعث معه كتابا، بل يقول له: «وما ~~أصنع بالكتاب! ألست امرأ عربيا تبلغ الرسالة وما رأيت وما حضرت!» # ولقد سار معاوية أياما ثم بلغ المدينة في الظهيرة، فأناخ راحلته بباب المسجد ودخله وجلس ~~قريبا من بابه، وخرجت جارية من دار عمر بن الخطاب فرأته شاحبا عليه ثياب السفر، وعرفت منه ~~أنه رسول عمرو بن العاص، فدخلت مسرعة إلى الدار ثم رجعت إليه مسرعة وقالت: قم فأجب! أمير ~~المؤمنين يدعوك. ودخل معاوية الدار يتبعها، وأجاب عمر حين سأله: ما عندك؟ فقال: خير يا أمير ~~المؤمنين، فتح الله الإسكندرية، فخرج عمر من فوره إلى المسجد ومعه معاوية وأمر المؤذن أن ~~يؤذن في الناس أن الصلاة جامعة، فلما اجتمع الناس قال عمر لمعاوية: قم فأخبر أصحابك، فلما ~~أخبرهم قام عمر فصلى شكرا لله، ثم دخل منزله واستقبل القبلة ودعا بدعوات، ثم أمر الجارية ~~فجاءت الرسول الذي حمل النبأ بفتح الإسكندرية بطعام خبز وزيت، وأكل ms480 معاوية على حياء، ثم ~~أتته بطبق من تمر، فأكل على حياء كذلك، فلما فرغ من طعامه سأله عمر: ماذا قلت يا معاوية حين ~~أتيت المسجد؟ وأجاب معاوية: قلت إن أمير المؤمنين قائل، فأردف عمر: بئسما ظننت! لئن نمت ~~النهار لأضيعن الرعية، ولئن نمت الليل لأضيعن نفسي، فكيف بالنوم مع هذين يا معاوية؟! # وبينما كان معاوية في طريقه إلى المدينة كان الروم قد بدءوا يجلون عن الإسكندرية من طريق ~~البر ومن طريق البحر، وقد سبق أن قلنا: لعله قد تم بين عمرو والمقوقس اتفاق بعد فتح ~~الإسكندرية لم يتجاوز تنظيم الجلاء لجنود الروم عن عاصمة مصر وعن مصر كلها، يقول البلاذري: ~~«ويقال إن المقوقس صالح عمرا على ثلاثة عشر ألف دينار، على أن يخرج من الإسكندرية من أراد ~~الخروج وأن يقيم بها من أحب المقام، وعلى أن يفرض على كل حالم من القبط دينارين، فكتب لهم ~~بذلك كتابا.» وقد استنبط بتلر من رواية حنا النقيوسي أن المقوقس وعمرا اتفقا بعد فتح ~~الإسكندرية على هدنة أحد عشر شهرا، يبقى العرب في أثنائها في أماكنهم، وترحل مسلحة ~~الإسكندرية من الروم في أثنائها في البحر ومع جنودها أموالهم ومتاعهم، فمن أراد الرحيل منهم ~~في البر دفع جزية كل شهر حتى يبلغ أرض قيصر، وقد أضاف بتلر إلى ما ذكره من ذلك شروطا تتصل ~~بالصلح الذي كان قد تم ببابليون بين القائد العربي والبطريق الرومي، وجلي أن هذه الشروط ~~كانت واردة بالمعاهدة التي وضع مشروعها حين كان العرب يحاصرون حصن بابليون، وهي المعاهدة ~~التي رفض هرقل إقرارها، أما بعد فتح الإسكندرية عنوة فقد اقتصر الأمر على تنظيم جلاء ~~الروم عن الإسكندرية وعن غيرها من بلاد مصر. # والراجح أن ما ذكره بتلر عن الهدنة صحيح، وإن كان تحديد مدتها بأحد عشر شهرا موضع خلاف، ~~فبعضهم يرى أنها لم تزد على الزمن الذي قدره عمرو بن العاص كافيا لرد الخليفة على شروط ~~الهدنة والجلاء، وهو زمن لا يتجاوز الشهرين، ولعل هذا القول أدنى إلى الصحة، فما كان ms481 مجيء ~~السفن إلى الإسكندرية لنقل جند الروم منها ليستغرق أكثر من ذلك. # لم يغادر المقوقس الإسكندرية مع الروم الذين جلوا عنها، بل ظل مقيما بقصره فيها حتى مات ~~بها ودفن في مقابرها، وهو لم يفكر في مغادرتها؛ لأنه كان يعلم أنه يخاطر بحريته، بل بحياته، ~~إذا نزل بزنطية، وأن مصيره إن فعل سيكون النفي أو الموت لا محالة، فقد بقي هذا البطريق ~~الشيخ في المنفى الذي بعث به هرقل إليه حتى دعاه قسطنطين ومرتينا وابنها بعد موت هرقل، ثم ~~إنه جاء إلى الإسكندرية على وفاق مع مرتينا، وبقي بها حتى فتحها العرب فهادنهم، وفي هذه ~~الأثناء كان الروم قد بلغت ثورتهم بمرتينا وابنها بعد مقتل قسطنطين أن نحي الشاب وأمه عن ~~الحكم أو قتلا، وانفرد كنستانس بن قسطنطين بالعرش، وكانت صلة المقوقس بمرتينا غير خافية على ~~أحد من أهل القسطنطينية، فلو أنه ذهب إليها لما كان عجبا أن يصيبه ما أصاب الإمبراطورة ~~حليفته؛ لذلك آثر البقاء بمصر مقتنعا بأن الفاتح العربي سيبقي له من النفوذ ما تطمئن إليه ~~شيخوخته المحطمة. # 8 # كان كثيرون من المصريين والروم الذين لاذوا بالإسكندرية بعد سقوط حصن بابليون يرجون أن ~~يرجعوا إلى قراهم بعد أن سقطت الإسكندرية، فطلبوا إلى المقوقس أن يخاطب عمرا في الأمر، لكن ~~عمرا أبى عليه ما طلب؛ لأن بعض البلاد الحصينة كانت لا تزال تقاوم، فمن الخطر أن ينضم ~~إليها قوم ربما عاونوها على المقاومة، ورأى المقوقس في إباء عمرو نذيرا بزوال سلطانه، ~~فاعتراه من الهم ما عجل به إلى الموت، أفمات ندما على تسليم الإسكندرية للمسلمين، كما يقول ~~حنا النقيوسي؟ أم خشي أن يقتله عمرو، فلما بلغ منه الخوف جعل في فمه خاتما مسموما فمات من ~~ساعته، كما يقول ساويرس؟ أم إنها الشيخوخة انتهت به إلى موت طبيعي؟ يثبت بتلر أنه أصيب ~~بالدوسنتاريا، وأنه مات منها موتا طبيعيا فدفن بالإسكندرية في الحادي والعشرين من شهر ~~مارس سنة 642. # مات قيرس، وجلا الروم عن عاصمة مصر، فتولى المسلمون أمرها، وأخذوا يدبرون شئونها، ms482 بذلك ~~دالت دولة الروم فيها وزال سلطانهم عنها، وإن بقيت لهم بها حاميات محصورة في بعض الأرجاء، ~~وما عسى أن تغني هذه الحاميات عن دولة دالت وسلطان تقلص! لذلك كان سقوط الإسكندرية في يد ~~عمرو بن العاص إيذانا من الله بأن مصر كلها آلت إلى المسلمين، وأنه ألقى عليهم إصلاح ما ~~فسد من شئونها، وتعمير ما أصابه الخراب منها، لكنهم لم يكونوا ليفعلوا حتى يطهروا الأرض ~~كلها من الروم، وحتى يبعثوا إلى نفوس القبط الطمأنينة والأمن؛ ليستقر الأمن في البلاد كلها، ~~فلا تحدث الروم أنفسهم بالعود إليها، فإن فعلوا ردوا على أعقابهم، وذاقوا وبال ~~أمرهم. # ذلك ما حدث، وسيرى القارئ من بعد كيف حدث. # | هوامش # الفصل الحادي والعشرون # | مصر في يد المسلمين # كان فتح الإسكندرية إيذانا بأن بلاد مصر آلت كلها إلى المسلمين؛ فقد استولى خارجة بن ~~حذافة على بلاد الصعيد إلى حدود طيبة، فلم يبق من الروم إلا عدد قليل لم يغامر بعد فتح ~~العاصمة بقتال، ولم ينازع الفاتحين السلطان، وما كان هؤلاء الروم ليغامروا، وهم يعلمون ما ~~يضمره القبط لهم من كراهية، بسبب ما أصابهم في أرزاقهم وفي دينهم من اضطهاد، وقد بلغ من أمر ~~هذه الكراهية أن كان القبط إذا رأوا روميا منفردا قتلوه، ثم لا يعرف أحد من قتله، ولم ~~يكن ذلك حبا من القبط للغزاة أو ترحيبا بمقدمهم؛ فقد كان أهل الصعيد بعيدين عن سلطان ~~المسلمين في تلك الأيام الأولى من عهد الفتح، ولم تكن في نفوسهم حفيظة عليهم، بل كانت كل ~~حفيظتهم على الروم الذين أذاقوهم النكال قرونا متطاولة. # وقد استولت الكتائب التي سارت في بلاد الدلتا على أكثر قراها، ونشرت سلطانها في أرجائها؛ ~~فلم تقاوم تلك الكتائب إلا البلاد المحصنة، ثم إن هذه البلاد بقيت محصورة لا تستطيع أن تقهر ~~الغزاة وإن استطاعت أن تدفع عن نفسها، فلما فتح عمرو الإسكندرية فتح الكثير من هذه البلاد ~~أبوابها؛ لأنها أيقنت أن العرب سيضيقون الخناق عليها فلن تطول مقاومتها، أما البلاد القريبة ~~من ساحل البحر ms483 الأبيض فظلت على مقاومتها، ولم تدخل فيما دخل الناس فيه من عهد. # وقد يرجع ذلك أن هذه البلاد كانت بها مسالح من الروم، ظن جندها أن مصيرهم إلى الهلاك إن ~~سلموا أو قاموا، فدفعتهم فطرة المحافظة على النفس إلى المقاومة، وقد يرجع كذلك إلى أن ~~المصريين من أهل هذه البلاد ترامت إليها عن قسوة المسلمين أنباء حملتهم على التحصن ~~والمقاومة، فلا شك في أن دعاية الروم كانت تذيع، بكل ما عرف من وسائل الإذاعة لذلك العهد، ~~أن المسلمين يسيئون معاملة القبط ويرهقونهم ويأخذون أرزاقهم غصبا، وأنهم يكرهون الناس على ~~إنكار مسيحيتهم ليتخذوا الإسلام دينا، وإنك لتجد من هذه الأنباء، فيما نقله بتلر عن حنا ~~النقيوسي، ما لعله يفسر مقاومة بلاد لا أمل لها في نجاح مقاومتها، ومع ذلك قاومت حين شاع ~~بينها ما أذاعه الروم عن الغزاة المسلمين مما روع أهلها وحملهم على الاستماتة في ~~القتال. # ويذكر المؤرخون أسماء بعض المدن التي قاومت، ومنها «إخنا» على مقربة من الإسكندرية، ~~و«بلهيب» في جنوب رشيد، والبرلس ودمياط وتنيس، ويروون حوادث وقعت بين الغزاة وأصحاب هذه ~~البلاد لبعضها دلالة خاصة ، فقد أراد «طلما» صاحب إخنا مصالحة عمرو، فلم يعجب عمرا كلامه، ~~وأمر رجاله فساروا إلى إخنا وأخذوا منها أسرى مع أنها سلمت من غير مقاومة؛ ولذا رد عمرو ~~أسراها الذين أرسلوا إلى المدينة، وجعلهم أهل ذمة، وحدث ببلهيب مثلما حدث بإخنا، ويقال إن ~~عمرا تسلم وهو عند بلهيب كتابا من الخليفة يطلب إليه أن يخير الأسرى، فمن دخل الإسلام كان ~~للمسلمين أخا، وسمع الأسرى بذلك، فأسلم كثيرون، فجعل المسلمون يكبرون لإسلام كل واحد منهم، ~~وسار العرب من البرلس إلى دمياط فاستولوا عليها، وأصبحت لهم بذلك شواطئ البحر من العريش إلى ~~الإسكندرية، مع ذلك لم تسلم تنيس ولم تفتح أبوابها للمسلمين، بل وقفت في وجوههم وناجزتهم ~~القتال في مواطن كثيرة، وظلت كذلك حتى فتحت عنوة وغنم المسلمون أموالها وقسموها، وترجع ~~مقاومتها إلى أنها كانت مدينة صناعية عظيمة كثيرة السكان، ثم كانت لها إلى ذلك ms484 مكانة ذاتية ~~خاصة، وكانت ذات أسوار حصينة فيها تسعة عشر بابا مصفحة بالحديد الثقيل، وكان بها اثنتان ~~وسبعون كنيسة، وستة وثلاثون حماما، ويذكر المقريزي أن تنيس ظلت على مقاومتها زمنا، فلما ~~أبطأ فتحها خرج حاكم مدينة قريبة من دمياط اسمه شطا بن الهاموك، وكان قد أسلم، فجمع جيشا ~~من البرلس ودميرة وأشمون طناح، وجهزه ولحق بالمسلمين وحارب معهم عدوهم، وأحسن البلاء في ذلك ~~اليوم الذي فتحت فيه تنيس أبوابها، والذي قتل هو فيه، فأطلق اسمه على الموضع الذي خرج منه ~~في شرق دمياط. # وكذلك تحطمت مقاومة الروم والمصريين الذين مالئوهم أو الذين طمعوا في الاستفادة من هذه ~~الحروب لاستقلال بلادهم، وأصبح الأمر في مصر خالصا للمسلمين من شواطئ بحر الروم إلى بلاد ~~النوبة. # وكان لعمرو أن يستريح بعد ذلك، وألا يتجاوز مصر إلى ما بعدها، لكنه قدر أن للروم قوات ~~ببرقة وطرابلس قد تغريهم بالتحصن هناك، والتربص حتى تحين فرصة الثأر والرجعة إلى مصر؛ لذلك ~~خرج في قواته، بعد أن اطمأن إلى استقرار الأمر في مصر، فسار من الإسكندرية إلى برقة، ولم ~~يكن الطريق بينهما صحراويا مهملا مثلما هو اليوم، بل كان يجري في أرض خصبة، تحيط به من ~~الجانبين زروع وفاكهة وكروم وعمران متصل؛ لذلك كانت مسيرة الفرسان المسلمين فيه نزهه ممتعة ~~أدت إلى برقة، فلم يجدوا فيها مقاومة تذكر، والراجح أنها سلمت صلحا بعد مقاومة ضعيفة ~~ورضيت أداء الجزية ثلاثة عشر ألف دينار كل عام. # وبرقة إقليم من طرابلس، سمي باسم مدينة كانت تقام حيث تقوم اليوم بني غازي، قال ابن ~~دقماق: إن هذا الإقليم كانت به مدن كثيرة عامرة ذات أنهار وأشجار، وإنه كان كثير الناس ~~والضياع، ويزرع به الزعفران، وقد روى أن التجار كانوا يكثرون التردد على برقة مشرقين ~~ومغربين؛ لأنه كان يلج إليها من الشرق ومن الغرب صنوف من التجارة ليس في كثير من بلاد ~~المغرب مثلها؛ لذلك لم يكن عجبا ألا يدخلها جباة المسلمين بعد صلحها يقتضون جزيتها؛ إذ ~~كانت تبعث بالجزية إلى عمرو ms485 بمصر مع جماعة من أهلها، ومن عجيب ما يروى عن صلحها أن أهلها ~~أبيح لهم أن يبيعوا أبناءهم لأداء الجزية، ولا تفسير لهذه الإباحة إلا أن بيع الأبناء في ~~أداء الدين كان جائزا عندهم، فلم يحرمه المسلمون إلا على من أسلم، # 1 # وأكبر الظن أن أبناءها كانوا غير راضين عن هذا النظام بدليل ما ذكره ياقوت من ~~أن أكثر الناس في برقة أسلموا. # وسار عمرو من برقة إلى طرابلس، وكانت مرفأ حصينا به مسلحة من الروم تحميه وتجد حوله من ~~الخصب ميرة تختزنها في قلاعه، فلما رأوا مقدم المسلمين أقفلوا أبوابه وثبتوا للحصار الذي ~~ضربه العدو عليهم، وانتظروا مجيء مدد من البحر يعينهم في موقفهم، وانقضت أسابيع لم يجئ ~~المدد خلالها، وعرف العرب في أثنائها أن المدينة غير محصنة من جانب البحر، فانسل جماعة منهم ~~من تلك الناحية وصاحوا مكبرين، فلم يسع الروم إلا الفرار إلى السفن تاركين المدينة يفتح ~~الحراس أبوابها فيدخلها عمرو على رأس جيشه. # وسارت كتائب أذاعت الرعب في قلوب أهل الإقليم، فلم يسع الناس في كل أرجائه إلا التسليم، ~~وكتب عمرو إلى أمير المؤمنين يستأذنه في السير إلى تونس وما وراءها من شمال إفريقية فلم ~~يأذن له، فعاد إلى برقة حيث أقبلت إليه أكبر قبائل البربر فدانت له بالطاعة، # 2 # فلما اطمأن إلى زوال ملك الروم من تلك البلاد كلها قفل راجعا إلى الإسكندرية ~~بالأسرى والغنائم. # وأراد عمرو أن يؤمن حدود مصر من الجنوب كما أمن حدودها من الغرب، فبعث عقبة بن نافع ~~الفهري إلى النوبة، فلقيه أهلها وقاتلوا المسلمين قتالا شديدا ارتد عقبة على أثره، ولم ~~يعقد صلحا ولا هدنة، ذلك أن أهل النوبة كانوا يرمون بالنبل فلا يخطئون، وكانوا يتحرون ~~الأعين فيرمونها فيفقئونها، فسماهم العرب رماة الحدق، وظلت كتائب عمرو بعد ارتداد عقبة ~~تناوشهم على الحدود، فلما كانت خلافة عثمان بن عفان صالحهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح على ~~هدنة: ألا يقاتل أحد الفريقين الفريق الآخر، وأن يتبادل الفريقان الرقيق يعطيه أهل ms486 النوبة ~~المسلمين، والطعام يعطيه المسلمون أهل النوبة بما يوازي ثمن رقيقهم. # على أن أهل النوبة لم يفكروا في اجتياز التخوم إلى مصر لمناجزة قوات المسلمين، بل كفاهم ~~أن ردوا عدوهم عن ديارهم فأقاموا بها على حذر منه؛ لذلك لم يخش عمرو جانبهم وأقام مطمئنا ~~إلى سلامة مصر من ناحية الجنوب، كما اطمأن إلى سلامتها من ناحية الغرب بعد أن هزم الروم في ~~برقة وطرابلس، أما وقد تمت له هذه الطمأنينة فقد انصرف بكل تفكيره إلى تدبير الأمر في مصر ~~وتنظيم حكمها، فكيف كانت سياسته في هذا التدبير وهذا التنظيم؟ # يجمل بنا لنجيب عن هذا السؤال، أن نفصل في مسألة طال خوض المؤرخين فيها، فأنت قد رأيت، ~~مما تقدم في هذا الفصل وفي الفصلين اللذين سبقاه، أن عمرا فتح مصر كلها عنوة، فلم يتم ~~بينه وبين الروم صلح عليها، ولم يكن القبط من أهلها ليصالحوه وهم في سلطان هرقل والذين ~~جلسوا على العرش من بعده، وقد وقع المقوقس مشروعا للصلح مع عمرو في أثناء حصار بابليون ~~فرفضه هرقل، وبرفضه عادت الحرب بين الفريقين، حتى انتهت إلى هزيمة الروم وجلائهم عن البلاد ~~كلها، مع ذلك يفيض المؤرخون المسلمون في ذكر روايات يذهب بعضها إلى أن مصر فتحت صلحا، ~~ويذهب بعضها إلى أنها فتحت عنوة، ويغلون في هذه الإفاضة، حتى يكاد الإنسان يحسب أنه لن ~~ينتهي في هذا الأمر إلى رأي يطمئن إليه. # فأما الذين يذكرون أن مصر فتحت عنوة بغير عهد ولا عقد، فيستندون إلى روايات لجماعة ~~ممن شهدوا الفتح أنهم قالوا إن مصر فتحت عنوة، وإلى تأييد ذلك القول بأنه كان لعمر بن ~~الخطاب تابوت، فيه كل عهد كان بينه وبين أحد ممن عاهده، فلم يوجد فيه لمصر عهد، وهم يضيفون ~~إلى ذلك عن عمرو بن العاص أنه كان يقول: «لقد قعدت مقعدي هذا وما لأحد من قبط مصر علي عهد ~~ولا عقد إلا لأهل أنطابلس فإن لهم عهدا نوفي لهم به.» ويذكر أحد الرواة أن عمرا أضاف: ~~«فإن شئت قتلت، ms487 وإن شئت خمست، وإن شئت بعت.» ويورد أصحاب هذا القول حجة أخرى تؤيد رأيهم أن ~~عمرا كتب إلى عمر في رهبان يترهبون بمصر فيموت أحدهم وليس له وارث، فكتب إليه عمر: «إن من ~~كان له عقب فادفع ميراثه إلى عقبه، ومن لم يكن له عقب فاجعل ماله في بيت مال المسلمين، فإن ~~ولاءه للمسلمين.» # وأما الذين يذكرون أن مصر فتحت صلحا فيستندون إلى روايات يذهب بعضها إلى أن البلاد فتحت ~~صلحا كلها، ويستثني بعضهم الإسكندرية فيذكر أنها فتحت عنوة، روي أنه لما فتح عمرو بن ~~العاص مصر صولح على جميع من فيها من الرجال من القبط، ممن راهق الحلم إلى ما فوق ذلك ليس ~~فيهم امرأة ولا صبي ولا شيخ، على دينارين دينارين، فأحصوا فبلغت عدتهم ثمانية ملايين، وقيل: ~~إن عمرا لما فتح الإسكندرية كان أكثر المسلمين يريدون قسم ما عليها ومن فيها، فقال لهم ~~عمرو: لا أقدر على قسمها حتى أكتب إلى أمير المؤمنين، وكان جواب عمر على كتاب ابن العاص: ~~«لا تقسمها وذرهم، يكون خراجهم فيئا للمسلمين وقوة لهم على جهاد عدوهم.» فأقرها عمرو وفرض ~~على أهلها الخراج، وأحصاهم فكان عدة من بلغ الخراج بها ستمائة ألف، بذلك فتحت مصر كلها ~~صلحا بفريضة دينارين دينارين على كل رجل، وفي رواية أن شيخا من القدماء ممن شهدوا فتح مصر ~~قيل له: إن ناسا يذكرون أنه لم يكن لأهلها عهد، فقال: لا يبالي ألا يصلي من قال إنه ليس ~~لهم عهد، وسئل: فهل كان لهم كتاب؟ فقال: نعم، كتب ثلاثة: كتاب عند طلما صاحب إخنا، وكتاب ~~عند قزمان صاحب رشيد، وكتاب عند يحنس صاحب البرلس، وأجاب هذا الشيخ، حين سئل عن ~~صلحهم، أنه كان على دينارين على كل إنسان جزية وأرزاق المسلمين، وأنه شرط ألا يخرجوا من ~~ديارهم، وألا تنتزع نساؤهم ولا كنوزهم ولا أراضيهم ولا يزاد عليهم. # هذه أهم الروايات التي استند إليها من يقولون إن مصر فتحت صلحا، ومن يقولون إنها فتحت ~~عنوة، ولعلك توافقني على أنها مع ms488 ظاهر اختلافها، تنتهي إلى نتيجة واحدة، وتؤيد أن مصر ~~فتحت عنوة، وفتحت في الوقت ذاته صلحا، فالحرب التي وقعت في أرضها إنما كانت بين ~~المسلمين والروم ولم تكن بين المسلمين والقبط من أهل البلاد، وقد كان موقف المصريين من ~~الفريقين موقف حياد إن شئت، وهو بالأخرى موقف المغلوب على أمره، لا يملك أن ينضم انضماما ~~ظاهرا إلى أحد الفريقين ويقاتل الجانب الآخر في صفه؛ لذلك كانوا ينفذون ما يأمرهم الغالب ~~على منطقة من المناطق بتنفيذه، وكانوا ينفذونه كرها إن لم ينفذوه طوعا، فحينما كان الأمر ~~للروم كان القبط يعاونونهم في تعبيد الطرق وإقامة الجسور وما إلى ذلك مما يحتاجون في القتال ~~إليه، وحيثما كان الأمر للعرب كان القبط يبذلون لهم مثل هذه المعاونة، وهم كانوا كما رأيت ~~يمقتون الروم أشد المقت لما بلغ منهم في دينهم وفي أرزاقهم، وكانوا يخافون العرب أن يحلوا ~~بينهم محل الروم، وألا يعاملوهم بخير مما كان الروم يعاملونهم به، قوم ذلك شأنهم لا يمكن ~~اعتبارهم محاربين، ولا يمكن أن يقال إنهم قاتلوا العرب أو قاتلوا الروم، إنما كان القتال ~~بين العرب والروم في أرض مصر، وقد انتصر العرب على الروم فأجلوهم عن مصر وأدالوا دولتهم ~~فيها، وهم لذلك قد فتحوا مصر عنوة في وجه الروم الذين قاتلوهم وانهزموا أمامهم، ولم ~~يفتحوها عنوة في وجه المصريين الذين لم يقاتلوهم. # وقد رأيت بعد فتح الإسكندرية كيف سلمت إخنا وبلهيب والبرلس ودمياط دون مقاومة، وكيف ~~عاون المصريون العرب في قتال تنيس وفي فتحها، وما كان المصريون ليقاتلوا العرب أو يحاولوا ~~إجلاءهم عن بلادهم ولم ينشئ الروم في البلاد جيشا من أبنائها، ولم يتركوا سلاحا يذود به ~~أهلها عن أنفسهم، بل جردوها من كل سلاح حتى لا تثور بهم ولا تحاول الاستقلال عنهم؛ لذلك كان ~~طبيعيا أن تذعن للعرب أول ما غلبوا الروم في أرضها وأخرجوهم منها، أما وقد فعلوا فقد أوجب ~~الإسلام على الفاتحين أن يعرضوا على القبط أن يسلموا فيكون لهم ما للمسلمين وعليهم ما ~~عليهم، أو ms489 يبقوا على دينهم ويدفعوا الجزية لقاء حماية المسلمين لهم، وهذا ما رآه عمرو بن ~~العاص مخالفا فيه رأي الذين أرادوا قسمة البلاد فيما بين المسلمين، وقد أقر عمر بن الخطاب ~~هذا الرأي، ورضيه المصريون، بذلك كان فتح مصر عنوة بالنسبة للروم، وصلحا بالنسبة ~~للمصريين. # أي صلح أقره عمر ورضيه المصريون؟ تكثر الروايات في هذا وتتعدد، لكنا نستطيع أن نقول ~~مطمئنين: إنه يطابق الصلح الذي رفضه هرقل، والذي عقدت شروطه بين عمرو بن العاص والمقوقس حين ~~كان المسلمون يحاصرون حصن بابليون، وقد أورد الطبري نص هذا العهد فيما يلي: # بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى عمرو بن العاص أهل مصر من الأمان على أنفسهم ~~وملتهم وأموالهم وكنائسهم وصلبهم وبرهم وبحرهم، لا يدخل عليهم شيء من ذلك، ولا ~~ينتقص، ولا تساكنهم النوبة، وعلى أهل مصر أن يعطوا الجزية إذا اجتمعوا على هذا ~~الصلح وانتهت زيادة نهرهم خمسين ألف ألف، وعليهم ما جنى لصوتهم، # 3 # فإن أبى أحد منهم أن يجيب رفع عنهم من الجزاء بقدرهم، وذمتنا ممن أبى ~~بريئة، وإن نقص نهرهم من غايته إذا انتهى رفع عنهم بقدر ذلك، ومن دخل في صلحهم من ~~الروم والنوبة فله مثل ما لهم، وعليه مثل ما عليهم، ومن أبى واختار الذهاب فهو آمن ~~حتى يبلغ مأمنه أو يخرج من سلطاننا، عليهم ما عليهم أثلاثا في كل ثلث جباية ثلث ما ~~عليهم، على ما في هذا الكتاب عهد الله وذمته وذمة رسوله وذمة الخليفة أمير المؤمنين ~~وذمم المؤمنين، وعلى النوبة الذين استجابوا أن يعينوا بكذا وكذا رأسا وكذا وكذا ~~فرسا، على ألا يغزوا ولا يمنعوا من تجارة صادرة ولا واردة، وشهد عليه الزبير ~~وعبد الله ومحمد ابناه، وكتب وردان وحضر. # ذكرنا أن هذا العهد يطابق الصلح الذي عقدت شروطه بين عمرو والمقوقس ولم نقل إنه هو، ~~فهذا النص الذي أثبته الطبري ليس عقدا بين طرفين، وإنما هو تصريح من جانب واحد، على تعبير ~~فقهاء القانون الدولي في عصرنا الحاضر، صحيح أن أهل مصر قبلوا ms490 هذا العهد بعد إعلانه ودخلوا ~~فيه، لكن هذا القبول لا يغير من طبيعته القانونية، فهو عهد أملاه من فتح أرضا لم يقاومه ~~أهلها، أريد به بعث الطمأنينة إلى نفوس الناس في هذه الأرض بتحديد تبعاتهم لقاء تأمينهم على ~~حريتهم وعلى ملتهم وأموالهم، وقبول مثل هذا العهد إنما هو نزول على حكم الواقع اتقاء ما هو ~~شر منه، وليس رضا بالمعنى الفقهي، فإنما يقوم هذا الرضا على أساس من حرية صاحبه في أن يرضى ~~وألا يرضى. # عهد ذلك شأنه يختلف في طبيعته القانونية عن الصلح الذي رفضه هرقل، بعد أن عقده عمرو ~~والمقوقس في أثناء حصار بابليون أشد الاختلاف، فقد كان صلح المقوقس هذا بين طرفين، وكان ~~ينظم أمورا ما كان لعهد الأمان الذي أذاعه عمرو بين المصريين أن يتناولها، وقد أورد بتلر ~~شروط هذا الصلح نقلا عن كتاب حنا النقيوسي، وإن لم يوردها على الترتيب الذي أوردها به ~~المؤرخ القبطي، وظاهر من هذه الشروط أنها كانت صلحا بين المسلمين الظافرين والروم ~~المقهورين على مصر كلها، وكان مدى هذا الصلح أن يجلو الروم عن البلاد، وألا يعودوا إليها أو ~~يسعوا لردها ، وأن يتم هذا الجلاء في أحد عشر شهرا من إقرار هرقل لهذا الصلح، وأن يبعث ~~الروم رهائن من قبلهم مائة وخمسين من الجند وخمسين من غير الجند ضمانا لإنفاذ العهد، وأن ~~يبقى العرب في أماكنهم مدة الهدنة لا يسعون لقتال، وأن يتاح لليهود الإقامة بالإسكندرية، ~~وأن يكف المسلمون عن أخذ كنائس المسيحيين ولا يتدخلوا في أمورهم، وألا يفرق في الجزية بين ~~القبط وغير القبط من سكان مصر. # شتان ما بين هذا العقد وعهد الأمان الذي أعلن من جانب واحد، فهذا العقد أريد بمشروعه الذي ~~رفض تصفية لحالة حرب قائمة، وخلاصته ترك الروم مصر للعرب، وتعهد العرب للروم بعدم إجلاء ~~اليهود عن العاصمة، واحترام معابد المسيحين وعقائدهم، وعدم التفريق بين المصريين وغير ~~المصريين في الجزية، أما عهد الأمان فلا شأن للروم به ولا عهد على المسلمين لهم فيه؛ لذلك ~~كان من ms491 الخطأ أن يقول بتلر: إن عهد الأمان لا يخالف عقد الصلح، وإن كلا النصين يكمل ~~الآخر. # على أن عهد الأمان لم يورد في أمر الجزية أي تفصيل عن طريقة توزيعها بين ساكني مصر، وقد ~~اتفق المؤرخون على أن الجزية قدرت بدينارين على كل حالم من الرجال دون سواهم، فلا جزية على ~~الأطفال والنساء والرقيق والشيوخ الفانين والعجزة غير القادرين والصبيان، وجلي أن هذه ~~الجزية كانت على الرءوس، وأنها كانت غير خراج الأرض يلزم به الرجل على قدر المساحة التي ~~يزرعها، وروى البلاذري عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن عمرا «وضع على كل حالم دينارين ~~جزية إلا أن يكون فقيرا، وألزم كل ذي أرض مع الدينارين ثلاثة أرادب حنطة وقسطي زيت وقسطي ~~عسل وقسطي خل رزقا للمسلمين تجمع في دار الرزق وتقسم فيهم.» ويتعذر القطع برأي في هذه ~~الفريضة من الحنطة والزيت والعسل والخل: أكانت ملحقة بالجزية على الرءوس فهي ليست من خراج ~~الأرض، أم كانت تحتسب من هذا الخراج؟ فقد روى البلاذري، بعد أن أورد قول عبد الله بن عمرو، ~~حديثا نسبه إلى يزيد بن أبي حبيب «أن أهل الجزية بمصر صولحوا في خلافة عمر بعد الصلح ~~الأول، مكان الحنطة والزيت والعسل والخل، على دينارين دينارين، فألزم كل رجل أربعة دنانير، ~~فرضوا بذلك وأحبوه.» وتذهب بعض الروايات إلى أن عمر كتب إلى ابن العاص أن يفرق بين أهل مصر ~~في مقدار الجزية على قدر يسارهم، فيجعلها أربعة دنانير على الموسر، ودينارين على أوساط ~~الناس، ودينارا على من دونهم، وهذا الاجتهاد من عمر اتبع من بعد، يقول أبو يوسف في كتاب ~~الخراج: «الجزية واجبة على جميع أهل الذمة ... وإنما تجب على الرجال منهم دون النساء ~~والصبيان، على الموسر ثمانية وأربعون درهما، وعلى الوسط أربعة وعشرون، وعلى المحتاج الحراث ~~العامل بيده اثنا عشر درهما يؤخذ منهم في كل سنة.» # أذاع عمرو في مصر عهد الأمان، فرضيه المصريون ودخلوا فيه، بذلك آن له أن ينتقل من سياسة ~~الحرب إلى سياسة السلام، ms492 ولا ريب في أن عمرا لجأ في أثناء الحرب إلى ما توجبه الحرب من ~~تدابير في بعضها بطش وقسوة بالروم ومن عاونهم من المصريين، ولا تثريب عليه في ذلك، والحرب ~~هي الحرب، وتمهيد الطريق للنصر مع ضمان السلامة للجيش المقاتل هو أول واجب على القائد الذي ~~يعرف واجبه، ولئن كان واجبا عليه ألا يتجاوز في البطش والقسوة ما يحقق هذين الغرضين، إن ~~عليه لغرضا أكبر: ذلك ألا يتردد لأي اعتبار دون تحقيقهما، أما وقد تم للمسلمين النصر ~~فانهزم الروم وجلوا عن أرض مصر، فقد انتهت مهمة القائد وبدأت مهمة السياسي، وقد كان عمرو بن ~~العاص في كل المواقف السياسي المحنك الذي لا يشق غباره، وكان عمر بن الخطاب يعرف ذلك منه ~~أكثر مما يعرفه غيره؛ لذلك ولاه على مصر، فكان نجاحه في سياستها وتدبير أمورها أعظم من ~~نجاحه في طرد الروم منها والقضاء على دولتهم فيها، هذا مع ما رأيت من بلوغه كل أغراضه من ~~الحرب على نحو يكاد يكون معجزة يدق إدراكها على الأفهام. # وحسبنا قبل أن نعالج هذه السياسة في تفصيلها أن نشير إلى جملتها، فقد رأى عمرو أول ما رأى ~~أن يزيل ما يشكو المصريون منه، وما كانوا يثورون بالروم من جرائه، وقد كان الاضطهاد الديني ~~أول سبب لتذمر الناس وشكواهم؛ لذا كان أول أمر أذاعه عمرو بن العاص في الناس جميعا من ~~النوبة إلى الإسكندرية، أن لا إكراه في الدين، وأن حرية العقيدة أمر مقدس، فلن يضار أحد في ~~حريته أو في ماله بسبب دينه أو مذهبه، فمن شاء أن يبقى ملكانيا أو مونوفيسيا فله ما ~~يشاء، ومن شاء أن ينتقل من دين إلى دين أو من مذهب إلى مذهب فلن يصاب لذلك بسوء، ومن أسلم ~~فله ما للمسلمين وعليه ما عليهم، وقد نفذت هذه السياسة بدقة ليس كمثلها دقة، ذكر ساويرس أن ~~أسقفا ملكانيا بقي على مذهبه حتى مات، لم يمسسه أحد بأذى، وأن بنيامين المونوفيسي كان ~~يستميل الناس إلى مذهبه بالحجة والبرهان، فلا يقف ms493 أحد في سبيله ولا يعطل أحد نشاطه، وقد ~~بقيت كنائس الملكانيين وكنائس المونوفيسيين قائمة تؤدى فيها الشعائر، ولا يجرؤ أحد أن يدنس ~~حرمتها، أو يحمل أحدا من أهل هذا المذهب أو ذاك على أمر لا يرضاه، ومن اليسير عليك أن تقدر ~~ما كان لهذه السياسة من أثر في نفوس المصريين بعد أن ذاقوا مرارة الاضطهاد الديني، وبعد ~~الذي كان يصيبهم في سبيل مذاهبهم من عذاب وتشريد ونفي عشرة أعوام تباعا. # وازداد الناس اطمئنانا إلى حكم الفاتحين حين رأوهم يزيلون من أسباب تذمرهم وشكواهم سببا ~~آخر لم يكن أقل إثارة لنفوسهم من السبب الأول، فقد خفف عمرو وطأة الضرائب، وألغى ما قرره ~~الروم من فروق بين الناس في أمرها، ذلك أن الروم كانوا يجبون عن جزية الرءوس ضرائب كثيرة من ~~أنواع شتى أكثرها غير عادل، وكانوا قد أعفوا بعض الطوائف من الجزية ومن ضرائب معينة، وكان ~~أهل الإسكندرية أكثر الناس استمتاعا بهذا الإعفاء، فلما ألغى عمرو ما كان غير عادل من ~~الضرائب، وسوى بين الناس في أدائها، كانت هذه التسوية، وكان تخفيف العبء، مدعاة لرضا الناس ~~عن سياسته وحسن قبولهم لها ، ثم لم يكن تذمر ذوي الامتيازات التي ألغيت ليغير من هذا الرضا ~~وحسن القبول. # حسبنا في هذه الإشارة المجملة أن نذكر هذين الأمرين، وأن نضيف إليهما أن عمرا جعل العدل ~~والإصلاح أساس سياسته في مصر، لتتوسم ما قدر لهذه السياسة من نجاح أسرع بمصر لتكون ذات شأن ~~في حياة المسلمين، وفي سياسة الإمبراطورية الإسلامية. # أين ترى أن يتخذ عمرو مقر حكمه والموضع الذي تصدر عنه سياسته وينبعث منه سلطانه؟ الطبيعي ~~أن يكون هذا المقر مدينة الإسكندرية، فهي عاصمة مصر منذ بناها الإسكندر، وهي المدينة ~~العظيمة لا تضارعها مدينة غيرها في الجمال والعظمة، وبها القصور التي كانت مقاما لملوك ~~البطالسة وحكام الروم، ولذا كتب إلى عمر يستأذنه في المقام بها، وإقامة حكومته فيها، وسأل ~~عمر الرسول: هل يحول بيني وبين المسلمين ماء؟ فأجابه: نعم يا أمير المؤمنين إذا جرى النيل، ~~وكان ms494 عمر، كما رأيت من قبل، حريصا أشد الحرص على ألا يحول بينه وبين المسلمين في البلاد ~~المفتوحة حائل؛ لذلك كتب إلى عمرو: # لا أحب أن تنزل المسلمين منزلا يحول الماء بيني وبينهم في شتاء ولا ~~صيف. # ولما بلغت هذه الرسالة عمرا لم يجد مكانا يحقق رغبة أمير المؤمنين خيرا من المكان ~~المجاور لحصن بابليون، فهو على ملتقى فروع النيل المنتشرة في الدلتا مع المجرى الرئيسي ~~للنهر، وهو إلى ذلك قريب من مدينة منف التي كانت عاصمة مصر في عهد الفراعنة، وليس يفصل بينه ~~وبين الحجاز ماء، ففي مقدور عمر أن يركب إليه راحلته حتى يبلغه من غير أن يعبر ماء في ~~طريقه. # وكان عمرو بن العاص قد ضرب قبة إلى جوار حصن بابليون حين حصاره، وسمى المسلمون الذين معه ~~هذه القبة الفسطاط، # 4 # فلما فتحوا الحصن وأزمع عمرو السير إلى الإسكندرية أمر بنزع هذا الفسطاط، فإذا ~~فيه يمام قد فرخ، فقال: لقد تحرم بنا! ثم أمر بإبقاء الفسطاط حين يطير الفراخ، وأوصى به ~~صاحب القصر، فلما عاد من الإسكندرية أمر جنده أن ينزلوا عند الفسطاط، وأن يختطوا دورهم ~~حوله، وكذلك اختطت البلدة، وقسمت بين أحياء العرب وبناها لهم القبط، وبنى عمرو مكان ~~الفسطاط وما حوله مسجدا بين حدائق وأعناب، وظل قائما مع أصحابه حتى حرروا قبلته، ثم إنه ~~اتخذ في المسجد منبرا يخطب الناس من فوقه، فلما عرف عمر صنيعه ذاك كتب إليه يقول: «أما ~~بعد، فإنه قد بلغني أنك اتخذت منبرا ترقى به فوق رقاب المسلمين، أما حسبك أن تقوم قائما ~~والمسلمون تحت عقبيك! فعزمت عليك إلا ما كسرته!» فكسره عمرو وأزاله. # وبنى عمرو دارا لعمر بن الخطاب وكتب إليه: إنا قد اختططنا لك دارا عند المسجد الجامع، ~~فأجابه عمر: أنى لرجل بالحجاز أن تكون له دار بمصر! وأمره أن يجعلها سوقا للمسلمين، فنفذ ~~عمرو أمره. # وإنما تخير عمرو هذا الفضاء فأقام به فسطاط مصر حتى لا يخرج المسلمون أهل مصر من ديارهم ~~ليحلوا محلهم، وليتجنب بذلك كل ما ms495 يوجب شكوى المصريين أو تذمرهم، ولعله أراد كذلك أن ينشئ ~~مدينة إسلامية يرابط بها جند المسلمين، وتقيم فيها أسرهم لتكون بيئة يعيشون فيها مألوف ~~عيشهم، على نحو ما فعل سعد بن أبي وقاص حين مصر الكوفة والبصرة، على أن اتخاذ ابن ~~العاص، وهو والي مصر هذا البلد مقرا لحكمه أسرع به إلى العمران، وأدى بطائفة كبيرة من ~~المصريين إلى الانتقال إليه والبناء فيه، فلما اتسعت رقعة المدينة أنشأ المسلمون بظاهرها ~~ضاحية أطلقوا عليها اسم العسكر، ونقلوا إليها قاعدة الحكم، بذلك صارت فسطاط مصر عاصمة ~~البلاد كلها، تشد إليها الأنظار من الصعيد ومن مصر السفلى ومن ثغور البحرين الأبيض والأحمر، ~~مما أدى بها إلى أن تزداد على الأيام سعة وعمرانا، وقد ترتب على ازدياد عمرانها أن انتقلت ~~إليها التجارة، وأن ازدهرت فيها الحياة، فنزح إليها كثيرون من أعيان الإسكندرية ومن أعيان ~~منف، وكان ذلك مقدمة للقضاء على منف وأن تصبح قرية أثرية لا تذكر عظمتها إلا إذا قرنت إلى ~~عظمة الفراعنة الذين اتخذوها مدى آلاف السنين عاصمتهم، كما جنى على الإسكندرية فلم تبق ~~المدينة العظيمة ذات الجلال الباهر، والثغر المضيء بجلاله كل ما حوله من أرجاء ~~العالم. # أقام عمرو بفسطاط مصر يفكر في تدبير سياستها، وقد رأيت أنه جعل حرية العقيدة من أسس هذه ~~السياسة، فلما عرف رهبان القبط هذا الأمر وتيقنوه خرج عدد عظيم منهم من الأديار التي كانوا ~~قد اعتصموا بها من الاضطهاد، وساروا إلى عمرو يعلنون له الطاعة، وكان عمرو حريصا على أن ~~يعود البطريق بنيامين إلى رياسته الدينية لما عرفه من محبة القبط له وتعلقهم به، ومن ازدياد ~~هذه المحبة في نفوسهم بعد فرار بنيامين إلى أقصى الصعيد واعتصامه من الروم بالصحراء، لذا ~~كتب للقبط جميعا أمانا خص فيه بنيامين بقوله: «فليأت البطريق الشيخ آمنا على نفسه وعلى ~~الذين بأرض مصر والذين في سواها، لا ينالهم أذى ولا تخفر لهم ذمة.» وعرف بنيامين عهد ~~الفاتح العربي، فخرج من مخبئه بالصحراء وسار إلى الإسكندرية، فدخلها دخول الظافر في ms496 مظاهر ~~من ابتهاج القبط لا يساورها خوف ولا يشوب صفوها كدر. # ولما استقر ببنيامين المقام بين أتباعه، دعاه عمرو إليه وقابله بالترحيب والتكريم، وتحدث ~~بنيامين إليه، وكان عذب المنطق، في تؤدة ورزانة، فأعجب الفاتح بحديثه، وجعل له ولاية الدين ~~على القبط يسوسهم في أموره بما يشاء، وخرج البطريق القبطي من حضرة الفاتح الإسلامي ممتلئ ~~النفس غبطة وابتهاجا، وعاد إلى الإسكندرية يلهج بحمده والثناء عليه ويقول لأتباعه: «عدت ~~إلى بلدي الإسكندرية، فوجدت بها أمنا من الخوف، واطمئنانا بعد البلاء، وقد صرف الله عنا ~~اضطهاد الكفرة وبأسهم.» # ولم تكن الأيام لتزيده إلا ثناء وحمدا؛ فقد اجتمع القبط من حوله أحرارا في إقامة ~~شعائرهم، فأصلح لهم كنائسهم وذهب إلى أديارهم، فكانوا يقابلونه في مواكب يحملون فيها بين ~~يديه المباخر وسعف النخيل. # وقد بلغ من ابتهاج القبط بعود الحرية إليهم مبلغا يعبر عنه ساويرس بقوله: «إنهم فرحوا ~~كما تفرح الأسخال إذا حلت قيودها وأطلقت لترتشف من لبان أمهاتها.» ومع ما عرف من بغض حنا ~~النقيوسي للمسلمين وتسقطه خطآتهم لقد كتب عن عمرو يقول: «لقد تشدد في جباية الضرائب التي ~~وقع الاتفاق عليها، لكنه لم يضع يده على شيء من ملك الكنائس؛ ولم يرتكب شيئا من النهب أو ~~الغصب، بل إنه حفظ الكنائس وحماها إلى آخر مدة حياته.» ونقل حنا عن المصريين أنهم كانوا ~~يقولون: «ما خرج الروم من الأرض وانتصر عليهم المسلمون إلا لما ارتكبه هرقل من الكبائر، وما ~~أنزله بالقبط وملتهم على يد قيرس، لقد كان هذا سبب ضياع أمر الروم وفتح المسلمين لبلاد ~~مصر.» # لم يكن الملكانيون، من المصريين ومن الروم الذين أقاموا بمصر، أقل تمتعا بحريتهم الدينية ~~من القبط، بل أظلتهم حماية عمرو كما أظلت المونوفيسيين، صحيح أن الملكانيين كانوا قلة إلى ~~جانب المونوفيسيين، وأن عددا كبيرا من القبط الذين انتقلوا أيام الإرهاب إلى المذهب ~~الملكاني لم يلبثوا حين عادت لهم حريتهم الدينية أن رجعوا إلى مذهبهم الأول والتفوا حول ~~راعيهم القديم، ونالوا على يده «تاج الاعتراف» كتعبير ساويرس، لكن آخرين ms497 من القبط الذين ~~انتقلوا إلى المذهب الملكاني أصروا عليه فلم يسمح الحكم الإسلامي بحملهم قهرا على تغييره، ~~لذلك بقي بمصر عدد كبير من الملكانيين إلى ما بعد الفتح بخمسين عاما، وإنما تناقصوا من ~~بعد؛ لأن المصريين منهم شعروا بأن صلاتهم الاجتماعية تقتضيهم الدخول في مذهب جماعتهم، ولأن ~~من بقي من الروم بمصر آثر أن يندمج مع أهلها فدان بدين الكثرة أو بدين الحاكمين. # كان من أثر هذه الحرية الدينية أن أقبل كثيرون من عقلاء الروم والمصريين على النظر في ~~المذاهب المختلفة، ثم انتهى أكثر هؤلاء إلى قبول الإسلام والدخول فيه، فقد رأوا في تنازع ~~المذاهب المسيحية واضطهاد أصحابها بعضهم لبعض ما زهدهم فيها، وجعلهم يلتمسون عن طريق الحرية ~~العقلية سبيلا إلى عقيدة يؤمنون بها مختارين، وكان الإسلام في هذا العهد الأول يدعو إلى ~~النظر في الكون نظرا حرا مطلقا من كل قيد، فلم تكن قد نشأت فيه المذاهب والشيع، ولم يكن ~~أهله قد عرفوا التعصب الذميم لمذهب على مذهب، بل كان باب الاجتهاد مفتوحا لكل ذي عقل ~~وبصيرة، وكان ما ورد في القرآن الكريم من المبادئ البالغة غاية السمو يدعو إلى الإقبال عليه ~~والاطمئنان إليه، وإذا صح ما يقال أحيانا من أن المصريين الذين دانوا بالإسلام في ذلك ~~العهد إنما دانوا له ليتساووا بالفاتحين، فلن يصدق ذلك إلا على الأقلين منهم؛ أما كثرتهم ~~فقد دانت به عن بينة وإيمان، ولا عجب في ذلك وفطرة المحافظة على العقيدة الدينية أقوى في ~~النفس من أن يزلزلها مثل هذا الاعتبار، يقول بتلر في هذا الصدد: «ليس من العدل أن يقال إن ~~كل من أسلم من القبط إنما يقصد الدنيا وزينتها، وإذا كان منهم من أسلم طمعا في أن يتساوى ~~بالمسلمين الفاتحين حتى يكون لهم ما لهم وينجو من دفع الجزية، فإن هذه المطامع ما كانت ~~لتدفع إلا من كانت عقيدتهم غير راسية، أما الحقيقة المرة فهي أن كثيرين من أهل الرأي ~~والحصافة قد كرهوا المسيحية لما كان من عصيان لصاحبها، إذ عصت ما ms498 أمر به المسيح من حب ورجاء ~~في الله، ونسيت ذلك في ثوراتها وحروبها التي كانت تنشب بين شيعها وأحزابها، ومنذ بدا ذلك ~~لهؤلاء العقلاء لجئوا إلى الإسلام فاعتصموا بأمنه، واستظلوا بوداعته وطمأنينته ~~وبساطته.» # 5 # حمى عمرو حرية الاعتقاد، ورسم سياسته في جباية الضرائب وفي أعمال الإصلاح وفي إقامة العدل ~~بين الناس، وعهد إلى العمال الذين ولاهم في القيام على تنفيذها، أفكان هؤلاء الحكام من ~~العرب، أم من المصريين، أم من غير هؤلاء وهؤلاء؟ تأبى طبيعة الفتح أن تكون إمارة جند لغير ~~مسلم، فعهد الأمان يجعل على المسلمين حماية مصر ومن فيها؛ فطبيعي أن يتولى المسلمون إمارة ~~القوات التي يعهد إليها في هذه الحماية، هذا إلى أن مصر لم يكن لها جيش في عهد الروم، وإنما ~~كان حرسها الوطني جند نظام لا جند قتال، فليبق هذا الحرس كما كان في ذلك العهد، أما الجيش ~~وإماراته وأسلحته فكانت للمسلمين دون سواهم. # وليكون هؤلاء المسلمون على أهبة دائمة للدفاع عن البلاد، لم يبح لهم أول الأمر امتلاك ~~أرضها، بل فرضت لهم أرزاق يقتضونها لنفقتهم ونفقة عيالهم، ويظهر أنهم أقاموا على ذلك كل ~~خلافة عمر، فقد روى ابن عبد الحكم أن عمر لم يقطع أحدا من الناس شيئا من أرض مصر إلا ~~ابن مستور، وكان عبدا مثل به سيده فأعتقه عليه رسول الله وبقي عيالا على الخليفة غير ~~صالح لقتال، على أن هذا المنع لم يدم إلا ريثما اطمأن المسلمون إلى قرارهم في مصر، عند ذلك ~~أبيح لهم أن يمتلكوا الأرض، فإذا ملكوها دفعوا عنها الخراج كسائر الناس، فلا يزاد خراجها ~~ولا ينقص بسبب تغير مالكها وكونه مسلما أو قبطيا. # ولم تكن الأرزاق التي فرضت لجند المسلمين مقصورة على ما ينالونه من الجزية، بل كان لهم ~~على المصريين فريضة الضيافة ثلاثة أيام، وكان لهم إلى ذلك حقوق على ما يترك من الأرض في كل ~~قرية للمنافع العامة، يدل على ذلك خطاب ألقاه ابن العاص جاء فيه: ~~... وعلى الراعي حسن النظر لرعيته، فحي لكم على ms499 بركة الله إلى ريفكم فنالوا من ~~خيره ولبنه وخرافه وصيده، وأربعوا خيلكم وأسمنوها وصونوها وأكرموها فإنها جنتكم ~~من عدوكم وبها مغنمكم وأنفالكم ... واعلموا أني معترض الخيل كاعتراض الرجال؛ فمن أهزل ~~فرسه من غير علة حططته من فريضته قدر ذلك، واعلموا أنكم في رباط إلى يوم القيامة، ~~لكثرة الأعداء حولكم وتشوق قلوبهم إليكم وإلى داركم معدن الزرع والمال والخير ~~الواسع والبركة النامية. # كان هذا إذن شأن الجيش وإمارته وأسلحته؛ فأما المناصب المدنية فترك عمرو أكثرها لجماعة من ~~الروم كانوا يتولونها من قبل دولتهم قبل الفتح، ثم آثروا البقاء بمصر على أن يعودوا إلى ~~بلادهم، ورضي كثير منهم الإسلام ليكون لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، وكذلك أقر عمرو ~~ميناس على حكم مصر السفلى حيث كان من عهد هرقل، وأقر غيره من بني جنسه على حكم بعض ~~الأقاليم، كما أقر الروم الذين كانوا فيما دون ذلك من المناصب ولم يتركوا مصر، وإنما شغل ~~القبط المناصب التي خلت؛ لأن أصحابها من الروم تركوا البلاد إباء منهم أن يكونوا رعية لغير ~~دولتهم. # لم يكن لعمرو أول الفتح أن يسلك غير هذه الخطة؛ فهي بعينها الخطة التي سلكها المسلمون في ~~العراق، والشام، وهي كانت محتومة في مصر أكثر منها في تلك البلاد، فلم يكن العرب يعرفون لغة ~~المصريين، ولم تكن تربطهم بها آصرة الجنس العربي الذي حكم العراق والشام قرونا قبل ظهور ~~الإسلام، هذا إلى أن تغيير النظام القائم في أمة من الأمم لا يمكن أن يتم طفرة، فلا بد من ~~بقائه حتى يتطور على الأيام ليلائم العهد الجديد، أما وقد كان جماعة من الروم عمالا على ~~الأقاليم حين جاء الفتح، فليبقوا كما كانوا ولينظر الفاتح العربي في أناة، فيدخل ما يحسن ~~إدخاله على نظام الحكم من تعديل يزيد نصيب أهل البلاد من هذا الحكم، على شريطة ألا يضطرب ~~النظام فيسيء اضطرابه إلى الحاكمين والمحكومين على سواء. # كان عمرو يكتب إلى الخليفة بما يتم في مصر ويطلعه على كل خطواته، فلما عرف عمر مكانة ~~بنيامين ms500 من قومه كتب إلى ابن العاص أن يلتمس الرأي عند البطريق القبطي في خير الوسائل لحكم ~~البلاد وطمأنينة أهلها، ولم يضن بنيامين بالمشورة وقد أعاد إليه عمرو كل نفوذه، وكانت ~~مشورته أن يجبى الخراج من غلة الأرض عند فراغ الناس من زروعهم ومن عصر كرومهم، وأن تحفر ~~خلجان مصر وتصلح جسورها وتسد ترعها كل عام، وأن يعطى العمال أرزاقهم بغير انقطاع لئلا ~~يرتشوا، وألا يباح مطل الناس حقوقهم بغيا بغير حق، وألا يلي أمور الناس عامل ظالم، وارتاح ~~عمرو إلى هذه المشورة فكتب إلى عماله في أرجاء البلاد، وأمرهم أن يتبعوا هذا الرأي لا ~~يحيدون عنه، ثم اتجه بتفكيره إلى أعمال الإصلاح يزيد بها البلاد ثروة، فيزداد أهلها طمأنينة ~~ويزداد خراجها نماء. # ولعل تفكيره في الإصلاح قد سبق مشورة بنيامين، وكان أول عمل خطير مر بخاطره أن يحفر خليج ~~تراجان الذي يصل النيل بالبحر الأحمر، ويزيد الاتصال بين مصر وثغور شبه الجزيرة تيسيرا، ~~وقد قلت من قبل إن الفراعنة حفروا هذا الخليج قبل عهد تراجان بألوف السنين، # 6 # وإنما أصلح تراجان ما فسد من أمره فأحسن حفره وتطهيره، فلما توالت على مصر ~~غزوات الفرس والروم وفشا فيها الاضطهاد وسوء الحكم أهمل هذا الخليج فطم مجراه، فرأى عمرو أن ~~يعيده سيرته الأولى، والظاهر أنه بادر إلى القيام بهذا العمل العظيم أول ما استقر له أمر ~~مصر، وأنه أتمه في وقت قصير لم يبلغ عاما كاملا، مع أن طول الترعة يزيد على ستين ~~ميلا. # وكان هذا الخليج يجري مبتدئا من شمال بابليون متجها شمالا بشرق إلى بلبيس، فإذا جاوزها ~~اتجه شرقا إلى بحيرة التمساح، ليخرج من جنوب هذه البحيرة فيتابع جريانه خلال البحيرات ~~المرة فيبلغ البحر الأحمر عند السويس، ولا شك أن القيام بهذا العمل العظيم وإتمامه في هذا ~~الزمن الوجيز مما يشهد لعمرو بالقدرة الإدارية الممتازة، وبخاصة إذا عرفنا ما قيل من أن ~~الخليج كان في ذلك الوقت قد خفي أثره، حتى احتاج عمرو إلى دليل من القبط يرشده إليه، وقد ms501 ~~أجاز عمرو هذا القبطي برفع الجزية عنه. # ولعل عمرا قد لجأ في تنفيذ هذا العمل إلى السخرة فجند الألوف من العمال المصريين للقيام ~~به، وربما جاز لمؤرخ في هذا العصر أن يؤاخذه بما صنع من ذلك، وأن يعتبر هذه السخرة قسوة ~~بأهل تلك البلاد لم يكن له أن يلجأ إليها، وهذه المؤاخذة تشتم من كلام بتلر، ومن ~~استشهاده بكلام حنا النقيوسي إذ يقول عن المسلمين: «وكان نيرهم على أهل مصر أشد وطأة من بني ~~فرعون على بني إسرائيل، ولقد انتقم الله منه انتقاما عادلا بأن أغرقه في البحر الأحمر بعد ~~أن أرسل صنوف بلائه على الناس والحيوان، ونسأل الله إذا ما حل حسابه لهؤلاء المسلمين أن ~~يأخذهم بما أخذ به فرعون من قبل.» ولا أراني أشارك من يذهب هذا المذهب في التثريب على ~~الفاتح العربي؛ فقد كانت السخرة في مصر من مألوف ذلك العصر، ثم ظلت مألوفة بعده أكثر من ألف ~~سنة، فلجأت إليها شركة قنال السويس الدولية حين بدأت تشق القناة في القرن التاسع عشر ~~المسيحي، وليست السخرة في الواقع إلا نوعا من التجنيد الإجباري للقيام بعمل عام، وإنما ~~عيبها، والسبب الذي وجهت من أجله المطاعن إليها، أن القائمين بهذا التجنيد لم يكونوا يرعون ~~فيه عدلا ولا نظاما، وأن المجندين لم يكونوا يتناولون أجرا عن العمل العام الذي يقومون ~~به، ولولا هذا العيب الجدير بأشد النقد، ولو أن التجنيد للتعمير وضع على نظام عادل وفرض ~~للقائمين به أجر معقول، لما كان للتثريب عليه موضع. # ولعل المؤرخين الذين آخذوا عمرا بهذا التجنيد إنما اشتدوا في مؤاخذته لاعتبارهم أنه فتح ~~خليج تراجان لمصلحة بلاد العرب لا لمصلحة مصر، ولا شبهة في أن بلاد العرب كان لها من فتح ~~هذا الخليج فائدة كبرى، ولكن لا شبهة في أن مصر كانت أكثر استفادة من هذا العمل، فقد أعاد ~~لها طريقا أيسر من طريق القوافل للتجارة مع الهند وبلاد الشرق الأقصى، ويسر لها بذلك أن ~~تستعيد حظا من المكانة التجارية العظيمة التي كانت لها ms502 أيام سؤددها وعزها، ومصلحة مصر ~~كانت بعض ما قصد إليه عمرو حين تفكيره، ولا أدل على ذلك من أنه كان يريد حفر خليج بين بحيرة ~~التمساح وبحر الروم، يصل مياه البحرين، بحر القلزم وبحر الروم، على نحو ما هو حادث ~~اليوم، مقتديا في ذلك بما صنعه بطليموس الثاني، وبما صنعه الفرعون «نخاو» من قبله، ولقد ~~كان معتزما أن يقوم بهذا العمل الضخم، لولا اعتراض الخليفة بأنه يسهل للروم اختراق هذه ~~القناة وتسيير سفنهم إلى بحر القلزم، ولم يكن للعرب إلى يومئذ أسطول تجاري أو أسطول حربي ~~يقف في وجه أسطول الروم أو ينافسه، فكان العدول عن حفر قناة تصل مياه البحرين بعض ما يقضي ~~به الحذر، وإذا نحن ذكرنا موقف إنجلترا في القرن التاسع عشر ومعارضتها في شق قناة السويس ~~خوفا على مكانتها في الهند، تجلى لنا أن خليفة المسلمين كان له أبلغ العذر عن تخوفه من شق ~~هذه القناة منذ ثلاثمائة وألف سنة خلت. # لم يكن عمرو أقل تفكيرا في خير مصر منه في خير بلاد العرب، ولا يغلو من يقول إنه كان ~~يتجه بسياسته إلى بث الطمأنينة في ربوع مصر وتخفيف الأعباء عن أهلها وإقامة العدل بينهم، ~~ويرى في هذه السياسة خير توفيق بين مصالح الأمتين العربية والمصرية، وخير توطيد لقواعد ~~الإمبراطورية الإسلامية، ومما يشهد بأن هذه كانت خطته أنه أخذ بنصيحة بطريق القبط بنيامين ~~في أمر الخراج وجبايته، وأنه ذهب إلى أبعد من ذلك في تخفيف وطأته؛ فقد كان هذا الخراج يزيد ~~وينقص تبعا لحال الفيضان وغلة الزراعة، وكان أعيان كل قرية وبلد يجتمعون كل عام في لجنة ~~تحدد مقدار ما يجبى منها حسب هذه الأحوال، فإذا زاد المال الذي يجبى من بلد على الخراج ~~المفروض عليها أنفق الزائد في إصلاح أحوالها، ولقد جعلت في كل بلد قطعة أرض خصص ريعها ~~للمنافع العامة، كإصلاح الكنائس والحمامات والطرق وما إليها، وكان ما يجبى من الخراج أقل ~~بكثير مما كان الروم يجبونه من الضرائب الكثيرة الفادحة التي فرضوها على ms503 المصريين فيما سوى ~~العاصمة من أرجاء البلاد، فكان هذا التخفيف مدعاة لطمأنينة القبط جميعا إلى الحكم الجديد ~~ولإشادتهم به. # وكان للإسكندرية أن تتذمر من هذا النظام الذي فرضه عمرو بقدر ما كان للبلاد كلها أن ~~تستريح له وتغتبط به؛ فقد أعفى الإسكندر أهل المدينة التي شادها من الجزية من يوم إنشائها، ~~وجعل لليهود والروم الذين جاءوا معه واستقروا بها امتيازات في التقاضي رفعت مكانتهم على ~~المصريين الذين ساكنوهم فيها، وجرى البطالسة على سنة الإسكندر، ثم توسع الرومان من بعد ~~فامتد الإعفاء إلى أبناء رومية الحاكمين، ولم يقف الإعفاء عند الجزية والتقاضي، بل أعفي ~~أهل الإسكندرية من السخرة، وأعفيت الأرض المحيطة بها من الخراج. # 7 # لم يكن إلغاء الإعفاء الذي تتمتع به الإسكندرية ليسد النقص الذي أصاب إيراد الدولة بسبب ~~تخفيف الضرائب؛ فقد هاجر من الإسكندرية في أثناء الحصار وبعد الفتح كثيرون، وترتب على ذلك ~~أن أقفلت متاجر كثيرة، وقد اختلف المؤرخون في تقدير ما كان يجبى من مصر اختلافا كبيرا، ~~لكنهم متفقون جميعا على أنه يقل كثيرا عما كان الروم يجبونه، مع ذلك لم يغير عمرو من ~~سياسته في هذا الأمر طيلة السنوات التي تولى فيها إمارة مصر، والتي عدها المصريون خيرا ~~وبركة عليهم. # اختلف المؤرخون في تقدير ما كان يجبى من مصر؛ فذكر البلاذري أن عمرا كان يجبي من ~~خراجها ألف ألف دينار، وذكر المقريزي أنه كان يجبي منها اثني عشر ألف ألف، وقيل في تأويل ~~هذا الاختلاف إن بعض المؤرخين يذكر الخراج وحده، وبعضهم يذكر الجزية وحدها، وبعضهم يذكر ~~مجموعهما، وهم مع هذا الاختلاف متفقون على أن متوسط الجزية كان دينارين على كل مكلف بها، ~~مع تفاوت بين الطبقات في تقديرها، أما من فرضت عليهم الجزية من أهل مصر، فبلغ عددهم ستة ~~آلاف ألف في رواية، وثمانية آلاف ألف في رواية أخرى، والاختلاف على تقدير ما كان يجبى من ~~مصر لا يغير من أنه كان على كل حال أخف وطأة مما كان الروم يجبونه. # قام العمال الذين ولاهم ms504 عمرو من الروم والقبط بإدارة شئون الدولة في الحدود التي رسمها، ~~ثم بقي نظام الإدارة في دواوينها جاريا مجراه من قبل، واغتبط عمرو بنجاح سياسته، وكان أشد ~~اغتباطا بخصب مصر وما فيها من ظل وارف ونعيم مقيم، وكتابه المشهور إلى عمر بوصف مصر ينم عن ~~ذلك ويشهد عليه، فقد كان عمر، فيما رأيت، حريصا على أن يصف عماله البلاد التي يكونون ~~فيها وصفا يجعله كأنه شاهدها، فلما كتب إلى ابن العاص يطلب إليه أن يصف مصر بعث إليه يقول: # ورد كتاب أمير المؤمنين - أطال الله بقاءه! - يسألني عن مصر، ~~اعلم يا أمير المؤمنين أن مصر قرية غبراء، وشجرة خضراء، طولها شهر، وعرضها عشر، ~~يكنفها جبل أغبر، ورمل أعفر، يخط وسطها نيل مبارك الغدوات، ميمون الروحات، ~~تجري فيه الزيادة والنقصان، كجري الشمس والقمر، له أوان يدر حلابه، ويكثر فيه ~~ذبابه، تمده عيون الأرض وينابيعها حتى إذا ما اصلخم عجاجه، وتعظمت أمواجه، فاض ~~على جانبيه، فلم يمكن التخلص من القرى بعضها إلى بعض إلا في صغار المراكب، وخفاف ~~القوارب، وزوارق كأنها في المخايل، ورق الأصائل، فإذا ما تكامل في زيادته، نكص ~~على عقبيه كأول ما بدأ في جريته، وطما في درته، فعند ذلك يخرج أهل ملة مخفورة ~~يحرثون بطون الأرض، ويبذرون بها الحب، يرجون بذلك النماء من الرب، لغيرهم ما سعوا ~~من كدهم، فناله منهم بغير جدهم، فإذا أحدق الزرع وأشرق، سقاه الندى وغذاه من تحته ~~الثرى، فبينما مصر يا أمير المؤمنين لؤلؤة بيضاء، إذ هي عنبرة سوداء، فإذا هي ~~زمردة خضراء، فإذا هي ديباجة رقشاء، فتبارك الله الخالق لما يشاء، الذي يصلح ~~هذه البلاد وينميها؛ ويقر قاطنيها فيها، ألا يقبل قول خسيسها في رئيسها، وألا ~~يستأدى خراج ثمرة إلا في أوانها، وأن يصرف ثلث ارتفاعها في عمل جسورها وترعها، ~~فإذا تقرر الحال مع العمال في هذه الأحوال تضاعف ارتفاع المال، والله تعالى يوفق في ~~المبدأ والمآل! # يقول المؤرخون المسلمون: فلما ورد الكتاب على عمر بن الخطاب وقرأه قال: «لله درك يا ms505 ابن ~~العاص! لقد وصفت لي خبرا كأنني أشاهده.» # وبعض النقاد ينفون نسبة هذا الكتاب إلى ابن العاص، ونقاد الأدب أشد بهذا النفي تشبثا، ~~فهم يرون أسلوب الكتاب وما فيه من محسنات بديعية لا يتفق وأسلوب العهد الإسلامي الأول، ولا ~~يتسق وما وصل إلينا من كتب عمرو الأخرى، وتلك لعمري حجة لها قيمتها، ولعل القارئ يشارك ~~أصحابها في رأيهم متى اطلع في بقية هذا الفصل على الكتب التي تبودلت بين الخليفة وابن العاص ~~خاصة بالجزية والخراج، لكن هذه الحجة إن نفت نسبة ألفاظ الكتاب إلى عمرو، فهي لا تنفي أنه ~~كتب إلى الخليفة يصف مصر؛ فحرص عمر على معرفة مصر وصفتها لم يكن أقل من حرصه على معرفة ~~القادسية وما يحيط بها، والعراق وسدوده ومدنه، وأكبر ظننا أن عمرا كتب هذا الوصف بأسلوبه ~~هو، وأنه بلغ غاية الدقة فيه، ثم تناوله أديب متأخر، فصاغه في هذا الأسلوب الذي أثبته ~~المؤرخون وأثبتناه هنا، فإذا صح هذا الظن كان لنا أن نعتقد أن الأديب المزيف قد حافظ جهده ~~على وصف عمرو، ثم صاغه بأسلوب عصره وما فيه من محسنات بديعية، بذلك نسي الناس كتاب عمرو أن ~~لم يثبته مؤرخ، وبقي هذا الكتاب الزائف، وصرنا لا نستطيع أن نفرق من عبارته بين ما يمكن أن ~~ينسب إلى ابن العاص، وما يجب أن ينسب إلى المزيف الذي عاش من بعده بعدة قرون. # أما ونحن ننفي هذا الزيف عن كتاب عمرو في وصف مصر، فيجمل بنا أن ننفي زيفا آخر لا شك في ~~أنه ابتدع ابتداعا من أوله إلى آخره، وأنه لم يكن له أي أصل من الواقع؛ ذلك ما قيل في ~~أسطورة عروس النيل، فقد زعموا أنه «لما ولي عمرو بن العاص مصر أتاه أهلها حين دخل بئونة من ~~أشهر القبط فقالوا له؛ إن لنيلنا عادة وسنة لا يجري إلا بها، فقال لهم: وما ذاك؟ قالوا: إنه ~~إذا كان في اثنتي عشرة ليلة تخلو من هذا الشهر عمدنا إلى جارية بكر من عند أبويها، وأرضينا ms506 ~~أبويها وأخذناها وجعلنا عليها من الحلي والثياب أفضل ما يكون، ثم ألقيناها في النيل فيجري، ~~فقال لهم عمرو بن العاص: إن هذا لا يكون في الإسلام، وإن الإسلام يهدم ما كان قبله، فأقاموا ~~بئونة وأبيب ومسرى لا يجري النيل قليلا ولا كثيرا حتى هموا بالجلاء، فلما رأى ذلك عمرو ~~كتب إلى أمير المؤمنين، فأجابه عمر: «قد أصبت؛ إن الإسلام يهدم ما قبله، وقد أرسلنا إليك ~~ببطاقة ترميها في داخل النيل إذا أتاك كتابي.» فلما قدم الكتاب على عمرو وفتح البطاقة إذا ~~فيها: «من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى نيل مصر، أما بعد، فإن كنت تجري من قبلك فلا ~~تجر، وإن كان الله الواحد القهار الذي يجريك، فنسأل الله الواحد القهار أن يجريك!» فعرفهم ~~عمرو بهذا الكتاب وبالبطاقة، ثم ألقى البطاقة في النيل قبل يوم عيد الصليب بيوم؛ وقد تهيأ ~~أهل مصر للجلاء والخروج منها؛ لأنه لا يقيم بمصالحهم فيها إلا النيل، فأصبحوا يوم عيد ~~الصليب وقد أجراه الله ست عشرة ذراعا في ليلة واحدة، وقطع تلك السنة القبيحة عن أهل ~~مصر. # هذه رواية عروس النيل كما أثبتها المؤرخون المسلمون، وقد نقلنا نصها عن كتاب النجوم ~~الزاهرة لابن تغري بردي، ولسنا نتردد لحظة في نفيها من أولها إلى آخرها، ولو لم يقم الدليل ~~العلمي على هذا النفي لكفانا أن نستند فيه إلى ما بلغه الفراعنة من علم وحضارة، وإلى أن ~~انتشار المسيحية بين المصريين في عهد الرومان لم يكن ليسوغ قيام بدعة كهذه البدعة، وقد ذهب ~~بتلر هذا المذهب فنفى القصة في العهد المسيحي، ثم قال: «ويلوح أن لهذه القصة أصلا في ~~التاريخ؛ فقد كان من عادة أهل السودان حقيقة في أقصى أنحائه الجنوبية أن ترمي قبائله الهمج ~~في النهر بفتاة عذراء في زينة الزفاف، ولعل عادة كهذه كانت متبعة في بعض جهات الهمج من ~~بلاد النوبة التي فتحها الإسلام في أول أمره، ولعل عادة التضحية بفتاة عذراء ترمى في النهر ~~كانت متبعة في مصر في أيام الفراعنة. وإنه من ms507 المحقق أن الاحتفال بالنيل والدعاء من أجل ~~زيادته وفيضه كانت تقع فيه أعمال خرافية كثيرة تخلفت من العصور القديمة، ولكنها لم يكن بها ~~شيء مثل ذلك الجرم من التضحية بالعذراء ... فمن أكذب الكذب أن يتهم المسيحيون بأنهم حافظوا ~~على مثل هذه العادة الشنيعة التي لا ترضى عنها ديانتهم ولا تقرها ملتهم.» # ومن عجب أن يدور بخاطر بتلر أن مثل هذه العادة الشنيعة ربما كانت متبعة في مصر في عهد ~~الفراعنة، وأن يثور هذه الثورة العنيفة لاتهام قبط مصر المسيحيين بأنهم حافظوا عليها من ~~بعد، فلو أن الفراعنة اتبعوها في أيامهم لبقيت من بعدهم ولما كان على المسيحيين تثريب في ~~اتباعها، فما أكثر ما انتقل من عادات الفراعنة إلى العهد المسيحي، وإلى العهد الإسلامي، وما ~~لا يزال بعضه باقيا إلى عهدنا الحاضر، # 8 # ولا عذر لبتلر، عن تسامحه في اتهام الفراعنة وثورته في نفي التهمة عن ~~المسيحيين، إلا ما ذكرنا من قبل من حماسته لديانته، على أن العلم قد أثبت من بعد أنه لم ~~يحدث قط أن ألقيت عذراء في النيل حثا على الفيضان، وإن قيل: إن تمثالا من الخشب لعذراء ~~عليها زينتها كان يلقى في النهر قبيل فيضانه، ثم نفى جماعة من العلماء هذا القول أيضا، ~~ولو صح أن الفراعنة أو غير الفراعنة كانوا يلقون في النيل تمثالا من الخشب ابتهالا ~~وابتهاجا بالفيضان لما طعن ذلك على علمهم وحكمتهم، ولما زاد على أنه نوع من الخرافة يستريح ~~إليه السواد فلا يعترضه العقلاء والحكماء. # هذا هو ما يستخلص من تاريخ مصر الفرعونية، وقد أردت زيادة تمحيصه، فطلبت إلى العالم ~~الأثري الأستاذ سليم حسن أن يمدني بعلمه ورأيه، فكان مما أثبته أن ما قيل عن الوثيقة التي ~~بعث بها عمر بن الخطاب فألقيت في النيل ليفيض، لا يزيد، إن صح، على أنه كان مجاراة من ~~الخليفة للمصريين في عادة لهم لا ضرر من مجاراتهم فيها، فقد كان من عادة الكهنة المصريين، ~~ومن عادة بعض ملوكهم، أن يقيموا لإله النيل احتفالا في بدء ms508 الانقلاب الصيفي يقربون فيه ~~للإله ثورا وإوزة وقرابين أخرى من الخبز وغيره ثم يلقون في النيل وثيقة مختومة من ورق ~~البردي مخطوطا عليها أمر للنيل أن يجري في فيضان معتدل يكفل للبلاد الخير والرخاء، وكان ~~هذا الاحتفال يقام في اليوم الذي تصل فيه مياه النيل الصيفية قادمة من أسوان إلى بلدة ~~السلسلة، مبشرة بفيضان عظيم، والظاهر أن المسيحية عفت على القرابين فلم تكن تقدم في ~~عهد الرومان المسيحيين؛ لأنهم لم يكونوا يعرفون للنيل إلها، ثم بقيت الوثيقة تلقى في ~~النيل ليجري فيضانه فتعم البلاد خيراته، فلما دخل العرب مصر كانت الوثيقة الإسلامية الأولى ~~هي هذه التي يعزوها المؤرخون إلى عمر بن الخطاب، والتي يأمر النيل فيها بأن يجري كما كان ~~يأمره الأمير الروماني في العهد المسيحي، وكما كان يأمره الكهنة وبعض الملوك في عهد ~~الفراعنة. # أما قصة عروس النيل كما رويت فخرافة تستند إلى أسطورة روجها المؤرخ الإغريقي بلوتارك، ~~خلاصتها أن «إجبتوس» ملك مصر استلهم الوحي ليهديه السبيل لاتقاء كوارث نزلت بالبلاد، فنصحه ~~أن يضحي بابنته بأن يلقيها في النيل ففعل، ثم إنه ناء بالرزء الذي ألم به، فألقى بنفسه في ~~النيل فهلك كما هلكت ابنته، وهذه الخرافة التي روجها بعض كتاب الإغريق واللاتين من بعد ~~بلوتارك لم يرد لها ذكر في الكتابات المصرية، وهي مع ذلك مصدر الأسطورة التي ذاعت في الناس ~~قرونا، ونسج حولها الخيال من فنون الرواية والقصص ما جعل كثيرين يتوهمونها حقيقة حدثت ~~بالفعل، وأنها كانت تتكرر في كل عام. # أم ترى نسج الخيال أسطورة عروس النيل حول ما جاء في ورقة هاريس البردية التي ترجع إلى عهد ~~«رمسيس الثالث» فيما بين سنة 1198 وسنة 1167 قبل الميلاد؟ إن صح ذلك فهو الدليل على أن ~~الإنسانية كثيرا ما تؤمن بأساطير لا أصل لها في الحياة، وإنما زيفها وزينها خيال الكتاب ~~وأرباب الفن، فليس في ورقة هاريس ذكر لعروس عذراء تزين وتلقى في النيل، وإنما جاء فيها أنه ~~كان على امتداد النيل ما يزيد على مائة مرساة، ms509 بين كل مرساة والتي تليها نحو سبعة أميال، ~~وفي كل مرساة محراب لحابي إله النيل، يرعاه كاهن يتناول من راكبي النيل أطعمة يقدمونها ~~قرابين لحابي، وكان لكل محراب حراس لهم فيه طعامهم ولباسهم، وكان يوضع في كل محراب طاقة من ~~الزهر تجدد في كل يوم، وستة تماثيل من خشب الجميز لحابي إله النيل، وستة تماثيل أخرى من ~~الخشب نفسه للإلهة «ربيت» زوجة النيل، هذا عدا تماثيل أخرى للإله حابي مصنوعة من الذهب ~~والفضة والقصدير والأحجار المصرية المختلفة الأنواع كالمرمر واللازورد والزمرد والبلور ~~الطبيعي وأساور من ذهب وفضة، كانت هذه التماثيل كلها تلقى في النيل يوم الاحتفال بعيد حابي ~~في بداءة الانقلاب الصيفي، ويؤتى بدلها بجديد غيرها يقام في تلك المحاريب، إلى أن يحل العيد ~~بعد عام فتلقى في النهر قبيل فيضانه ثم يؤتى في المحاريب بتماثيل جديدة في كل عام. # ترى هل استمد الخيال قصة عروس النيل من هذه التماثيل التي كانت تلقى في النهر، فنفخ ~~الحياة في خشب الجميز وفي غيره من المواد التي كانت تصنع التماثيل منها؟ وهل الإلهة «ربيت» ~~زوجة النيل هي التي أمدت الخيال بفكرة العروس العذراء النابضة بالحياة؟ أيا ما يكن الأمر ~~فالقصة كما ترى أسطورة من أولها إلى آخرها زينها الوهم، ثم خلع القدم على الوهم صورة ~~الحقيقة، فإذا للنيل عروس من بنات حواء تلقى فيه في ريعان شبابها وفي ثياب زينتها، وإذا ~~المؤرخون يتناقلون هذه الأسطورة على أنها حقيقة بقيت على الحياة القرون الطوال، وما أدري ~~أيقضى على هذه الأسطورة بعد أن فندها المؤرخون وفندها الأستاذ سليم حسن هذا التفنيد ~~العلمي الدقيق، أم يبقى من الناس من يذكرها ويتوهم أنها حقيقة في يوم من الأيام؟! # 9 # أما وقد فندنا أسطورة عروس النيل فلننتقل إلى أسطورة أخرى ألقت على عمر بن الخطاب وعلى ~~المسلمين في عهده تهمة شنعية ظل المؤرخون يتناقلونها قرونا عدة، ولا يرى المؤرخون المسلمون ~~في روايتها ما يدعوهم إلى تمحيصها؛ تلك التهمة هي إحراق مكتبة الإسكندرية، ولعل المهارة ~~التي زيفت بها ms510 هي التي هونت أمرها على المسلمين كل تلك القرون، ويجب أن نعترف أن الفضل ~~في الكشف عن زيفها يرجع إلى المستشرفين الذين محصوها وفندوها منذ القرن التاسع عشر، وأن ~~لبتلر أكبر الفضل في القضاء عليها قضاء حاسما بما أورد من حجج لا يتردد إنسان بعدها في ~~القطع بزيفها وكذبها من أساسها. # ويزيد في شناعة هذه التهمة الباطلة التي ألصقت بعمر وبالمسلمين في عهده أن مكتبة ~~الإسكندرية كانت أعظم مكتبة في العالم، وكان فيها من نفائس الكتب في كل العلوم والفنون ما ~~قل نظيره في مكاتب العالم الحاضر، فقد أنشأها البطالسة، وجمعوا فيها سبعمائة ألف مجلد، ~~وجعلوها في عدة أبهاء من أبنية متحف الإسكندرية المجاور لقصور الملك، وكانت أبنية هذه ~~المكتبة العظيمة تتصل بأبنية مدرسة الطب والتشريح والجراحة، ومدرسة الرياضيات والفلك، ~~ومدرسة القانون والفلسفة، وببناء المرصد، ومكان الحديقة التي خصصت لدراسة علم النبات، بذلك ~~كانت المكتبة والجامعة المتصلة بها أعظم مركز لثقافة العالم في ذلك العصر، ولا ريب أن إحراق ~~مكتبة ذلك شأنها جرم فظيع، وجناية على الإنسانية لا يرتكبها متعمدا إلا الهمج ومن كانوا في ~~مثل درجتهم من الوحشية. # مع ذلك ألصقت هذه التهمة بعمر بن الخطاب وبالمسلمين في عهده، وظلت لاصقة بهم عدة قرون ~~كانت خلالها سببا في تجني المتجنين وطعن الطاعنين عليهم، ثم ظلت كذلك حتى نفاها العلم فلم ~~يبق من يذكرها إلا لينكرها، ولو أن المتقدمين من المؤرخين كانوا يعنون بنقد الحوادث، ~~ويدققون في تمحيصها لتيسر لهم تبين الزيف فيها، ولما ظل التاريخ في ضلال ستة قرون، وأيسر ما ~~كان يهديهم لزيفها أنها لم ترد في كتاب طيلة القرون الخمسة التي تلت فتح المسلمين مصر، مع ~~أن المؤرخين الذين سجلوا تاريخ هذه الفترة بينهم مصريون ومسيحيون لم يدعوا منقصة يمكن أن ~~تنسب للعرب إلا أثبتوها، ثم لم يذكر أحد منهم شيئا عن مكتبة الإسكندرية وإحراقها. # ولعل هذه الأسطورة نجمت في بيئات الشيعة، فذكرها أبو الحسن القفطي في كتابه: «تاريخ ~~الحكماء»، ونقلها عنه أبو الفرج بن العبري، وكلاهما ms511 عاش في القرن الثالث عشر الميلادي، وقد ~~تداولها عنهما من جاء بعدهما من المؤرخين، وقد أحكموا حبكها، وفي وسعك أن تتبين هذا الإحكام ~~من طريقة روايتها، فقد ذكروا أن قسيسا من القبط يدعى حنا # 10 # النحوي عزله مجمع الأساقفة لزيغ في عقيدته، كان قد اتصل بعد الفتح بعمرو بن ~~العاص، فلقي عنده حظوة لذكائه وصفاء ذهنه وغزارة علمه، فلما اطمأن إلى إقبال عمرو عليه قال ~~له يوما: «لقد رأيت المدينة كلها وختمت على ما فيها من التحف، ولست أطلب إليك شيئا مما ~~تنتفع به، بل شيئا لا نفع له عندك وهو عندنا نافع.» وسأله عمرو: ما يعني بقوله؛ فأجاب: ~~«أعني بقولي ما في خزائن الروم من كتب الحكمة.» فقال له عمرو: «إن ذلك أمر ليس لي أن أقتطع ~~فيه رأيا دون إذن الخليفة.» ثم إنه بعث إلى عمر يسأله رأيه في الأمر، فجاءه الرد من ~~المدينة وفيه ما يأتي: «وأما ما ذكرت من أمر الكتب فإذا كان ما جاء بها يوافق ما جاء في ~~كتاب الله فلا حاجة لنا به، وإذا خالفه فلا أرب لنا فيها وأحرقها.» فلما جاء هذا الكتاب ~~إلى عمرو أمر بالكتب فوزعت على حمامات الإسكندرية لتوقد بها، فما زالوا يوقدون بها ستة ~~أشهر، هذه خلاصة وجيزة لرواية القفطي، وقد أردفها بقوله: «فاسمع لما جرى واعجب!» # أنت ترى براعة الحبك في هذه القصة، فحوار بين حنا وعمرو، وكتاب من عمرو إلى الخليفة، ورد ~~من الخليفة يأمر بإحراق المكتبة، وتفصيل دقيق للطريقة التي نفذ بها هذا الأمر، كيف يبقى ~~بعد ذلك كله أي ريب في صحة هذه الوقائع؟ وكيف يخالج المؤرخين المسلمين فيها الشك وقد كتبت ~~في القرن السادس الإسلامي حين جمد التفكير والنقد، وأصبح جهد المؤلفين مقصورا على نقل ~~الروايات التي ذكرها من سبقهم دون تمحيصها لمعرفة صحيحها من باطلها، فليثبت المؤرخون ~~المسلمون هذه القصة العجيبة كما هي، ولينقلها الخلف منهم عن السلف؛ وليذكرها المؤرخون ~~المسيحيون مؤمنين بصحتها، وليعلقوا عليها بما يشاءون، فهم لم يكونوا يتصورون الإسلام ms512 ~~والمسلمين إلا اقترنا في أذهانهم بالتعصب المذموم والقسوة الوحشية، ولتبق هذه الوقائع ~~مقطوعا بصحتها حتى يلقي عليها النقد العلمي ضياءه الكشاف فيظهر بطلانها، فيزيفها ~~«جبون» ويزيفها «سديو»، ويزيفها «رينان» ويزيفها «جستاف ليبون»، ويزيفها «بتلر» ويزيفها ~~غير هؤلاء من المؤرخين، ثم تزيفها دوائر المعارف البريطانية والإسلامية وغيرها، ويزيفها ~~تاريخ المؤرخ، ويذكر في تزييفها ونفيها ما قرره علماء المسلمين صراحة من «أن ما يغنم في ~~الحرب من كتب اليهود والمسيحيين الدينية لا يجوز بحال أن يقدم طعاما للنار، وأن مؤلفات ~~العلماء والمؤرخين والشعراء وعلماء الطبيعة والفلاسفة يحق الانتفاع بها لخير المؤمنين.» ولا ~~تحسب أن المؤرخين اكتفوا في نفي هذه الأسطورة بالاستناد إلى مثل هذا الاعتبار العام؛ فقد ~~تناولوها بالتمحيص حتى ثبت لهم أنها لا تثبت له، ثم نفوا حوادثها واحدة واحدة نفيا علميا ~~دقيقا مستندا إلى أوثق المصادر. # فليس صحيحا أن حنا النحوي تحدث إلى عمرو بن العاص في أمر المكتبة أو في أمر غيرها؛ لأن ~~حنا النحوي مات قبل دخول المسلمين مصر، فالثابت أنه كان يكتب قبل سنة 527م؛ أي قبل دخول ~~العرب مصر بخمس عشرة ومائة سنة، فإذا فرضنا أنه كان يكتب وهو في العشرين لكانت سنه خمسا ~~وثلاثين ومائة سنة، وهذا غير معقول، فلم يعرف أن الناس في مصر يكتبون في مثل هذه ~~السن. # وليس صحيحا أن مكتبة البطالسة كانت باقية عند فتح العرب مصر؛ فقد أجمع المؤرخون على أن ~~هذه المكتبة احترقت في سنة 48 للميلاد حين ذهب قيصر إلى الإسكندرية فأحيط به في مرفئها، ~~فأحرق السفن التي فيه فامتدت النيران منها فأحرقت المكتبة وأفنتها. يتحدث أميانوس وسيلوس عن ~~«مكاتب الإسكندرية التي كانت لا تقوم بثمن، والتي اتفق الكتاب الأقدمون على أنها كانت ~~تحوي سبعمائة ألف كتاب بذل البطالسة في جمعها جهدا كثيرا، ولقوا في سبيل ذلك عناء كبيرا، ~~وقد أحرقتها النيران في حرب الإسكندرية عندما غزاها قيصر وخربها.» ويقول أورسيوس: «وفي ~~أثناء النضال أمر - قيصر - بإحراق الأسطول الملكي، وكان عند ذلك راسيا على الشاطئ، فامتدت ~~النيران إلى ms513 جزء من المدينة وأحرقت فيها أربعمائة ألف كتاب كانت في بناء قريب من الحريق، ~~فضاعت خزانة أدبية عجيبة مما خلفه آباؤنا الذين جمعوا هذه المجموعة الجليلة من مؤلفات ~~النابغين.» ويقول ديوكاسيوس: «وامتدت النيران إلى ما وراء المراسي بالبناء فقضت على أنبار ~~القمح ومخازن الكتب، وقيل: إن هذه الكتب كانت كثيرة العدد عظيمة القيمة.» وهذه الأقوال ~~وغيرها لا تدع مجالا للريب في أن مكتبة البطالسة احترقت قبل الفتح العربي بستة ~~قرون. # وليس صحيحا أن المكتبات التي نقلت إلى الإسكندرية، أو أنشئت بها بعد احتراق مكتبة ~~البطالسة، كانت باقية عند الفتح، فقد أهدى مارك أنطونيو مكتبة برجاموس إلى كليوباترا، ~~عوضا عن الخسارة التي لحقتها بضياع مكتبة آبائها ملوك مصر البطالسة، ولعل الإسكندرية كان ~~بها مكتبات أخرى، أبقت ما كان للعاصمة المصرية من مكانة علمية سامية، جعلت جامعتها مقصد ~~الطلاب والعلماء من أبناء الإغريق ورومية وكل محب للعلم في عالم ذلك العصر، لكن هذه ~~المكتبات قضي عليها هي أيضا في الثورات التي اندلع لهيبها بين المسيحيين والوثنيين في ~~النصف الثاني من القرن الرابع المسيحي، يقول تاريخ المؤرخ: «كان بالإسكندرية مكتبتان؛ ~~إحداهما: مكتبة البروكيون التي أتلفت في عهد جاليناس سنة 293م، والثانية: مكتبة السرابيوم، ~~وقد أصابها ما أصاب الأولى في ثورة تيوفيلوس سنة 361م، وكذلك انعدم كل أثر لهاتين ~~المجموعتين قبل خمسين ومائتي سنة من فتح عمرو لمصر، ولم يذكر التاريخ أن أميرا أو بطريقا ~~أو حاكما أراد أو قدر في هذه الفترة على أن يحل غيرها محلها.» ويقول بتلر: «رأيت فيما سبق ~~كيف خرب القيصريون ونهب في سنة 366 في أثناء نضال ديني، وأغلب الظن أن المكتبة التي ~~كانت فيه قد ذهبت ضحية في ذلك النضال.» ثم يقول: «وأهوى المسيحيون إلى المعبد العظيم، معبد ~~سيرابيس؛ وعلى رأسهم تيوفيلوس، وجعلوا يهدمونه ويخربون فيه، وكان ذلك في عام 391م، ولا ~~يختلف فيه اثنان، وقد ثبت أن المكتبة كانت في حجرات متصلة بهذا المعبد، وثبت أن ذلك المعبد ~~كله قد هدم وخرب، فلا بد أن تكون ms514 المكتبة قد لحقها الخراب نفسه.» # 11 # أما وقد ثبت أن حنا النحوي لم يكن حيا حين الفتح، وأن مكتبة البطالسة احترقت في عهد ~~قيصر، وأن المكتبات التي أنشئت بعد احتراقها أتلفت قبل دخول المسلمين مصر، فقد انهارت أقوال ~~الرواة فيما اتهموا به عمر بن الخطاب من الأمر بإحراق مكتبة الإسكندرية، على أن ذلك لا يعني ~~أن الإسكندرية انعدمت كل مكتباتها العامة والخاصة، وأن مصر لم يبق بأديارها وجامعاتها ~~مكتبات خاصة بها؛ بل كانت عاصمة مصر عند الفتح العربي لا تزال محتفظة بسمعتها العلمية، وقد ~~زارها قبيل الفتح رجلان من محبي العلم هما صفرنيوس وحنا مكسوس، وتنقلا في أرجائها وذكرا ما ~~اطلعا عليه من الكتب في مكتباتها معجبين به أيما إعجاب، ثم لم يرد فيما كتبا أي شيء عن ~~المكتبة العامة التي زعم رواة الأسطورة أنها أحرقت بأمر خليفة المسلمين، وهذا دليل جديد ~~يضاف إلى ما تقدم من الأدلة على كذب الأسطورة وزيفها، فلما كتب حنا النقيوسي بعد الفتح وفصل ~~أنباء عمرو بن العاص وأعماله، وأنحى بأشد اللائمة على المسلمين حتى فيما اضطروا إليه بحكم ~~الحرب، لم يكتب مع ذلك كلمة عن مكتبة الإسكندرية وإحراقها، فانتفت هذه التهمة الباطلة ~~انتفاء باتا، وزال كل ما يمكن أن يبقى في نفس أشد الناس للمسلمين عداوة من شبهة في ~~أمرها. # لا حاجة لنا بعد هذه الأدلة كلها إلى بيان السخف الذي تنطوي عليه عبارة المؤرخين عن توزيع ~~الكتب على الحمامات لتوقد فيها، وأن هذه الحمامات ظلت توقد منها ستة أشهر، وإذا كان لهذه ~~العبارة دلالة فعلى أن المؤرخين لم يتورعوا فنسجوا أباطيلهم من أوهام خيالهم ليختموا ~~عبارتهم بمثل قول القفطي: «فاسمع لما جرى واعجب!» ولو أن النقد العلمي عرف في تلك العصور ~~لما بقيت هذه الأسطورة أسابيع قبل أن يفندها الناقدون، ولعد راويها مهرجا لا يصح ~~الاعتداد برأيه أو الاستماع إلى قوله. # كيف تسنى لأسطورة تقوم هذه الأدلة الكثيرة على بطلانها أن تبقى قرونا، وألا يرى بعض ~~المؤرخين المسلمين بأسا بروايتها وبتصديقها؟ السبب عندي ms515 واضح بين، وهو الفرق بين عقلية ~~المسلمين في القرن الأول، وعقلية المسلمين في القرن السابع الهجري والقرون التي ~~تلته. # كان المسلمون في عهد الرسول وفي عهد الخلفاء الأولين يرون واجبا عليهم أن ينظروا في ~~الكون، وأن يلتمسوا أسراره ليقفوا على سنة الله فيه، ولم يكن لوسائلهم في هذا النظر وفي ~~التماس هذه الأسرار حد بل كانت حرية التفكير مطلقة لهم وكانت السبب في قوة إيمانهم، كان ~~الاطلاع على تفكير غيرهم والوقوف على ما كتبه الأولون جائزا عندهم بل واجبا عليهم، لم ~~يكونوا يهابون مواجهة الباطل؛ لأن قلوبهم كانت سليمة وبصائرهم كانت مستنيرة، ولأن التفاصيل ~~لما تكن قد طغت عليهم فقيدت عقولهم وأفئدتهم وسجنتها في قوالب صلبة لا يجدون عنها حولا، ~~لذلك كانوا يجتهدون، فلا ينقص اختلافهم قدر أي منهم؛ لأنهم كانوا جميعا متضامنين، ~~يؤمن كل واحد منهم بأن صاحبه يريد باجتهاده خير الإسلام والمسلمين جميعا، وقد رأيت كيف ~~اختلف عمر وأبو عبيدة عام الطاعون، فلم يغير ذلك من احترام أمير المؤمنين لأمين الأمة، ~~ولا من إكبار أمين الأمة لأمير المؤمنين. # وأدى اجتهادهم إلى سعة في آفاق الفهم، بلغت بالخلفاء ~~في عهد العباسيين أن يأمروا بترجمة كتب اليونان والفرس وغيرهم من الأمم في الطب والرياضة ~~والحكمة والفلسفة ، ثم لم يخشوا أن تزيغ ترجمتها العقائد أو تفسد النفوس، قوم ذلك شأنهم لا ~~يمكن أن يعزى لأحدهم أن يقول: «أما الكتب فإذا كان ما جاء بها يوافق ما جاء في كتاب الله ~~فلا حاجة لنا به، وإذا خالفه فلا أرب لنا فيه.» فقد كانوا يعلمون أن كتاب الله لم يفصل علوم ~~الطب والرياضة والهندسة وغيرها من العلوم والفنون الكثيرة، وأن معرفة ما كتب في هذه العلوم ~~على حقيقته من أقوم السبل لمعرفة سنة الله في الكون. # فلما بدأ المسلمون يتراشقون بالاتهام بزيغ العقيدة ~~عند الاختلاف في الرأي، تدهورت العقلية الإسلامية إلى الهاوية التي تدهورت إليها العقلية ~~المسيحية من قبل، فجمد الناس على مذاهبهم، وأصبح الاتهام بالمروق والزندقة أيسر ما يجري على ~~ألسنتهم، وصار ms516 التعرض بالنقد لأمر مقرر تجديفا لا يغامر به إلا مجازف بأن يتهم في دينه، ~~وأن يصيبه من جراء ذلك أعظم الحيف في رزقه وفي حريته وفي حياته، وذلك هو السبب في أنك قلما ~~تعثر في كتب المتأخرين على نقد لرأي سلف، بل تراهم يكتفون بإثبات ما ذكره الذين من قبلهم ~~وإن اختلفت الروايات فبلغ اختلافهم حد التناقض والتضارب، فإذا لم يطق أحدهم على تناقضها ~~صبرا لم يفكر في تقويم معوجها وتصحيح باطلها، بل يكتفي بعد إيراد الروايات جميعا بقوله: ~~«والله أعلم، كذلك قيل.» # وقد أصابهم الجمود أول الأمر في شئون العقائد ~~والعبادات وأصول النقد، لكن هذا الجمود سرعان ما امتد إلى سائر العلوم والفنون، والتاريخ من ~~بينها، ذلك لأن العقل لا يمكن أن يكون حرا طليقا في ناحية جامدا مقيدا في ناحية أخرى، ~~وهو متى رضي أن يرسف في القيود فجمد عن البحث في أصول العقائد والتشريع، أصبح الجمود عادة ~~له ونظاما يجري عليه في كل شئونه، ولا عجب! فأنت لا تستطيع أن تقيم حدا فاصلا بين علم ~~وآخر، أو بين علم من العلوم وفن من الفنون تتداخل كلها وتتعاون، فإذا كان العقل حرا في ~~ناحية لم يستطع أن ينزل عن حريته في ناحية أخرى، وإذا جمد في ناحية جمد في سائر النواحي ~~فركد نشاطه وذبلت حيويته، وذلك ما حدث في العهود الإسلامية المتأخرة فأدى بالمؤرخين ~~المسلمين إلى تصديق أسطورة باطلة كأسطورة مكتبة الإسكندرية وإحراقها بأمر الخليفة العظيم ~~عمر بن الخطاب. # وهذا أمر يؤسف عليه أشد الأسف؛ فقد كانت الحرية العقلية جوهر الإسلام، والأساس المتين ~~للحياة الإسلامية في عهودها الأولى، وهذه الحرية العقلية هي التي طوعت للمسلمين أن يبلغوا ~~من الرفعة ما بلغوا، وأن تمتد إمبراطوريتهم في أعوام معدودة إلى المدى العظيم الذي امتدت ~~إليه. # وهذه الحرية العقلية التي أقرها الإسلام هي التي ~~زادت العرب اعتدادا بأنفسهم، واعتزازا بكرامتهم وحرصا على المساواة التي كانت سليقة فيهم ~~من بدء نشأتهم، فقد كان العربي في باديته وفي حضره يجعل حياته ثمن حريته، ms517 يدفع عنها كل من ~~ينتقص منها، ولا يرضاها إلا كاملة طليقة كالهواء الذي يتنفسه، على أن عقائدهم الوثنية ~~كانت غلا في أعناقهم أثقلهم وقعد بهم عن التطلع إلى مثل أعلى يتوجهون إليه بقلوبهم، ~~ويهبون له حياتهم، فلما حطم الإسلام هذا الغل وأطلق حريتهم العقلية من عقالها انتشروا في ~~الأرض كما رأيت، ثم زادهم الإيمان الصادق بالمساواة والإخاء بين المؤمنين جميعا حرصا على ~~حريتهم وعلى كرامتهم، فلم يكن أحدهم ينزل عنهما أو يفرط فيهما، ولم يكن يرضى من أحد ولا من ~~أمير المؤمنين نفسه أن يمسهما، وظل ذلك شأنهم في القرون الأولى فزادهم قوة وسلطانا، فلما ~~آن للزمن أن يدور دورته، ونزل المسلمون شيئا فشيئا عن الحرية ثم رضوا بالجمود العقلي، دب ~~فيهم دبيب الانحلال، وبدءوا يصدقون أساطير كأسطورة عروس النيل، وحريق مكتبة الإسكندرية بأمر ~~عمر. # هذه الحرية العقلية هي التي مكنت لعمرو بن العاص أن يسوس مصر كما رأيت، وأن يوفق غاية ~~التوفيق في تألف أهلها مع اختلافهم مع العرب في الجنس واللغة والدين، وقد اغتبط عمر بما عرف ~~من ذلك أول الأمر، ثم لم يلبث أن خالف عمرا فيما اتصل من سياسته بتخفيف الضرائب مخالفة ~~بلغت مبلغ المؤاخذة، وكتب إليه في ذلك مرات فلم يغير عمرو من رأيه ولا من خطته، بل أصر على ~~ذلك إصرارا أقام الشبهات في نفس عمر، وهذه الشبهات هي التي جعلت الرجلين يتبادلان من الكتب ~~ما لا يستطاع تصور مثله في العصر الحاضر، وكيف تستطيع أن تتصوره وقد وقف ابن العاص من أمير ~~المؤمنين موقف الند من نده، مع ما يعرفه من شدة عمر على عماله، حتى ليسرع إلى عزلهم متى ~~زايلت نفسه الطمأنينة إلى عدلهم وأمانتهم! # فقد كان عمرو بن العاص حريصا كل الحرص على أن يتألف المصريين وألا يرهقهم وأن يقوم من ~~إصلاح شئونهم بما يرضيه، فكان ينفق من خراج مصر ومن الجزية المضروبة على أهلها ما يحتاج ~~إلى إنفاقه في حفر خلجانها، وإقامة جسورها، وبناء قناطرها وقطع جزائرها، ثم يبعث ما ms518 يبقى ~~بعد ذلك إلى أمير المؤمنين، وقد احتاج تعمير البلاد أول الفتح إلى كثير من النفقة، فقد بدأ ~~عمرو أول ما استقر به الأمر، فحفر خليج تراجان - وهو الخليج الذي أطلق عليه من بعد اسم خليج ~~أمير المؤمنين - كما أخذ نفسه بإصلاح ما أفسده الروم من مرافق البلاد، هذا إلى أنه أعفى ~~القرى التي أصابها الخراب من الجباية، وكان عمر في حاجة إلى المال لتنفيذ سياسته في شبه ~~الجزيرة وكان لذلك يلح على عمرو ليبعث إليه بالخراج كاملا، فلا يجد منه إسراعا إلى تلبيته ~~لما يريد تشبثا منه هو أيضا بسياسته، وضاق عمر بذلك ذرعا، فكانت بين الرجلين تلك الكتب ~~العنيفة بلغ عنفها وبلغت شدتها حد الاتهام. # وأول ما يورده المؤرخون من هذه الكتب كتاب من عمر إلى عمرو يقول فيه: # أما بعد، فإني فكرت في أمرك والذي أنت عليه، فإذا أرضك أرض واسعة عريضة رفيعة، ~~وقد أعطى الله أهلها عددا وجلدا وقوة في بر وبحر، وإنها قد عالجتها الفراعنة ~~وعملوا فيها عملا محكما مع شدة عتوهم وكفرهم، فعجبت من ذلك، وأعجب مما عجبت ~~أنها لا تؤدي نصف ما كانت تؤديه من الخراج قبل ذلك على غير قحوط ولا جدوب، ولقد ~~أكثرت في مكاتبتك في الذي على أرضك من الخراج، وظننت أنه سيأتينا على غير نزر ورجوت ~~أن تفيق فترفع إلي ذلك، فإذا أنت تأتيني بمعاريض تبعث بها لا توافق الذي في نفسي، ~~ولست قابلا منك دون الذي كانت تؤخذ به من الخراج قبل ذلك، ولست أدري مع ذلك ما ~~الذي نفرك من كتابي وقبضك، فلئن كنت مجزئا كافيا صحيحا إن البراءة لنافعة، ~~وإن كنت مضيعا نطفا إن الأمر لعلى غير ما تحدث به نفسك، وقد تركت أن أبتغي ~~ذلك منك في العام الماضي رجاء أن تفيق فترفع إلي ذلك، وقد علمت أنه لم يمنعك من ~~ذلك إلا عمالك عمال السوء، وما توالس عليه وتلفف، اتخذوك كهفا، وعندي بإذن ~~الله دواء فيه شفاء عما أسألك عنه، فلا تجزع أبا عبد ms519 الله أن يؤخذ منك الحق ~~وتعطاه، فإن النهز يخرج الدر، والحق أبلج، ودعني وما عنه تلجلج، ~~فإنه قد برح الخفاء، والسلام. # هذا كتاب لحمته اللوم وسداه التهديد، فهل تراه أزعج عمرا أو دفعه لأن يعدل عن سياسته؟! ~~كلا! بل أجاب أمير المؤمنين بكتاب جمع إلى الاعتداد بالنفس والاعتزاز بالكرامة، حرصا أصدق ~~الحرص على هذه السياسة، ودفعا للتهمة التي وجهت إليه بلغة لا تقل شدة في لهجتها عن لغة ~~أمير المؤمنين، فقد أجاب كتاب عمر يقول: # أما بعد، فقد بلغني كتاب أمير المؤمنين في الذي استبطأني فيه من الخراج، والذي ~~ذكر فيه من عمل الفراعنة قبلي وإعجابه من خراجها على أيديهم ونقص ذلك منها منذ كان ~~الإسلام، ولعمري قد كان الخراج يومئذ أوفر وأكثر، والأرض أعمر؛ لأنهم كانوا على ~~كفرهم وعتوهم، أرغب في عمارة أرضهم منا منذ كان الإسلام، وذكرت أن النهز يخرج الدر ~~فحلبتها حلبا قطع ذلك درها، وأكثرت في كتابك وأنبت وعرضت وثربت، وعلمت أن ~~ذلك عن شيء تخفيه على غير خبير، فجئت لعمري بالمفظعات المقذعات، ولقد كان لك ~~فيه من الصواب رصين صارم بليغ صادق، وقد عملنا لرسول الله # صلى الله عليه وسلم # ومن بعده، فكنا ~~بحمد الله مؤدين لأمانتنا، حافظين لما عظم الله من حق أئمتنا، نرى غير ذلك قبيحا ~~والعمل به شينا، فيعرف ذلك لنا ويصدق فيه قيلنا، معاذ الله من تلك الطعم، ومن ~~شر الشيم والاجتراء على كل مأثم، فاقبض عملك فإن الله قد نزهني عن تلك النعم ~~الدنية والرغبة فيها بعد كتابك الذي لم تستبق فيه عرضا ولم تكرم فيه أخا، ~~والله يا ابن الخطاب لأنا حين يراد ذلك مني أشد لنفسي غضبا ولها إنزاها وإكراما، ~~وما عملت من عمل أرى علي فيه متعلقا، ولكني حفظت ما لم تحفظ، ولو كنت من ~~يهود يثرب ما زدت، يغفر الله لك ولنا! وسكت عن أشياء كنت بها عالما وكان اللسان ~~بها مني ذلولا، ولكن الله عظم من حقك ما لا يجهل، ~~والسلام. # لم ينزعج عمر بن ms520 الخطاب لهذا الكتاب، بل رأى أن يأخذ ابن العاص بالشدة، وألا تلين قناته ~~له مخافة استرساله، فكتب إليه يقول: # أما بعد، فقد عجبت من كثرة كتبي إليك في إبطائك بالخراج وكتابك إلي ببنيات ~~الطرق، وقد علمت أني لست أرضى منك إلا بالحق البين، ولم أقدمك إلى مصر أجعلها طعمة ~~لك ولا لقومك؛ ولكني وجهتك لما رجوت من توفيرك الخراج وحسن سياستك، فإذا أتاك كتابي ~~هذا فاحمل الخراج فإنما هو فيء المسلمين، وعندي من قد تعلم قوم محصورون ~~والسلام. # كان جواب عمرو على هذا الخطاب أقل عنفا، ولكن إصراره فيه على سياسته لم يكن أقل وضوحا ~~وبروزا، ترى ذلك صريحا في قوله: # أما بعد، فقد أتاني كتاب أمير المؤمنين يستبطئني في الخراج، ويزعم أني أعند عن ~~الحق وأنكب عن الطريق، وإني والله ما أرغب عن صالح ما تعلم! ولكن أهل الأرض ~~استنظروني إلى أن تدرك غلتهم، فنظرت، فكان الرفق بهم خيرا من أن يخرق بهم، ~~فيصيروا إلى بيع ما لا غنى لهم عنه والسلام. # لعلك توافقني، وقد قرأت هذه الكتب، على أنه لا يسهل علينا تصور إمكانها اليوم بين حاكم له ~~سلطان عمر، وعامله على بلاد فتحها، فهذا ابن العاص يصر على ألا يرهق المصريين بجباية ~~الخراج قبل أن يدرك الزرع، وألا يزيده عليهم حتى لا يؤذيهم ويحملهم على بيع ما هم في حاجة ~~إليه لمعاشهم وسعيهم، ويرى في الرفق بهم ما يزيدهم حرصا على أداء ما يطلب منهم من غير ~~تذمر أو شكاية، وهذا عمر يرى الخراج الذي يجبى من مصر دون ما كان يجبيه الروم وما كان ~~يجبيه الفراعنة، # 12 # فلا يرى في حجج عمرو إلا تسويفا ومطلا وتعللا غير مقبول، ثم يبلغ الريب منه ~~فيها أن يراها معاذير يشوبها الكذب، يريد ابن العاص أن يستر تقصيره، بل أن يستر ما يضمره ~~لنفسه ولقومه من ملك مصر الطويل العريض. # ولقد ضاق عمر آخر الأمر ذرعا بهذه الكتب، ورأى فيها نذيرا إن لم يتداركه بما عرف من ~~شدته تفاقم الأمر ms521 بينه وبين عمرو تفاقما قد ينتهي إلى غير ما يحب؛ لذلك انتقل إلى الاتهام ~~الصريح، ثم إلى التحقيق مع عمرو فيما كسب من مال في أثناء ولايته مصر، فقد كتب إليه يقول: ~~«إنه قد فشت لك فاشية من متاع ورقيق وآنية وحيوان لم يكن لك حين وليت مصر.» وأجابه عمرو: ~~«إن أرضنا أرض مزدرع ومتجر، فنحن نصيب فضلا عما نحتاج إليه لنفقتنا.» فكان رد ~~الخليفة: «إني قد خبرت من عمال السوء ما كفى، وكتابك إلي كتاب من قد أقلقه الأخذ ~~بالحق، وقد سؤت بك ظنا، ووجهت إليك محمد بن مسلمة ليقاسمك مالك، فأطلعه طلعه ~~وأخرج إليه ما يطالبك، وأعفه من الغلظة عليك فإنه برح الخفاء.» # وذهب ابن مسلمة إلى مصر فقاسم عمرا ماله، فقال له عمرو: «إن زمانا عاملنا فيه ابن ~~حنتمة هذه المعاملة لزمان سوء! لقد كان العاص يلبس الخز بكفاف الديباج.» وأجابه ابن ~~مسلمة: «مه! لولا زمان ابن حنتمة هذا الذي تكرهه ألفيت معتقلا عنزا ~~بفناء بيتك يسرك غزرها ويسوءك بكؤها.» قال عمرو: «أنشدك الله ألا تخبر عمر ~~بقولي؛ فإن المجالس بالأمانة.» وأجابه ابن مسلمة: «لا أذكر شيئا مما جرى بيننا وعمر ~~حي.» # 13 # تشهد هذه الكتب التي تبودلت بين عمر وعمرو، كما يشهد ما دار من قبل بين عمر وخالد بن ~~الوليد، بما كان عليه هؤلاء المسلمون الأولون من حرية، ومن اعتداد بالنفس واعتزاز بالكرامة ~~في غير كبرياء باطل، لقد كانوا يحترمون النظام، ولا يتجاهلون ما جعله الله وجعله الإسلام ~~للخليفة من حق، لكن احترامهم النظام وعرفانهم حق الخليفة، لم يكن لينسيهم كرامتهم ~~وحريتهم ومساواتهم للخليفة فيما يجب عليه من احترام حقهم بقدر ما يجب عليهم من احترام حقه، ~~لم يكن النظام عندهم ذلا ولا عبودية، ولم تكن حقوق الخليفة لتطغى على حقوقهم ولم يكن ~~سلطانه ليضعف من حريتهم ومن اعتزازهم بكرامتهم، بل كانت الحرية والنظام يتوازيان فلا يطغى ~~أحدهما على الآخر، بل يؤيد كل منهما الآخر ويزيده ثباتا وقوة، فإذا قامت في نفس الخليفة ~~شبهة من ms522 رجل فاتهمه ثم تبين له أنه ظلمه، رأى الحق لهذا الرجل عليه أن يعتذر من اتهامه، وأن ~~يعلن على رءوس الأشهاد براءته، وإذا اقتضى النظام أو قضت المصلحة العامة بعزل رجل من عمله ~~لغير ريبة فيه، أعلن الخليفة سبب عزله، حتى لا تثور شبهة من الشبهات حوله، وقد كان هذا ~~الاحترام المتبادل، وهذا التقديس للحرية والنظام جميعا، من أسباب القوة التي يسرت للمسلمين ~~أن ينشروا في العالم حضارة استقرت فيه دهرا طويلا. # كان عمر، على احترامه لهذا النظام أصدق الاحترام، لا يتردد في عزل كل عامل لا تنتفي ~~الشبهات من نفسه في أمره، بل يرى ذلك واجبا عليه وجوب احترامه للحرية والنظام، وقد رأيت في ~~هذه الكتب التي تبودلت بينه وبين عمرو أنه كان موشكا أن يعزله، ولعله كان فاعلا لولا أنه ~~قتل بعد قليل من تبادل هذه الكتب ومن مقاسمة عمرو ماله، فبقي عمرو معلقا، لكن هذا التعليق ~~لم يدم طويلا في خلافة عثمان بن عفان. # ترى لو أن عمر لم يقتل وعزل عمرا، أفكان يتعصب لابن العاص أقوام كما تعصب لخالد بن ~~الوليد يوم عزله عمر أقوام؟ وهل كان عمر يتهم في تصرفه هذا كما اتهم في تصرفه بعزل ~~خالد؟ أو أن فاتح مصر لم يكن له من الأنصار ما كان لسيف الله، وأنه كان متهما عند الناس ~~بما اتهمه الخليفة به، فما كان عزله ليثير ثائرة أو ليزعج أحدا؟! # يتعذر الجواب عن هذا السؤال؛ فقد عزل عثمان بن عفان عمرو بن العاص عن مصر وولاها عبد الله ~~بن أبي السرح، فلم يذكر المؤرخون المسلمون عما أثاره هذا العزل شيئا يشبه ما ذكروا لعزل ~~خالد بن الوليد، أفيرجع ذلك إلى أن عمرا كان يفيد من مصر لنفسه ولقومه فلم يغضب أحد منهم ~~لعزله، بل لم يعن أحد منهم بأمره؟ أم أن قوما تعصبوا لعمرو بالفعل، وروى الرواة ما حدث ~~من ذلك، ثم أهمل المؤرخون ذكره؛ لأنهم رأوا في ممالأة عمرو لمعاوية في خلافه مع علي بن أبي ~~طالب ms523 ما صرفهم عن ذكره؟ أيا ما يكن الأمر فإن الدولة الإسلامية مدينة لعمرو بفتح مصر، ~~مدينة له بحسن سياستها وتألف قلوب أهلها، وذلك دين لم يكن ليجزيه ما قيل إنه أفاده لنفسه ~~إن صح، صحيح أن نزاهة الحكم يجب أن تسمو على كل اعتبار؛ لكنا لم نجد فيما نسب إلى عمرو ما ~~يدل على أنه خالف النزاهة مخالفة تسوغ الغمط من حقه أو التهوين من جليل عمله. # ويزيدنا إكبارا لعمرو وتنويها بفضله أن ما حدث من عزله لم يدفعه للنكول من بعد عن أداء ~~واجبه، فقد أقام بمكة في حين كان عبد الله بن سعد بمصر يرهق أهل الإسكندرية بالضرائب ~~فيدفعهم للتذمر، ويدفع الروم منهم أن يكتبوا إلى قيصر بالقسطنطينية أن الفرصة سانحة له ~~ليأخذ بثأره، وقد استجاب قيصر لهذا النداء؛ فبعث القائد «مانويل» في جند كثيف حمله أسطول ~~مؤلف من ثلاثمائة سفينة سار بهم إلى الإسكندرية وأنزلهم بها، فاحتلوها وقتلوا جند المسلمين ~~المرابطين فيها، وأذاعوا الرعب في قلوب أهلها، ووضعوا أيديهم على كل مرافقها، ولم يستطع عبد ~~الله بن سعد مقاومة هذا الغزو، فبعث إلى الخليفة يستنجده، ودعا الخليفة عمرو بن العاص وطلب ~~إليه أن يعود إلى مصر ليقاتل الروم، فلم يتردد، # 14 # ولم يجعل من حفيظته لعزله أي أثر في نفسه، بل سار حتى بلغ بابليون حين كان ~~مانويل وجنوده يتقدمون في مصر السفلى، ولقيهم عمرو بنقيوس فهزمهم وردهم إلى الإسكندرية ~~فتحصنوا بها ولما رأى عمرو حصون المدينة تقاومه أسف أن ترك هذه الحصون قائمة، وأقسم: لئن ~~أظفره الله بالمدينة ليهدمن أسوارها، حتى تكون مثل بيت الزانية تؤتى من كل مكان! وذكر ~~المصريون ما كان من رفقة بهم وحسن سياسته فيهم، فأعانوه على عدوه فظفر به ثم حطم حصون ~~الإسكندرية وأسوارها بعد أن قتل مقاتلتها، وأخذ النساء والذراري فجعلهم فيئا. # وأراد عثمان بن عفان مكافأة عمرو بأن يجعله أميرا على جند مصر، مع بقاء عبد الله بن سعد ~~واليها وصاحب خراجها؛ فرفض عمرو عرض الخليفة وقال: «أنا إذن ms524 كماسك البقرة بقرنيها، وآخر ~~يحلبها!» وعاد إلى مكة حتى آل الأمر إلى معاوية بن أبي سفيان، فولاه مصر وأطلق يده فيها، ~~وساس ابن العاص مصر بحكمته وحسن رأيه، وظل مقيما بها إلى آخر عمره، ثم مات بها ودفن فيها، ~~ولكن الزمن عفى على قبره، فما من أحد يعرف اليوم مكانه. # لم نفصل أعمال عمرو بمصر بعد عهد عمر؛ لأنها لا تدخل في نطاق هذا الكتاب، فلنعد بذاكرتنا ~~إلى ما أثبتناه فيه، مذ بدأ عمرو يفكر في فتح مصر، لنذكر ما كان لهذا الرجل من فضل في نقل ~~مصر من يد الروم إلى يد المسلمين، فهو الذي سار إليها في جند لا يبلغ أربعة الآلاف، وهو ~~الذي فتحها بهذا الجند وبالمدد القليل الذي أمده الخليفة به، وهو الذي وجه سياستها، ونظم ~~حكمها، ودبر أمورها، وتألف أهلها، وليس يغلو لذلك من يقول: إن مصر الإسلامية مدينة بوجودها ~~لعمرو بن العاص، دينا لا تعرف العراق ولا الشام ولا الفرس دينا مثله لفاتح من ~~المسلمين. # الآن فرغنا مما تم في عهد عمر من فتوح عظيمة هزت العالم وبهرت المؤرخين، وقد تركنا شبه ~~الجزيرة، في أثناء هذه الفتوح، لنرى كيف أدال الغزاة العرب من دولة كسرى ومن دولة قيصر، ~~فلنعد كرة أخرى إلى المدينة ، ولنقف إلى جانب عمر، لنرى كيف تطورت شبه الجزيرة في عهده، ~~وكيف واجه أهلها هذه الأطوار الجسيمة التي حدثت تحت سمعهم وأبصارهم، وسيرى القارئ معنا أن ~~ما تم من ذلك لم يكن أقل عظمة ولا جلالا من عظمة الفتوح وجلالها، وأنه كان أكثر من الفتوح ~~بقاء على الزمن، وأعمق منها أثرا في حياة العالم كله. # | هوامش # الفصل الثاني والعشرون # | حكومة عمر # كان عهد عمر كما رأيت عهد غزو وفتح؛ حالف النصر فيه أعلام المسلمين، فامتدت دولتهم حتى ~~جاورت أفغانستان والصين شرقا؛ والأناضول وبحر قزوين شمالا، وتونس وما وراءها من إفريقية ~~الشمالية غربا، وبلاد النوبة جنوبا، هذا مع أن التوسع في الفتح لبلوغ هذه الأرجاء لم يكن ~~مما أراده عمر أو أراده ms525 أبو بكر من قبله؛ وإنما كانت سياسة عمر أن يجمع الجنس العربي في ~~وحدة تمتد من خليج عدن جنوبا إلى أقصى الشمال من بادية السماوة، وأن يدخل العراق والشام في ~~هذه الوحدة؛ لأن السلطان فيها كان للخميين والغسانيين من العرب، فلما تم له ما أراد ~~من ذلك ود لو يقف جنده في هذه الحدود لا يتعدوها، وتمنى لو أن بينه وبين الفرس جبلا من ~~نار لا يخلصون إليه ولا يخلص إليهم منه، ولو أن بينه وبين الروم سدا يحول بينهم وبين ~~استرداد ما فتحه من أرضهم، لكن الحوادث كثيرا ما كانت أقوى من الرجال، والحوادث هي التي ~~دفعت المسلمين إلى متابعة الفتح، والبلوغ به إلى المدى الذي رأيت. # وقد أذهل هذا الفتح عالم يومئذ، وأدهش المؤرخين الذين فصلوا حوادثه وحاولوا استقصاء ~~أسبابه، وقد أشرت من قبل إلى ما اتصل من هذه الأسباب بنفسية المسلمين الغزاة ونفسية خصومهم ~~من الفرس والروم، وثم عامل آخر كان له أثر كبير في امتداد الفتح: ذلك نظام الحكم في شبه ~~الجزيرة، فقد تطور هذا النظام، خلال السنوات العشرين التي تلت هجرة الرسول، تطورا مكن ~~الأمة العربية من مواجهة تلك الأحداث التاريخية الجليلة في طمأنينة زادتها اعتزازا بنفسها، ~~وشعورا بقوتها، وإيمانا بأن عليها رسالة يجب أن تؤديها للعالم، ويجب أن يسمع العالم لها؛ ~~لذلك لم يقف في سبيلها سلطان، ولم تصدها عن أداء رسالتها قوة من القوى. # لم يكن هذا النظام نتيجة تفكير منطقي، ولا عملا من أعمال الفقهاء والمشترعين اجتمعوا له ~~ونظروا فيه وانتهوا إلى تدوينه، ثم أمر رسول الله أو أمر خلفاؤه بتنفيذه، كلا! فقد كانت هذه ~~الدولة الناشئة تنمو في سرعة دونها سرعة الناشئ في نموه من الطفولة إلى الصبا فإلى الشباب؛ ~~لذلك لم يكن بد لمن ولي أمرها من أن يلحظ أحوالها تبعا لأطوار نموها، وأن يجعل همه أول ~~كل شيء إلى تنظيم مركز القوة الدافعة لهذا التطور وهذا النمو، وأن يعمل على توثيق الروابط ~~بين أجزاء الدولة وتوكيد تضامنها، وإنما بدأ ms526 انبعاث هذه القوة الدافعة من بلاد العرب قبل أن ~~تلتئم وحدتها، أو يستقر بها نظام ثابت يصدر عنها ويمتد منها إلى غيرها من الأمم، فقد كان ~~النظام الموحد المستقر معروفا في البلاد المجاورة لها قبل أن تعرفه هي، ثم كان النظام ~~الفارسي مبسوطا في العراق، والنظام البزنطي مبسوطا في الشام، ولم يفكر أحد من أهل المدينة ~~في استعارة أي من هذين النظامين، ولم يحاول أحد فيها أن يسطر على الورق نظاما عربيا كله، ~~أو إسلاميا كله، يطبق في بلاد الدولة أدانيها وأقاصيها، ولو أن أحدهم فكر في مثل هذه ~~المحاولة لقضى السنين يسطر ويمحو ويثبت حتى تلتئم لهذا النظام وحده تجري في مختلف أجزائه، ~~وما كان عهد الفتح الفسيح السريع الخطا ليتسع لشيء من هذا ولا ليطيقه، فعهد الفتح، بطبعه، ~~عهد اجتهاد تمليه أحداث الساعة وتقضي بها أطوارها، فإذا أسرع الفتح ما أسرع في عهد أبي بكر ~~وعمر، وجب أن يستند النظام إلى بديهة ولي الأمر أكثر من استناده إلى منطقه، وأن يساير ولي ~~الأمر الفتح في أطواره لا يسبقها ولا يستأخر عنها. # وذلك ما حدث منذ انضوت بلاد العرب كلها إلى لواء ~~الإسلام بعد فتح مكة والطائف، فقد أقبلت الوفود من أرجاء شبه الجزيرة تترى إلى المدينة تعلن ~~بين يدي رسول الله إسلامها، وجعل رسول الله يبعث عماله إلى مختلف الأرجاء يفقهون الناس في ~~الدين، ويجبون منهم الصدقات، تاركا للأمراء الذين أسلموا ما كان لهم من سلطان في بلادهم ~~قبل إسلامهم؛ ينهضون به في حدود النظام المتوارث عندهم، بعد أن يدخلوا عليه من التعديل ما ~~جاء الإسلام به، فلما اختار الله إليه رسوله وبايع أهل المدينة أبا بكر بالخلافة، فبعث ~~عماله يجبون ما كانوا يجبونه من الصدقات لعهد النبي، برم العرب بهذا الأمر ولم يرضوا ~~عنه، وعدوه انتقاصا من استقلالهم السياسي ومن حريتهم المدنية، وأصروا لذلك على دفعه، وكذلك ~~قامت حروب الردة، ثم انتهت بظفر أبي بكر واستقرار السلطان بالمدينة، وهذا الظفر هو الذي ~~مهد للوحدة السياسية في بلاد ms527 العرب، فلما تولى عمر بعد أبي بكر جعل همه إلى تنظيم هذه ~~الوحدة تنظيما لا يغلو من يقول إنه كان تتويجا للثورة الروحية الكبرى، ورفعا للقواعد من ~~سلطانها الثابت في العالم. # كان ذلك شأن العصر الذي بدأ فيه انتشار الإسلام واستقراره، ولذلك كانت سيرة القائم ~~بالنظام وتعاليمه هي صورة هذا النظام المتصل بشخصه، المرتبط بتصرفاته وأحكامه، فسيرة رسول ~~الله هي النظام الروحي للإسلام، وبداءة التصوير المدني لنظام الجماعة الإسلامية، وقد تطور ~~هذا التصوير على الزمان متأثرا بالأحوال المحيطة به، مع التزامه النطاق الذي فرضه القرآن ~~للحياة الروحية وللحياة المدنية، ولئن ظل النظام السياسي في شبه الجزيرة قائما فلم يتغير ~~في عهد الرسول عما كان عليه قبله، لقد تأثرت الحياة المدنية بأوامر القرآن ونواهيه تأثرا ~~كان له أعمق الأثر في كل ما تم من بعد، وكان أبو بكر خليقا بعد أن قضى على الردة ~~واستفتح عهد الوحدة السياسية لبلاد العرب، أن ينظم هذه الوحدة وأن يضع أسسها ويرفع قواعدها، ~~لكن التمهيد للفتح وللإمبراطورية في العراق والشام بدأ ولم تكن حروب الردة قد انتهت، ~~فلم يكن في مقدور الخليفة الأول أن ينصرف عن مواجهة الفرس والروم إلى تفصيل النظام الملائم ~~للوضع الجديد، في بلاد كانت الثورة لا تزال قائمة في بعض أرجائها، ولم تكن أمورها قد اطمأنت ~~إلى وحدة مستقرة. # مع هذا بدأت الوحدة السياسية تنتظم بلاد العرب من ذلك الحين شيئا فشيئا، ولا عجب، ~~فحيثما تجر في البلاد المتجاورة أحكام متشابهة تزل الفوارق بينها في الحياة المدنية، ~~فيدك زوالها ما بين هذه البلاد من حوائل، وحينما يتم التوافق بين المثل الأعلى والغرض ~~المشترك لأمم متجاورة، يصبح اندماج هذه الأمم أمرا طبيعيا ينضجه مر الزمن، ومنذ أسلم ~~العرب تمت وحدتهم في العقائد والعادات والمعاملات ... كان تحريم الربا والخمر والميتة والدم ~~ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، وكان الحد من تعدد الزوجات وتحريم وأد البنات، وكان ~~تنظيم المعاملات وترتيب الميراث، مما بعث إلى حياتهم المدنية اتساقا لم يكن مألوفا من ~~قبل، ثم ms528 زادت وحدة العقيدة والعبادة ما بينهم من وحدة الجنس ووحدة اللغة متانة وقوة، فلما ~~قضي على الردة واندفع المسلمون إلى العراق والشام، وتجاوبت أجواء شبه الجزيرة بأنباء ~~انتصارهم وبقوتهم على مواجهة الفرس والروم، زاد الاشتراك في الغزو والنصر وحدة العرب قوة، ~~وجعلهم يشعرون بحاجتهم إلى التآزر والتضامن ليظل النصر حليفهم فتزداد بين أيديهم ثمراته؛ ~~لذلك رأيت الذين منعهم أبو بكر من الاشتراك في حرب العراق والشام، لما كان من ~~ردتهم، يودون على اختلاف قبائلهم ومواطنهم أن يشتركوا في هذه الحروب جهادا في سبيل ~~الله، وليكون لهم من مغانمها نصيب كنصيب الذين أقاموا على إسلامهم واشتركوا فيها منذ بدأت، ~~فإذا أضفت إلى هذا كله ما هدى الإسلام العرب إليه من مثل أعلى أضاء لهم بنوره، وأراهم جلال ~~الإيمان وجماله، وحبب إليهم الاستشهاد في سبيله، أدركت كيف كانت وحدة شبه الجزيرة تزداد على ~~الأيام اتساقا وقوة، وكيف كانت تتجه لتكون وحدة سياسية كاملة، وكيف كان الزمن ينضجها شيئا ~~فشيئا. # لا ريب في أن القائمين بأمر الإسلام في شبه الجزيرة قد كانوا محور هذه الوحدة بقوة ~~شخصياتهم وبتعاليمهم وأسوتهم، كان النبي العربي ورسالته بالإسلام مصدر هذه الوحدة وأساسها، ~~وكان خليفته الأول هو الذي قضى على العوامل التي حاولت مقاومتها والقضاء عليها، وكذلك آل ~~الأمر إلى عمر حين كانت وحدة شبه الجزيرة تتراءى خلال الحجب، وحين لم يكن لها مفر من أن ~~تكمل، ما لم يضعف القائم بأعبائها دون الاضطلاع بالتبعات الملقاة على عاتقه لتثبيتها ~~وتوطيد دعائمها. # وما كان عمر بن الخطاب ليضعف؛ فقد كان له من قوة الشخصية وبروزها ما رأيت الكثير من ~~مظاهره مجلوا في هذا الكتاب، وما كان له أثره البين قبل الإسلام وبعده، وكان هذا الأمر ~~أشد وضوحا بعد هجرة المسلمين إلى المدينة حيث كان عمر وزير رسول الله كما كان أبو بكر ~~وزيره، كان عمر يخالف رسول الله في أمور أقر القرآن رأيه في بعضها كما كان في أسرى بدر، ثم ~~كان له من صدق إيمانه بالله ورسوله ما ms529 يجعله أول المسلمين إذعانا إذا نزل الوحي بما يخالف ~~رأيه، وأول المسلمين تأسيا برسول الله إذا جرت سنته بأمر من الأمور، وكان عمر يخالف أبا ~~بكر في أثناء خلافته، فإذا أصر أبو بكر على رأي أطاعه عمر؛ لأنه ولي الأمر، لكن طاعته لم ~~تمح في يوم من الأيام شخصيته، وتأسيه بالرسول لم ينسه أن يفرق بين الثابت على الزمان من ~~سنته # صلى الله عليه وسلم ~~، وبين ما قضت به أحداث الوقت، فمن المستطاع مراجعته وإعادة النظر فيه من غير ~~أن يكون ذلك إنكارا له، اقتناعا بأن رسول الله لو امتد به الأجل لراجعه وأعاد النظر ~~فيه. # كانت الوحدة السياسية لبلاد العرب بعض ما شغل به عمر في خلافه الصديق وإن لم يصرفه ~~اشتغاله بها عن معاونته أبي بكر في تنفيذ سياسته أصدق المعاونة، فلما استخلف كان تثبيت هذه ~~الوحدة وتوطيد دعائمها أول ما اتجه إليه همه، وقد هداه تفكيره إلى أن هذه الوحدة لن تكون ~~سليمة إلا أن تصفو من كل شائبة، وذلك بأن يكون الجنس العربي كله متحدا في موطنه وفي عقيدته ~~كاتحاده في لغته، واليهودية والنصرانية لا تزالان قائمتين في شبه الجزيرة أتراه يستطيع ~~إجلاءهما عنها من غير أن يخالف كتاب الله وسنة رسوله؟ # لقد وادع رسول الله اليهود أول ما نزل بيثرب، فلما نقضوا عهدهم وحاولوا الغدر به، أجلاهم ~~عن المدينة، ثم أجلاهم عن أكثر مواطنهم من شبه الجزيرة لما ناصبوه العداوة، ألا يدل ذلك على ~~أن بقاء اليهود في مواطنهم لم يكن حقا لهم يجب احترامه، وأن موادعتهم كانت سياسة قضت بها ~~مصلحة الدولة أول العهد بيثرب، فلما رأى الرسول مصلحة الدولة العليا لا تستقيم بها عدل عنها ~~إلى سياسة غيرها! ومصلحة الدولة العليا توجب في رأي عمر أن توحد العقيدة في شبه الجزيرة ~~كلها؛ لذلك كان من أول ما استفتح به عهده أن أجلى نصارى نجران عن شبه الجزيرة، فأمر يعلى ~~بن أمية ألا يفتنهم عن دينهم، وأن يخرج منهم من أقام على نصرانيته، وأن ms530 يعطوا بالعراق ~~أرضا كأرضهم بنجران، وأن تحسن معاملتهم، كذلك فعل بمن بقي من اليهود بخيبر أو بفدك: أجلاهم ~~عن أرضهم إلى الشام، وعوضهم عنها بمال يعدل قيمتها، ولم يسئ إلى أحد منهم، بذلك خلصت شبه ~~الجزيرة من كل عقيدة إلا الإسلام، فتوطدت فيها قواعد الوحدة التي قصد إليها أمير ~~المؤمنين. # هذا تصوير واضح للباعث الذي دفع عمر إلى إخراج اليهود والنصارى من شبه الجزيرة، وهو في ~~ذلك لم يخالف سنة ولم يخرج عليها، فعهد رسول الله مع اليهود والنصارى لم يكن سنة تثبت ~~حكما، بل كان سياسة تغيرت في عهد الرسول، فلا بأس بأن تتغير بعده، وإنما غيرها عمر؛ لأن ~~أحداث الوقت، وامتداد الفتح، وشدة الحرص على تمكين أواصر الوحدة في شبه الجزيرة قضت ~~بتغييرها، وما كان عمر ليجمد على عهد تغير عليه العهد، وأصبح مضرا بمصلحة الدولة وسياستها ~~العليا، فكيف به وهو موقوت بطبيعته؛ ينقضي بانقضاء مدته، ولا يتجدد إلا إذا رضي أمير ~~المؤمنين تجديده! # لا يحسب أحد أني أنسب لعمر ما لم يدر بخاطره من التفكير في وحدة العرب؛ فقد أجمع المؤرخون ~~على أنه استند في إجلاء اليهود والنصارى على ما روي عن رسول الله أنه قال: «لا يجتمع ببلاد ~~العرب دينان.» وما ذكره البلاذري وغيره من أن عمر رأى أن أهل نجران كثروا، فخافهم على ~~الإسلام، فأجلاهم، وأمر عماله بالعراق والشام أن يعوضوهم من أرضهم وأن يحسنوا معاملتهم، ولو ~~أنه أجلاهم لأنهم نقضوا عهدهم لما لطف بهم كل هذا اللطف، ولما أحسن معاملتهم كل هذا ~~الإحسان. # لا يكفي لتثبيت دعائم الوحدة في بلاد العرب ألا يبقى بها دين غير الإسلام، إذا بقي من ~~الفوارق بين أهلها ما يجعلهم يشعرون بأن بعضهم أكثر حرية أو أوفر كرامة من بعض، وإذا لم تقم ~~المساواة الصحيحة بينهم علما على سلامة تضامنهم، وقد بقيت بعض الفوارق بينهم بسبب ~~الردة والحروب التي قضت عليها، أما وعمر يريد الوحدة صحيحة فلا بد من القضاء على هذه ~~الفوارق بإزالة أسبابها؛ لذا رفع عن أهل ms531 الردة ما كان أبو بكر قد فرضه عليهم ألا ~~يحاربوا في صفوف المسلمين! كما أمر برد السبي من العرب إلى عشائرهم ورد حريتهم إليهم؛ لأنه ~~كره أن يكون السبي سنة في العرب، بذلك استفتح عهدا جديدا سرى معه في نفوس العرب جميعا ~~روح أشعرهم، على اختلاف مواطنهم من شبه الجزيرة، بأنهم أمة واحدة، لها هدف مشترك وتوجهها ~~سياسة عامة ومصلحة عليا يهيمن عليهما أمير المؤمنين. # وهذه المصلحة العليا، التي أملت على عمر ما قدمت تحقيقا لوحدة العرب في ظل الإسلام، هي ~~التي أملت عليه أن يجعل هجرة الرسول مبدأ للتاريخ العربي، فقد كان العرب إلى ذلك العهد ~~يؤرخون بعام الفيل حينا، وببعض أيام العرب الكبرى حينا آخر، وإذا كانت هذه الأيام كلها ~~جاهلية، وكان الإسلام يهدم ما كان قبله؛ فقد رأى عمر في هجرة النبي إلى يثرب أعظم حادث في ~~تاريخ الإسلام لعهده # صلى الله عليه وسلم ~~، أن كانت هذه الهجرة مبدأ نصر الله رسوله وإعزازه دينه، وقد ~~قويت الوحدة العربية بهذا الاختيار الموفق، زاده توفيقا أنه تم في السنة السادسة عشرة ~~للهجرة، حين كانت أعلام المسلمين تسير مظفرة في بلاد كسرى وبلاد قيصر؛ تقتحم المدائن وتفتض ~~الإيوان الأعظم، وتفتح بيت المقدس وتقيم فيه المسجد الأقصى إلى جانب كنيسة القيامة، وقد ~~واجه عمر بهذا التاريخ المجيد تاريخ الفرس وتاريخ الروم فإذا هو أعظم منها ضياء؛ لأنه يمثل ~~أجل حادث في تاريخ العالم. # ولا ريب أن اختيار هذا التاريخ كان إلهاما موفقا، وعلى هذا الإلهام الموفق كان عمر ~~يعتمد في سياسته لمواجهة أحوال الدولة المتغيرة في تطورها السريع ملتمسا دائما ما يراه ~~أصلح لها وأدنى إلى تحقيق أغراضها. # وكان طبيعيا أن يعتمد عمر في سياسته على قوة شخصيته وتوثب إلهامه؛ إذ كانت الدولة في ~~أول نشأتها، وكانت الحروب في العراق والشام تقتضي أشد الحذر واليقظة، ولو أن ما واجه عمر ~~يومئذ حدث في زماننا أو في أي زمان آخر، لقضت أحوال الحروب بإسناد الأمر إلى رجل موثوق به؛ ~~تجتمع السلطة في ms532 يده لتنظيم جهود الحرب، والاضطلاع بتبعتها، وقد رأينا عمر وكيف ~~استطاع أن يتم للعرب وحدتهم، ويكفل لهم حريتهم، وأن يضطلع في الوقت نفسه بتبعة الحرب، وأن ~~ينظم ما اقتضته من جهد في يقظة ودقة امتدت إلى الدقيق والجليل من أحوال الجند وسيرهم، ومن ~~كرهم وفرهم، حتى لقد كان يشارك أمراء الجند في وضع خطط القتال، بل كان هو الذي يضعها ~~في كثير من الأحيان، فإذا تم الفتح رسم السياسة التي تجري في البلاد المفتوحة، وصور ما يجب ~~القيام به من شئون الإصلاح فيها. # أفكان في مقدور عمر وهذه الأحداث تواجهه أن يبدأ عهده بأن يضع للحكم نظاما مفصلا يجري ~~في بلاد العرب كلها، أو أن يتخذ من النظام الفارسي السائد في العراق، أو النظام البيزنطي ~~السائد في الشام نظاما لشبه الجزيرة؟ ما أحسب شيئا من هذا دار بخلده، فشبه الجزيرة ~~تختلف بتكوينها عن العراق والشام اختلافا جوهريا، وقد ألف العرب حياة لا تلائمها مركزية ~~الفرس ولا نظم الروم، هذا لو أن الحرب لم تكن تشغله وتستنفد كل جهده، فكيف به وقد كان ~~جنده في أول عهده يواجه في العراق أدق موقف، وكانت قواته في الشام تواجه من جيوش الروم ما ~~يزيد عليها في العدد والعدة أضعافا مضاعفة! حسبه أنه جمع شبه الجزيرة في وحدة عربية ~~إسلامية حرة تزيد أهلها اعتدادا بأنفسهم، وتزيدهم بذلك على الفتح قوة، وليدع التنظيم للزمن ~~ينضجه في يسر في حدود كتاب الله وسنة رسوله. # ولو أنه حاول أن يفرض على البلاد المختلفة في شبه الجزيرة نظاما موحدا لأدى ذلك إلى ~~نتائج لا يحمدها عمر ولا يحمدها المسلمون، فما كان أهل الحضر ليرضوا نظام البدو، ولا أهل ~~البدو ليرضوا نظام الحضر، لقد اغتبط الناس بما أمر به عمر من رد السبي إلى عشائرهم، ومن رفع ~~الحظر عن أهل الردة؛ فليدعهم في اغتباطهم ليزدادوا تضامنا، وليدفعهم تضامنهم إلى تلبية ~~ندائه لمواجهة الموقف الحربي والتغلب على دقته، ولا ضير في أثناء ذلك أن تبقى الأمور ~~جارية مجراها في اليمن ms533 وفي غير اليمن من أرجاء شبه الجزيرة، وأن يكتفي عمر بأن يبعث إلى كل ~~إمارة منها واليا من قبله يمكن سلطان المدينة فيجبي من الناس الصدقات، ويقيم بينهم حدود ~~الله، ويفقههم في دينهم لينظموا حياتهم بموجب أحكامه، وأن يبقى لكل أمة وكل قبيلة فيما وراء ~~ذلك من الاستقلال الذاتي ما ألفته منذ أجيال، وألا تتعدى الروابط المشتركة بين هذه الإمارات ~~شئون الدولة العامة، أما وقد كان هذا شأنها فمن حقنا أن نستعير تعبير القانون الدولي في ~~عهدنا الحاضر، وأن نسمي هذه الروابط اتحادا كاتحاد الولايات الأمريكية المتحدة أو ~~الولايات السويسرية. # كانت المدينة عاصمة هذا الاتحاد، ولم يكن ظفرها ~~بالمرتدين هو وحده الذي جعل لها هذا التقدم، فلو أن الردة لم تحدث لكان طبيعيا أن ~~تكون المدينة هي العاصمة الإسلامية الأولى، وأن يكون لها التقدم على جميع الحواضر والبوادي؛ ~~فهي التي آوت رسول الله وعززته ونصرته، وقد نزل بها من القرآن أكثر مما نزل بمكة، وفيها ~~اجتمع المهاجرون والأنصار الذين استمعوا إلى رسول الله وعرفوا سنته، والذين أعزوا دين الله ~~ونصروه؛ فكانت منزل الوحي المحمدي، ومصدر التشريع الإسلامي، ومقر السابقين الأولين إلى ~~الدين الذي ضوى العرب كلهم إلى لوائه، ثم إن رسول الله قد اتخذها عاصمته، ووجه منها رسله ~~إلى الملوك والأمراء يدعوهم إلى دين الله، لا عجب وذلك شأنها أن تكون العاصمة، وأن تشد ~~إليها الأنظار من كل صوب وحدب، فلما ظفرت بعد ذلك بالمرتدين، ثبت هذا الظفر سلطانها ~~ومده على أرجاء شبه الجزيرة كلها، بذلك ظلت مركز الحكومة الإسلامية إلى أن انتقل الأمر إلى ~~دمشق في عهد معاوية بن أبي سفيان. # وكان نظام الحكم بالمدينة في عهد عمر قائما على الأساس الذي قام عليه في عهد رسول الله ~~وفي عهد أبي بكر من بعده، وكان هذا الأساس هو الشورى، استنادا إلى قوله تعالى: # وأمرهم شورى بينهم ~~، وإلى قوله تعالى مخاطبا نبيه: # وشاورهم في الأمر ~~، وقد كان رسول الله يشاور ~~أصحابه، وفي مقدمتهم أبو بكر وعمر، وكان يقول لهما: «وايم ms534 الله لو أنكما متفقان على أمر ~~واحد ما عصيتكما في مشورة أبدا.» وكان أبو هريرة يقول: «ما رأيت أحد قط كان أكثر مشاورة من ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~.» فلما استخلف أبو بكر واستفتح عهده بأن وجه أسامة بن زيد لحرب الروم، ~~استأذنه في بقاء عمر بالمدينة، ليشير عليه مع غيره من الصحابة، وكذلك فعل عمر فجعل الشورى ~~أساس حكمه. # لم تكن الشورى يومئذ نظاما أريد به الحد من سلطان الخليفة على ما يفهم الناس اليوم في ~~النظام البرلماني، ولم تكن لأصحاب الرأي الذين يشيرون على الخليفة حقوق يفرضون بها رأيهم ~~عليه؛ بل كان الخليفة مطلق السلطان مع هذه الشورى، وحسابه على الله، وعلى نفسه، وعلى الشعب ~~الذي بايعه، فإذا تجاوز الحق وعصى الله ورسوله ولم يردعه حساب ربه وحساب نفسه، كان على ~~الشعب أن يقوم اعوجاجه بحد السيف. # ولم يكن الانتخاب بالصورة التي نعرفها اليوم أساس تلك الشورى، بل كان الخليفة هو الذي ~~يختار من يستشيرهم، ثم كان يفاضل بين آرائهم، فيأخذ منها ما يشاء ويدع ما يشاء، وكان أهل ~~الرأي في عهد رسول الله هم المهاجرين والأنصار المقيمين بالمدينة، وكانوا جميعا حوله، ~~يستمعون إليه ويشيرون عليه ويسيرون معه في غزواته، فلما كان عهد أبي بكر ذهب كثيرون إلى ~~الميادين في العراق والشام، ثم بقي كبار الصحابة من قريش إلى جانبه، وكذلك كان الشأن في عهد ~~عمر؛ بقي إلى جانبه أعلام الصحابة من المهاجرين والأنصار، يمحص على ضوء آرائهم كل مسألة ~~لا يجد لها حكما في كتاب الله ولا في سنة رسوله، هؤلاء كانوا خاصة أصحاب المشورة، وكان في ~~مقدمتهم العباس بن عبد المطلب، وعبد الله بن عباس، وعلي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، وعبد ~~الرحمن بن عوف، ومن إليهم، على أن عمر كان يلجأ في كثير من الأحيان إلى الشورى العامة، ~~فكان يدعو الناس إلى المسجد بالمدينة أو يدعوهم إلى صلاة جامعة حيثما كان، فيعرض عليهم ما ~~يريد أن يستشيرهم فيه، ولمن شاء منهم أن يدلي ms535 بالرأي الذي يعن له، بل لقد كان إذا ~~أعياه الأمر المعضل دعا الأحداث فاستشارهم لحدة عقولهم، فإذا انكشف له وجه الرأي من الشورى ~~العامة فاعتزم أمرا أنفذه، وإذا استبهم عليه الرأي عاد إلى خاصته يستمع إليهم ويناقشهم حتى ~~يطمئن إلى ما يؤمن بأنه الصواب. # ولقد رأينا الكثير من مشاورات عمر العامة والخاصة ~~فيما سبق من هذا الكتاب، رأيناه يستشير الناس بعد مقتل أبي عبيد بالعراق يسألهم رأيهم ماذا ~~يصنع، قال العامة: سر وسر بنا معك، وأجمع الخاصة على أن يبعث رجلا من أصحاب رسول الله على ~~رأس الجيش إلى العراق، ويبقى هو بالمدينة يمد هذا الرجل، عند ذلك جمع الناس وقال لهم: ~~«يحق للمسلمين أن يكونوا وأمرهم شورى بينهم، وإني إنما كنت كرجل منكم حتى صرفني ذوو الرأي ~~منكم عن الخروج؛ فقد رأيت أن أقيم وأن أبعث رجلا.» # ورأيناه يسير إلى الشام، فيلقاه أمراء جنده فيذكرون له أن الأرض سقيمة، وأن فتك الطاعون ~~شديد، فيجمع الناس يستشيرهم: أيتابع طريقه إلى الشام مع الوباء، أم يعود أدراجه إلى ~~المدينة؟ فيختلف الناس: يشير قوم بالسير، ويشير آخرون بالرجوع، فينتهي إلى رأي الآخرين ~~ويرجع أدراجه بمن كان معه. # وكان يرى الشورى نظاما أساسيا واجب التطبيق في أرجاء الدولة كلها، يأمر الولاة وأمراء ~~الجند به، فيقول لأبي عبيد يوم بعثه إلى العراق: «اسمع من أصحاب رسول الله وأشركهم في ~~الأمر، ولا تجتهد مسرعا فإنها الحرب لا يصلحها إلى الرجل المكيث الذي يعرف الفرصة.» وكذلك ~~كان يفعل مع الولاة سواء منهم من ولي شئون الحرب ومن ولي غيرها. # لاحظ قوم أن أولي الرأي من قرابة رسول الله إنما كانوا فيمن يشيرون على عمر، وأنه لم يجعل ~~أحدا منهم على إمارة الجند، ولم يول منهم أحدا في بلاد العرب ولا في البلاد المفتوحة، ~~ومن أصحاب هذه الملاحظة من يذهب بهم الظن إلى أن عمر بقي في نفسه من بني هاشم شيء بعد ~~موقفهم من بيعة أبي بكر، ولا أراني أشارك أصحاب هذا الرأي في رأيهم، وتخلف ms536 بني هاشم عن بيعة ~~الصديق موضع ريبة عندي، ولو أن قصة تخلفهم صحت لما جاز أن يكون لها في نفس عمر أثر إبان ~~خلافته؛ فقد بايعوا أبا بكر جميعا من بعد، ولما أوصى أبو بكر باستخلاف عمر لم يخالفه أحد ~~من بني هاشم، بل كانوا أول من بايعه، وقد كان لهم من الحظوة في خلافته ما لم يكن لأحد من ~~المسلمين، وسنرى هذه الحظوة بارزة، عند الحديث عن تدوين الديوان وفرض العطاء، بروزا ترك في ~~حياة المسلمين وفي تقاليدهم أثرا لا يزال باقيا إلى اليوم، وكثيرا ما كان عمر يقدم قرابة ~~النبي تقديما يشهد بإكباره لهم وإعظامه إياهم، وقد رأينا استشفاعه إلى الله عام المجاعة ~~بالعباس عم رسول الله، ورأيناه يستخلف علي بن أبي طالب على المدينة حين ذهب إلى الشام لصلح ~~بيت المقدس، وما أكثر ما كان يشيد بفضل ابن عباس وعلمه وأدبه! فلما حضرت عمر الوفاة وأوصى ~~بالشورى جعل الخلافة في ستة أشخاص بينهم علي بن أبي طالب، وليس شيء من هذا بشأن رجل في نفسه ~~على بني هاشم موجدة. # فلم إذن لم يجعلهم على إمارة جند، ولم يول منهم أحدا في بلاد العرب أو في البلاد ~~المفتوحة؟! قد تأخذ منك الدهشة إذا قيل لك إنه لم يولهم إكراما لقرابتهم من رسول الله، ~~وهذا المعنى يستفاد مع ذلك من قوله يوما لابن عباس: «إني رأيت رسول الله # صلى الله عليه وسلم # استعمل ~~الناس وترككم ... والله ما أدري أصرفكم عن العمل ورفعكم عنه وأنتم أهل ذلك، أم خشي أن ~~تعاونوا لمكانكم منه فيقع العتاب عليكم، ولا بد من عتاب.» # يذهب بعضهم إلى أن هذا الكلام، إن صحت نسبته إلى عمر، إنما كان اعتذارا فيه لطف وتجمل، ~~وأنه اعتذار يخفي ما انطوى عليه عمر من حذر من بني هاشم ومن كبار الصحابة ورءوس قريش، ~~وأصحاب هذا الرأي يذهبون إلى أنه استبقى هؤلاء جميعا بالمدينة، وجعلهم من أصحاب مشورته؛ ~~لأنه خشي إن هم تفرقوا في أرجاء الدولة وتولوا السلطان فيها أغراهم ms537 ذلك بالاستئثار بما في ~~أيديهم والانتقاض على سلطان المدينة، اعتمادا على مؤازرة المناطق التي يلونها وتأييدها ~~لهم فيما يبغونه من أغراض، وأصحاب هذا الظن يذكرون أن عمر قد عزل خالد بن الوليد بدافع من ~~هذا الحذر، وأنه كان شديد الحساب لولاته في مختلف الولايات، سريعا إلى عزلهم لمجرد الريبة ~~فيهم، حتى لا تحدث أحدهم نفسه بأنه أصبح صاحب السلطان في منطقته، ولو أن هذا الظن صح لما ~~عيب به عمر ولا طعن في سياسته؛ فالحذر بعض ما يجب على من يلي أمر أمة من الأمم، وبخاصة في ~~مثل الأحوال الدقيقة التي كانت تحيط بالمسلمين في ذلك العهد، على أني لا أرى لهذا الظن ما ~~يسوغه؛ فهو لا يتفق وما عرف عن عمر من صراحة وبأس، ولا يتفق وما عرف عن المسلمين في هذا ~~العصر الأول من تضامن زاده إيمانهم الصادق بالله وبرسوله قوة وتثبيتا، هذا إلى أن المخاطر ~~التي كانت محيطة بهم كانت قمينة أن تصرفهم عن مثل هذا التفكير، وكيف يظن أحدهم في نفسه ~~القدرة على مواجهة الفرس في العراق أو الروم في الشام إلا أن تكون وراءه قوة الإسلام ~~والمسلمين مجتمعة؟ وكيف تحدث أحدهم نفسه بالاستئثار بالسلطان في فارس أو في مصر وهو بحاجة ~~في كل حين إلى مدد يأتيه من شبه الجزيرة، فإذا أبطأ عليه المدد عجز عن مواجهة الموقف الذي ~~هو فيه! وقد ظل الأمر كذلك طيلة عهد عمر؛ لأن الحرب طيلة عهده كانت سجالا متغيرة المصاير، ~~وقد رأينا عاهل الفرس قبيل مقتله يستعدي الترك والصين لمناجزة المسلمين، ورأينا الروم لا ~~ينقطع تفكيرهم في الرجعة إلى مصر واستردادها، لا مسوغ مع هذا كله للظن بأن عمر استبقى بني ~~هاشم ورءوس قريش بالمدينة حذرا منه، كما أنه لا مسوغ للظن بأنه بقي في نفسه شيء من بني ~~هاشم لما قيل من تخلفهم عن بيعة أبي بكر. # والواقع أن عمر لم ينكر على بني هاشم أن يكون لهم ما لغيرهم من حق في الخلافة، وإنما أنكر ~~عليهم أن ms538 يستأثروا بها على أنها ميراث لهم عن رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وذلك قوله لابن عباس فيما ~~تثبته بعض الروايات: «إن الناس كرهوا أن يجمعوا لكم النبوة والخلافة، وإن قريشا اختارت ~~لنفسها فأصابت.» ولهذا جعل علي بن أبي طالب في الستة الذين أوصى باستخلاف أحدهم من ~~بعده. # استبقى عمر بالمدينة بني هاشم وكبار الصحابة ورءوس ~~قريش ليشيروا عليه بما أوتوا من عقل راجح وحكمة وحنكة؛ لأن الشورى كانت أساس الحكم، وإذ ~~كان أمير المؤمنين صاحب الرأي الأخير والقول الفصل في كل أمر، فقد كان عليه لقاء ذلك كل ~~التبعة عن سياسة الدولة، بذلك اجتمعت في يده السلطات كلها، فكان المشرع في حدود كتاب الله ~~وسنة رسوله، وكان المنفذ، والقاضي، والقائد الأعلى للجيش، وقد نهض عمر بتبعات ذلك كله، ~~فخلد التاريخ اسمه وأضفى عليه هالة مضيئة بنور العظمة والجلال. # ونهوضه بهذه التبعات الجسام يثير في النفس غاية الإعجاب، ويدعو كثيرين للتساؤل عن السر في ~~قدرته هذه القدرة العجيبة، وهذا السر مع ذلك لا يخفى على من صدق القصد لمعرفته؛ فهو يرجع ~~إلى إنكار عمر نفسه، وإلى تجرده للقيام بواجبه شعورا منه بجسامة هذا الواجب، فهو لم ينظر ~~من الخلافة إلى سلطانها وظاهرها، وإنما كان كل نظره إلى القيام بأعبائها وتبعاتها؛ لذلك لم ~~يبطره سلطانها المطلق، ولم يزدهه مظهرها البراق، وقد بلغ شعوره بهذا الواجب مبلغا لا يقص ~~التاريخ في عصر من العصور نظيره، ولا أحسب تعبيرا يصور هذا الشعور خيرا من قوله هو: «كيف ~~يعنيني شأن الرعية إذا لم يمسسني ما يمسهم؟!» وقد جعله هذا الشعور يضع نفسه موضع الضعيف ~~والفقير ليشعر شعورهما، فيأخذ للضعيف حقه من القوي، ويدفع عن الفقير غائلة الفقر، وأنت تذكر ~~من أمثلة ذلك ما كان منه عام الرمادة حين قسا على نفسه، فلم يطعم طوال ذلك العام سمنا ولا ~~لحما، حتى شحب واسود لونه وخاف الناس على حياته، وقد بلغت منه خشية الزهو مبلغا يكفي بعض ~~ما ورد من الروايات عنه ليكون عجبا. روي عن ms539 أنس أنه قال: كنت مع عمر، فدخل حائطا، فسمعته ~~يقول، وبيني وبينه جدار الحائط: «عمر بن الخطاب أمير المؤمنين؟ بخ بخ! والله لتتقين الله ~~بني الخطاب أو ليعذبنك!» وقيل: إنه حمل يوما قربة على عاتقه فقيل له في ذلك، فقال: ~~«إن نفسي أعجبتني فأردت أن أذلها.» # ولم يغره اتساع رقعة المملكة في عهده بأن يجلس في إيوان غير المسجد لينظر في شئون ~~الدولة، شأنه في ذلك شأن رسول الله وأبي بكر، وكان المسجد في السنوات الأولى من عهده باقيا ~~كما كان يوم أقامه رسول الله، جدرانه اللبن وسقفه من سعف النخل، وكان في مقدور عمر أن ~~يهدمه وأن يعيد بناءه فخما كفخامته في العصور التي تلت عهده، حتى يتفق مظهر مجلسه مع عظمة ~~سلطانه، وما كان أحد ليؤاخذه لو أنه فعل؛ فقد نزل سعد بن أبي وقاص إيوان كسرى بالمدائن ~~واتخذه مقر سلطانه، فلما تحول إلى الكوفة بنى لنفسه دارا سماها الناس: «قصر سعد» ولكن عمر ~~لم يمس المسجد بتغيير في السنوات الأربع الأولى من خلافته، فلما ازداد أهل المدينة وضاق ~~المسجد بهم، أمر بالزيادة فيه مستندا إلى ما كان رسول الله يقوله: «ينبغي أن نزيد في ~~المسجد.» وكان عمر يقول: «لولا أنني سمعت رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يقول: ينبغي أن نزيد في ~~مسجدنا، ما زدت.» # وحرص عمر حين أمر بالزيادة في المسجد على أن يجعله خالصا للصلاة ولشئون الحكم، فقد كان ~~أهل المدينة يتخذون منه دار ندوتهم، ويتحدثون به في شئون تجارتهم، ويجعلون منه مكان سمرهم ~~وتفاخرهم، حتى كان يعلو فيه اللغط أحيانا وأمير المؤمنين جالس ينظر في الجسيم من مهام ~~الدولة؛ لذلك اتخذ إلى جانب المسجد بعد توسيعه مكانا سمي البطيحاء، وقال: «من أراد أن ~~يلغط أو يرفع صوتا أو ينشد شعرا فليخرج إليه.» على أن ما أحدثه عمر من الزيادة في عمارة ~~المسجد لم يتجاوز توسعة رقعته وزيادة عدد أبوابه، أما سائره فبقي كما بناه رسول الله؛ إذ ~~جعل أساس الجدر من الحجارة وما فوقه ms540 من اللبن، والعمد من الخشب، والسقف من الجريد، ومن هذا ~~المسجد البسيط بناؤه كانت تصدر أوامر عمر إلى إمارات الجند؛ فإذا كسرى يفتض عليه ~~إيوانه، وإذا قيصر يفر هاربا من الشام إلى القسطنطينية، وإذا الإسكندرية العظيمة عاصمة ~~الحضارة العالية لذلك العهد تسلم مفاتحها للمسلمين! # لم تغير سعة الفتح شيئا كذلك مما أخذ عمر به نفسه من بساطة العيش، وما دعاه إليه إيمانه ~~من ازدراء الدنيا، فقد جعل المسلمون له في أول خلافته مثلما جعلوا لأبي بكر من حق في بيت ~~المال يقيمه ويقيم عياله، فلما تدفق الفيء على المدينة لم ينل عمر منه أكثر مما كان ~~يناله رجل من المسلمين؛ ذلك أنه لم يكن يرى أن له بسبب الخلافة حقا يزيد عن حق غيره، وقد ~~سئل يوما عما يحل له من مال الله، فقال: «أنا أخبركم بما أستحل منه؛ يحل لي حلتان: ~~حلة في الشتاء وحلة في القيظ، وما أحج عليه وأعتمر من الظهر، وقوتي وقوت أهلي كقوت ~~رجل من قريش ليس بأغناهم ولا بأفقرهم، ثم أنا بعد رجل من المسلمين يصيبني ما أصابهم.» وكان ~~يقول: «إني أنزلت مال الله مني بمنزلة مال اليتيم، فإن استغنيت عففت عنه، وإن افتقرت ~~أكلت بالمعروف.» وكان تعففه عما في بيت المال يبلغ به في بعض الأحيان حد الحرج، اشتكى ~~يوما، فوصف له العسل، وفي بيت المال عكة منه، فلما كان على المنبر قال: «إن أذنتم لي ~~فيها وإلا فإنها علي حرام.» فأذنوا له ورأى المسلمون ما رأوا من شدته على نفسه، فذهبوا ~~إلى ابنته حفصة أم المؤمنين، فقالوا لها: «أبى عمر إلا شدة على نفسه وحصرا، وقد بسط الله ~~في الرزق فليبسط في هذا الفيء فيما شاء منه، وهو في حل من جماعة المسلمين.» وكأنما ~~قاربتهم حفصة في هواهم، فلما دخل عليها عمر أخبرته بالذي قالوا، فكان جوابه: «يا حفصة بنت ~~عمر، نصحت قومك وغششت أباك، إنما حق أهلي في نفسي ومالي، فأما في ديني وأمانتي ~~فلا.» # وقد روى الفخري عن عمر قصة ms541 تشهد بشدة حرصه على مساواة نفسه بسائر المسلمين أصدق الشهادة، ~~قال: «جاءت عمر بن الخطاب برود من اليمن ففرقها بين المسلمين فخرج في نصيب كل رجل برد ~~واحد ونصيب عمر كنصيب واحد منهم، قيل: واعتلى عمر المنبر وعليه البرد وقد فصله قميصا، فندب ~~الناس للجهاد، فقال له رجل: لا سمعا ولا طاعة، فقال عمر: ولم ذلك؟ قال الرجل: لأنك ~~استأثرت علينا؛ لقد خرج في نصيبك من الأبراد اليمنية برد واحد، وهو لا يكفيك ثوبا، فكيف ~~فصلته قميصا وأنت رجل طويل؟ فالتفت عمر إلى ابنه قائلا: أجبه يا عبد الله، فقال عبد الله: ~~لقد ناولته من بردي فأتم قميصه منه، قال الرجل: أما الآن فالسمع والطاعة.» # لم يبتغ عمر من الخلافة شيئا إذن لنفسه، بل كان يعد نفسه الحارس الأمين على مال ~~المسلمين، كما كان الحارس الأمين على وحدتهم وحريتهم، وقد قربه ذلك إلى الناس وحببه إليهم، ~~وزادهم محبة له أنه كان يرى الخلافة أبوة تلقي على الخليفة واجبات للمسلمين هي واجبات الأب ~~نحو أبنائه، والحنان والبر أقدس عواطف الأبوة وأسماها، وكان عمر أشد الناس حنانا على ~~المحتاجين إلى الحنان وأشدهم برا بهم؛ فقد كان يرى الحنان والبر بعض واجبات الحكم كإقامة ~~العدل والمحافظة على الأمن سواء. # خرج ليلة إلى ظاهر المدينة ومعه مولاه أسلم، فلاح لهما بيت شعر فقصداه، فإذا فيه امرأة ~~تبكي وقد جاءها المخاض، فسألها عمر عن حالها فقالت: أنا امرأة غريبة وليس عندي شيء، فعاد ~~عمر يهرول إلى بيته وقال لامرأته أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب: هل لك في أجر ساقه الله ~~إليك؟ وأخبرها الخبر، قالت: نعم! وحمل عمر على ظهره دقيقا وشحما، وحملت أم كلثوم ما يصلح ~~للولادة، ودخلت أم كلثوم على المرأة وجلس عمر يتحدث إلى زوجها وهو لا يعرفه، ووضعت المرأة ~~غلاما، فقالت أم كلثوم: يا أمير المؤمنين بشر صاحبك بغلام، فلما سمع الرجل قولها استعظم ~~صنيع عمر وأخذ يعتذر إليه، فقال له عمر: لا بأس عليك! ثم أعطاهم ما يصلحهم وانصرف. ms542 # وسمع عمر ليلة بكاء صبي فتوجه نحوه، فقال لأمه: اتقي الله تعالى، وأحسني إلى صبيك! فلما ~~كان بعد قليل سمع بكاء الطفل كرة أخرى، فعاد إلى أمه يقول لها مثل قوله الأول، فلما كان آخر ~~الليل سمع بكاء الصبي، فأتى إلى أمه فقال لها: ويحك أم سوء! ما لي أرى ابنك لا يقر منذ ~~الليلة من البكاء؟! قالت الأم: يا عبد الله إني أسكته عن الطعام فيأبى ذلك، قال عمر: ولم؟ ~~قالت: لأن عمر لا يفرض إلا للمفطوم، قال: وكم عمر ابنك هذا؟ قالت: كذا وكذا شهرا، فقال: ~~ويحك! لا تعجليه عن الفطام! فلما صلى الصبح انفتل إلى الناس وقال لهم والدمع يملأ عينيه: ~~بؤسا لعمر! كم قتل من أولاد المسلمين! ثم أمر مناديه فنادى: لا تعجلوا صبيانكم عن الفطام، ~~فإنا نفرض لكل مولود في الإسلام، وكتب بذلك إلى الآفاق. # وليس يجهل أحد قصة عمر إذ مر في أعجاز الليل بامرأة يتضاغى صبيانها حول قدر منصوبة على ~~النار، فسألها: لم يتألمون؟ فقالت: من الجوع. قال: وأي شيء على النار؟ قالت: ماء أعللهم ~~به حتى يناموا، الله بيننا وبين عمر. فهرول عمر راجعا إلى دار الدقيق فأخذ منها جراب شحم ~~وعدلا من الدقيق وعاد بهما يحملهما على ظهره ووضع من الدقيق في القدر وألقى عليه الشحم، ~~وجعل ينفخ النار تحت القدر، حتى إذا طاب الطعام ناوله الأطفال فأكلوا وشبعوا وناموا، وانصرف ~~من عند المرأة وهي لا تعرفه وهو يقول: الجوع الذي أسهرهم وأبكاهم! # حبب هذا الحنان وهذا البر حكم عمر إلى الناس، وجعلهم يرون الخليفة أبا لكل ضعيف وكل يتيم ~~وكل محروم، ثم حبب الفاروق إليهم عدل كان سليقة فيه، وحب للحرية والمساواة أيسره أنه كان ~~يساوي نفسه بالضعفاء والفقراء، كان من أول ما خطب به الناس قوله: # والله ما فيكم أحد أقوى عندي من الضعيف حتى آخذ له الحق، ولا أضعف عندي من القوي ~~حتى آخذ الحق منه. # وخطبهم يوما فقال: # إني لم أستعمل عليكم عمالا ليضربوا أبشاركم وليشتموا أعراضكم ms543 ويأخذوا أموالكم، ~~ولكني استعملتهم ليعلموكم كتاب ربكم وسنة نبيكم، فمن ظلمه عامله بمظلمة فلا إذن له ~~علي ليرفعها إلي حتى أقصه منه. # وكتب إلى أمراء الأجناد: # لا تضربوا المسلمين فتذلوهم، ولا تحرموهم فتكفروهم، ولا تجمروهم فتفتنوهم، ولا ~~تنزلوهم الغياض فتضيعوهم. # وهو إنما كتب بذلك إلى أمراء الأجناد فيما لم يكن يستطيع أن يليه بنفسه؛ فأما ما قدر على ~~مباشرته فلم يكن يكله إلى أحد غيره، وأنت تذكر كلمته أول خلافته: «والله لا يحضرني شيء من ~~أمركم فيليه أحد من دوني.» وقد بلغ من صدقه في ذلك أنه كان يلي الكبير والصغير من ~~الشئون، فكما كان ينظم شئون الجند ويولي العمال ويدبر سياسة الدولة ويقضي بين الناس بالعدل، ~~كان لا يذر صغيرة يستطيعها إلا قام بها، رآه علي بن أبي طالب يعدو إلى ظاهر المدينة، فقال ~~له: إلى أين يا أمير المؤمنين؟ قال: قد ند بعير من إبل الصدقة فأنا أطلبه، قال علي: قد ~~أتعبت الخلفاء من بعدك! وجاء عمر إلى عبد الرحمن بن عوف وهو يصلي ليلا، فقال له عبد ~~الرحمن: ما جاء بك في هذه الساعة؟ قال: رفقة نزلت في ناحية من السوق خشيت عليهم سراق ~~المدينة، فانطلق فلنحرسهم، فأتيا السوق فقعدا على نشز من الأرض يتحدثان، وبصرا بمصباح ~~فقال عمر: ألم أنه عن المصابيح بعد النوم! وانطلقا فإذا قوم على شراب لهم عرف عمر أحدهم، ~~فلما أصبح دعاه إليه وقال له: كنت وأصحابك البارحة على شراب، قال: وما أعلمك يا أمير ~~المؤمنين؟ قال عمر: شيء شهدته، وأجابه الرجل: أولم ينهك الله عن التجسس؟ فتجاوز ~~عمر عنه. # وبلغ من حرصه في آخر عهده على أن ينظر في أمور الناس بنفسه أن ود أن يتنقل في أرجاء ~~الإمبراطورية يتفقد شئونها ويرى تصرف عماله فيها، روي عنه بعد فتح مصر أنه قال: «لئن عشت ~~إن شاء الله لأسيرن في الرعية حولا كاملا، فإني أعلم أن للناس حوائج تقطع دوني؛ أما ~~عمالهم فلا يرفعونها إلي، فأما هم فلا يصلون إلي، فأسير إلى ms544 الشام فأقيم بها شهرين، ثم ~~أسير إلى البحرين فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى الكوفة فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى البصرة ~~فأقيم بها شهرين، والله لنعم الحول هذا!» لكن الأجل لم يطل به ليتم ما أراده. # كان عدل عمر ولا يزال مضرب المثل، ذلك أنه كان أشد عباد الله خشية لله ووجلا من حسابه، ~~وكان يدرك ما يقتضيه الحكم بين الناس من أناة ودقة ومحاسبة نفس فإذا أتاه الخصمان برك على ~~ركبتيه وقال: «اللهم أعني عليهما؛ فإن كل واحد منهما يريدني عن ديني.» ولم يكن به على أهله ~~في إقامة العدل رأفة، بل كان إذا أراد أن ينهى الناس عن شيء تقدم إلى أهله فقال: «لا أعلمن ~~أحدا وقع في شيء مما نهيت عنه إلا أضعفت له العقوبة.» كان عبد الرحمن ابنه بمصر، فشرب هو ~~وأبو سروعة فسكرا، فذهبا إلى عمرو بن العاص ليقيم الحد عليهما، قال عمرو: فزجرتهما ~~وطردتهما، فقال عبد الرحمن: إن لم تفعله أخبرت أبي إذا قدمت عليه، فعلمت أني إن لم أقم ~~عليهما الحد غضب علي وعزلني، فأخرجتهما إلى صحن الدار وضربتهما الحد، ودخل عبد الرحمن بن ~~عمر إلى ناحية الدار فحلق رأسه، ووالله ما كتبت لعمر بحرف مما كان حتى جاءني كتابه فإذا فيه: # من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى العاصي بن العاصي، عجبت لك يا بن العاصي ~~وجرأتك علي وخلافك عهدي، فما أراني إلا عازلك، تضرب عبد الرحمن في بيتك وتحلق ~~رأسه في بيتك، وقد عرفت أن هذا يخالفني، إنما عبد الرحمن رجل من رعيتك تصنع به ما ~~تصنعه بغيره من المسلمين، ولكن قلت: هو ولد أمير المؤمنين! وقد عرفت أن لا هوادة ~~لأحد من الناس عندي في حق يجب عليه، فإذا جاءك كتابي هذا فابعث به في عباءة على ~~قتب حتى يعرف سوء ما صنع. # فبعثت به كما قال أبوه، وكتبت إلى عمر كتابا أعتذر فيه أني ضربته في صحن داري، وبالله ~~الذي لا يحلف بأعظم منه إني لأقيم الحدود في ms545 صحن داري على الذمي والمسلم، وبعثت الكتاب مع ~~عبد الله بن عمر، فقدم بعبد الرحمن على أبيه، فدخل وعليه عباءة ولا يستطيع المشي من سوء ~~مركبه، فقال: يا عبد الرحمن فعلت وفعلت! فكلمه عبد الرحمن بن عوف وقال: يا أمير المؤمنين ~~قد أقيم عليه الحد، فلم يلتفت إليه وجعل عبد الرحمن بن عمر يصيح: إنني مريض وأنت قاتلي! ~~وتجري الرواية بأنه مع ذلك أقام عليه الحد ثانية، فضربه وحبسه فمرض ثم مات. # وكان لا يفرق في عدله بين أمير وسوقة، ولا بين وال ورعية، سقنا من قبل قصة الأمير ~~الغساني جبلة بن الأيهم، وكيف أراد عمر أن يقتص منه للأعرابي الذي ضربه. وضرب محمد بن ~~عمرو بن العاص مصريا بالسوط وهو يقول له: خذها وأنا ابن الأكرمين، وحبس ابن العاص المصري ~~مخافة أن يشكو ابنه إلى الخليفة، فلما أفلت الرجل من محبسه ذهب إلى المدينة وشكا لعمر ما ~~أصابه، فاستبقاه عنده واستقدم عمرا وابنه من مصر، ودعاهما إلى مجلس القصاص؛ فلما مثلا ~~فيه نادى عمر: أين المصري؟ دونك الدرة فاضرب بها ابن الأكرمين! وضرب المصري محمدا حتى ~~أثخنه وعمر يقول: اضرب ابن الأكرمين! فلما فرغ الرجل وأراد أن يرد الدرة إلى أمير ~~المؤمنين قال له «أحلها على صلعة عمرو ، فوالله ما ضربك ابنه إلا بفضل ~~سلطانه!» قال عمرو: يا أمير المؤمنين قد استوفيت ~~واستشفيت، وقال المصري: يا أمير المؤمنين، قد ضربت من ضربني، فقال عمر: إنك والله لو ~~ضربته ما حلنا بينك وبينه حتى تكون أنت الذي تدعه، والتفت إلى عمرو مغضبا وقال: «أيا ~~عمرو! متى تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا!» # ليس من غرضي أن أفصل ها هنا قضاء عمر، فليس هذا الفصل موضع تفصيله؛ وإنما أردت بما قدمت ~~أن أشير إلى شدته في العدل ودقته في إقامته، ومساواته بين الناس فيه مساواة عبر هو عنها ~~بقوله: «لا أبالي إذا اختصم إلي رجلان لأيهما كان الحق.» وترجع شدته على ذويه وعلى عماله ~~وذويهم إلى اقتناعه بأنه لا سبيل إلى ms546 كفالة الحرية والعزة والكرامة للأمة إلا أن يسوي العدل ~~بين الحاكم والمحكوم، والغني والفقير، والأمير والسوقة، والولاة أجسم من المحكومين تبعة؛ ~~لأن الحكم يغريهم بالبطش إذا لم يجدوا من يردعهم عنه.» وذلك قوله: «إن الناس لا يزالون ~~مستقيمين ما استقامت لهم أئمتهم وهداتهم.» وقوله: «الرعية مؤدية إلى الإمام ما أدى الإمام ~~إلى الله، فإذا رتع الإمام رتعوا.» وهو لذلك كان يرى مكان عماله منه مكان الرعية من عماله؛ ~~هو مسئول عنهم كما أن العامل مسئول عمن تولى عليهم، فإذا ظلم العمال الرعية وجب أن يقتص ~~منهم كما يقتص من أي فرد في المدينة ظلم غيره، وقد عبر عن شعوره بهذه التبعة بقوله: «أي ~~عامل ظلم أحدا فبلغتني مظلمته فلم أغيرها فأنا ظلمته.» # كملت لعمر صفات الزهد والرأفة والعدل والبر بالفقير والمحروم، فحببت إلى الناس حكمه، ~~وهونت عليهم ما كان فيه من شدة وغلظة، وما كان له من هيبة تصد عنه كثيرين، فلولاها لرفعوا ~~إليه حوائجهم فقضاها لهم، وشدته هي التي جعلته يحمل الدرة يؤدب بها من يخرجون عن ~~المألوف من أدب الجماعة، لا يفرق فيمن يصيبه بها من هؤلاء بين كبير وصغير، وزاد حمله ~~الدرة في هيبة الناس له وخوفهم منه مع إيمانهم ببره وعدله ورحمته، اجتمع علي وعثمان ~~وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص، وكان عبد الرحمن أجرأهم على ~~عمر، فقال له إخوانه: يا عبد الرحمن! لو كلمت أمير المؤمنين للناس، فإنه يأتي الرجل طالبا ~~الحاجة فتمنعه هيبته أن يكلمه حتى يرجع ولم يقض حاجته، ودخل عبد الرحمن على عمر فقال له: ~~«يا أمير المؤمنين! لن للناس؛ فإنه يقدم القادم فتمنعه هيبتك أن يكلمك في حاجته حتى ~~يرجع ولم يكلمك.» قال عمر: «يا عبد الرحمن أنشدك الله، أعلي وعثمان وطلحة والزبير ~~وسعد أمروك بهذا؟» قال ابن عوف: اللهم نعم! فأردف عمر: «يا عبد الرحمن، لقد لنت للناس ~~حتى خشيت الله في اللين، ثم اشتددت عليهم حتى خشيت الله في الشدة، فأين المخرج؟!» فخرج عبد ~~الرحمن ms547 يبكي ويقول: أف لهم من بعدك! أف لهم من بعدك! # هذه أمثلة تصور لك كيف نهض عمر بتبعات الحكم، وتكشف لك عن السر في قدرته الممتازة على ~~الاضطلاع بأعبائه الجسام على نحو لا يزال مثارا لعجب الناس وإعجابهم، كما تبين لك كيف كان ~~نظام الحكم في عهد عمر من الأسباب التي هيأت لامتداد الفتح ودفعت المسلمين إليه ورغبتهم ~~فيه، لقد كانوا يرون أمير المؤمنين خير كفيل بحقوقهم وبمن يخلفون وراءهم من عيالهم، وكانوا ~~يرونه يؤثر على نفسه وأهله، ويؤدي لكل ذي حق حقه، فلا جرم إنهم ليندفعون إلى ميادين ~~القتال وكلهم الطمأنينة إلى غدهم وإلى مصير أبنائهم وذويهم، وما ضر أحدهم أن يقتل في ~~سبيل الله وفي سبيل الإمبراطورية الإسلامية، وهو على يقين من أن بنيه سيحزون إذا ~~استشهد بخير مما يجزون إذا ظل حيا، وأنه ستنفتح له أبواب الجنة بما وهب لله نفسه ~~مجاهدا في سبيله! # يثبت المؤرخون الغربيون لعمر هذه الصفات ويشيدون بها، ثم يذهب بعضهم إلى أنها إن صورت ~~نظاما للحكم فهو النظام العربي المعروف في ذلك العهد، والذي يشبه كل الشبه نظام القبائل؛ ~~إذ يتولى أمرها أكثر رجالها قدرة على التسلط عليها بقوته في الذود عن حماها، أو بحزمه في ~~إدارة شئونها، أو بدهائه وحسن رأيه في توطيد صلاتها بغيرها من القبائل، فقد كان هذا الشيخ ~~يجمع في يديه السلطات كلها على نحو ما كان يجمعها عمر في يديه، وكان يتخذ من العرف المألوف ~~شرعته، يقضي على أساسه بالقصاص أو بالدية بين رجال قبيلته، ويقضي بأيهما إذا رفع له ~~الأمر مجني عليه أو ولي دم من قبيلة أخرى يطلب الحق ممن اعتدى عليه أو على من كان هو ~~ولي دمه، من قبيلة هذا الشيخ، وهؤلاء المؤرخون يذكرون أن القرآن نظم هذا العرف المألوف ~~عند العرب وهذبه، ولكنه لم يخرج بالعرب على نظامهم الذي جروا عليه من قبل، فحكومة عمر ~~وحكومة أبي بكر من قبله إنما قامتا على أساس من هذا النظام العربي لم تتعديا قواعده، فكانتا ms548 ~~أدنى إلى نظام البداوة منهما إلى نظام الحضر الذي عرفه الفرس والروم في ذلك الزمان. # ولا ريب أن حكومة أبي بكر كانت عربية صرفة، لم تتأثر في قليل ولا كثير بنظم الروم ولا ~~بنظم الفرس، وكانت لذلك بسيطة بساطة النظام البدوي المعروف يومئذ في كثير من أرجاء شبه ~~الجزيرة، لكنها مع هذه البساطة كانت الحلقة القوية التي ربطت بين عهد الرسالة وعهد ~~الإمبراطورية، وكانت الطور الطبيعي لنظام بدأ يتغير في عهد الرسول، فقد كانت يثرب يوم ~~نزلها رسول الله تتألف كغيرها من بلاد العرب من قبائل لا تعترف أيتها بسلطان لغيرها عليها، ~~وكانت الحرب لذلك تقوم بين الأوس والخزرج تارة، وبين العرب واليهود من أهل يثرب تارة أخرى، ~~ثم لا تجمع كلمه هؤلاء وأولئك إلا إذا دهمهم خطر من الخارج، فلما استقر رسول الله بالمدينة ~~وآخى فيها بين المهاجرين والأنصار، ثم أجلى اليهود عنها، زال ما كان بين قبائلها وبطونها من ~~فوارق، فاجتمعت كلمتها وأصبحت وحدة مدنية شريعتها القرآن، وولي أمرها رسول الله، وقد كان ~~هذا تطورا في نظام الحكم لم يألفه أهل الحجاز، لكنه لم يلبث بعد فتح مكة أن انتقل من ~~المدينة إلى أم القرى ثم انتقل منهما إلى الطائف بعد غزاة حنين. # ولما أرسلت المدن والقبائل وفودها إلى المدينة قبل عام من وفاة رسول الله # صلى الله عليه وسلم # تعلن ~~إسلامها بين يديه، فبعث إليها رجالا من أصحابه يفقهون الناس في دينهم ويقبضون منهم ~~الصدقات، كان هؤلاء الرجال طليعة الانتقال الذي تطورت إليه العرب رويدا رويدا، فلما كانت ~~الردة أبلى هؤلاء الرجال كما أبلى غيرهم في القضاء عليها أحسن البلاء، فجعلوا للمدينة ~~بذلك من حق الفتح ما لم يستطع أحد من العرب إنكاره، وزاد ذلك في سلطان العمال والولاة الذين ~~عينهم أبو بكر، فلم يبق هذا السلطان مقصورا على تفقيه الناس في دينهم وتسلم الصدقات ~~منهم، بل صار لهم في البلاد التي تولوا أمرها ما لشيخ القبيلة أو أمير المدينة من حق؛ ~~فاجتمع في أيديهم سلطان التنفيذ ms549 والقضاء وإمارات الجند، مع مسئوليتهم الكاملة أمام الخليفة ~~عن تصرفاتهم في ذلك كله. # 1 # آل الأمر إلى عمر بعد أن صدقت عودة العرب كلهم إلى إسلامهم؛ فلم يبق مسوغ للحذر منهم ~~والخوف من انتقاضهم، وكيف يخشاهم عمال الخليفة وقد سار أبطالهم من كل القبائل إلى ميادين ~~الجهاد في سبيل الله يقاتلون ويقتلون! لذا رأى عمر أن يزيد وحدتهم متانة، فأمر عماله عليهم ~~أن يكونوا على مثاله حزما وعدلا وبرا ورحمة، وأن يسووا بين العرب في المعاملة على ~~اختلاف منازلهم من شبه الجزيرة. # ولهذا الغرض أصدر وصاياه لعماله بما قدمنا، فهو لم يكن يبعثهم إلى العرب ليذلوهم، بل ~~ليقيموا بينهم حدود الله بالعدل والقسط، وذلك قوله لهم: «اجعلوا الناس عندكم سواء، قريبهم ~~كبعيدهم، وبعيدهم كقريبهم، إياكم والرشا والحكم بالهوى، وأن تأخذوا الناس عند الغضب! ~~فقوموا بالحق ولو ساعة من النهار.» ولقد كان يرى نفسه مسئولا أمام ضميره وأمام الله عن ~~إقامة هذا العدل في كل مكان، فإذا ظلم عامله في أقصى الأرض رجلا فكأنما هو الذي ظلمه، قال ~~يوما لمن حوله: «أرأيتم إذا استعملت عليكم خير من أعلم ثم أمرته بالعدل، أكنت قضيت الذي ~~علي؟» قالوا: نعم! قال: «لا! حتى أنظر في عمله، أعمل بما أمرته به أم لا.» وكان لذلك ~~شديد الحساب لهؤلاء العمال شدة رأينا مظاهرها في عزل خالد بن الوليد، ومقاسمة عمرو بن ~~العاص، والروايات تثبت من هذه الشدة في المحاسبة قصصا لا يكاد الإنسان يصدقها، قيل: إن أبا ~~عبيدة كان يوسع بالشام على عياله، فلما بلغ عمر ذلك نقصه من عطائه حتى شحب لونه ~~وتغيرت ثيابه وساء حاله، فلما عرف عمر ما صار إليه أمره قال: «يرحم الله أبا عبيدة! ما ~~أعف وأصبر!» ورد عليه ما كان حبسه عنه، وبلغ من شدة عمر في محاسبة عماله أن كان يعزل ~~أحدهم أحيانا لشبهة لا يقطع بها دليل، وقد يعزل لريبة لا تبلغ حد الشبهة، ولقد سئل في ~~ذلك يوما فقال: «هان شيء أصلح به قوما أن أبدلهم أميرا ms550 مكان أمير.» # وقد رأيناه غير مرة عزل عمالا عن عملهم لغير ريبة فيهم، بل التماسا لمصلحة يراها في ~~عزلهم، من ذلك أنه عزل سعد بن أبي وقاص عن إمارة الكوفة لغير شيء إلا أن طائفة من أهل ~~هذه المدينة ثاروا به وقالوا لعمر: إنه لا يقسم بالسوية ولا يعدل في الرعية، ولا يغزو في ~~السرية، وقد بعث عمر محمد بن مسلمة إلى الكوفة، فرأى الناس جميعا راضين عن سعد مع ذلك ~~عزله خوف الفتنة؛ لأن جيوش الفرس كانت تتجمع للغزو والثأر. # وكان عمر يجمع عماله بمكة في موسم الحج من كل عام، يسألهم عن أعمالهم، ويسأل الناس ~~عنهم، ليرى مبلغ دقتهم في الاضطلاع بواجبهم وتنزههم حين أدائه عن الإفادة لأنفسهم أو ~~لذويهم؛ فقد كانت النزاهة مقدمة عنده على كل شيء، ولذلك كان يحصي أموال الولاة قبل ولايتهم، ~~فإذا زادت بعدها زيادة تضع نزاهتهم موضع الشبهة، قاسمهم مالهم، وقد يستولي على كل زيادة ~~فيه، ثم يقول لهم: نحن إنما بعثناكم ولاة ولم نبعثكم تجارا. # على أن هذه الشدة في محاسبة الولاة لم يكن يقصد منها إلى إضعاف سلطتهم أو تهوين هيبتهم؛ ~~فقد كانت أيديهم مطلقة، وأحكامهم نافذة، وسلطانهم مساويا لسلطان عمر ما عزموا العدل ~~ولزموه، فإذا اعتدى عليهم مع ذلك معتد ، أو استهان بأمرهم مستهين عوقب أشد العقاب، حصب أهل ~~العراق إمامهم استهانة بأمره، وكانوا قد حصبوا إماما قبله؛ فغضب عمر وقال لأهل الشام: ~~«تجهزوا لأهل العراق فإن الشيطان قد باض فيهم وفرخ.» ثم إنه كان يسمع لحجة عامله، فإذا ~~أقنعته لم يخف اقتناعه بها وثناءه على عامله بعدها، قدم الشام راكبا حمارا، فتلقاه ~~معاوية بن أبي سفيان في موكب عظيم؛ ونزل معاوية وسلم على عمر بالخلافة، فمضى في سبيله ولم ~~يرد عليه سلامه، فقال له عبد الرحمن بن عوف: أتعبت الرجل يا أمير المؤمنين، فلو كلمته! ~~فالتفت عمر إلى معاوية وسأله: إنك لصاحب الموكب الذي أرى؟ قال معاوية: نعم! قال عمر: مع شدة ~~احتجابك ووقوفك ذوي الحاجات ببابك؟! قال معاوية: ms551 نعم، قال: ولم! ويحك! وأجابه معاوية: ~~«لأننا ببلاد كثر فيها جواسيس العدو؛ فإن لم نتخذ العدة والعدد استخف بنا وهجم علينا، ~~وأما الحجاب فإننا نخاف من البذلة جرأة الرعية، وأنا بعد عاملك، فإن استنقصتني نقصت وإن ~~استزدتني زدت، وإن استوقفتني وقفت.» قال عمر بعد أن سكت هنيهة: «ما سألتك عن شيء إلا خرجت ~~منه! إن كنت صادقا فإنه رأي لبيب، وإن كنت كاذبا فإنها خدعة أريب، لا آمرك ولا ~~أنهاك!» # وكان عمر يشتد اغتباطه حين يرى عماله يتجردون لخير الرعية، ويثني عليهم لذلك أعظم الثناء. ~~ولى عمير بن سعد على حمص ثم كتب إليه: «أقبل بما جبيت من فيء المسلمين.» فلما أقبل ~~سأله عما صنع فقال: «بعثتني حتى أتيت البلد، فجمعت صلحاء أهلها فوليتهم فيئهم، حتى إذا ~~جمعوه وضعته مواضعه، ولو نالك منه شيء لأتيتك به.» قال عمر: «فما جئتنا بشيء.» فلما أكد له ~~أن أنفق كل شيء على أهل حمص قال: «جددوا لعمير عهدا.» # وعمير هذا هو الذي قال وهو على منبر حمص: «لا يزال الإسلام منيعا ما اشتد السلطان، وليست ~~شدة السلطان قتلا بالسيف أو ضربا بالسوط، ولكن قضاء بالحق وأخذا بالعدل.» ليس عجبا وهذه ~~الكلمة الحكيمة سنته أن يقول عمر فيه: «وددت لو أن لي رجلا مثل عمير بن سعد أستعين به ~~على أعمال المسلمين.» # كان هؤلاء العمال يلون في أول عهد عمر ما يليه هو بالمدينة؛ فيجمعون بين سلطان القضاء ~~والتنفيذ وإمارة الجند، على أن عمر ألفى نفسه بعد قليل من ولايته قد شغلته شئون الدولة ~~العامة وسياستها العليا عما كان قد عول يوم بويع على أن يضطلع هو به، كانت أنباء جنده ~~بالعراق والشام تستغرق الكثير من وقته وانتباهه، وكانت تصرفات عماله في أرجاء الدولة ~~المختلفة موضع عنايته وتفكيره، ثم إن مصالح الناس بالمدينة كانت تزداد تشابكا وتعقدا ~~بازدياد عدد ساكنيها، وكثرة المال الذي يرد عليها، وكان تقدم الفتح، وما يقتضيه من تنظيم ~~لشئون البلاد التي تم الاستيلاء عليها، يدعوه أن يكتب إلى أمراء جنده ms552 بما يعن له من آراء ~~في هذا التنظيم؛ لذلك لم يكن بد من أن يولي أعوانا له يقضون مصالح الأفراد فيما لا تتأثر ~~به مصلحة الدولة. # وكان أول ما صنعه من ذلك أن فصل قضاء المدينة عن سلطته، وأقام أبا الدرداء عليه، وجعل له ~~اسم القاضي، وناط به الحكم بين الناس فيما يرفعون إليه من خصوماتهم، فلما تم تمصير الكوفة ~~والبصرة وأقام العرب فيهما وكثرت المنازعات بين أفرادهما، جعل قضاء الكوفة لشريح، ~~وقضاء البصرة لأبي موسى الأشعري، ولما فتحت مصر جعل القضاء بين المسلمين فيها إلى قيس بن ~~أبي العاص السهمي، وكان هؤلاء القضاة يحكمون مستقلين برأيهم في حدود كتاب الله وسنة رسوله، ~~فكانت توليتهم أول خطوة في تنظيم السلطات وفصل بعضها عن بعض، على أنها كانت خطوة أدت إليها ~~الحاجة وقضت بها ضرورات التطور في أحوال الدولة، وبقيت كذلك فلم تصبح مبدأ مقررا يطبق في ~~أرجاء المملكة كلها إلا بعد زمن طويل من عهد الفاروق. # وكان اختيار عمر لقضاته موفقا كاختياره عماله، بل لعله كان أكثر توفيقا، ذلك لأنه كان ~~عالما بالفقه والتشريع ضليعا فيهما، لا يكاد يعدله أحد في ذلك حتى لقد قال عنه ابن ~~مسعود: «لو وضع علم عمر في كفة وعلم أحياء العرب في كفة لرجح علم عمر.» ولم يكن ذلك ~~عجبا وقد كان عمر يتولى قبل إسلامه مهمة السفارة بين قريش وغيرها من القبائل، فلما أسلم ~~لزم رسول الله وجعل يتلقى عنه كل ما يوحيه الله إليه، ويقف على سنته وعلى قضائه، هذا إلى ما ~~كان له من فراسة صادقة في الرجال ومقدرة على زنة أقدارهم ببعض ما يراه من تصرفاتهم، وقصة ~~توليته شريحا قضاء الكوفة خير شهيد على ذلك، فقد ساوم عمر رجلا على فرس ثم ركبه ~~ليجربه فعطب، فأراد أن يرده إلى صاحبه فأبى، فقال له: اجعل بيني وبينك حكما، ~~قال الرجل: شريح العراقي، فتحاكما إليه، فقال شريح بعد أن سمع حجة كل منهما: يا ~~أمير المؤمنين، خذ ما ابتعت، أو رد كما ms553 أخذت! قال عمر! وهل القضاء إلا هكذا! وأقام ~~شريحا على قضاء الكوفة، فبقي عليه ستين سنة. # ولا تزال كتب عمر وأقواله تشهد بسعة علمه في القضاء وأصوله وأحكامه. وكتابه إلى أبي موسى ~~الأشعري قطعة من أدب القضاء خالدة على الزمان، فهو يقول فيه: # بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله أمير المؤمنين إلى عبد الله بن قيس، سلام ~~عليك! أما بعد، فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة، فافهم إذا ~~أدلي إليك وأنفذ إذا تبين لك، فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له، ~~وآس بين الناس في وجهك وعدلك ومجلسك، حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ~~ضعيف من عدلك، البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر، والصلح جائز بين ~~المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا، ولا يمنعنك قضاء قضيته ~~بالأمس فراجعت اليوم فيه عقلك وهديت فيه إلى رشدك، أن ترجع إلى الحق، فإن ~~الحق قديم، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل، الفهم الفهم فيما ~~تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب ولا سنة، ثم اعرف الأشباه والأمثال ~~وقس الأمور عند ذلك بنظائرها؛ واعمد إلى أقربها إلى الله وأشبهها بالحق، واجعل ~~لمن ادعى حقا غائبا أو بينة أمدا ينتهي إليه، فإن أحضر بينة أخذت له ~~بحقه وإلا وجهت القضاء عليه؛ فإنه أنفى للشك وأجلى للعمى، المسلمون عدول بعضهم ~~على بعض، إلا مجلودا في حد، أو مجربا عليه شهادة زور، أو ظنينا في ولاء ~~أو نسب؛ فإن الله سبحانه تولى منكم السرائر ودرأ بالبينات والأيمان، وإياكم ~~والقلق والضجر والتأذي بالخصوم والتنكر عند الخصومات، فإن الحق في ~~مواطن الحق يعظم الله به الأجر ويحسن به الذكر، فمن صحت نيته وأقبل على ~~نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تخلق للناس بما يعلم الله أنه ليس من ~~نفسه شانه الله، فما ظنك بثواب الله في عاجل رزقه، وخزائن رحمته! ~~والسلام. # أرأيت إلى المبادئ التي قررها عمر في هذا الكتاب! أليست هي هي المبادئ، التي يجري القضاء ~~عليها ms554 اليوم في أكثر الأمم حضارة؟! بل أليست هي المبادئ الثابتة التي لم تتغير بتغير الزمان ~~والتي تتناولها كتب الفقه والتشريع بالتعليق والشرح في عشرات الصحف ومئاتها! أوليس ما ذكره ~~عمر، عن أدب القاضي وما يجب عليه أن يلزمه في معاملة الخصوم، بالغا غاية السمو! ولا عجب أن ~~يصدر ذلك عن عمر وقد كان أبو بكر يعهد إليه في بعض شئون القضاء، وقد تولى هو القضاء بنفسه ~~في العهد الأول من خلافته، ثم لا عجب وقد كان فقيها رصين العلم في الفقه؛ يأخذ في قضائه ~~بخير ما يعرف في المسألة المعروضة عليه، فإذا استبهم عليه أمر استشار واجتهد رأيه، فكان ~~اجتهاده موفقا بل كان حجة يأخذ بها من بعده مطمئنا إليها واثقا بها. # وهل غير القاضي النزيه العادل يقول ما قاله في بعض وصاياه لمن يلون القضاء: # إذا تقدم إليك الخصمان فعليك بالبينة العادلة أو باليمين القاطعة، وأدن ~~الضعيف حتى يشتد قلبه وينبسط لسانه، وتعهد الغريب فإنك إن لم تتعهده ترك حقه ~~ورجع إلى أهله وإنما ضيع حقه من لم يرفق به! # كانت إقامة القضاة خطوة أدت إليها الحاجة وقضت بها ضرورات التطور في أحوال الدولة، ولم ~~تكن تنظيما عاما أريد به تطبيق مبدأ لذاته؛ فقد بقي الفصل في الخصومات متروكا أمره ~~للولاة الذين لم ترهقهم أعباء الولاية ولم تمنعهم من القيام به، وهؤلاء لم يعين عمر قضاة ~~إلى جانبهم، بل ترك السلطات كلها مجموعة في أيديهم، لكن هذه الخطوة الأولى لم تلبث بعد ~~سنوات أن أصبحت نظاما من نظم الدولة، فانفصل القضاء عن السلطة التنفيذية، وصارت للقضاة ~~مكانتهم الخاصة، وأحيط مركز القاضي بكل ما يجب له من التجلة والاحترام. # عين عمر القضاة حين شغلته شئون الدولة العامة عن الفصل في خصومات الأفراد، فكان تعيينهم ~~خطوة جديدة في تنظيم الحكم، وثم سبب آخر أدى إلى هذه الخطوة؛ فقد كثر الذين ينزلون ~~المدينة ويتخذونها سكنا بعد أن أصبحت عاصمة الدولة، وبعد أن عظم رخاؤها لكثرة ما كان ~~يرسل إليها ويقسم بين أهلها ms555 من الفيء، وأنت تذكر فيء المدائن وجلولاء وغيرهما من ~~مدائن العراق، وفيء دمشق وحمص وغيرهما من مدن الشام، والرخاء وكثرة السكان يغريان الناس ~~بالخصومة ويزيدان في أعباء القاضي، فلم يكن بد، وقد استغنى الناس وكثروا، من أن يفرغ ~~لخصوماتهم من يفصل فيها فلا تشغل أمير المؤمنين عما هو أجسم منها خطرا وأجل مكانا، وكان ~~الأمر كذلك بخاصة أن كانت الأموال التي تجبى إلى المدينة مطردة الزيادة باطراد الفتح ~~وسعة رقعته، بل لقد بدأت هذه الأموال تشغل أمير المؤمنين نفسه، وتقتضيه أن يضع لها نظاما ~~خاصا بها، فيكون وضعه طورا جديدا من أطوار الحكم، ومن أطوار الحياة الاجتماعية في بلاد ~~العرب. # شغل عمر بكثرة الأموال التي كان عماله يبعثون بها، ورأى أن لا بد من وضع نظام لإحصائها ~~وتوزيعها، ولم تكن هذه الأموال ما يؤديه المسلمون في شبه الجزيرة من الزكاة والصدقات، فتلك ~~كانت توزع على الذين نزل فيهم قوله تعالى: # إنما الصدقات ~~للفقراء والمساكين والعاملين عليها # إلى آخر الآية، وكان ~~الكثير من هذه الصدقات لا يرسل إلى المدينة، بل يوزع على الفقراء والمساكين من أهل القبائل ~~والأمم التي تؤديها، فأما ما كان يرسل منها إلى المدينة، ومعظمه من الإبل والماشية، ثم ~~يفيض بعد التوزيع عن حاجة من ورد ذكرهم في آية الصدقات، فكان يوسم بميسم خاص ويوضع على ~~مقربة من المدينة بمكان أطلق عليه اسم الحمى، فإذا غزا المسلمون أعانوا بهذه الإبل ~~والأموال من لا يجد دابة تحمله أو سلاحا يقاتل به، وعالوا فقراء المسلمين بما بقي ~~منها. # فأما ما كان المسلمون يغنمونه في غزوات رسول الله من الفيء، فكان هو يوزعه بعد المعركة ~~ولا يبقي منه شيئا، وقد سار أبو بكر سيرته وصنع صنعيه؛ فكان ما يرد من فيء العراق يوزع ~~بين أهل المدينة، ولا يبقى منه شيء وجرى الأمر على ذلك في العهد الأول من خلافة عمر، لكن ~~اتساع رقعة الفتح زاد في أموال الفيء، كما فتح موردا آخر أغزر مادة وأبقى؛ ذلك مورد ~~الخراج والجزية، فقد صالح ms556 المسلمون أهل البلاد التي استولوا عليها، في العراق وفارس وفي ~~الشام ومصر، على أن يدفعوا جزية كان متوسطها على كل رأس دينارين، وذلك فضلا عن الخراج الذي ~~كان الزراع يدفعونه عن أرضهم؛ فينفق جانب منه على مرافقهم وعلى تنظيم الحكم فيهم، ويرسل ما ~~بقي منه بعد ذلك إلى المدينة، وقد بلغت غزارة هذا المورد، قبل أن يتم فتح فارس وقبل أن يبدأ ~~غزو مصر مبلغا حمل الخليفة على التفكير في إقامة نظام مالي للدولة الناشئة. # أورد المؤرخون روايات عدة في السبب الذي أدى بعمر إلى هذا التفكير، قيل: إن أبا هريرة قدم ~~من البحرين، فسأله عمر عن الناس ثم قال: ماذا جئت به؟ قال أبو هريرة: جئت بخمسمائة ألف ~~درهم، فدهش عمر وقال: هل تدري ماذا تقول؟ فأعاد أبو هريرة أنه جاء بخمسمائة ألف درهم، وظن ~~عمر أن الرجل يبالغ فكرر عليه السؤال فلما سمع الجواب الأول قال له: إنك ناعس، فارجع إلى ~~أهلك فنم، فإذا أصبحت فأتني فلما غدا عليه أبو هريرة وأكد له أنه جاء بخمسمائة ألف درهم، ~~قال عمر للناس: إنه قدم علينا مال كثير، فإن شئتم أن نعده لكم عدا، وإن شئتم أن نكيله لكم ~~كيلا، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين إني قد رأيت هؤلاء الأعاجم يدونون ديوانا يعطون ~~الناس عليه، فدون عمر الديوان. # وقيل: إن عمر استشار الناس في تدوين الديوان، فقال له علي بن أبي طالب: «تقسم كل سنة ما ~~اجتمع إليك من مال، ولا تبقي منه شيئا.» وقال عثمان بن عفان: «أرى مالا كثيرا يسع ~~الناس؛ وإن لم يحصوا حتى تعرف من أخذ ممن لم يأخذ، خشيت أن ينتشر الأمر.» فقال له ~~الوليد بن هشام بن المغيرة: «يا أمير المؤمنين! قد جئت الشام فرأيت ملوكها قد دونوا ~~ديوانا وجندوا جنودا، فدون ديوانا وجند جنودا.» فأخذ بقوله، فدعا عقيل بن أبي ~~طالب ومخرمة بن نوفل وجبير بن مطعم، وكانوا من نساب قريش، فقال لهم: «اكتبوا ~~الناس على منازلهم.» # وفي رواية أن عمر استشار ms557 المهاجرين والأنصار في تدوين الديوان وفرض العطاء، فأشاروا عليه ~~به، ثم استشار مسلمة الفتح فوافقوا عليه إلا حكيم بن حزام، وكان من أشراف مكة وذوي ~~الرأي فيها، فقد قال: «يا أمير المؤمنين، إن قريشا أهل تجارة ومتى فرضت لهم عطاء تركوا ~~تجارتهم، فيأتي بعدك من يحبس عنهم العطاء فتكون التجارة قد خرجت من أيديهم.» وكأنما كان ~~حكيم قد تفتحت له حجب الغيب وهو يلقي بهذا القول! فقد أغرى العطاء العرب بالكسل وأغناهم عن ~~السعي للرزق، فلما تبدلت الأحوال ووقف اندفاع الفتح واشترك غير العرب فيه، وذلك بعد أن ~~انتقلت العاصمة من المدينة إلى دمشق ثم إلى بغداد، انقبض العطاء الذي كان مفروضا لأهل شبه ~~الجزيرة فلم يطق الجيل الذي نشأ في البطالة أن يعود إلى التجارة والسعي للرزق، فأمحل ~~الحجاز وظل ممحلا إلى وقتنا الحاضر. # كيف غابت هذه النتيجة عن عمر فلم يحسب لها حسابها ولم يتخذ الحيطة لاتقائها، وبخاصة أنه ~~نبه لها ولفت إلى آثارها؟ هذا اعتراض يبدو ظاهر الوجاهة بعد الذي انحدرت إليه شبه ~~الجزيرة من فقر وإمحال، وكأنما كان عمر يتوسمه ويتوقعه، فهو كثيرا ما كان ينبه الناس ~~إلى وجوب الدأب في السعي والاستكثار من الرزق، كما أنه كان شديد البرم بأولئك الذين ~~يظهرون الإعراض عن الدنيا تعبدا وزهادة، رأى رجلا يوما يظهر النسك والتماوت، ~~فخفقه بالدرة وقال له: «لا تمت علينا ديننا، أماتك الله!» وكان يقول للناس: ~~«من كان له مال فليصلحه، ومن كانت له أرض فليعمرها، وإنه يوشك أن يجيء من لا ~~يعطي إلا من أحب.» وكان يؤمن بأن على المرء أن يعمل لدنياه كأنه يعيش أبدا، وأن ~~يعمل لآخرته كأنه يموت غدا. # وإنما دون عمر الديوان وفرض العطاء ليفرغ العرب للجهاد في سبيل الله كيما يصبح ميدان ~~الدعوة إلى دين الله حرا طليقا، لا يتحكم فيه الفرس والروم ولا غير الفرس والروم، ولهذا ~~الغرض حرم في عهده قسمة الأرض في البلاد المفتوحة على الجند، حتى لا يشغلوا بالزراعة عن ~~الجهاد، وحتى لا تجذبهم الأرض ms558 إليها فتنسيهم الرسالة الكبرى التي ألقى القدر على العرب أن ~~ينهضوا بها، فينشروا نور الله وحكمته في أقطار العالم جميعا، وقد أعان تدوين الديوان وفرض ~~العطاء أولئك العرب الأولين على أداء الرسالة التي ألقت الأقدار عليهم أداءها كما رأيت، ~~وأداؤهم لها هو الذي خلد على التاريخ أسماءهم، ودون في صحفه فعالهم. # وهذا الحرص من عمر على أن ينهض العرب لينشروا لواء الإسلام، هو الذي صرفه عن توجيه أموال ~~الخراج والجزية لإصلاح الأرض في شبه الجزيرة، بإقامة سدود كسد مأرب تحيل باديتها الممحلة ~~مزارع ممرعة الخصب، فلو أنه فعل لقعد العرب عن الجهاد إلى ما هو أيسر مشقة وأقل تعريضا ~~للخطر، ولما أدوا رسالة الإسلام على النحو الذي أدوها به، هذا إلى أن العرب لم يكونوا أهل ~~زراعة وصناعة مثلما كانوا أهل حرب وتجارة، ولذلك كان فرض العطاء قمينا أن يدفعهم إلى ~~تثميره في الناحية التي توجههم طبيعتهم إليها، ولعلهم فعلوا أو كانوا يفعلون لولا أن قامت ~~الثورات في بلاد العرب من بعد عمر، فصرفت الناس إلى المنازعات على السياسة والملك، وقد أدت ~~هذه المنازعات إلى انتقال العاصمة إلى الشام ثم إلى العراق، كما أدت ببلاد العرب إلى الفقر ~~والإمحال الذي تعانيه من ذلك العهد. # ونعود الآن إلى تدوين الديوان وفرض العطاء، والديوان كلمة فارسية معربة، معناها مجتمع ~~الصحف، يكتب فيها رجال الجيش ومن فرض لهم العطاء، وقد تطور مدلول هذه الكلمة من بعد، فصارت ~~تطلق على الموضع الذي تحفظ فيه سجلات الدولة، ثم صارت تطلق على الأمكنة التي يجلس فيها ~~القائمون على هذه السجلات، كما تطلق على السجلات نفسها، وبديهي أنها لم تتعد في عهد عمر ~~معناها الأول، فكان الديوان سجلا أحصي فيه من فرض لهم العطاء من رجال الجيش ومن ~~غيرهم، وذكر فيه أمام كل اسم عطاء صاحبه. # عزم عمر على تدوين الديوان، فدعا عقيل بن أبي طالب ومخرمة بن نوفل ~~وجبير بن مطعم، وقال لهم: «اكتبوا الناس على منازلهم.» فكتبوهم مبتدئين ببني هاشم، ~~ثم بني تيم قبيلة أبي ms559 بكر، فبني عدي قبيلة عمر، فلما رأى عمر ما صنعوا قال: «وددت والله لو ~~أنه هكذا، ولكن ابدءوا بقرابة النبي # صلى الله عليه وسلم # الأقرب فالأقرب حتى تضعوا عمر حيث وضعه الله.» ~~روي أن بني عدي عرفوا ما صنع فجاءوا إليه وقالوا له: أنت خليفة رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~؛ # 2 # فلو جعلت نفسك حيث جعلك هؤلاء القوم! فنظر إليهم شزرا وأجابهم: «بخ بخ ~~بني عدي! أردتم الأكل على ظهري وأن أذهب حسناتي لكم! لا والله حتى تأتيكم الدعوة، وإن أطبق ~~عليكم الدفتر (يعني أن تكتبوا آخر الناس)، إن لي صاحبين سلكا طريقا، فإن خالفتهما خولف ~~بي، والله ما أدركنا الفضل في الدنيا ولا نرجو ما نرجو في الآخرة من ثواب الله على ما عملنا ~~إلا بمحمد # صلى الله عليه وسلم ~~؛ فهو شرفنا وقومه أشرف العرب، ثم الأقرب فالأقرب.» # هذه نزعة جديدة أريد بها تقسيم الناس طوائف بعضها فوق بعض درجات، وهي نزعة لم ينزعها أبو ~~بكر، ولم ينزعها عمر نفسه في أول عهده، فالقرآن لم يفضل طبقة من المسلمين على طبقة، ولم يزد ~~جماعة في الرزق لنسبهم على نحو ما فعل عمر في الديوان، ولم يجعل الناس طبقات يمتاز بعضهم ~~على بعض بالنسب، ويكرم بعضهم عند الله على بعض بغير التقوى، وذلك قول عمر نفسه: «والله لئن ~~جاءت الأعاجم بالأعمال وجئنا بغير عمل فهم أولى بمحمد منا يوم القيامة، فلا ينظر رجل إلى ~~القرابة وليعمل لما عند الله، فمن قصر به عمله لم يسرع به نسبه.» على أن هذا ~~المنزع الجديد الذي نزعه عمر، لم يقف عند ترتيب الأسماء في السجل والبدء بالأقرب فالأقرب من ~~رسول الله، بل تعدى ذلك إلى فرض العطاء؛ فأنشأ طوائف ما كان لأيها أن تبقى، وقد ترك هذا ~~المنزع في الحياة الإسلامية أثرا لا يزال باقيا إلى اليوم. # فضل عمر بعض المسلمين على بعض في العطاء، فخالف في ذلك أبا بكر؛ إذ كان يسوي بينهم في ~~القسمة، وقد قيل للصديق يوما: ألا تفضل ms560 السابقين إلى الإسلام؟ فكان جوابه: «إنما أسلموا ~~لله وعليه أجرهم، يوفيهم ذلك يوم القيامة، وإنما هذه الدنيا بلاغ.» وذكر صنيع الصديق لعمر ~~حين أراد تفضيل السابقين فقال: «لا أجعل من قاتل رسول الله كمن قاتل معه.» ولذا فضل أهل بدر ~~على غيرهم، ثم جعل من بعدهم درجات، على أنه فضل الأدنين من قرابة رسول الله، لم ينظر في ~~ذلك إلى جهاد ولا إلى سابقة في الإسلام؛ ففرض للعباس بن عبد المطلب عم النبي اثني عشر ألف ~~درهم، ولصفية ابنة عبد المطلب أخته ستة آلاف درهم، وفرض لكل واحدة من نساء النبي عشرة آلاف ~~درهم إلا من جرى عليها الملك؛ لكنهن قلن: ما كان رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يفضلنا عليهن في ~~القسمة، فسو بيننا، ففعل، مع هذا فضل عائشة بألفين لمحبة رسول الله إياها، ففرض لها اثني ~~عشر ألفا، فلم تأخذ ما فضلها به على غيرها من أمهات المؤمنين. # 3 # ثم إنه فرض لكل رجل شهد بدرا خمسة آلاف درهم في كل سنة، وفرض لكل من كان له إسلام كإسلام ~~أهل بدر من مهاجرة الحبشة ومن شهد أحدا أربعة آلاف درهم في كل سنة، وفرض لأبناء البدريين ~~ألفين ألفين إلا حسنا وحسينا فإنه ألحقهما بفريضة أبيهما لقرابتهما من رسول الله، ففرض ~~لكل واحد منهما خمسة آلاف درهم، وفرض لكل رجل هاجر قبل الفتح ثلاثة آلاف درهم، ولكل رجل من ~~مسلمة الفتح ألفين، ولغلمان أحداث من أبناء المهاجرين والأنصار كفرائض مسلمة الفتح، ~~وفرض للناس على منازلهم وقراءتهم القرآن وجهادهم، ثم جعل من بقي من الناس بابا واحدا، ~~ففرض لمن جاء من المسلمين إلى المدينة وأقام بها خمسة وعشرين دينارا، وفرض لأهل اليمن وقيس ~~بالشام والعراق ألفين إلى ألف إلى تسعمائة إلى خمسمائة إلى ثلاثمائة، ولم ينقص أحدا عن ~~ثلاثمائة، وقال: «لئن كثر المال لأفرضن لكل أربعة آلاف درهم؛ ألف لسفره، وألف لسلاحه، وألف ~~يخلفها لأهله، وألف لفرسه وبغله.» # وكان عمر يفرض للمنفوس مائة درهم، فإذا ترعرع بلغ به مائتي درهم، ms561 فإذا بلغ زاده وكان إذا ~~أتي بلقيط فرض له مائة درهم وفرض لوليه كل شهر رزقا يصلحه، وجعل رضاعه ونفقته من بيت ~~المال، ثم يزيد عطاءه بعد ذلك من سنة إلى سنة، كما كان يصنع بغيره من الأطفال. # والقاعدة التي وضعها عمر وجعلها أساسا لتوزيع العطاء تبدو واضحة في قوله: «ما من الناس ~~أحد إلا له في هذا المال حق أعطيه أو منعه، وما من أحد أحق به من أحد إلا عبد ~~مملوك، وما أنا فيه إلا كأحدهم، ولكنا على منازلنا من كتاب الله وقسمنا من رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~؛ فالرجل وبلاؤه في الإسلام، والرجل وقدمه في الإسلام، والرجل وغناؤه في الإسلام، ~~والرجل وحاجته، والله لئن بقيت ليأتين الراعي بجبل صنعاء حظه من هذا المال وهو مكانه.» ~~وكذلك فرض عمر للناس جميعا لم يترك منهم أحدا، أورد ابن سعد في الطبقات رواية عن سالم أبي ~~عبد الله أنه قال: «فرض عمر بن الخطاب للناس حتى لم يدع أحدا من الناس إلا فرض له، حتى ~~بقيت بقية لا عشائر لهم ولا موال ففرض لهم ما بين المائتين وخمسين إلى ثلاثمائة.» # غير أن عمر خرج عن القاعدة التي وضعها لتنظيم العطاء في أمر رجال ونساء زاد في عطائهم على ~~عطاء أمثالهم ممن في طبقتهم، فرض لعمر بن أبي سلمة أربعة آلاف درهم، وعمر هذا هو ابن أم ~~سلمة أم المؤمنين، وقد اعترض محمد بن عبد الله بن جحش وقال لأمير المؤمنين: لم تفضل ~~عمر علينا؟ فقد هاجر آباؤنا وشهدوا، وأجابه ابن الخطاب بقوله: «أفضله لمكانه من النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، فليأتني الذي يستعتب بأم مثل أم سلمة أعتبه!» وفرض لأسامة بن زيد أربعة ~~آلاف درهم، فقال عبد الله بن عمر: «فرضت لي ثلاثة آلاف وفرضت لأسامة أربعة آلاف وقد شهدت ما ~~لم يشهد أسامة!» وأجابه عمر: «زدته؛ لأنه كان أحب إلى رسول الله # صلى الله عليه وسلم # منك، وكان أبوه ~~أحب إلى رسول الله # صلى الله عليه وسلم # من ms562 أبيك.» وفرض لأسماء بنت عميس زوج أبي بكر ألف درهم، ~~فزادهن ولأم كلثوم بنت عقبة ألف درهم، ولأم عبد الله بن مسعود ألف درهم، على أمثالهن ~~لمكانتهن الخاصة إذ كن أزواجا وأمهات لرجال لهم على غيرهم منزلة وفضل. # وكان عمر حريصا على أن يبلغ كل ذي حظ في العطاء حظه، حتى لكان يجشم نفسه في ذلك المتاعب، ~~روي عن حزام بن هشام الكعبي عن أبيه أنه قال: رأيت عمر بن الخطاب يحمل ديوان خزاعة حتى ~~ينزل قديدا، فلا يغيب عنه امرأة بكر ولا ثيب فيعطيهن في أيديهن، ثم يروح فينزل ~~عسفان فيفعل مثل ذلك أيضا حتى توفي، وكتب عمر إلى حذيفة أن أعط الناس أعطيتهم ~~وأرزاقهم، فكتب إليه: «إنا قد فعلنا وبقي شيء كثير.» فكتب إليه عمر: «إنه فيؤهم الذي ~~أفاء الله عليهم، فليس هو لعمر ولا لآل عمر؛ اقسمه بينهم.» # وإنما كتب عمر هذا الكتاب إلى حذيفة؛ لأن الدواوين، وهي سجلات العطاء، لم تكن كلها ~~بالمدينة، بل كان كل ديوان على حدة عند والي البلد أو القبيلة التي فرض فيها لأهل العطاء، ~~فكان ديوان حمير على حدة عند والي اليمن، وديوان البصرة عند واليها، وديوان كل إمارة عند ~~أميرها، بهذا أصبح كل رجل من المسلمين يقبض عطاءه من البلد الذي هو فيه، وأصبح كل وال ~~مسئولا عن إيصال العطاء إلى أصحابه في ولايته، كما كان عمر يوصل العطاء لأصحابه في ~~المدينة، وفيما حولها من الأرجاء الداخلة في نطاقها. # متى دون عمر الديوان وفرض العطاء؟ ذلك أمر اختلف فيه، يقول الطبري: إنه كان في السنة ~~الخامسة عشرة للهجرة، ويقول ابن سعد: إنه كان في محرم سنة عشرين، وقد يتعذر القطع أي ~~التاريخين أصح، فلما يكن الفتح في السنة الخامسة عشرة قد بلغ المدائن، لكن سواد العراق ~~كان مع ذلك قد صار في يد المسلمين؛ ولما تكن بيت المقدس قد فتحت أبوابها لعمر، لكن ~~المسلمين كانوا قد استولوا على دمشق وطهروا الأردن وتقدموا إلى حمص وقنسرين، أترى عمر ~~رأى فيما يجبى ms563 إلى المدينة من سواد العراق ومن بلاد الشام ما أدى به إلى تدوين الديوان؟ ~~ذلك ما يقوله الطبري، أم هو لم يدون الديوان حتى تم فتح العراق والشام، وجبى منهما الجزية ~~والخراج، وكثر بذلك ما يرد إليه من المال، حتى لقد حار أيعده عدا أم يكيله كيلا إلى أن ~~أشير عليه بتدوين الديوان، فكان ذلك سنة عشرين على ما يقول ابن سعد؟ أراني أميل إلى هذا ~~الرأي الأخير وإن كنت لا أستطيع القطع به، وإنما يميل بي إليه أن تدوين الديوان لا يمكن أن ~~يعتمد على الفيء الذي يرد من الغزو، فالفيء مورد غير ثابت، وعطاء الديوان مصرف سنوي ثابت، ~~لا بد إذن أنه اعتمد على الجزية والخراج، ولم تبلغ الجزية ولم يبلغ الخراج المبلغ الذي يسع ~~عطاء العرب جميعا في التاريخ الذي يذكر الطبري أنه دون فيه. # لم يكن العرب في شبه الجزيرة وفي البلاد المفتوحة أقل حرصا على قبض أعطياتهم من عمر على ~~إيصالها إليهم، ولم لا يفعلون، وكان هو يحضهم على ذلك ويحرضهم عليه، ويدعوهم لحسن استغلال ~~ما يقبضونه، فيقول: «لو أنه إذا خرج عطاء أحد هؤلاء العريب ابتاع منه غنما فجعلها ~~بسوادهم، ثم إذا خرج العطاء ثانية ابتاع الرأس فجعله فيها! فإني أخاف عليكم أن يليكم بعدي ~~ولاة لا يعد العطاء في زمانهم مالا، فإن بقي أحد منهم أو أحد من ولوه كان لهم شيء قد ~~اعتقدوه فيتكئون عليه.» وكان أكثرهم يعملون بنصيحة عمر. # على أن طائفة ممن ميزهم عمر في العطاء كانوا يتصدقون به، روي أن أم المؤمنين زينب بنت ~~جحش قالت حين دخل عليها العطاء: غفر الله لعمر! غيري من أخواتي كان أقوى على قسم هذا مني، ~~قيل: هذا كله لك، قالت: سبحان الله واستترت منه بثوب، وقالت: صبوه واطرحوا عليه ثوبا، ~~ثم قالت لبرزة بنت رافع: أدخلي يدك فاقبضي منه قبضة فاذهبي بها إلى بني فلان وبني فلان، ~~من أهل رحمها وأيتامها؛ حتى بقيت بقية تحت الثوب، فقالت لها برزة: غفر الله لك ms564 يا أم ~~المؤمنين! والله لقد كان لنا في هذا حق! قالت: فكم ما تحت الثوب، فلما كشفوا الثوب لم يجدوا ~~إلا خمسة وثمانين درهما، ثم رفعت زينب يدها إلى السماء فقالت: اللهم لا يدركني عطاء لعمر ~~بعد عامي هذا! واستجاب لها ربها فقبضها إليه. # كان ذلك شأن أم المؤمنين زينب، وشأن أفراد قليلين غيرها، فأما الأكثرون فكانوا يقبضون ~~عطاءهم ويثمرونه في التجارة؛ لذلك أسرعت ثروة أصحاب العطاء الذين يعدون بالألوف إلى الزيادة ~~أضعافا مضاعفة، فظهرت بين الطبقات فوارق تأثر بها النظام الاجتماعي تأثرا واضحا، لفت عمر ~~ودعاه للتفكير في الأمر والتماس الوسيلة لإعادة النظر فيه، وقد انتهى به الرأي إلى تفضيل ما ~~جرى الصديق عليه من تسوية بين المسلمين في قسمة الفيء، وود لو صنع صنيعه في أمر العطاء؛ ~~لذلك قال: «والله لئن بقيت إلى هذا العام المقبل لألحقن آخر الناس بأولهم، ولأجعلنهم رجلا ~~واحدا!» وقال: «لئن بقيت إلى الحول لألحقن أسفل الناس بأعلاهم!» وهو قد كان مع ذلك يدرك أن ~~التسوية، بنقص العطاء الذي فرضه لمن ميزهم، ربما جرت إلى امتعاض لا تحسن مغبته، ~~فكان أكبر همه أن يرفع عطاء ذوي العطاء القليل ليساويهم بمن زاد عطاؤهم، وذلك قوله: «لئن ~~عشت حتى يكثر المال لأجعلن عطاء الرجل المسلم ثلاثة آلاف: ألف لكراعه وسلاحه، وألف نفقة ~~له، وألف نفقة لأهله.» لكنه لم يبق إلى الحول، بل قتل هذا العام المقبل، فبقيت الطبقات، ~~ثم كان لبقائها من الأثر في حياة الأمة الإسلامية من بعد ما لا يدخل تفصيله في نطاق هذا ~~الكتاب. # لم ينشئ عمر ديوان العطاء وحسب؛ فقد قيل: إن أول ديوان وضع في الإسلام هو ديوان الإنشاء، ~~وإن دواوين الشام كانت تكتب بالرومية، ودواوين العراق بالفارسية، ودواوين مصر بالقبطية، ~~يتولاها الفرس والروم والقبط دون المسلمين، وقد كان إنشاء هذا الديوان، كما كان إنشاء ديوان ~~الخراج وتشييد مصنع السكة لضرب النقود وإقامة بيوت المال في مختلف الأمصار، مما قضى به ~~التطور السريع الذي أدى إليه الفتح وانتشار المسلمين في أقطار ms565 الإمبراطوريتين الفارسية ~~والرومية، أما قبل ذلك فلم يكن للدولة الإسلامية شيء من هذه الدواوين، فقد كان من أصحاب ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # من يكتبون له الكتب والرسائل، وكانت هذه الكتب تحفظ صورها وتحفظ الردود ~~عليها في داره بالمدينة، ولم يكن له بيت مال؛ لأنه كان يوزع الفيء، ويوزع الصدقات أول ما ~~يقبضها، وصنع الصديق صنيعه؛ فكان يحفظ في داره كتبه ورسائله إلى أمراء جنده، وإلى ~~المرتدين الذين بعث هؤلاء الأمراء لقتالهم، وإلى من ندبهم من القواد والجند للسير إلى ~~العراق والشام، وصنع أمراء الجند صنيعه، فكانوا يحفظون في مضاربهم رسائلهم إلى الخليفة، ~~وأوامرهم إلى الجند، وكتبهم إلى العدو، وعقود الصلح التي تبرم بينهم وبين البلاد التي ~~يظفرون بها ويصالحون أهلها، وكان الصديق يوزع ما يجيئه من الفيء لا يبقي منه شيئا، فلما ~~اتسعت في أيام عمر رقعة المملكة، وتضاعفت بذلك أعمال الدولة، وعينت لجندها مسالح فيما ~~وراء حدودها، وزاد المال الذي يرد إليها، لم يكن بد من مواجهة هذا الطور الجديد بوسائل تكفل ~~دقة ضبط ذلك كله ضبطا تتسنى معه الهيمنة على مصالح الدولة، وإقامة العدل بين الناس، وتساس ~~به الأقطار المفتوحة سياسة حكيمة ترضي أهلها عن الحكم الذي قام فيهم مقام حكم الأكاسرة ~~وحكم القياصرة، وقد رأيت في هذا الفصل وفيما سبقه كيف تم ذلك كله في أناة وحزم وحكمة وروية، ~~وكيف كان عمر يعالجه مسايرا أطوار الفتح، لا يسبقها ولا يستأخر عنها. # والحق أن المجهود الضخم الذي نظم الحكم الإسلامي، في الفترة التي انقضت بين هجرة رسول ~~الله وقيام الإمبراطورية العمرية، جدير بكل إجلال وإكبار، فأين من هاته الإمبراطورية ~~العظيمة ونظامها الجديد ما كان من تولي رسول الله أمور المدينة بعد هجرته إليها ومؤاخاته ~~بين المسلمين فيها! نعم أين من هذه الحكومة المدينة التي تشرف على بلاد فارس والعراق والشام ~~ومصر وشبه الجزيرة العربية كلها، تلك الحكومة البدوية التي لم تتعد حدود المدينة قبل ~~السنة السادسة للهجرة، حين عقد رسول الله عهد الحديبية مع أهل مكة! ms566 وهذا العهد هو الذي نزل ~~فيه قوله تعالى: # إنا فتحنا لك فتحا مبينا * ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ~~ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما ~~. # وقد بدأ المسلمون بعد هذا العهد حياة جديدة تطور معها نظام الحكم شيئا فشيئا، ففي السنة ~~السابعة بعث رسول الله إلى الأمراء والملوك يدعوهم إلى الإسلام، فكان رد كسرى ثم وفاته ~~مؤذنين بإسلام عامله الفارسي على اليمن، وانضوائه إلى لواء النبي العربي، وتوليه الأمر في ~~اليمن باسمه، وفي السنة الثامنة فتحت مكة ثم فتحت الطائف وأسلم أهلها، فبعث رسول الله ~~عاملا من لدنه إلى كل منهما، وفي السنة التاسعة أقبلت وفود شبه الجزيرة إلى المدينة تعلن ~~إسلامها وإسلام القبائل التي تنتمي إليها، فبعث إليها رسول الله في السنة العاشرة عماله ~~يفقهون الناس في الدين ويجبون منهم الصدقات، وفي السنة الحادية عشرة قبض رسول الله، وبويع ~~أبو بكر، فكان قضاؤه على الردة إيذانا بقيام نظام جديد في شبه الجزيرة، وفي السنة ~~الثانية عشرة بدأ الصديق التمهيد للفتح وللإمبراطورية بغزو العراق وغزو الشام، وفي السنة ~~الثالثة عشرة قبض الصديق، وبويع عمر، فتم في عهده فتح العراق وفارس والشام ومصر وبرقة، ~~وأصبحت الإمبراطورية الإسلامية بذلك حقيقة واقعة، هذه أحداث ضخمة تمت في أقل من خمس عشرة ~~سنة ، فغيرت وجه التاريخ ووجهت الحضارة الإنسانية وجهة جديدة؛ وكان المجهود الذي أتمها ~~جديرا بكل إجلال وإكبار. # وفي هذه السنوات المعدودة كان نظام الحكم يتطور شيئا فشيئا من البداوة العربية إلى ~~الصورة المدنية التي رسمناها. على أن هذه الصورة ظلت في جوهرها عربية إسلامية، أقامت النظام ~~الجديد على أساس من الشورى، ثم دفعته خطوات تقدم بها أحدث المبادئ التي كانت معروفة في ~~ذلك العصر، فقد كان عاهل الفرس وعاهل الروم يزعمان أنهما يستمدان سلطانهما من الله، أما ~~أمير المؤمنين فكان يستمد سلطانه ممن بايعوه، ولم يكن لسلطان العاهلين حد يحول بينهما وبين ~~التصرفات المطلقة في حرية العباد وفي رقابهم بما يريان، أما أمير المؤمنين فكان مقيدا بما ~~جاء في ms567 كتاب الله، ومما جرت به سنة رسوله، ثم إن مشورة أولي الرأي كان لها وزن أي وزن، وكان ~~أصحاب هذه المشورة يبدونها أحرارا في حدود إيمانهم الصادق بالله ورسوله، وبالرسالة التي ~~ألقي على العرب تبليغها للناس في أقطار الأرض كافة، وكانت حريتهم، وحرية غيرهم من ~~المسلمين، تقوم على أساس من المساواة الصحيحة بينهم جميعا أمام الله وما أمر به ونهى عنه؛ ~~فلا فضل لأمير على رجل من سواد الناس، ولا لعربي على أعجمي إلا بالتقوى والعمل الصالح، ~~وإيمانهم بهذه المساواة وبهذه الحرية هو الذي سما بإخائهم إلى حيث يحب كل واحد منهم لأخيه ~~ما يحب لنفسه. # هذه هي المبادئ السامية التي تطور الحكم الإسلامي في ظلالها فأعزت المسلمين، واحترام عمر ~~لهذه المبادئ، وحرصه البالغ على دقة تطبيقها، هما موضع مجده وفخره، وحيثما كانت المبادئ ~~التي يتعامل الناس على أساسها ويتطور نظام الحكم في ظلالها سليمة محترمة بين الجميع، وكان ~~الحكم عادلا نزيها، كانا من أقوى العوامل لعظمة الأمة وجلال مجدها، ولذا بلغ المسلمون ما ~~بلغوا في عهد عمر، فقامت الإمبراطورية الإسلامية في عهده ثم قامت من بعده، متينة الأساس ~~شامخة البناء. # | هوامش # الفصل الثالث والعشرون # | الحياة الاجتماعية في عهد عمر # ما أعظم التطور الذي تم في بلاد العرب خلال السنوات الخمس عشرة التي تلت فتح مكة! وعظمته ~~تجعلك غير مبالغ إذا لم تسمه تطورا! إنما هي طفرة لم يعرف تاريخ العالم لها نظيرا، ~~ففي هذا الزمن الوجيز انتقل العرب من وثنيتهم إلى الإسلام، ومن تفرقهم قبائل وأمما متنافرة ~~إلى وحدة متضامنة لها سياسة عامة وغرض مشترك، ومن انكماشهم في حدود شبه الجزيرة إلى تسلطهم ~~على الإمبراطورية الفسيحة التي جمعت لهم سلطان الفرس وسلطان الروم، ومن شظف البداوة الذي ~~يسود أكثر مواطنهم إلى رخاء لم يألفوه من قبل، لا عجب وذلك شأنهم أن تتأثر حياتهم ~~الاجتماعية بهذه الانتقالات السريعة وأن تتغير نظرتهم للحياة ومطالبهم فيها. # وذلك ما حدث بالفعل، فقد كان لكل من العوامل التي أدت إلى هذه الطفرة أثره في ms568 حياتهم ~~أفرادا وجماعات، كان للعامل الديني أثره، وللعامل السياسي أثره، وللعامل الاقتصادي أثره، ~~وكانت هذه الآثار متناقضة في بعض الأحيان، لكنها تفاعلت واندمجت بعضها في بعض، فأدت إلى ~~انتقال في الحياة الاجتماعية يلفت النظر ويدعو للتفكير فيما ترتب عليه من بعد في حياة ~~الإسلام والمسلمين. # يجمل بنا لنقدر مدى هذا التطور أن نرجع البصر إلى ما كان العرب عليه في حياتهم الاجتماعية ~~قبل الإسلام، لقد كان أكثرهم أهل بادية، وكان الأقلون أهل المدن والأمصار، ذلك لأن شبه ~~الجزيرة لم تكن بها أنهار منتظمة الجريان، ولم تكن أمطارها تهتن في فصول معينة من السنة ~~هتنا متقارب القدر، بل كانت الأمطار تنهمر سيولا مخربة أحيانا، وتكف فصولا متعاقبة ~~أحيانا أخرى، فلم يكن تنظيم الزراعة ميسورا إلا في بعض الأرجاء، من ثم كانت المدن ~~والأمصار إنما تقوم حيث تغزر الينابيع، ثم يظل ما وراء ذلك بادية ينبت بها المرعى حين ينزل ~~الغيث ويجف حين يمسك، ولهذا كانت بادية اليمن، كغيرها من البوادي، تشمل القسم الأكبر من أهل ~~اليمن، وإن كانت نسبة حضر اليمن إلى باديته تزيد على نسبة حضر نجد والحجاز وسائر بلاد العرب ~~إلى بواديها. # وأساس الاجتماع في البادية القبيلة، والقبيلة تتألف من أحياء يربط النسب وتربط القرابة ~~بين الذين يتألف الحي منهم، وكل أهل في الحي يقيم في بيت من الشعر يسهل حمله كلما أرادت ~~القبيلة الظعن تنتجع المرعى لإبلها والرزق لبنيها، وكان أكثر تنقل القبائل في الربيع ~~والصيف، حين يكثر العشب والكلأ حول ينابيع المياه الصغيرة في البادية، فإذا أقبل الشتاء وجف ~~المرعى، تحملوا إلى الحضر فأقاموا على مقربة منه، يلتمسون عند أهله؛ بالتعامل معهم أو ~~الغارة عليهم ما يعيشون به عيش كفاف يرضيهم؛ لأنه يكفل لهم الحرية التي كانت أعز عليهم ~~من طيب الطعام ولبس الشفوف. # وكان لكل قبيلة شيخها ولكل حي زعيمه، ولكل بيت ربه، ورب البيت هو الأب، فله على كل من فيه ~~سلطة مطلقة، وكان أعظم سلطانه على زوجه؛ فقد كان مكان المرأة من زوجها مكان ms569 الخادم من سيده، ~~لا رأي لها معه، ولا تستطيع أن ترد له كلمة أو تعصي له أمرا، وإنما عملها أن تقوم بخدمة ~~البيت، وأن تزيد في نسل ربها، ولهذا كان العقم أهم أسباب الطلاق، وكان تعدد الزوجات لا حد ~~له حتى يبلغ النسل غاية مداه، ذلك لأن العرب كانوا حريصين أشد الحرص على كثرة البنين ليقووا ~~بهم على حماية القبيلة وحماية الأهل، وأنت تذكر قصة عبد المطلب بن هاشم جد النبي حين نذر إن ~~ولد له عشر بنين ثم بلغوا معه حتى يمنعوه لينحرن أحدهم لله عند الكعبة، وتذكر أنه ~~أدى نذره، فافتدى عبد الله بمائة من الإبل. # وكان العرب يؤثرون الزواج من غير قبيلتهم، لاعتقادهم أن النسل من مثل هذا الزواج أقوى ~~وأزكى، ولأن الزواج من بنات القبيلة كثيرا ما كان يؤدي إلى التنازع والشحناء، واعتقادهم ~~هذا هو الذي كان يحملهم على إمساك سبيات الحرب لينسلن لهم، كما كان أول ما يطلبونه دية قتيل ~~فتاتين من بنات الحي الذي منه القاتل، لا ينزلون عنهما وإن نزلوا عن غيرهما من الإبل والشاء ~~والأموال، مع هذا كان لابن العم أولوية على غيره إذا خطب ابنة عمه، فلا يستطيع أبوها أن ~~يمسكها عنه ما دفع المهر المتعارف في القبيلة، وإن أغلى غيره مهرها أضعافا مضاعفة. # كانت خطبة الشاب الفتاة إلى أهلها، والتزوج منها بعد مهرها، ونقلها معه إلى حيه ~~وقبيلته، هي الصورة المألوفة عند العرب، على أنهم كانوا يألفون صورا غيرها من الزواج، بقي ~~بعضها بعد الإسلام، وعفى الإسلام على سائرها، من ذلك أن يتزوج رجل من امرأة فيذرها في ~~قومها، فإذا مر بهم في تجارته أو رحلاته نزل عندها، وكان بعض النسوة يؤثرون البقاء في أهلهن ~~إذ كن ذوات مال وحسب، فكن لا يرضين مفارقة مالهن ومن يقومون على الاتجار فيه وتثميره، ~~وكان الأبناء يبقون مع أولئك الأمهات حتى يشبون، ولذلك كانوا ينسبون إليهن وإلى قبيلتهن، ~~وذلك كان شأن سلمى بنت عمرو أحد بني النجار من الخزرج أهل يثرب، فقد كانت ms570 امرأة ذات شرف ~~ومال يتجر لها فيه قومها، ومر هاشم بن عبد مناف يوما بيثرب عائدا من الشام، فرآها تطل على ~~قومها، فأعجبته فخطبها إلى نفسها فرضيته زوجا، على أن تكون عصمتها بيدها ... وولدت له شيبة، ~~فأقام معها بين أخواله بني النجار حتى مات أبوه، ثم عاد به عمه المطلب إلى مكة مردفا إياه ~~على بعيره، فلما رأته قريش ظنوه عبدا اشتراه فقالوا: «عبد المطلب.» فغلب عليه هذا الاسم، ~~ولم يدعه أحد من بعد باسمه «شيبة». # ويذهب بعض المؤرخين إلى أن هذا الزواج أصل زواج المتعة الذي أبيح في صدر الإسلام إلى أن ~~حرمه عمر، ولا يزال زواج المتعة حلا عند الشيعة إلى اليوم. # وكان للزواج المؤقت صورة أخرى، وكان للمرأة في هذا الزواج أن تفصم عروته إذا شاءت، ~~وحسبها لذلك أن تغير موقع الباب من خبائها ليعلم صاحبها أنها لم تبق له زوجا، ويذكر ~~ابن بطوطة في رحلته أن مثل هذا الزواج كان باقيا في أحياء زبيد حين كان هو في بلاد ~~اليمن. # ومما يذكره مؤرخو اليمن كذلك أن الملك كان مشاعا بين أفراد الأسرة في عهد من العهود، ~~وأن المرأة كانت بعض هذا الملك المشاع، فكانت زوجا أو خليلة لأفراد الأسرة جميعا، فإذا ~~دخل أحدهم خباءها لوطر ركز عصاه عند الباب، فلا يفتحه عليه أحد، ولكن مبيتها كان مع رب ~~الأسرة دائما، مع ذلك كان زنا هذه المرأة مع أجنبي جريمة عقابها الموت، ومما يروى في ذلك ~~أن ابنة أحد الأمراء كانت في أسرة متاعا لأهلها، وأنها أحبت شابا من غير أبناء هذه ~~الأسرة، فكانت كلما جاءها ركزت عصا عند الباب حتى لا يفاجئها أحد متلبسة بجريمتها، واجتمع ~~رجال الأسرة كلهم يوما، فرأوا العصا المركوزة عند الباب، فعرفوا ما أتت الفاجرة فجزوها ~~به. # وقد يبدو هذا النوع من الزواج عجبا، وأعجب منه نكاح الاستبضاع، ذلك حين كان الزوج يدع ~~زوجته لغيره، حتى إذا حملت ردها ونسب حملها إليه، ولعلهم لم يكونوا يلجئون لهذا المنكر إلا ~~لعقم الرجل وحرصه ms571 على الولد، على أنه قد كان له في التبني مندوحة عن مثل هذا الأمر، فقد كان ~~العرب يجيزون تبني البنين دون البنات، وكانوا يجعلون للمتبنى مقام الابن في الانتساب إلى ~~من تبناه وإلى قبيلته، ويبلغون به أحيانا أن يجعلوا له حق الاشتراك في الميراث على سواء مع ~~أبناء الرجل من صلبه، ومهما يكن إنكارنا لهذا النكاح، وإنكار الإسلام له وللتبني جميعا؛ ~~فالمؤرخون يذكرونه على أنه بعض عادات العرب في الجاهلية. # ذكرنا هذه الصور من الزواج لما فيها من دلالة على امتهان المرأة عند العرب، والحق أن ~~مكانتها كانت أدنى إلى مكانة الرقيق، وحسبك شاهدا على ذلك أن وارث رب البيت، أبا كان ~~أو أخا أو ابنا، كان من حقه أن يذهب إلى الأرملة فيلقي عليها رداءه ويمهرها فتصبح له ~~زوجا، كما كان له أن يزوجها من غيره إذا شاء ويقبض مهرها، ولم يكن للمرأة مفر من هذا ~~المصير إلا إذا رجعت إلى أهلها قبله، عند ذلك يرجع الأمر في زواجها إليها أو إلى ~~وليها. # ولم يكن للمرأة رأي في فصم عروة الزواج إلا في زواج المتعة وهو الزواج المؤقت، أما غيره ~~فكانت عروة الزواج تنفصم بالخلع أو بالطلاق، وكان الخلع يتم باتفاق بين الزوج وولي ~~الزوجة، ولم يكن الطلاق يقع إلا إذا ذكره الزوج ثلاث مرات توكيدا لنيته فيه. # وكانت المرأة لا ترث، أما كانت أو زوجا أو بنتا أو أختا أو ذات رحم، ذلك لأن العرب ~~كانوا يقولون: إنما يرث من طاعن بالرماح، وذاد عن الحوزة، وحاز الغنيمة، أما البنون فكانوا ~~يرثون حصصا متساوية، وكل ما للأكبر منهم من امتياز على إخوته أنه كان يدعى لاختيار النصيب ~~الأول. # كان سلطان الرجل على زوجه ما رأيت، وكان سلطانه على بنيه عظيما، وعلى بناته أعظم، فقد ~~كان الرجل في بعض القبائل يئد ابنته خوف العار أو المتربة، فإذا وأدها لم يسأله أحد ~~حسابا، ولم يكن للبنت ولا لأمها رأي في زواجها، بل كان الرأي للأب وحده وكان عليه لذلك أن ~~يحميها ms572 بعد أن تنتقل إلى بيت زوجها، في قبيلتها كان هذا البيت أو في قبيلة غيرها، فإذا أساء ~~زوجها إليها أو طلقها، رجعت إلى بيت أبيها وعاشت في كنفه ورعايته، أما الابن فكان يختار من ~~يخطبها، ثم يحرص على أن ينال رضا أبيه عن خطبته، فإذا استقل بعد زواجه ببيت كفل لامرأته فيه ~~معيشتها، ضعف سلطان أبيه عليه، وإذا بقي معها في بيت أبيه، فلأبيه عليه سلطان ~~مطلق. # هذه صورة موجزة من نظام الأسرة والأهل في البادية، وقد كانت في جملتها صورة لنظام الأسرة ~~والأهل في المدن والأمصار العربية، فقد كان أهل هذه المدن والأمصار قبائل كأهل البادية ~~سواء، وكان أكثرهم يمتون بأصلهم إلى البادية، ثم هوت نفوسهم إلى حياة الحضر فركنوا إليه ~~واستقروا به، ولعلك وقد ألممت بها تجد من آثارها ما لا يزال باقيا إلى اليوم في حياة البدو ~~حيث كانوا، وإن كان الإسلام قد عفى على الكثير منها، بل إنك لتجد بعض هذه الآثار في حياة ~~من ينتسبون إلى العرب من أهل الحضر في مصر وفي غير مصر من البلاد التي تتكلم العربية، ~~فكثيرون يحرمون بناتهم من الميراث، وينظرون إليهن نظرة تجعل ما للرجال عليهن من درجة ~~فسيح المدى يكاد يبلغ ما كان مألوفا في البادية قبل الإسلام، وكثيرون لا يقيمون لرأي ~~البنت ولا لرأي أمها وزنا في زواجها، ولا تزال البنت تأوي إلى بيت أبيها إذا مات عنها ~~زوجها أو طلقت أو أسيئت معاملتها، وسلطة الأب على أبنائه الذين يقيمون معه لا تزال عظيمة ~~ما كانوا غير قادرين على الكسب. # كان العرب من أهل البادية ومن أهل الحضر يتشابه عندهم نظام الأسرة والأهل لكنهم كانوا ~~يختلفون اختلافا كبيرا في أسباب العيش وما نسميه اليوم النظام الاقتصادي، فأهل الحضر ~~كانوا يعتمدون في عيشهم على التجارة وعلى ما يزرعه لهم الفلاحون في الحدائق والكروم ~~والمزارع المحيطة بهم والمملوكة ملكا خاصا لهم، وكان ربحهم من تجارتهم ومن زراعتهم غير ~~قليل، وكان كثيرون منهم يقرضون أموالهم لمن يريد أن يتجر فيها ms573 أو أن يثمرها لقاء فوائد ~~فاحشة تضاعف ما أقرضوا في زمن قصير، هؤلاء جميعا كانوا يعرفون من متع الحياة وأنعمها ما لا ~~يعرفه أهل البادية، كانوا يعرفون مجالس الشراب والغناء والميسر ويتوفرون عليها، وكانوا ~~يجدون في إشباع شهواتهم ما يرضيهم عن الحياة ويزيدهم اطمئنانا لها، لكن ابن خلدون يبالغ إذ ~~يقول عنهم إنهم: «قد تلوثت أنفسهم بكثير من مذمومات الخلق والشر، وبعدت عليهم طرق الخير ~~ومسالكه بقدر ما حصل لهم من فنون الملاذ وعادات الترف والإقبال على الدنيا والعكوف على حب ~~المال والكذب والشهوات، حتى لقد ذهبت عنهم مذاهب الحشمة في أحوالهم، فكان الكثير منهم ~~يقذعون في أقوال الفحشاء في مجالسهم وبين كبرائهم وأهل محارمهم، لا يصدهم عن ذلك وازع ~~الحشمة لما أخذتهم به عادات السوء من التظاهر بالفواحش قولا وعملا، وعلى الجملة فهم أهل ~~غدر وخديعة ونقض عهد.» ولقد كانت لهم من غير شك فضائل ومزايا، ولولا ذلك لبارت تجارتهم، ~~ولما استطاعوا مقاومة الطبيعة القاسية المحيطة بهم، لكنهم كانوا تجارا أولي حيلة، وكانت ~~الحيلة تدفعهم إلى بعض ما يروي ابن خلدون من نقائصهم، فقد كانت أرباحهم من التجارة ومن ~~الربا تيسر لهم الانغماس في الملذات، والاستهانة بكثير من فضائل الخلق الكريم. # أما عيش البادية فكان قوامه انتجاع المرعى، والانتفاع بلحوم الإبل وألبانها، ولم يكن ~~البدوي يملك لنفسه غير بيت الشعر الذي يقيم فيه، وما قد يغرس حوله من غلال وفاكهة، فقد ~~كانت القاعدة أن الزرع لمن زرعه، على أن هذا الملك كان قليل الشأن، فقد كان البدو يعافون ~~الزراعة ويرون الفلاحة دون ما يليق بهم، فأما ما كان يحيط بمنازل القبيلة من المرعى فكان ~~ملكا مشتركا للقبيلة، وكذلك كان الكلأ الذي تنبته الصحراء في حمى تلك المنازل، وكان ~~للقبائل المتجاورة حق تبادل المرعى في مقابل. # وكانت منازل القبائل محدودة بالعرف والاتفاق، فإذا أجدبت قبيلة فانتجعت المرعى بعيدا عن ~~منازلها، لم يجز لغيرها من القبائل أن يحل محلها فيها أو يتعرض لقتال أهلها وأصحابها، ~~ونحن لذلك نستطيع أن نتعرف منازل ms574 أهل هذه القبائل إلى وقتنا الحاضر على الخرائط الجغرافية، ~~على أن مثل هذا العدوان وما يجر إليه من قتال بين القبائل لم يكن نادرا، بل كان مألوفا في ~~حياة الجاهلية؛ لذلك كان البدوي محاربا بنشأته، وكانت حياة القبائل في كثير من الأحيان ~~حياة غزو وانتهاب، فكانت الغارات وانتهاب الأسلاب والفرار بها إلى المضارب من مألوف أهل ~~البادية، فإذا رجعت القبيلة من غزوها أقامت في مضاربها على حذر تنتظر أن يغير عليها غيرها ~~ليثأر لنفسه منها أو يسلب مالها مثلما سلبت هي غيرها ماله، وذلك قول ابن خلدون في أهل ~~البادية إنهم «أهل انتهاب وعبث ينتهبون ما قدروا عليه من غير مناسبة وركوب خطر ويفرون إلى ~~منتجعهم بالقفر، ورئيسهم محتاج إليهم غالبا للعصبية التي بها المدافعة، فكان مضطرا إلى ~~إحسان ملكتهم وترك مراغمتهم لئلا يختل عليه شأن عصبيته فيكون فيها هلاكه وهلاكهم.» # وطبيعي أن يزيد الخوف من الثأر والغارات تضامن القبيلة، وأن يدفع رجالها لتعزيزه بذكريات ~~الماضي وما كان لأسلافهم فيه من بطولة وإقدام، وذلك هو السر في حرصهم على معرفة أنسابهم، ~~يفاخرون بها غيرهم، ويقوون تضامنهم، ويرتفعون إلى أسلاف اشتهروا بالشجاعة والكرم وحماية ~~الجار وما إليها من صفات غرستها هذه الحياة فيهم، وجعلتها بعض شمائلهم وسجاياهم، وكان حتما ~~على أبنائهم أن يقتدوا بهم في هذه الصفات فهي وحدها التي تجعل عيش البادية مستطاعا، فابن ~~البادية معرض لغارة غيره عليه، وعيش البادية عيش شظف يبلغ الفاقة أحيانا، فإذا لم يكن ~~أهلها كراما يؤوون الضيف، ويحمون الجار، تعرض كثيرون للهلاك، وحياة البادية حياة ~~مغالبة للطبيعة ومقاومة للمعتدين، فإذا لم يكن أهلها شجعانا ذوي حيلة وجلد ناءوا ~~بعبء الحياة، وإذا لم يكن لهم من الدعاية ما يجعل غيرهم يخشاهم تعرضوا للشر، ولذا كان ~~أكثر شعرهم ونثرهم في الفخر والحماسة وذكر الكرم، والتحدث عن شتى الفضائل التي توجبها هذه ~~الحياة وتدفع أهلها للحديث عنها. # لم يكن العرب يثأرون من المعتدين على منازلهم فحسب، بل كان الثأر للنفس وللمال وللعرض ~~وللإهانة ولكل ما يوجب الثأر ms575 نظاما قائما بينهم، وكانت القبيلة ترى واجبا عليها أن تثأر ~~لكل واحد من بنيها، فإذا قتل رجل منهم حمل أبناؤها كلهم السلاح حين تدوي بينهم صيحة ~~أهل المقتول: «يا لثارات العرب!» وكان الأمر كذلك بخاصة إذا كان القاتل من قبيلة أخرى، فإذا ~~كان منزل القاتل قريبا أحرق، وقتلت إبله وأغنامه، وأبيحت كل حرماته ثلاثة أيام كاملة، وفي ~~هذه الحال لم يكن لقبيلة القاتل أن تؤاخذ أولياء الدم وقبيلتهم بما صنعوا، على أن القاتل ~~كثيرا ما كان يلجأ بعد ارتكاب جريمته إلى من يجيره ويستطيع منعه، فإذا استجار وأجير وجبت ~~عليه الدية، وقد جرت العادة في الدية بأن يطلب أصحاب الثأر من أهل القاتل بنات وإبلا ~~وأموالا، وأن يبدأ أهل القاتل بالقبول، ثم تجري مساومات ينزل صاحب الثأر على أثرها عن ~~الكثير مما طلبه، لكنه لم يكن ينزل أبدا عن أن تكون في الدية فتاتان من حي القاتل، يأخذهما ~~لنفسه، أو يهبهما لمن يشاء. # فأما الثأر للعرض وللإهانة فكان يؤدي أغلب الأمر إلى قتال بين القبائل يطول أمده سنين ~~متعاقبة، فإذا كانت القبيلة الطالبة للثأر أضعف من أن تثأر لنفسها، عرضت على أحياء العرب ما ~~لحقها من هضم حقوقها وعدوان على كرامتها، واستعدت غيرها من القبائل المجاورة أو ~~المحالفة لها لتنهض معها في ثأرها، والمحالفات لهذا الغرض كانت مألوفة، ولعلك تذكر حلف ~~الفضول الذي اشترك فيه محمد قبل بعثه، إذ تعاهدت قبائل مكة وتعاقدت ليكونن مع ~~المظلوم حتى يؤدى إليه حقه، وكانت غزوة الأحزاب للمدينة بعد هجرة الرسول إليها نتيجة ~~التحالف بين يهود المدينة وقبائل مكة وغيرها من قبائل العرب، ومثل هذه المحالفات كانت كثيرة ~~في الجاهلية، وأخبارها لذلك مستفيضة في كتب التاريخ وكتب الأدب. # من شأن حياة الثأر والغزو والمغامرة أن تدعو إلى التفاؤل وإلى التطير، يتفاءل الظافر ~~إذا أدى إلى ظفره أمر لم يكن في حسبانه، ويتطير المقهور لمثل هذا السبب، والعرب كانوا أكثر ~~الأمم تفاؤلا وتطيرا، ولم يكن ذلك شأنهم في أمر القتال وحده، بل كان كذلك في ms576 كل شئون ~~الحياة، وإن بعض المؤرخين لينسبون تسمية العرب أبناءهم بأسماء الحيوان إلى تطيرهم وتفاؤلهم، ~~فيذكرون أن أحدهم كان إذا أنجب أبناء فماتوا ثم ولد له ولد، أطلق عليه اسم حيوان كثعلب أو ~~ثور أو أو كلب أو ذئب أو فهد أو أسد، ويذكر هؤلاء المؤرخون أن نسبة كثير من القبائل إلى ~~أسماء الحيوان ترجع إلى أن جدها الأعلى أطلق عليه اسم هذا الحيوان تحرزا من الموت، فإذا صح ~~هذا التعليل وجب إطلاقه على غير العرب أيضا، فتسمية الناس بأسماء الحيوان أمر حادث في ~~الأمم كلها، ونسبة الأسر إلى الثعلب أو الذئب أو غيرهما من الحيوان بعض ما نجده عند ~~الإنجليز والفرنسيين والألمان وغيرهم، وقد يكون مرجعه إلى تطيرهم وتفاؤلهم كمرجع مثله عند ~~العرب. # كانت عبادة الأصنام والاستقسام عندها بالقداح مما زاد في تطير العرب وتفاؤلهم، فقد كان ~~أحدهم إذا أراد أمرا جاء بأزلام الاستخارة، وهي قطع من خشب أو حجر كتب على أحدها «آمر» ~~وعلى الثاني «ناه» وترك الثالث غفلا، ثم خلطها في حمى صنم كهبل، وأخرج منها واحدا، ~~فإذا خرج الآمر أقدم على ما عزم وإذا خرج الناهي أحجم، وإذا خرج الغفل استأنف الخلط ~~والاستقسام، وكان اعتقادهم أن الصم الذي يعبدونه ويستقسمون عنده هو الذي يخرج الأزلام على ~~النحو الذي تخرج به، ولذلك كانوا يطيعونها على أنها آية آلهتهم وأمرها. # وكان لكل قبية، بل لأهل كل دار، صنم يعبدونه، فإذا أراد أحدهم السفر كان آخر ما يصنع أن ~~يتمسح به، وإذا قدم من سفره كان أول ما يصنع إذا دخل داره أن يتمسح به أيضا، ويذكر ابن ~~الكلبي في كتاب الأصنام أن عبادة الأوثان والحجارة ترجع إلى «أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن ~~إلا احتمل معه حجرا من حجارة الحرم، تعظيما للحرم وصبابة بمكة، فحيثما حلوا وضعوه وطافوا ~~به كطوافهم بالكعبة ... ثم سلخ ذلك بهم إلى أن عبدوا ما استحبوا، فعبدوا الأوثان.» وكذلك ~~اتخذت القبائل الأصنام، فاتخذت هذيل بن مدركة سواعا بأرض ينبع، واتخذت كلب ~~ودا بدومة ms577 الجندل، واتخذت همدان ومن والاها من أرض اليمن يعوق وكان بقرية يقال لها: ~~خيوان من صنعاء على ليلتين بسير الإبل مما يلي مكة، واتخذت حمير نسرا فعبدوه بأرض ~~يقال لها: بلخع، واتخذت مذحج وأهل جرش يغوث ... وهذه الأصنام هي التي نزل فيها قوله ~~تعالى: # وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ~~ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا * وقد أضلوا ~~كثيرا ولا تزد الظالمين إلا ضلالا ~~. # 1 # وكانت مناة من أقدم أصنام العرب، وكانت منصوبة بقديد بين مكة والمدينة، وكانت العرب ~~جميعا تعظمها وتذبح حولها، وكانت اللات صنم الطائف، وكانت صخرة مربعة بنى عليها ~~سدنتها من ثقيف بناء زاد في إعظامها، أما العزى فكانت في بيت بواد من نخلة، ويقال ~~إنهم كانوا يسمعون فيه الصوت، وكانت قريش تقول عن هذه الأصنام الثلاثة؛ إنهن بنات الله ~~تعالى وإنهن يشفعن إليه، وذلك قوله تعالى: # أفرأيتم اللات ~~والعزى * ومناة الثالثة الأخرى * ~~ألكم الذكر وله الأنثى * تلك إذا قسمة ضيزى ~~* إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ~~ما أنزل الله بها من سلطان ~~. # 2 # وكانت لقريش أصنام في جوف الكعبة، وكان أعظمها عندهم هبل، وكان من عقيق أحمر على صورة ~~الإنسان، مكسور اليد اليمنى؛ ولذلك جعلت له قريش يدا من ذهب، وكان إساف ونائلة صنمين عند ~~الصفا والمروة، هذا إلى أوثان أخرى ذكر ابن الكلبي أكثرها في كتاب الأصنام، وذكر سائرها ~~في تاج العروس وفي مروج الذهب وفي غيرهما من كتب المؤرخين. # ولم يكن العرب ينكرون وجود الله حين يعبدون الأصنام، بل كانوا يشركونها معه جل شأنه ~~ويتخذونها إليه زلفى، ولهذا كانوا يذكرون الله في تلبيتهم حين حجهم الكعبة ويذكرون ~~الأصنام على أنها شركاؤه، فكانت بعض القبائل تقول: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا ~~شريك هو لك، تملكه وما ملك.» وكانت قريش تطوف بالكعبة وتقول: «واللات والعزى، ومناة الثالثة ~~الأخرى، فإنهن الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى!» وفي ذلك يقول الله تعالى: # وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم ~~مشركون ~~. # هذه صورة مجملة من عقائد ms578 العرب وعاداتهم في حياتهم الاجتماعية قبل الإسلام. ومن اليسير أن ~~تدرك ما قضى عليه الإسلام منها، والشرك هو بطبيعة الحال أول ما تحطم في النفس العربية أثره، ~~فقد سمع العرب من آيات الوحي فيها ما جعلهم بعد إسلامهم ينكرونه أشد إنكار، سمعوا قوله ~~تعالى: # وجعلوا لله أندادا ليضلوا عن سبيله قل ~~تمتعوا فإن مصيركم إلى النار ~~، # 3 # وقوله: # يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا ~~له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو ~~اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ~~ضعف الطالب والمطلوب ~~، # 4 # وقوله: # والذين تدعون من دونه لا ~~يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون * وإن ~~تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم ~~لا يبصرون ~~، # 5 # وقوله: # أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا ~~عبادي من دوني أولياء إنا أعتدنا جهنم للكافرين ~~نزلا ~~، # 6 # وقوله: # قل أرأيتم شركاءكم الذين ~~تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك ~~في السماوات أم آتيناهم كتابا فهم على بينت منه بل ~~إن يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا ~~، # 7 # وقوله: # ما كان للنبي والذين آمنوا أن ~~يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما ~~تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم ~~، # 8 # وقوله: # فإذا انسلخ الأشهر الحرم ~~فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم ~~واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم # 9 # سمع العرب هذه الآيات وسمعوا غيرها عشرات من مثلها، فمحت كل أثر للشرك في ~~نفوسهم، ولذلك رأينا الذين ارتدوا والذين تنبئوا حين وفاة النبي، لا يشرك أحد منهم ~~بالله، وإنما يزعم كل متنبئ أنه نبي لقومه، وأن محمدا كان نبيا لقومه، فلما قضي على ~~الردة آمن العرب كلهم بأنه لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. # كان لهذا القضاء على الشرك أثر عميق في النفس العربية، وفي الحياة الاجتماعية العربية، لم ~~يبق لمسلم ولي من دون الله، بل أصبح ولاؤهم جميعا له جل شأنه، ولم يبق ms579 لمسلم أن يستقسم ~~بالأزلام أو أن يستخير الأصنام، وإنما يستخير الله وحده، عليه يعتمد، وإياه يستعين، وإليه ~~يركن، وهو الذي يهديه سبيله، بذلك تحرر العقل العربي وتحرر الضمير العربي من رق ~~الوثنية، وأصبح هذا العقل وهذا الضمير هما اللذان يوجهان صاحبهما فيما يعزم القيام به ~~أو الإحجام عنه، وبذلك أصبحا دون سواهما وساطة المرء إلى ربه، ولذلك لم يبق للتفاؤل ولا ~~للتطير موضع، ولم يبق لسوانح الطير ولا لبوارحها أثر في إرادة الإنسان، ولم يبق لأحد أن ~~يقرأ في النجوم مصاير الأفراد والأمم؛ فإنما يجري كل شيء في الكون وفاق سنة الله، ولن تجد ~~لسنة الله تحويلا ولا تبديلا. # تحرر العقل العربي من رق الوثنية، وآمن بالله خالق كل شيء، وتحرر بذلك من رق الوهم ~~والعبودية لكثير من الشعائر التي فرضتها عليه الجاهلية، فتفتح للنظر فيما جاء من عند الله ~~وتهيأ للأخذ به، وكان لهذا التحرر أثره العظيم في الحياة الاجتماعية، كما كان له أثره ~~العظيم في الحياة الدينية. # وكان أعظم أثره في الحياة الاجتماعية أن تغيرت نظرة الرجل للمرأة؛ فقد سوى الوحي بين ~~الجنسين ووجه القول للمؤمنين والمؤمنات، وللمشركين والمشركات، وتحدث عن النساء في رفق ~~وإكرام، وجعل لهن مثل الذي عليهن بالمعروف، قال تعالى: # أني لا ~~أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى ~~، # 10 # وقال: # ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو ~~أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون ~~نقيرا ~~، # 11 # وقال: # من عمل صالحا من ذكر أو أنثى ~~وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم ~~بأحسن ما كانوا يعملون ~~، # 12 # وقال: # ويعذب المنافقين والمنافقات ~~والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن ~~السوء ~~، # 13 # وقال: # وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ~~وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما ~~أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما ~~قولا كريما * واخفض لهما جناح الذل من ~~الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا # 14 # كانت هذه الآيات والكثير من مثلها نغمة جديدة على السمع الجاهلي، المرأة والرجل ~~متساويان أمام الله، ms580 تجزى كما يجزى، وتثاب كما يثاب، هذا أمر لم يسمع به العرب فيما ~~بينهم، ولم يسمعوا بشيء من مثله عند جيرانهم من الفرس والروم، لكنه مع ذلك أمر هذا الدين ~~الجديد الذي أوحي إلى النبي العربي، وقد أوجب على كل مسلم أن يؤمن به وأن يتبعه. # وكان لهذا الأمر أثره في صلات ما بين الزوج وزوجه، والأب وابنه، والأخ وأخيه، لم تبق ~~الزوجة مقام الخادم أو الرقيق، بل أصبحت شريكة زوجها في الحياة، لها على زوجها ما للشريك من ~~حق على شريكه، فالله تعالى يقول: # ومن آياته أن خلق لكم ~~من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ~~ورحمة ~~، # 15 # ولم يبق لرجل أن يكره فتاته؛ أي أمته، على أن تتجر في ذات نفسها ~~ليكسب المال، وهو جل شأنه يقول: # ولا تكرهوا فتياتكم على ~~البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة ~~الدنيا # 16 # ولم يبق لرجل أن يضيق ذرعا بابنته أو أن يئدها خوف العار أو المتربة، ~~والقرآن ينكر ذلك في قوله تعالى: # لا تقتلوا أولادكم من ~~إملاق نحن نرزقكم وإياهم ~~، # 17 # وفي قوله تبارك وتعالى: # أم اتخذ مما يخلق ~~بنات وأصفاكم بالبنين * وإذا بشر أحدهم بما ~~ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا وهو ~~كظيم ~~، # 18 # ويقسم بالموءودة فيقول: # وإذا الموءودة سئلت ~~* بأي ذنب قتلت ~~. # 19 # هذه الثورة على العادات الموروثة جديرة بأن تؤدي إلى انقلاب اجتماعي في أساس ~~الحياة العربية ينتظم البادية والحضر جميعا، وهي ثورة نزل بها الوحي على رسول الله، فهي ~~أمر الله لا مرد له، ولا مفر من النزول على حكمه. # ولا ريب أن هذه الثورة كانت أعنف فعلا في نفوس العرب من الثورة العقلية التي انتهت إلى ~~تحطيم الأصنام، ونفي الشرك، وتوحيد الله، فقلوبنا وعقولنا تسرع إلى الحرية تستضيء بنورها، ~~متى حطمت من حولها الأغلال التي تقيدها، والأمر كذلك ما كان مقصورا على تفكيرنا وعلى ~~عقائدنا الذاتية؛ فإذا امتد الأمر إلى سلطاننا في الحياة وصلاتنا بغيرنا فلشد ما نتردد ~~في الإذعان له والتسليم به، وإذا ms581 سلمت عقولنا حاولنا مع ذلك أن نستبقي سلطاننا أو نسترد ما ~~ضاع أو نقص منه؛ لأن شهواتنا تحملنا على ذلك حملا وتدفعنا إليه دفعا، ومهما يسم العقل ~~على الشهوة، ومهما يستطيع التحرر لإدراك المعاني العليا، فللغريزة التي تستند إليها الشهوة ~~حكمها، ولا أدل على ذلك فيما نحن بصدده من حديث لعمر بن الخطاب نفسه، روى مسلم بإسناده أن ~~عمر قال: «والله إن كنا في الجاهلية لا نعد للنساء أمرا حتى أنزل الله تعالى فيهن ما ~~أنزل وقسم لهن ما قسم، فبينما أنا في أمر آتمره إذ قالت امرأتي: لو صنعت كذا وكذا؟ فقلت ~~لها: وما لك أنت ولما ها هنا، وما تكلفك في أمر أريده! فقالت لي: عجبا لك يا بن الخطاب! ما ~~تريد أن تراجع أنت، وإن ابنتك لتراجع رسول الله # صلى الله عليه وسلم # حتى يظل يومه غضبان! قال عمر: ~~فآخذ ردائي ثم أخرج مكاني حتى أدخل على حفصة فقلت لها: يا بنية، إنك لتراجعين رسول الله # صلى الله عليه وسلم # حتى يظل يومه غضبان؟ فقالت حفصة: والله إنا لنراجعه! فقلت: تعلمين أني أحذرك ~~عقوبة الله وغضب رسوله، يا بنية لا يغرنك هذه التي قد أعجبها حسنها وحب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # إياها! ثم خرجت حتى أدخل على أم سلمة لقرابتي منها فكلمتها، فقالت لي أم سلمة: عجبا لك يا ~~بن الخطاب! قد دخلت في كل شيء حتى تبتغي أن تدخل بين رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وأزواجه! قال عمر: ~~فأخذتني أخذا كسرتني به عن بعض ما كنت أجد فخرجت من عندها.» # جرى هذا الحديث بين عمر وحفصة وأم سلمة في السنة التاسعة من الهجرة، بعد أن أنزل الله ~~تعالى في النساء ما نزل وقسم لهن ما قسم، فإذا كان ذلك شأن عمر، وهو من هو قربا من رسول ~~الله وامتثالا لتعاليمه، فما بالك بغيره من العرب المنتشرين في شتى الأرجاء من شبه ~~الجزيرة! لا شك أنه كان بينهم وبين أزواجهم وبناتهم وذوي قرابتهم مثل ms582 الذي كان بين عمر ~~وابنته وأم سلمة أو أعنف منه، ولا شك أن النساء قد أصررن على ما فرض الله لهن من حق لم يكن ~~للرجال أن ينكروه عليهن أو يناقشوهن فيه وقد آمنوا بالله وكتابه ورسوله. # إذا كان هذا أثر الانقلاب الذي أحدثته مساواة المرأة بالرجل في المركز الإنساني، فأحر ~~بالأمر أن يكون أشد عنفا حين قرر الإسلام للمرأة حق الإرث الذي أنكرته عليها الجاهلية، ~~وحين حد الإسلام ما كان مطلقا من تعدد الزوجات فقصره على أربع، ثم آثر الزوجة الواحدة إذا ~~خيف عدم العدل، فالمساواة في المرتبة الإنسانية وفي مثوبة المرأة وجزائها في الآخرة أدنى ~~إلى الاعتبارات المعنوية، ولا ضير على الرجل أن تكون بينه وبين زوجه مودة من جانبها، ~~ورحمة من جانبه، ولا ضير عليه أن يوصي الله الإنسان بوالديه؛ # حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ~~ولوالديك إلي المصير ~~. # 20 # فأما أن ترث المرأة فتشارك الرجل فيما ترك المورث، والرجل هو الذي يطاعن ~~بالرماح ويحمي الحوزة ويحوز الغنيمة، فذلك يمس ما يسميه بعضهم اليوم «الحقوق المكتسبة» ~~مساسا مباشرا، ويمس المنافع المادية في صميمها، والأكثرون من الناس أشد تعلقا بالمنافع ~~المادية وحرصا عليها منهم على كل ما سواها. # ومثل هذا كان الشأن في قصر تعدد الزوجات على أربع، وإيثار الزوجة الواحدة في قوله تعالى: # فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ~~ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت ~~أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا ~~. # 21 # فما قررته هذه الآية يتفق مع المركز الإنساني الذي جعله القرآن للمرأة، لكنه مع ~~ذلك حد مما كان مباحا للعرب في الجاهلية، وقد قرره الإسلام فلم يكن مفر لمن أسلم من ~~اتباعه. # وإنما هون على العرب أن يذعنوا لما نزل من هذه الأحكام في شأن المرأة حين رأوه تعالى ~~يقول: # الرجال قوامون على النساء بما فضل الله ~~بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم ~~، # 22 # ويقول: # واستشهدوا شهيدين من رجالكم ~~فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ms583 ممن ترضون من ~~الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما ~~الأخرى ~~، # 23 # وحين جعل للذكر مثل حظ الأنثيين من الميراث، فهذه الآيات تفتح بابا لمن استعز ~~بأرائه القديمة، وإن لم تفتح هذا الباب إلا قليلا، ولم تفتحه إلا لأنها ألقت على الرجل ~~أعباء الإنفاق على أسرته والدفاع عن دينه ووطنه جهادا في سبيل الله. # كان ما نزل في النساء من هذه الآيات وأمثالها جديرا بأن يؤدي إلى انقلاب اجتماعي خطير في ~~الحياة العربية، فالمرأة أساس الأسرة، والأسرة أساس القبيلة والأمة والاجتماع كله، واحترام ~~الرجل للمرأة واشتراكها معه فيما تؤهله لها طبيعتها من شئون الحياة، يدفع إلى الحياة روحا ~~وقوة لا سبيل إليهما إذا هي عوملت معاملة الرقيق وأقصيت عن كل شركة في شئون الحياة، هذا إلى ~~أن إكرام المرأة يسمو بالفن الجميل إلى ذرى يقصر دونها إذا هي حبست في حدود أنها متاع ~~الرجل وخادم بيته، ولعلك تلحظ ذلك في الشعر الجاهلي؛ فأكثر ما فيه عن المرأة يضعها موضع ~~المتاع، ولا يجعل لها مكانا من قلب الرجل أو من تقديره إلا في حدود هذا المتاع، والمعلقات ~~السبع تشهد بهذا وتؤيده، وأنت تذكر أن نساء قريش خرجن مع مقاتليها للثأر من هزيمة بدر، فلما ~~التقوا هم والمسلمون في أحد، كن يحرضن الرجال فيقلن: # إن تقبلوا نعانق # ونفرش النمارق # أو تدبروا نفارق # فراق غير وامق # فلم يكن الظفر بالعدو، إعزازا للوطن وثأرا للكرامة، جزاء كافيا لأبطال قريش في نظر ~~نسائها، بل كان عناقهن الرجال وفرشهن النمارق لهم جزاء أوفى لمن أقبل، وكان فراقهن الرجال ~~عقابا أنكى لمن أدبر ونكص على عقبيه، ولو أن علاقة الرجل والمرأة لم تقصر على المتاع ~~كشأنها في الجاهلية، بل قامت على المودة والرحمة على ما جاء في القرآن، لكان لنسوة قريش غير ~~هذا الرأي في مثوبة أبطالها وفي عقابهم. # لم يكن الانقلاب الاقتصادي الذي جاء به القرآن دون الانقلاب الاجتماعي أثرا، فقد كان ~~للأغنياء من التجار والمرابين ومن إليهم مكان في الجاهلية يتطلع إليه الفقراء والعمال بعين ~~الإكبار، ms584 وإن لم يحملهم الإكبار على النزول عن حريتهم وأنفتهم، وكان الأغنياء لذلك إذا ~~أعطوا فقيرا أعطوه مشفقين، ثم منوا بإشفاقهم منهم بعطائهم، واتخذوا العطاء وسيلة ~~ترتفع بها مكانتهم بين الناس فوق رفعتها. # قاوم الإسلام هذه النزعة الأنانية لأول ما نزل الوحي، قاومها بتقرير مبدأ الإخاء ~~والمساواة بين الناس، وبالتثريب على الأغنياء الذين يتبعون صدقاتهم بالمن والأذى، ~~وبتقرير الزكاة فريضة على الأغنياء للفقراء، قال تعالى: # قول ~~معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني ~~حليم * يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم ~~بالمن والأذى ~~، # 24 # وقال: # إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن ~~تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ~~. # 25 # وليست الصدقة فضلا للغني على الفقير، بل هي حق في مال الغني للفقير، وذلك قوله ~~تعالى: # إنما الصدقات للفقراء والمساكين ~~والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب ~~والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله ~~عليم حكيم ~~، # 26 # وهي حق للفقير يساوي حق الأبوين في مال ابنهما إذا احتاجا، وذلك قوله تعالى: # يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير ~~فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل ~~وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم ~~. # 27 # هذا توجيه جديد من اليسير عليك أن تقيم على أساسه مذهبا كاملا للاشتراكية الإسلامية، ~~وهو توجيه لم يكن مألوفا بين العرب بمثل هذه القوة، فالناس في كل العصور يتحدثون عن ~~الإحسان وعن العطاء على أنهما فضل ممن أعطى، وليسا حقا لمن أخذ، أما القرآن فيعتبرهما ~~حقا هو وحده الذي يطهر مال الغني مما يخالطه من الإثم؛ لذا كان لهذه النغمة أثرها القوي ~~في انتشار الإسلام أول نزوله، وكان لها أثرها من بعد في تطور الجماعة الإسلامية هذا التطور ~~السريع الذي رأيت. # أما الربا فقد حاربه الإسلام حربا عوانا، وحسبك لتقدر ذلك أن تذكر قوله تعالى: # يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا ~~يحب كل كفار أثيم ~~، # 28 # وقوله: # الذين يأكلون الربا لا يقومون ~~إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من ~~المس ~~، # 29 # بل لقد اعتبر ms585 القرآن الربا أكلا لأموال الناس بالباطل في قوله تعالى: # وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال ~~الناس بالباطل وأعتدنا للكافرين منهم عذابا ~~أليما ~~. # 30 # أما وقد كان الربا مشاعا في الجاهلية فحرمه الله، فقد وجب ألا يأخذ أحد ما تعاقد عليه ~~منه، وذلك قوله تعالى: # يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ~~وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين * فإن ~~لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم ~~فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون ~~. # 31 # كان لهذا التنظيم الاقتصادي أثره في الحياة الاجتماعية، وكان هذا الأثر قويا عميقا ~~زاده عمقا وقوة أنه لقي التأييد الحار من جانب الكثرة الكبرى من المسلمين، ولذا ظل ~~المسلمون ينكرون الربا بكل ما أوتوا من قوة إلى هذا العصر الأخير. # اقترن الانقلاب الديني والانقلاب الاجتماعي في بلاد العرب بالانقلاب السياسي الذي أدى إلى ~~وحدتها بعد شتات، وبالتوسع في الفتح توسعا رأينا أي مدى بلغ في عهد عمر، وقد تضافرت هذه ~~العوامل فنقلت العرب، في حياتهم العمرانية وفي حياتهم الاقتصادية، نقلة لم تدر لهم ولا ~~لآبائهم بخاطر، فقد انتقل الألوف وعشرات الألوف من أهل البادية إلى حضر الشام، وأقام ~~الكثيرون منهم بين الرياض والغياض في دمشق وحمص وقنسرين والمدائن والكوفة والبصرة وفي ~~غير هذه من المدن الزاهرة والعامرة، وقد رأوا في الإسكندرية وفي منف وطيبة وفي غيرها من ~~بلاد مصر عمارة وصناعة وريفا خصبا وظلا وارفا، وقد اجتمع لهم من الفيء والعطاء رزق ~~حسن يجنبهم شظف العيش بل يعودهم لينه وييسر لهم متعه، ثم إنهم رأوا في بنات الأصفر من ~~الروم والشام وفي عذارى مصر وظباء العراق جمالا غير الذي ألفوا في بدوهم وحضرهم، جمال ~~الحياة الناعمة اللينة، كما وجد بعضهم في نبيذ هذه البلاد المفتوحة طعما سائغا وفعلا ~~رفيقا، وإلى جانب هذا كله كانت تقوم آثار الفن بارعة رائعة في معابد الروم ومقابرهم وما ~~فيها من تماثيل وفنون أبدع صناعها في تصويرها أي إبداع، وفي كنائس المسيحيين وأديارهم وما ~~فيها من صور تكاد ms586 تنطق بما أراد مصوروها أن تنطق به، هذا إلى ما كانت مدرسة الإسكندرية ~~تذيعه في الناس من مبادئ وآراء، ومن علوم وفنون، وما كان يذيعه الروم والفرس في دمشق ~~والمدائن من تعاليم وآداب أثمرتها حضارات نضجت على القرون ثم آن للعفاء أن يجر عليها ~~ذيله. # ترى أي أثر أدى إليه اجتماع هذه العوامل الكثيرة في حياة العرب الاجتماعية لذلك ~~العهد؟ # تقتضينا الإجابة على هذا السؤال أن نضم إلى هذه العوامل عاملا وجهها جميعا، هذا ~~العامل هو عمر نفسه؛ فقد كان لاجتهاده في الفقه والسياسة والاقتصاد والاجتماع أثر أعظم ~~الأثر في الجماعة الإسلامية كلها وفي العرب جميعا، سواء من أقام منهم في شبه الجزيرة ومن ~~استوطن البلاد المفتوحة، وسنفصل شيئا من هذا الاجتهاد في الفصل التالي، وهذا الاجتهاد هو ~~الذي عصم الحياة الاجتماعية في عهده من التدهور، وهو الذي حفظ للروح الإسلامي سؤدده على ~~نفوس المسلمين حيثما كانوا، وهذا فضل لعمر عظيم يضاف إلى سيرته العادلة في الحكم، وإلى ~~اضطلاعه بأعبائه في قوة وبراعة. # فقد أدرك بإلهامه أن النفس الإنسانية، حين تندفع إلى السمو الروحي، معرضة دائما ~~لجواذب الأهواء تميل بها إلى المستوى الذي يلائم طباعها وسلائقها، كطائرة ترتفع محلقة في ~~الجو، وهي معرضة أبدا للانحدار، بحكم جاذبية الأرض، إذا ضعفت القوة التي رفعتها في أجواز ~~الأثير، فإذا لم يصرف أمير المؤمنين عنايته لمقاومة أسباب الضعف في نفسه أولا ليكون الأسوة ~~لغيره، ولمقاومة أسباب الضعف في نفوس الناس جميعا، خيف أن تنحرف المبادئ التي أدت إلى ~~السمو والقوة عن وجهتها وأن تتغلب عليها السلائق والأهواء الدنيا، وأن يعود الناس سيرتهم ~~الأولى مصورة في ظاهر جديد يظن الناظر إليه أنه يتفق مع مبادئ الإسلام وتعاليمه، وقد ~~رأيت كيف بلغ عمر من القسوة بنفسه، كيما يحس إحساس أفقر المسلمين وأضعفهم، حتى أشفق أصحابه ~~في حين من الأحيان على حياته، وقد جعلته قسوته بنفسه في حل من أن يقسو بكل من يراه ~~مخالفا لموجب العدل والتقوى، أو منحرفا عن سبيل النزاهة والخلق القويم، بذلك ms587 استطاع أن ~~يحاسب عماله الحساب العسير، وأن يعزل منهم من رأى فيه اعوجاجا مع المحافظة على هيبة ~~المحسنين منهم وتقوية سلطانهم، وأن يجتهد في بعض الحدود والأحكام اجتهادا لم يعرفه الناس ~~في عهد أبي بكر ولا في حياة الرسول، وأن يستن في الاقتصاد والاجتماع سننا صارمة رآها تكفل ~~لمبادئ الدين القيم أن تظل في صفائها ونقائها. # أدى مثل عمر وأدت سياسته في الاقتصاد والاجتماع، إلى بقاء ما ركب في النفس العربية ~~من خلال الإقدام والغزو سليما قويا؛ فهو لم يسمح للعرب المحاربين باستغلال الأرض في ~~العراق والشام ومصر، بل أبقاهم في مسالحهم جنود جهاد وفتح، فكانت الإمبراطورية المترامية ~~الأطراف نتيجة محتومة لهذه السياسة، وأدى اجتهاد عمر إلى يقظة النشاط العقلي عند العرب في ~~ميادين لم يكونوا يألفون الخوض فيها، فقد أغرى تدفق المال الناس بالإقبال على الثروة والحرص ~~على جمعها وتثميرها، فحبذ بعضهم هذا الاتجاه ورآه خيرا لرخاء المسلمين، وعابه بعضهم ورآه ~~مخالفا لمبادئ الدعوة الإسلامية، مستندين إلى قوله تعالى: # كلا ~~إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى * ~~إن إلى ربك الرجعى ~~، # 32 # ورأى المسلمون في البلاد المفتوحة آثارا من الفن بعضها تماثيل تشبه الأصنام ~~التي كانت عند الكعبة في الجاهلية فلم يحطموها، بل لم ير سعد بن أبي وقاص بأسا بأن ~~يتخذ إيوان كسرى بالمدائن مصلى، وأن يترك ما به من تماثيل قائما على أنه بعض الزخرف الذي ~~ازدان به القصر وازدانت به أبهاؤه، وهو إنما أبقاها؛ لأنه لم يكن أحد يعبدها، وكان معظم هذا ~~النشاط متجها إلى ما لم ينزل فيه قرآن ولم تجر به سنة من رسول الله، فكان اجتهاد الرأي ~~فيه مما عني العرب به، على أن هذه العناية لم تتعد المنافع العاجلة، فلم تخرج بالعرب ~~عن طبيعتهم، ولم تبلغ بهم إقامة مذاهب في الفلسفة أو الاقتصاد أو الاجتماع قوامها المنطق ~~الذي يتعمق الأشياء كما فعل اليونان، ولا إلى إقامة مذاهب في الأدب على اختلاف صوره، يتطور ~~معها الشعر إلى الملحمة، والنثر إلى القصة الطويلة كما فعل ms588 الفرس. # ومن الشطط أن يطلب إنسان إلى أمة العرب لذلك العهد ~~أن تنتقل في فلسفة التوحيد إلى ما فصله الغزالي والفارابي وابن رشد وغيرهم من بعد، وحسبها ~~أنها آمنت بالعقائد والقواعد التي جاء بها الرسول من عند الله، وأنها اتخذت هذه العقائد ~~والقواعد أساسا لعباداتها ونظم حياتها ومعاملاتها، ثم حسبها بعد ذلك فخارا أن أقامت ~~القواعد من الإمبراطورية، فشاد أبناء هذه الإمبراطورية رويدا رويدا مبادئ الحضارة التي ~~وجهت الإنسانية قرونا طويلة من بعد، فإذا ذكرت أن هذا الانتقال لم يكن بالأمر الهين ~~وذكرت جهاد رسول الله وأصحابه في سبيله، وقدرت حال العرب في ذلك الطور من حياة الإنسانية، ~~وجب عليك أن تنظر في كثير من التسامح ما بقي بين العرب من عاداتهم القديمة التي لم يحرمها ~~الإسلام، وإلى ما اندفعوا إليه بحكم التطور الذي أقام الإمبراطورية، بعد أن أفاء عليهم من ~~الأموال والنعم ما لم يكن لهم من قبل به عهد. # والواقع أن العرب لم يكونوا في ذلك طرازا وحدهم، ولم يخرجوا فيه على مألوف الجماعة ~~الإنسانية في كل العصور، فما أكثر ما في التاريخ من شواهد على أن الثورات لا تغير من ميول ~~البشر وعاداتهم، بقدر ما تغير من مسارح تفكيرهم ونظم جماعتهم! فهم ينتهون إلى التسليم برأي ~~من الآراء أو بمبدأ من المبادئ وإلى الإيمان به، ومع ذلك تراهم لا يلبثون أن يكيفوا ما ~~تفرضه عليهم سليقتهم من ميول وأهواء ليسلكوها في نطاق هذا المبدأ، وفي نطاق النظام الذي ~~يقوم على أساسه ، ذلك بأن الكثرة الكبرى من الناس تتأثر بدوافع الغريزة ومغرياتها أضعاف ما ~~تتأثر بالمثل العليا التي ترسم لهم وتتراءى أمامها، وهذه الكثرة شديدة الرجاء دائما في ~~التخلص من الجزاء الذي يترتب على اندفاعها مع أهواء الغرائز ودوافعها، وهي تلتمس هذا الرجاء ~~في الاستتار عن أعين الناس حينا، وفي شبهة القاضي يدرأ بها الحد حينا آخر، وفي مغفرة الله ~~دائما، أليس عفوه وغفرانه قد وسعا كل شيء؟ أولا تجزى الحسنة عنده بعشر أمثالها، ولا ~~تجزى السيئة إلا ms589 بمثلها؟ ويا بؤس الإنسان إذا لم يكن له في عفو الله مطمع! وما أكثر ما يجد ~~الإنسان في خلق الله من متاع! فمن استحل منه ما أحل الله، وحرم على نفسه ما حرم، وعمل ~~صالحا، فله أجره عند ربه، ومن زلقت به القدم وأغرته النفس الأمارة بالسوء ثم تاب وأناب، ~~فإن الله يقبل التوبة من عباده. # ماذا بقي من عادات الجاهلية في حياة العرب الاجتماعية بعد إسلامهم؟ وماذا طرأ عليهم في ~~هذه الحياة حين انفسحت إمبراطوريتهم، واستقر الألوف منهم خارج شبه الجزيرة؟ # كان العرب في الجاهلية يتعصب كل منهم لقبيلته، ويتعصبون جميعا للجنس العربي، وطبيعة ~~الدعوة الإسلامية تنكر هذه العصبية الجاهلية؛ فهي تسوي بين الناس جميعا، وإنما يتفاضلون ~~بأعمالهم وتقواهم، لا فرق بين عربي وغير عربي، والقرآن صريح في ذلك إذ يقول تعالى: # إن أكرمكم عند الله أتقاكم ~~، # 33 # ويقول: # إنما المؤمنون ~~إخوة ~~، # 34 # والإسلام قد نزل للناس كافة، أحمرهم وأسودهم، عربيهم وأعجمهم، ~~ولذا قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم # في خطبة الوداع: # أيها الناس إن الله تعالى أذهب عنكم نخوة الجاهلية وفخرها بالآباء، ~~كلكم لآدم وآدم من تراب، ليس لعربي فضل على عجمي إلا ~~بالتقوى. # مع ذلك بقيت العصبية القبلية متأصلة في نفوس أكثر العرب، وبقي التعصب للجنس العربي قويا ~~فيهم جميعا؛ بل لقد تضاعف هذا التعصب للجنس بانتشار العرب في ملك فارس والروم وحكمهم أهله، ~~وأيقن العرب أن ما ألقاه القدر عليهم من رسالة وقف عليهم لا يشاركهم فيه أحد. # والأمثلة على بقاء التعصب للقبيلة كثيرة في التاريخ، وقد حدث من ذلك في حياة النبي أن ~~تفاخر الأوس والخزرج وذكروا يوم بعاث وقال أحدهم: «إن شئتم والله لنعيدنها ~~جذعة.» ولولا أن تدخل النبي بينهم وأعاد إليهم إخاءهم لكان بين الفريقين شر، وقد سكن ~~التعصب للقبيلة في العهد الأول من حكم الخلفاء؛ لأن اشتغال المسلمين بالفتح أمات ما بينهم ~~من منازعات، فلما اختلف علي ومعاوية عادت العصبية للقبيلة سيرتها الأولى، وعاد ما كان بين ~~بني هاشم وبني أمية ms590 إلى مثل ما كان في الجاهلية، ولا تزال هذه العصبية للقبيلة قوية في ~~العرب أهل البادية إلى وقتنا الحاضر، سواء في ذلك من أقام منهم في شبه الجزيرة ومن أقام ~~خارجها. # أما تعصب العرب لجنسهم فقد زاده الفتح أضعافا مضاعفة، كيف لا وهم يرون الإمبراطوريتين ~~العظيمتين، فارس والروم، تنهار أركانهما أمام قوتهم ويدول سلطانهما لدولتهم، ولعلهم لم ~~يجدوا بهذا التعصب بأسا والله تعالى يقول فيهم: # كنتم خير ~~أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ~~وتؤمنون بالله ~~، # 35 # ويقول: # وكذلك جعلناكم أمة وسطا ~~لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم ~~شهيدا ~~، # 36 # فذكروا هذه الآيات ونسوا تثريب الله عليهم ولومه لهم في كثير غيرها، كما نسوا ~~مبادئ الإخاء والمساواة التي دعا الإسلام إليها وجعلها أساس الإيمان. # وليس لنا أن نؤاخذ العرب بتعصبهم لجنسهم؛ فالتعصب للجنس كان ولا يزال سنة في الأمم تأخذ ~~بها وتعمل على تقويتها، ألا يزعم الجنس الأبيض اليوم أن القدر اختاره ليرقى بالأجناس ~~الملونة، على تعبيرهم، في مدارج الحضارة! أولا يزعم الجنس الآري أنه أفضل من الجنس السامي ~~ومن سائر الأجناس؛ وأنه أحدها ذكاء، وأدقها منطقا، وأكثرها في العلم والفن ابتكارا ~~وإنتاجا! والجنس السكسوني والجنس الألماني يدعي كل منهما لنفسه مثل هذه الدعوى التي يتشدق ~~بها كل من بسم له الحظ، فجعل له سلطان البطش بالشعوب الأخرى في طور من أطوار التاريخ ~~الإنساني، وهؤلاء جميعا يتشدقون بهذه الدعوى وهم يعرفون ما يثبته التاريخ من أن السلطان ~~دول، فهو ينتقل بين الأجناس والألوان والأمم في أطوار تتصل بالحياة المعنوية حينا، ~~وبالحياة الاقتصادية حينا آخر، ولا علاقة له البتة بجنس بذاته ولا بلون بذاته، فإذا كان ~~العرب قد بالغوا في التعصب لجنسهم، يوم كانوا الغالبين وكانت مقاليد الحضارة في أيديهم، ~~فلهم من العذر أنهم جروا على السنة التي تجري عليها الأجناس كلها والشعوب جميعا؛ فتعصبوا ~~لعربيتهم، وإن خالف هذا التعصب مبادئ الإسلام، ودعوته الصريحة القوية إلى الإخاء ~~والمساواة. # وقد أدى بهم هذا التعصب إلى التشبث بعادات جاهلية لا تقرها ms591 تعاليم الإسلام، من ذلك حرصهم ~~على الثأر وتشبثهم بعاداتهم القديمة فيه، فالتعاليم الإسلامية لا تبيح من الثأر ما كان ~~مباحا في الجاهلية، وما كان يثير بين القبائل قتالا يتصل أعواما، فالله تعالى يقول: # وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ~~ولئن صبرتم لهو خير للصابرين ~~، # 37 # ويقول: # يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم ~~القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى ~~بالأنثى ~~. # 38 # والقصاص حد من الحدود يقيمه ولي الأمر، ولا يتولاه ولي الدم نفسه، هذا، ثم إن ~~القرآن يأمر بالعفو وينصح به في كثير من الآيات، مع ذلك تشبث العرب بالثأر، فبقي عادة ~~متأصلة فيهم متنقلة على الأجيال بينهم، وذلك شأن البدو منهم إلى يومنا هذا، بل إن من الحضر ~~الذين يمتون إلى البدو بصلة القربي من لا تزال فكرة الثأر متصلة في نفوسهم بكرامتهم ~~وبحياتهم؛ فهم لا ينزلون عنها، ولا يجدون في القانون وقصاصه ما يرضي عاطفتهم ويعدل بهم عن ~~جاهليتهم. # سكنت العصبية للقبيلة، وسكنت الثارات في عهد عمر؛ لأن المسلمين شغلوا بالجهاد والفتح، على ~~أن ما أفاءه الفتح عليهم من مغانم، وما بدله من حياة من سكن الحضر في العراق والشام ومصر ~~من أهل البادية، أثار في كثير من النفوس نزعتها الأولى للمتاع المادي بالحياة. # فقد كان للعرب في جاهليتهم غرام بالنبيذ والخمر، وولع بالنساء والغناء، وافتتان في إشباع ~~الشهوات بالقدر الذي ييسره لهم حظهم من الرخاء أو من شظف العيش، فلما كان الفتح وعظم حظهم ~~من الرخاء فصارت أسباب المتاع في متناول أيديهم، هرع الكثيرون منهم إلى إرضاء ما أحبت ~~نفوسهم من قبل، وما أسرع ما هيأ لهم المنطق وسيلة الاقتناع بأنهم لا يخالفون في ذلك ما أمر ~~الله به وما نهى عنه وما أقام حدوده! بذلك عاد منهم إلى الشراب من عاد، وهو يزعم أن لا إثم ~~عليه فيما يتناوله منه؛ فلم يفرض الله حدا لشارب، ولم ينزل رسول الله ولم ينزل أبو بكر ~~بشارب عقابا، أما النساء فقد أرضى ولع الكثيرين بهن ما ملكت ms592 أيمانهم منهن؛ فقد كانت ~~سبايا الفرس والروم، ومنهن فاتنات الجمال والدلال، يقسمن بين الجند كما تقسم أموال ~~الفيء، ويعرضن في الأسواق رقيقا يبتاع منهم من شاء أن يرضي بهن هواه. # وإن كتب الأدب وكتب التاريخ لتقص من ألوان هذا المتاع بالخمر والميسر والنساء الشيء ~~الكثير، سقنا من قبل حديث أولئك النفر من المسلمين الذين شربوا الخمر بالشام فسألهم أبو ~~عبيدة، فلم ينكروا لكنهم تأولوا وقالوا: خيرنا فاخترنا؛ قال: هل أنتم منتهون، ولم يعزم ~~علينا. وقصصنا كذلك حديث عبد الرحمن بن عمر حين شرب الخمر بمصر، وذهب إلى عمرو بن العاص ~~ليقيم عليه الحد، وذكرنا نبأ أولئك الذين رآهم عمر ليلة يشربون بظاهر المدينة، فلما سأل ~~أحدهم الغداة عما كانوا يفعلون أجابه: ألم ينهك ربك عن التجسس! وهذه أمثال سقناها في ~~مناسباتها، وهي مع ذلك تدل على أن الشراب كان فاشيا في بعض طبقات المسلمين لذلك العهد، مع ~~ما كان من شدة عمر في تحريمه وإقامة الحد عليه. # وما يروى عن حديث النساء أكثر استفاضة، وبعضه ينسب إلى أشخاص لهم مكانتهم، وقد رأينا كيف ~~كان اصطفاء ذوات الجمال من السبايا أمرا جاريا مجرى العادة، لا ينكره أحد، ولا يلام من ~~أجله أحد، وقد اصطفى علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد وغيرهما من كبار الصحابة سبيات من ~~الفرس والروم أنجب بعضهن ولم ينجب بعضهن الآخر، ويروي صاحب الأغاني أن عبد الرحمن بن أبي ~~بكر استهيم بليلى بنت الجودي الغساني، وكان قد رآها ليلة في بيت المقدس في جوار ونساء ~~يتهادين، فإذا عثرت إحداهن قالت: يا ابنة الجودي، وإذا حلفت إحداهن حلفت بابنة الجودي، ~~وكانت ليلى تقيم بدمشق؛ فلما فتحها المسلمون سبوها وغنموها لعبد الرحمن، فسار بها إلى ~~المدينة وأقام معها مفتونا بها فتنة جنون، وتحدث الناس بغرامة وما يصنع، حتى كلمته شقيقته ~~عائشة أم المؤمنين وذكرت له حديث الناس، فلم يزد على أن قال: «يا أخية دعيني، فوالله ~~لكأني أرشف من ثناياها حب الرمان!» # وبادلته ليلى أول الأمر حبا بحب وغراما ms593 بغرام، وسرها أنها كانت في بيته الملكة ~~المتفردة بالأمر على كل ما فيه ومن فيه، لكن مر الأيام دس إلى قلبها حنينا لأهلها، ولما ~~كانت تستمتع به من مكان الملك بينهم، ولا عجب، فأين حياتها بالمدينة من حياتها في قصر ~~الإمارة بدمشق بين الغياض والرياض من جناته الفيحاء! وأين عيشها مع عبد الرحمن مما كان لها ~~في قصر أبيها من أسباب الخفض والنعمة! كان لها في هذا القصر بساط يمد لها إذا ذهبت إلى ~~حاجتها، وكان يرمى بين يديها برمانتين من ذهب تتلهى بهما في طريقها، وكان لها بدمشق جوار ~~يخطئهن العد، وهي بالمدينة جارية وإن نالت عند سيدها من الحظوة ما نالت، وزاد بها ~~الحنين، فكان عبد الرحمن إذا خرج من عندها ثم رجع إليها رأى في عينيها البكاء، فإذا سألها: ~~ما يبكيك؟ لم تحر جوابا، وقال لها يوما: اختاري خصالا أيها شئت فهي لك: إن شئت أعتقتك ~~وتزوجتك، وإن شئت رددت على قومك، وإن أحببت رددتك على المسلمين، وأبت كل ما عرضه، فألح ~~عليها يسألها عن سبب بكائها فقالت: «أبكي الملك من يوم البؤس!» وحزت هذه الكلمة في نفس عبد ~~الرحمن، ورأى فيها من التنكر له وإنكار جميله ما غير قلبه على ليلى، فأعرض عنها وزادها ~~إعراضه ألما، فمرضت وشحب لونها وانطفأ نورها وذهب جمالها، فملها عبد الرحمن، وهانت عليه ~~وأساء معاملتها، وبلغ من بؤس الأميرة الأسيرة أن تحرك قلب عائشة أم المؤمنين رفقا بها ~~وشفقة عليها، فقالت لأخيها: «يا عبد الرحمن، لقد أحببت ليلى فأفرطت، وأبغضتها فأفرطت ، فإما ~~أن تنصفها، وإما أن تجهزها إلى أهلها!» وجهزها عبد الرحمن فرجعت إلى أهلها كاسفة البال ~~كسيرة الطرف، وقضت بينهم بقية حياة حرمت خير أنعم الحياة. # ليست قصة عبد الرحمن بن أبي بكر فريدة في نوعها، وإذا كان لهذا النوع من القصص المنثورة ~~في كتب الأدب والتاريخ دلالة، فهي أن العرب طبعوا على حبهم المرأة وغزلهم بالنساء بعد ~~الإسلام، وأنهم وجدوا في سبايا الفتح ما زادهم في التعلق بالنساء افتتانا، ms594 كانت قصة عبد ~~الرحمن وأشباهها مما يقع بالمدينة، ما بالك بما كان يقع بالكوفة والبصرة وبدمشق وحمص ~~وبالفسطاط والإسكندرية! وأنت تذكر قصة أم جميل إحدى نساء بني هلال، وأنها كانت تغشى الأمراء ~~والأشراف، فغشيت المغيرة بن شعبة وهو على ولاية البصرة، فاتهمه فيها قوم عند عمر ~~فعزله عن ولايته، والطبري يسوق قصة أم جميل هذه وأنها كانت تغشى الأمراء والأشراف، ويقول: ~~«وكان بعض النساء يفعلن ذلك في زمانها.» أي في عهد عمر. # ربما فسرنا بعض الذي كان من إقبال كثيرين على الشراب وعلى النساء وعلى غير هذين من متع ~~كان العرب يحبونها قبل إسلامهم، أنهم كانوا في حرب دائمة وقتال متصل، فإذا رجعوا من ~~الميادين كانوا على أهبة دائمة للعود إليها، فقد كانت البصرة والكوفة وبلاد كثيرة غيرها في ~~العراق والشام مسالح تضم الجند العائد من القتال والمتأهبين له، ونحن نشهد اليوم والتاريخ ~~يحدثنا في أنباء ما سلف من العصور أن الحرب تثير في كثير من النفوس شهواتها وتدفعها لإمتاع ~~هذه الشهوات وإشباعها، والسر في ذلك أن الجند لا يجدون إذا فرغوا من القتال، ما يملئون به ~~فراغهم إلا أن يذكروا فعالهم يفاخرون بها، وفعال زملائهم الذين خروا صرعى في حومة الوغى ~~يتحدثون عنها، ولم تكن المعارك في ذلك العهد تستنفد من الوقت ما تستنفده معارك هذا العصر، ~~وقد رأينا معركة القادسية لا تستغرق أكثر من ثلاثة أيام، ورأينا معركة نهاوند تنتهي في مثل ~~هذا الوقت أو في أقل منه، ولم يكن القتال ليطول إلا أن يحاصر المسلمون مدينة منيعة كدمشق أو ~~قيسارية أو بابليون أو الإسكندرية، وكان الجند كلما انتصروا عادوا بالغنائم والأسلاب، ~~ومن بينها السبايا من نساء البلد المفتوح وبناته، وكثيرا ما يحدث في الحروب أن يستباح ~~البلد المفتوح أياما عقب الفتح يرخى للجند فيها العنان، يأكلون ويشربون، ويستمتعون بكل ~~ما طاب لهم أن يستمتعوا به، وكان الذين يعودون من الفتح بالسبايا في حل من الاستمتاع بما ~~ملكت أيمانهم منهن، فأما من لم يكن له منهن حظ يرضيه، ms595 ثم هوت نفسه إلى المتاع، فقد كان ~~يلتمس بعد أوبته وسيلة متاعه، ذلك شأن الجند في كل عصر، وهو شأنهم اليوم، وهو يفسر لنا بعض ~~ما ترويه كتب الأدب والتاريخ لما حدث من مثله في عهد الفتح الإسلامي. # على أن هذا التفسير لا يكشف لنا عن السر في حرص العرب على هذا المتاع، بعد أن انقضى عهد ~~الفتح والغزو، فقد ظل كثيرون يتوفرون على الشراب ويولعون بالنساء في عهد الأمويين، وفي عهد ~~العباسيين، وفي عهود الانحلال التي تلت هذين العهدين، ولم يكن الرأي العام شديد الإنكار على ~~أصحاب هذا المتاع، بل كان الناس يحسنون الاستماع لما يروى عنهم وما يوصف به متاعهم، ولا ~~أحسبني أعرف شعرا بلغ من الافتنان في الخمريات وفي الغزل ما بلغه الشعر العربي، والشعر ~~الإسلامي يستمد الوحي في هذين البابين من الشعر الجاهلي أكثر مما يستمده منه في غيرهما، ~~فإذا كان في طبيعة القتال أن يثير الشهوات وأن يدعو إلى الإمعان في إرضائها، فهو إنما يثير ~~الشهوات الأصيلة في النفس ولا يخلق غيرها؛ لذا لم يزد الفتح العربي على أن أثار في بعض ~~النفوس شهوات جاهلية وقف منها عمر موقفا حازما نتحدث عنه بعد حين. # لكن عمر لم يقف مثل هذا الموقف مما أحله الإسلام من ألوان المتاع السائغ عند بني جنسه، من ~~ذلك أن العرب كانوا من أكثر الشعوب حبا للغناء وولعا بسماعه، بل كان الغناء من حاجات ~~حياتهم وضرورات عيشهم، فحداؤهم الإبل كان ينسيهم وينسي إبلهم وعثاء السفر ويهون عليهم ~~مشقته، فإذا نزلوا منزلا يستريحون فيه بعد طول السرى كان الغناء بعض سلوتهم، وبخاصة إذا ~~كان بينهم مطرب رخيم الصوت حسن الإيقاع تحيي أنغامه ما في نفوسهم من حنين للأهل، أو حرص على ~~الثأر، أو تطلع للمجد، وقد شاع ذلك في باديتهم وفي حضرهم، فكانت مجالس الغناء تعقد بمكة ~~والمدينة وغيرهما من بلاد شبه الجزيرة، كما كانت تعقد في أرجاء البادية من أقصى جنوبها إلى ~~أقصى الشمال، وكان عمر نفسه، على ما عرف من ms596 شدته وغلظته، يطرب للغناء ويردده أحيانا. خرج ~~رهط من الشبان في ركب فيه عمر وعثمان وابن عباس، وفيه رباح الفهري الذي كان يجيد الحداء ~~والغناء، فلما أمسوا سأل الشبان رباحا أن يحدو لهم فأبى وقال: مع عمر؟ قالوا: احد، ~~فإن نهاك فانته، فحدا فلم يعترض عمر، بل طرب لسماعه، فلما كانت ساعة السحر قال له: ~~كف! هذه ساعة ذكر، وسأل الشبان رباحا في الليلة الثانية أن ينصب لهم نصب العرب، ~~وقالوا له حين أبى خوفا من عمر: انصب فإن نهاك فانته، وسمع له عمر حتى ساعة السحر ثم ~~قال له: كف! فإن هذه ساعة ذكر، وسأل الشبان رباحا في الليلة الثالثة أن يغنيهم غناء ~~القيان، فلم يكد يبدأ حتى صاح به عمر: كف فإن هذا ينفر القلوب! # وخرج عمر مرة للحج، فاقترح من معه على خوات بن جبير أن يغنيهم من شعر ضرار، ~~قال عمر: بل دعوا أبا عبد الله فليغن من بنيات فؤاده، وغنى خوات وطرب عمر، حتى ~~إذا كان السحر قال له: ارفع لسانك يا خوات فقد أسحرنا. # وتغنى عمر وهو في ركب: # وما حملت من ناقة فوق رحلها # أبر وأوفى ذمة من محمد # فاجتمع الركب يسمعون إليه، فلما رآهم اجتمعوا قرأ القرآن فتفرقوا، وتكرر ذلك منهم ومنه، ~~فصاح بهم: يا بني اللقطاء! إذا أخذت في مزامير الشيطان اجتمعتم، وإذا أخذت في كتاب الله ~~تفرقتم! # ونهيه رباحا عن غناء القيان بعد استماعه له وهو يحدو وهو ينصب، وغضبه من الذين ~~تفرقوا حين قرأ القرآن بعد اجتماعهم لسماعه يتغنى بالشعر، يشهدان بأنه كان يحب السماع ويحب ~~الغناء، ولقد كان يحب الغناء يحسن صاحبه التعبير عن المعاني التي ترضاها النفس الكريمة، ~~ولا ينزل إلى حيث يستهوي في النفس نوازع ضعفها ونزغ شهواتها، وكان على حبه الغناء والاستماع ~~له، يؤثر عليه سماع القرآن وتلاوته، ولا عجب وقد كان عمر إذا سمع القرآن وهو مغضب سكت عنه ~~غضبه، وكثيرا ما كان يستدر مآقيه دموعا تعبر عن عمق إيمانه وصدق إسلامه، ولا عجب ms597 وقد ~~كان ضعف النفس لأمرها بالسوء شر ما يعاب به الرجل عند عمر. # وإنما نهى عمر عما يحرك في النفس نوازع الضعف ونزغ الشهوة لما رأى من سوء أثره في حياة ~~الجماعة، وحياة الجماعة وقوة هذه الحياة ونشاطها وتوثبها إلى الأغراض السامية واجبات يضطلع ~~بها الحاكم، كاضطلاعه بحفظ النظام في الدولة والمحافظة على سلامتها؛ لأن هذه القوة وهذا ~~النشاط وهذا التوثب كلها أدوات للنظام والسلامة، وليست الأقوال دون الأفعال أثرا في هذه ~~الحياة. كان المديح وكان الهجاء من أغراض الشعر العربي في الجاهلية ثم ظلا من أغراضه في ~~الإسلام، ولا يزالان من أغراضه إلى اليوم، وكان بعض الشعراء يغلون في مدائحهم وأهاجيهم ~~غلوا يحرك الحفائظ ويثير المنازعات، فكان عمر يؤاخذ هؤلاء الشعراء، ويأخذهم بالشدة التي ~~تردعهم وتردهم عن الاسترسال في غيهم. # والرواية عنه في ذلك مستفيضة، روي أنه حبس الحطيئة؛ لأنه كان يقول الهجر ويمدح الناس ~~ويذمهم بما ليس فيهم، فلما أعطاه الحطيئة موثقا ألا يعود إلى ما حبس فيه أطلقه، فلما ولى ~~ناداه فرجع فقال له: كأني بك يا حطيئة عند فتى من قريش قد بسط لك نمرقة # 39 # وكسر لك أخرى ثم قال: غننا يا حطيئة، فطفقت تغنيه بأعراض الناس! فأقسم ~~الحطيئة أن لن يفعل، قال زيد بن أسلم: ثم رأيت الحطيئة يوما عند عبيد الله بن عمر ~~قد بسط له نمرقة وكسر أخرى، ثم قال: تغنينا يا حطيئة، وهو يغنيه، فقلت: يا حطيئة! أما تذكر ~~قول عمر! ففزع وقال: رحم الله ذلك المرء! أما لو كان حيا ما فعلنا هذا. وإنما حبس عمر ~~الحطيئة لهجائه الزبرقان بن بدر في أبياته التي يقول فيها: # دع المكارم لا ترحل لبغيتها # واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي # وكان عمر مشغوفا بالشعر، يرويه ويتمثل به ويحث على روايته، فلما شكا الزبرقان إليه ~~الحطيئة أراد أن يدرأ التعزير بالشبهة، فقال حين سمع هذا البيت: ما أسمع هجاء ولكنها ~~معاتبة، ثم إنه سأل حسان بن ثابت وهو الخبير في الشعر، فلما شهد بإفحاش هذا ms598 البيت في ~~الهجاء، حبس الحطيئة ثم أنذره ألا يعود إلى مثل ما فعل، ولم يعد الحطيئة إلى الهجاء إلا في ~~خلافة عثمان. # وحبس عمر الشاعر الذي هجا بني العجلان بأبياته التي يقول فيها: # أولئك أولاد الهجين وأسرة ال # لئيم ورهط العاجز المتذلل # حبسه وضربه، وأنذره إن عاد لمثلها ضاعف عقوبته. # وإنما عاقب عمر الشعراء الهجائين فحبسهم وضربهم وعزرهم وأنذرهم، مع شغفه بالشعر وروايته، ~~لما يعلمه من أن القول أعمق في حياة الجماعة الإنسانية أثرا من كل ما سواه، فالناس، من ~~طفولتهم إلى ختام حياتهم، يتأثرون به ويندفعون إلى أعمالهم بما يلقنونه منه: عقائدنا ~~وعاداتنا وعلمنا وتفكيرنا وعواطفنا وميولنا تتكيف كلها بما نسمعه منذ طفولتنا من أهلنا ~~وأساتذتنا وأصحابنا، وما نقرؤه في كتب من سبقنا، والمديح والهجاء كانا سائغين في الجاهلية، ~~بل كانا من المقومات الأساسية للحياة الاجتماعية فيها، ثم كانا صيحة الحرب والدعاية حين ~~تندفع قبيلة لتثأر من قبيلة، وإذا كان القتال من مألوف الحياة إذ ذاك، فقد كان الشعراء ~~يشيدون بمحاسن إحدى القبيلتين وينشرون مثالب الأخرى، أما وقد أصبح العرب أمة واحدة تقف في ~~وجه عدوها صفا واحدا، فقد وجب أن تزول هذه العادة الجاهلية من حياة الأمة الاجتماعية، ~~وقد وجب على أمير المؤمنين أن يعمل لذلك جهده، وزوالها أوجب في عهد النضال والفتح، لما ~~يقتضيه من تآلف القلوب وتضافر القوى واتجاه الأمة بأسرها في وحدة لا انفصام لها لمواجهة ~~العدو والقضاء على كل مطامعه. # وقد كانت سياسة عمر في القضاء على هذه النعرة القبلية موفقة، بل كانت كلها السداد ~~والحكمة وبعد النظر، أقرر هذا وأنا أشد الناس إيمانا بحرية الرأي وحرية التعبير عنه بالقول ~~وبالكتابة، وبكل ما عرفت الإنسانية وما ستعرف من وسائل التعبير، ذلك بأن الرأي شيء، والهجاء ~~والقذف شيء آخر، الرأي فكرة أو مجموعة من الأفكار تصدر عن المنطق أو عن الوجدان، وغاية ~~صاحبه منه أن يكون الناس أقل شقاء أو أسعد حالا مما هم فيه، قد يخطئ صاحب الرأي وقد يصيب، ~~وأنت في حل من ms599 أن تحارب الرأي إذا اعتقدته خاطئا، لكنك لا تملك أن تحارب صاحب الرأي إلا ~~أن تقيم الدليل على سوء نيته في إبدائه، وعلى أنه لم يقصد به إلى خير عام ومصلحة يشترك فيها ~~الناس جميعا، فإذا استطعت إقامة هذا الدليل لم يسغ لك مع ذلك أن تتناول من حياة صاحب ~~الرأي الخاصة ما لا يتصل بالرأي الذي أبداه، أو بالعمل الذي يريد أن يرتبه على هذا الرأي، ~~أو بما أقمت عليه الدليل من سوء قصده، في هذه الحدود وحدها أنت في حل من أن تحاربه وأن ~~تبلغ في حربه ما شئت من شدة وعنف، أما أن تتعرض إلى ما وراء ذلك من حياته فذلك هو القذف، ~~وهو الهجاء والإقذاع فيه، وهو ما لا يجوز لقانون أو لحاكم أن يبيحه، بل يجب أن يعاقب مرتكبه ~~عقابا رادعا في بدنه وفي ماله، وأن يبلغ هذا العقاب من الشدة بحيث يصون لأصحاب الرأي ~~وللعاملين للخير العام حريتهم في رأيهم وفي عملهم، بقدر ما يصدهم النقد النزيه عن تجاوز ~~الحق في الرأي والخير العام في العمل. # أدت سياسة ابن الخطاب في محاربة الهجاء والهجائين إلى استنامة الحفائظ وسكون كل ما ~~يثيرها، ولا أدل على ذلك مما تلوته من قول الحطيئة حين تغنى بعد عمر بأهاجيه: «رحم الله ~~ذلك المرء! أما لو كان حيا ما فعلنا هذا.» لكن الهجاء لم يلبث أن عاد بعد عمر، وأصبح من ~~مألوف الحياة الاجتماعية في الجماعة الإسلامية، على أنه لم يعد كما كان أداة دعاية للقبائل ~~في منازعاتها بقدر ما أصبح أداة تكسب وارتزاق، أو أداة إرضاء للأهواء وإشباع للشهوات، وكذلك ~~كان الشأن في غير الهجاء من مألوف الحياة الاجتماعية قبل الإسلام، ولا عجب فقد بقيت في نفوس ~~أكثر العرب الذي أسلموا نزعات جاهلية لم يستطيعوا التغلب عليها، بل لعلهم لم يحاولوا هذا ~~التغلب. # وقد عبر الأستاذ أحمد أمين خير تعبير عن هذا المعنى في كتابه «فجر الإسلام» بقوله: # الحق أن النزاع بين النفسية الإسلامية والنزعات الإسلامية، والنفسية الجاهلية ms600 ~~والنزعات الجاهلية، كان شديدا وكان عهده طويلا، وأن الإسلام لم يصبغ العرب صبغة ~~واحدة على السواء، بل إن خير من تأثر به هم السابقون الأولون من المهاجرين ~~والأنصار، أولئك دخل الدين إلى أعماق نفوسهم، وأخلصوا له وأنفذوا أوامره، فأما من ~~أسلموا يوم الفتح أو بعده، وظلوا على كفرهم وعنادهم حتى رأوا النبي # صلى الله عليه وسلم # وأصحابه ينتصرون فلم يسعهم إلا الإسلام، فهؤلاء كان دين كثير منهم رقيقا، # لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح ~~وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد ~~وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى # 40 # وبحق قسم المؤرخون الصحابة إلى طبقات حسب مراتبهم، أوصلها بعضهم إلى ~~اثنتي عشرة طبقة آخرها من أسلم يوم الفتح. # كان عمر من خير المسلمين إدراكا لأصول الدين وقواعده، ومن أحسنهم تقديرا لما يؤدي إلى ~~إقرار هذه الأصول واستقرار هذه القواعد؛ لذلك حرص على أن ينفي عن الجمعية الإسلامية ما لا ~~يقره الإسلام مما ألف العرب في جاهليتهم، وأن يصبغها بصبغة الدين الجديد في مظاهر حياتها ~~جميعا، والإسلام إمبراطوري في جوهره، وإمبراطوريته روحية أولا وقبل كل شيء، وهو لذلك يؤلف ~~بين القلوب بروابط الإخاء والمساواة، «فلا يكمل إيمان أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه.» ~~لا مفر للأمين على مبادئ هذا الدين إذن من أن يذود عن مبادئه كل ما يخالف أغراضه أو يعطل ~~تحقيقها. # وقد كان عمر حازما في ذلك كل الحزم، صارما فيه كل الصرامة، لا يعرف ترددا ولا هوادة، ~~كان يقيم حدود الله، ويضع من الحدود، بعد مشورة أولي الرأي، ما يتفق وأغراض الإسلام، وقد ~~رأيت ما فعله بمن شربوا الخمر في الشام وفي غير الشام، روي أنه استشار في الخمر يشربها ~~الرجل، فقال علي بن أبي طالب: «أرى أن تضربه ثمانين حد القذف، فإنه إذا شربها سكر، وإذا سكر ~~هذى، وإن هذى افترى.» فجلد عمر في الخمر ثمانين، واعتبر عمله هذا حدا لشارب الخمر ~~بإجماع المسلمين في عهده، ومن بعده، # 41 # وسنرى عند الكلام في الفصل ms601 التالي عن «اجتهاد عمر»، ما كان من شدة حرصه على أن ~~تستقر الحياة الإسلامية على أساس صحيح من المبادئ التي نزل بها الوحي، والتي قررتها سنة ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~. ~~••• # أنت ترى، من كل ما سقناه في هذا الفصل، أن الحياة الاجتماعية تطورت في عهد عمر متأثرة ~~بعوامل كثيرة متباينة، لم يكن الكثير منها قائما في عهد النبي، ولم يكن قد أتيح لبعضها أن ~~يظهر أثره في عهد أبي بكر، فمن تقاليد الجاهلية ما اندثر، منذ أعلن العرب إسلامهم قبيل وفاة ~~رسول الله، ومن هذه التقاليد ما اختفى بحكم الأحوال، ثم جعل يبرز بين حين وحين بروزا يدل ~~على بقاء جذوره حية متأصلة، متأهبة لتنمو وتتفرع من جديد. هذا إلى ما أنشأه الإسلام في نفوس ~~من أخذوا به من عقائد وتقاليد جديدة لم يكن لهم عهد بها من قبل، وإلى ما لقيه المسلمون في ~~البلاد التي فتحوها من حضارة لم تكن مظاهرها مألوفة لهم، فلما خالطوا أهلها واتصلوا بهم ~~أصبحت سائغة عندهم محببة إليهم. # ولم يكن العامل الاقتصادي أقل أثرا من سائر العوامل في هذا التطور، فقد أفاء الفتح على ~~كثيرين رخاء جعل المتاع بلين الحياة في متناول أيديهم، فأقبلوا عليه ينهلون منه، وكان الذين ~~ذهبوا إلى العراق والشام ومصر أشد على المتاع إقبالا؛ لأن الحضر والخصب ييسران من ~~ألوان المتاع ما لا تيسره البادية، أما الذين أقاموا في شبه الجزيرة فوجدوا في العطاء الذي ~~فرضه عمر لهم ما جعلهم يفتنون، فيما عرفوا من ألوان المتاع في الجاهلية افتنانا رأيت ~~صورا منه فيما قصصنا من قبل. # وقد أدى هذا التطور إلى نشاط في الحياة العقلية، اقتصر مداه عند العرب في ذلك العهد على ~~اجتهاد الرأي فيما لم ينزل به وحي، ولم تجر به سنة من رسول الله، ولعلك تذكر قول أبي بكر ~~في مرض موته: «وددت لو أنني سألت رسول الله عن ميراث ابنة الأخ والعمة، فإن في نفسي منهما ~~شيئا.» وقد اطرد اجتهاد الرأي في عهد عمر ms602 وفي العهود التي تلته، فكان الفقه الإسلامي ~~ثمرته. # ثم أدى هذا التطور كذلك إلى اتجاه جديد في حياة الأمم التي فتحها المسلمون، وكان لهذا ~~الاتجاه أثر عميق في حياة العرب أنفسهم، وقد بدا هذا الاتجاه الجديد في العراق والشام وفارس ~~بنوع خاص، وإن اختلف في هذه الأمم باختلاف الأجناس التي تتكون منها، ذلك أن العراق والشام ~~كان بهما من قبائل العرب من أقبلوا على الإسلام وتأثروا بتعاليمه، ومن احتفظوا بدينهم ~~وتأثروا مع ذلك بما فرضه الفتح الإسلامي من نظم في السياسة والاقتصاد، أما فارس فاختلف ~~اتجاهها عن العراق والشام، وسنرى أثر هذا الاختلاف عند الكلام عن مقتل عمر. # وقد تحدثت من قبل عن الأثر الذي تركه الفتح الإسلامي أول عهده في مصر، وإنما اختلف هذا ~~الأثر عن مثله في العراق والشام وفارس؛ لأن سياسة ابن العاص في مصر لم تكن كسياسة خالد بن ~~الوليد في العراق لعهد أبي بكر، ولا كسياسة الولاة الذين قاموا بالأمر في الشام بعد فتحه، ~~ولم تكن مصر كفارس في وضعها السياسي إذ كانت فارس مستقلة ومصر ولاية رومانية، لكنها كانت ~~تشبه فارس من حيث اختلاف أهلها عن العرب في الجنس واللغة والدين، مع ذلك لم تكن سياسة ابن ~~العاص ضعيفة الأثر في تحويل المصريين ليكونوا أمة إسلامية لغتها العربية، وليكونوا من بعد ~~ذلك قلب العالم الإسلامي ومركز الحضارة فيه. # كان لعمر أثر كبير في توجيه ما تم من تطور في الحياة الاجتماعية لبلاد العرب، ولا أخالني ~~أغلو إذا قلت: إن فضله في هذه الناحية لا يقل عن فضله في الناحية السياسية، وأثره في توجيه ~~هذا التطور لم يقف عند ما أشرنا إليه في هذا الفصل وفيما سبقه من فصول الكتاب، بل كان ~~لاجتهاده رأيه أكبر الأثر في هذا الأمر، كما كان له أكبر الأثر في غيره من أمور ~~المسلمين. # وهذا ما سنبينه في الفصل التالي عند الكلام عن اجتهاد عمر. # | هوامش # الفصل الرابع والعشرون # | اجتهاد عمر # روي أن عمر بن الخطاب سأل سلمان: أملك أنا ms603 أم خليفة؟ فأجابه سلمان: إن أنت جبيت ~~من أرض المسلمين درهما أو أقل أو أكثر ثم وضعته في غير حقه فأنت ملك غير خليفة، فاستعبر ~~عمر. وروي أنه قال يوما: والله ما أدري: أخليفة أنا أم ملك، فإن كنت ملكا فهذا أمر عظيم! ~~قال قائل: يا أمير المؤمنين إن بينهما فرقا، قال عمر: ما هو؟ وأجابه صاحبه: الخليفة لا ~~يأخذ إلا حقا ولا يضعه إلا في حق، فأنت بحمد الله كذلك، والملك يعسف الناس، فيأخذ من هذا ~~ويعطي هذا، فسكت عمر. # وتعريف الخلافة على هذا النحو وحبسها في هذه الحدود لا يتفق وما فهمه المسلمون الأولون ~~عنها، فقد نعت الخلفاء الأولون بأنهم الخلفاء الراشدون، وقصد بهذا النعت أنهم خلفاء رسول ~~الله على المسلمين؛ ساروا سيرته، واتبعوا سنته، ونهجوا نهجه في أمور الدين والدنيا، وذلك ~~قول عمر: إن لي صاحبين سلكا طريقا فإن خالفتهما خولف بي، أما الذين جاءوا بعد الخلفاء ~~الراشدين فقد ساروا في الناس سيرة الملوك، ولذلك كانوا أمراء للمؤمنين، ولم يكونوا خلفاء ~~لرسول الله ولا لخلفائه. # فرسول الله لم يكن قط ملكا، وما تولاه من شئون المسلمين بالمدينة لا يشبه ما تولاه ملوك ~~الفرس والروم لعهده، وما يتولاه الملوك في مختلف الأمم والعصور، إنما كان رسول الله هاديا ~~للناس ومرشدا لهم، وكان بشيرا ونذيرا يبلغ الناس رسالات ربه، ويدعوهم إلى دينه القيم ~~بالحكمة والموعظة الحسنة، ولقد أوى المسلمون إلى ظله ليزدادوا هدى بما يسمعونه من آي الوحي ~~وبما يعلمهم من سنته، وخلفاؤه الراشدون هم الذين قاموا في الناس مقامه، لم يكن هؤلاء ~~الخلفاء رسلا يوحى إليهم، لكنهم كانوا أصحاب رسول الله، امتثلوا تعاليمه وأشربوا مبادئه، ~~فلما استخلفوا من بعده نشروا هذه التعاليم والمبادئ بين الناس توجيها لهم إلى الهدى، ~~ليأخذ كل منهم بالحق ولا يضعه إلا في حق، وعلى هذا المعنى كان عمر خليفة، كما كان أبو بكر ~~خليفة؛ ولذا حرص على أن يترسم طريق الصديق في بساطة العيش، وفي التسوية بين نفسه وبين ~~الناس، وفي تحري الحق ms604 ودعوة الناس إليه والقضاء بينهم به. # كان رسول الله يدعو الناس لاتباع ما يوحى إليه من ربه، فلما كثر أصحابه جعلوا يسألونه عن ~~أمور تعرض لهم لم ينزل فيها وحي، والأخذ فيها بمعروف الجاهلية يخالف ما كان النبي يذيعه ~~بينهم من تعاليمه، وكثيرا ما كان ينزل الوحي جوابا على ما يسألون عنه، فيقول تعالى في ~~سورة البقرة: # 1 # يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير ~~فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل ~~ وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم * كتب ~~عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو ~~خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله ~~يعلم وأنتم لا تعلمون * يسألونك عن الشهر ~~الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله ~~وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند ~~الله والفتنة أكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونكم ~~حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن ~~دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا ~~والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون * إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في ~~سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله والله غفور رحيم * يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم ~~كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ~~ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم ~~الآيات لعلكم تتفكرون * في الدنيا والآخرة ~~ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن ~~تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ~~ولو شاء الله لأعنتكم إن الله عزيز حكيم * ~~ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير ~~من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى ~~يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم ~~أولئك يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة ~~والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم ~~يتذكرون * ويسألونك عن المحيض قل هو أذى ~~فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى ~~يطهرن ~~. # هذه الآيات المتتابعة من سورة البقرة نزلت في أوقات متفرقة، وقد نزلت كلها جوابا على ~~مسائل كان ms605 المسلمون يوجهونها لرسول الله، فأوحى الله إليه هذه الآيات لهدايتهم وهداية البشر ~~وإرشادهم، ولبيان الأحكام فيما يسألون عنه، وهذه الآيات نزلت في حوادث رواها المفسرون، ~~وأسموها: «أسباب النزول.» يقول المرحوم محمد الخضري في كتابه «تاريخ التشريع الإسلامي»: # أما الأحكام التي نزلت بدون حادث أو سؤال فقليلة، وقلما نرى حكما لم يذكر ~~المفسرون حادثا أنزل مرتبا عليه. # روي أن رسول الله أرسل مرثدا الغنوي إلى مكة ليخرج منها قوما مستضعفين، ~~فعرضت امرأة مشركة عليه نفسها تريد زواجه، وكانت ذات جمال ومال، فقبل ما عرضت ووقف التنفيذ ~~على إذن رسول الله، فلما رجع إلى المدينة وعرض الأمر على النبي لإجازة النكاح نزل قوله ~~تعالى: # ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ~~... ~~إلى آخر الآية، وأنت تذكر أن اليهود والمنافقين بالمدينة كثيرا ما كانوا ينتهزون أوقات ~~الشراب ليثيروا بين الأوس والخزرج منازعاتهم القديمة، وأن عمر سأل رسول الله لذلك عن الخمر ~~ولم يكن قد نزل فيها قرآن وقال: اللهم بين لنا فيها، فنزلت الآية: # يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع ~~للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ~~. # وكان المسلمون يسألون أحيانا عن أشياء، فلا ينزل الوحي بالجواب عليها لأول ما يسألون ~~النبي عنها، عند ذلك كان يقضي فيها برأيه؛ وذلك قوله: «إنما أقضي بينكم بالرأي فيما لم ينزل ~~فيه وحي.» فإذا نزل القرآن بعد ذلك بغير ما كان قضى به ترك ما قضى به على حاله، واستقبل ما ~~نزل به القرآن، # 2 # وقد نزل الوحي غير مرة مخالفا لما قضى به، من ذلك ما سبق أن ذكرناه في أسرى ~~بدر؛ فقد طمع هؤلاء الأسرى في الفداء وأغلوه، فاستشار رسول الله أصحابه فيهم، فقال أبو بكر: ~~«قومك وأهلك استأن بهم لعل الله يتوب عليهم، وخذ منهم فدية تتقوى بها على الكفار.» وقال ~~عمر: «كذبوك وأخرجوك، قدمهم فاضرب أعناقهم؛ فإن هؤلاء أئمة الكفر، وإن الله تعالى أغناك ~~عن الفداء.» وسمع محمد، بعد وزيريه، لكبراء المسلمين، ثم قبل الفداء وأطلق الأسرى، من بعد ~~ذلك نزل قوله تعالى: ms606 # ما كان لنبي أن يكون له أسرى ~~حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد ~~الآخرة والله عزيز حكيم * لولا كتاب من الله ~~سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم * فكلوا ~~مما غنمتم حلالا طيبا واتقوا الله إن الله غفور ~~رحيم ~~، # 3 # فلما نزلت هذه الآية قال رسول الله: «لو نزل بنا عذاب ما نجا إلا عمر.» # وخالف الوحي رسول الله كذلك في أمر الخوالف الذين دعوا للخروج إلى غزوة تبوك لقتال ~~الروم، فاعتذروا إلى النبي بشتى المعاذير واستأذنوه في التخلف بالمدينة فأذن لهم، فنزل في ~~ذلك قوله تعالى: # لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا ~~لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله ~~لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم ~~إنهم لكاذبون * عفا الله عنك لم أذنت لهم ~~حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم ~~الكاذبين ~~، # 4 # فلو أن هذه الآية نزلت قبل أن يأذن رسول الله للخوالف لما أذن لهم. # على أن ما خالف الوحي فيه اجتهاد رسول الله قليل، ولذلك كانت سنته # صلى الله عليه وسلم # متبعة فيما لم ~~يخالفه الوحي فيه، كما كانت طريقته في الاجتهاد حجة متبعة كذلك وقد كان يلجأ إلى القياس، ~~سألته جارية خثعمية فقالت: يا رسول الله إن أبي أدركته فريضة الحج شيخا زمنا لا يستطيع ~~أن يحج، إن حججت عنه أينفعه ذلك؟ فقال لها: «أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكان ينفعه ~~ذلك؟» قالت: نعم، قال: «فدين الله أحق بالقضاء.» وإلحاق دين الله بدين الآدمي في وجوب ~~القضاء ونفعه هو عين القياس. # وكان رسول الله يقضي بين المسلمين ويقول لهم: «إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ~~ألحن بحجته من بعض فأقضى له على نحو ما أسمع منه، فمن قطعت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه ~~فإنما أقطع له به قطعة من النار.» يقول الآمدي، «وذلك يدل على أنه قد يقضي بما لا يكون ~~حقا في نفس الأمر.» ولا عجب في قول الآمدي هذا؛ فإنما كان رسول الله يقضي بما كان ms607 يرفعه ~~إليه الخصوم من حجة، ولم يكن قضاؤه وحيا من عند الله، بل وزنا للبينات التي تقدم إليه، ~~وقد يعجز صاحب الحق عن إقامة الحجة على حقه أو يعجز عن دفع حجة خصمه، والقاضي العادل لا ~~يقضي بعلمه، وإنما يقضي بما يطمئن ضميره إلى قيام الحجة عليه. # على أن القضاء شيء والسنة شيء آخر، وإن صح أن ينطوي القضاء على السنة إذا رتب الحكم ~~مبدأ يطبق عمومه على الحوادث المتشابهة، أما السنة لذاتها فما بين به رسول الله ما أوجبه ~~القرآن من المبادئ والأحكام، بالقول أو بالفعل أو بهما معا، وذلك قوله تعالى: # وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل ~~إليهم ولعلهم يتفكرون ~~، # 5 # والسنة بالفعل كالصلاة والحج، فقد كان رسول الله يصلي بالمسلمين الصلوات الخمس ~~ويقول لهم: «صلوا كما رأيتموني أصلي.» ولما حج رسول الله قال للذين معه: «خذوا عني ~~مناسككم.» أما السنة بالقول فهي الحديث، ومن الحديث ما اتصل بالوحي مفصلا ومفسرا له، ~~ومنه ما اتصل بالحياة مما وقع في عهد النبي ورفع إليه فأبدى فيه رأيه، وكان النبي يبدي رأيه ~~في هذه الأمور بعد مشاورة أصحابه عملا بقوله تعالى: # وشاورهم في ~~الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله ~~. # وقد شاور النبي أصحابه في الدعوة للصلاة، فقال بعضهم: نار، وقال بعضهم: بوق، وقال بعضهم: ~~ناقوس، ثم انتهوا إلى الأذان على ما قدمنا، وكان يشاور أصحابه فيما يصنع إذا خرج للقتال، ~~شاورهم في غزوة أحد أيتحصن بالمدينة أم يلقى العدو بظاهرها، وشاورهم يوم الحديبية، ~~وشاورهم في غير هذين من غزواته، وكان أبو هريرة يقول: «ما رأيت أحدا قط كان أكثر مشاورة ~~لأصحابه من النبي # صلى الله عليه وسلم ~~.» # وكان رسول الله يدعو أصحابه إلى الاجتهاد، روي عن عمرو بن العاص أنه قال: جاء خصمان ~~يختصمان إلى رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فقال لي: يا عمرو! اقض بينهما، قلت: أنت أولى بذلك مني يا ~~نبي الله، قال: وإن كان، قلت: على ماذا أقضي؟ قال: «إن أصبت القضاء بينهما فلك عشر ms608 حسنات، ~~وإن اجتهدت فأخطأت فلك حسنة.» # وحكم رسول الله سعد بن معاذ في بني قريظة فحكم بقتلهم وسبي ذراريهم، وأقر النبي ~~رأيه. # وقتل أبو قتادة رجلا من المشركين؛ فأخذ سلبه غيره، فقال أبو بكر: لا نقصد إلى أسد ~~من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله فنعطيك سلبه؛ اردد عليه سلب قتيله، فقال رسول ~~الله: «صدق، اردد عليه سلبه.» # ولما بعث النبي معاذ بن جبل إلى اليمن ليفقه الناس في دينهم سأله: بم تحكم؟ وأجاب معاذ: ~~بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: فبسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي، ~~وأقره النبي على ذلك وقال: «الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يحبه الله ورسوله.» ~~وهذا يتفق وما روي عنه عليه السلام أنه قال لعبد الله بن مسعود: «اقض بالكتاب والسنة إذا ~~وجدتهما، فإذا لم تجد الحكم فيهما اجتهد رأيك.» # على أن اجتهاد الرأي لم يقصد به، في زمن النبي ولا في العصور الأولى، إلى إقامة مذاهب في ~~الفقه تستوعب ما يجري في الخاطر أو تؤدي إليه الفروض، بل كان مقتصرا على ما يحدث بالفعل من ~~شئون الحياة مما يحتاج إلى الرأي لحسمه، روي عن ابن عباس أنه قال: «ما رأيت قوما قط كانوا ~~خيرا من أصحاب رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، ما سألوه عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض، كلهن في القرآن ~~... وما كانوا يسألونه إلا عما ينفعهم، وكان عمر بن الخطاب يلعن من سأل عما لم يكن.» وعن عمر ~~بن إسحاق أنه قال: «لمن أدركت من أصحاب رسول الله أكثر مما سبقني منهم، فما رأيت قوما ~~أيسر سيرة ولا أقل تشديدا منهم.» # لذلك لم يكن للخلاف الذي ينشأ عن اجتهاد الرأي، لإقامة مذهب كامل، أثر ظاهر في التشريع ~~لذلك العهد، بل كان رسول الله ينهى أصحابه عن التفرق والتنازع في الدين، امتثالا لما جاء ~~في القرآن من مثل قوله تعالى: # أن أقيموا الدين ولا ~~تتفرقوا فيه ~~، # 6 # وقوله: # إن الذين فرقوا دينهم وكانوا ~~شيعا ms609 لست منهم في شيء ~~، # 7 # وغيرها من الآيات الكثيرة التي في معناها، وقد نهى أصحابه حين رآهم يتكلمون في ~~القدر وقال لهم: «إنما هلك من قبلكم بخوضهم في هذا.» لذلك لم ينقل عن أحد من الصحابة الخوض ~~والنظر في المسائل الكلامية مطلقا، ولو أن ذلك حدث لنقل إلينا كما نقل عنهم اجتهادهم الرأي ~~في المسائل المتصلة بالواقع من أمور الحياة. # وقد كان المسلمون الأولون أشد احتياجا لاجتهاد الرأي، بعد أن اختار الله رسوله إليه، ذلك ~~أنهم كانوا في عهده يستفتونه فيفتيهم، وترفع إليه القضايا فيقضي فيها، ويرى الناس يفعلون ~~معروفا فيمدحه، أو منكرا فينكره، وكان أصحابه يقولون بآرائهم فيبلغه ذلك، فيصوب المصيب ~~ويخطئ المخطئ، فلما قبض لم يكن لهم بد من الأخذ بالقياس في الوقائع التي لا نص فيها، وقد ~~فعلوا ولم ينكر أحد منهم على من فعل لكنهم لم يفتوا برأيهم على سبيل الإلزام ولا على أنه ~~حق، بل على أنه ظن يستغفرون الله منه، أو على سبيل صلح بين الخصمين، يقول ابن حزم في كتاب ~~«الإحكام في أصول الأحكام»: «وأما القول بالرأي والاستحسان والاختيار فكثير عنهم - رضي الله ~~عنهم - جدا، ولكنه لا سبيل إلى أن يوجه إلى أحد منهم أنه جعل رأيه دينا أوجب حكما، ~~وإنما قالوا إخبارا منهم بأن هذا الذي يسبق إلى قلوبهم، وهكذا يظنون، وعلى سبيل الصلح بين ~~المختصمين، ونحو هذا.» # 8 # وما كان لهم ألا يجتهدوا والأقضية الجديدة ترفع إليهم، وأحوال الحياة في ~~القبائل والأمم التي اتصل أصحاب رسول الله بها تختلف عن أحوال الحياة عندهم، وهذه الأحوال ~~وهذه الأقضية تحتاج كلها إلى رأي لا سبيل إلى طمأنينة الناس للعيش من دونه. # وكان أول اجتهادهم استخلافهم أبا بكر إثر وفاة النبي، وأنت تذكر ما حدث في سقيفة بني ~~ساعدة من محاورة ومن جدل اشتد وعنف حتى كاد يؤدي إلى الفتنة، ثم انتهى إلى بيعة أبي بكر، ~~فلما تولى أبو بكر أمر المسلمين اختلفوا في بعث أسامة لقتال الروم، وذلك حين رأوا انتقاض ~~العرب بسلطان ms610 المدينة، قال قوم من المهاجرين والأنصار للصديق: «إن هؤلاء (يقصدون جيش ~~أسامة) جل المسلمين، والعرب على ما ترى قد انتقضت بك؛ فليس ينبغي أن تفرق عنك جماعة ~~المسلمين.» وطلب أسامة نفسه إلى عمر بن الخطاب أن يرجع إلى الصديق يستأذنه أن يعود ~~بالجيش، ليكون قوته على المشركين فلا يتخطفون المسلمين، وكان جواب الصديق على ذلك كله: ~~«والذي نفس أبي بكر بيده، لو ظننت أن السباع تخطفني أنفذت بعث أسامة كما أمر به رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم ~~، ولو لم يبق في القرى غيري لأنفذته.» # ولما امتنعت القبائل القريبة من المدينة عن إيتاء الزكاة وعزم أبو بكر قتالهم، جمع ~~الصحابة يستشيرهم، فخالفه قوم، بينهم عمر بن الخطاب، ورأوا ألا يقاتلوا قوما يؤمنون بالله ~~ورسوله، وأن يستعينوا بهم على عدوهم، قال عمر: «كيف نقاتل الناس وقد قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فمن قالها ~~عصم مني ماله ودمه إلا بحقها؟» وأجابه أبو بكر: «والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، ~~فإن الزكاة حق المال، وقد قال، إلا بحقها.» قال عمر: «فوالله ما هو إلا أن رأيت الله شرح ~~صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق.» # ولما وقعت غزوة اليمامة واستشهد فيها من استشهد من حفاظ القرآن، ذهب عمر بن الخطاب إلى ~~أبي بكر وهو بمجلسه من المسجد وقال له: «إن القتل قد استحر يوم اليمامة بالناس، وإني ~~أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن فيذهب كثير من القرآن إلا أن تجمعوه، وإني لأرى ~~أن تجمع القرآن.» قال أبو بكر وقد تولته الدهشة لما سمع: «كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم ~~؟» ودار بين الرجلين حوار طويل اقتنع الصديق على أثره برأي عمر، فدعا زيد بن ~~ثابت وذكر له اقتراح عمر جمع القرآن وقال: فقلت لعمر: «كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم ~~، فقال: هو والله خير، فلم يزل ms611 يراجعني حتى شرح الله لذلك صدري، ورأيت الذي ~~رأى عمر.» ثم استطرد موجها الحديث لزيد فقال: «إنك رجل شاب عاقل ولا نتهمك، كنت تكتب ~~الوحي لرسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، فتتبع القرآن فاجمعه.» قال زيد: كيف تفعلان شيئا لم ~~يفعله رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، قال أبو بكر: هو والله خير، وأتم زيد هذا الحديث فقال: فلم أزل ~~أراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر، فقام من مجلسه هذا فجعل يتتبع ~~القرآن من الرقاع والأكتاف والعسب وصدور الرجال حتى جمعه. # فلما انتهت حروب الردة وبدأ غزو العراق وبعث خالد بن الوليد بأخماس الفيء إلى ~~المدينة، أمر أبو بكر بالتسوية بين الناس في العطاء، فقال له عمر: كيف تجعل من قاتل رسول ~~الله كمن قاتل معه؟ أو قال له: كيف تجعل من ترك داره وأمواله وهاجر إلى رسول الله كمن دخل ~~في الإسلام كرها؟ فقال له أبو بكر: إنما أسلموا لله وأجورهم على الله، وإنما الدنيا بلاغ. ~~وقد رأيت أن عمر فرق بينهم في العطاء وجعلهم طوائف لما استخلف. # هذه أمثلة من اجتهاد أبي بكر في شئون الدولة العامة؛ وهي كما ترى، شئون كلها جليلة الخطر، ~~وأما اجتهاده في الفقه فمنه: أنه ورث أم الأم دون أم الأب، فقال له بعض الأنصار: لقد ورثت ~~امرأة من ميت لو كانت هي الميتة لم يرثها، وتركت امرأة لو كانت هي الميتة ورث جميع ما ~~تركت، فرجع إلى التشريك بينهما. # وسئل أبو بكر عن الكلالة فقال: أقول في الكلالة برأيي، فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن ~~خطأ فمني ومن الشيطان؛ الكلالة ما عدا الوالد والولد. # أنت ترى مما سبق في هذا الفصل، ومما سقناه في الفصلين الثالث والرابع حين تحدثنا عن عمر ~~في صحبة النبي وفي عهد أبي بكر، ما كان للفاروق من نصيب عظيم في اجتهاد الرأي، أيد بعضه ~~القرآن، وأقر بعضه رسول الله وأعجب به حتى كان يقول: «جعل الله الحق على لسان عمر ms612 وقلبه.» ~~وقد رأيت أن عمر استفتح عهده فأمر برد السبايا من أهل الردة إلى عشائرهم، على خلاف ما ~~رأى أبو بكر من قبله، وقال: إني كرهت أن يصير السبي سنة في العرب، وأنه لم يول على البعث ~~الأول إلى العراق رجلا من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار كما كان يفعل أبو بكر، ~~بل ولى عليهم أبا عبيد الثقفي؛ لأنه كان أول الناس انتدابا لهذا البعث بعد أن تقاعس الناس ~~ثلاثة أيام، وأنه عزل خالد بن الوليد عن إمارة الجند بالشام، مع أنه سيف الله بحديث رسول ~~الله، وأن أبا بكر قال فيه: ما كنت لأشيم سيفا سله الله على الكافرين، وأنه أجلى ~~اليهود والنصارى عن مواطنهم من شبه الجزيرة، وكان رسول الله ثم أبو بكر من بعده قد عقدا مع ~~نصارى نجران عهدا على الجزية يدفعونها لقاء احترام المسلمين عقيدتهم ودفاعهم عنها، وهذا ~~كله اجتهاد رأي من جانب عمر أبنا حكمته في مواضعه. # ثم إنك رأيت اجتهاد عمر رأيه بعد ذلك في مواطن كثيرة، حسبنا أن نشير منها إلى اجتهاده في ~~حد الخمر، وفي اعتزال البلد الموبوء وعزله عن غيره من البلاد، وفي التفريق في العطاء بين ~~المسلمين حسب سبقهم إلى الإسلام أو قرابتهم من رسول الله، وفي أمور كثيرة غير هذه قضى بها ~~تطور الأحوال في شبه الجزيرة وفي البلاد المفتوحة، وسيقتضينا هذا الفصل أن نعود إلى الحديث ~~في بعض هذه الأحوال، وأن نتناول من اجتهاد عمر ما كان جليل الأثر في عهده! وما كان لموافقته ~~أو لمخالفته من أثر بعد ذلك في حياة الإسلام والمسلمين. # ويجمل بنا، قبل أن نفصل ما نرى تناوله من اجتهاد عمر أن نذكر أن الفاروق كان يؤمن بأن ~~الإسلام روح وعقيدة، وأن الإنسان لا يكمل إيمانه حتى يدرك الروح الذي أوحى الله به دين الحق ~~إلى رسوله؛ لذلك كان يطبق أحكام القرآن بالروح التي نزلت بها، فإذا ثبتت عنده سنة عن رسول ~~الله من قول أو فعل، عرف مناسبة هذه السنة ليكون دقيقا ms613 في الأخذ بها، من ثم كان يسترشد ~~بالروح لا بالحرف عند الفصل فيما يعرض عليه، وكان لعظيم إيمانه ولشدة امتثاله تعاليم رسول ~~الله، جريئا في الاجتهاد، وإن خالف ظاهر النص، فإذا ورد نص لم يبق في أحوال الجماعة ما ~~يقتضي تطبيقه لم يطبقه، وإذا اقتضت أحوال الجماعة تأويل النص أوله، حريصا في هذا وفي ذاك ~~على ملاءمة الحكم لأحوال المجتمع مع اتفاقه في الوقت نفسه مع روح المبادئ والتعاليم ~~المحمدية السليمة. # أظهر جماعة من العرب الإسلام، وكانوا سادة في قومهم، فجعل الله لهم سهما في الصدقات، ~~وأمر النبي أن يعطيهم سهمهم تألفا لقلوبهم وتثبيتا لإيمانهم؛ هؤلاء هم المؤلفة قلوبهم، ~~وقد نص القرآن على عطائهم في قوله تعالى: # إنما الصدقات ~~للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة ~~قلوبهم ~~، وكان رسول الله يعطيهم من الفيء ومن الزكاة، أعطى أبا ~~سفيان، والأقرع بن حابس، وعباس بن مرداس، وصفوان بن أمية، ~~وعيينة بن حصن، وكان يعطي الواحد منهم مائة من الإبل. # فلما ولي أبو بكر الخلافة أعطاهم كما كان يعطيهم رسول الله، ثم جاءه عيينة بن حصن ~~والأقرع بن حابس يطلبان أرضا فكتب لهما بها، فلما استخلف عمر ذهبا إليه يستوفيانه ما في ~~كتاب أبي بكر، لكن عمر مزق الكتاب وقال: «إن الله أعز الإسلام وأغنى عنكم، فإن ثبتم إليه ~~وإلا فبيننا وبينكم السيف.» ثم منع هذه الطائفة كلها ما كان لها من نصيب في الزكاة، وجعلها ~~كغيرها من المسلمين. # هذا اجتهاد من عمر في تطبيق نص من نصوص كتاب الله، وهو لا ريب اجتهاد موفق، فإنما فرض ~~الكتاب لهذه الطائفة من العرب حين كان الإسلام في حاجة إلى تألفهم، فلما عز الإسلام زالت ~~الحاجة فلم يبق للعطاء مسوغ، ولو أن عمر وجد في الفرس أو في الروم من يحتاج الإسلام ~~إلى تألفهم لفرض لهم، وهو قد فرض للهرمزان بالفعل حين جاء المدينة ثم أسلم، من ثم كان ~~هذا الفرض معلقا على الحاجة إلى من فرض له، فإذا زالت الحاجة سقط الفرض، هذه روح النص، ~~ويجب ms614 لذلك تطبيقها كما طبقها عمر. # واجتهد عمر في نص من كتاب الله اجتهادا نخالفه اليوم فيه، فقد قال تعالى: # الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح ~~بإحسان ~~، ثم قال: # فإن طلقها فلا تحل له ~~من بعد حتى تنكح زوجا غيره ~~، وجلي أن المقصود من هذا النص ~~أن يقع الطلاق بالفعل مرة فمرة، وللزوج بعد كل من المرتين أن يراجع زوجته، فإذا طلقها ~~الثالثة لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره، وحكمة هذا النص واضحة؛ فالطلاق فصم لحياة الزوجية ~~تترتب عليه نتائج خطيرة لكل من الزوجين، وتتعداهما لأبنائهما، وكثيرا ما يسوء أثرها في ~~هؤلاء الأبناء طيلة حياتهم؛ لذلك أباح الكتاب مراجعة الزوج زوجته بعد الطلقة الأولى، وبعد ~~الطلقة الثانية، واشار إلى أن الطلاق يجب أن يسبقه سعي للتوفيق بين الزوجين في قوله تعالى: # وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من ~~أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله ~~بينهما ~~، فإذا تعذر التوفيق ووقعت الفرقة بالطلاق جازت المراجعة مع ذلك ~~مرتين، ولكيلا يستخف أي الزوجين بعد ذلك بفصم عروة الزواج، فرض الكتاب ألا يحل للزوج ~~مراجعة زوجته بعد الطلاق الثالث حتى تنكح زوجا غيره، فإذا قال الرجل لزوجته: أنت طالق ~~ثلاثا، لم تكن إلا طلقة واحدة؛ لأن الطلاق فعل يقع لا قول يلفظ، وكان ذلك الشأن في عهد ~~النبي وفي عهد أبي بكر، جاء في صحيح مسلم عن ابن عباس أنه قال: «كان الطلاق على عهد رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم # وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر، طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إن ~~الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم! فأمضاه ~~عليهم.» # كيف رأى عمر هذا الرأي وأمضاه على الناس مع مخالفته ظاهر النص وظاهر الحكمة؟ يجب لندرك ~~ذلك أن نرجع إلى السبب في نزول الآية: # الطلاق مرتان ~~فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ~~، روى ابن جرير في تفسيره ~~ما ذكره بعضهم من: «أن هذه الآية أنزلت لأن أهل الجاهلية وأهل الإسلام قبل نزولها ms615 لم يكن ~~لطلاقهم نهاية تبين بالانتهاء إليها امرأته منه ما راجعها في عدتها منه، فجعل الله تعالى ~~ذكره لذلك حدا حرم بانتهاء الطلاق إليه على الرجل امرأته المطلقة إلا بعد زوج، وجعلها ~~حينئذ أملك بنفسها منه.» وروي أن رجلا قال لامرأته على عهد النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: لا آويك ولا ~~أدعك تحلين! فقالت له: كيف تصنع؟ قال: أطلقك فإذا دنا مضي عدتك راجعتك، فمتى تحلين؟! - ~~أي لغيره - فأتت النبي # صلى الله عليه وسلم # فأنزل الله: # الطلاق مرتان ~~فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ~~، فاستقبله الناس جديدا، ~~من كان طلق ومن لم يكن طلق، وعن قتادة أنه قال: «كان أهل الجاهلية كان الرجل يطلق الثلاث ~~والعشر وأكثر من ذلك ثم يراجع ما كانت في العدة، فجعل الله حد الطلاق ثلاث تطليقات.» # يتضح من هذا السبب في نزول الآية أن تحديد حق الرجل في مراجعة زوجته، ما دامت لم تبن ~~بانقضاء عدتها، وجعل المراجعة مرتين لا أكثر، إنما أريد به ألا يضار الرجل المرأة وألا ~~يذرها كالمعلقة حياتها، وهذا رفق بالمرأة يتفق وروح الإسلام، فقد ذهب القرآن في هذا الرفق ~~بالنساء كل مذهب، فأمر أن تبقى المطلقات للمرتين الأوليين في بيت الزوجية طول عدتهن، وأن ~~تحسن معاملتهن، فقال: # لا تخرجوهن من بيوتهن ولا ~~يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ~~، # 9 # وقال: # وللمطلقات متاع بالمعروف ~~، ~~وقال: # فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو ~~فارقوهن بمعروف ~~، # 10 # وقال: # وبعولتهن أحق بردهن في ذلك ~~إن أرادوا إصلاحا ~~، # 11 # وقال: # وإذا طلقتم النساء فبلغن ~~أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا ~~بينهم بالمعروف ~~، # 12 # هذه الآيات وغيرها تحرم على الزوج أن يضار زوجته، وترى المضارة إثما عظيما، ~~وقد فرض الله المراجعة للإصلاح، فإذا تبين أن الإصلاح غير ممكن، وتبين أن مراجعة الزوج ~~زوجته لا يقصد بها إلا المضارة، لم تبق حكمة المراجعة قائمة. # وأكبر الظن أن الذين كانوا يطلقون نساءهم في عهد عمر لم يكونوا رحماء بهن بعد طلاقهن، ذلك ~~أن سبايا العراق والشام كثرن وافتتن ms616 بهن أهل المدينة وأهل شبه الجزيرة، فكانوا يسارعون إلى ~~طلاق نسائهم مبالغة في إرضاء من شغفت قلوبهم بهن، وكانوا يذكرون الطلاق الثلاث في كلمة ~~واحدة حتى تطمئن ذات الدل على أنها أصبحت المنفردة بقلبه. # ولعل أسبابا أخرى دفعت جماعة من المسلمين في هذا العهد الأول إلى العبث بالطلاق الثلاث ~~استهتارا وضرارا، من ذلك أن يتزوج الرجل أخرى عربية أو أعجمية من غير السبايا، فتشترط ~~عليه أن يطلق زوجته الأولى ثلاثا فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره، فإذا راجعها مع ~~ذلك أثارت مراجعته لها في البيت نزاعا لا تستقر معه حال ولا تطمئن به حياة. # مثل هذه الأسباب هي التي دعت عمر إلى فتواه، وإمضائه طلاق الثلاث بكلمة واحدة كأنه ثلاث ~~طلقات متفرقات، فقد رأى أن الرجل إذا بلغت به الاستهانة بعقدة الزواج، فجمع الطلاق الثلاث ~~في واحدة كان رجلا مستهترا يجب أن يحمل وزر استهتاره؛ وذلك قوله: «إن الناس قد استعجلوا ~~في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم.» # هذا اجتهاد رأي خالف عمر فيه من بعد غير واحد من الفقهاء، وخالفه أهل عصرنا الحاضر في ~~طائفة من البلاد الإسلامية، ولا ضير على عمر من ذلك، ولا ضير منه على مخالفيه؛ فعمر ~~وغيره من الصحابة لم يكونوا يفتون برأيهم على سبيل الإلزام ولا على أنه وحده الحق، بل على ~~أنه رأي إن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمن صاحبه، فهو يستغفر الله منه، لقي عمر رجلا ~~له قضية فسأله: ما صنعت؟ قال: قضى علي وزيد بكذا، قال عمر: لو كنت أنا لقضيت بكذا! قال ~~الرجل: فما يمنعك والأمر إليك ؟ وأجابه عمر: لو كنت أردك إلى كتاب الله أو إلى سنة نبيه # صلى الله عليه وسلم # لفعلت، لكني أردك إلى رأيي، والرأي مشترك، ولهذا لم ينقض ما قضى به علي ~~وزيد. وأبدى عمر يوما رأيا، فقال قائل: هذا ما رأى الله ورأى عمر، فانتهره عمر بقوله: ~~بئسما قلت! هذا ما رأى عمر، فإن يكن صوابا ms617 فمن الله، وإن يكن خطأ فمن عمر، وأمسك هنيهة ثم ~~قال: السنة ما سنه الله ورسوله، لا تجعلوا خطأ الرأي سنة للأمة. # أما وقد ذكرت اجتهاد عمر في الطلاق الثلاث بكلمة واحدة ومخالفته فيه ظاهر النص وظاهر ~~الحكمة للأسباب التي قدمت، فيجمل بي أن أشير إلى أنه اجتهد في غير هذه، من مسائل الزواج ~~والطلاق وحقوق الزوجية والأمومة، اجتهادا كان له أثر في التشريع الإسلامي من بعد، فقد نهى ~~عن نكاح المتعة، فجرى المسلمون من أهل السنة على رأيه من يومئذ، ومنع بيع أمهات الأولاد وكن ~~يبعن في حياة الرسول وفي عهد الصديق، وقد أراد علي بن أبي طالب أن يرجع في خلافته إلى ~~بيعهن، وقال: إن عدم البيع كان رأيا اتفق عليه هو وعمر؛ فقال قاضيه عبيدة ~~السلماني: رأيك ورأي عمر في الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك، وأجابه علي: اقضوا ~~كما كنتم تقضون؛ وذلك لأنه كره الخلاف، وأفتى عمر في المطلقة وزواجها من غير زوجها الأول في ~~العدة، وميراثها قبل انقضائها، وما يتصل بذلك، بفتاوى لا يزال أكثرها معمولا به إلى ~~اليوم. # لا أراني بحاجة إلى أن أعود إلى القول فيما قرره عمر حدا لشارب الخمر، وقد سبقت فذكرت ~~ذلك من قبل، وحسبي أن أذكر هنا أن عمر اجتهد في تقرير هذا الحد بالقياس إلى حد القذف الوارد ~~في القرآن، والرأي والاجتهاد والقياس واحد، وهذا الاجتهاد حق لولي الأمر الذي يملك أن ~~يشرع في حدود الكتاب والسنة. # ولعمر موقف من سنة رسول الله جدير بالوقوف عنده؛ فقد كان عمر من أثبت المسلمين إيمانا ~~بالله ورسوله، ومن أشدهم حرصا على اتباع ما جاء به الرسول من عند الله، وعلى التأسي به # صلى الله عليه وسلم # في قوله وفعله، لكنه كان شديد الحرص كذلك على ألا يشوب كتاب الله بشيء، وعلى أن ~~يحول دون ما قد يصرف المسلمين عن الكتاب الكريم، وهو في ذلك قد كان متبعا سنة رسول الله ~~وسنة أبي بكر من بعده، روي عن رسول الله أنه ms618 قال: «لا تكتبوا عني شيئا غير القرآن، ومن ~~كتب شيئا غير القرآن فليمحه.» وقال: «إنكم ستختلفون من بعدي، فما جاءكم عني فاعرضوه على ~~كتاب الله فما وافقه فمني وما خالفه فليس عني.» # 13 # وكان هذا الحرص رأي عمر في حياة النبي إلى حين وفاته، روي عن ابن عباس أنه قال: لما ~~حضر النبي # صلى الله عليه وسلم # قال - وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب: «هلم أكتب لكم كتابا لن ~~تضلوا بعده.» # 14 # فقال عمر: إن النبي # صلى الله عليه وسلم # غلبه الوجع، وعندكم القرآن؛ فحسبنا كتاب الله، ~~واختلف أهل البيت واختصموا فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم رسول الله # صلى الله عليه وسلم # كتابا لن ~~تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر، فلما كثر اللغط والاختلاف عند النبي # صلى الله عليه وسلم # قال: «قوموا عني» وكان ابن عباس يقول: «إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم.» فكان ذلك - والله أعلم - وحيا أوحاه ~~الله أنه إن كتب لهم ذلك الكتاب لم يضلوا بعده البتة، فتخرج الأمة من مقتضى قوله: # ولا يزالون مختلفين # بدخولها تحت قوله: # إلا من رحم ربك ~~، فأبى الله إلا ما سبق في علمه من ~~اختلافهم كما اختلف غيرهم. # هذا رأي ابن عباس، أما عمر فظل على الرأي الذي قال به: «حسبنا كتاب الله.» وقد اتبع ~~المسلمون هذا الرأي في خلافة أبي بكر وفي خلافته إلا ما ثبت لهم بطريق القطع واليقين أن ~~رسول الله قاله. # روي عن أبي بكر أنه جمع الناس بعد وفاة نبيهم فقال: «إنكم تحدثون عن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أحاديث تختلفون فيها، والناس بعدكم أشد اختلافا فلا تحدثوا عن رسول الله شيئا، فمن سألكم ~~فقولوا بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه.» فلما استخلف عمر سار ~~على سنة أبي بكر هذه، وأمر الناس ألا يحدثوا عن رسول الله حتى لا يختلفوا، وقد بلغ من ms619 شدته ~~في تنفيذ هذا الأمر أن حبس ثلاثة من كبار الصحابة هم ابن مسعود، وأبو الدرداء، وأبو مسعود ~~الأنصاري؛ لأنهم أكثروا الحديث عن رسول الله هذا مع شدة احتياطهم في روايتهم، وقد كان من ~~أثر ما أمر به عمر أن قلت رواية الحديث حتى قال أبو عمرو الشيباني: كنت أجلس إلى ابن مسعود ~~حولا لا يقول قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، فإذا قال قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم # استقلته الرعدة ~~وقال: هكذا أو نحو ذا أو قريب من ذا، وكان أبو هريرة ممن يكثرون الحديث عن رسول الله بعد ~~عهد عمر، فسأله أبو سلمة يوما: أكنت تحدث في زمان عمر هكذا؟ فقال: لو كنت أحدث في زمان عمر ~~مثل ما أحدثكم لضربني بمخفقته. # وسير عمر قرظة بن كعب وجماعة معه إلى العراق ومشى معهم، فلما فصلوا عن المدينة ~~سألهم: أتدرون لم شيعتكم؟ قالوا: نعم، مكرمة لنا، قال: ومع ذلك فإنكم تأتون أهل قرية ~~لهم دوي بالقرآن كدوي النحل، فلا تصدوهم بالأحاديث فتشغلوهم، جودوا القرآن وأقلوا ~~الرواية عن رسول الله وأنا شريككم، فلما قدم قرظة قال له أهل العراق: حدثنا عن رسول الله، ~~فقال: نهانا عمر. # نهى عمر عن رواية الحديث، واشتد في تنفيذ أمره بذلك؛ مع هذا روى الناس الأحاديث في ~~مناسبات لم يكن لعمر قبل بمنعهم عن الرواية فيها، والقضايا أهم هذه المناسبات؛ فما قضى به ~~رسول الله حجة ويقاس عليه، لم يجد أبو بكر في كتاب الله ميراثا للجدة يقضي به لامرأة جاءته ~~تطلب ميراثها، فقال المغيرة بن شعبة: سمعت رسول الله يعطيها السدس، وشهد محمد بن مسلمة ~~بمثل ذلك، فقضى به أبو بكر. وسلم رجل على عمر بن الخطاب من وراء الباب ثلاث مرات فلم يؤذن ~~له فرجع، فأرسل عمر في أثره وسأله: لم رجعت؟ قال سمعت رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يقول: «إذا سلم ~~أحدكم ثلاث مرات فلم يجب فليرجع.» فطلب منه عمر البينة على هذا الحديث فجاء بها، وكان ~~قضاة ms620 عمر يقضون بكتاب الله وسنة رسوله، فإذا جاءهم خصم بحديث أو سنة عن رسول الله تبينوا ما ~~جاء به، فإذا ثبت قضوا به، وما كان عمر ليستطيع أن يمنع الاستشهاد بالحديث أو بالسنة في ~~القضاء كما منع رواية الحديث، وقد خشي أن تكثر الرواية لهذا السبب، وأن تدفع المصلحة بعضهم ~~لاختلاق الأحاديث والتحايل على إثبات صحتها، فيكثر الحديث الكذب؛ لذلك فكر في كتابة السنن ~~حتى لا يزيد أحد عليها، كما أشار على أبي بكر من قبل بجمع القرآن. # لكنه لم يلبث حين عاود التفكير في الأمر أن تردد فيه؛ فدعا أصحاب رسول الله فاستشارهم، ~~فوافقه أكثرهم وأشاروا عليه بكتابة السنن، وقضى شهرا يفكر في الأمر ويستخير الله فيه: ~~أيقدم عليه أم يحجم عنه، ثم إنه أصبح يوما وقد عزم الله له فقال للناس: «إني كنت ذكرت لكم ~~من كتابة السنن ما قد علمتم، ثم تذكرت فإذا أناس من أهل الكتاب من قبلكم قد كتبوا مع كتاب ~~الله كتبا، فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله، وإني والله لا أشوب كتاب الله بشيء أبدا!» ~~وعدل عن كتابتها وكتب في الأمصار عنها: «من كان عنده شيء فليمحه.» # أكان عمر على حق حين عدل عن كتابة السنن وأمر بمحو ما كان مكتوبا منها، أم كان مخطئا ~~فكان لخطئه نتائجه من بعد؟ # تستطيع أن تقول إنه أخطأ، وإن مر الزمن دل على خطئه، فقد بدأت الأحاديث من بعده تتوالد ~~وتتداول إلى غير حد، فمنذ عادت الخصومة بين بني أمية وبني هاشم إلى الظهور في أعقاب مقتل ~~عثمان، ثم لما قامت الحرب الأهلية بين علي ومعاوية فخاصمت عائشة عليا وأيد عليا من ~~أيده، كثرت الأحاديث الموضوعة لعلي وعليه كثرة أنكرها علي في حياته فقال: «ما عندنا كتاب ~~نقرؤه عليكم إلا ما في القرآن، وما في هذه الصحيفة أخذتها من رسول الله وفيها فرائض ~~الصدقة.» ولم يقف هذا القول واضعي الحديث عن وضعه لهوى يدعون الناس إليه، أو لفضائل يحسبون ~~أن الناس أحرص على اتباعها حين ينسب إلى ms621 رسول الله حديثها، وكثرت الأحاديث الموضوعة لأغراض ~~سياسية أو غير سياسية كثرة راعت المسلمين لمنافاة الكثير منها لما في كتاب الله، ولم تنجح ~~المحاولات التي بذلت لوقفها في زمن الأمويين، بل جعلت تزداد وتتضاعف كل يوم عما قبله، فلما ~~كانت الدولة العباسية وجاء المأمون بعد قرابة قرنين من وفاة النبي، كان قد أذيع من هذه ~~الأحاديث الموضوعة عشرات الألوف ومئاتها، وبينها من التضارب وفيها من التهافت ما لا يخطر ~~ببال، وحسبك لتقدر ذلك أن تذكر أن البخاري ألفى الأحاديث المتداولة تربى على ستمائة ألف ~~حديث، لم يصح لديه منها أكثر من أربعة آلاف حديث، وأن أبا داود جمع خمسمائة ألف حديث لم يصح ~~لديه منها غير أربعة آلاف وثمانمائة؛ وكثير من هذه الأحاديث التي صحت عند جامعي الحديث ~~نقدها غيرهم من العلماء والفقهاء، فلو أن عمر جمع ما صح لعهده من الأحاديث والسنن لوقف ~~توالدها من بعده، ولما أصبح الحديث الصحيح في الحديث الكذب كالشعرة البيضاء في جلد الثور ~~الأسود، على تعبير الدارقطني، ولأمكن أن يتحقق ما روي عن معاوية أنه قال: «خذوا من الحديث ~~بما كان في عهد عمر فإنه قد أخاف الناس في الحديث عن رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~.» أما ولم يفعل، ~~فكثرت رواية الحديث، ولم يعد الناس يعرفون ما كان في عهد عمر وما وضع من بعده، وترتب على ~~ذلك من ابتداع الأحاديث ما رأيت، فذلك الدليل على أن عمر أخطأ حين عدل عن جمع السنن، وأمر ~~بمحو ما كان مكتوبا منها. # تستطيع أن تقول هذا، وأن تكون لك شبهة فيه، بعد أن بلغ عدد الأحاديث في عهد المأمون ~~ستمائة ألف حديث ، لم يصح منها إلا أربعة آلاف تعرض الكثير منها للتفنيد والطعن من بعد، لكنك ~~تكون غير منصف في هذا الحكم وإن قامت لك الشبهة فيه؛ فقد كان عمر يحسب أن الذين يخلفونه من ~~أمراء المؤمنين سيسيرون سيرته في النهي عن رواية الحديث، وسيحبسون مثله من يكثرون الحديث عن ~~رسول الله، فإذا لم يفعل ms622 هؤلاء الخلفاء، بل تغاضوا متعمدين عن الأحاديث توضع لأسباب سياسية ~~وغير سياسية، وشجع بعضهم على وضعها، فالذنب في ذلك ليس ذنب عمر، بل ذنب أولئك الخلفاء، ~~والذين شجعوا منهم على وضع الأحاديث أعظم وزرا وأكبر جريرة، أفيكون من العدل، والأمر كذلك، ~~أن ينسب الخطأ إلى عمر؟! # وهب عمر أمر بكتابة السنن، ثم حدثت الفتنة من بعده وقامت الحرب الأهلية بين علي ومعاوية؛ ~~وبين الأمويين وبني هاشم، واتخذت رواية الحديث عن رسول الله أداة دعاية في هذه الحرب وهذه ~~الفتنة، أترى أن الناس كانوا يصدون عن كتابة هذا الحديث الموضوع وروايته؟! أم ترى كان ~~الدعاة السياسيون يشجعون عليه ويجمعون منه مثل الذي جمع عمر، ثم يضفي أصحاب المصلحة فيه من ~~سلطانهم الرسمي عليه ما لم يضف مثله أحد على ما جمعه البخاري وسائر الأئمة المحدثين من بعد، ~~ولا يكون عجبا بعد ذلك أن يصبح لهذه المدونات الرسمية من القيمة الدينية ما خشيه عمر حين ~~قال: «والله لا أشوب كتاب الله بشيء أبدا!» وحين قال: «ذكرت قوما كتبوا كتابا فأقبلوا ~~عليه وتركوا كتاب الله.» # وكانت عبارة عمر هذه يزداد مدلولها تحقيقا لو أنه كتب السنن ثم لم تحدث الفتنة ولم يوضع ~~الحديث الكذب، ولم تبلغ كثرته حتى يصبح الحديث الصحيح فيه كالشعرة البيضاء في جلد الثور ~~الأسود، فما كان كتاب عمر ليحتوي السند الذي يرفع به الحديث إلى النبي، بل كان زيد بن ثابت ~~أو غيره من كبار الصحابة يتولى تحقيق ما يذكر له من الأحاديث في نصها ونسبتها، ويثبتها على ~~أنها من كلام رسول الله لا ريب فيها، عند ذلك كان الناس يجدون أمامهم كتابين: أحدهما أوحاه ~~الله إلى رسوله ليبلغه الناس، والآخر حدث رسول الله به الناس، ويكون الكتابان مقترنين في ~~زمن التدوين، وقد يؤدي ذلك إلى ما خشيه عمر من إقبال الناس على كتاب الحديث وتركهم كتاب ~~الله؛ لهذا الأمر احتاط عمر، فنجح في احتياطه كل النجاح، فكتاب الله لا يزال ولن يزال بين ~~أيدي الناس أوحاه إلى رسوله ms623 هدى للناس ورحمة ونورا، فأما ما جمعه الجامعون المحققون من بعد ~~من حديث رسول الله مسندا إلى رواته، فلا يشوب كتاب الله به أحد، ولا يقبل عليه ويدع كتاب ~~الله من أجله أحد، بل ينظر الناس إليه نظرة الإكبار والإجلال تقديرا لمن أسند إليه، ثم لا ~~يحول ذلك بينهم وبين تمحيصه بعرضه على كتاب الله، ونقده من جهة السند والمتن. # أحسبك ترى بعد الذي سبق أن اجتهاد عمر في تدوين الحديث، وانتهاءه إلى العدول عنه، اجتهاد ~~له ما يسوغه، وافقته أنت على رأيه أو خالفته فيه. # أما واجتهاد عمر ما رأيت، فأحر به أن تطمئن له نفوس المسلمين، وذلك ما كان، وأنت بذلك ~~تستطيع أن تسمي عمر إمام المجتهدين، فلا يتهمك أحد بغلو أو مبالغة، على أن عمر لم يقصد قط ~~إلى الاجتهاد النظري ولم يرض عنه، علما منه بأن هذا الاجتهاد يؤدي إلى الاختلاف، وهو أشد ~~الناس كراهية له، سمع يوما عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب يختلفان في صلاة الرجل في الثوب ~~الواحد أو الثوبين، فصعد المنبر وقال: «رجلان من أصحاب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # اختلفا، فعن أي ~~فتياكم يصدر المسلمون، لا أسمع اثنين يختلفان بعد مقامي هذا إلا فعلت وصنعت.» وكان ~~يقول: «لا تختلفوا؛ فإنكم إن اختلفتم كان من بعدكم أشد اختلافا.» وكانت الدعوة إلى عدم ~~الاختلاف بعض رأيه منذ أسلم، وكان لذلك يلعن من سأل عن رسول الله عما لم يكن، فلما استخلف ~~دفعته شدة الحرص على اتفاق كلمة المسلمين ألا يصدر الرأي قبل أن يستشير كبار الصحابة ~~ويناقشهم فيه، حتى يطمئن كل الاطمئنان إلى الرأي الذي يصدره، قال الدهلوي في كتابه «حجة ~~الله البالغة»: «كان من سيرة عمر رضي الله عنه أنه كان يشاور الصحابة ويناظرهم حتى تنكشف ~~الغمة ويأتيه الثلج، فصار غالب قضاياه وفتاواه متبعة في مشارق الأرض ومغاربها.» # 15 # ولذلك كان ابن مسعود يقول: «كان عمر إذا سلك طريقا وجدناه سهلا.» # والفقه الإسلامي مدين لاجتهاد عمر بما لا يقل عن ms624 السياسة الإسلامية لحسن رأيه، وصدق ~~إيمانه وعزمه، في إقامة الإمبراطورية، فقد قرر مبادئ وآراء في الفقه أخذ بها الذين جاءوا من ~~بعده، وعدوا صدورها عنه حجة على صحتها، والكثير من هذه المبادئ خطير الأثر جليله؛ وهو لذلك ~~باق إلى اليوم يطبق، في الفقه الإسلامي وفي غير الفقه الإسلامي من الشرائع، على أنه من ~~المبادئ العالمية التي لا تقبل نقضا. # من هذه المبادئ مبدأ الضرورة؛ فقد قرر الكتاب، للقتل وللسرقة وللزنا وللقذف ولقطع الطريق، ~~حدودا هي حدود الله، وقال: # ومن لم يحكم بما أنزل الله ~~فأولئك هم الفاسقون ~~. # 16 # مع ذلك رأى عمر أن يدرأ الحد بالضرورة استنادا إلى قوله تعالى: # فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن ~~الله غفور رحيم ~~. # 17 # جاءوه يوما بامرأة زنت وأقرت فأمر برجمها، فقال علي بن أبي طالب: لعل بها عذرا! ثم قال ~~لها: ما حملك على ما فعلت؟ قالت: كان لي خليط، وفي إبله ماء ولبن، ولم يكن في إبلي ماء ولا ~~لبن، فظمئت فاستسقيته فأبى أن يسقيني حتى أعطيه نفسي، فأبيت عليه ثلاثا، فلما ظمئت وظننت ~~أن نفسي ستخرج أعطيته الذي أراد، فسقاني، قال علي: الله أكبر! # فمن ~~اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور ~~رحيم ~~، وفي السنن للبيهقي عن أبي عبد الرحمن السلمي أن عمر أتي بامرأة جهدها ~~العطش، فمرت على راع فاستسقت فأبى أن يسقيها إلا أن تمكنه من نفسها ففعلت، فشاور الناس في ~~رجمها فقال علي: هذه مضطرة أرى أن تخلي سبيلها، ففعل. # وروي أن غلمانا لحاطب بن أبي بلتعة سرقوا ناقة لرجل من مزينة، فأتى بهم عمر ~~فأقروا، فأمر كثير بن الصلت بقطع أيديهم، فلما ولى رده ثم قال: أما والله لولا أني أعلم ~~أنكم تستعملونهم تجيعونهم حتى إن أحدهم لو أكل ما حرم الله عليه حل له، لقطعت أيديهم، ثم ~~وجه القول إلى عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة فقال: وايمن الله إذ لم أفعل ذلك لأغرمنك ~~غرامة توجعك! ثم ms625 قال: يا مزني، بكم أريدت منك ناقتك؟ قال: بأربعمائة، قال عمر لابن حاطب: ~~اذهب فأعطه ثمانمائة، وأعفى الغلمان السارقين من الحد؛ لأن حاطبا اضطرهم إلى السرقة لجوعهم ~~وحاجتهم إلى سد رمقهم. # ومن المبادئ التي قررها عمر، وهي جارية اليوم في أكثر الأمم حضارة، مبدأ المساواة أمام ~~القضاء، كتب بذلك إلى أبي موسى الأشعري وإلى غيره من قضاته كما رأينا ونفذه هو في قضائه ~~بدقة بالغة، وقد ذكرنا من قبل أمثالا على ما فعله من ذلك. # وقصة جبلة بن الأيهم الغساني من الأمثلة البارزة في هذا الصدد، ويجرى ~~مجرى هذه القصة ما حدث حين خاصم يهودي علي بن أبي طالب إلى عمر ومكانة علي من رسول الله ومن ~~المسلمين جميعا لا تخفى، مع ذلك قال له عمر: قم يا أبا الحسن واجلس أمام خصمك، أو قال له: ~~ساو خصمك يا أبا الحسن، فساوى علي خصمه وجلس أمامه وقد بدا التأثر على وجهه، فلما انتهت ~~الخصومة قال عمر: أكرهت يا علي أن تجلس أمام خصمك؟ والرواية تجري بعد ذلك بأن عليا أجابه: ~~كلا! ولكني كرهت أنك لم تسو بيننا حين قلت يا أبا الحسن، يريد أن الكنية تشير إلى ~~التعظيم، وعبارة علي هذه لا تنفي أن عمر كان شديد الحرص على المساواة بين الناس أمام ~~القضاء، وأنه كان يرى هذه المساواة من أول مقتضيات العدل، بغض النظر عما في نفس القاضي من ~~تقدير خاص ومن محبة أو كراهية لأحد الخصوم. # وأثر هذه المساواة وإدخالها الطمأنينة إلى نفوس المتقاضين يبدو في حوار طريف، ساقه ابن ~~طباطبا في كتابه «الفخري في الآداب السلطانية.» حين قال عمر لرجل: إني لا أحبك، فسأله ~~الرجل: فتنقصني من حقي شيئا؟ قال عمر: لا، قال الرجل: فما يفرح بالحب بعد هذا إلا ~~النساء. # قد تحسب أن مبدأ المساواة أمام القضاء ليس اجتهادا في الفقه، وأن ذكره عند الكلام عن ~~اجتهاد عمر تجوز لا يجوز، والحق أنه اجتهاد أي اجتهاد؛ فكثيرون لا يزالون يجاهدون إلى ~~اليوم في بعض الأمم لتقرير ms626 هذا المبدأ، وهو لم يتقرر في أمم أخرى إلا من زمن قريب، وحسبي أن ~~أذكر ما كان قائما من امتيازات للأجانب في التشريع والقضاء في الإمبراطورية العثمانية إلى ~~زمن قريب، وما لا يزال باقيا من ذلك في مصر إلى أن تزول بقيته الباقية، لترى أن ما قرره ~~عمر كان فقها كل الفقه، واجتهادا كل الاجتهاد، فإذا ذكرت إلى جانب ذلك أن الثورات التي ~~قامت في أوروبا، في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر المسيحيين، إنما كان مرماها الأول تحقيق ~~هذه المساواة أمام القانون وأمام القضاء، وأن مبدأ المساواة كان في مقدمة المبادئ التي ~~قررتها الثورة الفرنسية وأثبتتها وثيقة حقوق الإنسان، لم يبق لديك ريب في أن هذا الرأي ~~الذي اجتهده عمر من صميم الفقه، وأن عمر واجه به تطور العرب من حال البداوة القبلية التي لا ~~تعرف الولاية العامة والقضاء العام، إلى حال الحضارة ونظامها الإسلامي القائم على أساس من ~~المساواة أمام الشرع وأمام من ينفذون الشرع. # ومن صميم الفقه الذي واجه به عمر التطور الجديد في الحياة العربية اجتهاده في تفصيل ما لم ~~يرد عنه نص صريح في كتاب الله؛ فقد وضع القرآن نظاما للتوريث لم يكن معروفا قبل الإسلام، ~~وفرض لكل ذي حق من الورثة حقه، على أن من التفاصيل ما لم يكن عليه نص في هذا النظام، وقد ~~رأيت ما كان من أبي بكر في توريث أم الأم، وقد رفعت لعمر مسائل أخرى لم يكن عليها نص في ~~كتاب ولا سنة، فلم يكن بد لحلها من اجتهاد الرأي، من ذلك المسألة المعروفة بالمسألة ~~العمرية، أو المسألة الحجرية؛ فقد قسمت تركة فأصاب أخو المورث لأمه فرضه، ولم يبق لأخي ~~المورث الشقيق ما يرثه، فلما رفع الأمر إلى عمر أفتى بأن الأخ الشقيق أخ لأم وأخ لأب معا، ~~فليس من الإنصاف أن يحرم؛ لأنه شقيق، ولذلك قال: هبوا أباه كان حجرا، وفي رواية كان ~~حمارا، وورثه من التركة على أنه أخ لأم يشترك مع غيره من الإخوة لأم. # وقد واجه ms627 عمر الشيء الكثير من مشاكل الميراث بعد طاعون عمواس بالشام؛ فقد هلك ألوف بهذا ~~الطاعون، وتداخلت مواريثهم تداخلا كان يشغل دور القضاء في أية أمة من الأمم الأعوام ~~الطوال، فلما برئت الأرض ذهب عمر إلى الشام بنفسه، فنظم مصالحه ودبر أموره، وكان مما صنعه ~~أن قسم المواريث فورث بعض الورثة من بعض وأخرجها إلى الأحياء من ورثة كل منهم، وتستطيع أن ~~تتصور الدقة في هذا الأمر، وما يمكن أن يثور بسببه من نزاع، وليس من غرضي أن أفصل شيئا من ~~ذلك، وإنما أشير إليه تنويها باجتهاد عمر في مشكلة عويصة حلها في أسابيع حلا رضيه ~~المسلمون جميعا مع تعلقه بمنافعهم الخاصة، وهذا دليل بالغ وحجة قاطعة على أن الناس يطمئنون ~~إلى اجتهاد الرأي ما قام على أساس عادل نزيه. # أنتقل الآن إلى مسألة كان اجتهاد عمر فيها متأثرا بسياسته العامة لأمور الإمبراطورية ~~الناشئة، وبحرصه على مواجهة أطوارها الجديدة، وكان له أثره في ازدياد رقعتها فسحة وسعة؛ ذلك ~~اجتهاده في شأن الأرض التي فتحت عنوة بالعراق والشام. # وقد رأيت المسلمين في العراق والشام انتصروا بالقادسية؛ وفتحوا المدائن وجلولاء وحمص ~~وحلب وغيرها من المدن وغنموا منها، فكان ما غنموه يفرز خمسه ويرسل إلى أمير المؤمنين، وتقسم ~~أربعة أخماسه بين الجند المنتصرين؛ وذلك عملا بقوله تعالى: # واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ~~ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن ~~السبيل ~~. # 18 # فلما فتحوا أرض السواد بالعراق أرادوا قسمتها على هذا النحو؛ يكون خمسها لبيت ~~المال، ويقسم سائرها بين الجند الذين اشتركوا في فتحها، وخالفهم عمر عن رأيهم في قسمة الأرض ~~وقال: فكيف بمن يأتي من المسلمين فيجدون الأرض بعلوجها قد قسمت وورثت عن الآباء وحيزت! ما ~~هذا برأي، قال عبد الرحمن بن عوف: ما الأرض والعلوج إلا ما أفاء الله عليهم! أي على ~~الفاتحين، ورد عليه عمر: ما هو إلا كما تقول، ولست أرى ذلك؛ والله ما يفتح بعدي بلد فيكون ~~فيه كبير نيل، بل عسى أن يكون كلا على المسلمين، فإذا ms628 قسمت أرض العراق بعلوجها، وأرض ~~الشام بعلوجها فماذا تسد به الثغور وما يكون للذرية والأرامل بهذا البلد وبغيره من أرض ~~الشام والعراق! # لم يسترح الفاتحون إلى قول عمر، فأكثروا عليه وقالوا: أتقف ما أفاء الله علينا بأسيافنا ~~على قوم لم يحضروا! أما عمر فأصر على رأيه، ولم يزد على أن قال: هذا رأيي، فلما رأوا إصراره ~~عليه قالوا: فاستشر، فجمع المهاجرين الأولين فاختلفوا: بقي عبد الرحمن بن عوف على رأيه ~~أن تقسم لهم حقوقهم، ورأى عثمان وعلي وطلحة رأي عمر، وأرسل عمر إلى عشرة من كبراء الأنصار ~~وأشرافهم، خمسة من الأوس وخمسة من الخزرج وقال لهم: «إني لم أزعجكم إلا لتشتركوا في أمانتي ~~فيما حملت من أموركم؛ فإني واحد كأحدكم وأنتم اليوم تقرون بالحق، خالفني من خالفني ووافقني ~~من وافقني، ولست أريد أن تتبعوا هذا الذي هو هواي؛ فلكم من الله كتاب ينطق بالحق، فوالله ~~لئن كنت نطقت بأمر أريده ما أريد به إلا الحق!» قالوا: «قل نسمع يا أمير المؤمنين؟» قال ~~عمر: «قد سمعتم كلام هؤلاء القوم الذين زعموا أني أظلمهم حقوقهم، وإني أعوذ بالله أن أركب ~~ظلما! لئن كنت ظلمتهم شيئا هو لهم وأعطيته غيرهم لقد شقيت، لكني رأيت أنه لم يبق شيء ~~يفتح بعد أرض كسرى، وقد غنمنا الله أموالهم وأرضهم وعلوجهم، فقسمت ما غنموا من أموال بين ~~أهله، وأخرجت الخمس فوجهته على وجهه، وأنا في توجيهه، وقد رأيت أن أحبس الأرضين بعلوجها ~~وأضع عليهم فيها الخراج وفي رقابهم الجزية يؤدونها، فتكون فيئا للمسلمين: المقاتلة والذرية ~~ولمن يأتي بعدهم، أرأيتم هذه الثغور، لا بد لها من رجال يلزمونها! أرأيتم هذه المدن العظام، ~~لا بد لها من أن تشحن بالجيوش، ولا بد من إدرار العطاء عليهم! فمن أين يعطى هؤلاء إذا ~~قسمت الأرضون والعلوج؟!» # أرأيت إلى هذا الخطاب وإلى ما فيه من الحجج، فهو يشهد بأن الجدل بين عمر وبين الذين ~~يزعمون لأنفسهم حقا في أرض العراق قد كان عنيفا، بلغ من عنفه أن اتهم أمير المؤمنين ~~بالظلم، ms629 وإن أصر أمير المؤمنين مع ذلك على رأيه، غير معتمد في هذا الرأي على نص في الكتاب ~~أو سنة سبقت من رسول الله، بل على المنفعة العامة للدولة وسياستها، هو إذن رأي اجتهده عمر، ~~وساق من الحجج في تأييده ما أقنع عثمان وعليا وطلحة، وما أقنع هؤلاء الأنصار العشرة الذين ~~سمعوا له، فقالوا جميعا: «الرأي رأيك، فنعم ما قلت وما رأيت! إن لم تشحن هذه الثغور وهذه ~~المدن بالرجال وتجري عليهم ما يتقوون به رجع أهل الكفر إلى مدنهم.» # اطمأن عمر إلى رأيه ولم يبق لمخالفيه ما ينقضونه به، فقال: قد بان لي الأمر، فمن رجل ~~له جزالة وعقل يضع الأرض مواضعها، ويضع على العلوج ما يحتملون؟ واجتمع رأي القوم على عثمان ~~بن حنيف وقالوا: تبعثه إلى أهم ذلك، فإن له بصرا وعقلا وتجربة، وولاه عمر أرض السواد، ~~فكان من حسن تصرفه أن أدت جباية الكوفة وحدها قبل عام من مقتل عمر مائة ألف ألف درهم، وكان ~~وزن الدرهم يومئذ وزن المثقال. # خير ما يصور الرأي الذي انتهى إليه عمر في قسمة مغانم الحرب كتابه الذي بعث به إلى سعد بن ~~أبي وقاص، بعد أن شاور أصحابه وبان له الأمر؛ فقد كتب إليه يقول: «بلغني كتابك تذكر فيه أن ~~الناس سألوك أن تقسم بينهم مغانمهم وما أفاء الله عليهم، فإذا أتاك كتابي هذا فانظر ما أجلب ~~الناس عليك به إلى العسكر من كراع ومال فاقسمه بين من حضر من المسلمين، واترك الأرضين ~~والأنهار لعمالها ليكون ذلك في أعطيات المسلمين، فإنك إن قسمتها بين من حضر لم يكن لمن ~~بعدهم شيء.» # وقد حدث مثل هذا الحوار بين عمر وأصحابه على أثر فتح الشام، وجعل أصحابه يحاجونه يومين أو ~~ثلاثة أو دون ذلك، فقد أراد جماعة المسلمين أن يقسم عمر بينهم أرض الشام كما قسم رسول الله ~~خيبر، وكان أشد الناس عليه في ذلك الزبير بن العوام وبلال بن رباح، لكن عمر أجابهم كما أجاب ~~الذين حاوروه في أرض العراق: إذن أترك ms630 من بعدكم من المسلمين لا شيء لهم، ولم يقسم الأرض بل ~~تركها لعمالها ليكون خراجها في أعطيات المسلمين. # كان هذا اجتهاد رأي من عمر في أمر الأرض التي غنمها المسلمون في القتال، وقد كان هذا ~~الاجتهاد، على تعبير أبي يوسف في كتاب الخراج: # توفيقا من الله كان له فيما صنع وفيه كانت الخيرة لجميع المسلمين، وفيما رآه من ~~جمع خراج ذلك وقسمته بين المسلمين عموم النفع لجماعتهم؛ لأن هذا لو لم يكن موقوفا ~~على الناس في الأعطيات والأرزاق لم تشحن الثغور ولم تقو الجيوش على السير في ~~الجهاد، ولما أمن رجوع أهل الكفر إلى مدينتهم إذا خلت من المقاتلة والمرتزقة، والله ~~أعلم بالخير حيث كان. ~~••• # هذه أمثلة من اجتهاد عمر في الشئون الكبرى، وفي شئون الدولة العامة على وجه أخص، واجتهاده ~~فيما وراء ذلك من أمور التشريع والفقه كثير تفيض به كتب الفتاوى ويعتمد عليه الأئمة الأربعة ~~وغيرهم من فقهاء السنة الإسلامية كل الاعتماد، وليس من غرضي أن أتقصى هذه الفتاوى أو أثبت ~~كل هذه الآراء، فهذا التفصيل لا يدخل في نطاق بحث عن الإمبراطورية الإسلامية ونهوضها، إنما ~~أردت أن أبرز في هذا الفصل ما كان لعمر من أثر عميق في تطور الحياة العامة لبلاد العرب، ~~وللبلاد التي فتحها العرب، في الناحية السياسية كان هذا الأثر أو في الناحية الاقتصادية ~~والاجتماعية. # وأنت لا ريب قد لاحظت أن عمر كان أشد ميلا في اجتهاده إلى الصرامة والحزم مع ما عرف عنه ~~من لين مع الضعفاء ورفق بهم، كان الحزم وكانت الصرامة شأنه مع المؤلفة قلوبهم، ومع الذين ~~يطلقون ثلاثا بكلمة واحدة، ومع شاربي الخمر، ومع الذين يكثرون من رواية الحديث، ومع ~~الغزاة المسلمين فيما غنموا من أرض العراق والشام، وكان العدل الصارم ديدنه في قضائه، ~~وفي تسويته بين الخصوم الذين يقفون أمامه وإن تفاوتت أقدارهم في نظر الناس، وكان حمله ~~الدرة بعض مظاهر هذه الصرامة الحازمة التي لم تفته حتى في أمور لا يحمل أصحابها شيئا ~~من تبعتها. # كان عمر يعس ms631 ليلة، فسمع امرأة تقول: # ألا سبيل إلى خمر فأشربها # أم هل سبيل إلى نصر بن حجاج # فلما أصبح سأل عن نصر هذا وأرسل في طلبه، فلما جيء به ألفاه من أحسن الناس شعرا وأصبحهم ~~وجها، فأمره أن يطم شعره ففعل، فظهرت جبهته فازداد حسنا، فأمره عمر أن يعتم، ففعل فازداد ~~حسنا، فقال عمر: لا! والذي نفسي بيده لا تكون بأرض أنا بها، وأمر له بما يصلحه وسيره إلى ~~البصرة، ولا ذنب لنصر في جماله حتى ينفى من الأرض، وإنما أراد عمر أن يقضي في مدينة الرسول ~~على فتنة النساء به. # وسمع عمر نسوة في المدينة يقلن ذات ليلة وهو يعس: أي أهل المدينة أصبح؟ قالت امرأة ~~منهن: أبو ذئب، فلما جيء به فرآه من أجمل الناس قال له: أنت والله ذئبهن! وكررها مرتين أو ~~ثلاثا، ثم قال: والذي نفسي بيده لا تكون بأرض أنا بها! قال أبو ذئب: فإن كنت لا بد مسيري ~~فسيرني حيث سيرت ابن عمي، يريد نصر بن حجاج فأمر له عمر بما يصلحه وسيره إلى البصرة. # وإنما أراد عمر بهذه الصرامة الحازمة أن يحارب في نفوس العرب كل ضعف يجعل للهوى سلطانا ~~عليها، ذلك بأن القوة روح الإسلام وجوهره، فالقوة هي التي يتسلط بها المرء على نوازع النفس ~~ونزغ الهوى، وهي التي تنزع من الأمة كل نقائص الضعف، وتدفع عنها كل معتد عليها يريد فتنتها ~~عن عقيدتها، وهذه الروح هي التي فرضت على المسلمين الرفق بالضعفاء وجعلت المن بهذا الرفق ~~إثما عظيما، فإنما أريد بالرفق معالجة ضعفهم لكيلا ينحدر بهم الفقر أو الجهل أو المرض ~~إلى ما يزيدهم ضعفا، وإلى ما يؤدي إليه الضعف من الذلة والخضوع لغير الله، فإذا زال ضعفهم ~~صحوا وأصبحوا أعزة في أنفسهم وقوة للجماعة التي ينتمون إليها. # وكان عمر من أقوى الناس إدراكا لروح الإسلام هذه، كما كان من أحسنهم علما بما في الحياة ~~من عوامل تضعف هذه الروح، وكان لذلك شديد الحرص على مقاومة هذه العوامل، والواقع أن النفس ~~الإنسانية ms632 تضطرب، في تطلعها للسمو وفي تهيئها للانحدار بين عوامل لا قبل لها أكثر الأمر ~~بها، والانحدار أيسر لها، وهي له أكثر انجذابا، أما السمو فيقتضيها جهاد نفسها حتى لا تقع ~~في الشباك الكثيرة التي نصبتها طبيعة الحياة لها، وجعلتها من ضرورات بقائها، ثم زينتها بما ~~يغري هوى النفس ويستهوي شهوتها، والإنسان يفتن في تزيين هذه الشباك فيزيدها فتنة ~~واستهواء. # وكثيرا ما يرى الناس في زينة هذه الشباك رفاهة وحضارة، وهم في ذلك يختلفون عن الحيوان، ~~فالإنسان والحيوان جميعا في حاجة إلى الطعام والشراب حفظا للحياة، وإلى النسل حفظا ~~للنوع، والحيوان ينال من الطعام والشراب ما يبقي على حياته، ولا تزيد صلة الذكر منه بالأنثى ~~عما يقتضيه النسل، أما الإنسان فيرى في الطعام والشراب والحب متاعا يفتن فيه، ويهرع ~~إليه، وينال منه جهد طاقته، وهو يلتمس لهذا المتاع من الأسباب والوسائل ما لا تعرفه غريزة ~~مخلوق غيره. # والناس يزدادون في هذا المتاع افتنانا وعلى النهل منه حرصا كلما أوفت جماعاتهم على ~~الانحدار والانحلال، أما الجماعة الفتية فتندفع إلى التطهر من رجس هذا الافتنان، وتتخذ من ~~هذا التطهر وسيلتها إلى القوة وإلى السمو، وهذا التطهر هو ما دعا الإسلام إليه فكان رسول ~~الله أسوة المسلمين فيه، ثم عمل أبو بكر وعمل عمر على تثبيت غرسه في قلوب المسلمين ليحتل من ~~سويدائها مكان الإيمان، لهذا انبعثوا، بدافع مما في هذا التطهر من قوة معنوية زادها الإيمان ~~بالله أضعافا مضاعفة، فاقتحموا حدود الفرس والروم، واكتسحوا سلطانهم، وقضوا على دولتهم ~~قضاء لم يقم لها بعده قائمة. # وكان هذا التطهر غرض عمر من اجتهاده، قد رأيته بلغ منه في أمر نفسه غاية المدى، كذلك بلغ ~~المسلمون في مجموعهم حظا منه عظيما بفضل ما أبدى عمر من حزم في محاسبة الولاة ومن قسوة ~~بالمستهترين، لكن ما يقع من حوادث الحياة يجانب في كثير من الأحيان غرض المصلحين، ويشوب ~~سعيهم لتحقيق هذا الغرض بشتى الشوائب، وقد يدعوهم ذلك ليجاوزوا القصد في اجتهادهم، ذلك بأن ~~التداول بين السمو والانحدار ms633 في طبيعة الإنسان، وعواملهما تتجاور في نفس الفرد وفي نفس ~~الجماعة جوار تجاذب وتنافس، وكثيرا ما ينخدع الناس فيها فيأخذون بأسباب الضعف يحسبونها ~~أسباب القوة، وبعوامل الانحدار يظنونها عوامل السمو، بل إن هذه الأسباب والبواعث لتتداخل ~~وتتفاعل، ويبلغ من تداخلها وتفاعلها أن يضل الرأي ويضطرب الاجتهاد بينها، وقد رأيت أبا بكر ~~أمر بالتسوية في قسمة الفيء بين المسلمين، فلما استخلف عمر وانهالت عليه مغانم فارس ~~والروم دون الديوان وفرق بين الناس في العطاء، ثم رأى أثر ما فعل فعاد إلى النظر في الأمر، ~~وأيقن بأن ما فعله أبو بكر كان خيرا فعزم أن يرجع إليه، ولكن منيته عاجلته قبل أن ~~يفعل. # ولعمر عذره؛ إذ كان تدفق المال من فارس والروم على جزيرة العرب قد غشي في نفوس كثيرين على ~~ما أراده لهم من تطهر؛ فقل من الناس من يستطيع أن يصفي بواعث السمو في نفسه من شوائب النقص، ~~وقل منهم من يرفعه التطهر إلى مراتب العصمة من الخطأ والخطيئة، فالخطأ والخطيئة من طبيعة ~~الإنسان، تدفع إليهما أهواء هي بعينها الغرائز التي ركبت فينا لحفظ الحياة ولحفظ النوع، ~~والتطهر يرسم لنا الحدود بين الإثم والنفع، وبين الخير والشر، ويحملنا على أن نقف عند ما ~~ينفعنا، ولا نتعداه إلى ما يضرنا، والإثم والنفع والخير والشر والفائدة والضرر، تمتزج أكثر ~~الأحيان بعضها ببعض، امتزاج الذهب وغيره من المعادن النفيسة بالصخر والمعادن الخسيسة، فإذا ~~أريد استخلاص المعدن النفيس خاليا، وجب أن يصهر هذا المزيج صهرا قد يجني على خير ما فيه ~~إذا كان قليل الكم بالقياس إلى ما يخالطه، وقد يكون الصهر لذاته سبب فساد إذا لم يعالج ~~بالحكمة واليقظة. # وعمر كان لا ريب حكيما يقظا في اجتهاده وفي دعوته إلى التطهر، ويرجع الفضل في حكمته إلى ~~أنه امتثل روح الإسلام كما أوحاه الله إلى رسوله أدق الامتثال، وأدرك هذا الروح أدق إدراك، ~~ولذلك سما اجتهاده بالمسلمين إلى حيث يسر لهم أن يأتوا بالمعجزة في تشييد الإمبراطورية ~~الإسلامية. # من المأثور عن نابليون أنه كان ms634 أكثر افتخارا بالقانون المدني الذي وضع في عهده وشارك هو ~~في وضعه، منه بالمعارك العظيمة التي انتصر فيها ففتحت أمامه أبواب أوروبا وأوصلته إلى ~~موسكو، أفتستطيع أن تقول مثل هذا القول عن عمر، وأنه كان يستطيع أن يفاخر باجتهاده أكثر من ~~مفاخرته بالفتوح التي تمت في عهده؟ يجب، قبل أن تجيب على هذا السؤال، أن تفرق بين ما آلت ~~إليه إمبراطورية نابليون، وما آلت إليه إمبراطورية عمر، لقد تحطمت الأولى ونابليون حي، ~~وبقيت الثانية يتوارثها المسلمون قرونا عدة جيلا بعد جيل وأسرة بعد أسرة، مع ذلك لو أن ~~عمر كان ممن يفاخرون لكان أكثر فخرا باجتهاده؛ فهذا الاجتهاد هو الذي أقام الإمبراطورية ~~الإسلامية، وهو الذي أبقاها على الزمان. # على أن الاجتهاد والإمبراطورية كليهما قد هاضا عمر وأجهداه، ولئن كان قد نهض بعبئهما ~~صلبا قويا لقد انتهيا به إلى حيث دعا ربه أن يضمه إليه، وقد أحفظا عليه كثيرين من أهل ~~الأمم التي فتحها المسلمون، ثم كان مقتله بعض أثرهما. # هذه نتيجة قد تثير في نفسك الدهشة، لكنها الواقع من الأمر، وسترى هذا الواقع مجلوا في ~~الفصل الآتي، آخر فصول هذا الكتاب. # | هوامش # الفصل الخامس والعشرون # | مقتل عمر # عشر سنوات وأشهر قضاها عمر أميرا للمؤمنين، متجردا لله ولدين الله، منكرا نفسه وأهله، ~~متوجها بكل عقله وقلبه وجوارحه لينهض بالعبء العظيم الذي ألقاه القدر على عاتقه؛ فكان ~~القائد الأعلى للجيش؛ والفقيه الأكبر بين فقهاء المسلمين؛ والمجتهد الذي يرجع الكل إلى ~~رأيه، ويقر الكل اجتهاده؛ والقاضي النزيه العادل الذي يفصل في الخصومات، ويأخذ للضعيف حقه ~~من القوي؛ والأب البار الرحيم بالمسلمين جميعا، صغيرهم قبل كبيرهم، وضعيفهم قبل قويهم، ~~وفقيرهم قبل غنيهم؛ والمؤمن الصادق الإيمان بالله ورسوله صدقا زاده اعتدادا بنفسه، ~~واعتزازا برأيه؛ والسياسي المحنك الذي يعرف ما يريد، ولا يريد إلا ما يقدر عليه، فإذا ~~ازدادت قدرته، انفسحت إرادته؛ والإداري الحكيم يسرت له حكمته أن يسوس الأمم المتباينة في ~~الجنس واللغة والدين، ويدبر أمورها تدبيرا ألانها له، وزادها تعلقا به، لا عجب وذلك ms635 شأنه ~~أن اندفع المسلمون في عهده يحركهم صدق إيمانهم، وعظيم حرصهم على الاستشهاد في سبيل الله، ~~ففتحوا فارس والعراق والشام ومصر وما وراءها، ولا عجب وذلك شأنه أن أصبح العرب محط أنظار ~~العالم من أقصى الغرب إلى أقصى الشرق، وكانوا قبل إسلامهم أمة بادية تعيش لنفسها وتخضع ~~لنفوذ غيرها. # ما أعظم الجهد الذي بذله عمر لينهض خلال هذه السنوات العشر بهذا العبء العظيم! وقد ~~رأيت صورا من هذا الجهد مجلوة في هذا الكتاب، وهذه الصور لم تصف مع ذلك جهد عمر كله، ~~وهل يستطيع كاتب أن يحيط بكل دقيق وجليل حين يصور حياة الرجل العظيم! إنما ينظر الكاتب إلى ~~هذه الحياة من أحد جوانبها، وحسبه أن يلقي على هذا الجانب من الضياء ما يبرزه في وضوح ~~وجلاء، وأنا لم أقصد من هذا الكتاب إلا ما قصدت إليه من كتاب أبي بكر: أن أؤرخ ~~للإمبراطورية الإسلامية، لذلك لم أقف من حياة كلا الرجلين إلا عند ما يتصل بقيام ~~الإمبراطورية وانفساح رقعتها. # كم كانت سن عمر بعد هذه السنوات العشر التي قضاها أميرا للمؤمنين؟ أشرت من قبل إلى ~~اختلاف المؤرخين في هذا الأمر، يقول ابن الأثير: «كان مولده قبل الفجار بأربع سنين، وكان ~~عمره خمسا وخمسين سنة، وقيل: ستين سنة، وقيل: ثلاثا وستين سنة وأشهرا، وهو الصحيح، وقيل: ~~إحدى وستين سنة.» وفي رواية أنه كان خمسا وستين، ومن هذه الروايات كلها يظهر أنه كان بين ~~الخامسة والخمسين والخامسة والستين، وأكبر الظن أنه كان قد تجاوز الستين، أما وقد شق على ~~نفسه وآثر الشظف في حياته طيلة خلافته حتى خاف قومه عليه الموت عام المجاعة، فطبيعي أن ~~تثقله هذه السن أكثر مما تثقل من عرف الرفه والدعة، وكانت جسامة تبعاته تزيدها ثقلا ~~عليه، وتجعله أكثر شعورا بوطأة عبئها على كاهله، ثم لا يدعوه ذلك إلى الترفيه عن نفسه أو ~~التخفيف من أعبائه في الاضطلاع بكل ما جل ودق من شئون الإمبراطورية في عهده. # كان عمر كما قدمنا يحج كل عام ويدعو ولاته وعماله ms636 فيوافونه أيام الحج بمكة كي يحاسبهم على ~~أعمالهم، ويشاركهم في تدبير شئون ولايتهم، وقد حج كعادته في هذه السنة الثالثة والعشرين ~~للهجرة؛ وحج معه أزواج رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، فلما قضى مناسكه وأفاض من منى، أناخ بالأبطح ~~فكوم كومة من بطحاء ألقى عليها بطرف ثوبه؛ ثم استلقى عليها ورفع يديه إلى السماء وقال: ~~«اللهم كبرت سني ورق عظمي وضعفت قوتي وانتشرت رعيتي، فاقبضني إليك غير عاجز ولا ~~ملوم!» وهذا دعاء لا يقوله رجل قبل الستين، وبخاصة إذا كان سليم البنية قويها مثل ما كان ~~عمر. # ولعله، وقد شعر بدبيب الوهن في جسمه فكان يستعجل لقاء ربه، قد كان طويل التفكر في هذا ~~المصير، روى ابن سعد في الطبقات أنه لم يلبث حين نزل المدينة عائدا من حجه أن خطب الناس ~~يوم الجمعة، فذكر نبي الله وذكر أبا بكر، ثم قال: «أيها الناس! إني أريت رؤيا لا أراها ~~إلا لحضور أجلي، رأيت ديكا أحمر نقرني نقرتين.» وقال: «أيها الناس، قد فرضت لكم ~~الفرائض، وسنت لكم السنن، وتركتم على الواضحة إلا أن تضلوا بالناس يمينا ~~وشمالا.» # 1 # فهذه العبارة الأخيرة أشبه بوصية الشاعر بدنو الأجل منها بعظة من يحض على ~~الخير، وأشبه بالوصية كذلك، في تلك الخطبة قوله: «إني لم أدع شيئا هو أهم إلي من ~~الكلالة، وما راجعت رسول الله في شيء ما راجعته في الكلالة، وما أغلظ علي في شيء ~~منذ صاحبته ما أغلظ لي في الكلالة، حتى طعن بأصبعه في بطني فقال لي: «يا عمر تكفيك الآية ~~التي في آخر النساء.» وإن أعش أقض فيها بقضية يقضي بها من يقرأ القرآن ومن لا يقرأ ~~القرآن.» ثم قال: «اللهم إني أشهدك على أمراء الأمصار! فإني إنما بعثتهم ليعلموا الناس ~~دينهم وسنة نبيهم، ويعدلوا عليهم، ويقسموا فيئهم بينهم، ويرفعوا إلي ما أشكل عليهم من ~~أمرهم.» قال جويرية بن قدامة من بني تميم: «حججت عام توفي عمر، فأتى المدينة فخطب ~~فقال: رأيت كأن ديكا نقرني، فما عاش إلا تلك الحجة ms637 حتى طعن.» # وشعور عمر بدنو أجله وليس به مرض، وليس به إلا شعور بضعف قوته ووهن جسمه، يدعو إلى شيء ~~غير قليل من التفكير فقل من الناس من تحدثه نفسه وهو في صحته بمثل ما حدثت عمر نفسه، وإن ~~شعر بعضهم في أول مرضه الأخير بدنو ساعته. أفكان عمر في هذه محدثا ألهم ما سيكون ~~قبل أن يكون؟ أم أن كبر سنه وضعف قوته وانتشار رعيته جعله يفكر في دنو أجله، ويدعو الله أن ~~يضمه إليه؟ أنت في حل من أن تختار لنفسك الجواب، أما المؤرخون المسلمون فساقوا في هذا ~~الأمر روايات نقصها عليك بعد أن نفصل مقتل أمير المؤمنين. # خرج عمر من منزله قبل مطلع الشمس من يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين ~~للهجرة، يؤم الناس لصلاة الفجر، وكان يوكل رجالا في المسجد بالصفوف يسوونها قبيل كل ~~صلاة، فإذا استوت جاء هو فنظر إلى الصف الأول فإذا رأى فيه متقدما أو متأخرا علاه ~~بالدرة، حتى إذا انتظم الجميع في أماكنهم كبر للصلاة، ودخل في تلك الساعة من ذلك اليوم ~~ولما يكد يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، فلما بدأ ينوي للصلاة ليكبر إذا رجل ~~ظهر فجأة قبالته، فطعنه بخنجره ثلاث طعنات أو ست طعنات، إحداها تحت سرته، وأحس عمر حر ~~السلاح، فالتفت إلى المصلين باسطا يديه يقول: «أدركوا الكلب فقد قتلني!» وكان الكلب أبا ~~لؤلؤة النصراني فيروز غلام المغيرة، وكان فارسيا، أسر في نهاوند ثم وقع في ملك ~~المغيرة بن شعبة، وقد جاء إلى المسجد متعمدا قتل عمر في هذه الساعة المبكرة من ~~الغلس يخبئ تحت ردائه خنجرا قبضته في وسطه وله نصلان حادان، واختبأ في أحد ~~أركان المسجد حتى إذا بدأت الصلاة ارتكب فعلته، ثم اندفع يريد الفرار نجاة بنفسه، وماج ~~الناس مضطربين لما سمعوا، وأقبل كثيرون منهم على الكلب يريدون القبض عليه والتنكيل به، ولم ~~يدعهم فيروز يأخذون بتلابيبه، بل جعل يطعنهم يمنة ويسرة حتى طعن اثني عشر، ~~مات منهم ستة ms638 على قول وتسعة على قول آخر، ثم إن رجلا أتاه من ورائه فألقى عليه رداءه وطرحه ~~أرضا، وأيقن فيروز أنه مقتول لا محالة مكانه، فانتحر بالخنجر الذي ضرب به أمير ~~المؤمنين. # كانت الطعنة التي أصابت عمر تحت سرته قد قطعت الصفاق والأمعاء، وكانت لذلك قاتلة، قيل: إن ~~عمر لم يستطع الوقوف من حرها، بل سقط طريحا، فاستخلف عبد الرحمن بن عوف على الصلاة ~~بالناس، فصلى بهم، بأقصر سورتين في القرآن: العصر والكوثر، وقيل: بل ماج الناس بعضهم في بعض ~~لمصاب عمر ومصاب الذين طعنوا من حوله، واشتد اضطرابهم حين رأوا عمر محمولا إلى داره في ~~جوار المسجد، وظلوا في مرجهم واضطرابهم حتى قال قائل: الصلاة عباد الله! قد طلعت الشمس. ~~فدفعوا عبد الرحمن بن عوف فصلى بأقصر سورتين. # والرواية الثانية هي الراجحة لا ريب؛ فما كان الناس لتستوي صفوفهم للصلاة من جديد وهم في ~~مرجهم واضطرابهم، وأمير المؤمنين طريح يدفق جرحه دما أمامهم، ودماء المطعونين تسيل من ~~حولهم، والقاتل صريع بينهم! ولو أنا استطعنا أن نتصور عمر يفكر، مع ما أصابه من طعنات، في ~~استخلاف عبد الرحمن بن عوف على الصلاة - وهو تصور بعيد عن مألوف العقل - لما استطعنا أن ~~نتصور الناس في هذه الساعة تلتئم صفوفهم وهم فيما هم فيه من روع وفزع، لا بد إذن أن يكون ~~عمر قد حمل إلى داره في جوار المسجد واعيا أو فاقد الوعي من هول طعناته، وقد أحاط الناس ~~به حين أدخل إلى أهله، وقد أسعف الذين أصيبوا وأخرجوا من المسجد أو نقلوا إلى بعض جوانبه، ~~وأخرجت جثة فيروز إلى البطيحاء، ثم عاد الناس إلى المسجد يتحدثون فيما وقع حتى نبههم إلى ~~الصلاة من نبههم، فدفعوا عبد الرحمن بن عوف فصلى بهم. # فرغ الناس من الصلاة وتفرقوا في جوانب المسجد وفي بطيحائه، ولا حديث لهم إلا هذا ~~الحادث المروع الذي وقع بأعينهم، وانتشر الخبر في المدينة انتشار البرق، فاستيقظ من أهلها ~~من لم يكن قد استيقظ، وأسرعوا جميعا، رجالا ونساء وصبيانا، يريدون ms639 أن يقفوا على جلية ~~الخبر في هذا الأمر الجلل، ونقل المصابون الآخرون إلى منازلهم، ومنهم من أسلم الروح أو ~~كاد، ومنهم من يتنزى ألما من جراحه، ودخل كبار أهل الرأي على عمر مستفسرين، قال عبد الله ~~بن عباس: «فلم أزل عند عمر ولم يزل في غشية واحدة حتى أسفر الصبح؛ فلما أسفر أفاق فنظر في ~~وجوهنا فقال: أصلى الناس؟ قلت: نعم، فقال: لا إسلام لمن ترك الصلاة.» ثم إن ابن عباس خرج ~~إجابة لرغبة عمر، فنادى في الناس: أيها الناس! إن أمير المؤمنين يقول، أعن ملأ منكم هذا؟ ~~وفزع الناس لسماع هذه الكلمات موجهة إليهم، فصاحوا كلهم بلسان واحد: معاذ الله ما علمنا ~~ولا اطلعنا، وكيف يكون ذلك وإنهم لو علموا لافتدوا عمر بأبنائهم وأرواحهم! وسألهم ابن عباس: ~~فمن طعن أمير المؤمنين؟ قالوا: طعنه عدو الله أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة. # كان عمر ممددا على فراشه ينتظر رجوع ابن عباس بالجواب عما سأل عنه، وينتظر طبيبا طلب ~~إلى أهله أن يدعوه إليه، فلما رجع ابن عباس وحدثه بحديث الناس، وذكر له أن أبا لؤلؤة هو ~~الذي طعنه وطعن معه رهطا ثم قتل نفسه، قال: «الحمد لله الذي لم يجعل قاتلي يحاجني عند الله ~~بسجدة سجدها له قط! ما كانت العرب لتقتلني!» # وجاء طبيب من العرب فسقى عمر نبيذا، فأشبه النبيذ الدم حين خرج من الطعنة التي تحت ~~السرة؛ فدعا عبد الله بن عمر طبيبا من الأنصار، ثم آخر من بني معاوية فسقى عمر لبنا فخرج ~~اللبن من الطعنة أبيض لم يتغير لونه، فقال: يا أمير المؤمنين: اعهد، يريد أنه ميت لا ~~محالة. قال عمر: صدقني أخو بني معاوية، ولو قلت غير ذلك لكذبتك، وتولى الحاضرين الجزع ~~لقول الطبيب فبكوا، فقال عمر: «لا تبكوا علينا! من كان باكيا فليخرج، ألم تسمعوا قول رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم ~~: يعذب الميت ببكاء أهله عليه!» # بينا كان عمر يسمع ما نقله ابن عباس عن الناس، ثم يستشير الطبيب ويصغي لنذيره، كان ~~المسلمون ms640 بالمسجد وما حوله يتحدثون جماعات، يسأل بعضهم بعضا عما دفع أبا لؤلؤة لارتكاب ~~فعلته الشنعاء، وقد أورد المؤرخون في ذلك روايات لعلها بعض ما جرت به أحاديث هذه الجماعات، ~~ولعل بعضهم كان يناقش هذه الروايات، فيقبل بعضها، وينفي بعضها، ويرى بعضها حديث خرافة، ~~وسأبسط هذه الروايات جميعا أمام نظر القارئ ليكون له فيها رأي، وإن رأيت واجبا علي قبل ~~روايتها أن أعلن اقتناعي بأن مقتل عمر أدت إليه مؤامرة استغرق تدبيرها زمنا قبل الحادث، ~~ولم يتيسر للحاضرين بالمسجد على أثره أن يتبينوا دليلها، ثم قام هذا الدليل من بعد، فكان ~~لقيامه من الأثر ما نقص نبأه بعد حين. # روى ابن سعد في الطبقات حديثا أسنده إلى جبير بن مطعم أن عمر كان واقفا في حجته ~~الأخيرة على جبال عرفة إذ سمع رجلا يصرخ فيقول: يا خليفة، يا خليفة؟ فسمعه رجل آخر وهم ~~يعتافون فقال: ما لك؟ فك الله لهواتك؟ فصخب جبير على هذا الرجل قائلا: لا تسبه، فلما ~~كان الغد وقف عمر على العقبة يرميها وجبير معه إذ أصابت رأس عمر حصاة عابرة ففصدت، وسمع ~~جبير رجلا من الجبل يقول: «أشعرت ورب الكعبة لا يقف عمر هذا الموقف بعد العام ~~أبدا.» وكان هذا هو الذي صرخ بالأمس: «يا خليفة يا خليفة.» وروى ابن سعد كذلك عن أم كلثوم ~~بنت أبي بكر عن أختها عائشة أم المؤمنين أنها قالت: لما كانت آخر حجة حجها عمر بأمهات ~~المؤمنين وصدرنا عن عرفة مررت بالمحصب، فسمعت رجلا على راحلته يقول: أين كان عمر أمير ~~المؤمنين؟ فسمعت رجلا آخر يقول: ها هنا كان أمير المؤمنين؛ فأناخ راحلته ثم رفع عقيرته ~~فقال: # عليك سلام من إمام وباركت # يد الله في ذاك الأديم الممزق # فمن يسع أو يركب جناحي نعامة # ليدرك ما قدمت بالأمس يسبق # قضيت أمورا ثم غادرت بعدها # بوائق في أكمامها لم تفتق # فلم يحرك ذاك الراكب ولم يدر من هو، فكنا نتحدث أنه من الجن، فقدم عمر من تلك الحجة ~~فطعن فمات. # لا أراني ms641 بحاجة إلى التعليق على هذه الروايات، ويتعذر الظن بأن هذا الذي قيل إنه من الجن، ~~وذاك الذي قال: لا يقف عمر هذا الموقف بعد العام أبدا، وقيل: إنه كان عائفا، قد كان أيهما ~~على علم بشيء مما كان يدور بخاطر فيروز أو كان يدبر معه، لكن ما روي من الأنباء، عما حدث ~~بعد رجوع عمر إلى المدينة قبيل مقتله، جدير بقدر من التمحيص، لعله يدلنا على حقيقة لم يقطع ~~بها أحد من المؤرخين الأولين. # روى الطبري وابن الأثير وغيرهما أن عمر خرج يوما بعد عوده من حجه يطوف بالسوق، فلقيه أبو ~~لؤلؤة فقال له: يا أمير المؤمنين أعدني على المغيرة بن شعبة فإن علي خراجا كثيرا، قال ~~عمر: وكم خراجك؟ قال: درهمان في كل يوم، قال عمر: وما صناعتك؟ قال: نجار، نقاش، حداد، قال ~~عمر: فما أرى خراجك بكثير على ما تصنع من الأعمال، قد بلغني أنك تقول، لو أردت أن أعمل ~~رحى تطحن بالريح فعلت! قال: نعم، قال عمر: فاعمل لي رحى، قال: لئن سلمت لأعملن لك رحى ~~يتحدث بها من بالمشرق والمغرب! ثم انصرف عنه، قال عمر: لقد توعدني العبد آنفا! # ودخل عمر منزله، فلما كان من الغد جاءه كعب الأحبار فقال له: يا أمير المؤمنين اعهد فإنك ~~ميت في ثلاثة أيام، وكان كعب هذا من كبار أحبار اليهود في عهد النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وكان يتردد ~~عليه مظهرا الميل إلى الإسلام، مرجئا إعلان إسلامه حتى يتحقق من كل الأمارات التي يجدها ~~في كتب قومه عن النبي العربي وأصحابه، فلما انتهى أمر الخلافة إلى عثمان أعلن إسلامه، وعجب ~~عمر لنذير كعب، فسأله، وما يدريك؟ قال: أجده في كتاب الله عز وجل: التوراة، ودهش عمر لهذا ~~الكلام فقال: الله! إنك لتجد عمر بن الخطاب في التوراة! قال كعب: لا، ولكني أجد صفتك وحليتك ~~وأنه قد فني أجلك، وإذ كان عمر لا يحس وجعا ولا ألما فقد زادت دهشته لهذا الحديث، ثم لم ~~يعره عناية خاصة. # فلما كان من ms642 الغد جاءه كعب فقال: يا أمير المؤمنين، ذهب يوم وبقي يومان، وفي الغداة من ~~ذلك اليوم قال له: ذهب يومان وبقي يوم وليلة وهي لك إلى صبيحتها، وفي فجر الغداة طعن أبو ~~لؤلؤة عمر طعناته المميتة، فلما دخل الناس على أمير المؤمنين ودخل كعب معهم ورآه عمر ~~قال: # توعدني كعب ثلاثا أعدها # ولا شك أن القول ما قال لي كعب # وما بي حذار الموت إني لميت # ولكن حذار الذنب يتبعه الذنب # ساق سير وليم مور قصة كعب هذه في كتابه «الخلافة الأولى» وأردفها بقوله: «يتعذر علينا أن ~~نعرف كيف نشأت هذه القصة العجيبة، وربما أنذر كعب عمر حين رأى ما بدا على أبي لؤلؤة من مظهر ~~التحدي والوعيد.» والذي نستطيع نحن أن نستخلصه من حديث أبي لؤلؤة مع عمر، ومن قصة كعب، أن ~~الفارسي توعد أمير المؤمنين، وأن اليهودي عين الموعد الذي تم فيه القتل قبل حدوثه ~~بثلاثة أيام، وما إخال أحدا يظن أن الكتب السماوية تعين الأحداث التي تقع لأفراد الناس ~~بمثل هذه الدقة؛ فهذه الكتب كلها ترجع علم الغيب إلى الله وحده، لا بد إذن أن يكون كعب ~~عرف سر ما كان يجري، فوجه النذير إلى عمر، وأغفل عمر أمر هذا النذير بعد أن توعده أبو لؤلؤة ~~بما توعده به فحدث ما حدث، ونذير كعب وطعنات أبي لؤلؤة تدل على أن في الأمر سرا لم يظهر ~~ساعة ارتكاب الجريمة، لكنه ظهر من بعد، وسنبينه في موضعه. # كان الناس في المسجد يتساءلون عما دفع أبا لؤلؤة لارتكاب جريمته، وكان عمر في داره ~~ممددا على فراشه، يشير الطبيب عليه بأن يعهد، ويتحدث إليه كبار المسلمين في هذا الذي ~~أصابه وأصاب المسلمين فيه ، وفيما يتوقعونه إذا قضى الله في الخليفة العظيم بقضائه، وكان ~~التفكير فيمن يخلف عمر أكبر ما يشغل بالهم وبال عمر، أتراه يصنع صنيع أبي بكر فيختار ~~خليفته، أم يدعهم يصنعون ما صنعوا في اجتماعهم بسقيفة بني ساعدة حين اختار الله إليه رسوله؟ ~~روي أن ابن عمر قال لعمر ms643 بن الخطاب: لو استخلفت؟ قال: من؟ قال: تجتهد فإنك لست لهم برب! ~~أرأيت لو أنك بعثت إلى قيم أرضك، ألم تكن تحب أن يستخلف رجلا حتى يرجع إلى ~~الأرض؟ قال: بلى، قال: أرأيت لو بعثت إلى راعي غنمك، ~~ألم تكن تحب أن يستخلف رجلا حتى يرجع؟ قال عمر: «إن أستخلف فقد استخلف من ~~هو خير مني، وإن أترك فقد ترك من هو خير مني.» وروي أن سعد بن زيد بن عمرو قال لعمر: ~~إنك لو أشرت برجل من المسلمين ائتمنك الناس، فقال عمر: إني قد رأيت من أصحابي حرصا سيئا، ~~ثم قال: لو أدركني أحد رجلين فجعلت هذا الأمر إليه لوثقت به: سالم مولى أبي حذيفة وأبو ~~عبيدة بن الجراح، وفي رواية أن عمر قال: من أستخلف؟ لو كان أبو عبيدة ~~بن الجراح! فقال له رجل: يا أمير المؤمنين، فأين أنت من عبد الله بن عمر؟ وأجابه عمر: ~~قاتلك الله! والله ما أردت الله بهذا! أستخلف رجلا ليس يحسن أن يطلق امرأته! ويروى ~~كذلك أن عمر دعا إليه عبد الرحمن بن عوف بعد أن حمل إلى داره إثر طعنته، فقال له: إني أريد ~~أن أعهد إليك، قال عبد الرحمن: يا أمير المؤمنين، إن أشرت علي قبلت منك، قال عمر: وما ~~تريد؟ وسأله ابن عوف: أنشدك الله! أتشير علي بذلك؟ قال عمر: اللهم لا! وكانت كلمة ~~عبد الرحمن بعد هذه المشورة أن قال: والله لا أدخل فيه أبدا! # تدل هذه الروايات على أن اختيار الخليفة لم يكن له نظام مقرر في الإسلام، وتدل كذلك على ~~أن المسلمين كانوا قد بدءوا، لأول ما انفسحت الإمبراطورية أمامهم، ينافس بعضهم بعضا ~~وينفس بعضهم على بعض، وذلك قول عمر؛ «إني قد رأيت من أصحابي حرصا شيئا.» وهذا الحرص ~~السيئ هو الذي جعله يتردد في استخلاف أحدهم مكانه على نحو ما صنع أبو بكر حين استخلفه، فأما ~~قوله إنه كان يستخلف سالما مولى أبي حذيفة أو أبا عبيدة بن الجراح لو أن أحدهما ~~كان حيا، فإنما ms644 قصد به - أكبر الظن - إلى التخلي عن موقف دق حتى على عمر الذي عرف طيلة ~~حياته بالصراحة والحزم وعزم الأمور. # لكنه مع ذلك لم يكن يستطيع أن يدع الأمر مرسلا يضطرب بين عامة الناس وخاصتهم، بعد أن رأى ~~ما حدث بالسقيفة إثر وفاة الرسول، والحال اليوم أكثر مما كانت لذلك العهد دقة؛ فقد اشترك ~~العرب جميعا في محاربة الفرس والروم، وأصبح لكل قبيلة بذلك أن تزعم لنفسها من حق الاشتراك ~~في اختيار الخليفة ما للمهاجرين والأنصار، هذا إن لم تذهب بعض القبائل إلى ادعاء الحق في ~~ترشيح زعيمها لمقام الخلافة، وفي هذا الأمر من الخطر على العرب وعلى الإمبراطورية الناشئة ~~ما يدركه عمر أكثر مما يدركه غيره؛ لذلك لم يلبث، بعد قليل من إعمال الرأي، أن جعل الخلافة ~~من بعده شورى في ستة؛ هم عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وطلحة بن ~~عبيد الله، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، ومن المأثور عنه في استخلافهم قوله: ~~«لا أجد أحدا أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر الذين توفي رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وهو عنهم ~~راض؛ فأيهم استخلف فهو الخليفة من بعدي.» وبعد أن سمى هؤلاء الستة أردف: «فإن أصابت ~~سعدا فذاك، وإلا فأيهم استخلف فليستعن به؛ فإني لم أعزله عن عجز ولا ~~خيانة.» # 2 # عرف الناس ما صنع عمر فسكنوا إليه، ودعا عمر هؤلاء النفر الذين جعل الخلافة شورى بينهم ~~فقال: «أنشدك الله يا علي إن وليت من أمور الناس شيئا أن تحمل بني هاشم على رقاب ~~الناس! أنشدك الله يا عثمان إن وليت من أمور الناس شيئا أن تحمل بني أبي معيط على ~~رقاب الناس ! أنشدك الله يا سعد إن وليت من أمور الناس شيئا أن تحمل أقاربك على رقاب ~~الناس! وناشد الآخرين مثل هذه المناشدة، ثم قال: قوموا فتشاوروا ثم اقضوا أمركم، وليصل ~~بالناس صهيب.» # كان عمر يود لو يتم القوم التشاور، ويختاروا خليفته قبل أن يقبض، ليموت مطمئنا إلى ~~مصير ms645 الإسلام ومصير الإمبراطورية من بعده؛ لذا جعل ابنه عبد الله معهم يشاورونه وليس له من ~~الأمر شيء ليكون الصلة بينهم وبينه، قال عبد الله بن عمر: فقاموا يتشاورون، فدعاني عثمان ~~مرة أو مرتين ليدخلني في الأمر، ولا والله ما أحب أني كنت فيه، علما أنه سيكون في أمرهم ~~ما قال أبي، والله لقلما رأيته يحرك شفتيه بشيء قط إلا كان حقا، فلما أكثر عثمان علي ~~قلت له: ألا تعقلون! أتؤمرون وأمير المؤمنين حي! فوالله لكأني أيقظت عمر من مرقده، فقال: ~~«أمهلوا، فإن حدث بي حدث فليصل بكم صهيب ثلاث ليال، ثم أجمعوا أمركم، فمن تأمر منكم على ~~غير مشورة من المسلمين فاضربوا عنقه.» # وكان طلحة بن عبيد الله غائبا من المدينة يوم طعن عمر؛ لذلك قال بعد أن استمهل القوم: ~~«انتظروا أخاكم طلحة ثلاثة أيام، فإن جاء وإلا فاقضوا أمركم.» # وكأنما خشى عمر أن يختلف القوم بينهم بعد موته، فيؤدي اختلافهم إلى الثورة؛ ينصر بنو هاشم ~~عليا، وينصر بنو أبي معيط عثمان، وينتصر من الجند من ينتصر للزبير أو لطلحة أو لسعد، ~~وكلهم من كبار القواد؛ لذلك دعا إليه الأنصار وقال لهم: «أدخلوهم بيتا ثلاثة أيام، فإن ~~استقاموا وإلا فادخلوا واضربوا أعناقهم.» ودعا أبو طلحة الأنصاري وكان من الشجعان المعدودين ~~فقال له: «قم على بابهم فلا تدع أحدا يدخل إليهم.» وفي رواية أنه قال: «يا أبا طلحة! كن ~~في خمسين من قومك الأنصار مع هؤلاء النفر أصحاب الشورى، فإنهم فيما أحسب سيجتمعون في بيت ~~أحدهم، فقم على ذلك الباب بأصحابك، فلا تترك أحدا يدخل عليهم ولا تتركهم يمضي اليوم الثالث ~~حتى يؤمروا أحدهم، اللهم أنت خليفتي عليهم!» # ترى لو أن عمر استخلف واحدا بذاته من هؤلاء النفر الستة، أكان المسلمون يقرون ~~اختياره كما أقروا اختيار أبي بكر عمر؟ ولو أن عمر اطمأن إلى هذا الأمر لما تردد ~~دونه، # 3 # لكن البوادر أمامه لم تكن تبعث على هذه الطمأنينة؛ لذلك قال للناس: «من تأمر ~~منكم على غير مشورة من المسلمين فاضربوا ms646 عنقه.» وقد رضي الناس خلافة عثمان بعد عمر سنوات ~~عدة، فلما طال به الأمد ضاقوا به ذرعا فثاروا به وقتلوه، ومن بعد مقتله قامت الحرب الأهلية ~~بين المسلمين، واتصلت على السنين، وقيامها يشهد بأن عمر لم يكن مغاليا حين خشي مغبة ~~الاختلاف بين القوم، وبأنه كان مدركا أشد الإدراك ما تنطوي عليه قلوبهم، مقدرا أن العصبية ~~القبلية التي سكنت، منذ أظل الرسول بلوائه جزيرة العرب، تؤذن بالظهور من جديد، وقد تجد في ~~فسحة الإمبراطورية ما ينشرها ويؤجج ضرامها، ولذلك عالج الأمر بأن جعل الخلافة شورى في هؤلاء ~~الستة، وكان هذا العلاج خير ما يواجه به الموقف لوقته، وقد نجح هذا العلاج طيلة عشر سنوات ~~بعده، لكن البواعث التي تخوفها عمر كانت دائبة أثناء ذلك على تحريك الأهواء الأصيلة في ~~النفوس، وكثيرا ما طغت الأهواء على حكم العقل وحكمته، فأدت إلى مثل ما أدت إليه في حياة ~~المسلمين، بعد خمس وعشرين سنة من وفاة النبي # صلى الله عليه وسلم ~~. # لم يكف عمر أن يجعل الشورى في الستة الذين توفي رسول الله وهو عنهم راض، بل حرص أن ~~يعهد للخليفة من بعده بما يراه أقوم سياسة تطمئن بها أمور الدولة ويزداد بها عز الإسلام، ~~وكان مما قاله في ذلك: «أوصي الخليفة من بعدي بتقوى الله، وبالمهاجرين الأولين أن يحفظ لهم ~~حقهم وأن يعرف حرمتهم، وأوصيه بأهل الأمصار خيرا فإنهم ردء الإسلام وغيظ العدو، وجباة ~~المال ألا يؤخذ منهم إلا فضلهم عن رضا منهم، وأوصيه بالأنصار الذين تبوءوا الدار ~~والإيمان أن يقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم، وأوصيه بالأعراب خيرا فإنهم أصل العرب ~~ومادة الإسلام، وأن يؤخذ من حواشي أموالهم فيرد على فقرائهم، وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله ~~أن يوفي لهم بعهدهم وألا يكلفوا إلا طاقتهم، وأن يقاتل من وراءهم.» ويضيف بعض ~~المؤرخين إلى هذه الوصية أنه قال، «اللهم هل بلغت؟ لقد تركت الخليفة من بعدي على أنقى من ~~الراحة.» # كان عمر يفكر منذ طعن في مصير المسلمين، وكان حريصا على ألا يذر ms647 بعده من بادرات الرأي ~~في اجتهاده ما لم يكن قد اطمأن إليه ووثق بصحته، سقنا من قبل حديثه عن الكلالة وما دار بينه ~~وبين رسول الله فيها وقول رسول الله له: «تكفيك الآية التي في آخر النساء.» وهذه الآية هي ~~قوله تعالى: # يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ~~ إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك ~~وهو يرثها إن لم يكن لها ولد فإن كانتا اثنتين ~~فلهما الثلثان مما ترك وإن كانوا إخوة رجالا ونساء ~~فللذكر مثل حظ الأنثيين يبين الله لكم أن تضلوا ~~والله بكل شيء عليم # 4 # وقد أثبتنا قول عمر في خطبته الأخيرة: «وإن أعش أقض في الكلالة بقضية ~~يقضي بها من يقرأ القرآن ومن لا يقرأ القرآن.» وكان قد كتب رأيه الذي اجتهده في فريضة الجد ~~على عظم كتف عشية اليوم الذي طعن فيه، فلما عرف أن طعنته قاتلة قال لابنه عبد الله: ~~«ائتني بالكتف التي كتبت فيها شأن الجد بالأمس.» يريد أن يمحو ما كتب حتى لا يحتج به أحد من ~~بعده، قال عبد الله: نحن نكفيك هذا الأمر يا أمير المؤمنين، ولم يكن أيسر من أن يقوم عبد ~~الله بالمحو وأن يدع أباه في شغله بجراحه، لكن عمر أبى وقال: لا؟ ولم يطمئن حتى جيء بالكتف ~~فمحا الكتابة بيده. # وأنت تذكر أن عمر قد استفتح عهده أول خلافته فأمر الناس أن يردوا سبايا أهل الردة إلى ~~عشائرهم، وقال لهم: «إني كرهت أن يصير السبي سنة في العرب.» وقد كان لهذا الأمر أثر ~~أعظم الأثر في امتداد الفتح، وأهل الردة جميعا كانوا في شبه الجزيرة، وكان من بطون ~~العرب وقبائلها من نزح إلى الشام وإلى العراق ، ومن وقع أسيرا في يد المسلمين في أثناء ~~الغزوات المتلاحقة التي تمت فيها، فلما رأى عمر أنه موف على أجله أراد أن يزيد وحدة العرب ~~قوة، ويزيد العرب بأنفسهم اعتزازا؛ لذلك قال وهو على فراشه: «من أدرك وفاتي من سبي العرب ~~فهو حر من مال ms648 الله.» ولم يكن هذا القول اجتهادا منه خالف به سابق رأيه، إنما هو تطبيق ~~دقيق لقوله: «إني كرهت أن يصير السبي سنة في العرب.» ولعله خشي ألا يطبق خليفته هذا الرأي ~~الذي اجتهده يوم استخلف، فلم يرد أن يترك الدنيا قبل أن يتم ما بدأه، وقبل أن يذر العرب ~~جميعا أحرارا. # فكر عمر إذن في مصير المسلمين من بعده، وفكر فيما كان من اجتهاده، ثم فكر كذلك فيما عليه ~~من دين لم يرد أن يذر الدنيا قبل أن يكفل أداءه، ذلك أنه كان استسلف من بيت المال ~~ستة وثمانين ألف درهم، فدعا إليه ابنه عبد الله فذكرها له ثم قال: «بع فيها أموال عمر، ~~فإن وفت وإلا فسل بني عدي، فإن وفت وإلا فسل قريشا ولا تعدهم.» وكان عبد الرحمن بن ~~عوف يعلم، كما كان يعلم غيره من المسلمين، أن عمر لم يقترض هذه الأموال إلا لاشتغاله ~~بأمر المسلمين؛ لذلك قال له: ألا تستقرضها من بيت المال حتى تؤديها؟ وأجابه عمر: «معاذ الله ~~أن تقول أنت وأصحابك بعدى: أما نحن فقد تركنا نصيبنا لعمر فتعزوني بذلك فتتبعني تبعته ~~وأقع في أمر لا ينجيني إلا المخرج منه!» ثم قال لعبد الله بن عمر: اضمنها، فضمنها، فلم يدفن ~~عمر حتى أشهد بها ابنه على نفسه أهل الشورى وعدة من الأنصار، وما مضت جمعة حتى حمل عبد الله ~~بن عمر المال إلى عثمان بن عفان وأحضر الشهود على البراءة بدفعه. # وفي رواية أنه أوصى بربع ماله لأم المؤمنين حفصة ابنته، فإذا ماتت فإلى الأكابر من آل ~~عمر. # فرغ عمر من حساب الدنيا، فاتجه بتفكيره إلى ما يرجوه بعد موته، وكان أكبر همه أن يدفن ~~في جوار صاحبيه رسول الله وأبي بكر في بيت عائشة، وكان قد استأذنها من قبل في ذلك فأذنت له، ~~فلما حضرته الوفاة قال: «إذا مت فاستأذنوها، فإن أذنت وإلا فدعوها فإني أخشى أن تكون أذنت ~~لي لسلطاني.» وفي رواية أن عمر لما طعن فأوصى قال لابنه: «اذهب يا عبد ms649 الله إلى عائشة أم ~~المؤمنين فقل لها: يقرأ عليك عمر السلام، ولا تقل أمير المؤمنين، فإني لست لهم اليوم بأمير، ~~يقول: تأذنين له أن يدفن مع صاحبيه؟» فأتاها ابن عمر فوجدها قاعدة تبكي، فسلم عليها ثم قال: ~~يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه؟ قالت: «قد والله كنت أريده لنفسي، ولأوثرنه به ~~اليوم على نفسي!» فلما رجع عبد الله وذكر لعمر أن عائشة أذنت له قال: «ما كان شيء أهم إلي ~~من ذلك المضجع، يا عبد الله بن عمر انظر، إذا أنا مت فاحملني على سريري ثم قف بي على الباب ~~فقل: يستأذن عمر بن الخطاب، فإن أذنت لي فأدخلني وإن لم تأذن فادفني في مقابر ~~المسلمين.» # جعل عمر بعد ذلك يحاسب نفسه عما قدمت يداه، فهو مقبل عما قليل على موقف هو أعسر المواقف ~~وأشدها، ذلك موقفه بين يدي ربه يسأله عما قدم وأخر، عما نوى وعما عمل، عما أضمر وأظهر، ترى ~~ماذا أعد له ربه من مصير؟ أتذهب حسناته سيئاته، أم تغلب السيئة الحسنة فيجزيه الله ~~الجزاء الأوفى؟ لقد كان في وجل من ذلك أي وجل، قال له أحد عواده: والله إني لأرجو ألا ~~تمس النار جلدك أبدا! فنظر إليه، وقد ملأت العبرة عينيه حتى رثى له من كان حوله، ثم قال ~~له: «إن علمك بذلك يا فلان لقليل، لو أن لي ما في الأرض لافتديت به من هول المطلع!» وفي ~~رواية أنه قال هذه العبارة الأخيرة وابن عباس عنده، فقال له ابن عباس: «والله إني لأرجو ألا ~~تراها إلا مقدار ما قال الله: # وإن منكم إلا ~~واردها ~~، إن كنت ما علمنا لأمير المؤمنين وأمين المؤمنين وسيد المؤمنين، ~~تقضي بكتاب الله وتقسم بالسوية.» فأعجب هذا الكلام عمر فاستوى جالسا وقال: «أتشهد لي بهذا ~~يا بن عباس!» فسكت ابن عباس، فضرب عمر على كتفه وقال: «اشهد لي بهذا يا بن عباس.» قال ابن ~~عباس: «نعم، أنا أشهد.» # والحق أن ما روي عن خوف عمر من هول الحساب يشهد ms650 له بثبات إيمانه وقوة يقينه ومخافته الله ~~مخافة هي العدة لمن صدق قصده وجه الله في كل عمله، جاء الناس حين طعن يثنون عليه ~~ويودعونه ويدعونه أمير المؤمنين، فقال: «أبالإمارة تزودونني! لقد صحبت رسول الله فقبض الله ~~رسوله وهو عني راض، ثم صحبت أبا بكر فسمعت وأطعت فتوفي أبو بكر وأنا سامع مطيع، وما أصبحت ~~أخاف على نفسي إلا إمارتكم هذه.» وكان يتألم من جراحه فجعل جلساؤه ينسونه ألمه بالثناء ~~عليه، فقال: «إن من غره عمره لمغرور، والله لوددت أني أخرج منها كما دخلت فيها، لا ~~علي ولا لي.» وروي عن ابن عباس أنه قال: أنا أول من أتى عمر بن الخطاب حين طعن فقلت له: ~~أبشر بالجنة! صاحبت رسول الله فأطلت صحبته، ووليت أمر المؤمنين فقويت وأديت الأمانة، فقال: ~~«أما تبشيرك إياي بالجنة فوالله الذي لا إله إلا هو لو أن لي الدنيا وما فيها لافتديت به من ~~هول ما أمامي قبل أن أعلم الخبر، وأما ما ذكرت من صحبة رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فذاك.» وقد كان ~~يشتد خوفه كلما ازداد ثناء الناس عليه، روي أنه مد يده فأخذ تبنة كانت على الأرض إلى جنب ~~فراشه فرفعها أمام عينيه وقال: «ليتني كنت هذه التبنة! ليتني لم أخلق! ليت أمي لم تلدني! ~~ليتني لم أك شيئا! ليتني كنت نسيا منسيا!» # هذه حال تشهد بصدق الإيمان، وتدل على شعور هذا الرجل العظيم بجلال ما حمل من تبعة في ~~إمارة المؤمنين، فهو لم يغتر بما تم في عهده من نصر وفتح، ولم يبطره ظفره بالفرس والروم، ~~ولم يزدهه حديث الناس عنه وثناؤهم عليه، بل خشي أن يكون قد ظلم يوما ضعيفا، فارتفعت أنات ~~هذا الضعيف إلى السماء؛ فوزنت عند ذي العرش حسنات عمر جميعا! # وهذه الخشية هي التي جعلته ينظر إلى ابنته حفصة أم المؤمنين، وقد دخلت عليه باكية تندبه ~~بقولها: يا صاحب رسول الله، ويا صهر رسول الله، ويا أمير المؤمنين! فيقول لها: إني أحرج ~~عليك بما لي عليك ms651 من الحق أن تندبيني بعد مجلسك هذا، فأما عينك فلن أملكها، إنه ليس من ميت ~~يندب بما ليس فيه إلا الملائكة تمقته. ونهى عمر أهله أن يبكوا عليه، وكان عمر في النهي عن ~~الندب وعن البكاء شديدا صارما، سمع صهيبا يقول، وقد رأى اللبن يخرج من جراحه: وا ~~عمراه وا أخاه، من لنا بعدك! فقال له: مه يا أخي، أما شعرت أنه من يبك عليه ~~يعذب؟! # وخشي عمر أن يبالغ أهله بعد موته في تكفينه ودفنه، فأوصى ألا يغسلوه بمسك أو يقربوا منه ~~مسكا، على ما كان يصنع العرب بذوي المكانة منهم، وقال لابنه: «اقصدوا في كفني فإنه إن يكن ~~لي عند الله خير أبدلني خيرا منه، وإن كنت على غير ذلك سلبني فأسرع سلبي، واقصدوا في ~~حفرتي، ولا تخرجن معي امرأة، ولا تزكوني بما ليس في فإن الله هو أعلم بي، وإذا خرجتم بي ~~فأسرعوا في المشي؛ فإنه إن يكن لي عند الله خير قدمتموني إلى ما هو خير لي، وإن كنت على غير ~~ذلك كنتم قد ألقيتم عن رقابكم شرا تحملونه.» # كان عبد الله بن عمر يسمع هذه الوصية وقد جلس إلى فراش أبيه ووضع رأسه على فخذه، فلما أحس ~~عمر أنه موف على لقاء ربه، قال لابنه: ضع خدي بالأرض، فقال له عبد الله: هل فخذي والأرض ~~إلا سواء! قال عمر: ضع خدي بالأرض لا أم لك! فلما وضع ابنه خده بالأرض شبك بين رجليه ~~وجعل يقول: ويلي وويل أمي إن لم يغفر الله لي؟ وظل يكررها حتى فاضت نفسه. # 5 # فاضت نفسه وهو بين يدي ربه أكبر همه أن يترك الدنيا كفافا لا عليه ولا له، وكان الناس ~~إذ ذاك بالمسجد يحدث بعضهم بعضا في مقتله، وفيما يخشون أن يصيبهم ويصيب الدولة الناشئة من ~~بعده، وكان لهم العذر أن تثور مخاوفهم فمن ذا يستطيع أن يضطلع من بعده بالعبء العظيم الذي ~~خلفه بمثل ما اضطلع هو به! ومن ذا يستطيع أن ينسى نفسه وأهله، وأن يتجرد ms652 لله ولخدمة ~~المسلمين والعدل بينهم تجرده! لقد استفتح عهده وشبه الجزيرة وحدها في سلطانه، ومات ~~والإمبراطورية الإسلامية تشتمل فارس والعراق والشام ومصر؛ مع ذلك لم يغير من تقشفه وبساطة ~~عيشه ومن قسوته بنفسه، ولم يغره السلطان بالخروج عن مألوف حياته، وعما عرف الناس من تسويته ~~بين نفسه وبين سائر المسلمين؛ لذلك اشتد حزن الناس لموته وجزعهم عليه، روي عن أبي طلحة أنه ~~قال: ما من أهل بيت من العرب حاضر ولا باد إلا قد دخل عليهم بقتل عمر نقص في دينهم وفي ~~دنياهم، وروي عن الحسن أنه قال: «أي أهل بيت لم يجدوا فقد عمر فهم أهل بيت سوء.» وقال ~~حذيفة يوم قتل عمر: «اليوم ترك الناس حافة الإسلام؛ وايم الله لقد جار هؤلاء القوم عن ~~القصد حتى لقد حال دونه وعورة ما يبصرون فهم لا يهتدون.» وبكى سعيد بن زيد ذلك اليوم فقيل ~~له: وما يبكيك؟ قال: على الإسلامي أبكي! إن موت عمر ثلم الإسلام ثلمة لا ترتق إلى يوم ~~القيامة، ولا عجب، وذلك شعور الحكماء وأولي الرأي، أن يكون الضعفاء والبؤساء أقوى شعورا ~~بوقع الكارثة التي نزلت بهم؛ فقد كان عمر لهم أبا وأخا، وكان لهم حصنا حصينا وملجأ ~~أمينا. # قد يدهشك، والأمر ما ترى، ألا يورد المؤرخون من رثاء أصحاب الرأي يومئذ لعمر مثل ما ~~أوردوا من رثائهم لأبي بكر يوم قبض، فكل ما ينسب إلى علي بن أبي طالب أنه دخل على عمر إثر ~~وفاته، فألفاه مسجى بثوب في ناحية من غرفته، فرفع الثوب عن وجهه وقال: «يرحمك الله أبا ~~حفص! ما أحد أحب إلي بعد النبي # صلى الله عليه وسلم # أن ألقى الله بصحيفته منك.» والأكثر ~~تواترا أن عليا وقف على عمر بعد أن غسل وكفن وحمل على سريره فأثنى عليه وقال: «والله ~~ما على الأرض رجل أحب إلي من أن ألقى الله بصحيفته من هذا المسجى بالثوب!» فلما صلى ~~على عمر جاء عبد الله بن سلام فقال: لئن كنتم سبقتموني بالصلاة عليه لا تسبقوني ms653 بالثناء ~~عليه، ثم وقف عند سريره وقال: نعم أخو الإسلام كنت يا عمر، جوادا بالحق، بخيلا ~~بالباطل، ترضى حين الرضا، وتغضب حين الغضب، عفيف الطرف، طيب الظرف، ولم تكن مداحا ولا ~~مغتابا، ثم جلس. # وإنما يذهب بعض الشيء من دهشتك أن تعلم أن أهل الرأي كانوا في شغل بأمر الشورى فيمن يخلف ~~عمر عن التفكير في شيء سواه، وكان أصحاب الشورى الذين استخلفهم عمر أشد من غيرهم ~~اشتغالا بهذا الأمر، وتوقا لمعرفة مآله. لما حان دفن عمر، فحمل إلى المسجد ووضع بين قبر ~~رسول الله ومنبره ليصلى عليه، أقبل عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب، وكل منهما يريد أن ~~يتقدم صاحبه لهذه الصلاة، فلما رآهما عبد الرحمن بن عوف على هذه الحال قال: إن هذا لهو ~~الحرص على الإمارة، لقد علمتما ما هذا إليكما، ولقد أمر به غيركما، تقدم يا صهيب ~~فصل عليه، كذلك روى ابن سعد في الطبقات، وفي رواية الطبري أن عبد الرحمن بن عوف قال: ~~ما أحرصكما على الإمارة؟ أما علمتما أن أمير المؤمنين قال: «ليصل صهيب بالناس»؟ ~~فتقدم صهيب فصلى عليه وكبر أربعا. # وفي رواية أوردها الطبري عن المغيرة بن شعبة أنه قال: لما مات عمر رضي الله عنه بكته ابنة ~~أبي حثمة فقالت: «وا عمراه! أقام الأود، وأبرأ العمد؛ أمات الفتن، وأحيا السنن، ~~خرج نقي الثوب، بريئا من العيب.» فلما دفن عمر أتيت عليا أريد أن أسمع منه في عمر شيئا، ~~فخرج ينفض رأسه ولحيته وقد اغتسل وهو ملتحف بثوب لا يشك أن الأمر يصير إليه، فقال: «يرحم ~~الله ابن الخطاب؛ لقد صدقت ابنة أبي حثمة، لقد ذهب بخيرها ونجا من شرها، أم والله ما ~~قالت ولكن قولت.» # ربما أذهب اشتغال أهل الشورى بالخلافة بعض الشيء من دهشتك لقلة لما أورده المؤرخون عما ~~رثي به عمر يوم وفاته، وسترى مبلغ هذا الاشتغال بعد حين فلا يبقى من دهشتك شيء، ثم ترى ~~إعظام الناس عمر وإكبارهم لحقه فتطيب نفسه بأن الحق باق أبدا، وإن أخفته ms654 الأهواء ~~حينا. # غسل عمر وكفن في ثلاثة أثواب، وحمل إلى المسجد فصلى عليه صهيب، ثم حمل القوم جثمانه ~~فوقفوا به على باب عائشة، وقال عبد الله بن عمر: يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه؟ ~~وأجابت عائشة: ادخل بسلام. # ودخل القوم إلى حجرة رسول الله، فأنزلوا الجثمان إلى مثواه الأخير، وكان رأس أبي بكر قد ~~جعل عند كتفي النبي، فوضع رأس عمر عند كتفي أبي بكر، وتولى عبد الله بن عمر تسوية الجثمان ~~في مكانه، وكان قد نزل معه أصحاب الشورى الخمسة: عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعبد ~~الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، والزبير بن العوام، # 6 # أما طلحة بن عبيد الله فكان لا يزال غائبا عن المدينة، فلم يحضر وفاة عمر ولم ~~يحضر دفنه. # وسوى القوم التراب على الجثمان وأقفلوا القبر، والناس على مقربة منهم مجتمعون في المسجد ~~وقد هوى الحزن بأفئدتهم إلى أعمق قرار، وذهب الأسى بألبابهم لموت رجل عز في الرجال نظيره، ~~وأمير للمؤمنين تولى أمرهم وهم من شدته وغلظته في خوف ووجل، ثم قضى بينهم عشر سنوات وستة ~~أشهر كان خلالها أبر أمير وأعدله وأتقاه، وكانوا لذلك يزدادون كل يوم له حبا. # وكيف لا يفعلون وقد كانوا أول عهده في عيلة فأغناهم الله من فضله، وكان الخوف من الفرس ~~والروم يساورهم فأصبحوا بفضل الله سادة الفرس والروم! بذلك استقر سلطان الإسلام وتوطد عرشه، ~~فحق لعمر أن يدفن مع صاحبيه، لينعم بجوارهما، وتطمئن روحه إلى أنه سار على سنتهما، وأنه أتم ~~على الأرض ما قضى الله أن يتم حين أوحى إلى نبيه رسالة السماء. # وقد أتم عمر هذه الرسالة؛ لأنه نسي نفسه، وجعل وحدة المسلمين وعظمة الإسلام غرضه، فلم ~~يفكر حين خلافته في مال أو جاه يكون لذويه وأهله، بل رأى ما وليه من أمر المسلمين عبئا ~~ألقاه القدر على كاهله، فكان كل همه ألا تعلق به فيما ولي من ذلك ريبة من الناس ولا من ~~نفسه، وأن يؤدي في ولايته لكل ms655 ذي حق حقه، وقد فعل، فأعز الله الإسلام، وأورث الأرض عباده ~~الصالحين. # تفرق الناس بعد أن فرغ من دفن عمر، وساروا تعلوهم الكآبة ويساورهم الحزن، وجعل كثيرون ~~يذكرون يوم طعن، ويسأل بعضهم بعضا عن باعث أبي لؤلؤة إلى ارتكاب فعلته الشنعاء، فلو أن ~~الخراج لم يكن يبهظه، بالقياس إلى كسب عمله، لما أقدم على جريمة عاقبتها القضاء على ~~حياته، ولكن، أويكفي أن يقول له عمر إن ما فرض عليه من خراج ليس بالكثير ليدفعه ذلك إلى ~~قتله؟! إن صح هذا كان عجبا؛ فقد كان في مقدوره أن يعود فيعرض جلية أمره على الخليفة، ليخفف ~~العبء عنه، أم أن في الأمر سرا كان أقوى أثرا في نفسه، وكانت الشكوى من الخراج خدعة ~~أريد بها ستر الحقيقة عن الأعين؟! # الحقيقة أن الفرس واليهود والنصارى قد كانت في نفوسهم حفيظة أي حفيظة على العرب عامة وعلى ~~عمر خاصة، بعد أن غلب المسلمون الفرس والنصارى على أمرهم، وتولوا حكم بلادهم، واضطروا عاهل ~~الفرس إلى فرار انتهى به إلى شر مصير، وذكر الناس في أحاديثهم هذه الحفيظة، وذكروا قول عمر ~~حين عرف أن الذي طعنه هو أبو لؤلؤة الفارسي: «قد كنت نهيتكم عن أن تجلبوا علينا من علوجهم ~~أحدا فعصيتموني!» وبالمدينة من هؤلاء العلوج جماعة أن يكونوا قليلين فهذه الحفيظة تجمع ~~قلوبهم وتوغر صدورهم، ومن يدري! لعلهم ائتمروا فكانت فعلة فيروز ثمرة مؤامرة أرادوا بها ~~شفاء ما في نفوسهم من غل؛ وحسبوا أنهم قادرون بها على أن يشتتوا شمل العرب ويفتوا في ~~أعضاد المسلمين. # وكان أبناء عمر أشد حرصا على معرفة الحقيقة؛ وقد كانوا يستطيعون كشفها والوقوف على جلية ~~أمرها لو أن فيروز لم ينتحر، لكنه انتحر، فذهب بسره إلى القبر معه ، أفقضي الأمر، ولم ~~يبق إلى معرفة السر سبيل؟ # كلا! بل أرادت الأقدار أن يقف على السر من قادة العرب من يدل عليه، رأى عبد الرحمن بن عوف ~~السكين التي قتل بها عمر فقال: رأيت هذه أمس مع الهرمزان وجفينة فقلت: ما تصنعان ~~بهذه ms656 السكين؟ فقالا: نقطع بها اللحم، فإنا لا نمس اللحم، وقال عبد الرحمن بن أبي بكر: قد ~~مررت على أبي لؤلؤ قاتل عمر ومعه جفينة والهرمزان وهم نجي، فلما بغتهم ثاروا، ~~فسقط من بينهم خنجر له رأسان ونصاب في وسطه، فانظروا ما الخنجر الذي قتل به عمر، فوجدوه ~~الخنجر الذي نعت عبد الرحمن بن أبي بكر، لم يبق إذن في الأمر ريبة، هذان شاهدا عدل، بل هما ~~من أعدل شهود المسلمين، يشهدان بأن الهرمزان وجفينة كان معهما السكين الذي قتل به عمر، ~~ويشهد أحدهما أنه رأى أبا لؤلؤة القاتل يأتمر قبل القتل معهما، ويقرران أن ذلك كله كان عشية ~~طعن عمر، أفيستطيع أحد بعد ذلك أن يشك في أن أمير المؤمنين ذهب ضحية مؤامرة كان هؤلاء ~~الثلاثة أبطالها، ولعل غيرهم من أبناء فارس أو من الأمم التي غلبها المسلمون كان معهم ~~فيها؟ # سمع عبيد الله بن عمر قول عبد الرحمن بن عوف وشهادة عبد الرحمن بن أبي بكر فاصطبغ ~~الوجود كله دما أمام عينيه، ودخل في روعه أن كل أجنبي بالمدينة شريك في المؤامرة، وأن ~~أيديهم جميعا تقطر من دم الجريمة؛ لذلك لم يتردد أن تقلد سيفه، ثم بدأ بالهرمزان ~~وجفينة فقتلهما، روي أنه دعا الهرمزان، فلما خرج إليه قال له: انطلق معي حتى ننظر إلى ~~فرس لي وتأخر عنه، حتى إذ مضى بين يديه علاه بالسيف، فلما وجد الفارسي حره قال: لا إله إلا ~~الله! وخر صريعا، وروي أن عبيد الله بن عمر قال: «ودعوت جفينة، وكان نصرانيا من ~~نصارى الحيرة، وكان ظئرا لسعد بن أبي وقاص أقدمه المدينة للملح الذي كان بينه وبينه، ~~وكان يعلم الكتاب بالمدينة فلما علوته بالسيف صلب بين عينيه.» # لم يكتف عبيد الله بقتل الهرمزان وجفينة، بل انطلق فقتل ابنة لأبي لؤلؤة صغيرة تدعي ~~الإسلام، وأراد ألا يترك سبيا بالمدينة إلا قتله، وسمع الناس في المدينة بما يصنع فأسرعوا ~~إليه، واجتمع المهاجرون الأولون عليه فنهوه وتوعدوه؛ لكنه كان في حال من الهياج حتى لقد ~~قال: ms657 والله لأقتلنهم وغيرهم! وعرض ببعض المهاجرين، وعرض له عمرو بن العاص وجعل يحدثه ~~بالشدة تارة وباللين أخرى، ولم يزل به حتى دفع إليه بالسيف، وأقبل سعد بن أبي وقاص، وقد ~~عرف مقتل جفينة، فأخذ بناصية عبيد الله وأخذ عبيد الله بناصيته، واشتد بينهما الأمر لولا ~~أن حجز بينهما الناس، ثم أقبل عثمان بن عفان، ولما يكن قد بويع، فأمسك بتلابيب عبيد الله ~~وأمسك عبيد الله بتلابيبه، وتناصيا وأظلمت الأرض من حولهما، ثم تدخل الناس فحجزوا بينهما ~~وعثمان يقول: قاتلك الله! قتلت رجلا يصلي وصبية صغيرة وآخر من ذمة رسول الله! ما في الحق ~~تركك! لكن عبيد الله لم يكن يرى أمامه غير الدم المراق، دم أبيه الكريم، فكان كهيئة ~~السبع يعترض العجم بالسيف حتى حبس. # 7 # ولم يكن إخوة عبيد الله دونه ثورة لمقتل أبيهم، وكانت حفصة أم المؤمنين من أشدهم ثورة، ~~روي عن عبد الله بن عمر أنه قال: «يرحم الله حفصة! فإنها ممن شجع عبيد الله على ~~قتلهم.» # وفعلة عبيد الله من حمية الجاهلية لا ريب؛ فما كان لرجل أن يثأر لنفسه، أو يأخذ حقه بيده ~~بعد أن أصبح القضاء لرسول الله وخلفائه من بعده؛ يحكمون بين الناس بالعدل، ويتولون القصاص ~~ممن أجرم؛ لذلك كان حقا على عبيد الله إذ عرف المؤامرة التي أودت بحياة أبيه، أن يحتكم ~~إلى أمير المؤمنين؛ فإن ثبتت المؤامرة عنده أجرى فيها حكم القصاص وإن لم تثبت أو قامت ~~الشبهة في نفسه منها درأ الحد بالشبهة، أو قضى بأن أبا لؤلؤة هو الآثم. # أيا ما يكن الحكم فقد آن للشورى أن يجتمعوا، وأن يختاروا أحدهم أميرا للمؤمنين، وقصة ~~الشورى حدثت بعد وفاة عمر، فلم تكن من ثم تدخل في نطاق هذا الكتاب، لولا أن عبيد الله بن ~~عمر بقي محبوسا إلى تمامها، وإلى أن استخلف عثمان بن عفان، ثم كان لأمير المؤمنين معه ~~شأن يجب لمن يؤرخ لعمر ألا يغفله. # ثم إن قصة الشورى تصور الحال النفسية للمسلمين حين وفاة عمر تصويرا يشهد ms658 بأن هذا العهد، ~~وما تم فيه من اتساع رقعة الفتح وانفساح مدى السلطان، قد انطوى إلى جانب عظمته وجلاله على ~~بذرة ثورة بقيت مستكنة في خلافة عمر ومعظم خلافة عثمان، وهذه البذرة هي التي أدت من بعد إلى ~~مقتل عثمان وإلى الحرب الداخلية بين علي ومعاوية، وإلى ما تلا ذلك من نزاع بين الأمويين ~~والعباسيين، وقد كان لذلك كله أثر واضح في عظمة الإمبراطورية الإسلامية، كما كان له أثر ~~واضح في انحلالها بعد بضعة قرون، فحق علينا، ونحن نؤرخ لعمر، أن نبرز هذه الحال النفسية ~~التي ظهرت إثر وفاة عمر على نحو لم تظهر به في حياته. # وفي رواية المؤرخين قصة الشورى بعض الاختلاف، ويرجع اختلافها إلى ما يبديه بعض المؤرخين ~~من إيثار لعلي ولبني هاشم وحقهم في إمارة المؤمنين، وما يبديه بعضهم الآخر من الحرص على ~~رواية الوقائع كما بلغتهم دون التأثر بميل خاص، على أن هذه الروايات في جملتها وتفصيلها ~~تشهد بأن بني هاشم وجدوا فرصة الشورى سانحة لاسترداد حقهم في إمارة المؤمنين؛ لأنهم ورثة ~~النبي عليه الصلاة والسلام، وبأن الكثرة من قريش كانوا يترددون في إجابة بني هاشم إلى هذا ~~الطلب، بل كانوا يؤثرون ألا تجتمع النبوة والخلافة في بيت واحد. # روي أن عمر لما استخلف الشورى قال العباس بن عبد المطلب لعلي: لا تدخل معهم! قال علي: ~~إني أكره الخلاف، وكان جواب العباس: إذن ترى ما تكره، وقد كان عمر قال للشورى: «إن رضي ~~ثلاثة رجلا وثلاثة رجلا فحكموا عبد الله بن عمر، فإن لم يرضوا حكم عبد الله فكونوا مع ~~الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف.» فلما خرجوا من عند عمر قال علي لقوم من بني هاشم: إن أطيع ~~فيكم قومكم لم تؤمروا أبدا، وقال معه العباس: عدلت عنا، وذكر له قول عمر: «كونوا مع ~~الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف.» ثم قال: «فسعد لا يخالف ابن عمه، وعبد الرحمن صهر عثمان لا ~~يختلفان فيوليها أحدهما الآخر، فإن كان الآخران معي لم ينفعا.» فقال له ms659 العباس: «لم أدفعك ~~في شيء إلا رجعت إلي مستأخرا بما أكره: أشرت عليك عند وفاة رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أن تسأله ~~فيمن هذا الأمر فأبيت، وأشرت عليك بعد وفاته أن تعاجل الأمر فأبيت، فأشرت عليك حين سماك عمر ~~في الشورى ألا تدخل معهم فأبيت، احفظ علي واحدة: كلما عرض عليك القوم فقل: لا، إلا أن ~~يولوك، واحذر هؤلاء الرهط فإنهم لا يبرحون يدفعوننا عن هذا الأمر حتى يقوم لنا به غيرنا، ~~وايم الله لا نناله إلا بشر لا ينفع معه خير!» # لا أرب لي في ترجيح هذه الرواية ولا في تفنيدها، وهي تشهد على كل حال أن بني هاشم ~~كانوا يرون أنفسهم أحق بخلافة النبي وتولي أمر المسلمين، وأنهم كانوا يرشحون علي بن أبي ~~طالب؛ لأنه كان من أول المسلمين، إذ أسلم ولما يبلغ الحلم، ولأنه صهر رسول الله وابن عمه، ~~ولكن عليا لم يكن يحرص على الخلافة إثر وفاة الرسول حرص من يقيم الثورة إذا لم يبلغ أربه، ~~فلما استخلف أبو بكر عمر لم يثر علي ولم يثر أحد من بني هاشم، ولما طعن عمر وجعل ~~الشورى في ستة بينهم علي تحرك بنو هاشم من جديد لتحقيق غرضهم، لكن عليا بقي مع ذلك أشد ~~حرصا على وحدة المسلمين منه على الاستئثار بالأمر لنفسه، مع اقتناعه بأنه أحق المسلمين ~~بهذا الأمر. # وذلك ما تشهد به قصة الشورى في وضوح وجلاء؛ فقد اجتمع أهل الشورى بعد الفراغ من دفن عمر، ~~قيل: اجتمعوا في بيت المسور بن مخرمة، وقيل: في بيت المال، وقيل: في حجرة عائشة ~~بإذنها، وقيل: في بيت أحدهم، واجتمع معهم عبد الله بن عمر يشير عليهم وليس له من الأمر شيء، ~~وأمروا أبا طلحة الأنصاري أن يحجبهم، ولم يرضوا أن يجلس عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة ~~بالباب، بل حصبهما سعد بن أبي وقاص وأقامهما، وقال لهما: تريدان أن تقولا حضرنا وكنا في ~~أهل الشورى! # وبدأ القوم يتشاورون، فاشتد بينهم الجدل وارتفعت منهم الأصوات ارتفاعا دل أبا ms660 طلحة ~~الأنصاري على شدة اختلافهم، فدخل عليهم وقال لهم: «أنا كنت لأن تدافعوها أخوف مني لأن ~~تنافسوها، والذي ذهب بنفس عمر لا أزيدكم على الأيام الثلاثة التي أمرتم، ثم أجلس في بيتي ~~فأنظر ما تصنعون!» # تجري رواية بأن هذا الخلاف ظل متصل الحدة يومين كاملين، تداركه عبد الرحمن بن عوف ~~بعدهما باقتراح سكن من حدته، وانتهى إلى الغاية المنشودة، وتجري رواية أخرى بأن عبد الرحمن ~~تدارك الخلاف منذ اليوم الأول، وأنه استطاع بحكمته أن يتغلب عليه، وأيما الروايتين صحت فقد ~~قال عبد الرحمن للمجتمعين: أيكم يخرج منها نفسه ويتقلدها على أن يوليها أفضلكم؟ ونظر إليه ~~القوم في دهش ولم يحر أحد منهم جوابا، وكيف يجيبونه والإمارة متنازعة بين بني هاشم ~~وغيرهم من قريش! قال عبد الرحمن: فأنا أنخلع منها، قال عثمان: فأنا أول من رضي، وقال سعد ~~والزبير: رضينا، أما علي بن أبي طالب فبقي ساكتا، فسأله عبد الرحمن: ما تقول يا أبا الحسن، ~~وأجابه علي: أعطني موثقا، لتؤثرن الحق، ولا تتبع الهوى، ولا تخص ذا رحم، ولا تألو الأمة ~~نصحا، ذلك أن عبد الرحمن كان صهرا لعثمان بن عفان وابن عم لسعد بن أبي وقاص؛ ولهذا ~~خشي علي أن يؤثر عليه عثمان، لكن عبد الرحمن لم يلبث حين سمع كلام علي أن قال: أعطوني ~~مواثيقكم على أن تكونوا معي على من بدل وغير وأن ترضوا من اخترت لكم، وعلي ~~ميثاق الله ألا أخص ذا رحم لرحمه ولا آلو المسلمين نصحا؛ وبذلك أخذ منهم ميثاقا وأعطاهم ~~مثله. # خلع عبد الرحمن نفسه من ترشيح عمر له، وجعل كل همه إلى توحيد كلمة المسلمين على من يختاره ~~لإمارتهم، لهذا بدأ يعمل لتضيق دائرة المرشحين، وإذ كان يعلم أن عليا وعثمان هما ~~المتنافسان اللذان يخشى اختلافهما فقد بدأ يسعى ليحصر الترشيح فيهما، وأول ما صنع من ذلك ~~أن خلا بعلي وقال له: تقول إنك أحق من حضر بهذا الأمر لقرابتك وسابقتك وحسن أثرك في الدين، ~~ولم تبعد، ولكن، أرأيت لو صرف هذا الأمر ms661 عنك فلم تحضره، من كنت ترى من هؤلاء الرهط أحق به؟ ~~وأجابه علي: عثمان، ثم إنه خلا بعثمان وقال له: تقول شيخ من بني عبد مناف، وصهر رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وابن عمه، ولي سابقة وفضل، فأين يصرف هذا الأمر عني! ولكن لو لم تحضر، أي هؤلاء ~~الرهط تراه أحق به؟ وأجابه عثمان: علي، وكان قد تحدث إلى الشورى جميعا قبل ذلك وطلب إليهم ~~أن يفوض ثلاثة منهم ما لهم من الحق في ولاية الأمر إلى ثلاثة، وإذ كان سعد والزبير يعلمان ~~أن ما لهما من أمل في ولاية الأمر ضعيف، فقد فوض الزبير ما يستحقه من الإمارة إلى علي وفوض ~~سعد ما له فيها من حق إلى عبد الرحمن، وترك حق طلحة لعثمان، أما وقد خلع عبد الرحمن نفسه ~~فقد انحصر الترشيح في علي وعثمان، وقد أصبح الأمر في اختيار أحدهما معلقا في عنق عبد ~~الرحمن. # قدر ابن عوف جلال التبعة الملقاة على عاتقه، وما يجب عليه لله ولدين الله وللمسلمين أن ~~يبلغ بها غاية تجتمع عليها الكلمة وينحسم بها كل خلاف؛ لذلك جعل يلقى أصحاب رسول الله ومن ~~وافى المدينة بعد الحج، من أمراء الأجناد ورءوس الناس، يسألهم جميعا مثنى وفرادى، ~~مجتمعين ومتفرقين، سرا وعلانية، حتى يجتهد في أفضل الرجلين فيوليه، ورأى الكثرة الواضحة ~~أشد ميلا لعثمان، مع ذلك لم يرد أن يعلن للناس رأيا يتهمه أنصار علي فيه، بل ذهب إلى ~~دار ابن أخته المسور بن مخرمة فأيقظه، وقد مضى أكثر الليل من تلك الليلة الأخيرة ~~التي فرضها عمر لاختيار أمير المؤمنين، وطلب إليه أن يدعو له عليا وعثمان، فلما أقبلا قال ~~لهما: إني قد سألت الناس فلم أجدهم يعدلون بكما أحدا، ثم أخذ العهد على كل منهما: لئن ولاه ~~ليعدلن، ولئن ولى عليه ليسمعن وليطيعن. # وخرج بهما إلى المسجد في الصبح بعد أن نودي في الناس أن الصلاة جامعة، وغص المسجد ~~بالناس، فصعد عبد الرحمن المنبر فدعا دعاء طويلا ثم قال: أيها الناس، إن ms662 الناس قد أحبوا أن ~~يلحق أهل الأمصار بأمصارهم وقد علموا من أميرهم، فقال سعد بن زيد: إنا نراك لها أهلا، ~~قال عبد الرحمن: أشيروا علي بغير هذا، وأشار عمار بن ياسر والمقداد بن عمرو بعلي، وأشار ~~عبد الله بن أبي سرح وعبد الله بن أبي ربيعة بعثمان، وأدى اختلاف الفريقين إلى تشاتم بين ~~عمار وابن أبي سرح؛ فصاح سعد بن أبي وقاص: يا عبد الرحمن! أفرغ قبل أن يفتتن ~~الناس، قال عبد الرحمن: إني قد نظرت وشاورت، فلا تجعلن أيها الرهط على أنفسكم ~~سبيلا. # ثم إنه دعا عليا فأخذ بيده وقال له: هل أنت مبايعي لتعملن بكتاب الله وسنة رسوله ~~وسيرة الخليفتين من بعده؟ قال علي: أرجو أن أفعل وأعمل بمبلغ علمي وطاقتي، فأرسل يده، ودعا ~~عثمان وأخذ بيده وقال له: هل أنت مبايعي لتعملن بكتاب الله وسنة رسوله وسنة ~~الخليفتين من بعده؟ قال عثمان: اللهم نعم، فرفع عبد الرحمن رأسه إلى سقف المسجد ويده في يد ~~عثمان وقال ثلاثا: اللهم اسمع واشهد؟ ثم قال: إني قد خلعت ما في رقبتي من ذلك، وجعلته في ~~رقبة عثمان! وبايعه، فازدحم من بالمسجد يبايعون عثمان. # أي موقف وقفه علي من اختيار عثمان بن عفان وبيعته؟ ذلك أمر اختلفت الروايات فيه، روى ~~ابن سعد بإسناد أن أول من بايع عثمان عبد الرحمن بن عوف، ثم علي بن أبي طالب، وروى بإسناد ~~آخر أن عليا بايع عثمان أول الناس، ثم تتابع الناس فبايعوه، وروى ابن كثير أن عبد الرحمن ~~بن عوف قعد على المنبر مقعد النبي، وأجلس عثمان بعد أن بايعه على الدرجة الثانية، «وجاء ~~إليه الناس يبايعونه، وبايعه علي بن أبي طالب أولا، ويقال آخرا.» أما الطبري فيسوق ~~روايتين تقرب إحداهما من هذه الروايات، وتختلف الثانية عنها كل الاختلاف، وتدلان كلتاهما ~~على أن اختيار عثمان ترك في نفس علي أثرا عميقا، أما الأولى فتذهب إلى أنه لما أقبل الناس ~~يبايعون عثمان، بعد أن بايعه عبد الرحمن، تلكأ علي فقال عبد الرحمن: # فمن نكث ms663 فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد ~~عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما ~~، فرجع علي يشق الناس حتى بايع ~~وهو يقول: خدعة وأيما خدعة. # 8 # وأما الرواية الثانية فتذهب إلى أنه لما بايع عبد الرحمن عثمان قال له علي: ~~«حبوته حبو دهر، ليس هذا أول يوم تظاهرتم فيه علينا، فصبر جميل والله المستعان على ما ~~تصفون! والله ما وليت عثمان إلا ليرد الأمر إليك! والله كل يوم هو في شأن.» فقال عبد ~~الرحمن: «يا علي لا تجعل على نفسك سبيلا، فإني قد نظرت وشاورت الناس فإذا هم لا يعدلون ~~بعثمان.» فخرج علي وهو يقول: يقول: «سيبلغ الكتاب أجله.» # ينفي ابن كثير روايتي الطبري هاتين فيقول: «وما يذكره كثير من المؤرخين كابن جرير وغيره ~~من رجال لا يعرفون، أن عليا قال لعبد الرحمن: خدعتني، وأنك إنما وليته؛ لأنه صهرك ~~وليشاورك كل يوم في شأنه، وأنه تلكأ حتى قال له عبد الرحمن: # فمن ~~نكث فإنما ينكث على نفسه # إلى آخر الآية، إلى غير ذلك من ~~الأخبار المخالفة لما ثبت في الصحاح فهي مردودة على قائليها وفاعليها والله أعلم.» # أنت ترى ما بين هذه الروايات من اختلاف، لكنها جميعا تشهد بأن قريشا كانت تؤثر ألا ~~تجتمع النبوة والخلافة في بني هاشم، وقد نسب إلى علي أنه قال بعد بيعة عثمان: «إن الناس ~~تنظر إلى قريش وقريش تنظر إلى بيتها فتقول: إن ولي عليكم بنو هاشم لم تخرج منهم أبدا، وما ~~كانت في غيرهم من قريش تداولتموها بينكم.» وهذا القول، صحت نسبته إلى علي أو لم تصح، يتفق ~~وما حدث لذلك العهد، فقد كان علي من أعلم الناس وأقضاهم بالحق والعدل؛ فالعدول مع ذلك عنه ~~يفسر هذا الحرص من قريش على أن تكون إمارة المؤمنين مداولة بينهم، لا يتوارثها أهل بيت ~~توارث الملوك عروش آبائهم، وربما تمت البيعة لعلي لولا هذا الشعور وتأصله في قريش. # جلس عثمان بعد البيعة في جانب المسجد، ثم دعا عبيد الله بن عمر من محبسه، ليحاكمه في قتله ~~الهرمزان ms664 وجفينة وابنة أبي لؤلؤة بعد الذي اعتقده من ائتمارهم بحياة أبيه، فلما مثل ~~عبيد الله بين يدي عثمان وجه أمير المؤمنين القول لجماعة من المهاجرين والأنصار يسألهم: ~~أشيروا علي في هذا الذي فتق في الإسلام ما فتق؟ قال علي بن أبي طالب: ما من العدل تركه، ~~وأرى أن تقتله، ورأى بعض المهاجرين في هذا الرأي من القسوة ما لا تطيقه النفس فقالوا: قتل ~~عمر أمس ويقتل ابنه اليوم! ووجم الحاضرون لهذا الاعتراض، وأمسك علي عن القول، وأجال عثمان ~~في الحاضرين بصره يلتمس الرأي، فلو أنه استجاب لرأي علي وقتل عبيد الله لنكأ من آل عمر ~~جراحات لما تندمل، ولأثار بذلك ثائرات لا يعلم إلا الله عقباها، ولكان مثلا في القسوة ~~لا يقاس به أشد الناس غلظة وبطشا، وفي طبع عثمان لين يتجافى به عن مثل هذا البطش؛ لذلك ~~ود لو يجد له أحد الحاضرين مخرجا من موقف ما أحرصه على الخروج منه، وكان عمرو بن العاص ~~حاضرا هذا المجلس، فقال: «إن الله أعفاك من هذا الحدث، وقد كان وليس لك على المسلمين ~~سلطان، تلك قضية لم تكن في أيامك، فدعها عنك.» ورأى عثمان في قول ابن العاص سفسطة فلم يقتنع ~~برأيه، وإنما وجد فيه ما يسوغ الدية؛ لذلك قال: أنا وليهم - يريد ولي الذين قتلوا ~~- وقد جعلتها دية واحتملتها في مالي. # والحق أن الفتوى بقتل عبيد الله كانت قاسية، وكانت الشبهة في عدلها قائمة، فهب عبيد الله ~~أخطأ في اعتقاده أن الهرمزان وجفينة ائتمرا مع أبي لؤلؤة بأبيه، لقد كان له مع ذلك من العذر ~~ما ينهض شبهة تدرأ عنه الحد وتخفف العقاب، ولعل عثمان لو أجرى التحقيق الدقيق لانكشفت ~~المؤامرة أمامه، ولثبتت ثبوتا تنتفي معه كل ريبة فيها ، فشهادة عبد الرحمن بن أبي بكر ~~وشهادة عبد الرحمن بن عوف كافيتان لتدفعا عبيد الله إلى ما فعل، إن لم تنهضا دليلا على ~~الهرمزان وجفينة، وأيد هاتين الشهادتين أن النصل الذي قتل به عمر كان في أيدي المؤتمرين ~~وهم نجي. # ولعل ms665 عثمان رأى ألا يقوم في هذا الأمر بتحقيق قد يثير ثائر الفرس، ويزيد الحفائظ بينهم ~~وبين العرب، ولهذا ودى القتلى من ماله، وأمر في الوقت نفسه زياد بن لبيد البياضي أن يكف عن ~~التعريض بعبيد الله بن عمر، وبذلك نامت فتنة لم يكن من الخير أن تستيقظ، وانصرف المسلمون في ~~أرجاء الإمبراطورية إلى مألوف حياتهم قبل وفاة عمر. ~~••• # بانتحار أبي لؤلؤة، وقتل الهرمزان وجفينة، ودية عثمان إياهما من ماله ومنعه الخوض ~~فيما كان من عبيد الله، أسدل على السر في مقتل عمر ستار لا يزال إلى اليوم مسدلا، ولا يزال ~~المؤرخون يتحاشون إزاحته، ولعمر الحق ما أرى لذلك سببا، وشهادة عبد الرحمن بن ~~عوف وعبد الرحمن بن أبي بكر تسوغ ما اعتقده عبيد الله بن عمر، واعتقدته أخته حفصة أم ~~المؤمنين، من ائتمار هؤلاء الأعاجم بأبيهما؟ وقد كان لفيروز وللهرمزان من العذر عن هذه ~~المؤامرة أن المسلمين فتحوا بلادهم، واضطروا ملكهم للفرار لينتهي إلى أشنع مصير وأرذله، ~~فإذا تحركت نفوسهم لما أصاب وطنهم فدبروا وائتمروا، فذهب عمر ضحية مؤامرتهم لم يكن ذلك ~~عجبا، وإنما العجب أن يظل الناس يعتقدون أن فيروز قتل عمر؛ لأنه لم ينصفه بتخفيف الخراج ~~عنه، مع أن عوده للشكوى من ثقل الخراج لم يكن أيسر منه. # وإذ كانت اعتبارات الوقت قد ألقت على عثمان أن يسدل على المؤامرة حجابا فليس للمؤرخين ~~مثل عذره، فقد أسلم الفرس فاعتزوا بالإسلام وأعزوه، شأنهم في ذلك شأن غيرهم من الأمم التي ~~دانت به، فحق على كل مؤرخ أن يبدي رأيه في أمر أصبح ملك التاريخ فأصبح واجبا جلاؤه، لهذا ~~أبديت رأيي فيه، مؤقنا أن هذا الرأي يفسر الكثير مما حدث، من بعد، بين العرب ~~والفرس. # 9 # والأمر أجدر بالمصارحة؛ لأنه يتعلق بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب؛ هذا الرجل الذي ظل ~~اسمه، وسيظل أبد الدهر، علما في التاريخ على العدل والنزاهة والحزم وحسن الرأي وصدق ~~الإرادة، والتجرد لله ولدين الله تجردا أعز الله به الإسلام ومد لواءه في ~~الخافقين، كان عبد ms666 الله بن مسعود إذا ذكر مقتل عمر بكى وقال: «إن عمر كان حصنا حصينا ~~للإسلام، يدخل الناس فيه ولا يخرجون منه، فلما مات عمر انثلم الحصن فالناس يخرجون من ~~الإسلام.» وعن حذيفة أنه قال: «إنما كان مثل الإسلام أيام عمر مثل امرئ مقبل لم يزل في ~~إقبال، فلما قتل أدبر فلم يزل في إدبار.» وروي أن أبا عبيدة بن الجراح قال، وهو لا ~~يزال في عنفوان نشاطه وقوته: «إذا مات عمر رق الإسلام، ما أحب أن لي ما تطلع عليه الشمس أو ~~تغرب وأن أبقى بعده، وسترون ما أقول إذا بقيتم، فإن ولي وال بعد عمر فأخذهم بما كان عمر ~~يأخذهم به لم يطع له الناس ولم يحتملوه، وإن ضعف عنهم قتلوه.» # وإنما قال ابن مسعود وحذيفة وأبو عبيدة ما قالوا لاجتماع ما اجتمع من الصفات في عمر، ~~واجتماع هذه الصفات هو الذي جعل المسلمين يحتملون منه ما لا يحتملونه من غيره، وهو الذي ~~أحزنهم أشد الحزن لوفاته حتى كأنهم لم تصبهم مصيبة إلا يومئذ، وكيف لا يحزنون وقد كانوا، ~~أول ما استخلف، فقراء فأغناهم الله، وكانوا يخشون الفرس والروم، فأصبحوا سادة الفرس والروم، ~~وكانوا في زاوية من الأرض لا يكاد يذكرها العالم، فأصبحوا بفضل الله ملء السمع والبصر من ~~حياة العالم، كل ذلك وعمر هو هو، لم يتغير مظهره ولم تتغير حياته، فلم يفكر في نفسه ولا في ~~أهله، بل رأى فيما وليه من أمر المسلمين عبئا ألقاه القدر على عاتقه، فكان كل همه ألا ~~تعلق بولايته ريبة من الناس ولا من نفسه، وأن يؤدي لكل ذي حق حقه، بذلك أعز الله ~~الإسلام، وأورث الأرض عباده الصالحين. # رحم الله عمر، ورضي عنه! إنه كان من عباده المؤمنين. # | هوامش # | خاتمة # مهد أبو بكر لقيام الإمبراطورية الإسلامية، فامتدت في عهد عمر من حدود الصين شرقا إلى ما ~~وراء برقه غربا، ومن بحر قزوين في الشمال إلى النوبة في الجنوب، واشتملت فارس والعراق ~~والشام ومصر، وضمتها كلها إلى بلاد العرب، فكان لتفاعل ms667 العوامل التي اختصت بها كل واحدة من ~~هذه الأمم، أثر بالغ في توجيه حضارة العالم من بعد، وكان تفاعل هذه العوامل طبيعيا؛ فلم ~~يكن لأمير المؤمنين ولا لغيره من السلطان ما يمحو أثره، أو يغير النتائج التي ترتبت ~~عليه. # وقد كانت هذه الأمم، حين انضمت إلى لواء الإمبراطورية الإسلامية، متباينة أشد التباين في ~~كل مقوماتها، إذ كانت كل واحدة منها تختلف عن سائرها في اللغة، والجنس، والعقيدة، والحضارة، ~~والبيئة الاجتماعية، والبيئة الاقتصادية. صحيح أن قبائل من العرب كانت تقيم ببادية السماوة، ~~على تخوم العراق والشام؛ وأن هذه القبائل أقامت ملك الحيرة، وملك بني غسان، لكن أهل الشام ~~الأصليين وأهل العراق الأصليين كانوا من جنس غير عربي، وكانوا يتكلمون لغة غير العربية، أما ~~فارس ومصر فكانتا لا تمتان للعرب في الجنس ولا في اللغة بصلة، كانت عقائد الفرس تخالف عقائد ~~أهل الشام وأهل مصر، وكان أهل العراق مقسمين بين نصرانية الروم ومجوسية الفرس، وكانت الحياة ~~ولون الحضارة في كل واحدة من هذه الأمم يختلفان عنهما في الأمم الأخرى اختلافا كبيرا، وقد ~~تم اجتماع هذه الأمم كلها، وبينها هذا التفاوت والتباين، في وحدة الإمبراطورية في زمن لم ~~يزد عن عشر سنين، لكن القوة التي تستطيع أن تخضع الأمم، وأن تجمعها في سلطان سياسي واحد، لا ~~تستطيع أن تزيل ما بينها من تفاوت في مقوماتها الأساسية، والتطور وحده هو الذي يحول ~~الأمم إلى غير حالها، بعد أن تكون قد ثبتت على هذه الحال الأجيال والقرون، فكيف كان هذا ~~التحول، وإلى أي مدى بلغ في عهد عمر، وماذا كان اتجاهه من بعده؟ # عد بالذاكرة إلى ما سجله المؤرخون من محاورات قيل إنها حدثت بين سفراء المسلمين وكسرى ~~يزدجرد وقائده رستم، وبين خالد بن الوليد وجرجة القائد الرومي في غزوة اليرموك، وإلى ~~ما كان قبل ذلك من مثل هذه المحاورات بين نجاشي الحبشة والمسلمين الذين هاجروا إليها، لقد ~~كان محور هذه المحاورات ومداها أن العرب كانوا ضعافا لانحلال الروابط بين شتى أممهم، أذلة ~~يتحكم غيرهم ms668 من الأمم في مصيرهم، فقراء يقتلهم الجهد في سبيل العيش، فلما أرسل الله رسوله ~~إليهم بالإسلام اجتمعت كلمتهم، وشبعوا من جوع، وعزوا بعد ذلة، ولا ريب أنه قد حدثت ~~محاورات من هذا القبيل، إلا تكن على الوجه الذي فصله المؤرخون فعلى وجه آخر لا يختلف في ~~جوهره عنه، فالرسالة الجديدة للإسلام كانت إذن موضع التفكير في كل مكان ذهب إليه المسلمون، ~~وانتصار العرب الذين آمنوا بهذه الرسالة كان حجة صلاحها نظاما للحياة الروحية وللحياة ~~الاجتماعية، وحيثما انتشرت فكرة بين الناس، واستحوذت على الشعور العام، خلفت أثرا يقوى أو ~~يضعف بحكم الأحوال التي تنتشر الفكرة فيها، وعلى قدر قوته أو ضعفه ترسخ الفكرة في النفوس ~~حتى تبلغ منها مكان الإيمان، أو تتبخر شيئا فشيئا حتى يجر النسيان عليها ذيل ~~العفاء. # كانت الأحوال التي أحاطت بالفكرة الإسلامية، في البلاد التي غزاها المسلمون، كفيلة بأن ~~تجعل هذه الفكرة على كل لسان وفي كل مجتمع، ذلك بأن الأساس الروحي الذي قامت الفكرة عليه ~~كان بسيطا كل البساطة، خاليا من كل تعقيد؛ وأن النظام الخلقي الذي تفرع عن هذا الأساس كان ~~ساميا غاية السمو، يأخذ بهاؤه بالأبصار، وأن النظام الاجتماعي في الإسلام لم يكن دون ~~النظام الخلقي والأساس الروحي بساطة وسموا، وكانت الفكرة الإسلامية في أساسها ونظمها لا ~~تزال يومئذ في صفاء جوهرها، لم يجن عليها الجدل المذهبي، ولم تحجب تفاصيل الجدل ضياء ~~الجوهر عن الأنظار، فلما تغلغل المسلمون في أحشاء العراق والشام، وانتشروا في فارس ومصر، ~~تسير أعلامهم أمامهم مظفرة قاهرة، لم يكن لأهل البلاد التي انتشروا فيها بد من التفكير في ~~سر هذا الظفر وفي مرده إلى الفكرة الإسلامية. # هذا؛ ثم إن الخلاف على المذاهب المسيحية وعلى المذاهب المجوسية كان قد بلغ أعظم مبلغ، ~~وكان الناس في بعض البلاد يسامون بسبب هذا الخلاف ألوانا من البطش تزعزع عقيدة فريق وتفتنه ~~عنها، وتزيد فريقا تعصبا لهذه العقيدة وتضحية في سبيلها؛ فكان ذلك داعيا آخر للتفكير في ~~الدين الجديد وما ينطوي عليه. # يضاف إلى ما ms669 تقدم أن المسلمين لم يكرهوا أحدا من أصحاب المذاهب المختلفة المسيحية أو ~~المجوسية على الإسلام، بل جعلوا حرية العقيدة أساس دعوتهم، فكان لذلك من بالغ الأثر في نفوس ~~المتعصبين لمذهبهم والمستضعفين الذين فتنوا عنه ما جعل الكثيرين ينظرون إلى هذا الدين ~~الجديد وأهله نظرة خالية من الحقد والكراهية، ولا حاجة بي إلى العود للحديث في ذلك وهو ~~مجلو في الكتاب، وأنت قد رأيت كيف نصت جميع المعاهدات التي عقدها المسلمون، مع أهل الشام ~~والعراق وفارس ومصر، على احترام كل ملة فلا يفتن صاحبها عنها، واحترام كل معبد فلا يمس ~~بسوء، ثم رأيت، فيما رويناه مما حدث بمصر، إلى أي مدى بلغ المسلمون في حمل أهل المذاهب ~~المختلفة على احترام كل مذهب، وعدم التعرض لأهله بأذى، طبيعي وهذه هي الحال أن ينظر أهل ~~البلاد المفتوحة إلى الدين الجديد وأهله نظرة تقدير، وأن يكبروا هؤلاء الفاتحين الذين ~~أقاموا العدل بين الناس بالقسط. # وزاد أهل البلاد المفتوحة تفكيرا في الدين الجديد وما ينطوي عليه أن المعاهدات التي نصت ~~على حرية العقيدة فرقت بين من أسلم ومن لم يسلم من أهل هذه البلاد، فعلى الذين استمسكوا ~~بدينهم ومذهبهم أن يؤدوا للفاتحين الجزية لقاء منعهم لهم وحمايتهم حرية عقيدتهم، أما من ~~أسلم من أهل هذه البلاد فقد سقطت عنه الجزية وساوى المسلمين الفاتحين، فصار له ما لهم، ~~وعليه ما عليهم؛ يصلي في جماعتهم، وينضم إلى صفوفهم في القتال، ويرتبط معهم بآصرة النسب، ~~ويشاركهم في المغانم ما أحسن البلاء في المعارك، أما ومبادئ هذا الدين سليمة سامية، وللذين ~~يدخلون فيه كل هذه المزايا، فلا جرم قد انضم إليه في عهد عمر عدد إلا يكن عظيما في البلاد ~~التي لا تتكلم العربية فلم يتذوق أهلها كل جماله وسموه، فقد كان لإسلام هذا العدد ومساواتهم ~~للفاتحين أثر حمل غيرهم على التفكير في أمر الدين الجديد، وهوى بنفوس الكثيرين، ممن فهموا ~~قواعده ونظامه، إلى الدخول فيه والإيمان به. # ثم إن اتصال العرب الفاتحين بأهل العراق وأهل الشام وبالفرس والروم ms670 المصريين، قد كان له ~~من الأثر ما لكل الحروب، إذ تخرج الألوف وعشرات الألوف من أهل الأمم المختلفة عن مواطنهم، ~~وتريهم ألوانا من العيش لم يكونوا يعرفون، وتفتح بذلك أمامهم آفاقا من التفكير والنظر ~~كانت محجوبة عنهم لبعدها عن مواطن إقامتهم، ولا يزال المؤرخون يتحدثون عما كان للحروب ~~الصليبية من أثر في علاقات الشرق والغرب، وعما حدث بعد غزو الترك أوروبا واستيلائهم على ~~القسطنطينية، من اتجاه الحضارة الغربية كلها وجهة جديدة أدى إليها بعث العلوم والفنون ~~الإغريقية وانتشارها في أنحاء أوروبا المختلفة، وقد كان للفتح الإسلامي مثل هذا الأثر من ~~أول عهده، فكما أدى اختلاط العرب بالأمم التي فتحوها إلى تفكير هذه الأمم في الدين الجديد، ~~كذلك أدى إلى إعجاب العرب بحضارة الفرس والروم والمصريين، وإلى انفساح الأفق الفكري أمام ~~هؤلاء وأولئك، وامتثاله عناصر جديدة نقلت التفكير العربي في الحياة المدنية، وتفكير أهل ~~البلاد المفتوحة في الحياة الروحية والمعنوية، خطوات فسيحة قربت بين عقلية الجميع، وإن ~~لم تمح الفوارق الطبيعية التي صاغت البيئات فيها هذه العقليات المختلفة. # وقد رأيت أثر ذلك في إسلام من أسلم من الفرس والروم، وفي إقبال العرب على النهل من أنعم ~~الحياة بعد أن يسرت لهم مغانم الحرب هذا النهل، صحيح أن الأمم المفتوحة، وإيران خاصة، قد ~~بقيت في نفوس أهلها حفائظ على الفاتحين كانت تثيرهم بهم الحين بعد الحين، لكن هذه الحفائظ ~~لم تكن لتقف التفاعل الطبيعي وما أدى إليه من تطور في عقلية الغالبين والمغلوبين على سواء، ~~وتحول نظرتهم إلى الحياة عما كانت عليه، ولم تقف ما أدى هذا التطور إليه من تقارب في ~~هذه النظرة لم يكن أثره باديا للعيان في عهد عمر، ولكنه مع ذلك كان يعمل دائبا، فيؤدي ~~عمله إلى ظهور هذا الأثر بعد سنوات معدودة؛ إذ يتخذ علي بن أبي طالب من الكوفة عاصمته، ثم ~~يتخذ معاوية بن أبي سفيان من دمشق عاصمته، ثم تدخل مذاهب التفكير التي أقامتها الفلسفة ~~الإغريقية في العقلية العربية، ثم يدخل الفن الفارسي ونظام الحكم ms671 الفارسي في الحياة ~~الإسلامية، وينتهي بأن يجعل من بغداد عاصمة العالم. # كان هذا التطور يسير حثيثا في عهد عمر، وإن لم يبد أثره ظاهرا للعيان، وكان سيره هذا ~~يمهد لحضارة جديدة تجمع في كنفها دين المسلمين، وفلسفة الإغريق والفرس والمصريين، ~~وعلومهم وفنونهم وآدابهم؛ ويمهد بذلك لنظام جديد في الحياة يشمل مناحيها السياسية ~~والاقتصادية والاجتماعية والعقلية، ويصوغها في حياة الجماعة العامة وفي حياة الأفراد ~~الخاصة. # لم يظهر أثر هذا التطور واضحا للعيان في عهد عمر؛ لأن العرب كانوا في شغل عن التفكير في ~~أمره بما هم فيه من لقاء عدوهم وقهره، ولأن الأمم المغلوبة على أمرها نسيت التفكير في أي ~~شيء إلا فيما نكبت به من هزائمها، وأنت لذلك قلما تجد في كتب المؤرخين الأولين وقفات تصور ~~هذا التطور في النفسية الإنسانية، فإذا عثرت بشيء من ذلك وجدته دفينا لا يكاد يظهر؛ لأن ~~سرد الحوادث طغى عليه فأغرقه في لجته، على أن سرد الحوادث لا يدع عندنا مجالا للريب في ~~قيام هذا التفاعل من عهد الفتح الأول. # فقد أحصى المؤرخون مغانم المسلمين في المعارك التي حدثت في عهد عمر، وذكروا ألوانها ~~وكثرتها وبهر العرب لمرآها وفتنتهم بها، كما ذكروا مخاوف عمر أن يبلغ المسلمون من ~~الافتتان بهذه المغانم مبلغا ينسيهم المبادئ التي أظفرتهم بعدوهم، فتتغير نفوسهم، فيغير ~~الله ما بهم، كذلك رووا ما كان من تنافس البصرة والكوفة، ومن اختلاف القبائل العربية التي ~~أقامت في كلتا المدينتين، وهذا كله، وما حدث من اختلاط العرب والعجم، يثبت عندنا ~~اليقين بأن ما قام من بعد من نضال بين الخلافة والملك، وما شاع في الجماعة الإسلامية من ~~ألوان الترف الفني والفكري، وما نشأ عن هذا التطور منذ العهد الأول مما جعل البلاد التي ~~فتحت في عهد عمر منازل الإسلام ومدارس الفقه فيه، كل ذلك قد كان له أثره في قيام الحضارة ~~الإسلامية، وكان له أثره في عظمة الإمبراطورية في القرون الأولى، كما كان عظيم الأثر حين ~~بدأت عوامل الانحلال تدب في كيان الإمبراطورية. # كيف ms672 يؤدي تفاعل عوامل بذاتها إلى آثار متناقضة، فيكون سببا في قيام الإمبراطورية ~~وعظمتها، ثم يكون سببا في تدهورها وانحلالها؟ # الجواب عن هذا السؤال يصدق على الإمبراطورية الإسلامية، وعلى غيرها من الإمبراطوريات، ~~فكم هذه العوامل ومبلغ تفاعلها يختلفان في زمن عنهما في زمن آخر، وهذا الاختلاف يؤدي إلى ~~تباين النتائج، ذلك أمر طبيعي نشهده في الظواهر الاجتماعية كما نشهده في الظواهر الطبيعية، ~~فكما يؤدي اختلاف الأنواع والمقادير في العناصر الكيميائية إلى اختلاف تفاعها وما يترتب على ~~هذا التفاعل من نتائج، كذلك يؤدي اختلاف الكم والنوع في العناصر الاجتماعية إلى مثل هذه ~~النتيجة، فإذا زادت القوى المعنوية في الجماعة سواء أكانت هذه القوى روحية أم خلقية أم ~~عقيلة، أدى تفاعلها مع القوى المادية إلى سمو الجماعة وعظمتها، ذلك بأن القوى المعنوية هي ~~التي تدفعنا إلى طلب الكمال الإنساني وإلى الدأب في سبيله، والجماعة مع ذلك لا غنى لها عن ~~قواها المادية ومضاعفة نشاطها، وهذه القوى تزداد نشاطا وإنتاجا بدافع من القوى المعنوية، ~~فإذا ضعفت معنوياتنا ضعف نشاطنا المادي، وتضاءل إنتاجنا. # وقد أشرنا غير مرة في هذا الكتاب إلى سمو القوى المعنوية عند العرب، بعد أن حطم الإسلام ~~في نفوسهم قيود الوثنية، وبعد أن جمع كلمتهم حول عقيدة واحدة ولواء واحد، وكان لتغلب ~~المسلمين على الأسدين، فارس والروم، أثر صالح كذلك في البلاد التي فتوحها، ذلك أن دسائس ~~البلاط كانت السبب الجوهري في اضطراب أمور الفرس وفي سوء حكمهم، وأن الاضطهاد الديني كان ~~السبب الجوهري في سوء حكم الروم للشام ومصر، فلما تغلب المسلمون على العراق وعلى فارس، لم ~~يبق للبلاط وجود فلم يبق لدسائس البلاط موضع؛ ولذا شغل كل أمير بإمارته، وحرص على أن ~~يحسن سياستها حتى لا يتعرض لغضب ولاة المسلمين وغضب أمير المؤمنين، وشعر أهل العراق والفرس ~~بتفوق المسلمين عليهم لعدلهم في حكمهم، وأدركوا بالسليقة أنهم إن لم يظهروا للمسلمين خير ~~صفاتهم لم يقف هوانهم ولم تقف مذلتهم عندما نزلت الهزيمة بهم إليه، بل تدلوا في أعين ~~الفاتحين إلى شر ms673 من ذلك مكانا، وباءوا بازدرائهم وتحقيرهم، لهذا بدءوا يبرزون خير ما عندهم ~~من تراث قومهم، وخير ما ورثوا من صفات آبائهم في تجويد الفنون والعلوم والصناعات، وكل ما ~~كانت لهم فيه اليد الطولى مما لم يكن العرب يستطيعون مجاراتهم فيه. # وكذلك فعل أهل الشام وأهل مصر، فقد زال الاضطهاد الديني بعد فتح العرب بلادهم، وزالت بذلك ~~أسباب امتعاضهم وثورتهم، وما كان ينشأ عن هذا وذاك من سوء الحكم واضطراب الأمور بينهم، عند ~~ذلك بدءوا يظهرون خير الصفات التي ورثوها عن آبائهم في التجارة والزراعة والصناعة والعلوم ~~والفنون، فبرزت القوى السليمة التي وهبتها لهم الطبيعة وجعلت تنشط وتنتج خير ~~ثمراتها. # أدى هذا كله إلى نوع من الاستباق إلى المكرمات وإلى المجد وإلى اعتماد كل جماعة على أفضل ~~مواهبها، لتبلغ خير ما تستطيع من احترام الأمم المكونة للإمبراطورية معها، وطبيعي أن يؤدي ~~الاستباق في هذا المضمار إلى عظمة المجموع؛ أي إلى عظمة الإمبراطورية وجلال مكانها في ~~العالم. # كان أمراء المؤمنين يباركون على هذا النشاط الجم في أرجاء الإمبراطورية المختلفة، وينظرون ~~إليه بعين الرضا، ويرجون منه المزيد، وكانت مبادئ الحرية والإخاء والمساواة التي سنها ~~الإسلام تقرب بين العاملين الدائبين في هذا النشاط، مع ما كان من اختلاف أصولهم ولغاتهم ~~وعقائدهم، وزاد دخول الكثيرين من أبناء الأمم التي رف عليها لواء الإمبراطورية الناشئة في ~~الدين الجديد في هذا التقريب، حتى كاد يدمج هذه الأمم في وحدة منسجمة تسعى كل أطرافها إلى ~~غاية مشتركة؛ هي عظمة الكل، وعظمة كل جزء من أجزائه. # أدى هذا النشاط الجم إلى تنافس الأمم التي تكونت منها الإمبراطورية تنافسا زاد ~~الإمبراطورية اندفاعا إلى التوسع والعظمة، وكيف لا تندفع في هذه السبيل وعوامل الوحدة ~~والانسجام تزداد بين هذه الأمم قوة على مر الأيام والسنين! فلم يحل ما قررته مبادئ ~~الإسلام من حرية العقيدة، وأنه لا إكراه في الدين، دون إقبال الأكثرين من أهل مصر والشام ~~والعراق وفارس على النظر في الدين الجديد، ودخولهم فيه أفواجا عن رضا وبينة. # وكان لدخولهم في ms674 الإسلام أثر بالغ في تعزيز وحدتهم؛ لأن الإسلام لا يتناول العقيدة وكفى، ~~بل هو يتجاوز الميدان الروحي إلى الميدان الخلقي والميدان الاجتماعي، ويفرض على الآخذين به ~~نظما في الأخلاق وفي التشريع تختلف في جوهرها عن النظم المسيحية والمجوسية، كما تختلف عن ~~النظم الجاهلية التي كانت سائدة في شبه الجزيرة قبل مبعث النبي العربي. # واتفاق القيم الأخلاقية في جماعة ما من شأنه أن يجمع أطرافها في وحدة تزيد أهلها تعارفا ~~وتآلفا، فاتفاق الجميع على المعروف والمنكر، وعلى الخير والشر، وعلى الحرام والحلال، يبعث ~~في كيان المجموع من الانسجام ما يزيد في قوته المعنوية، ويزيد تبعا لذلك في نشاطه المادي، ~~فإذا صدر هذا الاتفاق عن أصل واحد هو العقيدة، فآمن الجميع بأنهم مسئولون أمام الله خالق كل ~~شيء، يجزيهم عن أعمالهم، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، كان ذلك سببا في اتساق الانسجام، ~~وازدياد الوحدة قوة بقدر هذا الاتساق، ولا ريب أنه قد حدث هذا الانسجام، واتسق في أرجاء ~~الإمبراطورية كلها بعد أن سكن أهل الأمم المفتوحة إلى حالهم الجديدة، ونظموا حياتهم في ~~ظلالها. # وزاد الانسجام اتساقا والوحدة قوة أن تجاوز الإسلام ميدان العقيدة وميدان الأخلاق إلى ~~ميدان التشريع، وأن أذعن المسلمون في مختلف الأرجاء من إمبراطوريتهم الفسيحة إلى ما جاء في ~~كتاب الله عن نظام الأسرة، وعن الميراث، وعن التنظيم الاجتماعي والاقتصادي لكثير من شئون ~~الحياة، صحيح أن ما نص عليه في القرآن من هذه الشئون لم يزد عل المبادئ العامة، لكن هذه ~~المبادئ العامة في التشريع كانت ذات أثر بالغ في توجيه تفاصيله؛ كما أن تطبيق العرب لها، عن ~~طريق القضاء في أرجاء الإمبراطورية، قد زاد في هذا الأثر، وأدى إلى وحدة في التشريع اطردت ~~في الأجيال الأولى من حياة الإمبراطورية، وزاد في إطرادها أن التشريع الإسلامي، وقواعد ~~الخلق الإسلامية، وقواعد الإسلام في العقيدة، كانت تعد في ذلك العهد وحدة لا انفصام ~~لها، فزاد ذلك في اتساق الانسجام، وفي قوة الوحدة التي انتظمت أجزاء الإمبراطورية ~~كلها. # وكان طبيعيا، والقرآن كتاب ms675 الله وأساس هذا الدين، أن يتعلم الناس في البلاد المفتوحة ~~لغة القرآن، ليزدادوا فقها في دينهم، وليعرفوا لغة حكامهم، والعقيدة واللغة قوتان بالغتا ~~الأثر في توحيد من يشتركون فيهما، وفي تعاونهم وتآلفهم، ولا أراني بحاجة إلى إقامة الدليل ~~على هذا الأمر ونحن نرى في عصرنا الحاضر وحدة الأمم اللاتينية، وجماعة الأمم التي تتكلم ~~الإنجليزية، وتضامن الأمم المسيحية، وهلم جرا، هذا مع أننا في عصر تقررت فيه مبادئ الحرية ~~بأوسع مما كانت في القرن السابع المسيحي، وهدى العلم فيه إلى أسباب الوحدة، إذ ضيق نطاق ~~العالم على نحو لم يكن يدور بخلد أحد في ذلك الزمان. # أدرك كثيرون ممن أرخوا لذلك العهد الأول من عهود الإمبراطورية الإسلامية، ما كان لانتشار ~~الإسلام وانتشار العربية من أثر بالغ في قيام هذه الإمبراطورية وفي قوتها؛ ولهذا تساءل ~~بعضهم: لم لم يفرض الفاتحون دينهم ولغتهم على البلاد المفتوحة؟ وظنوا أنهم لو كانوا قد ~~فعلوا لما دبت من بعد عناصر الانحلال في هذه الإمبراطورية، وأحسبني في غنى عن تفنيد هذا ~~الظن وإدحاضه، وليس يرجع ذلك إلى أن من إضاعة الوقت مناقشة فرض لم يحدث، فمناقشة أمثال هذا ~~الفرض جليلة الفائدة في هداية الإنسانية طريقها خلال المستقبل؛ وإنما يرجع إلى أن هذا الظن ~~فاسد الأساس، فلو أن العرب أكرهوا الأمم التي فتحوها على دينهم وعلى لغتهم لما قامت ~~الإمبراطورية إلا لتنهار، ذلك بأن كل اجتماع لا يقبل الناس عليه أحرارا مختارين سرعان ~~ما ينفض، وكل نظام يستند إلى القسر يؤدي إلى برم الناس به وانتقاضهم عليه، فلو أن ~~المسلمين أكرهوا الأمم المفتوحة على الإسلام لما أغنى ذلك عنهم، ولكفرت الأرض بهم وانتقض ~~الناس عليهم، ولما استطاعوا أن يقيموا حكمهم في هذه البلاد، على أساس غير البطش، والحكم ~~القائم على البطش حكم سريع الزوال، وقد رأينا، ورأى المسلمون الأولون، ما أصاب هرقل حين ~~أراد أن يفرض مذهبا مسيحيا موحدا على أهل المذاهب المسيحية المختلفة، ثار الناس به ~~وبعماله ثورة انتهت بفراره من الشام أمام قوات المسلمين، وبفتح المسلمين ms676 مصر وضياعها من ~~إمبراطوريته. # فأما إذا أقبل الناس على عقيدة من العقائد، فدخلوا فيها أحرارا مختارين، فإن هذه العقيدة ~~تصبح بعض حياتهم، ويصير لها في قلوبهم من القداسة ما يحملهم على الدفاع عنها، والتضحية ~~بالروح في سبيلها، فهذا الذي صنعه المسلمون الأولون تنفيذا لمبادئ دينهم، من حرية العقيدة ~~وعدم الإكراه في الدين، كان الحكمة كل الحكمة وهو الذي دفع الإمبراطورية الإسلامية إلى ~~التوسع والعظمة. # والأمر في اللغة كالأمر في الدين، إن لم يقبل الناس عليها راغبين مختارين، مقدرين ما ~~في تعلمها من فائدة جليلة، أخفقت كل محاولة لحملهم على تعلمها، بله التكلم ~~بها. # كانت الحرية التي كفلها المسلمون لأهل البلاد المفتوحة في أمر العقيدة بعض ما دعا الفرس ~~والروم وغيرهم للإقبال على الإسلام، وعلى اللغة العربية، وزاد في إقبالهم ما فرضه الإسلام ~~من المساواة بين المؤمنين به على اختلاف أجناسهم وألوانهم ولغاتهم وعاداتهم، وما قرره من ~~أنه لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى، ومن أن المؤمنين إخوة؛ فلا يكمل إيمان أحدهم حتى ~~يحب لأخيه ما يحب لنفسه، فهذا الإخاء وهذه الحرية والمساواة أدت كلها إلى انتشار جو ضاعف من ~~قوة الوحدة في الإمبراطورية، وتضاعف في ظله نشاط كل جزء من أجزائها. # وأنت مع ذلك تستطيع أن تميز، في عصور الإسلام الأولى أو في العصور التي تليها، نصيب كل ~~جزء من هذه الأجزاء فيما أثمر نشاطها جميعا من آثار عظيمة في الفقه، والأدب، والعلم، ~~والفلسفة، والصناعة، والزراعة، وكل مظاهر الحياة المعنوية والمادية، ذلك بأن لكل أمة طابعا ~~أنشأته البيئة، وثبت على الزمان بحكم الوراثة، وهذا الطابع يبدو واضحا في الفنون والآداب ~~وألوان التفكير المختلفة؛ وهو لا يخفى في الصناعة والزراعة وغيرهما من آثار الحياة المادية، ~~وتاريخ الأدب العربي يحدثنا عما أدخله الفرس والروم، في مذاهب الكتابة والتفكير، من صور ~~وألوان لم تكن مألوفة عند العرب من أهل شبه الجزيرة، وذاك مع أن الفرس والروم تعلموا ~~العربية عن أهل شبه الجزيرة، ولا عجب، فاللغة كائن حي يساير الوسط الذي يعيش فيه، ms677 وهي بحكم ~~أنها الأداة لإبراز التفكير والتصور الإنساني، تتأثر في أساليبها وفي قوالبها بما تؤديه من ~~متباين ألوان التفكير والتصور؛ لذلك كان طبيعيا أن تتأثر اللغة العربية بالصور والألوان ~~التي ألفها الفرس والروم في ثقافتهم وفي تفكيرهم، وأن يدخل على أساليبها في الشعر والنثر ~~ما يؤدي هذه الأغراض. # كان للألوان الجديدة، التي أدخلها الفرس والروم في الفن العربي والأدب العربي، أثر واضح ~~في العرب أنفسهم، وأنت ترى هذا الأثر ملموسا في اختلاف مذاهب البصريين والكوفيين في اللغة، ~~اختلافا لا يزال مؤرخو اللغة والأدب يذكرونه إلى وقتنا الحاضر، وإنما نشأ هذا الخلاف؛ لأن ~~البصرة والكوفة في العراق، فهما تجاوران فارس؛ وطبيعي أن يتأثر أهلها بهذا الجوار، وبما ~~يجلبه إليهم من ألوان الثقافة الفارسية، ولا عجب في أن تكون إحدى المدينتين أكثر محافظة على ~~عربيتها، وأن تكون الثانية أكثر حرية في امتثال الثقافة الفارسية. # لم يكن الطابع القومي واضحا في الحياة المعنوية وحدها، وفي مظاهر هذه الحياة من فن وعلم ~~وأدب، بل إنك لتقرأ الكثير عن آثار هذا الطابع في الحياة المادية، فبرود اليمن، وحرائر ~~دمشق، وقباطي مصر، هذه وأمثالها من الألوان المتميزة في الصناعة والاقتصاد بتميز البيئة، ~~تشهد ببقاء هذا الطابع، وبأن ما حدث من وحدة الإمبراطورية لم يكن ليمحوه أو ليزيل ~~آثاره. # على أن وضوح الطابع القومي في مظاهر الحياة المعنوية والمادية المختلفة، لم يجن في ~~قليل ولا كثير على وحدة الإمبراطورية في عصورها الأولى؛ فقد اتسقت قوى الإمبراطورية من أقصى ~~الشرق إلى أقصى الغرب، ومن أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، ونشأ عن هذا الاتساق تزاوج بينها ~~أنتج من الثمرات ما ربط بين أجزاء الإمبراطورية كلها بأوثق رباط، تزاوجت الفلسفة الإغريقية ~~والثقافة الفارسية في ظل التوحيد الإسلامي فأنتج هذا التزاوج الفلسفة الإسلامية، وتزاوج ~~الخيال الفارسي والفن البزنطي باللغة العربية، فأنشأ في الشعر والنثر العربي ألوان الأدب ~~الإسلامي، وتزاوج فن الزخرفة الفارسي والعمارة البزنطية، فكانت العمارة العربية ثمرة هذا ~~التزاوج، وامتد التزاوج إلى مرافق الحياة في أرجاء الإمبراطورية كلها، فأنشأ خلقا ms678 جديدا ~~كان يزداد على الأيام والسنين قوة وازدهارا، وكان يتقدم الفتح العربي ثم يسايره، وكان يبسط ~~على أرجاء العالم القريبة والبعيدة سلطانه، وكان أبقى من الفتح العربي أثرا وأقوى أصولا ~~وأغزر فروعا؛ هذا الخلق الجديد هو الحضارة الإسلامية. # وفي ظل هذه الحضارة ترعرعت الإمبراطورية في القرون الأولى على نحو بهر العالم، وشد إليها ~~الأنظار من كل جانب، وكان من أثر ذلك أن نسي الناس في أرجائها الواسعة فوارق القومية؛ ولم ~~يذكروا إلا أنهم مسلمون، وأنهم إخوان تربط بينهم مبادئ الحرية والإخاء والمساواة المقررة في ~~الإسلام، ويقوم الحكم بينهم على أساس من العدل والتقوى، ولهذا كانوا يصهر بعضهم إلى ~~بعض، يتزوج العربي من بنات فارس أو العراق أو الشام أو مصر، ويتزوج المسلمون من أهل هذه ~~البلاد العربيات، وكذلك أقامت لحمة الدم والنسب صلات المودة بين المسلمين جميعا، ومحت ~~من نفوسهم معاني التعصب القومي والجنسي، وبثت في وحدة الإمبراطورية روحا زادتها قوة، ~~وزادت أبناءها إقبالا على الإنتاج المعنوي والمادي، ورفعت بذلك من صرح الحضارة ~~الإسلامية. # ظلت هذه الحال أجيالا متعاقبة، وكان لتفاعل العوامل التي اختصت بها كل واحدة من أمم ~~الإمبراطورية أبلغ الأثر في توجيه حضارة العالم في الشرق والغرب، وإذ كانت القوى الدافعة ~~لتفاعل هذه العوامل والموجهة لها بالغة السلطان، فقد استجنت عوامل الفرقة والضعف خلال هذه ~~الأجيال وتقلص أثرها، فإذا بدا من هذا الأثر شيء أسرعت القوى الدافعة للقضاء عليه، وقد ~~رأينا صورة من ذلك في مقتل عمر، على أن استجنان هذه العوامل لم يقض عليها قضاء ينتهي إلى ~~فنائها، بل بقيت كلها في مكامنها بقاء جراثيم المرض في الجسم الصحيح، إذا حاولت النشاط أو ~~البروز غلبتها أسباب الصحة، فردتها إلى أوكارها وخلاياها، فلم يشعر صاحبها نفسه بوجودها ولا ~~بقدرتها على أن تنشط إذا ضعفت أسباب الصحة، وفي ظل هذه القوى الدافعة كان أبناء الشام ~~أعوانا للعرب المسلمين في عهد بني أمية، وكان الفرس أعوانا أقوياء للعباسيين من قرابة ~~رسول الله، وكان المصريون يظهرون على مسرح السياسة الإسلامية في ms679 أدق المواقف، ثم كان لظهور ~~هؤلاء ومعاونة أولئك أثر بالغ في إسراع الإمبراطورية إلى النماء والقوة، وإلى بقائها ~~متماسكة الأجزاء، حتى آن للزمان أن يدور دورته ويفعل فعله. # وإنما بدأت دورة الزمن حين ضعفت القوى الدافعة لتفاعل العوامل التي اختصت بها كل واحدة من ~~أمم الإمبراطورية، تفاعلا يزيد في نماء الإمبراطورية وفي سلطانها، ومع أن عوامل الفرقة ~~والضعف كانت تبرز من أوكارها وخلاياها منذ العهد الأول حينا بعد حين، فقد كانت ترتد ~~ناكصة على أعقابها، متراجعة أمام أسباب الصحة الجارية في كيان الإمبراطورية، على أنها كانت ~~كلما ظهرت تركت وراءها أثرا يتحدث الناس عنه حينا، ثم لا يلبث جلال الحوادث المحيطة بهم ~~أن ينسيهم إياه. # وكان مقتل عمر أول أثر ظاهر لبروز عوامل الفرقة من مكامنها، فلما تولى عثمان، وقضى على ~~الفتنة التي كادت تنجم حين قتل عبيد الله بن عمر من اقتنع بأنهم ائتمروا بحياة أبيه، انصرف ~~الناس إلى حياة الغزو والفتح وإلى تثبيت قواعد الإمبراطورية. # وبعد ست سنوات من خلافة عثمان بن عفان، عاد الخلاف القديم بين بني هاشم وبني أمية، فظهر ~~بعد استتاره وبرز من مكمنه، ذلك أن عثمان آثر ذوي قرابته بمناصب السلطان، فألب خصومه ~~المسلمين في أرجاء الإمبراطورية المختلفة عليه، واتخذوا من تصرفاته في هذا الأمر وسيلة ~~للتشنيع عليه، وانتهى التأليب إلى الفتنة، وكان للمسلمين المقيمين بمصر أثر أي أثر فيما أدت ~~هذه الفتنة إليه من قتل عثمان، فلما قضى الخليفة الشيخ نحبه، وبويع علي بن أبي طالب ~~بالخلافة مكانه، طالب بنو أمية بدم عثمان، ثم أثاروها فتنة عمياء للثأر، وانقسم المسلمون في ~~أرجاء الإمبراطورية: ينصر فريق بني هاشم، وفريق بني أمية. # انتهت هذه الفتنة بمقتل علي وابنه الحسين، فتولى بنو أمية أمر المسلمين ولم تصدع هذه ~~الفتنة بناء الإمبراطورية، وإن هزته هزا عنيفا؛ لأن هذا البناء كان متينا قوي الأركان، ~~ولأن عوامل الفرقة كانت لا تزال ضعيفة، إذ كانت البلاد المفتوحة لا تزال تنوء بعار هزيمتها، ~~وبأسباب الضعف التي ورثتها عن حكامها السابقين؛ لذلك ms680 لم يلبث بنو أمية حين استقر لهم الأمر، ~~أن عادوا يتابعون سياسة الفتح التي بدأها الخلفاء من قبلهم، فعادت عوامل الفرقة إلى ~~مكامنها، واستمرت أمم الإمبراطورية تتعاون في تشييد الصرح العظيم، صرح الحضارة ~~الإسلامية. # على أن هذه الفتنة طوعت للأمم المفتوحة أن تسترد حيويتها، وأن تكيف اتجاهها في ظل الحضارة ~~الجديدة تكييفا يكفل لأصحابها السلطان، وكان الفرس أبرع هذه الأمم وأسرعها إلى بلوغ هذه ~~الغاية؛ فقد رأوا بني هاشم حريصين على الثأر لعلي وللحسين ولمن نكبهم فيه بنو أمية؛ فصور ~~مفكرو الفرس مبدأ الإمامة والإمام تصويرا استهوى ألباب أهل فارس والعراق، فتشيعوا لعلي ~~وأنصاره، وظاهروا أبا مسلم الخرساني مظاهرة انتهت بانتصار العباسيين على بني أمية، وبنقل ~~العاصمة من دمشق إلى بغداد. # استقر الأمر للعباسيين فاتخذوا من الفرس وزراءهم والمشيرين عليهم، فكان لهم في الحياة ~~الإسلامية أثر بالغ، وحسبك لتقدر هذا الأثر أن تذكر ما حدث في هذا العهد، ففيه جمعت ~~الأحاديث المروية عن النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، ونقلت الفلسفة الإغريقية إلى العربية، وبرع من الفرس ~~في النثر والشعر من نقلوا إلى لغة القرآن ألوانا من الثقافة الفارسية، وازدهرت العلوم ~~والفنون والآداب ازدهارا لفت أنظار العالم كله، ولقحت هذه العلوم والفنون بما أنتجته ~~عبقرية كل واحدة من أمم الإمبراطورية، بذلك عظم مقام الحضارة الإسلامية، فوجهت العالم ~~أجيالا وقرونا. # وكان من نتائج هذا الازدهار أن تعددت مذاهب التفكير وألوانه في علوم الكلام والفقه، وفي ~~الأدب واللغة، وفي أساليب السياسة والحكم، وفي كل مظهر من مظاهر الفكر وأثر من آثاره، ونشأ ~~عن ذلك أن استطاعت كل أمة أن تصبغ تفكيرها الإسلامي بطابعها القومي، وأن تذيع هذا التفكير ~~في أرجاء الإمبراطورية، وأن تجد من يسيغ هذا التفكير؛ لأنه اصطبغ باللون الإسلامي وكتب ~~باللغة العربية، بهذا استردت كل أمة شخصيتها مصبوبة في قالب عربي من قوالب الحضارة ~~الإسلامية، وآن لكل أمة أن تصبو إلى مكان السلطان من الإمبراطورية، فإن لم تستطعه صبت ~~إلى الاستقلال القومي تتمتع به في ظل هذه الحضارة. # وكذلك انفرط نظام ms681 الإمبراطورية، فلم تبق لها سياسة موحدة، غرضها إذاعة رسالة الإسلام في ~~الناس، وكذلك سادت الفكرة القومية في السلطان والحكم، وظلت سائدة بعد أن تغلب الترك على ~~أجزاء الإمبراطورية كلها، وجمعوها من جديد بحكم الفتح، وجعلوا منها الإمبراطورية العثمانية، ~~فقد كانت الإمبراطورية تركية قومية، ولم تكن عربية إسلامية؛ وكانت لذلك لا تجعل إذاعة ~~الرسالة الإسلامية غرضها، بل تتخذ من الإسلام وسيلتها للمحافظة على مكانتها وعلى ~~سلطانها. ~~••• # هذه لمحة سريعة أردت بها أن أظهر تفاعل العوامل التي اختصت بها كل واحدة من أمم ~~الإمبراطورية الإسلامية، بعضها مع بعض في العصور المختلفة، وأن أبين كيف كانت سببا في نماء ~~الإمبراطورية وقوتها، وفي قيام الحضارة الإسلامية ورفعتها، ثم كانت سببا في دبيب الانحلال ~~إلى هذه الإمبراطورية، وأحسبك ترى معي أن تفصيل هذه العوامل وتحليلها، وإبراز ما ظهر وما ~~خفي من صور تفاعلها وما حدث خلال العصور من اتصالها بغيرها من الأمم والحضارات، هذا كله ~~ينشر في أرجاء التاريخ ضوءا جديدا ما أشد حاجة العالم الإسلامي، بل ما أشد حاجة العالم ~~كله إليه! # وقد كان للكتاب العرب والمسلمين، كما كان للمستشرقين، فضل عظيم في تناول الكثير من جوانب ~~هذا التاريخ بالبحث والتحليل، وإنني لحريص على أن أتابع الجهد لمشاركتهم في هذا المضمار، ~~على الطريقة التي اتبعتها منذ كتاب «حياة محمد» وفي نيتي أن أجعل وجهتي في الحلقة الرابعة ~~من هذا البحث، إلى تحليل ما حدث بين خلافة عثمان وملك بني أمية، مع تقديري لدقة هذه الفترة ~~من حياة الإمبراطورية وجلال خطرها. # والله أرجو أن يوفقني في هذا الجهد، كما وفقني من قبل، فمنه جل شأنه الهدى وبه التوفيق، ~~وإليه يرجع الأمر كله! # | المراجع العربية # صحيح البخاري: # لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه البخاري ~~الجعفي. # تفاصيل آيات القرآن الكريم: # للأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي؛ على نظام المستشرق جول لابوم. # سيرة سيدنا محمد رسول الله: # لأبي محمد عبد الملك بن هشام. # جامع البيان فى تفسير القرآن: # لأبي جعفر محمد بن جرير ms682 الطبري. # تاريخ الرسل والملوك: # لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري. # الكامل فى التاريخ: # لعز الدين أبي الحسين على بن أبي الكرم محمد الشيباني المعروف بابن ~~الأثير. # البداية والنهاية فى التاريخ: # لعماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي. # تاريخ ابن خلدون: # لعبد الرحمن بن محمد بن خلدون. # مقدمة بن خلدون: # لعبد الرحمن بن محمد بن خلدون. # فتوح البلدان: # لأحمد بن يحي بن جابر البلاذي. # تاريخ اليعقوبي: # لأحمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن وهب بن واضح الكاتب العباسي. # مروج الذهب ومعادن الجواهر: # لأبي الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي. # الإمامة والسياسة: # لأبي محمد بن عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري. # عين الأخبار: # لأبي محمد بن عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري. # كتاب المعارف: # لأبي محمد بن عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري. # الطبقات الكبري: # لمحمد بن سعد كاتب الواقدي. # وفيات الأعيان: # لابن خلكان، شمس الدين أبي العباس أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر ~~الشافعي. # تاريخ دمشق: # لابن عساكر، أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله. # الفتوحات الإسلامية بعد الفتوحات النبوية: # للسيد أحمد بن السيد زيني دحلان. # فتوح الشام: # لأبي عبد الله محمد بن عمر المعروف بالواقدي. # فتوح الشام: # لأبي إسماعيل محمد بن عبد الله الأزدي البصري. # فتوح مصر وأخبارها: # لأبي القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم القرشي المصري. # حسن المحاضرة فى أخبار مصر والقاهرة: # لجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي. # النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة: # لأبي المحاسن يوسف بن تغري بردي. # فتح العرب لمصر: # لألفرد بتلر، ترجمة الأستاذ محمد فريد أبو حديد. # فجر الإسلام: # للأستاذ أحمد أمين. # أشهر مشاهير الإسلام: # للسيد رفيق العظم. # الإدارة الإسلامية في عز العرب: # لمحمد كرد علي. # عمرو بن العاص: # للأستاذ عباس محمود العقاد. # عبقرية عمر: # للأستاذ عباس محمود العقاد. # خلفاء محمد: # للأستاذ عمر أبي النصر. # تاريخ التشريع الإسلامي: # للشيخ محمد الخضري. # كتاب الخراج: # لأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم، صاحب أبي ms683 حنيفة. # القضاء فى الإسلام: # للأستاذ عطية مصطفى مشرفة. # من تاريخ الحركات الفكرية فى الإسلام: # لبندلي جوزي. # الأغاني: # لأبي الفرج الأصفهاني، علي بن الحسين القرشي الأموي. # الفخري فى الآداب السلطانية: # لأبن طباطبا محمد بن علي المعروف بابن الطقطقي. # العقد الفريد: # لشهاب الدين أحمد بن محمد بن عبد ربه. # قاموس الأمكنة والبقاع التي يرد ذكرها فى كتب الفتوح: # لعلي بك بهجت. # دائرة معارف القرن العشرين. # | المراجع الأجنبية # Annals of the Early Caliphate ~~: # By Sir William Muir. # The Early Caliphate ~~: # By Maulana Mohammad Aly. # The Early Development Of Mohammedanism ~~: # By D. S. Margoliouth. # History Of The Arabians ~~: # By Abbe de Marigny. # Arabia before Mohammad ~~: # By O’Leary. # History Of The Decline and Fall of the Roman ~~Empire ~~: # By Edward Gibbon. # Le Berceau de l’Islam ~~: Par Lammens. # Le Monde Musulman et Byzantin ~~: Par Gaudfroy Demombynes. # Essai sur l’Histoire des Arabes ~~: Par Caussin de Perceval. # l’Histoire des Arabes ~~: Par Huart. Privileges et immunites des etrangers en Egypte ~~: Par M. B. Barakat. # Historian’s History of the World ~~. # The March of Man ~~. # Encyclopaedia Britannica ~~. # Dictionnaire Larousse ~~. ms684