######OpenITI# #META# URI: 1375MuhammadHusaynHaykal.FiAwqatFiragh.Hindawi91847183 #META# Tags: literary.criticism :: literature #META# ID: 91847183 #META# Title: في أوقات الفراغ: مجموعة رسائل أدبية تاريخية أخلاقية فلسفية #META# AuthorID: 73037206 #META# Author: محمد حسين هيكل #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الكتاب الأول: في النقد‏ # خواطر في النقد‏ # أناتول فرانس (1)‏ # أناتول فرانس (2)‏ # أناتول فرانس (3)‏ # أناتول فرانس (4)‏ # أناتول فرانس (5)‏ # أناتول فرانس (6)‏ # بيير لوتي‏ # قاسم أمين (1)‏ # قاسم أمين (2)‏ # ذكرى قاسم أمين1‏ # توماس وودرو ولسن‏ # أحمد لطفي السيد‏ # محمد فريد وجدي‏ # الدكتور طه حسين (1)‏ # طه حسين (2)‏ # حديث الشمس‏ # مصطفى صادق الرافعي‏ # جرجي زيدان‏ # محمد السباعي‏ # الكتاب الثاني: شئون مصرية‏ # آثار وادي الملوك (1)‏ # آثار وادي الملوك (2)‏ # آثار وادي الملوك (3)‏ # في حضرة الفراعنة‏ # أبيس‏ # سميراميس‏ # خالد أو سبيل اليقين‏ # انتقام من الجمود‏ # تذكارات الطفولة (1)‏ # تذكارات الطفولة (2)‏ # ساعة واحدة‏ # حديث شباب‏ # الكتاب الثالث: خواطر في التاريخ والأدب‏ # الأدب واللغة القديم والحديث (1)‏ # الأدب واللغة القديم والحديث (2)‏ # العرب والحضارة الإسلامية‏ # الكتاب الأول: في النقد‏ # خواطر في النقد‏ # أناتول فرانس (1)‏ # أناتول فرانس (2)‏ # أناتول فرانس (3)‏ # أناتول فرانس (4)‏ # أناتول فرانس (5)‏ # أناتول فرانس (6)‏ # بيير لوتي‏ # قاسم أمين (1)‏ # قاسم أمين (2)‏ # ذكرى قاسم أمين1‏ # توماس وودرو ولسن‏ # أحمد لطفي السيد‏ # محمد فريد وجدي‏ # الدكتور طه حسين (1)‏ # طه حسين (2)‏ # حديث الشمس‏ # مصطفى صادق الرافعي‏ # جرجي زيدان‏ # محمد السباعي‏ # الكتاب الثاني: شئون مصرية‏ # آثار وادي الملوك (1)‏ # آثار وادي الملوك (2)‏ # آثار وادي الملوك (3)‏ # في حضرة الفراعنة‏ # أبيس‏ # سميراميس‏ # خالد أو سبيل اليقين‏ # انتقام من الجمود‏ # تذكارات الطفولة (1)‏ # تذكارات الطفولة (2)‏ # ساعة واحدة‏ # حديث شباب‏ # الكتاب الثالث: خواطر في التاريخ والأدب‏ # الأدب واللغة القديم والحديث (1)‏ # الأدب واللغة القديم والحديث (2)‏ # العرب والحضارة الإسلامية‏ # | في أوقات الفراغ # | في أوقات الفراغ # | مجموعة رسائل أدبية تاريخية أخلاقية فلسفية # تأليف # محمد حسين هيكل # إلى الأستاذ أحمد لطفي السيد مدير الجامعة المصرية # سيدي الأستاذ المحترم # لك الفضل الأول في تعليم من أسعدهم الحظ بالاستماع إليك أول شبابهم كيف يقضون أوقات ~~فراغهم يفكرون فيما يعرض لهم من النظريات؛ بسبب عملهم وأثناء أحاديثهم ومطالعاتهم. وكنت ~~أنا أحد هؤلاء. ولك كذلك الفضل في أن جعلت «الجريدة» ميدانا لما تسيله القلوب والعقول ~~على الأقلام من ثمرات التفكير في أوقات الفراغ. وكنت أنا ممن أفادهم فضلك هذا بما نشرته ~~في الجريدة أيام كنت أطلب العلم في مصر وفي أوروبا، وحين كنت ms001 محاميا. ولك فوق ما لك من ~~الفضل ما يتركه عطفك الأبوي في نفس من عرفك من حب لك وتعلق بك؛ لذلك كان حقا علي وأنا ~~أنشر بعضا من ثمرات أوقات فراغي التي نشر في الجريدة منها شيء غير قليل أن أتقدم ~~بإهداء الكتاب إليك فذلك ما يجب لك. # محمد حسين هيكل # | إلى القارئ # بقلم محمد حسين هيكل # هذه مجموعة رسائل نشر أكثرها في الصحف والمجلات وكلها ثمرات لأوقات فراغي. كتبت على أثر ~~مطالعات أو مشاهدات في هذه الأوقات، وما أثارته هذه المطالعات من تفكير خاص. # ولقد رتبت في هذه المجموعة ترتيبا نظمت فيه الرسائل الخاصة بموضوع واحد، بعضها أثر بعض ~~من غير مراعاة لتاريخ نشرها ولا للصحيفة التي نشرت فيها. فبدأت بالنقد وبما كتبته عن أناتول ~~فرانس في السياسة، وفي الاستقلال وفي السفور، وفيه قسم لم ينشر. وتتلو ذلك رسالة عن بيير ~~لوتي. ثم تتلو هذه عدة رسائل عن قاسم أمين، تعقبها رسائل عدة عن كتب نشرها جرجي زيدان ~~ومصطفى صادق الرافعي والدكتور طه حسين ومحمد السباعي وغيرهم من رجال القلم. وهذا هو الكتاب ~~الأول من المجموعة. # أما الكتاب الثاني فرسائل خاصة بمصر؛ كرسائل بيبان الملوك وخلاصة كتاب مستر كارتر عن قبر ~~توت-عنخ-أمون. كما أن فيه قصصا وأحاديث كابيس وسميراميس وخالد وغيرها. # فأما الكتاب الثالث فرسائل متفرقة. # ولقد عنيت بأن لا أمس هذه الرسائل بتحوير إلا ما كان فيها من خطأ مطبعي أو بعض نبو في ~~اللفظ عن المعنى المقصود، وذلك برغم ما في بعضها مما أشعر اليوم بأنه يحتاج إلى إعادة ~~تحريره من جديد. # وإذا وفقت هذه المجموعة إلى أن تشغل من أوقات فراغ القارئ فترة غير مملولة كنت بذلك ~~سعيدا. # الكتاب الأول # | في النقد # | خواطر في النقد # دفعني ملال الأرق ليلة إلى التنقل في قراءتي بين كتب مختلفة. فانتقلت من روسو، إلى ~~الأغاني، إلى أناتول فرانس، إلى مصطفى صادق الرافعي، إلى حصاد الهشيم للمازني. وانقضت ~~علي في هذه الحال ساعات كان كل شيء حولي فيها ساكنا؛ لأنها كانت ms002 ساعات ليل أرخى فيها ~~الظلام سدوله على الوجود وعكفت فيها الخلائق على نفسها لتستريح من نضال النهار؛ ولتجد ~~في أحضان الكرى نعمة النسيان المطلق تستمد منه قوة تعود بها إلى نضال نهار جديد. # وكنت كلما مللت القراءة في كتاب وضعته إلى جانبي على المقعد الطويل وأطبقت أجفاني ~~وحاولت تمليق النوم. فإذا استيأست منه تناولت كتابا آخر وقرأت فيه حتى الملال. فلما ~~استطال بي الوقت جعلت أفكر في معركة النقد الأدبي التي حمي وطيسها أخيرا بين كتابنا، ~~وانتقلت من ذلك إلى التفكير في النقد في فرنسا ومصر. وتواردت على أثر ذلك خواطر ثبت ~~معها عندي أن الأخذ في مصر بقواعد النقد الأدبي المقررة في أوروبا فيه شيء من التعسف ~~غير قليل. وأن الناقد في مصر يجب عليه أن يكون أوسع صدرا وأكثر مرونة من غير أن يكون ~~لذلك أقل دقة، ومن غير أن يتهاون في الحق أو يتسامح فيما يجب للفن. # يفرق الكتاب في أوروبا بين النقد الذاتي والنقد الموضوعي. ويرى الأكثرون أن النقد ~~الذاتي - الذي يصدر فيه صاحبه عن مجرد تقديره الخاص وحسه بالجمال، فيجعله مقياسا لكل ~~ما يعرض له من ثمرات الفن - نقد غير جدير بالتقدير. ذلك أن الناقد مهما يكن من سمو ~~الإدراك وحسن الذوق لا يستطيع أن يضع كل صور الجمال ومظاهره في مستوى واحد أمام نظره. ~~وأنت إذا دخلت إلى متحف من المتاحف الجامعة لطرف فن التمثيل الحديث وجدت بين التماثيل ~~الكثيرة التي يعبر بها نوابغ المثالين عن معنى خاص من معاني الجمال أوجه خلاف شتى. فهذا ~~يرى جمال المرأة في الخصر النحيل والساق الدقيق، والنظرة الناطقة بمشاعر الحب كله. وذلك ~~يراه في انسجام ميول الجسم انسجاما تتتبعه العين في طمأنينة كما يراه في النظرة ~~البريئة الساذجة، وثالث يراه في رشاقة الأطراف، ورابع في بديع استدارة النواتئ. أتراك ~~إذا كان حسك وذوقك ميالا لنوع خاص من هذه المعاني إلا مأخوذا به أكثر مما يأخذك إليه ~~سواه؟ مع ذلك فهذه التماثيل كلها بدع من قطع الفن. فإذا ms003 أنت حكمت مندفعا وراء شعورك ~~فقد تعرضت للغلو في مدح ما راقك، وتعرضت كذلك لإهمال ما سواه مما حكم له غيرك من ~~الذاتيين بالتفوق المطلق. # ومهما يكن في هذا الاعتراض على النقد الذاتي من بعض الإسراف - لنسيان أصحابه أن أذواق ~~الناقدين، إنما تتكون بعد ممارسة طويلة لمختلف صور الفن الذي يعرضون لنقده، ومعرفتهم أن ~~الجمال لا يتقيد في الذهن المثقف بصورة مطلقة - فإن فيه كذلك جانبا من الحق غير قليل. ~~فالذاتية في النقد داعية التحكم. والنقد قاض. وكل قاض تحكم معرض للخطأ. ومهما يقل عن ~~فضائل المستبد العادل، فإن فيه إلى جانب فضله نقصا لا محيد له عنه؛ لأنه كمين في طبيعة ~~الاستبداد. ذلك أنه إن أخطأ مرة لم يجد من يصده عن الخطأ، فأمعن فيه فتعرض لفساد كل ~~مقاصده. # على أن النقد الموضوعي الذي يقصد إلى استعراض الأثر الفني من الوجهة التي أرادها ~~الفنان قصد غاية معينة ليحكم بعد ذلك على مبلغ توفيق الفنان في اختيار غايته والوسائل ~~التي سلكها لبلوغ هذه الغاية - لا يخلو من ذاتية النقد بمقدار قل أو كثر. فالناقد كما ~~قلنا قاض. ومهما يتقيد القاضي بالوقائع والأدلة التي أمامه، فإن لنوع تعليمه ولإدراكه ~~وحسه أثرا مباشرا في تقدير قيم هذه الوقائع والأدلة، والقاضي في أمور الفن أقرب ~~للتأثر بالذاتية من القاضي في معاملات الناس؛ لأن الفن لا يرتبط بقوانين مرصودة النصوص ~~كما ترتبط المعاملات، والفن لا يتقيد بقواعد مقررة عند السواد كما تتقيد الأخلاق، بل ~~فيه مزية اللين والمرونة وله فضل الفيض والسيولة. لكنه مع لينه وفيضه ليس حرا إلى حد ~~الفوضى، بل تمسكه الحياة بضروراتها وتخضعه لنواميسها الأزلية الخالدة التي تتحكم في كل ~~مظاهر الحياة. وإذا كنا لم نصل بعد لكشف ضرورات الحياة ونواميسها جميعا في دقة وتحديد ~~علميين فلن يعفينا ذلك من الارتباط بها في كل ما نعمل، والفن بعض ما نعمل. # لكن للنقد الموضوعي على النقد الذاتي فضل سعة الأفق ومزية العدل. فالناقد الموضوعي ~~يعمل عمل القاضي السمح يسعى ليجيء تحت نظره ms004 عند النقد بالظروف الفنية وغير الفنية التي ~~أحاطت بالفنان. ولا يتبرع برفض كل ما لا يلذه لذة خاصة، وكل ما لا يرى فائدته إلا بعد ~~إيمان بأن ما كره لا يمكن أن يكون سائغا في الحياة؛ وليتكون هذا الإيمان في نفسه يجب ~~أن يرد هذا النوع الذي ينقد إلى نظائره وأشباهه، ويرى هل لهذه النظائر والأشباه مثل في ~~الحاضر. فإن لم يكن لها مثل في الحاضر رأى مثلها في الماضي، وما كان لهذا المثل من ~~قيمة. ثم هو يستأني قبل أن يصدر حكمه ليرى أهذا المثل القديم قد قضت عليه الحياة قضاء ~~أخيرا فلا سبيل إلى بعثه، أم إنه كانت له الشهرة زمنا ثم كسفه غيره وقد تعيده ظروف ~~إلى الشهرة من جديد. وإذا كانت هذه الثانية هي الحال فهل هذه الشهرة متعلقة بشهوات ~~الناس الأصيلة التي تبدو زمنا ثم تخبو ولكن لتبدو من جديد، أم هي من نوع أقوى حياة ~~وأحرى بالبقاء بل بالخلود. # وقد يظهر فضل النقد الموضوعي على النقد الذاتي واضحا صريحا إذا دخل جماعة من النقاد ~~متحفا كمتحف اللوفر بباريس أو كالمتحف البريطاني بلندره أو غيرهما من هذه المتاحف ~~الكبيرة، التي تضم بين جدرانها آثار الفن في العصور والبلاد المختلفة. هذا الناقد ~~الذاتي تراه إذا وقف أمام قطعة أعجب بها أخذته عن نفسه وملكت عليه لبه، ودفعته إلى أن ~~ينكر ما لا سبيل لإنكاره من جمال الفن في غيرها إذا هو رأى بينهما خلافا أساسيا. أما ~~الناقد الموضوعي فيرى لكل أثر جماله وإن اختلف عنده مقدار ما يخلعه جمال كل أثر على ~~عصره، وعلى العصور الأخرى من نعمة الحياة التي يرجوها كل إنسان في آثار الفن. # وأكاد أحسبني لا أغلو إذا قلت: إن النقد الذاتي ليس نقدا وإنه إلى فن القصص أقرب. ~~وهل تراه يزيد على وصف التأثرات الخاصة لشخص معين أمام مظهر من مظاهر الفن. فإذا كان ~~هذا الشخص عاديا كان قصصه عاديا. وإن كان ممتازا كان قصصه ممتازا. لكنه على كل ~~حال قصص وليس ms005 بنقد. # وقد يكون هذا الحكم الذي نصدره أصدق ما يكون على الأدب العربي في هذا العصر. فليس نقد ~~لهذا الأدب جديرا باسم النقد وبالبقاء لمن بعدنا على أنه نقد، إلا ما كان من نوع النقد ~~الموضوعي، وما كلف صاحبه من العناء ما يحتاج إليه النقد الموضوعي. فأما الأدب الغربي ~~فقد يجمع نقده الذاتي بين القصص والنقد. وسبب هذا الفرق راجع إلى نوع الثقافة في الغرب ~~والشرق من جهة، وإلى تاريخ الأدبين من الجهة الأخرى. # فثقافة الغرب قد تأصلت جذورها وتشابكت فروعها، وبلغت من الغزارة مبلغا عظيما. وهي ~~بعد ترجع إلى أصول متشابكة على ما في ثمرها من مظاهر التناقض. ثم إن ما أطعمت به من ~~ثقافات أجنبية قد جاءها على هون وفي أناة وجاءها على يد أبنائها، فتمثلته وأساغته وصار ~~منها وسار في تيارها. ولما كان الأدب مظهرا من مظاهر الثقافة كان تيار الأدب الغربي في ~~كل أمة مرآة لهذه الحياة الغزيرة. وكان كل كاتب وكل ناقد ينهل مع أصحابه من ورد مشترك، ~~فيشارك بذلك غيره من الكتاب والأدباء في أكثر من ناحية من نواحي حسهم وذوقهم. # ولقد عنيت أمم الغرب فيما وضعت من قواعد التربية والتعليم بأن لا تجني على هذه الشركة ~~القومية العقلية. ومع ما تراه من شدة نضال الطوائف ومن اختلاف منازع الأحزاب وتقاتل ~~آرائهم، ومع شدة أوار هذه الحرب العقلية الدائمة الاستعار في الغرب يدرك أهل هذه الأمم ~~تمام الإدراك أن الحزبية والمذهبية يجب أن تكون ثمرات للثقافة، وأن لا تكون أصلا من ~~أصول الحياة. فكما أنك تبعث بأبناء الأمة يتلقون جميعا علوما معينة على طريقة معينة، ~~وكما أن ذلك يظل شأنهم حتى يبلغوا الرشاد العقلي، ويومئذ يختار كل منهم ما يشعر بالميل ~~إليه من أنواع العلوم؛ فينقطع واحد للحقوق وآخر للطب وآخر للهندسة وآخر للتعليم وهلم ~~جرا، ثم يتخصص الطبيب بعد تمام دراسته لطب العيون أو للجراحة أو للطب الباطني، ويتخصص ~~القانوني للمحاماة أو للقضاء أو للتشريع، ويتخصص المهندس للري أو للعمارة أو للكهرباء. ~~فإذا ms006 تخصص كل من هؤلاء جاز أن تكون له نظريات جديدة في فنه يدعو إليها، ويطالب أمثاله ~~بالأخذ بها. كذلك لا تكون الحزبية المذهبية في الأدب أو في السياسة إلا بعد الأخذ من ~~تلك الثقافة الغزيرة المشتركة بنصيب وافر. # فالنضال الذي نرى واختلاف المذاهب والأحزاب في الغرب هو كاختلاف ألوان الزهر والثمر ~~في الشجر. هذه الألوان لا يكون اختلافها آخذا بالنظر داعيا إلى التفضيل إذا كانت ~~باهتة ذابلة؛ لأن الأشجار التي أثمرتها ضعيفة السوق ومادة الحياة. وإنما تأخذ بالنظر ~~إذا كانت أمهاتها من الأشجار قوية مملوءة حياة، وكانت تستمد هذه الحياة والقوة من أرض ~~خصبة التربة لا ينفك صاحبها يعمل ليزيدها خصبا وقوة. # وأنت إذا تحدثت هناك إلى مثقف من رجال الدين أو من رجال العلم أو الأدب، أو من رجال ~~الفن، رأيت لأول وهلة الأصل الثابت من الثقافة العامة بادي الأثر عند هؤلاء الرجال ~~جميعا. وهذه الثقافة هي - كما تقدم - متأصلة متشابكة غزيرة. وهي ترجع إلى أصول مشتركة ~~تمثلت كل مطعوم وكل طارئ؛ لذلك صح لنا القول بأن النقد الذاتي لآثار الفن الأدبي في ~~الغرب يجمع بين النقد والقصص؛ لأن آثار الفن ذاتها تصدر عن الثقافة العامة، وتقصد إلى ~~الغاية التي جعلتها هذه الثقافة غايتها. # أما النقد الذاتي للأدب العربي فقصص صرف وليس في شيء من النقد؛ لأنك لا تستطيع - مع ~~أكبر الأسف - أن تقول: إن ثمة في هذا العصر الحاضر ثقافة عربية غزيرة مشتركة الأصول. ~~ولا تستطيع أن تزعم أن أدبنا العربي مظهر هذه الثقافة. فالبلاد التي تكتب العربية ~~وتتكلمها في هذا الزمان الذي نحن فيه قائمة ثقافتها على أرض جرداء، فيها أكثر الأمر نبت ~~مستقيم من مخلفات الماضي المجيد، ومجهودات تنفق لتطعيم هذا النبت السقيم بمظاهر مدنية ~~الغرب الحاضرة. بل إن من الجهود ما ينفق ليطعم بمدنية الغرب غير فرع ولا شجر، ولكن ~~ليلقى بها في هذه الأرض المكسو ظاهرها بالصدأ والمحمل باطنها بميراث الماضي، فلا يستطيع ~~أن ينبت نباتا منقطع الصلة تمام الانقطاع بهذا الميراث. وتلك لعمري ms007 جهود ستبقى عقيمة ~~حتى يجيء الزمن الذي يربط ما بينها وبين مدنية شرقية قائمة. # وما أراني أغلو في شيء مما أقول. وبحسبك مقنعا أن تستمع في مجلس إلى قوم اختلفت ~~معاهد العلم التي أنشأتهم. فإنك لن تجد بينهم أي معنى من معاني الاشتراك في الثقافة. بل ~~ترى الشيخ الذي نشأ نشأة دينية لا يكاد يتفاهم مع من تعلم في معاهد الحكومة المدنية. ~~وهذان لا يتصل واحد منهما بصلة التفاهم مع الذين أخذوا من الثقافة الغربية بحظ ونصيب؛ ~~لذلك ترى هذه المجالس تخلو أكثر الوقت من كل حديث مثقف وتدور فيها الأحاديث حول تافه ~~الأمور ومصالح الحياة. هذا على أنك ترى الأحاديث المثقفة أمرا عاديا في أوروبا في كل ~~الطبقات. وترى الكلام في شئون الفن والأدب والعلم تتداوله الألسن على مائدة الطعام، وفي ~~قاعات الاستقبال وفي كل مكان. # هذا التباين في الثقافة بين الفئات المختلفة في الشرق لا يجد حتى اليوم ما يخفف من ~~حدته، بل إن تفشي الجهل في سواد الأمم الشرقية، وما يترتب على الجهل من ثورة نيران ~~التعصب يجعل كل سعي للتقريب بين هذه الفئات يحاط من الريب والشكوك بما يجعل فشله ~~محتوما أو في حكم المحتوم. كما أن هذه الفئات لم تبلغ ثقافة واحدة منها مكانا عليا ~~ينبت من بينها الذين ينسون مصالح الحياة، ويتعلقون بالحق وحده ويجعلون سعيهم في سبيل ~~هذا الحق كل غرضهم في الحياة وأملهم منها. ومصالح الحياة لن تصلح يوما أداة اتصال بين ~~متباين هذه الثقافات للوصول بها إلى أن تتشابك فروعها، وتغزر مادتها وتتقارب ولو في ~~أناة لتكون يوما ثقافة قومية لها من الحكم والسلطان ما لثقافة كل أمة من أمم ~~الغرب. # لكن النقد الصالح يكون أداة هذا الاتصال. والنقد الصالح في هذا الموقف هو النقد ~~الموضوعي البحت. هو النقد الذي يستطيع أن يسيغ كل ثقافة لذاتها، وأن يردها إلى أصولها ~~وأن يبين ما في الآثار الفنية لكل مثقف من أوجه الجمال والقبح والحسن والسوء بالقياس ~~إلى الثقافة التي صدر عنها، وأن ms008 يبين كذلك أوجه الاشتراك الصالحة بين هذا الأثر وبين ما ~~سواه من آثار غير هذه الثقافة، وأن يجعل من أوجه الاشتراك هذه وسيلة لترسم المستقبل. ~~فإذا أمكن أن يكون هذا النقد وأن يتجه إلى ناحية الكمال لينال منه أكبر حظ ممكن كان ~~الأمل في تقارب هذه الثقافات في أناة ومن غير احتكاك. أما النقد الذاتي الذي يصدر عن ذي ~~ثقافة معينة لكل آثار الفن والأدب، فقد يكون من أثره أن يزيد ما بين الفئات من تباين، ~~وأن يبعد الأمل في وجود ثقافة عربية أو ثقافة مصرية. # وما أحسب أثرا أدبيا أو فنيا يخلو من جمال وحسن مهما تكن الثقافة التي يصدر ~~عنها، كذلك لا أحسب أثرا من هذه الآثار خليقا بالمدح وحده. فإذا وضع الناقد نفسه في ~~الموقف الذي وقف فيه الفنان، وتحرى الغاية التي قصد إليها والسبيل التي سلك لبلوغ هذه ~~الغاية، فإنه واجد حتما أن هناك حظا من الحسن كبيرا أو صغيرا، كما أن هناك حظا ~~من السوء كبيرا أو صغيرا في موقف الفنان وغايته وسبيله، وإذن فقد وجب عليه أن يبين ~~هذا الحظ من الحسن والقبح، وأن يعالج صلة الحسن بما يراه من مثله في آثار الفن الأخرى ~~ليضع حجرا في أساس الثقافة القومية. # أعلم أن هذا النوع من النقد يحتاج إلى مجهود كبير. لكنه كذلك جم الأثر. وهو وحده ~~الصالح في رأيي لربط آثار الفن المختلفة وإقامة بناء قومي يكون أساس ثقافتنا في ~~المستقبل. # وإن الناقد الغربي مثله حين يعرض لآثار الفن مثل الرجل يدخل في قصر مشيد ثابت الأركان ~~مزين بالداخل والخارج قد جيء فيه بزينة جديدة، وضعت في مكان معين من إحدى الغرف، وهو ~~يبدي رأيه في صلاح هذه الزينة وصلاح المكان الذي وضعت فيه، وهو على علم بالقصر وما ~~اشتمل عليه. فلو أن نقده كان ذاتيا بحتا لم يعتمد فيه إلا على تقديره الخاص وحسه ~~بالجمال، لكان عرضة للتحكم؛ لكنه تحكم نسبي؛ لأن علمه بالقصر وما اشتمل عليه يعدل به عن ~~التورط في ms009 فاحش الخطأ، أما الناقد العربي فمثله حين يعرض لآثار الفن كمثل الرجل يذهب ~~إلى أرض يراد تشييد بناء عليها من مواد كثيرة بعضها حاضر وبعضها غائب وهو مكلف الاختيار ~~بين الصالح من المواد الحاضرة وبين ما يجب إحضاره؛ ليكون البناء متينا قويا ملائما ~~للذين يتخذونه مقاما وسكنا. هذا الناقد العربي أدق من صاحبه الغربي مهمة وأشق عملا، ~~وهو بعد لا يحظى بمثل مكانته ولا ينال مثل شرفه، وهو بعد منظور إليه من الفئات ~~المختلفة المتباينة الثقافة بشيء غير قليل من الريبة، وقل أن يحظى من الجمهور بذلك ~~العطف والإعجاب اللذين يحظى بهما ناقد الغرب. لكنه إذا رسم لنفسه غاية التقريب بين ~~الفرق والتأليف بين مختلف منازعها وآرائها، وبيان الصالح وغير الصالح من آثارها، وشمله ~~التوفيق بحظ يجعل عمله مثمرا، إذن فقد مهد السبيل إلى الثقافة القومية، ووضع حجر ~~الأساس في المدينة الفاضلة التي لا تقوم على غير هذه الثقافة. # وما نحسب أحدا يخالفنا في ترتب هذا الأثر على النقد الموضوعي. وما نحسب كذلك أن ما ~~ينفق في سبيل بلوغه من الجهد إلا ينفق في خير سبيل ولخير غاية. والجهد الذي يقتضيه ~~النقد الموضوعي يحتاج من الناقد إلى الرضوخ لنوع ثقافة الكاتب الذي ينتقده وصلة ما بين ~~الكاتب وهذه الثقافة، وموضعه منها وفضل الكاتب أو نقصه وصلته بآثار غيره من الكتاب وهلم ~~جرا. # خذ مثلا كاتبا كمصطفى صادق الرافعي، فهو من الكتاب الذي يرون جمال الأدب العربي في ~~احتذاء أساليب الأقدمين من الكتاب. وهو قد يغلو في تنفيذ فكرته إلى حد التوغل في الماضي ~~والبحث عن آثار الأقدمين على نوع خاص من الأساليب يبدو لأهل هذا العصر في ثوب من ~~التكلف، الذي لا يسيغه غير الملمين بهذه الآثار، ولا يرتاح إليه كثير من الملمين بها ~~ومن يجدون بين الأساليب القديمة ما يتصل بأساليب عصرنا ويتسق وإياها على خير نحو كأسلوب ~~صاحب الأغاني وكأسلوب ابن المقفع في كليلة ودمنة وفي غيره من كتبه. لكن الرافعي حتى عند ~~هؤلاء وأولئك يجيد في بعض ms010 الأحايين، ويسمو بإجادته إلى درجة عالية في النوع الذي يعالجه ~~من أنواع الفن، ويتفق له أحيانا من بديع صور الخيال ما يبعث إلى نفس قارئه هذا الأثر ~~الذي يطمع فيه كل فن: الغبطة واللذة. فأنت إذا أردت نقده نقدا موضوعيا وجب أن تبين ~~ما له من فضل، وأن تظهر كذلك أن هذا الأسلوب الذي يكتب به لا يسهل تحميله كل المعاني ~~والصور التي كشف عنها تطور المدنية في هذا العصر. # ولكي تستطيع أن تصف الرافعي أو غيره من الكتاب يجب أن توازن بين أدبه وأدب غيره من ~~مذهبه ومن المذاهب الأخرى. فأنت بهذه الموازنة تجعل القارئ مطمئنا تمام الاطمئنان ~~لحكمك، وتجعل الكاتب الذي تنتقده بعيدا عن أن يطعن في نزاهتك. # واطمئنان القارئ لحكم الناقد عظيم الأثر في درك الغاية من النقد الموضوعي على ما ~~بيناها. وهي غاية سامية على ما رأيت. وليس من غضاضة في أن يجعل إنسان من السعي إليها ~~غاية حياته. ~~••• # هذه بعض خواطر في النقد وردت على الذهن في تلك الفترة من الليل دوناها كما وردت ولم ~~نرد أن نضيف إليها شيئا، وهي لا تزيد على أنها خواطر. ولا نطلب إلى قارئها أن يجعل لها ~~أكثر من هذه القيمة. # | أناتول فرانس (1) # الاحتفال ببلوغه ثمانين عاما (في 16 أبريل سنة 1924) # احتفلت فرنسا أول من أمس بأناتول فرانس شيخ مشايخ كتابها في هذا العصر لبلوغه ~~الثمانين عاما. وقد شارك فرنسا في احتفالها برجلها الكبير كل كتاب العالم المتمدين. ~~فليس أناتول فرانس كاتب فرنسا وحدها، وهو ليس كاتب هذا الجيل وحده، إنما هو من كتاب ~~العالم الذين تظل كتبهم للعالم في كل الأجيال وفي كل الأمم. هو هومير، وهو دانت، وهو ~~شكسبير، وهو جيتي، وهو أناتول فرانس. هو الفكرة الإنسانية المجتمعة في نفس واحدة؛ لذلك ~~كان الاحتفال به احتفالا بالفكرة. وإذا صح أن الفكرة هي الحياة في أسمى معانيها، ~~فالاحتفال بأناتول فرانس احتفال بأسمى معاني الحياة. # ومن حق أناتول فرانس على المصريين أن يذكروه يوم الاحتفال ببلوغه الثمانين، فهو كاتب ms011 ~~من كبار كتاب العالم. وللكاتب من المكانة في النفوس ما ليس لغيره؛ لأن الكاتب كغيره من ~~رجال الفن - بل أكثر من غيره من رجال الفن - هو أداة انتقال الفكرة بين الناس جميعا؛ ~~وهل كان لغير آثار الفن ومظاهر الفكر خلود على الحياة؟ إن العالم لا يزال يتناقل شعر ~~الأقدمين وحديثهم وما كتبوا معجبا به مقدسا إياه، والعالم لا يزال يجد في آثار الفن ~~مما خلف المصريون القدماء والرومان واليونان متاعا للقلوب والعيون. فالعالم لا يذكر ~~سوى آثار الفن ومظاهر الفكر والفن على صفحات الحياة. # ومن حق أناتول فرانس على المصريين أن يذكروه يوم الاحتفال ببلوغه الثمانين. فقد عرف ~~هذا الكاتب الحكيم ما أصاب مصر من ظلم، وما تتطلع إليه من حرية ومجد يوم كان الوفد ~~المصري في باريس سنة 1919. فلما كتب مارجريت كتابه «صوت مصر» وضع أناتول فرانس له مقدمة ~~شارك بها هذا الشعب المجيد الطامح إلى الحرية، وإلى المجد في آماله وفي طموحه. # وكنا نود أن نذكر أناتول فرانس وأن نشارك العالم في الاحتفال به بشرح فكرته وكتبه، ~~لكن فكرة أناتول فرانس فكرة واسعة المدى، وكتبه من تلك الكتب الدقيقة التي تحتاج منك ~~إلى عناية كبرى. لا يسعك أن تترك صفحة من صحفها من غير أن تلتفت إليها، وأن تشرك القارئ ~~معك فيها. كل صفحة، بل كل سطر، كالماسة الدقيقة قد يفوتك جمالها لأول نظرة تلقي بها ~~عليها، فإذا أنت قلبتها وأنعمت النظر فيها ثم عدت إليها لم تطق بعد ذلك تركها. ومثل هذه ~~الصحف، ومثل تلك الكتب وما تحويه من فكرة وفن ليس مما يهون نقله في كلمة تكتب في صحيفة ~~سيارة. # لكنا مع ذلك نود أن نشرك القارئ معنا في كل مجمل من بعض نواحي فكرته، علنا نكون قد ~~أدينا للكاتب الكبير حقه من الذكر، ولشريك المصريين في آمالهم ومطامحهم بعض ما يجب له ~~من الشكر. ~~••• # أناتول فرانس كاتب، لكنه كاتب محيط بكل ما في الحياة، محب لكل ما في الحياة، ساخر من ~~كل ما في الحياة. ms012 هو ليس بالرجل الذي يقف عند أحد مظاهر الحياة ليولع به حبا وينقطع ~~لتقديسه والتسبيح بحمده. وإنما يقف أمام هذه المظاهر جميعا. سواء ما كان منها في ~~الماضي وما هو واقع أمام النظر، وهو يرى في كل منها موضعا لمسرة النفس والعقل، فيبحث ~~عن هذه المواضع يبتغي لنفسه المسرة واللذة، ويطول به البحث فلا يلبث أن يرى إلى جانب ~~المواضع السامية مظاهر الضعف الإنساني فيبتسم، وقد يضحك. وهل الحياة إلا الاضطراب بين ~~القوة والضعف، والرفعة والضعة، والسمو والانحطاط؟ وجوانب الضعف في الحياة هي التي تحبب ~~الحياة إلى أكثر الناس، بل هي حياة أكثر الناس. وهي، على أنها جوانب ضعف في نظر العقل ~~وحده، جوانب القوة في الحياة. أليست الشهوة في الإنسان ضعفا؟ شهوة الحكم وشهوة المال ~~وشهوة المجد وبعد الصوت. لكن هذه هي التي تدفع الإنسان لكل النقائص، هي التي تبعث فيه ~~القوة على الكفاح والسعي والنجاح في الحياة. أفتضحك أنت من سلطان الشهوة الذي يدفع في ~~النفس الحياة، أم تضحك من حكمة العقل الذي يقف عاجزا أمام سلطان الشهوة مكتفيا بالسخر ~~منها ...؟ # يقف أناتول فرانس أمام مظاهر الحياة جميعا، ماضيها وحاضرها. وهل سبيل إلى الوقوف ~~أمام مظاهر الماضي غير الكتب وسائر آثار الماضي؛ لذلك يحب أناتول فرانس الكتب؛ ولذلك ~~يفرد لها من داره خير مكان؛ ولذلك يعنى بها عنايتك بابنك العزيز عليك، لا يضن عليها ~~بمشقة. هو قد يعرف أن كتابا نفيسا في بلد سحيق، فلا يزال يسعى ليحصل عليه، ولو كلفه ~~السعي الأسفار وأكثر من الأسفار، ويعدل حبه للكتب حبه لسائر الآثار، فالرسوم والنقوش ~~والصور على أنواعها عزيزة عنده. وهذا الغرام يدفع به إلى الولع بالمجموعات العجيبة ~~النادرة. وقد يدهشك ما تكلف هذه المجموعات من مشقة ونفقة. سافر «سلفستر بونار» بطل ~~رواية أناتول فرانس المسماة بهذا الاسم إلى إيطاليا باحثا عن علبة من الكبريت عليها ~~صورة قديمة تكمل مجموعة من مجاميعه، وعلب الكبريت وما عليها من نقوش ليست أعجب ولا أندر ~~المجاميع. # وهذا العاشق للكتب يجد أكبر اللذة ms013 في التحدث إلى ما فيها ومن فيها، وإلى كتابها ~~ومؤلفيها. كان من أول ما كتبه أناتول فرانس رسائل في نقد الكتب والكتاب مجموعة اليوم في ~~أربعة أجزاء بعنوان «الحياة الأدبية». في هذه الرسائل القصيرة صورة من أناتول فرانس، ~~فيها ترى الرجل المطمئن النفس والضمير، الدائم الابتسام، الجامع في ابتسامته بين ~~الإشفاق والاستخفاف؛ وفيها ترى الرجل الذي استطلع صور الحياة في مختلف العصور ومختلف ~~الأمم. ولعل أصدق صور حياة الأمم ما تتناقله من أساطير؛ لذلك يحب أناتول فرانس الأساطير ~~ويلذه أن يرويها هازئا بما فيه من سخف الإنسانية التي لا تزال طفلة برغم ما مر بها من ~~القرون، محبا لهذا السخف حبك لما يبدو من الطفل الصغير الذي تحبه لسخفه. # والحياة في نظر فرانس، الحياة الإنسانية على الأقل، أو قل الحياة كلها، ليست نظاما ~~محكما يستطيع العقل تقرير أسسه وقواعده. إنما هو مجموع مضطرب دائم التجدد والانهيار، ~~للمصادفة في تجدده وانهياره أثر كبير؛ لذلك لا تراه في كتبه روائيا، ولا شاعرا، ولا ~~فيلسوفا، ولا قصصيا. بل تراه حكيما جمع بين الشعر والفلسفة والقصص والرواية، وألف ~~بينها في نظام بديع كما يؤلف الصائغ بين مختلف الدرر المختلفة اللون والشكل فلا يكون من ~~هذا الاختلاف إلا كمال النظام، ولا يكون من جمع فرانس بين صور الحياة المختلفة إلا ما ~~يزيد المجموع حقيقة وحياة. # ولتكون حياته حية حقا؛ وليكون فيها كل ما في الحياة من معان وصور، ينزع هذا الكاتب ~~الكبير في كل كتبه إلى الحوار. وهو يجمع المتحاورين من مختلف طبقات الجماعة على صورة ~~عجب. فهو يجمع بين الفلاسفة والعلماء الذين ملوا الحياة، فكانوا لشدة ما ملوها أشد لها ~~حبا، وأكثر بها تعلقا؛ والشبان الذين لا يزال الأمل في المثل الأسمى يغويهم ~~بالمجازفات والمخاطر، فيجعلهم بمجازفتهم ومخاطرتهم أكثر استمتاعا بالحياة، وإن كانوا ~~أكثر لها احتقارا؛ والعذارى البالغات في الطهر والبراءة حد السخف والتفاهة، والسيدات ~~اللاتي اعتصرن لب الحياة من قلوب الرجال وعقولهم، فهن ينعمن به ويخلعن فتات نعيمهن ~~متاعا للرجال. فإذا اجتمع هؤلاء ms014 ودار الحوار بينهم رأيت الإنسانية على حقيقتها، ورأيت ~~العقل المحلق في سماوات التجريد يصل إلى حدود الوهم، ويحسب الوهم حقيقة وحسا، ورأيت ~~العلم المحدق بالمجهر المستكشف بالأشعة الواقف عند حدود الملاحظة يزعم أنه كشف عن حقيقة ~~كل شيء ونظامه، وهو بعد عاجز عن أن يكشف عن كثير من أقرب الأشياء لنا وأمسها بنا. ورأيت ~~هذا العلم وذلك العقل يجدان في اندفاعات الشباب ما يبسم له العالم الفيلسوف. ورأيت في ~~اندفاع الشباب وشهوته وحياته ما يضطرب له العلم والعقل فزعا. ثم كانت الابتسامة ~~التافهة الطاهرة، وكانت النظرة النسائية المملوءة حبا للحياة وحرصا على خلودها ... ~~وأنت بين هذه القوى المتدافعة تشعر بيد الكاتب المحسنة تنقلك من حديث إلى حديث، فإذا كل ~~حديث حق وحكمة، وإذا العقل والعلم والشباب والحب كلها الحياة الدائمة الانهيار والتجدد ~~في نظام لا يضطرب ولا يتعثر. وإذا هذا الحوار الذي جمع بين هذه المظاهر كلها هو صورة ~~الكاتب الذي يرى الحياة من كل جوانبها ويحبها جميعا حب حنان ورحمة كما يحب الأب ابنه، ~~وحب استمتاع ولذة كما يحب العاشق معشوقته. ثم إذا بك قد شغفت بهذا الحوار حبا أن صاغه ~~أناتول فرانس حوارا مملوءا بالحياة والقوة؛ لكنها حياة مطمئنة وقوة هادئة؛ وهو مع ~~حياته وقوته ينساب سلسا في أسلوب لا ينبو، وكأنه الماء الصافي ينم صفاؤه عن كل ما في ~~الغدير من صور الحياة فيزيدها بهاء وجمالا. # وهذه الحكمة التي تجمع العقل والعلم والشباب والحب، وكل ما في الحياة من صورة ومعنى، ~~والتي تدرك كل شيء وتعذر من كل شيء وتشفق على الضعيف إشفاقها على البائس وعلى الأثيم؛ ~~لأنها ترى الإثم بؤسا وضعفا، وترى الضعف بؤسا وإثما؛ والتي تعجب من الحياة بكل صورة ~~الحياة - هي أسمى مظاهر ما يسمونه التشكك واللاأدرية وما شئت من ألفاظ تقابل لفظ ~~(السبتسسم) الفرنسي. وهل ترى في الحياة شيئا ثابتا تقف عند الإيمان به دون سواه؟ ~~أليست الحياة تمور وتجدد وتغير؟ فأي صورة خير؟ أيهما أنعم حالا: هذا الرجل الغني ~~المستمتع بسلطان الغنى ms015 وبجاه المال والقدير على أن يحسن ويسيء؛ أم هذا الرجل الفقير ~~المنقطع إلى الله يريد أن يغفر الله له وهو لا يستطيع لنفسه ولا لغيره خيرا ولا شرا ~~ولا يستطيع الإحسان ولا الإساءة؟ وأيهما أكثر بالحياة استمتاعا: هذا العالم الذي بحث ~~أسرار الحياة ووقف من دقائقها على كثير؛ أم هذا الرجل الساذج المفتول الساعد الذي يسير ~~بين الموجودات سيرة الحيوان القوى ويستمتع بها استمتاعه؟ وأيها أحب إليك: هذه المرأة ~~الجميلة التي تجد في كل وقت من إعجاب المعجبين بها ما يملأ قلبها سرورا، وهي مع ذلك ~~معنية بهم جميعا معطية نفسها للحاضر خشية ما في المستقبل من تجاعيد في الوجه ومن بياض ~~في الشعر؟ أم هذه الأم المكبة على عملها في بيتها تنتظر من أولادها رجالا يكونون لها ~~في المشيب شبابا وحين الضعف قوة؟ ... ثم أي الجماعات أسعد: أهي الجماعات القديمة الرحالة ~~العائشة عيش البدو والبساطة؟ أم هي الجماعات المتمدينة المترفة الجامعة إلى جانب بؤس ~~الفقراء ما تنعم الجماعة به من صور الفن والعلم؟ # لكن هذه جميعا على ما بينها من تناقض هي صورة الحياة. وهي كلها قد اجتمعت عند أناتول ~~فرانس فوسعتها نفسه فنفثها قلمه، معجبا بها محبا إياها جميعا. # وهو لا يقف عند محبته للحياة، بل هو يحب مظاهر الحياة، على أن تكون هذه المظاهر باقية ~~متجددة. وليس باقيا على الحياة من مظاهرها إلا العلم والفن؛ وهو لذلك بهما مشغوف ولهما ~~عاشق. وهو لشدة شغفه بهما يتمثلها تمثلا. فعلمه فن وفنه علم. اقرأ ما شئت من كتبه، إنك ~~لن ترى فيما تقرأ خيالا ولا وهما. إنما تلك آثار الفكر الإنساني في مختلف العصور؛ وقف ~~عليها فرانس لأن شغفه بالإنسانية جعل الأقاصيص والكتب وما إليها من آثار وصور عزيزة ~~عليه فهو لا يفتأ ينقب فيها من غير ملال ولا ضجر. وهل يمل محب النظر إلى محبوبه؟ وهل ~~يمل التغني بآثاره؟ وهل يمل الابتسام من ظريف سخفه وحمقه؟ إذن أنت إذ تقرأ ما يلذ ~~لفرانس أن يكتبه من قصص الماضي ms016 إنما تجتلي ابتسامته الساخرة من غير سوء؛ وأنت تقرأ ~~تاريخ الرومان في كتابه (على الحجر الأبيض) وتاريخ العصر الحاضر في أجزائه الأربعة وفي ~~سائر كتبه، إنما تسمع أغاني هذا المحب الوامق للإنسانية الخالدة بنعيمها وبؤسها، ~~وبجمالها المخيف وقبحها المليح. # لكنه في حبه للحياة يمقت من مظاهر الحياة القسوة والشقاء، ولا يرى في أولئك العظماء ~~الذين يقيمون عظمتهم على الدماء إلا قتلة مجرمين؛ وهو لذلك يحب الاشتراكية لأنه يعتقدها ~~محققة أكبر قسط من العدل، وإن كان يسخر من الإنسان ولو اشتراكيا؛ لأنه يعرفه خاضعا ~~للشهوة، والشهوة لا تعرف العدل. هو يحب الاشتراكية ويمقت القسوة والشقاء والدم؛ ويرى في ~~أبطال الثورة الفرنسية، أو آلهتها كما يسميهم، قوما غلبت أطماعهم مبادئهم فهدموا ركن ~~العدل الذي سعوا لإقامته؛ لأنهم لجأوا للبطش والتنكيل بالحرية. وهل للحياة من غير ~~الحرية معنى أو قيمة؟ أو ليس إذن من واجب كل فرد أن يقوم في وجه كل اعتداء على الحرية ~~مهما كلفه قيامه من تضحية؟ ... # أعلنت ألمانيا الحرب سنة 1914 وكان فرانس يومئذ في السبعين من عمره، وكان في ذروة ~~مجده وحكمته، مع ذلك هجر قصره ومجموعاته المحبوبة، وذهب إلى أصدقائه الوزراء يرجوهم، ~~ويلح في الرجاء أن يكون جنديا يدافع عن الحرية المهانة، وكم كان أسفه عظيما حين اضطر ~~إلى أن يعود إلى حياة السكون؛ لأن الجيش لا يقبل من بلغ السبعين في صفوف الجنود. # ولا يزال فرانس إلى اليوم أكبر نصير للحرية على مختلف صورها؛ ولا يزال نصيرا لحرية ~~الفكر والرأي بنوع خاص. دافع عن هرفيه يوم حوكم؛ لأنه كتب يحبذ إحدى الجرائم. ودافع عن ~~مؤلف (الجارسن) يوم استردت الجمهورية منه (اللجيون دونور). وهو في دفاعه يرى أن كل عمل ~~وكل قانون يحد من حرية الرأي وإبدائه قانون أثيم. # فالحرية وحدها والدفاع عنها هو الذي يثير هذه النفس المطمئنة، وهو الذي يمحو عن ~~شفاه أناتول فرانس ابتسامتها الدائمة. فأما ما بقيت الحرية مصونة فالحياة سخرية لذيذة ~~تستحق أن تحب في سكون وسلام؛ فإذا كان آخر الأجل اطمأن ms017 الحكيم إلى الانتقال من هذا ~~العالم راضي النفس هادئا مستريحا. ~~••• # فلعل القدر الذي مد في أجل هذا الحكيم إلى الثمانين يضاعف له في سني الحياة. فليس ~~شك في أن كتابا يكتبه في عام يعدل حياة كاملة تقضى في حماقة من الحماقات التي تنطوي ~~صفحتها بانطواء صحيفة الحياة. # | أناتول فرانس (2) # لمناسبة وفاته في 12 أكتوبر سنة 1924 # ارتضى أناتول فرانس أن يموت أمس. ولسنا ندري مبلغ ما كان لرضاه من حظ في فاجعة موته. ~~لكنه عودنا أن نقرأ عمن نقلتهم ريشته من عالم الحياة أنهم ارتضوا الموت، وأنهم كانوا ~~بالموت أكثر رضا كلما كانوا من الحكمة أوفر حظا. فإذا صح هذا كان أناتول فرانس قد ~~مات؛ لأنه أراد أن يموت، وكان قد طال احتضاره؛ لأنه لذ له أن يتذوق على مهل درجات ~~الحياة ودركات الموت. وكذلك كان من فضل حكمته أن اتفق كتاب أجله مع ما أراد ~~لنفسه. # ارتضى أناتول أن يموت في منتصف الحادية والثمانين من عمره، وأن يودع العالم ولما لم ~~يمض نصف عام على احتفال العالم بثمانينه. فكأنه استنفد في ستة أشهر تاجا من المجد كان ~~يكفي ليقيم حياة متهدمة سنين طوالا. أو كأن الاعتراف بفضله طمأنه إلى أداء واجبه ~~للحياة فرأى من حق نفسه عليه أن يستريح من الحياة. أو ليس من حق من جهد نهاره أن ينام ~~مطمئنا؟ فمن حق من جهد حياته أن يموت راضيا. # ولقد قضى أناتول فرانس حياة جد وعمل لم يفتر يوما ولم يخمد نشاطه؛ ولم يلهه المجد ~~ولا الجاه ولا المال عن العمل. بل كان كلما علا نجمه زاد سعيه، وكان سعيه في دائرة ~~العلم والفن. وتلك دائرة أزلية خالدة من زادها سعة أجلسته في عالم الخلد على أكثر عروشه ~~سموا. ولعل العرش الذي قدر لأناتول فرانس أن يجلس عليه هو بين أسمى تلك العروش ~~السامية. ~~••• # ولد أناتول فرانس بباريس في 16 أبريل سنة 1844م. وكان اسمه جاك أناتول فرانسوا تيبو، ~~وكان أبوه صاحب مكتبة؛ فشب بين الكتب والنقوش والصور فهويها ms018 جميعا. لكنه أحب القديم ~~منها وتعشقه . فجعل يديم في هذا القديم النظر والفكر. فقرأ كتب اليونان والرومان ودرس ~~كتب المسيحية أول نشأتها. لكن غرامه بهذه الصور لم يثنه عن درس عصره وعصور السابقين له. ~~وكان أكثر دراسة للشعراء؛ لأنه كان مولعا بالشعر وبقوله. فكانت أولى رسائله رسالة عن ~~ألفرد دفيني # Alfred de Vigny ~~، نشرها في سنة 1886م. ~~ثم انقطع للقريض ينشره في مجلات الشباب حتى إذا كانت سنة 1883م نشر مجموعة من الشعر ~~عنوانها Peèmes Dorès # قابلها النقادون جميعا ~~بالاستحسان، وأعجب الناس منها بسمو الفكرة ورشاقة الأسلوب وبروز ذاتية الشاعر. # ثم نشر بعد ذلك عدة كتب تناول فيها بدء المسيحية في انتشارها، ونالت هذه الكتب من ~~الإعجاب ما نالته مجموعة شعره الأولى، حتى لقد قال عنه ناقد: «إن لأشعار فرانس صفاء ~~سماء الشرق وبساطة فرجيل وسلاسة الأقدمين. ولكأنها حديث اللاتين سرى بين أبحاثنا في ~~اللغة وفي الإلهام. وشعره ضاحك ضحك دافنيه، ويشتمله ما يشتملها من أردية الأقدمين التي ~~تمتاز - وإن ألقيت على أكتاف شابة - بدقة في الثنايا وبرشاقة التماثيل.» # ولم يقف أناتول فرانس عند قرض الشعر، بل ظل بحكم نشأته بين الكتب في مكتبة أبيه ~~مغرما بالكتب عظيم الشغف بها والمحبة لها. وكما يود المحب أن يقدم لمحبوبه أجمل ~~الهدايا، كان هو يود أن يهدي الكتب ما يعجبها ويلذها. فشارك في وضع فهرس نشر تحت اسم # Bibliophil illustrè ~~. ثم نشر لمحبي الكتب مؤلفات ~~راسين وكتاب العفريت الأعرج للساج ومؤلفات موليير وغيرها من الكتب، بعد إذ علق عليها ~~جميعا بشروح جليلة الفائدة. # وفي سنة 1887م تولى قسم النقد الأدبي في جريدة الطان. فلم يقف نقده عند ما كان يظهر ~~من الكتب. بل كثيرا ما كان يتناول كتبا قديمة، وكثيرا ما رجع إلى شعراء الرومان ~~واليونان وكتابهم يتحدث عنهم إلى قارئيه، ويتحدث وإياهم عن زمانهم ويشرك قارئيه معهم في ~~الحديث. وكان حديثه يخلق من مقالاته في النقد «صالون» أدب، يأوي إليه الكتاب والفلاسفة ~~قدماء ومحدثين. # ومن ذلك التاريخ بدأ أناتول فرانس يهجر ms019 الشعر ويظهر في ثوب جديد. وكان ثوبه هذا أكثر ~~جمالا وبهاء من شعره، ومن ذلك التاريخ قيل عنه: «مهما يكن من فضله كشاعر فقد عقد له ~~لواء المجد عن حق كمتحدث ذي ظرف وكياسة.» لبس ثوب المحدث في كتبه وفي قصصه وفي رواياته، ~~وظل مرتديا إياه لم يخلعه إلا أمس حين عقل الموت قلمه ولسانه. ~~••• # كان فرانس إذن باريسي المولد والنشأة. وكان في مكتبة أبيه يقلب ما يشاء من كتب ونقوش ~~وصور. وباريس عالم يموج بكل صور الحياة؛ ماضيها وحاضرها. اجتمع فيها جلال القديم وبهاء ~~الحديث؛ تتحدث إليك مدارسها ومتاحفها؛ تناجيك طرقها وبساتينها بكل ما قد يجول بنفسك من ~~حديث أو نجوى. كل سؤال لك فيها له جواب. أتريد أن ترى الملك وعظمته؟ إذن فاقصد إلى ~~فرساي فناج هذه التماثيل المنتشرة في كل مكان محدثة عن جلال الملك وسلطانه. أتحب ~~الديمقراطية والجمهورية؟ هذه الحياة هناك فيها كل مظاهر الديمقراطية من حرية ونشاط. وكل ~~مظهر للملك وكل أثر للحرية تجد منه ما تحب في هذه المدينة. والكتب عالم أوسع من باريس ~~وأطول من الحياة. أليس قد اجتمع في صحفها ميراث الماضي جميعا! هذا الماضي الذي لا نعرف ~~أوله وكلما كشفنا منه عن جديد أودعناه بطون الكتب. فكيف يكون حال رجل نشأ في هذين ~~العالمين - باريس والكتب - إذا كان القدر قد وهبه نفسا تتسع لهما وتفيض عنهما، ووهبه ~~قلبا شاعرا يحبهما ويشغف بكل ما فيهما. # تلك كانت حال فرانس. أحب ما في باريس وما في الكتب من حياة الماضي والحاضر؛ وكان حبه ~~لهذه الحياة أول شبابه قويا ينبض به قلبه. لكن قلبه كان رفيقا وإن نبض؛ لأن قلبه كان ~~في حكم عقله وتحت سلطانه. فلما آن للشاعر أن يضع قيثارته ليترك المكان للمحدث الكيس ~~الظريف كان حب فرانس قد شمل الحياة جميعا. والحب إذا اتسعت دائرته كان لطيفا رقيقا؛ ~~كان حبا يزنه العقل ولا تلهبه الشهوة؛ كان حب الأب لأبنائه الكثيرين لا حب الأم ~~لطفلها الوحيد: هذا الأب الذي يبتسم مغتبطا لابنه ms020 المجد، ويبتسم مسرورا لابنه الثاني ~~حاضر البديهة، ويبتسم فرحا بالطفل الصغير يتعثر حين يجري يريد أن يمسك فراشة أمامه. لا ~~تلك الأم التي تخاف على صحة ابنها إن جد، وتخاف عليه الحسد إن بدا ذكاؤه، وتخشى عليه ~~الخطر إذا تعثر. وهل كان لفرانس أن يرى في الحياة خيرا أو شرا؟! وما حكمة الحكيم إذا ~~ظل يخضع للشهوة خضوع الجاهل لها؟! # كانت حكمة فرانس إذن باسمة؛ لأنها كانت محيطة بحياة العالم بل بحياة العوالم؛ وكانت ~~ترى في كل شيء عذره؛ وكانت لا تعرف شيئين متناقضين: أليس الخير والشر جميعهما أعمالا ~~لبني الإنسان؟ وهل بينها من فرق إلا ما بين الزيتون الأخضر والزيتون الأسود من فرق في ~~اللون على تقاربهما في الطعم؟ لكن الخير يجب أن يكون، والشر يجب أن يكون، كما يكون ~~الوجود والعدم والماضي والمستقبل. ويجب أن لا يعرف الناس أن الوجود والعدم لا فرق ~~بينهما؛ وأن الماضي والمستقبل لا وجود لهما. بل فليعرفوا فلن تغني عنهم معرفتهم ~~شيئا. # على أن هذه الحكمة الباسمة إلى حد السخر بما في الحياة لم تدفع صاحبها يوما إلى ~~التخلي عن الحياة والزهد في الناس. بل لقد كان فرانس يحب الإنسانية حبا جما. وكانت ~~قاعدة الحياة عنده العبث بالناس والإشفاق عليهم. لكن عبثه بهم كان بريئا وإشفاقه عليهم ~~كان عظيما. نكبت روسيا بالمجاعة بعد قيام الحكومة البلشفية فيها، وأعطي فرانس جائزة ~~نوبل وقدرها اثنا عشر ألف جنيه فوهبها لمنكوبي المجاعة من الروس. وكثيرا ما دعاه ~~إشفاقه على طبقات العمال والبؤساء إلى أن يحتمل من أجلهم مشقة وعنتا. # لم يتخل فرانس عن الحياة ولم يزهد العمل، ولقد يدهشك أن تعرف أنه كتب أكثر من خمسين ~~كتابا كلها حكمة بالغة. وقد يزيدك دهشة أن تعرف أنه لم يخط في هذه الكتب سطرا من غير ~~أن يزنه أحكم الوزن ومن غير أن يختار له أسلس اللفظ وأفصحه وأمتنه. ذلك بأنه كان يرى ~~النبوغ نتيجة جد وسعي متواصل لتنمية هبة تخلعها الطبيعة على مختاريها. فأما الذين ~~يكتفون مما ms021 تهبهم الطبيعة ببريقه فأولئك لا ينبغون ولا يعرف الناس لهم قدرا. ~~••• # واليوم ارتضى أناتول فرانس أن يموت بعد إذ خلف للإنسانية ميراثا يبقى جديدا على كل ~~زمان جديد. واليوم ينتقل فرانس من بين ذويه وأهله ليبقى خالدا بين الناس جميعا. ~~واليوم تتبادل عوالم العلم والفن والأدب والحكمة التعازي فيعزيها: إن فرانس خلدت حكمته، ~~ومن خلدت حكمته لا يموت. # | أناتول فرانس (3) # أشهر مؤلفاته # قل بين القراء من لا يعرف تاييس، فكثيرون من رأوها في الأوبرا تمثلها السيدة منيرة ~~المهدية، أو على الشريط السينمائي، وكان أولاء قد أحبوها، لكن الذين عرفوا تايييس في ~~قصة أناتول فرانس أكثر لصاحبتهم حبا، وإن كانوا أقل من السابقين عددا. # وهؤلاء دفعهم حبهم فرأوا تاييس الأوبرا وتاييس السينما، وعشقوا موسيقى الرواية وصورة ~~بطلة الشريط، لكن هذا العشق لم يزدهم غراما بالراقصة القديسة؛ لأن قصة أناتول فرانس ~~تشمل الموسيقى وتشمل الصورة جميعا، فليست نبرة من النبرات ولا جواب ولا قرار يهز نفسك ~~عند سماع أوركسترا تاييس إلا كان له مقابله من هزات النفس أثناء قراءة القصة. فأما صورة ~~الشريط فلا تعدو أن تكون خيالا للحقيقة التي يصورها فرانس. وأنت إلى جانب الموسيقى ~~والصورة مغمور خلال القصة بعالم بديع تخلقه ريشة الكاتب العظيم، فلا تلبث في انتقالك من ~~صفحة إلى صفحة ومن حديث إلى حديث أن تشعر بلذائذ مختلفة تتمتع بها مشاعرك جميعا: يتغذى ~~بها عقلك، وتسر لها نفسك، ويطرب لها فؤادك، ويبتهج بها قلبك، وتنتعش بها عواطفك، ولا ~~يبقى عصب من أعصاب الحس إلا ينال من الاستمتاع نصيبا يذره مطمئنا في نشوته ناعما ~~رضيا. # مع ذلك فتاييس قصة ليس أبسط منها، هي خلو من الوقائع ومن المفاجآت ومن الاضطراب، وهي ~~قد تبدو للنظرة العجلى لهو خيال ظريف يلذه أن يبهرك، لكنها لدى إنعام النظر قصة صادقة ~~قوية فيها كل ما في العالم من سخر الحب والألم بالناس. ~~••• # فقد ولد بفنوس بالإسكندرية من أسرة ذات نبل، لكن أهله لم يكونوا يمدونه من المال بما ~~يسد مطامع لذائذ الحياة عنده، ms022 فلما كان في العشرين من سنه لقيه راهب دله على طريق الهدى ~~الذي يؤدي إلى لذة الخلد من غير حاجة إلى المال، فنسك وانقطع إلى العبادة في الصحراء ~~بين المتقشفة والمعتزلة، ولم يطل به الزمن حتى صار قديسا بين الرهبان، وصار له تلاميذ ~~وأتباع يأخذون عنه قواعد التقى والإيمان. # وقضى نسكه أن يذكر ماضي شبابه ليقدر شوهه وقبحه، فذكر يوما أنه رأى في ذلك الحين على ~~مسارح الإسكندرية ممثلة تدعى تاييس بارعة الجمال، يثير رقصها البديع شهوات النفوس، ~~وتدفع حركاتها الموسيقية الأرواح إلى الضياع في حمأة الملذات، وذكر أنه اندفع يوما إلى ~~دارها فلم يرده إلا حياء الشباب وضيق ذات اليد، وأثارت هذه الذكرى في نفسه صورة الراقصة ~~ودقائق جمالها الباهر، فاستغفر ربه من نزغ الشيطان واعتزم خلاص هذه الروح من الخطايا ~~لتخلص معها أرواح كثيرة؛ وليكون هذا الجسم الذي أبدعه الله مثلا للجمال دار روح لا يقل ~~عنه جمالا. # ولم يثنه عن عزمه نصح أخ له ذي فضل وتقى، بل ودع تلاميذه وأتباعه وهجر الصحراء، ~~وسار في طريقه إلى الإسكندرية يدعو كل من لقيه إلى حمى الله، ويدعو الله غير وان أن ~~ينزل على تاييس هداه، ولما بلغ المدينة استعار من صديقه القديم نسياس ثوبا ستر به ~~ملابس الراهب، وذهب إلى المسرح فرأى تاييس اكتملت فيها روح المرأة فازدادت بهاء ~~وسحرا، ثم دلف إلى دارها يدعوها إلى حمى الغفور الرحيم. # ولم يجد الراهب عنتا في بلوغ غايته؛ فقد ولدت تاييس في عائلة فقيرة، ونشأت نشأة ~~دينية، وأحبت في طفولتها ألوانا من التقى، وحين ألقى بها الشباب في يم الحياة أحبت فتى ~~عريض الجاه عظيم الثروة أذاقها لذائذ العصر طرا، فلما أترعت كرهته فهجرته فذهبت إلى ~~المسارح راقصة بين الراقصات، فبرزت عليهن بفتنة جمالها ورشيق قدها ولين حركاتها، ~~فسحرت الناس وصارت تاييس الإسكندرية يرتمي عند أقدامها كل عظيم، وينثر تحت نعالها الذهب ~~والجوهر. ثم سئمت هذه اللذائذ المضنية حين خشيت أن ترتسم تجاعيد الزمن على جبينها ~~النقي، فلما ناداها الراهب ms023 إلى حمى ربه عاودها رجع من تقى الشباب، فلم يطل ترددها ~~وتبعته حتى بلغ بها دير الأم «البين»، فأسلمها إليها وسجنها في غرفة ضيقة لتطهر نفسها ~~من رجس العالم، ولينسي جسمها لمس الأيدي ومس الشفاه وحرارة الأنفاس ورعشة ~~القبلات. # وعاد بفنوس إلى تلاميذه في الصحراء؛ لكنه عاد عامر النفس بتاييس، فكان لا يذكر غيرها ~~ولا يقترن بعبادته إلا كمال جمالها. فاستغفر ربه واستعان على الشياطين بكل ما في الدين ~~من عون ومدد، ولم ينجه الدين من نزغ الشياطين فترك صومعته وهام، فوجد في الصحراء ~~عمادا رفيعا منفردا، اعتلاه كي يتعرض جسمه للتلف بنار الشمس وزمهرير الشتاء ومياه ~~الأمطار، لعل نفسه تصلح بتلف جسمه. لكن خيال تاييس لم يفارقه، فتولاه اليأس ونزل من ~~عليائه وعاد لهيامه فصادف قبرا خربا فاتخذه ملجأ وسكنا، لكن خيال تاييس لم يفارقه ~~داخل القبر أيضا. وإنه لكذلك إذ مر به رهبان عرف منهم أن آية من السماء دلت كل ناسك ~~على أن أنطوان رئيس متدينة الصحراء قد آن له أن يلقى ربه، وأن النساك جميعا قد هرعوا ~~إليه كي يباركهم قبل موته. فسار بفنوس معهم وقد ملأ الهم نفسه أن تجافت آية السماء عنه، ~~فلما كان عند أنطوان تضرع إليه أن يباركه وأن يستغفر الله له، فاستدنى أنطوان بولس ~~الساذج ليتكلم، وانفتحت السماء أمام الساذج فرأى من أمر ربه أن تاييس توشك أن تموت ~~يحفها الإيمان والخوف والحب، وأن بفنوس سيبقى يعذبه الغرور واللذة والشك، وأعلن ما رأى، ~~فانطلق بفنوس وقد انقلب شكه يقينا وإيمانه كفرا، وجعل يلعن السماء والآلهة، وأسرع ~~يطلب تاييس في بيت «البين» يريد أن يضمها إلى صدره، ويستمتع وإياها بالحب ولذته، ويدفع ~~إليها من حياته حياة تمد في أجلها وتغفر له ما أذنب في هدايتها. وألفاها في النزع ~~تستقبل فجر صباح الأبد وترى الملائكة والقديسين، فناداها ألا تذعن للمنون وأن تبقى ~~لتحب، فلا حق في الحياة إلا الحب. لكن تاييس ارتضت الموت بعدما استنفدت الحياة، وتركت ~~هذا البائس المسكين يلقى من «البين» ms024 ومن عذاراها لعنة لم تزعجه بعدما كفر. # هذه قصة تاييس، وهي تبدو لهو خيال ظريف يلذه أن يبهرك؛ فكيف ينقلب الناسك القديس ~~كافرا والراقصة البغي تقية بتولا؟! # والحق أن الخرافة القديمة التي بعثها أناتول فرانس في هذه القصة لم تشر إلى شيء من ~~صبا بفنوس وميله لتاييس، ولم تنته بفنوس إلى الإلحاد وإلى حب تاييس، وإنما ذكرت أن ~~تاييس كانت فتنة الإسكندرية حتى بلغ من غيرة محبيها أن كانوا يقتتلون عند بابها، فكان ~~هذا الباب ملطخا أبدا بالدماء. وذهب بفنوس عندها، فلما دعته إليها طلب غرفة بعيدة عن ~~الأنظار، وكانت كلما دخلت به إلى غرفة كرر طلبه، فلما كانت آخر الغرف قالت له: إن كنت ~~تريد البعد عن الناس فهذه غرفة لا يسمع أحد لك فيها ركزا؛ لكنك غير ناج من عين الله ~~وإن حاولت. فلما علم أنها تؤمن بالله وباليوم الآخر وتخاف عقاب الله وترجو ثوابه دعاها ~~للنسك، فقبلت بعد شيء من التردد، وظلت ثلاث سنين رهن محبس ضيق تعذب جسمها لتطهر ~~روحها، فلما انتهت تلك السنون باركها بفنوس وأصبحت قديسة يقام لها عيد في ثامن أكتوبر ~~من كل سنة، وظل بفنوس في الصحراء يفوح منه شذا القداسة، ويجتمع حوله المؤمنون. # لكن أناتول فرانس لم يرض أن يصدق هذه الرواية؛ فقد ذكر تاريخ القديس بفنوس أنه وقف ~~بمجمع تير سنة 335 لميلاد السيد المسيح في وجه القائلين بضرورة انفصال الراهب عن زوجه ~~لما في ذلك من مقاومة الطبيعة ومخالفة ما يفرضه الزواج لكل من الزوجين. فبفنوس إذن كان ~~يؤمن بأن للطبيعة سلطانا لا يقاوم. وهل سلطان أقوى من سلطان الزهرة؟! ولما كان لكل ~~خرافة في التاريخ أساس، فلا بد أن يكون للخرافة التي اتشحت باسمي تاييس وبفنوس أصل هو ~~الذي صوره لنا أناتول فرانس. # ولم لا تنقلب البغي قديسة بتولا؟ ألم تسكب المجدلية دمع التوبة عند أقدام السيد ~~المسيح فطهرت من الرجس، وصار مقامها في السماء بين المقربين؟ وإذا كان للبغي أن تنقلب ~~بتولا فللقديس أن ينقلب ملحدا؛ وكما ms025 فتح الحب للمجدلية باب التوبة فقد فتح لبفنوس باب ~~الخطيئة؛ ولو أن بفنوس أخطأ قبل أن يحب لصهره الحب وطهره كما صهر تاييس وطهرها، ~~لكنه طهر قبل أن يحب فاستحال حبه خطيئة كما تحيل النار الماس فحما. ذلك سلطان الطبيعة ~~وتلك سنتها، لن ينجو منه أحد ولو كان راهبا. # ليست تاييس إذن لهو خيال ظريف يلذه أن يبهرك، وإنما هي صورة صادقة من صور الحياة، وهي ~~أكثر صدقا أن تمت بالإسكندرية في القرن الرابع المسيحي حين كانت مدرسة الإسكندرية ~~زاهرة، وكانت آراء الفلسفة من زهد أو إباحة تشتبك مع طقوس الدين وألوان الإيمان ~~اشتباكا رفيقا لا عنف فيه ولا جفاء، وكانت أبيقورية الترف واللذة الفاشية في المدينة ~~لا يؤذيها انتشار المتقشفة والرواقيين في الصحراء. فلا عجب وهذه هي الحال أن جذب جمال ~~الإيمان بغيا، أو استغوت نعمة المدن ناسكا. # لكن أناتول فرانس لم يكفه أن لا تكون قصته عجبا، فجعل بغيه التي نسكت متدينة بدء ~~حياتها، وجعل ناسكه الذي بغى مترفا بدء حياته، ثم نقل الشباب كلا منهما إلى نقيض ~~نشأته. فلما آن للحياة أن تنحدر إلى منبت الطفولة عاد كل منهما إلى عهده الأول؛ فبغى ~~الناسك، ونسكت البغي. # وقصة تاييس هي قصة هذا الانتقال الأخير. وقد وصف أناتول فرانس في هذه القصة حياة ذلك ~~العصر أدق الوصف، فرسم الصحراء ومن فيها من المعتزلة، وما فيها من أكواخهم المنشورة على ~~الرمال، وما يعالجونه من طقوس العبادة وأنواع التقشف، ورسم بذلك صورة المؤمنين بالدين ~~أول نشأته: يغلون فيه إلى غير حد، ويقومون بفرائضه على صورة لم يتوهمها صاحب الدين يوم ~~أعلنه للناس. ورسم الإسكندرية وما فيها من ترف وما تصبو إليه نفوس أهلها من لذائذ، وما ~~يدور في مجالس فلاسفتها من حديث. لكنه فيما صور من ذلك كله كان أناتول فرانس في أسلوبه ~~وفي تفكيره، وفي ابتسامته وفي سخره وفي إشفاقه، فلست تنسى لحظة وأنت تقرأ القصة أنك ~~تقرأ أناتول فرانس؛ ذلك بأن الكاتب خيل هذا العالم القديم أمامه بما شاء ms026 بحثه وعلمه، ثم ~~نظمه كما يريد، ونقشته ريشته بعد أن تم نظامه، فبرزت تاييس للقارئ صورة من نفس فرانس ~~ومن العالم القديم مطبوعا فيها. ~~••• # ولعل أقل صور أشخاص القصة وضوحا صورة تاييس، فأنت لا تستطيع أن تعرف عنها أكثر من ~~أنها راقصة بارعة الجمال، فتنت الإسكندرية، فلما خافت تجاعيد الزمن ودعاها بفنوس إلى ~~الهدى لبت دعوته، لكنك لن تجد في القصة كلها شيئا يميز تاييس عن كل راقصة جميلة. فمن ~~أي نوع كان جمالها؟ وأي نفس كانت تختفي تحت هذا الجمال؟ وما ميول هذه النفس وما ~~طبيعتها؟ وما عسى أن تكون الخواطر المبهمة التي تمر بها؟ ذلك شيء لا يحدثك فرانس عنه، ~~وذلك ضعف تجده في كل تآليفه؛ فبطلاته الجميلات نسوة لا ذاتية لهن. ولعل سبب هذا الضعف ~~أن نفس فرانس كانت أقوى من أن تتمثل نفس امرأة كملت فيها حياة المرأة. وهذه «تريز» بطلة ~~الزنبقة الحمراء، وهي مثال المرأة في نظر الكاتب الكبير، لا تزيد صورتها على صورة تاييس ~~وضوحا. أو لعل سبب الضعف ما يسبغه فرانس على هاتيك البطلات من ثوب حكمته، وما يجريه ~~بين شفاههن من حديث لا عهد لامرأة به من عهد حواء! ... أم إن تشابه صور النساء في كتب ~~فرانس لم يكن ضعفا، وإنما كان مرجعه عقيدة فرانس في المرأة؛ فهو لم يكن يراها خاضعة ~~لحكم العقل ولما يدعو إليه من تردد واضطراب يؤدي إلى اختلاف نفوس الرجال في الصور ~~والألوان والمشارب، بل كان يراها تسير في الحياة متأثرة بهدي الفطرة وشهواتها السليمة ~~غير خاضعة لتمويه الفكرة البديع الألوان. وهو لذلك لم يكن يرى موضعا للتفرقة بين صور ~~نفوس نسائه، فهن عنده سواسية في السمو فوق مدارك الفكر، وفي الانحدار مع ميل الهوى. ~~وتاييس الراقصة، وتريز زوج الوزير، وألودي أخت المصور، وكاترين بائعة الدنتلا، وملاني ~~خادمة البيت، جميعا سواء؛ يختلفن في المظهر، لكنهن يلتقين عند دوافع شهوات الفطرة. ولم ~~تقصر ريشة فرانس في رسم اختلاف المظهر وتباين الميول الاجتماعية رسما صادقا دقيقا. ~~فأما وصفه لنفس ms027 أية من نسوة كتبه فيصدق عليهن جميعا؛ فكل امرأة تهوى في الرجال محبتهم ~~إياها وإعجابهم بها، وتحرص من حياتها على ما يجلب هذا الإعجاب وتلك المحبة، وتعجب من ~~الرجل الذي يحبها وتقسو في محبته قسوة الشحيح على ماله. # وهل بين النسوة امرأة مهما تبلغ من الطهر، ومهما تكن زوجا وأما، تتوهم ذبول جمالها ~~في غير الصورة التي رسمها أناتول فرانس لتاييس وقد عادت يوما من المسرح إلى منزلها ~~الغني المترف، فجلست في «كهف العذارى» تبتغي الراحة من عناء رقص بالغت في إتقانه، فأحيت ~~به ما مر بخاطر كل مصور وكل رسام وكل شاعر من بديع الخيال، «ثم استشفت في مرآتها نذر ~~انحدار جمالها، وفكرت في فزع أن اقترب حين الشعر الأبيض وتجاعيد الوجه، وعبثا حاولت ~~تسكين روعها بما حدثت به نفسها من أن إحراق بعض الأعشاب والنطق ببعض تعاويذ السحر ~~يكفيان لإعادة نضارة اللون، فإن صوتا لا أثر للرحمة فيه صاح بها: «إن الهرم مدركك يا ~~تاييس لا محالة.» وأثلج جبينها عرق الفزع، لكنها عادت فنظرت إلى نفسها في المرآة نظرة ~~كلها العطف، فألفت نفسها لا تزال جميلة بأن تحب. فابتسمت لصورتها وتمتمت: ليس في ~~الإسكندرية امرأة تستطيع أن تنافسني في ميس القد وخفة الحركات وبهاء الأذرع؛ والأذرع أي ~~مرآتي هي سلاسل الحب حقا.» # قد تختلف عبارة كل امرأة حين تعرب عن هذا الإحساس، لكنه يمر بنفوسهن جميعا على هذه ~~الصورة يختلط فيه الخوف بالرجاء والضعف بالقوة، وتتأثر فيه أعصابهن وعواطفهن بأثر واحد. ~~ذلك ما يؤمن به فرانس؛ ولذلك لا يكون تشابه نسائه ضعفا، بل يكون كمالا لصدقه في تصوير ~~الطبيعة النسوية. ~~••• # فأما صورة بفنوس في قصة تاييس فبالغة حد الكمال في وضوحها. وهل قصة تاييس إلا صورة ~~بفنوس، وهي صورة المؤمن العبوس الإيمان. وهي لذلك النقيض من صورة أناتول فرانس اللاأدري ~~المتشكك الباسم في لاأدريته وتشككه، الساخر من اللاأدرية والإيمان جميعا، الضاحك ~~للحياة ومما في الحياة ضحكة تشوبها مرارة الهزء بكل شيء، والإشفاق على كل شيء. ولعل ~~أناتول فرانس ms028 قد انتقم في تصوير بفنوس للشك من الإيمان كما انتقم في تصوير نسياس ~~للإيمان من الشك، وإن كان انتقامه من الإيمان قاسيا، وانتقامه من الشك لطيفا ~~رفيقا. # فقد اعتزل بفنوس الحياة وانقطع لله فأزمعت الحياة انتقامها من احتقاره إياها، فسلطت ~~عليه الزهرة آلهة الجمال والحب وألبستها صورة تاييس ومكنت لها من نفسه، وأقامت عليه ~~الآلهة حربا بدأتها بالخدعة، فظلت به حتى قادته إلى المسرح ثم وقفته في حضرة تاييس، ~~وهي فيما فعلت من ذلك إنما كانت تسخر من إيمانه أن جعلته يتوهم أنه صاحب السلطان على ~~مشيئته، فكان باسم الإيمان يحب تاييس، وباسم الإيمان يعبد جمالها، فلما طالت الحرب وشعر ~~الراهب بالزهرة تغالب الإيمان وتكاد تغلبه، تولاه الفزع وجعل يحارب نزغ الشيطان في ~~نفسه. لكن سلطان الحب رفيق شديد، فلم يستطع بفنوس مغالبته، بل انتهى إلى الفكر حين عرف ~~أن تاييس مشرفة على الموت. # في هذه الحرب بين الحياة والزهد في الحياة تجلت نفس بفنوس مملوءة حقدا على العالم ~~وأنانية وكبرا؛ فهو يزعم لنفسه سلطانا على الكائنات جميعا، ويتهم كل خارج على عقيدته ~~بالنقص والرذيلة، ولما كان التسامح مظهر الحياة فقد كان هذا الجاحد المتعنت عدوا ~~للحياة. وماذا يستطيع الرجل إن هو نصب نفسه للحياة عدوا؟ ولو أن بفنوس صانع الحياة ~~واتخذ الزهد لذة من لذائذها وجعل من انقطاعه لله فرضا يؤديه للحياة لما عصفت به ~~وبإيمانه، لكنك تلقاه في طريقه إلى الإسكندرية وفي حضرة تاييس وفي مأدبة الفلاسفة وفي ~~تعذيبه نفسه فوق العماد، وداخل القبر، قاسي النظرة يود أن يحترق كل ما لا يعجبه، وتستمع ~~له فإذا حديثه سوط عذاب مسلط على أجمل ما في الحياة وأبهاه. ولست أذكر لك كيف صوره ~~أناتول فرانس في حالاته، ولكنك إذ تقرأ «تاييس» لا تستطيع أن تحول بين نفسك وبين ~~الإشفاق على رجل تتلاعب به صروف الحياة، وتجعل من عظمته ومن إيمانه ألم نفسه وسخرية ~~سواه. # ولو أنه اتخذ الزهد لذة من لذائذ الحياة لما عصفت به. وهذا هو في طريقه إلى ms029 ~~الإسكندرية قد لقي «تمكاس» المتشكك، فألفاه وقد أدى به ازدراؤه الحياة إلى التخلي عما ~~فيها جميعا. مع هذا كان «تمكاس» راضيا؛ لأنه كان قد نزع من نفسه كل أثر للطمع في هذه ~~الدنيا وفيما بعدها، واتخذ طقوس حياة بوذا وإن لم يؤمن بدينه. فالزهد لم يكن إذن سبب ~~عذاب بفنوس، وإنما كان حرصه على النعيم سبب عذابه. وقل أن يحرص إنسان على نعيم الآخرة ~~كلها ويزهد في متاع الدنيا ونعيمها جميعا. # هذا ما يريده أناتول فرانس حين فصل عذاب بفنوس وسخر منه، ولو أن بفنوس كان على إيمانه ~~متسامحا وعمل لدنياه كأنه يعيش أبدا، ولآخرته كأنه يموت غدا، وأوغل في الدين برفق، ~~لما تقطعت به الأسباب، ولما انتقل من النقيض إلى نقيضه فكفر بعد إيمان وطلب لذة الحياة ~~بعد الزهد فيها. ~~••• # صورة بفنوس هي النقيض من صورة أناتول فرانس. وأناتول فرانس لم يدع واحدا من كتبه إلا ~~رسم فيه صورة من نفسه؛ فهو «برجريه» في أربعة أجزاء (تاريخ العصر)، وهو «بروتو» في ~~(الآلهة ظمأى)، وهو «بيير» في أربعة كتب كتبها عن طفولته وبدء صباه، وهو «جيروم ~~كوانيار» فيما عزاء من قصص وذكريات ومذكرات إلى «جاك تورنبروش»، وهو «نسياس» في قصة ~~«تاييس». وأي مؤلف ينسى نفسه حين يكتب؟ وأي مؤلف يكتب عن شيء غير نفسه؟ وأي قارئ يرى ~~فيما يطالع غير نفسه؟ والذين يقرأون أناتول فرانس سعداء؛ لأنهم يجدون في صورة المؤلف ما ~~يجذبهم إليها ويجعلهم يحبونها إن كان صاحبها قد اتسعت نفسه فوسع العالم وما فيه حبا، ~~ووسع العالم وما فيه سخرا وإشفاقا. # نسياس أبيقوري مترف يتمتع من الحياة بكل لذائذها من غير تهافت على هذه اللذائذ أو حرص ~~عليها، وقد استمتع «بتاييس»، فلما جاء صديقه القديم بفنوس لهدايتها وطلب إليه رداء يستر ~~به مسوحه نصح إليه نسياس أن يحذر انتقام الزهرة، ولم يفكر في أن يصده عن غايته، فلما ~~وثق بفنوس من تاييس صحبها إلى مائدة كان نسياس بين من دعوا إليها. وقضت تاييس الليل ~~تسمع إلى حديث الفلاسفة، ms030 فلما آن الليل أن يولي كان القوم قد أمال الشراب أعناقهم، فخرج ~~بفنوس وتاييس إلى دارها فحرقا متاعها وانطلقا يبغيان الصحراء، فأحاط بهما أطفال رجموهما ~~بالأحجار، ولم ينجهما منهم إلا أن جاء نسياس فنثر الدراهم بين الصاخبين فشغلهم ونجا ~~بصاحبيه. ثم كان بين الثلاثة حديث يمثل نفس نسياس، ويمثل نفس فرانس، ويمثل الشك ~~واللاأدرية في أجمل صورها؛ فقد ذكر نسياس في أسف مطمئن مغادرة تاييس الإسكندرية، ~~فأجابته أنها ملته وأمثاله المترفين وملت ما تعرف، وأنها تريد البحث عما لا تعرف، ~~وترجو أن تجد المسرة في الألم كما قال لها بفنوس؛ لأن بفنوس قد ملك الحقيقة. # قال نسياس باسما: أما أنا أيتها النفس الصديقة فأملك الحقائق، ولئن لم يك لديه منها ~~إلا واحدة فهي عندي جميعا؛ فأنا أكثر منه ثروة وإن لم أكن، والحق يقال أكثر منه لذلك ~~كبرا ولا أعظم سعادة. # ولما رأى الراهب يسدد إليه نظرات كأنها اللهب قال: لا تحسب يا عزيزي بفنوس أني أراك ~~سخيفا كل السخف أو بعيدا كل البعد عن موجب العقل، ولو أني قارنت حياتي بمثالك لأرتج ~~علي القول أيهما أفضل لذاتها. فهأنذا ذاهب الآن أغتسل في الحمام الذي أعدته كروبيل ~~ومرتال، ثم آكل بعد ذلك صدر دراج من دراريج فاز، ثم أقرأ للمرة المائة بعض أساطير ~~«آبيوليه» أو بعض رسائل «بورفير»، أما أنت فستذهب إلى صومعتك فتنيخ كما ينيخ الجمل ~~الوادع، وتلوك من التسابيح ما طال بك عهد مضغه ولوكه؛ وإذا أمسيت تبلغت بالفجل من غير ~~زيت. أترى يا صديقي أننا فيما نقوم به من هذه الأعمال المختلف ظاهرها ألا يذعن كلانا ~~لعاطفة واحدة هي وحدها المحرك لأعمال بني الإنسان طرا؟ فكلانا يسعى وراء لذته يبغي ~~غاية مشتركة هي السعادة، هي هذه السعادة المستحيلة. فليس من حسن الذوق يا صديقي أن أنسب ~~إليك الخطأ إذا أنا نسبت إلى نفسي الصواب. ~~«وأنت يا تاييس فاذهبي وتمتعي، وإن استطعت فكوني في الزهد والتقشف أكثر سعادة مما ~~كنت في الغنى والمسرة، وإنك على كل حال لتحسدين. ms031 فإذا كنت أنا وبفنوس قد أطعنا طبعنا ~~ولم نسع إلا وراء لون واحد من ألوان الرضا، فإنك أيتها العزيزة تكونين قد طعمت في ~~الحياة لذائذ متضادة قلما كان لإنسان من الحظ أن يعرفها. والحق أني أود أن أكون مدى ~~ساعة قديسا كعزيزنا بفنوس، لكن ذلك ما ليس لي إليه سبيل. فالوداع إذن يا تاييس، اذهبي ~~حيث تقودك القوى الخفية في طبيعتك وفي حظك، اذهبي تصحبك خير أماني نسياس. ولئن تكن هذه ~~الأماني خلاء فهل أستطيع أن أمنحك خيرا من عقيم الحسرات وفارغ الأماني ثمنا لما ~~اشتملني بين ذراعيك من لذيذ الأحلام التي لا يزال خيالها إلي باقيا؟! الوداع يا من ~~أحسنت إلي! الوداع يا رحمة لا تعرف أنها رحمة! يا فضيلة تحوطها الأسرار! يا لذة الناس ~~طرا! الوداع يا أبدع صورة ألقت بها الطبيعة على وجه هذا العالم لغاية غير ~~معروفة؟» # فلما أتم حديثه كان الراهب قد نفد صبره، فانسابت من فمه لعنات نظمها أناتول فرانس خير ~~نظام، فكان جواب نسياس أن نظر إليه نظرة رفق وعطف وقال: الوداع يا أخي، ولعلك مستطيع أن ~~تحتفظ حتى الفناء الآخر بكنوز إيمانك ومقتك وحبك! وداعا يا تاييس! عبثا تنسينني ما ~~دمت حفيظا على ذكراك. # كذلك قال نسياس. ولا يحسب القارئ أني أحسنت النقل، فكل نقل لعبارة أناتول فرانس إلى ~~غير لغته يجني عليها، وما أحسب أحدا ممن حملوا أنفسهم عناء ترجمته إلى غير لغته إلا ~~نظر إلى ما صنع فذكر قول نسياس: لو أن الفضيلة حصرت في المجهود وحده لكانت الضفدعة، ~~التي تنتفخ لتعظم حتى تصير كالعجل، مؤدية أكبر عمل من أعمال الرواقيين. ~~••• # تاييس وبفنوس ونسياس هم أكثر أشخاص قصة تاييس حياة وحركة، وقد أحاطهم فرانس بعدد جم ~~من الرهبان أمثال بفنوس، والرواقيين أمثال نسياس، وبجميلتين تأكل الغيرة صدرهما حقدا ~~على تاييس لتفوقها عليهما في الجمال. ولئن لم يكن لهذا العدد الجم غير دور ثانوي في ~~القصة، فقد رسم فرانس صورة كل واحد منهم بما طبع عليه من دقة؛ فالجميلتان فلينا ودروزيه ms032 ~~تنفسان على تاييس جمالها وتنافسانها في استهواء الشبان، كما تنفس كل امرأة على كل امرأة ~~وتنافسها. والرجال ينظرون إلى النسوة الثلاث بما ينظر به كل رجل إلى كل امرأة من عطف، ~~ويملقونهن بالكلام الرقيق العذب الذي يسحر به الرجل المرأة كما يسحر الطاووس أنثاه ~~بريشه والبلبل أنثاه بصوته. فأما الفلاسفة زنوتوميس وهرمدور ودريون والمسيحي ماركوس ~~وأصدقاؤهم في الوليمة، فليسوا أشخاصا ذوي حياة تتجلى في صلات أفراد الرواية بعضهم ~~ببعض، وإنما هم أمثال للمذاهب الفلسفية والدينية التي كانت إسكندرية ذلك العصر الذهبي ~~مهدا لها. على أنك لا تعدم مع ذلك أن تجد في حديث كل واحد منهم ما يرسم أمامك منه صورة ~~تميزه عمن سواه من أهل مذهبه، وتجعله إنسانا يخضع رأيه وإيمانه لميوله وشهواته، شأننا ~~جميعا في الحياة. # أما الرهبان والقديسون متدينة الصحراء فبينهم من الشبه في ازدراء الحياة ما بين ~~النساء في محبتها والحرص عليها. ~~••• # تلك قصة تاييس، وأولاء هم أشخاصها، وهي عند كثيرين أفضل كتب فرانس. ولعلك إذا دخلت ~~حديقة أو عند جوهري تتردد كثيرا أي أزهار الحديقة البديعة النظام أبهى وأي أحجار ~~الجوهري الدقيقة الصنع أكرم! وذلك رأينا في كتب أناتول فرانس. وهو عندنا على ما قال جول ~~لمتر: «أسمى خلاصة للروح اللاتينية وأبهاها.» # | أناتول فرانس (4) # الآلهة ظمأى # أناتول فرانس - ذلك الشيخ الذي ذهب أول هذه الحرب رغم مجاوزته السبعين من العمر، يريد ~~أن ينتظم جنديا للدفاع عن وطنه فرنسا - هو رأس طائفة المتشككة من كتاب هذا العصر في ~~فرنسا وفي العالم أجمع؛ فهو لا يؤمن بمذهب ويعتقد كل المذاهب، وهو يرى الحياة سخرية ~~سخيفة لا معنى لها، ويجدها ذات لذة وجمال، وهو يحب الفقراء ويحتقر الضعفاء، ويعجب ~~بالقديم ويولع بالجديد، وهو يهزأ من كل شيء، ويسخر من كل عمل، ويضحك مما يجله الناس، ~~ويبسم أمام ما يقدسون. وهو مع ذلك لا يخفي ميله للأبيقورية على أنها أعقل من سواها من ~~المذاهب الأخرى العاقلة جميعا؛ لذلك كانت كتبه ورواياته ليست تلك الغابة القطوب التي ~~تأخذ لبك وتدلك ms033 بقطوبها على عظمة شجر السنديان أو البلوط وقوته على كل ما سواه؛ ولكنها ~~الحديقة الغناء تنتقل فيها من زهرة إلى فاكهة إلى فرش سندسية إلى خرير النبع الجميل ~~المنحدر من قمة التل تتوجه الأشجار الكبيرة تغرد فوقها الطيور المختلفة اللون والصوت. ~~وهذه الحديقة ليست متروكة للطبيعة ينمو بعض أجزائها على حساب البعض الآخر، بل هي مشمولة ~~بعناية الإنسان ورعايته؛ فكل ما فيها من زهر وفاكهة وغرس ونبع وتل وشجر وطير مختلف ~~جمالا وصحة ونضارة، وكله يأخذ بنظرك ويستدعي التفاتك ويبعث إلى نفسك أبدا سرورا ~~رقيقا، حلوا يجعلك دائم الابتسام؛ لأنه سرور النفس والعقل وليس سرور الحس المضطرب ~~بتيارات يستدعي الضحكة العالية ليعقبها بدمعة مرة. # ومن العسير أن يقال أي كتبه المفضل، فمن بين كتبه الأربعة والثلاثين أو الستة ~~والثلاثين يقع كل قارئ على عدد منها غير قليل يستدعي كل إعجابه. على أن ما لا شك فيه أن ~~كتابه عن الثورة الفرنساوية الذي وضعناه عنوانا لهذا المقال هو من خير كتبه، وأدقها ~~تصويرا لعصر كثر عنه الكاتبون. وناهيك بالثورة الفرنساوية؛ فما نحسب مؤرخا ولا ~~سياسيا ولا شاعرا ولا روائيا ولا خطيبا ولا صحفيا، إلا تناولها في ما كتب عنه، ~~واستشهد به ووصفه واستظهره. وكثير من أولئك قام بما قام به بطرافة وقوة لا ينكرها عليه ~~أحد، لكن أناتول فرانس من بين هؤلاء جميعا كان أدق مصور فني يمكن تذوقه؛ فهو لم يكن ~~فوتوغرافيا جمع رجال الثورة، وفي يد كل منهم مجموعة خطبه وكتبه ليأخذ منهم صورة كصورة ~~الموظفين الذين يجتمعون تذكارا لسفر أحد رؤسائهم؛ بل كان ذلك المصور النابغ الذي يلقي ~~نظرة عامة على ما أمامه ثم يتجه لركن يأخذ بنظره، فيستظهر المحيطات الدقيقة والجليلة ~~التي حول ذلك الركن والأضواء المتسلطة عليه والغمام المتراكم فوقه. وأنت فلا تلبث أن ~~ترى الصورة التي أبدعتها ريشة المصور حتى يظهر أمامك مجموع الثورة ناطقا قويا ظاهرا ~~ببوارزه وخوافيه وبفظائعه وفضائله وبما فيه من جمال وقبح. ترى في هذه الصورة التي رسمها ~~فرانس ما كان ms034 قواما للثورة من فظيع المجازر؛ وترى فيها تحت الفظائع والفضائل النفس ~~الإنسانية كما هي، مدفوعة بطبائعها في الطريق الذي لا تعرف لسيرها في سبيله سببا. في ~~هذه الصورة تظهر العواطف والشهوات والعلاقات الجنسية طبيعية بسيطة لا تعرف هياج روسو ~~ولا أوهام شاتو بريان، كما تظهر فيها نفسية الشعوب في حالة الثورة نفسية عادية تافهة ~~ميالة للركود لولا النفوس القوية المتطلعة للكمال، والتي تؤثر بسحرها على نفس المجموع ~~المطبوع على عبادة القوة والبطولة. ويظهر فيها كذلك ما لقوة الإيمان من أثر في الوصول ~~إلى ما يريده المؤمن مهما تقم في وجهه المصاعب والعقبات، ما دام لا يرى إلا الغاية التي ~~يحددها له إيمانه، وما دام لا يحول نظره إلى غاية سواها. ~~••• ~~«أفارست جاملن» بطل الرواية نقاش شاب يعيش مع أمه العجوز في حي القنطرة الجديدة من ~~أحياء باريس الثائرة، ويهتم للسياسة اهتماما صرفه عن المثابرة على النقش وعن كسب ما ~~يعيش منه هو وأمه عيشا معقولا. وكان له أخت هجرت البلاد مع شاب من الأشراف الذين ~~هاجروا أول الثورة. ويسكن في أعلى غرف الدار التي يقطن حكيم اسمه (برتو)، كان شريفا ~~وكان ذا مال ونعمة، فلما استولت الثورة على أموال الأشراف وامتيازاتهم ترك برتو ماله ~~ولقبه غير آسف، وقنع من الحياة بوكره الذي كان يتسلق إليه تسلق الحيوان إلى عش الطائر، ~~وعكف على قراءة (لوكريس)، وعلى صنع لعب للأطفال يجد منها ما يقيته. وكان لبرتو صديقة ~~قديمة من الأشراف تدعى مدام رشمور، عرفت كيف تنتقل من العصر القديم إلى الثورة مع ~~الاحتفاظ بمالها ونعمتها، ومع الاستمرار على دعوة الكبراء والمعروفين إلى حفلاتها ~~الراقصة. فعرض لها ذات يوم خاطر أن تسعى لتعيين جاملن محلفا في المحكمة الثورية. ومع ~~ما أظهره لها برتو من التخوف من هذه المحكمة التي تدفع إلى (الجليوتين) المرأة البغي ~~وماري أنتوانيت، والتي تؤلب الفرق المتنازعة ضدها بما تصبه عليهم جميعا من جامات ~~غضبها، فقد نجحت رشمور وتعين جاملن محلفا. ومن ذلك اليوم ازدادت حبيبته (ألودى) ~~تعلقا به وشغفا. ms035 ولما استفسرها عن ماضيها أخبرته أن شابا من الأشراف استغواها، ~~فملكت هذه الفكرة على المحلف الجديد نفسه ، وجعل يرقب في كل شريف يعرض للمحاكمة مغري ~~محبوبته، فلما اتجهت شبهاته لأحد الأشراف الذين قدموا للمحاكمة والذين كانت الأدلة ~~عليهم تافهة لم يأل جهدا في إقناع زملائه بأنه رجل مجرم خطر على البلاد قدير على قلب ~~الحكومة، وكأنما كان يقول في نفسه: إن أولئك الذين لا يعبأون بالعرض ولا بالشرف ~~بالنسبة لفتاة تستسلم إليهم جديرون أن يكونوا كذلك مع أمة يجدون إلى استلام زمامها ~~الوسيلة. ومع عدم اقتناع أكثر الباقين، فقد انتهى الحال بأحد المحلفين إلى أن قال ~~لجاملن: يجب أن يتبادل الزملاء الخدمات في ما بينهم حتى هنا يا صديقي. وانضم لصف جاملن ~~وحكم على الشريف بالإعدام وأعدم. # وجاملن شاب طاهر القلب طيب النفس قوي الإيمان بمبادئ الثورة، حقيق أن يكون من أتباع ~~مارا وروبسبيير اللذين كانا آلهة العصر وموضع إعجابه وعبادته؛ لذلك لم يخطر بباله أن ~~يبرئ أحدا إلا مرة أول تعيينه، أما بعد ذلك فقد كان يرى في القواد الذين انهزموا، وفي ~~الفتيان الذين يصيحون «يحيا الملك» في الميادين العامة، وفي الأشراف الذين يتهمون ~~بالارتباط مع الأعداء أخصاما للثورة، قديرين جميعا إذا لم يكبح جماحهم بالقتل أن ~~يقبلوها ويعيدوا نظام العهد القديم. وكان يعتقد أن شرف المساواة الذي نشرته مبادئ ~~الثورة ليس مقصورا على الحقوق التي يتمتع بها الأفراد، بل هو ممتد إلى العقوبات التي ~~تنزل بهم أيضا. على أن شرف المساواة في العقوبة هو الذي كان في يده دون شرف الإمتاع ~~بحقوق الحياة الذي لم يكن في يد أحد؛ لذلك حقق هو وزملاؤه المحلفون والقضاة أعضاء ~~المحكمة الثورية الشرف الأول، ولم يستطع أحد أن يحقق الشرف الثاني. # ولما عرض أمر رفيق أخته على المحكمة لم يكن أكثر إشفاقا في هذا الظرف منه في أي ظرف ~~آخر، بل رفض أن يرد نفسه قائلا: إن سلام الجمهورية أعلى من أن تؤثر فيه علاقة أو ~~عاطفة. وكذلك أعدم «دشاساني» مع من ms036 أعدم. # وفي هذه الأيام غضب الضابط هنري رفيق مدام رشمور منها فسرق خطابا كانت موجهة إياه ~~لأحد الأشراف المهاجرين، وقد ذكرت فيه ما قاله برتو عن المحكمة الثورية وعن الجيوش ~~المحاربة. ولما سرقه وعرضه على رجال الإدارة كانت النتيجة أن قبض على رشمور وبرتو وحليف ~~لبرتو من القسس يدعى لنجمار، وفتاة احتمت عند برتو ولنجمار من أبحاث السلطة وتفتيش ~~رجال الثورة، وأودعوا جميعا في السجن. # ولما كانت المحكمة الثورية قد ضاقت ذرعا بالتحقيقات العادية، وبالمتهمين يقدمون ~~إليها واحدا بعد الآخر، فقد صدر قانون يبيح محاكمة من يشتم من أعمالهم أنهم يتآمرون ~~بمجرد جمع الأدلة، ثم يحصل البحث في المحكمة. فلما قدم برتو وصحبه وتلا المدعي العمومي ~~ورقة الاتهام التي جاء فيها من تهم برتو أنه قال: «إن المحكمة الثورية تشبه روايات ~~شكسبير التي تخلط بين أفظع المناظر الدموية وأسخف التفاهات، وإنه ينتظر من وراء ~~انتصارات الجمهورية أن يجيء أحد هؤلاء الذين يحملون السيف فيبتلع الجميع كما ابتلع ~~الطائر الضفادع في الخرافة.» ومن تهم رشمور أنها متصلة بالخارج ومختلطة بالمرتشين. لما ~~تلا المدعي العمومي ورقة الاتهام وسئل برتو: هل تآمرت؟ أجاب: أنا لم أتآمر، وكل ما جاء ~~في ورقة الاتهام التي سمعت الآن باطل. فكان الرد عليه: ألا ترى أنك تتآمر الآن من جديد ~~ضد المحكمة؟!!» # وبعد ذلك، وبعد أن سئم الناس القتل والدماء، رأت الجمعية الوطنية أن روبسبيير قد بلغ ~~حدا أصبح لا يطاق معه، فاعتبرت أعضاء الأقسام المنضمة إليه وأعضاء المحكمة الثورية ~~ومحلفيها كلهم خوارج على القانون ويجب إعدامهم، وأعدموا وأعدم جاملن. ~~••• # هذه الصورة التي أبدعها أناتول فرانس، والتي نقلنا هنا ظلا منها قد لا يوازي ما ~~ينقله الكارت بوستال عن أبدع صور اللوفر، لا يمكن أن يتذوقها إلا من يقرؤها ويعيدها ثم ~~يعيدها غير مرة، وحينئذ تتبدى له الثورة الفرنساوية كلها وكيف كانت، وتنقشع من أمامه ~~الغيوم التي يجدها في كتب التاريخ الجامدة، والتي تنقل حكاية الحوادث كما تنقل الأجواء ~~صدى الصوت البعيد. # وإني لفي غنى عن أن ms037 أذكر شيئا عن أسلوب أناتول فرانس، وألوان ذلك الأسلوب الدقيق ~~الهادئ الرزين لا تشعر معه بالتكلف، بل تسيغه سهلا عذبا ينساب إلى نفسك فلا يهزها ~~هزات عنيفة كأسلوب الشعريين، ولا يستوقفها بيبوسته التحليلية. ومع ذلك فلن تجد تحليلا ~~ولا شعرا أبدع مما عند أناتول فرانس. وإن وصف أشخاص رواية الآلهة لأكثر ما تكون ~~الصورة دقة في التحليل. وبحسب أسلوب فرانس مقدرة على اشتمال فضائل كل الأساليب أنه سهل ~~ممتنع لا تستعصي عليه صورة، ولا يتعقد معه رأي. وبحسب رواية الآلهة أنها كتبت بهذا ~~الأسلوب، وأنها رواية الثورة الفرنساوية، أكبر ثورة عرفها التاريخ وأبعدها في حياة ~~الأمم أثرا. # | أناتول فرانس (5) # ماري باشكير ستف ~~(لأناتول فرانس كتاب يقع في أربعة أجزاء عنوانه (الحياة الأدبية) # La Vie ~~Litteraire # جمع ~~ما كتبه في النقد والتعليق على الكتب وما وضعه من خلاصة تاريخ بعض الأشخاص في أخص ما ~~تتميز به حياتهم. وكتابة أناتول فرانس في النقد لا تعتبر حجة؛ لأنه يأخذ فيها بالمذهب ~~الذاتي أكثر مما يأخذ بالمذهب الموضوعي، لكن ذاتية أناتول فرانس وما برزت به على كل ~~ذاتية سواها من صفات خاصة مر بالقارئ شيء منها فيما قرأه تجعل كتابته في النقد شائعة ~~محبوبة لذاتها، أما ما وضعه من خلاصة تاريخ الأشخاص، فله طابع خاص يسمو به على آرائه في ~~النقد؛ فأنت تراه ينظر من جوانب حياة الشخص إلى الجانب الذي كان له في حياته أكبر ~~الأثر. ولعل من القراء من اطلع على ما كتبه في الحياة الأدبية عن بسمارك، وفي «الزنبقة ~~الحمراء» عن نابليون، فرأى كيف أظهر فرانس ما في هذه النفوس من ضعف كان سبب قوتهم، ومن ~~هوس سما بهم إلى العظمة. وها نحن أولاء نترجم رسالة من رسائله في «الحياة الأدبية» عن ~~ماري باشكير ستف ليرى من لم يطلع على موجز تواريخ الأشخاص بالنحو الذي يكتبها به فرانس ~~مثلا قد يتبين منه ما لم نستطع نحن بيانه من صورة نفس الكاتب العظيم.) ~~••• # ماتت ماري باشكير ستف، التي نشرت يومياتها أخيرا، منذ ms038 أربع وعشرين سنة، وكانت وفاتها ~~في 31 أكتوبر سنة 1884، وقد خلفت عدة نقوش وبعض صور تنبئ عن حب خالص للطبيعة وعن هيام ~~وولع بالفن، وكانت حفيدة الجنرال جريجوريفتش باشكير ستف أحد من تولوا الدفاع عن ~~سباستوبول، كما كانت تزهى بأن في عروقها دما تتريا عريقا ورثته عن أمها. وكانت ~~بيضاء اللون بديعته، حمراء الشعر، ناهدة الخدين، قصيرة الأنف، عميقة النظرة، ذات شفاه ~~كأنها شفاه الطفل. وكانت صغيرة الجسم جميلة التكوين، وكان هذا من غير شك سبب ولعها ~~بالنظر إلى التماثيل، حتى لكانت وهي في الثالثة عشرة من عمرها تمضي الساعات أمام تماثيل ~~الرخام في متحف الكابتول بروما. ولم تكن يداها الرقيقتان البيضاوان على أحسن صورة، لكن ~~مصورا ذكر أن الطريقة التي كانت توضع بها هاتان اليدان على الأشياء كانت غاية في ~~الجمال، لكنها مع ذلك قلما كانت تصف نفسها في يومياتها، وإنما ألاحظ صورة كتبتها في 17 ~~يولية سنة 1874 بالغة في جمال التنسيق، قالت: «شعري أشد ما يكون حمرة، وعلي فستان من ~~الصوف الأبيض رشيق حسن الهندام، وطرحة من الدنتلا حول العنق، وكأني بذلك إحدى صور ~~الإمبراطورية الأولى، وإنما أحتاج لكمال تلك الصورة إلى أن أقف تحت شجرة، وأن أمسك بيدي ~~كتابا.» ثم أضافت إلى ذلك أنها تحب الوحدة أمام المرآة. # وكانت أكثر إعجابا بصوتها منها بجمالها، حتى كان من أولى أمانيها أن تصبح مغنية ~~عظيمة. # وقد أرادت أن تبدو كما هي بنقائصها وفضائلها، وبعدم ثباتها وبدوام تناقضها، لكن ~~أنفتها أبت عليها أن تعترف بشيء لشخص مهما يبلغ من قدره، فكشفت في يومياتها عن نفسها ~~للعالم كله. # أينا لا ينال بإشفاقه وعفوه تلك الطفلة المسكينة التي كانت بائسة أن لم تحظ ~~بالطفولة! وليس على أحد في ذلك من ذنب؛ فإن ماري باشكير ستف لم تكن أبدا من أولئك ~~الذين عناهم الإله الذي كانت تعبده كل يوم بأنهم وحدهم حقيقون أن يدخلوا في ملكوت ~~السموات، فهي لم تعرف قط تلك اللذة الرقيقة؛ لذة التواضع والصغر، بل طارت بجناحيها في ~~الخامسة ms039 عشرة من عمرها ولم يبق للعش الذي طارت عنه ذكر عندها؛ لذلك كان ينقصها دائما ~~البساطة والمرح الساذج. # وأول الأسرار التي تبوح لنا بها في يومياتها ألعوبة بدأتها في أيام الكرنفال في روما، ~~وكان كل ما انتهت إليه منها قبلة بين عينيها، وقد أبدت الفتاة في ذلك غير قليل من ~~الخلاعة والحيلة؛ فقد قال لها ابن عم الكردينال، وكانت اتخذته في ذلك العيد رفيقا: وا ~~أسفا، فأنت لا تحبينني! ~~- كلا. ~~- أليس لي أن آمل؟ ~~- بلى، يجب أن تأمل دائما، فالأمل في طبع الإنسان، لكني لا أترك لك من جهتي حظا ~~فيه. # وأظهر ابن عم الكردينال غاية الظرف والرقة، لكن ماري باشكير ستف لم تخدع له، ثم إنها ~~ترددت بعد ذلك ... «لو أنني اعتقدت ما قاله لبلغت بذلك غاية السرور، لكني داخلني الشك رغم ~~مظهره الصادق الرقيق البسيط. وذلك حظ الشقي من شقاوته.» ثم أضافت: «على أن الخير فيما ~~وقع.» # وهي لم تكن ترغب مطلقا في التزويج من المسكين بترو، بل فكرت: «لو كنت زوجة إذن لقضيت ~~على ثروته وقصوره ومتاحفه؛ فإن بي من الطمع والكبرياء ما لا حد له. والعجب أن يحب شخص ~~مخلوقا ذاك شأنه لا لشيء إلا لأنه يعرفه، أو لو عرف هذا المخلوق ... أواه ... أنه مع ذلك ~~لا يحبه.» # وكان الظهور والاستلفات والإشراق أملها الدائم، وكان الكبر يقتلها؛ فقد كانت تردد من ~~غير انقطاع: «أواه لو كنت ملكة.» وكانت تصيح أثناء رياضتها في روما: «أريد أن أكون قيصر ~~أو أغسطوس أو ماركس أورليس أو نيرون أو كاراكالا أو الشيطان أو البابا.» وكانت لا تجد ~~جمالا في غير الأمراء، أما سائر الناس فلا يستحقون نظرة ولا التفاتا. # وكانت الأفكار المتناقضة تختلط في رأسها فتضطرب فيه اضطرابا غريبا، فقد كانت تقية ~~ورعة تصلي لله صباح ومساء، وتطلب إليه أن يهبها أميرا تتزوجه وصوتا حسنا وصحة كصحة ~~أمها، وكانت تصيح: «ليس شيء أدعى للفزع من عدم القدرة على العبادة.» وكانت تخلص التوجه ~~للعذراء وتقوم بطقوس الديانة الأرثوذكسية، وكانت تتعرف المستقبل ms040 في مرآة مكسورة، حيث ~~كانت ترى جما من الصور الصغيرة وأرض كنيسة من الرخام الأبيض والأسود، كما كان يبدو ~~لها في تلك المرآة نعش في بعض الأحايين. وكانت تستشير المخرف ألكسس الذي كان يرى ~~الكردينال أنتونللي في نومه، كما كانت لا تحجم عن أن تدفع دينارا للعرافة جاكوب كي ~~تفتح لها الغيب. وكانت تعتقد بكل الخرافات، فكانت مقتنعة بأن عين البابا بيوس التاسع ~~حاسدة، وكانت توجس شرا إذا هي رأت الهلال الجديد بالعين اليسرى، إلا أن آراءها كانت ~~سريعة التغير في كل لحظة، فقد سألت نفسها فجأة وهي في نابولي: «أي شيء ذلك الروح الخالد ~~الذي يطير شعاعا لكل تخمة تصيبنا؟» ولم تفهم كيف يترتب على ارتباك في المعدة أن يطير ~~الروح السماوي إلى بارئه، واستنتجت من ذلك أن ليس ثمت روح، وأن هذا الاسم «محض اختراع» ~~... ثم لم يمض على ذلك إلا أيام حتى وضعت مسبحة في عنقها؛ لتشابه بياتركس، «ولأن الله في ~~عظمته المجردة لا يكفينا، فيجب أن تكون في حيازتنا صور ننظر إليها وصلبان ~~نقبلها.» # وهي رشيقة وهي مجنونة، لكن هذا الرأس المضطرب ممتلئ امتلاء رأس قارئ كتب قديم؛ فقد ~~قرأت ماري باشكير ستف - ولم تعد السابعة عشرة من عمرها - أرسطو وأفلاطون ودانتي ~~وشكسبير، وكانت حكاية أميدي تييري للتاريخ الروماني تأخذها عن نفسها، وكانت تذكر مغتبطة ~~«كتابا مفيدا عن كونفوشيوس»، وكانت تحفظ عن ظهر قلبها هوراس وتيبيل وأمثال سيرس، ~~وكانت تتذوق شعر هوميروس إلى أعمق نفسها ... ومن قولها: «لن يستطيع أحد أن يتخلص من عبادة ~~القدماء ... فلم تترك مأساة حديثة ولا قصة ولا مهزلة مما يكتب دوماس أو جورج ساند في ~~نفسي ذكرا باقيا ولا أثرا عميقا صريحا كالأثر الذي تركه فيها وصف الاستيلاء على ~~ترواده؛ فإني يخيل إلي أني شهدت هذه الفظائع، وسمعت تلك الصيحات، ورأيت النار تشتعل، ~~وكنت وأسرة بريام مع أولئك التعساء الذين كانوا يختبئون وراء محراب القرابين التي كانوا ~~يتقربون بها لآلهتهم لتكشف عنهم النيران الملتهبة في مدينتهم، ولا تسلمهم إلى أعدائهم ... ~~وأينا ms041 لا تعروه هزة حين يصل من قراءته إلى طيف كروز.» # وكان رأسها مخزنا تختزن فيه مختلف الكتب والروايات من غير ترتيب، وكانت دائبة على ~~السياحة تذهب من نيس إلى رومة، ومن رومة إلى باريس، ومن باريس إلى بطرسبورج وفينا ~~وبرلين. وإذ كانت لا تستقر أبدا فقد كانت السآمة تتولاها أبدا، فكانت ترى حياتها مرة ~~خلاء حتى كانت تقول: «في هذا العالم كل ما ليس أليما سخيف، وكل ما ليس سخيفا أليم.» ~~وكان ينقصها كل شيء لأنها كانت تريد كل شيء، وكانت لذلك في هم مفزع، ترسل حولها صيحات ~~الألم، لكنها مع ذلك كانت تحب الحياة. قالت: «إنني أجدها طيبة، فهل يظن ذلك أحد؟ وأجد ~~كل شيء فيها طيبا لذيذا حتى الدموع وحتى الألم. إنني أحب أن أبكي وأحب أن أيأس، أحب ~~أن أكون حزينة آسية، أحب الحياة بالرغم من كل شيء. إنني أحب أن أحيا، ومن القسوة أن ~~أموت وأنا كذلك مؤاتية لينة.» # وكانت تمر بها ساعات تشعر فيها شعورا مبهما مفزعا بالمرض الذي اندس إليها، وهي قد ~~شعرت به من ربيع سنة 1876 إذ كتبت في أول يونيو: «الساعة وأنا خارجة من غرفة زينتي مر ~~بي طيف مفزع؛ فقد رأيت إلى جانبي امرأة في ثوب طويل أبيض تحمل النور في يدها، وتنظر ~~إلي ورأسها منحن شاك على مثال طيف أساطير الألمان. لكن مهلا! إن هذا الطيف لم يكن ~~إلا خيالي عكسته المرآة. ألا كم أخشى أن تكون هذه الآلام النفسانية منشأ مرض ~~جسماني!» # وفي سنة 1877 تولت هذه النفس الحائرة شهوة واحدة، فكرست ماري باشكير ستف كل ~~وجودها للتصوير، وجمعت له كنوز ذكائها المشتتة، واجتمعت عنده كل آمالها في المجد، ولم ~~يبق لها من حياتها غاية إلا أن تكون فنانة كبرى، فأجهدت نفسها في الدرس في أكاديمية ~~جوليان؛ ولم يمض غير قليل حتى كانت من خيرة تلاميذها، وكان ذلك بعض تلك الانقلابات ~~الفجائية التي تجد لها مثلا شتى في حياة الصالحين، والتي تنبئ عن طبع مخلص متطرف كثير ~~التحول. ms042 ومن ذلك الحين لم يبق للأمراء عندها قدر، بل أصبحت جمهورية اشتراكية، بل ثورية ~~بمقدار؛ فلم تعد تلبس لبس المترفين، وتسربلت بالجلباب الأسود الذي ترتديه النساء ~~الفنانات، واكتشفت جمال البائسين وأصبحت مخلوقا جديدا. ولم يمض إلا ستة أشهر حتى ~~كانت على رأس فرقتها مع مدموازيل برسلاو. # وفي انتظار المجد الذي كانت ترجوه كانت منكبة على العمل مجدة فيه، وقد رأت في 21 ~~يناير سنة 1882 لأول مرة باستيان لوباج، وكانت تعجب به وتقلد نقوشه. «وهو صغير الحجم، ~~شعره لون الذهب، ناتئ الأنف له لحية الشباب، وكان يومئذ مصابا بالمرض الذي قضى على ~~حياته بعد قليل.» وهي الأخرى كانت تشعر بأن إصابتها شديدة، فقد مضى عليها سنتان يهزها ~~سعال ممزق، وكانت في خلالهما تزداد نحافة، وفي خلالهما أصيبت بالصمم. وقد أدخلت هذه ~~العاهة اليأس إلى نفسها، فكانت تقول: «لم يخلقنا الله لنألم. وإذا كان هو الذي خلق ~~العالم فلم خلق الشر والألم والسوء ...؟ إنني لن أبرأ وسيبقى بيني وبين العالم حجاب، فلن ~~أسمع حفيف الريح في الشجر، ولن أسمع خرير الماء المتساقط على ألواح النوافذ، ولا ~~الكلمات التي تلفظ بصوت واطئ. كلا، لن أسمع من ذلك كله شيئا.» ثم لم تلبث أن علمت أن ~~صدرها مصاب وأن رئتها اليمنى تفنى، فصاحت: «فليتركوا لي من اليوم عشر سنوات، وليتركوا ~~لي خلالها الحب والجد، فأموت في الثلاثين مطمئنة راضية. ألا لو وجدت من يعاهدني على ذلك ~~لعقدت معه أن أموت في الثلاثين بعد إذ أكون قد حييت.» # وسار السل في طريقه المحتوم، فكتبت ماري باشكير ستف في 29 أغسطس سنة 1883 تقول: # إني أسعل الوقت كله رغم حرارة الجو، وقد أخذتني سنة على المتكأ عصر اليوم ~~أثناء راحة النموذج، فرأيت نفسي نائمة وإلى جانبي شمعة موقدة! # أتراني أموت؟ لشد ما أخاف ذلك. # وهي اليوم والحياة تفر منها تغرم بالحياة حبا؛ فالفنون والموسيقى والنقش والكتب ~~والناس والثياب والترف والصحة والضحك والحزن والأسى والحب والقمر والشمس والفصول كلها ~~وسهول روسيا الساكتة وجبال نابلي والثلج والمطر ms043 والربيع وجنونه، وأيام الصيف الهادئة ~~ولياليه البديعة ذات النجوم ... كل ذلك هي تحبه وتعجب به ... لكنها يجب أن تموت: «والموت ~~كلمة سهل أن نقولها وأن نكتبها، لكن التفكير في أمرها ... الاعتقاد بأن الإنسان سيموت ~~عاجلا! ... وهل تراني أعتقد ذلك؟ كلا، ولكني أخشى.» # وبعد أيام من ذلك أزاحت عنها هذه الأوهام التي تطوف حول مراقد المسلولين، وحدقت ~~بالموت وجها لوجه: «ها هو ذا إذن غاية كل آلامنا. كم في الحياة من الآمال والرغائب ~~والشئون و ... ويموت الإنسان في الرابعة والعشرين عند أبواب ذلك كله.» # وفيما كانت تموت كان باستيان لوباج المحتضر يحمل كل يوم إليها. وفي يوم الاثنين 20 ~~أكتوبر وقفت يومياتها، وفي ذلك اليوم حضر باستيان لوباج معتمدا على أخيه عند مرقد ~~المريضة. وقد ماتت ماري باشكير ستف بعد أحد عشر يوما من هذا التاريخ، «في يوم ملأ ~~الضباب جوه، فصار أشبه الأشياء بما نقشته هي في إحدى صورها الأخيرة: الممشى.» # إن من المناظر التي تمس القلب دائما ذلك المنظر الذي نرى فيه الطبيعة والحب والموت ~~متقاربين في مضيق بشع، لكن في حياة ماري باشكير ستف القصيرة ما أدري أية مرارة وأي يأس ~~يقبض القلب. وإنه ليخيل للإنسان إذ يقرأ يومياتها أنها ماتت قبل أن تطفأ رغباتها ... لذلك ~~يسري طيفها متنقلا في بعض الجهات ينوء بحمل من الرغبات الثقال. # وإني كلما فكرت في اضطراب تلك الروح المتعبة، واتبعت تلك الحياة المجتثة ألقي بها إلى ~~كل رياح أوروبا زمزمت في إخلاص المتعبد بهذا البيت من شعر سانت بيف: # من لي بأن أولد وأعيش وأموت في بيت واحد. # | أناتول فرانس (6) # خرافة يونانية # كم خلق خيال بني آدم من صور، وكم أخذت هذه الصور تشبه الحقيقة زمنا حتى جاءت صور ~~غيرها ردتها إلى عالم الحلم والوهم، وقامت مكانها تزعم أنها الحقيقة الملموسة. ثم جاء ~~عصر جديد زج بهذه الحقيقة في عالم الخرافات ليبني هو لنفسه اعتقادات وحقائق جديدة، من ~~يدري كم يكون على الزمن بقاؤها! وهكذا يبقى بنو آدم يلعبون بالخيال والوهم ويلعب ms044 الخيال ~~والوهم بهم؛ وهم في ذلك يحسبون أنهم يبتغون الحقيقة وفي أملهم أن يصلوا إليها يوما ~~ما. # وقعت على خرافة قديمة من خرافات اليونان، خرافة أبدعها خيال شاعر وطرح بها وسط قومه ~~على أنها الحقيقة، واتخذها قومه مثالا للحقيقة حتى تغير الزمان وتغيرت هذه الحقيقة ~~معه. وفي هذه الخرافة فكرة حلوة خلابة لفتتني. # فقد زعموا أن يونيا هي التي خلقت جماعة البشر، ولم تخلقهم من أب واحد وأم واحدة كما ~~قررت الأديان طرا، بل رأت - وهي محقة في كل ما ترى - أن خلق عدد كبير من هذا الجنس ~~أضمن لسرعة العمارية في العالم؛ ولكيلا تستغرق زمنا طويلا في إبداع هذه الخلائق، ~~ولتبعثها كلها في لحظة واحدة، قامت بادئ الأمر بتسوية كل عضو من الأعضاء منفردا. ~~فسوت عددا من أذرع الرجال، وعددا آخر من أرجلهم، ومثلها من الجماجم والقلوب وسائر ~~الأعضاء. وسوت مثل هذا العدد من أذرع النساء وأرجلهن وصدورهن وسائر أعضائهن، ثم ما ~~كادت تتم ذلك حتى دعاها باكوس إله الخمر لوليمة أولمها، فأجابت دعوته وذهبت مع من دعي ~~معها من الآلهة إلى الوليمة، وهناك أمضوا وقتهم في الشرب والطرب. وقامت يونيا ورجعت إلى ~~عملها وقد ملكتها صورة الخمر، فلم تكد تميز أعضاء الرجال من أعضاء النساء، فجعلت من حين ~~لآخر تضع في كيس مما أعدت لاحتواء هذه الأعضاء صدر رجل مع بقية جسم امرأة، وجمجمة امرأة ~~مع بقية أعضاء رجل، وبعد إذ ملأت كل الأكياس نفخت فيها من روحها حياة وحركة، وكان ذلك ~~مبدأ خلق الناس ومنه خرجوا، ومن بين رجالهم من يعاوده ضعف المرأة لأن صدره يحوي قلب ~~امرأة، ومن بين النساء من تجد فيها شكاسة الرجل أو شدته لأنها أوتيت خطأ فؤاده أو ~~ذراعيه. وبقي ذلك ميراثا يتسلل على مر الأجيال. # هذه هي الخرافة التي كان يفسر بها اليونانيون ما نراه في بعض الرجال من الخنوثة وفي ~~بعض النساء من الشكاسة، وهذه الخرافة أخذت صبغة الحق زمنا ما، ثم جاء الحق الجديد ~~فأزهقها وصرنا معاشر الناس من ms045 كل الأجناس أبناء آدم وحواء. ~~••• # ملحوظة: هذه الخرافة في كتاب من كتب أناتول فرانس، وعنه أخذنا فكرتها. # | بيير لوتي # لمناسبة وفاته # متى؟ # نعاه البرق منذ أيام، فنعى كبيرا من كتاب فرنسا المعدودين وأحد محبي الإنسانية ~~الذين امتازوا بالعطف على الشرق وعلى مصر عطفا خالصا من كل شائبة؛ فقد ظل لوتي، ~~رغم أحداث السياسة في هذه الأيام الأخيرة، شديد العطف على تركيا، شديد التعلق بها، ~~شديد الأمل في ألا يقع بينها وبين فرنسا ما يدفع الألم إلى قلبه الذي جمع بين محبة ~~وطنه وإعزاز تركيا. # ولو لم يكن من آثار لوتي الأدبية إلا كتابه (موت أنس الوجود) الذي كتبه عن مصر، ~~وأهداه إلى المرحوم مصطفى كامل باشا، لحق على المصريين أن يشاركوا فرنسا في الأسف ~~على موته، وأن يقيموا له بينهم ما يخلد ذكره ويديم أثره. ولو لم يكن إلا هذا الكتاب ~~لوجب عليهم أن يعنوا بدراسة كاتبه، وبمعرفة ما انطوت عليه روحه من عبقرية، وما ~~اشتمل عليه قلبه من عواطف دائمة التجدد، ولكان أول واجب عليهم في هذا السبيل أن ~~ينقلوا الكتاب إلى اللغة العربية؛ ليقف بنو مصر جميعا على ما انطوى عليه من قوة ~~عبارة، وسحر أسلوب، وجمال وصف، وسلطان عاطفة. # على أن (موت أنس الوجود) ليس إلا جزءا من عشرات الأجزاء التي وضعها لوتي، والتي ~~أحدثت في الأدب الفرنسي نوعا طريفا جمع بين بساطة القديم وجمال الحديث، وكان ولا ~~يزال له أثر على قارئيه إذا هم قرأوه في سن معينة، واستمعوا فيه إلى نغمات أسلوبه ~~المتجاوب البديع الذي يحرك في النفس الشابة كل أنغام حياة الشباب، والذي يبعث إلى ~~النفس التي تعدت الشباب صورا من الشباب تحييها فتلذ لذكرى ماض كان لذيذا حين ~~عاشته، ثم لم يزده تدثره في طيات الماضي إلا جمالا وروعة. # وليس يسعنا، نحن أبناء الشرق، إذا قرأنا كتب لوتي إلا أن نشعر بشيء من التجاوب ~~بين نفوسنا الممتلئة بالخيال، وبين ما في هذه الكتب من صور العالم وخيالاته. ويصل ~~هذا التجاوب إلى حد التمازج ms046 أحيانا ثم ينقضي التمازج ويضعف التجاوب، وتحتاج النفس ~~إلى غذاء عقلي أكثر دسما مما يجود به الخيال. # ونحن أبناء الشرق في أشد الحاجة إلى المتاع بهذا التجاوب، ثم التمازج ثم ~~الانفصال؛ فإن أدبنا القديم غني ولكنه قديم، فيه العواطف الرقيقة القوية، وفيه ~~نزعات النفس للفضيلة ونزغها للهوى، وفيه المعاني الكثيرة، لكن لكل عصر ميولا خاصة، ~~ومهما يعترف الأوروبي بأن أدب القرن السابع عشر الفرنسي بالغ غاية الإبداع، فإنه ~~يعترف بأنه لا يتجاوب مع نفس رجل القرن العشرين؛ ولذلك يحب الرجل منا بعد إذ يعيش ~~عصور امرئ القيس وحسان وجرير وأبي نواس والمتنبي أن يعيش العصور الحديثة. والأدب ~~العربي في العصور الحديثة متهم بالضعف، وهو من غير شك قليل في كمه، لا يروي ظمأ ~~النفس في هذا العصر الذي فتح من كنوز مخبآت العالم ما لا تقنع النفس أمامه بوشل من ~~خيال فج أو ذهن محصور أو عقل ضيق الأفق. # أنت بحاجة إذن أن تقرأ لوتي، وأنت تحس بنفسك تتحادث مع نفسه، وخيالك في حاجة إلى ~~السبح مع خياله. وأنت تتركه بعد ذلك متطلعا إلى غذاء أدسم، فإذا وقفت عليه وانقضت ~~سنون ورجعت إلى لوتي شعرت بلذة الماضي، ورأيت في هذه الكتب صديقا قديما كان معك ~~زمنا ثم تخطيته، وقد يتعذر أن تعود فتبقى طويلا معه. # ولا عجب، فليس لوتي بالرجل الذي حبس نفسه في غرفة جعل فيها يستقصي تاريخ الأمم، ~~ويرد فيها الوقائع إلى أصولها ويحلل هذه الوقائع، ثم يضع قصة تاريخية أو تحليلية أو ~~يقيم نظرية خاصة تؤيدها قصته، بل هو رجل نشأ ضابطا في البحرية الفرنسية، فجاب ~~أقطار العالم وتخطى البحار فوق ظهر الموج المضطرب فعرف الوحدة اللذيذة المتشابهة، ~~وعرف الانكماش فوق سطح المركب الساعات الطوال يناجي الطبيعة الهادئة أحيانا، ~~والمضطربة أخرى، والمتجددة دائما في صور متشابهة متعاقبة لا يمل تشابهها ولا يؤيس ~~تعاقبها. وهو في انكماشه لا يفتأ يستعرض أمام خياله ما قد يكون وراء الحجب التي ~~يحيطه بها الأفق من كل جانب من ذلك الغيب المريب ms047 الذي بدأ منذ الأزل ولزم العالم ~~وما زال ملازما له برغم جهود الأجيال المتعاقبة لكشف مستوره. ولم يكشف له خياله من ~~ذلك الغيب إلا عن مخاوف تلخصت عنده في ذلك الشبح المفزع الذي أفسد عليه نسمات ~~الحياة، شبح العدم المتجدد في صور الموت الذي يحصد كل صور الحياة والتجدد. كشف له ~~خياله عن ذلك الشبح فرآه في كل قوته وكل سلطانه لا يغالب ولا يقهر، فاستسلم له ~~وأنكر كل ما سواه، وأقر له بالقدرة وجعل منه الغاية الأخيرة للحياة، فرتب حياته ~~وفاق هذه الغاية. # كثيرون غير لوتي يرون فيما رأى هو من صور الطبيعة ومظاهر الوجود دليلا على ~~الخالق، ووسيلة إلى الإيمان، ودافعا للإمعان في تقديس الله والتسبيح بحمده. أما هو ~~فقد أثقلت هذه المظاهر كاهله بفكرة العدم والموت، فكان عبوسا، لكنه استسلم لفكرته ~~فكان عبوسه في غير ثورة ولا قطوب، بل كان عبوس أبيقوري مستسلم لفكرة الحياة ~~استسلامه لفكرة العدم، مندفع في سبيل المتاع بالحياة حتى ينسى نفسه في الحياة قبل ~~أن يدركه العدم. # وهذه الفكرة البسيطة العظيمة، وهذه الطبيعة المترامية الأطراف التي يظل يجوبها من ~~طرف إلى طرف طول شبابه، وهذا الاستسلام للطبيعة وللفكرة التي ألهمتها الطبيعة إياه ~~- ذلك كله هو ما تراه واضحا جليا في كتبه، ظاهر الأثر في أسلوبه. ~~••• # كان لوتي يجوب البحار مستسلما لهواجسه، رازحا تحت حمل فكرة العدم، «يدس الموت ~~بسمه في حياته فيفسد عليه لذتها وينغص عليه شهوتها.» ولذلك كان إذا رسا به السفين ~~عند الشاطئ يندفع مع زملائه يريد أن ينسى نفسه في لذائذ الحياة وشهواتها تخلصا من ~~عبء فكرة العدم والموت. وكان بطبعه سريعا إلى الانخراط في البيئة التي يحل بينها ~~وإلى تقمص روح الطبيعة، والناس الذين يحيطون به، وإلى العيش كما يعيشون، وإلى ~~المتاع بما به يمتعون؛ فكان تركيا في تركيا، مصريا في مصر، يابانيا في ~~اليابان، مستوحشا في تايتي. وكان يرى في الحب خير متاع ينسى به ألم الحياة، كما ~~كان يرى فيه خير مطية تنقله فوق لجة الحياة ms048 إلى ساحة العدم؛ وأنت لذلك لا ترى في ~~كتبه إلا وصفا للطبيعة المحيطة به يشعرك بمبلغ حبه لها، وبأنه فني فيها فانطبعت ~~بكلها في خياله؛ وتحدثا بعيشه بين أهل البلاد التي نزل فيها على صورة حياة ~~أهلها؛ وقصصا لحكايات حبه للفتاة التي تمثل في هذا الوسط مجموع جمال الوسط مجسدا ~~في المرأة. ثم تبدو من خلال ذلك الوصف وهذا الحديث والقصص فكرة العدم والموت من ~~حين إلى حين، وتبدو في صورة محزونة تدلك على مبلغ ما وخز الألم لوتي حين مرت هذه ~~الفكرة المخيفة بخياله المستسلم لملذات الحياة. # وأنت ترى كذلك في كتب لوتي ما يجعلها أشبه بالذكريات كتبها صاحبها لنفسه، فوصف ~~فيها ما رأى وما سمع، وما أحسه وما اندفع نحوه، وكأنه يريد بهذه الذكريات أن يزيد ~~في متاعه بالحياة، وأن يجمع حوله في كل لحظة من لحظات الحاضر صورة ذلك الماضي ~~المتعاقب بملاذه وشهواته وآلامه ومخاوفه، حتى يكون متاعه بالحياة مضاعفا، وحتى ~~ينسى مع هذه الذكريات شبح المستقبل الذي لا يحوي عنه لوتي إلا صورة الفناء الأليمة ~~المحزنة ... على أن هذه الذكريات لم تكن لتكفي كاتبها أداة لنسيان فكرته؛ لذلك جمع ~~حوله حين عاد إلى مسقط رأسه تذكارات شتى من البلاد التي مر بها، فكان منزله مجموعة ~~عجيبة مما في الأرض من عجائب. وكان لوتي، وهو في وكره فوق ثرى فرنسا، يشعر وسط هذه ~~المجموعة بالأرض مجتمعة حوله، وبصور صديقه تحيط به، وبالزمن مجتمعة سنوه تحت ~~نظره. # كان لوتي إذن يحب الحياة ويخشى الموت، وكان حبه شديدا وخشيته شديدة؛ فكان يجمع ~~حوله كل أدوات الحياة يتلهى بها عن شبح الموت، وكان دائم الاشتغال بما يحب وما ~~يخشى، فلم يتسن له أن يبتسم للحياة، ولا أن يسخر من الموت؛ ذلك بأن المحب والخائف ~~لا يعرفان الابتسام، إنما يبتسم من يقف موقف المتفرج. من أجل ذلك كان أسلوبه بين ~~الاستسلام والتهجم، وكان تصويره للأشياء تصوير المعجب بها أو الحذر منها. وكان حبه ~~للمرأة حب امتلاك ليفنى فيها ولتفنى فيه أكثر ms049 مما كان حب غزل ليلهو بها وتلهو به، ~~وأكثر مما كان حبا نفسانيا يتشارك المحبان بسببه في المتاع بدقائق الكون وبدائع ~~الخليقة. كان لوتي لا يتخير لحبه إلا فتاة فجة الذهن والنفس، تفتحت عيونها للحياة ~~كما تتفتح عيون الزهر إن حان موعد إزهاره، وبقي قلبها غضا يدفع إلى وجودها شبابا ~~عذبا لا يفتر يبتسم؛ لأنه الشباب ولأنه عذب، كما لا تفتر الزهرة تبعث من أريجها ما ~~دامت في شباب أزهارها لم يجئ عليها ذبول ولا أفول. «فأزياديه» «وفاتوجيه» «وجنان» ~~ومدام «كريزنتم»، وغيرهن كن في عذوبة الشباب جمالا ورقة، وكن في طفولة الإنسانية ~~استسلاما وطفولة. وهن قد بلغن من ذلك أن كن لا يرين في اتصالهن بلوتي خطيئة ولا ~~إثما. # وكان لوتي يعرف كيف يصف هذا الحب المتنقل وهاتيك الطفلات المحبوبات وتلك الطبيعة ~~المترامية الأطراف المتنوعة الأرجاء، كان يعرف كيف يصف، وكان يعرف كيف يرى، وكان ~~يرى كل ركن من أركان الأرض بالعين التي يراه بها أهله، وكان قلما يلجأ إلى الكلمات ~~المبهمة المعنى إلا إذا كان المعنى الذي يريد أن يصيغه مبهما لذاته. مع ذلك كان ~~عدد كلماته محصورا حتى لا تكاد تجد كلمة وحشية أو معقدة أو مهجورة. وما للوصف ~~والكلمات المهجورة أو المعقدة أو الوحشية، إنما يصف الكاتب ليرى القارئ من غير حاجة ~~لمنظار معظم، وليس منظار يحتاج إليه القارئ أتعس من القاموس يلتجئ إليه. # على أن لوتي كان كثير التكرار في وصفه، ليس ما يمنعه من أن يصف مغرب شمس اليوم ~~ليعود بعد قليل فيصف لك مشرق شمس غد ثم مغربها، وليس ما يمنعه من أن يصف سفحا من ~~سفوح الجبل ينتقل منه إلى وصف السفح المجاور له. وقد يجد الناس مثل هذا التكرار ~~مملا، لكن للكاتب الوصاف عذره؛ فالشمس تشرق كل يوم وتغرب كل يوم وليس يضعف ذلك من ~~أن كل مشرق شمس جميل. وأنت تتمتع كل يوم بصور متاع متشابهة، فلا يصدك عن المتاع ~~بشيء غدا أنك متعت بمثله اليوم، بل لقد يكون في التكرار ms050 لذة لذاته، وقد يكون ~~التكرار مضاعفا للذة؛ لأنه يضاعف قوة الإحساس بها. والصحيفة التي يكتبها الكاتب ~~المجيد كمشرق الشمس أو كسفح الجبل أو كساعة الحب، تود لو تعود إليها، فما بالك لو ~~أنك رأيت مشرق الغد فكان أكثر من مشرق اليوم بهجة، وإن كان أقصر منه حينا، أو لو ~~أنك رأيت سفح الجبل غدا فإذا أزهار جديدة تفتح عنها أكمامها فتزداد بشذاها متاعا ~~والتذاذا. # فالتكرار لا يمل لذاته، وإنما يمل منه ما زاد عن الحاجة، وليس كاتب مجيد إلا يعرف ~~مقدار هذه الحاجة وإلا تداعت إجادته. وقد ظل لوتي وصافا مجيدا حتى أتى عليه ~~الموت. # وقد لا يعنيك وأنت بين جنات لوتي أن ترى عقلا كبيرا وحكمة كثيرة، إنه ينقلك من ~~وحدة التفكير إلى ساحات العالم الواسع، وهو ينتقل بك من متجمد الشمال حيث تكون بين ~~الصيادين في إسلاندة إلى المحيط الهادي وإلى خط الاستواء، فليس لديك وقت للتفكير. ~~وهو لا يعنى بأن يحبس عنك صور الوجود المترامي لتحبس نفسك على التفكير في ذرة من ~~ذراته، ولو أيقن أن هذه الذرة أصل الحياة ومصدر الوجود. ~~••• # تلك بعض خواطر عن لوتي الذي نعاه لنا البرق أخيرا، وليس يسيرا أن نكتب عن لوتي ~~فنوفيه حقه، وإنما أردنا أن نقف برهة عنده في ساعة ارتحاله إلى العالم الآخر، أو إن ~~شئت فقل في ساعة دخوله من باب الموت إلى ساحة العدم التي كان يفزع من هولها. وحق ~~علينا أن نقف عنده؛ فقد كان شاعر فرنسا، ولكنه كان نابغة من نوابغ العصر، وكان ~~محبا للإنسانية كلها، وكان كلفا بالشرق معجبا به. # | قاسم أمين (1) # لكل عصر في حياة أمة من الأمم مميزات خاصة، ولم يعن المؤرخون بدرس هذه المميزات في ~~أوروبا إلا في العصور الأخيرة، بعدما ثبت لهم أن مواليد الملوك ووفياتهم وما يقومون به ~~من الغزو والفتح ليس هو وحده الذي يقيم حياة الأمم. كلا، بل ليس هو الركن في إقامة ~~حياتها. وإن قيام الملوك ونزولهم عن عروشهم وما يتخلل ذلك من الحروب ليس ms051 إلا مظهرا من ~~مظاهر هذه الحياة؛ خصوصا بعد إذ دك عرش الاستبداد وقامت الديمقراطية حاكمة آخذة ~~بيدها النهي والأمر. وإنما قوام حياة الأمم مميزاتها من أخلاق وعادات وعقائد وآمال. تلك ~~مجموعة المظاهر التي تصدر عن الأمة والتي تقوم عليها الحكومات والملوك والحروب. من يوم ~~ثبت ذلك لعلماء التاريخ في أوروبا وجهوا عنايتهم الخاصة لبحث جميع المظاهر التي كانت ~~تصدر عن المجموع الذين يريدون تعرف ماضيه، فلم يتركوا أثرا يهدي لبعض هذه المظاهر ~~إلا قفوه، وبذلك أمكن لهم أن يرسموا في التواريخ التي وضعوها صورا مضبوطة من تلك ~~الأمم، واستطاعوا من بعد ذلك أن يربطوا الحاضر بالماضي، وأن يقدموا بذلك لأنفسهم ~~ولغيرهم من المفكرين وعلماء الاجتماع مادة جيدة غزيرة يمكن معها رسم أقوم الطرق للوصول ~~إلى أحسن ما يرجى في المستقبل. # وكما كانت القوانين وكتب العقائد من تلك الآثار المفيدة التي عني المؤرخون ببحثها ~~والتنقيب عن أصولها لمعرفة العلاقة بين الفرد وضميره وبين الفرد ونفسه وبين الفرد ~~والفرد، كذلك كانت كتب المفكرين وكتاب الآداب من الآثار النفسية التي قامت نبراسا ~~لهداية الباحثين إلى عوائد الأمم وأخلاقها وطرق تفكيرها ونظام حياتها اليومي في ~~أعمالها؛ ولهذا اتجهت عناية التاريخ إلى دراسة هذه الكتب على اعتبار أنها آثار اجتماعية ~~لا مجرد مظاهر فردية، وانقطع كثير من رجال العلم للتنقيب فيها يريدون رد كل فكرة أو ~~صورة أو خيال مما يجدونه إلى الأصل الاجتماعي الذي صدر عنه، كما استعانوا بها لتحقيق ~~هذه الأصول الاجتماعية وتحديدها. وذلك المعنى هو ما أراده (تين) حين قال في مقدمة كتابه ~~عن تاريخ الآداب الإنجليزية: لقد ظهر للمؤرخين أن الأثر الأدبي ليس مجرد حركة خيالية، ~~ولا هو شهوة ساعة لرأس حامية، ولكنه صورة من الأخلاق وأثر من آثار الحال النفسية التي ~~تحيط به. ومن الخطأ درس الأثر الأدبي على أنه عمل قائم بذاته، فما آي الإيمان بشيء ~~لذاتها، وإنما هي أثر الذين وضعوها. وإنما يكون التاريخ الحق حين يبدأ المؤرخ يتعرف ~~الرجل من خلال غيابات الزمن، ويميزه حيا عاملا ذا ms052 شهوات وعوائد، مسموع الصوت منظور ~~الوجه، ويرى إشارته وملابسه ويحيط به واضحا كاملا كأنما كان معه في الطريق ولما يكد ~~يتركه. # وظاهر أنه متى وصل المؤرخ من استفسار الآثار العقلية والأخلاقية والمادية لأمة من ~~الأمم حتى أحاط بها إحاطة استطاع معها أن يعرض أمام النظر صورة دقيقة من الشعب الذي ~~اختار في الزمن الذي اختار، كان من السهل عليه وعلى من يقف معه عند الصورة التي وصل ~~إليها الاتفاق على رسم طرق الإصلاح والعمل لتوطئة مستقبل أقل أغلاطا من الماضي وأكثر ~~سعادة. ومن دونه يكون نظر كل فرد أو جماعة صغيرة للحاضر وأحواله وحوادثه محدودا ضيقا، ~~وتكون الوسائل التي يتخيرها المفكرون للعمل خير في المستقبل متشعبة متناقضة متضاربة. ~~ومهما تكن حياة الأمم من القوة فإن التشعب والتضارب في خطط السير التي ترسم لها تذهب ~~بمجهودات المجموع فيها، ولا يكون لها حينذاك مهما حسن حظها إلا أن تقف في نقطة لا سبيل ~~إلى التقدم بعدها. ووقوف الحي عن التقدم معناه التدرك إلى الفناء. # وإنه ليحزننا أن نقول: إن مميزات حياتنا والآثار التي صدرت عنها لم يعن بالنظر فيها ~~منا أحد؛ وترانا لذلك أشد ما نكون جهلا بحقيقة حياة هذا الوادي الذي نعيش فيه، ~~وبالتالي أبعد ما نكون عن معرفة الوسائل لإصلاحه، ولكم علت صيحاتنا طلبا للإصلاح، ثم ~~كم اختلفنا على هذا الإصلاح لا لشيء إلا لأننا نجهل حقيقة حالنا ... إليها حتى يتم بعض ما ~~نريد. # ولو عني بعض دعاة الإصلاح باستظهار صورة حية ناطقة من تاريخنا المتصل بحاضرنا أو ~~البعيد عنه عناية المؤرخ الذي يريد أن يتعرف الرجل من خلال منائي الزمن، ويميز شهواته ~~وعوائده، لوفروا علينا كثيرا من مجهوداتنا الاجتماعية الضائعة، ولطرقوا باب الإصلاح ~~الصحيح الذي منه يصلون. # لا أعرف مصريا كتب عن عوائدنا وعقائدنا ليظهر صلة ذلك بباقي مظاهر حياتنا القومية، ~~ولا صلته بتاريخنا القريب أو البعيد، ولا أعرف مصريا فسر لنا صورة كتاب من كتابنا ~~وجاهد ليرد أفكاره إلى مصادرها ويظهر حقيقة هذه المصادر. لا أعرف مصريا بذل ms053 أي مجهود ~~جدي ليعلم المصريين تاريخ مصر. # وقفت على الجزأين الثاني والثالث من التاريخ الذي وضعه الشيخ محمد رشيد رضا عن ~~المرحوم الشيخ محمد عبده. والشيخ رشيد إن لم يكن مصريا فهو متمصر. وفي هذين الجزأين ~~ما كتب المرحوم من المقالات وما كتب عنه حين وفاته من المراثي، ولكن الجزء الأول؛ ~~الجزء الذي يحوي صورة الشيخ محمد عبده حية ناطقة متصلة بحياة العصر الذي عاش فيه متأثرة ~~بهذا العصر مؤثرة فيه مفسرة له متفسرة به، هذا الجزء وهذه الصورة التي يريدها الناس من ~~المؤرخ بقيا في صدره إلى الآن، وقد مضى على عزمه على إظهارهما عقد من السنين. # وقعت كذلك على بعض أجزاء مما كتب عن حياة المرحوم مصطفى كامل باشا. ولا شك في أن ~~مصطفى كامل من الأشخاص الذين يفسرون جهة من جهات حياة هذه الأمة، ويتفسرون بها في العصر ~~الذي ظهر فيه، ومع هذا كان كل ما في الأجزاء التي أذكر أني رأيتها جملة من الخرافات لا ~~تفسر حياة الكاتب، ولا تبين صلتها بعصرها وتفسيرها له وتفسرها به بشكل من ~~الأشكال. # ولا أذكر أن أحدا فكر في استفسار كتابنا بعد هذا، اللهم إلا بعض مقالات في الصحف ~~تظهر عن كل كاتب أيام حياته أو على أثر وفاته. هذا على أن كتابنا أمثال قاسم أمين ~~وفتحي زغلول وعلي يوسف وغير هؤلاء وأولئك، قد كان لهم في حياة الأمة أثر غير قليل، كما ~~أنهم كانوا مظاهر خاصة لحياة الأمة. وإذا كان هؤلاء لا يزالون على مقربة منا وقد عاشوا ~~بيننا، وربما وجدوا فيمن بعدنا من يعنى بمعرفتهم، فإن من هم أقدم منهم من الكتاب ~~أمثال الجبرتي وابن إياس لم يجدوا من يعنى بدرسهم ودرس ما كتبوا على اعتبار أنهم مظاهر ~~اجتماعية للأجيال التي عاشوا فيها. # كذلك لم يعن أحد بدرس ما سوى الكتاب من مظاهر حياة الأمة في الماضي وآثارها، بل ~~كلنا نعيش للحاضر وفي الحاضر، نعيش وحدات مستقلة متأثرة بضرورات الحياة، غير محسة بمعنى ~~الاجتماع، ولا بما يستلزمه العيش ms054 المشترك. فإذا مر بنا هذا الإحساس كان أقصى ما يستثيره ~~عندنا رغبات وآمال تطير مع الهواء، ولا تجد لها مستقرا، ثم لا تبقى لها بعد ذلك ~~باقية. # والحقيقة أن طرق باب الإصلاح يستلزم قبل كل شيء الإحاطة بحال الأمة، والأمة لا تتكون ~~من اللحظة الحاضرة، بل إن للماضي في شركة حياتنا قسما أكبر مما للحاضر. الماضي هو ~~حياتنا كلها، هو الأب الذي أنشأ اللحظة الحاضرة، وسلطان أبوته سلطان فعال قاس شديد ~~المحال. وإنما يكون الإصلاح بالاستعانة بما في هذا الماضي من حسنات، ومساعدة هذه ~~الحسنات لتسري إلى المستقبل وتنمو فيه، وبمحاربة ما فيه من مفاسد محاربة استئصال وإبادة ~~... أما مجرد إرسال الرغبات تلو الرغبات، والتعلق بحبال الوهم، فحلم ينقضي مع صاحبه ولا ~~يترك أثرا بعده. والتألم على فوات أمل لم يتبعه عمل تألم الطفل على ما خيل له في حلمه ~~أنه حصله، فلما استيقظ لم يفد شيئا. وحاشا أمة تريد البقاء أن تتعلق بوهم هذا مآله. ~~وإنما عليها أن تعمل للوقوف على ماضيها لتستطيع إصلاح مستقبلها. # وربما كان أحق الناس بالتغلغل في خبايا الزمن واستطلاع حقائق التاريخ جماعة الأدباء ~~والعلماء، ولكن والحال أن أدباءنا ناسون هذا الواجب تائهون في خيالهم وشعرهم وعلماءنا ~~واقفون عند ما خطت أقلام السلف وما ينقل إليهم من أوروبا، فليس من سبيل إلا أن يتولى ما ~~أهملوا قوم قد تساعدهم إرادتهم على التقدم بما يستطيعون من فائدة لسواهم. ولا يكلف ~~إنسان في الحياة إلا وسعه. # لهذا رأيت أن أبحث من جوانب حياة قاسم أمين حياته ككاتب ومفكر اجتماعي بحثا ~~تحليليا أظهر فيه صلة رجل قام بحركة فكرية كبيرة في مصر بمجموع حياة الأمة، ومقدار ~~تأثره بهذا المجموع وتأثيره فيه، وأبين الأصول التي يمكن أن ترجع إليها الأفكار التي ~~قام بها قاسم أمين، والتي كانت من الظواهر الاجتماعية المحسوسة التي ظهرت في العصر ~~الأخير في مصر. # | قاسم أمين (2) # من أجل درس رجل من الرجال؛ فيلسوفا كان أو كاتبا أو شاعرا، يجب قبل كل شيء تعرف ~~الوسط الذي ms055 عاش فيه والحال النفسية الخاصة به؛ حتى يعلم تأثير هذه البيئة المعينة على ~~هاته النفس المعينة، فإذا تم ذلك تفسر الفيلسوف أو الكاتب أو الشاعر إلى حد ~~كبير. # لهذا نرى للوصول إلى تفهم أسلوب قاسم أمين وأفكاره أن نحلل حال الوسط الذي عاش فيه، ~~والأوساط الأخرى التي قد تكون أثرت عليه في حياته، ثم نبحث من بعد ذلك حاله النفسية ~~الخاصة به، فإذا تهيأ لنا من ذلك ما أردنا كان لنا أن نحلله ككاتب، وأن ننظر في كتبه ~~من جهة أسلوبها، ومن جهة الأفكار التي وضعت فيها. حينذاك يكون قاسم قد ظهر لنا ككاتب ~~ومفكر ظهورا تاما، ونكون في حل من الحكم على قيمة كتبه وما لها في الوجود من حق ~~البقاء. ~~(1) الأوساط التي أحاطت بقاسم # ولد قاسم أمين في مصر، وأقام بها كل حياته إلا سنين قلائل قضاها في فرنسا، على أن ~~هذه السنين القلائل كانت ذات أثر كبير عليه؛ ولذلك يجدر بنا أن نحلل الوسط المصري ~~وأن لا نغفل الوسط الفرنسي. أما سياحاته الأخرى في بلاد الترك والشام، فلم تترك ~~عنده أثرا خاصا، ولم تكن أكثر من موضع ملاحظة السائح المار في ربوع تلك البلاد. ~~ويجدر بنا للوصول إلى نتيجة ما من بحثنا الوسط المصري أن نعنى به من جهتين، ~~وبتعبير آخر: أن ندرس منه نوعين: أولهما الوسط الطبيعي، والثاني الوسط الاجتماعي ~~للعصر الذي عاش فيه قاسم. ذلك بأن الوسط الطبيعي ذو أثر كبير في الناس الذين يعيشون ~~فيه، وبالأخص فيما يتعلق بخلقهم. والوسط الاجتماعي هو صاحب الأثر الأكبر في تشكيل ~~أفكارهم. ~~(1-1) الوسط الطبيعي # بينا ترى مصر البرزخ الذي يصل بين الغرب والشرق إذا طبيعتها الجغرافية تضعها ~~في عزلة عن العالم بشكل غريب؛ فالصحاري تحيط بها شرقا وغربا وجنوبا، والبحر ~~المتوسط يحجبها عن بلاد الشمال. ووسط هذه العزلة المنقطعة ينساب نهرها المبارك ~~الغدوات الميمون الروحات، يظل واديه طقس متشابه دائم الابتسام، وسماء صافية ~~لا تتلبد بجهام، وجو معتدل وشمس دائمة وصفو وسكينة. تجوب الوادي من أقصاه إلى ms056 ~~أقصاه فلا تقابلك عقبة تحتاج مجهودا لإزالتها، ولا تثور عليك من ثائرات ~~الطبيعة ريح أو زوبعة أو مطر، بل تراك تسير بين جبلين يقتربان حينا فيحدان ~~الأفق دون مرمى نظرك، ويبتعدان أحيانا فلا ترى دون الأفق مما يجلل أرض الوادي ~~إلا النبت النامي والأشجار اليانعة وأسراب الطير السانحة والبارحة. # وسط هذه المزارع الواسعة ترى الدواب في سكينة أشبه شيء بسكينة الخلد، وأكثرها ~~من تلك الدواب الهادئة المطمئنة إلى عيش السكون. فالثيران واقفة وسط مزارع ~~البرسيم أيام الشتاء لا تتحرك من مكانها، والحمر مدلاة رءوسها الفارغة لا تهتم ~~بأكثر من أن تنال علفها القريب منها. وقل أن تجد سوى هذين النوعين من أنواع ~~الحيوان إلا ما قام الزينة أصحابه. # بل إن الحيوانات المستوحشة مما يوجد في البلاد هي على قلتها حيوانات ضعيفة ~~مستسلمة؛ فتلك الذئاب الضئيلة الضعيفة لا ترى إلا نادرا، ولا يسمع أحد أنها ~~شنت الغارة يوما على مخلوق مما يعيش قريبا منها. وهاتيك الثعالب المستميتة ~~لا يعلم عنها إلا اعتداؤها أحيانا على بعض منازل الدجاج. وهذا أشد الحيوانات ~~مما يوجد في مصر حركة وافتراسا. وليس هناك سواهما إلا ما هو دونهما بمراحل في ~~الضآلة والضعف والاستسلام؛ حيوانات كلها لا تهيج طائرا ولا تبعث إلى موجود هزة ~~الخوف. # لذلك كان كل شيء مما ترى تظهر عليه هدأة السكون؛ سكون يخيل لك معه أن هذه ~~الأشياء تائهة في أحلام مبهمة وخيالات بعيدة. ليس ثمت ما يكدر على شيء منها صفو ~~أحلامه، ليس ثمت ما يمنع الصرصار من أن يستمر في صفيره، ولا ما يقطع على الضفدع ~~نقيقه ثمانية أشهر في السنة؛ ليس ثمت ما يزعج الحمر عن مرابطها من قيظ محرق أو ~~قر مخيف؛ ليس ثمت ثلج يترك الأشجار مدة الشتاء عابسة قائمة؛ ليس ثمت تلك ~~الاختلافات التي تجيء بها الطبيعة في بعض البلاد فتغير وجهها ما بين فصل وفصل، ~~وتغير لذلك معالم كل الموجودات التي عليها؛ وليس ثمت تلك الحواجز الطبيعية التي ~~تستثير في كل مخلوق حب الاستطلاع، أو تستدعي ms057 منه صرف المجهود للتغلب ~~عليها. # وليس هذا السكون الذي ترى سكون الصحراء البلقع المقفرة، بل إن ذلك الوادي ~~المفرد في عزلته هو مستقر النضرة والنعيم؛ فنهره الفياض يجود عليه كل عام بماء ~~الحياة، ويجعل من أرضه روضة يانعة كلها الخصب والثروة. # ولقد بلغ من ذلك حتى ذهب الأقدمون إلى أن النهر يستمد ماءه الغني من ينابيع ~~الجنان، وأن الوادي قطعة من رياض الجنة. وتفننوا في تصوير ذلك ما شاء لهم ~~الخيال المتدفق الذي يتغنى بكل موجود على ضفاف النهر. # وعلى الرغم من هذه الثروة التي يجود بها النهر على واديه ترى حكم الطبيعة ~~المتشابهة الساكنة على كل ما في الوادي حكما قاسيا يخضع كل شيء لشدته؛ فإنك ~~تمر وسط الحدائق والمزارع والمروج بقرى كلها من اللبن متضائلة تائهة في سكون ~~الوادي كأنها بأكواخها الترابية اللون آثار بالية مما خلف الماضي، أو هي ~~أوجرة وأوكار لتلك الحيوانات الضئيلة المستسلمة، فإذا ما دخلت أحدها صدق ~~الواقع ظنك فوجدت نفسك في غرف مظلمة لا يجد النور إليها سبيلا إلا كرها، ~~ثم إذا أضاءها أصحابها ليطلعوك على ما فيها جاءوك بمصباح قذر قليل النور، فرأيت ~~على شعاعه جدرانها السوداء العارية، وأرضا ربما غطاها فرش من الحصير أو القش. ~~وهناك عند أحد الأركان معلقة جريدة من سعف النخل تحمل كل ما في الدار من فرش ~~ودثر وما لأصحابها من ملابس وأردية. وإن أنت عثرت في بعض القرى بمنزل ذي نوافذ، ~~وفي نوافذه زجاج، كان ذلك دليل ما عند أهله من سعة ويسار غير عاديين. على أن ~~هذا اليسار لا يحمل أحدهم ليدخل من مواد الترف إلى داره ما يثور على الطبيعة ~~القانعة المستسلمة. # وفي هذا الوسط الخالد إلى السكينة يجد الضيف النازل رحبا وسعة، ولا يمر ~~بخاطر موجود ممن في الوادي أن يحسب فيه منافسا أو مضايقا. # رزق الوادي يسعه ويسع غيره معه. وكل ما يطلب إليه أن لا يبالغ في الأذى، وأن ~~لا يزعج موجودا عما هو فيه من أحلامه وسكينته. للتمساح إذا دخل ms058 في النهر أن ~~يعيش مما يصل إليه من رزق؛ له أن يأكل ما ضعف عنه من الأسماك، ولكن عليه إلى ~~جانب ذلك أن لا يثير في البر أو في الجو الفساد . # عليه أن يترك القوارب تخطر فوق مياه النيل كما تشاء. # عليه أن لا يخرج إلى حيث الناس والدواب فيقلقها عن مرافقها. فإن هو لم يفعل ~~ذلك استعدى كل من في الوادي الآلهة، واستعانوا عليه بما قد يبعث أذاه إلى ~~نفوسهم من الحركة والهياج ضده. والآلهة - وأكبرها الطبيعة - ضمينة أن تخرج هذا ~~الضيف الذي لا يلائمها من ملكوتها ملكوت الحياة المطمئنة الساكنة. # فقد جاء في التاريخ أن النيل قذف أكثر من مرة بالتماسيح إلى شاطئه، ونزل عنها ~~وتركها وسط الرمال في جو لا يلائمها، فذهبت ضحية مقامها في وسط غير ~~وسطها. # وجاء أن بعض السباع عدا على البلاد، فخانه الوسط الطبيعي ولم يجد لنجاته ~~سبيلا إلا الرحيل، وكل ما بقي من الضيفان من خضع للجو المحيط به، ونزل عن كثير ~~من أخلاقه، ورضي بالعيش الذي يكرهه عليه ما حوله من المجاورات ... أو على الأقل ~~من تصنع هذا الرضا والخضوع. # وهذا الوسط هو الذي أحاط بمن نزل وادي النيل من قرون القرون، وهو الذي خلق ~~الموجودات والناس ممن عاشوا فيه، ولم يؤثر فيه الناس ولا الموجودات إلا أقل ~~الأثر. # فماذا عسى تكون الخلائق التي أوجدها؟ وماذا عسى يكون أثره فيهم؟ ~~(1-2) الوسط الاجتماعي # لسكان وادي النيل مميزات خاصة امتازوا بها منذ القدم؛ مميزات في أنظمتهم ~~الجسمية، ومثلها في أنظمتهم الأخلاقية والعقلية، وكلها خلق ذلك الوسط الطبيعي ~~الذي يعيشون فيه. فكما أن طقس بلادهم طقس هادئ دائم السكينة قليل الغير؛ كذلك ~~تلمح في وجوههم أثر السكينة الهادئة المطمئنة، وتلاحظ في أخلاقهم الاستسلام ~~والعيش في الحاضر، وترى في تفكيرهم خلودا للماضي وعدم ميل للتغيير. هم يعيشون ~~على نحو ما عاش آباؤهم، خلا أماني تجول برأسهم قد يتغنون بها أحيانا إذا ~~ساعدهم الوقت على التغني، كما يتغنى الطائر ما دام الصيف وما أسعده الدفء، ms059 فإذا ~~جاء الشتاء أسكته. # كذلك إذا تغيرت الظروف انكمش المصريون ونسوا أغنياتهم، ورجعوا إلى عيشهم ~~الأول مكتفين من الحياة بحرث الأرض وبإنتاج مواد الرزق وما تستلزم ~~المعيشة. # وهذا هو سبب ما نرى في التاريخ من تقلب الولاة والحكام الأجانب على هذه ~~الديار، من غير أن يدفع أهلها لمناوأة حاكم ملكهم دافع، بل لقد بقيت الأسرار ~~الفرعونية تتوالى واحدة بعد أخرى وليس من بينها أحد من سكان الوادي الصميمين. ~~وهؤلاء السكان أبعد ما يكونون عن التفكير في إسقاط أسرة أو الطمع في الاستيلاء ~~على العرش، ويبقى الحاكم متربعا في دسته آخذا بيده النهي والأمر؛ حتى يجيء ~~سواه من جنسه أو من جنس آخر فيستعين عليه بالقوة أو بالدهاء حتى يسقطه ويأخذ ~~الحكم مكانه. والمصريون ينظرون لذلك كله بعين مطمئنة، وقلب إن جالت به بعض ~~الوساوس، فإنها لا تخرج إلى أكثر من الهمس الذي يزول يوم ينكشف النزاع بين ~~المتجادلين. وأي منهما غلب كان صاحب الحكم وصاحب الحق على عرش وادي النيل وصاحب ~~الرعاية على سكانه. # وعجيبة قوة الوسط الطبيعي للوادي في إخضاع من يقيم فيه لسلطتها، فلا يلبث ~~الحاكم القديم أن يتدرك إلى ملابسة الناس من أهل الوادي ومخالطتهم، والعيش ~~بينهم، حتى تداخله وتداخل أبناءه الأخلاق الخاصة التي امتازت بها الطبيعة. فهو ~~سرعان ما يميل إلى الاستسلام للطمأنينة والأخذ في طريق الحياة الساكنة القانعة ~~من العيش بما تنبت الأرض وبما يرزق الله؛ لهذا لم نر أسرة من الأسر بعد إذ ~~غلبت على أمرها كونت لنفسها حزبا تناوش به من بزها عرشها سعيا وراء استرجاع ~~ذلك العرش، اللهم إلا في ظروف نادرة ولوقت قصير. # ولقد كان من أثر هذه العوامل الرئيسية أن زادت في ذلك الاستسلام الطبيعي ~~الموجود في النفس المصرية، فاصطبغ كل ما دخل إليها من الأخلاق والعقائد بصبغته، ~~وأصبحت قواعد الأديان التي توالت على أرض مصر مرتكزة على أساس الجبرية ~~والإيمان، كما امتازت الأخلاق المصرية بالسكون إلى حكم القضاء. ولم يكن من صالح ~~الحكام المتعاقبين تغيير شيء من ذلك كله، ms060 فانغرست تلك الصفات وتأصلت ووصلت إلى ~~حد الجمود. # لذلك كله كان واجب المصلحين في هذه الديار أشق وأتعس ما يتصور. # كان قاسم أمين والوسط الذي عاش فيه تحكمه كل هذه الصفات، ولكن كان إلى جانبه ~~حركة اجتماعية جديدة قامت على أثر الحركات المتوالية التي تعاقبت على مصر في ~~القرن الأخير. # حركة حرة قامت على أساس فكرة الإصلاح متأثرة بما حصل في البلاد في سنتي 1876 ~~و1882، وبما عقب ذلك من أوجه الإصلاح الاقتصادي والنهضة الشابة العلمية التي ~~أخذتها بيدها حكومة ذلك الوقت. وأعان هذه الحركة الإصلاحية الحرة على البقاء ~~والتقدم المركز الخاص الذي وجدت فيه مصر بعد سنة 1883، والذي أدى لوجود حكم ~~البلاد في يدين متنافستين تنافسا سمح بازدياد الحرية الفردية، وترك للأمة أن ~~تبدي على الملأ ما كان يجول بخاطرها من الأماني، متأثرة في ذلك بما ورد إليها ~~من نظريات الغرب الذي كان قد بدأ يهتم لها اهتماما خاصا لما خلقه لها قنال ~~السويس من المركز الخاص. # لكن هذه الحركة الجديدة كانت قاصرة على أن تمتد إلى جوف البلاد، بل كانت لا ~~تزال متركزة في العاصمة ولا يصل منها إلى بعض المدن إلا صدى لا يؤديها بشكل ~~مضبوط، ولا يترك منها في نفوس أهل تلك المدن إلا أثرا ضعيفا هو أشبه شيء بما ~~يتركه الحلم في وهم الحالم بعد يقظته، كما أنها كانت لا تزال مترددة لم تختط ~~لنفسها طريقا معينا، ولا هي تجددت بحدود خاصة إلا في نفوس بعض الرؤساء ~~القائمين بها. # ولما كانت متركزة في العاصمة كانت كل ملاحظاتها وكل أطماعها وكل الأغراض التي ~~ترمي إليها مأخوذة من نوع حياة العاصمة، وموجهة إلى إصلاح هذا النوع من الحياة. ~~ومن شأن العواصم أن تعزو كل ما تراه بين جدرانها من الخير والشر، وما تتوهم في ~~ربوع البلاد من بر وفقر إلى عمل الحكومة وإلى نظامها؛ لذلك كانت حركات العواصم ~~متطلعة أغلب الأحيان إلى الناحية السياسية. وفي حركة العاصمة المصرية في سنة ~~1882 شيء من هذا المعنى، لكن ما ms061 قدمنا من صفات أوجدتها الظروف الطبيعية ~~والسياسية في الشعب المصري كان من شأنه أن يضعف عزم كل مصلح يريد الدعوة ~~للانقلاب السياسي، ويدعوه للتفكير في البدء بالإصلاح الاجتماعي. هذا فضلا عن ~~أن قوى خارجة كانت تحول بين السياسي وبين نجاح الدعوة للانقلاب؛ لهذا كانت ~~الحركة الحرة التي نشأت عند نشأة قاسم أمين مضطرة إلى أن تهتم بالإصلاح ~~الاجتماعي قبل كل شيء. # ولما كانت هذه الحركات ترمي إلى شيء من التجديد في طرق العمل والتفكير ~~والاعتقاد، كانت المعارضة القائمة في وجهها غاية في الشدة؛ فلم يكن قوامها إلا ~~المركز الممتاز الذي كان للقائمين بها. ولولا مثابرة هؤلاء الرؤساء وما لقوا من ~~التعضيد من بعض الجهات التي كانت تهتم بأن تبقى الحركات الإصلاحية اجتماعية ~~كلها لماتت تلك الحركات في مهدها. # وكان من الحركات الإصلاحية الأخرى التي قامت إلى جانب هذه الأولى حركات ذات ~~وجهة سياسية، اعتمدت في انتشارها على سغب الرأي العام لمثل المبادئ التي كانت ~~تنادي بها، وقد لقيت هذه الحركات نجاحا وانتشارا كبيرا في العاصمة، لكنها ~~اندفعت إلى مقاومة تيار حركة الإصلاح الاجتماعي في بعض ما كانت ترمي إليه ~~مقاومة ذات قيمة. # ولقد ساعد تلك المقاومة أن هذه الأحزاب كانت تناصر المبادئ الجامدة التي ~~توارثتها الأمة وتحبذها، على حين كان أهم ما ترمي إليه حركة الإصلاح الاجتماعي ~~زحزحة الأمة عن مركزها الجامد، وإدخال نوع من التفكير الحر إلى نفسها كي تستعين ~~به على التحلل من بعض العادات والأنظمة؛ أي إن هذه الحركة كانت احتجاجا ناطقا ~~على هذا الجمود وصيحة عالية في وجهه. ~~••• # وكان مما وجه إليه بعض المصلحين نظرهم بوجه خاص ما كانت عليه الأمة - ولا ~~تزال - من الوقوف في الدين عند تفاسير قديمة رأى أولئك المصلحون أنها لا توافق ~~روح العصر الذي يعيشون فيه من جهة، وليست ضربة لازب ولا ضرورة من ضرورات الدين ~~من جهة أخرى؛ فرأوا من الواجب الأخذ بغير هذه الآراء والتحلل من قيودها، ونبذ ~~ما ترتب عليها من المفاسد التي تراكمت بعضها فوق بعض مع ms062 الزمن، والتي أصبحت في ~~اعتبارهم علة من العلل التي أصابت الدين وهو منها بريء. وكان على رأس هذه ~~الحركة الشيخ محمد عبده. # ولا شك أن هذا الباب من أبواب الإصلاح كان يومئذ الأساس لكل ما سواه؛ لأن ~~الفكرة الدينية كانت وحدها المتسلطة على عقائد الناس وأخلاقهم وأنظمتهم ~~ومعاملاتهم تسلطا مطلقا لا يفكر أحد في أية وسيلة للتحلل منه ولو إلى أضعف ~~الحدود. ومن أجل ذلك سمح المصلحون الدينيون لأنفسهم أن يجوسوا خلال كل أنواع ~~الإصلاح؛ فكانوا يتقدمون بالرأي في الحال الاقتصادية وفي الحال الأخلاقية وفي ~~الحال الاجتماعية، ولم تكن إلا الحال السياسية هي التي أغلق بابها دونهم؛ ~~لأنها لم تكن في يد الأمة، كما أن أصحابها لم يكونوا ليتهاونوا في أمرها أو ~~ليدعوا لغيرهم أن يبدي فيها رأيا. # ولقد وجه رئيس الحركة الإصلاحية المرحوم الشيخ محمد عبده همه الأول إلى ~~تصفية الدين مما يعتقده الناس من الترهات التي ألصقت به، وكان مثله في ذلك مثل ~~لوثر وكلفن وغيرهما من المصلحين الذين قاموا بالحركة الدينية في أوروبا في ~~القرن السادس عشر؛ أي إنه جعل العقل مقياس الدين، فكل ما لم يتفق مع العقل من ~~تفاسير السابقين هو يعتبره دخيلا لا يستحق البقاء، ويجب أن يقوم مجتهد يحل ~~غيره محله. وكان أكبر همه من ذلك موجها لما يختص بالعقائد؛ لذلك تراه أصدق ما ~~يكون حملة على مسائل الأولياء والنذور وأمثال هذه الطقوس مما هو دخيل على ~~الإيمان بالإله في رأيه، أما ما كان متعلقا بالأنظمة الاجتماعية والاقتصادية، ~~فلم يكن صاحب نشاط فيه وإن كان صاحب رأي. ورأيه إنما كان أغلب الأحيان أثرا من ~~آثار مركزه؛ فقد كان يصدره كفتاوى فيما تطلب منه الحكومة الفتوى فيه، وفيما ~~يعرض عليه من غير الحكومة. # ولقد كان لهذه الحركة التي قام بها الشيخ محمد عبده في وقته من القوة ما لم ~~يكن سهل الاحتمال عند الأمة لولا الظروف الخاصة التي كان فيها الشيخ المفتي؛ ~~فقد كان صاحب الإفتاء في البلاد، كما أنه كان باطلاعه الواسع وبحسن ms063 فهمه للظروف ~~المحيطة به وبتوفيقه ما بين العلم الشرقي والعلم الغربي صاحب مكانة لم تتهيأ ~~لغيره من المصلحين؛ مكانة سمحت له أن ينفث روحه في الصحافة ويؤثر بذلك في الرأي ~~العام. # لكن المصريين كانوا مع ذلك أنصار القديم إلا الأقلين منهم؛ كانوا أنصار ~~الطمأنينة للحياة والسكون للماضي والاستسلام للحاضر وعدم الميل لجديد، بل إن ~~كثيرين من الأقلية لم يناصروا الشيخ محمد عبده ومدرسته إلا لغرض في نفوسهم؛ فقد ~~كانوا يرون أن هذه المدرسة تتصل بالسلطة الحاكمة وتقدر بذلك على إفادتهم فائدة ~~مادية؛ لهذا ما لبث الشيخ محمد عبده أن وافاه الأجل المحتوم حتى ابتدأ عقد ~~مدرسته ينفرط، وإن بقيت آثاره في نفوس جماعة الذين لم ينقطعوا للعلم الديني. ~~وبهذه الآثار استطاعوا أن يجعلوا الأمة تسيغ من مبادئهم الحديثة ما لم يكن في ~~وسعها أن تسيغه من قبل. # لكن هذه الهوادة في قبول الأفكار لم تجئ إلا بعد زمن طويل وفي ظروف غير التي ~~كان فيها قاسم؛ لم تجئ إلا بعد قيام نهضة غير مستمدة من الدين، كان قاسم من ~~السابقين إليها والذين لم يتمتعوا بثمارها. # وفي هذا الوسط الاجتماعي ظهرت أفكار قاسم، فاضطرت أن تأخذ صبغته إلى حد كبير، ~~لولا نزعات كانت ترجع إلى ما أفاده الكاتب من فرنسا وإلى حاله النفسية الخاصة. ~~وقويت هذه النزعات عنده في الكتب التي وضع آخرا: المرأة الجديدة والكلمات. ولو ~~أنه عاش بعد ذلك طويلا لزادت قوة، ولكانت من أقوى العوامل في مساعدة الروح ~~الشابة الحاضرة، روح التجديد. ~~(1-3) الوسط الفرنسي # قضى قاسم أمين سني دراسته العالية في فرنسا، وككل شاب يتاح له المقام في إحدى ~~ممالك أوروبا زمنا غير قصير تأثر قاسم بما رأى في تلك البلاد، وتأثر أكثر من ~~سواه، وكان تأثره بنوع خاص من جهتي الإحساس والتفكير، وترك ذلك في حياته الخاصة ~~وفي مظاهره العامة أثرا غير قليل؛ لذلك يجدر بنا أن نستظهر قدر الطاقة نوع ~~الوسط ومميزاته حتى يتسنى لنا تتبع قاسم ككاتب ومفكر. # ولسنا ندعي إمكان الإحاطة بمميزات الوسط ms064 الفرنسي في هذه الكلمة القصيرة؛ فإن ~~مثل هذا الدرس تحوجه مؤلفات طويلة، لكنا إنما نريد أن نضع أمام النظر الجهات ~~الخاصة منه التي تأخذ بذهن الشاب الشرقي الذي يقصد إلى تلك البلاد ليفيد منها ~~العلم والنظر ، وربما وصلنا إلى ما يساعدنا على تحليل أسلوب قاسم وكتبه وأفكاره ~~وعقيدته. # تقابل الناظر في فرنسا طبيعة جديدة جميلة لم يعرفها في مصر، ولم يتذوقها إلا ~~من طريق الخيال؛ تقابله جبال وغابات وغياض وحدائق يأخذ جمالها بالنظر ويسترعي ~~اللب والفؤاد، وتقابله كذلك مبان فخمة بديعة النظام فيها غير المعنى التاريخي ~~الذي ألفناه في مبانينا التي وجدت على التاريخ قبل أن يوجد التاريخ معنى ~~الاتساق والتوازن. وفي كثير من هذه المباني يجد التماثيل والنقوش والصور، وكلها ~~مثل الجمال على مختلف أنواعه، فلا يلبث أن يرى ذلك كله حتى تأخذه نشوة تدعوه ~~إلى تكرار النظر إليه والاستزادة منه؛ فهو يذهب المرة تلو المرة إلى قصر اللوفر ~~الفخيم يشاهد فيه أبدع الصور وأدق التماثيل مما خلف اليونان والرومان ~~والهولنديون والإيطاليون وأهل الأمم ذات المدنية والحضارة، ويتردد إلى غاب ~~بولونيا يشاهد فيها أبهى مناظر الطبيعة من بحيرات وأشجار، وأرق مظاهر المدنية ~~من جياد مطهمة وسيارات بديعة تحمل الحي زاد نفسه جمالا بدقة ذوقه في نوع لباسه ~~وكيفية ابتسامه، وما يشف عن رقة طبعه، ويعود بعد ذلك مارا بقصور الإليزيه ~~وبميدان الكونكورد وبحدائق التويلري، وبما في ذلك من مختلف صور الجمال الصامت ~~والناطق، ثم هو يخرج أيام الآحاد إلى الضواحي فتقابله الجبال الصغيرة والأنهار ~~والغياض، فإذا تغلغل في أحشاء فرنسا إلى الأوفرن سحرته عن نفسه ببديع جمالها ~~تلك الجبال المنيعة الرفيعة، تجلل هاماتها الثلوج وتغطي سفوحها الأشجار وتنساب ~~في أخاديدها المياه دائمة الخرير، ويتوجها كل مساء مغرب الشمس الباهر. # وهو في حل ما دام في فرنسا من أن يرى جديدا من هذه المناظر الطبيعة والمدنية ~~متى شاء، أمامه غير قصر اللوفر متاحف لا يحصيها العد، وغير حدائق التويلري وغاب ~~بولونيا حدائق وغابات لا تنتهي، وغير الأوفرن جهات الرفييرا والتيرول ms065 وسواهما. ~~وكل هذه المتاحف والحدائق والغابات والنواحي تحوي من الجمال ما يدعو إليه ويحبب ~~فيه؛ كلها الشعر الناطق بآي الحكمة والبهاء والرواء. # تسترعي هذه الأشياء كلها نظر النازل فرنسا، وتفتح أمامه عالما جديدا لم ~~يجل قط من قبل في تصوره، وتدعوه بذلك للاستزادة ما استطاع مما حولها، فيقصد ~~مسارح التمثيل يرى فيها أثر الفكر الإنساني مجسما متنوعا كما يرى التفنن في ~~حسن الذوق حين يجيل بصره في صالات التياترو المزدحمة أثناء هدنات ما بين الفصول ~~بالمتفرجين. ويذهب إلى ملاعب الموسيقى فتأخذ بسمعه نغمات جديدة مملوءة بالحياة ~~والقوة، مختلفة جد الاختلاف عن نغمات موسيقانا المستسلمة الشاكية. قد لا تطربه ~~هذه النغمات بادئ الأمر، ولكنه يرى فيها معنى خاصا غير الذي ألفه في الموسيقى ~~الشرقية، يراها أغلب الأحيان موسيقى عصبية يهزها الفرح أو يخرجها عن طوقها ~~الحزن، فإذا انبعث عنها الوجد والشكوى لم تدم على ذلك إلا ريثما تصور المدنف ~~الواله وسط الحركة الشديدة؛ حركة المدنية الحاضرة. # ثم يرى فيما حول ذلك كله المتاجر والمصانع كلها النشاط والحركة، ويحس في كل ~~مخلوق مما على أرض هاته البلاد أنه يحب الحياة حبا حقيقيا، ويرى فيها مواضع ~~للفائدة واللذة يمكنه الوصول إليها متى أراد. ولن يكون ذلك بالاستسلام ولا ~~بالطمأنينة للحاضر، ولكن بالجد والعمل؛ فكل يجد ويعمل يريد أن يسخر كل ما ~~على الطبيعة لفائدته ولذته. هذه هي النواحي الظاهرة التي تأخذ بنظر النازل ~~فرنسا. # فإذا هو تعمق في تعرف شئون الفرنسويين إلى أكثر من المنظر الظاهر؛ إذا هو ~~بحث أنواع حياتهم ومبلغ إحساسهم وأوجه التفكير عندهم مستعينا في تفسير ذلك كله ~~بما رأى، تبدت له صور وإحساسات وأفكار وأنظمة أكثر أخذا باللب، وأوقع في ~~النفس مما رأى قبل ذلك. تبدت الأسرة وليست هي مجرد ذلك القطيع الإنساني لا ~~يجمعه أكثر من الروابط الطبيعية؛ روابط الأبوة والبنوة تحت إمرة الأب، ولكنها ~~شركة إنسانية أساسها تبادل الإحساس الخالص والزيادة في سعادة الفرد من طريق ~~الاجتماع وخلق الأبناء، والقيام عليهم ليكونوا في مستقبلهم رجالا أحرارا أو ms066 ~~سيدات يعرفن معنى الحرية ويقدسن الواجب. # وتبدت له إحساسات دقيقة رقيقة قوية عنها صدرت تلك الموسيقى العصبية الحرة، ~~وهاته النقوش والصور البديعة المملوءة حياة ونظاما ومعنى، وتلك الروايات ~~المملوءة بالشعر والفكر؛ وعنها تصدر كل جلائل الأعمال التي يرى في تلك ~~البلاد. # وبدا له إلى جانب هذه الإحساسات وآخذا بيدها فكر دقيق مصقول هو مصدر فلسفة ~~طويلة عريضة لم تترك نقطة من نقط الأخلاق أو العقائد أو الأديان إلا حققتها ~~وحللتها، ووصلت فيها إلى مختلف النتائج. # وليست هذه الفلسفة فلسفة استسلام وتواكل، بل هي الأخرى فلسفة قوية مبناها ~~احترام الجنس الإنساني وكل ما ينتج، لا تعرف تقديس الماضي ولا الخضوع له، بل هي ~~تأخذ كل ذرة من ذراته فتحللها وتبحث عن مصدرها وأصلها وطرق نموها والنتائج التي ~~انبنت عليها، ثم تبحث عن قيمتها وحقها من البقاء، فإن لم ترها متفقة مع العقل ~~أو رأتها عقيمة النتيجة طرحتها جانبا. # لذلك لم تذر الاعتقادات دون النقد المر، ولم تترك الديانات ولا أساسها إلا ~~بعد إذ هدمت منها جانبا غير قليل. وقد سارت في هذا الطريق أزمانا طويلة حتى ~~كانت مسألة عدم التدين في العصر الذي نزل فيه قاسم أرض فرنسا مسألة مفروغا ~~منها، بعدما استنفدت من الكتب الفلسفية ومن كتب الشعر والأدب آلاف ~~الصحائف. # وكان من أثر هذه الفلسفة اللادينية أن بثت في الشعور العام فكرة جديدة عن ~~الأخلاق، وعن المعاملات، وعن طرائق النظر عامة، فصارت فرنسا المفكرة تعمل لبناء ~~عمرانها الاجتماعي على أساس من العقل والعلم البحت؛ وصارت فرنسا المتصلة بهذه ~~الأولى - أقصد بذلك شعب المدن - بعيدة عن أن تدين بالأفكار القديمة أفكار الزهد ~~والتقشف، بل آمنت بالأفكار الاقتصادية المنادية بوجوب السعادة في هذه الحياة ~~الدنيا. # ولقد كانت هذه الطوائف جميعا قائمة بهذه المبادئ بنفس الحدة والقوة التي قام ~~بها أهل العصور السالفة لنصرة الدين، فكأن هذه الأفكار العلمية البحتة كانت ~~ترمي لتأخذ صبغة إيمان جديد يحل محل الإيمان القديم، ويطالب أنصاره بتعزيزه ~~بمبلغ ما عزز الدينيون إيمانهم الأول. # لكنما كانت هذه ms067 المبادئ الجديدة لا تزال في تشعبها لم تتركز ولم تصل إلى حد ~~الإيمان فعلا. كان كل صاحب رأي يجاهد لإعلاء أمره جهاد صاحب الدعوة، لكن أصحاب ~~الدعوات المختلفة كانوا جميعا من التحمس بحيث لم يصل أحد منهم ليبلغ بدعوته من ~~النفوس ما يجعلها دينا جديدا يحل محل الدين الذي هدمه فولتير ورينان وتين ومن ~~عاصر كلا منهم من الفلاسفة. # هذه الحركة الفكرية القوية في ذلك الشعب الحي وسط تلك الطبيعة الناطقة ~~المتحركة، وهذه المظاهر الفنية من نقوش وتماثيل وروايات وموسيقى، وتلك العواطف ~~الشديدة التي تحرك النفوس - ذلك كله هو أول ما يأخذ بنظر الأجنبي المقيم في ~~فرنسا، وذلك كله هو أساس مدنية الغرب. # في هذا الوسط أقام قاسم أمين زمنا من حياته وتأثر به أكبر الأثر، تأثر به ~~إلى حد تدثرت معه صفات وملكات مما يستلزم الوسط المصري المستسلم الساكن، وظهر ~~هذا الأثر في حالته النفسية، وفي أخلاقه، وفي كتبه وعقائده إلى حد كبير. ~~(2) الرجل # لم تتح لي معرفة قاسم أمين على قرب عهدنا به، وكل ما كنت أعرفه عنه مظاهره في ~~الحياة ككاتب وكقاض، على أن هذه المظاهر كفت لتحل الرجل من نفسي مكانا جمع بين ~~الإجلال والمحبة، فلما وافته منيته في سنة 1908 شيعته إلى مقر وفاته وفي القلب ~~لوعة حزن وأسى وحسرة. # لكن إنعام النظر في صورة الرجل والتدقيق في ما كتب وفي ما ذكره عنه من عرفوه، ~~ومقارنة ذلك كله بعضه ببعض تحيي في النفس منه صورة مضبوطة تجعله أمام المخيلة حيا ~~جالسا في هدأته العصبية الحزينة تؤثر فيه الحوادث جميعها دقيقها وجليلها من جهات ~~العواطف والإحساس أولا، ومن جهة الفكر المنطقي البحت بعد ذلك، وتستدعي منه ملاحظات ~~عصبية هي الأخرى، ولكنها بعيدة عن ذلك التهيج الذي يلزم في أحيان كثيرة جماعة ~~الكتاب العواطفيين. فإذا هو توترت أعصابه أمام تكرر المشاهد والمناظر، وأمام جمود ~~المحيطين به دون التأثر بما يراه هو ويلاحظه، ترك الناس إلى وحدته آملا أن يجد ~~فيها من الطمأنينة والسكون ما يرد إليه ms068 هدأته، وكذلك تبقى هاته الحال العصبية ~~تتناوبه حتى تدفعه ليكتب أجمل ما في كتابيه «تحرير المرأة» و«المرأة الجديدة»، ~~وليحفظ في أوراقه الخاصة بعض كلمات بديعة أظهرتها الظروف بعد وفاته. # وكانت هذه الحال العصبية المحتوية نفسها مرتبة حياته الخاصة، كما كانت مصدر ~~أعماله جميعا. كانت منبع سعادته ولذته وأمله، وسبب آلامه ومتاعبه، ومصدر كتاباته ~~وأفكاره، وأساس أحكامه وقضائه، فكأنما كانت أعصابه أوتارا تتأثر بملامسة الحوادث ~~تأثرا سريعا ينقل إلى نفسه الإحساسات المختلفة، وينقل إلى الخارج مظاهر هذه ~~الإحساسات على النظام الذي تعطيها إياه قوة ملاحظته الحادة الدقيقة. # عاش قاسم أمين حياة لم يتخللها حادث غير عادي يجعل لها صبغة غير مألوفة. دخل ~~المدارس في مصر ثم سافر مع إرسالية الحكومة إلى فرنسا، فلما عاد منها اشتغل في ~~وظائف قضائية انتهت به إلى منصب مستشار في محكمة الاستئناف الأهلية، وبقي في هذا ~~المنصب حتى آخر حياته. # لكنه مع ذلك لم يكن الشخص العادي في أي طور من هذه الأطوار؛ فلقد امتاز في فرنسا ~~بحدة في الذهن لفتت إليه أساتذته. وإني لأذكر الساعة يوما كنت فيه مع الأستاذ ~~«لرنود» أحد أساتذة كلية الحقوق في باريس، ومال بنا الحديث إلى المصريين فذكر لي ~~قاسم بشيء من الإعجاب ملأني كمصري غبطة، وكمعجب بقاسم سرورا، أن شاركني في إحساسي ~~عالم كبير، كما أنه امتاز في القضاء بحسن ذوق غير متعارف، وبدقة في التقدير أكسبته ~~ثقة زملائه وعطفهم. كذلك لم يشاركه في حياة مصر العامة مشارك؛ لم يقم معه قائم ~~بمبدأ جديد بتلك الثقة بالنفس وهذه القوة في العقيدة. وهذا الامتياز في درجات ~~الحياة التي مر بها راجع إلى حالته النفسية؛ إلى تلك الحال العصبية الحساسة. # فلم تكن تقابله مسألة مهما تكن من البساطة إلا تأثر بها وارتسمت في مخيلته، ~~واستدعت منه النظر والفكر واهتزت نفسه لها؛ فتلك امرأة محجوبة تسير في شارع ~~الدواوين مبرقعة كما يسير آلاف غيرها، ولكن يظهر من هيئتها أنها من عائلة كبيرة، ~~فنرى عيون قاسم الواسعة تحدق بها، لماذا؟ لأن إحساساته تأثرت، ms069 ونفسه تغيرت، أن رآها ~~«تمشي خطوات مرتبة يهتز معها جسمها مائجا كما تفعل الراقصة على المسرح، وتخفض ~~جفونها بحركة بطيئة وترفعها كذلك، وترسل إلى المارة نظرات دعابة ورخاوة واستسلام ~~يجعل مجموعها تحريضا مهيجا لحواسهم». هذا هو أثر حي أمامه من آثار الحجاب الذي ~~يحار به، وهذه هي الصورة التي يدعي خصومه أنها مثال ذلك النظام الذي وضعته العادة ~~محافظة على العفة. أفلا يرى الناس هاته المرأة أمامهم تكذب كل ما يزعمون؟ # وتلك بعض الحوادث في عمل القضاة لا تتفق مع وجدانه وضميره؛ حوادث يأتيها بعض ~~زملائه لسبب قد يعرفه وقد لا يعرفه؛ قضايا يحكمون فيها أحكاما لا تتفق مع المألوف، ~~فإذا كان لا يستطيع أن يعين هذه القضايا، فإنه يعجز عن أن يسكت نفسه دون أن تصيح: ~~«أعرف قضاة حكموا بالظلم ليشتهروا بين الناس بالعدل.» # ويتوفى صاحب اللواء وتمر جنازته في الشوارع، ويشهدها قاسم ويرى تلك الجموع ~~الحاشدة التي تسير فيها جامعة مختلف طبقات الأمة وأهالي بلادها المختلفة، مظهرة ~~اتحادا في الشعور، فتهتز أعصابه وتمتلئ بالأمل نفسه المحزونة، ويرى أن «الإحساس ~~الجديد، هذا المولود الحديث الذي خرج من أحشاء الأمة، من دمها وأعصابها، هو الأمل ~~الذي يبتسم في وجوهنا البائسة، هو الشعاع الذي يرسل حرارته إلى قلوبنا الجامدة ~~الباردة، هو المستقبل». # وكانت هذه الهزات العصبية تترك في نفسه صورا مضبوطة من الحوادث أو المظاهر التي ~~أنتجتها؛ فالمرأة التي رأى في شارع الدواوين «طويلة القامة ممتلئة الجسم عمرها بين ~~العشرين والثلاثين في وسطها حزام جلد مشدود على خصر رفيع ... وعلى وجهها قطعة من ~~الموسلين الرقيق أقل عرضا من الوجه تحجب فاها وذقنها حجابا لطيفا شفافا ... وتترك ~~الحواجب والجبهة والشعر والرأس إلى منتصف الشعر مكشوفة». # وقد رأى مدة وجوده في فرنسا طفلا عمره عشر سنين كان يتفرج بجانبه على فرقة من ~~العساكر الفرنسوية وهي عائدة من حرب التونكين، «فلما مر أمامه حامل العلم وقف هذا ~~الغلام باحترام، ورفع قبعته وحيا العلم وصار يتابعه بنظره حتى غاب عنه». أمام هذه ~~الصورة المضبوطة من ms070 جاره وحركاته أحس قاسم «أن الوطن تجسم لهذا الطفل في العلم الذي ~~مر أمامه، وأثار فيه جميع الإحساسات التي بعثها فيه ما تربى عليه من حبه حتى خاله ~~رجلا كاملا»، وصور غير هاتين كثيرة يمر بها من يقرأ ما كتب قاسم؛ صور حية ناطقة ~~بما تحوي منبئة باهتزاز روح واضعها وتأثره. # وكان من أثر هذه الحال العصبية الخاصة عنده أن كان على الرغم من دقة ملاحظته، ~~ومتانة تفكيره رجل عواطف يحس بالحياة أولا ويحللها ثانيا. لم تكن الحياة وما فيها ~~من مظاهر وموجودات موضوعا خارجا عنه؛ فهو يحلله وينظر فيه بالهدأة التي يشرح ~~بها الطبيب جثة أمامه يريد أن يعرف ما تحوي، ولكنها كانت روضة يريد أن يسعد بما ~~فيها، ويود لو يشاركه في هذه السعادة أمثاله؛ لذلك تراه دائم التغني بمعاني الحب ~~وآثار الجمال، داعيا الناس بشوق وشدة يريد منهم أن يسيروا معه، ويشاركوه في المتاع ~~بذلك الجمال، وأن يسعدوا أنفسهم بالحب ليكون له بسعادتهم سعادة مضاعفة؛ ولذلك تراه ~~شديد المقت لكل ما يحول دون هذا المتاع من ظلم أو جهل أو فساد. وهو يمقته بنفس تلك ~~الهزة العصبية التي توجهه في جميع أفكاره وإحساساته، هو لا يريد لبني آدم ممن حوله ~~أن يعيشوا عيش النبات يشبون ويذبلون ويفنون من غير أن يكون لهم في ذلك من حظ، ولكنه ~~يريد منهم ولهم عيشا إنسانيا ممتلئا، عيشا تهزه العواطف وتملأه الأعمال، عيشا ~~يسمح لهم بورود مناهل السعادة، ويجعل لمجموعهم وللأفراد الممتازين منهم محلا ~~للخلود الشريف. # وظاهر من ذلك أن قاسم لم يكن من مذهب الساخرين من الحياة، وأنه كان يرى لها قيمة ~~كبرى ويظنها مجالا للسعادة والنعيم؛ هو لم يكن يقول لنفسه: ما دام الموت هو الغاية ~~العظمى والنتيجة الأخيرة لهذا الوجود المملوء بالمتاعب والآلام، فخير الطرق إليه ~~أسرعها وأقلها متاعب وآلاما. ولكنه كان ينظر إلى الموت بعين الخائف الوجل، ويخيل ~~إلي أنه كان يتمنى لو يصدق الظن ويحشر مع أهل الجنة وينجو بذلك من الفناء المخوف ~~الأسود الذي يقول ms071 بعضهم إنه ينتظرنا ساعة الموت. ولقد عبر هو نفسه عن هذا الإحساس ~~بكلمة بالغة في الدقة والإبداع، قال: «أتعس البرية إنسان ضاع إيمانه يدس الموت بسمه ~~في حياته فيفسد عليها لذتها، وينغص عليه شهوتها.» تلك كلمة تعبر عن أثر الخوف من ~~موت يقطع كل أمل في البقاء، تعبر عن إحساس نفس تحب الحياة وترجو البقاء فيها، وترى ~~أن فيما يحيطنا من أنواع الجمال وفيما يختلج صدورنا من مختلف العواطف، وفي ذلك ~~العالم المملوء بما يبهر العين ويأخذ بالقلب ويستدعي الملاحظة، ويشحذ الفكر وينبه ~~الإحساس، وبالجملة ما يبعث إلى النفس السعادة وإلى الذهن النشاط - ترى في ذلك ما ~~يجعل الحياة حقيقة لذيذة تستحق أن يتمسك بها وأن يسعى لها. # وكل ما كان يؤلم نفس قاسم تلك العقبات التي يجد في سبيل الوصول إلى هذه الحقيقة ~~اللذيذة والاستمتاع بها كلها، ويهزه ذلك الألم فيبعثه إلى النظر والسعي في إزالة ~~هذه العقبات التعسة، ولكن ما في طوقه من ذلك قليل. # فإذا هو شعر بضعفه أمام المجموع وأمام العادة، وبعجزه أمام طبيعة الحياة، عاوده ~~الغضب حتى يكاد يخرجه عن طوقه، ثم يستطيع لكثير ما درب نفسه أن يسكن ثائرة نفسه أو ~~على الأقل أن يخفيها عمن سواه. وإنك لتشعر في كثير من كلماته التي خلف بعد وفاته ~~بأثر هذه الثورة العصبية المغضبة. اسمعه مثلا حين يقول: «إذا رأيت الرأي العام ~~يرمي أحد رجال الحكومة بالخيانة ساخطا عليه شديد الرغبة في سقوطه، فاعلم أنه ~~غالبا رجل طاهر وعامل نافع، وإذا رأيت الرأي العام معاديا لكاتب وأعد له خصوما ~~يتسابقون إلى نقض أفكاره وهدم مذهبه، وعلى الخصوص إذا رأيتهم ذهبوا في مطاعنهم إلى ~~السب والقذف فتحقق أنه طعن الباطل طعنة مميتة ونصر عليه الحق. ما هو الرأي العام؟ ~~أليس هو في كثير من الأحوال هذا الجمهور الأبله عدو التغيير، خادم الباطل ومعين ~~الظلم؟» فمن هو هذا الكاتب الذي عاداه الرأي العام؟ أليس هو قاسم نفسه! ولم كل هذا ~~الغضب؟ لأن الحالة العصبية لا تسمح لنفس صاحبها ms072 أن لا يتأثر بالحوادث، وكل ما ~~استطاع قاسم أن يكتم هذا الغضب في نفسه فلا يظهر عليه سواه، بل إنك تراه يعيد الكرة ~~في جهاده، وكتابته هي هي لم تخرجها ثورة نفسه عن حدها الأول. # وكذلك عاش قاسم مناديا للسعادة طالبا إياها، يحدوه الأمل في الوصول إليها من ~~طريق عواطفه مرة، ويتوقعها أخرى من طريق الصداقة والجماعة، ولكنه طول حياته «يجد ~~السآمة غالبا في الاجتماعات ولا يشعر بها في الوحدة، يشتاق إلى الناس، فإذا اختلط ~~بهم رأى وسمع ما يزهده فيهم، فيفر منهم ويرجع ملتجئا إلى نفسه فيجد فيها الراحة ~~والسكون». وبكلمة أخرى بقي دائما وكل سعادته في الحياة منتزعة من أحلامه ~~بالسعادة. # ومات وهو لا يزال في دور جهاده، مات تاركا من بعده أثرا خالدا هو عمله الذي ~~كان لذته الأخيرة الباقية، بعد إذ خذلته واحدة بعد أخرى كل ما سواه من ~~اللذات. # | ذكرى قاسم أمين1 # لعل ذكرى الكتاب والمفكرين أجدر من كل ذكرى سواها بالحياة والخلود؛ ذلك أن الكتاب ~~هم كلمة الحق، وكلمة الحق هي روح الحياة الخالدة، بينا عدوان القوة إنما هو رسول الموت ~~المبيد. ذلك شعور تمتلئ به كل نفس ويقره كل إنسان؛ ولذلك ينزوي رجال السيف في أركان ~~التاريخ أشبه الأشياء بالأشباح المخيفة، وكل أثرهم أنهم كانوا في وجود الإنسانية غمامة ~~سوداء انهمرت على سطح الأرض دما وموتا. على حين ترى رجال القلم من شعراء وكتاب ~~وفلاسفة ومفكرين هم الشموس السواطع التي تضيء طريق الإنسانية في سيرها إلى ~~الكمال. # ما نابليون إلى جانب هوجو؟ وما مولتكي إلى جانب جيتى؟ وما ولنجتون إلى جانب شكسبير؟ ~~ما أولئك إلا الأجساد البائدة إلى جانب الأرواح الخالدة. أولم يقل نابليون إن فخره ~~بالقانون المدني يعدل أضعافا مضاعفة فخره بيينا وأوسترلتز؟ وهلا ترى كل حرب تنتهي ~~تاركة وراءها الخراب والويل ملقية عبء الإصلاح والتنظيم على عاتق العلماء والكتاب ~~والمفكرين؟ # فالاحتفال بذكرى رجال الفكر والقلم هو أجمل عمل إنساني يدل على الاعتراف بالجميل ~~لرجال نسوا مصلحتهم الفردية حرصا على مصلحة الجماعة. ms073 # وقاسم أمين كان من رجال الفكر والقلم الذين نصروا كلمة الحق، فمن حقه أن تحيا ذكراه ~~وأن يعرف الناس جميعا أفكاره ونزعاته. ~~••• # نشأ قاسم أمين في وقت كانت البلاد فيه تحت أثر الهمود الذي أصابها عقب الحركات ~~العنيفة التي كانت ميدانا لها أيام الخديو إسماعيل وفي أوائل حكم الخديو توفيق. وفي ~~هذا الوقت كان هم الجميع أن يسكنوا إلى الطمأنينة وأن يخلدوا إلى الراحة؛ لذلك كانت ~~تحل المصائب بالبلاد فتقفل المدارس ويضيق نطاق التفكير وتؤخذ مقاليد الحكم من أيدي ~~الآهلين ويستقبل الناس ذلك بالاستسلام والسكون، وكانوا يظنون أن هذه الحالة لا بد ~~ستنتهي بطبيعة الظروف كما انتهت حالات غيرها من قبلها، وما كانوا يدور بخلدهم أن ~~الأفكار الاستعمارية كانت تتطور لتأخذ شكلا جديدا هو الاستعمار على أساس تمدين الأمم ~~التي يعتبرها المستعمرون في نظرهم قليلة المدنية. # وظلت الحال كذلك وقاسم يشتغل في ميادين العمل الحكومي، ويدل على مواهب نادرة، ولكن من ~~غير أن يظهر في ميدان الحياة العامة حتى ظهر كتاب الدوق داركور في سنة 1893 عن ~~المصريين. ويرمي هذا الكتاب إلى وصف المصريين بالتأخر في مدنيتهم وفي تربيتهم وفي ~~تفكيرهم، وينعي عليهم حبسهم النساء وتركهم إياهن بعيدات عن العلم، ويضع أساسا لذلك كله ~~العقيدة الإسلامية التي يدينون بها، ويرى بالتالي ضرورة تمدين نصف المتوحشين هؤلاء على ~~أساس آخر. هنالك أخذت قاسم النخوة وهزته وطنيته أن يدافع عن قومه. وليست حرب الأقلام ~~بأقل مرارة وقسوة من حرب السيوف؛ فبأقلام كتابها تنصر الأمم مدنياتها، وبأقلامهم ترفع ~~احترام كل فرد منهم لذاته، وبأقلامهم تكسب أنصارا يقفون إلى جانبها عند الحاجة، وآثار ~~الأقلام هي الخالدة وآثار السيوف الدمار والبوار. فوضع قاسم في سنة 1894 كتابه ~~«المصريون»، فند به مزاعم الدوق داركور وأظهر فيه فضائل مواطنيه من غير أن ينسى ~~الاعتراف ببعض عيوبهم التي أرجعها لا إلى عقيدتهم كما يزعم داركور وجماعة من الكتاب ~~معه، ولكن إلى توالي الحكومات الفاسدة عليهم، ونشر هذا الكتاب بالفرنسية ليطلع عليه من ~~يقرأ كتاب داركور فيجد فيه الفضائل ms074 المصرية من ذكاء وكرم وقوة وبأس في الحروب مؤيدة ~~بالوقائع والأسماء، وعندئذ ينقلب الأثر السيئ الذي تركه كتاب الكاتب الفرنسي إلى أثر ~~حسن برد الكاتب المصري المجيد. # كان قاسم رجلا عصبيا حساسا سريع التأثر شديده، قوي العاطفة ثابتها، لا يسهل أن ~~تتركه إذا ملكته؛ لذلك لم يطو أوراقه بعد أن نشر هذا الكتاب ولم يعتبر نفسه قد انتهى ~~من القيام بالواجب عليه، بل شعر من يومئذ أن واجبه تضاعف. صحيح أن دوق داركور غالى في ~~مطاعنه على المصريين، وصحيح أنه أخطأ تمام الخطأ في رد سبب التأخر إلى عقيدتهم الدينية، ~~وصحيح أنه اختلق عليهم معايب هم برآء منها، لكن هناك في بعض جهات الحياة الاجتماعية ~~نقصا؛ فالحياة المصرية يومئذ لم تكن الحياة الإنسانية الكاملة في نظر قاسم. فما هو ~~موضع الضعف الذي يتغذى منه ذلك النقص؟ موضع الضعف هو لا شك فقد الحرية، فقد الحرية عند ~~الرجل والمرأة. والحرية كما قال قاسم هي قاعدة ترقي النوع الإنساني ومعراجه إلى ~~السعادة، لكن فقد الحرية عند المرأة كان أشد خطرا وأفعل أثرا. فلنجاهد أولا إذن ~~لتحرير المرأة. # هذه هي الفكرة التي دعت قاسم لتأليف كتاب تحرير المرأة. ويظهر أنه تردد كثيرا قبل أن ~~ينشره؛ تردد مخافة الرأي العام الذي كان محافظا متأخرا يومئذ. وكم ثبط هذا التردد ~~من عزائم، وكم قتل من أفكار عند شبابنا في الماضي! ولا يزال أثره قويا اليوم، بل كم ~~كان قاسم يكون لولاه أكثر إنتاجا وأغزر مادة. وظل في تردده وقتا ليس بالقصير، لكن ~~الفكرة انقلبت عنده من مجرد رأي يقال إلى عقيدة ثابتة وإيمان قوي. والرجل المؤمن لا يقف ~~دون الدفاع عن معتقده وإن عظمت الحوائل. وهذه الكلمة التي نشرها في أول كتابه تدل على ~~مبلغ إيمانه بفكرته، قال: «هذه الحقيقة التي أنشرها اليوم شغلت فكري مدة طويلة كنت في ~~خلالها أقلبها وأمتحنها وأحللها، حتى إذا تجردت عن كل ما كان يختلط بها من الخطأ استولت ~~على مكان عظيم من موضع الفكر مني، وصارت تشغلني بورودها ms075 وتنبهني إلى مزاياها، وتذكرني ~~بالحاجة إليها، فرأيت أن لا مناص من إبرازها من مكان الفكر إلى فضاء الدعوة والذكر.» ~~وعلى أثر ذلك نشر كتابه داعيا فيه إلى تحرير المرأة من رق الجهل ومن رق الحجاب. # وقد تطورت فكرة قاسم أمين نوعا من الفترة التي مرت بين نشره كتابه الأول ردا على ~~الدوق داركور وكتابه الثاني عن تحرير المرأة. وهذا التطور طبيعي؛ لأن موقفه الأول كان ~~غير موقفه الثاني: موقفه الأول كان موقف دفاع عن قومه، وموقفه الثاني كان موقف إرشاد ~~لقومه؛ لذلك تراه وقد كان في الحالين في صف الأحرار لا في صف المحافظين أكثر مناصرة في ~~كتابه الثاني لمذهب الأحرار وأكثر إعلاء لشأن الحرية. # تردد قاسم طويلا ثم دفعه إيمانه فأظهر كتابه، وهنا ظهر هذا الرأي العام المحافظ ~~الجامد في محافظته، وانبرى للرد عليه كثيرون لم يقرأوا الكتاب، انبروا وهم لا يقلون في ~~الحقيقة اعتقادا بالنقص من قاسم أمين، لكنهم كانوا «يخشون الخروج من وكرهم لتصيد ~~الخيرات الغامضة المبعثرة في ظلام المستقبل». ليكن هذا الوكر فاسد الهواء، ليكن مملوءا ~~بالمكروبات القتالة، ليكن بحيث تنهمر عليهم من جوانبه الأفاعي والعقارب، لكنهم يخشون ~~الخروج؛ لأنهم يخافون أن يجدوا في الخارج سباعا وفيلة وهم أجبن وأضعف من أن يتصوروا ~~مقابلة الخطر، ولو لم يكن هناك خطر. # تعرض هؤلاء للرد على قاسم في تحرير المرأة، فأظهر كتابه المرأة الجديدة في سنة 1900 ~~ردا عليهم وتأييدا لرأيه. وبعد هذا الكتاب لم تظهر له مؤلفات حتى ظهرت في عالم الطبع ~~كلماته التي نشرت بعد وفاته. # هذه الكتب الأربعة وبعض الخطب هي كل ما تركه قاسم للجمهور، ومما يوجب أكبر الأسف أن ~~تنوء نفس قوية عبقرية كنفس قاسم بحمل الرأي المحافظ، وأن يختزل الموت حياته فلا تظهر من ~~آثارها الكتابية والفكرية إلا هذه الصحائف المعدودة. ~~••• # في هذه الكتب الأربعة - إلى جانب ما فيها من الأفكار - صور كثيرة للمشاهد وللحوادث ~~العامة والخاصة، وهذه الصور مرسومة بدقة مدهشة حتى يكاد الإنسان يلمسها بيده في كثير من ~~الأحيان، وأنت ms076 تراها مرصودة بعضها تلو بعض كلما أريد التدليل على رأي من الآراء أو ~~نظرية من النظريات؛ ذلك بأن قاسم كان أميل إلى الاستقراء منه إلى الاستنتاج، كانت تأخذ ~~بنظره الجزئيات فيبحث عن نظائرها، ويجاهد ليكون لنفسه رأيا كليا من مجموع هذه ~~الجزئيات، وكان لذلك يحب دائما أن يحلل هذه الجزئيات، وأن يقف على دقائقها حتى لا ~~تدعوه الملاحظة السطحية إلى الخطأ. على أنه لم يكن ميالا إلى الأخذ بهذه النتائج التي ~~يرتبها على الجزئيات وإلى ترتيبها والاستنتاج منها هي الأخرى والاستمرار في ذلك لإقامة ~~بناء مذهب فلسفي عام شأن الأشخاص الذين تتغلب عندهم موهبة الفكر المجرد على المواهب ~~الأخرى، مواهب الإحساس والعاطفة والتشكك، بل كان يعتقد «أن عقل الإنسان المحدود لا يسع ~~غير المحدود، وأن علمه القليل لا يصل إلى إدراك المجهول الذي لا نهاية له؛ ولذلك ترى ~~هذا الإنسان متى ترك دائرة معلوماته الحسية دخل في الظلام وسار كالأعمى يتخبط يمينا ~~وشمالا لا فرق في ذلك بين الغبي الجاهل والذكي العالم». هذه هي كلمة قاسم، وهي تدل على ~~أنه لم يكن من عشاق النظريات البحتة، كما كان يرى «أن المطلق ليس له وجود ذاتي، وأن ~~الذوات الجميلة التي نحبها ونقدسها؛ كالخير والحق والعدل، لا يمكن أن توجد في الخارج ~~إلا مختلطة بنقيضاتها». # على أن ذلك الاقتصار على الاستقراء في التفكير لم يكن ليبعده عن النظر في الوجود ~~العام، أو ليصده عن الإمعان في بدائع الكون، بل إنك لتجد له في هذا الباب كلمات أدق ما ~~يكون، كلمات صادرة من أعماق قلبه يستجمع لإصدارها إلى جانب فكره الاستقرائي عاطفته ~~القوية وإحساسه الشديد. وهل أبدع من هذه الكلمة في التعبير عن دخيلة نفس صاحبها: ~~«لا بد أن تكون الغاية النهائية للتربية الأدبية هي العفو عن الخطيئة، العفو ~~عن أكبر خطيئة، العفو عن كل خطيئة. # هل المخطئ مسئول أو غير مسئول؟ وما هي درجة مسئوليته؟ مسألة عظيمة يجب على من ~~يريد الحكم على غيره أن يحلها، لكن حلها يكاد يكون محالا؛ إذ ms077 لا يستطيع أحد أن ~~يلم بجميع العوامل التي تتركب منها الذات الإنسانية بوجهيها الأدبي والمادي. ~~والقليل الذي يعلمه من ذلك يبين أن سلطة الإرادة على النفس محدودة، وخاضعة ~~لمؤثرات كثيرة شديدة تتنازعها وتقارعها وتضعف قوتها على نسبة مجهولة، ومقدار لا ~~يصل إلى تقديره عقلنا. وكل تاريخ الإنسان في الماضي يدل على أنه إن لم يكن ~~متولدا عن الحيوان المفترس مباشرة، فهو مشابه له في شرهه وأطماعه وشهواته؛ خلق ~~عليل النفس كما هو مريض الجسم، خلق على أن تكون صحته الجسمية والعقلية مصادفة ~~سعيدة وعارضا مؤقتا. # فالخطيئة هي الشيء المعتاد الذي لا محل للاستغراب منه، هي الحال الطبيعية ~~الملازمة لغريزة الإنسان، هي الميراث الذي تركه آدم وحواء لأولادهما التعساء من ~~يوم أن اقتربا من الشجرة المحرمة وذاقا ثمرتها التي يخيل إلي أنها كانت ألذ ~~من كل ما أبيح لهما. من ذلك اليوم البعيد لوثت الخطيئة طبيعتها، وانتقلت منهما ~~إلى ذريتهما جيلا بعد جيل، ذلك هو الحمل الثقيل الذي تئن تحته أرواحنا ~~الملتهبة شوقا إلى الفضيلة العاجزة عن الحصول على اليسير منها إلا بمقاساة ~~أصعب المجهودات، حتى هذا النزر القليل لا سبيل إلى بلوغه إلا بتمرين طويل ~~يتخلله حتما سقوط متكرر في الخطيئة يكون منه الدرس المفيد لإتقانه في ~~المستقبل. # وأخيرا فإن العفو هو الوسيلة الوحيدة التي ربما تنفع لإصلاح المذنب؛ فقلما ~~توجد طبيعة مهما كانت يابسة لا يمكن أن تلين إذا هي عولجت» ... # هذه الكلمة ومثيلاتها مما يوجد في كتب قاسم يدل على أنه كان يقف بتفكيراته عند ~~الملاحظة والتجربة والاستقراء أكثر مما تدفعه إلى التفاؤل. صاحبها أكثر ميلا للوحدة ~~والانزواء ليجد الفرصة التي يفكر فيها فيما رأى من الحوادث، وليستسلم إلى تيارات عواطفه ~~وإحساساته المتأثرة بهذه الحوادث؛ لأنه ليس من وصل بالعاطفة إلى ملأ الوجود ~~الأعلى. # والنفوس العصبية التي تتأثر بالعاطفة تدفع بصاحبها إلى التشاؤم، أولئك الذين صاغوا ~~لأنفسهم قوالب من التفكير وقفوا عندها وألبسوا عواطفهم ومشاعرهم ثوبها، فلا تحيلهم ~~الحوادث مهما عصفت، ولا تهز أوتار أفئدتهم المشاهد مهما اشتدت، ms078 ليس ماكينة تعمل ما دامت ~~تجد الوقود الذي يملأ جوفها، ولكنه روح إنسانية راقية متصلة بأجزاء العالم المختلفة ~~تتأثر بما يصيب هذه الأجزاء من مختلف الآثار. وهذه النزعات هي ما كان يشاهد في قاسم وما ~~تدل عليه كتاباته، وهي ظاهرة في تقدمة كتابه المرأة الجديدة إلى صديقه سعد زغلول، حيث ~~يقول: «فيك وجدت قلبا يحب وعقلا يفكر وإرادة تعمل، أنت الذي مثلت لي المودة في أكمل ~~أشكالها فأدركت أن الحياة ليست كلها شقاء، وأن فيها ساعات حلوة لمن يعرف قيمتها.» فهذا ~~الاعتقاد بأن معظم ما في الحياة شقاء، وهذا الميل الذي يدفعه إلى أن يجد السآمة في ~~المجتمعات ولا يشعر بها في الوحدة، وهذا الألم الذي يشعر به للنقص الذي يجده حوله، ~~وإحساسه العصبي العميق؛ هذا كله كان نتيجة سببها تحكم العاطفة في نفس قاسم في كل ما ~~يتعلق بمسائل الوجود العام. # ولا عجب فقد كان قاسم ممن يعتقدون بأن العواطف هي التي تسير أعمالنا في الحياة، وأن ~~العناية بها أثناء الطفولة وتربيتها تربية عالية هي التي ترفع الشخص من المستوى الوضيع ~~الذي لا يهتم فيه إلا بمصالح الجسد، ليعرف للروح مصالحها، ويهتم بغذائها ويجاهد لرفعها، ~~وليفهم ضرورة اتصالها بالأرواح الأخرى لفائدة الجماعة، ولفائدة الوطن، ولفائدة ~~الإنسانية. وكان يقول بأن السبب في التأخر والانحطاط الذي كان يشاهد يومئذ في بعض بلاد ~~الشرق ليس راجعا فقط إلى توالي الكوارث والمصائب على هذه البلاد، قال: «وإنما السبب ~~الحقيقي لفقد الشعور هو إهمال تربية العواطف عندنا في زمن الطفولة، وتبع ذلك أن أعصابنا ~~أصبحت لا تتأثر إلا بالإحساسات المادية التي تقع عليها مباشرة، وصارت غير قابلة للتأثر ~~بالمعاني النفسية. رأيت مدة وجودي في فرنسا طفلا عمره عشر سنين كان يتفرج بجانبي على ~~فرقة من العساكر الفرنساوية وهي عائدة من حرب التونكين، فلما مر أمامه حامل العلم وقف ~~هذا الغلام باحترام ورفع قبعته، وحيا العلم وصار يتابعه بنظراته حتى غاب عنه، فأحسست أن ~~الوطن تجسم لهذا الطفل في العلم الذي مر أمامه وأثار عنده ms079 جميع الإحساسات التي بعثها ~~فيه ما تربى عليه من حبه حتى خلته رجلا كاملا. أما الرجال والنساء الذين كانوا يشهدون ~~هذا المنظر، فقد وصلت بهم قوة الشعور إلى أنهم صاروا يعملون أعمال الأطفال، فكان الكثير ~~من النساء يقبل العساكر ودموع الفرح تسيل على خدودهن، وأغلب الرجال كانوا يرقصون ~~ويغنون ويلقون بقبعاتهم في الطريق. فبمثل هذه المناظر وما يدور فيها وعنها من الأحاديث ~~أمام الأطفال ينغرس الشعور الوطني في نفوسهم ويزهر ويثمر. هكذا الحال في تربية الفضائل ~~الأخرى.» # فهذه الحكاية البسيطة مكتوبة بتلك اللغة الرشيقة تبين بوضوح وجلاء طريقة تفكير قاسم، ~~وتحكم العاطفة فيه، وتأثير إحساسه الشديد عليه، وعدم ذهابه في البحث عن مصادر الخلق ~~للتفتيش في أعمال عظماء الرجال وكبار القادة. بل كفى أن يرى هذه الحادثة التي تمر ~~أمامنا مثيلاتها كل يوم فلا نلتفت لها ولا نهتم بها لتثير نفسه الحساسة؛ ولتستفز عواطفه ~~وتستوقف عندها تفكيره فيتذكر إلى جانبها مثيلاتها مما مر به ويبني على ذلك حكمه في ~~النهاية. وإن من قرأ كتبه ليجد فيها جميعا هذه النزعة الميالة إلى البساطة الطبيعية ~~الدالة على عظمة النفس عظمة صحيحة لا تكلف فيها ولا ادعاء. # وفضلا عما تدل عليه هذه الحكاية البسيطة من طريق تفكير قاسم، فإنها تدل أيضا على ~~أسلوبه في الكتابة، هذا الأسلوب البسيط السيال الخالي من التكلف والتعمل، البعيد عن ~~تصيد الألفاظ من أعماق أقدم القواميس ورصها بعضها إلى جانب بعض، كأنها رجم الأحجار يقذف ~~بها كاتبها على القارئ حتى لا يلتفت إلى خلو العبارة التي أمامه من المعنى، وكذلك كان ~~شأن قاسم في كتابته دائما؛ كان يضع الصورة أو المعنى بنفسه على أبسط الأشكال، بحيث ~~تكاد تفني الألفاظ دونه، بل تطالبك هذه الألفاظ بأن لا تلتفت إليها هي بالذات، بل ~~بالصورة الجميلة أو بالخيال البديع أو بالمعنى الدقيق الذي تحمله إليك. على أنها دائما ~~ألفاظ رقيقة منتقاة موزونة تشعر أثناء قراءتها كأنك سابح فوق موجات الموسيقى الشعرية، ~~فإذا فرغت منها طاب لك أن تستعيدها مرة ومرتين وثلاثا؛ ms080 لأنك تجد فيها غذاء حقيقيا ~~لنفسك المتشوقة للاختلاط بنفس أخرى عظيمة عندها عزيزة عليها، راقية تميل به إلى التأثر ~~مع الإنسانية كلها، وكأن هذه الفترة من حياته التي قضاها بين أظهر الفرنساويين من أهل ~~الثورة الكبرى قوت عنده هذه النزعة الديمقراطية؛ حتى جعلته يرى في كل ما سواها ~~افتياتا على حقوق الإنسان، بل جعلته حين رده على الدوق داركور يذكر ذلك بصراحة ووضوح؛ ~~قال ما ترجمته: # يظهر أن المسيو داركو ينعي علينا عدم وجود الفوارق الاجتماعية عندنا، ويعيبنا ~~لأنا ليس من طوائفنا الأشراف بالمولد أو بغير المولد، وكل السكان الذين ~~يقيمون في بلد إسلامي هم متساوون أمام القانون بلا تفرقة بين أجناسهم ~~ودياناتهم، ولم يعرف الإسلام امتيازات الميلاد أو الثروة، وفي هذا هو قد تقدم ~~بأكثر ألف سنة أشد الأنظمة السياسية الثورية، وذلك ليس عيبا فيما أعتقد؛ فليس ~~من العدل أو الفائدة في شيء أن تخلق مصادفة الميلاد مركزا ممتازا، وليس كون ~~الشخص باشا كافيا ليكون ابنه كذلك، بل ليعمل هذا الابن وليجد حتى يستحق ~~بنفسه هذا الشرف أو ما يزيد عليه، ثم إنه لنائله. # فهذه النزعة الديمقراطية في نفس قاسم هي التي كانت تدفعه ليشعر مع الناس جميعا، هو ~~لم يكن يعرف المظاهر الكاذبة والألقاب الفارغة، لم يكن يهتم بالرجل المترف العائش في ~~النعيم لترفه ونعيمه، ولكنه كان يهتم من كل إنسان رجلا كان أو امرأة بقوة خلقه وبشرف ~~نفسه، كان يكره الضعة والصغار والجبن النفسي، لا فرق أن يكون مصدرها القائد العظيم أو ~~الفلاح الحقير، ولا فرق أن تظهر في المواقف الكبيرة أو في الحالات التافهة. وكان يكره ~~ذلك بميله الفطري المتأثر بعاطفته الإنسانية العالية. # وهذه الحكاية الصغيرة من مشاهدات قاسم تدل دلالة بينة على ما تقدم. قال: # قبيل الغروب وقف بنا وابور النيل الذي كان يحملنا بجانب غيط مزروع، وكان يشتغل فيه ~~رجلان لمح أحدهما ثعبانا غليظا قصيرا ففر وهو يصيح: (ثعبان ثعبان ثعبان.) أما الآخر ~~فتقدم إليه حاملا فأسه وضربه بها عدة ضربات حتى قضى عليه، ms081 ثم تركه في مكانه وأخذ سلاحه ~~وعاد إلى عمله، ولم يتكلم في أثناء ذلك بكلمة، وحينئذ تحرك زميله ومشى محترسا على ~~أطراف قدميه شاخصا إلى الحيوان، واقترب منه بطيئا بطيئا ولما وصل إليه لمسه بطرف ~~الفأس التي كانت في يده وقلبه مرة ثم مرة أخرى حتى إذا تحقق أنه مات صاح: (يا ابن ~~الكلب!) وطعنه بالفأس طعنة قوية. ولما رأى الثعبان لا يتحرك أمسكه من ذنبه، وصعد به إلى ~~الجسر وكان في هذه الساعة عامرا بالمارة فاستوقف الأطفال والنساء والرجال، وصار يقص ~~الواقعة عليهم قائلا: (هجم علينا فقتلناه.) وفي آخر الرواية يلقي الثعبان على هذا ~~الجمع فيفرقهم، وتصيح النساء ويهرب الأطفال، فيضحك هذا البطل الباسل من هذا الجبن، وما ~~زال كذلك حتى جاء الظلام فانصرفوا جميعا وهو في مقدمتهم حاملا فريسته. أليس هذا هو ~~الحال دائما في جميع مظاهر الحياة الدنيا؛ ترفع من رجال العمل عن حب الظهور، وجرأة ~~من رجال القول على اغتصاب أعمال غيرهم والتبجح بها! # ورقة قاسم في الشعور والإحساس، وهذا الأسلوب البسيط الجميل في ألفاظه وفي تنسيقه، ~~وهذا البعد عن الكلام الحوشي الغريب، وهذه الدقة في نقل الصور النفسية والخارجية، تظهر ~~أيضا وبشكل أوضح في كلمته الآتية عن جنازة المرحوم مصطفى كامل: # 11 فبراير سنة 1908 يوم الاحتفال بجنازة مصطفى كامل، هي المرة الثانية التي ~~رأيت فيها قلب مصر يخفق؛ المرة الأولى كانت يوم تنفيذ حكم دنشواي: رأيت عند كل ~~شخص تقابلت معه قلبا مجروحا وزورا مخنوقا، ودهشة عصبية بادية في الأيدي وفي ~~الأصوات، كان الحزن على جميع الوجوه؛ حزن ساكن مستسلم للقوة مختلط بشيء من ~~الدهشة والذهول، ترى الناس يتكلمون بصوت خافت وعبارات متقطعة وهيئة بائسة، ~~منظرهم يشبه منظر قوم مجتمعين في دار ميت، كأنما كانت أرواح المشنوقين تطوف في ~~كل مكان من المدينة. # ولكن هذا الاتحاد في الشعور بقي مكتوما في النفوس لم يجد سبيلا يخرج منه، ~~فلم يبرز بروزا واضحا حتى يراه كل إنسان. # أما يوم الاحتفال بجنازة صاحب «اللواء»، فقد ظهر ذلك ms082 الشعور ساطعا في قوة ~~جماله، وانفجر بفرقعة هائلة سمع دويها في العاصمة، ووصل صدى دويها إلى جميع ~~أنحاء القطر. # هذا الإحساس الجديد، هذا المولود الجديد الذي خرج من أحشاء الأمة، من دمها ~~وأعصابها، هو الأمل الذي يبتسم في وجوهنا البائسة، هو الشعاع الذي يرسل حرارته ~~إلى قلوبنا الجامدة الباردة، هو المستقبل. # ليتك عشت يا قاسم حتى كنت ترصد بلغتك الجميلة المتأثرة، وبإحساسك الدقيق، صور الحركات ~~القوية المنبعثة من أعماق نفس هذه الأمة، والتي كنت تتوق أن تراها فترصد للخلف آيات ما ~~يفعل أهل هذا الجيل، ولكن المنية فاجأت قاسما وهو لا يزال في ريعان القوة فتركنا ~~تاركا لنا من تفكيره وكتابته أبدع الأثر، ممليا علينا أن: «اللذة التي تجعل للحياة ~~قيمة ليست حيازة الذهب ولا شرف النسب ولا علو المنصب، ولا شيء من الأشياء التي يجري ~~وراءها الناس عادة، ولكن أن يكون الإنسان قوة عاملة ذات أثر خالد في العالم.» # | توماس وودرو ولسن # أسلم توماس وودرو ولسن روحه أول من أمس، فودع هذا العالم المضطرب الذي جاهد ليكون فيه ~~نبراس هداية للناس، ينقلهم من ظلم الحرب إلى ربوع السلام، فإذا الناس كما كانوا قبل ~~الحرب لا يزال يغريهم منظر الدم بالدم، ولا يزالون يفرحون بكلمة الهدى ساعة ليندفعوا في ~~تيار الضلال دهرا. # مات الدكتور ولسن رئيس الولايات المتحدة السابق، ومن ذا الذي لا يعرف الدكتور ولسن! ~~ومن ذا الذي لم يردد اسم الدكتور ولسن! بل من ذا الذي لم ير هذا الضياء العظيم الذي ~~نشره روح ذلك الرجل الكبير، ومن ذا الذي لم يحدق بهذا الضياء ذاهلا معجبا به مأخوذا ~~عن نفسه، فملك عليه الإعجاب كل حسه حتى نسي ضعة الناس وحقارتهم وتعلقهم بتافه شئونهم ~~وعبادتهم دنيء شهواتهم، وخيل إليه أنهم يستطيعون أن يعتنقوا طفرة مبادئ هذا الرسول ~~الجديد، وأن يرتفعوا عن الدنايا، وأن يتخطوا هذا العالم الأفن الذي يعيشون فيه إلى عالم ~~جديد هو عالم المحبة والصفاء والسلام. # كلنا نعرف الدكتور ولسن، وكلنا نذكر الساعات التي حدقنا فيها بمبادئه ms083 الأربعة عشر ~~ذاهلين مأخوذين، وكلنا لم ننس ما بني على هذه المبادئ من كبار الأماني، التي لا تزال ~~تهز العالم إلى اليوم هزا، وهل هذا الصراع العنيف القائم بين الشرق والغرب، وبين ~~الاستعمار وتقرير المصير، وبين الاستعباد والحرية، وبين الظلام والنور؛ هل هذا الصراع ~~العنيف الذي بدأ من يوم وضعت الحرب الكبرى أوزارها، والذي سيستمر قائما إلى أن ينتصر ~~النور وأن يعلو الحق - إلا أثرا من هذه المبادئ الكبرى التي يحسبها بعضهم اليوم أحلام ~~واهم، وما هي بأحلام واهم، وإنما هي القوة التي تكونت على القرون شيئا فشيئا، واشتركت ~~في تكوينها الآلام والآمال العامة، والنزعات والأوهام الفردية، وتفكير المفكرين وشعر ~~الشعراء، وكل ما في النفس الإنسانية من قوة وحس وشهوة، ثم اختار القدر هذا الرئيس ولسن ~~ليكون ترجمانها والمعبر عنها. # لم تكن مبادئ ولسن أحلام واهم؛ فقد قالها ثم سرعان ما آمن الناس بها؛ ذلك بأنها كانت ~~جوابا لما يتردد في نفوسهم من نزعات وفكر وآمال وأمان مضطربة، آمنوا بها ثم لم ~~ينفذوها ثم أنكروها ثم قالوا: إنما تلك أحلام واهم. وكذلك كانت من قبل كل فكرة، تبدأ ~~تأخذ بالنظر، ثم ينكرها الناس ويقفون في وجهها، ثم يغلون في الاندفاع وراءها، ثم هم ~~يقدرونها حق قدرها وينظمون حياتهم على هذا القدر الصحيح. # فإذا كان ولسن قد مات فإن فكرته باقية وهي لا شك ستنتصر، وسيكون انتصارها فوزا ~~كبيرا للحق وللخير وللسعادة. ~~••• # ولد توماس وودرو ولسن في 28 ديسمبر سنة 1856، وكان جده جيمس ولسن من أهل الصتر ~~بإرلندة، وقد هاجر إلى أمريكا سنة 1807، وفي السنة التي بعدها تزوج من فتاة إرلندية ~~مثله، واحترف الصحافة ومات محترما بين أهل بلده الذين كانوا يدعونه القاضي ولسن. وقد ~~أخلف عدة أولاد تزوج أصغرهم واسمه يوسف رابل ولسن من فتاة أيقوسية الأصل تدعى جانت ~~وودرو، ومن هذا الزواج ولد توماس الذي ورث اسم أبويه، فصار توماس وودرو ولسن. # وقد ورث توماس من أبويه ما يمتاز به الإرلنديون من الظرف والإيقوسيون من البلاغة ~~وجمال الخطاب. وكان ms084 ميله للتحرير واضحا من أول نشأته، فاشترك وهو في الحادية والعشرين ~~من سنه مع جماعة من أصحابه الطلبة بجامعة برنستن في إصدار مجلة انفرد هو بإدارتها بعد ~~عام من صدورها، وفي هذه المجلة ظهر ميله للتحرير السياسي. # وقد تأثرت حياته منذ نعومة أظفاره بما مرت به بلاده من المحن السياسية؛ فقد ظلت حرب ~~الانفصال بين جنوب أمريكا وشمالها قائمة من سنة 1861 إلى سنة 1865، وانتهت بانتصار ~~الشمال وببقاء الوحدة الأمريكية بفضل ما أبداه إبراهام لنكن رئيس الولايات المتحدة من ~~حزم ونفاذ بصيرة. وكان توماس متأثرا بهذه الأحداث في طفولته، فلما آن له أن يقرأ وأن ~~يفكر اتجهت قراءته للناحية السياسية كما رأيت، وظل بعد إذ أصدر مجلته يتابع أبحاثه ثلاث ~~سنوات وضع بعدها كتابا عنوانه (الحكومة - مبادئ السياسة التاريخية والعملية)، وقد جاء ~~في هذا الكتاب فكرة من أفكار ولسن السياسية عن الحكومة، كانت هي الفكرة الأساسية التي ~~سار عليها، والتي ظهرت من بعد ذلك في مبادئه العامة التي أراد - كما قال في غير خطبة من ~~خطبه - أن يلقي بها من فوق رأس الحكومات مباشرة إلى الشعوب. # وهذه الفكرة الأساسية التي ظهرت في كتاب ولسن عن الحكومة هي: # ليس حتما أن تقوم الحكومة على القوة القاهرة، بل يجب أن تقوم على أساس آخر. ~~ولقد أصبحت الاستبدادات الحزبية بادرة غير مطمئنة، وصارت الشعوب على غير ما ~~كانت عليه من الانحلال أيام الاقطاعات، ومن الانحناء أيام الملكيات القديمة، ~~فهي الآن مجاميع بلغت في قوة الإقرار وقوة الاعتراض مبلغا عظيما. وقوة ~~الأغلبيات هي من مستحدثات الجمعيات الحديثة، وفن الرجل السياسي يجب أن يتجه ~~اليوم لإيقاظ هذه القوة الجديدة ودفعها وقيادتها. # وفي أثناء أبحاثه احترف المحاماة فلم ينجح فيها؛ لأنه كان في شغل بالقضايا العامة عن ~~القضايا الخاصة، فلما صادف كتابه عن الحكومة النجاح دعته جامعة «برنستن» التي تخرج منها ~~ليدرس بها، فدرس التشريع والسياسة من سنة 1890 إلى سنة 1910، وكان رئيسا لهذه الجامعة ~~من سنة 1902 إلى أن تركها حين انتخب حاكما لولاية نيوجرسي ms085 من سنة 1911 إلى سنة ~~1913. # علت مكانته وهو في جامعة برنستن، وعرفت له أفكار خاصة عن حكومة الولايات المتحدة، ~~فطمح إلى رياسة الجمهورية، ولما يترك رياسة الجامعة؛ فقد ألقى سنة 1907 عدة محاضرات عن ~~(الحكومة النيابية في أمريكا)، نشرها سنة 1908 قبيل انتخابات رياسة الجمهورية التي نجح ~~فيها المستر تافت. وقد أوضح في هذه المحاضرات أفكاره التي أذاعها من قبل في كتاب نشره ~~أيام شبابه عن حكومة بلاده، وكانت أظهر فكرة له في هذه المحاضرات أن الدساتير السياسية ~~ليست نظما أبدية حتى يمكن تعريفها وتحديدها على طريقة رياضية، بل هي كائنات حية قابلة ~~للتطور. والدساتير في رأيه هي ما يريد الساسة أن تكون. وكان نشر محاضراته دافعا ~~لازدياد اهتمام الناس به، ولكنه لم يظهر ما يجول بخاطره من ميل للدخول في ميدان ~~الانتخابات لرياسة الجمهورية، وإن كان قد قدر استطاعته الفوز فيها لما كان عليه المستر ~~تافت من ضعف السلطان، والمستر روزفلت من عدم المهارة السياسية على قوة سلطانه، والمستر ~~بريان من سوء الحظ لسابق فشله مرتين في الانتخابات. فلما كانت سنة 1910، وكان قد اختلف ~~مع مجلس إدارة جامعة برنستن، وكانت انتخابات الرياسة لا تقع إلا في سنة 1912، عرض نفسه ~~سنة 1910 لانتخابات ولاية نيوجرسي وكانت خالية، فنجح وأبدى خلال حكمه لهذه الولاية ما ~~اشتهر معه بالحزم والمقدرة على الإصلاح. وفي سنة 1912 تقدم لانتخابات رياسة الجمهورية ~~وكتب له الفوز فيها وتسلمها في سنة 1913، وتجدد انتخابه للمرة الثانية في سنة 1916، وظل ~~في رياسته إلى سنة 1921. # وقد افتتح عهد رياسته الأولى بخطاب دل على ما يجول بخاطره، وما ظهرت آثاره في مبادئه ~~التي أعلنها أثناء الحرب، إذ جاء في هذا الخطاب ما يأتي: # نشعر ونحن نتقدم إلى هذا العصر الجديد، عصر الحق والإطلاق من كل معاني الرق، ~~بشعور يهتز له فؤادنا حتى لكأنما جاء إلينا من عند الله، شعور يتألف فيه العدل ~~الرحمة، ويجعلك ترى قاضيك وأخاك بعين واحدة. # إنا نعلم أن الواجب الذي ألقي علينا ليس واجبا سياسيا فحسب، بل ms086 هو واجب ~~سيبتلينا إلى غور وجودنا، وسيظهر مقدرتنا على فهم عصرنا وحاجات شعبنا ~~واستطاعتنا أن نكون لسانه وترجمانه، وسيبين عما إذا احتوت جوانحنا القلب الذي ~~يفهم والإرادة القوية التي تعرف كيف تختار أسمى وسائل العمل. فاليوم ليس يوم ~~نصر ولكنه يوم توجه، وليس السلطان اليوم لقوة حزب، ولكن السلطان لقوى ~~الإنسانية . وأفئدة الناس في انتظار عملنا، وآمالهم تود لو تعرف ما سنقوم به، ~~فمن ذا يستطيع أن يفخر بأنه جدير بمثل هذه الرسالة الكبرى، ثم من ذا يستطيع أن ~~يرفض التقدم للتجربة! وإني أدعو كل الأشراف وكل الوطنيين وكل من يتجه نظرهم ~~للمستقبل إلى جانبي. ولن أرفض بعون الله ما يتقدمون لي به من نصيحة ~~ومعونة. # وفي أثناء رياسة الدكتور ولسن الأولى نشبت الحرب، فظلت أمريكا على الحياد إلى سنة ~~1917، وظل الدكتور ولسن ينظر إلى هذه المجازر بعين الأسف لما تلاقي الإنسانية من ويلات ~~بسبب أطماعها الوضيعة، وكان لا شك يبقى في حياده لولا ما كان من إقدام غواصات ألمانيا ~~على نسف المراكب الأمريكية. حينذاك دخلت الولايات المتحدة الحرب، فكان دخولها بدء ~~انقلاب كفة الميزان، وسبب انتصار الحلفاء. # وقد سافر الدكتور ولسن بعد عقد الهدنة إلى أوروبا، وأراد أن يكون لسان أمته وترجمانها ~~في مؤتمر الصلح، لكنه مع الأسف لم يستطع أن ينفذ مبادئه، وضعف عن أن يترك أوروبا في ~~مصائبها؛ لأن أمريكا كانت دائنة كل دول الحلفاء، ومصلحتها تقتضي بقاء تحالفهن، فلما عاد ~~إلى أمريكا أراد أن يصادق مجلس الشيوخ على معاهدة فرساي فلم ينجح، وبذلك انهار أمل من ~~أكبر آماله، بل انهار أمله الأكبر، ولم تفلح دعوته الناس وانتهى به الحال أن أصيب ~~بإصابة كانت مقدمة الأمراض والعلل التي جاءت على حياته. على أن فشل ولسن في حمل بلاده ~~على قبول المعاهدة التي عقدها لا يحط شيئا من قدره، وسيبقى في التاريخ علما من هداة ~~الإنسانية العظام، وسيبقى اسمه في التاريخ حيا ما بقي التاريخ. # | أحمد لطفي السيد # علم الأخلاق - لأرسطوطاليس # من نحو سبع سنوات، بينما جو العالم ms087 يبرق بنار الحرب ويرعد جلس الأستاذ لطفي السيد إلى ~~مكتبه ينقل كتب أرسطوطاليس إلى العربية، وقد أثار عمله هذا دهشة كثيرين جعلوا يتساءلون: ~~كيف ارتضى مدير «الجريدة» أن يهجر ميدان السياسة إلى صحراء الفلسفة، وأن يغمض عينيه عن ~~الحاضر الممتلئ بجلائل الأحداث ليأوي إلى كهوف الماضي يفتش فيما عما يتسلى به ويلذ له؟ ~~وتخطى بعضهم حدود التساؤل إلى النقد: ما بال هذا الكاتب الكبير المشهود له بالفضل من ~~أصدقائه وخصومه جميعا يهدر وقته فيما لا يعود على أمته وبلاده بفائدة؟ وهل ترى ترجمته ~~لأرسطو أكثر من أن تكون لذة لنفسه، وزينة عند أصحاب المكاتب الذين لا يقرأون مما يقتنون ~~سطرا؟ # بلغ هذا النقد وذلك التساؤل مسامع لطفي السيد، كما ذهب إليه قوم يصدونه عن المضي في ~~عمل حسبوه عقيما، لكنه استخف بأحلام الناقدين، ووجد من انضم إليه في استخفافه، فمضى في ~~عمله ولا يزال حتى اليوم ماضيا فيه. وأشهد أني ما رأيته أكثر اغتباطا بمجهود ولا أوفر ~~طمأنينة لكد منه باغتباطه وطمأنينته لهذا الجهد الشاق الذي يعالجه أرسطو. وإنك لتلمس ~~غبطته بينة بارزة في الجزأين اللذين نشرهما ترجمة لكتاب الأخلاق، وفي التصدير الذي ~~قدم به هذا الكتاب. # وليست هذه الغبطة والطمأنينة مقصورة على الأستاذ وحده، بل شاركه أصدقاؤه وتلاميذه ~~فيها؛ فقد رأوه اليوم كما كانوا يريدون أن يروه دائما: بعيدا عن مضطرب الحياة اليومية ~~وشهواتها، بعيدا عن السواد وحكمه السريع التقلب، جالسا حيث وجب له أن يجلس: بين أرسطو ~~وبارتلمي سانتيليير، وبين عامة المؤلفين الذين يتحدثون إليه كلما أراد أن يستمع إليهم. ~~وليس أخلق به من سلوك هذا الدرب من دروب الحياة؛ فهو في سكينته العبوس أسمى ألوان ~~الحياة وأثمنها، وهي يحمل مجده في طياته غير خاضع لحكم الحاضر ولا هياب حكم ~~المستقبل. # وليس هذا وحده مصدر طمأنينة الأستاذ وغبطة أصدقائه، بل إن لهذا الضرب من ضروب الحياة ~~فضل الخصب في الإنتاج النافع. وقد يعجز سواد أدعياء الفهم والحكم عن إدراك هذا الفضل، ~~وقد ينكرون لعجزهم مجد هذا الإنتاج، وقد ms088 يزيدهم إنكارا بهرهم بما تزينه شهوات الساعة ~~من وهم المجد، وقد يحسبون هذا الالتجاء إلى كهوف الماضي عجزا عن النضال لمجد الحاضر، ~~وكثيرا ما يؤثر حكم هذا السواد من الأدعياء على اتجاه حياة الرجال الذين يعيشون للحاضر ~~وحده، ويلذهم بريق مجده؛ لكن أكبرهم الرجل ذي الهمة أن يغالب حكم شهوته على عقله ~~فيغلبها، كما أن أكبرهم الرجل الفاضل أن يغلب في نفسه الخير على الشر، وإن يك وجه ~~الخير متجهما عبوسا ووجه الشر باسما جذابا. وقد وسع لطفي السيد أن يتخلى لغيره عن ~~المتاع بمجد الشهوة، وعكف على العمل الصالح المطمئن البعيد عن كل ضجة وجلبة. # على أنه لم يرض أن يمر في تصديره من غير أن يدفع ما قيل من أن عمله عقيم «ولا يعتبر ~~إلا ضياعا للوقت»، فبين أن الرجوع إلى «المعلم الأول» هو فيما يرجح: «الطريق القريب ~~والأمين والخالي من العقبات إلى تمكين الفلسفة من بيئاتنا العلمية لتنتج في الذكاء ~~المصري وصحة الحكم على الأشياء»؛ لأن «الفلسفة العربية قد انتشرت في مصر وفي جميع ~~الأقطار الإسلامية. والفلسفة العربية هي في مجموعها فلسفة أرسطوطاليس». # وقد نتفق مع الأستاذ في هذا الحكم تمام الاتفاق. على أنا لا نرى وجه الضرورة في ~~بيانه؛ فإن أدعياء الفهم ممن صدر عنهم ذلك النقد السليم لن يعالجوا مراجعة أرسطو ~~وتعاليمه، والذين يعالجونه في غير حاجة إلى هذا البيان، فهم يقدرون أرسطو ويقدرون لطفي ~~السيد. أم إن الأستاذ يرى ممكنا أن ترجع هذه الحجة ضالا إلى حظيرة الهدى، إن كان بين ~~الضالين من فتنتهم النهضة الحديثة فآثروا فلسفة العصر الحاضر على الفلسفة ~~القديمة. # إن يك ذلك رأيه فليسمح لنا بمخالفته، فإن الذين فتنوا بفلسفة العصر الحاضر فتنة ~~صحيحة يدركون التضامن في التفكير بين مختلف العصور، ويعلمون أن أدب العصر الحاضر ~~وفلسفته يمتان لليونان بأقرب الصلة، ولا يفوتهم أن الإحاطة التامة بالشيء لا تكون إلا ~~بعد استقصاء مصادره وأصوله. وما دامت غاية الفلسفة الوقوف على حقائق الأشياء والكشف عن ~~أسرارها، فمن ألزم أدواتها الرجوع إلى ms089 مصادر العلم والنظر لتحقيق سلسلة النسب وضبط ~~مرامي الفكر، فهم إذن في غير حاجة إلى التنبيه إلى فضل فلسفة أرسطوطاليس؛ لأن حاجتهم ~~إليها ضرورية وليست حاجة كمال ولذة. # أما الذين فتنوا من فلسفة العصر الحاضر بأدب هذه الفلسفة وزخرفها، وكانوا لذلك عشاق ~~أنصاف الحقائق وخيالاتها، فلن يقنعهم رد على نقدهم؛ لأنهم يريدون الفكرة السهلة في ثوب ~~فياض من ألفاظ خلابة، وأن تكون هذه الفكرة مرنة ليتسنى لها أن تصادف أهواء أفئدتهم ~~جميعا، وليست فلسفة أرسطوطاليس وتعاليمه هي الجواب لما يسأل هؤلاء المفتونون ~~عنه. # على أنا لا نعتقد أن هذا الذي دفع به الأستاذ لطفي السيد قول ناقديه هو ما دفعه إلى ~~معالجة عمله الشاق الجليل من ترجمة أرسطوطاليس. إنما دفعه إليه ميله له وحرصه عليه؛ ~~لذلك اغتبط به وجعل منه أسمى أمله، فلم يضن عليه بوقت ولا بجهد. ولو أن الأستاذ كان ~~حرا طول حياته في اختيار العمل الذي خلق له لكان قد عالج أرسطوطاليس وترجمته قبل سبع ~~سنوات، ولكن لنا أن نعتب اليوم عليه أنه وقف عند الترجمة من غير تعليق. وما نقول ذلك ~~رجما بالغيب؛ فقد عالج لطفي ترجمة العقد الاجتماعي لروسو بدء شبابه، ثم منعته ظروف عن ~~إتمامه. وقضي عليه بعد ذلك أن يلبس دروع الجندية حين صار مديرا للجريدة. وفي خنادق ~~الصحافة قضى سبع سنين تباعا لم ينقطع خلالها حنينه الدائم لحياة العلم والفكر. ومع ما ~~أحيط به أيام جنديته من تقدير المقدرين وإعجاب المعجبين، فما أشك في أن نفسه كان يغصها ~~الألم حتى لتكاد تشرق به لولا عزاؤها بأداء الواجب للوطن. ولم يكن الإعجاب ولا كان ~~المجد الأجوف ليمنع عنه ألم الحرمان من أحب الملذات إلى نفسه، فلما كانت الحرب وأكره ~~مترجم الأخلاق فيمن أكره على السكوت أسرع ينهل مما حرم منه، ويؤدي ما يسرته الحياة ~~لأدائه كواجب عليه لنفسه وللحياة. # وإنما كان لطفي السيد حين إدارته للجريدة كالشجرة القوية في واحة تحيطها الصحراء، ولا ~~بد أن تعطي المحيطين بها ثمرا غير ثمرها فتطعم عليها ms090 أثمار شجرة أخرى. تنتج هذه ~~الأثمار أجود مما تنتجها أشجارها الأصلية الضعيفة، ولكن على حساب ثمرها الطبيعي؛ فإذا ~~آن للفرع المطعوم أن يزول عادت الشجرة تعطي كل ما فيها من حياة وقوة لثمرها. كذلك عاد ~~لطفي السيد ينتج من ثمر العلم والفكر ما طاب له، فكان من ذلك ترجمته لأرسطو وتقديمه ~~للقراء كتاب الأخلاق. # وليس أرسطوطاليس جديدا عند قراء العربية؛ فقد نقلت كتبه إليها أيام العباسيين كما ~~انقطع له ابن رشد في الأندلس. وليس هذا مقام الكلام عنه ولا عن ترجمته، فكل المطلعين ~~على فلسفة العرب أو فلسفة أوروبا يعرفون أرسطو، وكل قراء العربية يعرفون لطفي السيد. ~~ولو أن رجلا كان له أن يتكلم في إفاضة ودقة عن المعلم الأول، فهذا الرجل هو مترجمه، ~~لكنا مع ذلك لا نستطيع غير القول بأن كتاب الأخلاق، وهو أول الكتب التي نشرها الأستاذ ~~لطفي السيد من سلسلة تواليف أرسطو، لا بد مثير في حركة مصر العقلية والعلمية ثورة كبرى، ~~فإن اللغة التي ترجم بها تجعله أقرب إلى القراء، ونظرياته التي أخذت عنها الفلسفات ~~العربية والغربية جميعا كفيلة بأن تبعث في الفكرة الفلسفية السامية حياة جديدة. وما ~~أشد حاجتنا إلى هذا البعث في عصرنا الحاضر، وقد جف معين الفكر المتعمق في بحث الحقائق ~~الذاهب إلى غور الأشياء. # لقد طال بالناس الوقوف من الأشياء على قشورها، وقد صار الباحث المدقق غريبا بين أهل ~~هذا الجيل المندفع وراء العاجلة الراغب عن الحق والحسن والجميل. فهل يكون مثل الأستاذ ~~لطفي السيد في المثابرة والجد وراء إظهار الحقيقة التي عرفها الإغريق للناس خليقا ~~بأن يعيد إليهم الرغبة في الحق والحكمة؟ # هذا ما نرجو. ولو صدق رجاؤنا لكان ما تقدم به الأستاذ من عمل أحبه وحرص عليه بشيرا ~~بخصب عظيم في مستقبل الشرق الفكري. والخصب الفكري هو أساس العظمة والمجد ~~والسعادة. # | محمد فريد وجدي # دائرة معارف القرن العشرين # السيد فريد وجدي كاتب قديم معروف، كانت ولا تزال له جريدة الدستور تصدر أحيانا ~~وتمتنع عن الصدور أخرى، وله مؤلفات غير ms091 قليلة يدور أكثرها حول الروحانيات. وهو من بين ~~المسلمين الذين يقولون بأن كل علم وكل اختراع وكل فكرة قديمة أو حديثة لها أصلها في ~~الإسلام، وله على ذلك أدلة تراها في كتبه وأبحاثه الكثيرة التي تدل بكثرتها واتساعها ~~على أنه لا يضيع وقته في غير البحث والعمل لتأييد رأيه وفكرته. # وهو كذلك من بين المولعين بجمع معلومات بني الإنسان من يوم كان لبني الإنسان معلومات ~~إلى وقتنا هذا. وشغفه بذلك وإصراره عليه قديم، وقد تمكن من جمع هذه المعلومات وترتيبها ~~وتبويبها حتى إذا اطمأن لكمالها أصدرها للناس دائرة معارف ليكون للقارئ منها (قاموس عام ~~مطول للغة العربية والعلوم النقلية والعقلية والكونية، بجميع أصولها وفروعها، ففيه ~~النحو والصرف والبلاغة والمسائل الدينية، وتاريخ الطرق والمذاهب والتفسير والحديث ~~والأصول والتاريخ العام والخاص وتراجم مشهوري الشرق والغرب والجغرافية الطبيعية ~~والسياسية والكيمياء والفلك والفلسفة والعلوم الاجتماعية والاقتصادية والروحية والطب ~~والعلاج، وقانون الصحة والفوائد المنزلية، وخواص العقاقير والأقرباذين والإحصاءات وسائر ~~ما يهم الإنسان في جميع المطالب). # هذه العلوم والفنون والمذاهب والأبحاث وسائر ما يهم الإنسان في جميع المطالب كانت من ~~زمن مضى طي كتاب وضعه السيد فريد وجدي وأسماه (كنز العلوم واللغة)، وقد لقي هذا الكتاب ~~- فيما يقول المؤلف في مقدمة دائرة معارفه - (غاية ما يتاح لمثله من الإقبال والتقدير، ~~سواء من جانب الأمة أو من جانب الهيئات الرسمية ... فكانت هذه الشهادة المزدوجة أحسن ~~مكافأة للمؤلف بعد جهاده الطويل وسهره المتواصل). # لكن (كنز العلوم واللغة) إنما حصر (معلومات البشر كلها في دائرة واحدة يلم بها ~~المطالع إلماما إجماليا فيستفيد منها لعقله وروحه وجسده على قدر ما تسمح له الحال). ~~وقد ذكر المؤلف حين آنس من وقته فراغا (حاجة الأمة إلى دائرة معارف أغزر مادة، وأجمع ~~فوائد، فإن الذي كان يكفيه بالأمس أن يقرأ مادة من المواد العلمية خلاصة موجزة أصبح لا ~~يقنعه إلا بحث مستفيض». ورأى أنه جمع ما فاته جمعه في «كنز العلوم واللغة»، فأجمع على ~~وضع دائرة معارف تناسب الحاجة العصرية و(عولنا على أن ms092 نتوسع في اللغة توسعا لا يدع ~~حاجة في النفس، وأن نتبسط في القسم العلمي تبسطا يبلغ بالطالب غاية ما يرمي إليه، ~~جاعلين نصب أعيننا أن يكون الكتاب جامعا بين الحاجة العقلية والحاجة المعيشية. فكما ~~يحرص عليه العالم ليسبح منه في نظريات العلوم، يحرص عليه الرجل العادي ليبحث فيه عن ~~مسكنات آلامه، وصحة أهله وعياله، ووجوه السير في أعماله، وأمور دينه، وكل ما يحتاج إليه ~~في معاملاته). ولقد لقي عمله هذا من تقدير الأمة وإعجابها ما دفعه لإعادة طبع كتابه. ~~وهذه الطبعة الثانية التي حدثك المؤلف عن غايته منها وعما تحتويه وعن كيفية وضعه إياها، ~~وتطورها من كنز العلوم واللغة إلى دائرة المعارف التي نفدت، والتي أعيد طبعها، هي موضع ~~نظرنا اليوم. ~~••• # تقع هذه الطبعة الثانية في عشر مجلدات، كل مجلد منها ثمانمائة صفحة عدا السابع فصحفه ~~960، والعاشر فصحفه 1056، فمجموع صفحاتها جميعا 8416. وهي مطبوعة بمطبعة دار معارف ~~القرن العشرين على ملازم (ثمانيات) بحرف بنط «20». وكلها من تأليف السيد محمد فريد ~~وجدي، فهو لم يكتف فيها بوضع قواعد البحث ونظامه والإشراف على أبحاث سواه، بل تفرد بها ~~فلم يستعن بأحد، ولم يشرك مع مجهوده مجهود غيره؛ هو الذي بحث ونقب، وهو الذي نظم ورتب. ~~وبحسبك هذا لتعرف مشقة العمل وعظم المجهود. فأنت إذا رجعت إلى التعريف الذي وضعه تحت ~~عنوان الكتاب، ورأيت ما بين دفتي هذه المجلدات من: قاموس عام مطول للغة العربية والعلوم ~~النقلية والعقلية والكونية بجميع أصولها وفروعها ... إلخ، ازددت عرفانا لما اقتضاه هذا ~~المجهود من وقت وصبر ومثابرة. # فلو أن هذه الآلاف من الصحف كانت كلها في فن أو علم واحد لكان ما تقتضيه من مجهود أقل ~~مما تقتضي «هذه العلوم النقلية والعقلية بجميع أصولها وفروعها»؛ ذلك بأن اتحاد اتجاه ~~الذهن، وإمعانه في الغوص على نوع خاص من المعاني يلذه ويشحذه ويزيده دقة في التصور، ~~وفي التفريق بين الألوان البادية التشابه لذي النظر السطحي ولغير المتعمق. فأما هذا ~~الانتقال من علم إلى علم ومن فن إلى فن فعسير كل ms093 العسر. يحدث في الذهن وقوفا كلما ~~شاء أن يتحول إلى اتجاه جديد، وليس هذا الشأن مقصورا على التفكير وحده، بل إنك لتشعر ~~به ولو كان عملك مقصورا على مجرد النقل والترجمة؛ فأنت إذا ألفت لغة مؤلف واتجاه فكره ~~تيسرت لك العبارات التي تؤدى بها مقاصده وأغراضه، فإذا انتقلت إلى غيره في نفس العلم ~~أو الفن شعرت بقلمك يقف حتى يسيغ ذهنك اللغة، وطريقة التفكير الجديدة التي انتقلت ~~إليها. ما بالك لو كان الانتقال إلى علم أو فن جديد له أساليبه وله مصطلحاته في اللغة ~~وله قواعده التي تجمع في ألفاظ معدودة أبحاثا مستفيضة! إنك في هذه الحال بحاجة إلى ~~هدنة تستعيد إلى ذاكرتك فيها ما سبق لك الإلمام به من العلم أو الفن الجديد، وأنت كذلك ~~بحاجة إلى عدة لغوية تصلح ثوبا لهذا العلم أو الفن. # بهذا المجهود قصد السيد فريد وجدي إلى (أن يكون الكتاب جامعا بين الحاجة العقلية ~~والحاجة المعيشية. فكما يحرص عليه العالم ليسبح منه في نظريات العلوم، يحرص عليه الرجل ~~العادي ليبحث فيه عن مسكنات آلامه وصحة أهله وعياله ... إلخ). وما نشك في أن عددا كبيرا ~~من القراء يجد في مراجعة هذا الكتاب فائدة له غير قليلة. فأنت إذا رجعت في الكتاب إلى ~~كلمة من الكلمات رأيت تفسيرها اللغوي، ثم انتقلت في أحيان كثيرة إلى بحث طويل عما ينطوي ~~تحت هذه الكلمة من تاريخ أو فلسفة أو كلام. خذ مثلا لفظ «مصر» لقد كتب المؤلف عنها في ~~مجلده التاسع 226 صفحة (من صفحة 15 إلى صفحة 241)، جمع فيها تاريخ مصر القديم والحديث، ~~وتكلم عن تقسيم البلاد، وعن التعليم فيها وعن قوانينها النظامية وعن دينها العام. ثم خذ ~~كلمة «إله» تجد بحثها في الجزء الأول من صفحة 481 إلى 562، وتجد المؤلف يبدأ الكلام عن ~~«الله» بقوله: «العقيدة بوجود الخالق فطرة فطرت عليها النفس الإنسانية، أو هي في مرتبة ~~العلوم الضرورية التي تحصل للإنسان كثمرة من ثمرات مواهبه العقلية.» ثم يجيء بكلمات ~~لكبار الفلاسفة عن الله ثم عن ms094 إثبات وجوده. وفي هذه الكلمات والبراهين والمناقشات شيء ~~غير قليل يتمتع به الذهن. وقد ترى في هذه المادة غير البحث في الإله وأدلة وجوده فلتات ~~عن العلم والمادة وغيرهما. ثم ينقلك المؤلف إلى (رأيه الخاص في المسألة) وعقيدته بالله. ~~عقيدة في درجة المحسوس بلا دليل، وعجبه أن يؤدي الدليل إلى عقيدة، وبحثه في المذهب ~~المادي والمذهب الروحي. ثم راجع كلمة «موت» في الجزء التاسع نراها قد استغرقت منه 26 ~~صفحة بينها خمس صفحات رسالة لابن مسكويه في علاج الخوف من الموت، وفيها ثماني عشرة صفحة ~~عما يجب للمسلم بعد الوفاة من جنازة وصلاة ودفن. # وأنت كلما رجعت في دائرة المعارف هذه إلى شيء من الشؤون الروحية، فأنت واجد دائما ~~بحثا كما أنت واجد رأيا خاصا للمؤلف، ومنته إلى نتيجة معينة. كذلك كلما رجعت إلى ~~شاعر من شعراء العرب أو كاتب من كتابهم المعروفين أو مؤلف من مؤلفيهم في الفقه والكلام ~~فأنت واجد شيئا من تاريخ هذا الشاعر أو الكاتب أو الفقيه، وغير قليل من شعره وما كتب. ~~وللمدن والبلاد العربية حظ عظيم من عناية المؤلف. فالأندلس وبغداد ومكة كانت مواضع ~~بحثه، وإن كان لمكة من هذه العناية القسط الأوفر، وكانت بغداد لم تحظ منه بأكثر من ~~صفحة واحدة. # وقد يسرك أن تشعر حين مراجعاتك في دائرة معارف القرن العشرين أن كتاب اللغة العربية - ~~حتى هذا العصر الأخير - قد عرضوا لأكثر المسائل وأعوصها، فلا يكاد يخلو بحث من رأي لهم ~~فيها، فالمغناطيس كتب فيه الرشيدي في مادته الطبية، وعرض فيما عرض للآراء الحادثة عن ~~المغناطيسية من أيام المسمرية «المسمرزم» وقبلها. والبناء - بناء البيوت - كتب عنه ~~الدكتور محمد أفندي كمال. وتاريخ مصر القديمة رجع فيه المؤلف إلى كتاب سليم أفندي ~~سليمان عن «مختصر تاريخ الأمة القبطية». هذا سوى الأقدمين من المؤلفين أمثال ابن خلدون ~~وابن خلكان وابن مسكويه وعبد اللطيف البغدادي، وغيرهم ممن كانوا عمدة المؤلف في ~~مراجعاته الفلسفية والروحية والأدبية والتاريخية. # إلى جانب عناية السيد فريد وجدي بهذه الأبحاث التي «يسبح ms095 منها العالم في نظريات ~~العلوم»، ترى عناية لا تقل عنها لما يحتاج إليه الرجل العادي «من مسكنات آلامه، وصحة ~~أهله وعياله، ووجوه السير في أعماله، وأمور دينه، وكل ما يحتاج إليه في معاملاته». فكما ~~وقفت منه على جنازة الميت والصلاة عليه ودفنه، لم يفت المؤلف أن يضع تحت نظرك مواد ~~القانون المصري عن البيع والإيجار وسائر المعاملات، كما لم يفته أن يذكر الفوائد ~~المنزلية والصحية والطبية لكل نبات، ولكل مادة حين الكلام عنها. ولم ينس أن يذكر الدواء ~~الذي يعالج به كل مرض. ولم يترك الكلام المفصل في أمور الدين. ولم يهمل ذكر شيء وقع له ~~واعتقد أن هذا الرجل العادي بحاجة إلى معرفته. ~~••• # والآن فأي حظ من التوفيق أصاب السيد فريد وجدي في سبيل غايته؟ وهل أنتجت مجهوداته ~~النتيجة التي ترتجى من دائرة معارف توضع في القرن العشرين؟ # يذكر السيد فريد وجدي في عنوان دائرة معارف أنها «قاموس عام مطول للغة العربية ~~والعلوم النقلية والعقلية والكونية بجميع أصولها وفروعها»، ويشير في مقدمته إلى أنها من ~~«كنز العلوم واللغة» كقاموس لاروس الكبير من قاموسه الصغير. ويكفي هذا التعريف لتشعر ~~بأن القيام بتحقيق ما اشتمل عليه يستحيل تمام الاستحالة على شخص واحد. فإن وضع قاموس ~~عام مطول للغة العربية وحدها وتحرى سد هذا القاموس لحاجات العصر الحاضر اللغوية يستغرق ~~من الوقت والمجهود ما استغرقه عمل الأستاذ فريد وجدي في دائرة معارفه. وكل علم نقلي أو ~~عقلي أو كوني بجميع أصوله وفروعه يستغرق من المجهود أكثر مما استغرقته دائرة المعارف ~~هذه. وهذا هو السبب في أن علماء ذوي اطلاع ونشاط وذكاء قد قضوا حياتهم في البحث ~~والتنقيب في تحقيق أصول علم من العلوم ورد كل الفروع إلى هذه الأصول، ثم تركوا الحياة ~~ولم تنته كل مهمتهم؛ لذلك يجب - مهما تحمد للسيد فريد وجدي مجهوده - أن تتوقع فيه هذا ~~النقص العظيم، ويجب ألا تطلب إليه ما تطلبه إلى دائرة معارف وضعت على الطريقة العلمية ~~الصحيحة، وأريد منها أن تحقق الغاية التي وضعت لتحقيقها. ms096 # دائرة المعارف التي توضع على الطريقة العلمية الصحيحة لا يقوم بوضعها رجل واحد؛ بل ~~يشترك جماعة من بادئ الرأي في وضع الخطة التي تنهج فيها، فإذا تم وضع هذه الخطة ~~استعانوا بكل عالم وبكل أخصائي في العلم أو الفن الذي انقطع له، وطلبوا إليه أن يوافيهم ~~برأيه على الخطة التي وضعوا. كذلك فعل دالمبير وأصحابه في الانسيكلوبيديا الفرنسوية في ~~القرن الثامن عشر، وكذلك فعل لاروس في قاموسه الكبير، وكذلك يفعل العلماء حتى في ~~المطولات المقصورة على علم واحد. فأنت إذا رجعت إلى دالوز في الحقوق وإلى أشباه دالوز ~~في العلوم الأخرى وجدته معتمدا في مادته على عدد كبير من فحول العلماء. وحكمة ذلك أن ~~القصد من دائرة المعارف أن تجمع من كل علم ومن كل فن خلاصته وآخر الآراء فيه والمعلومات ~~عنه، حتى إذا رجع إليها من ليس له بهذا العلم أو الفن اتصال وثيق وقف منها على كل ما ~~يريد أن يقف عليه، ثم كان مطمئنا إلى أنه يأخذ منها أوثق المعلومات والآراء وأدقها؛ ~~حتى لو أنه كانت له بهذه الآراء حاجة علمية لم يخش أن يضله فسادها أو قصرها. # ووضع دائرة معارف على هذا الوجه أمر لا يتيسر لشخص واحد؛ ولذلك لم يتيسر للأستاذ فريد ~~وجدي برغم المجهود الكبير الذي بذله والذي يستحق من أجله الحمد والثناء. فلو أنه أتيح ~~له أن يضع لنفسه خطة ونهجا في وضع كتابه، ولو أن خطته ونهجه كانا على ما يريد العلم ~~الحديث لهما، ثم لو أنه أنفق أضعاف ما أنفق من وقت وعمل، ما تيسر له مع ذلك أن يرضي ~~أطماع العلم في دائرة معارفه، ولاقتصر عمله أكثر الأمر وفي أكثر المواد على جمع معلومات ~~لا يستطيع الحكم على مبلغها من الدقة، ولا يستطيع أن يرضي بها عالما ولا أن يفيد بها ~~غير عالم. # هذا لو أنه وضع لدائرة معارفه خطة ونهجا. ودوائر المعارف جميعا تقوم في هذا العصر ~~الأخير على أساس من النهج العلمي الذي اطمأن إليه الكتاب والعلماء والفلاسفة، ms097 والذي ~~يقتضي ملاحظة الوقائع ومقارنتها وترتيبها واستنباط القوانين من متشابهها ومتناقضها ~~جميعا. ونحن نرانا في «دائرة معارف القرن العشرين» بعيدين عن هذا النهج العلمي كل ~~البعد. ولعلك تذهب إلى الظن بأن مرجع هذا البعد أن واضع هذه الدائرة روحاني لا يعترف ~~بالعلم الحديث ولا بآثاره. ولسنا نجيبك بأن العلماء الذين يعنون بالروحانيات في هذه ~~الفترة الأخيرة يريدون إقامتها على أساس من هذا النهج العلمي؛ وإنهم لذلك يلاحظون ~~المظاهر الروحية ويسجلونها ويقارنون بينها ويجمعون بين ما تآلف منها، ويقصدون من ذلك ~~إلى وضع قوانين ثابتة لما يريدون تسميته العلم الروحي. وإنما نقول: إن السيد فريد وجدي ~~لم يضع لدائرته نهجا على أية صورة من الصور. فأنت إذا أردت الرجوع إليها لا تعرف ما ~~ستلاقي. فقد تجد بحثا لغويا مستفيضا يبدأ به عبارته فيرد الكلمة إلى أصولها ويبين ~~أوجه استعمالها، وقد لا تجد من هذا البحث اللغوي كلمة. وقد تجد بحثا تاريخيا، وقد لا ~~تجد. وقد ترى نظريات فلسفية عن كلمة تافهة علاقتها بالفلسفة، وقد لا تجد ذكر الاسم من ~~أسماء الفلاسفة على جلال قدره وعظيم خطره. # أشرنا إلى أن مكة وبغداد ورد ذكرهما في الدائرة، وإلى أن مكة قد أفرد لها ما يزيد على ~~ثلاثين صفحة، وإلى أن بغداد لم تحظ بصفحة كاملة. هذا وبغداد كانت عاصمة الإسلام زمنا ~~طويلا. فيها ازدهرت مدنية العرب، ومنها امتد ملكهم وانتشر في العالم سلطانهم العقلي ~~والعلمي. وإلى أمراء المؤمنين الذين اتخذوها عاصمة ملكهم، وإلى العلماء والفقهاء ~~والشعراء والكتاب والحاذقين من الصناع والفنانين يرجع حظ عظيم من الحضارة، التي كانت - ~~ولا تزال ولن تزال - مجد المسلمين. # هذه الإطالة في الكلام عن مكة والتقصير في التكلم عن بغداد وعدم الإشارة عند ذكر ~~بغداد إلى ما يمكنك أن تعثر عليه خاصا بها في أجزاء الدائرة الأخرى ليس إلا مثلا من ~~أمثلة كثيرة تجدها في كل مناحي بحث المؤلف. هذا إلى أن المعلومات التي يذكرها فيما يطيل ~~فيها من مباحثه التاريخية لا تدعو لطمأنينة الذي ألم بشيء من ms098 العلم. فلئن كان قد ~~أفرد للفظ مصر 226 صفحة، فإن ما ورد في هذا القدر من المعارف يقف في أحيان كثيرة عند ~~المعلومات الأولية التي يتلقاها التلاميذ المبتدئون، كما يورد أحيانا أخرى معلومات ~~تفصيلية لا يحتاج إليها الباحثون عن المعارف العامة في دائرة معارف؛ فما أوردوه عن ~~تاريخ مصر القديم ملخصا من كتاب سليم أفندي سليمان (تاريخ الأمة القبطية) موجز لا جديد ~~فيه من علم أو فكرة. ولا يزيدك علما عما عرفته في المدرسة الابتدائية. وإلى جانب هذا ~~ترى تفاصيل كثيرة مأخوذة عن الإحصاء السنوي العام الذي تصدره الحكومة المصرية والإحصاء ~~الرسمي والدين العمومي، وقد يكون خير ما في هذه الصحف الست والعشرين والمائتين مذكرة ~~عرابي باشا عن الثورة العرابية. لكن إيراد هذه المذكرة عند الكلام على «مصر» إيراد لها ~~في غير موضعها. وقد كان لها مكانها عند الكلام عن «عرابي». ولعل المؤلف يوافقنا على ~~هذا، وبخاصة بعدما أفرد للفظ «بونابرت» فصلا ذكر فيه خطاب أكابر مصر إليه منفردا عما ~~أورده عن نابليون. لكن المؤلف لم يكن يستطيع - وهو يقوم بهذا العمل وحده - أن يحقق ~~الثورة العرابية تحقيقا تاريخيا صحيحا. # وكما كان ما ذكره المؤلف عن تاريخ مصر القديم موجزا ضعيفا، كان ذكره للآثار المصرية ~~ولآلهة مصر القديمة أشد إيجازا وضعفا. فقد ذكر عبارة موجزة عن أبيس. أما إيزيس ~~وأوزوريس وسائر الآلهة فلم نوفق إلى الوقوف على أثرهم أو خبرهم. وأما الآثار المصرية ~~فإن ما كتب عنها في أي كتاب أوروبي وفي أي دائرة معارف أوروبية أدق وأشبع مما كتبه ~~السيد فريد وجدي عن بعضها. # وكأن عناية المؤلف بالتاريخ القديم مقصورة على الفلسفة اليونانية. وهي في هذه أيضا ~~ليست عناية علمية بحال. فأما تاريخ أشور وبابل وقرطاجة فما ذكر عنه قليل إلى حد لا يفيد ~~القارئ منه شيئا. وقد حاولت أن أعثر على شيء خاص بسميراميس الملكة الإلهة ذات التاريخ ~~المجيد في حكم آشور، فلم أجد شيئا خاصا بها، ولم يكن لها ذكر إلا ورود اسمها في كلمة ~~موجزة إيجازا ms099 غريبا عن مملكة آشور برغم ما كان لهذه الملكة من تاريخ مجيد وحضارة ~~كبيرة. # لكن هذا الإهمال للتاريخ القديم والآلهة مصر والإغريق وآشور لم يمتد إلى أرباب ~~الأديان الباقية إلى اليوم. فقد تكلم المؤلف عن بوذا. ولعله تكلم عن كونفشيوس. ومع ما ~~أظهره من العناية في هذا الباب الذي يهتم هو له بنوع خاص، فقد كان حديث بوذا قصيرا ~~وكان ينقصه شيء غير قليل من التحقيق، وهو بعد موجز إيجازا لا يروي غلة الباحث العالم، ~~ولا يفيد المتعلم الفائدة العلمية التي يجب أن يجدها. ~~••• # مثل هذا الإيجاز المخل والإسهاب الممل وعدم الأخذ بنهج معين وعدم الاعتماد على قواعد ~~علمية وعلى معلومات ثابتة شائع في أكثر أجزاء «دائرة معارف القرن العشرين». فمع ما يبدي ~~المؤلف من عناية خاصة بالفلسفة لم يذكر شيئا عن جماعة كبيرة من أعاظم الفلاسفة ذوي ~~المبادئ التي قامت ولا تزال قائمة، ولا تزال مرجع الفلسفة. فقد أردنا الوقوف على ما ~~كتبه الفيلسوف الألماني الكبير «كانت» فلم نجد لاسمه ذكرا. ورجعنا نبحث عن الفيلسوف ~~الفرنسي «كومت» صاحب الفلسفة الواقعية، فلم يكن أحسن من زميله حظا. وفيما نقرأ ما ~~كتبه عن كلمة «فلسفة» عثرنا على اسمي هذين الفيلسوفين وعلى ذكرهما عرضا في تاريخ ~~الفلسفة الحديثة، مع الاعتراف بجلالهما وعظيم قدرهما. # والعجب أن أسماء الفلاسفة التي نزلت إلى إدراك الجمهور العادي أن كان أصحابها بين ~~الفلسفة والأدب لم تلق من المؤلف ما يجب لها من عناية ولا من تحقيق. فجان جاك روسو ~~معروف في دائرة معارف السيد فريد وجدي بما هو معروف به عند السواد. هو معروف بكتاب ~~العقد الاجتماعي وبما كان لهذا الكتاب من أثر في الثورة الفرنسية. أما آراؤه في الرجعة ~~إلى الطبيعة وفي الديانة الطبيعية، فقد تجد عنها شيئا فيما ترجمه المؤلف تحت لفظ ~~«تربية» مثلا. لكنك لا تجده واردا عند الكلام على روسو كأن روسو لم تكن له به ~~صلة. # ولعل الأدب الغربي أقل الأشياء ذكرا في دائرة معارف القرن العشرين. فأكابر شعراء ~~الإنكليز: شكسبير وملتن ms100 وبيرون لا يهتدى لأسمائهم في ألوف صحفها. وشعراء الفرنسيين ~~وكتابهم ممن طبقت شهرتهم الآفاق أمثال هوجو وشاتو بريان لم يحظوا إلا بأسطر ~~معدودات. # يجب أن نعترف إلى جانب ذلك بأن شعراء العرب وأدباءهم يشغلون مئات الصحف من الدائرة؛ ~~ويكفيك مثلا أن تذكر أن عبد الغني النابلسي قد استغرق شعره ثلاثين صفحة؛ لكنك مع ذلك ~~لا ترى عن عبد الغني النابلسي هذا ما يدلك على شيء من أمره. فمن هو؟ وما مقامه بين ~~شعراء أهل زمانه؟ وما خلاصة رأيه الشعري، هذا ما يجب أن تلتمسه بين السطور التماسا. ~~وهذا الإبهام تجده في كثير من أبحاث المؤلف. # هذا قليل من كثير مما عثرنا عليه أثناء مراجعتنا القصيرة من ملاحظات. ~~••• # الاضطراب بين الإهمال والإسهاب والإيجاز يرجع إلى أسباب ليس انفراد السيد فريد وجدي ~~بالبحث أهمها، إنما أهمها أن ليس للمؤلف نهج ولا خطة؛ ولو كانت ثمة خطة واتبعت لما كانت ~~هذه العيوب واضحة إلى الحد الذي أشرنا إليه؛ ونحسب أن هذا يرجع إلى نوع تربية السيد ~~فريد وجدي العلمية. فهو كثير الاطلاع والمراجعة، لكنه في اطلاعه ومراجعته لا يصدر عن ~~أساس ذاتي خاص؛ لذلك ترى تأليفه متميزا بجمع المعلومات من غير اختيار ومن غير ترتيب. ~~فهو حيث عثر على مقال أو فصل في صحيفة أو في مجلة أو في كتاب استعان - فيما يظهر لنا - ~~بالمقص وأخذ هذا المقال أو الفصل فوضعه في حرف الهجاء الذي يتبعه وفي اللفظ الذي يخصه، ~~وهذا ما يتضح لك حين تراه نقل مقال محمد أفندي كمال عن بناء البيوت من جريدة العلم. ~~وحين تراه نقل مقالا مطولا من مجلة المقتطف عن افتتاح خزان أسوان، مع أن افتتاح خزان ~~أسوان وما ألقي فيه من خطب وما كان فيه من مدعوين لا يجوز بحال أن يدخل في نطاق دائرة ~~معارف. وحين تراه نقل المغناطيس عن مادة الرشيدي الطبية. فإذا هو لم يعثر في مطالعاته ~~العادية على شيء لم يكلف نفسه مؤنة البحث وأهمل الموضوع الإهمال كله، أو اكتفى ~~بالإشارة إليه ms101 في عبارة موجزة كقوله تعريفا وشرحا وتفسيرا للرياضيات: العلوم ~~الرياضية هي الحساب والهندسة والجبر وما يتفرع منها. ولو أن للسيد فريد وجدي أساسا ~~ذاتيا من التربية العلمية لما رضي لنفسه هذا النحو من التأليف، بل لو أن له أساسا ~~ذاتيا من التربية العلمية لتردد كثيرا قبل أن يضع دائرة معارف. وربما أدى به التردد ~~إلى الإحجام عن عمل لا يستطيعه إلا عدد عظيم من العلماء. # ولئن كان قد جمع في الصحف العشرة الآلاف كثيرا من المعلومات التي قد تفيد من يرجع ~~إليها إذا هو أخذها على أنها مراجع يجب تحقيقها قبل الاعتماد عليها، وكان له بذلك فضل ~~يشكر عليه، فإن كثيرين ممن لا يعينهم وقتهم أو علمهم على هذا التحقيق قد يضلون في ~~هذه المعلومات، وقد يتخذونها عمدة وحجة ويبنون عليها آراء ونتائج لا يسهل أن تتفق ~~والعلم. # لذلك نود لو أن الأستاذ فريد وجدي كان قد وجه همه إلى ترجمة دائرة معارف كدائرة معارف ~~الإسلام مثلا، ولو أنه فعل ذلك لكان قد حصر موضوعه وأفاد كثيرا من فضل العلماء الذين ~~وضعوا هذا المؤلف النفيس، ويسر لمن يريد الاطلاع سبيل العلم الناضج الصحيح الذي ~~هضمه أصحابه وتمثلوه وجعلوا منه نتائج مبنية على أسباب ومقدمات، لا مجموعة معلومات لم ~~تهضم فقاءها من اطلع عليها، فخرجت مضطربة لا يطمئن إليها إلا من لا وسيلة له ~~إلى غيرها. # على أنا آخر الأمر لا نستطيع أن ننكر على السيد فريد وجدي أنه بذل مجهودا كبيرا ~~لإقامة بناء فخيم. وإذا لم يكن قد صادفه ما يرجوه له محبو العلم الصحيح من توفيق فليس ~~ذلك ذنبه. وإذا كان قد أجهد نفسه فنظم الأنقاض كل لون إلى لونه وكل شبيه إلى شبيهه من ~~غير أن يتمكن من تنسيقها، لما ينقصه من روح النظام، فقد يكون لسواه أن يخرج من مجهوده ~~هذا خيرا للناس، وأن يعترف لصاحب دائرة معارف القرن العشرين بفضل السعي للخير ~~وللإحسان. # | الدكتور طه حسين (1) # صحف مختارة من الشعر التمثيلي عند اليونان # ما أقل ما ms102 يظهر في عالم الأدب من الكتب القيمة المؤلفة أو المترجمة، وما أشدنا في مصر ~~إلى هذه الكتب القيمة احتياجا. وإذا كان لنا أن نعود باللائمة لهذا الفقر على أحد ~~فأكثر الناس استحقاقا للوم أولئك الذين عهد إليهم في العصور الأخيرة بواجب القيام ~~بإيفاء علوم الأمة حقها من العلم والأدب، فقصروها على علوم الصناعات والحرف، وتركوا ~~روحها بذلك فجة وعقلها راكدا، فلم تستثر حمية مؤلف ولا همة كاتب. # على أن ما عنيت به الجامعة المصرية في السنين القريبة من العمل لنقل العلم والأدب ~~إلى مصر قد بدأ يخرج ثمره وزهره. ولأول مرة تقدم أحد أبناء الجامعة البررة إلى الشعب ~~المصري بكتاب غير رسائل الامتحان، فأخرج الدكتور طه حسين صحائفه المختارة من الشعر ~~التمثيلي عند اليونان، ونشرها على الناس. # ليس بنا من حاجة للكلام عن الدكتور طه ولا لبيان طريقته في التأليف. فقد عرف القراء ~~رسالته في ذكري أبي العلاء ومسلكه في تحليل نفسية الشاعر ورده مختلف آرائه وأفكاره ~~وأساليبه إلى الوسط الزماني والوسط المكاني الذي عاش فيه. وهذه هي بعينها الطريقة التي ~~اتبعها في رسالته عن ابن خلدون التي قدمها لجامعة باريس لجواز دكتوراه الأدب. وهي ~~الطريقة العلمية التي تبعث للنفس صورة صحيحة من شخص الشاعر أو الكاتب أو الفيلسوف الذي ~~يراد تحليله. ذلك بأن الفرد لا وجود له بذاته، وإنما وجوده بالوسط الذي يعيش فيه. ~~فتفهم ومعرفة البيئة الطبيعية والبيئة الاجتماعية والحالة التاريخية وما كان على أثر ~~ذلك من عقائد وعوائد وأفكار وعواطف واتجاهات ذلك كله، وذلك وحده هو الذي يسمح لنا بفهم ~~أي كاتب أو شاعر أو فيلسوف وأي رجل آخر له صلة بالمجموع فتأثر به وأثر فيه. # كذلك يعرف القراء أسلوب الدكتور طه حسين. يعرفونه من تعاليم الرجل حيث نشأ في الأزهر، ~~ثم انتقل إلى الجامعة المصرية، وإلى أوربا، فجمع في لفظه بين المتانة والدقة. ويعرفونه ~~من طريقة تفكيره التي هي داخلية دائما لا تؤثر فيها مظاهر الطبيعة ولا أحداثها؛ مما ~~يضيف إلى متانة الأسلوب ودقته سكينة وعمقا ms103 وهدوءا تمنع عليه سبيل الاندفاع التخيلي، ~~وتقف به دون الارتفاع إلى شواهق الوجدان. ولعل التطورات التي يمكن ملاحظتها على هذا ~~الأسلوب بالغة في إقناعنا بأن أسلوب صديقنا يسير دائما في سبيل السلاسة الجزلة ~~والسهولة المتينة من غير احتياج لتدفق ولا انقباض. # هذه الطريقة هي التي سار عليها في المقدمة الصغيرة الثانية التي وضعها في صدر كتابه ~~الذي وضعنا اسمه عنوانا لهذا المقال، وفي الكلمتين الممتعتين عن إيسكولوس وسوفوكليس. ~~وهذا الأسلوب هو أسلوبه فيما ألف منه وفي أكثر ما عرب. # والكتاب موجز بديع يعطي فكرة عامة عن اليونان وعن شعرها التمثيلي. وناهيك باليونان ~~وبأثينا القديمة. فهما مصدر المدنية الأوروبية الحديثة والوحي المباشر لأبدع ما خطت ~~أقلام شعراء العصور الأخيرة الخالدين. فشاكسبير وراسين وكورني وكثيرون جدا غيرهم من ~~كبار كتاب (التمثيل) مدينون مباشرة لأثينا ولرومة. ويكفينا هذا لنقطع بأن كل ما يكتب عن ~~اليونان يستحق قراءته والإمعان فيه. # لكن مختارات الدكتور ليست أي شيء من كل ما يكتب عن اليونان. بل لها ميزة خاصة تجعل ~~قراءتها أكبر فائدة وأكثر إمتاعا، وتضعها في الصف الأول بين ما يقرأ لفهم الروح ~~اليونانية والحياة التي غذتها هذه الروح؛ ذلك بأنها صادرة من رجل تخصص لدراسة الأدب ~~والفلسفة، وما إليهما من مظاهر الحياة العقلية اليونانية. وتخصص لهذه الدراسة لأنه أعجب ~~باليونان، فشربت نفسه مشاربهم، وألهمت روحه بديع معانيهم، وأوصله التحليل العلمي إلى ~~تعرف الأسباب التي ألهمت العقل اليوناني ما أفاض به على عصره وبلاده، ثم على كافة ~~العصور والبلاد التي أخذت من المدنية بطرف أو ضربت فيها بسهم ونصيب. # وضع الدكتور طه مقدمة عن الحياة اليونانية، وعن الشعر التمثيلي عند اليونان. فشبه ~~الجزيرة التي تكاد تكون قاحلة والتي جمعت إليها أشتات الأجناس المختلفة من اليونان طبعت ~~أهل مدينتها الكبرى - أثينا - بطابع خاص هو حب العمل لاستثمار أرض قليلة الثمر، وشدة ~~التضامن لدفع شر المغير. وقد عاشت هذه الدولة في ظل الملوك حينا. ثم في ظل ~~الأرستقراطية لقرب نظامها من النظام الملكي واتصالها به. ثم دنت من ms104 النظام الجمهوري ~~قليلا قليلا حتى جاء سولون، فأخذت الديمقراطية تظهر وتعلن وجودها وقدرتها على الحياة. ~~وفي قليل من الزمن ظهر أن الديمقراطية نافعة مغنية، وبلغ من ذلك أن أنقذت اليونان من ~~غزوات الفرس، فزعزعت عرش هؤلاء وخفضت كلمتهم وأدالت دولتهم. وكان ذلك سببا في أن ظهرت ~~أثينا بين أمم اليونان، وكبرت مكانتها واعترف لها بالفضل على كل المدائن الأخرى. # وكانت حياة اليونان الأولين حياة دينية تعددت فيها آلهتهم، وارتفع فيها الماضون من ~~أبطالهم إلى مركز الألوهية أو ما يقرب منه. وكانوا يقيمون أعيادا سنوية للآلهة، وبنوع ~~خاص لديونوزوس إله الخمر ولدمتير إلهة الخصب. وكان الشعب يجد من الحفل بهذه الأعياد ~~والآلهة ما يسمح له بالإفراط في الأكل والشراب والسكر والسرور إلى حد نسيان هموم الحياة ~~وشقائها. وفي هذه الحفلات كان يلقن الشعراء والقصصيون طائفة من الناس أبياتا ملؤها ~~الحزن يجيبون بها هذا الشاعر حين يلقي شعره يبسط فيه ألم الآلهة أو لذته. وكان هذا أول ~~مظهر من مظاهر التمثيل. # ثم ارتقى التمثيل بعد ذلك وانتقل من مجرد وصف آلام الآلهة وملذاتهم إلى وصف حياة ~~الأبطال، وأعمالهم إلى استعادة مناظر التاريخ. ووضعت الآلهة بعيدا ترقب أكثر مما ~~تعمل. # وكان أول من خطا بالشعر التمثيلي الخطوة الأولى ذات الأثر إيسكولوس. كان من أسرة ~~أرستقراطية، وولد في قرية مقدسة تدعى إيلوزيس يحج الناس إليها من كل وجه لتكريم دمتير ~~آلهة الطبيعة الحية الخصبة. وشهد حرب اليونان وفارس في وقعة مارتون وشغف بالشعر ~~الغنائي، فضرب فيه بسهم، ثم كلف بالتمثيل، وتقدم إلى المسابقة فيه ولما يتجاوز السادسة ~~والعشرين من عمره، وانتصر في مسابقاته حتى غلبه سوفوكليس في آخر أيامه. # وكان اتجاه إيسكلولوس تمثيل إرادتنا الإنسانية في تصلبها وقوتها وعنادها واندفاعها، ~~ثم إذا الإرادة الكبرى إرادة القضاء الهادئة المطمئنة تحول دون ما أردنا، وتذهب بكل ~~تصلبنا وعنادنا هباء، وتنفذ هي قدرها من غير جهد ولا عناء. # وهنا يذكر لنا الدكتور طه حسين فضائل إيسكولوس الفنية، وكيف عبر عن فكرته القائدة ~~المتحكمة في رواياته المختلفة، وكيف ms105 نجح في ذلك أكبر النجاح. # أما سوفوكليس فقد ولد في كولونا ونشأ فيها نشأة قروية خشنة بعض الخشونة، ثم انتقل إلى ~~المدينة فتأثر بما فيها من لين العيش ونعومته؛ وكان لهذين الأثرين في حياته كشاعر ما ~~سهل عليه الجمع بين القوة والرقة، والشدة المتناهية، والإنصات لصوت العقل. ولقد فاق ~~إيسكولوس وبزه في آخر حياته غير مرة بقوة عبقريته الشابة المتلائمة مع عصر كان ~~إيسكولوس - وقد صار شيخا - قد فرغ منه. وزاد هذه العبقرية أن العصر الذي كان فيه ~~سوفوكليس هو العصر الذي ارتقى فيه العقل اليوناني والشعور اليوناني إلى حد أصبح فيه كل ~~إنسان محسا بوجوده وبشخصيته على طريقة شديدة يود معها لو أكره كل شيء على أن يعترف ~~بهذه الشخصية ويشعر بذلك الوجود. # لسنا ندعي إقامة المقارنة بين الشاعرين الكبيرين في هذه الكلمة. ومن شاء الوقوف ~~عليها فليرجع إلى الصحف المختارة ويرى تطور العصر والموازنة بين مختلف ما كتب كل منهما. ~~وإنما نريد أن نشير إلى أن شعرهما جميعا بلغ من السمو والعظمة والقوة والمتانة ما ~~يجعلنا نعتقد أن السبب في عظمة شكسبير وراسين وكرني راجع، فضلا عن عبقريتهم الطبيعية، ~~إلى عظمة ذلك الوحي اليوناني والروماني الذي كان يمدهم. وليس في مقدور عصورنا الحاضرة ~~عصور التحليل الدقيق وفحص الخلايا وتعرف الجزئيات والبحث وراء النتائج بعد استقصاء ~~المسببات. أقول: ليس في مقدور عصورنا التي هجرت البساطة الطبيعية العظيمة، وارتكست - ~~فضلا عن ذلك - فيما هي فيه من ترف مفسد مذل أن ترقى مراقي إيسكولوس وسوفوكليس ومن ~~نسجوا نسجهم واستمدوا الوحي منهم. وهل نرى اليوم مثل أنتيجونا قتل أخواها كل واحد ~~منهما صاحبه، وكانا في رياسة جيشين متحاربين، فأمر ملك طيبة المظفرة في هذه الحرب بأن ~~يدفن المدافع عن طيبة، وأن يحرم الثاني من شرف الدفن ومن الطقوس، وأن يبقى بالعراء ~~نهبا لكواسر الطير وعوادي الوحوش. فآلت أنتيجونا على نفسها إلا ما دفنت أخاها وأقامت ~~له كل الفرائض رغم ما أمر الملك، ورغم عناية الحراس القائمين بالحراسة. فلما استدعاها ~~كريون إليه وقفت ms106 في وجهه وقفة جديرة بهلينا القديمة، ولم تحفل بالموت وإن جزعت على ~~شبابها تفارقه في غضارته ونضرته، وتفارق معه الطبيعة الحلوة في أجمل أوقاتها وأبهاها. ~~وإذا كان مثل أنتيجونا غير معروف اليوم، فإن ما وضعه سوفوكليس في فمها من الألفاظ جدير ~~بعبقرية سوفوكليس وبعظمة أثينا. اسمع مثلا كلمات أنتيجونا حين ترد على كريون لما تشدد ~~في سؤالها عن مخالفة أمره ودفن أخيها قالت: ذلك لأنه لم يصدر عن الإلهة ذوس ولا عن ~~مواطن آلهة الجحيم ولا عن غيرهم من الآلهة الذين يشرعون للناس قوانينهم. وما أرى أن ~~أوامرك قد بلغت من القوة حتى تجعل القوانين التي تصدر عن رجل أحق بالطاعة والإذعان من ~~القوانين التي تصدر عن الآلهة الخالدين. تلك القواانين التي لم تكتب والتي ليس إلى ~~محوها من سبيل. # لم توجد هذه القوانين منذ اليوم، ولا منذ أمس! هي خالدة أبدية وليس من يستطيع أن يعلم ~~متى وجدت. ألم يكن من الحق علي إذن أن أذعن لأمر الآلهة من غير أن أخشى أحدا من ~~الناس. كنت أعلم أني مائتة. وهل يمكن أن أجهل ذلك حتى لو لم تنطق به؟ ولئن كان موتي ~~سابقا لأوانه فما أرى في ذلك إلا خيرا. # ومن ذا الذي يعيش من الآلام في مثل الهوة التي أعيش فيها، ثم لا يرى الموت سعادة ~~وخيرا. فأنت ترى أني لا أعد هذه الآخرة كأنها عقوبة؛ فلقد كنت أتعرض لما هو أشد لنفسي ~~إيذاء لو أني تركت بالعراء أخا حملته الأحشاء التي حملتني. # ذلك وحده هو الذي كان يجعلني أشعر بهذا اليأس والقنوط. أما ما دونه فما كان ليحزنني ~~أو يؤثر في. فإذا قضيت بعد ذلك على ما فعلت بأنه نتيجة جنون فمثل هذا القضاء لا يصدر ~~إلا عن أحمق مأفون. ~~••• # فإلى هذه العصور القديمة إذن يجب أن نرجع لنفيض على أنفسنا المتمدينة المدنسة ~~بأطماع المادة شيئا من هذا الروح القوي الكبير، الذي يعرف أن فوق المتاع والشرف واللذة ~~المادية شيئا أعلى من هذه اللذات الوضيعة. سيالا روحيا ms107 ينقذنا لحظات من تفكيراتنا ~~الحيوانية الشرهة. أجل! إليها يجب أن نطلب السر ومعنى الحياة علنا نتجه - ولو قليلا ~~- صوب ما تملي به العواطف السامية الخالدة من أداء واجب النفس، ولو كان في أدائه تلف ~~الجسد. # لهذا فالخدمة التي قدمها الدكتور طه حسين للأدب العربي وللنفوس المتمدينة - بنشره ~~صحائفه المختارة - خدمة جليلة. ولقد كان بودنا لو كان تحليله للنفس اليونانية أطول ~~وأغزر مما كان. فتاريخ الإنسانية متضامن كله، وصلة ما بين الحاضر والماضي هي الضمين ~~بمعرفة السبيل الحقة التي نسلكها في المستقبل. # ولا نظن صديقنا يحجم بعد نشره هذا الجزء عن الاستمرار في تاريخ اليونان بحثا ~~واستجلاء وعرضا على قراء العربية. فإن ما أضاء به في هذا الجزء على عصر إيسكولوس ~~وسفوكليس ليجعل النفوس كلها أشد ما تكون اشتياقا لترى على نور بحث الأستاذ وترجمته ~~سائر عصور اليونان في مختلف نواحي حياتها. # | طه حسين (2) # رد على نقد حول كتاب جان جاك روسو # أخي طه! # تحية واحتراما. أكتب لك عما تبرعت به من نقد الجزء الثاني من كتاب جان جاك روسو، ~~حياته وكتبه. ولست أقصد بما أكتب إلا مناقشة صديق لصديق. وستجدها مناقشة خالية من كل ما ~~تتهم به نفسك من عنف أو شدة. # أخذت على هذا الجزء الثاني من كتابي عن روسو أنه مطبوع طبعا رديئا على ورق غير لائق ~~بكتب العلم والأدب، وأن به أغلاطا مطبعية كثيرة، وأخذت علي أني في إهمال الطبع وعدم ~~اختيار الورق، وعدم العناية بالتصحيح أزدري الجمهور، وأني لا أحفل باللغة كما ينبغي، ~~وأني لم أضع لكتابي فهرسا ولم أبوبه، وجعلت لهذا النقد أكثر من أربعة أنهر في ~~«السياسة». ثم أثنيت على الكتاب بأن موضوعه جان جاك روسو، وبأن كاتبه هيكل. وجعلت لهذا ~~الثناء نصف نهر من أنهر السياسة. # ولست أخفيك أني أشعر بأن نصف النهر هذا فيه من المعنى ما «يخجل تواضع» روسو لو أنه ~~كان حيا، وما «يخجل تواضعي» أنا اليوم. واعذرني إذا استعرت في هذا المقام عبارة سعد ~~زغلول. لكني أود أن أسألك ms108 عما إذا كان القارئ - البعيد عني وعن روسو - يشعر بمثل شعوري ~~بعد أن يفرغ من قراءتك، وقد عرف أن الكتاب مطبوع طبعا سيئا على ورق رديء، وأن به خطأ ~~مطبعيا وإهمالا لضبط بعض الألفاظ من الجهة اللغوية، وأنه مع ذلك كتاب دسم مفيد، لكن ~~سوء طبعه وورقه يصد عن قراءته؟ فما الذي يمكن لهذا القارئ أن يقف عليه من أمر الكتاب. ~~ما هو هذا الغذاء الأدبي والعقلي الذي لا يستطيع أن يصل إليه والذي كان حقا عليك أن ~~تدله عليه؟ ألا تظن أنه - ولم يستدل على شيء منه - يشعر بأنك لم تقرأ الكتاب، بل اكتفيت ~~بتقليب صفحاته، واقتصرت بعد ذلك على الكتابة عن الشكل والصورة الظاهرة من غير أن تكلف ~~نفسك عناء الوقوف على موضوع الكتاب لترى إن كان سوء شكله يستحق احتمال القراء عناء ~~مطالعته، ولتقدر مباحث الكاتب فتحكم له أو عليه. # ثم هب يا صديقي أن قارئك كان رجلا صالحا من أهل الأزهر الذين تعودوا قراءة الكتب ~~مطبوعة على الورق الأصفر أو النباتي ولا تزيد على الكتاب الذي تفضلت بنقده بهاء ولا ~~رواء. وهب أن قارئك كان من الذين يولعون باستقصاء ما في الكتب مهما يحملهم هذا ~~الاستقصاء من عناء، وهب أنه كان من الذين لا يحفلون بالظواهر، ولا يعنون كثيرا ~~باللباس، ولا يفهمون قيم الناس بأرديتهم، ويحسبون التأنق لهوا، فماذا يكون حكم هذا ~~القارئ على ما كتبت حين يراك اقتصرت على نقد الطبع والورق. وهلا تخشى أن يقول لك إن وضع ~~صحيفة في آخر الكتاب لبيان الخطأ والصواب كانت تكفي لرد نقدك الألفاظ. وإنه كان أحوج ~~إلى العلم بشيء من موضوع الكتاب. # أما نقدك غياب الفهرس والتبويب فكنت أود أن أشاركك رأيك فيه لولا أن هذا الجزء الثاني ~~من كتاب جان جاك في غير حاجة إلى فهرس أو تبويب. فهو يلخص رواية هلويز الجديدة وكتاب ~~التربية وينقدهما. وليس فيه شيء آخر. فهل كان يكفيك أن يكتب بدل 9 و10 و11 - هلويز ~~الجديدة، وإميل، وصوفيا، كما فعل فاجيه ms109 ولمتر وغيرهما من الذين كتبوا عن روسو؛ وهل تحسب ~~أن الفارق كبير في نظر العلم والأدب إلى حد لا يصبح معه نقدك مشوبا بشيء غير قليل من ~~الإسراف الذي ذكرت أنك لا ترضاه. # وتقول: لو أنك كنت غنيا لقمت بطبع الكتاب في صورة تليق بروسو وبهيكل. وإني أشكر لك ~~حسن ظنك ورقيق شعورك. # وربما رأيت أنت كتابي على غير ما رأيته لو أنني كنت غنيا. على أني لا أقول لك ذلك ~~عن ثقة. فإن بي عيبا آخر قد يحول دون إتقان الطبع وأظنك تعرفه؛ فإني تتحكم في صفتان ~~ليس أضر منهما على تجارة الحياة وتبادل المنافع. هاتان الصفتان هما الأنفة والحياء. وقد ~~أسرف الحظ فيما خلعه علي من كل منهما إلى حد انقلب معه ما يجده الناس في كل منهما من ~~فضل عيبا عندي ونقصا. وليس لي من سبيل إلى محاربة هذا الإسراف في الصفتين إلا أن ~~يستطيع الإنسان محاربة طبعه. # هاتان الصفتان تحولان بيني وبين الناس وتجارتهم. وأشهد أني ما اغتبطت يوما لهذا ~~العجز. كما أشهد أني ما حزنت له يوما. فهو يحميني من شرور كثيرة، ويدع المجال أمامي ~~فسيحا لأحظى من نعيم الحياة بما تيسره المقادير من غير أن أخشى مداخلة الناس في أمري ~~لتكدير صفو نفسي. ثم هو في نفس الوقت يمنع علي الاستفادة من معاملة الناس والاستعانة ~~بذوي الأخصاء منهم في طبع كتبي وتصحيحها، وتوزيعها واسترداد نفقاتها لطبع كتب أخرى، كما ~~يمنع علي الاستفادة من معاملتهم في غير هذه من شئون الحياة، ويضطرني إلى القناعة من ~~علاقاتي بالناس بما ييسر لي أقل حظ من النعيم أطمع فيه. فأنت تراني أشد ما أكون غبطة ما ~~دمت جالسا إلى مكتبي متصلا بالناس في غير حاجة إلى معاملتهم والاتجار معهم؛ وتراني ~~أشد ما أكون حياء وحيرة ما اتصلت بالناس في تجارة. وهذا يا صديقي هو السر فيما رأيت ~~من سوء ورق كتابي وطبعه. وهذا هو السر فيما تتهمني به خطأ من ازدراء الناس. ولو أنصفت ~~لقلت: إنه عكوف النفس ms110 على ذاتها وقناعتها بالرضا الداخلي الذي لا يعنى كثيرا بحكم ~~الناس؛ لأن حكمهم لا يصل إليه. وإن وصل فلا يعلق عليه. # وقد لا يسوؤك في هذا المقام أن أخبرك أني حين قرأت نقدك ابتسمت أن رأيتك تأثرت فيه ~~بصداقتك إياي أكثر مما تأثرت بموضوعك. فإنك قد عالجت إخفاء ما تبعثه المودة في نفسك من ~~محبة صادقة، فنم حرصك على التعرض لشكل الكتاب دون موضوعه، مع إظهارك الإعجاب ~~بالموضوع عرضا، على أنك كنت تود أن يكون ما يظهر للناس من صاحبك بالغا ما يستطاع ~~بلوغه من الكمال. # لكنك يا صديقي تعلم ما انطوت عليه نفسي، وتعلم أني لا أكتب إلا ما يكون متاعا لي ~~ولذة؛ فإذا نشرته بعد ذلك فإني لا أستطيع المحافظة عليه، وأخشى أن يضيع، وقد أحتاج إليه ~~يوما لأتلذذ بمجهوداتي الماضية في الساعات المجدبة من حياة الحاضر. وهذا هو ما دعاني ~~لتقسيم ما كتبت عن روسو إلى ثلاثة أجزاء، فكنت كلما فرغت من قسم من بحثي وهجمت على ~~مشاغل الحاضر. وخشيت أن أوخذ بها إلى حد نسيان ما كتبت قدمته للطبع لكي لا يضيع. وهذه ~~غاية يكفي لبلوغها أن يطبع بأقل نفقة ممكنة ومن غير عناء كبير. # على أني أعدك يا صديقي إن أراد الحظ لي أن أظهر للناس كتبا أخرى بأن أجاهد لأحرص على ~~رضاك، وإذا أنا وجدت من عناية الأقدار ما يسمح لي بإتمام الجزء الثالث من كتاب روسو - ~~وهذا ما لا أعدك به - فلن أكتفي بما اكتفيت به في الجزأين الأولين، ولن أتركه بغير فهرس ~~أو تبويب، ولن أطبعه إلا على ورق يعجبك، ولن أتركه بغير بيان لما فيه من خطأ مطبعي، ومن ~~زلات القلم حين الكتابة. # لكني مع ذلك كنت أرجو أن لا يقف نقدك عند الغضب لي مني، وإظهار هذا الغضب في ثورة ~~صريحة؛ وكنت أود أن تتناول موضوع الكتاب وأن تبين لقارئك في شيء من التفصيل ما تراه ~~من وجوه حسنه وقبحه وكماله ونقصه. فقد يمكن ملافاة ما كان من نقص في ms111 الطبع والورق عند ~~إعادة طبع الكتاب، سواء أعدت أنت الطبع أو أعدته أنا أو أعاده غيرنا. لكن ملافاة نقص ~~الموضوع لا تكون إلا إذا دل النقاد المؤلف على مواقع الخطأ في البحث ومواضع التواء ~~الدليل. وأصدقك القول: إني أحوج إلى هذا النقد مني إلى نقد الشكل والصورة؛ فنقد الشكل ~~والصورة أعرفهما وأعرف أسبابهما من غير حاجة إلى أن يدل عليهما أحد، كما أعرف وسائل ~~علاجهما. وهذه الوسائل على ما تعلم يسيرة لمن أراد الإصلاح. فأما النقص في الموضوع، ~~وأما التواء الدليل فيحتاج إصلاحهما إلى تنبيه خاص من أمثالك الأصدقاء المخلصين ذوي ~~الفضل والعلم. فهل لك أن تكلف نفسك هذا العناء فتنفعني وتنفع الناس، ويكون الشكر لك ~~مضاعفا. # وما أحسبك حين تعرض لهذا النقد مضيعا وقتك سدى. فإن في رواية الهاويز تحليلا ~~نفسيا شائقا ومباحث فلسفية غير تافهة. وكتاب التربية هو خير ما كتب روسو. وأحسبني ~~حين لخصتهما ونقلتهما لم أترك شيئا جوهريا مما جاء فيهما أو ورد عليهما، وإن كنت قد ~~أوجزت في التلخيص والنقد فذلك لأوفر على القارئ وقته؛ ولأحول بينه وبين الملال ~~ولأعصم نفسي من زلة ادعاء العلم بما لا أعلم. # وقبل أن أختم هذه الكلمة أرجو أن أعيد أمامك كلمة مما سطرته في مقدمة الجزء الأول؛ ~~لتكون متسامحا معي بمقدار ما يسمح به قدري لمجهودي. قلت في تلك المقدمة: «لا أدعي ~~استطاعة القيام بهذا البحث على وجه كامل؛ لأنني لم أتخصص له وإنما هويته، فأخذ مني ~~وقتا ومجهودا كانا من خير الأوقات والمجهودات التي أنفقت في حياتي، فلم أشعر معهما ~~بألم أو بملال، بل كنت أتنقل إلى تذوق أنواع من اللذة، وأشعر في أعماق روحي بدسم ما ~~يصل إليها أثناءهما من الغذاء. ولكني على كل حال لم أتخصص. والبحث الكامل لا يأتي إلا ~~بالانقطاع والمزاولة والإمعان وطول التفكير في الساعات والأيام والأشهر المختلفة، وعند ~~مراجعة المؤلف ومن كتب عنه من الكتاب الكثيرين جدا. وإذا كنت قد قرأت كتبا كثيرة ~~فهي على كل حال قليلة إلى جانب ما ms112 كتب أو أخذ عن روسو.» # هذا ومع شكري لك على حسن عنايتك بكتابي، أرجو أن تتفضل بقبول فائق الاحترام. # | حديث الشمس # تذاكر الناس شأن أمية بن أبي الصلت عند النبي # صلى الله عليه وسلم # فقال: أمية آمن شعره وكفر ~~قلبه. وبينا أبو بكر الهذلي بين يدي عكرمة يوما إذ قال له: أفرأيت من يبلغنا عن النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، أنه قال لأمية: آمن شعره وكفر قلبه. فقال عكرمة: هو حق. فما الذي أنكرتم من ~~ذلك؟ قال أبو بكر: أنكرنا قوله: # والشمس تطلع كل آخر ليلة # حمراء مطلع لونها متورد # تأبى فلا تبدو لنا في رسلها # إلا معذبة وإلا تجلد # فما شأن الشمس تجلد؟ قال عكرمة: والذي نفسي بيده ما طلعت قط حتى ينخسها سبعون ألف ~~ملك يقولون لها: اطلعي، فتقول: أأطلع على قوم يعبدونني من دون الله، فيأتيها شيطان حتى ~~يستقبل الضياء يريد أن يصدها عن الطلوع فتطلع على قرنيه فيحرقه الله تحتها. وما غربت قط ~~إلا خرت لله ساجدة فيأتيها شيطان يريد أن يصدها عن السجود، فتغرب على قرنيه فيحرقه الله ~~تحتها. وذلك قول النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «تطلع بين قرني شيطان وتغرب بين قرني شيطان.» (الأغاني ~~جزء 3 ص 184 طبعة ساسي) # كذلك كان شأن الشمس أيام عكرمة: لا تطلع إلا كرها يدفعها جيش عرم من الملائكة. وما ~~كان تقاعدها صلفا معاذ الله أو تيها. بل زيادة في الخشوع وغضبا على الضالين الذين ~~يقرون لها بالألوهية. ومهما يكن عدد هؤلاء قليلا إلى جانب المؤمنين من بني آدم وإلى ~~جانب الطير والوحش تسبح بحمد الله وتقدس له، وإلى جانب الخليقة الخاضعة الخاشعة، ~~فإنهم يغيرون من نفس معبودتهم حتى تنزع إلى العصيان لولا سبعون ألف منخاس تتناول جسدها ~~حتى يدمى ويصل إلى حد إيلامها. هناك تبدو حمراء متوردة اللون آسفة. ولا تلبث أن تبدو ~~حتى يقابلها من أعداء الله مريد يريد أن يحجب ضياءها، ويقف بقرنيه دون مسيرها، فتصب ~~عليه نارها ويحرقه الله تحتها. وتستمر سيرتها مضيئة ناصعة ms113 تعم الأرض بنورها وتأخذ ~~إليها ألباب المعجبين بها. فإذا تمت دورتها وجاء وقت مغيبها عاودها الأسف على ما رأت ~~فتخر لله ساجدة منيبة. هنالك يجيء شيطان ثان يريد أن يصدها عن السجود فيحترق دون ~~ما يريد، وكذلك يتم أمر الله. # أما اليوم فقد انقضت تلك المعارك مما بين الملائكة والشمس والشياطين. وصارت الشمس غير ~~ذات إرادة، وإنما تسير في نظام الكواكب الأخرى. أصبحت لا تطلع ولا تغيب، وإنما تدور ~~الأرض حولها في حركة آلية لا تملك إرادة أيا تكون تحويلا لها ولا تبديلا. وأصبح ~~توردها غير متعلق بمناخيس الملائكة الذين يجلدونها. وإنما هو نتيجة تكسر الأشعة في أثير ~~الهواء. ولعل السر الخفي في حدوث ذلك الانقلاب الهائل في نظام الكون أن عبادة الشمس ~~انقضت من زمان، فلم يبق من سبب لغضب الشمس وتقاعدها عن الطلوع، ولم يبق محل لنخس ~~الملائكة إياها. ولما كان من أثر ذلك أن تركت الشمس نفسها تسير كما توجهها الظروف، ~~وكانت كل ملكة لا تستعمل تندثر بالزمان، انحطت قوة الإرادة من نفس الشمس، وتلاشت ~~رويدا رويدا حتى انعدمت، وبقي ذلك الكوكب العظيم بلا إرادة يسير في موكب الكواكب ~~الأخرى من غير رأي ولا تدبر. # قد يرد على هذا التفسير المعقول اعتراض يجدر بنا أن نرده. ذلك أنه إذا كان دور ~~الملائكة في نخس الشمس قد انقضى بانقضاء عبادتها، وكان سجودها قد انتهى كذلك، فإن ~~الشياطين التي كانت تقف في وجهها صباح مساء لا يزالون بين أظهر الخليقة. فما الذي يصدهم ~~عن مناوشتها ومناوأتها كما كانوا يفعلون من قبل؟ وإذا كانوا لا يزالون يقومون بدورهم ~~فإن معارضتهم تكفل استمرار تنبه إرادة الشمس لإحراقهم كلما تصدوا لها. ويكون ذلك ~~معناه بقاء هذه الإرادة التي لا يبعد أن تستعملها صاحبتها اليوم أو غدا إذا أحوجت ~~الظروف كما كانت تستعملها من قبل. # ولو ذكر المعترض أن تعرض الشياطين للشمس من مطلعها ومغيبها، إنما كان لصدها عن ذكر ~~الله والسجود له، وقد انعدمت هاتان الخلتان منها بانعدام سببهما لرد على نفسه ms114 ~~بنفسه. كذلك فإن إحراق شياطين من عتاة الشياطين كل يوم - نقول: عتاتهم؛ لأنه لن يغرر ~~بنفسه منهم للقيام بمثل تلك المهمة ضعيف أو عاجز - من شأنه أن يوقع في قلوبهم الرعب ~~والفزع. # إذن فهم لا يقدمون على تضحية لا طائل تحتها ولا نتيجة لها، وهي فوق هذا وذاك قد انعدم ~~سببها؛ لذلك تركت الشمس حتى وصلت إلى ما هي عليه اليوم. كوكب يدور في موكب الكواكب من ~~غير إرادة لا يطلع بين قرني شيطان ولا يغيب عن قرني شيطان. # ولعل أبا بكر الهذلي كان قد نسي عباد الشمس فلم يصله علم ما كانت تقاسي بسببهم إلا عن ~~طريق عكرمة. ولا شك أنه بقي مدة جهله محروما من التمتع بتصور الحركة العظيمة التي كانت ~~تقوم في الجو ساعة سحب الشمس من وجارها في أبحر الظلمات والنور. لكنه على كل حال تمتع ~~بهاته الخيالات بعد ما جاءه من العلم. أما نحن فقد أفقدنا العلم هذه التصورات، وأضاع ~~علينا المتاع بها وبما تحويه من جمال. # على أنه خلق لنا عنها عزاء لا ندري إن كان حقا. ذلك هو اقتناعنا بأننا صرنا ~~نعلم. # | مصطفى صادق الرافعي # تاريخ آداب العرب # طلبت الجامعة المصرية للكتاب والأدباء في مصر أن يضعوا تاريخا لأدب اللغة العربية؛ ~~ليكون كتابا لطلابها، فكان من السابقين لإجابتها حضرة مصطفى صادق الرافعي. وقد ظهر ~~أخيرا الجزء الأول من كتابه. وهو جزء ضخم كبير القطع يقع في أربعمائة وأربعين صفحة. ~~وقد بقي أمام المؤلف أربعة أجزاء «من غرار هذا الجزء وحجمه». فنحن لذلك إنما نحكم الآن ~~على قسم من خمسة أقسام من التاريخ العام الذي أخذ المؤلف نفسه بوضعه. على أننا سنبدي ~~آراء تشمل هذا الجزء وما بعده فيما يختص ببعض المسائل كأسلوب الكاتب وطريقة تقسيم ~~الكتاب وسيره في عمله. وآراء أخرى تختص بهذا الجزء وحده؛ لأنها تقتصر على النظر في ~~محتوياته. # المؤلفون اليوم في مصر وفي البلاد العربية على العموم قليلون. والمواضيع التي ~~يطرقونها محصورة؛ لذلك ترى كل واحد منهم متى أخذ يكتب ms115 في موضوع أراد أن يستوعب في كتابه ~~كل ما جاء في هذا الموضوع أو يمسه، ويكسب من ذلك أن يخرج الكتاب كبير الحجم يسر مؤلفه ~~ويعجب الناظر إليه. وقليل جدا من يحصر كتابته في الموضوع الذي يبحثه إلا متى اضطرته ~~الحاجة للمساس بغيره. وهم في ذلك معذورون؛ لأن هذه الطريقة الدقيقة التي تضطر الكاتب ~~لأن يحدد عمله في الوقت عينه يتعمق ما استطاع في دائرة كتابه إنما تجيء نتيجة لازمة ~~لكثرة البحاث والكتاب؛ مما يضطرهم لتقسيم العمل فيما بينهم، ويجعل كل واحد ملزما ~~أن يخرج للناس جديدا من الأفكار أو الأشكال أو المعلومات حتى يجدوا في قراءته لذة أو ~~فائدة. أما في البلاد الفقيرة فكل بضاعة رائجة؛ لأن المطلوب دائما أكثر من المعروض؛ ~~لهذا أرى واجبا أن ننظر لكتابنا من غير تشدد، وأن لا نطالبهم فيما يعملون باتباع ~~طريقة دقيقة. فإذا جاء الكاتب الذي يعرف طريقة التأليف، ويفهم أن المطلوب ليس هو وضع ~~أخبار ومعلومات بعضها فوق بعض؛ كنا مدينين له بالشكر الكبير. # وأظهر الكتب دلالة على ما أقول ما كتب عندنا عن أدب العرب، فإنك قل أن تجد في هذا ~~الباب على أنه مطروق كتابا انتهج صاحبه فيه طريقة تأخذ بنفس القارئ جدتها أو جودتها. ~~والغريب أنهم حين يريدون الكتابة في تاريخ الأدب، أي: حين يريدون أن ينقلوا للقارئ ابن ~~القرن العشرين نفس أهل القرون الأولى، تراهم انتقلوا هم أنفسهم بين أهل هذه العصور ~~المتقدمة، وانتحلوا لأنفسهم طريقة أولئك في الفهم والفكر والتعبير، ثم بقوا هناك من غير ~~أن يترجموا لنا عن صور نفس أهل هذه العصور؛ لذلك كانت كتبهم قليلة الفائدة؛ لأن الواجب ~~المهم على الكاتب ليس أن يسرد الوقائع أو أخبار الرجال أو آراءهم العامة المعروفة. بل ~~أن يبين لقارئه النقط النافعة الظاهرة فيما يريد أن يكتب عنه. فإذا فرغ القارئ من ~~الكتاب خرج منه بفكرة معينة مضبوطة تدل على نفس الكاتب، ومبلغ تقديره للحوادث. وإلا فما ~~معنى أن يكتب كاتبون مختلفون فضلا عن عدد كبير من ms116 الكتاب في علم واحد أو مسألة واحدة ~~أو تاريخ خبر مخصوص، إذا كان القصد نقله عن كتاب قديم أو رواية موجودة. أليس الأحسن - ~~إن صح ذلك - أن نرجع للكاتب القديم نفسه أو أن نراجع الرواية. # وعذر بعض هؤلاء الكتاب أن اللغة العربية هي لغة الماضي والحاضر والمستقبل؛ لذلك فخير ~~من يكتب بها هو من يضاهي المتقدمين من الكتاب في ألفاظه وتعابيره. وكأنهم ما علموا ~~أن الألفاظ والتعابير تتغير من زمان إلى زمان ومن مكان لآخر. وأنقل هنا كلمات مصطفى ~~صادق الرافعي في هذا الموضوع قال (ص49): «الإنسان ملهم بفطرته أصول الحياة، وليست اللغة ~~بأكثر من أن تكون بعض أدواتها التي تعين عليها؛ ولذا تراها في كل أمة على مقدار ما تبلغ ~~من الحياة الاجتماعية قوة وضعفا.» وقال (ص55): «اللغة بنت الاجتماع، وهي ألفاظ ملك ~~السامع في الحقيقة لا ملك المتكلم.» وهذه الفكرة غاية في الدقة والإمعان. فإذا كان ذلك ~~فلم يبتعد الكتاب بمراحل عما يتصوره قارئوهم أو سامعوهم؟ ولم هم يذهبون في ~~تحريرهم كأنما يريدون تعليق كتبهم على أطلال العرب؟ # لنا اليوم لغة كتابية متعارفة بيننا نكتب بها في جرائدنا وفي رسائلنا وفي مذكراتنا، ~~فلم ننساها مرة واحدة ساعة نريد أن نكتب كتابا في علم ما، وخصوصا في تاريخ أدب ~~العرب؟ أحسب ذلك راجعا لتقدير الذين يتناولون هذا النوع من الكتابة أنهم هم أنفسهم ~~أدباء، فيجب أن تسمو كتاباتهم عن هذه الكتابة المعروفة اليوم خيفة أن لا يكون لهم فضل. ~~هم يظنون أن القارئ يحني رأسه اعترافا بعلو مركزهم حين يسمعهم يجيئون بالألفاظ غير ~~المعروفة ولا المتداولة، بالرغم مما يكون في تركيبهم من التعقيد اللفظي والمعنوي وفي ~~أساليبهم من الركاكة. وهذا الظن من جانبهم يكفي ليفهم الكثيرين قدرهم بمجرد ~~قراءتهم. # ليس الأديب بالشخص العارف لعويص الألفاظ ومتروكها، ولكنه الشخص الذي يستطيع أن يلبس ~~المعاني الجميلة أو الأفكار الدقيقة أو الصور أو النغمات - أو أي شيء مما يقع تحت الحس ~~أو يجول في النفس - لباسا يظهر من خلاله جمالها وإبداعها. وكلما ms117 سهلت ألفاظه كانت أعذب ~~سماعا وأقرب للقلب وأحب للنفس. # يخيل لي أن الكاتب الذي ينتزع نفسه من الوسط الذي يعيش فيه، وينتحل في أسلوبه ~~وخيالاته وأفكاره صورا ليست له ولا لقومه، شخص شارد عن الجماعة التي يقيم بينها خارج ~~عليها منكر نفسه وأصحابه. وإلا فما ذا الذي يدعو كاتبا عاش في مصر وبين المصريين ~~ليستمطر الغيث أو يعشق البادية ما لم يكن منكرا مصر ومقامه فيها. ~~(1) أسلوب كتاب الرافعي # وإني آسف أن أقول: إن كتاب تاريخ آداب العرب فيه شيء من هذا الرجوع إلى أطلال ~~سكان شبه الجزيرة الآسيوية. ويكفي دليلا على ذلك أن أنقل للقارئ السطور الأخيرة من ~~كتابه. قال (ص 437): «هذا مجمل من أمر الرواية والرواة، ولولا أني حبست من نفس ~~المقال، وعدلت بالقلم عن انتجاع الغيث إلى التلال لأمضيت البحث لطيته. وتركت الخاطر ~~على سجيته. ولكنها قصبة من جناح قد طار. وأثارة من علم صار من الإهمال إلى ما ~~صار. وإن هو إلا بساط كان منشودا فطوي وحديث قيل ثم روي.» # أريد أن أطابق بين مثل هذه الأسطر - والقارئ يقع على مثلها من حين لآخر في عرض ~~الكتاب - وبين اعتبار اللغة ملك السامع فأعجز دون ذلك. ويزيد عجزي حين أريد أن أطبق ~~عليها قوله (ص159): «الألفاظ في كل لغة من اللغات إنما هي أدوات الحياة الذهنية ~~الخاصة بالنفس، كما أن مدلولاتها أدوات الحياة المادية الخاصة بالحواس.» # وإني لا أحسب المؤلف رجلا يمكنه أن يسير في كتابته على القواعد التي يضعها هو. ~~وإنما أحسب السبب في وقوعه أحيانا في النسيان شديد إعجابه بالعرب ولغتهم وأقوالهم ~~وأعمالهم. ومفهوم أن الإنسان يجتهد في أن يتحدى كل ما يعجب به إلا حين يرى هذا ~~التحدي غير صالح. وفي هذه الحالة الأخيرة قد يغلب عليه النسيان. ذلك شأن الرافعي في ~~بعض ما كتب، أي إنه نسيان منه لقواعده. # لذلك نراه في غير هذه الأسطر يكتب بلغة معتادة وبأسلوب معتاد، أي إنه لا يمتاز ~~فيهما بشيء خاص، ولا تظهر له فيهما صفة معينة. ms118 بل ترى مادة الحياة قليلة في هذا ~~الأسلوب المتشابه. والسبب في ذلك أن الرافعي لا يدعو لشيء معين فيكون أسلوبه ~~خطابيا. وليست عنده روح النقد الدقيق لتظهر في كتابته، ولا هو متمسك بتقليد ~~الأقدمين فتكون له صبغتهم. # ثم هو في الوقت عينه غير دقيق في انتقاء الألفاظ وترتيبها، بل يجيء أحيانا بجمل ~~تكون من الغموض بحيث تستلزم وقتا طويلا لفهمها، وهي لا تحتوى ما يستدعي ذلك من ~~خبر غريب أو معنى عميق، مثال ذلك ما جاء في صفحة 9، قال: «إن تاريخ الآداب ليس ~~فنا من الفنون العملية التي يحذو فيها الناس بعضهم حذو بعض، ويأخذ الآخر منها ~~مأخذ الأول، وتتساوق فيها الأمم على وضع واحد؛ لأنها لا تتغير على الجملة في تعرف ~~مادتها وتصرف أداتها حتى يتعين علينا أن نجعل آداب لغتنا جميلة على آداب اللغات ~~الأعجمية، يفصل على أزيائها وإن ضاقت به وخرج بارز الهيئة مجموع الأطراف متداخل ~~الأعضاء، وكأنه مشدود الوثاق أو مأخوذ بالخناق.» ولو أنه اكتفى بقليل وقال: «إن ~~تاريخ الآداب يختلف من لغة للغة، وليس من الضروري أن ننهج في الكتابة عن آداب لغتنا ~~منهج الإفرنج (أو الأعاجم إن شاء) حين يكتبون عن آداب لغتهم.» لكان أظهر في المعنى ~~وأقصر في اللفظ، ولوفر على القارئ وقته، وعلى نفسه البحث عن تشبيهات هي على خلوها ~~من الجمال لا تؤدي معنى في هذا المكان. # أمثال هذه الجملة التي نقلنا كثير في الكتاب. ولا ندري لعل اعتبارنا للبلاغة ~~يختلف اختلافا كليا عن اعتبار المؤلف، فإنا نراه يجيء أحيانا بسجعات أو تشبيهات ~~يخيل إلينا أنها لا تتفق والبلاغة بحال. فقوله مثلا في (ص18): «ثم إن موارد هذا ~~التاريخ لم يتولها الكاتب بالذهن الشفاف. ولم يعتبرها بالفطنة النفاذة حتى يكون ~~نبيها كالعراف.» قول قاصر جد القصور من جهة الفصاحة في انتقاء اللفظ، ومن جهة ~~البلاغة في حسن سبك التعبير. كذلك قوله في (صفحة 13): «إنا استفدنا تحقيق معنى ~~اللغات بما يقطع الريب ويمتلخ عرق الشبهة فيما أيقنا به.» أفلا كان الأجمل به ms119 أن ~~يتنازل عن «يمتلخ عرق الشبهة»، ولا جمال فيه ولا ضرورة له. ومثل هذا يجده الإنسان ~~في مواضع متعددة من الكتاب. # وهناك كلمة جميلة المعنى لا تسمح لي نفسي أن أغتفر للكاتب إلباسها ثوبا غير جميل ~~من اللفظ. تلك قوله (ص10): «من ذلك تجد الأمة التي لا حوادث لها ليس لها تاريخ.» ~~ولو أنه قال: (لا تاريخ لها) لأعطى الجملة رونقا يزينها. # على أن أسلوب الكتاب وإن لم يكن أسلوبا مثلا في مجموعه وتنقصه غالبا طلاوة ~~اللفظ ودقة التعبير، فإنه يصعد أحيانا حتى يكاد يكون بليغا. انظر إلى قوله ~~(ص165): «فهي (اللغة) في الكفاية سواء يوم كانت لغة الطبيعة البدوية الخشنة لا ~~تلقيها إلا على ألسنة البدو الذين هم الجزء المتكلم من هذه الطبيعة الصامتة، ويوم ~~صارت لغة الحياة المنبسطة تصرفها الألسنة والأقلام في مناحي العلوم والآداب ~~والصناعات التي قام بها التمدن الإسلامي.» وأنت تجد قطعا جميلة كذلك في الفصل الذي ~~كتبه عن أصل اللغات. # وأظن أن السبب في اختيار المؤلف أحيانا لألفاظ غليظة لا جمال فيها ما عنده من ~~الاعتقاد بأن اللغة العربية والخشونة صنوان، وأن الرجل متى سكن المدن ذهبت فصاحته ~~«وبدأت سليقته تتحضر، فكأنما انصدع مفصل العربية من لسانه.» (ص251). وهذه الفكرة ~~الغريبة إن صحت عند العرب فلا أستطيع أن أفهم كيف يمكن أن تصح بين المصريين الذين ~~هم متحضرون بطبيعة بلادهم. أم أن الرافعي يجاهد لينسلخ عن طبيعة مصر؛ ليبقى بذلك ~~عربيا فصيحا. أخشى إن صح هذا أن يقصر دون الأعراب ودون الحضر. # أسلوب البادية تتفق معه الخشونة أحيانا. هذا صحيح. ولكن ليس معنى هذا أن العربي ~~يتكلف الخشونة ليكون فصيحا، وإنما معناه أنها تجيئه بطبيعة الوسط الذي يعيش فيه. ~~أما أسلوب أهل الحضر فإن الخشونة لا تلائمه وهو ينبو بطبيعته عنها؛ لذلك كان الكاتب ~~من أهل الحضر الذي يكلف نفسه الخروج على طبع بلاده يجد نفسه منظورا من قومه وكأنه ~~غريب عنهم وإن أخطأ بعضهم أحيانا في فهم هذه النظرة فظنها نظرة الإعجاب. ولا شيء ms120 ~~أدل على ذلك من أن ما يكتب يبقى قراؤه قليلين محصورين في دائرة ضيقة. ويكون شأن ~~المعجبين به شأن ريفي يرى البالون لأول مرة. # ثم إن بعض الكتاب يحب أن يواري عجزه عن بلوغ درجة البلاغة، فيتوارى وراء الألفاظ ~~الغليظة السميكة، ويتخذ لنفسه منها ستارا. وما أظن رجلا تسمو به ملكة القول أو ~~توحي إليه الموجودات بروح الشعر أو تجعله الأفكار يسير بخطى متتالية الأسباب ~~المنطقية واحدا بعد الآخر في حاجة أن يثقل نفسه بكلمات تحتاج إلى الشرح والتفسير؛ ~~مما يدل على عدم دقتها وصلاحها للمعنى المراد منها. # نشرت إحدى المجلات المصرية مقدمة كتاب الرافعي لأول ظهوره، وعدتها آية من آيات ~~البلاغة. وإني لشديد الأسف أن لا أجد فيها هذه البلاغة وأن أراها ألفاظا متراكمة ~~فوق ألفاظ، وصورا عتيقة تتلو تشابيه ضعيفة المعنى. وإنما أعطاها في نظرهم هذا ~~الثوب من البلاغة أنها سميكة الألفاظ صعبة الفهم لمن يحب أن يكون دقيق الفهم. وإلى ~~القارئ بعض عبارات منها: «هذا التاريخ علم قد كثرت عليه الأيدي واضطربت فيه ~~الأقلام. واستبقت إليه العزائم حتى عثرت بها عجلة الرأي ولجاجة الإقدام. وقد أخصب ~~في الأوهام. حتى نفشت في واديه كل جرباء وامتزج أمره بالأحلام ... إلخ إلخ.» فأي ~~بلاغة في هذه الجملة التي لا تعطي معنى ذا قيمة يحتاج ضخامة التركيب إلى حد تصبح ~~الكلمات فيه لا معنى لها. # أسلوب الكاتب مرآته. فالكاتب السهل الأسلوب السيال الألفاظ هو الكاتب السهل ~~موارد الفكر. والشخص الذي يعتمد في بلاغته على غموض المعاني فلا ينتقي الألفاظ ~~الدقيقة لمعانيها الموضوعة لها، إنما يدل بذلك على عدم وضوح أفكاره أمام ~~نفسه. ~~(2) طريقة أبي السامي في التأليف # ويدل على ذلك ما اتخذه أبو السامي - وتلك هي الكنية التي اختارها الرافعي لنفسه ~~ووضعها على غلاف كتابه - في طريقة وضع كتابه وتأليفه. فإنك تجده جاء ما بين طرفيه ~~بأخبار ومعلومات وضعها بعضها إلى جانب بعض، بحيث يكون من كبير التجاوز أن نسمي هذا ~~الوضع ترتيبا. وبالرغم من أنك تقرأ على غلاف الكتاب أنه ms121 «تاريخ آداب العرب»، فإنك ~~تمر به من أوله إلى آخره ولا تكاد تقف على كلمة واحدة عن آداب العرب وتاريخها. تجد ~~فيه كل شيء عن العرب إلا ما يخص أدبهم. وكأن أبا السامي خشي أن لا يجد عنده من مواد ~~التأليف ما يكفي ليظهر كتابه في خمس أجزاء من «غرار الجزء الأول وحجمه»، فنفد منه ~~الجزء الأول قبل أن يكتب كلمة واحدة في موضوعه، بل لقد كتب عن أشياء لا تتعلق ~~قليلا ولا كثيرا بأدب العرب ولا بتاريخه. ويكفي الإنسان أن يراجع فهرست الكتاب ~~ليعلم أن ما فيه لا يفيد مريد الوقوف على الآداب العربية شيئا مطلقا. # ولقد حسبت حين رأيت ذلك أنه وضع للفظ الأدب معنى خاصا به. وقوى هذا الظن ~~عندي أن التعاريف التي جاء بها عن الأدب تشمل تحتها علوما متعددة. فهذه الكلمة ~~تشمل - على حساب ابن الأنباري - «ثمانية علوم: النحو واللغة والتصريف والعروض ~~والقوافي وصنعة الشعر، وأخبار العرب وأنسابهم. أما الزمخشري فجعل علوم الأدب اثني ~~عشر.» والرافعي نفسه يعتقد «أن كتب الأدب هي على الحقيقة كتب العلوم التي مرت.» ~~وبما أنه كان يكتب عن تاريخ الأدب، فقد حسب نفسه مكلفا بطرق أبواب كل هذه العلوم، ~~وإيراد ما جاء عن العرب فيها. # ولو أنه سمى هذا الجزء من كتابه تاريخ اللغة العربية، لكان أدق في انتقاء عنوانه ~~وأبعد عن أن يخدع القارئ، الذي يحسب نفسه سيجد في المجلد الضخم الذي يرى شيئا عن ~~أدب العرب، فإذا هو يراه خلوا منه على الإطلاق، حاويا لمواضيع بعيدة في الغالب ~~عنه، تتعلق بالنحو والصرف والفقه، ولا صلة بينها وبين الأدب. هذا خلاف قسم عظيم ~~وضعه عن الرواية والرواة، يخيل للقارئ أنه يجد فيه شيئا عن الأدب، فإذا هو متعلق ~~باللغة وبالفقه، ولا يفيد المطلع عليه عن أدب العرب شيئا. # هذه المواضيع التي كتب فيها الرافعي مفيدة في ذاتها، وتستحق البحث، وأن يتعمق ~~فيها ويفتش عن دقائقها. لكن ذلك شيء وتاريخ أدب العرب شيء آخر. لا بأس لو أن الكاتب ~~جاء ms122 بكل ما جاء به عن هذه العلوم في مقدمته للكتاب. لكنه لم يفعل. فلك أن تأخذ كل ~~الجزء الذي ظهر دليلا على أن المؤلف ليست عنده فكرة من أدب أية أمة من ~~الأمم. # خلط أبو السامي بين اللغة في ذاتها وبين أدب اللغة؛ فصار حين وضع كتابه كالذي ~~أراد أن يكتب عن الآلات البخارية، فأطال في البحث عن الحديد وأصله وكيفية تكونه في ~~طبقات الأرض، وكيف أمكن استخراجه، وكيف وصل الناس إلى الانتفاع به، وكيف تناقلوه. ~~فهل هناك إنسان يفهم أبسط الفهم في الآلات البخارية يستطيع حين يقرأ هذا البحث أن ~~يقول إنه موضوع عن الآلات البخارية؟ كذلك لا يستطيع إنسان يقرأ كتاب الرافعي أن ~~يقول إنه مكتوب عن تاريخ أدب العرب. # هذا، وإذا نحن انتقلنا من هذه النقطة إلى غيرها، واعتبرنا الكتاب في ذاته بالنظر ~~إلى المواد المجموعة فيه فماذا نرى؟ # عنى الرافعي نفسه وبحث كثيرا في كتب العرب، وأراد أن يخرج من بحثه بنتيجة يفخر ~~بأنها شيء جديد. أما المعلومات التي في الكتاب فكثيرة ومنها المفيد. لكن النتيجة ~~العامة لا تفيد إلا الأقلين، وفي مواضيع ليست بذات أهمية كبيرة. # من الفصول الطيبة في ذاتها وإن لم يكن لها مساس بأدب اللغة الفصل الذي كتبه عن ~~أصل اللغات. فقد أبان فيه عن فهم للأمور ووقوف على ملاحظات الكتاب والعلماء إلى حد ~~يلذ القارئ ويفيده. وإذا كان هو نفسه يعترف بأن ما كتبه ظني أكثر منه علمي؛ فذلك لا ~~ينقص من قيمته ولا من حسن تقديرنا له. فقوله مثلا (ص48): «من ثم قيل: إن الإنسان ~~يستعمل الصوت للدلالة بعد أن استكمل علم الإشارة؛ ولذلك بقي الصوت محتاجا إليها ~~احتياجا وراثيا، ثم ارتقى الإنسان في استعمال الأصوات بارتقاء حاجاته، وساعده ~~على ذلك مرونة أوتار الصوت فيه، وبتجدد هذه الحاجات كثرت مخارج الأصوات، واتسع ~~الإنسان في تصريف ألفاظه؛ فتهيأ له من المخارج ما لم يتهيأ لسائر الحيوان، يدل على ~~عدم تقيده بآراء المتقدمين تقيدا يبلغ حد التعصب.» # لكن القسم الأكبر من هذه ms123 الفصول غير مستوفى بحثه؛ لذلك يغلب على ظني أن المؤلف ~~اعتبر جزأه الأول مقدمة لتاريخ الأدب، وظن أن وقوف القارئ على كل هذه المعلومات ~~ضروري ليتمكن من حسن تفهم أدب العرب. ومع بعد هذه الفكرة عن الحقيقة فقد كان ~~ممكنا اغتفارها لصاحبها، لو أنه عرف أن يلبس ما كتب صفة المقدمة؛ حتى لا يضل ~~القارئ ويبلغ به الملال أن يعدل عن قراءة الكتاب. لكن والحال هي هذه فإنا لا نستطيع ~~دون الحكم على الكاتب بأنه سار على طريقة فاسدة، وعلى الكتاب بأنه لم يصل إلى شيء ~~مما أراده منه صاحبه. # أهم الصفات لزوما في مقدمة كتاب من الكتب أن تدل على روح الكاتب، وكيفية تقديره ~~للأشياء التي يريد أن يكتب عنها. وليس من ذلك شيء في كل ما كتبه الرافعي. فإنه كما ~~سبق القول ليس صاحب أسلوب؛ حتى تتتابع فيه الفكرة فيتسنى للقارئ أن يخرج منه بنظرة ~~عامة، ولكنه مجرد جمع لقواعد وأسماء وحوادث لا تظهر الصلة بينها. وإذا نحن بالغنا ~~في التساهل واعتبرنا الجزء الأول مقدمة، فإنه لا يفي بهذا الغرض؛ لأنه لا يقوم ~~بذاته ولا يؤدي فكرة مما أراد المؤلف. # والغريب أن روح النقد ضعيفة للغاية في كل الكتاب. وسبب ذلك فيما أعتقد أن أبا ~~السامي اعتبر نفسه عربيا مكلفا بإقامة تمثال للعرب، لا مؤرخا يأخذ الوقائع ~~ويزنها ويرتبها ليصل من ذلك لوضع تاريخ مفيد. فكلما جاء ذكرهم رأيته أرسل قلمه ~~بالمديح من غير حساب، حتى ليخيل للإنسان أن عرب أبي السامي جماعة من الملائكة هبطوا ~~إلى الأرض، ولبسوا أجساما إنسانية، ثم أقاموا بين الناس ليكونوا مثال الكمال ~~البشري ... قال الرافعي (ص35): العرب «هم جيل تدلت عليه الشمس منذ القدم في هذه ~~الجزيرة التي كأنها قطعة اختزلت من السماء مع الإنسان الأول، فلا يزال أهلها أبعد ~~الناس منزعا في الحرية الطبيعية، وأشدهم منافسة في مغالبة الهمم، كأنما ذلك فيهم ~~ميراث الطبيعة الأولى، فهم منه ينبتون وعليه يموتون. سكان الفيافي وتربية العراء ~~ينبسطون مع الشمس، ويعيشون مع الظل، ويطيرون ms124 في مهب الهواء. بل أولاد السماء ما شئت ~~من أنوف حمية. وقلوب أبية. وطباع سيالة (؟) وأذهان حداد ونفوس منكرة. وقد أصبحت ~~بقاياهم الضاربة في بوادي العربية (أي بلاد العرب) ومصر وسورية لهذا العهد موضع ~~العجب لأهل البحث من علماء الطبائع (من هم؟) حتى أجمعوا على أنه لا بد لهذا الجنس ~~في جميع السلائل البشرية، من حيث الصفات التي تتباين فيها أجناس البشر خلقا، وحتى ~~صرح بعضهم بأن هذه السلالة تستمر على سائر الأجيال بالنظر إلى هيئة القحف وسعة ~~الدماغ وكثرة تلافيفه (؟) وبناء الأعصاب وشكل الألياف العضلية والنسيج، وقوام القلب ~~ونظام نبضاته، فضلا عما هي عليه من ملاحة السحنة، وتناسب الأعضاء، وحسن التقاطيع، ~~ووضوح الملامح، وفضلا عما في طباعها من الكرم والأنفة والأريحية وعزة النفس ~~والشجاعة ... لا جرم كانوا أهل هذه اللغة المعجزة.» # يخيل للإنسان حين يقرأ هذا أن كاتبه أعرابي جاء من الصحراء يستجدي أحد أمراء ~~العرب لا مؤرخ ينظر للناس والحوادث بعين الناقد الدقيق. ولكن لا غرابة؛ فإن ~~الرافعي مولع بقول الشعر، ومرجعه في كل معلوماته كتب العرب وأسفارهم. فلا شك في أنه ~~يأخذ عنهم من أخلاقهم مدح الآخرين، والتغني بأخبارهم والذهاب في الفخر إلى غايات ~~تظهر سمجة لمن لا يفهم طباعهم. # على أن ذلك ليس من شأنه أن يبعث للنفس ثقة بما كتبه الرافعي. فمدار الثقة أن لا ~~يترك المؤرخ نفسه لشهواته وأهوائه يرسل القول على عواهنه، ولكن أن يتقدم للقارئ ~~دائما بالبرهان، بين يديه أدلته معتمدا عليها مظهرا أن كل حركة من حركات نفسه ~~يظهرها قلمه، إنما دعا إليها أمر معين يستدعيها. هنالك يجد القارئ نفسه مدفوعا ~~ليعتقد صحة ما يقرأ ويؤمن به. # على أن كتاب الرافعي وإن خلا من حسن الطريقة وطلاوة التعبير، وخرج عن الموضوع ~~الذي كتب له فإن فيه مجموعا من المعلومات والأخبار والحوادث، وبعض آراء طيبة تستحق ~~أن يقرأها من يريد أن يقف على بعض مسائل خاصة عن لغة العرب، والاختلاف اللغوي بين ~~القبائل، وأصل الحديث وروايته، واتخاذ الرواية طريقا لتدوين الشعر، إلى ms125 غير هذا من ~~المعلومات التي لا تعدم من يحب الاطلاع عليها. أما من يريد أن يقف على تاريخ أدب ~~العرب، فلا يتعب نفسه ولا يضع وقته بالبحث في الجزء الذي ظهر من كتاب أبي ~~السامي. ولنا شديد الأمل أن تكون الأجزاء التي ستظهر أشد مساسا بالموضوع الذي ~~يكتبها صاحبها من أجله وأحسن عبارة وأدق وضعا. # | جرجي زيدان # تاريخ آداب اللغة العربية # تفضل حضرة الكاتب المؤرخ جرجي أفندي زيدان، فبعث إلي بكتابه «تاريخ آداب اللغة ~~العربية» على غير سابق معرفة بيننا. وتفضل فأرسل لي كلمة يسرني جدا أن تكون أول ~~تخاطب بيني وبينه؛ لذلك لم يسعني حين وصلني الكتاب إلا أن أتفرغ لقراءته بإمعان. فلما ~~فرغت منه حسبت من الواجب علي أن أكتب عن الأثر الذي تركته قراءته في نفسي اعترافا ~~بفضل صاحبه، وتبيينا للقراء عن مبلغ تقديري لقيمة ما يحويه. # جرجي أفندي زيدان من أكبر كتاب التاريخ في مصر. بل لا أبالغ إذا قلت: إنه هو الرجل ~~الوحيد المتفرغ في الوقت الحاضر لكتابة التاريخ. وتحت يدي قائمة كتبه تحوي من الكتب ~~والروايات التاريخية أكثر من خمسة وعشرين كتابا تقع في أكثر من ثلاثين جزءا. هذا غير ~~كتبه في الموضوعات الأخرى. وإذن فقبل أن يفتح الإنسان كتابه هو واثق من أنه سيقرأ كتابة ~~مؤرخ درس التاريخ وعرف ما هو. # ولتاريخه في آداب اللغة العربية من الفضل أنه جاء بعد تجربة طويلة، وحنكة وخبرة ~~بالطرق في أساليب التأليف وكيفية ترتيبه. لذلك ننتظر منه دقة كثيرة في الوضع. وإذا ~~حاسبناه على شيء حاسبناه بالدقة عينها؛ فلا نتجاوز معه كما نتجاوز مع من لم يطرق كتابة ~~التاريخ إلا حديثا، ولا نتهاون في عدم التحقيق أو السهو أو نحو ذلك. # وإنما ندقق كذلك لعلمنا أنه يقابل انتقادنا بصدر رحب، ويجيبنا إذا دعت الحال عن ~~أسباب ما قد نرى مما يستحق النقد - يسمع كلامنا ويجيبنا بهذه الروية والسكينة التي هي ~~من طبع العالم البحاثة، ولا يفعل فعل غيره من الذين يطرقون باب الكتابة أو التأليف ~~جديدا، ms126 يستفزهم الغضب كلما أظهر ناقد خطأهم في شيء كأنهم يحسبون أن ما جاءوا به هو ~~الكمال. # كتب جرجي أفندي زيدان أكثر من خمسة وعشرين كتابا في التاريخ كما قدمناه، ويظهر حين ~~قراءتها أن غرض المؤلف منها نشر التاريخ وتعميمه؛ ليعرف الناس الحوادث التي وقعت في ~~الماضي، ولتكون عندهم فكرة عامة من العالم بأسره أو من أمة بعينها. أريد أن أقول إن ~~جرجي أفندي زيدان لا يقصد من مؤلفاته التاريخية إلى تأييد فكرة له في طريق سير العالم ~~كما يفعل بعض الفلاسفة من كتاب التاريخ، ولكنه يريد نشر المعرفة، وذلك ما يسميه الإفرنج # Vulgarisation ~~. # هذا فيما أعتقد هو الغرض الذي يرمي إليه صاحب (تاريخ آداب اللغة العربية). ويقوي ~~اعتقادي هذه طريقة المؤلف في التأليف وأسلوبه في الكتابة. فإنك تراه واضح الأسلوب ~~تماما، يكتب للناس بلغتهم المتعارفة التي يتفاهمون بها في جرائدهم ورسائلهم، لا بتلك ~~اللغة المخصوصة التي يتخذها جماعة من الكتاب درعا لهم يقيهم عند غموض الفكرة أو فساد ~~التعابير التي يجيئون بها. ويكتب من غير عناء ولا تكلف، بل يرسل قلمه حرا إلى أقصى ~~درجات الحرية؛ لذلك يجيء أحيانا بتعابير لو استعادها الكاتب أمام نظره لرآها غير صالحة ~~في الكتابة. كما أنه يجيء أحيانا أخرى بتعابير غريبة خاصة له. كقوله مثلا في مواضع ~~متعددة من كتابه «إلى هذه الغاية» يريد بذلك أن يقول: (إلى الآن)، ومثل ذلك تعبيران أو ~~ثلاثة يجدها القارئ ثم يعتادها باعتياده لغة المؤلف. # وبهذا الأسلوب البسيط يعبر عن كل ما يريد، ويفهم القارئ بكل دقة الفكرة التي تجول في ~~نفسه. ثم هو لا يلجأ في كتابته إلى اللغة الخطابية إلا نادرا. بل تراه يذهب في قصصه ~~التاريخي الذي يريد أن يقصه بكل سهولة وبساطة. يعبر عما في ضميره كما هو في ضميره لا ~~يجتهد في تفخيمه ولا تجميله، ويحكي القصة التي وقعت كما وقعت من غير حاجة لإلحاق كل عمل ~~منها بالصفات والمترادفات التي يضعها بعض الكتاب في كل المواضع، ولو مع عدم ~~لزومها. # إذن فهو ms127 إنما يريد من كتابته أن تؤدي فكرته (من حيث ترتيبها وسبكها في عبارة سهلة ~~سالمة من الركاكة والتعقيد)، كما يقول في مقدمة الجزء الثاني من كتابه. ويرى ذلك شرطا ~~لازما لمن يريدون بكتابتهم خدمة المصلحة العامة، أما من يكتبون (في شؤون خصوصية) أو ~~(يكون مرماهم من التأليف بيان قدرتهم على الإنشاء والغوص على المعاني العويصة والألفاظ ~~الغريبة، فهؤلاء وأمثالهم يكتبون لأنفسهم أو لطبقة خاصة لغرض خاص، ولهم منزلة وفضل، ~~ولكن في غير الخدمة العامة). # هذا هو أسلوب جرجي أفندي زيدان، وهذا هو رأيه في الكتابة. وهو لا شك محق في اعتبار ~~جماعة الذين يكتبون اللغة القديمة (أصحاب فضل ولكن في غير الخدمة العامة). # إذا اتفقنا مع جرجي أفندي زيدان على هذه النقطة، وجب علينا بعد ذلك أن نتعداها لما ~~بعدها. وهي التساؤل عن الأسلوب الجيد أي شيء هو؟ ها عدد من الكتاب يكتبون باللغة ~~العربية المصرية، ويفهمهم الناس جميعا، ويؤدون أفكارهم بعبارة خالية من الركاكة ~~والتعقيد. فأيهم أجمل أسلوبا وأمتن عبارة؟ # ليس من الممكن وضع قاعدة لقياس جمال الأساليب ومتانتها، فكل نوع من الأدب ولكل كاتب ~~ذي قيمة أسلوب خاص في كتابته. وقوة الأسلوب وجماله يحس بهما الإنسان، ويعرف أسبابهما في ~~شيء خاص أو رجل خاص. لكنه لا يستطيع أن يستنبط من تجاربه - على ما أعتقد - قاعدة معينة ~~مطردة. فإذا قلت: إني أعتبر أحسن الأساليب الأسلوب السيال الدقيق الذي يحوي روح ~~الكاتب، ويجذب إليه القارئ، ويكون بذلك واسطة لطيفة في التعارف بينهما تعارفا يجعل ~~الثاني يفهم الأول بإشارة خفية أو يصعد معه إلى سماوات الشعر، أو يرى بعينه الأشياء ~~التي يكتب عنها - إذا قلت ذلك لم أكن جئت في تعريفي بكل الأساليب. # على كل حال يرى القارئ أني أعلق الأهمية الكبيرة على الكاتب، أريد أن يظهر هو بشخصه ~~في كتابته. وإنما يكون ذلك بأن يبدع فيها شيئا جديدا في اللفظ أو في المعنى يميزه عن ~~غيره ويجتذب إليه قارئه. حينذاك يكون صاحب أسلوب متين وكاتبا مقتدرا. # هذا النوع من الكتاب ms128 قليل الوجود في مصر. ذلك بأن أكثر كتابنا لا يفكرون، بل هم ~~ينقلون أفكارا قديمة يضعونها بعضها جنب بعض، وينقلونها أغلب الأحيان بالكلمات التي ~~قالها بها أصحابها. فكل ما لهم من الفضل في كتابتهم هو اختيار وترتيب هذه الأفكار ~~والألفاظ. أما الكاتب المنطقي الذي يبدأ من مبدأ معين في نفسه، ويستمر يرتب بعد ذلك ~~نتائج هذا المبدأ واحدة بعد الأخرى، كما هي مرتبة في رأسه ليصل أخيرا إلى النتيجة ~~المطلوبة ، والشاعر الذي يستمد الخيال من المناظر والحوادث والأشياء التي حوله، والقصصي ~~الذي يرى الناس وأحوالهم وينقل منها صحيفة تطابق الأثر الذي تركته هذه الأشياء في نفسه ~~- على العموم الكاتب الذي يريد أن يخاطب الناس بما يرى هو، يكاد يكون غير موجود في ~~مصر. # جرجي أفندي زيدان من الكتاب الذين يتوخون في كتابتهم أن ينقلوا للقراء فكرتهم ~~(بألفاظ خالية من الركاكة والتعقيد)، وتلك إحدى فضائل الكتابة عنده. غير أنه يرى التعمق ~~في الأفكار أو التعمق في الألفاظ خروجا على قاعدة الكتابة للمصلحة العامة. أي إنه يرى ~~أن الكتابة للمصلحة العامة يجب أن تكون من البساطة، بحيث تكون في متناول كل الأفهام. ~~وبما أن مستوى كل الأفهام هو دائما غير راق فهو - إما مريدا أو بميله الطبيعي - يجعل ~~كتابته دائما قريبة من هذا المستوى. # قلنا: إن لجرجي أفندي زيدان أكثر من خمسة وعشرين كتابا في التاريخ تقع في أكثر من ~~ثلاثين مجلدا، وقلنا: إن الظاهر أن مراده نشر المعرفة، فهو يكتب بما يعتقده أسلوب ~~النشر. وبما أن الذين سبقوه لذلك قليلون جدا، وبما أنه يريد مخاطبة المجموع، فهو ~~معذور إن بقي أسلوبه غير ذلك الأسلوب العذب الجذاب الذي تمتاز به اللغة السهلة، ما دامت ~~فيه صفة الوضوح التي تمكن كل الناس من فهم ما يريد. # ويظهر غرضه أيضا في طريقة تأليفه. فهو في الغالب يجيء بالأفكار والحوادث العامة؛ ~~ليخرج قارئه منه بفكرة عامة في تاريخ الأمة التي قرأ ما كتبه جرجي أفندي زيدان عنها. ~~وهو لا يقف عند الحوادث الصغيرة يريد أن ms129 يستفسرها عن معنى الحوادث الكبيرة؛ لأنه - على ~~الأقل فيما يظهر من كتاباته - يرى ذلك غير ضروري لعامة القراء. فإذا أنت جئت على كتاب ~~من كتبه لم تصل إلى العلم بدقائق ما كتب عنه، ولكنك تكون قد عرفت الأفكار العامة التي ~~تفسر الحوادث العامة التي شرحها لك. # وربما ساق جرجي أفندي غرضه أحيانا لأن يكون ناصحا أو أخلاقيا. فتراه في كلامه ~~يمدح الفضائل بطريقة تحبب فيها، وإن يك من طرف خفي ؛ مما يدل على حسن اقتداره. لكن ذلك ~~من شأنه أن يجعله أحيانا يقع في أغلاط تاريخية كان من السهل تجنبها. ~~••• # لما تكلم المؤلف عن تاريخ آداب العرب قسمها باعتبار الأزمان التي وقعت فيها. فزمن ~~الجاهلية ثم زمن الراشدين ثم الأمويين ثم العباسيين ... إلخ. وهذا التقسيم حسن يؤدي إلى ~~الغرض الذي يرمي إليه المؤلف من تعميم معرفة هذا التاريخ أحسن من أي تقسيم آخر؛ ذلك لأن ~~الذي يطلب الاطلاع على نوع معين من أنواع الأدب وكيفية تقلبه على مختلف عصور التاريخ، ~~في الغالب يريد أن يتعمق في هذا الباب قدر المستطاع، وذلك كما بينا ليس هو غرض جرجي ~~أفندي زيدان. # متابعة له في هذا التقسيم نرى أن نسير في نظرنا إلى الكتاب متتبعين هذه العصور ~~المختلفة من تاريخ الأمة العربية واللغة العربية: ~~(1) عصر الجاهلية # والآن نبدي نقدنا على ما يستحق النقد في كتاب جرجي أفندي زيدان عن عصر الجاهلية. ~~ونبدأ فننقد الصورة التي وضع بها معارفه التمهيدية. فإن الذي يقرأها يكاد يتصور أن ~~عرب الجاهلية، على أنهم قوم بدو رحل، قد بلغوا من العظمة في العلم والأخلاق ~~والسياسة ما يناهض أرقى الأمم في القرن العشرين. وذلك أمر لا يسهل تصديقه، خصوصا ~~وأن المؤلف لم يتقدم لتأييده بحجة قاطعة، بل بنى رأيه على استنتاجات ظنية أخذها ~~عن مقدمات يمكن تفسيرها بشكل مختلف عن تفسيره هو إياها كل الاختلاف، وإلى القارئ ~~مثلا من ذلك. قال المؤلف عن ارتقاء الجاهليين في السياسة والعمران: ~~«على أنك إذا نظرت في لغتهم تبين لك أن أصحابها من ms130 أرقى الأمم سياسيا ~~واجتماعيا، وإن عرفناهم بدوا رحالة - واللغة دليل أخلاق الأمة ومرآة ~~آدابها وسائر أحوالها - ومن المقرر أن اللغة لا تتولد فيها كلمة إلا ~~للتعبير عن معنى حدث في أذهان أصحابها. فإذا وجدنا في لغة من اللغات اسما ~~لنوع من اللباس نحكم قطعيا أن أصحابها عرفوه أو لبسوه، أو نوعا من ~~الأطعمة عرفنا أنهم أكلوه. واللغة العربية من أغنى لغات الأرض بالألفاظ ~~العمرانية والسياسية. إن فيها عشرات من الألفاظ لضروب الجماعات من الناس ~~على اختلاف أغراض اجتماعهم، وعشرات منها عن فرق الجند، وفيها للتعلم والورق ~~عشرات من الأسماء والألقاب، ولكل منها معنى خاص.» # ولست أدري كيف يفسر بذلك رقي العرب الجاهليين في السياسة والعمران. العرب ~~الجاهليون بطبيعة حياتهم البدوية ينقسمون إلى قبائل كبرى وصغرى، ومن شأن ذلك أن ~~يستدعي اختلافا في تسمية كل نوع من هذه القبائل، خصوصا وأن التعداد المضبوط الذي ~~نعرفه نحن لم يكن معروفا عندهم. كما أن اختلاف القبائل كان يجعل كل قبيلة تجيء ~~باسم مخصوص لشيء له اسم آخر في قبيلة أخرى، فإذا ما تقاربت القبيلتان استعارت كل ~~واحدة منهما كلمة جارتها وخصصتها لمعنى. وهذه هي الأسباب أيضا في تعدد أسماء فرق ~~الجند، أضف إلى ذلك ما في طبائع العرب من الغزو. كما أني لا أظن المؤلف يقول إن ما ~~عند العرب من أسماء فرق الجند يزيد على ما عند الأمم الراقية اليوم. # ومثل هذا الخطأ فيما يتعلق برقي العرب الجاهليين السياسي والاجتماعي، وقع ~~للمؤلف فيما يتعلق برقيهم الأخلاقي. وأضرب لذلك مثلا ما جاء في صلب الكتاب عن ~~مبلغهم من الأنفة والعفة. فقد ذكر المؤلف أن العفة كانت عندهم كل شيء. وضرب لذلك ~~مثلا ما ثار من الحروب دفاعا عن المرأة وعرضها، كأنما اعتبر أن العرب الجاهليين ~~يتكونون فقط من رؤساء القبائل. ثم استشهد للتدليل على ذلك ولذكر الفرق العظيم بين ~~عفة هؤلاء المتقدمين وتهتك المتأخرين بقول عنترة: # وأغض طرفي إن بدت لي جارتي # حتى يواري جارتي مأواها # وقارنه بقول أبي نواس: # كان الشباب مطية ms131 الجهل # ومحسن الضحكات والهزل # والباعثي والناس قد رقدوا # حتى أتيت حليلة البعل # ولست أدري كيف يقيم المؤلف المقارنة بين عنترة وأبي نواس، أي بين شاعر حماسي غزلي ~~وشاعر متهتك. فقد كان من السهل مقارنة عنترة بغيره من أمثاله الحماسيين أو ~~الغزليين. كما أن في الجاهلية التي منها عنترة جماعة من كبار الشعراء هم مثل الفسوق ~~في أشعارهم. وأقرب ما يحضر لذهن أي إنسان قول امرئ القيس، وهو أقدم من عنترة وأعرق ~~في الجاهلية: # فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع # فألهيتها عن ذي تمائم محول # والبيت الذي بعده أبلغ في التهتك كما هو مشهور. # أو قوله: # سموت إليها بعد ما نام أهلها # سمو حباب الماء حالا على حال # فأصبحت معشوقا وأصبح بعلها # عليه القتام كاسف الظن والبال # أو قول المنخل اليشكري: # ولقد دخلت على الفتاة # الخدر في اليوم المطير # فدفعتها فتدافعت # مشي القطاة إلى الغدير # أو بعض أبيات قصيدة النابغة التي فيها: # سقط النصيف ولم ترد إسقاطه # فتناولته واتقتنا باليد # أو غير ذلك مما لا يحصره العد. وإنما كان الكلام عن العفة أكثر في أيام الجاهلية؛ ~~لأن انقسام العرب إلى قبائل جعلهم يحتفظون بالأنساب لحفظ العصبية؛ ولذلك ترى ~~مؤرخيهم يردون نسب كل من يترجمونه إلى أصل قبيلته. كما أن المفاخرة بالانتساب إلى ~~جد معين كعدنان أو سواه جعلت العفة عندهم من أمهات الفضائل. لكن اعتبار جماعة أو ~~أمة لشيء أنه فضيلة ليس معناه قمع الطبيعة البشرية. # كذلك أخطأ المؤلف في تقدير عالي حكمتهم. فقوله مثلا عن أشعار زهير ~~المعروفة: # رأيت المنايا خبط عشواء من تصب # تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم # والأشعار التي بعده. قوله عنها: (لا تقل شيئا عن أحكام - ولعله يريد حكم - أكابر ~~الفلاسفة) فيه من المغالاة الظاهرة ما يعجب الإنسان له. وإني مع إعجابي بهذه ~~الأشعار لا أري فيها ما يجعلها من نوع الفلسفة. # مثل هذا الخطأ تجده في اعتباراته التمهيدية كما تجده في غيرها. والسبب أن المؤلف ~~فيما يظهر شديد الإعجاب بعرب الجاهلية، فهو لا يرى إلا الوجه الحسن ms132 من تاريخهم، أو ~~هو يريد أن يجدهم كما وجدهم غيره من كتابنا «مثال الكمال البشري». أو أنه ربما يسير ~~في الكلام عنهم على قاعدة «اذكروا محاسن موتاكم». # كيف يكون ذلك من رأي جرجي أفندي زيدان؟ كيف يعتبرهم آلهة لا تتطرق الشهوات ~~الإنسانية إلى نفوسهم، حيث يقول في كلامه عن نساء العرب في الجاهلية: «فاجتماع ~~الرجال والنساء للمحادثة والمذاكرة على هذه الصورة بلا ريبة ولا سوء ظن لم يبلغ ~~إليه الناس إلا في الأمم الراقية وفي أرقى جمعياتهم»؟ تصور ذلك وطبقه على حال العرب ~~البدو الرحل. كم كان هؤلاء الناس ملهمين كل الفضائل والصفات العالية! كم كانوا ~~عليه من العفة والطهارة! أو لو كان بينهم امرؤ القيس والكثيرون من أمثاله؟ أفلا يضر ~~شيئا. ألا لا أظن الناس كانوا في زمن من الأزمان من العصمة بالمكان الذي يريد أن ~~يحملنا جماعة الكتاب على تصوره للعرب. بل كانوا جميعا - العرب وغير العرب - يسعون ~~إلى جهات الخير والشر. وليس الرقي دائما تابعا لما نعتبره نحن في مصر الفضيلة؛ ~~بل أظن كثيرا من أهم فضائلنا - نحن المصريين - من معطلات الرقي. العرب كغيرهم، أمة ~~عاشت في زمن مخصوص مدفوعة كغيرها من الأمم لإرضاء حاجاتها المادية وغير المادية إما ~~بطرق حسنة وإما بطرق خسيسة. وليس أهون على من يريد الوقوف على ذلك من أن يقرأ ~~أخبارهم كما جاء في كتبهم. والأغاني والأمالي وغيرهما بين أيدينا مثل حي على ما ~~كان هناك. # أما أن يحسب كاتب أن تمثيل العرب في صورة من الكمال يحمل القراء على تحري ~~مثلهم - أي أن يكون المؤرخ في الوقت عينه كاتبا أخلاقيا - فذلك وهم في تصوره ~~وخطأ وتجن على التاريخ؛ هو وهم لأن المرء إنما يتأثر بالوسط الذي يعيش هو فيه ~~أولا وقبل كل شيء. فإذا كان ثمت تأثير لمثل هذه الكتابة فهو ثانوي وبسيط، ولا ~~يستحق أن يغير من أجله معنى الحوادث. # المؤرخ مطالب قبل كل شيء بأن يثبت حقيقة الوقائع والأشياء التي يتكلم عنها. فإذا ~~لم يتمكن من إثباتها كانت غير ms133 تاريخية بالمعنى العلمي. وسواء كان في إثباتها إظهار ~~لفضيلة أو بيان لرذيلة فليس ذلك ليجعل المؤرخ يغير من حقيقتها شيئا، وإلا خرج عن ~~أن يكون مؤرخا. # التاريخ لا يكتب اليوم ليرى الناس صالح أعمال سلفهم فيتبعوه وسيئها فيتركوه كما ~~كان يخبرنا المؤرخون القدماء. فقد أثبتت التجارب أن الناس يسيرون في طريق مرسوم لهم ~~بالحوادث والأشياء المحيطة بهم. وليس يكفي أن يريدوا تغيير هذا الطريق ليتغير. كما ~~أن التجربة أيضا دلت على أن السارق لا يكفيه أن يسمع أن السرقة عار أو أنها تؤدي ~~إلى السجن ليرجع عنها. ~~••• # لماذا إذن يكتب التاريخ؟ لماذا نكتب آداب العرب أو ندون علومهم؟ لماذا نضيع ~~أعمارنا ونهب أنفسنا للبحث عن آثارهم؟ ... للسبب الذي من أجله يكتب الإفرنج آداب ~~اليونان أو الرومان! وما هو ذلك السبب؟ ... الكثيرون منا وأكثر الذين تصدوا لهذا ~~الموضوع يقولون: إنهم يكتبون أدب العرب حبا في العلم والحقيقة، وحتى يعرف أبناء ~~العرب تاريخ أجدادهم ومجد هؤلاء الذين ملأوا الدنيا بفتوحاتهم وبأشعارهم! ثم ما دام ~~الغربيون يكتبون آداب لغتهم وآداب لغات الأمم القديمة المدنية، بل ما دام منهم من ~~يتصدى لآداب اللغات الشرقية، فمن العار أن نبقى - نحن الشرقيين - من غير أن نتحرك ~~بأنفسنا لهذا العمل، بل من غير أن نقضي أعمارنا فيه! من العار أن نترك غيرنا يبحث ~~عن نفائس لغتنا من غير أن نبدي نحن أكبر الهمة في ذلك! من العار ...! هذا ما يقوله ~~الواحد منا في نفسه. وخوف العار هو الذي يدفع الأكثرين منا للعمل. فإذا تحركنا ~~وبحثنا عن الحقيقة التي نريد ووجدناها ودفعنا العار بذلك عن أنفسنا لم نعرف ماذا ~~نعمل بها وكيف نستفيد منها. وكأنا لا نعلم أن السعي وراء الحقيقة التي لا ننتفع ~~منها بأكثر من أن نعرفها أمر لا قيمة له. وإذا كان كتاب التاريخ إنما يكتبونه ~~ليوقفونا على أخبار الماضين من غير نظر إلى ما بعد ذلك فما أضيع تعبهم! إنما يكتب ~~العلماء ويبحثون وينقبون عن الحقائق الماضية من أجل نفع الحاضر والمستقبل. أي: ~~لتتبين ms134 لهم سلسلة حياة أمة من الأمم أو سلسلة حياة الإنسانية فيستطيعون أن يصفوا ~~لها طريقها الممكن اتباعه في الحاضر للوصول إلى أكبر قسم من السعادة لأعظم عدد من ~~الناس؛ وليكونوا على علم بما سيكون في المستقبل؛ حتى لا يكون عملهم الحاضر سببا ~~في سوء ينال الأجيال المقبلة. # قضى الإنسان حياته شاغلا نفسه بالتفكير في مستقبله. وبما أن الأشياء الغامضة هي ~~أكثر ما يلفت الذهن كانت نظرية ما بعد الموت هي الشاغل الأكبر لأهل العصور الأولى. ~~فقدروا لحياتهم في القبور وجعلوا نصب أعينهم مثال الجنة والنار، وأشكال العذاب ~~والثواب لكل واحد من الناس. ولا يزال - ولن يزال - من كبار المفكرين والفلاسفة من ~~يشتغلون بالبحث عن مصير الإنسان. لكن الكثيرين منهم يرون في الحياة غاية الحياة؛ ~~لذلك قام منهم من يوجه أكثر نظره لحاضر الأمم ومستقبلها. وإنما يصلون لذلك بملاحظة ~~الحاضر وإثبات صورته، ثم النظر في التاريخ إلى أصوله. بذلك يمكن تقدير الطريق الذي ~~تسير هذه الأمم فيه - وهذا هو الغرض من الأبحاث التاريخية. # هل يريد كتابنا ذلك حين يكتبون عن أدب العرب؟ هذا هو الذي كنا نريدهم أن يصنعوا. ~~ولكنهم مع أكبر الأسف لم يصنعوه. # جرجي أفندي زيدان كان أحرى الناس على سعة معارفه التاريخية بأن يختط هذه ~~الطريقة ويرمي لهذا الغرض. وأول المطلوب من المؤرخ الذي يرمي لهذا الغرض أن يتحرى ~~في التاريخ الذي يكتب كل دقيقة وجليلة، وأن يفسر الحوادث بالدقة والضبط. وقد رأينا ~~أن صاحب تاريخ آداب العرب لم يقم بذلك على الوجه الأكمل. # بل إن ما وقع فيه من الخطأ من هذا القبيل يتعدى المعارف التمهيدية إلى تاريخ ~~أدب العرب، أي إلى موضوع الكتاب ذاته. مثال ذلك أن المؤلف جعل الجاهليين أبعد الناس ~~عن المبالغة في تعبيراتهم، وإنما هم يصفون الطبيعة على ما هي عليه. ومع أني أقتصر ~~على ما جاء في صلب كتابه من الأشعار أجد كثيرا منها يرد على نظريته هذه بقوة ~~أعتقدها لا تدافع. فإذا كان هو يعتبر رثاء جليلة لكليب زوجها حين قتله ms135 جساس أخوها ~~«بعيدا عن أن يوهم القارئ أن السماء انطبقت على الأرض، وأن الشمس كسفت ... إلخ»، فإن ~~في أبيات المهلهل يرثي كليبا أيضا. # كليب لا خير في الدنيا ومن فيها # إن أنت خليتها فيمن يخليها # نعى النعاة كليبا لي فقلت لهم # مادت بنا الأرض أو مادت رواسيها # ليت السماء على من تحتها وقعت # وحالت الأرض فانجابت بمن فيها # في هذه الأبيات ما يبين عن معنى أقوى من كسوف الشمس، بل أقوى من انطباق السماء ~~على الأرض مع أنها آية في التعبير عما في نفس الشاعر من الحزن والغضب ... وكم من ~~المبالغة يجد القارئ في قول عامر بن الطفيل: # وما الأرض إلا قيس عيلان كلها # لهم ساحتاها سهلها وحزونها # وقد نال آفاق السموات مجدنا # لنا الصحو من آفاقها وغيومها # وكم من المبالغة أيضا في أشعار عنترة الحماسية وفي أوصاف امرئ القيس للخيل. بل ~~أي شاعر عربي لم يصل إلى أسمى درجات المبالغة؟! # يكاد الإنسان حين يرى ذلك كله يقول: إن جرجي أفندي زيدان لم يدخل إلى روح العرب ~~لكي يستطيع أن ينشرها أمام نظره ويفتش عليها ويعرف دقائقها، ويتمكن بذلك من الوقوف ~~على السبب في ترتيب الوقائع والأشعار والأخبار في هذه الأمة بشكل مخصوص. ولكن ~~الإنسان يتردد كيف ينكر عليه ذلك مع ما ألف في تاريخهم ولغتهم وآدابهم وأخبارهم كل ~~ذلك الذي ألف. غير أنا نأسف أن نجد كل هذا الذي اعتبرناه خطأ في فهم العرب، كما ~~أنا نأسف أيضا أن نجد ألفاظا غامضة لا يستطيع الإنسان أن يفهم منها رأي المؤلف ~~عن العرب. فمثلا قوله على الكهانة: إن الكاهن كان إذا استفسر عن رؤيا «تمتم وتظاهر ~~باستطلاع الغيب» معناه أن هؤلاء الكهان كانوا لا يعتقدون بحقيقة ما يقولون. مع ~~أنا نجد مثلا عن نبوءة جماعة من العرب كورقة بن نوفل في كتاب جرجي أفندي ~~نفسه. كما أن أخبار الكهان الواردة في تواريخ العرب تدل على أن هؤلاء الناس كانوا ~~يعتقدون بصحة حرفتهم. فهلا كان المؤلف أعطانا الأسباب التي استنتجها من ms136 بحثه لتدل ~~على مجرد «تظاهر» هؤلاء الناس. # ولما انتقل المؤلف من الكلام عن الاعتبارات العامة والمظاهر الأدبية للعرب ~~الجاهليين إلى الكلام عن كل شاعر على حدة، جعل يكتفي بإيراد أشياء قليلة عن أخبار ~~هؤلاء الشعراء وحياتهم؛ لذلك لم يكن في كتابه متسع لنقدهم! وهو إنما يخبرنا عن ~~الصفة العامة الظاهرة في شعر كل منهم. فواحدهم وصاف للخيل والنوق، والثاني يجمع ~~الحكم في أشعاره المتينة، والثالث معروف بحسن الديباجة ومتانة التركيب . وعندنا أن ~~من الواجب تحليل الشاعر أكثر من هذا، وإظهار صفاته بتطويل بعض الشيء. وإلا كان الذي ~~اطلع ولو قليلا على أشعار العرب وأخبارهم لا يستفيد من قراءة هذه التراجم شيئا ~~مطلقا. # أطلنا الكلام عن الجاهلية ونقد كتاب جرجي أفندي زيدان فيما كتبه عنها. والسبب في ~~ذلك أنه هو أيضا أطال القسم الذي أفرده لها؛ إطالة بحق لأن هذا القسم من أدب العرب ~~هو الأساس لما بعده. والمؤلف أراد أن يوقفنا على حقيقة هذا الأساس. وقد قدمنا رأينا ~~للقارئ، ونظن الآن مناسبا أن ننتقل لعصر الراشدين. ~~(2) عصر الراشدين # كان الجاهليون قوم بدو يسيرون حيث المرعى أو المغنم؛ لذلك لم يكن ببلاد العرب إلا ~~مدن قلائل. وكانت الديانة الغالبة عند جميع العرب يومئذ هي الوثنية. والوثنية بقية ~~دين قديم. والأديان جميعا كلما قدمت دخلها التمثيل أحيانا بالكواكب وأخرى ~~بالحيوانات وثالثة بالأصنام إلى غير ذلك من أنواعه الكثيرة. والأمثلة على ذلك ~~متعددة عند القدماء من المصريين واليونان والعرب وعند أمم كثيرة اليوم. وفي فرنسا ~~بلد اسمه (لورد) يحج إليه الكاثوليكيون من كل جانب، ويعتقدون في قبر (سيدة لورد) ~~قدرة إلهية كبيرة تشفي المريض، وترد إلى المجنون صوابه. # هذا التمثيل ذهب به العرب بعيدا فانتهى إلى أن صارت أصنامهم آلهة، وأن صاروا ~~يعتقدون فيها القوة والجبروت. لكن مثل هذا التمثيل عندهم إذا جاز على العامة فإن ~~كثيرين ممن يفكرون يرون ما فيه من العته. على ذلك كان بعض العرب ممن تقدم الإسلام ~~كأمية بن أبي الصلت وغيره ينصرفون عن الدين العام ويفكرون لأنفسهم. ms137 # لكن هؤلاء الناس كانوا يقتصرون على اختطاط طريق حياتهم هم، ولا يقومون بالدعوة ~~إلى معتقداتهم. وسبب ذلك في الغالب شيء من عدم الاهتمام بالمجموع أو من عدم الثقة ~~المطلقة بالعقيدة التي وصلوا إليها. # تكونت الفكرة عند العرب بفساد المعتقدات السائدة قليلا قليلا، وتأثرت آدابهم ~~بهذا التغيير. فصرت ترى في القسم الأخير من عصر الجاهلية جماعة غير قليلين من ~~الشعراء والخطباء يبدون ما في نفوسهم من الشك في عبادة الأصنام. كما أن كثيرا من ~~العادات السائدة يومئذ كانت من الوحشية بحيث تستفز النفس. كوأد البنات مثلا، ~~وكأخلاق شتى فشت بين العرب مع أنها تنافي الفضيلة أو تنافي طبيعة بلادهم. # وسط هذه الحال من الأخلاق والعادات العامة، وبين هاته الشكوك التي أبداها جماعة ~~المتكلمين، وجوابا لانتظار الناس لمصلح يهديهم ولنبي قد حان حينه وأدرك (العرب) ~~أوانه ... بين ذلك كله، ووسط هذه الأمة السامية الأصل قام النبي # صلى الله عليه وسلم # داعيا ~~لعقيدة جديدة ومصلحا كبيرا. # كان من أثر قيام النبي بالدعوة وإجابة الناس إياه أن اجتمعت كلمة القبائل، ثم ~~جعلوا يسيرون في الأرض ينشرون الدين ويغزون ويفتحون البلاد. وكان من أثر ذلك على ~~الأدب أن راجت سوق الخطابة، وسبقت الشعر الذي كان الكل إلا قليلا في آداب العرب ~~الجاهليين. والسبب في أن سبقت الخطابة الشعر هو كما يقول جرجي أفندي زيدان: «حاجة ~~المسلمين إليها في الفتوح والغزوات والعرب لا يزالون على بداوتهم تتأثر نفوسهم من ~~التصورات الشعرية، سواء سبكت في قالب الخطابة أو في الشعر ... فكما كان الشاعر في ~~الجاهلية يقدم على الخطيب لفرط حاجتهم إلى الشعر في تقييد مآثرهم وتفخيم شأنهم، ~~والتهويل على عدوهم، والتهيب من فرسانهم، أصبح الخطيب في الإسلام مقدما على ~~الشاعر لفرط حاجتهم إلى الخطابة في استنهاض الهمم، وجمع الأحزاب، وإرهاب الأعداء.» ~~(ص193 ج1). # وهناك لذلك سبب آخر مرجعه الفرق بين الحياتين: حياة الارتحال التي كان عليها ~~الجاهليون، وحياة الغزو الذي شغل به المسلمون. فإن في حياة البدوي الساري على ناقته ~~تهزه بلطف فوق ظهرها ويبعث النسيم والفضاء ms138 بخيالاته إلى أقصى غايات التصور، وتعرض ~~عليه صور الأشياء وذكرى من تركهم وهو يهتز في سكينة فوق مركبه ما يدفعه للتغني ~~والحداء والتوقيع، أو بكلمة أخرى ما يدفعه لقول الشعر يذكر فيه كل ما مر بخياله. ~~في حين أن حياة الحرب حين تقف الجموع متأهبة للقتال، ويتوقع الناس الموت لحظة ~~والنصر أخرى، وتتدافع في نفوسهم الإحساسات، أو حين يكونون في مأزق حرج يريدون ~~الخروج منه. هذه الحياة تخلق من طبعها رئيسا يصيح في مرؤسيه بالأمر أحيانا ~~وبالاستفزاز أخرى، أي إنها تخلق الخطابة. # لا شك أيضا في أن ورود القرآن بالنثر وقوله: # والشعراء ~~يتبعهم الغاوون * ألم تر أنهم في كل ~~واد يهيمون * وأنهم يقولون ما لا ~~يفعلون ~~. لا شك في أن ذلك ليس من شأنه أن يحرض على قول الشعر. ~~والناس في تلك الفترة الأولى من الإسلام كانوا يحرصون كل الحرص على اتباع ~~الكتاب شأن كل أمة عند ظهور مذهب جديد. كما أن الخلفاء كانوا يصرفونهم عن قول ~~الشعر. # هذه النقطة كلها استظهرها جرجي أفندي زيدان في كتابه، واستظهرها في بعض الأحيان ~~بالدقة وضرب الأمثال. ثم ذكر السبب الذي من أجله لم يترجم شعراء هذا العصر في هذا ~~الباب من الكتاب، وذلك أنه ترجمهم (مع شعراء الجاهلية؛ لأنهم نشأوا وتطبعوا بطباع ~~أهلها). # لكنه لم يترجم الخطباء، ولم يذكر السبب في سكوته على ذلك؛ إذ كل ما ذكره لنا عن ~~علي بن أبي طالب - وهو بلا شك من الأدباء الخطباء ذوي القيمة - كلمة بسيطة على ~~الهامش إن صح هذا التعبير، حين تكلم عن الخطابة والخطباء، هي أن خطبه تعد بالمئات، ~~وأنها مجموعة في كتاب (نهج البلاغة). لكنه لم يذكر لنا شيئا عن الصفة المميزة ~~للخطيب في خطبه ولا عن الروح السارية فيها. # وأهم من ذلك سكوته المطلق عن القرآن والحديث كأنهما لا يدخلان في تاريخ أدب اللغة ~~العربية، بينما يدخل الطب والكهانة. وأحسب أن لنا من الحق أن نسأل عن سبب هذا ~~السكوت. لم لم يذكر المؤلف شيئا عن التاريخ الأدبي للقرآن ms139 وصلته بالأدب الجاهلي ~~والفرق بينهما؟ القرآن كتاب كريم ذو شأن عظيم، لا في أمر الدين الإسلامي فقط، بل ~~كذلك في أمر آداب الأمة العربية وسياستها وكل جهات حياتها؛ لذلك كنا نود أن يوقفنا ~~كاتب (تاريخ آداب اللغة العربية) على الأصول الأدبية التي استمد منها هذا الكتاب ~~وجوده. # ولقد وضعت نفسي موضع المؤلف، وسألتها عن سبب هذا السكوت فلم أجد جوابا صريحا ~~أقتنع به ... وأخيرا قلت: لعله رأى أن في كلامه عن القرآن والحديث وأصولهما وقيمتهما ~~الأدبية ما يمس بعض العقائد. فليس مما يتصور أن المؤلف لم يجد في ذلك ما يستحق ~~الكلام عنه. أم لعله اعتبر هذه الفترة القصيرة التي جاء فيها النبي والخلفاء ~~الراشدون فترة عرضية في حياة الأمة العربية، ثم كان ما أشار إليه من رجوع العرب في ~~عهد الأمويين إلى الروح الجاهلية. يجعل النظر إلى هذه الفترة كالنظر إلى حادثة ~~طارئة في حياة أمة من الأمم. وليس من الضروري عند تدوين التاريخ التطويل في ذكر ~~الحوادث الطارئة؟ أم ماذا؟ # أما إذا كان السبب مراعاة العقائد العامة، فإن ذكر تاريخ القرآن والحديث لا يمس ~~هذه العقائد في شيء. ذلك بأن كل مسلم يعلم أن القرآن جاء بلغة العرب مراعيا في ~~نزوله عوائد العرب وعقائدهم السابقة. فما جاء في تحريم الخمر أو تحريم الربا أو غير ~~ذلك من الآيات، إنما جاء متعاقبا ولم ينزل مرة واحدة؛ لكيلا يتحرج به الناس، وهو ~~دين يسر لا دين عسر؛ لذلك كان ما يريده المسلم المحب لدينه اليوم أن يقف على مبلغ ~~التغيير الذي أحدثه الكتاب في العقائد والعوائد التي كانت موجودة قبله. وبما أن ~~المقام مقام الكلام عن الأدب فكل مسلم لا شك يريد أن يعرف الصلة الأدبية أو الفرق ~~الأدبي بين القرآن وما قبله. # قدمنا ما ذكره جرجي أفندي زيدان عمن حرموا على أنفسهم عبادة الأوثان وشرب الخمر ~~ونحو ذلك قبل أن يجيء به الإسلام. ونعلم أنهم قالوا في ذلك أشعارا وخطبا. فهلا ~~كان من واجب الكتاب في أدب اللغة أن ms140 يبينوا لنا الصلة بين هذه الأشعار وبين آيات ~~القرآن التي نزلت في هذه المعاني حتى نقف على حقيقة سلسلة الحياة النفسية التي هي ~~أساس الحياة الأدبية عند العرب. كذلك كنا نريد أن نعرف الصلة بين طريقة رواية ~~الأخبار والحوادث عند العرب وروايتها في القرآن. وكنا نريد أن نعرف إن كانت سورة ~~يوسف التي هي آية الإبداع في القصص أول ما جاء من نوعها أو أنها سبقت بغيرها من ~~صورتها. كنا نريد أن نحيط علما بهذه الأشياء التي أهملها جرجي أفندي زيدان على ~~أهميتها، وعلى أنها من لب تاريخ الأدب وصلبه. وهي في الوقت عينه لا تمس العقائد ~~العامة بشيء. # أما إن كان المؤلف قد ترك هذا القسم لأنه اعتبر هذه الفترة حادثة استثنائية في ~~تاريخ الأمة العربية، وأن العرب رجعوا مع الإسلام والأمويين إلى عاداتهم وأخلاقهم ~~وآدابهم الأولى إلا بعض ما حرم صريحا، فإن ذلك يكون من المغالاة والمبالغة الزائدة ~~التي يرفضها جرجي أفندي نفسه حيث يقول: إن الإسلام أحدث انقلابا سياسيا ~~واجتماعيا ودينيا، وإنه أدخل إلى آداب العرب تغييرات بنسخ بعض ما كان، واستحداث ~~سواه على ما يوافق العوائد والعقائد والأخلاق التي جاء بها. # لا شك أن تكوين الأمم الذي يتم على الأجيال والقرون لا يمكن في سنين معدودة قلبه ~~رأسا على عقب. ولا شك أن الإسلام لم يغير العرب مرة واحدة عما كانوا عليه بما نسخ ~~من المعتقدات والعوائد، ولكنه من غير شك أيضا أحدث هزة عظيمة في أعصاب هذه الأمة ~~كانت سبب ما تلاه من التغيير؛ لذلك كان من الواجب على من يريدون درس العرب أيام ~~الأمويين والعباسيين أن يرجع إلى التغييرات التي أحدثها الإسلام؛ ليقف على أصل مهم ~~من أصول تاريخ هؤلاء الأمويين والعباسيين. # ولذلك نرانا منقادين بهذا التعليل البسيط لنرى النقص في «تاريخ آداب اللغة ~~العربية»، فيما يتعلق بتاريخ الأدب في عصر النبي والخلفاء الراشدين. # بل كنا نود أن يفرد المؤلف كلمة عن النبي وحياته من جهتها الأدبية والمصادر التي ~~استقى منها، وكيف وصل ليكون ms141 أسلوبه كما كان. ولئن كان هذا الباب قد طرق من قبل من ~~الجهات السياسية والاجتماعية والأخلاقية بشكل ما، فإن جهته الأدبية لا تزال بكرا. ~~ولهذا كنا ننتظر من جرجي أفندي زيدان أن يضع لنا في تاريخ آداب اللغة العربية كلمة ~~تاريخية صحيحة عن أظهر رجل في الحياة العربية من كل جهاتها. # هذا هو النقص المهم في هذا الباب من أبواب الكتاب، وأخشى أن يكون نقصا جوهريا. ~~وحبذا لو تداركه المؤلف إذا طبع كتابه طبعة ثانية، فيكون قد سد فراغا تاريخيا ذا ~~قيمة. # ومهما يكن غرض جرجي أفندي زيدان من كتبه نشر معرفة التاريخ لا التدقيق في نقطة، ~~ومهما يكن هو ينظر للأشياء دائما من جانب الفكرة العامة، فإنا نعجب كيف فاته أن ~~يكتب هذه الكلمة التي ننبه إليها. # سوى ذلك فإنه لم يذكر لنا عن حقيقة روح هذا العصر شيئا أكثر من أن العرب اشتغلوا ~~بالفتوحات، وأن القرآن كان دليلهم في الفكر والكتابة، مع أن الفتن الداخلية كانت ~~يومئذ لا تحصى، وكان لها قادة من الخطباء والشعراء والكتاب. وردة العرب بعد ~~موت النبي وخروجهم على عثمان وقتله، وانقسام علي ومعاوية على الأمر، كل ذلك يمس ~~الأدب العربي عن قرب، ويمسه في مواضع كثيرة. # على أنا نرجع فنقول: إن الكمال محال. كما أنه ربما كانت في نفس المؤلف فكرة لم ~~نقف عليها يفسر بها هذا الذي نعده نقصا في كتابه. وإنما دعانا للتدقيق في هذا ~~الموضع من مواقع النقد اعتدادنا بهذا القسم من آداب العرب وتقديرنا لأهميته. # | محمد السباعي # ذكرنا في كلمتنا إلى القارئ أن كتاب النقد سيتناول السباعي، وكنا نظن ما كتبناه عنه ~~في «الجريدة» قد يعني القراء. لكنا ألفيناه لا يزيد على تقدير السباعي كمترجم لا كمؤلف. ~~فاكتفينا بهذه الإشارة. # الكتاب الثاني # | شئون مصرية # | آثار وادي الملوك (1) # من القاهرة إلى الأقصر # دعيت الصحافة المصرية أخيرا لزيارة قبر الملك توت-عنخ-آمون. دعيت لتوقف المصريين على ~~آثار جد من أجدادهم، باقية لا تزال، في أرض مصر بين مقابر الملوك الفراعنة. لكنها دعت ms142 ~~بعدما أذاعت صحف لندرة، بل صحف العالم، التفاصيل التاريخية والفنية عن قبر هذا الملك ~~المصري. وبعدما نشرت الجرائد والمجلات الأجنبية صورا مختلفة صورت بين أطلال طيبة ~~الأزلية الخالدة. ثم تخطت النيل، وتخطت البحار قبل أن تقع عليها عين واحد من أبناء ~~أصحاب مقابر طيبة. # وفيما بين افتتاح باب قبر الملك المصري، ودعوة رجال الصحافة المصرية - في هذه الفترة ~~التي تجاوبت فيها صحف العالم بخبر هذا الاكتشاف، وكتبت عنه الفصول الطوال ، لم تعن ~~الحكومة المصرية ولم تعن جهات حفظ الآثار المصرية، بإطلاع الأمة المصرية على أية ~~معلومات عن هذا الأثر المصري تدلهم على قيمته. وتكشف لهم عن شيء من حقيقته. فلما وصلت ~~الجرائد من إنكلترا مترعة بالأخبار عنه تكرمت وزارة الأشغال المصرية فأصدرت بلاغا ~~تافها مبهما لا تقف منه على شيء ولا تعرف له معنى محدودا. ~~••• # دعيت الصحافة المصرية أخيرا لزيارة قبر الملك توت-عنخ-آمون، فأذكرتني هذه الدعوة - ~~لذلك الأثر المصري - تلك الآثار العزيزة العظيمة انتقلت على ظهور البحار إلى إنكلترا ~~وغير إنكلترا من مختلف بلاد العالم، وكان أحرى بها أن تبقى على ثرى الوطن. وأذكرتني ~~الرحلات الطويلة كنت أمضي فيها بياض النهار وقطعا من الليل وجل مقصدي أن أشهد تلك ~~الموميات الناطقة في صمت الموت بجلال القدم، وتلك التماثيل المهيبة بضخامتها وعظمها، ~~وتلك النقوش الممتلئة برموز الحياة قبل الموت والحياة بعده. وأذكرتني! نعم أذكرتني ~~بتمثال إيزيس الصغير قائما في بلوره بين التماثيل الضخمة في الصالة المصرية من صالات ~~المتحف البريطاني محدثا ما حوله من التماثيل الضخمة بحكمهم على الكون والكون في أحلام ~~خلقه، متسخطا على الذين كشفوا عن الموميات ليجعلوها موضع لهوهم وكأنما الأموات متاع ~~العيون ... أذكرتني هذا وأذكرتني سواه فنسيت ما نحن منهمكون فيه من أعمال الحياة، وما نحن ~~مرتطمون فيه من الشهوات السياسية، فآثرت أن أسافر بنفسي إلى مقابر الملوك والملكات من ~~أجدادنا الأقدمين. ~~••• # شقة السفر من مصر إلى الأقصر طويلة. ومهما تعزيت بمشهد الوادي عن جانبيك يشقه ~~القطار، فتتابع صوره أمام نظرك كأنها صور متحركة، فإن هذه الصور ms143 بالغة آخر الأمر من ~~التشابه ما لا ترى بعده منها محلا لاستزادة. لكنك واجد في اختلاف ساعات النهار الشمس ~~قبيل المغيب، فأبشر بمغرب شمس قد يبلغ بك من الإعجاب وصنوف الجو ما يبعد عنك السآمة. ~~فإذا أنت رأيت السحب تجاور حد العبادة، فيذهلك عن الوادي وصوره المتحركة، والزمن ~~وساعاته المتتابعة، ونفسك وما قد بدأت تشعر به من ملال وتعب، ويمسك خيالك محدقا ~~بالمغرب البديع الذي أمسى يذرك رويدا رويدا فتعلقت به نفسك، وانجذب إليه قلبك، ووقف ~~عنده كل وجودك حتى تراه قد غاب واختفى، وأنت لا تدري متى غاب ولا متى اختفى. # كان ذلك شأني بين طهطا وسوهاج. تدركت الشمس إلى المغيب، وقد ارتكز عندها مثلث من ~~السحب ملأ الغرب وتشرذمت حوافيه. وكنت تحسبه أدكن اللون قاتما فلا تكاد ترى مخرجا ~~للودق من خلاله. فلما تدلت الشمس طوقت حوافيه القريبة منها بسوار من ذهب. ثم ولت إلى ~~مغيبها فلم تك إلا دقائق بعد ذلك حتى سكبت في السماء وراءها لهبا داميا ودما ~~ملتهبا، وصرت ترى الذي كان قتاما داكنا قد استحال إلى لهب اشتعلت به السماء، فغطت ~~النيران مثلث السحاب الذي ملأ الجو. وتشهد فحمة القتام بعد اشتعالها، وكأنك نيرون يشهد ~~روما في احتراقها. لكن نيرون كان يشهد جريمته فيوقع على القيثارة أنغاما يسلي بها نفسه ~~عن وخز ضميره. أما من شهد ذلك المنظر الفذ من صنع يد القدر فكان لا يستشعر سعير اللهب ~~المحرق، بل كان يحس فيما يرى ببرد وسلام يهبط على البسيطة. يشعر في حنايا فؤاده بترداد ~~حنين الإعجاب والشكر على أن شاركت روحه الصغيرة في كل تلك المعاني التي لا تؤديها هينمة ~~ولا ترنم، وإنما تؤديها نغمة سماوية من نغم موسيقى الموصلي أو بتهوفن. # وخبا اللهب وتبينت قطعة السحاب التي حجبت المغرب، وقد امتدت خلالها من الشمال إلى ~~الجنوب تعاريج متوازية من الأحمر القاني متتابعة فوق جبال ليبيا إلى منتصف السماء، حيث ~~يمتد من أثر الشمس المولية مسرعة ظل ضاف متورد كأنه بقايا قبلة وداعها لهذا ms144 العالم ~~الذي ظلت تشهده أعيننا من ساعة إضاءته في شروقها، وها تشتمله كسف الليل بعد إذ تركته ~~مدبرة. وظلت هذه التعاريج المتوازية البديعة النظام تغالب الليل ويغالبها، وتفني فيه ~~رويدا رويدا حتى كل بصري، وصرت لا أرى منها شيئا، ولا أرى إلا الليل قد كسا ~~الوجود، ولا أدري متى كسا أمواج النار والذهب. # وانطلق القطار في طريقه إلى الأقصر وأنا مأخوذ بهذا المنظر الذي لم يبرح خيالي ولن ~~يبرحه. وكلما عدت إلى نفسي جاهدت أريد أن أستعيد ذكرى مغارب الشمس البديعة التي تضارع ~~ما شهدت من سويعة مضت لأقارنها به، فيغلب هذا المشهد جهادي وأعاود التحديق في مخيلتي ~~بالقرص النازل وبأطواق الذهب تحف بأطراف السحب، وبالنار الملتهبة تشعل الفضاء، وبنيرون ~~يشهد روما جللها اللهب، وبهذه التعاريج البديعة من خالص العسجد. # وبلغت الأقصر، وكان الليل قد انتصف أو كاد. فآويت إلى الفندق وقد هجد الناس جميعا ~~فيه فلا تسمع لهم هسيسا. آويت إليه وقد زال أكثر ما بي من النصب؛ لأني كنت مشغولا عن ~~التفكير فيه. # واستيقظت حوالي الساعة الثامنة من صباح يوم الجمعة، فأخذت أهبتي لمشاهدة بيبان الملوك ~~وما حولها من آثار طيبة الخالدة. # | آثار وادي الملوك (2) # في بيبان الملوك # تقوم الأقصر - أو القصور - اليوم على شاطئ النيل الأيمن في المكان الذي كانت قائمة ~~فيه من قبل طيبة الأحياء. وبين مبانيها المتفاوتة في الفخامة الفخيمة والحقارة الفقيرة، ~~ترتفع تلك البرابي الدارسة التي بقيت برغم بلاها عظيمة ضخمة مهيبة تتضاءل إلى ~~جانبها أكبر القصور وأفخمها وأضخمها - برابي الأقصر وخونسو وآمون وما إليها. هذه ~~البرابي أو المعابد أو القصور الضخمة الفخيمة، هي التي أتاحت للمدينة الحاضرة أن تسمى ~~باسم الأقصر أو القصور. # بلغ بي القطار الأقصر حوالي منتصف الليل فآويت إلى فندق ونتربالاس. فلما كان الصباح ~~أخذت أهبتي قاصدا وادي الملوك لزيارة القبر الجديد، قبر توت-عنخ-آمون. وإذ كان القارب ~~يعبر بنا النيل إلى شاطئه الأيسر، حيث تقوم المقابر بين الجبال عند آخر الوادي، مر ~~بنا زورق بخاري يقل عظمة «السلطانة ملك»، وحاشيتها، ms145 وكن قاصدات مثلنا زيارة كنوز ~~القبر الجديد، وكن منتقلات مثلنا من طيبة الأحياء حيث ضجة الحياة وجلبتها إلى طيبة ~~الأموات حيث سكينة الخلد ومستقر السلام، وكن قد رضين - مثلما رضينا - أن ينسين هذه ~~الفترة القصيرة التي نسميها الحاضر، ونجعل منها موضع كل عناية وكل اهتمام لتصل النفوس ~~ما بين الماضي البعيد الذاهب في أعماق القدم إلى حدود الأزل، وبين هذا الحاضر الذي يجري ~~غير وان يريد أن يشق أمام عيوننا غيابات المستقبل، ثم ينتهي بنا من هذه الغيابات إلى ~~ما انتهى عنده رمسيس وآمنحوتب وتوت-عنخ-آمون وغيرهم ممن ذل لهم الدهر يوما، فملكوا ~~ناصيته ثم ألفوا أيديهم خلاء، وأيقنوا أن ليس للدهر ناصية تملك. # وتخطينا النهر وركبنا عربة عريضة العجلات يسمونها (السنكار)، فاجتازت بنا المزارع ~~تظللها أشجار لا يزال ورقها الأخضر يانعا لم تعد عليه عاديات الخريف، ولا عصفت به ريح ~~الشتاء الفتاكة بورق الشجر. وهل تعرف الأقصر ريح الشتاء؟ ألم يكونوا يعبدون الشمس في ~~طيبة؛ لأن الشمس في طيبة إله محسن. واليوم وقد عبد الناس ربهم، فإنهم لا يجدون من آيات ~~خلقه آية تبلغ في العظم والكرم والإحسان ما تبلغه الشمس في طيبة. # وسارت بنا العربة بعد ذلك في طريق قد بين صخور عابسة محددة الوجه تظلها سماء ~~دائمة الزرقة، لا تمر بها سحابة ولا يغشى صفاءها غشاء. وجاوزنا في مسيرنا بربة القرنة ~~وتابعنا مسيرنا حتى قاربنا وادي الملوك. # الجبال قائمة عن يمينك وعن شمالك. جبال جرداء لم يسقها غيث فلم يعرف النبت إليها ~~سبيلا. والسماء من فوقها زرقاء صافية، والسكون مخيم شامل فلا تسمع هسيسا. وأنت بين ~~ذلك ذرة من ذرات الوجود متنقلة في الحيز تنقلها على الزمن ثائرة بين الكائنات العظيمة ~~المطمئنة منتظرة يوما تخمد فيه ثورتها، فترجع لتطمئن في أحضان الوجود. # مثل هذه الأفكار كانت تدور بنفسي وأنا فوق السنكار تتسرب بي في طريق الجبل، وقد ~~خلفت ورائي الزرع الناضر الخاضع لقوانين الموت والحياة، المتجدد على الزمن كلما تجدد ~~الزمن، وحشرت بين الجبال العابسة وقد علت فوق ms146 قوانين الموت والحياة، فتتالت عليها عصور ~~الزمن وهي على الزمن باقية خالدة. # ثم وصلنا بيبان الملوك فإذا حمر وعربات وسناكير قد سبقت إليها. وإذا زوار متفرجون ~~قد جاءوا يرون الكنوز التي اكتشفها كورنارفون، وهي في خيال بعضهم كنوز الذهب والجوهر ~~يستبدلها من شاء بما شاء من صنوف المتاع، وفي خيال الأقلين كنوز تاريخية أثرية، يرتكب ~~من يستبدلها بالذهب والجوهر جريمة لا يغتفرها العقل ولا يغفرها التاريخ. # يقع مدخل بيبان الملوك في منتهى ذلك الطريق الذي قد بين صخور الجبل. فإذا جزته ~~انفرج أمام نظرك وادي الملوك. أو بالأحرى ظهرت أمامك مقابر الملوك. فليس ذلك الوادي إلا ~~منبطحا صخريا وسط سلسلة ليبيا تقوم الجبال حوله من كل جانب، ولا تعمره أية صورة من ~~صور الحياة والتجدد التي تراها في الوديان. وإنما تعمره موميات ذوي الملك والسلطان ~~الذين حكموا على التاريخ والتاريخ حدث قاصر لم يبلغ بعد رشاده، فكان حكمهم أبهى وأنضر ~~وأبقى أثرا وأخلد ذكرا من حكم المدنية الأثيمة التي يئن العالم تحت سلطانها من سنين. ~~تعمر تلك الموميات هذا الوادي في قصور شقت تحت الجبل، ونقشت جدران غرفها بطلاسم ~~الهيروغليفية وبمختلف صور آلهة ذلك العصر وبطقوس عبادة آبائنا الأقدمين. شقت تلك القصور ~~ونقشت جدرانها من أربعة آلاف سنة، فإذا رأيتها اليوم أدهشتك منها ألوان زاهية حية لا ~~تجد فيما تعرف من الألوان اليوم لها نظيرا. فإذا سألت عن هاته الطلاسم وأولئك الآلهة ~~وتلك الطقوس ما شأنها على الجدران، وما هذه الصحائف الكثيرة من كتاب الأموات لا يخلو ~~منها جدار؟ لفت العليم نظرك إلى ما تراه على جدران معابدنا من آي الكتب المقدسة، وزادك ~~أن أولئك القدماء كانوا يؤمنون بأن الروح لا تفارق الجسد فراقا أخيرا ما لم يتم بلى ~~الجسد، وما لم تنحل ذراته فتتبعثر بين غيرها من الذر وينعدم كيانها. أما ما بقي ~~الجسد حافظا كيانه فإن الروح تعود إليه إذا هو عولج عند الدفن بصورة خاصة من الطقوس، ~~فمر فوق القارب المقدس بالبحيرة المقدسة عند آخر معابد إله ms147 الشمس آمون، ثم انتقل بين ~~هياكل الآلهة ومن حوله تراتيل كتاب الأموات حتى يبلغ مقره الأخير. وفي هذا المقر الأخير ~~تسجل على الحجر الصلد تلك الطقوس التي وجب أداؤها، حتى إذا عادت الروح للجسد عادت ~~مطمئنة، ثم زادت طمأنينة إذا هي ألفت حوله كل مظاهر الملك ومجالي الأبهة التي كانت ~~له في حياته، ووجدت عرشه وعربته ولباسه وطعامه، وما إلى ذلك مما كان له قبل الموت من ~~صور المتاع. # وهذا هو السر في أنهم كانوا يحنطون الجسد حتى لا ينحل ويتم بلاؤه، وفي أنهم كانوا ~~يملأون الجدران بنقوش كتاب الأموات، وبطقوس العبادة، وبمختلف صور الآلهة تقدم لهم فروض ~~الطاعة وأنواع القرابين، وبصورة القارب المقدس على البحيرة المقدسة عند معبد آمون إله ~~الشمس حتى تطمئن الروح إلى أن الجسد مر إلى مقره برضا الآلهة وفي طمأنينة منهم إليه. ~~وهو السر في أنهم كانوا يضعون في الغرف المجاورة للملك عنجريبه وكراسيه وعرباته ~~ومأكولاته، وكل أنواع المتاع التي كانت في الحياة له. إنهم كانوا يريدون له الخلد ملكا ~~عزيزا كريما، حتى إذا بعث يوم النشور بعث ملكا عزيزا كريما. # أرأيت الآن معنى عناية ملوك مصر الأقدمين بأن يكون لهم بعد الحياة قصور تضارع القصور ~~التي كانت لهم في الحياة أو تزيد عليها عظمة وقداسة. إنهم كانوا يطمعون أن يبقوا خالدين ~~ملوكا وأن يبعثوا ملوكا. وها نحن أولاء نرى نصف مطمعهم تحقق أو كاد. لقد خلدوا إلى ~~اليوم ملوكا تخشع أمامهم قلوبنا، وتنحني أمامهم رؤوسنا، ولم يزد الموت ملك رمسيس ~~الحبيس بين زجاج صناديق المتحف إلا جلالا. ولو أنا - معشر الأحياء - قد بلغنا من العلم ~~أن نفهم المعاني المرتسمة على صفحات وجوه مومياء الملوك الأموات، لعلمنا أن رمسيس يعيد ~~اليوم ما كان يقوله من قبل يدفع به المصريين الأحياء ليستعيدوا لمصر من المجد والعظمة ~~ما كان لها أيام ملكه. ولكنهم لا يسمعون. # هذه العناية هي التي أوحت إلى توت-عنخ- آمون أن ينقر في الجبل قبره، وأن يحضر في غرفه ~~صور متاعه؛ حتى إذا أتى عليه ms148 الموت كان قد أعد لنفسه وسائل الخلد وحياة لا ~~تبلى. # والكنوز التي شهدنا في أول غرفة من غرف قبر توت-عنخ-آمون هي بعض صور ذلك المتاع ~~الملكي، وضعت إلى جانب تمثاليه الحارسين لموميائه من أن تعبث بطمأنينتها يد الزمن. ~~وقريبا ستعبث بتلك الطمأنينة يد أبناء هذا الزمن. # | آثار وادي الملوك (3) # قبر توت-عنخ-آمون # جاوزنا مدخل بيبان الملوك، فتجلى أمامنا الوادي الصامت القفر من كل مظاهر الحياة، ~~العامر بكل معاني المجد والعظمة، وبكل آثار الموت والخلود. وقامت أمام النظر أبواب قصور ~~موميات الفراعنة نقروها في جوف الجبل ملجأ من الفناء، وحصنا من البلى، ومستقرا ~~يعبرون فيه فوق ظهر الزمن إلى الدار الآخرة ملوكا أعزة وفراعنة حاكمين. وهم قد ظلوا في ~~هذا الوادي القفر ملوكا على سائر ساكني وديان طيبة الأموات من أربعين قرنا خلت. ~~وكانوا قبل ذلك ملوكا لسكان طيبة الأحياء؛ إذ قضى كل منهم في ملكه سنين لا تتجاوز ~~العشر أو العشرات. # جاوزنا مدخل بيبان الملوك، وكان باب رمسيس التاسع عن شمالنا. وباب رمسيس السادس عن ~~يميننا. وبين البابين فجوة تؤدي إلى باب القصر الجديد أو القبر الجديد. القبر الذي نقر ~~من ثلاثة آلاف سنة؛ قبر توت-عنخ-آمون. فهبطنا إلى بابه حتى كنا عند الغرفة التي ~~كشفت عنها يد المنقبين. فإذا نور الكهرباء يضيء ظلمة ذلك الرمس العريق في القدم. ~~وهناك وقعت العين على ما يبهرها: غرفة ملأى بآثار فرعون، بعروش الملك ومتكآته وسرره ~~وعصيه وعرباته، فجعلت تتنقل من واحد إلى الآخر ولا تكاد تستقر عنده. لا تكاد تجتمع ~~فيها صورة منه. ووقفت النفس حيرى ذاهلة أمام هذه المشاهد العجيبة. لبثت هذه الآثار في ~~هذا الرمس ثلاثين قرنا أو يزيد ... واهتز القلب بذكرى أولئك الجدود الذين كانوا زينة ~~الدهر وموضع فخر بني مصر. والذين لا يزالون على الدهر موضع إعجاب بني الدهر. وجاهد ~~الذهن يريد أن يقف مما رأت العين وتأثرت به النفس واهتز له القلب عند فكرة فكان أكثر ~~منها جميعا بهرا وحيرة واهتزازا. ~~••• # رأينا الأشياء التي حشرت مع الملك ليبعث بينها. ms149 رأينا تمثالي الملك وعروشه وكرسيه ~~وعرباته وباقات الورد استبقاها الحنوط حية على القرون. رأينا هذه الآثار ووقفنا أمامها ~~زمنا سمح للناظر أن يرى، وللنفس أن تستجم، وللقلب أن يطمئن، وللذهن أن يستقر. ~~لكنها جميعا اتجهت بكل ما فيها من قوة الأبصار والحس والشعور والاستجمام إلى هذا ~~التراث المجيد من آثار مصر القديمة. ثم غادرناها وقد ارتكزت صورها في غور وجودنا، ~~فأصبحت قسما منا نحس ونشعر ونفكر وله على حسنا وشعورنا وتفكيرنا أثر لن ~~يزول. # غادرنا هذه الآثار إلى الدير البحري. ثم عدنا أدراجنا إلى الأقصر. وبلغنا الفندق وقد ~~نال منا التعب وهدنا ما أنفقنا من جهد. لكن هذه الآثار الباقية ما بقينا والباقية ~~بعدنا إلى أجيال وأجيال مقبلة لم تغادر تصورنا، ولم ينلها في تخيلنا أي جهد أو كلال. بل ~~ازدادت وضوحا وازدادت قوة وازدادت استئثارا بنا، فصرت لا تسمع بين أهل الفندق ممن ~~زاروها إلا تحدثا عنها، وممن لم يزوروها إلا تساؤلا ودهشة ورغبة في مشاهدتها. # استأثرت آثار باب توت-عنخ-آمون بخيالنا وبتصورنا، فلما خلا كل إلى نفسه، وسعد ~~بالوحدة الحلوة الطيبة، وتأهب للراحة وللنوم عاودته بكل قوتها وبكل حياتها، وارتسمت ~~أمامه ناطقة متكلمة. ~~••• # تلك آثار أجدادنا - نحن المصريين. تلك آثار الفراعنة. وهي كانت مخبوءة في جوف ~~الصحراء، في ذلك الصخر القاسي اتخذه صاحبها درعا من الفناء. فكشف عنها رجل ليس له ~~بالفراعنة صلة، رجل جاء في أرض الفراعنة مستشفيا، ثم أوحى له القدر أن يعمل لكشفها. ~~فكشف عنها بعد لأي ونصب ولغوب، وعاونه رجل مثله ليس بينه وبين الفراعنة إلا صلة ~~الإعجاب بهم والتنقيب عنهم، وقام بالعمل أبناء الأقصر وما حولها من شبان ورجال تداولوا ~~العمل بإرشاده وبإشرافه وعلى نفقته. لكنها آثار أجدادنا نحن، فنحن وحدنا أصاحبها، وله ~~الفضل عن كشفها، وله منا الشكر والمنة. وله على التاريخ الاسم الباقي ما بقي اسم ~~الفراعنة، وما بقي اسم توت-عنخ-آمون. # تلك آثار أجدادنا الفراعنة الذين عاشوا من أربعين قرنا مضت. أليس عجيبا أن تضاهي ~~تماثيل الملك المصري تماثيل الإغريق وتماثيل روما ms150 وتتفوق عليها. يعجب الناس من كل ~~الأقطار بتمثال الزهرة إلهة الجمال ويعدونه مثلا نادر المثال. ويعجب الناس بصور ~~ميكلانج وبنقوشه. ويذهب بهم الإعجاب إلى حد البهر وإلى حد الهيام؛ ذلك أنهم لم يروا ~~تماثيل توت-عنخ-آمون، وبأنهم لم يروا تماثيل السباع والبقر والخرتيت في عروشه. ويعجبون ~~بنقوش الرومان والقوط؛ ذلك أنهم لم يروا نقوش صناديق الملك المصري أو عرباته. ولو رأوها ~~لتضاءل إعجابهم بتلك التماثيل والنقوش، ولأخذ بأبصارهم وبقلوبهم وبعقولهم ملك الأسرة ~~الثامنة عشرة المصرية. # أجل. لو رأوها لقالوا عن أجدادنا إنهم أجداد الفن، وعن مصر إنها مهد المدنية. ولو ~~رأوا حنوط الورد واللحم وما تنبت الأرض من بقلها لتضاءلت مدنيتهم أمام ما يرون. لو رأوا ~~خلود هذا الزهر الرقيق السريع إلى الذبول، وبقاء تلك الحنطة الدقيقة المتآكلة، وقرنوا ~~إليها حديدهم الصلب يفنى ويتآكل رغم عنايتهم، وحجارته القاسية تنهار وإن شادوها، إذن ~~لأيقنوا أن هؤلاء المصريين القدماء وصلوا من المدنية إلى قمة نفخ بعدها في الصور، ~~فاضطرب الوجود وتداعت قوائمه، ثم بعث من بعدهم خلق جديد وسار يتطور في سبيل التقدم، وهو ~~لم يبلغ بعد مدنيتهم، وهو لن يبلغها إلا أن تكون مصر على رأس العالم، وإلا أن تكون ~~أم المدنية، وإلا أن تبلغ هي الغاية التي تطمح إليها الإنسانية. والإنسانية لم تصلها. ~~وهي لن تصلها حتى تمسك مصر زمام القيادة، فتتولى السير بالعالم في سبيل الرقي ~~والسعادة. # كلا! لم تكن مصر القديمة مهد المدنية، بل كانت قمتها وغايتها. وهذا التاريخ الذي ~~يروونه وهذه الأساطير التي يتناقلونها ليست إلا أثرا من آثار كبرياء الشباب الفارغة. ~~أما آثار العقل الناضج، آثار المدنية الصحيحة، آثار الرقي الإنساني الصاعد بالروح إلى ~~ملكوت الملائكة بله الآلهة، فذلك ما لم تبلغه الإنسانية، وما لن تبلغه، حتى تكون مصر في ~~الطليعة، وحتى يدين الناس لها بالسبق والقيادة إلى غاية الكمال. # وليس ما يطالعنا به توت-عنخ-آمون من صور الحضارة دليلا على أن هؤلاء الأجداد العظام ~~كانوا يحضرون للمدنية المادية السخيفة، التي يرزح العالم اليوم تحت أرزائها، وإنما هو ms151 ~~دليل على أن الإنسانية بلغت في عصره كل القوة والعزة والمنعة والشباب، ووصلت إلى ~~غاية ما ترجوه الإنسانية. ثم اضمحلت من بعده، وتدركت إلى الهرم وإلى الفناء. ثم ~~بعثت فاضطربت في حمأة الطفولة وتلوثت في أدرانها، وهي قد خرجت منها من زمن، وهي اليوم ~~تعاني آلام شهوات الشباب المبتدئ. وليس من يدري متى تطمئن إلى شيء من الحكمة. ومتى ~~تعاودها نعمة العقل. # هذا ما تنطق به آثار باب توت-عنخ-آمون البالغة في الإبداع حد الإعجاز. وهذا ما تنادي ~~به معها آثار طيبة الأموات مما وقعت عليه عين الإنسانية. وهذا ما تشهد به الآثار ~~المصرية القديمة ما بقي منها في مصر وما عبر منها البحار إلى الدول الأخرى. فإن كان لا ~~يزال في نفسك من ذلك ريب، فاقصد معي إلى الكرنك وإلى بربة الأقصر، واقرن ما ترى هناك ~~إلى مثله من آثار روما، تر أمامك واضحا هيبة القدم وجلال العظم عند المصريين ~~بالغين حدا تتضاءل معه الآثار الرومانية والآثار الإغريقية، حتى لتكاد تنسى. وهل ~~جلال أعظم من جلال الكرنك؟ وهل أثر باق للحضارة الكاملة غير آثار المصريين ~~القدماء. # | في حضرة الفراعنة # طيبة الأحياء # بين جبال ليبياء، وعلى نحو فرسخين من شاطئ النيل الأيسر، تقع طيبة الأموات، وفيها ~~معابد الدار الآخرة. وفيها لحود الرعية، وأجداث الأمراء، ومقابر الملوك. # وعلى الشاطئ الأيمن تقوم الأقصر حيث كانت تقوم طيبة الأحياء. وفيها بربة الأقصر. ~~وفيها الأطلال الدوارس التي تتحدث إلى الأجيال المتعاقبة لمستقبل بعيد عن أجيال نائية ~~في ماض سحيق - فيها معابد الكرنك الكبرى. ~~••• # معابد الكرنك: هياكل النيل التي ظلت آلاف السنين تتعانق ومياه النيل. معابد خونسو، ~~وأوزوريس، وآمون، وسيتوس، وطريق آباء الهول، والبحيرة المقدسة. أطلال طيبة الأزلية ~~الباقية. قدس أقداس مصر القديمة. عظمة الماضي ومجد التاريخ. المدنية البائدة الخالدة. ~~الإنسانية في كمالها الأسمى. آثار أجدادنا العظام. آثار المصريين الذين حكموا وسادوا؛ ~~حكموا بالعقل والعلم، وسادوا بالمحبة والحلم. تلك هي الآثار الدارسة القديمة المبعثرة ~~فوق ثرى الوادي على مقبرة من الأقصر إلى الجانب الأيمن من النيل. ms152 تلك هي الأحجار ~~الناطقة في صمتها بمعاني العظمة، المحدثة ببلادها عن ألوف السنين التي مرت بها من يوم ~~شادها أجدادنا هياكل لعبادتهم، ومستقرا لعلم آلهتهم، وذكرا لأشخاصهم التي سبقت ~~التاريخ من غير أن يدور في وهمها أن سيبقى ذكرها زينة التاريخ ما بقي التاريخ ...! # معذرة! ... لقد كنت أريد أن أصف معابد الكرنك، وأن أذكر طرفا من تاريخها، وأن أتحدث عن ~~بنائها، وعن ضخامتها وعن رفعتها. وكنت أريد أن أقرنها إلى ما رأيت من آثار الرومان في ~~روما. وفي مدن فرنسا: في نيم. وآرل. وأفنيون. وروياء. فلم تكد أسماء معابد الكرنك تمر ~~أمام خيالي، حتى امتلأ بعظمتها وبقداستها خيالي، وحتى تضاءل ما رأيت من آثار اليونان ~~والرومان. وحتى أصبحت الفورم، والكابتول، بعض تلك الآثار الصغيرة التي لا تحصى والتي ~~تقابلك حيث ذهبت من ديار الآثار في مصر. وهل ترى في الوجود أثرا لا يصغر ويتضاءل ويفنى ~~إذا ذكرت عظمة معابد الكرنك، وبينها معبد آمون. # قرون جاءت على آثار روما، وعلى آثار أثينا، وللقدم هيبته، ولجراح الماضي في تلك ~~الآثار قداستها، وللفن عظمته، وللإبداع الفني في تلك الآثار احترامه. وأنت - ابن اليوم ~~- لن تستطيع مهما فاخرت بعلم عصرك وفنه ودقته إلا أن تقف أمام تلك الآثار التي جاءت ~~عليها القرون معجبا خاضعا ... فإذا وقفت بين أطلال الكرنك لم يكفك الإعجاب، ولا الخضوع، ~~ولا التقديس؛ لأنك ترى آثارا تفوق آثار مدنيتك الحاضرة عظما وقوة وإبداعا ~~ودقة. # لست أغلو. ولكني لا أستطيع أن آتي على الوصف الذي يبعث إلى نفسك الإجلال والبهر ~~اللذين ملآ نفسي حينما كنت بين هذه الآثار، واللذين تركا في نفسي أثرا سيبقى إلى أن ~~تزول من بين الأحياء نفسي، ولو لم يتح لي القدر أن أعود إلى طيبة المقدسة مرة ~~أخرى. # كلا. لست أستطيع أن أصف لك هذا المشهد؛ لأنه ليس مكونا من أحجار ولا من صور وتماثيل. ~~ولكنه مكون من ماض عريق في القدم والعظمة، عريق في الجلال والهيبة، عريق في الإبداع ~~والدقة، عريق في كل ما تريد الإنسانية ms153 اليوم أن تصل إليه من قوة وعزة وجاه وسعادة. ~~وفيما تنفق في سبيله الجهود الكبار. ثم هي تراه أمامها سرابا قد لا يتحقق على ~~القرون. ~~••• # معابد الكرنك. هياكل آمون وسيتوس وتتموزس وفتاح، وفي مقدمتها طريق آباء الهول، وعلى ~~أبوابها درجات الطول والعرض، لتعرف أين أنت من كرة الأرض. وبينها معابد آلهة الخير ~~والشر تطالعها الشمس ظهيرة كل يوم؛ لتطلعها على آثار الناس وحسناتهم. ومن خلالها تماثيل ~~رمسيس وتحتمس وآل فرعون. وفي غايتها البحيرة المقدسة. # ألست ترى هذا الجمع من كهنة آمون قادمين على شاطئ النيل إله الخير والخصب، وهم ينظرون ~~إلى مياهه الهادئة في موجها نظرة اعتراف بالجميل وتقديس وإجلال؟ ألا تراهم يريدون أن ~~يسلكوا سبيلهم إلى معبد إله الشمس آمون؛ ليرتلوا لمبعث النور والدفء آيات الثناء ~~والحمد. هاهم أولاء انعطفوا في طريق آباء الهول بين تماثيل السباع ركبت عليها رؤوس كباش ~~الغنم، وازدان صدرها بتمثال آمون، فجمعت بين القوة والعظمة والحنان والرقة والقداسة ~~والهيبة. وتتالت كثيرة متتابعة تزيد الجمع بكثرتها خشوعا وبنظام تتابعها رهبة ومهابة. ~~وقام أمام الجمع مدخل المعبد الضخم الرفيع لا تدرك شرفته نظرة الخاشع السائر في هذا ~~المشهد الرهيب. هاهم أولاء تخطوا المدخل، فأحاطت بهم نصب الآلهة وتماثيل الملوك ومن ~~حولها العمد الرفيعة الشاهقة. فلما نادى رئيس الكهنة باسم آمون خروا جميعا ~~سجدا. # كان هذا الجمع يتخطى هذه المشاهد بملابسه الكهنوتية، وقلبه ممتلئ قداسة وإجلالا ~~وإكبارا. أما أنت فتمر في طريق آباء الهول وترى مدخل معبد آمون، وتتخطى إلى داخله، ~~فترى هامات الكباش طائرة عن أجساد السباع. وترى تماثيل آمون القائمة على صدورها أبلاها ~~مر القرون، وترى معبد آمون تحطمت نصبه، وتداعت تماثيله، وتطايرت رؤوس عمده. ثم لا ~~يكون قلبك الذي امتلأ بالقداسة والإجلال والإكبار أقل خشوعا من قلوب هذا الجمع ~~بملابسه الكهنوتية. # وتتخطى بين هذه الآثار مسلات رفيعة وعمد لا تمل العين التحديق بها، ونصب فوقها ~~تماثيل بالغة في الأحكام، وجدران ترى الطير والوحش قد زينت سطحها، وذلك كله وما هو حوله ~~من مثله ومما ms154 هو أعظم منه وأبدع فوق متسع من الفلاة، لا يجيء عليه الناظر في مدى نظرته، ~~ولا يتخطى واحده إلى ما بعده من غير أسف على تخطيه. # كيف كانت تنحت تلك التماثيل العظيمة؟ وكيف كانت ترفع فوق تلك النصب؟ وكيف كانت تقام ~~تلك العمد؟ وكيف كانت تصل إلى قممها شرفاتها البديعة النقش؟ وكيف كانت تحمل فوق تلك ~~الشرفات الأحجار الضخمة التي تصل العمد بعضها ببعض؟! أي فن وأي علم وأي مقدرة كانت ~~تقوم بذلك كله؟ وأين من هذا الفن والعلم والمقدرة فننا وعلمنا ومقدرتنا؟ وهل لنا أن ~~نباهي أهل تلك العصور البائدة؟! ~~••• # معابد خونسو. وفتاح. وآمون. آيات المجد والعظمة. آثار الكرنك الخالدة. كلا. لن يحيط ~~بك وصف الواصف إلا إذا وقف عليك من حياته سنين طوالا. # أما أنا فيكفيني ما شهدت. هو يكفيني فخرا بالماضي، ولوعة للحاضر، وأملا ~~للمستقبل. # | أبيس # مهداة لسر أناتول فرانس # ذهبت مع أصحاب إلى المتحف المصري أشهد للمرة العاشرة نفائس قبر توت-عنخ- آمون، واثقا ~~من الكشف فيها عن دقائق جديدة من آثار الفن القديم. وفيما نحن متأهبون للخروج لقينا ~~صديق مغرم بتاريخ أسلافه الأولين، فلا يكاد ينقضي أسبوع دون ذهابه إلى المتحف: يتحدث ~~فيما يقول، إلى أجيال وأجيال حشرت بعد بعثها في هذا القبر غير اللائق بها. ويأمل أن ~~يطهرها هذا العذاب من إثم قد يكون لصق بها حين حياتها، ويرجو أن لا يطول أمد تفكيرها، ~~وأن تنقل إلى أقداس تليق بجلالها ... فاستوقفنا برهة ثم دعانا لنصحبه في تحية أوجب على ~~نفسه أداءها، كلما حضر، إلى معبود آبائه العجل أبيس. فلما كنا في حضرة التمثال المقدس ~~وقف برهة صامتا، ودلت حركة شفاهه على أنه كان يتلو بعض صلوات لا شك فرعونية. فأثارت ~~حركته دهشة شاب كان معنا فتح عينيه واسعتين وحملق بتمثال العجل وبنجيه، ثم أدار نظره ~~فينا فألفانا في شغل بما حول العجل من تماثيل. ولاحظ المصلي دهشة الشاب فالتفت نحونا ~~بعدما أتم صلواته وقال: لعلكم تعجبون لما أصنع. أما أنا فلا أرى محلا لعجب. لقد كان ms155 ~~أبيس رمز الخير والبركة. فكانت عبادة آبائنا له دليلا على أنهم يقدسون من الحياة ~~خيرها وبركتها. ومن أجدر بالتقديس والعبادة ممن يدر الخير والبركة على الناس؟ ~~«وما أخالكم تذكرون قصة أبيس وعبادته عند آبائنا. فقد كانوا يجعلون لهذا الحيوان ~~المخصب خير صفات الآلهة ...» # وهنا اتجه إلى صاحبنا الشاب ومضى في حديثه: ولا تحسب يا صديقي أنهم كانوا يعبدون كل ~~عجل رأوه أو أن كل عجل كان عندهم أبيسا. ولو أنهم فعلوا هذا لطعن في عملهم الجم ~~ومدينتهم الفاضلة. فالعبادة لا تجوز إلا للكامل حيث تجتمع صفات الفضل طرا. وكل عجل ~~معرض لأكثر من واحدة من نقائص الناس. والرجل الكامل جدير بإعجاب الناس به. والعجل ~~الكامل جدير بأن يكون رمز هذا المعنى الذي تجب عبادته: معنى خير الحياة وبركتها؛ لذلك ~~كان للعجل الإله عند آبائنا ما يميزه على العجول جميعا، فهو لم يكن يولد كما يولد كل ~~عجل من كل بقرة اقترب منها ثور. بل كان أجل من ذلك نسبا وأقدس أصلا. كانت نار ~~سماوية تهبط فتنفخ في بقرة عذراء من روح القدس، فتذر الإله في حنايا ضلوعها حتى إذا ~~ولدته وجب أن لا تلد بعده أبدا. ~~... وليطمئن آباؤنا إلى أن روح القدس وحدها هي التي لامست البقرة العذراء، وجب أن تكون ~~لابنها صفات كل أبيس سبقه. وأبيس يجب أن يشتمله السواد، عدا غرة مثلثة في جبينه وأخرى ~~في صورة الهلال على جنبه الأيمن. ويجب أن تكون تحت لسانه عقدة كالجعران شكلا، وأن يكون ~~شعر ذنبه ذا لونين؛ وأن تجتمع له إجمالا وتفصيلا ما فرضه العباد على آلهم من ~~صفات. ~~... فإذا نحى الموت أبيسا عند قدس زريبته وأذن مؤذن بميلاد أبيس جديد ذهب رهط من ~~كبار رجال الدين، فاستوثقوا من كمال صفات الإله الوليد، ثم أقاموا حيث ولد زريبة تطالع ~~مشرق الشمس؛ ليمضي فيها مدة رضاعه أربعة أشهر. ومتى انقضى هذا الزمن وكان هلال جديد ~~وضع العجل في مقصورة مذهبة فوق قارب كبير، ونقل إلى مدينة «نيلوبوليس» حيث يستقر أربعين ~~يوما. ms156 ولا يقترب من الإله في فترة هذا المقام غير النساء، يجئن إليه من كل الأنحاء ~~راجيات خصب أرحامهن، فيتجردن في حضرته على صور وأوضاع يأباها عرفنا وعرفهن في الحياء. ~~وبعد هذه الأيام الأربعين يقفل معبد العجل دونهن، وينقل أبيس إلى مقره الأخير بمنفيس في ~~مقام بالغ غاية الفخامة، وتبقى أمه معه في زريبة متصلة بقدسه يخلع عليهم بعض شرفه ~~الديني. ولا تقربه من البقر إلا واحدة مرة في كل عام لتكون لربوبيته متاعا ولذة، ~~ويقضي على هذه البقرة السعيدة في يوم سعدها، أن ليس يليق بالإله أن يكون له نسل كنسل ~~الثيران جميعا. # عند هذا الموضع من حديث صاحبنا جاء قوم وقفوا إلى جانبنا أمام تمثال العجل المقدس. ~~فآثرنا الخروج من المتحف، وألقينا نظرة على ما حولنا من تماثيل وألواح من الحجر والصخر، ~~ورفعنا أبصارنا إلى الطابق الأعلى لتتصل نفوسنا بموميات آبائنا الخالدين. ثم خرجنا ~~وكانت الشمس المنحدرة إلى المغرب ترسل أشعتها الرفيقة على الفضاء المنبطح أمام المتحف، ~~فتبعث إليه من حياة الحاضر ما يوقظ النفس بعد ساعات نسيت فيها الحاضر بين الماضي ~~وغياباته. وتخطينا الباب الحديدي الكبير، وسرنا ميممين فندق سميراميس، وأتم صاحبنا ~~حديثه فقال: وكانت غاية حياة أبيس القديس خمسة وعشرين سنة. فإذا لم ينفق بالموت قبل ~~انتهائها أغرقه رجال الدين في بئر لا يعرفها سواهم أعدت لإغراق كل أبيس يخالف التقاليد ~~ويتشبث بالحياة. ثم أذاعوا في الناس أن الإله قضى على نفسه منتحرا. فأما إن هو لم ~~يتخط التقاليد ومات قبل الخامسة والعشرين فقد حق له أن يدفن بما يجب لإله مثله من ~~مظاهر العظمة والألم. فيحلق المصريون جميعا رءوسهم ويلبسون ثياب الحزن، ويشيعون جثمانه ~~المقدس إلى «سيرابيس»، ويظلون مرتدين سوادهم حتى يجيء أبيس جديد يخلفه في قدسه. # كذلك قال صاحبنا، وكانت لهجته تشهد بتبجيله للعجل المقدس، وبمشاركته آباءه الأقدمين ~~في إحاطتهم معبودهم بمجالي الربوبية. وهنا أبدى الشاب من الضجر ما دل على تحفزه ~~للقول. ثم قال: ليس من ينكر على مصر الفراعنة براعتها في العلم والفن. ms157 وكل كشف جديد عن ~~آثار هذه المدنية الخالية يزيد العالم إيمانا بعظمتها وقوتها، ويدل على مبلغ ما كان ~~لأسلافنا من نشاط تصغر أمامه كل مظاهر النشاط في مدنية اليوم. وهذا الذي رأيت اليوم ~~لأول مرة من آثار توت-عنخ-آمون يفرق في بهائه ودقته كل ما ذكر عنه، وينهض حجة على أن ~~الحقيقة في بساطتها قد تبلغ من الجمال حدا تصبح معه المبالغة في وصفها هراء ~~وسخفا. ~~... ولقد أذكر يوما اجتزت فيه الصحراء من ناحية البدرشين مع صحب يشبهونكم في الظرف ~~والرقة قاصدين صقارة؛ فقطعنا على ظهر الدواب فراسخ وأميالا تحيط بنا المزارع ~~والرمال، وتظللنا سماء صفو منذ القدم، لم تخضع لحكم الضرورة الذي تخضع له العوالم ~~كلها، وتقابلنا أحجار وتماثيل طبع الزمن على صحائفها آثارا من البلى تزيدها حياة ~~وتجعل من صمتها حديث العصور الخالية. وقد استوقفنا من هذه التماثيل كثير يحدث عن ذوق ~~القوم للفن وعبادتهم للجمال. وإني أشهد ما تأثرت لمنظر تأثري حين بلغنا من طريقنا ~~موضعا رأينا فيه تمثال رمسيس الكبير ملقى على جانب الطريق وقد جل عن أن يختلط ~~بتراب الأرض فنام فوق مخادع من الحجر ووضع تاجه إلى جانبه. عند هذا التمثال وقفت طويلا ~~وسمعت في أعماق نفسي صوتا يخاطب صورة الملك العظيم بهذه العبارة: «ترى في أي ميدان من ~~ميادين منف الخالدة الأثر كنت تقوم أيها التمثال الفخيم؟ وعلى أية مدنية فرعونية كانت ~~تطل عيناك الحجريتان؟ وكيف كان الناس من أهل تلك العصور ينظرون إليك وإلى تاجك ~~الملقى الآن عن هامتك الملوكية؟ وكان يومئذ فوقها عزيزا. أكانوا ينظرون بعين الطلعة ~~التي ننظر بها نحن؟ أم كانت عيون إعجاب وإجلال وخضوع وعبادة؟ وصاحبك الخالد رمسيس، ~~صاحبك الذي لن يعدو الدهر على ذكراه كما عدا عليك، فدك عرشك وحطم سيقانك وطرحك على ~~ظهرك، وألقى بتاجك في الأرض؛ صاحبك صاحب الروح الكبيرة؛ صاحبك ابن الشمس ومحبوب آمون ~~وعطارد والآلهة؛ صاحبك المظفر الراكب عربة الحرب يطارد بها عدوه الهزيم؛ صاحبك مليك ~~مصر العزيزة بأمر الآلهة وعيونهم؛ أين روحه الآن ms158 لترفرف على مصرنا، فتنفخ فيها روح قوة ~~ومجد وعزة؟» ~~... هذا الخطاب النفسي لتمثال رمسيس، وإعجابي الخالص بآثار طيبة، يظهرانكم على ما أشعر ~~به نحو آبائنا الفراعنة أصحاب المجد الخالد. لكني أعجب حتى لا أكاد أصدق أن شعبا ذلك ~~مبلغه من العظمة والرقي يؤمن بأوهام كالتي تروى عن أبيس وعن غير أبيس من الآلهة، ~~ويسلك في عبادته طقوسا يراها أكثر الناس اليوم سذاجة بالغة في السخف حد ~~الهوس. # أتم الشاب حديثه فأجابه صاحبنا: أنت مخطئ يا صديقي الشاب. وأنت مجدف أيضا. فإن ~~أبيسا لم يكن عجلا كالعجول. بل كان كما ذكرت نفحة من روح القدس. وكانت له معجزات ~~تنفي كل شك في ربوبيته أيام كانوا يعبدونه. فقد حفظ التاريخ أن آباءنا كانوا يقيمون في ~~كل عام عيدا لميلاده بمنفيس يجمعون فيه كل لذائذ الحياة سبعة أيام تباعا. وكانوا ~~يبدأون عيدهم بأن يقذفوا في مكان معين من النيل وعاء من ذهب أو من فضة. فكانت التماسيح ~~تمسك مدى هذه الأيام السبعة عن أن تؤذي أحدا. فإذا كان اليوم الثامن عادت إلى ~~افتراسها. فهل ترى هذه الحيوانات المائية الضخمة كانت تغير طبعها لولا سلطان العجل. ~~ولا تقل إن إمساكها ربما كان سببه فرضها الصوم على نفسها أياما خاصة من السنة. فقد كان ~~عيد الميلاد يتغير كلما تغير العجل. أي كل خمس وعشرين سنة أو أقل من ذلك. ~~... ومعجزات أبيس كثيرة. فقد ذهب العالم الفلكي «أيدوكس» لزيارته يوما فاقترب العجل ~~منه ولحس أسفل ردائه. وفسر رجال الدين هذا المظهر بأن أيدوكس سيكون ذا مجد قصير الأجل. ~~وكذلك كان. ورفض أبيس أن يتناول الطعام من يد جرمانيكوس فدل بذلك على خاتمة هذا الأمير ~~السيئة. وكذلك كان. ~~... فهل ترى من حقك بعد ذلك يا صديقي أن تجدف في حق إله ذلك سلطانه وتلك مقدرته؟ # فعلت ثغر الشاب ابتسامة وهز أكتافه وقال: عجل يعبد! ثم يقال إن إنكار عبادته على ~~أنها سخف وهوس تجديف غير لائق بالآلهة! أليس ذلك مضحكا يا سيدي؟ # تولى الجواب عن صاحبنا أخ ms159 لنا لا يزيد علينا في السن، لكن شيبا انتشر في رأسه يذكر ~~هو أن الخوف سببه جعل مظهره أكثر هيبة ووقارا. قال: ألم يقل لك صاحبنا إن أبيس لم يكن ~~عجلا كالعجول أن حملت أمه من طريق قدسي! وأي سخف في أن يحاط جلال عجل بالأوهام الطيبة ~~لكي يتصل ما بينه وبين إيمان السواد. أليست الأوهام التي نحتقرها في الجماعات القوة ~~الكمينة الخالدة التي توجه نشاطها - متى كانت طيبة - إلى الصالح المفيد. وهل كان آباؤنا ~~يعبدون في أبيس العجل الأسود الأغر المثىي لون شعر ذنبه لتكون عبادتهم له سخفا وهوسا. ~~كلا. بل كانوا يعبدون فيه رمز النيل مدر الخير والبركة. كما أنه كان لباس أوزوريس ~~وصورته الحية، وأوزوريس كما تعلمون إله الخير والفضل والسلام. وهذه كلها معان جديرة ~~بالتقديس والعبادة. # قال الشاب: هب يا صاح هذه المعاني جديرة بكل تقديس؛ لأنها أكثر المعاني اتفاقا مع ~~عبادتنا للحياة وفطرة الاحتفاظ بها، فما صلتها بأوزوريس وأبيس؟ ولم لا تخلع عليها ~~القداسة في جمال تجردها من غير أن يلبسها عجل أو غير عجل من سائر الحيوان؟ # فأجاب الأشيب: وهل العبادة والتقديس إلا الإعجاب يملك النفس ويبهرها، ويأخذ عليها كل ~~مسلك الشعور والحس؟ أتراك إذا ذهبت إلى حيث يتولد من الكهرباء ما قوته مائة مليون حصان، ~~ورأيت إلى جانب هذا النبع من القوة ما يديره من العدد والماكينات وما تنتجه هذه العدد ~~من ثمرات، أتراك بعد ذلك إلا مأخوذا عن نفسك ذاهلا لعظم ما ترى؟ فإذا قصصت ذلك على ~~غيرك وكانوا يعيشون من ثمر هذه القوة، فهل تراهم إلا يقدسونها ويسبحون بحمد من ~~أجراها. كذلك كان شأن السواد من آبائنا فيما قصة عليهم ذوو الرأي منهم من قصص أوزوريس ~~وإيزيس وأبيس وسائر الآلهة. # قال صاحب أبيس: ما أحسبك قد بعدت عن الحق كثيرا يا أخي. وقد قصصت عليكم من أمر أبيس ~~شيئا. وهاكم حديث أوزوريس لتروا وليرى أخونا الشاب أن عبادة آبائنا لم تكن سخفا ~~وهوسا: ولد أوزوريس من الإله جب (الأرض) والإلهة ناوت ms160 (السماء)، حين أدرك هذين الإلهين ~~الهرم فعجزا عن قمع وحشية الناس وشرهم. ولما كبر تزوج من أخته إيزيس وجلس على عرش ~~المصريين، وصار ملكا على الآلهة والناس جميعا. وقد استطاع بفضل الجمال والعلم والصلاح ~~أن يتغلب على شر الناس وأن يردهم إلى السلم، وأن يعلمهم صناعاته. فعرفوا الزرع وطمعوا ~~من جوع، واتخذوا من المعادن أسلحة يفلحون بها الأرض، ويتقون بها عادية الحيوانات ~~المفترسة. وبمعونة الإله توت علمهم الأسماء كلها والفنون وفائدتها. ثم ترك لإيزيس حكم ~~مصر وسار على رأس جيش لهداية أهل الأرض جميعا. لكنه لم يكن بكبير حاجة إلى هذا الجيش؛ ~~فقد سحر الناس بعبارة الإله وكلماته، وبهرهم الرقص، واستولت على ألبابهم الموسيقى. ~~وكذلك تم للخير والفضل حكم العالم. # وكان «ست» إله الشر أخا لأوزوريس. ولما رأى من آيات حكمته أدركته الغيرة فدعاه إلى ~~وليمة أعد فيها صندوقا فاخر الصنع ووعد أضيافه بأنه مهديه لأي منهم طابق الصندوق ~~حجمه. فدخل إليه الأضياف واحدا بعد الآخر حتى إذا كان دور أوزوريس واستوى فيه - وكان ~~قد صنع على حجمه - أسرع شركاء إله الشر فأقفلوا الصندوق وألقوا به في النيل، فدفعه ~~التيار إلى البحر وقذفته الأمواج إلى شاطئ الشام، وبقي عنده إلى جانب شجرة أنماها القدر ~~لتحميه من الأعين إلى أن جاءت به إيزيس إلى مصر بعد حزن وبحث. لكن «ست» عثر به ثانية في ~~إحدى جولاته جوف الليل فمزق جسد أخيه أربعة عشر جزءا ألقى بكل منها في مكان. فعادت ~~إيزيس إلى بحثها واستعادت أجزاء الجسم، واستعانت بأختها وبابنها الإله هورس وبطقوس ~~الدين فردوا إليه حياة شابة خالدة لا يحياها على الأرض، بل في السماء. وكذلك بعث الإله ~~الملك ووعد بالبعث كل من يفعل الخير حين حياته. ~~... وهذه قصة المعركة بين الآلهة وأوزوريس إله الخير قد وجد من العجل أبيس ممثلا له ~~ولباسا. أو قل: إنهما صورتا روح واحد ورمز لمعنى الخير. فما السخف في أن يعبد الناس ~~هذا الرمز ويقدسوه. # بلغنا من سيرنا ثكنات قصر النيل. فملنا إلى يميننا في ms161 طريق الجسر، وهبت علينا نسمات ~~الأصيل المنعشة في هذه الأيام الصحو الجميلة التي تفصل الخريف من الشتاء. ولحق بنا ~~أثناء الطريق شيخ من ظرفاء أصدقائنا قال: إنه يقصد أن يعبر النيل على جسر إسماعيل ~~لرياضة نفسه في حدائق الجزيرة، ولملاقاة أصحاب على موعد معه بجوار الكوبري الأعمى. وكان ~~قد أنصت إلى طرف من الحديث لم يشغل عنه إلا بمنظر شبان من جنود الإنجليز يلعبون كرة ~~القدم في فناء الثكنات، وقد كشف رداء اللعب عن أذرعهم وسيقانهم، وبدت على بعضهم مظاهر ~~جمال القوة والنعمة. ولما ملأ أعينه من هذا المنظر كان أخونا الأشيب قد أتم حديثه. فقال ~~الشيخ: ما لكم تدهشون أن عبد قدماء المصريين عجلا، وقد عبد العرب الأصنام وآمنوا ~~بالهبل الأكبر وبمن دونه حتى بعث الله نبيه بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله. ~~وهل أرسل نبي إلا لقوم أولعوا بالحياة حبا، فجعلوا من كل مظهر فيها قدسا، وزين لهم ~~الشيطان عملهم فصدهم عن عبادة الله، فقام النبي بينهم ليهديهم السبيل؛ فمنهم من آمن ~~ومنهم من كفر. ولقد كان فراعنة مصر أشد الناس إلحاحا في الكفر. جاءهم موسى بالهدى ~~والبينات وخر سحرتهم أمامه سجدا فأبى فرعون واستكبر وهم بقتل الرسول، فخرج ~~موسى وقومه من ديارهم وأنجاهم الله بآية منه أن أمر موسى فضرب بعصاه البحر فانفتح أمامه ~~في البحر سرب، وتبعه فرعون وجيشه فابتلعه اليم فكان من المغرقين. ~~... وهل تظنون أن هؤلاء السكونيين - وألقى من جديد نظرة على اللاعبين - لم يكن يعبد ~~آباؤهم أصناما شرا من أبيس ومن الهبل الأكبر. تلك سنة خلت حين كان العالم في جهله ~~وعمايته. # قال صديقنا الأشيب مبتسما: وهل أتاك يا سيدنا الشيخ نبأ السكسونيين؟ لقد كانوا أيام ~~ربوبية أبيس في الكهوف بين الوحوش. وأيام أبيس كان الكهنة ورجال الدين في مصر يؤمنون ~~بوحدانية الله. فأما آلهة الخير والشر والحرب والسلم، فكانوا رموزا لمعان سامية لا ~~يدركها السواد ما لم يكن لها جسم وكيان. وأظنك ترى مصر الحديثة كمصر القديمة. يوحد رجال ~~الدين ويقدس ms162 السواد رموزا لأمانيهم كالعجل القديم. # لكن الشيخ كان قد بلغ جسر إسماعيل، وآن له أن يعبر إلى الكبري الأعمى؛ فألقى علينا ~~السلام مودعا، ورددنا تحيته بأحسن منها. # وكان الذي دعانا إلى الشاي قد لزم الصمت إلى هذه اللحظة. فقال له صديقنا الشاب وكان ~~بآرائه مغرما: ما لك لا تتحفنا برأيك؟ # قال الذي دعانا إلى الشاي: علمنا أساتذتنا أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره. فالحكم ~~على أبيس وعبادته وطقوس تلك العبادة يجب له أن نحيط بكيفية إدراك المصريين لهذا العجل ~~إحاطة تامة. وما أحسب واحدا منا هنا يدعي هذه الإحاطة. بل ما أحسب علماء العاديات ~~المصرية أنفسهم - مع كثرة ما بحثوا ونقبوا - على ثقة من أنهم عثروا من النصوص والآثار ~~على ما يكفي ليرسم أمامهم في صورة ناطقة حياة هذه الجمعية التي يعترف الكل اليوم لها ~~بأعظم حظ من الرقي في درجات الحضارة. ولقد قال هؤلاء العلماء أنفسهم بعد الكشف عن قبر ~~توت-عنخ-آمون: إنه واجب تحوير ما كتب حتى اليوم عن العاديات المصرية تحويرا جوهريا ~~وتصحيحه ليقرب من مطابقة الواقع. هذا ولما يعرف كل ما في قبر الملك الشاب من أسرار. ولا ~~يمكن لأحد بعد أن يقطع بأن هذا القبر آخر ما يمكن الكشف عنه من آثار المدنية القديمة ~~العظيمة. ~~... ولو أنا أتانا اليقين بكشف العلم عن جميع العاديات والآثار المصرية القديمة، وبوقوف ~~العلماء على جميع مخطوطات تلك العصور لما قطع ذلك بأنهم بلغوا غور النفس المصرية من ستة ~~آلاف سنة، ففتحت لهم أبوابها، وساغ لهم تتبع دبيب إحساساتها ومشاعرها، وتقدير أثر ~~الظواهر العالمية على تلك الإحساسات والمشاعر. فإنما يترجم العلماء نصوصا مصرية من ~~اللغة الهيروغليفية القديمة إلى اللغات الحديثة، ويقربون بينها ويستنبطون منها. ~~والمترجم من لغة إلى لغة لا يعكس صورة الأصل، وإنما يعكس صورته هو من خلال هذا الأصل، ~~كما تحيل المرآة اللون إلى الصفرة أو الحمرة على قدر صفاء مائها، وكما تطيل الشخص ~~وتقصره وتعظم بطنه وتعرج سيقانه على قدر استواء سطحها أو تعرجه. هذا ولو كان ms163 المكتوب ~~الذي ينقله المترجم معاصرا له. ثم هو بعد تمام الترجمة غير مطمئن إلى أنه أبرز كل ما ~~فهمه في الأصل من معان وصور ومشاعر. ذلك بأن لكل لغة سرا وروحا. فالكلمة الواحدة ~~تصقلها البيئة والعصر فتبعث فيها حياة ذات صور وحدود قد تختلف جد الاختلاف عن ~~مقابلتها في اللغة الأخرى. وقد تختلف جد الاختلاف عن حياتها نفسها في بيئة أخرى أو في ~~عصر آخر. ما بالك والنقل من لغة بائدة من آلاف السنين، والعلماء الناقلون غير واثقين ~~بكم حياة كل لفظ ينقلونه ولا بكيف هذه الحياة. وأهل هذه العصور البائدة يتصورون العوالم ~~والأفلاك غير تصورنا نحن إياها ... وإذا كان المسيحيون قد اختلفوا في تفسير كتب المسيحية ~~فنتج من خلافهم الكثلكة والأرثوذكسية والبروتستانتية وسائر المذاهب؛ وإذا كان المسلمون ~~قد انقسموا فرقا من سنية وشيعة ودروز ومتاولة وغيرهم؛ وإذا كان الفلاسفة الذين يزعمون ~~الأخذ بالواقع تحت الحس والملاحظة قد تشعبت فرقهم، وإذا كان هذا الخلاف كله حاصلا ~~وليس ثمة نقل من لغة إلى لغة، فكيف تستطيع أن تطمئن إلى ما يقال لك: إنه طقوس عبادة ~~أبيس وغيره من آلهة المصريين. وكيف تسلم بأن ربوبية آلهة تلك العصور كانت تزيد على ~~إيمان سواد المسيحيين بالقديسين والقديسات، وسواد المسلمين بالأولياء والصالحين. # وفيما كان صاحب الدعوة إلى الشاي يتم حديثه كانت الشمس قد بدأت تهبط إلى مغيبها. ~~فاقتعد القرص هام أشجار الجزيرة، وألقى على لجة النهر نظرة خطت فيه سطرا من لجين ~~معسجد. وألهب نوافذ المنازل المقابلة بنور انقلب مع انحدار الشمس نارا تشب في مثل هذا ~~الموعد من كل مغرب لتخبو ساعة المغيب. وسرت في الجو طلائع المساء ونذر الليل المخوف ~~الظريف. وسار من سار إلى جانبنا أكثر سكونا ومهابة. # ثم مر أحد باعة اللبن يقود أمامه بقرة صفراء فاقعا لونها تسر الناظرين، ويتبعها ~~عجل أسود تبدو عليه أمارات الحضارة التي يعانيها في أنحاء العاصمة الكبيرة كل يوم لأخذه ~~بالنظام في سيره تجنبا للعجلات المتباينة الأنواع. فلما رآه صديقنا الأشيب استوقف بائع ~~اللبن ms164 وسأله عن عمر العجل، فإذا هو خمسة أشهر؛ واستدنى البائع العجل من أمه ليدر ضرعها، ~~وأخذنا العجب لفعلة صديقنا. فنادانا لنحيط بالعجل وأمه ثم قال: لم يولد هذا العجل من ~~ستة آلاف سنة؛ وهو لذلك يجوب طرقات القاهرة التي لم تشهد الفراعنة ولم تنل شرف حكمهم. ~~وأشهد لو أنه ولد من ستة آلاف سنة لكان أبيسا مقدسا. فهذه غرته، وهذا الهلال في جنبه ~~الأيمن، وهذا ذنبه ذو لونين، وله كل مظاهر الجلال؛ فما كان لأحد من رجال الدين أن ينكر ~~قداسته. ولو أنه أوتي من الحظ أن يولد في ذلك العصر القديم أو أن مصر بقيت إلى اليوم في ~~سلطان حضارة الفراعنة وإيمانهم لكان له شأن غير شأنه الذي نرى، ولكان اليوم في مدينة ~~نيوبوليس لا تقع نظراته الساذجة المملوءة حكمة وحذرا على غير العذارى والنسوة ~~المتجردات، ثم لكان له من احترامهن وعبادتهن غير تلك النظرات الشزر التي تناله من ~~مفتونات اليوم فتيات وعجائز. وليدون له في صور وأوضاع تكفل لهن الخصب الذي يرتجين؛ ~~ولتنافسن في ذلك خاضعات لطبعهن البشري. فأبدت كل من محاسنها ما يأخذ بنظر الإله الشاب ~~وينال رعايته، واتجهت إليه نظرات معسولة من صور وأوضاع تكفل لهن الخصب الذي يرتجين، ~~ولتنافس في شفاه شهية عن لؤلؤ رطب يتألف نوره بين حمرتها الملتهبة. ومالت أعناق عالية ~~تبدو من خلال الشعر الأسود المرسل على الأكتاف كما تبدو تباشير الفجر من خلال ظلمة ~~الليل، وامتدت أذرع ناعمة تشتبك أطرافها داعية مستجيبة. وبدت نهود، وماست قدود، وتثنت ~~خصور، وارتجت أرداف، وتحرقت للحركة سيقان، وماج هذا الجمال الثائر في طلب الحياة ~~يحملها على أضلعه. ثم لوقف العجل بذلك في معرض حي لأكمل ما أبدع مصور المرأة مجلوا ~~في أجمل مظهر وأسناه. وما بالك بمعرض متجردات خلعن عذار الحياء وتيارين في أوضاع الخصب ~~الذي تتباهى به الأمم يوم القيامة. ~~... لكن هذا العجل العزيز لم يؤت حظ القداسة، فلم يولد من ستة آلاف سنة، ولم تبق ~~ربوبية أجداده آية إيمان لهذا الجيل الذي نعيش ms165 فيه. وهو بذلك ليس أسوأ من أي مخلوق ~~حظا، فقد يكون من بيننا من آباؤه ملوك ومن لو رأى الحياة من بضع مئات من السنين لكان ~~ملكا. على أن عجلنا أسعد من غيره من العجول. فهو قد حرم القداسة ومعرض المتجردات الحي، ~~لكنه لم يحرم حضارة المدنية وما فيها من لهو أليم وشقاء مستطاب. ثم لعله في شأنه الحاضر ~~أنعم بالا. فهو ينعم بمعاشرة الناس والدواب نهاره، ويتمتع بالوحدة وبمناجاة الطبيعة ~~ليله، وله من حرية الجري والرتع ما لم يكن لجده الأعلى؛ وربما كان له من ذلك ما يعوضه ~~عن مقام أبيس في قصر زريبته، وعن طعامه الفاخر من نظيف البرسيم ونقي التبن والفول، وعن ~~الاحترامات القدسية التي تقيده ولا تفيده. بل لو أن عجلنا هذا كان عجلا فلاحا لما ~~أعوزنا المنطق عن أن نجد له من المزايا على أبيس ما ينفي حقارته إلى جانبه، وما يصدق ~~معه أن كل فرد من المخلوقات أسعد ما يكون ما وجد في نفسه سعادته، وهو أشقى ما يكون ما ~~فاضل بين الخير والشر، وبين الحق والباطل، وبين النعماء والبأساء ... # فيما كان صديقنا الأشيب يتحدث كان صاحبنا نجي أبيس يمسح العجل ويملقه والسرور يلمع في ~~عينيه. فلما فاض عنه سروره قطع حديث الأشيب وقال لبائع اللبن: بكم تبيعني عجلك ~~هذا؟ # وتمت الصفقة ودفع العربون، وكفل بواب سميراميس بائع اللبن الذي رأى الاحتفاظ بالعجل ~~أياما حتى يحل محله «بو» يدر لبن أمه. # قال المشتري وقد التفت نحونا: لأجعلن لهذا العجل عندي قدسا كقدس أجداده. ولأمتعنه ~~من نعيم الحياة ومن احترام الناس بما تمتعوا به. # قال الأشيب: حذار أن تنسى حقه في المتاع ببقرة في كل عام، وإياك أن تتخذ من هذه ~~الأبقار ونسلها تجارة، فيكون ذلك منك تجديفا قد ينالك أوزوريس بعده بضر. # قال صاحب أبيس: أوزوريس إله الخير! فهل تنال آلهة الخير الناس بضر؟! على أني لن أجدف ~~ولن أجعل من صاحبات أبيس تجارة. بل سأنحرها يوم متاعه وسأجعل لحمها وقفا على أحباب ~~أبيس. ms166 # | سميراميس # تخطينا باب سميراميس إلى البهو الكبير فقابلتنا أضواؤه وبسطه ومناضده منثورة في نظام ~~جمع إلى البهاء والجلال. وتقدمنا الذي دعانا إلى الشاي يتخير لنا مكانا. ووقفت ~~وبجانبي صديقنا الشاب. أما نجي أبيس فتبع الأشيب بضع خطوات كان في خلالها يقلب في ~~الحاضرين نظره. ثم انتظمتنا جميعا مائدة ما كدنا نجلس إليها حتى أقبل علينا صديق حيانا ~~وجلس إلى مائدة تجاورنا مع جماعة من أصدقائه الأوروبيين سيدات وسادة. وجاء الغلام ~~يتلقى أوامرنا. ففيما كان الذي دعانا إلى الشاي يحدثه مال إلي نجي أبيس وسألني: ~~لم دعوا هذا الفندق سميراميس وكان لهم في أسماء آلهة مصر القديمة وملوكها ما يغنيهم ~~عن هذا الاسم الأجنبي؟ # فقلت: لعلهم يوم أطلقوا عليه هذا الاسم كانوا يحسبون سميراميس اسما مصريا. فله من ~~الرنين ما لأبيس وإيزيس وأوزوريس وسيرابيس وما إلى أولاء جميعا من الإيس الذي لا نهاية ~~له في الهيروغليفية. وليس يطلب إلى أصحاب الفنادق أن يكونوا نحارير في العلم بأسماء ~~الآلهة الأقدمين. وبحسبهم أن يجمعوا المتشابه في رنته وأن يضيفوه بعضه إلى بعض على أنه ~~مصري ما داموا في مصر. وكأني بك لو وجهت سؤالك إلى مدير هذا الفندق لرأيته مجيبا إياك ~~في لهجة اليقين بأن سميراميس إلهة مصرية أو إله مصري. وربما أطلعك على بعض ما عنده من ~~آثار تؤيد ذلك وتنطق به. وله عذر عن يقينه. فنحن جميعا نميز اللغات بعضها عن بعض بما ~~لكل من رنين، كما نميز الأمم بعضها عن بعض بالألوان والملامح. # فرغ الذي دعانا إلى الشاي من إصدار أوامره. وكان أصحابنا قد أنصتوا لهذا الحديث. فلما ~~أتممت عبارتي قال الأشيب: لو أن أصحاب النزل تحروا يوما أن تكون أسماء نزلهم مصرية ~~لوجب عليهم أن يبحثوا تاريخ بلادنا، ولما كان لهم من وراء بحثهم مغنم. هم إنما يطلقون ~~على فنادقهم أسماء اختصت بها الفنادق في مدن العالم جميعا؛ كي يثير الاسم في نفس ~~قاصدها صورة معينة تحببه إليه وتطمئنه إليها. وهم في ذلك يسيرون سيرة الناس جميعا في ~~التسمية. ms167 فكما أن للذكران من الناس أسماء وللإناث أخرى، وكما أن للقطط أسماء وللكلاب ~~أخرى، كذلك للنزل والفنادق أسماء. على أن أسماء النزل لها من المزية أنها عالمية غير ~~قومية ما اختصت بالسائحين الذين يجوبون أقطار الأرض. فبحسب أصحاب هذا الفندق من الشجاعة ~~أنهم خرجوا على الناس في أسماء الفنادق، وأطلقوا عليه اسم سميراميس. # قلت: ولم لا يكون لاسم سميراميس أثر باق على أرض مصر، وقد كانت مصر في ملكها؟ # وكان صاحبنا الجالس إلى أصدقائه الأوروبيين سيدات وسادة قد ألقى بسمعه إلينا. وكانت ~~قد بدت عليه علائم الدهشة لهذا الحديث، ولم يخف دهشته عن جلسائه فاستأذنهم كي يسألنا ~~قال: أوليست سميراميس ملكة مصرية أو إلهة مصرية كإيزيس؟ # فتبسم الأشيب ضاحكا من قوله وأجابه: لعل أصدقاءنا لا يأبون أن أحدثك بشيء عنها. ~~فهي لم تكن مصرية. لكنها كانت ملكة وإلهة معا. وكان لها من الأثر في الحضارة القديمة ~~ما كان لأكبر الملوك الآلهة المصريين. بل ربما كانت أقوى منهم سلطانا. فقد كانت إلهة ~~الجمال عند الآشوريين. ولعلك لا تنكر يا صديقي ما للجمال على الناس من سلطان. وكانت ~~ثمرة غرام لم يعقده الشرع. فقد عبثت أمها «درسيتو» إلهة البحر بالزهرة إلهة الجمال. ~~فنقمت الزهرة منها عبثها وسلطت عليها شابا أغواها وأولدها طفلة بارعة. فركب «درسيتو» ~~من الهم ما ركبها، ودفعها غضبها إلى أن قتلت الشاب، وتركت الطفلة في الصحاري، وألقت ~~بنفسها في اليم بين الأسماك. ثم حنا على الطفلة جماعة من اليمام أطعمنها إلى أن عثر بها ~~قوم من الرعاة التقطوها ودعوها سميراميس، أي: اليمامة. فشبت فقيرة جميلة حتى تزوجت من ~~«نينوس» كبير ضباط الجيش. وكانت ذات همة دفعت زوجها إلى فتح المدائن والدول. لكن جمال ~~سميراميس سما بها إلى مضجع صاحب عرش آشوريا، فخلعت نينوس عن العرش وصارت للملك ~~زوجا. # هنا بدت على أجمل صديقات جارنا الأوروبيات آيات الإنصات والالتفات. فقد كانت إلى هذا ~~الموضع من الحديث تداعب صاحبها بنظرات معسولة تتجه بها إليه حينا لتلقي بها بعد ذلك ~~على ذراعيها ms168 العاريتين وقد جعلت رسغيها على المائدة واعتمدت بخدها على ظاهر يمناها ~~المشتبكة بالأصابع مع اليد اليسرى. ثم تعيد النظرة إلى صاحبها، وكأنما تريد أن ترى في ~~عينيه كيف كان سحره بهذه الأذرع البديعة. واستمر الأشيب في حديثه: على أن سميراميس لم ~~تلبث مع الملك إلا قليلا حتى استكبر الجمال على الملك، فدست على زوجها من قتله، ~~وانفردت بالعرش بعده. فلما استتب لها الأمر شيدت على شاطئ الفرات «بابل» أبهى مدائن ~~العالم في عصرها، وأحاطتها بأسوار وحصون ذات قوة ومنعة. وأنشأت في المدينة أجمل القصور، ~~وغرست فيها الحدائق المعلقة. ثم اتجهت همتها من بعد ذلك للغزو والفتح فأعادت إلى ~~ملكها بلاد ميديا والعرب وأرمينيا والعجم، وكانت كلها قد خلعت النير الذي أخضعها له ~~نينوس، ثم ضمت مصر وليبيا من أفريقيا، وواصلت الغزو في آسيا إلى نهر السند حيث أفل ~~نجمها ولحقتها الهزيمة. وقد خضعت هذه الشعوب جميعا لحكمها مدى اثنتين وأربعين سنة كانت ~~كلها سني نعمة وحضارة. وعلى رأس هذه السنين نازعها ابنها الملك، فنزلت له عنه مختارة، ~~ثم ارتفعت إلى السماء حيث تقيم حتى اليوم بين آلهة الجمال. ~~... ذلك عهدها. أوليس من حقها وقد سعدت مصر بحكمها أن يكون لاسمها في مصر أثر؟ # فرغ الأشيب من حديثه وانقضت فترة شغل صاحب السادة والسيدات الأوروبيات خلالها بعبادة ~~ذراعي صاحبته، وتناول كل منا قطعة من فطير أو حلوى وشرب فنجانه من الشاي. ثم قال نجي ~~أبيس: ألا ترون عجبا أن تكون فترات حكم النساء الأمم زاهرة أبدا تينع فيها الحضارة، ~~وتتجلى فيها أبهى ثمرات الفكر والفن. هذه أيام هاتاسو وكليوباطرة وشجرة الدر كانت في ~~مصر أيام مجد ونعمة. ثم هذا صديقنا قد قص علينا من تاريخ سميراميس ما يجب أن يحفظه ~~التاريخ لسلطان النساء فخر الأبد. ولو أن إنكلترا فاخرت يوما بعهد من عهودها لكان عهد ~~الملكة فكتوريا أبهى عصر مر بها، ثم لوجدت فيمن سبقنها من الملكات أمثال اليصابات من ~~كن للسكسون فخرا وعزا. فكيف ترى يستتب الأمر لهاتيك الملكات وكيف ms169 يخضع الرجال ~~لحكمهن؟ # قال الذي دعانا إلى الشاي: ولكن لا تنس أن حكم النساء كان ينتهي أبدا بالاضطراب ~~والانحلال إلى أن كان نظام الحكم النيابي، الذي جعل الملك الصالح كالملكة الصالحة ~~بعيدا عن التداخل في شئون الدولة. # قال الأشيب: وأي عجب في هذا كله. إن النساء لا يستوين على عرش أمة إلا بعد أن تبلغ من ~~الحضارة والسؤدد أكبر مبلغ، وبعد أن يهيئ الرجال فيها من أسباب النظام والقوة ما تبعث ~~إليه الملكة التي تخلفهم من عذب روحها وسحر جمالها ما يثير قوى النفس والفكر التي كانت ~~كمينة في النفوس السامية تحت سلطان القسوة. ولعل أشد ما يدعو الرجال للرضا بحكم النساء ~~أنه حكم الجمال. فقل أن كان بين الملكات من لم تكن ذات دل وسحر. وللجمال على الرجال ~~أكبر الأثر. وهذه سميراميس الفتنة الساحرة كانت يوما في غرفة زينتها إذ بلغ سمعها هياج ~~أهل عاصمتها وقصدهم قصرها يحاصرونه ويهاجمونه. فلم تفعل أكثر من أن خرجت إلى شرفة القصر ~~نصف عارية، وقد انتثر شعرها الفاحم حول جسمها الناعم. فلما رآها الثائرون أكبروها وشدت ~~إليها أعينهم وخفتت أصواتهم وأخذهم البهر من كل مكان، ونسوا ما ثاروا له، وانصرفوا وهم ~~أشد أهل الأرض لملكتهم حبا وبها تعلقا ... وظلت صورة إلهة الجمال في شرفة القصر مرتسمة ~~في نفوسهم. ثم فاض عنهم هيامهم، فأقاموا لسميراميس العارية يسترها شعرها تمثالا في ~~بابل يحجون إليه ويجدون فيه ذكر ساعة من أحب ساعات حياتهم إليهم. وهذا الذي صنعوا ينبئ ~~عن عظمة هذا الشعب ورفعة حضارته. فالرجال للجمال أعلى قدرا وأكثر خضوعا كلما كانوا ~~أسمى نفسا وأدق حسا. أولئك يطلبون في الجمال كمال الإنسان مصورا في أحد أفراده. ~~أما الذين تتحرك نفوسهم إلى الأنثى يدفعها بقاء النوع وحده فأولئك إلى البهائم أقرب. ~~ودق الحس وسمو النفس يجعل من أولئك الممتازين أعوانا صادقين للملكة التي تحكمهم. لكن ~~توحش السواد لا يسمو به لدرك هذه المعاني السامية؛ لذلك يعمل الدساسون لإثارة شهوات هذا ~~السواد. وكلما انتطح في الإنسانية كمال الإنسان ms170 وحيوانيته كانت الغلبة الأولى للحيوان. ~~ثم يستكن الإنسان الكامل مؤمنا بأن له الغلبة آخر الأمر. وهذا هو سر عدم تعاقب ~~النساء على الحكم برغم ما تمتاز به عصورهن من حضارة بالغة أدواتها من العلم والفن ~~غاية ما يرجو الإنسان من كمال. # كذلك قال الأشيب. وملأ قوله أجمل صديقات جارنا عجبا وتيها، فاعتدل رأسها وانصقلت ~~صفحة جبينها، وأضاء وجهها نور زاد جمالها سحرا، واشتملت نظراتها البهو ومن فيه كأنما ~~هم لسلطان جمالها تبع. على أن عيونها أخذت صديقنا الأشيب بعطف مدل شعر به جليسها، ~~فأطرق إلى الأرض وكأنما بدأت الغيرة يدب إلى نفسه دبيبها. ولم تفت الأشيب هذه البوادر ~~حين التفت بنظراته إلى الجميلة فنمت عيناه عن جيش من المعاني قام بنفسه. لكن صديقنا ~~الشاب لم يمهله في متاعه بهذه العواطف العذبة السائغة، بل اعترضه بقوله: أعجب للرجال ~~كيف يستذلهن النساء. والغريب في أمرهم أنهم يزعمون أن جمال النساء سبب سلطانهن. ~~ولست أذكر في أي كتاب قرأت أن الجمال للرجال ولا نصيب للنساء منه. فذكور الحيوان والطير ~~أجمل من إناثها. أليس الحصان أجمل من الفرس، والثور أجمل من البقرة، والأسد أجمل من ~~اللبؤة، والطاووس الذكر أجمل من الأنثى. وأين لأنثى البلبل صوت البلبل الرخيم. فكيف ~~تبدلت في الناس سنة الطبيعة فكان الجمال من حظ المرأة. ولم لا يكون جمال المرأة في ~~نظر الرجل ضربا من السخف وضعف العقل أملت به على الرجال شهواتهم ثم تعهد النساء بقاء ~~هذا السخف في الرجال باستفزازهن شهواتهم في كل آن. # حولت الجميلة إلى صديقنا الشاب نظرة إشفاق وازدراء. وكان الأشيب مسحورا لا يزال. وقد ~~أراد الذي دعانا إلى الشاي أن يتولى الحديث مع الشاب. لكن الأشيب شعر بما يجب عليه من ~~حماية الجميلة التي عطفت عليه وكل جميلة مثلها، فجمع قواه ووجه إلى الشاب في هدوء ~~وسكينة هذا الحديث: حذار يا صاح لا تندفع. فمن أنبأك أن كل ذكر أجمل من كل أنثى؟ أليس ~~هو نظرك وأنت وثقت به! وهو نظرك كذلك الذي أنبأك بأن ms171 الجمال للمرأة لا للرجل؛ فيجب أن ~~تثق به، ولعل الكتاب الذي استخلصت منه حجتك هو بعض كتب شوبنهور، ذلك الفيلسوف الألماني ~~المتطير بالمرأة وبالحياة جميعا. وإنما أملى عليه رأيه في المرأة فرط حبه لصاحبة له ~~وإمعانها في الصد عنه وفي تعذيبه. ولو أنها مدت له حبل الأمل ولم تحرمه، نائلا ~~منها، لكان بالمرأة أكثر رفقا وللحياة أشد حبا، ثم لعرف النعيم والسعادة، ولجعل ~~للزهرة ولسميراميس في قلبه تمثالا يجله ويعبده على غير ما كان يعبد تمثال بوذا ~~البطين الأبله. ولو أن رأي الفيلسوف في جمال الذكر أن من الحيوان كان صحيحا لما جنى ~~ذلك على جمال المرأة ولا حط منه. فقد أهمل الرجل ما جملت به الطبيعة الحيوان من تناسق ~~مظاهر القوة فيه، وعني بتجميل خير ما حبته به الطبيعة إياه من هبة الكلام. فهو بالكلام ~~يشعر ويتغنى ويرجو ويزجر. وهو بالكلام بلبل وطاووس وفهد وأسد. والكلام عنده صورة ~~الحقيقة والخيال جميعا. وجمال المرأة حقيقة وخيال معا. هو شعر وهو موسيقى وهو حس ~~ملموس فيه نعمة الحياة بل الحياة كلها مجتمعة. والرجل بالكلام يتغزل هذا الجمال ~~المشتملة أحشاؤه كمال الإنسان. أما الحيوان فلا يعرف ما الكمال وليس له به عهد؛ ولذلك ~~كان الرجال للجمال أعلى قدرا وأكثر خضوعا كلما كانوا أسمى نفسا وأدق حسا. # فرغ الأشيب من حديثه بعدما زاد الجميلة عليه عطفا. ثم تناول الذي دعا إلى الشاي ~~الحديث من بعده فقال: «عد بنا يا صديقي إلى حديث سميراميس إلهة الجمال عند الآشوريين. ~~فقد ذكرت أنها هجرت نينوس لتكون زوجا للملك. وأنها دست على الملك من قتله لتنفرد ~~بالملك بعده. وأنها برزت للشعب عارية لتبهره. وأن ابنها الذي لا يعرف أحد أباه نازعها ~~الملك آخر أيامها. وليس في كل هذا ما يشهد بعفة الملكة الإلهة. والمستخفات بالعفة من ~~إلهات الجمال لسن أول من عرفت الإنسانية حين أقرت عبادة المرأة. بل سبقهن أبدا من ~~كن ذوات عفة وأمانة، ولم تنحدر الزهرة عند الإغريق إلى تعشق إلهة ورجال عدة اتخذوا ~~من ms172 جمالها وجسمها لملذاتهم وشهواتهم متاعا إلا بعد عصر كانت فيه مثال الوفاء. فهل كان ~~للأشوريين قبل سميراميس إلهة قرنت إلى الجمال الوفاء؟» # قال الأشيب: لا تصدق، مضيفنا الكريم، إن الوفاء على ما يفهمه الناس كان يوما بعض ~~فضائل إلهات الجمال . ولئن كانت الأساطير لم تشر إلى صلات زهرة الإغريق بالآلهة والناس ~~قبل خيانتها زوجها هفستوس، فهي قد أشارت إلى ولع سيد الآلهة جوبتير بالزهرة ودلها ~~عليه وانتقامه منها بتزويجها من الإله القبيح الذي لم يكن لها من خيانته بد. وكيف تريد ~~بإلهة الجمال أن تضن بجمالها وفي سجية كل إله أن يهب الناس من مزاياه ما يعينهم ~~على الحياة. وكأني بالأشوريين كانوا أكثر حكمة فلم يقتضوا إلهتهم ما تأباه سجيتها، بل ~~جعلوها ثمرة الهوى ليكون الهوى أول ما تتجمل به من الفضائل. # ازدادت الجميلة إنصاتا للحديث ونمت نظراتها عن الرضا عنه والعطف على قائله. وكأنما ~~دفع ذلك إلى نفس صاحبها ملالا وقلقا زادهما ما كان من انصرافها عنه. فلم يجد لإرضاء ~~غيرته سبيلا إلا أن دعا جلساءه لنزهة على ظهر الماء. وكان الجو رفيقا والنيل أمام ~~الفندق يسيل هادئا مطمئنا. وكان من عدا الجميلة لا يظهر عليهم أنهم يفهمون حديثنا. ~~فأسرعوا إلى تلبية الدعوة ولم تر الجميلة وجها لرفضها. فتركوا مجلسهم بجوارنا بعدما ~~صافحنا مودعا وبعدما زودت الجميلة صديقنا الأشيب بنظرة فيها معنى الأسف، الذي لم يلبث ~~أن تطاير قبل باب الفندق. فقد سمعناها تضحك طربة لنكتة قالها أحد السادة الذين كانوا ~~معها. ولعل هذه النكتة كانت انتقاما منا واستخفافا بأمرنا. # وكان صديقنا الشاب لا يظهر اقتناعا بشيء من حديث الأشيب. وكأنما ذاق من تحكم الجمال ~~فيه مما لم يزل سرا مطويا علينا، ما نقض إيمانه بالمرأة وسلطانها. وكان بالرغم من ~~هذا أطولنا تحديقا بالجميلة إلى حين قيامها. ثم أتبعها بنظراته حتى خرجت. فلما غابت ~~عنه زفر زفرة معناها: ويل لكن، هل إلى خلاص من حكم جمالكن سبيل! ومضت فترة، ~~كنا فيها جميعا صموتا، استعاد الشاب خلالها حكم نفسه ثم ms173 قال: ذكرتم أن آباءنا من ~~قدماء المصريين اتخذوا من أبيس للخير والبركة رمزا فجعلوا العجل إلها. فلم لم يتخذ ~~الناس للجمال رمزا من حيوان أو طير يؤلهونه. ولم كانت أفروديت والزهرة وسميراميس ~~وسائر إلهات الجمال نسوة. تالله ما كن ليرقين إلى موضع القداسة لو نظر الرجال ~~إليهن بعين العقل وأخضعوهن لسلطانه. # قال الأشيب: كانت الآلهة جميعا رموزا لمعان هي قوام الحياة. لكن الأقلين منهم ~~كانوا من الطير أو الوحش. أما أكثرهم فكانت لهم أجسام الإنسان ورؤوس الحيوان. وكثيرون ~~كانوا أناسي رؤوسا وأجساما. وقد كان سكان الأولمب في اليونان القديمة رجالا ارتقوا ~~إلى مراتب الألوهية، ثم ارتفعوا آخر حياتهم إلى الجبل المقدس، وأحاطت الأساطير من بعد ~~ذلك مولدهم ومنتهاهم بأبهى الخرافات. على أنك إن استطعت أن تجد للقوة في جسم الأسد ~~رمزا تضع عليه رأس الإنسان لتجمع الحكمة إلى القوة؛ فإنك لن تجد في غير جسم المرأة ~~ورأسها رمزا لأسمى معاني الجمال عند الإنسان. # وهذه الجميلة التي غادرتنا من لحظة والتي نالت من كرم الطبيعة ما لم تحلم سميراميس ~~بأكثر منه لا رمز لها إلا هي. أم ترى أن الذي يقرنه الشعراء إلى جمال المرأة في الظبي ~~أو بقر الوحش، أو غير هذين من الحيوان يمكن أن يكون لجمال المرأة رمزا. تعالت المرأة ~~وجمالها عما يصفون. وهاتيك الإلهات اللاتي عبدن في الماضي واللاتي نزلن من سمائهن في ~~عصرنا هذا الذي أنزل العلم والفن فيه أقدس الأشياء لتكون معنا كن - ولن يزلن - الرمز ~~الأسمى والتمثال الخالد الذي يحتفظ به الرجل في قلبه، ويجد فيه ما يحبب إليه الحياة ~~وخلد الحياة. # ابتسم أصدقاؤنا جميعا لحماسة الأشيب الذي عرفناه أكثرنا هدوءا وسكينة. لكن نظرات ~~الجميلة كانت قد فعلت به فعلها فسحرته عن نفسه، وجعلت منه عابدا متعصبا في عبادته، ~~وقال له نجي أبيس: لكنك يا صديقي لن ترى بين إلهات قدماء المصريين من استخفت بالوفاء، ~~وجعلت من جمالها متاعا للآلهة كافة. ولقد حدثتكم بحديث إيزيس فرأيتم مبلغ وفائها ~~لأخيها وزوجها أوزوريس. قتله أخوه إله ms174 الشر تيفون فاستقلت البحر باحثة عن جثته. فلما ~~عثرت بها وعاد تيفون إلى تفريق أجزائها عادت تبحث حتى جمعت الأجزاء الأربعة عشر، ثم ~~حبست نفسها لتعيد إلى إله الخير حياة الخلد. وعملها هذا آية في الوفاء من امرأة، وهو ~~خير مثل لما يجب أن تكون عليه الآلهة. ~~••• # وبدأ الحديث يدور بعد ذلك حول إيزيس. فقال صديقنا الشاب: ألا ترون أن نصنع ما صنعه ~~جيراننا، فنمتطي الماء زمنا نروح فيه عن أنفسنا ونناجي أثناءه إلهة الوفاء ~~والجمال. # ونادى الذي دعانا إلى الشاي غلام الفندق فنقده حسابه. وقمنا إلى نزهتنا فأقلنا قارب ~~وسعنا جميعا. ودار حديثنا حول عبادة إيزيس في مصر وروما واليونان. # | خالد أو سبيل اليقين # ... ولم يكن في الواحة إلا خالد وأهله، لجأ إليها بعد أن سلخ من عمره سبعين عاما قضى ~~شطرا منها في أعمال الحكومة، وشطرا في المتاجر. أما سنو شبابه فقضاها في القصف ~~والغزل. وكان عيشه في هذه الواحة مثال التقشف والزهد، وكان المحيطون به دائمي الإحساس ~~بشيء من الملال، ولولا كتبه ومكتبته لوقع هو الآخر فيما وقعوا فيه، لكنه اعتزلهم إلا ~~عند الحاجة، وعكف على مكتب له من الخشب الأبيض قديم، يغطيه مشمع أخضر عليه بقع شتى من ~~الحبر، فلا يتركه إلا ليسير تحت أشجار النخيل المنتشرة في الواحة يقرأ آونة ويحدق ~~بالسماء الصافية أخرى. # وكان همه الأكبر من قراءته أن يصل إلى عزاء عن الحياة بعد إذ قضى الحياة ضاحكا من ~~الحياة وما فيها، هازئا بالسرور والألم، ساخرا من الأمل واليأس، معظما للرجل محتقرا ~~للجماعة. وطالما ناوأته الهموم كأنما تريده على التكفير عن ذنب فرط منه لا يعرف ما هو ... ~~ثم تراجعه نفسه القديمة القوية الشابة، فيضحك من نفسه العجوز الخائفة من الموت، المحبة ~~للحياة، الطامعة في العيش المهتمة له وقد كانت تعتبره سخرية وهزوا. # فإذا انقضى النهار ولم يدرك غرضه ولم يتعز عن الحياة تسخط واستشاط، ودخل إلى قومه ~~وكله الغيظ. فإذا دنا منه أحد علا غضبه وتطاير في كل صوب شرره، وأسمع الفضاء ms175 المحيط به ~~أنات ألم تقض مضجع من حوله. # وكثيرا ما كان يقول لهم: «غدا أموت ولم أكسب من حياتي شيئا، وتدفنونني وكلكم جذل ~~أن سيرجع إلى حريته، فيترك وحدة الصحراء إلى بهجة المدن، وأبقى أنا هنا وحيدا تحيط ~~بروحي المنفردة أرواح المساء الصامتة، فأكون بينها أشد صمتا ووجلا. وتذهبون أنتم إلى ~~القاهرة وإلى الإسكندرية ترقصون وتطربون، وإذا جن الليل تهيمون. ألا ما أضيع حياتي ~~وما أشد كفرانكم.» فتسكن ثائرته عائشة ابنته ببعض كلمات رقاق ترسل بها كأنها نغمات ~~الكمنجا تسلي العجوز عن بعض همه، فيلمس بيده الناشفة على يد ابنته الشابة اللينة، ~~ويستزيدها ولا هم له إلا أن يسمع رنين صوتها على موجات الهواء. فإذا تخدرت أعصابه ~~بهذه النغمات نادى: «يا باترا» فجاءت الخادمة وهي أرشق ما تكون قواما وأحلى ما تكون ~~نظرة، فوقفت أمامه وبقي هو يحدق بها ويستدنيها منه ... ثم يأخذه بعد ذلك دوار وذهول ~~يستيقظ منه جزعا مناديا ربه، مستغفرا عما سلف، مستعيذا بالآلهة، مستمدا عونهم. ثم ~~يقوم إلى ظل نخلة كبيرة حيث يبقى في شبه الذهول ساعة أو ساعتين. # وكانت عائشة نعم السلوان له في منفاه. وإن الإنسان ليدرك عظيم تضحيتها لأبيها حين يرى ~~إشراق وجهها الطفل الجميل بنور نظراتها المملوءة شبابا وعطفا، وحين ينم قميصها ~~الأبيض الرقيق عن جسمها الخصب وقوامها الممشوق. ويزداد شعورا بعظيم التضحية إذا جلس ~~إليها فسحره حلو حديثها عن نفسه ولعب بفؤاده وعقله. وكم تركت وراءها من ذائب حسرة يوم ~~أعلنت عزمها على اتباع أبيها وهجر المدن ومن فيها. بل لقد تبعها بعض عبادها حتى ~~صدتهم عنها بأن صارحتهم أنها ذاهبة إلى غير عودة، مما بعث إلى نفوسهم اليقين أنهم لن ~~يصلوا إلى يدها. فلما نزلت الواحة ورتبت دارهم فيها اتخذت لباسا للواحة الناسكة ~~أقمصتها البيضاء، فبدت فيها ملكا أرسلته السماء؛ ليبعث الحياة الناضرة إلى جدب ~~الصحراء. # أما «باترا» فكانت فتاة رومية الأصل نشأت في بيت خالد، وماتت أمها في خدمته، فدخل إلى ~~قلبها من حب خالد ومن حب عائشة ما ms176 هون على نفسها الانقطاع عن الناس لهما. وكانت في ~~الحادية والعشرين من عمرها لدنة القد، بارزة النهد، عالية العنق، يونانية الأنف. تنم ~~عيناها الزرقاوان عن رقة وحنان يسبيان. وكان يعينها ويساعد عائشة خادم قديم يبلغ ~~الخمسين؛ ولقد تبعهم لأنه كان موقنا أن لن يجد أسيادا أقل منهم كلفة، كما أنه كان من ~~العجز والكسل على أعظم جانب. # وهؤلاء هم سكان الواحة. ولقد كانوا يحسون فيها بمضاضة العزلة، لولا تشبث خالد بالبقاء ~~بها حتى يموت. ولو أنهم كانوا أكثر عددا لتوزيع الهم عليهم فخف حمله. لكنهم خضعوا ~~أخيرا للقضاء، وخلقوا لأنفسهم عزاء من لا عزاء، وألهمهم حب الحياة جمال الصحراء، أما ~~خالد فظل دائبا على التفكير يريد قبل الموت أن يطمئن إلى ما هو مصيب بعده. # ولم يكن يفاتح في أمره هذا أحدا إلا ما كانت تتبينه عائشة خلال حديثه من شديد لهفه ~~بالإيمان وشوقه إليه. إذ ذاك كانت تجاهد للتخفيف من لوعته ولتقوية ضعفه. لكن مركز الشك ~~عسير يحفه أغلب الأمر الخوف والهلع. والفتاة لا تفهم هذا ولا تستطيع أن تخاف موتا تعجز ~~صورته عن أن تتسرب إلى خيالها الشاب. وما دام خيال الموت بعيدا فالناس لا يرتاعون لما ~~بعد الموت، ولا ينصرفون لشيء انصرافهم لكسب الحاضر وما فيه. وربما أثارت خطوب الحوادث ~~في نفوسهم بعض الضعف أحيانا، ثم سرعان ما ينسون ضعفهم، وسرعان ما تزول آثاره. # وكان من أكبرهم عائشة يومئذ أن تصل لمعرفة دخيلة قلب أبيها. وكم جاهدت تريد أن تقف ~~على الكتب التي كانت تراه دائبا على قراءتها فيحول دون ذلك احتفاظه بها ووضعه إياها في ~~أحرز موضع. وكانت تظن أنها إن وقفت عليها عرفت مسرح أفكاره وأسباب ألمه، فاستطاعت أن ~~تخفف منها وأن تهون على نفسه أمرها. # وأخذها العجب؛ أي سر تحوي هذه الكتب يستطيع أن يفعل هذا الفعل في نفس العجوز الذي ~~كان دائما صديق السرور نصير الفرح؟ أي سم انطبع على صحفها يطير إلى قلبه ويهزه ~~هذا الهز الشنيع. لا بد أن يكون فيها ms177 من دواعي القلق شيء جسيم يكدر صفو راحته إلى ~~الحد الذي ترى! # ودفعها عجبها للبحث عنها والحرص على معرفة ما فيها. فرأت أن تستعين في ذلك بباترا ~~التي كانت تلزم خالدا أكثر أوقات يقظته، وتجد من عطفه ما يسمح لها بالتدلل عليه وطلب ~~كل ما تريد من غير أن تخشى رفضا. وعجيب أن هذا المعذب النفس، التائه اللب، ~~الباحث بكل قواه عما وراء الموت، بقي متعلقا بأشياء من اللهو الذي كان فيه من قبل، ~~وبقي لذلك تعلوه القشعريرة حين تلامس يد باترا الناعمة يده الناشفة، ويحتل وجهه الطرب ~~حين يملس على شعرها الذهبي الأملس. وكأنما كان في الوقت ذاته عظيم الخوف من الموت وما ~~بعده، دائم الحيرة فيما بعد الموت. فهو يريد أن يؤمن حتى يكسب ما بعد الحياة، ويريد أن ~~لا يفوته شيء مما في الحياة مخافة أن تكون الحياة آخر متاعه. # ولم تكن باترا تضن على العجوز بعطفها حين تراه في حاجة إليه، كما كانت تزيد في الدل ~~والتمنع كلما رأت الشباب راجعه وملكه. وبين دل باترا وجمالها الفتان وتحت أثر حديث ~~عائشة العذب الساحر من ناحية، وبين ما في كتبه الداعية إلى الزهد المنادية بدناوة ~~الدنيا وباطل زخرفها من الناحية الأخرى، كان الرجل في أعظم الحيرة والوجل. # استعانت عائشة بباترا فأجابت هذه طلبتها وذهبت إلى خالد، فألفته جالسا إلى ظل نخلة ~~يحيط بها الرمل، قد أرسل إليه ريح المساء رطوبة تزيد لذة الجلوس فوقه، مقفلا كتابه ~~محدقا بالفضاء الهائل أمامه. ويطبق جفونه أحيانا كأنما هو في حلم بعيد عميق. فوقفت ~~إلى جانبه من غير أن تبدي حركة تنبهه بها. وظلت محدقة به وظل محدقا بالفضاء زمنا، ثم ~~حانت منه التفاتة فرآها فطوقت ثغره ابتسامة خفيفة وقال: هأنتذي من جديد يا باترا. ~~هأنتذي يا ملكة الأرض. أين كنت كل هذا الزمن يا عزيزتي؟ لم تركتني هكذا منفردا أتطلب ~~ملكا في الفضاء، فيخيل إلي أنه مملوء بالأرواح والشياطين؟ أنت وحدك الملك وأنت إله ~~هذا المكان. # وفيما كان يتكلم جاهد ms178 حتى قام بأسرع ما تمكنه قواه الذاهبة، ووقف يملس بيده على شعرها ~~المرسل يتلاعب به الهواء. أما هي فوقفت في قميصها الأبيض لا تبدي حركة ولا تشير بطرف ~~كأنها تمثال مصمت بعثت به السماء؛ ليزين قطوب الواحة الحزينة. فلما رآها كذلك غير من ~~حديثه وجعل يلاطفها ويسألها عما أصابها: ما لك يا باترا؟ ماذا يحزنك؟ ... لم لا تجيبين؟ ... ~~ما لك يا عزيزتي؟ ... خبريني. # لم تجب باترا ولم تتحرك ولم يبد عليها من التغير إلا احمرار وجنتيها ودمعتان جالتا ~~بعينيها ورعشة سريعة نمت عن تأثرها لحال خالد. فلما أعيته الحيلة صاح: حدثيني وإلا ~~فاهجريني. # قال هذا وخر إلى الأرض صعقا كأنه بنيان تداعى فقطعت هي صمتها بالبكاء. ثم انهدت ~~إلى الأرض ووضعت رأسها على ركبتها وجعلت تعول كأنها الطفل. فرجع هو يناجيها ويتودد ~~إليها. وبعد لأي أجابت: إنما أتيت إليك طمعا في أن أنال منك الإذن بمغادرتك. لم يبق ~~في قوس صبري منزع. إن ما أراك عليه من كثرة الفكر وسوء الحال يجعلني أشعر في أعماق قلبي ~~بألم لا أطيق احتماله. وإذا لم يكن في عملي هذا ما يجب علي من الاعتراف بجميلك، فقد ~~أبديت لك عذري عنه فسامحني. # كاد الرجل يجن لما سمع، وفي مآقيه الفانية ترقرقرت دمعة انحدرت على خده، ونم كل ~~وجهه عن ألم عميق. ~~- وكذلك تهجرينني يا باترا بعد إذ ربيتك وأحببتك حب الأب لابنته؟ ... ما أتعسني! هل هذا ~~أجري عما سلف؟! كنت أمام عيني ملكة الوجود وملكة حياتي، وكنت أبدا أحبك وأعزك. أفيكون ~~هذا جزائي منك؟ إن كنت قد صممت على الرحيل فأرجوك الانتظار يوما أو يومين علي أقضي ~~نحبي أسى وأرفع عنك وزر الكفر بالنعمة. # قالت الفتاة: ما إنكارا لجميلك يا سيدي أريد أن أهجرك. لكن نفسي تتألم لأقل ما ~~يصيبك. وقد رأيتك دائم الحزن، مكبا عليه، مسلما نفسك له، أضعاف ما أسلمتها من قبل ~~للمسرة. فكأنك تريد أن تجمع في أقصر وقت أكبر حزن لتكون خالي الدين من هموم العالم ~~وملذاته. وحزن كهذا لا ms179 طاقة لفتاة مثلي باحتمال مرآه. # قال خالد: وهل أتيت هذه الساعة لغير شيء إلا أن تخبريني أنك مفارقتنا؟ أحسب أن ثمت ~~سببا آخر. ~~- نعم. وذلك أني أريد أن تكون سعيدا لأقيم معك سعيدة. وأي نفس لا تحب السعادة؟ وأحسب ~~أن في هذه الكتب التي عندك وتخفيها عنا سرا مكنونا هو السم الذي اندس إلى ~~حياتك فأفسدها عليك وعلينا؛ لهذا أريد أن أصل إليها لأطلع سيدتي عائشة عليها. ~~- ما أبلغ خطأكم. هذه كتب لا تنفعكم ولا تضرني. هي ككل الكتب نقرأ ما فيها قطعا ~~للوقت واستعانة على الملال. ولو علمت أنكم تجدون فيها لذة لأعطيتكم إياها. لكنها تزيدكم ~~ملالا وضجرا. وتجعلكم لحياتنا الحاضرة أشد بغضا. # هنا دخلت عائشة وقد سمعت طرف الحديث وعرفت أن باترا قد وصلت للب ما اتفقتا عليه، فرأت ~~أن تشاركها وتتعاون وإياها على انتزاع هذا السلاح الخطر من يد أبيها المسكين. وما كادت ~~تدخل حتى ارتمت إلى أقدامه قائلة: رحمة بنا يا أبت وأسلمنا هذه الكتب! وما دمت تراها لا ~~تنفعنا ولا تضرك فذرنا نشترك معك فيها علنا نجد منها نحن أيضا بعض العزاء عن الوقت ~~وطوله. ورب فتاتين مثل باترا ومثلي تستطيعان بعد ذلك إيصال المسرة إلى نفسك. فاسمح ولك ~~منا أجزل الشكر. ~~- إذا كنتما تلحان إلى هذا الحد فإني مطلعكما عليها جميعا. غير أني لا أرى ما دخل ~~هذه الكتب في سعادتي وفي شقائي. ستجدانها جميعا كتبا قديمة جادت بها خيالات ~~المتكلمين وأبحاث المفكرين في الحياة المستقبلة. # كان الوقت قد أمسى وهبطت كسف الليل تغطي الصحراء وتشتمل الواحة الصغيرة في رداء ~~الظلمة. ففضل خالد أن يقوموا إلى داخل الدار اتقاء طقس الليل وسوء أثره على ~~صحته. # وساروا يتوسط العجوز الفتاتين وهما في اللباس الأبيض ملكان يسريان يحملان على أجنحة ~~من الخيال والوهم هذا الخالد الفاني يريدان نقله من سعير الشك إلى جنة اليقين والشباب. ~~ووجد هو في جوارهما ذكرا حلوا، وسرى إليه من أجسامهما الشابة تيار أنساه شعوره ~~البيضاء وتجاعيد جبينه، وأنساه الكتب والمتكلمين واللاهوت ms180 والناسوت ... وبعد لحظة صامتة ~~قضاها ذاهبا في أحلامه قال في بطء وسكون: ما أحلى هواء هذه الساعة. إنه ليبعث للنفس ~~السرور ويشرح الصدر الحزين. إنه شفاء لكل دواعي الشجن. اقتربي مني يا باترا وضعي يدك في ~~يدي. وأنت كذلك يا عائشة. ادنوا مني وحدثاني. ابعثا بنغمات أصواتكما العذبة على ~~أوتار هذا الهواء الرقيق ما يرسل إلى قلبي العجوز بعض ذكرى الشباب الذاهب. ألا تريان في ~~هذا السكون الصامت المحيط بنا، وفي هذه الرمال الفسيحة الممتدة حولنا، وفي عزلتنا ~~الهادئة المنقطعة ما يؤسي قلبي الكليم أدماه الناس بلؤمهم ونفاقهم. ألا ما أحوجني ~~للوحدة والسكون وللطمأنينة والراحة. تكلما يا فتاتي. # وساد بعد كلام خالد صمت ظل زمنا، ثم قالت عائشة: أتذكر يا أبت موت أمي. ما كان ~~أرقها وأحناها. ~~- نعم عائشة أذكره. ولعله بعض السبب في هجرتي المدن والناس. ألا إن نعمة النسيان ~~لأعظم نعمة. لو بقي قلبي فيما كان فيه من هم يوم فارقتني ومد لي مع ذلك في الحياة إلى ~~اليوم لما رأيتما لعيني دمعة ترقأ، ولظل قلبي دائم الخفقان حتى يصيبه الوقوف الأخير. ~~لكن سير الوقت يأسو الألم وتقادم العهد يبرد اللوعة. هما مرهم الجرح وطبه. هما دواء ~~وشفاء. يقذفان بنا إلى المستقبل ويحجبان عن عيوننا الماضي. وفي هذه اللحظة الذاهبة ~~الباقية التي نسميها الحاضر يتركان لنا الذكرى عزاء وتعلة. نعم أذكر موتها يا ~~عائشة. وموتها هو الذي أخرجني من نعمتي وسعادتي وجعلني أهيم بما بعد الموت. ولو أنها ~~صبرت لنموت معا لبقيت فيما كنت فيه من قبل من سعادة وعماية ... ولكنها ماتت وتركتني ~~فريسة للشك واليأس. وهأنذا اليوم أتقلب على أشواكهما وكلي الأمل في أن يأتيني اليقين. ~~ولعلي أجد فيه ما يردها إلي بعد موتي لنستعيد من جديد ذاهب سعادتنا. # بلغوا الدار ودخل العجوز إلى مخدعه وجلس على سريره. وكأن هواء المساء وجهد الحديث قد ~~أشعراه بالحاجة إلى الراحة والسكون، أو هي ذكرى زوجته في العالم الآخر قد أشعرته الحاجة ~~إلى الوحدة. فأهدى الفتاتين التحية وطلب إليهما أن ms181 يتركاه، ونادى - كعادته - بالخادم ~~حمزة ليكون على مقربة منه الليل كله. فلما كان الصباح ذهب حمزة فأيقظ سيدته عائشة وقال ~~لها: لقد قضى سيدي ليلة مملوءة بالأحلام. وكثيرا ما سمعته في أحلامه يذكر اسم سيدتي ~~المرحومة أمك. ولما تبدت نجمة الصبح من خلال النافذة انقطعت أحلامه، وبقي ساعة ~~مستغرقا في نوم عميق. ثم هزت جسمه رعشة فتح معها عينيه ونادى باسمك. وبعد فترة كرر ~~النداء. فرأيت أن أدعوك إليه. # قامت عائشة من مضجعها وبها أثر الكرى، وليس عليها سوى قميص النوم، فذهبت إلى غرفة ~~أبيها فإذا به في مرقده وعيناه مطبقتان. # فلما كانت إلى جانبه أمسكت بيده ففتح عينيه وحدق بها ثم بالنافذة ثم قال: عمي ~~صباحا يا عائشة. ~~- نعمت يا أبت وسعدت. كيف قضيت ليلتك؟ ~~- قضيتها على ما أحب. قضيتها مع الخيالات الذاهبة وكأنها تناديني إليها. وكم مر بي ~~طيف أمك، وكلما أردت أن أمسك بها انفلتت من يدي ووقفت بعيدا ثم قالت: «تعال إلينا ~~فدارنا أحسن من داركم.» ولكأنني أحس في نفسي شوقا للحاق بها في عالم لم يبق عندي بعد ~~هذه الليلة خيال شك في وجوده ... وأين باترا؟ ~~- إنها لا تزال نائمة مهدودة بعد إذ أضناها بالأمس همك. ~~- ألا تفتحين هذه النافذة لعل نسيم الصباح يبعث لنا ما ينعش الروح ويجدد القوة ~~الذاهبة. ~~- أخشى أن يكون النسيم باردا فلا يكون أثره عليك على ما تحب ... ~~- ذريني من أثره ومما أحب وما لا أحب. لي بقية ضئيلة في هذه الحياة. أفلا أمتع نفسي ~~منها ولو بنسيم الصباح. افتحي. افتحي. # فتحت عائشة النافذة ووقفت لحظة تحدق في الخارج بالنخيل وبالعشب وبرمال الصحراء ~~بعدهما. وتموج النسيم هادئا يدخل الغرفة وينعش جسمها، ويبعث إلى وجناتها وردها. ~~وأرسل قرص الشمس - وهو لا يزال عند الأفق - أشعته على قميصها ألصقه النسيم بها فأظهر ~~خطوط جسمها. وأنعش النور والنسيم خالدا فجلس وحدق بابنته معجبا بتمثال الشباب ~~أمامه. ولفظ اسمها بصوت خافت فتلفتت متمهلة، ونظرت إليه بعيونها الواسعة الدعجاء. ~~فلما ملأ العجوز منها عينه التي ms182 لا تشبع من النظر لكل جميل قال: ألا لا حياة بعد ذهاب ~~الشباب. ~~- وكيف تجد النسيم يا والدي؟ # لم يجب العجوز، فذهبت ابنته إليه وجلست إلى جانبه، وجعلت تجاذبه الحديث. وفيما هما ~~كذلك دخلت باترا وعليها قميص لونه لون السماء وعيونها الزرقاء الطفلة وثغرها الباسم عن ~~لؤلؤ أسنانها وخدودها المتوردة وجبينها الوضاح وكل وجودها ينادي: لنرقص جذلا بمطلع ~~النهار والنور. # وجلس الشيخ والفتاتان زمنا كان فيه مطمئن النفس هادئا. لكنه كان مع ذلك مثقل ~~الرأس لا يبرح النوم يساوره، كأنما قضى ليله في نصب ولغوب. فلما رأت عائشة ذلك منه ~~استأذنته، وانسحبت وتبعتها باترا، وعاد خالد إلى مضجعه، وما لبث أن أطبق الكرى أجفانه ~~من جديد. # وذهبت الفتاتان إلى بعض أزهار غرسها حمزة فجمعتا منها باقة نسقتاها. فلما انقضى ~~ضحى النهار رجعتا إلى الدار جذلتين، ثم دلفتا إلى مخدع الشيخ فإذا هو قد استوى على ~~سريره واتخذ من وسادته متكأ، وتلقاهما بابتسامة مطمئنة. فلما قدمتا له باقة ~~الزهر قال: أعجز عن شكركما على ما صنعتما. لقد أبدعتما طبا لشيخ أجهده الزمان. والآن ~~أبسم معكما ومع هذا النرجس الضاحك والورد البهيج. ألا ما أحلى الزهر يبعث النسيم شذاه ~~فيعطر ما حوله من الأرجاء. وإن طيب الزهر ليضاعف في النفس الحياة ويهز بالسرور القلب ~~والفؤاد. # قالت عائشة: لعل ما نلته من سنة قد عوض عليك أرق ليلك يا أبي. # قال خالد: ما أرقت يا ابنتي طول ليلي. وهل يأرق من يصحبه أحبة أهل شبابه؟ على أني كنت ~~بهذه السنة أسعد حظا. والآن فإليك مفتاح صندوق الكتب. اصنعي بها ما شئت. لم يبق لي ~~بها من حاجة. مثل الذين يبتغون الإيمان طي الكتب كالذين يبتغون السعادة عند الناس. ~~إيماننا كسعادتنا في أنفسنا. هما في هذا الماضي الذي يزعمون أنه لن يعود وهو عائد لا ~~محالة. إن الذين يموتون قبلنا ينتظروننا. ولقد جلست طوال هذه السنة إلى أمك وإلى أم ~~باترا. ما أحلاهما في ثياب الآخرة. خلع عليهما شباب ذلك العالم المنير جمالا ليس ms183 يعدله ~~جمال. وهل في الآخرة غير الشباب وجماله؟ وهل يفنى الشباب على هذه الأرض إلا ليتجدد ~~هناك. هذا ما رأيته معهما رأي العين. فأما هذه الكتب وما فيها فأوهام من لا يعرف من ~~الحقيقة شيئا. # قال العجوز هذا القول ثم أضاء وجهه نور لألاء بهر الفتاتين. ذلك هو الإيمان الذي دخل ~~إلى قلبه. ومن يومئذ برئ من الاضطراب ومن نوباته، وانتشر في أرجاء نفسه سرور راض ~~مطمئن، وظل ينتظر اليوم الذي يعود فيه إلى شباب الآخرة بعد أن ودع شباب الدنيا موقنا ~~أن قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. # وعكف على العبادة، وتوجه بكل قلبه لله ذي الجلال. وفيما هو يوما في صلاته دخلت عليه ~~عائشة فألفته خاشعا تجود عيناه بالدمع. فلما سلم واستغفر التفت إليها فرآها دهشة ~~فقال: لا عليك يا ابنتي. إنها دموع التوبة والمغفرة. وهي أشهى لذائذ الحياة. هي طهر ~~الضمير ولين النفس القاسية. وهي ترياق آثامنا جميعا. معها تسيل الذنوب التي كانت عالقة ~~بنا تؤلمنا وتعذبنا، وتنجاب الظلمات التي كانت تغشي على بصائرنا فتحجب عنا نور الله ~~وحياته، فافرحي يا فتاة لهذه الدموع ولا تحزني. # وسكت الرجل هنيهة وهو في مجلسه على مصلاه. ثم أشرق جبينه واستنار ما حوله، ورأت ~~عائشة كأن ملائكة الرحمة ترفرف عليه بأجنحة من ضياء. ولم تك إلا لحظة حتى مال إلى ~~جنبه الأيمن. فأسرعت ابنته إليه وأعانته حتى استوى على ظهره. وبصرت به فإذا هو قد رفع ~~سبابته اليمنى، وهمست شفاهه بكلمة التوحيد وأغمض عينيه. ~~••• # وبكت عائشة وباترا، ثم أعانهم حمزة على غسله وتكفينه ودفنه. وهو لا يزال إلى اليوم في ~~واحته يزوره الصالحون. فأما الفتاتان فعادتا بعد ذلك إلى القاهرة وإلى الإسكندرية ~~تضحكان وتطربان، وإذا جن الليل تهيمان. وطلقتا الكتب على أمل أن تلهما الإيمان ساعة ~~الموت، فيضيء النور وجههما وتموتان قديستين. # | انتقام من الجمود # انعقدت المحكمة لجلسة الجنايات، ونظرت في عدة قضايا صغيرة حكمت في بعضها وأجلت ~~البعض الآخر لاستيفاء التحقيق. ثم جاء دور آخر ms184 قضية في الجلسة. # ظهرت إذ ذاك في صندوق المتهمين فتاة في الثامنة عشرة من عمرها، تظهر من فوق برقعها ~~عيون نجل قد قوست فوقها حواجب بديعة، وتجتلي العين من خلال هذا الحجاب الشفاف أنفا ~~حادا وشفاها رقاقا. وانسدلت من رأسها على ذراعيها حبرتها اللامعة - جاءت بخطوات ~~ثابتة فدخلت وراء الحديد وجلست، فحولت نظرها إلى جهة غرفة المداولة حتى تتقي بذلك أنظار ~~الناس التي اتجهت إليها. # سألها القاضي عن اسمها وسنها وعما لو كانت ارتكبت الجريمة المنسوبة إليها من قتل عبد ~~العزيز حسنين. فأجابت عن ذلك إيجابا. وحينئذ أخذت النيابة تسرد الوقائع والأقوال. ~~واستنادا إلى ذلك وإلى اعتراف المتهمة طلبت من المحكمة أن تطبق على الست عائشة أحمد ~~مادة القتل مع سبق الإصرار. # قام المدافع عن عائشة بعد ذلك فجعل يشرح موقفها والظروف التي أحاطت بها، وطلب من ~~المحكمة أن تبرأ موكلته وأن تراعي كل هذه الظروف المخففة، وأضاف: «والرحمة فوق ~~العدل.» # في كل هاته الأثناء كانت الفتاة وراء الحديد ثابتة النظرات، لا يظهر عليها جزع ولا ~~تهزها الأقوال ولا يأخذها التأثر. ومن حين إلى حين كان يبين عليها أنها غائبة عن كل ما ~~يدور في الجلسة فتحدق بالسقف وتستسلم لشيء يهجس في نفسها. وأخيرا سألها القاضي السؤال ~~الذي يلقيه على كل متهم ليستكمل رسميات الدعوى: إن كان عندها أقوال تدافع بها عن ~~نفسها. # وقفت عائشة فألقت فوق أكتافها حبرتها، وحسرت عن وجهها برقعها وقالت: إنني يا سيدي ~~القاضي أريد أن أدافع عن نفسي لا حبا في الحياة والبقاء، فإنني ارتكبت جريمتي التي ~~اعترفت وأعترف بها لأجعلها مقدمة لموتي أنا الأخرى بعد إذ سئمت العيش، واستولى علي ~~التقزز من الناس. ~~... من سنة مضت عرفت عبد العزيز حسنين؛ لأننا كنا نسكن في بيت واحد، وكان يصادفني ~~كثيرا خارجة من البيت أو داخلة إليه، فيفسح لي الطريق ويبسم لي أحيانا. وبعد أن ~~تعود كل واحد منا رؤية صاحبه كنت أرد له التحيات التي يقدمها لي. ثم جعلنا إذا سرنا ~~في طريق نسير جنبا ms185 لجنب ونتحادث كما يتحادث صديقان حقيقة، فإذا ما افترقنا تهادينا ~~التحية وذهب كل منا إلى حيث يريد. # أعجبتني منه يومئذ صراحته في القول مع شديد أدبه واحترامه لمخاطبه. وأدخل إلى نفسي ~~الثقة به أنه كان يصرح لي أحيانا بما يحصل له وما يدور في نفسه. وصرت أنا الأخرى أسر ~~إليه ما لا أطلع عليه أهلي الأقربين. # اتفق مرة أن سافر أبواي إلى الريف وخرج إخوتي في صبيحة الجمعة على أن لا يعودا إلا في ~~المساء، وبقي البيت لا يؤنسني فيه إلا الخادمة المشتغلة بتدبير أمرنا. فقلت: أخرج أنا ~~الأخرى لعلي أجد في الشوارع وفي زجاج الدكاكين ما أصرف فيه قسما من وقتي. ونزلت فإذا ~~عبد العزيز عند الباب واقفا وعليه أثر الحيرة. فلما تهادينا تحيات الصباح وسألته عن ~~أمره أخبرني أنه يريد أن يخرج ولكن لا يعرف إلى أين. وما كاد يعلم أني في الموقف عينه ~~حتى سألني إذا كنت لا أجد غضاضة في أن يصحبني إلى حديقة الجزيرة. # كنا إذ ذاك في أوائل الربيع والأشجار يملأ عطر أزهارها كل الأماكن الخلوية. فأجبته ~~إلى ما طلب ونفسي ملأى بالسرور. كما أن حلاوة حديثه وجمال نفسه جعلاني أصحبه وكلي ~~ابتهاج وبشر. # دخلنا الحديقة وجعلنا نطوف في طرقاتها، وبإحساس لم أفهمه وأحسبه هو الآخر لم يفهمه ~~جعلنا نقصد الأطراف الخالية من جوانبها حتى وصلنا في ركن بعيد إلى شجرة كبيرة امتد ظلها ~~على الحشيش تحتها. ومن خلال سور الحديقة جعلنا نرقب العربات القليلة التي تمر في ~~الشارع، ونحد بصرنا أحيانا فيقع على زجاج النوافذ القائمة على الضفة المقابلة من ~~النهر وقد ألهبه شعاع الشمس نورا. # وندير رأسنا فتتقابل نظراتنا فأحس كأن في عينيه معنى لم أكن أعرفه من قبل أو كأنهما ~~تكنان سحرا، نفذ به إلى قلبي - وكأنه أحس هو الآخر بمثل ما أحسست فلم نتبادل كلمة، بل ~~قمنا ساعة رأينا الشمس تنحدر وراء الأشجار، فرجعنا إلى دارنا وافترقنا عند بابها إذ ذهب ~~هو لبعض أمره. # من ذلك اليوم تغيرت معرفتنا الأولى، ms186 ومن ذلك اليوم جاهدت أن لا أراه، وجعل هو الآخر ~~يتجنب ما استطاع مقابلتي. # مر بعد ذلك زمن ولم نتقابل فيه إلا مرة واحدة على السلم ولم نتبادل تحية ولا ~~كلمة. # ثم رأيت أمي تحوم في كلامها معي حول موضوع زواجي بشخص لا أرى ضرورة لتسميته الآن، وكل ~~ما أقوله عنه أني لم أعرفه ولم أره من قبل، ولكن تبين لي من إلحاح أمي أن لأبي مصلحة ~~في هذا الزواج. فعملت جهدي حتى تعرفت بعض أمره فإذا هو شخص أرى عارا أن ينتسب أبنائي ~~له. وصرت كلما ألحت أمي ازددت منه اشمئزازا. فلما رأيت أن قد كاد يقرر أبي أمر ~~زواجي به نهائيا بلغ بي اليأس أقصى حدوده. # حينذاك أخذت بنفسي رغبة شديدة متحكمة أن أرى عبد العزيز بعد ثلاثة أشهر من زمن ~~التهاجر بين شخصينا، وإن لم يغب عن بالي يوما ذكره. # كنت أعلم أنه ساعة الظهر يتناول طعام الغداء في الدار وحده. فصممت على أن أنزل ~~إليه في تلك الساعة أندب له حظي علي أجد في كلمة منه عزاء. وزادني تمسكا بعزمي أني ~~ساعة خرجت من باب مسكننا رأيت خادمه نازلا ليشتري لا شك بعض الشيء مما يخص البيت. ~~لكنني شعرت بقشعريرة لبستني ساعة وقفت على بابهم، ولم أستطع حراكا. فلما عاودني سكوني ~~ترددت في أن أدخل أو أرجع أدراجي. ففيما أنا في ترددي انفتح الباب وظهر أمامي عبد ~~العزيز. # عرتني رعشة من جديد، وتولاني خجل شديد. لكني لم أستطع أن أمنع نفسي عن أن ألقي بكلي ~~بين يديه باكية منتحبة. # فأقفل الباب وأخذني إلى غرفته وأجلسني إلى جانبه، وجعل يلاطفني حتى هدأ روعي فرفعت ~~رأسي أنظر إليه فإذا عيناه هو الآخر مغرورقتان بالدموع، وأردت أن أقوم فإذا هو ممسك ~~بيدي مسكة لا أنسى أثرها ساعة أحسست بها حتى أموت. # قصصت عليه قصتي؛ فجعل يهدئ من نفسي ويقول لي: إن ذلك الشخص الذي يريده أبواي متى ~~تزوج صار شخصا عاقلا. لكني لم أقتنع، ورأيت من عينيه أنه يقول ms187 غير ما في ~~قلبه. # تعددت مقابلاتنا بعد ذلك، وكل مرة أبث له ويبث لي من كامن ما في نفسينا حتى جاءت ~~الساعة التي صار زواجي فيها بهذا الشخص أمرا محتوما. هنالك انهدمت صروح نفسي، ورحت ~~لعبد العزيز أكرر له الشكوى ، وأبكي بكاء الطفل؛ فضمني إلى صدره وقال: هل تقبلين يا ~~عائشة أن تكوني زوجا لي؟ # وما كاد ينطق بكلمته حتى تركت نفسي بين يديه ولا أدري بأي لسان أشكره. وتركت له من ~~تلك الساعة تصريف عناني. # وكنت أعتقد أن الزواج الرسمي بالمأذون والشهود كل قيمته أنه يذيع أمر الصلة بين شخصين ~~صلة صمما إذاعتها فيما بعد؛ لذلك عددت نفسي من تلك الساعة زوجا لعبد العزيز، وأضفت ~~إلى حبي الأول حبا جديدا، وأسلمته حياتي وحريتي وشرفي، كما اعتقدت أني أخذت منه ~~مقدار ما أعطيته من نفسي. وجاهدت بعد ذلك حتى أنزلت أبوي عن رأيهما، وطلبت إليه أن ~~نعلن صلتنا للناس فنقيم عقد الزواج. # سافر فأخبر أبويه بما يريد. وأراد أن يقنعهما فوقفا في وجهه وأبيا عليه غرضه. فلما ~~رجع إلي وبلغني ذلك قلت له: إنني يا عبد العزيز راضية أن أكون معك في أي عيش ترضاه. ~~أنا زوجك وأنت زوجي؛ فإذا لم يقبل أبواك ذلك فإنا نعلنه بالرغم من كل شيء أو نبقيه حتى ~~يرضيا. ثم تركته بعد ذلك يفكر في أمره. # لكن ما هدده به أبواه من اجتنابه والانفصال عنه أخافه وراعه. ورأيته ابتدأ يتردد في ~~أن نتم هذا العقد. وكلما تعاقبت الأيام ظهر عليه أثر التصميم على ذلك، وإن بان لي من ~~نحوله وتعبه أنه يجاهد نفسه. وفي اليوم الذي تيقنت فيه أني حامل جاءتني منه ورقة يخبرني ~~فيها أنه مع شديد الأسف مضطر لقطع كل علائقه معي. # هنا ضاع رشدي وفقدت صوابي. تلفت حولي فإذا الجمعية بقوانينها تركتني أنوء تحت أحمال ~~العار والألم، في حين يتمتع شريكي بحريته وشرفه. وهذا الموجود الحي الذي أحمله في ~~أحشائي سيخرج يوما على الأرض فلا يعرف الناس له أبا. وحيث سرت يرمقني ms188 أمثاله بعين ~~الاحتقار والامتهان. # لم أجرم في كل ما عملت ولم آت ذنبا. ومع براءتي سبب لي عبد العزيز كل هذه ~~المصائب. # حينذاك انقلب كل حب في نفسي له بغضا، وصممت على الانتقام بعزيمة صممت بها من قبل ~~على أن أعيش معه. وبعد هذا التصميم بأسبوع قتلته. وإنما انتقمت في شخصه من جمود ~~الآباء. # ها ما عندي قلته وخففت بذلك عن نفسي أثقالا أحملها. وفي أيديكم يا سيدي القاضي حياتي ~~فاحكموا فيها ... # ثم خلت المحكمة للمداولة وأجلت النطق بالحكم أسبوعا. # | تذكارات الطفولة (1) # في الكتاب # ما أنس لا أنس يوم العلقة المليحة. أذكرها اليوم وقد مضت عليها سنون فتعروني هزة ~~الخوف. كنا إذ ذاك يوم السوق، وكان من عادتي أن أحضر لسيدنا نصف بريزة من أبي كل سوق. ~~فلما أصبحنا ذلك اليوم وأردت مقابلة والدي علمت أنه نائم. فألححت وبكيت وصحت وصرخت حتى ~~استيقظ من شدة ما أحدثت من الجلبة. فخرج يسأل عن الأمر؛ فلما علمه غضب مني وأمسك بأذني ~~وضربني كفا، وطردني ولم يعطني حتى ولا قرش السوق. فذهبت إلى الكتاب بعد إذ كفكفت ~~أمي دمعي وأعطتني قطعة من السكر لتسكتني. ولما وصلت نظر سيدنا إلي نظرة الآمل. ولكنما ~~خيب كل ظنونه أني لم أضع يدي في جيبي. فتعلل وسأل عن سبب تأخري. ولما أخبرته استشاط ~~غضبا؛ لأنه كان ناويا - كما علمت فيما بعد - أن يشتري بردعة لحمارته من السوق. ~~وأنذرني إن لم أحفظ لوحي قبل الإفطار أوراني شغلي. وفعلا لم أحفظ لضيق الوقت. فنادى ~~بعلج من أولاد المكتب، فدنا إلي وقرص بيديه رجلي فوق كتفه، وأمسك سيدنا بعصا من جريد ~~وقام على أطراف أظافره ونزل ضربا. ~~- آه! ... أنا في عرضك يا سيدنا. أنا في طولك يا سيدنا. وحياة أبوك يا سيدنا ... لكن ذلك ~~كله لا ينفع. لقد أضعت عليه أمله، ولم يعد قادرا على أن يشتري البردعة. وهذا العلج ~~العنيف ممسك بكل قوته. والأولاد من حولي كلهم ينظرون إلي ولا تدمع لهم عين رحمة بي. ~~ورأسي مطروح على الأرض ms189 أقلبه من شدة الألم فينال التراب وجهي. وبقيت كذلك حتى مر ~~رجل بالباب، فدخل وشفع في وقبل سيدنا الشفاعة عن ذنبي. # ذهبت إلى الدار باكيا، وسألني أبي عن سبب بكاي فأخبرته. فلما رجعنا بعد الإفطار رأيت ~~عيون سيدنا لا تزال حمراء من الغيظ، ورأيت الأولاد ينظرون إلي باسمين ابتسامة ~~الشماتة. ما أقسى قلب الإنسان وما أشده سوادا! وجاري العزيز الذي يخرج معي كل يوم لصيد ~~السمك يقول لي: «أكلت المليحة يا عم. علشان ما تبقاش تخطف الزق.» سبب جديد جعلني أستحق ~~في نظره هذا العقاب. ولا بد أن يكون هناك سبب مثله عند كل واحد من الآخرين. # ومضى زمن ونحن جلوس (نحفظ) الماضي. ثم إذا أبي جاء وعليه مظهر الغضب، فخفت أن يكن ذلك ~~لعقاب سيحل بي. لكنه ما كاد يقف حتى قال لسيدنا كلمات جعلته يرتجف. وزاد أبي في ~~القول. فلما رأيت ذلك علمت أنه قد حل بي هوان كبير، وعزت علي نفسي فبكيت. ثم إذا جاري ~~بكى. # وخرج أبي فسمعت هزة في المكتب معناها انتصار الجماعة على الفرد. ونظر الكل إلى الفقيه ~~نظرة حقد وكراهية، وكأنما تذكر كل منهم يوما كان له مثل يومي أو أشد. وأصبحت أنا وقد ~~اعتقدوا انتصاري موضع الاحترام منهم جميعا. # ولما خرجنا ساعة الظهر للغداء التفوا حولي، وجعلوا يظهرون من عطفهم علي، وحنقهم ~~على سيدنا ما أنساني لؤمهم ونظراتهم المملوءة ازدراء وتحقيرا. # هذه روح الجماعات. يعبدون من غلب ما دام فوزه باقيا. فإذا ساء طالعه وفاز عليه غيره ~~التفوا حول الفائز الجديد وقدسوه. وهكذا يبقون ما دام فائزا. # ورجعنا اليوم التالي ورجع سيدنا. وكان معي رغيفان مخبوزان لا تزال رائحتهما من أزكى ~~ما ينعش الأنف. فناداني إليه وعاتبني بلطف، وبلطف تناول مني رغيفا. ولما تركته التف ~~حولي الأولاد يملقونني، وتلهى عنهم الفقيه بتناول الرغيف. ومضى الوقت ولم أحفظ لوحي، ~~فجعل هو يقرؤه أمامي على سبيل تذكيري، وأخيرا قرر أني حافظ كأحسن ما يريد. وقمت ~~منتصرا. # وأنساني لطف اليوم ما كان منه بالأمس، وتوسلت ms190 لأبي يوم السوق الذي جاء بعد ذلك، فدفع ~~لي نصف البريزة دفعتها لسيدنا. # | تذكارات الطفولة (2) # زيارة المفتش # كنت أيامها تلميذا في السنة الأولى الابتدائية في مدرسة ... وكان ... مفتشا في نظارة ~~المعارف. وكان درجي موضوعا على مقربة من الحائط. وفي الحائط منور مرتفع يطل على حارة ~~وراء المدرسة. وكنا في الحصة الأخيرة وعندنا الشيخ ... معلم القرآن. # البعيد عن العين بعيد عن الخاطر؛ لهذا كثيرا ما نفعني بعد درجي عن كرسي المعلم؛ ~~لأنه أبعدني بذلك بعض الشيء عن عصاه، وخصوصا عن عصا الشيخ ... معلم القرآن والخط ~~والمطالعة. فكم كان يدور على الذين عنده! وكم كانت تنال رقابهم وأيديهم عصاه الرفيعة ~~الشنيعة! بل كم نالتني أنا أيضا وكم استثارت مني أنات وآهات صامتة يكظمها في صدري ~~الخوف من المزيد. # كنا في الحصة الأخيرة وعندنا الشيخ معلم القرآن. وبينما نحن نعد اللحظات الباقية على ~~فكاكنا من أسر الدرس والمدرسة، إذا المفتش دخل يتبعه الناظر وهو يسير وراءه مطأطئ ~~الرأس، فقمنا جميعا ورفعنا أيدينا إلى جباهنا علامة الاحترام والخضوع، وبقينا كذلك وقد ~~ثبتت عيوننا إلى جهة الخواجة المفتش وإلى جهة الناظر. # ولما رأينا ما هو عليه من سوء الحال اضطربت مفاصلنا، وارتعشت أرجلنا وارتعدت فرائصنا. ~~ونظرت إلى المعلم فإذا لونه قد غاض ودمه قد هرب ولا يكاد يمسك نفسه واقفا إلا رغما. ~~وأجال المفتش في الغرفة نظرات مملوءة سطوة وشدة. ثم أمرنا بالجلوس فقعدنا وصففنا أيدينا ~~على صدورنا، ولما كانت يداي ملوثتين بالحبر جاهدت لأسترهما حتى لا يبين شيء ~~منهما. # وبعد برهة سار المفتش بخطى واسعة حتى وصل إلى درجي، ثم صعد فوقه ووضع يده على أرضية ~~المنور واستردها فإذا عليها تراب. هناك وضع أصابعه الملوثة على مقربة من عين الناظر ~~ورمقه بشيء من الاستهانة والاحتقار. وتأهب للخروج فقمنا من جديد وأخذنا التعظيم اللازم. ~~وتبعه الناظر مطأطئا رأسه صغيرا. ورجع الفراش مبشرا المعلم بأن المفتش خرج مباشرة ~~وركب في العربة التي جاءت به وسار. فجاء الشيخ عندي وتخيل المفتش الواقف وما جاء به ~~من التراب، ms191 وخيل له أني أنا المسئول عن ذلك فابتدأ يشتمني. وأخيرا طلب إلي أن أريه ~~يدي. فلما رآهما ملوثتين هرول إلى درجه، واستخرج منه العصا التي كان خبأها حال وجود ~~المفتش ونزل علي بها ضربا ينال أكتافي وظهري ورأسي من غير حساب. فلما بلغ بي الألم ~~أشده صحت باكيا منتحبا. وصادف ذلك مرور الناظر فدخل على الصياح، وأخذته الشفقة حين ~~رآني والتلاميذ من حولي في هرج خفي يتغامزون. # ولما وقف الشيخ حين دخول الناظر حركة الضرب، ووقف التلاميذ احتراما، ورفعوا أيديهم ~~إلى جباههم، رفعت أنا الآخر يدي إلى جبيني وأديت كل الرسوم اللازمة بالرغم من دموعي. ~~فجاء إلي الناظر وبحركة لطيفة أخرجني من أمام درجي وملس على أكتافي، وكفكف عبرتي، ~~وطلب إلي أن أكف عن البكاء، ولا أنسى نظرات اللوم والتأنيب التي توجه بها إلى ~~الشيخ. وكأنه أحس معي بمرارة الإهانة على النفس، سواء كان صاحبها طفلا أو رجلا؛ فعز ~~عليه أن أهان. # وسارت الأيام بعد ذلك والمفتشون يتعاقب مجيئهم للمدرسة، ولكن لا يعبأون بالصعود فوق ~~درجي؛ لهذا لم يبق من سبب جدي يحمل الشيخ معلم القرآن على ضربي. وكأنه حين نظر إليه ~~الناظر معنفا شعر بفظاعة جرمه الأول، وربما أراد أن يكفر عنه بالخروج على طبيعته ~~الفظة ومعاملة الأولاد باللطف والحسنى. # في هذه السنة حيث كثرت زيارات المفتشين أذكر أن النتيجة العامة للمدرسة كانت أقل ~~جمالا منها في السنين التي قبلها، واتخذت النظارة هذا سببا لنقل الناظر إلى وظيفة ~~مدرس بمدرسة أخرى مدعية عليه الإهمال، وإن كان هو بعينه الذي شكرته قبل ذلك مرات على ~~حسن النتيجة. # | ساعة واحدة # مع جثة محبوب ذاهب # توفيت حسناء في الثامنة عشرة تحت يد الطبيب حينما كان يقاسي معها آلام استخراج الجنين ~~من الرحم. توفيت ولم يعرف المرض إليها سبيلا إلا سويعات من زمان. وقد كانت غريبة عن ~~الديار ليس معها في منزلها إلا أمها وخادمة صغيرة في السن وزوج نصف. وتوفيت مقتبل الليل ~~فلم يعرف أحد من أهل المنازل المجاورة شيئا من أمرها ms192 ساعة الوفاة. وكلما استطاعه الزوج ~~أن يجيء بقارئة تقرأ القرآن؛ لتشيع بآيه الطاهرة تلك الروح الشابة في هجرتها إلى ~~السماء. # وقد لزمتها أمها من شهرين تنتظر معها أن يحبوها القدر حفيدا أو حفيدة تمد من أملها ~~في الحياة، وتحقق لها ما تطمع فيه من خلود. وهي كل تلك المدة تعد الأيام والساعات التي ~~تقرب منها هذا الأمل، وترتب في خيالها القبلات التي تلقى بها المولود المحبوب ساعة ~~تنسمه طيب الحياة. وما كانت تحسب الزمان من الغدر والقدر من القسوة؛ ليقضيا على كل ~~أطماعها ويخيبا كل أملها ثم ليقتطفا من بين أحضانها زهرتها اليانعة وملاك حياتها: ~~ابنتها المحبوبة. # ولكنهما كانا أقسى مما تظن. فقد بقيت حسناء ممتعة بكل صحتها إلى يوم حسبت أمها أن ~~أملها قد تحقق. وفي ذلك اليوم فقط - في تلك الساعة الرهيبة الرغيبة - انتفض الزمن في ~~وجهها كاشرا عن نابه، فتلوت فتاتها أمامها ترسل صيحات الرعب والألم. وبادر الطبيب ~~الفتاة فطمأنها فسكتت واستسلمت له ووقفت أمها إلى جانبه تنظر إلى فتاتها وإلى الحفيد ~~المرغوب نظرات خوف ورجاء، وتشجع بألفاظ مضطربة تلك الزهرة المشرفة على الذبول. لكن هذا ~~الإحساس الإنساني بما سيكون جعل الابنة كلما أرادت أمها تركها لمساعدة الطبيب، تمسك بها ~~منادية نداء الطفل المروع: لا تتركيني يا أماه! # ونزل الطبيب كاسف الظن يتعثر في أذياله تاركا الفتاة ووليدها، وقد كان يود لهما ~~الحياة؛ فأبى القدر إلا إيرادهما موارد الحتف. وأسلمت الفتاة الروح قبل أن تدب روح ~~الحياة في جسم الوليد. هنالك شقت الأم جيبها وصاحت: وا بنتاه!! ثم خرت إلى الأرض ~~منهدة وقد جمدت الدمعة في عينها. وجاءت قارئة القرآن وبقيت مع الأم ترتل لها آي الذكر ~~ساعة وتجاهد لعزائها ساعة أخرى. فلما أذن نذير الصباح نزلت القارئة، وتركت الأم وحيدة ~~مع جثة ابنتها الهامدة. # في سكون الليل. في ذلك الصمت المطلق المهوب، وفي هذه الوحدة المخوفة المرعبة، بقيت ~~الأم وحيدة في غرفة الموت وأمامها جثة ابنتها هامدة باردة، وقد ملك عليها اليأس السبيل. ~~وكلما أخرجها الحزن ms193 عن طوقها نادت: يا حسناء، وكررت النداء. فيموت صوتها مختنقا في ~~هواء الغرفة المملوء بآي الموت وأعلامه. ثم إذا خانها الصوت رفعت الغطاء عن وجه ابنتها ~~وانحنت فوقه تملأ جوانبه قبلا. ويغلبها الهم بعد ذلك فتخر إلى جانب الجثة وتضمها ~~إليها، كأنما تريد أن ترسل فيها من حياتها ما يعيدها إلى الحياة. # أذن مؤذن الفجر مناديا: الله أكبر. ولطالما حنت الأم المفجوعة إلى سماع هذا النداء ~~يحيي من قلبها المملوء بالإيمان والتقوى ما ينطق لسانها. الله أعظم. الله أعظم. لكنها ~~في هذه المرة وجمت لسماعه، واعتراها أمام صيحات المؤذن ذهول ورعشة ... الله أكبر ... هو هذا ~~الإله الكبير العظيم الذي اختطف ابنتي في أول شبابها وريعان قوتها وما جنت ذنبا ولا ~~أتت إثما ... الله أكبر ... أكذلك ينقل بنو آدم من الحياة إلى الموت غدرا وغيلة؟!. ~~أكذلك تختطف البنت من حضن أمها في ساعة كانت تود البنت أن تكون أما هي الأخرى؟! أين ~~أنت يا عدالة السماء؟ أين أنت يا عدالة الرحمن؟ أين أنت يا حسناء؟ أين أنت يا ابنتي يا ~~حبيبتي؟! ما قيمة الحياة والموت متربص يخطف الناس خطفا؟! # وفي كل هذه الساعات المؤلمة المفجعة لم تنزل من عيون الأم دمعة تهدئ بعض الشيء من ~~حزنها ولوعتها. وكلما خرج بها الحزن عن طوقها أمسكت بيدها يد المائتة، وانحنت فقبلت ~~جبينها وصدغها وثغرها. # وأخيرا، بعد زمن طويل، سويعة مستبشر ودهر محزون، بهت زجاج النافذة وابتدأت أشعة ~~النهار تنسل إلى الغرفة الصامتة؛ فخفت نور المصباح وانتشرت في جو المكان خيوط الضوء، ~~خيوط اليأس والأمل. وتبينت السماء. فلما وقع عليها نظر الأم ردته إلى ابنتها ثم ردته ~~إلى السماء وهمست: ما أقسى الموت! إن هذا حرام، ثم ارتمت إلى الأرض مهدودة، وأسبلت ~~عينها تود لو تختلط روحها بروح ابنتها الذاهبة. # لكنها ما لبثت أن حدقت بنظرها من جديد إلى الوجه الشاحب أذبله الموت، وقد كان من ~~ساعات يتلألأ بنور الحياة. حدقت به حتى لا تترك لحظة من اللحظات الباقية على الفراق ~~الأخير من غير ms194 أن تكون مع ابنتها ولابنتها. حدقت بعيون ثابتة جامدة، كأنما امتلأت موتا ~~هي الأخرى. وفي كل هذه الساعات الطويلة لم تنزل من عينها دمعة واحدة. # وأخيرا فتح الباب، ودخلت إحدى قريباتها صارخة نادبة، ثم لم تكن إلا لحظة حتى امتلأ ~~المكان وحتى أفرجت الدموع شيئا من كربة الأم المصابة. # وإلى اليوم لا تزال الأم المملوءة القلب بالإيمان والتقوى جامدة العين ذابلة اللب ~~مشردة الخاطر، تشتملها سحابة من حزن أليم لا تسعده دمعة ولا ينجع فيها عزاء، وكلما أراد ~~أهلها وأصحابها أن يجيئوا لها بمن يرد دينها الذي خرجت منه حين شقت جيبها تتداولها ~~التقوى والذكرى، فتنهزم الأولى أمام الأخرى، وترفض الحزينة ما يريدون. # هل لمثل هذه الأم في الحياة عزاء؟! ... # | حديث شباب # كانت الساعة العاشرة صباحا حين فتحت عائشة عينيها بعد نومها الطويل. فرفعت جفنها ~~بالقدر الذي يسمح لها أن ترى النور من خلال ستار النافذة. ثم أمالت رأسها وفتحت ذراعيها ~~متمطية متثائبة حين تميزت خيطا من شعاع الشمس، ينعكس في المرآة وعلى سريرها. وقامت بعد ~~ذلك متكئة على المخدة تنظر بعيون وسنى لكل ما أمامها. وظلت كذلك حتى نبهتها ~~الخادمة بدخولها. فلما علمت أن ستها قد استيقظت بادرت فناولتها رسالة وقالت: سيدي ~~أعطاني الجواب ده علشان ستي. # فأخذت عائشة بيد فاترة وأمرتها أن تفتح أبعد ستار عنها. ثم فضت الرسالة، فإذا هي ~~ممضاة من صديقتها نفيسة، وإذا فيها: # عزيزتي عائشة # من يوم سافرت من مصر ودخلت البيت هنا لم أخرج إلا مرة واحدة رغما عما كنت ~~أؤمل من أن أجد حرية أوسع تسمح لي أن أمرح في الهواء والفضاء؛ ولهذا قد بدأت ~~أمل الريف وسكنى الريف مع ما أجد من وداعة الناس الذين أعيش بينهم والفلاحات ~~اللاتي يترددن علي من وقت لآخر. فكل ما رضي به عمي أن أصحبه مرة إلى جرن قريب ~~منا، وأن نبقى فيه معا حتى منتصف الليل. وهي هاته المرة التي تجعلني أتردد في ~~التصميم على الرجوع لمصر ثانيا، أو أن أبقى هنا أسبوعا آخر، ms195 عل المصادفة ~~تحقق أملي وأخرج مرة أخرى ولو إلى هذا الجرن القريب. # ولقد كانت أكبر آمالي في هذه المرة الأولى التي خرجت فيها أن أجدك إلى جانبي؛ ~~لنتمتع معا بما كنت أشاهد. وأما الذي أود أن يكون معي في المرة الثانية، فهو ~~شخص لا أعرفه ولكني أتمثله أمامي في كل ساعة من ساعات وحدتي وخلوتي. # إنني أريد أن أشركك معي في السرور الذي نالني من وراء هذه الفسحة الصغيرة. ~~غير أني آسف لعدم استطاعتي أن أصل مهما جاهدت إلا إلى قليل لا يكاد يذكر مما ~~رأيت. وعلى كل حال فأحسب من واجبي أن أقول لك كل شيء كما اتفقنا ليلة ~~سفري. # خرجنا بعد العشاء فإذا السماء منثورة فيها النجوم ولا بدر بينها، تلبس الجو ~~رداء من الليل والظلمة، وتدعنا نجد الصعوبة في تلمس الطريق، خصوصا أنا التي ~~لم أعتد هذه الأماكن ولا مشت قدماي في هاته السكك من زمان طويل مضى. ولكن عمي ~~لم يجد وقتا أنسب من هذا لنخرج فيه خيفة أن يرانا أحد أو تقع علينا عين إنسان. ~~واتخذ بنا جانبا من الطريق يدل ما فيه من التراب، على أنه غير الجانب الذي ~~يمشي الناس منه ويدقونه بأقدامهم. وسرنا وكأن على رؤوسنا الطير لا ننبس بكلمة ~~ولا نحدث صوتا حتى خرجنا من بين جدران البلد الواطئة التي تزيد بسوادها سواد ~~الليل ولا تنم عن شيء مما في جوفها. ولقد هالني الصمت المطلق الذي بقي محيطا ~~بنا حتى كنا على مقربة من غايتنا. وأحيى الصرصار بصفيره السكون الأخرس. # برغم الظلمة المحيطة بنا تبينت على مقربة شيئا أشد من الليل سوادا، وهو ~~قائم كأنه ينتظرنا. فعرتني لمرآه قشعريرة الخوف، ولم أتمالك أن قطعت سكوتنا ~~بسؤال عمي عنه. فأجابني أننا صرنا عند الجرن، وأن هذا الأسود عرمة من تبن القمح ~~لم يذر بعد. ثم رجع السكون والسكوت إلى ما كانا عليه، وجعلنا نسمع في صمتنا ~~صفير الصرصار ونقيق الضفدع. # ولما وصلنا وجدنا نوارج الدراس مفرقة في نواح مختلفة قد تركها العمال ms196 بعد أن ~~انتهى عملها. فاتخذناها مقاعد، وجلس عمي وابن عمي على أحدها، وجلست وفتاة ريفية ~~على آخر، وتفرق الباقون حيث أرادوا. فلما أحسست بها إلى جانبي ووجدتها ساكتة ~~لا تتكلم أردت أن أفاتحها الحديث. ولكن ابن عمي لم يمهلني أن أتى فوقف إلى ~~جانبنا، وسألني إن كنت أريد شيئا فالحديقة قريبة. فإذا كنت أفضلها ذهبنا ~~إليها. فأجبته أني راضية بمكاني مسرورة بجارتي. هنالك شعرت بالفتاة تضم نفسها ~~إلي كأنها لم تجد ما تشكرني به إلا هذا. ووجدني ابن عمي قد سكت فلم يجد ~~جديدا يقوله، وتركنا وانصرف. # رأيت السماء تبهت، وحدقت إلى جهة القرية فإذا الشرق يلمع بشيء من النور، وإذا ~~القمر من فوق أبنيتها يحبو مبطئا وكأنه منهوك متعب. واجتليته فإذا نحوله قد ~~قضى على بعضه. ولكنه مع ذلك أرسل على هذه الأكمات من التبن إلى جانبنا نورا ~~انجلت فيه لمعتها، وملأ الجو من شعاعه بلجة تركته وكله أحلام هادئة. والنسيم ~~العذب يبعث في النفوس من لذته ما يتركها نشوى خادرة. # اعتلى القمر وثبت بين النجوم، وكلما حددت النظر نحوه رنا إلي بعين ساهية، ~~وخيل لي من شدة نحوله أنه سيقع بين أحضاني. ولا أدري لعلي فتحت ذراعي أريد أن ~~أستقبله. فقد أحسست مرة واحدة بالفتاة تطوقني بذراعيها وتجذبني نحوها، ثم ابن ~~عمي يجري نحوي ويمسكني بين يديه كأنما خافا أن أقع من مكاني ... وهل أقدر أن ~~أخبرك عن السرور الذي شعرت به لهذه الضجة بعد أن وصلت إلى أعماق فؤادي نظرات ~~القمر؟ ... وتركوني أحدق لمحبوبي في السماء؛ حتى ظن عمي أن السكة انقطعت من عليها ~~الرجل. حينذاك دخلنا. # ولكني من يومها مشتتة البال أريد بدل محبوب السماء محبوبا على الأرض، ~~محبوبا من بين بني آدم. إنسانا أحبه ويحبني. # من أجل ذلك أخبرتك أني أود أن يكون معي في المرة الثانية شخص لم أعرفه بعد، ~~ولكنني أتمثله أمامي ... أود أن يكون ذلك المحبوب إلى جانبي، فينظر إلينا القمر ~~نظرة مهنئ أو حاسد، لا نظرة مشفق ولا متألم. # هذا ما ms197 قدرت أن أكتبه إليك، ولعلي أكون وفيت بالوعد. إلى الملتقى وأهديك ألف ~~قبلة. # نفيسة # قرأت عائشة الرسالة فلما جاءت على آخرها، وضعتها جانبا، وألقت ذراعيها الناعمتين فوق ~~لحافها، ورجعت إلى عالم خيالها الذي كانت فيه بالأمس ساعة نومها، والذي مدت نفيسة ~~برسالتها في أطرافه. وبقيت حتى دخلت الخادمة من جديد لتخبرها أن والدها قد حضر ويريد أن ~~يراها. فقامت ولبست ثياب البيت وذهبت إليه، فأخذها إلى جانبه بعد أن تبادلا تحية ~~الصباح. ثم ملس على شعرها الأسود البديع المرسل على أكتافها وسألها: من عند نفيسة ~~الجواب اللي أخذتيه النهاردة. مش كده - أنا عرفت خطها. خطها كويس. وازيها. # فأخبرته عائشة أنها مسرورة وأنها تسلم عليهم، ثم استأذنته أن تذهب لترد لها على ~~خطابها. ولما انفردت بنفسها أخذت قرطاسا وكتبت: # عزيزتي نفيسة # بلغتني رسالتك وبلغتني رسالة القمر، فهاجت من نفسي كامنا كنت أود أن يبقى في ~~كنه حتى أهبه نفسي وإن لم أقدر بقيت حتى يذهب معي إلى قبري. أما اليوم وقد ~~ظللت أعالج من أثر الفكر ما أضناني وما أحسبه سيبقى حتى يزيدني ضنى ولوعة، ~~فما أحوجني لهذا الشخص الذي لا أعرف، والذي أتخيله أنا الأخرى أمامي. وإني أسأل ~~نفسي اليوم إن كان ذلك الشخص هو الذي سيقدمه لي أبي يوما ما أو هو شخص آخر، ~~فأشعر كأن صوتا يرن في صدري وتسمعه آذاني يقول لي إنه لن يكون محبوبي الذي ~~آمل، بل هو الإنسان الذي يسلبني حريتي وحياتي طوعا أو كرها، فيوقعني هذا ~~الشعور في ألم ما أكبره. وليس في وسعي أن أكتب لك اليوم طويلا، فإذا سمحت أن ~~تعجلي بالرجوع إلي وجدت كل منا في صاحبتها عزاء. وفي انتظار مجيئك القريب ~~أهديك ألف قبلة وألف سلام. # عائشة # وبعد كتابته ذهبت إلى مكتب أبيها، فأخذت منه طابعا ألصقته على الغلاف، وأعطته إلى ~~خادمتها لتضعه في صندوق البريد. # الكتاب الثالث # | خواطر في التاريخ والأدب # | الأدب واللغة القديم والحديث (1) # الأدب القومي # دارت مناقشات ذات شأن في مسألة القديم والحديث في اللغة، وكان ms198 الجدل حادا بين أنصار ~~كل من المذهبين، وكان مداره على الألفاظ والعبارات التي يجب اعتبارها صالحة في ~~الكتابة. فأما أنصار القديم فكان مذهبهم أن اللغة العربية وما وصلت إليه حين مجد العرب ~~وسلطتهم قد وسعت كل الصور والمعاني والآراء، وأن ما يذهب إليه المجددون في اللغة إنما ~~يقوم على أساس من جهلهم إياها أو انصرافهم عنها، وأنهم لو كلفوا أنفسهم مؤونة الحرص ~~على عبارات القدماء وألفاظهم لما ضاقت بهم عن كل معنى يريدونه لابسا أبهى ثوب وأجمله. ~~أما أنصار الحديث فكان مذهبهم أن اللغة قد وقفت عند عصر بعيد، وأن تطور الحياة وتقدمها ~~قد سبق هذا العصر بما لا تلحقه عبارات القدماء وألفاظهم. فمن الحق أن يأخذ الكتاب من ~~اللغة بجديد يحتمل ما بلغته الحياة من تطور وتقدم. # ولم تقف المناقشات عند حد تقرير المبادئ السالفة والدفاع عنها، ولم تقف عند ألفاظ ~~اللغة وعباراتها، بل تعدت إلى أساليب الكتابة وتغلغلت عند ذلك في بيداء التفاصيل. وبلغت ~~أن جعل المتناقشون أساليبهم الخاصة موضع الأخذ والرد. ولعل أحدا لم ينس ما كان بين ~~الأمير الجليل شكيب بك أرسلان والأستاذ المحترم خليل أفندي السكاكيني من حوار وجدل في ~~هذا الباب، وقد يكون هذا الانتقال من المبادئ إلى التفاصيل طبيعيا. فإن الإنسان لا ~~يعنى غاية العناية بالقديم لأنه القديم ولا بالحديث لأنه الحديث ما لم يمس القديم ~~أو الحديث ذاته. # ومعركة القديم والحديث بين كتاب اللغة العربية في هذا معركة قديمة، والجدل في أي ~~الأساليب أصلح للحياة الحاضرة لا يكاد يهدأ حينا حتى يستعر من جديد. وهذه المعركة ~~وهذا الجدل ليسا مقصورين على كتاب العربية وإن كان لهما بينهم طابع خاص مرجعه ~~اختلاف لغة الكتابة عندهم عن لغة الكلام، ومرجعه أكثر من ذلك اتجاه العناية لطريقة ~~التعبير أكثر من اتجاهها لما يجب أن يشتمله ذلك التعبير من الصور والمعاني. # ونحسب أن قصر البحث عند ما يصح استعماله من الألفاظ والعبارات والحكم على صلاح هذه ~~الألفاظ والعبارات للحياة الحاضرة وعدم صلاحها، يكاد يكون بحثا لغويا ms199 ضعيف الصلة ~~بالأدب، ويقوم على شيء غير قليل من التحكم. وهو بعد بحث تافهة نتائجه. فإن الأدب لا ~~يقوم على الألفاظ ولا على العبارات التي يستعملها الكتاب بمقدار ما يقوم على الصور ~~والمعاني التي تلهم بها خيالاتهم وتجود بها قرائحهم . فإذا كانت هذه الصور والمعاني وما ~~ينطوي تحتها من وصف وعاطفة وعلم وإلهام من الروعة بما يملك على القارئ لبه وينسيه نفسه، ~~لم تكن الألفاظ ولا العبارات إلا ثانوية عنده، فلم يحفل منها بقديم ولا بحديث، ثم كان ~~حكمه على الكتاب راجعا إلى ما بعثه إلى نفسه من لذائذ، وإلى مشاعره من اهتزازات، وإلى ~~خياله من صور، وإلى ذهنه من تفكيرات. فإذا هو اطمأن إلى حظه من هذا وحمد الشاعر أو ~~الكاتب على ما جناه منه عاد إلى الثوب الذي لبسته تلك الصور والمعاني، فكان له من جماله ~~وروائه ما يزيد إعجابا بصاحبه، أو كان له من اضطرابه ما يبعث إلى نفسه شيئا من الأسف ~~على أن يفوت هذه المعاني السامية بعض ما يجب لها من بهاء الثوب وجلاله. # نفس الكاتب وما تفيض به من تفكير وإلهام هي إذن موضع حكمنا. وهي ما دامت قوية تجتمع ~~لها الصفات التي تجعلها ممثلة لعصر خاص أو لبيئة خاصة، فقد حق لآثارها أن تخلد. فإذا ~~كان فيضها وإلهامها كاسيا مع ذلك أسلوبا مثلا في قوته وصفائه ودقته، فهي في خلودها ~~أكثر بريقا وإشعاعا. وسواء أخذ هذا الأسلوب بالقديم أم أخذ بالحديث في اللغة، فلن ~~يضيره ذلك إلا بمقدار ما يدور حوله من نقد أول ظهوره. ثم يكون حظ ذلك النقد من البقاء ~~أو الإهمال بقدر ما يشتمل عليه من معان وصور. # هذه النفوس القوية التي تمثل عصرا خاصا أو بيئة خاصة والتي نخلد آثارها، هي التي ~~يصدر عنها الأدب القومي. فهوميروس وفرجيل وشكسبير وفولتير وجيت خلدوا برغم تطور الحياة ~~وتقدم الحضارة في العالم؛ لأن نفوسهم مثلت أمة خاصة وعصرا خاصا؛ فانطبعت فيها الصفات ~~الخالدة لأممهم، والتي لا يأتي عليها تقدم أو تطور، كما ms200 وقفوا أعلاما في التاريخ يهتدي ~~بهديهم أهل عصورهم كما تهتدي به الأجيال من بعدهم. ولو أن هؤلاء الشعراء والكتاب وقف ~~أمرهم عند اختيار اللفظ والتركيب من غير أن تملأ نفوسهم وأذهانهم ومشاعرهم هذا اللفظ ~~والتركيب قوة، لانحدروا كما انحدر المئات والألوف إلى عالم النسيان. وكم كان بين هؤلاء ~~الذين نسيهم الناس من يدل بأسلوبه وبحسن اختياره لفظه وعباراته! وكم منهم من لقي ~~معجبين به يوم كتب. لكن ما كتب هؤلاء كان أجوف كالطبل - عال رنينه خال جوفه - لذلك ~~ما لبث أن تمزق ظاهره وبدا باطنه وأهمله الناس في ازدراء، ثم أسدلوا عليه ثوب ~~النسيان. # وهؤلاء الكتاب الذين يتمثلون عصرهم ويصدر عنهم الأدب القومي، هم سادة الأدب والحاكمون ~~على اللغة. هم الذين يبعثون في الألفاظ حياتها ويحددون كم هذه الحياة وكيفها. لن ~~يستطيع أحد سواهم أن يجعل لكلمة قوة غير قوتها، ولا أن ينبش لفظا من قبور القديم ~~ليعيدوه فتيا جديدا. ولن يستطيع غيرهم أن يختار لفظا ابتذله الناس فيخلع عليه رقة ~~ووقارا. لحكمهم تخضع المعاجم، وبسلطانهم يعترف علماء اللغة، وإن آثروا الجمود ~~والمحافظة، ولن يقدر سواهم للغة ولا لألفاظها ولا لأساليبها على شيء لا يرضونه ولا ~~تناله حمايتهم. # وهذه اللغة العربية يصدق عليها في ذلك ما يصدق على كل اللغات، بل هذه معاجمها الواسعة ~~كلسان العرب إذا أردت أن ترجع فيها إلى لفظ رأيتها في تحديدها معناه تعود بك إلى مواضع ~~وروده في قصائد الشعراء وعبارات الكتاب. وذلك هو الشأن في معاجم اللغات جميعا. ثم ~~أنت تراها تورد للفظ الواحد أوضاعا قد لا يختلف المعنى في بعضها عن بعض، لكنك تحس مع ~~ذلك تمام الإحساس بأنها تتفاوت في مدلولها. وهذا التفاوت لا أساس له إلا أن كاتبا ~~قوميا رأى لها هذا الوضع في عصره، فكان رأيه حكما على أهل زمانه، وساغ استعمال اللفظ ~~على ما أراد. # وهذا التفاوت ليس مرجعه أصل اللغة، وإنما مرجعه طبيعة اللغة، وأنها كائن حي يتطور ~~مع الحياة، ويمور مورها، ويخضع كما تخضع سائر الخلائق لحكم ms201 الإنسان القوي الذي يتمثل ~~فيه عصره؛ وهو ليس مقصورا على الألفاظ ولا على العبارات، بل هو يتخطى إلى الأساليب في ~~الشعر والكتابة والخطابة والتأليف العلمي وما سواها. وبحسبك أن ترجع البصر إلى العصور ~~والدول المختلفة التي ترعرعت فيها الحضارة العربية لترى مصداق ما تقول. فليس أسلوب ~~الجاهليين كأسلوب الأمويين، وهؤلاء لبست الأساليب في عصرهم ثوبا خلعته حين انتقلت إلى ~~عهد العباسيين. والفرق أكثر وضوحا بين أساليب العربية في شبه جزيرة العرب وفي الأندلس. ~~فأنت ترى البون كبيرا بين هؤلاء الذين أخذوا بحضارة أهل الغرب وأسلافهم في طرائق ~~التعبير وفي أساليب الكتابة. ولم يكن من ذلك بد؛ لأن لكل حضارة زهرة هي الفن والأدب. ~~فهما يموران مورها ويأخذان ألوانها ومظاهرها. والحضارة أثر من آثار الحياة الإنسانية. ~~فيجب أن يخضع الفن والأدب للحياة الإنسانية وآثارها. ويجب أن يكون لأعلام الحضارة من ~~رجال الأدب حكمهم على أداته؛ وهي اللغة. # أذكر أن جماعة من ذوي الفضل والعلم فكروا أثناء الحرب، ثم ألفوا هيئة «المجمع ~~اللغوي المصري»، وجعلوا غايتهم من تأليفه التواضع على الألفاظ العربية التي تقابل ~~ألفاظا أوروبية لم يتفق لأحد أداؤها أو اختلف الكتاب عليها. ومع سمو الغاية وكفاية ~~أعضاء المجمع، فإن عملهم لم يظهر له أثر حتى اليوم فيما أعلم. ولم يكن هذا المجمع أول ~~هيئة تألفت لهذه الغاية. بل كانت قبلها هيئات أخرى تجمع أعضاء ذوي فضل وعلم. لكن هذه ~~الهيئات لم تكن أحسن من المجمع اللغوي حظا في آثارها. وذلك طبيعي محتوم؛ لأن الألفاظ ~~الأوروبية لم توجد في لغات أهلها عفوا. وإنما جاءت نتيجة حضارة قوية وعمل جاد، ثم ~~تقررت على لسان الكتاب الذين يمثلون عصرهم. فلم يكن لعلماء اللغة بعد ذلك كله إلا أن ~~يعترفوا بها وأن يسجلوها في المعاجم. # ولكي تنتقل هذه الألفاظ إلى العربية لا يكفي البحث عن أصل اشتقاقها، بل لا يكفي ~~تقصي تاريخها ثم وضع أقرب مقابل لها. إنما يجب أن تكون ثمت حضارة مستعدة لقبولها وأدب ~~قومي هو مظهر هذه الحضارة وكتاب يمثلون عصرهم ms202 يبعثون فيها الحياة ويخلعون عليها ~~القوة. # هذا الأدب القومي هو الذي يجب لذلك أن يكون مدار البحث. فهل هو كائن في الأمم التي ~~تتكلم العربية في هذا الظرف الحاضر؟ وهل هو مشترك بينها جميعا؟ أم أن لكل منها أدبا ~~قوميا خاصا هو مظهر حضارتها؟ # ليس من ينكر على الشرق العربي شعراءه وكتابه وأدباءه، وليس من ينكر أن من بين هؤلاء ~~الشعراء والكتاب فحولا لهم من الصور والمعاني ما يأخذ باللب وينسي الإنسان نفسه، ~~لكنا مع شيء كثير من الأسف مضطرون للاعتراف بأن هؤلاء الشعراء والكتاب لا يمثلون ~~حضارة معينة. بل هم ملتقى حضارات تختلف جد الاختلاف أحيانا وتبلغ حد التناقض ~~أحيانا أخرى؛ لذلك لم يبرز من بينهم الأدب القومي الذي يطبع عصره بطابعه؛ لأنه زهرة ~~هذا العصر والصورة الناطقة بكل ما فيه من كمال وقوة. بل وقف كل واحد منهم منفردا يتحدث ~~إلى الناس بما لا يفيض عن نفسه مما عندهم، ولكن بالصور التي اجتمعت إليه من تلك ~~الحضارات المختلفة المتناقضة أحيانا. فكان بهرهم لسماعه راجعا تارة إلى سحر لفظه ~~وأخرى إلى واسع معارفه. لكنهم لم يصلوا يوما لتقديسه وتخليد آثاره؛ لأن هذه الآثار ~~ليست صورة ما في نفوسهم وليست زهرة حضارتهم. # وليس يرجع ذلك إلى أن الشرق العربي لا حضارة له، ولكنه يرجع إلى أن حضارته طمست ~~معالمها تحت سلطان الأمم التي تحكمت فيه، والتي عملت متعمدة على أن ينسى ماضيه وعلى ~~أن يخضع لحكم حضارة هؤلاء المتغلبين. وإذا نسي الناس الماضي وخضعوا في الحاضر لسلطان ~~مدنية غريبة عنهم ضعفت قوميتهم، وانحل تضامنهم، وطمس الظلم على الحضارة الخاصة بهم، ~~ثم لم يكن لهم أدب قومي واضح الذاتية يعبر عن هذه الحضارة الدفينة. # والعجب أن العاملين في نهضات الشرق الحديث لم يفكروا في هذا ولم يحاولوا علاجه. وإنك ~~لتدهش حين ترى جامعتنا المصرية تلقى فيها دروس الأدب القديم والحديث للأوروبيين ~~والعرب، ثم لا يلقى فيها درس واحد عن الأدب المصري القديم والحديث، ولا يلقى فيها درس ~~واحد عن التطور الفكري ms203 في مصر؛ وكيف تمثل ما ورد عليه من حضارات الشرق والغرب التي وردت ~~عليه، وهل خلع عليها حلة من القومية المصرية بتاريخها القديم، وبطبيعتها المنسقة، ~~وبسمائها الصفو، وبما يمتاز به أهلها من رقة في الخلق وظرف وكياسة، أم أن هذه الحضارة ~~بقيت غير مهضومة حتى مرت وحل محلها غيرها؟ # ندهش لذلك حقا. فإن هذه الدراسة تعتبر في كل الأمم المتحضرة أساسا من الأسس ~~القومية التي يجب أن تمتلئ بها نفس أبناء الوطن لتزداد بينهم روابط الولاء لوطنهم. ~~وهؤلاء الأمريكيون على حداثة عهدهم بالحياة المدنية، وعلى أنهم قوم لم يحظ بتاريخهم ~~شيء من هذه القداسة التي تشتمل تاريخ الأمم القديمة كلها قد جعلوا من التعليم القومي ~~وسيلة قوية منتجة لخلق القومية الأمريكية، فصادفوا من النجاح ما جعل الذين نزحوا إلى ~~أمريكا ولم يولدوا فيها أكثر تعلقا بها منهم بأوطانهم التي أنشأتهم. ولقد كانوا أول ~~عهدهم بالفن والأدب عيالا على أوروبا وعلى الأدب الإنكليزي بنوع خاص، ثم لم يلبثوا ~~بفضل هذه النشأة القومية أن ظهر من بينهم أمثال لنجفلو وأمرسن شعراء وكتاب تمثلوا ~~الحياة القومية الأمريكية، وكانوا المشخصين لمجموع هذه الحضارة الجديدة القائمة على ~~أساس من النشاط العملي وحب الحياة. # والأمريكيون يعنون بهذا الجانب القومي وبغرسه في نفوس ناشئتهم برغم حداثة عهدهم به، ~~وتأخرهم عن سواهم من الأمم فيه. وهم بهذه العناية قد خلقوه عندهم خلقا وجعلوا منه ~~للأمريكي موضع فخر. أما نحن في مصر فقد أهملناه على ما رأيت في الجامعة المصرية، ~~وأهملناه في مدارس الحكومة، وأهملناه في الأزهر وسائر المعاهد الدينية، وتعلق جماعة منا ~~بالآداب العربية في غير مصر، وتعلق آخرون بالآداب غير العربية. ثم كانت هذه المعارك بين ~~القديم والحديث، وكان أكابر كتابنا وشعرائنا يفيض إلهامهم أكثر الأمر بشيء غير مصري. ~~فإذا نزع واحد منهم إلى الجانب المصري بدافع الحماسة الوقتية أو لظرف طارئ لم تشعر فيما ~~كتب بما يجب أن يكون. لم تشعر بأن نفسه كلها وأن فؤاده وقلبه وذهنه وعقله، وكل قواه ~~ومشاعره وعواطفه، انتقلت إلى لسانه ms204 وإلى قلمه، ففاضت بهذا السيال الروحي الغزير الذي ~~يمثل أمة بحالها في عصر من العصور. # وسائر أمم الشرق ليست أحسن من مصر في هذا الباب حظا. وأنت قل أن تجد من بين كتاب ~~جاراتنا وإخواننا في الشام والعراق وفي تونس والجزائر ومراكش، هذا الكاتب أو الشاعر ~~القومي الذي يقف من أمته ومن عصره موقف هومير في اليونان أو جيته في ألمانيا أو الفرزدق ~~وأبي نواس والمتنبي وأضرابهم في بلاد العرب. # ويرجع السبب في ذلك إلى ما قدمنا من عمل المدنيات الحاكمة، التي استبدت بهذه الأمم، ~~وسعيها لطمس حضارتها. فقد كانت حضارة آل عثمان تعمل لتتريك الممالك العربية التي خضعت ~~لحكمها ما استطاعت. وكانت إنكلترا وفرنسا أشد من آل عثمان بالحضارة العربية استبدادا ~~أو أكثر إمعانا في طمس معالمها. وكذلك بقيت هذه الأمم المغلوبة كامنة حضارتها لا تجد ~~متنفسا، ولا تجد من فنان أو شاعر أو كاتب علما لها تنير آثاره أرجاءها، ويجمع في ~~شخصه ما كدسه الماضي من حضارتها. # على أن هذه الأمم العربية المتصلة بصلة الجوار، والتي يبلغ عدد سكانها أكثر من سبعين ~~مليونا لها سبق في الحضارة وقدم راسخة في المدنية. وهي تشترك في كثير من مظاهر ~~حضارتها، ويتميز كل منها بطابع خاص به، مستقل عما سواه، راجع إلى تكوينها الطبيعي وإلى ~~جوها وإلى صور النشاط الموجودة فيها. ولقد تجد بين هذه الأمم من عامة الناس ممتازين ~~يضعون أنواعا من الأدب الخاص بهم، يمتاز بطابع البلاد التي عاشوا فيها ويفيض بحياتها. ~~لكن هذا النوع من الأدب العامي غير مهذب ولا يصلح بحال للبقاء. وأكثر ما يصلح له أن ~~يكون مادة للمؤرخ أو الكاتب الذي يريد أن يقف على تاريخ هذه الأمم وتطورها في هذه ~~العصور التي عاشتها محكومة بالاستبداد، مطموسا على السامي من مظاهر حضارتها. فهل ثمت ~~سبيل لعود أدب قومي سام يميز كلا منها ويميزها جميعا؟ وبعبارة أخرى هل يمكن أن يكون ~~لها في الحاضر وفي المستقبل القريب حضارة خاصة بها، يكون الفن والأدب زهرتها، ويقوم من ms205 ~~بين كبرائها من يعتبر المثل الناطق بمعاني هذه الحضارة. # نعتقد أن الأمر ممكن إذا صحت العزيمة عليه، وإذا تضافرت القوى على خلق هذا النشاط ~~القوي يشتمل كل طبقات الأمة، ويدفعها للسعي وللعمل في سبيل ظهور ذاتيتها بارزة ممتازة. ~~في هذه الحال تسرع كل أمة إلى تمثل الحضارات التي ترد عليها فتصبح جزءا من حياتها، ~~ويشعر الناس بها كأنها لهم وليست غريبة عليهم، وكأنها تحت حكمهم وليست متحكمة فيهم. ~~وفي هذه الحال تظهر ذاتية كل أمة بماضيها البعيد المجيد، فيشترك الآباء والأجداد إلى ~~عصور أول التاريخ في تشييد هذه الحضارة. فإذا تم ذلك لم يكن بد من ظهور الفنان القومي ~~والكاتب القومي، ولم يكن بد من أن يكون للشرق العربي عامة، ولكل أمة منه خاصة أدب يميزه ~~عن الأدب القديم، وعن هذا الأدب الحديث المدين بأكبر حظ منه للمدنية الغربية المتحكمة ~~بسلطانها في الشرق وأممه. # ويومئذ يكون الأديب القومي هو المتحكم في اللغة، وهو الذي يملي على المجامع ما يضعه ~~من الألفاظ لتثبتها المعاجم. وهو الذي يقرر الأسلوب الذي يحتذيه كل كاتب من كتاب الدرجة ~~الثانية. ويومئذ يكون البحث في القديم والحديث بحثا قل أن يطرأ أو أن يجد من الحيز ~~ما يجده في هذا الوقت الذي لا يعيش فيه الكتاب بأنفسهم، وإنما يعيشون عالة على القديم ~~أو الحديث، ويومئذ يكون لنا أن نطمئن إلى أن هذا الجمود الذي وقفت عنده اللغة قد زال، ~~وأن الحياة قد بعثت فينا فتية قوية. # لسنا مع هذا ننكر فضل فحول الشعراء والكتاب الذين جاهدوا - ولا يزالون يجاهدون - ~~في سبيل التوفيق بين حضارة لنا كامنة وحضارات أخرى متحكمة مستبدة. فهؤلاء سيكونون في ~~المستقبل حلقة الاتصال التي لا بد منها بين الأدب القومي في عصر من العصور والأدب ~~القومي الذي سبقه. وهؤلاء سيكون حظهم حظ الأبطال الذين ظلوا حاملين العلم في ساعة ~~التقهقر والهزيمة، حتى نجت أوطانهم بفضل ثباتهم وقوتهم. وهؤلاء سيعترف لهم الأديب ~~القومي - الذي نرجو أن يكون قريبا زهرة حضارتنا وحضارة الشرق العربي - بأكبر ms206 الفضل ~~وأعظم المجد. # | الأدب واللغة القديم والحديث (2) # ثارت مسألة القديم والحديث مرة أخرى. وتلك مسألة إذا ثارت لم يكن يسيرا أن تهدأ. فهي ~~عند بعض الكتاب صيحة حرب لا تلبث أن ترتفع حتى يهرع من يسمون أنفسهم أنصار القديم إلى ~~صف القديم ينصرونه، ومن يسمون أنفسهم أنصار الحديث إلى صف الحديث يعززونه. وإذا انتظم ~~الكتاب صفوفا للنضال عن كتابتهم فويل للمحابر والأقلام، وويل للأوراق والصحف. أما ~~القراء فلهم البشرى. إن لهم من ميدان هذه المعركة خير منظر تتراشق فيه الحجج مطمئنة ~~تارة محتدمة طورا، وتتجاوب الأدلة مستقيمة حينا ملتوية أحيانا. وما بالك بقوم يدفعون ~~عن وجودهم ويذودون عن كيانهم. أوليست الكتابة حياة الكاتب. فدفاعه عنها دفاع عن الحياة؟ ~~وإذا كان المزارعون من أهل الريف ينشب أحدهم أظافره في عنق جاره حتى ليقضي عليه إن حاول ~~ليصد الماء عن مزرعته، فإن للكتاب بديلا من أقلامهم عن الأظافر يذودون بها عن حياض ~~حياتهم كما يذود المزارع عن حوض حياته. # ومن العجب في أمر معركة القديم والحديث التي تنشب هذه السنين ما بين آن وآخر في مصر، ~~أنها تنشب بين أقوام يعلنون جميعا أنهم على اللغة العربية وقواعدها حراص، في حين أن ~~قوما آخرين لهم بين كتاب العربية اسم ومقام، ولهم فيها تواليف ورسائل، وغرضهم الظاهر ~~في كتاباتهم العدول بالعربية عن أصولها وقواعدها وأساليبها وألفاظها، يبقون بعيدين عن ~~المعركة ينتظرون ما ينجلي عنه غبارها، آملين أن يكون لهم من ورائها مغنم. وهل رأيت ~~الريحاني أو جبران خليل جبران أو من شايعهما يعيرون اعتراض أنصار القديم أو أنصار ~~الحديث عناية أو التفاتا؟ أم هم كأنما يقولون في سخرهم المطمئن وازدرائهم للمتنازعين: ~~أولئك أقوام تعلقوا بالقشور دون اللباب. فليظلوا في معاركهم حول الألفاظ والتراكيب، فلن ~~يكون لهم من ورائها إلا التناحر. يومئذ يكون لجديدنا نحن، هذا الجديد الممتلئ حياة ~~وقوة، هذا الجديد الثائر على أمة العرب العتيقة المتهدمة، هذا الجديد الطامح إلى حياة ~~الغرب وعلمه وأدبه، بل الطامح للفظه إن أتيح له بلوغه، يومئذ يكون ms207 لجديدنا نحن الفوز ~~على حين يبقى هؤلاء في معاركهم التي تنشب لغير غاية، وتنتهي إلى غير نتيجة. وينجلي ~~غيارها عن غير فكرة جديدة، أو أمل في التقدم نحو فكرة جديدة. # هذا من العجب حقا. فأنصار القديم هم الأساتذة: صادق عنبر ، ومصطفى صادق الرافعي، ~~والشيخ علام، ومن نحا في أسلوبهم نحوهم. وأنصار الحديث هم: الدكتور عزمي، والدكتور ~~صبري، وإخوانهما. فإن تسل ما قديم أولئك وما حديث هؤلاء ترى المقالات تواجه المقالات ~~والرسائل تنقض الرسائل. لكنك ترى هذه المقالات والرسائل جميعا مكتوبة بأسلوب عربي ~~مبين. لم يصفع أحدها قواعد النحو والصرف بما تصفعها به رسائل الريحاني وجبران، ولم تكره ~~الألفاظ خلالها حتى لتراك في حيرة قبل أن تصل إلى ما يريده أصحابها منها. ففيم إذن هذه ~~المعارك يحتدم فيها الجدال، وترتفع فيها جلبة الألفاظ وضجيجها حتى لتشبه فرقعة البارود ~~وقعقعة السنان؟ # ما القديم وما الحديث؟ مسألة يجب حلها لمعرفة حدود الخلاف بين الفريقين. فهل القديم ~~في اللغة والأدب ما يرجع عهده إلى عصور الجاهلية الأولى؟ أم هو ما اجتمع أيام حضارة ~~العرب إلى حين بدأ التدهور في أدبهم بعد أن تدهورت سيادتهم واستعجمت حضارتهم؟ ما نظن ~~أحدا ممن يسمون أنفسهم أنصار القديم يريد قصر اللغة والأدب في عصرنا الحاضر على ما ~~كانا عليه في الجاهلية الأولى. فهل يقول لنا أحدهم بعد هذا أي لغة وأي أدب عربي ~~يفضل؟ ما نخالهم ينكرون أن لغة امرئ القيس وأدبه ليست لغة أبي نواس وأدبه. وإنك لتقرأ ~~المعلقات وما عاصرها فترى فيها شيئا غير الذي تراه في شعر العباسيين أو في شعر ~~الأندلسيين. # وإنك لتقرأ نثر الهمذاني فتراه غير نثر الجاحظ، وغير نثر ابن المقفع، وغير نثر أبي ~~الفرج صاحب الأغاني. ثم أنت إذا عدلت عن الشعر والأدب إلى الفلسفة والتاريخ رأيت في ~~رسائل الفارابي، وفي كتب ابن خلكان وابن خلدون صورا من النثر متباينة. فعن أي الصور في ~~النثر والشعر يرضى أنصار القديم؟ وأي هذه الصور في نظرهم هي المثل الأعلى للغة وللأدب؟ ~~وهل يرى ms208 أحدهم أن يقف في أدبه وكتابته عند ما اشتملت عليه؟ # كذلك ما نظن أحدا ممن يسمون أنفسهم أنصار الحديث ينكر على هذا الميراث العربي في ~~اللغة والأدب مجده وعظمته. بل ما نظن أحدا منهم ينظر إلى ثورة التجديد التي يحمل ~~لواءها جبران خليل جبران وأصحابه بعين مطمئنة. ومهما يعجب أحدهم بما تنتجه مدرسة الثورة ~~هذه من بعض الثمرات، ومهما يجد في مثل كتاب الأجنحة المتكسرة من فيض الخيال الشعري، فكل ~~واحد منهم جد حريص على بقاء الصلة بين الحاضر والماضي وثيقة متينة؛ ذلك بأنهم يعلمون أن ~~كل حاضر لا يتصل بالماضي وشيك الزوال. # فيم الخلاف إذا؟ الخلاف في رأي أنصار القديم أن هؤلاء «المحدثين» قد انصرفوا عن ~~العرب وأدبهم إلى الغرب وأدبه، وأنهم لذلك جهلوا من أساليب العرب أفصحها لفظا وأبلغها ~~عبارة، واكتفوا بالقليل الذي درسوا في مكاتبهم وحاولوا إكراه هذا القليل على احتمال ما ~~امتلأت به رءوسهم من العلوم الحديثة، فنزل بهم ما عرفوا من اللغة وأساليب الأدب إلى ~~الاضطراب والركاكة. والخلاف في رأي أنصار الحديث أن هؤلاء «الأقدمين» حبسوا أنفسهم في ~~غيابات الماضي، ووقفوا من الألفاظ ومعانيها والعبارات وتراكيبها موقف العرب، جاهلين أو ~~ناسين أن اللغة مظهر من مظاهر الحياة؛ وأنها لذلك يجب أن تحتمل أداء كل ما يريده ~~الأحياء من صور ومعان على الوجه الذي يريدون أداءه به. فوقف بهم ذلك عن مجاراة الحضارة ~~الحاضرة، وعجزوا عن أداء ما تريده الحياة من صور هذه الحضارة ومعانيها. # ولئن صدق هذا التصوير فالخلاف ليس بين القديم والحديث، والقديم والحديث لا يمكن أن ~~يكون بينهما خلاف، وإن كان أبدا بينهما اختلاف. بل الخلاف بين أدب اللفظ وأدب الفكر. ~~فالذين يسمون أنفسهم أنصار القديم يريدون البقاء في دائرة حضارة العرب يستعيرون تصورهم ~~للأشياء وتصويرهم إياها بالألفاظ، ويعملون على إكراه الحضارة الحالية في قوالب الحضارة ~~العربية. والذين يسمون أنفسهم أنصار الحديث يحاولون الفرار من بيت الحضارة القديمة، ~~ويعملون على أن يخلقوا لما أنشأته الحضارة الحديثة قوالب جديدة من اللفظ قد لا تتفق ms209 وما ~~يرضاه فقه اللغة العربية وسرها. # مثل هذا الخلاف يرجع إلى قيام طائفتين اختلف تهذيب كل منهما، واختلفت ثقافتهما عن ~~الأخرى، فتعذر عليهما التعاون الواجب لخلق روح قومية للثقافة والأدب. ولن يزال هذا ~~الخلاف ما بقي الاختلاف بين الطائفتين في التهذيب والثقافة وما بقيت الأمة في علمها ~~وأدبها كلا على سواها وعالة على غيرها. فيظل «الأقدمون» بين جدران قصور الماضي ~~المجيد بحضارته وأدبه معجبين بمخلفاته، ناسجين ثمرات أفهامهم وخيالاتهم على منواله، ~~قانعين بالنظر إلى الحاضر وأعماله وآماله من نوافذ هذه القصور، فرحين بما قد يجدونه فيه ~~من مشابهات لما عندهم، مؤمنين بأن ما لديهم خير وأبقى، وبأن ما يرون من سناء ولألاء ~~ليس إلا خلبا من برق وسرابا من آل. فإذا حسن ظنهم بالحاضر قالوا: إنما هو فروع هذا ~~الجذع الذي جمعنا حوله وأوجب علينا أن نزيده قوة وصلابة. ويظل «المحدثون» في فضاء ~~الحاضر الحر الدائم الحركة مأخوذين بما أبدع الغرب فيه من ثراء وغنى في الحكمة والعلم ~~والشعر، ممتلئة نفوسهم بمحبته وإجلاله، متمثلة كل ما فيه من بهاء لا يبلى، وجدة لا ~~يهرمها شتاء حتى يعقبه ربيع أكثر بهاء وجدة. فإذا أداروا رءوسهم إلى قصور «الأقدمين» ~~التي منها درجوا حاولوا أن يتصل ما بين كنوزها وهذه الحضارة الجديدة، فإن تيسرت الصلة ~~الصحيحة فذاك، وإن لم تتيسر فلا ضير أن تكون صلة أقل صحة ما دامت ترضي منهم هوى النفوس، ~~وتكفي عندهم لبوسا للمعاني الجديدة والصور المستحدثة. # والحق أن اللغة العربية على ما خلفتها حضارة العرب كثيرا ما تستعصي على صور هذه ~~الحضارة الحديثة. وليس عليها في ذلك ذنب، وليس في طبيعتها دون الوصول إليه عجز؛ ذلك بأن ~~اللغة أداة إن لم يدم صقلها علاها الصدأ، ثم كان فيها تثاقل عن السير المطمئن إلى حيث ~~يحتاج إليها الذهن الفياض بمعان وصور وجديدة. ولقد يبلغ من صدئها أن يقبرها. وهذه ~~الهيروغليفية واليونانية القديمة واللاتينية والآشورية وما إليها من لغات، حملت أسمى ~~صور الحضارة الإنسانية القديمة، ثم أهملت فصارت قبورا لهاته الصور، ms210 ينبش العلماء اليوم ~~لاستخراج ما تحتويه من كنوز ودفائن تضيف إلى سلطان الحاضر وعظمته سلطانا وعظمة. ولا ~~ريب في أن اللغة العربية تنطوي من الكنوز على ما لو اطلعت عليه جميعا لوقفت أمام جلاله ~~وبهائه مبهورا مقدسا. وذلك سر سحرها الأقدمين وأخذها إياهم عن أنفسهم. لكن اللغة ~~العربية كائن حي لا تزال ولن تزال. وكل كائن حي لا يستطيع القيام دون الاشتراك مع سائر ~~الكائنات التي تتصل به اشتراك تعاون وتنافس. وقد هدمت منشآت الحضارة الحديثة ما بين ~~الدول من حدود وما كان يحيط بثمرات الفكر من قيود. فأصبح العالم كله كتلة واحدة ذات ~~حضارة واحدة. وأصبحت عقول السكسون والجرمان واللاتين والعرب والهندوس والصين تتجاوب ~~ثمراتها، وتتنافس آثارها، وتتجاذب في نضال وتضامن. واندفعت الأمم العربية واللغة ~~العربية، حتما مقضيا، تغامر في المضمار، وتعد كاهلها لاحتمال حضارة الإنسانية كلها ~~بكل ما فيها من علم وفن وأدب. ولا مفر لها من أن يبلغ صفو صقالها ما يجعلها في حملها ~~حضارة العالم تعدل كل لغة من لغاته. فإذا أتاح القدر لأهلها أن كان لهم على الحضارة ~~الغلب يوما كانت بين اللغات جميعا زينة وسحرا وبهرا. # ولعل هذه المعارك القلمية التي تنشب بين «الأقدمين» و«المحدثين» إحدى الخطى في سبيل ~~هذه الغاية. «فالأقدمون» يريدون أن يمسكوا «بالمحدثين»؛ لكي لا يندفعوا إلى ما يندفع ~~إليه الريحاني وجبران خليل جبران. و«المحدثون» يحاولون أن يخرجوا «الأقدمين» من غيابات ~~الماضي إلى نور الحاضر وحركته. # وذلك نضال غايته الكمينة حرص الطائفتين على التضامن والتعاون في الحياة القومية؛ ~~لتؤدي كل ما أوجبته عليها الحياة لخير الإنسانية جميعا. # لكن هذه المعارك لا تزيد على أنها خطوة ضيقة. ودرك تلك الغاية السامية تعوزه خطى ~~العمالقة وجهود الفحول. هؤلاء العمالقة الفحول هم النوابغ يقف الواحد منهم من قومه موقف ~~الهادي تتعلق به الأنظار، وتنفتح لعبارته الأفئدة والقلوب. يعتصر ذهنه الفرد لب الحضارة ~~جميعا، وينفثها من روحه القوي في أحاديث وقصص أو في قصائد منظومة أو في كتب علم وفن، ~~فيتلقاها عنه قومه وقد لبست ms211 ألفاظه ثيابا من المعاني يجب أن تقرها معاجم اللغة ~~راضية أو كارهة؛ ولهذا النابغة يخضع «الأقدمون» و«المحدثون» جميعا. ليكن في عبارته ما ~~فيها على قواعد اللغة من خروج وشذوذ؛ هي لغة الحضارة وروح العصر؛ هي الجواب الكافي ~~لحاجة في النفوس تتطلع لسدها؛ هي الأداء الصحيح لما يجول بخاطر الإنسانية من المعاني. ~~والإنسانية ميراث متجدد يسفر كل صباح عن حظ منه جديد. فاللغة التي تؤدي حاجة الإنسانية ~~وما يجول بخاطرها لا يمكن إلا أن تكون الثمرة الناضجة لهذا الميراث والجماع الكامل لكل ~~ما كدسه الوجود من علم ووهم ومن حس وتصور. # متى يتاح للغة العربية أمثال هؤلاء النوابغ الذين ينشئون الأدب القومي، ويفرغون في ~~قوالبه المصقولة حضارة الإنسانية بكل ما تنطوي عليه؟ ذلك سؤال جوابه للزمن. لكن أهل هذه ~~اللغة بحاجة إلى مجهودات صالحة يقوم بها المئات والألوف من أبنائها في مثابرة وجد ~~لاجتناء ثمرات مجهودات الأمم الأخرى، وبثها في جو البلاد العربية. سيجد هؤلاء المئات ~~والألوف من مجهودهم مشقة وعنتا، وسيقع بعضهم إعياء ويفر آخرون يأسا. لكن الحضارة ~~شجرة من الأشجار الضخمة العظيمة الجذع التي لا تسرع إلى الظهور والنمو، ولكنها تسير في ~~سبيله مقاومة كل صعب متغلبة على كل عقبة، وتبدو أول ظهورها ضئيلة لا يطمئن من لا يعرفها ~~إلى أنها بالغة ما يبلغه أمثالها من ضخامة وعظمة؛ ولذلك يصد عنها ولا يعنى بتعهدها. ~~وهذا هو شأن الكثيرين من أهل الشرق اليوم. أولئك يريدون العاجلة فيهيمون باقتطاف زهر ~~النبات الضعيفة سوقه السريع انقضاء أجله. وهم يكتفون بتفيؤ ظلال جذوع سقطت أوراقها ~~وجفت أغصانها. أما ذوو العلم فلا يثنيهم عن تعهدها عجز ولا طمع. فإذا هي أورقت كان من ~~ثمرها قطاف النابغة الهادي. # يوم يقيم النوابغ الأدب القومي، بعد أن ينشر المجاهدون العلم والثقافة القومية، تنتقل ~~المعركة من ميدان القديم والحديث إلى التنافس حول الكمال والقرب منه والابتعاد عنه، ~~ويومئذ يتشعب الكمال إلى ما يريد النوابغ من صور، ويومئذ يسلس قياد اللغة ويسرع تيارها ~~الفياض إلى حيث يحتاج إليه الذهن. ms212 ثم يكون التعاون الصادق بين ثمرات الفكر. وتكون هذه ~~الثمرات لذاتها هي الغاية أن أصبحت اللغة منهلا عذبا كثير الزحام. ويومئذ ترى هؤلاء ~~المقتتلين من «الأقدمين» و«المحدثين» قد انصرفوا عن نضالهم الحاضر إلى ما هو خير وأبقى، ~~ونرى اللغة اتصل ماضيها بحاضرها دائمة الأهبة؛ لتمثل ما تخلقه الحضارة من كل ~~حديث. # لكن انصراف المقتتلين اليوم لن يحسم المعركة. وكيف تحسم في الحياة معركة والحياة تمور ~~في نضالها الدائم الاتجاه نحو ما ترجوه الإنسانية من كمال. إنما يكون صلح الطائفتين ~~المتنازعتين اليوم مثارا لقيام طوائف جديدة تقف في وجههما جميعا. ألم تر في نضال الفن ~~كيف قام الآخذون عن الفلمنك، فأنشأوا اليوم شتى المذاهب، ووقفوا ينصرونها في وجه ~~المدرسة اللاتينية العريقة الأصل والحسب؟ أولم تر إلى من قد يسميهم الأستاذ عزمي ~~المكعبين # Les Cubistes ~~. إذن فسيقوم عند بلوغها من صفو ~~الصقال غايته أولئك «المكعبون» ومن إليهم من الثائرين. وسيكون أثر هؤلاء في اللغة أثر ~~السموم تدخل إلى الجسم القوي فتزيده قوة وتؤتيه من المناعة ما يقيه ويحفظه. ~~••• # لا نطلب اليوم إذن إلى «الأقدمين» و«المحدثين» أن يكفوا عن النضال ما دام نضالهم ~~خطوة في سبيل الكمال. إنما الذي نرجوه ونطلبه أن يتضامن المئات والألوف من أهل اللغة ~~العربية؛ لتتمثل لغتهم حضارة الإنسانية وليحتمل كاهلها كل ثمرات الذهن الإنساني من علم ~~وفن وأدب. فإذا بلغوا من ذلك أن كان لأممهم حظ ونصيب من الثقافة القومية، فقد آذنت ~~الساعة لقيام النوابغ الذين ينفثون في الشرق العربي روح حياة وقوة، ويخلعون على اللغة ~~ثوب البهاء الذي يجدر بها أن تكسوه في هذه المدنية الحاضرة؛ لتكون به جديرة بأبناء هذا ~~الشرق مهد أسمى الحضارات الإنسانية وأكبرها مجدا وعظمة. # | العرب والحضارة الإسلامية # سبعون مليونا أو يزيدون يتكلمون اللغة العربية في هذا العصر الحاضر. ويقيمون في دول ~~متجاورة تمتد حول الشاطئ الجنوبي للبحر الأبيض المتوسط وتحيط بالبحر الأحمر، وتمتد داخل ~~آسيا إلى العراق، وتتسلل بعده إلى بعض طوائف في العجم وأفغانستان وتركستان والهند. وهذه ~~الدول المتجاورة يدين الأكثرون ms213 من أهلها بالإسلام. وقد خضعت كلها منذ أكثر من ألف سنة ~~لمصائر متشابهة فسرت بينها مع وحدة اللغة والعقيدة والحظ وحدة في الفكرة وفي الحضارة، جعلت ~~منها كتلة تتأثر بمؤثرات متشابهة وتنظر إلى المستقبل ولكل منها فيه ما لسائرها من ~~رجاء. # هذه الوحدة في اللغة والعقيدة والمصائر يرجع تاريخها في هذه الأمم جميعا إلى تاريخ دخول ~~الإسلام إليها مع العرب الفاتحين. أما قبل ذلك فكان لكل أمة منها لغتها وعقيدتها، وكانت أمم ~~أفريقية تكاد تنفصل عن أمم آسيا خلا سوريا وفلسطين وما يتصل بهما، فكانت - في أكثر حقب ~~التاريخ - وشيجة الاتصال بمصر وإن استقلت بلغتها الآرامية عن الهيروغليفية وغير ~~الهيروغليفية من اللغات التي استقرت على ضفاف النيل. ولقد لعبت هذه الدول التي اتحدت لغة ~~وعقيدة ومصائر بعد الإسلام دورا في تاريخ العالم من أكبر الأدوار، لا يزال له أثره بارزا. ~~وقد أقرت هذه الدول في العالم حضارة لا يزال أثرها ولن يزول. # كان لكل أمة من هذه الأمم قبل الإسلام لغتها وعقيدتها، وكان مصير بعضها يتعلق تارة بدولة ~~كبيرة أخرى كدول الفراعنة أو دولة الروم أو دولة الفرس، ويتحكم تارة في مصائر هذا الغير من ~~طريق الغزو أو من طريق الدين، كما كان الأمر بعد ظهور اليهودية والمسيحية. أما العرب ~~المقيمون في شبه الجزيرة والذين نشروا الإسلام في أقطار الأرض بعدما نزل وحيه على رجل منهم، ~~فقد كانوا قبل الإسلام - كما هم اليوم - قبائل وعشائر تعيش في بلاد كانت - كما لا تزال - ~~قاحلة لا يتجه نظر أحد للاستيلاء عليها إن لم يكن من هذا الاستيلاء، أية فائدة. ولذلك لم ~~يفتحها اليونان والرومان كما فتحوا سائر الممالك المجاورة لها. وكانت تعتمد في قوامها ~~الاقتصادي على التجارة أكثر من اعتمادها على الثمرات القليلة الضئيلة التي وهبها القدر ~~إياها. وكانت بلادهم، بموقعها بين آسيا وأفريقية، بجدبها واضطرار أهلها للسعي في مناكب ~~الأرض وراء الرزق، طريق التجارة بين الأمم المحيطة بها. وكان البر يومئذ وسيلة صالحة للنقل؛ ~~لأن البحر كان لما يذلل متنه، ولما ms214 يخضع لحكم الإنسان عبابه. لكن العرب لم يكونوا لذلك ~~تجارا، بل كانوا حماة للتجارة التي تمر بأرضهم من غزو القبائل إياها وعدوانهم عليها، كما ~~كانوا أصحاب رواحل تنقل المتاجر من مصدرها إلى موردها. وهذه الحياة التي تقضى في الحماية ~~من غزو المعتدي وفي نقل التجارة من بلد إلى بلد تدفع إلى النفس أسمى معاني البطولة والإقدام ~~والاعتماد على النفس والاعتداد بالذات. لكنها كذلك حياة قاسية قليل ما تدره من الربح، كثير ~~ما تستغرقه من وقت من يعانيها. وهي بعد حياة تجوال قل أن يستقر صاحبها إلى ذويه، وقل ~~أن تسمح بقيام المدن وتكون الجماعات المتشابكة المصالح القائمة حياتها العامة على التضامن ~~والتنافس جميعا. وما تزال تلك هي الحال الاقتصادية في جزيرة العرب إلى يومنا الحاضر. ~~فالمدن فيها قليلة، والموجود منها قليل عدد سكانه. ولقد حرمت ما كان لها من قبل من مزية ~~مرور التجارة بها بعدما أصبح البحر أكثر من البر أمنا، لكنها استعاضت عن ذلك بموسم الحج ~~يدر عليها من فضل الله ما يقيم أهلها طوال عامهم. # مثل هذه الحياة الاقتصادية التي تقضي على أهل شبه الجزيرة بالعزلة والتجوال، وتحتم عليهم ~~مواصلة العمل لكسب الرزق، ولا تيسر إنشاء المدن الكبيرة، ليس في طبيعتها أن تقر حضارة ~~ثابتة القواعد باقية الأثر؛ ذلك بأن الحضارة ثمرة من ثمرات الاجتماع في الحضر، وهي لا تتفق ~~وحياة البادية في كيانها على نحو ما هو ظاهر من لفظ الحضارة نفسه. ثم إن الحضارة فيض من عمل ~~الإنسانية عن حاجاتها المادية والمعنوية والأدبية يزيد من هذه الحاجات، ثم يحفز الإنسانية ~~في نفس الوقت إلى سعي جديد يكون من أثره فيض جديد. وهذا الفيض المتتابع هو الذي نقل ~~الإنسانية من حياتها الأولى إلى تنعم به اليوم من ترف ورفاهية، وهو الذي سينقلها في حدود ~~النظام والتقدم إلى أبعد مدى ترتجيه نحو الكمال. وقد كان العربي في وفرة من حاجاته الأدبية ~~والمعنوية. لكن حاجاته المادية وحكمها القاسي الذي اضطره إلى البداوة وإلى عيش العزلة هي ~~ركن من ms215 قواعد الحضارة لا سبيل لقيامها بدونه. # وهذا في ظننا هو أكبر السبب في غموض تاريخ العرب قبل الإسلام غموضا يكاد يكون تاما. ~~فبينا يرجع تاريخ مصر لأكثر من ستة آلاف سنة، فيصور لنا حضارة عظيمة ثابتة الأركان ~~والقواعد، تمتد من ضفاف النيل عبر البحر المتوسط إلى اليونان وروما، وتجتاز برزخ السويس إلى ~~فلسطين وسوريا وما وراءهما، وتظهر فيها الحياة المادية والمعنوية والأدبية واضحة الحدود ~~والثنايا، ثم هي ما تزال تزداد بالبحث والتنقيب ظهورا ووضوحا؛ وبينا يحدثنا التاريخ عن ~~اليونان وروما، ويدل فيهما على حضارة ترجع إلى نحو ثلاثة آلاف من السنين؛ وبينا سائر الأمم ~~التي كانت معروفة في تلك العصور النائية قد تأثرت بهذه الحضارات، وأثرت فيها، وكانت لها ~~حضارات خاصة - بينا يكشف لنا التاريخ عن هذا إذا به لا يروي عن شبه جزيرة العرب قبل الإسلام ~~بأكثر من مائتي سنة شيئا معينا. # وإذا رواياته عن هذين المائتين من السنين لا تدل على أكثر من أن العرب كانوا أهل بأس ~~ونجدة وحياة معنوية فياضة. أما الحضارة ومظاهرها من علوم وفنون، أما هذا الفيض الذي يربو ~~على حاجات الإنسانية ثم يندمج فيها ليخلفه فيض جديد يندمج ليجيء بعده فيض غيره، ثم ما يكون ~~من ذلك من التقدم في سبيل الكمال، فلا يحدثنا تاريخ العرب قبل الإسلام عن شيء منه. بل لا ~~يزال شبه الجزيرة في تاريخه من بعد الإسلام إلى يومنا خلوا من هذا؛ لأنه لا يزال كما كان ~~خاضعا لسلطان الحياة الاقتصادية التي لا تجود بما يقيم الركن المادي من أركان ~~الحضارة. # على أن الناحيتين، المعنوية والأدبية، كانتا قويتين في النفس العربية قبل الإسلام، ولا ~~تزالان قويتين فيها إلى حد عظيم. وهذه القوة المعنوية أثر من آثار قسوة الحياة الاقتصادية ~~العربية، أو هي تعويض عن هذه القسوة تجود به الطبيعة وتقيمه في الكائن الحي فطرة الاحتفاظ ~~بالحياة. فلو أن الحرمان المادي قابله حرمان معنوي لما استطاع هذا البدوي المقيم على شظف ~~العيش أن يجد في نفسه من الهمة ما يتغلب ms216 به على شدائد الدهر ونوائب الزمن. بل لو أن نفسه ~~كان فيها هذا الاستسلام الوادع المطمئن إلى ما تجود به الطبيعة من عيش ناعم لقضى نحبه جوعا ~~وظمأ. والقليل الذي بقي لنا من أدب العرب قبل الإسلام وفي صدره الأول يفيض بمعاني هذه ~~الهمة وآثار تلك القوة التي كانت دائمة التحفز لمجالدة الطبيعة ومغالبتها. وماذا تسمي هذا ~~الازدراء للتكسب بالشعر إلا أنه سمو عن المسألة واحتقار لكل من تحدثه نفسه بأن يعيش عالة ~~على غيره وأن يكسب حياته من غير جده ونشاطه؟ ثم ماذا تسمي هذا الترفع من جانب الرؤساء عن ~~قول الشعر - حتى كان امرؤ القيس عار أبيه - إلا أن هؤلاء الرؤساء كانوا يرون واجبهم في ~~الدفاع عن عشائرهم والذود عن حياضها والحكم بين أهلها يقضي عليهم بالترفع عن القول إلى ~~العمل، خصوصا إذا أوجب هذا القول ما يوجبه الشعر العربي من غزل لا يتفق ورياساتاهم ~~الرفيعة. على أن الشعر الذي قاله الرؤساء وغير الرؤساء كان يفيض حماسة ونجدة، وينبئ عن رفعة ~~في النفس تبعدها عن الدنايا وتدفعها إلى أسمى الغايات. # هذا الفقر في الناحية الاقتصادية والغنى في الناحية المعنوية، وهذه العزلة الدائمة ~~التجوال، كل ذلك جعل من العربي رجلا خياليا لا يعرف من دقائق حياة الوجود إلا قليلا. ثم ~~مع هذا يرد كل ما في الوجود إلى شخصه فيمتلئ بذلك زهوا وافتخارا. وأنت فيما ترجع إليه ~~من أشعار العرب قبل الإسلام لا تجد إلا حديث الشاعر عن نفسه. فحبه وغزواته وكرمه ومجده ~~ونسبه. وأنت تجد ذلك كله مذكورا بزهو أي زهو، وإعجاب أي إعجاب. فأما ما كان من مظاهر ~~الحضارة في الشعر؛ أما هذا الوصف لحياة الجماعات ونشاطها وغزوات الدول الأجنبية إياها ~~وفخارها بالنصر، وألمها للهزيمة مما تجده في إلياذة هوميروس، وأما هذه الفلسفة الدينية أو ~~الوثنية التي تعبر عن إيمان الجماعة وآمالها في الحياة، وفيما بعد الحياة مما تجده في آثار ~~المصريين واليونان والرومان، وأما هذه الفلسفة التي تعبر عن نظام الجماعة التي فرغت من ~~سعيها لحياتها، ms217 وجلست تفكر في أمسها ويومها وفي الحياة والموت وما بعدهما، وأما هذه القصص ~~التي يتلهى بها أهل المدن في مسارحهم وحين قصفهم ولهوهم؛ أما هذا وما إليه منآأثار الفكر ~~والفن ومن ثمرات الحضارة، فلا تكاد تحسه في الشعر العربي قبل الإسلام. وكيف تطلبه إلى قوم ~~حياتهم الاقتصادية ما رأيت ولهوهم هو هذا الغزل بالنساء والإشادة بالحب وذكره؟ والحب كما ~~تعلم ليس إلا حديث بقاء النوع، كما أن الكفاح ليس إلا حديث الاحتفاظ بالحياة. # تلك كانت حياة العرب قبل الإسلام. أعدتهم الطبيعة لحياة العزلة والجهاد فظلوا قبائل ~~لحمتها النسب وسعيها حماية الجار عربيا كان أو غير عربي. وأنت لن تجد في شعر الجاهلية ~~معنى أسمى من هذه الحماية وبذل النفس في سبيلها واستعداء العشيرة على من يتعدى عليها. كما ~~أنك لن تجد عند الجاهليين من دوافع الطبيعة غير الغزل جاوز عندهم ما تدفع إليه فطرة استبقاء ~~النوع وتحسينه إلى أن صار فنا. يفكر الأعرابي في محبوبته على أنها أمل يتخيله وصورة يصل ~~في وصفها إلى ما لم يصل إليه سواه. وذلك أن الشاعر العربي القديم كان يقاسي من ضرورات ~~الحياة ما يقاسي، ثم لا يجد من صور الترف والنعمة سوى المرأة. فكان لذلك يسبغ عليها كل ما ~~في عقله وقلبه وكل ما في بصره وبصيرته من الصور والمعاني. # أما ما سوى هذه المظاهر من صور الحياة فلم يذكر عنه التاريخ شيئا. وإذا كان بعض المؤرخين ~~قد وجد في بلاد اليمن وفي بعض سواحل العرب شيئا من آثار الحضارة؛ فذلك لأن تلك السواحل ~~كانت في حياتها الاقتصادية أحسن حظا من داخلية البلاد المحاطة بالصحراء، لكن حظها لم يكن ~~من الوفرة بحيث ينيل ما وراءها من المتاع المادي الذي يقيم الحضارة في شبه الجزيرة أو في ~~قسم منها ذي قوام خاص؛ لذلك بقيت حياتها البدوية أساس كيانها، وبقي لها من هذه الحياة كل ما ~~سبق وصفه من الآثار. # ولما جاء الإسلام كانت شبه الجزيرة على حالها القديم منقسمة شيعا وقبائل كل منها ذات ms218 ~~كيان مستقل بحاله من نسب وتقاليد ولهجة عربية، تختلف قليلا أو كثيرا عن لهجة قريش. ~~لكنها كانت جميعا ذات حياة معنوية وأدبية ممتازة في القوة. وكانت هذه الحياة المعنوية غير ~~متفقة مع ما كان سائدا بينها من عقائد أورثها إياها سلفها، وجنى عليها ما كان يرد إليها مع ~~أبنائها حماة التجارة من عقائد القبائل والشعوب المجاورة؛ لذلك وجدت كلمة الإسلام في ~~بساطتها وقوتها وحقيقتها مرعى خصبا في نفوس ترجو أن تطمئن، فلما اجتمعت كلمة العرب في شبه ~~الجزيرة حول الإسلام، وتناصرت قبائلهم المتقاتلة، وأصبحوا أمة جمعت كل قوى العربي المعنوية، ~~اتجهوا إلى الفتح؛ ليقيموا الدين ولو كره الكافرون. # أوغل العرب المسلمون إلى الشام والعراق والفرس ومصر، فألفوها بلادا ذات حضارة كاملة ~~الأداة والمظهر، ووجدوا فيها ثمرات الاجتماع من فلسفة وعلم وفن. وتلك شئون ليس لشبه الجزيرة ~~بها عهد. ولكنهم ألفوا الجانب المعنوي من هذه الحياة الحضرية ضعيفا متهدما نخره الترف ~~وزعزعت أسسه المظالم. وهذا الضعف المعنوي، هذا الضعف في إيمان النفس بذاتها، هو الذي فتح ~~أمام النفوس العربية - التي ازدادت بإيمانها الجديد قوة وحماسة - أسوار هذه الأمم. فبدأ ~~العرب أول فتحهم هذه البلاد ينشرون الدين فيها ويقيمون العدل بين أهلها، ويعفون عما استقر ~~من الحضارة بين ربوعها. وهذا يفسر لنا ما يقال من إحراق بعض دور الكتب، وعدم العناية بأي ~~مظهر من مظاهر الفن. لكن فترة الغزو الأولى لم تلبث أن تمر ولم يلبث العرب أن اطمأنوا إلى ~~معاني النعمة التي أفاضتها عليهم خيرات البلاد المفتوحة؛ حتى بدأوا يترددون في وجوب التعفف ~~عنها. ولعل أول مظاهر هذا التردد صراحة انتقال حكومة الدولة من مكة والمدينة إلى دمشق. فليس ~~شك في أن من الأسباب التي أدت إلى هذا الانتقال ما رأى العرب من فقر شبه الحزيرة وإقفارها، ~~ومن استحالة قيام الحضارة فيها. وبانتقال الحكومة إلى دمشق وأخذ الخليفة من مظاهر الترف ~~بنصيب بدأ هؤلاء الذين قضوا حياتهم إلى ذلك الحين في شظف من العيش ينالون من آثار النعمة ما ~~يرفه عنهم ms219 مضض الجهاد، وما يزيدهم للغزو حبا وفيه إمعانا. # وإذ كانت الناحيتان الأدبية والمعنوية ناميتين عنده كما أسلفنا، وكان ذا حظ من الذكاء ~~عظيم، فقد استطاع أن يتمثل حضارة البلاد التي مر بها. بل استطاع أكثر من ذلك أن يهضم ~~الحضارات المختلفة، وأن يسيغها، وأن يجعل منها حضارة واحدة هي الحضارة الإسلامية. فهو قد ~~وجد على شواطئ دجلة والفرات، ووجد في بلاد فارس صورا من الحضارة ماثلة في مظاهر الفكر ~~والفن على غير الصورة التي مثلت بها الحضارة الرومانية على ضفاف النيل، وعلى غير ما وجد على ~~شواطئ البردا بدمشق. مع ذلك جمع هذه المظاهر كلها ومزجها في فكره مزجا، وأبرز منها للحضارة ~~الإسلامية صورة جعلت ترقى رويدا رويدا وتزداد باتساع الفتح رقيا، وتتمثل صورا ومعاني ~~للحضارة جديدة، حتى كانت حضارة بغداد وحضارة قرطبة غاية ما وصل إليه التقدم الإنساني في تلك ~~العصور. ولما تدهورت دولة العرب وقام الترك على حكم المسلمين وقفت هذه الحضارة الإسلامية ~~التي ساغها العقل العربي، فلم تتقدم وظلت واقفة إلى زمن قريب من عصرنا الحاضر، ثم هبت ~~عليها نسمات من الحياة تبعث في النفوس اليوم أكبر الأمل أن يعود لهذه الحضارة مجدها ~~وسلطانها. # خرج العرب المسلمون إذن من شبه الجزيرة ولا حضارة لهم، ثم كانوا أداة اتصال بين الحضارات ~~المختلفة القائمة في الفرس وفي مصر وفي الأندلس فتمثلوها، ثم خلقوا من مظاهرها جميعا ... ~~وفنية كبرى. ولقد قام أهل البلاد التي فتحها الإسلام بهذه المجهودات فألفوا بها بين حضارتهم ~~السابقة وحضارات الأمم التي اشتركت معها الحضارة ما اقتضاه قيام كل حضارة سبقتها من مجهودات ~~عقلية، حضارة متحدة هي الحضارة الإسلامية. وقد اقتضى قيام هذه بعد فتح العرب إياها في نعمة ~~الإسلام. أما العرب الفاتحون أنفسهم فقليل منهم من اشترك في هذه المجهودات الفكرية والفنية ~~وإن كانت جميعا قد تمت بأمرهم وتحت إشرافهم. ولعل أكبر ما يقنعك بهذا أن الأدب العربي، ~~الذي كان باقيا للعرب أنفسهم لم يشاركهم فيه من أهل الأمم المحكومة إلا قليل، قد بقي ~~بطابعه ms220 العربي القديم مع قليل من التحول زمنا طويلا. ثم هو على كل حال لم يتأثر في غير ~~الأندلس بمظاهر الحضارة الجديدة من وصف للمدائن والقصور وما تحتويه. وهو لم يتأثر ولا في ~~الأندلس تأثرا ظاهرا بالأبحاث التاريخية والفلسفية والعلمية التي كان يعالجها أهل تلك ~~الأمم، والتي بلغت في رفعة الحضارة الإسلامية مقاما محمودا، وكانت ذات أثر مباشر في تطور ~~المدنية الغربية وفي بلوغها مكانتها الحاضرة. # وإنه لعجب حقا أن يدل الأدب العربي على أن العرب الذين تمثلوا حضارات الأمم التي حكموها ~~ظلوا محتفظين بسحنتهم العربية، حتى لكأنما أنفوا أن يستعيروا من أدب غيرهم ما لم يكن في ~~أدبهم قبل الإسلام من قوالب وصور. أم أنها لم تكن أنفة، بل كان الطبع العربي السريع التنقل ~~والتجوال هو الذي احتبسهم في تلك القوالب القديمة؟ أرأيت شاعرا عربيا قحا عدا في ~~أوزانه أوزان العرب الجاهليين؟ وهل رأيت كتاب العرب اختلفوا في نقل الروايات عمن سبقوهم؟ ثم ~~هل جدد عربي في الأدب نوعا من الأنواع لم يكن معروفا من قبل؟ وهل وضع أحد القصة الطويلة ~~أو الرواية التمثيلية، أو ما إلى ذلك مما عرفه أدب اليونان والرومان وما كان معروفا في مصر ~~وفي غير مصر من البلاد التي خضعت للفتح العربي؟ أم أن الذين جددوا في اللغة العربية لم ~~يكونوا عربا أعرابا، وأن الذين كتبوا كليلة ودمنة وألف ليلة وليلة وقصة عنتر، وما إلى هذا ~~من الأنواع الجديدة إنما كانوا من أهل البلاد التي دخلها العرب واتصل ما بينهم وبين أهلها ~~برابطة الإسلام، فكان تعاون على إعلاء شأن الدين والحضارة التي لازمته. # أستغفر الله فقد ابتدعت في الأندلس صيغ وأوزان في الشعر جديدة أخذها مشارقة المسلمين ~~عنهم. كما أن الشعر العربي والنثر العربي تأثرا بكل حياة جديدة مرا بها في تصويرهما ~~المعاني. لكن أكبر عوامل هذا التجديد ليسوا العرب الأعراب، وإنما هم الذين دخلوا في الإسلام ~~واتخذوا اللغة العربية لغة لهم. وقد يكون من الأعراب من تابعهم. لكن العرب الذين نزحوا من ~~شبه الجزيرة ms221 ظلوا أغلب أمرهم محتفظين بكيانهم القديم، كما ظلوا أدوات اتصال بين الأمم التي ~~شاركتهم دين الهدى والحق. # على أن أكبر ما يسر للعرب الإشراف على قيام حضارة مشتركة بين هذه الأمم المتجاورة ما ~~تربط الطبيعة به هذه الأمم من أواصر، فهي جميعا ترجع إلى أجناس متقاربة، كما أن وسائل ~~الاتصال بينها عريقة في التاريخ تقرب بينها اليوم كما كانت تقرب بينها من قبل. ميسورة بسبب ~~وقوعها جميعا على شواطئ البحر الأبيض المتوسط أو على مقربة منه. ولقد كانت الحضارة التي ~~قامت على شواطئ هذا البحر متقاربة أبدا. وكان التفاهم لذلك بين أممه ميسورا. # وكان فضل العرب الأكبر أنهم جاءوا إلى هذه البلاد في عصر انحلت فيه عناصر قوتها ~~المعنوية وتخاذلت النفوس، فدفعوا إليها من قوتهم ومن إيمانهم الجديد نشاطا وقوة وتماسكا ~~حفزتها للعود بحضاراتها إلى الإنتاج والتقدم كما قربت بين هذه الحضارات وأدمجتها في الحضارة ~~الإسلامية. واتصال العرب بهذه الأمم جميعا اتصال جوار وجنس وتجارة مكن لهذه الحضارة ~~الجديدة أن تؤتي كل ثمراتها، وأن تبدع في مظاهر الفكر والفن والعلم مبتكرات ما يزال أثرها ~~إلى اليوم باقيا. # هذه الأواصر التاريخية القديمة التي تربط أمم الشرق العربي بروابطها المتينة إلى يومنا ~~الحاضر هي التي جعلت اللغة العربية والحضارة الإسلامية تبقى في أكثر البلاد التي أقام فيها ~~العرب واتصلوا فيها بروابط النسب والقربى. أما الدول التي لم تكن متينة الارتباط التاريخي ~~بالحضارة الجديدة كالأندلس وفارس، فقد عادت إلى عناصرها لأول ما دخل على السلطان العربي ~~الضعف والانحلال. وها نحن أولاء تشهد أعيننا اليوم كيف تنبض هذه الأمم بدقات قلب واحد حين ~~بدأ يدب فيها من جديد دبيب الحياة والقوة برغم ما تعانيه من ذل وأسر. فهذا المظهر وحده ~~يدل على أنها جميعا اليوم على أبواب جدة ~~(Rénaissanee) # كجدة أمم الغرب في القرن الخامس عشر، ولا يمكن أن تنفرد إحداها بهذه الجدة ما دامت الحضارة ~~الإسلامية التي نشر العرب لواءها هي مرجع هذه الجدة، وهي التي تطعم عليها حضارة الشرق ~~العربي الجديدة، كما ms222 طعمت حضارة العرب أيام جدته على مدنية اليونان والرومان. # أليس عجبا أن نذكر في هذا الظرف الذي يحدونا فيه الرجاء، ويملأنا الأمل في أن نرى جدة ~~مدنية الشرق العربي كيف كان هؤلاء العرب الأعراب - ولا حضارة لهم - سببا في تكوين الحضارة ~~الإسلامية وفيما خلفت من آثار جمة في العالم، أوليس عجبا كذلك أن يظل هؤلاء العرب الأعراب ~~إلى يومنا هذا ولا حضارة لهم لأن واديهم غير ذي زرع لا يصلح مستقرا للحضارة وأدواتها من ~~فن وعلم وفلسفة. وأعجب من كل هذا أن أولئك الذين لا حضارة لهم قد أقروا في منابت أكبر ~~حضارات شهدها التاريخ لغتهم، فربطوا بذلك بين أمم هذا الشرق بأوثق رباط، وصار حتما مقضيا ~~على هذه الأمم أن تتفق حضارة ومصائر ما اتفقت لغة وعادات. ولكن لا عجب؛ فإنما الإيمان الذي ~~رفع النفس العربية إلى المستوى السامي الذي يبعث النفس الإنسانية إلى التقدم نحو الكمال هو ~~الذي بعث الحياة الإنسانية في نفس الأمم التي أضعفها الاستعباد والترف، فانتقلت بإيمانها ~~طفرة إلى النشاط الصالح، وأقامت الحضارة التي بعثت إلى الكون حياته مئات من السنين. # ولقد كان الإيمان منذ بدأت الإنسانية هو القوة الدافعة إلى الرقي والتقدم، وكان قوام ~~الحضارات في مصر وآشور واليونان ورومة كما أن الإيمان بالعلم وسلطانه هو قوام المدنية ~~الغربية الحاضرة. وإيمان شعوب الشرق العربي في هذا العصر الحاضر هو الذي يبعث في كل نفس ~~أكبر الأمل بأن أمم هذا الشرق ستقوم عما قريب بدور عظيم في أدوار حياة الإنسانية. ms223