######OpenITI# #META# URI: 1375MuhammadHusaynHaykal.FiManzilWahy.Hindawi18175075 #META# Tags: literature #META# ID: 18175075 #META# Title: في منزل الوحي #META# AuthorID: 73037206 #META# Author: محمد حسين هيكل #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تقديم الكتاب‏ # الكتاب الأول: فرض الحج‏ # عزم السفر‏ # بين المرفأين‏ # العمرة بمكة‏ # وقفة عرفات‏ # أيام التشريق‏ # الكتاب الثاني: البلد الحرام‏ # مكة الحديثة‏ # ابن السعود بمكة‏ # الجمعة في الحرم‏ # في جوف الكعبة‏ # آثار مكة‏ # في غار حراء‏ # في غار ثور‏ # ظاهر مكة‏ # الكتاب الثالث: الطائف وآثارها‏ # طريق الطائف‏ # الطائف‏ # بادية الطائف‏ # أسواق العرب‏ # الكتاب الرابع: بين الحرمين‏ # طواف الوداع‏ # طريق المدينة‏ # وحي المدينة‏ # الكتاب الخامس: مدينة الرسول‏ # في المسجد النبوي‏ # المدينة الحديثة‏ # آثار المدينة‏ # جنة البقيع‏ # على قبر حمزة‏ # أمام الحجرة النبوية‏ # ظاهر المدينة‏ # زيارة الوداع‏ # الكتاب السادس: أوبة الرضا‏ # بدر وشهداؤها‏ # أوبة الرضا‏ # خاتمة الكتاب‏ # تقديم الكتاب‏ # الكتاب الأول: فرض الحج‏ # عزم السفر‏ # بين المرفأين‏ # العمرة بمكة‏ # وقفة عرفات‏ # أيام التشريق‏ # الكتاب الثاني: البلد الحرام‏ # مكة الحديثة‏ # ابن السعود بمكة‏ # الجمعة في الحرم‏ # في جوف الكعبة‏ # آثار مكة‏ # في غار حراء‏ # في غار ثور‏ # ظاهر مكة‏ # الكتاب الثالث: الطائف وآثارها‏ # طريق الطائف‏ # الطائف‏ # بادية الطائف‏ # أسواق العرب‏ # الكتاب الرابع: بين الحرمين‏ # طواف الوداع‏ # طريق المدينة‏ # وحي المدينة‏ # الكتاب الخامس: مدينة الرسول‏ # في المسجد النبوي‏ # المدينة الحديثة‏ # آثار المدينة‏ # جنة البقيع‏ # على قبر حمزة‏ # أمام الحجرة النبوية‏ # ظاهر المدينة‏ # زيارة الوداع‏ # الكتاب السادس: أوبة الرضا‏ # بدر وشهداؤها‏ # أوبة الرضا‏ # خاتمة الكتاب‏ # | في منزل الوحي # | في منزل الوحي # تأليف # محمد حسين هيكل # بسم الله الرحمن الرحيم * الحمد لله ~~رب العالمين * الرحمن الرحيم * مالك ~~يوم الدين * إياك نعبد وإياك نستعين * اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين ~~أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين # | تقديم الكتاب # ثلاثمائة مليون من المسلمين أو يزيدون تهفو قلوبهم جميعا إلى منزل الوحي، ويهزهم الحنين ~~إليه، يولون وجوههم شطره خمس مرات كل يوم أينما أقاموا الصلاة، وإلى البيت العتيق تهوي ~~أفئدتهم رغبة في أداء فريضة الحج، وإلى قبر الرسول النبي العربي يحثهم الشوق ابتغاء زيارته، ~~ومنهم من يود لو يقف عند كل مكان وقف فيه الرسول ليتمتع ما وسعه المتاع بما توحيه هذه ~~المواقف من جلال روحي خلقي وإنساني يأخذ ms001 بمجامع النفس، ومنهم من يدعوه تطلعه العلمي ~~إلى البحث عن أسرار هذه البيئة العربية التي اختارها القدر، فجعل منها منزل الوحي بالتوحيد ~~إلى محمد عبد الله ورسوله في أكثر صور التوحيد سموا وصفاء: ماذا كانت قبل الرسالة؟ ~~وكيف كانت حياة الرسول؟ وإلام صارت على توالي العصور؟ # بلاد ذلك مبلغها من عناية العالم بها جديرة بأن تتعلق بها أفئدة الكتاب والشعراء ~~والمؤرخين والعلماء، تتلمس أسرارها وتستلهم من روحها، وهي لا ريب قد استوقفت منهم كثيرين من ~~أهل الأمم المختلفة، بل لقد استوقفت كثيرين من غير المسلمين في مختلف العصور وفي عصرنا ~~الحاضر، على أن ما تحتفظ به من تراث دائم الجدة، بالغ غاية الدقة في تشعبه خلال ~~التاريخ واتصاله بأرجاء العالم المختلفة، قد حال بين طائفة من الأدباء والشعراء والباحثين ~~وبين التنقيب في كنوز هذا التراث، وذلك لما لها في نفوس الباحثين المسلمين من قداسة روحية ~~تصدهم عن الغوص فيها إلى غاية أعماقها، ولما يغيب من أسرارها عن غير المسلمين بسبب هذه ~~القداسة الروحية ذاتها، هذا إلى أن ما صارت إليه بلاد العرب منذ قرون طويلة من تأخير ~~واضمحلال قد لوى الكثيرين عنها، ومال بهم عن التفكير في أمرها، شأن الناس إذ يرغبون عن كل ~~ما انطفأ بريقه، وإن حوى في طياته أثمن النفائس؛ ومن ثم قل ما كتب عن بلاد النبي العربي في ~~القرون الأخيرة مما له قيمة علمية تكشف الغطاء عن حقيقة هذه البلاد واختبار القدر إياها ~~للوحي والرسالة على نحو يقنع تفكير هذا العصر، وكان ما كتبه العلماء الأجانب بعيدا عن ~~تناول الظاهرة الروحية التي تغير لها وجه التاريخ منذ أربعة عشر قرنا، والتي ستظل عاملا ~~خالد الأثر في حياة العالم ما كان للقوة الروحية في توجيه العالم أثر وسلطان. # ولقد حرصت على أن أقف ما استطعت عند البحوث التي تناولت بلاد العرب من هذه الناحية، منذ ~~بدأت أكتب السيرة وأنشرها تباعا في فصول كتابي «حياة محمد»، ولقد وفقت لبعض ما أردت في ~~الكتب العربية التي كتبت في ms002 العصور الإسلامية الأولى، وفيما كتب بالعربية من بحوث في هذه ~~العصور الأخيرة، كما وفقت لناحية أخرى منه فيما كتبه علماء الغرب ورجال الرحلات فيه، ~~لكنني شعرت آخر الأمر بأنني سأظل ينقصني جوهر ما أبحث عنه إذا أنا لم أذهب إلى بلاد النبي ~~العربي بنفسي، ولم أقف حيث وقف في أدق ما مر به أثناء حياته، ولم أمهد لذلك بأن أحيط - في ~~حدود الطاقة - بالبيئة العامة التي نشأ فيها، وإنما كنت أفكر في هذا لأتم به بحوثي في ~~السيرة، فأما أن أجعله موضوع كتاب مستقل فذلك ما لم يدر بخلدي بادئ الرأي، فلما ذهبت إلى ~~الحجاز وتجولت فيه تبينت أن ما قمت به من بحوث يتعدى السيرة إلى عصرنا الحاضر؛ لذلك رأيت ~~من الخير أن أطالع القراء بكتاب مستقل يتناول ما رأيت، ويتناول ما أحسست به حين كررت بالزمن ~~راجعا إلى عهد الرسول، وما كان بعد ذلك من حياة المسلمين في عهدهم الأول، ثم ما أصاب ~~البلاد الإسلامية المقدسة بعد ذلك إلى وقتنا الحاضر، مع الإشارة الموجزة إلى ما أرجو أن ~~يكون القدر قد خطه في لوحه لهذه البلاد العربية يوم ينصر الله دينه على الدين كله. # وهذه الإشارة الوجيزة التي يجدها القارئ في بعض فصول الكتاب هي مع ذلك أول ما تحركت له ~~نفسي منذ فكرت في الرحلة إلى الحجاز حتى استقر بي العزم عليها، من يومئذ جعلت أسأل الذين ~~سبقوني إلى الحج عن الحال في بلاد العرب، وعما يروى من الأنباء عن الوهابيين فيها، وعن ~~مذهب ابن عبد الوهاب وما ينطوي عليه، أبتغي بذلك التهيؤ للبحث فيما يستطاع عمله لخير هذه ~~البلاد العربية ولخير المسلمين الذين ينزلونها، وإنما عالجت هذا البحث لما أعرفه من أثر ~~الفوارق المذهبية بين أهل الدين الواحد في مختلف البلاد والأديان والعصور، أفيبلغ الاختلاف ~~بين الوهابيين وغيرهم من المسلمين مبلغا يجعل العمل المشترك والتعاون عليه أمرا غير ~~مستطاع؟ أم أن جوهر العقيدة الإسلامية في هذا المذهب كجوهرها في سائر المذاهب الإسلامية ~~واحد لا يتغير: # قل ms003 هو الله أحد * الله ~~الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن ~~له كفوا أحد ~~؟ أما الجوهر في المذاهب الإسلامية جميعا فهو التوحيد، ~~أما وكتاب الله هو كتاب المسلمين جميعا، فالرجاء عظيم في تعاون المسلمين على إصلاح ما يتصل ~~بشعائرهم وعقائدهم في بلاد البيت العتيق والقبر النبوي، وفي متابعة هذا التعاون على الزمن ~~حتى يقضي الله بأمره، ويتم على الناس نوره. # وقد استغرق التفكير في هذا الأمر كل انتباهي منذ بدأت رحلتي؛ جعلت أفكر فيه حين ركبت ~~الباخرة، وحين نزلت جدة، وأثناء الطواف والسعي بالعمرة بمكة، وعندما ذهبت أتم فرض الحج في ~~عرفات وأختم شعائره في منى، ولم أعجب حين رأيت الكثيرين من زملائي في الحج يشاركونني في هذا ~~التفكير، فقد رأوا جميعا حاجة مناسك المسلمين إلى الإصلاح، فتحركت لذلك نفوسهم وعقدوا ~~الاجتماعات يلتمسون وجوه الرأي فيه، أما أنا فقد وضعت مقترحات لبعض ما رأيت من الإصلاح ~~ودفعت بها إلى رجال الحكومة العربية، ولعل من بين الذين سبقوني إلى الحج من صنع صنيعي ~~راجيا ما أرجو أن يوفق الله المسلمين لغاية الخير. # على أنني لم أتبسط أثناء هذا الكتاب في بيان ما رأيت وما أرى الآن من وجوه الإصلاح؛ لأنني ~~لم أجعل هذا الغرض غايتي الأولى من وضعه؛ ولأن شئون الإصلاح تتطور في تصويرها تبعا لما ~~تقضي به حاجات العصر، ونحن في زمن تسرع فيه الأشياء إلى التحول، حتى لترى ما كان صالحا ~~أمس قد أصبح اليوم عتيقا، إن حدث بعده ما هو خير منه وأدنى إلى الفائدة، لكني تبسطت في بعض ~~فصول الكتاب في نقد ما رأيته موجبا للنقد من أحوال بلاد العرب الاجتماعية، وفي بيان ~~الأسباب التي أدت إلى تدهور البلاد العربية والإسلامية؛ لاقتناعي بأن النقد فاتحة الإصلاح، ~~وبأن تحري الأسرار التي أدت إلى الضعف تشخيص للمرض يسهل معه وصف علاجه. # ومع وقوفي في موقف الناقد من بعض الشئون الحاضرة في البلاد المقدسة، لقد وجهت أكبر عناية ~~إلى آثار الرسول الكريم فيها، وجعلت جل همي أن أسير حيث سار ms004 ؛ ألتمس ما في حياته من أسوة ~~وعبرة، وأرجو أن أقف على شيء من السر الذي هيأ هذه البلاد لتكون منزل الوحي إلى النبي ~~العربي خاتم الأنبياء والمرسلين. # ولم أتقيد في تفكيري وتأملي أمام شيء مما رأيت بغير منطقي وعقيدتي الذاتية اللذين ~~كونتهما الطريقة العلمية الحديثة، فأنا لا أسلم بالعقيدة الموروثة إذا لم يكن لها أساس ~~غير ما وجدنا عليه آباءنا، ما لم أمتحنها وأمحصها، وما لم أصل من أمرها إلى الإيمان بأنها ~~هي الحقيقة كما يسيغها عقلي ويطمئن إليها ضميري، وأنا لا أحسب الذين يدينون بعقيدة ما لغير ~~شيء إلا أنهم وجدوا عليها آباءهم مؤمنين حقا، بل أرى واجبا على الإنسان لكرامته ~~الإنسانية أن يحاول ما استطاع فهم ما يلقى إليه، اتصل ذلك بالعقيدة أو بالتشريع أو بالعلم ~~والفن، فإن اهتدى إلى الحق فيه فذاك، وإلا فليلتمس الهدى عند أهل العلم وليطالبهم بإقناعه، ~~والعالم الجدير باسم العالم هو من أقنع سامعه بالحقيقة التي اهتدى إليها عن طريق المجادلة ~~بالتي هي أحسن، فلا إكراه في الدين، ولا يماري في الحقيقة متى تبين الرشد من الغي إلا ~~من أضله هواه. # ولقد جعلت السير في إثر الرسول غرضي من يوم أتممت مناسك الحج، فقد كنت شديد التوق إلى ~~هذا السير من سنوات، ومذ كنت أتابع الرسول خلال الكتب أبحث فيها سيرته، وكنت أحسب السبيل ~~ميسرة، وأني سأجد عند كل موقف من مواقف الرسول أثرا يدل عليه ويشهد به، ولم يزعزع من ~~ذلك في نفسي ما علمته من هدم الوهابيين القباب التي أقامها من حكموا الحجاز في العصور ~~التي سبقتهم، فالوهابيون إنما استقروا فيه لعشر سنوات خلت، وهذا زمن لا يتيح للنسيان أن ~~يجني على آثار خلدتها أربعة عشر قرنا متعاقبة، هذا إلى أن القباب ليست كل ما يمكن أن ~~يقام من الآثار، وإذا كنا نحتفظ في مصر بآثار ناهضت الدهر خمسين قرنا متوالية؛ فما أحرى ~~المقيمين ببلاد النبي العربي أن يحتفظوا بآثاره وهي أقرب من ذلك عهدا، وأبلغ دلالة، وأبقى ~~على التاريخ ذكرا ms005 ، والوهابيون هم بعد مسلمون، إن أنكروا القباب فلا ينكروا ما سواها من ~~دواعي الذكر والأسوة. # والحق أني لم أجد مشقة في تعرف الآثار التي هدم الوهابيون قبابها، فالأسف على ما صنعوا قد ~~جعل الذين يخالفونهم في الرأي أشد ذكرا لها وحرصا على إشهاد الناس ما حل بها، ولقد شاركت ~~هؤلاء في أسفهم من ناحية لا يفكر أحدهم فيها، فقد كان بين هذه القباب التي هدمت آثار ~~بارعة في الفن، لم يكن يجمل بيد تقدر الفن أن تمتد إليها بسوء، لكني إنما وجدت ~~المشقة في الاهتداء إلى آثار لها في تاريخ المسلمين الأولين أثر بالغ، ولا ترضى أمة تقدر ~~تاريخها أن تذرها للنسيان يعبث بها ويجني عليها، من ذلك اختلاف الأقوال على موقع حنين حيث ~~كانت الغزاة التي تركت في تاريخ الإسلام أثرا قل كمثله أثر، ومنه اختلافهم على موقع ~~عكاظ سوق العرب جميعا في الجاهلية وفي صدر السلام، وإنما سوغ الجهل الذي خيم على بلاد ~~العرب من عصر العباسيين هذه الجناية النكراء، كما سوغ أمرا لا يقل عنها نكرا، فقد ~~أقيمت آثار لحوادث وقعت وليس في التاريخ ما يدل على أنها وقعت حيث تقوم هذه الآثار، وأقيمت ~~آثار لحوادث لا يعرف التاريخ الحق من أمرها شيئا، وتحقيق ذلك كله وبيان قيمته العلمية أمر ~~جدير بكل من يريد الحقيقة، وقد حاولت من ذلك ما استطعت، لكن هذا التحقيق يحتاج إلى أضعاف ~~الزمن الذي قضيته بالحجاز، ويحتاج مع الزمن إلى بحوث ينقطع لها صاحبها ليقابل بين ما جاء في ~~الكتب المختلفة؛ لعله يبلغ من المقابلة إلى ما تستقيم به النتيجة التي يتوخاها، وليس ~~يخامرني ريب في أن هذا العمل لو قامت به بعثة جامعية لوجدت فيه من الفائدة ومن المتاع ~~العلمي ما تهون معه كل مشقة. # وكان حديث الآثار الصحيحة التي وقفت عندها كله البلاغة في التعبير عما تدل عليه وتوحيه ~~إلى النفس من آي الجلال والعظمة، فجبل حراء والغار في قمته، ومسجد عداس بالطائف، ومسجد ~~العقبة وجمرتها، وجبل ثور ومختبأ رسول ms006 الله وأبي بكر بالغار فيه، والطريق الذي سلكه النبي ~~إلى المدينة حين هجرته من مكة، ومسجد قباء، والمسجد النبوي والآثار الكثيرة المختلفة ~~بالمدينة، وميدان بدر حيث وقعت الغزوة الأولى بين قريش والمسلمين، هذه المواقع وما إليها ~~كانت تثير أمام ذهني ذكريات مليئة بالحياة كأنما حدثت بالأمس، وكانت توحي إلي معاني ~~الإكبار والإعظام وتزيدني إجلالا لهذه الأماكن في صمتها العميق لم يغير منه توالي القرون، ~~ولقد كان ما أوحته هذه الأماكن مما حاولت تصويره في هذا الكتاب أبلغ من كل ما استطاع قلمي ~~أن يصفه أضعافا مضاعفة. # ولقد كشفت لي هذه الآثار عن صورة لبلاد العرب حين بعث الله نبيه بالهدى ودين الحق تختلف ~~أشد الاختلاف عن صورتها في الوقت الحاضر، وتختلف عما وقر في نفس الكثيرين من صورتها في ~~آخر أيام الجاهلية، كانت بلاد العرب يومئذ ذات حضارة لا شيء يشبهها في شبه الجزيرة اليوم، ~~كانت مكة وبعض بلاد الحجاز مدنا تجارية عامرة مزدهرة، وكانت الطائف ذات الخصب موضع عناية ~~من أهلها بحسن استغلال خصبها وبصيانة سلامتها، وكان أهل تهامة وأهل الحجاز أولي ثقافة ~~وحكمة وأدب، وكان العرب على اتصال بالعالم ينقلون تجارته بين الشرق والغرب مما زادهم علما ~~وزادهم براعة في التجارة وأساليبها، لكنهم كانوا يحيون حياة سياسية أشبه بحياة اليونان ~~القديمة وبحياة بعض بلاد الغرب، ومنها إنجلترا، منذ قرون قليلة، كانوا قبائل ومدائن تحتفظ ~~كل منها بوحدتها وبسلطانها، وتدفع عن حياضها كل من يحاول الاعتداء على سيادتها أو على ~~ثروتها، فلما بعث الله النبي العربي داعيا إلى التوحيد، ألفى في هذه القبائل قوة في ~~الجدل وصلابة في الاستمساك بعقائدهم ونظمهم، فلما هدى الله الكثيرين من أهل يثرب إلى ~~الإسلام، وهاجر النبي إليهم وانتصر بهم، وجمع كلمة العرب تحت لواء الدين الجديد، استطاعت ~~هذه الأمة الفتية المستعدة بحضارتها للنهوض أن تثب إلى حيث وثبت، وأن تبث في العالم ~~حضارة هذا الدين الذي اختارها الله لتكون وطنه الأول. # كشفت لي هذه الصورة عن جانب من السر الذي كنت ألتمسه، والذي ms007 كان خفيا عني حين كنت ~~أتصور بلاد العرب كلها - كما يتصورها الكثيرون - واديا غير ذي زرع لا تصلح مقرا لحضارة ~~يضيء نورها العالم، كان أهلها شديدي المحافظة على عقائدهم وعاداتهم وتقاليدهم، وكانوا ذوي ~~بأس وقوة في هذه المحافظة، وقد كانت عقائدهم الوثنية تمسكهم دون الوثوب إلى دعوة العالم ~~المفكك الأوصال يومئذ ليستظل بحضارة أجدر بالإنسانية مما كانت تدعو إليه بزنطية وفارس، ~~فلما هدى الله العرب إلى الإسلام كانت تعاليم هذا الدين منارة الهدى للعالم، وكان النبي # صلى الله عليه وسلم # الأسوة والمثل بأدبه وخلقه وقوته على الحياة لنشر هذه التعاليم، وإحياء ~~الإنسانية بروحها السامي، وهذه الأسوة هي ما تحدث به آثاره في بلاد العرب حديثها البليغ ~~الذي تهتز له النفس وتسمو به الروح إلى مراتبها العليا حيث تشرق الأرض بنور ربها، ويرى ~~الإنسان فيها فضائل الكون مجتمعة. # والواقع أن ما توحيه آثار الرسول من هذه المعاني بالغ غاية القوة، وأنت تستطيع أن تجمع ~~هذه المعاني في عبارة موجزة: تكريس الحياة لمثل أعلى يوجه الإنسان إلى جهوده فيبلغه أو يموت ~~دونه مستشهدا في سبيله، وحسبك أن تقف عند كل واحدة من كلمات هذه العبارة لترى الجلال ~~والقوة والسمو على الحياة متضافرة كلها إلى خير غاية، فالمثل الأعلى في الإسلام ما هو؟ رضا ~~الله بالبر والتقوى، وحب المرء لأخيه ما يحب لنفسه، صور هذه المعاني النفسية صورة مادية، ~~واجعل منها مثلك الأعلى الذي تكرس له جهود حياتك، هذا التصوير وحده عظيم شاق يقتضيك مجهودا ~~جسيما، أنت تريد الغنى مثلا أعلى لك، فليكن؛ لكن يجب أن تبتغي به رضا الله، وأن تكون في ~~تحصيله برا تقيا، وألا تعامل الناس في تحصيله إلا بما تحب أن يعاملك به من أراد منهم ~~مثل غايتك، وذاك يرى جاه الحكم مثلا أعلى له، فليكن؛ لكنه يجب أن يبتغي بالحكم رضا الله، ~~وأن يكون فيه برا تقيا لا يعامل غيره إلا بما يحب أن يعامله الغير به إذا ولي أمره، ~~فإذا صور المرء مثله الأعلى وجب عليه أن ms008 يسعى إليه غير وان، ويوجه إليه كل جهوده، وأن ~~يستهين في سبيله بكل تضحية وإن كانت بالحياة، ولا عليه إن أصابه مكروه ما دام رضا الله ~~مبتغاه، فكان لذلك برا تقيا مؤمنا بالأخوة الإنسانية، محبا لإخوانه المؤمنين ما يحب ~~لنفسه، راجيا لهم الخير، وأن يبلغ كل من مثله الأعلى ما يود هو أن يبلغه من المثل الذي ~~جعله نصب عينيه وغرض حياته. # لكن الأمثال العليا تتفاوت تفاوتا عظيما، وأسمى الأمثال - لا ريب - ما بعث الله به نبيه ~~هدى للناس ونورا، ولقد بلغ من إيمان العرب في الصدر الأول بهذا المثل أن جعله كل منهم ~~غرض حياته، وأن أخضع له كل ما في الحياة من غرض دونه، وأن كان الاستشهاد في سبيله أملا ~~يتمنى أن يجعله الله نصيبه، فهذا الذي اتخذ التجارة حرفة له في الحياة ووقف لها جهوده كان ~~يجعل في تجارته حظا معلوما للسائل والمحروم، وكان يهب نفسه لله يوم يدعو الداعي إلى ~~الجهاد في سبيله؛ ذلك لأن الدين الجديد علمهم أن الأمة يجب أن يكون لها، كما يجب أن يكون ~~للفرد، مثل أعلى، وأن المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها أمة واحدة لكل منهم على الآخر ما ~~للأخ على أخيه من حق، فيجب أن يكونوا يدا واحدة في سبيل الله يتحابون بنوره بينهم، ~~ويبذلون في سبيله مهجهم وأرواحهم، يعلمون الناس بذلك أنه لا إله إلا هو، لا يغيب عنه ~~مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، وأنه - جل شأنه - برأ الناس ليتعاونوا على البر ~~والتقوى حتى يبلغوا بالإنسانية كمالها، فإن بغت طائفة منهم فقد وجب عليهم جميعا أن ~~يقاتلوا الباغي حتى يفيء إلى أمر الله. # هذه المعاني السامية هي تعاليم النبي العربي وتعاليم الإسلام، وهي ما توحيه آثاره # صلى الله عليه وسلم # إلى من يقف عندها في بلاد العرب، ولقد كان من أثر هذه التعاليم أن صارت بلاد العرب ~~محط أنظار العالم كله في حياة الرسول وبعد اختياره الرفيق الأعلى، امتد الفتح الإسلامي في ~~عهد أبي بكر وعمر إلى ms009 بلاد الإمبراطوريتين الرومية والفارسية، ثم تخطاهما إلى ما وراءهما من ~~أنحاء العالم شرقا وغربا حتى بلغت الحضارة الإسلامية فيما دون المائة من السنين ما لم ~~تبلغه حضارة غيرها في قرون متعاقبة، كان الرجل في أقصى الصين يذكر فتح العرب بلاد المغرب ~~والأندلس، وكان المسلم في مصر وفي بلاد المغرب يتحدث مفاخرا بفتح جيوش الإسلام بلاد ~~البوذية والكنفشيوسية، وحيثما امتد الفتح رفرف لواء الإسلام وشهد الناس أنه لا إله إلا الله ~~وأن محمدا رسول الله، وأخذوا بتعاليم الدين الجديد وتفقهوا فيه، وأبناء العرب في هذه ~~الوثبة الأولى يتيهون فخرا بما يتم على أيديهم كل يوم من معجزات لم يتأت لغيرهم في مختلف ~~العصور أن يأتوا بمثلها، ويكادون يحسبون أن الله قد نصر دينه على الدين كله منذ هذا العهد ~~الأول. # وأقبل أهل شبه الجزيرة على الفتح وجعلوا يزدادون منه ثراء ويزدادون بأنعم المال متاعا، ~~وخيل يومئذ إليهم أن العهد الذهبي الذي فتح الله لهم أبوابه لا نهاية له، وأنهم ناهلون ~~من ورده هم وأبناؤهم وحفدتهم أبد الآبدين ودهر الداهرين حتى يرث الله الأرض ومن عليها، ~~ولم يدر بخلد أحدهم وهو يعب من هذا النعيم أن للزمن دورته، وأن لكل يوم غده، وأن الله ~~مغير ما بقوم يوم يغيرون ما بأنفسهم. # ولقد غيروا ما بأنفسهم فغير الله ما بهم، حتى صاروا إلى حال تبعث الحسرة إلى النفس، ~~أنت اليوم تقطع عشرات الأميال ومئاتها فلا ترى لحضارة - بل لحياة - مظهرا، وفيما خلا المدن ~~القليلة، لا أعرف منها غير مدن الشاطئ وغير مكة والمدينة والطائف، أنت لا تقف على الطريق ~~المأهولة إلا عند نجع هنا ومخيم هناك، فما بالك بما سوى الطرق المأهولة مما ترامى به ~~البادية الفسيحة؟! إنك من ذلك في مهمه لا يعرف غير الأفق حدا، وكلما أغذذت السير أو ~~انطلقت بك السيارة تطوي الأميال إثر الأميال تراجع الأفق أمام ناظرك ولم يكشف جديدا، فإذا ~~مر بك سانح من الطير أو ضارب في البيداء وراء بعيره سعدت بهذه المصادفة من الحياة سعادة ms010 ~~راكب البحر شام سفينة تمخر العباب على مرمى النظر، وليس فيما يصادفك من ذلك إلا ما يزيدك ~~حسرة على ما هوت إليه هذه البلاد من درك الهمجية، وهي التي وثب بها الإسلام تلك الوثبة ~~فأضاء العالم بحضارة ظل ينعم بها قرونا عدة متوالية، نقل المسلمون أثناءها آثار التفكير ~~الإنساني في اليونان القديمة وفي الهند وفي فارس، فمهد لهذه الحضارة الحالية التي ينعم ~~العالم اليوم بها، ثم يتهم هذا الإسلام بأنه السبب في تأخر بنيه والذين يدينون به. # وقفت غير مرة إزاء هذه الظاهرة أسائل نفسي وأسائل غيري عن سببها، ولم يكن الاهتداء إلى ~~السبب عسيرا، فهؤلاء العرب الذين وثبوا الوثبة الأولى على عهد النبي وفي صدر الإسلام قد ~~أقام الكثيرون منهم في بلاد غير بلادهم، ولئن لم ينس الكثيرون منهم تعاليم دينهم لقد نسوا ~~الغرض الأسمى الذي يدعو هذا الدين إليه، تفتحت لهم كنوز الأرض وتدفقت عليهم خيراتها ~~فشغلوا بها وبتنظيم شئونها، وبذلوا في ذلك من الجهود ما حسبوه يساوي تثبيت دعائم الإيمان ~~الصادق في نفوس الذين دانوا للإسلام، اكتفوا بأن يعلموا الناس فروض هذا الدين دون أن ~~يفقهوهم فيه، وجعلوا غاية الفقه تنظيم علاقات المال في الحياة وفيما بعد الحياة، أما ~~الإيمان الصادق الذي أضاء العالم ووثب بجزيرة العرب فقد اختص بالنظر فيه أهل الكلام ~~وعلماؤه، من ثم شغل المسلمون بالحياة الدنيا عن الآخرة، وبالعرض عن الجوهر، وبحكم الناس عن ~~سياسة أمورهم في دينهم ودنياهم؛ ولذلك كثرت الثورات وكثر الانتقاض وعم الاضطراب، واتخذ ~~الملوك من العلماء والفقهاء ألسنة دعايتهم للدفاع عن ملكهم، كما اتخذهم الثائرون ألسنة ~~دعايتهم لتسويغ ثورتهم، وإذ كان ما في بلاد العرب من ثروة لا يغني غناء ما في الشام وفارس ~~ومصر والأندلس، فقد انتقل مقر الملك من المدينة إلى دمشق، وإلى بغداد، وإلى القاهرة، وإلى ~~قرطبة. # من يومئذ بقيت بلاد العرب يحكمها من تئول إليه الخلافة وإمارة المؤمنين، ولقد حرص هؤلاء ~~الملوك في العهد الأول على استرضاء العرب وإغراقهم في الأعطيات وفي الجاه، كذلك فعل ms011 بنو ~~أمية، وكذلك فعل الأولون من بني العباس، ولم يكن لهم محيص من أن يفعلوا وبلاد العرب كانت ~~بعد ذات حضارة لم تقوض دعائمها، وأبناء العرب كانوا بعد أولي الأمر في المملكة ~~الإسلامية، فلما اشترك الفرس والتتار في بلاط بني العباس ونازعا العرب الحكم، بدأ المال ~~ينقبض عن أهل شبه الجزيرة باعتباره حقا من حقوقهم، وبدأ الملوك والأمراء ينعمون عليهم ~~بألوان من الإحسان مختارين مشكورين، ولم يعن أهل بلاد العرب بالتفريق بين الحق والإحسان ~~بعد أن نزح الأكثرون من أبنائها الأصليين عنها، وحل الأجانب من رقعة المملكة الإسلامية ~~محلهم فيها، وزاد في عدم عنايتهم بالتفريق أن بدأ الجهل يخيم عليهم كما بدأ يخيم على غيرهم ~~من بلاد المسلمين، على أن بلاد العرب كانت أسرع من غيرها انحدارا إلى هاوية الجهل بعد أن ~~فقدت بهجرة أبنائها العنصر الأساسي من مقومات الحياة القومية، وبعد أن نزح العلماء ~~والفقهاء والأدباء إلى العواصم التي بعدت عن بلاد العرب حتى صارت العلوم والفنون جميعا ~~غريبة عنها. # ولم تنهض البلاد الإسلامية المقدسة من بعد ذلك إلى يومنا الحاضر؛ لأن الدولة الإسلامية ~~هوت إلى حضيض الجمود والجهل، فأما اليوم ففي بلاد العرب توثب إلى نهضة جديدة تكاد تضارع ما ~~في غيرها من البلاد الإسلامية الأخرى. # وقفت عند هذه الظاهرات غير مرة أحاول تحليلها، لكني لم أقصد من هذا التحليل إلى تفصيلها، ~~فالتفصيل يتناول تاريخ الأمة العربية الإسلامية، أو الأمم الإسلامية إن شئت، خلال ثلاثة عشر ~~قرنا متوالية، وهذا جهد عظيم لا يتسنى لفرد أن يقوم به، وميدانه ما يزال بكرا في حاجة ~~إلى تنظيم علمي دقيق، والغاية التي أبتغيها من وقوفي عند هذه الظاهرات لا تتناول من هذا ~~الميدان إلا جانبا عاما يتصل ببلاد العرب، وأسباب تأخرها على القرون منذ العهد الإسلامي ~~الأول إلى زمننا الحاضر، ثم إني لم أرد فيما ابتغيته من ذلك سرد تاريخ العرب وهجرتهم من ~~بلادهم، أو ذكر من حل محلهم فيها، إنما اكتفيت بالإشارة إلى ذلك لأبين أن التأخر مرجعه ~~إلى أسباب ms012 سياسية واجتماعية لا أثر للعقيدة ولا للدين فيها، وإلى أن العقيدة والدين تأثرا ~~- كما تأثر العرب والمسلمون - بهذه الأسباب السياسية والاجتماعية، وأن من اليسير لذلك أن ~~يعود العرب والمسلمون سيرتهم الأولى، وحسبهم أن يغيروا ما بنفوسهم ليغير الله ما ~~بهم. # ليس هذا الكتاب إذن مرجعا من مراجع التاريخ الإسلامي، ولا شيء فيه من تقويم بلاد العرب، ~~إنما هي وقفات وقفتها في بلاد الوحي ومنزله أستوحي فيها مواقف محمد عبد الله ونبيه ورسوله، ~~وهناك في هذه المواقف تجردت نفسي، وسمت روحي، وكررت بالعصور والقرون أطويها، ~~ورحت أتمثل هذا الهادي الكريم، وأتمثل المسلمين من حوله، ألتمس في ذلك الأسوة ~~والعبرة آملا أن أشرك فيهما إخواني المؤمنين بالله وبما جاء من عند الله، ولم أتقيد في ~~هذه المواقف بما جاء في كتاب غير كتاب الله الكريم، ولم أخضع تفكيري لحكم غيري، وما كان لي ~~أن أخضعه وقد كنت أحس في كثير من هذه المواقف أنني بين القوم أسمع وأرى، وأتمنى لو كنت ~~أجاهد معهم فأفوز فوزا عظيما، وما كان لي أن أفعل ثم أخدع نفسي فأزعم أنني إذ أحدث ~~الناس إنما أقص عليهم ما رأيته وما أحسست به، في حين لا أقص إلا ما رآه غيري وما سبقني إلى ~~تسطيره. # لقد تركت نفسي على سجيتها، تتوجه بوحي روحي وتستلهم الحق مما حولي، وتستعرض ما تستلهم ~~على حكم عقلي وتقدير ضميري، ثم سطرت ما اجتمع من ذلك لا أبغي به إلا رضا الله وحسن ثوابه، ~~فليقل هذا أو ذاك من كتاب المسلمين أو غير المسلمين عن أي من هذه المواقف ما شاء، ~~وليستند في حكمه أو رأيه إلى أي سند يطيب له أن يستند إليه، إنما ذلك قول له عندي احترامه ~~ما اطمأننت إلى حسن القصد فيه، لكن لحكمي المكان الأول من الاحترام عندي، وإذا لم يكن من ~~حسن القصد أن نعجل بالحكم قبل أن نطمئن إليه وقبل أن تتم بين أيدينا أسبابه، وكانت العجلة ~~طيشا غير جدير بمفكر يحترم عقله، فليس من حسن ms013 القصد ولا من احترام المفكر عقله أن ينحل ~~نفسه حكم غيره قبل أن يمحصه حتى يطمئن ضميره إليه، ومن الجمود الذي لا يقاس إليه طيش أن ~~نأبى تقليب الأمور على وجوهها جميعا حتى نطمئن إلى بلوغ غاية ما نستطيعه من الحق ~~فيها. # وأقف هنا لأدفع زعما حسب الذين زعموه أنه مغمز غمزوني به بعد تأليف كتابي «حياة محمد»، ~~حسب هؤلاء أنني انقلبت بكتابة السيرة رجعيا، وكنت عندهم قبلها في طليعة «المجددين»، ~~وكيف لا أنقلب عندهم رجعيا وقد جعلت القرآن حجتي، وما جاء فيه عن السيرة سندي، ولم أضعه ~~كما يقولون موضع النقد العلمي؟! وكيف لا أنقلب عندهم رجعيا وقد دفعت بالحجة ما طعن به ~~على النبي العربي جماعة المستشرقين ومن تابعهم من شباب المسلمين؟! وكيف ساغ لي بعد ذلك أن ~~أزعم أمامهم في «حياة محمد»، وأن أزعم اليوم ها هنا أنني طليق من القيود، عدو للجمود، نصير ~~للبحث العلمي الحر، وأنني أومن بحرية الرأي وأعتبرها الأساس، لا أساس غيره، لمن يريد معرفة ~~الحقيقة، هم يرون ذلك خداعا يأباه العلم والبحث الحر، وأنا بعد عندهم رجعي انقلبت إلى ~~الجمهور أتابعه ابتغاء رضاه، وكنت قبل ذلك أتقدمه أريد توجيهه وهدايته. # وأقف لأدفع هذا القول، وما أتلمس في دفعه سبيلا غير مواجهته، لا أقول: إن قوما غمزوني ~~بنقيضه وزعموني خارجا عن الإجماع والتمسوا الحجة لتأييد قولهم، وليس يستقيم في المنطق أن ~~يغمزني هؤلاء وأولئك، لا أقول ذلك وأنا ما كتبت أبتغي رضا قوم أو أتقي سخط آخرين، إنما ~~كتبت للحق أبتغيه وحده، لكني أسائل أصدقائي أحرار الرأي عن غايتنا جميعا حين ننتج: ألسنا ~~نبتغي التقدم خطوة جديدة في سبيل الكمال؟ فالعالم يبتغي مزيدا من العلم ومن الدقة فيه، ~~ورجل الفن يبتغي سموا في الفن وفي إلهامه، وطالب الحقيقة يريدها أجلى سنا وأعم نورا، ~~ومن الناس من يحسب أنا نحاول من إنتاجنا أن نبلغ السعادة لأنفسنا وللعالم، ومنهم من يعتقد ~~أن السعادة لفظ مبهم يصور الوجدان مدلوله على هوى صاحبه، وأنا إنما نحاول من ms014 إنتاجنا أن ~~نزيد في معارف الإنسان القليلة الضئيلة حين تقاس إلى هذا العالم الذي لا يعرف الزمان، ولا ~~يعرف المكان له حدا؛ لنطوع للإنسان أن يزداد بالكون اتصالا، وأنا بين هؤلاء، أرى ~~رأيهم، وأعتقد كما يعتقدون أن التماس المزيد من المعرفة والطموح من ذلك إلى أبعد غاية هو ~~وحده المطمح الخليق بالجانب الإنساني فينا. # وإنما مطمعنا حين نلتمس المزيد من المعرفة أن نسمو بهذا الجانب الإنساني في الأفراد ~~والجماعات، ولطالما التمسنا في شرقنا الأدنى أسباب النهوض بعلمنا لنقف إلى جانب الإنسانية ~~المهذبة لا ينكس الخجل رءوسنا، ولا يحز في نفوسنا ذلك الشعور الممض بأنا دون الغرب ~~مكانا، ولقد خيل إلي زمنا، كما لا يزال يخيل إلى أصحابي، أن نقل حياة الغرب العقلية ~~والروحية سبيلنا إلى هذا النهوض، وما أزال أشارك أصحابي في أنا ما نزال في حاجة إلى أن ننقل ~~من حياة الغرب العقلية كل ما نستطيع نقله، لكني أصبحت أخالفهم في أمر الحياة الروحية، وأرى ~~أن ما في الغرب منها غير صالح لأن ننقله، فتاريخنا الروحي غير تاريخ الغرب، وثقافتنا ~~الروحية غير ثقافته. # خضع الغرب للتفكير الكنسي على ما أقرته «البابوية» المسيحية منذ عهدها الأول، وبقي ~~الشرق بريئا من الخضوع لهذا التفكير، بل حوربت المذاهب الإسلامية التي أرادت أن تقيم في ~~العالم الإسلامي نظاما كنسيا أهول الحرب، فلم تقم لها فيه قائمة أبدا، بذلك بقي ~~الشرق مطهرا من الأسباب التي أدت إلى اضطراب الغرب الروحي وإلى ثوراته السياسية التي ~~نشأت عن هذا الاضطراب، وبقي المسيحيون المقيمون بالشرق في جوار المسلمين في طمأنينة لا ~~يصلون من نيران الثورات والحروب الأهلية ما كان يصلاه إخوانهم في الغرب، كان الخروج عن ~~الكنيسة المسيحية في الغرب إعلانا للثورة على السلطان، وكانت الثقافة الروحية لذلك في قبضة ~~رجال الدين يبرمون من أمرها ما يشاءون إبرامه، وينقضون ما يشاءون نقضه. # أما والإسلام لا يعرف الكنيسة، وأقرب الناس فيه إلى الله أتقاهم، ولا فضل فيه لعربي على ~~عجمي إلا بالتقوى، فقد بقيت الثقافة الروحية في الشرق ms015 حرة طليقة لم تقيد إلا حين قعد ~~الجهل بالناس؛ ففترت الأذهان، وخمدت القرائح، وجمدت القلوب، لم تعرف عصور الازدهار الإسلامي ~~قيدا لحرية الفكر ما كان صاحبه بريء القصد يبتغي برأيه سبيل الحق، ولم يعرف المسلمون أن ~~الذنوب يغفرها غير الله، كيف نستطيع أن ننقل ثقافة الغرب الروحية لننهض بهذا الشرق وبيننا ~~وبين الغرب في التاريخ وفي الثقافة الروحية هذا التفاوت العظيم؟ لا مفر إذن من أن نلتمس في ~~تاريخنا وفي ثقافتنا، وفي أعماق قلوبنا وفي أطواء ماضينا هذه الحياة الروحية نحيي بها ما ~~فتر من أذهاننا وخمد من قرائحنا وجمد من قلوبنا. # هذا كلام واضح بين، ومن عجب أن يخفى على أصحابي فلا يرونه، وأن يكون خفاؤه سبب تثريبهم ~~علي، ولكن لا عجب، فقد خفي هذا الكلام عني سنوات، كما لا يزال خفيا عن كثيرين منهم، وقد ~~حاولت أن أنقل لأبناء لغتي ثقافة الغرب المعنوية وحياته الروحية لنتخذهما جميعا هدى ~~ونبراسا، ولكنني أدركت بعد لأي أنني أضع البذر في غير منبته فإذا الأرض تهضمه ثم لا ~~تتمخض عنه ولا تبعث الحياة فيه، وانقلبت ألتمس في تاريخنا البعيد في عهد الفراعين موئلا ~~لوحي هذا العصر ينشأ فيه نشأة جديدة، فإذا الزمن وإذا الركود العقلي قد قطعا ما بيننا وبين ~~ذلك العهد من سبب قد يصلح بذرا لنهضة جديدة، وروأت فرأيت أن تاريخنا الإسلامي هو وحده ~~البذر الذي ينبت ويثمر، ففيه حياة تحرك النفوس وتجعلها تهتز وتربو، ولأبناء هذا الجيل في ~~الشرق نفوس قوية خصبة تنمو فيها الفكرة الصالحة لتؤتي ثمرها بعد حين. # والفكرة الإسلامية المبنية على التوحيد في الإيمان بالله تنزع في ظلال حرية الفكر إلى ~~وحدة الإنسانية، وحدة أساسها الإخاء والمحبة، فالمؤمنون في مشارق الأرض ومغاربها إخوة ~~يتحابون بنور الله بينهم؛ وهم لذلك أمة واحدة تحيتها السلام وغايتها السلام، وهذه الفكرة ~~الإسلامية تخالف ما يدعو إليه عالمنا الحاضر من تقديس القوميات وتصوير الأمم وحدات متنافسة ~~يحكم السيف وتحكم أسباب الدمار بينها فيما تتنافس عليه، ولقد تأثرنا - معشر أمم الشرق - ~~بهذه ms016 الفكرة القومية واندفعنا ننفخ فيها روح القوة نحسب أنا نستطيع أن نقف بها في وجه ~~الغرب الذي طغى علينا وأذلنا؛ وخيل إلينا في سذاجتنا أنا قادرون بها وحدها على أن نعيد ~~مجد آبائنا، وأن نسترد ما غصب الغرب من حريتنا وما أهدر بذلك من كرامتنا الإنسانية، ولقد ~~أنسانا بريق حضارة الغرب ما تنطوي هذه الفكرة القومية عليه من جراثيم فتاكة بالحضارة التي ~~تقوم على أساسها وحدها، وزادنا ما خيم علينا من سجف الجهل إمعانا في هذا النسيان. # على أن التوحيد الذي أضاء بنوره أرواح آبائنا قد أورثنا من فضل الله سلامة في الفطرة ~~هدتنا إلى تصور الخطر فيما يدعو الغرب إليه، وإلى أن أمة لا يتصل حاضرها بماضيها خليقة أن ~~تضل السبيل، وإلى أن الأمة التي لا ماضي لها لا مستقبل لها، من ثم كانت الهوة التي ازدادت ~~عمقا بين سواد الأمم في الشرق، والدعوة إلى إغفال ماضينا والتوجه إلى وجهة الغرب بكل ~~وجودنا، وكان النفور من جانب السواد عن الأخذ بحياة الغرب المعنوية مع حرصه على نقل علومه ~~وصناعاته، والحياة المعنوية هي قوام الوجود الإنساني للأفراد والشعوب؛ لذلك لم يكن لنا مفر ~~من العود إلى تاريخنا نلتمس فيه مقومات الحياة المعنوية؛ لنخرج من جمودنا المذل، ولنتقي ~~الخطر الذي دفعت الفكرة القومية الغرب إليه، فأدامت فيه الخصومة بسبب الحياة المادية التي ~~جعلها الغرب إلهه. # لم ألبث حين تبينت هذا الأمر أن دعوت إلى إحياء حضارتنا الشرقية، ومصدر الحضارة سنا ~~الأرواح المضيئة، وقوامها وثبة النفوس القوية، والأرواح تضيء ما اتصلت بروح أقوى سلطانا ~~وأبهر سنا، كما يضيء سلك البلاتين إذ يصهره تيار الكهرباء، وكم في ماضينا من أرواح ذات ~~سنا باهر قادرة بقوتها على أن تبعث الحضارة الإسلامية خلقا جديدا، كما بعث فلاسفة ~~اليونان الحضارة الغربية الحديثة، ومحمد بن عبد الله هو النور الأول الذي استمدت هذه ~~الأرواح منه ضياءها، وهو الشمس التي أمدت كل هذه الأقمار بسناها؛ لذلك جعلت سيرته موضع ~~دراستي في «حياة محمد»، وجعلت مواقفه في «منزل الوحي ms017 » مصدر إلهامي؛ لما تنطوي عليه من ~~تعاليم أوحاها الله إليه، كلها السمو والقوة والجلال والعظمة، فأين هذا من تملق الجمهور أو ~~متابعته التماسا لرضاه؟ # يقول الذين يغمزونني: لك رأيك، فما لك لم تقف عند ما آخذ به المستشرقون محمدا؟! وما لك ~~جعلت القرآن سندك الأول في السيرة، وسندك الأول في هذا الكتاب دون أن تمحص ما فيه تمحيص ~~العلم وتنقده نقده؟! إنما فعلت لأنك خفت الجمهور فجاريته، وخشيت الناس فملقتهم، ولم ~~تخش العلم ولم ترع حقه. غفر الله لكم أيها الصحب! وبم آخذ المستشرقون المنصفون النبي ~~العربي؟ وما الذي نقدوا القرآن به؟ لست أريد العود إلى ما ذكرته عن ذلك في «حياة محمد» وفي ~~تقديم طبعته الثانية، وحسبي أن أقول: إن ثلاثة عشر قرنا انقضت وتنصف القرن الرابع عشر ~~منذ وفاة النبي ولم تستر هذه المآخذ من ضيائه إلا ما يستر كلف الشمس من ضياء الشمس، ولم ~~يغير هذا النقد من سلطان الحق في كلام الله إلا ما تغير الرياح من سنن الطبيعة. # وها هم أولاء علماء العالم يعود اليوم أقدرهم وأكثرهم يعترفون بعجز العالم، ويقولون: ~~ربنا، لا علم لنا إلا ما علمتنا، فإن يكن ذلك مبلغ العلماء من العلم فأخلق بالذين ~~يتحدثون عن النقد العلمي، إذ يذكرون القرآن أن يكونوا أكثر تواضعا، وأن يخشوا الله أكثر ~~من خشيتهم غرورهم، وأن يذكروا أن ما في النفس الإنسانية من قوى يتوسمها العلم، ولما ~~تزل خفية عليه يعدل أضعاف ما كشف العلم حتى اليوم عنه، وأن ملايين الشموس والكواكب ~~المنثورة في فضاء هذا العالم أضخم قوة وأخفى، وإني إن تحدثت عن شيء من هذه القوى التي لم ~~أبلغ من العلم بها بعض ما بلغ العلماء، فليس ذلك متابعة للجمهور ولا خشية منه، ولكنه ~~الإقرار بالضعف والعجز، وبأنا إذا وجب علينا أن نجاهد ما استطعنا لنبلغ من العلم ما يؤتيه ~~الجهد، فواجب كذلك علينا أن نقر بأنا لم نبلغ من العلم ما يطوع لنا كل هذا الغرور. # أويجد أولئك الأصحاب - عفا الله عنهم ms018 - ما يفسرون به كيف استطاع «ماركوني»، وكيف استطاع ~~«أديسون» أن يكشفا في عصرنا ما اكتشفا مما لم يستطعه غيرهما، وأضرابهما في العلم والمعرفة ~~كثيرون؟ ما هذه القوة التي أرتهما ما لم يره غيرهما؟ ولماذا لم ينسج أضرابهما على منوالهما ~~كما ينسج الصانع على غرار الصانع، والزارع على غرار الزارع؟ وهل يجدون ما يفسرون به لماذا ~~ظل أرسطوطاليس وأفلاطون أئمة في الفكر، وقد تقدم العلم بالإنسانية نحو ثلاثمائة وألفي سنة؟ ~~وما قولهم في الظاهرات التي يسجلها العلم اليوم، ولا يجد لها فيما اهتدى إليه من سنن الكون ~~تأويلا؟ # لا يسعك إذ تقف أمام هذه الأسماء والظاهرات إلا أن تقف موقف تواضع وإكبار، ولكن أين ~~هذا من موقفي أمام آثار الرسول الكريم في منزل الوحي؟! ما كان أعظمه في تحنثه! وما كان ~~أعظمه في دعوة قومه إلى الهدى، وفي صبره على أذاهم، وفي تأديبه المسلمين بأدب القوة على ~~الحياة! وما كان أعظمه في هجرته وفي غزواته، وفي عفوه وحلمه، وفي تقواه وعدله! نعم ... ما كان ~~أعظمه في كل صفاته وفي كل أعماله! لكن هذه العظمة التي لا تدانيها عظمة تصبح أمرا ~~إنسانيا إذا ذكر الوحي وذكر اتصاله بربه وما رأى من آياته الكبرى، وهنا يبلغ السمو إلى ~~حيث لا تدرك الإنسانية منه بعض المدى، ولا يسع الإنسان إلا أن يكرر قوله - تعالى: # والنجم إذا هوى * ما ضل صاحبكم وما ~~غوى * وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا ~~وحي يوحى * علمه شديد القوى * ذو ~~مرة فاستوى * وهو بالأفق الأعلى * ~~ثم دنا فتدلى * فكان قاب قوسين أو أدنى * فأوحى إلى عبده ما أوحى * ما كذب ~~الفؤاد ما رأى * أفتمارونه على ما يرى * ولقد رآه نزلة أخرى * عند سدرة ~~المنتهى * عندها جنة المأوى * إذ ~~يغشى السدرة ما يغشى * ما زاغ البصر وما طغى ~~* لقد رأى من آيات ربه الكبرى ~~. # وهنا يحاول العقل أن يسمو فوق نفسه ليدرك هذا الأفق الأعلى، وهيهات أن يدركه والعلم ما ~~يزال إلى اليوم محدود الأفق، قاصرا دون تفسير الكثير مما ms019 يقع عليه الحس، أفرجعية أن يقف ~~الإنسان في منزل الوحي يحاول السمو إلى أن يفهم كيف كانت صورته؟! أم رجعية أن يقف الإنسان ~~عند آثار صاحب الوحي يلتمس فيها الأسوة والعبرة؟! إن يكن ذلك ظن أصحابي فأحبب إلي بها ~~رجعية أستسيغها. # وأدع الإشارة إلى محاولات قام بها السلف، ولا يزال العلماء من أهل عصرنا يعالجون القيام ~~بمثلها ابتغاء الاتصال بالعالم في وحدته التي تشتمل الزمان والمكان، وإلى محاولات غيرها ~~يبتغي العلماء بها تفسير هذا الاتصال على الطريقة العلمية الحديثة، وأدع الإشارة كذلك إلى ~~أن المذاهب الفلسفية ترمي كلها إلى تصوير الكون بدءا وغاية، وإلى أنها تستمد هذا التصوير ~~من وحي الحياة ما كان منها وما يكون، ما كشف عنه العلم وما يزال مطويا في سر الغيب، ~~وهذه المذاهب تقتتل ويتهم بعضها بعضا بقصور وسائله عن درك الغاية، أو بنزوع وسائله ~~منزعا لا يقف في حدود العلم وطريقته، بل ينحو نحو المنطق التجريدي «الميتافيزيقي» المتهم ~~في نظر الواقعيين بالرجعية، فلو أنني حاولت هذه الإشارة لطال بي الاستطراد إلى ما لا يتسع ~~له هذا التقديم، ثم لرأى القارئ أمثال «برجسون» - صاحب نظرية الإلهام والتطور المنشئ - ~~يغمزون برجعية كالتي أغمز اليوم بها، وحسبي عزاء أن ما غمزوا به لم يحل بين ~~الجمهور المثقف والعناية بمذاهبهم، حرصا من هذا الجمهور على اجتلاء الحق الذي تنطوي هذه ~~المذاهب عليه، بل إن هذا المغمز بالرجعية ليزيدني غبطة بما لقيته بحوثي هذه من عناية ~~القراء والباحثين بها عناية كانت الشهيدة على ما حباني الله من توفيقه في التحدث إلى الناس ~~حديثا يرونه جديرا بالاستماع له. # على أن هذه الرجعية التي زعموا قد أتاحت لي أن أقوم في مواقفي هذه بالبحوث التي أشرت ~~إليها عن شئون من بلاد العرب اختلفت الآراء عليها في عصور الإسلام المختلفة، وإذا لم أكن ~~قد تعمقت في هذه البحوث؛ لأنني لم أقض بالحجاز إلا ستة أسابيع، ولم أنفق للبحث بعد ذلك من ~~وقتي إلا ما قضت به الحاجة لتأليف هذا الكتاب، فلشد ما ms020 يسرني لو يمهد مجهودي لبحوث ~~جامعية أدنى إلى الدقة في تصوير الحقيقة، بعد إذ بلغت أنا منها حظا أغتبط له في مسائل ~~شتى خالفت رأي الجمهور في بعضها، وإني لأترك الحكم على هذه النتائج لمن اختصوا ببحث هذه ~~الشئون، كما أترك لهم تقدير ما خالفت الجمهور فيه بعد أن رجعت إلى مصادر البحث العربية ~~والأجنبية التي أتيح لي الرجوع إليها، وبعد أن استعنت في ذلك بمن أمدوني بمعلوماتهم، ومن ~~عاونوني في تقصي المراجع المختلفة. # وليس يسعني وقد ذكرت من عاونوني، بدون التنويه في هذا التقديم بما كان لمعونتهم من فضل ~~جدير بأطيب الثناء، وشبان الحجاز هم أول الأعوان الجديرين بشكري، والحاج عبد الله فلبي، أو ~~سانت جون فلبي، حقيق بمثل هذا الشكر. # ولقد كان لرجال القسم الأدبي بدار الكتب المصرية من فضل معاونتي في كثير من مراجعاتي ما ~~يستحقون من أجله أطيب الثناء، أما دقة الفن في طبع الكتاب فترجع إلى أولي الأمر في مطبعة ~~دار الكتب، والقارئ يشاركني في شكرهم عليها. # وسأظل أذكر ما حييت ما بذله الشيخ عبد الحميد حديدي أحد رجال مكة ذوي الفضل والعلم من ~~معاونة صادقة كان لها أبلغ الأثر في اتجاهي، وكان مضيفي بمكة الشيخ عباس قطان أمين العاصمة ~~قد أحدث التعارف بيني وبينه ورجاه أن يصحبني، فصحبني الرجل في تجوالي بمكة وبادية الطائف، ~~وذهب معي إلى المدينة، ولزمني حتى ودعني مسافرا من ينبع، وقد كان في صحبته رفيقا ذكيا ~~ودليلا محيطا بتفاصيل المواقع في مكة، عارفا بما في الطائف والمدينة، وقد أعانه السيد ~~صالح القزاز والشريف حمزة الغالبي في رحلة الطائف، وأعانه الأستاذ عبد القدوس الأنصاري أعظم ~~العون في رحلة المدينة، ولقد حرصت على الإشارة أثناء فصول الكتاب إلى ما قام به هؤلاء ~~الإخوان الأجلاء من جهد في معاونتي جدير بكل تقدير وحمد. # أما ما كان لجلالة الملك ابن السعود ولوزير ماليته الشيخ عبد الله بن سليمان الحمدان ~~ورجال الحكومة العربية من فضل في معاونتي فذلك ما لا يفي الثناء بتقديره. # وإني لأستغفر ms021 من نسيت ذكرهم من أولي الفضل ومن كانت لهم يد في معونتي، والله يجزيهم عني ~~أحسن الجزاء. # ويزيد في تقديري لهذه المعاونة وفي ثنائي على الذين أسدوها إلي بما هم أهله أنها ~~طوعت لي أن أقف أنا نفسي عند ما وقفت عليه من قبل في بطون الكتب، وأن أصف ها هنا ما كان ~~لهذه المواقف من أثر مباشر في أطواء روحي، وإني لأعتبر هذه الحرية في الشعور فضلا من ~~الله عظيما، فنحن في حاجة إلى أن نرى الأشياء في كل عصر بعين أهله، وأن نحكم عليها بما ~~بلغنا فيه من تقدم أو تطور في العلم والحضارة، فأما أن نتقيد بما شهده السلف فذلك الجمود ~~الذي لم يرضه الإسلام مذ بعث الله به نبيه، وذلك ما يحب أن نتنزه عنه؛ ولهذا قدمت أنني لم ~~أتقيد أمام شيء مما رأيت بكتاب غير كتاب الله، ولم أجعل لي في التقدير إماما إلا ما رضيه ~~العقل وطابت به النفس، ولم أخش إلا الله، وإلا ضميري فيما أفاضه الحس على القرطاس، فليغمزني ~~من شاء بالرجعية، وليتهمني من شاء بمخالفة الإجماع، وليقدر هذا المجهود من شاء بما يشاء؛ ~~فإنما أبتغي به الجزاء من الله يوم تجزى كل نفس بما كسبت ولا يعرف حميم حميما، والله ~~وحده عليم بذات الصدور. # وأختم هذا التقديم راجيا أن يثمر هذا العمل من تقدير قومي ما يدعو جامعات الشرق العربي، ~~وما يدعو الكتاب إلى مزيد من العناية بهذه البلاد الإسلامية المقدسة، ودراسة حاضرها ~~وماضيها دراسة علمية دقيقة، وما يدعو المفكرين والساسة أولي العزم ليعملوا على إصلاح هذه ~~البلاد، وليتخذوا من مكة أم القرى مقرا لعصبة أمم إسلامية، ألا لو فعل هؤلاء وأولئك ~~ليكونن عملهم أعظم فوز لهذا الكتاب، وليكونن فتح الله يومئذ للمؤمنين مبينا. # محمد حسين هيكل # الكتاب الأول # | فرض الحج # | عزم السفر # وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري ~~نفس بأي أرض تموت ~~. # في هذه الكلمات الحكيمة تمثل شعور الكثيرين من أصدقائي منذ أعلنت عزمي على الرحلة ~~إلى الحجاز ms022 حاجا حتى ودعوني مسافرا، وفيها كان يتمثل شعوري لو أن أحدا حدثني عن ~~هذه الرحلة قبل خمس سنوات من قيامي بها، فلما كانت سنة 1931 وبدأت أكتب «حياة محمد» ~~شعرت بعد التقدم فيها بالرغبة الملحة في الذهاب إلى الحجاز، ولما سيرت شركة مصر ~~للملاحة البحرية باخرتها الأولى «زمزم» إلى الأماكن الإسلامية المقدسة في سنة 1934، ~~علمت أن في نيتها تسيير هذه الباخرة في أكتوبر من تلك السنة كيما تطوع لمن شاء قضاء ~~العمرة في شهر رجب، إذ ذاك لم أتردد وصممت على انتهاز الفرصة لتنفيذ ما اعتزمته، لكن ~~قلة الإقبال على هذه الزيارة الرجبية لم تسمح بتسيير الباخرة فلم تتم الرحلة، وأسفت ~~لفوات الفرصة، وبقيت على عزمي أن أزور الحجاز وبلاد العرب وأن أقوم فيهما بكل ما ~~أستطيع من الدراسات. # ولئن أسفت على فوات هذه الرحلة لقد أسفت كذلك لإضاعة فرصة عرضت من قبل، ولم يدر ~~بخاطري يوم أضعتها أني سوف آسف عليها، تلك فرصة السفر إلى الحجاز مستهل الشتاء من عام ~~1930، حين دعت الحكومة السعودية الصحافة المصرية إلى الحجاز لحضور حفلة التتويج للملك ~~ابن السعود، فقد دعيت إلى هذه الحفلة، وكنت أود إجابة الدعوة لولا إقبال مصر يوم ~~ذاك على المفاوضة لعقد الاتفاق بينها وبين إنكلترا، ولما تكن كتابة سيرة النبي العربي ~~قد تمكنت من نفسي لتربط بيني وبين بلاد العرب بصلة تجعلني حريصا على أن أتعجل زيارتها؛ ~~لذلك لم يكن ما يحفزني إلى المفاضلة بين المقام بمصر ومغادرتها في وقت كانت أحوال مصر ~~تدعوني للقيام بواجبي القومي كاملا؛ من ثم رجوت صديقي وزميلي الأستاذ إبراهيم عبد ~~القادر المازني، فسافر إلى الحجاز ممثلا جريدة السياسة بالنيابة عني، ولو كشف لي ~~يومئذ من الغيب ما يسرتني الأقدار له لما عدل بي عن السفر إلى موطن النبي العربي ~~أي اعتبار، ولكن «ما تدري نفس ماذا تكسب غدا». # أقمت على عزمي أن أزور الحجاز وبلاد العرب، وآثرت أن يكون ذلك أشهر الحج؛ لأؤدي فرضه ~~وأدرك إدراكا ذاتيا كل حكمته، ووطد عزمي ما عرفت ms023 في فرائض الإسلام الأربع الأولى من ~~حكمة بالغة يدرك سمو جلالها وجليل نفعها كل من يؤديها بنفسه أو يعيش بين أهله وإخوانه ~~الذين يؤدونها، ألا يجمل بي أن أقف بنفسي بين الحجيج بمكة ومنى وعرفات، ومع الذين ~~يزورون قبر النبي بالمدينة؟ لأؤدي فريضة الحج فأستبين حكمته، ولأقف على ما يدركه ~~المسلمون اليوم من هذه الحكمة، ولأرى كيف يؤدون هذا الفرض؟ # أما فرض الحج ليشهد الناس منافع لهم، وليذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما ~~رزقهم من بهيمة الأنعام؛ ولتتيسر لهم بالاجتماع لأداء الفريضة فرصة التعارف والتفاهم؟ ~~فليكن الوقوف على مبلغ تقديرهم لهذه الحكمة بعض ما أشهده في الحج من منافع. # وبدأ التفكير في السفر للحج يساور نفسي ويشغل حيزا من ذهني، ولم أطالع بهذا التفكير ~~بادئ الرأي أحدا؛ إذ كانت شوائب التردد ما تزال تشوبه، فقد انتشرت أمام ذهني في الأيام ~~الأولى منه صورة غير مشجعة لما قد يقوم في سبيل هذا السفر من عقبات، فما عسى أن تكون ~~الحياة في بلاد العرب لرجل تقتضيه عادات الحياة ما لا يتيسر هناك؟ وما عساي أفعل إذا ~~مرضت؟ ولي ابن عم مات على عرفات ودفن بمكة من عامين لعله لو أسعف بالعلاج والطب لما ~~تيتم أبناؤه، وإذا استطاع الإنسان التغلب على مخاوف المرض وحاجات الحياة في غير أشهر ~~الحج، فكيف يغالبها حين يختلط حابل المسلمين بنابلهم بمكة، وحين تكون الأماكن المقدسة ~~معرضة للأمراض الوافدة إليها من الهند ومن جاوة ومن مختلف أقطار الأرض؟ هذا إلى ما تقضي ~~به نظم مصر الصحية من احتياط بالوقاية الطبية قبل السفر، وحجر صحي في العودة. # والإحرام: التجرد من الملابس كلها، والاكتفاء بمئزرين غير مخيطين يلتف الإنسان ~~بهما، ويبقى عاري الرأس ليله ونهاره أياما عدة، كيف يحتمل الإنسان ذلك كله في ~~الحجاز؟! وهو - فيما يصفه الواصفون - بلاد بادية، لا تعرف من صور الحضارة ما تطمئن ~~إليه نفس أحد ممن أصبح جوار الطبيب والصيدلية بعض ضرورات حياته. # ولئن نسيت هذه الاعتبارات وجعلت لي فيمن سبقني إلى الحج ms024 أسوة ، أأنسى هذا الاضطراب ~~الدولي القائم بسبب الحرب الناشبة بين إيطاليا والحبشة؟ لقد ألبت إنكلترا الدول ~~المشتركة في عصبة الأمم على عاهل «رومية»، وحشدت في البحر الأبيض المتوسط وعلى حدود مصر ~~من القوات ما ينذر بالحرب بين عشية وضحاها؛ حرب يكون البحر الأحمر وطريق الحجاز فيه بعض ~~ميادينها، فإذا أنا سافرت ثم وقعت الحرب فكيف لي أن أعود إلى وطني وأهلي ~~وأبنائي؟ # مر ذلك كله في خاطري فزاد في ترددي، ولقد حاولت الاطمئنان إلى رأي فيه بسؤال أصحابي ~~الذين زاروا الحجاز عن نوع العيش هناك، وبسؤال المشتغلين مثلي بالسياسة عما يتوقعونه ~~من أثر الخلاف بين إيطاليا وإنكلترا، على أنني لم أتجاوز السؤال إلى ما قد يفهم منه ~~عزمي على السفر، فلو أنهم فهموا مني ذلك العزم لأقدمت وسافرت غير عابئ بالنتائج، ذلك ~~مزاجي، ولعله مزاج من يغلب عليهم الحياء في اتصالهم بالناس، يجازفون مخافة أن يقال: ~~خافوا! ولم أتلق من أصحابي بادئ الرأي جوابا أطمئن إليه، فبينا كان قوم يهونون ~~علي أمر العيش بالحجاز كان آخرون يصفون لي من عسره وشدته ما يطير معه اللب شعاعا، ~~ولقد أوجب بعض الأطباء أن يأخذ المسافر معه من صناديق المياه المعدنية ما يكفيه اتقاء ~~تلوث مياه الحجاز، ورأى آخرون أن يحمل المسافر معه كل ما يحتاج إليه من طعام ~~وشراب. # لم يكن الأمر على هذا التصوير سفرا إلى بلاد قريبة يذهب الإنسان إليها، ويقضي مناسكه ~~بها ويعود منها في أسبوعين أو نحوهما، فالعدة للطواف حول الأرض أو السفر إلى القطب لا ~~تزيد على ما يذكرون، أية عزيمة لا تتضعضع إزاء هذه المخاوف ولا ترد صاحبها عن ~~عزمه؟! # صحيح أن أكثر الذين زاروا الحجاز وحجوا البيت وزاروا المدينة هونوا علي الأمر ~~وجعلوه في صورة من اليسر لا يبقى معها موضع للتردد، بل أضاف بعضهم أن هذه الرحلة جميلة ~~محببة تثير في نفس المثقف من الإحساس والصور الشعرية والفنية السامية ما لا تثيره ~~الرحلات إلى المصايف، أو بلاد الآثار في مصر والغرب، لكن كلام هؤلاء ms025 المشجعين لم يمح ~~من نفسي أثر كلام المحذرين، فقد تصورتهم متأثرين بعاطفتهم الدينية أكثر منهم بالواقع، ~~وأنهم يخشون إن ذكروا المشقة، أو ذكروا نقص أسباب الراحة والصحة بالحجاز، أن ينقص أجرهم ~~عن حجهم وعمرتهم، ولولا أن منهم علماء ومثقفين لما بلغت أخبارهم من نفسي أن تغالب أخبار ~~المحذرين، وأن تجعلني أديم التفكير في أمر السفر. # وكان الخوف من الحرب وخطر الطريق أبلغ في نفسي أثرا، ولم يقنعني من سألتهم رأيهم في ~~الأمر بما يزيل هذا الأثر من نفسي، فبينما كان بعضهم ينفي احتمال الحرب بين إنكلترا ~~وإيطاليا قبل أن تتضعضع قوات إيطاليا في الحبشة، كان آخرون يؤكدون اقتراب الحرب ويكادون ~~يضربون لوقوعها موعدا، وكان من بين الذين استشرت من اعتزم الحج منذ العام الماضي، فلما ~~استنجزتهم عزمهم اعتذروا بما طرأ من أحوال قد تجر إلى حرب تشترك مصر فيها، وتكون ~~الأراضي المصرية أو المياه المصرية ميدانها، ويتعرض أبناء مصر وتتعرض ثروتها من جرائها ~~لما تجره الحرب وراءها من الدمار والهلاك؛ ولهذا الاحتمال ثارت مصر تطلب إلى إنكلترا ~~أن تعقد معها معاهدة مودة وتحالف كانا قد انتهيا من قبل إلى نصوصها، وأجابت إنكلترا ~~بعد لأي أنها على استعداد للمحادثة من جديد على ضوء ما سمته الأحوال المتغيرة للشئون ~~الحربية الحديثة، وقبلت مصر عرض إنكلترا، وجعلت تعد العدة للمحادثات فالمفاوضات، وبهذه ~~المفاوضات اعتذر بعض الذين نذروا السفر إلى الحجاز من قبل، وحاولوا أن يلقوا في روعي ~~أن السفر في مثل هذه الأحوال يعتبر تنحيا عن أداء ما للوطن من حق على أبنائه، وربما ~~كان موقف مصر من هذه المفاوضات أدعى إلى إرجائي السفر من موقفها سنة 1930، حين اعتذرت ~~عن تلبية الدعوة إلى حفلات التتويج لابن السعود. # فكرت في هذه الأمور مليا، على أن استشارتي أصحابي جعلت غير واحد منهم يسألني: ~~أمسافر أنت حقا لتؤدي فريضة الحج؟ وكان جوابي منذ ألقي هذا السؤال علي لأول مرة: ~~إن شاء الله، ومع أن مشيئة الله يتعلق بها إرجاء السفر كما يتعلق بها السفر، فقد كنت ms026 ~~أحس كلما قلت هذه الكلمة كأن دافعا أقوى من تفكيري يدفعني إلى عدم الإرجاء، وإن أمسكني ~~ما قدمت من الاعتراضات في دائرة ترددي، وتركت الأمر معلقا بمشيئة الله وإن لم يمنعني ~~ذلك عن ذكره وتفصيل الحديث فيه كأنه أمر لا محالة واقع. # ومن عجب أني رأيت بعض أصدقائي يزداد حرصا على صدي عن السفر كلما رآني أشد إقبالا ~~عليه، وكان بعضهم يلتمس من أسباب الإرجاء ما يراه مقنعا، قال أحدهم: إن تيسير ~~المواصلات لأداء فريضة الحج يطرد سراعا، فخير لمثلك أن يرجئ أداءها حتى تكون غير ~~مرهقة إياه، أما إن كان مقصدك في السفر استيفاء البحث في سيرة محمد وعصره، فالخير أن ~~تذهب في غير أشهر الحج، فالبحث التاريخي والعلمي بحاجة إلى الهدوء والطمأنينة ليؤتي ~~ثمره، ومكة في غير أشهر الحج هادئة، يعاون سكونها على البحث من غير عناء بحثا أعود ~~بالفائدة وأدنى إلى الدقة العلمية، فلا تغامر الآن حتى تطمئن إلى سلامة البحر الأحمر، ~~وحتى تنتهي مصر من مفاوضتها إلى موقف حاسم في أمر الاتفاق مع إنكلترا. # على أنني لم أعدم تشجيع قوم استهانوا بمشقة السفر وبخطر الحرب، وأكبروا عزمي ~~واستحثوني على تنفيذه، قال أحدهم: إنك سترى في الأماكن الإسلامية المقدسة تاريخا يمكن ~~التثبت منه والقطع بصحة وقائعه؛ وذلك على خلاف تاريخ المسيحية في فلسطين، حيث تحجب ~~الأساطير كل ما يمكن أن نسميه تاريخا بالمعنى العلمي، وقال آخر: إذا كانت المفاوضات ~~المصرية الإنكليزية هي التي تدعوك إلى البقاء، فأنا الكفيل بأن تسافر وتؤدي فريضة الحج ~~وتحقق ما تشاء تحقيقه ولما تقطع المفاوضات مرحلتها الأولى، وقال ثالت: هب الحرب شبت ~~وتعرضت الملاحة في البحر الأحمر للخطر، ففي مقدورك أن تعود بالسيارة من طريق سيناء، ولن ~~تضن مصلحة الحدود المصرية عليك بالمعونة كي تعود، ولو أن ذلك حدث لكان لك فيه من الحظ ~~أن ترى من الأماكن المقدسة المتصلة بسيرة النبي العربي ما لا تتيسر لك رؤيته إذا عدت ~~بالبحر والبحر آمن. # وأفضيت إلى زوجي بذات نفسي، فكانت أكبر مشجع لي ms027 على السفر، قالت: إنك تفكر في الحج ~~وفي السفر إلى الحجاز منذ عام أو أكثر من عام، فسافر على بركة الله وتوكل عليه ما دمت ~~قد عزمت، وسترى في الحجاز لونا جديدا من الحياة يريح مرآه الأعصاب وتطمئن له النفس، ~~وقد شغلت نفسك حتى انتهاء مقامنا في الصيف بالشام بالدرس والبحث، فروح عن نفسك بهذا ~~السفر منهما. # كان حديث زوجي وتشجيع أصدقائي حريين بالقضاء على كل أثر للتردد في نفسي، لكني ظللت ~~أفكر في العقبات وتذليلها، جاهدا لتغليب جانب العزم على جانب الإرجاء، وإنني ذات ليلة ~~لشغل بالأمر أقلبه على وجوهه وأستخير الله فيه، إذ سمعت حديثا كأنه الإلهام قضى ~~على ترددي قضاء مبرما؛ فقد عدت إلى داري بعد انقضاء عملي الصحفي منتصف الليل، وجلست ~~إلى جانب أداة «الراديو»، وجعلت أدير شارته على محطات مختلفة حتى كانت عند «بودابست» ~~عاصمة المجر، و«بودابست» تعزف في مثل هذه الساعة من الليل ألحانا موسيقية تطرب لها ~~النفس، فما كان أشد عجبي حين سمعت الإذاعة فيها غير موسيقية! وحين سمعتها محاضرة باللغة ~~الإنكليزية، وكانت أول عبارة تنفست عنها الإذاعة قول المحاضر: «وسط هذه الجموع الحاشدة ~~حول الكعبة جعلت أسمع: الله أكبر، الله أكبر: فلما انتهيت من الطواف ذهبت أسعى بين ~~ربوتي الصفا والمروة ...» وانطلق المحاضر يتكلم عن الحج وشعائره ومناسكه وما كان له في ~~نفسه من أثر عميق. # لم يخامرني ريب من أول وهلة في أن المحاضر هو صاحبي الأستاذ المجري «جون جرمانوس» ~~الذي أسلم وتسمى باسم عبد الكريم؛ والذي جاء إلى مصر منذ عام فزارني غير مرة، ثم ذهب من ~~مصر إلى الحجاز فقضى بها أشهر الحج وعاد فلقيني وقص علي شيئا مما مر به أثناء ~~رحلته، فلما أتم إذاعته من «بودابست» أقفلت أداة «الراديو» وقد علاني الوجوم، وقلت في ~~نفسي: أويكون هذا الأستاذ الأوروبي الحديث العهد بالإسلام أصدق عزما مني في زيارة ~~الأماكن الإسلامية المقدسة؟! وهل تراه يطيق من مشقة الحج ما لا أطيق؟ وشعرت بما في ~~ترددي من تجديف يجب أن ms028 يتنزه عنه إيماني بالله وثقتي بنفسي، إذ ذاك نضوت عني كل ما ~~علق من قبل بإرادتي، ولم أرتب لحظة في أن الله قد عزم لي بهذا الحديث من ~~«بودابست» بعد أن استخرته مخلصا واستعنته صادقا. # فلما اطمأن عزمي وقرت إرادتي عدت ألوم نفسي على ما كان من مخاوفها، وكيف أخاف اليوم ~~وعهدي بنفسي أعظم ثقة بالله من أن أحجم دون ما أعتقده الحق أو الخير، أو أرجع عن أمر ~~تعلقت به نيتي، وما البحر الأحمر واحتمال مخاوف الحرب فيه إذا قيس إلى سنة 1914؟! لقد ~~كنت إذ ذاك محاميا بالمنصورة، وكنت قد عقدت العزم مع صديق لي أن نقضي بعض الصيف ~~بلبنان، وحددنا اليوم الثاني من شهر أغسطس موعدا لسفرنا على إحدى البواخر التي تبرح ~~بورسعيد إلى بيروت؟ وبينما كنا نستقل القطار صبيحة ذلك اليوم من المنصورة إلى مرفأ ~~سفرنا طالعتنا الصحف بأن الحرب شبت بين النمسا والصرب وروسيا وفرنسا بعد أن عجزت ~~السياسة عن تسوية حادث «سيراچيڨو» بما يصون السلم ويحقن الدماء. # وقدرت وصاحبي امتداد الحرب إلى عرض البحر الأبيض، ودار بخاطرنا أن نقضي أسابيع ~~رياضتنا في بورسعيد، لكني ما لبثت حين داعبنا هذا الخاطر أن دفعته بأن في مقدورنا أن ~~نركب الصحراء في عودتنا من لبنان إذا خيف البحر وتعذر ركوبه، وركوب الصحراء يومئذ كان ~~معناه امتطاء ظهور الإبل، فلم تكن سكة الحديد قد مدت لفلسطين، ولم يكن السفر ~~بالسيارات مألوفا، وسافرنا إلى لبنان، فإذا تركيا تحشد جنودها، وإذا الأنباء تترى ~~بعد أيام بأن البواخر الذاهبة إلى مصر اضطربت مواعيد سفرها، مع ذلك لم تتغير ابتسامتي ~~للحياة، وبقيت وصاحبي حتى أقلتنا باخرة جمع عليها المصطافون من مصر جميعا فحشروا ~~فوقها زمرا. # ها هي ذي أكثر من عشرين سنة انقضت منذ هذا الحادث وما أزال سعيدا بذكراه، راضيا عن ~~إقدامي، فكيف أخشى اليوم احتمال حرب في البحر الأحمر لا يزيد على أنه احتمال قريب أو ~~بعيد، ولم أكن أخشى يوم ذاك أن تمتد إلى البحر الأبيض حرب شب بالفعل أوارها، ms029 أوبلغ ~~من تقدم السن بي أن أضعف عزمي؟ أم أن الأولاد مجبنة لي اليوم ولم تكن لي مجبنة ~~يومئذ؟ أم أن إغراء الشباب بالمغامرة الرخيصة ليس في شيء من حكمة الكهولة وأناتها في ~~تدبرها الأمور وتقديرها؟ ليرجع ترددي من خوف الحرب في البحر الأحمر إلى أي من هذه ~~الأسباب أو إليها جميعا، فأنا ملوم فيه، فما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله، وكل نفس ~~ذائقة الموت كتابا مؤجلا. # ولقد رأيت الموت بعيني غير مرة، وها أنا ذا مع ذلك أضرب في الحياة وما أزال ~~أجاهدها؛ سقطت من أعلى دارنا بالريف في سنة 1901، فلولا قدر عفا عني لكنت اليوم في ~~جوار الله، ومرضت في سنة 1924 مرضا خيف منه على حياتي، وصدمتني سيارة في سنة 1928 صدمة ~~قضى مثلها على حياة كثيرين غيري، وانقلبت بي السيارة في سنة 1932 فلم يؤذني انقلابها، ~~وتصادمت ومعي أولادي في سنة 1935 تصادما أزعجنا ولم ينلنا بأذى، ودون هذا وما إليه ما ~~يودي بالحياة إذا حم الأجل، وكم مات أقوياء أصحاء فجأة بلا مرض ولا حادث، فليكن بعض ~~إيماننا بالله أن نقبل على أداء واجبنا في الحياة مطمئنين غير هيابين ولا وجلين؛ فإن ~~بلغنا من أدائه ما نرجو فذلك فضل الله وحسن تيسيره، وذلك هو الفوز العظيم، وإن اخترمتنا ~~المنون أثناء قيامنا به مخلصين، فذلك مجدنا في الحياة ورجاؤنا في الله، وأي مجد في ~~الحياة كأداء ما نؤمن بأنه الواجب؟ وأي رجاء في الله أكبر من الاستشهاد في سبيل ~~الواجب؟ # وخجلت وأنا أحاسب نفسي حين ذكرت ما تخيلت من مشقة الحياة بالحجاز، فما المشقة؟ ثم ما ~~قيمة عيش لا مشقة فيه؟! وأين المتاع بالحياة وجمالها إذا نحن قضيناها على نسق مطرد ~~يشابه فيه كل يوم ما قبله، لا يهزنا فيها جديد ولا تفجؤنا فيها فجاءة سارة أو ~~ممضة؟! وكيف نروض أنفسنا على ما قد يمر بنا في الحياة من شدة، وكيف نعرف الصبر في ~~البأساء وفي الضراء وحين البأس إذا أفزعنا شبح المشقة وانخلعت ms030 قلوبنا هلعا لتصورها؟ ~~أولسنا نقبل عن طواعية واختيار على فنون من الرياضة فيها من الجهد والمشقة ما لا ~~يقاس إليه كل ما في بلاد العرب مما نتصوره من جهد ومشقة؟ أولا يتسلق جماعة منا جبال ~~الألب بسويسرا معرضين أنفسهم لقسوة الزمهرير في قننها ولأخطار السقوط أثناء تسلقهم ~~إياها؟ بل إننا لنحمل أنفسنا أحيانا على ألوان من الرياضة أشد إجهادا للقوى وأشد ~~تعريضا للخطر من تسلق الألب، ومتاعنا بهذه الألوان من الرياضة خير ما يلذنا من أيام ~~حياتنا، حتى لنجد في ذكره من العذوبة ما يجعل العود إليه حلوا سائغا. # وإني لأذكر من مخاطرات الصبا ومن جولاته بأوروبا وغير أوروبا أياما قضيتها في مثل ~~نسك الزاهد وخشونة صومعته، فأجد لهذه الذكرى لذة ونشوة لا يشبهها في شيء ذكر أيام الدعة ~~والنعيم، وأستعيد بها صورة مشاهد في الطبيعة مما خلق الله أو نظم الإنسان قل لمن لم ~~يعرف الخشونة أن يشهد مثلها، فما لي لا أغتبط لما عسى أن يكون بالحجاز من مشقة أثاب ~~عنها بما أستمتع به بعدها من جمال ذكرياتها العذاب؟ وهل الحياة بنعيمها وبؤسها إلا ~~ذكرى؟ وما لي لا أسارع إلى طلب هذه المشقة أستعيد بها ما عرفت في ماضي حياتي من شئون ~~العيش، وقد كان التقشف خير أستاذ يدرك مريدوه مغزى هذه الكلمة القوية العميقة: ~~«اخشوشنوا فإن النعم لا تدوم.» # نضوت إذن ترددي، ولم أرتب لحظة في أن الله عزم لي بحديث «بودابست» وعمدت منذ ~~الغداة أستشير السابقين في الحج من أهلي وأصحابي في أهبة سفري، وهون بعضهم الأمر، ~~وهوله آخرون، هونه الشيوخ والذين ينعمون بالضراء ابتغاء مغفرة الله لمن حج بيته، ~~وهوله من ليسوا أقل إيمانا وإن كانوا أشد على طمأنينتهم وصحتهم حرصا، كان من رأي ~~هؤلاء أن المياه في موسم الحج مخوفة، وأخوفها ماء منى، وأن الاحتياط لقسوة البرد ~~أثناء الإحرام يقضي بلباس خاص مع مئزريه، وسألت بعض الأطباء رأيهم في ماء الحجاز ~~ووسيلة اتقاء تلوثه، وهون بعض الأطباء الأمر وهوله آخرون، وكان ما يلائم جو ms031 الحجاز ~~وتقاليد العيش فيه من أمر الملبس موضع خلاف كذلك، وقدم لي صديق من الأطباء جعبة من ~~الدواء لإسعاف المسافر، وأكملتها بما يتفق وحالي الخاصة، وانتهى بي التفكير في الاحتياط ~~الطبي إلى الاكتفاء بهذه الجعبة تاركا ما سواها مما نصح به الأطباء إلى موجبات الحاجة ~~أثناء السفر، ولعله السأم لاضطراب رأي الأطباء هو الذي حملني على هذا الاكتفاء، أما ~~اللباس فأخذت من ألوانه كل ما نصح الناصحون به، وقد شغل ما يقتضيه الإحرام وحده من ~~عياب المتاع حيزا عظيما. # لست أذكر أني ساورتني مثل هذه الحيرة في أهبة السفر إلا صدر الشباب حين كنت مسافرا ~~في سنة 1909 لإتمام دراسة الحقوق بأوروبا، فقد صحبت منها يوم ذاك ما عرفت من بعد أني في ~~غير حاجة إليه، فأما في هذه الفترة التي انقضت بين سفري الأول إلى أوروبا وسفري الأول ~~إلى الحجاز، والتي تزيد على ربع قرن من الدهر، فقد كنت أتخفف من الأهبة أثناء أسفاري ما ~~استطعت، وما أسفت يوما على هذا التخفف، سافرت مرات إلى أوروبا، وسافرت إلى لبنان ~~والشام، وسافرت إلى السودان، ولم أكن في أسفاري هذه جميعا أحمل من الثقل إلا ما أشعر ~~بمسيس الحاجة إليه، ثقة مني بأني واجد ما ينقصني حيث أنزل، وكيف لا أجده وأهله يعيشون ~~ويجدون حاجاتهم فيه؟ وكان حتما علي أن أصنع هذا الصنيع في السفر إلى الحجاز، وأن ~~أذكر أني واجد في كل بلد ما تقضي به حاجات العيش فيه، لكني نسيت هذا الأمر، وما ~~أنسانيه إلا كثرة ما سمعت ممن استشرتهم، ولعلي إنما طاوعتني نفسي إلى سماع الكثير مما ~~قالوا لقلة من يسافرون لأداء فريضة الحج من الطبقات المستنيرة من المسلمين، ولكثرة ما ~~يقال عن الحجاز والحالة الصحية فيه، وأغلب ظني أنني لو قمت بهذه الرحلة في غير موسم ~~الحج لجريت على عادتي، ولتخففت من أهبة سفري ما استطعت. # ونزلت على حكم الإجراءات الرسمية التي تجب على من يفرض الحج، فقدمت بذلك طلبا إلى ~~الحكومة ودفعت نفقات السفر، وأسلمت نفسي ms032 للتطعيم ضد الجدري والحقن ضد الكوليرا ~~والتيفود، وحددت موعد سفري على الباخرة «كوثر» التي تبرح السويس يوم الثلاثاء 25 من ~~فبراير سنة 1936، من يومئذ اتجه تفكيري إلى الحجاز وإلى الحج ومناسكه، وجعلت أصور ~~لنفسي ما أنا ملاقيه في ترحالي وما سأشهده بالبلد الحرام والبلاد المقدسة، أما أصحابي ~~الذين حاولوا من قبل أن يصرفوني عن سفري، فقد جعلوا يسألونني عن شعوري إزاء هذه الرحلة ~~وإزاء فريضة الحج، مشفوعا سؤالهم بأصدق الرجاء أن أتم الفريضة والرحلة وأن أعود إليهم ~~بخير ما يرجونه لي من صحة وعافية. # وهرع آخرون من أصدقائي ومعارفي يهنئونني بما عزمت، ويؤكدون لي أنه آية فضل الله علي ~~ورضاه عني، وشكرت لهم تأكيدهم مغتبطا به ثقة مني بإخلاصه وصدق النية فيه، وكيف ترقى ~~إلى إخلاصه شبهة وأصحابه من أشد المسلمين تمسكا بدينهم واطمئنانا إليه، وأكثرهم ~~ضليعون في علومه واقفون منه على ما لا يتسنى لغيرهم الوقوف عليه بعد إذ قضوا السنين ~~الطوال في دراسته وتمحيصه والتدقيق في متونه وشروحه؟ وغاية ما رجوت أن يجيب الله دعاءهم ~~فيقبل مني حجي وعمرتي، وييسر لي ما قصدت إليه من سفري. # اتجه تفكيري إلى الحجاز وإلى الحج ومناسكه، وجعلت أصور لنفسي ما أنا ملاقيه في هذه ~~المناسك وما أنا مشاهده في البلد الحرام، وسرعان أن ملأ هذا التفكير نفسي هيبة ورهبة؛ ~~فقد عدت بذاكرتي إلى حجة الوداع، وتخيلت أمامي النبي العربي يؤديها على رأس مائة ألف ~~أو يزيدون، فطأطأت رأسي لهذا المشهد إكبارا وإجلالا، ما أعظم الفرق بين ما كان ~~يومئذ وما نحن عليه اليوم! كان المسلمون يتحرقون شوقا إلى أداء الفريضة وهم لا يعلمون ~~متى كتب لهم أن يؤدوها مع رسول الله، فلما أذن مؤذنه في الناس بالحج أقبلوا إليه من ~~كل فج وهرعوا من كل حدب ينسلون، وأقاموا بالخيام التي ضربت حول المدينة ينتظرون ~~يوم الرحيل وقلوبهم فياضة بالبشر، وكلهم الغبطة والمسرة، واستفزهم المنادي، فقام ~~جمعهم وراء الرسول الكريم إلى ذي الحليفة بظاهر المدينة، وقد امتلأت من خشية الله ~~قلوبهم، وقد ms033 فاضت من هيبته عبراتهم، وكلهم إلى بيت الله هوى، وفي سبيل دينه الحق ~~اندفاع ومحبة. # ونزلوا ذا الحليفة وباتوا ليلتهم بها، ثم أصبحوا فتطهروا وأحرموا وأعلنوا إلى الله ~~أنهم نسوا الدنيا في سبيله، وأنهم نووا الحج إلى بيته يبتغون وجهه، وسوى الإحرام ~~بينهم جميعا، فلم يبق منهم غني وفقير، ولا قوي وضعيف، ولم يبق منهم من يفكر إلا في ~~رضا بائه جل شأنه تعنو له الجباه، ولعظمته يخر من في السموات ومن في الأرض ~~إلى الأذقان سجدا، وانطلقوا من ذي الحليفة في طريق مكة يفكر كل منهم فيما قدم من عمل ~~صالح، وينادون جميعا بصوت رجل واحد ملبين: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، ~~إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك»، وتجاوبت الأودية بصدى هذا النداء فحملته إلى ~~بقاع البادية وإلى فسحة الصحراء، ونزل الجميع حين جن الليل؛ فلما تبسم الفجر عن ~~تباشير الصباح صلوا ولبوا ثم انتشروا وساروا يحدوهم الإيمان، ويدفعهم إلى بيت الله ~~شوق ومحبة، وظلوا في طريقهم إلى مكة اثني عشر يوما، إذا جنهم الليل نزلوا، فإذا ~~أضاء لهم الصبح قاموا متوجهين بقلوبهم إلى الله مصلين ملبين، ناسين عرض الدنيا، مؤمنين ~~بأن لا فضل لأحدهم على صاحبه إلا بالتقوى، فلما بلغوا مكة دخلوا المسجد الحرام يؤمهم ~~محمد، وطافوا سبعا بالبيت العتيق، ثم سعوا سبعا بين الصفا والمروة، طافوا جميعا ~~معا، وسعوا جميعا معا، وهم جميعا في إمامة محمد تسري إليهم من قدس روحه نفحات ~~روحية، لم يعرفوا، ولم يعرف أحد قبلهم، ما يشابهها سموا وقوة. # وآن لهم أن يرتقوا إلى عرفات ليتموا حجهم، فاتبعوا النبي إلى منى يوم التروية ثم ~~ارتقوا الجبل معه، وأقاموا فوق عرفات في مساواة الإحرام يهللون ويكبرون ويلبون حتى ~~مالت الشمس إلى المغيب، إذ ذاك استمعوا إلى خطاب النبي، ثم أفاضوا إلى المشعر الحرام ~~فذكروا الله عنده، وهبطوا منى فأتموا بها المناسك، وعادوا وقد طهر الحج قلوبهم إلى ~~حياة جديدة بقلوب أكثر طهرا، ونفوس أجابت داعي الحق، وعاهدت الله أن ms034 تجيبه كلما ~~دعاها. # ارتسم أمامي هذا المشهد الذي يملأ النفس رهبة والقلب إيمانا، ورأيت نفسي مقبلا ~~على مثله في ألوف اجتمعوا من أقاصي الأرض، لا من جزيرة العرب وحدها، للفريضة التي اجتمع ~~إليها الأولون الذين اتبعوا محمدا من نيف وأربعين وثلاثمائة وألف سنة خلت، فازدادت ~~نفسي لليوم القريب الذي أقف فيه هذا الموقف مهابة وإكبارا، قلت لنفسي: «ها أنا ذا بعد ~~أيام سأركب البحر قاصدا بيت الله حاجا، فإذا بلغت رابغا، ميقات الإحرام، أحرمت، ~~وأحرم المسافرون للحج كما أحرم النبي وأصحابه، ونادى ركب الباخرة جميعا: لبيك اللهم ~~لبيك، وامتلأت النفوس جميعا هيبة والقلوب إيمانا، رب أية شعلة من نورك الذي ~~أضاءت له السموات والأرض ستشتمل هذه الباخرة في اندفاعها تمخر العباب إلى بيتك المحرم ~~يلبي ركبها كلهم دعاءك، وتتجه قلوبهم كلها إليك صادقة القصد عامرة بالإيمان. # لن تكون هذه الباخرة في تلك الساعات القدسية مطية أجسام تجري فوق الماء، بل قبسا ~~من ضياء الهدى ونور الحق أفضته على عبادك فعادوا به إليك مهللين مكبرين مستجيبين إلى ~~ندائك القدسي الأطهر، باعك كل منهم نفسه مجاهدا في سبيلك، ونسي كل منهم هذه الحياة ~~الدنيا فانيا في جلال جنابك، لك الجلال جل شأنك، وبك العون على الجهاد في سبيلك، ~~وسأكون أنا واحدا من هؤلاء الفانين فيك، الصادقين في توجههم إليك، كلنا عبادك، وكلنا ~~نلتمس غفرانك وعفوك، فاعف عنا واغفر لنا وارحمنا، اغفر لنا ولوالدينا ولمن دخل بيتنا ~~مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات، واهدنا اللهم صراطك المستقيم، «صراط الذين أنعمت عليهم ~~غير المغضوب عليهم ولا الضالين».» # امتلأت نفسي بهذا المشهد، كله الجلال والرهبة، وبلغت منها مهابته أن لم يبق فيها موضع ~~لشيء سواه، وأجبت الذين سألوني عن شعوري نحو رحلتي - وبينهم جماعة من غير المسلمين - ~~عما يخالج نفسي مما أرى أمامي، فرأيتهم تمتلئ قلوبهم منه هيبة وله إكبارا وإجلالا، ~~وأي مشهد أدعى إلى المهابة الصادقة من هذه الصيحة المؤمنة المنبعثة من أعماق القلوب، ~~تنفرج عنها شفاه عشرات الألوف من الواقفين بعرفة يوم التاسع من ذي الحجة، ms035 يلبون داعي ~~الله، متجردين من كل زخرف الحياة، عراة الرءوس، متشحين بمآزر الإحرام، معلنين التوبة ~~عما مضى من هنات الحياة وخطاياها، منيبين إلى الله ليطهر نفوسهم كي تعود إلى الحياة ~~في مثل براءة الطفولة؛ لتكون من بعد مثال النزاهة والفضيلة والجهاد الحق في سبيل الله ~~جهادا يهون من كل صعب، ويهون الموت بل يحلو في سبيله. # وتعاقبت الأيام؛ ينسخ الليل النهار، ويمحو النهار آية الليل، فلما كنا من موعد السفر ~~على يومين جاء أهلي من الريف يهدون إلينا تحية الوداع، وكلهم مطمئنو النفوس، كبيرو ~~الرجاء في الله، وكلهم يطلبون إلي ما طلبه قبلهم كثيرون غيرهم، أن أقرأ لهم الفاتحة ~~عند بيت الله وعند قبر رسوله # صلى الله عليه وسلم ~~، وأن أدعو لهم الدعوات الصالحات، فلما كان الصباح ~~الباكر من يوم الثلاثاء 25 فبراير 1936 ذهبنا إلى محطة «كوبري الليمون» لنستقل قطار ~~«الديزل» الذي يشق الصحراء إلى السويس، ولقينا المودعون بالمحطة يرجون لنا حجا ~~مبرورا وذنبا مغفورا وسفرا موفقا وعودا حميدا، وانطلق القطار يشق الصحراء ~~براكبيه الذين اختاروا آخر باخرة من بواخر الحج، وبلغنا السويس، وأخذنا أوراق سفرنا، ~~وأقلتنا السيارات إلى بور توفيق وإلى مرسى الباخرة «كوثر»، وعلونا الباخرة ولما يكن ~~الزوال قد آذن، وجعلت أطوف في أرجائها ألتمس من أعرف من المسافرين معي عليها، وألقيت ~~نظري على مياه البحر الأحمر في خليج السويس، فذهب خيالي مع الأمواج يتقلب بعضها فوق ~~بعض، فخلتها آتية من جدة تحيينا وتعلن إلينا أنها في انتظار تحركنا إلى مرفأ البيت ~~الحرام، وبقي خيالي مع موج البحر حتى ناداني من أصحابي جماعة جلست وإياهم، وجعلنا نتحدث ~~في انتظار طعام الغداء، وفي انتظار سير الباخرة إلى الأرض الإسلامية المقدسة. # يا عجبا! أي خاطر هذا الذي يجول الساعة بنفسي وأنا أسطر مشاهدي؟! إن هذه البواخر ~~تقوم بحجاج المسلمين من السويس إلى جدة لتصل بين مرفأ سيناء حيث كلم الله موسى، وبين ~~مرفأ مكة حيث نزل الوحي على محمد، والذين يؤمنون برسالة محمد يؤمنون بإبراهيم وموسى ~~وعيسى والنبيين من ms036 قبل، لا يفرقون بين أحد منهم، وهم لله مسلمون ، تبارك الله ذو ~~الجلال! إن كل ما في الحياة ليوحي اتصال الوجود كله في الزمان والمكان في وحدة هي ~~الحجة البالغة على وحدة بارئ الوجود - جل شأنه، وسنرى من مظاهر الوحدة الروحية في ~~سفرنا هذا، وفي مهبط الوحي على محمد ما يزيد المسلمين إيمانا وتثبيتا. # فلأنتظر مطمئنا، فعما قليل تجري بنا الباخرة باسم الله مجريها ومرسيها، إن ربي على ~~كل شيء قدير. # | بين المرفأين # كانت الأميرة خديجة حليم قد فرضت الحج عامنا هذا، واختارت السفر على «كوثر» آخر باخرة ~~تدركه، وكان برنامجها أن تغادر مكة طائرة إلى المدينة في اليوم التالي للوقوف بعرفة، ~~مكتفية بالفداء عن فرائض الحج ومناسكه جميعا. # ولقد أحدث صعودها وصعود حاشيتها إلى الباخرة هرجا بين الذين سبقوهم إليها، ولم أجد ~~لهذا الهرج مسوغا إلا في كثرة المودعين الذين كانوا أضعاف المسافرين إلى الحج عددا؟ ~~هؤلاء أقاموا على ما طبعته الحياة الحاضرة في نفوسهم من تقديس ذوي الجاه والإمارة، ~~أما الذين فرضوا الوقوف بين يدي الله بالأماكن المقدسة، فقد وجب أن تبرأ نفوسهم من كل ~~تقديس لغير الله ما دامت قد فرضت أن تبرأ من الحوبات والأوزار جميعا. # وشغلت إدارة الباخرة بالأميرة وما تختاره من الغرف لنفسها ولمن معها، فلما فرغت من ~~ذلك أذنت للخدم في دعوة الناس للطعام، وجلس طلعت باشا حرب مدير شركة مصر للملاحة ~~البحرية إلى مائدة تتوسط غرفة الطعام، ودعاني إلى الجلوس معه، كما دعا آخرين منهم ~~محافظ السويس وحكمدارها الإنكليزي وربان كوثر، ودار حديث اشترك فيه الربان ~~بالإنكليزية تارة وبالفرنسية أخرى، وما كنت لأشير إلى هذا الحديث لولا ما أصاب الباخرة ~~ساعة وصولها إلى جدة، وتركنا الربان وما نزال على المائدة، فذكرت لزملائي عليها أن ~~إنكليزيته وفرنسيته تدلان على أنه ليس إنكليزيا ولا فرنسيا، قال طلعت باشا: بل هو ~~إيطالي، إذ ذاك توجهت إلى الحكمدار الإنكليزي وقلت مبتسما: ذلك خير، فلئن أصبح ~~البحر الأحمر ميدان حرب بين إيطاليا وإنكلترا أثناء سفرنا لنكونن في ms037 حمايته ~~الإيطالية. # وسارع طلعت باشا إلى التعقيب على عبارتي هذه بقوله: لقد دعوته منذ نشأت الأزمة ~~الدولية الأخيرة ونبهته في حزم إلى احتمال وقوع حرب يشتبك وطنه فيها، وسألته ما يكون ~~موقفه يوم ذاك؟ فأكد لي بشرف البحار أنه يخدم بإخلاص العلم الذي يظل الباخرة ~~التي يقودها كائنة ما تكون الأحوال التي تحيط به. # وأردف الحكمدار الإنكليزي بهذه العبارة العميقة المغزى: قد تكون الحوادث أحيانا أقوى ~~من كل ما نقسم به. # ونهضنا وغادرنا غرفة المائدة إلى حيث جلسنا نتحدث ونشهد تقلب الموج، وتناول حديث بعض ~~الحاضرين زميلتنا في الحج إلى بيت الله، الأميرة خديجة حليم شقيقة عباس حلمي خديو مصر ~~السابق وأرملة الأمير سعيد حليم الصدر الأعظم في تركيا في أخريات حكم السلطان الخليفة ~~محمد رشاد، ودار الحديث حول تصور الأمراء للحج، وما يلتمسون أثناءه من مغفره الله ~~لهم، وإنا لفي هذا الحديث إذ أقبل علينا الأمير محمد عبد المنعم ابن الخديو عباس حلمي ~~وولي عهد مصر السابق، وكان قد جاء يودع عمته بالسويس، وانتقل الحديث لمجيئه إلى ~~موضوعات أخرى كان من بينها فيلم «وداد» السينمائي الذي أخرجته المغنية أم كلثوم في شركة ~~مصر للتمثيل والسينما، وكان مدير هذه الشركة في مجلسنا، وكان حريصا على أن يسمع رأي ~~الناس في هذا الفيلم، قال الأمير عبد المنعم: إنما ألاحظ على هذا الشريط صورة المسجد ~~فيه والنداء للأذان به. # ولاحظ الأمير صمت الحاضرين وعدم إبدائهم الموافقة على ملاحظته، فقال: صحيح أن ~~المناسبة التي ألقي فيها الأذان من فوق مئذنة المسجد حسنة جدا؛ فقد كان الناس ~~يختصمون، فلما سمعوا الأذان انصرفوا عن الخصومة وولوا وجوههم شطر بيت الله، لكن ~~السينما تنتقل من بلد إلى بلد، ولا عجب أن يعرض هذا الشريط في أوروبا، والغربيون ~~يستهزئون حين يسمعون الأذان وحين يسمعون القرآن، ومن الواجب علينا ألا نعرض ما نقدسه ~~إلى استهزاء الغير به. # ودار حول رأي الأمير حوار دل على أن كثرة الحاضرين لا تؤيده وإن اختلطت عبارات هذا ~~الحوار بكثير من ألفاظ التبجيل ms038 والاحترام، وتنقل الحديث من بعد في مسائل شتى، تركنا ~~الأمير على أثرها ليقيم سويعة مع عمته قبل سفرها، ولعله تركنا غير راض عن الذين ~~خالفوا رأيه عن الأذان في السينما. # ولم أشترك في حوار الذين حاوروا الأمير، ولم أرد أن أذكر ما ورد في القرآن عن الذين ~~يستهزئون حين يسمعون كلام الله وأن الله يستهزئ بهم ويردهم في طغيانهم يعمهون؛ فما كنت ~~لأثير جدلا حول أمر يتصل بعقيدة صاحبه، وليس من اليسير أن يصرفه الجدل عن رأيه، أو ~~يحمله على المصارحة بالعدول عن عقيدته فيه. # على أني لم أعجب لهذا الرأي من شاب نشأ في أسرة مالكة، وكان يوما ولي العهد لعرش ~~دولة لها مكانتها في العالم الإسلامي كله، فهؤلاء يبالغون في الحرص على تقديس ما ~~يعتقدونه مقدسا ليبالغ غيرهم في تقديس الدين وما يصدر عنه، وهم لا يؤمنون كما يؤمن ~~أبناء الشعب بصوت الشعب وأنه من صوت الله، وإنما يؤمنون بصوت الملك وأنه من صوت الله، ~~فإذا حجوا ليستغفروا أو يطهروا، كفاهم أن يرتقوا إلى عرفات ولهم في سعة مالهم من ~~أسباب الفدية ما يحسبون أنهم يفتدون به كل الأوزار والخطايا، وإن منهم من لا يرضى أن ~~يحرم يوم عرفة؛ لأنه لا يؤمن بالمساواة، فهو يريد أن يفتدي منها كأنما يفتدي من عذاب ~~يوم عظيم. # وإنما عجبت أن لم يذكر أحد من الذين جادلوا رأي الأمير ما سمعته غير مرة من أن الأذان ~~بصوت حسن كان مما حمل كثيرين من غير المسلمين على أن يدينوا بالإسلام، ولقد عرف هذه ~~الحقيقة من أقاموا من قبل في تركيا حين كانت تختلط في عاصمتها زمر الأمم المختلفة ~~الأديان، والحق أن كلمات الأذان البسيطة العذبة جديرة حين ترتل ترتيلا يؤدي معناها ~~بكل قوته أن تنفذ إلى أشد النفوس صلابة، وأشد النفوس استكبارا، وهل هناك أقوى من ~~قولك: الله أكبر، لا إله إلا الله، محمد رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، ~~الله أكبر، لا إله إلا الله؟! # وغير المسلمين يسمعون إلى آي ms039 الذكر الحكيم حين يقصد من ترتيله إلى حسن فهمه بإجلال ~~وإكبار كإجلال المسلمين وإكبارهم، فلا عجب أن يحرص المسلمون على أن يذاع القرآن ويذاع ~~الأذان بكل وسائل الإذاعة، ولا عجب أن يحتج المسلمون من أقطار الأرض كافة حين يسمعون أن ~~محطة الإذاعة في مصر ستعدل عن إذاعة القرآن أو تقلل من تلاوته. # وآن لكوثر أن تتحرك، فتركها المودعون بعد أن ألقوا على المسافرين كلمات الأمل ~~الطيب، وحسن الرجاء في حج مقبول وعود حميد، وانتقل المسافرون إلى ناحية الشاطئ يحيون ~~مودعيهم التحية الأخيرة قبل السفر، فإذا جمع من ألوف الناس على رصيف المرسى لم ~~يلبثوا حين سمعوا الموسيقى تصدح أن تعالى في الجو هتافهم للإسلام وللحج وللوطن هتافا ~~حارا صادرا من حبات القلوب ومن أعماق الأفئدة، ما أبلغ أثر هذا المنظر في النفس! ~~فهذي الألوف الذين جاءوا لتحية المسافرين إلى بيت الله لا يعرف أكثرهم أحدا من هؤلاء ~~المسافرين، وإنما جاءوا يودعون إخوانهم في الدين بقلوب عامرة بالله والوطن، لقد كانت ~~مشاعري تهتز أيما اهتزاز كلما علا نداء هذه الجماهير في الجو، فهذه أمة تلتمس التوجيه ~~الصالح إلى حياة تريدها حياة مجد وعظمة، وتلتمس هذا التوجيه بصدق وإخلاص، وتلتمسه في ~~كل مظهر من مظاهر الحياة المصرية، يملؤها الأمل من اقتراب هذا اليوم الذي يفتح فيه باب ~~الرجاء فتندفع إليه متفانية في سبيله، كلها التضحية للعقيدة، وكلها التضحية ~~للوطن. # وتحركت الباخرة، فعدت إلى ناحيتها الأخرى أشهد أمواج خليج السويس المصري، وأشهد من ~~ورائها مخازن شركة البترول الإنكليزية القائمة في الأراضي المصرية، وأعود بتفكيري إلى ~~الحجاز وإلى الحج، وإلى ألوف المسلمين الذين يؤدون هذه الفريضة في كل عام؛ لأنهم ~~يستطيعون إليها سبيلا. # وشغلت بخليج السويس ومياهه وأمواجه حتى انحدرت الشمس إلى مغيبها، ولما تناولنا طعام ~~العشاء أسرعت إلى مخدعي، علي أجد في النوم ما يعوضني عن مجهود نهاري، وبعض ما ~~يعوضني عن مجهود الأيام التي سبقت. # واستيقظت مع الصبح واستنشقت هواء البحر، ما أرقه وأعذبه وأصحه! وشكرت لله أنعمه ~~وأنا في خلوتي المبكرة ms040 فوق سطح الباخرة أشهد شواطئ خليج السويس التي لم تزل قريبة منا، ~~فلما آن ليقظة النهار أن تجمع أصحابي معي كي نتبادل من الحديث أطرافه ألفيتني في رفقة ~~لم ألف منها أحدا فيما سبق من أسفاري، وإن يكن منهم من سافر من قبل إلى أمريكا ~~وأوروبا، وإن يكن منهم من يقيم في باريس أكثر وقته، قال صاحبنا هذا: أولا تعجبكم هذه ~~السكينة التي غمرتنا على البحر منذ غادرنا السويس؟! ولو أن «كوثر» كانت مسافرة في رحلة ~~الصيف إلى أوروبا لسمعنا الموسيقى على العشاء، ولشهدنا فيلما من أفلام السينما المسلية ~~إن لم تحرك الموسيقى شجن ذوي الشجن إلى الرقص، أما وهي مسافرة إلى بيت الله بالذين ~~يريدون وجهه فقد نسيت ما ألفت من ألوان المسرة الساخرة، واتشحت برداء من ~~الحكمة هو وحده الجدير بوجهتنا، ولست أخفي عليكم أنني ابتسمت مساء أمس حين ذكرت ما كان ~~على الباخرة التي أقلتني من أوروبا منذ أسابيع من مرح شد ما كنا نستطيبه، واشتد بي ~~الشوق أن أسمع إذاعة من مصر على الأقل أتداوى بها من ملال السفر على الماء، فلما جنني ~~الليل واشتملت الباخرة سكينته ولم أسمع إذاعة ولا موسيقى، تداويت عن طمأنينة العاطفة ~~بطمأنينة القلب، وادكرت ما أنا مقبل عليه، فطابت إلى سكينة القلب نفسي، وجعلت من ذكر ~~الله وتلبية دعائه أنيسي، وتذكرت أن الأقلين من أوتوا مثل حظي فداولوا في أسابيع بين ~~النهل من ورد باريس وعلمها ومسارحها ومتاحفها ومجتمعاتها الحافلة بأسباب الأنس، ~~وورد المنهل العذب للحياة الروحية بمكة عند بيت الله الحرام وبالمدينة مثوى قبر رسوله - ~~عليه السلام. # وبهت بعض الحضور لهذا القول، فتبادلوا النظرات بينهم هنيهة خيم أثناءها الصمت، ~~ثم قال أحدهم موجها الكلام إلينا جميعا: ائذنوا لي أن أقدم لكم كتيبا جمعت فيه ~~مناسك الحج وأركانه، لعل لكم في تلاوته بعض ما ينفعكم فيما أنتم مقبلون عليه. # وأخرج من جيب قفطانه عدة كتب صغيرة وزعها علينا جميعا، عرفت إذ أجلت النظر فيها ~~أنها تلخص مناسك الحج على المذاهب الأربعة، ms041 ولم ينجه هذا التلطف من أن يوجه إليه أحد ~~الحاضرين بعد أن استوى الكتيب في يده قوله: وهل ترك مطوفو مكة لأحد في الحج قولا؟ ~~إنهم ليوجهوننا في كل دقيقة وجليلة من شئون حجنا وإن استوى لأحدنا من العلم بهذه ~~الفريضة ومناسكها ما لا علم بعده. # قال صاحب الكتيب: الذنب على الحاج لا على المطوف، فلو أنه عرف فروض الحج وواجباته ~~وسننه لما كان لمطوف عليه ما تذكر من سلطان. # ومر بنا الخادم فطلبنا إليه قهوة ما كان أشهاها والباخرة تجري بنا فوق لج صاف ~~ونسيم رقيق منعش، وأقمنا نتحدث؛ أن لم نجد غير الحديث ما يسلينا في هذا السفر، فلما ~~نودي لصلاة الظهر قبيل موعد الطعام ذهبت مع القوم إلى حيث يؤمهم فقيه منهم في صلاة ~~الجماعة، وعجبت حين رأيتهم يتخطون بهو الدرجة الأولى، فليس وراء هذا البهو في كوثر إلا ~~«البار»، ولم يدر بخلدي يوما ما أن يكون بار من البارات مسجدا، لكن عجبي لم يمنعني من ~~مشاركة القوم حين رأيتهم اتخذوا من بار كوثر مصلى وما لهم ألا يتخذوه وقد طهر أثناء ~~رحلة الحج من أمهات الكبائر، وأمهات الصغائر، وفرش بالحصير الطاهر؟! وكان هذا المصلى ~~أبلغ آية على أن العمل الصالح يخلع قدسيته على كل مكان يحل فيه، وإن شهد هذا المكان قبل ~~ذلك من الوزر ومن اللهو ما يجعله إذ يشهدهما مثابة لهو ومهد متاع. # وتناول المسافرون طعام الغداء، وقال منهم من اعتاد أن يقيل، وأدوا فريضة العصر في ~~مصلاهم ثم انتظموا جماعات يتحدثون، وجلس في جماعتنا شاب عرف الحجاز ونجدا، وقضى بهما ~~سنوات اتصل أثناءها بابن السعود ورجال حكومته، وكان يرتدي «جلابية» من السكروتة وعباءة ~~من صوف دقيق شف لدقته عما وراءه، وقد طرز ما حول العنق والصدار منها بالقصب، ~~وتدلت من حاشية الصدار «كراريت» مكسوة بالقصب كذلك، وسأله أحد الحاضرين عن هذه ~~العباءة، فقال: إنها لباس أهل الحجاز الرسمي كالجلابية سواء، أما غطاء الرأس عندهم ~~فالطرحة والعقال، وحذاؤهم النعال، وهم يسمون العباءة «المشلح»، وسئل ms042 عما يقصونه عن ~~النجديين وشدة تعصبهم لمذهبهم، فقال: كان ذلك أول فتحهم الحجاز وانحدارهم من نجد إليه، ~~فقد دفعوا يومئذ إلى الغزو والفتح عقابا للأشراف أصحاب الحكم في الحجاز على ~~استهانتهم بدين الله وارتكابهم المعاصي، وقيل لهم: إن أهل الحجاز قد أقاموا من القباب ~~أوثانا فهم على عبادتها عاكفون؛ لذلك كانوا يحطمون القباب أينما ثقفوها، كما كان ~~المسلمون الأولون يحطمون الأصنام، وكانوا يبالغون فيما يسمونه الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر، حتى كانوا يعتدون على المدخنين وعلى غير الملتحين، أما اليوم فقد استقرت الأمور ~~إلى نصاب وسط تواضع عليه القوم، وكان للحجاج من البلاد الإسلامية المختلفة أثر بالغ في ~~تقريره، وما أحسب مسلما يرى هذا النصاب الوسط اليوم عنتا، فالإخوان «النجديون» حريصون ~~على أن يسيروا حيث ولوا الأمر على حكم كتاب الله وسنة رسوله؛ لذلك يجزى كل من جهر ~~بمعصية بالحد الشرعي، بذلك اختفى ما كان باديا قبل توليهم أمر الحجاز من استهتار ~~ومجون، فلم يبق من يعاقر جهرة الخمر، أو يغازل جهرة غلاما، وتطبيق الحدود على الجرائم ~~هو الذي أقر الأمر في نصابه، حتى صار الحجاز يفاخر بحق أكثر الأمم طمأنينة وأمنا، ~~والفضل في هذا النصاب الوسط يرجع إلى ما بدءوا به من شدة وتزمت. ~~«وإنما أدى بالحكومة الحجازية إلى العدول عن بعض ما كان أهل نجد يشتدون فيه كشدتهم ~~في إرخاء اللحية، وقص الشارب وعدم التدخين، وما إلى ذلك مما يبيحه غير المذهب الحنبلي ~~من المذاهب الإسلامية، ما حدث غير مرة من أهل نجد وأهل المذاهب الأخرى من المسلمين ~~أثناء أشهر الحج مما كان له أثره في الحج، وفي الحالة الاقتصادية في البلاد، ولو ذكرتم ~~أن التسامح في مسألة التدخين يرجع في كثير إلى تأثر إيراد المكوس «الجمارك» الحجازية ~~بسبب منعه، لعلمتم ما للحالة الاقتصادية من أثر كبير في العقائد والعادات.» # بينا كنا نستمع لصاحبنا يتحدث عن الحجاز وما صنع به أهل نجد، مر بنا جماعة ليسوا ~~مصريين لبسوا لباس الإحرام، وإذ كان بيننا وبين ميقات الحج برابغ يوم ms043 كامل، فقد فسر ~~أحد الحاضرين سبقهم إلى الإحرام بأنه تعجل لمغفرة الله واستزادة من ثوابه. # وأوينا بعد العشاء إلى مضاجعنا، فلما أصبحنا كنا على ساعات من ميقات رابغ، وعلى ساعات ~~كذلك من إعلان النية بالحج والعمرة والإحرام بهما؛ لذلك لم يكن للمسافرين جميعا طيلة ~~الصباح حديث غير حديث الإحرام، بعد هذه الساعات يتطهر المسافرون جميعا ويصلون بنية ~~الحج والعمرة ويحرمون، وبعدها يكررون التلاوة لقوله تعالى: # الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ~~ولا فسوق ولا جدال في الحج ~~، ثم نلتقي جميعا على سطح ~~الباخرة وقد تغير لباسنا، وتغيرت تحيتنا، وتغير حديثنا، جميعا نلبس غير المخيط، ونحيي ~~بالتلبية، وننسى من شئون الحياة كل شيء سوى الحج ومناسكه، يا لرهبة الموقف وروعة جلاله! ~~يجب أن ننسى كل شيء إلا أننا جند الله لبينا دعاءه، ويجب أن يكون كلامنا طاهرا، ~~وقلوبنا طاهرة، وأعمالنا طاهرة، وأن يكون كل وجودنا خالصا لله وحده، خالصا إخلاص صدق ~~لا تشوبه شائبة ولا ترقى إليه ريبة من أوهام هذه الحياة الدنيا. # أي: سمو بالنفس كهذا السمو؟ وأية مرقاة هذه المرقاة التي نروض أنفسنا على الارتفاع ~~بها لإدراك هذه الغاية؟ ما أبلغ هذه الحكمة الأولى من حكم الحج! وما أعظم هذه الرياضة ~~الروحية للنفس! رياضة تبلغ بالإنسان إلى عليا درجات الإنسانية، إلى الدرجة التي يقرب ~~عندها من الأنبياء والصديقين والأولياء المقربين، والتي تطوع له أن يفنى حقا في ~~جلال الله ذي الجلال والإكرام؛ ليقوي بهذا الفناء ضعف نفسه، وتزول بهذه القربى كل ~~عوارض أهوائه، لقد تضاعفت هيبة هذه الصورة في نفسي منذ أحسستها قريبة كل القرب مني، ~~فامتلأ قلبي بجلالها أضعاف ما امتلأ من قبل حين كنت أصورها لنفسي قبيل السفر. # وتناولنا طعام الغداء، وأويت إلى مخدعي، وأوى الآخرون إلى مخادعهم وإلى غرف ~~الاستحمام نتهيأ كلنا للإحرام، ودلفت محرما إلى بهو الباخرة أتقي به هواء البحر، فإذا ~~من بالبهو جميعا محرومون، وألقيت عليهم السلام فكان جوابهم أن تنادوا وأنا معهم: لبيك ~~اللهم لبيك ... ها أنا ذا الآن ms044 تنطق شفاهي وأسمع بأذني ما كان يتصوره ذهني، وها أنا ذا ~~يخفق فؤادي لهذا النداء نجيب به داعي الله صادرا من قلوب ملئت بالله إيمانا، ويقبل ~~علينا قادم محرم فتعلو بالتلبية أصواتنا جميعا في شيء من الترتيل لا يذهب بمعناها ~~وينتظم نغمها، فإذا انقضت فترة لم نشغلها بالتلبية تحدث الحاضرون في الحج، أو قص ~~أحدهم طرفا من سيرة النبي - عليه الصلاة والسلام، فلما آن للشمس أن تغيب قام فقيه ~~فنادى مؤذنا بصوت جهوري سمعه أهل الباخرة أو أكثرهم، ثم أم المكان الذي اتخذناه ~~مصلى فنادى فيه للصلاة، وسرعان ما انتظمت الصفوف، ولم يكن الرجال وحدهم هم الذين نظموا ~~صفوفهم، بل نظمت السيدات صفوفهن من خلف الرجال وقمن معهم بصلاة الجماعة في خشوع وإنابة، ~~واستغفرن بعد الصلاة كما استغفروا، وطلبن عفو الله كما طلبوه. # وخرجت من البهو إلى سطح الباخرة أجتلي في موليات النهار تقلب الموج، وألتمس أشعة ~~القمر الناصع ما تزال متألقة فوقه، وإني لأسير إذ لاقيت رفيقا يمشي الهوينى، فمشيت ~~معه، ولم يكن رفيقي يخفي من آرائه حرصه على حجاب المرأة أو عدم اتصالها بغير ذي رحم ~~محرم من الرجال، ولا يخفي اعتقاده أن في التقاء الجنسين، وإن في مجمع حافل، محرضا ~~على الفساد، ولكنه إذ رأى هذا الاجتماع للصلاة يحضره الرجال والنساء في طهر وإنابة لم ~~يلبث حين سرت معه أن قال: أرأيت هذا الاجتماع الذي ضم الجنسين معا للصلاة؟ إن طهارة ~~القلب والقصد وسمو الغاية كفيلة بأن تزيل كل خوف من اختلاطهما، ولو أن أخلاقنا صلحت ~~وغاياتنا في الحياة سمت لما تمسك بالحجاب أحد. # وأقررت رأيه ولم أذكر له أن إقبال السيدات المصريات على الاشتراك في صلاة الجماعة على ~~الباخرة، إنما شجعهن عليه ما نلن في السنوات الأخيرة من حرية طوعت لهن الاتصال ~~بالرجال في تجارة الحياة، وأنهن لو بقين كما كن رهن خدورهن، يراهن الرجال عورة، ~~ويولين من منظر الرجال فرارا، لما تركت إحداهن مخدعها، ولا تناولت طعامها بالباخرة في ~~غرفة المائدة لا يفصل بينها وبين ms045 الرجال إلا ستار رقيق، ولظللن حبيسات المخادع حتى ~~يخرجن من الباخرة محمولات إلى مركباتهن، ثم إلى محفات الطواف والسعي. # أقبل المساء وبدأ الركب يتحدثون في وصول الباخرة بكرة الصباح إلى جدة، ويتساءلون: ~~أيتيح لهم الحظ فرصة النزول إلى الشاطئ والذهاب إلى مكة لإدراك صلاة الجمعة في الحرم، ~~ولأداء طواف العمرة وسعيها بعد الصلاة كيما يحلوا إحرامهم إحلال التمتع ليحرموا بعد ذلك ~~للحج، واشتركت وإياهم في هذا الحديث، فلما خلوت إلى نفسي عجبت لهذا الإحرام الذي لا ~~يدوم يوما كاملا، والذي يتحدث أصحابه في التحلل منه بعد سويعات من ارتدائهم إياه، فما ~~بين رابغ وجدة أقل من اثنتي عشرة ساعة في الباخرة، وبين جدة ومكة ساعتان أو نحوهما في ~~السيارة، وما بين ذلك من إجراءات النزول إلى جدة وما بعده من الطواف والسعي لا يستغرق ~~أكثر من أربع ساعات أو خمس، أين إذن أسوة المسلمين بالرسول وأصحابه في هذه ~~الفريضة؟ # إن ما بين المدينة ومكة على الإبل ليستغرق عشرة أيام أو أكثر يظل الحجيج محرمين ~~أثناءها ملتزمين ما فرض القرآن أن لا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج، وهذه الأيام ~~المتوالية لها أثرها في رياضة النفس الروحية وفي تهذيبها هذا التهذيب الراقي السامي، ~~وإنما فرض الإحرام - في رأيي - لهذا التهذيب وهذه الرياضة؛ ولذلك يلتزم الإنسان أثناءه ~~آدابا في التلبية، وفي التوجه لله، وفي الرغبة عن أهواء الحياة الدنيا، فكيف تتم هذه ~~الحكمة بالتجرد أربعا وعشرين ساعة لا يمتنع الإنسان خلالها إلا عن القليل من عاداته! ~~إن رياضة هذا كل أمدها غير جديرة بأن تترك في النفس أثرا يذكر. # وأفضيت بخاطري هذا إلى بعض إخواني بالباخرة، فكان جواب أحدهم: الدين يسر لا عسر، ~~والميقات مكان لا زمان، ولو أنك أحرمت من رابغ ثم طرت إلى مكة في ساعة أو دونها لكنت قد ~~أديت الواجب الديني المفروض عليك، فأما الرياضة الروحية فليس الإحرام بممهد لها، ~~ولا التحلل بمانع منها من أرادها. # ردني هذا الجواب إلى التفكير فيما حسبته من حكمة الإحرام، وتساءلت: ms046 فيم إذن هذا ~~التجرد من المخيط إذا لم تكن له حكمة تسوغه؟ أولا يكفي أن يتساوى الناس سويعة في ~~مظهرهم وهم يعلمون ما بينهم من عظيم التفاوت؟ ولم أرد أن أمعن في هذا الحوار مخافة أن ~~يكون الاعتراض على رأي الغير أو التفكير في قيمته جدالا فيه، «ولا جدال في الحج»، وأنا ~~جد حريص على رياضة نفسي هذه الرياضة السامية التي وردت في القرآن. # وأوينا إلى مضاجعنا وكلنا الشغف أن يطالعنا الصبح بشاطئ جدة بعد سفر بالغ البحر ~~أثناءه في اللطف بنا، حتى لوددنا لو نظل وإياه أياما لولا شغفنا ببلوغ البيت العتيق، ~~وتنفس الصبح عن جو صاف ونسيم عذب ويقظة للوجود مستبشرة ضاحكة، وقمنا إلى متاعنا نعده ~~للنزول، وأخوف ما نخافه أن تضيق بنا السويعة الباقية عن إتمام إعداده، وأزفت الساعة ~~السابعة صباحا، وتبدى الشاطئ بشيرا بأم القرى، وإنا لنفكر في النزول إلى جدة وفي ~~الرحيل منها وفي إدراك الجمعة بالحرم إذا «كوثر» تهتز هزة عنيفة وكأنما زلزلت زلزالها، ~~هزة رجت منها مفاصلها جميعا، واضطرب لها كل وجودها، وبعد هنيهة من هذه الهزة التي ~~لم تتسع لأي تفكير منا في أمرها وقفت الباخرة لا حراك بها وكأنها جسد هامد، وفي أثر ~~وقوفها سرت إلى مخدعي من بهوها أصوات المسافرين ترتفع مرتلة: «باسم الله، الله ~~أكبر، ولله الحمد»، فملبية في حماسة فيها إيمان وتقوى. # ما هذه الهزة العنيفة يعقبها وقوف مفاجئ؟! لم يدر بخلدي أن في الأمر ما أخشاه، وما ~~عسى أن أخشى وهذا الشاطئ على مقربة منا قد رأيناه رأي العين؟ وكل ما توهمته أن ربان ~~الباخرة أدارها نحو الشاطئ في عنف نشأت عنه هذه الهزة، ثم وقف بها انتظارا لشرطة ~~المرفأ ورجال الصحة به، وآية ذلك هو الحمد لله من جانب المسافرين، وازددت انهماكا في ~~إعداد متاعي كيما أسبق غيري إلى الزوارق فأسبقهم إلى الشاطئ، وضغطت الجرس أبتغي فنجانا ~~من الشاي أتناوله قبل أن يبغتني الوقت، فلما أجاب الخادم جرسي طلبت إليه الشاي، وسألته ~~عن هزة الباخرة ما ms047 كانت؟ فأجاب: لقد شحطت على جزيرة من الرمل، وعما قريب تعود سيرتها ~~إلى جدة. # شحطت على جزيرة من الرمل؟! لم تكن هذه الهزة المزعجة إذن لفتة من الربان فيها عنف، بل ~~كانت صدمة بجزيرة من جزر البحر وشعب من شعابه، الأمر أجل إذن من أن أقف عند متاعي ~~وإعداده، فلأذهب لأتبين جليته، وتناولت الشاي دراكا وأسرعت إلى بهو الباخرة في لباس ~~إحرامي، فألفيت المسافرين مجتمعين كأنهم يتداولون، وخلوت بأحدهم وسألته فقال: لقد ~~اصطدمنا بشعب من شعاب البحر الأحمر الناتئة بجدة، هذه الشعاب المعروفة للملاحين ~~جميعا؛ لذلك لا أدري كيف دفع الربان السفينة إليه في يقظة النهار وضوء الشمس، وقد ~~قيل لنا: إن الربان بعث رجاله فامتحنوا موضع التصادم من قاع الباخرة، واطمأنوا إلى أنه ~~لا خطر على الباخرة ولا خطر علينا، ولست أدري ما الله صانع بنا من بعد ونحن في وسط ~~البحر بين صخوره وشعابه؟ # واشترك معنا في الحديث زميل حاج من رجال التلغراف اللاسلكي، فقال: لقد صعدت إلى ~~الربان ساعة حدثت الصدمة؛ لأنني أعرف في هذا المكان شعبا يدعوه أهل جدة «شعب السامري»، ~~وتثبته الخرائط الأوروبية باسم «شعب سانت ماري»، ولم تدر بخاطري ريبة منذ حدثت الهزة في ~~أننا اصطدمنا به، وذكرت للربان أنني من رجال اللاسلكي الرسميين، وعرضت عليه خدمتي، ~~فشكرني وذكر لي أن عنده رجل اللاسلكي الذي يعمل بالباخرة وأنه لا يخشى خطرا. # وساد الباخرة صمت رهيب بعد ضجة التكبير والتهليل التي أعقبت الصدمة، فقد نسي ~~المسافرون الإحرام والتلبية، ووقف تفكيرهم عند هذا الحادث وأثره، وكان جل تساؤلهم عن ~~مبلغ الخطر وهل يوشك أن يدهمنا؟ ولم تهدأ وساوسنا بعض الشيء إلا بعد ان علمنا أن الشعب ~~الذي ارتطمت به الباخرة شعب أملس يميل متدحرجا في هون إلى الارتفاع، وأن ميله وملوسته ~~وتدرجه طوعت لها أن تزحف عليه وأن تستقر فوقه، ولولا ذلك لتحطمت عليه، ولكنا منذ وقوع ~~الحادث بين يدي الموت يرحم من شاء ويختار من شاء، وقال الذي نقل إلينا هذا التفصيل: ~~لعلكم علمتم أن ms048 الماء دخل من نوافذ الحجرات الواقعة عند مؤخر الباخرة ، واضطر رجالها إلى ~~إقفال الأبواب الحديدية المتصلة بهذه الحجرات، ذلك أن الباخرة حينما زحفت فوق الشعب ~~ارتفع مقدمها وانحدر المؤخر، فهوت نوافذ حجرتها فحاذت الماء فتسرب جانب منه إليها قبل ~~أن يحكم إقفالها، ولولا أن وقفت الباخرة حيث وقفت بعد أن تقدمت في زحفها بضعة أمتار، ~~لجرها مؤخرها إلى الماء فابتلعها وابتلعنا معها. # انطلق المسافرون يعلقون على هذا الحديث كل بما عن له، ولم يأب توثب الخيال على ~~بعضهم أن يذكر أن الربان تعمد وقوع الحادث، وكيف لا يكون تعمده - في تصورهم - وهو قد ~~وقع في وضح النهار وفي مكان يعرف كل من مارس البحر الأحمر ما به من شعاب، ولم يعدل ~~هؤلاء عن تصورهم أن أبسط منطق للعقل يأباه، فلا مصلحة للربان الإيطالي في وقوعه، وأيسر ~~نتائجه يؤذيه أبلغ الأذى، والعقل يأبى أن يعرض إنسان نفسه للأذى بلا فائدة ولا مقابل، ~~لكن منطق العقل ليس المنفرد بالسلطان علينا، وكثيرا ما يغلب خيالنا منطقنا بتسلط ~~تصورنا على حسنا، ولقد كنت أشد الناس اقتناعا بهذا المنطق وحرصا على إقناع المسافرين ~~به، مع ذلك ذكرني وقوع الحادث وخوض الناس في تفاصيله بما كان من حديثنا عن الربان في ~~غرفة المائدة قبيل السفر، وقول حكمدار السويس الإنكليزي: قد تكون الحوادث أحيانا أقوى ~~من كل ما نقسم به. # وعدت وعاد المحرمون إلى الخوض في الحادث وكيف وقع، هذا الحادث الذي لم أحسبه أول ~~الأمر ذا بال، وها هو ذا يتجسم الآن خطره، ويزداد جسامة رويدا رويدا في نظري ونظر ~~المسافرين جميعا، فلما أدركنا جسامة الخطر على حقيقتها ازددنا شكرا لله أن وقفت ~~الباخرة حيث هي، يمسكها الشعب وإن مالت إلى جانبها بعض الميل، وامتلأت نفوسنا بالشكر ~~وفاض عنها، فترجمنا عن فيضه بالإمعان في التلبية مكررة قوية صادرة من قلوب زادها تصور ~~الخطر إخلاصا وإيمانا، إن صح أن تزداد قلوب قصدت إلى بيت الله ملبية نداء ربها ~~إخلاصا وإيمانا. # وكان رجال الباخرة الرسميون في مثل ارتباك ms049 المسافرين للحادث، حتى لقد اختفوا عن ~~الأنظار، ولم يقف منهم إلى جانب المسافرين من يهون الأمر عليهم أو يبعث الطمأنينة إلى ~~نفوسهم، ولم يعادوهم من الطمأنينة ما يذكرهم واجبهم إلا بعد أربع ساعات من الحادث، إذ ~~ذاك أصدروا بلاغا قيل فيه: إنه لا خطر منه، والحمد لله على «كوثر» وركابها، وإن ~~الباخرة «زمزم» الراسية بمرفأ جدة ستجيء لمعاونتها. # تلقى المسافرون هذا البلاغ بنوع من الاطمئنان لم يكن منه مفر، وزادهم طمأنينة سكينة ~~البحر وصفاء الجو ورقة النسيم من حولنا، والشمس ساطعة يبعث ضياؤها إلى الأفئدة دفئا ~~ينعشها ويزيل كل مخاوفها أن يصيبها من غدر البحر سوء، وهل يغدر البحر بمن أتوا إلى بيت ~~الله حاجين معتمرين؟ # وتناولنا غداءنا ولم تكن «زمزم» قد ظهرت في الأفق، ومع لطف الله في قضائه لم تطاوع ~~أحدنا نفسه أن ينزل إلى حجرته يقيل بها، بل بقينا نحدق إلى ناحية الأفق منتظرين الباخرة ~~المنقذة، وقبيل الساعة الثالثة بعد الظهر - أي: بعد ثمان ساعات من الحادث - تبدت ~~«زمزم» مقبلة، فشدت إليها أبصارنا وبقيت معلقة بها حتى وقفت على مقربة منا تختار ~~مكانا يهيئ لها القيام بالمهمة التي ندبت لها حتى يتم انتقالنا إليها بسلام لإيصالنا ~~إلى المرفأ، ذلك ما جاء في بلاغ رجال «كوثر»، وهو ما دار بخاطرنا، لكنا بقينا ساعة ~~كاملة ننتظر هذا الانتقال، ثم لم نر من بوادر التهيؤ له ما يبشر به، وسألنا في ذلك، ~~فقيل لنا: إن التفكير منصرف إلى أن تسحب «زمزم» «كوثر» من مكانها إن أمكن لتدخل ~~الباخرتان جدة معا، فيسدل ذلك على الحادث ستارا ينسى من علم بأمره في مصر وفي غير مصر ~~أنه وقع. # أقر كثيرون هذا الرأي حرصا منهم ألا تشوب سفرة «كوثر» شائبة، وكاد هذا الرأي يسود ~~لولا أن قال أحد الحاضرين: فإذا فرض أن بكوثر عيبا يستره التحامها بالشعب ويبديه ~~سحبها فتتعرض بسببه حياتنا للخطر، فما عسى أن يكون الرأي؟ أليس الأحكم أن ننتقل أولا ~~إلى زمزم، ثم تجر «زمزم» «كوثر»، فإن سحبتها من الشعب ms050 وعادتا معا إلى جدة تحقق الأثر ~~الذي تبتغيه الشركة ولم يتعرض المسافرون لخطر، وإلا عادت «زمزم» بنا إلى جدة قبل أن ~~تضيع علينا فرصة الحج، ولم يبق على الوقوف بعرفات إلا ثلاثة أيام؟! # وسمعت السيدات هذا الحديث وكن منتحيات جانب البهو المقابل للرجال، فلما بدا لهن خوف ~~الخطر إذا سحبت «زمزم» «كوثر» ونحن بها تقابلت نظراتهن في لمح البصر، ولم تلبث إحداهن ~~أن اندفعت معبرة عن شعورهن جميعا تقول: لن تتحرك «كوثر» ونحن بها، فلينقلونا أولا ~~إلى «زمزم»؛ لنكون بمأمن على ظهرها ثم ليفعلوا ما شاءوا، وإذا وجب علينا - لأننا مصريون ~~- أن نحرص على نجاة «كوثر» وسلامتها، فواجب على الشركة أن تكون أشد حرصا على أرواحنا، ~~كذلك قالت، ثم حدقت بنا معشر الرجال بنظرة الآمر، وأضافت: هذا رأينا، وعليكم - معشر ~~الرجال - أن تتشاركوا فيه وأن يبلغ للمختصين من رجال الشركة. # ألقيت هذه الكلمة في حزم تجلت فيه كل مظاهر الإرادة الصلبة التي لا تلين، وأيدت ~~السيدات قول زميلتهن في حزم كحزمها، وكان الرأي ظاهر السداد، فلم يكن إلى التردد في ~~تنفيذه سبيل، وأجابنا ممثل الشركة بأن الأمر استقر كما أردنا، وأن تنفيذه يبدأ من فجر ~~الغد، فقد أرخى الليل سدوله وسادت دولة الظلام. # شهدت ثورة السيدات قبل اليوم غير مرة وفي غير بلد، شهدتها في إنجلترا، وفي فرنسا، وفي ~~مصر، لكنها كانت في هذه المرات كلها متصلة بمطالب سياسية أو قومية، فكانت العاطفة التي ~~تدفع إليها تشوب قوتها رقة ويشوب عنفها فن يتصل بها اتصال الرقة بسجية الأنوثة، أما ~~هذه الثورة التي بدت في أعين السيدات مذ شعرن بالخطر يهدد حياتهن وحياة بعولتهن أو ~~ذويهن، فلم تشبها رقة ولم يسر فيها شيء من روح الفن، بل كانت كلها عنفا وقوة وحزما ~~وصلابة، وهذا طبيعي، فالثورة القومية أو السياسية يمكن أن تنتهي إلى صلح - إن لم يحقق ~~أغراضها - كان فيه شيء من حفظ الكرامة، أما ثورة من يدفع الخطر عن حياته وحياة من يعز ~~من ذويه فلا صلح فيها إلا بالتسليم ms051 والنزول على إرادة هؤلاء الثائرات حفاظا على كيانهن ~~وكيان ذويهن، وكذلك كان. # اطمأنت النفوس إلى الانتظار في «كوثر» حتى الصباح، وزاد في طمأنينتها أن بقي الجو في ~~صفوه والنسيم في رقته، فلم نكن نخشى عاقبة تتأثر الباخرة بها وهي مائلة فوق الشعب ~~تأثرا بالغ بعضهم أثناء النهار تقدير نتائجه، وجاء إلى «كوثر» قنصل مصر في جدة وطبيب ~~القنصلية بها ورجال الحكومة العربية السعودية منتقلين من «زمزم» إليها مع رجال شركة مصر ~~للملاحة، فشعرنا لوجودهم بيننا؛ كي يشاركونا مصيرنا، كأن الباخرة رست، وكأننا وإياهم في ~~أرض جدة، وتناولوا وإيانا طعام العشاء، واتصل بيننا وبينهم حديث فيمن سبقونا إلى موسم ~~الحج، وفي هذا الحادث ولطف الله بنا في قضائه، وفي حسن حظنا بوجود «زمزم» بجدة لتيسر ~~انتقالنا فلا يفوتنا الحج، بهذا كله سكنت أعصابنا، وأتيح لنا أن ننال بعض الراحة بالنوم ~~في أمن من انزلاق الباخرة إلى قاع اللج، ممتلئين أملا أن ندرك مكة قبل مغيب شمس ~~الغد. # وابتدأ انتقال المسافرين إلى «زمزم» في بكرة الصباح، وكان الانتقال بطيئا لعدم ~~التعاون بين المسئولين عن سرعة إنجازه، ولولا اندفاع المسافرين وانتقال طائفة كبيرة ~~منهم في زوارق النجاة لما تم طيلة اليوم، وكمل المسافرون بزمزم في الساعة الثالثة من ~~بعد الظهر، فتحركت بهن على هون حتى قاربت مرفأ جدة والنهار يولي، وبينما كان المسافرون ~~في ابتهاجهم بقرب نزولهم إذا قرار السلطات المحلية في هذا الأمر يحيل ابتهاجهم ~~تجهما؛ فقد خشيت هذه السلطات أن يصيب «السنابك» التي تنقل المسافرين من الباخرة إلى ~~الشاطئ ما أصاب «كوثر» حين مرور هذه السنابك بين الشعاب في ظلمة الليل، فقررت مبيت ~~المسافرين بزمزم، ولم يستثن من هذا القرار إلا الأميرة خديجة حليم وحاشيتها، واستثنيت ~~أنا منه لكوني ضيف وزير المالية العربية الشيخ عبد الله بن سليمان الحمدان، فتركنا ~~الباخرة مع رسوله إلي ونزلت ومن معي إلى «اللنش» لينقلنا إلى الشاطئ. # وانطلق «اللنش» مخلفا وراءه «زمزم» ومن بها، وإني ليتنازعني ساعة انطلاقه عاملان: ~~عامل الأسف لمقام إخواني على الماء ليلة ms052 أخرى، وعامل الغبطة لإدراك مكة والبيت الحرام ~~ولقضاء العمرة طوافا وسعيا، ولقد تنازع هذان العاملان نفسي مذ علمت أني مغادر «زمزم» ~~قبل إخواني، وكان عزيزا علي أن أفارقهم أو أتقدمهم وقد قضينا سفرا نعمت معهم فيه ~~بخير رفقة، لكنهم رأوا الأميرة وحاشيتها يسبقونهم فشجعني بعضهم على النزول، وكأنما رأوا ~~فيه مظهر مساواة بين الطوائف، أو شبهة مساواة على الأقل. # وجرى بنا «اللنش» بين الشعاب قاصدا إلى الشاطئ والشمس وراء ظهورنا تنحدر إلى ~~مغيبها، واتشحت اللجة الزرقاء الأديم بوشاح المغيب، فلم نأبه لها، وقد شغلنا عنها ~~باستعجال غايتنا، ومررنا بباخرة محطمة غرقت في الماء فليس يبدو منها إلا أعلاها، تلك هي ~~الباخرة الفرنسية «آسيا» التي احترقت منذ سنوات أثناء وقوفها حيث هي اليوم من غير أن ~~تصطدم بشعب أو يصادفها غير الأجل الذي سلط ألسن النار عليها، وسرى إلينا نسيم المغيب ~~فوق لجة الماء فأنعشنا وأنسانا بعض وصب النهار، وتلوى الزروق في انطلاقه متيامنا ~~حينا متياسرا حينا، محاذرا الشعاب، مطمئنا إلى مهارة سائقه وإلى معرفته ما تحت ~~الموج إلى قاع اللج معرفة يأمن معها الاصطدام بالسامري أو غير السامري من هذه ~~الشعاب. # اقتربنا من جدة وبدت لناظرنا دورها وعماراتها، وازدادت وضوحا على رغم نزول الظلام، ~~وكان مظهرها يغري بالظن أنها خططت تخطيطا جميلا وبنيت على الطراز الحديث، وذلك الشأن ~~في كل ما يبدو للمقبل في البحر من مظاهر اليابسة، فإذا اقتحمناه كنا كالجراح إذ يقتحم ~~بمشرطه جسدا جميلا، وشاهد «نابولي» أو «مرسيليا» أو «بيروت» قبل أن ترسو الباخرة بها ~~يرى جمالا أدنى إلى جمال المرأة في ثياب زينتها، وأحسب الذين لم يعرفوا من ذلك ما عرفت ~~قد خدعوا بمظهر جدة، وكان من حقهم أن يخدعوا بهذه المباني التي تمتد أمامهم على الشاطئ ~~أميالا عدة في نظام زاده البعد اتساقا وجمالا. # وأرسى «اللنش» على درج صعدنا منه إلى الشاطئ، ولم يثر إحرامنا تطلع أحد؛ إذ كان ~~الإحرام لباس عشرات الألوف الذين يفدون إلى جدة كل عام حاجين، وتناول رسول وزير ~~المالية جوازات ms053 سفرنا، وتخطينا بناء الجمرك ولا يكاد يرى الإنسان أثناءه طريقه لضآلة ~~نور المصابيح المعلقة إلى جدرانه، وتفضل رسول مضيفنا فأمر من تقدمنا بمصباح ذي نور ~~أبيض، وأفضى بنا الجمرك إلى ميدان فسيح لولا نور القمر لتعذر علينا أن نصل منه إلى ~~جانب وقفت السيارات فيه، وقد أعدت إحداها لتقلنا إلى أم القرى. # الله أكبر! ها أنا ذا بالأراضي المقدسة، بلاد النبي العربي محمد - عليه الصلاة ~~والسلام، وبعد سويعة سأكون في الطريق إلى مكة، ما أكرمك ربي وما أعظم رحمتك ورضاك! قضيت ~~أن نحج بيتك ويسرت لنا سبيله، فتقبل ربنا حجتنا وعمرتنا، وهيئ لنا من أمرنا ~~رشدا. # | العمرة بمكة # تخطينا جمرك جدة إلى الميدان الفسيح أمامه، ووقفنا إلى جانب سيارتنا ننتظر مرور ~~متاعنا بتفتيش الجمرك، ولم يطل انتظارنا، بل أكاد أقول: إنا لم ننتظر؛ فلم يكن ~~بالجمرك ما يشغل رجاله عنا غير متاع الأميرة خديجة حليم وحاشيتها، ولم يتناول التفتيش ~~هذا المتاع ولم يتناول متاعنا، فمتاع الأميرة لا يفتش لأنه متاع الأميرة، ومتاعنا لم ~~يفتش لأننا ضيوف وزير المالية. # ولعل متاع الحجاج لا يفتش بوجه عام إلا لشبهة قوية اعتمادا على أن من جاء بيت ~~الله حاجا لا يذكر ما يقرره عن متاعه إلا صادقا. # وإنما أوفد وزير المالية رسوله إلينا وكنت ضيفه لمناسبة أذكرها، فقد كنت عائدا من ~~بيروت إلى مصر في 19 سبتمبر سنة 1935 على الباخرة الإيطالية «أوزونيا»، وكان وزير ~~المالية قادما يومئذ على هذه الباخرة من مصر إلى لبنان، وتقابلنا بها حين رست ببيروت، ~~وجاء ذكر كتابي «حياة محمد»، وسألني أحد من حضروا المجلس: هل تعتزم زيارة الحجاز؟ ولما ~~أجبت أن ذلك بعض ما يدور بخاطري منذ أعوام، طلب وزير المالية أن أكتب إليه متى صح ~~عزمي على السفر، وكتبت إليه قبيل سفري، فأوفد إلي رسوله في مياه جدة يبلغني أنني في ~~ضيافته. # وكان أول مظهر لهذه الضيافة أن أقلتنا السيارة بأمر الرسول إلى فندق جدة لتناول طعام ~~العشاء فيه قبل ذهابنا إلى مكة، والفندق للحكومة أعدته ms054 لراحة الحجاج والمسافرين من ~~أهل البلاد؛ لذلك كان التقشف في عمارته وفي أثاثه وكل ما فيه. # ولم يطل مقامنا به، فما فرغنا من طعامنا حتى نزل إلى السيارة نركبها إلى مكة، وكذلك ~~كان الفندق كل ما رأيت من جدة، وانطلقت السيارة متمهلة في طرق هذا البلد حتى وقفت عند ~~مخفر الشرطة، ونزل السائق منها في ردائه البدوي الخشن يؤشر من المخفر على «الكوشان»، ~~والكوشان جواز السفر المحلي، فليس يجوز لأحد أن ينتقل داخل الحجاز من مدينة إلى مدينة ~~بغير جواز خاص. # وتابعت السيارة طريقها إلى خارج جدة وإلى ما وراءها من فضاء، وكان الليل قد اشتمل هذه ~~الأرجاء جميعا في صمته ورقة نسيمه، وأجلت بصري فيما حولي وجعلت ألتمس صورة بلاد العرب ~~المرتسمة في دخيلة نفسي، فإذا ضوء القمر يسعد الليل بلجته ويرسل تحية عذبة إلى صمت ~~هذه الأودية قامت كثبان الرمل عن جانبيها، وارتفعت جبال يحجب سقف السيارة عنا قننها، ~~ولم يعصمني لباس الإحرام من البرد فاتقيته متلفعا بردائي ولم ألبس مخيطا، وكأنما ~~انتقلت إلينا عدوى الصمت المحيط بنا فأمعنا في الصمت، فلم تنفرج شفاهنا عن ألفاظ غير ~~ألفاظ التلبية. # وبعدت السيارة عن جدة منطلقة في البيداء وحيدة لا يسعدها أنيس، على أنا لم نلبث أن ~~مررنا بقافلة من الجمال تسير على هون متجهة إلى حيث نتجه، وخلفناها وراءنا، ثم أدركنا ~~قافلة من الحمر أسرع منها سيرا، وتخطينا قافلة الحمر، ثم إذا بنا نسمع صوتا يقترب منا ~~ويردد الليل صداه في خضوع وإكبار؛ أولئك جماعة من الذين لم يجدوا دابة تحملهم فساروا ~~على أقدامهم متوجهين إلى بيت الله بقلوبهم، وإلى رب البيت بدعائهم: «لبيك اللهم ~~لبيك»، ومررنا بهؤلاء وصوتهم يدخل إلى قلوبنا بغير استئذان فيملؤها رهبة ومهابة، وكلما ~~فتنا واحدة من هذه القوافل أدركنا أخرى، وكلهم في إحرامهم يشتملهم ضوء القمر في لجته ~~فيزيد بياضهم نصوعا، والأودية تحيط بها كثبان الرمل وتحجبها الجبال عما وراءها تردد ~~تلبية الملبين من أهل هذه القوافل، وقد اتشحت من جلال هذا النداء المنبعث ms055 من قلوب ~~كلها الإيمان والإذعان بما ملأها خضوعا وإذعانا. # كم سمعت هذه الطبيعة المحيطة بي من أصوات هذا النداء خلال مئات سنين خلت منذ بعث ~~الله محمدا نبيا وهاديا ورسولا، أصوات لا يحصيها العد ولا يتناولها الحصر، وما ~~يحدث في الطبيعة لا ينمحي أثره، إذن فقد ارتسمت هذه الأصوات ها هنا ونقشت على سفوح هذه ~~الجبال، ولو أن لدينا إبرة تظهرها كما تظهر إبرة «الفونوغراف» الأصوات المسجلة على ~~أسطواناتها لسمعنا عجبا: تلبية الملايين وألوف الملايين مرتفعة إلى بارئها في إيمان ~~يدك الجبال، ويزعزع الرواسي ويخر له كل ما في الوجود ساجدا؛ لأنه أسمى من كل ما في ~~الوجود برهبوت جلاله وقوة عظمته، واتصاله بمالك الملك ذي الجلال والإكرام. # كانت أم السلم أول محلة مررنا بها بعد جدة، وقد وقفت السيارة عند مخفر الشرطة وقدم ~~السائق إليه «الكوشان» كيما يتابع سيره، ومخفر الشرطة بدوي في بنائه، لا شيء فيه من ~~مظاهر نظام العمارة، ولا يلفت النظر منه غير بدويته الساذجة، وليس حوله مظهر عمران ~~إلا بعض مبان من نوعه، وبعض عرائش من فروع الشجر اليابسة يستريح من شاء من الحجاج إلى ~~ظلها، ويجد فيها فنجانا من الشاي الذي يقدم في كل مكان، أما القهوة فدون الشاي ~~حظا، وإن كنت تجد النجدية منها إلى جانب الشاي إن أردتها. # وعاودنا سيرنا نمر بمثل القوافل التي مررنا بها، فنجتازها مسرعين حيث كان الطريق ~~صالحا، مبطئين كلما أمسكت الرمال عجلات السيارة، فحالت بينها وبين الإسراع، وبلغ من ~~إمساك الرمال السيارة في بعض الأحايين أن كانت تقفها عن الحركة، وذلك حين تبتلع عجلاتها ~~وتجعل دورانها عبثا لا طائل وراءه، ولطالما وجدنا في هذه الحالات عونا من رجال ~~القوافل، إذ كانوا يسارعون إلى تلبية رجائنا فيرفعون السيارة ويدفعونها لتعاود ~~سيرها. # لم تكن هذه المعونة تقتضي أكثر الأمر غير فترة وجيزة لا يكاد سائقنا ورجال القوافل ~~يتبادلون أثناءها حديثا، لكنها كانت تطول حين يغوص بطن السيارة مع العجلات في الرمل ~~الناعم، وحين يتعذر لذلك رفع السيارة إلا بتكرير ms056 الجهد، فإذا استراح القوم هنيهة ~~تبادلوا الحديث ترويحا عن أنفسهم، وكان الحديث كله يدور حول الحج والقادمين له، سأل ~~السائق أحدهم عن قافلته فأجاب أنهم من الجاوة، وأن زميلا له يسير بقافلة من أهل ~~فلسطين، أما الذين أعانونا من السائرين رجالا فقد بدا على وجه أحدهم أنه صيني، ولم ~~نستطع أن نعرف جنسية آخر، لا من سحنته، ولا من لهجة حديثه، وكذلك كانت هذه الجموع ~~المحرمة كلها، المتوجهة كلها حاجة بيت الله، تجمع بين المسلمين من مختلف أقطار الأرض ~~ممن استطاعوا إلى الحج سبيلا، فجاءوا يحدوهم إيمان بالله تذوب دونه المتاعب وتصبح ~~المشاق في سبيله يسرا ومثوبة، ومن عليا السموات أرسل القمر على هؤلاء السعداء بأداء ~~الفريضة - فما ينفكون ينادون ربهم لبيك لبيك - أشعة رطبة ندية تهون على الدواب ~~السير، وتبعث إلى نفوس المشاة في إحرامهم أشعة أعظم منها ضياء؛ تلك أشعة الأمل الصادق ~~في وجه الله وفي مثوبته وغفرانه، أمل يتردد فيما يتبادلونه من حديث الطواف والسعي ~~والصلاة في الحرم والشرب من ماء زمزم. # طبع هذا المنظر أعمق الأثر في نفسي، فهذه القوافل من المشاة والركبان تقصد إلى غاية ~~واحدة وترجو في ربها الرجاء الأسمى، وهم جميعا سواسية في اتجاههم، سواسية في إيمانهم، ~~سواسية في تفكيرهم، وهم جميعا قد نسوا كل شيء إلا هذه الغاية الروحية السامية التي ~~تندفع نحوها جسومهم، وتطير إليها جوانحهم، وتزداد امتلاء بها أفئدتهم وقلوبهم، كلما ~~ازدادوا قربا من مهبط الوحي ومن بيت الله، ليس يذكر أحدهم ما له من ثروة أو جاه أو ~~ولد، وإنما يذكر أنه وهؤلاء المسافرين معه أخوة في الله، وأنهم جميعا قد أتوا قاصدين ~~بيته، ملبين داعيه؛ ليشهدوه على أنفسهم؛ وليطهروا بين يديه مما قدمت أيديهم؛ وليبدءوا ~~بذلك حياة جديدة يبتغون فيما آتاهم الله الدار الآخرة، ولا ينسون نصيبهم من الدنيا، ~~ويحسنون كما أحسن الله إليهم، ولا يبغون الفساد في الأرض؛ لهذا جاءوا من كل فج عميق؛ ~~ولهذا ركبوا البر والبحر واستهانوا بالمشقة ونسوا كل شيء إلا الله؛ ولهذا أحرموا ms057 آية ~~إخائهم ومساواتهم، إيذانا بأن أقربهم إلى الله أتقاهم، ومظهرا لميلادهم الروحي ~~الجديد؛ ليتخذوا من هذا الميلاد عدتهم لحياة جديدة؛ ولهذا تتصل قلوبهم وإن اختلفت ~~أجناسهم وألوانهم ولهجاتهم، وهم يعبرون عن هذا الشعور بالتلبية تنفرج عنها شفاههم في ~~حبور وغبطة مطمئنين إلى رحمة الله ومغفرته، إنه يغفر الذنوب جميعا، لا يغفر أن يشرك ~~به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. # وبلغ من عمق هذا الأثر في نفسي أن ازددت نسيانا لنفسي وفناء في الله وفي إخوتي ~~هؤلاء، وقد قصدنا جميعا وجهه مخلصين له الدين حنفاء، نعم! نحن جميعا إخوة، وأقربنا ~~إلى الله أشدنا بهذه الأخوة شعورا، فأنا المصري أخ لهذا العربي ولهذا الجاوي ولهذا ~~الصيني وللمؤمنين جميعا رجالا ونساء شبانا وشيبا وأطفالا، وأنا الذي نلت حظا ~~من العلم أخ في الإيمان لمن نال من العلم أضعاف ما نلت، أخ لمن لم ينل من العلم أي ~~حظ، أخ للبائس والمحروم إخائي للغني وصاحب الجاه والسلطان، والبائس والمحروم من الجاه ~~والسلطان والعلم أدنى إلى قلبي؛ لأنهم أحوج إلى محبتي وإخائي، ذلك وحي هذه الساعة الفذة ~~من ساعات حياتي، والتي اتصلت فيها لأول مرة بمكان خطت فيه قدما محمد النبي العربي، ~~أكبر من دعا إلى المحبة والإخاء، وأكبر من دعا إلى السعي والجهاد. # وفاض بي هذا الشعور فتندت عيني، وخفق قلبي، وانفرجت شفتاي عن آي الحمد والشكر: ~~لبيك اللهم لبيك لبيك ... وسمعت أذناي الأودية والجبال والقوافل السارية بينها جميعا ~~يدوي فيها هذا النداء، فازداد شعوري فيضا، وقلبي خفقانا، وازددت لله شكرا وبه ~~إيمانا. # وقفت بنا السيارة عند بحرة، وبحرة هي المحلة الثانية في طريق مكة، وهي تلفت النظر ~~بالأضواء الكثيرة البيضاء المنتشرة فيها دلالة استعداد مقاهيها البدوية لاستقبال ~~القوافل بها؛ ذلك أن قوافل الإبل تقطع الطريق بين جدة ومكة عندها تقضي ساعات الراحة ~~بالنهار أو الليل فيها، أما السيارات فتجتازها كما تجتاز أم السلم بعد وقفة عند مخفر ~~الشرطة يطلع رجاله أثناءها على «الكوشان»، وقد لا يأبى بعض راكبي السيارات أن يتناولوا ~~فنجانا ms058 من الشاي بها. # آخر محلة قبل مكة الشميسي، وكنت أعرف من قبل أن الشميسي اليوم هي الحديبية على عهد ~~رسول الله؛ وكنت لذلك أرجو أن أقف عندها لأتبين مواقع المسلمين الذين جاءوا حاجين ~~فصدتهم قريش، وكادت الحرب تنشب بينها وبينهم لولا حكمة الرسول وأناته وجنوحه إلى السلم ~~وحسن سياسته مما انتهى بينه وبين أهل مكة إلى عهد الحديبية، وإلى إقرار قريش أن يزور ~~المسلمون مكة معتمرين عامهم المقبل، ولكن أنى لي أن أنزل المكان والليل قد انتصف وقد ~~هدنا الجهد وشاقنا الوصول إلى مكة! ولم أطلب إلى السائق أن يقف، ولم أزد على أن سألته ~~عما بقي بيننا وبين أم القرى، وظل هو في انطلاقه يسرع كلما ساعفه الطريق، ويبطئ أو ~~يقف إذا أبطأه غوص العجلات في الرمال أو وقفه. # وجعلت في السويعة الباقية على دخولنا مكة أرسم في ذهني صورة أم القرى كما عهدتها على ~~الخرائط، لكن القمر لم يجل أمامي الصورة التي خلت، ولو أن الشمس كانت ساطعة لما زادت ~~الصورة أمامي جلاء، فكيف يحيط النظر المحدود بما حوله من وهاد وجبال بكل ما هو مرسوم ~~على الخريطة من مجموع هذه الوهاد والجبال؟ وكذلك تخطت السيارة بابا فسيحا قيل: إنه ~~باب مكة، ووقعت العين على مبان قيل: إنها مبانيها، فلم نجد في شيء من ذلك ما يلفت ~~النظر إليه، وإن أيقنا أننا صرنا في حدود مناسك الله. # وكان دخولنا مكة منتصف الليل، دخلناها متعبين مما مر بنا في يومنا ويوم أمس، وكانت ~~ساعتئذ متشحة برداء الليل وموليات ضوء القمر، فازدادت قداسة ومهابة. والسيارة تجري ~~في طريق لا ينيرها غير هذه البقية من ضوء ساهر السموات، وإنا لكذلك إذ نجمت أنوار كثيرة ~~من الكهرباء لدار عند منعطف من الطريق؛ تلك الدار بيت وزير المالية، وتخطينا هذه ~~الأنوار إلى بقية ضوء القمر حتى كنا أمام أضواء ناصعة لمصابيح معلقة في مكان وقفت ~~السيارة عنده، ذلك مقهى من مقاهي مكة، ونادى صاحبي من السيارة: يا شيخ إبراهيم، فجاء ~~المطوف وصحبنا إلى ms059 بيت مضيفنا أمين العاصمة الشيخ عباس قطان، حيث كانت تسطع أنوار ~~الكهرباء سطوعها عند بيت وزير المالية. # كان الرجل في انتظارنا، فلما صحبنا إلى الطابق الأول من داره أبلغنا تحية وزير ~~المالية وسؤاله المتكرر عنا منذ تركنا جدة، وجيء بالشاي فشربنا، وبالقهوة فتناولناها ~~برغم انقضاء هزيع من الليل، وسألني الرجل: أأوثر أداء شعائر العمرة لفوري أم أرجئها ~~للصباح كيما أنال بعض الراحة من مشقة السفر؟ أما أنا فآثرت الأداء ولم تمل نفسي إلى ~~الإرجاء، ولعله الهوى إلى بيت الله وإلى حرمه، وإلى الصفا والمروة حيث سعت «هاجر» ~~المصرية سبعا تلتمس الماء لابنها إسماعيل هو الذي دفعني؛ كي أسارع إلى أداء هذه ~~الشعائر رغم الجهد والمشقة، وسألت: أيوجد إلى إتمام الطواف والسعي في هذه الساعة ~~المتأخرة من الليل سبيل؟ فقيل لي: إن الحرم مفتوح ليل نهار، وإن الناس يطوفون ويسعون في ~~كل ساعة منهما، وخرجت في لباس إحرامي مع المطوف، وأقلتنا السيارة التي جاءت بنا من ~~جدة إلى باب الحرم في دقيقة أو نحوها. # وما لبثت حين تخطيت الباب والمكان المسقوف من المسجد بعده حتى تبدت لي الكعبة ~~قائمة وسط المسجد، وقد انسدل على جدرانها لباسها الأسود المطرز بوشي الذهب، تبدت لي ~~دون أن يلفتني أحد إليها، وتبدت وكأني عرفتها وطفت بها قبل ذلك مرات، وما لي لا ~~أعرفها وقد رأيت كسوتها يطاف بها في القاهرة منذ طفولتي؟! وقد تبعت هذه الكسوة مرات عدة ~~في سنوات متعاقبة حين كانت تنقل من القلعة إلى بيت القاضي مارة بالمشهد الحسيني وسط ~~الجموع التي كانت تسير مثلي وراءها في هذا المشهد الديني الحافل الرهيب. # تبدت لي الكعبة قائمة وسط المسجد، فشد إليها بصري، وطفر نحوها قلبي، ولم يجد ~~فؤادي عنها منصرفا، ولقد شعرت لمرآها بهزة تملأ كل وجودي، وتحركت قدماي نحوها وكلي ~~الخشوع والرهبة، وقلت إذ وقع نظري عليها ما ألقى المطوف علينا أن نقوله: اللهم أنت ~~السلام ومنك السلام، حينا ربنا بالسلام، فزادني تحرك شفتي بهذه الألفاظ مهابة ورهبة، ~~وأراد مطوفي ونحن نتخطى ms060 إليها أن يحدثني في تاريخ المسجد وأبوابه وما أضيف إليه من عهد ~~الرسول، ثم أمسك حين لم يجد مني إقبالا على سماعه، وكيف لي في هذه الساعة بالاستماع ~~إلى حديث وقد ملك البيت علي نفسي وجذبني لأسرع إليه فأطوف به وأذكر الله عنده. # وارتسمت صورة البيت أمام بصيرتي منذ أقام إبراهيم وإسماعيل قواعده مثابة للناس ~~وأمنا يقيمون الصلاة ويذكرون الله عنده، وبلغت بابا قائما وسط صحن المسجد، قال ~~مطوفي: إنه موضع بابه في عهد الرسول؛ فأجلت طرفي بين هذا الباب والبيت العتيق، وذكرت ~~ما حدث قبل مبعث محمد حين كانت قريش تجدد بناء الكعبة، ثم اختلفت قبائلها أيها يضع ~~الحجر الأسود مكانه، وبلغ منها الخلاف أن كادت الحرب الأهلية تنشب بينها، ثم أشار عليهم ~~أبو أمية بن المغيرة المخزومي أن يجعلوا الحكم في خلافهم أول من يدخل من باب الصفا، ~~وكان محمد أول من دخل منه، فارتضوا حكمه، فجعل الحجر على ثوب رفعه رؤساء القبائل جميعا ~~من أطرافه، ثم أخذه هو فوضعه مكانه، كان البيت يومئذ كما هو اليوم، إلا أن كسوته لم ~~تكن سوداء مطرزة بوشي الذهب، أما المسجد فكان ضيقا لا يبلغ العشر مما هو ~~اليوم. # وها أنا ذا أتقدم نحو البيت الذي أقام إبراهيم وإسماعيل قواعده، والذي وضع محمد قبل ~~مبعثه حجره الأسود في مكانه؛ والذي طاف به الأنبياء وطاف به الملوك والأمراء على كر ~~الدهور وهم في مثل ما أنا فيه من خشوع ومهابة، وهم سواسية أمام الله مع من يرعونهم من ~~عباد الله، وقلوبهم تفيض ندما وتوبة واستغفارا، والذي طاف به ملايين المسلمين، وربما ~~كان أشدهم فقرا من هو أكرم عند الله من هؤلاء الملوك والأمراء؛ لأنه أتقى منهم وأعظم ~~بالله إيمانا، ها أنا ذا أتقدم اليوم نحو البيت أطوف به طواف العمرة، وقد اجتمع هذا ~~الماضي كله المهابة والجلال أمام بصيرتي، فزادني شعورا بما بيني وبين الذين أقاموا ~~قواعد البيت والذين تطوفوا به من صلة يمحي أمامها الزمان والمكان، وتتبدى من ~~خلالها وحدة الكون ms061 التي لا تعرف الزمان ولا المكان. # وسرت إلى جانب المطوف مأخوذا ، حتى إذا بلغت الكعبة اندمجت في المئين الذين يطوفون ~~بها وهم مثلي في لباس الإحرام، وأعلنت نية الطواف ببيت الله المكرم سبعة أشواط طواف ~~العمرة، وكان المطوف قد سبقني إلى تلاوة صيغة النية، فلما حاذيت الركن اليماني وقف ~~المطوف هنيهة فوقفت لوقوفه وقلت على أثره: الله أكبر الله أكبر ولله الحمد، واندفعت في ~~حماسة أسير مع السائرين وأعيد بعد المطوف قوله - تعالى: # ربنا ~~آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب ~~النار ~~. # ثم وقفت كما وقف قبالة الحجر الأسود لأقول كرة أخرى: الله أكبر الله أكبر ولله ~~الحمد، واندفعت بعد ذلك أتم الشوط الأول وأنا أتلو في حماسة صادقة أدعية الاستغفار ~~والتوبة التي يلقي المطوف علي تلاوتها، وبلغت الركن اليماني فوقف المطوف ووقفت ~~ورفعت مثله اليد اليمنى وكبرت كما كبر وتلوت: # ربنا آتنا ~~في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب ~~النار ~~. # وحاذينا الحجر الأسود فرفعنا أيماننا وكبرنا ثانية، واندفعت أستغفر وأطلب إلى الله ~~الهداية على النحو الذي يلقى إلي وإلى غيري من الطائفين، وكذلك كنت أفعل كلما حاذيت ~~الركن اليماني أو الحجر الأسود، وأتممت الأشواط السبعة وأنا أكبر الله وأحمده ~~وأدعوه وأستغفره، وأنا مأخوذ بجلال هذا البيت العتيق، ممتلئ النفس خشوعا أمام تاريخه ~~الروحي الرهيب، يفيض قلبي إيمانا بالله الذي جمع في هذه البقعة الضيقة من الأرض كل ~~هذا الجلال وكل هذه المهابة، والمئون من حولي يطوفون كما أطوف، ويتلون من الأدعية ما ~~أتلو، وإن لم يذكر أحدهم ما أذكر من أمر إبراهيم وإسماعيل ومن تجديد بناء البيت قبيل ~~مبعث محمد، ومن طوافه به في عمرة القضاء وحجة الوداع. # ودلفت بعد الأشواط السبعة إلى مقام إبراهيم أصلي فيه ركعتين، ومقام إبراهيم يقابل باب ~~الكعبة ويقابل الحجر الأسود، وقد قام إلى جانب باب عمده وعقده من الرخام، والذين ~~يطلبون المقام عنده قليلون؛ لذلك أتممت عنده ركعتين واستغفرت ربي لي ولأهلي ولمن دخل ~~بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات، ثم انتقلت ms062 إلى حجر إسماعيل، والحجر يقع قبالة جدار ~~البيت الموازي للجدار الممتد بين الركن اليماني والحجر الأسود، ويحيط به سور في شكل نصف ~~دائرة من الرخام، والمصلون فيه يزحم بعضهم بعضا حتى لا يكاد الإنسان يجد بينهم مكانا؛ ~~وذلك لما يذكر المؤرخون من أن الحجر يقع داخل رقعة الكعبة كما أقام إبراهيم وإسماعيل ~~قواعدها، فثواب الصلاة فيه كثواب الصلاة داخل بيت الله. # وأقحمت نفسي بين اثنين يصليان ورفعت يدي أنوي الصلاة، إذ وقع بصري على رجال أشداء ~~أقاموا في إحرامهم، ورفعوا أيديهم إلى أعلى السجف من أستار الكعبة فتعلقوا بها ~~متشبثين لا يتركونها وقد ألقوا برءوسهم إلى وراء، فشخصت أبصارهم إلى السماء تستغفر ~~الغفور الرحيم، وذكرت إذ رأيتهم ما كان العرب يفعلونه من ذلك قبل الإسلام، فيكون ذلك ~~مجيرا لهم من عدوهم، وذكرت يوم الفتح حين عفا محمد عن أهل مكة جميعا إلا أشخاصا ~~بأعيانهم أمر أن يؤخذوا وإن وجدوا متعلقين بأستار الكعبة، وأقمت هنيهة أنظر إلى هؤلاء ~~المتعلقين أسائل نفسي عما صنعوا ليكون ذلك موقفهم منه، وأنا معجب بإيمانهم، إذ لا ~~يجدون ملجئا من الله إلا إليه، ولا يجدون ملجئا إليه خيرا من التعلق بأستار بيته ~~المحرم، ونويت الصلاة وأتممتها، ورفعت طرفي فألفيتهم ما يزالون في تعلقهم بأستار البيت، ~~وما تزال أبصارهم شاخصة إلى السماء تلتمس من رب البيت المغفرة، وأقمت مكاني في الحجر ~~فإذا من حولي فيه لا يكاد أحدهم يتركه حتى يحل غيره محله، وكأنما نسوا أن الليل انقضى ~~ثلثاه أو أكثر من ثلثيه، وبقيت زمنا في مثل نسيانهم مأخوذا بما حولي مقدسا ~~إياه، ملقيا وراء ظهري ما عودنا التفكير الحديث من تعلق بالحاضر المحسوس وحده، ومن ~~مبالغة في هذا التعلق إلى إنكار ما وراء المحسوس من معنى ينتظم الوجود ويسمو على الزمان ~~والمكان، وزادني موقفي توجها إلى الله، فدعوته راجيا أن يستجيب، واستلهمته الهدى إلى ~~الحق والخير والفضل، وتبت إليه من الآثام، وأشهدته على نفسي إنه هو رب التقوى ورب ~~المغفرة. # وفاض بي هذا الشعور، فصرت من ms063 دعاء ربي إلى التسبيح بحمده والتقديس له، وإلى إكبار هذه ~~الأخوة التي تصل بيني وبين المؤمنين به جميعا في مختلف أقطار الأرض، أخوة شعارها ~~السلام، ودعامتها السلام، وغايتها السلام، وظللت كذلك حتى جاء المطوف ينبهني إلى ضرورة ~~مغادرتنا المسجد لنسعى بين الصفا والمروة كيما تتم شعائر العمرة، وما كنت أحسبني مطيعا ~~إياه لولا حرصي على إتمام هذه الشعائر، وخرجنا من المسجد نبتغي المسعى، وسرت إلى جانبه ~~والنفس ممتلئة مهابة وتقديسا للواجب الذي أقوم به ويقوم به معي عشرات الألوف من ~~إخواني المسلمين على اختلاف ألوانهم ولغاتهم وأجناسهم، والذهن شغل لذلك عن إطالة ~~التنقيب فيما ينطوي عليه اجتماع المسلمين كل عام في هذه البقعة المباركة منذ مئات ~~السنين من غايات روحية واجتماعية وسياسية سامية. # ولعل ما أصابني من الجهد في اليومين الأخيرين فمنعني حقي من السكينة والنوم، ولعل ~~مجهود الانتقال توا بعد ذلك إلى مكة ودخولها في ساعة متأخرة من الليل، ثم لعل المجهود ~~الروحي الذي اقتضانيه الطواف، ولعل هذا الجهد والمجهود قد زادا في توجهي الآلي وراء ~~المطوف لإتمام شعائر العمرة، وكيف لي أن أصنع غير هذا وقدماي تسيران في مكان لما ~~تعهداه وإن ألفيته مرتسما في نفسي، وكأن لي به كل العهد من قبل أن أولد؟ أم أن هذا ~~العهد كان مبعث التقديس الذي امتلأت به نفسي؛ لأنه ميراث الأجيال التي سلفت من أهلي ~~وآبائي؟ نعم! لعل هذا أدنى إلى الحق؛ فلقد سار ها هنا آبائي وأجدادي وأمهاتي وجداتي ~~حقبة بعد حقبة، وجيلا بعد جيل، ولقد طافوا جميعا بالبيت كما طفت، وسعوا كما أريد ~~أن أسعى، وتلوا بعد المطوف ما تلوت وما سأتلو، ولقد رأيت الكثيرين منهم وشاركت منذ ~~طفولتي في الاحتفال بخروجهم إلى الحج، وعودتهم منه احتفالا كانت علائم الغبطة ترتسم ~~أثناءها على أسارير الذين يودعون من حج، ويلقون من عاد من هؤلاء الآباء والأجداد، فلا ~~جرم قد انطبع في نفسي هذا الميراث المتنقل على الأجيال، وجعلني أخطو خلال المسجد وإلى ~~المسعى بقدم مطمئنة كما أخطو في بيتي ms064 وبيت أهلي، ثم كان لهذا الميراث التليد من عمق ~~الأثر في نفسي ما زادني حرصا على الدقة في أداء شعائره. # خرجنا من المسجد وأقلتنا السيارة إلى المسعى، ثم مال بنا المطوف إلى ربوة الصفا ~~وتخطى بنا نحو درجها خلال الذين سبقونا إلى السعي محرمين، وتخطينا خلال هذه المئين من ~~الناس يسير بعضهم فرادى، ويسير آخرون جماعات متشابكة الأيدي، وقد ارتفعت في جوف الليل ~~أصواتهم جميعا مستغفرين في ضراعة وإنابة، وعلونا بعض درج الصفا ثم استقبلنا المسعى ~~ورفعنا أيدينا، وأعلنا نيتنا السعي سبعا بين الصفا والمروة سعي العمرة، ثم هبطنا الدرج ~~وسرنا ونحن نتلو كما يتلو المطوف: # إن الصفا والمروة ~~من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح ~~عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر ~~عليم ~~. # وانتقلنا من الصفا إلى المروة ونحن ندعو بما يدعو به مطوفنا ونستغفر كما يستغفر، ~~والمئون من الساعين يدعون كذلك ويستغفرون، وبلغنا المروة واقتحمنا صفوف الساعين إلى ~~درجها، واستقبلنا المسعى وسعينا وكبرنا وعدنا إلى الصفا ندعو ونستغفر، والناس من ~~حولنا يصنعون صنيعنا يدعون ويستغفرون، ولقد كنت تسمعهم رافعي أصواتهم في لهجات مختلفة، ~~منها البدوي النجدي الذي يعلو بنفسه عن أن يتخذ من مطوف إماما، ومنها ما تشوبه ~~عجمة تدل على أن العربية ليست لسان أصحابه الأصيل، ومنها المتضرع في انكسار وخشية، ~~ومنها هذا البدوي الذي لا يعرف الخضوع حتى في خطابه ذا الجلال والإكرام، فلما أتممت ~~أشواط السعي السبعة وقف بي المطوف عند حلاق في حانوت من الحوانيت التي تزحم المسعى ~~قص لي بعض شعرات من جانب رأسي الأيمن، وبارك علي أن أتممت عمرتي، وبذلك آن لي أن ~~أعود إلى منزلي وأن أحل إحرامي إحلال التمتع، كيما أعود إليه بعد يومين حين أؤدي فريضة ~~الحج الأكبر. # وأويت إلى مضجعي في الثلث الأخير من الليل ألتمس فيه الراحة إن لم أسعد فيه بالنوم، ~~وأطبقت أجفاني، وذهبت على عادتي أستعيد ما حدث منذ الصباح، فإذا بي لا أذكر منها إلا ~~غبطتي بالطواف والسعي ms065 وتمام العمرة، وإذا بي أشعر بيد محسنة يسري إلي من مسها جسمي ~~سعادة لم أعرف من قبل سعادة مثلها، سعادة تنسيني كل شيء إلا ما كنت فيه من توجه إلى ~~الله بالتوبة والاستغفار، ومن رجاء في أن يتقبل توبتي واستغفاري، وانفرجت شفتاي في ظلمة ~~الليل عن ابتسامة طمأنينة ورضا استراح إليهما وجودي كله، وبقيت في غبطتي بهما مسلما كل ~~تفكيري وإحساسي وعقلي وقلبي لمشيئة الله التواب الغفور الرحيم، ودخلت بهذه الطمأنينة ~~في عالم النوم ممتلئ النفس رجاء وأملا، صادق الإحساس أن قد زالت عني أوزار الماضي ~~وأنني أصبحت قريبا من ربي، ونمت سويعات استيقظت على أثرها وقد زالت عن صدري أحمال لم ~~أدر ما هي، وأغرتني بكرة الصباح بالنزول إلى مكة أجوس خلالها، لكني لم أجد دليلا ~~يرشدني فآثرت أن أنتظر مضيفي وأن أنتظر مطوفي ليرسما لي خطة يومي ويعاوناني في ~~إنفاذها. # وأتممت صلاة الإصباح، ورحت أنتقل في حجر ضيافتي أتمشى فيها طولا وعرضا، وأستوحي ~~ذاكرتي صورة هذه الدار الفخمة التي نزلت بها، والطريق التي أدت بي أثناء مكة إليها، ~~فلا تسعفني الذاكرة بنافع، وما عسى أن تسعفني الذاكرة به وقد تخطيت أم القرى بليل، فلم ~~أر من الطرق التي اجتزتها إلا القليل، ولقد اجتزنا إلى دار مضيفنا أزقة ضيقة لم ~~أتبين منها شيئا، وبرزت السيارة من أحد هذه الأزقة إلى فناء فسيح بالقياس إليها هو ~~أشبه الأشياء بصحن دار كبيرة تحيط به جدرانها الأربعة، ويخرج منه زقاقان غير الذي برزت ~~السيارة منه، ويضيء هذا الفناء نور كهربي ينحدر من مصباحين معلقين على ناحيتين من ~~جدرانه، ومن هذا الفناء وقفت السيارة أمام دار يتخطى النظر بابها إلى دهليز طويل تضيئه ~~الكهرباء، ونزلنا وصعدت بنظري إلى باب الدار فألفيته رفيعا معقودا أعلاه بالحجر، ~~ويصعد الإنسان إليه بضع درجات تعلو به وبالبيت كله عن الطريق، وأقبل علينا حين وقفت ~~السيارة رجل تطوق ثغره ابتسامة رقيقة، وصافحنا بشوق ومودة، وسألنا عن سبب تأخرنا وما ~~نكون قد لقينا من مشقة الطريق، هذا مضيفنا الشيخ ms066 عباس قطان أمين العاصمة صاحب هذه الدار ~~التي تبدو الفخامة على ظاهرها. # لقد أقام بداره ينتظرنا، فلما استقبلنا وتلطف بنا ما تلطف، أنبأني أن الشيخ عبد الله ~~السليمان وزير المالية قد سأله بالتليفون غير مرة عن مقدمنا بعد أن علموا من جدة أننا ~~نزلنا من الباخرة إليها وغادرناها إلى مكة، وصعد وإيانا إلى الطابق الأول من الدار على ~~درج أعاد إلى ذاكرتي منازل إيطاليا، فهو محصور بين جدارين يصعدان إلى السقف، فإذا ~~استدار الإنسان إلى يمينه وإلى يساره عند منتصف الطابق ألفى نفسه من جديد بين جدارين ~~يصعد الدرج أثناءهما إلى غرف الطابق الأول، ودخلنا إلى بهو عظيم فيه ومعنا مضيفنا ~~ومطوفنا، ولم نلبث حين جلسنا على مقاعد من طراز هذا العصر الحديث حتى جيء لنا بالشاي - ~~أو الشاهي بلغة أهل مكة - فكان لنا نعم الدفء بعد برد الطريق، وتحدثنا إلى مضيفنا وتحدث ~~إلينا، وسرعان ما ذكرني أني تقابلت وإياه بالقاهرة، وأننا تمنينا لو نلتقي بمكة في هذه ~~الدار، وبعد قليل قمنا إلى المسجد الحرام فأتممنا طواف العمرة وسعيها. # هذا ما وعت الذاكرة مما رأيت بمكة حين دخلتها أثناء الليل، وها أنا ذا الآن أنتقل من ~~غرفة النوم إلى البهو وأعود من البهو إليها، وقد اتصلت بها دورة المياه فاصلة بينها ~~وبين غرفة الطعام، لشد ما يثير هذا البهو وهذه الغرف في النفس صورة البناء في العهود ~~العربية القديمة! ولشد ما يثير أثاثها معاني النعمة والترف في تلك العهود! فهذا البهو ~~الفسيح تكاد مساحته تبلغ ستة أمتار في العرض وعشرة في الطول، تضيئه في النهار وتهويه ~~طيلة اليوم نوافذ تمتد من أقصى جدار عرض البهو إلى أقصاه، وكذلك الأمر في غرفة النوم ~~المحاذية له، وهما الآن يضاءان أثناء الليل كما تضاء الدار كلها بالكهرباء، تولدها ~~«ماكينة» خاصة بالدار؛ لأن مكة لا تزال إلى اليوم محرومة من نور الكهرباء، ولا يضاء ~~فيها على حساب الدولة إلا الحرم الشريف، وإضاءة الدار بالكهرباء لا ترجع إلى أيام بنيت؛ ~~ولذلك يتدلى من سقف غرفها ms067 نجف فيه لعشرات الشموع منازل مختلفة الألوان، والسجاجيد التي ~~تفرش أرض البهو وغرف النوم ثمينة قيمة، جميلة الرقم، كثيفة الخمل، وإحدى غرفتي النوم ~~كبيرة تصلح لأن تكون بهوا عند الحاجة، والجدار المقابل لبابها نوافذ كله كجدار البهو ~~الكبير، وقد أقيم إلى جانب هذا الجدار، كما أقيم على الجدار العمودي عليه، مصطبة متصلة ~~فرشت بالمراتب المغطاة بأغطية موشاة بالقصب، ومتكآت مغطاة بوشي القصب كذلك، تريح ~~الجالس عليها والمتكئ إليها غاية الراحة، وفي الجدار الرابع دولاب يبدو منه بابه ~~المطعم بالسن تطعيما دقيقا كتطعيم سقف الغرفة، أما غرفة النوم الأخرى فقد أعدت ~~للنوم ولا تصلح إلا له؛ وهي متصلة بهذه الغرفة التي تصلح لأن تكون بهوا، بل هي مدخلها، ~~مفروشة كفرشها؛ وبها «بوريه» مطعم كله بالصدف المختلف النقوش والألوان، والذي تبهرك ~~حقا دقته. # فأما غرفة الطعام فيقابل بابها باب الغرفة الأخيرة، وتفصل بينهما دورة مياه لا تزال ~~على الطراز العتيق، يتلوها درج يهبط الإنسان على سلمتيه ليرقى مثلها قبل أن يدخل هذه ~~الغرفة، وهي أكثر من البهو ومن غرف النوم بساطة في أثاثها؛ لأنه أدنى إلى طراز عشرين أو ~~ثلاثين سنة مضت من عصرنا الحديث منه إلى أثاث العرب أيام ترفهم، مع اتساق بنائها مع ~~بناء الغرف الأخرى من حيث النوافذ التي تتصل من أقصى الجدار إلى أقصاه، والسقف المطعم ~~بالصدف أو المموه بما يشبهه، والمصطبة القائمة إلى جانب النوافذ. # كان النهار ضحى حين جاء المطوف يسألني عما أريد، وهبطنا المسجد الحرام لأرى منه في ~~وضح النهار ما أخفاه الليل وما شغلني الطواف عنه، والمسجد الحرام يشبه صحن الأزهر من ~~حيث إنه فناء مكشوف تحيط به من جوانبه الأربعة قباب قائمة على عمد كالقباب المحيطة بصحن ~~الأزهر، وتنتهي إلى جدرانه، لكن فناء المسجد الحرام فسيح جدا، يزيد على بضع عشرات من ~~ألوف الأمتار المربعة، وهو ليس مفروشا كله بالبلاط كصحن الأزهر، بل مقسم أقساما ~~تتعاقب بعضها إثر بعض، بعضها مفروش بالبلاط، وبعضها مفروش بالحصباء، على تعبير أهل مكة، ~~وفي وسط هذا الفناء ms068 الفسيح تقوم الكعبة بيت الله الحرام وقبلة المسلمين جميعا في ~~صلواتهم ، ويتصل بالكعبة حجر إسماعيل، ويقوم على مقربة منها مقام إبراهيم، ومن حول ~~الكعبة مبلغات أربع - ومكبريات أربع على تعبير المكيين - لكل مذهب من المذاهب ~~الأربعة واحدة منها، وعلى مقربة من هذه المبلغات ومن الحجر والمقام والبيت، يقوم بناء ~~فوق بئر زمزم، وقد شيدت هذه المباني القائمة وسط فناء المسجد من أحجار متينة صلبة جيء ~~بها من الجبال المجاورة لمكة، كما جيء من هذه الجبال بالأحجار التي شيدت منها عمد ~~المسجد وقبابه، وما وراء العمد والقباب من جدران ومبان يسمونها مدارس؛ لأنها كانت كذلك ~~بالفعل يوم شيدت، لكن الكثير منها يتخذ اليوم مأوى لبعض الطوائف، ولا يتخذ أماكن ~~للدراسة، وقباب المسجد وجدرانه بسيطة، وفيها مع ذلك فن يتفق مع هذه البساطة، أما أبواب ~~المسجد المؤدية إلى الطرق المحيطة به فأقل من قبابه فنا وأكثر منها بساطة، خلا باب ~~علي، وجدران المسجد من الخارج لا فن فيها، بل تزور عين رجل الفن عن بعض جوانبها ~~ازورارا. # وخرجنا من المسجد إلى المسعى، وهو يقع على مقربة من باب الصفا، وكان المسعى إلى صدر ~~الإسلام طريقا مستقيما ينقص طوله عن الميلين، ويصل بين ربوتي الصفا والمروة، وكان ~~متصلا بما حوله من فسيح الصحراء، تطل عليه الجبال المحيطة بمكة؛ أما اليوم ومنذ بضع ~~مئات من السنين قد أحيط بالمباني والعمارة التي طغت عليه، وقد أحيل كل من الربوتين إلى ~~درج أقيمت حوله جدران تحجب بين الساعين وفسحة الجو وبهاء السماء، وقد بلغ من طغيان ~~المباني أن اعوج المسعى اعوجاجا يحول دون رؤية الصفا من المروة أو المروة من الصفا، ~~وتخترق المسعى طرق تسير فيها الإبل والدواب والعربات والسيارات، وقد كان هذا الطريق إلى ~~سنوات مضت كله الرمال؛ أما الآن فقد رصف بالحجر رصفا غير منتظم. # عدت إلى الدار بعد هذه الزيارة القصيرة، فقابلني مضيفي يخبرني أن وزير المالية ~~ينتظرني بداره قبيل الظهر، وأن السيارة ستذهب بي وإياه إلى هذا الموعد، وذهبنا نخترق ~~الطرق إلى ms069 ظاهر مكة حتى بلغنا غايتنا ونزلنا عند باب الدار، وليس يبالغ من يسمي هذه ~~الدار قصرا؛ فهي فسيحة وإن لم يكن لبنائها طراز ينسب إليه، فخيمة وإن لم يسعد الفن ~~فخامتها بتأنق أو روعة، تخطينا بابها الضيق إلى درج يؤدي إلى ممر من ناحية، وإلى فضاء ~~به زرع من ناحية أخرى، واستدرنا في الممر إلى حجرة تخطيناها إلى دهليز، فغرفة أخرى، ثم ~~غرفة ثالثة هي التي كان وزير المالية ينتظرنا بها، وهي غرفته الخاصة، وأحسبني لو تركت ~~لأعود وحدي إلى ظاهر الدار من خلال هذه الغرف والممرات لتعذر ذلك علي. # والشيخ عبد الله بن السليمان الحمدان رجل بدوي نجدي بكل معاني البدوية والنجدية، ~~نحيف القوام معتدله، أسمر البشرة، حاد النظر، تلمح في عينيه ذكاء وغضبا ممتزجين، يدعو ~~امتزاجهما في حالة سكونه ودعته إلى مهابته والتفكير فيما وراء نظرته؛ وهو إلى ذلك حلو ~~الحديث رقيق النبرة مبتسم اللقيا، تبادلنا التحيات، ثم ذكرت له ما دار بخاطري منذ ~~غادرت مصر أن تكون مكة مقرا لعصبة الأمم الإسلامية، كما أن «جنيف» مقر عصبة الأمم ~~الأوروبية، ووافقني هو في الرأي على أن نمحصه بعد انتهاء فرائض الحج واشتغال الحكومة ~~بها. # وبعد الحديث والقهوة تركت الدار وآثرت أن أقوم بجولة بالسيارة أجتلي بها صورة من ~~بعض نواحي مكة، وما دمنا بجرول عند مدخل مكة من ناحية الشميسي - أو من ناحية ~~الحديبية إن شئت - فلأذهب إلى ناحية غير هذه التي دخلت منها حين مجيئي أمس من جدة؛ ~~ولأتبع في تجوالي هوى نفسي وإرشاد مضيفي، فأما هوى نفسي فقد كان إلى فندق مصر التابع ~~لشركة مصر للملاحة البحرية، وهل تهوى النفس شيئا هواها لما له بالوطن اتصال؟! وأما ~~مضيفي فذكر أن على مقربة من فندق مصر فندقا للحكومة الحجازية، وأن مدير هذا الفندق هو ~~مواطني المصري الشيخ عبد السلام غالي. # وزرت فندق مصر لماما، ومررنا بفندق مكة فلم نجد مديره ولم نقف عنده، وفندق مصر دار ~~عربية فخيمة المدخل، حاول مديره أن يدخل إلى دورات مياهه شيئا ms070 من النظام ~~الحديث. # وعدنا إلى المنزل وفي نفسي بعد هذه الجولة صورة مبهمة من مكة، كل دلالتها أن مكة ~~اليوم هي مكة منذ مئات السنين، لم يطرأ عليها تقدم إلا في منازل بعض الأفراد الذين ~~آثرهم الله ببسطة في الرزق، وهو تقدم نسبي لا صلة بينه وبين تقدم فن العمارة ~~الحديث. # وحال قرب المسجد من منزل مضيفي دون توغلي بمكة منذ اليوم الأول، كما حال دونه ما ~~أكرمني به أهل مكة وزوارها من زياراتهم إياي حيث نزلت، وقد تبادلت مع هؤلاء وأولئك ~~أحاديث شتى عن البلاد المقدسة كان لها أثر في تكوين فكرتي عن العلاقة التي يجب أن تصل ~~بينها وبين العالم الإسلامي. # غدنا اليوم الثامن من ذي الحجة، يوم التروية، ويوم يصعد الحجيج إلى منى وعرفات ~~لقضاء فريضة الحج، وفي غد أغادر مكة بعد يومين اثنين من مقامي بها قضيت أثناءهما ~~شعائر العمرة، ولم أر خلالهما من نظامها وحياتها وآثارها شيئا مذكورا، فمتى أرى ذلك ~~كله؟ ... بعد الفراغ من شعائر الحج، فلأنتظر إذن، إن الله مع الصابرين. # | وقفة عرفات # أصبحت يوم الإثنين الثامن من ذي الحجة، يوم التروية، أفكر في عرفات والذهاب إليها ~~محرما والمبيت بها، وقضاء ما يجب من شعائر الحج فيها والنزول عنها إلى المشعر الحرام ~~بالمزدلفة، وإلى الصخرات بمنى لأتمم بعد ذلك طواف الحج حول الكعبة وسعيه بين الصفا ~~والمروة، فأكون قد قضيت الفرض الخامس من فرائض الدين الحنيف، ولا يفكر الناس اليوم في ~~التروية، وهي جلب الماء معهم إلى عرفة ليستقوا منه يوم وقوفهم بها، وهم لا يفكرون في ~~التروية منذ يسرت عين زبيدة لهم من الماء ما يريدون. # وشتان بين ما اشتملني أثناء التفكير في الإحرام لعرفات من نعيم وغبطة، وما كنت أخافه ~~قبل مغادرة مصر من أثر الإحرام وقضاء المناسك على صحتي، لقد اشتملني من فجر ذلك اليوم ~~رضا عن الحياة وعن نفسي، وشعرت بروحي فرحة وبقلبي مطمئنا، أقبلت منذ بكرة الصباح أعد ~~لباس الإحرام وما يقتضيه المبيت تحت الخيام، منشرح الصدر لكل ms071 ما أصنع من ذلك، عميق ~~الإحساس بجلال هذه الفريضة التي يسر الله لي أداءها، موقنا أني سأشهد أثناءها من ~~آيات حكمته فيها ما يزيد كل مؤمن إيمانا وتثبيتا، وصورت أمام ذهني هذا الجبل المقدس ~~وقمته الفسيحة واجتماع عشرات الألوف من المسلمين فوقه مهللين ملبين، متوجهين إلى الله ~~بقلوب طهرها صدق الإخلاص من ماضي حوباتها، وهداها الاجتماع المقدس بإخوانها ~~المؤمنين سبيل الخير، وفتح أمامها أبواب حياة جديدة تسمو خلالها بفضل إيمانها، وصدق ~~توجهها إلى الدرجات العلا من مراتب الإنسانية السامية، مراتب البررة والمقربين ~~والأتقياء الصالحين الذين يخشون الله ولا يخشون غيره، ولا يخافون في الحق والخير والبر ~~لومة لائم. # بقيت في إعداد متاعي إلى ما قبيل الظهر، ثم انحدرت من الدار إلى قصر الملك لموعد ~~ألقى فيه جلالته، وقصر الملك يقع خارج مكة من الناحية الشمالية الشرقية عند مبدأ الطريق ~~الذاهب إلى منى، وهو قصر بني حديثا ليقيم ابن السعود به ما أقام بمكة قبل الحج ~~وبعده، وهو فسيح الجنبات، بسيط المظاهر، يجمع بين أبهة الملك وطراز العروبة القريب من ~~البداوة، تلقاك أول ما تتخطى بابه حديقة فيها نباتات صغيرة، ثم تتخطى دهاليز فرشت ~~بالحصباء إلى أبهاء بسيطة في أثاثها وعمارتها على رغم سعتها وكثرة نوافذها، ويقابل ~~القصر جبل زرود الواقع على مقربة من حراء، أو جبل النور كما يسمونه اليوم، ذكرا لنور ~~الوحي الأول الذي هبط على النبي # صلى الله عليه وسلم # وهو بالغار عند قمته، وتقوم فوق زرود قلعة ~~تحمي مقر الملك أثناء مقامه بأم القرى. # ولقد لقيت في ذهابي إلى قصر الملك وعودتي منه مشقة لم ألقها في طريق مكة حين تجولي ~~بها في اليوم الذي سبق؛ فالطريق إلى قصر الملك هو كما قدمت طريق منى، وهذا اليوم هو ~~يوم التروية، فيه يصعد الحجيج جميعا إلى منى وإلى عرفات من هذا الطريق، وأكثرهم يصعدون ~~على الإبل؛ لأنها أيسر نفقة على الأكثرين، ولأن الصعود عليها أكثر مشقة من الصعود ~~بالسيارات؛ وهو لذلك أعظم عند الله أجرا في رأي طائفة ms072 من المسلمين؛ لذلك امتلأت طرق ~~مكة يومئذ بقوافل الإبل، حملت من ركبوها في ألوان مختلفة الطراز والوشي من الهوادج ~~والشقادف، وبعضها يسير إلى جانب بعض إذا انفسح الطريق، ويتلو بعضها بعضا في الطرق ~~الضيقة. # وطرق مكة ضيقة كلها إلا قليلا؛ لذلك كانت السيارة تقف في الطرق ذات السعة أمام هذه ~~الإبل المتراصة حتى تفسح لها طريقا؛ أما في الطرق الضيقة فكانت تضطر أحيانا إلى ~~التراجع لتقف في مكان يتسع لوقوفها ومرور القافلة بها بعيرا بعد بعير، وتضطر أحيانا ~~أخرى إلى الانزواء في طريق غير طريقها حتى تمر القافلة بها، والقافلة تمر بخطى الإبل ~~المتئدة، لا سبيل لها إلى أن تسرع في هذه الأزقة الملتوية في ارتفاع وانخفاض، وتمر ~~القافلة وتسير السيارة بضعة أمتار ثم إذا قافلة أو بضعة جمال أخرى تضطرها لتلتمس مكانا ~~تقف فيه أو زقاقا تحتمي به، ولقد اقتضانا خوض هذا البحر اللجي من الإبل وسائقيها ~~أضعافا مضاعفة من الوقت الذي كنا نقطع فيه الطريق لو أننا كنا نسير في غير يوم ~~التروية أو أيام الحج. # وتناولت طعام الظهيرة، واتفقت ومضيفي على أن نستقل السيارة إلى عرفات بعد صلاة ~~العصر، وتطهرت لإحرام الحج ولبست لباسه بعد أن نويته، وصليت ركعتين سنته، فلما صليت ~~العصر أقمت أنتظر السيارة، لكن المغرب اقتربت ولم تكن قد جاءت؛ وخشي مضيفي أن أضيق ~~بتأخرها ذرعا، فهبطنا إلى حديقة صغيرة خلف الدار وفي حرمها نستمتع بما فيها من خضرة ~~النبات وبهاء الأزهار، وإنا لكذلك إذ بدأ الرذاذ يتساقط، واحتملناه زمنا فرحين آملين ~~أن ينقطع بعد قليل، لكنه استمر ثم هتن وابلا لا سبيل معه إلى البقاء في الحديقة؛ ~~واحتمينا بإيوان متصل بها، وجلست بمقعد عند بابه أشهد منه عبث المطر بالزهر والشجر، ~~وفكر بعض الحاضرين في الترويح عني بذكر سيول الحجاز التي تنهمر سويعة انهمارا يحسب ~~الإنسان معه أنه لن يكف، ثم إذا السماء أمسكت وعاد إليها صفوها، وإذا رمال الأرض ابتلعت ~~مياهها، وإذا الجو أكثر صفاء ورقة، والمطر يهتن والبرق يخطف والرعد يقصف ms073 والرجاء في ~~مجيء السيارة يذوي في نفسي، فأسائل مضيفي: أللصعود إلى عرفات في هذا الوقت سبيل ...؟ ~~ويجيبني مضيفي مطمئنا: إن الأمر لله، والحج فرض الله، ولا بد أن ييسر الله للناس ~~فرضه. # وبينا نحن في حديثنا أمسكت السماء فجأة، وذهبت الريح بما فيها من سحب، وصفا الجو، ~~وعادت إلى الثغور ابتسامتها، وأقبل الخادم ينبئنا بأن السيارة بالباب تنتظر، وركبناها ~~وشققنا بها طرق مكة الضيقة وهي تسير الهوينى تتخطى الإبل وهوادجها وشقادفها التي ~~قاربت بنا قصر الملك، هنالك انفسح الطريق، وعظم أملنا في الوصول عما قليل إلى عرفات، ~~على أن السيارة وقفت هنيهة ليملأها سائقها بنزينا، وفي هذه اللحظة رفعت بصري إلى ~~السماء فألفيتها صفوا لم يبق لسحابة فيها أثر، وألفيت القمر لما يكتمل بدرا قد بعث ~~إلى أرجائها من ضوئه الندي ما زاد في صفاء صفحتها بهجة ونورا، وسرحت الطرف عن يميني ~~وعن يساري وفيما أمامي فإذا لجة القمر تغمر سلاسل الجبال القائمة في هذه الأرجاء جميعا ~~متتابعة في اتصال لا يدع للناظر من خلالها فرجة تشف عن شيء مما وراءها، وبدت هذه ~~السلاسل في لجة الضوء أشباحا ضخمة رهيبة جديرة بأن تبعث إلى النفس الخشية منها، ومما ~~يستكن فيها لولا تجرد النفس في هذه الآونة من كل خشية إلا خشية الله، ولولا سمو النفس ~~فوق كل ما في الحياة من آمال وآلام ومخاوف إلا عن الرجاء في رضا الله عمن لبوا ~~نداءه، ومن جاءوا من كل فج عميق رجالا وعلى كل ضامر ليطوفوا بيته ويتموا مناسك ~~حجه. # وانطلقت السيارة في طريق منى تسايرنا جبال العقبة عن يسارنا وطلائع «ثبير» عن ~~يميننا، وفي لحظة غابت الإبل ولم يبق يزحمنا منها قافلة ولا بعير؛ ذلك أنا خرجنا عن ~~طريقنا إلى طريق آخر استحدثته الحكومة القائمة، وخصت به السيارات تنفيسا عن القوافل ~~وعن السيارات جميعا، والقمر في كبد السماء الندية الزرقة بضيائه يلقي على الهضاب ~~الممتدة عن يمننا وعن يسارنا ضوءا يبعثها إلى يقظة الحياة في هجعة الليل، أما فيما ~~أمامنا فقد ms074 غلب ضوء السيارة الباهر ضوء القمر الرطب الندي، وجعلنا نصعد فوق السفوح على ~~هون، حتى طالعتنا أضواء كثيرة منتشرة عن يسارنا، تلك أضواء سوق منى يتأهب أصحابها ~~لإفاضة الناس من عرفات بعد غد إليها، ثم مررنا بعد قليل بضوء أقل من ضوء منى دلنا على ~~أنا إزاء المزدلفة، وتابعنا التصعيد في الجبل على هون بين هضاب ورمال انبسطت عنها ~~أشعة اللجين من ساهر السموات، وحاذينا بناء، ذكر أهل مكة أنه مسجد نمرة، بدت بعده ~~أضواء قيل: إنها سوق عرفات، ثم انطلقت السيارة فإذا بنا أمام سهل فسيح ضربت فيه مئات ~~القباب وألوفها، وتلألأت فيه مصابيح النور الأبيض، تلك بطحاء عرفات، وهنا مكان الحج ~~وملتقى الألوف من المسلمين الذين فرضوه على أنفسهم. # وقفت السيارة، وسأل مضيفنا عن مضارب خيامنا، ومن لك بالذاكرة التي تحيط بمكان كل قبة ~~من هذه المضارب التي يخطئها العد في هذه الساعة من الليل؟! بل من لك بهذه الذاكرة في ~~أشد ساعات النهار وضحا؟! وبدأ الغضب يأخذ من المضيف حين لم يسارع أتباعه إلى إجابة ~~سؤاله، لكن جلال الموقف وعذوبة الهواء وصفوه ورقته هدأت من حدة طبعه، وانفتل شاب من ~~ذويه من السيارة يلتمس منازلنا كي يهدينا إليها؛ ولم يطل عنا غيابه. # وألفيت الخيمة التي أعدت لنا قد فرشت ببساط من السجاد، فألفيت عليه فراش النوم، ~~وخرجت أسرح البصر فيما حولي، خرجت في لباس إحرامي خفيفا فرحا، نشيط النفس، ممتلئ ~~الفؤاد حبورا وجذلا، يا لرقة هذا الهواء! وجمال هذا القمر! وبهاء هذه الساعة الفذة ~~التي سقطت فيها عن الروح كل الحجب، وتجلى فيها أمام البصيرة نور الخالق العظيم! لبيك ~~اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك ... أولا ~~يجمل بي أن أتقدم بين هذه المضارب لأرى ألوف المحرمين مثلي فأزداد برؤيتهم حبورا، ~~وأتحدث إليهم فيزيدني حديثهم جذلا، وألبي وإياهم فتتجاوب هذه الوهاد بأصداء عشرات ~~الألوف من أصوات الملبين ترتفع على موج النسيم وأشعة القمر إلى عليا السموات! # وأنى لي أهتدي ms075 إلى مضربي إذا أنا ضللت بين هذه الخيام، وليس لي من العلم بالمكان ما ~~لأبناء مكة الذين يؤمونه كل عام؟ ولكن أيضل ها هنا أحد وها هنا موضع الهدى وملاذ ~~الملبي نداء ربه، اللاجئ إلى فيء رحمته؟ وتقدمت خطوات إلى موضع توسط الخيام، فتموجت ~~أشعة القمر أمام نظري على رماله، ثم وقفت وأطلت الوقوف، وبقيت محدقا بالسماء، ~~مأخوذا بصفو أديمها، شارد اللب في جلال هذا الكون المحيط بي وعظمته، أناجيه وقد نضوت ~~عني زينة الحياة الدنيا، فأحس به أبهى جلالا وأجل عظمة، كم طالت بي هذه النجوى؟ لا ~~أدري، وأرادت قدماي أن تتقدما بي لأتصل بمن أسمع هسيسهم من إخواني المؤمنين، ~~فتلفت أتعرف قبتي كيما أتخذ منها منارا أهتدي به في سيري، فلم أعرفها بين ~~الخيام القريبة مني، إذ ذاك آثرت العودة للبحث عنها والاحتماء بها من ضلة الليل، فلما ~~اهتديت إليها وقفت عند بابها، ولم تطاوعني نفسي على أن أتخذ منها حجابا بيني وبين ~~السماء وقمرها الباسم الضياء، وبيني وبين هذا العالم الروحي العظيم الذي اجتمع هاهنا في ~~هذه البقعة من بقاع الأرض، والذي يجتمع فيها في هذه الساعة من كل عام، ناسيا كل شيء من ~~زخرف الدنيا متوجها إلى الله أن يتم على الأرض كلمة الهدى ويوطد فيها الحق والعدل ~~والسلام. # وجلست مكاني على سجادة صلاة سحبتها من داخل القبة، وتركت لتصوري عنانه، وقد ارتسم كل ~~ما تشتمله السموات والأرض حولي في دخيلة نفسي، وانتقلت بهذا التصور في هنيهة من بيئة ~~المكان إلى بيئة الزمن، وطويت القرون القهقرى إلى أكثر من ثلاثمائة وألف سنة مضت، ~~وامتثلت النبي العربي محمدا ها هنا فوق عرفات في حجة وداعه، محرما كإحرامنا، ملبيا ~~كتلبيتنا، مستغفرا كاستغفارنا، خاضعا لله خضوعنا، عبدا لله كعبوديتنا له، امتثلت هذا ~~النبي العربي وقد تخطى السنين، وقد فتح الله له فتحا مبينا، وقد أسلم لدينه أهل مكة ~~الذين حاربوه وأصحابه وأخرجوهم من ديارهم، وقد آن أن يكمل الله للمؤمنين دينهم ويتم ~~عليهم نعمته، امتثلته واقفا في هذا المكان ms076 على رأس مائة ألف من المسلمين بعد أن قطع ~~إليه الطريق من يثرب إلى مكة محرما طوال هذه الطريق، سائقا هديه معه، مقيما على ~~إحرامه أسبوعين كاملين، ملبيا والمسلمون من ورائه كل نهاره وطرفا من الليل، مسلما كل ~~أمره إلى الله لا إله إلا هو، إليه يرجع الأمر كله، وإليه تصير الأمور. # كم أقمت أذكر فنفعتني الذكرى؛ ثلثي الليل أو نصفه أو زدت عليه أو نقصت منه؟! علم ~~ذلك عند ربي، وشعرت بالسكون يمد رواقه حولي، حتى لم يبق مما كنت أسمع نبأة أو همسا، ~~عند ذلك دخلت إلى قبتي وأطبقت أجفاني ألتمس النوم. # أفنمت حقا؟ وكم نمت؟ كل ما أذكره أنني كنت سعيدا وكنت ممتلئا نشاطا حين طرق أذني ~~صوت المؤذن لصلاة الفجر، طرق هذا الصوت أذني فابتهج له قلبي وطرب له فؤادي طربه لأغنية ~~عذبة ترتلها ملائكة السموات، وفتحت عيني فرأيت بشائر الضوء تسري من فرجات القبة، فقمت ~~إلى الماء أتوضأ، فإذا الحياة تسري فيما حولي من المضارب، وإذا الذين يلتمسون الماء ~~لغيرهم ينتشرون ها هنا وهناك، وإذا النداء للصلاة الأولى تتجاوب أصوات المنادين به في ~~مختلف أنحاء البطحاء، وكلهم يلقي في آذان الخليقة التي بدأت يقظتها: «الصلاة خير من ~~النوم»، وفي نواح مختلفة من البطيح المترامي الأطراف سمعنا الذين قاموا يؤمون من معهم ~~للصلاة، ينادون: الله أكبر، وكلما أتم جماعة صلاتهم علت بالتلبية أصواتهم، وأقام الناس ~~على ذلك حتى ذر قرن الشمس فوق الجبال إلى ناحية الشرق، عندئذ بدءوا يتسللون من خيامهم ~~يرون بأعين النهار ما لم تسعفهم عين الليل على رؤيته من مكان الحج المقدس، فلما علت ~~الشمس بدأت حياة النهار ضجتها وتجارتها، وبدأ الناس يلقون بعضهم بعضا بالتحية ~~والتبريك، ثم ينتقلون بحديثهم إلى مألوف ما في الحياة. # وتجارة الحياة في عرفات تتصل بالحج وبالصدقات التي تهوي بها أفئدة الحجيج إلى الفقراء ~~والمساكين ممن يطوفون بهم، الحجيج تهوي أفئدتهم إلى إطعام الجائع والبر بالمحروم؛ لذلك ~~يسير الأعراب بقطعان من الغنم يبيعونها من يذبحونها لساعتهم ويتصدقون بها ms077 على ذوي ~~الحاجة من إخوانهم المؤمنين، ومنهم من جاء لأداء الفريضة من أقصى الأرض وهو لا يجد قوت ~~يومه، وآخرون اتخذوا من البقاع المقدسة مقاما ومن الصدقة مرتزقا، هؤلاء يطوفون ~~بالمضارب يبتغون من ذوي الميسرة بعض ما رزقهم الله، ثم لا يكفيهم ما ينالونه فيعودون ~~يسألون الناس إلحافا يستغلون بذلك إحسان من لا يمسكون أيديهم في يوم الحج عن ~~الإحسان. # وخرجت من قبتي أتعرف ما حولي، وأشهد صنيع الناس يومهم هذا وقد جاءوا إلى الله ~~حاجين متجردين، وإني لأتلفت يمنة ويسرة إذ وقع بصري على رجل لا شيء في سيماه يدل على ~~أنه من أبناء الشرق، بل هو أدنى إلى أن يكون من أبناء الشمال في أوروبا بطول قامته ~~النحيفة، وببشرته البيضاء المشربة حمرة وعينيه الزرقاوين وشعره الأصفر، وأخبرني بعض أهل ~~مكة ممن حوله أنه هولندي «مسلماني» يقيم بجاوة، وأنه جاء يؤدي فريضته ودلفت إليه وألقيت ~~عليه التحية بالفرنسية، وتحدثت إليه بها، فدلتني لهجته على أنه ليس من أهل هذه اللغة ~~وأن أغلب أمره أن يكون إنكليزيا، وسألته عن جنسيته فعلمت أنه أيرلندي وأنه يقيم ~~«بسرواك» في بورنيو، أكبر الجزر البريطانية في أرخبيل الملايا، وأنه أسلم من سنوات خمس، ~~وأنه جاء ليؤدي الفريضة، فأقام بجدة سبعة أسابيع حتى أيقن رجال الحكومة العربية من حسن ~~إسلامه، وسمحوا له بما يسمح للمسلمين، دون غيرهم، من دخول مكة ومن أداء فروض الحج ~~ومناسكه. # واتصل بيني وبينه بالإنكليزية حديث طويل، ومع ذلك لم تطاوعني نفسي على سؤاله عن سبب ~~إسلامه، وعلى رغم ذلك أخبرني أنه في إقامته بسرواك بين المسلمين منذ أكثر من خمس عشرة ~~سنة لم تطب نفسه بما دون التعمق في درس حالهم الاجتماعية والأخلاقية، والبحث، بوصف كونه ~~أيرلنديا، عن الأسباب التي أدت بهم إلى الخضوع لغيرهم، وكانت عقيدتهم الدينية بعض ما ~~عني بدراسته، ولم يلبث حين بدأ هذه الدراسة أن شعر بحافز قوي يحفزه للإمعان فيها ~~ولقراءة ما كتب في اللغات المختلفة عنها وللتزيد من ذلك ولطول التفكير فيه، ولقد أخذت ms078 ~~بساطة العقيدة الإسلامية بمجامع قلبه، ووصلت من تفكيره إلى أعماقه وجعلته يؤمن بحقيقة ~~هذا الدين الذي نزل على النبي العربي وبحضارة الأخوة والإباء التي يدعو إليها، ويؤمن ~~بأن الحضارة التي تنشر أوروبا اليوم لواءها في العالم باسم العلم ليست من العلم في شيء، ~~وإنما هي اللعنة التي صبها الله على العالم. # فهذه الحضارة تتلخص عنده في إخراج الناس من بساطتهم الفطرية التي تكفل لهم سلامة ~~التفكير وسمو الغاية، ليخضعوا لأهوائهم وشهواتهم المادية فتضعف نفوسهم ويذلوا، وأية صلة ~~بين سعادة الرجل أو المرأة وبين منسوجات «لانكشير» أو حرائر «ليون» أو عطور «باريس»، أو ~~ما إلى ذلك من مواد الزينة والترف، وهذه مع ذلك هي مظاهرة الحضارة الأوروبية وهي السبب ~~الحقيقي الذي تغزو أوروبا العالم من أجله، إنما الصلة الحقيقية بين هذه المنسوجات ~~والحرائر والعطور، وبين الأموال التي تريد أوروبا استنزافها من الشعوب هي إقناعها كذبا ~~بأن الحضارة في الرداء والترف والزينة، أما الإسلام فيدعو إلى معنى هو أسمى المعاني، ~~إلى نبذ كل عبودية لغير الله، وإلى الاستهانة بالموت في سبيل الله وإلى البر والتقوى ~~وإلى الرحمة والمغفرة، وهو يدعو إلى ذلك كله في بساطة وقوة لا حاجة بهما إلى منسوجات أو ~~حرائر أو عطور، ولو أن أهل سرواك وغيرهم من المسلمين أدركوا سر الإسلام إدراكا ~~عميقا لهان عندهم ما يعرضه الغرب عليهم، ولما خضعوا لحكم الغرب ولا ذلوا لسلطانه؛ ~~فدينهم يربأ بمن يؤمن به عن الخضوع لغير الله، ويجعل الموت في سبيل التخلص من هذا ~~الخضوع موتا في سبيل الله يجزى صاحبه الجزاء الأوفى. # وأعجبت بحديث صاحبي «المسلماني» أيما إعجاب؛ لأنه صادف موضع العقيدة مني، فسألته ~~عما جاء به إلى الحجاز وعن رأيه في حكمة الحج، وكان جوابه على سؤالي كحديثه الأول ~~حصافة ودقة، قال: إنما فرض الإسلام الحج ليشهد المسلم الله على نفسه أمام ملأ إخوانه ~~المؤمنين جميعا أنه نبذ ما اختلط بحياته قبل الحج من ذنوب وأوزار، والله يغفر له ما ~~صدق التوبة؛ ليولد ميلادا روحيا جديدا يكون بعده ms079 خيرا مما كان قبله من علم ~~وبصيرة. # وخشينا أثر الشمس فصرنا نقصد مضاربنا، ولم نبتعد إلا خطوات وإذا صاحبي يدعوني أن أدخل ~~معه إلى خيمته؛ لنشرب فنجانا من الشاي معا فدخلت الخيمة معه، فألفيت بها سريرين من ~~أسرة الميدان جعلهما مضجع الليل ومتكأ النهار له ولزوجه، وزوجه امرأة مسلمة من أهل ~~سرواك، عرفها وأحبها، فلما أسلم تزوجها وجاء بها لتؤدي فريضة الحج معه، وكانت ساعة ~~دخولنا جالسة إلى جانب من الخيمة وحولها رجال من أهل وطنها، وهي وسيمة غير بارعة، تبدو ~~في جلستها أدنى إلى القصر منها إلى الطول، قمحية اللون، عريضة الأكتاف، ممتلئة في غير ~~سمنة، اشتركت في الحديث بلغة أهل وطنها فبدا صوتها عريضا عرضا لعله يؤذن بجماله في ~~الغناء، ولم تناولنا أقداح الشاي على عادة الأوروبيين، بل ناولنا إياها أحد الجالسين ~~حولها، وأعجبني هذا الحفاظ على العادات الشرقية، كما أعجبني الدقة الغربية في إحضار ~~أسرة الميدان، واعتبرتها بعض العدة الواجبة للمسافر إلى الحج، والتي تغنيه عن كثير ~~مما يضيق به ذرعا حين لا يجد بمكة السرير الذي يستريح إليه، ولا يجد بعرفات ولا بمنى ~~بديلا منها يغني عنها، ويريح الحاج كما تريحه. # وعدنا إلى حديث طويل تكلم أثناءه صاحبي عن المسلمين، وعدم إدراكهم قوتهم العظيمة بسبب ~~ما تخدعهم به مزاعم الغرب، فهؤلاء المسلمون يزيدون في آسيا وحدها على مائتي مليون، ولو ~~أنهم أدركوا مبلغ قوتهم وأدركوا قيمة حياتهم الروحية وعظمتها لاستطاعوا تجديد نشاط ~~الإنسانية، لكنهم متروكون إلى جهالاتهم ليسهل خداعهم واستغلالهم، قانعين لذلك بضعفهم ~~وراضين عن هوانهم. # وعدت إلى قبتي، واستقبلت كثيرين من الأصحاب جاءوا يزورونني ويشاركونني الحديث في ~~الحج وما يجب لنظامه، وأذن الظهر وجمع الناس بين صلاة الظهر والعصر، وقاموا يلبون حين ~~قيل لهم: إن الخطيب قائم عند مسجد الصخيرات على بعيره يخطب الناس، لكن زحمة عرفات لم ~~تدع لأحد أن يذهب لسماع الخطيب عند مسجد الصخيرات وفي مسجد نمرة، ثم إن مثل هذه الخطب ~~قد صارت خطبا تقليدية كخطب الجمعة في مساجد مصر، ألفت ms080 الآذان سماع ألفاظها ومعانيها ~~التي أصبحت لا تتفق وروح العصر، ولا تتفق كذلك وطبيعة الإسلام الداعية دائما إلى ~~التجدد في حدود ما أمر الله به وما نهى عنه. # وكان الناس يفدون طيلة النهار إلى عرفات ليؤدوا حجهم؛ فالحج عرفة، وساعة الاجتماع ~~والخطبة هي الساعة التي يتم فيها فرض عرفة؛ لذلك اكتمل جمعهم قبيلها، فلما انتهت بدءوا ~~يفكرون في الإفاضة إلى المزدلفة ليذكروا الله عند المشعر الحرام، ثم يؤمون منى ~~ليقيموا بها ثلاثة أيام النحر، يرمون فيها الجمرات، أو يرجمون فيها الشياطين الثلاثة ~~على حد تعبير أهل الحجاز. # وإن الناس لفي تفكيرهم وتأهبهم، مغتبطين بصحو الجو، وجمال الهواء، إذ اكفهر ~~الوجود فجأة وهبت الريح عاصفة، وثار النقع وتعالى الغبار في الجو، وخطف البرق وهزم ~~الرعد، وبلغ من شدة ذلك كله أن نسي الناس أهبتهم وتفكيرهم واتجهوا بأبصارهم إلى مضارب ~~الخيام يرون ما الريح صانعة بها، واقتلعت الريح بعض الخيام، فأسرع أهلها إليها يطوونها ~~خشية أن يمزقها الإعصار العاصف، فأما النساء والضعفاء والأطفال فلجئوا إلى ما آنسوا ~~فيه قوة المقاومة من الخيام واحتموا بها، وبلغ من هزيم الريح أن كان يسمع لها شهيق ~~وزفير يدويان في آذان اللاجئ إلى الخيام أكثر مما يدويان في آذان الفار منها، ولقد لجأت ~~إلى خيمتي لحظة ثم تركتها حين رأيتها تميل في مهب الريح وتهدد من فيها بالسقوط عليهم، ~~ووقفت ومعارفي من أهل مكة وتوجهنا إلى الله أن يصرف عنا وعن الناس السوء والبأساء، مع ~~ذلك. # ومع ما كنا وكان الناس فيه من هذه الشدة، لم تزايل القلوب غبطتها، ولا برح الأفئدة ~~ابتهاجها، بل بقيت ابتسامة الرضا تطوق ثغور أصحابي وبقيت ضاحك السن أرى فيما حولي بعض ~~ما رآه الرسول - عليه السلام - في خسوف الشمس يوم موت ابنه إبراهيم، آية من آيات الله - ~~جل شأنه، لا يغير سنته، ويجب علينا أن نرى في هذه الآيات مظهر قوته، وأن نتوجه إليه ~~تعالت أسماؤه بالابتهال والدعاء إكبارا وإعظاما وخضوعا وإسلاما، كذلك فعلت وفعل ~~أصحابي، فانطلقنا نلبي ونكبر. # وإنا ms081 لكذلك إذ تفتحت أبواب السماء بماء منهمر، همى غير منذر برشاش أو مؤذن ~~برذاذ، أين أين المفر؟! طار أحد أصحابنا إلى حيث النساء والأطفال، فألفاهم أحكموا أمرهم ~~إذ لجئوا إلى سيارة كبيرة من سيارات «اللوري»، ونشروا فوقهم قماشا من الخيمة التي سقطت ~~أثناء احتمائهم بها، فوقاهم المطر والريح، أما أنا فكنت أسعد حظا؛ إذ آويت إلى ~~السيارة التي جاءت بي إلى عرفات، وكانت (ليموزين) محكمة الأقفال، وأوى إليها معي من ~~وسعته، والوابل هتون، والرياح عاصفة تضرب زجاج السيارة كأنها سياط تهوي على جسم فيشتد ~~منها أنينه، وكان زجاج السيارة ساعة اجتمعنا بها يحجب ما وراءها لكثافة ما علق به من ~~الغبار، أما بعد هذه السياط فقد شف عما في لون الجو المكفهر القاتم من بقية ~~الضياء. # وأقمنا زمنا نرجو أن ينقطع المطر، بعد أن زال ما أثارته الريح من غبار ونحن في مثل ~~ما كنا فيه من رضا النفس وضحك السن، فلما هدأ هتنه ثم انقطع عاد الناس إلى خيامهم ~~المطوية، فنشروها وضربوا منها ما يكفيهم السويعات الباقية على انحدارهم إلى المزدلفة ثم ~~إلى منى، ودلفت إلى خيمتي واستلقيت على بساطها، وبقيت هنيهة مستجما أمد بصري تارة من ~~خصاص بابها إلى ضوء القمر المنبسط على الرمال، وأغمض أجفاني طورا فأسعد بالنسيم ~~الرقيق العذب الذي خلف العاصفة، فأنعش نفوسنا وزادنا طمأنينة ورضا، ثم عدت أفكر فيما ~~كنا فيه وفي رضانا عنه واغتباطنا به، ولو كنا في غير هذه الحال لثار سخطنا عليه، واشتد ~~برمنا به، ولفررنا من ثورة الطبيعة مولين الأدبار لا نعقب، وابتسمت لهذه الموازنة ~~بين حالين نفسيتين ما أبعد البون بينهما! ثم سألت نفسي: ما سبب تباينهما؟ وأيهما أدنى ~~إلى الحكمة وإلى موجب العقل؟ # وسبب تباينهما بدهي واضح؛ فنحن اليوم في تجردنا من الحياة وزينتها وفي توجهنا ~~إلى الله تسمو أرواحنا عن أن نأسى لشيء من أمره، والطبيعة وظاهراتها جميعا بعض أمره، ~~وماذا بين ثورتها وصفوها، وبين قطوبها وابتسامها؟ وما لنا لا نستمتع بثورتها وقطوبها ~~استمتاعنا بصفوها وابتسامها، إنا ms082 لنستمتع بالليل مثلما نستمتع بالنهار، وهما نقيضان ~~فيما يبدو لنا، وليس لنا اليوم ونحن في إحرامنا ما نخافه من ثورة الطبيعة، فلن تحول هذه ~~الثورة دون مصلحة من مصالحنا، ونحن لا نفكر فيها، ولن يصيبنا منها أذى؛ لأن حياتنا ~~اليوم روحية سامية فوق المادة واعتباراتها، ولو أننا سمونا أبدا بالروح فوق المادة لما ~~ابتأسنا لشيء، ولكنا أبدا من الصابرين في البأساء والضراء وحين البأس، إنما نبتئس ~~ونضيق ذرعا بثورة الطبيعة حين تخضع أرواحنا لمظاهر الحياة التي تتأثر بهذه الثورة، ~~وحين نجعل سعادتنا وشقاءنا ونعيمنا وبؤسنا رهنا بهذه الظواهر المحيطة بنا غير مستمدة ~~من دخيلة نفوسنا وأعماق أرواحنا، فنحن نخشى المطر؛ لأن ملابسنا تبتل منه فيفسد ابتلالها ~~هندامنا؛ ولأننا نخاف أن يتسرب من ابتلالها إلينا ما يسوء أثره في صحتنا، ولو أن ملبسنا ~~كان في مثل بساطة الإحرام لما خشينا على هندامنا ولا على صحتنا، ونحن نخاف الزوابع أن ~~تحول بيننا وبين مواعيد ضربناها لقضاء مصالحنا، ولو لم نكن أسرى هذه المصالح إلى حد ~~الخوف عليها دون الخوف من الموت لوجدنا في ثورة الطبيعة متاعا نفسيا يعدل هذه ~~المنافع أو يزيد عليها. # والحق أن الناس إنما يشقون بالحياة حين يذلون لمادتها بدل السمو بروحهم عليها، ولو ~~أنهم عالجوا هذا السمو وأدركوه لآمنوا بالمبادئ الإنسانية العليا، وامتدت عدوى الإيمان ~~منهم إلى غيرهم، ولسمت الإنسانية بذلك إلى مقام غير مقامها الوضيع الحاضر. # فأما موجب العقل والحكمة في الحالين فأشد من سبب تباينهما وضوحا، ألسنا جميعا نبتغي ~~السعادة ونطمع في بلوغ درجاتها؟ ولا سعادة في الخضوع لغير ما توجبه الروح الفاضلة، ~~والإيمان بالمادة خضوع، فأما الإيمان بالروح فسلطان، ولو أننا آمنا بالروح وازدرينا ~~المادة لعنت لنا المادة وأقبلت علينا تلتمس رضانا طائعة صاغرة، فأما ما خضعنا للمادة ~~عن إيمان بها، فنحن البائسون الأذلاء بحكمها، يقتلنا الطمع فيها ونحن نحسب جهلا أننا ~~نحيا به. # وأرخى الليل سدوله، وظللت في تفكيري حتى نبهني الأذان للعشاء منه، فصلينا وتناولنا ~~طعامنا وأخذنا أهبتنا للإفاضة من عرفات إلى المشعر ms083 الحرام ... وطال بنا الحديث والناس من ~~حولنا يفيضون؛ فقد كان أصحابي يؤثرون مذهب مالك من أن المقام بالمزدلفة وذكر الله عند ~~المشعر الحرام يكفي فيه مقدار حط الرحال، على أن يصل الإنسان إلى المشعر قبل أن ينتصف ~~الليل، وتناول حديث أصحابي الحج ومناسكه وحكمة هذه المناسك، وأصحابي كما قدمت مكيون ~~يحجون في كل عام، ولعل أكثرهم يعتمرون في كل عام غير مرة، وهم لذلك مطمئنون إلى مغفرة ~~الله لهم، جريئون بذلك على تناول الحديث في الأمور المقدسة ومناقشتها بحرية قد تصل بهم ~~إلى ما يعتبره غيرهم إثما وتجديفا، قال أحدهم: إنما الحج ومناسكه أمور تعبدية تغيب ~~عنا حكمتها ولا سبيل للعقل إلى فهمها، والمسلمون يتمونها؛ لأنها فرض فرضه الله عليهم، ~~فما عرفات وما المشعر وما الجمرات إلا أماكن كغيرها جعلها الله للمسلمين مناسك لحكمة لا ~~يعلمها إلا هو، ويجب أن نؤمن بها وإن لم نفهم شيئا عن حقيقتها وسرها. # وقال آخر: بل الحج وسيلة تهوي بها أفئدة من الناس إلى وادينا الذي لا زرع فيه، تلك ~~حكمة الله، وآية ذلك ما جعل على من عجز عن أدائه أيا من مناسك الحج من فدية الدم ~~ليطعم الفقراء مما رزق الله الناس من بهيمة الأنعام، وقال ثالث: ليس هذا كل حكمة الحج؛ ~~وإنما حكمته الأولى اجتماع المسلمين وتعارفهم وتعاونهم؛ ليشهدوا منافع لهم وليذكروا اسم ~~الله، ومن يلبي دعوة التعارف والتعاون جدير بأن يغفر الله له ما تقدم من ذنبه؛ لأنه آثر ~~أخوة المؤمنين على نفسه وطمأنينتها، فاحتمل مشقة المجيء إلى بيت الله يلقاهم عنده، وعاد ~~الأول إلى الحديث فقال: هذه أقوال تسوغون بها أمر الله في الإسلام، فما مسوغه أيام ~~كان حج البيت فرضا قبل الإسلام، ويوم لم يكن من أديان العرب دين نزل للناس كافة؛ ليكون ~~في المجيء إلى بيت الله من تجشم المشقة ابتغاء الاجتماع بالمسلمين ما يساوي مغفرة ~~الذنوب؟ ولم يكن يحج البيت قبل الإسلام إلا أهل جزيرة العرب، وهم ليسوا أكثر من أهل هذا ~~الوادي يسارا، فلم يكن ms084 في هوي أفئدتهم إلى بنيه ذلك الخير الذي نرتجيه اليوم ممن ~~يحجون إلينا. # عجبت لهذا الحديث ولم آخذ في شيء منه بنصيب، وكيف أشترك فيه وإن كثيرين ليحسبونه ~~«هرطقة» يستعيذون بالله منها ويلعنون أصحابها، وينصرفون عن السماع لهم؟ ولست أخفي أنني ~~دهشت لتناولهم إياه، لم تنههم عنه حرمة المكان ولم يردهم عنه إحرامهم لله وتلبيتهم ~~نداءه، وكأنما نسوا قوله تعالى: # ولا جدال في ~~الحج ~~، والتمست سبب جرأتهم هذه، فوجدت الجواب حاضرا؛ إنهم يصعدون إلى ~~عرفات كل عام، وهم يغشونه في غير أشهر الحج، فلا يرون منه إلا السطح الأجرد لسلاسل ~~الجبال القريبة منهم بمكة، ويرون هذا السطح صفصفا ليس يعمره إلا بعض البدو في أوبارهم، ~~ولطول ما ترددوا عليه اختلطت صورته المادية بالمعنى الروحي السامي لفريضة الحج، وذلك ~~شأنهم في إدراك المناسك بالمزدلفة وبمنى، وإذا اختلطت الصورة المادية لموضع ما بالمعنى ~~الروحي لأية فكرة سامية تتصل به، طغت الصورة على المعنى، إلا أن يكون المؤمن به بالغا ~~من الإيمان غايته، أو كان من المهذبين المثقفين الذين يستطيعون التفريق الدقيق بين ~~مظاهر المادة الدائمة المور، المختلفة الأطوار، وبين الروح المتصل الخالد الذي لا ~~تحده المادة، ولا يعرف حدودا للزمان ولا للمكان. # ولقد كان الكهنة الأقدمون في اليونان وفي مصر أشد الناس سخرا من إيمان المؤمنين ~~بالأصنام، وإن لم ينل هؤلاء الكهنة من التهذيب حظا يطوع لهم إقناع الناس بوحدة الله، ~~وبأن الروح من أمره، وبأنه سام فوق المادة غير محدود بحدودها، ونقص تهذيبهم وما يؤدي ~~إليه هذا النقص من ضعف إيمانهم هو الذي كان يجعلهم يقصون على الناس ما يزعمونه معجزات ~~الأصنام؛ ليفيدوا من أعطيات هؤلاء الناس ما ينفعهم في حياتهم المادية، ولو أن إخواني ~~المكيين هؤلاء كانوا مع جماعة غير مثقفين لما تحدثوا حديثهم الذي قدمت؛ أو لنزعوا فيه ~~- أغلب الظن - إلى ناحية أخرى، لكنهم أردوا أن يظهروا لي مبلغ حريتهم في التفكير لما ~~يعلمونه من شدة حرصي على الحرية وإيماني بأنها السبيل إلى الإيمان الحق، ولعلهم أرادوا ~~أن أشاركهم ms085 في حديثهم وأن أقص عليهم من رأيي ما لعله ينفعهم، فلما رأوني ممسكا عن ~~القول مكتفيا بالإنصات لهم، أثار أحدهم جدلا في مناسك الحج، فقال: لم يرد في القرآن ~~عن الحج وفرضه غير قوله - تعالى: # ولله على الناس حج ~~البيت من استطاع إليه سبيلا ~~، والبيت هو الكعبة، فأين في ~~غير سنة الرسول ما يفرض الصعود إلى عرفات والقيام بما سواه من مناسك الحج؟ ولقد ورد في ~~القرآن من تفصيل فرائض الوضوء والصلاة والصوم ما لم يرد في مثله في الحج إلا ما جاء عن ~~البيت والطواف به. # وأجاب أحد الحاضرين بقوله: من المأثور عن النبي - عليه السلام - أنه قال: «الحج ~~عرفة»، ولقد ورد في القرآن ذكر عرفات والإفاضة منه بعد الوقوف به، والمشعر الحرام ~~وذكر الله عنده؛ فالقول: بأن فرائض الحج لم ترد في القرآن فيه تجاوز غير جائز. # وأدى هذا القول إلى التساؤل عن الجبل الذي نحن عليه ما اسمه الصحيح: أهو عرفة أم ~~عرفات؟ فالحديث أن الحج عرفة، والقرآن يقول: # فإذا أفضتم ~~من عرفات ~~، ولجأ القوم في تفسير ذلك إلى قواعد البلاغة العربية في ~~إطلاق الجمع وإرادة المفرد وإطلاق المفرد وإرادة الجمع، واطرد حديث القوم والليل ينساب ~~إلى ناحية منتصفه، وجعلت أنوار المضارب في البطحاء تخبو شيئا فشيئا، ثم طويت الخيام ~~وتحمل القوم مفيضين، فلما كان من منتصف الليل على ساعتين أو نحو ذلك كانت بطحاء عرفات ~~قد خلت من الناس إلا قليلا، وكان ضوء القمر وحده هو الذي يمد على رمالها بساطه ~~الوضاء، وما أجمل ضوء القمر منبسطا على الرمال الممتدة إلى حيث لا يعرف النظر غير ~~الأفق حدا! وما كان أجمله في تلك الساعة! بلغ صفو السماء وصفو الجو فيها من أثر المطر ~~ما زاد ساهر السموات بهاء ونورا. # وقمنا يسعدنا النسيم الرقيق إلى سيارتنا لنفيض كما أفاض الناس، وانطلقت بنا السيارة ~~نحو المشعر الحرام، وإن في نفسي إلى عرفات لهوى يدعوني إلى العودة إليه والمبيت في ~~مضاربه والوقوف به ملبيا شاكرا، داعيا مستغفرا، ذلك موقف ms086 لم أعرف مثله في حياتي ~~كلها روعة وسموا بالنفس في صدق وإخلاص إلى الله - جل شأنه، ولم أعرف مثله في حياتي ~~كلها دعوة إلى إخاء المؤمنين ليتحابوا بنور الله بينهم. # | أيام التشريق # يقف الناس إذ يفيضون من عرفات عند المشعر الحرام يذكرون الله عنده، ثم ينحدرون إلى ~~منى ليقيموا بها أيام النحر ثلاثة أو أربعة يرمون أثناءها الجمرات، وكان العرب قبل ~~الإسلام يسمون أيام النحر هذه أيام التشريق، ولم يمح الإسلام هذا الاسم وإن غلب عليه ~~أيام النحر، وفي المعجمات أسباب مختلفة لتسمية التشريق هذه، فبعضهم يذهب إلى أنها تطلق؛ ~~لأن الضحايا تنحر بعد شروق الشمس؛ ويذهب آخرون إلى أنها سميت كذلك من تشريق لحم ~~النحور، أي: تجفيفه، ومهما يكن السبب في إطلاق اسم التشريق على هذه الأيام فقد بقي هذا ~~الاسم لم يمحه الإسلام؛ فما تزال كتب السيرة على اختلافها تذكر أن بيعة العقبة الثانية ~~وقعت في أوسط أيام التشريق، وقد وقعت هذه البيعة بعد ثلاثة عشر عاما من بعث الرسول، ~~أي: قبيل هجرة المسلمين إلى يثرب. # وبيعة العقبة الثانية، بل بيعتا العقبة الأولى والثانية، علم مضيء في تاريخ الإسلام ~~كغزوة بدر الكبرى، أما وكتب السيرة تجمع على أنهما - أو كبراهما - وقعتا في أيام ~~التشريق فإني أوثر أن أحتفظ بهذا الاسم، وأن أطلقه على أيام النحر في منى، وأن أجعله ~~لذلك عنوان هذا الفصل من الكتاب. # أفضنا إذن قبيل منتصف الليل من عرفات يسعدنا النسيم الرقيق، ويضيء لنا ساهر السموات ~~ما حولنا ويبهر نور السيارة الطريق، وبلغنا المشعر الحرام، فنزلنا وذكرنا الله عنده، ثم ~~جمعنا جمارنا؛ كي نرجم بها الصخرات بمنى، ورأيت على مقربة منا أنوارا عرفت أنها ~~بعض المقاهي القريبة منا، وأن الحجيج الذين أفاضوا أول الليل يقضون ليلهم بالعراء ~~عندها؛ ليكونوا على أبواب منى قبيل الفجر، أما نحن فقد انتظرتنا سيارتنا حتى أتممنا ذكر ~~الله وجمع الجمار، فلما كنا في النصف الأخير من الليل أقلتنا إلى منى فكنا على ~~أبوابها قبيل الفجر. # ولمنى أبواب كالتي نعرفها في ms087 الحضر، فهي ليست بطحاء جرداء كعرفات، وليست مسجدا ~~قائما في عزلة كالمشعر الحرام، إنما منى قرية بها مبان ومنازل، ألا يكن أكثرها عامرا ~~في غير أيام الحج، فبعضها مملوك لفخذ من قريش يقيمون به طوال عامهم، ويؤجرونه أيام ~~الحج لمن يأوي إليه، وبعضها مملوك لجماعة من أهل مكة يقيمون به أيام النحر، أو يؤجرونه ~~لمن شاء من الحجاج أن يستأجره. # وقابلنا عند أبواب منى مخفرا للشرطة وقفنا عنده، وقدم إليه سائقنا جواز مرورنا، ~~فلما جاوزناه في طريق فسيح تقوم المنازل على جانبيه قابلتنا صيحات عالية فيها ترتيل ~~يسترعي السمع، تلك صيحات الباعة الذين قضوا ليلهم في انتظار الحجيج بعد إفاضتهم؛ كي ~~يعرضوا عليهم سلعهم من طعام وفاكهة، ومن سبح وما إليها مما يتبرك به قصاد ~~الأماكن المقدسة، ومرت السيارة بنا خلالهم حتى وقفت عند جمرة العقبة الكبرى، هنالك ~~نزلنا فرجمناها، ثم عدنا إلى منزلنا بمنى، وقد آن لنا أن نتحلل التحلل الأصغر، على ~~أنني آثرت بعد أن فكرت مليا أن أبقى محرما حتى أطوف وأسعى وأتحلل التحلل الأكبر، ~~وسحبت من متاعي سجادة صلاة فرشتها، وألقيت بنفسي إليها ألتمس إغفاءة تعدني لإتمام ~~مناسكي. # وما أحسب أحدا من الحجيج زار النوم أجفانه تلك الليلة إلا لماما؛ فقد أقام الباعة ~~يصيحون حتى ارتفعت الشمس فوق الجبال، ولعل الذين أووا إلى مضارب في صحراء منى لم ~~يكونوا أسعد بالنوم حظا، وإن كانوا عن صياح الباعة أكثر بعدا، فقد نال أكثرهم ~~إغفاءته بالمزدلفة، فلما بلغوا منى وأتموا شعيرة التحلل الأصغر كان النهار قد نشر في ~~الأرجاء نوره، وأنى لإنسان أن ينام في قبة يسري الضوء في فرجاتها؟! وأنى له أن ينام ~~هذا اليوم، يوم النحر والعيد الأكبر! وقد بلغ منى ليصلي الفجر وليصلي العيد وهو في ~~غبطته ونشاط نفسه لقضاء الفريضة في عرفات، وذكر الله عند المشعر الحرام؟ # ومر بي مضيفي كيما أعد نفسي لنهبط إلى مكة نطوف ونسعى، وكان رجاؤنا أن ندرك ابن ~~السعود في طوافه وسعيه، وأقلتنا السيارة وانطلقت بنا على هون بين ms088 قوافل الإبل، فرأيت ~~هذا الطريق من منى إلى مكة لأول مرة في ضوء النهار، ولم أستبن منه كثيرا ونحن في زحمة ~~من هبطوا يقصدون إلى ما نقصد إليه من الطواف والمسعى، وإن حرص مضيفي على أن يذكر لي أنه ~~طريق جديد شقته الحكومة القائمة في الجبال، وأقامت إلى جانب قسم طويل منه سورا يمنع ~~السيول أن تطغى عليه، ولم يطل بنا السير حتى كنا على مقربة من مكة، إذ ذاك اجتمع هذا ~~الطريق بطريق الإبل، ولم يكن للسيارة بد من التمهل والوقوف أحيانا، فلما بلغنا قصر ~~الملك لفت مضيفي نظري إلى الجبل القائم عن يميننا بين جبال عدة وكأنه منها في عزلة ~~الناسك، وقال: هذا جبل النور، وصادف لفته نظري وقوف السيارة لمرور قافلة أمامها، فتوجهت ~~ببصري إلى هذا الجبل الذي اختاره النبي العربي ليتعبد فوقه قبل أن يبعثه الله نبيا، ~~توجهت ببصري إليه فاسترعى كل انتباهي بهذه العزلة التي تفرد بها عما حوله من ~~الجبال، وبهذه الاستقامة المخروطية في انطلاقه إلى السماء استقامة تجعله أدنى إلى برج ~~شاده الإنسان لغاية خاصة، منه إلى جبل قائم بين عشرات من الجبال حوله، لا يميزه عنها ~~إلا الحادث الفذ الذي جعله القدر نصيبه، حادث هبوط الوحي الأول على رسول الله ~~فوقه. # ودخلنا مكة وقصد مضيفي إلى دار أحد معارفه لنتوضأ قبل أن نطوف ونسعى، وكانت الدار في ~~طريق يجاور المسعى، فلم يكن بد من أن نخترق صفوف الساعين إليها، وأجلت بصري أتفرس ~~في وجوه هؤلاء وأتحرى أمر هذا المكان الذي يؤدي المؤمنون اليوم فيه منسكا كان ~~إخوانهم يؤدونه فيه منذ مئات وألوف من السنين خلت، ولقد كنت في حاجة إلى الدقة في ~~تعرفه؛ فلم ترتسم منه لدي صورة حين سعيت فيه سعي العمرة قبيل الفجر أول ما حللت ~~مكة؛ لأنني كنت في شغل بالسعي والدعاء؛ ولم أقف صبح الغد من ذلك اليوم على كل ما أردت ~~منه، وألفيت وجوه الساعين في هذا الصباح من يوم النحر أكثر طمأنينة، وأصواتهم في الدعاء ~~أدنى ms089 إلى السكينة، وكأنما شعروا بعد أن أتموا فرض الله بعرفة أنهم أدنى إليه، فدعاؤهم ~~إياه أدنى أن يستجاب، ويحصرهم هذا المكان الظليل بسقفه المهلهل وبالمباني الرفيعة ~~القائمة على جانبيه في غير انتظام رغم فخامة بعضها، فلا يرون ما كان يراه أسلافهم من ~~زرقة السماء وفسيح الصحراء، وهم يهرولون أول سعيهم أثناءه ثم ينبعثون سائره بخطى ~~مطمئنة، ولا يفترون أثناء ذلك عن ذكر الله ولا عن التلاوة والدعاء. # وانعطفت وراء مضيفي في زقاق ضيق قذر متصل بالمسعى، ثم صعدنا بعد خطوات فيه درجا يشهد ~~بأن الدور تقوم على ربوة قديمة، ودق مضيفي بابا فتحه أهله واستقبلونا بالتحية والترحيب ~~رغم مجيئنا على غير انتظار، وتناولنا القهوة وتوضأنا وصلينا، ثم قصدنا إلى المسجد ~~الحرام نطوف طواف الحج؛ لنسعى من بعد ذلك سعيه، ودخلنا المسجد فعلمنا أن الملك سبقنا ~~إليه فطاف وسعى من بكرة الصباح، وألقيت بنظري أول ما دخلت من ناحية الكعبة فألفيتها ~~نصف عارية من كسوتها، وألفيت القسم الذي لا يزال مكسوا منها عليه ثياب بيض وضعت قبيل ~~يوم عرفة إيذانا بإحرام البيت العتيق، واليوم، يوم عيد النحر تنزع عن الكعبة ثياب ~~العام الذي ودعنا لتوضع مكانها ثياب العام الذي نستقبله. # وأبدى عريها أحجار الجرانيت الأسود الذي بنيت منه دالة على صلابة وقوة على الزمان، ~~والناس يطوفون بها، ومنهم من حل إحرامه في منى، ومنهم من لا يزال محرما، وانبسطت أشعة ~~شمس الصباح في صحن المسجد الفسيح وأضاءت بنورها كل أرجائه، والموكلون بإلباس الكعبة ~~كسوتها ينزعون عنها الثياب البيض، ثياب الإحرام، وينزعون كسوة العام الماضي ليسدلوا ~~مكانها كسوة هذا العام، ويفرغ الناس من طوافهم فينحرفون إلى مقام إبراهيم وإلى حجر ~~إسماعيل يصلون فيهما، ثم يقصدون إلى البناء القائم فوق زمزم يلتمسون عنده شربة من مياه ~~بئر إسماعيل، أما نحن فقد يممنا زمزم منذ دخلنا المسجد، ودق مضيفي باب مقامها ففتحه ~~لنا الموكولون بها، فتوضأنا من مائها ولبسنا خفافا وخرجنا نطوف بالكعبة، ولم يكن معي ~~في هذه المرة مطوف أتلو من بعده ما ms090 يتلو من الأدعية؛ لذلك تركت نفسي على سجيتها تتجه ~~إلى الله كما أفهم أنا كيف يجب أن يتوجه الإنسان إلى الله، فإذا مررنا بالركن اليماني ~~سمينا الله وكبرنا وتلونا قوله - تعالى: # ربنا آتنا ~~في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب ~~النار ~~، وعدنا إلى تسمية الله وتكبيره قبالة الحجر الأسود، وانطلقنا بعده ~~نتم الطواف ونحن ندعو ونستغفر، والطائفون طواف الحج يسيرون سيرتنا، يسمون الله كما ~~نسميه، ويكبرونه كما نكبره، ويتلون من الأدعية ما يلقيه المطوف عليهم أو ما تجيش به ~~خواطرهم وما يريدون الاستعانة عليه بالله في أمرهم وفي أمر من يحبون من ذويهم ~~وأهلهم. # وأتممنا الطواف وصلينا في مقام إبراهيم وفي حجر إسماعيل، ثم انتحينا إلى فيء قباب ~~المسجد، فجلسنا وتناولنا شربة من زمزم وصلينا، وأقمت مكاني هنيهة محدقا ببيت الله ~~وبالطائفين به وبالركع السجود، وإني لكذلك إذ مرت بخاطري صورة الرسول الكريم - عليه ~~السلام - في عمرة القضاء، يومئذ ظنت قريش به الظنون، وحسبته وأصحابه في عسرة وجهد ~~أوهناهم وضعضعا من عزمهم، ألم يجيئوا ليعتمروا قبل عام من ذلك اليوم فلما صدتهم قريش عن ~~مكة وحالت بينهم وبين البيت كفى محمدا أن يعقد معها عهد الحديبية وأن ينصرف إلى يثرب؟! ~~ولولا العسرة والجهد لما فعل، ولما ارتضى أن يؤجل عمرته وعمرة المسلمين عاما كاملا، ~~ذلك ما خيل يومئذ إلى قريش. # فلما انقضى العام وأقبل المسلمون إلى مكة ومحمد على رأسهم، وانصرفت قريش عنها إلى ~~الجبال المحيطة بها، أراد الرسول أن يريهم كيف وهموا فيما ظنوا من ضعف المسلمين ووهنهم، ~~فلم يلبث حين دخل المسجد ونادى بنية الطواف أن أخرج ذراعه اليمنى من ردائه، وأن صاح ~~بأصحابه: «رحم الله امرأ أراهم اليوم من نفسه قوة!» ثم استلم الركن عند الحجر الأسود ~~وهرول، وهرول أصحابه من ورائه، حتى بلغ الركن اليماني، هنالك مشى إلى الحجر الأسود ~~مسبحا الله مكبرا إياه، ثم هرول من جديد وأصحابه يهرولون حتى أتمو ثلاثة الأشواط ~~الأولى ومشوا سائر الأشواط السبعة، ورأى المشركون من قريش كذب أوهامهم؛ ms091 إذ رأوا محمدا ~~والألفين من المسلمين معه أقوياء لم يصبهم نصب ولا لغوب، والمسلمون لا يزالون إلى ~~اليوم يهرولون في الثلاثة الأشواط الأولى اتباعا لسنة الرسول، وإن لم يعرف أكثرهم حكمة ~~هذه الهرولة، وإن لم يدر بخاطر أكثرهم ما يدل عليه هذا المظهر من أن الإسلام دين بأس ~~وقوة ونظام. # والمسلمون اليوم يطوفون لا يؤمهم أحد؛ وهم لذلك تختلف أثناء الطواف صفوفهم، لا ~~يهرولون في نظام، ولا يتئد سيرهم في نظام، وشتان في ذلك ما بينهم وبين المسلمين ~~الأولين، شتان ما أرى اليوم وما كان في عمرة القضاء أو حجة الوداع، كان محمد يؤم ~~ألفين في عمرة القضاء، ومائة ألف في حجة الوداع، يسيرون كلهم سيره، ويتبعونه، في نظام ~~أدق نظام، هرولة ومشيا واستلاما للركن أو للحجر الأسود، وهذا النظام المتصل بروح ~~الإسلام سبب من أسباب القوة، بل هو مصدرها وملاكها، وهذه الإمامة يقوم بها رجل مطهر ~~يؤمن أصحابه بصدقه هي روح هذه القوة وقوامها، ولو عاد المسلمون إلى الإمامة والنظام في ~~الحج وفي غير الحج، ولو أنهم واءموا كما يوائم دينهم بين حرية تامة أساسها الإيمان ~~بالله وحده وإباء الخضوع لكل من سواه، وألا يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله، وبين ~~هذا النظام الكفيل بحرية الجماعة وحياتها - إذن لاستطاعوا أن يؤدوا في العالم رسالة ~~الإسلام كرة أخرى، ولسعد العالم بهذا الدين كما يجب أن يسعد به. # مرت هذه الخواطر بنفسي وأنا في مكاني من فيء المسجد، فانطلق ذهني على أثرها يفكر ~~فيما يجب أن تكون الإمامة والنظام في العالم الإسلامي الحاضر، وكيف يجب أن يكونا في ~~الطواف والسعي وسائر فراض الحج ومناسكه، وإني لفي تفكيري إذ نبهني مضيفي إلى القيام ~~لنسعى، وأتممنا السعي بين جماعة الساعين، يزحمنا هذا، ويدفعنا ذلك، ويعترضنا بين آن ~~وآخر صف من النجديين شبكوا أيديهم بعضهم ببعض، فإذا صادفهم ساع صاحوا به: طريق! طريق! ~~وانطلقوا في سعيهم ينادون ربهم بلغتهم: «رب اغفر، حتما تغفر، إن لم تغفر من ذا يغفر؟!» ~~وذكر بعض أصحابي أنه ms092 سمعهم يقولون: «رب اغفر، حتما تغفر، إن لم تغفر جنتك تصفر »، ويمر ~~بين هذه الصفوف كما يمر بين صفوف الطائفين بالبيت ما بين حين وحين جماعة يحملون محفة ~~عليها شيخ أو عجوز أو مريض لم تستطع قدماه حمله ليطوف ويسعى، فطاف به هؤلاء وسعوا، ~~والمطوف يسير إلى جانبهم يدعو والمحمول في المحفة يدعو معه. # وكما يسعى الناس رجالا وفي المحفات يسعى بعضهم ممتطين جيادا أو مستقلين السيارات، ~~وهؤلاء يرون أن لا جناح عليهم وقد سعى رسول الله في عمرة القضاء راكبا بين الصفا ~~والمروة، وإن رأى بعض الفقهاء في السعي على الأقدام مزيدا في المثوبة، وكان الشيخ ~~عبد الله بن بليهد عالم نجد يسعى ممتطيا جوادا، ولقد كان يحدثنا ساعة نزلنا معا من ~~منى أنه يريد السعي في سيارة؛ لأنه لا يطيق السعي ماشيا، ولا يحب السعي في محفة؛ ~~ولهذا العالم النجدي عذره، فهو عالم تقدمت به السن فتضعضعت صحته بعد أن لوح وجهه ~~هواء الصحراء في أسفاره بين نجد والحجاز، فهو أشعث أغبر، وهو رجل ناحل الجسم، يعلو عنقه ~~الدقيق رأس عريض الجبين، ذكي النظرة، تلمع عيناه ببريق لم تطفئه السنون ويدل على حيلة ~~واسعة وبصيرة نافذة، وهذا الرجل خليفة محمد بن عبد الوهاب الحنبلي مجدد المذهب في ~~نجد، والذي خلع اسمه على الوهابيين الذي اقتدوا به في اتباع ابن حنبل، وابن بليهد هو ~~لذلك روح الحركة الوهابية في هذا الدور الحديث من أدوار حياتها، وهو موضع التبجيل ~~والاحترام من النجديين جميعا، من مليكهم عبد العزيز بن سعود إلى أصغر صغير فيهم، وهو ~~مع ذلك وعلى ما رأيته، من أشد الناس زهدا في الدنيا وزخرفها وغرور متاعها. # وأتممنا السعي سبعا، وآن لنا أن ننصرف وأن نتحلل التحلل الأكبر، على أني وقفت ~~هنيهة قبل منصرفنا أمام مقهى من المقاهي القائمة وسط المسعى وقلت لصاحبي: أفيليق أن ~~تقوم أمثال هذه المقاهي والحوانيت على حافة هذا المكان المقدس؟! قال: إنها ليست على ~~حافته، بل هي قائمة داخل حرمه، والذين أقاموها لم يتقوا ms093 الله ولم يرعوا حقه، بل اعتدوا ~~عليه عدوانا مبينا، والعجب أن منهم من اجترح هذا العدوان تبركا بأرض هذا المنسك، ~~ناسيا أنه يؤثر بها نفسه ويحرم منها ملايين المسلمين على تعاقب الأجيال. # ولقد ثارت نفسي حقا لمنظر هذه المقاهي وهذه الحوانيت التي تتجر في السبح ~~والمنسوجات وما إليها مما يتبرك الحجيج به، وزاد نفسي ثورة منظر صيارفة النقود الذي ~~يصكون الآذان بصرير ريالاتهم السعودية إعلانا بها عن أنفسهم، ما لهذا المكان الذي ~~يتوجه فيه الناس إلى الله بالتوبة والاستغفار وصرف النقود والجلوس إلى المقاهي وتبادل ~~التجار؟ وما لهذا المكان الذي ينسى الناس فيه تجارة الحياة؛ ليتصلوا فيه ببارئهم وهذه ~~الحماقات من تجارة الحياة؟! أليس من الخير أن تظل لهذا المكان حرمته كاملة وأن تكون ~~الحوانيت في طريق غيره قريب منه، إن لم يكن بد من أن ينصرف الناس بعد استغفار ربهم إلى ~~شرب القهوة وشراء السبحة والمكحلة وإلى صرف النقود للتبادل؟ # وليس ذلك كل ما يثير النفس لحال المسعى، فقد بلغ من إهمال شأنه وهو منسك من مناسك ~~المسلمين حدا بعيدا، واجتياز بعض الطرق إياه، ومرور الدواب والعربات والسيارات في ~~هذا الطريق بين الساعين بعض مظاهر هذا الإهمال، فإذا أنت تحدثت في ذلك قيل لك: وما عساك ~~كنت تقول من عهد قريب، وقبل أن ترعى الحكومة الحاضرة هذا المنسك بعنايتها؟ فقد كان ~~حرما للكلاب تقيم في ظلاله نهارها وليلها لا يزعجها من مرقدها أحد وكأنها حمام ~~الحمى. # لقد كان المسعى إلى صدر الإسلام طريقا مستقيما يصل بين ربوتي الصفا والمروة، متصلا ~~بما حوله من فسيح الصحراء وهضابها، وتطل عليه الجبال المحيطة بمكة، أما منذ مئات السنين ~~فقد بلغ من طغيان الدور التي أقيمت في حرمه أن اعوج اعوجاجا يحول دون رؤية الصفا من ~~المروة أو رؤية المروة من الصفا، كما حال سقفه بين الساعين وفسحة الجو وبهاء السماء، ~~وأحيلت كل من الربوتين درجا أحيطت جوانبه الثلاثة بالجدران؛ أما أرضه فقد رصفت بالحجر ~~رصفا غير منتظم. # تثور النفس لهذه الحال التي ms094 عليها المسعى، ولولا أن الناس يحسبونه كذلك منذ وجد، ~~ولولا أنهم إذ يرونه يشغلهم السعي عما سواه، لقام بينهم من يدعوهم إلى الثورة لإصلاحه، ~~ولإزالة هذا المساس بحرمة مكان يجب أن يحاط بكل تقديس وإجلال، ذلك كان شعوري ساعة ~~منصرفي من المسعى، وما زال هذا الشعور يحز في نفسي، فلعلني أجد من يشاركني في دعوة ~~المسلمين إلى إصلاح منسك من شعائر الله، ولعلني أجد من الحكومات الإسلامية استباقا ~~للخيرات وإجابة لهذه الدعوة. # انصرفت من المسعى إلى الدار بمكة، فحللت إحرامي ولبست العقال والعباءة العربية - أو ~~المشلح، كما يسمونها - وأقلتني السيارة عائدة إلى منى، ولا يكاد من يراني يشك في أني ~~عربي من أهل البلاد، فلما حاذت السيارة حراء استوقفت سائقها لأمتع النظر بهذا الجبل ~~كرة أخرى، فلقد شعرت له في نفسي بهوى أي هوى، ووددت لو استطعت أن أحيط خبرا بكل ~~ما جل أو دق من أمره. # وبلغنا منى قرابة الظهر، وأويت إلى الدار فيها، ودور منى غاية في البساطة، وليس بها ~~من الأثاث إلا ما يحمله الحاج من مكة إليها؛ لذلك كان سرير الميدان من نوع ما رأيت عند ~~صاحبي «المسلماني» بعرفات ذا فائدة بها أكبر الفائدة، وهذه الدور بعد معدودة لا تسع من ~~الحجيج إلا عددا محدودا، وهي تقع بين سلسلتي الجبال المتحاذيتين المارتين بمنى، ويمر ~~من بينهما الطريق الرئيسي إلى مكة، فإذا كنت مقيما بإحداها رأيت من نافذة الدار المطلة ~~على الطريق كل ما في منى من حياة أيام التشريق، ورأيت الدور المقابلة لدارك مطمئنة في ~~أحضان الجبل الشامخ عليها، ثم رأيت من النافذة الخلفية سلسلة الجبال الأخرى تحد نظرك ~~عن تبين ما وراءها كما تحده سلسلة الجبال الأولى. # وقد خلع أهل الحجاز على جبال منى من بهاء الأساطير ما لا يكاد يترك حجرا منها إلا ~~جعل له قصة من الأقاصيص المتصلة بحياة الأنبياء، فهذا الطريق الصاعد في الجبل هناك ~~والذي نراه قبالتنا من نافذة الدار، هو مجر الكبش الذي ذبحه إبراهيم الخليل فداء ~~لابنه إسماعيل، وهذا ms095 الحجر الناتئ في الجبل المقابل له هو طاقية النبي حين اختفى يوما ~~من قريش أو غير قريش فلاذ بهذا المكان، والطاقية هي هذه الفجوة التي دخل فيها رأس النبي ~~إذ لان حجر الجبل لاختفائه فيها، وهناك هناك في موضع لا يحدده العرافون من الجبل ~~مكان أرادت الشياطين فيه أن تعبث بنبي من الأنبياء فانتهرها، وأكثر هذه الأساطير لا ~~سند له في كتب السيرة أو كتب التاريخ المحترمة، وأهل مكة يقرون بذلك لمن سألهم عنه، ~~والأذكياء منهم لا يسلمون بصحة ما يقصونه، مع ذلك يتبرك أكثر الحجاج من الأقطار ~~الإسلامية المختلفة بهذه المواضع ويروون ظمأهم الروحي بمشاهدتها، وما لهم لا يفعلون ~~وكثير من هذه الأساطير مدون في كتب متأخرة أراد أصاحبها بها سحر الجماهير السريعة ~~إلى تصديق الخوارق، والتي لا تعنى من الروايات إلا بما يتفق مع هواها. # تقع دور منى على جانبي الطريق الفسيح المؤدي إلى مكة، وتقوم في هذا الطريق الصخرات ~~الثلاث التي يحصبها الحجيج بجمارهم؛ ولذلك صارت تسمى الجمار الثلاث، كبراها جمرة ~~العقبة، وعلى مقربة منها الجمرتان الوسطى والصغرى، وهذه الصخرات أو الجمرات هي اليوم ~~قوائم من الحجر ناتئة من الأرض إلى ما فوق قامة الرجل الفارع الطول، أحيط كل قائم منها ~~بسور من الحجر يقف الناس عنده ويحصبون هذه الأحجار قضاء لمنسك منى، والجمار لا تلقى ~~يوم النحر، إنما يحصب الحاج جمرة العقبة أول بلوغه من بعد الإفاضة من عرفات ليتحلل ~~التحلل الأصغر، أما الجمرتان الوسطى والصغرى فترجمان في اليومين التاليين ليوم النحر، ~~فإذا تم هذا المنسك تم الحج، وهبط الناس إلى مكة ليعودوا منها بعد طواف الوداع إلى ~~أوطانهم؛ أو ليذهبوا لزيارة مدينة الرسول، وأكثر الناس يهبطون إلى مكة ثالث أيام النحر، ~~ويهبط بعضهم رابعها. # ويطلق أهل الحجاز على هذه الصخرات اسم الشياطين، فإذا أراد أحدهم أن يدلك على منزل ~~شخص معين من منى قال: إنه إلى جانب الشيطان الكبير، أو على مقربة من الشيطان الصغير، ~~أو بين شيطانين معينين من الثلاثة، وترجع هذه التسمية إلى ms096 ما ترويه بعض الكتب عن ~~إبراهيم الخليل - عليه السلام، وأن الله بعث ملكا يريه مناسك الحج حين أمره أن يؤذن ~~في الناس به، وطاف الملك معه بالبيت، وسعى به بين الصفا والمروة، ثم صعد وإياه متجها ~~إلى الجبل، فلما كانا بمنى تبدى الشيطان لإبراهيم يغويه فحذفه إبراهيم بالحصى ~~فولى هاربا، ثم تبدى له كرة أخرى فحذفه فولى، ولما حذفه للمرة الثالثة ولى ~~مدبرا ولم يعقب، وتذهب الرواية إلى أن الشيطان تبدى في كل من هذه المرات الثلاث عند ~~صخرة من هذه الصخرات الثلاث؛ ولهذا أطلق أهل الحجاز اسم الشياطين عليها، وانطلق الملك ~~بإبراهيم من منى إلى المشعر الحرام وسار وإياه حتى بلغا عرفة، هنالك قال له: الآن عرفت ~~مناسكك، وسمي هذا الجبل عرفة أو عرفات؛ لأن إبراهيم عرف عنده مناسك حجه. # والجمرات مناسك منى، والناس يرجمونها؛ لأنها تتقمص الشياطين فيما يقول أهل الحجاز؛ ~~وهم لذلك يرجمونها ناقمين عليها أشد النقمة، ولقد بلغ من نقمة أحدهم أن قذفها بحذائه، ~~وأطلق بعضهم على أحدها «مسدسه» آملا أن يقتل الشيطان بقذيفته، أما وهذه عقيدة الناس ~~فيها فليس طبيعيا أن يلتمسوا البركة منها، إنما يتلمسون البركة من منازل الأنبياء ~~والقديسين فيما ترويه الكتب، كما أنهم يذكرون الله ويتلمسون مغفرته وثوابه في ~~مساجده. # وبمنى مسجدان يقعان في سفح ثبير، وأحدهما أقرب إلى طريق مكة من الآخر، فأما الأول ~~فمسجد الكوثر، وهو مسجد صغير يقوم في مكان يروى أن النبي - عليه السلام - كان به حين ~~أوحى الله إليه سورة الكوثر، والناس يتبركون لذلك بهذا المسجد، ويؤمه كثيرون من ~~الزمنى يتمرغون في ترابه ثقة منهم بأنه يشفيهم من أمراضهم، أما الآخر فمسجد ~~الخيف، وهو أكبر مسجد بين مكة وعرفات بعد المسجد الحرام، وكان أكبر من المسجد الحرام ~~في الصدر الأول من الإسلام. # ومسجد الخيف قديم العهد، حتى لتروي بعض كتب التاريخ أن أربعين أو خمسة وأربعين نبيا ~~صلوا فيه، ويذكر بعضهم حديثا عن الرسول - عليه السلام - أن هذا المسجد هو الذي ~~تبايعت فيه الأحزاب من العرب واليهود ms097 على قتال محمد والمسلمين بالمدينة، وأن الأحزاب ~~خرجوا منه لغزوة الخندق ، وبمسجد الخيف صلى رسول الله في حجة الوداع حين مقامه بمنى ~~أيام التشريق، ولا يزال المسلمون يصلون به يوم النحر وأيام الجمرات، فهو وحده الذي ~~يتسع لعشرات الألوف منهم إذ يجتمعون للعبادة والتعارف. # وقل أن يصلي بمسجد الخيف أحد في غير أيام الحج حين تكون الصلاة به سنة يجتمع لها ~~ألوف المسلمين وعشرات ألوفهم؛ وهو لذلك البساطة كل البساطة في عمارته التي لا تزيد على ~~جدران أربعة تحيط بمساحة فسيحة من الأرض، تتوسطها مبلغة - أو «مكبرية» - لصلاة ~~الجمعة أو الجماعة، على أن الجانب المتصل منه بجدران القبلة مسقوف بقباب قائمة على عمد ~~متينة البناء، وبابه الكبير معقود على عمد أربعة عقدا قويا يبعث في الذهن صورة ~~الآثار القديمة، وللمسجد أبواب أخرى يسلك المصلون أثناء الحج طريقهم إليها؛ لأن الباب ~~الكبير لا يتسع وحده في هذه الفرصة لألوفهم الكثيرة. # وإن بمنى لمكانا يثير الذكرى ويستوقف النظر، وإن لم يكن في فسحة مسجد الخيف ولم تكن ~~له عمارة كعمارته، والمسلمون يؤمون هذا المكان أول إفاضتهم من عرفات، وقل من يذكر ~~منهم حين وقوفه أمامه أكثر من أنه منسك من مناسك الحج تؤدى شعائره، ذلك مكان العقبة ~~الكبرى حيث تقوم الجمرة التي يلقيها المسلمون ليتحللوا التحلل الأصغر، هذه الجمرة وعلى ~~مقربة منها مسجد العقبة يثيران في النفس ذكرى البيعتين اللتين تمتا بين أهل يثرب ~~ورسول الله، فمهدتا لهجرته، وكانت بذلك مبدأ الفوز وأذانا من الله بأن يفتح لرسوله ~~وينصره نصرا مبينا. # قل من المسلمين من يذكر هاتين البيعتين حين يلقي الجمرات على صخرة العقبة، أما أنا ~~فوقفت عند العقبة وعدت إليها من بعد كما عدت إلى مسجد البيعة، ووقفت عنده طويلا باحثا ~~عن الشعب الذي احتمى الرسول والمسلمون من أهل المدينة به حين بايعوه، وإن من الواجب ~~أن يذكر المسلمون يوم إفاضتهم وحين وقوفهم أمام جمرة العقبة هذا الموقف الفذ في ~~التاريخ من مواقف النبي العربي، فهو من المواقف التي وجهت التاريخ ms098 وجهة جديدة، والتي ~~وجهت الإنسانية كلها إلى النور والهدى. # لا يؤدي الناس أية شعيرة من شعائر الحج بمنى طول يوم النحر ولا صبح غداته؛ إنما ~~يتزاورون يهنئ بعضهم بعضا بالعيد، ويفضي بعضهم إلى بعض بخلجات نفسه، ويذهب ~~كثيرون منهم في صحوة الصباح من ثاني أيام النحر ليشتركوا في تشريفة الملك ابن السعود ~~وفي تشريفة كل من ولديه سعود ولي عهده، وفيصل نائب الملك بالحجاز ووزير خارجية المملكة ~~العربية وأمير مكة. # ولقد ذهبت مع جماعة من أصحابي نحضر هذه التشريفة للملك وولديه، وتشريفة الملك تقع في ~~قصر أقيم له بمنى منذ سنوات قليلة، وفي نعت هذا المكان بالقصر شيء غير قليل من ~~التجوز، فهو أبسط في أثاثه وفي بنائه من أن يسمى قصرا وإن اتسعت أرجاء غرفه، ~~والذين يذهبون لحضور التشريفة ينتظرون قبل الدخول على الملك في خيام أقيمت أمام القصر، ~~وليس في هذه الخيام دفاتر يكتب الناس أسماءهم فيها، ولا يسأل أحد من الجند ولا من حاشية ~~الملك أحدا من الذين قصدوا إلى التشريفة عن اسمه أو جنسه أو أي شيء من أمره، ويقوم ~~الناس من الخيام فوجا بعد فوج دون اعتبار للطوائف أو لغير الطوائف، فإذا بلغوا القصر ~~ارتقوا أربع درجات تؤدي إلى باب هو باب الغرفة التي يستقبل الملك فيها، ويمر الناس به ~~ويحيونه، فيدعو ذوي المكانة منهم إلى الجلوس في المقاعد المجاورة له. # ولم يكن يرضى أول ملكه على الحجاز عن تقبيل أحد يده؛ لما في ذلك من مخالفة عقيدته ~~الوهابية، ومن مخالفة قواعد الإباء والشمم العربية، على أن أهل الحجاز أصروا على ~~تقبيل هذه اليد، فصار في السنوات الأخيرة لا يحول بينهم وبينها، أما النجديون فلا ~~يزالون كما كانوا يهزون يد عاهلهم ويسمونه باسمه ويحيونه بتحية الإسلام، فيقول له ~~أحدهم: كيف حالك يا عبد العزيز؟ فإذا أرادوا المبالغة في التحية أطلقوا عليه لقب «طويل ~~العمر»، ويمر المهنئون بالملك، ويشرب المقربون قهوته النجدية، ويلقي بعضهم أمامه ~~القصائد والخطب، كل ذلك في بساطة بدوية تطأطئ أمامها الديمقراطية إكبارا ms099 ~~وإجلالا. # أما سعود وفيصل فيستقبل كل منهما في خيمة فسيحة لا مقاعد فيها، ويجلس كل منهما على ~~فراش بسيط، فإذا دعا أحدهما بعض ذوي المكانة للجلوس إلى جانبه جلسوا على البساط ~~المفروش في الخيمة. # خرجت بعد التشريفة أطوف بمنى لأرى بعض الصحاب وزملاء الحج، وخيمتا سعود وفيصل تتصلان ~~بمضارب الخيام القائمة في مسيل الوادي الفسيح بين جبلي منى، وهذه المضارب أشد من ~~مضارب عرفات تشابكا؛ لأن بطحاء عرفات أكثر فسحة، وحبال الخيام تلتقي وتشتبك بعضها ببعض ~~حتى ليتعذر على الإنسان أن ينتقل بينها دون مشقة، وما أدري كيف يهتدي إليها أصحابها ولا ~~كيف يعلمونها، على أن لإخواننا المصريين من اليسر في ذلك ما ليس لغيرهم، فهم يتخذون ~~مضاربهم إلى جانب السبيل المصري أو على مقربة منه، فلا يتعذر عليهم أن يجعلوا من هذا ~~السبيل منارا للاهتداء به. # والسبيل المصري هو وحده الواحة الباسمة وسط هذه الجبال والرمال العابسة الجرداء، ~~بنته مصر في عهد الملك فؤاد الأول بناء أنيقا على الطراز العربي، كبناء مساجد ~~القاهرة أو دار الكتب المصرية، تراه من بعيد فيتعلق به نظرك، وتسير إليه فيلقاك سور ~~محيط بحديقة فسيحة أمام البناء، تتخطى الباب فإذا أنت بين خضرة باسمة ونبات وزهر، وإذا ~~عن يمينك مجلس صفت على بسطه وسائد يستند إليها الجالسون فيه، ويستقبل الموظفون ~~المصريون كل مسلم قصد إلى السبيل في أي من أيام العيد بكل إكرام وتجلة، هذا ~~وإن وجد أولئك القاصدون سبيل مصر في المياه الصالحة التي يشربونها به غاية ما يطمعون ~~فيه. # دلفت بعد التشريفة إلى السبيل، فكان لنفسي مسرة أي مسرة، إنه فلذة من وطني قامت في ~~هذه البقعة المقدسة فتحدثت عن وطني خير حديث، إنه مصر تنتظر أبناءها الذين جاءوا ملبين ~~ربهم ليكون مثابتهم للقاء إخوانهم المسلمين ممن ينظرون إلى مصر نظرة تقدير ومحبة ~~وإخلاص، إنه المأوى لمن شاء أن يتخذ من الحج فرصة اجتماع للتحدث في شئون المسلمين كافة، ~~كان به ساعة دخلته طائفة من بني وطني ومعهم مسلمون أحدهم هولندي وآخر ms100 صيني من أقصى ~~الشرق، وبين هذا وذاك من مختلف الأمم ألوان شتى، ولم يطل بي المقام ولا الحديث حتى ~~رأيتنا جميعا نحس إحساسا واحدا وتحركنا عاطفة واحدة هي عاطفة الأخوة الإسلامية ~~الصادقة، فالهولندي الجالس إلى جانبي، والمغربي الجالس قبالتي، والجاوي الذي يجاورني، ~~نحن جميعا عباد رب واحد لا إله إلا هو، لا نعبد إلا إياه، ولا يتخذ بعضنا بعضا ~~أربابا من دونه، فأرض الله أرضنا جميعا، وسماؤه سماؤنا جميعا، وما خلق - جل شأنه - ~~في السموات والأرض هو لنا جميعا، والله - جل شأنه - يورث ذلك من يشاء من عباده ~~الصالحين. # سمعنا جميعا في خشوع وإنابة إلى قارئ يرتل القرآن ترتيلا حسنا بصوت جميل، ثم تناول ~~حديثنا الحج وشئون المسملين في مشارق الأرض ومغاربها، عند ذلك ذكرت قول رسول الله: «لا ~~يكمل إيمان أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، فازداد شعوري بإخاء المسلمين في أقطار ~~الأرض جميعا عمقا وقوة، وجعلت أنصت إلى حديث المجتمعين معي بهذا السبيل المصري وأنا ~~أشد ما أكون تعلقا بهم ومودة لهم. # وتركت السبيل أبتغي زيارة بعض معارفي في الخيام المتصلة به، وبعد لأي في السير بين ~~خيام يقصر الطرف دونها ألفيت أصحابي جلوسا بها تحت سقوف واطئة يتلظون بحر الشمس وما ~~نزال في الشتاء، ترى ما حال أمثالهم إذا استدارت أشهر الحج إلى أيام القيظ، وأرسلت ~~الشمس من أشعتها شواظا ولهبا! أولا يجمل بأهل البلاد وبحكومتها أن يقيموا بدل ~~الخيام مساكن قليلة النفقة يجد الحاج فيها من طمأنينة الحياة ما لا يجده في الخيام؟ ~~وأفضيت بهذا السؤال إلى بعضهم، فعجب منه وظن فيه تيسيرا لمشقة الحج يذهب بالكثير من ~~ثوابه؛ لأن الأجر على قدر المشقة، وعجبت لما قاله صاحبي وسألته: أفلا يشجع التيسير ~~الناس على أداء الفريضة فيزداد عدد الذين يؤدونها وينالون ثوابها آلافا مؤلفة؟ # وأويت إلى الدار ممتلئ القلب بقوله # صلى الله عليه وسلم ~~: «لا يكمل إيمان أحدكم حتى يحب لأخيه ما ~~يحب لنفسه»، وشغل ذهني أمر المنازل في منى حين الحج، أوليس حقا على ms101 الذين آتاهم ~~الله من فضله أن يعملوا لمزيد من الطمأنينة لإخوانهم الذين يحجون البيت، كما يفكرون في ~~طمأنينة أنفسهم؟ لقد كان النبي وأصحابه يقيمون بالخيام أيام منى؛ لأن الخيام كانت ~~منازل ذلك العصر في شبه الجزيرة، فلم يكن أحد من أهلها ليضيق بالخيام ذرعا، أما اليوم ~~فهذا عاهل شبه الجزيرة ابن السعود، وهو بدوي شديد الولع بالبداوة، وهؤلاء أبناؤه ~~وأهله ووزراؤه وذوو اليسار من عشيرته، يقيمون في منى بمنازل توفر من الطمأنينة ما لا ~~توفر الخيام، وإن كانت البساطة كل البساطة ولم يكن فيها من الترف شيء، فمن الحق علينا ~~لكمال إيماننا أن نوفر مثل هذه الطمأنينة لكل من نستطيع أن نوفرها لهم ممن يفرضون الحج ~~ويجيئون إليه من أقصى الأرض. # عدت غداة يوم النحر من رجم الجمرة الوسطى ومعي صاحب يسألني عن رجم الجمار ما حكمته ~~وأية مثوبة فيه؟ وتمثل لي وأنا أسمع لقوله صاحب عرفات إذ يقول: إن مناسك الحج فروض ~~نؤديها ولا نعرف حكمتها، كما ذكرت ما يقوله أهل الحجاز من أنهم إنما يرجمون الشيطان ~~بالجمرات حتى لا يعود فيوسوس إليهم ليردهم إلى المعصية والإثم، لكن صاحبي لا يقتنع بهذا ~~القول ولا بذاك، وإنما يريد أن يعرف رأي المجددين من مفكري المسلمين، قلت له: إن ~~هؤلاء العلماء يرون في إلقاء الجمار إعلان المشيئة على طرح ما في النفس من زيف، وصدق ~~الإرادة لدوام طهرها بعد أن غفر الله بالحج ماضي حوباتها، وإشهاد ملأ المسلمين على ~~ذلك كله، قال صاحبي: «هذا كلام أدنى إلى تصور العقل، وإن يكن كلام أهل الحجاز أكثر ~~اتفاقا مع ما يقصه الرواة الأقدمون في بطون الكتب، لكني أحسب حكمة الله أبلغ من هذا ~~ومن ذاك.» # وتداولنا الحديث في الأمر، وانتهينا إلى رأي لعله أكثر اتفاقا مع ما جاء في القرآن ~~من حكمة الحج، فأول اجتماع للمسلمين في الحج بعرفات، وهم يومئذ يجتمعون محرمين ~~ملبين مستغفرين ربهم مستمعين إلى خطاب أمير المؤمنين أو من ينوب عنه، وفي ذلك كله ما ~~يشغلهم عن التعرف والتشاور ms102 وشهود المنفعة المشتركة التي تربطهم بعضهم ببعض؛ لذلك وجب ~~عليهم، متى أفاضوا من عرفات ونزلوا منى، أن يجتمعوا وأن يتعارفوا وأن يشهدوا منافع ~~لهم، واجتماع ألوفهم المؤلفة ساعات معدودة لا يحقق هذا الغرض؛ لذلك فرضت أيام النحر ~~الثلاثة ليحسنوا التعارف والتشاور وشهود المنافع، ولإتمام ذلك بما يتفق وروح الإسلام ~~وجلال موقف الحج سنت لهم مناسك يؤدونها إلى الله لتظل نفوسهم نقية وأرواحهم ~~طاهرة، وأي منسك خير من أن يشهدوا العقبة التي شهدها الرسول - عليه الصلاة والسلام، ~~وأن يلقوا بسواعدهم جمرات يعلنون بإلقائها أنهم على عهده في بيعة العقبة، ينفع بعضهم ~~بعضا، ويذود بعضهم عن عقيدة بعض، ويكفل الكل بذلك حرية العقيدة الإسلامية وحرية الدعوة ~~إليها، ويشهدون على أنفسهم إذ يلقونها أنهم على استعداد لإلقاء مثلها في وجه عدوهم ~~إذا حاول فتنتهم عن دينهم أو حاول إخضاعهم وقهرهم؟ # لعل هذا الرأي أدنى من غيره إلى روح الإسلام وحكمة الله فيه، فهذا الدين كله البأس ~~والقوة على الحياة، وكله النظام الذي يضاعف هذه القوة أضعافا مضاعفة، ولقد جمع الإسلام ~~بين النظام والحرية ما لم يجمع بينهما دين غيره، هو يصل بالحرية إلى غاية حدودها، ~~وبالنظام إلى غاية حدوده، فلا عبادة إلا لله، والأمير ورجل البادية سواسية في التزام ~~حدود الله، ومن يتعد منهم حدود الله فقد ارتكب إثما وبهتانا عظيما، هم في هذا سواء ~~وإن تفاوتوا في الثروة وفي الجاه وفي كل مظاهر هذه الحياة الدنيا، والحرية أعز ما يحب ~~الإنسان لنفسه، ويجب أن تكون أعز ما يحب لأخيه إذا أراد أن يكمل إيمانه. وحرية الفرد ~~ملاكها قوة الجماعة، ولا قوة لجماعة إلا بالنظام يبلغ من دقته أن يكون كنظام جسم الفرد ~~في تألف ذراته وفي اتساق عملها جميعا تمام الاتساق، كل اضطراب في هذا الاتساق يفسد ~~حياة الفرد ويجعله عرضة للأمراض والعلل، وكل اضطراب في نظام الجماعة يضعفها ويجعلها ~~عرضة لتسلط الغير عليها ولتحكمه فيها. # ومظهر النظام في الإسلام بالغ غاية الدقة من غير أن يجني مع ذلك على الحرية أو ms103 أن ~~يمسها، وهو يقوم على أساس من المساواة الصحيحة والتعاون الصادق ، ذلك شأنه في أركان ~~الإسلام جميعا، في صلاة الجماعة، وفي الصوم، وفي الحج، ومظهره في الحج أوضح جلالا ~~وأعمق في النفس أثرا، واجتماع المسلمين بمنى وإلقاؤهم الجمرات ختام شعائر الحج بعد ~~الوقوف بعرفة والطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة، أما وغاية الحج اشتراك ~~المسلمين من أقطار الأرض في التفاهم على منافعهم واشتراكهم في ذكر الله، فيجب لنجاح هذه ~~الغاية أن يبلغ نظامهم أثناء الحج غاية الدقة، ويجب لذلك أن يكون إلقاء الجمرات ~~والتعارف والتشاور خيرا مما هي اليوم نظاما. # والمسلمون يشعرون اليوم بواجبهم في تحقيق هذه الغاية أكثر مما كانوا يشعرون به من ~~قبل، دعا الشباب العربي السعودي ذوي المكانة من الذين جاءوا يؤدون فريضة الحج من أهل ~~الأمم المختلفة إلى اجتماع بمنى للتعارف والتشاور، وقد اجتمعنا في الموعد المضروب، ~~وجاء مجلسي بين هندي وتونسي، وبادل الداعون ضيوفهم التحيات، وأحدثوا بينهم من التعارف ~~ما يستطاع إحداثه في مثل هذه الحفلة، ثم دعوا بعضهم ليتحدثوا إليهم، وكم تمنيت لو كان ~~بين من يؤدون فريضة الحج من أهل المكانة والرأي والكلمة المسموعة في بلادهم من يحضر ~~مثل هذا الاجتماع؛ لتتم حكمة الحج؛ ولتكون مكة مقرا لعصبة الأمم الإسلامية تسمع كلمة ~~أهلها، ويكون لهم في العالم رأي معدود. لكن ذوي الكلمة المسموعة ممن حضروا لم يكونوا ~~يمثلون من العالم الإسلامي إلا أقله، ولم يكونوا يقصدون باجتماعهم إلى غاية وراء ~~الاجتماع؛ لذلك ضعف الرجاء في أثر ما ألقوا في هذا الاجتماع من أقوال لم تتعد الدعوة ~~العامة إلى إخاء المسلمين وتحابهم، ولو اجتمع ذوو الكلمة المسموعة لغاية يريدون تحقيقها ~~لكان لاجتماعهم أثر يدوي في العالم كله. # أزمعت الانصراف عن منى عصر اليوم الثالث من أيام النحر، ومررنا بالجمرات فرجمناها، ~~ثم أقلتنا السيارة تؤم مكة، واسترعى «حراء» نظرنا ساعة مررنا به، وأذكرني تحنث النبي ~~العربي فوقه، ونزول أول الوحي وأول الرسالة عليه بعد سنوات من تحنثه، فلما أويت إلى ~~الدار واشتملني مخدعي بها جعلت ms104 أفكر: لقد أتم الله لي فريضة الحج، وها أنا ذا الآن ~~بمكة مسقط رأس محمد، أفأغادرها إلى المدينة لأزور قبره ثم أعود إلى وطني؟! ... وأطرقت ~~هنيهة إذ تمثل لي حراء، وامتثلت محمدا فوقه في عزلته، ثم امتثلته يوم الوحي الأول ~~عائدا إلى خديجة يقول: «زملوني زملوني»، ولما تمثل لي في حياته كلها آليت على ~~نفسي أن أبقى لأسير حيث سار؛ ولأتبع خطواته قبل هجرته من مكة وبعد عوده إليها فاتحا، ~~علي أتزود من ذلك بما ينفعني قبل أوبتي إلى قومي، فإذا عدت إليهم عدت وفي يدي قبضة ~~من أثر الرسول. # الكتاب الثاني # | البلد الحرام # | مكة الحديثة # أشرت لماما إلى ما رأيت بمكة أول نزولي بها، وذكرت دار مضيفي ودار وزير المالية ~~وقصر الملك وصورة عمارتها، ولقد حاولت أن أجد فيها، وفي المنازل التي دعيت أثناء مقامي ~~بمكة لزيارتها، والمنازل التي نزلت بها بضواحي مكة، ما أستشف منه روح عصرنا الحاضر في ~~العمارة أو في نظام الحياة، فعدت من محاولتي مقتنعا بأن مكة القديمة الخالدة ما تزال ~~بريئة من هذا الروح، وإن لم يبق فيها كذلك شيء من الروح العربي القديم مما تحدثنا به ~~تواريخ مكة من عدة قرون. # وغاية ما يستشفه الإنسان من خلال الحياة في أم القرى اليوم، فذلك أن شبابها يصبو بكل ~~وجدانه إلى الحياة الحديثة، وأن هذه الصبوة لم تقم بنفسه إلا بعد أن انفصل الحجاز عن ~~دولة الخلافة بالثورة التي أعلنها الحسين بن علي، والتي يسمون ما تلاها عهد النهضة؛ ~~لذلك لم يبلغ الشباب من أمانيهم شيئا مذكورا، بل بقيت تمثل حياتها خليطا من حياة ~~البلاد الإسلامية المختلفة في المراتب البدائية من هذه الحياة، ولا عجب! فأهلها اليوم ~~هم على الحقيقة خليط من أبناء البلاد الإسلامية قصدوا المدينة المقدسة حاجين، ثم ~~جذبتهم قدسيتها فأقاموا بها، ومنهم من تيسرت له أسباب العيش، ومنهم من ظلوا يعتمدون في ~~عيشهم على الصدقات وعلى معاونة الحاجين في أداء الشعائر. # وصبوة شباب مكة للحياة الحديثة قوية آخذة بنفوسهم تدفعم إلى تتبع ms105 ما يكتب ويقال ~~عن هذه الحياة، وإلى التعلق بما يظنونه من صورها وأمثالها، ويبلغ اندفاع بعضهم في هذا ~~السبيل حدا يكاد ينكره ماضي البلد الحرام في العصور القريبة، بل يكاد ينكره حاضره ~~ممثلا في الجيل الذي تخطى الشباب إلى الكهولة، فهذا الجيل ما يزال يفكر تفكير الآباء: ~~يبالغ في تصوير الإسلام لله مبالغة تنعدم معها الإرادة الإنسانية، وينعدم معها الفكر ~~الإنساني، ولا يرى في غير ما قاله السلف شيئا يحترم أو يعار التفاتة، بل يرى في ~~العلوم والفنون الحديثة أفانين من لهو الخيال لا تتصل بالحق أي اتصال جدير بأن يثير ~~عناية الذهن. # كان الشيخ حافظ وهبة - ممثل الحكومة العربية السعودية لدى بلاط لندن الآن - مديرا ~~للتعليم بالحجاز إلى سنة 1930، وقد أراد أن يصلح التعليم بإدخال علوم الجغرافيا والرسم ~~واللغة الأجنبية في المدارس الابتدائية الموجودة دون سواها بالحجاز، لكن العلماء ~~وكبار المشايخ من أهل نجد ما لبثوا حين سمعوا بأمر هذا الإصلاح أن ثارت ثائرتهم واحتجوا ~~لدى الملك ابن السعود على هذا البدع المنكر، واتصل الشيخ حافظ بهم وحاول إقناعهم بأن لا ~~بدعة فيما صنع، فأجابوه بأنهم أبدوا للإمام عبد العزيز الحجج التي لا تنقض عما يترتب ~~على هذه العلوم من فساد، فالرسم هو التصوير وهو محرم قطعا، واللغات ذريعة للوقوف على ~~عقائد الكفار وعلومهم الفاسدة، وفي ذلك الخطر على الأخلاق والعقائد، وأما الجغرافيا ~~ففيها كروية الأرض ودورانها والكلام على النجوم والكواكب مما أخذ به علماء اليونان ~~وأنكره علماء السلف، ولقد استطاع الشيخ حافظ أن يتغلب على عناد كبار المشايخ، لا من ~~طريق إقناعهم، ولكن من طريق تأييد الملك إياه. # وهذا الذي يقول به علماء نجد هو ما يقول به أهل الحجاز ممن سوى الشباب، ولا عجب في ~~ذلك وقد بقي التعليم مهملا في بلاد العرب إلى عصرنا الحاضر، يقول الشيخ حافظ في كتابه ~~«جزيرة العرب في القرن العشرين»: # الأمية تكاد تكون سائدة في جزيرة العرب، وربما كانت أول محاولة لتثقيف العقول ~~والقضاء على شيء من الأمية كانت من جانب ms106 السيد محمد على زين الرضا في الحجاز، ~~فإنه في سنة 1326 هجرية وما بعدها قام بإنشاء مدرستين، إحداهما في جدة ~~والأخرى في مكة، ومع ما وضع في طريقه من العقبات وما أحيط به مشروعه من الشكوك ~~من الأتراك والأشراف، فإن هذه المدارس قد قامت بنصيب وافر في الحجاز، وربما ~~كانت الشبيبة الموجودة في الحجاز اليوم هي من غرس هذه المدارس، وإن كانت تسير ~~في التعليم على الطريقة القديمة العتيقة التي تعتمد على الحفظ لا على التفكير، ~~كانت المدارس الوحيدة في الحجاز، على أننا لا ننسى هنا بعض المعاهد التي أسسها ~~الهنود في مكة والمدينة، فإنها قامت أيضا بنصيب يذكر، وكل ما كان في الحجاز هو ~~حلقات الدروس في المسجد الحرام على نظام التدريس في الأزهر قديما، ولم يكن ~~العلماء يلمون إلا ببعض العلوم الشرعية واللغوية. # هذه الشبيبة التي يذكرها الشيخ حافظ هي التي تصبو بوجدانها للحياة الحديثة، ويتعلق ~~خيالها بما تظنه صورها وأمثالها، وشبيبة ذلك مبلغها من العلم لا تستطيع أن تحدث في ~~حياة بلد مقدس كمكة انقلابا في نوع العيش أو في تفكير أهله؛ لذلك ما يزال الأمر في ~~التفكير إلى الأقدمين، وإن كان النشاط العملي لهذه الشبيبة المتحركة المترامية المطامع ~~والآمال، والتفكير هو الذي يصوغ الأشياء على غراره، فبيتك الذي تقيم به، وغرفتك التي ~~تكتب فيها، ومكتبك وتنظيم الكتب عليه، كل ذلك مظهر من مظاهر تفكيرك، وتخطيط المدن ~~والعناية بالميادين فيها وتنظيم عمارتها هو كذلك مظهر لتفكير أهل المدينة، أما وتفكير ~~أهل مكة ما يزال محافظا على قديم لا هو بالعربي الصرف ولا هو بالإسلامي الصرف، ولكنه ~~خليط مما قدمنا، فإن عمارتها وطرقها ومسالكها هي كذلك من هذا النوع، لما يغزها ~~التغير ولما تعمل فيها أيدي التجديد والبناء. # ولو جازت المقارنة لعدت إلى كلمة الشيخ حافظ من أن التعليم في الحجاز كان على نظام ~~التدريس في الأزهر قديما، وحسبك أن ترجع إلى كتاب من كتب الأزهر القديمة وإلى نظام ~~وضعه لترى صورة الحياة بمكة حتى في التنظيم والعمارة، ms107 فأنت ترى المتن في كتب الأزهر ~~منثورا خلال الشرح محاطا بالحاشية وعليه إلى جانب ذلك التقرير، مما يجعل هذا وذاك ~~متداخلا بعضه في بعض وما لا يدع في فراغ الصحيفة بياضا قط، القراءة في هذه الكتب تطبع ~~التفكير بطابع صورتها، وتطبع الحياة بطابع هذه الصورة كذلك، وهذا ما لا تزال تراه بمكة، ~~وما كنت تراه إلى عصر قريب جدا في الأحياء المحيطة بالأزهر، وقد أزيل جانب عظيم من ~~هذه الأحياء في العهد الأخير من حياة مصر، لكنك إذ ترى ما بقي من آثار حين تخترق ~~الأحياء التي ما تزال باقية على حالها - كحي الكحكيين وما جاورها - ترى فيها الأثر ~~الواضح لهذا النوع من التفكير. # وإنما حدث هذا التجديد بالقاهرة وببعض مدن الشرق الإسلامي في عهود متأخرة، أما إلى ~~أوائل هذا القرن العشرين فقد كانت هذه المدن مخططة تخطيط مكة اليوم، ويسودها تفكير ~~كتفكير كهول مكة في هذا الزمن الحاضر، بل لقد كانت مكة أسبق إلى التقدم في كثير من ~~العصور في عمارتها وفي لون الحياة عند أهلها، وهي من أقدم مدن الأرض برواية التاريخ ~~الإسلامي، وقد ذكر أبو التاريخ «هيرودوتس» بيتها الذي تعظمه العرب، وهيرودوتس عاش بين ~~سنة 484 وسنة 425 قبل الميلاد، أي: منذ أكثر من ألفين وأربعمائة سنة، لكن بيتها المعظم ~~أحاطها بجلال جعل منها مثابة الرائح والغادي في كل العصور، وجعل أحدث ألوان التفكير ~~والحياة ترد إليها لا على أنها أجنبية عنها غازية إياها، بل على أنها مقبلة من إجلال ~~وإكبار إلى دار السلام مقر الحقيقة في أسمى صورها، وأكبر ظني أن يكون ذلك شأنها من ~~حياتنا الحديثة في زمن غير بعيد. # ولقد زارها الرحالة السويسري «بورخارت» الذي أعلن إسلامه وتسمى باسم الحاج عبد الله ~~في أوائل القرن التاسع عشر المسيحي - سنة 1815 - وكتب عنها طويلا في مؤلفه «جولات في ~~بلاد العرب»، ومراجعة ما كتبه تؤيد أنها كانت موضع تجديد دائم يتم في رفق وعلى هون، ولا ~~تبدو فيه مظاهر الثورة التي لا تتفق ومهابة البلد الحرام ms108 ووقاره، يقول «بورخارت» في ~~وصفه ما ترجمته: # الميدان العام الوحيد في قلب البلد هو مربع المسجد الفسيح، وليس ثمة أشجار أو ~~حدائق تبهج النظر، وإنما تدب الحياة إلى مكة أثناء الحج بما يملأ الحوانيت ~~الكثيرة المنتشرة في كل أنحائها من ألوان التجارة، وفيما خلا أربعة منازل أو ~~خمسة يملكها الشريف، ومدرستين صارتا مخازن للغلال، والمسجد بما حوله من المباني ~~والمدارس، فلا فخر لمكة بأية عمائر عامة تقوم بها، وربما كان نقصها في هذه ~~الناحية أشد وضوحا من مثله في أي بلد شرقي آخر في حجمها، فليس بها «خانات» ~~لنزول السائحين بها أو إيداع البضائع إياها، ولا ترى فيها قصورا للعظماء، ولا ~~مساجد كالتي تزين كل حي من أحياء بلاد الشرق الأخرى، وقد يكون السر في عدم ~~وجود عمارات فخمة بها تقديس أهلها معبدهم تقديسا يحول دون إقامة بناء يخشى ~~أن ينافسه. # وطريقة البناء عندهم شبيهة بطريقة البناء في جدة، مضافا إليها نوافذ مطلة ~~على الطريق يبرز الكثير منها من الجدار ويحيط به إطار متقن الحفر أو دقيق ~~التلوين، وتتدلى أمام النوافذ أستار من عيدان دقيقة تمنع الذباب والبعوض وتدخل ~~الهواء النقي، ولكل بيت سطح مرصوف بالحجر في ميل لطيف تنزلق عليه مياه المطر ~~إلى ميازيب تلقي بها في الطريق، فأمطار مكة ليست منتظمة السيلان، ولا يتيسر ~~لذلك جمع مياهها في خزانات، كما يفعلون في سوريا، وتحجب الأسطح عن الأبصار ~~بجدر قصيرة؛ ذلك لأنهم في الشرق يرون الظهور على السطح غير لائق بالرجل حتى لا ~~يتهم بالنظر إلى النساء في الدور المجاورة، فالنساء يقضين كثيرا من الوقت على ~~الأسطح مشتغلات بأعمال منزلية شتى، كتنشيف الغلال، أو تجفيف الملابس، وما إلى ~~ذلك. # وفيما خلا منزل السراة وذوي الرياسة تبنى منازل أهل مكة لراحة النازلين ~~بها، فتقسم إلى شقق في كل منها غرفة للجلوس ومطبخ لتكون صالحة لنزول الحاجين ~~بها. # والطرق كلها غير مرصوفة؛ ولذلك يشتد أذى الرمل والتراب صيفا، كما يشتد أذى ~~الوحل في الفصل المطير؛ إذ يتعذر المرور بها بعد نزول ms109 المطر، ويبقى ذلك شأنها ~~حتى يجف الماء منها، وربما عزي إقفار مكة من المباني القديمة إلى انهمار ~~السيول المخربة؛ فهي تنهمر بقوة وغزارة، وإن كانت أقصر أمدا من مثلها في ~~البلاد الحارة الأخرى، وقد أصاب المسجد نفسه من هذه الأمطار ما قضى بإصلاحه غير ~~مرة على عهود سلاطين مختلفين، حتى ليسمى لذلك بناء حديثا، أما المنازل فلا ~~أحسب أقدمها ترجع عمارته إلى أكثر من أربعة قرون، من ثم لن تكن مكة موضع بحث ~~السائح عن ألوان العمارة القديمة التي تسترعي النظر، أو عن بقايا المباني ~~العربية الجميلة مما يثير الإعجاب في سوريا ومصر وبلاد المغرب وأسبانيا، وإن ~~أصغر مدن سوريا ومصر لتستبق في هذا المضمار مكة القديمة الذائعة الصيت. # ومكة متأخرة من حيث نظام الشرطة المعروف في مدن الشرق: طرقها حالكة الظلام ~~في الليل لا يضاء بها مصباح، وأحياؤها لا أبواب لها، فهي بذلك تختلف عن أكثر ~~بلاد الشرق؛ إذ يقفل كل حي فيها بعناية تامة كل ليلة عقب الصلاة الأخيرة، ~~وتلقى بقايا منازلها في الطرقات لتصير ترابا أو وحلا يختلط بما فيها على ~~اختلاف فصول السنة. # والماء - وهو أهم ما يطلب الآسيويون وموضع سؤالهم الأول - ليس خيرا في مكة ~~منه في جدة، فالصهاريج التي تجمع مياه المطر قليلة جدا، ومياه الآبار غير ~~صالحة للشرب - وإن شربتها في موسم الحج طبقات الحجاج الدنيا - وبئر زمزم ~~المشهور بالمسجد الحرام تكفي بالفعل حاجات البلد، لكن مياهها عسيرة الهضم غير ~~مقبولة الطعم على قداستها، مع ذلك تمنع الطبقات الفقيرة من أن تنال منها ~~بغيتها، وخير ماء بمكة هو المجلوب من عرفات على ست ساعات أو سبع من البلد ~~الحرام، وهو مجلوب في مجار مبنية بالحجر لا تنظف، ولقد سمعت أن لها اليوم ~~خمسين سنة لم تمسها يد التطهير؛ وهذا ماء عين زبيدة. # هذا الوصف يرسم أمام الذهن صورة بلد شرقي في أوائل هذا القرن، ويدل بذلك على أن مكة ~~كانت دائمة التطور في حياتها إلى ما تتطور إليه المدن الإسلامية الأخرى، وما يذكره ms110 ~~الشيخ حافظ وهبة من تفشي الجهل بها، وما يصوره «بورخارت» منها منذ قرن وربع قرن ، لا ~~يردها عن مصاف البلاد الشرقية المتقدمة، على أن طابعها الخاص يجعل تطورها غير متأثر ~~بعقلية أهلها أو خاضع لتفكير ذاتي نستطيع أن نسميه التفكير العربي أو التفكير ~~المكي. # فمكة اليوم ليست بلدا عربيا، ولم تكن بلدا عربيا منذ زمان طويل مضى، إنما هي ~~كعبة المسلمين، فهي بلد الإسلام على اختلاف أجناس أهله ولغاتهم، وأنت تراها كذلك اليوم، ~~وكذلك رآها «البتانوني» ورآها «بورخارت» قبله، كما رآها كذلك كل الذين زاروها في حقب ~~الزمن المختلفة، وأنت إذا ذكرت أن الملك لم يبق عربيا صرفا بعد الأمويين، بل دخلت ~~العجمة بطانته منذ العباسيين، وتقلبت عليه من هذه العجمة الأشكال والألوان، أدركت السر ~~في أن يستدرج بلد المسلمين جميعا هذه الأشكال والألوان إليه، فإذا علمت أن أغنياء ~~المسلمين من مختلف الأصقاع يجرون الصدقات والأعطيات على كثيرين ممن يقيمون بمكة، وأن ~~منهم من يجريها على قوم بالذات من المغرب أو من الجاوة أو من الهند أو الأتراك أو ~~الأفغان أو التكارنة، لم يبق لديك موضع لعجب أن تجمع مكة شتيتا من هؤلاء جميعا، ترفع ~~الأقدار بعضهم إلى مكان الرياسة، وتمسك آخرين عن مجرى الأرزاق ليعيشوا من حسنات ~~المسلمين. # خرج الملك من مكة منذ فتحها النبي العربي، ولم يعد بعد ذلك إليها، وإن بقيت عاصمة ~~الحجاز من عهد الأمويين، فقد استأثرت المدينة بالسلطان من يوم فتح الرسول مكة إلى أن ~~انتهى عهد الخلفاء الراشدين، ثم انتقل الملك من بعد ذلك إلى دمشق وإلى بغداد وإلى ~~القاهرة وإلى الآستانة، واتصلت الخلافة بالملك في هذه البلاد جميعا، أما البلد ~~الأمين فقد انحلت عنه السلطة الزمنية، وإن بقي له بالبيت الحرام كل الجلال الروحي، ولما ~~قام الحسين بن علي الهاشمي فأعلن الثورة على الأتراك وانضم إلى الحلفاء في سنة 1915، ~~حاول أن يجعل من مكة عاصمة العرب لا عاصمة الحجاز وحده، فكان هذا بدء الخلاف بينه وبين ~~ابن السعود في نجد، وكان المقدمة التي ms111 انتهت إلى جلاء الحسين وأبنائه عن الحجاز، ~~واستئثار آل سعود بأمره، وكذلك عادت مكة عاصمة الحجاز وحده كما كانت منذ زمن ~~الأمويين. # وكانت مكة على حقب العصور ميدان صدام بين المذاهب الإسلامية التي تنازعت الملك، ~~وهي اليوم ميدان صدام بين المذهب الوهابي وسائر السنيين من المسلمين، فالنجديون ~~الحاكمون يتبعون مذهب ابن عبد الوهاب، وهو مذهب أحمد بن حنبل؛ وهم يتبعونه في شدة ~~وغلو كانا أوضح أثرا أول تسلطهم على الحجاز في سنة 1926، ويقر كثيرون بأن الوهابية ~~طهرت البلد الحرام من مفاسد كثيرة كانت تجري فيه. # يذكر «بورخارت» أنه رأى حوانيت قائمة بالمسعى بين الصفا والمروة تبيع الخمر، وإن كانت ~~لا تعرضها للبيع إلا ليلا، وكانت زمر المسلمين من أخلاط الأمم ترخي لشهواتها أعنتها، ~~فتشهد مكة من مختلف ألوانها ما لا يجتمع في بلد واحد، أما اليوم فلا شيء من ذلك فيها، ~~وإذا بلي أحدهم بشيء منه استتر، وإنما يشكو الناس من الإغراق في المنع، وإن كانوا ~~يعترفون بأنه خف اليوم، فلم يعد شيئا إلى جانب ما كان منذ سنوات، إذ كانت جماعات الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر من النجديين تطوف بأنحاء مكة فتردع وتزجر وتوقع العقاب ~~بالناس لما تراه هي منكرا، وإن لم يكن منكرا في رأي أكثر المسلمين، كان الرجل الذي لا ~~يرخي لحيته عرضة للأذى، وكان من يدخن معرضا من صرامة هذه الجماعات لما لا يحب ولا ~~يرضى، أما اليوم فقد بطل عمل هذه الجماعات وإن بقي أثره، وإن بقي من هذا الأثر أن صار ~~الناس يرون الكبيرة كبيرة حقا، تستحق الازدراء والتعزير لا التسامح والإغضاء. # على أية صورة تكون صبوة شباب مكة إلى الحياة الحديثة في هذه البيئة المحيطة بهم؟ وما ~~هي هذه الحياة الحديثة في نظرهم؟ أهي حياة الفكر الحر كما يصور الغرب الفكر الحر؟ أهي ~~حياة العلم والبحث العلمي كما نراها نحن في مصر أو كما يراها أهل أوروبا؟ أهي حياة ~~الصناعة وتسلطها على قوى الطبيعة وإخضاعها إياها لإرادة الإنسان؟ أم أنها ليست هذا ~~كله؛ ms112 لأن هذا كله لا يتفق وحياة مكة وتفكير أهلها وقدسية ما فيها، وإنما هي نوع آخر ~~أدنى إلى ما يسمونه أدب القوة وأكثر إيمانا بأن الأمم الأخلاق؟ الحقيقة أنك لا تستطيع ~~أن تعرف، وشباب مكة أنفسهم لا يعرفون أية ناحية من هذه الحياة الحديثة يأخذون؟ وأية ~~ناحية منها يدعون؟ # هم يرون بلادهم ضعيفة، ويرون لغيرهم السلطان عليها، ويرون من آثار مصر وما تنقله من ~~ثمرات الغرب الأدبية والعلمية ما يعجبهم؛ فهم يريدون أن تكون لهم مثل هذه الآثار؛ ~~ليكون لهم من الحياة حظ كهذا الحظ الذي يتصورونه منها لأهل مصر ولأهل الغرب، دون أن ~~يكون لذلك أثر لا تحمد مغبته في حياة مدينتهم، ومنهم من يتصور في محاكاة حياة الغرب ~~الوسيلة لذلك، ومنهم من يرى العلم وحده الوسيلة إليه، وهم بين هذا وذاك يعملون تاركين ~~للزمن أن ينضج من ثمرات عملهم ما يرجون أن تطمئن به نفوسهم، وأن يصل بهم إلى هذه ~~الحياة الحديثة التي يصبون إليها بوجدانهم. # تفضل غير واحد من رجال الحكم في مكة فدعانا إلى تناول الطعام عنده، وأفضل الطعام ~~عند أهل مكة اللحم والثريد، وهم يتناولونه عادة كما كان يتناوله أجدادنا، يسلق الضأن ~~أو يشوى ويثرد الثريد ويوضع في قصعة على خوان من تحته السماط، ثم يتناول كل من الثريد ~~واللحم بيده إلى شبعه، ولقد تناولت الطعام وإياهم على هذا النحو بعرفات ومكة وحيثما ~~ذهبت من بلاد العرب، وكنت أجد في ذلك من ذكر أيام الصبا الأول ما أسعد به، لكن أولئك ~~الذين تفضلوا بدعوتي مع من جاءوا مكة من المسلمين أولي المكانة لم يروا أن نأكل ~~وإياهم على طريقتهم، بل آثروا الطريقة الحديثة، طريقة الغرب، وما ألفه من ألوان الطعام ~~العديدة والصحاف التي يدور بها الخدم لينال كل منها لنفسه في صحنه، وليأكل بالشوكة ~~والسكين بدل أن يأكل بيده، وإنهم ليؤثرون اليوم أن يجلسوا على الكراسي بدل الجلوس على ~~المصاطب أو على السجادة فوق الأرض، وهم يرون في هذا من محاكاة المدنية ما يسر ضيوفهم ms113 ~~من ناحية، وما يقربهم من الحضارة الحديثة من ناحية أخرى. # كان ذلك شأننا حين تناولنا طعام العشاء عند الشيخ عبد الله السليمان الحمدان وزير ~~المالية، وعند السيد محمد سرور الصبان وكيل المواصلات والمشرف على حركة النقل ~~بالسيارات، على أنا كنا نعود بعد تناول الطعام إلى غرف الاستقبال الوثيرة وكلنا مرتدون ~~الملابس العربية، فننتقل بذلك من جو لا تتلاءم فيه هذه الملابس مع أدوات الطعام إلى ~~جو آخر أكثر انسجاما مع حياة العروبة، فغرف الاستقبال على ما بها من مقاعد وثيرة ~~تحتفظ بالطابع الشرقي القديم، ما خلا إضاءتها بالكهرباء المجلوبة إلى هذه المنازل دون ~~سواها من منازل مكة، ثم إنهم ليحرصون على عادة انتقلت إليهم مع النجديين هي التبخر ~~والاجتمار بالعود، فما تكاد غرفة الاستقبال تحتوي الناس حتى يدور عليهم الخدم بالشاي ~~وبالقهوة وبمجامر يحرق فيها عود ذكي الرائحة يستنشق كل عبقه ويحتبسه في أردانه تحت ~~المشلح وبينه وبين الصمادة، وأدوار القهوة والشاي والعود لا تكاد تنقطع ما بقي الناس ~~في سمرهم. # وقد دعينا إلى عشاء من هذا النوع بدار مضيفي أمين العاصمة الشيخ عباس قطان، وعلى أنه ~~كان عشاء على الطريقة الغربية في تقديم الألوان في الصحون، لقد رأينا يومئذ ما أعاد ~~إلى الذاكرة صورة ليلة من ليالي كتاب ألف ليلة وليلة، كمل عقد اجتماعنا قبل تناول ~~الطعام في بهو فسيح بالطابق الأعلى فوق البهو المجاور لغرفة نومي، والذي كنت أقضي به ~~الكثير من وقتي، وكان البهو مفروشا كله بالسجاد العجمي، وثير المقاعد، تضيئه ~~ثريات من الكهرباء ساطعة النور، فلما آن لنا أن ننتقل إلى الموائد ألفيناها مدت ~~في هواء الأسطح الطلق وقد أنارتها ثريات الكهرباء القائمة بين الفاكهة وصحاف الحلوى، ~~ولما طعمنا هبطنا إلى الإيوان الذي أويت إليه أتقي المطر يوم أزمعت الصعود إلى عرفات، ~~لكنه أضيء ليلة هذا العشاء على طريقة جعلته جديرا ببعض ليالي هارون الرشيد، لولا أننا ~~لم تغننا القيان، ولم يدر علينا فيه غير الشاي والقهوة ومباخر العود، ولقد قرأ ~~القرآن حجازي بإيقاع غير مألوف ms114 في مصر، غير أن الإيقاع المصري في القراءة قد طغى حتى ~~على أهل الحجاز، فصار قارئوهم يتأثرونه وينحون نحوه. # هذا الجمع بين طريقة الطعام في الغرب وبين الحياة الشرقية الأصيلة هي صورة هذه الصبوة ~~في نفس الشباب المكي إلى الحياة الحديثة، فهم يرغبون في اجتناء ثمراتها، لكنهم يرغبون ~~في ذلك على استحياء، ومع الحرص أشد الحرص على طابع البلد الأمين وتقاليده، وهم يعجبون ~~بالأدب الحديث ويأخذون بحظ منه في صحافتهم، لكنهم يقفون منه عند بعض الصور، فأما ~~الروح في أعماقها فعربية أدنى إلى البداوة المحيطة بهم؛ ولذلك تذر أعمق الأثر حتى في ~~نفوس من نزحوا إلى مكة من غير العرب الذين أقاموا بها وأصبحوا فيها بعيدين كل البعد عن ~~موطنهم الأصلي، وهم يفكرون في نظام سياسي كهذه النظم الديمقراطية التي نقلها الشرق ~~عن الغرب ولما «تتأقلم» فيه، لكن تفكيرهم لا يخرج بهم عن حدود أهل الرأي ومن تكون منهم ~~الشورى - كما كانت في العهد الأول للمسلمين - وهم يودون لو تكون لهم حياة اقتصادية ~~كحياة غيرهم من الأمم، لكنهم لا يتصورون هذه المذاهب الاقتصادية السائدة في الغرب، ~~التي تتنافى في جوهرها مع الفكرة الإسلامية الاقتصادية؛ وهم لذلك ما يزالون يقفون من ~~تعلقهم بالحياة الحديثة عند نقد ما هم عليه في بلادهم، دون أن يتصوروا اللون الجديد ~~للحياة التي توائم مزاجهم والتي لا ينكرها تفكيرهم. # ذلك ما بدا لي واضحا أثناء الأحاديث الكثيرة التي دارت بيني وبين شبان مكة الذين ~~شرفوني بزيارتهم منذ اليوم الأول لنزولي بينهم، والذين ما فتئوا يزورونني طول ~~إقامتي ببلدهم، إنهم جميعا يشعرون بحاجة بلادهم إلى التعليم، وهم يتحدثون في ذلك بلهجة ~~صادقة، ويصلون منه في بعض الأحايين إلى عيب الحكومة بأنها تنفق الطائل من الأموال على ~~السيارات واقتنائها وإصلاحها في حين تضن بالتعليم وما يجب أن ينفق عليه، لكنك إذ تسألهم ~~عن نوع التعليم الذي يرونه صالحا لذويهم وأبنائهم وعن الفكرة التي يجب أن يقوم هذا ~~التعليم على أساسها، تراهم يضطربون ولا يكادون يحيرون جوابا، قد يكون ms115 ذلك راجعا إلى ~~تأخر العلم عندهم، وإلى أن الحظ الذي نالوه منه لا يكفي لإبداء الرأي في مثل هذه ~~المسألة العويصة، لكن ثمة أمرا آخر يزيد في حيرتهم، ذلك تعلقهم بمكانة مكة ~~المقدسة وحرصهم عليها، فكل علم يزيد هذه المكانة سموا محبب إليهم، وكل علم لا ~~يجعل منها موضع عنايته كلها، أو لا يضعها في المكان السامي، أو يراها أمرا لا يدخل في ~~نطاق العلم، مزهود فيه مرغوب عنه، فإذا حدثتهم في حرية العلم وفي حرية الأدب رأوا ذلك ~~أدخل في باب الجدل النظري ورأوه لذلك لا غناء فيه. # قد يكون غلوا مطالبة شباب مكة بتصوير الحياة الجديدة التي يصبون إليها صورة واضحة ~~الحدود، وحظ بلادهم من العلم ما رأيت، بل إننا في مصر وفي بلاد الشرق العربي المختلفة ~~ما نزال في دور النقد لم نتعده إلى دور التصوير والتصميم، على ما اتصلنا بالغرب وما ~~وقفنا على علمه وأدبه، لكننا خطونا بحكم الحوادث خطوات إيجابية لا تعاون أحوال مكة، ولا ~~أحوال الحجاز على مثلها، ومما دفعنا إلى هذه الخطوات وجود الأجانب بيننا وتمتعهم مدى ~~أزمان طويلة بامتيازات طوعت لهم أن يعيشوا كما يعيشون في بلادهم، لا يغير أحدهم ~~زيه ولا طريقة طعامه أو حياته في شيء، كما طوعت لهم إنشاء مدارس تنشر بيننا ثقافتهم ~~وتعليمهم، ومن ذلك نفوذ الدول الأجنبية الذي تغلغل في الولايات العثمانية المختلفة - ~~خلا البلاد المقدسة - منذ زمان بعيد، فقد ظلت مكة وداخلية بلاد العرب - وما تزال - ~~حراما على غير المسلمين، والأجانب الذين يريدون دخولها يضطرون قبل حضورهم إلى معقل ~~الإسلام أن يظهروا إسلامهم وأن يدرسوا العربية، وأن يتقنوا التزيي بلباس العرب والعيش ~~على مثالهم، فإن لم يفعلوا لم يكن اجتيازهم الساحل إلى داخل البلاد ميسورا، وإن فعلوا ~~حرصوا على إخفاء طواياهم ومظاهرهم ما استطاعوا؛ ومن ثم لم يكن لوجودهم بين العرب أثر ~~المثل الذي يحتذى، فيحدث احتذاؤه النتائج الإيجابية التي حدثت في مصر والشرق. # وقد صدت هذه الأسباب عن هجرة الأجانب إلى شبه الجزيرة، كما صد ms116 عنها قلة الأمل في ~~الربح المادي بسبب شدة الأحوال الاقتصادية بمكة والحجاز كله، والذين غامروا في اجتياز ~~هذه البلاد من أبناء الغرب قليل عددهم حتى ليحصون فردا فردا، وينظر إليهم نظرة ~~إعجاب لمغامرتهم، ولقد رأيت بضعة رجال منهم أثناء مقامي بمكة. # وأكثر هؤلاء ذيوع صوت بين الناس الحاج عبد الله «فلبي» كما يعرفه المسلمون، أو «سنت ~~جون فلبي» كما يعرفه الإنكليز، وقد سعيت إلى معرفته ولقيته غير مرة، لقيته مرتين أو ~~ثلاثا في التكية المصرية، وزرته مرة في بيته، وهناك أهدى إلي خرائط من صنعه عن ~~الطريق من مكة إلى الطائف وإلى المدينة. # وهو رجل عجيب على ما يصفه أبناء وطنه، فهو يعيش عيش البدو من النجديين ويحتمل ~~احتمالهم، طعامه كطعامهم، وسكنه كسكنهم، وهو موضع الثقة عند الملك ابن السعود، كما أنه ~~شديد الملازمة لمجلسه، ولقد جاس خلال شبه الجزيرة من كل أطرافها ونواحيها، ووضع لها ~~الخرائط ووصفها أدق الوصف، وكتابه «الربع الخالي» يصف شيئا من مجهوده الشاق في ~~ارتياد الصحاري، ومن عمله الدقيق في وضع الخرائط المفصلة التي تطبعها له وزارة الحربية ~~البريطانية، لكن حياته العلمية حياة عزلة تامة، فالبدو الذين يصحبونه في رحلاته لا ~~يفهمون من أعماله شيئا، وهو لا يطالعهم بشيء من هذه الأعمال التي لا يفهمونها وإن ~~اهتدى بهم في كل ما يحققه منها؛ لهذا، ولأنه يعيش عيش البدو، لا يوحي وجوده في بلاد ~~العرب إلى أهلها جديدا في تصورهم للحياة الجديدة التي يصبون إليها، ذلك شأنه وشأن ~~غيره من الأجانب الذين تثير بلاد البداوة خيالهم وتدعوهم للإقامة بها ما أطاقوا هذه ~~الأقامة. # هذه كانت حالة الرحالين الغربيين في بلاد العرب منذ قرون مضت، وإن بعضهم ليظن أنها ~~وشيكة أن تتغير فيما سوى المدينتين المقدستين مكة والمدينة، بعد أن أعطت الحكومة ~~العربية السعودية امتياز استخراج الذهب إلى شركة «توتشل» الإنكليزية الأمريكية، وامتياز ~~استخراج البترول من الأحساء إلى شركة أجنبية أخرى، فإذا تغيرت أسرعت الحياة الغربية إلى ~~البلاد العربية، ويذهب القائلون بهذا الرأي إلى أن غزو الحضارة ms117 الأوروبية الشرق إنما ~~تم عن طريق الصناعة والتجارة، وعن طريق التدخل السلمي أكثر مما تم عن طريق الفتح ~~الحربي والغزو بقوة السلاح، والهند التي تحرص بريطانيا اليوم أشد الحرص عليها باعتبارها ~~أكبر مستعمرة للتاج البريطاني، إنما بدأ غزو بريطانيا إياها من هذا الطريق حين تألفت ~~بها شركة الهند الشرقية، وقد اهتدت شركة «توتشل» إلى مهد الذهب في بلاد العرب على ثماني ~~ساعات من المدينة المنورة، وهي تمهد الآن طرق تصديره إلى الخارج. # فإذا لم يكن في استقرار هذه الشركة وفي قيام شركات مثلها ما يثير المخاوف أن يصيب ~~بلاد العرب ما أصاب الهند، فأيسر ما فيه تمهيد لتغلغل الحضارة الغربية من ناحيتها ~~الصناعية، ومن ناحية ظواهر العيش والحياة في هذه البلاد التي ظلت محتفظة حتى اليوم ~~بطابعها العربي، ولا عجب يومئذ أن نرى هذا اللباس العربي يتوارى ليحل الزي الغربي ~~محله، وأن نرى لون الحياة العربية الذي يوحي الطمأنينة إلى زائري البلاد المقدسة ~~جميعا من المسلمين يحول إلى لون غربي، شأنه فيها شأنه في مصر وغير مصر من بلاد الشرق، ~~وهنالك يسرع التجدد إلى مكة، وتصبح جديرة باسم مكة الحديثة حقا، ويومئذ يعود شباب ~~مكة يفكرون: أسعدوا وسعدت مدينتهم بهذا التغيير الذي تصبو اليوم إليه نفوسهم؟ أم ~~أن بلادهم فقدت به طابعها السحري، كما فقدت بوسائل النقل الحديثة شيئا كثيرا من ~~روعتها الشعرية؟ # وعلى رغم بقاء الأجانب إلى اليوم مبعدين عن بلاد العرب - خلا مدن الشاطئ - لقد ~~تحولت أسباب المواصلات فيها بقدر عظيم من الجمل؛ سفينة الصحراء، إلى السيارات ~~بأنواعها المختلفة، ومن البريد إلى البرق وإلى التليفون وإلى آخر محدثات الصناعة، ~~والسيارة سريعة مريحة عظيمة الفائدة في إنجاز الأعمال، وقد أفادت أمانة العاصمة منها أن ~~اتخذتها وسيلة الكنس والرش وإطفاء الحريق، وأن اقتنت سيارات لهذه الأغراض التي لم تكن ~~تعتبر ذات بال من قبل، لكن السيارة هدامة لوحي الصحراء مضيعة لشعر البادية، وأنى ~~لراكبها أن يتأمل البادية وما فيها وهي تقطعها في لمح البصر؟! فما يكاد البصر يستقر ~~منها على ms118 شيء يتأمله. # والبرق والتليفون شأنهما في ذلك شأن السيارة، لا يدعان للذهن أن يستقر، ولا للخيال أن ~~يفتن في التعبير لمن نكتب إليهم عن عواطفنا وآمالنا وآلامنا، ولقد كان من العرب من ~~يرغب عن هذه الوسائل أول دخولها بلاد العرب، وكان منهم من يراها حراما، أما اليوم ~~فقد ألفوها، وصار بعضهم يستغني بها عما ألف من الوسائل من قبل، ولهذا - لا ريب ~~- أثره في التفكير، وله عند شباب مكة من الدلالة على عدم صلاح أسباب الحياة القديمة ~~لهذا العصر الحاضر ما يجعلهم أشد صبوة إلى الحديث في كل شيء، لكن هذا كله لم يصل بعد ~~من موضع التفكير إلى تصوير الحياة صورة غير التي عرفوها عن السلف؛ بل هو يجاور هذه ~~الصورة في الذهن العربي جوارا يتعذر على الإنسان أن يتنبأ بآثاره. # وتجارة الغرب ذات رواج اليوم في أسواق مكة، فلا يكاد الإنسان يجد من صناعة مكة أو ~~صناعة بلاد العرب فيها شيئا، وإذا قلت: الغرب قلت: اليابان أيضا، فالمصنوعات ~~اليابانية منتشرة بأثمان زهيدة تدعو إلى أشد الرغبة فيها، ولقد بلغ من حذق الصناعة أن ~~صارت اليابان وصار الغرب يبعث إلى مكة بالأشياء التي يبتاعها المسلمون للتبرك بها على ~~أنها من البلد الأمين، فالسبح والعطور تصدر من مصر مصنوعة في خان الخليلي والتربيعة، ~~خلا ما يصنع من مرجان إيطاليا، والمباخر ورشاشات العطر والمكاتل تصنع في الخارج، ~~وقل منها ما يصنع في بلاد العرب، وهذا كله تجده في سوق المسعى بين الصفا والمروة، ~~وتجده في السويقة - أو السوق الصغيرة كما يسمونها - معروضا مع الأقمشة المختلفة، ~~يقبل عليه المسلمون من شتى أقطار الأرض ويصيبون منه ما يعودون به إلى أهلهم في هذه ~~الأقطار؛ ليكون عندهم بركة يحافظون عليها ويحتفظون بها. # ولا تختلف مكة الحديثة في استيراد تجارتها من الخارج عن مكة القديمة العربية الصميمة، ~~وقد كانت مكانة مكة التجارية قبيل الإسلام وفي عهده الأول عدل مكانتها الدينية، ~~وكانت ملتقى تجارة الغرب والشرق، وإنما الفرق بين يوم مكة وأمسها أنها كانت أمس طريق ms119 ~~التجارة، فكان أهلها يذهبون في رحلة الشتاء إلى اليمن يجيئون منها ببضاعة الجنوب ~~ليتجروا بها في الشمال، وبتجارة الشرق ينقلونها في رحلة الصيف إلى الغرب وإلى الشام ~~يصرفون فيها ما جاءوا به من اليمن ويجيئون بألوان أخرى من التجارة مكانه. # أما اليوم فالتجارة تجيء إلى مكة وتوزع على الحجاج في أسواقها من غير أن يكون لمكة ~~في ذلك أي نشاط إيجابي؛ بل تنقل البواخر التجارة من أقصى الأرض من اليابان أو أوروبا ~~إلى جدة، وتنقلها السيارات من جدة إلى مكة ليتولى أهل مكة بيعها للذين فرضوا حج بيت ~~الله الحرام بربح هو مصدر حياة أهلها، إلى جانب ما يتبرع به المحسنون للبلد الحرام من ~~أرزاق، وقد أصبح الكثير من مواد التغذية نفسها، كالفاكهة والأطعمة المصنوعة - من ~~«بسكويت» وجبن وما إليها - يرد إلى مكة من الخارج كما يرد غيره من البضائع، أما ~~المواد الطازجة فترد من وادي فاطمة ومن الطائف. # وهؤلاء الألوف وعشرات الألوف من المسلمين الذين يفرضون الحج إلى البيت كل عام هم ~~اليوم - كما كانوا في كل عصر - عامل التطور في مكة نحو حياة العصر، فهم يجيئون إليها ~~ويقيمون بها زمنا ليس بالقليل، ولهم عقائد وعادات يراها أهل مكة ويدرسونها بعناية ~~فطرية ليجيبوا مطالب هؤلاء الغرباء؛ وليكفلوا لهم خير قسط من الراحة يحبب إليهم ~~الإنفاق، ويجعل منهم بعد عودهم إلى بلادهم دعاية صالحة لمكة وحج بيت الله فيها، ومما ~~لوحظ في السنين الأخيرة أن عددا من أثرياء المسلمين وأولي الرأي فيهم يقصدون إلى الحج ~~أكثر مما كان يفعل أمثالهم من قبل، وأنهم يلتقون بأهل مكة وبأولي الأمر في الحجاز ~~ويبدون لهم من العناية الواجبة على العالم الإسلامي كله بالأماكن المقدسة ما يزيد أهل ~~مكة وذويها تفكيرا في التماس أسباب الراحة لهؤلاء الأثرياء وأولي الرأي. # ولقد كان من ذلك أن فكرت الحكومة الحاضرة في إنشاء حي بضاحية الشهداء من ضواحي مكة ~~تراعى فيه حاجات الحياة الحديثة في النظام الصحي والماء والإنارة تشجيعا لأمثالهم على ~~الحج؛ ذلك بأن الأماكن الصالحة لنزولهم ms120 بمكة قليلة جدا، والكثيرون منهم يلقون أشد ~~العنت في توفير المسكن الصالح لهم، فإذا نظمت لهم ضاحية مهيأة بأسباب العيش الذي ~~ألفوا كان ذلك خير دعاية لأم القرى، وكان خطوة فسيحة نحو التطور إلى حياة العصر، وفي ~~سبيل التقريب بين المسلمين ذوي الرأي من أهل البلاد المختلفة. # يدل على ما لهذه المنشآت من فضل التطور ما كان للتكية المصرية بمكة، وما يزال لها من ~~أثر في حياتها، والتكية من الآثار الجليلة التي أنشأها محمد علي الكبير جد الأسرة ~~المالكة بمصر بعد أن استقر له الأمر بالحجاز، وقد بقيت التكية على عمارته في سنة 1238 ~~هجرية حتى جددها الخديو عباس حلمي الثاني سنة 1319 هجرية، وهي تقع بشارع أجياد من ~~شوارع مكة، ويقابل بابها باب المسجد الحرام الذي سمي باسم باب التكية لشهرتها، وكانت ~~تجرى فيها الأرزاق على الفقراء فيما مضى، فكانت تطعم في أشهر الحج نحو أربعة آلاف منهم ~~كل يوم، وكانت تطعم أربعمائة فقير كل يوم في غير أشهر الحج، لكن الخلاف الذي حدث بين ~~مصر والحكومة العربية بعد دخول الوهابيين مكة في سنة 1926، وما أدى هذا الخلاف إليه من ~~انقطاع سفر المحمل ومن حبس أوقاف الحرمين، حال دون استمرار التكية في إجراء هذه ~~الأرزاق، وأكبر الظن أن يعود الأمر إلى نظام جديد بعد أن استتبت العلاقات المصرية ~~الحجازية من جديد. # لكن الذي لا ريب فيه أن وجود التكية المصرية في مكة منذ أكثر من قرن من الزمان كان له ~~أثره في تطور الحياة في مكة، فالتكية لا يقف أمرها عند هذه الأرزاق وصرفها، بل إن بها ~~طبيبا يعالج المرضى الذين يقصدون إليه أيا كانت جنسيتهم ويصرف لهم الدواء من عنده، ~~ولعل ما قامت وتقوم به التكية من ذلك كان أول ما عرفه أهل مكة وأهل بلاد العرب بوجه ~~عام عن العلاج بالطريقة الحديثة، بعد أن كان العرب لا يعرفون من وسائل العلاج إلا ما ~~يعرفه أهل البادية، وبعد أن كانوا يؤمنون بأن آخر الداء العياء الكي ... هذا إلى ms121 أن ~~التكية صورة من الحياة المصرية بمكة، إليها يقصد المصريون جميعا أثناء أشهر الحج، فهي ~~بهذه المثابة مثل يشهد العرب ما يجري في بلاد أقرب منهم إلى الحضارة وأعظم اتصالا ~~بها. # ثم إن أهل مكة أنفسهم، ورجال الحكم في بلاد العرب جميعا، يتصلون اليوم بالبلاد ~~الإسلامية المختلفة، بعد أن يسرت أسباب المواصلات الحديثة سبل الانتقال وقربت بين ~~أجزاء العالم، مما يجعلهم أكثر استعدادا لقبول التجديد في مدينتهم، وإن منهم من يزور ~~أوروبا، ويقف على أساليب الحياة فيها، هذا إلى أن كثيرين من موظفي الحكومة العربية ~~ينتسبون إلى مصر وإلى سوريا وإلى بلاد إسلامية شتى، صحيح أن الماضي يحول دون الطفرة ~~في دعوة هؤلاء إلى الإصلاح كما تحول الأحوال الاقتصادية دونها، لكن هذا العامل له ~~قيمته - لا ريب - في تجديد صورة الحياة بمكة، وله أثره في تفكير الشباب من ~~أبنائها. # وهذا الماضي الذي يثقل خطا دعاة الإصلاح يجد في ناحية من نواحي الحياة بمكة ما يشد ~~من أزره إزاء المحاولات التي تبذل للتغلب عليه، هذه الناحية هي التفكير القديم الذي ~~أشرت في أول هذا الفصل إليه، والذي يجعل فكرة التوكل قائمة على التواكل والكسل وعدم ~~السعي في الحياة والقناعة في الرزق بما يجيء من غير مشقة أو عمل، وإن ألوفا وعشرات ~~الألوف من المقيمين بمكة ليرون حقا لهم أن يعيشوا من الصدقات التي تجرى عليهم، ولا ~~يفكر أحدهم في مزاولة عمل يقيم أوده وأود أهله. # وهذا الروح هو الذي يجعل التسول منتشرا بمكة، وخاصة أثناء الحج، انتشارا مروعا، ~~فأنت كلما ذهبت إلى المسجد الحرام للصلاة وجدت على كل باب من أبوابه الكثيرة العدد - ~~وهي تبلغ ستة وعشرين بابا - عشرات من الصبية والنساء يتكففون الناس ويسألونهم إلحافا، ~~ويرى كثيرون من الحجاج، وكثيرات منهم بنوع أخص، فرضا عليهم أن يعطوا هؤلاء، فهم ينفقون ~~في ذلك العطاء الرخيص الشيء الكثير مؤمنين بأنهم يعطون الفقير مما أعطاهم الله من فضله، ~~فلهم مثوبة ذلك عند ربهم، وكثيرون من هؤلاء المتسولين أقوياء البنية، أصحاء الأجسام، ~~قادرون على ms122 العمل، وكثيرا ما رأيت منهم من لو وجد في أحياء القاهرة أو في أرياف مصر ~~لأنذر بالتشرد ولشددت الشرطة عليه الخناق، لكنهم في المدينة الإسلامية المقدسة ~~يجدون عطفا عليهم من حجاج المسلمين، وتسامحا معهم من جانب الحكومة. # ولعلك لو سألت في ذلك لقيل: إنهم من ذرية إسماعيل، وإنهم تنطبق عليهم الآية: # ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي ~~زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل ~~أفئدة من الناس تهوي إليهم ~~، وإن ما يبذله الناس من هذه ~~الصدقات إنما هو هذا الهوي من أفئدة الناس إلى ساكني البلد الأمين، هذا وإن لم يكن ~~بين سكان البلد الحرام من ذرية إسماعيل اليوم إلا القليل، أما الأكثرون فخليط من أبناء ~~البلاد الإسلامية في آسيا وإفريقيا. # ولقد ذكرني مشهد هؤلاء المتسولين بما تقرره مذاهب عصرنا الحاضر من حق العمل للأفراد ~~كي يعيشوا منه، وذكرت دعوة القرآن الناس ليمشوا في مناكب الأرض ويأكلوا من رزق الله، ~~وحاولت أن أجد مسوغا لانتشار التسول بمكة، فلم أجده إلا في سوء التأويل للفكرة ~~الإسلامية، ذهبت إليه طائفة أرادت استغلال العواطف لفائدة قوم كسالى لا يعملون، وهم على ~~العمل قادرون، وهذا التأويل الفاسد لا يقره مذهب سليم، فالدعوة الإسلامية أساسها ~~العمل في الحياة والجهاد للرزق فيها، ولقد كان المسلمون الأولون من أهل مكة من أكثر ~~الناس سعيا ودأبا، فلما هاجروا مع الرسول إلى المدينة وأراد الأنصار أن يشاطروهم ~~أموالهم أبوا ذلك على أنفسهم - على رغم حاجتهم إليه - وذهب يعمل في التجارة منهم من ~~تؤهله مواهبه للتجارة، ويعمل في الزراعة من يفضل العمل في الزراعة، ولم تكن الأرزاق ~~يومئذ تجرى إلا على العاجزين عن الكسب، شأنهم في ذلك شأن أمثالهم اليوم، في أرقى ~~الأمم حضارة، فأما القادر على الكسب فلا حق له في الحياة ما لم يعمل، والعمل للقادر ~~عليه عبادة لها مثوبتها عند الله، ولها كرامتها واحترامها عند الناس. # ولو أن الألوف التي تعيش اليوم بمكة من الصدقات زاولت من الأعمال ما تستطيعه لتغير ~~وجه الحياة في ms123 مكة، ولو أن ما يخرجه المسلمون من مالهم صدقات للمتسولين جمع وأنفق في ~~أعمال يقوم على استغلالها هؤلاء لكان أعود عليهم وعلى مكة بالفائدة، ثم لتغيرت هذه ~~العقلية المريضة، عقلية التواكل والكسل المزري العجيب، ولتغير تبعا لذلك تفكير الناس ~~تغيرا يدفع مكة إلى ناحية الحياة الحديثة، لست أجهل ما في ذلك التغير من عسر وأهل ~~مكة لا تجمع بينهم رابطة الجنس، ولهذه الرابطة أثرها القوي في تكوين الحياة ~~القومية. # ولقد كنت أتحدث يوما إلى مكي صميم في حرب الأشراف النجديين، وكنا نفرض الأسباب ~~التي أدت إلى دخول الإخوان مكة من الطائف موفورين، ومما اتفقنا عليه من هذه الأسباب ~~تكوين أهل مكة من خليط من أجناس المسلمين في أنحاء الأرض جميعا، فماذا يعني المغربي أو ~~الجاوي أو الأفغاني أو الهندي أن يكون حاكمه عربيا قرشيا أو بدويا نجديا ما دام ~~هذا وذاك مسلما، وما دام كل منهما يدع له من أسباب الرزق بلا سعي ولا عمل ما اعتاد ~~منذ قرون خلت؟ أما وذلك شأنه فليس يعنيه أن يشترك في نزاع على حكم مكة أو حكم الحجاز، ~~وليس يصيبه من تغيير الحاكم خير ولا أذى، ولو أن أهل مكة كانت تجمع بينهم رابطة الجنس ~~لتغير وجه تفكيرهم في الدفاع عن مدينتهم، ولرأوا هذا الدفاع واجبا عليهم متصلا ~~بكرامتهم؛ لأنه الدفاع عن الوطن، ثم لرأوا على كل فرد من أبناء الوطن أن يعمل لخير ~~الوطن، وألا يعيش عالة عليه ما دام قادرا على العمل. # ولقد أدركت الحكومات العثمانية هذا السر في الماضي فلم تعمل لتغيير عقلية التواكل ~~في مكة وفي الحجاز كله، بل عملت على تثبيت قواعدها وتعميق جذورها بإجراء الأرزاق على ~~هؤلاء الأغراب الذين نزحوا إلى مكة واستوطنوها، وتشجيع ذوي اليسار على حبس الأوقاف ~~لإجرائها عليهم، بذلك توطد روح التواكل والقعود بالبلد الحرام، وانتشر منه إلى ما حوله ~~من بلاد الحجاز، وبذلك تعذر القيام فيه بأي حظ من الإصلاح، فإذا فكر أحد في إصلاح ~~شوه مقصده، ونعت بأنه يريد إخراج الناس من ms124 طمأنينتهم السعيدة التي أرادها الله لهم، ~~والزج بهم إلى حظيرة العمل الشاق والأفكار الضارة المارقة. # لست أقصد مما سبق إلى أن الطبيعة قضت ببقاء فكرة التواكل سائدة أهل البلد الأمين ~~ممتدة منهم إلى ربوع البلاد العربية المختلفة، وإنما أقصد إلى أن التغيير لا يتم ~~سراعا كما يتم في بلد تربط وحدة الجنس بين أبنائه، لكن تمامه أمر لا مفر منه، كما ~~أسلفت؛ لتزايد أسباب الاتصال بين بلاد العرب والعالم الخارجي، هذا الاتصال يسرع بألوان ~~التفكير الحديث إلى مكة على أيدي المسلمين الذين يحجون البيت من مختلف الأقطار، كما ~~يسرع به إليها ما بين الحكومة العربية والحكومات الإسلامية الأخرى من أسباب ~~التفاهم. # ومن أسباب الانهيار في تفكير التواكل ما تم الاتفاق عليه بين حكومة مصر والحكومة ~~العربية السعودية في أمر الأرزاق التي تجرى من مصر إلى الحجاز غلة لأوقاف الحرمين، وفي ~~أمر الأموال التي ترسلها حكومة مصر إلى الحجاز، فقد كانت هذه الأرزاق والأموال توزع ~~فيما قبل الاتفاق صدقات ضئيلة القيمة على أهل مكة وعلى أهل المدينة، أما بعد الاتفاق ~~الذي تم عام 1936 فقد أصبحت هذه الأرزاق تجمع لتنفق في أعمال ذات فائدة عامة، كتعبيد ~~الطرق، وتعمير المنشآت الإسلامية في البلاد المقدسة، وقد كان الناس هناك يكتفون ~~بالصدقات عن مزاولة الأعمال لإقامة حياتهم، فإذا انقطعت هذه الصدقات أو قلت فصارت لا ~~تكفي حاجات العيش، اضطر أهل البلاد للعمل، وحلوا بذلك محل العمال المصريين وغير ~~المصريين ممن يجاء بهم لإتمام هذه الأعمال. # وسيكون الاتفاق الذي تم بين مصر والحكومة العربية مثلا لغير مصر من الأمم ~~الإسلامية التي تجري الأرزاق إلى الأماكن الإسلامية المقدسة؛ ومن ثم لا يبقى أمام هؤلاء ~~الكسالى إلا أن يعملوا، غير مكتفين بما يصلهم من صدقات الحجاج، وأغلب ظني أن الحكومة ~~العربية ستنظم هذه الصدقات كذلك وتضرب على أيدي المتسولين، وتعمل جهدها للقضاء على ~~حالة محزنة تثير اليوم إشفاق الكثيرين، ولكنها تثير إلى جانب إشفاقهم الزراية بمن ~~يقيمون في موطن الرسول العربي أعظم داع للسعي والعمل، وللإخاء في ms125 السعي والعمل، هنالك ~~تتغلغل فكرة العمل في حياة مكة وحياة الحجاز، على أنها الفكرة الإسلامية الصحيحة، بعد ~~أن كانت تعتبر مخالفة لروح الإسلام وتعاليمه. # هذه لمحات سريعة تشف عن العوامل التي تدفع مكة نحو الحياة الحديثة، وثمة عامل آخر ~~لا يظهر له أثر وإن كان يجول بأخلاد الكثيرين، كنت أتحدث إلى طائفة من أهل مكة فيما ~~يستطيع المسلمون القيام به من إصلاح الأماكن المقدسة كتعبيد الطرق بين جدة ومكة، وبين ~~مكة وعرفات، وبين جدة والمدينة، وتنظيم المياه الصالحة للشرب في مناسك الحج جميعا، ~~وتنظيم المضارب لنزول الحجاج بها، فأشار واحد من ذوي الرأي من أهل مكة بالرجاء أن ~~يتناول الإصلاح إنشاء جامعة بالطائف يتعلم فيها أبناء البلاد العلوم الحديثة، وقد اختار ~~الطائف للتخلص من اعتراض المعترضين على تعليم العلوم الحديثة بمكة، وفي رأي هؤلاء أن ~~تكون مقارنة المذاهب الإسلامية بعض ما يدرس في هذه الجامعة. # وهذا روح علمي حر لمحته في محادثاتي مع كثيرين، فإذا تحقق هذا الأمل وأنشئت هذه ~~الجامعة بالطائف أو بمكة - وأفضل أن يكون إنشاؤها بالحل من ظاهر مكة - وإذا ساهم علماء ~~المسلمين من مختلف الأقطار بنصيب في تفقيه أبناء البلاد، فسيكون ذلك إيذانا بإسراع ~~التطور نحو الحياة الحديثة في صورة من هذه الحياة تتصل بماضي بلاد العرب وتتصل اتصالا ~~وثيقا بروح الإسلام الصحيح، وتجعل من مكة مقصد العلماء وذوي الرأي، وموضع الأفكار ~~التوفيقية المستندة على أصول ثابتة من الكتاب والسنة، ومن العقل والمنطق، والقمينة ~~بأن تحدث في أنفس أربعمائة مليون من المسلمين وفي حياتهم العقلية والروحية من الأثر ما ~~لم يحدث مثله منذ مئات السنين. # لست أدري متى يتحقق هذا الأمل، ورجائي أن يكون هذا الكتاب باعثا على الدعوة إلى ~~تحقيقه، على أن قيامه في نفوس الذين يعملون لتطور الحياة العربية ويدعون إلى اتصالها ~~بحياة العصر هو لذاته عامل من العوامل الكثيرة التي تهيئ لهذا التطور، والتي تجعل مكة ~~اليوم على أبواب نهضة علمية استجنت فكرتها في نفوس بنيها عشر سنين أو نحوها، قد آن ~~لها ms126 أن تؤتي ثمراتها وأن يبدأ بتحقيق أغراضها. # واعتقادي أن ليس بين المسلمين من ذوي الرأي أحد إلا يرجو أن يرى هذا التطور يسرع إلى ~~هذه البلاد المقدسة، وما أظن الأمر يقف منهم عند الرجاء، بل أحسبهم جميعا على استعداد ~~لمد يد المعونة والعمل لنشر الدعوة كي تتسع دائرة هذه المعونة. # يوم تمتد أيدي المسلمين متصافحة من مختلف أقطار الأرض للتضافر على هذا العمل العظيم ~~بصدق وإخلاص، يومئذ تتهيأ مكة كرة أخرى لتضيء العالم بنور الحق الذي أشرقت منها ~~شمسه يوم بعث الله نبيه بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وما أشد تعطش ~~العالم اليوم إلى هذا النور العظيم! # يومئذ تصبح سنتنا جميعا سنة النبي العربي، وتوحيدنا الله كتوحيده، وسنة النبي ~~تجتمع في هذا الأثر: المعرفة رأس مالي، والعقل أصل ديني، والحب أساسي، والشوق مركبي، ~~وذكر الله أنيسي، والثقة كنزي، والحزن رفيقي، والعلم سلاحي، والصبر ردائي، والرضا ~~غنيمتي، والفقر فخري، والزهد حرفتي، واليقين قوتي، والصدق شفيعي، والطاعة حسبي، والجهاد ~~خلقي، وقرة عيني في الصلاة. # والتوحيد الحق ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به، ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون ~~الله. # إذا اجتمعت هذه السنة إلى هذا التوحيد، وانبعث نورهما كرة أخرى من منزل الوحي ~~الأول، فقد آن لمنطق العقل وإيمان القلب أن يلتقيا في الله وفي سنته التي لا تبديل لها، ~~وآن للعلم - بأحدث ما اهتدت إليه بصائرنا - أن يكون سلاحنا إلى الحقيقة، وآن للمعرفة ~~وتوق النفس الدائم للتزيد منها، أن تزيد آفاق العلم سعة وقواعد الإيمان تثبيتا، ~~وآن للإنسانية أن تسير في ظل التسامح والإخاء إلى الكمال الذي تنشده من أقدم العصور فلا ~~تهتدي إليه؛ لتنازع العقل والقلب على تولي زمامها وتوجيهها الوجهة التي يحسب كل منهما ~~أنها أدنى إلى هذا الكمال. # يومئذ تعود مكة الحديثة المكان الذي تشخص إليه القلوب والأبصار وتتعلق به تعلق جهاد ~~في سبيل الحق، متخذة إليه من العلم سلاحها، ومن العقل أصل دينها، ومن الزهد فيما سوى ~~الحق حرفتها، ومن الرضا بالحق غنيمتها. ms127 # ويومئذ يرضى الله عن الإنسانية وترضى عنه، وتؤمن بأنها اهتدت الهدى الحق إلى سبيل ~~الكمال. # | ابن السعود بمكة # كنت أسمع اسم ابن السعود عاهل العرب منذ زمان طويل، فلما بدأ يغزو الأشراف، وعلى ~~رأسهم الحسين بن علي ملك الحجاز، كنت أتتبع أنباء النزاع بين الملكين العربيين دون أن ~~أقف طويلا عندها، فلما انتهى الأمر إلى فرار الحسين وإلى قيام علي ابنه مقامه، ثم إلى ~~استقرار السلطان في الحجاز لابن السعود، بدأ الحديث عن هذا الفاتح النجدي لبلاد العرب ~~يتردد في صحف الغرب والشرق، وقد لقيت إذ ذاك غير واحد من الصحفيين المشهود لهم ~~بالاتزان وبدقة الحكم على الأشياء والأشخاص، فما كان أشد عجبي حين سمعت من أحدهم «فون ~~فيزل» الألماني المعروف، مبالغة في الثناء على ابن السعود إلى حد نعته إياه بأنه ~~«بسمرك الشرق». # هذا وكان «فون فيزل» قد لقي ابن السعود، وتحدث إليه وعرف مرامي سياسته، فلما اختلفت ~~مصر والحجاز بسبب حادث المحمل في سنة 1926، حين اضطر أمير الحج المصري أن يأمر بإطلاق ~~الرصاص دفاعا عن نفسه - فيما قيل يوم ذاك - بدأت الأنباء ترد بأن ابن السعود ورجاله ~~يقيمون بالحجاز نوعا من الحكم لا يطيقه أهل السنة ولا غيرهم من المسلمين، وأن حكم ~~الوهابيين بالحجاز سينتهي لذلك بعدول الأكثرين عن الحج، وأن حكومة الحجاز ستلقى من جراء ~~ذلك شدة أي شدة. # لكن الحج استمر، وبدأت أنباء جديدة تغالب الأنباء القديمة وتتغلب عليها، فالحجاز قد ~~أصبح مضرب المثل في الأمن بعد أن كان مضرب المثل في الفوضى، وبعد أن كان الحاج لا ~~يأمن فيه على نفسه وأهله ولا يأمن على ماله، وطرق الحج قد بدأت تمهد وتجري فيها ~~السيارات بما يكفل راحة الحجاج وطمأنينتهم، وقد أصبح الحج بسبب الأمن وإصلاح الطرق ~~ميسورا قليل المشقة بعد أن كان المشقة والعسر، وقد دعت حكومة الحجاز الصحفيين في شتاء ~~سنة 1930 إلى حفل تتويج الملك عبد العزيز، فعادوا يلهجون كلهم بالثناء على الأمن ~~والنظام هناك، وسئلوا عن شدة الوهابيين في معاملة من لا ms128 يرخون لحاهم ومن يدخنون، ~~فهونوا الأمر غاية التهوين، وكذلك اختفت الأنباء القديمة وجعل قصاد الحجاز ~~يصورون الملك عبد العزيز بن السعود صورة خلابة تحببه إلى النفس وتدعو إلى الإعجاب ~~به. # وقد ذهبت إلى قصره يوم دعيت لمقابلته غداة وصولي مكة، وفي نفسي منه صورة غير واضحة ~~المعالم، لا تستبين فيها قسمات محياه ولا جلسته أو وقفته، ونزلت من السيارة أمام باب ~~القصر، فتخطيته إلى حديقة غرست فيها نباتات صغيرة وأزهار، ورفعت طرفي فإذا أمامي درج ~~فسيح لم أكد أثبت نظرتي فيه حتى التفت الذي يتقدمني إلى اليمين، وسرت وراءه، فتخطينا ~~بابا استدرت عنده في دهليز فرش بالحصباء، ثم ألفيت إيوانا أشار مضيفي إلي أن أدخله، ~~وتلقاني وزير المالية على بابه، وأردت أن أسرح بصري في المكان المفروش بالسجاد كي ~~أجتلي منه صورة كاملة، لكن وزير المالية التفت إلى الناحية المقبلة للباب، فالتفت معه ~~فألفيت رجلا ضخم الجلسة على مصطبة مفروشة بالسجاد وقد لبس عباءة - أو مشلحا على ~~التعبير الحجازي - من الصوف البني اللون، واعتجر بصمادة مخططة بالأحمر والأبيض من فوقها ~~عقال مذهب، وتقدم الشيخ عبد الله السليمان فأسر له شيئا، وتقدم من ورائه الشيخ ~~عباس قطان، ثم تأخرا وتقدمت، فوقف عاهل العرب ومد إلي يده الضخمة فحياني، وأشار ~~إلى مقعد بجانبه فجلس وجلست، وانصرف الرجلان، وبدأ جلالته الحديث بقوله: لم أقابلك من ~~قبل ولكني أعرفك. # واغتبطت لهذه التحية الرقيقة التي لم تكن تتفق مع ما يبدو على وجه الرجل في هذه ~~اللحظة من اشتغال باله، وأجبت: جئت أقدم التحية وأعرض الرجاء في تعاون المسلمين لرفعة ~~هذه الأماكن المقدسة. # وكأن لم ينس الرجل ما كان بينه وبين مصر خلال السنوات العشر الأخيرة من خلاف، ولم ينس ~~النزاع الذي استحال حربا بينه وبين إمام اليمن من سنتين، ولم ينس المناوشات التي كانت ~~تقع على حدود العراق، ولم ينس هذه الخصومات تثور بين الأمم العربية والأمم الإسلامية ~~آنا بعد آن؛ لذلك أسرع في الجواب على ما أبديت من رجاء بقوله: نحن لا نبتغي ms129 من الدول ~~الإسلامية غير امتناع أذاها، ويكفينا صدق مودتها معنا، ونحن ها هنا في هذه البلاد - ~~بفضل الله لا بإرادتنا نحن - القرآن في رقابنا، وسيوفنا في جنوبنا، وأكبر ما نغتبط له ~~أن تجتمع كلمة المسلمين، فالمسلمون أكثرهم عرب، بل كلهم عرب، واجتماع الكلمة هو أول ~~واجب على الدول الإسلامية. # لما رأيت هذا التحفظ من جانب الرجل، وذكرت إلى ذلك أنه سيذهب إلى منى على ركاب بعد ~~ظهر ذلك اليوم، يوم التروية، أي: بعد ساعة أو نحوها، آثرت أن أقتحم الحديث إلى غايتي ~~دون تمهيد لها فقلت: ونحن المسلمين نحرص على أن تكون مكة من الدول الإسلامية كجنيف من ~~الدول الأوروبية، وأن نتعاون جميعا لرفعة هذه الأماكن المقدسة. # وأجاب وما يزال في تحفظه: لقد عرفت رأيك في مكة وما يجب أن تكون عليه، وهذه الحكومة ~~تشاطرك الرجاء في أن تكون مكة مقر عصبة الأمم الإسلامية، ومكان الإصلاح بين المسلمين ~~إذا اختلفوا، أما من أراد إحسانا إلى حجاج بيت الله فله أجره عند الله وله شكرنا، ونحن ~~نعلم أن الشعوب الإسلامية تؤيدنا بعواطفها، فأما الدول الكبرى كلها فتبغي رضانا. # سرني أن أفضى وزير المالية إلى الملك بالحديث الذي دار بيني وبينه عن مكة، وأن أبدى ~~جلالته موافقته على رأيي، ودار بخاطري أن أوضحه، لكني حرصت على وقته فقلت: وفق الله ~~الحكومة لإعلاء شأن العرب. # وكان جوابه: نحن قد جئنا هنا فوجدنا أمنا مضطربا فوطدناه، ووجدنا شيوخا لهم ~~عاداتهم وشبانا لا سلطان لهم، فعالجنا أمر الشيوخ لننزع بالحسنى ما خالف الدين من ~~العادات، وأتحنا للشباب الفرصة لتأييد الفكر الإسلامية الصحيحة. # وأمسك الرجل من القول عند هذا الحد على سعة الموضوع الذي استفتحه، إذ ذاك قلت: أخشى ~~أن تحول مشاغلكم الكثيرة بسبب الحج دون طول الحديث، وتحرك الرجل إلى ناحيتي حين سمع مني ~~هذا القول وقال مبتسما: أرجو أن نلتقي بعد الحج. # وودعني فانصرفت، وشغلت منذ وصلت الدار بالتهيؤ لعرفات وصعوده، ولكني بقيت بعد ذلك ~~أعود إلى التفكير في هذا الرجل المديد القامة، المفتول ms130 العضل، القوي الساعدين، الحاد ~~النظرة، الضخم في كل شيء، وأفكر في هذا الذي قاله أثناء حديثنا وفي شدة تحفظه ، فلما ~~ذهبت ثاني يوم العيد إلى تشريفته بمنى وألفيته يقابل الناس جميعا، من عرف منهم ومن لم ~~يعرف، ويقابلهم ببساطة بدوية لا شيء من التكلف فيها، ازددت عجبا منه وإعجابا به، ~~وأفضيت بخواطري عنه إلى بعض السوريين من موظفي الحكومة العربية وإلى بعض الشباب العربي ~~من أهل مكة، راجيا أن أجد في حديثهم ما تكمل به في نفسي صورته، لقد فهمت منهم أنه رجل ~~محب للإصلاح، ميال بكل نفسه إليه، وأنه - وهو السياسي العليم بشدة قومه - يحاول ما ~~استطاع التوفيق بين مذهبه في الدين وبين الأمر الواقع، ويحاول هذا التوفيق بمقدرة وذكاء ~~يبدو بهما طبيعيا موفقا. # لما اشتد رجاله النجديون في تحريم التدخين على المقيمين بمكة جميعا، سواء منهم أهل ~~البلد ومن جاءوا إليها حاجين البيت، بدأت إيرادات المكوس «الجمارك» من الدخان تهوي ~~سريعا وتهبط هبوطا تأثرت به ميزانية الدولة التي تعتمد على المكوس بقدر عظيم، وتحدث ~~إليه رجاله في هذا الأمر من ناحيته المالية، ومن ناحية الدعاية به ضد حكومته بالحجاز ~~بأنها تغلو في تحريم ما لا تحرمه أكثر المذاهب الإسلامية، إذ ذاك أسرعت الحكومة ~~بموافقته فنادت في الناس أن لا إكراه في الدين، وأن الذين يجيئون للحج من أهل المذاهب ~~المختلفة لا جناح عليهم أن يدخنوا أو أن يحفوا لحاهم أو أن يفعلوا ما تبيحه لهم ~~مذاهبهم ما دام لا يحل ما حرم الله في كتابه، والتمست الحكومة الفتوى بذلك عند عالم ~~نجد الشيخ عبد الله بن بليهد، فأفتى بأن الدخان لا يسكر كثيره ولا قليله فهو غير محرم ~~وإن كان مكروها، وبذلك أبيح التدخين لمن شاءه من الحجيج، وعادت موارد المكوس منه إلى ~~مثل ما كانت من قبل تحريمه. # وكان النجديون أشد الناس طعنا على «التليفون» و«الراديو»، وكانوا يزعمون أن الشياطين ~~هي التي تتكلم فيهما، فكانوا لذلك يحرمون استعمالهما، ولما كانت الحاجة إلى هذه المنشآت ~~ماسة ولم يكن ms131 الاستغناء عنها ممكنا، فقد دعا ابن السعود كبار المشايخ وسألهم: أتستطيع ~~الشياطين أن تتلو القرآن؟ فلما أنكروا ذلك طلب إليهم أن ينصتوا لما في سماعة التليفون ~~فإذا هو قرآن يتلوه قارئ جميل الصوت، فلم يبق لديهم ريب في حله، وكان ذلك شأنهم أمام ~~الراديو، وكل ما استطاع غلاتهم بعد ذلك أن يقولوه: إن هذه الآلات تصلح لنقل السيئ من ~~الأخبار ولإذاعة المحرم من الغناء وأسباب الطرب، لكن الرد على هذا القول كان ميسورا، ~~فكل ما أحل الله قد يكون ذريعة لأمر محرم، الخمر بنت الكرم، ومن كروم الطائف كان ~~بعضهم يصنع الخمر في البلد الحرام، فلم يكن عملهم سببا لتحريم زرع العنب أو غيره من ~~الفاكهة التي يصير عصيرها خمرا إذا عتق، وأدوات القتل هي بذاتها أدوات الصيد ~~وأدوات الدفاع عن النفس وأدوات صد المغير على الوطن، وإنما الإرادة والتمييز عند ~~الإنسان هما اللذان يفرقان بين الخير والشر، يبيحان الحلال ويحرمان الحرام. # قص علي من تحدثت إليهم بعض هذه الأنباء ومثلها، مما دلني على حيلة الرجل ~~وسعتها، وعلى دقة إدراكه لعقلية أهل بلاده والسبيل التي يسلكها لإقناعهم وتوجيههم نحو ~~ما يراه الخير والحق، وإن قوما من أهل الحجاز لا يحبونه قد أرادوا يوما أن يدلوا على ~~مبلغ قسوته، فكان ما ذكروا دليلا على دقة الإدراك والقدرة على التفريق بين المبادئ ~~الواجبة الاتباع والضرورات التي تبيح المحظورات، سمعني هؤلاء أذكر ابن السعود وحكومته ~~وأقول: لو لم يكن من أثرهم إلا أنهم أقروا الأمن في ربوع الحجاز بعد الذي كان من فساده ~~واضطرابه لكفاهم فخرا، قال أحدهم: لو عرفت أنهم لم يبلغوا ذلك إلا بمظالم ارتكبت لما ~~أضفيت عليهم كل هذا الفخر، فلقد كانوا يأخذون البريء بجريرة المذنب، ويلقون تبعة جريمة ~~تقع على قبيلة بأسرها فيستأصلون القبيلة استئصالا، ولولا ذلك ما تم لهم ما يفاخرون ~~به من أمن مستتب يرى الناس اليوم استتبابه ولا يذكرون كيف كان الاستتباب ولا الأرواح ~~التي أزهقت في سبيله. # قلت: وكم من القبائل استؤصلوا أخذا للبريء بجريرة ms132 المذنب؟ # وأجاب محدثي: المعروف عندنا قبيلة واحدة، لكني لا أستطيع ولا يستطيع غيري أن يجزم ~~بأن غيرها من القبائل لم تستأصل كذلك، وما تزال الشدة ديدن الحكام النجديين، وإنك ~~لتسمع اليوم عن أمير المدينة عبد العزيز بن إبراهيم ما يدل عليها، وستراه وستقف من ~~أخباره حين تزور المدينة على ما يقطع عندك بصحة هذا القول. # قلت: والقبيلة أو القبائل التي عوقبت؛ لأن أفرادا منها كانوا يعيثون في الأرض ~~فسادا، ألم تكن على علم بما يجترحه هؤلاء الأفراد؟ أو لم يكونوا هم يشعرون بحمايتها ~~إياهم؟ # وسكت محدثي هنيهة ثم قال: الحق أنهم كانوا يشعرون بهذه الحماية، وقبائلهم كانت تعرف ~~أمرهم، لكنهم لا يزيدون في ذلك على شقي من أبناء الأسر الكريمة يجد في جاه أسرته ~~الحماية مما يأتيه من أعمال شقاوته، أفعدل أن تؤخذ الأسرة بذنبه؟! إن الله - تعالى - ~~يقول: # ولا تزر وازرة وزر أخرى ~~، # ولتجزى كل نفس بما كسبت ~~. # قلت: فإذا تعدت شقاوة الشقي إلى الغير، فأنذر الأسرة أن تنزع منه حمايتها فلم تفعل، ~~وظل يأتي المنكر وهو لها جار، أفليس من حق الغير أن يحمل الأسرة وزره وأن ينزل بها ~~عقابه؟ # لم يجد محدثي ما يحيب به عن سؤالي، وأردفت: إن كثيرا من الأمم لتصنع ما صنع ابن ~~السعود هنا، فحماية الأمن واجبة على الأفراد وجوبها على الحكومة، ونحن جميعا مطالبون ~~بأن نعاون أولي الأمر عليها، فإن لم نفعل ثم لم نقف عند التقصير، بل شعر الجاني ~~بحمايتنا إياه، حق لصاحب الأمر أن يؤاخذنا بتقصيرنا، وأن يؤاخذنا أضعافا مضاعفة ~~بحماية هذا الجاني، وهذه شدة واجبة ما تعلق الأمر بالسكينة التي يجب أن يفيد الجميع ~~منها، وإذا جاز لصاحب الأمر أن يتسامح في انتفاض سياسي يوم ينتصر على خصومه، فليس من ~~حقه أن يتسامح في العبث بالأمن مع من يريدون كسب المال حراما كما يفعل أولئك الذين ~~يعتدون على حجاج البيت، فالحاج ضيف الله، وأولى الضيف بالكرامة ضيف الله، ذلك كان ~~الشأن في الجاهلية، وكذلك كان يقول جد النبي، أفلم ms133 يكن من الواجب على المسلمين من أهل ~~هذه البلاد أن يكرموا الضيف ما كان يكرمه العرب في الجاهلية ؟ فإن لم يفعلوا وعاقب ابن ~~السعود جناتهم وحماة الجناة فلا تثريب عليه، بل ذلك واجبه؛ ولذلك يشكر المسلمون ~~جميعا في مختلف أقطار الأرض هذا الذي جعل الطريق إلى البلد الأمين أمنا وإلى بيت الله ~~مهاد سكينة وسلام. # ولقد صدقت أحاديثي مع ابن السعود هذا الذي سمعت من حصافته وحسن رأيه، لما تم الحج ~~وعدنا إلى مكة اجتمع قوم من بلاد مختلفة يتحدثون فيما يجب لهذه الأماكن المقدسة على ~~المسلمين - وكنا من مصر ومن العراق ومن سوريا ومن فلسطين ومن إيران - ووضع القوم قرارات ~~لتمهيد طرق الحج وجلب الماء إلى منى أيام الفريضة وغير ذلك مما شعرنا جميعا بضرورته ~~حين أداء الشعائر، ووكل القوم إلى جماعة منا أن يقابلوا ابن السعود وأن يحدثوه فيما ~~اجتمع عليه رأي الذين تحدثوا في الأمر، وأفضينا إلى فؤاد بك حمزة وكيل الخارجية بما ~~حدث؛ كي يضرب لمقابلتنا الملك موعدا، وقابلناه مساء ذلك اليوم وقرأ أحدنا ما وقعه ~~المجتمعون، وشرحت ما دار في الاجتماع. # فلما أتممنا حديثنا استوى الرجل في مجلسه وكان في غرفة القصر العليا، وقال: إنني شاكر ~~لكم تفكيركم في أمر هذه الأماكن المقدسة، مقتنع بأن اجتماعكم ستكون له نتيجة متى عدتم ~~إلى بلادكم، وغاية رجائي أن يبقى اتصالكم بعضكم ببعض من بعد ليتيسر الاستمرار في ~~القيام بشيء مما فكرتم في القيام به، ورجائي الأجل من هذا أن تكون هيئتكم أكثر ~~تمثيلا للشعوب الإسلامية، فأنتم - على ما فهمت - تمثلون أربعة شعوب أو خمسة، ومن ~~الشعوب الإسلامية من ليس ممثلا معكم، ومن له من المكانة ومن الآثار في هذه البلاد في ~~الماضي ما لا ينساه أحد، فالهند مثلا لم يمثلها في اجتماعكم أحد، ولم يمثل أحد المغرب ~~الأقصى ولا الصين، ثم إن في كل أمة من الأمم الإسلامية، وبينها أممكم، رجالا سبقت منهم ~~إلى الحجاز وإلى الأماكن المقدسة فيه أياد وأعمال بر، وخير أن ينوب هؤلاء عن ms134 بلادهم، ~~فأسماؤهم اللامعة في هذا الموضوع مدعاة للنجاح، وأذكر بنوع خاص طلعت حرب باشا في مصر، ~~لقد عمل هذا الرجل لتيسير الحج ما استطاع، وهو على رأس مؤسسات كثيرة ذائعة الصيت في ~~البلاد الإسلامية كلها، فلا إخالكم إلا تريدون أن تجعلوه في مقدمة الذين يشاركون في هذا ~~العمل، والحكومة هنا ترحب بكل إصلاح يريد المسلمون القيام به لخير المسلمين جميعا ~~ولخير أهل هذه البلاد. # وخرجنا بعد تحيات بادلنا ابن السعود مثلها، وسألني بعض إخواني رأيي فيما حاز مشروعهم ~~لدى الملك من القبول، فأجبت بكلمات مطمئنة، لكني كنت أعلم أن الأمر ليس هينا بمقدار ~~ما ظنوا، ولقد لفت نظرهم ونحن في اجتماعنا قبل أن نلقى الملك إلى أن إصلاحا يراد ~~إشراك العالم الإسلامي فيه، لا بد لنجاحه من تحديد أعماله ونفقاته ووسيلة تحصيل هذه ~~النفقات واليد الأمينة التي تتولى الإنفاق منها، لكنهم كانوا متأثرين بروح الحج ولما ~~يمض على إتمامهم فرضه غير أيام، فلم يأبهوا طويلا للاعتبارات العملية، وحسب بعضهم أن ~~الأمر لا يزيد على أن يكتتب بقدر من المال تتولى حكومة الحجاز إنفاقه في الإصلاح، ~~ناسيا أن اكتتابا يتم في وقت كوقت الحج من غير أن يوضع نظام إنفاقه، لا يمكن أن يؤدي ~~إلى الأغراض التي يقصد إليها منه، أو يزيد على صدقات تعطى وتتولى الحكومة توزيعها في ~~حدود المبالغ المكتتب بها توزيعا لا يتصل بالإصلاح في شيء. # ولم يكن ما لفت نظرهم إليه وليد تفكيري أو ملاحظتي وحدي، فقد اتصلت قبل سفري إلى ~~الحجاز بأشخاص لهم تجارب في الأمر، وتحدثت إليهم فيه واقتنعت وإياهم بما أسلفت، وكان ~~هذا اقتناع حكومة الحجاز من جانبها هي كذلك، فقد تقابلت بعد يومين من حديث الملك ~~وإيانا مع بعض رجال الحكم من الوزراء وغيرهم وتحدثنا، فأنبئوني بأن مثل هذا الاجتماع ~~يقع في كل عام على أثر الحج، ثم تقدم مثل هذه الاقتراحات إلى الحكومة، وينصرف الناس ~~بعد ذلك إلى بلادهم، فتنسيهم مشاغل الحياة ما اجتمعوا فيه، وتنسيهم ما تحتاج إليه ~~البلاد المقدسة من ms135 إصلاح، على أن هؤلاء من رجال الحكم الذين حدثوني كانوا مع ذلك كبيري ~~الرجاء في قيام حركة الإصلاح من ناحية مصر بعد الذي أبدته حكومتها، والذي أبداه طلعت ~~باشا حرب - كما أبداه غير واحد من رجالها - من صادق الحرص على إتمام أعمال لا مفر من ~~إتمامها لخير المسلمين جميعا في هذه الأماكن التي يقصد المسلمون جميعا إليها. # مع ما أبداه ابن السعود من الحصافة في مقابلة هذا الوفد الذي ذهب إليه، فإنني لم أفز ~~منه بصورة أقدر بها مبلغ ذكائه ودهائه، وإنما فزت منه بهذه الصورة عشية سفري من مكة ~~إلى المدينة، فقد استأذنت في مقابلته لأشكر له ولحكومته ما لقيته من معاونتهم إياي في ~~بحوثي أثناء مقامي بمكة وبالطائف، ولأستأذن في مغادرة مكة إلى المدينة لأعود بعد ~~زيارتها إلى ينبع فمصر، وكان ذلك في يوم السبت 21 مارس، وقد أخبرني مضيفي أمين ~~العاصمة أن وزير المالية سيكون في انتظارنا بداره بجرول في الساعة الثانية والربع ~~بالحساب العربي، أي: نحو الثامنة والربع مساء، وأننا سنذهب من هناك إلى قصر الملك كي ~~أقابله في الموعد الذي حدده، وذهبنا إلى دار وزير المالية، فأقمنا بها ريثما تناولنا ~~الشاي والقهوة، ثم غادرناها إلى قصر الملك فبلغناه قبيل الساعة الثالثة. # وسأل ابن السليمان فقيل له: إن القراءة انتهت، ذلك أن الإمام الذي يصلي بابن السعود ~~يقرأ له بعد العشاء من كل مساء شيئا من تفسير القرآن في تفسير ابن كثير، أو شيئا من ~~الحديث في ابن كثير كذلك، ويشترك الحاضرون في تبادل الرأي فيما يستمعون، وكثيرا ما ~~يشارك الملك في الحوار ابتغاء الحقيقة، فهذا كتاب الله وهذه سنة رسول الله، لكل مسلم ~~منهما حظ ونصيب، فيهما هدى لكل مسلم، وهما سبيله إلى الله، فالكل متساوون أمامهما لا ~~تفاوت بينهم بسبب مناصبهم أو جاههم أو مالهم، ويحضر الحاج عبد الله فلبي - أو سانت جون ~~فلبي إن شئت - هذه الجلسات، وقد يأخذ في الحديث بنصيب، فهو قد درس أمور الإسلام دراسة ~~دقيقة، وبلغ منها مبلغا جعله ms136 يفضلها، باعتبار أنها نظام يسمو على الديمقراطية وغير ~~الديمقراطية من نظم الاجتماع المعروفة اليوم، كذلك ذكر لي حين زرته بداره بظاهر مكة، ~~فإذا تمت القراءة انسحب الملك إلى مخادعه وانصرف الحاضرون الذين يجتمعون في كل مساء ~~حوله يصلون معه ويشاركون القارئ الرأي فيما يقرأ. # أما في هذه الليلة فقد جعل الملك موعدي بعد تمام القراءة ليخلو لنا الجو، وقد دخلت ~~عليه في هذا البهو السماوي الكبير الذي كان فيه حين قابله الوفد من أيام، فلقيني هشا ~~بشا من غير تحفظ، وسقانا الخادم القهوة ثم انسحب، وبقيت أتحدث وأستمع ساعة شعرت ~~أثناءها أنني انتقلت على الزمن إلى عهود العرب الأقدمين، لولا ما كان يتناوله الحديث من ~~شئون متصلة بحياة العالم الحاضر. # ولقد غادرت الرجل بعد هذه الساعة شاكرا رقة عواطفه مقدرا هذه الثقة التي انعقدت ~~بيننا أواصرها بعد الذي كان من تحفظه أول ما لقيته يوم التروية، راجيا أن تحقق ~~الحوادث ظني فتزيل ما بين مصر وبينه من جفاء، فلقد كنت لقيت رئيس الوزارة المصرية قبيل ~~سفري، وأفضيت إليه بما يتردد في خاطري من الأسف للجفوة بين مصر وحكومة البلاد الإسلامية ~~المقدسة، ولما بادلني علي ماهر باشا الرجاء أن تزول هذه الجفوة، على رغم ما في نفس ~~الملك فؤاد من الاعتقاد بعدم صراحة هؤلاء العرب وصدق إخلاصهم فيما يقولون، تحدثت في ~~ذلك إلى وزير المالية السعودية وإلى وكيل الخارجية فؤاد بك حمزة، كما أفضيت به إلى ~~رجال القنصلية المصرية بجدة، ولقد ترك الحديث الذي دار بيني وبين ابن السعود تقديرا ~~للرجل في نفسي أكتفي عن بيانه برواية ما وقع تاركا لمن شاء أن يبدي فيه من الرأي ما ~~يشاء. # بدأت حديثي بشكر جلالته وشكر حكومته على معاونتهم إياي في بحوثي، وأبديت له عظيم ~~إعجابي لما تم في الحجاز، وخاصة في أمر الأمن، ورجوت له ولحكومته دوام التوفيق فيما ~~أخذوا أنفسهم به من إصلاح هذه الأماكن المقدسة، وما يعتزمون فيها من مشروعات لخير ~~أهلها وخير المسلمين الذين يقصدونها جميعا، هنالك قال جلالته: ms137 نحن لا فضل لنا في ~~شيء من هذا، وإنما الفضل كله لله، وأنا لم أفكر يوم تركت نجدا إلى هذه البلاد في ~~حكمها أو في الإقامة بها، ولقد بقيت معتزما العود إلى بلادي متى تم لي مقصدي من ~~تأمين حدود نجد والحصول للنجديين على حرية المجيء إلى الحجاز لأداء فريضة الحج، لكن ~~إرادة الله كانت غالبة فلم يكن بد من نفاذها ومن أداء ما فرض الله علي ~~أداءه. # لما فكرت منذ خمس وثلاثين سنة في القيام ضد ابن الرشيد؛ كي أسترد منه حقوق آبائي ~~لم يكن حولي يومئذ من يؤازرني، ولقد عمل آبائي منذ عشرات السنين ليقروا التوحيد الصحيح ~~وحكم الكتاب الكريم في هذه الربوع التي انبعث منها نور التوحيد، فرأيت هذه الدعوة خير ~~ما أقوم به وما أقيم على أساسه جهادي، وعاهدت أربعين رجلا من أهلي فأقسموا ~~لينصرنني فيما أريد أو نموت جميعا، وخرجنا نبغي «الرياض» وسيوفنا معنا واعتمادنا ~~على الله، وغامرنا مخاطرين، والظفر يحالفنا حينا وتدور علينا الدائرة حينا آخر، ثم ~~استقر لنا الأمر بالرياض، والتف حولنا من العشائر ما كان ملتفا حول أجدادنا، ولما ~~استتب لنا الأمر في نجد رأيت الشريف وأبناءه من حولي، ورأيت الملك حسينا في الحجاز ~~يحاول أن يصد قومي عن بيت الله ويأبى أن يتصالح وإيانا في مؤتمر الكويت، عند ذلك طلبت ~~إلى رجالي أن يذهبوا إلى الطائف وأن يحتلوها، وأن يقفوا عندها حتى أعرف ما يئول إليه ~~الأمر من بعد. # ولقد قدرت يومئذ أن إنجلترا لا يرضيها أن نتقدم في الحجاز، وأنها ستقف منا ما وقفت ~~من قبل صديقة وحامية للملك حسين، وكنت حريصا على استبقاء ما بيني وبين الإنجليز من ~~علاقات المودة، ولكني رأيت حسينا ينقض كل عهوده معنا ومع غيرنا ولا يعبأ بعلاقات ~~الصداقة يربط بها بينه وبين الأمم الإسلامية المختلفة، فلم أر بدا من إقناعه بضرورة ~~الاعتدال، واحتلال الطائف خير وسيلة لهذا الإقناع، وأقام رجالي ببادية الطائف زمنا، ~~انهزم أثناءه رجال الحسين وتضعضعت قوتهم، وعز على الملك حسين أن ms138 يتصالح وإيانا وقد ~~كان يحسب في مؤتمر الكويت أنه قدير أن يفرض علينا إرادته، فآثر الانسحاب من مكة إلى جدة ~~والنزول عن الأمر لابنه علي. # وتوسطت إنجلترا أثناء ذلك تريد الصلح، على أن حادثا وقع دعاها أن تترك الأمر في ~~الجزيرة لمن يتم له الغلب، ذلك حين طرد الأتراك الخليفة العثماني من بلادهم وتلقته ~~إنجلترا حامية إياه، فقد ارتج العالم الإسلامي لهذا الحادث، إذ قامت جمعية الخلافة ~~في الهند تنادي بأن الخلافة من أمر المسلمين دون سواهم، وتنادى الناس من البلاد ~~المختلفة أن أمر المسلمين في شئونهم الدينية يجب ألا تتدخل فيه دولة مسيحية، من أجل ذلك ~~آثرت إنجلترا أن تترك المسلمين يفعلون ما يشاءون، حتى لا تتهم بأنها تنصر فريقا منهم ~~على فريق لأغراضها السياسية، وشجعني ما حدث بعد ذلك على التقدم، فحاصرت جدة ونقلت ميدان ~~جهادنا إليها، كما ذهبت قوات نجدية إلى المدينة. # إلى يومئذ لم يكن حكم الحجاز قد دار بخلدي، وكل ما كنت أبتغيه أن أجلي عنه جماعة ~~الأشراف فأخلصه بذلك من مظالمهم ومن عبثهم، فإذا فرغت منهم جعلت الأمر فيه للمسلمين ~~كافة يرون في أمره رأيهم، ولقد أذعت على العالم الإسلامي كله رسالة صارحته فيها بهذا ~~العهد أن يكون الأمر له في مصير الأماكن المقدسة، وكنت كلما تحدثت إلي إنجلترا أو ~~تحدث إلي غيرها في الصلح كان هذا العهد جوابي لهم، وهذا العهد هو ما كاشفت به الأستاذ ~~الشيخ المراغي حين جاء في سنة 1925 مع عبد الوهاب بك طلعت موفدين من قبل جلالة ملك مصر ~~للبحث في أمر الحجاز، ولقد زدت عليه أنني لا أبتغي ملكا ولا خلافة، وأنني أرحب بملك ~~مصر ملكا للحجاز برضا أهله، وكان عزمي متجها إلى عقد مؤتمر لتنظيم شئون الحجاز بمشورة ~~ذوي الرأي في العالم الإسلامي يكون له اختيار ولي الأمر فيه، وأذعت منشورا بذلك على ~~أهل الحجاز كي يخلدوا إلى السكينة حتى ينعقد المؤتمر لينظر في مستقبل الحجاز ~~ومصالحه. # لم أكد أذيع هذا المنشور حتى جاء إلي وجوه ms139 أهل الحجاز، وجاء إلي رؤساء العشائر من ~~نجد، وكلهم غاضب يحتج على هذا المصير الذي أريده لهم، قال أهل الحجاز : كيف يقرر ~~المسلمون من مختلف أقطار الأرض مصيرنا وطريقة الحكم في بلادنا؟! والحجاز لنا ونحن أهله ~~وأولى الناس بالرأي في أمره وباختيار الحاكم الذي يتولى شئونه، وليس للمسلمين أن ~~يشاركونا في غير الحج وما يتصل منه بشأن مكة والمدينة، وقال رؤساء العشائر من أهل نجد: ~~نحن فتحنا هذه البلاد وطهرناها من الأشراف واخترناك قائدا لنا وأميرا علينا، فإن شئت ~~أن تنزل عن القيادة والإمارة فإنما يعود أمرها لنا لا للمسلمين من الهند والجاوة والصين ~~ممن لا يعرفون من شئون هذه البلاد شيئا، وقال أهل الحجاز: إنك هنا منذ سنين عرفناك ~~أثناءها وعرفنا أغراضك وطريقة حكمك، فنحن نختارك ملكا علينا، وقال رؤساء العشائر من ~~أهل نجد: أنت أميرنا المختار ما لم تنزل - على رغمنا - عن هذه الإمارة، وألح هؤلاء ~~وأولئك وأعادوا القول في أيام متعاقبة؛ فلم يكن لي بد من النزول على إرادتهم بعد أن ~~رأيت الشعوب الإسلامية لا تبدي بأمر المؤتمر الذي دعوت إليه أية عناية، وكذلك بايعني ~~أهل الحجاز ملكا عليهم. # قلت: لعل هذا ما أحفظ ملك مصر، فقد فهم من حديثكم مع الأستاذ المراغي أنكم جعلتم أمر ~~الحجاز له، وأنكم كنتم على أهبة معاونته في تحقيق هذا الغرض، فلما بايعكم أهل الحجاز ~~ملكا عليهم عد الملك فؤاد هذا الأمر نقضا لعهد عاهدتموه عليه. # هذا ما لم يخف علي يومئذ، ولقد فكرت طويلا في كلام أهل الحجاز ورءوس العشائر من ~~نجد قبل أن أقدم على قبول ملك الحجاز مخافة ما قيل، لكن الأمر كان قد تحرج؛ إذ ~~بلغ القلق من نفوس أهل الحجاز على مصيرهم ما خشيت معه اضطراب الأمر إن لم أقم بعمل ~~حاسم، ولم يكن العمل الحاسم ممكنا بقوة السيف وقد كان موقف رؤساء العشائر من نجد ما ~~شرحت لك، ولو أنني حاولت يومئذ شيئا من ذلك لازداد الأمر اضطرابا، ولقامت الفتنة بين ~~عشائر نجد، وانقلب الأمر ms140 إلى نقيض ما أبغي ويبغي كل مسلم محب لهذه البلاد. # ولقد دعوت إلى المؤتمر، واجتمع ها هنا بمكة بعد ذلك الحادث بأشهر، ووضع قرارات لم ~~ينفذ منها شيء؛ لأن المطامع في ملك الحجاز انكمشت فلم تحرك المؤتمرين عاطفة لها في ~~نفوسهم سلطان هذه المطامع، على أنني بقيت عند رأيي من أنني لا مطمع لي في الخلافة، ولقد ~~دعا جلالة الملك فؤاد بمصر إلى مؤتمر للنظر في مسألة الخلافة بعد أن انفض مؤتمر مكة، ~~وكان من رجالي من دعي إليه، وقد بعثت يومئذ إلى جلالة الملك برسالة رقيقة ذكرت فيها ~~مؤتمر الخلافة ودعوة رجالي إليه، وقلت: إنني أول من يبايع بها إذا بايع أهل مصر بها ~~مليكهم، وأبديت الأسف ألا يستطيع رجالي الذين دعوا إلى المؤتمر أن يشتركوا فيه؛ لأنهم ~~لم يدعوا عن طريق حكومتهم، وأنهم وقد بايعوني ملكا عليهم، يبايعون معي بالخلافة من ~~يبايعه أهل مصر بها. # مع ذلك ظلت الحكومة المصرية حانقة علينا، ولما جاء المحمل في تلك السنة التي كان فيها ~~مؤتمر الخلافة لم يحفل رجاله بعقائد أهل نجد الدينية، ومع أننا رجوناهم أن يحتاطوا لكي ~~لا يقع احتكاك بسبب هذه العقائد، وعملنا جهدنا لضبط عواطف رجالنا، فقد حدث ما تعرفونه ~~من إطلاق حامية المحمل نيران المدافع على المسلمين من النجديين، وقمت بنفسي أول ما ~~بلغني الخبر وقام معي أبنائي، فعملنا جهدنا حتى حصرنا الشر في أضيق حدوده، ولم أرد أن ~~أكبر من شأن الحادث، فلم أذع أنه قتل فيه خمسة وستون رجلا وخمس وثلاثون امرأة من ~~عشائر نجد، وإنما فعلت ذلك إبقاء على ما رجوت بقاءه من علاقات المودة بيني وبين ~~مصر، لكن حكومة مصر عاملتنا معاملة أدى بنا الحذر إلى توقعها، وإن لم يجر بخاطرنا أن ~~تبلغ ما بلغت، فقد أبدت حكومة مصر أنها سترسل كسوة الكعبة أيا كان الرأي في المحمل ~~وإرساله، وبقينا ننتظر مجيء هذه الكسوة إلى أواخر ذي القعدة، إذ جاء النبأ بأن حكومة ~~مصر لن ترسلها، وهذه مسألة لا ضرر منها، فنحن ms141 قادرون على القيام بها، ولكنك تقرني على ~~أنها مسألة تغيظ، فأمرت رجال حكومتي فعملوا ليلا ونهارا حتى كسونا الكعبة في العاشر ~~من ذي الحجة على سابق العادة، ومن يومئذ أنشأنا دار الكسوة بمكة، فأنشأنا بذلك صناعة ~~لم تكن متداولة في هذه البلاد من قبل. # قلت: إنني أعتقد أن الوقت قد حان لحل المسائل المعلقة بين مصر والحجاز جميعا؛ فقد ~~أثبت الزمن أن لا خير لأيهما في بقائها من غير حل، وما بذل من المجهود في هذا السبيل ~~أثناء السنوات الماضية كان يعترضه قرب العهد بهذه الحوادث التي تركت من الأثر في النفوس ~~ما لم يتيسر التغلب عليه، ولقد فهمت قبل حضوري إلى هنا من حديث جرى بيني وبين رئيس ~~الوزارة المصرية أنهم يرحبون بإعادة النظر في كل اقتراح مقبول يعرض عليهم، وفهمت من ~~محادثاتي مع رجال حكومتكم هنا أنهم حريصون - من جانبهم - على حل هذه المسائل، خصوصا ~~وقد حل الزمن غير واحدة منها كمسألة الجنسية، هذا وعواطف الشعب المصري إزاء الحجاز ~~عواطف مودة صادقة، وشعب الحجاز يبادل هذه العواطف بمثلها فيما رأيت، وهذا - في نظري - ~~خير عربون لتسوية حالة معلقة يود الجميع تسويتها. # قال جلالته: لقد جاءني قنصلكم حافظ عامر من خمس سنوات يحدثني مثل هذا الحديث، وقلت له ~~يومئذ: اسمع يا حافظ! إنكم تقولون: إنكم أكثر منا حضارة وعلما، وإننا قوم من البدو، ~~وبيننا وبينكم في ذلك مراحل، وأنا أوافقكم على هذا، إذا كان ذلك شأنكم وكنتم ترون أننا ~~نطمع في مسألة صغيرة كالاعتراف بنا؛ كي تكون مقدمة لتسوية مسائل ترون في تسويتها خيرا ~~لكم وللمسلمين وللبلاد المقدسة، فلم لا ترضوننا بهذه المسألة الصغيرة؛ مسألة الاعتراف؛ ~~لتأخذونا في كنفكم وتحت جناحكم؟! إن عدم اعترافكم بملكي على الحجاز لن ينزع هذا الملك ~~عني بعد أن اعترفت به إنجلترا وفرنسا وإيطاليا وكل الدول العظمى، فالملك أمر واقع لا ~~ينزعه إلا أمر واقع يتغلب عليه، وما بيننا وبينكم من المصالح قد اقتضاكم إنشاء قنصلية ~~لكم بجدة، واقتضانا أن يكون لنا وكيل لديكم ms142 بالقاهرة، يرعى هذا وذاك ما لا سبيل إلى ~~إنكاره من هذه المصالح، أليس عجيبا أن يكون ذلك واقعا، ثم نتجاهله ~~وتتجاهلونه؟! # ولقد أبدى حافظ عامر اقتناعه بأقوالي وما عرضه فؤاد حمزة عليه من حلول للمسائل التي ~~بيننا وبين مصر، ووعد أن يقنع الحكومة المصرية برأيه، لكنه لم يعد بعد ذلك إلى ~~الحديث في هذه المسائل. # ولم يفتني في وقت من الأوقات أن أعمل ما استطعت لتقريب مسافة الخلف بين هذه البلاد ~~ومصر، فقد أرسلت حافظ وهبة في سنة 1928 إلى مصر فعرض حلولا كثيرة، ولكنه لم يجد ~~استعدادا من لدن مصر لقبول ما عرضه، وإنني لسعيد بما ذكرته من حسن استعداد الحكومة ~~المصرية الآن؛ فإنني أكن لجلالة الملك فؤاد كل احترام ومحبة، وأعتبره في منزلة ~~والدي عبد الرحمن. # وأرجوك متى عدت إلى مصر أن تبلغه عواطف مودتي الصادقة ورجائي في أن تكون علاقات مصر ~~والبلاد العربية علاقات مودة وإخاء إسلامي صادق. # 1 # شكرت لجلالته هذه العواطف نحو مصر ومليكها، وشعرت بأنني استنفدت غير قليل من وقته، ~~فقلت: لقد سعدت بما اتصل بين جلالتكم وبلاد العراق من حسن العلاقة، وسعدت كذلك بما كان ~~من ترحيبكم بوساطة المسلمين بينكم وبين إمام اليمن، ويسعدني أن يتصل هذا العمل في توثيق ~~أواصر المودة بين هذه البلاد العربية والإسلامية المتجاورة، وإني أستأذن جلالتكم في ~~مغادرة مكة شاكرا، راجيا لكم ولرجال حكومتكم كل التوفيق. # وحسبت الرجل يتحرك فيأذن لي بالانصراف؛ لكني رأيته استدار قليلا إلى ناحيتي وتوجه ~~إلي أكثر من ذي قبل وقال: اسمع يا أخي! إن هذا الكلام الذي تقوله حسن، وهذه ~~البلاد العربية والإسلامية المتجاورة ترتبط منذ مئات السنين بروابط قوية إذا تعهدها من ~~يعنيه أمرها ازدادت متانة وقوة، وليس أحب إلي من أن تتحد هذه البلاد كلها في ~~أغراضها مع بقاء كل منها محتفظا بكيان سياسي له وحده الخيار في تغييره، لكنني أقول ~~لك: إن الدعوة إلى هذه الوحدة لا يجوز الاعتماد فيها علينا معشر الملوك، ولا يجوز ~~الاعتماد فيها على الحكومات؛ فنحن ms143 مرتبطون مع أسلافنا بماض له فينا أثر لا نستطيع ~~الفكاك منه، ونحن مرتبطون كذلك باعتبارات سياسية لها عندنا وزنها، ثم إن للملوك مطامع ~~تجعلهم يحيدون، حرصا على تحقيقها، عن الفكرة التي لا يضطر أمثالك أن يحيدوا عنها ~~لمثل هذه الاعتبارات، والحكومات خاضعة للأحوال المحيطة بها، مضطرة لمجاراة ظروفها، ويوم ~~علمت أن سعد زغلول قبل تولي الوزارة في مصر لم يخامرني ريب في أنه سيضطر إلى النزول ~~على حكم الظروف في أمر الغرض الذي ندب نفسه كي يحققه لبلاده، فأما الرجال الذين يؤمنون ~~بفكرة ويهبون لها حياتهم، لا يبتغون من ورائها حكما ولا سلطانا، وإنما يريدون لها ~~أن تتحقق، فأكثر أمرهم أن يصلوا إلى غايتهم، وفكرة الإخاء الإسلامي فكرة سامية بلا ريب ~~من غير حاجة إلى سند لها من وحدة سياسية تؤازرها، وإني لأرجو لك ولأمثالك ممن يدعون ~~إليها التوفيق والنجاح. # واعتدل ابن السعود ووقف بقامته الطويلة ومد إلي يده الضخمة وصافحني بحرارة، ورجا ~~لي الخير قائلا: اعتمد علي يا أخي واعلم أنني دائما أخوك. فشكرت له هذه العواطف ~~وودعته راجيا أن أراه من بعد بالحجاز وبنجد حين أعود إلى هذه البلاد. # خرجت من عنده وهبطت الدرج يتقدمني حاجبه، وألفيت وزير المالية وأمين العاصمة بالطابق ~~الأول، فلما رأياني ذكرا لي والغبطة بادية عليهما أنني قضيت مع الملك ساعة كاملة، ~~وبادلني وزير المالية التحية، وعدت مع مضيفي أمين العاصمة إلى داره وأنا أفكر في هذا ~~الملك البدوي وحديثه، وأذكر ما قاله لي أولئك الصحفيون الغربيون الذين أعجبوا بذكائه ~~ومقدرته على كسب محدثه، وأذكر حديث أولئك الحجازيين الذين كانوا خصومه أول دخول ~~النجديين مكة، والذين بلغت خصومتهم أن هجر أكثرهم بلاده، فذهب منهم إلى الهند من ذهب، ~~وذهب إلى جاوة من ذهب، ثم عادوا بدعوة منه وأصبحوا اليوم في مقدمة العاملين مع رجال ~~حكومته من أهل نجد. # من هؤلاء شاعره اليوم الأستاذ إبراهيم الغزاوي، فقد هجر هذا المكي الحجاز وذهب إلى ~~الهند وأقام بها، واحتمل لفراق أهله وذويه أشد الألم، ثم لم يعد ms144 إلا بدعوة من ~~ابن السعود وإلحاح من أهله أن يرجع إليهم ليرى بعينه أن الأحوال بالحجاز صارت إلى خير ~~مما كانت عليه في كل عهد سلف، ومنهم الشيخ طاهر الدباغ الذي يتولى اليوم إدارة ~~المعارف، والذي سافر مع الغزاوي إلى الهند وظل مقيما بها إلى ما بعد عودة الغزاوي ~~منها، وغير هذين كثيرون كانوا كلهم يتمنون أن تكون حكومة الحجاز للحجازيين، وأن يكون ~~ملك الحجاز رجلا من أهل الحجاز، لكنهم جميعا يقرون بأن أحوال الحجاز اليوم خير مما ~~كانت في أي عهد عرفوه. # ولقد أقر هذا القول كثيرون من غير أهل الحجاز، ومنهم جماعة من بني وطننا المصريين، ~~فقد تحدثت إليهم وسألتهم فيما يشكو بعض شبان الحجاز منه من إنفاق أموال الدولة في أمور ~~ليست جليلة الخطر في حياة الدولة، ومن إسناد أعمالها إلى غير أبنائها، فقيل لي: إن ~~كثيرا من الأمور في حاجة إلى الإصلاح هنا، ومن المستطاع أن توزع ميزانية الدولة على ~~نحو أكثر فائدة وجدوى مما يحدث اليوم، فأما ما لا مرية فيه فهو أن الحجاز لم يتمتع ~~منذ مئات السنين بما يتمتع به اليوم من أمن، وأن الأخلاق العامة في المدن أرقى كثيرا ~~مما كانت، وأن ما ينفق في التعليم وما إليه من مرافق الإصلاح أكثر مما كان ينفق في ~~العهود السالفة جميعا، قال لي طبيب مصري أقام بمكة سنوات طويلة: «إنني لم أر فيما رأيت ~~أو سمعت عهدا كهذا العهد بالنسبة للحجاز، وحسبي أن أذكر لك أن أم القرى هذه كانت ~~مثلا في الاستهتار الخلقي قبل حكم النجديين، حتى لقد كان الرجل لا يأبى أن يسير وفي ~~صحبته غلام يعرف الكل صلته به، وأن كل شيء فيها كان مباحا في رأي أهلها؛ لأن الحج ~~إليها مصدر المغفرة، أما اليوم فلا يقع شيء من ذلك في العلن، وما يتصل أمره بأولي الشأن ~~مما يقع خفية يعافه الناس فلا يجد مشجعا عليه، ولو أن الحكومة وجدت أموالا أكثر مما ~~تجد، ورجالا أقدر وأكثر كفاية ممن عندها اليوم، ms145 لاستطاعت أن تقوم بأضعاف ما قامت به من ~~إصلاح.» # ولقد أبدى مثل ملاحظة الطبيب المصري بعض رجال الحكومة العربية السعودية حين ذكروا ~~أن ابن السعود قد شغل منذ فتح الحجاز بحروب خارجية، وثورات داخلية استنفدت الكثير من ~~جهده ومن مال الدولة، ولولا ذلك لكان الإصلاح أشمل وأوضح. ويرجع بعض الثورات إلى أن ~~قوما من رءوس العشائر الذين أخلصوا للدعوة الوهابية ما أخلص ابن السعود، كانوا يبالغون ~~في إخلاصهم، حتى ليعتبرون غيرهم من المسلمين كفارا ومشركين؛ لذلك لم يرضهم أن يتصالح ~~ابن السعود مع غيره من المسلمين على المذهب، أو يتهاون فيما يرون التهاون فيه إقرارا ~~للكفر، ومن ثم لم يستطع ابن السعود أن يوجه من الجهود إلى الإصلاح غاية ما يرجو؛ لأن ~~الاستقرار الواجب للقيام بالإصلاح ما يزال معرضا لهزات الثورات، والحروب تستنفد من ~~أموال الدولة أكثرها. # أما عن الرجال وكفايتهم فلابن السعود فيهم رأي لم يضن علي به أثناء هذا الحديث ~~الذي رويته، قال: لقد فكرت في الاستعانة برجال من المشهود لهم بالقدرة والكفاية من أهل ~~البلاد الإسلامية المختلفة، لكنني قدرت أن يكون لهؤلاء الرجال من المطالب في الإصلاح ~~ما قد تنوء به موارد هذه البلاد، فإن أن أجبتهم إلى إصلاح لا أشك في فائدته اضطررت إلى ~~اقتضاء أموال لا يهون على الناس دفعها فتعرضت لامتعاضهم، وإن أنا لم أجبهم إلى ما ~~يطلبون من هذا الإصلاح خلقت لنفسي منهم خصوما، وما أشد حاجتي إليهم أعوانا ومؤازرين! ~~لذلك أكتفي بما تطيقه موارد البلاد وما يطيقه أهلها من تدرج بطيء، وقديما قالوا: «في ~~الأناة السلامة.» # لست أريد في ختام هذا الفصل أن أحكم لابن السعود أو عليه، وحسبي ما قصصت من هذا ~~الحديث الذي رويته عنه، وهذه الأنباء التي يقصها الناس عن آثار حكمه، وإنما أضيف إلى ~~ما سبق أن الرجل خرج بنجد من عزلة كانت فيها بعيدة عن العالم، وأتاح لهؤلاء البدو أن ~~يتصلوا من طريق المخترعات الحديثة بعالمنا السريع التغير والتطور، فهذا النجدي الذي كان ~~لا يعرف غير بعيره ms146 أو جواده من عشر سنوات مضت قد ألف السيارة والطيارة والإذاعة ~~اللاسلكية، وأدرك أنها من عمل الإنسان، وكان يحسبها من قبل من عمل الشيطان، وهو اليوم ~~يفيد من مزاياها ما يقربه من العصر وأهله وما يعده لتطور سريع لعلنا نراه بأعيننا ~~قريبا. # روى بعضهم حديثا لطبيب أوروبي يقيم بالأحساء أو بالكويت يدعى الدكتور «ديم» قال في ~~أثنائه: «لقد غزا أهل نجد الحجاز بقوة سواعدهم وثابت يقينهم، ولم يجد الأعرابي القليل ~~الحاجات والمطامع مشقة في الانتصار على ابن الحجاز الذي ألف رخاء العيش وطمأنينته، ~~لكن أهل الحجاز غزوا نجدا في حياة أهلها وفي عاداتهم غزوا أعمق أثرا، فهذه الصمادة ~~الحجازية البيضاء النظيفة قد بدأت تحل عند النجديين محل صماداتهم ذات المربعات ~~الحمراء، وأهل نجد يشربون الشاي اليوم أكثر مما يشربه أهل الحجاز، وكانوا قبل الغزو لا ~~يعرفونه ولا يعرفون القهوة، ومن طريق العيش ورخائه بدأت أخلاق أهل نجد تعرف الهوادة ~~والتسامح، وكانت من قبل متعصبة لا يطيق أحدهم أن يضع يده في يد من لا يدين بمذهبه ولا ~~يعتقد عقيدته.» # مدلول هذه العبارة من كلام الدكتور «ديم» أن تبادل الغزو بين أبناء نجد وأبناء الحجاز ~~قد مهد الطريق لوحدة في شبه الجزيرة أدنى إلى الاتصال بحياة العالم الحاضر، وأدنى ~~كذلك إلى انتشار قوة جديدة في حياة هذا العالم لم تكن معروفة من قبل. # وابن السعود هو الذي مهد لهذه الوحدة، وهو الذي لفت أنظار المسلمين في مختلف أنحاء ~~العالم إلى البلاد العربية وأهلها، ولم يكن يفكر أحد فيها من قبل إلا من جهة أنها ~~البلاد المقدسة. # ترى هل لهذا البعث من مغزى في حياة العالم الإسلامي؟ لا يزال الجواب عن هذا السؤال ~~مطويا في ضمير الأيام. # | الجمعة في الحرم # المسجد الحرام مثابة المسلمين الذين يفدون إلى مكة من أقطار الأرض جميعا في أشهر ~~الحج؛ وهو مثابتهم ما أقاموا بأم القرى؛ يفدون إليه لصلاة الفجر وعند الظهيرة، ويعودون ~~إليه لصلواتهم الأخرى، وللطواف بالبيت كلما هوت نفوسهم إلى التطوف به، وهم يقضون ~~فيه ms147 الساعات الطوال يتحدثون أثناء النهار، ويستمعون إلى جماعة من الفقهاء يحدثونهم في ~~الإسلام ويفقهونهم في الدين قطعا من الليل، وإن منهم لمن يقضي فيه يومه يجاور ~~البيت، ومنهم من ينصرف نهاره إلى شئون الحياة، فإذا أقبل الظلام قضى بالمسجد ليله يقوم ~~إلا قليلا، يذكر الله كثيرا، ولا ينال من النوم إلا القدر الذي يكفيه لسعي النهار ~~وتهجد الليل. # لذلك قل أن يصلي بغير المسجد الحرام أحد من المقيمين بمكة على كثرة مساجدها، وما ~~رأيت أحدا قام بهذه المساجد مصليا على كثرة مروري بها ووقوفي عندها، ولا تقام بها ~~صلاة الجمعة مطلقا، ومن ذا الذي تطاوعه نفسه وهو بمكة على أن يصلي بمسجد غير المسجد ~~الحرام والإجماع منعقد على أن مثوبة الصلاة به تزيد على مثوبة الصلاة بغيره أضعافا ~~مضاعفة؟ وهذا الإجماع صحيح أساسه، فالإسلام دين جماعة ودعوة للجماعة، ولا شيء يمقته ~~الإسلام كالخروج على الجماعة في غير حق، ولا تجد الجماعة بمكة مكانا كالمسجد الحرام ~~مقام بيت الله لتقوم بفروض الله فيه. # وصلاة الجمعة بالحرم من أروع مظاهر الإيمان في الجماعة الإسلامية، هذا الإيمان ~~القوي في بساطته، البالغ في قوته، الذي يجمع بين الحرية والنظام جمعا لم أقف على ~~ما يقرب من رفعته في أي من الملل والنحل الحديثة أو القديمة التي اطلعت عليها، ~~ولقد رأيت في أسفاري الكثيرة ببلاد يدين أهلها بغير الإسلام من شعائر العبادة ومن نظم ~~الجماعة ما فيه مهابة ورهبة ونظام، ولقد حضرت صلاة الجمعة في بلاد إسلامية شتى، ولكني ~~لم أر في شيء من ذلك ما قد يقرب في جلال مظهره وقوة روعته، وفي جمعه بين الحرية ~~والنظام، وبين الاعتداد بالذات والإسلام لله، مما رأيت في صلاة الجمعة بالمسجد الحرام، ~~ولم يطبع شيء من ذلك كله من الأثر العميق في نفسي ما طبعته صلاة الجمعة بالمسجد الحرام ~~من أثر بالغ في عمقه، فما أفتأ كلما أذكره أشعر به متغلغلا في أطواء روحي، يسمو بها ~~إلى ذروة الإيمان، ويرقى بها إلى ما فوق مستوى الإنسانية الذي ms148 نألفه. # قصدت إلى المسجد ومعي صاحبي، ودخلنا وما يزال بيننا وبين أذان الظهر فسحة من الوقت ~~تزيد على ربع الساعة، مع ذلك وجدنا الأماكن الظليلة حينما دخلنا صحن المسجد قد اكتظت ~~بالذين سبقونا إليها، وبقي صحن المسجد خاليا إلا من حمام الحمى، وسرنا نتخطى ~~الصفوف نلتمس لنا فرجة للصلاة، فلا تقع العين بين الجالسين على موضع لواقف، ثم رأيت ~~صاحبي وقف على قوم وتحدث إليهم، ثم أشار إلي فدنوت منه، فتفسح القوم حتى استطعت ~~أن أقف بينهم، وانطلق هو بين الصفوف يلتمس لنفسه مكانا آخر، وصليت ركعتين ثم جلست ما ~~استطعت أن أجلس، وسرحت الطرف فيما حولي، وأسرع إلي جار يميني وجار يساري فمد كل ~~منهما يده مسلما علي، بعد أن أتممت ركعتي، سلام تحية فيه مودة وفيه إخاء، ~~وتفرست أثناء السلام في وجه كل منهما فلم تهدني سيما أيهما إلى جنسيته، ولا ~~دلتني على شيء إلا أنه ليس من أهل هذه البلاد، وعدت أسرح طرفي ناحية صحن المسجد ~~فإذا الناس يفدون إليه في سيل دافق، يحاول السابقون منهم أن يكون مجلسهم أدنى إلى ~~منبر الخطيب أو إلى أحد المكبريات حول الكعبة، وامتلأ الصحن في دقائق حتى لم يبق موضع ~~لواقف، وجعل الوافدون إليه يتخطون صفوفه يلتمسون لهم مكانا كما كنا نتخطى الصفوف في ~~ظلال القباب نلتمس لنا مكانا، ومنهم من إذا تهيأ له المكان جلس فيه، ومنهم من يؤدي ~~للمسجد تحيته بصلاة ركعتين، ولما لم يبق بالمسجد موضع أقام الناس خارجه يأتمون لصلاة ~~الجمعة بإمامه، مكتفين بصلاة الجماعة وثوابها، وإن لم يكن لهم ولا لكثيرين ممن وصلوا ~~المسجد رجاء في سماع خطبة الإمام. # وعلا صوت المؤذن بالنداء للصلاة: الله أكبر، لا إله إلا الله، محمد رسول الله، حي ~~على الصلاة، حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، ما أجمل هذا ~~النداء وأعظم وقعه في النفس! إنها لتهتز له وتفيض حين سماعه إكبارا وتقديسا، والقلب ~~والروح وكل جارحة وكل عضو تتجاوب لسماعه وتردد صداه في إيمان ms149 وإسلام، وكلما ألقى المؤذن ~~مقطعا منه دوى المسجد بالجواب عليه صادرا من عاطفة قوية في صدق إيمانها بالله؛ فلا ~~يكاد المؤذن ينادي : «الله أكبر، الله أكبر»، حتى يجيبه المسجد كله كتلة واحدة: «الله ~~أعظم والعزة لله»، ولا يكاد ينتهي من ندائه: «حي على الصلاة، حي على الفلاح» حتى ~~يدوي المسجد كله مجيبا: «لا حول ولا قوة إلا بالله»، ويربط هذا النداء وتربط هذه ~~الإجابة بين قلوب المصلين برابطة تزيد إخاءهم في الله قوة على قوة، فتنهار الفوارق ~~بينهم، ولا يبقى منهم قوي وضعيف، ولا غني وفقير، بل يصبحون رجلا واحدا وقلبا ~~واحدا كله الإيمان بالله، والتوجه إلى جنابه - جل شأنه - توجه صدق وإخلاص. # وأتم المؤذن أذانه، فقام من شاء يصلي ركعتين لله تعالى، وأقام القوم بألوفهم المؤلفة ~~ينتظرون خطبة الخطيب ليؤمهم بعد ذلك في صلاة الجمعة، وسكن كل من في المسجد وما فيه حين ~~بدأ الخطيب يتكلم، أما نحن البعيدين عنه فلم نسمع مما قال شيئا، وما أحسب الأكثرين من ~~الحاضرين كانوا خيرا منا في ذلك حظا، أنى لصوت رجل ينطلق في الفضاء فلا يحجزه ~~جدار أن يصل إلى هؤلاء الذين جلسوا في مئات متلاصقة من الصفوف وكلهم متوجه إلى ناحية ~~الكعبة من جهاتها الأربع؟ قلت في نفسي: أليس من الخير أن يستعين الخطيب بمكبر للصوت ~~ينقل خطبته إلى جميع المصلين في المسجد وفيما وراء جدرانه؟ إن خطبة الجمعة ركن من ~~أركانها، والغرض من خطبة الجمعة إرشاد الناس إلى ما يجب عليهم في أمر دينهم ودنياهم حسب ~~الأحوال المحيطة بهم، وهي تتكرر في كل أسبوع؛ لأن الحوادث تتلاحق بما يحتاج الناس معه ~~إلى من يرشدهم إلى الخير يسلكون سبيله، وأي رشد إذا لم يسمع الناس لقول المرشد؟ وما ~~أحرى هذا المرشد أن يهون عليه أمر خطبته إذا علم أن الناس لا يسمعونها! وما أحراه أن ~~يعيرها كل عناية متى علم أنهم جميعا يسمعونها ويفيدون منها! ولقد رأيت خطباء ذوي ~~رأي وبصيرة يوجهون الناس في بعض مساجد القرى توجيها ينتظم حياة ms150 القرية كلها، فما ~~أجدر خطيب المسجد الحرام أيام الحج أن يحيط خبرا بأمر المسلمين كافة، وأن يصل إلى ~~المصلين صوته؛ ليكون لهم هداية ورشدا. # وفهمت أن الخطبة تمت حين نودي للصلاة من فوق المبلغات - أو المكبريات إن شئت، ~~وقام الناس جميعا من أقصى المسجد إلى أقصاه يأتمون للصلاة، وكان كل يكبر بعد نية ~~الصلاة ثم يقف خاشعا مطرقا ذاكرا قوله - تعالى: # وإذا قرئ ~~القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ~~، وإن لم يستمع إلى قراءة الإمام ~~إلا الذين كانوا على مقربة منه، ساد هذه الألوف المؤلفة صمت خشوع كله جلال ورهبة؛ جلال ~~النظام ورهبة الإيمان، فهم جميعا يستمعون إلى الإمام يتلو «الفاتحة» في صمتهم المهيب ~~كأنهم في ساعة الحشر إكبارا وتقديسا، فلما أتم الإمام تلاوته انفرجت الصدور كلها عن ~~«آمين» قيلت في خشوع وصوت خافض، ودوى المسجد بها فازدادت القلوب والمشاعر رهبة ~~واهتزازا، ثم انطلق كل يتلو الفاتحة، وصمت الإمام، فلما أتموها تلا هو ما تيسر من ~~القرآن، ثم كبر وكبر المبلغون على أثره، وركع هذا الجمع الحافل كله يسبح بالله ~~العظيم، وكبر المبلغون، فاعتدل الناس؛ ثم كبروا فسجدوا يسبحون باسم ربهم الأعلى، ~~وكبروا للركعة الثانية، فتلا الإمام الفاتحة ودوى المسجد من بعده ب «آمين»، وكبر الناس ~~وركعوا، وكبروا وسجدوا وتلوا التحيات ثم ختموا صلاتهم بتحية الختام: «السلام عليكم ~~ورحمة الله» لافتين رءوسهم ناحية اليمين فاليسار. # لم تترك صلاة لجماعة ولا تركت صلاة لجمعة في نفسي من الأثر ما تركته هذه الصلاة في ~~الحرم، ولطالما وازنت بين صلاة الجماعة يقوم بها المسلمون في مساجدهم وما رأيت من صلوات ~~في الكنائس المختلفة، فألفيت صلاة المسلمين أعظم في النفس أثرا؛ لأنها توجه لله ~~الأحد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، ولأن المسلم هو الذي يصلي بنفسه، ويتصل ~~بالله بقلبه، ويستغفر الله عن ذنبه، ليس للإمام عليه سلطان، بل يقف عمل الإمام عند ~~تنظيم صلاة الجماعة، بلا قيد لحرية الفرد في صلته بربه إلا عمله وتقواه، أما صلاة ~~الجمعة في الحرم فقد اهتز ms151 لها كل وجودي، وقد أثارت أمام ذهني صورة مجسمة من المعاني ~~السامية كنت أقدسها من قبل ولكني لم أكن ألمسها لمسا ماديا ، ولم أكن أراها بارزة ~~بالوضوح الذي رأيتها به أثناء هذه الصلاة ولا إثرها، ولقد جلست مكاني والناس ينصرفون ~~من المسجد أفكر فيما رأيت فلا أجد من مزيد التفكير فيه إلا مزيدا في تأثري به ~~وإكباري له، ولولا أن جاء صاحبي يدعوني لمغادرة المسجد إلى الدار لأقمت حيث كنت ~~مسترسلا في تفكيري ملتمسا العبرة البالغة منه، وما أكبرها عبرة وما أبلغها ~~عظة! # وأبلغ أثر تركته هذه الصلاة في نفسي هذا النظام الكامل لعشرات ألوف يخطئها ~~العد عن إسلام به، وإيمان بوجوبه، وحب إياه، وإقبال عليه، فها هي ذي عشرات الألوف ~~تقف وراء الإمام صامتة خاشعة متجهة بكل قلوبها إلى الله مؤمنة إيمانا كاملا بكل كلمة ~~وكل حرف من هذه السبع المثاني التي يتلوها الإمام إذ يتلو سورة الفاتحة، ثم تتلو هذه ~~السبع المثاني من بعده؛ تحمد الله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، لا تعبد ~~إلا إياه، ولا تستعين إلا إياه، تستهديه الصراط المستقيم صراط الذين أنعم عليهم فلم ~~يغضب عليهم ولم يضلوا. # وها هي ذي عشرات الألوف من كل الأجناس والألوان واللغات ينتظمها إيمان واحد بهذا الذي ~~تتلو، إيمان لا يتلجلج ولا يكبو، فإذا سمعت التكبير للركوع ركعت جميعا مؤمنة تسبح ~~بحمد ربها العظيم الذي تؤمن به وتقدسه، وإذا سمعت التكبير للسجود سجدت تسبح بحمده ~~كرة أخرى، وها هي ذي تعيد في الركعة الثانية حمدها وتسبيحها واستغفارها ربها ~~وعبادتها إياه واستعانتها به في مثل نظامها في الركعة الأولى، وتتوجه كل هذه الألوف في ~~هذا النظام الذي يأخذ بالقلوب والأفئدة إلى بيت الله من جوانبه الأربعة. # أي جيش جيش الإيمان هذا؟! وأية قوة في العالم تستطيع أن تغلب هذا الجيش لو أنه ~~عرف كيف ينظم الحياة مثل نظام الصلاة الجامعة، وأن يجعل الإيمان قواما لنظام الحياة ~~كما أنه قوام هذه الصلاة، ألا لو أن ذلك كان واجتمع من ms152 في الأرض جميعا لم غلب قوما ~~ذلك إيمانهم، وذلك نظامهم، وذلك سموهم إلى الله، وهذه عبادتهم إياه وحده لا شريك ~~له. # الإيمان قوام هذا النظام البالغ في كماله، الذي جمع الأوروبي والإفريقي والآسيوي ~~وأهل الأرض جميعا في صعيد واحد، والإيمان هو الذي جعلهم إخوة متفاهمين على تباين ~~لغاتهم واختلاف أجناسهم، وإيمانهم له كل هذا السلطان؛ لأنه إيمان تجرد من كل ما سوى ~~الفكرة السامية، لا تشوبها شائبة، ولا تندس إليها غاية من غايات هذه الحياة الدنيا؛ ~~الفكرة المجردة من كل مطمع ومن كل هوى إلا رضا الله رضا يستعذب المسلمون التضحية بكل ~~شيء في سبيله، التضحية بالهناءة والطمأنينة، وبالمال والجاه، وبكل ما في الحياة، بل ~~بالحياة نفسها، وهذه الفكرة السامية يؤمن بها عشرات الألوف هؤلاء، ويؤمن بها المسلمون ~~جميعا، تتلخص في كلمتين اثنتين هما أبلغ وأقوى ما عرفت الإنسانية منذ وجدت، ولا يمكن ~~أن تعرف أبلغ ولا أقوى منهما إلى أن يبيد الله الأرض وما عليها: «الله أكبر». # نعم! هاتان الكلمتان هما أبلغ ما عرفت الإنسانية، وما يمكن أن تعرف، هما مظهر السمو ~~الإنساني على ما يتصل به الإنسان من سائر الكائنات، وهما مظهر سمو النفس وقوتها، فلا ~~يعتريها ضعف ولا يزعزع منها سلطان، يكفي أن يحيط الإنسان بمعنى هاتين الكلمتين كاملا، ~~وأن يؤمن به إيمانا صادقا ليتصل بالله اتصالا صحيحا، وليرقى بهذا الاتصال فوق ~~الألم، وفوق الأمل الخادع، وفوق الغرور الكاذب، وفوق كل ما في الحياة الدنيا، إننا - ~~نحن المسلمين - لنسمع هاتين الكلمتين ولنقولهما في كل يوم عشرات المرات؛ نسمعهما مرات ~~ساعة الأذان، ونسمعهما ونقولهما مرات حين الصلاة، ونرددهما في مناسبات كثيرة ونؤمن بهما ~~حقا، لكن الكثيرين منا يؤمنون بهما ولا يحيطون بمعناهما إحاطة إدراك تام وشعور ~~متنبه لهذا المعنى. # فما أعظم سلطان المال وما أكبر حكم أصحابه! نعم! لكن الله أكبر، وما أعظم سلطان هذا ~~الملك الحاكم فوق العباد! نعم! لكن الله أكبر، وما كان أعظم سلطان رومية وامتداد ~~إمبراطوريتها! نعم! لكن الله أكبر، وما أعظم سلطان الإمبراطورية ms153 البريطانية التي لا ~~تغيب الشمس عن أملاكها! نعم! لكن الله أكبر، وما أعظم سلطان أوروبا سلطانا تحكم به ~~الشرق وتتحكم به في مصير العالم كله! نعم! لكن الله أكبر، فإذا أنت اتصلت بالله وحده، ~~وعبدته وحده، واستعنته وحده، لم يكن للمال ولا للملك ولا للإمبراطورية البريطانية ولا ~~لأوروبا ولا لقوة من القوى بالغا ما بلغ كبرها أي سلطان عليك. # وما هذه القوى جميعا وهي لا تساوي عند الله جناح بعوضة؟! وإن من التجديف حين نذكر أن ~~الله أكبر من كل كبير وأعظم من كل عظيم أن نذكر هذه القوى الضئيلة في حياة الكون والتي ~~تبدو اليوم وتختفي غدا، وتقوى اليوم وتضعف غدا، وتوجد اليوم وتنعدم غدا، يبتلع ~~البحر من الأرض ما شاء الله أن يبتلع، ويذهب الأقوياء فلا يبقى لهم بعد ذهابهم إلا ~~ذكر قوتهم، لكن الأرض التي يسير عليها هؤلاء يعيشون ويأكلون وإلى ثراها يرجعون، ما ~~أكبرها! لكن الله أكبر، والشمس ما أكبرها! لكن الله أكبر، والوجود كله من محسوس نشهده ~~وغائب نتوسمه ما أكبره! لكن الله أكبر، وسع كرسيه السموات والأرض ولا يئوده ~~حفظهما وهو العلي العظيم. # وعبادة الله والاستعانة به تقتضيانك علم ما خلق، والسعي في مناكب الأرض، وإدراك أسرار ~~الحياة، وأنت أعظم اتصالا بالله كلما كنت من هذا العلم وهذا السعي وهذا الإدراك أكبر ~~حظا، وإيمانك الحق بهاتين الكلمتين ينقلب إيمانا آليا لا ينفع ولا يضر إذا لم ~~تسع ولم تدرك ولم تتصل بنوره العظيم، إذا علمت هذا وعملت به ودأبت لتدرك عظمة ~~الله في خلقه مما نرى وما لا نرى، وما نحس وما يجاوز إحساسنا؛ إذن فلن يغلبك غالب ~~وأنت فرد، فأما إن علمته أمة وعملت به وآمنت عن إدراك صحيح بأن الله أكبر؛ فقد ~~حق لها أن تتولى هدى العالم إلى الحق في أسمى صوره وأرقى درجاته، هدى يصل ~~بالإنسانية إلى ما تبغي من مجد الإخاء في الله؛ إخاء هو وحده الجدير بالإنسانية حين ~~تبلغ من التقدم درجة حسنى. # ما بال هذه الألوف المؤلفة ms154 من المسلمين الذين يصلون الجمعة في الحرم؟! ثم ما بال ~~إخوانهم الملايين من المسلمين المنتشرين في بقاع الأرض جميعا، وهم يؤدون صلاتهم في ~~هذا النظام البالغ ويسمعون هاتين الكلمتين ويكررون في صلاتهم: «الله أكبر» مرات وعشرات ~~المرات؟! ما بالهم فيما هم فيه من ضعف وجمود وخضوع لسلطان الغير وحكمه؟! فكرت في ~~هذا حين أويت إلى الدار واعتكفت في غرفتي، فكرت فيه متألما ثائرا بهؤلاء الذين أوتوا ~~أسباب القوة فضعفوا وهانوا، وأوتوا سبيل العزة فذلوا واستكانوا، وكيف لا تثور ~~النفس حين ترى هذا النظام البالغ ثم ترى ما هم فيه من هوان وفوضى، ومن شأن من ينتظمهم ~~الإيمان السليم به أن يكونوا العزة والقوة؟! ولم ألق عسرا في الوقوف على علتهم، ~~فنظامهم هذا ينقصه الروح؛ ولذلك غاضت حياته، فانقلب آليا، فانقلبت على أهله غايته، ~~وهذا هو السبب فيما هم فيه وما سيظلون فيه، حتى يغيروا ما بأنفسهم ليغير الله ما ~~بهم. # الروح ينقص هذا النظام - لا ريب؛ الروح المستمد من الإيمان الكامل، أليس رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يقول: «لا يكمل إيمان أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»؟ والكثرة من هؤلاء ~~المصلين لا يفكر أحدهم في أخيه ولا يحب إلا نفسه، هو لم يحضر إلى مكة ولم يفرض الحج ولا ~~يستوي مع الناس في صلاة الجماعة بالحرم؛ ليكون لإخوانه المؤمنين كالبنيان المرصوص يشد ~~بعضه بعضا، بل جاء إلى مكة حاجا وحضر صلاة الجماعة ابتغاء المغفرة لنفسه والثواب ~~لنفسه دون تفكير في المؤمنين ممن حوله، وليس هذا شأن المسلمين اليوم وفي هذا العصر ~~الأخير وكفى، بل هو شأنهم - مع الشيء الكثير من الأسف - منذ مئات السنين التي خلت، منذ ~~انتقل الأمر بينهم من الشورى إلى الاستبداد، ومن الاجتهاد إلى التقليد، ومن الاستهانة ~~بالموت إلى حب الحياة، ومن عبادة الله وحده إلى عبادة المال وأرباب المال، من ذلك اليوم ~~البعيد عنا، حينما كان تاريخ الأمة الإسلامية ما يزال مزدهرا، بدأت الأثرة تبلغ ~~من المسلمين أن صار أحدهم لا يعرف إلا نفسه ms155 ولا يحب إلا نفسه، ويحسب مع ذلك أنه يستطيع ~~الوصول إلى رضا الله باعتزال إخوانه المؤمنين وبالانقطاع عن التفكير في أمرهم إلى ~~التفكير في أمر نفسه. # ومن يومئذ نسي المسلم أنه إذ يقول وهو يصلي لله: «إياك نعبد وإياك نستعين»، أنه ~~يتحدث عن نفسه وعن إخوانه المؤمنين، وكأنما خيل إليه في غروره أنه بهذه الصيغة يعظم ~~نفسه وهو يخاطب ربه، وحيثما بلغت الأثرة من النفوس هذا المبلغ ضعف إيمانها وتزعزع ~~يقينها وتعلقت بالحياة وأذعنت خاضعة لكل سلطان يملك عليها أسباب المادة في الحياة، ~~هنالك تنزوي الروح ويضمحل سلطانها على النفس، وهنالك تتهلهل أواصر الاتصال بين المؤمنين ~~وتضعف أخوتهم فيضعفوا جميعا، وهنالك تصير حياتهم حياة أفراد تنتهي بالموت، لا حياة ~~أمة تتصل على الزمان ولها في شهدائها وفي موتاها أعلام مجد وعزة تتعلق بها وتضحي ~~للاحتفاظ بما شادوا من هذا المجد ولإكباره والمزيد منه. # وذكرت وأنا أفكر في هذا وفي مثله أولئك المسلمين الأولين الذين كانوا يجيئون للصلاة ~~عند الكعبة - كما نجيء نحن للصلاة عندها اليوم - فيصدهم المشركون ويؤذونهم ويبالغون ~~في تعذيبهم، لم يكن يومئذ حول الكعبة مسجد معمور تحيط به هيبة الإسلام شأن المسجد ~~الحرام اليوم، بل لم يكن حولها مكان مسور، إنما كان حرمها متصلا بالطريق ومتصلا ~~بالمساكن اتصال المسعى بين الصفا والمروة في وقتنا الحاضر، مع ذلك كان المسلمون الأولون ~~يذهبون إلى الصلاة متحدين متضامنين، وهم يعلمون أنهم معرضون للأذى وللموت، وأن ~~تحابهم وتضامنهم يجعلانهم أكثر للموت وللأذى تعرضا. # ولقد كثر عدد المسلمين بمكة قبل الهجرة، واعتز الإسلام بحمزة بن عبد المطلب وبعمر ~~بن الخطاب، وجعل عمر يدفع من أذى المشركين للمسلمين ما يستطيع دفعه، مع ذلك ظل المشركون ~~على عداوتهم للنبي وأصحابه وإيذائهم إياهم، وظل المسلمون على تضامنهم وحبهم بعضهم لبعض ~~في الله، وصبرهم على الأذى في سبيل الحق، وإيمانهم بأن النصر لهم ما صبروا، يذهبون إلى ~~حرم الكعبة للصلاة مستهينين بالأذى وبالموت، مؤمنين بأنهم رجل واحد فلا يموتون ما بقي ~~منهم من ينادي مؤمنا: «لا إله ms156 إلا الله الله أكبر»، محبا إخوانه في الله، موقنا أنه ~~لا يكمل إيمانه حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه. # ولم يكن هذا الحب الصادق الذي يكمل به الإيمان حب عاطفة هوجاء يرى صاحبها في ~~الإلقاء بيده إلى التهلكة استهانة بالموت، بل كان حب تعقل وروية، وحرص على معرفة ~~الحياة وما فيها إلى غاية ما يبلغ المرء من معرفتها في ذلك العهد، كان المسلمون يجتمعون ~~بالرسول في كل يوم يتشاورون، وكانوا يتنطسون أخبار المشركين ليقفوا على دخائل ~~نفوسهم، وكانوا ينافسونهم في العلم بالأمور ليدفعوا حجتهم بالحجة وقوتهم بما يستطيعون ~~من قوة، لم يكن أحدهم يرى في الإسلام لله والتوكل عليه ما يصرفه عن التفكير ليومه وغده، ~~ولشد أزر وليه ودفع عدوه، بل كانوا يرون في الإيمان بالله والإسلام له سموا ~~على كل إذعان لغير الله واستهانة بكل مجهود وكل مشقة لبلوغ هذا السمو؛ وبذلك كانوا ~~حربا على كل ضعف في أنفسهم، كما كانوا حربا على قوة خصومهم؛ من أجل ذلك استلوا من ~~نفوسهم كل سلطان للأثرة عليها، فقوي اعتداد الفرد منهم بنفسه وحبه لإخوانه، وبذلك ~~كانوا الغالبين. # وكان لهذا الاعتداد بالنفس مع إنكار الذات أثره في أولي المواهب، وأهل الزعامة ~~منهم، لم يكن أحد من هؤلاء يرضى إذا آمن بشيء أن يكتم إيمانه مخافة ما يجره إعلان هذا ~~الإيمان عليه من أذى، ولم يكن أحدهم ينتظر حتى يرى أين تكون منفعته ليكيف بوحيها ~~رأيه أو عقيدته، بل كانوا جميعا يؤمنون بأن العقيدة والرأي معا ملك «مشاع» للجماعة، ~~فيجب أن يطالعها الفرد بما يرى، وأن يحاول إقناعها به في صراحة وشجاعة وإيمان؛ لهذا ~~نجم منهم القادة وأولو الرأي، وتوارى من جماعتهم المراءون والمنافقون الذين يريدون ~~أن يتخذوا من كل شيء - حتى من الرأي والإيمان به - مطية أهوائهم ووسيلة منافعهم؛ ~~ولذلك آمنوا بأن الروح من عند الله، وأن الحياة الإنسانية متصلة بكلمة الله، وأن الله ~~خلق الإنسان على صورته؛ فهو - من ثم - روح قبل أن يكون مادة، وحياته - من ثم - ~~فكرة متصلة بالروح، ms157 وليست حركة آلية، ولا حركة فطرية كحركة النبات، ولا حركة سليقية ~~كحركة الحيوان. # وحيثما آمن الإنسان بأن الحياة فكرة استهان بالموت في سبيل الفكرة، ومن استهان بالموت ~~عنت له الحياة، وكلما ازدادت الفكرة سموا ازداد صاحبها استهانة بالحياة وسموا ~~لذلك عليها، والجماعة التي تعيش من أجل فكرة إنسانية سامية ولا تخشى الموت في سبيلها، ~~تصل من القوة إلى حيث لايغلبها غالب، كذلك كان شأن الجماعة الإسلامية الأولى، كان ~~الإيمان بالوحدانية يملأ نفوس أهلها، حتى ليصغر كل ما في الحياة إلى جانبه، وكانوا ~~يعلنون إيمانهم هذا ولا يكتمونه؛ لم يكن يصرفهم عنه وعد ولا وعيد، ولم تكن لترد ~~الصادقين منهم تضحية وإن عظمت وإن بلغت التضحية بالحياة؛ وبذلك نصرهم الله وفتح لهم ~~فتحا مبينا. # وإنه ليأخذ مني اليوم العجب حين أرى قوما ينادون بغير هذا الرأي أو يعلمون الناس ~~ما يخالفه، وأعجب هذه التعاليم وأشدها فتكا بالقوى الإنسانية قولهم: إن الإنسان آلة، ~~وأعضاء جسمه كأعضاء الآلة، ووجوده وروحه رهينان بسلامة هذه الأعضاء، رهن حركة الآلة ~~ونشاطها بسلامة أجزائها، فإذا أصاب الإنسان الموت أصبح جثة هامدة كما تصبح الآلة ركاما ~~من أجزائها التي فقدت أسباب الحركة، ويزيد في عجبي ما يزعمه قوم من أن هذه الفكرة ~~الآلية هي أساس الحضارة الغربية التي تحكم العالم اليوم، كأنما تستطيع المادة أو يستطيع ~~شيء غير الفكرة أن يطور الحياة أو ينشئ فيها جديدا. # وهذا القول: بأن حضارة الغرب تقوم على هذه الفكرة الآلية وهم يدل على سوء الفهم ~~لحياة الغرب، فعلماء الغرب ومفكروه يقررون ما عرفته الإنسانية الحية في كل أطوارها ~~من أن الفكرة أساس الحياة وأساس كل نشاط فيها، بل إن حياة العلم في هذا العصر لتستند ~~إلى الكلمة التي قالها «ديكارت» في القرن السابع عشر: «أنا أفكر؛ فأنا إذن موجود»، وليس ~~يصح في الذهن أن يكون التفكير أساس الوجود، وأن يكون الوجود الإنساني آليا لا يساوي ~~الوجود الفطري للنبات والحيوان. # وإنما أدى إلى فكرة الآلية في الحياة الإنسانية أن بلغ بعضهم بالفكرة الروحية ms158 مبلغا ~~أخرجها عن حكم العقل، ثم أراد مع ذلك أن يصورها في صور من المادة، فهوت بذلك فكرته ~~فيها إلى درك الجمود والتعصب، وحيثما قام التعصب ناضله تعصب يضيق به ذرعا؛ من ثم ~~قامت الفكرة الآلية لنضال أوهام زعمها أصحابها صادرة عن الفكرة الروحية، فأما الحق ~~في الغرب والشرق وفي كل زمان فإن الحياة الإنسانية روح قبل أن تكون مادة، وفكرة متصلة ~~بالروح، وليست حركة آلية تنتظم حياة الجسم وحدها. # والنضال هو الذي نزل في الغرب بالمثل الأعلى إلى الرغبة عن النظر في الروح وفي اتصال ~~الإنسان بالكون نظرا طريقه العقل، ثم إلى التقيد بالمحسوسات المادية واستنباط سنن ~~الكون منها بمنطق العقل وحده، على أن كثيرين من كبار علماء الغرب ومفكريه لم يلبثوا حين ~~رأوا ما في هذا التقيد بالحس من حد لحرية الفكر، أن دعوا لتحطيم هذا التقيد، ~~وأن عالجوا الظاهرات الروحية على الطريقة العلمية، طريقة الملاحظة والتبويب والاستنباط، ~~آملين أن يصلوا من هذا الطريق إلى نتائج أسمى أثرا من ثمرات النظريات النفعية ~~والمادية في الخلق وفي الحياة، وفي اتصال الإنسان بالوجود وبارئ الوجود، وما يحاول ~~الغرب اليوم من سمو هو ما حققه الإسلام منذ نشأته للذين دانوا به. # لذلك كان الروح أساس ما دعا إليه من نظام ومن حرية؛ ولذلك كان المسلمون الأولون أشد ~~حرصا على حرية أرواحهم منهم على حرية أبدانهم، وكانوا يفتدون حرية الروح للفرد بكل قيد ~~للبدن، ويفتدون نظام الروح للجماعة بما شهدت في صلاة الجمعة بالحرم، لم تكن المظاهر ~~تغريهم عن الحقيقة، ولا كان الغلاف يحجب اللب عن أنظارهم، لم يعنهم أن كان المسجد ~~مما حول الكعبة غير مسور، ولم يروا في بيت الله إلا أنه منارة روحية يتوجه إليها ~~المسلمون جميعا على أنه الجامع لقلوبهم ولإيمانهم وتوحيدهم ربهم، لم يتوجه أحد إلى ~~الكعبة بالعبادة لأنها بيت الله، بل قصروا جميعا عبادتهم على رب البيت، كان عمر بن ~~الخطاب يقول وهو يقبل الحجر الأسود حين طوافه: «والله لولا أني رأيت رسول الله ~~يقبلك ما ms159 قبلتك»، وكذلك كان هداهم روحيا في كل شيء، وكانوا يلتمسون هذا ~~الهدى في كل ما يقع عليه الحس ليروا فيه سنة الله لا تبديل لها، وآية الله شهيدة ~~بربوبيته جل شأنه. # ولم يفكر المسلمون في أن يسوروا ما حول الكعبة ليتخذوا من سياجه قدسا لصلواتهم ~~إلى أن اختار الرسول الرفيق الأعلى وطيلة خلافة أبي بكر، وعلى عهد عمر امتد الفتح ~~الإسلامي وكثر الذين يشهدون الحج، وضاق الفضاء المحيط بالبيت بهم حين الصلاة؛ إذ كانوا ~~يدخلون إليه من الأبواب القائمة بين الدور المحدقة به، عند ذلك اشترى عمر دورا ~~حول الكعبة وهدمها وأدخلها في حرمها وأحاطها بجدار قصير، ولقد أبى بعضهم يومئذ أن ~~ينزل على إرادة عمر، فأجلاهم عن دورهم ووضع لهم ثمنها في خزانة الكعبة، وقال لهم: إنما ~~نزلتم على الكعبة فهو فناؤها، ولم تنزل الكعبة عليكم، وازدادت رقعة الفتح الإسلامي في ~~زمن عثمان، وازداد الذين يشهدون الحج عددا، فاحتذى عثمان مثال عمر وأضاف إلى الكعبة ~~دورا اشتراها. # كان المسجد الحرام يومئذ محاطا بجدار قصير وكان غير مسقف، وكان الناس يجلسون حول ~~البيت وحول جدران المسجد بالغداة والعشي يتفيئون الظلال، فإذا تقلص الظل تفرقت ~~المجالس، ولم يفكر أحد من خلفاء المسلمين ولا من رجال هذا الصدر الأول في زينة المسجد ~~ولا في فخامته، فبساطة الإسلام الحق تنأى بالمؤمن عن هذا التفكير، وعبادة الله لا تعرف ~~الزخرف ولا تتصل به، إنها ابتهال خالص بالقلب إليه - جل شأنه، وتوجه ينهى عن الفحشاء ~~والمنكر والبغي، ويسمو بالنفس على غرور الحياة الدنيا؛ لذلك لم يزد عمر حين ضم إلى ~~المسجد من المنازل المحيطة به ما ضمه على أن أقام جدارا لا يرتفع إلى قامة الرجل، ~~وكذلك فعل عثمان، ويذكر بعضهم أن عمر وضع على الجدار مصابيح تضيء المكان للذين يصلون ~~العشاء، أما قبل عمر فلم تكن ثمة مصابيح، بل كان الناس يقصدون إلى فناء الكعبة ~~ليصلوا وهم في غير حاجة إلى نور يهتدون به، اكتفاء بنور بصائرهم وهدى ~~قلوبهم. # في هذه الأيام الأولى كانت ms160 صلاة الجمعة بالحرم يدعو إليها روح مبعثه الإيمان، ونظام ~~قوامه الأخوة، والإيمان والأخوة يسموان بطبيعتهما على الزينة والزخرف؛ لذلك لم ~~يفكر عمر ولا فكر عثمان في أكثر من توسيع رقعة المسجد ليسع المصلين حين الحج، وإضاءته ~~ليهتدي في أرجائه من لا عهد له به؛ ولم تغر عثمان أموال الفتح التي كانت تتدفق ~~من الأقطار الجديدة التي رفرف عليها العلم الإسلامي، فلم يصنع بالمسجد ما صنع قومه في ~~الجاهلية بالكعبة حين كشف عبد المطلب عن زمزم بعد أن بقيت مطمومة ثلاثة قرون، فلقد أخرج ~~من بئر إسماعيل غزالتين من الذهب كان الجرهمي الذي طمها قد أخفاهما بها، فضربهما في ~~باب البيت الحرام حلية له، لم يصنع عثمان صنع من سلف؛ لأن الإسلام جعل التقوى ~~قربان الإنسان إلى ربه، ولم يجعل من مساجد الله هياكل آلهة تعبد ويتقرب إليها ~~المتقربون بالأموال، كما كانوا يتقربون إلى هبل وإلى غيره من الأصنام قبل أن يطهر ~~النبي الكعبة منها. # ولما انقضى عهد الخلافة وشبت نار الحرب الأهلية بين المسلمين باسم الثأر لعثمان من ~~قتلته، بدأت الشوائب تشوب قلوب طائفة من المسلمين وقد حركتها مطامع هذه الحياة ~~الدنيا، فغشت فيها طهر دين الله وصفاءه، على أن الذين أقاموا إلى جوار بيت الله ~~من عترة النبي كانوا أبعد أن تشوب هذه الشوائب قلوبهم، وكانوا أشد لبيت الله ولحرم ~~البيت إكبارا وتعظيما، أقام عبد الله بن الزبير بالحجاز حفيظا على التقاليد الأولى، ~~فلما كانت سنة أربع وستين من الهجرة اشترى دورا وسع بها المسجد الحرام على نحو ما صنع ~~عمر وعثمان من قبل، ولم يزد على أن أحاط الزيادة بجدار المسجد. # لكن بني أمية كانوا قد اتصلوا في الشام بأهل البلاد التي دخلت في الإسلام بحكم الفتح، ~~ورأوا من عناية النصارى بكنائسهم وعمارتها وزينتها ما جعلهم يفكرون في القيام للمسجد ~~الحرام بشيء من هذا الذي رأوا، وكان عبد الملك بن مروان أول من سن هذه السنة حين حج ~~في السنة الخامسة والسبعين من الهجرة، فهو لم يجد المسجد ms161 في حاجة إلى زيادة فيه، فأمر ~~فرفعت جدره، وسقف بخشب الساج الداكن اللون المتين، وجعل في رأس كل أسطوانة خمسين ~~مثقالا من الذهب، وفي ذلك عود لتقاليد الجاهلية، لم يعترضه يومئذ من المسلمين أحد؛ ~~لأن أمير المؤمنين هو الذي أمر به، وزاد الوليد بن عبد الملك في عمل أبيه بعد أن ~~نقضه، فوسع المسجد، وزخرف الساج الذي سقفه به وأزر أسفل جدرانه بالرخام، وجعل له ~~شرفا، ونقل إليه أساطين الرخام وجعل على الذهب في رأسها صفائح من النحاس، وزخرف أعلى ~~أبواب المسجد بالفسيفساء، وإنما صنع الوليد ذلك؛ لأنه كان إذا شيد المساجد زخرفها كما ~~يزخرف النصارى كنائسهم. # ودالت دولة بني أمية، وقام بنو العباس على إمارة المؤمنين، وبنو العباس يمتون ~~إلى بيت النبوة بآصرة قريبة، وقد جعلوا من صلتهم به أساس دعوتهم، فلا عجب أن يتجه ~~نظرهم إلى البيت الحرام وإلى الزيادة فيه وإعظامه، وإن لم يفكر أحد في الرجوع به إلى ~~البساطة الأولى، فلما اطمأن لهم الأمر أصدر ثاني خلفائهم أبو جعفر المنصور أمره إلى ~~زياد بن عبد الله الحارثي واليه على مكة، فزاد في المسجد الحرام وجعله ضعف ما كان ~~عليه، وزينه بالذهب وأنواع النقوش، وبنى مئذنة بني سهم، وأتم ذلك فيما بين سنة سبع ~~وثلاثين ومائة وسنة أربعين ومائة، وفي هذه السنة حج المنصور ورأى حجارة حجر إسماعيل ~~بادية، فأمر زيادا أن يغطيها بالرخام، ونفذ زياد الأمر ليلا، وأصبح المنصور فرآها كما ~~أراد، وزاد المهدي بعد أبيه المنصور ما جعل المسجد قرابة ما هو اليوم. # وكانت الكعبة في جانب من المسجد؛ لأن ما أضافه إليه عمر كان يتجه إلى الناحية التي ~~لا يخشى انحدار السيل إليها؛ وكره المهدي أن تكون الكعبة في ناحية من المسجد وأراد ~~أن تكون في وسطه، وقال المهندسون حين استشارهم: إن وادي مكة له سيول قوية العزم، ونخشى ~~إن حولنا الوادي عن مكانه ألا يتم لنا ما نريد، قال المهدي: لا بد لي من سعة ~~المسجد حتى تكون الكعبة في وسطه ولو أنفقت ms162 فيه جميع ما في بيوت المال، وأحكم المهندسون ~~أمرهم، وترك لهم المهدي المال وعاد إلى العراق، واشتط أصحاب الدور التي تدخل في هذه ~~الزيادة في أثمان دورهم، حتى بلغ ثمن الذراع مما دخل المسجد خمسة وعشرين دينارا، أي: ~~اثني عشر جنيها ونصف الجنيه، وأتم المهندسون العمل في عهد الهادي بن المهدي بعد أن ~~جلبت أساطين الرخام لهذه الزيادة من مصر ومن غيرها، وحملت على العجل من جدة إلى ~~مكة. # لم يضف إلى المسجد بعد ذلك غير إضافتين جزئيتين تمتا في عهد الناصر والمقتدر من ~~العباسيين، على أن عمارته جددت مرات من بعد، وكان لملوك مصر وأمرائها حظ من ذلك ~~عظيم، وكانوا لا يقفون من العمارة عند الترميم أو البناء، بل كانوا يضاهون العباسيين في ~~تزيين المسجد وزخرفته، وإن لم يبلغوا من ذلك ما بلغوا في تزيين حرم المدينة وزخرفته مما ~~سنقصه عليك، ومع ما كان من انتقال الخلافة من مصر إلى آل عثمان بالآستانة، ومن ~~عناية آل عثمان بالحرمين، لقد ظلت مصر أشد البلاد الإسلامية حرصا على عمارة الأماكن ~~الإسلامية المقدسة، وأكثرها سخاء في الإنفاق على هذه العمارة. # كان المعلم محمد المصري هو الذي استصحبه شيخ المهندسين أحمد بك المصري لعمارة المسجد ~~الحرام حين أصدر السلطان سليم أمره إلى حاكم مصر سنان باشا للقيام بهذا العمل، وكان ~~لمصر نصيب وافر من النفقة على هذه العمارة التي بلغت خمسة وخمسين ألفا من الجنيهات عدا ~~مائة ألف من الذهب الإبريز، وعدا ما دخل من مصر من مواد العمارة كالخشب والحديد وأهلة ~~القباب المطلية بالذهب، على نحو ما يرى الإنسان بالمسجد إلى يومنا هذا، وفي هذه ~~العمارة عني المهندس بخفض أرض الطريق المنحدر إلى وادي مكة لتنحدر منه السيول إذا ~~دخلت المسجد، وكثيرا ما كانت هذه السيول سببا في توهين بنيان المسجد من قبل. # ليس غرضي مما قدمت تفصيل عمارة المسجد ومن قام بها؛ لذلك لا أقف عند عمارة داخل ~~المسجد من مقام إبراهيم، وحجر إسماعيل، وبئر زمزم، ومقامات الأئمة الأربعة، إنما ~~سقت ms163 ما ذكرت لأبين ما أدت إليه صلاة الجمعة في الحرم من توسيع المسجد على ~~مر السنين ليسع المصلين، وعناية خلفاء المسلمين وأمراء المؤمنين بذلك عناية بدأت من ~~عهد عمر واستمرت على القرون بعده، وما أدى إليه تطور التفكير الإسلامي من البساطة ~~القوية الأولى، بساطة الإيمان والنظام للفرد والجماعة، إلى الترف والزخرف في العصور ~~التي سبقت الانحلال في الحضارة الإسلامية، فقد رأيت أن الخلفاء الأولين لم يعنهم من ~~أمر الحرم وتوسيعه إلا أن ينفسح المكان للمسلمين في أيام الحج ليصلوا حول بيت الله، ثم ~~آل الأمر إلى تزيين المسجد وإلى زخرفته شيئا فشيئا حين أصبح الإيمان فنا والنظام ~~حوارا وجدلا، فقد بدأ الإيمان يتزيا في أزياء ويتصور في صور تجعل الإنسان درجات ~~تتفاوت بتفاوت ما يتقرب به صاحبه إلى الله من مادة الحياة بعد أن كان أمره روحيا ~~خالصا، يتصل تفاوته في الدرجات بمبلغ سمو الروح به إلى الله، كان هذا السمو الروحي دأب ~~المسلمين الأولين، وكانوا يقرون لفقراء لا يملكون قوت يومهم أنهم أقرب إلى الله؛ ~~لأنهم أكثر به إيمانا وله إسلاما، وأن من الأغنياء الذين ينفقون في التقرب إلى الله ~~بإقامة المساجد وما إليها من لا يبلغ في الإيمان درجة هؤلاء الفقراء. # فلما شابت السمو الروحي الشوائب خيل إلى الأغنياء وذوي الأمر والسلطان أن من درجات ~~الإيمان ما يبذلون من مال في توسيع الحرم أو زخرفته، ثم تطور أمر الإيمان إلى التقرب ~~إلى الله عن طريق الأولياء والصالحين، ثم ضعف هذا الإيمان وصار إلى ما صار إليه في ~~زماننا تقليديا يكفي صاحبه أن يقول ألفاظ الإيمان وإن لم يؤمن منها بشيء، ثم يحسب بعد ~~ذلك أنه أرضى الله، ولعله لا يعنيه من هذا الرضا أكثر مما يعنيه من حقيقة ~~إيمانه. # هذا التطور وما انتهى إليه هو علة ما قدمنا عن النظام في صلاة الجمعة بالحرم وأن ~~الروح ينقصه، على أن هذا الحرم، حرم الكعبة، كان له في نفوس المسلمين جميعا من التقديس ~~ما حال دون غلبة التطور في بنائه ms164 على روح الإسلام القوي ببساطته، فلم يبلغ ما رأيت من ~~جهود الملوك والأمراء أن جعل من هذا الحرم هيكل عبادة على صورة هياكل العبادة في غير ~~الإسلام من الأديان، ولم يبلغ أن جعله على صورة مساجد المسلمين مما تراه في غير مكة من ~~بلاد العالم الإسلامي، بل ظل الحرم تطبعه بساطة تجمع بين الصراحة والمهابة، وتجعلك ~~ترى الفقير المعدم يقف إلى جانب الغني المترف ويصلي وإياه كتفا إلى كتف، وهما ~~يتجاوران في هذا الحرم المقدس تجاور إخاء واتساق، كما تتسق فيه الحصباء إلى جانب ~~الحجر المرصوف به ما يجاورها من صحنه، ويظلهما إيمانهما بالمحبة والسلام وهما يريان في ~~حمام الحمى رمزا يدل على المحبة؛ إذ يجاوره المصلون فلا يطير ولا يخاف؛ لأنه في ~~حمى الله وفي حرم بيت الله. # لم يغلب التطور في بناء الحرم على روح الإسلام القوي ببساطته، لكن هذا التطور كان له ~~أثره في النفسية الإسلامية منذ بدأ الانحلال بعد ازدهار الحضارة إبان العصر العباسي، ~~وقد رأيت مبلغ ما هوت إليه هذه النفسية، حتى نسي المسلم أن إيمانه لا يكمل حتى يحب ~~لأخيه ما يحب لنفسه، وحتى صار المسلم أثرا لا يعرف إلا نفسه، ولا يفكر إلا في نفسه، ~~يصلي رجاء التوبة لنفسه والمغفرة لذنبه، لا انتهاء عن فحشاء ولا عن منكر، ويقف في صفوف ~~الجماعة وهو لا يفكر إلا أن يعود عليه من ثواب صلاة الجماعة ما يعادل الثواب الذي يعود ~~عليه من صلاته وحيدا أضعافا مضاعفة، وهو يؤدي فريضة الحج ليغفر الله له ذنبه وليعود ~~نقي الصحيفة، وسيان عنده بعد ذلك ما يحل بسواه، حتى البر - وهو عماد التقوى ~~- قد تضاءل في نفسه ما لم تتحقق لديه المثوبة عنه، لم يعد يفكر في أن يخرج من ~~ماله عن حظ معلوم للسائل والمحروم ابتغاء وجه ربه، لا رغبة ولا رهبة، ونسي أن الأرض لله ~~يورثها من يشاء من عباده الصالحين، لا يفكر في دار علم يقيمها، ولا في مكتبة ينشئها، ~~ولا في مستشفى أو مصلى ينفق ms165 عليه، غاية همه أن يستغفر عن الخطايا، كأن حياته كلها ~~خطيئة يريد أن يكفر عنها، وكأنما يعجز عن أن يجعل من الحياة عملا صالحا يكون به عند ~~الله راضيا مرضيا. # وإنما هوت النفسية الإسلامية في عصور الانحلال إلى هذه المكانة؛ لأن من المسلمين من ~~اتخذ إلهه هواه، ورفعه تدهور الجماعة إلى مكان الزعامة منهم والحكم فيهم، وقد ألف ~~كثيرون أن يقولوا: «الناس على دين ملوكهم»، فجرت الجماعة مجرى هؤلاء الملوك والحكام، ~~وجعلت إلهها هواها، واقتصرت من عبادة الحق على ما ترى فيه مغفرة وزرها والتخفيف من ~~إثمها، ولم تقصد وجه الحق - جل شأنه - لذاته، إياه تعبد وإياه تستعين، ووقفت عبادتها ~~عند ألفاظ تتلوها، وفاتها أن العمل عبادة، والعلم عبادة، والسعي عبادة، ومعرفة سنة ~~الله في خلقه بالاجتهاد والجد أسمى معاني العبادة. # من لي بأن يدرك المسلمون هذا الذي فاتهم، وأن ينفضوا عنهم جمود الأثرة، وأن يجعل ~~كل منهم إلهه الله لا يشرك به هواه ولا يشرك به أحدا، وأن يذكروا أنهم إخوة، أخوة ~~إيمان وعبادة؟! إن يفعلوا فقد آن للزمن أن يرتفع بهم إلى السماك كما ارتفع بهم من ~~قبل، وأن يجعلهم هداة الإنسانية، ويومئذ يتم وعد ربك فينصر دينه على الدين ~~كله. # ما عسى أن تكون صلاة الجمعة بالحرم يومئذ؟! فيومئذ يؤمه حين الحج أضعاف من يؤمه ~~اليوم من المسلمين، ويومئذ يؤمه أولو الرأي والعلم منهم ومن يريدون أن يشهدوا في الحج ~~منافع للأمم الإسلامية كافة، ويومئذ يؤمونه والروح مبعث إيمانهم وقوام نظامهم، والمحبة ~~الصادقة رباط وثيق بينهم، هؤلاء جميعا إذ يقفون في الحرم منادين: الله أكبر، يحمدون ~~الله، وإياه يستعينون، يكونون قلبا واحدا وجنانا واحدا وقوة واحدة، أية قوة في ~~الأرض لا تحدق إلى هذه القوة مطأطئة إكبارا وإعجابا؟! بل أية قوة في الأرض لا ~~تسير وراء هذه القوة في الخير والحق والجمال والسعادة والسلام؟! # هل لي أن أرى ذلك اليوم؟! لشد ما أسعد به إن رأيته! فإن مت قبله فما أسعد روحي به ~~يوم يتحقق، وما أشد ms166 ما تهتف روحي يومئذ: الآن عاد للإسلام مجده! # والمجد لله في العلا، وعلى الأرض السلام. # | في جوف الكعبة # منذ فرغت من شعائر الحج وعدت إلى مكة كان الدخول إلى جوف الكعبة في مقدمة أغراضي، ~~لكن كثرة تجوالي بمكة وما حولها، وذهابي أثناء ذلك إلى الطائف، أجل قيامي بهذا الواجب ~~حتى غادر أكثر الحجيج أم القرى، ولقد أجله كذلك أن الحجيج لا يفتئون طيلة مقامهم ~~بالبلد الحرام يلتمسون المثوبة من رب البيت بالدخول إلى جوفه، وهم يدخلون الكعبة ~~زمرا؛ فإذا احتوتهم لم يجد من يكون بينهم فرصة تفكير أو استجمام، فلما خلت مكة من ~~غير أهلها وآن لي أن أغادرها، فكرت في تحقيق غرضي بإتمام هذه الزيارة، وقيل لي يوما: ~~إن سادن الكعبة يفتح بابها بعد صلاة الظهر، فأقمت بالمسجد أنتظره؛ لكنه لم يحضر إلى ~~العصر ولم يفتح الباب لداخل بقية ذلك اليوم، إذ ذاك رجوت مضيفي أمين العاصمة فكتب ~~إلى الشيخ الشيبي ينبئه بما أريد، ورد السادن ردا رقيقا ضرب لنا فيه موعدا ~~ضحى الغد. # وذهبت في الموعد فطفت بالبيت، وصليت بمقام إبراهيم وبحجر إسماعيل، ثم عدت إلى ~~المقام قبالة باب الكعبة أنتظر فتحه، وكان مطوفنا يتنطس أخبار السادن خيفة أن ~~يطول بنا انتظاره، وأقبل الشيخ الشيبي بعد سويعة في لباسه الضافي، وسار خدم الكعبة ~~من ورائه، ورآهم الناس فتفرجوا عند الباب، ووضع الخدم السلم وصعدوا عليه، وفتحوا ~~باب البيت ودخلوا إليه، ولم يؤذن بالدخول لغيرهم، وسألت في ذلك فعلمت أنهم يكنسون ~~الكعبة ويطلقون فيها البخور، ولما أتم القوم واجبهم وقف السادن بالباب وأشار إلي، ~~فتقدمت نحو هذا الدرج الذي يوضع كلما فتحت الكعبة ويرفع بعد تمام زيارتها. # تقدمت ممتلئ النفس خشوعا وإكبارا، أنا أعلم مما قرأته أن الكعبة ليس بداخلها شيء ~~منذ طهرها النبي العربي من الأصنام يوم فتح مكة، ولقد دخلت قبل اليوم هياكل ومحاريب ~~من آثار مصر يرجع تاريخ بنائها إلى بضعة آلاف من السنين، كما دخلت متاحف ومعابد في بلاد ~~أوروبا المختلفة، ولقد كنت أشعر في ms167 الكثير من هذه الأماكن بالهيبة والإجلال، لكن شعوري ~~ساعة تقدمت لأصعد إلى الكعبة كان غير هذا الذي شعرت به في هذه الأماكن ، كان شعورا ~~قويا عميقا آخذا بمجامع القلب، صادرا من أعماق الروح، ملك علي كل وجودي ~~فجعلني أتعثر في مشيتي وأنا أخطو إلى الدرج وما أكاد أرفع بصري إلى باب الكعبة، وكيف لا ~~يأخذني الخشوع والإكبار وأنا أصعد إلى بيت الله، وأنا أؤمن بأن الله أكبر من كل كبير في ~~الأرض وفي السماء؟! # وصعدت الدرج ودخلت البيت العتيق، وتلقاني الشيخ الشيبي أول دخولي فحياني هشا ~~بشا، وأشار لي بيمناه إلى علامتين في إزاء الجدار الذي يقابل الباب، وقال: هنا يصلي ~~الإنسان ركعتين في المكان الذي صلى فيه رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، فتقدمت نحو المكان ~~أصلي ركعتين، وما أذكر أني شعرت في حياتي بمثل ما شعرت به في هذه اللحظة من غبطة ورضا، ~~تباركت ربي! أأقف أنا الآن حيث كان يقف عبدك ورسولك، وأعبدك مخلصا لك الدين كما كان ~~يعبدك؟! ليتني أستطيع السمو بفضلك إلى هذا الرضا، ولكن غفرانك! أين الروح الذي يستطيع ~~السمو إليك سمو من اصطفيته لرسالتك، ويطمع في أن يبلغ من الصفاء ومن الحب لبني الإنسان ~~ما بلغ نبيك الكريم؟! وأتممت صلاتي، وبقيت في جلستي أستغفر الله وأعبده وأستعينه، ~~ولعل السادن أدرك ما أنا فيه فتركني في استغفاري وادكاري. # نعم! ذكرت وأنا بموقفي هذا كيف صد أهل مكة نبي الله عن بيت الله؟ وكيف فتح محمد ~~مكة دون أن يسفك دما؟ وكيف عفا يومئذ عن أشد خصومه لددا في عداوته، ثم انطوى الزمن ~~أمام بصيرتي فخلتني وأنا أقف حيث وقف الرسول وكأنما أشهد هذا كله، فيزيدني ما أشهد ~~خشوعا وإكبارا. # وقمت فدلني السادن على مواضع صلى فيها الأنبياء والخلفاء قبالة الجدران الأخرى، ~~فصليت حيث صلوا منذ قرون مضت، وتلوت بعد صلواتي ما طلب إلي السادن أن ~~أتلوه، فلما أتممت التلاوة جعلت أسأله عن شئون البيت وكسوته وبنائه، وجعل يجيبني في ~~ظرف ورقة سائغين، ما أجدره ms168 بهما وهو من سلالة بني شيبة الذين أقر الرسول فيهم ~~سدانة الكعبة يوم الفتح لا يأخذها منهم إلا ظالم حتى يرث الله الأرض ومن عليها! # والتفت السادن إلى والدتي وجعل لها كل عنايته، يجيبها عما تسأل عنه، وتتلو وإياه ~~ما يطيب به قلبها ويطمئن له روحها، إذ ذاك أدرت بصري في جوانب البيت، ما أشده بساطة! ~~وما أعظمه مع ذلك مهابة! هو غرفة أو - إن شئت - بهو رفيع خال من كل زخرف، وهنا بساطته، ~~وهو هيكل التوحيد في أشد صور التوحيد صفاء وأشدها للشرك إنكارا، وهنا عظمته ومهابته، ~~وهو كذلك اليوم، وكان كذلك منذ أقام إبراهيم وإسماعيل قواعده، تقلبت عليه أجيال ~~أنكرت التوحيد وأشركت بالله وجعلته مثابة أصنامها، وجاءت بعد الإسلام أجيال تنكر له ~~بعض بنيها ولم يعرفوا له حرمته، وها هو ذا هيكل التوحيد اليوم كما كان حين أقيمت ~~قواعده، وهو يزداد كل يوم تعظيما حتى ينصر الله دينه على الدين كله، فيكون قبلة ~~العالم جميعا في مشارق الأرض ومغاربها. # وإني لفي إكباري لبيت الله وفي تعظيمي حرمته إذ رأيتني أردد في دخيلة نفسي: # الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه ~~سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض من ذا ~~الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم ~~وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء ~~وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يئوده حفظهما ~~وهو العلي العظيم ~~، وتمثلت لي عقيدة التوحيد في صفاء جوهرها ~~السامي يتضافر الدين والعلم على إكبارها؛ فعجبت كيف لا تمتثلها النفوس جميعا كما ~~امتثلتها نفسي؟! وكيف لا يدرك الناس جميعا ما في هذه الآيات التي رددتها روحي من ~~حقيقة تراها البصيرة واضحة محسوسة؟! وكيف لا يرى الناس وجه الله أينما ولوا وجوهم؟! ~~كيف لا يرونه مضيئا بنور الحق في خلق السموات والأرض والليل والنهار وما نعلمه نحن وما ~~لا يعلمه إلا هو؟! إذ ذاك ازددت إكبارا لهيكل التوحيد على إكباري إياه، وازددت عجبا ~~لأولئك الذين يملكهم حب الحياة ms169 عن أن يروا وجهه الكريم متجليا في كل ما حولنا؛ وهو ~~أشد تجليا في ذات نفوسنا وأعماق قلوبنا وفي كل حس وفي كل جارحة. # الكعبة بهو رفيع خال من كل زينة وزخرف، وسقفها يعتمد اليوم على ثلاثة عمد من الخشب ~~الضارب لونه إلى حمرة تشوبها صفرة، ويرجع العهد بهذه العمد إلى أجيال طويلة خلت، فعبد ~~الله بن الزبير هو الذي وضعها حين جدد بناء الكعبة، ولم يصب هذه العمد فساد على طول ~~العهد بها إلا ما كان منذ خمسين سنة أو نحوها حين تآكل أسفلها فشدت بدوائر من خشب ~~طوقت بها وسمرت عليها، وتعلو هذه الدوائر عن أرض الكعبة ما يزيد قليلا على ثلاث ~~أذرع، وأرضها مفروشة برخام أبيض عادي، قصد منه إلى المتانة ولم يقصد إلى الزخرف. # فأما الجدار فأحيط أسفله برخام ملون مزركش بنقوش لم تعمل فيها يد ذوي الفن ولم ~~تخرج بيت الله عن بساطته. # وغطيت جدران الكعبة بستر من الحرير، قيل: إنه كان أحمر ورديا في زمانه، ثم أحالته ~~السنون إلى ما يشبه الرمادي الضارب إلى الخضرة، ولقد أنبأني السادن أن هذا الستر، الذي ~~شد إلى جدرانها في عهد الخليفة العثماني عبد العزيز منذ ستين سنة أو يزيد، قد أثار ~~قدمه واستحالة لونه العاهل النجدي عبد العزيز بن آل سعود فأمر بصنع غيره ليستبدل به، ~~وهذا الستار القديم قد زركش بالنسيج الأبيض طرزت عليه عبارات وألفاظ توائم روح العصر ~~الإسلامي الذي كتبت فيه من حيث دلالتها، فمنها: «سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم» ~~و«يا حنان يا سلطان، يا منان يا سبحان»، وهذه العبارات الأخيرة مكتوبة داخل دوائر ~~من النسيج الذي طرزت به، ولست أدري أية عبارات طرزت على الستر الذي أمر ابن السعود ~~بصنعه، والذي يكسو اليوم جدار الكعبة في جوفها؛ أهي آيات قرآنية تتصل بالبيت وإقامته، ~~أم بالتوحيد وصفائه وقوته، أم هي أحاديث الرسول في يوم الفتح، أم هي ألفاظ تعبدية ~~كالألفاظ التي كانت على الستر يوم رأيته؟ # يختلف الركن الأيمن مما يلي باب الكعبة ms170 حين دخولك منه عن سائر جدرها وأركانها؛ ففي ~~هذا الركن يقوم الدرج الصاعد إلى سطح الكعبة، وقد وضع عند باب هذا الدرج ستر أسود ~~مطرز بالقصب الفضي المموه بالذهب من نوع الستر المنسدل على باب الكعبة. # هذا كل ما في الكعبة من داخلها، وهو لا يغير من بساطتها شيئا كما ترى، فهذا الستر ~~الذي يكسو جدارها ليس منها، وهو بعد كل ما فيها من زخرف، أما ما وراءه فالبساطة كل ~~البساطة القوية التي تأخذ بمجامع النفس، البساطة الجديرة بهيكل التوحيد في بداهته ~~وصفائه وقوته. # أما والتوحيد هو العقيدة الأزلية الثابتة جاءت بها الأديان وأثبتها العلم، فقد برع ~~خيال الكتاب والمؤرخين في تصوير نشأة بيت الله الأحد ومبدأ بنائه، وقد تحايلوا لذلك ~~على تفسير ما ورد من آيات القرآن الكريم فيه، فالقرآن صريح في: # إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى ~~للعالمين ~~، وفي أن إبراهيم وإسماعيل هما اللذان رفعا قواعد هذا ~~البيت، مع ذلك رأى بعض المؤرخين أن يجعل الملائكة بناة البيت قبل أن يبرأ الله الأرض ~~ومن عليها، وأن آدم بناها بعد ذلك، وذكر بعضهم أن شيثا أول من بنى الكعبة، فأما ~~المشهور عن أكثر العلماء فهو أن أول من بنى البيت إبراهيم؛ بهذا قال علي بن أبي طالب ~~وجزم به ابن كثير في تفسيره. # والذين يذكرون أن الملائكة بنوا البيت يقصون رواية لها جمال شعري فيه طابع الفن؛ ~~إذ يصورون المعنويات صورة مادية، فهم يروون أن الله غضب على الملائكة حين قال لهم: # إني جاعل في الأرض خليفة # فقالوا: # أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ~~ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ~~. وكان مظهر غضبه - جل شأنه ~~- أن أعرض عنهم، فلاذ الملائكة بالعرش ورفعوا رءوسهم وأشاروا بالأصابع يتضرعون ويبكون ~~إشفاقا من هذا الغضب، وطافوا بعرش الله سبعا كما يطوف الناس بالبيت الحرام وهم ~~يقولون: لبيك اللهم لبيك، ربنا معذرة إليك، نستغفرك ونتوب إليك، فنظر إليهم ونزلت ~~الرحمة عليهم، ووضع الله - سبحانه وتعالى - تحت العرش بيتا هو البيت المعمور ms171 على ~~أساطين أربع من زبرجد تغشاهن ياقوتة حمراء، وسمي ذلك البيت الضراح، ثم قال الله - ~~تعالى - للملائكة: طوفوا بهذا البيت ودعوا العرش، فكان طوافهم به أيسر من طوافهم ~~بالعرش، ثم أمر الله الملائكة من سكان الأرض أن يبنوا في الأرض بيتا على مثال البيت ~~المعمور، وأمر من في الارض أن يطوفوا به كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور. وفي بعض ~~الروايات أن هذا البيت الذي بني في الأرض هو الذي سمي الضراح، وأن الملائكة بنوه ~~قبل خلق آدم بألفي عام فكانوا يحجونه، فلما حجه آدم قالت له الملائكة: بر حجك ~~يا آدم، حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام. # 1 # وفيما روي عن بناء آدم الكعبة روعة شعرية كروعة بناء الملائكة إياها، فقد قيل: إن آدم ~~سأل ربه بعد أن هبط وزوجه من الجنة: يا رب ما لي لا أسمع أصوات الملائكة ولا أحسهم؟ ~~قال: بخطيئتك يا آدم، ولكن اذهب فابن لي بيتا فطف به واذكرني حوله كنحو ما رأيت ~~الملائكة تصنع حول عرشي، فأقبل آدم يتخطى الأرض حتى بلغ مكة، هنالك ضرب جبريل - عليه ~~السلام - بجناحه في الأرض السفلى، فقذفت فيه الملائكة من الصخر ما لا يطيق حمل الصخرة ~~ثلاثون رجلا، وعلى هذا الأساس بنى آدم البيت متخذا أحجاره من خمسة أجبال: من لبنان، ~~وطور سيناء، وطور زيتا، والجودي، وحراء، وفي رواية تفرد ابن لهيعة في نسبتها إلى ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # أنه قال: «بعث الله جبريل إلى آدم وحواء فقال لهما: ابنيا لي بيتا، ~~فخط لهما جبريل فجعل آدم يحفر وحواء تنقل، حتى إذا أجابه الماء نودي من تحته حسبك يا ~~آدم، فلما بنيا أوحى الله - تعالى - إليه أن يطوف به، وقيل له: أنت أول الناس وهذا أول ~~بيت، ثم تناسخت القرون حتى رفع إبراهيم القواعد منه.» # ولم يرد في الرواية التي تذهب إلى أن شيثا بنى الكعبة، شيء من التفصيل، وإنما قيل: ~~إن طوفان نوح أغرق البيت وغير مكانه حتى بوأ الله لإبراهيم مكان البيت فأقام قواعده ms172 ~~مع ابنه إسماعيل، على ما ورد في الذكر الحكيم. # وهذه الروايات الشعرية عن بناء الملائكة وآدم وأبنائه ممن سبقوا إبراهيم الكعبة ~~يعتبرها أكثر العلماء من الإسرائيليات التي دست على الإسلام، فليس لها في كتاب قديم ~~سبق نزول القرآن سند، والقرآن لا يشير إليها بما يسوغ استنباطها، وما يذهب إليه الذين ~~ذكروها من ألوان التفسير لا يثبت صحتها، والقرائن كلها على أن وادي مكة كان غير ذي زرع ~~حين جاء إبراهيم بهاجر وابنه إسماعيل إليه، فلو أن هيكلا للعبادة، أو أثرا لهذا ~~الهيكل كان قائما به، لأقام في جواره كهان وسدنة ينالون من قاصديه رزقهم، ولقد ~~ظلت هاجر مع ابنها بهذا الوادي إلى أن شب إسماعيل فتزوج من جرهم. # ولقد دس على الإسلام من الإسرائيليات الشيء الكثير، ولم يفتأ بنو إسرائيل مذ كانوا ~~يحاربون النبي بالمدينة يحاولون أن يشوهوا صفاء التوحيد في الإسلام، وأن يحيلوا ~~روحانيته مادية ليضعفوا من نفوس الآخذين به، فليس أدعى إلى ضعف النفس من أن يصبح ~~العالم أمامها مادة بدل أن يكون فكرة معنوية سامية؛ وليبلغوا من ذلك غايتهم دسوا ~~الكثير من الأحاديث، ونسبوها إلى النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وحركوا الفتن على أساس ما دسوا، ~~بأن جعلوا مطامع المسلمين مادية غايتها الحكم أو المال أو ما إلى ذلك من متاع الغرور ~~الإنساني في هذه الحياة الدنيا، وإن العالم ليعاني اليوم من آثار هذا التفكير في أقطاره ~~الإسلامية والمسيحية جميعا ما ترى مظاهره في هذه المذاهب الاقتصادية المختلفة، وفي ~~الثورات الدامية التي تقوم بسببها فتحرق الأخضر واليابس وتأتي على خير مخلفات الإنسانية ~~من علم وفن بيد التخريب، يحركها الجهل والتعصب والطمع المادي الأحمق الوضيع. # فأما بناء إبراهيم وإسماعيل الكعبة فقد ورد نبؤه في القرآن، ولكنه ورد موجزا في قوله ~~- تعالى: # وإذ يرفع إبراهيم القواعد من ~~البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع ~~العليم ~~، وما روي بعد ذلك من تفصيل فمرجع أكثره أحاديث أفراد أو روايات ~~لا تستند إلى سند تاريخي يقره العلم، فقد ذهبت رواية إلى ms173 أن جبريل أمر إبراهيم فصحب ~~هاجر وابنها - وإسماعيل ما يزال طفلا - وركبوا البراق ليبلغوا موضع البيت لبنائه، ~~وكان إبراهيم كلما مر بقرية سأل جبريل: أهي التي اختارها الله لبناء بيته؟ وكذلك ظلوا ~~حتى بلغوا مكة، وذهبت رواية أخرى إلى أن ملكا من الملائكة جاء إلى هاجر أم إسماعيل حين ~~أنزلهما إبراهيم مكة قبل أن يقام البيت فأشار لها إليه، وهو ربوة حمراء مدرة، فقال ~~لها: هذا أول بيت وضع في الأرض، وهو بيت الله العتيق، وأعلمها أن إبراهيم وإسماعيل ~~يرفعانه، وفي رواية ثالثة أن إبراهيم جاء إلى مكة بعد سنوات من مقام إسماعيل وأمه بها، ~~وبعد أن شب إسماعيل وتزوج وقوي ساعده، فوجد إسماعيل يبري نباله تحت دوحة قريبة من ~~زمزم، وتبادلا تحية الأبوة والبنوة، ثم قال إبراهيم لابنه: يا إسماعيل، إن الله أمرني ~~بأمر، قال: فاصنع ما أمر ربك، قال: وتعينني؟ قال: وأعينك، قال: فإن الله أمرني أن أبني ~~هنا بيتا، وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها، وعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل ~~إسماعيل يجيء بالحجارة وإبراهيم يبني حتى ارتفع البناء. # وهذه الرواية الأخيرة أدنى إلى تصور عقلنا الإنساني، يضاف إليها أن البناء لما ارتفع ~~طلب إبراهيم إلى إسماعيل أن يجيء بحجر، فجيء بالحجر الأسود، والروايات في الحجر الأسود ~~وأصله تختلف قيل: إن إسماعيل ذهب إلى الوادي يطلب حجرا يضعه أبوه في البناء وعاد فألفى ~~عند أبيه حجرا أسود فسأله: من جاءك بهذا الحجر؟ قال إبراهيم: من لم يكلني إليك ولا ~~إلى حجرك، وكان جبريل هو الذي جاء بالحجر الأسود من السماء، إذ كان قد رفع إليها حين ~~أغرق الطوفان الأرض، وقيل: إن جبريل جاء بالحجر الأسود من الهند حيث هبط به آدم من ~~الجنة؛ وكان أبيض ناصعا، فاسود من خطايا الناس، وقيل: بل كان الله - عز وجل - ~~استودعه جبل أبي قبيس حين طوفان نوح، فجاء به جبريل ووضعه في مكانه وبنى إبراهيم ~~عليه، وهو حينئذ يتلألأ نورا حتى لقد أضاء بنوره شرقا وغربا وشمالا ويمينا إلى ms174 ~~منتهى أنصاب الحرم من كل ناحية، وإنما سودته أنجاس الجاهلية وأرجاسها. # وذكرت الروايات أن إبراهيم بنى الكعبة من الجبال الخمسة التي ذكرها من تحدثوا عن بناء ~~الملائكة البيت. # يقول مؤلف «تاريخ الكعبة المعظمة»: # فتحصل من عموم ما رويناه عن صفة بناء إبراهيم الخليل # صلى الله عليه وسلم # وابنه ~~إسماعيل - عليه السلام - للكعبة المعظمة، أنه بناه بأمر الله - سبحانه وتعالى، ~~وكان الباني إبراهيم والمساعد له إسماعيل، وأنه بناه بالحجارة، وجعل ارتفاعه ~~إلى اليسار تسع أذرع، وطوله من الشمال إلى الجنوب مما يلي الجهة الشرقية اثنتين ~~وثلاثين ذرعا، ومن الشمال إلى الجنوب مما يلي الجهة الغربية إحدى وثلاثين ~~ذراعا، ومن الشرق إلى الغرب مما يلي الجهة الجنوبية، أي: من الحجر الأسود إلى ~~الركن اليماني عشرين ذراعا، ومن الشرق إلى الغرب أيضا مما يلي الجهة الشمالية ~~أي: من جهة حجر إسماعيل اثنتين وعشرين ذراعا، وجعل له بابين ملاصقين للأرض، ~~أولهما من الجهة الشرقية مما يلي الحجر الأسود، والآخر من الجهة الغربية مما ~~يلي الركن اليماني على سمت الباب الشرقي، وحفر في داخله بئرا تكون خزانة له؛ ~~ولم يجعل عليه سقفا، ولا وضع على بابيه أبوابا تفتح وتغلق. والله ~~أعلم. # رفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل، وطهراه للطائفين والعاكفين والركع ~~السجود، وجعلاه مثابة للناس وأمنا، وخلف العمالقة وجرهم إسماعيل على مكة أجيالا بعد ~~ذلك متعاقبة ثلاثمائة سنة، فأعاد هؤلاء ثم أولئك بناءه وزادوا فيه، وأقاموا على تعظيمه ~~والطواف به، ولم يكن أحد يجرؤ أن يأخذ من هدايا البيت المحفوظة بالبئر مخافة ما ينزل به ~~من عقاب رب البيت، على أن السهيلي روى في الروض الأنف: أن سارقا سرق من مال الكعبة ~~في زمن جرهم، وأنه دخل البئر التي فيها كنزها، فسقط عليه حجر فحبسه فيها حتى أخرج ~~منها وانتزع المال منه، ثم بعث الله حية لها رأس كرأس الجدي، بيضاء البطن سوداء ~~المتن، فكانت في بئر الكعبة خمسمائة عام فيما ذكر رزين، ولعل رزينا والسهيلي لم ~~يقف أحد منهما على نقوش قدماء المصريين؛ إذ ms175 كانوا يجعلون الحية التمثال الحارس على ~~أبواب المحاريب التي تكون فيها المومياء والنفائس المدفونة معها. # وبناء العمالقة وجرهم الكعبة بعد إبراهيم مختلف عليه، ومنهم من يذكر أن أول من جدد ~~بناء الكعبة بعد إبراهيم قصي بن كلاب الجد الخامس للنبي العربي، وأنه سقفها ~~بخشب الدوم وجريد النخيل، والمعروف أن الكعبة كانت إلى عهد قصي قائمة في الفلاة لا ~~يبني أحد حولها إعظاما لحرمتها، فلما آل إليه أمر مكة أمر الناس فبنوا حول البيت ولم ~~يتركوا إلا قدر المطاف. # ولم تذكر المراجع المختلفة أن أحدا تولى تشييد الكعبة بعد قصي، وقبل أن تبنيها قريش ~~قبيل بعث محمد نبيا، إلا ما رواه تقي الدين الفاسي في كتاب «شفاء الغرام بأخبار ~~المسجد الحرام» أن عبد المطلب جد النبي بناها، ولعله أبدع هذه الرواية ليكسب عبد ~~المطلب بها تشريفا، فإن ما أصاب جدران الكعبة من الوهن بعد موت عبد المطلب بعشرين سنة ~~أو نحوها لا يتفق مع هذا القول. # أما الثابت الذي أجمع عليه المؤرخون وكتاب السيرة، فذلك بناء قريش الكعبة على ~~عهد محمد حين طغى السيل عليها ووهن جدرانها، فلما بلغ القوم مكان الحجر الأسود ~~اختلفوا وكادت تنشب الحرب الأهلية بينهم، ثم احتكموا إلى أول داخل من باب الصفا؛ ودخل ~~محمد من هذا الباب وحكم بينهم بأن وضع الحجر على ثوب رفعه أهل القبائل المختلفة من ~~أطرافه ثم رفع محمد الحجر ووضعه مكانه من البناء. # ذكرت هذا الذي تداولته الروايات المختلفة عن بناء الكعبة وأنا بموقفي في جوفها، فلما ~~بلغت باستعراضي إلى قيام محمد بين قومه مقام الحكم في وضع الحجر الأسود مكانه، تنبهت ~~إلى موقفي وذكرت أن رسالة محمد وما جاء فيها من فرض الحج على الناس هي التي جاءت بي إلى ~~هذا المكان ووقفتني هذا الموقف، واقتربت من باب الكعبة أنظر إلى ما حولها، وخيلت ~~لنفسي صورة هؤلاء الذين رفعوا الثوب والحجر الأسود فوقه، وموقف محمد منهم وهو يقضي ~~بينهم قضاء تطمئن له نفوسهم وتستريح إليه أفئدتهم. # وما لبثت حين ارتسمت ms176 هذه الصورة أمامي أن انتقلت فجأة أرى صورة أخرى تنبعث أمامي ~~واضحة المعالم، ممتلئة حياة وقوة، كلها الروعة وكلها الجلال؛ تلك صورة محمد والمسلمون ~~من حوله يوم فتح مكة، فها هو ذا ممتط ناقته القصواء يجيء متجها إلى الكعبة وأصحابه من ~~ورائه، ومن ورائهم عدد من سادة مكة وكبرائها، ويطوف رسول الله بالبيت سبعا، ثم يقف ~~أمام بابه فيدعو السادن ليفتحه له، ويفتح عثمان بن طلحة الباب فيقف محمد فيه وقد تكاثر ~~الناس من حوله، فيخطبهم ويتلو عليهم قوله - تعالى: # يا أيها ~~الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا ~~وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن ~~الله عليم خبير ~~، ويسأل أهل مكة فيقول: يا معشر قريش، ما ترون أني ~~فاعل بكم؟ فيقولون: خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم، ويجيبهم: فاذهبوا فأنتم ~~الطلقاء. # ويدور فيلقي ببصره إلى جدران الكعبة وهو واقف من بابها مثل موقفي الساعة فيرى هذا ~~الهيكل الذي أقامه إبراهيم وإسماعيل هيكلا للتوحيد قد انقلب هيكلا للوثنية والشرك، ~~فلم تبق من ثم له بساطته ولا بقيت له مهابته وقوته، عبث الفن بجدرانه وبجوفه، ~~فأنشأ من الصور والتماثيل ما يأخذ النظر إليه والفكر إلى تقدير دقة صنعه عن التفكير في ~~وحدانية الله - جل شأنه - وفي قوته وقدرته، نقشت على الجدران صور الملائكة نساء ذوات ~~جمال، فصارت هذه الأرواح النورانية ذات كيان مادي يطغى على المعنى الروحي فيها، وصور ~~إبراهيم وفي يده الأزلام يستقسم بها، وصور النبيون من حوله في أوضاع مادية كوضعه، وفي ~~جانب وضع تمثال حمامة من عيدان، وقام الصنم هبل في جوف الكعبة تحف به هذه الصور على ~~جدرانها، وهو على صورة الإنسان قد صنع من العقيق إلا ذراعا له كسرت فأبدله القرشيون ~~منها ذراعا من ذهب، وشدت أصنام كثيرة بالرصاص إلى جدر الكعبة، ولبعضها من جمال الفن ~~بعض ما لهبل. # أي متحف هذا المتحف؟! إن صورته لتثير في الذهن صورة قاعة من قاعات المتحف المصري ~~بالقاهرة، أو بهو من أبهاء متاحف العواصم الأوروبية، ولم يكن ms177 أهل ذلك العصر ينظرون إلى ~~هذه الصورة والتماثيل كما ننظر نحن اليوم إليها، ولا كانوا يعتبرونها بعض آثار الفن كما ~~نعتبرها، بل كانوا يبعثون إلى هذه الصور المادية حياة يتوهمونها ثم يكبرونها، ثم يشركون ~~أصحابها في الألوهية، أو يتخذونها إلى الله زلفى؛ لذا كانت الكعبة إلى تلك الساعة حين ~~دخلها محمد هيكل الوثنية والشرك، كما كانت هيكلهما قبل ذلك أجيالا وآجالا، أما ~~والإسلام ينكر الشرك ويدعو إلى التوحيد كما دعا إليه إبراهيم منذ أقام البيت، فليعد بيت ~~الله هيكل التوحيد كما كان؛ لذلك أمر محمد فطمست الصور، وحطمت الأصنام وألقيت إلى ~~ظهورها، وطهرت الكعبة من كل أثر لها، وعادت إليها بساطة التوحيد ومهابته بمعناه ~~الروحي السامي توحيه إلى من يطوف بها ويدخل إلى جوفها فتوجه قلبه إلى الله وحده، له ~~وحده الحمد وله الملك وإليه يرجع الأمر كله. # يا لعظمتها ساعة من ساعات التاريخ تلك التي طهر محمد الكعبة فيها من فنون الشرك ~~وآثامه! لقد تمثلت لي مناظرها جميعا واضحة جلية في بهاء جلالها كأنها تمر أمام باصرتي ~~على شاشة بيضاء، بل كأنها تحيا في عالمنا من جديد كرة أخرى، وجعلت أشهدها وأنا واقف ~~على عتبة باب الكعبة، فتمتلئ بها روحي وتتغذى بها نفسي، فيزيدني ذلك تعظيما لموقفي ~~وإكبارا للرسول الكريم الذي محا آية الضلال، ثم تنفرج شفتاي عن كلمة هي جماع هذه ~~الروحانية العظمى: «لا إله إلا الله، الله أكبر.» # لو أدرك المسلمون ذلك كله إدراكا حل منهم محل اليقين لما نزل بالإسلام ما نزل به، ~~وما اجترأ على بيت الله يوما مجترئ، لكن الفتح الإسلامي أدخل في دين الله أقواما لم ~~تمتثل نفوسهم مبادئ هذا الدين في سمو صفائها، وفي دعوتها إلى الإسلام الصحيح لله، وفي ~~احترامها حرمة بيته احتراما وقر في النفس العربية من قبل الإسلام، ثم زاده الإسلام ~~قوة وتثبيتا؛ لذلك قامت الفتن بعد مقتل عثمان، واستقل بنو أمية بالملك، وجعلوا ~~دمشق عاصمتهم ... فلما آل الأمر إلى يزيد بن معاوية كان عبد الله بن الزبير ما ms178 يزال ~~منتقضا على إمارة الأمويين، ثائرا بهم بمكة، ولقد جرد يزيد جيشا لإخضاعه وأمر ~~عليه الحصين بن نمير، فسار إليه وضيق عليه الحصار بمكة، ولم يطق ابن الزبير ورجاله ~~مقاومته، فلجئوا منه إلى الحرم وبنوا حول الكعبة خصاصا من القصب يحتمون بها من حجارة ~~المنجنيق الذي نصبه ابن نمير على جبلي مكة: أبي قبيس وقعيقعان، ولم تمنع هذه الخصاص ~~اللاجئين إليها، فقد أمر الحصين أصحابه أن يرموا الكعبة من المنجنيق بعشرة آلاف حجر، ~~وكانوا يرمون ويرتجزون، وكانت الحجارة تصيب الكعبة حتى تمزقت كسوتها وبدت أحجارها، ~~وأصاب الذين يقيمون بالخصاص والخيام حول الكعبة الفزع، حتى إن أحدهم ليوقد نارا في ~~خيمة قائمة بين ركن الحجر الأسود والركن اليماني، إذ طارت منه شرارة أحرقت الخيام ~~وتعلقت بأستار البيت، ولما كان بناء الكعبة يومئذ مدماكا من حجر ومدماكا من خشب ~~الساج؛ فقد احترق الخشب ووهن البناء كله حتى كان وقوع الحمام على الكعبة كافيا لتناثر ~~حجارتها. # ولقد فزع لذلك أهل مكة وأهل الشام جميعا، وترك ابن الزبير الكعبة ليراها الناس، ~~فيكون مرآها محرضا لهم على أهل الشام، وظل الأمر كذلك، وظل الحصين بن نمير محاصرا ~~للبلد الحرام حتى بلغه نعي يزيد بن معاوية، وتحدث إليه رجال من أهل مكة واتهموا رجاله ~~بأنهم رموا الكعبة بالنفط، وقالوا له: أما وقد توفي أمير المؤمنين فعلى ماذا نقاتل؟ ~~ارجع إلى الشام حتى ترى ما يجتمع عليه رأي صاحبك، يريدون معاوية بن يزيد، ورجع الحصين ~~إلى الشام تاركا الكعبة واهية توشك أن تنقض. # خريطة مكة المكرمة. # وتحدث ابن الزبير إلى أهل مكة: ماذا يصنع بالبيت، أيصلح ما وهى منه؟ أم ينقضه ~~ويعيد بناءه؟ وكان عبد الله بن عباس على رأي المعارضين للهدم وإعادة البناء، قال موجها ~~كلامه لابن الزبير: دعها على ما أقرها رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، فإني أخشى أن يأتي بعدك من ~~يهدمها ويبنيها، ثم يأتي بعد ذلك آخر، فلا تزال أبدا تهدم وتبنى فتذهب حرمة هذا ~~البيت من قلوبهم، ولا أحب ذلك، ولكن ms179 أرقعها، وأجابه ابن الزبير: والله ما يرضى أحدكم أن ~~يرقع بيت أبيه وأمه، فكيف أرقع بيت الله - سبحانه - وأنا أنظر إليه ينقض من أعلاه إلى ~~أسفله، حتى إن الحمام ليقع عليه فتتناثر حجارته، وأقام أياما يشاور ويستخير، ثم أجمع ~~على هدم الكعبة، وهدمها وأعاد بناءها، وإذ كانت خالته عائشة أم المؤمنين تذكر أن رسول ~~الله قال لها: «يا عائشة، لولا أن قومك حديثو عهد بالجاهلية لأمرت بالبيت فهدم فأدخلت ~~فيه ما أخرج منه، وألزقته بالأرض، وجعلت له بابا شرقيا وبابا غربيا، فبلغت به ~~أساس إبراهيم»؛ لذلك زاد ابن الزبير في مساحة الكعبة فأدخل فيها حجر إسماعيل بعد أن كشف ~~على أساسها وجعل لها بابين وألصقها بالأرض. # ولما هدم ابن الزبير الكعبة وشرع في إعادة بنائها بعث إليه عبد الله بن عباس يقول: ~~«لا تدع الناس بغير قبلة، انصب لهم حول الكعبة الخشب واجعل عليها الستور حتى يطوف ~~الناس من ورائها ويصلوا إليها»، ونفذ ابن الزبير مشورة ابن عباس، فلما بلغ البناء الركن ~~وآن أن يوضع الحجر الأسود في مكانه أمر ابن الزبير ابنه عباسا وجبير بن شيبة بن عثمان ~~أن يجعلا الحجر في ثوب، وقال لهما: «إذا دخلت في صلاة الظهر فاحملاه واجعلاه في موضعه ~~فأنا أطول الصلاة، فإذا فرغتما فكبرا حتى أخفف صلاتي»، فلما وضع الرجلان الحجر في ~~موضعه وطوقا عليه الركن كبرا، وخفف ابن الزبير صلاته، وغضب رجال من قريش حين لم ~~يحضرهم ابن الزبير، وأعادوا قصة تحكيم أجدادهم أول داخل من باب الصفا، وحكم رسول الله ~~قبل بعثه بينهم، لكنهم كانوا أمام الأمر الواقع، فلم يزيدوا على أن غضبوا ثم ~~رضوا. # ولما تم بناء الكعبة اعتمر ابن الزبير محرما من التنعيم، واعتمر الناس معه، ونحروا، ~~وأقاموا يطعمون ويطعمون شكرا لله على تيسير بناء بيته الحرام، وكان ذلك في السنة ~~الخامسة والستين من الهجرة. # وظلت الكعبة كما بناها ابن الزبير عشر سنوات، فلما كان عهد عبد الملك بن مروان وحاصر ~~الحجاج ابن الزبير وقتله، كتب إلى عبد الملك ms180 يخبره أن ابن الزبير زاد في الكعبة ما ~~ليس منها وأحدث فيها بابا آخر، ويستأذنه في رد ذلك إلى ما كان عليه في الجاهلية. ~~وأذن عبد الملك، وغير الحجاج الجدار الذي من جهة الحجر وسد الباب الغربي ورفع ~~البناء، ورفع باب الكعبة على ما كانت في الجاهلية، وأذن عبد الملك، وغير الحجاج الجدار ~~الذي من جهة الحجر وسد الباب الغربي ورفع البناء ورفع باب الكعبة على ما كانت في ~~الجاهلية، ويذكرون أن عبد الملك ندم على إذنه للحجاج ولعنه وقال: «وددنا أنا تركنا أبا ~~خبيب وما تولى من ذلك.» # وقد اختلف المسلمون من بعد؛ أفيتركون الكعبة كما بناها الحجاج؟ أم يعيدونها إلى بناء ~~ابن الزبير استنادا إلى حديث عائشة، فلما تولى هارون الرشيد الخلافة سأل الإمام مالكا ~~في هدم الكعبة وردها إلى بناء ابن الزبير، فقال مالك: يا أمير المؤمنين، لا تجعل كعبة ~~الله ملعبة للملوك لا يشاء أحد أن يهدمها إلا هدمها، فترك الرشيد الكعبة كما هي. # وبقي الأمر على بناء ابن الزبير وتعديل الحجاج إياه، لا يزيد المسلمون على أن يشدوا ~~من بناء الكعبة ما قد يعتريه الوهن، فلما كانت سنة 1040 هجرية/1630 ميلادية هطل بمكة ~~مطر عظيم استمر يومين كاملين، فدخل المسجد الحرام ثم ارتفع حتى دخل الكعبة ووهن ~~بناءها، وكان قد انقضى على إقامته قرابة ألف عام، فلما أمسكت السماء وبدأ المطر ينحدر ~~من الكعبة بدأت جدرانها تتساقط، وكان جدارها الشمالي أول جدار سقط، ثم سقط بعض الجدارين ~~الشرقي والغربي، هنالك انزعج الناس وزلزلوا زلزالا شديدا، ونزل أمير مكة إلى المسجد ~~الحرام وأمر بإخراج قناديلها خشية الضياع، وتبلغ هذه القناديل عشرين كلها من الذهب، ~~وأحدها مرصع باللؤلؤ، وجعلت أحجار الكعبة تتساقط لشدة ما أصابها من الوهن، وجعل الناس ~~يزدادون وجلا، ثم تقدم الأمير وجوه مكة وتبعهم الناس ينظفون المسجد وقد جرفت السيول ~~إليه من الرمل والتراب ما تعذر معه التنظيف بغير المساحي والمكاتل، بل أحوج الأمر من ~~بعد إلى إحضار الأبقار من جدة لتحرث أرض المسجد ms181 بعد جفافها لإزالة ما بها. # وتشاور الناس في أمر الكعبة وما يصنعون بها، وانعقد رأي الجماعة من علماء مكة وسادتها ~~على المبادرة إلى عمارتها من مال الكعبة، وأن يعرض الأمر على السلطان، وألا يمنع ~~أحد من عمارتها من ماله إذا لم يكن فيه شبهة. # وترامى نبأ الكعبة وما أصابها إلى الأقطار الإسلامية المختلفة، فهاج الناس له ~~واضطربوا، ولم ير والي مصر محمد باشا الألباني أن ينتظر ورود أمر السلطان من الآستانة ~~مخافة أن يزداد التصدع في الكعبة؛ ولأن أشهر الحج كانت قد اقتربت، فأرسل رسوله إلى مكة ~~ليرى في عمارة الكعبة رأيه، وبلغ الرسول مكة في منتصف شوال من تلك السنة. # وانقضت أشهر الحج والسلطان يشاور أصحابه ما يصنع، فلما استقر رأيهم على العمارة بعث ~~رسوله الذي بلغ مكة في ربيع الأول من سنة 1040؛ وكان أول ما صنع هؤلاء جميعا أن أحاطوا ~~الكعبة بسياج من الخشب يطوف الناس به ويتخذونه قبلتهم كما فعل ابن الزبير، ثم إنهم ~~جعلوا يتشاورون ما يصنعون، وإنهم لكذلك إذ سقط مطر هدمت منه بعض أحجار الجدار الغربي، ~~هنالك اتجه الرأي إلى هدم ما بقي من جوانب الكعبة، ولم يقع خلاف إلا على ركن الحجر ~~الأسود، لكن فتوى المهندسين بأن هذا الركن يوشك أن ينقض كذلك أزالت تردد القوم ~~جميعا، فهدموا البيت كله ليقيموا بناءه ثابتا قويا. # واشترك في هذه العمارة جماعة من المهندسين «والمعلمين» المصريين، وأنفق القوم في ~~البناء ستة أشهر وأموالا طائلة، ولم يكونوا يعيدون من الأحجار التي بنى ابن الزبير بها ~~الكعبة إلا ما وجدوه ما يزال صلبا قويا، فأما ما وهن أو ضعف فكانوا يستبدلون به ~~غيره، ولم يجدوا في ذلك مشقة، وقد كان لا يكلفهم إلا تسوية الأحجار ودقة نحتها، لكنهم ~~واجهوا مشكلة ذات خطر حين أرادوا أن يضعوا الحجر الأسود مكانه، فهذا الحجر كان قد أصابه ~~بعض التصدع في عهد ابن الزبير؛ فلم يجد مشقة في شده وتقويته وربطه بسور من الفضة، ~~فلما أراد البناءون وضعه مكانه أثناء هذه العمارة ms182 الأخيرة في عهد السلطان مراد ألفوا ~~به شطوبا مستطيلة ورأوا الفتات يتناثر منه، وللحجر الأسود من التقديس ما لا يصح معه أن ~~يسقط من أجزائه كثير أو قليل، أو أن يتناثر منه فتات ولو كان ضئيلا؛ لذلك عالجه ~~المهندسون على هدي فن المعمار، مصطنعين الصبر والأناة، مستهينين بكل مشقة أو تعب، ~~عاملين على ملء ما بين أجزائه بمركب يعيد إليها قوتها ويكفل بقاءها مشدودة في إطار ~~الفضة لا يصيبها سوء. # ولما فرغ القوم من بناء الكعبة وسقفها ووضع عمدها وترميمها، بنوا حجر إسماعيل، ~~وكانوا حريصين على أن يعيدوا من أحجاره ما نقرت فيه أسماء من سبقوا إلى عمارته، على ~~أنهم ألفوا رخامة مفقودة من الجدار الذي تم بناؤه في عهد ملك مصر الملك الأشرف ~~«قانصوه الغوري»، فلم يعنوا أنفسهم بنقش غيرها ليضعوها مكانها، بل وضعوا رخامة ~~ملساء، ولعلهم في ذلك قد أخذوا بإحدى النظريات التي يقرها الفن الحديث للمعمار، إذ ~~يحترم صنع الزمن بالأشياء فلا يحاول ردها إلى أصلها أو إبدال ما يشابهها بها، بل يقوي ~~مكانها مكتفيا بذلك، معتبرا إياه بعض ما يوجب الفن في عمارة الآثار التاريخية. # ولما أتم القوم البناء كتبوا محضرا أرسلوه إلى مصر فيه شهادة المكيين بحسن عمارة ~~البيت المعظم، وفي ذلك اعتراف بما كان لمصر من مجهود في هذه العمارة فاق كل مجهود قامت ~~به أية أمة إسلامية أخرى، ولا عجب في ذلك وقد أرسلت مصر جميع ما يلزم لهذه العمارة، ~~وأنفقت مع ذلك ستة عشر ألفا من الجنيهات لإتمامها. # وهذا البناء الذي شاركت فيه مصر بالحظ الأوفر هو بناء الكعبة القائم اليوم. # أنا الآن أقف إذن من بيت الله الحرام في بناء شاده أجدادي وبنو وطني، هذا البناء ما ~~يزال قويا إلى اليوم، ولن يزال قويا على الزمن ما في طبيعة بناء تشيده الأيدي ~~المصرية أن يقف قويا على وجه الزمن، نعم! أنا أقف حيث وقف إبراهيم وإسماعيل، وحيث وقف ~~النبي العربي - عليه السلام، وحيث وقف ألوف وملايين من الناس كانوا إلى ما ms183 قبل العمارة ~~الأخيرة للكعبة يذكرون العرب الذين بنوها أيام قصي وأيام ابن الزبير، وهم اليوم ~~يذكرون العالم الإسلامي كله، ويذكرون مصر درة التاج من هذا العالم الإسلامي كله، ~~ولكن، أفيساورني فخر بمصريتي وأنا هنا في بيت الله، ونحن جميعا عباد الله عبودية لا ~~تعرف وطنا ولا تعرف فخرا ولا غرورا، بل تعرف الحب والأخوة للمؤمنين جميعا فلا يكمل ~~إيمان الإنسان إلا إذا كملا؟! # وخجلت من تفكير شابه الغرور الإنساني، واستغفرت الله منه، وعدت إلى تفكير أكثر ~~سموا، عدت إلى التفكير في موقف الرسول من الكعبة في حجة الوداع؛ في موقف هذا البشير ~~الهادي يحف به مائة ألف أو يزيدون وهم يستغفرون الله جميعا ويتوبون إليه، وهو على ~~رأسهم يعلمهم مناسك حجهم، وهو ليس دونهم استغفارا وخضوعا لله، مع ما يعلمه من أنه ~~رسول ربه، وأنه بلغ رسالته، وأدى أمانته، واحتمل في سبيل ذلك ما تنوء به العصبة ~~أولو القوة، لكنه يعلم - كذلك - أنا أبدا في حاجة إلى مغفرة الله لنا ورضوانه عنا، ~~وأن الله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وأنه - جل شأنه - له الأمر وهو العفو ~~الغفور، فكرت في هذا الموقف الأخير للرسول وطوافه بالبيت وطواف مائة ألف من المسلمين ~~وراءه وهو مع ما جاوز الستين يسرع في أشواط الطواف الأولى والمسلمون يسرعون إسراعه، وهو ~~يذكر وهم يذكرون يوم طاف في عمرة القضاء ومعه ألفان، وهو يسرع ويقول لأصحابه: «اللهم ~~ارحم امرأ أراهم اليوم من نفسه قوة.» والمشركون من أهل مكة ينظرون من أعلى الجبال إلى ~~أولئك الذين زعموهم ضعافا أرهقتهم يثرب وأرهقتهم الحروب، فإذا هم البأس والقوة ~~والعزيمة الصادقة بإذن الله. # كان أهل مكة ينظرون إلى المسلمين في أثناء طوافهم وراء نبيهم في عمرة القضاء، أما في ~~حجة الوداع فكان أهل مكة قد أسلموا وقد أصبحوا مع سائر العرب بنعمة الله إخوانا، ~~وكانوا يطوفون بالبيت مع الطائفين، ويذكرون الله مع الذاكرين، وقد هداهم الله إلى الدين ~~القيم، وأنجاهم من ضلال الشرك ومذلة الوثنية. # ألا إن هذا البيت العتيق ms184 لينطوي من أسرار التاريخ وعبره على قدر يعادل ما ~~يستكن في جوفه هيكلا للتوحيد من مهابة وجلال، وإن هذا الجو الذي يبدو صامتا حوله ~~لمليء من أصداء العبادة بما لو انفرج عنه كما تنفرج أسطوانة الحاكي عن الأصوات ~~المسجلة عليها لدوت الأرض كلها مؤمنة مقدسة منادية نداء يسمعه أهلها وأهل السماء ~~جميعا: لا إله إلا الله والله أكبر. # وآن لي أن أهبط من الكعبة إلى المطاف وإلى المسجد، فودعت السادن وودعني بكلمات ~~كلها الرقة والظرف، وقصدت مذ هبطت إلى حجر إسماعيل وإلى مقام إبراهيم فصليت فيهما، ~~وغادرت المسجد الحرام بعد ذلك ممتلئ القلب روعة وإكبارا وتعظيما، وكل ما حولي يدوي ~~في أذني بذكر الله والتسبيح بحمده: ربنا لك الحمد. # | آثار مكة # قل من زوار مكة من يعنى بحاضرها، وما يجيش بخاطر أهلها من رجاء في هذا ~~الحاضر وأمل في المستقبل، فهم يقصدون إليها ليحجوا بيت الله كيما يغفر لهم ربهم ذنوبهم ~~ويطهرهم من ماضي حوباتهم، وبيت الله فيها هو لذلك مثابتهم، فإذا أقاموا بها التمسوا ~~مزيدا من المثوبة بزيارة ما بها من آثار النبي وأهل بيته والسلف الصالح عليهم رضوان ~~الله أجمعين؛ من ثم كانت نفوسهم لا تتعلق مما في مكة إلا بما يتصل بالماضي البعيد ~~ابتغاء ثواب المستقبل في الآخرة، فإذا عناهم من أمر مكة غير ذلك شيء فما يبتاعونه منها ~~تبركا به، وحبا في ثواب ينالهم أو ينال من تهدى إليه هذه البركات من ذويهم ~~والمقربين منهم. # ولقد أردت أن أقوم بزيارة هذه الأماكن التي يضفي أهل مكة عليها ثوب التاريخ لعلي ~~أجد فيها من الفائدة العلمية ما يشيد بذكرى الذين شادوا المساجد والذين يرقدون الرقدة ~~الأخيرة في المقابر، وتحدثت في ذلك إلى غير واحد من شبان مكة ومن أولي الرأي فيها، ~~ولشد ما كان عجبي لقولهم: إن هذه الآثار لا تجد سندا ثابا من التاريخ، وإن المؤلفين ~~مختلفون على أكثرها إن لم يكن عليها جميعا ... وبلغ بعضهم في تأكيد رأيه أن قال: إن ما ~~يروى عما سوى ms185 الكعبة وما يحيط بها بالمسجد الحرام وعن حراء وثور كله رجم بالغيب، ~~وهو إلى القصة أدنى منه إلى أنباء التاريخ، وأردت أن أمحص قولهم، فرجعت إلى بطون ما ~~استطعت الرجوع إليه من الكتب، فلم أجد فيها ما يطمئن إليه السند العلمي الصحيح، وإن روى ~~بعضهم من الأنباء المتواترة عن بعض هذه الآثار ما يجعل الإنسان يتردد بين صحة النبأ ~~وبطلانه ترددا ينفي الثبوت العلمي، ولكنه لا يثبت النفي العلمي كذلك. # وأفضيت إلى مضيفي بقصدي، فأنبأني أن الشيخ عبد الحميد حديدي خير من يرشدني إلى ما ~~أقصد إليه، والشيخ عبد الحميد حديدي يعمل الآن مع الشيخ عباس قطان في أمانة العاصمة، ~~وكان قبل ذلك قد اشتغل بالتعليم في جدة، وبالقضاء عند أدنى حدود الحجاز من اليمن، كما ~~تثقف بالأسفار إلى الهند وجاوة حين شبت نيران الثورات والحروب بالحجاز في العهد ~~الأخير، ولم أسأله عن سنه، ولكنه يبدو في جوار الخمسين، وهو رجل أسمر اللون كسمرة ~~العرب، مديد القامة نحيفها، لا يلبس العقال بل يكتفي «بالصمادة» على عادة أهل العلم في ~~بلاده، وكانت معرفتي به في هذا اليوم مقدمة صحبة اتصلت طوال إقامتي بالحجاز إلى يوم ~~سفري من ينبع إلى مصر، ولقد أنست إلى هذه الصحبة واطمأننت إليها كل الاطمئنان، ~~وهل كنت أطمع في أكثر مما كان عبد الحميد عليه من سعة الفكر، والبعد عن التعصب، وعدم ~~التقيد إلا بموجب العقل، ومن تبادله الرأي لذلك معي تبادلا حرا في كل ما يعرض لنا ~~حين نقف أمام مشهد نمحص ثبوته التاريخي أو موضعه من أنباء حياة الرسول، وأبدى الرجل ~~من هذا اليوم الأول اغتباطا بصحبته إياي، فشكرته عليه ولن أنساه له. # وكان الشيخ عبد الحميد حديدي يشاطر شبان مكة رأيهم أن ما بمكة من الآثار ليس له من ~~التاريخ سند ثابت على رغم كثرته؛ ولعل ذلك هو الذي جعله لا يبدي كبير اهتمام بزيارتي ~~وإياه هذه الآثار أول الأمر، وخاصة زيارة ما لم يكن منها وثيق الاتصال بحياة محمد، ~~ولعل سببا آخر دعاه ms186 إلى ذلك، فلقد كان لكثير من هذه الآثار فيما مضى قيمة فنية بما ~~أقيم عليه من قباب، وما شيد لذكره من مساجد، أما اليوم - ومذ حكم الوهابيون بلاد ~~العرب - فقد هدمت هذه الآثار الفنية وامحت رسومها، فهم أعداء ألداء لكل ما يحسبونه ~~يورث الشبهة في توحيد الله - جل شأنه، وهم يرون في المقابر وزيارتها وإقامة القباب ~~عليها إشراكا يجب القضاء عليه، وهم يرون فيها - على الأقل - منكرا تجب إزالته. # وما عسى أن تغني مثلي زيارة آثار لم يبق منها اليوم إلا ما يحفظه الناس أو يروونه ~~عنها؟! وأية فائدة في أن أذهب إلى مقابر المعلاة مثلا حيث قبر خديجة وقبور أجداد ~~النبي وأعمامه، وقد سويت هذه القبور بالأرض وأصبح ما يرويه حراس المقابر عنها ~~أشبه شيء بحديث خرافة، ولم يخف عبد الحميد ما ساوره من ذلك، ولم يخف أسفه على زوال ~~القباب الجميلة التي كانت مزارا لعشرات الألوف من الحجاج، والتي كانت تدر لذلك على ~~مكة الخير الوفير، لكنني أبديت من الحرص على زيارة هذه الآثار ما أزال تردده، ولم ~~يلبث حين تبادلنا الحديث بعد زياراتنا في اليوم الأول أن أقبل يضع خطط تجوالنا بهمة ~~لا تعرف الملل. # وكانت مقبرة المعلاة أول ما اتجهت إليه زيارتنا، وإن بي لزيارة المقابر لهوى ~~ملحا؛ فالمقابر مستقر الأعزاء الذين سبقونها إلى دار الخلد، وهي مستقر الإنسانية ~~وموضع سكنها بعد الفراغ من واجب الحياة، والمقابر هي العبرة الباقية تحدثنا عن الوجود ~~وتصور لنا قيمته، أليس القبر هو الإنسانية الماضية كلها، بل الحياة الماضية كلها لهذا ~~الكون؟! وإذا صح ما قيل من أن من مات قامت قيامته فالقبر هو المظهر المادي لصلة الأحياء ~~والأموات، والأموات هم إخواننا وآباؤنا وأبناؤنا الذين سبقونا إلى الرحيل، والذين ~~يتصلون بنا بعد موتهم بما خلفوا لنا من آثارهم، ونتصل بهم نحن اتصالا لا ينقصه إلا ~~تبادل المنافع في الحياة، ألم يخاطب الرسول - عليه السلام - قتلى بدر من المشركين بعد ~~أن دفنهم المسلمون في القليب بقوله: «يا أهل القليب هل وجدتم ms187 ما وعدكم ربكم حقا؟ ~~فإنني وجدت ما وعدني ربي حقا؟!» فلما تحدث المسلمون إليه قائلين: «يا رسول الله ~~أتنادي قوما جيفوا؟!» كان جوابه : «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يستطيعون ~~أن يجيبوني.» # ومقبرة المعلاة تقع في الشمال الشرقي من مكة، وهي فضاء فسيح محصور بين الجبال من ~~شماله وغربه، وتفصل بينه وبين الجبال من الشرق بعض المساجد والمساكن، ويتصل من الجنوب ~~بمنازل أهل مكة، وهذه المقبرة قديمة ترجع إلى عهد الجاهلية، وهي ما تزال - مع ذلك - ~~مقبرة أهل مكة في هذا الزمن الحاضر، ولعل بقاءها مقبرة حتى اليوم يرجع إلى تقديس ~~المكيين للقبور القديمة التي بها أكثر مما يرجع إلى رغبتهم عن اتخاذ مقبرة لمدينتهم ~~فيما وراء الجبال التي تحصرها. # وقبور المعلاة مسواة بالأرض اليوم، وهي لم تكن كذلك قبل أن يدخل الوهابيون الحجاز، ~~ويفصل بينها وبين الطريق منحدر من الأرض يسمو بها وبما تحويه من ذكريات إلى سفح الجبل، ~~وإنك لترى بها على رءوس قبور شواهد نقشت عليها بالخط الكوفي أو بالخط الثلث الجميل ~~آيات قرآنية في أغلب الأمر، وأسماء ساكني هذه القبور في بعض الأحيان، ولقد صحبنا حارس ~~المقبرة في مسيرنا يهدينا أثناءها إلى مقابر بعض الصحابة والتابعين. # وتقدمنا غير بعيد، ثم وقف يشير بإصبعه إلى قبر ذكر أنه قبر عبد الله بن الزبير ~~صاحب الجهاد المشهور في مقاومة بني أمية، والذي أقام بناء الكعبة في السنة الرابعة ~~والستين من الهجرة بعد أن رماها الحصين بن نمير قائد جيوش يزيد بالمنجنيق، وإلى ~~جانب قبر ابن الزبير أشار الحارس إلى قبر آخر ذكر أنه قبر أمه أسماء بنت أبي بكر، ~~ومد الحارس بصره إلى ناحية الجبل من الشمال ومددنا البصر معه، فأشار إلى جدار قائم ~~في سفح الجبل يحجب ما وراءه ولم ينبس ببنت شفة، أما الشيخ عبد الحميد حديدي فقد ~~أخبرني أن الإخوان الوهابيين شادوا هذا الجدار ليستروا به قبر خديجة أم المؤمنين وقبور ~~بني هاشم من أجداد الرسول عن الأعين؛ وليحولوا بين الحجاج وزيارتها للتبرك ms188 لها؛ ~~لأنهم يرون في الزيارة والتبرك إثما، هو إثم الشرك بالله، أو اتخاذ هذه القبور زلفى ~~إليه، وهذا أو ذاك يخالف عقيدتهم الإسلامية ويجعلهم يرمون من يقدم عليه بالمروق ~~والكفر. # وتقدمنا الشيخ عبد الحميد إلى ناحية هذا الجدار متخطيا المقبرة التي كنا بها إلى ~~فضاء يعترض السبيل إليه عارض من خشب سد به الطريق، وطأطأنا رءوسنا واجتزنا هذا ~~العارض، وتسلقنا السفح حتى كنا عند باب قديم قائم في الجدار الذي بصرنا إليه، ودق عبد ~~الحميد الباب بيده، وشعرنا بحركة وراءه، ذلك حارس هذه المقبرة المحرمة يزيل الأحجار ~~التي أوصد بها الباب حتى لا يقتحمه مقتحم، وفتح الحارس المصراع، ودخلنا فحيانا بتحية ~~من يعرف الشيخ عبد الحميد ومن كان معنا من ذوي قرابة أمين العاصمة، وبعد هنيهة أشار ~~إلى قبر على يسار الداخل قال: إنه قبر خديجة بنت خويلد أم المؤمنين، وجدة جميع ~~المنتسبين إلى الرسول بأنهم من أبناء ابنته فاطمة وابن عمه علي بن أبي طالب، وقد ~~سوي هذا القبر بالأرض كما سويت سائر القبور بأمر الوهابيين، وتقدمنا خطوتين بعد ~~ذلك إلى قبور قال الحارس: إنها قبور جدي الرسول: عبد المطلب وعبد مناف وعمه أبي ~~طالب، ثم أشار إلى قبر ذكر أنه قبر أمه آمنة، ولم يدهشني ما ذكره عن قبر آمنة مع علمي ~~أنها توفيت ودفنت بالأبواء بعد الذي ذكره أهل مكة عن هذه الآثار وقيمة سندها من ~~التاريخ، فالقول: بوجود قبر آمنة في هذا المكان إنما كان يقصد به إلى الاستزادة مما ~~يدفعه الحجاج أثناء زيارتهم هذه القبور للتبرك. # وعدت أدراجي خطوات، ووقفت مستقبلا قبر خديجة، هنا إذن يرقد جد النبي وعمه اللذان ~~احتضناه طفلا أيام يتمه! وترقد زوجه الوفية التي وهبته مالها وقلبها وحبها وروحها ~~أيام شبابه وبعد بعثه! في هذه البقعة يثوي أولئك الذين شب محمد بينهم واستظل ببرهم ~~ورعايتهم من يوم ولد إلى أن جاءهم الموت لسنوات بعد رسالته تعرض أثناءها للسوء ~~والأذى والهلاك، عبد المطلب! أبو طالب! خديجة! ما أجل هذه الأسماء وأبقاها على ms189 الدهر ~~مذكورة بالتعظيم والإكبار! وإنما بقاؤها واحترامها في اتصالها بهذا الاسم الأكبر؛ اسم ~~محمد النبي العربي الذي استعذب العذاب في سبيل الحق وهداية الناس أداء لرسالة ~~ربه. # فعبد المطلب الجد البار العطوف هو الذي كان يجلس كل يوم إلى جوار الكعبة مثابة ~~عبادة العرب جميعا، فإذا جاء حفيده الطفل اليتيم أدناه منه وأجلسه معه على فراشه ~~وربت على كتفه وغمره بحبه وإعزازه، وأبناؤه أعمام هذا الطفل جلوس من حول الفراش ما ~~يدنو منهم أحد كما يدنو هذا الطفل، ولا العباس الذي كان ضريب محمد في سنه ~~وطفولته. # وأبو طالب العم المسن هو الذي احتضن محمدا من يوم مات عبد المطلب ومحمد ما يزال في ~~الثامنة من عمره، والذي بقي يوليه من العناية والرعاية أكثر مما كان يولي أبناءه إلى أن ~~شب عن الطوق وتزوج خديجة، والذي أظله بحمايته حين دعا إلى دين الله، ووقف دونه مخافة ~~أن يناله من قريش أذى، ولئن ينسى التاريخ من أحداثه ما عساه أن ينسى ليذكرن أبدا ~~في لوحه يوم مشت قريش إلى أبي طالب تنذره بالحرب إن لم يسلم ابن أخيه أو ينهه ~~عنهم، وليسطرن بأحرف من نور كلمة محمد حين دعاه عمه وقص عليه أمر قريش وقال له: ~~«فأبق علي وعلى نفسك ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق»، ليسطرن بأحرف من نور ~~قول الرسول لعمه: «يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك ~~هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته.» # أما خديجة التي اختارت محمدا لنفسها، والتي ضحت من أجله بمالها، والتي آمنت ~~برسالته أول ما أفضى بها إليها، والتي كانت سنده وقوته في أدق الساعات التي مرت به ~~أول نزول الوحي عليه وحين إيذاء قريش إياه، أما خديجة أم المؤمنين فلن يفيها حقها كل ~~ما يسجله التاريخ إشادة بذكرها، فكيف لا تخلد هذه الأسماء في لوح الوجود خلود إجلال ~~وتعظيم وإكبار؟! # وآن لنا أن ننصرف من المقبرة، فاستوقفنا الحارس إذ مد يده ms190 ممسكا بها قطعة من ~~القاشاني الأخضر الجميل اللون زينت أطرافها بنقش فني دقيق وقال: «هذه قطعة من جدار ~~القبة التي كانت على قبر السيدة خديجة!» فقد كان على قبر خديجة قبة شاهقة بارعة الجمال، ~~يذكر المؤرخون أنها بنيت في السنة الخمسين والتسعمائة من الهجرة أثناء ولاية داود باشا ~~بمصر، وأن الذي بناها أمير دفاتر هذا الوالي، الأمير الشهيد محمد بن سليمان الجركسي، ~~وقد أزال الوهابيون هذه القبة فيما أزالوا من القباب أول دخولهم مكة إرضاء لهوى ~~إيمانهم، ثم بقيت صورتها الشمسية تشهد بأنها كانت آية بارعة الجمال في فن العمارة ~~براعة تصد من يفهم هذا الفن عن أن يصيبها بسوء، وكانت إلى جوارها قباب لجدي النبي ~~عبد المطلب وعبد مناف ولعمه أبي طالب، بذلك كانت هذه المقبرة بدعا يعشقه من يحبون ~~جمال الفن، وكان الناس يزورونها إجلالا لهذه القباب وتبركا بذكرى ساكنيها، أما اليوم ~~فلا يفكر أحد في القباب وقد أزيلت، ولا يزور أحد القبور وقد حيل بين الناس وبينها ~~بهذا الجدار الذي يصدهم عنها، على أنهم ما فتئوا يحضرون اليوم كما كانوا يحضرون من قبل ~~فيقفون عند هذا الحاجز الذي تخطيناه قبل أن نصعد سفح الجبل فيقرءون الفاتحة ويلتمسون ~~البركة ثم ينصرفون. # قال صاحبي: أرأيت كيف عدا الوهابيون على آثار أهل بيت النبي ولم يرعوا لعواطف ~~المسلمين إزاءها حرمة! وأجابه آخر: وهل كان لشيء من هذه الآثار وجود في عهد النبي؟! ~~إنما أحدثها الذين حسبوا فيها قربي إلى الله يثابون عنها، وأزالها الذين يرون في بقائها ~~ما لا يرضي الله والرسول؛ فالأمر من هذه الناحية نضال بين عقيدتين، وفعل الذين ~~أزالوها أدنى في عقيدتهم إلى حكمة الإسلام وسنة الرسول، لما توفي إبراهيم ابن ~~الرسول وتم دفنه، أمر أبوه بسد القبر، ثم سوى عليه بيده ورش الماء وأعلم عليه ~~بعلامة، وقال: «إنها لا تضر ولا تنفع ولكنها تقر عين الحي، وإن العبد إذا عمل عملا ~~أحب الله أن يتقنه»، ولقد سوي قبر خديجة بعد دفنها في حياة زوجها ولم يقم ms191 عليه أحد ~~قبة في عهده، ولا أقام أحد عليه قبة في أيام خلفائه من بعده، وبقي القبر ألف سنة حتى ~~جاء هذا الأمير الشهيد الجركسي فأقام القبة التي هدمها الوهابيون، وإنما شاع بناء ~~القبور والقباب في عهد الانحلال، ومنذ بدأ الناس يتخذون من سبقوهم زلفى إلى الله، ~~فليس من الحق وذلك نبأ التاريخ أن يوصف عمل الوهابيين - إذ هدموا هذه القباب - بأنه ~~عدوان على أهل بيت النبي، إنما هو نضال بين عقيدتين كما قدمت، وما دام الباعث على بناء ~~هذه القباب قد كان باعثا دينيا، فيجب أن ينظر في حكم إقامتها وهدمها إلى ما قرره ~~الإسلام في كتاب الله وسنة رسوله، ولو كان الباعث لإقامة القباب غير ديني لوجب النظر في ~~إقامتها وهدمها نظرة أخرى، ولكان حقا أن يلام الوهابيون على ما صنعوا أبلغ ~~اللوم. # كأنما شجعت العبارة الأخيرة صاحبي، فقد انبسطت أساريره لسماعها واتجه إلي بعد أن ~~كان يسبقنا إلى باب المقبرة وقال: ولم لا نعتبر الباعث إنسانيا هو أن تهوي أفئدة من ~~الناس إلى أهل هذا البلد الأمين القائم بواد غير ذي زرع؟! ولم لا نعتبره دينيا دعا ~~إليه تشجيع الذين يؤمنون بعقيدة المقابر والقباب إلى أداء فرض الله بحج بيته؟! لقد أضاع ~~الوهابيون على مكة بهدم القباب موردا من خير موارد المال فيها، وإنهم ليحسون ذلك اليوم ~~وبعد أن أقاموا بمكة كما نحسه، ولعلهم يأسفون على ما ضيعوا، وإن كنت في ريب من أن ~~يجد الأسف على أمر إلى نفوسهم سبيلا. # وشاركت في الحديث فقلت: لو أنك يا صديقي رجعت الباعث على بناء هذه القباب إلى فكرة في ~~فن العمارة لشاركتك في تأثيم الذين هدموها، فللفن جلال وسلطان في حياتنا اليومية وفي ~~حياتنا الروحية جاهل من ينكرهما، وكان لأتباع ابن عبد الوهاب مندوحة عن هدم هذه ~~الآثار الفنية الجميلة بتحريم التقرب إلى الله بوساطة المدفونين طي ثراها تقربا ~~ينكره مذهبهم في الإسلام؛ ومن ثم أراهم حقيقين بالتثريب عليهم ولومهم، ولو عنف ~~لذلك من شاء في هذا اللوم ms192 ما خالفته، لكنني في ريب من أن تفيد القباب بعد ذلك في جلب ~~المال إلى مكة أو جعل أفئدة من الناس تهوي إلى أهلها. # أتممنا هذا الحديث ونحن في طريقنا إلى السيارة كي نجوس بها خلال مكة، وأمسك صاحبي ~~حين ركبناها فلم يتابع حواره، وانطلقت بنا السيارة تقف عند مسجد مرة، وعند بئر ~~أخرى، وعند دار تارة، وعند شعب أو مضيق في الجبل طورا، وكذلك فعلنا أياما تباعا، ~~وعبد الحميد يقف مستقبلا الأثر الذي نقف عنده موقف الدليل أو الحارس يقص علي ما ~~تسطره الكتب وما ترويه الأساطير عن كل واحد منها، بذلك حصلت فكرة، لا أقول عن آثار ~~مكة، ولكن عما يروى عن هذه الآثار اليوم، ومنها ما هو باق يدل مظهره على شيء من ~~القدم، ومنها ما لم يبق له على وجه الحياة أثر. # المساجد الأثرية بمكة لا شيء من الجمال ولا من الفن فيها، ولا عجب، فهي لم تقم ~~للعبادة ولا لاجتماع الناس بها، فالناس من أهل مكة ومن زائريها من حجيج بيت الله يقصدون ~~المسجد الحرام ولا يقصدون مسجدا غيره؛ لذلك نرى هذه المساجد الأخرى لا تزيد على مربع ~~من الأرض تحيط به جدران غاية في البساطة، يعلو من ناحية المحراب سقف ساذج يستند إلى ~~عمد ليست دون السقف سذاجة في بنائها، وقل أن تجد بالمسجد حصيرا أو قشا أو أي ~~فرش يشعرك أن الناس يصلون فيه، بل الأرض فيه عارية يكسوها التراب، فإذا سألت: فيم إذن ~~أقيمت هذه المساجد؟ علمت أنها أقيمت ذكرى لحادث وقع حيث تقوم، فهي إذن أدنى إلى أن ~~تكون نصبا تذكاريا تحتفظ بأنباء تسجلها بطون الكتب أو يرويها الرواة منها إلى أن ~~تكون بيوتا يذكر اسم الله فيها، أو مقصدا للناس كي يقيموا الصلاة بها. # وقفنا قبالة مقبرة المعلاة عند مسجدين متجاورين؛ أحدهما مسجد الراية، والآخر مسجد ~~الجن، وسمي الأول مسجد الراية لما يذكر من أن الرسول - عليه السلام - ركز رايته ~~عام الفتح حيث يقوم اليوم هذا المسجد، وسمي الآخر مسجد ms193 الجن؛ لأن الله أوحى إلى ~~النبي في هذا المكان الذي كان الجن يستمعون فيه إليه: # قل أوحي ~~إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا ~~قرآنا عجبا * يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن ~~نشرك بربنا أحدا ~~. ولمسجد الجن باب بأسفل الطريق غير بابه ~~المطروق، وينزل من شاء إليه بضع درجات دون مستوى أرض المسجد، وأهل مكة يذهبون إلى أن ~~الجن كانت تستمع في المكان الذي يؤدي هذا الباب إليه؛ ولذلك كان الناس يزورونه، وقد ~~أقفل هذا الباب في العهد الأخير بالطين والحجر منعا للتبرك بزيارته. # وهذان المسجدان من الطراز الذي ذكرناه، والذي يعتبر طراز المساجد في مكة جميعها، وقد ~~زرت عددا منها، بينها مسجد الإجابة ومسجد حمزة، فلم أجد ما يدعو إلى استقصاء شيء عن ~~سائرها، ولم يكن تشابهها في العمارة هو وحده الذي أطفأ ظمأ تطلعي، بل أطفأه كذلك أنك ~~لا تقف على نبأ صحيح للذكرى التي يقوم المسجد شاهدا عليها، فالناس لا يعرفون عن مسجد ~~حمزة القائم بحي المسفلة أكان موضعا لمولده أم كان أثرا لنبأ لم يدون في بطون ~~الكتب؟ وكل ما يذكره الذاكرون عن مسجد الإجابة - القائم داخل الشعب على مقربة من حراء ~~ومن قصر الملك - أنه قائم حيث حل النبي - عليه السلام - إحرامه بعد عوده من منى، ~~ولئن صح ذلك لكان بعد حجة الوداع، وهذا أمر لا يقطع بصحته أحد. # والحق أن تعيين الأمكنة التي نزل فيها الوحي، أو التي أوى إليها الرسول في مناسبة ~~ما ليس أمرا ميسورا، فكتب السيرة لم تكتب إلا بعد قرنين أو نحوهما من وفاته، والحديث ~~لم يجمع كذلك ولم يدون إلا في عهد العباسيين، وإلى يومئذ كان المسلمون في شغل ~~بالغزو والفتح وبالثورات الأهلية عن تدوين آثار الرسول، بل لقد اختلفوا في جواز ~~تدوينهما، حتى نادى عمر في الناس: إن من كان عنده شيء عن الرسول غير القرآن فليمحه، ~~والخلاف واقع على آثار أدنى بطبعها إلى التحديد من المواضع التي نزل فيها الوحي بسورة ~~من السور أو آية ms194 من الآيات، فهو واقع على أماكن لها خطرها، كتحديد مكان حنين، وهي من ~~أشهر غزوات الرسول وفيها نزل قرآن، وتحديد منازل الوحي بالسور والآيات لم يتيسر إلا ~~فيما اتصل من هذه السور والآيات بحوادث معينة، والخلاف مع ذلك واقع على التحديد ~~الدقيق للمواضع التي نزلت فيها هذه الآيات والسور، وعلى الحوادث التي نزلت فيها، ولا ~~جرم إذن أن يتعذر القول بصحة ما للمساجد القائمة اليوم من دلالة على الآثار المسندة ~~إليها، والراجح أنها أقيمت على الظن لا على اليقين، وأقيمت لأغراض تتصل بهوى النفوس ~~إلى مكة أكثر مما أقيمت لأغراض علمية ثابتة. # فأما ما سوى المساجد من آثار فبعضه أدنى إلى الصحة فيما يدل عليه، وإن لم يكن أوفر ~~حظا من الثبوت العلمي لمن أراد البحث والتمحيص الدقيق. # والآبار بعض هذه الآثار، وهي تختلف عن المساجد في أنها لم تنشأ بعد أجيال من عهد ~~النبي ذكرا لقصة أو حديث رواه الرواة أو تداوله الكتاب، بل كان منها في عهد النبي ~~عدد غير قليل اندثر بعضه وجد من بعد غيره، لكنك قل أن تعثر في تواريخ مكة على ~~شيء ثابت عنها، وما سوى زمزم من الآبار تختلف عليه الرواية أشد الاختلاف. # وليس يذكر «الأزرقي» في كتابه «أخبار مكة» عن آبار الجاهلية إلا الشيء القليل، وإن ~~ذكر أساطير شتى عن الآبار التي أنشأتها قريش حين بدأ تكاثر الناس بأم القرى، فأما ما ~~جد بعد الإسلام فكثير، بقي موضع الرعاية ما استقى الناس منه، فلما أجرت زبيدة زوج ~~الرشيد الماء إلى مكة لم يبق ما يثير العناية بهذه الآبار، وإن احتفظ أهل مكة منها بما ~~علقوا عليه ألوان القصص الديني ليثيروا به تطلع الذين يزورون مكة، والذين يبتغون ~~أثناء زيارتهم إياها كل سبيل للتبرك والمثوبة. # كنت أحفظ في حياتي كثيرا من الشعر العربي نسيت الآن أكثره، ومما لا يزال عالقا ~~بذاكرتي قول الشاعر: # كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا # أنيس ولم يسمر بمكة سامر # ولم يكن للحجون ولا للصفا أية صورة معينة ms195 في ذهني، وقد عرفت الصفا حين سعيت بين ~~الصفا والمروة، وعرفت أنها ربوة أحيطت بالجدران، أما الحجون فطريق بين جبلي كدي ~~وكدى، ويقع أولهما بأعلى مكة، ويسير الآخر حتى يصل إلى أسفلها، وطريق الحجون يصل بين ~~السفوح التي تقع عليها مقبرة المعلاة وما عند المسفلة نحو الجنوب من مكة، ولقيتنا ~~أول ما برزنا من الحجون بئر عليها بناء غير مرتفع، قال صاحبي: إنها بئر طوى، وإن ~~الرسول اغتسل منها حين دخوله مكة عام الفتح؛ ولهذا يسن الاغتسال منها عند دخول مكة، ~~ويضبط الأزرقي وغيره من قدماء المؤلفين اسم هذه البئر على أنها الطوى، والبناء ~~القائم عليها بناء حقير لا أحسب الذين أقاموه قصدوا إلى أكثر من إعلام البئر وحفظها به، ~~والبئر من داخل البناء قد أحيطت فوهتها بأحجار تشبه البناء، وتدلت فيها دلو يشدها ~~حبل غليظ معلق إلى بكرة أحدثها المعاصرون من أهل مكة. # ولم أقف داخل مكة على آبار أخرى غير بئر عثمان المنسوب إحداثها إلى عثمان بن عفان، ~~وهي تقع الآن في رباط المغاربة، والدخول إلى هذا الرباط واجتيازه إلى البئر يعيد إلى ~~الذاكرة أشد أحياء القاهرة القديمة قذارة وبعدا عن أسباب الصحة؛ فقد اجتزنا حارة ~~ضيقة لا تدخلها الشمس، قذرة لا تنظفها مكنسة، تزكم الأنف روائح تفوح منها وتجري فيها ~~جراثيم الأنيميا، ودخلنا الرباط، فكأننا دخلنا مستوقدا أو شرا من مستوقد، ولقد ~~حدثتني نفسي أن أعود أدراجي قبل أن نبلغ البئر لولا الحياء ممن معي من أهل مكة، ومدخل ~~الرباط أشد من مدخل الحارة ضيقا وأكثر قذارة، وألفيت إلى جانب جدرانه أشباحا أحسبهم ~~أشخاصا يعيشون في هذا الرباط، وبلغنا البئر فإذا فوقها بناء أكثر ارتفاعا من بناء بئر ~~طوى، وفوهتها كفوهتها محاطة بأحجار البناء، يتدلى فيها حبل يدور على بكرة، ويمسك في ~~نهايته دلوا هي التي يمتح بها ماء البئر. # الدور التاريخية بمكة أثبت نسبا من المساجد والآبار، وإذا قامت الشبهة في نسب الكثير ~~منها، فبعضها متواترة أنباؤه ولا يشتد عليه خلاف، وأنت واجد من ذكر هذه ms196 الدور الشيء ~~الكثير في أقدم ما كتب من تواريخ مكة، لكن ما يتصل منها بعهد الرسول وما يثبت على ~~التاريخ قليل. # ودار الأرقم أو الخيزران من أشهر هذه الدور وأثبتها نسبا، وهي تثير في النفس ذكرى من ~~أروع الذكريات في حياة محمد - عليه السلام، فقد كان يجلس في هذه الدار يوما مع أصحابه ~~والإسلام لا يزال في أول عهده، وقريش ما تزال تحاول القضاء عليه، وكان عمر بن الخطاب ~~على الجاهلية إلى يومئذ، ولقد فكر في أن يريح قريشا من هذا الذي سب آلهتها وفرق ~~أمرها بأن يذهب إليه فيقتله، ولقي في طريقه نعيم بن عبد الله وأظهره على طويته، قال ~~له نعيم: والله قد غرتك نفسك من نفسك يا عمر! أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على ~~الأرض وقد قتلت محمدا؟! أفلا ترجع إلى أهل بيتك وتقيم أمرهم؟! وكانت فاطمة أخت عمر ~~وزوجها سعيد بن زيد قد أسلما. # وكر عمر راجعا إليهما حين عرف من نعيم أمرهما، ودخل البيت عليهما وعندهما من ~~يقرأ القرآن، فلما أحس أهل الدار دنوه، اختفى القارئ وأخفت فاطمة ما يقرأ، وسأل ~~عمر: ما هذه الهينمة التي سمعت؟! لقد علمت أنكما تابعتما محمدا على دينه، وبطش ~~بسعيد، فقامت فاطمة تحمي زوجها فصدمها فشجها، إذ ذاك هاج هائج الزوجين وصاحا به: نعم ~~أسلمنا، فاقض ما أنت قاض! واضطرب عمر حين رأى ما بأخته من الدم، وغلبه بره وعطفه ~~فارعوى وسأل أخته أن تعطيه الصحيفة التي كانوا يقرءون، فلما قرأها اهتز وأخذه إعجازها ~~وجلالها وسمو الدعوة التي تدعو إليها، وخرج يريد محمدا كي يعلن إليه إسلامه. # وسار متوشحا سيفه حتى إذا بلغ دار الأرقم ضرب الباب على من فيه، وقام رجل فنظر من ~~خلل الباب ثم عاد فزعا يقول: هذا عمر بن الخطاب متوشحا السيف، قال حمزة بن عبد ~~المطلب: فأذن له، فإن كان جاء يريد خيرا بذلنا له، وإن كان يريد شرا قتلناه ~~بسيفه، وأمر رسول الله أن يؤذن لعمر، وقام فتقدم نحو الحجرة التي تلي ms197 الباب، ولما ~~دخل عمر أخذ النبي بمجمع ردائه وجذبه بقوة، وقال له: ما جاء بك يا ابن الخطاب؟ فوالله ~~ما أرى أن تنتهي حتى ينزل الله بك قارعة، قال عمر: يا رسول الله، جئتك لأومن بالله ~~ورسوله وما جاء من عند الله، فكبر محمد تكبيرة عرف أهل البيت من أصحابه أن عمر أسلم، ~~فتفرقوا من مكانهم فرحين مؤمنين بأن عمر وحمزة سيحميان رسول الله من خصومه ~~وأذاهم. # وفت إسلام عمر في عضد قريش وقد دخل في دين الله بالحمية التي كان يحاربه من قبل ~~بها، لم يرض عن اختفاء المسلمين حين صلاتهم، بل دأب على نضال قريش حتى صلى عند الكعبة ~~وصلى المسلمون معه، ثم كان عمر بعد ذلك للإسلام عزا في حياة الرسول ومجدا في خلافة ~~أبي بكر وخلافته. # هذا حادث جليل في تاريخ الإسلام، فمكانه جدير بأن يذكر، والدار بأن تصان وأن تزار، ~~وقد ذهبت إلى زيارتها على مقربة من الصفا وانعطفت إليها في طريق من حارة الباب، وأشار ~~الشيخ عبد الحميد إلى باب مغلق، وقال لي: هذه هي الدار، وسألته: هل من سبيل إلى دخولها؟ ~~فعلمت أنها أصبحت مسكنا لإحدى الأسر منذ جاء الوهابيون مكة، وأنها من يومئذ لا تزار، ~~وقد رأيت بأعلى الباب كتابة لم أتثبتها على رغم صعود الطريق المنعطف قبالتها صعودا ~~يجعل نظر الإنسان يكاد يحاذيها، وعلى رغم استعانتي بالمنظار المكبر. # وقد أسفت لحرماني من زيارة هذه الدار، أنا الذي زرت بأوروبا أماكن ودورا صانتها ~~الحكومات ذكرى للعظماء الذين ولدوا بها، أو أقاموا فيها؛ أو لأنها شهدت من حوادث حياتهم ~~أمرا خلدته صحف التاريخ، وإنما هون علي الأسف ما علمته من أن دار الأرقم تغيرت ~~معالمها ولم يبق فيها ما يذكر بهذا الحادث العظيم في حياة العالم الروحية، حسبك أنها ~~تدعى اليوم دار الخيزران؛ لما يزعمون من أن الخيزران أم الحليفتين موسى وهارون ~~عمرتها أيام العباسيين، والذين زاروا هذه الدار قبل الوهابيين يذكرون أن بابها يفتح ~~على دهليز مكشوف إلى السماء طوله ثمانية أمتار ms198 وعرضه أربعة، وإلى يساره إيوان مسقوف على ~~عرض ثلاثة أمتار، وإلى يمينه غرفة في مثل مساحته مفروشة بالحصير، وقد وضع في زاويتها ~~الشرقية حجران أحدهما فوق الآخر، كتب على أعلاهما: # بسم الله الرحمن الرحيم # في بيوت أذن الله أن ترفع ~~ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو ~~والآصال # هذا مختبأ رسول الله ودار الخيزران وفيها مبدأ ~~الإسلام. # وكتب على الحجر الأسفل مثل هذه العبارة الأخيرة واسم من أمر بإنشاء هذا الأثر، وهو ~~أبو جعفر محمد بن علي بن أبي منصور الأصفهاني وزير الشام والموصل، قال الفاسي في شفاء ~~الغرام: «وعمره أيضا الوزير الجواد، وعمرته مجاورة يقال لها: مرة العصمة، ~~وعمر أيضا في سنة 821ه، والذي أمر بهذه العمارة ما عرفته.» # ليست دار الأرقم التي قص الفاسي نبأها، والتي تحدث صاحب الرحلة الحجازية وصاحب مرآة ~~الحرمين عنها، هي إذن الدار التي أعلن بها عمر بن الخطاب إسلامه، وخير ما يقال: إن ~~البناء القائم اليوم قائم مكان هذه الدار. # ولقد هون على نفسي الأسف كذلك أنني لم أجد إلى زيارتها الوسيلة؛ لأنها كانت مغلقة، ~~وكان يسكنها قوم من أهل هذا الجيل لا يزورونها الناس، ولا يرعون لها حرمة خاصة؛ ~~لأنهم على رأي ابن عبد الوهاب، فهم يظنون أن كل أثر صنم أو نصب قد يعبد أو يتخذ إلى ~~الله زلفى، وربما قام ما يصنعه المسلمون من التبرك بهذه الآثار عذرا للحكومة ~~النجدية في تحريمها زيارة هذه الأماكن، لكنها كانت تستطيع أن تفعل غير ما فعلت ثم تبلغ ~~غايتها، بأن تحرم التبرك والزلفى، وتبيح الزيارة وتجعلها جمة الفائدة، إذ تعين ~~من يفسر للزائرين مغزى هذه الآثار، ولو أنها فعلت لكان صنيعها أجل فائدة وأعظم ~~أثرا، ولقد اضطرت إلى مثل هذا الصنيع في أماكن أخرى فأثمر صنيعها خير ثمرة. # ثم غير دار الأرقم دار أبي سفيان، والمسلمون يذكرونها لقوله - عليه السلام - يوم ~~فتح مكة: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو ~~آمن.» وتقع دار أبي ms199 سفيان بمكان يقال له: القبان بشارع المدعى، وما بقي منها ~~اليوم لا يمت إلى أصل بنائها بصلة أو نسب، بل دخل في أرض عمرتها الحكومة المصرية ~~على عهد محمد علي، وأقامتها إلى جانب تكية فاطمة التي أنشأتها الحكومة العثمانية إذ ~~ذاك، وأكبر الظن أنها عمرتها لتكون مدرسة يتعلم فيها أهل مكة؛ فتقسيم البناء على ما ~~رأيته يشهد بذلك، لكن الحكومة العثمانية صاحبة الأمر في الحجاز لم تر أن يبقى المكان ~~مدرسة بعد أن جلت عنه قوات مصر، فجعلت منه مستشفى للمجاذيب الذين يخشى خطر هياجهم، أما ~~اليوم فهو مستوصف يزوره الناس ويصرف منه الدواء، ولقد لقينا الموكل به، وهو سوري، فدار ~~معنا في جوانبه، فكان مما رأيناه به مسجد صغير يقال: إنه قائم موضع دار أبي سفيان حيث ~~كانت على عهد الرسول، وبهذا المستوصف حديقة في داخله ترى فيها من الشجر الأخضر ما لا ~~ترى منه بمكة إلا في بيوت ذوي اليسار. # ويذكرون دار أم هانئ، وهي الدار التي كان بها الرسول - عليه السلام - ليلة الإسراء، ~~وليس لهذه الدار اليوم أثر، فقد دخلت في المسجد حين توسيعه، وهي الآن إحدى المدارس ~~المتصلة بالمسجد إلى جوار باب الحميدية، ويطلق عليها اسم مدرسة أم هانئ. # ووقفنا عند دار قال الشيخ عبد الحميد: إنها دار الصديق، ولم أعثر بهذا الاسم في ~~تواريخ مكة، وهي مقفلة اليوم لا يدخلها أحد، وموقعها إلى جوار البازان المجرور من عين ~~زبيدة بالمسفلة، ولست أدري مبلغ ما في نسبة هذه الدار إلى الصديق من صحة. # لم يطم الوهابيون الآبار، ولم ينقضوا الدور كما هدموا قباب قبور المعلاة، ~~ولعلهم لم يروا الناس يعكفون على الآبار ما يعكفون على القباب؛ فكفاهم أن أقفلوا الدور ~~وأن تركوا الآبار لمن شاء أن يغتسل منها، كما تركوا من شاء يتوضأ من ماء زمزم، لكنهم ~~كانوا أشد بطشا بآثار أخرى، حتى لقد عفوا عليها ولم يتركوا لهذا ذكرا، وكانت هذه ~~الآثار أعز على المسلمين من كل ما تركوا، ولا عجب فهي مولد النبي، ومولد ms200 فاطمة ابنته، ~~ومولد علي بن أبي طالب ابن عمه وصهره وأخيه حين آخى بين المسلمين في المدينة، وأنت ~~تمر بها اليوم فتحسبها ميادين خالية حينا، معمورة بالخيام حينا آخر، وكثيرا ما ~~تراها مناخا للإبل في زمن الحج، وإن قوما يرونها اليوم وكانوا قد رأوها من قبل أن ~~يطمس الوهابيون على آثارها فيحز الألم في نفوسهم، وتخنق بعضهم العبرة وقد تسيل على ~~خده أسفا لما أصاب هذه المواقع التي كانت من قبل موضع إكبار وتقديس كما يجب أن تكون، ~~بل إن منهم من يهون على نفسه هدم القباب، ومنهم من لا يرى به بأسا؛ لكن هؤلاء وغيرهم ~~يرون في التعفية على معالم هذه الأماكن التي ولد فيها الرسول وابنته وصهره وزرا لا ~~يعدله وزر، وإكبار هؤلاء لما صنع ابن السعود ورجاله من إقرار الأمن والنظام بالحجاز ومن ~~القضاء على المنكرات فيه، لا يثنيهم عن مصارحة وزرائه وعن مصارحته هو، برأيهم وإنكارهم ~~هذا القضاء على آثار للرسول وأهل بيته قضاء لا مسوغ له. # ويشعر أولو الأمر من الوهابيين بما في قول هؤلاء من صحة، ويرون أن رجالهم الذين ~~فتحوا الحجاز ودخلوا مكة غلوا في تطبيق المذهب غلوا كبيرا حين هدموا من الآثار ما ~~هدموا، قال لي أحدهم: لو أن الملك ابن السعود كان على رأسهم لما وقع من ذلك كل ما وقع، ~~لكنا وجدنا أنفسنا أمام الأمر الواقع، ولسنا نستطيع أن نصرح للناس بأن غزاتنا الأولين ~~أخطئوا؛ فهم أصحاب الفضل في الفتح، وهم الذين طوعوا لابن السعود البلوغ بالحجاز في ~~مضمار الإصلاح إلى ما بلغ، على أن شعورنا نحن بخطأ هؤلاء الغزاة يدعونا إلى التفكير في ~~إصلاحه، ولقد فكرنا في أن ننشئ مكان مولد الرسول دارا للكتب تضم كتب التفسير والحديث ~~والسنة جميعا، لكن صعوبة واجهتنا لم نستطع التغلب عليها، فقد وقف علماء نجد ~~يسألوننا: وكيف تضعون في هذه الدار كتبا تنطوي على ما يحكم مذهبنا بخطئه؟! إنكم إن ~~فعلتم تكونوا قد ارتددتم عن المذهب، ونزلتم على حكم أهل الحجاز، وقلبتم فتحنا ms201 إياه ~~استعمارا مكان استعمار، ونحن إنما فتحناه لإقرار حكم الإسلام الصحيح فيه. # قال محدثي: هذه صعوبة واجهتنا لم نستطع التغلب عليها؛ فنحن في حاجة إلى إقرار الرأي ~~العام في نجد أعمالنا لأنه سندنا، وما لم نستطع التوفيق بين سياستنا ومعتقداته فلا بد ~~لنا من النزول على حكمه، فللملك ابن السعود خصوم من رؤساء القبائل في نجد يتهمونه بأنه ~~سخر عقيدة أهل نجد الإسلامية لأغراضه ومطامعه السياسية، فلما تم له ما أراد، واستتب ~~له أمر الحجاز، أنس إلى الطمأنينة بترك أهل الحجاز يزاولون من العقائد ما يجاور الشرك ~~ويأباه الإسلام؛ ولذ له الفتك بمن يثور على هذه العقائد من أهل نجد أولي الحفاظ على ~~الدين الصحيح والمذهب السليم، وهذا كلام يلقى آذانا تسمعه وتسيغه، فلا بد لنا من ~~التوفيق بين آراء العصر الحاضر بما لا تأباه العقيدة السليمة عندنا، وبين تصور قومنا ~~لموجب هذه العقيدة، ونحن لا نستطيع أن نقنع أحدا منهم بفكرة حرية الرأي، فحرية الرأي ~~عندهم معناها حرية الباطل في غزو العقول؛ لذلك لم نجد بدا من أن نعرض عن إقامة دار ~~الكتب في موضع مولد النبي، وأن نؤثر عليها إقامة مسجد يذكر فيه اسم الله وتلقى فيه ~~التعاليم الإسلامية الصحيحة. # ولم أجد ما أعترض به على هذا الكلام بعد الذي ذكرته في فصل «مكة الحديثة» من حديث ~~الشيخ حافظ وهبة مع علماء نجد عن التعليم، وراقني أن يبنى مسجد حيث ولد من يذكر ~~اسمه إلى جوار اسم الله في كل مسجد؛ محمد عبد الله ورسوله، ثم إني خشيت أن يكون حظ هذا ~~المسجد كحظ مساجد مكة إذ يذرها الناس ابتغاء مثوبة الصلاة في المسجد الحرام وعند البيت ~~العتيق، لكن محدثي طمأنني إلى أن المسلمين سيجدون لا ريب من المثوبة في الصلاة بالموضع ~~الذي ولد فيه رسول الله ما يدعوهم إلى الإقبال على هذا المسجد إقبالهم على المسجد ~~الحرام أو بعض إقبالهم عليه. # ويقع مولد النبي بشعب بني عامر في أحياء مكة من شرقها، والخلاف يقع على هذا المكان: ms202 ~~أولد فيه النبي حقا؟ ولقد أورد صاحب المواهب اللدنية مما روي من ذلك ما قيل من أنه ~~ولد بمكة في الدار التي كانت لمحمد بن يوسف الثقفي، وكانت في هذا المكان المشهور اليوم، ~~ومن أنه ولد بشعب بني هاشم، ومن أنه ولد بالردم، ومن أنه ولد بعسفان، ثم إن ~~المسلمين تواضعوا في عصور متأخرة على أن المكان المشهور اليوم هو مولد الرسول، ومنذ ~~القرنين السادس والسابع الهجريين بدأ ملوك الإسلام في اليمن وفي مصر يفكرون في عمارة ~~هذا المكان، ثم فكر ملوك بني عثمان في عمارته في القرن العاشر الهجري؛ فأقيمت فيه ~~قبة عظيمة ومنارة ورتب له مؤذن وخادم وإمام، وكان الطريق المجاور لهذا المكان يرتفع ~~عنه نحو متر ونصف متر، وكان النازل إليه ينحدر على درج يصل به إلى فناء وصفه البتانوني ~~في رحلته، وذكر أن طوله يبلغ اثني عشر مترا في عرض ستة أمتار، وفي جداره الأيسر باب ~~يدخل الإنسان منه إلى القبة، حيث يجد مقصورة من الخشب، في داخلها رخامة قد تقعر جوفها ~~لتعيين الموضع الذي ولد فيه الرسول، ومن هذه القبة ومن الفناء خارجها تتكون دار مولده - ~~عليه السلام. # نقل صاحب مرآة الحرمين قول العياشي في رحلته تعليقا على موضع المولد: «ويبعد عندي كل ~~البعد تعيين ذلك من طريق صحيح أو ضعيف؛ لما تقدم من الخلاف في كونه بمكة أو غيرها، وعلى ~~القول: بأنه فيها ففي أي شعابها؟ وعلى القول بتعيين هذا الشعب ففي أي الدور؟ وعلى ~~القول بتعيين الدار فيبعد كل البعد تعيين الموضع من الدار بعد مرور الأزمان والأعصار ~~وانقطاع الآثار، والولادة وقعت في زمن الجاهلية، وليس هناك من يعنى بحفظ الأمكنة، لا ~~سيما مع عدم تعلق غرض لهم بذلك، وبعد مجيء الإسلام قد علم من حال الصحابة وتابعيهم ضعف ~~اعتنائهم بتعيين الأمكنة التي لم يتعلق بها عمل شرعي لصرفهم اعتناءهم - رضوان الله ~~عليهم - لما هو أهم من ضبط الشريعة والذب عنها بالسنان واللسان، وكان ذلك هو السبب ~~في خفاء كثير من الآثار الواقعة ms203 في الإسلام من مساجده - عليه السلام، ومواضع غزواته، ~~ومدافن كثير من أصحابه، مع وقوع ذلك في المشاعر الجليلة، فما بالك بما وقع في ~~الجاهلية ؟! لا سيما ما لا يكاد يحضره أحد إلا من وقع له كمولد علي، ومولد عمر، ومولد ~~فاطمة - رضوان الله عليهم جميعهم.» # عفى الإخوان الوهابيون كذلك على كل أثر لمولد فاطمة، فهو الآن فضاء كمولد أبيها، ~~وما ذكره المؤرخون عن مولد الرسول، يصدق على مولد ابنته في مبلغ ثبوته، وفاطمة قد ولدت ~~بدار خديجة، كما ولد بها أبناء النبي، وبدار خديجة أقام النبي منذ تزوجها إلى أن هاجر ~~من مكة، أي: من الخامسة والعشرين إلى الخمسين من سنه؛ فهي إذن قد شهدت بعثه، وشهدت ~~ائتمار قريش به وأذاها إياه وتعذيبها أصحابه لعقيدتهم، ولقد نزل عليه الوحي فيها غير ~~مرة، فطبيعي - وذلك شأنها - أن يبقى على التاريخ أثرها، وفي نفوس المؤمنين جميعا ~~ذكرها. # عفى الوهابيون على كل أثر لهذه الدار، فهدموا ما كان الناس يزورونه من رسومها، وهم ~~لم يهدموا في الحق دار خديجة، إنما هدموا ما أقيم ذكرى لها، وهي قد عمرت في عهد ~~الخليفة الناصر العباسي، ثم عمرت في عهد الملك الأشرف صاحب مصر، وعمرها كذلك ملك ~~مصر الظاهر برقوق، ولعلها عمرت بعد ذلك غير مرة، والظاهر أن عمارتها كانت تختلف ~~شكلا، فيما يتصوره الناس، عما كانت عليه في عصر النبي، فما وصفها به الفاسي في «شفاء ~~الغرام» يختلف عن صفتها في رحلة البتانوني، فبينما كانت في عهد الفاسي على صفة المسجد ~~وكانت لها عقود وأساطين إذا هي في رحلة البتانوني بالغة غاية البساطة، تنحدر عن الأرض ~~انحدار مولد النبي، وينحدر النازل إليها درجات عدة، فيواجهه عن يمينه بهو وغرفة فسيحة، ~~وعن يساره باب يدخل الإنسان منه إلى ثلاث غرف، كانت إحداها سكنا للنبي مع خديجة، وكانت ~~الثانية سكنا لبناتها، وغرفة ثالثة صغيرة يطلق الكتاب عليها اسم غرفة الوحي، وكانت ~~فيما يذكرون مصلى النبي ومهبط الوحي عليه، وأمام ذلك كله بعرض البيت مكان مرتفع يظن ~~البتانوني ms204 أن خديجة كانت تخزن فيه تجارتها. # أسائل نفسي: لو أن دارا في الغرب حوت من الذكريات الخالدة ما حوته دار خديجة، ~~وأراد رجال الفن هناك أن يقيموا لهذه الذكريات رمزا، فماذا عساهم يصنعون؟ فهي قد ~~حوت ذكريات نفسية وروحية وعقلية لم تحو مثلها دار غيرها؛ في هذه الدار وقفت خديجة ~~ترقب في علية لها عود محمد بتجارتها من الشام، فلما دخل عليها في شبابه وقوته ~~وذكائه وأمانته وقع من قلبها وهي في الأربعين سنا، وفي هذه الدار عرف محمد اليسر بعد ~~العسر، ورخاء العيش بعد شدته، وفيها أنجب أبناءه من خديجة، فكان الوفاء لزوجه، والبر ~~بأبنائه، وكان في ذلك أسوة ومثلا كما كان في أمانته بين قومه، وفيها رغب عن الرخاء ~~وعن نعمة العيش، وسما فوق عواطف الزوجية والأبوة وانقطع للتحنث في حراء - بعد أن سما ~~بخديجة إلى مثل سموه - وجعلها أشد تطلعا إلى موضع تأمله منها إلى ربح تجارتها ~~وازدياد مالها، وإليها رجع من حراء بعد الوحي الأول وقد ملك عليه الفزع كل نفسه وهو ~~يقول: زملوني زملوني، فوجد في خديجة الزوج الوفية البارة العطوف، وفيها انقطع إلى ربه ~~يعبده ويدعوه أن يهيئ له الأسباب لدعوة قومه إلى الهدى ودين الحق، وفيها نزل عليه الوحي ~~بعد فتوره، وفيها ذاق لذة الحقيقة والدعوة إليها لذة تسمو على خصومة قريش وأذاها، ~~وفيها ماتت خديجة وحز الألم في نفسه لفراقها، ثم هونت رسالته الكبرى عليه ألمه، ~~وفيها بات ليلة اعتزم الهجرة إلى يثرب، وقد أحاط بها فتيان مكة يريدون قتله، إن في كل ~~واحدة من هذه الذكريات الباقية على الدهر ما يلهم رب الفن أسمى صور الفن وألوانه، ~~ولكنها إذ تتداعى جميعا إلى نفسه تذره في حيرة لا يجد وسيلة إلى صورة أو معنى مستقل ~~بذاته يجسمها جميعا ويطبع منها في النفس أثرا باقيا بقاءها، اللهم إلا أن يلهم صورة ~~تمثل الدعوة إلى التوحيد في أسمى صور التوحيد صفاء وقوة، فهذه الدعوة هي جوهر الحياة ~~ورحيقها في حياة النبي العربي وفي تعاليمه. ms205 # أصاب الوهابيون مولد علي في شعب بني هاشم بما أصابوا به مولد النبي ومولد فاطمة، ~~فهو اليوم فضاء لا أثر فيه، ولعل أولي الأمر في الحجاز يفكرون في تعميره، ولعلهم يوفقون ~~حين يعملون لأثر لا يثير الحفائظ بين الشيعة وأهل السنة. # بمكة آثار غير المسجد والآبار والدور؛ بها الجبال وشعابها، حين كان المسلمون يأوون ~~من أذى المشركين، والأساطير التي أضيفت على هذه الجبال ليست أقل بهاء مما يضفيه أهل ~~مكة على سائر الآثار فيها، لكن التاريخ لا يثبت من هذا كله شيئا. # والأثر الخالد الحق في مكة بيت الله، وكل أثر غيره يتصل به ويعنو له، إليه يولي ~~الناس وجوههم وهم بمكة، وحيثما كانوا ولوا وجوههم شطره. # | في غار حراء # الكعبة والحرم أول ما يتجه إليه من يحج مكة وأشد ما يسترعي نظره فيها، فإذا أتم الناس ~~شعائر الحج طوافا وسعيا، ظلت الكعبة وظل الحرم مع ذلك مثابتهم ما أقاموا بالبلد ~~الحرام، وإن كثيرين منهم ليتجهون بعد زيارة الحرم إلى زيارة مقابر آل البيت، هذه ~~المقابر التي كانت موضع تقديس ورعاية من حكومة البلاد وأهلها، ومن زائريها، ومن ~~المسلمين في شتى بقاع الأرض؛ حتى إذ تولى النجديون أمر الحجاز أنكروا تقديس هذه ~~الأماكن واعتبروه إشراكا بالله في عبادته، فهدموا ما أقامه السلف عليها من قباب ~~ومساجد، وجعلوا على بعضها حراسا وأبوابا توصد، ولم يصرف الحراس الناس عن زيارة ~~مقابر آل البيت، ولم تحل الأبواب بينهم وبين الوقوف بها والدعاء لساكنيها واستغفار ~~الله لهم وقراءة الفاتحة لأرواحهم. # ويتجه بعضهم بنظره إلى حراء وإلى الغار الذي بأعلاه، ولقد قل عدد هؤلاء بعد حكم ~~النجديين الحجاز، وبعد أن هدموا القبة التي كانت مقامة فوق هذا الجبل، وجنت قلة ~~الصاعدين إلى قمة حراء على مقهى كان قائما على مقربة من القمة عند صهريج كان يختزن ~~مياه المطر، كما جنت على الطريق المعبد الذي كان يتخذه الصاعدون إلى القمة، أما ~~المقهى فلم يبق له أثر، وأما الطريق ففسد وشق الصعود عليه، بذلك زاد عدد الصاعدين ms206 إلى ~~غار حراء قلة، ولم يبق منهم من يكابد مشقة الصعود إلا الذين درسوا تاريخ الرسول وعرفوا ~~نزول الوحي لأول مرة على محمد أثناء تحنثه بحراء. هؤلاء يحرصون على أن يصعدوا جبل ~~النور، وأن يصلوا إلى الغار الذي اتخذه محمد مقرا، والذي جاء إليه جبريل أثناء مقامه ~~به يلقي عليه أول ما جاء به من القرآن: # اقرأ باسم ربك ~~الذي خلق * خلق الإنسان من علق * ~~اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم ~~، وهؤلاء يرون في ~~الجبل وفي الغار فوقه أقدس مكان تجب له الزيارة بعد حج البيت، فهو منزل الرسالة، وهو ~~مهبط النور، وهو مقام الرسول قبل البعث يلتمس الحقيقة حتى أوحاها الله إليه، وهو اليوم ~~كما كان منذ خمسة عشر قرنا مضت، لم تعد عليه عادية، ولم يغير منه حاكم ولا ~~محكوم، وسيبقى كذلك علما على الوحي وعلى الرسالة حتى يوم الدين. # ومذ وقع نظري على حراء حين ذهابي إلى قصر الملك غداة وصولي إلى مكة تعلق به نظري ~~وشدت إليه مشاعري، وتمثل لي حيثما ذكرته بهذه العزلة العجيبة التي تفرد بها عما ~~حوله من الجبال، وبهذه الاستقامة المخروطية في انطلاقه إلى السماء، استقامة تجعله أدنى ~~إلى برج شاده الإنسان منه إلى جبل قائم بين عشرات من الجبال حوله، والحق أن الحادث الفذ ~~الذي جعله القدر نصيب هذا الجبل، حادث نزول الملك على محمد بأول الوحي وهو يتحنث ~~بالغار فوقه، جدير بأن يجعل منه علما في تاريخ الإنسانية يتعلق به ذهن كل إنسان، ~~ويتوجه إليه قلبه أكثر من كل موضع سواه، ويزيد الذهن تعلقا به والقلب توجها إليه ~~أن هذا الحادث لم يكن حادثا عارضا من خوارق أعمال القدر لم يمهد القدر له، بل كان ~~نتيجة لتمهيد طويل خلال سنوات عدة أدب محمدا ربه أثناءها وطهر نفسه، وأعده ~~لتلقي رسالته وإبلاغها للناس. # على هذا الجبل؛ حراء، كانت خاتمة التمهيد والتهذيب والإعداد قبل الرسالة، إذن لقد شهد ~~حراء هذه الرياضة الروحية العظيمة منذ هدى الله محمدا ms207 إلى الحق حتى أضاء أمامه سبيل ~~هذا الحق بنور الرؤيا الصادقة، وإلى أن أوحى إليه النبوة ليكون من بعد بشيرا ونذيرا، ~~وليس ثمة موضع نعرفه في العالم شهد هذا كله، فلا جرم - وذلك شأنه - أن يتعلق به الذهن، ~~وأن يتوجه له القلب، وأن تشد إليه المشاعر. # وحسبك أن تقف قبالة حراء وأن تتأمله لتذكر هذا المشهد كله، ولتراه مرتسما أمامك ~~وكأنما حدث بمرأى منك، أو كأنما حدث منذ عهد قريب، فها هو ذا محمد يسير وحيدا منفردا ~~حاملا من الزاد ما لا ينوء رجل بحمله، يخترق طرق مكة من جنوبها الشرقي حيث يقع اليوم ~~شعب علي، وحيث كانت دار خديجة، إلى شمالها الشرقي حيث يقوم هذا الجبل. # وها هو ذا على سفح حراء يصعد إليه، وسيما التفكير مرتسمة على قسمات محياه، وليس ~~فيما حوله من أسباب الحياة ما يرفه عن تفكيره أو ينبهه إلى جديد في الحياة، ويستمر في ~~تصعيده، وزاده معه، حتى يبلغ قمة الجبل، هنالك يجد ماء المطر القليل قد اختزنته بعض ~~أخاديد شعابه، ويجلس على مقربة من هذا الماء ومن غار قريب منه، هو مأواه أثناء نومه، ~~ويجيل بصره فيما حوله من خلق الله، ثم يرجع البصر ويغمض عينيه الواسعتين الجميلتين ~~إغماضة تأمل وادكار لكل ما سمع وما رأى، فإذا جن الليل وتألقت النجوم وانتشرت في ~~قبة السماء، أجال بصره فيها، وفكر في أمرها وفي خلقها وفي خلق هذا العالم العظيم كله، ~~وقضى أشطر الليل متأملا يقلب في صحف ذهنه كل ما يقول قومه في العالم وفي خلقه، ~~وفي الآلهة والملائكة، وفي هذه الأصنام التي يعبدون، وينسيه التفكير نفسه، وينسيه طعامه ~~ونومه، وينسيه الوقت ومره، ويذره متعلقا بما ينشد من حقيقة العالم والوجود والكون، ~~ويستريح في الغار سويعات لا يلبث حين يقظته بعدها أن يعود إلى تفكيره وإلى تأمله وإلى ~~نشدانه حقيقة العالم والوجود. # لقد كان - إلى أن مال به حبه العزلة إلى التحنث والانقطاع عن الناس - محبوبا من ~~قومه، مقدرا بينهم لوفائه وأمانته، وقد كان مضرب ms208 المثل بينهم لبره أبناءه وحبه ~~زوجه وعطفه على الضعيف والمحروم، وكان يشارك قريشا في أحاديثهم وسمرهم؛ يجلس وإياهم في ~~دار الندوة إلى جوار الكعبة ، وينصت إلى حديثهم، ويراهم إذا اختلفوا في أمر ذهبوا إلى ~~هبل فضربوا عنده بالقداح ليشير عليهم الصنم بما يجب أن يصنعوه، وكان يرى منهم قوما ~~عرفوا بالحكمة وحسن الرأي ينظرون إلى هبل وإلى من دونه من الأصنام التي يعبدها ~~بنو وطنهم نظرة ريبة في ربوبيتها وفي صحة عبادتها، وكان يسمع الخطباء من هؤلاء الحكماء ~~ينادون في الأسواق التي تنعقد حول مكة إبان الحج بأن لله دينا غير هذا الدين الذي ~~عليه قومه، ويرى قوما من أهل الكتاب يعيبون العرب لوثنيتهم ويبشرون بالنصرانية، ~~يريدون بالعرب أن يهتدوا بهداها. # وكان قومه يسمعون لما يسمع، ويتناقلون أخبار الرهبان الذين يلقونهم أثناء رحلتهم إلى ~~الشام في تجارة الصيف، فلا يثنيهم ذلك عن التعلق بما ألفوا من تجارة الحياة، ولا يعدل ~~بهم عن دينهم وعن عبادتهم أوثانهم، ولا ينصرف بتفكيرهم إلى شيء غير الدفاع عما لمكة من ~~مكانة دينية قائمة يومئذ على الوثنية، وعما تيسره هذه المكانة لها من مزيد في الرخاء ~~وسعة في التجارة، أما هو فقد انصرف منذ عهده الأول عن عبادتها، وتاقت نفسه إلى معرفة ~~الحق، فتعلق به ودأب على البحث عنه والتفكير فيه، وشغله هذا الدأب عن تجارة خديجة فلم ~~يخرج فيها إلى الشام كما فعل قبل أن يتزوجها، بل كفاه منها أن أغناه الله بها، وانصرف ~~يلتمس هذا الحق الذي شغلت نفسه بالبحث عنه والتفكير فيه، يريد أن يراه واضحا صريحا ~~لا لبس فيه ولا غموض. # اعتزل الناس وأمعن في الانقطاع عنهم، ووجد في حراء خير مرصد روحي يمتحن به أسباب ~~الحقيقة التي تتجلى أمام بصيرته في أناة ودقة، فإذا جاء شهر رمضان من كل عام صعد إليه ~~واستعان بالصوم والزهد في متاع الدنيا على استجلاء الحقيقة في كل ما تقع عليه عينه أو ~~يتعلق به حسه، وفيما يتوسمه من حياة وراء ما يقع عليه الحس ms209 أو تدركه العين، وكذلك ظل ~~حتى أماطت له الحقيقة عن لثامها وتبدت أمامه في كل صفائها وتجردها، وصار يراها في يقظته ~~كأنها وضح الصبح ، بهذا كله أدبه ربه، فلما تم لنفسه صفاؤها، أنزل الله عليه أول ~~الوحي، فارتاع له وخافه، ثم أمره أن ينذر الناس وأن يدعوهم إلى الحق الذي اهتدى إليه، ~~فصدع بأمر ربه ودعا الناس إلى الهدى. # ترى هل يأخذ بالنفس في الحياة شيء ما يأخذ بها هذا المرصد الروحي الذي تجلت الحقيقة ~~فيه لمحمد كاملة واضحة صريحة؟! لقد وقفت أمام جبال شتى أخذ بعضها بمجامع قلبي ~~لجماله، وبهرني بعضها بعظمته، وشدهت لما احتوى عليه بعضها من عجائب الخلق والحياة، ~~ولقد وقفت ذاهلا مأخوذا أمام آثار شادها الإنسان تزري بالزمن وتسخر من الدهر، ووقفت ~~معجبا أمام مراصد أقامها العلم لتزيد ما في العالم وضوحا أمام الحس، لكني لم أشعر ~~يوما بما شعرت به خلال المرات التي وقفتها قبالة حراء أرسم من هذا المرصد الروحي صورة ~~في نفسي، فلا يكاد يعدله شيء مما شاهدت في حياتي من عظمة الطبيعة وجلالها، ومن فن ~~الإنسان وبراعته، مع يقيني ببساطته وبأن الصاعد إليه لن يرى فوقه إلا ما يرى فوق سائر ~~الجبال. # ألحت علي الرغبة في ارتقاء هذا الجبل لأقف حيث كان يقف محمد، وأشهد من مظاهر ~~الخلق ما كان يشهد، ولأرى الغار الذي كان يقضي فيه ليله، والذي نزل عليه الروح الأمين ~~بالوحي فيه، وأفضيت إلى أصدقائي برغبتي، وأبدى جماعة من أهل مكة الرغبة في مصاحبتي؛ ~~ليشهدوا معي ما لم يشهدوه من قبل على قربهم منه، وكان بعد صلاة العصر من يوم الجمعة ~~موعدنا، فأقلتنا السيارة، حتى إذا كنا قبالة قصر الملك تياسرت بنا ثم انحرفت إلى مضارب ~~جماعة من البدو لا يأبون أن يقدموا القهوة لمن شاء أن يتناولها، وقد جعلهم مقامهم ~~بالحضر يتوقعون ما لا يتوقعه أبناء البادية من اقتضاء ما تنفحهم به مقابل تقديمهم ~~إياها، ومقابل حراستهم السيارة أثناء مقامك بالجبل إذا صحبك سائقها. # ماذا أرى؟ لقد كان ms210 حراء ينحدر وأنا أنظر إليه من بعيد في استقامة مخروطية تجعله أدنى ~~إلى برج شاده الإنسان، وها هو ذا الآن وله سفح كسفوح الجبال ، وتبدو على السفح آثار طريق ~~لسير الناس فيه، لكن قمته أكثر استقامة من سائر ما حولها من القمم. أتراها أشد عسرا في ~~الصعود إليها؟ سألت عن ذلك فهون القوم علي الأمر، وذكر من تسلقوا هذا الجبل من قبل ~~أن الله يهيئ للصاعد فيه من أسباب اليسر ما لا يهيئه للصاعد في غيره من الجبال، لكننا ~~أتينا بعد الظهيرة، وهذا السفح الذي يصعد الناس منه تطالعه أشعة شمس المغرب وينحسر الظل ~~لذلك عنه، ولو أننا أتينا مصبحين لكان صعودنا في الظلال أكثر يسرا، على أن أصحابي ~~ذكروا أن الإنسان يستدير في صعوده إلى الفيء حين يقترب من القمة، وأنه يرى منها عند ~~المغيب وقرابته كل ما حول حراء إلى أبعاد نائية مما يحجبه الضوء الباهر حين ~~الظهيرة. # وسرنا إلى السفح وبدأنا نتسلقه، بدأنا في نشاط رجونا ألا يفتر قبل الغاية، وما له ~~يفتر والجبل أمامنا ليس بالغا في ارتفاعه ما يخاف الإنسان معه اللغوب؟! وسرنا في ~~الطريق المألوف خلا شابا منا آثر أن يختزل هذا الطريق وأن يتسلق الجبل في استقامة ~~تدنيه من غايته، وأنذره أصحابه أنه جاهد نفسه بهذا الصعود العنيف فمنقطع به دون ~~القمة، ولم يسمع شبابه لإنذارهم، وانطلق انطلاقة السهم، يسبقنا مصعدا ويقف بين آن ~~وآن فوق صخرة من الصخور يصيح بنا صيحة الفائز المنتصر، وقطعنا في تسلقنا دون ربع ~~الساعة، ثم بدأنا نشعر بالشقة ونقدر طول الطريق الذي حسبناه من قبل قصيرا، واعتذر لي ~~أصحابي عن سوء حال هذا الطريق وألقوا التبعة في ذلك على حكومة الوهابيين الذين هدموا ~~قبة حراء، فصرفوا الناس عن الصعود للتبرك بها، فأهمل الطريق وساءت حاله، وزاد بنا ~~الشعور بالمشقة، فاتخذنا من فيء صخرة حمى نستريح إليه، وعاودنا سيرنا حتى عاودتنا ~~المشقة فاسترحنا كرة أخرى، وكلما أخذ منها الجهد ارتفعنا بأبصارنا نحزر ما بقي من ~~الطريق إلى القمة. ms211 # واستدرنا في تصعيدنا إلى الفيء، وسرت إلينا نسمات منعشة أشعرتنا بنشاط كان وشيكا أن ~~يفتر، وجلسنا ننعم بهذا النسيم ونعد العدة للوثبة الأخيرة إلى القمة، ما كان أحوجني ~~إلى هذه الجلسة! كانت أنفاسي تضطرب وصدري يعلو ويهبط فيكاد يمزق أضلاعي، والعرق يسيل من ~~كل مسام جسمي ويبلل كل ملابسي، وأمسكت لا أتفوه بكلمة، وفتحت خياشيمي أستنشق النسيم ~~بكل قوة ألتمس هدوءا لصدري واستعادة لسكينة نفسي، وقال أحد أصحابنا من أهل مكة وقد طاب ~~له المكان الظليل: إني ناظركم هنا حتى تعودوا من القمة، فلم يعد في مستطاعي أن أصعد، ~~ولعله أراد أن يمتحن صبري ويبلو احتمالي، وكيف لي أن أقف دون غاية قصدت إليها ما بلغ ~~الجهد مني، ولست أدري متى يتيسر لي أن أعود إلى مكة؟ ولهذا الجبل وللغار من السحر في ~~قلبي والسلطان على مشاعري ما يهون معه كل جهد وتطيب به كل مشقة! ولم تك إلا دقائق حتى ~~رأيتني أكثر نشاطا وقد اطمأن صدري، وعادت إلى نظامها أنفاسي، وسرت إلى فؤادي مع ~~النسيم بهجة لم أشعر من قبل بمثلها، وخلفنا صاحبنا وقمت ومعي رجلان يحمل أحدهما الماء ~~المثلوج ويحمل الآخر الشاي الساخن في «ترمذين» كانا لمثل هذه الرحلات خير عون. # وانطلقنا مصعدين نتيامن ونتياسر مع الطريق خلال شعاب الجبل، وقد جددت الراحة ~~نشاطنا، وزاد فيه الظل والنسيم، وقواه اقتراب الغاية والثقة بالنجاح في إدراكها، ~~وتلفت بعد فينة، فإذا ورائي عبد أسود ناداه أحد الرجلين اللذين معي: يا فقي! وحسبت ~~أنه يعرفه، ثم علمت أن العبد من التكارنة الذين يقيمون ألوفا بمكة، وأن هذا اللقب يطلق ~~على كل فرد منهم، وأنهم يلتمسون مثل هذه الفرصة لمعاونة صاعد متعب لعلهم ينالون منه ~~بلغة يومهم، ولم أكن في حاجة بعد ما نلت من الراحة إلى معونته؛ ولكنني اطمأننت إليه ~~وأنست بوجوده إلى قدرتي على تحقيق غايتي، وازدادت قدماي قوة في الصعود والتسلق، وزادني ~~أنسا إليه أنه لزم الصمت ولم يشارك من معي في الحديث، فدل بذلك على أنه لا يبتغي ms212 غير ~~بذل العون لمن يحتاج إلى عونه. # ودعاني صاحباي إلى الجلوس كيما أستريح، وإني لأحاورهما مترددا إذ سرى على النسيم إلى ~~سمعنا صوت ذلك الشاب الذي اختزل الطريق إلى القمة يهيب بنا أن هلموا، ورفعت بصري كيما ~~أراه فإذا بالجو ينكشف، وإذا ما حولي أكثر ضياء، وإذا الشاب قد تسنم مكانا زعم أنه ~~الغاية التي جعلناها مقصدنا، وأزال ما رأيت ترددي، فلم أجلس ولم أعبأ بما عاودني من ~~البهر، وتابعت تسلقي وأنا أستدير حول صخرة حينا وأقف مكدودا بين صخرتين هنيهة، ~~وطالعتنا الشمس كرة أخرى؛ لكن أشعتها تسربت إلينا من ناحية القمة فكانت بشير الفوز، ~~وزادت عزمنا مضيا، وحرصنا على بلوغ الغاية قوة، والشاب ما يفتأ يهيب بنا ويثير ~~حميتنا، ونحن نتسلق ثم نقف، ونقف ثم نتسلق، حتى انفرجت الشعاب والصخور أمامنا على سطح ~~مستو اندفعنا إليه مطمئنين إلى أنا إذ بلغناه قد صرنا من القمة والغار على بضعة ~~أمتار. # وليس استواء هذا السطح من عمل الطبيعة، وهو لم يكن مستويا أيام كان محمد يصعد حراء ~~للتحنث فوقه؛ إنما سواه الناس حين كان الألوف من الحجيج يصعدون يبتغون القبة المشيدة ~~على القمة للتبرك بها، سووه ونقروا فيه صهريجا يختزن مياه المطر، وأقاموا عنده ~~مقهي يستريح الناس إليه ويتناولون طعامهم فيه إذ يصعدون لزيارة القبة، فلما هدمها ~~الوهابيون وانقطع الناس عن الصعود أقفر المكان من المقهى، ولم يبق من يعي بأمر الصهريج ~~وما يجيء من الماء إليه، لكن السطح بقي مستويا كما كان، وبقي الذي يصعدون ابتغاء الغار ~~يقفون عنده، يستريحون إلى فيئه ويستجمون مما أرهقهم من الصعاب مستندين إلى جدرانه، ~~وكذلك فعلنا، فلما اطمأنت أنفاسنا إلى صدورنا درنا في المكان نرى الصهريج وبضع ~~الدرجات التي ينزل الإنسان بها إليه، ونرى استواء الجدران حيث كان المقهى، ونلقى في هذا ~~المكان الموحش، بعد أن خلا من كل مؤنس، آثار أولئك الألوف الذين كانوا يتسلقون إليه ~~ويجلسون في مقهاه منشرحة صدورهم؛ لأنهم يؤدون واجبا مقدسا، منفرجة شفاههم عن آي ~~الغبطة يرجون رحمة الله ms213 ورضا رسوله عما قدموا بين يدي نجواهم من صدقات حين جاءوا ~~بيته ملتمسين مغفرته وعفوه. # وارتقينا من هذا السطح عشرين مترا أو نحوها، وبلغنا القمة التي كانت تقوم القبة ~~عليها، وهنالك انكشف لنا الوجود المحيط بنا كله، فهذه القمة أعلى حراء، وهي ضيقة لا ~~يزيد مربعها على الثلاثين أو الأربعين مترا، وهي مكشوفة لا يحيط بها صخر ولا يحجب ~~الناظر منها إلى ما حولها حجاب، وتبدو سلاسل الجبال المحيطة بحراء من جهاته الأربع ~~كأنها كلها دون هذه القمة ارتفاعا؛ وهي لذلك تتكشف للناظر من القمة عن سفوحها وعن ~~شعابها وعن كل ما عليها وكل ما فيها، وأظلت قبة السماء هذه القمة، فما يغيب عن النظر ~~مما فيها سحابة أو شامة وإن دق حجمها، وهذا موقع فريد قل في غير حراء من الجبال ~~نظيره، فأنت إذ تقف ينكشف لك كل ما حولك، وتبدو لك عظمة الكون في كل جلالها، وتشعر وأنت ~~تشهد من موقفك السماء والجبال، وتشهد مكة ومسجدها الحرام وبيتها العتيق، وتشهد ما وراء ~~ذلك مما لا نهاية له - تشعر أنك تشهد آية الله تجلى كمالها في الكون وفي خلقه، وتشهد ~~سنة الله في هذا الكون، سنة لن تجد لها تبديلا وإن تعاقبت الدهور وخلفت القرون ~~القرون، فإذا طال بك موقفك وطال تأملك فيما حولك تجسمت في نفسك هذه الآية واستولت ~~على كل حسك وشعورك، ففنيت فيها وغاب حسك بنفسك، وكنت في تيهاء لا تدري بعدها ما ~~حظك وما نصيبك. # كان ذلك شعوري حين وقفت فوق القمة أحدق من عليائها فيما حولي، ولقد استعنت بمنظار ~~مكبر أعددته لأستعين به على مثل هذا المشهد، وما عسى أن ينفع المنظار وأنت لا ترى مما ~~يقربه لك من الأبعاد إلا مزيدا في عظم الخلق وجلاله؟! هذا الخلق الهائل من الجبال ~~المتعاقبة لا ترى خلالها من مظاهر الحياة إلا حياتها هي، حياة صخور عابسة، وكلأ لا يكسر ~~من حدة هذا العبوس ولا يزيد الناظر إليها إلا مهابة ورهبة، وهذا البيت العتيق قائم ~~في أم ms214 القرى يحدث عن حياة العالم الروحية منذ أقام إبراهيم قواعده وإسماعيل، وهذه ~~الجماعات من الناس والقوافل من الإبل لا يكاد المنظار يبين عنها لصغر حجمها ودقة شأنها، ~~وهي حول البيت أو بين الجبال تتيه على الجبال وتطوف بالبيت، ناسية أنها قليلة البقاء ~~إلى جانب البيت والجبال، وأنها تتعاقب أجيالها والبيت قائم، وللبيت رب يحميه، والجبال ~~مطمئنة تزري بالقرون والأجيال. # وسبقني أصحابي إلى الغار وبقيت فوق القمة وحيدا أجيل الطرف فيما حولي، فأزداد لخلق ~~الله إكبارا وبالله إيمانا، وما عساي أستطيع أن أرى من خلق الله في هذه السويعة، ~~وتقلب الوقت وتنقل الشمس وانتشار الليل، كل ذلك يجلو أمام البصر والبصيرة في كل لحظة ~~جديدا، والبصر والبصيرة يريان الأشياء في ألوان تختلف باختلاف سكينة النفس واضطرابها، ~~وهدوء العصب وهياجه، وبحالنا من الصحة والمرض، والرضا والغضب، والراحة والنصب، ودع ~~عنك ما تحجب الجدران بيننا - نحن سكان المدن - وبين الأبعاد الشاسعة، وكيف ترانا نبلغ ~~أن نرى ما يزعم قوم من أهل مكة أن أقوياء البصر يرونه من هذا المكان الذي أقوم فوقه؟! ~~فهم يذكرون أنهم يرون منه ساحل البحر الأحمر ساعات مغيب الشمس. # وعاد إلي بعض أصحابي، فانحدرنا إلى الغار الذي كان ملجأ رسول الله والذي نزل عليه ~~الوحي الأول فيه، وبين الغار والقمة عشرون مترا أو نحوها، وهي مقدار ما بين السطح ~~الأول والقمة، والوصول إليه يقتضي المرور بين صخرتين تكادان تتلاصقان، فلا يتخطى ~~الإنسان ما بينهما إلا بمشقة وإن كان نحيفا، فإذا تخطاهما وجد الغار في داخل الجبل ~~محجوبا عن كل ما حوله بالصخور الضخمة، وهو أشد من كل ما في الجبل وحدة وعزلة، ووجده لا ~~يتسع لأكثر من شخص واحد ينام فيه نوما خشنا جافيا كل الجفاء، دخل الشاب الذي معنا ~~إليه وتمطى فيه، فلم يطق المقام به غير لحظة ارتد بعدها إلينا ووقف معنا يشهد وإيانا في ~~هذا الوسط الموحش ذلك الوكر المخوف، يفزع منه من يجهل أن الحياة لا يملكها إلا من ~~سما فوق الخوف من كل ما ms215 في الحياة. # وهو مخوف حقا، ولولا ما تنطوي نفوسنا عليه من تقديس إياه لما طاوعتنا إلى البقاء ~~أمامه، ولفررنا مشفقين مما فيه، وأنى لنا أن نعرف ما فيه والصخور الضخمة حوله لا تدع ~~مسربا للنور إلى أبعد من فوهته، فأما ما وراء الفوهة فظلام لا تهتك العين حجابه، ~~والجبل بشعابه من وراء الصخور أجرد داكن اللون في حمرة قاتمة يزيد المخاوف ولا يهون ~~منها. # وعدنا أدراجنا نقصد القمة وقد امتلأت النفس مهابة ورهبة، ووقفت في منتصف الطريق ~~أستنشق هواء هذه الساعة رق حين دنا المغيب فأسعد النفس، وزادها غبطة بما حولها من جلال ~~وهيبة، وحدثتني نفسي: هنا كان الرسول يقضي شهر رمضان من كل عام، عدة أعوام تباعا، قبل ~~أن يبعثه الله نبيا. في هذه البقعة المنعزلة الموحشة كان يقيم وحيدا يؤنسه تفكيره ~~وتأمله، يقلب في صحف نفسه هذه الحقيقة السامية التي كان الله يهيئه لها ليبعثه إلى ~~الناس بها، لم يكن في عزلته وفي وحدته وفي انقطاعه يخاف الجبل ولا الغار وما قد يكون ~~فيهما من وحش أو هوام، أية قوة روحية يهبها الله لمن يتخذ هذا المكان القفر له موئلا! ~~إنها قوة فوق ما أوتي الناس جميعا وفوق ما في العالم كله، لا يؤتاها إلا الذين اختارهم ~~الله لرسالته ورضي عنهم ورضوا عنه. # وبلغت القمة، وتناولت قدحا من الشاي، وجلست مستندا إلى بقية جدار لعله أثر من ~~بناء القبة التي هدمها الوهابيون ليحولوا بين الناس وبين التبرك بها، لما يرونه في هذا ~~التبرك من معنى تقديسها، وأقام أصحابي معي هنيهة ثم تركوني وذهب كل في ناحية من شعاب ~~الجبل يستطلع ما قد يحتويه جبل النور من آثار لا يحتويها غيره من الجبال، وتركت لخيالي ~~العنان وأنا في عزلتي هذه، فتمثل لي الرسول الكريم جالسا حيث أجلس، مشتملا في نظره ~~هذا الكون العظيم المحيط به متأملا، مفكرا فيما يرى وفي دلالته، ترى ما بال أهل مكة ~~لا يجيء منهم من يتعبد في حراء طول شهر رمضان كما كان النبي ms216 يفعل قبل بعثه؟ أليس لنا ~~معشر المسلمين في رسول الله أسوة حسنة؟! وهل لمكان أن يعين المعتزل على التفكير وعلى ~~التأمل ما يعينه هذا المكان من حراء؟! فهو بعيد عن ضجة الحياة وضوضائها، قريب من الحياة ~~ومن كل ما فيها، فيها يعكف الإنسان على نفسه ما شاء، ويتصل بالكون وبخلق الله ما أراد، ~~ليست هذه القمة صومعة تحجبنا عن الحياة وتحجب الحياة عنا، ولسنا فوقها رهن محبس تحيط ~~به الجدران، أو كهف غائر في الصخور؛ إنما هي مرصد يطالع الحياة وتطالعه، تبزغ الشمس ~~عليها ساعة تشرق وتنحدر عنها ساعة تغيب، وتتألق النجوم ويحبو البدر في السماء، وتهوي ~~الشهب وتنتطح السحب، وهي شهيدة على هذه الأحداث كلها، فأين يجد المعتزل مثل هذا المرصد ~~يرى منه ما يشاء من غذاء الروح وأسباب التفكير والتأمل؟! # فإذا هو أقام من كل سنة شهرا كاملا صائما منقطعا عن تجارة الحياة إلى التفكير ~~فيما يرى آناء الليل وأطراف النهار، وإلى التأمل في مشاهد هذا الكون المترامي الأرجاء ~~إلى حيث يقصر النظر، وإن بلغ من القوة والدقة نظر زرقاء اليمامة، وإلى حيث تسلم ~~المحسوسات لقوة الإنسان العاقلة أسرارها، فليس من ريب في أن يصل من معرفة هذه الأسرار ~~إلى نتائج باهرة، إنه لن يكون نبيا ولن يبعثه الله رسولا، فمحمد - صلوات الله وسلامه ~~عليه - خاتم الأنبياء والمرسلين، لكنه يصل من طريق العلم بالمشاهدة والملاحظة والترتيب ~~والاستنباط إلى خير ما يصل إليه مشاهد من مرصد يسجل حركات الأفلاك وموج ما في السماء، ~~وإلى خير ما يصل إليه من يسجل نتائج اتصال الإنسان بالكون في أسمى مراتب الاتصال، وهو ~~إلى ذلك وما يزاوله من ألوان الصوم وكبت هوى النفس وشهوات الجسد يصل بالروح إلى درجات ~~الطهر والتنزه والسلطان على المادة وعالمها دون أن يكون للمادة أي سلطان عليها. # ما للمسلمين من أهل مكة، وما للمسلمين ممن يقصدون إلى مكة للحج أو لعمرة رجب، لا تميل ~~بهم الأسوة إلى معالجة هذه الرياضة العقلية والروحية ولها في تهذيب النفس أكبر الأثر، ms217 ~~ولها من النتائج في العلم ما أشرنا إلى شيء منه؟ وأي تهذيب للنفس كاتصال الإنسان بالكون ~~في مثل هذا المنقطع الرفيع فوق حراء اتصالا يسمو به المرء فوق حاجات الحياة، ويرى ~~أثناءه في شظف العيش وفي الغنى بالنفس عن كل شيء ما يزيده إيمانا بالله وحده، وبأنه ~~دون سواه تجب له العبادة، باسمه يسبح من في الأرض جميعا ومن في السموات! وهل شيء غير ~~مشاهد الكون تقوم عليه النتائج العلمية؟ إنما تقوم هذه النتائج على ما في السماء ~~والأرض، في الضحى، والليل إذا سجا، والنجم إذا هوى، والشمس وضحاها، والقمر إذا تلاها، ~~والجبال وما أرساها، والهواء في مسراه، والماء في مجراه، والحب إذا نبت، والصخر إذا ~~تفتت، والضوء إذا تحلل، والمطر إذا ترقرق، والريح إذا اصطفقت، والنفس إذا سكنت لأمر ~~ربها وفكرت، أي شيء غير هذا هو العلم في أحدث صورة أثمرتها حرية الفكر؟! وهل طريقة ~~علمية أدق من هذه الطريقة لمعرفة سنن الكون وما ينطوي عليه؟! # إنما يرغب المسلمون اليوم عن هذه الأسوة الحسنة؛ لأنهم انحرفوا عن أمر الروح الذي ~~يكيف المادة وأذعنوا لسلطان المادة يكيفها غيرهم بقوة عقله وروحه، ولأنهم آثروا راحة ~~التقليد على عناء الاجتهاد، ولأنهم نسوا أن المرء لا يكمل إيمانه حتى يحب لأخيه ما يحب ~~لنفسه، ويجب عليه لذلك أن يهب من نفسه لإخوته المؤمنين، فتولت عليهم الأثرة، وصار ما ~~يرضي الأثرة من ابتغاء المال والجاه وما إليهما كل شيء عندهم، وأنى لمن هوى إلى هذا ~~الدرك أن يفكر في الحقيقة ينقطع لها ويجعل العلم سبيله إلى إدراكها، وأن يحمل نفسه على ~~نشر نورها يستضيء به الناس جميعا، وهو لا يريد العلم إلا لنفسه، ولا الحقيقة إلا ~~لنفسه، ولا الحياة إلا لنفسه، ولا المال إلا لنفسه، ولا السلطان إلا لنفسه؟! وأنى لمن ~~هوى إلى هذا الحضيض أن يدرك ما في بذل النفس لهدى الغير من سمو يتضاءل أمامه الجاه ~~والمال والسلطان، ويصبح الفقر معه فخرا، وتصبح الفضيلة معه لباس المتقين؟! والناس متى ~~هووا في هذا ms218 المنحدر فاتهم معنى العبادة على وجهها الحق، ففاتهم أن العمل عبادة، وأن ~~العلم عبادة، وأن هداية الناس عبادة، وأن البذل للمحتاج من مال أو علم أو شفقة وبر ~~عبادة، وأن الله يقبل عبادة من يؤثر على نفسه راضيا عنه. # فأما الأثر الذي لا يعرف إلا نفسه ففي حاجة إلى أن يطهر نفسه قبل أن يطمع في مغفرة ~~الله له، وفوت هذا المعنى قد جعل الناس يحسبون أن خير العبادة ما كان في هياكل فخمة ~~العمارة ذات محاريب وأبراج تأخذ روعتها بالنظر، وينسون أن خير العبادة ما توجه الإنسان ~~فيه بكل قلبه إلى الله، ناسيا نفسه، محبا في الله إخوانه، مستعينا ربه، كانت عبادته ~~في هيكل مشيد، أو كانت في فضاء الله وبين خلقه الذي لم تعد عليه يد الإنسان. # والمسلمون يرغبون اليوم عن هذه الأسوة الحسنة؛ لأنهم لا يطيقونها، فالوحدة للتفكير ~~ابتغاء الحقيقة إنما يطيقها ذوو الأرواح القوية، هؤلاء يتلمسونها تلمسا ويتخذونها ~~ملجأ من ضعف الجماعة وأفنها، يرى أحدهم ما تخب الجماعة فيه وما تضع من ضلال يبعدها ~~عن الطريق السوي، طريق الحق والخير والجمال، فيزور عنها، ولا يجد في غير العزلة ~~موئله، وفي غير التفكير أثناء هذه العزلة وسيلة خيرها وصلاحها، ومنهم من يذر بيئته إلى ~~بيئة أخرى ليست منه وليس منها فلا سلطان لها عليه، وقد يفيد من الاتصال بها، وهو أثناء ~~مقامه بها في عزلة عما ألف، تفتح له الحرية من أبوابها ما كان مقفلا في جماعته، ~~ومنهم من لا يرى في الجماعة الإنسانية مظهر الحق، ويراه في أطواء النفس ودخيلة القلب، ~~فهو ينقطع عن الناس وينظر في الكون كله ويعود بنظره إلى صورة هذا الكون مرتسمة في أعماق ~~وجوده ترشده إلى الحق وتضيء أمامه بنوره، فأما الأولون الذين يتلمسون الحق عند الناس من ~~غير ذويهم فهم أقوياء، لكنهم عاجزون عن مواجهة الوجود فهم يريدون الحق عند جماعة ~~يحسبونها أرقى من جماعتهم، ويريدون أن يحملوا جماعتهم على تقليد من يحسبونهم أدنى إلى ~~الكمال وأبعد عن الضلالة، وأما ms219 الذين يرجعون إلى أنفسهم يتلمسون الحقيقة في أعماقها ~~فأولئك هم الأقوياء حقا، وهم الذين يقدرون النفس الإنسانية قدرها الصحيح، والذين ~~يتوجهون إلى القوة العليا التي برأتهم وكان الروح من أمرها يرون فيها الحق لا حق ~~إلا هو، ويتأملون في خلق الله سنة الله فيه؛ فإذا اهتدوا اهتدت الإنسانية بهداهم وسعدت ~~برأيهم. # ليس يطمع أحد في أن يؤتيه الله من هذه القوة ما أوتي محمد # صلى الله عليه وسلم ~~، وقد حاول أفراد ~~في مختلف الأمم أن ينقطعوا عن العالم، فإذا هم قد انقطعوا عنه إلى غير أوبة إليه، فمنهم ~~من ضل عنه عقله ولم يثب إليه رشاده، ومنهم من هجر العالم فرارا من آلامه، ومنهم من ~~أخذ عن الجماعة الإنسانية ببدائع الطبيعة، ومنهم من فني في الخالق - جل وعلا - وهام ~~به ونسي أن هدى الناس خير ما يرضي الخالق، وقليلون منهم عادوا إلى الإنسانية بحقائق ~~أضاءت سبلهم فساروا على هداها، وهؤلاء هم الذين اتبعوا سنة الرسول. # لكن الله لم يؤت أحدا ما آتى عبده ونبيه ورسوله، فلم ينطبع العالم في نفس بالقوة ~~التي انطبع بها في نفس محمد، ولم تصل الرياضة الروحية بأحد، ولن تصل بأحد، إلى الرؤيا ~~الصادقة التي انتهى إليها قبيل بعثه وبعد أن قضى السنين يتعبد شهرا كل عام في حراء، ~~ولقد ظل محمد طوال حياته مشغوفا بالوحدة، تطمئن إليها نفسه القوية، ويستمد أثناءها من ~~ربه نور الهدى، حتى تنزلت عليه كلمة الله وحيا ونورا. # ومن هذه القمة التي كان الرسول يتعبد فوقها متخذا إياها المرصد الروحي لتلمس ~~الحق في الحياة، يرى الإنسان منظرا يدله على أن المسلمين لم يكفهم أن لم يطيقوا أسوته ~~- عليه السلام، بل نسوها، وتعلقوا بالعرض دون الجوهر، وبالقشور دون اللب، لست أقصد إلى ~~أنهم أقاموا قبة يتبركون بها حيث كان الرسول يتعبد وظلوا على ذلك حتى هدم الوهابيون هذه ~~القبة، فلا عجب أن يقام في هذا المكان الخالد الذكر بالحادث الذي خصه القدر به تذكار ~~ينبه الغافل إليه، فأما البركة الحقة ففي العبادة ms220 وفي التقوى، بل أقصد أن تفكيرهم ~~هوى إلى أسفل من هذا الدرك بمراحل، ومن ذلك أن ثمة شقا في قمة حراء يجري حوله جدل ~~أشار إليه صاحب «مرآة الحرمين» ورده على أنه غير صحيح، وهو جدل، لا غناء فيه، عن هذا ~~الشق وأصله، ومداره: هل شق الملكان صدر النبي في هذا المكان وطهراه وأسالا ماء الطهور ~~من هذا الصدع في الجبل؟ # ما أكبر الفرق بين هذا التفكير ممن يقف على قمة حراء وتفكير الرسول حين تعبد فوقها ~~قبل بعثه! لقد كان يتلمس الحقيقة وكان يراها في خلق الله مما حوله وكان يجاهد لاختراق ~~حجب الحياة إليها حتى أسلمها الله إليه بالوحي كاملة، كانت حقيقة العالم وخلقه وخالقه ~~هي التي تشغل روحه، وهي التي تصرفه عن تجارة الحياة وطعامها وشرابها وتنسيه كل شيء ~~فيها، لم يكن يعنيه أن يزداد ارتفاع جبل على جبل، أو أن يكون في شعب من شعاب الجبل ~~شق أو نتوء لا شبيه له في الشعب الآخر، بل كان متعلقا بما هو أسمى من هذا وأرفع ~~مكانا؛ كان يبحث عن الكون وعن الزمان والمكان فيه، وعن منشئ ذلك كله. أما اليوم ~~فينصرف أكثر المسلمين عن هذا السمو الفكري، ويتعلقون بروايات تصح أو لا تصح ويجعلونها ~~علة لخلافهم ونضالهم ولإقامة الفرق والشيع المتناحرة بينهم، بل لرمي بعضهم بعضا ~~بالمروق والكفر. # كانت الشمس تنحدر إلى ناحية المغيب، فيجلو انحدارها قطوب الجبال ويكسو السفوح الظليلة ~~سلاما وسكينة، وكان أصحابي يدورون في شعاب الجبل ويعود أحدهم الفينة بعد الفينة فيراني ~~منصرفا عنه إلى ما حولي لا أوجه إليه كلمة، فيرتد إلى إخوانه، فلما طال بهم الأمد ~~ورأوا المغيب زاحفا علينا، نبهني أحدهم فاستمهلته رويدا وهبطت وإياه إلى الغار، غار ~~حراء، ورجوته أن يدعني هنيهة إلى نفسي، ووقفت بين هذه الصخور الضخمة قبالة الجحر ~~الموحش في الجبل القفر، وقد تسللت إليه الظلمة فزادته وحشة وقفرا، ووقفت وحيدا مفكرا ~~أتخطى بذهني القرون إلى الماضي وقد امتلأت نفسي بصورة ذلك اليوم الفذ في التاريخ، يوم ms221 ~~نزول الوحي الأول، ونسيت كل ما حولي، وخيل إلي أنني أرى، نعم! # رأيت محمدا متمطيا في الغار الموحش وعلى محياه الجميل سيما الرضا وكأنما يتقلب ~~من هذا الصخر في فراش وثير، وإني لأحدق في قسمات وجهه وقلبي كله الرضا والحب، إذ رأيت ~~هذا الوجه أضاءه نور لألاء زاده جمالا، ورأيت ابتسامة مطمئنة ترتسم على ثغر تنم ~~شفتاه الرقيقتان عن معاني التأمل وعظيم الأمل، وأخذت بما رأيت، وازددت بصاحب الوجه ~~المنير شغفا، وفي قسماته الحلوة تحديقا، وفيما أحدق شعرت أن الجبل كله يهتز، وبهرني ~~من الغار نور لم تطق عيناي ساطع ضيائه، سمعت صوتا ملائكيا يهيب بالمتمطي في الغار: ~~«اقرأ» ويجيب محمد في صوت مرتعش ونبرات تهتز من الخوف: «ما أقرأ» والنور الساطع ~~والبهر يتولاني من كل مكان، وأحس الفزع يجري في عروقي، وأحاول الفرار فتخونني قواي، ~~وأسمع الصوت الملائكي مرة أخرى يهيب بمحمد: «اقرأ» ومحمد ملؤه الخوف والوجل يجيب بصوت ~~من أرسل بعد اختناق: «ما أقرأ» ويكرر الصوت الملائكي: «اقرأ» ويشعر محمد أنه لم يبق في ~~ملك نفسه وأنه لا مفر له من أن يقرأ أو يظل صاحب الصوت يخنقه ويرسله، فيجيب: «ماذا ~~أقرأ؟» ويتلو الصوت الملائكي: # اقرأ باسم ربك الذي ~~خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ ~~وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم ~~. ويتلو محمد هذه الآيات من ~~بعده. # خيل إلي وأنا في موقفي من الغار أني أرى هذا المشهد الفذ في التاريخ، وأني ~~أسمع هذه الأصوات لم أسمع قط مثلها، وصفدني الفزع مكاني وأقمت أنتظر ما يكون من ~~بعد، فإذا النور الباهر يترفع، ومحمد في الغار يتصبب عرقا ويدور بنظراته فيما حوله ~~ويهتز مضطربا من رأسه إلى أخمصه ثم يفرك عينيه ويمسح بيده جبينه العريض المضيء - سمة ~~من يخشى مكروها أصابه - ويزداد به الرعب فينطلق من الغار هائما في شعاب الجبل لعل في ~~هوائه ما يدفع عنه روعه، ها هو ذا يقف منصتا كأنما يناديه مناد من السماء، إنه الصوت ~~الملائكي الذي كان يحدثه في ms222 الغار، وهو يحدق في مصدر الصوت، ويرى صاحبه فيزداد فزعا ~~ويقفه الرعب مكانه وهو يلقي بنظره إلى الجبل ويصرف وجهه يمنة ويسرة، ثم لا ينفك يسمع ~~ويرى، ليست حواسه إذن مصدر سمعه ورؤيته، إنما مصدرهما روحه؛ وهو مع ذلك يراه لأنه تجلى ~~بإذن الله له ولم يتجل لغيره، وهو من بعد في فزع يتقدم في شعاب الجبل ويتأخر ولا ~~يبرح يسمع الصوت الملائكي ويرى صاحبه، ما أشد هذه الساعة هولا! وهي مع ذلك ~~للإنسانية ساعة النور والرحمة والهدى! # رآني أصحابي واقفا في شعاب حراء على مقربة من فوهة الغار، فأقبل علي أحدهم يسألني ~~أن نهبط الجبل قبل أن تدهمنا الظلمة وقد آذنت الشمس بالمغيب، وأفقت لسماع صوته مما كنت ~~فيه، وطلبت إليهم أن يأتوني بشربة ماء، وتناولت القدح وشربت من ماء «الجعرانة» ~~المثلوج فأعادني شربه إلى الحياة المحيطة بي، وتهيأت للهبوط، فجمعت قوتي، وبدأنا ~~جميعا ننحدر في الطريق المتعرج و«التكروني» يتبعنا دون أن ينبس ببنت شفة، ولقينا ~~رجل من الهنود وامرأته يصعدان، فسألانا في لكنة أعجمية عما بقي إلى القمة، وجعلنا ~~نتلوى يمنة ويسرة منحدرين دون أن تكون بنا حاجة إلى الوقوف لنستريح، ففي نسيم هذه ~~الساعة التي تتلو المغيب ما ينعش ويريح. # وألفيت صاحبي المكي الذي وقف دون القمة قد سبقنا إلى أسفل الجبل، فلما رآني سألني ~~عن حالي واعتذر عن تخلفه في الطريق بجرح أصاب به الصخر قدمه، وأقلتنا السيارة إلى ~~المأوى وصلاة العشاء تكاد تؤذن، وشعرت وأنا أصعد الدرج إلى مخدعي أن بفخذي وساقي ~~ألما، وأفضيت إلى مضيفي بما أشعر، فسألني: ما عسى كان الرسول # صلى الله عليه وسلم # يفعل؟! قلت: ~~ألف الجبال وتصعادها، وأحب خشونة العيش وشظفه، فما يشق اليوم علينا كان رياضة ~~له، وما يعجزنا اليوم كان في متناول يده، حياتنا متاع وغرور، وحياته متاع روحه ورضا ~~ربه، والرجل لا يمتع غروره في ناحية إلا على حساب الأخرى، يمتع غروره بقوة عضله على ~~حساب عقله أو على حساب روحه، ويمتع غروره بكثرة ماله على حساب ms223 خلقه أو حساب كرامته، ~~أما متاع الروح بما يرضي الله فلا ضعف فيه، وهو القوة على كل شيء، ومتاع الروح ~~الرياضة؛ رياضة الجسم بالسعي في مناكب الأرض، ورياضة العقل بتدبر ما في الكون، ورياضة ~~القلب بالحب والإخاء، وذلك بعض ما رأيت وأنا فوق حراء، وبعض ما شعرت به وأنا أنحدر ~~عنه. # وبكرت إلى مضجعي حتى أهبني مؤذن الفجر عنه، وجلست بعد الصلاة أفكر في حراء، وفي ~~الغار، وفي الملك، وفي رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وفي يوم الوحي الأول، جلست أفكر والخيط ~~الأبيض يتبين من الخيط الأسود من الفجر، وذكرت رسول الله بعد يوم الغار، وتمثلت لي ~~رسالته تتبين من خلال الظلمات المحيطة لها، ظلمات الكفر والوثنية والشرك، كما يتبين ~~هذا الخيط الأبيض من ظلمات الليل البهيم، وجعل الضياء ينتشر حولي شيئا فشيئا كما ~~انتشر الإسلام فأضاء الأرجاء بنوره، إذ ذاك توجهت إلى الله بكل قلبي ودعوته: اللهم مالك ~~الملك، تؤتي الملك من تشاء، وتنزع الملك ممن تشاء، وتعز من تشاء وتذل من ~~تشاء، بيدك الخير، إنك على كل شيء قدير. # ربنا منك السلام وإليك السلام فحينا ربنا بالسلام. # وقمت عن مصلاي ممتلئ النفس من مشهد الجبل والغار فوقه، ومن مشهد يوم الوحي الأول ~~حين أراد الله للناس الهدى فبعث به عبده ورسوله محمدا بشيرا ونذيرا، وإنني اليوم ~~لأذكر هذا المشهد ممتلئ النفس من جماله وجلاله وهيبته، عامر القلب إيمانا بهذا النور ~~الذي أضاء العالم بالحق، علمه الله الناس بالقلم ولم يكونوا يعلمون. # ربنا جل ثناؤك، وتعالت أسماؤك، لا إله إلا أنت، بيدك الخير، ومنك الهدى، وإليك ~~المرجع والمآب. # | في غار ثور # أما وقد آن لنا أن نغادر مكة إلى المدينة فهلم بنا إلى غار ثور، وأومأ الإخوان ~~الذين صحبوني في صعود حراء وفي جولاتي بالبلد الأمين وما حوله أنهم سيكونون في صحبتي، ~~وقال اثنان منهم: وسنصحبك إلى المدينة، فشكرتهما، ثم حددنا موعد الذهاب إلى ثور ~~والصعود إلى غاره في الغداة، أو ليس الرسول - عليه السلام - قد احتمى به ms224 من كيد عدوه ~~حين أزمع الهجرة إلى المدينة؟ فلنذهب إليه ولنشهد أثر الرسول فيه ولنحتم بأفياء ~~الصخور وظل الغار وإن لم يطارنا عدو ولم يأتمر بنا ليقتلنا أحد، قال رجل من أفاضل ~~المكيين لم يكن صحبنا من قبل: وأنا زميلكم في رحلتكم هذه إلى ملجأ رسول الله في ~~هجرته، وإن لم يكن بي إلى زيارة المدينة هذا العام عزم، وسألته فذكر أنه لم يصعد ثورا ~~ولم ير الغار من قبل، ثم ابتسم وقال: إن مئات من الهنود والجاويين والصينيين وغيرهم ~~ليتسلقون ثورا ويصلون الغار في كل عام، أما نحن أهل مكة فتصرفنا الحياة وشغلها عن ~~الصعود إليه. # ولم أجد في ذلك عجبا، فالسائحون الغربيون الذين يجيئون إلى مصر أشد حرصا من أهل مصر ~~على مشاهدة آثار الفراعنة والرومان ومساجد العرب والمسلمين، والشرقيون الذين يزورون ~~أوروبا يرون من آثارها ومتاحفها أضعاف ما يراه أهلها؛ ذلك بأن المقيمين على مقربة من ~~هذه الآثار والمتاحف لا يستعجلون زيارتها طمأنينة منهم إلى أنهم سيقومون بهذه الزيارة ~~يوما ما، فأما الذين جاءوا من بلاد قاصية فلا يعرفون هل قدر لهم أن يعودوا؛ ولذلك ~~يحرصون على أن يروا كل ما يستطعيون رؤيته، وهؤلاء المسافرون قد جاءوا وفي برنامج رحلتهم ~~أن يروا هذه الأماكن، فأما المقيمون حولها فلديهم من مشاغل الحياة اليومية ما يحملهم ~~على إرجاء زيارتها، وكثيرا ما يطول هذا الإرجاء فلا تتم الزيارة أبدا. # ورحبت بصحبة صديقنا المكي لنا وقلت مبتسما: لطالما يتحدث أهل مكة عن آثار الرسول ~~فيها، فلعلك تفيدنا في هذه الرحلة بمعلوماتك عنها - ولم ير الرجل في حديثي هذا محلا ~~لدعابة، بل قال: نعم! فإن ما لدي من العلم بآثار مكة كثير، وقفت عليه في بطون الكتب ~~ومتون التاريخ، ووفقت غاية التوفيق في بحثه وتمحيصه، وهل قصة يشوق الإنسان بحثها ~~ما تشوقه قصة الهجرة؟! هذه القصة التي لم يرو التاريخ قط مثلها من أنباء المغامرة في ~~سبيل الحق والعقيدة والإيمان قوة وروعة! وجبل ثور وغاره يتصلان بهذه القصة أبلغ اتصال، ~~وجدير بكل ms225 ما اتصل بها أن يخلد على التاريخ، وكيف لا يكون الأمر كذلك وقد أصبحت الهجرة ~~مبدأ تاريخ لذاتها، فإنها فصلت على الزمان بين عهد الوثنية والشرك بالله وعهد التوحيد ~~القائم على أسمى الأسس الروحية والعقلية والخلقية. # كان الرجل يلقي هذا الحديث وبيانه يتدفق حماسة وإيمانا مع أنه لم ير ثورا ولا صعد ~~إلى الغار فيه؛ إنما دفع إلى قلبه هذه الحماسة وأفاض على لسانه هذا البيان إيمانه بالله ~~ورسوله، ثم إن أهل مكة قد ألفوا الحديث عن آثار بلدهم المقدس بلهجة تزيد المسلم حبا ~~لهذه الآثار وحرصا على رؤيتها، وإن لم يكن المتحدث من أهل مكة قد رأى أثرا منها، وإن ~~أفضى إليك إذا خلوت إليه بأن التاريخ لا يثبت من هذه الآثار إلا الكعبة والحرم والصفا ~~والمروة وحراء وثورا، فأما ما سوى ذلك فلا تنهض حجة موثوق بها على صحة أنه المكان الذي ~~ينسب إليه. # وقال أحد الحاضرين وكان قد صعد ثورا إلى الغار من قبل: لولا قصة الهجرة لما ذكر ~~ثورا ولا ذكر الغار الذي بأعلاه ذاكر، فهو واحد من الجبال الكثيرة التي تحيط بمكة، ~~ليس أرفعها وليس أبهاها، وليس يمتاز عليها بشيء مطلقا من حيث طبيعته، والغار الواقع في ~~قمته لا يمتاز على أي غار آخر مما يرى الإنسان في جبال الحجاز وفي جبل ثور نفسه، أما ~~وقد لجأ الرسول ولجأ الصديق معه إلى هذا الغار وأقاما به ثلاثة أيام، كانا موقنين ~~أثناءها بعثور الباحثين عنهما من فتيان قريش بهما وقتلهم إياهما، فقد صار هذا الغار ~~علما من أعلام التاريخ، ومنسكا يحج إليه كثير من الناس ذكرا لهذه الهجرة التي ~~كانت مبدأ فتح الله لرسوله، ونصر الله دينه، وإعلائه كلمة الهدى والحق. # وأقلتنا السيارة صباح الغد حتى بلغت بنا سفح ثور، وهو يقع إلى جنوب مكة في طريق ~~المنحدر منها إلى اليمن، وتقوم على جانبيه إلى اليمين وإلى اليسار جبال مشابهة له كل ~~الشبه، مع ذلك لا يعنى أحد بأن يعرف اسمها؛ لأنها لا تتصل بحادث من ms226 حوادث ~~التاريخ. # والذهاب من مكة إلى جبل ثور ميسور اليوم كما كان ميسورا من قبل للسائر على قدميه، ~~لكنه العثار للسيارات لكثرة رمله وتنقل هذه الرمال مع الريح تنقلا يتعذر معه بقاء طريق ~~تمهده السيارات صالحا لسيرها فيه، ولقد غاصت بنا السيارة غير مرة، فنزلنا منها وأعنا ~~سائقها على دفعها خلال الرمال، أو على إزاحة الرمال من حول عجلاتها، أو على رفعها إذا ~~بلغ غوصها أن طمرت الرمال العجلات وجزءا من قاع السيارة الأسفل، وبصر بنا بعض الأعراب ~~في إحدى وقفاتنا فأنبأنا أن الطريق التي نسير فيها كانت سوية من أسابيع مضت، وأن الطريق ~~السوية انتقلت إلى بعيد عن يميننا، وأن من الخير أن يعدل بنا السائق إليها عند عودتنا، ~~فلما سألناه عن المكان الذي نصعد منه ثورا أشار إلى بناء حقير على مقربة منا، وبلغناه ~~فألفينا جماعة من أهل المنطقة جعلوا من هذا البناء مقهى يستريح فيه من يقصدون إلى الجبل ~~ساعة صعودهم أو هبوطهم منه. # وما أظن أصحاب هذا المقهى يفيدون منه إلا قليلا، خلا ما يصيبهم من جود من يقصدون ~~ثورا ومن لا يبتغون عندهم قهوة ولا شايا، فالأكثرون من هؤلاء يحملون معهم قوت يومهم؛ ~~لأنهم يمضون النهار بأعلى الجبل، فإذا هبطوا كانوا أحرص على اللحاق بمكة منهم على تناول ~~الشاي أو القهوة. # بلغت بنا السيارة هذه البنية التي يتخذها الناس علما يهتدون به إلى موضع ~~الصعود، فترجلنا واتجهنا نحو الطريق الصاعد في سفح الجبل، وقد خيل إلينا إذ ~~رأيناه أن تسلقه يسير، وأنه أقل مشقة من الصعود في حراء أو في جبال الطائف، كذلك ~~كان شعوري وشعور الأصدقاء الذين جاءوا معي، وكذلك قال لنا أهل المنقطة؛ لذلك أقدمنا ~~مقبلين على الصعود بنفوس مطمئنة وبال مستريح، ولم تكذب المقدمات ظننا على رغم ~~حر الشمس في الضحى، ولم نر في صعود السفح عنتا يصدنا عن المضي في طريقنا أو يدعونا ~~لنستريح إلى ظل صخرة ما لم ينل منا التعب، صعدت ببصري فخيل إلي أننا صرنا على ~~مقربة من ms227 القمة، فهذا الجبل الذي نتسلقه قد أوفى على غاية ارتفاعه، وهذا الجبل الذي ~~يبدو أمامنا بعيدا عنا وأكثر من ثور ارتفاعا لا بد أن يكون في سلسلة أخرى لا شأن لها ~~بثور ولا بغاره. # آن لنا إذن أن نبلغ الغار وأن نطمئن إلى مجلس عنده ريثما نعود إليه ليحدثنا حديث ~~الهجرة، وينشر أمامنا مما طوى الزمن ما يفيض القلب بإجلاله وتقديسه، لكني ما لبثت حينما ~~بلغنا هذه القمة التي نتسلق السفح إليها أن ألفينا قمة وسطا بين هذا السفح الذي ~~ارتقيناه وذلك الجبل الذي كنت أحسبه في سلسلة أخرى أكثر ارتفاعا من ثور، وأن ألفيت بين ~~السفحين طريقا ممهدا يسير الصاعد عليه وكأنه برزخ بين الجبلين، وهو يطل على سلاسل ~~جبال أخرى كان السفح الأول يحجبها عن النظر، وعن جانبيه ينحدر سفحان إلى أودية لم ~~أعن نفسي بالسؤال ما اسمها، وأنا في شغل بهذا الجبل المنقسم إلى جبلين ~~وتسلقه. # فلما اجتزنا الجسر الممهد إلى السفح من بعده سألت أصحابي: أليس بعده سفح ثالث قبل ~~الغار؟ ونفى أصحابي وأكدوا أن الغار في قمة هذا السفح، وبدأت أتسلق كرة أخرى، فإذا ~~طريق التسلق وعر لا يقاس طريق حراء إليه في وعورته، كنت أراني مضطرا إلى ~~الاعتماد على ساعدي أرفع جسمي كله بهما أحيانا لتخطي مضيق هذا الطريق لا أجد وسيلة ~~إلى تخطيه غير هذا الاعتماد، وكنت أزحف أحيانا أخرى معتمدا بيدي على جدار الطريق من ~~صخور الجبل مخافة الانزلاق، فإذا أعياني الجهد اعتمدت بظهري على صخرة ذات ظل حتى ~~تهدأ أنفاسي. # ولن يبلغ مني الإعياء أن يصدني عن غايتي من بلوغ الغار ما دمت قد فرضت بلوغه، ~~فالإرادة الصادقة أقوى من كل مشقة في الحياة، فإذا عزز الإيمان الإرادة وقلت للجبل: ~~انتقل من مكانك انتقل، وما مشقة الصعود إلى ثور وها هم أولاد أبناء المنطقة يهرعون ~~إليه ويجرون في مساربه ومزالقه خفافا كأنهم القطا، ما ينوء أحدهم بشيء مما أنوء به، ~~فإذا اتجهت بإرادتي إلى بلوغ الغار فأجهدني ذلك، فإنما يجهدني أنني ms228 استنمت من الحياة ~~إلى الراحة في الحياة، ناسيا أن الراحة سبيل التعب، كما أن التعب سبيل الراحة، بل سبيل ~~النعمة في الحياة بخير ما وهبنا الله من أنعم الحياة. # بهذه الإرادة تقدمت في ارتقاء الجبل لا ينال الجهد الذي ألقاه من عزيمتي ولا يفل ~~التعب من قوتي، كنت أتصبب عرقا فأستند إلى الصخر وأمسح بمنديل عرقي وأعود فأتقدم ~~مجتازا من الطريق أشده وعورة، وكنت أجد أمامي من أسباب الانزلاق وخطره ما لا أتردد في ~~التحايل عليه وتخطيه، وتعرضت صخرة مقوسة، أنت في اجتيازها بين تسنمها، وقد تهوي ~~بك، والانحناء للمرور من تقوسها وقد تهوي عليك، فانحنيت ومررت غير عابئ، هذا وأشعة ~~الشمس مسلطة علي منذ بدأت الصعود تزيدني جهدا، وتزيد عرقي تصببا، وإني لكذلك إذ ~~استدار الطريق إلى ناحية الغرب، واحتجبت بذلك عني أشعة الشمس، وأويت إلى صخرة جلست ~~عليها أستريح كيما تهدأ أنفاسي. # وبينا أجلس قال صاحبي الذي يتقدمني: هذا هو الغار، فلم تبق إلا خطوة لتبلغه، وعدت ~~أسير والطريق، ثم رفعت بصري إلى مصدر الصوت فإذا صاحبي معتمد في موقفه على صخرتين ~~متقابلتين، وإذا به يشير بيده أن هلم، لكن الطريق زلق والحذاء الذي ألبسه لا يستقر ~~عليه، فلألجأ مرة أخرى إلى الاعتماد بساعدي فوق الصخور، والاعتماد على قوتهما في ~~رفع جسمي، وفعلت، فلم أتقدم إلا قليلا، عند ذلك انحنى صاحبي وأدنى يده مني وطلب إلي ~~أن أعتمد عليها في صعودي، ومددت إليه يدا مسها الجهد وآذاها مس الصخور، ولم يجنح إلى ~~قوة يعينني بها، فقد طفرت إليه فوق الحجر الزلق طفرة كنت بها إلى جواره، وصنعت ~~صنعه فاعتمدت بقدمي على الصخرتين المتقابلتين وأمسكت بيدي صخرة ألفيتها معلقة فوق ~~رأسي. # ها أنا ذا أمام فهوة الغار الذي احتمى به النبي العربي من كيد أعدائه حين أذن الله له ~~في الهجرة من مكة إلى يثرب؛ وأمسك أنفاسي على شدة اضطرابها في صدري لأحدق في ~~داخله علني أرى السر العظيم الذي يستجم منذ أربع وخمسين وثلاثمائة وألف سنة في ~~مهابة ms229 ظلمته، ووقفت حيث أنا مشدوها مأخوذا لا أدري أأتقدم للخطوة الأخيرة فيما بعد ~~فوهة الغار إلى سطح القمة أتفيأ ظل صخرة جاثمة تقوست فوقها تحميها من لظى الشمس أوقات ~~الهاجرة، أم أظل حيث أنا ممسكة يدي بالصخرة حتى لا تنزلق قدمي، محدقا من فوهة ~~الغار في داخله، أم أدخل الغار لأقيم حيث أقام الرسول - عليه السلام - في أدق الساعات ~~التي مرت به منذ بعثه الله نبيا وهاديا ورسولا؟ وكنت أشد شوقا للدخول إلى الغار ~~والمقام به ما استطعت، لولا أن حال زلق الصخور حيث أقف دون تنفيذ هذا العزم ~~لساعتي، رغم جهد أنسيته أمام جلال المشهد العظيم. # وخطوت إلى القمة وتفيأت ظل الصخرة قبل أن يدركني أكثر أصحابي الذين تسلقوا الجبل معي، ~~ولم تكن القمة فسيحة الأرجاء، فمربعها لا يتجاوز الثلاثين مترا، لكنها كانت ذات بهجة ~~بظلها وبالصخور المحيطة بها، والتي تجعل منها بهوا تستريح النفس إليه ويطيب لها المقام ~~به. # فلما هدأت أنفاسي تناولت شربة من الماء، ثم قمت أدور حول الصخرة ومعي منظاري، فشهدت ~~مكة والحرم، وشهدت ما وراء مكة إلى حد الأفق، وشهدت الجبال بين ثور ومكة يتلو بعضها ~~بعضا ولا تستبين العين ما بينها من الطرق. # هذه إذن أم القرى التي أخرجت محمدا منها؛ لأنه دعا إلى الحق أهلها، وهذا البيت ~~الحرام الذي أقامه إبراهيم وإسماعيل مثابة للناس وأمنا يتوسطها وينفس عنها، وهذه ~~البادية الفسيحة الممتدة أمام النظر إلى غاية الأفق تدعوني أرجاؤها إلى التأمل وإلى ~~الأناة وإلى تدبر ما في الكون من حاضر أمام نظرنا ومن غيب نتوسمه ولا نعلمه، فليس يعلم ~~الغيب إلا الله عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال. # أدركني أصحابي وجلسوا يتفيئون ظل الصخرة، وجلست إليهم، وتناولنا الشاي إذ كنا نتناول ~~بالقول انصراف المسلمين عن زيارة هذه الأماكن اتقاء المشقة وخوف ما يذكرونه عن بطش ~~العرب في الماضي بمن ينقطع عن قافلته، وجعل القوم ينصرفون واحدا بعد واحد، يقصد أحدهم ~~إلى الغار، ويدور الآخر حول الصخرة، ويلتمس ثالث مسالك الجبل في غير الناحية ms230 التي صعدنا ~~منها، فلما اطمأننت إلى وحدتي فوق القمة عدت بذهني إلى الليلة التي هاجر فيها الرسول، ~~فرأيته قائما صدر الليل في داره يعبد ربه ويتلو كتابه، ورأيت أبا بكر بداره في طرف ~~آخر من مكة لا يطرق النوم جفنه ولا يدري ما الله صانع به، لقد أسر محمد إليه أن ~~الله أذن لهما في الهجرة، فمتى تكون؟ وكيف تكون؟ إنه أعد راحلتين تحملانهما من مكة ~~إلى يثرب، لكنهما لن يخرجا بأعين الناس، والناس لمحمد بالمرصاد وقد ائتمروا به ليقتلوه، ~~والليلة موعده من الرسول فلينتظره وليصبر، إن الله مع الصابرين. # وهذا علي بن أبي طالب في دار محمد قد تسجى برده الحضرمي الأخضر ونام حيث ينام ~~ابن عمه مبلبل النفس منذ أسر إليه أن ينتظر بمكة بعد مغادرته إياها حتى يؤدي ما لديه ~~من ودائع للناس، وهؤلاء فتيان قريش بالباب وحول الدار ينظرون لعلهم يصيبون من محمد فرصة ~~يفتكون به فيها فتكة رجل واحد حتى يضيع دمه بين القبائل، والليل يردف أعجازا وينوء ~~بكلكل فيأخذ هؤلاء الفتيان غمض ليس بالنوم ولكنه أدنى إلى الأرق، ويخرج محمد من ~~داره إلى دار أبي بكر فلا يراه منهم أحد ولا تقع عليه عين، ويلفي أبا بكر في انتظاره ~~أشد ما يكون شوقا إلى هذه الساعة التي يهاجر معه فيها بأمر ربه. # نحن الآن في ساعة الهجود قبيل الفجر، فليس بمكة همس، ولست تسمع فيها ركزا، ~~والرجلان يسريان متجهين إلى أقرب مخرج من مخارج مكة صوب الجنوب، لا ينبس أحدهما ببنت ~~شفة، ولا يحس مسراهما أحد، ها هما ذان الآن قد خرجا بين الجبال، وآن لهما أن يخرجا ~~من صمتهما ليسر محمد إلى صاحبه أنهما في الطريق المستقيم إلى ثور، ويلزمان الصمت ~~كرة أخرى، وإن أيقنا أنهما صارا من العيون بمنجاة، فليس يدور بوهم أحد أنهما اتخذا ~~وجهة اليمن بعد أن هاجر المسلمون قبلهما إلى يثرب، ومحمد مستغرق أثناء مسيره في ~~التفكير، فما يكاد يحس وجود أبي بكر إلى جواره، ويتلفت ملتمسا إياه فإذا ms231 هو يسير خلفه، ~~فينتظره حتى يكونا كتفا إلى كتف، ويعود محمد إلى تفكيره، ثم يلتمس صاحبه فإذا هو قد ~~سبقه يسير أمامه، والجبال حولهما تشهد مسراهما وحيدين حيث لم يسر قبلهما في مثل هذه ~~الوحدة أحد. # ويفطن محمد إلى أبي بكر يسير تارة خلفه وطورا أمامه، فيعجب ويسأله في ذلك، فيجيبه ~~صاحبه: يا رسول الله، أذكر الطلب فأمشي خلفك، ثم أذكر الرصد فأمشي بين يديك، ويبتسم ~~محمد وتفعم قلبه المسرة لإخلاص صاحبه ويسأله: يا أبا بكر، لو كان شيء أحببت أن يكون بك ~~دوني؟ ويجيب أبو بكر في حماسة: نعم والذي بعثك بالحق! وترتسم على محيا محمد سيما ~~الغبطة، ويظل في انطلاقه هو وصاحبه إلى غايتهما يسعدهما نسيم الليل الرقيق حتى يبلغا ~~أسفل ثور ثم يندفعا إليه يصعدانه، وما كان لهما أن يتخوفا من التصعيد مشقة أو عنتا ~~وهما من أبناء الجبال، قد ألفا خشونة العيش وألفا في المشقة النعماء ~~المستعذبة. # ما أبهى هذه الصورة وما أعظم روعتها في نفسي! لقد انتشرت أمام ذهني وأنا في مجلسي من ~~القمة فتعلق بها قلبي ونقشت فيه نقشا، إن كثيرا ما يسري رجلان أو تسري قافلة جوف ~~الليل في هذا الطريق، طريق اليمن أو في طريق غيره، وقد يكون لصورة هؤلاء السراة ~~جمالها وعذوبتها، لكنه جمال مادي وعذوبة فنية، فأما هذان الرجلان اللذان يسريان، ~~وقلبهما مفعم بجذوة الإيمان المقدسة، فرارا بإيمانهما إلى الله ممن يأتمرون بمحمد ~~ليقتلوه، فلمسراهما في النفس صورة أخرى، صورة روحية بالغة غاية السمو، صورة من ~~يستهين بالحياة ومتاعها، ومن لا يمسك عليها إلا حرصا على الحقيقة أن يبلغها الناس، ~~وأولهم المؤتمرون به، وإن ناله في تبليغها الأذى وأصابه العذاب. # وبلغ الرجلان الغار، فتقدم أبو بكر فاستبرأ المكان مما حوله، ثم استبرأ الغار مخافة ~~أن يكون به ما يؤذي الرسول، وصلى الرجلان شكرا لربهما، ولجأا إلى الغار يحتميان به ~~ويستريحان فيه من مشقة يومهما. # بلغت هذا الموضع من الصورة الذهنية التي ارتسمت في نفسي إذ عاد صاحبي الذي لزمني ~~في ms232 صعودي وأعانني فيه، فلما رأيته لم أمهله أن قلت له: هلم بنا إلى الغار نلتمس ~~الدخول إليه، قال: خير لك أن تدور حوله وأن تدخل من صغرى فوهتيه، فالدخول منها آمن ~~عثارا وإن لم يكن أشد يسرا، ودرت ودخلت ووقفت ما أتاح سقف الغار لي أن أقف، واطمأن ~~صاحبي إلى سلامتي فتركني ومضى، وتلفت فيما حولي ثم طاب لي أن أجلس فجلست، جلست في شبه ~~الظلمة التي تشتمل كل ما في الغار، ونظرت إلى فوهته الكبرى - وأسفت كما أسف غيري أن ~~اجترأ أمير من أمراء المسلمين فأوسعها عن حسن نية لييسر الدخول لمن أراد - وهذه ~~الفوهة الكبرى مستديرة، يبلغ قطرها مترا أو نحوه، أما الفوهة الصغرى فلا تبلغ نصف ~~مساحتها، فإذا استوى الإنسان في الغار رأى سقفه يرتفع إلى حيث يستطيع أن يطمئن إلى ~~مقامه فيه طمأنينة العابد المنقطع إلى ربه في خلوته. # جلست مكاني وحيدا ممتلئ النفس من هيبة هذا الغار الذي أوى إليه رسول الله وصاحبه ~~نجاة بنفسيهما من قريش الظالمين، ومحت ظلمة الغار آية الزمن أمام بصيرتي وتمثل لي ~~اللاجئ العظيم في مجلسه هنا بهذه البقعة متوجها بكل قلبه إلى ربه يناجيه ويدعوه أن ~~يصرف عنه كيد عدوه، وينقضي النهار وهو في مناجاته ودعواته وصلواته مطمئن إلى ربه واثق ~~من نصره، وصاحبه إلى جانبه مطمئن بطمأنينته، أما قريش بمكة ففي حيرة من أمرها، كيف ~~استطاع محمد الفرار؟ فهي في حوار دائم تلتمس الرأي للعثور به وقتله، وعبد الله بن أبي ~~بكر يقف على ما يأتمرون ويدبرون، وكان عبد الله قد عرف من أبيه حين الهجرة من مكة أنه ~~سيلجأ مع النبي إلى غار ثور، فكان إذا جن الليل ينطلق إلى الغار فيقص على محمد وعلى ~~أبيه ما رأى وما سمع، وينطلق عامر بن فهيرة مولى أبي بكر بأغنامه فينال الرجلان من ~~ألبانها ولحومها طعام يومهما، ثم يعود عبد الله بن أبي بكر ويعود عامر بالقطيع وراءه ~~ليعفي على أثره، ويعود اللاجئان إلى عزلتهما بالغار والله معهما يسمع ms233 ويرى. # وقريش ما تنفك تأتمر وتدبر، فقد ذهب فتيانها الجلداء الموكلون بمحمد وقتله إلى كل ~~ناحية مما حول مكة؛ ذهبوا إلى الشمال حاسبين أنه مسارع ليلحق بمن سبقه من أتباعه ~~المسلمين إلى يثرب فلم يقفوا له على أثر، وشرقوا وغربوا وتيامنوا وتياسروا، ~~وقصاصو الأثر يحاولون أن يعرفوا أي طريق سلك فتذهب محاولتهم هباء، فليذهبوا إذن إلى ~~الجنوب من ناحية اليمن، وإن كان سلوك محمد هذا الطريق مما لا يرد بالخاطر، وذهبوا ~~إلى الجنوب وتسلقوا من الجبال ما تسلقوا وصعدوا ثورا واقتربوا من الغار الذي أوى ~~الرجلان إليه، وكانوا مع ذلك لا يميلون إلى الظن بأنهم سيصادفون من النجاح في الجنوب ~~أكثر مما صادفوا في غيره من النواحي، وكان على مقربة من الغار راع لم يلبثوا حين رأواه ~~أن سألوه: هل رأى محمدا أو أبا بكر؟ وهل عرف أين ذهبا؟ وأجاب الراعي: قد يكونان بالغار ~~وإن لم أر أحدا أمه. # وسمع الرجلان هذا الحديث وسمعا وقع أقدام الفتيان وهم يتقدمون إلى ناحية الملجأ الذي ~~تحصنا به، وسرت رعدة الخوف في عروق أبي بكر لما سمع، فأمسك أنفاسه واقترب من محمد ~~وألصق نفسه به وقد أيقن أنهما مأخوذان لا محالة بالتلابيب فمسوقان إلى مكة أو مقتولان ~~دونها، أما محمد فبقي في سكينته ملتزما الصمت متوجها بقلبه إلى ربه واثقا من أنه لن ~~يصيبه أو يصيب صاحبه مكروه، وتقدم أحد الفتيان حتى كان عند فوهة الغار، فلو أنه حدق ~~بعينيه اللتين اعتادتا الأبعاد واعتادتا الظلام لرأى الرجلين، ولنادى أصحابه فأمسكوا ~~بخناقهما، وبصر به أبو بكر فتصبب من شدة خوفه عرقا وازداد بالرسول التصاقا، ولم ~~تزايل محمدا سكينته ولم يزايله اطمئنانه إلى ربه، ودار الفتى حول الغار وتلفت يمنة ~~ويسرة، ثم عاد أدراجه، وسأله أصحابه: ما لك لم تنظر في الغار؟ فهز كتفيه وأجاب: إن ~~عليه العنكبوت من قبل أن يولد محمد! # تمثل لي هذا المشهد كله وأنا مكاني بالغار، وبلغ من امتثالي إياه أن كدت أسمع حديث ~~المطاردين مع الراعي وأرى الفتى كما ms234 كان يراه أبو بكر، وامتلأ قلبي رعبا من هول ما أرى ~~وأسمع، وشعرت بصيحة تكاد تنطلق من صدري وتنفرج عنها شفتاي وكأني أهيب مستغيثا بالذين ~~يطاردونني: على رسلكم! فها أنا ذا مسلمكم نفسي ورفقا! وما عسى أن أصنع وهذا ~~مدركي ثم قاتلي لا محالة؟! فلعل لي في التضرع والاستغاثة من الموت منجاة! وإن نجوت ~~بعد هذه المغامرة فمن ذا يلومني على الإذعان؟ هذا منطق إنساني لا غبار عليه، لكن ~~الفتيان الجلداء لا يطاردونني بل يطاردون محمدا عبد الله ورسوله، ومنطق محمد ليس ~~كمنطقنا؛ لأن روحه ليس كروحنا وإن كان بشرا مثلنا، وخيل إلي أني انتحيت ناحية من ~~الغار وأني أشهد فيه محمدا وصاحبه، ما أشد أبا بكر جزعا! ها هو ذا يرتعد كأن به ~~الحمى، وها هما تان شفتاه تتحركان كأنما يريد أن يقول شيئا، أما محمد فأحيط بهالة ~~من جلال أفاء الله بها عليه سكينته، فليس يهتز لشيء مما حوله، وكأنما يطارد الفتيان ~~شخصا غيره، وطال بي ما أرى، ثم تحركت شفتا أبي بكر فهو يهمس في أذن صاحبه: «لو نظر ~~أحدهم تحت قدميه لأبصرنا.» وأسر الرسول في أذنه: «يا أبا بكر، ما ظنك في رجلين الله ~~ثالثهما؟!» وفي هنيهة أضاء وجهه نور لألاء، ثم تحركت شفتاه بما أسمع أبا بكر قوله: ~~«لا تحزن إن الله معنا.» # ووجمت حين سمعت هذه الكلمة وحدقت في معالم أبي بكر فإذا به زايله الروع وعاودت ~~السكينة نفسه، ومم عسى أن يخاف والله معه؟! إن الفتيان ليتحاورون على مقربة من ~~الغار، ثم يحاول بعضهم أن يتقدم نحوه، فيردهم صاحبهم الذي دار حوله ويدعوهم أن ~~ينتشروا في أنحاء الجبل لعلهم يلقون نجاحا، ويسمع أبو بكر هذا الحوار فلا يعادوه شيء ~~من الروع الأول، ولا تزايله سكينته؛ لأنه أنس إلى صاحبه وأنس إلى ربه، ويتقدم هذا ~~الفتى الذي رآه أبو بكر منطلقا إلى شعاب الجبل ويتبعه أصحابه، وتبعد بهم خطاهم عن هذا ~~المكان حتى لم يبق من أثرهم نبأ، فيتنفس أبو بكر الصعداء، ويصيح رسول ms235 الله: «الحمد ~~لله، الله أكبر.» # آن لي أن أدع مجلسي بالغار بعد أن رأيت هذا المشهد التاريخي الفذ، فامتلأت نفسي من ~~رؤيته إلى غاية ما تمتلئ النفس مهابة ورهبة، هذان رجلان يواجهان الموت ولا يخافانه ثقة ~~بأن الله معهما، والله مع من وثق به، ومن لم يخف الموت في سبيل الله عنت له ~~الحياة فملك زمامها، أية نفس مطمئنة هذه النفس الكبيرة التي لا تعرف غير الله ولا تثق ~~إلا به ولا تخشى شيئا في سبيله؟! وأية أسوة أكبر من هذه الأسوة يضربها النبي العربي ~~للناس في جميع الأمم ليعيشوا أعزة كراما، فيعيشوا بذلك كما يجب أن يعيش الإنسان، ~~وكما أمره الله أن يعيش ما أبقى له الأجل على حياة؟! # وخرجت من الغار إلى القمة، فألفيت أصحابي جميعا يستريحون إلى فيئها، وتناولنا أقداح ~~الشاي، وقصصت لهم بعض ما مر بخيالي وأنا بالغار، قال أحدهم: وكيف تمثل لك موقفهما ~~بعد انصراف الفتيان عنهما إلى أن غادرا ملجأهما؟ كم أقاما بالغار بعد ذلك؛ يوما أو بعض ~~يوم أو أكثر أو أقل؟ فكتب السيرة لا تحدثنا عن ذلك فيما قرأت، وكل ما تحدثنا عنه ~~أنهما أقاما بالغار ثلاثا حتى خمدت عنهما نار الطلب، فلما سكت الناس عنهما أتاهما عبد ~~الله بن أريقط ببعيريهما اللذين استأجرا وببعير له، فسلك بهما إلى يثرب طريقا غير ~~الطريق الذي ألفه الناس، أفما دار بخاطركم كم مر بين انصراف الفتيان ومجيء ~~الإبل؟ # لم أكن قد فكرت في هذا ولا عنيت به، ولست أدري هل فكر غيري فيه، لكني مع ذلك أجبت: ~~أحسبهما لم يطل بهما المكث بالغار بعد أن مرت بهما هذه الساعة العصيبة التي تمثلت لي ~~وأنا به، فهؤلاء الفتيان لم ينحدروا إلى الجنوب ميممين ثورا حتى بدا لهم اليأس أن ~~يجدوا محمدا في غير الجنوب من النواحي، فلما عادوا من بحثهم بخفي حنين أدرك ~~اليأس قريشا وألقت سلاحها، وما لبث عبد الله بن أبي بكر حين رأى ذلك أن أخبر به النبي ~~وصاحبه، وأكبر ظني أن ms236 ذلك حدث أمسية اليوم الذي عاد الفتيان بالخيبة فيه إلى أهلهم ~~بمكة، وأن عبد الله استصحب أخته أسماء وأسر إلى ابن أريقط أن يتبعهما ملث ~~الظلام، وأن هؤلاء جميعا التقوا قبل الفجر بأسفل ثور، فلما تحمل محمد وأبو بكر وسارا ~~في طريقهما ميممين الشاطئ عاد عبد الله وأخته إلى مكة ولم يفطن إلى عودتهما أحد. # لم يعن أكثر الحاضرين بالإنصات إلى هذا الحديث، ولم يعنهم أن يكون الرسول - عليه أفضل ~~الصلاة والسلام - قد ترك الغار بعد انصراف الفتيان عنه بساعة أو بيوم أو بثلاث ليال، ~~حسبهم أنه # صلى الله عليه وسلم # لجأ إلى هذا الغار، وأن الله - تعالى - يقول فيه: # إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين ~~كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا ~~تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده ~~بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى ~~وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم ~~، وحسبهم ما ~~جاء في كتب السيرة من معجزة العنكبوت والشجرة والحمامتين، وما عسى أن يجدي هذا البحث ~~الذي دفع بي إليه صاحبهم؟ وأية فائدة للتاريخ أن يكون اللاجئان قد نزلا من الغار بعد ~~يوم أو يومين من خروج القرشيين للبحث عنهما؟ هذه محاورات لا تقدم ولا تؤخر، وقد ~~تؤدي ببعض أدعياء العلم إلى التجديف باسم التنقيب والبحث تجديفا مصدره الهوى ومبعثه ~~الخيال السقيم. # وكأنما أراد أحد أصحابنا أن يظهر برمه بهذا الحديث، فالتفت إلى أحد الإخوان مما معنا ~~وطلب إليه أن يسير معه إلى الغار ليدخله فيصلي ركعتين فيه، وتركنا وذهب لأداء هذه السنة ~~المستحبة، فقد شعرت، حين أديتها، وأنا بالغار، بفيض من الرضا يغمرني طمأنينة مني إلى ~~أنني أصلي حيث صلى رسول الله، وشعرت وشعر من وجه الحديث إلي بما في عمل صاحبنا من ~~معنى الاحتجاج على حوارنا، فأمسكت عن القول خشية أن يكون هذا الذي احتج معبرا عن رأي ~~أصحابنا الآخرين وإن لم يظهروا من البرم ما أظهر إكراما لي، أما من وجه الحديث ~~إلي ms237 فلم يعبأ بشيء من هذا، ولعله لم يفهم منه ما فهمت، فقد وجه إلي الحديث كرة أخرى ~~ينبئني أن غارا غير هذا الغار الذي زرته ويزوره الناس يقع على مقربة منا بين القمة ~~والغار المأثور ويسألني: لم لا يكون هذا الغار هو الذي أوى الرسول إليه؟ # كان جوابي عن سؤاله أن قمت إلى هذا الغار الآخر مع شاب كان معنا والتمست إليه مدخلا، ~~وناداني الشاب من داخله، ولم أعرف كيف سلك إليه سبيله، ثم رأيته تمتد يده من فرجة ضيقة ~~لا سبيل إلى الانزلاق منها، فذكر لي أن بالجانب الآخر منه فرجة أكثر سعة وأيسر سربا، ~~واستلقيت على ظهري ودليت ساقي وانزلقت شيئا فشيئا حتى احتواني هذا الوكر الضيق ~~الموحش، وخرج الشاب وتركني أمتحن الرمل الذي يعلو قاع هذا الغار وأدور بنظري فيه وما ~~أكاد أستوي إلى جلسة أستريح إليها كما فعلت في الغار الأول، ولم يكن خروجي من هذا الغار ~~دون دخولي إليه عسرا ومشقة. # وألفيت صاحبنا الذي دلف إلى الغار المأثور فصلى به جالسا فوق القمة في ظل الصخرة مع ~~سائر الرفاق، وبادرته بالتحية أن يتقبل الله منه صلاته حيث صلى الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~، فرجا ~~أن يتقبل الله منه ومني، وسألني الذي يجاورني عما رأيت في الغار الآخر، وهل يسيغ ~~العقل أن يكون هو الغار الذي أوى إليه الرسول دون الغار الأول؟ ولم يكد يتم كلامه حتى ~~رأيت الذي صلى بالغار المأثور قد امتقع لونه وظلل الغضب وجهه وانطلق في حدة يقول: ~~ما هذا الكلام الذي لم يسمع به ولم يجرؤ على قوله من قبل أحد؟! إن الأجيال المتعاقبة ~~منذ عهد الرسول - عليه أفضل الصلاة والسلام - لتحدثنا بأن هذا الغار الأول هو المأثور ~~عنه # صلى الله عليه وسلم # أنه لجأ إليه، وأنه هو الذي نزل فيه القرآن، فما هذا التشكيك فيه يا شيخ؟! ~~أوقرأت في كتب السيرة أو في كتب الحديث ما يجعل لقولك شبهة من الحق حتى تفكر ~~فيه؟! وخشيت مغبة هذه الحدة أن يضاعفها ms238 الجواب عليها فقلت: فضلا عن أن الغار ~~الأول هو المأثور فكل الدلائل تنهض حجة على صحة الأثر، وتدل على أن الغار الآخر لا ~~يمكن أن يكون ملجأ للاجئ سويعات من زمان، فهو على ضيقه وانخفاض سقفه أدنى إلى القمة ~~وأيسر لذلك أن يكتشف، وما دام الغاران متقاربين، والالتجاء إلى المأثور والمقام به ~~ثلاثة أيام أدنى إلى العقل، فلا موضع لشبهة يثيرها إنسان بحجة الدقة والتمحيص، أو بأية ~~حجة أخرى. # تخطت الشمس للزوال وآن أن ننحدر إلى مكة ... ولم نكن قد جئنا بطعام يقيمنا طول يومنا، ~~وقد أوفى الماء والزاد الذي معنا على النفاد، لكن مجلسنا إلى ظل الصخرة فوق القمة لذيذ ~~حقا، والنظر منه إلى مكة وما وراءها من فسحة البادية بالغ من الجمال ما تود العين ~~منه كل مزيد، أوليس من الخير أن نبقى إلى المغيب؟ إننا إذن لنتقي شدة القيظ وما ترهقنا ~~من ضيق حين انحدارنا، ثم إننا إذن لنستمتع من هذا المنظر الساحر بما يزيده ساعة الشفق ~~سحرا. # أفضيت إلى أصحابي بهذا الذي رأيته، وود غير واحد منهم لو نقيم إلى ما بعد ~~المغيب، وذكرنا يوم حراء وهبوطنا منه إقبال الليل وجمال الشفق على هذه الجبال الكثيرة ~~المتتابعة حول جبل النور، والجبال التي تحيط بثور أكثر من تلك عددا وأعظم ~~ارتفاعا. # لكن أصحابنا اعتذروا بأعمال لدى بعضهم لا سبيل إلى أن تؤجل، وهبطنا من الجبل وأنا أجد ~~في الهبوط أكثر مما أجد في الصعود من مشقة، وإني في ذلك لعلى خلاف الناس جميعا إلا من ~~كان مثلي، فصعود السلم أسهل لي من هبوطه، وارتقاء الجبل لا يزعجني، لكن الانحدار منه ~~يحدث لي شيئا يشبه الدوار، وأنا أتقيه بأن أحصر نظري بين قدمي حتى لا يقع على الهاوية ~~أمامي أو عن جانبي، وبلغنا المقهى عند أسفل السفح، فإذا أصحابي سبقوني إليه واستراحوا ~~به، فلما رأوني قاموا إلى السيارة فأقلتنا إلى الدار. # لقد كان لقصة الهجرة في نفسي من المهابة أكبر نصيب، ذلك كان شأني منذ نعومة أظفاري، ~~لكني ms239 منذ صعدت ثورا ودخلت الغار وتمثل لي به ما تمثل لي، قد صرت أشد لها إكبارا ~~وإجلالا، وها أنا ذا قد تركت مكة وسافرت إلى نواح من الحجاز مختلفة، وعدت إلى مصر، ~~وقمت بأسفار أخرى، وما أزال كلما ذكرت ثورا والغار المجاور لقمته ذكرت قصة الهجرة ~~فامتلأت نفسي لها مهابة ورهبة. # أخطأ الذين يحسبون في حياتنا المادية سبب سعادتنا أو سبب قوتنا، إنما سعادتنا وقوتنا ~~في حياتنا النفسية، لنكن طلقاء في البادية أو حبيسين في الغار أو حيثما شئنا من أرض ~~الله، فنحن سعداء ونحن أقوياء بإرادة الله وإرادتنا ما وهبنا نفوسنا لله وفي سبيل الله ~~نريد غاية سامية نحققها لإخوتنا بني الإنسان، وهذا بعض ما يدعو محمد إليه حين يقول: «لا ~~يكمل إيمان المرء حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه.» # هذه بعض العبرة في ذلك الغار وقصته، وقصة الهجرة أكبر عبرة لقوم يعقلون. # | ظاهر مكة # كان وادي مكة خاليا إلا من بعض مضارب الخيام حين أقام إبراهيم القواعد من البيت ~~وإسماعيل، ولما جاءت جرهم ثم خزاعة فأقامتا بالوادي، ثم لما تزوج إسماعيل من جرهم، ~~لم يقم أحد منهم جوار بيت الله بيتا غيره، بل تركوه قائما يطوفون به أثناء النهار ~~وزلفا من الليل، فإذا جنهم الظلام ذهبوا إلى الحل فقضوا ليلهم فيه، كذلك تجري ~~الروايات إذ تقص تاريخ مكة، وتزيد الروايات إلى ذلك أن قصيا - الجد الخامس للنبي - ~~لما اجتمع له أمر مكة وأصبح الأمير المطاع فيها جمع قريشا وأمرهم أن ينشئوا الدور ~~فيها وأن يقيموا حول البيت ما شاءوا، وبنت قريش دورها حول الكعبة فلم يتركوا خاليا إلا ~~مكان الطواف بها، وتركوا بين كل دارين طريقا ينفذ منه إلى المطاف، وسبقهم قصي إلى ~~البناء في جوار الكعبة، فأقام دار الندوة لأهل مكة جميعا يجتمعون فيها يتحدثون ~~ويتشاورون ويعقدون العقود ويتمون من أمورهم ما يريدون إتمامه. # أين كانت حدود الحرم أيام جرهم؟ وأين كان هذا الحل الذي يذهبون للمبيت به حتى أمر ~~قصي بالبناء بالحرم؟ يتعذر اليوم تحديد ما ms240 كان ذلك عليه في الأيام الخالية، وإن قوما ~~ليذهبون إلى أن الحرم قد كان محصورا إذ ذاك في حدوده المعروفة اليوم، والتي تعينها ~~الأعلام القائمة على منافذ أم القرى، وهذه الأعلام قائمة اليوم في خمس جهات تحيط بمكة ~~من نواحيها جميعا، فثم علمان عند الحديبية، وهي التي يطلق عليها الشميسي في طريق ~~القادم من جدة إلى مكة؛ وعلمان عند التنعيم في طريق القادم من المدينة إلى مكة، وعلمان ~~عند الجعرانة في طريق القادم من العراق، وعلمان عند عرفة في طريق القادم من الطائف، ~~وعلمان عند أضاءة في طريق القادم من اليمن، والأعلام التي يشهدها الإنسان اليوم أحجار ~~متقنة النحت ترتفع عن الأرض قرابة متر وتقوم متحاذية على جانبي كل طريق من هذه الطرق، ~~وتختلف أطوال المسافة من الحرم إلى كل واحد من هذه الأعلام، فعلما الحديبية يقعان على ~~نحو عشرين ميلا من المسجد الحرام، وعلما التنعيم يقعان على نحو ستة أميال منه، وعلما ~~الجعرانة يقعان على مسافة ثلاثة عشر ميلا، وعلما عرفة يقعان على ثمانية عشر ميلا، ~~وعلما أضاءة يقعان على اثني عشر ميلا، فأما ما يجيء وراء هذه الأعلام إلى مواقيت الحج ~~فذلك هو الحل، ومن وراء الحل تمتد الآفاق إلى أقصى الأرض في مختلف بقاعها ~~وقاراتها. # يذهب قوم إلى أن الحرم كان محدودا من عهد جرهم بالحدود القائمة هذه الأعلام عندها، ~~بل يذهب بعضهم إلى أن إبراهيم - عليه السلام - هو أول من نصب الأعلام تعظيما للبيت ~~وتشريفا، ويقول آخرون: إن إسماعيل بن إبراهيم هو الذي نصب هذه الأعلام، ويذهب قوم إلى ~~أن قصيا هو الذي عين هذه الحدود حين أمر بالبناء حول الكعبة، ويقال: إن عدنان أول من ~~وضع أنصاب الحرم، وإن قريشا نصبتها بعد ذلك في عهد النبي وقبل هجرته من مكة، وفي قول ~~يرجحه بعضهم أن النبي وضع حدود الحرم عام الفتح ونصب الأعلام حوله، ثم نصبها عمر بن ~~الخطاب، ثم عثمان بن عفان، ثم معاوية بن أبي سفيان، ثم عبد الملك بن مروان، ثم المهدي ms241 ~~العباسي، وقد أمر جماعة من الملوك والأمراء بتجديد هذه الأعلام بعد ذلك، وأحدث ما تذكره ~~الكتب من تجديدها أنه كان في سنة 683ه بأمر المظفر صاحب اليمن، والحالة التي عليها ~~الأعلام اليوم تدل على أنها جددت بعد ذلك غير مرة وأنها لا ترجع إلى أكثر من بضع عشرات ~~من السنين. # فيما بين حدود الحرم ومواقيت الحج يقع الحل، وليس بين أعلام الحرم ومواقيت الحج ~~أبعاد نائية إلا فيما بين مكة والجحفة، وفيما بين مكة وذي الحليفة، وتقع ذو ~~الحليفة بظاهر المدينة، وهي ميقات أهل المدينة، منها أحرم الرسول وأصحابه حين خرجوا إلى ~~عمرة القضاء، وحين خرجوا إلى حجة الوداع، أما الجحفة فتقع في منتصف الطريق بين مكة ~~والمدينة، وهي ميقات المصريين والشاميين وكل من حاذاها في البر والبحر، أما ميقات ~~العراقيين فذات عرق، على مقربة من الجعرانة، وأما ميقات النجديين فقرن المنازل، ~~على مقربة من العشيرة، وأما ميقات أهل اليمن فيلملم، وعلما أضاءة يقعان بينها ~~وبين مكة، وهي لذلك تلي الجحفة في بعد مواقيت الحج عن مكة، وعند هذه المواقيت يحرم ~~المقبلون للحج ويظلون على إحرامهم حتى يدخلوا مكة ويتموا العمرة ثم يحلوا إحلال التمتع ~~ما لم يسوقوا الهدي معهم ينحرونه، فمن ساق الهدي فقد وجب عليه أن يبقى على إحرامه ~~حتى يتم العمرة والحج جميعا قارنا غير متمتع. # أما فيما خلال أشهر الحج فشأن ما بين المواقيت وأعلام الحرم كشأن الآفاق مما وراء ~~المواقيت إلا لمن ذهب معتمرا إلى مكة، فإنه يحرم من ميقات الحج إحرامه بالحج، ولا يحل ~~إحرامه إلا إذا أتم عمرته. # وقد جعل كتاب الله حرم مكة من البيت العتيق إلى هذه الأعلام مثابة للناس وأمنا، ~~وحرم التعرض لصيده ولنباته وحيوانه، فلما أزمع رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فتح مكة جعل كل همه ~~أن يدخلها من غير أن يسفك دما، ولقد تم له ذلك، إلا ما سفك دفعا لاعتداء جماعة من ~~قريش على جيش خالد بن الوليد، فلما كانت الغداة من يوم الفتح قتلت خزاعة ms242 رجلا من قريش ~~وهو مشرك، فقام الرسول في الناس خطيبا، وقال: «يا أيها الناس، إن الله حرم مكة يوم ~~خلق السموات والأرض، فهي حرام من حرام إلى يوم القيامة، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله ~~واليوم الآخر أن يسفك فيها دما أو يعضد فيها شجرا، لم تحلل لأحد كان قبلي ولا ~~تحل لأحد يكون بعدي، ولم تحلل لي إلا هذه الساعة غضبا على أهلها، ألا ثم قد ~~رجعت كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد منكم الغائب ...» # كان حرم مكة إذن أمنا من قبل إلى عهود بعيدة، يذكر بعضهم أنها ترجع إلى أيام ~~إبراهيم وإسماعيل كما قدمنا، وكان شأن الحل في أشهر الحج كشأن الحرم مدى السنة ~~جميعا، وما روي عن سرية عبد الله بن جحش يصور هذا الأمر خير تصوير، فقد بعثه رسول ~~الله في رجب من السنة الثانية للهجرة على رأس جماعة من المهاجرين، ودفع إليه كتابا ~~وأمره ألا ينظر فيه إلا بعد يومين من مسيره، فيمضي لما أمره ولا يستكره من أصحابه ~~أحدا، وفتح عبد الله الكتاب بعد يومين فإذا فيه: «إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى ~~تنزل نخلة بين مكة والطائف، فترصد بها قريشا وتعلم لنا من أخبارهم.» وما لبث عبد ~~الله ومن معه حين نزلوا نخلة أن مرت بهم عير لقريش تحمل تجارة عليها عمرو بن ~~الحضرمي، وكان يومئذ آخر رجب، ورجب من الأشهر الحرم، وتشاور المسلمون وقال بعضهم ~~لبعض: «والله لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلن الحرم فليمتنعن، ولئن ~~قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام.» وترددوا ثم شجعوا أنفسهم وأغاروا على ~~المشركين وقتلوا عمرو بن الحضرمي وأسروا رجلين وعادوا إلى المدينة بالعير والأسيرين، ~~فلما رآهم الرسول وعرف خبرهم قال لهم: «ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام.» ووقف العير ~~والأسيرين وأبى أن يأخذ من ذلك شيئا، وانتهزت قريش الفرصة فنادت في كل مكان: إن ~~محمدا وأصحابه استحلوا الشهر الحرام وسفكوا فيه الدماء وأخذوا فيه الأموال وأسروا ~~الرجال، ولقد ظل المسلمون في حيرة من أمر عبد الله بن جحش وأصحابه ms243 حتى نزل قوله - ~~تعالى: # يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه ~~قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به ~~والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله ~~والفتنة أكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونكم ~~حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ~~. # الفرق بين الحرم والحل والآفاق إذن فيما خلا أمر الإحرام والمناسك، أن الحرم ~~يحرم فيه القتل والغزو والأسر طيلة العام، وأن الحل لا يحرم ذلك فيه إلا في الأشهر ~~الحرم، في حين لا يحرم في الآفاق دم لم يحرم الله سفكه إلا بالحق، وحرم مكة فسيح ~~كما رأيت؛ لذلك لا تشغل عمارة مكة منه إلا أقله، فأما ما وراء عمارة مكة إلى أعلام ~~الحرم فذلك ظاهر مكة، ويعتبر أكثره من ضواحيها، وهو بعد بادية تتداول فيها الجبال ~~والأودية تداولها في كثير من جهات البادية، وقل أن تترامى فيه الصحراء تراميها في ~~سائر أرض تهامة مما يلي البحر. # وهذا التداول بين الجبال والأودية وما يكون أحيانا من ترامي الصحراء يجعل ظاهر مكة ~~متغيرة ألوانه بتغير اتجاهه إلى الشرق أو الغرب أو الشمال أو الجنوب، أضف إلى ذلك أن ~~به من الأماكن الأثرية على التاريخ ما جعلني أحرص على أن أجوس خلاله وعلى أن أقف على ~~أسراره، وما وقفت عليه من مظاهره وأنبائه المتصلة بسيرة الرسول وبتاريخ الأيام الأولى ~~التي سبقت الإسلام والتي عاصرته هو الذي أدى بي إلى كتابة هذا الفصل، كما أدى بي ~~إلى كتابته ما أدركته من وحي البادية إلى العرب الأولين فيما خلفوا لنا من صور الشعر ~~وأخيلته. # أقرب أعلام الحرم إلى مكة علما التنعيم، ويخرج الإنسان إلى التنعيم من مكة في طريق ~~القوافل إلى المدينة، وقد أطلق على هذا المكان اسم التنعيم لاعتبارات تاريخية يسوقها ~~واضعو تاريخ مكة ويختلفون عليها، وأشهرها أنه يقع بواد يقال له: نعمان محصور بين ~~جبلين اسم أيمنهما ناعم واسم الأيسر نعيم. # ولعل أشهر حادث في تاريخ جهاد المسلمين على عهد النبي وقع عند التنعيم مقتل خبيب ~~بن عدي، وخبيب أحد المسلمين ms244 الستة الذين بعثهم النبي من المدينة في السنة الثالثة ~~من الهجرة إجابة لطلب رهط من هذيل ليعلموهم شرائع الإسلام ويقرئوهم القرآن، ~~وسار خبيب مع الرهط حتى بلغوا ماء لهذيل بالحجاز بناحية تدعى الرجيع، هنالك خرج ~~عليهم من هذيل رجال بأيديهم السيوف وأرادوا أن يذهبوا بهم إلى مكة أسرى، فأبى المسلمون ~~وقاتلوا هذيلا حتى قتل أربعة منهم وأسر الرجلان الباقيان، وأحدهما خبيب بن عدي، ~~وذهبت هذيل بهما فباعتهما من قريش، إذ كانت لا تزال في نشوتها بيوم أحد. # أما صاحب خبيب فقتل بمكة، وأما خبيب فخرج به القوم إلى التنعيم ليصلبوه، وصلى ~~ركعتين ثم رفعوه إلى خشبة وأوثقوه إليها، فنظر إليهم بعين فيها الغضب وصاح: «اللهم ~~أحصهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تغادر منهم أحدا.» وأخذت القوم الرهبة من ~~صيحته، فاستلقوا إلى جنوبهم حذر أن تصيبهم لعنته ثم أنهضهم البغي فقتلوه وهو ~~موثق مكانه. # أما الذكريات الدينية المتصلة بالتنعيم فأشهرها عمرة عائشة أم المؤمنين، روي عن ~~النبي أنه قال لعبد الرحمن بن أبي بكر الصديق: «أردف أختك عائشة - فأعمرها ~~من التنعيم، فإذا هبطت بها الأكمة فمرها فلتحرم فإنها عمرة متقبلة»، وفعل ~~عبد الرحمن، وأحرمت عائشة من التنعيم وطافت وسعت بعمرة، وقد بني مسجد هناك باسم مسجد ~~عائشة، ذكر صاحب مرآة الحرمين أن آخر من جدده السلطان محمود في سنة 1011ه، وخلف ~~المسجد حوض لخزن المياه، وصهريج كبير قديم كان يمتلئ من السيول ويتوضأ منه المعتمرون، ~~ثم تخرب فأصلحه الوزير سنان باشا في سنة 978ه، وأصلح بئرا قريبة منه وأقام عليها ~~ساقية، لكن الصهريج والبئر أهملا وعفت عليهما يد الزمن. # ولما بنى عبد الله بن الزبير الكعبة بعد مهاجمة الحصين بن نمير قائد يزيد بن معاوية ~~إياه وتوهينه البيت، خرج مع أهل مكة في ليلة الإسراء في السابع والعشرين من شهر رجب ~~لسنة أربع وستين من الهجرة، فأحرموا من التنعيم وذبح مائة بدنة، وذبح كل واحد على ~~قدر سعته، وقد بقيت هذه عادة أهل مكة إلى اليوم. # والمقيم بمكة إذا فرض الحج أحرم ms245 من بيته بمكة ثم صعد إلى عرفات وعاد بعد الحج فطاف ~~وسعى، ذلك أن الحج عرفة، فالإحرام للحج إنما يكون من مكة، إلا حاج جاءها يسوق هديه معه، ~~أما من اعتزم العمرة وهو مقيم بمكة فقد وجب عليه أن يغادر مكة إلى الحل فيحرم منه، ~~والتنعيم أفضل أعلام الحرم بعد الجعرانة؛ ذلك أن عائشة أحرمت معتمرة من التنعيم، أما ~~الجعرانة فقد أحرم منها رسول الله بعمرة، على ما ورد في كثير من الروايات. # ويقع التنعيم اليوم بظاهر مكة على الطريق إلى المدينة كما قدمنا، ويمتد الطريق بعد ~~التنعيم إلى وادي فاطمة مارا بسرف حيث بنى رسول الله بميمونة بعد عمرة القضاء، ~~وتذهب أنباء السلف إلى أن قرية تدعى يأجج كانت قائمة عند التنعيم، كما أن سرف ~~كانت قرية كذلك، فأما اليوم فليس عند التنعيم غير العلمين، علمي الحرم، وليس عند سرف ~~شيء يدل عليها غير مسجد ميمونة، وأنت تسير من مكة إلى وادي فاطمة فلا تكاد ترى مظهرا ~~لحياة فيما قبل هذا الوادي، بل تحيط بك الجبال والأودية منسابا بينها الدرب الذي تسير ~~فيه القوافل صوب المدينة، وهذه القوافل تكثر أيام الحج كثرة تجعلك تلقاها كلما خرجت إلى ~~هذا الطريق. # ويذهب أهل مكة إلى التنعيم كما يذهبون إلى الشهداء والزاهر للرياضة، والطريق إليها ~~ميسور في السيارة، ولقد ذهبت إليها غير مرة أستمتع بهواء الصحراء الصفو ساعة المغيب، ~~كما ذهبت بعدها إلى سرف وإلى وادي فاطمة، فرأيت من حياة الصحراء ومن حياة البادية غير ~~ما رأيت من حياة الصحراء في مصر، وما كان مقدمة لما رأيت من حياة البادية بالطائف وفيما ~~حول المدينة، وقد كشفت لي حياة البادية هذه من وحيها لشعراء العرب في الماضي ما لم ~~تكشف الكتب التي درست فيها الأدب العربي، فبدت لي معانيه في وضوح شعرت به مذ رأيت ~~حياة البادية بعيني وأحسستها بجوارحي إحساس بدوي يسير مع أهل الحجاز ويعيش عيشهم، ~~ولقد آمنت بعد الذي رأيت من ذلك بأن الشعر ثمرة بيئته حقا، وأن الفن والأدب ms246 هما ~~أصدق صورة للبيئة التي ينشأان فيها. # لي بمصر صديق مدله بالأدب شديد الإعجاب بأبي نواس كثير الترديد لبيت له يتهكم ~~فيه بشعراء العرب الأولين، ذلك قول ابن هانئ: # قل لمن يبكي على رسم درس # واقفا، ما ضر لو كان جلس؟! # وكنت أشارك صديقي في الإعجاب بهذا البيت وبدقة النكتة وبالتهكم اللاذع فيه، فلما ~~خرجت إلى التنعيم ثم إلى سرف وإلى وادي فاطمة ورأيت القوافل متجهة صوب المدينة ورأيت ~~إبلا تنقطع عن القافلة وتسير فرادى وعلى هون، ذكرت هذا البيت من شعر أبي نواس فلم ~~يثر مني إعجابا ولا طربا، بل سخرت منه ومن أبي نواس، فهذه البادية المترامية ~~الأطراف يرتحل أهلها البدو من مكان إلى مكان، يضربون خيامهم إذا نزلوا، فإذا ارتحلوا ~~درس رسمهم، ليس فيها معنى أبعث للتشوق وللحنين من هذه الرسوم الدوارس، كانت إلى ~~أمس عامرة بمن جاء إليهم هذا السائر على بعيره يحث مطيته من بعيد وقد براه الشوق إلى ~~محبوبته، وها هو ذا يراها اليوم خلاء تحمل أهلها ولم يتركوا بعدهم أثرا، ماذا تراه ~~يصنع وقد ذهب أمله في لقاء المحبوب هباء؟ أفيجلس ليبكي؟ أم هو يقف ساعة ثم يستحث ~~بعيره قافيا أثر هؤلاء الذين جاء في طلبهم، وليس أمامه في هذه الساعة التي يقف فيها من ~~يتحدث إليه أو من يسائله إلا هذا الرسم الدارس يبث له شوقه ويعلن إلى صمت البادية ~~عنده وجده؟! وهو فيما يفعله من ذلك صادق العاطفة بليغ التعبير عنها. # من عيون قصائد الشاعر الفرنسي «لامارتين» قصيدة البحيرة، وأبدع ما في هذه القصيدة ~~تحنان الشاعر لأيام كانت تجيء فيها محبوبته إلى شواطئ هذه البحيرة، بحيرة ليمان، ~~فتقف معه عندها، ويستلهمان معا وحيها، وتوحي إليه هي مزيدا من المتاع بجمالها، ~~والبادية والرسم الدارس فيها، والحنين إلى من تركوا وراءهم هذا الرسم حين ارتحلوا، ~~والشدو بما خلفوا وراءهم في قلب المحب من لوعة، لا يقل في بهاء روعته الشعرية عن ~~البحيرة وموجها والجبال المحيطة بها والسماء المطلة عليها، فإذا تحدث بعد ذلك ms247 عن هذه ~~الرسوم الدوارس من لم يشهدها، بل تحدث عنها مقلدا، فمثله في ذلك كمثل من ~~يتحدث عن البحيرة مقلدا «لامارتين» من غير أن يشعر بشعوره ، أما وحي البادية البديعة في ~~صفاء جوها ورهبة صمتها وموج رملها وتتابع هضابها وجبالها، فمما يلهم الشاعر الصادق ~~العاطفة عيون الشعر وغرر الصور والإحساس والمعاني. # اجتازت السيارة بنا يوما علمي التنعيم قاصدة وادي فاطمة، وظلت في مسيرها حتى بلغت ~~بنا سرف ووقفت منه عند مسجد ميمونة أم المؤمنين، وقل من يعرف اليوم اسم «سرف» أو ~~يطلق على المكان اسما غير مسجد ميمونة، فقد درس هنالك كل ما سوى المسجد، ولم يبق من ~~المسجد إلا أطلال دوارس، وتخطت السيارة القوافل القاصدة إلى المدينة وانفسح أمامنا واد ~~تموج جنباته بالرمال وتقوم الهضاب على جانبيه، وتمهلت السيارة حينا، فأدرت البصر ~~فيما حولي، ما أجمل هواء الصحراء! وما أجمل هذا الفضاء المترامي صمته فلا نسمع فيه ~~هسيسا أو نبأة! # كم مر ها هنا من أقوام لم يذروا من بعدهم أثرا نذكره، وكان لهم على الحياة من فسيح ~~الأمل ما لنا اليوم، وسنقضي كما قضوا، وسيمر بعدنا من يقول عنا ما نقوله عمن ~~قبلنا، لكن التاريخ لا ينسى قوما مروا بهذا المكان آتين من المدينة معتمرين يريدون بيت ~~الله ثم صدهم المشركون عنه وكادت الحرب تنشب بينهم حتى عقد رسول الله معهم عهد ~~الحديبية، ولكن التاريخ لا ينسى هؤلاء القوم حين جاءوا بعد ذلك بعام فدخلوا مكة وطافوا ~~بالبيت وأتموا مناسك عمرة القضاء وأقاموا بمكة ثلاثة أيام والرسول على رأسهم، ولا ينسى ~~أن قريشا جلت أثناء هذه الأيام الثلاثة عن مكة نزولا عن حكم العهد الذي وقع ~~بالحديبية في العام الذي قبله، وبعد ثلاثة الأيام خطب رسول الله ميمونة إلى عمه العباس، ~~ثم جاء بها بلال إلى سرف فبنى محمد في خيامه بها، والتاريخ لا ينسى عشرة آلاف من ~~المؤمنين جاءوا بعد ذلك بسنتين ومحمد على رأسهم يغذون السير ليفتحوا مكة، فيدخلونها ~~ولم يلتحموا في حرب ولم يسفكوا دما. ms248 # والتاريخ لا ينسى بعد سنتين أخريين مائة ألف من المسلمين مروا بهذا المكان ~~والرسول على رأسهم وقد فرضوا حج البيت على أنفسهم، ولا ينسى طوافهم وسعيهم ووقوفهم ~~بعرفة وقضاءهم مناسك الحج جميعا، نعم! لا ينسى التاريخ أولئك المسلمين الأولين الذين ~~مروا بهذا الدرب آتين من المدينة؛ لأنهم هم الذين فتحوا مكة، وهم الذين قضوا على عبادة ~~الأوثان، وهم الذين أقروا التوحيد في العالم، ونحن الذين نسير اليوم في عشرات الألوف ~~وفي مئات الألوف من كل عام متخذين هذا الدرب الذي مروا به طريقنا بين مكة والمدينة إنما ~~نسير على نهجهم، نبتغي أداء فرض الحج ليغفر الله لنا ذنوبنا، لا نريد بمسيرنا غزوا ولا ~~فتحا، ولا نخاف أن تصمد قريش لقتالنا لتصدنا عن بيت الله، ما أعظم الفرق بين مسيرنا ~~ومسير أولئك المسلمين الأولين! هو الفرق بين المجاهد الذي يفتح الطريق عنوة، مخاطرا ~~بحياته، غير مبال يتم أولاده وحزن ذويه وشقاءهم، ومن يسير في الطريق الذي عبده ~~المجاهد، لا يخشى أن يصيبه من بأساء الحياة وضرائها إلا ما يصيب غيره، دون أن يكون له ~~في ذلك فضل الجهاد وفضل الإقدام. # وحين بلغنا سرف نزلنا من السيارة وزرنا مسجد ميمونة، وهو قائم اليوم وسط الصحراء في ~~عزلة الناسك، إلا أن يزوره من يقصد إلى زيارته، فأما قبل أن يحل النجديون بالحجاز ~~ويتولوا حكمه فقد كان أهل مكة يزورون هذا المسجد زرافات ويقيمون حوله ويشربون من ~~البئر المقابلة لبابه في الثالث عشر من شهر صفر من كل عام، وكانت أنباؤهم تدعو كثيرين ~~من الحجيج إلى زيارته تبركا بقبر أم المؤمنين ميمونة، فلما حل النجديون بالحجاز ~~واحتلوا مكة كانت القبة القائمة على هذا القبر بعض ما هدموا، وكان تحريم زيارة القبر ~~والتبرك به بعض ما صنعوا؛ لذلك انصرف الناس عن زيارة القبر والمسجد، وأصبح هذا المكان ~~خلاء لا يكاد ينزله إلا من قصد إلى الوقوف عنده ومعرفة أمره. # ومسجد ميمونة أفسح من مساجد مكة، وهو خير منها نظاما وأجمل بناء، وجدرانه من الخارج ~~تشهد ms249 بأن عمارته ليست بالغة في القدم؛ فقد حاولت أن أقف على تاريخ بنائه فلم أجد في ~~الكتب القديمة شيئا عنه، وكل ما رواه الأزرقي في كتابه «أخبار مكة» عن قبر ميمونة ~~قوله: «قال أبو الوليد: وقبر ميمونة بنت الحارث الهلالي زوج النبي # صلى الله عليه وسلم # وهي خالة ~~عبد الله بن عباس، على الثنية التي بين وادي سرف وبين أضاءة بني غفار، ماتت بسرف ~~فدفنت هنالك.» وكانت وفاة الأزرقي في القرن الثالث للهجرة، ولم يذكر الأزرقي ولا ذكر ~~الذين جاءوا من بعده ممن دونوا تاريخ مكة ما يدل على وجود مسجد على قبر ميمونة في ~~أيامهم؛ فلا عجب أن يكون المسجد قد استحدث في عهد متأخر، وأن تكون القبة قد بنيت على ~~القبر للتبرك في العصر الذي أصبح التبرك بالقبور وبناء القباب فوقها والمساجد حولها بعض ~~ما يؤمن به جماعة من المسلمين. # ويرتفع مسجد ميمونة عما أمامه من أرض البادية، ولكنه يتصل في ارتفاعه بما خلفه ~~من هضبة، لا ريب أنها الثنية التي أشار إليها الأزرقي إن كان المسجد قد بني فوق القبر ~~حقا، وأغلب الظن أنه بني فوقه، ويصعد الإنسان إلى باب المسجد بضع درجات فيجد الجدر ~~مما حوله أرفع من جدر مساجد مكة، ويرى في شرف البناء حلية من أقواس صغيرة متتابعة تعيد ~~إلى الذاكرة الطراز العربي، ثم يرى أمامه عقدين من ورائهما المحراب، ومن وراء المحراب ~~القبر مكشوفا إلى السماء بعد أن هدمت القبة التي كانت فوقه، وليس يفرش أرض المسجد حصير ~~ولا فرش أيا كان نوعه، مما يدل على أنه غير مقصود، فشأنه في ذلك شأن غيره من المساجد ~~خلا المسجد الحرام. # وعدنا إلى السيارة فانطلقت بنا في الطريق بين المسجد والبئر، وبلغت بنا وادي فاطمة ~~بين العصر والمغرب، تباركت ربي! هذا اليوم الذي جئنا فيه إلى هذا الموضع هو يوم السبت ~~الرابع عشر من شهر مارس، ثمانية عشر يوما قد انقضت إذن منذ غادرت مصر. وها أنا ذا ~~لأول مرة من يومئذ أشعر بنشوة الطرب ms250 لمرأى الخضرة الناضرة والزرع البهيج، نعم! فالوادي ~~الذي كان أجرد قاحلا قد استحال جنة يانعة تجري فيها جداول المياه، وتقوم على جانبيها ~~زروع مختلفة من نبات وشجر، وتتنفس خضرتها عن ابتسامة عذبة تهون من وحشة الرمال ~~والهضاب التي كانت تحيط بي مذ هبطت الحجاز، لقد شعرت لمرأى النبات في هذا الوادي كأنما ~~وجدت شيئا فقدته، وأحسست ما يحسه أبناء مصر - بلد الخصب والنماء - من الشوق والوحشة ~~إذا التمسوا مظاهر الخصب والنماء فلم يجدوها! وعلى حافة وادي فاطمة قامت أكواخ كأكواخ ~~أهل العزب من سكان مصر، وأحسن أبناء هذه الأكواخ استقبالنا حين سرنا في حذر على ~~حافة الجدول نستنشق عبق الخضرة والحياة، فجاءوا لنا برداء جلسنا عليه، ودعونا إلى ~~قهوة اعتذرنا عنها شاكرين، ووضعت في الجدول يدي وأنا بمجلسي على الرداء كأني في ريب من ~~مسيل الماء فيه، أو أني أردت أن أضيف إلى شعوري المعنوي بالمسرة شعورا ماديا بمصدر ~~هذه المسرة، وجاء أحد الغلمان من أهل الوادي بأبراج من قطن قيل لنا: إنهم يزرعونه، ~~وذكروا لنا أنهم يبعثون بالكثير مما ينبتون من الخضر إلى مكة، وأما ما ينبتون من ~~الفاكهة فقليل. # وأقمنا زمنا على حافة الجدول، ثم قمنا ندور في أنحاء هذه الحقول حتى آذنت الشمس ~~بالمغيب، هنالك استأذنا القوم وعدنا إلى سيارتنا فأقلتنا إلى مكة، ولشد ما كان ~~اغتباطنا حين سمعنا ونحن على مقربة من التنعيم غناء مصريا تردده قافلة تقصد ~~المدينة على طريقة غناء الحجاج، فلما جاوزنا التنغيم ألفيتني فرح القلب بما رأيت من ~~ماء وخضرة وما سمعت من غناء، وإن كان الماء جدولا وكانت الخضرة قليلة ولم يكن في ترجيع ~~الغناء من سبب للطرب إلا أنه مصري، ما لي لا أقنع بالقليل يوم أحصل عليه؟! بل ما لي لا ~~أجد فيه غاية النعمة ولذاذة العيش؟! أليس هذا القليل خيرا من كثير تغص به النفس؟! ~~وكثيرا ما يورثها الملال. ~~••• # أدنى أعلام الحرم إلى مكة بعد التنعيم علما الحديبية وعلما الجعرانة، وقد ~~مررت بعلمي الحديبية ليلا حين مجيئنا من ms251 جدة إلى مكة أول ما وصلنا الحجاز محرمين، ~~ثم مررنا بهما بعد ذلك نهارا في طريقنا من مكة إلى جدة لنتخذ طريقنا منها إلى المدينة، ~~والطريق بين مكة وجدة عامر بالمارة أكثر مما سواه من الطرق؛ لكثرة المتنقلين بين ~~البلدين من أهل الحجاز، بله الحجاج؛ لذلك يمر الإنسان في الطريق من مكة إلى الحديبية ~~بمشرب قهوة يقف عنده بعضهم إذ يخرجون من مكة يستنشقون هواء الصحراء، فأما ما بعد مشرب ~~القهوة فالرمال والهضاب حتى نصل الحديبية، هنالك يجد الإنسان فندقا من الفنادق التي ~~أقامتها حكومة الحجاز لينزل بها من شاء، واسم الفندق أدنى هنا إلى المجاز منه إلى ~~الحقيقة، فتلك منازل قائمة في الصحراء بها غرف ضيقة، في بعضها فرش لمن أراد النوم، ولعل ~~فندق الحديبية من خيرها، ومن بعد الفندق وعلى مسافة غير قليلة منه يجد الإنسان مسجد ~~الرضوان، وهو مربع مكشوف نصفه إلى السماء، مسقوف نصفه الآخر بعقود الحجر تقوم على ثلاثة ~~عمد، وقد كتبت بأعلى محرابه هذه العبارة: «هذا مسجد بيعة الرضوان، مأثرة من مآثر ~~حبيب المنان، عمره الفقير إلى رحمة الرحمن، المغفور له السلطان محمود خان سنة ~~1254ه.» # وتجري الرواية بأن هذا المسجد أقيم في الموضع الذي كانت تقوم فيه الشجرة التي بايع ~~المسلمون رسول الله تحتها بيعة الرضوان، وقد أمر عمر بن الخطاب بقطع هذه الشجرة من خوف ~~أن يفتتن المسلمون بها لورود ذكرها في القرآن فيتخذوا منها منسكا من المناسك ~~يحجون إليه، وكان عمر - رضي الله عنه - حريصا غاية الحرص على أن يظل التوحيد في ~~صفائه لا تشوبه شائبة، ولا يرضى أن يسبغ المسلمون على هذه الأماكن من التقديس ما ~~يخاف معه الشرك، ولا يرضى أن يكون التقديس لمكان غير بيت الله، وألا يحج المسلمون ~~إلا إياه. # ولقد وقفت عند مسجد الرضوان هذا، وجعلت أصور لنفسي موقف المسلمين الذين صحبوا ~~محمدا قاصدين العمرة، ثم بايعوه في هذا المكان على جهاد المشركين، وأذكر ما كان من ~~سياسة محمد مع ذلك وحرصه على السلم حتى كان ms252 عهد الحديبية فتحا مبينا، فقد جاء ~~المسلمون معه يريدون الطواف بالبيت معتمرين، فلما سمعت قريش بمسيرهم قررت أن تحول ~~دون دخولهم مكة، حتى لا يقال: دخلها محمد عليهم عنوة، وعقدت لخالد بن الوليد وعكرمة بن ~~أبي جهل على جيش يبلغ عدد فرسانه وحدهم مائتين، وتراءى الجمعان، وأبدى المسلمون ~~استعدادهم للقتال، ولكن النبي لم يخرج غازيا بل خرج حاجا، وهو قد خرج مسالما لا ~~يريد حربا؛ لذلك انحرف بمن معه عن طريق مكة وساروا حتى بلغوا الحديبية وهنالك نزلوا، ~~وأوفدت إليه قريش من يسأله: ما الذي جاء به؟ ولم يعجب قريشا أن اقتنع رسلها بأنه ~~جاء حاجا لا يريد حربا، بل أوفدت غيرهم ثم غيرهم. # ورأى رسل قريش تحفز المسلمين للحرب لولا حرص النبي على السلم، لكنهم لم يستطيعوا ~~إقناع أهل مكة بما رأوا، هنالك أرسل النبي عثمان بن عفان سفيرا إلى أهل مكة، وغاب ~~عثمان عندهم حتى ظن المسلمون وظن النبي أنه قتل، وعظم عليه هذا الغدر من قريش، فدعا ~~أصحابه إليه وقد وقف تحت شجرة في الوادي فبايعوه جميعا على ألا يفروا حتى الموت، ~~وهنا كانت بيعة الرضوان تحت الشجرة، ولما أتم القوم البيعة ضرب - عليه السلام - بإحدى ~~يديه على الأخرى بيعة لعثمان كأنه حاضر معهم بيعة الرضوان، وإن المسلمين لينتظرون يوم ~~الظفر أو يوم الاستشهاد إذ علموا أن عثمان لم يقتل، ثم جاءهم عثمان يروي نبأ قريش ~~وأنهم أيقنوا أن النبي وأصحابه إنما جاءوا حاجين معظمين للبيت، لكنهم وقد تأهبوا للقتال ~~لا يستطيعون أن يدعوه يدخل مكة أو تتحدث العرب بأنه دخلها عنوة بعد أن هزمهم، وبذلك ~~تسقط في نظر العرب مكانتهم؛ لذلك هم يصرون على موقفهم منه، موقف الخصومة إلى أن ~~يجدوا من خوف العار مخرجا، وتفاوض رسل قريش مع الرسول وانتهوا إلى عهد الحديبية أن ~~تتهادن قريش والمسلمون، وأن يرجع محمد وأصحابه عن مكة هذا العام على أن يعودوا إليها في ~~العام الذي يليه فيدخلوها ويقيموا بها ثلاثة أيام. # جعلت وأنا بموقفي من مسجد الرضوان أصور ms253 لنفسي هذا الموقف من مواقف رسول الله، ~~فيبلغ مني الإعجاب بالحكمة السياسية التي أملت عليه خطته، والتي جعلته يرغب عن القتال ~~ويحرص على السلم، ويبلغ من ذلك حتى يغضب عمر بن الخطاب - على قوة إسلامه وعظيم إيمانه، ~~ثم تشهد الحوادث بأن خطته كانت الحكمة حقا، وأن ما أغضب عمر وكثيرين من أصحاب ~~الرسول من طول أناته، وعظيم صبره، وجميل محاسنته لخصمه، إنما كان الفتح المبين الذي ~~مهد للإسلام أن يزداد انتشارا وللمسلمين أن يفتحوا مكة بعد عامين اثنين من صلحهم، ~~وكذلك كان عهد الحديبية حجرا لا ينقض في سياسة الإسلام والمسلمين. # وتقع الجعرانة إلى الشمال الشرقي من مكة، على حين تقوم الحديبية إلى الغرب المنحرف ~~شمالا منها، ويقع طريق التنعيم وسرف ووادي فاطمة وما وراء ذلك فيما بين الحديبية ~~والجعرانة، والذاهب إلى الجعرانة ينحرف عن طريق السيارة إلى الطائف مغربا إلى ~~الشمال بعد أن يبلغ من طريق الطائف منتصف ما بين حراء والشرائع، ولا يشير كثيرون إلى ~~الجعرانة على أنها من أعلام الحرم؛ لأنها لا تقع على طريق متصل بما وراء الحجاز من ~~بلاد يقام لأهلها ميقات الحل؛ كي يحرموا عنده حين مجيئهم إلى مكة معتمرين، لكن ما ~~بقي للجعرانة على التاريخ من ذكر، وما كان من إحرام الرسول # صلى الله عليه وسلم # منها عام حنين ~~إحرام العمرة، قد جعلها أفضل مكان في حرم مكة للإحرام بالعمرة؛ من ثم كان الحديث عن ~~حرم مكة وأعلامه لا يتم إلا إذا تناول الجعرانة، وكان المؤرخ الذي يسير في أثر الرسول ~~وينسى الجعرانة قد نسي موقعا في تاريخ الإسلام مذكورا، وهذا ما استحثني للذهاب ~~إليها والوقوف عندها والشرب من مياه بئرها، والتصعيد في الهضاب المحيطة بها. # روى الأزرقي في «تاريخ مكة» أن النبي لما غزا حنينا وحاصر الطائف ثم رجع منها ~~انثنى في طريقه نحو مكة إلى الجعرانة، «فقسم بها مغانم حنين في ذي القعدة ثم دخل مكة ~~ليلا معتمرا فطاف بالبيت وبين الصفا والمروة من ليلته، ومضى إلى الجعرانة فأصبح بها ~~كبائت، ms254 فأنشأ الخروج منها راجعا إلى المدينة، فهبط من الجعرانة في بطن سرف»، حتى ~~لقي طريق المدينة من سرف، وذكر الفاسي في «شفاء الغرام» أن النبي أحرم من المسجد الأقصى ~~الذي تحت الوادي بالجعرانة، ولم يجز الوادي إلا محرما، وذلك لاثنتي عشرة ليلة بقيت ~~من ذي القعدة، وأن أهل مكة يحرمون كل عام من الجعرانة ليلة سبع عشرة من ذي القعدة، ~~وربما أحرموا منها العشي في السابع عشر إذا خافوا من الإقامة بها إلى الليل. # وبالجعرانة مسجد يقابل البئر، وهو مسجد من طراز مساجد مكة، وقد ذكره الأزرقي في ~~تاريخه، فدل بذلك على قدمه، وأضاف أن عمرة النبي قد كانت من المكان الذي يقوم ~~المسجد اليوم به، وأنه خرج في عمرته هذه إلى مكة ليلا وأصبح بالجعرانة كبائت؛ لذلك ~~خفيت هذه العمرة على كثير من الناس. # ومسجد الجعرانة اليوم أدنى إلى أن يكون أثرا، أما بئرها فمعني بها، أقيم بناء ~~مستدير حول فوهتها، وعلقت فيها دلو يشرب الناس منها، وذلك أن ماء هذه البئر عذب ليس ~~كمثله بمكة ماء، والموسرون من أهل مكة يؤثرونه على ماء زبيدة ويجيئون به إلى دورهم؛ ~~لأنه أصلح من كل ماء غيره، وأشهد إنهم لصادقون، فلطالما شربت من هذا الماء بمنزل مضيفي ~~فلذت لي عذوبته وأعجبتني رقته. # والطريق من مكة إلى الجعرانة طريق صالح للإبل وللسيارات جميعا، يخرج الإنسان من ~~مكة حتى يحاذي حراء ويكون في أول طريق منى، هنالك ينعطف يسرة بين الجبال دائرا حول ~~حراء، ولقد استمهلت السائق فسار مبطئا في هذا المنعرج كيما أملأ ناظري من جبل النور ~~في عزلته، ولما أكن قد صعدت إليه، وكان لي بالوقوف أمامه وبالتحديق فيه من الشغف ما ~~ازداد بعد أن وقفت أمام الغار الذي نزل الوحي الأول على الرسول فيه. # ثم انبعثت السيارة في طريقها بين الجبال حتى نفذت بنا إلى فرجة واد ضيق نمت فيه ~~أعشاب اتخذت منها الإبل مرعاها، فهي تمرح منها في كلأ تجد فيه الشبع والنعمة، وهي تسير ~~أسرابا في رعيها لا ms255 يحول بينها وبينه وعث الطريق ولا التصعيد في الجبال، ولشد ما ~~كانت دهشتي حين رأيت بعضها يتسلق الهضاب إلى قممها يبحث فيها عن أسباب العيش! فقد ألفيت ~~جمالنا في مصر رقيقة العظم على ضخامتها، حتى ليبلغ أحدها حجم اثنين من جمال ~~الحجاز، ورقة عظمها تدعو للإشفاق عليها أن يصيبها مكروه إذا زلقت في اليوم المطير، ~~أو هفت خطوتها عند قناة، أو ارتطمت بحجر، فأما هذه القطعان من إبل الحجاز فتسير أسرابا ~~وتجري أفرادا وتتسلق الجبال ولا يأخذ الإشفاق عليها راعيها، ولعلها كذلك تفعل لأنها ~~نشأت في أحضان الطبيعة معتمدة على ذاتها؛ فالبادية بيئتها، وهي تعيش فيها كما يعيش ~~الإنسان في داره، أما بيئتنا المصرية في الوادي فالجمل فيها ضيف على دواب الحمل ~~الأخرى، وإن يكن سفينة صحارانا كما أنه سفينة صحراء العرب، وكيف لا تعتمد هذه الإبل في ~~بلاد العرب على نفسها في تسلق الجبال والتماس الكلأ بين الصخور وليس لديها سبب غير ذلك ~~من أسباب العيش؟! والجبال في البادية تتصل بالأودية ويتصل بعضها ببعض، فهي محيطة بهذه ~~الإبل حيثما توجهت وأنى سارت. # ولقد أحاطت بنا هذه الجبال طول الطريق إلى الجعرانة، فما تكاد تنفرج إلى أفسح من ~~الطريق إلا في أماكن قليلة، مع ذلك تتابعت أسراب الجمال تسير عشرات وعشرات، وتسير ~~مطمئنة لا تزعجها السيارة ولا تدعوها إلى الفرار لطول ما ألفتها في السنوات ~~الأخيرة، وتياسرت السيارة بعد مسير ساعة فإذا واد فسيح ينفرج أمامنا ويمتد النظر في ~~فسحته إلى حيث يشاء، ذلك وادي الجعرانة، وانكشف لنا المسجد، وتبدت لنا فوهة البئر، ~~ووقفت السيارة بينهما، فأسرع إلينا صغيران ينتظران الخير من مجيئنا ومن وقوفنا. # وزرت المسجد، وشربت من ماء البئر، ووقفت أسرح الطرف فيما حولي وأستعين بمنظاري ~~المقرب أرى به ما يكسو قمم الجبال من كلأ لا يفل من حدة عبوسها، وماذا عسى أن ~~يكشف المنظار عنه غير هذا الكلأ وليس هاهنا إلا رمال الوادي والجبال المحيطة به؟! ~~وقصدت هضبة على مقربة من المسجد صعدت فيها حتى بلغت منتصفها، ms256 ثم درت بالمنظار كرة ~~أخرى فيما حولي فلم أر غير ما رأيت من قبل، ولم أر في صخور هذه الجبال شيئا يلفت ~~النظر. # وسألت صاحبي: ألهذا المكان موسم يقصده الناس فيه كما كانوا يقصدون أسواق العرب قبل ~~الحج إلى مكة؟ قال: إنهم يخرجون إلى هذا المكان في شهر رمضان فيحرمون بالعمرة؛ ذلك لما ~~روي عن النبي - عليه السلام - أنه قال: «عمرة في رمضان تساوي حجة معي.» كذلك كانوا ~~يفعلون قبل حكم الإخوان، ولا يزالون كذلك يفعلون وإن كانوا أقل على هذه العمرة ~~إقبالا. # وسألته في هذا الحديث وروايته عن النبي، فابتسم وقال: لعلك تحسبه من روايات المكيين ~~مما يجذبون به الغلاة في الدين إلى مدينتهم، أما أنا فلا أحقق سنده، لكني أحسبه ~~يرجع إلى الأسوة بالنبي في عمرته من الجعرانة بعد عودته من الطائف، وإن كان هذا ~~الحديث يجعل العمرة في شهر رمضان، وكانت عمرة الرسول من الجعرانة في ذي القعدة، ولئن ~~صح ظنك ليكونن قصد رواته أن يباعدوا ما بين عمرة شهر رمضان والحج ليجعلوهما ~~موسمين، بدل أن تجتمع العمرة والحج في موسم واحد. # قلت: لك رأيك، ولكنني أفكر الساعة في المسلمين الذين عادوا يقتسمون ها هنا فيء حنين، ~~فالذين سمعوا حديث العمرة في شهر رمضان لا يزيدون على مائة أو بضع مئات، أما الذين ~~عادوا مع النبي من حصار الطائف فكانوا ألوفا بلغت العشرة أو زادت عليها، وكان الفيء ~~الذي جاءوا يقتسمونه هنا ستة آلاف من الأسرى، واثنين وعشرين ألفا من الإبل، وأربعين ~~ألفا من الشاء، خلا أربعين ألف أوقية من الفضة، أفشهد هذا الوادي في كل ما مضى من ~~تاريخه مثل هذا العدد من الناس ومن الإبل والشاء؟ ومحمد على رأس المسلمين يقسم بينهم ~~هذا الفيء، إذ جاءه وفد من أسلم من هوازن يرجونه أن يرد عليهم أموالهم ~~ونساءهم وأبناءهم، ويقول له أحدهم: «يا رسول الله، إن في الحظائر عماتك وخالاتك وحواضنك ~~اللواتي كن يكفلنك، ولو أنا ملحنا للحارث بن أبي شمر أو للنعمان بن ~~المنذر، ثم ms257 نزل بنا بمثل الذي نزلت به لرجونا عطفه وعائدته علينا، وأنت خير ~~المكفولين.» # كلا: ما عرف تاريخ الجعرانة كله يوما كهذا اليوم، وإن من الأرض لبقاعا جرداء ، ~~قل أن تصلح لمقام أو حضر، ثم يكون بها حادث يتغير له وجه التاريخ، فإذا هي علم ~~باق بين الناس ذكره، وإن عادت بعد هذا الحادث جرداء غير صالحة لإقامة أو حضر، وهل ينسى ~~الجعرانة من يعرف حنينا؟! وهل ينساها من يعرف سيرة محمد بن عبد الله، وهي اليوم ~~كما كانت على التاريخ، فيما خلا أيام حنين، واد غير ذي زرع، لا يستوقف النظر منه إلا ~~ما يحتفظ به من ذكرى أيام حنين! ولعلع لهذه البقاع من الأرض عزاء فيما تحتفظ به من هذه ~~الذكريات الخالدة عما تعانيه من عزلة وإمحال، كما أن من الناس من يجد في ذكريات ~~ماضيه من المجد ما يملأ حياته خيرا ألف مرة مما يملأ أكثر الناس الحياة به مما يثيرونه ~~فيها من ضجة وضوضاء. # جالت هذه الخواطر بنفسي وأنا بموقفي فوق الهضبة المجاورة لمسجد الجعرانة أجيل ~~بصري في هذا الوادي الخلاء اليوم وقد ملأته الذكرى بما أعاد إلى خيالي صورته يوم قسمة ~~الفيء مليئا بالحياة وضجتها، مليئا بالرضا والتذمر، وبالصفو والغضب، عفا رسول الله ~~عن نساء هوازن وأبنائها، فغضب لذلك رجال حديثو عهد بالإسلام، وأفشى محمد أعطياته في ~~المؤلفة قلوبهم من أهل مكة، فغضب المهاجرون والأنصار وتهامسوا، وبلغه الهمس، فوقف ~~مغضبا إلى جانب بعير فأخذ وبرة من سنامه فجعلها بين إصبعيه ثم رفعها وقال: «أيها ~~الناس، والله ما لي من فيئكم ولا هذه الوبرة إلا الخمس، والخمس مردود عليكم.» ولم يرض ~~عباس بن مرداس عن نصيبه الذي أخذه، فقال النبي: «اذهبوا به فاقطعوا عني لسانه.» ~~فأعطوه حتى رضي، فكان ذلك قطع لسانه، ويقول الأنصار بعضهم لبعض: «لقي والله رسول الله ~~قومه»، فيحدثهم النبي ويقول في ختام حديثه لهم: «ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب ~~الناس بالشاة والبعير وترجعون برسول الله إلى رحالكم؟! فوالذي نفس محمد بيده، ms258 لولا ~~الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس شعبا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب ~~الأنصار، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار»، فيتأثرون ويبكون ~~ويقولون : «رضينا برسول الله قسما وحظا.» # أية حياة كالحياة التي كان يموج هذا الوادي ذلك اليوم بها؟! لقد ارتسمت صورته في هذه ~~الساعة أمام خيالي فعج الوادي بمن فيه من الناس وما فيه من الإبل والشاء، وخلتني ~~أراهم جميعا، ترهق الذلة وجوه الأسرى، وتبدو العزة على وجوه المسلمين في حالي الغضب ~~والرضا، وخلت التاريخ مطلا من عليائه على هذا المشهد وكأنما قرأ في لوح القدر ما ~~ستتجه الأمة العربية إليه بعد أن مهدت هذه الغزوة لتوحيد صفوفها، وما ستقوم به من فتح ~~العالم ونشر الإسلام في ربوعه، ثم ما سيكون بعد ذلك من ثورات وتقلبات ومن انحلال وبعث، ~~حتى ينصر الله كلمته، ويعود الدين كله لله. # وناداني صاحبي فعدنا إلى السيارة فارتدت بنا صوب مكة، فلما بلغنا حراء كان الليل قد ~~أرخى سدوله، وكان القمر يحبو من ناحية المشرق، وكان النسيم صفوا عليلا، وقضينا ساعة ~~نتحدث ثم تواعدنا أن نزور وادي نعمان عصر اليوم التالي. # ووادي نعمان يقع بعد عرفة، والذاهب إليه يسلك طريق منى إلى المزدلفة فعرفات، ~~وكذلك فعلنا، فلما جاوزت السيارة بنا قصر الملك قال صاحبي: هلم بنا نقف عند مسجد ~~البيعة فإني لأظن العقبة الكبرى كانت عنده ولم تكن عند جمرة العقبة، ووقفت بنا ~~السيارة إلى يسار الطريق قبالة المسجد، فسرنا بضع عشرات من الأمتار حتى بلغناه، ~~وألفيناه مقفلا، فدرنا حوله، فدلتنا جدرانه على أنه مسقوف كله أو أكثره على ~~خلاف مساجد مكة، ورأينا شيئا يشبه الكتابة بظاهر محرابه، فحاولنا عبثا أن نقرأه، ويقع ~~المسجد الآن في فسيح من الأرض، تحيط الجبال بكل نواحيه إلا ناحية الطريق، مما يدل على ~~أن هذه الجبال نسفت نسفا، أو دكت دكا، لينكشف المسجد لمن يريد زيارته؛ لذلك ~~يتعذر على الإنسان أن يجد الشعب الذي تسلل إليه الأنصار جوف الليل من أيام التشريق ~~حين بايعوا ms259 النبي بحضرة عمه العباس بيعة العقبة الكبرى، وأغلب الظن أن يكون هذا الشعب ~~قد نسف فيما نسف من الجبال، وأن مسجد البيعة قام مكانه. # يرجح هذا الرأي ذهاب المسجد في القدم إلى القرن الثاني للهجرة؛ فقد ذكره الأزرقي ~~في كتابه «تاريخ مكة» وإن لم يصفه، وفي كتاب قطب الدين النهرواني «الإعلام بأعلام بيت ~~الله الحرام» ذكر لمسجد البيعة وبنائه، قال: # مسجد البيعة مسجد على يسار الذاهب إلى منى، بينه وبين العقبة التي هي حد ~~منى غلوة أو أكثر، وهو مسجد متهدم فيه حجران مكتوب فيهما ما يدل على ~~ذلك؛ في أحدهما: «أمر عبد الله أمير المؤمنين - أكرمه الله تعالى - ببناء هذا ~~المسجد، مسجد البيعة التي كانت أول بيعة بايع بها رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وعقدها ~~العباس بن عبد المطلب، وأنه بني في سنة 144ه.» والمشار إليه أبو جعفر المنصور ~~العباسي، وعمره أيضا المستنصر العباسي، كما في حجر آخر: «بناه في سنة ~~639.» وتلك الأحجار ملقاة بهذا المحل الخراب يخشى عليها الضياع فيندثر ~~هذا المسجد، وكان المرحوم إبراهيم دفتردار مصر سابقا أمين عرفات - رحمه الله - ~~شرع في تجديد هذا المسجد وأسسه وبنى بعض طاقاته وجدرانه، وتوفي إلى رحمة ~~الله قبل أن يتمه، وما وفق أحد بعده إلى الآن لإتمامه. # وهذا الذي ذكره النهرواني وذكره غيره ممن أرخوا مكة هو حجة القائلين بأن هذا المسجد ~~يقوم حيث كانت البيعة، وأن جمرة العقبة لا تؤرخ العقبة الكبرى، وإن أمكن أن تؤرخ العقبة ~~الصغرى أو العقبة الأولى، يؤيد ذلك أن البيعة الكبرى وقعت في أواسط أيام التشريق ~~بمنى حيث يجتمع الناس من مختلف بلاد شبه الجزيرة وهم لما يؤمنوا برسالة محمد، ويرون ~~مثل هذه البيعة حلفا لحربهم، ولقد حدث بالفعل بعد أن تمت هذه البيعة أن سمع ~~المسلمون صائحا يصيح بقريش: «إن محمدا والصباء معه قد اجتمعوا على حربكم.» وفي ~~رواية أخرى: «إن الأوس والخزرج بايعوا محمدا على أن ينصروه.» وقد فزعت قريش لما ~~بلغها من ذلك، وفزعها هو الذي جعلها تحسب لهجرة ms260 محمد من مكة ألف حساب، فمن الحق إذن أن ~~تكون البيعة قد تمت بعيدا عن مجتمع الناس بمنى، وذلك حيث يقوم اليوم مسجد ~~البيعة. # تقوم مساكن منى بعد هذا المسجد، ولقد تابعنا السير إليها ونحن نعلم أنها لم يبق بها ~~من ضجة الحج كثير ولا قليل، لكنني لم أكن أحسبها موحشة بمقدار ما رأيتها حين دخلناها، ~~لقد خلتها بلدا أثريا كمدينة «حابو» وما إليها من مدن الآثار بالأقصر، خيم ~~عليها سكون عميق كسكون البادية حيث لا حياة ولا أنيس، لا تسير فيها الإبل كما تسير في ~~طريق الجعرانة، فليس فيها للإبل مرعى، ولا تؤنسها القوافل إيناسها طريق المدينة، فلم ~~يبق للقوافل بعد أيام التشريق بها من حاجة، وكل ما بقي من أثر أيام النحر بعض مناضد ~~معدودة في مكان كان مقهى في الأيام المذكورة، وهو اليوم صفصف لا ترى فيه ~~إنسا. # وقفت السيارة أمام هذا المكان، ونادى صاحبي نداء من يطلب المعونة، وجاء غلام لا ~~أدري من أين خرج؟ فطلب إليه أن يجيئنا بمحمد علي، وانطلق الغلام، فذكر لي صاحبي أن ~~محمدا عليا هذا من أهل منى، وأن نسبه يرجع إلى قريش أجداد النبي، وأن قبيلته تقيم ~~ها هنا، ولعلها البقية الباقية حول مكة من هؤلاء العرب الأقدمين، وأضاف: وتقيم قبائل ~~بالطائف وبغير الطائف من أرض الحجاز تتسمى باسم قريش، ولست أدري مبلغ الصحة في ~~انتسابها إلى أجداد الرسول. # وأقبل محمد علي فلم أشك إذ رأيته في أني أرى قرشيا صميما، تبدو العروبة الخالصة ~~على محياه، أسمر السحنة، ذو عينين سوداوين شديدتي البريق، وشعر كث فاحم، ~~وأنف أقنى، وشفاه رقيقة، معتدل القامة، عريض الأكتاف، ينبئ مظهره عن رجولية بدوية ~~لا تعرف الإذعان ولم تعرف الحضارة، ترى أهو مثل لأهل قبيلته، فصورتهم صورته، ~~ورجوليتهم رجوليته؟ أما النساء، فلم أر منهن ما أحكم به على جمال كان فتنة لشعراء ~~العرب الغزليين. # وتقدمنا محمد علي مصعدا في الجبل القائم عن يسار الذاهب إلى عرفات، ووقف عند ~~صخرة مفلوقة من وسطها قال: إنها مجر ms261 الكبش، وإن سكين أبينا الخليل إبراهيم - ~~عليه السلام - أخطأت ابنه إسماعيل لما تله للجبين ليذبحه فمست الصخرة ففلقتها. ~~وتقوم على مقربة من هذه الصخرة صخرة أخرى أضخم منها يدور حولها طريق هو الذي تسلقنا ~~منه، هذا الطريق هو مجر الكبش حيث سار إلى إبراهيم ليذبحه فداء لإسماعيل، وكان في ~~هذا المكان مسجد عليه قبة يقال له: مسجد الكبش يؤمه الحجاج، فهدمه الإخوان ~~الوهابيون. # ورافقنا محمد علي إلى مسجد الكوثر ثم إلى مسجد الخيف، وذكر أن القبة التي تتخذ ~~مكبرية «مبلغة» بالخيف تقوم موضع الخيمة التي صلى بها النبي في حجة الوداع، ~~والتاريخ لا ينفي هذه الرواية، والثابت فيه أن المسجد لم يكن يومئذ كما هو اليوم، بل ~~كان خلاء تحيط به جدران بسيطة، وإنما استحدثت عمارته في القرن الثالث للهجرة بأمر ~~المعتمد الخليفة العباسي، ثم جدد بعد ذلك في القرن السادس، وأنفق أهل التقوى من ~~المسلمين مبالغ طائلة لصيانته، وفي القرن التاسع أمر سلطان مصر قايتباي فبني المسجد ~~كله من أساسه بناء محكما، وأقيمت القبة موضع مصلى النبي، وبنيت إلى جانبها مئذنة من ~~طراز مآذن مصر، كما بنيت مئذنة أخرى على باب المسجد، وقد عمر بعد ذلك مع بقاء بناء ~~قايتباي على أصله. # ويقع غار المرسلات بجبل ثبير إلى الجنوب من مسجد الخيف، وهذا الغار يسمى اليوم غار ~~الكوفية أو الطاقية، ويقص المطوفون أن النبي اختفى به فلان الحجر موضع رأسه ~~فدخلت طاقيته أو كوفيته فيه، وإنما سمي من قبل غار المرسلات لما يذكرونه من أن الله ~~أوحى إلى النبي سورة المرسلات فيه، وكان الحجاج يؤمونه للتبرك به، ويزدحمون عنده حتى ~~يبلغ ازدحامهم أشده، أما اليوم فقد قلوا نزولا على مذهب حكام الحجاز في ~~التبرك. # والمشعر الحرام يقع بالمزدلفة بين منى وعرفات، ويمر الإنسان في مسيره من منى ~~إلى المشعر بواد اشتهر الآن باسم وادي النار، وكان يدعى من قبل وادي محسر، ويقع ~~هذا الوادي الأجرد بين جبلين يدعى أحدهما جبل قزح، ويزعمون أن واقعة الفيل المشار ~~إليها في القرآن ms262 وقعت فيه، والتاريخ المعروف لا يروي أن واقعة حدثت في عام الفيل، إنما ~~يروي أن أبرهة حاكم اليمن جاء على فيله ومن ورائه جيشه لهدم البيت بمكة بعد أن ~~رأى انصراف الناس عن البيت الذي أقامه وزخرفه بصنعاء، وأنه نزل بظاهر مكة ودعا إليه ~~قوما من أهلها وعلى رأسهم عبد المطلب جد النبي، ورأى أهل مكة أنهم لا يطيقون قتاله، ~~فأخلوا مكة عشية اعتزم دخولها لهدم البيت، فلما أصبح أبرهة وجد الجدري تفشى ~~بجيشه تفشيا أفزع الناس وأفزعه، فارتد عن مكة، وما إن بلغ اليمن حتى مات، ولعل ~~هذا الذي أصاب أبرهة وجيشه هو الذي دعا إلى تسمية هذا الوادي باسم وادي النار، ووادي ~~الحسرة أو محسر؛ لأن نار المرض أصابت القوم فانقلبوا إلى قومهم في حسرة ~~خاسئين. # أما المشعر الحرام بالمزدلفة فمسجد صغير، إن صح أن يسمى الفضاء من الأرض مسجدا ~~إذا أحيط بجدر قصيرة تحده، وكل ما يدل على المشعر الحرام مئذنة وسط هذا الفضاء تضاء ~~أثناء الحج، وفي جوار المسجد بازان مياه حسن البناء، ذو فوهة يستقي الناس منها، ويتصل ~~بمجرى الماء المنحدر من نعمان إلى مكة والمعروف بعين زبيدة، وللبازان درج ينزل ~~الإنسان فيه إلى حيث يصل إلى فوهة الماء، فأما ما حول ذلك ففضاء المزدلفة تحيط به جبال، ~~أحدها قزح الممتد من قبالة جبل المحسر. # ولم يكن بهذا المكان مسجد على عهد الرسول، بل كان المشعر جبلا في هذه الأودية اعتادت ~~العرب في حجها أن تشعر جمالها عنده «أي: تضربها في صفحة سنامها حتى يسيل منها ~~الدم»، وكان العرب قبل الإسلام يوقدون النار فوق قزح عند المزدلفة؛ كي يهتدي بها ~~الصاعد من منى إلى عرفات، والمفيض من عرفات إلى منى، وأوقدت هذه النار في عهد ~~النبي وفي الصدر الأول من الإسلام إلى عهد عثمان، أما المنارة القائمة اليوم فلم ~~تشيد إلا بعد ذلك بقرون، ويذكر النهرواني أن أحدث بناء لها كان سنة تسع وخمسين ~~وسبعمائة أو السنة التي بعدها فيما علم، وبناء المشعر الحرام من ms263 البساطة بما رأيت مما ~~يتفق مع هذه البيئة البدوية المحيطة به، ولو أن هذا البناء في غير الحجاز وورد ذكر ~~مكانه في كتاب مقدس كما ورد ذكر المشعر الحرام في القرآن، لشاده أهله في أضخم عمارة ~~وأجملها. # كان الطريق ما بين المزدلفة وعرفة ضيقا في قرون الإسلام الأولى، فكان من السنة ~~المستحبة أن يفسح الإنسان لغيره ما استطاع، أما الآن فقد انفسح بما لا تخشى معه ~~الزحمة إلا فيما ندر في بعض سويعات الإفاضة، وهو يمر بجبلين متقاربين هما مأزما ~~عرفة، ويمر بنمرة حيث يقوم المسجد بالمكان الذي وقف فيه رسول الله # صلى الله عليه وسلم # ممتطيا ~~ناقته القصواء فخطب الناس في حجة الوداع، ويطلق على هذا المسجد أسماء: مسجد نمرة، ~~ومسجد عرنة، وجامع إبراهيم، ومصلى عرفة، ونمرة جزء من بطن عرنة، فالتسمية بهما ~~نسبة إلى المكان، أما اسم مسجد إبراهيم فيرجع إلى ما يقال من أن جبريل علم إبراهيم ~~أبا الأنبياء شعائر الحج وهما في هذا المكان، فأما مصلى عرفة فاسم يطلق؛ لأن الحجاج ~~بعرفة يجمعون فيه بين صلاة الظهر وصلاة العصر جمع تقديم تأسيا بالرسول في حجة ~~الوداع، ويقع المسجد على مقربة من علمي عرفة، وهو فسيح مترامي الأطراف، كما تقدم ~~القول، له محراب يرتفع ثلاثة أمتار وقد أحاطت الأروقة به من جميع جوانبه، وصحنه مكشوف ~~تقوم فيه مكبرية لصلاة يوم عرفة، ويرجع إنشاء هذا المسجد إلى القرن الثاني بعد الهجرة، ~~وقد عمره ملوك المسلمين في مصر وفي غير مصر بعد ذلك غير مرة. # تقع بطحاء عرفة على يسار الصاعد إليها من المزدلفة مارا بمسجد نمرة، وفي الجانب ~~الآخر من هذه البطحاء يقع مسجد الصخيرات، وهو اليوم أثر متهدم كما شهدت، وقد تخطت ~~بنا السيارة بعده أثناء وادي نعمان والجبال تنفسح عنا تارة وتقترب منا أخرى، حتى ~~بلغت بنا مصدر عين زبيدة التي تروي مكة وتروي الحجيج اليوم، والتي تعتبر عملا من ~~الأعمال الهندسية الخالدة الاسم على التاريخ، وإن تغيرت من بعد وتطور رسمها مع ~~تقدم العلم. # وسميت ms264 هذه العين باسم زبيدة زوج أمير المؤمنين هارون الرشيد؛ لأنها أول من ~~أجراها، فقد كانت مكة قبلها تستقي من الآبار والعيون، وكانت الآبار كثيرا ما تغيض، ~~والعيون كثيرا ما تطم، وقد كان معاوية بن أبي سفيان أجرى الماء إلى مكة من العيون ~~والآبار في قنوات، واتخذ حياضا بعرفة لسقيا الحجيج منها، بيد أن هذه القنوات ~~والحياض لم تلبث أن تخربت وأصاب الناس بذلك جهد شديد، هنالك أمرت زبيدة بإجراء ~~عين حنين بوادي نخلة إلى مكة بعد أن اشترت الأراضي التي كانت مياه العين تسقيها، كما ~~أمرت بإجراء عين من وادي نعمان إلى عرفة. # وتنبع عين نعمان من جبل كراء الذي يصل بين عرفة والطائف، وقد أجريت مياه نعمان ~~حتى بلغت منى، وتعذر إجراؤها بعد ذلك إلى مكة لشدة صلابة الأرض، وتعرض هذا العمل ~~لأفاعيل الزمن، فكان يتخرب أحيانا وينقطع منه الماء عن مكة وعن عرفات أحيانا، ولقد ~~أمر كثيرون من أمراء المؤمنين بإصلاحه في عصور وأزمان مختلفة، وأنفقوا عليه نفقات ~~طائلة، لكن ذلك لم يحل دون تخربه واضطراب مسيل الماء إلى مكة وإلى عرفة، ففي النصف ~~الأخير من القرن العاشر الهجري طلبت الأميرة فاطمة هانم كريمة السلطان سليمان الإذن في ~~تعمير العيون وفي القيام بعمل جديد عظيم هو إيصال ماء نعمان إلى مكة، وكان المال ~~المطلوب لذلك ثلاثين ألف دينار، وأذن لها أبوها، وتم هذا العمل العظيم في عشر ~~سنوات، وكان يوم تمامه من أعياد مكة الكبرى، تصدق الناس وأجروا الخيرات وقاموا من ~~أعمال البر بما أعاد إلى ذاكرتهم ما فعله أسلافهم يوم أتم عبد الله بن الزبير بناء ~~الكعبة. # ولقد طغت السيول بعد ذلك غير مرة على مجاري هذه المياه تحت الأرض ودخلت الأتربة من ~~البازانات إليها ومست الحاجة إلى إصلاحها، وكان والي مصر محمد علي ممن أصلحوها، ~~ولا يزال المهندسون يرون تعديل نظام المجرى الحالي تعديلا يجعل مياهه أبعد عن التلوث ~~وعن أن تفسدها الأتربة والرمال التي تدفعها السيول. # ولقد دهشت أيما دهش ونحن نسير في هضاب نعمان ms265 حين ذكر لي صاحبي أننا بلغنا مبدأ ~~العين، فهذا المبدأ أشبه ببئر تنحدر إليها المياه لتسري خلال الجبال ولا يبدو للناظر ~~منها شيء، وليس يبدو من المجرى غير البازانات المختلفة يراها الإنسان في الطريق من مكة ~~إلى عرفة ويراها في أماكن مختلفة من مكة، ولست أدري لعل صاحبي لا يعرف أين تبدأ العين ~~حقا، وإن أكد لنا رجل لقيناه هناك ما قاله صاحبي برغم إلحاحي في السؤال وإظهار ~~التردد في تصديق النبأ. # يسير الطريق بعد نعمان إلى شداد على سفح جبل كراء، ومن هناك يبدأ الصاعد إلى ~~الطائف صعوده حتى يبلغ جبل كر، ثم ينحدر منه حتى يبلغ الطائف، ولم نجاوز نحن نعمان ~~إلى ما بعده، بل قفلنا منه راجعين إلى مكة. # هذا الطريق الذي سرنا فيه كثيرا ما طرقه الرسول - عليه السلام - في حياته، وإن كان ~~مسيره فيه في حجة الوداع أشهر ما يذكر التاريخ، كثيرا ما سلكه في السنوات الأولى من ~~بعثه وإلى حين هاجر من أم القرى، فهو قد كان يذهب في موسم الحج يبادئ القبائل بالدعوة ~~إلى دين الله، وخير مكان كان يلقاهم فيه عرفة ومنى، في تلك الأيام النائية منذ أربعة ~~عشر قرنا كان الرسول يخرج وحيدا أو في نفر ممن اتبعوه، فإذا أنس إلى قوم من ~~القبائل الآتية إلى الحج اتصل بهم وتحدث إليهم وجادلهم بالتي هي أحسن ودعاهم إلى ~~دينه، ومن هؤلاء كان يرده ردا غير جميل، ومنهم من كان ينصت إليه ثم ينصرف عنه ~~مفكرا، ومنهم من لم يكن الرسول يكاد يتركه حتى يجيئه من قريش من يحذره مغبة ~~دعوة فرقت أهل مكة شيعا، ويرى الرسول إعراض الناس عنه وتحذير قومه إياهم منه فلا ~~يصده ذلك عن دعوته، بل يزيده استمساكا بالدعوة وحرصا عليها، وتؤذيه قريش بمساءتها، ~~ويؤذيه شعراؤها بهجائهم فلا يهن، ولا يتردد، وينقضي العام ويتلوه العام وهو أشد ~~على الدعوة حرصا، والناس ينأون عنه، وقريش تحارب دعوته، فلا يصرفه عنها صارف، وقد ~~أمره ربه أن يبلغ رسالته، لقد كنت أتصور ms266 هذه المواقف ونحن نمر بهذه الأماكن، ثم ~~أتصور موقف الرسول الذي صدقه العرب جميعا في حجة الوداع، فيشيع الإكبار في نفسي وأكاد ~~أسمع بأذني قوله - تعالى: # وقل جاء الحق وزهق ~~الباطل إن الباطل كان زهوقا ~~. # وهذا الطريق الذي رأى محمدا يطارده قومه وتزور القبائل عنه، ثم رآه من بعد ذلك ~~وقد فتح الله له فانضوى العرب كلهم تحت لوائه، هو الطريق الذي رآه وليدا يوم حملته ~~حليمة السعدية معها من مكة ذاهبة إلى الطائف في طريقها إلى قبيلة بني سعد بن بكر. نعم! ~~في هذا الطريق سار الرضيع تحمله مرضعته الفقيرة على حمارها تتخطى به بين الجبال ثم تصعد ~~به سفوح كر وكراء، وتتخطى به بوادي الطائف حتى تصل إلى قومها! # أليس هذا عجبا؟! الطريق الذي سار فيه محمد طفلا لأول ما ولد هو الطريق الذي سار فيه ~~شيخا يعلن إلى الناس أن رسالة ربه بلغت غايتها، إذ يبلغهم قوله - تعالى: # اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ~~. # هذه أعلام الحرم التي قصدت إليها، ولم يسعدني الحظ بالذهاب إلى علمي أضاءة في ~~طريق اليمن، وإنما قطعت من هذا الطريق ما بلغ بي إلى غار ثور. # أما علما نخلة في طريق الطائف فكانا في الطريق إليها، ولقد قصدتها وأقمت بها ~~أياما كانت أيام نشاط وسعادة، لقيت فيها من أثر الرسول ما اطمأن له قلبي ورضيه تفكيري، ~~ولقيت فيها من تاريخ العرب بعد الإسلام ما أثار ألمي وأحرج صدري، لولا رجاء ~~يخالج نفسي أن تكون هذه البلاد في المستقبل خيرا مما كانت في الماضي بعد أن انتقلت ~~منها عاصمة الإسلام. # الكتاب الثالث # | الطائف وآثارها # | طريق الطائف # بينا أنا بالتكية المصرية ظهر السبت الرابع عشر من مارس لقيت الحاج عبد الله ~~فلبي - أو سينت جون فلبي كما تشاء - فبادلته الحديث في أمور بلاد العرب حاضرها ~~وباديها، وأدى بنا الحديث إلى لغة القوم بمكة وبعد ما بينها وبين اللغة العربية ~~الفصحى، وسألت الجوالة البريطاني: أيوجد في شبه الجزيرة عرب يتكلمون ms267 هذه اللغة ~~الفصحى؟ قال فلبي: «إنما يوجد هؤلاء في الجبال وفي البادية، وأنت إذا ذهبت إلى شداد ~~في طريقك إلى الطائف عثرت ثم على طلبتك»، ولما علم أنني ذهبت إلى عرفات وإلى ~~وادي نعمان حيث تبدأ عين زبيدة قال: «إن بين شداد ووادي نعمان أمدا قريبا، فإذا ~~بلغت بك السيارة شدادا على سفح جبل كر وجدت محلة بها قوم من الأعراب عندهم ~~الدواب التي تصعد بك كرا وكراء، وتذهب بك إلى الطائف، وهناك تسمع العربية التي ~~تتوق إلى سماعها.» # لم يعترض أحد من الحاضرين على هذا الكلام فملت إلى تصديقه، وكان لي بزيارة الطائف ~~شغف، ففيها من أثر الرسول قبيل هجرته وفي أعقاب غزوة حنين ما يدعو إلى زيارتها، ~~لكني تصورت ركوب الدواب في صعود الجبال، فذكرت يوما من سنة 1924 كنت فيه بلبنان ~~وصعدت فيه إلى الأرز مع رفاق كثيرين، ولم تكن طريق الأرز قد عبدت للسيارات حين ~~ذاك، فاكترينا الدواب من بلدة «بشري» وامتطينا لتصعد بنا في طريق فيه سعة ونظام، مع ~~ذلك بقيت أذكر ذلك اليوم والصعود على الدواب فيه فتمتلئ نفسي من صعودها مخافة ورهبة، ~~فهي تأبى إلا أن تسير على حافة الطريق المتصلة بالهاوية، حتى ليشعر الإنسان أنه موف ~~في كل خطوة على حتفه، وعبثا يحاول الإنسان أن يلزمها السير في منتصف الطريق، فإنها ~~لا تلبث أن تعود إلى حافتها وتلزمها، وما أغناني عن كر وكراء وصعود سفوحهما على ~~الدواب إذا كان للطائف طريق غير هذا الطريق! أما ولها طريق تسلكه السيارة هو الطريق ~~المعبد، وما دام مقصدي من زيارتها أن أسمع العربية في صفائها، فلأترك طريق شداد ~~لمن شاء أن يسلكه وحسبي ما قرأته عنه في كتب الرحلات، فهو لا يغري بركوب المشقة ~~المضنية لاجتيازه. # ولم يدر بخاطري أن الدواب ستصادفني حين تجوالي بجبال الطائف، وستجعلني أحمد ~~للمقادير عدولي عن مشورة «فلبي» إلى طريق السيارة لتقطع الطريق ما بين مكة والطائف في ~~بضع ساعات. # ولقد استشرت مضيفي أمين العاصمة في الذهاب إلى الطائف وسألته ms268 عن خير طريق إليها، ~~وذكرت له ما أشار به فلبي، فقال: هذا رجل ألف البادية ومتاعبها، فما لك أنت وما ~~ألفه؟! في وسعك أن تسلك الطريق الذي نسلكه كلنا حين نصعد من مكة لقضاء الصيف بالطائف، ~~ثم ذكر لي أنه مخبر وزير المالية الشيخ عبد الله بن سليمان الحمدان بعزمي على السفر ~~بعد ظهر يوم الإثنين 16 مارس، وفي الغد أخبرني أن وزير المالية سره عزمي على زيارة ~~الطائف، وأنه سيضع تحت تصرفي عربة «بكسفورد» تكون جنيبا للسيارة التي خصصت لنقلي ~~منذ نزلت مكة، وأنه سيختار من يصاحبني في هذه الرحلة ويكون دليلي فيها. # وفي صباح يوم الإثنين زرت «فلبي» بمنزله على موعد بيننا، وأفضيت إليه بأنني ذاهب ~~إلى الطائف بعد الظهر، ويقع منزل «فلبي» بحي جرول في أطراف مكة فوق ربوة يسيرة ~~الارتفاع، وقفت السيارة أمام بابه فصعدنا درجة - كان من الخير أن تكون درجتين أو ~~ثلاثا - وتخطينا الباب إلى حديقة تبدو أشجارها الباسقة من فوق السور ولا تحجب الدار ~~القائمة بعدها، وليست الحديقة بالفسيحة ولا بالضيقة، تتراوح مساحتها بين المائة ~~والخمسين والمائتين من الأمتار المربعة، وهي أدنى إلى أن تكون مهملة قل أن تمتد إليها ~~يد التنظيم، لكنها مع ذلك متعة للنظر في مكة حيث لا تقع العين على حديقة إلا في الدور ~~التي تشبه القصور، ويسير الإنسان من باب المنزل خلال الحديقة في طريق صاعد يكاد يكون ~~مستقيما، فإذا دخل المنزل وجده أقرب إلى البداوة من كثير من منازل أهل مكة، وقابلنا ~~«فلبي» على باب غرفة إلى يسار الداخل من باب الدار مرتديا جلبابا أبيض ونعلين، مكشوف ~~الرأس، ينم شعره الأحمر وذقنه الحمراء المحيطة بكل وجهه الأبيض المشرب حمرة كما تنم ~~عيناه الزرقاوان عن أصله الإنجليزي الذي يختفي تماما حين يرتدي المشلح والعقال، ~~فيبدو نجديا وسيما أنيق الملبس، وتقدمنا إلى داخل الغرفة، فخلع نعليه حين بلغ البساط ~~الذي يفرش أرضها، وتبعته وجلست إلى جانبه أسمعه وأجيبه وهو يحييني بكلمات قليلة كلها ~~الرقة والظرف، ولقد اعتذر عن موعدين ms269 سبقا بيننا ولم نلتق فيهما بأنه يقضي من النهار في ~~حضرة ابن السعود ما لا يدع له من وقته إلا الصباح الباكر يعمل فيه أو يلقى من يريد ~~لقاءه أثناءه ، فإذا أضحى النهار ذهب إلى القصر فقضى فيه إلى الظهر، ثم عاد إليه بعد ~~العصر فلم يغادره حتى تتم القراءة للملك بعد العشاء فيفض المجلس. # وفيما نتحدث سمعت تصفيقا ورأيت الرجل خف بنفسه إلى خارج الغرفة ولم يلبس نعليه ثم ~~عاد يحمل صينية الشاي وعليها أدواته، وتناولنا الشاي وسألته أثناء تناولنا إياه: «ألا ~~تكتب حياة محمد وقد عرفت بلاده وسرت في خطاه، ودرست دراسة المدقق كل مكان له ~~اتصال بسيرته؟!» وكان جوابه: «أنا لا أريد الاختلاف مع العلماء المسلمين في أمر لا ~~يفيد الخلاف فيه، وكثيرا ما يضر، وليست كتابة التاريخ من عملي العلمي، فإنما عملي وضع ~~الخرائط للأماكن التي أمر بها والتي لم يسبقني معاصر إلى وضع خرائطها.» فلما تحدثت ~~وإياه عن الإسلام، ذكر أنه مقتنع تمام الاقتناع بأن الديمقراطية الإسلامية والحكومة ~~الإسلامية خير أنواع الديمقراطيات والحكومات. # ولما فرغنا من تناول الشاي قال «فلبي»: «سأطلعك على بعض الخرائط التي أضعها.» وقام ~~فأعاد أدوات الشاي إلى داخل الدار وعاد بمجموعة كبيرة من الخرائط، وبدأ فأراني الطريقة ~~التي يسير عليها في وضع الخرائط وكيف يتخذ مكة مركز الدائرة فيها، وكيف يحقق موضع كل ~~محلة أو مكان على الخريطة تحقيقا علميا دقيقا، بأن يسلك إليه عدة طرق من مكة ويجري ~~في التحديد على قياس الزوايا، ولقد سألته أثناء ذلك: أوضع لمكة خريطة تفصيلية؟ فذكر ~~أنه شرع فيها ولما يتمها، وأطلعني على خريطته عن الربع الخالي - وهي الموجودة ~~في كتابه الذي يحمل هذا الاسم # The Empty Quarter ~~- كما ~~أطلعني على خرائط الطريق بين مكة وجدة والمدينة، وبين مكة والطائف والخرمة، ولما كانت ~~هذه الخرائط مطبوعة فقد أهداها إلي لأستعين بها في رحلتي إلى الطائف وإلى المدينة، ~~وقد استعنت بها فكانت نعم العون، واستعنت بها في رسم غير واحدة من خرائط هذا ~~الكتاب، ولقد ms270 شكرته يومئذ وأشكر له اليوم فضله في هذه المعونة القيمة، كما أشكر له ~~جميل استقباله إياي وما أمدني به من معلومات أفادت مباحثي في أماكن عدة. # وانصرفت من عنده فمررت بالتكية المصرية، ثم عدت إلى دار مضيفي فتناولنا طعام الغداء، ~~وأقمت أنتظر رفاق السفر إلى الطائف، وأقبل السيد محمد صالح القزاز أمين أموال الدولة ~~بالطائف، وهو شاب وسيم حلو الحديث، أحدث مضيفي التعارف بيني وبينه، وذكر أنه سيصحبني في ~~رحلتي إلى الطائف وسيدلني على كل ما فيها مما تصبو إليه نفسي، فهو بكل ما فيها ~~خبير. # وأضاف الشيخ صالح أنه سعيد أن وقع اختيار الحكومة عليه ليصحبني، وفيما نتحدث أقبل ~~الشيخ محمد سرور الصبان القائم بأمر المواصلات في المملكة، ولم يطل مكثه معنا؛ ~~لأنه لم يكن مسافرا، وإنما جاء يودعني من مكة ويرحب بي ضيفا بمنزله بالطائف، وأقبل ~~الشيخ عبد الحميد حديدي الذي أزمع معاونتي في هذه الرحلة، كما كان لي نعم العون بمكة ~~في بحثي وفي إقامتي وفي حلي وترحالي، وجعل الشيخ عباس قطان كل همه أن يبعث ~~الطمأنينة إلى نفسي ويزيد أواصر المودة بيني وبين رفاقي، وسمعنا نفير سيارة كانت ~~«البكسفورد» الذي بعثت به الحكومة لتصحبني، وبعد سويعة أقبلت سيارتي وأعلن السائق ~~حسن عن مقدمها بصوت النفير، إذ ذاك نزلنا إليها وصحبنا مضيفنا حتى ودعني في ~~جماعة من أصحابه عندها. # وانطلقت السيارة في طرق مكة، حتى إذا كانت عند قصر الملك تياسرت في طريق الجعرانة ~~دائرة حول حراء، وقبيل منتصف الطريق إلى الجعرانة تيامنت منطلقة في واد فسيح بين ~~الجبال حتى وقفت في محلة الشرائع أمام كوخ هو وحده مظهر الحياة الإنسانية في هذا ~~الوادي، وأهل هذا الكوخ يستقون من عين جارية تروي أشجارا قليلة، وقد جعلوا من كوخهم ~~مقهى يتناول فيه السائر الشاي، ويجد به شربة من ماء وفنجانا من القهوة النجدية، ~~وسألني الشيخ صالح أأريد النزول؟ فلما علمت أن ليس بالمكان غير المقهى آثرت أن ننطلق ~~إلى المحلة التي تلي الشرائع، على أن الشيخ عبد الحميد ms271 حديدي استوقف حسنا السائق هنيهة ~~ليقص علي من نبأ التاريخ ما له اتصال بالسيرة النبوية، ومن موقفنا أشار إلى الجبل ~~القائم عن يميننا وإلى مكان منخفض بعض الشيء عند قممه، وقال: هذا شعب الثنية الذي ~~تخطى منه النبي إلى مكة حين عودته من الطائف منفردا بعد أن أساء أهلها لقاءه ~~وردوه بشر جواب، قلت: من أين إذن ذهب إلى الطائف؟ قال: من طريق كر وكراء ~~بعد اجتياز عرفات وشداد، وحدقت في شعب الثنية بهذا الجبل المرتفع عن اليمين، وصورت ~~لنفسي ما كان يلقاه محمد من المشقة في سبيل الدعوة إلى الحق الذي بعثه الله به، فهذه ~~جبال جرداء قاحلة لا أنيس بها، تغشاها السباع كما تغشى جبل كراء، مع ذلك لم يكن محمد ~~يخشى وحشتها، بل كان يسير خلالها مطمئنا إلى رسالات ربه يبلغها للناس، وقد بلغها ~~إلى العرب أثناء الحج حين مقامهم بمكة ومنى وعرفات فلم يسمعوا له، وقد ذهب إلى غير ~~واحدة من القبائل في منازلها فردوه منكرين، وهو يعلم أن ثقيفا بالطائف من أمنع قبائل ~~العرب وأعزها جوارا؛ لذلك ذهب إليها سالكا طريق الجبل الوعر، فردته بشر ما ~~ردته به قبيلة، وأغرت به صبيانها فقذفوه بالحجارة، فانصرف عنهم من طريق آخر في الجبل ~~الوعر متخطيا هذه الثنية القائمة قبالة الشرائع، لم يغير الأذى من عزمه ولم يضعضع من ~~قدس إيمانه وجلال يقينه، وأية قوة أو مشقة تضعضع من هذا الإيمان المتصل بالله ~~الواحد الأحد، المستمد من روح الله ووحيه؟ أمره ربه أن يبلغ رسالته، فانطلق ~~يبلغها مطمئنا إلى ربه واثقا من نصره. # وتخطت السيارة محلة الشرائع في مضيق بين جبلين، وتابعت سيرها حتى بلغت الزيمة، ~~ووقفت السيارة هناك عند منظر يستوقف النظر في تهامة كلها، ذلك منظر الماء والشجر ~~الأخضر. # لقد رأينا بالشرائع أغراسا دعوها بستانا فلم نحفل به، أما ها هنا فقد رأينا ~~الماء ينهمر منحدرا من الجبال يسقي بساتين عدة، ورأينا أشجار الموز تكظ بعض هذه ~~البساتين، والنفس مبتهجة ما رأت الماء والخضرة؛ لذلك قضينا ms272 في هذه المحلة زمنا ما كان ~~أحوجنا إليه والوقت يسرع نحو المغيب، وبيننا وبين الطائف طريق ما يزال طويلا! # قال صاحبي: «يذهب بعضهم إلى أن وادي حنين، حيث وقعت غزوة حنين بين المسلمين وبين ~~هوازن وثقيف في أعقاب فتح مكة، إنما يقع بين الشرائع والزيمة، وأن جيوش ~~المسلمين قضت الليل على أبواب الوادي الذي تخطيناه الآن بين هاتين المحلتين، والذي ~~كان يسمى يومئذ وادي حنين، فلما كانت بكرة الفجر تحركوا والنبي على بغلته البيضاء ~~في مؤخرتهم يريدون أن يأخذوا عدوهم على غرة، وإنهم لمنحطون إلى الوادي إذ شدت ~~عليهم القبائل بإمرة مالك بن عوف النصري شدة رجل واحد، وأصلوهم وابلا من ~~النبال، هنالك اضطرب أمر المسلمين فولوا الأدبار منهزمين وقد زلزلوا زلزالا ~~شديدا، ورأى محمد فرار أصحابه فلم يتزحزح من مكانه، بل ثبت وجعل ينادي في الناس وهم ~~يمرون به منهزمين: «أين أيها الناس أين؟!» ووقف عمه العباس بن عبد المطلب إلى جانبه ~~يصيح في الناس بصوت جهوري أسمعهم جميعا: «يا معشر الأنصار الذي آووا ~~ونصروا! يا معشر المهاجرين الذين بايعوا تحت الشجرة! إن محمدا حي فهلموا!» وكشفت ~~تباشير النهار عن عماية الفجر، ورأى الناس موقف رسول الله وعظيم ثباته، فتنادى ~~القريبون منه يجيبون نداء العباس: لبيك لبيك! وارتدوا إلى المعركة، وتبعهم من لاذ ~~قبلهم بالفرار، وذكروا جميعا ماضيهم في النصر، فخاضوا غمار الموت لا يبالونه، فتم ~~لهم النصر وولى عدوهم مدبرا ولم يعقب، تاركا وراءه النساء والأبناء والأموال ~~غنيمة للمسلمين.» # قلت: فما بال اسم حنين المجيد في تاريخ الإسلام قد عفي على أثره فلم يبق علما ~~على مكان من الأماكن؟! أتراه قد اختلف فيه من بعد، وأن من الناس من يرى أن الواقعة ~~وقعت في مكان غير هذا المكان الذي تحدثني عنه؟ # قال صاحبي: «حق ما تقول، وإن من الناس لمن يحسبها وقعت بعد الزيمة في مكان بينها ~~وبين السيل الكبير، وهي المحلة التي تليها، أما أنا فأميل إلى اعتقاد أنها وقعت حيث ~~ذكرت، ويحملني على ذلك أن المسلمين ms273 قاموا من مكة للقاء عدوهم فقضوا في طريقهم بياض ~~النهار ولم يزيدوا عليه، أو بياض النهار وبعض الليل، وما بين مكة والزيمة يستغرق بمسير ~~الإبل هذا الزمن كله، ثم إن المسلمين ذهبوا بالفيء الذي غنموا إلى الجعرانة وجعلوه ~~بواديها حين أجمعوا حصار الطائف، والجعرانة تقع إلى شمال الشرائع وتبعد عن السيل، فلو ~~أن حنينا وقعت حيث يذكرون لترك المسلمون الفيء بوادي السيل الفسيح أو لعادوا به إلى ~~وادي الشرائع، أقرب مكان منهم إلى مكة.» ~~«ولعلك تسألني: وما لهم لم يفعلوا إن كانت حنين قد وقعت حيث تذكر والشرائع أدنى إليهم ~~من الجعرانة؟ ولهذا السؤال - لا ريب - موضعه، ولقد ألقيته على نفسي والتمست الجواب ~~عنه، فكان ذلك أن الناس يميلون إلى النزول حيث ألفوا، وقد ألف العرب في عهد الرسول ~~ومن قبله مواضع الأسواق التي كانت تقام حول مكة قبيل الحج في عكاظ ومجنة وذي ~~المجاز، وليس من اليسير أن تحدد اليوم مكان هذه الأسواق، ولكن الراجح في شأن مجنة ~~أنها كانت تقام بين الشرائع والجعرانة إلى شمالها، ومن ثم سلك المسلمون طريق ~~الشرائع إلى السوق التي تقع بينها وبين الجعرانة ثم تخطوها إلى وادي الجعرانة ~~الفسيح الذي يسع الفيء ومن يقوم على حراسته.» # وأبديت الميل إلى تصديق صاحبي، وإني لأخاله اليوم صادقا، فقد ذكر الأزرقي في «تاريخ ~~مكة» أن العرب كانوا يذهبون إلى عكاظ يوم هلال ذي القعدة، وعكاظ تقع عند السيل الكبير ~~أو بعده على خلاف في الأقوال سنتناوله من بعد، فإذا قضوا بعكاظ عشرين يوما انصرفوا ~~إلى مجنة فأقاموا أسواقهم بها عشرة أيام، وإذا رأوا هلال ذي الحجة انصرفوا إلى ذي ~~المجاز فأقاموا به أسواقهم ثمانية أيام، ثم خرجوا يوم التروية من ذي المجاز إلى عرفة، ~~وإنما سمي الثامن من ذي الحجة يوم التروية؛ لأن الناس كان يأخذون فيه الماء من ذي ~~المجاز ليترووا منه بعرفة وبالمزدلفة حيث لا يوجد الماء، فالظن الغالب إذن أن يكون ~~الطريق بين الشرائع والجعرانة طريق مجنة. # السيل الكبير هو المحلة الثالثة في ms274 طريق الطائف، والطريق بينه وبين الزيمة طويل يقارب ~~ما بين مكة والزيمة، ويبدؤه من الزيمة درب اليمانية، وهذا الدرب منثورة فيه أحجار كثيرة ~~تنحدر إليه مع السيل من أعالي الجبال القائمة على جانبيه ، لكنها أحجار لا تعوق السيارة ~~في انطلاقها وإن اضطرتها إلى عدم الإسراع، وعجيب أن تظل هذه الجبال جرداء على رغم ما ~~ينحط عليها من سيول وأمطار، فلا تنبت الأشجار في قننها وعلى سفوحها، أيرجع السر في ~~ذلك إلى أنه لم يعن أحد باستنبات هذه القنن والسفوح فظلت جرداء أن لم تبذر فيها ~~بذور ولم يغرس بها شجر؟ ما أظن، ففي صحاري تهامة وأوديتها ألوان من الشجر تنبت ~~بذاتها، منها السلم والعشر والطلح، ولعل هذه الألوان لا ترقى إلى سفوح الجبال ~~وقننها؛ ولذلك ظلت جبال اليمانية جرداء رغم المياه التي تنحدر عنها. # ينتهي درب اليمانية حيث تنتهي هذه الأحجار المنثورة خلاله، ويقوم على جانبيه عند ~~نهايته جبلان متقابلان يطلق عليهما اسم السومان، ويحسب صاحبي أن هذا الاسم محرف أصله ~~التوءمان. # بعد هذين الجبلين ينفرج الوادي ويصلح الطريق وينفسح ويصبح في سعته وصلاحه كأنه بعض ~~طرق برلين الكبرى، فهو طريق حجري أصفر اللون في صفرة الرمل، تنطلق فيه السيارة بما ~~يشاء لها سائقها من سرعة، وهذا الطريق يدعى البهيتة بلغة البدو، والبهيتاء بالعربية ~~فيما ذكر صاحبي، وقد أضاف أنه سمي كذلك؛ لأنه يبهت الإبل، أي: يجهدها؛ ذلك أنه متدرج ~~في الارتفاع من الزيمة إلى السيل الكبير تدرجا لا يحسه راكب السيارة في انطلاقها، لكنه ~~يراه بعينه إذا نظر إلى الطريق أمامه وارتد ينظر فيما وراءه، وصدق، وقد فعلت، ~~فذكرت طرق الجبال في لبنان وفي أوروبا، لا يقدر الإنسان ذهابها في الارتفاع أو ~~الانخفاض أثناء انطلاق السيارة حتى يجيل نظره فيما أمامه وفيما خلفه منها، والبهيتاء ~~تظل ذاهبة في ارتفاعها منذ تبدأ من اليمانية حتى تبلغ السيل الكبير. # علمت بأنا بلغنا السيل الكبير حين رأيت جبالا تقوم في الطريق فتسده، ولقد رأيت بأسفل ~~سفحها دورا من الحجر أدنى إلى الأكواخ ms275 منها إلى الدور، ورأيت المياه تجري أمام هذه ~~الأكواخ، وقد عبرتها سيارتنا ووقفت في فناء فسيح تحيط الأكواخ به، وهبطنا منها، وأقبل ~~علينا بعض ساكني هذا السيل، فطلب أصحابي إليهم أن يعدوا لنا شايا، وفي انتظار ~~إعداد الشاي صلينا العصر والشمس توشك أن تغيب، وتناولنا الشاي جلوسا على الفراش الذي ~~مد لنا، وصاحبي يقول: «من هذا الطريق الذي جئنا منه جاء جيش المسلمين الذين أرادوا ~~حصار الطائف، ويذهب بعضهم إلى أن هذا المكان الذي نقيم الآن به هو الذي وقعت به غزوة ~~حنين، وإن كانت الشواهد كلها تدحض هذا القول، وهذا المكان هو في المشهور وادي نخلة؛ ~~ولذلك كان وما يزال ميقات أهل نجد والعراق، وبعد ما بين حنين ونخلة! ولذلك أميل كما ~~قدمت إلى أن حنينا تقع بين الشرائع والزيمة.» # وأجلت بصري في هذه الدور التي حولي والتي تتكون منها هذه المحلة، فذكرت الدساكر ~~«العزب» في الريف المصري، وزادني ذكرا إياها أنني قمت أدور في أنحاء المحلة، فألفيت ~~بعض الخيل والدواب في أحد جوانبها، وألفيت الماء ها هنا وهناك فيما أمامها، ولم أعجب ~~لوجود الماء واسم المكان علم عليه، بل عجبت لقلته، قال الشيخ صالح: هو قليل الآن ~~لانتهاء فصل السيول، لكنه يكثر حين الأمطار حتى يجعل السير في هذا المكان متعذرا وكذلك ~~تراه يتبع في قلته وكثرته ما تنحدر عنه الجبال من مياه المطر. # ولم يكن عجبي من هذا المكان لقلة الماء ولا لكثرته فيه، بل لهذا الجبل الذي يسد ~~الطريق ولا سبيل لاجتيازه، فمن أين ترى تتخذ سيارتنا طريقها؟ وإذا كان قد قد لها في ~~الصخر طريق، فمن أين سار جيش حنين لحصار الطائف؟ لقد كانوا اثني عشر ألفا ومعهم من ~~الإبل ما يكفي لحملهم وحمل مئونتهم، أفتسلقوا الجبال خفافا وتسلقت إبلهم معهم؟ أم ~~داروا حوله وستدور سيارتنا الآن كذلك حوله؟! # ثم ألقيت نظرة إلى الطريق الذي جئنا منه، إلى هذه البهيتاء المنحدرة نحو اليمامة ~~فالزيمة، الجامعة بين فسحة الوادي وصمت الصحراء، وقد ألقت عليها الشمس المنحدرة ms276 إلى ~~مغيبها أشعة ندية أوحت إلى صمتها معاني ينشرح لها الصدر وينفتح لها القلب وتسبغ ~~عليها الروح ما يفيض عنها من صور ومثل، وما أبهى ما يفيض عن الروح في هذه الساعة وما ~~أشد صفاءه! إنها الطمأنينة إلى الطبيعة الفسيحة المترامية إلى ما وراء الأفق حيث لا ~~يتصور خيالنا للكون نهاية، طمأنينة تضمنا إلى أحضان الطبيعة وتجعلنا نضم الطبيعة إلى ~~أحضاننا، إنها سكينة الفؤاد إلى هذا الصمت المهيب العذب، لا تفسده ضجة الحياة ولا ~~تغشيه مشاغلها بسحب الهموم حرصا على المال والسلطان، إنه التأمل في هذا السكون ~~العظيم وفي بارئه الأكبر - تعالى جل شأنه - تأملا يثير أمام الذهن صورة الماضي مجتمعة ~~في النفس إلى أول الخلق، وصورة جهاد الإنسان أثناء هذا الماضي ليبلغ الكمال، ومن هذا ~~الجهاد مسيرة جيش حنين في ذلك الطريق مترنما بأغنيات الفوز والظفر، رافعا عقيرته ~~إلى السماء مناديا: «لبيك اللهم وسعديك»، ومن هذا الجهاد مسيرة الرسول في عزلة ~~يريد الطائف كما أريدها أنا اليوم، لكنه يريدها لغاية أسمى وغرض أرفع من غرض الدرس ~~وغاية المعرفة، يريدها ليدعو أهلها إلى الحق ولينقذهم من ظلمات الضلال. # ودعاني أصحابي لنتابع سيرنا، وتخطت السيارة الماء عائدة إلى الطريق، ثم سارت إلى صدر ~~الجبل كأنما تريد أن تقتحمه، وهي تتخطى أثناء سيرها مياها تجري ها هنا وهناك منحدرة ~~على هون من أعالي القنن، وما لبثت حين استدارت بين صخور الجبل حتى ابتلعها الجبل في ~~جوفه، فهي تشق خلاله طريقا وعرا ما تكاد تتقدم أثناءه، ترتفع آنا على حجر وتهبط ~~آنا إلى طريق لا يستوي بضعة أمتار حتى تكظه الأحجار؛ فيضطر السائق إلى أن يعنف ~~بالسيارة كيما تتخطاها، والجبل تقوم قممه عن يميننا وقممه الأخرى عن يسارنا قد ~~حجب عنا كل شيء إلا طريقا في السماء تدلنا زرقته على أن الشمس لما تغرب. # وأبديت لصاحبي عجبي لوعورة الطريق بما لم أر قط مثله، وخشيت أن يكون ذلك شأننا ~~فيما بقي أمامنا إلى الطائف، قالا: «لا عليك! فإنما هذه ذات عرق، وهذا الريع ms277 الذي ~~تصعد بنا السيارة خلاله لا يزيد على بضعة كيلومترات، هي وحدها كل ما في الطريق من مشقة، ~~فإذا اجتزناها عدنا إلى مثل طريق اليمانية وطريق البهيتاء تداولا بينهما حتى الطائف، ~~ولطالما حاولت الحكومة أن تصلح هذا الجزء من الطريق فغلبتها السيول تخريبا إياه وإلقاء ~~للأحجار من قنن الجبال أثناءه.» وبينما نتحدث كانت السيارة تبذل مجهودا أشق مجهود ~~وأعسره، مجهود الحبلى تريد أن تقذف بمن في جوفها سليما إلى الحياة: أتنجح وتنجو ~~بجنينها، أم يروح مجهودها سدى فتذهب هي وجنينها ضحيته، أم يخرج من في جوفها وتكون هي ~~الضحية؟! والسائق يعاونها في هذا المجهود ويفادي بها الصخر حينا ويدفع إلى محركها ~~مزيدا من البنزين حينا آخر، وهي بين هذا وذاك تئن تارة كأنما تتأوه، وتقف أخرى ~~مستسلمة للمقادير وقد بدا منها اليأس، وإنها لتندفع بين الصخور وفوقها وقد قاربت نهاية ~~الريع إذ ارتطم بطنها بصخرة اشتدت من هول صدمتها صيحتها، وسألنا حسنا ما بالها؟ ~~فهون الأمر، لكنه نزل من مكانه يفحصها ثم انبطح أرضا يحاول أن يعالجها، ونزلنا نحن ~~منها وتخطينا ما بقي من الريع، فانكشف أمامنا سهل فسيح تبينا أثناءه أن الشمس قد ~~انحدرت في هوة المغيب، ولم يبطئ السائق بل أدركنا بالسيارة وأنبأنا أن عطبا غير ذي ~~بال أصابها، وأنها قديرة على أن تبلغ بنا الطائف، وقد اقتضاه عطبها ألا يسرع بها كما ~~كان يود أن يسرع. # وسرنا نشق سهلا فسيحا تمشت بشائر الليل في جوفه فأكسبته رقة وجمالا وإن حجبت عن ~~النظر الكثير مما وددت لو استمتعت به، ويطلق السائق للسيارة العنان إذا رأى الطريق ~~صالحا فتسرع، ولكن لا كما كانت تسرع في البهيتاء، ويبعث أضواء فناره الساطعة ما بين آن ~~وآن لتكشف له الطريق كلما غم عليه، وقليلا ما يغم الطريق على هؤلاء البدو الذين ~~اعتادت أعينهم أن ترى خلال الظلام، وسألت عن أشجار تبدت أطيافا إذ نمر بها، فقيل ~~لي: إنها الطلح النابت في الصحراء. # قال صاحبي: «أنساني ما عانت السيارة ساعة ارتطمت بالريع أن ms278 أذكر أن المكان الذي وقفنا ~~عنده بعد خروجنا من ريع ذات عرق، والذي يتصل بهذا الطريق الذي نسير فيه الآن، هو مفرق ~~الطريق بين الطائف والعشيرة، فنحن قد سرنا إلى يمين ذات عرق نقصد الطائف، فأما ~~الذين يقصدون العشيرة ونجدا فيسيرون إلى اليسار، وقد تواضع الناس على تسميته مفرق ~~العشيرة.» # وبعد هنيهة أردف يقول: «ونحن الآن نقترب من السيل الصغير، وتقع ديار القثمة، بين ~~مفرق الطريق والسيل الصغير، فهي التي تمر السيارة بها الآن، والقثمة قبيلة من هوازن ~~لعلها اشتركت في غزوة حنين مع سائر هوازن وثقيف، وسنمر الآن عند السيل الصغير بمكان ~~اشتهر باسم القهاوي، ولو أن النهار أسعدنا بضوئه لرأيت آثارها، وإنما يعنيك من ذلك ما ~~يدور على أفواه الكثيرين من أن سوق عكاظ كانت تعقد عندها، وما يؤكده بعضهم من صحة هذا ~~القول، لكنك قد سمعت أنها كانت تعقد عند السيل الكبير، وستسمع كذلك أنها كانت تعقد في ~~وادي عشيرة مما يلي ركبة، وهو المشهور قديما بوادي العقيق، ويذهب غير هؤلاء ~~وأولئك إلى أن هذه السوق كانت تعقد على مقربة من الطائف بواد يقال له: وادي عقرب، ولقد ~~حاول بعضهم تحقيق هذه الأقوال والقطع برأي فيها، فلعل ما تقوم به من البحوث يصل بك إلى ~~ما لم يصل إليه غيرك، فلقد كان لعكاظ ذكر في سيرة الرسول - عليه السلام - قبل أن يبعثه ~~الله نبيا.» # وهدأت السيارة من جريها، وقال السائق: «هذه القهاوي، وهنا المكان الذي يقولون: إنه ~~عكاظ.» أما أنا فلم أر شيئا أستطيع أن أتبينه، فقد هبطت كسف الظلام وانطوى الوجود ~~في دجنة الليل، وكنا في الثلث الأخير من ذي الحجة، فلم يكن للقمر في السماء أثر، ~~ولم تكن النجوم لتكشف من غطاء الليل شيئا، وهذه الأودية الصامتة في رابعة النهار هي ~~الساعة أشد صمتا ومهابة، فالنهار يجلو أمام النظر ما فيها من حزون وبطون، أما الآن ~~فالعين لا ترى إلا ظلاما، فإذا تبينت خلال الظلام شيئا فأطياف لا تدري أهي أطياف ~~الشجر أم مردة من ms279 الجن تسبح الليل في مهامه هذا القفر الموحش؟! وما لها لا ~~تكون أطياف أولئك الأعراب الذين يقطعون على الناس الطريق وينزعون عنهم ما يملكون، إن ~~رضوا كرما منهم أن يهبوهم حياتهم؟! هذه أخيلة تدور بخاطري الساعة وأنا أصف الطريق، ~~أما والسيارة تسري بنا الليل أثناءه فلم يمر بي طيفها، بل كنت مطمئنا كل الطمأنينة، ~~ولم يكن مرجع طمأنينتي إلى أننا كنا أربعة بالسيارة، وأننا كانت تتبعنا عربة ~~«البكسفورد»، فلا خوف علينا من مردة الجن ولا من مردة الإنس، بل كان مرجعها إلى حال ~~نفسية ألفتها في حياتي، كنت في الحجاز أشد إلفا لها، فأنا قلما يساورني الخوف من ~~شيء، لكنني كنت في الحجاز أشعر كأنما تضاعفت قوة الحياة في نفسي؛ لأنني تضاعفت ثقتي ~~بالله وتضاعف إسلامي له. # وتكلم صاحبي بعد زمن من عودة السيارة إلى انطلاقها كأنما يريد أن يقطع الصمت الذي ~~سادنا خلال هذا الليل الذي يشتملنا: «لقد صرنا على مقربة من الطائف، وهذا الوادي الذي ~~يسبقها تعمره قرى كثيرة، فعلى مقربة منا الآن أم الحمض، ويجيء بعدها وداي لقيم، ثم ~~المليساء، ثم هضبة الزوار، ثم شبرة، ثم الطائف، وقد لا نحتاج في اجتياز هذه جميعا ~~إلى غير ساعة أو أكثر قليلا.» # شعرت من لهجة هذا الحديث أن صاحبي يريد أن يهون علي مشقة الطريق، فقلت: «إن الجو ~~الآن جميل يبعث إلى نفسي الغبطة والمرح، ولا حاجة بنا أن نعجل غايتنا، وما دامت ~~السيارة لا تسرع بنا فليت «البكس» يدركنا لندخل الطائف معا.» # قال الشيخ صالح: «أحسبني أسمع صوت نفير لعله نفيره، وأحسبه على خمسة أميال منا، وهو - ~~لا ريب - قد تخطى الريع دون أن يلحقه أذى، فعجلاته عالية تيسر للسائق تفادي الصخور ~~التي تعترض سبيله، وسائقه جريء لا يخاف، وأكبر ظني أنه مدركنا قبل نصف ساعة من وقتنا ~~هذا؛ بذلك ندخل معا الطائف حيث ينتظرنا الناس، فلا نضطر نحن ولا غيرنا إلى انتظاره ~~هناك.» # ولم يخطئ ظن الشيخ صالح، فبعد دقائق سمعنا جميعا صوت نفير قرر سائقنا أنه ms280 نفير ~~«البكس»، ثم قرر وقد التفت وراءه أنه يرى ضوء فناره، فنحن إذن بمأمن إن أصاب سيارتنا ~~عطب يحول دون بلوغها الطائف، إذ نستطيع أن نركب البكس ونتم الطريق. # وأدركنا البكس بعد نصف ساعة، وكانت الساعة قد جاوزت الثامنة مساء، بل لعلها قاربت ~~التاسعة، وانطلقت العربتان تجريان في طريق معتدل قدر ما يكون طريق السيارة فوق رمال ~~البادية معتدلا، وشعر الشيخ صالح أني أضم إلي ردائي ومشلحي فقال: «هذا جو ~~الطائف، والطائف ترتفع عن سطح البحر ألفا وسبعمائة متر أو تزيد؛ وهي لذلك مصيف أهل ~~مكة، فلا عجب أن أدركك من جوها شيء من البرد، ولكن لا تخف، فهي مصح لا يضر ~~جوه.» # انتهز الشيخ عبد الحميد فرصة هذا القول فأردف: «إذا كنت تضم إليك رداءك من البرد فما ~~كان عسى أن يصنع جيش حنين ولم يكن يحول بينهم وبين هواء البادية زجاج كالذي يحول بينك ~~وبينه؟!» وتبسمت ضاحكا من قوله وأجبت: «لقد كانوا في دفء بالظفر والغنيمة، وكانوا ~~كذلك في دفء بالسير على أقدامهم أو على ظهور إبلهم، ولعلهم كانوا يقطعون هذا الطريق في ~~الربيع أو في الصيف فكان لهم نعيما وغبطة.» # انقضت الساعة التاسعة وتنصفت الساعة العاشرة والظلمة المحيطة بنا دردبيس لا يرى ~~الإنسان أثناءها كفه، والسيارتان تجريان على هون حتى لا يزيد ما بسيارتنا من العطب، ~~ونتحدث آنا ونلزم الصمت آخر وقد حجب عنا كل ما حولنا فلا نرى إلا ما يضيئه فنار ~~السيارة من الطريق، وإنا لكذلك إذ بدا من ناحية الشرق ضياء وخط سواد السماء، ثم ~~أضاء القمر الأرجاء، ومددت البصر ذات اليمين وذات الشمال فرأيت ما حولي سهلا فسيحا لا ~~تقف الجبال البعيدة دون تجوال النظر فيه، وبدت الجبال لبعدها عنا أشباحا مهولة لا نميز ~~منها إلا ارتفاعها وضخامتها، وفي هنيهة صمت قال السائق: هذه الطائف، وحدقت أرجو أن ~~أرى بناء فارتد بصري ولم أر شيئا، وإنما تعزيت بالمثل العربي: «القول ما قالت ~~حزام»، ولئن كانت حزام تبصر إلى مسيرة ثلاثة أيام لقد عودنا ms281 حسن الصدق حين ~~يتحدث عما يرى. # هذه الطائف، في هذا السهل الفسيح حولنا كانت إذن جنود النبي العربي منتشرة حين جاءت ~~من حنين لحصار المدينة الحصينة وأهلها ذوي البأس والمنعة، وفي مكان منه ضربت خيمتان ~~من أديم الحمر لمقام أم سلمة وزينب أمي المؤمنين، ترى أين يكون هذا المكان؟ أكان ~~ها هنا على مقربة منا فنحن نسير حيث نزلوا؟ إنهم جاءوا إلى الطائف من ناحية لية، وهي ~~لا ريب قريبة من هنا، ولكن أين كانت مضارب خيامهم؟ لعلي لو سألت لما أجابني أحد، ~~فتحديد المواقع التي مر بها الرسول أمر لا يعرفه الناس من أهل هذه البلاد إلا ظنا، ~~إلا من يكون قد عني منهم بدرس السيرة درسا تطبيقيا، ولقد كنت سمعت أن الشيخ عبد ~~الله بن بليهد عالم نجد قد قام بشيء من هذا الدرس، فلأحاول بعد عودتي إلى مكة أن ~~أراه، وإن كنت لا أثق كثيرا بأنني سأجد طلبتي عنده، فأما الحاج عبد الله فلبي - أو ~~سير سينت چون فلبي - فلم يجعل من هذا الأمر موضع عنايته مخافة الخلاف مع علماء الشريعة ~~على قوله، أو لأنه أكثر عناية برسم خرائط بلاد العرب الحالية كما يبدو من عمله. # قال صاحبي: هذه شبرة، وعجبت كمصري لسماع اسم يتداوله سمعي أثناء مقامي بعاصمة ~~بلادي، وفطن صاحبي لعجبي فقال: «وهذا قصر الملك هنا، ولقد بناه الشريف عبد الله بن عون ~~وأحاطه بالبساتين، وسمي هذا المكان شبرة باسم شبرا المجاورة للقاهرة؛ لمجاورة هذا ~~المكان للطائف، وهذا القصر من أفخم قصور الحجاز، بل لعله أفخمها جميعا.» # كان صاحبي يقول هذا الكلام والسيارة تتخطى على هون بين جدران أغلب الظن أنها من ~~الحجر الأبيض ألقى عليها القمر أشعته البيضاء فزادها بياضا، فأما ما وراء هذه الجدران ~~من قصور وبساتين يتحدث عنها صاحبي فلم يلفتني إليه ولم يوقظ إليه انتباهي، لقد أزفت ~~الساعة على الحادية عشرة مساء، أو الخامسة بالوقت العربي إن شئت، وقد كنت مجهودا غاية ~~الجهد، ولعلي لو رآني في هذه الساعة أحد من ms282 أهلي أو أصدقائي بمصر لذكر لفوره قول ~~عمر بن أبي ربيعة: # أخا سفر جواب أرض تقاذفت # به فلوات فهو أشعث أغبر # اجتازت بنا السيارة شبرة ثم تيامنت فمرت، بعد فضاء يبدو إلى جانبه سور لم أدر ما ~~هو، بمنازل أشبه بالأطلال، لكن بناءها يبدو جديدا لم يتم بعد، فلم توضع أبوابه ~~ونوافذه، وتيامنت السيارة ثم تياسرت ثم وقفت بباب لقينا عنده من ينتظرنا، وهبطنا من ~~السيارة واجتزنا الباب إلى حديقة لمع تحت ضوء القمر نباتها، ثم سرنا إلى بهو فسيح ~~مطل على نافورة ماء لم أقف عندها، وفي يمين البهو باب دخلنا منه إلى غرفة بها مقاعد ~~وثيرة دعاني القوم إلى الجلوس فيها، فجلست سعيدا أن قطعنا رحلتنا هذه وبلغنا غايتنا ~~منها بعد الذي أصاب السيارة سالمين، وجيء لنا بالقهوة فشربناها، وتبادلنا من الحديث ما ~~رد إلينا بعض الطمأنينة، وغاب عنا الشيخ محمد صالح القزاز زمنا ثم عاد فجلس يحيينا، ~~وكان ما تمثل به: # يا ضيفنا لو جئتنا لوجدتنا # نحن الضيوف وأنت رب المنزل # وشمت فيه إذ تمثل البيت الروح العربي القديم؛ روح الكرامة والكرم والشهامة ~~والنخوة، فشكرت له وبادلته تحية بتحية، وأقمنا بمجلسنا حتى دعينا لتناول الطعام، ~~وتناولناه، واعتذرت عن القهوة، وتحدثنا حينا ثم أوينا إلى فراشنا، وكان فراشي في غرفة ~~بابها يقابل باب غرفة الجلوس في الجدار الموازي من البهو، ومن داخل هذه حمام به ~~صنابير للماء ساخنا وباردا، ونمت ملء جفوني ثم استيقظت بكرة الصباح ممتلئا ~~نشاطا، وأقمت أنظر كيف أعد السيد صالح القزاز برنامج يومنا، وإني لكذلك إذ جاءني ~~بصحبة الشيخ عبد الحميد حديدي ومعهما ورقة كتبا فيها برنامجا لكل يوم من أيام مقامنا ~~بالطائف، وكان برنامج يومنا الأول مدينة الطائف وما حولها. # | الطائف # الطائف مدينة من أقدم المدن في بلاد العرب، ولعله لا يغلو من يحسبها أقدم من مكة أو ~~من المدينة، وإن كانت الأساطير تذهب إلى أن بقعة الأرض التي تقوم منطقة الطائف عليها لم ~~توجد ببلاد العرب إلا بعد أن أقام إبراهيم القواعد ms283 من البيت وإسماعيل، فقد ذكروا أن ~~إبراهيم لما جاء بهاجر وبإسماعيل إلى وادي مكة فأقام قواعد البيت توجه إلى الله ~~بقوله: # ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ~~ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل ~~أفئدة من الناس تهوي إليهم ~~. عند ذلك أمر الله الملائكة ~~فانتزعوا قطعة من أرض الشام ووضعوها في المكان الذي تقوم الطائف به، وعلماء الجغرافيا ~~وعلماء طبقات الأرض ينكرون - لا ريب - هذا الكلام، وإن روي فيه حديث للنبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وهم ينكرون هذا الحديث ويؤكدون أن النبي لم يقله؛ لأن الطائف وباديتها ~~وأوديتها وجبالها وجدت مع بلاد العرب ومع الشام جميعا، فلم ينقل منها إلى الشام شيء ~~ولم ينقل من الشام إليها شيء. # والتسليم برأي هؤلاء العلماء لا ينفي ما تصوره الأسطورة من تباين بين طبيعة ~~الطائف وطبيعة مكة، يتجلى لكل من قرأ كتب الأدب القديم، وقرأ سيرة النبي العربي، ومن ~~عني بتاريخ بلاد العرب بوجه عام، وأقل مظاهر هذا التباين مما تحدث عنه الكتب خصب ~~الطائف وإمحال مكة، وما ترتب على هذا الخصب وهذا الإمحال في الطبيعة من أثر في ~~الرجال، فالعرب الذين تركوا على التاريخ الإسلامي ذكرا أكثرهم من ثقيف وهوازن، وأقلهم ~~من مكة والحجاز، ولولا بيت الله بمكة، ولولا أنها مسقط رأس النبي العربي، لكانت الطائف ~~صاحبة الأمر في الحجاز، وخاصة بعد أن فقدت مكة مكانتها التجارية حين تحول من ذلك اليوم ~~البعيد طريق التجارة من البر إلى البحر، ومن سفينة الصحراء إلى سفينة الماء، وأقول: ~~اليوم البعيد؛ لأنه يبدأ قبل الإسلام، ولأن طريق القوافل المار بمكة فقد كل خطره ~~منذ صدر الإسلام وحين انتقلت العاصمة الإسلامية من بلاد العرب إلى الشام والعراق ~~ومصر. # وليس هذا التباين في الطبيعة هو وحده الذي يجعل للطائف هذه المكانة المرموقة؛ ~~فتاريخها يكفل لها مكانة مثلها، وليس يستطيع الباحث في سيرة النبي العربي أن يمر ~~بالطائف دون أن يقف عندها، فمنازل بني سعد الذين استرضع النبي فيهم قريبة من الطائف، بل ~~هي من ms284 باديتها، وإذا لم يكن يسيرا أن يقطع الإنسان بأن حليمة السعدية ظئر النبي مرت ~~بالطائف في ذهابها إلى مكة أو في عودتها منها، فإن طبيعة الطائف وباديتها الخصبة ~~الكثيرة الأودية والجبال قد كانت أول ما وقعت عليه عينا محمد الطفل المترعرع في هذه ~~البيئة البدوية، الناعم بهوائها وبين أهلها ذوي النفوس الحرة الطليقة من كل قيد. # ولما بعث النبي وقضى من السنين ما قضى بمكة فلم تثمر دعوته الثمرة التي تهيئ له ~~التغلب على ضلال قومه، كانت الطائف في مقدمة البلاد التي اتجه نظره للامتناع بها وببأس ~~أهلها، صحيح أنهم لم يسمعوا له، وأنهم كانوا أشد حرصا على عبادة اللات منهم على ~~اتباع هذا الذي جاء يصرفهم عن دينهم كما حاول عبثا أن يصرف أكابر قومه عن دينهم، لكن ~~تفكير محمد في أمرهم، وذهابه وحيدا إليهم، وتعريضه نفسه لما تعرض له منهم، وهو لا يملك ~~في وحدته دفاعا عن نفسه، كل ذلك يدل على أنه رآهم أرجح عقلا وأدنى إلى إجابة داعي ~~الحق من غيرهم، فأما ما كان من صدهم إياه ومن تحرش صبيانهم به، ثم ما كان بعد ~~ذلك بينه وبين عداس النصراني، فتلك آية الله على أن الحق في حاجة إلى صلابة في النفس ~~وقوة في الخلق لينتصر، فإذا دعا إليه القوي الأمين الذي يخلص في الدعوة تم له ~~النصر ولو بعد حين. # ذهب محمد يومئذ إلى الطائف وحيدا بعد أن تولاه اليأس من قومه لما اشتهر عن الطائف ~~وأهلها من رجاحة الحكم وسعة الصدر وقوة البيان، وجعل يصعد الجبل وينحدر إلى السهول ثم ~~يصعد ثم ينحدر، حتى إذا بلغ القوم في ديارهم قصد إلى دار أبناء عمرو بن عمير بن عوف ~~الثقفي وهم يومئذ سادات قومهم: أولئك عبد ياليل ومسعود وحبيب، وجلس إليهم يحدثهم عن ~~رسالته ويدعوهم إلى القيام معه على من خالفه من قومه ويعدهم النصر والجنة، لكنهم ~~كانوا كغيرهم من أهل شبه الجزيرة، يريدون العاجلة، ويجدون في أصنامهم الوسيلة إلى ربهم، ~~ثم كانوا يرون محالفته ms285 على قريش أمرا قليل النفع مخشي الضرر، هو كذلك، بخاصة لأن ~~الخلاف يتصل بعبادة الأصنام، على حين لم تنازعهم قريش عبادة اللات ولا نازعتهم قدسية ~~بيتها، كما أنهم لم ينازعوها حرمة البيت العتيق وأصنامه، جال هذا كله بخاطر القوم ومحمد ~~يحدثهم، فلم يجدوا لمجادلته موضعا، بل أنكروا عليه رسالته في غلظة وفظاظة، قال ~~أحدهم: «هو يمرط ثياب الكعبة إن كان أرسلك.» وقال الثاني: «ما وجد الله أحدا يرسله ~~غيرك؟!» ورأى الثالث ما في هاتين العبارتين من قسوة فلجأ إلى التهكم وقال: «والله، لا ~~أكلمك أبدا؛ إن كنت رسولا من الله - كما تقول - فأنت أعظم خطرا من أن أرد عليك، ~~وإن كنت تكذب على الله فما ينبغي أن أكلمك.» # حزن النبي لما سمع منهم وأيقن أنه ملاق من سائر ثقيف مثل ردهم، لقد كان يطمع في ~~معونتهم لحكمتهم وسيادتهم ونزول قومهم على حكمهم؛ أما وذلك جوابهم فلا خير في التحدث ~~إلى غيرهم، لكن قريشا بمكة لن يفوتها أن تسمع بما أصابه إذا تناقل أهل الطائف روايته، ~~فيزداد محمد والمسلمون هوانا عليها، وتزداد إيذاء لهم وقسوة بهم؛ لذلك ألح محمد على ~~محدثيه الثلاثة أن يكتموا ما دار بينه وبينهم حتى لا تصيبه قريش بأذى، أما عبد ياليل ~~وأخواه فخافوا مغبة الكتمان وما يمكن أن تئول به زيارة محمد إياهم، فلم يسمعوا له، ~~بل أغروا به سفهاءهم حين خرج من عندهم، وتعقبه السفهاء يقذفونه بالحجارة، فالتجأ منهم ~~إلى حائط لشيبة وعتبة ابني ربيعة وجلس إلى ظل شجرة فيه، ورفع طرفه إلى السماء ~~يشكو إلى ربه سوء ما حل به، ورآه ابنا ربيعة ورأيا ضراعته وما هو فيه من سوء حال، ~~وبعثا مع غلامهما عداس النصراني بقطف من عنب يروي به ظمأه ويرفه به عن نفسه، ~~ومد النبي يده إلى العنب، وقال: باسم الله، ثم أكل، ودهش عداس لما رأى وسأل محمدا ~~عن شأنه، فلما علم أنه نبي أقبل عليه يقبل رأسه ويديه، وحذر صاحبا الكرم غلامهما ~~من أن يؤمن به، فنصرانية عداس خير ms286 عندهما من هذا الذي يدعو محمد إليه، وانصرف محمد عن ~~الطائف كسير الخاطر، وعاد يصعد في الجبال وينحدر في السهول ثم يصعد ثم ينحدر حتى بلغ ~~مكة، فإذا الأنباء سبقته إليها، وإذا قريش تستقبله بالسخرية وتناله وأصحابه من الأذى ~~بأكثر مما نالته ونالتهم به من قبل. # لو أن محمدا كان رجلا كالرجال لفت ما صنع أهل الطائف في عضده، ولآثر السلامة ~~بين قومه، فعاد إليهم وانضوى تحت لوائهم، لكنه أقام يدعو إلى هذا الحق الذي لم تأبه له ~~ثقيف، قوية بالحق نفسه، عامرا بالله قلبه، حتى نصر الله هذا الحق بعد حين، فعاد محمد ~~بعد عشر سنوات أخرى إلى الطائف قويا بلواء هذا الحق الذي أظل بلاد العرب كلها، فتحصن ~~أهلها منه ولم يذعنوا لدعوته كرة أخرى، لكنهم ما لبثوا، حين رأوا أن لا ملجأ من ~~الحق إلا إليه، أن بعثوا إلى محمد من تلقاء أنفسهم يلتمسون الانضواء إلى دينه والأخذ ~~بناصره، أوليس عجيبا أن يأبى الناس الحق إذا دعوا إليه بالحسنى وأن يحاربوا الرسول ~~الذي يدعوهم إليه، فإذا تولى عنهم ورأوا أن لا قبل لهم باعتزال الحق بعد أن آمن ~~الناس به أقبلوا طائعين يلتمسون رضوان من سخروا منه من قبل وأغروا به سفهاءهم، ثم ~~حاربوه ومنعوا منه وطنهم؟! فلقد تحصنت الطائف من المسلمين بعد انتصارهم في حنين فلم ~~يستطيعوا فتحها وانصرفوا عنها، ثم بعثت هذه الطائف سادات ثقيف يعلنون إلى محمد ~~إسلامهم ويكلون إليه أن يبعث معهم من يفقههم في الدين ويرشدهم إلى عظمة الحق ~~فيه، هذه آية خالدة على الزمن تشهد بأن للحق لا محالة النصر آخر الأمر ما استمسك به ~~صاحبه عن إيمان ويقين، وبأن النفس الإنسانية تهفو إلى الحق ما اطمأنت إلى اقتناع الداعي ~~إليه وإلى إيمانه به. # خرجت مع أصحابي أزور هذه الطائف ذات التاريخ المجيد، وصحبنا في زيارتنا رجل من أهل ~~الطائف هو الشريف حمزة الغالبي، ولقد أقبل هذا الرجل علينا منذ الصباح، وقدمه إلي ~~السيد صالح القزاز، فبادر الرجل فحياني ضيفا للطائف ms287 أجمل تحية، وهو بدوي في سحنته وفي ~~حديثه وفي لباسه وفي تحيته وفي كل ما يبدو من مظهره، أسمر السحنة، عربي التقاطيع، تلمع ~~عيناه السوداوان ببريق من ذكاء فطري، وتدل لهجة حديثه اللينة على دهاء وسعة حيلة، ~~يلبس الصمادة والعقال الصوف على رأسه، وجلبابا يتمنطق فوقه بقماشة حمراء أشبه شيء ~~بالفوطة، تتدلى من خصره إلى أسفل ظهره حتى تحاذي الركبتين في مثلث لا يبدو منه من ~~الأمام غير انحدار القماش من حيث يربط حتى يستدير ليبدو في صورة المثلث وراء ظهره، وهو ~~يلبس في قدميه نعلين حجازيتين لا شيء فيهما من زخرف النعال التي يلبسها اليوم أهل مكة، ~~والتي زخرفت منذ الفتح الوهابي الأخير على طراز النعال النجدية، ولما ذكر السيد صالح ~~القزاز وهو يقدمه أنه سيكون دليلنا في بادية الطائف وما حولها أبدى الرجل من الاغتباط ~~بذلك ومن تفتح قلبه له ما زادنا اغتباطا برفقته وأنسا به. # يقع منزل السيد محمد سرور الصبان، حيث أقمنا، في أقصى الطائف بضاحية تدعى قروة، ~~وبهذه الضاحية عدة آبار أشهرها بئر عجلان المعروفة بعذوبة مائها، ومكان هذه البئر ~~منها على مقربة من جبل السكارى في جنوب الطائف، ويطلق هذا الاسم على الجبل الذي تسمى به ~~منذ العصور الأولى، وأنت لذلك تجده في الكتب القديمة، وسبب إطلاقه فيما يذكرون أن أهل ~~الطائف كانوا يذهبون إليه في أعيادهم الأهلية يسمرون ويسكرون. # ومنازل قروة قليلة، وبها مبان لم تتم، وبها آثار منازل مهدمة، هذا مع وفرة مائها ~~وكثرة آبارها وصلاحها للسكنى والاصطياف، ويذكر أهل الطائف، وتؤيدهم كتب الرحلات ~~إليها، أن قروة كانت عامرة كثيرة الدور مقصودة من المصطافين من أهل مكة وغيرهم، وأنه ~~كان بها خمسة عشر بستانا، فلما وقعت الحوادث الأخيرة ودخل الوهابيون الطائف دمرت ~~أكثر منازلها وهجرها أهلها، وصارت إلى ما رأيتها عليه من قلة المنازل وانعدمت ~~بساتينها. # غادرت المنزل مع أصحابي ومعنا الشريف حمزة وركبنا السيارة نبتغي زيارة الطائف ذات ~~التاريخ المجيد، فلنذهب إذن إلى البقعة التي تفاخر بها الطائف كل مكان آخر ms288 في بلاد ~~العرب، تلك حيث دفن أصحاب الرسول الذين قتلوا حين حصار الطائف، والذين بقي اسمهم علما ~~على التضحية بالحياة في سبيل الحق، كما بقي أبناء الطائف المثل الأعلى لاستماتة أبناء ~~الوطن في الدفاع عن وطنهم، وذهبت بنا السيارة إلى مسجد ابن عباس القائم حيث كان جيش ~~المسلمين الذين حاصروا الطائف على عهد النبي، والمجاور لقبور الصحابة الذين استشهدوا ~~في هذا الحصار، إذ تقع القبور في مكان مسور بجوار المسجد من ناحية الشمال، وقد سلكت ~~السيارة إلى المسجد طرقا خارج المدينة ثم انحدرت من طريق ينتهي إلى ميدان المسجد، ولم ~~يكن ذلك عسيرا والمسجد يقع من المدينة في الطرف الذي يقابل موقع قروة، فلا حاجة ~~بالذاهب إليه أن يجوس خلال مساكنها، وبين الميدان وباب المسجد ممر يبلغ طوله بين الخمسة ~~عشر مترا والعشرين، وعرضه نحو ستة أمتار أو سبعة، وإلى يسار السائر في هذا الممر ~~متجها إلى المسجد مبان يذكرون أنها مدرسة ومكتبة، وهي على نظام المباني المتصلة ~~بالمساجد القديمة في مصر، والتي كانت مكاتب ومدارس إلى أول القرن العشرين، لها نوافذ ~~واسعة تتقاطع فيها قضب الحديد لتحول بين داخلها والخارج، ويتعرج الممر عند باب ~~المسجد، فإذا سار الإنسان فيه ألفى بابا مقفلا بالحجر، ذلك باب قبر ابن عباس الذي ~~كان يزار فيما مضى ولا يسمح لأحد اليوم بزيارته، وكانت على هذا القبر قبة هدمها ~~الإخوان فيما هدموا من القباب حين دخلوا الطائف والحجاز كله. # وباب المسجد يقابل الميدان، ويتخطى الإنسان منه إلى فناء مكشوف لا تقام فيه صلاة، ~~فإذا وقف فيه متجها إلى ناحية القبر كان المسجد أمامه والمحراب في صدره، والمسجد مسقوف ~~كله، قائم سقف على عمد فوقها عقود، مفروش كله، بعضه بالسجاد وبعضه بالحصير، فسيح ~~الجنبات يتسع لبضعة آلاف من المصلين، وللقبر باب من ناحية المسجد غير بابه المطل على ~~الخارج والذي أقفل بالحجر، وقد أقفلت أبواب مقصورة القبر من ناحية المسجد إقفالا ~~محكما لا سبيل معه إلى دخول أحد عند القبر للتبرك به أو لاتخاذ صاحبه ms289 إلى الله ~~زلفى، فمذهب الإخوان في هذا الأمر حاسم لا يقبل هوادة. # وكان الناس فيما مضى يصلون الجمعة في مساجد الطائف الأخرى ولا يقصدون إلى هذا المسجد ~~العباسي؛ ذلك بأن أهل المدينة وما حولها اتخذوه مقبرة تيمنا بدفن موتاهم إلى جانب ~~الصحابة، ورجاء أن يلتقوا في الآخرة بهم فيكونوا لهم شفعاء عند الله، وقد كثرت القبور ~~في المسجد في بعض العهود حتى امتلأ نصف صحنه بها، فلما كان مستهل القرن الحادي عشر ~~الهجري نهى الشريف زيد بن محسن عن الدفن فيه خيفة أن يصير مقبرة كله، وأمر بأن يصلي ~~الناس الجمعة فيه بعد أن كانوا يعتبرونه مقبرة لا تقام فيها الصلاة. # ولم يكن المسجد يومئذ على ما هو عليه من سعة، ولعله لم يبن إلا بعد زمن غير قليل ~~من حكم العباسيين إكراما لقبر ابن عباس، على أنه كان موضع التجلة والإكرام في ~~مختلف العصور، فكان كلما تخرب منه جانب عمر، وقد تضافر أمراء المسلمين من أهل اليمن ~~والحجاز ومصر على عمارته، كذلك كان شأنه، حتى لقد عهد والي الشام محمد باشا العظم إلى ~~أحد المعماريين المشهود لهم بالتفوق بأن يزيد في عمارته فزاد فيه اثنتين وثلاثين ذراعا ~~في الطول ومثلها في العرض وذلك في سنة 1193 هجرية. # وابن عباس صاحب هذا القبر والذي سمي المسجد باسمه، أو الحبر ابن عباس كما يسميه ~~بعضهم، هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم النبي العربي، وجد الخلفاء ~~العباسيين، وليس أحد قرأ علوم الإسلام إلا يعرفه كل المعرفة، فهو من رواة الحديث ~~المعروفين، وهو من أكثر أهل زمانه ذكاء وعلما، وكان أبيض وسيما، جسيما، مشربا صفرة، ~~طويلا، صبيح الوجه، له وفرة، يخضب بالحناء ويلبس الخز، ويعتم بعمامة سوداء ~~يرخيها شبرا، توفي سنة 88 هجرية بعد أن كف بصره. # أما قبور الصحابة الواقعة إلى جوار المسجد من ناحية الشمال فيبلغ عددها اثني عشر ~~قبرا، ويحيط بها مكان مسور ويقوم فوقها زرع أخضر، وليس يعرف أحد ممن تحدثت إليهم ~~لمن من الصحابة ms290 الذين استشهدوا في الحصار هذا القبر أو ذاك، مع أنهم جميعا معروفة ~~أسماؤهم، ولقد سألت: أيعرف أحد قبر عروة بن مسعود الثقفي، فلم أجد من يعرفه أو ~~يدلني عليه، هذا مع ما كان لعروة من مكانة وسؤدد في الطائف على عهد الرسول، صحيح ~~أنه لم يكن ممن استشهد مع المسلمين في حصار الطائف، فقد كان عروة يومئذ على دين قومه ~~ولم يكن قد مات، لكن له في تاريخ النبي العربي مواقف تجعل له من المكانة في النفوس ما ~~يخلد به ذكر قبره، وما يخلع عليه أسطورة من مثل الأساطير الكثيرة التي يسمعها الإنسان ~~بمكة عن مساجدها وقبورها وآبارها. # فقد كان عروة سفير قريش إلى النبي عام الحديبية، هو الذي خرج إليه يذكره بأن مكة ~~بيضته، وأنه إن يفضضها على أهله المقيمين بها كان العار الخالد لقريش عارا لا يرضاه ~~محمد لأهله وإن اتصلت الحرب بينه وبينهم ما اتصلت، فلما عاد إلى قريش قال لهم: «يا معشر ~~قريش، إني جئت كسرى في ملكه، وقيصر في ملكه، والنجاشي في ملكه، وإني والله ما رأيت ~~ملكا في قوم قط مثل محمد في أصحابه، لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوءه، ولا يسقط من شعره ~~شيء إلا أخذوه، وإنهم لن يسلموه لشيء أبدا.» وكان عروة هو الذي أسرع إلى محمد بعد ~~غزوة تبوك يعلن إسلامه وحرصه على دعوة قومه للدخول في دين الله، فلما حذره النبي قومه ~~وقال له: «إنهم قاتلوك». كان جواب عروة جواب المعتز بمكانه منهم أن قال: «يا رسول الله، ~~أنا أحب إليهم من أبصارهم.» وعاد عروة إلى قومه فدعاهم إلى الإسلام؛ فتشاوروا بينهم، ~~وعز عليهم أن يتركوا عبادة اللات، فلما أصبح عروة قام على علية له ينادي ~~للصلاة، فضاق قومه به ذرعا فرموه بالنبل، فقال وهو يسلم الروح: كرامة أكرمني الله ~~بها، وشهادة ساقها الله إلي، فليس في إلا ما في الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قبل أن يرتحل عنكم.» ثم طلب أن يدفن مع هؤلاء الشهداء ms291 فدفن معهم. # هذه بعض مواقف عروة بن مسعود الثقفي، ومع ذلك لا يعرف أحد من ثقيف قبره بين هذه ~~القبور لشهداء المسلمين، ولقد دعاني ذلك إلى كثير من التدبر وأنا بموقفي أستذكر صورة ~~اليوم الذي استشهد فيه أولئك الشهداء، واليوم الذي استشهد فيه عروة بن مسعود من رمية ~~النبل وهو ينادي: «الله أكبر الله أكبر» ويدعو الناس للصلاة. # 1 # وعدت وأصحابي من مسجد ابن عباس ندور في المدينة، وقد مررنا على مقربة من مسجد ابن ~~عباس بمسجد للسنوسي، يسميه بعضهم مسجد الطرابلسي، فألفيناه مغلقا، فنظرت من ثقب في ~~أعلى بابه فإذا هو على طراز مساجد مكة بسيط العمارة غير فسيح، يتقدمه لدى الباب صحن ~~مكشوف، ويقوم المحراب قبالة الباب، ويعتمد سقفه على عمد فوقها عقود تفصل بين الصحن ~~والمسجد، فلما تخطينا سوق المدينة منحدرين غربا استوقفنا مسجد الهادي، وهو مسجد فسيح ~~من مساجد الطائف السبعة التي يصلي أهل الطائف بها كل أوقاتهم، ما خلا صلاة الجمعة، فهم ~~يجتمعون لها في مسجد ابن عباس. # من هذه المساجد بالطائف مسجد له قصة طريفة جديرة بالرواية، ذلك مسجد المحجوب الواقع ~~في سفح جبل السكارى بقروة، وتتصل قصة هذا المسجد بمحرابه المشهور بأنه محرر على القبلة ~~بدقة لا تعادلها دقة تحرير المحاريب في سائر مساجد الطائف، وقصة هذا المحراب أن السيد ~~محجوب الميرغني السوداني أمر ببنائه، فلما أقام البناءون المحراب اشتبه في دقة استقباله ~~القبلة، وقال لرئيس البنائين: «أصلح قبلتك». ثم مد كم جبته أمام هذا المعلم ~~فنظر فيها فرأى الكعبة من كم الجبة، وبذلك حرر المحراب على عين القبلة، وأنا أضع هذه ~~الرواية تحت نظر القارئ، وليس لي منها إلا حظ الناقل. # مررنا بسوق الطائف في انحدارنا من مسجد ابن عباس إلى مسجد الهادي، وسوق الطائف كما ~~رأيت أشبه شيء بما نراه في حوانيت القاهرة إذ نمر بالفحامين والمغربلين وتحت ~~الربع، ولقد عادت بي ذاكرتي وأنا أجتازها إلى أسواق أم درمان، وإن بينها وبين أكثر ~~الأسواق بمكة لشبها عظيما، وهي تشبه أسواق دمشق ms292 كما رأيتها في سنة 1914 - إذا لم ~~تخني الذاكرة - وهذا كله يدل على أنه طراز السوق المعروفة في بلادنا الشرقية قبل أن ~~تغزونا حضارة الغرب وأن تجعل من أسواقنا ما نراه اليوم بالقاهرة والإسكندرية ودمشق ~~والخرطوم في الأحياء الجديدة، فالحوانيت صغيرة ضيقة لا تعنى بعرض ما فيها عناية تلفت ~~النظر، والجالسون فيها هم أصحابها، وهم يرتبطون بصلة المودة حتى ليدع أحدهم عميله ~~جالسا إلى باب حانوته ليقوم بنفسه فيبتاع له من الحوانيت الأخرى ما ليس عنده، وتمتلئ ~~هذه الحوانيت الصغيرة الضيقة بركة من الله وفضلا لقيام أصحابها بأنفسهم على تصريف ~~تجارتها. # إذا اعتبرت الطائف هذه المدينة التي تتوسطها السوق ويقع فيها مسجد ابن عباس والمساجد ~~الستة الأخرى، فهي - لا ريب - مدينة صغيرة لا تزيد على مدن المراكز في مصر؛ لذلك تضاف ~~إليها الضواحي المتصلة بها، والتي يتخذها أهل مكة مصيفا ويعتبرونها من الطائف - كما ~~يتخذ أهل مصر رمل الإسكندرية مصيفا ويعتبرونه من الإسكندرية. # وقد أشرت إلى ضاحية قروة حيث يقع منزل مضيفنا الشيخ محمد الصبان، وثم إلى جوار ~~الطائف من ناحية الشمال بستان اسمه نجمة، جميل الموقع غاية الجمال، وبه قصر تمنيت إذ ~~رأيته أن يكون لي، فموقع نجمة بديع حقا، يقع من خلفه واد يطلقون عليه اسم وادي ~~العقيق، وإن أنكر الشريف حمزة الغالبي قدم هذا الاسم، ويقوم من وراء هذا الوادي جبل ~~أبي صحفة، وهذا كله يحيط نجمة بهالة طبيعية بارعة تبلغ روعتها ساعة المغيب حين تنحدر ~~الشمس وراء الجبل وتلقي بأشعتها على وادي العقيق مبلغا تتعلق به النفس ويأخذ الفؤاد ~~منه البهر؛ لذلك اختارها الشريف عون الرفيق أمير مكة السابق لبناء هذا القصر الذي بها ~~والذي أريد بالبستان أن يحيط به، لكن تصاريف القدر أقوى من إرادة الإنسان، وله فيها ~~العبرة البالغة، فقد بغتت حوادث النهضة في بدء الحرب الكبرى بناة هذا القصر فلم ~~يتموه، وبقي لذلك بناء قائما من الآجر الجميل لم يجصص ولم توضع له أبوابه ونوافذه، ~~لكن متانة البناء حفظته مدى هذين العقدين من ms293 السنين اللذين انقضيا منذ بنائه، فهو اليوم ~~قائم كأنه ينتظر بناته يستأنفون عملهم فيه صبح الغداة. أما البستان فصار اسما لا مسمى ~~له، وهلك عون الرفيق وتركت ذريته الحجاز، وهي تقيم بمصر الآن، ولا يفكر أحد في ~~استئناف هذا البناء البديع في ذلك الموقع الساحر، ولا في غرس البستان حوله ليكون ~~مصيفا بارعا قل نظيره. # أما وهذا شأن نجمة فهي أدنى إلى الأثر منها إلى الضاحية، وإن تكن أثرا يسهل بعثه إلى ~~الحياة ليكون قصرا فخما وبستانا جميلا، فأما الضاحية البديعة حقا فتلك شبرة التي ~~مررنا بها في طريقنا من مكة إلى الطائف، والتي تقع على أبواب الطائف، ولم تقف السيارة ~~بنا إذ ذاك عندها، ولم ألتفت يوم ذاك إليها رغم انبساط ضوء القمر عليها، لتقدم الليل، ~~وشدة الجهد، وطول الشقة التي قطعناها، لكني عدت إليها قبيل المغيب ذات يوم من أيام ~~مقامنا بالطائف فخلتني إذ دخلت قصرها واخترقت بساتينها كأنما انتقلت من بلاد العرب كلها ~~إلى جزيرة الروضة بالقاهرة، أو إلى بعض الجوانب النضرة من سويسرا، هذا مع أني كنت قد ~~مررت قبل ذلك ببساتين عدة في بادية الطائف، وكنت قد نسيت الجدب والإمحال المحيطين ~~بمكة، واللذين ينتشران في تهامة إلا في قليل من أوديتها. # وشبرة ليست مع ذلك بالضاحية القديمة، فقصورها وبساتينها من بناء آل عون في أواخر ~~القرن التاسع عشر وأوائل هذا القرن العشرين، بنى الشريف عبد الله بن عون القصر الأول، ~~أو شبرة القديمة كما يسمونها، وبنى الشريف علي ولده القصر الثاني أو شبرة الجديدة، ~~وغرست حول القصرين بساتين فخمة يقصر دونها الطرف، بها من أشجار الفاكهة النادرة ~~والأزهار البالغة في البهجة ما جلبه بناة القصرين من مختلف بلاد الأرض، كما جلبوا ~~رخام القصرين من إيطاليا، وأخشابهما من تركيا، وقد آل هذان القصران إلى الملك ابن ~~السعود بعد جلاء الأشراف عن الحجاز، فاتخذهما مصطافا له ولعائلته، أما وحريم ابن ~~السعود من زوجات وملك يمين يفقن في العد ما يتصوره ذهننا المصري، أما وأبناؤه ~~منهن يجاوزون العشرات، ms294 أما ولكل زوجة في القصر جناح، فالقصران جميعا لا يسعان الأسرة ~~الملكية السعودية كلها؛ لذلك يضطر الأمير فيصل، وزير خارجية ابن السعود ونائب الملك ~~بالحجاز، أن ينزل بالطائف إذا اصطاف بها؛ لأن قصري شبرة وبساتينها تضيق به . # وبينما يصطاف ابن السعود وأهله بشبرة الطائف إذا الشريف علي باشا الذي أقام شبرة ~~الجديدة بعد أن أقام أبوه الشريف عبد الله بن عون شبرة القديمة يقيم بمصر يستعيد ذكريات ~~عهد سلف، ويتطلع بآماله إلى هذه البادية التي شهدت عظمة سلطانه ثم نسيته كما نسيت ~~عتاة سبقوه وكان لهم فيها السلطان، وإن حفظت ذكر الذين عطروا جوها من عهد رسول ~~الله بالتضحية بحياتهم جهادا في سبيل الله. # عدت إلى شبرة قبيل المغيب ذات يوم من أيام مقامنا بالطائف بعد أن قضينا نهارنا ~~بالبادية نصعد في الجبال وننحدر عنها، وكان السيد محمد صالح القزاز قد أبلغ حارس القصر ~~أن يلقانا عنده وأن يفتح لنا بابه أول وصولنا إليه، ووقفت قبالة القصر أحدق في عمارته، ~~ولم يدهشني ألا ينم شيء منه على الطراز العربي في قليل ولا كثير رغم قيامه في قلب ~~بلاد العرب؛ فقد شاده الأشراف في عصر كانت صفة العربية تدل على الانحطاط والتأخر في كل ~~ما تنسب إليه، وكان سلطان الحضارة الغربية متغلغلا في نواحي الحياة في ربوع العالم ~~جميعا، إنما بني القصر على طراز أدنى إلى الروماني، فتح حارسه لنا بابه فصعدنا إلى ~~درجات فسيحة مريحة تبلغ عرض الباب، أي: نحو المترين، ومصراعا الباب من خشب جميل النقش ~~ثمين، وطالعنا سلم القصر وراء الباب وهو في مثل عرضه، صنع من رخام إيطالي جميل، وقام ~~عن جانبيه درابزون من الحديد الدقيق الصناعة، وتدل آثار من النحاس باقية بأعلى ~~الدرابزون على عناية بنقشه وزخرفته، وقد قيل لنا: إن الوهابيين لما وصلوا الطائف ~~واقتحم جندهم القصر حسبوا النحاس ذهبا فنزعوه واعتبروه من الغنائم الثمينة، ويفضي هذا ~~السلم إلى الطابق الأول للقصر فيفضي بذلك إلى أبهاء فسيحة، وغرف تذكرك سعتها بأبهاء ~~الفنادق، وزادها سعة خلوها ms295 من الأثاث، وأردت أن أعرف هذا الأثاث ما يكون حين نزول ~~الأسرة المالكة أثناء الصيف بالقصر فلم أجد إقبالا على إجابتي، فحسبت القوم غلبهم ~~الحياء دون الحديث في أمر ملكي ذلك مبلغه من الاتصال بالحياة البيتية في الليل والنهار، ~~وأردت أن أشجعهم فذكرت ما يراه الإنسان بالقصور الملكية في إنجلترا وأوروبا من الطنافس ~~وأدوات الزينة وأسرة النوم، فنظر أحدهم إلي في دهشة وقفتني عن المضي في القول ~~وذكرتني أنني في بلاد العرب ولست بأوروبا. # ولم نصعد إلى الطابق الثاني من القصر إذ قيل: إنه على نظام الطابق الأول، وعدنا من ~~الغرف إلى السلم لنهبطه، فأشار إلينا الشيخ صالح القزاز فدخلنا من باب قبالة السلم يؤدي ~~إلى طنف «بلكون» مطل على بساتين القصر، فجلسنا حتى تناولنا القهوة، ثم هبطنا إلى ~~البساتين نسير فيها متنقلين من بستان شبرة القديمة إلى بستان شبرة الجديدة نقضي من ~~الوقت أثناء سيرنا بهما ووقوفنا أمام أشجار مختلفة فيهما ما يشيع في النفس المسرة ~~ويذهب عنها نصب النهار في متاعها بمنظر شجرة باسقة لفاكهة نادرة، وأخرى متشعبة الفروع ~~لزهر ذكي عطر، وإن لم يكن الفصل بالطائف بعد فصل جبي الفاكهة أو تضوع أريج ~~الزهر. # وهذه البساتين، على ما فيها من أشجار ثمينة نادرة، لم يعن أحد بتنسيقها أو بتنظيم ~~الطريق خلالها لتيسير المرور بها والوقوف عند محاسنها والمتاع بعطر زهرها وأريج ~~فاكهتها، هي أدنى إلى أن تكون غابة مستوحشة ألقت المصادفة إليها بهذه الأشجار فنمتها ~~تربتها الخصبة في نضرة وبهاء دون أن تجمع بين المتشابه منها أو تعنى باتساق ألوان ~~الزهر فيما يجتمع من أشجاره، يشير لك البستاني إلى شجرة من الورد ويصف لك بهاء لون ~~زهرها، ثم يذكر لك أن شجرة مثلها تقع في ناحية من البستان نائية أو قريبة، وأن شجرة من ~~فصيلتها تقع في الطرف الآخر منه، وما سوى الورد والفاكهة مبعثر في هذه البساتين كالورد ~~سواء، فسبيلك إلى معرفتها أن تدرس مواقعها من هذه الغابة وأن تقتحم طريقك إليها خلال ~~الأشجار الباسقة البارعة ms296 النمو المتشابكة الغصون. # وبلغنا بابا صغيرا بآخر البساتين فيما وراء القصور، واتجه أصحابي يريدون الخروج ~~منه، وإني لعلى أهبة اتباعهم إذ وقف إلى جانبي الشريف حمزة الغالبي، وقال: أتعلم أن ~~لهذه البساتين كرامة لن ينساها أهل الطائف ولا أهل مكة؟! وعجبت أن تكون البساتين ~~أولياء أولي كرامات، فقال: لا تعجب! فقد كان أهل مكة يصطافون بالطائف حين أغار ~~الوهابيون عليها، ولم تكن بالطائف حامية تصد غارتهم، فلما سلمت المدينة ودخلها ~~الإخوان أخذوا من بها أسرى، وبحثوا عن محلة تتسع لهم جميعا فلم يجدوا إلا هذه البساتين ~~فحشروهم فيها زمرا ولم يدفعوا إليهم بطعام ولا بشراب، وكان الفصل فصل الفاكهة، فوجد ~~هؤلاء الأسرى فيها طعامهم، وفي العيون التي تستقي منها البساتين شرابهم، ولولا ذلك ~~لهلكوا جوعا وعطشا، ألا ترى هذه كرامة لهذه البساتين تسجل لها مع ما ينسب لبعض ~~الآبار والآثار من الكرامات؟! # وألقيت على هذه البساتين كأنها الغابات قبل خروجنا من بابها الصغير نظرة أحاطت بها، ~~ثم سرت وأصحابي بعد أن انحدرت الشمس إلى المغيب تاركة وراءها بقية من الضوء تنير ~~الطريق للسالكين، وأفضيت إلى أصحابي والسيارة تجري بنا إلى الدار بما رأيت من عدم تنسيق ~~البساتين وتركها غابة غير ذات نظام، فقال أحدهم: «لعلها كذلك أجمل! ولعل ذلك رأي ~~الأشراف الذين نسقوها.» # وبلغنا الدار فعلمنا أن شعراء البادية سيحضرون إلينا في المساء، ودخلت غرفتي أزيل ~~غبار النهار، ثم توضأت وصليت وأقمت على سجادة الصلاة أذكر ما رأيت، وتمثلت لي البساتين ~~في غاباتها وسألت نفسي: أهي حقا كذلك أجمل مما لو نسقت ونظمت وخططت فيها الطرق ~~وجمع فيها كل ضريب من الأشجار إلى ضريبه، وكل لون من الزهر إلى نظيره؟ أم هي كذلك ~~أجمل لأنها في بلاد العرب بين أحضان الطبيعة البكر لم تنظمها يد الإنسان، وأنها لو ~~نظمت لكانت نابية في هذه البيئة؟ فالبدوي المتنقل من مكة أو من نجد إلى الطائف، والذي ~~قضى في البادية ما قضى يخب به الجمل تتقاذفه الفلوات، أو تجري به السيارة منذ غزت ms297 ~~السيارة هذه الربوع جريا مضطربا بين المرتفعات والمنخفضات، لا يألف نظره البستان ~~المنظم ما يألف هذه الغابة الموحشة في روعة جمالها البارع! أم يرجع عدم تنظيمها إلى ~~بقاء الخلق البدوي متأصلا في النفس العربية فهي لما تألف الحضارة ونظامها، وهي ~~لا تحتمل هذه الحضارة ولا تسيغها إلا أن تحمل على ذلك حملا وتكره عليه ~~إكراها؟ # والحق أن أهل هذه البلاد ما يزالون مترددين بين الاعتزاز ببدويتهم والإعجاب بالحضارة ~~الحاكمة، فهم يتمنون أن يتاح لهم المتاع بكل ما تيسره هذه الحضارة من متاع بالحياة، ~~وهم يخشون ألا تطيق نفوسهم هذا المتاع، أو لا تطيقه بلادهم وبيئتهم لو أنه جلب إليها، ~~كما يخشون أن يضيع ما تجلب هذه الحضارة إليهم ما ينعمون به من حرية البداوة، فهم ~~يعتزون بها ويذكرون ماضي مجدها ويرجون لو يستطيعون الجمع بينها وبين ما في الحضارة من ~~خير، ناسين أو متناسين أن الخير وحده لا وجود له، وأن الشر وحده لا وجود له، وأن ~~اجتماعهما طبيعي، فلا مفر منه ولا معدى عنه، وأن غاية ما نستطيعه أن نستر الشر ~~عن الأعين، كما يتوارى المريض أثناء مرضه عن أعين الناس. # وأقبل المساء وأقبل شعراء البادية إلى بهو الدار يبلغون الخمسة عشر عدا، وجلس كل ~~منهم في المكان الذي تؤهله له مكانته، في الصدر جلس رجل منهم يناهز الستين، تحدث ~~سيماه ويحدث لباسه عن وجاهة في قومه وتقدم على أبناء قبيلته، وجلس على مقربة ~~منه من لا يبلغ الثلاثين ولكنه فصيح القول، في نبرة صوته أمارة الرياسة، وجلس الباقون ~~وقد اختار كل منهم مكانا لا ينازعه إليه غيره، وألقى كثير من هؤلاء مشالحهم عن ~~أكتافهم، أما أولو الصدارة فقد احتفظوا بها وكأنها بعض أمارة الصدارة، وبادلتهم ~~التحية جميعا، ثم فسحوا لي في الصدر مكانا وسألوني عما شهدت بالطائف وعن رأيي فيه، ~~واتصل بيننا حديث سرعان ما خالطه ذلك الود الفياض من ميراثنا المشترك في اللغة والتاريخ ~~والعقيدة، ذلك الود الذي يجعلنا نشعر حيث كنا من بلاد هذا العالم العربي ms298 أننا بين أهلنا ~~وذوي قربانا، التقى أجدادنا وأجدادهم، وجرى في عروقنا وعروقهم عن طريق النسب دم مشترك، ~~فأصبحنا أمة واحدة وإن تباعدت البلاد وتباينت العادات. # ولم أكن أطمع في أن أسمع من شعراء العرب هؤلاء شعرا عربيا كالذي انتهى إلينا عن ~~الجاهلية وعن شعراء العرب أيام سلطانهم وازدهار حضارتهم، فلقد طمعت في أن أسمع ~~بالبادية حديثا عربيا في صفاء اللغة التي درسناها، فلم أسمع في الأودية ولا في أعالي ~~الجبال من ذلك شيئا، وإنما هي لهجات تعذر علي فهم بعضها كما يتعذر علي فهم لغة ~~أهل الصعيد الأعلى في مصر، وفهمت بعضها في عسر، كما لو كنت أسمع بعض اللهجات في سوريا ~~ولبنان، وليس في البادية مدارس يتعلم أبناء البادية العربية الصحيحة فيها ويدرسون الشعر ~~القديم كما يدرسه أبناؤنا ليقولوا الشعر متأثرين ببيئتهم محاكين الأقدمين في نظمهم، ولم ~~يخلف هؤلاء الشعراء ظني، فقد بدءوا يلقون مقاطيع في الغزل وفي ذكر الأيام، أيام ~~البادية المجيدة، هي أشبه شيء بالمواويل الحمر في صعيدنا الأعلى، ولقد كانت طريقة ~~الإلقاء تبعث إلى النفس من معاني ما يقولون أكثر مما تبعثه الألفاظ الغريبة عني، والتي ~~تنطوي عليها لهجاتهم المختلفة، وكثيرا ما حاول الشريف حمزة الغالبي أو الشيخ صالح ~~القزاز أن يترجم لي هذه المقاطيع باللغة التي نتفاهم بها، لغة أهل مكة الجامعة بين خليط ~~من لغات المسلمين في أقطار العربية المختلفة، وكنت أقف من هذه الترجمة على صورة بدوية ~~بديعة في هذا الشعر الساذج أكاد أذكر بها معاني الأقدمين. # وجاءت نوبة الشريف حمزة الغالبي فألقى قصيدة باللغة العربية الفصحى، وكأنما أراد أن ~~يرفه عني بلغة يتيسر علي فهمها، وعاد أصحابه إلى مقاطيعهم، ثم عاد هو فألقى قصيدة ~~أخرى، وعاد في نوبته فألقى قصيدة ثالثة، إذ ذاك ضاق القوم به ذرعا أن رأوني أسرع إلى ~~فهم ما يقول، فحدثه أسنهم يعيب عليه أن يحاول إبداء تفوقه عليهم أو ازدراء لغتهم ولغة ~~آبائهم، واعتذر الشريف في تأدب بأنه إنما يريد أن يطلعني على شيء مما يقولونه، ولم ms299 ~~يعد بعدها إلى إلقاء شيء من شعره. # وكان الطريف في هذه القصائد الثلاث التي أنشدها أنه يمدح بأولها حكم الترك، ~~وبالثانية حكم الأشراف، ويشيد في الثالثة بحكم ابن السعود، دون أن يرى في ذلك ما يعاب ~~به أو يقدح فيه، ألم يكن هؤلاء جميعا حكاما لبلاده؟ فهم سواسية عنده، يقول فيهم ~~جميعا قولا واحدا، ويتخذ إزاءهم من شعره ما يتقي به ظلمهم وما يصل به إلى رضاهم، ~~وإلى ما يسبغه هذا الرضا على من يناله من خير ونعيم. # ومدت لشعراء العرب الموائد، وقدم لهم العشاء، فالتفوا حوله بعد تمنع ونالوا ~~منه شبعهم، وبعد أن تناولوا القهوة وتحدثوا استأنفوا قول الشعر، لكنهم لم يقولوه مقاطيع ~~كما فعلوا قبل العشاء، بل بدءوا بالمطارحة: يرتجل أحدهم في أمر فيجيبه آخر ~~ارتجالا في هذا الأمر، وما كان لي أن أحكم بينهم ولم أكن أفهم مما يقولون إلا قليلا، ~~لكنني رأيت بعضهم يتحمس لما يسمع من جانب، ورأيت آخرين يتحمسون لما يسمعون من الجانب ~~الآخر، وذكرت شيئا من هذه المطارحة سمعته في لبنان، ورأيت هناك ما رأيت بالطائف من ~~تحمس لهذا ولذاك من المرتجلين، فأيقنت أن الشعر شعبي يثير الحماسة، وأن قائله يتوخى ~~في قوله أن يثيرها في النفوس ليذكي فيها من صرام هذه الحماسة غاية ما يستطيع ~~إذكاءه. # وانتهى القوم من هذه المطارحة يتبادلونها جلوسا، ثم قاموا فريقين يواجه كل منهما ~~الآخر، وقد أمسك الزعيم من كل فريق عصا، واندفعوا يتطارحون في حماسة أشد من الأولى ~~وأنا لا أكاد أفهم مما يقولون شيئا؛ لبعد ما بين لهجتهم وما عرفت من لهجات البلاد ~~التي تتكلم العربية الفصحى، وحمي وطيس المطارحة، وأخذت الحماسة من نفوس الفريقين ~~أعظم مأخذ، ولم يصبح الأمر بينهم أنهم يريدون إظهاري على شعر البادية ما هو، بل أصبح ~~منافسة واستعلاء، يريد كل فريق أن يكون له التفوق والغلب، وهل بقي من أمري ما يعنيهم ~~وقد رأوني لا أفهم ما يقولون؟! لكنهم يفهم بعضهم بعضا، ولكنهم رأوا حديقة الدار قد ~~امتلأت بأهل الطائف ms300 كبارا وصغارا يلقون إليهم السمع ويتحمسون لهم فيزيدونهم حرصا ~~على الإجادة والتفوق، وامتلأت حديقة الدار منذ بدأت هذه المنافسة ولم يكن بها أول ~~المساء إلا القليل، فلا عجب أن يحرص كل فريق على أن يحكم النظارة بتفوقه ، وإن ~~امتد به القول، وإن أقام مكانه حتى الصباح يتلقى الهجمات ويدفعها حتى يبلغ من ذلك إلى ~~إخفات صوت خصمه. # وأدرك الشيخ صالح القزاز أني أقيم معهم مجاملة لهم ما دمت لا أفهمهم، وأني في حاجة ~~إلى الراحة والنوم، وكان الليل قد انتصف ولا بد لنا من التبكير في اليقظة صبح الغد ~~لنخرج إلى جبال الشفا؛ لذلك أخذ يشكر القوم علامة الإذن بانتهاء الحفل، إذ ذاك ~~سمعت زمجرة استياء من ناحية الحديقة وبدا على المتنافسين الضجر مما سمعوا، وكأنما ~~كان كل فريق يحسب النصر قد دنا، أو أن فريقا طرب للانتهاء؛ لأنه كان وشيك الخذلان، في ~~حين كان الفريق المتفوق هو المزمجر استياء لهذا التبكير بفض الحفل قبل تمام انتصاره، ~~على أن حركة الاستياء لم تلبث غير ثوان جلس القوم بعدها ثم استأذنوا وانصرفوا، وقمت ~~إلى مضجعي مكدودا فلم تك إلا لحظات حتى اشتملني عالم النوم. # واستيقظت بكرة الصباح وصور هؤلاء الشعراء ما تزال ماثلة أمام عيني، وساءلت نفسي عن ~~هذه المطارحة وهذا التفاخر: أهما صورة ما كان يقع عند العرب من سكان هذه البادية في ~~العصور القديمة حين كانت الفصحى ما تزال في سلامتها، وأن ضياع الفصحى لم يحل دون ~~انتقال هذه الصورة على العصور من الآباء إلى الأبناء؟ ولم أعن نفسي بالوقوف عند هذا ~~السؤال والتماس الجواب عنه، مكتفيا بما علقته الذاكرة من كتب الأدب عن المطارحة ~~ارتجالا وذيوعها عند العرب الأقدمين، فأما هذه المفاخرة في صفين يقف أحدهما قبالة ~~الآخر فقد تكون صورة من المطارحة في الفخر لم تطل كتب الأدب الحديث عما كان يقع منها ~~فيما مضى، وقد لا تكون مما ورثه عرب البادية اليوم عن أسلافهم، وإنما هي بدعة انتقلت ~~إليهم من بعض البلاد التي غزاها هؤلاء الأسلاف ms301 بعد الفتح الإسلامي بزمن قصير أو ~~طويل. # وسألت الشيخ عبد الحميد حديدي، ونحن نتناول طعام الإفطار، عن المكان الذي لقي النبي ~~فيه عداسا النصراني النينوي حين جاء إلى الطائف مستنصرا أهلها فخذلوه وأغروا به ~~صبيانهم فوجد في عداس هذا عزاء وسلوى عن تحرش الصبيان به وتنكر الرجال له، وأجاب ~~الشيخ عبد الحميد: إن مسجد عداس يقع بالمثناة إحدى قرى بادية الطائف، ولا يقع ~~بالطائف المعروفة اليوم، أما وكتب السيرة جميعا تشير إلى أن عداسا لقي النبي بالطائف ~~حين احتمى بحائط شيبة وعتبة ابني ربيعة، كما تشير إلى أن مضارب المسلمين حين حصارهم ~~الطائف كانت تقع على مرمى النبل منها، وإلى أن قبور الشهداء الذين أسلموا الروح أثناء ~~هذا الحصار، وهي القبور الواقعة إلى جانب مسجد ابن عباس، تقع حيث كانت تقوم هذه ~~المضارب، ففي هذا كله ما يدل على أن الطائف لا تقوم اليوم حيث كانت تقوم على عهد ~~الرسول، وأنها نقلت من مكانها، حيث كانت تحيط بهذه المثناة التي يشير الشيخ عبد ~~الحميد إليها وإلى وجود مسجد عداس بها، وشيدت حولها قبور هؤلاء الشهداء تبركا بهم ~~وتيمنا بهذا المكان الذي أقام النبي به أثناء حصار الطائف، وقد أقنعني تجوالي ببادية ~~الطائف ووقوفي بالمثناة من قراها بصحة هذا الرأي، وبأن موقع الطائف اليوم غير موقعها ~~القديم، وأن إحاطتها بمسجد ابن عباس وقبور الشهداء من المسلمين إنما ترجع إلى هذه ~~الاعتبارات التاريخية التي رواها صاحبي. # وبادية الطائف فسيحة مترامية الأطراف تجعل من الطائف قطرا كاملا ومملكة، لو أنها ~~عمرت لكانت كبعض الممالك الصغرى بأوروبا، وحسبك أن تعلم أننا أقمنا أربعة أيام نجوب ~~أنحاءها بالسيارة من بكرة الصباح إلى ساعة متأخرة من المساء أحيانا وإلى ما بعد مغيب ~~الشمس دائما، ما خلا يوم زرنا شبرة ولم نبلغ من هذه البادية بعد ذلك إلا بعضها، وأقرب ~~بادية الطائف إليها بستانان يضيفهما بعضهم إليها؛ لأنهما يقعان حيث كانت تقع الطائف على ~~عهد الرسول؛ ولأن موقعهما يختلف في طبيعته عن البادية، فبادية الطائف تقتضيك لكي ms302 تبلغها ~~تسنم هضاب وتسلق جبال وجوب أودية ليست في شيء من طبيعة الطائف ولا من موقعها في ~~سهلها المترامي الأطراف بين الجبال المحيطة به، وهذان البستانان يقعان في هذا السهل كما ~~تقع فيه قروة وشبرة ونجمة وسائر ضواحي الطائف، وهذا ما يؤيد رواية الرواة أن الطائف ~~القديمة كانت تقع حول هذين البستانين، فالمشهور أن مسجد ابن عباس كان يقع على بعد من ~~أسفل المدينة القديمة من الجهة الشمالية، أما اليوم فهو يقع في أعلى المدينة من الجهة ~~المذكورة، وهذان البستانان يقعان جنوب الطائف الحالية. # البستانان هما حوايا وشهار، وهما واحتان خصيبتان بين هضاب قليلة الارتفاع مليئة ~~بالأحجار التي قذف بها السيل من أعالي الجبال، وفي كل بستان منهما مياه جارية تسقي ~~أشجاره الباسقة الجميلة، ويتوسط «حوايا» بناء يقيم به أهله، وقد بنيت أمام أبوابه ~~بركة ماء فسيحة يرتفع الماء فيها فوق مستوى الأرض لتيسير ريها منه، وماء البركة يؤتى ~~به من بئر يسهل متح الماء منها لقربه من سطحها، ويوجد على مقربة من هذه البئر بئر ~~أخرى يشيدون بصلاح مياهها لشفاء رمل الكلى، ويتحدثون متعجبين عن مجاورتها للبئر الأخرى ~~مع اختلاف خواص مياههما بحيث يكون ماء هذه البئر شافيا صالحا للشرب ولا تكون الأخرى ~~كذلك. # ويريد بعضهم أن يجعل اسم حوايا تحريفا لاسم سبقه هو هوايا؛ ويذكر أن هذا الاسم قد ~~أطلقه على هذا المكان من وجد في مياه بئره الشافية ما يرضي هواه، وعندي أن هذا خيال لا ~~سند له في كتاب من الكتب التي يصح الاعتماد عليها والتي ذكرت اسم هذا المكان. # أما البستان الآخر فشهار، وهو يشبه حوايا، غير أنه لا بناء فيه ولا بئر، وبه شجرة نبق ~~هندي لذيذة الثمر، وآلة رافعة للمياه يديرها الهواء، وقد دقت هذه الآلة في البستان ~~من زمن قريب على سبيل التجربة، وأهل الطائف ينتظرون نتيجة هذه التجربة قبل أن يقدموا ~~على الاستعانة بمثل هذه الآلة في استنباط مياههم من العيون. # حول هذين البساتين إذن - وبين التلال الواقعة أمامهما من الجهة ms303 الغربية - كانت تقوم ~~الطائف القديمة فيما يروي بعض أهلها اليوم، وفي هذا المكان إذن كانت تقوم اللات صنم ~~ثقيف حتى عفى الإسلام على أثره إذ هدمه المغيرة بن شعبة ونساء ثقيف حسرا ~~يبكين، وكان يقوم بيت اللات ضريبا لبيت الله بمكة، كما كانت تقوم دار عروة بن ~~مسعود أول من أسلم من ثقيف، ودار عمرو بن عمير بن عوف التي قصدها النبي يوم نزل ~~الطائف وحيدا فرده أبناء عمرو ردا غير جميل، وفي هذا المكان كانت تقوم المدينة ~~التي حاصرها النبي على رأس جيش الفتح فاعتصمت بحصونها وامتنعت من هؤلاء الذين لم تمتنع ~~عليهم مكة ولم يمتنع عليهم في بلاد العرب كلها بلد ولا حصن، أين يومنا اليوم من تلك ~~الأيام العظيمة التي شهدت عز الطائف وعز العرب جميعا ببطولة العرب وبمجد الإسلام؟! ~~وأين تلك الطائف القوية ذات الأيد والمنعة والحصون التي لا تقهر، من هذه الطائف ~~التي يمتنع بها الترك أول الحرب الكبرى فيحاصرهم الأشراف فيها ويأخذونهم أسرى، ويمتنع ~~بها الأشراف في سنة 1925، فيحاصرهم النجديون فيها ويقتحمونها عليهم ويأسرونهم بها، بل ~~أين بلاد العرب كلها اليوم من بلاد العرب تلك حين كانت الطائف قطعة من الجنة - أو قطعة ~~من الشام نقلها الملائكة إلى شبه الجزيرة - وحين كانت ثروة الطائف وخصبها مضرب ~~المثل؟! # وتمثل لي جيش المسلمين أيام النبي مقبلا من ناحية الجبال الواقعة شرق الطائف بعد ~~أن انتصر في حنين وخلف أسراها في الجعرانة، تمثل لي هذا الجيش يزيد رجاله على عشرة ~~آلاف كلهم إيمان بالنصر، وكلهم حرص على الاستشهاد في سبيل الله، وقد أحاطوا بالطائف، ~~فرماهم أهلها بالنبل من أعلى الحصون واضطروهم للانزواء بعيدا عن مرمى النبل، وهناك عند ~~مسجد ابن عباس أقام الجيش، وضربت للنبي خيمتان بعيدا عن هذا المرمى، ويطول حصار القوم ~~وهم متحصنون بمدينتهم الغنية لا يسلمون، وهم فيها كالثعلب في جحره لا سبيل إلى ~~إخراجه منه إلا بطول المكث، ثم يدهمهم المسلمون فيرمونهم بالمنجنيق، ويبعثون إليهم ~~بالدبابات وقد دخل تحتها نفر منهم زحفوا بها ms304 إلى جدار الطائف ليخرقوه، فيكره رجال ~~الطائف هؤلاء الزاحفين على الفرار بأن يلقوا الحديد المصهور على الدبابات فيحرقها، ~~ويأمر النبي بإحراق كروم الطائف، ويبدأ المسلمون ينفذون، فيبعث أهلها إلى النبي أن ~~يأخذه لنفسه إن شاء، وأن يدعه لهم وللرحم لما بينهم من قرابة إذا أراد، وينتهي الأمر ~~بأن يرفع المسلمون الحصار وأن ينصرفوا عن الطائف ليبعث الثقفيون بعد قليل من ذلك يطلبون ~~إلى النبي أن ينضموا إلى لوائه. # كيف صارت الطائف إلى ما صارت اليوم إليه؟! وكيف هوت من تلك المكانة التي كانت لها ~~والتي كانت تنافس بها مكة حتى أقامت للات بيتا جعلته منافسا للبيت الحرام؟! لعل ما ~~حول الطائف مما تحدث عنه باديتها يجلو لنا من ذلك ما يزيدنا فهما لما يحدثنا به ~~التاريخ وما تنطوي عليه الكتب، فلنزر بادية الطائف، ولنحاول أن نقف منها عند كل ما ~~نستطيع الوقوف عنده. # | بادية الطائف # كانت الطائف القديمة تقع بين التلال القائمة أمام البستانين حوايا وشهار من ~~الجهة الغربية على رواية أهلها اليوم، أما في هذا الزمن الحاضر فالبستانان يقعان خارج ~~الطائف ويبعدان عنها بضعة أميال؛ لذلك يحسبهما البعض بحق باب بادية الطائف، فأنت لا ~~تكاد تراهما بالمنظار المقرب، وإن رآهما البدو بالعين المجردة، فإذا أنت جاوزت البساتين ~~إلى الجهة المقابلة للطائف لقيتك البادية مترامية أمام نظرك، منطلقة كأنها السهل حينا، ~~منثورة فيها الأحجار التي حطها السيل من أعالي الجبال حينا آخر، ناتئة جبالها ~~المتباينة الارتفاع على مقربة من النظر أو عند مرماه. # آثر أصحابي يوم زرنا بستاني حوايا وشهار أن نمعن بعض الشيء في البادية، ~~وأغروني على الإمعان بما ذكروا من أنا سنلقى على مقربة منهما آثارا تنير أمامي ~~السبيل لما أبحث عنه من تاريخ هذه البقاع، وانطلقت بنا السيارة تؤم وادي السداد حيث ~~تقع هضاب الردف، وفيما تجري السيارة مسرعة حينا، متعثرة بالأحجار المنثورة في ~~الطريق حينا آخر، لفت رفيقي نظري إلى واد تتخطاه وذكر لي أنه وادي وج، وأنه يمر ~~بقرية المثناة منحدرا إلى ناحية الطائف، وأن ms305 الماء الذي يسيل به في فصول الأمطار ~~ينحدر من جبل برد ومن جبال الطلحات حيث تقيم بعض قبائل هذيل ... وعجبت أن لفت نظري ~~إلى هذا الوادي ولا شيء فيه يلفت النظر، لكنه استطرد قائلا: إنه من الأودية المأثورة؛ ~~فقد روي أن النبي - عليه السلام - حرم صيده، وإن تكن هذه الرواية موضع خلاف، ولم ~~أرد أن أناقشه في الأمر أو أذكر أولئك الذين دعاهم الرسول إلى الإسلام فأبوا ~~إلا أن يحرم واديهم كما حرم مكة، فلم يجبهم إلى ما طلبوا؛ لأن حرمة مكة ~~من أمر الله، ومرجعها إلى البيت العتيق الذي جعله الله مثابة للناس وأمنا. # وبلغت السيارة وادي السداد وقد أحاطت به هضاب الردف، ووقفت على مقربة من صخور ~~ضخمة مركومة بعضها فوق بعض فهي وحدها هضبة مستقلة ناتئة أثناء الوادي، وهبطت منها في ~~لباس البدوي وجعلت أجيل النظر فيما حولي فلا أرى إلا جبالا قليلة الارتفاع تحجب ما ~~وراءها، وأحجارا متفاوتة الأحجام قذف بها السيل في أنحاء الوادي، أين ترى تكون الآثار ~~التي حدثني أصحابي عنها؟ وسألتهم فأشاروا إلى هذه الهضبة المستقلة، وقالوا: إنها رموز ~~وعبارات كتبت على الصخور العليا منها. # وتسلقنا الهضبة، ودار أحدهم فوقها ثم دعاني إليه، فعلوت صخرا وهبطت آخر وتسلقت ~~ثالثا، ثم وقفت إلى جانبه أحاول وإياه أن نحل رموز خطوط أدنى إلى الكوفي نقشت على ~~صفحة الحجر، وأحدق وإياه في صخور أخرى فنرى رموزا لم ندر ما هي، ولعلها خط ~~للغة من لغات البلاد الإسلامية في آسيا أو أمريكا لم يبلغنا علمه ولم تبلغنا رسالته، ~~وأراد بعض الحاضرين أن يرد هذه الكتابات إلى عصور قديمة، فاعترضه آخر بأنها قد لا ترجع ~~إلى أكثر من عشرات السنين، وقد ترجع إلى بضعة قرون، وأنها على الأرجح لجماعة ممن زاروا ~~هذه المنطقة من أزمان غير بعيدة جذبهم وادي وج إليها، فجعلوا على أحجارها عبارات ~~متداولة مثل: الحمد لله وحده، وآمن بالله فلان، أو خطوا عليها صورا استعاضوا بها عن ~~الكتابة؛ لأنهم لا يعرفون الكتابة. # وما رأيت من ms306 كتابات ونقوش يجعلني أميل إلى هذا الرأي الأخير، ووجود الكتابة الكوفية ~~لا ينهض بذاته دليلا على قدم العصر الذي كتبت فيه، فالكتابة الكوفية تعتبر في يومنا ~~الحاضر زخرفا يجيد تصويره كثيرون، وهي قد كانت أكثر ذيوعا منذ بضع عشرات من السنين ~~خلت، وإنما يدعوني لترجيح هذا الرأي تشابه العبارة في هذه الجمل المنقوشة على الصخر ~~وعدم دلالتها على شيء يتصل بالطائف أو بالعرب، أو بشيء من حوادث الماضي ذات الجسامة ~~والخطر، ولو أنها كانت قديمة بمعنى أنها ترجع إلى العصور الإسلامية الأولى لبدا فيها ~~طابع تلك العصور، ولأشارت إلى ما حدث فيها من حروب وما تم فيها من أعمال عظيمة، أما وهي ~~كما رأيت فإنما هي عبارات تقليدية ينسخ فيها زوار هذا المكان كل على طراز من ~~سبقه، ولو أنني فكرت في أن أصنع صنيعهم وأن أنقش على هذه الصخور المرموقة ما أسجل به ~~وقوفي عندها لنقشت عليها أغلب الأمر عبارة كعبارة «آمن بالله فلان.» مقلدا بذلك من ~~سبقني، فالتقليد أيسر مشقة، والعبارة التي اختارها أولئك السابقون أيسر نقشا على الحجر ~~من سواها. # وليس يعدل بي عن ترجيح هذا الرأي ما يروى عن قدم بعض النقوش حتى ليقال: إنه كان من ~~زمن الجاهلية، وإنه من الخط الكوفي القديم الذي لم نألفه، اللهم إلا أن تكون نقوش على ~~جبال أو صخور أخرى كالنقوش التي يذكرون وجودها بجبل السكارى مما لم أقف عنده ولم أفكر ~~في أمره، على أن القائلين: بقدم هذه النقوش يذكرون أنها خالية من التاريخ، وأن الباحث ~~لا يستطيع لذلك أن يستنبط منها ما يقوم عليه حكم من الأحكام، أو تتحقق به حادثة من ~~الحوادث. # فأما وادي وج الذي أشار صاحبي إلى أنه من الأودية المأثورة لقوله - عليه السلام: ~~«صيد وج وعضاهه حرام محرم.» فقد اختلف في أمره؛ يقول ابن منظور في لسان العرب: ~~«وج موضع بالبادية، وقيل: هو بلد بالطائف، وقيل: هي الطائف.» وبعد أن روى حديث تحريمه ~~قال: «ويحتمل أن يكون حرمه في وقت معلوم ثم نسخ، ms307 وفي حديث كعب أن وجا مقدس، منه ~~عرج الرب إلى السماء، وفي الحديث أن آخر وطأة وطئها الله بوج. قال: وج هو ~~الطائف، أراد بالوطأة الغزاة ها هنا، وكانت غزوة الطائف آخر غزواته # صلى الله عليه وسلم ~~.» # ويذهب غير واحد من الذين كتبوا في تقويم البلدان إلى أن وجا اسم للطائف قبل أن تسمى ~~الطائف، وروى الفاسي في كتاب «شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام» رواية مستندة إلى ~~الزبير بن العوام أنه قال: أقبلنا مع رسول الله # صلى الله عليه وسلم # من ليلة حتى إذا كنا عند ~~السدرة وقف رسول الله # صلى الله عليه وسلم # عند طرف القرن الأسود - والقرن: جبل صغير ورأسه مشرف ~~على الهدة - فاستقبل نخبا ووقف حتى اتفق الناس ثم قال: «إن صيد وج وعضاهه حرام ~~محرم لله - عز وجل.» وذلك قبل نزوله الطائف وحصاره ثقيفا، وقد ورد هذا الحديث في سنن ~~أبي داود ومسند ابن حنبل، وإسناده ضعيف على ما قال النووي، وقال البخاري: لا يصح، وذكر ~~ابن عبد ربه أن ثقيفا جاءوا إلى النبي بعد مقتل عروة بن مسعود فعرضوا عليه إسلامهم ~~فكتب لهم بحرمة واديهم. # لم أعن كثيرا بما قيل عن تحريم وادي وج ومدى هذا التحريم، وكيف لي أن أعنى به ~~وهذا الخلاف واقع عليه، والبخاري ينكره؟! وإنما عنيت من أمره بأنه على أبواب الطائف من ~~ناحية «لية» عند انحدار المسلمين منها إلى الطائف، وكل ما أستطيع أن أستخلصه من ~~الروايات التي سبقت أن الرسول - عليه السلام - وقف بهذا الوادي حين بلغه، وأنه جمع ~~المسلمين هناك حوله، وأنه هيأ صفوفهم لحصار الطائف، وأنه حرم عليهم - وكانوا من ~~قبائل مختلفة - أن يثيروا بينهم شقاقا أو أن يستبيحوا بينهم ما ليس مباحا لهم في ~~البلد الحرام، فلما انصرفوا عن الطائف لم تبق لوج حرمة أكثر مما لغيرها من ~~الآفاق. # قمت وأصحابي صبح الغد من ذلك اليوم مبكرين بعد أن نلنا بالنوم راحتنا ليوم جهد ومشقة، ~~فقد رأى الشيخ صالح القزاز أن نتناول إفطارنا فوق السد السملجي، ms308 وأن نتناول ~~طعام الغداء فوق سطح جبال الهدة ضيوفا على محمود المغربي، والسد السملجي يقع شمال ~~الطائف، وجبال الهدة تقوم في جنوبها الغربي، فلا سبيل إلى الجمع بينهما إلا أن نستقل ~~سيارة البكس بكرة الصباح لنشهد السد وموقعه، ولنعود بعد ذلك إلى جبال الهدة فنرتقيها ~~إلى دار مضيفنا نتناول الغال ونشرب القهوة ونذره ينحر الضأن وينضجه، فإذا عدنا ~~تناولنا العقال، وهو قائم في خدمتنا لا يقرب الطعام ولا ينظر إلينا ونحن نأكل. # والغال هو ما نسميه في مصر: «التصبيرة»، أما العقال فطعام الغداء، وهو الذي يعقل به ~~الرجل معدته فلا تتحرك إلى طلب الطعام، والبدو لا يعدون العقال ولا ينحرون إلا بعد ~~أن يصل إليهم ضيفهم. # غدونا إذن مصبحين وتناولنا قدحا من الشاي وآخر من القهوة، ثم ركبنا السيارة فانطلقت ~~بنا قاصدة السد السملجي، وكما مررنا أمس بوادي وج في طريقنا إلى هضاب الردف، فقد ~~مررنا أول ما تبدت البادية أمامنا بواد لفت صاحبي نظري إليه قائلا: إنه وادي نخب، ~~والمأثور أنه بوادي النمل الذي ذكره القرآن في قصة سليمان إذ يقول - تعالى: # وورث سليمان داوود وقال يا أيها الناس ~~علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء إن هذا لهو ~~الفضل المبين * وحشر لسليمان جنوده من ~~الجن والإنس والطير فهم يوزعون * حتى إذا ~~أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا ~~مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون ~~* فتبسم ضاحكا من قولها وقال رب ~~أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى ~~والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في ~~عبادك الصالحين ~~. # وسألت صاحبي: وأين سليمان من الطائف وقد كان ملكه بالشام؟! قال: «لقد جند الله ~~لسليمان الوحش والطير فكان يسيرهم إلى حيث شاء من بقاع الأرض، وكانت الطائف بعض ما ~~مر به من البقاع في ذهابه إلى اليمن، وقد اختلف الرواة: أمر الجيش بها طائرا في ~~الهواء بأمر سليمان وبإذن الله؟ أم مر بها سائرا على الأرض؟ والقائلون بالسير ~~يستندون إلى ما ورد في الآيات السابقة، ms309 فلو كان الجيش طائرا لما حذرت النملة قومها ~~منهم، أما القائلون بالطيران فقد ذهبوا إلى أن جيش سليمان أتى على وادي النمل ولم يحطم ~~منه نملة، ولو كان سائرا لقضى على النمل وقريته، وإنما قالت النملة لأصحابها ما قالت ~~يدفعها الحذر والحرص على الحياة.» # ولم يذكر صاحبي أن وادي النمل حرم كما حرم وادي وج وإن على خلاف، ولم يشر ~~كذلك إلى ما أوردته الروايات المختلفة في وادي النمل وموقعه، فقد ذهب قوم إلى أنه ~~بالشام، وذهب آخرون إلى أنه باليمن، وتوسط الذين قالوا: إنه بالطائف بين الشام واليمن، ~~ولغير هؤلاء جميعا مذهب في النمل وواديه لا اتصال له بالطائف ولا بوادي نخب بها ولا ~~بالسدر منها، ولم أر ما يدعو لمناقشة هذه الأقوال جميعا؛ إذ كنت لا أقصد من تحقيق ما ~~أرى إلى معرفة شيء فيما قبل عهد النبي، وقد كان سليمان قبل عهده بأكثر من خمسة عشر ~~قرنا، فليكن وادي النمل بالطائف أو بالشام أو باليمن، فليس تحقيقه مما يدخل في نطاق ~~بحثي. # وقيل لي: إذا تخطت السيارة هذا الوادي فإنها تجتازه إلى وادي «لية»، وأنا أعلم أن ~~الرسول جاء من حنين إلى الطائف على رأس جيش المسلمين فاجتازوا لية؛ لذلك شاقني أن ~~أقف على هذا الوادي وأن أرى بعيني طريقا مر به الرسول، وزادني شوقا إليه ما قيل: من ~~إنه يمثل خصب الطائف وثمارها الشهية، وإن لم يكن الفصل فصل ثمار تجتنى وإن اشتهيت، ~~ومددت بصري إلى ما أمامي لعلني أرى طلائعه، فإذا الجبال تحيط بنا من كل جانب، وإذا ~~السيارة تندفع نحوها كأنما تريد أن تقتحمها اقتحاما أو تتسلقها تسلقا، وبدأت تتيامن ~~وتتياسر تتقي الأحجار المنثورة حولها مصعدة أثناء ذلك على هون كأنما تريد أن تتخير ~~سربا خلال الجبال القائمة أمامها تصدها، ولم يخطئ حدسي؛ فلقد وجدت السرب الذي ~~تنفذ منه خلال السلتين القائمين عن جانبها ذلك عرق في الجبل حطم لتمر السيارات من ~~خلاله في ريع ليس اجتيازه فوق الجنادل المكدسة فيه بأقل من تسلق ms310 الجبل عسرا ومشقة، ~~وسائق «البكس» يدفعه بكل قوة الوقود واحتراقه، وهو مع ذلك يسير متعثرا كالطفل أول ~~مشيه، يترجح إلى اليمين تارة وإلى اليسار طورا، ويكاد يهوي في كل لحظة إلى هذا ~~الجانب أو ذاك، والسفحان عن الجانبين يحصراننا ولا يزيلان مخاوفنا أن تهوي السيارة ~~بينهما وأن تتحطم على جنادلهما الصم الصلاب، ووقفت السيارة هنيهة لا تتقدم ولا ~~تتأخر، ويريد أحدهم أن يبدي للسائق رأيا لعله يعينه، فيثور ثائر السائق بهذا الذي ~~يتدخل فيما لا يعنيه، يدعوه إن شاء أن يجلس مكانه ليرينا من معجزاته ما عجز السائق عنه، ~~والريع ممتد لا ينتهي، والسفحان لا ينفرجان عن سطح أو واد يبعث إلى النفس الأمل أن قد ~~بلغنا مأمنا، وكلنا واجم لا تنفرج شفتاه إلا عن كلمة تشجيع للسائق وإعجاب بمهارته ~~مخافة أن يثور ثائره كرة أخرى، وكلنا مع ذلك مطمئن راض باسم الثغر لهذا النهار ~~المشرق الوضاح السماء؛ ولهذا الجو الصفو الرقيق الذي ينعش الفؤاد ويشيع المسرة في كل ~~أنحائه، وترتقي السيارة خلال هذا الريع ثم تنحدر بعض الطريق لتعود إلى الارتقاء من ~~جديد، وهي في انحدارها أشد حذرا منها في تسلقها، والسائق ملق بكل انتباهه إلى كل ~~حجر أمامه، وإلى كل حركة من حركات السيارة في تيامنها وتياسرها، وقد جمدت يداه على ~~مدارها فلا تتركانه، وخفت حركة رجله على معيار الوقود ينفق معه مدققا في حسابه ~~ألا يزيد ما ينفقه وألا ينقص عن حاجة السيارة في حركتها أثناء هذا الوقت ~~الدقيق. # ربنا لك الحمد! ها نحن أولاء قد سمونا إلى القمة، وتكشف الأفق عن يميننا ~~ويسارنا، وانكشف أمامنا الوادي منبسطا أسفل منا، تحيط الجبال على مرمى النظر بأطرافه، ~~وها هو ذا السائق يتنفس الصعداء كمن كربه أمر ثم غلبه وغلب كربه، وانحدرت ~~السيارة متجهة صوب دار قامت في عزلة هذا الوادي وانبسط أمامها زرع أخضر ذو رواء ~~وبهجة، هنالك تحدثنا، وذكر أصحابنا هذا الوادي، وادي لية، وجمال حدائقه وأعنابه ~~وفاكهته اللذيذة الجميلة، وأشادوا بجودة رمانه وسفرجله، وتمنوا لو أتاح ms311 لنا الفصل ~~أن ننال منها طعام إفطارنا، لكن فصل الفاكهة لم يأن بعد، فلنطب نفسا بما حملنا ~~للإفطار من الطائف. # ودارت السيارة حول هذا الزرع البهيج ثم انطلقت مسرعة في الوادي، وما لبث ما حولنا أن ~~تغير : ازداد الجو صفوا، والنسيم رقة وعذوبة وسرت إلى الصدور غبطة مسعدة ضاعفت نعمة ~~الحياة، ذلك أثر الماء في مسيله والسيارة تحاذيه حينا وتجتازه حينا، ثم تعود إلى ~~محاذاته ثم إلى اجتيازه، ونهبط منها بين آن وآخر حين يخاف السائق غوصها في الرمال ثم ~~نعود إليها فرحين مطمئنين كما هبطنا منها، وتغوص في الرمل فيدفعها أصحابنا متضامنين ~~خاضعين لأمر السائق الجالس على عرشه قابضا على مدارها، فإذا خلصت وآن لها أن تعود ~~سيرتها قفزنها إليها في مرح دونه أي مرح، وانطلقت تسير في أرض خصبة خالية من الزرع ~~إلا ما ندر. # ويذكر صاحبي أن وادي لية يمتد مستطيلا مدى خمسة وعشرين ميلا تقريبا، وأنه يبتدئ ~~من ديار بني سفيان الثقفيين من الجهة الجنوبية وينتهي بخد الحاج من الجهة الشمالية، ~~وأن أعلاه يسكنه الأشراف، ويسكن الزوران وعوف أسفله، والزوران قبيلة من هوازن، وعوف فخذ ~~من ثقيف. # وسألت: كم بقي لنا لندرك السد السملجي؟ فعلمت أنا نتخطى وادي صخيرة إلى وادي ~~ثمالة حيث يقوم هذا السد، قال صاحبي: «ويقيم بنو صخر بوادي صخيرة الذي نجتازه الآن، ~~وهم بطن من ثقيف، ومنهم الحجاج بن يوسف الثقفي عامل عبد الملك بن مروان، ومن بقي ~~اسمه علما على القسوة والفتك والتلذذ بمنظر الدماء، فقد كان يرى في كل جماعة يتولى ~~أمرهم رءوسا أينعت وحان قطافها، لا فرق عنده بين صحابي وتابعي وأعجمي أسلم ولما يدخل ~~الإيمان في قلبه»، وذكرت وأنا أسمع لصاحبي ما للبيئة في الناس من أثر؛ فأدرت طرفي ~~يمنة ويسرة لعلي أستشف من خلال وادي صخيرة سر ما ركب في الحجاج من هذه ~~الخلال، وخيل إلي أني أرى في طبيعة الوادي قسوة لم يكن شيء من مثلها في وادي لية، ~~فقد انقطعت المياه وغاض مسيلها، ونتأت أحجار ms312 صم جلاميد، وخيم على الكون صمت ثقلت ~~وطأته، لم أدر أهو الذي صاغ روح الحجاج من بطش وقسوة، أم أن مبعثه روح الحجاج وحديثنا ~~عنه؟ وأنا لو لم نتحدث عن الحجاج لما نتأت صم الجلاميد في هذا المكان أكثر منها في ~~أي مكان غيره، ولما ثقلت وطأة الصمت المخيم على الكون في أنحاء البادية جميعا، ولما ~~كان انقطاع المياه غيض مسيلها آية غيض الرحمة من قلب الحجاج وانقطاع مسيلها إلى ~~نفسه. # ونسينا صخيرة، والحجاج وبنيه وآباءه حين وقفت السيارة بنا في منقطع من الوادي، ~~وأعلن سائقها أن وقودها وشيك النفاد، وأنا إن لم نتداركه بالرأي لم يعد يدري كيف ~~السبيل إلى بلوغ السد ثم العود إلى الطائف، ولم يكن بيننا الجريء الذي يلقي عليه تبعة ~~الإهمال في الخروج من المدينة إلى رحلة كرحلتنا هذه دون التزود من الوقود بأكثر من ~~حاجته، فنحن الآن أحوج ما نكون إلى رضاه واتقاء غضبه، وهو رجل حاد المزاج، قد تدفعه ~~حدته فيذرنا حيث نحن ساعات وساعات، وما عسى أن يجدي تحميله التبعة في بلوغ غايتنا ~~والعود لنتم رحلتنا؟! قال السيد صالح القزاز: «لا عليك فهاهنا على مقربة منا كوخ لا ~~يأبى أصحابه أن يبيعونا ما لديهم من بترول، وأحسبه يصلح مع ما بقي من بنزين السيارة ~~لنطمئن به حتى عودتنا إلى الطائف.» وأشرقت أسارير الرجل، فانطلق بالسيارة غير بعيد ثم ~~وقف عند كوخ قائم فوق ربوة بعيدة عن مسيل الوادي، ونادى بأعلى صوته لعل أحدا يسمعه ~~ويجيئنا بالبترول الذي نبتغيه، وأجاب النداء صبي، فسألنا: ما نبغي؟ ثم أطلق ساقيه للريح ~~يلتمس أهله حين علم أن في الأمر تجارة وربحا، وجلست وأصحابي فوق الصخور الناتئة حول ~~السيارة حتى جاء أهل الصبي بصفيحة البترول وبكوز صغير معها هو الكيل الذي يبيعون به، ~~وانطلقت السيارة الضخمة في طريقها فوق الصخور مطمئنة إلى وقودها وكفايته، تمتع معنا ~~بجو الصبح الجميل، حتى بلغت السد السملجي ولما تكتمل الساعة التاسعة، وكنا إذ بلغناه قد ~~تجاوزنا وادي صخيرة إلى وادي ثمالة، ms313 وتجاوزنا قسوة الطبيعة إلى ابتسامها بالزرع النضر ~~والخضرة الباسمة، وآن لنا أن نطمئن إلى مكان نتناول فيه إفطارنا وقد زادت بكرة اليقظة ~~وجمال الهواء وجهد الرحلة في شوقنا إليه وحرصنا على تناوله. # ولم نتردد في اختيار المكان ، فهذا السد أمامنا ضخم عريض السطح مرتفع يشرف على ما ~~حوله، وهو فيما يبدو من أمره أثر تاريخي كان له في حياة هذه البلاد أثر بالغ، فلنصعد ~~إليه ولنتخذ من سطحه مائدتنا، وتسلقنا أحجاره الضخمة كما يتسلق الناس الأهرام في مصر ~~حتى استوينا فوقه، ثم سرنا حتى توسطنا سطحه، ونظرت عن يميني فإذا مجرى أشبه بمجرى النهر ~~قد حصر بين شاطئين ولا ماء فيه، وعن يساري فإذا أرض مستوية استوت فيها الحنطة على ~~سوقها ولما تحصد بعد، ومن أمامي ومن خلفي قام جبلان يحصران هذا الوادي الممرع ~~الفسيح تتحدث أرضه بمعاني الخصب وقوة الإثمار، وإن لم يكن به من زرع إلا هذه الحنطة ~~التي أرى، وجلسنا على الحجر ونشرنا عليه ما معنا من الزاد، ما كان أحلاه وأشهاه على ~~بساطته وبداوته! أستغفر الله! لم يكن بدويا وقد كان بعضه «بسكوت» ومربى مجلوبين ~~من إنجلترا، واشتركنا جميعا في تناوله، فكان في ذلك من مظهر الديمقراطية البدوية ما ~~تستريح له النفس ويشعر المرء في أثنائه بالإخاء الإنساني الذي لا يعرف الطبقات ولا يعرف ~~الحاكم ولا المحكوم، والذي يكمل به إيمان المرء إذ يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ويدرك ~~إدراكا عميقا صادقا أنا جميعا سواسية أمام الله وأنا جميعا عباده، لا فضل لأحد ~~منا على صاحبه إلا بالتقوى. # اطمأنت معداتنا فقمنا نستأنف حديث السد والقبائل التي حوله، قال صاحبي: تقع ديار بني ~~سعد حيث استرضع النبي على عشرة أميال من هذا المكان، وأغلب الظن أن قد جاء النبي في ~~طفولته إلى هنا مع الرعاة من بني سعد بن بكر؛ فالرعاة لا يذرون مكانا به كلأ أو مرعى ~~أيا كان نوعه دون أن يطرقوه، قال آخر: هذا احتمال قد يكون وقد لا يكون، وربما اعترض ~~عليه بحق ms314 من يذكر أن رعاة بني ثمالة ما كانوا ليدعوا رعاة بني سعد يطئون أرضهم موفورين ~~عن رضا منهم وطواعية، فقبائل البادية شديدة الحرص على حرمات أرضها، وهي أشد حرصا ~~إذا كانت الأرض خصبة وكان فيها لذلك مطمع ، قال السيد صالح: دعوا عنكم هذا الحديث ~~وتعالوا بنا نهبط إلى حيث الحنطة لنواجه السد، فيرى ضيفنا منه ما هو أجدى في بحوثه من ~~كلام لا يتيسر لنا ها هنا تحقيقه، وأومأ صاحبي إيماءة الرضا عما قال السيد وتقدمنا كي ~~نهبط السد، وسار الشريف حمزة الغالبي إلى جانبي كيما يعاونني إن احتجت إلى ~~معونة. # وهبطنا إلى مزرعة الحنطة، واستقبلنا السد، فأخذت بنظرنا الأحجار الضخمة التي شيد ~~منها، كما أخذ بنظرنا إحكام بنائه على عظمته وضخامته، فهو يبلغ نحو الثمانين مترا في ~~طوله، والخمسة والعشرين مترا في ارتفاعه، أما عرض سطحه فيزيد على عشرة أمتار، وسألت عن ~~تاريخ بنائه فقيل: إنه يرجع إلى عهد معاوية بن أبي سفيان في صدر الإسلام، وإن الحجة في ~~ذلك هذه الكتابة المنقوشة على أحد أحجاره والتي لا تكاد تتضح، فقد نقلها عبد الله باشا ~~باناجي بالفوتوغرافيا في أوائل هذا القرن وبعث بها إلى مصر حيث حلت رموزها، فإذا ~~فيها: «أمر ببنائه عمرو بن العاص بأمر أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان.» هو يرجع إذن ~~إلى ثلاثمائة وألف سنة خلت، لم يكن بناة الأهرام وحدهم إذن هم الذين عرفوا العظيم ~~والضخم في العمارة، بل عرف أبناء بلاد العرب من ذلك ما عرف قدماء المصريين، فأقام أهل ~~الطائف هذا السد كما أقيم سد مأرب في بلاد اليمن، وأقيم هذا السد في مسيل الوادي بين ~~الجبلين كما أقيم سد مأرب لينتفع الناس بالمياه ولا يدعوها تذهب هدرا، كانت الغايات ~~الاقتصادية والعمرانية هي التي أدت إلى إقامة هذا السد إذن كما أدت إلى إقامة سد مأرب، ~~وهذه الغايات هي التي دعت بناته ليقيموه بالقوة والمتانة التي أقاموه بها من أحجار ~~ضخمة يمسكها الملاط القوي على مجابهة الزمان، لا بد إذن أن قد ms315 كان في هذه البادية من ~~أسباب العمران ما لا نرى له اليوم أثرا، ولا بد أن قد كان العرب في صدر الإسلام ينعمون ~~بحضارة ننكرها اليوم عليهم؛ لأن أبناءهم أنكروها عليهم بإهمالهم إياها، بل أراني أميل ~~إلى الظن بأن هذه الحضارة كانت قائمة ينعم بها أهل هذه البلاد قبل الإسلام، وأن الدين ~~القيم قد نزل على قوم لهم من الحضارة هذا الحظ الأوفى. # وأدليت بما جال بخاطري من ذلك، فذكر السيد صالح القزاز: أن هذا السد أضخم سدود ~~الطائف المعروفة، لكن بالطائف سبعين سدا غيره، ومنها ما يكاد يدانيه ضخامة وعظمة، من ~~ذلك سد واقع في حمى سيسد المعروف بشرق الطائف، يقال: إن يزيد بن معاوية هو الذي ~~أمر ببنائه، وآخر واقع بوادي ثنية بين الطائف ووادي محرم، وهذه السدود جميعها ~~مخربة منذ أزمان بعيدة لا يعرف أحد من أبناء هذا الجيل عنها شيئا، ولم يخامرني ريب ~~في أن تخريب هذه السدود هو الذي هوى بالطائف إلى حيث هي اليوم بعد أن كانت مضرب المثل ~~في الخصب والمنعة، فقد كانت هذه السدود جميعا خزانات تحجز مياه المطر لفائدة الزراعة، ~~فكانت المساحات الواسعة تستغل مزارع للحنطة والغلال والفاكهة وما إليها مما ترويه الكتب ~~عن ثروة الطائف وعن مكانتها الاقتصادية، وكان ذلك سببا في العمران وانتشار السكان في ~~هذه الأودية الكثيرة التي مررنا والتي لم نمر بها، أما اليوم فأنت لا ترى في هذه ~~الأودية أثرا ظاهرا للعمران، وما يذكرونه عن ثمالة وصخر وثقيف وهذيل وأفخاذها وبطونها ~~لا يزيد على أسماء تحيي في النفس ذكريات تاريخية ترجع إلى أيام الإسلام الأولى، وترجع ~~إلى ما قبل الإسلام، فإذا أردنا أن نلتمسها اليوم لم نجد إلا نجوعا منثورة ها هنا ~~وهناك يقيم فيها من الأعراب من لا يزيدون عن البدو الرحل رقيا ولا تحضرا، ~~ومن جنوا بتأخرهم على ما كان لهذه الحضارة الزاهرة في صدر الإسلام من مكانة لا ~~ينكرها أحد. # وأردف السيد صالح: ولم تكن مياه هذه السدود مقصورة فائدتها على إمداد الزراعة ms316 المتصلة ~~بها، بل كان لها فائدة أخرى لا تقل عن حجز الماء وقد تربو عليه؛ ذلك أنها ترفع ماء ~~العيون والآبار في المناطق التي لا تصلها مياه السدود، فتجعل الري من هذه الآبار ~~والعيون هينا ميسورا، والعمران يزدهر حيثما وجد الماء فجعل كل ما حوله حيا؛ لذلك ~~كانت بادية الطائف عامرة كلها، وكانت الدور والقصور في هذه الأماكن التي نسمع اليوم ~~أسماءها ولا نجد لها أثرا، وسترى مصداق ذلك اليوم حين نذهب إلى الهدة، وغدا حين ~~نذهب إلى الشفا؛ إذ نسمع أسماء وردت في الشعر القديم على أنها موضع حضارة وأماكن ~~عمران، وهي اليوم بادية ممتدة أمام النظر ليس فيها أثر لحضارة أو عمران، إلا ما يكون من ~~رسم دارس يثير بقاؤه في النفس الأسى وفي القلب الحسرة. # علونا مزرعة الحنطة إلى الطريق لنستقل السيارة عائدين إلى الطائف في طريقنا إلى ~~الهدة، ووقفنا إلى جانب السد ريثما يجتمع رفاقنا، وسألني صاحبي عن هذا السد ورأيي ~~فيه، وسألته بدوري عن صحة اسمه: أهو السد السملجي أم السد السملقي؟ فهم ~~ينطقونه جيما كجيم أهل القاهرة، وقافا كقاف أهل الريف في مصر؛ وكنت أميل إلى الظن ~~بأنه السملقي، لا أدري لم؟ واختلف القوم وأصر أكثرهم على أنه السملجي واحتجوا بمقال ~~نشره الأستاذ إبراهيم مصطفى أحد أساتذة كلية الآداب بالجامعة المصرية، وكان قد جاء إلى ~~هذه المنطقة وزار هذا السد، وقال صاحبي حسما للخلاف: ليكن هذا أو ذاك فله اسمان آخران ~~لا خلاف عليهما: سد ثمالة، وسد بني هلال، ولقد أعجبني هذا الرأي وصرفني عن الإمعان في ~~تحقيق اللفظ ما عسى أن يكون الوجه الصحيح فيه. # وانطلقت بنا السيارة نحو الطائف سالكة طرقا أكثر يسرا من الطريق الذي جاءت فيه، ~~ورأى أصحابنا طمأنينة السائق في مجلسه؛ فسأله أحدهم: أكان قد ضل فلم يسلك هذا الدرب ~~المعبد، أم أنه شبع بعد تناول إفطاره فقويت ذاكرته فسلك السبيل السوي؟ ولم يغضب ~~الرجل ولم تغلبه حدته، وفيم الغضب وكل شيء ميسر أمامه؟! وبلغ الطائف ووقف عند ~~مخزن ms317 البنزين فأخذ صفيحة وأفرغ في السيارة أخرى وعاود انطلاقه لنبلغ الهدة قبل ~~الظهر. # واتجهنا غرب الطائف في أودية جرداء حينا ومزدانة بالشجر النامي الذي يبعث فيه روح ~~الحياة حينا آخر، وكان وادي مسرة أدنى الأودية إلى الطائف من هذه الناحية، وهو يقع ~~على مقربة من بستان الشريف الشهيد ابن عون الذي يعرف اليوم باسم «معشي» على قول ~~صاحبي، ولقد جاوزته السيارة إلى ما بعده من أودية وهي ترتفع على هضابها حينا، وتهوي ~~إلى بطونها آخر، مطمئنا سائقها إلى الطريق سلكه قبل اليوم غير مرة، وبعد ساعة ونصف ~~ساعة من الطائف انفسح أمامنا سهل يجاور جبلا رفيع الذرا، أما السهل فوادي محرم ~~الذي كان يعرف أيام السلف باسم قرن المنازل، وأما الجبل فهو الهدة المتصل بجبل ~~كراء. # ووادي محرم - أو قرن المنازل إن شئت - مفرق طرق تصل بين بادية الطائف ومكة، ~~ولاثنين من هذه الطرق شهرة، يتجه أحدهما من وادي محرم إلى حمى النمور فالثنية ~~المقابلة للشرائع فمكة، ويتجه الآخر صاعدا من وادي محرم خلال النقب الأحمر إلى ~~الهدة، والهدة: سطح جبل كراء، ومن هذا السطح ينحدر الإنسان إلى جبل كراء المتصل ~~بشداد فخريق نعمان فعرفات فمكة، وهذا الطريق هو الذي سلكه الرسول - عليه السلام - ~~حين جاء من مكة إلى الطائف قبيل الهجرة، والطريق الأول هو الذي سلكه في العودة من ~~الطائف إلى مكة بعد أن رده أهلها وآذوه، وهذان الطريقان ما يزالان مسلوكين إلى ~~اليوم للسائرين على أقدامهم وللممتطين الزوامل التي مرنت على تسلق الجبال؛ فهما ~~أقصر من طريق الشرائع فالزيمة فالسيل الكبير بمراحل، وأهل البادية أشد ميلا لاتباع ~~الطريق الموجز وإن شق السير فيه، وليس يدفعهم إلى ذلك حرصهم على الوقت وكسبه، أو ~~تقديرهم أن الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، بل يدفعهم إليه ميل طبيعي إلى المجهود ~~الأقل، ومشقة الطريق لا قيمة لها عندهم ما يسر قصره للإنسان أن ينال بعده راحة ~~كاملة تعوضه عن كل جهد ومشقة. # وتقع الدار البيضاء بأسفل وادي محرم، وحذار أن يثير اسم ms318 الدار البيضاء في نفسك ~~ما أثاره في نفسي من صورة البيت الذي أنشأه الأمريكيون لمقام رئيس الولايات المتحدة ~~بواشنجتن! فلقد خدعت حين سمعت هذا الاسم وجعلت، إذ وصلنا وادي محرم، أدير بصري يمنة ~~ويسرة أريد أن أرى هذه الدار البيضاء أين هي؟ فيرتد إلي البصر ولم تأخذ به دار بيضاء ~~ولا دار حمراء، وإنما كان أكثر ترددي في السؤال عنها مخافة أن أثير الإشفاق في نفس ~~أصحابي كيف لا أرى هذا القصر المنيف يخر دونه قصر الرئيس الأمريكي ساجدا؟! فلما ~~جازفت بكل جرأتي وسألت القوم، إذا الدار البيضاء قرية من قرى البادية قامت بها بعض ~~منازل صغيرة حقيرة، وإذا أنا الذي يثور عجبي بل إشفاقي ذهبت ألتمس للقوم عذرا عن هذه ~~التسمية الفخمة للعزبة الحقيرة، إنها ربما كانت دارا بيضاء ذات بهاء وجلال في الماضي؛ ~~فلما هوت إلى حيث هي اليوم بقي لها هذا الاسم الذي لا يتناسب معها، كما تبقى لأشخاص ~~ضعاف ضئيلة في الحياة قيمتهم هين بين الناس قدرهم، أسماء أجداد اهتزت بأسمائهم ~~عصورهم؛ فلما ثوى الأجداد في الثرى وأورثوا أسماءهم من بعدهم عبثت يد الزمن ~~بالأسماء لعبثها بوارثيها. # ووقفنا هنيهة ننتظر المطي التي تصعد بنا خلال النقب الأحمر إلى الهدة، وأقبل ~~فتيان من البدو تسبقهم حمر تلهث مسرعة كأنها مستنفرة فرت من قسورة، ووقف الفتيان ~~الحمر على مقربة منا، واختار أصحابي أحدها لركوبي، ولم أعرف لاختيارهم سرا؛ فبين ~~الحمر وبراذعها من الشبه ما يثبت اليقين بديمقراطية الحمر في البادية كديمقراطية كل شيء ~~فيها، على أني شكرت للقوم حسن الاختيار، وعلوت مطيتي كما علوا مطيهم، وانطلقنا ~~نغذ السير في طريق لا عوج فيه ولا أمت، وخيل إلي أننا سنصعد كذلك في ~~هون حتى نبلغ غايتنا، وما راعني إلا الجبل انبعث صعدا في السماء أمامنا، ولم يدع لنا ~~طريقا نسلكه إلا نقبا أحمر يتلوى صاعدا مع الجبل بين صخور كأنما صهرت في أتون ~~خلع عليها لون النار، ووقفت المطي أمام هذا النقب وألقت برءوسها وآذانها إلى الأرض ~~وفحصت بأرجلها ms319 الصخر تبلو متانته، ثم تقدمت في حذر تصعد الجبل، تضع رجلا فوق صخرة ~~وتنقل الثانية إلى ما يليها، وتقف هنيهة حتى تتثبت من موقفها، ثم تنقل رجلها كرة ~~أخرى ممعنة في الصعود، وأمسكت أنفاسي وأمسك القوم أنفاسهم ، ورفعت طرفي في لمح البصر ~~إلى أعلى الجبل ورددته إلى موضع الخطو لهذا الحمار المختار الذي أركبه، وفي هذه ~~اللحظات الأولى القليلة القصيرة مرة بنفسي مئات الخواطر، وإني لكذلك إذ زلفت رجل ~~حماري على صخر فاستردها مسرعا، عندئذ دعوت الفتى البدوي صاحب هذا الحمار فاستوقف ~~دابته واعتمدت على كتفه ونزلت فوق صخرة وتركت الحمار يتابع تصعيده. # قال أصحابي: «ما لك؟! ومم تخاف؟ ...» قلت: «أوثر أن أصعد هذا الجبل على قدمي كما صعدت ~~حراء وثورا، وما أحسبه أكثر ارتفاعا من أيهما.» قالوا: «لا تخف! فهذه الحمر قد مرنت ~~على صعود الجبل مرانة البدو، ونحن معك، يسبقك بعضنا ويلحقك بعض.» قلت: «لئن كانت الحمر ~~قد مرنت على الصعود لقد مرنت أقدامي كذلك عليه، لكن فاتتني هذه المرانة في الصعود على ~~ظهور الدواب.» وذكرت لهم كيف صعدت أرز لبنان في سنة 1924، ولما تكن طريق السيارات قد ~~مهدت له، ثم أردفت: «ولقد امتطيت يومئذ حمارا كهذا الذي تفضلتم باختياره لركوبي فإذا ~~هو لا يطيب له السير إلا على حافة الجبل وحافة الهاوية، حتى لقد كان يخيل إلي في كل ~~لحظة أني على شفا جرف هار؛ وذلك شأن الحمر جميعا، وهو شأنها اليوم، وسيظل شأنها أبد ~~الآبدين ودهر الداهرين؛ وقد مضت اثنتا عشرة سنة من ذلك اليوم وأنا مع ذلك لا أنساه، وما ~~أحسبني بعد هذا الزمن كله في مثل ما كنت فيه من نشاط الشباب وإقدامه، مع ذلك كنت يوم ~~ذاك ممسكا قلبي بيدي حذر الموت، وأين لي اليوم هذا القلب وتلك اليد التي كانت تمسكه؟! ~~فبالله عليكم إلا ما تركتموني أصعد راجلا، فمشقة الأقدام والسير أهون من مشقة الأعصاب ~~وخفق الفؤاد.» # وابتسم السيد صالح القزاز لروايتي وترجل عن حماره ولحق بي وقال: «إذن نصعد راجلين ~~معا، ms320 وإن كنت لا أشاركك في مخاوفك.» وقال البدوي صاحب الحمار الذي أركبه: «جعلت ~~فداك لا تخف، فهذا الحمار أبر بي وبراكبه من أن يحدث أمرا، والأمر بعد لله، ~~والله معنا.» وترجل صاحبي وجاء هو كذلك إلينا يسير معنا، فقافلة الحمر لا تقف أثناء ~~الصعود إلا كارهة، ولقد رأيتها تتخطى أمامي من صخرة إلى صخرة في حذر ليس كمثله حذر، ~~ورأيتني تنزلق قدمي فوق الصخور حيث لا تنزلق حوافرها، وسمعت كأن هاتفا يهتف في أطواء ~~قلبي: «لم تخاف ولكل أجل كتاب؟! ولن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا!» والأمر بعد أهون من ~~أن أجعله موضع رجاء أصحابي، والتماس البدوي صاحب الحمار، ودقة الملاحظة لخطو الحمر، ~~وهذه الفلسفة الجبرية التي بدأت تهتف بي، على أني مع ذلك آثرت أن أجعل عودي إلى ~~امتطاء الدابة نزولا مني على إرادة صاحبها، ووقف الرجل الحمار في بطن النقب، ~~وعلوت صخرة استويت منها إلى مركبي، وعادت القافلة تسير في نظام مطمئن. # وازددنا طمأنينة بعد ربع ساعة من مسيرنا، فقد استوى الجبل في صعوده واستوى النقب ~~طريقا تجري الدواب فيه جريها في السهل، لا تخاف شيئا ولا تخشى، وظللنا كذلك فترة ~~نسينا أثناءها ما استولى علينا من الصمت في الفترة الأولى؛ فهذا يقص أنباء كراء، وذاك ~~يقص أنباء كر، وثالث يتحدث عن الصخرة الضخمة على سطح الهدة وما عليها من كتابة ~~ونقوش، وآخر عن البركة الواقعة على منحدر كراء إلى الكر، ويشترك البدو أصحاب الدواب ~~في هذا الحديث بما يعرفونه من أنباء هذه الأماكن، وإنا لفي مرحنا وفي قصصنا إذ آن ~~للجبل أن يعتدل عموديا في ارتفاعه، وللنقب أن يعود شاقا مخوفا، وآن لنا أن نستأنف ~~الصمت الأول، وأن نشد أبصارنا إلى مواقع الخطو من هذه الدواب الحذرة المجازفة، ويقوس ~~الحمار ظهره إذ يعلو بقدميه الأماميتين صخرة نابية في نتوئها، ويبلغ من تقوسه أن يكاد ~~الإنسان ينزلق هاويا وراء ذنبه لولا أن يشد اللجام بيد ويمسك البرذعة بالأخرى، ويخفق ~~القلب لهذه الحركات «البهلوانية» المتئدة خفقا شديدا، وتتمتم ms321 الشفاه بعبارات ~~الاستعانة بستر الله في همس لا تسمعه إلا أذن قائله، بل تتخيله هذه الأذن ~~تخيلا. # ماذا عساي أصنع؟! أأترجل عن دابتي كرة أخرى أم أبقى متسنما ظهرها ويفعل الله ما ~~يشاء؟! ترى كم بقي إلى غايتنا، ليكن ذلك بضعة أمتار، فالسقوط عن الدابة ودق الرقبة ~~يتمان فيما دون الثانية الواحدة، وإذا ترجلت وعاد القوم يخاطبونني ويشجعونني وعاد ~~البدوي صاحب الحمار يرجوني فيا خجلا! فإن لم يكن بعد ذلك بد من أن أستجيب لرجائهم ~~فخير ألا أترجل أو أحدث في القافلة ما لا مفر أن يحدث من هرج ونحن في هذا المضيق ~~الدقيق، ويستدير الحمار فوق صخرة يقف عليها بأربعه، وأكاد أراني هاويا متدحرجا على ~~الصخور إلى رحمة الله، فيثب قلبي في صدري ويتعطل كل تفكيري وأشير إلى البدوي السائق ~~ليدنو مني فأعتمد عليه وأهبط عن الدابة في صمت، وأسير بضعة أمتار على قدمي لا أحدث ~~أثناء ذلك ضجة ولا جلبة، ولا يكاد يفطن أحد ممن معي لما فعلت، ويسبقنا الحمار ويسير ~~البدوي إلى جانبي، ثم يشير إلي بعد قليل أنا صرنا على مقربة من القمة، وأن الطريق ~~استقام أو كاد، وأني أستطيع في غير خوف أن أعود فأمتطي دابته، ويمسكها وأعلوها، وتسير ~~في طريق ما يزال وعرا كما كان، لكنني كدت آلفه، ووعورته للسائر على القدم ليست دون ~~خطره على ممتطي الدابة، فأنت منه بين أمرين أحلاهما مر؛ وأنا أداول بين الأمرين ~~دراكا وما دمنا قاربنا الغاية فلأن أبلغها فارسا مع السادة خير من أبلغها ماشيا مع ~~قادة الدواب. # وكنا على رأس النقب حين بدت لنا دار حمراء لم أدر أبنيت من الآجر أم من أحجار ~~هذا النقب، دار قائمة في عزلة الصومعة شيدت على قمة عالية، وعلى صورة البرج، كيف ~~الطريق إليها؟! انقطع النقب واستدارت الحمر على سطح للجبل مخضر تجري خلاله طرق ملتوية ~~في تصعيدها، حيل بينها وبين خضرة الزرع بأحجار رصفتها أيد حريصة على هذا الزرع حذر أن ~~تدوسه أقدام المشاة أو حوافر الدواب وأخفافها، ms322 وتلوت قافلتنا في هذه الطرق تسير صعدا ~~نحو الدار في طمأنينة من أدرك غايته، قال صاحبي وهو يتبعني على أتانه حتى يكاد رأس ~~الأتان يمس ساقي: «هذه الهدة هي السطح من جبل كراء، وهي ترتفع عن الطائف بستمائة ~~متر، وعن سطح البحر بمائتين وألفين من الأمتار، أو ترى هذا الجبل المصعدة قمته في الجو ~~هناك في الناحية الجنوبية؟ إنه جبل سفار، وهو أعلى قمة في هذه الناحية من جبال ~~الطائف، ويبلغ ارتفاعه عن سطح الهدة خمسين ومائتي مترا، والبدو يرون البحر منه عند ~~منحنى الليث الواقع على مقربة من جدة، وهم يرونه ساعة مغيب الشمس إذا كان الجو صفوا ~~فلم يحل دون امتداد البصر إلى غاية الأفق حائل.» # وكان الجو في هذه الساعة رقيقا صفوا من كل شائبة، وكان هواء الجبل صحيحا منعشا ~~يبعث إلى النفس الغبطة وإلى القلب المسرة، وكانت الشمس ترسل أشعتها المحسنة تحيي بها ~~الكون وتفيض منها الدفء والنور، فتزيد النفوس غبطة والقلوب مسرة، وكان زملاؤنا جميعا ~~فرحين أن بلغنا الغاية بعد ساعات تنقلنا أثناءها من الطائف إلى سد ثمالة، فإلى الطائف ~~كرة أخرى، فإلى هذا المكان الذي بلغناه بعد جهد ومشقة، لعلي كنت أكثرهم اغتباطا ~~ومرحا، فهذا كله جديد في حياتي وهو متداول في حياتهم، فإن لم يكن بعض ما يزاولونه كل ~~يوم فهو بعض ما يتعرضون له الفينة بعد الفينة، ومنهم من تكاد تكون هذه المشقة بعض ~~حياته، كالشريف حمزة الغالبي، وربما كان فرح هذا الرجل أن بلغ بنا ما نبغي، وأن حدثنا ~~عن كثير مما أريد أن أسمع عنه، أعظم من فرحه لمرأى دار مضيفنا في الهدة، ولقد رأيت ~~السرور يلمع في عينيه ونحن نترجل عند دار هذا المضيف وهو يسألني في شوق من يريد أن ~~يطمئن: «لعلك لم يبلغ منك التعب؟» # ودلفنا إلى بيت مضيفنا محمود المغربي، فدخلنا بابا وارتقينا درجا وأوينا إلى غرفة ~~أذكرتني بداوتها وسذاجتها منازل العزب في مصر، ولقينا أهل الدار مؤهلين فرحين، ~~ودخل بعضهم معنا الغرفة الخالية، وجاء أحدهم ms323 بحصير من هنا وآخر بسجادة من نسج أيديهم من ~~ها هنا، وفرشوا ما استطاعوا فرشه من جوانب الغرفة، ثم جاءوا بوسادتين أتكئ عليهما ~~مبالغة في إكرامي، وأعد لنا القوم الغال - وهو طعام «التصبيرة» كما أسلفت - بيضا ~~وخبزا وتمرا، وقام رب الدار على قدميه عند الباب لا يتناول معنا طعاما ولا يلقي ~~إلينا نظرة، وكل همه أن يجيء بالماء للظامئين، وسمعته يتحدث إلى أهله. # جزيت يا مستر فلبي! أهذه اللغة العربية الفصحى الصميمة التي هديتني إلى موطنها؟! ~~إنها لهجة لا أكاد أفهمها إلا كما أفهم أهل لبنان أو أهل المغرب إذ يتحدث بعضهم إلى ~~بعض، يرحم الله شعراء ثقيف وخطباءها! ويرحم الله الحجاج بن يوسف الثقفي يوم قال: # أنا ابن جلا وطلاع الثنايا # متى أضع العمامة تعرفوني # ورحم الله أمية بن أبي الصلت الثقفي في الجاهلية! ورحم الله المغيرة بن شعبة، ~~وغيلان بن سلمة، وعروة بن مسعود، والفارعة بنت أبي الصلت وغيرهم وغيرها من رجال ~~ثقيف ونسائها الشعراء والحكماء، أين شعر هؤلاء وأين حكمتهم؟ وأين هم من أولئك الذين أرى ~~اليوم فلا أكاد أستبين لهم حديثا أو أفهم لهم قولا؟! وأسأل السيد صالح القزاز في ذلك ~~فيذكر لي أنه الجهل المطبق الذي خيم على البلاد أجيالا بل قرونا، والذي ألفه الناس ~~حتى ما يفهمون غيره، فإذا أنشأت لهم الحكومة الفاتحة اليوم مكاتب للتعليم تلكئوا ~~في الإقبال عليها واعتبروها عدوا لهم أي عدو، هذا على شعورهم بالحاجة إلى المعرفة بعد ~~إذ رأوا السيارة والبرق، وأيقنوا أن الحياة في عصرنا الحديث بغير علم مستحيلة، وأن ~~الجهل والبهيمية فيها سواء. # خرجنا بعد «الغال» من دار مضيفنا ندور في الهدة من سطح كراء، وأطلقنا للدواب ~~أزمتها تجري مرسلة العنان لا تخاف وعرا ولا وعثا، ويدفعها أصحابها البدو ~~الفرحون بجريها إلى مزيد منه، فهي تستبق ما انفسح الطريق أمامها، فإذا قام النبات عن ~~جانبيها وضاق الطريق سارت بعضها في أثر بعض، ونبات الحنطة المزروع في هذا السطح من ~~الجبل لا تجاوز مساحته المنثورة ها هنا وهناك ms324 بضعة الأفدنة لكل قطعة منها، وهي تقع ~~أغلبها في حضن سفح أو على رأس هاوية، فأما ما وراء ذلك من سطح الجبل فخلاء منثورة فيه ~~الأحجار المتباينة الأشكال والأحجام، وقد مررنا بحجر ضخم قائم في الفلاة يكاد ارتفاعه ~~يبلغ ثلاثة الأمتار أو يزيد عليها، فذكرت لمرآه أحجار الهرم الأكبر بالجيزة، وإن لم ~~يهذب ولم يسو ما هذبت وسويت، ووقف أصحابي أمام هذا الحجر فإذا عليه كتابة ~~ونقوش، حاولوا قراءة ما يمكن قراءته منها، وحاولوا أن يردوه إلى عصور قديمة ترجع إلى ~~صدر الإسلام وإلى ما قبل الإسلام، قال صاحبي وهو يحاورهم: «أوتحسبون صخرة كهذه الصخرة ~~معرضة للريح والمطر تحتفظ ألوف السنين أو مئاتها بكتابة لم يعمق صاحبها نقرها؟! لشد ما ~~تغلون! وإني لأظنكم تحرصون في غير موضع للحرص أن تخلقوا تاريخا منقوشا على صخور هذه ~~الأماكن الغنية بما وعت من عهد الرسول فأغناها عن كل نقش، وحسب هذا المكان فخارا أنه - ~~عليه السلام - مر به في مجيئه من مكة إلى الطائف يستنصر أهلها، فأما ما ترونه منقوشا ~~على هذه الصخرة أو غيرها من الصخور فلا أحسبه يشفي غلة أو يروي ظمأ، وإن ألفى الذين ~~يحلون طلاسمه تاريخ البشر مطويا في ألفاظه.» # كانت غايتنا من سيرنا أن نبلغ البركة القائمة عند منحدر جبل كراء إلى الكر، ~~فمن هذه البركة يرى الإنسان الطريق إلى شداد فوادي نعمان فمكة، وهو الطريق الذي ~~يسلكه المشاة وتسلكه الدواب بين مكة والطائف، وهو الطريق الأثري الذي سلكه الرسول من ~~ستين وثلثمائة وألف سنة مضت، وهو هذا الطريق الذي نصح إلي الحاج عبد الله فلبي أن ~~أسلكه لأسمع عربية البادية، أما ولم يتسن لي أن أتعدى ما بعد وادي نعمان يوم جئت ~~إليه من مكة، فلأذهب إلى الكر من ناحية الطائف فأكون قد قطعت من هذا الطريق أكثره، ~~وانطلقت الدواب بعد أن قرأ أصحابي ما استطاعوا وما لم يستطيعوا قراءته مما على الحجر ~~الضخم حتى بلغت منحدر الطريق على سفوح كراء إلى البركة، هنالك عادت إلى مجازفتها ms325 ~~وحذرها، ولم يطل بنا الطريق فيرتاع القلب من خشية الخطر والانزلاق، بل كنا عند البركة ~~بعد دقائق من بدء المنحدر، وكان من البدو الذين معنا من سبقونا إليها ونادونا من عندها ~~لنطمئن بندائهم إلى قصر الطريق ويسره . # والبركة مربعة، بنيت بناء محكما، ومهد إليها انحدار الماء من الجبل في قني ~~أحسن نظامها، كما نظم انحدار الماء منها ليظل ماؤها جاريا ما نزلت السيول أو ذابت ~~الثلوج، وشرب منها بعض رفقتنا تيمنا وتبركا، وأدرت المنظار المقرب فيما حولي، فألفيت ~~انحدار السفح فيما دوننا وعرا عموديا أو يكاد، فسألت أصحابي في صعوده؛ فابتسم أحدهم ~~وقال: «إن من أهل شداد الواقعة في السهل عند نهاية كر من يطيب لهم المجيء إلى هنا ~~ليشربوا القهوة، وليتحدثوا ولينعموا بهواء الجبل ما طاب لهم، وليعودوا بعد ذلك مغتبطين ~~بنزهتهم لم يصبهم نصب ولم يمسسهم تعب؛ وإنما تحسب أنت للأمر حسابه وترى فيه عسرا ~~لأنك لم تتعوده، والحياة عادة، ولو كنت تصعد الجبل اليوم للمرة الأولى ولم تكن قد سبقت ~~إلى صعود حراء وثور لوجدت من المشقة أضعاف ما تجد.» # وحق ما قال، وإني لأذكر يوما من سنة 1910 كنت فيه بلوسرن من أعمال سويسرا، وقد ~~قضيت الليل بفندق في قمة جبل الپيلات، فلما تنفس الفجر خرجت أشهد مشرق الشمس على قمم ~~الجبال، فألفيت جماعة من أهل الجبل في هذه المنطقة سبقوني وقد تسلقوا من أدنى السفح ~~إلى أعلاه في بكرة الصبح خفافا يتغنون أغاني الجبل ويتصايحون صيحاته، وهم في جذل ~~ومرح دونهما مرح الطير الطليق من عشه مع تباشير النور، وقديما ثقل هواء السهل على أهل ~~الجبل، فكان تحنانهم إلى السفوح والقمم ينساب في شعرهم نغمات كتغريد الطير حين أوبته ~~إلى عشه وأفراخه. # وعدنا إلى منزل مضيفنا نتناول العقال، فألفيناه ثرد الثريد وجعل عليه لحم الجزور ~~كله، وهيأ بذلك لنا طعاما بدويا لذيذا، ولم يشاركنا في العقال كما وقف ساعة الغال ~~بعيدا عنا يجيب مطالبنا ولا يلقي علينا نظره، ودارت القهوة بعد الطعام، ثم خرجنا ~~فركبنا ms326 دوابنا ودرنا بها في أنحاء الجبل نستبق، وبدأت الشمس تميل نحو الغرب كل الميل، ~~فعدنا إلى النقب الأحمر نهبط خلاله إلى وادي محرم، ولقد آثرت أن أقطع جانبا من ~~النقب على قدمي مخافة السقوط من فوق الدابة وهي تنحدر في حذرها ملقية إلى الأمام برأسها ~~وبكل جسمها، فلما استوينا بعد ذلك في «البكس» وأسرع يقطع بنا الطريق إلى الطائف تنفسنا ~~الصعداء، وقدرت صدق الدعوة التي يدعوها بنو وطننا للمسافر: «يكتب الله لك في كل ~~خطوة ألف سلامة.» # قال صاحبي ونحن نتناول طعام العشاء: سنذهب صبح غد إلى الشفا أرفع جبال الطائف، ~~وهناك ترى البادية كما خلقت لم يعد عليها نظام ولم تعبث بها يد عابث، قلت: أوعبثت ~~يد النظام بالهدة؟ وهل يرتفع الشفا عن كراء؟ وتبسم الشيخ صالح القزاز وقال: إنك سترى ~~يوم غد ما يسرك، وستكون لك فرصة نادرة المثال في الموازنة بين بلادنا اليوم وما كانت ~~عليه أيام الرسول وفي صدر الإسلام، وسترى في أعالي الجبال هناك من طبائع البداوة ما لم ~~تره اليوم، وما هو خليق ببحثك ودرسك. # قلت: أونجد مكان اللات طاغية ثقيف في طريقنا إلى الشفا؟ # وأجاب السيد صالح: لا يعرف أحد اليوم أين كانت تقوم اللات؟ وكل ما يذكرونه أن الصنم ~~مسخ ونقل حجره أمام مسجد ابن عباس تدوسه أقدام الناس. # وذكرت لسماع هذا القول ما يذكره أهل مكة عن هبل، وأن حجره وضع أمام باب الصفا من ~~أبواب المسجد لحرام ليدوسه الناس. # قال صاحبي: تلك كلها روايات لم يحفل التاريخ شيئا منها ولم يذكرها مؤرخ جاد في كتاب ~~من كتبه. # وقمنا صبح الغد نقصد الشفا، وأقلنا البكس، وانطلقنا في طريق مستوية حتى حاذينا ~~قرية المثناة، قال صاحبي: سألتني غير مرة عن المكان الذي لقي فيه الرسول عداسا ~~النصراني وحرصت على أن تقف عنده، ففي المثناة مسجد سيدنا عداس، قلت: أولا ننزل ~~فنزوره؟! لكن الشيخ صالح آثر أن نرجئ هذه الزيارة إلى حين العودة من رحلتنا، وانطلقت ~~السيارة متخطية وادي المثناة في أرض مطمئنة ms327 يدل ظاهرها على خصبها، وهي مع ذلك غامرة ~~لا زرع فيها ولا نبات، وبلغنا زراعة مخضرة ونباتا حسنا، فقيل: هذه «الوهط»، ورأينا ~~بساتين تسقى من عين تجاورها، وتقوم منازل على مقربة منها أدنى إلى أن تكون ضيعة صغيرة ، ~~يتعهد أهلها هذا الزرع القليل، قال الشيخ صالح: هذه الوهط التي لا تكاد تغل اليوم ~~شيئا مذكورا كانت في صدر الإسلام مضرب المثل في الخصب والنماء. # ذكروا أن عمرو بن العاص اشترى فيها أملاكا أيام إمارته في عهد معاوية، وأن هذه ~~الأملاك كانت تغل من الكروم والنبيذ ما يتحدث الناس عنه، جاء معاوية من الشام يوما ~~ومر بهذه النواحي، فلما كان على مقربة من الوهط رأى على البعد ما ظنه أحجارا سوداء ~~ناتئة في كثرة نتوء الحرار في مدينة الرسول، فسأل: ما هذه الحرار؟ وعلم أنها ليست ~~حرارا وأنها خوابي النبيذ التي تعصر فيها كروم ابن العاص، فلما توسط بساتين الوهط ~~قال لعمرو مرة أخرى: لي عندك يا عمرو طلبة لعلك لا تردها، قال عمرو: لك ذلك يا أمير ~~المؤمنين، ولي عند أمير المؤمنين بعد ذلك طلبة أرجو ألا يردها، ووعده معاوية ما ~~أراد، فأما الذي طلبه معاوية إلى عمرو فأن يهبه الوهط، قال عمرو: هي خالصة لأمير ~~المؤمنين، وابتسم معاوية ثم قال: فسل يا عمرو ما بدا لك فأنت مجاب إليه، قال عمرو: ~~أن ترد الوهط يا أمير المؤمنين. # وأردف الشيخ صالح: وسواء أصحت هذه القصة أم لم تصح فهي تدل على ما كان لهذه الأماكن ~~القفرة اليوم من شهرة بخصبها وثمراتها، وتؤيد صحة رأيك في هذه البلاد، وأنها لم تعد إلى ~~مكانتها في الحضارة والثروة منذ انتقل الملك إلى دمشق وبغداد والقاهرة. # ولعل الشيخ صالح القزاز لم يجزم بصحة الرواية التي حدث عنها لما تختلف عليه الكتب ~~أكانت أملاك الطائف لعمرو بن العاص أم لابنه عبد الله، فقد ذكر صاحب لسان العرب ما نصه: ~~«الوهط: مال كان لعمرو بن العاص، وقيل: كان لعبد الله بن عمرو بن العاص بالطائف، ~~وقيل: ms328 الوهط: موضع، وقيل: قرية بالطائف.» # وجاوزنا الوهط إلى الوهيط القريبة منها والتي تشاركها في أن أهلها من ثقيف، ~~وبالوهيط بستان كبير للشريف عون الرفيق يكاد يكون خلاء من الزرع لولا شجرة كبيرة من ~~شجرة «اليوكالبتس» كان عون الرفيق قد جاء بها إليه، وهو يسقى من عين جارية تنحدر ~~إليها المياه من سفوح الجبال القائمة على مقربة من البستان، والتي تميز طبيعة الوهيط عن ~~طبيعة الوهط السهلة الفسيحة الرحاب في جوانب الوادي. # وانطلقت السيارة في طريق يقع أسفل جبل برد ويدور معه حتى يبلغا الموضع الذي يصعد ~~منه الصاعد إلى الشفا، ووقفنا في منتصف هذا الطريق عند صخرة تفصل بين قريش وهذيل ~~وسفيان؛ سفيان في الشرق وهذيل في الجنوب وقريش في الغرب، ونزل إخواني وحاولوا قراءة ما ~~على هذه الصخرة من آثار لم أعن بمشاركتهم في قراءتها؛ لأنني لا أثق بقدمها؛ ولأنها إن ~~تكن قديمة في حاجة إلى دراسة ليست في نطاق ما أقصد إليه من بحوثي، فلما رأى أصحابي ~~انصرافي عن هذا الأثر عدنا إلى السير حتى بلغنا مكانا انفسح فيه الوادي، هنالك نزلنا، ~~فإذا الدواب في انتظارنا، على أننا رأينا على مقربة منا خلايا للنحل زرناها، فإذا هي ~~تذكرني تربية النحل عندنا في أوائل هذا القرن المسيحي؛ ولعلها هي الطريقة التي كانت ~~تتبع في تربيته منذ قرون ترجع إلى أوائل الدهر. # ركبنا الدواب وسرنا في دروب بدأت سهلة مريحة، ثم بلغ من وعثها ووعورتها أن صار ~~النقب الأحمر جنة بالقياس إليها، وطال الطريق، وبعدت الشقة، ونالني الجهد، وكدت ~~أوقن أنا لن ندرك لهذا الجبل غاية، وكم مرة جال بخاطري أن ألوي عنان دابتي لأعود من ~~حيث أتيت لولا أن غلبني الحياء! ويترجل الشريف حمزة الغالبي عن دابته ويسير إلى جانبي ~~يشجعني إذا استقام الطريق، ويعاونني في المنحدرات وفي المرتقيات المخوفة، ويحاول أن ~~يرفه عني ويهدئ ثائرة أعصابي، والطريق يطول ويزداد وعورة، ولا أجد في كلمة من حمزة ~~أملا في قرب الغاية، فتعود إلى أعصابي ثورتها وأكاد أغالب حيائي وأتغلب ms329 عليه وأعود ~~أدراجي، وهممت أن أفعل لولا أن أكد لي حمزة أن ما بقي من الطريق دون ما قطعناه منه ~~بمراحل. # وانتهى بي الأمر أن استسلمت للأقدار، وآثرت أن أنعم حتى بالمشقة، وأن أجني منها خير ~~ما فيها ، وأن أنعم بهواء هذه الساعة فوق الجبل بلغ من الصفو والعذوبة ما لعله سرى عني ~~وجعلني أستمتع بما حولي، وتكبدت الشمس السماء، وأرسلت إلى الخليقة من باهر ضيائها ما ~~زادني بما حولي متاعا، ثم آن لحمزة أن يزف إلي البشرى بأنا لم نضل الطريق ~~وأنا أشرفنا على الغاية منه، وبعد نصف ساعة من ذلك تبدت لنا دار مضيفنا عامر الريعي ~~قائمة وحدها في هذا المنقطع من ظهر الجبل، ويقال مع ذلك: إنها بقرية خماس من قرى ~~الطلحات إحدى قبائل هذيل. # وتلقانا عامر وبنوه مرحبين، ودار بينهم وبين الشيخ صالح حديث سمعته ولم أفهم منه ~~كلمة، وجلسنا في فناء الدار عند باب غرفة لعلها الوحيدة فيها، ثم انتقلنا إلى مخزن بعيد ~~عنها بضعة أمتار، وهناك جيء لنا بالثريد صب عليه السمن بمقدار لم أستطع معه أن ~~أتناول منه لقمة، ولم ينحر عامر جزورا؛ لأنا بلغنا داره بعد الظهيرة، وسنعود إلى ~~الطائف قبل أن يتاح للحم الجزور أن ينضج، واكتفيت لطعامي ببعض ما جئنا به من الفاكهة ~~والحلوى، وجمع من شاء بين صلاة الظهر والعصر، ثم أقمنا هنيهة نستريح، وفيما نشرب ~~القهوة أغمضت عيني ورحت أفكر فيما رأيت، فهذه البادية، التي جست خلالها أمس واليوم، ~~بادية الخصب غزيرة الماء بديعة الهواء في الصيف غير قارسة القر في الشتاء، ونحن الآن ~~في شهر مارس والهواء فيها رقيق ينعش النفس ويبعث النشاط إلى الحواس كلها، وما رأيت بها ~~من سدود ضخمة لحجز المياه كي ينتفع بها الزراع وترتفع بها مياه الآبار يشهد بأن ~~الذين عمروها وأنشئوا هذه السدود كانوا ذوي حضارة وفن يعرفان كيف يفيدان من خصب ~~الطبيعة وقوتها على الإثمار. # وتاريخ هذه البلاد وتراجم أبنائها الذين عاشوا في عصور مختلفة منذ صدر الإسلام إلى ~~آخر ms330 عهد بني أمية يشهد بما كان لها من أدب رائع ومن فلسفة وشعر وحكمة، كما يدل على أنها ~~أخرجت أولي مقدرة ودهاء في الحكم وسياسة الشعوب، فماذا دهاها اليوم فصارت إلى ما أرى من ~~اضمحلال الثروة وتهدم المنشآت وجهل الناس وفساد الأمر فيها؟! كيف هوت من مرتبة الحضارة ~~الرفيعة إلى هذه المراتب الأولى من البداوة، وكيف تعطل علمها وفنها فتحطمت فيها كل آثار ~~العلم والفن؟! وكيف ذهبت لغتها العربية الصميمة الصحيحة وحلت محلها هذه الرطانة البدوية ~~التي لا يصل بينها وبين العربية الأولى نسب؟! # ذهبت هذه الحضارة وذهب العلم والفن معها منذ تقلص السلطان من هذه البلاد، ومنذ هجرها ~~أبناؤها ذوو السلطان إلى بلاد أخرى، فمن يوم انتقل الأمويون إلى دمشق، ومنذ استقر ~~العباسيون ببغداد، والفاطميون بالقاهرة، حكم على هذه البلاد العربية بالاضمحلال ~~والانحلال، أغرقت أول عهد الأمويين بأموال الفتح، وفاتها من أول عهد الأمويين شرف ~~الفتح وفخاره، ملك ثروتها أبناؤها العرب الذين ارتحلوا عنها وأقاموا بعواصم الإسلام دون ~~تفكير في العودة إليها، وما يغني المال إذا ذهب السلطان؟! وما يغني الماضي إذا تقلص ظل ~~الحاضر؟! وكيف ينمو المال إذا غاب عنه رب المال؟! لذلك لم تلبث تلك البلاد التي كانت ~~حاكمة فانقلبت محكومة، وكانت سيدة فصارت مسودة إلا قليلا، حتى تقلص عنها ظل النعمة إلى ~~غيرها، وحتى انتقلت منها العروبة إلى الشام وإلى العراق وإلى مصر، وبقيت لها البداوة ~~الساذجة والأعرابية التي فقدت كل مقومات الحضر العربي. # ثم كان الانحلال الذي بدأ منذ الأيام الأخيرة من العهد العباسي، والذي نقل السلطان من ~~يد العرب إلى يد الفرس والترك والمماليك، هنالك انحلت اللغة وحلت محلها عجمة نكراء ~~كانت بلاد العرب أول من اصطلى بنارها، فلما آل الأمر إلى الأتراك العثمانيين لم يبق ~~لبلاد العرب من المكانة إلا أنها موطن البلاد المقدسة ومكان بيت الله وقبر رسول الله؛ ~~من ثم أصبحت أدنى في نظر الحاكمين إلى أن تكون بلادا أثرية، فصار الرأي فيها أن تتجرد ~~من زخرف الحياة كما يتجرد الحاج ms331 بيت الله من زينة هذه الحياة، بذلك غاضت قوة الحياة ~~في البلاد العربية جميعا وأصبحت كلا على غيرها في كل مرافق الحياة، وما حاجة من ~~أصبح كلا على غيره إلى السعي؟! وما حاجة من لا يسعى إلى العلم أو الفن أو الحضارة؟! ~~وتعاقبت القرون ونفسية أهل هذه البلاد هذه النفسية، وروحهم هذا الروح، ونظرة المسلمين ~~إليهم هذه النظرة، لا عجب وذلك شأنهم أن تتهدم السدود، وأن يغيض الماء، وأن يرحل عنهم ~~العلم، وأن يعودوا إلى بداوة الجاهلية الأولى، لقد أسفت واشتد أسفي لحال هذه ~~البلاد، وما عسى أن يغني الأسف؟! هل تراه ينهض يوما بأمة من ضعفها وانحلالها إلى مواطن ~~البأس والقوة؟! إنما ينهض بالأمة صائح من أبنائها يحرك فيها معاني الإنسانية ويدفعها ~~إلى الأمام تبتغي الكمال العقلي والكمال الروحي، أما وقد تحرك أبناء هذه البلاد يريدون ~~الحياة مؤمنين بالله وبالروح وبالحق، فما أجدرهم أن يعودوا إلى الحياة وأن يعيدوا مجد ~~الأجداد! # آن لنا أن نعود أدراجنا، فامتطينا دوابنا وسرنا في الجبل نصعد حينا وننحدر آخر، ~~ونترجل عن ظهور المطي إذا اشتدت وعورة الطريق، وأدركنا سيارتنا وأهبنا بالسائق أن يسرع ~~لنزور المثناة، وأسرع بنا السائق، وأدركنا المثناة والليل وشيك أن يمد على ~~الوجود رواقه، وانحدرنا نتسلل خلال الأزقة نريد مسجد عداس لنقف حيث وقف الرسول - ~~عليه السلام - في ساعة من أدق ساعات حياته ورسالته، ولو أني لم أقف هذا الموقف ولم أدرك ~~هذه الزيارة لخرجت من الطائف وكأن لم أحضر إليها ولم أقف بها، وما الطائف من غير زورة ~~لمسجد عداس؟! # في المكان الذي يقوم هذا المسجد اليوم عليه وقف رسول الله بعد أن أخرجه أهل الطائف من ~~ديارهم وقد أبوا نصرته وأغروا به سفهاءهم يسبونه ويلقون عليه الأحجار، لاجئا إلى حائط ~~عتبة وشيبة ابني ربيعة يحتمي به من أذى هؤلاء السفهاء، وهناك جلس إلى ظل شجرة من عنب ~~يقلب كفيه ثم يرفع رأسه إلى السماء ضارعا في شكاية وألم ويقول: «اللهم إليك أشكو ضعف ~~قوتي وقلة حيلتي وهواني على ms332 الناس يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى ~~من تكلني؟! إلى بعيد يتجهمني أو إلى عدو ملكته أمري؟! إن لم يكن بك علي غضب ~~فلا أبالي، لكن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر ~~الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك أو تحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا ~~حول ولا قوة إلا بالله.» ونظر إليه ابنا ربيعة وهو في هذه الحال وطال تحديقهما به، ~~فتحركت نفساهما شفقة عليه، فبعثا غلامهما النصراني عداسا إليه بقطف من عنب ~~الحائط، وتناوله الرسول ووضع يده فيه وقال: «باسم الله» ثم أكل، ودهش عداس لما سمع ~~وقال: هذا كلام لا يقوله أهل هذه البلاد، وعلم محمد أنه نصراني نينوي فقال له: ~~«أمن قرية الرجل الصالح يونس بن متى؟» قال عداس: وما يدريك ما يونس بن متى؟! ~~قال محمد: «ذاك أخي كان نبيا وأنا نبي»، فأقبل عداس على محمد يقبل رأسه ويديه ~~وقدميه. # وقام الرسول - عليه السلام - بعد أن طعم العنب واستراح فانصرف عنه عداس، فتوجه إلى ~~مكة سالكا طريق حمى النمور فوادي محرم فالثنية، لا أنيس له في طريقه غير إيمانه ~~بالله وعياذه بنور وجهه الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، ولا حول ~~ولا قوة إلا بالله. # هذا موقف من مواقف الرسول الكبرى، هو الموقف الذي سبق الهجرة وكان مقدمة بيعة العقبة ~~ثم الاختفاء بغار ثور، والذي هيأ الله به للرسول وجهة الدعوة إلى دين الحق، فلئن أجارت ~~الحبشة المسلمين حين لجئوا إليها، ولئن أسلم بمكة عدد عظيم له قوته وله منعته، ~~لقد جعل الله يثرب مدينة الرسول ولم يكتب لغيرها من بلاد العرب أن يسبقها إلى نصرته، ~~فلن يكون الأنصار إلا أبناءها الذين يؤوون رسول الله ويمهدون للفتح ولكمال دين ~~الله وتمام نعمته، أما الطائف فستظل آية الله في الأرض أن الإيمان سبيلنا إلى الله ~~لينصرنا، وإن ينصرنا الله فلا غالب لنا. # ما الطائف إذن من غير زورة لمسجد عداس؟! لقد ms333 كانت المثناة التي يقوم المسجد ~~بها قطعة من الطائف في عهد النبي، وأكبر الظن أنها كانت بعض أطرافها، فقبلها انصرف ~~صبيان الطائف عن محمد وانقطعوا عن إيذائه؛ وبها كانت بساتين الطائف وكرومها، أما اليوم ~~فتقع المثناة من الطائف على نحو ثلاثة أميال إلى الجنوب الغربي، ولا تزال المياه ~~جارية في أنحائها، ولا تزال بساتينها ذات بهاء ونضرة، والكثير من دورها تحيط به ~~البساتين، ويسقى معظمها من عين ينحدر ماؤها من جبل برد من مساكن قريش، أي قريش ~~هذه؟! وما مبلغ صلتها بقريش مكة في عهد الرسول؟! هذا ما لم أقف على تحقيقه. # وقفت السيارة بنا في ميدان فسيح أمام دور المثناة، وانحدرنا نتسلل خلال الأزقة ~~نريد مسجد عداس، وهي أزقة ضيقة بدت في هذه الساعة من موليات النهار ومقدم الليل ~~موحشة على ضيقها، فلم يكن بها إنسان يؤنس وحشتها، ولولا البساتين المحيطة بها على ~~الجانبين لبدت أشد وحشة، واستدرنا في هذه الأزقة غير مرة حتى بلغنا دارا خيل إلينا ~~أن بها إنسا، وسأل صاحبي من بها عن طريق المسجد، فتقدمنا صبي تخطى جدارا فتبعناه، ثم ~~استدار فإذا بنا أمام بناء ضيق، صورته صورة المساجد بمكة، ولكنه بالغ في الضيق حدا ~~ضاق به الصدر حين علمنا أنه مسجد عداس. # يا عجبا! بل يا أسفا! أيكون هذا الأثر الضئيل ما أقامه المسلمون ذكرا لهذا الموقف ~~العظيم الجليل؟! مسجد لم يقمه مقيمه ليذكر المؤمنون الله فيه، وإنما أقامه ذكرا ~~لتوجه الرسول إلى ربه بهذا الابتهال المضيء بنور الإيمان، والذي يملأ القلب جلالا ~~وروعة، أين هذا الأثر الصغير من هذا الدعاء المنير؟! ألا لو أن منارة ارتفعت ما ارتفعت ~~إلى كبد السماء، وكانت كل جوانبها محاريب تمثل الركوع لله والسجود أمام وجهه لقصرت عن ~~تمثيل هذا الموقف الفذ من مواقف الرسول، موقف السمو بالإيمان إلى حيث يتضاءل كل سمو، ~~والإسلام لله إلى غاية حدود الإسلام، لكن، من ذا يقيم هذه المنارة؟! ومن ذا يصور فيها ~~هذه المحاريب؟! ومن ذا يفكر في أثر غير المنارة ms334 ومحاريبها يبعث في النفس صورة هذا ~~الموقف وما له من عظمة وجلال، وقد خيم الجهل على المسلمين فانقلب الإسلام في نفوسهم ~~إذعانا لعباد الله، واتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله، وآمنوا لمن لم يتبع ~~دينهم، وجعلوا عبادتهم مظهرا لأوضاع يتعصبون لها، وحقت عليهم كلمة الله - تعالى - في ~~الأعراب: # قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ~~ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في ~~قلوبكم ~~. # وأين الحائط الذي كان لعتبة وشيبة ابني ربيعة؟! أين هذا البستان الذي بعث الفتيان ~~منه بقطف العنب مع عداس إلى النبي؟! سألت في هذا حين رأيت أمام المسجد مكانا ضيقا ~~مسورا به زرع لم أتبين في هذه الساعة من إقبال الليل ما هو؟ وقيل لي: إن البستان ~~مملوك لرجل من أهل المثناة وإن كان فقيرا، وكأنه بستان المسجد، وعجبت لهذا واشتد بي ~~العجب، فإذا لم يكن هذا المكان وقفا على تعبير الفقهاء، ومنفعة عامة على تعبير رجال ~~القانون من أهل عصرنا، فأين يكون الوقف وأين تكون المنافع العامة؟! # وعدنا إلى الأزقة وسرنا خلالها حتى كنا بظاهر المثناة في ناحيتها المقابلة ~~للميدان حيث وقفت السيارة، وتخطينا سدودا وقنيا تجري فيها المياه تسقي هذه البساتين ~~والزروع، ودرنا حول القرية حتى وقفنا عند مسجد الكوع، وهو أفسح من مسجد عداس رقعة، ~~ويبدو خيرا منه حظا عند الذين يتعهدونه، ولست أدري أيقيم أهل القرية فيه صلاتهم وهو ~~على ما شهدت من ضيق؟ لكن الذي عرفته أنهم يعتبرونه مسجدا مأثورا؛ لأن النبي استراح ~~عنده بعد مطاردة ثقيف إياه، ولعلهم يريدون أن ينحلوه هذه الصفة ليكون له ما لمسجد ~~عداس من مكانة، فكتب السيرة كلها تقرر أن ثقيفا أبوا نصرته وأغروا به ~~صبيانهم، وأنه فر منهم حتى بلغ حائط ابني ربيعة فلجأ إليه واحتمى به، وهناك وافاه ~~عداس بالعنب، اللهم إلا أن يكون النبي وقف كرة أخرى في هذا المكان، مكان مسجد ~~الكوع قبالة جبل المدهون، قبل أن يسلك طريقه إلى حمى النمور ووادي محرم عائدا إلى ~~مكة، وهذا قول لم أقف عليه ms335 ولا أعتقد صحته، وأغلب الظن عندي أن ما يذكر عن مسجد الكوع ~~لا يزيد من ناحية الثبوت العلمي على ما يذكر عن أكثر مساجد مكة. # وعدنا إلى الطائف وصاحبي يحاورني في مسجد الكوع، ويكاد يقرني على أن لا سند من ~~التاريخ لما يذكر عنه، أما مسجد عداس فقد بقيت لدي منه صورة تبعث في النفس الألم، ولو ~~أن لي من الأمر في هذه البلاد شيئا لحققت بكل وسائل العلم هذا المكان الذي لقي عداس ~~النبي فيه، ولأقمت به أثرا يفاخر أعظم الآثار على التاريخ، لكنما يكون ذلك بعد أن ~~تصلح الطائف وباديتها، ويعود لها من العمران والحضارة ما كان لها في صدر الإسلام وفي ~~عهده الأول، هنالك تقوم السدود ويجري الماء ويرتفع في الآبار ويعود الخصب ويكثر الثمر، ~~وترجع هذه البلاد كما كانت جنة شبه جزيرة العرب، عند ذلك يدرك القوم هذه المعاني ~~الخالدة من مواقف الرسول الكريم وما لها من جلال وعظمة، وهنالك يقيمون لها من الآثار ما ~~يتناسب يومئذ مع علمهم وحضارتهم من غير حاجة إلى من ينبههم إلى هذا الواجب. # عدنا إلى الطائف وقد أخذ منا التعب كل مأخذ، فتناولنا عشاءنا وأوينا إلى مضاجعنا على ~~أن نبرح الطائف عائدين إلى مكة بكرة الغد، لكنا لن نعود إليها من الطريق الذي جئنا منه، ~~فقد سمعت روايات كثيرة عن سوق عكاظ والمكان الذي كان العرب يقيمونها فيه، وتذهب بعض ~~هذه الروايات إلى أنها كانت تقام عند العشيرة، فلنجعل طريقنا إلى العشيرة، ولنعد ~~منها إلى ذات عرق فإلى السيل الكبير، فأكثر الرواة على أن عكاظا كانت بنخلة بين مكة ~~والطائف، ونخلة هي السيل الكبير اليوم، ويزعم بعضهم أن آثارا قديمة باقية على مقربة من ~~هذا السيل تؤكد هذه الرواية، فلعلنا إن مررنا بالأماكن التي اختلفت الروايات أيها كان ~~موضع عكاظ، أن نرجح رواية في أمر هذه السوق وموضعها، ولئن لم يكن لدينا من أسباب ~~التحقيق ومن فسحة الوقت ما يجعل ترجيحنا ذا قيمة من ناحية علمية، لقد يكون مع ذلك ms336 ذا ~~فائدة عند من تواتيهم فسحة الوقت وأسباب التحقيق بما لم تواتنا به. # | أسواق العرب # لست أريد أن أتحدث في هذا الفصل عن أسواق العرب في هذا العصر الحاضر، ولو أنني أردت ~~لما وجدت غير ما قلته في الفصل الذي تقدم عن مكة الحديثة، وما ذكرته عن سوق منى حين ~~الحج، وعن سوق الطائف، وما سأجعله موضع حديثي عند الكلام عن مدينة الرسول، ولست أريد أن ~~أتحدث هنا عن أسواق العرب أيام الجاهلية وفي صدر الإسلام بوجه عام، وإنما أريد أن أتحدث ~~عما له اتصال منها بحياة النبي العربي، وما يدخل لذلك في منزل الوحي، وهذه الأسواق ~~ثلاثة: عكاظ، ومجنة، وذو مجاز أو ذو المجاز. # وسوق عكاظ هي التي تلفت نظر كل مسلم وكل عربي إذا ذكرت هذه الأسواق الثلاث، فمجنة وذو ~~مجاز لم تذكرا في كتب التاريخ والأدب ما ذكرت سوق عكاظ، وهما إنما تذكران عند الكلام ~~عن الحج وشعائره وتكادان تتصلان بهذه الشعائر، أما عكاظ فلا يخلو كتاب من كتب الأدب ~~العربي من الكلام عنها، وقد صار اسمها علما على كل مجتمع يضم الآلاف وعشرات الآلاف من ~~الناس، ويكون حديث الشعر والأدب مما يجري فيه، وكثيرون يذكرون هذا الاسم كما يذكر غيرهم ~~اسم برج بابل على أنه مجتمع الأمم وملتقى الناس من مختلف أنحاء الأرض؛ من ثم كان لهذا ~~الاسم من ذيوع الشهرة ما يجعل كل زائر بلاد العرب وكل متجول بأم القرى وما حولها حريصا ~~على أن يعرف أين كان مكانه، وما صار هذا المكان اليوم إليه، ومتى بدأت سوق عكاظ تقام ~~به، ومتى عفت الحوادث عليه؟ # ومن عجب أن ليس لعكاظ على استفاضة شهرتها تاريخ مدون في بطون الكتب على نحو ~~يستطيع الإنسان أن يطمئن إليه، فلم يحقق أحد الزمن الذي بدأ العرب يقيمونها فيه، وأدق ~~ما يروى عن ذلك انها اتخذت سوقا في الجاهلية بعد عام الفيل بخمس عشرة سنة، والخلاف ~~على عام الفيل وتحديده مستفيض كشهرة عكاظ، ولا أدل على ذلك من نسبة عام ms337 الفيل إلى ~~مولد الرسول، فقد قيل: إنه - عليه السلام - ولد عام الفيل، ويقول ابن عباس: إنه ولد يوم ~~الفيل، والمشهور أنه ولد في سنة 570 ميلادية، وإذن يكون عام الفيل كذلك سنة 570 ~~ميلادية، لكن آخرين يقولون: إنه ولد قبل الفيل بخمس عشرة سنة، ويذهب غير هؤلاء إلى أنه ~~ولد بعد الفيل بأيام، وبأشهر، وبسنين يقدرها قوم بثلاثين سنة ويقدرها قوم بسبعين، فما ~~هو التاريخ الصحيح لعام الفيل؟ إن الذين يروون أن عكاظا أقيمت بعد الفيل بخمس عشرة سنة ~~يذهبون إلى أنها أقيمت سنة 540 للميلاد، إذن لقد كان عام الفيل في رأيهم سنة 525م وقد ~~ولد محمد سنة 570م، فهو إذن قد ولد على قولهم بعد عام الفيل بخمس وأربعين سنة، وهذا ~~كلام يقع عليه خلاف شديد، ولا يسلم له إلا الأقلون. # وليس تحديد المكان الذي كانت عكاظ تقوم به بأيسر من تحديد التاريخ الذي اتخذ هذا ~~المكان فيه سوقا، وأكثر الأقوال في هذا الشأن تواترا أن هذه السوق كانت بين نخلة ~~والطائف، لكن ما بين نخلة والطائف يبلغ الخمسين ميلا أو يزيد عليها، فأين كانت السوق ~~تقام من قطر هذه الدائرة؟ وهل كانت ثابتة في مكان بذاته أو متنقلة في أماكن مختلفة؟ ~~أكثر الكتب على أنها كانت ثابتة في مكان بذاته، لكن تحديد هذا المكان أمر غير محقق، ~~وعدم تحقيقه يبدو واضحا ويبدو محيرا لمن سار بين مكة والطائف وحاول أن يعرف موضعه ~~بشيء من الدقة، فهو يجد نفسه أمام روايات تزيد على الخمس؛ منها أن عكاظا تقع بآخر وادي ~~ركبة المتصل بوادي عشيرة، ومنها أنها بوادي عقرب في شرق الطائف بعد قليل من أم ~~الحمد أو أم الحمض، ومنها أنها عند السيل الصغير بالموضع المعروف باسم القهاوي، ومنها ~~أنه بالسيل الكبير إلى ناحية الشمال في موضع يقال له: الخر، في وادي غسلة، وهذه ~~الأماكن كلها يصدق عليها أنها بين نخلة والطائف، ومع ما كتبه المتقدمون عن عكاظ وموضعها ~~لا تستطيع أنت إذ تمر بهذه الأماكن جميعا أن ms338 تثبت رأيا دون رأي، فإذا رجحت رأيا ~~هداك إليه بحثك لم يزد ذلك على أنه ترجيح لا يمكن القطع بصحته، وهذا ما فعلته بعد الذي ~~قمت به من بحوث أعرضها في هذا الفصل. # على أن الخلاف في تحديد هذا المكان الذي تقوم به عكاظ والزمان الذي أنشئت فيه لا ~~يتصل بتصوير ما كان يقع بها أثناء إقامتها ولا بالموعد الذي كانت تقام فيه، فاتفاق ~~المؤرخين على أن العرب كانوا إذا أزمعوا الحج إلى مكة من أصقاع شبه الجزيرة جعلوا ~~عكاظا موعدهم في هلال ذي القعدة فأقاموا بها عشرين يوما ثم انصرفوا إلى مجنة ~~فأقاموا بها عشرا، فإذا رأوا هلال ذي الحجة انصرفوا إلى ذي المجاز فأقاموا أسواقهم به ~~ثماني ليالي، ثم ترووا من مائها في اليوم الثامن وخرجوا إلى عرفة، وبدهي أن ~~الذين كانوا يحضرون هذه الأسواق هم الذين كانوا يريدون التجارة، فأما من لم يكن له ~~تجارة ولا بيع فإنه يخرج من أهله متى أراد، وكان من لا يريد التجارة من أهل مكة يخرج ~~من مكة يوم التروية، وظلت الحال على ذلك حتى جاء الإسلام وخلع على الحج من الجلال ما ~~تضاءل إزاءه جلال هذا الفرض في الجاهلية، هنالك ظن قوم أن الحج والتجارة لا يجتمعان، ~~وفكروا في إبطال الأسواق؛ فنزل قوله - تعالى: # ليس عليكم ~~جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم فإذا أفضتم من ~~عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما ~~هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين ~~. فأباحت هذه ~~الآية التجارة قبل الحج وأثناءه وبعده، وبذلك بقيت الأسواق، وبقيت عكاظ حتى نهبها ~~الثوار الذين خرجوا من مكة في الثلث الأول للقرن الثاني من الهجرة. # وقل من أهل مكة من لم يكن يخرج إلى عكاظ، فأهل مكة ذوو تجارة، بل كانت التجارة ~~حياتهم؛ ذلك بأن أم القرى وما حولها كانت ولا زالت بواد غير ذي زرع، وقد كانت في تلك ~~العصور طريق التجارة بين الشام واليمن، كما كانت قوافلها تخرج في رحلتي الشتاء والصيف ~~إلى الجنوب والشمال، تنقل ms339 تجارة الشرق إلى الغرب وتجارة الغرب إلى الشرق، ولعل أهلها ~~كانوا أشد حرصا على شهود الأسواق والخروج إلى عرفة للتجارة منهم للحج، فالبيت الحرام ~~في بلدهم، والطواف به ميسور لهم كلما أرادوا، وأصنام الجاهلية التي كان الناس يحجون ~~إليها كانت داخل البيت وفيما حوله، ولم تكن بعرفة ولا بعكاظ ومجنة وذي المجاز، فالتجارة ~~إذن هي التي كانت تستنفر أهل مكة للخروج إلى حيث يجدونها ليبادلوا قبائل العرب المختلفة ~~ما شاءوا من العروض مقابل ما جاءوا به من الشام ومن اليمن، ولعل خروج أهل مكة زرافات ~~إلى عرفة حين الحج حتى يومنا هذا إنما يرجع إلى ما اعتاده أسلافهم في تلك الأيام ~~الخوالي، وإن يكن الدافع الذي يحفز أهل مكة لهذا الخروج اليوم لا يتصل بالتجارة كما كان ~~يتصل في ذلك العهد. # وقد تعود المؤرخون إذ يذكرون عكاظا أن يقولوا: إن الشعراء كانوا ينتهزون فرصة ~~انعقادها فيعرضون حوليات من نخب قصائدهم على الناقدين في احتفال عظيم تشهده ~~الجماهير، وبذلك يذيع ما يقره الناقدون وأولو الحكم من هذ الشعر في أنحاء شبه الجزيرة ~~جميعا، ويتغنى به العرب في كل ناد، وأن الخطباء كانوا يجعلون منها مثابة لعرض آرائهم ~~وتعاليمهم، وصحيح أن الشعراء كانوا ينشدون في عكاظ، وأن الخطباء كانوا يتحدثون إلى ~~الناس فيها، لكن ذلك لم يكن سببه أن هؤلاء وأولئك كانوا يتخذون من عكاظ حفلا أدبيا ~~ومجتمعا خاصا بألوان البلاغة في الشعر والخطابة، بل كان يرجع إلى طبيعة الحياة في ~~بلاد العرب، وإلى أن عكاظا كانت تضم من قبائلها من لا يجتمعون طيلة العام إلا أيام ~~الحج، وقد كانت عكاظ تجمعهم لتبادل التجارة ابتغاء المنافع، وهذا التبادل في التجارة ~~وهذا التنافس في ابتغاء المنافع وما كان يقع أثناء ذلك وبسببه من خصومات تتصل بعض ~~الأحيان أعواما متتالية هو الذي كان يدعو الشعراء لينشدوا والخطباء ليقولوا. # أما أن هؤلاء الشعراء كانوا يجيئون ليعرضوا شعرهم للنقد، وأن هؤلاء الخطباء كانوا ~~يتبارون بلاغة ليستعلي بعضهم على بعض في البيان، وأن ذلك كان يقع في ms340 الجاهلية أيام كانت ~~لهجات العرب لا يزال بينها من التباين ما لم يزله استعلاء لغة قريش إلا بعد أن أنزل ~~الله القرآن بها، فتجاوز في التصور يدعو إليه ما جبل الناس عليه من توهم الحياة ~~في كل العصور والأمكنة على صورة حياتهم في البيئة المحيطة بهم، وقد ألف العالم العربي ~~إبان ازدهار الإمبراطورية الإسلامية أن يرى الشعراء يتنافسون يبتغون الزلفى إلى ملك ~~أو أمير، وأن يرى النقاد يتناولون الشعر في عهد قائليه أو بعد وفاتهم بالنقد والإبانة ~~عن محاسنه ومساويه في الفصاحة والبلاغة، فذهبوا يصورون عكاظا وما كان يجري فيها هذه ~~الصورة الذهنية التي ألفوا، والتي تختلف وما تثبته أنباء الحياة العربية في العهد ~~الجاهلي اختلافا عظيما. # ولست أزعم أنني عثرت في أثر قديم أو مخطوط غير معروف على صورة تصف ما كان يجري بعكاظ ~~على النحو الذي أريد أن أسطره هنا، لكنني انتزعت نفسي جهد الطاقة من بيئتنا الحاضرة ~~وحملتها على تصور البيئة العربية قبيل الإسلام وفي فجره كما تصفها لنا أنباء التاريخ، ~~وحاولت بذلك - وفي حدود الطبيعة الإنسانية - أن أرى ما كانت عليه عكاظ بالفعل وما كان ~~يقع فيها، وأول ما وقفت عنده أن عكاظا تختلف بموقعها عن مجنة وذي المجاز، فهي تقع ~~في الآفاق من مكة في حين تقع مجنة وذو المجاز منها في حدود مواقيت الإحرام؛ من ثم ~~كان يباح بعكاظ ما لم يكن يباح بمجنة وذي المجاز من ألوان اللهو والمجون ومن ضروب ~~التجارة والتبادل. # هذا إلى أن ذا القعدة الذي كانت عكاظ تعقد فيه لم يكن له من الحرمة ما كان لذي الحجة ~~شهر المناسك، وكانت قبائل العرب تجتمع في عكاظ عشرين يوما من كل سنة لتبادل التجارة، ~~وليس لها من الاجتماع غرض آخر؛ ولذلك يقول الأزرقي في «تاريخ مكة»: «وإنما كان يحضر هذه ~~المواسم بعكاظ ومجنة وذي المجاز التجار ومن كان يريد التجارة، ومن لم يكن له تجارة ولا ~~بيع فإنه يخرج من أهله متى أراد، ومن كان من أهل مكة ممن لا ms341 يريد التجارة خرج من مكة ~~يوم التروية.» وهذا صريح في أن هذه الأسواق التجارية التي كانت تجمع قبائل العرب جميعا ~~في مجيئهم لمناسكهم قد كانت أشبه بالمعارض العامة لتجارة شبه الجزيرة، والتطلع في طبيعة ~~الناس من أهل الأمم كلها والعصور جميعا؛ وهم لذلك يقصدون هذه المعارض العامة ليروا ~~فيها الجديد الذي لم يروه من قبل؛ وليقتنوا منها خير ما يريدون اقتناءه بأثمان تنزل ~~بها المنافسة الشديدة في المعارض العامة إلى ما يفوق مثله في غيرها، وحيثما اجتمع الناس ~~وتنافسوا اختلفوا وتخاصموا. # أما وبلاد العرب كانت إلى أن ألف الإسلام بينها وجمعها في سلطان واحد قبائل وحواضر، ~~تستقل كل واحدة منها عن الأخرى، وتعتز لكل واحدة منها باستقلالها وتدافع عن كرامتها ~~وكرامة أبنائها، فقد كان هذا مثار الجدل والفخر ومثار النزاع والحرب في كثير من ~~الأحيان، فإذا آن للحرب أن تضع أوزارها، وللخصومات أن تهدأ ثائرتها، قام الحكماء ~~يعظون المتخاصمين ويصلحون بين المختلفين، لا متباهين ببلاغتهم ولا مقيمين سوقا لها، ~~بل عاملين لتهدئة الخواطر وإعادة السكينة والسلم حتى تتصل التجارة ويعم الرخاء شبه ~~الجزيرة. # الطريق بين مكة والطائف وبين مكة والمدينة. # هذه صورة بسيطة لعكاظ وما كان يجري فيها، وهي عندي الصورة الطبيعية لهذه السوق ~~التجارية العربية الجامعة، فأما ما يضاف إليها من صور محافل الشعر ومباريات الشعراء ~~وتنافس الخطباء فخيال لا يصف الواقع، أبدعه الأدباء والكتاب بعد أن عفى الزمن ~~على عكاظ، وهو خيال لا يتفق مع ما يروى عن عكاظ، وما كان يجري فيها من التجارة وما يتصل ~~بالتجارة من لهو وعبث، وما يجر ذلك إليه من خصومات وحروب متصلة. # ذكروا أن شبابا من قريش وبني كنانة كانوا ذوي عرام، فرأوا امرأة من بني عامر جميلة ~~وسيمة جالسة بسوق عكاظ، وقد ضمت عليها أطراف ثوبها وتبرقعت، وقد اكتنفها شباب من العرب ~~وهي تحدثهم، فجاء الشباب من بني كنانة وقريش فأطافوا بها وسألوها أن تسفر فأبت، ~~فقام أحدهم فجلس خلفها وحل طرف ردائها وشده بشوكة إلى ما فوق خصرها وهي ms342 لا تعلم، فلما ~~قامت انكشفت، فضحكوا وقالوا: منعتنا النظر إلى وجهك وجدت لنا بالنظر إلى ما ~~وراءك، فنادت: يا لعامر! فثاروا وحملوا السلاح، وحملته كنانة، واقتتلوا قتالا ~~شديدا، ووقعت بينهم دماء، فتوسط حرب بن أمية واحتمل دماء القوم وأرضى بني عامر من ~~مثلة صاحبتهم. # وكان لرجل من بني جشم بن بكر دين على آخر من بني كنانة طال اقتضاؤه على غير جدوى، ~~فلما أعياه وافاه الجشمي في سوق عكاظ بقرد ثم جعل ينادي: «من يعطيني مثل هذا بما لي ~~على فلان الكناني؟» رافعا بذلك صوته، فلما طال نداؤه وتعييره بني كنانة مر به رجل ~~منهم فضرب القرد بسيفه فقتله، فهتف الجشمي: يا لهوازن! وهتف الكناني: يا لكنانة! ~~فتجمع الحيان للقتال، ثم كفوا أن حمل ابن جدعان ما له بين الفريقين. # وكان بدر بن معشر الغفاري رجلا منيعا، مستطيلا بمنعته على من ورد عكاظا، ~~فاتخذ مجلسا بها وقعد فيه باسطا رجليه وجعل يقول: «أنا أعز العرب، فمن زعم أنه أعز ~~مني فليضرب هذه بالسيف فهو أعز مني.» فوثب رجل من بني نصر بن معاوية يقال له: الأحمر ~~بن مازن فضربه بالسيف على ركبته، وقام رجل من هوازن فضربه كذلك، وفي هذه الضربة أشعار ~~كثيرة روتها كتب الأدب. # هذه وأمثالها حوادث تقع في كل سوق عامة تعقد للتجارة أيا كانت المناسبة التي تدعو ~~إلى عقدها، والأسواق التي تعقد على مقربة من المناسك التي يقصد الناس إليها للعبادة أو ~~التبرك بعض ما يجده الإنسان في بلاد العالم كله، يجده في الموالد في مصر وفي فرنسا وفي ~~إنجلترا وفي غيرها، وهذا طبيعي، فخير مكان تعقد فيه سوق التجارة إنما هو حيث يجتمع ~~الناس في عدد عظيم، وحيثما اجتمع الناس في عدد عظيم وتبادلوا المنافع تجاذبتهم دوافع ~~الهوى، وفاخر بعضهم بعضا، واختصموا وتحاربوا. # أما وهذه الأسواق تنعقد في موعد معين من السنة فالخصومات تتصل في كثير من الأحيان على ~~السنين، والدعاية سلاح من أمضى أسلحة الخصومة، وأسباب الدعاية اليوم كثيرة، منها الصحف ~~والإذاعة الجوية وألوان ms343 الأدب المختلفة، أما عند العرب فكان الشعر أقوى سلاح للدعاية، ~~وكان يقوم مقام أسباب الإذاعة جميعا، وكانت الذاكرة العربية بالغة من القوة حدا ~~فاخر به العرب، حتى لقد أعرض الكثيرون منهم عن الكتابة مخافة أن تجني على هذه الملكة ~~فيهم، وكانت هذه الذاكرة تعي الشعر الجيد وتترنم به وتذيعه في كل مكان، فإذا اختلف ~~قوم في عكاظ وكان مثار هذا الخلاف حسناء، اندفع الخيال العربي المتوثب الفسيح فسحة ~~البادية يصور من ذلك ما يشاء، وقال الشعراء فيه، وتغنوا بما قالوا، فإذا كانت عكاظ ~~ذاع فيها هذا الشعر وتناقله الناس كما يتناقلون اليوم في الأسواق أنباء الصحف وما تطيره ~~الإذاعة، فلم يكن شعراء العرب إذن يعرضون شعرهم في عكاظ ولا في غيرها للنقد ولا للحكم، ~~وهي إذن لم تكن سوقا للشعر والخطابة والتنافس فيهما كما يصور بعضهم، وإنما كان يجري ~~فيها من ذلك ما يجري في الأسواق كلها من تناقل الحوادث، خاصة إذا اتصلت هذه الحوادث ~~بالسوق وما وقع أو يقع فيها. # وإذا كان العرب الذين يفدون في الجاهلية إلى عكاظ لحج البيت لا يدينون لصنم واحد، بل ~~تدين هذه القبيلة للات، وتلك للعزى، وثالثة لمناة، وأخرى لصنم آخر، فقد كان خلافهم ~~يجر في كثير من الأحايين إلى التنابز بالألقاب والتفاخر بالأصنام، فإذا هدأت الخصومة ~~وآن للحكماء أن يحسموها حاول بعضهم أن يقنع المتخاصمين بأنهم جميعا على حق في عبادة ~~أصنامهم، وأنها تنفعهم ليتخذوها إلى الله زلفى، وحاول آخرون أن يهدئوا من أمر هذا ~~الخلاف على الأصنام ولو أدى ذلك إلى التهوين من أمر الأصنام، دون طعن عليها، ودون ~~إثارة لحفائظ النفوس بهذا الطعن. # وهذا عندي هو ما دعا إلى خطبة قس بن ساعدة الإيادي راهب نجران النصراني حين خطب ~~من حضر عكاظا فقال: «أيها الناس، اسمعوا وعوا! من عاش مات، وما مات فات، وكل ما ~~هو آت آت، ليل داج، وسماء ذات أبراج، وبحار تزخر، ونجوم تزهر، وضوء وظلام، وبر ~~وآثام، ومطعم ومشرب، وملبس ومركب، ما لي أرى الناس يذهبون ms344 ولا يرجعون؟! أرضوا بالمقام ~~فأقاموا، أو تركوا فناموا؟! وإله قس بن ساعدة ما على وجه الأرض دين أفضل من ~~دين قد أظلكم زمانه، وأدرككم أوانه، فطوبى لمن أدركه فاتبعه! وويل لمن خالفه!» ~~فليس يحمل قسا على أن يلقي هذا الخطاب في سوق يتجر فيها الناس إلا خلاف شجر ~~بينهم وبلغ التفاخر بأصنامهم، فلما هدءوا وآن لذوي الرأي أن يحسموه بالحكمة تحدث ~~قس هذا الحديث متأثرا فيه لا ريب بعقيدته المسيحية، ولكن من غير حرص على الدعوة ~~إليها دعوة قل أن تؤتي في مثل هذا الجمع ثمرتها. # كان أهل مكة يشهدون عكاظا كما قدمت، وكان أبناؤهم يخرجون معهم إليها كما يخرجون معهم ~~اليوم إلى عرفات ومنى، وكان محمد يشهدها مع أهله ويشهد ما يجري فيها، وكان يشهدها بعد ~~ذلك في سنين كثيرة: شهدها العام الذي خطب فيه قس هذه الخطبة، وسمعه يلقيها وأعجب به ~~غاية الإعجاب، فلما بعثه الله نبيا وأكمل للمسلمين دينهم وآن لوفود العرب أن تجيء إلى ~~النبي تعلن إليه إسلامها، قدم عليه وفد إياد يوما، فقال لهم: «ما فعل قس بن ~~ساعدة؟» قالوا: «مات رسول الله.» قال: «كأني أنظر إليه بسوق عكاظ على جمل له أورق ~~وهو يتكلم بكلام عليه حلاوة ما أجدني أحفظه.» قال رجل من القوم: «أنا أحفظه يا رسول ~~الله.» وتلا عليه الخطبة، فقال رسول الله: «يرحم الله قسا! إني لأرجو أن يبعث يوم ~~القيامة أمة وحده.» # ومن قبل ذلك حضر محمد عكاظا وشهد فيه حرب الفجار، وذلك حين عرض البراض بن قيس ~~الكناني نفسه على النعمان بن المنذر؛ ليقود قافلة النعمان من الحيرة إلى الشام في حماية ~~قبيلته كنانة، فآثر النعمان عليه عروة الرحال الهوازني ليتخطى إلى الحجاز عن طريق ~~نجد؛ فأحفظ ذلك البراض، فتبع عروة وغاله وأخذ قافلته، ثم لقي بشر بن أبي خازم ~~وقال له: «هذا القلاص لك على أن تأتي حرب بن أمية وعبد الله بن جدعان ~~وهشاما والوليد بن المغيرة فتخبرهم أن البراض قتل عروة، فإني أخاف أن يسبق الخبر ms345 إلى ~~قيس فيكتموه حتى يقتلوا به رجلا من قومك عظيما.» وأجابه بشر: «وما يؤمنك أن تكون ~~أنت ذلك القتيل؟!» قال البراض: «إن هوازن لا ترضى أن تقتل بسيدها رجلا خليعا طريدا ~~من بني ضمرة.» وكانت العرب إذا قدمت عكاظا دفعت أسلحتها إلى ابن جدعان اتقاء للحرب ~~حتى يفرغوا من أسواقهم ومن حجهم ثم يردها عليهم إذا ظعنوا، فلما أبلغ بشر رسالته ~~قال حرب بن أمية لابن جدعان: «احتبس قبلك سلاح هوازن.» وأجاب عبد الله: ~~«أبالغدر تأمرني يا حرب؟! والله، لو أعلم أنه لا يبقى منها سيف إلا ضربت به، ولا ~~رمح إلا طعنت به، ما أبقيت منها شيئا، ولكن لكم مائة درع ومائة رمح ومائة سيف في ~~مالي تستعينون بها.» ثم نادى في الناس: «من كان له قبلي سلاح فليأت ~~وليأخذه.» وأخذ الناس أسلحتهم وسار حرب وهشام وأمية وابن جدعان راجعين إلى مكة اتقاء ~~القتال مع هوازن، فلما بلغ أبا براء قتل البراض عروة قال: خدعني حرب ~~وابن جدعان؛ وركب فيمن حضر عكاظا من هوازن في أثر القوم فأدركوهم بنخلة فاقتتلوا حتى ~~دخلت قريش الحرم، وجن عليهم الليل فكفوا، ونادى منادي هوازن: يا معشر قريش! ميعاد ~~ما بيننا هذه الليلة من العام المقبل بعكاظ. # وقدم البراض بالقافلة مكة، فلما استدار العام ذهبت قريش وأشياعها وهوازن وأشياعها ~~إلى عكاظ فالتقوا بشمطة، وكان محمد مع قريش، وقد استحر القتل فيهم، فلما رأى ذلك ~~بنو الحارث بن كنانة قاموا إلى قريش وتركوا مكانهم فانتصرت قريش، واستدار العام كرة ~~أخرى فكان اليوم الثالث من أيام الفجار بعكاظ وفيه التقى القوم على قرن الحول بالعبلاء ~~واقتتلوا، أما اليوم الرابع فكان بعكاظ، وفيه اقتتل القوم قتالا شديدا انهزمت قيس ~~كلها على أثره، وقد ذكر النبي # صلى الله عليه وسلم # الفجار بعد رسالته فقال: «لقد حضرته مع ~~عمومتي ورميت فيه بأسهم وما أحب أني لم أكن فعلت.» # ولقد قيل في حروب الفجار هذه شعر كثير على أثر كل يوم من أيامها، وكان يذاع في ~~الناس وينشد في ms346 عكاظ؛ ولا يبتغي قائلوه الاحتكام به إلى نقاد الشعر، بل يقولونه ~~تفاخرا ودعاية وتقوية للروح المعنوية في قومهم، ولا تزال كتب الأدب القديمة وكتب ~~السيرة تحفظ لنا من هذا الشعر الشيء الكثير. # ولم ينقطع النبي عن الذهاب إلى عكاظ بعد بعثه، ولعله لم يكن يذهب إليها في كل عام، ~~لكن الثابت في كتب السيرة جميعا أنه ذهب إليها بعد أن ضاقت قريش به فحصرته وأصحابه في ~~الشعب من جبال مكة، فلما نقضت صحيفة المقاطعة والحصار وعاد المسلمون يتصلون بالناس، ~~فجع محمد بعد أشهر من ذلك في عمه أبي طالب وفي زوجه خديجة، فازدادت قريش له إيذاء، ~~حتى كان من أيسر ذلك أن اعترضه سفيه منها فرمى على رأسه ترابا، هنالك خرج إلى الطائف ~~يلتمس النصرة من ثقيف، فلما ردته بشر جواب ازدادت قريش له أذى، ولم يصرفه ذلك عن ~~الدعوة إلى دين الله، بل جعل يعرض نفسه في المواسم - وعكاظ أهمها - على قبائل العرب ~~يدعوهم إلى الحق وينبئهم أنه نبي مرسل ويسألهم أن يصدقوه، وكان عمه أبو لهب عبد ~~العزى بن عبد المطلب يتبعه أينما ذهب ويحرض الناس ألا يسمعوا له، فهو لم يكن يقف ~~في هذه السوق خطيبا يدعو الجموع ببلاغته ليتبعوه، بل كان يتصل بهذه القبلة وبتلك، ~~يحدثهم ويحاول إقناعهم بالحجة والمنطق، ويجادلهم بالتي هي أحسن، رجاء أن يهديهم إلى ~~الحق وأن يجنبهم الضلال. # موضع كان للرسول الكريم به هذه المواقف؛ حضر فيه حرب الفجار صبيا واشترك فيها، ~~وسمع فيه إلى قس بن ساعدة قبيل بعثه، وعرض نفسه فيه على قبائل العرب يدعوهم إلى الحق، ~~جدير بأن يكون مأثورا وأن يظل سوقا للحج على مر العصور، لكن ما قام بمكة وما حولها ~~بعد وفاة النبي وصاحبيه أبي بكر وعمر من الثورات التي انتهت بأن أصبحت الخلافة ملكا ~~عضودا، وبأن انتقلت العاصمة الإسلامية من المدينة إلى دمشق فبغداد فالقاهرة، قد عفى ~~كثيرا من هذه الآثار وذهب بكثير من العادات التي أقرها الإسلام بعد الجاهلية. # وعكاظ من المواضع التي عفتها ms347 الثورات فصار من المتعذر تحقيق موضعها، وكل ما ترويه ~~الكتب عنها أنها كانت تعقد في مكان بين نخلة والطائف، فأما موضع هذا المكان على التحقيق ~~فيقع عليه اليوم خلاف عظيم وترد فيه روايات تزيد على الخمس، كما قدمنا، أفلا يستطيع ~~الإنسان ترجيح واحدة من هذه الروايات على الأخرى؟ أو لا يستطيع أن يصل من ترجيحه إلى ~~القطع بصحة رواية ونفي ما سواها؛ وبذلك يتسنى أن يقوم في هذا المكان أثر لعل إقامته ~~تعيد إلى عكاظ مكانتها الأولى؟! # دار ذلك بخاطري حين مقامي بالطائف، وفكرت في القيام ببعض البحث أثناء عودي منها إلى ~~مكة لعلي أهتدي إلى شيء تطمئن له النفس، لقد ذكروا أن عكاظا تقع بين نخلة والطائف على ~~يوم من الطائف وثلاثة أيام من مكة، يجب إذن تقسيم الطريق أربعة أقسام، وأن يكون ما بين ~~مكة وعكاظ منه ثلاثة أمثال ما بين الطائف وعكاظ، إذا صح هذا فقد وجب أن نستبعد القول: ~~بأنها بوادي عقرب شرق الطائف بعد قليل من أم الحمض، فأم الحمض لا يزيد ما بينها وبين ~~الطائف على خمسة عشر ميلا، والطريق من الطائف إلى مكة طوله مائة وثلاثون، فما بين ~~الطائف وأم الحمض دون الثمن من الطريق، ومهما يبعد وادي عقرب عن أم الحمض، ووادي عقرب ~~هو الذي يقولون: إن عكاظا كانت تقام به، فهو لا يبعد عنها خمسة أميال فنحن إذن لا نزال ~~دون السدس من الطريق، وهذا المكان ليس بعد ملتقى لطرق القوافل من أنحاء شبه الجزيرة ~~بما يدعو الإنسان إلى التجاوز عن الدقة في تقدير الأبعاد، فلنلتمس عكاظا إذن في مكان ~~آخر بين نخلة والطائف. # ويجب أن نستبعد كذلك ما يقال من أن عكاظا كانت تعقد على حدود وادي ركبة عند ~~اتصاله بوادي عشيرة، فالعشيرة لا تقع بين الطائف ومكة على الطريق الذي سلكنا أو على ~~طريق غيره، بل تقع شمال الطائف على مسافة تزيد على ستين ميلا، وتقع شمال السيل الكبير ~~الواقع على طريق ما بين مكة والطائف بنصف هذه المسافة، ms348 إذ يتوسط مفرق عشيرة الواقع في ~~جوار السيل الكبير ما بين الطائف وعشيرة. # لاحظت ذلك كله على إحدى الخرائط التي أهداها إلي المستر فلبي يوم رحيلي من مكة إلى ~~البادية، لكنني لاحظت كذلك أن عشيرة تقع على طريق نجد، وتقع على أحد طرق القوافل إلى ~~المدينة حين اتجاه هذه القوافل إلى اودي العقيق بدل أن تتجه إلى ذي الحليفة أو إلى ~~قباء، إذ ذاك أزمعت الذهاب إليها لعلي أرى عندها ما يرجح قيام عكاظ بها، وزاد في ~~إغرائي بهذا الذهاب ما دونته كتب السيرة من أن الرسول # صلى الله عليه وسلم # ذهب إلى العشيرة في ~~إحدى غزواته، أما وقد عزمت على السير في أثر الرسول فلتكن العشيرة بعض ما أتجه ~~إليه تنفيذا لهذا العزم. # وذكرت هذا السبب الآخر لصاحبي، فأبدى من الشك في ذهاب النبي إلى العشيرة ما أثار ~~عجبي، فأنا جد واثق من ذهابه إليها في إحدى غزواته، ورجعت إلى كتب السيرة أحقق، ~~فألفيتني غير مخطئ، وألفيت صاحبي غير مخطئ، لكنه مع ذلك أدنى إلى الحق مني، فقد ذهب ~~النبي إلى العشيرة من بطن ينبع في السنة الثانية من الهجرة في أكثر من مائتين من ~~المسلمين، فأقام بها جمادى الأولى وليالي من جمادى الثانية «أكتوبر سنة 633» ينتظر مرور ~~قافلة من قريش على رأسها أبو سفيان ففاتته، وإن لم يفته أن وادع بني مدلج ~~وحلفاءهم من بني ضمرة المقيمين على طريق التجارة بين مكة والشام، ليست هذه العشيرة إذن ~~هي القريبة من الطائف والمتصلة بوادي ركبة، والتي يقال: إن عكاظا كانت تعقد عندها، ~~وإنما هي من بطن ينبع على مقربة من البحر الأحمر؛ فشتان ما بينها وبين عشيرة وادي ~~ركبة! # وشكرت لصاحبي ما أبدى من ريب كان له فضل رجوعي إلى كتب السيرة والأخبار، ولقد وقفت ~~فيها على عشيرة أخرى ذكرها الأزرقي في آخر «تاريخ مكة» حين كلامه عن «شق مسفلة مكة ~~الشامي وما فيه مما يعرف اسمه من المواضع والجبال والشعاب مما أحاط به الحرم»، فقد ذكر ~~أن «العشيرة» ms349 حذاء أرض ابن أبي مليكة إذا جاوزت طرف الحديبية على يسار الطريق، فهذه ~~العشيرة الثالثة مما يدخل إذن في حرم مكة، ولعل هذا الحوار بيني وبين صاحبي ما كان يقع ~~لو أن العامية لم تجعل أهل الحجاز ينطقون العشيرة والعشيرة جميعا على أنها ~~العشيرة، وهذا التشابه في الأسماء كثير في شبه الجزيرة، وأنت واجد وادي العقيق ببادية ~~الطائف، وبهذه العشيرة الواقعة على مقربة منها، وبالمدينة، كما أنك واجد الاسم الواحد ~~تشترك فيه أمكنة كثيرة غير العشيرة ووادي العقيق على نحو ما يشترك في الاسم الواحد ~~أشخاص كثيرون. # لم يصدني ما عرفت أن العشيرة القريبة من الطائف ليست العشيرة التي نزلها النبي من ~~ينبع عن عزم الذهاب إليها لتحقيق ما يقال عن قيام عكاظ عندها، فلما كنا عشية العود من ~~الطائف إلى مكة اجتمعت كلمتنا على أن نسير بكرة الصباح من الطائف إلى العشيرة، ثم نرتد ~~منها إلى السيل الكبير فالبهيتاء فاليمانية فالشرائع فمكة، والطريق إلى العشيرة هو ~~بعينه الطريق إلى السيل الصغير، لكنه ينفصل عنه قبل الوصول إلى هذا السيل وبعد المرور ~~بالمليساء ووادي لقيم وأم الحمض؛ لذلك أتيح لي حين اجتازت السيارة هذا الجزء من ~~البادية صبح يوم الجمعة المتمم للعشرين من شهر مارس أن أرى هذا القدر من طريق الطائف، ~~وكان الليل قد حجبه عني حين مجيئنا إليه، وأشهد أني لم أفد برؤيته شيئا ~~جديدا. # ودعت الطائف ومن فيها، وانطلقت السيارة أثناءها يتبعها «البكس» فلم نر حولنا غير ~~الوادي تقوم الجبال عن جانبيه عند مرمى النظر أكثر الأمر، والوادي خلاء أجرد قل أن ~~تجد فيه للأشجار التي غرستها يد الإنسان أثرا، وطريق السيارة منخفض بعض الشيء متعرج لا ~~يستقيم، فلما استوينا على طريق العشيرة استوى الوادي وانفسح واختفت الجبال كأنما ~~ابتلعها الأفق، واخترقت أشعة الشمس الرقيقة هواء الصبح المنعش وانبسطت على البادية ~~فكستها جميعا ضوءا ودفئا، والسيارة منبعثة في انطلاقها تطوي هذه المسافات المترامية ~~من الأرض وليس يهدي سائقها الطريق أثناءها إلا حسه المرهف وعلمه بأنه يجب أن ms350 يسير ~~دائما صوب الشمال في دروب من أثر دروب السيارات التي سبقته في هذا المهمه المترامي ~~إلى ما وراء الخيال من آفاق النظر، واختلط الأمر على صاحبي لما رأى الدرب يتشعب أمامه ~~طريقين، يتيامن أحدهما ويظل الآخر في استقامة انطلاقه، وأشار على السائق أن يتيامن، لكن ~~الشيخ صالح القزاز أمره أن يتابع الدرب المستقيم، واتبع السائق مشورة الشيخ صالح؛ لأنه ~~أدرى بدروب هذه المنطقة، ولأن السائق يذكر يوما منذ سنوات سار فيه في هذا الطريق إلى ~~عشيرة ولم يتيامن. # وانقضت ساعة وتنصفت الأخرى ولم يلقنا في الطريق إنس ولا جان، وأغرانا صمت البادية ~~بالحديث، فسألت أصحابي: أتنهمر السيول في فصول منتظمة حيث نسير؟ وكان جوابهم أن السيول ~~تنهمر أحيانا حتى لا ضابط لها، لكنها غير منتظمة الفصول، وقد تنقضي السنة ولا يبلغ ما ~~ينهمر منها ربع الشبر، وقد يبلغ هتنها في بعض السنين ما تضيق به البادية ذرعا، قلت: ~~فما بالكم إذن لا تحاولون حكم الطبيعة بالعلم فتقيمون من السدود ما تدخرون به الماء إلى ~~حين حاجتكم إليه؟! وتبسم القوم ابتسامة مريرة، وقالوا: «يجب قبل أن نحكم الطبيعة أن ~~نبلغ من العلم حظا يطوع لنا حكمها، وأن يكون لنا مع العلم حظ من المال لإنفاقه ~~فيما يقضي العلم أن ننفقه فيه، وأن يكون في البلاد مع العلم والمال استقرار ويد ~~عاملة، وليس لدينا اليوم إلى شيء من ذلك كله سبيل، وقد ألف أهل هذه البلاد من حياة ~~البادية ما لا يهون عليهم أن يستبدلوا به ما هو خير منه، ونجد التي حكمت الحجاز ~~ليست أحسن منه حالا في العلم ولا في المال ولا في الرجال ولا في الاستقرار، أما وهذا ~~قضاء الله وقدره في بلاد بها بيته الحرام وقبر نبيه - عليه الصلاة والسلام؛ فليس لنا ~~إلا أن نذعن لأمر قضاه ولا مرد له من دونه، وحسبنا أن تهوي أفئدة من الناس إلى ~~البلد الأمين حتى يقضي الله بأمره وهو أحكم الحاكمين.» # وبدت عن بعد صخور سوداء في لون الجرانيت البركاني ms351 الفاحم، تلك حرار عشيرة فيما ~~قال صاحبي، وإذن فقد بلغنا غايتنا أو كدنا، ولوى السائق عنان السيارة إلى اليمين ثم ~~انطلق بها ميمما نصبا قائما، وبدا فيما وراء النصب فوهتان لبئرين هما بئرا ~~عشيرة، أما الفوهتان فبنتهما حكومة ابن السعود بناء صالحا، وأما النصب فتذكار لهذا ~~البناء نقش عليه ما نصه: # بسم الله الرحمن الرحيم، أمر بعمارة هذه الآبار صاحب الجلالة الملك عبد ~~العزيز بن عبد الرحمن فيصل آل سعود ملك المملكة السعودية العربية سنة ~~1353. # وعلى مقربة من هذا النصب ومن البئرين وقفت السيارة وهبطنا منها نجوس خلال هذا ~~المكان. # وقلت لصاحبي: «أما أن المكان صالح لقيام عكاظ به فأمر لا ريب فيه؛ فهذه البادية ~~الفسيحة تتسع لسوق عالمية تقام بها في عصرنا الحاضر، ووجود هذه الآبار يدل على أن الماء ~~هنا يكفي حاجة الذين يقيمون السوق عشرين يوما أو يزيد، وها هنا طريق لنجد وآخر ~~للمدينة، لكن بعد المكان عن الطائف وعن طريقها إلى مكة يجعلني في ريب من أن عكاظا ~~كانت تقام به، ونحن ها هنا على مسيرة يومين من الطائف؛ فقد كانت السيارة أثناء مسيرنا ~~تقطع ستين ميلا في الساعة وتزيد على ذلك أحيانا، وقد قضينا نحو الساعتين، فإذا قدرنا ~~أن المسافة من الطائف إلى العشيرة مائة ميل، بل ثمانين، بل ستين، لم تستطع الإبل أن ~~تقطعها في يوم واحد، ثم إن ما بين هذا المكان وميقات الإحرام لا يجعل الفرار منه إلى ~~الحرم في سويعات ميسورا، وقد فرت قريش أول عام للفجار واحتمت بالحرم من هوازن، ~~ولو أن عكاظا كانت في هذا المكان للحقت بها هوازن قبل أن تلوذ بالحرم، أما والروايات ~~متفقة على أن الفجار وقعت بعكاظ وأن بين الطائف وعكاظ مسيرة يوم بالإبل، فالقول: بأن ~~عكاظا كانت تقام به مرجوح عندي، وهو مرجوح أكثر من القول بأن عكاظا كانت تقام بوادي ~~عقرب على مقربة من أم الحمض.» # ولم يبد صاحبي اعتراضا على هذا الرأي، وإن لم يمل إلى ترجيح أم الحمض على ~~عشيرة، فإذا ms352 كانت أم الحمض في طريق الطائف إلى مكة، وكان ما بينها وبين الطائف أدنى ~~بمسيرة الإبل يوما مما بين الطائف وعشيرة، فإن وقوع عشيرة على طريق القوافل من المدينة ~~ونجد إلى مكة والطائف يجعلها أدنى إلى الترجيح، هذا إلى أن تقدير الأبعاد بمسيرة الإبل ~~ليس مما يعتمد عليه أو يصلح حجة قاطعة في رأيه. # وإنا لنجيل الطرف في هذه الحرار المحيطة بعشيرة حينا ونعود إلى حوارنا آخر، إذ مرت ~~بنا قافلة من الأعراب يركبون الحمر يقصدون نجدا فيما ذكروا، ولقد ترجلت امرأة منهم ~~حتى رأتنا وأقبلت تسألني عن آلة التصوير، واستوقفت قافلتها كيما أصورهم، ولما رأتني ~~أدخن طلبت إلي سيجارة، فأنكرت عليها أن تكون امرأة وتدخن، وأن يدخن من يكون في حكم ~~النجديين، فابتسمت في خبث وقالت: إنها تريد أن تمضغ التبغ لتخفف بمضغه ألما ~~بأسنانها، وسألتها: كم بينها وبين نجد؟ فأجابت إن الأمر في ذلك للمسير والمرعى، وعادت ~~شعثاء غبراء فركبت حمارها وتقدمت القافلة، وسايرها كلب ظل ينبحنا حتى بعد القوم ~~عنا. # وبينا نأخذ أهبتنا لتعود بنا السيارة إلى مفرق عشيرة فالسيل الكبير لنسأل أهلها: ~~أحقا أن لعكاظ مكانا معروفا عنده، إذا سائق السيارة يذكر أنه سمع في إحدى جولاته ~~قوما من أهل اليمن يقولون: إن عكاظا تقع في جنوب الطائف، وسألنا: أليس في برنامجنا أن ~~ننحدر اليوم فنسأل عن موضعها هناك؟ وهل يعرفها أحد؟ وسخرت وسخر أصحابي من قوله ~~وحسبناه يهذي، وأمره الشيخ صالح في لهجة حازمة أن يجعل السيل الكبير وجهته، وكيف يكون ~~قد سمع شيئا من هذا الذي يقول والروايات مجمعة أن عكاظا تقع بنخلة بين مكة والطائف، ~~والطائف تقع إلى الجنوب الشرقي من مكة، فحتم أن يكون ما بين مكة والطائف كله إلى ناحية ~~الشمال من الطائف، على أن السائق أصر على أنه سمع ما روى لنا، وإن اتجه في طريق ~~السيل. # وما كان أشد عجبي حين رجعت بعد ذلك إلى الكتب القديمة فألفيت روايته واردة في ~~بعضها، وأيقنت لذلك أن أهل اليمن لم يكذبوه ms353 حين قصوا عليه هذه الرواية، فقد ذكر ابن ~~رستة صاحب كتاب «الأعلاق النفيسة»، وهو من كتاب القرن الرابع، وصفا للطرق التي تصل ~~بين مكة والطائف فقال في تصوير أحدها: «تأخذ على بئر ابن المرتفع ثم إلى قرن المنازل، ~~وهو ميقات أهل اليمن للإحرام - وقرن المنازل في عصرنا الحاضر ميقات أهل نجد - ومنها ~~تعدل إلى الطائف، والطائف مخلاف من مخاليف مكة وعمل مكة مما يلي نجد نجران، وقرن ~~والفتيق وعكاظ والطائف ... إلخ.» وروى الأزرقي قال: «قال أبو الوليد: وعكاظ وراء قرن ~~المنازل بمرحلة على طريق صنعاء في عمل الطائف على بريد منها، وهي سوق لقيس بن عيلان ~~وثقيف وأرضها لنصر.» وللإدريسي خريطة وضعها لبلاد العرب قد يتعذر اليوم علينا أن نحل ~~رموزها وأن نعرف على التحقيق مواضع الأماكن المبينة فيها؛ على أن العالم المستشرق ~~الألماني مولر قد عني بدراستها ورسمها على النحو الذي ترسم به اليوم خرائطنا، وحرر ~~عليها أسماء البلاد التي حررها الإدريسي على خريطته، وعكاظ تقع على هذه الخريطة إلى ~~الجنوب من الطائف مع ميل قليل إلى ناحية الشرق، ووضعها هذا يصور ما أورده ابن رستة في ~~أعلاقه النفيسة، وهذا تصوير لا يتفق مع ما قيل من وقوع عكاظ بين مكة والطائف، ويبعد كل ~~البعد عن الروايات التي صورت مكانها بينهما سواء كانت بوادي عقرب أو بعشيرة أو بالسيل ~~الصغير أو بالسيل الكبير. # أما المستر فلبي فيرجح السيل الصغير موضعا لعكاظ، وهو قد وضعها على خريطته في مكان ~~هذا السيل إلى جانب موضع أسماه أثيرية، ولقد سألت أصحابي عن هذا الاسم فلم يذكروه، ~~وإنما ذكروا المتواتر على ألسن الناس من أن عكاظا كانت تقوم بالسيل الصغير في مكان ~~يعرف الآن باسم القهاوي، وهو في هذا الموضع الذي حدده المستر فلبي، والمستر فلبي إنما ~~حدد هذا المكان لتواتر الرواية عنه؛ لا لأنه حقق مواضع عكاظ وحاول الترجيح بينها، وهو ~~يعنى في وضع الخرائط بالواقع اليوم ولا يعنى بروايات التاريخ ولا بما فيها من خلاف، ~~وهذا السيل الصغير صالح لقيام عكاظ ms354 به لكثرة مياهه ولانفساح البادية عنده، وهو يقع على ~~مسيرة يوم من الطائف وثلاثة أيام من مكة بسير الإبل، فلا جرم أن رجحت الرواية ~~المتواترة عنه غيرها من الروايات عن وادي عقرب وعشيرة وطريق اليمن، لكن رواية أخيرة ~~تكاد ترجح عندي هذا التواتر ، أو هي على الأقل تدعو المتخصصين إلى مزيد من العناية ~~والبحث لعلهم يهتدون إلى الحق في أمر هذه السوق التي كانت تعقد في الجاهلية، والتي ظلت ~~تعقد أجيالا بعد الإسلام، والتي لا تزال علما على حياة ونشاط في التجارة والأدب ~~يجعلان أهل العربية يتناقلون جميعا أنباءها. # وهذه الرواية الأخيرة هي التي تذهب إلى أن عكاظا كانت بالسيل الكبير أو على مقربة ~~منه، ولم أقم لهذه الرواية كبير وزن حين سمعتها بعد الذي رأيته من تعدد الروايات ~~السابقة وتهافت بعضها، غير أن الشيخ صالح القزاز كان يبدي من الميل لتصديقها ما جعلني ~~أتطلع لتحقيق أمرها، وزاد في تطلعي ما قصه علينا، والسيارة تنطلق متجهة إلى ناحية ~~السيل، من أنباء ترامت إليه عن وجود آثار باقية يذكر الذين رووها بأنها أبلغ دلالة ~~على عكاظ من كل رواية أو نبأ، وبلغنا مفرق عشيرة عند ديار القمثة على مقربة من ~~السيل الصغير، وانحدرنا من ريع ذات عرق، فاحتوتنا الجبال في ذلك المضيق الذي أعاد إلى ~~ذاكرتي جبال أبواب الحديد على نهر الدانوب، وفي المضيق لقينا قطيع من الإبل قيل: ~~إنه للأمير سعود ولي عهد المملكة العربية السعودية، وإنه يقصد نجد، وما كان أشد عجبنا ~~أن تروع سيارتنا قطيع ولي العهد حتى ليلقي بعير منها براكبه أرضا، وطالما ~~مررنا بقوافل يملكها رجال البدو فلم ترعها السيارة ولم تزعجها عن اتئاد مسيرها، قال ~~صاحبي: «لعل هذه الإبل الناعمة بمراعي نجد والحجاز لم تعود من يمر بها مقتحما ~~طريقها، فهي تفزع لمرأى من تحسبه يغير عليها، مثلها في ذلك مثل المترفين الذين لم ~~يروا في الحياة عنتا فهم يضطربون لأيسر ما يفاجئهم منه.» وانفرجت الجبال عن السيل ~~الكبير فتخطت السيارة إليه ووقفت في موقفها ms355 يوم مجيئنا من مكة إلى الطائف. # وتناولنا الشاي و«البسكوت»، ثم تناولنا شربة من ماء وجلسنا نتحدث، في حين أخذ السيد ~~صالح القزاز يسأل عن موقع عكاظ القريب من هذا السيل، وبعد لأي دله القوم على عربي ~~من بني سعد اسمه بادي ويقيم بالسيل، ووعدناه رزقا حسنا، فانطلق معنا يدل السائق على ~~الطريق الذي يسير فيه، واستدرنا بالسيارة فيما وراء الجبل ثم اعتدلنا نقطع بطنا من ~~الأرض كله حسك العشر وما إليه من شجر البادية، حتى خاف حسن أن يصيب السيارة من ~~الحسك أذى، ووقفنا بإشارة بادي في موضع يقال له: «الخر» من واد يقال له: ~~«غسلة» وراء جبل يسمى «دما»، وهبطنا من السيارة وسرنا خطوات وراء بادي، ثم وقفنا ~~عند آثار بناء في تخوم الأرض مستوية مع سطحها يدل وجودها على وجود عمارة قديمة في ~~المكان تتألف من ثماني غرف حسنة البناء ليست في شيء من منازل البدو، قال صاحبي بعد أن ~~زرنا هذه الآثار: أشهد أني أميل إلى ترجيح قيام عكاظ بهذا المكان، وأحسب هذه الغرف ~~الفسيحة كانت مقام سادة السوق، قلت: لعلك تبالغ إذ رجحت، وإن كنت أوثر أن تقوم هيئة ~~علمية بحفريات تحقق بها تاريخ هذه الآثار والغرض الذي أنشئت له. # عدنا نقصد إلى مكة وأنا أفكر في هذه الآثار؛ فهي أول ما شهدت من نوعها في هذه البلاد، ~~بنيت من الآجر ومن حجر أحمر جيء به من هذه الجبال المجاورة بناء يشهد ما بقي منه ~~بإتقانه وحسن نظامه، ترى في أي عصر كان تشييده؟ وأي بطن من بطون العرب أقامه ها هنا ~~حيث لا يمر اليوم أحد؟ إنه يرجح عندي قيام عكاظ بهذا المكان وإن لم يقم سندا علميا ~~على هذا الترجيح، أم لعله رسم درس لمدينة قديمة عفت الأنباء على ذكرها وظلمها ~~التاريخ بنسيانها! # بلغنا حرم مكة وهذه الأنباء عن عكاظ وتاريخها وموقعها تداعب خيالي، فلما تخطينا ~~الشرائع وبلغنا مفرق الطريق إلى الجعرانة ذكرنا مجنة وذا المجاز، ولم أنس حين ~~ذكرتهما قول الكلبي: «كانت هذه ms356 الأسواق بعكاظ ومجنة وذي المجاز قائمة في الإسلام حينا ~~من الدهر، فأما عكاظ فإنما تركت عام خرجت الحرورية بمكة مع أبي حمزة المختار بن ~~عوف الأزدي الإباضي في سنة تسع وعشرين ومائة، خاف الناس أن ينهبوا وخافوا الفتنة ~~فتركت حتى الآن، ثم تركت مجنة وذو المجاز بعد ذلك، واستغنوا بالأسواق بمكة وبمنى ~~وبعرفة.» أين كانت تقع إذن مجنة؟ وأين كان يقع ذو المجاز؟ نقل الأزرقي قول الكلبي: ~~«ومجنة سوق بأسفل مكة على بريد منها، وهي سوق لكنانة وأرضها من أرض كنانة، وهي التي ~~يقول فيها بلال: # ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة # بفخ وحولي إذخر وجليل # وهل أردن يوما مياه مجنة # وهل يبدون لي شامة وطفيل # وشامة وطفيل جبلان مشرفان على مجنة، وذو المجاز سوق لهذيل عن يمين الموقف من عرفة ~~قريبة من كبكب على فرسخ من عرفة.» # سألت أصحابي عن مواقع هذين السوقين فيما نعرفه مما حول مكة، فلم يجدوا في تحديد موقع ~~ذي المجاز مشقة، فهو على يمين الموقف من عرفة، وهو إذن في موضع سوق عرفة اليوم أو يكاد، ~~أما مجنة فاختلف القوم في تحديدها، قال أحدهم: إنها تقع عند الجعرانة، وقال الآخر: ~~إنها تقع فيما وراء التنعيم حيث الشهداء والزاهر اليوم. # ولم يثر بي التطلع إلى تحقيق موضع مجنة ما ثار بي إلى تحقيق موضع عكاظ، فقد خشيت أن ~~أعود من بحثي بمثل ما عدت به من عكاظ من ترجيح رأي على رأي دون القطع بأي منها، ثم ~~إن مجنة لم تكن يوما ذات أثر في الأدب العربي ولا في التاريخ العربي كما كانت عكاظ، ~~فهي لم تزد على أنها سوق في جوار مكة يجيء إليها الحجاج بعد انصرافهم من عكاظ في ~~العشرين من ذي القعدة ويجيئون إليها محرمين قد نسوا خصوماتهم ومفاخراتهم وتوجهوا ~~بقلوبهم إلى ربهم، وهذا موقف تنكر النفس فيه التنافس والحسد، وترغب فيه عن الأذى ~~والخصومة، وقد ألف الناس ألا يعرف تاريخهم إلا آثار الحسد والتنافس وما يجران ~~إليه من حروب ومنازعات، وما ms357 ينشأ عنهما من تطور إلى الكمال، فكأنما كتب على هذه ~~الإنسانية ألا تبلغ الكمال المنشود، وألا تبلغ الخير المحبب إلى النفس الفاضلة إلا ~~من طريق الشر والأذى، ولو عرف الناس التضامن وأقاموه مقام التنافس وبنوا صلاتهم على ~~الإخاء الحق، لكان خيرا لهم وأدنى إلى ما توجبه كرامة بني جنسهم. # أقمت بمكة بعد العود من الطائف أعد العدة للرحيل إلى المدينة أزور بها قبر ~~الرسول الكريم وأقف فيها على آثاره الخالدة، لم يبق لي إذن غير يومين اثنين أقضيهما ~~في البلد الحرام، والله وحده يعلم أقدر لي أن أعود إليه؟! فلأنهل إذن من ورد ~~ذلك الجو الروحي المصفى ما استطعت النهل، ولأتزود منه، وخير الزاد التقوى. # في مساء اليوم الأول لقيت الملك ابن السعود، فاستأذنته في مغادرة مكة، وشكرت له ~~معونته ومعونة حكومته إياي في بحوثي، وصعدت إلى غار ثور في اليوم الثاني، فلما كان ~~اليوم الثالث وكنت على أهبة السفر ذهبت إلى المسجد الحرام أطوف بالكعبة طواف الوداع، ~~وألقي على البيت العتيق نظرة رجاء أن أعود إليه يوما، لعله يكون قريبا؛ لأنهل من ~~نبعه الروحي كرة أخرى، ولأجد في القربى منه تجردا من الدنيا وتقربا إلى ~~الله. # حقق الله هذا الرجاء، إنه على كل شيء قدير. # الكتاب الرابع # | بين الحرمين # | طواف الوداع # أما واليوم موعد الرحيل عن مكة فهلم إلى طواف الوداع، وخرجنا مع المطوف فطفنا ~~ودعونا الله أن يغفر لنا، وأن يجعل لنا من العود إلى البلد الأمين والطوف ببيته ~~المحرم قسما ونصيبا، وملت إلى حجر إسماعيل بعد تمام الطواف فصليت فيه، ثم ~~صليت في مقام إبراهيم، وبعد أن أقمت زمنا أدعو وأستغفر انتحيت ناحية الفيء، وأقمت أفكر ~~في هذا الرحيل من مكة وأستذكر أيامي السعيدة بها، وأية سعادة كهذا النعيم الروحي الماثل ~~في كل رحابها، يتضوع بأريجه هواؤها، وتتحدث عنه أنباء الماضي في تاريخها، وينشر البيت ~~العتيق شذاه في كل أرجائها! # وصرف التفكير في هذه السعادة الروحية عني إحساسا طالما دب إلى نفسي كلما ودعت ~~بلدا احتواني وأنا ms358 في شك من العودة إليه، فقد كنت أشعر في مثل هذه المواقف بأن ما ~~أفارقه ينهار بالنسبة لي في لجة ما لا نرى ولا نحس إلا خيالا وحدسا، كما أشعر بأن ~~ما مضى من حياتي إلى ساعة هذا الوداع ينهار في لجة الزمن الذي لا يذر العالم لحظة من ~~غير مور ولا تجدد، أما اليوم فكان إحساسي وتفكيري، وأنا بمجلسي من المسجد الحرام، ~~بعيدين كل البعد عن معاني الانهيار وعن تصور الزمن لجة تبتلع الحياة والأحياء، لقد ~~انبسط الزمن أمام بصيرتي وحدة جمعت الماضي والمستقبل، وانكشفت أمام الروح في بساطة ~~دونها بساطة المكان ووحدته، تدركها بل تراها إذا جلست في غرفة ضيقة للإذاعة ~~اللاسلكية، تسمع فيها وتشهد منها عن طريق «التليفزيون» كل ما شئت أن تسمعه أو تشهده في ~~أنحاء العالم المختلفة، ليس للزمن ولا للمكان إذن لجة، بل روحنا هي هذه اللجة التي ~~تسع الزمان كله والمكان كله، ما عرفنا أن نسمو بها فوق مادة الحياة الدنيا المحدودة ~~بالزمان والمكان، وأين يتيسر للإنسان هذا السمو ما يتيسر له أمام البيت العتيق وفي هذا ~~المسجد الحرام الذي جعله الله مثابة للناس وأمنا؟! # في الحق أن ليس في العالم كله موقف يطوع للروح أن تسمو فوق حجب الزمان والمكان ما ~~يطوعه لها هذا الموقف الذي أنا فيه، وليس ذلك لسر في الحجارة التي بني البيت العتيق ~~منها، فالحجارة مادة، والمادة تنهار وتتجدد، ولقد جدد بناء هذا البيت غير مرة، إنما ~~يطوع للروح هذا السمو فكرة التوحيد التي قام البيت رمزا لها منذ رفع إبراهيم القواعد ~~منه وإسماعيل، وفكرة التوحيد هي الحقيقة السامية، الحقيقة الأولى، الحقيقة التي تتفرع ~~عنها كل الحقائق، والتي يهتدي بها العلم والفن، وتهتدي بها الحياة كلها إلى وجه الله ~~الأكرم، يسبح له - جل شأنه - من في السموات والأرض، لا إله إلا هو الكبير ~~المتعال، نعم! فكرة التوحيد هي المركز الذي تنجذب إليه العوالم وسننها والكون وأطواره، ~~والذي تتجه إليه ذرات هذا الوجود كلها مسبحة مقدسة، والفكرة روح وليست ms359 مادة، ~~ومعنى وليست جسدا؛ وهي لذلك سامية في خلودها فوق المادة المصورة والصورة المجسدة؛ ~~ولذلك يبقى رمزها بيت الله العتيق لا تعدو عليه عادية، ولا يصرف الإنسان عنه صارف، وكيف ~~تنصرف الإنسانية عنه وهو يمثل خير ما فيها وأسمى معانيها؟! # ولقد حاول غير واحد من أولي البأس والسلطان في عصور مختلفة أن يصرفوا الناس عن هذا ~~البيت فذهبت كل محاولاتهم هباء، ذلك بأن فكرة التوحيد تستقر في أعمق الروح الإنسانية ~~وإن اختلفت مظاهر العقائد التي تدين بها جماعاتها، وهذه المحاولات إنما دفع إليها ~~التنافس التماسا للغلب المادي في الحياة الدنيا، والتوحيد لا يعرف التنافس ولا يرقى ~~إليه الغلب؛ لأنه يسمو بطبعه فوق كل غلب، والتنافس على المادة من مظاهر هذه الحياة ~~الدنيا وأعراضها الزائلة التي لا تتعلق الروح ولا الفكرة بها، بذلك بقي البيت العتيق ~~رمز التوحيد، لم تعد على الحقيقة العليا التي يصورها أوهام الحياة، ولم تخفها ~~الأكداس التي رانت عليها زمنا حين كانت الوثنية الجاهلية صاحبة الغلب؛ لأنها تسمو ~~على الزمن ولا تأبه لما يجيء وينقضي مما لا بقاء له؛ ولأنها أزلية خالدة، فرمزها باق ~~لذلك بقاء الخلود. # كان تبع بن حسان ملك ملوك حمير عائدا من حرب شن غارتها على الأوس والخزرج ~~بيثرب، فلما كان على مقربة من مكة حدثته نفسه بهدم الكعبة - وكان يهوديا - فمنعه من ~~كان معه من أحبار اليهود أن يهدم بيت التوحيد، فكساه وعاد إلى بلاده. # وبنت غطفان في القرن الأول قبل الهجرة حرما كحرم مكة وحاولت أن تصرف العرب ~~إليه، وبلغ ذلك ملكا على العرب اسمه زهير بن حباب فقال: «لا والله، لا يكون ذلك ~~أبدا وأنا حي.» واتبعه قومه حين قال لهم: «إن أعظم مأثرة ندخرها عند العرب أن نمنع ~~غطفان من غرضها.» وقاتل غطفان وظفر بهم وأبطل حرمهم. # فلما استقل أبرهة الأشرم قائد نجاشي الحبشة بأمر اليمن، سولت له نفسه أن يقيم ~~بصنعاء بيتا للنصرانية يصرف به العرب عن بيت مكة، وبنى القليس بها وزخرفه وجلب ~~إليه فاخر الأثاث، وظن ms360 أنه صارف أهل مكة أنفسهم عن بيتها، فلما رأى العرب جميعا لا ~~يتجهون إلا إلى البيت العتيق، ورأى أهل اليمن يذرون القليس ولا يعتبرون حجهم ~~مقبولا إلا بمكة، تهيأ للحرب في جيش من الحبشة تقدمه على فيل عظيم وسار يريد هدم ~~الكعبة ، وبلغ مكة وأنذر أهلها أن يخلوا بينه وبين البيت ليهدمه، وأخلى أهل مكة ~~مدينتهم، وأصبح أبرهة يريد أن ينفذ عزمه، فإذا جيشه قد تفشاه مرض الجدري وبدأ يفتك ~~به فتكا ذريعا، وأصيب أبرهة بما أصيب به قومه، فعاد أدراجه إلى اليمن فزعا؛ وبلغ ~~صنعاء وقد تناثر جسمه من المرض ولم يقم إلا قليلا حتى لحق بمن مات من جيشه؛ وصدقت كلمة ~~عبد المطلب جد النبي: «إن للبيت ربا يحميه.» # ولقد فشت الدعوة القرمطية بالعراق على عهد العباسيين، وجعل أصحابها يرمون ~~بالكفر من لم يكن على مذهبهم في موالاة محمد بن الحنفية ابن علي بن أبي طالب، وكان أبو ~~طاهر القرمطي أول من ظهر من هؤلاء الدعاة في أيام المقتدر العباسي، ولقد بنى أبو ~~طاهر دارا في هجر، من مدائن البحرين، سماها دار الهجرة، وأراد أن ينقل الحج إليها، ~~وكان يقصد الطرق المؤدية إلى مكة ويفتك بحجاج البيت الحرام، بل سارت عساكر القرامطة في ~~جيش لجب إلى مكة أيام الحج، ودخل أبو طاهر الحرم ووضع السيف على بغتة من الناس في ~~الطائفين والعاكفين والركع السجود، وقتل نحو ثلاثين ألفا بمكة وشعابها، واقتلع ~~باب الكعبة وجرده مما كان عليه من صفائح الذهب، بذلك دب الرعب في القلوب، وصار ~~الناس لا يجدون إلى الحج سبيلا آمنا فانقطعوا عنه؛ لكنهم لم ينصرفوا إلى دار هجر، ~~فلما مات أبو طاهر ورأى قومه العبث في محاولته تحويل الحج عن الكعبة أعادوا الحجر ~~الأسود إلى مكة، وكان أبو طاهر قد نزعه من الكعبة وأخذه معه، وعاد الحج إلى بيت الله ~~كما كان. # ولما اهتم عبد الملك بن مروان بعمارة قبة الصخرة في جوار المسجد الأقصى، وبالغ في ~~زخرفتها ظن بعضهم أنه يفعل ذلك ليصرف أهل ms361 مصر والشام إلى حج القبة والمسجد الأقصى، وذلك ~~إذا تمت الغلبة لابن الزبير فرد الملك إلى الحجاز وإلى أهل بيت النبي، أما وقد تمت ~~الغلبة لبني أمية وبقي الناس يحجون البيت العتيق، ويولون وجوههم شطره فالمسلمون في ريب ~~مما نسب إلى عبد الملك بن مروان من هذه المقاصد، وهم كذلك في ريب مما ظنه بعضهم من أن ~~المنصور العباسي بنى القبة الخضراء إلى جوار قصر الذهب الذي شاده ببغداد، وأنه بالغ في ~~زخرفتها ليولي الناس وجوههم شطرها؛ إذ لم يرد في التاريخ من أعماله ما يؤيد هذا ~~الظن. # وإنما باء أبرهة ومن سبقه ومن لحقه بالإخفاق في مآربهم من صرف الناس عن بيت الله؛ ~~لأنهم كانوا يرمون من ورائه إلى غاية سياسية، والغايات السياسية موقوتة مصيرها إلى ~~الزوال؛ وهي لذلك لا تستند إلى أساس ثابت في قرارة النفس الإنسانية، ولا تمثل المعنى ~~الروحي ولا الحقيقة العليا التي يتعلق بها الفؤاد ويتوق إليها القلب، يستوي في ذلك قلب ~~الساذج وقلب العليم، ونفس الغوي ونفس الطهور، أما فكرة التوحيد التي يقوم هذا ~~البيت العتيق رمزا لها فهي الفكرة الخالدة المبرأة من الهوى، والتي تمثل الحقيقة في ~~أسمى صورها؛ ولذلك تتحطم على جوانبها كل محاولة ترمي إلى إفسادها ثم يبقى رمزها خالدا ~~تتعلق به القلوب وتتوجه إليه الأبصار من أقطار الأرض جميعا. # دار ذلك بخاطري وأنا بمجلسي من فيء المسجد أرنو بعينين سعيدتين إلى هذه البنية التي ~~رنا إليها خاتم الأنبياء والمرسلين، والتي رفع أبو الأنبياء خليل الله قواعدها، ~~وانقطعت عن التفكير هنيهة كأنما كنت أهضمه أثناءها وأسيغه وأستمتع بجماله وسحره، وإني ~~لكذلك إذ أشرق أمام بصيرتي نور خلته منبعثا من هذه الكعبة المشرقة القائمة أمامي، ~~وخلتني أقرأ خلال هذا النور وأحدث نفسي بما يلي: «الآن أدركت لماذا حرم الله مكة وجعلها ~~مدينة السلام لا يحل فيها القتل والغزو والأسر، ولا يحل فيها سفك الدم ولا التعرض ~~لصيدها أو نباتها أو حيوانها، وأدركت لماذا قال - عليه الصلاة والسلام - وهو يخطب الناس ~~يوم الفتح: ms362 «إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، فهي حرام من حرام من حرام إلى يوم ~~القيامة، لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دما أو يعضد فيها شجرا.» ~~ذلك بأنها رمز التوحيد وبيتها هيكله، والتوحيد سلام لذاته، ولا سلام إلا أن يجمع الناس ~~على الإيمان به، فأما التعدد فتنافس ولو في الخير، والتنافس نضال، والنضال حرب. # فإذا جاز لبلد في العالم إذن أن يكون مدينة السلام فذلك مدينة التوحيد، بالتوحيد ~~تتوجه الإنسانية كلها إلى وجه واحد، هو وجه الله - جل شأنه، فإذا صدقت في توجهها ~~إليه تحاب بنوها، وسموا بالحب فوق المنافسات، وما تجر إليه المنافسات من حقد ~~وبغضاء وتحاسد، وبرءوا مما تدفع هذه العواطف الدنيا إليه من تنابز بالألقاب، وتكاثر ~~بالأموال، وتسابق إلى الجاه والسلطان، وكيف يهوي إلى هذا الدرك من يبغي وجه الله وحده، ~~ومن يجعل تقوى الواحد الأحد رداءه في أعماله وأقواله ودخائل نفسه؟! وكيف يهوي إلى هذا ~~الدرك من يكمل إيمانه فيحب لأخيه ما يحب لنفسه، وكيف لا تسمو الإنسانية إلى مقام الحب ~~والسلام إذا آمنت بالتوحيد وجعلته سنتها، وجعلت بيت الله رمز التوحيد قبلتها؟! ألا ما ~~أبلغ هذه العبارة التي يرددها الإنسان من أعماق قلبه أول ما يدخل الحرم ويستقبل الكعبة ~~لطواف القدوم: «ربنا، منك السلام وإليك السلام، فحينا ربنا بالسلام.» ما أبلغ هذه ~~العبارة وما أعمق معناها وما أعظمها سموا لقوم يعقلون! اللهم هداك خلقك وزدني ~~تثبيتا وإيمانا.» # وانطلقت أفكر بعد أن أتممت هذا الحديث النفسي: لقد أفضيت أول ما نزلت بالبلد الحرام ~~إلى وزير المالية وإلى الملك ابن السعود برأيي أن تكون مكة مقرا لعصبة الأمم ~~الإسلامية، وهذا واجب تقضي به حياة المسلمين في عالم اليوم، ولكن! ترى لو أن الإنسانية ~~كلها التمست يوما مقرا لعصبة الإسلام، أفتجد خيرا من مكة بلدا ليكون هذا المقر؟! ~~لقد اختارت عصبة الأمم الأوروبية جنيف من أعمال سويسرا مقرا لها؛ لأن سويسرا محايدة، ~~ولقد طمعت عصبة الأمم الأوروبية في أن تقر السلام فيما ms363 بينها عن طريق التفاهم في جنيف ~~وإن لم تفز بإقرار السلام في ربوع العالم مما وراء أوروبا، إلا أن يهدد اضطراب السلام ~~مصالح الأمم الأوروبية، ولقد بذلت الدول المشتركة في العصبة جهودا كبيرة في سبيل ~~السلام، فقررت وسائله في عهد العصبة وفي ميثاق التحكيم وفي محكمة العدل الدولية، وحاولت ~~أن تجعل من التفاهم المشترك بينها جميعا حينا، ومن التفاهم الثنائي حينا آخر، سببا ~~للاحتفاظ بالسلام، مع ذلك ذهبت جهودها هدرا، وباءت من مقاصدها السلمية بالخيبة، وارتدت ~~إلى سياسة التسلح والسلام المسلح، وإلى النظرية القائلة بأن الاستعداد للحرب يمنع ~~الحرب. # ارتدت إلى هذه السياسة طوعا أو كرها وهي تعلم أنها سياسة كاذبة خاطئة، فلماذا؟ لأن ~~فكرة السلام ليست قائمة في أنفس بنيها وساستها على أساس من الإيمان بالسلام، وليست تصل ~~السلام بمبدأ أسمى يكون من أمر الله وسنته في الكون، ويجعل السلام غرض الإنسانية في ~~توجهها إلى الكمال، إنما تحركت النفوس في أوروبا إلى السلام رهبا من أهوال الحرب، ~~وفزعا مما تجني الحرب على المصالح المادية، اقتصادية ومالية، وأهوال الحرب تنسيها متع ~~السلم، وكما تجني الحرب على المنافع المادية فالحرب تحقق هذه المنافع وتشحذ النفوس ~~إلى طلب المزيد منها، طبيعي إذن أن تخفق سياسة السلام إذا قامت على هذا الأساس، وإنما ~~تنجح هذه السياسة وتستقر يوم تجمع الإنسانية على التوحيد ويكمل إيمانها به، ثم يكون ~~الأساس لكمال هذا الإيمان أن يحب المرء لأخيه ما يحب لنفسه، وأن يذكر الناس جميعا أن ~~سعادتهم في إيمانهم الحق بالله، وأن يكون ذكرهم هذه الحقيقة عن علم ويقين، لا عن ترويج ~~ودعاية غايتهما تحكم طائفة في طائفة أو استعلاء قوم على آخرين. # يوم تجمع الإنسانية على هذا مؤمنة بأنه من أمر الله، ويوم تئوب به إلى الله من ~~خطاياها، يومئذ تتم كلمة الله ويكون الدين كله لله، ويومئذ تكون مكة رمز التوحيد ~~ومقام هيكله، مثابة الناس قاطبة من أمم الأرض جميعا، فتكون بذلك مقر السلام المطمئن ~~طمأنينة الإيمان، ومقر عصبة الأمم الإنسانية كلها. # تاقت نفسي ms364 حين بلغت من تفكيري هذا المبلغ أن أقوم فأطوف بالبيت كرة أخرى شكرا لله ~~وحمدا، واستعانة إياه على مزيد من الهدى وعلى معرفة الحقيقة من كل جوانبها لعلها أن ~~تنكشف لي كاملة، فأستطيع بعونه أن أحدق في نورها وأن أبلغ الرضا بالنهل من باهر ~~ضيائها، وطوقت ثغري ابتسامة سعيدة حين هممت أن أفعل، فقد كنت أسأل نفسي عن الطواف ~~ما حكمته؟ فأقف عند قول بعضهم: إنما الحج ومناسكه أمور تعبدية تغيب عنا حكمتها ولا ~~سبيل للعقل إلى فهمها، لشد ما يخطئ أصحاب هذا القول! فنحن إنما نطوف بهيكل التوحيد لنرى ~~حقيقة التوحيد من كل جوانبها، صحيح أن هذا الهيكل رمز وأن جوانبه كلها تتشابه، لكننا ~~لا نستطيع أن نواجه الحقيقة لذاتها قبل أن نرى رمزها، ولا نستطيع أن نحيط بها كاملة دون ~~أن نطوف بها من كل جوانبها، فإذا فعلنا أتيح لنا أن نبلغ لبابها وصميمها، كما أن الحاج ~~لا يدخل الكعبة قبل أن يطوف بها، فالطواف إذن طريق الإحاطة بالحقيقة العليا التي يقوم ~~البيت العتيق رمزا لها وعلما عليها. # على هذا النحو فكرت في أمر الطواف وحكمته، وإن لم أر شيئا من مثله فيما قرأت من ~~الكتب، ولعلي لا أجد فيها شيئا يشبهه إلا أن يكون ذلك في كتب الفلاسفة والمتصوفة ومن ~~إليهم ممن يرون الفكرة حقيقة ملموسة، بل يرونها وحدها الحقيقة الملموسة دون سواها، فأما ~~المادة وأطوارها ومظاهرها فإلى مور دائم واستحالات متصلة لا يقر لها معها قرار، ونحن ~~نعيش في بيئة من المادة، فنحن متأثرون بها وبأطوارها، وتفكيرنا متصل بما حولنا منها ~~اتصالا يحول بين الأكثرين والتجرد للسمو إلى ما فوق هذه البيئة التي تجعلنا نرى ~~الأشياء في ضوئها وبالنسبة لها، ولا نرى الحقائق الخالدة مما وراءها. # ولئن كشف العلم اليوم عن حقيقة قررها القرآن وكررها، وهي أن سنن الكون ثابتة، وأنك ~~لن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنته تحويلا، لقد بقي التفكير الإنساني متأثرا ~~بنسبية البيئة المادية تأثرا لا يسهل التخلص منه والسمو عليه، والأقلون ms365 الذي يستطيعون ~~هذا السمو ممن عالجوه في الماضي لم يعالجوه على طريقتنا العلمية الحديثة التي تقرب ~~الحقيقة إلى العقل - وإن دقت واستعصت - بل على طريقة ذاتية فيها التجرد وفيها بلوغ ~~مراتب الإشراق الروحي مما لا يتيسر للمجموع دركه، ولو أن طرائقنا العلمية استطاعت أن ~~تقرب الحقائق التجريدية إلى الأذهان على نحو من الثبوت يصور الأمور المجردة للحس، ~~كما قرب الأثير إلى الذهن وحدة المكان عن طريق الإذاعة، إذن لهان أن يبلغ مجموع ~~الإنسانية من إدراك الحقيقة العليا والحقائق المتصلة بها ما لم يصل إلى إدراكه في ~~الماضي، وما كان وقفا على طوائف قليلة من المثقفين، بل على أفراد معدودين من هذه ~~الطوائف. # أما والطواف رمز للإحاطة بالتوحيد ابتغاء الوصول إلى لبه، أما وللتوحيد بوصفه ~~عقيدة ما رأيت من أثر في حياة الإنسانية وسعادتها وسلامها، فللطواف - وهو ركن من أركان ~~الحج - حكمة بالغة. # والطواف الواجب طواف العمرة، وهو طواف القدوم، وطواف الحج وطواف الإفاضة، ويجمع بعضهم ~~بين طواف الإفاضة وطواف الوداع؛ ذلك بأن طواف الإفاضة لا موعد له بعد عرفة ومنى، فمن ~~الناس من يقوم به يوم النحر - كما فعلت - ومنهم من يرجئه إلى ما بعد أيام النحر، ولقد ~~طاف النبي طواف العمرة وطواف الإفاضة وطواف الوداع في حجة الوداع، فكانت هذه أسوة ~~ثابتة يجري عليها المسلمون يؤدون بها الركن والواجب والسنة، بل إنهم ليطوفون بالبيت طول ~~مقامهم بمكة ما استطاعوا الطواف؛ فهم يطوفون قبل كل صلاة من الصلوات الخمس، وهم يطوفون ~~كلما دخلوا المسجد، ويطوفون وهم في المسجد مرات عدة قبل الصلاة وبعدها، ولا عجب أن ~~يفعلوا وقد رأى ابن بطوطة حين وجوده بمكة وزير غرناطة وكبيرها أبا القاسم محمدا ~~الأزدي يطوف كل يوم سبعين مرة. # خرجت من المسجد بعد طواف الوداع وبعد أن دعوت الله أثناءه أن يكتب لي العودة إلى ~~بلده الحرام والطواف ببيته العتيق، أعد العدة للخروج من مكة إلى المدينة، وأودع ~~بعد البيت أصدقاء كانوا أثناء مقامي عندهم خير ما أرجو كرم ضيافة وحسن لقيا ودوام ms366 ~~تأهيل وترحيب، كما كان الكثيرون منهم نعم العون لي في بحوثي، بما أسدى بعضهم من ~~معلومات، وما أهدى بعضهم من كتب، وما أرشد إليه بعضهم من مصادر. # وقد ودعتهم وودعت مكة راجيا أن يكتب الله لي العودة إليها راضي النفس مطمئن القلب ~~سعيدا أن فتح الله لي أثناء المقام بها آفاقا من الشعور والتفكير ما كان أحوجني إلى ~~أن تنفتح أمامي! لأرى من خلالها هذا العالم العظيم الجليل؛ عالم الحقيقة والرضا. # | طريق المدينة # خرجنا إذن من مكة عصر يوم الإثنين الثالث والعشرين من شهر مارس بعد أن ودعني بدار ~~مضيفي من أنست إليهم وأنسوا إلي من شباب مكة، وصحبنا مضيفي في السيارة إلى دار ~~وزير المالية بجرول، واستقبلنا الشيخ عبد الله سليمان بترحاب، وزودني بعد القهوة ~~بخطابات من جلالة الملك إلى أمير المدينة عبد العزيز بن إبراهيم وإلى أمير خيبر ~~ليعاوناني فيما أريد أن أقوم به من مباحث، وأهدى إلي ساعة ذهبية عليها اسم جلالة ~~الملك ابن السعود، وستارا من كسوة الكعبة، وخرج يصحبني ويصحب الشيخ عباس قطان إلى باب ~~الدار، فلما أردت أن أستأذنه مودعا وأشكره على جميل ضيافته ألفيته يشير إلي كي أركب ~~معه سيارته، ولقد تأثرت نفسي لهذا التلطف غاية التأثر، وذكرت إذ ذاك هذا البيت الذي ~~تمثل به الشيخ محمد صالح القزاز ساعة وصلنا الطائف: # يا ضيفنا لو زرتنا لوجدتنا # نحن الضيوف وأنت رب المنزل # وأبديت ما خالج فؤادي من عرفان الجميل لوزير المالية، فرد تحياتي بأحسن منها في لسان ~~عربي بدوي وقع من نفسي أبلغ موقع، وأقلتنا سيارته حتى جاوزنا أبواب مكة، هنالك نزلت ~~منها وكررت آي الشكر له ولمضيفي الشيخ عباس قطان، وركبت سيارتي مع والدتي والشيخ عبد ~~الحميد حديدي ومطوفنا الشيخ إبراهيم النوري، فلما بلغنا الشميسي وقفت السيارة أمام ~~فندقها، وألفينا عنده جماعة من أصدقائي شبان مكة؛ ليودعوني على حدود موطنهم بالمدينة ~~المقدسة، وبعد أن تبادلنا التحية والشكر كروا بسياراتهم راجعين إلى مكة، وعادت ~~السيارة تجري بنا في الطريق صوب جدة، لكننا ما ms367 نزال في وضح النهار، وهذه الشميسي هي ~~الحديبية حيث كانت بيعة الرضوان، وحيث عقد الرسول أول عهد له مع قريش، فنزل فيه الوحي ~~بسورة الفتح، ولقد حال الجهد وتقدم الليل والشوق إلى دخول مكة دون وقوفي عندها يوم نزلت ~~الحجاز، أما وفي مقدوري الآن أن أنزل بها وأقف عندها فهذه فرصة لن أضيعها. # ولم يثنني عن ذلك ما قرأته أثناء وجودي بمكة في «شفاء الغرام» للفاسي من أن مسجد ~~الشجرة والحديبية لا يعرفان الآن، فلو أن مثل هذا القول صدني عن الوقوف عند أثر مأثور ~~لوليت وجهي عن الآثار المأثورة جميعا فيما خلا الحرم وحراء وثورا؛ لذلك نزلت بعد قليل ~~من مغادرة السيارة فندق الشميسي قبالة مسجد الرضوان فإذا هو مشيد من حجر أزرق متين ~~على طراز مساجد مكة؛ لكن متانته وحسن عمارته يجعلانه يبدو للنظر أكثر اتصالا بالحياة ~~منها، وهو أفسح رقعة من أكثرها؛ لذلك قامت به ثلاثة عقود وضعت فوقها البواكي لتمسك ~~سقفه، ومحرابه أدق فنا من محاريب تلك المساجد. ولا عجب في ذلك وبناؤه لا يرجع إلى ~~أكثر من مائة سنة بشهادة ما نقش بأعلى هذا المحراب مما نقلته في فصل «ظاهر مكة». # والمشهور - على رغم ما يقوله الفاسي - أن هذا المسجد يقوم في الموضع الذي كانت تقوم ~~فيه شجرة الرضوان؛ وهي الشجرة التي نزل فيها قوله - تعالى: # لقد ~~رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ~~ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا ~~قريبا ~~، ولم تبق هذه الشجرة في موضعها بعد وفاة الرسول إلى أكثر من عهد ~~عمر بن الخطاب حين خشي أن يتخذها المسلمون إلى الله زلفى كما كان يفعل الجاهليون ~~بأصنامهم، فأمر بقطعها. # ولنزول هذه الآية في المؤمنين الذين بايعوا تحت الشجرة سميت البيعة بيعة الرضوان ~~والشجرة شجرة الرضوان، ولا عجب أن يخشى عمر تقديس المسلمين هذه الشجرة؛ فقد كانت بيعة ~~الرضوان من أروع ما عرفه التاريخ في سيرة الرسول - عليه السلام، ولقد تمثل لي هذا ~~المشهد في كل روعته وأنا بموقفي ms368 فوق الهضبة التي قام المسجد عليها، فازددت له إكبارا ~~وبه إعجابا، فها هو ذا محمد على رأس المسلمين قد خرجوا جميعا من المدينة محرمين لا ~~يحمل أحد منهم سلاحا إلا ما يحمل المسافر من سيف مغمد، وها هم أولاء قد انطلقوا في ~~طريق مكة يلبون وقد ساقوا الهدي أمامهم سبعين بدنة بعد أن مازوا جوانبها ~~اليمنى. # انظر إليهم؛ لقد قطعوا البيداء حتى بلغوا عسفان؛ وهذا رجل يجيب الرسول إذا سأله عن ~~أنباء قريش: «قد سمعوا بمسيرك فخرجوا معهم العوذ المطافيل قد لبسوا جلود النمور ونزلوا ~~بذي طوى يعاهدون الله لا تدخلها عليهم أبدا، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد ~~قدموها إلى كراع الغميم.» ويعجب الرسول لأمر قريش ويقول: «يا ويح قريش! لقد أهلكتهم ~~الحرب، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب، فإن هم أصابوني كان ذلك الذي ~~أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم ~~قوة، فما تظن قريش؟ فوالله، لا أزال أجاهد على الذي بعثني الله به حتى يظهره الله أو ~~تنفرد هذه السالفة.» إنه الآن يرى فرسان مكة على مرمى النظر فينادي في الناس: «من رجل ~~يخرج بنا على طريق غير طريقهم التي هم بها؟» وهو يفعل إيمانا منه بحرمة مكة مدينة ~~السلام وحرصا منه لذلك على أن يدخلها معتمرا لا مقاتلا، ويخرج رجل من المسلمين فيسلك ~~بهم طريقا وعرا بين شعاب مضنية حتى يبلغ بهم سهلا عند منقطع الوادي، ثم يخرج بهم ~~على ثنية المرار مهبط الحديبية من أسفل مكة. # والآن ماذا أرى؟ لقد كان ما شهدت حتى الساعة أدنى إلى صورة ترتسم أمام الخيال ثم ~~تتجسم وتدب فيها حياة كحياة صور السينما، أما الآن، فإنني أرى! نعم! أرى بعيني، وأسمع ~~بأذني، ويهتز كل وجودي لما أرى وأسمع، فهؤلاء ألفان من المسلمين مقبلين علي وأنا ~~بموقفي من هضبة الحديبية، محرمين كلهم، يلبون كلهم، وعلى رأسهم رسول الله # صلى الله عليه وسلم # ممتطيا ناقته القصواء يتقدمهم ومن فوقه غمامة تظله ms369 ... رحماك ربي! ماذا عسى أن أصنع؟ ~~أأتقدم من هذه الناقة وأمسك بخطامها وألتمس من الرسول الكريم دعوة صالحة تشفع لي عند ~~ربي؟ أأجثو أمامه ضارعا إليه أن يبارك علي؟ أأسرع إلى قدمه فأمسك بها وأوسعها ~~تقبيلا؟ # جالت هذه الخواطر برأسي وأنا مضطرب النفس شارد اللب لا أكاد أعي أين أنا؟ ولا من ~~أنا؟ ثم استجمعت كل قوتي ورفعت بصري فحدقت في معالم هذا الوجه، فإذا نور ينبعث من عينيه ~~الوضاءتين، وابتسامة عذبة راضية تطوق ثغره الجميل، وإذا أذناي تسمع في وضوح وجلاء: # إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما ~~إلهكم إله واحد ~~، وإذا هو يلتفت إلي ويقول ما كان يقوله ~~لأصحابه إذ يقومون حين يقدم عليهم: «لا تقوموا كما يقوم الأعاجم يعظم بعضهم بعضا، ~~ولا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم؛ إنما أنا عبد الله ورسوله، فقولوا: عبد ~~الله ورسوله.» # وإذا أصحابه من حوله ينظرون إليه نظرة حب وإجلال وتقديس وإكبار، لكنها نظرة ~~أخوة خالية من كل عبودية، ونظرة إسلام لله وما يوحيه إلى عبده ورسوله، لا ترى على ~~سيما أحدهم مذلة، ولا تلمح في نظر الذين ينظرون إلى النبي وجلا أو خوفا، بل ترى ~~محبة دونها كل محبة، لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوءه، لا يسقط من شعره شيء إلا أخذوه، وهم ~~يتسابقون إلى ذلك أمامه كما يتسابق الأبناء البررة إلى محبة أبيهم البر الرحيم، هم إذن ~~لا يقبلون قدمه، ولا يفعلون شيئا مما يفعل الأعاجم الذين اعتادوا النظر إلى ~~كسرى وإلى عماله كأنهم آلهة الشر يخشونهم كخشية الله أو أشد خشية، بل يحبونه كما يحب ~~أحدهم نفسه وأهله، وأكثر مما يحب نفسه وأهله، هنالك تراجعت ووقفت أحدق في هذا الجمع ~~حول الرسول وأنتظر ما عساهم يصنعون. # وبدت آيات الغضب على سيما بعضهم والتفكير في منازلة قريش حتى يحكم الله بينها ~~وبينهم، أما الرسول فاستمسك بخطة السلم والجنوح عن القتال إلا أن تهاجمه قريش وتستبيح ~~حرمة مدينة السلام، وترسل قريش رسلها فيحاولون صرف المسلمين بالحسنى عن دخول مكة، ثم ~~يعودون ms370 وقد رأوا بأعينهم أن المسلمين إنما جاءوا زائرين للبيت معظمين لحرمته، ثم ~~يحاولون إقناع قريش بأن يخلوا بين هؤلاء المسلمين والبيت العتيق. # ولم ترض قريش رأي رسلها، فبعث محمد إليها برسول من عنده، فأساءت إليه وعقرت ~~بعيره، ولم ييأس محمد مما صنعوا ، فبعث إليهم عثمان بن عفان يفاوضهم، وطال احتباس عثمان ~~عن المسلمين، فظنوا أن قريشا غدرت به في الشهر الحرام عند المسلمين وعند العرب جميعا، ~~ودخل في روع النبي ما دار بأخلاد القوم جميعا فقال: «لا نبرح حتى نناجز القوم.» ~~ونادى فيهم ليبايعوه على ذلك. # انظر إنهم يتزاحفون إليه يريد كل أن يسبق صاحبه إلى البيعة، لقد امتلأت نفوسهم حماسة ~~ونظراتهم حدة وعزما، وهو واقف تحت الشجرة يتلقى بيعتهم مغتبط النفس مطمئن القلب مما ~~يرى، ها هم أولاء فرغوا من البيعة، وها هو ذا يضرب بإحدى يديه على اليد الأخرى بيعة ~~لعثمان كأنه حاضر معهم، والآن انصرف القوم ينظمون صفوفهم ويعدون للقتال عدتهم، يا ~~لهم من جنود بواسل في سبيل الله! ما أعذب ابتسامة أبي بكر! وما أحد نظرة عمر! ما ~~هذا؟ إنهم يحدقون إلى ناحية مكة كأنما يريدون أن يحرقوا أهلها بلهب نظراتهم، أم تراهم ~~يلمحون عند الأفق شيئا أو شبحا؟ نعم! إنه رجل ... إنه عثمان بن عفان مقبلا، لم تقتله ~~قريش إذن، بل هو يبلغ للنبي رسالتهم أنهم أيقنوا أنه وأصحابه إنما جاءوا حاجين ~~معظمين للبيت، وأنهم لا يملكون منع أحد من العرب عن الحج والعمرة في الأشهر الحرم، ~~ولكن ما حدث من مناوشات بينهم وبينه يجعل العرب تتحدث إذا خلت قريش بينه وبين مكة ~~بأن قريشا انهزموا أمامه، وفي هذا من تهوين أمرهم في نظر العرب ما لا طاقة لهم ~~باحتماله، فليرجع المسلمون هذا العام وليعودوا عامهم المقبل، فلن تحول قريش بينهم وبين ~~البيت. # ويرضى النبي عن سفارة عثمان، وتوفد قريش سهيل بن عمرو للمفاوضة وتدوين شروط ~~الصلح، وتقع محادثات طويلة يغيظ بعض المسلمين أمرها، ويبلغ من ذلك أن يقول عمر بن ~~الخطاب لأبي بكر: «علام ms371 نعطي الدنية في ديننا؟!» ويجيبه أبو بكر: «يا عمر، ~~الزم غرزك؛ فإني أشهد أنه رسول الله.» ويجيب عمر: «وأنا أشهد أنه رسول الله.» وهو ~~لا يرضى عما يرى، ويتم عهد الحديبية ويوقعه الرسول، ويعود المسلمون منصرفين إلى ~~المدينة وأكثرهم لهذا الصلح كارهون ، وإنهم لفي طريقهم إذ نزل الوحي على الرسول بقول ~~الله - تعالى: # إنا فتحنا لك فتحا مبينا * ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ~~ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما * وينصرك الله نصرا عزيزا # إلى آخر سورة الفتح؛ وفيها يقول ~~الله - تعالى: # لقد رضي الله عن المؤمنين إذ ~~يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل ~~السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا * ~~ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزا حكيما ~~. ~~ويقول - تعالى: # إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم ~~الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على ~~رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا ~~أحق بها وأهلها وكان الله بكل شيء عليما * لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن ~~المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ~~ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ~~ذلك فتحا قريبا * هو الذي أرسل رسوله ~~بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى ~~بالله شهيدا * محمد رسول الله والذين معه ~~أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا ~~يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من ~~أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في ~~الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى ~~على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا ~~عظيما ~~. # وسمع المسلمون إلى كلام الله في سورة الفتح فاطمأنوا ورضوا، وذهب عن الغاضبين منهم ~~الغضب، وعادوا إلى المدينة ينظرون اليوم الذي يعودون فيه إلى مكة العام المقبل. # لا عجب، وذلك ما حدث، أن يخشى عمر تقديس المسلمين شجرة الرضوان تقديسا يبلغ ~~عبادتها وأن يأمر لذلك بقطعها، وما له لا يفعل وهو الذي قال وهو يقبل الحجر الأسود ~~بالكعبة: «أنا أعلم أنك حجر لا ms372 تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يقبلك ما قبلتك!» وهو الذي لم يرض أن تجمع أحاديث الرسول وسنته اكتفاء ~~بكتاب الله، وهو الذي أراد أن يظل الإسلام لله مطهرا، مظهره الإيمان العقلي المبرأ ~~من كل مظهر من مظاهر الوثنية. # وآن لنا أن نعود إلى السيارة في طريقنا إلى جدة، ولقد بلغناها والليل ساج والأماكن ~~القليلة التي تضيئها الكهرباء هي وحدها المنيرة وسط الدجنة المنتشرة لا يهون ~~منها ضوء مصابيح الطرقات إلا قليلا، ولقينا أصحابنا المصريون بجدة، ودعاني قنصل مصر ~~لتناول طعام العشاء عنده مع جماعة أزمعوا ركوب البحر في غدهم إلى أرض الوطن، وأقمت لحظة ~~عند صاحب الدعوة، وغادرته إلى منزل الشيخ عبد الله سليمان بجدة حيث تركت متاعي، وعرفت ~~مكان نومي، ثم عدت إلى بني وطني وأنا مشوق أي شوق للقياهم، وتحدثنا وتناولنا طعام ~~العشاء، ثم جلسنا نسمع الإذاعة من مصر ونلتمس في موسيقيها وفي أغاني المغنين من ~~بنيها وبناتها النشوة والطرب، فالإذاعة محرم سماعها بمكة؛ لأن مذهب ابن عبد الوهاب ~~يحرم الطرب، فلا أقل من أن يحرمه الوهابيون في الحرمين، أما جدة فمرفأ يباح للناس ~~من كل الأديان أن ينزلوا به، فلا تثريب عليهم أن يسمعوا الإذاعة من مصر ومن باريس ومن ~~لندن ومن حيث شاءوا، هذا تصور قد يبدو عجيبا لأولي المنطق، فالحرام حرام حيث كان، ~~والحلال حلال حيث كان، لكن المنطق يجب أن يتسع لمناطق الشك، وأن يعتبرها حرما آمنا ~~تتجاور فيه الحرمات، وجدة ومرافئ الحجاز كلها من مناطق الشك حيث تتجاور حرمات الشرق ~~وحرمات الغرب، وحرمات الله وحرمات حضارة هذا الجيل، فليتجاور فيها طرب المذياع الذي ~~يسمعه الناس جميعا مع الطرب المستور بين الجدران والطرب الحلال عند أهل نجد، وليتسامح ~~أهل هذا الطرب وأهل ذاك، فالتسامح وحده سبيل اليسر في عيش الجماعة. # وفي بكرة الصباح أقلتنا السيارة وتبعها «البكس» فخرجنا من جدة في طريق المدينة، وسألت ~~صاحبي: أين نلتقي بطريق القوافل الذاهبة من مكة؟ فقال: إنما نلتقي بها عند ms373 القضيمة ~~بعد أن تتخطى القوافل وادي فاطمة فعسفان إليها، وسألت: أللمدينة طريق غير هذه التي ~~نسلكها اليوم وتسلكها القوافل؟ فعلمت أن لها طرقا أربعا: هذه التي نسلكها وتسمى ~~الطريق السلطاني، والطريق الفرعي، وطريق الغاير، والطريق الشرقي، وإنما غايتي من هذا ~~السؤال أن أعرف الطريق التي سلكها الرسول في هجرته، وفي عمرته، وفي فتح مكة، قال صاحبي: ~~ليس التحديد الدقيق يسيرا، فهذه الطرق تختلط بعضها ببعض كما تختلط طريق السيارة وطريق ~~القوافل، ومن اليسير على من شاء أن يعدل عن أي الطريقين إلى الأخرى أثناء سيره، ~~وسترى من أسماء الأماكن التي تمر بها ما تستطيع معه أن تعين ما مر به الرسول - عليه ~~السلام - منها. # كانت السيارة تنطلق مسرعة فوق أرض رملية خطتها دروب من عجل السيارات التي تجري طول ~~أشهر الحج فيها، وإلى يميننا امتدت الرمال إلى الأفق فما تقف دون النظر هضبة ولا قمة، ~~وامتد البحر الأحمر عن يسارنا مطمئنا هادئ الموج يحول البعد عنه بيننا وبين صريف ~~أمواجه، وحاذينا محلة قال صاحبي: إنها الكراع فيما يسمونه اليوم، وكراع الغميم على ~~عهد الرسول، ها هنا إذن وقف فرسان مكة وعلى رأسهم خالد بن الوليد عام الحديبية، ومن هنا ~~اتجه النبي على رأس أصحابه إلى طريق الحديبية اتقاء الالتقاء بخالد وجيشه حتى لا يقاتل ~~المسلمون وهم محرمون بعمرة، لكنا لم نبلغ القضيمة بعد، أفكانت الطريق على عهد الرسول ~~غير الطريق اليوم؟ أم أن خالدا وفرسانه أرادوا أن يحصروا محمدا وأصحابه بينهم وبين ~~مكة؟ أغلب الظن أن تكون الطريق قد تغيرت إن صح أن هذا الكراع كراع الغميم، فقد نادى ~~الرسول في أصحابه حين رأوا فرسان قريش: «من رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم التي هم ~~بها؟» وقد سلك المسلمون إلى الحديبية طريق ثنية المرار، فوجدوا في سلوكها جهدا ومشقة، ~~هم إذن خرجوا من الطريق المألوفة لهم والتي لم تصبح طريق القوافل في يومنا ~~الحاضر. # وتخطينا بعد الكراع دهبان ثم تول وبلغنا القضيمة، وكنا أثناء ذلك على مقربة من ~~الشاطئ ms374 لا يكاد يغيب عنا، وأغراني ذلك بالسؤال عن القديد أين هي؟ فللقديد في نبأ ~~هجرة الرسول ذكر وأثر، عندها أدرك سراقة بن جعشم محمدا وأبا بكر ليعود بهما إلى ~~مكة أسيرين أو يقتلهما فيفوز في الحالين بالإبل المائة التي جعلتها قريش لمن يرد ~~محمدا إلى مكة حيا أو ميتا بعد فراره منها وإخفاق فتيانها في العثور عليه، وعندها ~~كبا جواد سراقة بفارسه كبوة عنيفة طرحت الفارس أرضا وجعلته يتطير ويؤمن بأن ~~الآلهة مانعة منه ضالته، هنالك وقف ونادى المهاجر العظيم وصاحبه: «أنا سراقة بن ~~جعشم، أنظروني أكلمكم، فوالله لا أريبكم ولا يأتيكم مني شيء تكرهونه.» وطلب إلى ~~محمد، فأمر أبا بكر فكتب له كتابا يكون آية بينه وبين النبي، وأخذ سراقة الكتاب وعاد ~~أدراجه، وجعل يضلل الذين يطاردون محمدا وصاحبه كيلا يلحق بهما منهم أحد. # وزاد في إغرائي ما ذكره الأزرقي عن القديد عند كلامه عن مناة صنم الأزد وغسان، ~~فقد ذكر أن عمرو بن لحي نصب مناة على ساحل البحر مما يلي قديدا، وقد أثبتت ~~الخرائط قديدا على مقربة من عسفان، على أن صاحبي لم يجد ما يجيبني به، مما دلني على ~~أن قديدا ليست معروفة عند أهل الحجاز من معاصرينا، هذا على أنهم أكثر الناس تعليقا ~~على سيرة الرسول، حتى لتراهم يضيفون إليها ما لم يرد في رواية ولا في كتاب، وتفسير ~~إغضائهم عن قديد وغيرها من الأماكن المتصلة بالسيرة أن هذه الأماكن ليست مواضع لزيارة ~~الحجاج وتبركهم، فهي لا تدر أخلافها من الرزق ما يدعو أهل الحجاز إلى تحقيق أمرها ~~وإضافة الروايات والأحاديث إليها. # انطلقت السيارة من القضيمة ميممة رابغا - بعد وقفة يسيرة في «مقهى» تناولنا فيه ~~الشاي والقهوة - وانطلقت في سرعة دونها سرعة البرق؛ لأن مياه البحر تغمر رمال الشاطئ في ~~هذه المنطقة فتجعله صلبا صلابة الأسفلت، وتجعله تحت عجل السيارة أكثر لينا ونعومة، ~~ولولا أماكن في الطريق بعد ما بينها وبين الشاطئ فلم يكسبها تسرب الماء إليها ما أكسب ~~الرمال القريبة منه من تماسك وصلابة، ms375 ولولا أماكن أخرى تعاون السيل والسيارات ~~الثقيلة فيها فقلبا رمالها ظهرا لبطن، إذن لبلغنا رابغا من القضيمة فيها دون ~~الساعتين، لكن هذه الأماكن المتقطعة في الطريق كانت تضطر السائق ليسير الهوينى بين حين ~~وآخر، فإذا استوى إلى أرض صلبة أطلق لعجلات السيارة العنان فانطلقت تسبق الريح وتذرها ~~وراءها تصفر من شدة الغيظ، ولولا هذه الأماكن المتقطعة لما أملنا جدب الطريق، جدب لا ~~تقع العين فيه على شيء يلفت النظر، لكن هذه الأماكن المضطربة بالرمال المتقلبة، وهذا ~~الجدب الممحل الذي يمل النظر، جعلانا نشعر إذ نبلغ رابغا بحاجة إلى الراحة لا تقل ~~عن حاجتنا إلى الطعام. # وزاد في سأمنا الطريق منظر كان يتكرر كلما هون السائق السير ووقف ليرى ما يصنع ~~بالرمال المحيطة بعجلات السيارة، ذلك منظر المتسولين من أهل البلاد، فهم يعدون ~~بالمئات وبالألوف، بل هم يخطئهم العد، وأنت ترى الطريق خاليا منهم، حتى إذا هدأ ~~سير السيارة رأيتهم نبتوا على جانبيها، وما تدري أأنبتتهم الأرض أم قذفت بهم ~~الهضاب من أعاليها كما تحط السيول الأحجار من القمم العالية، ومنظر هؤلاء المتسولين ~~قل أن يثير في النفس عاطفة الرحمة، وإن كانوا يجيئون إليك عراة أغلب أمرهم ليس ~~عليهم لباس إلا ما يستر العورة، فأما النساء والبنات فيتقدمن كاسيات ولكنهن لسن دون ~~الرجال والشبان إلحافا ومسألة، وهم يقبلون على السيارة تسابقها سيقانهم الدقيقة وقد ~~مدوا أيديهم يصيحون: «يا حاج، يا بويا، هلله، وحياة النبي، بالسلامة ...» إلى آخر ~~الأنشودة التي حفظوها على كر السنين عن ظهر قلب، يتوارثها الأبناء عن الآباء، ~~والحفدة عن الأجداد، ولولا أن الحجاج، والحاجات بنوع خاص، يشعرون بأن الإحسان إلى ~~هؤلاء المتسولين من تمام الحج، وأن فيه استجابة لقوله - تعالى: # فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم # لرغب أكثرهم ~~عن بذل الصدقة لهؤلاء المتسولين، وأكثرهم أصحاء مفتولو العضل أقوياء البنية، وأكثرهم ~~يرى هذا التسول صناعة مباحة للارتزاق، ويرى فرضا على هؤلاء الحجاج أن يحسنوا ~~ويعطوهم، وإذا كان شيء في هذه الظاهرة النفسية يثير الإشفاق فليس ذلك ما عليه هؤلاء ms376 ~~المتسولون من فقر لا يعلم أحد مداه، بل ما هم عليه من جهل وتدل في مراتب ~~الإنسانية إلى حضيض ما أجدر القائمين بالأمر في الحجاز أن ينزهوا أهل الحجاز عنه! ~~سموا بالإنسانية عن المذلة، وبالإسلام عن الهوان. # فهؤلاء المتسولون إنما هم بعد من بني الإنسان، وهم بعد مسلمون، والإسلام يأبى على ~~بني الإنسان أن يبلغ التفاوت بينهم حتى يكون أحدهم حيوانا أو دون الحيوان مكانة، في ~~حين ينعم الآخر ببلهنية العيش ومتع الحياة وبأسباب الترف جميعا، وهؤلاء ~~المتسولون دون الحيوان في تصورهم الحياة وفي إدراكهم ما حولهم، أقبل أحدهم يلهث نحو ~~حاج ويقول مستجديا: «وحياة النبي!» فسأله الحاج: ما اسم النبي؟ فبهت السائل في ~~بله ولم يحر جوابا، هو إنما يكرر كلمتين - وحياة النبي - تكرارا آليا كما ~~يكررها الببغاء أو «الفونوغراف» دون أن يعرف لهما معنى أو مدلولا، وهو يجري سائلا ~~يلتمس القوت كما يلتمسه الكلب، وقد كان صاحبه قاطع الطريق يجري قبل عهد الوهابيين يلتمس ~~القوت نهبا كما يلتمسه الذئب، بل لعل هذا السائل أحط في قدر الإنسانية من المجرم إن ~~جاز أن تعقد مثل هذه الموازنة، فالمجرم حيوان مفترس والمتسول حيوان مهين، فإذا هما ~~تساويا في الحيوانية فالمفترس - لا ريب - خير مكانا من الذليل المهين. # وأحسب هذه المراتب الإنسانية الدنيا منتشرة ها هنا حيث الجهل ضارب أطنابه، لقد سمعنا ~~جميعا اسم رضوى يتكرر في الشعر العربي القديم، ولا يزال الكثيرون منا يتغنون ~~بثبير ورضوى كما يتغنون بجبلي نعمان، ولعل من شعرائنا المصريين في العصور ~~المتأخرة من ورد اسم رضوى في شعره، ذكره حين أراد أن يتخيل جبلا أو يتمثل ما يدل ~~الجبل عليه فكان اسم رضوى أقرب إلى ذاكرته من اسم سيناء، ذكر لي من عرفت بالحجاز ~~حديثا عن رضوى أثار مني كوامن الدهشة جميعا، فهذا الجبل يمتد في طريق المدينة إلى ~~ينبع، ومنطقة المدينة وما حاذاها أكثر اتصالا بالحضارة من كثير من مناطق بلاد العرب؛ ~~لأنها أدناها إلى الشمال وأيسرها اتصالا بالشام ومصر، كذلك كانت في عهد ms377 النبي وفي صدر ~~الإسلام، وكذلك هي اليوم، ولقد زار وزير المالية الشيخ عبد الله سليمان رضوى منذ ~~سنوات قليلة، واستصحب معه أمين مكة الشيخ عباس قطان، كما استصحب قوة من الجند، وعدة ~~للمقام من خيام وأدوات للطهي وطهاة ومن إليهم، وتسلق القوم إلى قمة رضوى فرأوا ~~عجبا: رأوا قوما لم ينزلوا السهل حياتهم، ويرون في نزوله المعرة الكبرى، فإذا ~~احتاجوا إلى شيء مما فيه فأتباعهم وضعافهم هم الذين ينزلون، ورأوا هؤلاء القوم يعيشون ~~في الكهوف والمغارات عيش الحيوان المفترس، ورأوا أحدهم إذا ظفر بغنيمة مما كانوا يذبحون ~~فر بها إلى كهفه وأوى إليه وانبعث ينهشها كما ينهش الحيوان المفترس فريسته، وجعل ~~يذب عنها من يحاول اقتحام الكهف عليه بأن يدفعه برجله كما يفعل الذئب أو النمر، ~~أفيتصور أحد هذه الحياة في بلاد العرب وعلى مقربة من المدينة؟! أما أنا فدهشت لها أول ~~ما سمعت نبأها، ثم خفت دهشتي حين ادكرت من رأيت من الأعراب بالشفا من جبال ~~الطائف، وما أحسب الفرق بين هؤلاء وأعراب رضوى ببالغ أن يثير الدهشة. # يأبى الإسلام أن يبلغ التفاوت بين بني الإنسان حتى ينكر بعضهم بعضا، ذلك أساسه في ~~أمور الرزق، وهو أساسه في الحياة الروحية؛ فهو دين إخاء يرتفع بالإخاء إلى أسمى مراتبه، ~~ويرى لذلك أن المرء لا يكمل إيمانه حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وأين الإيمان في أمة ~~يتناكر بنوها فينكر أحدهم أمر صاحبه، فإذا عرف أمره دهش له وأخذ منه العجب؟ وأين الإخاء ~~في أمة يعيش نصف أبنائها حفاة عراة، رزقهم من التسول، وسعادتهم في الجهل، وطمأنينتهم ~~إلى العيش في قنن الجبال، ويعيش النصف الآخر في حضر أو ما يشبه الحضر؟ ليس هذا من دين ~~محمد في شيء، بل الإسلام عدو لهذا التفاوت الظالم وهذا التناكر الذي يمقت الإخاء ~~ويمقته الإخاء، وإن دينا يدعو عمر بن الخطاب ليقول لعلي بن أبي طالب وقد اقتضاه غريم ~~أمرا: «ساو خصمك يا أبا الحسن.» فيساوي علي خصمه في مجلس القضاء، وينكر على عمر ~~أن ms378 يدعوه «أبا الحسن»؛ لما في الكنية من تعظيم لا يتفق مع المساواة، لأثبت ~~أساسا من أن يقر تفاوتا مبلغه من الجور ما ذكرت، ويأبى هذا الدين أن يقر التفاوت ~~الروحي؛ فهو لا يجعل لطائفة من الناس فضلا على طائفة إلا بالتقوى، ويجعل العلم وما ~~يدعو إليه من تحاب في الله وقضاء على غرور النفس ببلوغ المعرفة الحقة أساس الهدى ~~ومنارة الإيمان؛ لذلك كان العلماء فيه ورثة الأنبياء، والعلماء الصادقون كالأنبياء ~~الصادقين يؤثرون هدى الناس على طمأنينة أنفسهم بل على حياتهم، ويبذلون من ثم ~~للناس كل أسباب العلم حتى يبلغوا به غاية ما يستطيع المرء بلوغه من الهدى. # بلغنا رابغا بعد زوال الشمس بساعة أو نحوها، فلبغنا بذلك حضرا لم نر شيئا منه ~~منذ تركنا جدة، وهو على تواضعه حضر يقف النظر عنده، فقد وقفت بنا السيارة أمام بناء ~~فسيح يشبه السوق، في جانب منه مقاعد لمقهى يجلس الناس فيه يتناولون الطعام والشاي ~~والقهوة، وإلى الجانب الآخر من الطريق قامت مبان أحدها مخفر البوليس، وبعضها حوانيت ~~تعرض للبيع ألوانا شتى من الطعام وغير الطعام، وسألت أصحابي: أين نلتمس الراحة ونتناول ~~الطعام؟ فأشاروا إلى بناء متصل بالسوق زعموه فندقا ... ودرنا نلتمس في هذا الفندق غرفة ~~نأوي إليها، فإذا أنا أمام غرف حقيرة لا أدري مم بنيت، وليس يغطي أرضها حصير ولا ~~ما دون الحصير، على أن أصحاب المقهى توسموا فينا الخير فجاءوا بحصير قديم نشروه في ~~إحدى الغرف، وجئنا من متاعنا بسجاجيد الصلاة ففرشناها فوقه، وذكر أصحابي من أهل مكة أن ~~برابغ سمكا صالحا للطعام يطهى لساعته، فطلبت إليهم أن يجيئونا منه بما يكفينا، وإنا ~~لنعد لراحتنا ولطعامنا إذ أقبل علينا رجل الجندية فتقدم بالتحية وعرض علي ضيافته، ~~وشكرته وأبديت له أني مطمئن حيث نزلت، وأن حاجتي إلى الراحة تمسكني دون القيام ودون ~~اتباعه إلى شاطئ البحر أو إلى المخفر أو إلى أي مكان غير هذا المكان الذي أنا به، ~~وابتسم الرجل وبادلني من التحيات ما ضاعف شكري، ثم تركنا وانصرف مكررا ms379 ساعة انصرافه ~~أنه يود لو يكون في خدمتنا فيكون بذلك سعيدا. # وبعد صلاة الظهر تناولنا السمك الذي جاءوا به، ما أشهى الطعام على جوع وما أطيبه ~~وأصحه! وملت بعد أن نلت شبعي فتمطيت على سجادة الصلاة أبتغي الراحة، فإذا بي أسرع إلى ~~عالم النوم، واستيقظت وقد عاد لي نشاطي، والتمست الخريطة أقيس عليها ما قطعنا من جدة ~~وما بقي لنا لنبلغ المدينة، قال صاحبي: «وما تجدي الخريطة في طريق شديد التفاوت بين ~~الاستواء والوعث، وتستطيع السيارة أن تقطع عشرات الفراسخ كل ساعة في بعضه، وهي تعيا في ~~البعض عن قطع فرسخ واحد في ساعة أو ساعات؟! وإنا لن نبلغ المدينة الليلة، والمسيجيد ~~غاية ما نستطيع أن نبلغه إذا بلغ لطف الأقدار غايته، وقد نبيت بآبار بني حصان وقد ~~لا ندركها، والأمر في ذلك كله لله، بيده تصريف الأمور.» # لم يثنني هذا الحديث عن الاطلاع على الخريطة، يا عجبا! كيف نسيت أن الجحفة على ~~عهد النبي هي رابغ اليوم، أو أنهما تتجاوران؟ ومذ رأيت اسم رابغ نسيت حديث صاحبي وعدت ~~بذاكرتي إلى عهد الرسول، وذكرت حديثا لهند بنت عتبة زوج أبي سفيان إذ يتشاور قومها ~~من قريش قبيل خروجهم إلى غزوة أحد ويختلفون أتسير النسوة معهم، فتصيح هند بمن ~~يعترض خروج النساء: «إنك والله سلمت يوم بدر فرجعت إلى نسائك، نعم! نخرج فنشهد ~~القتال ولا يردنا أحد كما ردت الفتيات في سفرهم إلى بدر حين بلغوا الجحفة فقتلت ~~الأحبة يومئذ.» نحن ها هنا إذن في الطريق الذي سلكته قريش إلى بدر وإلى أحد، ونحن ها ~~هنا في الطريق الذي سلكه الرسول عام الفتح، فقد ترك العباس بن عبد المطلب قريشا وهي في ~~جدل ماذا تصنع لاتقاء عدوة محمد على مكة، وسار يريد المدينة، فلقي جيش الفتح ~~بالجحفة، هذا إذا كان الطريق المسلوك بين مكة ويثرب إلى الشام؛ وهذه الجحفة التي نقف ~~الآن بها كانت موقعا ذا شهرة فيه، أما ولرابغ الشهرة اليوم فقد أنست الناس الجحفة ~~وما وقع على عهد الرسول ms380 بها. # وقمنا بعد العصر، فانطلقت بنا السيارة إلى مستورة في طريق مستو يجاور البحر فهي ~~تجري فيه تخطفه خطفا، وفي حذاء مستورة تيامنت السيارة مشرقة نحو بئر الشيخ، ومذ ~~تيامنت بدأ الطريق يتعذر السير فيه؛ ذلك أننا كنا نبعد عن البحر إلى داخل تهامة، وكانت ~~الرمال التي تسير السيارة عليها خلال هذه الصحراء غير مستقرة لكثرة ما تقلبها السيارات ~~الثقيلة إذ يكثر مرورها بها في موسم الحج، وحيثما تعذر السير نبت المتسولون من جوف ~~الأرض أو انحطوا من المرتفعات. # وبلغنا بئر الشيخ بعد غروب الشمس فجلسنا إلى مقهى بها تناولنا فيه الشاي وأقمنا حتى ~~سجا الليل، فليس يضيق سائقو السيارات بشيء ضيقهم بالسويعة التي تلي غروب الشمس حين ~~تختلط موليات النهار بإقبال الليل فينبهم النور وتنبهم الظلمة ويضطرب ضوء السيارة ~~بينهما، وسأل السائق عن الطريق بين بئر الشيخ وآبار بني حصان ومبلغ صلاحها للسير بها، ~~فاختلف أهل المقهى رأيا، وأشار أحدهم إلى أن طريقا منها لا يزال صالحا للسير فيه، ~~وأن الطريق الآخر أفسدته السيول فلم يبق السير فيه مستطاعا. # ولم يكن إلى المبيت ببئر الشيخ سبيل إلا أن نظل ليلتنا في هذا المقهى، وإن أطقت ~~أنا هذا المبيت وغامرت به فما عسى أن يكون أثره في صحة والدتي؟ ولقد ذكر القوم أن ~~بالمحلة التي تلينا، محلة آبار بني حصان، فندقا للمبيت فيه، في ذلك استخرنا الله ~~وقمنا إلى سيارتنا، لكنها لم تسر بنا إلا قليلا حتى ساخت في الرمل ولم تستطع ~~حراكا، وأضاء السائق فنارها فإذا أمامنا ثلاث سيارات أصابها ما أصاب سيارتنا، ولقد جعل ~~سائقوها يتعاونون ويعاونهم ركابها على دفعها للمسير، واللوريات في مثل هذه المواقف أسعد ~~حظا، لارتفاع جسمها فوق الأرض على عجلاتها الكبيرة، وسموها لذلك عن أن يغوص بطنها ~~في الرمال، وأقمنا حيث نحن، وذهب أصحابي يعاونون الذين تعطلت سياراتهم أمامنا ليقابلونا ~~بالمثل فيعاونوا سيارتنا على الخروج من ورطتها، وقد أقمنا ساعة أو نحوها، ثم أذن الله ~~بالفرج وخرجت السيارات من هذه العسرة التي أصابتها، وسرنا ms381 منطلقين في طريقنا وكل رجائنا ~~أن نبلغ آبار بني حصان قبل منتصف الليل لعل النوم بفندقها يعوضنا عن جهد هذا ~~النهار. # وانقضت ساعة أخرى والسيارة تجري ونحن ننعم بنسيم ما أرقه وأعذبه! نسيم البيداء ~~الطلق الجاف الصحيح الذي يبعث إلى النفس النشاط والغبطة، والذي ينسي المسافر كل نصب وكل ~~مشقة، وفيما نتحدث عن المدينة ومتى نبلغها غدا إذ السيارة تغوص مرة أخرى في الرمال، ~~وحاول السائق مذ شعر باللجة الخطرة تحت مزالق العجلات أن ينجو منها بتحريك عجلة ~~القيادة يمنة ويسرة لعل في تحرك العجلات ما يجنبها الغوص العميق، لكن هذه المداورة ~~لم تفلح، وساخت السيارة وجعلت عجلاتها تدور حول نفسها في حركة رحوية غير مجدية، ونزل ~~أصحابي يحاولون دفع السيارة إلى الأمام لعلها تجاوز منطقة الخطر، ومع ما بذلوا في ذلك ~~من جهد شاق لقد ذهب جهدهم عبثا، وخيل إلي أني أستطيع معاونتهم، ودفعت معهم ولكن ~~على غير جدوى، وبعد ساعتين ذوى فيهما الرجاء وذهب ما أنفقنا خلالهما من جهد سدى رأيت ~~أن أستريح إلى اليأس من السير هذه الليلة وأن أسلم الأمر لله وأن أنام فوق الرمل على ~~مقربة من السيارة، وسحبت سجادة الصلاة فجعلتها فراشي، وجئت بغطاء من الصوف التحفته ~~وتمطيت وتغطيت راجيا أن تعيننا يقظة النهار على اجتياز هذه العقبة، وطاب لي هذا ~~المقام، وذكرت به عشية عرفة لولا غياب القمر وانتشار الظلمة، وإن آنستنا نجوم السماء ~~ببريقها الجذاب. # وإني لفي أحلام ما قبل النوم، أحلام حلوة مسعدة زادها صفو السماء في هذه الساعة ~~حلاوة وإسعادا، إذ جاء إلي من أصحابي من يخبرني أن السيارة خرجت من لجة الرمل ~~وأنها وشيكة أن تسير، ولما رأى مني الريبة في قوله ذكر أن عربة كبرى بها مفتش للطرق ~~أدركتهم، وأن بها أداة خاصة لإنقاذ العربات المنكوبة في لجة الرمل، وأنها ردت عربتنا ~~إلى الحياة والسير، وقمت بين مصدق ومكذب، فلما رأيت السيارة انتقلت من مكانها ~~أيقنت أنها خلصت من براثن هذه الرمال، وأنها وشيكة أن تسير حقا، فأسرعت ms382 إليها، وسارت ~~بنا تقصد آبار بني حصان ونحن في أشد الخوف أن ينشب الرمل براثنه في عجلاتها كرة أخرى، ~~ولم تهدأ ثائرة الخوف في نفوسنا حتى رأينا أنوار آبار بني حصان، فلما بلغناها نادى ~~مناد أن نميل لننام عنده، ولكن عنده مقهى لا يفضل مقهى بئر الشيخ، ونحن نريد الفندق، ~~فندق آبار بني حصان، وأهبنا بالسائق أن يقصد توا إليه، وأنا أصور لنفسي غرفتي به وما ~~سأناله بها من نوم مريح. # ووقفت السيارة أمام بناء اشتملته الظلمة قيل: إنه «الأوتيل»، ودق أحد الرفاق بابه ~~ونادى أهله وطال به الدق والنداء، ولئن كنا في الثلث الأخير من الليل لقد عجبت كيف ينام ~~الموكلون بفندق يأوي إليه الناس ساعات الليل وقلما يقفون عنده بالنهار؟! قال صاحبي: لا ~~تعجب؛ فالفندق للحكومة والموكلون به عمالها، وهم يقتضون منها لذلك مرتبا لا يزيد ~~بزيادة من ينزلونه ولا ينقص بنقصهم، وفتح الباب رجل عليه أمارات النوم، فلما عرف أمرنا ~~جاء بمصباح ضئيل النور وتقدم يهدينا إلى غرف المنزل، وخطوت في أثره من الفضاء الذي كنا ~~به بين جدران البناء وغرفه، ووسوست لي نفسي أن أرجع أدراجي وأن ألتمس تحت العراء ~~مبيتا، أين هذا الهواء الطلق اللذيذ السائغ، هواء البادية الجاف الجميل، من هواء حبيس ~~راكد بين الجدران؟! ولكني رأيت أحد أصحابي ينادي الخادم ليجيء بالطعام من «البكس»، ~~وأحسست الجوع الشديد، فأهبت بالقوم أن يفتحوا نوافذ الغرف جميعا، ومددت بصري خلال ~~نور المصباح إلى داخل الغرف فارتد يدعوني أن أهم بالعودة إلى العراء وهوائه الحر ~~الطليق، فهذه الغرف الخالية من كل أثاث وفراش إلا من رمل لا شك أن رمل العراء أنقى منه، ~~لا تشجع على المكث ولا على المبيت، لكن الجوع والجهد وما خافه أصحابي من أثر العراء في ~~الصحة، كل ذلك ثناني عن تنفيذ ما أردت، قال أحدهم: لو أن معنا خيمة نضربها لكان الخير ~~فيما تشير به، وشقادف الجمال تغني عن الخيام، أما وليس معنا هذا ولا ذاك «فالأوتيل» ~~خير مكان لمبيتنا. # وتناولنا طعامنا، ms383 وفرشت سجادتي على حصير أكرمنا القوم بإحضاره، وأغفيت السويعة التي ~~تفصل بيننا وبين الفجر، فلما تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود قمنا جميعا إلى فرض ~~الله، ثم تناولنا الشاي وبعض الطعام وخرجنا إلى الفضاء الطلق ننعم فيه بالهواء الحر ~~والنور الوليد، وألفينا أمامنا واديا فسيحا تكتنفه الجبال وقد انحط بطنه عن الفندق ~~بضعة أمتار، فالفندق يقع منه على أكمة تتحكم فيه، ورآني رجل من أهل الفندق أميل منظاري ~~المقرب أهبط به إلى بطن الوادي تارة وأرتفع به إلى أعلى الجبل أخرى، وسمع أثناء ذلك ~~حديث صاحبي عما لقينا من عنت أصابنا به غوص السيارة في الرمل، فقال: إنها سيول هذا ~~العام أفسدت الطريق وكان من قبل صالحا، فقد انهمرت وبلغ انهمارها حدا لا عهد لنا به ~~مذ عرفنا الحياة، وكات من ذلك أن ارتفعت المياه في هذا الوادي حتى غمرت سيارة من سيارات ~~اللوري فمات بها اثنا عشر من راكبيها، وأن بلغت هذا الفندق وكادت توهن جدرانه لولا ~~متانة بنائه. # عجبت لما سمعت وقلت: «وماذا كان يفعل آباؤكم الأولون وقد كان هذا طريقهم من مكة إلى ~~يثرب وإلى الشام؟» # سكت رجل الفندق ولم يجب، إذا ذاك تولى صاحبي الجواب فقال: قل أن تنهمر مثل هذه ~~السيول الجارفة المخربة، فسيول هذه البلاد هتانة حقا، لكنها سريعة أن تمسك سرعتها ~~إلى أن تنهمر، فإذا أمسكت ابتلع الرمل الماء في دقائق، أما آباؤنا الأولون فلم يكونوا ~~يعرفون السيارات، فلو أن سيلا جارفا كسيل هذا العام نزل بهم لصعدوا بالإبل في دروب ~~الجبال حتى يبلغوا قننها إن أعوزهم الأمر. # وأمسك صاحبي هنيهة ثم قال: «هذا طريق ما بين مكة ويثرب؛ وغنك لحريص مذ هبطت الحجاز ~~على أن تمر ما استطعت حيثما مر الرسول - عليه السلام، أفتذكر كم مرة مر بهذا ~~الطريق؟» # قلت: نعم! ووجمت هنيهة أفكر: لقد مر بهذا الطريق ولا يزال طفلا في السادسة من عمره ~~حين ذهب مع أمه آمنة يزور قبر أبيه بيثرب، فلما آن لهما أن يعودا منه ماتت أمه ms384 ودفنت ~~بالأبواء، ومر به حين ذهب في الثانية عشرة مع عمه أبي طالب إلى الشام، كما مر به في ~~الخامسة والعشرين حين ذهب في تجارة خديجة، وأقام بعد ذلك خمسا وعشرين سنة تباعا لا ~~يقطعه، ولما هاجر من مكة والصديق معه جاوزه إلى طريق يساحل البحر خيفة أن تدركه ~~قريش، لكنه عاد بعد ذلك منه عام الحديبية، ثم عام عمرة القضاء، ثم عام الفتح، ثم في حجة ~~الوداع، ما أحفل هذا الطريق بالذكريات! لقد رأى النبي العربي طفلا، ورآه صبيا، ورآه ~~شابا، ورآه نبيا، ورآه مجاهدا، ورآه حاجا بيت ربه مستغفرا إياه ضارعا إليه، ~~ولقد رآه يوحي إليه ربه من كتابه هدى ونورا، وأنا أسير اليوم فيه ويسير عشرات الألوف ~~من المسلمين فيه كل عام، وقل من يذكر منا ما يحفل به أو يذكر هذه الحوادث من أيام ~~النبي، وكل واحدة منها عبرة، وفي كل واحدة منها مدكر، أوليس هذا نسيانا يجب أن ~~نتنزه عنه إكبارا لذكرى الرسول الخالدة والتماسا لموضع العبرة والأسوة من سيرته ~~وحياته؟! # ولو أن علم هذا العصر الذي سخر لنا قوى الطبيعة، استطاع أن يحلل ما ينطوي عليه ~~الماضي، وأن ينقل إلينا ما نشاء من ذكريات على موج الزمن كما ينقل إلينا الأصوات التي ~~نشاء من أقصى الأرض على موج الأثير، إذن لرأينا في هذا الطريق ما تهتز له القلوب وما ~~تطير له الأفئدة تقديسا وإعجابا، إذن لرأينا الصغير محمدا يجلس مع أمه آمنة والبعير ~~يسير بهما وبحاضنة الغلام أم أيمن قاصدا يثرب بخطاه الهادئة البطيئة، وآمنة تقص على ~~ابنها نبأ أخوال أبيه من بني النجار بالبلد الذي إليه يقصدون، وتقص عليه كيف ارتحل أبوه ~~إلى الشام في تجارته، وكيف عاد منها، وكيف مرض ومات ودفن عند أخواله، والصغير ينصت ~~مأخوذا يدري ولا يدري، لقد رأى القوافل التي تذهب في رحلتي الشتاء والصيف إلى اليمن ~~وإلى الشام، فهذا الرجل الذي تحدثه عنه أمه، عبد الله بن عبد المطلب، قد ذهب مع قافلة ~~الصيف لا ريب، ترى ms385 كيف كان؟ وتجيبه الأم الرءوم أنه كان جوادا شجاعا وشهما كريما، ~~بل كأن الشهامة والجود صور رجلا، وتقص عليه الأم من أخبار عبد الله ما ترجو أن يكون ~~أسوة للابن ومثلا، فما أكبر أملها أن ترى هذا الصغير يكبر ليكون كأبيه؛ محبوبا من ~~قومه، مقدرا منهم، عزيزا عليهم، حتى ليقفون دون إرادة جده حين أراد أن يذبحه وفاء ~~لنذره وبره بقسمه! وما له لا يكون كأبيه وفي نظرته من قوة البريق ما كان في نظرة عبد ~~الله، وفي نبرة صوته من الرقة والقوة ما كان في نبرة صوت أبيه؟! # وينقضي اليوم ويتلوه غده فينقضي كانقضائه وهم يقيمون ثم يسيرون لا يعجلون بعيرهم ولا ~~يسأمون طول الطريق، وكيف يسأمون حياة هي حياتهم وبيئة هي بيئتهم؟! وكيف تسأم آمنة وهي ~~تسير إلى قبر حبيب وهبت له نفسها، وكان لها في الحياة منه أمل عريض، فلم يمهله القدر أن ~~اختطفه منها، وهي تتعلق - على رغم القدر - بأملها وتريد أن تصل بين الثاوي في القبر ~~وقلبها، ويبلغون يثرب، وتزور آمنة القبر وتزيره صغيرها وتتحدث وإياه عنه، وتأوي معه ~~إلى دور بني النجار، وهي ترى في الطفل محمد أحب صورة إليها من عبد الله، وترى فيه ~~الحياة وبهجتها، والعزاء عن ألم الحياة وقسوتها، لا يجول بخاطرها أنها عما قريب ~~ستلحق بعبد الله، لكنها لا تلبث حين تتحمل مع ابنها وحاضنته عائدة إلى مكة أن يصيبها ~~المرض وأن يخترم حياتها، فيتعاون دليلها وأم أيمن على دفنها بالأبواء، ويلتمسها الصغير ~~لتحدثه عن عبد الله فلا يجدها، ويلتمس من يحدثه عنها فتسري عنه أم أيمن لوعة اليتم ~~من أبيه وأمه، حتى إذا بلغ مكة وجد في جده عبد المطلب وفي حنوه وعطفه أبا ~~وأما. # ثم لرأينا محمدا في الثانية عشرة من عمره يسير مع عمه أبي طالب في هذه الطريق التي ~~كنا نسير فيها، لكنه يسير هذه المرة في قافلة ذاهبة في رحلة الصيف كالقافلة التي سار ~~فيها أبوه، ولا يسير وحيدا بل معه عمه كما كان مع ms386 أمه، وتتخطى القافلة سرف، وتتخطى ~~وادي فاطمة، وتساحل البحر فتبلغ يثرب، ثم تتخطاها متخذة دروب البادية إلى الشام، وتحط ~~القافلة رحالها ها هنا وهناك، ويسأل محمد حيثما سار وأينما نزل عما يحيط به، فيجيبه عمه ~~حينا، ويجيبه رفاقه في القافلة حينا آخر ، وأية وسيلة يقطع بها راكب الجمل طول الطريق ~~كالتحدث وقصص الماضي والتندر بالأنباء؟! ولكل محلة تنزل بها القافلة حديث ونبأ، ~~ولكثير من الأماكن قصص تذهب في بطون التاريخ إلى حيث يكاد التاريخ يضل فيها، ومحمد ~~الصبي ينصت وقلما يتكلم، ويقلب ما يسمع على أوتار فؤاده ليرى مبلغ اتساقه مع ما يرى، ~~وتبلغ القافلة حدود فلسطين ويرى فيها قوما غير الذين ألفهم في البادية؛ قوما عرفوا ~~الحضر وصناعته، والاستقرار ونظمه، يتحدثون عن رومية وعن بزنطية وعن أديانهما ~~ورسلهما، ويذكرون اليونان والرومان وحكمتهما وتشريعهما، ويذكرون موسى وعيسى والنبيين من ~~قبل، وليس يشغله من أمر التجارة التي جاء قومه بها ما يصرفه عن التفكير فيما يرى ويسمع ~~وعن استذكاره، ثم ينصرف مع القوم قافلين إلى مكة مارين بيثرب وبوادي فاطمة، وهو لا ~~يفتأ يسأل عما يرى وإن كان أدنى في عودته إلى الصمت إمعانا في التفكير فيما رأى ~~وسمع. # ويعود في الخامسة والعشرين إلى مثل هذه الرحلة في تجارة خديجة مع قافلة الشام، وتربح ~~تجارته ويتزوج خديجة، لكن رحلة الصيف إلى الشام لا تستهويه ليعود إليها كرة أخرى، لقد ~~عرف أنباء الشام واتصل بأهلها، وفكر فيما وقف عليه من ذلك كله، وهو رجل تأمل في المثل ~~الأعلى، وليس تاجرا يغريه المال والاستزادة منه، فلترسل خديجة في تجارتها من تشاء ~~وليقم هو بمكة على مقربة من البيت العتيق مفكرا متأملا منقطعا إلى تفكيره وتأمله، ~~ثم ليتحنث في غار حراء حتى يوحي إليه ربه الأكرم أنه علم الإنسان ما لم ~~يعلم. # وينصرف محمد عن هذا الطريق سنوات متوالية حتى يأذن له ربه بالهجرة، فإذا ارتد من غار ~~ثور سلك طريقا غير الذي نسلكه نحن اليوم، نجاة بنفسه وبصاحبه من مطاردة قريش إياهما ~~واقتفائها ms387 أثرهما. # ويعود إلى هذا الطريق بعد ذلك عام الحديبية، يعود إليها شيخا توجت الرسالة وتوجت ~~السنون رأسه، ويعود مع أصحابه حتى يبلغ منه ذا طوى، ثم يضطر إلى الخروج إلى طريق ~~الحديبية حتى لا يصطدم بجيوش قريش. # ويسلك هذا الطريق بعد عام في عمرة القضاء، يسلكه ملبيا نداء ربه مناديا مع أصحابه: ~~«لبيك اللهم لبيك.» وتتجاوب أودية البادية وهضابها بهذا النداء تنفرج عنه شفاه ألفين من ~~المسلمين يسيرون وراء نبيهم وكلهم شغف بهذا اليوم الذي انتظروه منذ سنين، فهو اليوم ~~الذي يطوفون فيه ببيت الله ويؤدون مناسك العمرة، والرسول في مقدمتهم على القصواء تسير ~~به، وهو في طمأنينته إلى نصر ربه أكثر من كل من معه شكرا لله وإذعانا. وتنيخ ~~القافلة ثم تستأنف سيرها حتى تبلغ مكة، فإذا هي خالية غادرها أهلها، ويجوس المسلمون ~~خلالها طائفين مصلين مهللين مكبرين، أين هم اليوم منهم يوم أخرجتهم مكة منها وأقصتهم ~~عنها وضنت عليهم بدخولها وأنكرت حقهم من الوجود أو أداء شعائر دينهم؟! لكنهم صبروا ~~وصابروا فنصرهم الله من فضله، والعاقبة للصابرين. # وينقضي عامان من يومئذ، فيسلك محمد هذا الطريق على رأس عشرة آلاف من المسلمين ~~ليفتحوا مكة، أين مسيرته اليوم من مسيرته صغيرا، ومن مسيرته صبيا، ومن مسيرته ~~تاجرا، ومن مجيئه حاجا؟! لقد دانت له العرب وبقيت مكة على عنادها، لكنها اليوم على ~~أهبة أن تدين وأن تسلم مفاتحها وأن تؤمن بالله ورسوله وأن يطهر بيتها من الأوثان وأن ~~تعود إليه قداسة التوحيد والإيمان. # فأما المرة الأخيرة التي سلك محمد هذا الطريق فيها فهي حجة الوداع، حين سار من ~~المدينة على رأس مائة ألف من المسلمين الذين جاءوا من أنحاء شبه الجزيرة رجالا وعلى كل ~~ضامر ينسلون من كل حدب، وأقاموا ليلتهم بذي الحليفة؛ فلما أصبحوا أحرموا ~~وانطلقوا جميعا ينادون: «لبيك اللهم لبيك.» وتتصل روح الرسول بأرواحهم جميعا وهو ~~يلبي على رأسهم فيزدادون إمعانا في توجههم إلى ربهم وسموا إليه، أين من هذا الرجل ~~الذي أكمل الله له وللمسلمين جميعا دينهم وأتم ms388 عليهم نعمته ذلك الطفل مع أمه، وذلك ~~الصبي مع عمه، يسير في هذا الطريق لا يعرف في المرة الأولى أنه ذاهب إلى قبر أبيه ~~يزوره، ويسائل رفاقه في المرة الثانية عن كل ما يرى؟! أين من هذا الرسول الذي نقل ~~العالم من الضلال إلى الهدى ومن الوثنية إلى التوحيد ذلك الصغير الذي كانت تنظر إليه ~~أمه نظرة الحب والإعزاز لوحيدها اليتيم الذي فقد أباه، وغاية ما ترجو أن يكون كهذا الأب ~~أيدا وكرما ورجولة؟! ويصل هذا الجمع الزاخر مكة فيشاركه أهلها في الإحرام بالحج ~~وأداء مناسكه متأسيا في ذلك بمثل الرسول، سائرا في خطاه، داعيا دعاءه، مستغفرا ~~استغفاره ... ألا إنها الحياة الإنسانية بلغت غاية السمو من إنسانيتها، ثم سمت فوق ~~الإنسانية إلى حيث رفعتها مراتب النبوة والرسالة، وبقيت مثلا تحاول الأجيال أن تجعل ~~منه أسوتها؛ وهيهات هيهات أن تبلغ من ذلك إلا يسيرا! # قال صاحبي: «ما أعظم العبرة وأبلغ الموعظة فيما تذكر! ولو أن المسلمين الذين يسيرون ~~كل عام في هذا الطريق ذكروا من ذلك بعض ما ذكرت لازدادت نفوسهم بالحج طهرا، وإنه في ~~الحق لطريق لو حدثت رماله وحدثت هضابه بما شهدت لأنصت العالم كله بأرضه وبحاره ~~لأروع ما شهد على التاريخ من جلال الحق وانتصاره.» # كان رجالنا قد أعادوا رحالنا إلى «البكس» وإلى السيارة حين أتم صاحبي عبارته، وشكرنا ~~لأهل «أوتيل آبار بني حصان» ظرفهم، وانطلقنا في طريقنا نبغي المسيجيد، آخر محلة نقف بها ~~قبل أن نبلغ المدينة، وبلغناها، ونزلنا فندقا بها يشبه فندق الآبار، فأخبرنا رجاله أن ~~السيد عبد العزيز الخريجي مضيفنا بالمدينة بعث مساء أمس وصبح اليوم من ينتظرنا، ~~وأقمنا بالفندق ريثما تناولنا الشاي والقهوة، وشكرنا أصحابه ثم انطلقنا كرة أخرى في ~~طريقنا إلى غايتنا، يا عجبا! لقد اختلفت طبيعة البيداء كرة أخرى، لقد كنا نسير من جدة ~~إلى رابغ وإلى مستورة على رمال شدت مياه البحر بعضها إلى بعض فهي صلبة متينة، فلما ~~استدرنا من مستورة مشرقين إلى بئر الشيخ وآبار بني حصان تفككت الرمال ms389 ولم تبق لها ~~صلابتها؛ لذلك غاصت عجلات السيارة، وغاص بطن السيارة فيها غير مرة، واطرد الطريق ~~على هذا النحو من الآبار إلى المسيجيد، فأما بعد المسيجيد فقد انقلبت البيداء صخرية على ~~رغم ما يكسوها من الرمال، واطمأن السائق إلى أنا لن نغوص في الرمل، فأطلق العنان ~~لسيارته، فلما قضينا بعض الساعة إذا الطبيعة تختلف من جديد، وإذا جبال سود تقف منا عند ~~مرمى النظر، وأدركت السيارة سفوح الجبال وتخطت خلالها مرتقية حينا منحدرة آخر، ثم ~~انطلقت من جديد في بيداء تكتنفها الجبال. # ووقفنا عند محلة أناخت بها قوافل للحجاج الذين يقصدون المدينة، وجاء حسن بماء للسيارة ~~احتياطا للجبال القريبة منا، وأثار منظر القوافل في نفسي حنينا وذكرى: حنينا لأيام ~~الطفولة حين كنت أمتطي الجمل مع جدتي وأسير في القافلة الذاهبة في صحبة جدي إلى السيد ~~البدوي بطنطا، أو إلى مولد ابن العاص القريب من قريتنا، وذكرى أولئك الذين سبقونا من ~~آبائنا وأهلينا إلى هذه الديار قبل أن تغير السيارة على الجمل فيها، وحين كان الجمل ~~سفينة الصحراء، وفكرت حين ألح بي الحنين وألحت الذكرى فيما يكتبه الغربيون عن القاهرة ~~وعن الآستانة وعن غيرها من بلاد الشرق، وما يبدون من أسف أشد الأسف أن أضاعت هذه ~~البلاد طابعها الشرقي القديم الجميل، وتحدثت إلى نفسي أسائلها: كم أضاع الحجاز وأضاعت ~~بلاد العرب بغزو السيارة إياها من طابعها، وكم يضيع منه غدا حين تغزوها الطيارة، فنجيء ~~على متنها من مكة إلى المدينة في ساعتين كما فعلت الأميرة خديجة حليم هذا العام؟! ترى ~~ماذا كانت تترك في نفسي رحلة القافلة من مكة إلى المدينة في الدرب الطويل أقضي فيها ~~أسبوعين كاملين؟! # لقد قرأت ما كتبه كثيرون عن مثل هذه الرحلة في مختلف الدروب التي تنساب في البادية، ~~قرأت ما كتبه برتن الإنجليزي، وبورخارت السويسري، وإبراهيم باشا رفعت، وقرأت رحلة ~~البتانوني، إنهم جميعا قد أتيح لهم أن يدرسوا من طبيعة البادية ونفسية أهلها ما لا ~~يتسنى لراكب السيارة أن يعرف إلا القليل منه، وهم قد ms390 استمتعوا من حياة الصحراء وواحاتها ~~ومن صحبة أهلها بما لم أستمتع أنا بشيء منه، اللهم إلا حين نزلت رابغا، وحين قضيت ~~الليل بآبار بني حصان، أما راكب الطيارة فلن يرى من ذلك كله إلا ما يراه الطائر من علية ~~سمواته، ولن يستمتع منه بغير المنظر السريع التغير، السريع إلى الزوال، ومن الحق إذن ~~أن غزو السيارة للجمل وتعريضها إياه للزوال وحلولها محله سفينة للصحراء خسارة يأسف لها ~~رب الفن الحريص أن ينعم على هون بكل ما في البادية من حياة ومعنى وجمال. # أوليس من الحق كذلك أن غزو الطيارة للسيارة يعرض الإنسانية من ناحية الفن لمثل هذه ~~الخسارة؟ أم أنا يجب علينا في سبيل ما نسميه التقدم ألا نقيم لهذه الخسارة وزنا، ~~وأن نغتبط أن عوضنا الله خيرا منها وأعظم جدوى، وإذا انقرض الجمل وبقيت السيارة دابة ~~الحمل واختصت الطيارة بالسفر، فلا خسارة في ذلك على الإنسانية ولا على الفن؟ ولم أجد ~~جوابا على ذلك كله إلا أن محاولة الجواب لهو وعبث ما أشبههما بالأسف! لأن الطفل صار ~~رجلا؛ أو لأن الهرم الفاني مات ليخلفه غيره، مع أن هذا وذاك سنة الطبيعة، فما حدث ~~اليوم لا مفر منه وهو لا بد كائن. # ورجل الفن الصادق العاطفة والموهبة لا يأسف على ما فات، ويجد من آثار الفن فيما حوله ~~خير منزل لوحيه وإلهامه، وميراثنا مما خلفه الأولون من آثار الفن بعض ما هو كائن، شأنه ~~في ذلك شأن ما حولنا من آثار العلم، فإذا نحن أسفنا على ما فات فلن يجدي أسفنا شيئا، ~~ولئن دل على شيء لعلى أنا كسالى في الفن، نريد أن ننهج نهج من سبقونا ونتأثر ~~خطاهم، بدل أن نبدع جديدا من إلهام الحاضر وحياته، فأما الذين يريدون أن يبقى الشرق ~~الحي متحفا لصور الماضي فأولئك يجهلون ما في النفس الشرقية من توثب ونزوع إلى ~~الطفرة، وما تحرص عليه مع ذلك من توثيق عرى الحاضر بالماضي؛ لأن الحاضر والماضي ~~والمستقبل مرتسم فيها منذ الأزل، مصور في أطوائها على ms391 أنه وحدة تتطور حياتها كما ~~تتطور حياة الكائن الحي، لا على أنه أجزاء منفصل بعضها عن بعض، لا تتسق في كل ولا ~~تربطها وحدة الزمان والمكان. # وانطلقنا، ولم يطل بنا السير حتى كنا ندور في الجبال مصعدين نسلك طريقا لا بأس ~~بفسحتها ، وإنا لفي إحدى استدارات السيارة إذ انطلق إلى السماء أمامنا جبلان عن اليمين ~~وعن الشمال لفت انطلاقهما النظر، قال صاحبي: «هذه جبال المفرحات، وهي طلائع ~~المدينة المنورة.» هنالك اتجهت بكل ذهني وجناني إلى ناحية مدينة الرسول - على صاحبها ~~أفضل الصلاة والسلام، وجعلت أحدق بنظري وحده تارة، وأستعين بالمنظار المقرب أخرى، ~~أريد أن أجتلي بشائرها، وكأنما شعر السائق بأنا نستعجل بلوغها والدخول إليها، فدفع ~~بالسيارة في طريق استقام حتى كأنه قد نحت في الجبل نحتا، ورصف فيه رصفا، فلما أوفى ~~على غاية هذا الطريق استدار إلى طريق آخر، ثم وقف فجأة بعد استدارته فيه ومد إصبعه إلى ~~ناحية الشرق مشيرا، وقال: هذه القبة الخضراء. # الله أكبر ولله الحمد! بلغنا إذن مقصدنا، فالقبة الخضراء قبة الحرم النبوي، وهي الآن ~~أمامي وعلى مرمى نظري، فليسرع حسن إذن حتى نقوم بزيارة الحجرة التي صارت قبر الرسول ~~الكريم بعد أن كانت سكنه في الحياة، والمكان العزيز عليه في دار عائشة، وليسرع حتى ~~نمتع النفس والقلب بالوقوف خشعا أمام هذه الحجرة ونسلم على صاحبها، ونشهد أنه ~~بلغ رسالة ربه، ونحاول أن يتصل روحنا الضعيف الرازح تحت أعباء الحياة ومادتها في عالم ~~الدنيا بروحه القوي الأمين الذي سما بفضل من الله ومغفرة إلى مقام الرسالة الأسنى، ~~فكان صاحبها الأسوة والمثل في حياته، وكان بعد مماته نور الجمال والكمال والسر والجلال ~~والوحدة والضياء الوضاء الذي غمر العالم فأنار له السبل وهداه محجة الحق، وليسرع ~~فالنفس مشوقة والقلب يود أن يطير إلى هذا الموقف يشهد عن كثب منبع هذا النور، وأن ~~يمتلئ من إشراق سناه، هذه لذة كبرى بدأت أشعر بها وأريد أن أنهل منها وأبلغ الري ~~الروحي ريا لا أظمأ بعده أبدا. # والسيارة تجري، والقبة الخضراء ms392 تزداد وضوحا ويزداد النظر بها تعلقا، وها هي ذي ~~بشائر المدينة المنورة كلها تبدو، لقد صرنا إذن منها قاب قوسين أو أدنى. # | وحي المدينة # وقف حسن بالسيارة فجأة بعد أن استدار صعدا من الطريق المستقيم إلى طريق يليه، ثم ~~مد إصبعه إلى ناحية الشرق مشيرا وقال: «هذه القبة الخضراء.» وقال صاحبي: «نعم، قبة ~~الحرم النبوي.» ومددت بصري فإذا هذه القبة أمامي تقوم حولها مآذن ترتفع في الجو، وتحيط ~~بها قباب أصغر منها حجما، ولم يعلق النظر بالمآذن ولا بالقباب الصغرى إلا ريثما ارتسمت ~~في خاطري صورة منها، أما القبة الكبرى فقد شد إليها نظري ما يكاد يتركها؛ وقد استرعى ~~انتباهي كل ما جل ودق من أمرها، ووجهت المنظار المقرب نحوها أريد أن أقف على ~~تفاصيلها، ولم يكن ذلك حرصا مني على اجتلاء ما بها من دقائق الزخرف في عمارتها، ولا ~~أملا في أن أستشف شيئا مما وراء النوافذ التي أحاطت بقاعدتها، وإنما دفعت إليه ~~حركة نفسية مبعثها الشغف بكل ما يتصل بالرسول وقبره، وشدة التوق إلى معرفة كل ~~آثاره. # وذكرت أن من ولاة مصر من كان لهم حظ في هذا الأثر، فقايتباي هو الذي أمر بإنشاء ~~هذه القبة، ومن بني وطني رجال العمارة من شاركوا في تشييدها، وشعرت لذلك بغبطة أفعمت ~~قلبي سرورا ورضا، على أني سألت نفسي: «فيم الغبطة أن يأمر وال مصري بتشييدها؟! ~~وإنما شأنه في ذلك شأن كثيرين من أمراء المسلمين وملوكهم ممن لهم في عمارة هذا المسجد ~~حظ وأثر.» لكن هاتفا وجدانيا هتف بي: «الأقربون أولى بالمعروف، وبنو الوطن هم ~~الأقربون الأولون، وبينك وبينهم مع إخاء العقيدة الروحي إخاء القربي وإخاء التاريخ ~~والشركة الوثيقة في أرض الوطن ونهره وسمائه.» # وتنطلق القبة بشاهدها المدبب في السماء، ويلمع على سطحها الأخضر وهج الشمس الوضاء، ~~فيزيدني منظرها تعلقا بها حتى ما أكاد أجد لي منصرفا عنها، وتتقدم السيارة في الطريق ~~وتتلوى مع بعض أجزائه فتغيب القبة عن ناظري وتقوم أمامها أبنية متواضعة حينا وهضاب ~~قليلة الارتفاع حينا آخر، ويذكر ms393 صاحبي بعض ما يعرف من أمر هذه الأبنية وهذه الهضاب ~~وأسمع له، لكن القبة تبقى مع ذلك مرتسمة أمام ذهني وكأن لم تغب عن ناظري، أليست القبة ~~منارة القبر الذي يثوي فيه رسول الله؟! أوليست المدينة هي التي أوى إليها فنصرته من ~~يوم هجرته إلى أن اختاره الرفيق الأعلى؟! فما الجبال وما الهضاب وما الأبنية التي ~~يحدث عنها صاحبي إلى جانب ما تحدث القبة عنه مما يملأ القلب روعة وهيبة ~~وجلالا؟! # وذكرت ما دار بخاطري من يومين وأنا بمجلسي من المسجد الحرام بعد طواف الوداع، وقلت في ~~نفسي: إذا كانت مكة مدينة السلام فهذه المدينة لا ريب مدينة الجهاد، كذلك كانت يوم هاجر ~~النبي إليها، وكذلك بقيت من بعده طيلة عهد خلفائه الراشدين. هذان وصفان أفاء الله ~~أحدهما على مكة، والآخر على المدينة، فبقي لهما على عهد النبي، لم يتغير ولم يتبدل، ~~وكان حقا أن يبقى ما بقي للمسلمين على الأرض سلطان، ولقد فتح الله مكة على محمد وعلى ~~المسلمين، فخشي الأنصار العاقبة وقال بعضهم لبعض: أترون رسول الله إذ فتح الله عليه ~~أرضه وبلده يقيم بها؟ وكان جواب النبي حين علم ما قالوا: «معاذ الله! المحيا ~~محياكم والممات مماتكم»، ولما قسم محمد فيء حنين ورأى الأنصار كيف تألف النبي ~~أبناء مكة وكيف أجزل لهم العطاء، ظنوا أنه سيقيم بينهم، وقال بعضهم لبعض: لقي والله ~~رسول الله قومه، فكان مما تحدث به إليهم حين بلغته قالتهم: «ألا ترضون يا معشر ~~الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعوا برسول الله إلى رحالكم؟!» ومن قبل ~~جنح الرسول إلى السلم عام الحديبية لم يثنه عنه تحرش أوشاب مكة بالمسلمين ~~ولا غضب أصحابه من تجهز أهل مكة لقتالهم. # أما المدينة فبقيت بعد الفتح كما كانت قبله، مدينة الجهاد، منها وجه النبي قواده ~~بعد الفتح إلى ناحية الروم في غزو تبوك، ومنها جهز جيش أسامة بن زيد كي يأخذ بثأر ~~أبيه من قتل الروم إياه في غزوة مؤتة، ومنها كان قد جهز قواده قبل الفتح ms394 في بدر ~~وأحد وقريظة وخيبر حتى ضم العرب جميعا في دين واحد وتحت لواء واحد، أما مكة فبقيت ~~حراما كما كانت منذ أقيمت قواعدها لم يسفك فيها دم ولم يعضد فيها شجر، وبقي شعار ~~الذين يدخلونها ويؤدون التحية لبيت الله فيها: «ربنا منك السلام، وإليك السلام، حينا ~~ربنا بالسلام.» # أدت بي هذه الموازنة بين البلدين وما أفاء الله على كل منهما من حظ إلى التفكير ~~في الإسلام، أدين سلام هو أم دين جهاد؟ وأعانني على التفكير ونحن على أبواب المدينة ~~أنا وقفنا ننتظر «البكس» حتى لا يقفه الموكلون بأسوار المدينة عند بابها، فللمدينة، ~~فيما ذكر لي أصحابي، سور وأبواب، ولا يتخطى أحد إليها إلا أن يبرز جواز مروره لحراس ~~أبوابها، وأدى بي تفكيري في هذه السويعة إلى أن الإسلام دين سلام في بدئه وغايته، ~~وأنه مع ذلك دين جهاد متصل في سبيل السلام، فقد نزل الوحي الأول في بلد السلام على غار ~~حراء، وقد أكمل الله للمسلمين دينهم وأتم عليهم نعمته في بلد السلام بعد حجة الوداع، ~~وكانت الدعوة إلى هذا الدين عن طريق الجهاد السلمي في بلد السلام حتى الهجرة، فلما لم ~~يجب أهل مكة داعي السلام، وأعرض عنه رجال القبائل الذين يجيئون حاجين بيتها، هاجر ~~النبي إلى يثرب جهادا في سبيل السلام، وكانت خطته أن يدعو إلى السلام وأن يذود عن ~~حياضه من يريدون أن يصرفوا الناس عنه، وإن اقتضى زيادة نضالهم وقتالهم، ومن ثم ~~كان ما حدث من مغاز وسرايا أثناء مقام الرسول بيثرب جهادا في سبيل السلام لا يبلغ ~~غايته حتى يظل الناس كافة بلوائه، فإذا آمنوا أصبحوا إخوة وتحابوا بنور الله ~~بينهم وبلغوا بالإنسانية الكمال الذي تنشده، وهذا الكمال هو الإيمان عن علم بالله - جل ~~شأنه، والبلوغ عن طريق العلم إلى معرفة سنته في الكون، فهذه المعرفة هي التي تزيد ~~الإيمان تثبيتا وتجعل طريق الإيمان ضياء ونورا. # الإسلام إذن هو الجهاد في سبيل السلام؛ سلام الروح للفرد من طريق الرضا عن علم، ~~وللجماعة عن طريق ms395 التحاب في الله وبنور الله، وللإنسانية كلها من طريق الأخوة التي ~~تدعو المرء ليحب لأخيه ما يحب لنفسه، ذلك هو الكمال الذي يدعو الإسلام إليه، وإلى ~~الجهاد في سبيله، وطريق الجهاد شاق طويل لمن يظنون الحياة تبدأ بميلادهم وتنتهي ~~بموتهم، وجيز هين لمن يبتغون الدار الآخرة دار السلام والرضا، ويرون للإنسانية ~~كلها من الوحدة في حياتها ما للفرد من الوحدة في حياته، أولاء يرون في الجهاد ما يرون ~~في السعي والعمل من عبادة لله وتقوى إياه يثاب العامل عليها ويجزى الجزاء ~~الأوفى. # الإسلام جهاد في سبيل السلام، وجهاد المرء نفسه لينعم روحه بالسلام ليس دون جهاد ~~الجماعة من يحاول العدوان عليها والحد من حريتها في سعيها وعملها، فحياة الفرد موجز ~~كامل من حياة الجماعة ومن حياة الإنسانية، والسعيد من لم تخدعه المسرة العاجلة ولم ~~تحل بينه وبين إشراق الروح بالمسرة الدائمة وضياء القلب بالمعرفة في أكمل صورها، ~~والجماعة السعيدة من عرفت طريق الحق والعدل المجرد من الهوى، ولم تخدعها المذاهب ~~الزائفة، ولم تدفعها إلى طريق البطش الغرور الذي يجعل الحياة نضالا على متع العيش ~~ولذاذاته، والذي يسخر الجيوش ويجند ليسلب القوي طعام صاحب الحق في هذا الطعام. # تجلى لي وأنا عند هذا الموضع من تفكيري ما كان من جهاد الرسول بمكة ومن جهاده ~~بالمدينة، إذ ذلك ادكرت ما يعقده قوم من الموازنة بين هذا الجهاد وذاك، ومن تفضيل ~~أحدهما على الآخر، وادكرت ما ترويه كتب السيرة عن عهد مكة ومبلغه من الإيجاز بالقياس ~~إلى ما ترويه عن عهد المدينة، وإن جماعة من المستشرقين ليعقدون الموازنة بين الجهادين، ~~فيشيدون بجهاد مكة ويرونه دعوة خالصة إلى عقيدة أيقن محمد أنها الحق، وآمن فيما بينه ~~وبين نفسه أن الله أمره أن يبلغها الناس؛ وهي لذلك دعوة جديرة بالاحترام، والجهاد في ~~سبيلها جهاد مبرأ من كل غاية ذاتية؛ وفيه لذلك من مظهر السمو الروحي ما هو جدير ~~بالإكبار؛ ولذلك سما بمحمد في نظرهم إلى مرتبة العظماء الذين خلد التاريخ ذكرهم، ~~أما جهاد المدينة فيراه ms396 هؤلاء المستشرقون جهادا في سبيل السلطان، دفع إليه الحرص على ~~الانتقام من قريش؛ لأنها أخرجته ومن تبعه من ديارهم، وأغرى الظفر فيه على الاستئثار ~~بالقيادة والملك، وقد كان محمد يعف عنه ويتسامى عليه أيام مقامه بمكة، وهذه غاية ~~ينزل الجهاد في سبيلها منزلة مثله من جهاد ذوي الأطماع من القادة والغزاة، وفوز محمد في ~~هذا الجهاد بالانتقام من قريش وببلوغ الملك والسلطان في جزيرة العرب كلها هو الذي أضفى ~~على تاريخه البريق وجعل الإنسانية تشخص إليه إجلالا وإعجابا، لكن فوزه في هذا الجهاد ~~المدني قد ألقى على غايته من دعوته المكية ألوانا من الشبهة ذهبت بالكثير من جلالها ~~وجمالها وهون من مبلغ الإكبار لجهاده الشاق الطويل في سبيلها. # ربما خدعت هذه الموازنة من تسحرهم الحجة المنمقة عن تنطس الحقيقة وتصرفهم ~~عن الإحاطة بها من كل نواحيها، وهي في الحق موازنة خادعة ساحرة، ألم يكن محمد بمكة ~~فقيرا ضعيفا عاجزا عن دفع الأذى عن نفسه، معرضا أن يغتاله خصوم دعوته لولا حماية ~~أهله من بني هاشم إياه، وهو لم يهاجر إلى المدينة إلا بعد أن عقد حلفا بينه وبين الأوس ~~والخزرج أن يمنعوه مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم، فهم بهذا الحلف قد عاهدوه على أن ~~يقاتلوا دونه وأن يكونوا في قيادته، وبعد أن هاجر وجه السرايا والغزوات الأولى ليقطع ~~الطريق على قريش إلى الشام؛ وليغنم أصحابه ما تحمل قريش في رحلة الصيف من أموال وتجارة، ~~وغزوة بدر التي أشاد القرآن بها وببلاء المؤمنين فيها، والتي يعتبرها المسلمون علما ~~على الجهاد في سبيل الله؛ فهم لذلك يذكرونها ويملئون مواضغهم فخرا بآثارها، إنما تحرك ~~محمد وأصحابه إليها ليأخذوا على أبي سفيان طريقه من الشام إلى مكة ولينهبوا تجارته، ولم ~~يخف محمد ذلك، إذ ندب المسلمين حين بلغه عود أبي سفيان من الشام وقال لهم: «هذه عير ~~قريش فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها.» وما حدث بعد ذلك في أحد وفي الخندق، وما كان ~~من إجلاء اليهود عن المدينة تمهيدا لإجلائهم عن بلاد العرب، ذلك ms397 كله إنما حدث دفاعا ~~عن العاصمة التي اتخذها محمد مقرا لملكه، وفتح مكة وغزاة حنين وحصار الطائف، ~~إنما حدثت بعد أن استقر لمحمد الأمر واستتب له السلطان، أما ما حدث بعد ذلك وأثناءه من ~~تحطيم الأصنام ومن مداومة الدعوة للدين الجديد فشأن محمد فيه شأن نابليون حين زعم وهو ~~يدوخ البلاد ويفتح الأمصار أنه ينشر مبادئ الثورة الفرنسية، وشأن الدول المستعمرة اليوم ~~حين تقر النظم القائمة عندها في البلاد التي تغزوها وتفتحها مستعمرة حاكمة، زاعمة أنها ~~تقيم الحضارة بين أهل هذه البلاد، فجهاد محمد بعد هجرته إلى المدينة إنما كان جهاد ~~انتقام وغلب، دفعت إليه العواطف الإنسانية القوية في هذا الرجل الموهوب، ولم يكن في شيء ~~من جهاده بمكة للدعوة إلى حقيقة آمن بها. # كذلك يقول جماعة من المستشرقين حين يوازنون بين الجهادين، وموازنتهم كما ترى خادعة ~~ساحرة، لكنها خاطئة كاذبة، والحقيقة التي يلمسها من أخلص للتاريخ ولله وجهه أن غاية ~~النبي العربي من جهاديه كانت واحدة، كان بمكة يجاهد للدعوة، وكان بالمدينة يجاهد ~~لحمايتها والدفاع عنها، ولم يكن له وراء هذا الجهاد بكلتا المدينتين غاية إلا أن ~~يبلغ رسالة ربه للناس كاملة، ولم يرد الله أن تشوب هذا الجهاد شائبة، فهو إذ هاجر ~~إلى يثرب بعد بيعتي العقبة إنما هاجر بعد سائر المسلمين - إلا من آثر البقاء بمكة - ~~وهو قد نصح للمسلمين أن يهاجروا إلى يثرب كما نصح إلى إخوانهم من قبل أن يهاجروا إلى ~~الحبشة، فرارا إلى الله بدينهم حتى يجعل الله لهم فرجا مما هم فيه، وهو قد اختار ~~الحبشة للهجرة الأولى؛ لأن بها ملكا لا يظلم عنده أحد، وقد اختار يثرب للهجرة ~~الثانية؛ لأن الإسلام انتشر بين أهلها فآمن به منهم كثيرون كفلوا أن يمنعوا من كان على ~~دينهم أن يناله الأذى أو أن يفتن عن دينه، وقد انتشر الإسلام بيثرب بعد العقبة ~~الأولى حين بايع اليثربيون النبي على: «ألا يشرك أحدهم بالله شيئا، ولا يسرق، ولا ~~يزني، ولا يقتل أولاده، ولا يأتي ببهتان يفتريه بين ms398 يديه ورجليه، ولا يعصيه في معروف، ~~فإن وفى ذلك فله الجنة وإن غشي من ذلك شيئا فأمره إلى الله، إن شاء عذب وإن شاء ~~غفر.» # ولما تمت بيعة العقبة الكبرى، واختار الذين بايعوا النبي من الأوس والخزرج نقباءهم، ~~قال النبي لهم: «أنتم على قومكم كفلاء ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم، وأنا كفيل على ~~قومي.» وكانت بيعتهم الثانية هذه أن قالوا: «بايعنا على السمع والطاعة في عسرنا ~~ويسرنا ومنشطنا ومكرهنا، وأن نقول الحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة ~~لائم.» لم تكن أي البيعتين إذن بيعة حلف على حرب، بل عهد صدق على نشر الحق ~~والدعوة إليه، وإن لامهم اللائمون، أو آذاهم المشركون، شأنهم في ذلك شأن من سبقوهم إلى ~~الإسلام من أهل مكة الذين أصلتهم قريش من ألوان العذاب ما تنهد له العزائم، فلم ~~يلن لهم عود، ولم تهن منهم عزيمة. # وأراد الله ألا تشوب جهاد المسلمين بيثرب شائبة، فهم لم يخرجوا إلى بدر مقاتلين، ~~وإنما خرجوا ليأخذوا عير قريش من أبي سفيان جزاء ما فعلت قريش بهم حين أخرجتهم من ~~ديارهم واستصفت أموالهم، وأراد الله أن يفوتهم أبو سفيان وعيره، وأن تخرج قريش ~~لدفعهم بكل ما لديها من قوة، ولقد كان لهم مندوحة عن قتالها حين لم يبق لهم من وراء ~~هذا القتال مطمع، وفي هذا فكر بعضهم حين رأى المسلمين أقل من قريش عددا وعدة، ~~ولو أنهم عادوا إلى المدينة لما كان عليهم جناح وهم لم يخرجوا إلى قتال كما خرجت قريش ~~ولم يأخذوا للحرب عدتها، أما وقد فاتت الغنيمة فقد وقف الجيشان في بدر أحدهما إزاء ~~الآخر في مثل موقف محمد وأصحابه من قريش حينما كانوا بمكة قبل الهجرة، وقفت الدعوة إلى ~~الدين الجديد تواجه الوثنية وأصنامها وحماة هذه الأصنام، وقف الإيمان بالله وحده لا ~~شريك له في وجه الشرك والأصنام يتخذها عبادها إلى الله زلفى وعباد الأصنام ~~يومئذ أكثر عددا وأعز نفرا، أفيغلب الإيمان الشرك، أم يغلب الشرك الإيمان؟ هذه كانت ~~المسألة يوم بدر، لم ms399 تبق عير ولم يبق مطمع في غنيمة، وإنما يلتقي الإيمان والكفر ~~يقتتلان، يريد الكفر العتيق أن يسحق الإيمان الناشئ بقوة عدده، ويرجو الإيمان الناشئ أن ~~يدفع بغي الكفر بقوة بأسه وسموه بالنفس فوق دنيا الحياة، والعشرون الصابرون من ~~المؤمنين يغلبون مائتين من خصومهم، والمائة المؤمنون يغلبون ألفا، وكذلك تم الغلب ~~للمؤمنين. # ويحاول الشرك من بعد ذلك أن يحطم الإيمان في أحد، وأن يقضي على المسلمين بالحصار ~~في غزوة الخندق؛ والإيمان أثناء ذلك ينتشر وكلمة الله تعلو، ويحاول الشرك أن يصد ~~الإيمان في الحديبية، وأن يحول دون دخول المسلمين مكة، فلا يرضى الرسول أن يقتحم ~~الحرم ويؤثر أن ينتظر عاما فيدخلها المسلمون آمنين، وتبقى مكة حرما للسلام، ~~ويزداد الإيمان قوة ويسير جيشه لفتح مكة، فلا يرضى الرسول أن تهدر حرمتها، ويفتحها ~~الله عليه ولا يراق دم ولا تزهق في حرب نفس، ويعفو الرسول عن خصومه جميعا، فلما ~~استتب للدين الجديد الأمر وآمن الناس جميعا برسالة محمد، لم يغير محمد من حياته ~~ولم يعرف الملك وسلطانه، بل ترك الأمر كما كان في شبه الجزيرة: نرك كل أمير على ~~إمارته، وكل رئيس على رياسته ما آمن بالله وبرسالته على لسان نبيه ورسوله. # أين هذا كله مما يقولون أولئك المستشرقون؟! وهم قوم أوتوا نصيبا من العلم وفي ~~مقدورهم أن يميزوا الخبيث من الطيب والحق من الباطل، فما لهم يدعون إلى موازنة كاذبة ~~خاطئة، كذبها بين وخطؤها صراح؟! إنا لا نحسبهم نقموا من محمد أن يؤمن ~~بالله العزيز الحميد، لكنهم إذ يلتمسون أسرار الكون والحياة يلتمسونها في الأحياء ~~الدنيا وفيما ألف الناس من طبقات الإنسانية، وهم يريدون أن تخضع القوى العليا لسنن ~~هذه الكائنات؛ فهم لذلك يخطئون إن حسنت نيتهم، ويكذبون إن ساءت هذه النية. # أما وهذا مبلغ الخطأ في تلك الموازنة فمن عجب أن تكون بعض كتب السيرة مثارها، فقد ~~ألف قوم أن يجعلوا من مغازي الرسول بعد الهجرة موضع عنايتهم كلها، وأن يظهروه # صلى الله عليه وسلم # مظهر القائد الذي يستنفره الظفر في ms400 القتال إلى ابتغاء ظفر مثله، يريد بذلك أن يخضع ~~الناس لجبروته رهبة له، ولا شيء من ذلك البتة في مغازي الرسول وسراياه، فمن قبل بدر ~~كانت المناوشات مقصودا بها إلى إقناع قريش ليرعووا عن غيهم ويكفوا عن الأذى، ~~وكانت بدر ما رأيت ، ومن بعد بدر وقف المسلمون موقف المدافع عن بيضتهم، وعن عقيدتهم ~~وعن حرية الدعوة إليها، وكلما كانت لهم القوة وتم لهم الغلب جنح الرسول إلى السلم ~~والعفو، وترك للناس أمور الحكم والسلطان في حدود ما أمر الله به وما نهى عنه، جاعلا كل ~~همه إلى بث تعاليمه السامية، وإلى أن يكون للناس الأسوة والمثل. # وإنما دعا بعض كتاب السيرة إلى الإفاضة في المغازي والحديث عنها أن انتشرت جيوش ~~المسلمين وامتد فتحهم بعد الرسول إلى حيث تضاءلت الإمبراطوريتان الفارسية والرومية ~~صاحبتا الحضارة إذ ذاك، وكان سلطانهما قائما على الغزو والفتح للاستعمار لا للحضارة، ~~على نحو ما يحدث في عالمنا الحاضر، وقد أراد هؤلاء الكتاب أن يقرنوا الفتوح ~~الإسلامية إلى عمل الرسول في نشر الدعوة، هذا إلى أن المؤرخين قد ألفوا إلى عهود ليست ~~بالبعيدة ألا يذكروا من جهاد الإنسانية إلا ما أريقت فيه الدماء أثناء الحروب ~~والثورات ابتغاء الحكم والغلب، أما الجهاد السلمي العظيم المتصل، والذي قطعت به ~~الإنسانية ما قطعت من الخطى نحو الكمال، فذلك ما لم يألفه التاريخ ولا المؤرخون، من ~~ثم رأيناهم يقولون: «إن الأمة السعيدة لا تاريخ لها.» فكأنما تاريخ الإنسانية قصة ~~بأسائها وشقوتها، وكأن ما قام به الأنبياء والمرسلون والعلماء وأرباب الفن والمكتشفون ~~والمخترعون، وما مكنوا به من صلة الإنسان بالكون واجتلائه سننه وأسراره، غير جدير بأن ~~يكون فصلا من تاريخ الإنسانية، وهذا هو الخطأ البالغ والضلال المبين، فالحروب ليست إلا ~~نزوات طيش، أو جهادا لمغالبة نزوات الطيش، أو مصرفا لما فضل عن جهاد الإنسانية لا ~~تستطيع هضمه، أما الحق الذي يجب أن نعرفه وأن نعلمه أبناءنا وإخواننا، فذلك أن الجهاد ~~الحق في سبيل الكمال، هو الدأب في ظلال السلم لمعرفة الحق والإيمان به، ms401 والحق هو ما دعا ~~محمد إليه مخاطبا العقل والقلب، دافعا كل وهم يحول دون إدراك العقل والقلب لهذا ~~الحق الذي دعا إليه بأمر ربه بالحجة البالغة والمجادلة بالتي هي أحسن. # مرت هذه الخواطر بنفسي في مثل لمح البصر ونحن بموقفنا ننتظر «البكس »، وكان حسن ~~واقفا إذ ذاك إلى جانب السيارة، فلما سمع ضجة البكس في سيره استوى إلى مقعده ودفع ~~السيارة على هون إلى ناحية باب العنبرية من أبواب المدينة، ما العنبرية هذه؟ لا ~~أدري! ولكن كذلك قالوا، وتبدت أمامنا القبة الخضراء حين استدرنا كرة أخرى وبدت مباني ~~المدينة تنكشف كلها، هذا بناء منها بالغ من الجمال حتى لتحسبه من مباني القاهرة أو بعض ~~المدن الجديدة، وسألت صاحبي عنه فقال: «هذه «الأستاسيون» القديمة.» فهمت إذن السبب في ~~جمال بنائها، فهي المحطة الكبرى لسكة الحجاز الحديدية في بلاد العرب، وقد تعطلت سكة ~~الحجاز الحديدية أثناء الحرب الكبرى وبقيت محطة المدينة أمامها السكة الحديدية تنتظر ~~يوما تعود فيه إليها الحركة والحياة. # والسيارة تتقدم ومنازل المدينة وطرقها تبدو أمام النظر، فأما هذا الخلاء الفسيح ~~أمامنا فتلك المناخة، وأما ما بينها وبين محطة السكة الحديدية فجبال ومساجد وهضاب ~~حاولت أن أعرف شيئا من أمرها، فاعتذر صاحبي عن ذلك بأنها جميعا أثرية يجب أن تزار، ~~ويجب أن نقف عندها، وأن يتحدث لي هو أو يتحدث لي العارفون عنها، قلت: أين أحد إذن ~~وأين سلع؟ قال: هما في الناحية الأخرى من المدينة، وستراهما غدا أو بعد غد، وسترى ~~أثر الخندق وما شئت من آثار خالدة يذكرها المسلمون ويزورونها للتبرك بها، وهذه الهضاب ~~والمساجد القائمة عليها والعيون المجاورة لها ثابتة في بطون الكتب القديمة ثبوتا ~~يجعلها أصدق نبأ عما تحدث عنه مساجد مكة، وأحسبها لذلك ستثير من عنايتك بها أكثر ~~مما أثارت مساجد مكة. # وبلغنا باب العنبرية فاستوقفنا حراسه، وباب العنبرية بالمدينة كباب النصر ~~بالقاهرة، وباب الساهرة بالقدس، وأمثالها من الأبواب التي كانت تحيط بالمدن في عصور ~~خلت، والتي كانت تجعل منها حصونا منيعة تصد المغير عليها ms402 دون اقتحامها؛ وهي ~~لذلك قد بنيت من حجر متين بناء محكما، وقامت فوق جدرها السميكة عقود من الحجر ~~تبعث إلى النفس المهابة وإلى القلب الرهبة، ولما عرف الحراس أمرنا بادلونا أحسن التحيات ~~وأخبرونا أن مضيفنا قد أقام بنفسه ينتظرنا، وأنه طلب إليهم أن يرشدوا السائق إلى داره، ~~وابتسم السائق حسن وذكر أنه يعرف الدار خير معرفة، ومن ذا الذي لا يعرف دار الخريجي ~~بالمدينة، أكبر تاجر وأعظم سري فيها وصهر وزير المالية؟! وانبعث حسن بعد أن تخطى ~~العنبرية في طريق فسيح حتى بلغ بيتا حديث البناء ووقف قبالته وقال: هذه دار الخريجي ~~الجديدة، لكن بناءها لم يتم بعد، واستأنف سيره فمر بميدان أو ما يشبه الميدان، ثم ~~استدار في طريق ضيق أدى به إلى زقاق أشد ضيقا، تنفس عن رحبة ليست بالفسيحة، ولكنها ~~تبدو كذلك بالقياس إلى ما يتفرع عنها من الأزقة؛ هنالك وقفت العربة ووقف البكس ونزلنا، ~~وكأنما شعر أصحاب الدار بوقوفنا فخرجوا إلينا واستقبلونا بأجمل التحية. # عجب أمر السفر في هذه البلاد الإسلامية المقدسة، إن لنا الآن لستا وأربعين ~~ساعة مذ غادرنا مكة لم نذق أثناءها للراحة طعما، بلغنا جدة أمسية الإثنين ولم أنم ~~بها خمس ساعات، وقضينا طيلة يوم الثلاثاء بين جدة وآبار بني حصان، ولم نقض ب «أوتيل ~~آبار بني حصان» سوى ثلاث ساعات كان المبيت بالعراء خيرا منها، وها نحن أولاء نبلغ ~~المدينة والعصر وشيك أن يؤذن أو لعله قد أذن المؤذن به، مع ذلك أراني جم النشاط ~~أود لو أخرج لتوي لزيارة المسجد النبوي والحجرة النبوية فأؤدي بذلك تحية ~~المسلم إلى مقام الرسول الكريم - عليه الصلاة والسلام. # وأفضيت إلى مضيفي برغبتي، قال: بل استرح قليلا وأزل عنك غبار السفر، فإذا ~~تناولنا الطعام خرجنا للزيارة، قلت: ما بي الآن إلى الطعام حاجة وأؤثر أن أتناوله بعد ~~صلاة العشاء، وصعدت مع ابن المضيف الكريم إلى الطابق الأول حيث غرفنا ومتاعنا، ~~هنالك أقمت ريثما اطمأننت إلى دار المقام، وتوضأت وأخذت أهبتي للزيارة، ونزلت ونحن ~~من صلاة المغرب ms403 على نحو نصف الساعة، وقمت مع مضيفي فسرنا في زقاق ضيق استدرنا منه إلى ~~آخر وإلى طريق أكثر سعة ينتهي بعقد من البناء فوقه، وهبطنا درجة واستدرنا إلى اليمين ~~فإذا بنا نستقبل باب السلام من أبواب المسجد. # وسرنا نحو الباب نقطع بضعة الأمتار التي بيننا وبينه، وسرنا في زحمة جمع جاء يؤم ~~المسجد لصلاة المغرب يريد أن يقضي فيه الفرض والسنة ويجلس في الروضة النبوية ليثاب ~~عن صلاته أضعاف ما يثاب عنها في سائر أنحاء المسجد، كذلك عرفت مذ كنت بمكة، وكذلك ذكر ~~أصحابي وأنا بمصر قبل أن أسافر إلى الحجاز، وبذلك تجري روايات كثيرة، أنا إذن على خطوات ~~من الروضة النبوية، ومن الحجرة النبوية، وفي هنيهة سأتخطى باب السلام فأكون في حماها ~~وحرمها. # يا لجلال الموقف! أخذت به قبل أن أبلغه وأن أقف فيه ... وبلغ من شغلي به أن لم ~~أعن بما حولي، بل أطرقت إلى الأرض وغاب عني كل شيء إلا ما أنا مقبل عليه، لقد ~~حاولت وأنا بمكة أن أعرف أين ولد الرسول وأين مقامه فلم أجد لشيء من ذلك أثرا ثابتا، ~~فلما وقفت أمام الغار في قمة حراء حيث نزل عليه الوحي، ولما أويت إلى غار ثور حيث ~~اختفى من قريش عند هجرته، اهتز كل وجودي ورأيت من أمري عجبا، ترى ما عسى أن يكون من ~~أمري ساعة أقف أمام الحجرة، وحين أقف في الروضة أصلي حيث خطب الرسول وحيث صلى ~~بالمسلمين الأولين؟! ها أنا ذا سأرى ولم يبق بيني وبين أن أراه غير لحظة. # الكتاب الخامس # | مدينة الرسول # | في المسجد النبوي # تخطيت باب السلام أتبع مضيفي وفي ذهني من هذا المسجد النبوي صورة خيلها فيه ~~ما اطلعت عليه من كتب الرحلات إلى الحجاز، وما في هذه الكتب من أوصاف وصور ~~شمسية، وتخطيت باب السلام وكلي التوق للوقوف أمام الحجرة النبوية والسلام على صاحبها ~~- عليه أفضل الصلاة والسلام، وكنت أحسب بعد الذي رأيته بمكة والطائف وطريق المدينة من ~~آثار أنني ألفت هذه الآثار، فلم يبق منها ms404 ما أخشى النظر إليه بعين الباحث، لا ~~أستثني من ذلك إلا قبره الكريم حين أقف أمامه؛ لذلك أقمت داخل الباب أنتظر «المزور» ~~الذي أومأ مضيفي إلي بانتظاره، وأكاد أحسب أني لن أرى في طريقي إلى الحجرة النبوية ~~إلا ما أعرف، لكنني ما لبثت حين تقدمت في المسجد خطوات فاشتملني شفقه الرهيب أن ~~نسيت ما كان ماثلا في ذهني من صور المسجد والحجرة مما اطلعت عليه في الكتب أو سمعته من ~~حديث من سبقوني إلى هذا المكان، فما كان من ذلك في نفسي، إنما كان صورة وعاها خيالي، ~~وها أنا ذا الآن أواجه الحقيقة ذاتها، أشهدها بعيني وألمسها بجوارحي، وما عسى أن تغني ~~الصورة عن الحقيقة أو يغني الخيال عن الحس؟! # انجابت الصورة وانجاب الخيال وسرت أتبع مزوري نحو الحجرة، مأخوذا بما حولي، ~~منصرفا مع ذلك عن كل ما حولي، امتدت عن يساري غابة من العمد الضخمة البديعة الصقل، ~~وهبط من نوافذ المسجد الرفيعة في جداره القائم عن يميني ضوء مبهم لم يحجب الأشعة ~~المنبعثة من مصابيح الكهرباء منبسطة على السجاجيد الثمينة التي نسير عليها، مع ذلك لم ~~يشخص بصري إلى العمد ولا ارتفع إلى النوافذ ولا استقر على السجاجيد، بل سرت ~~مندفعا أمامي كاسر الطرف خشوعا ورهبة، ممتلئ القلب من سيرة الرسول الكريم، تتواتر ~~في نفسي دراكا مواقف العظمة والجلال مذ بعثه الله نبيا حتى اختار الرفيق الأعلى، ثم ~~تقف النفس عند هذا المكان الذي أخطو فيه والذي خطا # صلى الله عليه وسلم # فيه سني مقامه بالمدينة، ~~والذي شهد من أمر الله ووحيه إلى نبيه ورسوله، ومن وقوف المسلمين الأولين حافين من ~~حوله، ما جعلني أنسى كل شيء إلا هذه المواقف التي غيرت وجه العالم بعظمتها وجلالها، ~~وبفضل الله ومشيئته، وبإيمان المسلمين الأولين بالله وبرسول الله. # وبلغنا الحجرة النبوية، ووقف مزوري واستوقفني قبالة قبر الرسول الشريف، فلما ~~اطمأننت مكاني إزاء المقصورة الجميلة أشار إلى فتحة فيها هي شباكها، ثم تلا وتلوت ~~من بعده: «السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله ms405 وبركاته، نشهد أن نبي الله ورسوله قد ~~بلغ رسالة ربه وجاهد في سبيله حتى أتم الله النصر لدينه، وأنه وفى بوعده، وأمر ~~ألا نعبد إلا الله وحده لا شريك له.» ثم تحركنا خطوة صغيرة وقفنا بها من المقصورة ~~إزاء قبر الصديق أبي بكر وسلمنا عليه، وتحركنا خطوة صغيرة أخرى وقفنا بها إزاء ~~قبر الفاروق عمر بن الخطاب وسلمنا عليه، ثم تلونا الفاتحة. # أقمت مكاني هنيهة شاخصا إلى هذه الحجرة، مأخوذ الذهن عن التفكير، متجها بقلبي إلى ~~هذا الدليل الذي يتلو أمام ما يقتضي الموقف تلاوته، حذرا أن يفوتني منه شيء، وكأنني ~~في حضرة ملك أؤدي مراسم الإجلال والإكبار، كلا، بل كان الموقف أكبر من حضرة ملك، ~~فقد لقيت ملوكا وتحدثت إليهم، ولقيت بعضهم وما أزال في صدر الشباب، فلم أجد للقياهم ~~مثل هذه المهابة، ولا امتلأت نفسي أمامهم بشيء من هذا الإكبار، ووقفت أمام قبور لملوك ~~وفراعين وأباطرة وعظماء فلم أشعر بشيء من الجلال الروحي الذي أخذ على تفكيري المسالك ~~وأنا في هذا الموقف، وأشهد لقد كنت في حيرة ما أصنع، وإنما أنقذني من هذه الحيرة أن ~~دعاني المزور لأذهب إلى الروضة النبوية فأؤدي بالصلاة فيها تحية الحرم وأصلي فيها ~~وراء الإمام فريضة المغرب، وتقدمني مضيفي عائدا نحو باب السلام، فكان جدار المسجد ~~الذي به محراب القبلة إلى يساري، وكان إلى يميني حاجز يرتفع إلى ما فوق قامة الرجل صنع ~~من أعواد صفر لعلها من النحاس أو من حديد طلي بلون النحاس، واتصل بينها شبك من ~~لونها، وهذا الحاجز يقوم على حدود الرواق الجنوبي الذي نسير فيه فيفصله عن الروضة ~~النبوية، ويمتد على طول الطريق من الحجرة إلى مقربة من باب السلام، على أنا لم نكد ~~نتوسط هذا الطريق حتى دخلنا الروضة من باب في الحاجز لم تعني الفرصة على الوقوف ~~عنده وإنعام النظر في صنعه، فقد ألفيتني وسط جمع زاخر جلس في صفوف متراصة ليس بينها ~~مكان لواقف. # أأتخطى هذه الصفوف لعلي أجد لي فيما وراءها مكانا؟ وهممت أن ms406 أفعل لولا أن أومأ ~~إلي مضيفي فوقفت، وأسر حديثا إلى رجل من خدم المسجد فأرشدني الرجل إلى مكان ~~أقف به في الصف الأول من الروضة إلى جوار منبر لم أشك أنه منبر الرسول، وهم يناولني ~~كتابا في يده، فألفاني أسرعت إلى إقامة الصلاة تحية للحرم وللروضة وسلاما على صاحبها ~~- عليه السلام، فلما فرغت من الصلاة مد إلي يده بالكتاب، وفتحته فإذا هو مصحف مخطوط ~~مذهب جميل، والتفت فرأيت في يد جاري اليمين كتابا صغير الحجم أدركت أنه دلائل ~~الخيرات؛ لأنني عرفت من قبل أن بعضهم يتلوها حينا ويتلو في المصحف حينا آخر كلما جاء ~~إلى الروضة، ومددت البصر إلى اليمين فوقع على مقعد فوقه عدد عظيم من المصاحف والدلائل، ~~وإلى جانبه كراسي من الخشب يستعين بها بعضهم فيجعل عليها المصاحف أو الدلائل أثناء ~~التلاوة فيها، وتستند المصاحف والدلائل الموضوعة فوق المقعد إلى المنبر النبوي الذي ~~تنتهي الروضة بعده، ولم أحاول التحديق في المنبر تحديق الفاحص؛ لأن حالي النفسية في هذه ~~اللحظة لم تكن حال فحص أو تحقيق، بل كانت حال عبادة وتهجد وتوجه خالص إلى الله. # ونادى المؤذن لصلاة المغرب، فانتظم الناس صفوفا في الروضة وفيما أمام الروضة من ~~الرواق الذي به المحراب العثماني وفيما وراء الروضة لا ريب، وصلينا مع الإمام ركعات ~~المغرب ثم صلى السنة من شاء، وأقمت بعد ذلك وبي إلى أن أطيل المقام بالروضة هوى ~~ألح بي أن أبقى إلى صلاة العشاء لعلي أجد في هذه الفترة فرصة التأمل فيما حولي ~~وتدبره، لكن مضيفي أقبل نحوي ودعاني، فتبعته خلال الروضة نحو باب السلام، على أنه ~~انفتل قبيله متجها إلى داخل المسجد مجاورا الجدار الغربي، فلم تخامرني الريبة في ~~حرصه على المرور بي في أنحاء المسجد كله لأحيط به في نظرة إحاطة عامة، ووقف عند مكان من ~~الجدار كأنه الباب عليه إطار وكتابة، وقال: «هذه خوخة أبي بكر.» وذكر معي ونحن نتلو ~~الكتابة ونعجب بخطها الجميل ما كان لدور الصحابة على عهد النبي من أبواب تفتح على ms407 ~~المسجد حتى أمر رسول الله بسدها وقال: «لا يبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي ~~بكر.» فسدت وبقيت هذه الخوخة التي وقف مضيفي أمامها وقرأ معي هذا الحديث الذي كتب ~~على بابها، على أنه لم يلبث أن قال: «إن هذه الخوخة لا تقع حيث كانت خوخة أبي بكر ~~على عهد الرسول - عليه السلام - فقد وسع المسجد مرات بعد ذلك، ورد هذا الجدار ~~الغربي إلى حيث هو الآن بعد أن كان هناك عند ذلك العمود الذي يحدد مسجد النبي.» وبعد أن ~~أشار إلى عمود عليه إطار مذكور فيه أنه حد المسجد النبوي أضاف: «والخوخة الآن ~~تقابل موضعها الأول تماما.» # وعدنا نسير بعد الخوخة حتى بلغنا باب الرحمة الواقع في الجدار الغربي كباب السلام، ~~فلما رأيت مضيفي اتجه إليه لنغادر المسجد رميت ببصري لعلي أحيط بالمسجد في نظرة، فإذا ~~الناس حولي في زحمة الخروج يدفعونني نحو الباب ولا يجعلون لي إلى الإحاطة بالمسجد ~~سبيلا ولا من الخروج بدا. # أكثرت من التردد من بعد ذلك على المسجد وأحطت بكثير مما فيه خبرا، ولقد أعانني ~~على ذلك أنني اتصلت منذ نزلت المدينة بالأستاذ عبد القدوس الأنصاري صاحب كتاب «آثار ~~المدينة المنورة»، وأستاذ الأدب العربي بمدرسة العلوم الشرعية، كما اتصلت بكثيرين كان ~~لهم في إرشادي ومعاونتي فضل أذكره لهم وأشكره أجمل الشكر. # أول ما يلفت النظر في المسجد موقع الحجرة النبوية، فهي لا تتوسطه كما تتوسط الكعبة ~~الحرم المكي، بل تقع في ركنه الجنوبي الشرقي على مقربة من باب جبريل، ولم تكن الكعبة ~~تتوسط الحرم المكي إلى عهد الوليد بن عبد الملك الذي أصر على أن تكون في وسطه، ولو ~~أنفق في ذلك ما في خزائن بيت مال المسلمين، ولعله قد حرص على ذلك في شأن الكعبة ولم ~~يحرص هو ولا حرص غيره عليه في أمر الحجرة النبوية؛ لأن الكعبة قبلة المسلمين من نواحيها ~~جميعا، إليها يولون وجوههم حيثما كانوا، فمن الحق أن تتساوى جوانب المسجد الذي بني ~~حولها، أما الحجرة النبوية فلم تدخل المسجد ms408 إلا سنة ثمان وثمانين من الهجرة، وكان ~~للاعتبارات السياسية دخل في ضمها إليه، وتقوم دور أثرية على مقربة من الحجرة ~~النبوية، كدار عثمان، ودار أبي أيوب، وديار آل عمر، رئي لاعتبارات سياسية كذلك ألا ~~تضم إلى المسجد، ويقع باب جبريل في الجدار الشرقي للمسجد في موضع ينحدر إلى الشمال ~~بعض الشيء عن مكان الحجرة، ومكانه متوسط بين باب السلام وباب الرحمة في الجدار ~~الغربي. # ويقع بعد باب جبريل باب النساء في الجدار نفسه، وتقع فيما بينهما دكة الأغوات، ~~وباب النساء في هذا الجدار يقابل باب الرحمة في الجدار الغربي، وعلى الخط الموصل إلى ~~هذين البابين أو وراءه قليلا يقع حد المسجد كما أقام النبي بناءه الثاني، وفيما وراء ~~ذلك يمتد المسجد في مستطيل غير متوازي الأضلاع تزيد مساحته على ضعف مساحة مسجد النبي ~~ويتناول زيادة عمر وزيادة عثمان وزيادة الوليد وزيادة المهدي، وهذا المستطيل مكشوف لا ~~سقف له، ويسمى الحصوة، وكان به فيما مضى بعض أشجار من نخيل يطلقون عليها اسم بستان ~~السيدة فاطمة، وبه الآن ساعة زوالية دقيقة الصنع، وتقوم حول هذا المستطيل المكشوف ~~عمد ضخمة فوقها قباب من طراز عمد المسجد وقبابه تحيط بها سائر جدران المسجد، وهذا ~~الإطار الذي يحيط بالحصوة تشمل ناحيته الشرقية زيادة الوليد وزيادة المهدي، وتتناول ~~الناحية الغربية فضلا عن ذلك زيادة عمر وزيادة عثمان، وعمر وعثمان هما اللذان زادا ~~الرواق الممتد من الحجرة إلى باب السلام فيما أمام الروضة. # والزخرف في عمارة المسجد لا يقاس إليه شيء مما في الحرم المكي، وقلما يضاهيه ~~زخرف في غيره من مساجد العالم الإسلامي، سواء في ذلك زخرف العمارة وزخرف المحاريب، ~~وزخرف السجاجيد وزخرف الثريات، وما اجتمع بالروضة النبوية من هذا الزخرف ينسي ما ~~سواه في سائر أنحاء المسجد، ولا عجب، فقد تبارى الملوك والسلاطين والأمراء، فجلبوا ~~إليها من ذلك ما يستهوي اللب وما يزيد الناظر إليها إكبارا وإجلالا، يقول برخارت ~~في وصفها حين رآها في سنة 1815 ما ترجمته: # 1 ~~«يجري حاجز من خشب يبلغ ارتفاعه ms409 ثماني أقدام نقش نقشا عربيا بديعا ~~مبتدئا من أعواد الحجرة الغربية موازيا الجدار الجنوبي على نحو خمس وعشرين قدما منه، ~~حتى يبلغ أدنى باب السلام، ويمتد بذلك من الحجرة إلى عرض المسجد كله تقريبا، وفي هذا ~~الحاجز أبواب عدة، وهو قد أقيم ليفصل بين الروضة والرواق الذي يمر منه الزائرون حين ~~دخولهم من باب السلام متخطين إلى الحجرة خلال العمد القائمة بين هذا الحاجز والجدار ~~الجنوبي، وهذا الجانب الذي تقوم فيه العمد الجنوبية مما يقع شمال الحاجز يعتبر أقدس ~~مكان في المسجد بعد الحجرة ويسمى الروضة، وهو اسم خلعه عليه محمد لقوله: «بين قبري ~~ومنبري روضة من رياض الجنة.» ويقع منبر المسجد على مقربة من هذا الحاجز في الوسط ما بين ~~الحجرة والجدار الغربي، واسم الروضة مقصور على المكان الذي بين المنبر والحجرة، وإن غلب ~~اعتبار المكان الذي تقوم به العمد الجنوبية جزءا منها، ولقد نقشت عمد الروضة ~~بالأزهار إلى ارتفاع خمس أقدام أو ست ليعاون هذا النقش الخيال، فلا يعجز عن إدراك ~~الشبه بين هذا المكان ورياض جنة عدن، ويقوم على جانبي المنبر محرابان هما كالمنبر آية ~~في دقة صناعة التطعيم وبراعة جمالها، وقد أهدى قايتباي أحد المحرابين من مصر إلى ~~المسجد، وبعث السلطان سليمان بن سليم بالآخر من الآستانة. # وأرض الروضة مفروشة بعدد من السجاجيد الثمينة من صنع الآستانة، وهي كمثيلاتها بمكة ~~أثمن ما رأيت بالمسجد، وقد تبلغ قيمتها جميعا نحو ألف من الجنيهات، ومدخل الروضة من ~~ناحية باب السلام رائع المظهر، فالألوان المختلفة المنبعثة من كل ناحية، والعمد البراقة ~~الصقل كأنها البلور، والسجاجيد البديعة، والرصف الثمين، والكتابة الذهبية المنقوشة ~~على الحائط الجنوبي، وتلماع أعواد الحجرة فيما وراء ذلك، هذا كله يبهر النظر لأول ~~وهلة، لكنه ما يلبث بعد هنيهة أن يبدو على حقيقته ظاهرا من الزخرف البراق ليس فيه ~~شيء من النفائس الصحيحة.» # ويضيف الحاج عبد الله برخارت: «فإذا ذكرنا أن هذا المكان من أقدس أماكن العالم ~~الإسلامي كله، وأنه اشتهر بروعته وفخامته ونفاسة حليته، وأنه زخرف ms410 بكل ما اجتمع من ~~هدايا الغلاة في هذا الدين، ازددنا دهشة وعجبا أن يكون ذلك كل مظهره، فهو لا يقاس ~~إلى مثوى بقية من رفات قديس، وإن هان شأنه، في أية كنيسة من كنائس أوروبا ~~الكاثوليكية، وهو بهذا ينهض دليلا مقنعا على أن المسلمين لم يساووا المسيحيين ~~الغلاة في هباتهم الدينية في أي عهد من العهود، ودع عنك أحوالا كثيرة أخرى تؤيد ~~الاعتقاد أنه مهما يكن من تعصب المسلمين وأوهامهم، فإنهم لم يبدوا قط ميلا للبذل ~~والتضحية المالية من أجل منشآتهم الدينية، كما يضحي الكاثوليك، بل كما يضحي المسيحيون ~~البروتستنتيون من أجل منشآتهم.» # سقنا هذه الملاحظة الأخيرة للسويسري المسلم المدفون بالقاهرة لموازنتها بما كتب غيره ~~ممن ولدوا مسلمين، من هؤلاء صاحب الرحلة الحجازية محمد بك لبيب البتانوني الذي رأى ~~الحجاز عام 1907 في صحبة خديو مصر عباس حلمي الثاني، وهو قد تحدث عن الروضة حين حديثه ~~عن المسجد النبوي، فأشار إلى موضعها من المسجد وإلى أن داربزينا من النحاس الأصفر ~~يبلغ ارتفاعه نحو متر يفصل بينها وبين زيادتي عمر وعثمان اللتين في جنوبها، ثم قال: ~~«والروضة على الدوام غاصة بالناس لشرف مكانتها، وفيما يلي هذا الدرابزين ربعات قرآنية ~~كثيرة، وعدد كبير من المصاحف المختلفة الحجم، منها ما هو بحرف الطبع، ومنها ما هو بخط ~~اليد الجميل، وإلى جانبها نسخ كثيرة من دلائل الخيرات، وكل ذلك موقوف عليها للقارئين ~~من الزوار، وفي غرب الروضة الشريفة قبلته # صلى الله عليه وسلم ~~، وهي آية من آيات الله في كمال ~~بهجتها، وجمال صنعها، وهي على استقامة المقصورة الشريفة من جهة القبلة، وضعها - عليه ~~الصلاة والسلام - يوم الثلاثاء الموافق نصف شعبان من السنة الثانية للهجرة عندما أمره ~~الله - تعالى - بالصلاة إلى الكعبة المكرمة، وإلى غرب القبلة المنبر الشريف، وهو من ~~الرخام المنقوش بالليقة الذهبية الفاخرة وعلى غاية في الجمال ودقة الصناعة، أرسل هدية ~~من السلطان مراد الثالث العثماني إلى الحرم سنة ثمان وتسعين وتسعمائة للهجرة، فوضع في ~~مكان المنبر الذي كان به منبر قايتباي، وهو ms411 في نفس المكان الذي كان به منبر رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~.» # ويذكر إبراهيم رفعت باشا في كتابه «مرآة الحرمين» ما في الروضة من الأعمدة الجميلة ~~المفرغة ويذكر «نجفة» كبيرة، ويخص بالذكر نجفتين على أطرافهما تنانير يوقد منها ~~الشمع أهداها إلى المسجد النبوي عباس باشا الأول، والكبيرة منها معلقة في السقف القبلي ~~مما يلي الروضة، كما يذكر أن عباسا هذا أهدى إلى المسجد أربع شجرات على أعمدة من ~~البلور مفرعات بأغصان مائلة عليها تنانير صافية وضعت بالروضة المطهرة وما يليها من ~~الغرب في صف واحد من الأساطين. # ويصف عبد القدوس الأنصاري اثنتين من هذه الشجيرات الأربع فيقول: «وبجانبي المحراب ~~نخلتان صفر، مثبتتان في الأرض، ولكل جذر وجذع وساق وغصون، وهما مثمرتان وذواتا ~~أكمام، ولكن ثمرتهما قطع البلور الصافي، وأكمامهما المصابيح الزجاجية الملونة.» أما ~~وصف الروضة وما فيها فلم يتناوله صاحب «آثار المدينة المنورة» في اتساق كما فعل ~~السويسري برخارت، بل تحدث عن بعض ما فيها فذكر المحراب النبوي وأنه في شرقي المنبر: ~~«تزينه الآيات المرقومة بماء الذهب، وقطع ملونة من الرخام، وناهيك بجمال العمودين ~~بجوانبه، فهما من الرخام الأحمر ذي اللون الإثمدي، وفي الجانب الغربي من المحراب ~~مكتوب: «هذا مصلى رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~.» وشكل بناية هذا المحراب ينبئ على أنه قرين ~~المحراب السليماني في تاريخ العمارة، والمحراب السليماني يقع في غربي المنبر، وبظهره ~~كتابة تنبئ أنه بني سنة 938ه، وأن بانيه السلطان سليمان، أما المنبر فيقع بين ~~المحرابين، وبه اثنتا عشرة درجة، ثلاث بخارجه وتسع بالداخل، مصنوع من المرمر، وظاهره ~~مغمور بالتذهيب وبالنقوش الفائقة، وفوقه قبة لطيفة قائمة على أربعة أعمدة من المرمر، ~~وفوق بابه شرفات آية في الإبداع، وإن لماء الذهب لبريقا حتى لكأن الصانع فرغ من صنعه ~~بالأمس، وتاريخ عمارته وإرساله من قبل السلطان مراد هو سنة 998ه، كما تنطق به الأبيات ~~المنقوشة على بابه، وأمام المنبر مقصورة المبلغين وتسمى المكبرية، وبينها وبينه ~~إلى الشمال نحو خمسة أمتار ومنها يقيم المبلغون الصلوات، وهي عبارة ms412 عن مربع رخامي ~~قائم على ثمانية أعمدة رشيقة، ستة منها محلاة بصبغ أحمر عقيقي اللون، واثنان ~~أبيضان.» # سقت هذه الأوصاف لما في الروضة اكتفاء بها عن الوقوف أمام كل أثاث فيها أو زخرف، ~~فهذا الوقوف يقتضي من أراد الإحاطة بجمال الفت في دقة تفاصيله ساعات طويلة وعلما ~~مستفيضا بفنون شتى، ما لم يكن ممن يكفيهم إبداء الإعجاب بهذا الجمال والبهر لمرآه، ثم ~~إني على كثرة ترددي على المسجد والروضة لم أكن حريصا على دراسة التفاصيل في عمارته ~~وزخرفه حرصي على دراسة ما تبعثه الروضة، وما يبعثه المسجد كله إلى النفس الإسلامية في ~~عهدنا الحاضر من أثر في خشوعها وتعبدها، فهذا الرجل الجالس إلى جوار المحراب النبوي ~~ملصقا نفسه به حتى يكاد يصبح جزءا منه مخافة أن يزحزح عن مكانه، مؤمنا أنه يدنو بذلك ~~من رياض جنة الخلد، وهذا الآخر الذي ينفح خادم الحجرة بما ينفحه ليختصه بمكان إلى ~~جوار منبر الرسول يجلس فيه كلما جاء إلى الروضة، وهذه الصفوف الأولى من الجالسين الذين ~~يبدو عليهم أثر النعمة والوجاهة بالقياس إلى الجالسين في الصفوف التي وراءهم، هذه ~~المظاهر وأمثالها هي التي عنيت بملاحظتها ودرسها في هذا الجانب الأقدس من مسجد النبي ~~العربي الذي نادى في الناس بكلمات من ربه: # إن أكرمكم ~~عند الله أتقاكم ~~، # فأينما تولوا ~~فثم وجه الله ~~. وما لي وتفاصيل المنبر والمحاريب والنجف والسجاجيد ~~وما طعمت به، ومم صنعت، وأين نسجت، وهي كلها في نفاسة صنعها ترجمان حالات نفسية ~~في الروح الإسلامي خلال تطوره على العصور؟! وما تحاط به اليوم من تقديس، وما تبعثه إلى ~~النفس من أثر في خشوعها وتهجدها، إنما هو صورة النفس الإسلامية في طورها الديني الحاضر، ~~وهذا عندي أجدر بالدرس والعناية من الآثار الفنية لذاتها. # ومما لا ريب فيه أن الأكثرين ممن يجيئون إلى الروضة ويختارون أماكنهم منها يحسبون ~~أنها كانت على الصورة التي يشهدونها منذ برأ الله الأرض ومن عليها، أو أنها كانت كذلك ~~على الأقل من عهد النبي - عليه الصلاة والسلام، وقل منهم ms413 من يفكر في الأدوار التي مرت ~~بها من حيث العمارة والزخرف، ولا ريب كذلك في أن لعمارة الروضة ولزخرفها في نفوس هؤلاء ~~الأكثرين أثرا تعبديا يتغير إذا تغيرت هذه العمارة وهذا الزخرف، كتغيره حين ~~انتقالهم من الروضة إلى المكان المحيط بصحن المسجد مع شدة الشبه بين ما في هذا المكان ~~وما في الروضة من عمد وما فوق هذه العمد من قباب، ولو أن النفس الإسلامية كانت اليوم ~~كما كانت في عهد الرسول وخلفائه الأولين صفاء وطهارة وقوة لما تأثرت في خشوعها ~~وتهجدها وتوجهها إلى الله بمكان، وإن بلغت الذكريات التي يثيرها هذا المكان فيها غاية ~~الطهر والسمو، ولكان الاجتماع بمسجد الرسول أدنى أن يبعث فيها من معاني المحبة والقوة ~~والجهاد أسوة بصاحب هذا المكان وأصحابه الأولين ما يزيدها على الحياة قوة، وما يجنبها ~~أن تعبد إلا الله وحده لا شريك له. # يحسب الأكثرون أن الروضة كانت دائما كما يشهدونها اليوم، أو أنها كانت كذلك منذ عهد ~~النبي - عليه الصلاة والسلام، والحق أنها لم تكن إلا في عصور متأخرة، وأن هذا المسجد ~~النبوي قد مر به من الأدوار التي تمثل التفكير الإسلامي في تطوره أكثر مما مر بالحرم ~~المكي، بل لقد كان هذا المسجد خاضعا للتطور السياسي والديني أكثر من الحرم منذ صدر ~~الإسلام وفي عهد الخلفاء الأولين. # فقد كان المكان الذي يقوم المسجد فيه مربدا لغلامين يتيمين في المدينة هما سهل ~~وسهيل ابنا عمرو يوم جاء النبي مهاجرا إليها، والمشهور أنه # صلى الله عليه وسلم # انتهى من هجرته ~~إلى قباء على فرسخين من المدينة فأقام بها ومعه أبو بكر أربعة أيام، وفي هذه الأيام ~~الأربعة أسس مسجدها، وكان آخر الأيام الأربعة يوم جمعة، وفيه سار ومعه أبو بكر وعلي ~~بن أبي طالب حتى دخل المدينة وأهلها في انتظاره يتحرقون شوقا لمشاهدته، وهناك في ~~المسجد الذي ببطن وادي رانوناء أقبل عليه مسلمو يثرب وكلهم الإيمان والمحبة الصادقة، ~~وصلى الجمعة معهم، واعتذر لمن عرض عليه منهم أن يقيم عندهم في العدد والعدة ms414 ~~والمنعة، وامتطى ناقته القصواء وألقى لها خطامها وتركها تسير وأهل المدينة من ~~حولها في حفل حافل، فلما كانت عند مربد سهل وسهيل ابني عمرو بركت، فقال رسول الله: ~~«هذا إن شاء الله المنزل.» ودعا: «اللهم أنزلنا منزلا مباركا وأنت ~~خير المنزلين»، وسأل عن المربد فأجابه معاذ بن عفراء أنه ليتيمين في ~~رعايته، وأنه سيرضيهما، ورجاه أن يتخذه مسجدا، وقبل محمد على أن يدفع ثمنه، وأقام ~~أثناء بناء المسجد في دار أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري، وشارك أصحابه في بناء المسجد ~~وعمل فيه بيديه، وبني المسجد يومئذ فناء فسيحا، جدرانه الأربعة من الآجر ~~والتراب، وسقف جزء منه بالجريد، وترك الجزء الآخر مكشوفا، وخصصت إحدى نواحيه ~~لإيواء الفقراء الذين لا يملكون مسكنا. # وقد أورد السمهودي في كتابه «وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى» روايات لا تختلف عن هذه ~~ولكنها تزيدها وضوحا وتفصيلا، فقد أحاط المسلمون بالناقة في مسيرها حتى وقفت أمام ~~المربد، وكان يومئذ يصلي فيه جماعة من المسلمين، وكان أبو أمامة سعد بن زرارة ذا آصرة ~~قربى باليتيمين وكانا في حجره، وكان قد اتخذ بعض هذا المربد واتخذ أرضا له ~~متصلة به مسجدا واتخذ عليه عريشا، وقد أقام النبي اثني عشر يوما بعد وصوله إلى ~~المدينة وإقامته بدار أبي أيوب يصلي فيه، ثم إنه سأل سعدا أن يبيعه أرضا تجاور ذلك ~~المسجد مملوكة لليتيمين سهل وسهيل ليزيد فيه حتى يتسع للمسلمين حين صلاتهم، وكان هذا ~~المربد للتمر يجفف فيه، وكان به نخل وغرقد وقبور للجاهلية، فأمر الرسول بالنخل ~~والغرقد فقطعت، وبالقبور فنبشت، وبعظامها فغيبت، وكان به ماء فسيره فذهب، فلما ~~تم ذلك بدأ بناءه كأبسط ما يكون البناء باللبن، وسقفه بالجريد، وجعل عمده من خشب ~~النخل. # وذكروا أن محمدا لما قدم المدينة قال: «ابنوا لي عريشا كعريش موسى ثمامات وخشبات، ~~وظلة كظلة موسى، والأمر أعجل من ذلك.» قيل: وما ظلة موسى؟ قال: «كان إذا قام أصاب رأسه ~~السقف.» # وبدءوا يبنون المسجد والرسول يبني معهم ينقل اللبن والبناءون يبنون، لقيه رجل ~~وهو ms415 يحمل لبنة فأراد أن يخفف عنه بأن يحملها وقال: أعطينيها، فأجابه: «اذهب فخذ ~~غيرها فلست بأفقر إلى الله مني.» وجاء رجل من حضرموت يحسن عجن الطين فنحى رسول ~~الله غيره عن هذا العمل وقال للرجل: «الزم أنت هذا الشغل فإني أراك تحسنه، ورحم الله ~~امرأ أحسن صنعته .» ولما رأى كبار الصحابة إقبال رسول الله على العمل أقبلوا عليه جميعا ~~ولم يكن لأغنيائهم قبل ذلك بهذا عهد، وكان علي بن أبي طالب يعمل ويرتجز: # لا يستوي من يعمر المساجدا # يدأب فيها قائما وقاعدا # ومن يرى عن الغبار حائدا # وكان عثمان بن عفان على واسع ثروته وعظيم جاهه، وعلى أنه كان رجلا نظيفا متنظفا، ~~يحمل اللبنة فيجافي بها عن ثوبه، فإذا وضعها نفض كمه وما يكون قد أصاب ثوبه من ~~التراب، وكان سائر المسلمين يعملون ويرتجزون: # لئن قعدنا والنبي يعمل # ذاك إذن للعمل المضلل # وسرعان ما تم بناء المسجد، فقد كان بسيطا، جدره من اللبن، وسقفه من الجريد، ~~وعمده من خشب النخل، وقيل: إنهم صنعوا من النخل قبلة له إلى ناحية المسجد الأقصى، ~~وبقيت كذلك حتى عدل بها إلى ناحية الكعبة. # وكان هذا المسجد الأول كافيا على بساطته للغاية التي قصد إليها من بنائه، فقد كان ~~الإسلام كما دعا إليه الرسول دين قوة على الحياة وزهد فيها مع السعي للرزق وجني ~~ثمراته؛ لكيلا ينسى الإنسان نصيبه من الدنيا، وكان المسلمون يومئذ يدركون هذه المعاني ~~إدراكا دقيقا أن كان لهم في رسول الله أسوة حسنة، وأين يكون الزهد في الحياة الدنيا ~~وزخرفها إذا لم يكن في مساجد الله ودور عبادته؟! وكيف يقتل المرء غرور النفس إذا ~~لم يشعر ساعة وقوفه مصليا بين يدي ربه أنه يتصل بخلق الله لا حائل بينه وبينه، تشرق ~~الشمس ويصفو الهواء، فينعم من هذا ومن ذاك بفضل الله، ويقصف الرعد ويهتن المطر، فيحتمل ~~هذا وذاك ساعة عبادته صابرا شاكرا؛ لهذا لم يكن في مسجد النبي شيء من الزخرف، ولم يكن ~~فيه وقاية من قسوة الجو وانهيار السيل، وكثيرا ms416 ما هتنت السماء والنبي يصلي في ~~المسجد والمسلمون من ورائه، فلم يصدهم هتنها ولا صدهم ما بالمسجد من طين عن ~~صلاتهم؛ بل لقد رئي # صلى الله عليه وسلم # وبه من طين المسجد أثر كان يسرع بعد الصلاة إلى إزالته ~~وتنظيفه. # وبقي المسجد على هذه الحال وجدرانه من اللبن وسقفه من الجريد، وأكثره غير مسقوف، ~~وعمده من جذوع النخل ست سنوات تباعا، لم يغير منه ما كان من انتشار الإسلام ولا غير ~~منه ازدياد الرخاء بالمدينة وما أفاء الله على أهلها من بسطة الرزق، فلما غزا المسلمون ~~خيبر في السنة السابعة للهجرة وفتحها الله عليهم كانت المدينة قد أصبحت خالصة للمسلمين ~~وكان أهلها قد ازداد عددهم بمن سكنها ممن هداهم الله للإسلام، فلم يكن من توسيع رقعة ~~المسجد بد، عند ذلك زاد النبي في مساحته مائة متر مربع، فقد كان إلى يومئذ خمسا ~~وثلاثين مترا في ثلاثين، فجعله النبي مربعا، وفي رواية أنه جعله خمسين مترا في ~~خمسين، لكنه لم يفعل أكثر من ذلك، ولم يغير من عمارته باللبن والجريد وجذوع النخل ~~شيئا. # وهذا المنبر الذي صار من بعد آية في الفن وإتقانه على ما رأيت، والذي يسمى منبر ~~رسول الله لم يفكر النبي حين وسع المسجد في تغييره ولا في زخرفته، وما حاجته # صلى الله عليه وسلم # إلى هذا الزخرف المادي وكل دعوته إلى كمال الروح وسموها ودأبها للقربى من بارئها؟! وهو ~~لم يتخذ لنفسه منبرا أول الأمر، وما كان ليتخذه لولا أنه شعر بالحاجة إليه، فقد كان ~~يخطب الناس إلى جذع في المسجد حتى شعر بأن القيام قد شق عليه، فلما عرف أصحابه ذلك ~~منه قال تميم الداري: أنا أعمل لك منبرا كما رأيت يصنع بالشام، وقال العباس بن عبد ~~المطلب: إن لي غلاما يقال له: كلاب أعمل الناس، قال النبي: مره يعمل، فأرسله ~~العباس إلى أثلة بالغابة فقطعها ثم عملها درجتين ومجلسا. # وقد جعل النبي للمسجد حين بناه ثلاثة أبواب؛ باب بالجهة الغربية دعي باب عاتكة - وهو ~~باب ms417 الرحمة الآن، وباب بالجهة الشرقية دعي باب آل عثمان - وهو باب جبريل الآن، وباب ~~بالجهة الجنوبية بقي سبعة عشر شهرا حين كانت قبلة المسجد في جداره الشمالي لتواجه ~~المسجد الأقصى؛ فلما تحولت القبلة إلى الكعبة سد الباب الجنوبي ووضعت القبلة مكانه، ~~وفتح في الجدار الشمالي باب مكان القبلة الأولى. # وبقي بناء المسجد على ذلك حتى اختار النبي الرفيق الأعلى، ولم يحدث في خلافة أبي ~~بكر إلا ما روي من أن سواري المسجد نخرت فبناها، فلما كان عهد عمر بن الخطاب ~~واطردت الزيادة في عدد المسلمين لم يكن من توسيع المسجد كرة أخرى بد، ولقد كان ~~الشعور بضرورة الزيادة واضحا منذ دانت للإسلام بلاد العرب كلها في عهد الرسول، حتى ~~لكان يقول: «ينبغي أن نزيد في المسجد.» ولقد اعتمد عمر إلى هذا الحديث حين استقر عزمه ~~على الزيادة فكان يقول: لولا أني سمعت رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يقول: «ينبغي أن نزيد في ~~مسجدنا.» ما زدت. # ودعا عمر كل من كان له إلى جوار المسجد دار فقال لهم: اختاروا مني بين ثلاث خصال: ~~إما البيع فأثمن، وإما الهدية فأشكر، وإما الصدقة على مسجد رسول الله، فأجاب ~~الناس، وكان للعباس بن عبد المطلب دار عن يمين المسجد، فلما خيره عمر بين هذه الخصال ~~الثلاث رفض أن يجيبه إلى شيء منها، قال عمر: إذن أهدمها، قال العباس: ما لك ذلك، ~~فاحتكما إلى أبي بن كعب وانطلقا إليه فقصا عليه القصة، فقال لهما: إن شئتما ~~حدثتكما بحديث عن رسول الله، وذكر أنه سمعه # صلى الله عليه وسلم # يقول: «إن الله أوحى إلى داود ~~أن ابن لي بيتا أذكر فيه، فخط داود خطة بيت المقدس، فإذا تربيعها ببيت رجل ~~من بني إسرائيل، فسأله داود أن يبيعه إياها فأبى، فحدثت داود نفسه أن يأخذها، فأوحى ~~الله إليه أن يا داود أمرتك أن تبني لي بيتا أذكر فيه فأردت أن تدخل في بيتي ~~الغصب وليس من شأني الغصب، إن عقوبتك ألا تبنيه، قال: يا رب فمن ms418 ولدي؟ قال: فمن ~~ولدك، وبناه سليمان بن داود.» فلما سمع عمر حديث أبي أخذ بمجامعه وسار به حتى دخل ~~المسجد فوقفه على حلقة من أصحاب رسول الله فناشد أبي الحاضرين أن يذكر منهم من سمع ~~هذا الحديث، فشهد بعضهم أنه سمعه، فأرسل عمر أبيا؛ فالتفت إليه وقال : يا عمر! ~~أتتهمني على حديث رسول الله؟ قال عمر: والله يا أبا المنذر ما اتهمتك، ولكني أردت ~~أن يكون الحديث عن رسول الله ظاهرا، وقال للعباس: اذهب فلا أعرض لك في دارك، قال ~~العباس: أما إذ قلت فإني قد تصدقت بها على المسلمين أوسع عليهم في مسجدهم، فأما ~~وأنت تخاصمني فلا، وبنى له عمر دارا بدلها من بيت مال المسلمين. # بدأ عمر توسيع المسجد في السنة السابعة عشرة للهجرة، فزاد فيه خمسة أمتار من الناحية ~~الجنوبية ونقل القبلة إليها، وزاد نحو ذلك من الناحية الغربية، وزاد خمسة عشر مترا من ~~الناحية الشمالية، ولم يزد شيئا من الناحية الشرقية، إذ كانت بها بيوت أمهات المؤمنين، ~~وكن ما يزلن يقمن فيها، وفي بيت عائشة منها كان قبرا النبي وأبي بكر، وقد ~~دخلت دار أبي بكر في هذه الزيادة لوقوعها في ناحية المسجد الغربية، ويقال: إن هذه الدار ~~خرجت من ملك أبي بكر في حياته حين احتاج إلى شيء يعطيه بعض من وفد عليه فباعها حفصة ~~بنت عمر أم المؤمنين بأربعة آلاف درهم، وإن جزءا منها أدخل في زيادة المسجد أيام عمر، ~~وأدخل جزء منها في زيادة عثمان. # لم يحدث عمر حين أنشأ هذه الزيادة في عمارة المسجد أكثر من أنه زاد في رقعته وزاد ~~في عدد أبوابه، فقد بنى الجدر كما بناها رسول الله من قبله، جعل الأساس من الحجارة، ~~وما فوقه من اللبن، والعمد من الخشب، والسقف من الجريد، وجعل للمسجد ستة أبواب: ~~اثنين منها في الجهة الغربية يحاذيان باب الرحمة وباب السلام الحاليين، واثنين في الجهة ~~الشرقية يحاذيان باب جبريل وباب النساء، وبابين في الجهة الشمالية غيرا من بعد في ~~الزيادات التي حدثت. ms419 # لم يكن بناء عمر المسجد على هذا النحو حرصا منه على احتذاء سنة الرسول في العمارة ~~وكفى؛ بل كان كذلك لأن الفكرة في فن العمارة عند هؤلاء العرب الصميمين كانت مستمدة ~~من الحاجة أكثر مما كانت مستمدة من المتانة أو الزخرف، وحاجة هؤلاء المسلمين الأولين ~~كانت إلى سعة المسجد كي يجمعهم للصلاة، فلم يكن يدور بخلد عمر أمر وراء ذلك. # هذا، ثم إن الصلاة عندهم كانت توجها خالصا إلى الله يطهر الإنسان له ~~بالوضوء ويأخذ زينته عند كل مسجد، من غير أن يجعل منه وسيلة تأنق أو سبيلا إلى فخر أو ~~كبرياء؛ لذلك لم يكن الزخرف معروفا في العمارة العربية قبل الإسلام ولا في الصدر الأول ~~منه، كان بناء الكعبة قبل عهد النبي وقبل بعثه أبسط صورة للبناء، وكان مسجد النبي ~~بالمدينة كما كانت مساكنه ومساكن المسلمين جامعة إلى النظافة التقشف، وإلى الطهر ~~الرغبة عن الحياة الدنيا وباطل غرورها، فإذا كان الفتح الإسلامي قد امتد في عهد عمر ~~وكانت غنائم المسلمين قد ملأت بيت المال بما سهل معه بناء بيت للعبادة له من الفخامة ما ~~لكنائس الشام في ذلك العهد، فما كان الذهن العربي ليتجه يوم ذاك إلى هذه الناحية، ولا ~~كان عمر ليبني المسجد إلا في هذه الصورة البسيطة البالغة في تقشفها والتي جعلها الرسول ~~رمز المودة الجامع للمسلمين في تحابهم بنور الله بينهم حين قيامهم وركوعهم ~~وسجودهم في حضرة ذي الجلال والإكرام. # على أن تطورا حدث يومئذ لا ينبغي أن نغفله، ذلك أن عمر اتخذ مكانا إلى جانب ~~المسجد يدعى البطيحاء وقال: «من أراد أن يلغط أو يرفع صوتا أو ينشد شعرا فليخرج ~~إليه.» وسبب ذلك أن عمر سمع ناسا من التجار يذكرون تجارتهم والدنيا في المسجد فقال ~~لهم: «إنا بنينا هذه المساجد لذكر الله، فإذا ذكرتم تجاراتكم ودنياكم فاخرجوا إلى ~~البقيع.» وسمع عمر رجلا يرفع الصوت في المسجد فقال له مغضبا: أتدري أين أنت؟! كأنه ~~كره الصوت، وتلاحى رجلان في المسجد فقال عمر: أفي مسجد رسول الله ms420 تقولان الهجر وما ~~لا يصح من القول ... وبينما هو في المسجد عشاء إذ سمع رجلا يضحك، فأرسل إليه فقال: من ~~أنت؟ قال: رجل من ثقيف من أهل الطائف، فتوعده قائلا: لو كنت من أهل البلد ~~لنكلت بك! إن مسجدنا هذا لا ترفع فيه الأصوات، ومر بحسان بن ثابت وهو ينشد في ~~المسجد فلحظ إليه، فقال حسان: قد كنت أنشد وفيه من هو خير منك، فانصرف عمر وقد عرف أنه ~~يريد النبي، وكان ما قال حسان حقا، روت عائشة أن رسول الله كان ينصب له منبرا في ~~المسجد يقوم عليه فيهجو الكفار، وذلك أن رسول الله حين نهى عن تناشد الأشعار في المساجد ~~لم ينه عما لا يشغل من فيها مما يتصل بالإسلام ويزيد الشعور به قوة، وفي المسجد ~~أنشد كعب بن زهير رسول الله قصيدته: «بانت سعاد». # هذا التطور الذي أدى بعمر ليأمر من أراد أن يلغط أو يرفع صوتا أو ينشد شعرا أن ~~يخرج من المسجد إلى البطيحاء يتفق مع روح الإسلام ونص الكتاب وتعاليم الرسول، فإن يكن ~~قد حدث في عهد الرسول تجاوز بإنشاد الشعر، فلم يكن ذلك للإباحة وإطلاقها، وإنما كان ~~استثناء في أحوال بذاتها، فكعب إنما أنشد «بانت سعاد» يوم جاء مستجيرا بالنبي يعلن ~~إليه إسلامه، وهجاء حسان الكفار بقصائده نوع من الجهاد في سبيل الله جائز في المساجد، ~~والمسلمون في عهد النبي كانوا يتحدثون في غزواتهم وفي شئون خصومهم حين وجودهم بالمسجد ~~فلا يعترض عليهم أحد؛ لأنهم يتحدثون في شئونهم العامة، فلما كثر عددهم تجاوزوا الشئون ~~العامة، وأراد بعضهم أن يتخذ المسجد مجلسا لأحاديثهم الخاصة في تجارتهم وشئون دنياهم، ~~وخشية عمر أن يغلب الحديث في هذه الشئون الخاصة هي السبب في أنه أمر من شاء أن يلغط أو ~~يتحدث في شئونه الخاصة بالخروج إلى البطيحاء. # ولما آلت الخلافة إلى عثمان بن عفان سنة أربع وعشرين من الهجرة كلمه الناس أن يزيد ~~في مسجدهم وشكوا إليه ضيقه يوم الجمعة، فشاوروا أهل الرأي من الصحابة في ذلك، ms421 فأجمعوا ~~على أن يهدمه ويزيد فيه، ولم يكن إحساس الناس بضرورة الزيادة في المسجد عجيبا بعد أن ~~امتد الفتح الإسلامي وازداد سكان المدينة بامتداده زيادة عظيمة، وصعد عثمان المنبر ~~يوما بعد أن صلى الظهر بالناس، فحمد الله وأثنى عليه وقال: «أيها الناس، إني قد أردت ~~أن أهدم مسجد رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وأزيد فيه، وأشهد لقد سمعت رسول الله يقول: «من بنى ~~مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة.» وقد كان لي فيه سلف وإمام سبقني وتقدمني عمر بن ~~الخطاب، كان قد زاد فيه وبناه، وقد شاورت أهل الرأي من أصحاب رسول الله فأجمعوا على ~~هدمه وبنائه وتوسيعه.» # وحسن الناس يومئذ ذلك ودعوا إليه، فزاد عثمان بقدر زيادة عمر في الناحية ~~الجنوبية من المسجد، وكذلك فعل في الناحية الغربية، أما في الناحية الشمالية فكانت ~~زيادته دون زيادة عمر، وكانت تزيد على ما أحدثه في الناحيتين الجنوبية والغربية بما ~~يعدل قرابة الضعف من كل من هاتين الزيادتين، لكنه أحدث من التطور في عمارته ما لم يحدثه ~~عمر، فهو لم يجدده باللبن ولم يجعل عمده الخشب وسقفه الجريد أسوة برسول الله، بل بنى ~~جدره بالحجارة المنقوشة والقصة، وجعل عمده من حجارة منقورة أدخل فيها عمد الحديد ~~وصب فيها الرصاص ونقشها من خارجها، أما سقفه فقد جعله من الساج، وهذا تطور عظيم في ~~العمارة العربية، إن لم يخرج بها عن فكرة المسجد على ما صوره رسول الله، فقد أحدث ~~فيها فكرة المتانة والبقاء، وقد أنكر جماعة من المسلمين يومئذ على عثمان ما فعل من ~~ذلك، وأرادوا أن يبنوا المسجد على نحو ما بناه رسول الله؛ فلم يحفل بقولهم. # ولم يزد عثمان في المسجد من ناحية الشرق؛ لأن بيوت النبي كانت ما تزال قائمة، وكان ~~من أزواجه من لا يزلن يقمن بها، وكان أقرب هذه البيوت من المسجد بيت عائشة ~~الذي دفن به رسول الله وخليفتاه أبو بكر وعمر؛ لذلك لم تكن الحجرة النبوية في ~~المسجد، ولم يكن به موضع معين للروضة ms422 النبوية، بل كان كله مسجد الرسول تتساوى جوانبه ~~جميعا في ثواب الصلاة فيه. # وبقي المسجد على ما بناه عثمان إلى سنة ثمان وثمانين من الهجرة لم يزد في نظامه ~~وبناء عمر إلا المقصورة التي اتخذها عثمان، والتي ما تزال تعرف بمحراب عثمان، وكانت ~~صغيرة من لبن، وفيها كوة ينظر الناس منها إلى الإمام، وكذلك تعاقبت عهود علي ~~ومعاوية ويزيد بن معاوية ومروان بن الحكم وعبد الملك بن مروان والمسجد على بناء عثمان ~~لا يفكر أحد في الزيادة فيه ولا في تغيير عمارته، وكان مرجع ذلك إلى قيام الثورات عند ~~مقتل عثمان، وإلى انتقاض أهل الحجاز على معاوية وخلفائه بالشام، واستمرار الحرب لذلك ~~بين الأمويين والعلويين ومن شايعهم من الصحابة وأهل بيت النبي ومن انضم إلى ممثلهم ~~عبد الله بن الزبير من المسلمين حين لحق بمكة وتحصن بها بعد مقتل الحسين بن علي ~~بالعراق، فلما قتل ابن الزبير في سنة ثلاث وسبعين من الهجرة وتم الأمر لبني أمية في ~~عهد عبد الملك بن مروان انصرف تفكيرهم إلى تقوية الوحدة الإمبراطورية للدولة الإسلامية ~~بعد أن كانوا منصرفين إلى نضال خصومهم، حتى لقد فكر عبد الملك زمنا في اتخاذ قبة ~~الصخرة مثابة لحج المسلمين من أهل مصر والشام والعراق إذا بقي الأمر لابن الزبير بمكة، ~~ومنذ انصرفوا إلى تقوية الإمبراطورية الإسلامية امتد الفتح حتى بلغ الأندلس في عهد ~~الوليد بن عبد الملك. # لم يقض انتصار بني أمية الحاسم على اعتقاد العلويين أنهم - وهم أهل بيت النبي - ~~أصحاب الحق في الخلافة، ومتى قضى ظفر ملك بخصومه على إيمان المغلوبين بحقهم؟! ومتى قضى ~~ظفر نظام بنظام على رجاء المغلوبين في أن يكون الظفر لهم من بعد؟! إن انتصار الجمهورية ~~في فرنسا لم يقض إلى اليوم على أنصار الملوكية فيها، ولم ينزع الرجاء من نفوسهم أن ~~ينتصر اعتقادهم بحقهم على باطل غيرهم، والظافرون يعرفون هذا ويجعلون عيونهم لذلك على ~~خصومهم لكي لا تقوم لهم قائمة، فإذا أبطرهم الظفر وغفلوا، ثار هؤلاء الخصوم بهم وولوا ~~الأمر مكانهم. ms423 # كان ذلك شأن بني أمية مع بني هاشم من العلويين والعباسيين، ظفروا بهم، فلم تنسهم نشوة ~~الظفر أنهم خصومهم وأنهم يتربصون بهم الدوائر، كان أبناء فاطمة ابنة رسول الله ~~وحفدتها يقيمون في بيت جدتهم إلى جوار المسجد النبوي، وذلك بعد مقتل الحسين، وبعد ~~أن استقر الأمر لبني أمية، وكان الوليد بن عبد الملك قد استعمل عمر بن عبد العزيز على ~~المدينة، وقدم الوليد حاجا بعد ولايته أمر المؤمنين، فزار المدينة، وفيما هو يخطب ~~الناس يوما على قبر رسول الله حانت منه التفاتة إلى ناحية بيت فاطمة، فإذا بحسن بن حسن ~~بن علي بن أبي طالب في يده مرآة ينظر فيها، فلما نزل الوليد أرسل إلى عمر بن عبد العزيز ~~وقص عليه الأمر وقال: «لا أرى هذا قد بقي بعد، اشتر هذه المواضع وأدخل بيت النبي في ~~المسجد واسدده.» روي أن حسن بن حسن وفاطمة بنت الحسين وولدهما أبوا أن يخرجوا من ~~البيت حين علموا بأمر الوليد، فأرسل إليهم إن لم تخرجوا منه هدمته عليكم، فلما أصروا ~~على إبائهم أمر بهدمه عليهم وفيه حسن وفاطمة وولدهما، ونزع العمال البيت وهم فيه ~~وهددوهم قائلين: «إن لم تخرجوا قوضناه عليكم.» فخرجوا، ونفذ عمر بن عبد العزيز أمر ~~الوليد بضم بيوت النبي إلى المسجد. # وفي رواية أن الوليد كان يبعث كل عام رجلا إلى المدينة يأتيه بأخبار الناس وما يحدث ~~بها، فقال له الرجل يوما: «لقد رأيت أمرا لا والله ما لك معه سلطان ولا رأيت مثله ~~قط.» قال الوليد: ما هو؟ قال: «كنت في مسجد النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، فإذا منزل عليه كلة، ~~فلما أقيمت الصلاة رفعت الكلة وصلى صاحبه فيه بصلاة الإمام هو ومن معه، ثم ~~أرخيت الكلة وأتي بالغداء فتغدى هو وأصحابه، فلما أقيمت الصلاة فعل مثل ذلك، وإذا ~~هو يأخذ المرآة والكحل وأنا أنظر، فسألت فقيل: إن هذا حسن بن حسن.» وقال الوليد: ~~«ويحك! فما أصنع؟ هو بيته وبيت أمه فما الحيلة في ذلك؟» قال: «تزيد في المسجد وتدخل ms424 هذا ~~البيت فيه.» فكتب الوليد إلى عمر بن عبد العزيز يأمره بالزيادة في المسجد وشراء هذا ~~البيت وإدخاله فيه، وأبى حسن بن حسن أن يأخذ الثمن، فكتب عمر إلى الوليد في ذلك، فأمر ~~بهدم البيت، وهدم وطرح الثمن من بيت المال، فانتقل حسن وانتقلت فاطمة بنت الحسين إلى ~~دار بالحيرة فابتنتها. # قرر الوليد بن عبد الملك أن يزيد في المسجد وأن يدخل هذا البيت فيه، لكنه بعد أن ~~فكر في الأمر مليا رأى أن يدخل فيه بيوت النبي جميعا، وكانت هذه البيوت ممتدة من شرق ~~المسجد حيث الحجرة النبوية، متجهة نحو الشمال إلى موضع ليس تعيينه اليوم بالأمر اليسير، ~~وكانت موضع رعاية كبرى من المسلمين في ذلك العهد، ومذ خلت كلها من ساكنيها بعد أن اختار ~~الله عائشة أم المؤمنين كان الناس يهرعون لصلاة الجمعة فيها مؤتمين بإمام المسجد، ~~ثم يحيطونها فيما وراء ذلك برعايتهم على اعتبار أنها الآثار التاريخية الباقية للنبي ~~الكريم ولحياته في المدينة؛ لذلك حزنوا أشد الحزن حين علموا بأمر هدمها، روي عن نصار ~~الخراساني قوله: «أدركت حجرات النبي # صلى الله عليه وسلم # من جريد على أبوابها المسوح من شعر ~~أسود، فحضرت كتاب الوليد بن عبد الملك يقرأ ويأمر بإدخال حجرات أزواج النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، ~~فما رأيت يوما كان أكثر باكيا من ذلك اليوم، وسمعنا سعيد بن المسيب يقول: والله ~~لوددت أنهم تركوها على حالها.» ولعل منهم من فطن إلى أن الوليد أمر بهدم حجرة فاطمة ~~غضبا على أبنائها، ثم أمر بهدم سائر الحجرات حتى لا يتهم بأنه هدم حجرة فاطمة ~~انتقاما من أبناء علي بغيا بغير حق متخذا من توسيع المسجد حجة له، فقد سبقه عثمان ~~وعمر إلى توسيعه فتركا حجرات أمهات المؤمنين لم يمسساها وزادا في المسجد من سائر ~~نواحيه. # كيف يقيم الوليد المسجد: هل يكتفي بالزيادة في نواحيه الشرقية والشمالية والغربية، ~~فقد بقيت الناحية الجنوبية لم تمسسها زيادة من بعد عثمان، أم يهدمه ويعيد بناءه؟ لقد ~~شاده عثمان بناء متينا قويا على ms425 الزمن، ولم يكن قد مضى على ذلك ستون سنة، لكن الوليد ~~كان بالشام، وكان له في العمارة وزخرفها رأي غير رأي العرب، لم يكن رأيه في العمارة ~~منتزعا من فكرة الحاجة كما كان عند العرب يوم بنى النبي المسجد، بل كانت العمارة عنده ~~فنا جميلا مداره رضا النفس من طريق الحس والسمو بها في درجات هذا الرضا إلى حسن ~~المتاع بالحياة، وقد تأثر الوليد كما تأثر أسلافه الذين أقاموا بالشام بما رأوا من ~~الآثار المسيحية التي أقيمت على طراز ما سبقها من الآثار الوثنية إذ تأنق مقيموها في ~~تجميلها إرضاء لآلهتهم وتقربا بها إليهم، وكان من أثر ذلك أن أقام عبد الملك بن مروان ~~قبة الصخرة ببيت المقدس على نحو من البراعة في الفن المعماري عنت له كثير من ~~الكنائس البارعة، وذلك بعد أن رصد لعمارتها خراج مصر سبع سنين، أما والأمر كذلك فلا بد ~~للوليد من هدم المسجد النبوي وإعادة بنائه متأثرا بالفكرة الفنية التي ملكت نفسه ~~وكانت ذات سلطان عظيم عليها. # ولم يكن في بلاد العرب، ولا كان بين رجال المعمار المسلمين، من يكفي لإرضاء هوى ~~الوليد وذوقه الفني في عمارة المسجد؛ لذلك كتب إلى ملك الروم يقول له: «إنا نريد أن ~~نعمر مسجد نبينا الأعظم، فأعنا فيه بعمال وفسيفساء»، وبعث ملك الروم بأحمال من ~~فسيفساء وبعمال اختلف في عددهم، فقيل: عشرة وقيل: أربعون من الروم وأربعون من ~~القبط، وبأحمال من سلاسل القناديل، وبقدر كبير من الذهب، ذهب قوم إلى أنه ثمانون ألف ~~دينار، وذهب آخرون إلى أنه ألف مثقال. # وهدم عمر بن عبد العزيز المسجد في سنة ثمان وثمانين، أو في سنة إحدى وتسعين - على ~~اختلاف في الرواية - ثم أدخل فيه حجرات أزواج النبي، وبنى له أربع مآذن، وفرش أرضه ~~بالرخام، ووشى حوائطه بالفسيفساء، وكسا سقفه بالذهب، وجعل أساطينه من المرمر، فلما ~~صار إلى جدار القبلة دعا مشيخة من أهل المدينة من قريش والأنصار والعرب والموالي وقال ~~لهم: «تعالوا احضروا بنيان قبلتكم، لا تقولوا: غير عمر قبلتنا.» ms426 وجعل لا ينزع حجرا ~~إلا وضع مكانه حجرا، وقد بالغ عمر في تجميل المسجد وعني بذلك حتى كان العامل إذا عمل ~~الشجرة الكبيرة من الفسيفساء فأحسن عملها نفله عمر ثلاثين درهما، ولما تم بناء ~~المسجد جاء الوليد وجعل يدور في المسجد مغتبطا معجبا ويبدي لعمر ما يعن له من ~~الملاحظات، وكان عمر قد عني بسقف المقصورة النبوية عناية جعلته بدعا في الفن، فلما رآه ~~الوليد قال لعمر: ألا عملت السقف كله مثل هذا! قال عمر: إذن يا أمير المؤمنين تعظم ~~النفقة جدا - وكانت نفقة هذا السقف أربعين ألف دينار - قال الوليد: وإن، ولم يكن ما ~~قاله الوليد من ذلك عجبا بعد الذي زخرف عمر به المسجد في هذه العمارة من المحراب ~~والشرفات والمنابر مما لم يكن للعرب به عهد، وإنما كان اقتباسا مما في الكنائس أتمه ~~العمال العرب بوحي ما رأوا في الشام، وعاونهم العمال الروم والقبط على إتقانه. # وكان أبان بن عثمان يطوف بالمسجد مع الوليد، فلما استنفد الوليد النظر إلى المسجد ~~واطمأنت نفسه إلى عمارته نظر إلى أبان وقال: «أين بناؤنا من بنائكم؟!» فكان جواب أبان: ~~«إنا بنيناه بناء المساجد وبنيتموه بناء الكنائس.» # هذه الكلمة التي قالها أبان عميقة المغزى لمن ينعم الروية فيها، فهي تصور تطورا ~~في العمارة العربية يقابله تطور من نوعه في التفكير الإسلامي، انتقلت العمارة في بناء ~~الوليد المسجد من طرازها البسيط الذي أوحته الحياة العربية في بساطتها وقوة اتصالها ~~بالطبيعة، وأوحته الفكرة الإسلامية في دعوتها إلى الصلة المباشرة بين المرء وخالقه على ~~أساس من الإيمان الذاتي وتحاب المؤمنين بنور الله بينهم، إلى هذا الطراز المركب ~~المليء بالزخرف، ركز الإنسان فيه صورة من جمال الطبيعة انتزعها خياله من كل ما يحس ويرى ~~من مظاهر هذا الجمال، ثم تقرب بها إلى الآلهة في العهود الوثنية إرضاء لهم بجلالها ~~واتقاء غضبهم بجمالها، وقد أراد رجال الكنيسة المسيحية أن تقرب هيبة هذا الفن من ~~النفوس صورة المعجزة التي تقوم المسيحية على أساسها. # أما الإسلام فكان في صفائه ms427 بريئا من هذه المظاهر، فكان المسجد في بساطته صورة لبساطة ~~الإسلام وقوته، وإنما كان هذا التطور مظهرا لتأثر المسلمين بالتفكير الكنسي الذي ~~أحاط بهم في الشام، والذي تسرع النفس الإنسانية إلى مثله حين لا تجد سندا من الإيمان ~~بالله يعصمها من الضعف لسلطان الطبيعة، فالنفس الإنسانية محتاجة في سذاجتها إلى مظاهر ~~قريبة منها يدركها الحس وترى فيها صور الكون والحياة مجتمعين، وهي لا تستطيع السمو إلى ~~الحقيقة المجردة التي تمثل هذا المعنى، ولا تستطيع امتثالها في كل صفائها، ما لم تكن ~~لها في ذلك أسوة كما كان للمسلمين الأولين في رسول الله أسوة، أو تبلغ من المعرفة التي ~~تؤهلها للاتصال بالكون حظا عظيما، أما وقد انتهى عهد الأسوة واتصل المسلمون بجيرانهم ~~من أهل الحضارات الأخرى، فكان من الطبيعي أن يتأثروا بما اتصلوا به، وأن يشغلوا عن ~~تمحيصه بالمنازعات السياسية والثورات التي فرقت كلمتهم من عهد عثمان بعد أن مهدت لها ~~أسباب سبقتها طوعت للإسرائيليات وغير الإسرائيليات أن تندس إلى الإسلام وأن تشوب ~~صفاءه. # بقي المسجد بعد زيادة الوليد على حاله إلى أن غلب العباسيون الأمويين على الملك ~~وقاموا مقامهم في الخلافة، إذ ذاك فكر ثاني خلفائهم أبو جعفر المنصور في أن يكون له من ~~فضل الزيادة في المسجد ما كان للأمويين، ودار يومئذ بأخلاد قوم أن يأخذ العباسيون ~~بالثأر من بني أمية فيهدموا دار عثمان ويدخلوها في المسجد، كما هدم الوليد حجرات أمهات ~~المؤمنين وأدخلها في المسجد، من أجل ذلك كتب الحسن بن زيد إلى المنصور ينصح له أن يزيد ~~في رقعة المسجد وأن يجعل القبر النبوي في وسطه، وبذلك تدخل دار عثمان في المسجد ~~لمجاورتها للحجرة، لكن المنصور لم يقبل هذا الرأي وكتب إلى الحسن بن زيد يقول: «إني قد ~~عرفت الذي أردت؛ فاكفف عن ذكر دار الشيخ عثمان بن عفان.» وتوفي أبو جعفر ولم ~~يزد في المسجد شيئا، ولما خلفه ابنه المهدي على الملك حج سنة ستين ومائة للهجرة، ~~وقدم المدينة منصرفه عن الحج، فاستعمل عليها جعفر بن ms428 سليمان، وأمره بالزيادة في المسجد، ~~ولم يزد جعفر في نواحي المسجد من الجنوب والغرب والشرق شيئا، وحصر الزيادة في ناحيته ~~الشمالية حيث صحنه المعروف بالحصوة، وكانت الزيادة في هذه الناحية فسيحة بلغت نحو الثلث ~~من مساحة المسجد كله، وأحيطت بأروقة من العمد والقباب من طراز ما صنع الوليد، فأما ما ~~خلا هذه الزيادة فقد اقتصر عامل المهدي على التعمير والتجميل، متخذا طراز الوليد ~~إمامه، متأثرا في الفن بفكرة كفكرته. # واستقرت رقعة المسجد على زيادة المهدي من بعد، لكن بناءه أعيد غير مرة بعد ذلك، ~~واستمر التعمير فيه إلى يومنا هذا، فقد احترق كله أول شهر رمضان من سنة 654 للهجرة، إذ ~~ترك موقد المصابيح مشتعلا في مخازن المسجد فامتدت النار منه إلى ما حوله وتعلقت بحصر ~~وبسط وأقفاص وقصب كان في المخزن، ثم امتد اللهب إلى سقف المسجد وسرى منه إلى المسجد ~~كله، فلم يبق منه على خشبة واحدة كاملة، ونزل أمير المدينة واجتمع معه معظم أهلها ~~فلم يقدروا على مقاومة الحريق، وأكلت النار جميع ما احتوى عليه المسجد من المنبر النبوي ~~والأبواب والخزائن والشبابيك والمقاصير وما اشتملت عليه من كتب، وامتدت إلى كسوة ~~الحجرة، وقد عزا القطب القسطلاني هذا الحريق إلى أن الزخارف التي بالمسجد لم ترضه # صلى الله عليه وسلم ~~، وإلى أن القلوب أحلت المساجد الثلاثة: الحرام والأقصى والنبوي، منها فوق ~~قدرها، ونسيت أن عظمته - تعالى - فوق الجميع، وأنه الواحد القهار، فوقع الحريق في ~~الكعبة وبيت المقدس قديما، ووقع هذا الحريق في المسجد النبوي، وقيل في هذا المعنى شعر ~~وجد منه بعد الحريق بيتان على جدران المسجد هما: # لم يحترق حرم النبي لريبة # تخشى عليه وما دهاه العار # لكنها أيدي الروافض لامست # تلك الرسوم فطهرتها النار # ولم يسلم من هذا الحريق سوى قبة كانت أقيمت بصحن المسجد في القرن السادس الهجري ~~لحفظ ذخائر الحرم من مثل المصحف العثماني وبعض صناديق أودعتها هذه الذخائر، أما عمد ~~المسجد فبقيت قائمة كأنها جذوع النخل تتمايل إذا هبت الرياح، وذاب الرصاص من ms429 بعض ~~الأساطين فسقطت، ووقع السقف الذي كان بأعلى الحجرة على سقف بيت النبي فوقعا جميعا في ~~الحجرة وعلى القبور التي بها، وكتب بذلك إلى الخليفة المستعصم وهو ببغداد فأرسل ~~الآلات مع الصناع من العراق ولم يبد رأيا فيما يصنعون، فقد كان منصرفا إلى صد ~~التتار عن بغداد بعد أن استولوا على أعمالها؛ لذلك اضطرب الصناع وأهل المدينة ~~واختلفوا ما يصنعون بالحجرة، وهل يذرون بها ما سقط فيها أم يرفعونه جميعا حتى يبلغوا ~~سطح الأرض إلى التراب الذي فوق القبر، وقد انتهوا إلى ترك ما سقط ولم يزيلوه مهابة ~~لساكن الحجرة - عليه الصلاة والسلام. # يقول السمهودي: إنه كان يرى «أن الواجب في سلوك الأدب مع هذا النبي العظيم والقيام ~~بما وجب على الأمة من تعظيمه وتعظيم قبره الشريف هو إزالة ذلك عنه وقمه من حجرته ~~الشريفة.» فلما حضر العمارة الثانية للمسجد شاهد بين الجدارين في الفضاء الذي خلف ~~الحجرة أمرا مهولا من الهدم نحو القامة، فعلم أن القوم لم يتركوه إلا لعلمهم بأن ~~إزالته لا تتأتى إلا بانتهاك الحرمة، فتوقفوا عنه ومدوا سقفا فوقه على رءوس السواري ~~التي حول الحجرة. # لم تكن بغداد ولا كان المستعصم شرا مكانا من سائر أنحاء الدولة الإسلامية ~~والقائمين عليها في ذلك العصر، فقد انتشر فيها الاضطراب واستولى عليها القلق، فلم ~~تبد أي منها في عمارة المسجد رأيا، وإن بعث أكثرها من مواد العمارة ما أرضى ~~به هوى عقيدته، وصلت الآلات من مصر بأمر المتولي عليها الملك المنصور نور الدين علي ابن ~~الملك المعز عز الدين أيبك الصالحي، ووصلت الآلات والأخشاب كذلك من صاحب اليمن ~~الملك المظفر شمس الدين يوسف بن منصور، وجعل أهل المدينة والعمال فيها يقومون من ~~العمارة بما يستطيعون القيام به ولا يلبثون إذ يتقدمون فيها حتى تبلغهم الأنباء بقتل ~~هذا أو هزيمة ذاك من ملوك المسلمين وأمرائهم، استولى التتار على بغداد وقتلوا المستعصم، ~~ثم عزل صاحب مصر وقام فيها مملوك ابن الملك المظفر سيف الدين قطز المعزي، وقتل هذا ~~فيما دون السنة ms430 من ولايته، وكان لهذه الأحداث أثر واضح في عمارة المسجد، فكانت تتقدم ~~حينا، وتسير دائما على غير خطة مرسومة، فلما تولى الملك الظاهر بيبرس البندقداري ~~أمر مصر بعد ست سنوات من الحريق جهز الأخشاب والحديد والرصاص وجهز الصناع وما ~~يمونهم وأرسلهم بذلك كله إلى المدينة، وصار يمدهم بما يحتاجون إليه من الآلات والنفقات ~~حتى أتموا المسجد كما كان قبل الحريق. # لم يزل المسجد على ذلك حتى جدد سقفه في سنتي خمس وسبعمائة وست وسبعمائة بأمر ملك ~~مصر الناصر محمد بن قلاوون الصالحي، ثم زيد في السقف بأمره في سنة تسع وعشرين ~~وسبعمائة، وقد أصلح الملك الأشرف برسباي هذه الزيادة في سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة ~~حين طرأ الخلل عليها، كما جدد الظاهر جقمق بعض سقف أخرى في سنة ثلاث وخمسين ~~وثمانمائة، وفي سنة تسع وسبعين وثمانمائة قام الملك الأشرف قايتباي بعمارة في المسجد ~~تناولت بعض سقفه وعمده وجدرانه ومآذنه. # لم يبق من أثر لهذه العمارات في وقتنا الحاضر، فقد انقضت صاعقة على مئذنة المسجد ~~الرئيسية في سنة ست وثمانين وثمانمائة فلم تبق منها شيئا، وانتقلت النار من المئذنة ~~إلى سقف المسجد فالتهمته، وتخطت من السقف إلى المسجد فتهدمت جدرانه وتداعت أكثر ~~أساطينه، واحترقت المقصورة والمنبر والكتب والمصاحف، ولم يسلم من الحريق إلا الحجرة ~~والقبة التي بالصحن، لكن ما بقي من أنباء هذه العمارات يشهد بأن التطور الذي بدأ من عهد ~~الوليد بن عبد الملك استمر مطردا في العمارة، وأكثر اطرادا في التفكير، لم تكن ~~للحجرة النبوية قبة قبل القرن السابع، فأقامها المنصور قلاوون سنة ثمان وسبعين وستمائة، ~~ولم يكن ما بين الحجرة والمنبر النبوي يمتاز في عمارته عن سائر المسجد، فلما حدث الحريق ~~من هذا القرن السابع، وأعيدت عمارة المسجد بعده، بدأ هذا الجزء من المسجد، وهو الروضة، ~~يلقى من العناية حظا تزايد على الزمان، وبعد أن كانت الخصومات السياسية بين الأمويين ~~والعباسيين ذات أثر ظاهر في تعديل رقعة المسجد والزيادة فيها، انصرف التفكير في عمارة ~~المسجد عن السياسة إلى ناحية ms431 أخرى يقصد منها إلى المثوبة والزلفى، وإلى تصفيد التفكير ~~الإسلامي على الإيمان بهذه المثوبة وهذه الزلفى من غير تمحيص أو اجتهاد. # وقد وقع الخلاف على ما حدث من هذا: أهو يتفق مع روح الإسلام؟ وبلغ الخلاف من الشدة ~~في بعض الأحيان ما اقتضى تدخل ولي الأمر لقمعه، لما بنى المنصور قلاوون القبة على ~~القبر النبوي اختلف الناس رأيا، فقال بعضهم: «قصد خيرا وحصل ثوابا.» وقال ~~آخرون: «أساء الأدب بعلو النجارين القبر ودق الحطب.» وتفاقم هذا الخلاف حتى جعل الوالي ~~عقوبة على من يقول: أساء الأدب، وذهب بعض أولي الرأي يومئذ إلى تحريم إقامة القبة لما ~~رواه أبو داود في سننه عن أنس بن مالك أن رسول الله خرج فرأى قبة مشرفة أجابه أصحابه ~~بأنها لرجل من الأنصار، فأعرض عن الرجل مرارا حتى عرف الرجل الغضب فيه والانصراف عنه، ~~ولما شكا إلى أصحابه إعراض رسول الله عنه وسأل عن السبب في ذلك قالوا: «خرج فرأى ~~قبتك.» فرجع الرجل إلى قبته فهدمها حتى سواها بالأرض، وخرج رسول الله يوما فلم ~~ير القبة فسأل عنها فقال من حوله: شكا صاحبها إلينا إعراضك عنه فأخبرناه فهدمها، ~~فقال # صلى الله عليه وسلم ~~: «كل بناء وبال على صاحبه إلا ما لا بد منه.» وهذا الخلاف هو الذي لا ~~يزال قائما إلى يومنا هذا بين الوهابيين وغيرهم من سائر المسلمين، وقد كان النصر في ~~القرون الخمسة الهجرية الأخيرة حليف الذين يقولون بإنشاء القباب تبركا والتماسا ~~للمثوبة؛ لأن هذا الرأي أدنى إلى إدراك الجمهور، ولعل النصر يظل حليف هذا الرأي لاعتبار ~~آخر، ذلك أن العمارة العربية بلغت من دقة الفن وبراعته في إقامة هذه القباب مبلغا يدعو ~~حماة الفن الجميل إلى نصرها من غير نظر إلى اعتبار المثوبة أو التبرك. # كان التطور الذي أشرنا إليه أكثر وضوحا في عمارة المسجد بعد حريق الصاعقة، لما بلغ ~~خبر هذا الحريق الملك الأشرف قايتباي بمصر وجه الأمير سنقر الجمالي إلى ~~المدينة ومعه أكثر من مائة صانع وما يلزم للعمارة، فبدءوا بالمئذنة، ms432 ووسعوا المحراب ~~العثماني وجعلوا فوقه قبة أقاموها على رءوس الأساطين التي حوله، وجعلوا على جدر الحجرة ~~النبوية وفوق السقف الذي كان عليها قبة شادوا فوقها قبة أخرى أقيمت على الأساطين ~~والدعائم التي زخرفوها، وبنوا باب السلام بالرخام الأسود والأبيض وزخرفوه، كما زخرفوا ~~محرابا مجوفا للرسول في دعامة أقاموها بين المنبر والقبر على حد مسجده الأصلي، ~~وزخرفوا هذا المحراب بالرخام الملون، وأعادوا ما سوى ذلك من بناء المسجد على صورة ~~تأنقوا فيها غاية التأنق، حتى بلغ ما أنفقه قايتباي على هذه العمارة نحو ستين ألفا من ~~الجنيهات، والله أعلم كم يعادل هذا المبلغ من نقدنا في الزمن الحاضر. # كانت مصر في الفترة التي انقضت بين حريق المسجد في القرن السابع إلى حريقه بالصاعقة ~~في القرن التاسع هي القائمة بأمر عمارته، فلما انتقلت الخلافة إلى آل عثمان بالآستانة ~~ودخلت بلاد العرب، كما دخلت مصر في سلطانهم، خلفوا مصر في القيام على المسجد ~~وعمارته، ففي سنة ثمانين وتسعمائة من الهجرة عمره السلطان سليم الثاني وشيد به ~~محرابا جميلا هو القبلة القائمة اليوم غرب المنبر النبوي، وقد وشى هذا المحراب ~~بالفسيفساء المنقوشة بماء الذهب، وكتب اسم السلطان سليم على ظاهره بخط الثلث الجميل، ~~وفي سنة 1232 بنى السلطان محمود القبة ثم أمر بترميمها في سنة 1255 فرممت ودهنت ~~باللون الأخضر، على أن العمارة الكبرى التي قام بها سلاطين آل عثمان هي عمارة السلطان ~~عبد المجيد، فقد كتب إليه شيخ المسجد داود باشا بأن المسجد قد انقضى على عمارته أربعة ~~قرون لم تحدث به أثناءها عمارة هامة حتى آل كثير منه إلى التخريب، فأرسل السلطان من ~~قبله من فحص المسجد وعرف حقيقة حاله، ثم أمر بهدمه وعمارته، وتم ذلك بأن جعل ~~المهندسون يهدمون جزءا من المسجد ويقيمون مكانه ما يحل محله، ثم يهدمون بعده جزءا ~~غيره ويعيدون تشييده، حتى أتموا عمارة المسجد كله فيما بين سنة 1265 وسنة 1277ه، وقد ~~تناولت هذه العمارة المسجد كله خلا المقصورة وما فيها، وبعض الجدر المتينة البناء ~~القوية الأساس، ms433 ولم ينقض محراب عثمان لإتقانه وحسن صنعه، أما العمد القديمة فأبدل ~~منها غيرها، وأكثرها من قطعة واحدة، وأقيمت عليها عقود من الحجر الأحمر المنحوت شيدت ~~فوقها قباب جعلت فيها نوافذ يهبط النور خلال زجاجها الملون المحاط بشبابيك النحاس، ~~وأعيد بناء باب السلام بناء غاية في الفخامة، وجعلت أمامه من الداخل قبة عظيمة ، أما ~~الجدار الشمالي للمسجد فزيد فيه ما كفى لبناء مخازن ومكاتب، وبنيت خارجه أحواض للوضوء ~~بها صنابير، وشيدت المئذنة المجيدية على طراز بالغ غاية الروعة والإبداع، وعلى الجملة ~~بذت هذه العمارة كل ما سبقها حتى بلغت نفقاتها ثلاثة أرباع المليون من الجنيهات ~~المجيدية. # ومن خير الآثار التي سجلتها هذه العمارة وحافظت عليها ما كتب على جدران المسجد من ~~سورة الفتح وقصيدة البردة وأسماء الله الحسنى وأسماء النبي - عليه السلام، فلقد نفى ~~الإسلام عنه التماثيل والصور منذ حطم محمد تماثيل الكعبة ومحا صورها، فلم يكن إلى ~~بعثها بين الفنون الجميلة سبيل، على رغم ما رآه المسلمون منها بكنائس الشام وبيزنطة، ~~فحرب الوثنية أساس العقيدة الإسلامية، والتماثيل والصور أقدم آثار الوثنية وأبقاها؛ ~~لذلك أنشأت الحضارة الإسلامية فنا جميلا يحل محل التماثيل والصور في التعبير عن ~~الجمال كما يبدو للنظر، واستمدت هذا الفن من التفكير الإسلامي؛ لذلك كان الخط العربي ~~والتفنن فيه والبلوغ به غاية البراعة في الجمال مما تفردت به هذه الحضارة؛ ولذلك تقدم ~~السلطان عبد المجيد إلى الخطاط العظيم عبد الله بك زهدي فقضى عشر سنوات في كتابة سورة ~~الفتح وسائر ما كتب على جدران المسجد مما لا يزال زينة جدرانه البديعة الأخاذة ~~بالنظر. # بقي المسجد النبوي على هذه العمارة إلى اليوم، على أن محرابيه النبوي والسليماني رمما ~~عام 1336ه كما رممت أرض المسجد بأمر الحكومة العربية السعودية الحاضرة عام 1348ه، وتقوم ~~الحكومة المصرية بتعمير المسجد في هذا العهد الأخير منذ عدة سنوات. # حرصنا على استقصاء الأدوار التي مرت بها عمارة المسجد؛ لأنها تصور التطور الذي حدث في ~~العمارة الإسلامية وفي التفكير الإسلامي، وهي أدق تصويرا لهذا التطور؛ لأن ms434 المسلمين لم ~~يبذلوا لمسجد من العناية ما بذلوا لمسجد المدينة، ولم يجعلوا للمسجد الحرام بمكة إلا ~~بعض هذه العناية، كان ذلك شأنهم من عهد الوليد بن عبد الملك، وظل شأنهم في ذلك يزداد ~~على العصور، حتى صار مسجد مكة لا ينظر في عمارته إلا لما تقضي به الضرورة، ثم يخلع على ~~مسجد المدينة من الترف الفني ما رأيت، فإذا ذكرت ما أشرت إليه حين الحديث عن مسجد ~~مكة ومغزى التطور في عمارته في فصل «الجمعة في الحرم»، تبدى لك هذا التطور الآن في ~~مبلغ من الجسامة يلفت النظر ويستوقف الفكر لتدبره والنظر في أمره. # ربما وقف القارئ موقف الحيرة لذكري «العمارة الإسلامية» بديلا من «العمارة العربية» ~~حين الحديث عن المسجد النبوي، والواقع أن عمارة هذا المسجد لم تبق عمارة عربية بعد ~~الوليد بن عبد الملك، فقد احتفظت العمارة العربية بطابع من البساطة ما يزال الإنسان ~~يراه في الحرم المكي، أما مسجد المدينة فقد تعاقب عليه من ألوان العمارة ما اقتبسه ~~المسلمون من مختلف الأنماط التي وجدوها في الآثار القائمة بالبلاد التي فتحوها، ولقد ~~رأوا من هذه الأنماط شيئا كثيرا في الشام ومصر والروم والعراق وفارس منذ القرن الأول ~~للهجرة، ثم رأوا كذلك شيئا كثيرا في الهند وصقلية والأندلس وحيث امتد الفتح ~~الإسلامي على توالي العصور، من هذه الأنماط اقتبس المسلمون طرازا ليس بالعربي المستمد ~~من فكرة الحاجة، فشيدوا العمد وقواعدها وتيجانها على طراز لا عهد للعرب به، وأنشئوا ~~المحاريب المجوفة وكانت محرمة في الإسلام، حتى كره عبد الله بن مسعود الصلاة فيها ~~نزولا على قوله # صلى الله عليه وسلم ~~: «اتقوا هذه المذابح.» يعني المحاريب، وقوله: «ما تزال هذه ~~الأمة بخير ما لم يتخذوا في مساجدهم مذابح كمذابح النصارى.» وجعلوا زخرف المساجد وسيلة ~~إلى المثوبة بعد أن كان كعب يقول لأسلافهم في الصدر الأول: «يكون في آخر الزمان قوم ~~يزينون مساجدهم ويتخذون بها مذابح كمذابح النصارى، فإذا فعلوا ذلك صب عليهم ~~البلاء.» أما وذلك شأن هذه العمارة فلا حق في أن ms435 تسمى العمارة العربية. # وإنما تأثر المسلمون في نمط بنائهم بما رأوا من هياكل ومعابد؛ لأن الفكرة الإسلامية ~~تطورت بحكم الحوادث وتقلبها، فسارت من البساطة التجريدية الأولى إلى تركيب وتعقيد ~~ماديين أدى إليهما الاختلاط بالروم والفرس والنظر في عقائدهما، وما أكبر الفرق بين هذا ~~التركيب وهذا التعقيد الماديين وبين بساطة الإيمان بالله وحده إيمانا مصدره القلب ~~والعقل، الأعمال في هذا الإيمان بالنيات، ونية المؤمن فيه خير من عمله؛ لأن النية ~~متعلقة بالذات الإنسانية، والعمل خاضع لأحداث الحياة وأهوائها، أما التركيب والتعقيد ~~الماديين فيجعلان من المظاهر المادية كل شيء في الحياة؛ قيام المرء وقعوده، ركوعه ~~وسجوده، لباسه ومظهره ... هذه وأمثالها من الأمور المحسوسة هي التي يقيم لها هذا التفكير ~~من الوزن أكثر مما يقيم للنية التي صدرت عنها، ومن ثم كان البناء المزخرف أدعى إلى ~~التقرب إلى الله في رأي ذوي التفكير المادي، وإن أدت إليه نية الظفر بخصوم ~~سياسيين، كما كان شأن الوليد يوم ضم بيوت النبي إلى المسجد، أو دفعت إليه سياسة ~~مرماها شغل المسلمين عن التفكير والاجتهاد لخيرهم وغايتها حبسهم في حدود التفكير ~~المادي حتى يسهل حكمهم حكم بغي واستبداد، كما كان شأن الملوك والسلاطين منذ بدأت ~~في العالم الإسلامي عصور الانحلال. # أين هذا من التفكير الصريح يدعو إليه الإيمان الصادق في مسجد بسيط العمارة مثل مسجد ~~النبي كما بناه هو، وكما بناه عمر وعثمان؟! أين هذا من تفكير خالص لله يتصل فيه الإنسان ~~ببارئه من غير وساطة إلا إيمانه الصادق به، وحرصه الخالص على التقرب منه بالعمل الصالح ~~وبالتقوى؟! وحدثتني نفسي: أفكنت أفكر فيما تلا القارئ من هذا الفصل لو أن المسجد بقي ~~بناؤه على نمط بناء النبي يجاور قبره ويستضيء الناس فيه بنور الوحي الذي نزل عليه؟ وهل ~~كنت ألتمس المغفرة لذنوبي بالعكوف على مكان في المسجد أعتقده أدنى إلى مغفرة الله ذنوب ~~عباده؟! أم كنت أشعر بروحه الكريم يملأ المكان مهابة وجلالا وقوة، ويمد المؤمنين من ~~قوته بما يجعلهم يلتمسون المغفرة في العمل الصالح أكثر مما ms436 يلتمسونها في دعاء لا ~~يعقبه عمل؟! # اللهم إني أعوذ بك من الزلل، وأتوب إليك من الخطأ، أنت العليم بأني إلى وجهك الكريم ~~أقصد، ومن حب إخواني المؤمنين حقا أستمد رضاك وأرجو عفوك، فاغفر لي وارحمني ~~ولا تجعلني من القوم الخاطئين. # | المدينة الحديثة # ماذا بالمدينة غير المسجد النبوي؟ أما الآثار المتصلة بالرسول وأهله وبالصحابة ~~والتابعين فكثيرة نتناولها بالحديث من بعد، لكنني لم أقصد إلى هذه الآثار حين ألقيت ~~سؤالي إلى أهل المدينة الذين أقبلوا إلى دار مضيفي في المساء، وإنما قصدت إلى المدينة ~~الحديثة، فماذا بها من مظاهر نشاط أهلها؟ وماذا بها من أثر الحياة الحديثة التي يصبو ~~شباب مكة إليها بوجدانهم؟ قال أحدهم: «وماذا كنت ترجو أن يكون لنا من ذلك وسكان ~~المدينة لا يزيدون على ثلاثة عشر ألفا؟!» دهشت إذ سمعت هذا الجواب، فهذا العدد من ~~السكان متداول في كثير من قرى مصر، وهو لا يبلغ السدس من سكان مكة، فكيف يكون عددا ~~لسكان هذا البلد الذي يجذب إليه عشرات الألوف من المسلمين في كل عام؟! أولا يجد أهل ~~المدينة كل رزقهم إلا في موسم الزيارة، ولولا هذا الموسم لخلت من ساكنيها؟ لقد قرأت في ~~«الرحلة الحجازية» للبتانوني أن عدد سكان المدينة يزيد على ستين ألفا، فكيف هوى هذا ~~العدد إلى خمسه؟! أفأصاب المدينة وباء أهلكها، أم أن حرب الوهابيين أتت على خمسين ~~ألفا من سكانها رجالا ونساء وأطفالا؟! # وأجاب الذي حدثني: «بل هوى سكان المدينة إلى هذا العدد الذي تراه ضئيلا منذ عطلت ~~سكة الحجاز الحديدية أثناء الحرب الكبرى، ولو أن هذه السكة عادت سيرتها لصارت المدينة ~~في عداد مدائن الشرق الكبرى، لقد كان سكانها عشرين ألفا قبل إنشاء سكة الحجاز ~~الحديدية، فلما افتتحت هذه السكة عام 1907 ووصلت بين المدينة والشام، وقربت ما بين ~~المدينة ومصر، أسرع عدد السكان إلى الزيادة في سرعة تثير العجب، إذ ارتفع من عشرين ~~ألفا عام 1907 إلى ثمانين ألفا أول الحرب، أي: عام 1914، وبذلك زاد إلى أربعة أضعافه ~~في سبع سنوات، ms437 فلما حدثت ثورة النهضة في هذه البلاد بزعامة الحسين بن علي على تركيا ~~خربت السكة الحديدية وبقيت مخربة إلى الآن، من ثم عاد سكان المدينة يهوي عددهم إلى ~~ثلاثة عشر ألفا، ولو أن هذه السكة بقيت لم تخرب لأربى سكان المدينة على مائة ألف، ولا ~~عجب؛ فهذه السكة شريان حيوي لهذا البلد لا تقل قيمتها بالنسبة لنا عن قناة السويس ~~عندكم لإنجلترا، وحسبك أن تعلم أنا كنا نصرف حاصلاتنا في الشام ونبادلها ~~حاصلاتها، ونتجر مع مصر ونتصل من ثم بالعالم؛ لتقدر الأمر قدره الصحيح، ~~لقد كانت خضر المدينة ترسل إلى الشام، وكانت فاكهة الشام تجيء إلينا، وكانت صلاتنا ~~التجارية قد نمت نموا جلب من الرخاء ما لا يسهل اليوم تصوره، وكثر التعامل ~~وارتفعت الأسعار، فبلغ ثمن قطعة الأرض التي كانت تباع بثلاثة جنيهات قبل السكة الحديدية ~~عشرة جنيهات بعد سيرها، واليوم هبط هذا الثمن إلى جنيهين ولا تجد من يشتري. # هذا والسكة الحديد لا تزال أكثر أجزائها صالحة، ولا يحتاج تعميرها إلى مجهود كبير أو ~~نفقة طائلة، وقد فاوضت حكومة البلاد كلا من إنجلترا في فلسطين وفرنسا في سوريا ~~للاشتراك مع البلاد العربية في تعميرها كي تعيدها سيرتها الأولى، فقامت في سبيل ~~المفاوضة عقبات سياسية يتصل بعضها بملكية السكة لمن تكون، وبنفقات التعمير من يتحملها، ~~ومن يتحمل نفقات التعهد والصيانة، ويجيء وراء ذلك اعتبارات حربية لا نسمو إلى إدراكها، ~~ولو أن هذه الصعاب ذللت لعاد إلى مدينة الرسول من البهجة ما يعيد إلى الذهن ~~صورة العاصمة الإسلامية الأولى، أما ما بقيت في هذه العزلة المفروضة اليوم عليها فستظل ~~كما هي، وكما ستراها حين تجوس خلالها، فقيرة إلى العون الذي يأتيها من الخارج، مهددة ~~بمثل المجاعة التي هددتها منذ سنين، والتي جعلت الحياة فيها بؤسا وضنكا لولا تبرع ~~المحسنين من المسلمين.» # ألقيت بكل سمعي إلى هذا الحديث الذي حز في نفسي وأثار شجني، مدينة رسول الله يكون ~~ذلك شأنها والمسلمون ساهون لاهون! يا للعار ويا لهوان كل نفس مؤمنة! أولا يرى ms438 المسلمون ~~في هذا نذيرا من الله لهم كيما يغيروا ما بأنفسهم ليغير ما بهم؟! وليس هذا النذير ~~ابن أمس، فقد سمت المدينة شأنا في كثير من الأحيان، ثم أصابها مثل هذا الذي أصابها ~~ولما تكن السكة الحديدة هذه قد أنشئت، ولما يكن التفكير فيها قد بدأ، يقول برخارت في ~~كتابه الذي وضعه عام 1815 عن جولاته في بلاد العرب: «المدينة حسنة البناء، فكل مبانيها ~~من الحجر، وتتألف منازلها في أكثر الأمر من طابقين عاليين، وسقفها مسطح، وهي ليست ~~مبيضة، والحجر الذي شيدت به قاتم اللون؛ ولذلك كانت طرقاتها أدنى إلى العبوسة، وأكثر ~~هذه الطرقات بالغة في الضيق حتى لا تزيد على ذراعين أو ثلاث أذرع، وقليل من طرقاتها ~~الرئيسية مرصوف بأحجار مستديرة كبيرة، وهذا ترف قلما يتوقعه السائح في بلاد العرب، وهي ~~على العموم من خير البلاد التي شهدت في الشرق بناء، وتجيء لذلك في هذا المضمار ثانية ~~لحلب، على أن مظهرها اليوم يبعث إلى النفس الأسى لما يهدد منازلها من الدمار، ذلك ~~بأن ملاك هذه المنازل كانوا يحصلون على أرباح طائلة من أحشاد الزوار الذين يجيئون ~~إليها على اختلاف فصول السنة، أما الآن وقد نقصت مواردهم لا يقدمون على ما يكلفه البناء ~~من عظيم النفقة وهم يعلمون أنهم لن يستردوا نفقاتهم بتأجير منازلهم؛ لذلك ترى المنازل ~~الخربة والجدران التي توشك أن تنقض في كل مكان؛ ومن ثم كان منظر المدينة كأكثر مدن ~~الشرق مما يبعث إلى القلب الحسرة ولا يعيد إلى الذهن من بهائها القديم إلا صورة ذابلة.» # 1 # الحرم النبوي # ليست السكة الحديدية وسيرها وانقطاعها كل السبب إذن فيما أصاب المدينة من تفاوت الحظ، ~~أفأصاب هذا التفاوت غيرها من مدن الشرق جميعا، أم أنها خصت منه بنصيب تفردت به؟ ~~وإن يكن ذلك حقا فما سببه؟ أمسيت أفكر في هذا أحاول رده إلى موقع المدينة حينا وإلى ~~تأثير هذا الموقع في طباع أهلها حينا آخر، ولقد بدا لي أثناء تفكيري ما زادني حرصا ~~عليه وإمعانا فيه، فقد كانت يثرب ms439 حتى هجرة النبي إليها مقام الأوس والخزرج من أهلها، ~~واليهود الذين سبقوهم إليها وأقاموا بها، وكان الأوس والخزرج إلى يومئذ ما يفتئون ~~يقتتلون فيزيد قتالهم وتناحرهم ما لليهود بالمدينة من سلطان بقدر ما يصيبهم هم من ضعف ~~وانحلال، فلما جمع الدين الجديد الأوس والخزرج بعد أن هاجر إليهم الرسول وأصحابه من مكة ~~وصاروا معهم بفضل الله إخوانا متحابين متضافرين انحل سلطان اليهود وضعفت شوكتهم، ثم ~~انتهوا إلى الجلاء عن المدينة بقضهم وقضيضهم. # لكن الأمر في المدينة لم يعد إلى الأوس والخزرج من أبناء الأنصار منذ الهجرة، وما كان ~~هذا الأمر ليعود إليهم ورسول الله بينهم وقد آمنوا به واتبعوه ونصروه، ثم إنه لم يعد ~~إليهم بعد أن اختار الرسول الرفيق الأعلى، على ما كان لهم فيه من مطمع، فقد انحاز حي ~~من الأنصار عقب وفاة الرسول إلى سقيفة بني ساعدة يتمالئون على الأمر يريدونه لأنفسهم؛ ~~فلما ذهب أبو بكر وعمر على رأس المهاجرين قام خطيب الأنصار فحمد الله وأثنى عليه ثم ~~قال: «أما بعد؛ فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام، وأنتم يا معشر المهاجرين رهط منا، قد ~~دفت دافة من قومكم، وإذا هم يريدون أن يحتازونا من أصلنا ويغصبونا الأمر.» لكن أبا ~~بكر لم يرض هذا القول فتحدث وختم حديثه بهذه العبارة القوية: «فأما العرب فلن تعرف ~~هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، فمنا الأمراء ومنكم الوزراء.» ولم يغن عن الأنصار ~~ما طلبوا من أن يكون منهم أمير ومن المهاجرين أمير بل انتهى اجتماع السقيفة ببيعة أبي ~~بكر بالخلافة، وقبيل وفاته عهد بالخلافة إلى عمر بن الخطاب، فبايعه الناس بها ولم ~~ينازعه أحد من الأنصار فيها، وتولى عثمان الخلافة بعد عمر وقد اطمأن الأنصار إلى أن ~~العرب لن تعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، فلما قتل عثمان وبدأ النزاع على ~~الخلافة بين القرشيين من بني أمية وبني هاشم لم يكن لأحد من أهل المدينة فيه ~~مطمع. # وقتل علي بن أبي طالب بالكوفة، فجعلها أبناؤه موضع نشاطهم على بني ms440 أمية، وجعل بنو ~~أمية عاصمتهم دمشق، ثم جعل عبد الله بن الزبير مكة عاصمة ثورته، وانحلت بذلك عن المدينة ~~صفة العاصمة، مع ذلك لم يقم من يطالب بأن تظل المدينة عاصمة المملكة الإسلامية كما ~~كانت في عهد النبي؛ وكان لمن يطالب بذلك الحجة البالغة، فقد تخوف آباؤهم بعد فتح مكة أن ~~يعود النبي إلى أهله وبلده، فكان جوابه إذ بلغته قالتهم: «معاذ الله! المحيا ~~محياكم والممات مماتكم.» وقد نزل بالمدينة من وحي الله إلى رسوله أكثر مما نزل بمكة ~~وبأي بلد آخر، ولئن يكن بمكة بيت الله لقد مات رسول الله بالمدينة ودفن بها، لكن ~~الأنصار آثروا العافية من يوم سقيفة بني ساعدة، وتركوا الأمر لتصريف غيرهم؛ لذلك ~~جعلت مدينتهم تزدهر حينا وتبتئس حينا، فأين ترى موضع السر في ذلك؟! # لعل هذا السرد الوجيز السريع قد كشف عن شيء من هذا السر، فليس موقع المدينة وما له من ~~أثر في أخلاق بنيها هو الذي أدى إلى ما أصابها من تفاوت الحظ، ولو أن الموقع كان أعظم ~~أثرا من أحداث التاريخ لكانت المدينة - طيبة الحجاز - أسعد على الزمان حظا؛ فهي ~~ترتفع على سطح البحر أكثر من ستمائة متر، وجوها لذلك أدنى إلى الاعتدال - على رغم ~~وقوعها على خط العرض الذي تقع عليه الأقصر طيبة مصر الفراعنة - ثم لا ترتفع الحرارة ~~فيها صيفا إلى ما ترتفع إليه في القاهرة أو في الإسكندرية، وتصل برودة الشتاء إلى ~~القدر الذي يتجمد فيه الماء في الآنية ساعة الصباح، وسلسلة الجبال التي تنحدر من الشام ~~إلى اليمن تمر شرقيها ويخرج منها جبل أحد فيكاد يجاور ضواحيها، لكن الشمال والغرب ~~والجنوب منبسطة، كلها تنبع فيها مياه الآبار وتجري إليها مياه العيون فتخصبها وتحيطها ~~بحدائق ونخيل وخضرة يانعة منورة في ابتسامها للحياة. # وفي هذه الجبال الواقعة حول المدينة وفي الحرار المحيطة بها يتوسم الكثيرون وجود ~~أحجار نفيسة ومعادن مختلفة، ومهد الذهب الذي استغل إلى عهد العباسيين والذي يستغل ~~اليوم يقع على مقربة منها، أما وذلك خصب الأرض وثراؤها، ms441 فالطبيعي أن تكون المدينة ~~متطلع الناس لسكناها، فإذا تفاوت حظها في هذا الأمر على ما قدمنا فيجب أن نبحث عن ~~السر في غير الموقع الطبيعي من الأسباب. # وتاريخ يثرب قبل الإسلام وبعد العصور الأولى يؤيد هذا الرأي، فهي قد كانت في الجاهلية ~~الأولى وحين هجرة النبي إليها مقصودة لحسن موقعها، وكانت ذات أسواق وأيام، والسابقون ~~إلى الإقامة بها هم اليهود، ولعلهم هبطوا إليها كما هبطوا إلى مدن الحجاز الواقعة في ~~شمالها فرارا من حكم رومية وبزنطية في فلسطين، فلما حطم سيل العرم سد ~~مأرب باليمن وهاجر أزد اليمن إلى الشمال، مالت قبيلتا الأوس والخزرج منها إلى يثرب ~~وأقامتا بها، ورضيت القبيلتان حكم اليهود أول الأمر، ثم خرجتا عليهم وأوقعتا بهم بمعونة ~~ملوك غسان، وظل الأوس والخزرج يتنازعان السلطان على يثرب بعد ذلك وتقع بينهما حروب ما ~~يزال التاريخ يحدث عنها، حتى كانت هجرة النبي إليها بعد بيعتي العقبة، من يومئذ ~~بقيت يثرب عاصمة إلى خلافة علي بن أبي طالب، هنالك اعتصم معاوية بالشام، واتخذ علي ~~الكوفة عاصمته حتى قتل بها، عند ذلك أتيحت للمدينة فرصة تسترد بها مكانتها، فكما ~~أدى مقتل عثمان إلى انتقاض كثيرين على علي لعدم إسراعه إلى القصاص من قتلة ~~عثمان، فقد أدى مقتل علي ثم مقتل الحسين ابنه إلى انتقاض كثيرين على بني أمية، ولقد ~~كان عبد الله بن الزبير من أشد أعوان الحسين إلى يوم قتله بكربلاء، فلما وقعت هذه ~~المأساة الفاجعة ترك ابن الزبير الكوفة ولحق بمكة ودعا الناس لينضموا إليه، فخرجت مكة ~~وخرجت المدينة على الأمويين وانضمتا إلى داعية بني هاشم، وقد جرد يزيد جيشا إلى ~~المدينة وآخر إلى مكة، أما جيش المدينة فغزاها في وقعة الحرة وانتهك حرماتها، وأخضع ~~أهلها، وحطم أملها في أن تعود عاصمة الإسلام كما كانت في عهد النبي، وأما جيش مكة فظل ~~يحصر أهلها حتى مات يزيد، ثم فتحها الأمويون وقتل ابن الزبير سنة ثلاث وسبعين ~~للهجرة. # من يومئذ أذعنت المدينة لحكم بني أمية ومن قام بعدهم مقامهم، ms442 وكفى أهلها أن يكونوا ~~موضع عناية الخلفاء وأمراء المؤمنين، وزادهم قناعة بهذه العناية أن أفنت الحروب ~~والثورات أكثر أبنائها العرب وأحلت غيرهم من شتى الأقطار الإسلامية محلهم فيها، فلم يكن ~~من هؤلاء من يهتز لمجدها القديم أو يثور لإعادته، وبلغت هذه العناية بالمدينة في القرون ~~الثلاثة الأولى من الهجرة مبلغا سما بها أثناءها إلى مقام محسود من الرقي ~~المادي والرقي الأدبي، ومن يومئذ بقيت تعتمد في حياتها على حسن توجه الملوك ~~والأمراء والمسلمين جميعا إليها بسبب مكانتها الدينية، وفقد أهلها الاعتماد على ~~أنفسهم. # رأيت في الفصل الأخير صورة واضحة من ذلك الاعتماد على الغير في عمارة المسجد النبوي ~~من بعد بناء عثمان، فلما بدأت عصور الاضطراب وتداعت أركان الدولة الإسلامية، كان أهل ~~المدينة قد فقدوا ملكة الاعتداد بالذات وأصبحوا يعيشون كلا على غيرهم من المسلمين؛ ~~ولهذا السبب بدأ حظ بلدهم يتفاوت من اليسار أيام الاستقرار في البلاد الإسلامية، وكثرة ~~زوار المدينة تبعا لذلك، إلى الشدة والإعسار أيام الاضطراب وانصراف المسلمين عن أداء ~~فرض الحج وسنة الزيارة، وما حدث من انكماش سكان المدينة بعد تعطيل السكة الحديدية ~~منذ الحرب الكبرى في سنة 1914 للميلاد يرجع إلى انقطاع سبيل الزوار أكثر مما يرجع إلى ~~قلة التجارة، فقد انقطع الحج أو كاد أيام الحرب من خوف مفاجآت البحر؛ إذ كان يصيب ~~«الطوربيد» السفن، ولما كان من شغل العالم بالمجزرة المروعة المنتشرة فيه عن كل شيء ~~سواها، فلما انقطعت السكة الحديدية لم يكن عود الناس من أهل مصر والشام إلى الزيارة ~~الرجبية ميسورا، ولما كانت الثروات التي حصلها أهل المدينة في السنوات القليلة التي ~~سبقت الحرب وحين سارت إليها السكة الحديدية لم تستقر، فقد أصابتها الحرب والأزمة التي ~~أعقبت الحرب بصدمة عنيفة أحدثت هذا الانكماش الذي رد سكان المدينة من ثمانين ألفا ~~إلى ثلاثة عشر ألفا، ولو أن أهلها ألفوا الاعتماد على أنفسهم ولم يجعلوا من موسم ~~الزيارة ومن صدقات المسلمين مورد حياتهم، لما أصابهم من الجهد ما أصابهم، بل لاحتملوا ~~الشدة بالصبر والتمسوا ms443 الخروج منها بالحيلة، لكن الذين جاءوا إليها بعد سير السكة ~~الحديدية إنما جاءوا يبتغون تجارة هينة ورزقا ميسورا، فلما تعذرت أسباب الرزق فروا ~~منصرفين إلى بلادهم آملين فيها رزقا أكثر بسطة وتجارة أوفر ربحا. # ومن عجب أن الذين ظلوا مقيمين بالمدينة من أهلها لم يفيدوا من هذه الشدة عبرة ~~ولم يذروا ما ألفوا من الاعتماد على الصدقات وما ينفقه الزائرون لقبر النبي، ولم ~~يفكر أحد منهم في أن ينزع بها منزع الاعتماد على مواردها الذاتية، ولقد رأيت ذلك بنفسي ~~حين نزلت إليها وجست خلال أزقتها الضيقة وسرت في أسواقها أشهد حوانيتها الصغيرة ~~فلم أر فيها تجارة غير ما يحتاج إليه زوارها، وأعجب من ذلك أن هذه التجارة مجلوبة كلها ~~من الخارج، فأما ما تنبته المدينة فليس يتجر منه في غير البلح الكثير الأصناف، الذي ~~يبتاعه الناس تبركا أكثر مما يبتاعونه لجودته، هذا على أن أصنافه الجيدة كثيرة وصالحة ~~للتجارة كل الصلاح، لكن أهل المدينة لم يعن منهم أحد بأمر هذه الأصناف وحسن تهيئتها ~~للتصدير، لا من حيث اختيارها، ولا من حيث عرضها في علب أو صناديق تسترعي النظر، ولا ~~من حيث الإعلان عنها، ولا من حيث نقلها للتجارة في بلد آخر. # وليس يسترعي النظر في أسواق المدينة شيء يقف الإنسان عنده، ولولا التبرك وما له على ~~النفوس من سلطان لما عاد إليها من مر بالأزقة الضيقة التي تحويها، فهذه الأزقة أكثر ~~ضيقا من مثلها في أصغر القرى بأرياف مصر، وهي مكتظة أثناء موسم الزيارة على نحو يدعو ~~إلى الفرار منها حذر الاختناق بها، ولقد شقت بعض شوارع فسيحة في المدينة أثناء الحرب، ~~لكنها ليست مقصودة كتلك الأزقة، ولعل الناس لا يرون فيها ما بالأزقة من بركة، أم لعل ~~الحوانيت بها أعلى أجرا وأهل المدينة أحرص على ألا يبسطوا أيديهم كل البسط في هذه ~~السنين التي أصابت المجاعة فيها بلدهم المقدس غير مرة، وقد يفسر ذلك بعضهم هذه ~~الظاهرة من التمسك بالأزقة والإقامة بها بقربها من المسجد النبوي قربا يحرص كل ms444 على ~~أن يبلغ منه غاية ما يستطيع. # وضيق الأزقة بالمدينة مضرب للمثل، فما يكاد يضاهيه مما بمكة شيء على ما أسلفنا من ضيق ~~طرقها، فمن أزقة المدينة ما لا يتسع لأكثر من اثنين يسيران جنبا إلى جنب، فإذا لقيهما ~~غيرهما لم يكن بد من أن ينتحي أحدهما وأن يسير وراء صاحبه ليفسح للعابر بها سبيلا، ~~وهذا على سعة رقعة الأرض فيما حول المدينة سعة تطوع لعشرات الألوف حين الرخاء أن يشيدوا ~~المباني بها، لكنما ألف الناس من أهل المدينة هذا النوع من العيش في الأزقة الضيقة، ~~فإذا عضت سنو الشدة بلدهم وغادرها من ليس أصيلا بها ظل أبناؤها في الدائرة ~~المحيطة بالمسجد، لا يفكر أحد منهم فيما يفكر أهل هذا العصر فيه من توسيع الطرق لتهوية ~~البلد كفالة لصحة أبنائه. # تهامة والحجاز. # يذكر لبيب بك البتانوني في رحلته الحجازية من أسماء أزقة المدينة: زقاق البقر، وزقاق ~~الخياطين، وزقاق الحبس، وزقاق عنقيني، وزقاق السماهيدي، وزقاق البدور، وزقاق الأغوات، ~~وزقاق ياهو، وزقاق الكبريت، وزقاق القماشين، وزقاق الحجامين، وزقاق مالك بن أنس، ثم ~~يقول: «وعلى كل حال فحارات المدينة نظيفة، وضيقها يساعد كثيرا على تلطيف الحرارة ~~فيها زمن الصيف كما هو الشأن في أغلب بلاد الشرق، وسوق المدينة يبتدئ من الباب المصري ~~إلى الحرم الشريف في شارع ضيق طوله خمسمائة متر تقريبا، يقطعه على المارة تقابل ~~جملين فيه مع بعضهما، والحركة فيه تكاد تنحصر في مدة الحج والموسم الرجبي، وهو موسم ~~الزيارة الرسمية في بلاد العرب.» هذا ما كتبه لبيب بك من أكثر من ربع قرن تغير فيه وجه ~~العالم بالحرب وحلول السيارة محل الجمل وبتنظيم الطيران وبتغيير نظام المدن، مع ذلك ~~بقيت المدينة لم يتغير فيها شيء، وبقي سوق المدينة على ضيقه من أكثر أزقة المدينة سعة ~~ونشاطا، وبقي نشاطه ونشاط المدينة كلها محصورا في مدة الحج، أما الموسم الرجبي فلم ~~يبق في مثل نشاطه الأول. # ولقد أعانت عوامل كثيرة على بقاء الحال في المدينة لم يصبها تطور خلا حلول السيارة ~~محل ms445 الجمل بمقدار ما حدث في بلاد العرب كلها، على حين أصابها أذى وشر كثير، من هذه ~~العوامل ما حدث أثناء الحرب وبعدها من قلق واضطراب في هذا البلد المقدس زاد على مثله في ~~سائر بلاد العرب، بدأ ذلك حين انتقض الشريف حسين على الأتراك واتفق مع إنجلترا على ~~استقلال العرب، إذ ذاك تحصن الأتراك بالمدينة واتخذوا قلاعها ملاذهم، فلما رأوا الأمر ~~وشيكا أن يخرج من أيديهم أخذ فخري باشا خير ما فيها من نفائس فبعث بها إلى الآستانة؛ ~~أخذ الجواهر التي بالحجرة النبوية، وأخذ أنفس ما في مكتبات المدينة من المخطوطات والكتب ~~النادرة، وتركها للأشراف يحتلونها مجردة من هذه المفاخر التي كانت لها، والتي كانت ذات ~~أثر عظيم في توجه العالم الإسلامي إليها. # ولئن لم يكن هذا الأثر شيئا مذكورا إلى جانب المسجد النبوي وقبر الرسول فيه، لقد ~~كان للكوكب الدري ولهذه النفائس المتصلة بالحجرة، وكان لكتب السلف المحفوظة ~~بمكتبات المدينة سلطان على النفوس لا سبيل إلى إنكاره، فلما استقر الأمر للأشراف في ~~الحجاز بدءوا يفكرون في الإصلاح، لكنهم لم يلبثوا أن دهمتهم الحرب السعودية التي أصابت ~~المدينة بمثل ما أصابتها ثورة النهضة، بل بشر مما أصابها به، كانت المدينة من ناحية ~~العمارة الأثرية متحفا نفيسا بالغا غاية الجمال، كانت القباب المقامة على قبور أمهات ~~المؤمنين وعلى قبور الصحابة بالبقيع بعض ما يشهد لفن العمارة الإسلامية بسبق يغبطه عليه ~~أكثر الناس تقدما في العمارة، حتى لقد كان الأتراك يطلقون على هذه المجموعة البديعة في ~~فن المعمار اسم «جنة البقيع»، وكان على قبر سيد الشهداء حمزة عم الرسول مسجد وقبة تهوي ~~إليهما النفوس، ويفاخر بهما الفن، وكان ثمة من هذه العمارة الفنية كثير كان يشغل ~~الناس عن ضيق الأزقة بالمدينة وعن كثير مما لا يجاري العصر فيها، فجاء الوهابيون من ~~أشياع ابن السعود على هذه الآثار الفنية هدما وتحطيما؛ لأنها لا تتفق مع عقيدتهم ~~الإسلامية من وجوب تسوية القبور بالأرض، ومن تحريم التبرك بالقبور وقبابها، أو اتخاذ ~~أصحابها إلى الله شفعاء ms446 وزلفى؛ ففي ذلك إشراك بالله لا يقره التوحيد ولا يرضاه ~~الإسلام في رأيهم. # وقف أهل المدينة إزاء هاتين الحركتين؛ حركة الأتراك، وحركة الوهابيين، مشدوهين ~~حيارى لا يعرفون ما يصنعون، أنى لهم أن يعرفوا مدينتهم تضمحل مذ عطلت الحرب ~~مواصلاتها مع الشام، والرخاء يزايلهم بانقطاع الزيارة أثناء الحرب وبعدها، وأحوالهم ~~تنحدر سراعا إلى أسوأ ما يتصور الإنسان! لا عجب إذن أن تقف المدينة دون التطور الذي ~~أعقب الحرب في العالم كله، وأن يكون بقاؤها حتى اليوم عامرة بمن ظلوا مقيمين بها رغم ~~القحط والمجاعة وسوء الحال معجزة من المعجزات لا يفسرها إلا ما يملأ قلوب هؤلاء الناس ~~من إيمان بالرسول ورسالته وإعزاز لقبره، وحرص شديد على المقام في جواره. # لأهل المدينة العذر وهذا ما نزل ببلدهم إذا هم لم يجاروا تطور العالم بعد الحرب، ~~لكن من الواجب ألا ننسى عوامل أخرى كانت في هذه الأحوال وفيما سبقتها سببا في وقوف ~~المدينة دون مجاراة العالم في تطوره، وفي مقدمة هذه العوامل روح الاعتماد على الغير ~~باسم التوكل على الله، وروح الإذعان باسم الإسلام لقضاء الله، فقد بقيت المدينة تعتمد - ~~وقد زالت عنها صفة العاصمة للمملكة الإسلامية - على حسن توجه الملوك والأمراء إليها ~~بسبب مكانتها الدينية لوجود القبر النبوي بها أكثر من اعتمادها على جهود أبنائها وحسن ~~سعيهم لخيرها، وترى فيما يبذله المسلمون في مختلف بقاع الأرض لها من هبات وأوقاف ~~مصدر حياتها ورزقها، وليتها استعانت بذلك على تنمية مواردها أو المزيد من جمالها أو ~~حسن تنظيمها، بل أمسك الجهل أهلها دون القيام بشيء من ذلك كله، وحبسهم في حدود هذه ~~المعونة الواردة إليهم من غير أن يكون لهم أي فضل في الإبقاء عليها، بله المزيد ~~فيها. # من الظلم أن نلقي التبعة عن هذه الحال على أهل المدينة وحدهم، ولعل الحظ ~~الأوفى منها يقع على أولي الأمر في عواصم الإسلام ممن كان لهم على المدينة الحكم ~~والسلطان، هؤلاء حرصوا على أن يظل أهل المدينة في غيابات الجهل حتى لا يكون لهم من ~~العلم ms447 قوة تضاعف بأسهم بمجاورتهم قبر الرسول، فلو أنهم تعلموا وعلموا الحق الذي جاء ~~محمدا من ربه مبرأ من كل شائبة لكان لهم شأن غير شأنهم منذ انحل سلطان العاصمة ~~عن مدينتهم، إذن لعلموا أن الإسلام لله والتوكل عليه أول شرائطهما السعي وبذل غاية ~~الجهد لدرك الغاية التي يجعلها الإنسان هدف حياته، ولأيقنوا أن الله في عون العبد ما ~~دام العبد في عون نفسه وفي عون أخيه، ولأدركوا أن هذه الحياة الدنيا فترة هيأها ~~القدر ليقوم المرء فيها بواجبه لنفسه ولإخوانه، فإن هو قصر في أداء هذا الواجب ~~فقد قصر في أداء حق الله ولم يبلغ الحظ الذي يتيح له الرضا في الحياة، لكنهم إن أدركوا ~~هذا وآمنوا به أصبح حكم الاستبداد إياهم محالا؛ لذلك حجب الحكام المستبدون ~~عنهم نور العلم وغشوا دونهم ضياءه. # يدلك على ذلك أن أرقى مدرسة بالمدينة اليوم هي مدرسة العلوم الشرعية، واسم هذه ~~المدرسة ضخم يكبر حقيقتها، ولقد حسبتها أول ما سمعت هذا الاسم من نوع مدرسة القضاء ~~الشرعي بمصر، فلما زرتها ألفيتها مدرسة ابتدائية تدرس أحكام الشريعة في الفصول ~~العليا منها، وزرت مدارس أخرى فإذا هي دون هذا الطراز مكانة، وإذا هي تعنى بالصناعات ~~اليدوية الأولية - كصناعة الجلود والنسيج البسيط - أكثر من عنايتها بأمور العلم، وهذه ~~المدارس كلها تجرى عليها النفقة من هبات وأموال تجيء من الهند، وغاية مطمعها من ~~ناحية الحكومة القائمة أن تنال عطفها، فكثيرا ما لقيت أمثال هذه المدارس العنت في ~~العهد العثماني، وكثيرا ما اتهمت بأنها أقيمت لأغراض سياسية تناوئ مرامي الدولة ~~ولم تقم لوجه الله ورسوله. # وثم مدرسة أنشئت في عهد هذه الحكومة الحاضرة، ولها من رعايتها الحظ الأوفى، تلك ~~مدرسة الأيتام، ولقد دعيت إلى حفلة أقيمت لخيرها حضرها أمير المدينة وأعيانها، عرضت ~~فيها مصنوعاتها لمن يشتريها، وألقى فيها تلاميذها مقطوعات وخطبا دربوا عليها، ولقد ~~لمحت في هؤلاء التلاميذ - ومنهم بدو لم يألفوا الحضر قبل التحاقهم بهذه المدرسة - ~~نجابة واستعدادا للعلم يدلان على أن المستبدين لم يخطئوا حين خافوا مغبة ms448 العلم على ~~سلطانهم في هذه البلاد، لكن ما يتعلمه تلاميذ هذه المدرسة لا يزيد على المعلومات ~~الأولية التي تلقى في غيرها، ولا يقصد منه إلى أكثر من المعلومات العملية ذات النفع ~~البدائي في الحياة. # ماذا عسى أن ينشأ عن هذه الحال من ألوان التفكير وألوان العيش؟! يذكر الذين زاروا ~~المدينة وعاشروا أهلها أنهم قوم على جانب عظيم من دماثة الطبع ورقة الخلق، وهذا ~~طبيعي في البلاد التي تعيش على السياحة والسائحين أيا كان سبب السياحة، ويزيد بعضهم ~~أن في مجاورة أهل المدينة قبر الرسول ومسجده ما يبث في نفوسهم هذه الدماثة وهذه الرقة، ~~ولست أدري مبلغ الصحة في هذه الحجة بعدما ذكر لي غير واحد ممن اتصلت بهم أن كثيرين من ~~أهل المدينة ينظرون إلى الحياة بعين مستهترة بالحياة مشغوفة بمتعها المادية ولذاذاتها ~~الدنيا، وأن منهم من ينفق ما يكسبه في موسم الحج والزيارة في هذه المتع واللذاذات غير ~~حاسب للغد حسابا، مطمئنا إلى الموسم المقبل وما تدره عليه أخلافه من رزق، ولست ~~أتهم الذين حدثوني بهذا الحديث، وقد دعيت إلى غداء في بستان المصرع على مقربة من قبر ~~حمزة، فكان مما أراده إخواننا أن يدعو مضيفنا مغنيا أو قينة وضارب عود، ولم ~~يتردد مضيفنا في الأمر بادئ الأمر، لكنه خشي من بعد غضب أمير المدينة النجدي الوهابي ~~المتزمت عبد العزيز بن إبراهيم، وذلك حين علم أن الأمير أتاه نبأ من هذه الدعوة ~~وأسماء المدعوين فيها، وأنه سيقف أغلب الأمر على حديثها وعلى كل ما يجري ~~أثناءها. # ولقد أذكرتني الوليمة ببستان المصرع قول البتانوني في رحلته: «ومن عادات أهل ~~المدينة الرياضة والتنزه بين البساتين خارج المدينة، فيخرجون إليها في يوم الثلاثاء ~~والجمعة بعد صلاة العصر جماعات جماعات ويعودون في المساء، وقد يخرجون إلى الرياضة من ~~أول اليوم ومعهم غداؤهم فيمضون نهارهم بأحد البساتين التي بضواحي المدينة في سرور ~~وحبور، ويسمون هذه الفسحة مقيالا.» # والطبيعة المحيطة بالمدينة تعاون على هذا اللون من الحياة، فالبساتين حولها كثيرة، ~~والخضرة بسامة، والحياة ضحوك، ولولا ms449 أحداث الزمن وما أصاب هذا البلد الطيب من بأساء وما ~~تركه ذلك في نفوس أهله من أثر لما تعرضوا لما يصيبهم من تفاوت الحظ. ومقام أهل ~~المدينة إلى جوار الرسول والحجرة النبوية، وتأثرهم بالتطور الذي حدث في التفكير ~~الإسلامي أكثر من سواهم، وهذا التوكل المطلق الذي أصبح بعض خلقهم، يجعلهم أدنى إلى ~~الصبر والرضا وأقل جزعا لكوارث الدهر، من ذلك ما لاحظه غير واحد من أنهم لا ينوحون على ~~موتاهم ولا يبكونهم، وأنهم يسرفون في التجلد والصبر إسراف المصريين في الجزع لدى ~~الفاجعة والحزن لها، وهم في توكلهم لا يحسبون لغد حسابا، وماذا ينفعهم أن يحسبوا وقد ~~ألفوا من فجاءات الدهر بالسراء والضراء ما يضل معه كل حساب؟! وقد علمهم تعاقب ~~الأجيال أن الأمر في مدينتهم ليس لهم، بل للحاكم الأجنبي عنهم، الذي يعنى بسياسته ~~وتطبيقها عندهم أكثر من عنايته برقيهم ورخائهم. # ولقد كان من أثر ذيوع الأمية والجهل بالمدينة أن لم يعن أحد من أهلها بتنظيم ~~المكتبات العامة الموجودة بها، فبالمدينة مكتبات عامة تحتوي من المخطوطات والكتب ~~المطبوعة على ألوف المجلدات، ومكتبة السلطان محمود ومكتبة السلطان عبد الحميد مكتبة ~~بشير أغا من المكتبات التي يتحدث الناس في المدينة عنها، فأما أكبر مكتبة بها فمكتبة ~~شيخ الإسلام عارف حكمت، وفي وصف هذه المكتبة يقول البتانوني: «هي قريبة من باب جبريل ~~إلى جهة القبلة، وهذه الكتبخانة آية في نظافة مكانها وحسن تنسيقها وترتيب كتبها، ~~وأرضها مفروشة بالسجاد العجمي الفاخر، وفي وسط حوشها نافورة من الرخام فيها صنابير ~~للوضوء، وفيها كتب ثمينة جدا، لا يقل عددها عن أربعة وأربعمائة وخمسة آلاف كتاب، ولقد ~~رأيت بها شيئا من غرائب الصناعة النادرة في بابها، وهو كتاب أسفار فارسية مكتوب بالخط ~~الأبيض الجميل لملا شاهي، وبينا نحن نعجب من جودة الخط وإتقان الصناعة ونظافتها ~~وحسن تنسيق حروفها على صغرها ودقتها لفت نظرنا حضرة مدير الكتبخانة إلى أن حروف ~~الكتابة إنما هي ملصوقة على الورق، فتأملناها فوجدنا شيئا يبهت الطرف لرؤيته ويعجز ~~اللسان عن نعته، خصوصا ms450 عندما أخبرنا أنهم كانوا يكتبون هذه الكتابة ثم يفصلونها عن ~~ورقتها بظفرهم ثم يلصقونها على ورقة أخرى.» # ولقد حرصت على زيارة هذه المكتبة لكثرة ما سمعت عنها بمكة، فلما زرتها أعجبت بالسجاد ~~العجمي ونافورة المياه التي ذكرها البتانوني، لكنني حرصت مع ذلك على أن أقف على ~~نظامها، فسألت أمينها عن فهارسها وعن طريقة القراءة والمراجعة فيها، ولم يثر دهشتي نقص ~~الفهارس ولا أثارها عدم العناية بتنظيم الانتفاع بالمكتبة بعد الذي عرفته من انتشار ~~الأمية بالمدينة، والواقع أن أمين الدار، وهو شيخ حسن الحديث، واسع الاطلاع على ~~محتوياتها، يكاد يكون هو الفهارس وهو المرشد إلى كل ما دق وجل فيها، وقد دلني ~~حينئذ على قلة رواد المكتبة من أهل المدينة، ومن الحجاج، وأن الذين يجيئون إليها ~~يجيئون يدفعهم التطلع للإحاطة بها في نظرة عامة أكثر مما يدفعهم الحرص على مراجعة كتبها ~~أو الانتفاع بها، ومعظم ما يطمع الأمين فيه أن يجد من يعنى بمخطوط من المخطوطات ~~فينقله مأجورا؛ وهو لذلك جد حريص على أن يؤكد صحة المخطوطات التي بالمكتبة ودقة ~~اتفاقها مع الأصل الذي نقلت عنه إن لم تكن هي هذا الأصل بالفعل، وقد أطلعني على ~~«معجز أحمد»، وهو شرح أبي العلاء المعري لديوان المتنبي، وأكد لي صحة نسبته ~~إلى الأصل ودقة نقله، وأوشكت أن أطلب إليه استنساخه لولا أنني علمت من أحد أبناء ~~المدينة حين طالعته بما دار من ذلك بخلدي أن هذه النسبة إلى المعري موضع ريبة وأن ~~القول بدقة النقل مبالغ فيه. # وتمنيت مذ عرفت تعدد المكتبات بالمدينة أن يبنى لها جميعا دار واحدة تجمع كل ~~ما فيها وتنظم تنظيما حديثا يكفل الاستفادة منها، لكنني إذ عدت إلى نفسي ألفيت أن ~~ما أطلبه من ذلك أدنى إلى المنى التي لا تحقق، فأهل المدينة يحسبون هذه المكتبات ~~زخرفا، وقل منهم من يقدر ما تعود به المكتبات من فائدة إذا وجدت المنتفعين بها ~~الحريصين على نشر كنوزها وتبويب ما فيها تبويبا علميا صحيحا. # وكيف يتسنى لبلد لا يزيد سكانه على ms451 ثلاثة عشر ألفا، وهو ليس مركزا علميا، أن يفكر ~~في مثل هذا الأمر؟! وكيف يتسنى له أن يفكر فيه ومبلغه من العلم ما رأيت؟! حسبه أن يكون ~~متحفا لآثار تظل محفوظة رجاء يوم يسعد الحظ فيه المدينة فيكون أهلها من العلم أوفر ~~نصيبا، ويكون زائروها أكثر على البحث والدرس توفرا؛ ليكون هذا التفكير بعض ما يدخل في ~~حيز الممكنات . # ولعل هذا اليوم يكون قريبا! فقد تعود سكة الحجاز سيرتها، فيعود إلى المدينة الرخاء ~~ويكثر فيها السكان، ويزداد النشاط، ويطرد ذلك زمنا تستقر فيه الأمور وتصبح غير ما هي ~~اليوم، ألا ما أكثر ما أتمنى ذلك! وما أكثر ما يتمناه كل محب لهذا البلد! بل ما يتمناه ~~كل محب للإنسانية! لقد تنقلت خارج أسوار المدينة حيث كانت تقوم الدور والأحياء حين بلغ ~~سكان المدينة ثمانين ألفا، فأسفت لحالها الحاضرة، وعجبت كيف تطاوع ساسة الغرب أنفسهم ~~على التآمر لقتل بلد مثله من اليسير إحياؤه بما لا يضر أحدا وما يعود بالخير على ~~الجميع، ولولا أني أكبر هؤلاء الساسة وأحسبهم أسمى نفسا من أن يدفعهم التعصب الديني ~~إلى محاربة المدينة لوجود قبر نبي الإسلام بها لخلت هذا الدافع أقوى ما تتأثر به ~~نفوسهم، ومهما يكن من الأمر فما أراني أسيغ هذه الصعاب التي يقيمونها دون تعمير السكة ~~الحديدية وقد استطاعت السياسة بأوضاعها المرنة أن تحل ما هو أعسر منها وأشد ~~تعقيدا! # والسور الذي كانت هذه المباني قائمة فيما وراءه والذي يحيط بالمدينة القديمة ما يزال ~~قائما إلى اليوم، ولقد كان عضد الدولة أبو شجاع وزير الطائع لله أول من أنشأه في سنة ~~360ه اتقاء لغزو الأعراب المدينة، ثم كان الأمراء يقيمونه كلما تداعت أركانه، حتى ~~عمره محمد علي باشا بعد انتصار جيوشه على الوهابيين، وجدده السلطان عبد العزيز سنة ~~1285ه، وبنى فيه أربعين برجا تشرف على ضواحي المدينة للدفاع عنها؛ وما تزال القلاع ~~قائمة في بعض نواحيه اليوم على قلة ما ينتظر من فائدتها في الدفاع ضد الأسلحة ~~الحديثة. # أويصبو شباب المدينة كما ms452 يصبو شباب مكة إلى الحياة الحديثة في التفكير والعيش؟ هذا ~~الأمر لا ريب فيه، لكن الناس من أهل المدينة لا تنفسح مطامعهم لما تنفسح إليه مطامع ~~المكيين وبلدهم عاصمة الحجاز ومقر الحكم والسلطان، على أن طبيعة المدينة أدنى إلى ~~الحضر، وموقعها أدنى إلى مواطن الحضارة من مكة، وشبان المدينة شديدو التوق لذلك إلى ~~المعرفة والتزيد منها، لولا أنهم لا يجدون إليها الوسيلة، ولو أنهم وجدوها، ولو أن ~~المدينة اتصلت بالعالم اتصالها قبيل الحرب، لكان لها في الاندفاع إلى الحياة الحديثة ما ~~يزيد على ما لمكة فيما أظن. # أما وحالها الحاضرة ما رأيت والحكم فيها للنجديين القريبين من البداوة، فالحديث عن ~~هذا التفوق وعن اندفاع المدنيين إلى الحضارة أدنى إلى أمنية لا يدري أحد ما كتب ~~القدر لها في لوحه، وإذا ذكرت حكم النجديين بالمدينة فلا تقس إليه حكمهم ~~بمكة، هم بمكة في عاصمة أكثر الأمر فيها إلى أبناء الحجاز وليس للنجديين فيها إلا ~~الرياسة العليا، وهؤلاء النجديون لا يقيمون بمكة إلا أيام الحج وبعض أيام أخرى من ~~السنة، وفيما خلا ذلك تصفو مكة لأهلها، أما أمير المدينة النجدي فيقيم بها طول العام، ~~وهو فيها الحاكم المباشر النافذ الكلمة المطاع، من ثم يرتقب أهل المدينة إرادته، ~~وتدعوهم دماثة أخلاقهم إلى مصانعته، إنه يود من ناحيته لو استطاع أن يدرك الحياة ~~الحديثة وأن يجمع بينها وبين عقائده وميوله النجدية، وهو بذلك يدنو منهم بعض الشيء، لكن ~~مكانته، بوصفه ولي الأمر في البلد، وطبيعته البدوية الصميمة، تمسكانه دون بلوغ الكثير ~~من ذلك، وتدعوان أهل المدينة إلى متابعته أكثر مما يتابعهم. # زرت الأمير عبد العزيز بن إبراهيم غير مرة، زرته في ديوان الحكم، وزرته في داره، ~~وتناولت طعام الغداء على مائدته، وشاركته في طعام خفيف آخر الأمسية دعاني إليه ابنه ~~إبراهيم، ولم يدهشني ما رأيت من مظهر حياته النجدية بدار الحكم ولا في غرفة استقباله ~~بالمدينة، فقد ألفت أن أرى من ذلك في مصر وفي غير مصر ما لا يدع للدهشة موضعا، وأنت ~~لا ms453 ترى على باب الوزير من مظاهر البأس العسكري المتبجح ما تراه على باب مأمور المركز، ~~وأنت كذلك لا ترى من مظاهر هذا البأس على باب قصر الملك أو دار وزير المالية أو أمين ~~العاصمة بمكة ما تراه في مجلس أمير المدينة، ففي هذا المجلس جند من النجديين علمهم ~~الأمير الحرص على أن يظهروا للناس بأسه وبطشه، فإذا دعا أحدهم دعاه في شدة كما يدعو ~~المأمور أحد جنود المركز، ولبى الجندي في اندفاع وتطلع واستعداد لتنفيذ أي أمر، ولقد ~~تناولت على مائدته طعام الغداء فكانت مائدة بدوية يجلس الناس حولها ويتناولون طعامهم ~~بأيديهم، فيجدون منه طعاما لذيذا، فوق شبعهم، أما يوم دعاني ابنه في الأمسية فقد ~~صعدنا إلى دار الأمير وتناولنا «بسكويتا» ومربات وحلوى، وقد حرص الأمير على أن ~~يتناول الطعام بالشوكة ليدل بذلك على حسن استعداده لحياة العصر، وأهل المدينة يجارونه ~~في بداوته وفي محاولته الحضارة، وإن كان أكثرهم قد عرف أيام حكم العثمانيين من مظاهر ~~الحضارة ما لم تعرف نجد البعيدة عن الحضارة العثمانية. # وإبراهيم ابن الأمير فتى لما يجاوز الخامسة عشرة فيما أرى، وهو وسيم الطلعة في زيه ~~العربي، حاد النظرة من عينين سوداوين فيهما حور، ممشوق القوام، رقيق المظهر، ليس فيه ~~شيء من هذه الخشونة وهذا البأس اللذين يبدوان في نظرة أبيه وفي حديثه، واللذين جعلا منه ~~مثل القسوة الباطشة في الحجاز كله، ولم أسمع حديث الفتى لأقف على مبلغه من العلم، وإن ~~رأيت منه صرامة في توجيه الأوامر إلى تابعيه، هي لا ريب بعض ما ورث عن أبيه وبعض ما ~~يقضي به مركزه وهو ابن الأمير الباطش الشديد. # وتناولت طعام الغداء يوم سفري من المدينة على مائدة أحد أعيانها، فرأيت فيها من ~~نظامنا الحديث ما لا يتفق مع هذا الذي رأيت عند الأمير وما أذكرني أن القوم لم ينسوا ~~بعد أيام الأتراك، وهذا الرجل من أعيان المدينة ليس في سعة من الثروة تعاونه على ~~المبالغة في بسط العيش، هذا ما قصه علي بعض من وثقت بهم ms454 ممن عرفت بالمدينة، وإني ~~لأقرأ يوما في كتاب «برخارت» إذ وقفت فيه على ما يقال من أن أهل المدينة أحرص على ~~التظاهر من أهل مكة، وأنهم يميلون إلى شظف المأكل في حياتهم الخاصة، لكنهم ينفقون ~~على أثاث منازلهم وعلى ملابسهم التي يقابلون الناس بها نفقات طائلة. # ترى هل تطوع الأقدار للمدينة أن تبلغ غايتها فيما تتوق إليه من الحياة الحديثة ~~ومظاهرها ؟ وما عسى أن يكون أمرها إذا بلغت هذه الغاية؟ إنهم ليتحدثون عن إعادة سكة ~~الحجاز الحديدية سيرتها الأولى، وأهل المدينة يشرئبون بأعناقهم إلى هذا اليوم ~~ويدعون الله من كل قلوبهم أن يكون قريبا، وإني لأشاركهم في هذا الدعاء، وأرجو أن تسمو ~~تقديرات الساسة حين النظر في هذا الأمر إلى الاعتبارات الإنسانية، وألا تقف في حدود ~~التفكير الاستعماري والتنظيم الحربي، ولئن تأثرت في هذه الدعوة بأن المدينة من الأماكن ~~الإسلامية المقدسة؛ لأنها مهاجر النبي العربي؛ ولأن بها قبره، إنني لشديد الرجاء ~~ألا يبلغ تأثر ساسة الغرب بميولهم المسيحية حدا يحول دون بلوغ المدينة ما يمكن أن ~~تبلغه من أسباب الرخاء والتقدم مما يطوع لأبنائها أن يشاركوا بمجهودهم في العمل المثمر ~~لرخاء الإنسانية وتقدمها. # ما أشد شوقي أن يتحقق هذا الرجاء وأن يتاح لي إذا أعيد طبع هذا الكتاب أن أشير إلى ~~نجاح المسعى لإعادة السكة الحديدية التي تعاون المسلمون من أقطار الأرض جميعا على ~~إنشائها! يومئذ يتاح للمدينة أن تخطو نحو حضارة العصر خطوة واسعة، وأن تتصل بسائر ~~أنحاء العالم كما اتصلت من قبل بها، وأن تجد في موقعها الطبيعي عونا على تقدمها ~~السريع في الاضطلاع بأعباء الحضارة، فهذا الموقع الطبيعي على ما رأيت حضر كل الحضر، ~~لا يدانيه موقع مكة من هذه الناحية ولا يقاس إليه؛ وهو لذلك صالح لمقام عدد عظيم جدا ~~من السكان يستطيع التعاون والعمل المثمر والاعتماد على خيرات هذه الطبيعة الخصبة ~~الجواد، ومبادلة العالم مبادلة لا تقف عند المنتجات التي تجود بها هذه الطبيعة، بل ~~تتعداها إلى نتاج العقل الإنساني وآثار الفن والفكر، وتكون بذلك ms455 عظيمة الأثر جليلة ~~الفائدة. # لم أشر إلى شيء من ذلك وأنا أتحدث في هذا الفصل عن المدينة الحديثة؛ لأن حال المدينة ~~وحظها ما رأيت، لكن رقعتها قد اتسعت حين ابتسم الدهر لها لثمانين ألفا يقيمون بها ~~ويعيشون فيها عيش رخاء وسعة، لم ينقصها الغذاء يومئذ وقد كان حولها من البساتين ~~والمزارع ما طوع لأهلها أن يعيشوا عيش الترف، وأن يقيموا القصور الشاهقة وأن يحيطوها ~~بالحدائق الغناء، ولا يزال الأثر الباقي من قصر سعيد بن العاص شهيدا بذلك، والتاريخ ~~يذكر قصورا بوادي العقيق خلد الشعر على حقب العصور أسماءها، ولم ينقص الماء ~~المدينة والعيون والآبار فيها بالغة من الكثرة حدا يثير تطلع «الجيولوجيين» إلى معرفة ~~طبقات الأرض وما تحتوي عليه فيها، ولئن بقيت العين الزرقاء مصدر الماء لسقيا أهل ~~المدينة إلى هذا الوقت الحاضر. # لقد يقف الإنسان أمام العيون والآبار المنثورة داخل المدينة وفيما حولها دهشا ~~متسائلا عن منابع هذا الماء أين تكون؟! وكيف تختلف كل هذا الاختلاف الذي يعيد إلى ~~الذاكرة صورة من بلاد المياه المعدنية بأوروبا؟! وأنت تقف من هذه الآبار اليوم عند بئر ~~أريس بجوار مسجد قباء، وبئر رومة الواقعة بالعقيق قريبة من مجمع الأسيال، وبئر ~~غرس، وبئر حاء، وبئر بضاعة، وبئر السقيا، وبئر أبي أيوب، وبئر ذروان، وبئر ~~عروة بن الزبير، ويذكر البتانوني في رحلته بئر الأعواف، وبئر أنس بن مالك، وبئر ~~القويم، وبئر العباسية، وبئر صفية، وبئر البويرة، وبئر فاطمة، ولعل من هذه الأسماء ~~التي ذكرها البتانوني ما يتفق في مدلوله مع أسماء الآبار التي وقفت عندها، وإنما اختلفت ~~التسمية باختلاف العصور. # وكانت المدينة تسقى من هذه العيون إلى أن جرت فيها العين الزرقاء بأمر معاوية بن ~~أبي سفيان في مستهل النصف الثاني من القرن الأول للهجرة، في ذلك الوقت أمر معاوية عامله ~~على المدينة مروان بن الحكم فأجرى هذه العين التي سميت الزرقاء؛ لأن مروان كان أزرق ~~العينين فيما يقول المؤرخون، يقول الأستاذ عبد القدوس الأنصاري في كتابه «آثار المدينة ~~المنورة»: و«أصل العين من بئر ms456 الأزرق في بستان الجعفرية غربي مسجد قباء، وقد أضيفت ~~إليها آبار في أوقات متفاوتة، كبئر أريس، وبئر الرياض، وبئر بويرة، كما أنها ~~مدت بينابيع حفرت في جنوبي بئر الأزرق أيضا، وتسير من مصادرها المذكورة إلى بئر ~~الشلالين فتفيض فيها، ثم إلى بئر الغربال، فبئر جديلة، وهنا تمدها بئر السرارة وبئر ~~القلعجية وبئر السيد عبد الرحيم السقاف، ومن هنا تأتي إلى المدينة ولها بها عدة مناهل، ~~وتخرج من المدينة إلى الشمال، وحذاء بستان داود باشا تنقطع ويسير فائضها مع الماء الملح ~~الآتي معها مع بئر جديلة إلى البركة شمال الجرف وهناك مغيضها.» # لم ينقص الماء ولا نقص الغذاء المدينة في أبهى عصورها وأكثرها سكانا بل كان الأمر ~~على الضد من ذلك؛ فكانت أيام الوفرة في السكان أيام رخاء ونعيم، ولسنا في حاجة إلى ~~الإيغال في التاريخ التماسا للدليل على هذا وإن كان التاريخ خير دليل عليه، وحسبنا ما ~~يذكره أهل المدينة اليوم عن رخائها بين سنة 1907 وسنة 1914 حين سارت سكة الحجاز ~~الحديدية، فهم يتحدثون عن هذه الأيام القريبة منا وملء قلوبهم الحسرة على ذهابها ~~والرجاء الحار في عود مثلها لتعود لمدينة الرسول بهجتها، وللذين يجاورون الرسول ابتسامة ~~الحياة. # وهم يتحدثون كذلك عما كان لمصر في عصور كثيرة من شرف المعاونة لبلوغ مدينة الرسول ~~غاية ما ترجو، فقد كانت التكية المصرية بها مصدرا من مصادر خيرها وتقدمها، وهي تقوم ~~اليوم بهذا الواجب كما تقوم تكية مكة بمثله، والمصريون القائمون بأمرها يشاركون أهل ~~المدينة في رجائهم الحار أن يعود إليها الرخاء وأن يعود اتصالها بالعالم. # وإنا كرة أخرى لنشاركهم جميعا في هذا الرجاء، ولو أن العالم الإسلامي كان مسموع ~~الكلمة اليوم كما كان شأنه أيام معاوية وفي العصور الإسلامية الزاهرة الأولى، وكما كان ~~شأنه أيام بني عثمان حين كانت للمسلمين عاصمة تتجه إليها أنظارهم، إذن لما أصاب مدينة ~~الرسول ما أصابها بعد أن تشتتت أهواء المسلمين وتفرقت كلمتهم بما أطمع فيهم ~~الاستعمار إذ جعل قلوبهم شتى، أفيجيب السميع العليم رجاءنا ويعيد ms457 إلى مدينة الرسول ~~مكانتها، أم أنه - جلت حكمته - يريد أن يري المسلمين من آياته حتى يدركوا أنه ~~لا تبديل لسنته وأنه لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم؟! # إن لنا في رحمة الله لأملا أعظم الأمل، ومن رحمته أن يبعث المسلمين بعد طول ~~رقدتهم إلى الحياة، لقد وعد رسوله - ووعده الحق - أنه سينصر دينه على الدين كله، ~~والمسلمون يتوجهون اليوم إلى ربهم من أقطار العالم جميعا تائبين منيبين يدعونه ~~تضرعا أن يهديهم سبيل رضاه، وأن يلهمهم الهدى، وأن يفيض عليهم من فضله، وأن يسبغ ~~على مدينة الرسول نعماءه، إنه سميع مجيب. # | آثار المدينة # لما اختار رسول الله الرفيق الأعلى اختلف أصحابه أين يدفن؟ قال جماعة من ~~المهاجرين: يدفن في مكة مسقط رأسه وبين أهله، وقال غيرهم: بل يدفن في بيت المقدس حيث ~~دفن الأنبياء قبله، ثم رأوا أن يدفن بالمدينة التي آوته ونصرته والتي استظلت قبل ~~غيرها بلواء الإسلام، ترى لو رجح الرأي الأول ودفن بمكة إلى جوار البيت العتيق، أو ~~رجح الرأي الثاني ودفن ببيت المقدس، أفكان الناس يزورون المدينة اليوم؟! وهل كان ~~المسلمون يفكرون في سكة حديدية تصل بين المدينة والشام ويكتتبون لها بمئات الألوف من ~~الجنيهات وينشئونها، فإذا عطلتها الحرب في سنة 1914 عادوا إلى التفكير في أمرها؟! أم ~~كانت المدينة تصير إلى ما صارت إليه الطائف وغير الطائف من مدائن بلاد العرب فلا يقيم ~~بها إلا من تكفي مواردها لقوتهم في حدود قدرتهم البدوية على استغلال هذه الموارد، ~~وقل أن يزورها أحد من غير أهلها، وبذلك يبقى أهلها عربا خلصا بدل أن يمتوا ~~بأصولهم إلى بلاد العالم الإسلامي المختلفة في الهند والجاوة وفي مصر والشام وفي تركيا ~~وأوروبا وفي غير هذه من البلاد التي يقيم بها المسلمون شأن أهل المدينة اليوم؟! # لست في حاجة إلى الإجابة عن هذا السؤال، وليس يختلف فيها اثنان، على أن السؤال لذاته ~~فرض جدلي، فدفن النبي بالمدينة كان أمرا مقدورا كما كانت هجرته إليها أمرا ~~مقدورا، وأحدث الآراء في العلم ms458 تثبت هذا المقدور كما تثبته الآراء المقررة في الدين، ~~فما يحدث في الكون أثر من سنة الكون التي لا تبديل لها والتي تنتظم كل عوامل الحياة ~~فيه، ولو أننا ذهبنا نتقصى النتائج التي تترتب على هذا الفرض لطال بنا الجدل، أفكانت ~~الخلافة الإسلامية تقوم بالمدينة إذا دفن النبي بمكة أم كانت العاصمة تنقل إلى أم ~~القرى؟ أفكان ما حدث من الفتح الإسلامي يسير في الاتجاه الذي سار فيه أم في اتجاه غيره؟ ~~وإنما أردنا من هذا السؤال في أول حديثنا عن آثار المدينة أن يذكر القارئ أن ما بهذه ~~البقعة المباركة من الآثار يتصل كله بهجرة الرسول إليها ومقامه بها ودفنه فيها، واتخاذ ~~خلفائه الأولين إياها عاصمة للإسلام كما اتخذها هو له منذ الهجرة مقرا. # والحق أن ما بالمدينة اليوم من آثار يتصل كله بالرسول، فهو له ولأهله وأصحابه، ~~والقليل القليل منه لخصومه من اليهود الذين كانوا أولي ثروة وسلطان بالمدينة يوم هاجر ~~إليها، ثم لم يلبث أن أجلاهم عنها إلا من آمن به منهم واتبعه، وأنت إذ تسير في ~~المدينة أو بظاهرها تشعر بأن الحياة الباقية لهذه الآثار هي التي تقف نظرك وتسترعي ~~انتباهك ويهتز لها قلبك، وهي التي جذبتك إليها لتزورها، وهي التي أمسكتك لتقيم حولها، ~~أما حياة الحاضر بالمدينة فتتعلق بآثارها وتكاد تكون حميلة عليها، من ثم كان ~~تفكير الناس وحديثهم بالمدينة منصرفا إلى هذه الآثار الخالدة على الزمن، لا يغير ~~منها تفاوت حظ المدينة بين الرخاء والشدة والبؤس والنعمى. # أوتحسب أن لهذه الآثار شواهد عليها عني الناس بإقامتها وأسبغوا عليها من صور ~~الفن قوة وفخامة تتفق مع ما تثيره في النفس من ألوان الذكرى؟! لقد تحدثت عن المسجد ~~النبوي وعمارته وما أضيف من الزيادات إليه، والمسجد كل ما في المدينة من أثر الفن في ~~العمارة والنقش، فأما ما سواه من شواهد الآثار القديمة فلا يعدو أكثره هذا النمط ~~للمساجد القائمة بمكة، والتي لا تزيد على مربع من الأرض تحيط به جدران غاية في البساطة، ~~يعلوه من ms459 ناحية المحراب سقف ساذج يستند إلى عمد ليست دونه سذاجة في بنائها، أما بعضها ~~فخير من مساجد مكة بناء، ولبعض هذه المساجد الحسنة البناء قباب ومآذن، وفي بعضها تقام ~~الصلاة أحيانا، على حين تقام في المسجد النبوي دائما، لما أثر عن النبي # صلى الله عليه وسلم # أنه صلى في تلك المساجد، وبالمدينة كما بمكة آثار غير المساجد، بها آبار وعيون ودور ~~وأمكنة وجبال وأودية مأثورة، لكن هذه الآثار تختلف دلالتها جميعا عن دلائل آثار مكة ~~اختلافا ظاهرا، آثار مكة تتصل كلها بأيام الدعوة الأولى، وما أصاب الرسول وأصحابه من ~~الأذى والمساءة في سبيلها، وليس يشذ عن ذلك من آثار مكة إلا ما اتصل بحياته # صلى الله عليه وسلم # في ~~المدينة، كمسجد الرضوان الذي أقيم ذكرى لعام الحديبية، حين ذهب المسلمون من المدينة ~~إلى مكة حاجين البيت معظمين حرمته، ومسجد الراية الذي أقيم حيث ركز الرسول رايته حين ~~فتح مكة، فأما آثار المدينة فتكاد تتصل كلها بجهاد المسلمين في سبيل الله، ولا غرابة في ~~ذلك، والآثار إنما تصور الجلائل من أحداث العصر الذي وقعت فيه، واتصالها بالعظيم الذي ~~وجه العالم في ذلك العصر وجهته، ثم كان له بعد ذلك الأثر الباقي على الدهر، وقد كان ~~محمد بمكة داعيا إلى الحق الذي بعثه الله به باذلا حياته في سبيل دعوته، وكان ~~بالمدينة مدافعا عن هذا الحق وحرية الدعوة إليه، مجاهدا في سبيل انتشار هذه الدعوة ~~ليظل الخافقين علمها. # ولست أجد في العالم بلدا يحوي من جلائل الآثار ما تحوي المدينة، فبيت المقدس مثوى ~~الأنبياء وبلد المسجد الأقصى وكنيسة القيامة ومبكى اليهود، وطيبة عاصمة مصر الفراعنة ~~الأقدمين، والقاهرة عاصمة مصر الإسلامية، ورمية التي شهدت قيام الإمبراطورية الرومانية ~~العظيمة وسقوطها، وباريس ولندن وسائر عواصم العالم تقصر آثارها دون التعبير عما ~~تعبر عنه آثار المدينة من المعاني. # هذا، على أن آثار المدينة لا شيء فيها من عظم العمارة إلا في المسجد النبوي، أما ~~سائرها فهو البساطة كل البساطة، ولست أدري لعل أبسط الآثار عمارة أعمقها ms460 في النفس ~~أثرا، فجبل الزيتون وطريق الآلام في بيت المقدس يهزان القلب بما يحدثان عنه من ~~تاريخ المسيح أكثر مما يهزه كنيسة المهد وكنيسة القيامة، وما يحدث عنه هذان الأثران ~~الفخمان في العمارة من معجزات، والآثار القائمة في المدينة والتي انمحى بعضها فما يكاد ~~يبقى إلا اسمه، تبعث أمام الذهن من صور الجهاد في سبيل العقيدة والحق ما يهتز له وجود ~~الإنسان كله إشفاقا تارة، وإعجابا طورا، وإيمانا بالله وثقة بنصره الحق في كل ~~حال. # من هذه الآثار طائفة تحيط بالمسجد النبوي لم تدخل في عمارته حين زيادات عمر وعثمان ~~والوليد والمهدي، وأكثر هذه الآثار كانت دورا لأصحاب النبي أو لجماعة من حكام ~~المدينة تولوا أمورها في عصر بني أمية، وما بقي من هذه الآثار اليوم لا يشهد بما ~~كانت عليه أيام أصحابها الذين تنسب إليهم، بل أصابها من التحول على الزمن ما أصاب كل ~~شيء في المدينة، فبعضها اليوم أربطة محبوسة وقفا على طوائف من الفقراء، وبعضها ~~أحيلت مدارس في عصر ما، ثم أصبحت مخازن أو ما إليها، وبعضها تهدم فما يجد الإنسان من ~~أثره شيئا يقف عنده. # وأول ما يلفت الذهن من أسماء هذه الآثار دار أبي أيوب الأنصاري، لقد كانت منزل رسول ~~الله أول ما بلغ المدينة في أثر هجرته من مكة، على مقربة منها بركت ناقته إزاء ~~مربد سهل وسهيل ابني عمرو حيث كان المسلمون يصلون في المسجد الذي أقامه ابن ~~عفراء، وفيها نزل إذ كان صاحبها أبا أيوب أحد بني النجار من الخزرج، وبنو النجار ~~هم أخوال جده عبد المطلب، وقد أقام الرسول من هذه الدار بالسفل ثم انتقل منه إلى ~~العلو، وظل زمنا يتراوح بين سبعة أشهر واثني عشر أوى بعده إلى مساكنه؛ فلا جرم وذلك ~~تاريخها أن تكون أول ما يلفت الذهن من كل باحث في آثار المدينة ومبلغ صلتها بالرسول ~~الكريم. # وتقع دار أبي أيوب شرقي المسجد من ناحيته الجنوبية؛ فهي بذلك قبالة الحجرة النبوية لا ~~يفصل بينها إلا الطريق، وهي تلاصق ms461 دار جعفر الصادق الواقعة في جنوبها، ويفصل بينها ~~وبين دار عثمان بن عفان الواقعة في شمالها زقاق يعرف بزقاق الحبشة، ويقوم اليوم في ~~موضعها مسجد ذو قباب ومحراب، وقد كتب على جداره الخارجي بحروف بارزة مذهبة: «هذا بيت ~~أبي أيوب الأنصاري موفد النبي - عليه الصلاة والسلام - سنة 1291.» مما يدل على أنها ~~بنيت مسجدا في هذا التاريخ، أما قبل ذلك فليس يعرف عنها إلا أن مدرسة أقيمت في موضعها ~~سميت المدرسة الشهابية، نسبة إلى بانيها الملك شهاب الدين غازي، وذلك بعد أن بقيت خربة ~~زمنا طويلا. # أما تاريخها القديم فكل ما جاء عنه في «الروض الأنف» للسهيلي أنها آلت بعد ~~أبي أيوب إلى مولاه أفلح، وهذا تركها حتى تخربت ثم باعها للمغيرة بن عبد الرحمن الذي ~~قام بترميمها ثم تصدق بها على أهل بيت من فقراء المدينة أقاموا بها هم ومن بعدهم إلى ~~أن تهدمت، ثم تركوها عرصة ليس فيها أثر لبناء. # أين الشبه بين هذا المسجد القائم اليوم وتلك الدار التي أوى إليها رسول الله؟ لا شيء ~~من الشبه البتة بينهما، ومع ذلك يثير هذا المكان في النفس صورة ما حدث في اليوم الأول ~~لنزول الرسول دار أبي أيوب، وما حدث في الأشهر التي عقبت ذلك اليوم، قف بنا أمام هذا ~~المسجد الذي كان دارا لأبي أيوب وانظر، لقد كان ما حول هذه الدار خاليا من الجهات ~~الأربع، وكان يجاورها إلى الغرب مربد سهل وسهيل ابني عمرو يجفف فيه التمر، وليس به ~~إلا القليل من النخيل والغرقد وقبور جاهلية تركد أثناءها مياه لا يعنى أحد ~~بتصريفها، وكان هذا المكان مقصودا من مسلمي المدينة الذين اتخذوه مصلى منذ جعل ابن ~~عفراء فيه عريشا للصلاة، وكان هؤلاء المسلمون ما يزالون في عدد قليل، لا يتجاوزون بضع ~~المئات عدا، وهم على ذلك موضع إجلال أهل المدينة واحترامهم، إلا من أقفل التعصب قلبه ~~من اليهود أو المشركين، وها نحن أولاء اليوم يوم الجمعة الذي أقبل الرسول فيه من قباء ~~ومعه أبو بكر وحولهما جماعة ms462 من مسلمي المدينة رجالا وفرسانا في جنوبهم السيوف، وها هم ~~أولاء أهل المدينة جميعا قد خفوا إلى طرقاتها يريدون أن يروا هذا الرجل الذي ~~يتحدث أهلهم المسلمون عنه في إكبار وإعظام ليس مثلهما إكبار أو إعظام. # انظر إلى هذه اليهودية الواقفة هناك فوق ربوة بين صاحبات لها تسأل: «أي الرجلين ~~محمد؟» واسمع إلى جارتها الخزرجية تجيبها: «كيف لا تحزرينه؟! أوتحسبينه هذا الأبيض ~~النحيف الخفيف العارضين الناتئ الجبهة؟ كلا! فهذا أبو بكر.» وتردف اليهودية في إعجاب: ~~«هو الآخر؟ إذن ما أبهى طلعته وما أعظم وقاره! إن له لعينين نافذتي النظرة من حدقهما ~~الأسود اللامع بين أهدابهما السود الطوال.» ورجال المدينة وفتيانها يسيرون حول النبي في ~~مظاهرة ابتهاج كلها الجلال، وهي لا تخلو مع ذلك من حوار أيهم يكون له شرف ضيافته، ~~وكلما مر بقوم من أنصاره استوقفوا ناقته، وعرضوا عليه أن ينزل عندهم في العدد ~~والعدة والمنعة، فيقول لهم: «دعوها بارك الله فيكم؛ إنها مأمورة.» # لقد أدركوا الجمعة إذ هو ببطن وادي رانوناء من أودية المدينة، فنزل فصلاها بالناس ~~بعد أن خطبهم قائلا: «أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، ~~وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلون الجنة بسلام.» وها هي ذي ناقته تنطلق كرة أخرى ~~فيندفع أتباعه حوله، وأهل المدينة أشد لأمره عجبا، وبه إعجابا، وأصحابه الأنصار ما ~~يزالون يتحاورون أيهم يكون منزله منزلا لرسول الله، والآن بركت الناقة عند مربد ~~سهل وسهيل، واجتمع كبار الأنصار حول الرسول يحتكمون إليه أيهم ينزل عليه، قال رسول الله ~~حسما لنزاعهم: «إني أنزل على أخوال عبد المطلب؛ أكرمهم بذلك، فأي بيوتهم أقرب؟» هذا ~~أبو أيوب يقبل فرحا مستبشرا يقول وهو يشير إلى داره: «أنا يا رسول الله، هذه داري ~~وهذا بابي!» ويأخذ رحل النبي إلى داره وينطلق به ليهيئ للضيف الكريم مقيلا. # ما لهؤلاء المتظاهرين لا ينصرفون؟! إن عيونهم لا تدع النبي لحظة، كأنما يزداد شوقهم ~~إليه وشغفهم به، والآن ها هم أولاء يتطلعون إلى ناحية الدور المجاورة، لقد طرق سمعهم ~~صوت لفت نظرهم، ms463 ذلك صوت فتيات من ربات الخدور صعدن الشرفات يتغنين: # طلع البدر علينا # من ثنيات الوداع # وجب الشكر علينا # ما دعا لله داع # أيها المبعوث فينا # جئت بالأمر المطاع # ترى من ذا صاغ لهن هذا القول الحلو ولحن لهن هذا النشيد العذب؟ لعله فتى من ~~شعراء المدينة، أولع بالنبي حبا من قبل أن يراه، ولعله أحد هؤلاء الفتيان ~~المتظاهرين يتدافعون بالمناكب حوله وهم يتنادون نشوة وفرحا: «جاء رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~.» ~~والحبشة يلعبون أثناء ذلك بحرابهم فرحا بقدومه، فيطلق اسم الحبشة لذلك على الزقاق ~~المجاور لدار أبي أيوب. # وأولئك جوار من بني النجار يقبلن يضربن بالدفوف ويقلن: # نحن جوار من بني النجار # يا حبذا محمد من جار # ويبتسم لهن محمد ويقول: «أتحببنني؟» فيجبن: نعم يا رسول الله، فيردف: ~~«يعلم الله أني أحبكن!» # أية غبطة هذه الغبطة؟! وأي فيض من السرور أضاء المدينة في هذا اليوم الخالد في صحف ~~التاريخ؟! لقد نسي الناس طعامهم فما يريدون الانصراف إليه، وهم لم ينصرفوا حتى قام ~~النبي إلى بيت أبي أيوب يقيل فيه من حر ذلك اليوم القائظ من الصيف، هنالك بدءوا ~~ينصرفون ولا حديث لهم إلا مقدم رسول الله وما اختار الله للمدينة من فضل بمهاجرته ~~إليها. # لم يكن هذا اليوم على جلاله هو الذي خلد لدار أبي أيوب كل ما لها من جلال الذكرى، ~~إنما خلد لها ذلك مقام النبي بها شهوره الأولى بالمدينة، وما أتم أثناء هذه الشهور من ~~عمل كان له في الإسلام وسياسته الأثر الباقي على التاريخ، أثناء مقام محمد بهذه الدار ~~آخى بين المسلمين مهاجريهم والأنصار، ووضع سياسة المعاهدة بينه وبين اليهود، وأقام ~~في المدينة بذلك نظاما لم يكن مألوفا من قبل، ولم يدر بخلد أحد يوم وضع أنه ~~يصور سياسة بعيدة المدى تنتهي بالمدينة إلى وحدة أساسها الإخاء والتضامن، وتنتهي ~~باليهود إلى الجلاء عنها، ثم تنتهي بالإسلام إلى الانتشار في بلاد العرب كلها لينتشر ~~منها بعد ذلك في أنحاء العالم وربوعه جميعا. # وهذا نوع من التفكير ms464 السياسي كان جديدا يومئذ في حياة محمد، فهو لم يرم حين ~~مقامه بمكة إلى تنظيم سياسي، أو أن يجعل من التنظيم السياسي وسيلة إلى الدعوة للدين ~~الذي ألقي عليه تبليغه للناس، لكنه ما لبث حين أقام بدار أبي أيوب واتصل بالمسلمين ~~من أهل المدينة أن قدر ما بين العقيدة ونظام الحياة من صلة، وأن العبادات التي تدعو ~~العقيدة إليها تتصل بنظام الحياة ويتصل بها هذا النظام أوثق اتصال، فالعقيدة أمر فردي ~~من حيث اتصالها بالرأي وتكييفه، فإذا انتقل الأمر إلى مظهرها العام وإلى العبادات ~~المتصلة بها وإلى الفضائل التي يتحلى بها صاحبها، أصبحت مسألة اجتماعية لا مفر من أن ~~يتناولها التنظيم، وليس يقف تنظيمها عند فرائض العبادة من وضوء وصلاة وصوم وزكاة وحج، ~~بل يتعدى الأمر هذه الفرائض إلى صلات الناس بعضهم ببعض، والأمر في تفاصيل هذه الصلات ~~أمر دنيا، والناس في كل عصر أعلم بحاجاتهم فيها، لكن المبادئ العامة التي يجب أن يقوم ~~التنظيم عليها، كالمبادئ العامة التي تقوم عليها صلات المسلمين بغيرهم من الناس، يجب ~~أن تتسق مع تنظيم هذه الفروض التعبدية، ويجب أن تظل أبدا على هذا الاتساق وإن ~~اختلف تصويرها واختلف تفصيلها باختلاف الزمان والمكان، هذا ما اتجه إليه تفكير الرسول ~~أثناء مقامه بدار أبي أيوب، وكان من أثره هذه المؤاخاة بين المسلمين وهذه الموادعة مع ~~اليهود. # تقع دار عثمان بن عفان إلى الشمال من دار أبي أيوب لا يفصل بينهما إلا زقاق الحبشة، ~~والمعروف أن عثمان كان له في هذا المكان داران متصلتان بناهما في عهد الرسول - عليه ~~السلام، دار صغرى ودار كبرى، أما الدار الصغرى فيقوم موضعها اليوم رباط للمغاربة ~~يدعى رباط سيدنا عثمان، وبهذا الرباط اليوم مكتبة تحوي كتب الفقه المالكي وغيره ~~موضوعة في خزانات تدل نقوشها على أنها من مصنوعات الدولة العباسية، ويقال: إن هذه ~~الخزانات كانت بالحرم وكانت مهداة إلى الحجرة النبوية ثم أخرجت منه ووضعت في هذا ~~الرباط، أما الدار الكبرى فموضعها اليوم رباط العجم، وهي مخصصة لشيخ الحرم النبوي، ms465 ~~وبها قبر أسد الدين شيركوه عم السلطان صلاح الدين الأيوبي وقبر والد صلاح الدين ~~الذي دفن مع أخيه. # وقد روى ابن جبير في رحلته أن عثمان استشهد في هذه الدار الكبرى، وذكر السمهودي أن ~~قتلة عثمان تسوروا عليه من الدار الصغرى إلى الدار الكبرى التي كان يقطنها يومئذ، ~~ومن العسير أن يحقق اليوم المكان الذي تسوروا منه أو الطريق الذي سلكوه في انتقالهم ~~بين الدارين بعد أن استحالت هذه الدور غير صورتها الأولى، وبعد أن أصبح تعيين الموضع ~~الذي قتل عثمان فيه تعيينا دقيقا غير ميسور. # لشد ما تختلف الذكريات التي تبعثها هذه الدار إلى الذهن عما تبعثه دار أبي أيوب، ~~كانت دار عثمان من أفخم دور المدينة في ذلك العصر، على حين لم تكن دار أبي أيوب تختلف ~~عن دور أوساط الناس من الخزرج، مع ذلك توحي هذه الدار إلى النفس ما رأيت من ذكريات، ~~فأما ما بقي من ذكر لدار عثمان فقتله بها، واختلاف المسلمين بعده ثم انقسامهم ~~واتخاذ دمه ذريعة لهذا الانقسام، ومع ما رأت دار عثمان في عهد خلافته من فتح المسلمين ~~بلاد الروم والفرس ومنه امتداد ملكهم إلى تونس وإلى قلب إيران ومن استيلائهم على جزر ~~البحر الأبيض المتوسط، لقد غشى على ذلك كله ما حدث في آخر هذا العهد حين اتخذ عثمان ~~مروان بن الحكم كاتب سره، وحين آثر بني أمية على قريش وعلى الأنصار وعلى سائر ~~المسلمين، مما أدى إلى الفتنة وانتهى إلى قتله، غشى ذلك على هذا الفتح الذي انفسحت ~~به رقعة المملكة الإسلامية، وبقيت صحف التاريخ تقلب مقتل عثمان أمام الذهن في صورة ~~تثير النفس وتلذع بالألم كل مسلم لما ترتب على هذا الحادث من آثار ما زال خلف ~~المسلمين يتناقلونها عن سلفهم، وحق ما قيل: «إنما الأعمال بخواتيمها.» ولو أن أجل ~~عثمان حم قبل أن تثور الفتنة لإيثاره بني أمية فمات ولم يقتل، لتغير وجه التاريخ ~~أغلب الأمر، ولما نجمت في المسلمين هذه الشيع التي أنشأها قتله والخلاف على ~~دمه، ms466 وما أثاره هذا الخلاف من حفائظ قديمة بين بني هاشم وبني أمية. # إلا أن في هاتين الدارين المتجاورتين - دار أبي أيوب ودار عثمان - العبرة أبلغ ~~العبرة؛ عبرة الأخوة بين المسلمين، وما في الأخوة من قوة يضاعفها الإيمان الصادق، ~~والخلاف بينهم وقيام الحكم فيهم على التنازع والغلب يناجز به بعضهم بعضا، ولقد كان هذا ~~التنازع في صدر الإسلام، وحين كانت أسوة الرسول حاضرة في الأذهان، أفكتب على المسلمين ~~أن يظل الانقسام ديدنهم، وألا يذكروا مؤاخاة النبي بين المؤمنين أول ما جاء ~~المدينة، وقبل أن ينتقل من دار أبي أيوب إلى منازله، وأن ينسوا قوله - تعالى: # إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين ~~أخويكم ~~؟ أم آن لدورة الزمن أن تدور وأن تصبح للأمم الإسلامية عصبة ~~تدعو إلى الإسلام والسلام متآخية إخاء المسلمين في الصدر الأول، يوم خرجوا من شبه ~~الجزيرة فأضاءوا العالم بنور التوحيد ونشروا فيه أسمى المبادئ؟! # تقع دار عثمان إلى جوار المسجد من جهة الجنوب الشرقي، وتقع دار مروان بن الحكم ~~مقابلها من الجهة الجنوبية الغربية في جوار باب السلام، ولقد ولي مروان بن الحكم ~~إمارة المدينة في عهد معاوية بن أبي سفيان بعد أن كان كاتب السر لعثمان بن عفان، فأتم ~~من أعمال الإصلاح فيها ما جعل أهلها يلهجون بحمده والثناء عليه وينسبون باب السلام إليه ~~فيسمونه باب مروان، ويظلون على ذلك إلى عهد العباسيين، أجرى مروان العين الزرقاء، ورصف ~~أطراف المسجد النبوي بالحجارة، وجعل للمدينة من أموال الفتح الأموي ما لعله أنساها مقتل ~~علي بن أبي طالب بالكوفة لولا مقتل الحسين ابنه بعد ذلك بكربلاء، وسخاء مروان هو الذي ~~جعل المدينة أقل مقاومة من مكة في عهد معاوية وأول أيام يزيد، ومن يومئذ بدأ أهل ~~المدينة من الأوس والخزرج يغادرون مدينتهم إلى بلاد المملكة الإسلامية الفسيحة الأطراف، ~~ويقيمون بها ليحل المسلمون من بلاد هذه المملكة محلهم فيها، ولم تنقض إلا أجيال حتى ~~لم يبق فيها إلا الأقلون من أبنائها الأولين. # دار أبي أيوب هي التي نزل رسول الله بها أول ms467 مهاجره إلى المدينة، ويقابلها داخل ~~المسجد موضع حجرات أزواج النبي التي ضمت إليه في عهد الوليد بن عبد الملك، ويفصل زقاق ~~الحبشة بين دار أبي أيوب ودار عثمان، وتقع دار مروان بن الحكم في جوار باب السلام، أليس ~~لأبي بكر ولعمر وعلي آثار باقية اليوم حول المسجد تكمل بها سلسلة التاريخ في هذه ~~الفترة؛ فترة نصف القرن الأول من الهجرة؟ أما أبو بكر فله بجوار المسجد الغربي ~~الخوخة التي أوردت عند الحديث عن المسجد بعض خبرها، وله فيما تذهب إليه الرواية، ~~دار تجاور دار عثمان بن عفان من الشمال، ولا يفصل بينهما إلا طريق البقيع، وهذه الدار ~~هي التي مات بها، وليس حول المسجد مكان ثابت النسب إلى عمر بن الخطاب باعتباره موضع ~~داره، وإن حاول بعضهم أن ينسب إليه دارا في شمال المسجد، لكنما تقع في جنوب المسجد دار ~~تطل على الحجرة النبوية تعرف بدار آل عمر، ويقول السمهودي: إنها دار عبد الله بن عمر ~~بن الخطاب، آلت إليه عن أخته حفصة أم المؤمنين، وكان لهذه الدار نفق يصلها بالمسجد ~~حتى سنة 888 من الهجرة إذ سد هذا النفق وردم بالتراب. # ولا تعرف باسم علي بن أبي طالب دار ولا موضع لدار فيما حول المسجد، وإنما يعرف باسم ~~زوجه فاطمة ابنة رسول الله مكان من الحجرة النبوية، يزعم بعضهم أنها مدفونة فيه، ~~والرواية الراجحة أنه موضع دارها التي كانت تقيم بها والتي أقام بها أبناء الحسن ~~والحسين من بعدهما حتى ضمها الوليد بن عبد الملك إلى المسجد، أما قبرها ~~فبالبقيع. # أما دار نائب الحرم اليوم، وهي التي تلاصق دار أبي أيوب من الجنوب، فتنسب إلى جعفر ~~الصادق الحسيني، والمقيم اليوم بهذه الدار بعد إلغاء وظيفة «نائب الحرم» هو القائم ~~بإدارة أوقاف الحرم النبوي. # ألا ما أكثر ما تثير ذكريات هذه الدور من أثر في النفس! إنها تثير عهد الرسول وعهد ~~الخلفاء الراشدين كله، ويقع على مقربة منها أثر يثير في النفس من ذكريات البطولة ~~والإقدام ويرسم أمام الذهن صورة ms468 من الفتح الإسلامي تهز القلب إعجابا وإكبارا، فقبالة ~~باب النساء من أبواب المسجد وإلى جانب الأثر الباقي من دار أبي بكر، قبة صغيرة مبنية ~~باللبن والطين واقعة بمقدم رباط يدعونه رباط خالد بن الوليد، هذه القبة تقوم في ~~الموضع الذي كانت تقوم فيه دار بطل الإسلام خالد، ويعيد صغرها إلى الذاكرة ضيق هذه ~~الدار ضيقا شكا خالد منه إلى النبي، فقال له: «ارفع البناء في السماء، وسل الله ~~السعة.» # أويظن أحد أن تكون هذه البقعة الضيقة دار خالد بن الوليد، بطل قريش وفارسها ~~المعلم وصاحب لوائها قبل أن يسلم، وبطل الإسلام وسيف الله المسلول بعد إسلامه؟! ~~خالد الذي ضاقت الأرض بفتوحه شرقا وغربا في فارس وفي بلاد الروم، والذي كان في عهد ~~الرسول بطل مؤتة وقائدها بعد موت أصحابه، تكون داره بهذا الضيق؟! يا للنزاهة ويا ~~للإباء! حق إن هذا العرض من متاع الدنيا لا وزن ولا قيمة له، ولا يساوي عند الله ~~جناح بعوضة، كم من ملوك في زماننا هذا وفيما سبقه من القرون يودون لو حفظ التاريخ لهم ~~قطرة من بحر مما حفظ لخالد من ذكرى فلا يغني عنهم مالهم من ذلك شيئا ولا يجدون إليه ~~الوسيلة، ألا إنها عظمة النفس هي الباقية، وسلطان النفس على الحياة هو الخالد في صحف ~~الحياة. # تقع دار خالد إلى جانب زاوية السمان التي كانت دار ريطة ابنة أبي العباس ~~السفاح، وزاوية السمان واسعة فخمة، وكانت دار ريطة واسعة فخمة كذلك، فليست دار خالد ~~شيئا بالقياس إليها، وإذ كانت دار ريطة تقع قبالة باب النساء، وكان لريطة ما يجب ~~لابنة أبي العباس السفاح من مكانة، فقد أطلق اسمها على هذا الباب من أبواب المسجد ~~النبوي، فسمي باب ريطة زمنا غير قليل، فلما ماتت ريطة وتوالت القرون رد إلى باب ~~النساء اسمه، وبنى «يازكوح» أحد أمراء الشام دارها من جديد وجعلها مدرسة للحنفية وجعل ~~فيها قبره. # إلى جوار المسجد مواضع يقال: إن دور عمرو بن العاص وسكينة بنت الحسين كانت بها، ~~وموضع دار ms469 سكينة ينسب إلى تميم الداري الصحابي المعروف، كذلك يروى أن الدار التي ~~كان يجري عمر بن الخطاب فيها قضاءه كانت في الموضع الذي تقوم به المحمودية الآن، وهذه ~~مجموعة من الدور كانت قائمة في عهد النبي وفي العصر الذي تلاه تفاخر بها المدينة كل ~~مدينة سواها، ولعل أهلها إذ يذكرون من الدور ما كان بعد عهد النبي إنما يذكرون بها أيام ~~كانت مدينتهم عاصمة عزيزة الجانب، تمثل القوة الإنسانية ذات الأثر الخالد في العالم، ~~فالمدائن كالأشخاص تتغنى بأيام مجدها وعزها، وإن بعد في التاريخ عهد هذا ~~المجد، وإن أصبح هذا العز الذي تربع الأجداد على عرشه أقصوصة يتحلب لها ريق من ~~فاته العز بعد أن طال التماسه إياه في غير جدوى. # تقع هذه الدور كلها حول المسجد النبوي كما رأيت، وقلما يحدثك أحد عن دور أثرية ~~غيرها بالمدينة، إنما يحدثونك عن أمكنة تاريخية وعن مساجد وحصون وآبار، ويقع بعض هذه ~~بالمدينة وبعضها بظاهرها، وإن تعذر عليك أن ترسم خطا واضحا يفصل بينهما، ويرجع تعذر ~~ذلك إلى أن المدينة انبسطت وانقبضت على التاريخ مما اقتضى أن يبنى لها سوران، ~~أحدهما باق إلى اليوم ولم يبق من الآخر إلا آثار تراها ها هنا وهناك، ولقد تخطت ~~المدينة السورين في بعض العصور الزاهرة من أيام رخائها، ومن هذه الأيام ما قبل الحرب ~~العالمية الأولى (1907م-1914م)، حين سيرت السكة الحديدية الحجازية، من ثم لا يقف ~~أكثر المؤرخين لآثارها عند تخطيط دقيق، ولم تتح لي الفرصة الضيقة التي قضيتها بها أن ~~أرسم لآثارها حدودا دقيقة، وخاصة أن ليست لها خريطة يمكن الاعتماد على دقتها. # ولقد فكرت أن أجعل الخندق الذي حفره المسلمون في غزوة الأحزاب أيام النبي حدا ~~فاصلا ما بين المدينة وظاهرها، لكني لم ألبث حين البحث أن رأيت تحديده الصحيح عسيرا، ~~فقد سألت الأستاذ عبد القدوس الأنصاري يوما أن يريني إياه، فلم يخف علي أنه ~~يتوهمه ولا يعلمه علم اليقين، وله من العذر عن ذلك ما نقله في كتابه «آثار المدينة ~~المنورة» عن ms470 المطري الذي أرخها في القرن الثامن الهجري، إذ قال: «وقد عفا أثر الخندق ~~اليوم ولم يبق منه شيء يعرف إلا ناصيته؛ لأن الوادي - وادي بطحان - استولى على موضع ~~الخندق وصار مسيله في الخندق.» على أنه حاول أن يقف بي عند ما يعتقده أثره كما بينه ~~على خريطة تقريبية ضمنها كتابه، أما والتحديد الصحيح للخندق غير ميسور فلأجعل هذا ~~التحديد التقريبي بديلا منه للغرض الذي أتوخاه ، غرض الفصل ما بين المدينة ~~وظاهرها. # والخندق كما صوره الأستاذ عبد القدوس يقع في شمال المدينة بينها وبين أحد، وينحدر ~~إلى الشرق بينها وبين حرة واقم، ويتصل من الجنوب بوادي بطحان، ومن الغرب بحرة ~~الوبر، وفيما وراء الخندق من الشرق تقع منازل اليهود في عهد الرسول؛ بني قريظة وبني ~~النضير، وفيما وراءه من الغرب يقع وادي العقيق، وتقع قباء في جنوبه، وسنتناول ما ~~هنالك في هذه الجهات جميعا حين حديثنا عن ظاهر المدينة. # أخالني غاليا حين أذكر ما ساورني من أسف لإهمال أثر كالخندق حفره المسلمون الأولون ~~برأي سلمان الفارسي، ولم تكن الخنادق معروفة في حربهم، فكان له من الأثر أن حمى ~~المسلمين وحمى الإسلام وكانا عرضة لفتك المشركين بعد أن ألبهم اليهود بإمرة ~~حيي بن أخطب عليهم، وهل حافظ المسلمون على غير الخندق من الآثار فيلامون على ~~إهمالهم إياه؟! وإذا كانت غزوة حنين المجيدة لا يعرف موضعها على وجه التحقيق في جوار ~~مكة، فلا عجب أن يصيب الخندق ما أصابه، لقد نزل في حنين قرآن كما نزل في الخندق قرآن، ~~ففي غزوة الخندق وموقف الأحزاب من المسلمين فيها يقول الله - تعالى: # إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ ~~زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله ~~الظنونا * هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا ~~زلزالا شديدا * وإذ يقول المنافقون والذين ~~في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا * وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا ~~مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي ~~يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون ~~إلا فرارا ~~. أولم يكن ms471 حقا على المسلمين أن يقيموا لهذا الخندق ~~أثرا باقيا يذكر به؟! أوليس حقا اليوم أن نقوم بما لم يقوموا به ليكون لنا في صبر ~~المسلمين حين الخندق على البأساء وعلى مواجهة الموت عبرة؟! أم أنا لا يعنينا من تاريخ ~~السلف إلا بركته، وإن غابت عنا عبرته؟! # والآن، فماذا وراء الخندق في داخل المدينة من آثار تذكر اليوم؟ لا أحسب أثرا لما بعد ~~عهد النبي أبقى ذكرا عند المسلمين من سقيفة بني ساعدة، وهم لا يذكرونها لجلوس ~~النبي فيها ما يذكرونها لوقوع بيعة أبي بكر بها، بعد ما وقع من خلاف بين الأنصار ~~والمهاجرين أيهم تكون له الإمارة؟ وقد ألف الناس أن يذكروا تاريخ الخلاف بينهم أكثر ~~مما يذكرون أسباب اتفاقهم وإخائهم، أترى مكان هذه السقيفة ثابتا مع ذلك لا يقع عليه ~~خلاف؟ كلا! فمن المؤرخين من يقول: إنها خارج الأسوار على مقربة من بئر بضاعة، وهذا ~~الرأي الأخير رأي المطري، وقد انتهى السمهودي إلى ترجيحه، وبذلك تكون السقيفة واقعة عند ~~الباب الشامي من أبواب المدينة قبيل ملتقى الطريق إلى الشام والطريق إلى أحد. # ولا يزال أهل المدينة يحتفظون للسقيفة بأثر لم يثر عنايتي، فهو فضلا عن عدم ~~قدمه لا يصور في الذهن معنى من حياة الأنصار الأقدمين، وما قيمة الأثر أو النصب ~~إذا خلا من المعنى المقصود منه وفقد مزية القدم؟! # هذا، ولقد كنت حريصا على الوقوف بالآثار التي تذكر عهد النبي بالمدينة أكثر من حرصي ~~على سواها، وما تذكره سقيفة بني ساعدة من ذلك قليل؛ إذ كانت لا تذكره بأكثر من أن ~~النبي جلس فيها، وما ذلك إلى جانب ما تذكره المناخة الفسيحة التي ما تزال باقية فضاء ~~كما كانت في العهد الأول، والتي تأوي قوافل الحجاج إليها إذ تتخذ منها مناخة إبلها ~~ومضارب خيامها، كما فعل العرب على عهد الرسول إذ جاءوا زرافات ووحدانا ملبين ~~الداعي لحجة الوداع! وليس يذكر الحجاج اليوم شيئا من حجة الوداع ومقدم المسلمين إلى ~~المدينة لأداء فرضها مع رسول الله، هذا وحجة الوداع ms472 من أعلام الإسلام التي لا تنسى؛ ~~إذ نزل في أثرها قوله - تعالى: # اليوم أكملت لكم ~~دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ~~دينا ~~. # وكانت المناخة قبل حجة الوداع وأول ما جاء الرسول إلى المدينة سوقا لبني ~~قينقاع من اليهود الذين اتخذوا منازلهم على مقربة منها، وكانت سوقا للمدينة كلها ~~حتى استحر الخلاف بين المسلمين واليهود، فتحولت السوق عنها، وبنو قينقاع من اليهود هم ~~أول من تحرش بالمسلمين في المدينة، فنشبت العداوة والبغضاء بينهم وبين اليهود، فقد ~~كان بنو النضير وبنو قريظة يقيمون خارج المدينة فيما وراء موقع الخندق من قبل أن يحفر ~~الخندق، أما بنو قينقاع فكانوا يقيمون بين أهل المدينة، وكان لهم فيها من سلطان المال ~~ما لليهود حيث نزلوا من أقطار العالم. # وكان أول ما بدأت الخصومة بين اليهود والمسلمين بعد انتصار المسلمين في غزوة بدر، ~~أما قبل بدر فكان اليهود يدسون بين المسلمين يحاولون الوقيعة بينهم لتبقى لهم هم ~~الكلمة العليا، فلما رأوا كلمة المسلمين تعلو ومكانتهم في شبه الجزيرة تستقر ~~وتهاب خافوا المغبة، فأتمروا وجعلوا يغرون بمحمد وأصحابه، ويرسلون الأشعار في ~~التحريض عليهم، ولم يطق المسلمون ذلك منهم، فاندفع شباب الأنصار فقتلوا أبا عفك ~~وعصماء من المنافقين وكعب بن الأشرف من اليهود، عند ذلك اشتدت مخاوف اليهود ولم ~~يبق منهم من يأمن على نفسه، لكنهم شعب طويل الأناة، كثير المكر، ذو مرة في ~~العناد، أما وقد رأوا أن المسلمين لا ينجح معهم الدس والوقيعة فليرهبوهم ~~بالسخر منهم لعلهم يرجعون. # أرادوا امرأة مسلمة جاءت سوقهم تصلح حلية لها عند صائغ منهم على كشف وجهها ~~فأبت، وجاء يهودي من خلفها على غرة منها فأثبت طرف ثوبها بشوكة إلى ظهرها، فلما ~~قامت انكشفت سوءتها فضحكوا بها، فصاحت، إذ ذاك وثب رجل من المسلمين على الصائغ ~~اليهودي فقتله، وشدت اليهود على المسلم فقتلوه، وأراد رسول الله حسم الشر فطلب ~~إلى اليهود أن يكفوا عن أذى المسلمين وأن يحفظوا عهد الموادعة الذي عقده معهم أو ينزل ~~بهم ما نزل بقريش، وكان ms473 جواب بني قينقاع: «لا يغرنك يا محمد أنك لقيت قوما لا ~~علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة، إنا والله لئن حاربناك لتعلمن أنا ~~نحن الناس.» فلما سمع النبي ذلك منهم حاصرهم خمسة عشر يوما لم يخرج منهم أحد ولم يدخل ~~عليهم بطعام أحد، فلم يبق لهم إلا النزول على حكم محمد والتسليم بقضائه، وقام عبد الله ~~بن أبي - وكان لليهود كما كان للمسلمين حليفا - فطلب إلى محمد أن يعفو عنهم وأن ~~يعفيهم من القتل، وانتهى الأمر بعد خلاف أن غادروا المدينة إلى وادي القرى ثم إلى ~~أذرعات على حدود الشام وعلى مقربة من أرض المعاد. # تذكرنا المناخة بهذا الحادث في حياة المدينة على عهد الرسول وبما ترتب عليه ~~من جلاء اليهود عن المدينة، وما كان بعد ذلك من جلاء اليهود عن بلاد العرب كلها، ~~ويدعونا هذا الحادث إلى التفكير، أيهما خير لحياة أمة من الأمم: أن تكون على عقيدة ~~واحدة ودين واحد، أم يترك فيها أمر العقيدة جانبا فلا بأس بأن تتعدد فيها الأديان ~~والمذاهب؟ والجواب أن الناس في العصور كلها قد حرصوا على أن تكون الأمة رأيا واحدا في ~~دينها وعقيدتها كفالة لأمنها وسلامها، وحيثما تعددت الأديان وتشعبت المذاهب كان ذلك ~~مبعث الثورة والاضطراب، ولا يزال الناس من أهل عصرنا على هذا الرأي، وإن عبروا عنه ~~بما سموه حرية العقيدة، وهم إنما أرادوا بهذا التعبير أن يهونوا من حدة التعصب ~~وما كان يؤدي إليه من سفك الدماء لاختلاف مذهبي قد يكون أهون أمرا من أن يختصم فيه ~~رجلان، بله أن تزهق بسببه أراوح وأن تضطرب له حياة الجماعة. # والواقع أن تعدد الأديان في الأمة الواحدة قد كان أبدا مثار منازعات دموية أو غير ~~دموية لها في حياة الأمم أسوأ الأثر، وليس ينسى أحد مذبحة «سان بارتلمي» في فرنسا ولا ~~حروب البروتستنتية والكثلكة قبلا، ولن ينسى أحد ما وقع في عهود كثيرة بين إنجلترا ~~واسكتلندا بسبب الخلاف الديني، وعالمنا اليوم - ومنذ عشرات من السنين - يضطرب بنزعة ~~العداوة لبني إسرائيل مصورة ms474 في صورة عداوة السامية، ويصلى من ذلك ويلات وأهوالا، ~~ولقد عانت فرنسا من حادث «دريفوس» وقضيته أشد العناء، وهذه ألمانيا في هذا القرن ~~المتمم للعشرين قد أجلت اليهود عنها وضربت بينهم وبينها حجابا، وكانت في شأنهم ~~أشد تطرفا مما كان محمد والمسلمون الأولون في بلاد العرب، وما تحاوله إنجلترا اليوم ~~من إنشاء وطن قومي لليهود بفلسطين على كره من أهلها ليس إلا مقدمة لإجلاء اليهود عن ~~إنجلترا، وهي مقدمة يدركها تمام الإدراك من عرف السياسة الإنجليزية ومراميها البعيدة ~~وأساليبها الخفية، وهذا كله ينهض دليلا على أن العقيدة أساسا للحياة الاجتماعية أكبر ~~شأنا من الأساس الاقتصادي، وأن تفكيرنا الحاضر في هذا الشأن لم يخالف تفكير من سبقنا، ~~وأن ما نسميه حرية العقيدة قد يصدق بالنسبة للفرد فيما بينه وبين نفسه، لكنه لا ~~يزيد في أمر الجماعة على أنه ثوب رياء قد يواري ما تحته وإن لم يخف الحقيقة التي ~~لم تختلف على الأجيال. # والذين يلبسون تفكيرهم ثوب الرياء يتهمون غيرهم بالتعصب، وهم - علم الله - أشد ~~الناس تعصبا لآرائهم وعقائدهم، وما نعيبهم بذلك، وإنما نعيبهم بنفاقهم، ولو أنهم آثروا ~~الصراحة وأنصفوا لقالوا الحق من أن وحدة العقيدة هي المظهر الأول للحياة الاجتماعية، ~~وأن هذه الوحدة تكون أساسا صالحا حقا ما قامت على إدراك وفهم، لا على تقليد جامد ~~يمسك صاحبه في ظلم الضلالة ويأبى أن يخرج به إلى نور اليقين ليسلك سبيله التي تؤدي ~~إلى صراط الله المستقيم. # وإنما تقوم الحياة على هذا الأساس الصالح المتين يوم يسمو الإنسان في صلته بالإنسان ~~إلى التفاهم عن طريق المجادلة بالتي هي أحسن، والقصد إلى الحق بالدليل والحجة البالغة، ~~مع الحرص على بلوغ هذا الحق والمصارحة بالاقتناع به متى حدث هذا الاقتناع، وما تزال ~~الإنسانية - مع الشيء الكثير من الأسف - بعيدة عن أن تقيم صلاتها على هذا الأساس، وهي ~~ما تزال تلجأ إلى القوة تعتبرها وسيلة مجادلة وسبيل إقناع، وما دام ذلك شأنها فلن يتهيأ ~~لها من وحدة العقيدة بين أهل الأمة الواحدة ما يقيم ms475 علاقات الأفراد فيها على أساس من ~~الإخاء الصحيح وحب أحدهم لأخيه ما يحب لنفسه، وهذا ما فطن الإسلام له؛ ولهذا وضع ~~القواعد لمعاملة أهل الذمة وأهل الكتاب وأجارهم، وجعل لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم ~~فيما لا يتصل بالعقيدة وما ترتبه على المؤمنين بها من جهاد في سبيلها، وما تنشئه لذلك ~~من تكاليف وحقوق عامة. # تذكرنا المناخة سياسة المسلمين واليهود بعضهم إزاء بعض، وتنشر المدينة القديمة ~~أمامنا بما فيها من دور ومساجد وآبار وأمكنة أثرية حياة المسلمين في عهد النبي وخلفائه ~~الراشدين وحياتهم أيام كان الإسلام يصور للإنسانية حضارتها وينشرها في الخافقين، ~~وما تنشره من ذلك في عهد النبي عظيم حقا، بالغ غاية الجلال، فقد رأيت من حديث دورها ~~حول المسجد ما قصصت عليك، وما تروي الكتب من مستفيض أنبائه يزيد الصورة التي تنشرها ~~المدينة أمام الذهن وضوحا، ويزيدها لذلك جلالا ومهابة. # وأقرب هذه الآثار إلى المناخة مسجد الغمامة، فأنت ما تكاد تتخطى باب العنبرية ~~داخلا إلى المدينة حتى تراه أمامك، بل إنك لتراه وأنت ما تزال خارج المدينة، فهو اليوم ~~مبني بناء متقنا، وله قباب ست تلفت النظر، ومئذنة قصيرة يسترعى قصرها الانتباه إذ ~~يقرنها إلى مآذن المسجد النبوي السامقة في السماء؛ ولهذا المسجد فضلا عن اسم الغمامة ~~اسم المصلى، ذلك بأن رسول الله كان يصلي العيدين في المكان الذي يقوم به، وظل على ~~ذلك إلى أن لاقى ربه، لكن هذا المكان لم يكن في ذلك العهد مسجدا، بل كان فضاء من ~~الأرض شأنه شأن سائر المناخة، ويذكر السمهودي رواية عن ابن شبة عن أبي عثمان الكناني ~~أحد أصحاب الإمام مالك بن أنس أن المصلى بني مسجدا في القرن الثاني للهجرة. # وبداخل المدينة خلا مسجد المصلى: مسجد السقيا، ومسجد الفتح، ومسجد ذباب، ومسجد ~~الإجابة، هذا إلى مساجد أخرى ليس يذكرها أكثر المؤرخين، فأما المساجد القائمة بظاهر ~~المدينة فسنتحدث عنها من بعد. # ومسجد السقيا أقرب المساجد التي ذكرنا إلى المناخة وإلى مسجد الغمامة، وهو لا يزيد ~~اليوم عن قبة يسمونها ms476 قبة الروس قائمة عند باب العنبرية في جوار بئر السقيا، وإنما ~~يفصل بينهما طريق مكة، ويذكرون أن النبي صلى بهذا المسجد ودعا فيه بالبركة لأهل ~~المدينة وذكر أن بلدهم حرام كمكة، وهذا الذي يروونه من حرمة المدينة موضع جدل طويل ~~أسهب السمهودي في بيانه في أول كتابه «وفاء الوفا»، والسمهودي هو الذي اكتشف هذا المسجد ~~في القرن التاسع وكان دارسا، ولما اكتشف أعيد بناؤه ثم تهدم كرة أخرى وأقيمت ~~قبة الروس موضعه. # أما مسجد الفتح فيقع في شمال المدينة على قطعة من جبل سلع، فهو بذلك أدنى إلى ~~ظاهرها، وهو يقع حيث كان الخندق، وهو من المساجد التي بنيت في عهد الرسول، ويروى أنه # صلى الله عليه وسلم # دعا الله فيه ثلاث مرات استجاب له ربه في الثالثة منها، فعرف البشر في ~~وجهه، وكان دعاؤه أن يصرف الله الأحزاب، فلما استجاب الله له وصرف الأحزاب عاد النبي ~~بالمسلمين إلى المدينة وكلهم حمد لله وثناء عليه، وقد جدد الحسين بن أبي الهيجاء ~~بناء هذا المسجد سنة 575 للهجرة، ثم جددته الدولة العثمانية بعد ذلك، ولقد كان في ~~عد رسول الله مبنيا بالحجارة واللبن والجريد، أما اليوم فهو مبني كله بالحجارة، ~~وقاصده يرتقي إليه على سفح سلع. # وعلى مقربة من مسجد الفتح يقع مسجد ذباب على سفح جبل ذباب فيما بين سلع وأحد، ~~وكل ما يؤثر عن هذا المسجد أن رسول الله صلى في موضعه، وأنه ضرب قبة له على جبل ذباب ~~في غزوة الخندق. # ويقع مسجد الإجابة شمال البقيع بضاحية المدينة الشرقية، وسمي هذا المسجد مسجد ~~الإجابة فيما يذكر السمهودي؛ لأن رسول الله دعا ربه فيه وطلب إليه ألا يهلك أمته ~~بالغرق، ولا بالجدب، وألا يجعل بأسهم بينهم، فأجاب الدعوتين الأولى والثانية ~~ومنعه الثالثة. # هذه هي المساجد المأثورة بداخل المدينة، أويستطيع المؤرخ أن يقطع بأنها تؤرخ الحوادث ~~التي أقيمت شاهدا عليها؟ لعله يستطيع ذلك فيما له اتصال بحوادث معينة كغزوة الخندق، ~~وإني لأؤثر أن أرجئ الحديث في هذا الأمر إلى أن ms477 أستكمل هذه الآثار حين الحديث عما ~~يوجد منها بظاهر المدينة، فما بالمدينة وما بظاهرها يتصلان من حيث دلالتهما على حياة ~~الرسول وأصحابه بالمدينة وما يرسمانه لهذه الحياة من صور. # تناولت من آثار المدينة دورها المحيطة بالمسجد النبوي ومساجدها التي تذكر حادثا ~~بذاته، وتناولت من الأمكنة سقيفة بني ساعدة والمناخة والخندق وسور المدينة، وثم من ~~الأمكنة كذلك ثنية الوداع التي دخل النبي منها المدينة، وهي ثنية في الجبل ~~كالثنية التي تقابل الشرائع في طريق الذاهب من مكة إلى الطائف، والنقا وحاجر كانا من ~~متنزهات المدينة فيما مضى وهما اليوم عامران بالدور الأنيقة، والمنحنى الذي يجري ~~اليوم طريقا أمام التكية المصرية وتقوم على جانبيه دور الحكومة. # ولست أستطيع أن أختم هذا الفصل دون الإشارة إلى أمر لعل له من الخطر عند علماء ~~الحفريات والتنقيب عن آثار المدينة أكثر مما يدور بخلد من لا عهد لهم بهذه الشئون، ~~ذلك أن المدينة الحالية تقوم فوق أطلال قديمة لمدينة سبقتها، صحيح أنه لم تجر حفريات ~~علمية لإثبات هذا الأمر، لكن حفريات قصد بها إلى تهيئة أسس المنازل أو الأنصاب شهدت به ~~ودلت عليه، أو شهدت على الأقل بأن الشبهة عليه بالغة غاية القوة. # وقد روى الأستاذ عبد القدوس الأنصاري في كتابه «آثار المدينة المنورة» حوادث من ذلك ~~جديرة بأن تسترعي نظر العلماء، فبينما كان العمال يحفرون الأساس بالقسم الشمالي من ~~مدرسة العلوم الشرعية الواقعة قرب باب النساء عثروا بمصباح زيت قديم على عمق أربعة ~~أمتار من سطح الأرض، كما عثروا ببركة صغيرة ومجاري مياه وقطع من فخار، وفي عام ~~1335 كان العمال يحفرون موضع الأساس لنصب تذكاري أمر حاكم المدينة التركي فخري باشا ~~بإقامته تذكارا لتولية الشريف على حيدر على إمارة مكة، إذا هوة انفتحت وكشفت عن ~~بيوت سقفها تحت طبقة هذه الأرض، وقد نزل العمال إليها ووجدوا بها ثيابا معلقة على حبال ~~محتفظة بهندامها، فلما مسوها بعد دخول الهواء إليها تناثرت، وكان العمال يحفرون في ~~بستان لآل السيد محيي الدين بالطرناوية إذ انفتحت أمامهم ms478 هوة واسعة عميقة متصلة بنفق ~~واسع، وقد هبط إليه بعضهم وسار فيه ثم ارتد فزعا لظلمته، وعثروا في هذا البستان كذلك ~~بآثار لبناء قديم من الآجر المربع الكبير، فإذا صح أن كانت لهذه الحفريات دلالة على ~~أن المدينة قائمة فوق أطلال مدينة سبقتها كان ذلك جديرا بمباحث الأثريين والجيولوجيين ~~لمعرفة التاريخ الذي ترجع إليه هذه الآثار والسبب الذي أدى إلى طمرها. # وأكبر الظن عندي، وإن لم أكن من رجال الآثار أو طبقات الأرض، أن السبب في ذلك يرجع ~~إلى طبيعة هذه الأرض التي تقوم المدينة عليها، فكل ما حولها يشهد أنها طبيعة بركانية ~~سكنت منذ أزمان بعيدة، وهذه الحرار السوداء التي حولها إنما هي حمم اختلط بتراب ~~الأرض ورمالها وارتفع إلى بعض الهضاب فيما يخيل إلي، فإن لم يكن ذلك حقا، ~~والحكم به يحتاج إلى مباحث علمية دقيقة، فلا بد أن تكون البراكين قد ثارت بهذه البقعة ~~فطمرت الرمال والأتربة والحمم مساكنها في عصر سبق، وذلك عندي تفسير ما يقصه صاحب ~~«آثار المدينة المنورة» من الأنباء. # ولكن متى حدث هذا؟ أفحدث بعد عهد الرسول أم حدث قبله؟ وهل كان وحده السبب في أن ~~طمرت بالمدينة دور وآثار شتى؟ يتعذر القول برأي حاسم في هذا الأمر، فقد رأيت على ~~مقربة من ذي الحليفة آثار مسجد ذكر لي الأستاذ عبد القدوس أنه كان مطمورا، وأنه ~~كشف عنه من عهد غير بعيد، أما والمساجد لم تعرف إلا بعد الإسلام فقد طمر هذا المسجد ~~إذن في عصور متأخرة، لكن مؤرخي المدينة لم يذكروا لنا شيئا عن البراكين والثورات ~~البركانية، وإن ذكروا هذه الصاعقة التي أحرقت المسجد النبوي وامتد لهبها إلى بعض نواحي ~~المدينة، فما اكتشف إذن فيما حول المسجد وعلى مقربة منه لا بد أن يكون قد طمر قبل عهد ~~الرسول، وهذا احتمال ليس بمستحيل حدوثه، وليس بمستحيل أن تكون الثورات البركانية سببه، ~~وقد يؤيد هذا القول بقاء الآبار المأثورة منذ عهد الرسول - كبئر السقيا وبئر بضاعة ~~اللتين أشرنا إليهما، وكبئر حاء وكبئر أبي ms479 أيوب وبئر ذروان وغيرها من الآبار التي ~~سردت أسماءها في فصل المدينة الحديثة - لكن هذا التأييد لا يعدو أن يكون ظنيا أقرب ~~إلى الحدس المنطقي، فأما السبيل إلى الإجابة عما سألنا عنه وإثباته العلمي، فالحفريات ~~الأثرية والجيولوجية دون سواها. # وأكرر أنني أرجئ الحديث فيما تدل عليه هذه الآثار من حياة المسلمين بالمدينة في ~~عهد النبي إلى فصل «ظاهر المدينة»؛ فظاهر المدينة قد كان ميدانا لنشاط الرسول وأصحابه ~~كالمدينة سواء، ولا سبيل لذلك إلى حديث مستقل عن حياتهم في ناحية دون الأخرى من هاتين ~~الناحيتين المتصلتين، ونحن إنما جعلنا الخندق فاصلا بينهما لنيسر تقسيم البحث، ونهيئ ~~للقارئ تكوين صورة من المدينة أبعد ما تكون عن الاختلاط والاضطراب، أما الواقع من الأمر ~~اليوم، كالواقع من الأمر في أعقاب الهجرة وإلى وفاة الرسول، فالمدينة وظاهرها كل ~~متصل ليس من الميسور تجزئته. # | جنة البقيع # إن تعجب فقد عجبت قبلك من عنوان هذا الفصل، عجبت حين قرأت الكلمتين اللتين ~~تؤلفانه على صورة شمسية للقباب التي كانت قائمة بالبقيع ثم هدمها الوهابيون، وإنما ~~هون من عجبي أن الذي أطلق على المكان جنة البقيع ووضعه على الصورة رجل من الأتراك في ~~عهد بني عثمان، فلما انقضى العجب وعدت أتدبر الكلمتين رأيتهما تعبران عن معنى ~~دقيق، فاخترتهما عنوانا لهذا الفصل من الكتاب. # فالبقيع، أو بقيع الغرقد كما تسميه كتب السيرة، هو مقبرة المدينة، كان مقبرتها في ~~الجاهلية وفي صدر الإسلام، وما يزال مقبرتها إلى اليوم، ولم يعن التركي صاحب الصورة ~~الشمسية هذا البقيع كله في جاهليته وإسلامه، وإنما عنى جزءا منه هو الذي بقي موضع ~~عناية الناس به وزيارتهم إياه، وهو موضع حديثي الآن، ففي هذا الجزء من البقيع مقابر ~~أزواج النبي وقبر ابنه إبراهيم وقبور بناته، وقبر عثمان بن عفان، وقبر جعفر الصادق، ~~وقبر مالك بن أنس، وقبور شهداء واقعة الحرة التي هاجمت فيها جيوش يزيد بن معاوية ~~المدينة سنة ثلاث وستين من الهجرة، هذا إلى كثير من صحابة رسول الله # صلى الله عليه وسلم # ذكرت ~~المؤلفات ms480 القديمة عددا كبيرا من أسمائهم، وأغفلت مع ذلك ذكر أسماء أكثرهم. # المسلمون جميعا على اتفاق أن أصحاب هذه الأسماء التي أسلفناها من أهل الجنة، وأن ~~كثيرين غيرهم، لم أذكر أسماءهم، من أهل الجنة كذلك، فمنهم جماعة من أهل بدر الذين قال ~~فيهم رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «لعل الله قد اطلع إلى أهل بدر يوم بدر فقال: اصنعوا ما ~~شئتم فإني قد غفرت لكم.» ومنهم جماعة وهبوا حياتهم لله ولإخوانهم المسلمين ~~فاستشهدوا في سبيل الحق، وشهد الناس لهم في حياتهم بالتقوى، فلهم عند ربهم مغفرة وأجر ~~كريم، ومن بينهم جماعة من العلماء الذين توفروا حياتهم على العلم مخلصين له وجوههم لا ~~يبغون به غير الحق مرضاة لله؛ من هؤلاء مالك بن أنس صاحب المذهب المالكي وعالم المدينة ~~العظيم، والعلماء ورثة الأنبياء ما أرادوا بعلمهم الحق وهداية الناس له، أما وذلك شأن ~~الثاوين في هذا المكان فلم يغل من سماه جنة البقيع، ولم يغل من رفع القباب على ~~قبور أصحابه لو أنه قصد منها إلى الإشادة بذكرهم لتكون للناس على كر العصور ~~مدكرا وعبرة. # يقول «برخارت» في كتابه وصفا لهذا المكان: # 1 ~~«في اليوم الذي يلي أداء الحاج واجباته للمسجد والحجرة تجري العادة بذهابه ~~إلى مقبرة المدينة تكريما لذكرى القديسين الكثيرين المدفونين بها، وهي تجاور أسوار ~~البلد على مقربة من باب الجمعة، وتسمى البقيع، صورتها مربع مكون من بضع مئات من الأذرع ~~يحيط به جدار يتصل من الجنوب بضاحية المدينة وتحيط به من سائر نواحيه مزارع النخيل، ~~وهذا المكان حقير جدا بالنظر إلى قداسة الأشخاص الذين يحتوي رفاتهم، ولعله أشد ~~المقابر قذارة وحقارة بالقياس إلى مثله في أية مدينة شرقية في حجم المدينة، فليس به قبر ~~واحد حسن البناء، كلا بل ليست به أحجار كبيرة عليها كتابة اتخذت غطاء للقبور، إنما هي ~~أكوام من تراب أحيطت بأحجار غير ثابتة، وقد اتهم الوهابيون بأنهم الذين دمروا ~~القبور، واتخذ الدليل على ذلك من بقايا قباب ومبان كانت على قبر عثمان والعباس وفاطمة ms481 ~~وعمات محمد قيل: إن هؤلاء المتعصبين دمروها، لكنهم من غير شك ما كانوا ليزيلوا أي ~~قبر بسيط مبني من الحجر ها هنا وهم لم يصنعوا من ذلك شيئا بمكة ولا بغيرها من الأماكن، ~~فما عليه هذه المقبرة من سوء الحال لا بد أن قد سبق عهد الغزوة الوهابية، ويرجع سببه ~~إلى ضيق التفكير الذي جعل أهل المدينة يضنون بأي نوع من البذل إكراما لرفات ~~العظماء من بني موطنهم ، فالمكان كله مضطرب، يجمع أكوام التراب إلى جانب الحفر ~~الواسعة والحثالة من غير أن يكون به حجر قبري واحد، ويطاف بالحاج لزيارة عدد من ~~القبور ولتلاوة الأدعية المألوفة حين وقوفه بكل قبر منها، وإن كثيرين ليقصرون أنفسهم ~~على حرفة هي الوقوف طيلة النهار على مقربة من أحد القبور الهامة وفي يدهم منديل ~~منشور في انتظار الحجاج الذين يجيئون للزيارة، وهذه الحرفة امتياز خاص ببعض الفراشين ~~من خدام المسجد وأسرهم، إذ قسموا المقابر فيما بينهم ليقف الواحد منهم عند أحدها ~~أو يبعث خادمه بديلا منه.» # هذا ما يصف به الحاج عبد الله برخارت جنة البقيع، ولقد زرتها بعد خمس وعشرين ~~ومائة سنة من زيارته إياها فلم أجد بها بقية لبناء أو قبة على الأجداث، مما حمل التركي ~~على أن يسمي هذا المكان جنة البقيع، ولم أجد بها أكواما من التراب ولا حفرا ولا ~~حثالة، إنما وجدت قبورا مسواة بالأرض يحيط بكل قبر منها أحجار صغيرة تعلمه، فقد ~~أزيل في هذا العهد الحاضر كل ما بقي من أثر لقبة أو بناء وسويت القبور بالأرض، ~~فلولا أنك تعرف أن هذا المكان هو البقيع وأن به رفاتا خلف أصحابها على التاريخ ~~أعظم الذكر، ولولا هذه الأحجار المحيطة بكل قبر، لخلتها فضاء مسورا لا شيء البتة ~~فيه، لكن ما تعلمه عن الثاوين بها يجعلك تقول مع برخارت: «لقد بلغت المدينة مع الغنى ~~برفات القديسين العظماء حتى لقد كان كل من هؤلاء يفقد جلال العناية بذاته، على حين ~~تكفي بقية من رفات أي من المدفونين بالبقيع لتجعل لأية ms482 مدينة إسلامية أعظم ~~الشهرة.» # زرت البقيع وتخطيت أثناء القبور، ووقفت على كل قبر وصليت على صاحبه واستغفرت ~~الله له، ثم وقفت متأملا أتدبر ما أمامي وتناجيني نفسي: «أويموت الذين يسبقوننا إلى ~~القبور؟! أم أنهم ينقلون من عالمنا هذا إلى العالم الآخر فتنحل أجسامهم إلى عناصرها ~~الأولى وتبقى أرواحهم بين يدي بارئها يحاسبها على ما قدمت؟ وما قدم الذين ~~قبلنا لا يزول بزوالهم بل ينتقل إلينا ويصبح ميراثنا عنهم ، تتأثر به حياتنا حتى لكأنهم ~~بيننا، وحسبي أن أذكر ما في نفسي أنا المصري من ميراث هؤلاء المؤمنين المدفونين بهذا ~~البقيع ليثبت يقيني باتصال الوحدة بيننا وبين الذين سبقونا، ليكن مذهبي الإسلامي ~~شافعيا أو حنفيا أو حنبليا، فأنا قد تأثرت وتأثر أمثالي لا ريب بمذهب هذا الفقيه ~~العظيم مالك بن أنس الراقد في هذا البقيع، وليكن هواي السياسي في الحياة الإسلامية ~~علويا أو أمويا فأنا تأثرت بلا ريب بهذا الخليفة الكبير عثمان بن عفان، وبزوج ~~هذه الراقدة ها هنا فاطمة ابنة النبي وبابنيها الحسن والحسين، وهذه الأسرة الكريمة أسرة ~~رسول الله، وها هنا منها رفات زوجاته وبناته وعماته، قد تركت من الأثر في حياتي ~~أبلغه وأعمقه، تغير اتجاه تفكيري على السنين غير مرة ولم يتغير ما ترك هؤلاء جميعا ~~في النفس من أثر آيته أنني كنت وبقيت أحني الرأس إكبارا وإجلالا لدى ذكرهم وحين ~~الحديث عنهم. # كم مرة جاء رسول الله # صلى الله عليه وسلم # إلى هذا المكان؟ عشرات المرات، فقد كان يجيء إليه كلما ~~مات صاحب من أصحابه يصلي عليه ويقف حتى يواري جثمانه التراب، وكان يجيء وحده ~~أحيانا ومع أصحاب له أحيانا أخرى، لغير شيء إلا للصلاة على من في البقيع والاستغفار ~~لهم ومناجاتهم، فقد كان يرى الحق من أن الموت انتقال من حياة الدنيا إلى حياة الآخرة، ~~وأن الذين ينتقلون من بيننا يبقى اتصالهم بنا حتى ليسمعوننا وإن كانوا لا يتحدثون فلا ~~يستطيعون أن يجيبونا؛ لذا سمعه أصحابه جوف الليل بعد أن نصر الله المسلمين ببدر يناجي ~~المشركين الذين ms483 قتلوا في المعركة ودفنوا في القليب الذي حفره المسلمون لهم وهو ~~يقول: «يا أهل القليب! يا عتبة بن ربيعة، يا أمية بن خلف، يا أبا جهل بن هشام، يا ... ~~(واستمر يذكرهم بأسمائهم) يا أهل القليب، هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟! فإني وجدت ما ~~وعدني ربي حقا.» قال المسلمون: «يا رسول الله، أتنادي قوما جيفوا؟!» فكان جوابه: ~~«ما أنتم بأسمع لما أقوله منهم، لكنهم لا يستطيعون أن يجيبوني .» # وكثيرا ما ناجى أهل البقيع من أنصاره الذين استشهدوا في سبيل الله، وكان آخر ذلك ~~حين مرض مرضه الذي اختار الرفيق الأعلى على أثره، فقد أرق ليلة أول ما بدأ يشكو فخرج ~~ومعه مولاه أبو مويهبة وذهب إلى البقيع فوقف بين المقابر وقال يخاطب أهلها: «السلام ~~عليكم يا أهل المقابر، ليهنئ لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن ~~كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أولها، الآخرة شر من الأولى ...» ثم استغفر الله ~~لهم. # وهذه آية من رسول الله في السمو بالتفكير على الزمان والمكان، وفي مقدرة من وهبه ~~الله ما وهب رسوله أن يتصل بمن شاء الله أن يتصل بهم ممن يحجبهم الزمان والمكان، ولقد ~~يسر لنا العلم أن ندرك اليوم شيئا من هذا حين يسر لنا أن نصل على المكان بمن شئنا عن ~~طريق الأثير والإذاعة، وما يزال علماء يحاولون حل مشكلة الزمان بالاتصال بأرواح الذين ~~سبقونا، ومن يدري! فلعل العلم يطوع لنا أن نتصل بهم يوما في يسر كما نتصل اليوم ~~بمن في أقصى الأرض، وأن نراهم طي القرون كما نرى عن طريق «التلفزيون» من تحجب ~~البحار والجبال والقارات بيننا وبينهم. # ومع تسوية قبور البقيع بالأرض اليوم وعدم إعلامها إلا بهذه الأحجار الموضوعة حولها، ~~لقد شعرت إذ وقفت أمام بعضها بهزة نفسية كأنما بيني وبين ساكنيها أقرب الأواصر، ~~وكأنهم دفنوا لأمسهم ولما تجف العبرة عليهم، من هذه القبور قبر إبراهيم ابن ~~الرسول - عليه الصلاة والسلام، فلقد وقفت لديه وأطلت الوقوف، وذكرت عنده هذه الفترة ~~الوجيزة من حياة محمد ms484 مذ ولد هذا الطفل إلى أن مات ولما تنتصف السنة الثانية من ~~عمره، كان الله قد فتح أم القرى مثابة بيته العتيق على المسلمين، وقد أمنهم جانب الروم، ~~وكان النبي قد جاوز الستين بعد أن اطمأن إلى نصر الله إياه، تفد عليه القبائل من ~~أنحاء الجزيرة كلها تعلن إليه إسلامها وتستظل بلوائه الروحي وبأخوة المؤمنين. # كان إلى ذلك قد فقد أبناءه وبناته فلم يبق له منهم إلا فاطمة ، وقد أقام عشر سنوات ~~بعد وفاة خديجة وبعد زواجه من عائشة وسائر أمهات المؤمنين لا يعقب، فلما ولدت له ~~مارية القبطية المصرية إبراهيم فاضت بالمسرة نفسه، ووجد في هذا الطفل أنس قلبه ~~وزينة حياته، فجعل يمر كل يوم بدار أمه يمتع بابتسامة الطفل البريئة الطاهرة، ~~ويغذي بضمه إلى صدره شعوره الإنساني الذي بلغ من السمو أن شمل الناس جميعا، وهو ~~يجد مع ذلك في توفره على هذا الطفل نعيما وغبطة، وتأخذ الغيرة أمهات المؤمنين لهذا ~~الحب الذي رفع أم إبراهيم عن مقام السراري إلى مقام الزوجات، فيأتمرن بالنبي ~~ويخرج بهن الغضب إلى ما لم يعودنه، فلا يصرفه ذلك عن الطفل، بل يزداد به تعلقا ~~كلما ازداد نموا، وكلما رأى في ابتسامته وفي ضحكته ما تسعد به أبوته وتستريح له ~~نفسه من عملها العظيم المضني. # ويترعرع الطفل وينمو ويزداد شبهه بمحمد وضوحا فيزداد له حبا وبه تعلقا ويرمقه من ~~العطف بما لا عطف بعده، وإنه لكذلك إذ مرض الطفل وأسرع فيه المرض، فذبلت نضارته وذهب ~~لونه، ولم ينفعه تمريض أمه، ولم يبعث عطف أبيه إلى جسمه النحيل الشفاء، ويشتد الألم ~~بمحمد لما يرى من حاله، ويبلغ منه الألم أن يأخذ بيد عبد الرحمن بن عوف يعتمد عليه في ~~مسيرته من المدينة إلى النخل بجوار العالية من ضواحي المدينة حيث تقيم مارية تمرض ~~ابنها، وتعينها أختها سيرين في تمريضه، وتواسيها في بأسائها، ويرى النبي الطفل في ~~حجر أمه [يجود] بنفسه، فيملأ الألم قلبه وتندى بالدمع عينه، ويجلس إلى جوار مارية ~~الملهوفة وهو أشد ما ms485 يكون وجلا وخوفا وجزعا، ويأخذ الطفل إلى حجره وينظر إليه ~~بعينين ملئتا ألما ويقول: «إنا يا إبراهيم لا نغني عنك من الله شيئا!» فتصيح ~~الأم وتصيح أختها والطفل في غيبوبة الموت لا يوقظه صريخ أمه ولا تنبهه الدموع الحارة ~~المنهلة من مآقي أبيه! # ويقبض هذا الروح البريء وينطفئ بموته أمل تفتحت له نفس النبي زمنا، فتزداد عيناه ~~تهتانا ويأخذ منه الحزن كل مأخذ، ويقول والجثة الصغيرة الهامدة ما تزال في حجره: «يا ~~إبراهيم، لولا أنه أمر حق، ووعد صدق، وأن آخرنا سيلحق بأولنا، لحزنا عليك بأشد من ~~هذا.» ثم تخنقه العبرة فلا يستطيع أن يتابع القول فيعلوه الوجوم وقد ارتسم الحزن على ~~قسمات محياه في أبلغ صورة للهفة اللاذعة العميقة، ويشعر بأنه مفارق هذه الفلذة من ~~كبده فيهز رأسه ويقول: «تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا يا ~~إبراهيم عليك محزونون.» # ويحس محمد ما به من جوى الحزن وما يلفحه من حرقته، ويقدر بما بمارية وأختها ~~منه، فتأخذه الرأفة بهما، فيكفكف من دمعه ويتوجه إليهما يريد تعزيتهما فيذكر لهما إن له ~~لمرضعا في الجنة، ويقوم ومعه عمه العباس وطائفة من المسلمين يشيعون إبراهيم بعدما ~~غسلوه وحملوه على سرير صغير، ها هم أولاء قد جاءوا به إلى هنا ووقفوا به حيث أقف، ~~ولعله # صلى الله عليه وسلم # كان واقفا مكاني حين صلى عليه، وحين سوى على قبره بيده بعد دفنه، ~~وحين رش الماء على القبر وأعلم عليه بعلامة وقال: «إنها لا تضر ولا تنفع، ~~ولكنها تقر عين الحي، وإن العبد إذا عمل عملا أحب الله أن يتقنه.» # وحدثتني نفسي وأنا بموقفي: كيف يبلغ الحزن من محمد هذا المبلغ وقد حمل في الحياة ما ~~ينوء به من لم يؤته الله من فضله ما آتى نبيه ورسوله، وقد حمله قويا صابرا ~~مستهينا بالأذى والموت؟! وذكرت إذ ذاك أنه # صلى الله عليه وسلم # بشر مثلنا، وأن لنا فيه الأسوة ~~والمثل، وأنه في حزنه على إبراهيم قد كان الأبوة البرة والعاطفة ms486 السامية التي ~~ركبها الله في الناس إبقاء على الحياة وصورة لوحدتها المتنقلة على الأجيال، وهل في ~~الحياة كعاطفة الأبوة البرة نعمة وسعادة وزينة؟! وهذه العاطفة التي نسعد بها هي التي ~~تبعث إلى قلوبنا حب الغير، وتخفف من أثرتنا وتعلمنا الإيثار وتدعونا إليه، وهي ~~التي تدفعنا بذلك إلى السعي في الحياة ابتغاء الرزق لبنينا ومن يلوذ بنا وابتغاء الخير ~~بعد ذلك للناس جميعا، ولولا هذه العاطفة لقضت الأثرة على الحياة ولأسرع الفساد إلى ~~الكون. # ويخرج الناس من البقيع بعد موت إبراهيم فإذا الشمس تكسف، وإذا آية النهار ~~تمحى، فيحسبون ذلك معجزة شارك الكون بها رسول الله في حزنه، لكنه # صلى الله عليه وسلم # ما ~~يلبث حين يسمعهم يتهامسون بذلك أن يقول لهم: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ~~تخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله بالصلاة.» ويهرع ~~المسلمون إلى المسجد يصلون وقد زادتهم كلمة رسول الله إيمانا بأن الله - جل ~~شأنه - لا يغير سنته، وأن كل ما يقع في الحياة إنما هو من أمره. # وقفت على كل قبر بالبقيع وصليت على صاحبه واستغفرت الله له، وكذلك كان يفعل الذين ~~رأيتهم يزورونه ساعة زيارتي إياه، على أني عجبت لقوم رأيتهم يطيلون الوقوف عند قبور ~~أهل البيت ويبكون أحر البكاء، فإذا مروا بقبر عثمان استحثوا الخطا فلم يقفوا عنده، ~~قال أصحابي حين سألتهم في ذلك: أولئك جماعة الشيعة، فهم ما يزالون يذكرون أن دم عثمان ~~هو الذي أذكى الفتنة بين علي ومعاوية، وبين بني أمية وآل البيت، وأنه الذي أدى إلى ~~مقتل علي والحسين؛ وهم لذلك يمرون بهذا القبر سراعا لا يصلون على صاحبه ولا ~~يستغفرون الله له، وزاد في عجبي أن أهل بيت النبي أنفسهم لم يبلغوا من الموجدة على ~~عثمان بعد موته هذا المبلغ، لقد رأيت كيف أراد الحسن بن زيد أن ينتقم من بني أمية ~~لإدخالهم حجرات أزاوج النبي في رقعة المسجد، فكتب إلى المنصور أن يزيد في رقعة المسجد ~~وأن يجعل الحجرة ms487 النبوية في وسطه لتدخل دار عثمان في رقعته، وكيف أجابه المنصور: إني قد ~~عرفت الذي أردت فاكفف عن ذكر دار الشيخ عثمان بن عفان، ولم يخالف أحد من العباسيين ~~المنصور في تفكيره هذا على طول ملكهم، أفتبقى الموجدة في نفوس الشيعة أكثر مما بقيت في ~~نفوس بني العباس وهم أقرب الناس إلى علي وإلى الحسين نسبا؟! أم أنها ليست الموجدة ~~ولكنها العقيدة التي يتوارثها الأجيال من غير تفكير في سببها ومنشئها، والتي تنشأ أول ~~أمرها متأثرة بأهواء شعوبية أو سياسية أغلب الأحيان؟! # ترى أفيبقى البقيع كما هو اليوم مسواة قبوره بالأرض لا يقوم على قبر منها قبة، ولا ~~يقام للعظماء والصحابة المدفونين به أثر يذكرون به؟ لعلك تحسب الأمر يبقى كذلك ما ~~بقي الوهابيون بالحجاز، وقد يكون في التاريخ ما يرجح ظنك، فقد غزا الوهابيون الحجاز في ~~أوائل القرن التاسع عشر المسيحي فحطموا قباب البقيع كما حطموا غيرها من القباب بمكة ~~والمدينة وغيرها من بلاد الحجاز، في هذا الوقت زار السويسري «برخارت» الحجاز ووصف ~~البقيع بما رأيت، فلما أجلت جنود مصر الوهابيين عن الحجاز وعاد الأمر فيه إلى بني ~~عثمان أعادوا بناء كثير من القباب وشادوها على صورة من الفن التي تتفق مع ذوق العصر، ~~ولقد ذكر صاحب «مرآة الحرمين» من هذه القباب ما لأهل بيت النبي، والقبة التي بناها ~~السلطان محمود سنة 1233 للهجرة على قبر عثمان، ونشر صورها الشمسية، فلما عاد الوهابيون ~~إلى الحجاز بعد ذلك بأكثر من مائة سنة هدموا هذه القباب كرة أخرى، أفيعيد التاريخ ~~نفسه، فإذا جلا الوهابيون من الحجاز ودخل في حكم أهله أو في حكم غيرهم ممن لا يرون ~~بإقامة القباب في الدين بأسا أعادوا تشييدها، وإذا عاد الوهابيون بعد ذلك إلى الحجاز ~~هدموها، أم يظل البقيع كما هو اليوم بقي الوهابيون في الحجاز أو جلوا عنه؟ أم ترى ~~يبلغ الأمر بين الوهابيين وغيرهم من طوائف المسلمين إلى التفاهم على إقامة أثر يذكر ~~به هؤلاء الأبطال الذين دفنوا بالبقيع، على ألا يكون هذا ms488 الأثر موضع تبرك وألا ~~يتخذ إلى الله زلفى؟ # ولا أريد أن أجازف بحكم، فأمر ذلك للمستقبل، والمستقبل غيب، والغيب لا يعلمه إلا ~~الله، لكني مع ذلك أرجو ألا يظل هذا البقيع وليس به أثر يذكر به أصحابه، ويذكر به ~~أعلام من دفنوا طي صحائفه، فلقد دفن به أكثر من عشرة آلاف من كرام الصحابة كان لهم ~~في الإسلام وتاريخه وتعاليمه أثر أي أثر، وإن قلت: الإسلام وتاريخه وتعاليمه قلت : ~~الحضارة الإنسانية في الشرق والغرب، ونحن لا نقيم الآثار لمن سبقونا متاعا لهم بها، ~~فمتاعهم في عالمهم بما قدموا من عمل صالح، وإنما نقيمها ذكرا ومعتبرا للأجيال في ~~تعاقبها حثا لأبنائها على أن يجدوا في السابقين الأولين الأسوة والمثل، وأنا إذ ~~ندخل «البانتيون» في باريس أو كنيسة «وستمنستر» في لندن، أو أيا غير هذين من مدافن ~~العظماء لا تجول بخاطرنا عبادتهم، ولا يدور بخلدنا تقديسهم، إنما يدفعنا ذكرهم إلى ~~الوقوف على أخبارهم وما خلفوا من أثر جليل وعمل صالح، وفي هذا خير مشجع على متابعة ~~هذا العمل، وهو خير مظهر للصلة بين الحاضر والماضي صلة لا قيام لأمة ولا قيام للإنسانية ~~إلا بتوثقها. # وما لنا نذكر باريس ولندن وبالمدينة من آثار الإسلام ما رأيت؟! ما أعظم الأثر الذي ~~تثيره دار أبي أيوب الأنصاري في النفس! وما أعظم الموعظة في قبة خالد بن الوليد ~~وشهادتها على ضيق رقعة داره! وما أشد ما تهتز مشاعرنا حين نقف على قبر حمزة عند سفح ~~أحد! دع عنك موقفا كله الإجلال والعظة أمام قبر الرسول ومثوى صاحبيه أبي بكر وعمر في ~~الحجرة النبوية، أية نفس لا تحس في هذه اللحظات الباقية الأثر على الحياة أصدق ~~الرغبة في السمو إلى غاية ما تؤهلها ملكاتها أن تسمو إليه، تشبها بهؤلاء الذين ~~تركوا على الحياة أثرا أخلد الأثر وأبقاه! وإذا صدقت الرغبة واستقر العزم وامتلأت ~~به الإرادة لم يكن لقوة أن تصدنا عن بلوغ ما نبغي، فالإرادة الصادقة أعظم قوة في ~~الحياة، ومن عرف كيف يريد قدر على بلوغ ms489 ما يريد. # وإنما قعد بالمسلمين عن إدراك هذه المعاني ودعاهم أن يتخذوا من القباب مواضع للزلفى ~~إلى الله توسلا إليه بأصحابها ما هووا إليه من جهل حجب عنهم جلال ما صنع الذين ~~تخلد القباب أو تخلد الآثار ذكرهم، وماذا يذكر سوادهم عن أبي بكر وعمر وعثمان ~~وعلي؟ وماذا يذكر هذا السواد عن خالد بن الوليد وأبي عبيدة بن الجراح وحمزة بن عبد ~~المطلب وغيرهم من أبطال المسلمين؟ ثم ماذا يذكر من عمل علمائهم وذوي الفضل والكرامة ~~منهم؟ ليس يذكر من ذلك شيئا؛ لأنه يجهل ذلك كله، وغاية ما يتصوره أن هؤلاء رجال ~~اصطفاهم الله بكرامته، أو نساء أكرمهن الله بمن أعقبن من ذرية صالحة، فهم بذلك أولياء ~~الله؛ ومن ثم يتخذهم هذا السواد إلى الله زلفى ويسبغ عليهم من صفات ما فوق الإنسانية ~~ما يسوغ عنده هذه الزلفى. # فإذا أراد المسلمون ألا يكون للقباب ولا لغيرها ما يدعو الوهابيين إلى هدمها وما ~~يجعلهم يتهمون غيرهم من المسلمين بعبادتها فليست الوسيلة إلى ذلك هدم هذه القباب، وإنما ~~الوسيلة إليه هدم ما في النفوس من حجب الجهل وقبابه، وتفتيح مغالقها بإظهارها على ما ~~صنع السلف وما خلفوا من علم وفن وحضارة، فالعلم هو النور الكشاف الذي يهتك حجب الزمن ~~ويرينا ما خلفه آباؤنا وأسلافنا للإنسانية من أسباب المعرفة، وما تؤدي إليه المعرفة من ~~فضل وخير، وما تنير به سبيل الإنسانية لمستقبلها على هدى الماضي وما تم فيه، يومئذ لا ~~يعبد الإنسان الإنسان ولا يتخذه إلى الله زلفى، وإنما يعبد الإنسان الله وحده لا شريك ~~له، ويتخذ من علمه ومن عمله ومن تقواه الزلفى إلى الله. # فكرت في هذا إذ عدت من البقيع مارا بدار عثمان، فأويت إلى غرفتي وجعلت أقلب ~~في بعض كتب ألتمس فيها للبقيع وأهله ذكرا، ولم أجد من ذلك سوى أن الذين دفنوا به ~~يزيدون على عشرة آلاف من كبار الصحابة، لا تعرف قبور أكثرهم وإنما يعرف من هذه القبور ~~ما لإبراهيم ورقية وفاطمة أولاد النبي، وفاطمة بنت أسد ms490 أم علي بن أبي طالب، وعبد الرحمن ~~بن عوف، وعبد الله بن مسعود، وسعد بن أبي وقاص، وسعد بن زرارة، وخنيس بن حذافة ~~السهمي، والحسن بن علي، وابن أخيه زين العابدين بن علي بن الحسين، وأبي جعفر الباقر ~~محمد بن زين العابدين، وجعفر الصادق ابن الباقر، والعباس بن عبد المطلب، وأخته صفية، ~~وابن أخيهما أبي سفيان بن الحارث، وعثمان بن عفان، وسعد بن معاذ الأشهلي، وأبي سعيد ~~الخدري، وزوجات رسول الله - خلا خديجة التي دفنت بمكة وميمونة التي دفنت بسرف - ~~وهؤلاء جميعا وألوف الصحابة الذين دفنوا معهم يثوون في بقعة ضيقة من الأرض لا يزيد ~~مسطحها على مائة وخمسين مترا في الطول، ومائة متر في العرض، ترتفع عما حولها، ويحيط ~~بها سور لا شيء من الجمال في بنائه. # قلت في نفسي: أولا يهدي الله رجلا من المسلمين إلى كتابة تاريخ لهذه البقعة والذين ~~دفنوا بها ينشر فيه ما عملوا ويحلله تحليلا علميا، ويرده إلى أصوله ويبين ما كان ~~له في الوجود من أثر؟! إن في قصص ما صنعوا وما كانوا عليه لأبلغ العبرة، وهو بعد يكشف ~~من تاريخ هذا العالم عن شيء كثير ما أحوج العالم إلى أن يقف عليه، فهؤلاء جميعا من ~~أصحاب رسول الله، وهم عرب من أبناء شبه الجزيرة، فما اتخذوه في حياتهم من عمل أدنى ~~إلى تصوير الروح الحق لهذا الدين الحنيف وإلى هداية الناس لهذا الروح، وما أشد حاجة ~~الناس إلى هذه الهداية. # ألا لو أن عملا ضخما كهذا العمل أتمه رجل أو رجال لأسدوا إلى الإسلام وإلى ~~التاريخ وإلى الإنسانية خدمة جلى، ولمهدوا لأولي الفن أن يقيموا في هذا المكان ~~أثرا خالدا يصور هذا الروح روح الإقدام في سبيل الحق والإرادة الصادقة في سبيل ~~الله. # ما أقصر سني الحياة! فلو أن لي من القدرة على القيام بشيء من هذا العمل الجليل ~~أمهد به الطريق لإتمامه لأقدمت غير مبتغ إلا رضا الله وحسن ثوابه، وكفى بالله وليا ~~ونصيرا. # ولكن، من لي بأن أقوم - أنا الضعيف ms491 العاجز - فأجمع من شتيت الأسفار ما يؤرخ البقيع ~~ورجاله من أصحاب رسول الله؟! فلأذر هذا الأمر يهيئ الله له من شاء من عباده، ولله ~~الأمر من قبل ومن بعد. # | على قبر حمزة # صه! فأنت هنا أمام عرين الأسد، وهذه الجبال والأودية مما حولك كلها مجاله، فيها كان ~~يجول ويصول، أثناءها كان يصيح بفرائسه من شجعان قريش، فإذا هي تنهد إلى الأرض رعبا ~~وفزعا، هذا جبل أحد أمامك، وهذا جبل سلع من خلفك، وهذا وادي قناة يجري بينهما، ~~وهذه البساتين تمتد ها هنا وهناك عن يمين وعن شمال وراء هذا المهمه الذي ظل خلاء ~~من هيبة صاحب العرين، ما لي أراك الآن حاسر الرأس خاشعا، وما يبكيك؟ أتراك كأهل ~~هذه المدينة لا يبكون فقيدا لهم إلا بكوا قبله حمزة أسد الله وأسد رسوله؟! أم تراك ~~ادكرت مصرعه على مقربة منك وهذا دمه الذكي تتراءى لعينيك في كل قطرة منه معاني النبل ~~والكرامة والاستبسال والشجاعة، فأنت تبكي لهذه الخصال غالها وحشي في غير مصاولة ~~أو مبارزة! ابك ما طاب لك البكاء، وامتثل من صفات حمزة ومن شممه وإقدامه ومن ~~إيمانه وسمو نفسه ما شئت، فما أنت ببالغ من بكائك ومن امتثالك إلا ما يزيدك شوقا إلى ~~هذا القبر، تعود إليه لتقف عنده فتبكي صاحبه، وتتمثل فيه الأسد الذي صرع في غزوة أحد ~~لا كما تصرع الأبطال في ميدان القتال، بل كما يغتال الكرام في حلك الظلام، وهل كان ~~أحد من شجعان العرب جميعا يحسب نفسه كفؤا لحمزة ونزاله؟! وهل كان يظن أحد أن يطالع ~~الموت حمزة في معركة على طول ما مشى بين صفوف الموت مختالا؟! ولكن ما عسى تغني ~~الشجاعة والنبل حين يختبئ الاغتيال في حندس الليل فيورد صاحبهما حتفه. # كان حمزة بن عبد المطلب عم النبي وأخوه في الرضاع الإباء والشمم، وكان البطل ~~المعلم، والمغوار الذي تهابه الشجعان منذ نشأته، لما افتدى عبد المطلب ابنه عبد ~~الله من الآلهة بمائة من الإبل فكر في تزويجه، وكان عبد المطلب يومئذ في ms492 السبعين من ~~عمره، فخرج بعبد الله حتى أتى به منازل بني زهرة وخطب آمنة بنت وهب إلى أبيها زوجا ~~لابنه، وخطب ابنة عمها هالة زوجا لنفسه، وولدت آمنة محمدا، وولدت هالة حمزة، ~~والروايات تختلف؛ أي الطفلين سبق صاحبه إلى الحياة؟ وإن أرضعتهما جميعا ثويبة جارية ~~أبي لهب، وشب محمد يهيئه الله لما أراد من رسالته، وشب حمزة فتى أبيا قويا، ~~رضي الخلق، وسيم الطلعة، مفتول العضل، محبا للقنص يخرج له في الفلاة ويرمي بقوسه، ~~فإذا عاد منه لم يرجع إلى أهله حتى يطوف بالكعبة، ثم لم يمر على ناد من قريش إلا وقف ~~وسلم وتحدث مع من فيه، وكانوا جميعا يحبونه ويهابونه أن كان أعز قريش وأشدها ~~شكيمة. # ولما بعث الله ابن أخيه نبيا ورسولا وبدأت قريش تناوئه وتؤذيه، لم يطب حمزة بما ~~يصنعون نفسا، لكنه ظل يكظم غضبه حتى لا يخرج على الجماعة في عقيدتها، ولقد كان كلما ~~رأى من ذلك شيئا جعل يفكر في أمر ابن أخيه وما يدعو إليه فيرى فيه الحق لا سبيل إلى ~~إنكاره، لكن قومه من بني هاشم لم يتابعوا محمدا، ولم يتابعه أخوه أبو طالب الذي كان من ~~محمد في مقام الأبوة، والذي كان يحميه من قريش وأذاها، ولكن حمزة أخ لمحمد وليس عما ~~له وكفى، وهو بعد أصغر إخوته سنا وأشدهم بأسا وأكثرهم لذلك صراحة، وهو من لا يطيق ~~أن يرى الحق فيما يقول محمد ولا يصارح الناس جميعا بتصديقه إياه وإيمانه به، وإنه ~~يوما لفي قنصه غائب عن مكة إذ لقي أبو جهل محمدا جالسا عند الصفا، وكان أبو جهل ~~رجلا حديد الوجه واللسان، لا يفتأ ينكر على محمد دعوته ويتهمه فيها، فلما لقيه في ~~مجلسه ذاك آذاه وشتمه ونال منه بعض ما يكره من العيب لدينه والتضعيف له، ولم يكلمه ~~محمد، بل انصرف عنه إلى بيته، وعمد أبو جهل إلى جماعة من قريش عند الكعبة فجلس معهم، ~~وكانت مولاة لعبد الله بن جدعان في مسكن لها فوق الصفا تسمع ما ms493 كان بين الرجلين، فلم ~~تلبث حين رأت حمزة بن عبد المطلب مقبلا من قنصه متوشحا سيفه أن وجهت إليه الحديث، ~~فسلمت وقالت: يا أبا عمارة! لو رأيت ما لقي ابن أخيك محمد آنفا قبل أن تأتي من أبي ~~الحكم بن هشام! وجده ها هنا جالسا فسبه وآذاه وبلغ منه ما يكره، ثم انصرف عنه محمد ~~ولم يكلمه، هنالك احتمل حمزة الغضب فخرج سريعا لا يقف على أحد، كما كان يصنع، يريد ~~الطواف بالكعبة، معدا لأبي جهل بن هشام إذا لقيه أن يقع به، فلما بلغ الكعبة نظر إليه ~~جالسا في القوم فأقبل نحوه، حتى إذا قام على رأسه رفع القوس فضربه بها ضربة فشجه ~~شجة منكرة، وقال له: أتسبه وأنا على دينه أقول ما يقول؟! فرد ذلك علي إن ~~استطعت، وأراد رجال من بني مخزوم أن ينصروا أبا جهل، فمنعهم حسما للشر ومخافة ~~استفحاله بين عشيرته وقومه، واعترف أنه سب محمدا سبا قبيحا. # من يومئذ أصبح حمزة أسد الله وأسد رسوله، وحسبت قريش لمحمد وأصحابه حسابا لم يكن ~~يدور لها بخلد من قبل. # لما اتحذ محمد دار الأرقم مجلسا له مع المسلمين وحمزة من بينهم ضرب الباب عليهم ~~يوما رجل يبتغي الدخول، وقام أحد المسلمين ونظر من خلل الباب ثم عاد فزعا يقول: هذا ~~عمر بن الخطاب متوشحا السيف، ولم يكن يود أن يأذن النبي له، أما حمزة بن عبد ~~المطلب فقال: بل ائذن له، فإن كان جاء يريد خيرا بذلناه له، وإن كان يريد شرا ~~قتلناه بسيفه، وأذن النبي لعمر فدخل وأسلم. # هذان حادثان يصفان لك حمزة بن عبد المطلب وخلقه، ويصوران لك مبلغ جرأته وإقدامه ~~واعتداده بنفسه. # ولما هاجر رسول الله إلى المدينة وآخى فيها بين المهاجرين والأنصار آخى بين حمزة وزيد ~~بن حارثة مولى النبي، وكان لهذا الإخاء حكم إخاء النسب أول أمره، ومع ما حدث من ~~عود الأمور إلى طبيعتها بعد أن استقر مقام المهاجرين بالمدينة لقد حفظ حمزة هذا العهد ~~فأوصى إلى زيد يوم أحد، ms494 وفي هذا من الوفاء والكرم ما يصور لك ناحية أخرى من حياة ~~حمزة. # ولقد كان حمزة أول من بعثه رسول الله على رأس أول سرية قامت من المدينة لمناوأة قريش: ~~بعث به في ثلاثين راكبا من المهاجرين دون الأنصار، فلقي أبا جهل بن هشام عند شاطئ ~~البحر في ثلاثمائة راكب من أهل مكة، وكان حمزة على أهبة مقاتلة قريش، على ما بين ~~الفريقين من تفاوت عظيم في العدد، لولا أن حجز بينهم مجدي بن عمرو الجهني ~~وكان موادعا الفريقين جميعا، فلما كان شهر رمضان للسنة الثانية من الهجرة ووقعت غزوة ~~بدر كان حمزة فارسها المعلم وبطلها المغوار، وكان معلما يومئذ بريشة نعامة، ~~ولقد كان المسلمون وكانت قريش تترددان أول المعركة في خوض غمارها حتى وقف عامر بن ~~الحضرمي يصيح: وا عمراه! يذكر قتل المسلمين أخاه عمرا قبل ذلك بأسابيع في سرية ~~عبد الله بن جحش ويطلب الثأر له، هنالك اندفع الأسود بن عبد الأسد المخزومي من بين ~~صفوف قريش إلى صفوف المسلمين، فعاجله حمزة بضربة أطاحت بساقه فسقط إلى الأرض تشخب رجله ~~دما، وأتبع حمزة الضربة بأخرى قضت عليه، بذلك بدأت المعركة، وأعجل الالتحام فيها أن ~~خرج عتبة بن ربيعة بين أخيه شيبة وابنه الوليد، وخرج إليهم من المسلمين حمزة وعلي ~~بن أبي طالب وعبيدة بن الحارث، ولم يمهل حمزة شيبة ولا أمهل علي الوليد أن ~~قتلاهما، ثم أعانا عبيدة وقد ثبت له عتبة، عند ذلك تزاحف الفريقان، لم يمنع ~~المسلمين منه أن قريشا ثلاثة أمثالهم عددا وعدة، وخاض حمزة الغمار يضرب بسيفه عن ~~يمينه وشماله يقط الرقاب ويطيح برءوس الشجعان، ولا يجرؤ سيف أن يمتد ناحيته، ولا ~~يد أن ترتفع إليه، ومتى استطاع الفرسان أن يحدقوا في وجه هذا الأسد الكاسر، أسد الله ~~ورسوله؟! # فلما أتم الله النصر للمسلمين ببدر وعادوا إلى المدينة فتحرش بهم اليهود وأزمع محمد ~~محاصرة بني قينقاع، كان حمزة حامل لوائه، ولما استدار العام وخرجت قريش تريد الثأر من ~~بدر، كان حمزة الموت الذي تخشى، ms495 والنقمة التي تريد أن تتخلص منها، وكانت هند بنت عتبة ~~أشد قريش كراهية له ورغبة في موته، لقد قتل في بدر أباها وأخاها، ونكل بكثيرين من ~~الأعزة عليها، لكنها كانت تعلم أن قتله مواجهة ليس بالأمر الهين، ومن ذا في قريش بل ~~في بلاد العرب كلها يستطيع أن يواجهه؟! لذلك وعدت وحشيا الحبشي خيرا كثيرا إن ~~هو اغتال حمزة، وكان وحشي مولى لجبير بن مطعم، وكان حمزة قد قتل عم جبير ببدر، ~~فلما عرف ما وعدت هند مولاه قال له: إن قتلت حمزة عم محمد فأنت عتيق، والتقى ~~الجيشان بأحد، فإذا حمزة يخوض الغمار كيوم بدر، يهد كل من لقي بسيفه فتفيض من جسده ~~روحه، قتل سباع بن عبد العزى الغبشاني، وقتل أرطأة بن شرحبيل، وقتل كل قرشي ~~لقيه، ولم يكف سيفه يمينه، بل أمسك بيساره سيفا آخر وجعل يقبل ويدبر ويصيب بسيفه في ~~إقباله وإدباره، وإنه لكذلك وأبطال قريش يولون منه فرارا إذ عثر عثرة فوقع على ~~ظهره فانكشفت درعه عن بطنه، وانتهز وحشي هذه الفرصة فهز حربته حتى رضي عنها ثم ~~دفعها عليه فوقعت في ثنته وخرجت من بين رجليه، وتركه وإياها حتى مات، روى وحشي ~~قال: ثم أتيته فأخذت حربتي ورجعت بها إلى المعسكر وقعدت فيه، ولم يكن لي بغيره ~~حاجة، إنما قتلته لأعتق، فلما قدمت مكة أعتقت. # وأقبلت هند بنت عتبة في أعقاب المعركة، فلما رأته مبقورا بطنه لم يكفها أنه مات بل ~~مثلت به ما لم يمثل بأحد في غزاة: جدعت أنفه، وقطعت أذنيه وشقت بطنه، ~~وأخرجت كبده تمضغها وتلوكها تشفيا وسخيمة، وبلغ من فظاعة ما صنعت أن خجل أبو سفيان ~~زوجها ورئيس قريش، فقال: إنه كانت في القوم مثلة، وإن كانت على غير ملأ مني، ما أمرت ~~ولا نهيت، ولا رضيت ولا كرهت، ولا ساءني ولا سرني. # ولقد أحزن قتل حمزة النبي وحز في فؤاده، فقد عاد المسلمون إلى الميدان بعد ~~المعركة وخرج محمد يلتمس عمه، فلما رآه قد بقر بطنه ومثل به غلبه ms496 الحزن وقال: «لن ~~أصاب بمثلك أبدا، وما وقفت موقفا قط أغيظ إلي من هذا!» وأمسك هنيهة موجع ~~القلب ثم أردف: «يرحمك الله يا عم! لقد كنت وصولا للرحم، فعولا للخيرات.» وغلبه ~~الحزن فأمسك مرة أخرى، وهو أثناء ذلك ينظر لما أصاب حمزة من مثلة شنعاء، فلما سكن ~~عنه الحزن قال وما زال مغضبا: «والله، لن أظفرني الله بالقوم يوما من الدهر ~~لأمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب .» وفي رواية: «لأمثلن بسبعين منهم ...» ~~وفي هذا نزل قوله - تعالى: # وإن عاقبتم فعاقبوا ~~بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين ~~* واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن ~~عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون ~~، وفي حمزة وفي ~~قتلى أحد نزل قوله - تعالى: # ولا تحسبن الذين ~~قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم ~~يرزقون ~~، فلما نزلت هذه الآيات قال رسول الله: «بل الصبر» وكفر عن ~~يمينه. # ولم يكن المسلمون أقل جزعا لمقتل حمزة من رسول الله، أقبلت أخته صفية بنت عبد المطلب ~~بعد الموقعة تطلبه لا تدري ما صنع، ورآها علي والزبير مقبلة فخشيا لقياها، قال ~~علي للزبير: اذكر لأمك ... وقال الزبير: بل اذكر لعمتك، ولما بلغتهما سألت: ما صنع ~~حمزة؟ فأرياها أنهما لا يدريان، إشفاقا عليها وعلى نفسيهما من حزنها، ورآها النبي ~~مقبلة عليه فقال: إني أخاف على عقلها، ثم وضع يده على صدرها ودعا لها فاسترجعت وبكت ~~وقد رأت المصاب في صوته، فلما انصرفت قال: «لولا جزع النساء لتركته يحشر من حواصل ~~الطير وبطون السباع.» # ولما أراد المسلمون دفن القتلى وقف النبي على جثمان حمزة، وجعلوا يجيئون بالقتلى ~~واحدا بعد الآخر فيضعونهم إلى جانب حمزة فيصلي النبي عليهم، وكذلك صلى على حمزة سبعين ~~مرة. # وبكت نساء المدينة القتلى، وسمع رسول الله نساء بني عبد الأشهل يبكين قتلاهن، فقال ~~متوجعا: «لكن حمزة لا بواكي له.» فسمع ذلك معاذ بن عبد الأشهل فساقهن إلى باب رسول ~~الله فبكين على حمزة، فدعا لهن وردهن، فلم تبك امرأة من الأنصار ms497 بعد ذلك اليوم على ميت ~~إلا بدأت بالبكاء على حمزة ثم بكت ميتها. # هذا حمزة الذي نقف الآن على قبره تجاه أحد، والذي يؤمه كل من قصد المدينة ~~للزيارة، وقبر حمزة ليس كغيره من القبور في هذا العهد الوهابي، فهو ليس مسوى بالأرض، ~~بل يقوم فوقه بناء أسطواني من حجر ضارب إلى السواد يرتفع على الأرض نحو الذراع، ولم ~~أعجب إذ عرفت أن الحكومة الحاضرة أقامت هذا البناء بعد أن هدمت القبة التي كانت ~~قائمة على القبر، فهذه الصفات في حمزة: صفات البطولة والإباء والاستشهاد في سبيل الله، ~~تثير في كل نفس أسمى المعاني، وتقفها أمام صاحب هذه الصفات موقف الإجلال والإكبار، ذلك ~~ما يتفق فيه الناس جميعا، لا تفاوت بين البدوي الذي يقضي حياته مرتحلا في البيداء، ~~ومن بلغ من الحضارة والعلم وتهذيب النفس كل غاية، ولم يختلف اثنان على ما كان لحمزة من ~~هذه الصفات، ولم يكن حمزة يوما موضعا لدعاية سياسية طمعا في حكم أو سلطان؛ لذلك كانت ~~المعاني المتصلة بصفاته طاهرة مبرأة من كل غاية؛ ولذلك أثارت الإعجاب من كل نفس ~~والإكبار في كل قلب، وكانت شفيعا لقبره حتى عند الوهابيين. # وذهبت أمتثل حمزة وهذه الصفات فيه وأنا واقف على القبر أجيل بصري في الميدان الفسيح ~~حولي، هذا رجل آتاه الله من فضله بسطة في القوة، ومهابة في القلوب، ونعيما بالحياة ~~ومحبة من الناس، وكان له أن يستمتع وهذه صفاته برفه العيش وطمأنينة البأس، وأن يستريح ~~إلى مكانته من قومه واحترامه فيهم، لكنه لم يطب نفسا بعبادة قومه الأصنام، ولم ~~يطق أن يسب أبو جهل الوثني ابن أخيه الداعي إلى الله، فضرب أبا جهل فشجه وأعلن ~~على ملأ الناس إيمانه، ولا يقولن أحد: إن النعرة العصبية أو العزة العربية هي التي ~~دفعته إلى ما صنع، فلقد كان أعمام النبي جميعا عربا لهم عزة وفيهم نعرة، وطالما آذت ~~قريش ابن أخيه فغضبوا ومنعوه ولم يؤمن مع ذلك منهم أحد، لكنه الإيمان الذي امتثلته نفس ~~حمزة هو الذي ms498 دفعه إلى ما صنع، وهل مثل حمزة في بسالته واستهانته بالموت من يقول لأبي ~~جهل وهو من هو مكانة في قومه بعد أن شجه لسبه محمدا: «أتسبه وأنا على دينه ~~أقول ما يقول؟!» إلا أن يكون صادق الإيمان؟ بلغ من امتثال قلبه رسالة الله إلى نبيه ألا ~~يطيق تعريض أحد به، ومن يومئذ وهب حمزة حياته لله وللدفاع عن دينه؛ لأنه أيقن أن هذا ~~الدين هو المثل الأعلى الذي توهب الحياة في سبيله. # وكل يفتدي بحياته مثله الأعلى في الحياة؛ فالبخيل الذي يعبد المال يضحي بحياته ~~دفاعا عن ماله، والمدله بالعشق يضحي بحياته دفاعا عن محبوبته، والفلاح أو الصانع ~~يضحي بحياته دفاعا عن رزقه، والأب البار يضحي بحياته لأبنائه، والحيوان يضحي ~~بحياته دفاعا عنها وعن كل ما يقيمها، وإنما يتفاوت الناس في درجات السمو بتفاوت ~~مثلهم الأعلى في درجاته، فما اتصل بالطعام والشراب وكل ما يقيم الحياة مثل أعلى ~~للحيوان ولمن لم يسم على مرتبته إلا قليلا من بني الإنسان، وكلما ازداد المرء ~~سموا ازداد مثله الأعلى تنزها عن الأثرة واتصالا بالغايات الاجتماعية والوطنية ~~والروحية، والإيمان الصادق أسمى صورة للمثل الأعلى، فلله المثل الأعلى، بنوره ~~يتحاب الناس بينهم، لا تفرقهم الألوان ولا الأوطان ولا اللغات ولا الأجناس ولا ~~الأديان، والاستشهاد في سبيل الله استشهاد في سبيل هذا المثل الأعلى، يريد صاحبه أن ~~تبلغ الإنسانية غاية ما يستطاع من السمو الروحي، وأن يبلغ بها تبادل الحب غاية الرضا، ~~وأن تصبح بذلك وحدة تعمل لغاية مشتركة وإن اختلفت أممها وأجناسها، كما تعمل أعضاء ~~الجسم كلها لغاية واحدة وإن اختلف شكلها واختلفت وظائفها، أين من يدرك هذا المعنى ثم ~~لا يستشهد في سبيله؟! وقد أدركه حمزة بن عبد المطلب فاستشهد في سبيله. # والموت في سبيل هذا المثل الأعلى هو وحده الاستشهاد، والذين يهبون أنفسهم له هم دون ~~غيرهم الشهداء؛ ذلك بأن الملأ جميعا يشهدهم ويشهد أنهم يؤثرونه على أنفسهم وعلى هذه ~~الحياة الدنيا، والله يرضى عنهم ويقول لهم: # ولا تحسبن ~~الذين قتلوا في ms499 سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم ~~يرزقون ~~، وحياة هؤلاء عند ربهم ليست كحياة هذه الدنيا؛ طعام وشراب ~~وأثرة وشحناء، بل حياة روحية راضية مرضية، مضيئة بالحب متصلة بالله، ومشرقة بنور وجهه ~~الكريم، أليست حياة سبيلها وغايتها للمثل الأعلى؟! أوليس المثل الأعلى لله؟! وأولئك ~~الشهداء رضي الله عنهم ورضوا عنه، ذلك لمن خشي ربه. # قل من الناس من يذكر هذا أو يدركه حين يزور قبر حمزة ويقف عليه، بل إن منهم لمن ~~يشرك حمزة في قدرة الله، أو يتخذه وسيلة إليه، كان لحمزة قبر ومسجد هدمهما الوهابيون، ~~ولقد كان على القبر الذي بالمسجد لوحة فيها هذان البيتان: # قف على أبوابنا في كل ضيق # واطلب الحاجات وابشر بالمنى # فحمانا ملجا للطالبين # وبنا تجلى الكروب والعنا # وضعف هذين البيتين يصف قائلهما ومبلغ ثقافته، لكن هذه العقلية تصور عقيدة كثيرين من ~~زوار قبر حمزة، وعقيدة كثيرين من المسلمين في أنحاء الأرض المختلفة، ولهؤلاء جميعا ~~من العذر أن الذين خيم على عقولهم الجهل قد طبعوا على عبادة القوة، وعلى عبادة ~~البطولة، فهم يخلعون على أبطال الماضي من صفات العبادات ما يجعلهم في حكم الأرباب، وما ~~يدعو هؤلاء الضعفاء أن يتخذوهم إلى الله زلفى، وهذا أمر ينكره الإسلام حين ينكر على ~~الناس أن يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله، الأموات والأحياء في ذلك سواء؛ ~~والإسلام ينكره لأنه ينكر أن يتجه إنسان بالعبادة لغير الله. ليكن غيره من الناس بطلا ~~وليبلغ من البطولة كل ما يتصوره الخيال، فهو إنسان مثلنا، عبد لله كعبوديتنا له، ونحن ~~وهو أمام الله سواء، أكرمنا عند الله أتقانا، بل ليكن الإنسان أعظم من بطل، ليكن ~~نبيا ورسولا وداعيا إلى الخير بإذن الله وسراجا منيرا، فهو بعد إنسان، له ~~إكبارنا وإكرامنا واحترامنا، وعليه صلواتنا، لكنه بشر مثلنا، عبد لله كعبوديتنا له، ~~وهو أقرب إلى الله الذي اصطفاه، لكنه في حاجة إلى مغفرة الله له كحاجة الإنسان إلى ~~مغفرة الله له. # ينكر الإسلام إذن عبادة القوم وعبادة البطولة، وكل عبادة لغير الله، ms500 وإنما يدعو ~~الإسلام إلى الأسوة، والله - تعالى - إذ يتحدث عن رسوله # صلى الله عليه وسلم # يقول: # لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ~~، ~~والإسلام إذ يدعو إلى الأسوة إنما يدعو إلى مجاهدة المرء ضعف نفسه وإلى دأبه للسمو بها؛ ~~كي تبلغ مكانة القديسين والأولياء المقربين، وتطهيرها لذلك من كل أسباب الحوبة ~~والإثم، والإسلام يفتح الباب واسعا لكل من أخلص لله وجهه أن يصل بالتقوى إلى هذه ~~المكانة، حرا قرشيا كان أو عبدا حبشيا. ومعرفة الله معرفة حقة هي باب التقوى، ~~والمعرفة لا تجعل التقوى في الضعف ولا في الخوف، بل في العلم بسنة الكون والوقوف ~~على أسراره والاتصال بما جل ودق منه وإدراك حكمة الله لذلك فيه، ولنا في الذين بلغوا من ~~هذه المعرفة أسمى درجاتها الأسوة، فإن أضلهم علمهم فلن يضل العلم مسلما عرف أن ~~سنة الله لا تبديل لها، وأن معرفتها عبادة له هي خير أنواع العبادة، وذلك ما كان يفهمه ~~المسلمون الأولون من الأسوة الحسنة؛ لذلك لم يلبثوا حين طوع لهم إيمانهم فتح الأمصار ~~وحكم الأمم أن اتخذوا من علمائهم أساتذة عهدوا إليهم بنقل علوم الطب والفلك وتقويم ~~البلدان ونقل كتب الفلسفة اليونانية والوقوف من ذلك كله على كل ما وصلت إليه المعرفة ~~الإنسانية في عصرهم، بذلك أقاموا منارة الحضارة في العالم، وعملوا لهدى الإنسانية إلى ~~نور العلم وما يهدي هذا النور إليه من توحيد الله الحق. # أما والإسلام ينكر عبادة القوة وعبادة البطولة وكل عبادة لغير الله ويدعو إلى الأسوة ~~الحسنة، فمن الواجب على الذين يزورون قبر حمزة أن يلتمسوا فيه هذه الأسوة، وأن يعلموا ~~أن الله يجزيهم بجهادهم لبلوغ الغاية منها، ولا يجزيهم لمجرد الزيارة والتبرك والدعاء، ~~فإنما يجزي الله العامل بعمله، فمن يعمل صالحا يجز به، وأسوة حمزة هي الجهاد في ~~سبيل الله، له المثل الأعلى، وبذل الحياة لدفع من يصد عن سبيل الله ابتغاء العاجلة ~~من حكم أو سلطان. # نسي المسلمون هذا المعنى في كثير من العصور، ولا يزال أكثرهم ينساه، واتخذت ms501 بعض الأمم ~~الإسلامية ملوكها أربابا، وجعلت من بعض الصالحين فيها أولياء اتخذتهم إلى الله زلفى، ~~ولهؤلاء وأولئك بنت القباب وأقامت عليها المساجد، لا تقصد تخليد ذكراهم ليكون في الذكرى ~~للأجيال أسوة ومثل، بل تقصد أن تكون القباب والمساجد محاريب لعبادتهم والتوسل بهم إلى ~~الله، إلى ذلك قصد الذين أقاموا على قبر حمزة قبة ومسجدا، وكتبوا عليه من الشعر ما ~~أثبتنا هنا بعضه وتركنا سائره، ولو أنهم أقاموا القبة والمسجد للأسوة والذكرى لكان ذلك ~~خيرا، ولحق لهم الثناء على نيتهم وعملهم، وإنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما ~~نوى. # لم يبق لقبة حمزة ولا لمسجده اليوم أثر، فقد عفا الوهابيون عليهما ثم أقاموا مكانهما ~~القبر الذي وصفت، وكان المسجد قبل هدمه محكم البناء خاليا من الزخارف، به قبة فوق ~~مقصورة أسدل عليها ستر من أستار الكعبة - كذلك يقول صاحب مرآة الحرمين في وصفه، وأم ~~الخليفة الناصر العباسي هي التي شيدت مسجد حمزة عام 590 للهجرة، وقد أمر الأشرف ~~قايتباي فزاد شاهين الجمالي في جهته الغربية وحفر له بئرا يرتفق بها المارة، ~~وجعل لها درجا، وأتم ذلك في سنة 893، وكان المسجد قائما فوق القبر حيث يقوم البناء ~~الأسطواني الوهابي اليوم. # وقد اختلف في موضع القبر؛ أهو اليوم في المكان الذي دفن به حمزة بعد مصرعه في أحد ~~أم هو في مكان غيره؟ وتذهب رواية إلى أن حمزة دفن في المكان الذي صرع به، حتى إذا ~~كان القرن الرابع انحط من جبال الطائف سيل جارف اجتاز المدينة ومر بقبر حمزة ~~وكشف عن ساقيه، فنقل إلى الربوة التي بها القبر اليوم، وكان عليها المسجد حتى هدم، ~~وتذهب رواية أخرى إلى أنه صرع تحت جبل الرماة، وهو جبل عينين، وأن النبي أمر بجثمانه ~~فنقل من بطن الوادي إلى الربوة التي عليها القبر الآن، فالمدفن غير المصرع، ويريد ~~بعضهم التوفيق بين الروايتين فيذكر أن الربوة التي نقل الجثمان إليها في أعقاب الغزوة ~~قد تكون غير الربوة التي نقلت إليها الرفات في أوائل القرن الرابع، وهذا التوفيق ليس ms502 ~~له عندي ما يقتضيه، فلئن كان جثمان حمزة قد نقل في أعقاب الغزوة لهو اليوم في المكان ~~الذي نقل إليه يومئذ، فهو قريب من المقبرة التي دفن بها سائر شهداء أحد، وهم قد ~~دفنوا في ميدان المعركة، وليس بين مقبرتهم والمكان الذي يقال: إنه مصرع حمزة ما يدعو ~~إلى نقل جثمانه غير مرة. # كنت أحاور الأستاذ عبد القدوس الأنصاري في هذا كله ونحن وقوف على الهضبة التي اشتهرت ~~باسم جبل الرماة، نسبة إلى رماة المسلمين في أحد، والتي تسمى جبل عينين، فقد أشار ~~لي إلى مكان بأسفل هذا الجبل قال: إنه موضع المصرع، وأشار إلى موضع من أحد وقال: إنه ~~المهراس الذي احتمى به رسول الله بعد فرار المسلمين حين خالف الرماة أمره ~~وبرحوا مكانهم، فحل خالد بن الوليد على رأس فرسان قريش محلهم فيه، وعجبت أن يكون ~~المصرع بأسفل هذا الجبل، إلا أن يكون وحشي اغتال حمزة بعد أن أخلاه المسلمون وأسرعت ~~إليه خيل قريش فسار وحشي على أثرهم. # ووقفت أصور ميدان المعركة كيف كان، فقد جاءت قريش من مكة إلى المدينة في الطريق ~~الموازي لشاطئ البحر الأحمر، ثم انعطفت مشرقة إلى ناحية قباء وذي الحليفة من جنوب ~~المدينة، واتخذت طريق وادي العقيق إلى شمالها، حتى كانت عند البساتين والزروع القائمة ~~أسفل أحد فعسكرت، وخرج المسلمون من المدينة بعد الذي كان بينهم من جدل: أيتحصنون ~~بها أم يلقون المشركين في الميدان الذي اختاروه، ونزلوا قبالة قريش عند أحد وجعلوه ~~إلى ظهورهم، وأمر النبي خمسين من الرماة أن يلزموا هذا النتوء من «سلع» ويصدوا فرسان ~~قريش، وقال لهم: «احموا لنا ظهورنا فإنا نخاف أن يجيئونا من ورائنا، والزموا مكانكم ~~لا تبرحوا منه، وإن رأيتمونا نهزمهم حتى ندخل عسكرهم فلا تفارقوا مكانكم، وإن ~~رأيتمونا نقتل فلا تعينونا ولا تدفعوا عنا، إنما عليكم أن ترشقوا خيلهم بالنبل؛ فإن ~~الخيل لا تقدم على النبل.» فلما دارت المعركة وحالف النصر المسلمين في أولها بعد أن ~~قتل أصحاب اللواء من المشركين، تبع المسلمون عدوهم في ms503 فراره يضعون فيه السلاح ~~وينتهبون ما خلف من غنيمة، وهنالك برح الرماة مكانهم ليكون لهم من الغنيمة نصيبهم، ~~فاهتبل خالد بن الوليد الفرصة فشد برجاله على مكان الرماة فأجلى من بقي منهم وصاح ~~صيحة أدركت قريش معها ما فعل، إذ ذاك عاد منهم كل منهزم فأثخنوا في المسلمين ضربا ~~وقتلا، وتمزقت صفوف المسلمين وصاح صائح بالناس: «إن محمدا قد قتل!» وتشجع المشركون ~~حين سمعوا نبأ قتله، وكان رسول الله قد أصابه حجر رماه عتبة بي أبي وقاص فوقع لشقه ~~فأصيبت رباعيته وشج في وجهه، وكلمت شفته ودخلت حلقتان من المغفر ~~الذي يستر به وجهه في وجنته، وسار كبار المسلمين من حوله يدفعون عنه، فصعد أحدا ~~واحتمى بشعب من شعابه في جوار المهراس الذي كانت تقوم عليه قبة اشتهرت باسم قبة ~~الثنية ثم هدمها الوهابيون، وقد سميت تلك القبة بقبة الثنية لما قيل من أن ثنية رسول ~~الله وقعت عندها. # وألقيت نظرة إلى ناحية أحد فذكرت قول رسول الله عنه: «هذا جبل يحبنا ونحبه.» ~~واستقر نظري على صخوره الحمراء وعلى الرءوس الكثيرة الناتئة على سطحه، قال الأستاذ عبد ~~القدوس: يخيل إليك أن أحدا أحمر الله كله، أما أنا فقد وجدت فيه حين تنقلت بين ~~شعابه وقننه وهضابه صخورا وعروقا مختلفة الألوان، يضرب بعضها إلى الزرقة، وبعضها ~~إلى الخضرة، ومنها الأسود الإثمدي، والرمادي لون التراب، وقد ذكر لي صديق أنه عثر فيه ~~بحجر من الإثمد زنته مثقالان، وآخر زنته سبعة مثاقيل، وأن صديقا له عثر بحجر كبير كسره ~~فانفلق عن زبرجدة عظيمة الحجم، ولطالما تساءلت: أكشف عن شيء من هذه النفائس بأحد في ~~عصر خلا؟ ولم أجد جوابا فيما قرأت من كتب تاريخ المدينة، ولست أدري أتيسر الأقدار لأهل ~~هذا الجبل أن يقوموا من ذلك بما لم يقم به أسلافهم؟ # لم أقف طويلا عند هذا الحديث عن طبيعة الصخور في جبل أحد، فلقد كنت أحرص على معرفة ~~الطريق الذي سار فيه النبي نجاة بنفسه من أعدائه بعد أن خالف الرماة أمره، ~~ونزلنا ms504 على جبل الرماة ومررنا على مقربة من قبر حمزة وقبور الشهداء، وتخطينا إلى أحد، ~~وسرنا أثناءه بين صخور ضخمة تلوينا خلالها هنيهة، فإذا نحن قد ابتلعنا الجبل فحجبنا ~~عن كل ما وراءه، لم يبق أمامنا وادي قناة ولا جبل سلع ولا هضبة الرماة، بل كنا خلال ~~جبل تتلوى الطرق على سفوحه إلى حيث لا أدري، قال عبد القدوس بعد أن سرنا زمنا: هذا ~~المهراس الشرقي الذي جيء للنبي # صلى الله عليه وسلم # بالماء منه يوم أحد، قلت: وما المهراس؟ فكان ~~جوابه: تلك نقر كبار وصغار يجتمع فيها ماء المطر، وكان النبي في الشعب القريب من ~~هذا المهراس حين جاءه علي بن أبي طالب بماء يروي به ظمأه؛ ووجد بالماء ريحا فكرهه ولم ~~يشرب منه، وإن غسل به الدم الذي أصابه أثناء المعركة، وصمت هنيهة ثم أردف: وهذا، هنا ~~المهراس الشرقي، وثم مهراس غربي طريقه وعر لا سبيل إلى ارتقائه إلا بتسلق بعض الصخور، ~~ولم يرد في أنباء التاريخ أي المهراسين جيء منه بالماء لرسول الله، لكن بيتا من الشعر ~~لعبد الله بن الزبعرى يدل على أنه هذا المهراس الشرقي، ذلك قوله: # فسل المهراس من ساكنه # بين أقحاف وهام كالحجل # والمهراس الغربي لا سبيل إلى أن ترتقيه الأفراس لوعورته وملاسة صخوره، أما وابن ~~الزبعرى يشير إلى المهراس الذي جيء بالماء للنبي منه فهو إذن هذا المهراس الشرقي ~~لا ريب. # عدنا بعد ذلك أدراجنا نقصد الوادي لنستقل سيارتنا إلى المدينة، واستوقفنا جند من ~~النجديين يقيمون ببنية موضعها بين القبور والمصرع، فدعينا إلى قهوة وشاي عندهم، ~~وتناول الحديث أثناء ذلك في كلمات مقتضبة هؤلاء الذين مررنا بهم من زوار حمزة ~~وشهداء أحد، فهم اليوم يقفون يصلون ويستغفرون، وكانوا قبل العهد النجدي يجدون في ~~القبة وفي المسجد وسيلة للزلفى وللعبادة، ويقيمون لذلك مع من يخرجون إلى هذا المكان من ~~أهل المدينة ثلاثة أيام تنصب فيها سوق وتجري فيها تجارة، ولا بأس بأن يقع أثناءها ~~لهو ومجون، وانطلقنا بعد الشاي والقهوة نلتمس سيارتنا؛ فلم يحل ms505 انطلاقنا بيني ~~وبين الالتفات إلى وراء لألقي نظرة أخيرة على قبر حمزة ولأحيط كرة أخرى بهذا الوادي ~~المترامي الأطراف إلى جوار عرين الأسد، ولأرى فيه المسجد الذي يسمونه المستراح، ويذكرون ~~أن النبي كان يستريح موضعه إذ كان يزور مثوى الأسد، وعدت من بعد إلى التفكير في ~~الاستشهاد والشهداء، وفي حمزة الذي مات فداء لدين الله وللمسلمين إخوانه فيه. # وناجتني نفسي: لماذا يذكر الناس هؤلاء الشهداء في تقديس وإجلال وإن بعد بهم العهد ~~وحجبهم الماضي في غيابات الدهور؟ فكلنا نذكرهم في تقديس وإجلال، وإنما يتفاوت مظهر ~~إكبارنا إياهم بين العبادة وما هو منها بسبب من الجاهل، والإعظام الحق من المهذب النفس ~~ذي العلم، ونحن إنما نكبرهم؛ لأنهم وهبوا أنفسهم وحياتهم للإنسانية كلها وتمنوا الموت ~~صادقين ليبلغوا بالإنسانية أسمى الأغراض التي تصبو إليها، ولم يفكر حمزة في نفسه ولا في ~~أبنائه يوم خاض الغمار في بدر، ويوم حاصر بني قينقاع، ويوم استشهد في أحد، ولم يرد ~~من أحد من الناس جزاء ولا شكورا، إنما كان تفكيره في الله وجزائه، وفي نصر الله ~~دينه الحق لتهتدي الإنسانية إلى الصراط المستقيم وتشرق روحها بنور ربها، هو إذن قد آثر ~~إخوانه على نفسه، وحرص على الموت ليهب لهم الحياة، فوهبه إخوانه الحياة الخالدة على ~~الأجيال جزاء وفاقا، وأية حياة باقية على الدهر كحياة المرء في قلب الإنسانية ما ~~تعاقبت أجيالها وما نسخ الليل فيها النهار؟! وأي جزاء للمرء عن عمله أكبر من اعتراف ~~الناس له على تعاقب الأجيال بالفضل عليهم، وما يكون له بسبب ذلك من حسن الأحدوثة ~~فيهم! هؤلاء الذين وهبوا حياتهم في سبيل الحق لهدى إخوانهم إنما وهبوها لله ربهم؛ فلا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون، وهم ليسوا أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون. # أجل! هؤلاء حرصوا على الموت ليهبوا للناس الحياة، فوهب الله لهم الحياة، وقديما ~~قيل: «احرص على الموت توهب لك الحياة.» وهي كلمة حق لم تتغير على القرون، ولن تتغير، ~~وهي من سنة الله التي لا تبديل لها، فمن تمنى ms506 الموت صادقا بما قدمت يداه فاختاره الله ~~إلى جواره فهو حي عند ربه، ومن تمنى الموت وبقي حيا ضاعف الله له أجره في هذه ~~الحياة الدنيا، ذلك شأن الأفراد، وهو شأن الأمم؛ حياتها في أن تهب الحياة لمن بعدها وإن ~~ضحت بحياة آخر فرد منها إذا هي أريدت على نقص في مقومات حياتها؛ في كرامتها، في ~~عزتها، في سيادتها، في استقلالها، في حريتها التامة أن تنظم كما تشاء شئونها، والأمم ~~التي يعرف أبناؤها كيف يموتون أعزة كراما هي الأمم التي تحيا أبدا عزيزة ~~كريمة. # هذه الأمم التي تحيا عزيزة كريمة، والتي يعرف أبناؤها الحق والاستشهاد في سبيل الله، ~~هي الأمم التي رفعت في الإنسانية منار الهدى وبينت لها طريق الحضارة في أسمى صورها، ~~وذلك ما فعله خلفاء حمزة من شهداء المسلمين، وإنما آفة الإنسان أن يطغى أن رآه استغنى، ~~هي آفة الأفراد وآفة الأمم، وكم أمة عزت وكرمت ورفعت منار الحق والعدل وهدت ~~الإنسانية سبيلها فآمنت بها الإنسانية، وسارت في خطاها، وجزتها بذلك خير ما يجزي ~~المعترف الشكور، ثم استغنت هذه الأمة فطغت فجزت الإنسانية بطشا واستعمارا، يومئذ ~~يمد الله لهذه الأمة بحكم سنته في طغيانها، ثم ينالها بعد ذلك من جرائها ما ينال كل ~~طاغية كفور. # ربنا إننا آمنا بك ما آمن بك عبدك حمزة بن عبد المطلب، ربنا فهب لنا من فضلك بعض ما ~~وهبت له، هب لنا الإيثار على أنفسنا، وأن نحب بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات ~~إخواننا، وأن نتمنى الموت بما قدمت أيدينا، وأدخلنا ربنا في عبادك الصالحين! ربنا اهدنا ~~صراطك المستقيم، ربنا إنك من تهد لا يضل، وخير ما نرجو من هداك أن توجهنا ~~وأن توجه الإنسانية بفضلك إلى الحق والخير والسلام. # | أمام الحجرة النبوية # السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته! نشهد أن نبي الله ورسوله قد بلغ ~~رسالة ربه وجاهد في سبيله حتى أتم الله النصر لدينه، وأنه وفى بوعده، وأمر ألا ~~نعبد إلا الله وحده لا شريك له. # وقفت أمام ms507 الحجرة النبوية وتلوت هذه التحية يوم دخلت المدينة، وذهبت مع مضيفي إلى ~~المسجد وتبعت مزوري من باب السلام إلى حيث وقفت مأخوذا لا أدري ما الله صانع بي، ~~وسلمت على الصديق أبي بكر وعلى الفاروق عمر المدفونين في هذه الحجرة إلى جوار ~~رسول الله، وتلوت الفاتحة، ثم أقمت مكاني شاخصا إلى الحجرة وإلى عمدها النحاسية ~~الدقيقة الصنع، وإلى النسيج الأصفر الذي يصل بين هذه العمد، وإلى الطاقات الثلاث ~~المفتوحة فيها إزاء القبور الثلاثة، كأنما كل طاقة منها عين تحدق في كل زائر وتنفذ ~~إلى أعماق نفسه وطيات قلبه، أقمت مكاني مأخوذ الذهن عن التفكير، متوجها بكل انتباهي ~~إلى كل ما يجب أن أقوم به من الشعائر حذر أن يفوتني شيء منها، وكأنني في حضرة ملك ~~أؤدي فروض الإكبار والإجلال، وشعرت بنفسي تحيط بها هالة من الجلال الروحي الذي أخذ على ~~تفكيري المسالك وجعلني في حيرة ما أصنع، وكذلك بقيت حتى تقدمني مزوري إلى ناحية الروضة ~~النبوية لأؤدي فيها تحية الحرم وأصلي وراء الإمام صلاة المغرب. # وعجبت حين غادرت موقفي من الحجرة وأتممت صلاتي بالروضة، لقد امتلأت روحي إكبارا ~~وتقديسا وإجلالا، ولقد شعرت بما لم أشعر قط من قبل به، لكني لم أبك ولم تفض ~~عبراتي، وكنت قد سألت قبيل سفري من مصر إلى الحجاز بعض من سبقوني إلى الحج والزيارة ~~عن موقفهم أمام قبر الرسول، فحدثني بعضهم عن اهتزاز أنفسهم وانهمار الدمع من أعينهم، ~~ولم يأبوا أن يذكروا أنهم كانوا أشد تأثرا حين وقوفهم أمام الحجرة منهم حين وقوفهم ~~أمام الكعبة وحين طوافهم بها، وهؤلاء الذين حدثوني هم من خير من أعرف ثقافة ~~وأكثرهم بعدا عن الغلو في الدين أو التزمت فيه، ما لي إذن لم تنهمل عبراتي كما ~~انهملت عبراتهم، ولم يزد تأثري أمام قبر الرسول عن تأثري أمام بيت الله، وما أحسبني دون ~~أحد منهم إيمانا بالله وتصديقا لرسوله # صلى الله عليه وسلم # وحبا إياه؟! أتراهم أرهف مني حسا ~~وأدق شعورا، أم أنا نختلف رأيا وتفكيرا؟ ولم أطل ms508 تقليب النظر في هذه الأمور بادئ ~~الرأي، وكفاني أن ذكرت أني توجهت إلى الله بالحج مخلصا، فلي في مغفرته ذنوبي أعظم ~~الرجاء، وأنني جئت ألتمس بزيارة نبيه الكريم الذكر والأسوة مزيدا في الرجاء أن يهديني ~~الله سبيله الذي دعا إليه محمد عبده ورسوله، هذا إلى أنني خلقت عصي الدمع لا ~~تسعفني العبرات ما تسعف غيري، فإن أوشكت ضننت بها ضنا بكرامتي وإبائي، وما ~~أدري لعلي كذلك خشيت أن يكون في البكاء مظهر عبادة، وقد قال - عليه السلام: «اللهم لا ~~تجعل قبري وثنا يعبد.» وإنما تفيض دموع المؤمن من خشية الله. # عدت بعد ذلك مرات إلى المسجد ووقفت أمام الحجرة، لشد ما يبعث هذا الموقف إلى ~~النفس من آي الحكمة ومعاني الجلال! إنه ينشر أمامها حياة الرسول وصاحبيه، وجهادهما معه ~~في سبيل الدعوة إلى دين الله، وجهادهما من بعده لتثبيت دعائم هذه الدعوة ونشرها في ~~الخافقين، إنه يصور أمام الذهن من حياته وحياتهما بساطة في العيش، بل خشونة فيه ~~اتخذوها لهم سنة وشعارا مذ تولوا أمر الناس، فآثروا الناس على أنفسهم ~~وأهليهم، وعافوا متع الحياة وما لها حذر أن يدخل عليهم منه ما ليس لهم بحق، وضربوا ~~بذلك للناس مثلا فيما يجب أن يكون عليه من يلي أمر غيره، وهم قد اتخذوها شعارا وكان ~~لهم في أموالهم سعة، وفيما رزقهم الله متاع، كان محمد غنيا بتجارة خديجة ومالها ~~الكثير، وكان أبو بكر غنيا بتجارته وإلف الناس إياه، وكان عمر غنيا بسعيه ~~واتصال كده، فلما بعث الله رسوله هدى للناس ونورا أنفق مال خديجة ولم يبق منه ~~على شيء، ولما آلت خلافة رسول الله إلى أبي بكر كان الزهد في الدنيا والرغبة عنها، وكان ~~التقوى وخوف الله أن يصيب ظلم رجلا ممن ولي أمرهم، أما عمر فكان مثال العدل الصارم ~~لا يعرف الهوادة مع غيره، وهو أشد قسوة على نفسه وأهله، أليس عجبا أن يكون ذلك شأنهم ~~وأن تكون هذه سيرتهم وعبرتهم، ثم تكون هذه الحجرة النبوية وهي ما هي اليوم جمالا ms509 ~~وتألقا في النقش والزخرف والعمارة حتى لتزري بأكثر الحجر في أبهى القصور فخامة ~~وروعة، وحتى لكانت تزري إلى عصر قريب بكل قصر ثراء ونعمة، لما اجتمع فيها من نفائس ~~قدرها بعضهم بسبعة ملايين من الجنيهات؟! # بذلك حدثتني نفسي يوما وأنا بمجلسي من المسجد بعد وقفة طويلة أمام الحجرة، وذكرت ~~لهذا الحديث ما كانت الحجرة عليه قبل أن تضاف إلى المسجد يوم دفن بها الرسول، ويوم دفن ~~بها أبو بكر، ثم يوم دفن بها عمر، كانت هذه الحجرة في بيت عائشة أم المؤمنين، فلما مرض ~~النبي انتقل إليها ومرضه أزواجه فيها حتى اختار الرفيق الأعلى، وكانت هذه الحجرة ~~كالبيت كله من جريد، مستور بمسوح الشعر، أو كان البيت - في قول - من اللبن له ~~حجر من جريد، فلما توفي رسول الله وانتهى المسلمون بعد خلاف إلى دفنه حيث قبض، ~~حفروا له في هذه الغرفة مكان السرير الذي كان يمرض عليه، ودفنوه بعد أن ودع ~~المسلمون جثمانه رجالا ونساءا وأطفالا، ودفن أبو بكر بعد سنتين وثلاثة أشهر من موت ~~الرسول، والحجرة على حالها لم يغير فيها شيء، ولم يقم على القبر قبة ولا مقام، وبعد ~~عشر سنين من موت أبي بكر دفن عمر بالحجرة وهي على حالها لم يزد عليها إلا جدار أقامه ~~عمر بينها وبين سائر الدار التي كانت عائشة تقيم بها، ذكروا أن ابن الخطاب أرسل إلى ~~عائشة لما طعنه أبو لؤلؤة غلام المغيرة يسألها أن يدفن مع صاحبيه، فقالت: كنت أريده ~~لنفسي، لأوثرنه اليوم به، وأوصت أن تدفن مع صواحبها بالبقيع، ولعلها إنما ~~فعلت بعد دفن عمر حتى لا تدفن إلى جواره وهو منها غير ذي رحم محرم، فهي قد كانت تزور ~~حجرة القبر سافرة حين لم يكن بها غير زوجها وأبيها؛ فلما دفن عمر إلى جانبهما لم تكن ~~تدخلها إلا محتجبة لابسة كامل ثيابها. # وبقيت حجرة القبر على بساطتها إلى أن أمر الوليد بن عبد الملك عمر بن عبد العزيز ~~واليه على المدينة أن يزيد في المسجد وأن يضم ms510 حجرات أزواج النبي إليه، وكل ما قيل: إنه ~~حدث قبل ذلك أن وضعت على القبور الثلاثة حجارة مسنمة، وكانت في العهد الأول ~~مسواة بالأرض، وانقض جدار من الحجرة حين أمر عمر بن عبد العزيز ببنائها، فانكشف ~~أحد القبور عن ساق وركبة، فتولى عمر الفزع أن تكون ساق رسول الله وركبته، فلما تبين ~~أنها ساق عمر وركبته زايله الفزع وهدأ روعه، وأمر مولاه مزاحم فقام فسترها وسوى ~~التراب عليها، وبعد ذلك أقيمت الحجرة فخيمة البناء فخامة أعجبت الوليد بن عبد الملك ~~ودعته أن يقول لأبان بن عثمان: «أين بناؤنا من بنائكم؟!» وكان جواب أبان: «بنيناه بناء ~~المساجد وبنيتموه بناء الكنائس.» # بنى عمر بن عبد العزيز الحجرة سنة ثمان وثمانين، وقيل: سنة إحدى وتسعين للهجرة، هي ~~إذن قد ظلت ثمانيا وسبعين أو ثمانين سنة بعد وفاة الرسول في مثل بساطتها حين وفاته لم ~~يزد عليها إلا ما قيل عن هذه الأحجار المسنمة، ولم يكن الناس إذ ذاك أقل إكبارا ~~لها وذكرا لصاحبها - عليه السلام - مما كانوا بعد أن بنيت، وأقيم عليها سقف أنفق عمر ~~أربعين ألف دينار ذهبا في إقامته وتزيينه، ولئن تفاوت تقدير الناس إياها، لقد كان ~~المسلمون الأولون في عهد الخلفاء الراشدين والأيام الأولى لعهد بني أمية أدنى إلى ~~التقدير الصحيح، أولئك كانوا الصحابة والتابعين؛ وكانوا لذلك يدركون روح الرسالة ~~وأغراضها إدراكا سليما، لم يكن الخيال ولا كان الهوى السياسي قد عبث بأفئدتهم ولا ~~بمنطق عقولهم، ولم يكونوا لذلك قد اضطربوا بين الإفراط والتفريط، والغلو في ناحية أو ~~العكوف على نقيضها، كانت حياة الرسول وصاحبيه ماثلة أمامهم على حقيقتها التي رأوها؛ ~~وكانوا لذلك يكبرونها ويلتمسون فيها الأسوة، ولم تكن نفس أحد لتطاوعه على عبادة غير ~~الله مما ينكر الإسلام؛ لذلك لم يتحمس أحد من أهل المدينة لما صنع الوليد من بناء ~~الحجرة، بل أنكره كثيرون من أتقيائهم، وبرئوا منه، ورأوا فيه خروجا على الأسوة الحسنة، ~~وحق لهم يومئذ أن يفعلوا وقد أنكر بعض إخوانهم وآبائهم على عثمان بن عفان أن ms511 يبني ~~المسجد بالحجارة وأن يخرج به لذلك عن بناء النبي إياه باللبن والجريد وخشب النخل ~~يجعلها له عمدا. # أراني أشد ميلا لرأي هؤلاء المسلمين الأولين فيما صنع الوليد بن عبد الملك، فلو أن ~~الحجرة بقيت كما كانت يوم دفن بها رسول الله لكان منظرها أقوى إلهاما من منظر الحجرة ~~المزخرفة البديعة النقش الجميلة العمد الثمينة الأثاث، والتي تبعث إلى النفس من الروعة ~~أكثر مما تدعو إليه من الأسوة والعبرة، كانت تلك الحجرة الأولى صورة حية من حياة رسول ~~الله، ومن جهاده، ومن آلامه، ومن مرضه ومن دفنه، أين يرى الإنسان اليوم حجرة الرسول ~~التي كانت مثل التقشف ومظهر الخشونة في العيش والبراءة من كل زينة وبهرج؟ أين موضع ~~فراشه فيها، وكان أدما حشوه ليف؟ أين هذه الصورة التي تملأ النفس روعة، صورة ~~الرسول في بيته وفي مهنة أهله، ينظف ثوبه ويرقعه، ~~ويحلب شاته، ويخصف نعله ويخدم نفسه، ويأكل مع الخادم؟ أين هذا المكان الساذج يجلس ~~محمد فيه إلى أهله وهو اللطف بهم والدعابة معهم، والبر والرأفة والرحمة؟ أين هذا الباب ~~الذي لم يكن عليه قفل، والذي كان محمد يفتحه لديك مريض فيترفق به ويمرضه؟! ترى أين ~~كانت الغرفة التي أقام بها رسول الله حين هجر نساءه شهرا لما لجت الغيرة بهن بعد ~~أن ولدت مارية ابنه إبراهيم؟ وأين من حجرات أزواجه كان مجلسه المفضل للتفكير والتأمل، ~~ولتنظيم سياسة المسلمين وتوجيههم في مختلف شئونهم؟ وأين من هذه الحجرات نزل عليه الوحي؟ ~~وأين فيها سرير مرضه وحيث كان به من لهب الحمى ما يعاني منه أشد الكرب؟ وأين منها ~~المكان الذي مر به المسلمون بعد موته وغسله، رجالا ونساء وأطفالا، يودعون جثمان نبي ~~الله ورسوله، ويشهدون أنه بلغ رسالة ربه وجاهد في سبيله حتى أتم الله النصر لدينه؟ لم ~~يبق من ذلك كله أثر بعد أن ضمت الحجرات إلى المسجد، فلم يبق لزائر المدينة أن يقف على ~~تفصيله أو أن يستمد إلهامه، وقد كان له في الإسلام وفي حياة المسلمين أبلغ الأثر، ms512 ألا ~~لو أن ذلك كله بقي إلى اليوم لألهم المؤرخين والكتاب والشعراء ورجال الفن ما لم ~~تلهمهم الحجرة البديعة الزخرف مذ شادها عمر بن عبد العزيز، لم يفكر الوليد في شيء من ~~هذا يوم أمر بهدم الحجرات وإدخالها في المسجد، وإنما فكر في حسن بن حسن بن علي بن أبي ~~طالب وفاطمة بنت الحسين وفي الدعوة العلوية وفي هذه الخصومة التي استحرت بين بني هاشم ~~وبني أمية بعد مقتل عثمان ، ولو أنه فكر في شيء مما ذكرت أو وجد من يذكره به لما ~~عدل أغلب الأمر عن رأيه، فالهوى السياسي أعنف من أن يذرنا نفكر في أمر سواه، وهو ~~كذلك خاصة إذا اتصل بالملك وما يحيط به من شهوات أهواء. # بذلك حدثتني نفسي يوما وأنا بمجلسي من المسجد بعد وقفة طويلة أمام الحجرة، وذكرت ~~لذلك ما حدث من عمارة الحجرة بعد الوليد، وكيف نهج غيره نهجه في البناء والزخرفة، وكيف ~~نسي المسلمون العهد الأول ووقر في نفوسهم أن كل زخرف يضيفونه إلى الحجرة يقربهم إلى ~~الله، ولقد بلغ أمرهم من ذلك أن اختلفوا على موضع المدفونين بالحجرة بعضهم من بعض، هذا ~~وأبو بكر وعمر وزيرا رسول الله في حياته وخليفتاه بعد موته، وهما اللذان ثبتا قواعد ~~الإسلام ونشرا في الخافقين لواءه، ولقد بلغ من اختلافهم على هذه المواضع أن روى ~~السمهودي عنها سبع روايات اعتمد في كل منها على راوية لروايته مبلغها من القوة أو ~~الضعف، ونقل السمهودي ما صورت به هذه المواضع في مختلف الروايات على النحو ~~الآتي: # هذه هي الأوضاع التي ذكرها السمهودي، وهي سبعة يمكن أن ترد إلى ستة، وأنت تستطيع ~~كما ترى أن تعتبرها ثمانية، على أن الوضع الأول منها هو المأثور، والرواية فيه أن رأس ~~النبي وضع إلى ناحية الغرب، وأن رأس أبي بكر وضع إزاء منكبي النبي، وأن رأس عمر وضع ~~إزاء منكبي أبي بكر وهذا الخلاف على وضع أبي بكر وعمر من النبي يقع مثله على بناء ~~الحجرة حين شادها عمر بن عبد ms513 العزيز، فقد ذكروا أنه بناها مخمسة ولم يبنها مربعة خيفة ~~أن يتخذها المسلمون قبلة يتوجهون إليها في صلواتهم، أما السمهودي فيقول: إنه رآها حين ~~عمارة المسجد في عصره، أي: في القرن التاسع الهجري، وأنه ألفاها مربعة، وأن تخميسها كان ~~بعد ذلك، وقبر النبي معلم اليوم بمسمار من الفضة موضوع في الجدار القبلي من الخارج، ~~والمأثور أنه قبالة الرأس، وقد وضع هذا المسمار في عهد متأخر، ولكنه يشير إلى موضع ~~الرأس لا ريب، فالمسلمون قد حرصوا على الدقة في تحديد قبر النبي وإن لم يحرصوا على ~~مثلها في تحديد قبري صاحبيه. # وهذا الخلاف على تحديد مواضع القبور من الحجرة إنما حدث في عهد متأخر، فقد رأيت أنه ~~لما انقض جدار وانكشفت بذلك ساق وركبة في ولاية عمر بن عبد العزيز المدينة عرفوا ~~أنها ساق عمر وركبته، مما يدل على أن مواضع القبور كانت محددة يومئذ أدق التحديد، فلما ~~أقيمت الحجرة حولها ولم يكن يدخل إليها إلا الموكلون بها، وقل منهم العلماء، بدأ هذا ~~الخلاف، ولا نعرف من الذي بدأ بإثارته، ولو أن الحجرة بقيت على صورتها الأولى لما حدث ~~خلاف؛ ولما ترتب على هذا الخلاف ما ترتب عليه من جدل طويل. # فاتني أن أشير إلى ما يذكرونه عن قبر رابع موجود بالحجرة إلى جانب القبور الثلاثة، ~~وما يروى من أن هذا القبر لعيسى بن مريم، وما ينسب إلى النبي # صلى الله عليه وسلم # من أحاديث تؤيد ~~أن المسيح سيدفن به، ولست أريد أن أخوض مع الخائضين في هذا الأمر، وكل ما أذكره أن ~~النبي لم يعين مكانا يدفن به؛ ولذلك اختلف أصحابه: أيدفن بمكة أم ببيت المقدس؟ ثم ~~اتفقوا على دفنه بالمدينة حين قال أبو بكر: إني سمعت رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يقول: «ما ~~قبض نبي إلا دفن حيث يقبض.» ولم يكن بدار عائشة يومئذ قبر، ولم يحفر بها قبر غير ~~قبر النبي إلا بعد أن دفن أبو بكر وعمر، ولم يذكر رسول الله أنهما سيدفنان بها، ولم يكن ms514 ~~أحد يعلم ذلك، بل لقد دفن عمر بها بعد أن سأل عائشة أن تأذن به، وبعد أن آثرته عائشة ~~على نفسها فأذنت أن يدفن في دارها. # تجدد بناء الحجرة بعد ذلك غير مرة، ولقد أشرت إلى شيء من ذلك حين الحديث عن المسجد ~~النبوي وتجديد بنائه على أثر الحريق الذي أصابه في القرن السابع، وامتد إلى الحجرة كما ~~امتد إلى المسجد كله، وعلى أثر الصاعقة التي نزلت به في أواخر القرن التاسع الهجري، ~~ولقد عدل بناء الحجرة أثناء ذلك فخمست بعد أن كانت مربعة، وزيد عليها ما لم يكن ~~منها حين بناها عمر بن عبد العزيز، يقول السمهودي في حديثه عن عمارة القرن التاسع: «إن ~~متولي العمارة ومن كان معه خبروني أنهم وجدوا عند نقض جدار البيت الشامي - أي: ~~الشمالي - من داخله رأس جدار في محاذاة الأسطوانة المذكورة يشهد الحال أنه كان آخذا من ~~الشامي إلى ما يحاذيه من القبلة، فكأنه كان نهاية الحجرة الشريفة من جهة الشرق، وكأنه ~~لما انهدم زيد فيها ذلك القدر، قالوا: ولا يخفى على الناظر أن بقية الجدار الشامي مما ~~يلي الشرق لم تبن مع الجانب الآخر منه، بل هي ملصقة إلى رأس الجدار المذكور بحيث لم ~~تدخل أحجار أحدهما في الآخر ولا هي مرتبطة كما هي عادة البناء الواحد، ورأيت أنا ما ~~يقابل هذا الجانب من الجدار القبلي مما يلي الشرق، فرأيت ما يشهد بإحداث بنائه بحيث إنه ~~مبني بالحجارة غير الوجوه كنسبة الجدار الشرقي بخلاف بقية جدارات الحجرة الشريفة فإنها ~~كلها من داخلها وخارجها مبنية بالحجارة الموجودة المنحوتة، وأنا لم أشاهد ما قدمته ~~مما حكي لي في أمر الجدار الشامي؛ لأنني اجتنبت حضور الهدم احتياطا لنفسي.» # 1 # ويقص السمهودي في فصل عقده وجعل عنوانه «فيما تجدد من عمارة الحجرة الشريفة في ~~زماننا على وجه لم يخطر قط بأذهاننا، وما حصل بسببه من إزالة هدم الحريق الأول من ذلك ~~المحل الشريف ومشاهدة وضعه المنيف وتصوير ما استقر عليه أمر الحجرة في هذه العمارة.» - ~~يقص ms515 صورة ما حدث في عهده حين جاء شاهين الجمالي إلى المدينة منصرفه من جدة فأراه ~~وجوهها ما تكسر من أخشاب المسجد، وأروه ما في الحجرة من تصدع قديم في جدارها الشمالي، ~~رأى معه إصلاح عمدها وإعادة بنائها، وقد اختلف يومئذ في ضرورة ذلك، ورأى كثيرون الخير ~~في عدم التعرض له ما دامت الحاجة لا تدعو إليه، لكن شاهينا وزير سلطان مصر الأشرف ~~قايتباي، كان له غرام بإصلاح الحرمين لا يعدله غرام ؛ لذلك كان دائبا على تعمير ما يرى ~~الخير في تعميره منهما، فلما استقر الرأي على تعمير المسجد والحجرة بدءوا بإزالة ما كان ~~من تراب الهدم الذي سقط بها حين الحريق الذي وقع في القرن السابع، يقول السمهودي: «بعث ~~إلي متولي العمارة لأتبرك بمشاهدة الحجرة الشريفة بعد تنظيفها، وصار قائل يقول: ظهر ~~القبر الشريف، وقائل يقول: لم يجدوا لجميع القبور الشريفة أثرا، فحثني داعي الشوق ~~وغلبة الوجد، واستحضرت ما وقع لبعض السلف من سؤاله عائشة - رضي الله عنها - أن تريه ~~القبور الشريفة ... فعزمت على الإقدام وتمثلت بقول بعضهم: # ولو قيل للمجنون: أرض أصابها # غبار ثرى ليلى لجد وأسرعا # لعل يرى شيئا له نسبة بها # يعلل قلبا كاد أن يتصدعا # فتطهرت وتوجهت لذلك مستحضرا عظيم ما توجهت إليه، وموقع المثول ببيت أوسع الخلق ~~كرما وعفوا، وذلك هو المعول عليه، واستحضرت قول بعضهم: # عصيت فقل لي كيف ألقى محمدا # ووجهي بأثواب المعاصي مبرقع؟! # ثم أنشدت الذي يليه: # عسى الله من أجل الحبيب وقربه # يداركني بالعفو فالعفو أوسع # وسألت الله أن يمنحني حسن الأدب في ذلك المحل العظيم، ويلهمني ما يستحقه من الإجلال ~~والتعظيم، وأن يرزقني منه القبول والرضا، والتجاوز عما سلف ومضى، فاستأذنت ودخلت من ~~مؤخر الحجرة ولم أتجاوز ذلك المحل فشممت رائحة ما شممت في عمري أطيب منها، ثم سلمت ~~بوجل وحياء، على أشرف الأنبياء، ثم على ضجيعيه خلاصة الأصفياء ... ودعوت بما تيسر من ~~الدعوات، وتشفعت بسيد أهل الأرض والسموات، واستنزلت به في بيته من الأزمات، واغتنمت ~~هذه الفرصة في جميع ms516 الحالات ... فلما قضيت من ذلك الوطر، متعت عيني من تلك الساحة ~~بالنظر، لأتحف بوصفها المشتاقين، وأنشر من طيب أخبارها في المحبين، فتأملت الحجرة ~~الشريفة فإذا هي أرض مستوية وتناولت من ترابها بيدي فإذا به نداوة وحصباء ... ولم أجد ~~للقبور الشريفة أثرا غير أن بأوسط الحجرة موضعا فيه ارتفاع يسير جدا توهموا أنه ~~القبر الشريف النبوي، فأخذوا من ترابه للتبرك فيما زعموا، ومنشأ ذلك الوهم جهل من ~~كان هناك بأخبار الحجرة الشريفة ، وذلك المحل ليس هو القبر النبوي قطعا، ولعله قبر عمر ~~- رضي الله عنه ... لأن قبر رسول الله # صلى الله عليه وسلم # كان قريبا من الجدار وكان اللحد تحت الجدار.» # 2 # وكان مهرة الصناع قد نقضوا قبل تنظيف المكان ما رأوا حاجة إلى نقضه من العمد، ثم ~~أعادوها بعد صب الرصاص فيها وجعلوها قوية قوة دهش لها السمهودي، وبعد التنظيف أقاموا ~~بناء الحجرة حول مربعها الذي كان عمر بن عبد العزيز أقامه، وجعلوا عليها قبة مكان القبة ~~التي سبقتها والتي لم تقاوم عمل الزمن؛ لأنها كانت من خشب، أما في هذه العمارة فقد ~~بنيت من الحجر الأسود وكملت من الحجر الأبيض. # وبعد زمن من تمام بناء الحجرة سقطت الصاعقة التي ذكرنا نبأها في فصل المسجد النبوي ~~على مئذنته الرئيسية فامتد الحريق إلى المسجد كله، أما الحجرة فلم تحترق، على أن هذا ~~الحريق قد ترك أثرا في القبة إذ تشققت أعاليها، وقد أعيد بناؤها محكما بعد أن أخذ ~~لها الجبس الأبيض من مصر، وتم ذلك في سنة 892 هجرية، وكتب على طرازها من الناحية ~~الغربية: «أنشأ هذه القبة الشريفة العالية المعترف بالتقصير؛ الراجي عفو ربه القدير؛ ~~قايتباي.» وبقيت القبة من ذلك العهد إلى أن جددها السلطان محمود بعد أن هدم أعاليها في ~~سنة 1233، وهو الذي أمر بصبغها باللون الأخضر. # ليس يسعنا وقد تحدثنا عن عمارة الحجرة أن نغفل أمرا حدث أثناء ذلك له بهذه العمارة ~~اتصال، ذلك ما تذكره الروايات وتنسبه إلى نور الدين الشهيد محمود بن زنكي الذي كان ~~يحارب ms517 الصليبيين في القرن السادس الهجري، فقد ذكروا من أنباء سنة 557ه أنه رأى في نومه ~~رؤيا أفزعته: رأى النبي # صلى الله عليه وسلم # يشير إلى رجلين أشقرين وهو يقول: أنجدني، أنقذني من ~~هذين، ثم توضأ نور الدين وصلى ونام فرأى ما رأى من قبل وقام فزعا، وتوضأ وصلى ~~ونام فرأى ذلك مرة ثالثة، وكان له وزير من الصالحين يقال له: جمال الدين الموصلي أرسل ~~في طلبه وقص عليه ما رأى، قال الوزير: وما قعودك ؟! اخرج الآن إلى المدينة النبوية ~~واكتم ما رأيت، وتجهز الملك بقية ليلته وخرج على رواحل خفيفة ومعه وزيره وعشرون رجلا، ~~فوصلوا المدينة في ستة عشر يوما، وبعد أن اغتسل الملك وتوضأ وصلى ركعتين بالروضة جلس ~~لا يدري ما يصنع، واستدعى أهل المدينة وأخبرهم أنه جاء للزيارة ومعه مال كثير للصدقة، ~~وسألهم بعد أن وزع المال: أبقي أحد لم يأخذ منه حظه؟ قالوا: لم يبق إلا رجلان مغربيان ~~صالحان غنيان لا يأخذان من أحد شيئا، ويكثران الصدقة على المحاويج، وجيء ~~بالرجلين فرآهما يشبهان من أشار إليهما النبي # صلى الله عليه وسلم # في المنام. # وتظاهر الرجلان بالصلاح وأنهما جاءا إلى المدينة يجاوران القبر النبوي، وشهد أهل ~~المدينة بأنهما صائمان الدهر، ملازمان الصلوات في الروضة، وزيارة الحجرة كل صلاة، ~~وزيارة البقيع كل يوم بكرة، وزيارة قباء كل سبت، وأنهما لا يردان سائلا، لكن نور ~~الدين لم يطمئن إليهما، وذهب إلى بيتهما فرأى فيه مالا كثيرا، ثم إنه جعل يجوس خلاله ~~إذ رفع حصيرا فيه فرأى سردابا محفورا متجها صوب الحجرة ... وارتاع الناس حين علموا ~~ذلك وأحاطوا بالرجلين لما جيء بهما إلى نور الدين يسائلهما أن يصدقاه، وضربهما ~~ضربا مبرحا، فاعترفا بأنهما نصرانيان بعثهما الصليبيون في زي حجاج المغاربة ~~وأمالوهما بأموال عظيمة، وأمروهما بالتحيل لسرقة جثة النبي، هنالك أمر نور الدين ~~فضرب عنقاهما، ثم أمر بحفر خندق عظيم حول الحجرة من كل جوانبها حتى بلغ الحفر الماء، ~~وأمر بإذابة رصاص ملأ به الخندق، فصار منه حول الحجرة إلى الماء سور ms518 متين لا يستطيع أحد ~~اجتيازه. # هذه رواية السمهودي عن هذا البناء، ويروي البتانوني في الرحلة الحجازية أن نور الدين ~~زنكي بلغه أن الصليبيين الذين كان مشتغلا بمحاربتهم كانوا يعملون لسرقة الجثة ~~الشريفة، فأمر بإحاطة الجثة ببناء آخر نزل بأساسه إلى منابع الماء، ثم صب الرصاص على ~~دائرة حتى صار بحيث لا يمكن أن تنال منه يد الزمان، وذكر صاحب مرآة الحرمين مثل هذا، ~~وقد وضع على هذا البناء، على ما ذكر البتانوني، ستر من الحرير الأخضر مكتوب فيه «لا ~~إله إلا الله محمد رسول الله» يحيط بها أحجبة مكتوب فيها قوله - تعالى: # ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول ~~الله وخاتم النبيين ~~، وفيما بين ذلك دوائر مكتوب فيها أسماء ~~النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، ويحيط بهذا الستر المنسدل على بناء الحجرة حزام من الحرير الأحمر مكتوب ~~فيه اسم السلطان الذي أمر بعمل الستر. # وقد تخيل الطريقة التي سرد بها صاحب الرحلة الحجازية نبأ كسوة الحجرة أن لهذه ~~الكسوة اتصالا بما صنع نور الدين الشهيد، والواقع أن كسوة الحجرة أقدم عهدا من نور ~~الدين، والرحلة الحجازية نفسها تشير إلى هذا، فأول من كساها الخيزران أم هارون الرشيد ~~حين حجت، كستها الزنانير وشبائك الحرير، ثم كساها ابن أبي الهيجاء وزير ملك مصر ~~الديباج الأبيض عليه الطرز والجامات المرموقة، وجعل عليه زنارا من الحرير الأحمر ~~كتبت عليه سورة يس، وأرسل المستضيء بعد سنتين من ذلك كسوة من الديباج البنفسجي مطرزا ~~عليها اسمه، ووضعت مكان كسوة أبي الهيجاء، وكساها الخليفة الناصر بالديباج الأسود، ثم ~~صارت كسوة الحجرة ترسل من مصر كل ست سنوات، كما كانت ترسل منها كسوة الكعبة كل عام، ~~وكانت هذه الكسوة من الديباج الأسود المرقوم بالحرير الأبيض وعليها طراز منسوج بالذهب ~~والفضة، فلما استقرت الخلافة في بني عثمان بالآستانة صارت كسوة الحجرة ترسل منها كلما ~~جلس سلطان على العرش، وبقيت كسوة الكعبة ترسل من مصر كل عام، فلما انتقضت بلاد العرب ~~على سلطان الأتراك، ثم لما زالت الخلافة بعد ms519 ذلك، تولت حكومة البلاد الإسلامية المقدسة ~~أمر هذه الكسوة، وقد جرى التقليد من زمان بعيد كلما وردت كسوة جديدة أن تقسم ~~القديمة، شأنها في ذلك شأن كسوة الكعبة. # كنا نود أن نقف عند ما حدث من التطور في بناء الحجرة قبل أن نتناول بالحديث أمر ~~كسوتها، فهذا التطور أوضح دلالة على تطور التفكير الإسلامي مما حدث في بناء المسجد، أما ~~وقد تتبعنا «الرحلة الحجازية» في استطرادها إلى حديث الكسوة، فإنا نؤثر أن نتم أنباء ~~الحجرة بحديث الهبات التي قدمها الملوك والأثرياء إليها، والتي تتضاءل الهبات التي ~~قدمت إلى المسجد بجانبها، فحديث هذه الهبات يزيد التطور الذي حدث في التفكير الإسلامي ~~وضوحا، ولعله كذلك أبلغ ما يقال في نقض ما رواه الحاج عبد الله برخارت السويسري عن ~~رغبة المسلمين عن التبرع لمنشآتهم الدينية، إذ قال تعليقا على وصفه الروضة: «إذا ذكرنا ~~أن هذا المكان من أقدس الأماكن في العالم الإسلامي كله، وأنه اشتهر بروعته وفخامته ~~ونفاسة حليته، وأنه زخرف بكل ما اجتمع من هبات الغلاة في هذا الدين، ازددنا دهشة وعجبا ~~أن يكون ذلك كل مظهره، فهو لا يقاس إلى مثوى بقية من رفات قديس، وإن هان شأنه، في أية ~~كنيسة من كنائس أوروبا الكاثوليكية، وهو بهذا ينهض دليلا مقنعا على أن المسلمين لم ~~يساووا المسيحيين الغلاة في هباتهم الدينية في أي عهد من العهود، ودع عنك أحوالا ~~كثيرة أخرى تؤيد الاعتقاد بأنه مهما يكن من تعصب المسلمين وأوهامهم فإنهم لم يبدوا قط ~~ميلا إلى البذل والتضحية المالية من أجل منشآتهم الدينية، كما يضحي الكاثوليك، بل ~~كما يضحي المسيحيون البروتستنتيون من أجل منشآتهم.» # 3 # وإنه مع ذلك ليجمل بي قبل تناول هذه الهبات بالحديث أن أشير إلى خلاف وقع بين علماء ~~المسلمين في عصور مختلفة على جواز تحلية الحجرة بالذهب والجواهر النفيسة، مع العلم ~~بأنها مكروهة شرعا حلية للأفراد ولمنازلهم وللمساجد، أما الذين يقولون بالجواز ~~فيستندون إلى ما كان يوهب للكعبة، وأن رسول الله لم ينكره، وأن أبا بكر لم يفكر ms520 في ~~التصرف فيه، وأن عمر فكر في ذلك ثم عدل عنه تأسيا برسول الله، وأما الذين يقولون ~~بعدم الجواز فيذكرون حديث النبي لعائشة: «لولا أن قومك حديثو عهد بكفر لأنفقت كنز ~~الكعبة في سبيل الله ولجعلت بابها بالأرض.» فهو - عليه السلام - لم يفعل وما منعه ~~اعتبار من الشرع وإنما منعته اعتبارات السياسة، ويذهب قوم إلى أن المسجد النبوي لا يجوز ~~تحليته بالذهب والفضة أسوة بالمساجد جميعا، ويذهب آخرون إلى أن الحجرة غير المسجد ~~ويبلغون حد القول بأن المدفن الشريف بالحجرة له شرف على جميع المساجد وعلى الكعبة، فلا ~~يلزم من المنع في المساجد والكعبة المنع هنا! # 4 # وقد كان لهذا الخلاف أثره في الهبات ونوعها في القرون الأولى من الإسلام، ~~وله اليوم أثره والحجاز في حكم الوهابيين، أما ما بين ذلك فقد بلغ التفاني في الهبات ~~حدا سترى شيئا منه فيما نقص الآن عليك، وسترى منه مبلغ خطأ الحاج عبد الله ~~برخارت. # فقد ظلت الحجرة وليس بها من الزينة إلا دفن الرسول وصاحبيه بها إلى أن ضمت للمسجد ~~في سنة ثمان وثمانين للهجرة، ثم بقيت وليس بها إلا هذه الزينة، ومن حولها زخرف البناء ~~البديع بعد أن ضمت للمسجد، بناها عمر بن عبد العزيز بالحجارة السوداء القوية زمنا ~~طويلا، بعد ذلك ألف الناس أن يروا قناديل الذهب والفضة المعلقة حول ~~الحجرة. # وفي ذلك يقول السمهودي ما نصه: «لم أر في كلام أحد ذكر ابتداء حدوث ذلك إلا أن ابن ~~النجار قال ما لفظه: وفي سقف المسجد الذي بين القبلة والحجرة على رأس الزوار إذا ~~وقفوا معلق نيف وأربعون قنديلا كبارا وصغارا من الفضة المنقوشة والسادة، وفيها ~~اثنان بلور وواحد ذهب، وفيها قمر من فضة مغموس في الذهب وهذه تنفذ من البلدان من ~~الملوك وأرباب الحشمة والأموال.» # وقد بقيت القناديل ومعاليقها ترسل إلى الحجرة أجيالا متعاقبة حتى بلغ من كثرتها أن ~~رفع خدم المسجد بعضها ووضعوه بالقبة التي في صحن المسجد حتى اجتمع فيها منه شيء كثير، ~~وظل الأمر كذلك إلى ms521 أن كان القرن التاسع الهجري إذ كان جماز بن هبة أمير المدينة عام ~~811 هجرية، في هذا الحين صدرت المراسيم بتولية ثابت بن نغير إمرة المدينة وأن يكون ~~أمر الحجاز لحسن بن عجلان، ومات ثابت قبل توليته وشعر جماز بأن الأمر يفر من يده ~~فأعلن العصيان، وأباح نهب بعض بيوت المدينة، وأهان شيخ خدام الحرم، ورفع عليه وعلى ~~من معه السيف، وكسر باب القبة وأخذ جميع ما فيها من قناديل الذهب والفضة التي اجتمعت ~~على تعاقب السنين من جميع الآفاق وفر بها ثم أخفاها وقتل، وقد وضع بعض علماء ذلك ~~العصر قائمة بما نهبه جماز جاء فيها أن وزن ما كان بالحجرة من قناديل الذهب تسعة ~~قناطير، وقد شجع جماز هذا غيره من المعتدين، فأخذ الأمير غرير بن هيازع بن هبة الحسيني ~~الجمازي جانبا مما وضع بالقبة زنته سبعة عشر ومائة رطل من الفضة زاعما أنه على ~~سبيل القرض، ثم فر به إلى القاهرة حيث مات مسجونا، وفي آخر سنة ستين وثمانمائة عدا ~~عليها برغوث بن بتير بن جريس الحسيني، إذ تسور جدار المسجد ودخل بين سقفيه ونهب ~~منه ما استطاع في ليال متكررة. # على أن ما حدث من ذلك لم يصرف المؤمنين عن إرسال الهدايا من الذهب والفضة من جميع ~~أقطار العالم الإسلامي. # ولما آل الأمر إلى بني عثمان زادت هذه الهدايا نفاسة وقيمة، ويقول البتانوني في ~~«الرحلة الحجازية»: # في مقابلة الوجه الشريف على جدار المقصورة حجر من الماس البرلنتي في حجم بيضة ~~الحمام الصغيرة، يحيط به إطار من الذهب المرصع، ويقدرون ثمنه في ذاته ~~بثمانمائة ألف جنيه، أما في شرف نسبته إلى الحجرة النبوية فقيمته أكبر من أن ~~تقدر بثمن، ويسمونه بالكوكب الدري لشدة تألقه وعظيم سنائه وبهائه، وهو ~~مثبت في لوحة من الذهب، ورصع محيطه بمائتين وسبع وعشرين قطعة من الجواهر ~~الثمينة، وهذا الكوكب أهداه للحجرة الشريفة السلطان أحمد خان الأول ابن السلطان ~~محمد خان من سلاطين آل عثمان في مبادئ القرن الحادي عشر الهجري، وقد علق ms522 ~~تحته كف من الذهب المرصع بالجوهر، في وسطه حجر من الماس أصغر من الكوكب ~~الدري، أهداه إليه السلطان مراد الرابع ابن السلطان أحمد الأول في سنة سبع ~~وأربعين وألف للهجرة، وهناك لوح كبير من الذهب المنقوش فيه بخط جميل جدا ~~بحجارة الماس البرلنتي: لا إله إلا الله محمد رسول الله، أهدته إليها صاحبة ~~السمو والعصمة عادلة سلطان بنت السلطان محمود سنة ألف ومائتين وإحدى وتسعين ~~هجرية، وفي هذه الحجرة الشريفة غير هذا كثير من الجواهر الفاخرة التي لا تقدر ~~بثمن، منها قطعة كبيرة على مثال الكردان مكتوب فيها بالماس اسم السيدة فاطمة ~~الزهراء. # وبعد أن ذكر البتانوني ما هنالك من نفائس أخرى كمصاحف مجوهرة وشمعدانات من الذهب ~~الخالص المرصع بالجواهر الكريمة ومكانس من اللؤلؤ، قال: وبالجملة فقد قدر ثمن ما ~~للحجرة الشريفة من الذخائر بسبعة ملايين من الجنيهات. # لم تبق هذه النفائس اليوم بالحجرة، وليس يرجع ذلك إلى ما أخذه الوهابيون منها في ~~غزوتهم الأولى للحجاز في أوائل القرن التاسع عشر المسيحي، فقد رد محمد علي باشا والى ~~مصر الشيء الكثير مما أخذوا، وبقيت هذه النفائس التي ذكرها البتانوني، والتي رآها في ~~أول العقد الثاني لهذا القرن العشرين، فلما كانت الحرب الكبرى وثار العرب بسلطان آل ~~عثمان نقل الأتراك الكوكب الدري وقطعة الماس التي كانت معلقة تحته وأنفس نفائس الحجرة ~~إلى الآستانة ولم ترد إلى الآن. # كنت واقفا أمام الحجرة يوما وأحد أصحابي يقص علي نبأ هذه النفائس وما سلب منها ~~ويبدي لذلك أسفا ولوعة، وأطرقت مليا أسمع له، فلما أتم حديثه قلت: وهل أغنت هذه ~~النفائس قبر النبي الكريم شيئا؟! نظر إلي الرجل بعينين واسعتين فتحهما وكأنهما ~~ملئتا مما أقول عجبا، ولم يصدني عجبه ولا صدتني نظرته عن الاستطراد في بيان فكرتي ~~فأردفت: «ما كان قبر محمد النبي العربي بحاجة إلى جواهر تضيء جوانبه وهو مضيء ~~بالحقيقة العليا التي جاء بها صاحبه من عند الله هدى للناس ونورا، وليس البهرج ~~الذي يخدع الناس به هو العبرة التي تلتمس في ms523 هذه الحجرة، وما سلب من جواهرها ولآلئها ~~إنما سلب يوم أراد الله لدينه أن يعود فيملأ النفوس سموا على كل زينة وبهرج، وإنما ~~العبرة الكبرى التي تملأ النفوس رهبة وجلالا، ويخشع أمامها القلب مهابة وإكبارا، ~~فتلك ما تتحدث هذه الحجرة عنه من سيرة خاتم الأنبياء والمرسلين - عليه الصلاة والسلام، ~~ومن سيرة صاحبيه ووزيريه وخليفتيه؛ أبي بكر وعمر، ومن وقف أمام الحجرة وشغل عن سيرة ~~صاحب الرسالة وبلاغه إياها الناس، وعن سيرة صاحبيه وجهادهما في سبيل الله ليظل لواء ~~الإسلام العالم كله وكان شغله عن ذلك بزخرف البناء وما كان فيها من تحف وجواهر، فقد ~~فاتته العبرة ولم يبلغ من زيارة قبر الرسول ما يجب أن يجعله كل مسلم غايته من هذه ~~الزيارة.» # وخلوت يوما إلى نفسي، وعدت أفكر في هذه الجواهر وفي إهداء أصحابها إياها إلى الحجرة ~~وفي قوله - عليه السلام - لعائشة: «لولا أن قومك حديثو عهد بكفر لأنفقت كنز الكعبة في ~~سبيل الله.» أترى المسلمين اليوم ما يزالون حديثي عهد بكفر فلا ينفق أحد كنز الحجرة في ~~سبيل الله؟! أوليس إنفاقه في هذه السبيل الكريمة خيرا من تركه تعدو عليه الأيدي ~~ولا يفيد منه أحد شيئا؟ إن الذين وهبوه للحجرة التماسا للقربى قد بلغوا من هبتهم ~~غايتهم، فحسب المرء أن ينفذ صادقا ما نواه مخلصا لتتم له نيته، فإذا خرج عمله أو ماله ~~من يده وأصبح ملكا عاما فقد أصبح حقا لبيت مال المسلمين، يتصرف فيه صاحب الأمر ما ~~يتصرف في بيت مال المسلمين؛ يجعل منه للحجرة وزينتها ما يتفق مع كتاب الله وسنة رسوله ~~وإجماع المسلمين، وينفق سائره في سبيل الله. # ولو عرض الكوكب الدري بعد أن بقي في الحجرة النبوية زمنا ليحوزه من يقدر على ثمنه ~~لأقبل أصحاب الملايين من أمراء الهند وغيرهم يتنافسون في اقتنائه ويبذلون فيه أضعاف ~~قيمته، ويومئذ ينفق هذا المال في سبيل الله تيسيرا للحج أو إعلاء لكلمة الله ورفعا ~~لمنار الإسلام، وما كان لأحد أن يغضب لذلك بعد إذ تكرر الاعتداء على ms524 نفائس الحجرة ~~فسلبت غير مرة، هذا، وما دار بخلد النبي - عليه السلام - أن يكون قبره يوما من ~~الأيام متحفا للجواهر، وهو الذي أراد أن ينفق كنز الكعبة في سبيل الله، لكن قوما ~~رأوا هذه الهبات وقفا على الحجرة لا يجوز التصرف فيها بحال، فشرط الواقف عندهم كنص ~~الشارع، وليس يجوز في رأيهم صرف شيء من قناديل الحجرة في عمارتها وعمارة المسجد، وعند ~~كثيرين أن هذا غلو في تقديس إرادة الفرد بعد موته، والشرع الإسلامي الحنيف لا يجيز ~~إرادة الإنسان إلا في حدود حياته. # ومهما يكن الرأي في ذلك كله فهذه الهبات أوضح شاهد على تطور التفكير الإسلامي إلى ~~ناحية الأثرة، مع أن كتاب الله وأسوة رسوله كلهما الدعوة الخاصة للإيثار، وماذا يبتغي ~~من يهب القناديل أو الجواهر للحجرة؟ إنه لا يريد بذلك سد حاجة للمسلمين، وآية ذلك أن ~~القناديل كانت تبلغ من الكثرة أن تخزن قناطير الذهب منها في القبة التي تتوسط المسجد، ~~وأن إضاءة الحجرة لا تقتضي هذا الذهب ولا هذه النفائس، إنما يهب الواهبون يبتغون القربى ~~إلى رسول الله وشفاعته لهم عند ربه، هم لا يفكرون في المسلمين ولا في أخوتهم ومحبتهم ~~حين يفتنون في زخرف هذه الهبات، وإنما يفكرون في أنفسهم، وكم من ملك أو أمير وهب ~~النفائس ثم لم يصرفه ما وهب عن الاستبداد بغيره وابتزاز حقه والطمع في ماله، والطمع مع ~~ذلك في شفاعة رسول الله من أجل ما قدم من قناديل الذهب أو نفيس الجواهر! هذه عقيدة ~~تدهور إليها المسلمون مذ نسوا أن المرء مجزي بعمله، وأن قيمة العمل بالنية التي تبعث ~~عليه، وأن هذا العمل أقرب إلى الله ما كان البر والتقوى والجهاد في سبيل الله. # عدت إلى التفكير في هذا التطور يوما إذ كنت بموقفي من الحجرة أستعيد أمام ذهني هذه ~~الصورة الأخاذة بالنفس لأيام مرض الرسول ووفاته ودفنه، فقد أقبل رجل مندفعا نحو ~~الحجرة كأنما أراد أن يلقي بنفسه على أبوابها وأن يقبل أعتابها، ودهشت لمرآه ~~في اندفاعه بعد إذ حالت ms525 حكومة الوهابيين بين زوار الحجرة وما وراء السلام على ساكنها ~~- عليه السلام، ومنعت أن يقبل الناس الأعتاب أو أن يتمسحوا بالمقصورة كما ~~كانوا يفعلون من قبل، لما تراه في هذه الأعمال من مخالفة قواعد الإسلام الصحيح، دهشت ~~حين رأيت هذا الرجل في تحمسه وفي اندفاعه، وأيقنت أن خدام الحجرة لا ريب مانعوه من ~~غرضه، لكن الرجل لم يلق بنفسه إلى الأرض ولم يقبل الأعتاب، بل اندفع يدعو ويبتهل ~~ويستغفر، ويطلب إلى رسول الله الشفاعة يوم الحساب، وكان يطلب ذلك في صوت مسموع وفي ~~ضراعة وإنابة انهمل لهما دمعه وفاضت معنا عبراته، فلما فرغ من دعائه وتضرعه ~~وابتهاله اقترب منه رجل يقول له: ألم تقرأ قوله - تعالى: # وما ~~تجزون إلا ما كنتم تعملون ~~؟ أولست تعرف أن الحسنات ~~يذهبن السيئات؟ فعليك بالحسنات يغفر لك الله من ذنوبك وتكن أعمالك خير شفيع لك، ووقف ~~المستشفع مأخوذا؛ لأنه لم يكن يتوقع أن يسمع ما سمع، لكنه مع ذلك صاح حين أتم صاحبه ~~كلامه: الشفاعة يا رسول الله! وانطلق إلى الروضة النبوية يلتمس أقرب مكان من منبر ~~الرسول. # عدت إلى التفكير في تطور النفسية الإسلامية على أثر هذا المشهد، قلت في نفسي: ألا ~~يغلو الذين يحولون بين زائر الحجرة وما سوى السلام على نبي الله ورسوله غلو الذين ~~يتمرغون على أعتاب المقصورة يلتمسون العفو والمغفرة؟! إن هذا الموقف ليبعث في النفس من ~~العبرة والذكرى ويثير فيها من معاني الحكمة العليا ومن أسباب الأسوة الحسنة ما لا يثيره ~~موقف سواه، إننا نقف أمام قبور العظماء من فلاسفة وقواد وملوك وكتاب وحكماء ~~فتحدثنا صفائحها بأبلغ ما تحدثنا عنه أكثر الكتب بلاغة وأدقها منطقا، ما بالك بهذا ~~الموقف أمام قبر النبي العربي وما يبعثه إلى النفس من دواعي الحكمة والإيمان وحسن الرأي ~~وجميل الأسوة؟! حسبك أنه منارة الهدى إلى التوحيد في قوة بساطته وصفاء جوهره، وإلى ~~الإيمان بهذا التوحيد عن معرفة وبصيرة، وإلى سلوك سبيل العلم لبلوغ أسمى مراتب الإيمان ~~بملاحظة خلق الله واستنباط سنته - جل شأنه - في ms526 الكون؛ ليكون لهذه الوقفة أمام ~~الحجرة أبلغ الأثر في الحياة، أثر يجعلنا نسمو بأنفسنا فوق الزائل من المنافع العاجلة ~~لهذه الحياة الدنيا لنحدق في الوجود وجها لوجه نبتغي فيه آية الله، ونرى خلاله أسرار ~~عظمته - جل شأنه، أليس غلوا أن نمنع الناس من هذه الوقفة مخافة أن يغلوا في تقديس ~~هذا القبر إلى حد العبادة؟! والذين يعبدون القبر أو صاحب القبر غلاة كذلك، ينكرون ~~تعاليم صاحبه وما جاء به من عند الله فيشوبون صفاء التوحيد بما يصنعون ، ويشوهون جلاله ~~بما لا يرضى الله ورسوله، تعالى الله عما يصفون. # ومثلت أمام ذهني صورة هذا الرسول الكريم يوم دفن بهذه الحجرة، فرأيته في أكفانه، ~~ورأيت أبواب هذه الحجرة تفتح للمسلمين من ناحية المسجد فيدخلون فيلقون على نبيهم نظرة ~~الوداع ويصلون عليه، هذا أبو بكر وهذا عمر يدخلان وقد امتلأت الحجرة بالمسلمين وهم ~~يصلون صلاة الجنازة كما كان يصليها رسول الله على موتاهم، لا يؤمهم في صلاتهم أحد، ~~ويتم القوم جميعا صلاتهم ويقفون صموتا كأن على رءوسهم الطير حتى يسمعوا أبا بكر يقول: ~~«السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته! نشهد أن نبي الله ورسوله قد بلغ ~~رسالة ربه وجاهد في سبيله حتى أتم النصر لدينه، وأنه وفى بوعده، وأمر ألا نعبد إلا الله ~~وحده لا شريك له.» وأبو بكر يتلو هذا السلام جملة جملة. والمسلمون يجيبون عند كل جملة ~~آمين! آمين! في هيبة وخشوع، ويفرغ الرجال من صلاتهم ويدخل النساء ثم الصبيان من بعدهم، ~~وهؤلاء وأولئك جميعا كل واجف قلبه، محزون فؤاده، يفري الأسى كبده لفراق رسول ~~الله خاتم النبيين، ويساوره على دين الله أشد الخشية من بعده. # ترى كيف كان دفن أبي بكر إلى جانب النبي، وكيف كان دفن عمر إلى جانب أبي بكر؟! ~~لقد مات أبو بكر في الثاني والعشرين من جمادى الأولى للسنة الثالثة عشرة من الهجرة، ~~فتولت غسله ابنته أسماء يعاونها ابنه عبد الرحمن إجابة لرغبته قبيل وفاته، ثم إنه ~~كفن في الأثواب التي مات فيها؛ لأنه ms527 أبى أن يكفن في جديد من الثياب، فالثياب ~~الجديدة تنفع الحي، ونقله الصحابة من بيته إلى بيت ابنته عائشة، وصلى عليه عمر ~~والمسلمون من حوله، ودفن إلى جوار رسول الله، رأسه عند منكبي صاحب الرسالة، ولقد ~~مات عمر في السادس والعشرين من ذي الحجة في السنة السادسة والعشرين من الهجرة، فتولى ~~صهيب والصحابة نقله من داره إلى دار عائشة حين دفن في جوار صاحبيه، ورأسه إلى ~~منكبي أبي بكر، فصلى صهيب عليه، وأنزل عبد الله بن عمر جثمانه إلى مقره ~~الأخير. # ما أبلغ العبرة في دفن خليفتي رسول الله الأولين في حجرته! وأول ما يدل ذلك ~~عليه إجماع المسلمين على أنهما تأسيا بالرسول وسارا على نهجه وسنته، فحق لهما أن ~~يكونا في جواره، وهما قد سارا على نهج الرسول وسنته في سياسة المسلمين، فنسي كل منهما ~~نفسه وجعل وحدة المسلمين وعظمة الإسلام والجهاد في سبيل الله غرضه، لم يفكر أحد منهما ~~حين خلافته في مال أو جاه أو سلطان يكون له أو لذويه وأهله، بل رأى فيما ولي من ~~أمر المسلمين عبئا وواجبا ألقاه الله على عاتقه، فكان كل همه ألا تعلق ~~به فيما ولي من ذلك ريبة من الناس ولا من نفسه، وأن يؤدي في ولايته لكل مسلم حقه، كان ~~الفقر فخر كل منهما، كما كان فخر صاحب الرسالة، وكانت التقوى لباسهما ويجب أن تكون لباس ~~كل مؤمن، وكان الحرص على رضا الله بطاعته غاية رجائهما، بذلك استقر الإسلام بعد أن ~~قمع أبو بكر من حدثته نفسه بالخروج عليه، ثم مد عمر راية الإيمان على بلاد ~~الروم والفرس بعد أن حسب الروم والفرس أن الله أورثهم إياها إلى يوم الدين، ونسوا أن ~~الله إنما يورث الأرض من يشاء من عباده الصالحين. # بهذا سما أبو بكر وسما عمر، فحق لهما أن يجاورا رسول الله في جوار الله، فكانت ~~للمؤمنين في ذلك عبرة أن من أطاع الله ورسوله وجاهد في سبيله التماسا للمثل الأعلى كان ~~جديرا أن يسمو إلى مكانة المقربين، ms528 وأن يرقد رقدته الأخيرة في جوارهم، لقد سأل الوليد ~~بن عبد الملك عن قبر عثمان يوم زار المدينة بعد أن ضمت الحجرة إلى المسجد فقيل له: ~~«إنه مات في فتنة.» ولولا ذلك لدفن في الحجرة كما دفن أبو بكر وعمر، وقد يكون ~~عجيبا ألا ترى عائشة دفنه بها وقد كانت مع معاوية بين المطالبين بدمه، ولكن لا عجب، ~~فلم يجمع المسلمون على تأسي عثمان بالرسول ما أجمعوا على تأسي الخليفتين الأولين به، ~~ولو أنه فعل لسما سموهما ولحق له أن يرقد معهما في جوار رسول الله. # وما كان المسلمون ليأبوا عليه ذلك يومئذ لو أنهم أقاموا على سنة الرسول يؤثرون على ~~أنفسهم، ويحرصون على العدل ولا يميل بهم الهوى، لكن سيرة الرسول تقتضي من يبتغي الأسوة ~~فيها مجهودا إنسانيا كبيرا، تقتضيه أن يسمو على المادة، وأن يمحو من آثارها كل ما ~~يغشى ضياء الروح، وأن يعالج ذلك بالمعرفة والعلم، وأن يثابر في هذه السبيل غير وان ~~ولا قانع، فالقناعة فضيلة في طلب المادة، والونى دون الطمع في هذا الطلب خير، لكن ~~أجواء السمو الروحي لا حدود لها، ودوام السمو فيها يقتضينا ألا نقنع بما بلغنا، ~~وألا نني عن مواصلة الجهد لبلوغ غاية ما نستطيع منه، وهذا ما شغل المسلمون عنه ~~من عهد عثمان بما شجر بينهم من خلاف. # اللهم إني أضرع إليك أن تهيئ لي وللمؤمنين في هذا السبيل - سبيل السمو الروحي - ~~ما هيأت لمن ارتضيت من عبادك، وأن تيسر لنا اتباع رسولك الكريم؛ نتأسى به ونتبع سنته، ~~ونسير في خطاه! اللهم إن هذه الحجرة التي أقف أمامها ألتمس فيها المثل والعبرة لتلهمني ~~من ذلك ما أرجو أن تهديني صراطه، فهو صراطك المستقيم! اللهم بك العون فأعني، ومنك ~~الرضا فارض عني! ربنا لا تحملني ولا تحمل إخواني المؤمنين ما لا طاقة لنا ~~به! ربنا اعف عنا واغفر لنا وارحمنا، أنت مولانا وأنت نعم المولى ونعم النصير! # | ظاهر المدينة # عد بذاكرتك إلى اليوم الثامن والعشرين من شهر يونية سنة 622م، ففي ms529 ذلك اليوم كان ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قد بلغ من هجرته أن أصبح على أبواب يثرب لم يبق بينه وبينها غير ~~ثلاثة فراسخ، أفيدخلها وليس يعلم ما أعده أهلها لمقدمه، وهو بعد متعب كصحابه ~~ودليله بعد أن قضوا ثمانية أيام يحف بهم الخطر أثناء مسيرهم في الصحراء خلا ثلاثة ~~الأيام الأولى التي قضاها مع أبي بكر في غار ثور؟ أيستريح إلى ظل جبل عير الذي يفصل ~~بين البادية وبينها؟ هذا بريدة شيخ قبيلة بني سهم قد جاء يحييه ويذكر له أن ~~أهل يثرب على أحر من الجمر في انتظاره، وأنهم يخرجون إلى أعالي الجبال والحرار كل ~~يوم يتلمسونه بظاهر مدينتهم حتى تغلبهم الشمس على الظلال في هذه الأيام التي بلغ فيها ~~القيظ حمارته، خير له مع ذلك أن يعدل إلى قباء على فرسخين من يثرب حتى يرى ما ~~الله صانع به، وحتى يستطلع بنفسه جلية الأمر فيما هو مقبل عليه. # وتخطى الرجال الثلاثة جبل عير على رواحلهم في موضع تستطيع الإبل أن تتخطاه، فلما ~~بلغوا ذروته وتنسموا نسيم أعاليه انكشف أمامهم سفحه المواجه يثرب، وامتدت أمام أبصارهم ~~جنات النخيل والبساتين ذات الرواء والبهجة، ما أكرمك ربي! أية طمأنينة يبعثها هذا ~~المنظر الساحر لنفوس أجهدتها المشقة، وقلوب لولا يقينها أن الله معها لانقبضت من الفزع ~~طول هذه الرحلة! هذا وادي العقيق عن يسار عير تبدو فيه أمام النظر منازل هي للنظر ~~أنس وسكينة، وتفصل بينه وبين يثرب حرة الوبرة، وهذه حرة واقم عن اليمين تفصل ~~بين يثرب والعريض، وتقوم منازل بني قريظة وبني النضير أسفلها، وهذه قباء على مقربة ~~من سفح عير تحيط بها البساتين تجري خلالها المياه متفجرة من الآبار فتزيدها رواء ~~وبهجة، وأنس الرسول إلى هذا المنظر وود لو يطيل المكث فوق الجبل لولا حرصه على أن ~~يتحرى أنباء بريدة وأن يعرف مبلغ الحق فيها، وانحرف القوم عن عير متجهين إلى قباء، ~~فلما بلغوها ألفوا عددا غير قليل من المسلمين أسرعوا إليها يستقبلون نبي الله ~~ورسوله وكلهم ms530 النشوة والجذل. # لقد انتظروه يومهم هذا كما انتظروه في الأيام التي سبقت، فلما غلبهم القيظ عادوا ~~إلى منازلهم، وإنهم لكذلك إذ سمعوا يهوديا على أطم له يصيح بهم: يا بني قيلة ~~هذا صاحبكم قد جاء، إذ ذاك أسرعوا إليه يسألونه! أين رآه، فأشار إلى ناحية قباء، وحث ~~القوم إليها المسير حتى بلغوها قبل أن يبلغها محمد وأبو بكر، فلما رأوهما أحاطوا بهما ~~إلى دار كلثوم بن الهدم إذ نزل رسول الله كما نزل بها قبله كثيرون من المسلمين ~~الذين سبقوه إلى الهجرة من مكة، ولما استقر به المقام ذهب أبو بكر إلى السنح على ~~مقربة من قباء، فنزل بدار خارجة أحد زعماء الأوس، وفي قباء قضى رسول الله أربعة أيام ~~يقيم الليل بدار كلثوم ويجلس معظم النهار بدار سعد بن خيثمة الأوسي، فيستقبل أنصار ~~الله بيثرب يسألهم عن حالها ويفكر وإياهم في الانتقال إليها، وبينما هو في قباء بلغها ~~علي بن أبي طالب قادما من مكة بعد أن أدى إلى أهلها ما كان لهم عند ابن عمه من ~~ودائع، وفي أربعة الأيام التي أقامها النبي بقباء بنى مسجدها، وكان يعمل فيه بيده ~~ويشاركه المسلمون، فلما اطمأن إلى أنباء يثرب دخلها وأهلها في لهفة وشوق لرؤيته بينهم، ~~ودخلها على النحو الذي تعرفه والذي قصصته عليك في فصل «آثار المدينة». # هذا المسجد الذي بناه رسول الله # صلى الله عليه وسلم # بقباء هو أول بناء أقيم في الإسلام ليكون ~~مسجدا؛ ولذلك اتفق جمهور المفسرين على أنه المسجد المقصود بقوله - تعالى - في سورة ~~التوبة: # لمسجد أسس على التقوى من أول يوم ~~أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله ~~يحب المطهرين ~~، وإن ذكر بعضهم أن هذه الآية تتناول كذلك مسجد ~~المدينة، واستند إلى أحاديث رواها تؤيد رأيه، وأولية هذا المسجد في الإسلام وقيامه ~~بقباء، أول منزل للنبي بعد هجرته من مكة، يجعل لضاحية قباء ولمسجدها من المكانة في ~~نفوس المسلمين ما يجعل زيارتها مستحبة يوم السبت من كل أسبوع، وكان الناس من ms531 أهل ~~المدينة وزوارها يقومون بهذه الزيارة منذ قرون، وما زالوا كذلك يفعلون، وهم كانوا - ~~لا ريب - ولن يزالوا يفعلونه تبركا بالمسجد والآثار النبوية التي به، أو التماسا ~~للعبرة في آثاره. # والأثر النبوي الذي يذكرونه في مسجد قباء ولا يختلفون عليه هو مبرك الناقة، ~~فالمتواتر أن هذا المسجد أقيم حيث بركت ناقة النبي أول ما بلغ قباء؛ والراجح أن يكون ~~هذا صحيحا، ومؤرخو المدينة متفقون على أن دار كلثوم بن الهدم كانت منزل الرسول ودار ~~سعد بن خيثمة التي كانت مجلسه كانتا تجاوران المسجد، وكانت الداران موجودتين ومعروفتين ~~في عهد المطري في القرن الثامن، والسمهودي في القرن التاسع، ويذهب الأستاذ عبد القدوس ~~الأنصاري في تعليل زوالهما وعفاء آثارهما الآن إلى أنهما بنيتا قبتين إشادة بهما ~~وإبقاء لذكرهما، وأنهما كانتا تقومان حيث تقوم القبتان البيضيتان الواقعتان اليوم ~~على اثني عشر مترا من جنوب المسجد، ورقعة المسجد كانت فضاء مجاورا لدار كلثوم بن ~~الهدم مملوكا له، وكان قد جعله مربدا يجفف فيه التمر، فأخذه رسول الله وبنى ~~به هذا المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، والذي ظل رسول الله يذهب إليه طول ~~مقامه بالمدينة يذكر فيه هجرته وبلوغه منها مأمنه، ويذكر فيه دخول يثرب ونصر الله إياه ~~فيها وإعلاء كلمة الله بانتشار الإسلام بين أهلها. # زرت قباء صبح السبت الثامن والعشرين من شهر مارس في صحبة بينهم الأستاذ عبد ~~القدوس الأنصاري، وإن السيارة لتجري بنا في طريق واسع مستو إذ قال عبد القدوس: هذا ~~طريق استحدثه فخري باشا عام 1336ه/1915م، لكنه سد بعد الغزوة الوهابية وظل مسدودا ~~حتى اشتراه أمير المدينة اليوم عبد العزيز بن إبراهيم فوقفه طريقا لقباء، أما قبل ذلك ~~فكان طريقها معوجا يتعرج من الشرق إلى الغرب وتحيط به نخيل صغار، كثيرا ما اختبأ ~~فيها الأشرار فآذوا سالكيه، وأغلب الظن أن يكون رسول الله قد سلك هذا الطريق ~~المتعرج بين قباء والمدينة، وأن يكون قد استمتع بجمال نضرته ومرأى المياه الجارية ~~خلاله وبهوائه العذب الرقيق. # وبلغنا قباء ونزلنا ms532 أمام المسجد، ما أفسح رقعته! فهو مربع، ضلعه أربعون مترا، وما ~~أعلى جدرانه وأمتنها! فهي تعلو الأرض قرابة ستة أمتار، وتدعمها دعائم مبنية وراءها ~~تزيدها قوة، وتخطينا باب المسجد فإذا صحن مكشوف فرش بالحصباء تتوسطه قبة يقابلها ~~محراب، قيل: إنها أقيمت حيث بركت ناقة النبي، ويسمونها لذلك مبرك الناقة، وزوار ~~المسجد يقفون عندها يعيدون من الأدعية ما يتلوه «المزورون» عليهم، وفي جانب من الصحن ~~بئر تنسب لأبي أيوب الأنصاري، لم أعرف لنسبتها له سببا مذكورا في التاريخ، وإن ~~روى عنها المزورون الروايات المختلفة، وعلى يمين الداخل من الباب جانب مسقوف ممتد ~~طول ضلع المسجد ويزيد عرضه على عشرة أمتار، في هذا الجانب يقيم الناس الصلاة، وفيه ~~تقوم عمد وقباب، ويفرشه حصير نظيف، ويتوسطه محراب هو قبلة المصلين، وفي نهاية ~~الجدار الذي يقوم فيه هذا المحراب محراب آخر يقال له: طاقة الكشف، والمزورون يذكرون أن ~~النبي رأى الكعبة من موضعه، وهذا قول ينكره الحس، وبين قباء والكعبة أكثر من ~~ثلاثمائة ميل؛ ولذلك يقول صاحب «مرآة الحرمين»: # وفي المسجد موضع يقال: إنه طاقة الكشف يزوره الناس، ولا أدري كشف أي ~~شيء. # ليس يشبه هذا البناء الذي نراه اليوم ذلك المسجد الذي بناه الرسول بقباء؛ فقد كان ذلك ~~المسجد الأول من اللبن والجريد، فلما كانت خلافة عثمان بن عفان جدده وزاد فيه على ~~نحو ما جدد المسجد النبوي وزاد فيه، وكما هدم عمر بن عبد العزيز المسجد النبوي وشيده ~~بناء بالغا غاية الروعة، هدم كذلك مسجد قباء ووسعه وبالغ في تنميقه، وأقام له ~~مئذنة، وجعل له رحبة وأروقة، وفي سنة خمس وثلاثين وأربعمائة عمره أبو يعلى ~~الحسيني وكتب على حجر يوجد اليوم فوق محراب طاقة الكشف: «بسم الله الرحمن الرحيم # إنما يعمر مساجد الله # الآية. أمر بعمارة ~~مسجد قباء الشريف أبو يعلى أحمد بن الحسن بن أحمد بن الحسن - رضي الله عنه - ابتغاء ~~ثواب الله وجزيل عطائه في سنة خمس وثلاثين وأربعمائة.» وأحدث عمارة في هذا المسجد ~~أجراها السلطان محمود الثاني سنة ألف ms533 ومائتين وخمس وأربعين، ونقش تاريخها في حجر ~~لا يزال على بابه. # على مقربة من المسجد مقبرة يزعمون أن مسجد الضرار الذي ورد ذكره في القرآن كان يقوم ~~موضعها، ويذكرون أنها اليوم مقبرة الشيعة والرافضة والنخاولة، ونسبة مسجد الضرار إلى ~~هذا المكان وهم، وحسبك أن تعلم أن مسجد الضرار الذي أحرقه رسول الله كان بذي أوان ~~شمال المدينة، وأن قباء في أقصى جنوبها، لتدفع هذا الوهم. # قل من يعنى بهذه المقبرة وما يروى عنها، وإنما يعنى الزائرون ببناء مظلم ~~يجاور مسجد قباء ويسميه بعضهم مسجد علي، ويروي الأكثرون أنه دار زوجه فاطمة ابنة ~~الرسول، ويزيرون الناس حجرا في داخله يقولون: إنه الرحا التي كانت فاطمة تطحن ~~بها الحنطة، وليس لهذا الكلام سند من الثبوت العلمي، وإن كان في روايته من الخير أنه ~~يعلم الناس شرف العمل اليدوي وخدمة المرء نفسه والمرأة بيتها. # فأما الأثر الثابت بقباء ثبوت المسجد، والذي يسترعي لذلك الانتباه والعناية، فبئر ~~أريس، ومنبع العين الزرقاء، وهما يقعان قبالة باب المسجد وعلى مقربة منه، ويلفتان ~~مثله نظر الباحث المحقق كما يلفتان نظر الزائر المتبرك، فأنت ترى أمامك قبة تحسبها مزار ~~ولي أو صحابي، وتعجب كيف لم يهدمها الوهابيون؟! ثم تسمع حين تسأل عنها أنها قائمة على ~~بئر أريس، وترى إلى جانبها قبة أخرى ذات محراب بها طاقة تطل على البئر ويستقى منها، ~~فماء البئر عذب سائغ والزائرون يشربونه تبركا لما يقال لهم من أنه كان أجاجا ~~فتفل النبي فيه فعذب، وهذه رواية لم يثبتها ثقات المحدثين، ونفاها نقاد ~~الحديث ولم يتجاوز عنها إلا أقلهم. # ولهذا القول الضعيف تسمى بئر أريس بئر التفلة، وهي تسمى كذلك بئر الخاتم، ~~لما يقال من أن خاتم رسول الله سقط فيها، ورواية سقوط الخاتم ليست منسوبة إلى النبي، ~~فقد بقي هذا الخاتم في حياته وطول خلافة أبي بكر وعمر، وفي السنة السادسة من خلافة ~~عثمان سقط الخاتم من يده في هذه البئر؛ بئر أريس، وعبثا بحث الباحثون عنه لاستخراجه ~~منها. # وقد أضيفت بئر أريس ms534 بعد ذلك إلى العين الزرقاء الواقعة في جوارها، كما أضيفت إليها ~~بئر الرباط وبئر بويرة، ومياه الآثار تحدث حين انحدارها في العين الزرقاء ~~دويا كدوي الشلالات؛ ولذلك يسميها أهل المدينة شلالات العين الزرقاء. # هذه هي البقعة التي نزل بها رسول الله أول ما بلغ يثرب حين مهاجره من مكة، وتحيط ~~بها إلى مرمى النظر من كل جانب طبيعة متفاوتة الألوان تصف ظاهر المدينة وتعيد إلى ~~الذاكرة صورة من تفاوت حظها، ذكرنا ما يراه القائم بأعلى عير من هذا المحيط ، إذ ~~يرى يثرب أمامه ووادي العقيق إلى يساره ممتدا غرب المدينة فيما وراء حرة الوبرة ~~إلى ما بعد بئر رومة في شمالها، والعريض وعوالي المدينة إلى يمينه من شرق حرة ~~واقم، وهناك في الشمال من أقصى المدينة أحد، وتبدو هذه الأودية منحدرة من الجنوب إلى ~~الشمال تسيل في انحدارها مياه الأمطار، فتجعل منها جنات ذات زرع زاهي الخضرة، وبساتين ~~تنبت من الفاكهة ما لذ وطاب، إلا التفاح والكمثرى مما لا يجود في البلاد الحارة، لقد ~~كان وادي العقيق حتى هاجر رسول لله إلى المدينة ممرعا بالمزارع ذات البهجة، فلما انتشر ~~الإسلام وامتد لواء عاصمته إلى مصر والروم والفرس وانهالت الأموال إلى المدينة أصبح ~~العقيق قصورا كله، يفاخر في ترف الحضارة قصور بزنطية ورومية، ولقد كانت عوالي المدينة ~~زاهرة عامرة بعد أن أجلي اليهود عنها وأصبحت خالصة للمسلمين، بها منازل بني عبد ~~الأشهل وبني معاوية، حولها البهاء والنضارة والرواء، فلما تنكر الحظ للمدينة بعد أن ~~تركها أبناؤها الأولون ليقيموا بدمشق وبغداد والقاهرة؛ ولينعموا في رياض الأندلس بما ~~حسبه آباؤهم في العهد الأول حلما من الأحلام، بدأت قصور العقيق تندك، وبدأت نذر ~~التدهور تمد يدها القاسية المدمرة إلى كل ناحية من المدينة. # وأنت اليوم لا ترى في طريقك إلى قباء من غراس أو بساتين تلفت النظر بعض ما ترى من ~~يباب بلقع لا زرع به ولا ثمار، ومتى كانت الأرض تأخذ زخرفها وتزدان لقوم هجروها ~~فلم يعكفوا على استغلالها والإفادة من خصبها مكتفين ms535 بأن يعيشوا كلا على غيرهم لا ~~يأتون بخير من سعيهم ودأبهم. # وهذه المنطقة بين قباء والمدينة من أخصب مناطقها، بل لعلها أخصبها؛ وهي لذلك تثمر ~~جل فاكهتها وخضرها؛ ومن ثم كانت متنزه المدينة ومصحها في مختلف ~~العصور، يخرج إليها الناس للتروض، ويقيم بها الناقهون استعادة للنشاط والقوة، ~~ولقد كان رسول الله كثيرا ما يخرج في أصحابه إليها، فهي قد تركت في نفسه أجمل الأثر مذ ~~نزل أول مهاجره بها، فلما أزمع إذ ذاك الانصراف إلى المدينة سار في مظاهرة من المسلمين ~~متخطيا بئر أريس بوادي رانوناء متجها إلى وادي بطحان فنخيل يثرب، وإنه ~~لبوادي رانوناء إذ أذنت صلاة الجمعة، فنزل فصلاها بمن معه، وذكرا لهذا ~~الحادث أقيم على طريق قباء مسجد الجمعة، يقوم اليوم على يمين الذاهب من قباء إلى ~~المدينة، وكان موضع هذا المسجد يوم صلى به النبي واقعا في منازل بني سالم من الأنصار، ~~ولا تذكر كتب التاريخ المدونة أول من بنى هذا المسجد، أما بناؤه الحالي فأقامه بايزيد ~~السلطان العثماني الذي تولى السلطنة من سنة 886 إلى سنة 918 هجرية، يدل على ذلك نقش ~~لا يزال موجودا على حجرين من الرخام الأبيض مثبتين في جداره، وقد عفت الأيام على ~~منازل بني سالم وتركت المسجد يقوم اليوم في أرض مهملة إلا من بستانين قلت العناية ~~بهما، يقع أحدهما في شماله، والآخر في جنوبه. # ذكرت في فصل «آثار المدينة» ما حدث حين دخول النبي إليها بعد صلاة هذه الجمعة وخطبته ~~فيها، فلا حاجة إلى العود لذكره، وإنما أقف هنا فيما بين قباء ومسجد الجمعة ليحدثني ~~الأستاذ عبد القدوس عن أطم الضحيان وحصن كعب بن الأشرف، يقع أولهما على مقربة من ~~قباء إلى ناحية الغرب، ويقع الآخر إلى ناحية الشرق وبينه وبين قباء أربعة أمثال ما بين ~~الضحيان وبينها، وذكرت لحديث الأستاذ عبد القدوس ما كان بيثرب حين هجرة الرسول إليها ~~من آطام وحصون تحميها غائلة المعتدين عليها، وتجعل عبد الله بن أبي ابن سلول ~~يقول إذ يتحدث القوم في ms536 أمر قريش قبيل غزوة أحد: «لقد كنا يا رسول الله نقاتل فيها، ~~ونجعل النساء والأطفال في هذه الصياصي، ونجعل معهم الحجارة، ونشبك المدينة بالبنيان ~~فتكون كالحصن من كل ناحية، فإذا أقبل العدو رمته النساء والأطفال بالحجارة ~~وقاتلناه بأسيافنا في السكك، إن مدينتنا يا رسول الله عذراء ما فضت علينا قط، ~~وما دخل علينا عدو فيها إلا أصبناه.» # وشاقني أن أرى هذه الحصون والآطام كيف كانت؟ وانطلقت بنا السيارة حتى كنا عند أطم ~~الضحيان، فإذا أحجار سود من حجارة الحرار مركوم بعضها فوق بعض، ولم يبق من الأطم ~~إلا جدار هو القائم يحدث سمكه وارتفاعه عما كان عليه من عظمة وقوة ومنعة، وهو بالغ ~~الدلالة على ذلك كله، يبعث ما بقي منه إلى النفس رهبة ومهابة، تسلقنا بعض هذا الجدار ~~السميك ورميت بنظري إلى الفضاء حولي، فخلتني أرى ما كان عليه من قبل بما تبينت من نوع ~~عمارته، تدل عليها الآثار القليلة الباقية منه، وهبطت أسأل عن حصن كعب بن الأشرف، ~~فعلمت أنه ليس خيرا من هذا الأطم صيانة، وأن ما بقي من آثاره لا يزيد عما بقي من ~~الضحيان، على أن كعبا وحصنه أثارا في ذاكرتي مقتل الرجل على عهد الرسول، في حين لم ~~يثر الضحيان شيئا أعرفه، فقد كان كعب عدوا للمسلمين شديد اللدد في عداوته، ~~يهجوهم ويرسل فيهم الأشعار ويعيبهم بمقذع القول، هنالك ائتمر به جماعة من شبان ~~المدينة، فاحتالوا عليه واستدرجوه ليلا من حصنه وقتلوه، وكعب هو الذي قال بعد غزوة بدر ~~ومقتل سادات قريش بها: «والله لئن كان محمد أصاب هؤلاء القوم لبطن الأرض خير من ~~ظهرها.» وهو الذي ذهب إلى مكة يحرض على رسول الله، وينشد الأشعار ويبكي أصحاب ~~القليب؛ قليب بدر، وهو الذي رجع بعد ذلك إلى المدينة وجعل يتشبب بنساء المسلمين، ~~ومقتل كعب هو الذي أدى إلى حصار بني قينقاع وإلى تجويعهم فتسليمهم وإجلائهم عن ~~المدينة. # وليس يسعني وأنا الآن في طريق قباء إلى المدينة أن أغفل الحديث عن مشربة أم ~~إبراهيم، ولست ms537 أخفي ما كان بي من شوق إلى زيارة هذه المشربة والوقوف بها مذ نزلت ~~المدينة، ولا عجب، فأم إبراهيم هي مارية القبطية، وهي المصرية التي بعث المقوقس ~~بها وبأختها سيرين هدية لرسول الله حين بعث رسول الله إليه يدعوه إلى الإسلام، أما وهي ~~ابنة وطني مصر، وهي التي وصلت بين وطني ونبينا - عليه أفضل الصلاة والسلام - بصلة ~~خالدة على التاريخ إذ ولدت له ابنه إبراهيم، وهي التي أبقت لذلك في مدينة الرسول ~~آثارا يزور الناس جميعا؛ منها قبر إبراهيم بالبقيع؛ فلا جرم أن أحرص - أنا المصري ~~الصميم - على زيارة المكان الذي اختاره الرسول مقاما لمارية، والذي كان مقامه كلما ذهب ~~إليها، والذي شهد عبراته تتساقط يوم مات إبراهيم حزنا وجزعا، ولا جرم أن يكون ~~بي إلى هذا المكان هوى لا يشعر به غيري ما أشعر أنا به. # ومشربة أم إبراهيم تقع بالعالية من ضواحي المدينة، وقد يكون تجوزا نسبتها إلى ~~قباء وطريقها، فأنت تسير إليها من المدينة سالكا طريق قباء حتى تبلغ ملتقى وادي بطحان ~~بوادي رانوناء؛ إذ ذاك تتياسر مع وادي بطحان متجها إلى شرق المدينة ميمما وادي ~~مذينب ووادي مهزور، والعوالي تقع بين هذين الواديين، هناك يأخذ بنظرك مسجد قائم ~~بين خضرة نضرة وزرع بهيج، وبيئة طبيعية تثير في النفس ذكرى البيئة المصرية، وهذا المسجد ~~يقوم اليوم حيث كانت تقوم المشربة في عهد رسول الله. # أفأقامت مارية بالمشربة مذ أهداها المقوقس إلى رسول الله، أما أقامت بها بعد مولد ~~إبراهيم أو قبيل ذلك بعد الحمل به؟ لم يرد عن ذلك نبأ صريح، وكتاب السيرة الذين ~~يجيبون عن هذه المسائل يذهبون في جوابهم مذهب الظنون، وأحسب مارية أقامت بالمشربة بعد ~~قليل من مجيئها من مصر، وأنها ظلت بعد ذلك بها، وأحسبها أقامت بها قبل أن تسلم، فهي ~~إنما أسلمت بعد حملها - أو بعد مولد إبراهيم - ولذلك لم تضم إلى أزواج النبي، ~~ولم تكن أول أمرها بين أمهات المؤمنين، فلم تبن لها حجرة إلى جانب حجراتهن، ولعل ~~النبي حباها بها ms538 إكراما لها؛ لأنه # صلى الله عليه وسلم # كان كريم الطبع؛ ولأن مارية كانت يومئذ ~~نصرانية، وأقرب الناس مودة للذين آمنوا الذين قالوا: إنا نصارى، ولعله اختار لها ~~هذا المكان مقاما؛ لأنها ألفت فيه شبها بطبيعة بلادها. # ونمط مسجد المشربة كنمط مساجد مكة والمدينة التي أقيمت للذكرى لا للصلاة، وهو خير في ~~بنائه وفي صيانته من كثير من المساجد التي من نوعه، وفي صحنه إلى جوار الجدار المقابل ~~للمحراب بئر ما يزال الماء بها، لكنها لم تبن فوهتها، ولم تعلق عليها دلو ، مما يدل ~~على أن ماءها غير مأثور للشرب ولا للتبرك. # أقمت طويلا عند مسجد المشربة، ودرت حوله من نواحيه جميعا، وحاولت أن أصور لنفسي ~~تلك المصرية التي سكنت هذا المكان كيف كانت، وهل كانت تعيش ها هنا كما كانت تعيش في ~~مصر؟ أما أنها آثرت حياة أهل المدينة فسارت سيرتهم ونسجت على منوالهم؟ وإن المؤرخين ~~ليذكرون أنها كانت جميلة، حلوة القسمات، قمحية اللون، يتوج رأسها شعر أسود متموج، ~~وأنها كانت تعيش في مشربتها بين الحدائق التي أهداها مخيريق إلى الرسول بعد جلاء بني ~~النضير عن المدينة، عيش طمأنينة ونعمة، أما بعضهم فيذكر أنها أقامت أول عهدها في دار ~~بالمدينة تجاوز حجرات النبي، وأنا لم تنقل إلى المشربة إلا بعد مولد إبراهيم، وحين ~~ظاهرت حفصة وعائشة على النبي بعد أن عادت حفصة يوما من دار أبيها فوجدت مارية في ~~بيتها مع النبي، وهذا قول مرجوح؛ لأن مارية لم يعرف لها بالمدينة بيت قط، ولأن ~~مظاهرة حفصة وعائشة لا ترجع إلى سبب واحد. # 1 # على مقربة من مسجد المشربة يقع مسجد الفضيخ شرق قرية العوالي، وهو أوسع رقعة من ~~مسجد مارية ومن كثير من المساجد الأثرية، له شرفات وخمس قباب، ومحراب يجاوره منبر من ~~حجارة يرتفع عن الأرض درجتين، وقد سمي هذا المسجد الفضيخ لما يروى من أن أبا أيوب ~~أراق به الفضيخ، وهو خمر التمر، إذ بلغه وهو في نفر من أصحابه نزول تحريمها، ويسمى ~~هذا المسجد كذلك مسجد الشمس؛ ms539 لأن الشمس تطلع عليه أول شروقها، وهو مسجد مأثور لصلاة ~~النبي بموضعه ست ليال حين حصاره بني النضير. # ليس يقابلك إذ تسير شرق الخندق من ظاهر المدينة أثر غير ما قدمنا خلا مسجد بني ظفر ~~ومسجد الإجابة، وقد ذكرنا مسجد الإجابة حين تحدثنا عن آثار المدينة، أما مسجد بني ظفر ~~فيقع شرق البقيع، ويؤثر عنه أن رسول الله أتى بني ظفر فجلس على الصخرة التي في ~~مسجدهم في جماعة من أصحابه وأنه أمر قارئا فقرأ حتى أتى على هذه الآية: # فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك ~~على هؤلاء شهيدا ~~، فبكى رسول الله وقال: «أي رب! شهيد على من ~~أنا بين ظهرانيه! فكيف بمن لم أره؟!» ويذكر صاحب مرآة الحرمين أن هذا المسجد ~~يسمى كذلك مسجد البغلة لوجود أثر بجوار المسجد في حرة واقم يزعم المزورون أنه ~~لحافر بغلة النبي، كما يزعمون في تأويل انخفاض في حجر هناك أن رسول الله اتكأ في هذا ~~المكان بمرفقه فترك في الحجر هذا الأثر، كما تركت أصابعه أثرا في حجر آخر، ويضيف ~~إبراهيم باشا رفعت: «ولم يثبت شيء من ذلك، وإنما هو محض افتراء زوره المرشدون للآثار ~~ليستدروا بذلك أموال الدهماء.» # تقع هذه الآثار كلها بحرة واقم، والحرة كما أسلفنا منطقة سوداء من الحجارة ~~المحترقة اختلط بها أكثر الأمر حمم بركاني، وحرة واقم تحد المدينة من الشرق كما ~~تحدها حرة الوبرة من الغرب، ولقد كانت واقم أكثر عمرانا من الوبرة أول ما جاء رسول ~~الله إلى المدينة، كانت منازل اليهود من بني النضير تقع في جنوبها ويليها إلى الشمال ~~منازل بني قريظة منهم؛ ثم كان بها ثلاثة منازل للأوس: منازل بني ظفر واقعة إلى الشمال ~~من وادي مهزور، ومنازل بني عبد الأشهل في أوسط الحرة، ومنازل بني حارثة في ~~شمالها، وفي منازل بني عبد الأشهل كان يقوم في حصنهم واقم الذي سميت الحرة باسمه، ~~وقد ترك أصحاب هذه المنازل من اليهود والأوس آثارا في الحرة تدل على حضارة ونظام؛ ~~تركوا بها ms540 آثار مصانع وصهاريج مياه لم يبق منها اليوم إلا أطلال دوارس، ولا عجب، وقد ~~كانت هذه الحرة ميدان حرب مذ استقر الإسلام بالمدينة، حاصر رسول الله بني النضير في ~~منازلهم بها وقد ائتمروا به ليقتلوه، وذلك حين خرج إليهم بعد مقتل كعب بن الأشرف يريد ~~أن يقر السلم باحترام عهد الموادعة بينه وبينهم، وقد أدرك ائتمارهم فانسحب من ديارهم، ~~وأرسل إليهم محمد بن مسلمة يبلغهم: «أن رسول الله أرسلني إليكم أن اخرجوا من بلادي، لقد ~~نقضتم العهد الذي جعلت لكم بما هممتم به من الغدر بي، لقد أجلتكم عشرا، ~~فمن رئي بعد ذلك ضربت عنقه.» وتحيرت بنو النضير ما تصنع، ثم انتهت بتحريض عبد ~~الله بن أبي إلى عدم النزول على حكم هذا الإنذار النهائي الذي أبلغ إليهم، هنالك ~~حاصرهم المسلمون وقاتلوهم عشرين ليلة وقطعوا نخيلهم، فلما بدا لهم اليأس من المقاومة ~~سألوا محمدا أن يؤمنهم حتى يخرجوا من المدينة، وخرجوا منها تاركين وراءهم مغانم ~~كثيرة. # وحاصر رسول الله بني قريظة بعد أن نقضوا عهده وغدروا به وانضموا إلى الأحزاب في ~~غزوة الخندق، فلما تولى الأحزاب عن المدينة بعد أن خلع الإعصار خيامهم وقلوبهم، قاتل ~~المسلمون بني قريظة في منازلهم خمسا وعشرين ليلة حتى سلموا وحكموا سعد بن ~~معاذ في مصيرهم، فحكم بأن تقتل المقاتلة، وتقسم الأموال، وتسبى الذرية ~~والنساء، وكذلك كان. # من بعد ذلك ظلت المدينة آمنة إلى مقتل عثمان، ثم بدأت الثورات والحروب الداخلية بين ~~علي ومعاوية، فلما قتل علي بالكوفة وانقضى عهد معاوية وتولى يزيد ابنه إمارة ~~المؤمنين انتقض عبد الله بن الزبير والحسين بن علي، وأقام عبد الله بن الزبير بمكة ~~وبايعه الهاشميون، فجهز يزيد لمحاربته جيشا مؤلفا من اثني عشر ألفا من الفرسان ~~وخمسة آلاف من المشاة وجعل على رأسهم مسلم بن عقبة المري، وبلغ مسلم المدينة سنة ~~ثلاث وستين فوجدها محصنة حولها الخندق، لكنها لم تقاوم غير أربعة أيام ثم سلمت، ~~وكانت هذه وقعة الحرة المشهورة في التاريخ الإسلامي، وإنما سميت هذه الوقعة ~~الحرة؛ ms541 لأن جيوش يزيد جاءت من حرة واقم. # تحد هذه الحرة المدينة من الشرق وتحدها حرة الوبرة من الغرب، وتبدأ حرة ~~الوبرة قبالة قباء من الجنوب عند ذي الحليفة؛ ميقات الإحرام لأهل المدينة، وأول ~~الطريق منها إلى مكة، وليس بذي الحليفة اليوم غير بئر ومسجد؛ بئر توضأ منها رسول الله ~~وتوضأ منها المسلمون للإحرام للعمرة والحج عام الحديبية وعام الوداع، ومسجدها قائم ~~بالمكان الذي كانوا يصلون فيه للإحرام، والمسجد القائم اليوم أثري لا يتسع لمائة أو ~~لمائتين من المصلين، وبه محراب كتب أعلاه : # بمسجد سيد الأبرار كرر # سجودك بالغداة وبالعشي # لعلك أن تمس بحر وجه # مكانا مسه قدم النبي # وكتب كذلك: «بات رسول الله # صلى الله عليه وسلم # مبدأه، وصلى بمسجدها.» في صحيح مسلم عن ابن عمر، ~~وفي الصحيح أن مبدأه أي: في أول حجة له. # وأغلب الظن أن تكون هذه الكتابة قد نقشت بأعلى المحراب في عصر متأخر من عصور ~~الانحلال، فهذا البيتان من الشعر يدلان على ذلك بلفظهما ومعناهما. # وعلى مقربة من مسجد ذي الحليفة آثار لجدران ذكر لي الأستاذ عبد القدوس الأنصاري أنها ~~جدران مسجد المعرس، وأن هذه الجدران بقيت مطمورة إلى أن كشف عنها السيل عام 1352ه، ~~وأن المأثور أن هذا المسجد كان يعرس به النبي، أي: يبيت به عند عوده من مكة، ولم ~~أعن نفسي بالبحث في صحة هذه الرواية. # وطريق المدينة إلى ذي الحليفة مستو يحاذي حرة الوبرة، يبتعد عنها حينا ويقترب ~~منها حينا آخر، ويقف الكثيرون أثناءها عند بئر عروة يستقون من مائها العذب الرقيق، بلغ ~~من عذوبته ورقته أن كان حكام المدينة يهدون منه للملوك والأمراء وكبار المسلمين، ~~ويقال: إن مياه هذه البئر تصلح الكلى، ولعلهم في ذلك غير مخطئين، وهي تنسب إلى عروة ~~بن الزبير، وإن ذكر الأستاذ عبد القدوس في كتابه «آثار المدينة المنورة»: أن رجلا له ~~مقهى إلى جانبها يذكر جهلا منه أن عروة امرأة يهودية هي التي حفرت البئر. # بأعلى حرة الوبرة من ناحية الشمال مسجد وبئر مأثوران، ومأثوران ms542 بحق؛ ذلك مسجد ~~القبلتين، وتلك بئر رومة، أما مسجد القبلتين فيقع على ربوة مرتفعة من الوبرة، وهو من ~~طراز مساجد مكة التي لا يصلى فيها، وبه محرابان محراب داخل الجانب المسقوف منه يتجه ~~إلى الكعبة، أي: إلى الجنوب، ومحراب في الجانب المكشوف يتجه إلى بيت المقدس، أي: إلى ~~الشمال، والمأثور أنه # صلى الله عليه وسلم # صلى في هذا المسجد إلى بيت المقدس حتى أمره الله أن ~~يجعل الكعبة قبلته، وذلك على رأس سبعة عشر شهرا من هجرته إلى المدينة، وحين نزل قوله ~~- تعالى : # قد نرى تقلب وجهك في السماء ~~فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد ~~الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره ~~، وقد ~~كان تحول القبلة إلى الكعبة بعض ما زاد في خصومة اليهود والمسلمين، حتى لقد ذهبت يهود ~~إلى محمد يسألونه أن يعود إلى قبلتهم فيتبعوه فأبى؛ فهو لم يحول الكعبة عن هوى ~~منه بل إجابة لأمر ربه. # أما بئر رومة فكانت ليهودي تسمت باسمه، وكان يبيع ماءها للمسلمين، فاشتراها منه ~~عثمان بن عفان إجابة لرغبة رسول الله، ودفع له فيها عشرين ألف درهم، وهي تقع بمجتمع ~~أسيال المدينة، إذ تلتقي بطحان ورانوناء في مسيل العقيق ثم يتصل بها مسيل ~~قناة. # وهذه بئر مقصودة حتى اليوم، أقيم عليها بناء أمامه بركة يسير فيها ماؤها عذبا ~~سائغا للشاربين، وتتدفق إلى حيث تروى المزرعة المحيطة بالبئر وبالبناء القائم في ~~جواره، وقد يكون تجوزا أن يسمى هذا البناء مسجدا وإن كان الناس يصلون فيه، فهو ليس ~~كهيئة المساجد في عمارته، بل هو أدنى إلى أن يكون إيوانا مشرفا على البركة والبئر ~~والمزارع حولهما. # تفصل حرة الوبرة بين المدينة ووادي العقيق، وإذا ذكر العقيق من أودية المدينة نسي ~~الناس كل واد للعقيق سواه، فقد كان له في أنباء التاريخ من الذكر ما جعله وادي ~~النعمة وخفض العيش والترف، يترنم الشعراء بمحاسنه، ويقص الرواة أنباء ما انطوت ~~عليه قصوره، كان هذا الوادي الخصب الدافق بجداول المياه وبالعيون والآبار خاليا من ~~البناء لما قدم ms543 النبي المدينة، وقد أقطعه بلال بن الحارث المزني بحجة نصها: ~~«بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى محمد رسول الله بلال بن الحارث؛ أعطاه من ~~العقيق ما أصلح فيه معتملا. وكتب معاوية.» ولم يصلح بلال من العقيق شيئا، فلما ~~كانت خلافة عمر نزعه منه وأقطعه للناس، وترك له قسما صغيرا لعله يصلحه، ولم يكد عمر ~~يفعل حتى تنافس الذين ملكوا العقيق في غرسه بساتين وجنات جعلته بهجة للناظرين، وتدفقت ~~أموال الفتح في عصر الدولة الأموية، فبدأت القصور تقوم في عرصاته تزري بقصور الشام ~~وما افتن الرومان في تشييده منها، وأصبح العقيق بذلك ضاحية الكبراء المترفين، ~~ولا تزال آثار قصر سعيد بن العاص القائم بالشمال الغربي منه تشهد بذلك وتدل عليه، وكان ~~هذا القصر مبنيا بالحجارة المطلية بالجص من الداخل والخارج بناء أبقت متانته من ~~آثاره ما نرى منه اليوم، وكانت تحيط به بساتين غناء ورياض ممرعة ونعمة وارفة الظل؛ ~~حتى لقد قال أبو قطيفة الشاعر يصفه ويفضله على قصور دمشق وبساتينها ورياضها: # القصر فالنخل فالجماء بينهما # أشهى إلى النفس من أبواب جيرون # وجيرون: دمشق، وسعيد بن العاص صاحب القصر كان أميرا للمدينة في عهد معاوية، فهذا ~~القصر يرجع إذن إلى أكثر من ثلاثمائة وألف من السنين، وقد جعله سعيد موضع رياضته ونزهته ~~وكان يدعو إليه أصحابه وندماءه ينعمون فيه بالحياة كخير ما ينعم إنسان بين الرياض ~~الفيحاء والبساتين الغناء ومفاتن الفن المختلفة التي نافس بها أجمل قصور ~~الشام. # وإنما كان قصر سعيد واحدا من قصور العقيق الكثيرة التي جعلها أصحابها مرابع ترف ~~وجنات نعيم، كان به قصر عروة بن الزبير على مقربة من بئره، وقصر سكينة بنت الحسن ~~وكان يسمى الزينبي، وقصر مروان بن الحكم، وقصر عبد الله بن عامر، وقصر جعفر بن ~~سليمان، وقصر إبراهيم بن هشام، وغيرها من القصور الكثيرة القائمة بين بساتينه وآباره ~~ومزارعه وجماواته، وجماوات العقيق مرتفعات سود كبار قائمة على شفيره الغربي دون ~~الجبال وفوق الهضاب، وأقرب هذه الجماوات إلى المدينة جماء تضارع القريبة من ms544 بئر ~~عروة، وتجاورها جماء أم خالد وتكاد تتصل بها من ناحية الشمال، أما جماء عاقل ~~فتبعد عنها إلى الشمال كذلك، وهي أقرب الجماوات إلى قصر سعيد بن العاص. # بدأنا الحديث عن ظاهر المدينة من جنوبها حيث تقع قباء في سفح عير، وتناولنا الشرق ~~موقع حرة واقم، والغرب موقع حرة الوبرة ووادي العقيق، ونحن في غنى عن أن نتناول بالقول ~~شمال المدينة، فشمالها أحد يفصل بينها وبين وادي قناة، وقد تحدثنا عنهما حين حديثنا ~~عن قبرة حمزة، وهذا التحديد لظاهر المدينة يرسم أمامنا صورة منها ومما يحيط بها من ~~نواحيها الأربع، ويفسر لنا الأحاديث المنسوبة إلى النبي # صلى الله عليه وسلم # في تحريمها كحرمة ~~مكة، فقد روي أنه قال: «إن إبراهيم حرم مكة ودعا لأهلها، وإني حرمت المدينة كما حرم ~~إبراهيم مكة.» أو قال: «إن إبراهيم حرم مكة وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها ~~لا تقطع عضاهها ولا يصاد صيدها.» أو قال: «إني أحرم ما بين جبليها مثل ما حرم ~~إبراهيم مكة.» # وجبلا المدينة المقصودان هنا هما: عير وأحد، أو عير وثور الواقع وراء أحد ~~ليدخل أحد في الحرم، ولابتا المدينة هما الحرتان: واقم والوبرة، ولسنا نقف بطبيعة ~~بحثنا عند مناقشة ما قيل في إثبات هذه الأحاديث أو نفيها، وفي حرمة المدينة أو عدم ~~حرمتها، ولا نريد أن نضع هذه الأحاديث إلى جانب خطاب النبي على أثر فتح مكة إذ قال: «إن ~~الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض فهي حرام من حرام من حرام إلى يوم القيامة.» ~~لنقول: إن حرمة مكة مرجعها إلى البيت العتيق، إنما أردنا أن نظهر القارئ على ما يراد ~~بجبلي المدينة ولابتيها لتكمل أمامه صورتها، وليرى أن العقيق الواقع أمام لابة الوبرة ~~يقع بعد ظاهر المدينة على التحديد الذي اخترناه حين جعلنا الخندق الحد الفاصل بينهما ~~وبين ظاهرها. # هب هذه الأحاديث صحت وكان رسول الله قد حرم المدينة كما حرم إبراهيم مكة، ~~أفيجدر بنا أن نستنبط من ذلك أن الذين شيدوا قصورهم بالعقيق إنما تخطوا حرم ms545 ~~المدينة ليكون لهم من الحرية ما ليس للمقيم داخل هذا الحرم، أم أن الأمر لا شيء من ذلك ~~فيه، وإنما بنى ذوو الثراء بالعقيق لجودة جوه وعذوبة مائه وجمال مناظره ولما يوحيه ذلك ~~إلى النفس من معاني النعمة في الحياة؟ أم أن الأمر لم يكن هذا ولا ذاك وإنما بنى ~~بالعقيق من بنى؛ لأن المدينة انفسحت رقعتها وكثر أهلها حين كانت عاصمة الإسلام وحاملة ~~لوائه، فلم يكن بد من تجاوز حدودها لمن أراد الابتعاد عن ضجة الحاضرة وجلبة الحياة ~~فيها؟ # لا أخالنا قادرين على أن نقطع أي هذه الأسباب الصحيح؟ وربما كانت كلها قد تضافرت ~~فأخرجت الناس من حرم المدينة إلى وادي العقيق، فلما انحلت الحضارة الإسلامية ولم تبق ~~المدينة عاصمة الإسلام وحاملة لوائه عاد العقيق فأقفرت عرصاته، وكثرت جماواته، ~~واضطرب مسيل الماء فيه، فارتد اليوم قفرا كما كان قبل أن يعطيه رسول الله بلال بن ~~الحارث المزني، ويوم كانت يثرب موضع نزاع دائم ودسائس متصلة بين الأوس والخزرج ~~واليهود. # أرجأنا الحديث عن حياة رسول الله وأصحابه بالمدينة حين حديثنا عن آثارها حتى نتم ~~الحديث عن ظاهرها، أما وقد أتممناه فحق علينا أن نصف طرفا من هذه الحياة الإسلامية ~~الأولى في عاصمة الإسلام، ولعلك صورت لنفسك طرفا من هذه الحياة بما قصصنا عليك من أمر ~~المدينة وطبيعتها وآثارها وظاهرها، فقد بلغ رسول الله المدينة أول هجرته إليها وأهلها ~~من الأوس والخزرج مشوقون لحياة روحية جديدة تسمو بهم على الأصنام وعبادتها مما كان ~~اليهود المقيمون بين أظهرهم يعيبونهم عليه، وتقيم لمدينتهم وحدة طالما جنت عليها ~~المنازعات والحرب الداخلية جناية دعتهم إلى التفكير في إقامة رجل منهم أميرا عليهم ~~جميعا، فلما جاء النبي إليهم وأقام بين أظهرهم والتف حوله من الأوس والخزرج كثيرون ~~بدأت الحياة في المدينة تتجه اتجاها جديدا، وبدأ الأوس والخزرج الذين أقاموا على ~~شركهم ينظرون إلى هذا التطور الجديد بعين الريبة والحذر، وينسون لذلك ما كان بينهم ~~وبين اليهود من عداوة وبغضاء. # وبدأ رسول الله حياته السياسية في المدينة، ms546 وجعل سياسته فيها سياسة قوة لا يتطرق ~~إليها الضعف، وإن لم تشبها شوائب العدوان على الغير، وسياسة القوة هذه كانت مقدمة ~~حياة الجهاد الذي اندفع إليه المسلمون من يومئذ إلى أن بدأت نذر الانحلال أيام ~~الدولة العباسية، وأنت إذ تعود بذاكرتك إلى ما قصصنا من أمر الآثار بالمدينة وبظاهرها ~~ترى هذا المعنى واضحا جليا، ذلك حديث المساجد والآطام والقصور، بل هو حديث الجبال ~~والآبار والعيون، لم أذكر مسجد السبق بين المساجد التي تحدثت عنها؛ لأني لم أقف له على ~~أثر، لكن الروايات تجري بأن هذا المسجد أقيم شاهدا على المكان الذي اعتاد المسلمون ~~الاستباق في ميدانه الفسيح رجالا وعلى الجياد، وفي هذا مظهر قوة وإقدام. # ومسجد القبلتين يذكر حادثا روحيا استقل به المسلمون عن غيرهم من أهل الأديان ~~التي تتجه إلى بيت المقدس، ويحدث لذلك عن استهانة المسلمين باليهود ودسائسهم التي ~~جعلت أهل المدينة قبل هجرة الرسول إليهم يخشونهم ويحسبون لهم ألف حساب، ومسجد الفتح ~~ومسجد الإجابة والمساجد الواقعة على مقربة من أحد والقائمة حول الخندق تحدث كلها ~~عن غزوات اشتبك المسلمون فيها واستهانوا بالموت أثناءها، ثم كانوا أبدا الغالبين، ~~وكثير من الآبار يحدث عن إيثار المسلم إخوانه على نفسه، فبئر رومة اشتراها عثمان ~~بن عفان بعشرين ألف درهم لتكون خالصة للمسلمين ولم يكن له منها إلا حظ رجل منهم، ~~والعيون التي ضمت للعين الزرقاء كانت كلها مملوكة لأفراد من المسلمين، فنزل كثيرون ~~منهم عن مالهم لله وفي سبيل الله، وما كان لنفس تعرف الجهاد في سبيل الله وتقبل عليه ~~راضية مرضية أن تعرف الأثرة أو ترضاها، أو أن تعرف الضعف فتذل له، والقوة والإيثار لا ~~يجتمعان في نفس ما يجتمعان في نفس المجاهد، وليس يسمو أحد إلى ما يسمو إليه المجاهد ~~المؤثر من أمثال الحياة العليا، فإذا بلغ المؤثر من إيثاره أن نسي نفسه في إخوانه ~~وأن أحب إخوانه في الله لم تغلبه قوة في الأرض حيا، فإن مات بقي من ذكر جهاده ما ~~يكفل لمثله الأعلى النصر لا ms547 محالة. # هذا اللون من حياة المسلمين في المدينة وما كان لهم في رسول الله من أسوة حسنة هو ~~الذي طوع للمسلمين فتح الأمصار وحكم الأمم ونشر لواء إيمانهم في الخافقين، وفي ~~ذلك الدليل على أن الحياة فكرة أولا وآخرا، وأن قوة المرء وضعفه - كقوة الأمة وضعفها ~~- رهن بقوة فكرته في الحياة أو ضعفها، فمن آثر الحياة خوفا من الموت، راضيا من الحياة ~~بما تريد الحياة منه لا بما يريده هو منها يبلغه أو يموت دونه، فهو ضعيف وإن بلغ من ~~الجاه والسلطان أعظم مبلغ، ومن غرته الحياة بزينتها فخدعته عن المثل الأعلى من ~~الجهاد في سبيل الله، فقد ذل للحياة ابتغاء عرض زائل وأوهام خاطئة كاذبة، فأما ~~من أراد الحياة لمثل أعلى يبتغي تحقيقه لخير إخوانه فهو سيد الحياة العزيز الجناب، ~~وإن كان بين الناس الفقير الضعيف الذي يحاربه الناس. # هذه كانت حياة المسلمين الأولين في المدينة، وبهذا تحدث آثارها ويشهد ظاهرها، ~~فلما نسي المسلمون ما لله من المثل الأعلى وعكفوا على أنعم الحياة وتوهموها الغاية من ~~الحياة، بدأت نذر الانحلال يدب دبيبها فيهم، وتسري جراثيمها إليهم، وغرهم ما فعل ~~أسلافهم وما أورثوهم من قوة، كما يغتر القوي العضل بقوة عضله فيقبل على اللهو ~~مستهينا بالنذر، ناسيا أن لليوم غده، وأن للشباب كهولة وشيبا، ولو أن المسلمين ~~فطنوا إلى النذر من أول عهد الانحلال لأغنتهم ولما أصابهم من الهوان ما أورثوه ~~أبناءهم، فما يزالون حتى اليوم يصلون من أثره ذلة ترهقهم وتجعلهم أسوأ عنوان ~~لدين هو دين الكمال والمثل الأعلى. # إن يرد المسلمون خروجا من هذا الهوان فليعيدوا سيرة السلف الأولين في القوة على ~~الحياة والإيثار على النفس وفي البر والتقوى، وليذكروا قوله - تعالى: # ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق ~~والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر ~~والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ~~ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ~~والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة ~~والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء ~~والضراء وحين البأس أولئك ms548 الذين صدقوا وأولئك ~~هم المتقون ~~، وقوله - جل شأنه: # وإن ~~طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن ~~بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى ~~تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل ~~وأقسطوا إن الله يحب المقسطين * إنما ~~المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله ~~لعلكم ترحمون ~~. # إنهم إن فعلوا فآثروا على أنفسهم، وذكروا الجهاد في سبيل الله، وتحابوا بنور الله ~~بينهم، واتخذوا من مثل السلف الأول أسوتهم، غفر الله لهم وغير ما بهم، وأنزلهم مكان ~~العزة، ورفع عنهم مقته، تلك سنته في الكون، فمن تدبرها فاز في الآخرة والأولى، ~~ورفعه الله مكانا عليا. # | زيارة الوداع # في غد نبرح المدينة لأزور بدرا وشهداءها ولأدرك الباخرة التي تبحر من ينبع ~~إلى السويس، فغد الجمعة، والباخرة تبحر ظهر الأحد، ولست آمن إن بقيت إلى صبح السبت ~~بالمدينة أن يبغتني الوقت فتفوتني زيارة بدر وأنا عليها جد حريص، كفى أن فاتتني ~~زيارة خيبر بعد إذ يسر لي الملك ابن السعود الوسيلة إليها، فقد دفع إلي ~~كتابا برسم أمير المدينة ليعاونني في سلوك طريقها إلى الوقوف بها، وأظهر لي الأمير ~~عبد العزيز بن إبراهيم رغبته في المعاونة، لكنه ذكر أن الطريق إلى خيبر ليس ممهدا كله ~~للسيارة، وأن الإنسان يبلغ بها منتصفه في يوم، ولا بد له بعد ذلك من امتطاء ركاب ~~يومين كاملين، والعود يقتضيني مثل هذه المشقة وهذا الوقت، أما ولم يكن بين بلوغي ~~المدينة وإبحار «زمزم» من ينبع غير اثني عشر يوما يقضي الإنسان منها في الذهاب من ~~المدينة إلى مرفأ السفر، أما وآثار المدينة وما بظاهرها يقتضي الإنسان أسبوعا كاملا ~~للطواف به والوقوف عنده، فلا مفر من إرجاء زيارة خيبر إلى فرصة أخرى أرجو ألا تضن ~~الأقدار علي بها. # غد الجمعة، فلأجعل زيارة الوداع للحجرة النبوية عقب صلاة الجمعة، ولأبرح المدينة ~~بعد صلاة العصر، ولأؤد سائر اليوم بالمدينة واجب الشكر لأميرها عبد العزيز بن ~~إبراهيم، ولمضيفي الشيخ عبد العزيز الخريجي وأخيه الشيخ محمد، وللكثيرين من أهل المدينة ~~وشبابها الذين ms549 كانوا اللطف بي طول مقامي بينهم، والذين بذلوا من معاونتي فيما سألتهم ~~المعاونة فيه غاية ما يستطاع بذله، وشكرهم حسبي، فهو كل ما أستطيع أن أجزيهم به عن ~~جميل طوقوا به عنقي ولن أنساه. # وأصبحت فأعددت للرحيل متاعي، ولما دنا موعد الجمعة قصدت إلى المسجد فألفيته امتلأ ~~بالمصلين، ولقد كنت على ثقة من أنني لن أجد بالروضة منه مكانا، فالكثيرون يقصدون إليها ~~قبل موعد الصلاة بساعات ولا يبرحونها، ومنهم من يقصد إليها من بكرة الصباح ليؤدي فيها ~~فرض الفجر ويظل بها إلى صلاة الجمعة، وتخيرت مكانا قريبا من باب الرحمة، فإذا جار ~~يميني رجل ممن عرفت بالمدينة، وجار يساري حاج مغربي من أبناء مراكش، عرفت من جار ~~اليمين أنه يتردد على المدينة إذ يجيء إليها مرة كل عام أو كل عامين في أشهر الحج، وقد ~~حياني الرجل بتحية الإسلام بعد أن أتممت ركعتي السنة أول مقدمي، ثم جلسنا جميعا ~~ننتظر الأذان لصلاة الجماعة كي نؤدي فرضها مع الإمام. # وذكرت، وأنا بمجلسي أنتظر الأذان والصلاة، أول جمعة صليتها في المسجد الحرام بمكة، ~~ذكرت عشرات الألوف الذين أحاطوا بالكعبة من جهاتها الأربع، وما أثارته في نفسي موازنتهم ~~بالمسلمين الأولين الذين جاءوا مع رسول الله في حجة الوداع، وما بدا لي من فرق عظيم بين ~~هؤلاء وأولئك في تصور الحياة، كان المسلمون الأولون يقبلون على صلاة الجماعة يدعوهم ~~إليها روح مبعثه الإيمان، ونظام قوامه الأخوة، وكانت الحياة لذلك عندهم فكرة ~~يستهينون في سبيلها بالموت ويرونه استشهادا في سبيل الله، وكانوا يدركون إدراكا ~~عميقا معنى كلمتين هما أبلغ وأقوى ما عرفت الإنسانية مذ وجدت: «الله أكبر»، وكانت ~~صلاتهم لذلك ابتهالا خالصا لله - جل شأنه - وتوجها إليه ينهى عن الفحشاء والمنكر ~~والبغي، ويسمو بالنفس على غرور الحياة، أما اليوم فقد غاض الروح من هذا المجتمع وصار ~~الإيمان فيه تقليدا، يكتفي صاحبه بأن يقول ألفاظ الإيمان وإن لم يؤمن منها بشيء، ثم ~~يحسب بعد ذلك أنه أرضى الله ورسوله، فإذا طمع في مزيد من الرضا خيل ms550 إليه أنه بالغ من ~~ذلك مطمعه بألوان من الزلفى لا تتصل بالعمل الصالح في شيء، وليس فيها من حب المؤمن ~~إخوانه وإيثاره إياهم على نفسه كثير ولا قليل، بل إن المصلين اليوم لا يفكر أحدهم في ~~أخيه ولا يحب إلا نفسه، وهو إنما يحضر صلاة الجماعة ابتغاء المغفرة لنفسه والثواب لنفسه ~~دون تفكير في المؤمنين ممن حوله، وهذه الأثرة التي فتكت بالجماعات الإسلامية التي ~~جعلتها تتعلق بالحياة لذاتها، ولا تعرف المثل الأعلى فيها، وتذعن لذلك خاضعة لكل سلطان ~~يملك عليها أسباب المادة في الحياة، وهذه الأثرة هي التي أبقتها في غيابات الجهل؛ لأن ~~كبراءها وسادتها أمسكتهم الأثرة في دنيا مراتب الحياة فحجبوا عن إخوانهم نور ~~العلم وما يدعو إليه العلم من إيمان حق، وبذلك أضلوهم السبيل. # ذكرت ما ساورني من هذا التفكير بحرم مكة وأنا بمجلسي من المسجد النبوي أنتظر الأذان ~~والصلاة، وأجلت طرفي في هذه الجموع الجالسة حولي فحز مرآها في نفسي، فهذه ~~الجموع تمثل العالم الإسلامي بمئات ملايينه المنتشرة في أطراف العالم كله، وهي على ~~ضخامة عددها كمية مهملة أو في حكم المهملة؛ مصر، بلاد المغرب كلها، بلاد العرب، ~~العراق، مسلمو الهند، مسلمو الملايا، مسلمو الصين، المسلمون في أوروبا، أي: أثر لهؤلاء ~~جميعا في عالمنا الحاضر؟! أرقام ضخمة لا تعدو أن تكون أرقاما، واليهود لا يزيدون في ~~العالم كله على خمسة عشر مليونا، مع ذلك يلتفت العالم إذا ذكروا يريد أن يعرف ما ~~يريدون، تهتز لمطالبهم جوانب البرلمان البريطاني، وأرجاء عالم المال في أمريكا، وتقوم ~~عصبة الأمم لمطالبهم وتقعد، وكان العالم أشد تلفتا لما يريده المسلمون في عهدهم ~~الأول حين لم يكونوا يبلغون ثلاثة الملايين عدا. # أما اليوم فمئات الملايين من المسلمين أرقام لا يقام لها وزن ولا يحسب لها حساب، ~~وإذا قيل: «العالم الإسلامي» سخر الناس وقالوا: ما يزالون متعصبين، يحسبون ~~الأديان وحدة تقيم أمة أو أمما، فإذا قيل: «شعب صهيون» أو قيل: «بنو إسرائيل» سمعت ~~الأصداء تتجاوب من أنحاء العالم: شعب مضطهد يجب على العالم أن ms551 يبحث له عن وطن يلجأ ~~إليه احتماء من مضطهديه، أي شيء يحز في كبد المسلم ما يحز هذا الجمع الذي أراه أمامي ~~في المسجد النبوي يمثل المسلمين جميعا وهم يعانون الذلة والهوان صابرين! وقد كان ~~المسلمون الذين يحضرون الصلاة في هذا المسجد أيام بساطته الأولى حين كان قائما من ~~اللبن وجذوع النخل يهزون العالم كله، لفتة منهم تزعزع العروش، فإذا تنادوا: «الله ~~أكبر» تفزعت الأفلاك والتفت الدهر. # أذن المؤذن للصلاة، وخطب الخطيب هناك عند محراب عثمان، فلم نسمع مما قال كلمة ~~لبعدنا عنه ؛ ولأن الروضة تحجب ما بيننا وبينه، وصلينا الجمعة وصلى السنة من شاء، وبدأ ~~الناس ينصرفون من المسجد، أقمت مكاني، حتى إذ خلت أروقة المسجد أو كادت ذهبت أؤدي ~~للحجرة النبوية ولقبر الرسول زيارة الوداع ووقفت أمام شباك التوبة ورفعت صوتي قائلا: ~~«السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، أشهد أن نبي الله ورسوله قد بلغ رسالة ~~ربه وجاهد في سبيله حتى أتم النصر لدينه، وأنه وفى بوعده وأمر ألا نعبد إلا الله وحده ~~لا شريك له.» ومكثت هنيهة واقفا أحدق في هذه الحجرة، وأذكر من تحوي قبورها ~~رفاتهم؛ محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء والمرسلين، وأبا بكر الصديق صفي النبي وخليله، ~~وعمر الفاروق من أعز الله به الإسلام يوم أسلم، ومن نشر لواء الإسلام في الخافقين ~~أيام خلافته، وأذكر ما حدث بعدهم بين المسلمين من حروب أهلية وما تطورت إليه العقلية ~~الإسلامية بعد ذلك حتى هوت إلى درك الانحلال، فأصبحت مقلدة تنفر من الاجتهاد ~~وتحاربه، أثرة لا تعرف أخوة المؤمنين، وتنزوي لذلك أمام كل قوة. # وإني لأقلب في صحف نفسي وأنا حسير الطرف، كسير القلب حياء وخجلا، إذ انفجرت ~~شفتاي عن هذه النجوى: # السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته! أشهد أنك رسول الله الواحد ~~الأحد حقا وصدقا، وأنه بعثك للناس كافة بالهدى ودين الحق، هديتهم بأمره ~~ألا يعبدوا إلا إياه مخلصين له الدين حنفاء، وألا يتخذ بعضهم بعضا ~~أربابا من دون الله، سماك ربك ms552 عبده قبل أن يسميك رسوله، حتى لا يضل قوم ~~فيحرفوا كلام الله عن مواضعه فيؤلهوك أو يعبدوك كما أله رسل من قبلك ~~وعبدوا، وبلغتنا من وحي ربك أنك بشر مثلنا يوحى إليك: إنما إلهنا إله ~~واحد؛ ليعلم الناس أن الله يصطفي لرسالاته من يشاء من عباده، فيظل من اصطفاه ~~عبده وإن فضله على الناس، إذ جعل بعضهم فوق بعض درجات، والله وحده - جل ~~شأنه لا شريك له - هو الذي تجب على الناس جميعا عبادته، لذلك خلقهم، وإليه ~~مرجعهم، وعليه حسابهم، فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا ~~يره. # أشهد أنك رسول الله بعثك بالهدى ودين الحق، علمتنا بأمره ووحيه أن عبادة ~~الله ليست خضوعا، إنما هي إسلام لله عن إيمان صادق ابتغاء رضاه عن صالح ما ~~نعمل، والتماسا لعفوه عما نضل فيه السبيل، أو تحدثنا به النفس الأمارة بالسوء، ~~فمن أسلم لدعوتك مذعنا غير مؤمن لم يدرك ما تدعونا إليه، ومن أسلم ~~وجهه لله وهو مؤمن فأولئك الذين رضي الله عنهم، ورضوا عنه والذين يخشون ربهم ~~بالغداة والعشي، فإذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وإذا رأوا آياته زادتهم ~~إيمانا، ينظرون في خلقه يريدون أن يعرفوا من طريق العلم سنته، ويسعون في ~~مناكب الأرض ليزدادوا علما، وليزدادوا إيمانا. # أشهد أنك رسول الله حقا وصدقا، علمتنا أن المرء لا يكمل إيمانه حتى يحب ~~لأخيه ما يحب لنفسه، وأن المؤمنين إخوة حق عليهم أن يتحابوا بنور الله بينهم، ~~وأن نور وجهه الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة هادينا ~~إلى البر والرضا، وأن الحياة محبة أساسها الإيثار على النفس، وقوامها إنكار ~~الذات، وغرضها المثل الأعلى، ووسيلتها الأسوة الحسنة، خير رداء فيها الصبر، ~~وخير سلاح فيها العلم، وخير شفيع فيها الصدق، وخير كنز فيها الثقة بالنفس، وخير ~~أنيس فيها ذكر الله. # أشهد أنك رسول الله القوي الأمين، علمتنا المثل الأعلى لله، وأن الجهاد في ~~سبيل الله سبيلنا إليه، وأن الاستهانة بالموت من خلق الجهاد، وأن ما في ~~الحياة مما ms553 دون المثل الأعلى لن يبلغ أن يصد عنه أو يقف دونه، وأن ~~الخوالف والقواعد دون الجهاد هم الذين يبتغون بإيمانهم ثمنا قليلا، ~~ويؤثرون العاجلة وإن هانت، ويرضون من أجلها أن يبيعوا آخرتهم بدنياهم، أولئك ~~نسوا الله فأنساهم أنفسهم، أما الذين جاهدوا في سبيله فقتلوا فليسوا ~~أمواتا، بل أحياء عند ربهم يرزقون. # أشهد أنك رسول الله أوحى إليك الكتاب بالحق، لا ريب فيه، هدى للمتقين، ~~فيه آيات بينات يذكر بها الذين آمنوا وتزيدهم إيمانا، وهو يهدي للتي هي ~~أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا، فيه شفاء ~~ونور للذين آمنوا، يدعوهم إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ويجادل الذين ~~ارتابوا بالتي هي أحسن، وينذر الظالمين والمعاندين عذابا عظيما، نزله ~~عليك ربك بالحق، فبلغت رسالته، وكنت فيه الأسوة الحسنة للذين يريدون وجه ~~ربهم مخلصين. # وأشهد أن لا إله إلا الله لا نشرك به شيئا ولا نعبد من دونه أحدا، وأن ~~محمدا رسول الله بلغ رسالات ربه، وجاهد في سبيله حتى أتم الله النصر لدينه # صلى الله عليه وسلم ~~. # السلام عليك يا رسول الله! السلام عليك يا أبا بكر! السلام عليك يا ~~عمر! # أتممت نجواي وبقيت مكاني مأخوذا، يهتز قلبي وتضطرب مشاعري، ويضيء بصيرتي نور ~~أحسه في أعماق نفسي، فأراني أسمو فوق ما ألفت، وأذكر موقفي من حراء ويتمثل ~~أمامي كرة أخرى يوم الوحي الأول في سناه وبهائه، ثم أذكر موقفي من غار ثور، ~~وتتمثل لي هجرة النبي إلى هذه المدينة التي أقف الآن بها أمام قبره، وتمثلت أمامي ~~غزواته، وحياته، وأصحابه، كأنما تتابع هذه المواقف جميعا أمام باصرتي مليئة بالحياة، ~~مضيئة بالإيمان، وبما يدفع الإيمان إليه من جهاد في سبيله، وانقضت فترة آن للنفس ~~فيها أن تهدأ، فانسحبت من موقفي أمام الحجرة في إكبار وإجلال، وسرت خافض الرأس ~~حتى بلغت منبر رسول الله في الروضة، فصليت ركعتين، واستغفرت الله لي وللمؤمنين، ~~وانصرفت من المسجد راضيا عن نفسي، طامعا في مغفرة الغفور الرحيم ذنبي، هو غافر الذنب ~~قابل التوب شديد العقاب. ms554 # وعدت إلى الدار وتناولت طعامي وأتممت عدة سفري، ثم ذهبت إلى التكية المصرية أؤدي ~~لأصحابي المصريين فيها وأؤدي لناظرها حق الشكر للطفهم كلطف أهل المدينة بي، ~~وسرني ما ذكروا من قيام طائفة من بني وطني في هذا الوقت الذي أزمعت القيام فيه ~~لقضاء ليلهم بالمسيجيد مثلي، فلما تنصف الوقت بين العصر والمغرب كنت بالدار ~~أودع أهلها وأودع الذين جاءوا لوداعي من أهل هذه المدينة المباركة، مدينة النبي ~~العربي، وأرجو الله لي ولهم أن يجمعنا بها كرة أخرى عما قريب، وسبقنا «البكس» بعد أن ~~حمل متاعنا، وأقلتني السيارة وأقلت أصحابي معي، وانطلقت تبتغي المسيجيد لتنطلق منها ~~بكرة الصباح في طريق بدر. # وداعا مدينة رسول الله! وداعا قبر النبي الكريم! وهب لي رب من لدن برك ~~ورحمتك أن أعود إلى هذه المدينة فأزور هذه الحجرة المباركة أذكر فيها أشد الناس حبا ~~لهدى الناس، وأشهدك على حبي إياه أكثر من حبي نفسي، لقد اصطفيته وفضلته وجعلته ~~أسوتنا إلى رضاك وعطفك، فهب لنا من فضلك ما يسمو بنفوسنا إلى هذه الأسوة، وهيئ لنا ~~ربنا من أمرنا رشدا! لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بالله. # الكتاب السادس # | أوبة الرضا # | بدر وشهداؤها # خرجنا إذن من المدينة عصر الجمعة، الحادي عشر من شهر المحرم، الثالث من شهر أبريل، ~~نقصد المسيجيد لقضاء الليل «بأوتيلها» والقيام بكرة الصباح إلى بدر، لقد فاتني ~~السير في أثر الرسول إلى خيبر، ولم يكن في المقدور أن أذهب إلى حيث ذهبت جيوش المسلمين ~~بأمره إلى مؤتة وإلى تبوك ما دامت سكة الحجاز الحديدية معطلة، وسير القوافل إلى هذه ~~الجهات غير منتظم، وصحبة القوافل التي تطرد أحيانا مغامرة لا أطيقها، فلأختم ~~جولاتي خلال الحجاز بزيارة بدر والوقوف على آثارها وعلى قبور شهدائها، فبدر هي الغزوة ~~الأولى في الإسلام، التقى فيها الإيمان والشرك، فنصر الله الإيمان بجنده وعززه ~~بأيده، ووقف فيها رسول الله يستنجز ربه النصر الذي وعده ويقول في دعاء وابتهال: ~~«اللهم هذه قريش قد أتت بخيلائها تحاول أن تكذب رسولك، ms555 اللهم فنصرك الذي ~~وعدتني! اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد.» فلما أتم الله النصر للمسلمين ~~فيها على خصومهم كان ذلك الفتح الأول الذي استقر به الأمر للمسلمين من بعد، فكان مقدمة ~~الوحدة الإسلامية في شبه الجزيرة العربية، ومقدمة الإمبراطورية الإسلامية في العالم ~~كله. # ومررنا إذ خرجنا من المدينة ببئر عروة فملأت من مائها «ترامسي»، وافتقدت في هذه ~~اللحظة الخرائط التي أهداها إلي المستر فلبي فإذا بي نسيتها بدار مضيفي، ففكرت في ~~العودة لأحضرها، لكن صاحبي آثر أن نبقى حيث نحن وأن يعود حسن بالسيارة فيردها علي، ~~وبقينا نتفيأ ظل الجبل بظاهر المدينة وننعم من هواء الصحراء الجاف الرقيق بما كنت في ~~حاجة إليه أشد الحاجة بعد أن قضينا بالمدينة عشرة أيام كاملة. # وعاد حسن بالخرائط وعدنا إلى انطلاقنا فبلغنا المسيجيد بعد العشاء، فألفينا جماعة من ~~مواطنينا قد سبقونا إليها، أولئك أعضاء البعثة الطبية المصرية الذي غادروا المدينة ~~يبتغون ينبع ليدركوا الباخرة المصرية الأخيرة العائدة إلى أرض الوطن، وقضينا شطرا ~~من الليل أتحدث وإياهم عن الحج والحجاز، وسألت بعضهم: ألا يريدون أن يروا بدرا معي؟ ~~وكان جوابهم أن ابتسموا معتذرين، قال أحدهم: «لو أن الطريق إلى بدر كان معبدا ~~لفكرنا في الاستجابة إلى صحبتك، أما وأنت أدنى أن تكون مكتشفا في ذهابك إليها ~~فأعذرنا، وسنقرأ يوما ما تكتبه عنها، فيكون لك ثواب المشقة ولنا متاع القراءة، ~~وسنجد في وصفك بدرا غنى عن الضرب في تيهاء الطريق إليها.» # إذ ذاك ناجيت نفسي، أين نحن اليوم من المسلمين الأولين! أولئك كانوا يذهبون إلى بدر ~~وغير بدر لا تصدهم مشقة ولا يقعد بهم تكاسل، وكانوا يذهبون لا يعنيهم أواجههم الموت ~~فواجهوه، أم أقاموا حين موسم بدر - وكانت من مواسم العرب - فنحروا الجزر، وسقوا ~~الخمر، وعزفت عليهم القيان، أما نحن فنرغب عن بدر وزيارتها حذر مشقة الطريق، وإن ذهبنا ~~إليها في السيارة؛ لأن بدرا لم تبق موسما؛ ولأن الكتب لا تذكر لزيارة شهداء بدر ~~والسلام عليهم - ادكارا لعبرتهم وتأسيا بمثلهم - ثوابا نقتضيه كما ms556 يقتضي ~~المرابي ربا ماله، والفرق في ذلك بيننا وبين السلف الأول أنهم كانوا ينفقون من جهدهم ~~ويبذلون حياتهم ابتغاء رضا ربهم يرجون ثوابه ويخشون عقابه، وعند الله حسن الثواب، وأننا ~~لا نبذل جهدا، ونضن بحياتنا إلا على أهوائنا، فإذا دعينا لخير أو بر اقتضينا ~~المثوبة عنه معجلة، أو اقتضينا بهذه المثوبة على الله صكا يسجله عالم في كتاب من ~~كتبه، نزعم أنه يكون حجتنا على الله يوم الحساب. # وقضينا بفندق المسيجيد ليلة كليلتنا بفندق آبار بني حصان، فلما تنفس الصبح قمنا ~~وقام أصحابنا ، فأعاد كل متاعه إلى سيارته، وذر قرن الشمس ونحن على الطريق إلى ~~الحمراء، والطريق يجري في واد فسيح تنبت فيه بين حين وحين أغراس من أشجار شتى، تلك ~~خيوف منثورة بين المدينة وينبع على طريق بدر، «وقد تواضع القوم في بلاد العرب اليوم ~~على أن الخيف مجموع بساتين تأخذ وجبتها من الماء كل أربع وعشرين ساعة ثم يقطع الماء ~~عنها ليصرف إلى خيف غيرها، والخيف فيما تروي المعجمات: ما انحدر عن غلظ الجبل ~~وارتفع عن مسيل الماء»، ويمر الإنسان في ذهابه إلى الحمراء بخيف الحزامى وأم ~~ديان. # ومن الحمراء يسير الذين يقصدون في طريق عبد للسيارات يؤدي إلى منطقة نقب الفار، ~~وقد سمي الطريق باسمها، أما ونحن نقصد بدرا فلنا طريق آخر، أين هو؟ وكيف يتجه؟ سألت ~~الجندي الدليل الذي أوفده أمير المدينة معنا فلم يكن أكثر علما بالأمر مني، لا سبيل ~~إذن إلا أن نسأل أهل المنطقة، وفي أمثالنا المصرية: «من سأل لا يضل»، وسألنا صغيرا ~~هناك هدانا طريقا لم نلبث حين سرنا فيه أن رأينا من موج رماله ما ذكرنا بليلتنا ~~بين بئر الشيخ وآبار بني حصان، ولم يكذبنا حدسنا، فسرعان ما غاصت السيارة واضطررنا ~~إلى النزول منها وإلى التعاون على دفعها، وفيما نفعل مر بنا بدوي خاطبه الجندي النجدي ~~في لهجة الآمر فجاء يعاوننا، ثم ذكر لنا أن هذه الطريق تؤدي إلى بدر حقا، ولكنها ~~طريق أفسدها السيل ولم تمر بها طول العام سيارة ms557 واحدة. # نبتت في هذه الرمال أشجار وحشائش دلتنا على أن الماء منها قريب، لكن ما عسى يجدي ~~الماء واقترابه إذا لم يستعن به الإنسان على حاجاته، ومنها تعبيد الطرق؟! على أن ~~للحكومة العذر ألا تعبد طريقا قل من يمر به، وإنا لنتبادل هذه الملاحظات ~~ونتعاون على دفع السيارة إذ مر بدوي يتبع بعيرا له، فلما علم أنا نقصد بدرا بدت على ~~وجهه الأشعث شبهة ابتسامة، ثم قال في لهجة غريبة قولا لا أفهم إلا قليلا منه، ~~فسره أصحابي بأنا نغامر باختيار هذا الطريق للسيارة وللبكس، ووقعت عين بعيره على ~~نبات في الأرض فأقام يرعاه، ووقف البدوي في جانبه صامتا لا يشترك في معاونتنا ولا يدفع ~~بعيره ليسير، وعجبت لأمره، ورأى صاحبي عجبي، فابتسم وقال: وما تعجبك ومرعى بعيره ~~أثمن ما في الحياة عنده؟! فهو يحمل عليه الحاج ومتاعهم ويرتزق من حمله وهو يقف إلى ~~جانبه كلما وجد البعير مرعى ينال منه رزقه، وأمسك صاحبي هنيهة ثم أردف: تلك حياة ~~البادية! ~~«تلك حياة البادية!» أثارت هذه الكلمة في نفسي صورة العيش في هذه البلاد منذ القدم، ~~وصورة العيش في البادية حيثما وجدت من أرض الله، ولطالما رأيت البدو في مصر يجيئون ~~إليها من الشام أو من المغرب ويرتحلون عنها أو يقيمون بها ولا تتغير في الحالين عاداتهم ~~ما بقي الارتحال في طبعهم، فالجلوس في خيامهم إذا أقاموا، والارتحال وراء دوابهم إذا ~~تحملوا، والحديث المتصل ما اجتمعوا، يقص كل أثناءه من مبالغات الخيال ما لا يجد في ~~الطبيعة المترامية أمامه حدا، أليست الطبيعة المترامية مصدر الإلهام الوجداني للمهذب، ~~وهي مصدر المبالغة الحمقاء للجاهل الذي يرى بعين خياله من الجن في أطوائها ما لا تقع ~~عليه عين بصير؟! وفيم عسى أن يفكر هذا البدوي الواقف الآن إلى جوارنا إذ يقضي الأيام ~~وحيدا مع بعيره ثم لا يجد من يخاطبه إلا أن يلقى إنسانا مصادفة كما لقينا؟! إنه - ~~لا ريب - يدع لهواجس خياله العنان تسعده حينا فتمد أمامه حبال الأمل، وتشقيه آخر فتضيق ~~عليه ms558 نطاق اليأس، ثم لا يجد متنفسا ليأسه ولا لأمله إلا في مناجاة نفسه، والتحدث في ~~خياله إلى من لا يراهم من أحبته وأعدائه، وذلك هو الشعر عند أهل البادية الأقدمين، وهو ~~هذه المقاطيع التي سمعت منها بالطائف الشيء الكثير؛ والتي تصور النظم الشعري عند أهل ~~هذا الجيل في شبه الجزيرة. # وأنقذ تعاوننا السيارة من ورطتها في الرمال كي تقف بعد قليل من مسيرها أمام أشجار ~~متشابكة في الطريق، وقطع أصحابي من فروع الأشجار ما أتاح لنا المرور ثم إذا بنا نقف بعد ~~دقائق أمام غدير لا مفر للسيارة من عبوره علها تسير بعده في طريق خلناه مستقيما، ~~وخاض دليلنا مياه الغدير وجهل يتحسس قاعه ليرسم للسيارة المكان الذي تمر به، وبعد ~~لأي قذفنا في الأمكنة التي أشار إليها أحجارا ترتكز عجلات السيارة عليها حين ~~انحدارها إلى الغدير، وبذلك نجحنا في التغلب على هذه العقبة الثالثة، وانطلقنا نسير فوق ~~أرض صلبة لقربها من الجبال، ويرى الدليل ما بي من سخط لهذه العقبات التي تصادفنا والتي ~~كنت أعزوها لجهله الطريق، فلا يضيق ذرعا ولا يبدو عليه التأثر، بل يهون علي الأمر ~~فيذكر أنا اجتزنا أشق الطريق ولم يبق أمامنا إلا أيسره، ونمر بين آن وآن بخيف من ~~الخيوف وبخضرته الناضرة وشجره النامي، فيهدأ لمرأى الخضرة والماء سخطي، وأكاد أصدق ~~الدليل وأقتنع بأن المشقة انتهت، وزاد في أملي أن طال بالسيارة المسير دون أن يقفها موج ~~الرمال أو أن يعترضها شجر أو غدير. # وإنا لكذلك في واد بين جبلين إذا السيارة تغوص إلى بطنها ولا يبقى لها إلى حركة من ~~سبيل، وما أدري لماذا استشطت غيظا هذه المرة، وبلغ الغيظ مني أن قلت: فلنعد إلى ~~المسيجيد أو إلى الحمراء لنسلك طريق نقب الفار إلى ينبع حتى لا تفوتنا الباخرة بعد غد، ~~فلما رأيت الدليل ورأيت أصحابي منهمكين في إخراج السيارة من مغرزها أمسكت عن القول وإن ~~استمسكت بعزمي على العودة من حيث أتينا، فقد زالت الشمس ومالت إلى الغرب وما نزال نضرب ~~في ms559 طرق لا يعلم إلا الله أيان منتهاها، وقضى القوم ما يزيد على نصف ساعة حتى أخرجوا ~~السيارة، ثم التفت إلي الدليل في هدوئه وقال: لم يبق من الطريق إلا أقله، وبلوغ بدر ~~أيسر من العودة إلى الحمراء وكنت قد سكن روعي، وقد حمدت للقوم ما بذلوا من جهد شاق فلم ~~أجادل، وانطلقنا فإذا بنا بعد قليل أمام منحدر وعر لم أدرك كيف يهبط السائق ~~بالسيارة منه، وكيف يتبعه صاحبه بالبكس، على أن حسنا لم يتردد، وكل ما طلبه أن نغادر ~~السيارة وأن نهبط هذا المنحدر على أقدامنا مخافة أن ترتطم رءوسنا بسقف السيارة فيصيبنا ~~من ذلك أذى، وفعلنا وهبط بعدنا والسيارة تكاد تنقلب به ظهرا لبطن، وعدنا وإياه، فإذا ~~نحن على طريق صخري معتدل، وإذا أمامنا أشجار عالية ما لبث حسن حين رآها أن دفع ~~بالسيارة إلى غاية سرعتها وخلفنا البكس وراءنا، فلما طال بنا السير ولم نبلغ بدرا بدأت ~~المخاوف تعاودنا، ووقفنا مترددين عند أشجار عالية، ثم تخطينا خلالها فإذا ضيعة مطمئنة ~~بينها، وسألنا أهلها عن بدر فقالوا: إنها منا قريب، فرجوناهم إذا ما رأوا البكس أن ~~يهدوه السبيل، وعدنا منطلقين حتى اجتزنا منطقة الأشجار إلى البادية الجرداء، آنذاك بدا ~~لنا عن بعد سراب لم أحسبه شيئا، ولكن الدليل أشار بإصبعه إلى ناحيته، وقال: هذه ~~بدر. # وهدأ حسن لعل البكس يدركنا، ورميت ببصري إلى الناحية التي أشار الدليل إليها ألتمس ~~في أطواء جوها صورة غزاة بدر من المسلمين الأولين، ورسول الله # صلى الله عليه وسلم # على رأسهم، ~~وألتمس كذلك جمع المشركين بجحفله وبعديده وعدته، وقلت لصاحبي: «هل ترى سلك ~~النبي - عليه السلام - بجيش المؤمنين هذه الطريق التي سلكنا من المدينة إلى هنا؟» وسكت ~~صاحبي هنيهة يفكر ثم قال: «لا أدري! ولكنني لا أحسبهم سلكوها، وأكبر ظني أنهم جاءوا من ~~ناحية آبار بني حصان وبئر الشيخ، على أني لا أقطع بشيء من ذلك، بل لا أرجحه، فالطرق ~~في هذه البادية بين المدينة وينبع كثيرة، وقد اختلفت في الأزمان الأخيرة غير ms560 مرة، ~~فتعيين الطريق الذي سلكه رجال بدر الكبرى ليس أمرا ميسورا.» وأجبت بعد أن فكرت ~~مليا: «إنك لعلى حق، وراوية التاريخ تشهد بأن هذه المنطقة من الحجاز كانت كثيرة ~~الثمر على عهد الرسول، وكانت لذلك مقام قبائل كثيرة اتخذت منها حضرا وموئلا، وما ~~أحسبنا نصادف اليوم فيها هذه البطون والقبائل التي كان النبي يوادعها أو يحالفها كلما ~~خرج إلى سرية من سراياه أول عهده بالمدينة، فقد جنت الأحوال السياسية والاجتماعية ~~على هذه البلاد وحضارتها وطرقها، فما يكاد شيء مما بها اليوم يشبه ما كان بها في صدر ~~الإسلام، أما وذاك شأنها فحسبنا أننا بلغنا بدرا، ولعلنا نجد بها للاستشهاد الحق في ~~سبيل الله ذكرا حسنا.» # وبدأت منازل بدر تتضح معالمها للنظر، فلم أصدق من أمرها ما رأيت، لقد أحيينا بمصر ~~ذكرى بدر منذ عام، فبدت لنا يحيطها التاريخ بهالة من جلال وإكبار، هذا إلى أنها كانت ~~قبل الغزوة الكبرى سوقا من أسواق العرب وموسما من مواسمهم، وفي غزوة بدر نزل قوله - ~~تعالى: # إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم ~~فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا ~~الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل ~~بنان ~~. ألا يجدر بمكان ذلك شأنه في الإسلام، وكان في الجاهلية سوقا ~~وموسما أن تهوي إليه الأفئدة وأن يجتمع الناس حوله وأن يكون مدينة ذات شأن؟! فما هذه ~~المنازل التي نرى، وهي أدنى إلى الأكواخ منها إلى المنازل، بل إلى الآثار الدارسة منها ~~إلى الربوع المأهولة؟! # لم تضن الطبيعة على بدر بما يصلحها للمقام والحضر، فالماء بها وعلى مقربة منها وفير، ~~وهذه المنطقة بين بدر وبين المدينة تكاد تعدل منطقة الطائف خصبا، لقد مررنا بين ~~الحمراء وبدر بخيف الخرمان، وخيف الواسطي، وخيف دغبج، وخيف الحسينية، وخيف ~~الفارعة، والخيف الجديد، وكلها ذات مياه ونبات وشجر، وبها ضياع تحدث عن شيء من ~~النعمة وخفض العيش، فما بال بدر تبدو دونها جميعا حياة ونضارة؟! أم بلغ من إكبار الناس ~~للغزوة الكبرى أن آثروا ترك المكان الذي حدثت به لا ms561 يقربونه؟! إن يكن ذلك فلعل لهم فيه ~~بعض العذر، فللاستشهاد مهابة وقداسة، وفي طبيعة المهابة أن تباعد بيننا وبين ما تمتلئ ~~له نفوسنا إعظاما وإكبارا. # وناجيت نفسي: «ترى أية صورة لذكرى بدر أقامها أهل هذه البلاد حيث وقعت؟» وأراد خيالي ~~أن يتمثل هذه الصورة، لكنني ما لبثت أن ابتسمت حين ذكرت ما مررت به من المواقف الجليلة ~~في تاريخ الرسول مما لم يخلد سوى التاريخ ذكرها، أم ترى أقام الخلفاء والملوك ببدر ~~مسجدا تحدث قبابه ومآذنه الذاهبة في السماء عن بعض ما حدث يوم التقى الجمعان: ~~جمع المؤمنين وجمع المشركين؟ إنني لا أرى أمامي قبابا ولا مآذن، فلأنتظر ففي هنيهة ~~سأرى. # استدارت السيارة حول المنازل المبعثرة ها هنا وهناك، فهي بذلك أدنى في نظامها إلى ~~الآثار الدوارس منها إلى مقام الأحياء، ولم يطل بنا السير إذ وقفنا أمام بناء متواضع ~~قيل لنا: إنه زاوية السنوسي، ولقينا هناك رجلا عرفنا أنه سادن الزاوية والموكل ~~بأمورها جميعا، فسأله صاحبي عن أمير بدر، وعلمنا منه أنه غائب عنها، وعجبت لاسم الأمير ~~يطلق على رجل في قرية، بل ضيعة شأنها ما رأيت، لكني عجبي زال حين علمت أن كلمة ~~الأمير تطلق في بلاد العرب على كل وال لمدينة أو قرية أو ضيعة، لو أن هذه التسمية ~~طبقت في مصر لقيل لعمدة القرية: إنه أميرها، ولشيخ العزبة: إنه أميرها، ولكان في مصر ~~ألوف وعشرات الألوف من الأمراء، ولفقد هذا اللقب ما له في نفوس المصريين اليوم من ~~إجلال، وهل للألقاب والأسماء قيمة إلا بقيمة مسمياتها وما تبعثه في النفس من ~~أثر؟! # وسألنا سادن الزاوية: «أنبغي وكيل الأمير؟» وأرسل في طلبه حين أجابه أصحابي بالإيجاب، ~~وألح على الرسول في استعجاله حين رأى دليلنا الجندي الوهابي ينبهه إلى واجب أمير بدر ~~ووكيله، وفتح السادن زاوية السنوسي فتخطينا بابا في مثل تواضع البناء وقلة ~~ارتفاعه إلى فناء ضيق امتد بهو الزاوية عن يمين الداخل إليه، وبهو الزاوية مستطيل ~~يكاد يبلغ طوله خمسة عشر مترا، وعرضه خمسة أمتار، وقد ms562 فرش بحصير قديم هو أكثر ما كان ~~في المكان تواضعا. # وجلسنا أول ما رأينا الحصير وطلبت إلى أصحابي أن يجيئونا بالطعام، فقد أذن العصر ~~ولم نتناول مذ تركنا المسيجيد وجبة، وقد أجهدنا ما لقينا في سيرنا من مشقة مرهقة، ~~ولا شيء ألذ من طعام السفر البسيط ولا أصح منه، ثم توضأنا بالزاوية، وقمت أدور ~~حولها لعلي أجد في ناحية منها ما يصلح رمزا لها أوجه إليه عدسة «الفوتوغرافيا»، فلما ~~لم أجد ما يصلح لذلك وقفت عند ركن أسرح الطرف منه إلى ما حولي ، وأفكر وأنا بموقفي في ~~هذه الزاوية ومن بناها، وفي تصوره وأمثاله الرواقيين المسلمين للحياة، وفي بعد هذا ~~التصور عما أفهم من روح الإسلام، فهذا الدين يدعو إلى عدم الاكتراث بالدنيا ومادتها، ~~لكنه لا يدعو إلى الرغبة عنها، بل هو يدعو إلى السعي للرزق وإلى الجد في العمل، يقول ~~الله - جل شأنه - في كتابه العزيز: # وابتغ فيما آتاك ~~الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن ~~كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض ~~، ~~فالذين يبتغون الدار الآخرة وينقطعون لذلك عن الحياة وما فيها ينسون نصيبهم من الدنيا ~~ولا يسعون في مناكب الأرض ليأكلوا من رزق الله وليحسنوا كما أحسن الله إليهم، أم ترى ~~الذين ينقطعون إلى العبادة ويدعون إلى الفقر يبتغون بهما التطهر إنما يفعلون ذلك ~~على أنه خير نصيب يناله الإنسان من الدنيا، وأن إحسان هؤلاء إلى الناس كإحسان الله ~~إليهم إنما يكون بدعوة الناس إلى الفقر والعبادة؟ هذا رأي له قدره واحترامه، لكني ~~أراه بعيدا عن روح الإسلام كما أفهمه من كتاب الله الكريم. # وانطلقنا نبتغي ميدان بدر وقبور شهدائها، وليس يحول بين الزاوية وهذا المكان حائل من ~~بناء، بل يفصل بينهما فضاء فسيح منبسط هبطت عليه هذه الساعة من موليات النهار ظلال ~~لم أعن نفسي أكان سببها غمام حجب الشمس، أما أن الشمس توارت وراء الآكام؟ وفيما ~~نسير في هذا الفضاء الفسيح نبتت أمام النظر أحجار قائمة في صفوف متراصة، قال صاحبي: ms563 ~~«هذه قبور الذين قتلوا ها هنا في الموقعة التي حدثت بين الأشراف والسعوديين من عشر ~~سنوات.» فجأني هذا النبأ فوقفت هنيهة مشدوها أسائل: «أغزوة في هذا المكان بين ~~طائفتين من المسلمين؟! يا للعار! إن بدرا لحرية أن تكون حراما على المسلمين ~~جميعا كحرمة مكة وكحرمة البيت العتيق، وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ولم يجدوا من ~~يصلح بينهما ويقاتل التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله، فحق عليهما أن يجتنبوا القتال ~~في مكان له على التاريخ من الحرمة أنه أول مكان انتصر فيه الإيمان على الشرك وحقت فيه ~~كلمة الله على الكافرين.» قلت هذا والغضب لما فعل الوهابيون والأشراف آخذ مني مأخذه، ~~فلم يجد صاحبي بدا من أن يقر رأيي، وإن كنت أحسبه قد تولاه العجب أن يثير الأمر ~~من حماستي ومن غضبي ما أثار. # وزاد في عجبي وفي غضبي أنهم يطلقون على هذه الغزوة بين الأشراف والنجديين اسم غزوة ~~بدر، وكأنها وقعت كما وقعت بدر الكبرى بين المؤمنين والمشركين! قال صاحبي: «هون عليك! ~~فالوهابيون الغلاة الذين غزوا الحجاز غزوه باسم العقيدة، مدعين أن من خالف مذهبهم ~~مشرك كافر، أما وذاك رأيهم فلا تثريب عليهم أن يغزوا في بدر، وأن يذهبوا إلى أن الله ~~نصرهم فيها كما نصر الرسول على أعدائه.» وصمت هنيهة ثم أردف: «ولم يكن بد أن يدافع ~~أبناء الحجاز عن أنفسهم وقد هاجمهم خصومهم في هذا المكان وشنوا عليهم الغارة ~~فيه.» # وتخطينا مصعدين هضابا تقع عندها قبور الشهداء الأولين، شهداء بدر الكبرى، وما لبثت ~~حين اقتربت من هذا المكان أن نسيت الوهابيين والأشراف وغزوتهم، وأن هان عندي أمرها، فقد ~~تعلق كل حسي بهذا المكان الذي طالما رسمته من قبل أمام ذهني، واستيقظت في ذاكرتي أدق ~~التفاصيل من هذه الغزوة الأولى بين محمد وخصومه، وكدت أرى أبا بكر وعمر وحمزة وعليا ~~حافين من حول الرسول، وتابعنا تقدمنا وتصعيدنا حتى كنا عند هضبة حفرت أمامها في ~~الأرض فجوة أحيطت بسياج من بناء، هنالك وقف القوم جميعا حول السياج، وقال سادن ms564 زاوية ~~السنوسي: «هنا قبور شهداء بدر رضي الله عنهم.» وسادنا لسماع هذه الكلمات صمت رهيب ~~شعرت من هيبته بأن قلبي يزداد خفقا، وأن جوارحي كلها تزداد تنبها، ثم رأيتني ~~أحدق في قاع الفجوة، كأنما أرى هؤلاء الشهداء رأي العين وأقول: «السلام عليكم شهداء ~~بدر، رضي الله عنكم، وغفر لنا ولكم!» وانطلقت أتلو الفاتحة ويتلوها أصحابي جميعا، ثم ~~انطلقت ألسنتنا بالدعاء والاستغفار صادرين من قلوب صادقة في دعائها، مخلصة في ~~استغفارها، أشربت للراقدين في هذا المكان حبا وإعظاما، وللذين جاهدوا في سبيل ~~الله إكبارا وتكريما. # وبعد فترة لا أدري أطالت أم قصرت تحدث أحد أصحابي مشيرا إلى لوحة ثبتت في ~~الصخر حيث كان يقف وقد كتبت عليها هذه الآية الكريمة: # يا ~~ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما ~~. # يا للعجب! لقد سمعنا هذه الكلمات قبل اليوم عشرات المرات، وكنا في كل مرة نسمعها في ~~إكبار وتقديس كإكبارنا وتقديسنا كلما سمعنا آي الذكر الحكيم، أما اليوم فكان لها في ~~نفوسنا من عظيم الأثر ما اهتز له كل وجودي من شعر رأسي إلى أخمص قدمي، وتمنيت صادقا ~~لو كنت قد أبليت مع الذين أبلوا في بدر فاستشهدت مثلهم وثويت في قبر من هذه ~~القبور معهم، ما أعظمه في الحق فوزا وفخرا! وما أجلها غاية يهنأ الإنسان بها أن ~~يستشهد في سبيل إيمانه بالله! فما الحياة إذا غاض منها الإيمان وتضعضعت فيها العقيدة؟! ~~إنها تفقد إنسانيتها ويصبح الشخص فيها حيوانا شأنه شأن سائر الحيوان، همه أن يأكل ~~ويشرب ويتناسل إجابة لدواعي الغريزة ودوافع الاحتفاظ بالنوع، وإذا استوى الإنسان ~~والحيوان فلا خير في الحياة، فإنما يتميز الإنسان على الحيوان بحياته المعنوية، ~~والعقيدة والإيمان هما سر هذه الحياة المعنوية وقوامها، فإذا غاض هذا السر وضمر ضمرت ~~إنسانيتنا حتى تغيض، ورددنا بذلك حيوانا كل الفرق بينها وبين غيرها من الحيوان أنها ~~تنطق، ولكن كنطق الببغاء، نطق تقليدي لا اجتهاد فيه، وأنها تسير على قدمين بدلا من أن ~~تزحف أو تسير على أربع. # العقيدة والإيمان سر الحياة الإنسانية وروحها ms565 ومظهرها، بل هما الحياة الإنسانية ~~وسبب وجودها، ولولاهما لما كان لهذا الكون بالإنسان حاجة، ولما كان لوجود الإنسان فيه ~~سبب، وقيمة الحياة الإنسانية أن يتحققا فيها، أو تصبح هذه الحياة عبثا يجب أن يتنزه ~~مبدع الكون عنه، والعقيدة والإيمان أعظم قوة في الحياة، أمامهما تندك الجبال وتضطرب ~~الرواسي وتخر تيجان الملوك ساجدة وتتحطم تحطما، وهما اللذان سارا بالكون والحياة ~~إلى ما بلغنا من تقدم؛ وهما لذلك الجديران دون سواهما بأن يضحى بالحياة في ~~سبيلهما، أما ما سواهما في الحياة فأهواء ومطامع لا تساوي عند الله جناح بعوضة، ولا ~~قيمة لها في التقدير الإنساني السليم، فالمال والجاه والحكم والسلطان أوهام باطلة ~~وضلال يمليه الغرور؛ لذلك لا بقاء لها على الحياة. # وماذا خلف الإسكندر للإنسانية بملكه الطويل العريض؟ وماذا خلف قارون بماله إلا المثل ~~المأثور يطلقه الناس على المال المتكاثر فيقولون: إنه مال قارون؟ وماذا خلف أولو الحكم ~~والسلطان؟ فأما أرباب العقيدة والذين ملأ الإيمان قلوبهم فخلفوا تراثا تتناقله أجيال ~~الإنسانية، ضخما كان هذا التراث أو ضئيلا، ولا يزال الناس يتذاكرون حتى اليوم آراء ~~سقراط وأفلاطون وأمثالهما من حكماء اليونان وفلاسفتها كما يذكرون أولي الرأي المؤمنين ~~برأيهم في غير اليونان من الأمم القديمة، وأصحاب المذاهب الأربعة الإسلامية أبقى في ~~الحياة أثرا من ملوك المسلمين وأمرائهم جميعا، وأولو الرأي هؤلاء لم يجاهدوا في سبيل ~~آرائهم ولم يبذلوا لها روحهم وحياتهم، أما الذين آمنوا وافتدوا إيمانهم بحياتهم من ~~شهداء بدر ومن إليهم، وأما الذين جاهدوا في سبيل الله بأرواحهم لنصر كلمة الحق، فأولئك ~~جميعا أحياء عند ربهم يرزقون، وأولئك تذكرهم الإنسانية في إجلال وإكبار، ويقول كل ~~واحد من أبنائها البررة كلما ذكرهم: «يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما.» # وشهداء بدر القدوة والمثل في افتداء الإيمان بالحياة، وفي قوة المؤمن بإيمانه وفي سمو ~~الإيمان بالحياة إلى المثل الأعلى، فهؤلاء ثلاثمائة من الرجال جاءوا بدرا لا يريدون ~~حربا، بل يريدون أن يأخذوا عير أبي سفيان لقاء ما أخرجت قريش صفوتهم من مكة بعد ~~أن آذتهم ms566 وأبعدتهم عن أموالهم وأهليهم، فإذا أبو سفيان فاتهم ونجا بنفسه وبعيره، وإذا ~~قريش خرجت إلى بدر بقضها وقضيضها وألقت إلى قتال المسلمين بأفلاذ أكبادها، حتى ~~لم يبق بمكة بعد خروجها متخلف قادر على القتال، أفيقاتل المسلمون هذا الجيش ورجاله ~~ثلاثة أمثالهم عددا وعدة، وليس لهم من وراء هذا القتال بعد نجاة أبي سفيان مأرب؟ ~~لكن قريشا جاءت تناجزهم، فلم يبق الأمر أمر أبي سفيان وعيره، بل صار أعظم من ذلك ~~وأجل خطرا، صار الإيمان والشرك يلتقيان، ولقد أدرك المسلمون هذا الموقف مذ عرفوا ~~خروج قريش تحمي تجارتها، وأدركوا أنهم إن تقاعسوا أو تضعضع ركنهم علت كلمة الشرك ~~وعادوا من أذى قريش إلى شر مما كانوا فيه بمكة، فهان على يهود يثرب أمرهم، ولم يبق ~~للدين الذي بعث الله به رسوله أيد ولا قوة. # لذلك تمثلت كلمة المهاجرين حين شاورهم النبي في قول المقداد بن عمرو: «يا رسول ~~الله، امض لما أراك الله فنحن معك، والله، لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى: اذهب ~~أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون.» ~~وتمثلت كلمة الأنصار في قول سعد بن معاذ محدثا النبي: «لقد آمنا بك وصدقناك، ~~وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثقنا على السمع والطاعة، ~~فامض لما أردت فنحن معك، فوالذي بعثك، لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه ~~معك وما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا، إنا لصبر في ~~الحرب، صدق في اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة ~~الله.» # لم يكن موقف المسلمين من قريش أمر مال وغنيمة إذن، بل كان الإيمان والشرك يلتقيان؛ ~~لذلك لم يلبث القوم حين نظموا صفوفهم وأخذوا للقتال عدتهم أن بدت بينهم قوة الإيمان ~~وضعف الشرك؛ بدت قوة الإيمان المتصل بالله وحده سامية على كل قوة، فلا يغلبها في الأرض ~~غالب، ولقد استعرضت أمام ذهني وأنا بموقفي من قبور ms567 الشهداء هذا المنظر الفذ من مناظر ~~التاريخ، فبهرني ما للإيمان من قوة لا تغلب. # نزل الفريقان منازل القتال، والمسلمون فيما رأيت من بأس وعزم، وقريش ما يزالون ~~مترددين، يقول لهم عتبة بن ربيعة: «يا معشر قريش! إنكم والله ما تصنعون بأن تلقوا ~~محمدا وأصحابه شيئا، والله لئن أصبتموه لا يزال الرجل ينظر في وجه رجل قتل ابن ~~عمه أو ابن خاله أو رجلا من عشيرته، فارجعوا وخلوا بين محمد وسائر العرب، فإن ~~أصابوه فذلك الذي أردتم، وإن كان غير ذلك لم نتعرض منه لما تكرهون.» ولولا حدة أبي ~~جهل ودفعه عامر بن الحضرمي ليأخذ بثأر أخيه الذي قتله المسلمون في سرية عبد الله بن ~~جحش، ولولا أن اندفع الأسود بن عبد الأسد المخزومي من صفوف قريش إلى صفوف المسلمين ~~فعاجله حمزة بن عبد المطلب بضربة أطاحت بساقه فسقط إلى ظهره تشخب رجله دما، فلم يبق ~~بعد الدم من القتال مفر، إذن لغلب التردد قريشا ولارتدوا على أعقابهم كاسري الطرف ~~في غير قتال خاسئين. # والآن تبدأ المعركة، انظر! إنني أراها بعيني في هذا الوادي المنبسط أمامي تحيط بها ~~الهضاب والكثبان من كل جانب، فهذا عتبة بن ربيعة الذي كان يهيب بقومه منذ لحظة أن ~~يرجعوا قد خرج في سلاحه بين أخيه شيبة وابنه الوليد يدعو المسلمين للمبارزة، ويخرج ~~إليه فتيان من المدينة فيأبى قتالهم وينادي المنادي: «إنما نريد أكفاءنا من ~~قومنا.» فيخرج حمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب وعبيدة بن الحارث، ألا تراهم! ما ~~أشد ما ترمي عيونهم بالشرر! وا عجبا! هؤلاء قوم لا يريدون قتالا بل يريدون ~~استشهادا، لقد انقض حمزة على شيبة وانقض علي على الوليد كما ينقض البازي على ~~فريسته، فإذا المشركان مجندلان ضرجتهما دماؤهما، أما عتبة فيحاول أن يثبت ~~لعبيدة، فإذا حمزة وعلي قد فرغا من خصميهما يجهزان عليه كما أجهزا على أخيه ~~وابنه، يا لعار هذا الجحفل اللجب! أفقدر لهؤلاء الذين أجلتهم قريش عن مكة أن ~~ينتصروا عليها وأن يهزموا جموعها؟ فلتزحف هذه الجموع ms568 إذن حتى لا يبقى لمحمد ولأصحابه ~~باقية. # رفقك اللهم! هذه جموع قريش تزحف، وهذه جموع المسلمين تزحف، رفقك ربي ورحمتك! ماذا ~~يصنع ثلاثمائة من المسلمين بألف من قريش؟ وهذا رسول الله بين المسلمين يعدل صفوفهم، لكن ~~زحف قريش يزيدها بأسا، وتفوق عديدها على المسلمين يجعلها تحيط بهم وتكاد تغرقهم في ~~لجتها، رب ماذا كتبت في لوحك المحفوظ مصيرا لهذا اليوم العصيب؟! هذا رسول الله ~~يعود إلى المؤخرة ويقف في العريش الذي بناه له أصحابه قبل الموقعة، وهو أشد ما يكون ~~إشفاقا من هذا المصير ومن خاتمة المعركة، أين وعد الله النصر إذن؟ وهل أثم المسلمون ~~فجزاهم الله بإثمهم هذا الموقف الرهيب؟ # انظر كرة أخرى! فالآن يتخذ كل فريق في زحفه مواقف الاشتباك بخصمه ويكادان ~~يلتحمان، والآن يقف رسول الله وجلا مشفقا مستقبلا القبلة، متجها بكل نفسه إلى ربه ~~يناجيه ويخاطبه: «اللهم هذه قريش قد أتت بخيلائها تحاول أن تكذب رسولك، اللهم ~~فنصرك الذي وعدتني! اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد!» ألا تراه! إنه ~~يمد كلتا يديه ويهتف بربه مستغفرا تائبا داعيا مبتهلا، وهذا رداؤه يسقط عن ~~منكبيه لشدة توجهه إلى ربه وهتافه به، ويرد أبو بكر الرداء على منكبيه على منكبيه ~~ويهيب به: «يا نبي الله! بعض مناشدتك ربك! فإن الله منجز لك ما وعدك.» لكن نبي الله ~~لا يزال يتضرع إلى الله ويستعينه، ها هو ذا جلس في العريش صامتا وأغمض عينيه كأنه نام، ~~انظر إلى وجهه! إن أساريره لتنبسط وثغره لتضيئه ابتسامة الظفر، إنه لا شك يرى في هذه ~~الساعة ما لا يراه غيره، لقد كشف الله عنه الحجاب فرأى نصر الله منه قريبا، والمعركة ~~تدور هناك في الميدان رحاها لا يدري أحد عم تنكشف؟ إن قريشا لعلى ثقة بعددها ~~وعدتها، فهي تحسب النصر وشيكا أن يتم، والمسلمون يزيدهم الإيمان في كل لحظة قوة على ~~قوتهم فهم يبطشون بكل مشرك تصل إليه أيديهم بطش عزيز مقتدر. # وعد بنظرك الآن إلى العريش، لقد انتبه رسول الله من ms569 نومه، إنه يخرج إلى الناس ~~فينادي فيهم: «والذي نفس محمد بيده، لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا ~~مقبلا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة.» ألا ترى إلى وجوه المسلمين ساعة طرق سمعهم ~~صوت الرسول ونداؤه إياهم بهذه العبارة، ومن من المؤمنين من لا يريد الجنة؟! من ~~منهم من لا يريد نعيم الرضوان في رحاب الله بديلا من هذه الحياة الدنيا وكاذب ~~غرورها؟! والجنة للصابرين على البأساء والضراء وحين البأس، والجنة لمن أحسن البلاء في ~~سبيل الله ومن غمس يده في العدو حاسرا ، والله ولي الصابرين والذين يستشهدون في سبيله، ~~يمدهم بالملائكة يبشرونهم ويزيدونهم تثبيتا وإيمانا. # لا أرى أمامي إلا غبارا ثار نقعه فحجب الميدان وما فيه، وكأنما اقتطعه من نطاق ~~الزمان والمكان ليجعله على الدهر آية لقوة الإيمان المتصل بالله، له الملك وله الأمر ~~كله، وهذا هو الجو الآن ينكشف فأرى، نعم! أرى الواحد من المسلمين إذ يرفع سيفه ويهوي ~~به على عنق عدوه إنما تحرك قوة الله يده، وإذ يحدق بنظره إلى شرذمة من المشركين ~~في إقبالهم عليه يردهم على أعقابهم فيتلقاهم مؤمن من إخوانه يحز رقابهم حزا، ~~ويرديهم في حفرة الموت هلكى، وأرى رسول الله يأخذ حفنة من الحصباء يستقبل بها ~~قريشا وينفحهم بها وهو يقول: «شاهت الوجوه». فيولون أمام الحصباء فرارا، ~~ويمتلئون من رميها رعبا، وكيف لا يولون وقد تجسمت أمامهم قوة الإيمان فهم لا ~~يعرفون لها مدى ولا حدا! ويرون إخوانهم في الكفر صرعى فيأخذهم الهول ويلتمسون ~~النجاة هربا! وتتم كلمة ربك وينجز رسوله وعده، فتفر قريش، ويطاردهم ~~المسلمون ويعودون بالأسرى وقد امتلأت نفوسهم طمأنينة ورضا. # رأيت هذا كله وأنا بموقفي أجيل الطرف في ميدان بدر، فلما تم للمسلمين النصر ~~تنفست الصعداء وملأ الرضا قلبي، ثم رجعت بصري إلى ناحية الهضبة التي تحتضن ~~قبور الشهداء وانفجرت شفتاي عما سمعه أصحابي: «يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا ~~عظيما.» # وعاد لي بعد هنيهة هدوء نفسي، فسرت الهوينى حتى استوقفني رجل من بدر عند مكان ~~ذكر لي أنه ms570 القليب الذي دفن المشركون من صرعى بدر به، وأضاف: «إن لون الرمال ~~فوقه داكن لما يلفحه من نار جهنم، وإنك تحسه دافئا أبدا في الصيف وفي الشتاء.» ولم ~~أرد أن أمسك هذه الرمال بيدي وإن مد محدثي إلي يده بحفنة منها؛ لأنني خشيت ~~ألا أشعر بدفئها فيتهم القوم حسي؛ ولأني كنت شغلا عن ذلك بتعرف ميدان بدر ~~وحدوده ومواقف المتقاتلين منه وموضع اشتباكهم فيه. # فمن أي ناحية جاء المسلمون إليه؟ ومن أي ناحية جاء المشركون؟ وأين العدوة ~~القصوى؟ وأين العدوة الدنيا؟ وأين مكان الماء الذي أشار الحباب بن المنذر بن ~~الجموح على رسول الله فنزله المسلمون؟ وأين مكان العريش؟ وأين التقى الجمعان؟ هذا هو ~~الذي كان يعنيني وعنه كنت أسأل، وقد أجابني القوم بما لا أعرف مبلغه من الدقة، ذكروا أن ~~القليب الذي دفن المشركون به يقع بين العدوة القصوى وبين قبور الشهداء، وقد ~~رأيت أنا تخطينا من زاوية السنوسي في سهل منبسط حتى بلغنا هضبة الشهداء ثم سرنا لم ~~نغير اتجاهنا حتى كنا عند القليب، فالعدوة القصوى هي إذن هذه الهضبة القائمة هناك في ~~الطرف المقابل إلى حيث تقوم زاوية السنوسي، أما العدوة الدنيا فتقع في رأيهم بين ~~زاوية السنوسي وقبور الشهداء، وتقوم على مقربة من هذه العدوة الدنيا هضبة أشار إليها ~~دليلنا وقال: هذا قوز علي، وسألت: ما القوز؟ # 1 # فقال: إنه الجبل القليل الارتفاع، وأن هذا الجبل هو الذي رأى علي منه ~~المشركين وأخبر النبي بهم، وقد دلني ذلك على أن القوم يذكرون السيرة ذكرا حسنا، وإن ~~لم يبلغ غاية الدقة، فقد بعث رسول الله علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وسعد بن أبي ~~وقاص في نفر من أصحابه حين نزلوا بدرا إلى ماء بدر يلتمسون له الخبر عليه، وعادت هذه ~~الطليعة ومعها غلامان، عرف الرسول منهما أن قريشا وراء الكثيب الذي بالعدوة القصوى، ~~لكن ذكر القوم للسيرة لم يكفني للاقتناع بصحة ما يعينونه من مواقع الغزوة، ~~فقد رأيت الأماكن التي يذكرونها لا يتفق تحديدها مع ms571 ما تصفه الروايات الواردة في كثير ~~من كتب السيرة. # فأما العريش الذي بناه المسلمون لرسول الله ففي مكانه الآن مسجد يسمى مسجد العريش، ~~وهو قد بني على طراز مساجد مكة بساطة وضيق رقعه، مع أن موقف الرسول فيه من أجل ~~مواقف حياته، والمسجد يقع اليوم بين دور بدر، كما يقع مسجد عداس بالطائف بين دور ~~المثناة. # وآن لنا أن نعود إلى زاوية السنوسي لنستقل السيارة إلى ينبع، وفيما نحن في الطريق ~~سألت سادن الزاوية: أيجيء إلى بدر زوار يقفون عندها؟ وأجابني: إن الذين يجيئون ~~إليها قليلون، وإنهم لا يقفون عندها غير ساعات كما فعلنا، وإن منهم من يكتفي بزيارة ~~قبور الشهداء للتبرك بها وقراءة الفاتحة، وقليلون يسألون عما سألت عنه من أمر ~~الغزوة وميدانها ومواقعه فيجيبونهم بما أجاب كثيرون به. # وتبسمت من قوله وذكرت ميدان «واترلو» حيث كانت الموقعة بين نابليون وولنجتون، وكيف ~~صور القوم نموذجا مصغرا للميدان ومواقف الجيوش المتحاربة منه وأطوار الموقعة فيه ~~تصويرا بارزا يسهل معه لمن شاء أن يحيط بدقائق الموقعة خبرا، وليس لموقعة «واترلو» ~~في حياة الإنسانية بعض ما لغزوة بدر من أثر، لكنه العلم وما يكبره من عبرة التاريخ قد ~~أدى بأهل الغرب إلى تصوير هذا النموذج البارز لموقعة «واترلو»، وهو الجهل الذي خيم على ~~العالم الإسلامي منذ عصور الانحلال هو الذي أدى بهم إلى ألا يفعلوا من مثل شيئا ~~يرسمون به لزوار البلاد الإسلامية المقدسة صورة صحيحة لما حدث في عهد الرسول النبي ~~العربي. # ليس لموقعة «واترلو» ولا لأية موقعة غيرها بعض ما لغزوة بدر من أثر في حياة ~~الإنسانية، فغزوة بدر رمز صادق للاستشهاد الصريح في سبيل العقيدة استشهادا مبرأ من كل ~~غاية أو غرض إلا الدفاع عن هذه العقيدة والإيمان بها والدعوة إليها، وهو استشهاد صريح؛ ~~لأنه يتم في ميدان الشرف بين جموع المؤمنين الذين يواجهون خصومهم، ليس يذهب طالبه في ~~غسق الليل ولا في غفلة الناس ليغتال إنسانا أو طائفة من الناس؛ لأنهم خصوم إيمانه ~~وعقيدته، بل يدعو ثم يدعو ms572 ويستعذب الأذى، ويضحي بمنافع الحياة في سبيل دعوته، فإذا ~~اجتمع حوله قوم أنسوا في نفوسهم القوة على الدفاع عن عقيدتهم في وجه خصومهم، وهبوا ~~حياتهم في سبيل هذا الدفاع ومشوا إلى الموت حريصين عليه، ومن حرص على الموت وهبت ~~له الحياة، حياة خالدة في نعيم الرضا لمن استشهد، وحياة راضية سعيدة مطمئنة لمن لم تكن ~~الشهادة نصيبه، بدر هي الرمز الخالد السرمدي لهذا المعنى السامي، أبلغ المعاني ~~الإنسانية سموا وأعظمها جلالا، أما وذلك شأنها فليس «لواترلو» ولا لأية موقعة غيرها ~~بعض ما لها في حياة الإنسانية من أثر. # ترددت هذه العبارة الأخيرة في نفسي والسيارات تنهب بنا الأرض إلى ينبع، فقد ~~خرجنا من ملتويات الطرق ومنعرجاتها إلى بيداء منبسطة ذاهبة في انبساطها إلى حدود الأفق، ~~ولم تكن رمال هذه البيداء منحلة يخشى أن تغور فيها العجلات، بل كانت رمالا شاطئية ~~تتسرب إليها مياه البحر إلى أميال بعيدة فتكسبها تماسكا وتجعلها صلبة صلابة الأسفلت، ~~وإن بقيت تحت عجل السيارة أكثر لينا ومرونة، ولم تكن هذه البيداء مطروقة، فلم يخط عجل ~~السيارات فيها دروبا واضحة للسائرين، ولم يقلب بعض الأماكن القليلة التماسك منها ظهرا ~~لبطن، كيف لنا أن نعين اتجاهنا فيها حتى لا نضل الطريق إلى ينبع؟ ما كان هذا الأمر ~~ليعنيني لولا أن «زمزم» تبرح هذا المرفأ بعد غد، لكني ما لبثت أن اطمأننت حين رأيت ~~دليلنا الجندي النجدي يذر مجلسه من البكس ويتخذ لنفسه مجلسا في سيارتنا ليهدي السائق ~~طريقه، وأشهد لقد رأيت من مهارته ما أعاد إلى ذاكرتي صورة ما كنا نحفظه من الأدب العربي ~~القديم عن دقة العرب في قص الأثر، بدأ فصور لنفسه موقع ينبع وجعل يصدر أوامره ~~للسائق بالسير إلى اليمين أو إلى اليسار - كما يفعل ربان السفينة إذ يصدر الأوامر من ~~مجلسه فوقها إلى الذين يديرون المحركات في قاعها - والسائق يسير بأمره منطلقا في هذه ~~البيداء المترامية مطمئنا إلى أنه لم يضل طريقه، وبعد ساعة وبعض الساعة من خروجنا من ~~بدر، بدت على الرمال آثار ms573 مبهمة لم أحسبها شيئا، وأيقن دليلنا أنها الدروب إلى ينبع، ~~وأقر «حسن» رأيه فزاد في سرعة السيارة إلى غاية ما تطيقه، ومم نخشى وليس في ~~طريقنا إنس ولا أثر لحياة، وليس فيها شبهة حجر تمر السيارة فوقه؟ واطمأن الدليل إلى أنه ~~أدى واجبه فألقى إلي بنظرات راضية من عيون دعجاء شديدة البريق، وكأنما يسألني ~~العفو عما سلف في طريقنا بين الحمراء وبدر، وشكرته، وأبديت عظيم إعجابي ~~بمهارته، ونسيت له ما قال عن أهل بدر ممن يقيمون اليوم بها. # فقد ذكرت إذ عدنا من ميدان الغزوة الكبرى إلى زاوية السنوسي متخطين مقابر الأشراف ~~والنجديين ممن دنسوا هذا المكان بالقتال فيه، أن هذا البلد يجب أن يكون حراما، ويجب أن ~~يعرف المسلمون لأهله من الحرمة مقامهم عند الشهداء، فنظر النجدي إلى سادن السنوسي وإلى ~~أفراد من القرية جاءوا إلينا وانضموا إلى جمعنا نظرة كلها الازدراء لهم وعدم الاكتراث ~~بهم، وقال: «أهل بدر قوم ضعفاء.» يريد بذلك أن الضعيف غير جدير بحرمة، وإنما الجدير ~~بها من يقدر على الدفاع عنها، ولم أعقب على عبارته هذه، وانتظرت تعقيبا ممن ~~وجهت إليهم فإذا هم سكون لا ينبسون، ومع ما دلني ذلك عليه من أن الرجل على حق ~~حز في نفسي أن تصيب أهل بدر هذه المهانة وقد شهدت أرضهم فوز الإيمان على الشرك في ~~غزوة بدر الكبرى. # أنستني مهارته قالته، وأنسانيها هذا المساء المقبل البديع، فقد بدأت الشمس تتوارى ~~بالسحب ناحية الغرب، وبدأت هذه البيداء تكسوها ظلال رقيقة تزيد بسطتها بهاء وروعة، ~~وتزيدنا بها وبصحبتها متاعا وسعادة، وقال صاحبي مشيرا إلى ناحية اليمين: «هذه جبال ~~رضوى.» لم أر أنا بالعين المجردة إلى ما وراء الأفق جبالا، ولم أفكر في الاستعانة ~~بالمنظار المكبر، فقد كنت سعيدا بأننا على هدى في طريقنا، وكنت أشد حرصا على أن أرى ~~طلائع ينبع مني على أن أرى أشباح رضوى وما يثيره في النفس من ذكريات. ~~«هذه الآن طلائع ينبع.» كذلك قال الدليل مشيرا بيده إلى ناحية اليسار فيما أمامنا، ~~وأسرعت ms574 إلى المنظار المكبر فصدق الدليل وكشف لي عن موج البحر، وانطلقت السيارة تنهب ~~الأرض في سرعة كأنما جن جنونها، وفي دقائق تبدى البحر وتبدت طلائع الثغر للعين ~~المجردة، وبعد دقائق أخرى كانت السيارة تدور حول أسوار المدينة تبتغي مدخلها لتبلغ بنا ~~دار مضيفنا. # وتلقاني القوم في هشاشة وترحيب، وأشفقوا مما لقيت طيلة نهاري من وصب حين وصف أصحابي ~~طريقنا من الحمراء إلى بدر، لكنني لم أكن أشعر بمشقة ولا بتعب، لقد كنت سعيدا بما ~~رأيت، وبما أثار في نفسي من المعاني البالغة غاية السمو ، فلما آن لي أن أطمئن إلى ~~مضجعي زدت بما انتشر أمام ذهني من ذلك سعادة ورضا، رضي الله عن أهل بدر وغفر لهم، ~~فهم جديرون حقا بقوله # صلى الله عليه وسلم ~~: «لعل الله قد اطلع إلى أهل بدر يوم بدر فقال: ~~اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم.» # يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما! # | أوبة الرضا # أصبحت بينبع مطمئنا سعيدا، وهبطت إلى غرفة الاستقبال فألفيت بها قوما من أهل ~~البلد تفضلوا بزيارتي، فلما تبادلنا الحديث عجبت أن تكون لهجة أحدهم أدنى إلى المصرية، ~~وحسبت السبب في ذلك محاذاة ينبع مصر، لكن الرجل أسرع فذكر لي أنه مصري المولد، وأن له ~~بينبع بضع سنوات احترف فيها مهنة التعليم، وأن به إلى مصر هوى لولا ما يمسكه من ~~لطف أهل البلاد به ومن شغفه بالأماكن المقدسة، وشعرت لحديثه كأنما هزني إلى مصر شوق ~~زادني هوى إليها، يا عجبا! ألذلك سر؟ لقد رأيت من أمثاله كثيرين بمكة وبجدة ~~وبالمدينة فلم تحرك لقياهم هذا الشوق في نفسي، ترى أفي نبرة هذا الرجل سلطان على ~~هذه الناحية من النفس لم يكن للذين لقيتهم قبله، أم السر في هذه المدينة التي نتحدث ~~فيها؟ إذ ذاك ذكرت ما يحرك اقتراب الأوبة إلى الوطن من حنين النفس إليه، وما يشتد بنا ~~من الشوق إلى الأعزة فيه عند وقوفنا على شاطئ البحر الذي يصل بيننا وبينهم، وكأنما تحمل ~~إلينا أمواجه من روحهم ما لا يحمل ms575 إلينا الأثير ونحن نضرب في الأرض، أم أن اقتراب ~~اللقيا يحرك في النفس لواعج تظل حبيسة لا تثور ما كان الأمل في اللقاء بعيدا، فإذا ~~تنسمنا ريح الوطن يدنو تمثلنا صدور الأعزة تقترب من صدورنا، وقلوبهم تمتزج بقلوبنا، ~~فرفت في جوانحنا عواطف الود والمحبة تريد أن تطير بنا إليهم وتخلف وراءها ما بقي ~~بيننا وبينهم من أيام؟ # وخرجت من الدار مع أصحابي لزيارة أمير ينبع، فعلمت منه أن «زمزم» رست في المرفأ ~~وأنها قيد النظر، وشربنا القهوة النجدية والشاي واجتمرنا بذلك العود الذكي الرائحة ~~والذائع اليوم في البيئات الرسمية بالحجاز، وتناول حديثنا سفر «زمزم» ومرفأ ينبع وما ~~يجده المتنقل منه إلى البواخر الكبيرة من مشقة إذ تنقله الزوارق الصغيرة من الشاطئ ~~إليها في بحر مضطرب الموج أكثر الأحايين، وتابعنا الحديث في اتصال البلاد التي تتكلم ~~العربية جميعا، وفي سهولة المواصلات بينها، وفيما أدى ذلك إليه من ارتباطها من قبل في ~~الوحدة الإمبراطورية الإسلامية، وأسلفنا لجناية الدهر على هذه الروابط ولتفريط المسلمين ~~في العمل على إعادتها، وانتهينا من ذلك إلى حلو الأماني، ولم يكن حديثنا في هذا كله ~~ليتعمق في الأمور أو يقصد إلى شيء من الوقوف على أسرارها، فينبع بلد صغير، وأهله وأميره ~~وحاشية الأمير فيه أكثر عناية بشئونه المحلية الخاصة منهم بشئون التاريخ وأطوار الحياة، ~~وهم كأعيان ريفنا المصري كرما وترحيبا وحسن لقيا، ولقد غادرتهم شاكرا لطفهم، ~~شاكرا للأمير ما أبدى من حرص على طمأنينتي حتى أبلغ الباخرة، ذاكرا له أن مضيفي ~~وأهله قد بلغوا من هذا الحرص ما طوقوا به عنقي، وما جعل لهم عندي يدا لا ~~تنسي. # وانطلقنا في ميادين فسيحة من أرض ينبع نبتغي الشاطئ حيث ضربت البعثة الطبية المصرية ~~خيامها، فشربنا قهوة مصرية وقضينا من الوقت ما بقي إلى الظهر، وعدنا إلى الدار فأقمنا ~~بها، فلما اقترب المساء أقبل علينا فيها إخوان من المصريين تحدثوا في سفرنا ظهر غد، ~~وكان حديثي معهم حديث طمأنينة ورضا وشكر لله على توفيقه إيانا في سفرنا ومقامنا مذ ~~عزمنا ms576 الحج حتى أتممنا مناسكه، وزرنا قبر رسوله الكريم فصلينا وسلمنا عليه، ورجونا ~~الله واثقين من إجابته رجاءنا، أن ييسر عودتنا كما يسر سفرنا، وأن يهدينا بفضله ~~صراطه المستقيم. # وأصبحت فأعددت متاعي للسفر، وودعت مضيفي شاكرا، وذهبت ومن صحبني إلى ~~«الجمرك»، ثم أقلنا زورق صغير إلى الزورق البخاري «السويس» ليقلنا إلى «زمزم»، ~~ونحن في شوق أي شوق إلى ركوب ظهرها، ولقد كنا السابقين إلى الزورق البخاري فلم يصله ~~غيرنا إلا بعد ربع ساعة من مجيئنا له، ووقفت عند مؤخرته أحدق في الشاطئ وما عليه، ما ~~أعظم هذا الحشد الهائل هناك! ما أشدهم تدافعا بالمناكب، أولئك الحجاج المصريون الذين ~~عزموا العودة على زمزم وعلموا أنها تبحر بعد ساعات، فهم مشفقون أن تفوتهم؛ وهم لذلك ~~يقتتلون يريدون النزول إلى البحر لإدراكها قبل أن تطلق لمحركاتها أعنتها، انظر إلى ~~هؤلاء الجنود حولهم يريدون تنظيمهم فيأبى أقوياؤهم إلا أن يتقدموا الضعفاء، وكأنما نسوا ~~الحج وما يجب عليهم بعده من حماية الضعيف وعدم الاعتداء على حقه! هذه معركة تقوم بين ~~بعضهم وبين الجند، لكنها ليست حامية، إنها سرعان ما هدأت وعاد القوم إلى احترام النظام، ~~ويجيء بعد ذلك إلى زورقنا بعض ذوي المكانة من العائدين إلى مصر فنلقاهم بالترحاب وقد ~~عرفناهم جميعا أو عرفنا أكثرهم بمكة أو بالمدينة، أما ذلك الجمع الحاشد على الشاطئ فقد ~~أعدت لهم «صنادل» فسيحة الرحاب تتسع لهم جميعا، ويسحبها زورقنا بعد أن يتم عليها ~~جمعهم، ولو أدرك أقوياؤهم ذلك ما تدافعوا بالمناكب ولا اشتبكوا بالجند ما دام آخرهم ~~سيلحق على الصندل بأولهم ثم يبلغون الباخرة جميعا في وقت واحد، أم أن الناس درجوا على ~~أن يتنافسوا وأن يستبقوا وإن في غير موضع لمنافسة أو سبق، وألفوا أثناء تنافسهم أن ~~يشتبكوا وأن يقتتلوا ثم لا يصيبهم من ذلك خير وقد يصيبهم منه الضر والأذى. # وإنا لفي موقفنا نشهد ما يجري على الشاطئ إذ أقبل علينا ممثل شركة مصر للملاحة ~~البحرية ينبئنا بأن «زمزم» لن تبحر اليوم بسبب هياج البحر، وأن من الخير ms577 أن نعود إلى ~~ينبع نقضي بها إلى بكرة الصباح، وفيما هو يحاورنا ونحاوره في ذهاب «السويس» بنا إلى ~~زمزم لنقيم بها، أبحرت اليوم أو أبحرت غدا، أقبل مضيفي وطلب إلي أن أعود معه، وشكرت ~~له دعوته واعتذرت إليه عن إجابتها بأني وقد ركبت البحر معتزما السفر فلن أعود إلى ~~الشاطئ، ولن أذر البحر حتى أبلغ غرضي أو يقضي الله قضاءه، وألح الرجل في الدعوة ~~حرصا على راحتنا وطمأنينتنا، ورأيت بعض الذين معنا يميلون إلى العود لينبع حذر ~~البحر وهياجه، أما أنا فأصررت على البقاء ما دمت قد عزمت السفر، ولم أنزل عن رأيي، ~~وذلك دأبي، ادعه عنادا أو ادعه ما شئت، فهكذا خلقت: لا أرجع عما بدأت حذر ~~مشقة أو خوف عناء، فالمشقة لا قيمة لها عندي، وأنا اليوم أكثر استهانة بها بعد أن قضيت ~~بالحجاز ستة أسابيع أصعد في الجبال وأجوب البادية وأقضي الليل بالمسيجيد أو ببني ~~حصان في منازل خير منها العراء، وليس في ينبع ما تهوى إليه النفس من أثر يزار أو ~~علم يستفاد، ومهما يبلغ البحر من هياجه فالمقام على ظهر «زمزم» والتمتع بنسيمه ~~الجميل خير من كل ما يدعونني إليه، ولم يجد مضيفي بدا آخر الأمر من الإذعان ~~لمشيئتي، وكل الذي صنعه فضاعف به لطفه وثنائي عليه أن ترك من السجائر ما يكفيني يومين ~~كاملين. # وغادرنا مضيفي ومندوب شركة الملاحة إلى زوارقهم يصحبهم من آثروا العودة إلى الشاطئ ~~انتظار الغد، وانتقلت أنا إلى قمرة على الزورق جلست فيها وحيدا أفكر في هذا ~~التأجيل لسفر «زمزم» من ينبع، وأذكر حادث «كوثر» إذ نحن بمرأى من جدة أول ما بلغنا ~~الحجاز، وألتمس في الحادثين آية من الله وعبرة لنا، ولم يطل بي التأمل إذ رأيت الحجيج ~~على الشاطئ وما يزالون في تدافعهم بالمناكب وفي تنافسهم وحرصهم على السبق إلى ~~«السنابك»، ألم يأتهم نبأ البحر وهياجه وزمزم وإرجاء سفرها؟ أم أنهم مثلي لا يريدون ~~الرجوع عن أمر عزموه؟ وسألت ربان زورقنا الذهاب بنا إلى «زمزم» كيما نقضي الليل ms578 بها، ~~فاستمهلني حتى يرى ما يكون من أمر زملائي الذين يفدون إلينا، ولا يحول دون وفودهم إرجاء ~~السفر، فلما أذن العصر لم ير بدا من الذهاب إلى «زمزم» حتى لا يشق علينا المبيت ~~بزورقه وليس فيه من أسباب العيش ما ألفنا، ووقف في غرفته التي كنت أرقب الشاطئ منها ~~وصفر لينبه رجاله بصفيره إلى أنه سيصدر إليهم أوامره، وبدأ يلقي بهذه الأوامر من بوق ~~في الغرفة بلغة لم أفهم أكثر ألفاظها؛ لأنها اصطلاحات فنية لا تقيدها مجامع اللغة ~~في المعجمات ولا يفهمها لذلك إلا أهل الفن! # وبعد سويعة انطلق الزورق ميمما شطر زمزم، وربانه في موقفه يلقي أوامره ويمسك ~~بيده عجلة القيادة، وبعدنا عن المرفأ ومبانيه وانكشف أمامنا البحر في جلاله ورهبته ~~وجماله، وسرى إلينا نسيمه وارتفع إلينا رشاش موجه فبعث إلى النفس السرور والغبطة، وأية ~~غبطة وأي سرور كاتصالنا بالكون في فسحته وعظمته، ننهل من نوره وهوائه، ويشتمل نظرنا ~~سماءه وماءه، ونندمج فيه بكل حواسنا، ونشعر بأننا ذرة منها سابحة في نظام أثيره سبح ~~الكواكب والأفلاك وسبح الأحياء والخلائق كافة. # وإنا لفي منتصف الطريق إلى «زمزم» إذ بدأ الزورق يعلو مع الموجة يمنة ويسرة، ~~ويشعرنا بتمايله وارتفاعه وهبوطه من شدة هياج البحر ما أرجأ سفرنا، هنالك أخذتني نشوة ~~غلبت في نفسي عبث الموج بزورقنا وبطمأنينتنا، هي نشوة ساذجة كثيرا ما يأبى الناس ~~الإفصاح عن مبعثها، وهي التي تحركهم مع ذلك في كثير من مواقف الحياة، تلك نشوة الظفر ~~بالبحر واقتحام موجه على ظهر زورقنا الصغير، وإقدامنا بذلك على مغامرة خشيت «زمزم» ~~الضخمة العظيمة أن يقدم الناس عليها، ها هي ذي أمامنا، وها نحن أولاء نقترب منها، ~~واستعان الربان بمنظاره الكبير ليرى رجالها على سطحها، وأطلق صفارة «السويس» في ~~أنغام مختلفة لينبههم إلينا كيما ينزلوا السلم لنرقى عليه إلى الباخرة، والموج يزداد ~~تقلبا كلما ازددنا من الباخرة قربا، فيزيد في تمايل الزورق وفي ارتفاعه وهبوطه على ~~نحو يبعث إلى النفس الرهبة لولا أننا كنا مأخوذين بنشوة الظفر. # وإنا لكذلك إذ ms579 علا في الجو صفير «زمزم» في أنغام مختلفة كأنما تجيب بها أنغام ~~زورقنا المختلفة، ولم نعن بالأمر بادئ الرأي وحسبناه تحية تبادلها الباخرة الكبرى ~~زميلتها الصغرى، وتابعنا اندفاعنا نشق عباب الموج لا نحفل هياجه، لكن ضجيج «زمزم» ~~انقلب زئيرا، وجعل يزداد علوا، وتتقطع أنغامه ويبدو فيها صوت النذير، ماذا يعنون؟ ~~سألت الربان في ذلك فأجابني: إنهم ينذروننا بأمر البحر وشدة هياجه، قلت: فنحن أشد من ~~البحر بأسا، فلنقتحم ما بقي منه إليهم. # ولم نزل في اندفاعنا نحوهم نجيب صفيرهم بصفير مثله، وأنغامهم بأنغام ليست دونها ~~نذيرا، لم تبق هذه الأصوات التي ملأت جو البحر أصوات تحية إذن، بل انقلبت أصوات إرهاص ~~كأنما تهاجم بارجة بارجة، أو كأنما نحن مدمرة تدنو من «زمزم»، وهبطت في الجو كسف ~~من السحب حجبت الشمس، واشتدت الريح فزادت زورقنا على الموج اضطرابا، ويشتد في صفير ~~«زمزم» صوت النذير فيبدأ رباننا يتردد ماذا يصنع على حبه الإقدام والمغامرة؟ فأشجعه ~~وأدفعه إلى مزيد من الإقدام وأصور له الظفر وشيكا يمد إلينا يده، ويزداد صفير «زمزم» ~~عنادا في النذير ولا ينزل القوم لنا سلما، هنالك غلب اليأس الربان، وكأنه ذكر النظام ~~وأنه في إمرة «زمزم» وليست زمزم في إمرته، فبدأ دورانا يمهد به للنكوص مدبرا، ~~وثرت به، وذكرت له أنا إذا بلغنا «زمزم» لم يكن لرجالها بد من معاونتنا على ~~الرقي إليها، لكن نذير «زمزم» المتصل كان أقوى في نفسه أثرا فلم يعقب، واندفع ~~مسرعا نحو موقفه الأول في المرفأ معتذرا بأنه لن يجازف فيعرضنا لخطر تكون عليه ~~تبعته. # سقط في يدي حين فاتنا الظفر بغايتنا، مع ذلك لم آسف لهذه الموقعة الصغيرة التي ~~غامرنا بها، فقد قضينا أثناءها أكثر من ساعة قطعنا بها هذا التشابه المملول الذي أظلنا ~~مذ جئنا إلى الزورق قبيل الظهر فثقل علينا ظله، وما كان أجملها ساعة وأشدها روعة ~~وأكثرها إثارة لمختلف إحساسنا ومشاعرنا! ولم نكن أقل بها متاعا أثناء عودنا بعد ~~الموقعة، فسرعان ما اطمأنت النفس إلى حظها حين استدار «السويس» مدبرا، ms580 وفتحت صدري ~~أستنشق فيه هواء البحر الرقيق الصافي واشتملتني غبطة راضية عقبت ثورتي لفرارنا، ووقف ~~الزورق مكانه الأول والنهار وشيك أن يولي، والسنابك الراسية عند الشاطئ قد امتلأت ~~بالحجيج، فلم يبق منهم من ينزل إليها إلا نفر قليل. # وبدأ ربان «السويس» يفكر في أمر هؤلاء وما يصنع بهم، لقد أقبلوا لركوب «زمزم»، ~~فإيواؤهم وإطعامهم فرض على أصحابها، استقر رأيه مع ممثل الشركة على أن يجيئوهم بالخبز ~~من ينبع، وأن يسحبوا الصنادل إلى جوار «السويس» وأن يمدوا إليها النور الكهربي، وأن ~~يفتحوا قاعاتها لينام هؤلاء الحجاج فيها، وفعلوا، وكان مشهدا ظريفا جر هذه السنابك ~~الضخمة وعليها هذا الجمع الغفير وربطها بالزورق البخاري الصغير جدا بالقياس إليها، ~~وأضاءتها من الكهرباء أنوار ساطعة أرتنا القوم فيها وهم المرح والغبطة والجذل والرضا، ~~فهم لم يكادوا يطمئنون إلى مكانهم، وينعمون بالنور يلقي شعاعه عليهم، حتى أحسوا كأنما ~~يبعث نور الوطن شعاعه إلى قلوبهم، وكأنما تسري إليهم من مصر العزيزة المحبوبة نغمة أنس ~~وهناءة، انفجرت شفاه الكثيرات من الحاجات عن أغاني الحجاج يرتلنها ويرددنها في ~~صوت لا يخلو من رخامة الأنوثة وإن خلا من جمال النغم، يا ما أحيلى هذا الغناء! ~~سرت إلينا منه ما اهتزت له الجوانح، لا من طرب بل من أشواق في النفس ثارت لواعجها ~~وذكريات قريبة بمكة والمدينة انتشر أريجها، ونسمع إليهن يرددن: «إمتى نعود لك يا نبي؟» ~~يقلنها صادقات، تصدر من قلوبهن قبل أن تتحرك بها ألسنتهن، فتهتز قلوبنا وإن لم ~~تتحرك ألسنتنا، وهل شيء أكثر هزا للعواطف من كلمة صادقة صادرة من قلب مخلص عن إيمان ~~سليم! # ترك الربان غرفته تلطفا منه، فقضينا بها ساعات الليل، وما إن تنفس الصبح حتى استيقظ ~~هؤلاء المئون والألوف جميعا وقد أذن فيهم مؤذن الفجر أن الصلاة خير من النوم، ~~وتحرك «السويس» في الساعة الخامسة من بكرة الصبح يجر معه صندلين، وسار يقصد «زمزم» في ~~بحر هادئ لا موج فيه بل لا حراك به، وكأنه لما يستيقظ من هدأة نومه، وبلغنا ~~«زمزم» فأرسينا إلى ms581 جانبها وقد أنزلت سلمها وأسرع الذين في الصنادل يرقونها، ~~فلما خلت الصنادل نزلت ومن معي بالسويس وتخطيناه إلى زمزم، وبادلت رجالها التحية ثم ~~آخذتهم بما صنعوا حين صدونا أمس عن الصعود بصفيرهم المليء بالنذير، فاعتذروا بأن البحر ~~بلغ هياجه ساعتئذ وبلغ اضطراب «زمزم» فوقه، فلم يكن اقتراب السويس منها ممكنا، فإن ~~أمكن حف صعودنا إلى الباخرة وهي فيما هي فيه من هذا الاضطراب خطر لا قبل لأحد ~~باحتمال تبعته. # وما لبثت حين اطمأن بي المقام في غرفتي أن شعرت كأني عدت إلى مصر، فاستبدلت باللباس ~~البدوي لباس المصري، أليس علم مصر خفاقا على سارية هذه الباخرة، فلأعد إذن كما كنت ~~يوم غادرت مرفأ السويس، وكيف لا أفعل، ألست الآن في مصر؟! يا لرضا النفس وطمأنينة ~~القلب! لقد غادرت مصر أبتغي أداء فريضة الحج فأديتها، وأبتغي زيارة الرسول الكريم في ~~قبره فزرته، وأبتغي القيام بدراسات في منزل الوحي فقمت بها، كل ذلك وأنا بحمد الله في ~~صحة موفورة وبنفس راضية، فماذا أبتغي وراء ذلك؟! # وها أنا ذا الآن تقلني جارية يرف عليها علم مصر وطني العزيز المفدى، والعلم هو ~~الوطن، وليس رمزا له وكفى، وإن يكن رمزا فهو كذلك، كما أن اسمي رمز لي، واسمك رمز ~~لك، وأنا إذ أسمع اسمك ترتسم صورتك أمام بصيرتي وأحسبني أراك كما لو ناديتك فأجبتني، ~~ذلك شأني إذ أرى العلم؛ ترتسم لرؤيته صورة مصر كاملة أمامي، مصر بحدودها المترامية، ~~وبنهرها وواديها وصحاريها، مصر بسمائها الصافية ونسيمها العذب، وتربتها الخصبة، ~~وأزهارها المنبعثة الأريج، وثمارها الحلوة الشهية، وترتسم أمامي مصر على التاريخ ~~بحضارتها العتيدة وآثارها الخالدة، وبفنها وعلمها وبآمالها وآلامها، كيف لا أشعر بنفسي ~~إذن في مصر وأنا على باخرة مصرية تحمل علم مصر؟! ألا لو أن هذه الباخرة جابت بحار الأرض ~~شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، فبلغت بي القطب ودارت بي حول الأرض لما شعرت يوما على ~~ظهرها أني غريب عن بلادي ووطني، ولرأيتني أتنقل عليها وكأنما أتنقل من بقعة في مصر إلى ~~بقعة غيرها في مصر، ms582 ولكنت بذلك مغتبطا دائما، سعيدا غاية السعادة. # وتحركت «زمزم» مبحرة حين تكبدت الشمس السماء ساعة الزوال، تحركت ميممة أرض ~~الوطن، مودعة بلاد النبي العربي، وقلوب السفر عليها يتنازعها الحنين إلى الوطن ~~والأعزة فيه، والتعلق ببلاد النبي العربي والحرمين بها، وانقضت ساعة الغداء والقيلولة، ~~وعاد الناس يتلقون جماعات يتحدثون عن حجهم وما رأوا أثناءه راضين شاكرين فضل الله ~~عليهم، تطوق ثغورهم جميعا بسمات طمأنينة وفيض من نعيم، ويسعدهم سكون البحر ورقة ~~نسيمه، وأقبل الليل وأوينا إلى مضاجعنا، فإذا بي أستيقظ بكرة الفجر على أصوات جماعة ~~جعلوا حلقتهم إلى جوار النافذة من غرفتي، ولقيت أصحابي بعد الإفطار وتحدثت إليهم في ~~ذلك، فذكر كل منهم أنه استيقظ إذ سمع مثل ما سمعت، وزاد بعضهم أنه خرج إلى القوم يرجوهم ~~أن يخفضوا من أصواتهم فابتسموا، وقالت سيدة: صل يا أخي على النبي! وأضاف أحد أصحابي: ~~«لقد جئت من مصر على «زمزم» فلم يكن من ذلك شيء، بل لزم القوم الأماكن التي عينت لهم ~~لم يبرحوها، فما لهم كذلك اليوم يفعلون، فيخرجون على النظام ولا يرعون ما لغيرهم في ~~الدرجات الأخرى من حرمة؟!» وابتسمت لملاحظة صاحبي وعقبت عليها بقولي: «التمس يا ~~صاح لهم عذرا، إنهم يوم غادروا مصر كانوا لا يزالون يذكرون النظام وسلطانه، ~~والقانون وأحكامه، والطبقات وتفاوتها، ويرون ذلك كله ماثلا في عمدة البلد وجندي ~~البوليس وفي جبروت الأغنياء وذوي الجاه والمكانة، لم يكونوا بعد قد نسوا ما ألفوا ~~سماعه من هيبة الحكومة ومن بطش القانون وشدة أحكامه، وكانوا يرون القانون منقوشا ~~بأحرف من بأس على بندقية الجندي في الطريق وسوط عذابه في السجن. # لم يكن أحد منهم يحسب المساواة التي تحدثهم عنها حقيقة لها في الواقع وجود؛ فكانت ~~نفوسهم تغلي حفيظة، وكانت صدورهم تضيق ثم لا ينطق لسانهم من العجز والخوف؛ لذلك كانوا ~~يحافظون على النظام الذي رسم لهم لا عن رضا وطواعية، ولكن حذر العقاب الذي يحل بهم ~~لمخالفته، فلما حجوا البيت كما حججناه، ولبسوا الإحرام مثلما لبسناه، وطافوا بالبيت ~~وسعوا بين ms583 الصفا والمروة كتفا معنا إلى كتف، ثم لما صعدنا جميعا عرفات محرمين ~~ملبين داعين، رأوا صورة في الحياة لم يألفوها، ولن يألفوها في غير الحج، رأوا أننا ~~جميعا سواسية حقا، إخوان حقا، وأنا جميعا ضعاف غاية الضعف، صغار كالذرات أمام ~~عظمة الله وجلاله ومهابته، هنالك أصغروا ما بينهم وبين غيرهم من تفاوت، وأيقنوا أن ~~الفقر فخر لمن عرف أن يسمو فوق هوان الغنى، وأن الضعف قوة ما آزره فضل في النفس وخلق ~~عظيم، وأن الشحناء ليست من طبع الكرام، بهذا الروح عادوا من حجهم ، فإن كنت يا أخي في ~~ضيق من حريتهم وكنت حريصا على أن يعودوا لما ألفوا في مصر من نظام، فأنظرهم ~~أياما فسيرون بعدها من هيبة الحكومة وبطش القانون وسلطان النظام، وما يتمثل ذلك فيه من ~~بندقية الجندي في الطريق وسوط عذابه في السجن، ما يردهم إلى حمى هذا النظام الذي ~~يمقته الإسلام ولا يرضاه الله.» # وأمسك أصحابي عن القول بعد أن فرغت من حديثي، وإنا لفي هذه الفترة من سكوننا إذ حمل ~~الهواء إلينا حداء وترديدا: «متى نعود لك يا نبي؟» وفي نبرتها من حلاوة الإيمان ~~وعذوبة الصدق في التوجه ما جعل قلوبنا تهتف مع القوم: «متى نعود لك يا نبي؟» ترى هل ~~غير هذا الهتاف من حبها النظام الذي ألفت وتوجيهها النقد إلى الذين تغنوا فحركها ~~غناؤهم إلى التوجه لله بالأمل الصادق في العودة إلى بيته وقبر نبيه حيث الناس سواسية ~~إخوان، لا يفاوت بينهم مال ولا جاه ولا سلطان؟ # وفيما نحن سكون نسمع مر بنا طبيب السفينة فحيانا وجلس معنا ودعا الخادم ليجيء ~~بقهوة، وأنبأنا أنا نرسو بالطور ظهر غد، وطمأننا إلى أن الحج نظيف هذا العام، وأنا لن ~~نلقى لذلك بالطور عنتا، ونقلنا الحديث عن الطور من صمتنا إلى الحديث عن مصر وما يجري ~~فيها، وبذلك انتقلنا خطوة جديدة نحو حياتنا الأولى. # وأرسينا بالطور ظهر الأربعاء الثامن من أبريل، فتناولنا طعام الغداء على ظهر السفينة، ~~ثم نزلنا إلى المحجر فذهبت وبعض أصحابي إلى ms584 حزاء (10) وجيء إلينا بمتاعنا بعد تبخيره، ~~والحزاء لفظ لا تعرفه اللغة العربية بمعناه المعروف بالمحجر، فهو مكان قبيح محاط ~~بالأسلاك، به مبان غاية في البساطة لمبيت الحجاج، أما الحزاء (10) فحزاء أمير الحج، ~~ولأمير الحج به بيت ينزل فيه حين مرور المحمل بالطور، وهو بهذه المثابة أول مظهر للنظام ~~والتفاوت يشعر به العائد من الحجاز. # وقضينا بالطور ثلاثة أيام، محجوزون في الحزاءات بحكم القانون، وعلينا من الحراس ~~أمثال حراس السجون، مع ذلك كانت أيام نعمة ورخاء، فقد كنا في حاجة إلى استجمام النفس ~~بعد الذي صادفنا في الحج من هزات مختلفة الأطوار، وكنا في حاجة إلى راحة الجسم بعد مشقة ~~السير والركوب في البادية والصعود في الجبال والانحدار عنها، وكنا في حاجة إلى استعادة ~~صورة الحياة في مصر وما تضطرب به من منافع وأهواء حتى لا نعود إليها، وفي النفس نبو ~~ظاهر عنها، وكان بعضهم في حاجة إلى هذه الأيام الثلاثة لينظم فيها مظهره حين عوده إلى ~~بلده ومقابلة الناس فيها بوجه الحاج التقي النقي، ولقد حصلت من استجمام النفس والجسم ~~على ما كنت في حاجة إليه، واتصلت بالحياة المصرية بمن لقيت من معارفي المصريين في ~~المحجر، وما كان يرد لي كل يوم من الصحف به. # فلما آن لنا أن يفرج عنا وأن تقلنا «كوثر» من الطور إلى السويس، تفضل الدكتور ~~هريدي مدير الحجر فدار بي أثناءه وأراني ما فيه من مواطن الماء الصالح، والمستشفيات، ~~وغرف التحليل والمباخر، وما إلى ذلك من آثار العلم، وما يطوع لمصر أن تكون الحاجز ~~الصحي بين الشرق والغرب، ولئن سرني أن يكون للعالم بمصر هذه الثقة، لقد ساءني أن تكون ~~البلاد الإسلامية المقدسة هي سبب الحجر الصحي دون سواها من بلاد العالم، وألا تكون ~~كذلك إلا في أعقاب أشهر الحج، كأنما العالم الإسلامي متهم في نظر الغرب بأنه حين الحج ~~مثابة العدوى بالأمراض القتالة، فأما البلاد الأخرى في أواسط إفريقية وفي غيرها فلا ~~خوف منها، وأما البلاد الإسلامية منفردة كل منها عن الأخرى فلا خوف ms585 كذلك منها، وإنما ~~الخوف من هذه البلاد مجتمعة صادقة التوجه إلى الله وفي سبيل الله! # خرجنا من المحجر إلى «كوثر» ظهر السبت الحادي عشر من أبريل، فلما وقع نظري عليها ~~وتخطيت رصيف المرفأ إليها هزني إحساس كذلك الذي يهزنا حين نلقى صديقا، وتركناه والخوف ~~يساورنا على حياته، ثم لقيناه يمرح في صحة وعافية، وجعلت أكرر وأنا في طريقي إلى غرفتي: ~~«حمدا لله على سلامتك يا كوثر!» فلما اطمأننت إلى متاعي عدت إلى ظهرها أنعم بهواء ~~البحر الجميل. # وبلغنا السويس صبح الأحد، وفي الساعة التي انقضت بين وقوف محركات الباخرة وإرسائها ~~على الرصيف تولانا السأم الذي يتولى المسافر دائما في مثل هذه الحال، فلما قربنا من ~~الشاطئ ألفيت قوما من أهلي وألفيت والدي في انتظارنا، ونزلنا من «كوثر» وتخطينا ~~الجمرك وركبنا السيارة، فانطلقت بنا في طريق السويس إلى القاهرة، ها أنا ذا على أرض ~~الوطن، لك الحمد ربي ولك الثناء! وشعرت وقد رأيت أهلي من حولي برضا النفس وطمأنينة ~~القلب إلى أني أديت واجبا وقضيت فرضا وعدت إلى الوطن سالما، ففاض القلب شكرا لله ~~على جميل رعايته وعظيم نعمته، وبلغنا مصر الجديدة فازداد القلب اطمئنانا، وألفت العين ~~كل ما حولها من المناظر، فلما بلغنا الدار ألفيت أهلي وأبنائي وقوفا في انتظاري وكلهم ~~في لباس العيد، وألفيت لدى الباب عجلا ينحره القصاب ساعة دخولنا ليوزع على ~~الفقراء قربانا إلى الله أن غنمنا السلامة. # هذه هي المرة الثانية لتي يلقاني فيها أهلي بمثل هذا الترحاب وهذه الحفاوة حين ~~أوبتي من سفري، أما المرة الأولى فكانت سنة 1911 حين عدت من أوروبا لأول مرة بعد ~~سنتين من مقامي بها طالبا أدرس بجامعة باريس، ولقد سافرت فيما بين ذلك إلى أوروبا ~~وإلى السودان وإلى الشام وإلى تركيا مرات كثيرة، وقضيت في بعض هذه الرحلات زمنا يزيد ~~على ضعف ما قضيته بالحجاز، مع ذلك كنت أعود إلى مصر فيخف أصحابي وأهلي للقائي، لكن في ~~غير ضجة وفي غير قربان، ولا عجب؛ فقد كنت في المرة الأولى ms586 في فورة الصبا وبدء الشباب، ~~وكنت قد اغتربت لأول مرة عن وطني، وطالت عنه غربتي، ثم عدت إليه وأهلي في شوق لرؤيتي، ~~فرحون لذلك بمقدمي، وكنت في هذه المرة الثانية قد قضيت لله فرضا، ووقفت بين يديه ~~تائبا منيبا، ضارعا إليه أن يعفو عني، وأن يغفر ذنبي، ولي في الله كبير رجاء، وقد ~~ذهبت إلى بيته المحرم خاشعا خاضعا متجردا من زينة الدنيا مقرا بضعفي وعجزي، أن ~~يقبل توبتي ويعفو عن حوبتي، ويدخلني بفضله في عباده الصالحين، وهم من أجل هذا ~~الرجاء يحتفلون بمقدمي فرحين متهللين، وهل الحياة إلا رجاء أن يعيننا الله على أداء ~~واجبنا في الحياة؟ # ولو علم أهلي ما فتح الله به علي حين سرت حيث سار رسوله، وحين وقفت حيث وقف، وما ~~رأيت من آيات الله في مسيري وفي وقوفي، لزادوا بمقدمي تهللا وفرحا، ولقد رأيت حقا ~~من آياته الكبرى، فسمت هذه المواقف بنفسي إلى حيث لم تسم من قبل قط، رأيت نور ~~الله ماثلا في كل دقيق وجليل من خلقه، ورأيت آية الهدى متجلية يشهدها كل من أراد أن ~~يفتح لها قلبه وبصيرته، ورأيت سنته في الكون تتبدى لكل من أخلص إلى الحق وجهه ثابتة ~~لا تبديل لها، رأيت هذا كله رأي العين، وآمنت به إيماني بما يقع عليه حسي وما تلمسه ~~يدي، وأيقنت أن العلم بهذا كله هو الحياة الراضية المرضية، نعم! كذب الظن من يحسبون ~~التكاثر بالمال والجاه والسلطان شيئا في وجودنا، إنما الشيء الذي هو كل شيء في الحياة ~~فذلك إيماننا بالحق عن بينة، وسمونا بهذا الإيمان فوق منافع الحياة جميعا، وازدراؤنا ~~هذه المنافع أن يصيب الحق من جرائها مساس، وهل يعدل كل ما في الكون من مال وجاه وسلطان ~~قبسا من نور الحق وضياء الهدى؟! وهل يبقى على الحياة غير الحق وضيائه؟! والباقيات ~~الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير مردا. # ربنا لك الحمد على ما أنعمت وتفضلت، ربنا فاهدنا صراطك المستقيم، ربنا ثبت ~~إيماننا، واجعل تقواك رداءنا، ربنا آتنا في الدنيا ms587 حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب ~~النار. # | خاتمة الكتاب # بين الحياتين: المادية والروحية # أما وقد شهدت من مظاهر الحياة الروحية حيثما سرت في أثر النبي العربي ما شهدت، ورأيت ~~كيف فعل الإيمان الأعاجيب في مواطن لولاه ما كان للإنسان بها طاقة، فما بال قوم في عصور ~~وبلاد مختلفة جحدوا الحياة الروحية وكفروا بفضل الإيمان؟! أفكان ذلك عماية منهم وجهلا، ~~أم أنهم أضلهم هواهم وغرهم بالله الغرور؟! ولولا ذلك لرأوا من آيات الله ومن فضله ~~على عباده المؤمنين ما لا يغيب عمن تأمل في خلق الله ومن ألقى السمع وهو ~~شهيد. # حق علينا إذ نلتمس لهذا السؤال جوابا أن نذكر أمرا نعرفه جميعا وينساه أكثرنا، ~~فقل من الناس من ينكر وجود الله، وأشد الملحدين غرورا وإمعانا في الضلال يقولون ~~بالطبيعة وسننها أو بالدهر وأحكامه، هؤلاء يمسكهم غرورهم حين تأملهم في الكائنات دون أن ~~يحيطوا بالكون الذي لا يعرف للزمان ولا للمكان فيه بدء ولا نهاية، وإن عرف الناس ~~جميعا أن الكون يحول ويتطور إلى ما نعرف أقله، وما يغيب عنا أكثره، أما من خلا هؤلاء ~~الطبيعيين والدهريين فأولئك يؤمنون بالله وإن أقروا كلهم مسلمين بأن عقلنا المحدود ~~أضيق من أن يدرك كنهه تعالى، وسع كرسيه السموات والأرض، من هؤلاء في عصرنا كثيرون ~~يثورون بتعاليم أورثتنا إياها عصور الانحلال؛ لانصراف الحظ الأوفر من هذه التعاليم إلى ~~الجانب المادي من الحياة؛ ولأنها تلبس الجانب الروحي ثوب المادة، وتنحدر لذلك به إلى ~~حيث تأبى العقول التي تثقفت بالعلم فآمنت وزادها العلم إيمانا، هؤلاء جديرون ~~بأن تسمو حياتهم الروحية فوق حدود المادة وقيودها، وبأن يكونوا لذلك من أشد الناس ~~إيمانا بالله، لا يشركون به شيئا، ولا يلتمسون الثواب أو المغفرة إلا من فضله. # انصرف الحظ الأوفر من تعاليم عصور الانحلال إلى الجانب المادي من الحياة وإلى تنظيمه، ~~وإلى اعتبار هذا التنظيم من قواعد الإيمان، فكيف نسير، وكيف نستحم، وكيف نأكل، وكيف ~~نشرب، وكيف نلبس، وما اللباس الحلال وما اللباس الحرام، وكيف نعاشر أزواجنا، وكيف نعالج ms588 ~~مرضانا، وكيف نعلم أولادنا، وكيف ندبر أموالنا؟ هذا وما إليه قد صار في هذه التعاليم ~~مقدما على الإيمان وعلى الحياة، وهذه التعاليم تذهب إلى أن مخالفة ما جاءت به ~~معصية يأثم مجترحها؛ لأنها من أمر الله، وليست رأيا لأصحابها، ولا نصيحة للناس من حق ~~الناس أن يزنوها بالعقل وبما توجبه المنفعة في العصر الذي يعيشون فيه، كأنما نسي ~~الذين أورثونا هذه التعاليم أن الله يريد بالناس اليسر ولا يريد بهم العسر، وأن ~~الخلفاء الأولين والصحابة والتابعين كانوا يختلفون في الأمر الواحد رأيا ثم لا يطعن ~~هذا الخلاف في إيمان أحدهم ولا في عقيدته؛ لأنه لا يمس جوهر العقيدة ولا يخالف ما جاء ~~في كتاب الله. # والواقع أن المسلمين في عصور اجتهادهم وتقدمهم وسيادتهم حضارة العالم لم يختلفوا ~~إيمانا ولا عقيدة، وإنما اختلفوا رأيا ومذهبا في شئون الحياة الدنيا، هم جميعا ~~يؤمنون بالله وما جاء من عنده، لكنهم اختلفوا في أحكام ما يجري بين الناس من معاملات، ~~لم يمنعهم من الخلاف رأي رآه من سبقوهم في أمر هذه المعاملات. # فالناس تختلف أحوالهم من عصر إلى عصر، ومن مصر إلى مصر، وقد تختلف في العصر الواحد ~~والمصر الواحد باختلاف طبقاتهم وأسباب كدهم وعيشهم، فإذا اختلف الأحكام في شأنهم فلا ~~جناح في ذلك ولا عجب فيه؛ ولذلك اختلف الأئمة الأربعة مذهبا وهم مع ذلك الأئمة ~~المؤمنون أولو الورع والتقوى، واختلف مع الأئمة أصحابهم في كثير من الرأي، فأخذ أهل ~~العصر في بعض الأمور برأي الصاحب وتركوا رأي الإمام، وخالف الأئمة وأصحابهم مجتهدون ~~لم يقيموا مذهبا وإنما عرضوا لمسائل بذاتها اجتهدوا فيها، فلم يطعن ذلك في إيمانهم ولم ~~يخرجهم من عالم البررة المتقين. # كان ذلك حين كان الناس يقدرون العلم ويحترمونه لذاته، ويحترمون لذلك رأي صاحبه ما قصد ~~به وجه الحق، وكان ذلك والأمة الإسلامية في أوج مجدها وعظيم سلطانها تدوي كلمتها ~~في الشرق والغرب ويحسب العالم كله لها حسابا، فلما حلت بالأمة الإسلامية نكبات ~~الشقاق وقام الثائرون في أنحائها يبتغي كل مجد نفسه ms589 وسلطانها بدأ الجهل يفتك ~~بالعقول، والجمود يفتك بالأرواح، وبدأ الناس يرتابون في مقصد صاحب الرأي ويحسبونه لا ~~يدين به عن عقيدة حرصا منه على خير إخوانه المؤمنين، وإنما يبديه دعاية لنفسه، ويتخذ ~~من النداء به وسيلة إلى السلطان، هنالك عم الناس الفزع من اجتهاد هؤلاء المجتهدين ~~وقعد بهم هذا الفزع عن تبين الحق في آرائهم، فرموا الاجتهاد بالمنقصة، وطرحوه ~~وراءهم ظهريا، وقالوا: لا رأي إلا ما رأى الآباء، إنا وجدنا آباءنا على ~~أمة وإنا على آثارهم لمهتدون. # نشأ عن الجهل والجمود أن جهل الناس الحياة الروحية وغاب عنهم معناها فصوروها صورة ~~مادية لا يزيد مداها عما يقع عليه الحس وينحصر في حدود إدراكه، وفي هذه الحدود ~~أجروا عليها الأحكام التي أجروها على الحياة المادية وقضوا في أمرها بما يوجبه ~~تصورهم للمادة وشئونها، هذا مع ما هوى إليه تصورهم لشئون المادة بما يتفق مع جهلهم ~~حقيقة أمرها وسنة الله فيها. # دار الزمن دورته، ولم يكن مفر من أن تنتج الأسباب نتائجها؛ خضعت الأمم الإسلامية ~~لغيرها، وأذعنت لسلطان من آتاهم العلم مفاتيح السلطان، وبدأ هؤلاء يعلمون ~~الناس مبادئ العلم في الحياة المادية نقيض ما أورثتهم عصور الانحلال، علموهم أن ~~الأرض كروية، وكانوا قد ورثوا من تلك العصور أنها مسطحة مستوية، وعلموهم أن الأرض ~~تدور حول الشمس وكانوا قد أورثوا أن الشمس تدول حول الأرض؛ تشرق من المشرق وتغيب في ~~المغرب، وتنخسها الشياطين حتى لا تقف سيرها، وعلموهم أن كسوف الشمس وخسوف القمر من سنن ~~الكون سببهما تعرض القمر في دورته بين الشمس والأرض، أو تعرض الأرض في دورتها بين ~~الشمس والقمر، وكانوا قد ورثوا أن الخسوف والكسوف من آيات رضا الله وغضبه، وعلموهم أن ~~لا شيء مما يقع في الكون إلا له سبب يدركه العقل إذا استوت لديه أسباب العلم لإدراكه، ~~وكانوا قد ورثوا أن ما يقع في الكون أبعد من أن يدركه العقل؛ لأنه متعلق بإرادة الله، ~~وأن إرادة الله لا تخضع لسنة يقع عليها إدراكنا، وعلموهم أن لصحة الأفراد والجماعات ms590 ~~ولأمراضها أسبابا، وأن التماس هذه الأسباب يطوع معالجة الأمراض والمتاع بالصحة، ~~وكانوا قد ورثوا أن الصحة والمرض من عند الله، وأن من إسلام الأمر لله ألا نناقش ~~قضاءه، هنالك بدأ كثيرون يتساءلون: ما قيمة ما أورثتنا عصور الانحلال؟ أولا يجب علينا ~~لعقولنا أن نجادل فيه وأن نسأل أهل العلم عن أسبابه ودواعيه؟! # رأى جماعة ممن يعلمون الناس الدين في هذا العصر الأخير أن الناس يجب أن يخاطبوا ~~بلغة زمانهم، وأن ما كان الجاهل يقنع به من قبل لم يبق مقنعا لمن نال من العلم ~~في عصرنا الحديث حظا، والأمر كذلك، خاصة بعد أن أصبحت كلمة العلم الحديث صاحبة ~~السلطان في الأمم التي توجه مصاير غيرها وتتحكم في شئونها، أولئك رأوا حقا عليهم أن ~~يلتمسوا حكمة الله في الأشياء، وأن يلتمسوا حكمته في أوامره ونواهيه، وأن يعلموا الناس ~~هذه الحكمة، وأن يجادلوهم بالتي هي أحسن، لم يبق كافيا في نظرهم وفي نظر المتعلمين ~~أن يقولوا للناس: إن الله فرض الصلاة والصوم والزكاة والحج وفرض العقاب على من لا ~~يؤديها، بل رأوا أن يعلموا الناس لماذا فرض الله الصلاة والصوم والحج؟ وما هي الحجج ~~العقلية الدامغة التي تقوم هذه الحكمة عليها، ومن ثم يترتب الجزاء العادل ~~لمخالفتها؟ ولم يبق حقا عندهم أن الحكم في أمور هذه الحياة الدنيا - ما جل وما ~~دق منها - قد نزل الوحي بصيغة الأمر فيها، بل أصبح الحق عندهم أن ما جاء في كتاب ~~الله من أمر لا ريب في أنه الأمر القاطع، لا النصيحة ولا التفضيل، هو وحده الذي يجب أن ~~يأخذه المسلمون على أنه الأمر، فأما ما وراء ذلك من منافع الحياة الدنيا فهم أعلم بما ~~يصلح لهم في العصر الذي يعيشون فيه؛ ولذلك وجب عندهم التفريق بين شئون الحياة ما تعلق ~~منها بالروح والإيمان، وما تعلق بالخلق، وما تعلق بالحياة المادية ومعاملات الناس فيها ~~مما يجري لهم في أمور دنياهم. # وهذا تقسيم يتفق مع مباحث العلم الحديث وما يقره، فهذا العلم يرى ميادين المعرفة ~~الإنسانية ms591 فسيحة لا يكاد يحدها أفق، وأنها مع ذلك ضيقة محصورة بالقياس إلى الكون وما ~~يترامى إليه إلهامنا من مداه الذي يتجاوز الزمان والمكان، وأنا لن نستطيع، وإن بلغنا ~~من العلم أبعد المدى، أن نظفر بهذا الغيب الذي تتمثله أرواحنا وتتمثله أرواح البعض ~~وتعجز أرواح الكثرة عن امتثاله؛ لذلك فرق العلم بين ما تقع عليه المعرفة العلمية وما ~~لا تقع عليه، وجعل ما وراء المادة مما لا تقع عليه هذه المعرفة العلمية، على أنه لم ~~يحدد المادة التي تقع عليها المعرفة وإن قسم العلوم إلى بسيطة مستقلة بذاتها، ومركبة ~~تحتاج إلى ما تقرره العلوم التي تسبقها من قواعد وسنن، وهو كذلك لم ييأس من أن يمتد ~~يوما إلى بعض أنحاء الحياة النفسية، بل إلى بعض أنحاء الحياة الروحية، مع التسليم بأن ~~ما سيظل غيبا لا يخضع لقواعده سيظل أفسح أمدا بمقدار لا سبيل إلى الإحاطة به عن طريق ~~الإدراك، وإن سبق إليه الإلهام الإنساني في حرصه على أن يعرف مكان الإنسان من هذا ~~العالم في فسحة مداه؛ إذ لا يعرف للزمان ولا للمكان بدء ولا نهاية. # وكانت النظرية السائدة في العلم إلى ومن غير بعيد تنكر حاجة الإنسان إلى ما وراء ~~مقررات العلم، وترى فيما لا يمتد العلم إليه خيالا لا يستقيم مع تنظيم العلم الحياة، ~~لكن أكثر العلماء في هذا العصر قد عدلوا عن هذا الرأي وأصبحوا يرون في مقررات الإلهام ~~مما لم يصل العلم بعد إليه ما لا غنى للإنسان عنه؛ ذلك بأنهم رأوا الحياة المادية ~~وحدها أقصر من أن تبلغ بالإنسان غاية ما تصبو الإنسانية إليه من كمال ونعيم، فالحياة ~~المادية وثنية بطبعها، والوثنية أنانية يغلب لذلك فيها الخوف والفزع، الوثني يخشى صنمه ~~وهو يملكه، ويخاله قديرا على نفعه وضره وهو قادر على تحطيمه وإبادته، وإنما يمسكه ~~الوهم والخوف وتقعد به الأنانية فلا يفعل، والوثنية لا تقف عند عبادة الصنم الذي تصوره ~~أيدينا، بل تتناول كل عبادة المادة في أي مظهر من مظاهرها، فعبادة المال وثنية، وعبادة ~~السلطان ms592 وثنية، وعبادة القوة المادية وثنية، وما تجر إليه الوثنية من أنانية ومن خوف ~~وفزع قد كان مصدر شقاء العالم ومصدر الحروب المدمرة التي تنشب فيه بين حين وحين، فما لم ~~تلتمس الإنسانية في غير الحياة المادية وفيما وراء ما يقع عليه الحس وإدراكه مثلا أعلى ~~تصبو إليه، فستظل فيها الحروب المدمرة وسيظل نصيبها الشقاء. # أما ولم يبق في ذلك ريب فلا مفر من تضافر مقررات العلم ومقررات الإلهام لتنظيم ~~الحياة، ولا مفر من الإحاطة عن طريق العلم والإلهام جميعا بحياة الكون إلى غاية ما ~~ندركه من مدى الزمان والمكان؛ لنعرف موضع الإنسانية منهما وما تطيقه من نشاط فيهما؛ ~~لتؤدي رسالتها في الكون على خير وجه، بأن تبذل في الإنتاج العقلي والروحي أخصب مجهود ~~وأحكمه وأعظمه؛ ولتؤدي هذه الرسالة عن إيمان بها هو الحافز الصحيح للعمل المثمر، ~~وتعاليم الإسلام تقتضي صاحبها أن ينظر في خلق الله ليكمل بهذا النظر إيمانه، فواجب ~~علينا أن نقف على كل ما بلغه العلم وأن نحيط به إحاطة معرفة وتدقيق؛ لنرشد الناس ~~عن بينة ولنميط لهم عن وجه الحق، حتى يؤمنوا على علم؛ وليكون علمهم هاديا لهم ~~إلى هذا الإيمان، أما أن نقول لهم: إن الله أمر أن تؤمنوا به فآمنوا وليس لكم أن ~~تناقشوا أو تجادلوا، فذلك ما لا يتفق مع ما قام الإسلام على أساسه من النظر في الكون ~~ومشاهدة آيات الله فيه وتأملها والوصول من ذلك إلى الإيمان به - جل شأنه. # والإسلام صريح في هذا، فهو يقتضي الناس جميعا أن ينظروا في الكون ليؤمنوا عن بينة ~~ومن غير إكراه، لم يفرق في هذا الأمر بين الرجل والمرأة، ولا بين العربي والأعجمي، ~~ولا بين العبد والحر، ولم يجعل لأحد فضلا في ذلك على غيره إلا بمقدار ما أوتي من ~~العلم، وما يطوع العلم من إرشاد إلى الحق والهدى، ولا يعرف الإسلام نظام الكنيسة، ولا ~~يعرف الرؤساء الروحانيين، ولا يعلق إيمان أحد على كلمة غيره، ولا يجعل المغفرة لغير ~~الله، وهل كأبي بكر الصديق في ms593 حسن إيمانه ودقة معرفته بما جاء الرسول من عند الله ~~به، وهو يقول للمسلمين يوم اختاروه خليفة رسول الله: «أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، ~~فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم!» # الإحاطة بالعلم في أحدث ما وصل إليه واتخاذه وسيلة للنظر في آيات الله، ذلك سبيل ~~الهدى إلى الإيمان الحق، وذلك سبيل الحياة الروحية الصحيحة، فالروح تنكر العقل إذا ~~قيد النظر وقيد العقل معه؛ من ثم كان الجمود العقلي عدو الحياة الروحية؛ لأن هذه ~~الحياة لا تتفتح لتمتثل الكون إذا فرض عليها قيد أيا كان نوعه، وهي لا تستطيع أن ~~تمتثل الكون إلا أن يكون العقل حرا والحواس حرة في الإلمام بكل ما فيه، وملاك حرية ~~الحواس سلامتها، والحواس المريضة يضطرب ما تقع عليه، فتنتقل منه إلى العقل صورة فاسدة، ~~فإذا أسلمت الحواس السليمة ما تلم به إلى عقل سليم ينتظمه ليبلغ منه غاية ما نستطيع ~~لمعرفة سنة الكون، كان ذلك خير معوان للحياة الروحية في تطلعها إلى آفاق أسمى من ~~هذه التي تحد حواسنا وإحساسنا، عند ذلك يتضافر العقل والقلب والوجدان وكل ما في ~~الإنسان من قوة مدركة ليمد الروح بعرفانه، وليستمد من الروح ضياءه. # وضياء الروح يهدينا إلى وحدة الكون ووحدة الحياة فيه، وإن تعددت المظاهر التي نحسبها ~~مستقلة لنسبية إدراكنا، من ثم كانت الحياة الروحية السليمة في تطلعها إلى الحق ~~تصبو دائما إلى الوحدة؛ إلى الوحدة بالحب، والوحدة بالرجاء في الله ونوره الذي يضيء ~~الكون كله، وإلى وحدة الزمان والمكان، وهذه الصبوة الروحية هي التي تصور لنا وحدة ~~الخالق - جل شأنه - وتجعلها أمامنا حقيقة ملموسة نؤمن بها عن يقين إيمان كل إنسان ~~بما يقع عليه حسه، أما الحياة المادية فانفصالية بطبيعتها، ومهما يعمل قانون الجاذبية ~~لضمها وحدة مؤتلفة الأجزاء، فما فيها من طبيعة التوالد يدعوها إلى الانقسام والتقسيم؛ ~~ولذلك جعل التفكير المادي وجعلت الحياة المادية من الانقسام والتقسيم أساس الحياة وأساس ~~السعي فيها، وعلى هذا الأساس صورت المثل الأعلى للطوائف والأمم والشعوب، والانقسام ~~داعية النضال والحرب؛ ms594 وهو من ثم سبب الشقاء. # فأما صبوة الحياة الروحية إلى الوحدة فتجعل المثل الأعلى مثل تعاون وتضامن ومحبة، ~~وهذا المثل لا يعرف النضال ولا الحرب، وكيف يعرفهما والغاية التي يتوجه إليها - وهي رضا ~~الله - تسع الجميع وتفيض عنهم على تعاقب أممهم وأجيالهم؟! لا خوف من أن يضيق هذا ~~الرضا بمن هو أهله، كما تضيق الأرض بسكانها، وكما تضيق المواد الأولية دون إمداد ~~الصناعة، وكما تضيق أسباب الترف في العالم بمتاع أهله جميعا بهذا الترف؛ ولذلك يدعو ~~الداعي إلى الحياة الروحية الناس كافة بلا تفاوت بينهم ، ويدعوهم إليها في حمى السلام ~~والإسلام والرضا، لا فرق بين شرقي وغربي، ولا فرق بين أبيض وأسود وملون، ولا فرق بين ~~أمة وأمة، بل هم في هذا الحمى سواسية، جزاؤهم بعملهم وعملهم بنيتهم، ~~وأحبهم إلى الله أشدهم حبا للناس، وأمتنهم إيمانا أكثرهم معرفة لخلق الله ~~وعرفانا لسنته في الكون، وعلما بكل ما يهيئ الله لنا أسباب العلم به. # والناس يستجيبون بطبيعتهم إلى الدعوة الروحية؛ لأنهم يبتغون الحق بفطرتهم، ولولا ما ~~يمد لهم فيه دعاة المادة من أسباب الضلال - إذ يغرونهم بمتع الحياة ولذاتها - ~~لانهارت فوارق كثيرة ليس يبقيها إلا هذا الضلال، ولآمن كل بأن واجبه الأول أن يهدي ~~غيره طريق الحق، ولتقاربت الأمم بدل أن تتباعد، ولأخلصت القصد في سعيها إلى الإسلام بدل ~~أن تجعل من نذر الحرب هياكل عبادتها، ولكانت خطا الإنسانية في سبيل التقدم ناحية ~~الكمال أسرع وأهدى سبيلا، ولو أن الناس لم يتنكبوا طريق الهدى لنعموا اليوم بما ~~يلتمسونه من سعادة، ولعلهم تنكبوا هذا الطريق لأنهم لا يزالون بعد في جهالتهم، ولأن ما ~~بلغوا من العلم لا يزال قاصرا دون هداهم، والعلم الناقص داعية ضلال. # وحسبك لتدرك الحق في ذلك أن تصور لنفسك أن المسلمين الأولين لم يختلفوا بينهم ~~شيعا، وأنهم تابعوا وثبتهم الأولى إلى غايتها، وأنهم نشروا التوحيد في ربوع العالم ~~كله على أساس من النظر في خلق الله ومن معرفة سنته، وأن الناس جميعا التمسوا العلم في ~~حمى التوحيد ليزدادوا ms595 إيمانا، وأن هذه الاثني عشر قرنا التي انقضت منذ خلافهم قضتها ~~الإنسانية في التماس حقيقة الكون ومعرفة أسراره، أية إنسانية كانت تعمر الأرض اليوم لو ~~أن ذلك حدث؟ إنسانية بالغة من السمو ما لا أحسبنا ندرك مداه ونحن فيما نحن فيه من ~~فرقة وتنازع على أسباب العيش، ومن حروب لا تهدأ ثائرتها، منشؤها هذه الفرقة وهذا ~~التنازع. # أليس جديرا بنا - وذلك ما تدعونا الحياة الروحية إليه وما بلغه سلفنا في ظلالها ~~- أن ننهل من وردها، وأن نشهد من آثارها في بلاد النبي العربي ومنزل الوحي إليه - ~~عليه السلام، لعلنا نعود سيرة السلف فنثب وثبتهم هدى لإخواننا بني الإنسان؟ لقد ~~شهدت من ذلك ما سطرته في هذا الكتاب، ويعلم الله أني أود لو أنهل من هذا الورد ~~في كل حين، وأن أقف حيث وقف الرسول وأن أسير حيث سار، ملتمسا في سيرته وفي مواقفه ~~الأسوة والعبرة، فإنني لعلى يقين من أن التأمل في السيرة ومواقفها، وفي التعاليم التي ~~جاء بها الرسول، خير ما يهدي الإنسانية سبيل الحق والخير والجمال، وما ينهض بها من ~~درك أمسكتها المادية فيه عن السمو إلى مراقي الروح حيث العيش إخاء ومحبة وحرص على ~~العلم بما في الكون؛ ليضيء العلم بنوره إخاءنا ومحبتنا، ويزيدهما إنسانية وسموا، ويصل ~~بنا في ظلهما إلى حمى السلام. # لقد حالت الحوائل دون مسيري في أثر الرسول إلى الشام حيث ذهب صبيا، وإلى خيبر حيث ~~ذهب نبيا، فلعل الله يهيئ لي من بعد أسباب هذا السير فأستكمل به غرضا هو اليوم ~~أجل أغراض الحياة عندي، وأزداد به إيمانا وتثبيتا، وأنعم به في ظلال الحياة ~~الروحية الوارفة، وأبلغ من ذلك ما سعدت به من الرضا حين جاورت البيت الحرام، وحين ~~زرت قبر النبي - عليه الصلاة والسلام. # إن الله وملائكته يصلون على النبي يا ~~أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا ~~تسليما ~~. ms596