######OpenITI# #META# URI: 1375MuhammadHusaynHaykal.HakadhaKhuliqat.Hindawi30272028 #META# Tags: novels #META# ID: 30272028 #META# Title: هكذا خلقت: قصة طويلة #META# AuthorID: 73037206 #META# Author: محمد حسين هيكل #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تقديم‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر1‏ # الفصل الحادي عشر‏ # خاتمة‏ # تقديم‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر1‏ # الفصل الحادي عشر‏ # خاتمة‏ # | هكذا خلقت # | هكذا خلقت # | قصة طويلة # تأليف # محمد حسين هيكل # | تقديم # كانت أسرتي في المصيف، وكنت أتردد بين المصيف والقاهرة لبعض شئوني، وقد اعتدت في ذلك ~~العهد أن أنزل فندق «مينا هاوس»، أستمتع من نوافذه بمنظر الهرم والصحراء، ذلك المنظر البديع ~~في كل حين، وهو الروعة والسحر في الليالي القمرية، ويزيده سحرا ما يسري إلى نفسك معه من ~~نسيم عذب ينسيك قيظ النهار، ويبتعث خيالك إلى تصور القرون الخالية، حين كان أجدادنا يشيدون ~~هذه الأهرام الضخمة، لتكون مقرا للفرعون الذي أمر بتشييدها، سكنا له في حياته ~~الآخرة. # وكنت أستيقظ بكرة الصبح فأنزل إلى حديقة الفندق أجوس خلالها، ثم أتناول طعام فطوري تحت ~~شجرة من أشجارها الباسقة، وكثيرا ما كنت أقضي في هذه الحديقة سويعات الغروب، ولم يكن ~~نادرا أن ألقى بعض الأصدقاء الذين يجيئون إليها من العاصمة يبتغون في رقة نسيمها وبعدها ~~عن ضجة المدينة ما يعوضهم عن جهد نهارهم وقيظه. # وإنني يوما لجالس قبل الغروب، أتوقع أن أرى بعض هؤلاء الأصدقاء؛ إذ رأيت فتاة شابة ~~تقبل علي متأبطة حافظة أوراقها، ثم تقف عندي وتسلم علي باسمي، ولم يدهشني أن ~~عرفتني وأنا لا أعرفها، فكثيرا ما يقع ذلك لي ولأمثالي، وكثيرا ما يقدم إلي بعض ~~الشبان والشابات كراسات صغيرة، ويطلبون أن أوقع باسمي على صفحة من صفحاتها، أو أن أكتب ~~فيها عبارة ما. # ولقد خيل إلي أن هذه الفتاة تقبل علي لمثل هذا الأمر، وأنها ستخرج من حافظة ~~أوراقها كراستها، وتطلب إلي أن أوقع باسمي عليها، أو أكتب لها عبارة تعتز بها بين ~~صديقاتها، لكنها لم تفعل من ذلك شيئا، بل رأيتها ما لبثت حين وقفت أمامي أن استأذنت في ms001 ~~الجلوس، فلما هممت بعد جلوسها أن أدعو الخادم ليقدم لها ما تطلب اعتذرت وشكرت وقالت ~~إنها لا تريد شيئا، ولكنها قدمت في مهمة كلفت بها، وكل الذي ترجوني فيه ألا ~~أسألها عن شخصيتها، ولا عمن كلفها هذه المهمة. # وبعد هنيهة فتحت حافظة أوراقها، وأخرجت منها ملفا أنيقا، وقالت: هذه يا سيدي قصة ~~كتبتها صاحبتها، ورغبت إلي في أن أضعها بين يديك، وقد تركت لك الحرية المطلقة في ~~شأنها، لك أن تقرأها أو تهملها، فإذا تفضلت وأضعت وقتك في قراءتها، فلك أن تلقي بها في ~~النار، أو تحتفظ بها بين المهملات من أوراقك، ولك إن شئت أن تنشرها على الناس، فإذا كان لها ~~من الحظ أن راقتك فنشرتها، فستكون هي إحدى قارئاتها، ولن تعرف أنت ولن يعرف غيرك عن صاحبتها ~~شيئا. هذه يا سيدي رسالتي، وهذه هي القصة في ملفها، أدعها بين يديك، وأستأذنك في ~~الانصراف. # تولتني الدهشة لهذه المفاجأة، فحدقت بالفتاة الشابة وقلت: قد أفهم أن تحرص صاحبة القصة ~~على ألا أعرف أنا أو يعرف غيري من هي، وأن يدفعها هذا الحرص على أن تجعل منك رسولا يحمل ~~إلي قصتها، لكنني لا أفهم سببا يدعوك أنت لإخفاء اسمك وكل ما يتعلق بشخصك، إلا أن تكوني ~~أنت صاحبة القصة! # قالت: كلا يا سيدي، لست أنا صاحبة القصة، ولا كاتبتها، وسترى حين تتلوها أنها قصة سيدة في ~~سن والدتي، إن لم تزد على ذلك. # قلت: فما يمنعك إذن من أن تذكري لي اسمك؟ إنك شابة رقيقة يلمع في عينيك الجميلتين ذكاء، ~~قل أن تعبر عينا أنثى عن مثله، ولعلي إن سعدت بمعرفتك أن أكون أكثر سعادة بمعرفة من ~~تمتين إليهم بصلة ممن تربطني بهم صداقة أو معرفة. # قالت: ذلك أدعى ألا تعرف عني شيئا، وقد استحلفتني صاحبة القصة ألا أذكر لك شيئا عن ~~شخصي، وقطعت لها العهد والميثاق أن أكون عند رغبتها، وأحسبك يا سيدي تشجعني على أن أحفظ ~~عهدي، وتسمح لي بالانصراف. # قالت ذلك وهمت بالوقوف، وأيقنت أن ما أبذل من ms002 جهد لمعرفة اسمها أو شخصيتها سيذهب سدى، ~~فوقفت وودعتها قائلا: لعلي أراك من بعد. # وأجابت: علم ذلك عند ربي. وانفلتت في رشاقة، وسرعان ما اختفت عن ناظري، تاركة لي هذا ~~الملف الأنيق الذي أخرجته من حافظة أوراقها، وكان الملف مربوطا بشريط من الحرير الأزرق ~~زرقة السماء، فككت رباطه، وأجلت بصري في صحف القصة الأولى، ثم إنني تخطيت هذه الصحف إلى ~~فصل يتوسط القصة، فإذا هو يثير طلعتي، بل يثير دهشتي، وتكاد تهتز لقراءته أعصابي، عند ذلك ~~آثرت أن أصعد إلى غرفتي، وأن أبدأ قراءة القصة من أولها، وفعلت، وإنني لأتابع القراءة إذ دق ~~الخادم باب الغرفة، وقال: ألا ينزل سيدي ليتناول عشاءه، فقد جاوزت الساعة التاسعة؟! # وأجبته: بل أوثر الليلة أن أتناول طعاما خفيفا، فأحضر لي ها هنا خبزا وجبنا، وأكثر ~~من الفاكهة. # وخرج الخادم يعد ما طلبت، وعدت أنا أتابع قراءة القصة، وكنت كلما انتقلت فيها من فصل إلى ~~فصل تولتني الدهشة، فصاحبتها تروي حكاية حياتها في بساطة ويسر، يكاد يخيل إليك معهما ~~أنها حياة عادية لأية امرأة تعرفها، ولكنك تقف بعد قليل دهشا تتساءل: ما هذه المرأة؟ ومن ~~هي؟ إنها فريدة في طرازها، بل هي نسيج وحدها، إنها تحب الحياة، ولا تريد مع ذلك أن تسلم ~~للحياة أمرها، بل تريد أن تصوغ الحياة كما تشاء هي، فإذا صدمها الواقع لم تذعن لصدمته، بل ~~حاولت أن تواجهه في كبرياء المعتز بنفسه، المؤمن بقوته، لتبلغ آخر الأمر إلى الإسلام للحياة ~~ومقاديرها، وللطبيعة وحكمها. # والعجيب في أمر هذه البطلة أنها لم تقف إزاء معركة من المعارك الكثيرة التي خاضتها لتحلل ~~نفسيتها ولتجاهد كي تصلح ما يكاد الدهر يفسده، بل هي تنتقل في قصصها من معركة إلى معركة، ~~وقد كان في مقدورها أن تجد في حمى السلام ملجأ يجنبها هذا النضال، ويظلها بوارف من ~~الطمأنينة بل السعادة، لكنها لم تكن تعرف للطمأنينة معنى، ولم تكن تفهم السعادة إلا أن تكون ~~هي المتحكمة في أقدارها وأقدار غيرها، فلما طال بها أمد النضال، وشعرت ms003 أنها أصبحت كالكرة ~~تتقاذفها الأهواء التي ابتدعتها هي من صنع يدها، لجأت إلى الحصن الذي يلجأ إليه كل من عبثت ~~به أنواء الحياة، لكنها ما لبثت أن اضطرت للخروج من هذا الحصن لتذعن آخر الأمر لحكم القضاء، ~~ولسلطان الطبيعة. # لم أنم تلك الليلة حتى فرغت من قراءة القصة، فلما أصبحت فكرت: من تكون بطلتها؟ ومن تكون ~~الفتاة التي حملتها إلي؟ ولماذا اختارتني صاحبتها لتدفعها إلي، وتترك لي مطلق الرأي في ~~مصيرها؟ وماذا عساي أن أفعل بها؟ أألقيها في سلة المهملات، أم أدفعها طعاما للنار؟ كلا، ~~فهي تستحق غير هذا المصير لا ريب، وإن أنا فكرت في نشرها، فأي عنوان أختار لها؟ لقد تركتها ~~صاحبتها بغير عنوان، أفأجعل عنوانها: قصة امرأة؟ لكن قصص النساء كثيرة، وليست هذه البطلة في ~~غمار هاتيك النسوة اللاتي أحببن أو أبغضن، كما تحب كل امرأة وتبغض، بل إن لحبها وبغضها ~~لطابعا خاصا بها، لا يتسق هذا العنوان معه. # وما لي لا أتخذ عنوانها من طريقة تحريرها؟! فلم يرد فيها اسم بطلتها، أو اسم شخص من ~~أشخاصها برغم وضوح شخصياتهم جميعا وبروزها، ما لي لا أجعل عنوانها: قصة بلا أسماء؟ ثم ما ~~لي لا أجعل عنوانها صفة اختارتها البطلة لنفسها في آخر قصتها: المذنبة التائبة، أو صفة أخرى ~~اختارها لها زوجها الأول: غيرة وغرور؟ وترويت في اختيار العنوان طويلا، ثم ألهمتني شخصية ~~البطلة بشذوذها وذكائها وجاذبيتها، وبغرورها وغيرتها، كما ألهمتني الخاتمة التي أضافتها ~~ذيلا لروايتها، فجعلت عنوانها: «هكذا خلقت»، مقتنعا بأن هذا العنوان يصف البطلة وطريقة ~~تفكيرها أصدق الوصف. # ولا أريد أن أحكم لهذه القصة أو عليها، وحسبي أن أذكر أن حديث البطلة عن نفسها جعل القصة ~~أكثر واقعية في تصوير عواطفها وإحساسها، وتطور هذه العواطف والمشاعر في دخيلة وجودها، وهي ~~في غمرة المضطرب الذي تعاني العيش فيه. # والواقع أن ما صورته هذه القصة لا يزيد على أنه أثر من آثار التطور الاجتماعي الذي شهدته ~~مصر، ولا تزال تشهده، وإذا كان في البطلة شذوذ غير مألوف فهو ms004 يصور واقعا قل أن يجتمع كله ~~في نفس واحدة في فترة واحدة من الزمن، فهو يرسم - لا ريب - صورة من صور تطورنا المتصل في ~~هذا الدور الحاضر من أدوار المجتمع المصري، وبعض البلاد الشرقية معرضة لأن تمر بهذا الدور ~~مثلنا! # ولعل من القراء من شهد مناظر في الحياة تشبه ما صورته هذه القصة، وإن اتصلت هذه المناظر ~~بأكثر من شخص واحد في الطبقة المصرية المستنيرة، في هذا الزمن الذي نعيش فيه، وتلك ألوان من ~~الحياة لم تكن تمر بخاطر جيلنا أو الجيل الذي سبقه. # ومن الخير تصوير الجوانب المختلفة من أطوارنا في هذا الوطن إذا أردنا أن نواجه التطور ~~الحاضر لفائدة المجتمع، وحرصنا على ألا تسوء آثاره في بعض الطبقات زمنا طويلا، ولن يستطيع ~~كاتب فرد أن ينهض بهذا العبء الجسيم، سواء اختار القصص أو الرسالة أو البحث العلمي أو ~~الفلسفي، فحياة المجتمع تزداد تعقيدا كلما ازداد المجتمع ارتقاء، وقد أصبح التخصص ضرورة في ~~الكتابة كما أنه ضرورة في الطب أو الهندسة أو غيرهما من المعارف والأعمال الإنسانية. وغاية ~~ما أرجو أن تتضافر جهود الكتاب على اختلاف نزعاتهم ليوجه هذا التضافر مجتمعنا الوجهة ~~الصحيحة في تطوره، وليكفل له سرعة السير في معارج الرقي إلى أسمى درجات الحضارة. # هدانا الله جميعا سواء السبيل. # محمد حسين هيكل # | الفصل الأول # ما أكبر الفرق بين القاهرة اليوم، في هذه العشرة السادسة من القرن العشرين، وبينها أيام ~~طفولتي وصباي في العشرة الأولى من القرن نفسه! وما أكبر الفرق بين الحياة في هذه المدينة ~~العاصمة اليوم، والحياة فيها إذ ذاك! # أنا اليوم أسكن شارع الهرم على مقربة من نهايته عند فندق «مينا هاوس»، وتقلني السيارة إلى ~~قلب المدينة في عشر دقائق أو نحوها، وذلك ما لم يكن يحلم به أحد في أخريات القرن الماضي ~~وأوائل هذا القرن، لم يكن أحد يومئذ يسكن شارع الهرم، بل كان النيل يفصل بين «القاهرة» وما ~~على شاطئه المقابل لها من مزارع ممتدة إلى مدى النظر، ولم تكن السيارات يومئذ وسيلة ms005 ~~المواصلات، بل لم تكن موجودة بالنسبة لسواد الناس، ولست أذكر متى جاءت أول سيارة إلى مصر! ~~لكن السيارات بقيت بعض مظاهر الترف إلى ما بعد الحرب العالمية الأولى؛ أي إلى سنة 1920، ~~فكان طبيعيا أن تظل رقعة المدينة ضيقة مع وسائل مواصلاتها، وأسرعها عربات الخيل - ~~الحناطير - والحمير، أما الترام الذي بدأ يسير في السنوات الخمس الأخيرة من القرن الماضي، ~~فلم تكن شبكته قد امتدت إلى ما وراء حدود المدينة كما صورتها. # ثم إني لأذكر يوما من سنة 1909 ذهبت فيه مع أبي إلى ضاحية «مصر الجديدة»، وكانت في بدء ~~إنشائها، فلم يكن بها غير عدد قليل من المنازل، على مقربة من فندق «هليوبوليس بالاس»، ~~ويومئذ سمعت أبي يبدي عجبه: كيف تغامر الشركة البلجيكية القائمة بهذا المشروع باختيار تلك ~~البقعة من الصحراء لبناء ضاحية فيها، لكن المصريين كانوا يومئذ يؤمنون بعبقرية الأجانب، حتى ~~ليكادون يضعونهم في مصاف الملائكة أو في مصاف الشياطين، ولذلك كانوا يحتاطون في الحكم على ~~تصرفاتهم لاقتناعهم بأن هؤلاء الأجانب يدركون ما لا ندرك. # ولقد آمنت يومئذ بما أبداه أبي من عجب؛ لأنه أبي، ولأنني رأيت الترام الأبيض الذي يصل ~~«القاهرة» ب «مصر الجديدة» ينساب بعد العباسية في صحراء خالية لا حياة فيها، فلا ترى العين ~~على جانبيه إلا الرمال الممتدة لتلامس السماء عند الأفق، وكانت العباسية نهاية القاهرة من ~~هذا الجانب، وكانت أشبه بضاحية يقطنها العسكريون الذين ألفوها في أثناء خدمتهم في الجيش؛ ~~لأنها تجاور ثكناته، فلما انتهت خدمتهم فيه أقاموا مساكنهم هناك، على أرض رخيصة الثمن؛ ~~لبعدها عن المدينة وعن مواصلاتها. # أما سرة المدينة فكان ميدان «العتبة الخضراء»، منه كانت خطوط الترام تبدأ سيرها، وفيه ~~كانت تقوم المحكمة المختلطة ميدان النشاط القضائي بين الأجانب والمصريين في العاصمة وما ~~حولها، وعلى مقربة منه كانت تقوم حديقة الأزبكية، التي كانت قبل مائة عام بركة، ثم انقلبت ~~حديقة باسقة الشجر محاطة بأسوارها المنيعة. ومن ميدان العتبة الخضراء يمتد شارع عابدين ~~المعروف إلى قصر الحكم عن شمالك، وتقوم متاجر فخمة عن ms006 يمينك، وينحدر شارع الموسكي ذو الشهرة ~~العالمية؛ لأنه كان شريان النشاط التجاري بالمدينة. # وكان ميدان «العتبة الخضراء» والشوارع المتفرعة منه يفصل بين الأحياء المصرية والأحياء ~~الأجنبية في القاهرة، فما امتد منه غربا إلى النيل كان مستقر الأجانب، وما امتد شرقا ~~متجها إلى جبل المقطم كان مستقر المصريين والشرقيين، وميدان نشاطهم؛ لذلك كان شارع ~~«الموسكي» تختلط فيه العناصر الثلاثة: الشرقيون، والأجانب، والمصريون، يزداد الأجانب في ~~جانبه القريب من العتبة، والمصريون في جانبه المتصل بالسكة الجديدة المؤدية إلى أحياء سيدنا ~~الحسين والأزهر وما وراءها إلى الجبل من أحياء وطنية صميمة، وكان سكان القاهرة يومئذ لا ~~يبلغ عددهم الثلث، بل الربع من سكانها اليوم. # كان طبيعيا - وتلك حال القاهرة في العشرة الأولى من هذا القرن - ألا ترى فيها عمارات ~~شاهقة كالصروح التي تراها اليوم، وأن تتألف منازلها من طابقين أو ثلاثة على الأكثر، وكانت ~~منازل الذوات وأهل اليسار أشبه بالحصون، ترتفع جدرانها الخارجية لتستر كل ما فيها وكل من ~~فيها، ولتستر السيدات المخدرات صاحبات العصمة بنوع خاص، وبين هذه الجدران كان المنزل يتألف ~~من «سلاملك» متصل بالباب الخارجي خاص بالرجال، ومن «حرملك» منفصل عنه هو مستقر السيدات، ~~ويغلب أن تقوم أمام «الحرملك» حديقة صغيرة تتنسم السيدات فيها الهواء، بعيدات عن أعين ~~الرجال. # وكان والدي من المصريين ذوي الجاه واليسار، فكان البيت الذي ولدت به ونشأت فيه من هذا ~~الطراز الذي وصفت، وكان يقع على الميدان الذي يقوم فيه تمثال «لاظوغلي»، وكان سلاملكه يقع ~~إلى يمين الداخل من بوابته الكبيرة، مكونا من غرفة واسعة للجلوس، ومن غرفة أصغر منها، يدخل ~~الإنسان إليهما من بهو فسيح أمامهما، ويرتفع الكل عن الأرض بضع درجات، وكان يفصل بين ~~«السلاملك» و«الحرملك» جدار يزيد ارتفاعه على قامة الرجل، ومن ورائه حديقة غرس فيها ~~الجازون، وقامت على جوانبها أحواض من أشجار الورد والأزهار المختلفة، كما قامت في أحد ~~أركانها «جبلاية» صغيرة تجري فيها المياه. # كنت إبان طفولتي أقضي معظم وقتي في هذه الحديقة ألعب مع اثنتين من بنات الجواري اللاتي ms007 ~~يعملن في خدمة المنزل، وكانت والدتي إذا أرادت دعوتي إلى داخل الدار بعثت إلي بإحدى هاتين ~~الطفلتين أو بجارية من الجواري، ولم تكن تناديني مخافة أن يسمع صوتها خادم من الرجال، أو ~~أحد معارف أبي الجالسين معه في «السلاملك»، فصوت المرأة كان يومئذ عورة لا يجوز أن تداعب ~~آذان الرجال. # وكانت والدتي من قريبات أبي، وكان أهلها من الأعيان الذين يرون تعليم البنت القراءة ~~والكتابة أمرا نكرا، ولكنها كانت بارعة في إدارة المنزل، تحذق كل شئونه، وكانت لذلك ~~مدبرة في غير شح، لا ترمي قرشا في غير موضعه، ولا تضن على خادم، رجلا كان أو امرأة، ~~بما يحتاج إليه برغم أنها لم تكن ترى الخدم الرجال أو تخاطبهم. # وكانت والدتي تستقبل السيدات من صديقاتها مساء الثلاثاء من كل أسبوع، وفي هذا اليوم كان ~~الخدم الرجال يتمتعون بإجازة من بعد الظهر، وكان والدي يغادر المنزل فلا يبقى به رجل إلا ~~بوابنا العجوز المتهدم ليستقبل السيدات عند دخولهن من البوابة وخروجهن منها، وكنت أغتبط ~~بمقدم يوم الثلاثاء؛ لأنه كان أشبه بأيام العيد، ولأن بعض المغنيات والراقصات من معارف ~~والدتي كن يحضرن فيحيين هذا الاجتماع النسائي، وكنت قلما أحضر هذه الاجتماعات إلى ~~نهايتها، فقد كانت والدتي تبعث بي إلى الحديقة ألعب فيها، أو إلى صديقة لي من الأطفال كان ~~منزل أهلها قريبا منا؛ لأن هذه الاجتماعات النسائية كان يدور فيها من الحديث ما لا يجوز أن ~~يسمعه الأطفال، ذلك ما تيقنته من بعد حين كبرت، وحين عرفت ما تتبادله النساء من أحاديث ~~تافهة، أساسها الغيبة التي لا تخلو من قصص يألفها النساء، ويرين عيبا أن يسمعها الأطفال، ~~أو يسمعها الفتيان. # وكنت أغتبط بالذهاب إلى منزل صديقتي الصغيرة التي تجاورنا؛ لأن والدها كان رجلا رقيقا ~~غاية الرقة، وكان يحبها أعظم الحب، وكان يحبني لأنني صديقتها، وكان ينتظرني يوم الثلاثاء ~~وقد أعد لي هدية من اللعب التي يغتبط بها أمثالي، فكنت لتوقعي الهدية أسارع إلى تلبية ~~والدتي، والذهاب مع خادم من الجواري أقضي مع صديقتي ms008 ووالدها سويعات هنيئة سعيدة. # ولما بلغت السابعة بعث بي والدي إلى المدرسة السنية، ولم يكن بينها وبين دارنا ما يدعو ~~إلى ركوب عربتنا؛ لذلك كنت أذهب مع البواب العجوز كل صباح، وأعود معه كل مساء، ومعي كتبي ~~وكراساتي، وكان معلم القرآن والديانة والخط العربي يشغل معظم حصص الدروس معنا، فكنا نراه ~~ثلاث ساعات كل يوم على الأقل، وكان شيخا رقيقا شديد اللطف بنا، يعاملنا معاملة الأب ~~لبناته، فكنا نحبه ونسر بمقدمه، وكنا لذلك نحفظ الدروس التي يلقيها علينا ونحن مغتبطات ~~أشد الاغتباط، ولهذا حفظت من القرآن جزء «عم» في السنة الأولى، وجزء «تبارك» في السنة ~~الثانية، وكنت أشعر بالمسرة حين أتلو منهما أمام والدي ما يزيدهما عطفا علي، ~~واغتباطا بنباهتي، وازداد عطفهما علي وضوحا حين رأياني منذ تخطيت الثامنة من سني لا ~~أترك فرضا إلا صليته لوقته، فكنت أصلي الصبح قبل الذهاب إلى المدرسة، وأصلي الظهر في ~~مصلى المدرسة، وأصلي بقية الفروض لأوقاتها بالمنزل. ولم يكن العطف علي هو وحده مظهر ~~تقدير أبي لهذا الصلاح وهذه التقوى، فقد جاء يوما إلى المدرسة وطلبني، وطلب الشيخ معلم ~~القرآن والديانة والخط، وشكره أمام ناظرة المدرسة - وكانت إنجليزية - على عنايته بتقويم ~~أخلاق التلميذات عن طريق الدين وفرائضه. # ومنذ بدأت السنة الدراسية الثانية بدأنا نتعلم اللغة الإنجليزية، وفي السنة الثالثة كنا ~~ندرس التاريخ والجغرافيا، تاريخ مصر وجغرافيتها باللغة الإنجليزية، ولذلك أسرعنا إلى التقدم ~~فيها، وأمكننا أن نتكلم بها. ~~••• # كان لأبي على حدود مديريتي القليوبية والشرقية عزبة كنا نقضي بها جانبا من الصيف في كل ~~عام، وكانت والدتي تغتبط أشد الاغتباط بهذه الفترة التي نقضيها في الريف، فقد كان حول ~~منزلنا حديقة فسيحة فيها أزهار وفواكه، وكان كثيرون من أهلنا الأعيان يترددون علينا هناك، ~~فيجدون من والدي مودة ولطفا، وتجد والدتي في أحاديث قريباتنا الريفيات عن الزراعة وأحوالها ~~لونا من الحياة غير الذي ألفته في العاصمة، فتتسلى بهاتيك القريبات الودودات وبقصصهن، ~~وكنت أنا أجد في الحديقة وفي الحقول القريبة ما يبعث إلى نفسي المسرة، فلما ms009 بلغت الثالثة ~~عشرة من عمري ذكرت لي والدتي أن التقاليد تمنع خروجي نهارا إلى ما وراء أسوار الحديقة، ~~وتمنع نزولي بها ساعة وجود العمال من الرجال فيها، عند ذلك شعرت بأنني بدأت أدخل ميدانا ~~جديدا من ميادين الحياة، وأنني موشكة متى عدت إلى القاهرة أن ألبس ملابس النساء: الحبرة ~~والبرقع، وألا أخرج إلى الطريق وحدي. # كانت عمتي تكثر التردد علينا في أثناء مقامنا بالعزبة، وكانت سيدة من أعيان الريف ~~المحترمات في وسطها، المحافظات على كرامة الأسرة ومكانتها، المتصدقات على الفقراء والمساكين ~~من أهل قريتها، وكانت تكبر والدي عدة سنوات، وكانت ورعة تقية، قوية الإيمان بالله ورسوله، ~~شديدة المحافظة على فروض دينها، تصلي الخمس فرضا وسنة، وتصوم ثلاثة الأشهر: رجب، وشعبان، ~~ورمضان. وكان والدي يحبها ويحترمها، وكانت تغدق علي من عطفها وحبها ما كنت أغتبط به، وكان ~~حبها الشديد إياي يرجع إلى أنني كنت - برغم أنني تلميذة بالمدارس - شديدة المحافظة على فروض ~~ديني، وكنت أتلو عليها من سور القرآن ما يثلج صدرها، سواء أفهمته أم لم تفهمه. # وكانت عمتي تقضي معنا أحيانا أسابيع متعاقبة، وكان لها غرام بأن تقص علينا صورا من ماضي ~~الحياة في الريف، هذا الماضي الذي تطور في نظرها تطورا لا تطمئن إليه نفسها، وكانت تقص ~~علي من تلك الصور ما يثير عجبي؛ كانت تذكر أن أسرتنا التي استأثرت بعمدية البلد ~~ومشيختها، ولا تزال تستأثر بهما، كانت تعد بالعشرات وتقيم في منازل عدة، وأن الفلاحين ~~الذين كانوا يعملون في أراضينا كانوا يجتمعون كل مساء بعد صلاة المغرب في صحن الدار الكبيرة ~~يتناولون طعام العشاء الذي يطهى لعشراتهم في هذه الدار، ثم لا يصد عن الطعام فقير وإن ~~لم يكن يشتغل معهم في المزارع، وأنهم جميعا كانوا ينظرون إلى جدي لأبي على أنه والدهم ~~جميعا، فلا يتزوج أحدهم إلا بعد مشورته، ولا يختلف اثنان إلا احتكما إليه وقبلا حكمه، ~~ولا تطلق امرأة من زوجها إلا بعد أن يقتنع بأن الصلح بين الزوجين غير مستطاع. # وكانت تذكر أن هذه الأبوة ms010 لم تكن مقصورة على أبناء الأسرة والعمال في مزارعنا، بل كان أهل ~~القرية جميعا ينزلون على حكم جدي اقتناعا منهم بعدالته، وبأنه رجل صالح يخاف الله ولا ~~يرضى بما يغضبه، وأنه إلى ذلك رجل خير يعين البائس والمحتاج، ويأنف أن يتدخل في شئون ~~البلد غريب أو أن يستبد بأهله حاكم ظالم. # وإن نسيت الكثير مما قصت علي إذ ذاك فلن أنسى تصويرها للقرية المصرية في النصف الثاني ~~من القرن الماضي، فهذه الصورة لا تزال عالقة بذاكرتي، وهي تجعلني أرى أهل تلك القرية يعيشون ~~عيش القبائل في البادية برغم أنهم أهل زراعة، ولم يكن هذا النوع من العيش عجيبا في ذلك ~~العهد؛ فقد كانت كل قرية تعيش في عزلة عن غيرها من سائر القرى؛ لأن المواصلات السريعة لم ~~تكن قد ابتكرت، وكان أهلها لا يكادون يسمعون شيئا عن حياة المدن، إلا ما اتصل منها ~~بعقائدهم وإيمانهم الراسخ بالمشايخ والأسياد، وتطلعهم لزيارة هؤلاء الأسياد للتبرك بهم، ولم ~~يكن ذلك مستطاعا لغير ذوي اليسار ومن يلوذون بهم، أما سائر أهل القرية فكانوا يمضون حياتهم ~~كادحين في غير ملل، مؤمنين بأن الله قسم الحظوظ، وأنا لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، هو ~~مولانا عليه توكلنا، وعليه فليتوكل المؤمنون. # كنت أطيل الاستماع لعمتي، وأطرب لحديثها، وكنت أشد اغتباطا بما تقع عليه عيني من مناظر ~~هذا الريف الممتعة حين أتردد عليه غير مرة خلال السنة، ولم يكن جمال الريف هو وحده الذي ~~يأخذ بناظري، بل كان لي من الطمأنينة إلى أهله حظ عظيم، وكيف لا أطمئن إليهم وأنا أرى من ~~مظاهر ورعهم وتقواهم ما يثير إعجابي؟! لقد كنت أخرج مع والدي أحيانا بعد الغروب فأرى أحدهم ~~يقوم لصلاة العشاء في مصلى ساذج مفروش بالحلفاء على حافة الترعة بعيدا عن الأعين، فيهتز ~~لذلك قلبي، وتتأثر بهذا المنظر كل مشاعري، فهذا الرجل المنفرد وسط لا نهايات المزارع في هذه ~~الساعة من المساء يدعو ربه ويستغفره، كان مثال الورع في نظري، ولم يدر بخلدي في تلك ~~الأيام من ms011 طفولتي وبدء صباي ما عساه يدور برأسه في أثناء صلاته أو بعدها من أفكار قد لا ~~يرضى الله عنها، بل كنت أومن بأنه في وحدته قريب من ربه، وأن حرصه على فروض دينه خير شاهد ~~على نقاء قلبه، وصفاء سريرته. # وعدنا إلى القاهرة في أخريات الصيف من تلك السنة، وأنا موشكة أن أدخل ميدانا جديدا من ~~ميادين الحياة، وأن ألبس ملابس النساء: الحبرة، والبرقع، وإني لأذكر اليوم في ابتسامة لا ~~تخلو من مرارة ما كان يدور برأسي الطفل إذ ذاك من غبطة لهذا الانتقال من حرية الطفولة إلى ~~قيود المرأة، هذه الغبطة التي لا تفسير لها إلا التطلع إلى المستقبل الذي كتب على جنسنا، ~~والذي لا نعرف غيره، ولا مفر لنا منه، والذي تنتظره كل فتاة، أو على الأقل كانت تنتظره فتاة ~~ذلك العهد، وترى فيه أحلام السعادة، ويرى أهلها فيه أحلام الطمأنينة إلى الحياة، أقصد ~~الزواج، أواه لو علمت كل فتاة، وآه لو علم أهلها ما يخبئ الغيب! # لا أريد أن أسبق الحوادث، أو أعبر عما شعرت به في لحظة غير اللحظة التي أكتب عنها، لقد ~~كنت يوم دخلنا القاهرة في ذلك العام سعيدة تفيض عني المسرة، لقد كنت أحبو من الطفولة إلى ~~الصبا في صحة ونضارة، وكانت تحيط بي كل أسباب النعمة على ما كان يتصورها ذلك الجيل، كان ~~أبواي يسبقاني إلى رغباتي، وكنت أجد من حنانهما وعطفهما وبرهما ما يسبغ على الحياة خير ~~ألوانها، وما يجعلني أشعر كأنني في جنة الخلد، وكان تقدير أساتذتي في المدرسة، وتقدمي فيها ~~يزيدني نعيما وغبطة. # وكان الأمل الباسم الذي يفتح أجنحته الأثيرية للشباب الموشك أن يتفتح كما تتفتح الأزهار ~~ينشر أمام خيالي الساذج ألوانا من الهناءة لم أعرف لها في الحقيقة مثالا، وكان مرجع رضاي ~~يومئذ عن نفسي إلى ما عرفت به بين زميلاتي في المدرسة من حسن الخلق لشدة محافظتي على ~~صلواتي، حتى كان بعض معلماتي يسمينني «رضوان الجنة» نسبة إلى حارس جنة الخلد؛ وذلك لشدة ~~عنايتي بمصلى المدرسة. # وبعد ms012 أسابيع من استقرارنا في العاصمة فكرت والدتي في أن تفصل لي حبرة ألبسها وألبس ~~البرقع معها، ولهذه المناسبة جعلت أذهب معها إلى المحال التجارية لتختار القماش المناسب، ~~وإلى الخياطة لأفصل الحبرة، ويومئذ أحسست شعورا جديدا يخالط نفسي، شعور الأنوثة التي ~~تسري في عروقي وأعصابي كما يسري ماء الحياة في الشجر فيزيده رواء، ويزيد خضرة أغصانه بهجة، ~~وأكمام أزهاره تفتحا. # ولقد كنت إذ ذاك أعنى بملاحظة السيدات المبرقعات وما يسبغه عليهن الحجاب من جمال يزيد ~~عيونهن النجل روعة وبراعة، وكنت نحيفة القوام معتدلة، وكانت والدتي لا تفتأ تلفتني إلى ~~هاتيك السيدات الممتلئات يتحدث جسمهن البض عن معاني النعمة، وتكاد تؤنبني لنحافتي، بل لقد ~~كانت تذكر لي أن من هاتيك السيدات من تشعر بنحافة جانب من جسمها، فتطالب «الخياطة» بأن تضع ~~تحت الحبرة أسلاكا، أو تحشوها فتستر هذه النحافة، مع ذلك بدأت أشعر أن في عيني من الجاذبية ~~ما يغنيني عن هذا الجمال المصطنع، وإن لم أجرؤ على أن أذكر شيئا من ذلك لوالدتي. # ولبست حبرتي وبرقعي، وانتعلت حذاء عالي الكعب، وأخذت أخرج مع والدتي إلى الأسواق، وفي بعض ~~زياراتها لصديقاتها فإذا هذا الشعور بالأنوثة يزداد في نفسي، وإذا حيويته تسرع إلى النماء ~~أضعاف نموها قبل أن ألبس الحبرة والبرقع، ولعل ما شعرت به من اختلاف نظرة الرجال إلي في ~~أثناء سيري مع والدتي عما كانت عليه قبل هذا الحجاب قد كان سببا في هذا التزايد السريع في ~~نمو شعوري. # وأدى ذلك بي إلى مزيد من عنايتي بهندامي، فكنت أقضي أمام المرآة زمنا أصلح في أثنائه من ~~شأني، وألاحظ في أثنائه أدق التفاصيل في مظهري، فكنت أعنى حتى بالشعرات التي تخرج من تحت ~~رأس الملاية ونظامها عنايتي بموضع البرقع من أنفي حتى يزيد في جاذبية نظراتي، ثم أعنى ~~بانسدال الملاية على جسمي حتى تنم في دقة عن ميول قوامي وبارع اعتداله. # ولم يزعجني حديث والدتي عن نحافتي، فقد كنت أقرأ بعض المجلات والقصص الإنجليزية، فأرى ~~فيها تصويرا للسيدات والأوانس النحيفات يشهد بجمالهن ms013 ويثير الإعجاب بهن، وكنت أقرأ مثل ذلك ~~فيما تترجمه هذه المجلات عن الأدب الفرنسي. ليست النحافة إذن عيبا لذاتها، وإن أثار الجسم ~~الناعم البض من المعاني المألوفة في مصر ما لم يكن يدور إذ ذاك بخاطري، ثم إنني رأيت في هذه ~~المجلات والقصص حديثا عن جاذبية المرأة، وأنها ترجع إلى رقتها ودماثة طبعها وحسن حديثها، ~~فأغراني ذلك بالعناية بهذه النواحي من أنوثتي أكثر من عنايتي بما أقاوم به نحافتي. # على أن شيئا من ذلك كله لم يصرفني عن صلواتي احتفاظا بمكانتي بين زميلاتي وأساتذتي في ~~المدرسة، وإرضاء لشعور داخلي كان يتردد في أعماق وجداني بأن الزينة لا تخالف التقوى، وكم ~~اغتبطت حين سمعت الشيخ الذي يتلو القرآن كل صباح جالسا في غرفة الانتظار بالطابق الأسفل ~~من منزلنا يرتل: # خذوا زينتكم عند كل مسجد ~~، فقد ~~ثبتت هذه الآية شعوري الداخلي، واطمأن لسماعها وجداني، فازددت عناية بزينتي كما ازددت ~~حرصا على أداء فروض الله. # وازددت على الزمن شعورا بأن القراءة تتم الزينة، صحيح أنها ليست الزينة المادية التي ~~تلفت النظر إلى أشخاصنا حين مسيرنا في الأسواق ودخولنا على صديقات والدتي، بل هي الزينة ~~المعنوية التي تزيد نظراتنا ذكاء وجاذبيتنا فعلا في النفوس، لذلك أكببت على الكتب والمجلات ~~التي كنت أستعيرها من مكتبة المدرسة، أو أشتريها من المكتبات، وشعرت لهذا الإكباب بلذة قوية ~~كانت تأخذني عن نفسي، وتصرفني عن كل ما سواها، وإن جلبت علي في كثير من الأحيان لوم ~~والدتي خوفا على عيني، وإشفاقا منها أن تصرفني القراءة عن الاضطلاع بواجبات الفتاة ~~والمرأة في العناية بأمور المنزل وحسن تدبيره. # وخشي والدي حين رأى إكبابي على قراءة الكتب والمجلات الإنجليزية أن يضر ذلك بلغتي العربية ~~وثقافتي الدينية، فاختار لي مدرسا شيخا كانت له به ثقة، وكثيرا ما رأيته يصحبه، بل لقد ~~حضر إلى العزبة في أثناء مقامنا بها في الصيف مما دلني على أن له على أبي دالة تزيد في ثقته ~~به. # وكان هذا الشيخ على حظ غير قليل من الذكاء، درس أول ms014 أمره في الأزهر، ثم انتقل إلى دار ~~العلوم فجود اللغة العربية بها، وجعل همه أن يطلع على ما يظهر من كتب مؤلفة أو مترجمة إلى ~~العربية ليجاري العصر ولا يقبع في زوايا الماضي على حد تعبيره، فلما بدأ تدريسه لي لم يلبث ~~حين وقف على مبلغ علمي أن اختار لي كتاب «عيسى بن هشام» للمويلحي، وكتاب «تحرير المرأة» ~~لقاسم أمين، وكتاب «التربية» الذي ترجمه محمد السباعي عن هربرت سبنسر. # وقرأت جانبا من هذه الكتب الثلاثة معه، وسمعت إليه يفسر ما رآه غامضا علي من ألفاظها ~~وعباراتها، فأغراني ذلك بالمضي في قراءتها في أثناء وحدتي، وتفتحت لذلك أمامي آفاق جديدة ~~يقصر دونها الكثيرات من أمثالي، بل يقصر دونها كثيرون من رجال ذلك الوقت ونسائه، وقد كنت ~~أقف وجلة أحيانا أمام ما أقرأ؛ لأنه يخالف مألوف الحياة في مصر إذ ذاك، وهو مع ذلك مكتوب ~~بلغتنا العربية، فيجب أن نفكر فيه، وألا نعتبر قراءته مجرد تسلية لقتل الوقت، ويجب أن ننتهي ~~من هذا التفكير إلى رأي، وكنت أسأل أستاذي الشيخ أحيانا فيما يستوقفني، فلا يزيد على أن ~~يبتسم ثم يقول: الزمن يا فتاتي كفيل بإنضاج رأيك في كل ما تقرئين. # ولقد أخذني العجب يوما لحوار جرى بين والدي وأستاذي حسبت حين سمعته أن الشيخ يبالغ فيما ~~يسميه «عصريته»، فقد ذكر والدي أن شابا من أبناء أحد أصدقائه تزوج من أجنبية يهودية، فكان ~~جواب الشيخ: وماذا في ذاك؟ ثم تطور الحوار إلى جدل ديني كان الشيخ فيه دون والدي تعصبا ~~لعقيدته، فقد رأى والدي أن زواج اليهودية من المسلم يتيح لها الفرصة لتقف من زوجها أو من ~~أهله أو من خلطائه على حقيقة الإسلام، فإذا هي لم تعتنقه من بعد كانت مكابرة، وكان مصيرها ~~إلى الجحيم، أما الشيخ فرأى أنها إذا لم تقتنع بحجة زوجها أو أهله أو خلطائه وعملت صالحا ~~فلا جناح عليها أن تقيم على دينها، وأن يغفر الله لها، ويدخلها الجنة. # كانت تدور أحاديث من هذا القبيل بين الرجلين، وكان ms015 الجدال بينهما يبلغ الحدة، ثم لا يغير ~~ذلك من ثقة والدي بالشيخ، واطمئنانه لحسن إيمانه، فإذا نودي للصلاة من مئذنة المسجد القريب ~~من دارنا، وقام الشيخ للصلاة، ائتم به والدي وقضى فرضه وراءه. # كنت أسمع وأرى ما يحدث من مثل ذلك فلا أقف طويلا عنده، ومن كان في مثل سني يومذاك لا يقف ~~طويلا عند شيء، بل تمر أمامه الأحداث والآراء، فيلم بها إلمامات سريعة تبقيها في ذاكرته ~~لتنضم على الأيام لأشباهها، ثم تكون موضع تفكير وعبرة من بعد، حين نصبح قادرين على أن نبدي ~~حكما ذاتيا على ما نرى ونسمع، وكذلك بقيت ذاكرتي تختزن ما استطاعت اختزانه، حتى إذا آن ~~الأوان تفاعل ذلك كله في نفسي، وكون وجودي الذاتي وكياني المعنوي. # تعاقبت الأيام والأسابيع والشهور، وانقضت السنة الدراسية، واحتملنا قيظ العاصمة أسابيع من ~~أوائل الصيف، ثم ذهبنا إلى العزبة، وبدأ أقاربنا يزوروننا، وأقبلت عمتي وعلى رأسها طرحة ~~بيضاء على خلاف ما ألفت من لباس رأسها في الأعوام الماضية، إذ كانت طرحتها سوداء؛ ذلك ~~لأنها سافرت إلى الحجاز وأدت فريضة الحج، واستبقت الطرحة البيضاء من لباس إحرامها، ولم يكن ~~حديثها ذلك الصيف عن ماضي الحياة في قريتنا العزيزة، بل كان كله عن الحج والحجاز والكعبة، ~~ومسجد المدينة، والمقصورة النبوية، وكانت تقص ذلك في تفصيل يشهد بطمأنينة نفسها إليه، ~~واستراحة قلبها له، وكنت أشعر في بعض ما تقصه بأنه أدنى إلى الأساطير، لكنها كانت ترويه في ~~حرارة إيمان تنقل صداه إلى قلب والدتي، فلا تفتأ تكرر: يا بخت من زار النبي. # ولو أنني استطعت يومئذ أن أنقل كل ما روته عمتي عن حجها لتألف منه كتاب شائق، فقد كان ~~حديثها عن هذا الحج يتصل يوما بعد يوم، وكأنها شهرزاد في ألف ليلة وليلة، لكنني كنت في شغل ~~بقراءة مجلاتي وقصصي الإنجليزية، وبمراجعة عيسى بن هشام وتحرير المرأة والتربية؛ لأن أستاذي ~~الشيخ أخبرني قبيل سفرنا أنه سيزورنا بالعزبة بعد شهر من مقامنا، ويسألني عما قرأته. # وجاء الشيخ إلى العزبة في الشهر الأخير ms016 من أشهر الصيف، وكنت في فترة هذه الإجازة المدرسية ~~قد أسرعت في النمو وبدأ تكويني النسوي برغم نحافتي، وشعرت في نظراتي بجاذبية قوية كنت أغتبط ~~بها حين أقف أمام المرآة أصلح من هندامي، ترى أكان هذا هو السبب في أن والدي لم يكن يذرني ~~وحدي مع الشيخ ساعة تدريسه لي؟! فقد لاحظت أنه كان يحضر دروسي جميعا على غير عادته من قبل، ~~وما أحسبه خالجته شبهة في خلوتي مع الشيخ ساعة الدرس، أو خالطت نفسه ريبة من أمره، فقد كانت ~~ثقته بورعه فوق كل شبهة، وإنما أحسبه خشي قالة الناس، وقالة النساء أكثر من قالة الرجال؛ ~~فقد علمتني السنون من بعد أن الناس في مصر، من أهل المدن كانوا أو من أهل الريف، يسرعون إلى ~~الريبة في غير موضع الريبة، ويتناقلون من الأحاديث الكاذبة في أمر غيرهم ما يسرعون إلى ~~تصديقه. هذا في اعتقادي هو ما دعا والدي لمصاحبة الشيخ ساعات تدريسه لي، وبخاصة بعد أن رأى ~~منذ كنا بالقاهرة عنايتي بهذه الدروس واستفادتي منها. # وجاءت موليات الصيف، وآن لنا أن نعود إلى العاصمة، وإننا لنأخذ أهبتنا للعودة، إذ شعرت ~~والدتي بمرض ألزمها فراشها، وتولت عمتي الحاجة العناية بها، فكانت تلازمها ليلها ونهارها، ~~وكانت تتلو وهي في مجلسها إلى جانبها كل ما عرفت من رقى وتعاويذ، وكانت تدير البخور على ~~رأسها تطرد به حسد الحاسد، لكن المرض كان يشتد يوما بعد يوم، واستدعى والدي الطبيب من أقرب ~~مدينة، فلما فحص والدتي أشار بضرورة إسراعنا إلى القاهرة أو بإدخالها مستشفى المدينة القريب ~~منا، وآثر والدي أن نعود إلى القاهرة فعدنا إليها مسرعين. # وجاء الطبيب الذي اعتادت والدتي أن تعرض نفسها عليه كلما مرضت، ففحص وأطال الفحص ودقق ~~فيه، ثم كتب تذكرة دوائه، ووعد أن يعود المريضة بعد ثلاثة أيام، وخرج والدي معه من غرفة ~~المريضة، ووقفا هنيهة يتهامسان، وبعد أن ودعه عاد يؤكد لوالدتي أن الأمر بسيط، ولن يمضي ~~أسبوع حتى تكون قد استردت عافيتها، ورأيت على وجه والدتي سيما الألم، ms017 وإن ردت إليها هذه ~~الكلمات من الطمأنينة ما خفف بعض وقعه. # وفي المساء جاء والدي بعد أن خلع ملابسه، وتمطى على «كنبة» تواجه السرير الذي رقدت والدتي ~~فيه، بعد أن دعا الخادم وأمرها ففرشت عليها ملاءة، ووضعت على طرفها الملاصق للحائط مخدة ~~نوم، وعجبت لما رأيت من ذلك، فلم أر والدي من قبل ينام على هذه «الكنبة» قط، وألحت عليه ~~والدتي أن ينام على السرير في الغرفة المجاورة لغرفتها فأبى قائلا: لقد نمت أنت على هذه ~~«الكنبة» غير مرة حين مرضي، فلا أقل من أن أؤدي بعض ما علي من دين لك، وإن كنت موقنا ~~أنني لن أؤدي إلا القليل، مقابل ما غمرتني به دائما من رقة وود خالص. # وغادرت الغرفة وقد زادني ما رأيت وسمعت إعجابا بأبي، وبهذا الحب المتبادل، وتمنيت أن ~~أسعد في الحياة بمثله. # وانقضت الأيام الثلاثة التي تحدث عنها الطبيب وشكوى والدتي من عنائها لا تنقص، بل تزيد، ~~وجاء الطبيب في موعده وأعاد الفحص وخرج بعده مع والدي، وفي صباح الغد علمت أنه سيحضر ومعه ~~طبيبان آخران من كبار الأطباء لإجراء «كونسلتو» يشخصون بعده المرض، ويصفون علاجه. وجاء ~~الأطباء الثلاثة بعد الظهر من ذلك اليوم، وفحصوا المريضة وما عولجت به من دواء، ثم تبادلوا ~~الرأي، وكتبوا تذكرة جديدة. # كانت والدتي تذكر للأطباء الثلاثة، في أثناء الفحص، ما ينتابها الوقت بعد الوقت من آلام ~~مبرحة، وتنظر إليهم نظرة رجاء واستعطاف لعلهم يخففون آلامها ويبرئونها من علتها، وكان ~~الأطباء ينظر بعضهم إلى بعض لدى سماع حديثها، ثم يقول كبيرهم العبارات المطمئنة المألوفة، ~~وكأنه يتلو وردا من الأوراد أو دعاء من الأدعية التي تتلوها عمتي الحاجة، فلا يفر ثغره عن ~~ابتسامة، ولا يلمع في عينيه معنى الرجاء الذي طمعت والدتي في أن ترى بريقه، فلما انصرفوا ~~وودعهم والدي وعاد إلى غرفة المريضة نظرت إليه نظرة استفهام، فقال: إنهم يستحسنون نقلك إلى ~~المستشفى زيادة في العناية بك، وأجابته والدتي منزعجة: المستشفى؟! كلا، كل شيء إلا ~~المستشفى، وإذا كان قد كتب ms018 لي أن أموت، فخير لي أن أموت على فراشي هذا، أما إن كان الله ~~قد كتب لي الشفاء، فلن يكون في المستشفى شفائي. # ولبست حبرتي وبرقعي وأدى ذلك بي إلى مزيد من عنايتي بهندامي. # ورأيت في عينيها دمعة تترقرق، فأخذ والدي يسكن من روعها، ويذكر لها أنه كان على يقين من ~~أنها لن تقبل الذهاب إلى المستشفى، وأنه ذكر ذلك للأطباء، ولقد رأى أن يعيد على مسمعها ما ~~قالوا، وأنهم يرون الخير في أن تكون في عناية ممرضة ورقابة طبيب، ثم إن والدي أضاف: وقد ~~ذكرت لهم أننا نستطيع أن ندعو الممرضة لتكون إلى جانبك هنا، وأن طبيبك يستطيع أن يعودك كل ~~يوم في الصباح وفي المساء. # وجف الدمع في عين والدتي، ونظرت إلى والدي نظرة عرفان، وبدت على ثغرها المتألم شبه ~~ابتسامة، لكنها قالت: لا ضرورة لممرضة، فأنا لا أريد أن تطلع أجنبية على دخائل بيتنا، ~~وإذا أمكن أن تحضر عمتي الحاجة إلى هنا ففيها البركة، وفي يدها الشفاء. # وكانت والدتي تحب عمتي حقا، وتبادلها عمتي هذا الحب الصادق، وقد رأيتها تحضر صبح الغد ~~من هذا الحديث، وتدخل على والدتي تقبلها وتكرر لها الدعوات بالشفاء، وفي لحظات خلعت ملابس ~~السفر، وجاءت وعلى رأسها طرحتها البيضاء، وجلست إلى جانب والدتي، وأخذت تتلو من الأدعية ما ~~اطمأنت له المريضة وشعرت لسماعه براحة نفسية، لعل سببها أنه أزال ما تبدى لناظرها من شبح ~~المستشفى ومنظر الممرضة. # وقد قامت عمتي بمهمة التمريض بإخلاص وإتقان، لما بينها وبين والدتي من الود الصادق ~~والمحبة الخالصة، فلم تكن المريضة ترغب في شيء إلا سبقت إلى تنفيذ إرادتها بهمة لا تعرف ~~الكلال، وكم من ليلة باتت إلى جانبها ساهرة تقص عليها من أخبار القرية أو من أخبار الحجاز ~~ما تتسلى به المريضة عن آلام كانت مبرحة في بعض الأحيان، وكثيرا ما سمعت العمة العزيزة ~~تمنيها بعد أن يمن الله عليها بالشفاء أن تؤدي فريضة الحج، وتزور القبر النبوي وتتمتع بلمس ~~شباكه ولثمه، ووالدتي تسمع لذلك فيعاود نظراتها ms019 أمل يرد إليها الحياة بعد ذبولها، ولا ~~أحسب ممرضة كانت تستطيع - وإن بلغت من الدقة في عملها أعظم مبلغ - أن تخدم المريضة بخير مما ~~كانت تخدمها الصديقة الوفية الصادقة الود. # وكان الطبيب يعود والدتي كل يوم، بل كان يعودها مرتين أحيانا، وكان والدي يقف إلى جانبه ~~في أثناء هذه العيادة، فإذا فرغ منها وطمأن المريضة بأن صحتها في تقدم، خرج مع والدي ووقفا ~~برهة يتحدثان، وقد لاحظت غيرة مرة أن أسارير والدي خلال هذا الحديث كانت أدنى إلى الانقباض، ~~وأنه كان يودع الطبيب إلى الباب، ثم لا يعود إلا بعد زمن لعله كان يحاول فيه أن يدخل غرفة ~~المريضة بوجه تبدو عليه ملامح الطمأنينة، ولا ينم عن شيء من اليأس والألم! # ولم يكن شيء يبعث الطمأنينة إلى نفس والدتي ما تبعثها إليها صلوات عمتي الحاجة ودعواتها ~~الصادرة من القلب، فقد كانت تؤدي الفرائض لأوقاتها على مقربة من سرير والدتي، وكنت كثيرا ~~ما أأتم بها، فإذا ما قضيت الصلاة رفعت كفيها ضارعة إلى الله أن يشفي المريضة لتتمتع ~~بشبابها وتفرح بابنتها، وكانت نجواها في أثناء هذه الدعوات تخالطها حرارة الإيمان الصادق ~~والرجاء العميق في وجه الله أن يستجيب لها. # برغم هذه الدعوات، وبرغم العناية الصادقة، شعرت والدتي في إحدى الليالي بألم ممض لا ~~قبل لها به، وأسرعت عمتي فأيقظت أخاها من نومه، وجاء والدي مسرعا يحسب أنه يستطيع أن ~~يخفف من هذا الألم بما يضفيه على زوجه من محبة وعطف وحنان، لكن الألم قد بلغ بالمريضة، ~~فكانت تتأوه وترسل من أعماق صدرها أنات تذيب الجماد. وأسرع والدي إلى الطبيب في منزله، ~~فكان كل ما استطاعه أن حقن المريضة بالمورفين تسكينا لحدة الألم، وأن أشار بضرورة استدعاء ~~زميليه اللذين شاركاه في «الكونسلتو» وفي تقرير العلاج. وهدأت حقنة المورفين من شدة ~~الألم، وأغمضت والدتي عينيها في غفوة ذكرت لي عمتي من بعد أنهم كانوا يرجون أن تنام بعدها ~~نوما هادئا، لكن الصباح تنفس عن معاودة الألم للمريضة، ولما جاء الأطباء وفحصوا المريضة ~~كانت ms020 سيماهم تنطق بمعاني اليأس، ولا يبدو في نظرات بعضهم لبعض شيء من الأمل أو الرجاء، ~~وكتبوا تذكرة دواء جديدة، وودعهم والدي منصرفين. # أفأستطيع اليوم أن أصف حالي في أثناء مرض والدتي؟ لقد انقضى الآن على ذلك الزمن ما يزيد ~~على ثلاثين سنة، ولا أزال مع هذا أذكر كيف كنت في ذلك الظرف القاسي أدور في أنحاء الدار، ~~كأني الروح الحائر لا يعرف لنفسه مستقرا، ثم أرتد إلى غرفة المريضة فإذا سمعتها تتأوه أو ~~تئن اضطرب قلبي في صدري، وشعرت بالألم يحز في كبدي، فارتسم ذلك على قسمات وجهي، ثم لم ~~يغنني ما كان يسبغه والدي علي من عظيم عطفه وسابغ حنانه، بل لقد كنت أشعر حين يزيد به ~~الحنان عن مألوف عطفه، كأنني أصبحت يتيمة الأم، وكأنه يريد أن يكون أبي وأمي في وقت واحد، ~~وكانت عمتي تحاول جاهدة أن تقنعني أن والدتي ولله ألف حمد وشكر تتقدم نحو العافية، وتذكر لي ~~أنها رأت رؤيا تفسيرها أن المريضة ستعود إلى مثل صحتها في خير أيام عافيتها، وأن رؤياها لا ~~تكذب أبدا، فأطمئن لحديثها بعض الشيء، ثم لا ألبث حين أسمع أنات الألم تكظمها المريضة ~~جهدها، كلما رأتني مقبلة عليها، أن تذهب طمأنينتي وأشعر في دخيلة نفسي وأعماق وجداني بأنني ~~مقبلة على أمر جلل، فتزداد روحي حيرة، ويزيدني الحنان والعطف الأبوي وحشة على وحشة. # وتشتد مخاوفي أحيانا، وأكاد أسائل نفسي: أأذنبت في حق والدتي يوما حتى أجثو أمامها ~~وأطلب عفوها ومغفرتها؟ بل لقد اعتزمت ذلك يوما، ودخلت عليها أريد أن أقبل وجهها ويديها ~~وقدميها، وأسألها العفو عما لعله سلف مني، لكنها إذ رأتني أتخطى الباب نحوها أشارت إلي ~~إشارة فهمت منها أنها تريد أن تطالعني بشيء أو تسر إلي أمرا، فلما دنوت منها أجلستني ~~على السرير إلى جانبها، وأخذت تقبلني وتبكي، وكأنها هي المذنبة تطلب الصفح، ولم أملك ~~عبراتي فوضعت خدي على خدها، واختلط دمعي بدمعها، ولم تنبس أيتنا ببنت شفة. # وإننا لكذلك إذ دخل علينا والدي، ورأى ما نحن فيه، ms021 فانهمرت من مآقيه عبرات جعل يحاول ~~حبسها، ثم تقدم نحونا، وقد اختنق صوته، وأخذ يقول لزوجته: آمني بالله يا حبيبتي، إنه الرءوف ~~الرحيم، وعما قريب سيشفيك، فلا ترهقي نفسك، ولا ترهقي هذه الصبية العزيزة بما لا طاقة لها ~~باحتماله، ودفعتني أمي عنها دفعا رقيقا لدى سماعها هذه الكلمات، فخرجت من الغرفة مسرعة ~~إلى غرفتي، وحبست نفسي، وأرسلت العنان لدموعي، وبعد هنيهة رأيت والدي يقبل علي وحمرة ~~عينيه تشهد بأنه مسحها ساعة دخوله عندي، وما زال يتلطف بي حتى خرجت معه من الغرفة إلى ~~البهو، وهناك جلسنا ندعو للمريضة بعاجل الشفاء. # لكن رؤيا عمتي والدعوات الصادقة الصادرة من قلوبنا جميعا لم تكن لتغير حكم القدر، فلكل ~~أجل كتاب، وإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون. # فقد خرجت مطلع الفجر يوما من غرفتي، فإذا عمتي جالسة على باب غرفة والدتي، وإذا هي لا ~~تكاد تراني حتى تأخذني إلى صدرها وقد هزه البكاء المختنق وتقبلني وتقول: الأمر لله يا ~~بنيتي، والله يحفظ لك أباك. ثم إنها لم تطق كتمان بكائها، فعلا صوتها به، وبكيت أنا كذلك ~~وارتفع صوتانا، وأقبل أبي وعليه ثياب النوم وما يزال، وأخذ يسكن من ألمي، وكل ملامحه تدل ~~على أنه لا يقل ألما عني، وعبراته تحدث عن عميق حزنه، ولما تنفس الصبح جاء الخدم وهن ~~يتوقعن المصاب الفاجع، فلما عرفنه ارتفعت أصواتهن بالصريخ المزعج، وبعد سويعة أقبلت ~~جاراتنا، وانقلب البيت مناحة تدوي أصواتها فيما حولنا من الأرجاء. # وتركنا والدي إلى غرفته وهو يدق رأسه كأنما خرج الألم به عن صوابه، وأقبل صديق له من ~~جيراننا سمع الصريخ، وكان يتردد من قبل على والدي يسأل عن أخبار زوجته، فلما رآه والدي ~~ناداه قائلا: أرأيت يا أخي خراب بيتي؟! وأخذ الصديق يسكن من لوعة صديقه، ويذكر له أن أهله ~~ومعارفه سيحضرون له عما قريب، فلا مفر له، برغم هول المصاب، من أن يتجمل بالصبر حين يتقبل ~~العزاء، وذهب الرجلان إلى السلاملك بعد أن ذهب والدي إلى غرفته، وارتدى ملابسه محاولا ms022 جهد ~~طاقته أن يبدو في وقاره الذي اشتهر به وعرف عنه. # ودفنت أمي في مشهد مهيب، وتقضت ليالي المأتم الثلاث، وانصرف المعزون والمعزيات، ~~وأقفر بيتنا من روحه، فكنت أرى والدي يتنقل فيه من غرفة إلى غرفة، في حين كانت عمتي تدير ~~شئونه وتبذل الجهد لراحة أخيها وراحتي، وكم رأيت أبي في تطوافه من غرفة إلى غرفة يدق يدا ~~بيد، أو يسير شارد الذهن، مشتت اللب كأنما أذهله الخطب الذي نزل بنا! أو كأنما يفكر في أمر ~~خطير، وكنت كلما رأيته على هذه الحال ازددت شعورا بفداحة اليتم الذي أصابني فحرمني حنان ~~الأم وأنا أشد ما أكون حاجة إليه. وكان والدي يحاول ما استطاع أن يخفف لوعتي، غير متكلف في ~~محاولاته إلا ما يمليه عليه وجدانه، وتفيض به عاطفة الأبوة، وقد اختص بها الابنة الوحيدة ~~التي رزقها منذ تزوج، وكنت ألمح في عينيه حين يحدثني أنه لم يبق له في الحياة أمل غيري، ~~وكنت أتمنى لذلك لو استطعت أن أدخل إلى قلبه من السعادة ما كانت أمي تدخله على هذا القلب ~~العطوف الرقيق، ولم يجر في خاطري أن أبي يمكن أن يتزوج بعد موت أمي، وإنني لفي براءة صباي ~~إذ طرق سمعي حديث يتبادله الخدم فيما بينهن وهن لا يرينني، حديث أفزعني ولم أكد أصدقه، قالت ~~إحداهن إنها سمعت عمتي تتحدث إلى أخيها بأنه لا يزال في فتوة رجولته، وأن بيته لا يصلح إلا ~~أن يتزوج، وأن والدي أظهر بادئ الرأي عدم الرضا إكراما لذكرى المرحومة أمي، بعد الذي كان ~~بينهما من صادق الحب، فكان جواب أخته أنها كانت تحب المتوفاة كما كان يحبها، وأنها حزنت ~~لموتها مثل حزنه، لكن لله في تصاريفه أحكاما لا يدركها البشر، وإنا إذا وجب علينا الوفاء ~~لمن نحب فذلك واجب ما عاش المحبوب، أما إذا اختاره الله إلى جواره فقد سقط عنا هذا التكليف؛ ~~لأن قيمة الوفاء في تبادله، فإذا لم يكن متبادلا فلا مسوغ لوجوده، والأموات يحلوننا بموتهم ~~من واجب الوفاء لهم، ثم إن ms023 عمتي ضربت على الوتر الحساس من قلب أخيها، فقالت: ولعل الله قد ~~كتب لك ذرية صالحة من البنين يحفظون اسمك، ويفتحون بيتك، والزواج سبيلك إلى هذه الذرية، ~~وابنتك هذه لا تستطيع أن تعيش وحدها في هذا البيت الفسيح، فهي بحاجة إلى من تحسن توجيهها، ~~وتقوم بشأنك وشأنها. # وسمع والدي هذا الكلام من عمتي فأطرق قليلا، ثم خرج بالصمت عن كل جواب، وسمعت أنا هذا ~~الكلام من خادمات البيت فأخرجني من أحلامي السوداء حزنا على أمي إلى مخاوف أشد سوادا؛ ~~إشفاقا من المستقبل الذي يفغر فاه ليبتلعني في جحيمه، لكنني لم أكن أستطيع أن أقول شيئا ~~أو أنبس بكلمة، وكل الذي فعلت أن منيت نفسي أن تكون إطراقة أبي شاهدا بعدم رضاه عما سمعه ~~من أخته، ولقد بدأت أشعر لهذه العمة بالبغض والكراهية، وبدأت أفر من كل مكان أراها فيه، ~~فإذا جلست في بهو الطابق الأول أو نزلت إلى الطابق الأرضي أسرعت إلى الحديقة ألتمس فيها ~~الوحدة، وإذا نزلت إلى الحديقة - وقلما كانت تفعل - صعدت إلى الطابق الأعلى والتمست في ~~غرفتي ملجأ أسكب فيه الدمع السخين على هذا اليتم الباكر. # ولست أدري أأفضت عمتي إلى والدي بميلي إلى العزلة، أم أنه لاحظ هذا الميل من تلقاء نفسه، ~~أم أنه كان صريحا حين قال لي إن عمتي تريد العودة إلى قريتها، وإنه يؤثر أن نغير الهواء ~~بالسفر إلى الإسكندرية والمقام بها أسبوعا أو أسبوعين؟ # وسافرنا بالفعل، وسافرت معنا طاهيتنا، ونزلنا طابقا صغيرا استأجره والدي من أحد معارفه ~~كانت به خادم صغيرة السن تتقن تنظيف المسكن وقضاء ما تحتاج إليه الطاهية من السوق القريبة ~~منا. # وكان لهذا التغير في لون حياتنا من الأثر الحسن على نفسيتي ما خفف بعض الشيء من عميق ~~لوعتي، فقد كنت أجد من هواء البحر المنعش في هذه الأيام الأولى من فصل الخريف ما ينشط ~~ذابل حيويتي، وكنت أجد في زرقته الممتدة إلى الأفق حيث يتعانق الماء والسماء مسرحا لأفكار ~~مبهمة يذوب خلالها جوى الحزن الذي ناء به صدري، ms024 وكان صريف أمواجه المتكسرة على الشاطئ يداعب ~~سمعي وكأنه أنغام يبعث تشابهها إلى الأعصاب نوعا من السآمة المريحة التي تدعونا إلى النوم ~~كما تدعو أنغام الأم طفلها الرضيع إليه. # ثم إنني قلما كنت أرى ما ينبهني إلى ذكر والدتي، فقد كان والدي يخرج كل صباح، ثم لا يعود ~~إلا لتناول طعام الغداء، وليستريح بعده في سريره ساعة يخرج بعدها من جديد، ولم أكن أسأله ~~كيف كان يقضي وقته، وكانت الطاهية تدخل مطبخها في الصباح لإعداد الإفطار، ثم لإعداد طعام ~~النهار، أما الخادم الصغيرة فكانت من الإسكندرية، ولم أكن قد رأيتها من قبل، وقلما كنت أجد ~~الفرصة للتحدث إليها، إلا حين تصحبني ساعة خروجي بعد الظهر أسير على شاطئ البحر، وفي تلك ~~الساعة كانت تقص علي أنباء تافهة عن مخدوميها أصحاب الطابق الذي نقيم به، ولم يثر ~~عنايتي من حديثها إلا إعجابها الذي لا حد له بجمال سيدتها، وجمال أخت هذه السيدة التي تزوجت ~~قبلها، ثم ظلت سنوات مع زوجها لم تنجب فطلقها؛ لأنها لم ترض أن تشاركها فيه امرأة أخرى يرجو ~~أن يرزق منها الخلف الصالح. # على أن هذه المسكينة المحسنة التي خففت بعض لوعتي لم تبلغ أن أنستني فادح مصابي، ولا حجبت ~~عني طيف المتوفاة العزيزة التي أذاقني موتها طعم اليتم المرير، فقد كانت تتبدى لي في ~~أحلامي، وكنت أرى طيفها في شبه اليقظة وأنا أنظر من الدار إلى غاية الأفق، وكأنها ترنو ~~إلي بعيون ممتلئة حنانا وعطفا، وكثيرا ما كنت أناجي السماء عند هذا الأفق البعيد ~~أسائلها: لم حرمني الله أمي وما جنت ذنبا، بل كانت البر والرحمة بكل محتاج إلى البر وإلى ~~الرحمة؟! # وكنت أعيد هذا السؤال على نفسي إذا تبدت لي أمي في أثناء النوم، ثم استيقظت بكرة الصباح ~~دامعة العين منقبضة النفس، واستبد بي هذا السؤال أيامنا الأخيرة بالإسكندرية، حتى كنت أخرج ~~أحيانا من صلاتي قبل أن أتمها مخافة أن يجزيني الله بالتعرض لقضائه أو الاعتراض عليه، وكنت ~~في بعض الأحيان أجمع بين يدي كل ms025 قوتي، وأمضي في الاعتراض على ما أراه ظلما وقع بوالدتي ~~وبي، حتى إذا شعرت أنني أصبحت على شفا جرف من هاوية التجديف ارتددت فزعة أبكي، وأنا لا ~~أدري: أكان بكائي فرقا من هول ما اجترحت في حق ربي، أم من هول المصاب الذي أذبل صباي ~~وشبابي، وجعلني أرى المستقبل أمامي أسود لا يبدد ظلمته خيط من ضياء؟ # وأدت بي هذه الحال إلى إهمال بعض صلواتي، وكنت من قبل حريصة على ألا يفوتني فرض منها، كما ~~بدأ يخامرني شيء من الشك فيما كان أستاذي يلقيه علي من دروس الديانة. # وعدنا إلى القاهرة لموعد بدء الدراسة في المدرسة السنية، فلما كنت بين زميلاتي ومعلماتي ~~لم أجد بدا من العودة إلى العناية بمصلى المدرسة محافظة على مكانتي، وانخرطت في الدرس، ~~وضاعفت مذاكرة علومي في البيت، ووجدت في ذلك مسلاة عن همي، وجاءت عمتي من جديد فتولت تدبير ~~المنزل، ثم أعفتني المذاكرة من طول المكث معها، واطردت حياتنا على هذه الوتيرة زمنا كان ~~والدي يسبغ علي في أثنائه أضعاف ما كان يسبغه علي من قبل من عطف وحنان، وأخذت عمتي ~~تدنيني منها، فأنساني مر الزمن ما سمعته من خدم البيت عن حديثها مع أبي في أمر زواجه، فلم ~~تبق في نفسي من ناحيتها تلك الحفيظة التي شعرت بها من قبل، وتعودت حياة اليتم وأخذت أشعر ~~بضرورة الاعتماد على نفسي في كل شأن من شئوني، وبأني مطالبة فوق ذلك بالاشتراك مع عمتي في ~~تدبير شئوننا المنزلية، وبخاصة ما تعلق براحة أبي في ملبسه وفي غرفة نومه، آملة أن يجد في ~~عنايتي بأمره ما يصرفه عن التفكير في الزواج. # | الفصل الثاني # أقبل شهر رمضان بعد أسابيع من بدء السنة الدراسية، فاختار أبي فقيها ندي الصوت، أحيا ~~لياليه مع الفقيه الذي ألفنا سماعه عندنا في هذا الشهر المبارك، فلما كان عيد الفطر خرجت ~~مع والدي وعمتي وزرنا قبر والدتي، وذرفت عليه دمعات سخينة، ووضعت عليه الورود وأغصان الشجر ~~التي أحضرها والدي، وبعد شهرين كان عيد الأضحى، فزرنا ms026 القبر كرة أخرى، وسمعنا عنده من يرتل ~~القرآن، ووضعت عليه الورود وأغصان الشجر، وشعرت بدمعي أقل سخاء مما كان في عيد الفطر، وإن ~~بقي قلبي يشعر بألم اليتم شعورا قاسيا عميقا. # وبعد أسبوعين علمت أن أبي سافر إلى الإسكندرية لأمر لم أعرفه ولم تطل غيبته هناك غير ~~أسبوع ثم عاد إلينا وقد تزوج. # تزوج السيدة الجميلة المطلقة شقيقة صاحبة الطابق الذي نزلنا به حين سافرت معه، فلما دخل ~~البيت معها ناداني وقال: سلمي على «تيزة». ونظرت إليها فإذا هي جميلة هذا الجمال الشركسي ~~البارع، فارعة القد، عالية العنق، دعجاء العينين، رقيقة البشرة، دقيقة الأنف والشفتين، يلفت ~~جمالها النظر ويمسكه. # وسلمت عليها في تأديب، وبقيت هنيهة صامتة، ثم شعرت بأني أطلت المقام، فانفلت مسرعة إلى ~~غرفتي، وقد أحسست بالعبرات تملأ عيني، وخشيت عدم القدرة على أن أحبس في صدري نشيج البكاء، ~~وأغلقت باب الغرفة، وانخرطت في حزن صامت مخافة أن يسمع أبي صوتي، ترى ما عسى أن يكون مصيري ~~مع هذه السيدة البارعة الجمال؟ وهل اصطحبني والدي إلى الإسكندرية ليخطبها إلى نفسه وأنا عما ~~صنع في جهل وعماية؟ # لا ريب أن عمتي لن تلبث أن تغادرنا إلى قريتها وتترك أمر البيت وتدبيره إلى الزوجة ~~الجديدة التي حلت محل أمي، وأصبحت ربة البيت ومن فيه، وستغادرنا عمتي بعد أن دبرت هذا ~~الزواج مع أبي، وبعد أن علمت به منذ عدنا من الإسكندرية، ثم كتمته عني كل هذا الزمن. # وطال احتباسي في غرفتي، ولم يدعني أبي ولم تدعنى زوجه للانضمام إليهما، ولم تفكر ~~عمتي في الدخول علي لمواساتي، وأغلب الظن أنهم رأوا الخير في تركي أسلس العنان لعواطفي ~~في هذه اللحظة الأولى؛ تقديرا منهم لما أثاره هذا الموقف في نفسي من ذكر أمي وذكر مرضها ~~وموتها، لكنني لم أقدر الأمر على هذا النحو في هذه اللحظة، فقد أيقنت أن العزلة أصبحت ~~نصيبي، وأن هذه الزوج الجديدة قد اختطفت أبي كما اختطف الموت أمي، وأني لم يبق لي إلا أن ~~أعتصم برحمة الله وأنزل ms027 على حكم قضائه القاسي. # ولم يدر بخاطري أن زوج أبي لم تلبث بعد أن اطمأنت إلى مكانها من بيتها الجديد أن قامت ~~تدور في أرجائه لترسم في ذهنها صورته، ولترسم بعد ذلك أسباب تدبيره، وإنني لفي مجلسي من ~~غرفتي وقد جف دمعي، وإن ظلت عيناي محمرتين من أثر البكاء، إذ فتح الباب ورأيت الأب والزوج ~~والعمة يدخلون علي ثم يقول أبي موجها الكلام إلي: أنت هنا يا ابنتي! وسرعان ما أقبلت ~~زوجه نحوي وأخذت تطري نظام الغرفة وحسن ذوقي في تنسيقها، وكان صوتها رقيقا فيه من الحنان ~~ما لم تتكلفه، فلما آن لهم أن يتركوا الغرفة أخذتني من يدي، وأخذت تسألني عن شأني سؤال من ~~يعنيه أمري ويحرص على راحتي، ونظرت إليها ألتمس مبلغ الصدق في كلامها فسحرني جمالها، وخلتها ~~ملاكا كريما بعثت به السماء ليضمد جراحي، ويأسو كلوم قلبي! # وسرت إلى جانبها وهي ممسكة بيدي، فلما كنا في البهو وأخذنا مجالسنا منه رأيتها تفتح حقيبة ~~وتخرج منها عقدا جميلا تثبته حول عنقي، ثم تخرج من حقيبة يدها مرآتها الصغيرة لأنظر جمال ~~العقد على صدري، ونظرت في المرآة فأعجبني العقد، وكان أول مصاغ تحليت به من نوعه، وأدرت ~~عيني إلى ناحية أبي، فإذا على ثغره ابتسامة راضية تشهد باغتباطه لما يرى. # غادرتنا عمتي بعد ثلاثة أيام إلى قريتها، وانخرطت أنا في نشاطي المدرسي، وفي الدروس ~~الخاصة التي كنت أتلقاها في اللغة العربية وفي الديانة، وأنا أحسب أن شيئا ما لم يتغير في ~~حياتي المنزلية، ترى هل كان للجمال البارع الذي اختصت به زوج أبي أثر في هذا الحسبان؟ فقد ~~تخطت الثلاثين وكانت في نظرتها مع ذلك براءة الطفولة، وفي ضحكتها سذاجة الصبا الذي تتفتح ~~عنه هذه الطفولة، وكانت قسمات محياها كأنما صورها فنان أدق تصوير مر بخياله، وكان شعرها ~~الناعم الفاحم المنسدل على كتفيها خير إطار يزيد حديث عيونها بلاغة، وجمال قسماتها روعة ~~وسحرا، وكان قوامها بهجة للنظر باعتداله ودقته، وكان كل شيء فيها يقف الناظر إليها ~~مسبحا بقدرة الخالق ms028 الذي أبدع هذه الفتنة الباهرة، وكانت حركاتها وسكناتها طبيعية، وتبدو ~~مع ذلك وكأنما درست بعناية لم تذر للمصادفة حظا في شيء منها، وكنت كلما رأيتها سحرت بها ~~وازددت إيمانا بالله بارئها وشعرت بأن لجمالها من السلطان على جناني ما كان لحنان الأم ~~الرءوم من السلطان على وجودي كله. # تنصفت السنة الدراسية ثم قاربت نهايتها وأنا منكبة أشد الانكباب على دروسي، ووالدي يحضر ~~كعادته درسي الخاص مع الشيخ موضع ثقته، وإنني لكذلك إذ مرضت وانقطعت عن المدرسة قرابة عشرة ~~أيام، فلما أبللت وأردت الإقبال على الدرس لأستعيض ما فاتني في أثناء علتي، دعاني والدي ~~إليه وقال لي: «لقد رأيت يا ابنتي خوفا على صحتك أن تنقطعي عن المدرسة ولا تذهبي إليها منذ ~~غد.» # ولم يكن لي عهد بأن أناقش قرارا اتخذه، فخرجت من عنده وآويت إلى غرفتي وقد عرتني الدهشة، ~~صحيح أنني كنت أسمع زوج أبي تبدي من البرم بتعليم البنات الشيء الكثير، وتذكر أن البنت ~~خلقت للبيت وللأمومة، لا لممارسة الأعمال والوظائف الحكومية، وأن الخير لذلك كل الخير في ~~أن تتدرب منذ صباها الباكر لتتقن ما ستقوم به في مستقبل حياتها. # لكني لم أكن أعير حديثها في هذا الشأن بالا؛ لأني كنت أعلم أن أبي على غير هذا الرأي، ~~وأنه يرى أن تعليم الفتاة تعليما عاليا بعض ما يجب لكمال وجودها الإنساني، واحتياطا ~~لمستقبلها حتى يكون لها فيه من الحرية ما يرفع عنها ذلة العبودية للرجل، أيا كان مصدر هذه ~~الذلة، فماذا حدث؟ ما الذي دفع والدي ليبلغني هذا القرار ولم أبلغ بعد من التعليم غاية ~~مرحلته الثانوية؟ وهل للمرأة من الأثر على الرجل، وإن كان حصيفا حصافة أبي، أن تبدل تفكيره ~~كما تشاء؟ أم أن السلطان كان لهذا الجمال الساحر الذي اختصت به زوج أبي؟ أيا كان الأمر ~~لقد أيقنت من اللهجة التي أبلغ بها هذا القرار إلي أنه قرار مبرم، لا رجعة فيه. # وكان لهذا القرار أسوأ الأثر في حياتي، فقد أنشأ عندي عقدة نفسية لازمتني، ولم أنج ms029 قط ~~منها ، وقد كان الأثر الأول لقرار أبي أن بدأت أعرف ما كنت أجهل، بدأت أعرف الكراهية، وكان ~~قلبي لا يعرف غير الحب، كنت أحب الناس على اختلاف طبقاتهم، وكنت أحب الطبيعة وفتنة جمالها، ~~وكنت أحب الحيوان والطير، وكنت أحب الحياة ونعمتها حبا جما؛ ذلك بأنني لم أشعر منذ ولدت ~~بما يزهدني في الحياة، بل كان المتاع بها وبكل ما فيها بعض حظي. لقد كنت وحيدة بين أمي ~~وأبي، وكانا يفيضان علي من حنانهما وبرهما ما يجعل الهواء الذي أتنفسه كله الحنان ~~والرحمة، وكله المحبة والود، وكله نسمات السحر وبسمات الزهر وأغاريد الطير والشذا المتضوع ~~بأرق العواطف وأحلاها، لكني ما لبثت حين سمعت هذا القرار يبلغه إلي أبي أن شعرت بأن زوجه ~~صاحبة الوحي به، وأن ما أسمعه عن زوج الأب وبرمها بأبناء زوجها صحيح، وشعرت لذلك بهذه ~~العاطفة الكريهة عاطفة الكراهية تندس إلى قلبي، وتجد منه مكانا لم يكن لها من قبل فيه ~~موضع. # وعجبت كيف ينطوي هذا الجمال الفاتن الذي صوره الله في هيئة هذه المرأة على روح خبيثة كل ~~هذا الخبث، وكيف تستر هذه النظرات البريئة قلبا آثما كل هذا الإثم! وأيقنت في قرارة نفسي ~~أن برمها بتعليم البنت لم يكن رأيا تؤمن به وتبديه، بل كانت البنت أنا، وكانت برمة بتعليمي ~~أنا، ولهذا لجأت إلى كل وسائلها وكل حبائلها وكل شباكها، فانتشرت بسلطان جمالها في دخيلة ~~أبي، وحملته على أن يتخذ قراره فيحرمني نعمة كانت لذتي وسلواي، وكانت صارفي عن أن أرى ما في ~~الحياة من قبح وسخف. # وأخذت أفكر كيف أقاوم ما قررا، ولم يكن الذهاب إلى المدرسة سبيلي بطبيعة الحال إلى هذه ~~المقاومة، فأنا لم أكن أذهب إليها وحدي، بل كان يصحبني في ذهابي إليها وأوبتي منها بوابنا ~~العجوز، كما أنني لم أكن أستطيع أن أعلن هذا العصيان الصريح، وأنا موقنة أن ثورتي لن تلبث ~~أن تتحطم، ولن يكون من أثرها إلا أن يغضب مني والدي وتشمت زوجه بي، ولذلك قررت أن أقضي معظم ms030 ~~وقتي في قراءة ما أستطيع قراءته من كتب عربية وإنجليزية أستطيع الحصول عليها بوسائلي، ولم ~~أجرؤ يومئذ أن أستشير أحدا فيما أقرؤه، فكنت أقرأ كل ما يقع في يدي، صالحا كان أو طالحا، ~~نافعا كان أو ضارا. # وبدأت زوج أبي تشغل نهاري بما سمته إعدادي لحياتي المقبلة، فأخذت تعلمني التطريز والخياطة ~~والطهي وما إلى ذلك مما يتصل في نظرها بتدبير المنزل، فهي لم تكن تعرف القراءة والكتابة، ~~لكنها كانت تجيد هذه الأعمال كما كانت تجيد العناية بجمالها كل الإجادة؛ لذلك كان إشرافها ~~على نظام المنزل وحسن تدبيره وعلى كل ما نأكل ونشرب بالغا غاية الدقة، صحيح أنها لم تكن ~~تباشر من ذلك شيئا بنفسها، لكن نظرتها إلى ما يجري في المطبخ أو في الكرار، وإلى ترتيب ~~الأثاث وحسن تنسيقه، وما تبديه في هذه الشئون من نقد وما تصدره من أوامر، ذلك كان كافيا ~~ليجعل عيون الخدم في رءوسهم، فلا يهملون شيئا، ولا يغفلون واجبا، وهي لم تكن مسرفة ولم ~~تكن مقترة، وكانت تعرف كيف تضع كل شيء في محله؛ لذلك أسرعت إلى كسب ثقة أبي كما كسب جمالها ~~ناظره وقلبه وعواطفه منذ اللحظة الأولى. # أما أنا فلم أكن شديدة الإقبال على ما تعلمني من شئون المنزل، أكان ذلك رغبة مني عن هذه ~~الشئون، أم كان لأنها هي التي تعلمني إياها؟ وقد خلق انقطاعي عن المدرسة جفوة بيني وبينها ~~جعل كل ما تقوله لي أو تريدني أن أتعلمه موضع الريبة عندي، وأقبل والدي يوما يوجه إلي ~~لوما رقيقا على ما يبدو من عدم إقبالي، وينصح لي في لطف أن أقدر عناية زوجه بي وحرصها ~~على مستقبلي، فازددت بسبب ملاحظته نفورا من زوجه؛ إذ شعرت أنها تريد أن تصرف عني محبته ~~لتستأثر وحدها بكل قلبه، وذكرت له أنني ربما ازددت إقبالا على هذه الشئون لو تعلمتها في ~~مدرسة، فابتسم ابتسامة ذات معنى وتركني وشأني؛ إذ أدرك أنني أريد أن أبتعد عن البيت وربته ~~جهد المستطاع. # وخيل إلي بعد زمن أنني وجدت الوسيلة ms031 لما أريد ، فذكرت لأبي بحضور زوجه أن المرحومة ~~والدتي كانت تود لو تعلمت البيانو، ذكرت ذلك وكنت مقتنعة بأن امرأة والدي ستعارضه، ولشد ما ~~كانت دهشتي إذ رأيتها تقول: كلامك هذا معقول يا عزيزتي، فكل فتاة مهذبة لا تعرف اليوم أن ~~تلعب إحدى آلات الطرب ينقصها شيء جوهري لحياتها الزوجية، ثم أشارت إلى والدي قائلة: ومن ~~الخير أن تشتري لها البيانو منذ الآن، فهو بعض جهازها، ومتى جيء به إلى البيت جاءت معلمته ~~تدرسه إلى بنتنا. # ونظر إلي أبي مبتسما، وهز رأسه كأنما يعاتبني على ما يدور بخاطري من ظنون بزوجه، ~~وكأنما يقول لي: إن روحها جميلة جمال شخصها، وإنها تحبني حبها لابنة أحشائها. وجاوبت ~~ابتسامته بابتسامة مثلها شكرا له على عطفه، وانتظارا للبيانو الذي كنت أحلم به. # وكان حقا علي أن أشكر زوج أبي لتأييدها طلبي، لكنني لم أفعل، فقد كنت أريد أن أتخذ من ~~تعليم البيانو فرصة للفرار من جو المنزل، أما أن تجيء معلمة البيانو إليه فقد أصبحت دروسه ~~تحت سمع امرأة أبي وبصرها، وهذا السمع والبصر يضيعان علي الفرصة التي كنت أطمع في ~~انتهازها، ولم أكن أستطيع أن أعبر عما يخالج خاطري من ذلك مخافة أن يساء تأويله، وما ~~أغناني عن سوء التأويل، وحسبي أن صديقتي وزميلتي التي كانت تقيم على مقربة منا كانت تكثر ~~التردد علي، وكان يسمح لي برد بعض زياراتها. # واشترى والدي البيانو، وجاءت معلمته فأكببت على استذكار دروسه إكبابي على قراءة كتبي، ~~بذلك شغلت معظم وقتي ولم يبق فيه لتدبير المنزل في صحبة زوج أبي ما يثقل على نفسي أو تنوء ~~به روحي، ومع ذلك بقيت الحيرة تتولاني كلما خلوت هنيهة إلى نفسي، وأشعر كأني غريبة في هذا ~~المنزل الذي ولدت به، والذي أعيش فيه مع أبي، وكأن روحا آخر يرفرف من وراء الحجب، يريد أن ~~يطمئن علي، وعلى أنني لا أنوء بألم الحياة. # وكان أبي يشاركني الحيرة، وإن كانت حيرته من نوع آخر، لقد كان يسبقني إلى رغباتي، فلم أكن ~~أطلب ms032 شيئا إلا أجابني إليه، وأضاف إلى ما طلبت ما يظنه يزيد في غبطتي، وكان يرى زوجه ~~تشاركه في العمل على إرضائي، ثم يراني برغم ذلك قليلة الابتسام ميالة إلى العزلة، يبدو ~~علي دائما أن شيئا ينقصني، وأنني غير مستريحة لما أنا فيه، وكان من حقه والأمر كذلك ~~ألا يعبأ باعتزالي، لكنه مع ذلك يحاول دائما أن يبلغ مرضاتي، على حين كانت زوجه ترى في ~~تصرفه من المبالغة في تدليلي ما لا يتفق مع حسن تربيتي. # ولقد طالما ذكرت تلك الأيام، بعد أن تزوجت وصرت أما، وطالما سألت نفسي: أكنت متجنية في ~~حيرتي وفي عزلتي وفي عدم رضاي؟ فلم يكن ينقصني يومذاك شيء، ولم تكن زوج أبي تسيئني بكلمة، ~~وكان جوابي عن هذا التساؤل هو الجواب الطبيعي، فسعادتنا لا تتعلق بحاجتنا المادية بقدر ما ~~تتعلق بحالتنا النفسية، وبإحساسنا وعواطفنا، ولئن جرت في شأن امرأة الأب الأقاويل، لحق أن ~~زوج أبي لم تتعمد يوما أن تجرح عواطفي، أو أن تمنع عني خيرا، بل لقد كنت أرى والدتي قبل ~~مرضها ووفاتها توجه إلي من ألوان النقد ما لم توجهه إلي زوج أبي. # لكن النقد الذي كانت توجهه إلي أمي، والذي كان يغضبني أحيانا، كان صادرا من أمي، كان ~~الدواء الذي لا نسيغ طعمه أحيانا ولكننا نرى فيه الشفاء، فإذا لم نؤمن بأن فيه الشفاء فلا ~~ريب عندنا في أنه صادر من قلب سليم، وإخلاص صادق لخيرنا، بلا ريب عندنا في أن الحنان ~~المتفجر من أعماق القلب البر العطوف، قلب الأم، يمحو كل ما في هذا الكلام من شائبة تكدر ~~صفونا. وهل الأم كلها، وكل ما يصدر عنها، إلا حنان وبر وعطف، وإيثار لبنيها على نفسها؟ وهل ~~الأم وما أنجبت إلا شجرة واحدة تتشعب فروعها، وكل ما يمتصه الجذع من أسباب الحياة إنما ~~يمتصه لحساب هذه الفروع ولبهائها ونمائها وحسن إثمارها؟ أولا تدل قوانين الوراثة على أن ~~الأسرة وحدة متصلة على الزمن، وأن عصارة الحياة في عروق الأجداد تمتد إلى أحفاد الأحفاد، ~~وقلب الأم ms033 يعرف نفسه ، ولا يفرح لصاحبته أو يأسى لما يصيبها، وإنما فرحه لابنها أو لابنتها، ~~وأساه لما يصيبهم؟! والأم تجمع إلى قلبها قلب الأب لتسكبه حنانا ومحبة وبرا في روح ~~ذريتها، هذا كله تراث معنوي ضخم هو مصدر طمأنينتنا للحياة وسعادتنا فيها. # أما زوج الأب فشخص مستقل عنا كاستقلالنا عنه، تتضارب مصالحه مع مصالحنا، وميوله مع ~~ميولنا، وهي تنافسنا في كسب قلب أبينا زوجها، قد تنشأ بيننا وبينها صداقة، ولكن محال أن ~~يربط الحب الصادق بين قلبها وقلبنا، وأنى لها حب الوالدين لأبنائهما، وإن بلغت من طيبة ~~القلب وصفاء النفس أعظم مبلغ؟ أذكر قصة طريفة تصور في سخرية عاطفة الأمومة، وكيف تسمو ~~بفطرتها على العقل ومنطقه، فقد كان لواحد من أقارب أبي زوجتان أنجبتا في عام واحد ولدا ~~وبنتا، وكبر الطفلان، وكان للولد غرام بأن يعض بأسنانه من يناوشه، وتأصلت هذه العادة فيه، ~~فكان يلجأ إليها من غير أن يناوشه أحد، وإن أخته لتجلس إلى جانبه يوما إذ بدا له أن يعضها ~~ففرت منه إلى أمها، وحمتها أمها من أخيها فبكى وأمعن في البكاء، وعرفت أمه سبب بكائه فصاحت ~~بضرتها: «ألا تشفقين على هذا الطفل؟ وما ضر أخته إذا هو عضها واستراح وانصرف عن ~~البكاء؟» # فأجابت أم الطفلة: «أتريدين أن يستريح هو وأن تبكي أخته لغير ذنب جنت؟ فليبك ولينفلق من ~~البكاء فلن أريح شذوذه!» # وتبادلت الضرتان ما شاءت الشحناء أن تتبادلاه من عبارات أوحت بها لكل واحدة منهما ~~أمومتها، ألا يدل ما في هذا الحادث من سخرية وسخف على احتقار نظرة الأمومة لكل منطق؟ أو لو ~~كان الطفلان توءمين لأم واحدة، أفكانت تحاول أن تريح شهوة الولد على حساب البنت، أو أن ~~تدع الولد يمعن في بكائه ولو انفلق؟ أم كانت تجد في حنان أمومتها ما يسكن الطفل عن غضبه، ~~وما يصلح بينه وبين أخته من غير أن يعضها؟ # ولا ذنب على زوج الأب فيما تتهمها به الأقاويل، فالأقاويل تريدها أن تكون لغير بنيها، وهي ~~لا تستطيع ذلك وإن حاولته، ms034 ولا وزر في ذلك عليها، إنما الوزر على الرجل الذي تزوج بعدما ~~أنجب بنين، سواء تزوج في حياة زوجه الأولى أو بعد وفاتها، وما حاجة الرجال إلى الزواج بعد ~~أن يصبحوا آباء؟! إن نساء كثيرات يكرسن حياتهن لتربية ذريتهن، وحق على كل امرأة وكل رجل أن ~~يكون ذلك شأنه. # لست أدري لم أنزع الساعة للدفاع عن امرأة الأب بعد الذي كنت فيه من حيرة وعزلة وعدم رضا ~~منذ تزوج أبي إثر وفاة أمي؟! فلأدع هذا ولأعد إلى قصتي، لقد انقضت الشهور منذ اشترى والدي ~~لي البيانو، ومنذ عكفت نهاري على استذكار دروسه عكوفا أنساني شئون المنزل، وكيف تكون ~~العناية بتدبيره، مع ذلك بقيت أشعر بالوحدة والعزلة برغم عطف أبي وحنانه، ولقد زاد في شعوري ~~هذا حادث لم أكن أحسب أنه سيترك في نفسي أثرا، فقد كان طبيب من كبار الأطباء المتخصصين في ~~أمراض النساء يتردد على المنزل ويعود زوج أبي، وقد كان أول أمره لا يبدو عليه حين انصرافه ~~ما يدل على جديد، واستمر كذلك شهورا حتى رأيته يوما متهللا، ورأيت والدي يودعه إلى الباب ~~الخارجي وعلى ثغره ابتسامة عريضة تنم عن مسرته واغتباطه، وسرعان ما علمت أن زوج أبي حامل، ~~وذكرت لسماع هذا النبأ حديث عمتي لأبي بعد قليل من وفاة أمي تحرضه على الزواج لينجب الخلف ~~الصالح، وليكون له بنون يحفظون له اسمه وذكره. عما قريب إذن سيشركني في عطف أبي طفل يستأثر ~~بقلب أمه وبكل روحها ووجودها. # أتراني يومئذ أحب هذا الطفل كما لو كان ابن أبي وأمي؟ وماذا يكون موقف أمه مني؟ لعلي لم ~~أبلغ من تحليل الموقف ما يجول الآن بخاطري، ولكني ازددت إكبابا على البيانو نهارا وعلى ~~القراءة ليلا، ولم ألق بالا لما بدا على زوج أبي من أعراض كانت تلزمها سريرها أحيانا، ~~وتدعوها لتكليفي بمراقبة ما يدور في المنزل، أما أبي فقد ازداد حدبا على زوجه ورعاية لها، ~~وجعل يدعو الطبيب ليراها كل أسبوع أو أسبوعين مبالغة في العناية بها، وبالطفل المستكن في ms035 ~~أحشائها، وكان الطبيب يستصحب في بعض زياراته طبيبا شابا يعاونه في قياس الضغط، أو في ~~إجراء بعض تحاليل سريعة يرى الطبيب المباشر أنه في حاجة للوقوف على نتائجها لوقته. # وكان هذا الطبيب الشاب وسيما دقيق العناية بهندامه، وفي عينيه بريق خاص ينم عن الذكاء ~~والطيبة مجتمعين، وقد كان يسرع بالدخول مع الطبيب الكبير إلى غرفة الحامل، فكان قصاراي ~~أن ألمحه من وراء حجاب ساعة دخوله وخروجه، وكانت نظراته وحركاته تجعلني أغتبط بما أرى منه، ~~وأود لو أستطيع التعرف إليه، أما هو فكان في شغل عني بما يوكل إليه إجراؤه في أثناء ~~الزيارة، فإذا انصرف مع الطبيب الكبير المتخصص في أمراض النساء تابعته بنظري من نافذة ~~غرفتي. # ولم يكن لي سبيل إلى التعرف إليه، والحجاب المضروب على النساء كان يومئذ على أشده، فلم ~~يكن يتاح لواحدة من بنات طبقتنا أن تقف مع رجل أو تتحدث إليه أيا كانت سنه، بل لقد كانت ~~الفتاة تخطب إلى شاب لم تعرفه ولم تره، ويكون القول الفصل في زواجها منه لأمها ولأبيها، ~~وكان العار أكبر العار أن يكون لها في الأمر رأي، أو تكون لها فيه كلمة. # وانقضت مدة الحمل، ووضعت زوج أبي غلاما جميلا ابتهج والدي بمولده، وفاض عنه السرور به، ~~وجاءت أخت زوج أبي، وأقامت لها حفل «سبوع» منقطع النظير، بدأت أشعر نحو هذا الطفل البريء ~~بعاطفة الأخوة التي لم أعرفها من قبل، فلما صلب عوده وأصبح مستطاعا حمله كنت آخذه من ~~مربيته وأضعه في العربة في بهو الطابق الأول، كما كنت أجد في النزول به إلى الحديقة خير ~~تسلية، حتى لقد كانت هذه التسلية تصرفني إلى حد كبير عن استذكار دروس البيانو. # وتوعك الطفل فجن جنون أمه، وأسرعت إلى استدعاء الطبيب الشاب الذي عرفته أيام حملها، وفحص ~~الطبيب الطفل وطمأن أمه وأباه، وأخذ يحدثهما عما يجب من رعاية «لولي العهد»، ورغبت الأم أن ~~أسمع كلام الطبيب اقتناعا منها بأنني أقدر من المربية على العناية بالطفل، ولم يجد أبي ~~بأسا بدعوتي، فلو أنني ms036 مرضت لعادني هذا الطبيب وأنا في فراشي، فلما ناداني وعرفت أن الطبيب ~~لا يزال في غرفة الطفل شعرت بقلبي يخفق، ثم هدأت نفسي إذ وجدت الفرصة سانحة لما كنت أطمع ~~فيه من التعرف إلى هذا الشاب الذي كان يكبرني بعشر سنوات أو نحوها ومن محادثته، واستمعت ~~إليه يصف الدواء، فأخذت أسأله عن تفاصيل طعام الطفل وشرابه ونومه واستحمامه، وسرت زوج ~~أبي بما بدا من عنايتي بابنها، فنظرت إلى الطبيب نظرة استعطاف، وقالت: لا تؤاخذها يا دكتور، ~~فهي تحب أخاها أصدق الحب، وهي تتولى الكثير من شئونه. # ووصف الطبيب دواء بسيطا، وقال إنه سيعود بعد ثلاثة أيام ليطمئن على صحة الطفل وعلى أثر ~~الدواء، وعنيت أنا خلال هذه الأيام الثلاثة بتنفيذ أوامره في شأن الطفل بدقة أثارت إعجاب ~~أمه ومسرة أبي، وكنت أنتظر اليوم الثالث بصبر نافد، وبخاصة لأنني رأيت الطفل قد زالت ~~وعكته وعاودته الابتسامة البريئة الملائكية التي تجعل الأطفال جميعا أحباب الله، وتجعل هذا ~~الطفل الجميل ملاكا يشع منه نور يسعد كل من حوله. # وجاء اليوم الثالث، وجاء الطبيب ورأى الطفل، وأبدى اغتباطه بشفائه، ولم تضن علي زوج أبي ~~بشهادة طيبة؛ إذ قالت إنني أنا التي بذلت كل العناية في تنفيذ العلاج، وأدار الطبيب الشاب ~~نظره إلي وقال: يظهر أن للآنسة غراما بالطب، أم أن حبها لأخيها وعاطفتها الرقيقة نحوه ~~كانا أشد أثرا من الدواء في سرعة برئه، وأنا مع ذلك سأعود بعد أسبوع لأزداد اطمئنانا ~~على صحته، فالأطفال في سن التسنين معرضون لوعكات لا خطر منها، ولكنها تزعجهم وتزعج أمهاتهم ~~أحيانا. # وجعل الطبيب يعود الطفل بعد ذلك كل أسبوع، وجعلت أنا أزداد بهذا الأخ الصغير الجميل ~~عناية، وله حبا، أفكانت عاطفة الأخوة وحدها مبعث هذه العناية؟ أم كان مبعثها فطرة الأمومة ~~التي تتحرك في أحشاء كل شابة لمرأى طفل جميل ولاجتلاء ابتسامته ولاتصال جسمه بجسمها؟ أم ~~ترى كان لهذا الطبيب وزياراته المتعاقبة أثر في هذه العناية؟ يصعب علي أن أبدي حتى ~~اليوم رأيا في الأمر، ولعل هذه الدوافع ms037 جميعا كانت ذات أثر فيه، ولكن الذي أذكره أدق ~~الذكر أنني برغم ما شعرت به نحو هذا الطبيب من جاذبية، وما كنت أجد في حديثه من متعة، كنت ~~شديدة الحرص على ألا تبدر مني بادرة تكشف عما في نفسي، بل كنت أبدو أشد حرصا على أن أثير ~~إعجابه وتقديره لعنايتي بأخي مني على أن أكشف له عن عواطفي. # فقد سمعت أن إحدى زميلاتي في المدرسة أحبت شابا نابها، وعرضت نفسها عليه ليتزوجها، ~~فرغب عنها وخطب غيرها، فلما تمت الخطبة حاولت هذه الزميلة الانتحار، وإن كبريائي لتسمو بي ~~عن أن أعرض نفسي على كائن من كان، بل إني لأشعر بأن الحب إذا انحدر بصاحبه - رجلا كان أو ~~امرأة - إلى هذه المنزلة كان ضعفا يجب أن تتنزه عنه كل نفس مهذبة. # وقد استأثر أخي الطفل بقلب أمه وبعقلها وبكل وجودها، فلم تكن ترى في محيطها غيره، ولم تكن ~~تسمع غير صوته، لقد كنت أراها جالسة إلى أبي يتحدث إليها وتستمع هي إليه، ثم أراها تندفع ~~قائمة نحو غرفة الطفل تقول: إنه يبكي! # هذا ولم يكن أينا سمع بكاءه، وتجيء به وقد حملته إلى صدرها وقلبها، فإذا الدموع بالفعل ~~في عينيه، وإذا هو حقا كان يبكي في صمت لا يسمعه إلا قلب الأم، ولم يكن أبي يسمع هذا ~~البكاء الصامت، ولكنه لم يكن لذلك أقل إقبالا على الطفل وإعزازا له من أمه، كنت أرى هذا ~~الرجل الرزين الحصيف يدخل إلى البيت وفي يده غير مرة في الأسبوع لعبة من لعب الأطفال ممن هم ~~في مثل سن أخي، وكان يجد متاعا بل سعادة كلما رأى الطفل يبتسم، أو سمعه يضحك، وكان ~~الوالدان يزدادان للطفل حبا كلما تقدم نموه، فلما استطاع أن يقف على قدميه ليمشي كانت ~~حركاتهما لتشجيعه تثير الضحك، لكنني لم أضحك لأنني كنت أحب أخي كما كانا يحبانه، وكنت سعيدة ~~كسعادتهما به. # وشغل «ولي العهد» خدم البيت كما شغل سادته، فلم تكن مربيته وحدها تلحظ حركاته وسكناته ~~بعطف وعناية، بل كانت كل ms038 واحدة من الخدم تود لو استطاعت أن تخدم سيدها «البيه الصغير» لتسعد ~~بهذه الخدمة، ولتنال بها حظوة عند أمه وأبيه وأخته، ولست أبالغ حين أذكر أن الكل كانوا ~~يسعدون لعنايتهم بهذا الطفل البريء الذكي الجميل، وكانت أمه مع ذلك تخاف عليه من خياله، ~~فإذا سقط على الأرض وهو يمشي أقامت الدنيا وأقعدتها، وإذا صاح لأن أحدا أخذ منه شيئا ~~مخافة تلفه صاحت لصياحه، وأثارت في البيت ضجة كأن حادثا خطيرا حدث، ولم يكن أبي يلومها ~~على شيء من ذلك أو يسدي إليها النصيحة لخير الطفل، بل كان يجاريها في غضبها ورضاها؛ لأنه ~~كان لا يرى إلا بعينيها، ولا يسمع إلا بأذنيها، ولا يعرف في الحياة منطقا غير ~~منطقها. # بدأت برغم حبي لأخي أضيق ذرعا بهذه المبالغات، وأشعر أنني أصبحت من رعاية أبي في المحل ~~الثالث لا في المحل الثاني، وأن أخي وأمه مفضلان علي عنده، فازداد برمي بزوج أبي، وأحسست ~~أن البيت على سعته يضيق بي، وكنت قد تجاوزت إذ ذاك السابعة عشرة من سني حياتي، وكانت ~~صديقتي التي تعيش مع أبويها على مقربة من بيتنا قد خطبت إلى شاب موظف في الحكومة أثنى ~~عليه أبي غير مرة أمامي. # قلت في نفسي: أولا يكتب لي الحظ ما كتب لها فأنتقل إلى بيتي أنا بدل أن أبقى حبيسة مع ~~امرأة أبي؟! وتصورت يوما قريبا يكون لي فيه طفل كأخي أسبغ عليه من حبي ومن قلبي ومن ~~عنايتي ورعايتي كل ما يحتويه قلب الأم من بر وحنان. # ساورتني هذه الأحلام واشتد أخذها بخناقي حين اشتدت لهفة زوج أبي على ابنها الطفل حتى جعلت ~~تلومني على ما سمته عدم عنايتي به، وهي قد زادت في التثريب علي منذ رأتني عدت أستذكر ~~دروسي على البيانو، وأقضي وقتا غير قليل أمامه، فقد كنت أهملت هذه المذاكرة شهورا عدة ~~لفرط اشتغالي بأخي، فلما رأيت مخاوف أمه ولهفتها عليه، وتعلق أبيه به أخذت أعود إلى دروسي ~~أتسلى بها عن هذا الشعور الذي استبد بي، وجعلني أشعر أنني ms039 صرت من رعاية أبي في المحل ~~الثالث، ولئن حز هذا الشعور في نفسي لقد دعاني من بعد إلى أن أتساءل: ترى لو أن أمي لم ~~تمت وأنجبت غلاما كما أنجبت زوج أبي، أكانت الرعاية الأبوية تنصرف إليه عني كما انصرفت إلى ~~أخي من غير أمي؟ أم كنا نعيش أسرة واحدة يجري في عروقها دم واحد هو ماء الحياة الذي يمتصه ~~جذع الشجرة ليبعث منه إلى فروعها البهاء والنماء والحيوية المترعرعة بمعاني النعمة ~~والسعادة؟ فأين نحن الآن من هذا الوضع؟ إن الفرنسيين يعبرون عن الأخ أو الأخت لأب، وعن الأخ ~~والأخت لأم أنه نصف أخ، أو أنها نصف أخت، وقد يكون لهذا التصنيف المادي ما يسوغه، ولكني ~~أحسب أن للتعبير الفرنسي معنى أعمق من ذلك بكثير، معنى يتناول الجانب العاطفي في صلات ~~الأسرة وأفرادها بعضهم ببعض، فصلة الأم بأبنائها صلة مباشرة، هم من دمها ولحمها، ومن قلبها ~~وروحها، ومن أعماق وجودها، أما صلة الأب بالأبناء فصلة بالواسطة، والأم هي هذه الواسطة، ~~فإذا كان له أبناء لأكثر من أم تأثرت عواطفه لأبناء كل أم بمبلغ ما بينه وبين الأم من مودة، ~~وإن اختلف هذا الأثر في نفس أب عنه في نفس أب آخر، هذا إذا كانت الأمهات جميعا ~~أحياء. # أما في مثل حالنا حين تكون أم حية وأخرى قد انتقلت إلى جوار الله، فذكرى المتوفاة تقوم في ~~نفس الأب مقامها، وإن كان الحاضر أفعل أثرا من الغائب، وأبي كان يحب أمي أشد الحب، وهو ~~اليوم يحب زوجه أشد الحب، ولا يستطيع الحاضر أن يحجب الماضي، وإن استطاع أن يتغلب عليه، ~~ولطفولة أخي ولجمال أمه أثر في هذا الغلب. # ولعلي لو أتيح لي من الحظ ما أتيح لصديقتي التي تقيم مع أبويها قريبا منا فخطبت ثم ~~تزوجت لاسترددت رعاية أبي كاملة، ولتخلصت من لوم زوجه إياي وتثريبها علي. # وفيما تساورني أحلامي عاودت الوعكة أخي ودعي الطبيب الشاب لعيادته، فلما رآني أخذ ~~يسألني عنه، ثم يسألني عن نفسي، وكان هذا الطبيب هو الشاب الوحيد ms040 المثقف الذي أتيح لي أن ~~أتحدث إليه غير الشباب من ذوي قرباي وأبناء أسرتي، ولم يكن واحد من هؤلاء يطمع في يدي؛ ~~لأنهم كانوا ينظرون لأبي على أنه أكبر مقاما وأوسع ثروة وأعرض جاها من آبائهم جميعا، ولم ~~أكن أشعر نحو أحد منهم بمحبة ولا بجاذبية خاصة؛ ولذلك كنت أتمنى لو أن هذا الطبيب خطبني إلى ~~أبي، ولو أن أبي قبل هذه الخطبة وبشرني بها. # ومن يومئذ جعلت أخلق لنفسي منه تمثال المحبوب العزيز الذي أتمناه لنفسي، وكان أشد ما ~~جذبني إليه ما تنم عنه نظراته من طيبة قلبه، ورقة شعوره، وهو قد بلغ من ذلك مبلغا غير ~~مألوف، كان - برغم أنه طبيب - يتحدث عن مرض أخي والدمعة تترقرق في عينيه، وكان إذا قص على ~~والدي نبأ من الأنباء بدا عليه التأثر لكل مصاب أو محزون، وكان إلى ذلك محبا للحياة ~~ومتاعها، تبدو عليه آثار اليسار والنعمة. كانت السيارات في ذلك العهد مركبا نادرا، وكانت ~~له مع ذلك سيارة أنيقة يسر العين مرآها، أما وذلك شأنه فلا بد أن يكون خلقه رضيا، وأن ~~تكون الحياة معه حياة طمأنينة ونعمة وسعادة. # وجاء يوما يعود أخي، وكان والدي قد استدعي إلى العزبة على عجل، فلما أتم فحصه وبدأ ~~يكتب تذكرة الدواء أخذ يتحدث إلي فيما يجب للعناية به، وقبل أن يتم حديثه نهض فنهضت معه ~~وسرت إلى جانبه، وأخذ يكمل حديثه ونحن على السلم في طريقنا إلى الطابق الأرضي، وبعد عدة ~~درجات هبطناها على السلم قال: اسمعي يا آنسة، إنني فكرت أن أخطبك إلى أبيك، لكنني رأيت ألا ~~أفعل ما لم تكوني أنت موافقة على ذلك. # فألقيت ببصري إلى الأرض، واحمرت وجنتاي خجلا، وقلت في شيء من الكبرياء: ليس ذلك شأني، ~~ولكنه شأن أبي. # وكان تعليقه على عبارتي: يكفيني هذا منك، وأنا أشكرك أجزل الشكر. # وعدت مسرعة إلى غرفة أخي مخافة أن تظن أمه بي الظنون، وأخبرتها أن الطبيب ذكر أن ما به ~~ليس إلا سوء هضم بسيط سرعان ما يزول أثره، ms041 وبعد أن طمأنتها أويت إلى غرفتي، وجعلت أركز في ~~ذهني ما سمعته عن خطبتي من أبي، وأخذت أسائل نفسي أأحسنت أم أسأت في إجابتي، وأمني نفسي ~~الأماني للمستقبل، وأرقب عود أبي من العزبة بصبر نافد، أفلا يجب أن أذكر له ما حدث أول ما ~~أراه؟ وهب الطبيب عدل فلم يخطبني إليه ولم يذكر شيئا! وأقمت زمنا أضرب أخماسا لأسداس، ~~وأبني قصورا في الهواء، ولما جن الليل جفا النوم عيني وأنا بين الأمل الواسع الفسيح أقيم ~~في قصوره بعد أن أنظمها على هواي، وبين الخوف أن يفلت مني هذا الأمل فلا أفوز منه ~~بسراب. # وارتسمت أمامي صورة الطبيب الشاب كما أرادها خيالي، وشعرت لمرآها بأن قلبي ينبض بعاطفة ~~كانت مستكنة فيه، وكان الحياء والكبرياء يأبيان عليها أن تبرز إلى الوجود، أما الآن وأنا في ~~دثار من جنة الليل وحمايته فقد تجسم الحب في قلبي، وانتقل منه إلى وجداني، بل إلى حسي ~~المادي، فشعرت كأني أضم هذه الصورة إلى صدري، وأرى في صاحبها ملاكي الحارس وحصني ~~الأمين. # وعاد أبي من العزبة بعد أيام عاد الطبيب خلالها أخي ثم انصرف ولم يذكر لي شيئا عن ~~اعتزامه خطبتي إلى نفسه، وإن حدثني في حضرة زوج أبي عما يجب للطفل - وقد زالت وعكته - من ~~احتياط حتى لا تعاوده، وبعد أيام جاءت زوج أبي إلى غرفتي تقبلني وتهنئني بمفاتحة الطبيب ~~أبي في أمر خطبتي، وتسألني عن رأيي، فألقيت بصري إلى الأرض، واحمرت وجنتاي خجلا، وقلت: لا ~~أرى إلا ما يراه أبي. # فقبلتني مرة أخرى وقالت: نعم الجواب يا حبيبتي، فهكذا يكون الأدب، وهذا ما كان ينتظره ~~أبوك وما كنت أنتظره منك. # وفي الغد جاء الطبيب ومعه صديق له وقابلا والدي في السلاملك، فلما انصرفا جاء والدي ~~فقبلني وأخبرني أنهم سيقرءون فاتحتي بعد غد. # وبعد غد جاء الطبيب ومعه أهله، واستقروا مع والدي في السلاملك، وقرءوا الفاتحة، وأديرت ~~عليهم المرطبات، هنالك انطلقت ألسن الخدم بالزغاريد، وهنالك شعرت بأني خطوت خطوة واسعة ~~نحو آمالي في حياة جديدة. # وأصبح ms042 خطيبي أكثر حرية في التحدث إلي حين زياراته إيانا، وشعرت بأن الحظ أسعدني بما لم ~~أكن أسعد به لو أن أحدا غير هذا الطبيب قد خطبني، فلو أن ذلك حدث لما رأيت خطيبي إلا في ~~فرجات النوافذ، ولما استمعت إلى صوته إلا إذا تسمعت من وراء الأبواب حين حديثه مع أبي، كان ~~ذلك حكم الوقت على كل فتاة تخطب، أما وقد سعدت بما لم تسعد به غيري فقد أيقنت أن الحظ ~~يبسم لي، وأن القدر سيعوضني عن فقد أمي عاطفة جديدة، تلك عاطفة الحب المتبادل. # وشغل أبي وشغلت معه بجهازي، وكانت زوج أبي تشاركنا الرأي في بعضه، وتكون صاحبة الرأي ~~الأخير في أمر الحلي والثياب، وكانت فيما تقوم به من ذلك غير ضنينة ولا متلكئة، فلما ~~أتممنا الجهاز أقيمت حفلة الزفاف، حفلة نادرة باهرة، وبدت زوج أبي ليلتها في أبهى حللها ~~وأبدع زينتها، وقد تلألأ جمالها حتى كانت كأنها عروس الحفل، أما أنا فكنت أنتظر بصبر ذاهب ~~نهاية الاحتفال؛ لأذهب مع زوجي إلى بيتي، ولأنسى في أحضانه متاعب الحياة. # وانتقلت معي إلى بيتي خادم كانت عندنا من عهد أمي، وكانت أمي قد وعدتها بأن تكون في خدمتي ~~حين أتزوج، فلما اطمأننت في غرفة نومي، وآن لي أن أخلع ثيابي، وجاءت هذه الخادم تعاونني ~~قالت في ابتسام: أسمعت يا سيدتي كلام السيدات في الفرح؟! أحسبك كنت مشغولة عن كل شيء ~~بانتظار المجيء إلى هنا. # قلت: هذا صحيح، وماذا قلن؟ # وأتمت الحديث بقولها: لقد أدهشتهن زينة سيدتي زوج أبيك حتى قالت إحداهن: لمن الفرح؟ أهو ~~للبنت أم للست؟ # وأجابت الأخرى: هو للبنت اغتباطا بذهابها إلى بيتها، وهو للست اغتباطا بتخلصها من بنت ~~ضرتها واستقلالها بالبيت وسيده فلا يكون لها فيهما شريك. # وابتسمت لحديثها، ولم تلبث حين رأتني خلعت ثيابي أن غادرت الغرفة ليجيء إليها رب البيت، ~~ليجيء إليها زوجي العزيز الحبيب الطبيب الشاب. # وبدخوله الغرفة بدأت سنوات هانئة سعيدة ليتها دامت! # | الفصل الثالث # قضينا بدء حياتنا الزوجية سنوات هانئة سعيدة ليتها دامت، ms043 ولقد طالما بحثت عن السبب فيما ~~طرأ عليها من بعد، أنا أعلم أن كثيرين يتهمونني بأني السبب، وأنه لولاي لبقينا فيما كنا فيه ~~من نعمة وطمأنينة، ولكني لا أقر هذا القول ولا أرضاه، بل أحسبني كنت ضحية أكثر مما كنت ~~مسئولة عما حدث، ولست أريد بتدوين هذه القصة أن أدافع عن نفسي، وحسبي أن أسوق الحوادث كما ~~وقعت، وأدع من تقع عينه يوما على هذه القصة أن يحكم لي أو علي. # ولا أريد بتبرئة نفسي أن أتهم زوجي بأنه هو وحده سبب ما أصابنا، ولو أنني فعلت لكنت ~~ظالمة، وإن كنت لا أستطيع أن أبرئه براءة كاملة، مع الاعتراف من جانبي بأنه لم يقصد إلى ~~غرض سيئ، بل لعل طيبته وبالغ عطفه يحملانه من التبعة أكثر مما كان يحمل لو أنه كان أكثر ~~قصدا فيهما. # لقد بدأنا حياتنا الزوجية حبيبين سعيدين، كان كل ما حولنا يبسم لنا، ويشدو لنا بأنغام ~~السعادة، كنا نخرج تحت جنح الظلام في سيارته، وكان هو يقودها، مرة إلى سفح الهرم، وأخرى إلى ~~القناطر الخيرية، وثالثة إلى المعادي، ورابعة إلى عزبة والدي، فلم أكن أرى في الطريق - إلى ~~أي من هذه الأماكن الخلوية - إلا السعادة يحملها الهواء معه إلى قلبي وروحي، وكنت لا أشعر ~~حين عودتنا من هذه الجولات بشيء غير عبير الحب يحمله النسيم على أجنحته، ويدخل به وإيانا ~~إلى عشنا الصغير الجميل، وكان زوجي الشاب الرقيق العزيز يتمنى لو استطعنا أن نسافر إلى ~~أوروبا نمضي في ربوع سويسرا أو النمسا شهر العسل، لولا أن كانت الحرب العالمية الأولى تحول ~~بيننا وبين تحقيق هذه الأمنية الساحرة البديعة، وقد استعضنا عن هذا السفر بالمقام زمنا في ~~ذهبية لأحد أصدقاء أبي، فكنت أحس إذ أنظر إلى ماء النيل من نوافذها وكأنه يحمل في تياره ~~أريج الصبا ونسيمه العليل. # وكان زوجي يغيب عني ساعات كل يوم في عمله، فكنت أشعر بأني من انتظاره على لظى، لا يبرد ~~سعيرها إلا أريج يحمل الحب شذاه آتيا من ناحية عيادته، فإذا ms044 عاد إلى عشنا وتعانقنا شعرت ~~كأنني ذبت في هذا العناق خلاله وأصبحت حبة قلبه، وكان هو من جانبه يبادلني حبا بحب، ~~وهياما بهيام، كان كل تفكيره متى فرغ من عمله كيف يزيدني سعادة وهناءة، فإذا جلس إلى ~~جانبي، وألقيت برأسي على صدره شعرت من نبضات قلبه بطمأنينة إلى الحياة تنقلني من هذا العالم ~~الذي يضطرب فيه الناس، جريا وراء أهوائهم ومنافعهم إلى عالم من الأحلام مفروشة أرضه ~~بالورد، معطر هواؤه بشذا الحب وأنغام الهوى والغرام، أين أنا الآن مما كنت فيه منذ توفيت ~~أمي؟! # بل أين أنا الآن مما كنت منذ ولدت؟! إنني سعيدة سعيدة سعيدة، سعيدة بما لا تعبر عنه ~~الألفاظ، بل لا تعبر عنه الموسيقى، وكأني أتقلب من عالم الناس في نعيم جنة الخلد، فيها ما ~~تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، وما يحملني على أجنحة من الخيال إلى عالم السعداء والراضين، ~~عالم المحبين الذي يستمتعون بنعمة الحب إلى غاية حدود المتاع. # انقضى العام الأول من حياتنا الزوجية وأنا في هذا البحر اللجي من فيض السعادة، وكنت ~~في أثناء ذلك لا أخالط غير زوجي من الرجال إلا أبي والأقربين من محارمي، فلم يكن يباح ~~للمرأة من طبقتنا يومئذ أن تتحدث إلى غير هؤلاء من الرجال، أما النساء فكانت تزورني منهن ~~بعض زميلاتي وصديقات صباي وحبيبات أمي، وكانت زوج أبي تزورني أحيانا بطبيعة الحال، وكنت ~~أنقل كل حديث يجري بيني وبينهن، أو بيني وبين أبي ومحارمي، إلى زوجي العزيز، وكنت أشعر ~~بالغبطة حين أراه مسرورا لسماع هذا القصص الساذج؛ لأني كنت مصدره، ولم يكن يخفي ذلك ~~علي، بل كثيرا ما كان يقول لي إذا أنا فرغت من رواية أقاصيصي: تحدثي، تحدثي، إن نغمات ~~صوتك تشجيني، ونظراتك إلي في أثناء الحديث تنفذ إلى قلبي، وتبعث إلى وجودي كله النشوة ~~والطرب. # وكنت أعلم أن في نظراتي جاذبية طالما سحرت بها وأنا أنظر إلى نفسي في المرآة، جاذبية لا ~~ترجع إلى جمال عيني، بل إلى قوة التعبير التي تنبعث من هذه النظرات، ولم أكن ms045 أحسب أن هذه ~~الجاذبية قديرة على أن تسحر غيري كما كانت تسحرني، وكنت أشعر كذلك أن لصوتي حين أتحدث ~~سلطانا لا يقل عن سلطان نظراتي، وكنت قد ورثت نغمة صوتي عن المرحومة أمي، كما ورثت لباقة ~~حديثي وقوة تعبيره عن عواطفي ومقاصدي عن أبي، ولا شك في أن قراءاتي الكثيرة في الكتب ~~العربية والأجنبية قد أعانت هذه الوراثة، وبلغت بي إلى هذه المقدرة التي كان يعجب بها زوجي، ~~على أنني لم أقدر سلطان هذه الملكات على غيري لأول ما حدثني زوجي عنها، بل حسبت أن حبنا ~~المتبادل هو الذي يوحي إليه إطراءه، فلما رأيته يكرر الإطراء في مناسبات شتى أخذت أعتد ~~بهذه الملكات وأعنى بتنمية غراسها، فعدت إلى مرآتي أدرس فيها سلطان نظراتي، وعدت إلى كتبي ~~أقرؤها حين غياب زوجي في عمله وفراغي من تدبير المنزل، وكنت أقرأ بصوت مسموع ما يعجبني وما ~~يزيده حسن الإلقاء أثرا في النفس، فإذا جاءت صديقاتي والأقربون من ذوي رحمي لزيارتي، أخذت ~~أتحسس أثر مواهبي فيهم، وسلطان نظراتي وعباراتي عليهم. # ومن يومئذ آمنت حقا بأن من البيان لسحرا، فقد كان الذين يزورونني يبالغون في إعجابهم، ~~بحسن إنصاتهم لحديثي واستزادتهم منه؛ مما جعلني أنا كذلك ألذ بالإصغاء لصوتي والاستماع ~~لحديثي حين متاع الآخرين به، وكنت أحرص على ملاحظة أثره في نفوسهم، وبخاصة حين كنت أصور لهم ~~ما تركه حادث في نفسي من مسرة أو ألم، من رضا أو غضب، من غبطة بالجمال أو تقزز من القبح، ~~فإذا شاركوني في إحساسي، ولمحت على وجوههم أمارات هذه المشاركة، اطمأننت وازددت رضا عن نفسي ~~وإيمانا بسلطاني. # انتهت الحرب العالمية الأولى في منتصف الخريف، وخيل إلي عند ذلك أن الجو أصبح مهيئا ~~لأسافر مع زوجي إلى أوروبا ننشر في ربوعها الجميلة عبير حبنا، ونستنشق مع نسمات جبالها ~~الرفيعة الذرى أريجا منعشا يضاعف متاعنا بالحياة، ونجتلي في أم المدائن باريس ما تهوي ~~إليه كل أنثى، وما يتفتح له قلب كل مشغوف بالفن وكل مولع بالجمال، وأشرت في حديثي مع زوجي ms046 ~~إلى رغبتي هذه، فلم يلبث أن ذهب من بكرة غده إلى مكاتب السياحة يعد لسفرنا العدة، فلما عاد ~~لموعد الغداء أخبرني في أسف أن السفر فيما وراء حدود مصر لا يزال محظورا بأمر السلطة ~~العسكرية البريطانية، وأنها تأبى إباء تاما أن ترخص به لأحد، وأنه يؤثر إذا رغبت وجاء ~~الشتاء أن نقضي أسبوعين أو ثلاثة بمشتى الأقصر نزور هناك آثار الفراعنة، وأحسست أنه يريد ~~إرضائي ولو على حساب عمله، وقدرت ما لعل زوج أبي أو بعض صديقاتي يتقولنه علي، فلم يكن ~~سائغا إلى يومئذ أن تنزل مصرية فندقا في بلد مصري، لهذا وذاك أبديت الرغبة عن مغادرة ~~العاصمة، وقبلت زوجي شاكرة إياه من كل قلبي. # ولم يكن حديثي مع زوجي يتعدى حياتنا الخاصة، وكان هو يذكر لي مشاهداته في عمله، وأحاديثه ~~مع أصدقائه، وقلما يجري على لسانه شأن من الشئون العامة، وكنت أقص عليه ما أراه في زياراتي ~~لصديقاتي، وما يجري في زياراتهن لي، ثم ينقضي الوقت بعد ذلك، ولا نحس كيف انقضى ولا نشعر ~~بمروره، وكانت رغبة زوجي عن الخوض في الشئون العامة طبيعية بحكم عمله، وبحكم الظروف المحيطة ~~به؛ فهو طبيب متصل بالناس على اختلاف ميولهم وألوانهم، فلا بد له أن يحتفظ بحسن صلاته بهم ~~جميعا، والجو الذي كان مخيما على مصر يومئذ كان الحكم العرفي البريطاني، وكان ما حدث ~~إبان الحرب من اعتقالات يشيع في النفوس الحذر والخوف. # على أن انتهاء الحرب آذن بنشاط سياسي عام أخذ زوجي يحدثني عنه كل يوم، ويروي لي طرفا من ~~أخباره، وبعد أشهر قبضت السلطة البريطانية على الزعماء المصريين المطالبين باستقلال وطنهم، ~~ونفتهم إلى جزيرة مالطة. هنالك قامت في البلاد كلها، من أقصاها إلى أقصاها، ثورة كانت ~~العاصمة روحها ومصدر الوحي بها، وخاف أبي أن تتطور الثورة إلى عنف قد يصيبنا شرره، فاقترح ~~أن تذهب السيدات إلى العزبة، فرارا بهن من مصير لا يعرفه أحد. # وسافرت مع زوجي وزوج أبي وأخي الطفل في سيارة زوجي، ولشد ما كان عجبي حين رأيت ms047 مظاهر هذه ~~الثورة منتشرة في كل مكان، ورأيت الفلاحين والفلاحات فرادى وزرافات لا يكادون يروننا حتى ~~يهتفوا بحياة مصر واستقلالها، هي ثورة شاملة إذن، أترانا نكون أكثر أمنا في العزبة منا في ~~العاصمة؟ لكنا ما لبثنا حين تخطينا أسوار المنزل إلى الحديقة واجتزناها إلى داخل البناء أن ~~رأينا فيه حصنا آمنا، يبعدنا عن مظنة العدوان، ثم ما لبثنا أن رأينا أهلنا وذوي رحمنا ~~أقبلوا علينا، يهنئوننا بسلامة الوصول، وبالنجاة مما علموا أن القاهرة تعج به من أسباب ~~الاضطراب، عند ذلك سكنت نفوسنا جميعا، واطمأننا إلى حكمة والدي في مشورته علينا. # وأقمنا أسابيع عدة بالريف، وكان زوجي يذهب إلى القاهرة في أثناء الأسبوع ثم يجيء إلينا في ~~نهايته يقص علينا ما يجري هناك، ولم يكن يجد في الانتقال مشقة؛ لأن الأطباء كانت لهم حرية ~~التنقل بتصريح عام خاص بهم، وقد قص علينا يوما في حماسة أن سيدات القاهرة خرجن في مظاهرة ~~مرتديات براقعهن وحبراتهن، وأن الجيش البريطاني لم يجرؤ على التعرض لهن بأذى، وأن هذه ~~المظاهرات أثارت العاصمة كلها، وتركت في النفوس أثرا أعظم من كل ما سبقه. # وتولاني لسماع هذا النبأ ألم وأسف أن لم أكن هناك لأشارك المتظاهرات، ولأبدو أمام سيدات ~~العاصمة في مظهري الحق، ولم أستطع أن أكتم ما دار بنفسي عن زوجي، فلما سمعه نظر إلي في ~~ابتسام وقال: أوكنت تستطيعين؟ لا تنسي أنك حامل، وهذا الحمل هو الذي دفعني للموافقة على ~~مجيئك إلى هنا إشفاقا عليك من أن يصيبك اضطراب العاصمة العصبي بأذى. # ولكن هذه العبارات لم تشف غلتي، فقد تصورت السيدات سائرات في مظاهرتهن، ورأيت صديقاتي في ~~مقدمتهن، وشعرت بمكاني خاليا بينهن، وخيل إلي لو أنني كنت معهن أشغل هذا المكان لكانت ~~المظاهرة أتم روعة، وأشد لفتا للأنظار، أترى تعود السيدات إلى تنظيم مظاهرة أخرى، بعد ~~عودتي إلى القاهرة، فأشترك فيها؟! ولكن هبني عدت، وهب السيدات فكرن في تنظيم مظاهرة أخرى، ~~فما عساي أستطيع أن أفعل وأنا حامل؟! # ولمح زوجي ما يدور بخاطري، وخشي أن ms048 يطول تفكيري فيه فرأى أن يصرفني عنه بالحديث فيما هو ~~أحب إلى نفسي ونفسه، ولهذا سألني: أتراك فكرت في اسم طفلنا العزيز ولدا كان أو بنتا؟ ~~وحرك سؤاله غريزة الأمومة في دخيلة كياني، وحرك الطفل الجنين أحشائي، وابتسمت كأنني في ~~حلم سعيد، ونسيت المظاهرة والمتظاهرات، وارتسم في خيالي هذا الطفل العزيز حين مولده، وبعد ~~لحظة نسيت الطفل واسمه كما نسيت المظاهرة والمتظاهرات، وتعلقت بعنق زوجي وقبلته بكل ما ~~في من حرارة الأنوثة والشباب والأمومة المرجوة وقلت: أحبك. # ولم تنطق شفتاي بهذه الكلمة عن إرادة مني، بل دفعها إليهما قلبي دفعا، لم يكن لهما من ~~الاستجابة إليه بد، فهذا الزوج العزيز هو مصدر هذه الأمومة التي أخصبت أحشائي، وجعلتني أسعد ~~في يقظتي وفي نومي بانتظار ثمرتها، وهل تراني أو ترى كل امرأة تبتغي في الحياة أشهى من هذه ~~الثمرة؟ ولم أكن أعلم إلى يومئذ ما تحمل الأمومة معها من تضحيات وآلام، ولم أكن إلى يومئذ ~~أقدر الأعباء التي يحتملها الآباء والأمهات في صمت وإذعان، ولم أكن أستشف الغيب فأرى ~~خلاله ما سأتجشمه وما سيتجشمه زوجي العزيز اليوم، الشقي غدا، بسبب هذه الأمومة وهذه ~~الأبوة، لم يكشف لي في تلك اللحظة عن شيء من هذا، بل صور لي الشباب والحب حياة معطرة بشذا ~~الورود والرياحين وبمنظرها البديع البهيج، وسمت غريزة الأمومة فوق التفكير في متاعبها، ~~وزينت لي أحلامي أن الحياة طريق معبد وثير تتدلى على جوانبه الأغصان الخضر تكسوها ~~الأزاهير العطرة، وفاضت عني السعادة بهذا كله، فازددت حبا لمن آمنت بأنه مصدر هذه ~~السعادة، ودفع قلبي إلى شفتي كلمة «أحبك». # انقضت على مقامي بالعزبة أسابيع أفرجت السلطات البريطانية في أثنائها عن الزعماء ~~المطالبين بالاستقلال الذين نفتهم إلى مالطة، بذلك هدأت النفوس الثائرة، وإن لم تنطفئ ~~ثورتها، وأتاح لنا هذا الهدوء أن نعود إلى العاصمة، وأن أستقر فيها، وهناك انقضت أشهر ~~الحمل، وأثمرت أمومتي طفلة أنساني بكاؤها ساعة مولدها ما تجشمت في حملها تسعة أشهر من مشقة، ~~وشغلت بهذه الطفلة عن كل شيء ms049 آخر، حتى عن أبيها الذي كان يحبها من أجلي كما أخذت أحبه من ~~أجلها. # وعجيب حقا ما طرأ بعد أمومتي على حبي زوجي، لقد بقي هذا الحب قويا كما كان، لكن لونه ~~تغير، لقد كنت أحب هذا الرجل الشاب لذاته، فكنت كلي له، كنت أشعر بالسعادة إذا استطعت أن ~~أزيده رضا بالحياة وسعادة فيها، كنت أشعر بأنني قديرة على أن أهبه كل نفسي، وأن أضحي من ~~أجله بحياتي، كنت أشعر أنني بضعة منه لا غنى لي عن حبه، ولا غنى له عن حبي، وكنت كثيرا ما ~~أذكر قول الشاعر: # كأن حبيبا في خلال حبيبه # تسرب أثناء العناق فذابا # لأن قوله هذا كان يصور لنا حالنا في كثير من الأحيان، كان ذلك شأننا قبل أمومتي، أما ~~بعد أمومتي فلم أصبح قادرة على التضحية بحياتي من أجل زوجي؛ لأن حياتي أصبحت ملكا لهذه ~~الطفلة التي تطالبني بكل أسباب الحياة، وكنت أرى زوجي يحنو على هذه الطفلة التي انفرجت ~~أحشائي عنها، ويلمع في عينيه حب أبوي ندي بمعاني العطف والرحمة، فكنت أحبه لذلك، وكنت ~~أزداد حبا له كلما ازداد حنوه على الطفلة وحبه لها، وكنت أحس بأنه مطالب وإياي ~~بتهيئة أسباب الحياة الناعمة لابنتنا، وأني مطالبة لذلك بتشجيعه على أداء هذا الواجب ~~المشترك، وأنا لا أملك من أسباب هذا التشجيع إلا الحب، بهذا تغير لون حبي لزوجي وإن بقي ~~قويا كما كان، وبهذا صهرت الأمومة عاطفة الحب كما تصهر النار الذهب وشكلته بالصورة التي ~~ترضاها. # وللأمومة سلطان قوي قاهر لا يقف عند اختلاف التلوين لحب متبادل. قصت علي إحدى ~~زميلاتي، وكانت قد سبقتني إلى الأمومة، وكانت متزوجة رجلا يكبرها بخمس وعشرين سنة، وكانت ~~لذلك تحس نحوه الهيبة أكثر مما تحس الحب، إنها حاولت المواءمة بين شبابها وكهولته، وأنفقت ~~في ذلك جهدا كاد ينتهي إلى اليأس، ثم إنها حملت ورزقت طفلة كطفلتي، فإذا لون الحياة كله ~~يتغير أمامها، وإذا هذه البضعة من وجودها والحشاشة من قلبها تحيل القتام المخيم عليها ~~ضياء وضاء يكشف أمامها ms050 طريق السعادة في الحياة، وإذا هيبتها زوجها تنقلب تعلقا به ~~لتعلقه بهذه الطفلة، وإذا هي تجد في العناية بالطفلة ونظافتها ورعايتها ما يسعدها ويشغل كل ~~وقتها، وإذا هي تنعم من أمومتها بكل ما تطمع فيه المرأة من نعمة الحياة. # وانقضت عشرون سنة أو تزيد على حديث زميلتي، ثم جمعني مجلس بشيخ من كبار مفكرينا قصصت عليه ~~في أثنائه طرفا من شئوني وشجوني، وبعد أن أنصت إلي طويلا في إصغاء زادني إمعانا في ~~حديثي ومحبة لهذا الشيخ الجليل، قال: إن حديثك لساحر، وما ذكرته عن أمومتك الأولى يعيد ~~إلى ذاكرتي قصة المرحومة زوجتي - وكانت زوجه قد توفيت منذ أكثر من أربعين عاما - لقد ~~تزوجتها ولما أبلغ الثلاثين، وكانت هي طفلة رقيقة متعلمة كأحسن ما تتعلم الفتاة في ذلك ~~الجيل، وكنت أترجم إذ ذاك كتابا في الفلسفة السياسية، وكنت أملي عليها في الصباح ما ~~ترجمته العشية لتكتبه بخطها الجميل. # وانقضت بعد ذلك أشهر رزقنا بعدها ابنا، فلما استعادت صحتها ونشاطها خيل إلي أنا ~~قادران على العود إلى ما كنا فيه، فأمليها وتكتب، ولم يبد من جانبها على ذلك أي اعتراض، ~~لكني أدركت بعد قليل أنني أطلب المحال، فقد كنت أبدأ الإملاء وتبدأ الكتابة، ثم سرعان ما ~~تعتذر بأن الطفل يبكي، وتنفلت لترى سبب بكائه، وكثيرا ما كنت أتبعها لعلي أستطيع معاونتها ~~في شأنها كما كانت تعاونني في شأني، وكثيرا ما كنت أحمل الطفل عنها لتهيئ له ما ترى أن ~~تهيئه، وكانت تعتذر لي أحيانا، وتحاول أن تدعو الخادم لتتولى معونتها، فكنت أرجوها ألا ~~تفعل، وكنت أجد في صحبتها وفي معاونتي لها وفي تدليلي الطفل مكانها - على ما في هذا التدليل ~~من سخف لم أكن أسيغه - لذة أكبر اللذة؛ لأنها كانت تسر به وتجزيني عنه مزيدا من ~~العطف والحب. # سمعت حديث جليسي الشيخ المفكر وهو يسوقه في طلاوة تسحر الأذن، وتدفعه إلى القلب، فلما ~~أتمه قلت فيما بيني وبين نفسي: ما أشبه حال هذا الرجل العظيم وزوجه بحالي أنا وزوجي، لقد ~~كانت زوجه ms051 تحبه من أجل طفلها، وكان هو يحب طفلها من أجلها، وكانت الأمومة سر هذا وذاك، كما ~~كانت السر في إنقاذ زميلتي من يأس يهددها، حتى أضاءت الأمومة قلبها بنور الحياة ~~ونعمائها. # كان من بين صديقاتي اللائي جئن يهنئنني بمولد طفلتي ثم استمر تزاورنا، من اشتركن في ~~مظاهرة السيدات السياسية التي أشرت إليها من قبل، وكانت كل واحدة منهن تتحدث عن مكانها في ~~هذه المظاهرة، وعن المجهود الذي بذلته قبلها وفي أثنائها بإفاضة وحماسة يشهدان بأنها تركت ~~في نفوسهن أثرا عميقا، ولم يقف حديث بعضهن عن المظاهرة وعن الأثر السياسي العميق الذي كان ~~لها، بل أخذن يتحدثن عما تستطيعه المرأة في ميادين الحياة العامة سياسية واجتماعية، ويذكرن ~~أن حجاب المرأة الذي حال إلى يومئذ بينها وبين اقتحام هذه الميادين يجب أن يزول، ولقد ذهبن ~~إلى أن هذا الحجاب سبة يجب التخلص منها؛ لأنه ينزل بكرامة المرأة إلى مكان وضيع يهوي ~~بقيمتها الإنسانية إلى حيث تصبح عبدا ومتاعا للرجل لا أكثر، وشعرت في هذا الحديث بمقدمة ~~ثورة اجتماعية رجوت - إن قدر لها التمام - أن تتم في هدوء وطمأنينة. على أنني لم أكن ~~أستطيع الاشتراك في هذه الثورة الاجتماعية على شدة اقتناعي بضرورتها؛ لأن أمومتي كانت تشغل ~~كل وقتي وكل جهدي، ولأنني خشيت أن أثير بيني وبين زوجي زوبعة لا خير في إثارتها؛ لهذا بقيت ~~راضية بما أنا فيه لأنعم بأمومتي وبحب زوجي، وتركت لهاتيك الثائرات أن يفتحن الطريق إن وجدن ~~إلى فتحه الوسيلة. # وأستطيع اليوم أن أقول إنهن نجحن في ثورتهن إلى حد بعيد، ويرجع نجاحهن إلى أنهن سلكن في ~~هذه الثورة سبيل الحكمة والتصون عن كل عنف، فقد بدأن جهادهن في سبيل حريتهن بالنهوض بأعمال ~~الخير: عناية بالمرضى، وبرا بالفقراء، وعطفا على الطفولة المشردة، وما إلى ذلك من أعمال ~~إنسانية تتفق مع فطرتهن، ومع ما جبلت المرأة عليه من بر وحنان، وما كان للرجال أن يعترضوا ~~طريقهن في هذا السبيل، بل أعانوهن وشجعوهن، وكان طبيعيا بعد ذلك أن تخلع المرأة حجابها، ms052 ~~وأن تلقي جانبا هذا البرقع، ثم هذه «البيشة» التي كانت تستر بها وجهها؛ لأن فاعل الخير ~~والقائم بالعمل الإنساني لا يستخفي ولا يتستر، وإنما يستخفي المريب وذو النية ~~المتهمة. # وطالب النساء بعد ذلك بألوان من الإصلاح الاجتماعي أقرهن الرجال عليها، ورأوا فيها ~~للمجتمع صلاحا وخيرا. وبهذه الحكمة وهذا الاعتدال استطاعت الثورة الاجتماعية التي تمخضت ~~عنها تلك المظاهرة السياسية الأولى أن تحطم الحجاب، وأن تفتح أمام الفتاة وأمام المرأة ~~أبوابا كريمة كانت من قبل موصدة في وجهها، ولعلنا - نحن النساء - نستطيع بهذه الحكمة أن ~~نحقق لأنفسنا وللرجال وللمجتمع المصري كله غاية ما تصبو الشعوب المتحضرة إليه من رقي ~~وتقدم. # استدار العام منذ مولد طفلتي، فإذا أحشائي تتحرك بأمومة جديدة، ورزقت هذه المرة غلاما ~~كان قرة عين لي ولوالده، برغم وضع متعسر أشرف بي على الموت، ولهذا شعرت بأنني أديت ~~للإنسانية وللجماعة المصرية ما لهما علي وعلى زوجي من حق بعد أن أنجبت هذين الطفلين، ~~وعاهدت نفسي أن أقف بأمومتي عند هذا الحد. # وقد وفيت بالعهد وإن كنت أعترف بأن نفسي نازعتني غير مرة إلى نقضه، وفي كل واحدة من هذه ~~المرات كنت أقاوم غريزة ليست مقاومتها أمرا يسيرا، ولست أدري أكان ما قاسيت حين مولد ~~غلامي هو الذي شجعني على هذه المقاومة، أم شجعني عليها اعتبارات أخرى كنت أراها رأي العين، ~~ولا يحسب كثيرات من النساء لها حسابا، بل إني لأعرف من هاتيك الكثيرات من لا تكاد تضع ~~حملها وتتخلص من آلام ولادتها حتى تبتسم رجاء أمومة جديدة، وكأنها تجد في ألم الوضع لذة، أو ~~كأنما يعوضها الطفل الذي تنفرج عنه أحشاؤها عن كل ألم، وكأن ما يجشمها هذا الطفل من مشقة هو ~~لذة حياتها وكمال سعادتها. # والعجب أن النسوة اللاتي يتولين بأنفسهن شئون أطفالهن ولا تسمح وسائلهن بالاستعانة بمربية ~~أو خادم هن اللواتي تتحكم فيهن غريزة الأمومة، ولا يفكرن في مقاومة سلطانها القاهر، مؤمنات ~~بأن ذلك من أمر الله، وأن الأطفال عطاؤه المحبب. وقد يكون لهاتيك المؤمنات عذرهن بإيمانهن، ~~أما ms053 بنات طبقتي المستسلمات لغريزة الأمومة، العاجزات عن مقاومتها بعد أن يرزقن طفلين أو ~~ثلاثة، فهن في نظري أعجب وأغرب؛ لأنهن لا يدعن أطفالهن للطبيعة كما تفعل الأوليات، وتربية ~~الطفل أشد عسرا من حمله وميلاده ألف مرة. # وكان حرصي على عهدي أول ما اشتد الخلاف عليه بيني وبين زوجي، فقد كان يؤمن إيمان العجائز ~~بأن كل طفل يأتي ورزقه معه، وبأنه هو الذي يكد لحياة الأسرة، وبأنا يجب ألا نعترض إرادة ~~الله! وكنت أجيبه بأن السعي للرزق لن يزيده إرهاقا، وبأني أنا التي أحمل مشقة الأطفال ~~حملا ورضاعة وتربية؛ لأني لا أستطيع أن أدع طفلي لمرضع، ولا أن أعتمد الاعتماد التام على ~~المربية التي عندنا، برغم ثقتي التامة بها. # وقد تكرر اختلافي مع زوجي في هذا الأمر غير مرة في فترات متباعدة امتدت بضع سنوات، وكان ~~كل منا يسوق خلال جدله ألوانا من الحجج لا تخلو من طرافة، كان زوجي يقول لي أحيانا: ~~أوتأمنين غدرات القدر بأحد هذين الطفلين أو بهما جميعا؟ وكنت أجيبه: وهل تأمن غدر القدر ~~بك أو بي أو بنا معا فييتم أطفالنا؟ أولا ترى أنهم كلما كانوا أقل عددا كان ~~رزؤهم فينا أخف حملا؟ # وكان يقول لي: لقد نشرت الصحف اليوم أن فرنسا قررت للأسر التي يزيد أبناؤها على طفلين ~~مكافأة يرتفع قدرها كلما زاد عدد الأطفال. # وكنت أجيبه: إنما تريد فرنسا زيادة سكانها لتزيد في الجيش، ولتزداد الأيدي العاملة عندها، ~~ولا أحسبنا أنا وأنت نريد أن يكون أبناؤنا جنودا أو عمالا. # فلندع هذه المكافأة، وهذا الفخر للمؤمنات بأمومتهن، واللاتي جعل القدر من حظهن وحظ ذريتهن ~~أن يكونوا جنودا أو عمالا، أو ممرضات أو عاملات. # وكان إذا مرض أحد طفلينا، ورآني نازعتني غريزة الأمومة وطمع في أن أضعف أمامها، أظهر لي ~~من الحب والحنان ما أكاد أنهزم دونه، ولكنني سرعان ما كنت أستجمع قوة المقاومة، وأسمو بها ~~فوق ضعفي ونوازعي، وأقف بها إلى جانب عهدي. # وكثيرا ما كان يبدي دهشته ويقول: هذا أعجب ما رأيت! امرأة تقاوم ms054 سلطان الأمومة ، وتأبى أن ~~تحمل وتلد، وأب يريدها أن تنجب فتقاوم إرادته، لقد رأيت عكس ذلك غير مرة إشفاقا من الآباء ~~على أولادهم في مستقبل حياتهم وعيشهم، أما أن تقف امرأة هذا الموقف، فلا تفسير له عندي إلا ~~من أنانيتها وحرصها على شبابها وحريتها. # ولم يكن هذا الهجوم يزعجني، بل كنت أقاومه بسلاح المرأة، كنت أبتسم وأعانق زوجي، وأقول ~~له: هب هذا الاتهام الذي توجهه إلي صحيحا، فلمن أحتفظ بهذا الشباب؟! ألست أحتفظ به لك؟ ~~وأنت تعلم أن حريتي كقلبي في ملكك، وكنت أسوق إليه من معسول القول ما يذيب اعتراضه وغضبه، ~~وما يرده إلى حال من الرضا لا سبيل له إلى مقاومتها؛ لأنه يحبني بقلبه وعقله وكل ~~وجوده. # على أن ذوبان غضبه لم يكن ينقله إلى معسكري، فقد كان عنيدا في إصراره على رأيه، لا ~~تزحزحه عنه حجة، ولا يصرفه عنه برهان، وكان برغم ذلك ضعيفا أمامي كل الضعف؛ ضعف الأم ~~لابنها، فكنت أنا طفله المدلل، يعمل جهده إلى إجابة رغباتي وإن لم تعجبه، ما دام لا يرى ~~فيها مضرة ولا شنعة. وقد انتهى بعد المناقشات التي دارت بيننا إلى الاقتناع بأن أمومتي من ~~شأني، وأنه لا يستطيع أن يرغمني فيها على شيء لا أريده. # وشاءت الأقدار أن تعاونني على التشبث بعزمي والوفاء بعهدي، فقد كان في مقدمة ما أدت إليه ~~مظاهرة السيدات السياسية من تطور اجتماعي أن رفعت الحجاب، وأباحت للمرأة أن تخرج مع زوجها ~~أو أبيها أو أخيها أو الأقربين من محارمها، وأن تتحدث إلى من يلقونهم في هذه الحال من ~~الرجال، وكانت المرأة من طبقتنا لا تملك إلى ذلك العهد أن تحادث رجلا غير محرم، فإذا خرجت ~~إلى الطريق مع زوجها وصادفا رجلا يعرف الزوج، وأراد أن يتبادل معه مجرد التحية، انتحت ~~المرأة جانبا وأدارت وجهها حتى لا يراه هذا الأجنبي؛ لأن وجهها كصورتها كانا عورة لا يجوز ~~أن يطلع عليهما الرجال. وكان لزوجي أصدقاء من رجال السلك السياسي الأجانب لا أدري كيف ولا ~~متى عرفهم، ms055 فلما حدث ذلك التطور بدأ زوجي يدعوهم وقريناتهم لتناول الشاي عندنا، وكان ~~طبيعيا أن أقابلهم وأن أتحدث إليهم كما كان هو يقابل زوجاتهم ويتحدث إليهن. # وصادف ذلك التطور الاجتماعي تطور سياسي يقابله؛ ذلك أن اعترفت إنجلترا باستقلال مصر، وأن ~~أعيدت وزارة الخارجية المصرية، وكانت قد ألغيت منذ بداية الحرب العالمية الأولى، وترتب ~~على عود وزارة الخارجية لدولة مستقلة أن بدأت تلك الوزارة تنظم التمثيل السياسي والقنصلي ~~للبلاد في الخارج، وبدأت أسمع أنهم يرشحون لهذه المناصب من فئات مختلفة كانت فئة الأطباء من ~~بينهم، ثم علمت أن أطباء من معارفنا رشحوا بالفعل لهذه المناصب. # قلت فيما بيني وبين نفسي: ولم لا يعين زوجي في لندن أو باريس أو روما، فنستمتع بالحياة في ~~هذه العواصم الكبرى بما فيها من آثار الفن والجمال، ويكون بيننا وبين الدبلوماسيين ~~والقنصليين من كل الأمم علاقات طيبة نستريح إليها، وتفيد مصر منها؟! فإذا تحقق هذا الأمل ~~كان أوجب علي أن أستمسك بعهدي، وأن أقف بأمومتي عند ابني وابنتي. # وداعبني الأمل، ثم تحكمت في رغبة الالتحاق بالسلك الدبلوماسي، فأفضيت لزوجي بخلجات ~~نفسي، وذكرت له أسماء الأطباء المرشحين لهذا السلك، وطلبت إليه أن يعمل جهده ليرشح كما ~~رشحوا، وكنت أظن أنه سيرحب بهذه الرغبة ويطير لتحقيقها، ولشد ما كانت دهشتي عندما أبدى ~~لي الرغبة عن كل تفكير في هذا الأمر، وكانت حجته أن الأطباء الذين رشحوا للسلك ليست لهم ~~في عالم الطب مكانة، وليس لهم بين الأطباء مثل اعتباره، فإذا هو بذل من جانبه أي مسعى ~~لتحقيق رغبتي جنى ذلك على مركزه وعلى عمله، وهو - بعد - طبيب ناشئ استطاع أن يبلغ في فنه ~~بمجهوده مقاما محمودا، فمن سوء الرأي صرفه عن الطب إلى غيره إرضاء لنزوة طارئة. # وعبثا حاولت أن أعدل به عن رأيه، فقد بلغ من تشبثه به أن طلب إلي ألا أعود إلى مخاطبته ~~في الأمر، أو إظهار الأسف على رغبته عنه، وزارني والدي يوما فأبديت له رغبتي، وذكرت له ~~عناد زوجي، فابتسم وقال: إن زوجك رجل ms056 عاقل، وهو يعلم كما يعلم كثيرون أن هذه المناصب لا ~~تعطى اليوم للشبان المتزوجين مجانا، فهل أنت مستعدة لدفع الثمن؟ وأجفلت فزعة لسماع ~~هذه العبارة، ولم أحر جوابا، ولم أعاود الحديث مع زوجي في هذا الموضوع من بعد. # ثم إنني قدرت بعد أن رويت في هذا الأمر أن أبي أراد بعبارته المزعجة أن يصدمني ~~ليصرفني عن التفكير في أمر لا يرغب فيه زوجي، وذلك إبقاء على مودتنا وما يعرف من حبنا ~~المتبادل. # وتمكن هذا التفكير من نفسي، ودس إلى قلبي جرثومة أخذت تعبث بعاطفتي نحو زوجي، وعملت هذه ~~الجرثومة عملها بتوالي الأيام، حتى توهمت أن ما يقوله زوجي عن مكانته في الطب لا حقيقة له، ~~وأنه من قبيل الخداع النفسي؛ اعتذارا عن عجزه عن أن يسعى لينال المنصب الذي أصبو إليه، وأن ~~هذا العجز ضعف غير لائق بالرجال. # كان لاختلافنا هذه المرة من الأثر في نفسي ما لم أشعر بمثله حين اختلفنا على تحديد النسل، ~~ففي هذه المرة الأولى كان الأمر كله بيدي، وكان النصر لذلك حليفي، من غير أن أتحمل في سبيله ~~أية تضحية، ونحن في هذه الحال أشد عطفا على الهزيم وإشفاقا من أن يناله بسبب انتصارنا ما ~~يسوءه؛ لذلك كنت أقبل زوجي إثر كل مناقشة بيننا في أمر نسلنا لأهون عليه هزيمته. أما ~~بعد اختلافنا الأخير ورفضه أن يبذل أي مسعى لانتقالنا إلى السلك الدبلوماسي، فقد شعرت بأنني ~~انهزمت، وبأن هذه الهزيمة آذت كرامتي، وخيل إلي أن زوجي قصد إلى هذا الإيذاء متعمدا، ~~ولم يكن يضيره أن يسعى، فإن وفق فقد بلغت ما أردت، وإن لم يوفق فلا ذنب عليه، ولن ~~يصيبه من جراء ذلك في عمله أي ضرر. # وحزت هذه الكرامة المهيضة في نفسي: أأجزى بكل ما بذلته لإرضاء زوجي بألا يعبأ بالسعي ~~لمطلب يناله من هو أقل منه، وتناله من هي أقل مني؟! # وبلغ من حنقي أن خيل إلي أن زوجي ذهب إلى والدي، وطلب إليه أن يردني عن الإلحاح في ~~أمر لا يرضاه، وأن ms057 ذلك كان السبب في قسوة الجواب الذي واجهني به والدي حين أفضيت إليه ~~برغبتي، ولو أن زوجي لم يفعل من ذلك ما فعل، ولم يظهر لوالدي معارضته رغبتي، لاستطعت أن ~~أستعين بوالدي في السعي لتحقيق غرضي، فله كلمة مسموعة في دوائر رسمية كثيرة، وصلاته بأولي ~~الأمر تدعوهم لمجاملته. # وجعلت أشكو حالي لبعض صديقاتي اللواتي هن في مثل سني، فإذا كل واحدة منهن تشكو حالها، ~~وتكاد تعلن الثورة على زوجها، وجمعت هذه الحال بين خمس منا، فكثر تزاورنا، وكثر ترديدنا ~~الشكوى من حالنا، تقول إحداهن إنها رغبت إلى زوجها في تغيير مسكنها فأبى، وتقول ثانية إنها ~~لا تكاد ترى زوجها الطبيب إلا ساعات الطعام، فإذا حدثته في ذلك اعتذر بكثرة عمله، وتسوق ~~الباقيات أمثال هذه الأقاويل، ويتكرر ذلك في كل زياراتنا، ثم لا تزيد على الشكوى؛ لأننا لم ~~نكن نستطيع أكثر منها. # وفت في عضدنا أن إحدانا غضبت من زوجها ولجأت إلى بيت أهلها، فتلقاها أبوها عابس الوجه ~~مقطب الجبين، وقال لها في صرامة وحدة: الواجب عليك أن تحمدي الله على ما أنت فيه، وأن ~~تقبلي يد زوجك صباح مساء، فكم من مثيلاتك تعيش مثل عيشك في بحبوحة ونعمة؟! وزوجك رجل رقيق ~~مهذب، رضي الخلق، وأنا لا أشك من غير تحقيق في أن الحق عليك من رأسك إلى رجليك، فارجعي ~~إلى بيت زوجك واعتذري إليه، وإلا ذهبت أنا بنفسي واعتذرت إليه. # والعجب أن زوجي لم يتغير علي في هذا الظرف برغم ما بدا من نفوري، بل لقد ازداد لطفا بي ~~وعطفا علي، وقد بلغ من ذلك أن زال من نفسي كل شك في أنه يحبني من أعماق قلبه، مع ذلك ~~بقيت الرغبة الدفينة في الانتقال من الطب إلى السلك الدبلوماسي تساورني، وكان اعتدادي بنفسي ~~وبسحر حديثي مصدر هذه الرغبة وإلحاحها علي، فكنت أقدر أنني سأبلغ في محيط هذا السلك ما ~~لا تبلغه امرأة غيري، وقد بقي هذا الاعتقاد متشبثا بنفسي إلى عدة سنوات من بعد، وإني لأذكر ~~يوما بعد هذه السنوات ms058 دخلت فيه إلى اجتماع للسيدات، مصريات وأجنبيات، فلقينني بما تعودت من ~~ترحيب، إلا زوج وزير ألمانيا المفوض، وكانت متعالية تعتد بجمالها، وبجنسها، وبمركز زوجها، ~~وبواسع ثقافتها، فلم يسعني إلا أن وجهت إليها نظرة ازدراء زلزلت كبرياءها، ثم آليت على نفسي ~~أن أتقن الألمانية، وأن أقرأ خير مؤلفاتها بلغة العظماء من كتابها، وعرفت السيدة ~~المتعالية من بعض صديقاتي ما أقدمت عليه، فانتهزت أول فرصة تلاقينا فيها لتقدم إلي ~~معاذيرها. بذلك تصافينا واتصلت مودتنا، ولم يلفتني ذلك عما أخذت به نفسي؛ فأتقنت الألمانية، ~~وقرأت بها «جيتي» و«هيني» و«نيتشه»، وتأثرت إلى حد كبير بآراء «نيتشه» من أن القوة - والقوة ~~وحدها - هي مصدر كل سلطان في الحياة. # وللمرأة من أسباب القوة ووسائلها الكثير مما لا سبيل للرجل إليه؛ لها الذكاء، ولها ~~الحيلة، ولها الرقة، ولها سحر النظرات والحديث، ولها الصبر، الصبر الذي يمكنها من أن تحمل ~~الجنين تسعة أشهر، وترضعه عاما أو أكثر من عام، وتتولى بعد ذلك تربيته والعناية به، أين ~~للرجل هذه الوسائل التي تجمعها كلمة الأنوثة؟ وهل تستطيع قوته المادية أن تتغلب ~~عليها؟! # وقد استطاع زوجي بعد اختلافنا على الانتقال إلى السلك الدبلوماسي أن يتغلب على نفوري ~~بحنانه ولطفه، وبحبه إياي حبا كان يحرك كل قلبه وكل حواسه وكل رجولته، ثم إنه كان يحدثني ~~كل يوم عن عمله في الطب، وعن اطراد مكانته في السمو بين زملائه، وعن كسبه الوفير منه، كما ~~أخذ يغدق علي من صنوف الهدايا ما يهواه قلب المرأة من حلي ومجوهرات، ومن تحف زخرفية ~~بديعة تزدان بها حجرات المنزل، وتتمتع العين بدقة صنعها وبارع جمالها، وكم أغراني للذهاب ~~بنفسي أختار من الثياب وأدوات الزينة ومن هذه التحف الزخرفية ما أشاء، وانتهى بي لطفه إلى ~~أن سكن نفوري، فعدنا إلى سابق مودتنا. # ولكن حبي إياه كان قد خدش، ولم يكن لي مع ذلك بد من التظاهر بأن شيئا لم يحدث، وبأنا ~~ما زلنا نتبادل الحب صفوا كاملا، وماذا عساي كنت قادرة أن أصنع وبين يدي هذان الطفلان لا ms059 ~~يزالان في غرارة طفولتهما بحاجة إلى عناية أبيهما وعطفه؟! ولن يدور بخاطري أن ألجأ إلى بيت ~~أبي فتشمت بي زوجه، ويلقاني هو بوجه عابس أن ليس لي فيه أم يغفر حنانها ما لا يرضاه الأب ~~الغضوب. لا مفر إذن من الصبر من أجل هذين الطفلين، ومن أن أعمل على مداراة ذلك الخدش إن ~~استطعت إلى مداراته سبيلا. # وبالغ زوجي في العمل على مرضاتي، فلما كان الصيف سافرنا جميعا إلى أوروبا، وسافرت معنا ~~مربية أولادنا، وقضينا في هذه السفرة زمنا سعدت به، وبرئت نفسي في أثنائه، حتى خيل ~~إلي أني كنت متجنية على هذا الزوج العزيز الكريم، كم من مرة وقفت إلى جانبه على سطح ~~الباخرة التي تجري فوق لجة بحيرة «ليمان»، واستمتعت معه بمغرب الشمس فوق قنن الجبال ~~المحيطة بها، وبالهواء العذب الساحر الذي ينساب مع أشعتها الذهبية إلى الصدور ينعشها وينعش ~~القلوب معها. # خادم الفندق تستأذن علي وتدخل إلي طاقة كبيرة من أزهار شتى. # وكم من مرة درت معه في أنحاء باريس في الليل أو في النهار، وكم نعمنا بمشاهدها ومسارحها، ~~وبمظاهر الفتنة التي لا حصر لها فيها، وكم، وكم. وقد بلغ من إعجابي بهذا الرجل في هذه ~~الفترة أنني كنت أنظر إليه في بعض الأحيان لا على أنه زوجي، بل على أنه حبيبي، حبيب قلبي ~~وروحي، فقد وهبني كل نفسه ليله ونهاره، فلم يكن لي بد من أن أهبه كل نفسي وكل حياتي. # فلما عدنا إلى مصر، وعاد زوجي إلى عمله، وعدت إلى حياة المنزل الرتيبة، وانقشعت من حولي ~~هذه الغمامة الشعرية التي أحاطت بي في أوروبا، فلم يبق لي إلا ذكراها، والتحدث لصديقاتي ~~عنها، عاودني الأسف أنا لم ننتقل إلى السلك السياسي، وخيل إلي أن أهل هذا السلك ~~يقضون حياتهم كما يقضي المصطافون حياتهم، يتنقلون حيث يشاءون، وينعمون بجمال الطبيعة وبجمال ~~الحضارة أينما يريدون. # وجلست ذات مساء بعد أسابيع من عودتنا إلى مصر أتحدث إلى زوجي، وكان قد عاد من عمله وعليه ~~آثار الغبطة، فذكرت له رحلتنا ms060 وأثرها الجميل في نفسي، فقال: أرجو يا عزيزتي أن نتمكن من ~~قضاء الصيف كل عام في بعض ربوع أوروبا الجميلة، وما دام هذا يرضيك فإنه يسعدني، وهل لي من ~~سعادة إلا في رضاك وغبطة طفلينا وراحتهما؟! # ولم أملك نفسي وقد سمعت عبارته، فعانقته وقبلته شاكرة أجزل الشكر؛ إذ رأيت في وعده هذا ~~بعض العوض - إن لم يكن كل العوض - عن السلك السياسي، وقد كنت راغبة في الانتقال إليه أشد ~~الرغبة. # | الفصل الرابع # في الأيام الأخيرة من شهر «نوفمبر» من تلك السنة، أصيبت طفلتنا بنزلة شعبية حادة ~~أرقتني وأرقت والدها، فلما برئت رأى زوجي أن أسافر بها وبأخيها والمربية إلى الأقصر؛ ~~ليقضي دفء جوها على كل أثر للمرض. وحجزنا أماكننا بفندق الأقصر، وسافرنا بقطار الصباح اتقاء ~~برد الليل، وصحبنا زوجي إلى محطة العاصمة، ثم ودعنا ساعة تحرك القطار، وعاد توا إلى ~~عيادته يزاول عمله. # وقد شعرت ساعة وجدتني وحيدة مع الطفلين بديوان سكة الحديد بشيء من الرهبة، إن الديوان ~~مخصص للسيدات، ويغلب ألا يشاركنا فيه أحد طول الطريق، فالأوروبيات يجلسن مع أزواجهن إلا أن ~~يكن مسافرات وحدهن، أما ولم تشاركنا مصرية ولا أوروبية حين سفر القطار من القاهرة ومن ~~الجيزة فلا خوف من أن تصعد مسافرة بعد ذلك من محطة أخرى، وزايلتني الرهبة بعض الشيء بعد ~~ساعة أو نحوها من انطلاق القطار، وإن بقيت أحسب ألف حساب لطارئ من الرجال يفتح الباب علينا ~~ويحاول الجلوس معنا، ماذا عساي أن أصنع لو أن ذلك حدث؟ فليس في الديوان جرس أستطيع أن أدعو ~~به من ينقذني من مثل هذا الموقف. # وصلنا إلى الأقصر ولم يحدث ما توهمته مخاوفي، فلما بلغت الفندق وصعدت إلى غرفتنا عاودتني ~~المخاوف، لقد نزلت في أوروبا فنادق كبيرة شتى، ولم يخامرني مثل هذا الشعور، أتراني هناك كنت ~~أكثر شجاعة، أم تراني كنت أكثر اطمئنانا إلى الناس؟ لا هذا ولا ذاك، لكنني كنت في حماية ~~زوجي، وكنت مطمئنة في جواره، أما الآن وليس معي إلا المربية والطفلان، فقد ألفيتني عزلاء ms061 ~~مجردة من كل دفاع، على أن مدير الفندق - وكان سويسريا - أبدى لي من اللطف ما بدد الكثير ~~من مخاوفي. # واستيقظت في الصباح وأخذت زينتي وتناولت فطوري ونزلت إلى بهو الفندق، فأقبل علي مديره ~~ليطمئن على راحتي وراحة أطفالي، واتصل حديثنا بالفرنسية، فسألني إن كنت أريد أن أزور قبر ~~«توت عنخ آمون»، وكان قد كشف من سنتين، ليوفر لي أسباب هذه الزيارة، ولما كنت لم أزر ~~الأقصر من قبل، وكنت لا أريد أن يعرف الرجل ذلك عني، فقد ذكرت له أني مرجئة زيارة الآثار ~~حتى أطمئن على راحة طفلي، وقصصت عليه مرض ابنتي، وأنني جئت إلى الأقصر من أجلها، وأبدى ~~الرجل أشد الاهتمام بأمر الطفلة، وقال: «إن الشمس تغمر فناء الفندق معظم النهار، وشمس ~~الأقصر ممتعة جدا، وتستطيع الصغيرة أن تتسلى باللعب مع أخيها في حديقة الفندق، وبين ~~نزلائنا أطفال استفادوا من جو هذا الفصل في الأقصر فائدة كبرى.» # وخرجت مع الطفلين والمربية إلى فناء الفندق نستمتع بدفء الشمس، وفرح الطفلان بهذا التغيير ~~في لون حياتهما، واندفعا إلى ناحية حديقة الفندق، وتبعتهما مربيتهما، فبقيت زمنا أحدق ~~فيما حولي وأرقب هؤلاء السائحين، رجالا ونساء، وقد جاءوا إلى مصر من أقصى الأرض، ~~يستمتعون بجو شتائها المنعش، وبمشاهدة مناظرها الخالدة على صفحات الطبيعة، وفي صحف ~~التاريخ. # فلما قربت الظهيرة قمت أسير في طريق يشطر الحديقة حتى بلغت بابا من الخشب مقفلا، لكنه ~~غير موصد، وصادفني عند هذا الباب بستاني حياني وقدم لي باقة من زهر البنفسج، ثم فتح ~~لي الباب الخشبي وقال: تفضلي يا سيدتي إن شئت، فقد تجدين بعض معارفك في حديقة «ونتر ~~بالاس». # وكان هذا الباب الخشبي يفصل بالفعل بين حديقتي الفندقين: الأقصر، و«ونتر بالاس»، وذكرت ~~هذه اللحظة صديقتي التي مات زوجها تاركا لها ولذريتها الضعاف تركة قيمة، طمع فيها أهله، ~~فمنعوا ورثته من الاستيلاء عليها وعلى إيرادها. وكانت أم صديقتي ذات ثراء، وكانت شديدة ~~الإعزاز لابنتها؛ لأنها كانت وحيدتها بين إخوة ثلاثة قادرين على الكسب الوفير؛ لذلك أتاحت ~~لها المتاع بالحياة ms062 بعد انقضاء مراسم الحزن على زوجها، فسافرت إلى الأقصر، وتركت أبناءها في ~~رعاية أمها، ونزلت «ونتر بالاس»، فلما ذكرتها تخطيت إلى حديقة الفندق الفخم لعلي أجدها، ألا ~~ما أبدع هذه الحديقة وأبهاها! وما أحقر حديقة فندق الأقصر إلى جانبها! فهذه الأشجار ~~الباسقة، وهذه الأزهار النضيرة، وهذه الملاعب الفسيحة للتنس، وهذه الغزلان والطيور الجميلة ~~في الحظائر، وهذه المقاعد الوثيرة بأشكالها المختلفة منثورة في كل ناحية من الحديقة، والشمس ~~والظلال تتداول جوانب المكان المعطر بشذا الأزهار، هذا كله لم أشهد له نظيرا فيما زرت من ~~فنادق أوروبا، وهذا كله يجوس خلاله نفر قليل من الرجال والسيدات، كثرتهم من الأجانب، ويلعب ~~في بعض أرجائه أطفال كأنهم الأزاهير لفرط العناية بهم وبما يلبسون. # درت في أرجاء الحديقة ألتمس صديقتي فلم أجدها، وعلوت السلم المؤدي من الحديقة إلى الفندق ~~آملة أن أجدها في بعض أبهائه، أو أسأل عنها بعض رجاله، فعلمت من البواب أنها ذهبت في صحبة ~~إلى بيبان الملوك، وأنها ستكون - لا ريب - ساعة الشاي في البهو الكبير، ودلفت من باب الفندق ~~إلى شرفته، يا للجلال والبهاء والعظمة والجمال! فهذه الشرفة الرفيعة البديعة تطل على منظر ~~كله الروعة لا نظير له في العالم، تطل على النيل تنساب مياهه السماوية الزرقة، هادئة هدوء ~~هذا الفصل الرقيق من السنة، وتناسب فوق مياهه الزوارق، ذاهبة آيبة بين طيبة الأحياء، وطيبة ~~الأموات، وقد تطوف أحيانا حول جزيرة ناتئة في النهر حتى تغمرها مياه الفيضان، وعلى الجانب ~~الآخر من النيل تتدرج هضاب «طيبة الأموات» في ارتفاع حتى تختلط بالسماء عند مدى ~~النظر. # ووقفت إلى جانبي سيدة رأتني أحدق في إعجاب إلى هذا المنظر البديع، وعلمت أنني نزلت الأقصر ~~العشية، فحيتني بالإنجليزية وقالت: إن هذا المنظر يكون أبدع بكرة الصباح وساعة المغيب وأشد ~~سحرا، وهذه الجبال التي تبدو أمامك الساعة وقد غمرها ضوء الشمس، وكاد وهجها يحجبها عن ~~النظر، تبدو في الإصباح والإمساء وقد بادرتها الشمس، أو انحدرت من ورائها، ورسمت عليها ~~خطوطا من أشعتها الذهبية، تخالينها سطورا تنطق بما ms063 احتوته هذه الجبال في جوفها، من فراعين ~~وملكات، ومن قسس ووزراء، ومن فعال هؤلاء وأولئك، وكيف كتبوا من تاريخ الإنسانية صحفه ~~الأولى. إنني أهيب بك أن تجيئي إلى موقفك هذا بكرة الصبح وساعة المغيب، ليتضاعف متاعك ~~بالنيل والصحراء والجبال وما تحدث عنه من تاريخ ما قبل التاريخ! # وأقمت مكاني زمنا مأخوذة بالمنظر الساحر أمامي، فلما امتلأت منه العين والجوانح عدت إلى ~~فندقي أتفقد الطفلين العزيزين، وأشرف مع المربية على طعامهما، وتحدث إلي زوجي تليفونيا ~~من القاهرة ليطمئن علينا فطمأنته على كل شيء، وغفوت غفوة الظهيرة، أستريح بها من شقة سفر ~~أمس، فلما دنا موعد الشاي ذهبت من جديد إلى «ونتر بالاس»، وما كدت أدخل البهو الكبير حتى ~~رأيت صديقتي في جانب منه، فقصدت إليها وجلسنا معا إلى مائدة لا ثالث معنا حولها، وإنا ~~لنتجاذب أطراف الحديث إذ أقبل علينا رجل ناهز الثلاثين، فحيا صديقتي، ثم أحنى رأسه تحية لي، ~~واستأذن وجلس. وعلمت أن هذا الرجل من الأقصر، وأن له في فنادقها شأنا، وسرعان ما أدركت أنه ~~كثير التردد على نزلاء هذه الفنادق ونزيلاتها، فما كاد يشاركنا الحديث حتى رأيته يذكر ~~لصديقتي أسماء طائفة من نزلاء «ونتر بالاس» ونزيلاته، ومن نزلاء فندق الأقصر ونزيلاته، ~~ويروي عن هؤلاء وأولئك، وبخاصة عن هاتيك اللاتي ذكر أسماءهن، أنباء تنقلاتهن وملابسهن، ~~ومبلغ انسجام ملابس السهرة على هذه وعدم انسجامها على تلك، وكيف ترقص هذه وكيف ترقص تلك، ~~والحق أني ضقت بحديثه، لكن ما أبداه في أثناء الحديث من استعداد للقيام بأية خدمة أرغب فيها ~~اقتضاني مجاملته، بل ملاطفته، ولعل كثيرات غيري من نزيلات الفندقين كن في مثل موقفي، ~~يتظاهرن بالمجاملة والملاطفة انتظارا لخدمة يؤديها هذا الرجل، أو تقديرا لخدمة سبق له ~~أداؤها. # وأحسست ساعة المغيب تدنو، فاستأذنت صاحبتي وصاحبها لخمس دقائق، ودلفت إلى الشرفة فألفيت ~~السيدة التي وقفت إلى جانبي ساعة الظهيرة، وكأنها في انتظاري، ورأتني مقبلة فصاحت: «أترين ~~هذا المغيب البديع؟ لكأن الشمس علمت بأنك تريدين مشاهدتها، فجملت الوجود كله بزينتها، ~~انظري، انظري إلى ms064 النهر والسماء والجبال، وكأن المغيب يضمها جميعا في غلالة من ~~ذهب.» # وانطلقت السيدة تصف ما ترى مأخوذة، كأنها واقعة تحت سلطان منوم مغناطيسي مقره قرص ~~الشمس! وأخذت بالمنظر وبحديثها، ووقعت أنا الأخرى تحت سلطان هذا المشهد الفذ من مشاهد ~~الطبيعة، فلما آن للمساء والنهر والجبال أن تخلع زينتها عدت إلى مجلسي مع صديقتي، وقد غلبني ~~البهر فعقد لساني، فلما أفقت من بهري أخذت أتكلم وأصف ما شهدت، وأصغيت لصوتي ولعباراتي، ~~فإذا هي أنغام توقع لحن هذا المشهد الفذ الرائع، وقضيت في هذا الحديث زمنا رأيت الرجل في ~~أثنائه مسحورا، فلما كاد يتولاه البهر الذي كان قد تولاني، تركت «ونتر بالاس»، وعدت إلى ~~فندقي وإلى طفلي. # وأصبحت بكرة الغد، وتناولت فطوري، ثم إذا خادم الفندق تستأذن علي وتدخل إلي طاقة ~~كبيرة من أزهار شتى كلها الفتنة والجمال، شبكت بها بطاقة صاحبنا الأقصري الذي تناول الشاي ~~معنا أمس في «ونتر بالاس». # ولم يكن عجبي لجرأته دون سروري بهذه الأزهار البديعة الفاتنة، وطلبت إلى الخادم فأحضرت من ~~الآنية ما وزعت فيه الأزهار لأزين بها جوانب غرفتي، فلما اطمأننت إلى أن كل آنية وضعت حيث ~~يجب أن توضع أدرت نظري في الغرفة، وارتسمت على ثغري ابتسامة الرضا، فالأزهار تنشر في المكان ~~الذي توضع فيه بهجة، وتبعث إلى القلب المسرة، وإلى النفس الغبطة والطمأنينة، ودعوت طفلي ~~ومربيتهما، فاستمتعوا معي بهذه البهجة وهذا الجمال. # وهبطت إلى بهو الفندق، فإذا صاحبنا الأقصري جالس في صدره، وكأنه ينتظرني، فلما رآني أقبل ~~علي وحياني وعلى ثغره ابتسامة عريضة، وشكرته وأثنيت على أزهاره، وتحدثت إليه هنيهة حاولت ~~الانصراف بعدها، فاستوقفني وقال إن عربته تحت تصرفي لأزور بها آثار الأقصر جميعا، وإنه يسر ~~إذا قبلت مصاحبته إياي في زيارة معبد الكرنك ليشرح لي من أسراره ما لا يعرفه أقدر التراجمة ~~من أبناء المدينة، فشكرته واعتذرت له أن لدي اليوم شواغل تحول دون مغادرتي الفندق إلى زمن ~~طويل، وأني مضطرة لذلك أن أرجئ زيارة الآثار إلى يوم آخر، وقبل اعتذاري في لطف ms065 وأسف، ثم ~~قال إن صديقتي لا تبرح «ونتر بالاس» اليوم؛ لأنها تريد أن تستريح من مشقة زيارتها ببيان ~~الملوك أمس. # وانصرف الرجل، وخرجت أرى طفلي في فناء الفندق وحديقته، ثم إنني اصطحبتهما ومربيتهما إلى ~~حديقة «ونتر بالاس»، وهناك ألفيت صديقتي ممددة على كرسي طويل، وفي يدها قصة تقرؤها، فهي لم ~~تكن تطيق أن تقرأ من الكتب غير القصص، واتجهت نحوها، فلما دنوت منها رفعت بصرها عن كتابها، ~~ثم قامت وحيتني ودعت البستاني، فجاء بكرسي طويل آخر تمددت عليه إلى جانب كرسيها، فلما استقر ~~بنا المجلس اتجهت إلي بنظراتها الفاتنة، وقالت: «خبريني، ماذا فعلت بهذا الأقصري؟! لقد ~~سحر بك سحرا، بل جن بك جنونا، إنني لم أره قط كما رأيته أمس بعد أن غادرتنا، لقد ~~انقلب على حين فجأة شاعرا مفلقا؛ فنظراتك، ولفتاتك، وحديثك، وهندامك، ورقتك، ولا أدري ~~ماذا كذلك كانت مدار حديثه طول سهرته! ولقد سهر طويلا وأسهرني معه، ولم يكن يتابع بنظراته ~~الحائرة حركة الرقص على عادته، فقد كان في شغل شاغل عن ذلك كله بالحديث عنك، عنك أنت وحدك ~~حتى خيل إلي أنه يعرفك من زمن، وأن بينكما مودة، فلما أخبرني أنه رآك أمس أول مرة وأنت ~~معي تولتني الحيرة؛ أي طلسم تحملين أضله عن صوابه كل هذا الضلال؟» # وتبسمت ضاحكة من قولها وقلت: «أنت تبالغين يا عزيزتي، وإن هناك لطرازا من الرجال ذلك ~~شأنهم حين يرون امرأة لأول مرة، وما يدريك لعل هذا الأقصري يوم رآك للمرة الأولى قد قضى ~~سهرته حديثا عنك، وقضى ليلة تفكيرا فيك، وهو لا ريب قد حمل إليك صبح الغداة من ذلك اليوم ~~طاقة كبيرة من أزهار جميلة شبكت بها بطاقته، ووضع تحت تصرفك عربته تزورين بها الآثار، ~~واستأذنك في أن يصحبك إلى معبد الكرنك ليشرح لك من أسراره ما لا يعرفه أقدر التراجمة في ~~المدينة.» # وقالت صديقتي: «بل أنت التي تبالغين، صحيح أنني تلقيت غداة وصولي إلى هنا ومقابلته إياي ~~للمرة الأولى طاقة من الأزهار، لكنها لم تكن كبيرة، ولم تشبك ms066 بها بطاقة ما، وهو قد صحبني ~~إلى الكرنك، لكنه لم يصحبني وحدي، بل كنا جماعة من زوار الأقصر رجالا ونساء، وكان أكثرنا ~~من الأجانب، وكان معنا ترجمان تولى الشرح، ولم يتوله غيره، أما عربته فإنه يتلطف ~~بإرسالها إلي كلما ذكرت له أنني ذاهبة إلى نزهة خلوية، أثرية أو غير أثرية.» # سمعت ذلك فاغتبطت، فشتان بين ما ذكرته صديقتي وما كان معي، وصديقتي جميلة حقا، فارعة ~~القوام ممتلئة في غير سمنة، في عينيها حور، وفي نظراتها سحر، إذا مشت لفتت مشيتها النظر، ~~وإذا ابتسمت أسعدت ابتساماتها جليسها، وهي مؤمنة بجمالها وبسلطانه على كل من يراها، وهي مع ~~ذلك تذكر لي من أمر الأقصري ما ذكرت، ليس الجمال وحده صاحب السلطان إذن على الرجال، فهذا ~~الأقصري الذي سحر في لحظات بحديث عن جمال بلده يستطيع أن يقرأ مثله أو خيرا منه في ~~الكتب، ويستطيع أن يسمع مثله أو خيرا منه من غيري، قد سحره - لا ريب - شيء آخر غير الألفاظ ~~التي اشتمل عليها الحديث، وهذا الشيء الآخر هو سر السحر الذي يبهر كل من يسمعني، هو سري ~~أنا، سر السلطان الذي أحسه، ولا يحيط التحليل بكل مصادره. # ولكن من هذا الأقصري الذي ضقت أمس بحديثه حتى تخرجني الغبطة بسحره بي عن موجب الرزانة ~~وحسن التقدير؟! لقد أحسنت صنعا بالاعتذار عن مصاحبته إياي إلى «الكرنك»، وخير لشابة مثلي ~~أن تلزم جانب اليقظة والحذر. # مرت هذه الخواطر بنفسي في مثل لمح البصر، فلم تلحظ صديقتي شيئا منها، واستطرد بنا الحديث ~~وأنا إلى جانبها في شئون وشجون، بعد أن قصت علي في إيجاز مشاهداتها في آثار الأقصر ~~وبيبان الملوك وبيبان الملكات، وإننا لفي حديثنا إذ مر بنا أجنبي وقف إلى جانبها فحياها ~~بيده، وحياني بإشارة من رأسه، وتحدث إليها لحظات حديثا عاديا، ودعاها بعده، ودعاني ~~وإياها لتناول الشاي ثم انصرف. وذكرت لي صديقتي بعد انصرافه أنه ألماني مهذب مشتغل بالآثار، ~~وأنه يحضر إلى الأقصر كل شتاء منذ سنوات لمتابعة أبحاثه، وأردت منها أن تعتذر إليه ms067 عن عدم ~~قبولي دعوة لم توجه لي إلا لوجودي معها، فابتسمت وقالت: «من يدري! لعلها وجهت إلي ~~أنا من أجلك، وعلى أية حال لا ضير عليك من قبولها، وأؤكد لك أنك لن تأسفي لمعرفة هذا الرجل، ~~فهو مهذب واسع الأفق والثقافة، حلو الحديث، لطيف المجلس، وهو لا يقيم بهذا الفندق، ولا يكثر ~~التردد عليه، ولم أره هنا يومين متعاقبين منذ جئت إلى الأقصر، لهذا أرجوك أن تكوني معنا هنا ~~ساعة الشاي، ولك أن تعتذري وتنصرفي بعد قليل من تناوله.» # وألحت الشابة الجميلة فنزلت على رجائها، وجئت للموعد فألفيت الرجل قد حجز لنا مائدة، ~~وجلس إليها ينتظرنا، وأقبلت صديقتي وطلبنا الشاي وأخذنا نتحدث، وعلم مضيفنا أني جئت الأقصر ~~لأول مرة في حياتي، فأخذ نفسه بأن يرسم لي - من هذه المدينة الصغيرة التي كانت من قبل عاصمة ~~الفراعنة - صورة تحييها أمام خيالي في عهود عزها وجلالها، وتصفها في حاضرها بعيدة كل البعد ~~عن هذه العزة وهذا الجلال، لولا معبدها الضخم القائم على شاطئ النيل الأيمن، ولولا القبور ~~العجيبة التي نحتها الفراعنة مقرا لحياتهم الآخرة في جوف الهضاب الناتئة على الشاطئ ~~الأيسر، وأخذ يتحدث في هذا حديث عليم ساحر الحديث طيلة تناولنا الشاي، فلما فرغ من القول ~~شكرته، ثم أبديت له عجبي من أولئك الأقدمين، كيف تخيلوا حاجة الروح بعد الموت لطعام هذه ~~الدنيا ومتاعها، حتى كانوا يدفنون مع الميت القمح والزهر والحلي، وما إلى ذلك من ألوان ~~المتاع؟! وانتقلت من هذا الحديث إلى غيره، وإلى غيره، وجعل هو يجيبني إلى ما أسأل ~~عنه. # وطاب لي المجلس فلم أعتذر ولم أنصرف، بل أقمت أستمتع بحديث مضيفنا وبأنغام الموسيقى، حتى ~~لم يبق في بهو الفندق معنا إلا نفر قليل، عند ذلك قلت مبتسمة: «أظن أنا لم يبق لنا من ~~الانصراف بد، وأنا أشكر صديقتي، وأشكرك يا سيدي، وأستأذنكما في العود إلى فندقي.» # قال الألماني: «أوتأذنين يا سيدتي أن أصاحبك إلى هناك، فالطريق طريقي وأنا أقيم على ~~مقربة من فندق الأقصر؟ وانتقل الحديث في أثناء ms068 الطريق من الفراعنة إلى مشاهداتي في أوروبا، ~~وأصغى الرجل لحديثي عن جمال سويسرا، ثم سألني عما إذا كنت قد زرت ألمانيا، وأبدى الأسف حين ~~قلت إنني لم أزرها، وذكر أنه سيكون في برلين الصيف المقبل، وتمنى لو التقينا بها وتعرف ~~إلى زوجي هناك. # نزلت صبح الغد إلى بهو الفندق، فألفيت صاحبنا الأقصري في مكانه لأمسه، وأقبل علي حين ~~رآني، وذكر لي بعد التحية أن الأثري الفرنسي، الذي يشرف على عملية التنقيب بالكرنك، ويقيم ~~في منزل تجاه المعبد، يقيم اليوم حفلة شاي، وأنه علم بمقدمي من مصر، فأبدى الرغبة في حضوري ~~هذه الحفلة، والاستعداد للمجيء إلى الفندق لدعوتي إذا كنت مستعدة لقبولها، وتحدث الأقصري عن ~~هذا الأثري الفرنسي، مثنيا على أعماله، محبذا قبولي الدعوة، فلما أبديت أني لا أرفضها قدم ~~بطاقتها باسمي، قلت: لا داعي إذن لتجشيم الرجل مشقة الحضور بنفسه، فبدت على محيا الأقصري ~~علائم الغبطة، وقال: «سأصحبك إذن في عربتي إلى هناك.» # وذهبنا بعد الظهر معا، وتم التعارف بيني وبين الفرنسي وسائر المدعوين إلى الحفلة، وبعد ~~أن تناولنا الشاي ذهبنا في زيارة قصيرة إلى الكرنك، رأينا خلالها ما أسفرت عنه عملية ~~التنقيب، على أني خرجت من هذه الزيارة القصيرة وأنا لا أكاد أصدق ما رأيت من جلال هذا ~~المعبد وفخامته وعظمته، ورأى الفرنسي إعجابي، فقال إنه يسر بمصاحبتي في أرجاء المعبد كله ~~دليلا يشرح لي بعض أسراره، ونظرت إلى صاحبي الأقصري مبتسمة ابتسامة من يسأل: «أي الدليلين ~~أختار، هو أم المشرف الفرنسي على المعبد؟» وجوابا على ابتسامتي وجه هو الحديث إلى المشرف ~~قائلا: «متى قررت السيدة زيارة المعبد أحطتك تليفونيا، وحضرت معها لأستفيد جديدا عن آخر ~~ما وصل إليه تنقيبك!» # قضيت أسبوعين على هذا النحو بالأقصر، أستبشر كل صباح بمشاهدة طفلي زادهما هذا الجو ~~البديع نشاطا وصحة، وأتفق مع الطاهي على ما سيقدم لهما من طعام، وأقضي ما وراء ذلك متاعا ~~بنفسي وبصديقتي وبمعارفي الذين ألقاهم في حديقة «ونتر بالاس»، أو أجلس إليهم ساعة الشاي في ~~بهوها، أو أزورهم ms069 بعد العشاء أحيانا قليلة، أسمع موسيقى الرقص، وأمتع النظر بحركات ~~الراقصين. وفي هذين الأسبوعين زرت آثار الأقصر في طيبة الأحياء، ومقابر الفراعنة ملوكا ~~وملكات في بيبانها، وزرت الكرنك مع فوج من السائحين في ضوء القمر، وأشهد لقد كنت سعيدة بمن ~~عرفت من الأحياء سعادتي بهذه المشاهد الخالدة الباقية على الدهر بقاء الدهر، فكانت هذه ~~وأولئك يشغلونني في يقظتي وفي نومي؛ لأنني لم يكن يشغلني شيء سواهم، ولأنني كنت في هذه ~~الفترة أقضي نهاري وليلي كما يقضي السائحون نهارهم وليلهم، لا هم لهم إلا المتاع بالحاضر، ~~لا يشغلهم غدهم عن يومهم، ولا يفكرون إلا فيما تقع عليه أنظارهم، وما تلتهمه مشاعرهم ~~وحواسهم، وكذلك نسيت السلك الدبلوماسي، ونسيت تحديد النسل، ونسيت القاهرة، بل نسيت أوروبا؛ ~~لأن الحاضر أمامي كان يملأ فراغ وقتي، ولا يدع لي فرصة للتفكير في شيء غيره. # فلما صدمني الواقع بأنا عائدون إلى القاهرة بعد غد، شعرت كأنني أفيق من حلم سعيد لذيذ، ~~وكأني إنما جئت إلى الأقصر لأمسي، واستبد بي هذا الشعور حين رأيت المربية صبح الغد ~~تعد متاعنا للسفر، لم يبق لي إذن إلا أن أودع كل ما رأيت ومن رأيت خلال هذين ~~الأسبوعين السعيدين، لم يبق لي إلا أن أودع هذه الغرفة التي احتوت أحلام يقظتي ونومي ~~بفندق الأقصر، وهذا البهو وقاعة الطعام، وهذا الفناء، وهذه الحديقة، ولقد كانت ملعب طفلي، ~~ومهبط أشعة الشمس المحسنة إليهما، وأن أودع حديقة «ونتر بالاس» وبهوها وشرفتها والنيل، ~~وبيبان الملوك والملكات مما تطل هذه الشرفة عليه، وأن أودع صديقتي وصاحبها الأقصري، وهذا ~~الألماني المثقف الظريف الذي تردد علينا بضع مرات كنت أحس كل مرة منها بأنه أوسع ثقافة ~~وأكثر ظرفا! نعم، لم يبق لي إلا أن أودع من رأيت، وما رأيت، وأن أقول لهم ولها: إلى ~~الملتقى إن قدر لنا أن نلتقي ها هنا مرة أخرى. # وخرجت إلى فناء الفندق أشرف على الطفلين حتى تنزل المربية إليهما بعد أن تفرغ من إعداد ~~المتاع، واتجه نظري إلى باب الفندق الخارجي فيما ms070 وراء الحديقة، ودارت برأسي خواطر مبهمة ~~أوحت بها خلجات نفسي، ترى لو أنني جئت إلى هنا العام المقبل، أتراني ألتقي بمن أودع اليوم؟ ~~وابتسمت في مرارة حين ارتسم أمام بصيرتي الجواب الطبيعي لهذا السؤال: نعم، سأرى الفندقين ~~وحديقتهما، وسأرى النيل والمعابد، وقبور الملوك والملكات، كما أرى شمس الأقصر ~~وقمرها. # أما صديقتي والأقصري والألماني، ومديرا الفندقين، ومن إليهم من رجال ونساء يقيمون هنا، ~~دعك من السائحين والسائحات، فلا علم لي ولا علم لأيهم ما مصيره بعد عام، بل بعد شهر، بل بعد ~~يوم، فقد يرجع الألماني إلى وطنه ثم لا يعود، وقد يمرض أحدهم وقد يموت. ألا تعسا لهذه ~~الحياة! لا نمسك منها إلا بخيال سريع التنقل سريع الزوال، وما أشهاها مع ذلك، وما ألذها، ~~وما أطيب ما نسيغه من حلو متاعها! أتراها تكون كذلك لو أن الأحياء كتب لهم البقاء كما ~~كتب على المعابد والنيل والشمس والقمر؟ # ونزلت المربية فتركتها مع الطفلين، وأخذت طريقي إلى حديقة «ونتر بالاس»، وهناك جلست أتحدث ~~إلى صديقتي حديث الوداع، وإنا لكذلك، إذ أقبل الأقصري فجلس إلينا يشاركنا في هذا الحديث، ~~ثم قال ساعة انصرافه إنه دعا الألماني كما دعا الفرنسي المشرف على أعمال التنقيب بمعبد ~~الكرنك لتناول الشاي معنا قبيل المغيب ليقوم الجميع بتوديعي. # واجتمعنا حول مائدة الشاي، واستمعنا إلى الموسيقى، وتحدثنا، فلما آن موعد انصرافي حياني ~~الفرنسي بكلمات تسيل رقة، وتمنى لي عودا سعيدا إلى بيتي، وعانقتني صديقتي وتبادلنا قبلات ~~حارة، وقال الأقصري إنه سيراني مرة أخرى على محطة سكة الحديد صبح الغد، وأما الألماني فقد ~~أصر على مصاحبتي إلى فندقي، فطريقي طريقه إلى مسكنه، فلما بلغنا باب الفندق وقف يودعني، ~~وأخرج من جيبه علبة صغيرة وقال: «أرجو يا سيدتي أن تقبلي هذا التذكار الصغير لتعارفنا ~~القصير، خلال هذه الفترة الوجيزة، إنه لا يعبر عما أشعر به نحوك من إكبار وتقدير فحسب، ~~ولكنه يذكرني كذلك عندك كلما رأيته.» وشكرته وفتحت العلبة قبل أن ينصرف، فرأيت بها حلية ~~صغيرة دقيقة الصنع غاية الدقة ، فلما ms071 أبديت إعجابي بها قال: «لقد صنعتها بنفسي، وإن لم تكن ~~صياغة الحلي صناعتي»، ثم ودعني وانصرف. # وفي الصباح الباكر جاءت عربة الأقصري فانتقلنا بها إلى المحطة، فإذا هو ينتظرنا على ~~إفريزها، فلما آن لنا أن نستقل القطار، وصعد إليه الحمال بمتاعنا رأيت مع المتاع زنبيلا ~~أشار إليه الأقصري وقال: «إنها هدية صعيدية لا تليق بالمقام، تأكلونها شفاء وعافية.» # وانطلق بنا القطار، وأنا وحيدة في الديوان مع طفلي، أستشعر رهبة، ولم أشعر بحاجة إلى ~~دفاع، وغلب النوم الطفلين لتبكيرهما في اليقظة، فاستلقى كل في ناحية، ورحت أنا يتردد ~~خيالي بين الأقصر ومقامي بها، والقاهرة وإقبالي عليها، لكني ما لبثت بعد قليل أن نسيت ~~القاهرة وتعلقت بالأقصر؛ ذلك أنني حانت مني التفاتة إلى متاعنا فأخذ الزنبيل بنظري، وأحيا ~~صورة الأقصري في ذهني، وأحيا صورة بلده، ودفعني منظر الزنبيل وتوهم ما فيه إلى المقارنة ~~بينه وبين الحلية التي أهدانيها الألماني، وبين ذوق كل من صاحبي الهديتين، وأدت بي هذه ~~المقارنة إلى أن أسأل نفسي: أفكان من حقي أن أقبل أيا من الهديتين؟ صحيح أن هدية الأقصري ~~قد زج بها بين متاعي من غير علمي، وأنها فوق ذلك طعام لن يبقى له غدا أو بعد غد أثر، ~~وأستطيع إذا سألني زوجي أن أذكر له كل شيء عنها، ولكن ماذا عساي أقول إذا سئلت عن هدية ~~الألماني، وكيف سولت لي نفسي قبولها؟ # وأعترف، لقد بهت وتولتني الحيرة، حين أردت الجواب على هذا السؤال، وفي الحق كيف قبلت ~~هذا التذكار؟ وكيف جرؤ الألماني على تقديمه لي؟ وما معنى هذا الصنيع من جانبه؟ ليس للتذكار ~~قيمة مادية ذات شأن، لكن تقديمه إلي ساعة توديعي مشفوعا بالعبارات التي نطق بها كان يوجب ~~علي أن أتدبر الأمر أكثر مما فعلت، وأن أشكر وأعتذر عن عدم قبول هذا التذكار، ولكن بماذا ~~كنت أعلل اعتذاري، من غير أن أخل بواجب الأدب والمجاملة؟ إن الرجل لم تبدر منه في كل ~~المرات التي جلس إلينا فيها أية بادرة لا ترضاها أدق قواعد الذوق، ms072 وعبارته الأخيرة أنه يقدم ~~لي هذا التذكار لما يشعر به نحوي من إكبار وتقدير، عبارة مختارة أدق اختيار، فلو أنني ~~اعتذرت ولم أقبل تذكاره لكان اعتذاري جافا لا يصدر عن إنسان مهذب! # لكن ما عساي أن أقول لزوجي حين يرى هذا التذكار؟ وهلا أقص عليه أنباء جولاتي، وكل ما ~~رأيت في الأقصر، وأنا إنما سافرت إليها من أجل ابنتنا لتمام برئها؟ إن هذا التذكار ليفتح ~~علي أبوابا ما أغناني عن فتحها، أفأخفيه عن زوجي تخلصا من كل سؤال وجواب؟ إن كبريائي ~~وكرامتي لتأبيان ذلك علي؛ لأنني لم أرتكب إثما فأتستر عليه، ولكن هلا يثير هذا التذكار ~~في نفسه من الغيرة ما قد يجني على مودتنا وعلى حبنا المتبادل، ثم يعذره كل إنسان عن غيرته، ~~وإن لم يكن لي في ذلك ذنب ولا جريرة؟ # جعلت أقلب هذه الأمور في نفسي، والقطار ينهب بنا الطريق إلى العاصمة، فلما بلغها ألفيت ~~زوجي في انتظاري على المحطة، ولمحت في نظراته وهج الشوق العنيف، وخيل إلي أنه يريد أن ~~يبتلعني ابتلاعا، لكنه اكتفى بتقبيل الطفلين وإظهار الرضا عن صحتهما، فلما دخلت منزلنا ~~وأزلت عني غبار السفر ولباسه وتزينت للنوم، وأوى الطفلان إلى مضجعهما، ألقيت بنفسي بين ~~أحضانه، وسكبت في فمه كل ما اجتمع في جسمي، وفي قلبي، وفي عواطفي، وفي وجودي كله مدى وجودي ~~بالأقصر من مشاعر وإحساس، وتلقى هو قبلتي فزادته شوقا لي، وأذبت نفسي وروحي فيه، ~~وانتشرت بذلك في كل وجوده، فلما آن لنا أن نتحدث لم نجد ما نقوله، إننا كلينا هنا وكفى، ~~وبعد ألفاظ قليلة مبعثرة تبادلناها قال: أحسبك متعبة من مشقة السفر طول النهار، فليرد عليك ~~النوم راحتك وطمأنينتك، ولنتحدث غدا عن الأقصر وما كان فيها. # واستيقظت صبح الغد في ساعة متأخرة فألفيته ذهب إلى عمله، وعدت أفكر فيما كان يشغلني وأنا ~~بالقطار، فقلت: يجب أن أقص عليه كل شيء، ويجب أن أذكر له الألماني وتذكاره، إن ما شهدته ~~منذ بلغت القاهرة ليدلني على أن لي عليه من السلطان ما ms073 كان لحواء حين أغوت آدم فأكل من شجرة ~~الخلد، وسأرى ما يكون لذلك من أثر ثم أتصرف. # وعاد من عمله مبكرا، وقبلني قبلة شدت من عزمي، فلما جلسنا سألني وعلى ثغره ابتسامة ~~الرضا عما رأيت في الأقصر، فذكرت له صديقتي التي مات زوجها، فاستولى أهله على تركته، وذكرت ~~كيف كان يجتمع إلى مائدتها ب «ونتر بالاس» قوم أولو ظرف وكياسة، يتناولون الشاي ويتحدثون، ~~منهم الأقصري الذي أهداني الزنبيل ساعة سفري، ومن هديته سنتناول طعامنا بعد هنيهة، ومنهم ~~ألماني مهذب واسع الثقافة، كان قليل التردد علينا، وقد قضى عليه ظرفه ساعة ودعني أن يهديني ~~تذكارا دقيقا من صنع يده، وفتحت العلبة الصغيرة التي احتوت التذكار وأريتها لزوجي، فلما ~~رآها قليلة القيمة المادية لم يبد اهتماما بها. وذكرت الأثري الفرنسي المشرف على أعمال ~~التنقيب بالكرنك، ثم ذكرت الكرنك وما تركه في نفسي من أثر عميق حين زرته مع صحبة في ضوء ~~القمر، وبيبان الملوك، وقبر توت عنخ آمون، ومقابر الملكات، وذكرت ذلك كله، وذكرت النيل ~~ومغارب الشمس البديعة، وأخذت أتحدث وأتحدث وهو يصغي إصغاء مأخوذا من سحر حديثي، ثم ختمت ~~الحديث بأني كنت أغتبط بذلك كله، ثم أزداد غبطة حين أستيقظ في الصباح، فأرى طفلينا يزدادان ~~نشاطا وصحة، ويزيدانني بذلك هناءة وسعادة، ويجعلان من مقامنا بالأقصر فلذة من نعيم، كان ~~يضاعف لو أن والدهما كان معنا يستمتع بمتاعنا، ويزيدنا سعادة بمتاعه! # قبلني زوجي حين فرغت من حديثي، وشكر لي عنايتي بالطفلين، ثم قمنا وتناولنا غذاءنا، ~~وخلوت بعد ذلك إلى نفسي راضية عن نفسي، هأنذي لم أخف شيئا عن زوجي، وها هو ذا مطمئن ~~مغتبط، وهذا طبيعي؛ فلا جناح على امرأة إذا رأى الناس فيها جاذبية أدنتهم منها وحببت إليهم ~~مجلسها، أو رأوا في حديثها ما أخذ بسمعهم وأبصارهم، فيم إذن كان ترددي وأنا بالقطار؟ وفيم ~~كانت خشيتي أن أثير هواجس الرجل أو أثير غيرته؟ إننا كثيرا ما نجسم أمام خيالنا أمورا لا ~~جسامة في الواقع لها، وكثيرا ما نضطرب أمام اعتبارات لا ms074 شيء فيها يوجب الاضطراب. # على أنني ابتسمت بعد هنيهة في نفسي، وتساءلت: أكان الأمر يتم بكل هذا اليسر لولا أنني ~~سكبت في جنان زوجي كل ما اجتمع في جسمي وفي عواطفي وفي وجودي كله من حس ورغبة، ولولا أنني ~~أذبت نفسي وروحي فيه، وانتشرت في كل وجوده لأول ما خلوت إليه بعد أن بلغنا القاهرة؟ وهل كان ~~الأمر في مثل هذا اليسر لولا لواعج الشوق التي كانت تحرك كل روحه وكل عصبه، ولولا ما يكن ~~قلبه من حب فرض عليه كل سلطانه؟ إن شوقه وحبه هما اللذان نصراني بعد أن أرضيتهما بكل ما ~~ينطوي عليه وجودي من أسباب إرضائهما، وبعد أن تعاونت أسباب هذا الإرضاء في ذكاء ومقدرة فلا ~~أغمط حق نفسي، ولا أهون من قدر سلطاني القاهر، فلولا هذا السلطان لواجهت اليوم موقفا ما ~~أدقه وأعسره! # وتعاقبت الأيام وأقبل الصيف، وفكرت في السفر إلى أوروبا، ولم أكن في ريب من إجابة زوجي ~~رغبتي، فقد رضي سلطاني وأقره وخضع لحكمه برغم ما كان يبدو أحيانا من تحكمه؛ لأنه رأى في ~~هذا التحكم لونا من دل المحب يزيده إغراء، على أن أمرا حدث حال دون السفر، فقد مرض والدي ~~واشتد به المرض حتى كان الأطباء يعودونه صباح مساء، وكان زوجي هو المشرف على تنفيذ العلاج ~~الذي يقررونه، فلم يكن مستطاعا أن ندعه في علته ونسافر إلى ربوع الاصطياف والتسلية، فلما ~~برئ كان الصيف في مولياته، ولم أكن أحب الإسكندرية منذ سافرت مع والدي إليها بعد موت أمي؛ ~~لذلك استقر مقامنا بالقاهرة حتى إذا كنا في الأيام الأخيرة من شهر ديسمبر رأى زوجي أن من ~~حقي أن أستريح، فاقترح أن أذهب مع الطفلين والمربية إلى الأقصر كما فعلت في العام الماضي، ~~وحجزنا أماكننا في فندق الأقصر، وسافرنا بقطار الصباح اتقاء برد الليل، فلما بلغت الفندق ~~وجدت الأقصري والألماني في بهوه، وأقبلا مع مدير الفندق وقالا: لقد أخبرنا المدير بمجيئك ~~فانتظرناك لنقول لك: حمدا لله على السلامة. ثم ذكر أن صديقتي نزلت «ونتر ms075 بالاس»، وودعاني ~~وانصرفا. # وذهبت مبكرة بعد ظهر الغد إلى «ونتر بالاس» فألفيت بهوها خاليا، فتخطيت إلى شرفتها أؤدي ~~للنيل ولما وراءه في الجانب الغربي تحية إكبار وإجلال، ولم يطل وقوفي حتى رأيت الإنجليزية ~~التي وقفت إلى جانبي في العام الماضي تقبل علي وتقول: «هاللو، أرأيت أنك لم تستطيعي ~~مقاومة ما لهذا المنظر الساحر من سلطان؛ فجئت حاجة إليه هذا العام كرة أخرى؛ ذلك شأني ~~معه من أعوام عدة، لا يكاد الشتاء يقبل حتى أشعر بدافع يجذبني إلى هنا لأؤدي لهذا المشهد ~~الفذ فرضا، حاولت غير مرة أن أتنصل منه، ثم لم أجد مفرا من أدائه. وحدثيني بربك، أي ~~شعور يملكك حين تهبطين مئات الدرج إلى قبر فرعون نقشت جوانبه بطلاسم «كتاب الموتى»، ثم ترين ~~مكان تابوته أو بقية من آثاره؟ إن الرهبة التي تملكني في تلك اللحظات لتريني العالم الآخر، ~~وتريني ملكوت السموات، ألا ترين أنت أيضا شيئا من ذلك؟» # وأجبتها: «إنني لم أتردد بعد على تلك المقابر ما ترددت لأرى فيها ما ترين، إنما ملكني ~~شعور العجب كيف ينفق هؤلاء الملوك كل ذلك الجهد، ويسخرون في سبيله ألوف العمال وعشرات ~~آلافهم؛ لينقروا في جوف الصخر قصور قبورهم!» قالت - وفي لهجتها شيء من الإنكار علي: «كلا ~~يا سيدتي، لا تقولي هذا الكلام، فلو أنهم لم يفعلوا لما خلدوا للأجيال المتعاقبة على الدهر ~~هذه الآثار البارعة الضخمة، التي تحدث عن حضارة روحية أضاعها عالمنا المادي الأحمق! إن ~~هؤلاء الأقدمين في مصر والهند والصين قد هدتهم حكمتهم، وخلدوا من آثار علمهم وفنهم ~~وحضارتهم ما لا قبل لعالم اليوم بمثله، إنهم كانوا يعيشون مطمئنين إلى خلد أرواحهم؛ ~~فكانوا يقيمون لهذه الأرواح المقر اللائق بها، أما نحن فنعيش في عالم مضطرب سريع التغير ~~لا نستطيع أن نمسك منه بمعنى من معاني البقاء، وحسبنا لذلك منه حياتنا على الأرض، وما ~~أقصرها! وما أتفه ما تكسبه أرواحنا في أثنائها! وإني لأشعر يوم نلتقي بهؤلاء الأقدمين في ~~ملكوت السموات أنا سنرى أنفسنا أقزاما إلى جانبهم، ونرى حضارتنا ms076 هباء إلى جانب ~~حضارتهم.» # واستأذنت محدثتي، وعدت إلى بهو الفندق، وجلست إلى مائدة في أحد جوانبه، وبعد قليل رأيت ~~صديقتي قادمة من ناحية المصعد فقمت إليها، وتهادينا التحية، وجلسنا حول المائدة وعدنا إلى ~~مثل حالنا منذ عام! وإنا لكذلك إذ جاء الألماني ووقف هنيهة يتحدث إلينا، ثم انصرف معتذرا ~~بأن لديه موعدا لا فكاك له منه، قالت صديقتي: «خبريني، ماذا صنعت بهذا الرجل؟ إن الأقصري ~~ليذكر أنه مجنون بك، وإنه يقول إنه يرى الله في السماء ويراك على الأرض.» فضحكت ضحكة ذات ~~مغزى وقلت: «وهل تصدقين الأقصري؟ لعله يراني أضيق به أحيانا، وأني أجامل هذا الألماني، ~~فدفعته الغيرة لأن يقول لك ما قال، إنني لم أر هذا الألماني في العام الماضي إلا معك، وكنت ~~أراه معجبا بك، وما أحسب الأقصري يريد بكلامه لك وقيعة بيننا!» قالت صديقتي: «لا أظن ~~بالأقصري هذا الظن، والألماني رجل مهذب رقيق، ألا ترين أنه كان يأبى إلا أن يرافقك إلى ~~الفندق كل مرة يجالسنا فيها، فكان يدعنا وينصرف معك حتى لا يدعك تسيرين وحدك.» ولم أر أن ~~أجيب فانصرفت بالحديث إلى موضوع آخر. # لست أنكر أني اغتبطت في دخيلة نفسي لما ذكرته صديقتي عن عواطف الألماني نحوي، لكني رأيت ~~أن أقطع عني ألسنة المتقولين بالتزام جانب الحيطة والحكمة، فكنت إذا أردت الانصراف وهو في ~~مجلسنا دعوت سيدة تقيم مثلى بفندق الأقصر، ولو كانت على مائدة غير مائدتنا؛ لنعود بعد ذلك ~~إلى الفندق معا، فلا يفكر هو في مرافقتي، فإن فعل لم يكن لصديقتي، ولا للأقصري، ولا ~~لغيرهما أن يقولوا شيئا. # ورأيت يوما زوج صديقة لي، كنت أعجب بمنطقه، وكنت أعلم أنه ينزل «ونتر بالاس»، فلما رآني ~~جاء يحيينا فاستبقيته هنيهة، ثم قلت: «حان موعد ذهابي إلى فندقي»، وقلتها بلهجة فهم منها ~~أني أريد مرافقته إياي، وكان ذلك بالفعل قصدي إبعادا لشبهة الألماني. وصحبني زوج الصديقة ~~وهبطنا الدرج إلى الحديقة والوقت قد أمسى والظلام مد رواقه، وعثرت قدمه، فقال وكأنما يعتذر ~~عن عثرته: «تبا لإدارة هذا ms077 الفندق، ما ضر لو بعثروا بين أشجار الحديقة بعض الثريات ~~الكهربية؟» وبدر مني عن غير عمد أن قلت: «يا عبيط!» ولم ترضه كلمتي فلم يسكت عليها، بل ~~قال: «لو لم تكوني زوجا لصديقي!» ولم أجب للحظتي، ولولا الظلام لبدت على وجهي حمرة الخجل، ~~على أنني قلت بعد برهة: «ما لكم معشر الرجال تسرعون إلى سوء الظن حين لا يكون لسوء الظن ~~موضع؟!» ولم يرد هو متابعة هذا الحديث، فأداره بذكاء إلى اتجاه آخر. # ويظهر أن الألماني فطن لحذري، وأراد التغلب عليه، فقد صادفته يوما ساعة نزولي من غرفتي ~~لأذهب إلى موعد الشاي ب «ونتر بالاس»، فلما رآني تقدم إلي وحياني في لطف وأدب وقال: جئت ~~أدعوك لقضاء النهار بعد غد في البر الغربي حتى تشهدي ما تجريه مصلحة الآثار في الدير ~~البحري، وسنتناول طعام الغداء هناك، وبدت علي الحيرة، فلم يدع لي فرصة للاعتذار، بل قال: ~~«وقد لاحظت ما بدا من حذرك هذا العام، فدعوت صاحبنا الأقصري ليكون معنا، وقد رجوته أن يقنع ~~صديقتك بمرافقتنا كذلك.» قلت: إن كان الأمر كما تقول فأنعم بها من صحبة! قال وكأنما صفعته ~~عبارتي: «لست أفهم يا سيدتي حذرك هذا، فهل بدر مني ما يوجب الريبة؟ وهل سمعت مني كلمة خدشت ~~سمعك؟ أم أن ذنبي بل جريمتي أنني معجب بك إعجابا لا حد له، معجب بذكائك، وبروحك المضيئة، ~~وبحديثك الساحر، وبكل شيء؟ ومتى كان الإعجاب جريمة يجزى مجترفها هذا الجزاء القاسي؟ هأنذا ~~صارحتك بما يدور في نفسي نحوك من عاطفة، لن تزداد على الأيام إلا سموا، ولست أنا وحدي ~~الذي ملكني الإعجاب بك، فكثيرون ممن رأوك أو استمعوا إليك يعجبون كيف يكون فندق الأقصر أو ~~فندق «ونتر بالاس» مسكنا لملاك مثلك، ولو أن ذلك كان سائغا لشادوا لك قصرا يحجون إليه ~~كلما نزلته، فأمثالك اللاتي وهبهن القدر ما وهبك يا سيدتي قليلات، فلا تسرفي في التواضع، ~~ولا تجعلي من إعجابي بك جريمة تقتضي الحذر مني، والبعد عني! إنني لا أريد أن أسمع منك ~~جوابا ms078 على ما قلت، فإلى بعد غد، بعد فطورك، إلى الملتقى.» وتركني وانصرف. # وتولتني إثر هذا الحديث الذي يكاد يشبه الاعتراف دهشة أذهلتني، فبقيت مستلقية في مقعدي ~~مضطربة النفس، لا أدري ماذا عساي أفعل، فلما هدأت قمت متحاملة على نفسي إلى «ونتر بالاس»، ~~وجلست مع صديقتي، وسرعان ما جاء الأقصري، وبعد هنيهة غمز بعينه وقال: «نحن إذن ضيوف ~~الألماني بعد غد إلى الجانب الغربي؛ لنرى الدير البحري وما يجري فيه.» # وقالت صديقتي: «وقد ألح صاحبنا هذا علي لأقبل الدعوة برغم علمه بأنني شهدت من الآثار ما ~~لا حاجة لي بعده أن أشهد جديدا.» # قلت في هدوء متكلف: «لقد كنت موشكة أن أعتذر لولا حرصي على صحبتكما، فإن شئتما اعتذرنا ~~جميعا، ولا يزال في الوقت متسع.» # قال الأقصري متحمسا: «كلا يا سيدتي، إن اعتذارنا يسيء إلى رجل رقيق مهذب جاملنا بدعوته ~~إيانا، ولم يسئ قط إلينا، وأنا موقن أننا سنقضي بعد غد يوما من الأيام التي لا ~~تنسى.» # وقضينا بعد غد يوما بالفعل لا ينسى، كانت الشمس محسنة كعادتها، وكان الهواء ناعما ~~رقيقا، وتخطينا النيل في زورق شراعي انساب على هون فوق مياهه الهادئة المطمئنة، ودرنا بين ~~آثار «طيبة الأموات» وتماثيلها ومقابرها، حتى إذا انحدرت الشمس شيئا ما بعد الزوال تناولنا ~~غداءنا في استراحة [الدوك]، وذهبنا بعد ذلك إلى الدير البحري، فتلقانا الفرنسي الذي يقوم ~~بالأعمال هناك، ودار معنا في أرجاء الدير، وأرانا في مخزن إلى جانبه بعض ما عثر عليه في ~~أثناء حفره وتنقيبه، وكان يشملنا طول نهارنا جو مودة أذهب عني الحذر، وجعلني أشكر الألماني ~~من كل قلبي أن هيأ لنا فرصة هذا اليوم الممتع الظريف، وكان الأقصري يبتعد عنا أحيانا مع ~~صديقتي فلا أضيق بذلك ولا أنكره، إن ما صبه الألماني في سمعي من آيات إعجابه قد صادف هوى في ~~فؤادي وأرضى كبريائي، وهو اليوم سعيد بصحبتي، يريد أن يسمع مني أكثر مما يريد أن يتحدث ~~إلي، وأنا ضنينة بالكلام وهو راض مع ذلك كل الرضا بما أقول ، ويرتد ms079 الأقصري مع صديقتي إلى ~~ناحيتنا، فتتولاهما الدهشة لصمتنا؛ لأنهما لا يدركان المعنى الإنساني السامي الذي تنطوي ~~عليه جوانحنا، والذي يقرب بين روحينا وعقلينا، وإن لم تضطرب بسببه ذرة من أعصابنا أو ~~جسدنا. # وعدنا حين قاربت الشمس المغيب، فأقلنا الزورق إلى «ونتر بالاس»، ورافقني الألماني إلى ~~فندق الأقصر بعدما اعتذرت لصديقتي بأنني متعبة شديدة الحاجة إلى الراحة، واحتوتني غرفتي ~~فأزلت عني غبار النهار، واستلقيت على سريري أستعيد صور هذا اليوم الجميل السعيد، وبهذه ~~الصورة اتصل الحديث الذي صبه الألماني في أذني أول أمس، فازددت غبطة وسرت في عروقي نشوة ~~أشعرتني الرضا والنعيم، وتناولت طعام العشاء في غرفتي، وأويت من جديد إلى فراشي كأنما أريد ~~أن أستعيد هذه الصورة المنعشة المسعدة، وارتسم خيال الألماني وراء هذه الصور كأنه يحركها، ~~وأغمضت جفني لعلي أنام، فإذا النوم يجفوني، وإذا هذه الصور تزداد وضوحا أمامي، وإذا بي ~~أشعر كأن هذه الصور تنحدر بي إلى لون من الحس يقشعر له بدني، ويضطرب به تفكيري، وطال ذلك بي ~~إلى ساعة من الليل لم أدر ما هيه، وأخيرا غفوت، ويظهر أنني قد طالت غفوتي، فقد صحوت فإذا ~~الأطفال هبطوا مع مربيتهم إلى الحديقة، ودعوت الخادم فأقبلت تسألني ما بي؟ ثم أحضرت لي طعام ~~فطوري، ووقفت إلى جانبي تطمئن على صحتي، وهبطت إلى البهو، وطلبت زوجي بالقاهرة تليفونيا، ~~ومكثت سويعة أنتظر دعوتي لمحادثته. # وإنما طلبت زوجي لأنني شعرت بالحاجة الماسة إلى سماع صوته، بل شعرت بالحاجة الماسة إلى ~~وجوده بجانبي، لقد رأيت في أثناء غفوتي أنني علوت أعلى هضبة في الشاطئ الغربي، وأن ريحا ~~عاتية هبت ساعة المغيب فدفعتني أتدحرج على سفحها، وأصيح بأعلى صوتي فلا ينقذني أحد، ولعل ~~هذا الصياح هو الذي دعا الخادم لتسألني عن صحتي وما بي، وجعلت أتدحرج وأتدحرج، وأصيح وأصيح، ~~ثم إذا يد محسنة وصدر حنون تلقياني، ونظرت إلى صاحب هذه اليد وهذا الصدر فإذا هو زوجي، فلما ~~استيقظت صممت على محادثته ودعوته ليجيء إلينا. # ودعيت لمحادثته وسمعت صوته يسألني في انزعاج: «كيف أنتم؟ ms080 ماذا حدث؟ لماذا طلبتني؟!» ~~قلت: «كن مطمئنا، إننا جميعا على خير ما تحب، لكنني شعرت منذ تركت القاهرة أننا ظلمناك، ~~فأنت أحوج إلى الراحة منا، إنك لم تسترح طول الصيف، فاحضر إلينا فاقض معنا أسبوعا، فالجو ~~هنا كفيل بأن يعيد إليك طمأنينة نفسك وراحة أعصابك، وحسبك أن ترى الأطفال يمرحون سعداء ~~فتكون سعيدا بهم وبي، فمتى تحضر؟ خبرني لأخطرهم هنا في الفندق.» قال: «لا شيء أحب إلي من ~~أن أراكم هانئين سعداء، وسأحضر بعد يومين بالقطار الذي يصل الأقصر بكرة الصباح، وماذا ~~تريدين أن أحضر لكم من القاهرة، لك وللأطفال؟» وشكرته وقلت له: إلى اللقاء. وانتهى ~~حديثنا، وأنا أسعد الزوجات. # وأسرعت إلى «ونتر بالاس» وأخبرت صديقتي بأن زوجي سيحضر بعد يومين، وأذاعت صديقتي النبأ، ~~وعرفه كل معارفنا ساعة الشاي، فلما أويت إلى مخدعي بعد السهرة تولاني العجب من نفسي، فلماذا ~~دعوت زوجي؟ يجب ألا يعلم أحد أنني أنا التي دعوته، بل يجب أن يعلموا أنه هو الذي قرر الحضور ~~من تلقاء نفسه، ويجب أن يفهم الألماني ذلك بنوع خاص حتى لا يظن أنني أردت أن أحتمي بزوجي ~~منه، ومن نفسي، إن كبريائي لتأبى علي أن أضعف، أو أن يتوهم أحد أنني عرضة لأن أضعف، يجب ~~أن أكون دائما صاحبة الرأي، وصاحبة السلطان، وأن يستجيب الغير لإرادتي وسلطاني بدافع من ~~أنفسهم، ومن غير أن أطلب إليهم شيئا طلبا صريحا. فلما جاء زوجي بكرت لملاقاته، وبعد أن ~~تهادينا تحية كلها الود، وبعد أن اطمأن إلى صحة الطفلين وهناءتهما قلت له: «لقد فهم الناس ~~هنا أنك أنت الذي أردت أن تحضر بدافع من عواطفك نحونا وشوقك لنا، وراقني هذا الذي فهموا فلم ~~أعترضه، ولا شك في أن ما فهموا من ذلك يرضيك ويسرك؟» واغتبط زوجي لفهمهم الأمر على هذا ~~الوجه وأكده لهم، وأقام معنا أسبوعا عدنا بعده إلى القاهرة. # وفي خلال هذا الأسبوع دعوت الألماني والأقصري ودعوت صديقتي لتناول الشاي ولتناول العشاء ~~معنا بفندق الأقصر، وأعدت على مسامع زوجي أمام الألماني أنه هو ms081 الذي أهداني التذكار الذي ~~أريته إياه في العام الماضي، وطفنا جميعا معا لنري زوجي من آثار الأقصر ما لم يكن رآه، ~~فلما اقترب موعد سفرنا، وحانت لحظة استطاع الألماني أن يحدثني فيها على حدة قال: «أرجو أن ~~أراك هنا العام المقبل، وأرجو أن تأذني لي إذا حضرت إلى القاهرة أن أزورك هناك.» قلت: ~~«أولا تريد أن ترى زوجي كذلك بالقاهرة؟» قال: «ذلك شأنك أنت، لكنني أصبحت أشعر أنه لا غنى ~~لي عن أن أراك وأستمع إلى حديثك ولو مرة في كل عام، ولو اقتضاني الأمر أن أحج إليك كما يحج ~~المسلم إلى مكة والمسيحي إلى بيت المقدس ليرفع إلى ربه دعاءه، كذلك أريد أن أرفع إليك في كل ~~عام دعائي وآيات إعجابي صادقة خالصة لوجهك الكريم!» # وابتسمت ولم أجب أمارة أنني أغتبط بذلك ولا أعترضه، وكفته ابتسامتي ليشكرني وليحمد لي أن ~~لم أر في إعجابه إثما يوجب التثريب عليه! # وعدت مع زوجي والطفلين والمربية إلى القاهرة وأنا مغتبطة أشد الاغتباط بأن دعوته، فحضر ~~إلينا بالأقصر، ولم يكن مرجع غبطتي أنه حماني من ضعف نفسي، فلم يكن أيسر علي من أن أتغلب ~~على هذا الضعف، وأن أخضعه لإرادتي وسلطاني، لكن هذا الأسبوع الذي قضاه بالأقصر أتاح له فرصة ~~لا يسمح عمله بأن يتاح له مثلها في القاهرة؛ أتاح له أن يرى إعجاب المعجبين بي، أجانب ~~ومصريين، وأن يدرك أنني لست امرأة ككل النساء، صحيح أنه يحبني ويقدرني ويستجيب لكل رغباتي، ~~لكنه كان في حاجة إلى أن يرى ما أرى إكبارا لي، وتقديرا لما يجب أن يكون لي في الحياة من ~~مكانة، وليعلم أنني يوم أردت أن ننتقل إلى السلك الدبلوماسي إنما أردت أن أسمو بنفسي وبه ~~إلى هذه المكانة الواجبة لي وله! # أما وقد رأى بعيني رأسه هذه الهالة التي كانت تحيط بي، فقد غفرت لنفسي لحظة الضعف التي ~~دفعتني فطلبت مجيئه إلى الأقصر، بل حمدت هذه اللحظة، واطمأن قلبي كل الطمأنينة لما صنعت ~~في أثنائها. وعاد زوجي إلى عمله ، وعدت ms082 إلى حياتي الرتيبة المتشابهة التي تبعث إلى نفسي ~~السآمة لولا هذان الطفلان العزيزان اللذان كانا مصدر سعادتي وهناءتي، ولولا أنني شعرت بأن ~~زوجي تبدلت عواطفه نحوي فأصبح شديد الإعجاب بي، سريعا إلى تلبية رغباتي في إذعان جعله لا ~~يناقشني في شيء، بل يسبقني إلى ما أريد إذا بدرت مني أمارة تدل على إرادتي. # من ذلك أنه أظهر لي أن سكننا لم يعد يليق بنا، وأنه يبحث عن مسكن يعجبني. ومنه أن الصيف ~~لم يكد يقترب حتى رغب إلي في أن أعد العدة لسفرنا إلى أوروبا، وأن أعد نفسي بنوع خاص ~~للمكان الذي ينبغي لي في المجتمعات التي نغشاها. # | الفصل الخامس # قبل أيام من سفرنا إلى أوروبا صحبني زوجي إلى منزل مملوك لإحدى الدوائر الكبرى؛ لأرى مبلغ ~~صلاحه سكنا لنا، وأخبرني أن الدائرة مستعدة أن تدخل عليه من الإصلاح كل ما نقترحه، وأنها ~~ستقوم بهذا الإصلاح خلال الصيف، فإذا عدنا من سفرنا ألفيناه معدا لانتقالنا إليه، ويقع ~~هذا المنزل في حي ممتد على النيل، وقد أعجبني موقع المنزل، وأعجبني مجموع نظامه، لكنني رأيت ~~إدخال بعض التعديلات الجوهرية عليه، كما أبديت اقتراحاتي في طلاء غرفه طلاء يوافق أثاثنا، ~~وبعد الظهر عاد زوجي فأخبرني أن الدائرة قبلت اقتراحاتي كلها، وأنه أمضى العقد معها، وعهد ~~إلى صديق قديم لنا أن يشرف على إجراء الإصلاح في أثناء غيابنا. # وكنت قد أعددت لسفرنا إلى أوروبا ما أرضاني، وسافرنا وقضينا هناك صيفا ممتعا حقا. وقد ~~ألفت حياة الفنادق الكبرى، واغتبطت بها لأنها كانت تعفيني من تدبير المنزل وما يقتضيه من ~~مشقة، ولأنني كنت أرى من نزلائها أشخاصا أستريح إليهم وأطمئن إلى معاشرتهم، من هؤلاء سيدة ~~أمريكية رقيقة ساحرة الحديث، بلغت رقتها أن كانت تبدو ناحلة الجسم حائلة اللون بعض الشيء، ~~ولكنه شحوب يزيدها رقة، ويزيد حديثها أثرا في النفس، ويدعو للطف بها والميل إليها، وقد ~~اتصلت بيني وبينها مودة اقتضتني أن أسأل عنها كلما قيل لي إنها لم تترك غرفتها، وسمحت لها ~~أن تدعوني إليها إذا لزمت ms083 سريرها لتستريح من تعب ألم بها، وكنت أجد عندها أحيانا من ~~أصحابها من تسلي بحديثهم وحدتها، وقد سألتني يوما أن أدعو زوجي معي ليعودها وليصف لها ~~دواءها، وكان زوجي يصحبني بعد ذلك أحيانا إليها، وإن لم تكن في حاجة إلى طبه ~~وعلاجه. # وكانت هذه السيدة تتزين في سريرها أجمل زينة وأبرعها، ولست أبالغ إذ أقول إنها كانت أكثر ~~عناية بزينة سريرها منها بزينة خروجها ونزهتها، وكانت ملابس سريرها آية في الجمال وحسن ~~الذوق، كانت قمصان نومها من حرير رقيق مطرز أبدع تطريز، وكانت ألوان هذه القمصان هادئة: ~~سماوية أو وردية أو بنفسجية أو ما إليها، خلا قميصا أحمر قانيا كانت تلبسه أحيانا، وقد ~~سألتها يوما عن تباين هذا القميص القاني مع سائر لباسها، فقالت: «إنما ألبسه حين يدمى ~~قلبي ليعبر بلونه عن دخيلة نفسي»، وكانت كثيرا ما تضع على رأسها لباسا ينسجم مع لون ~~وجهها، ولون قميصها، ويظهرها في براءة الطفل المدلل، ويزيدها بذلك إغراء وفتنة. # وكنت أحب في هذه السيدة كل شيء إلا حبها الشراب، وإن قل ما رأيتها متأثرة به، فقد كانت ~~إذا تنصف الليل لا تطيق صبرا على كئوس تحتسيها، ولو كانت في سرير نومها، وقد دعتني غير ~~مرة لمشاركتها في شرابها فاعتذرت ولم أقبل، وكانت إذا أطلق الشراب لسانها تروي من هموم ~~حياتها ما يثير الشفقة بها، هذا مع أنها كانت تنفق عن سعة تشهد بواسع ثرائها، وبأن المال ~~وحده لا يذيب الهموم، ولا يكفل السعادة. # وكانت هذه السيدة تعرف من دقائق الجمال الذي تتزين به الطبيعة في أرجاء أوروبا المختلفة ~~ما لا يعرفه إلا الأقلون، وقد أشارت علينا بجولات في أرجاء النمسا وشمال إيطاليا وفي بلاد ~~الشمال الأوروبي لم نستطع ذلك الصيف أن نتمها جميعا، ولكن متاعنا بما رأيناه فاق كل ما كنت ~~أتصور، فلما كنا في الأيام الأخيرة من شهر سبتمبر عدنا إلى القاهرة، وأنا أحسب لانتقالنا ~~إلى منزلنا الجديد ألف حساب. # ونزلنا القاهرة فإذا بالإصلاح المطلوب في المنزل لم يتم كله، وإذا ما ms084 تم منه لا يعجبني، ~~وأبديت رأيي في ذلك بطريقة أغضبت الصديق الذي تولى الإشراف على الإصلاح في غيابنا، وقد كان ~~يتوقع أن نشكره لا أن نلومه، وأدى به الغضب إلى الإقلال من التردد علينا، وساء زوجي غضبه ~~وانقطاعه، لكن رأيي في الأمر كان حاسما! # قال زوجي: «وما العمل الآن؟ إن منزلنا الأول قد سكنه مستأجروه الجدد، وأثاثنا كما تعلمين ~~مودع في مخازنه.» قلت: «ذلك شأنك، فإن شئت بحثنا عن مسكن آخر، وإن شئت نزلنا في الفندق حتى ~~يتم إصلاح هذه الدار التي استأجرتها.» فذهب إلى الدائرة المؤجرة، ثم عاد يقول: إنهم وعدوني ~~أن يتم الإصلاح في شهر، فلا حاجة بنا إلى البحث عن منزل جديد، وقد اتفقت مع إدارة «مينا ~~هاوس» لنقيم فيه ريثما يتم الإصلاح. # واغتبطت بما سمعت، ونزلنا «مينا هاوس»، وكم سعدت بأيام مقامي هناك، وإن شقيت بعد ذلك ~~بمعقباتها. كان زوجي يستيقظ مبكرا، ويتناول فطوره في غرفة الطعام، ويذهب إلى عمله، فإذا ~~أردت الذهاب إلى المدينة لبعض شئوني أو لأرى ما تم في منزلنا الجديد، طلبت السيارة فأقلتني ~~إلى حيث أشاء، ثم عدت بها مع زوجي إلى الفندق. وكنت قلما أغادر «مينا هاوس» بعد الظهر، إلا ~~أن نجيب دعوة إلى الشاي أو العشاء في المدينة، وكان كثيرون من أصدقائنا يزورننا بالفندق، ~~وكنت أشعر في بعض الأيام بالتعب، فلا أرى بأسا من أن أستقبل في غرفة نومي أية صديقة تحضر ~~لزيارتي، فإذا كان معها زوجها لم أر بأسا بأن يصحبها إلى غرفة النوم، واضطر زوجي إلى قبول ~~هذا الوضع حين ذكرته بأنه كان يصحبني أحيانا في زيارة الأمريكية ونحن في أوروبا، ~~واقتضاني هذا الوضع أن أحاكي الأمريكية في زينة سريري، وقد جعلت من غرفة نومي بهو استقبال ~~يحضر إليه الرجال مع زوجاتهم، وإن لم أكن قد تسامحت بعد في أن يصعد إليه الرجال ~~وحدهم. # وكان الإصلاح يسير في منزلنا الجديد ببطء شديد، ولعلي كنت مسئولة بعض الشيء عن هذا البطء، ~~وقد تخطت مسئوليتي البطء إلى نفقات الإصلاح ، ذلك ms085 أنني قدرت أن هذا المنزل سيكون مسكنا لنا ~~سنوات عدة، ويجب لذلك أن يبلغ الإصلاح غاية ما يرضينا؛ لذا كنت لا أقر الكثير مما قاموا به ~~وسموه إصلاحا، وكنت أطلب إعادة العمل على الوجه الذي أستريح له، فإذا قيل لي إن الدائرة لا ~~يمكن أن تتكفل بهذا، قلت: «لا يهم، نفذوا ما أطلب على نفقتنا.» # وتحدث إلي زوجي يوما أنا ندفع أجر المنزل أول أكتوبر؛ أي منذ عدنا من أوروبا، وندفع ~~أجر الفندق وملحقاته، وندفع نفقة ما أطلب من إصلاح لا تلتزم الدائرة به، وأن في ذلك ~~إرهاقا لنا طال أمده. # قلت: «فيم إذن كان تفكيرك في انتقالنا إلى مسكن جديد إذا كان هذا المسكن لا يرضي ذوقنا؟ ~~لقد كان خيرا لو بقينا في مسكننا القديم إذا لم نشعر نحن، ولم يشعر الناس جميعا بالفارق ~~الكبير بين السكنين، وسيتم الإصلاح عما قريب، وتنتهي نفقاته ونفقات الفندق، وينتهي بذلك ما ~~نشكو منه.» # وسكت زوجي ولم يعقب بكلمة، يومئذ شعرت بأنه رجل عاجز الحيلة، فليس يضيق بأمر المال في ~~رأيي إلا الذين يعوزهم الإقدام، فإن من معارفنا من كانوا يتطلعون إلينا أول زواجنا على أننا ~~من الأغنياء واسعي الثراء، ثم إذا هؤلاء المعارف يصبحون بإقدامهم من أصحاب الألوف، بل من ~~أصحاب الملايين، والعجز عن الإقدام نقص وأي نقص. # لم يعقب زوجي بكلمة على مراجعتي في هذا الأمر، ولم يفاتحني من بعد فيه، ولعله استشف ما ~~دار في خاطري، أو شعر من ناحيتي بأني لست راضية عنه كل الرضا على نحو ما عودته، فقد رأيته ~~مشغول البال، بادي الهم، كثير الأرق، وإن لم يتغير في صلته بي عما عودنيه من مودتي ~~والاستجابة لكل رغباتي، وهو لم يكن يستطيع أن يتغير، فقد كان يحبني، وكان يخشى أن أتغير أنا ~~عليه بعد الذي رآه من إعجاب المعجبين بي وإذعانهم لسلطان جاذبيتي وسحر حديثي. والواقع أنني ~~شعرت بعد الذي رأيته من همه وأرقه بأني أبالغ في محبتي وإكباري إياه؛ لأنه لا يجاريني في ~~طموحي، ولا يحاول ms086 أن يصعد بي ومعي إلى الصف الأول من صفوف الحياة في مصر. # وتمت الإصلاحات في منزلنا الجديد وانتقلنا إليه، وإن بقيت فيه أشياء لم تنل كل رضاي، ~~وأردت لمناسبة هذا الانتقال أن أقيم حفلة ساهرة كبرى، فاعترض زوجي بأن مألوف عاداتنا ~~المصرية لا يسيغ مثل هذه الحفلات، واقترح إن شئت أن أقيم حفلة شاي يتحقق بها غرضي. ورأيت ~~حفلة الشاي دون ما ترضاه نفسي، فأبيت ولم أقم أيا من الحفلتين، وكذلك تم انتقالنا في صمت ~~جنائزي، كما أنني لم أستطع أن أبلغ كل ما أريد من تجديد أثاثنا لينسجم على ما أريد مع الدار ~~الجديدة بعد إصلاحها. # على أنني عنيت بتأثيث غرفة النوم عنايتي بزينتي في سريري، فقد أدركت إبان مقامي بالفندق ~~ما لهذه الغرفة من سحر وصاحبتها في سريرها، وفهمت لماذا كانت صاحبتنا الأمريكية في أوروبا ~~تؤثرها على كل ما سواها من أبهاء الفندق الفخم وصالاته، واصطناع المرض أو التعب الذي يلزم ~~الإنسان سريره لا يشق على امرأة، هما عندها كالدموع تلين بها قلب الرجل، وتكسب بها عطفه ~~ومودته. وغرفة النوم أشد إثارة لطلعة السيدات، وأدعى لثرثرتهن من غرفة الاستقبال ومن كل ~~غرفة أخرى في المنزل. # وقد أرضاني أثاث هذه الغرفة بعد تمامه، وكان زوجي أشد سحرا به؛ لأنه كان أعلم بأسراره إذ ~~ذاك من كل من سواه. # وكانت كل واحدة من صديقاتي تزور هذه الغرفة تبدي من الإعجاب بها ما يزيد رضاي عنها، أما ~~أزواج صديقاتي الذين كانوا يصحبونهن، فكان نظرهم يدور في أرجاء الغرفة دورة خاطفة ليستقر ~~آخر الأمر على السرير وزينته. # كان الصديق الذي عهد إليه زوجي بالإشراف على إصلاح المنزل في أثناء غيابنا في أوروبا، ~~والذي انقطع عنا أو كاد حين عرف رأيي في الإصلاح الذي تم بإشرافه، قد بالغ في انقطاعه منذ ~~انتقالنا إلى المنزل، فلم يحضر إلينا فيه إلا في زيارة تقليدية لتهنئتنا بالانتقال، وكان ~~هذا الصديق غير متزوج، وكان بطبعه سريعا إلى رفع الكلفة كثير فلتات اللسان، وكان ما بينه ~~وبين زوجي ms087 من صداقة قديمة وود متصل قد جعل زوجي يضيق بانقطاعه عنا، وعدم تردده علينا، وقد ~~قال لي يوما وكأنه يعاتبني: «لقد أوحشني انقطاعه عن زيارتنا، ولم تحسني أنت جزاءه عن ~~إشرافه على الإصلاح للمنزل في أثناء غيابنا، ولعله يخشى أن يسوءك مجيئه إلينا.» قلت: «عجبا ~~لكما أنت وهو! إنني لم أزد على إبداء رأيي في الإصلاح الذي تم في غيابنا، ولم يدر بخاطري أن ~~يستاء صديقنا من هذا الرأي حتى ينقطع عنا، وإنه ليسرني أن يعود إلى سابق مودته، وليسرني أن ~~يبدي رأيه في المنزل بعد إصلاحه الأخير، وتستطيع أن تؤكد له أنني لن أضيق بملاحظاته، ولن ~~أغضب منه إذا أبدى من النقد أشده، فالأذواق تختلف، ولا يدل اختلافها على شيء يسوء صاحب هذا ~~الرأي أو ذاك.» # وألح زوجي على صديقه فجاء يوما معه، فلما فرغ من شرب القهوة قلت له: «الآن تفضل ودر في ~~أرجاء المنزل، وقل لي رأيك في صراحة في إصلاحه.» قال لي في تهكم: «وهل لمثلي أن يبدي رأيه ~~فيما يتم بإشرافك أنت يا صاحبة الذوق السليم.» # قلت: «لا يسوءني أن تتهكم بي، ولا أن تنقد عملي، ولكني حريصة على أن أعرف رأيك»، فقام بعد ~~تمنع ودار مع زوجي في أرجاء المنزل، فلما أتم زيارة الطابق الأول قال: «وهل كانت الدائرة ~~تسمح لي بأن أنفق ما أنفقتم أنتم ليبلغ الإصلاح هذا المدى؟ والآن أفهم شكوى زوجك من باهظ ~~النفقة، أنت جبارة لا تخافين الله، لقد كان خيرا بدل أن بعثرت ما بعثرت في إصلاح هذا ~~المنزل أن تشتروا منزلا جديدا يبقى لكم ولأولادكم من بعدكم.» قلت مبتسمة: «لعلك قلت هذا ~~الكلام لزوجي، فكان ذلك سبب تغيره علي؟!» # فنظر إلي نظرة خبيثة، وقال: «زوجك يستطيع أن يتغير عليك! مسكين هذا الرجل، لقد ~~كبلته من عنقه ومن يديه ومن رجليه؛ فأصبح لا يستطيع حراكا أمامك، إنه يوم حدثني في شأن ~~الإصلاح، وما أنفقت فيه استحلفني بقبر أبي ألا أذكر من حديثه حرفا، ولولا غيظي منك لبررت ~~بوعدي له.» ms088 قلت: «ألا تصعد إلى الطابق العلوي؟ لقد عنيت به أكثر من عنايتي بهذا الطابق الذي ~~يزورنا الناس فيه، فالطابق العلوي هو عشنا الحقيقي، هو سكننا بالليل، والجانب الأكبر من ~~النهار، هو ملجؤنا من أعين الناس وفضولهم، ولهذا أخالف الذين يبذلون النفقة إرضاء للناس ~~وخوفا من ألسنتهم، ولا يبذلونها إرضاء لأنفسهم ومتاعا بحياتهم!» # قال: «ألم أقل إنك جبارة لا تخافين الله، إذا كانت نفقة هذا الطابق قد بلغت ما أرى، وكنت ~~قد ضاعفت العناية بالطابق الأعلى، فأي نفقة كلفتكم هذه العناية؟» # قلت: «دعك الآن من النفقة، وقل لي رأيك في الإصلاح»، وصعد معي إلى الطابق الثاني، فلما ~~دخل غرفة النوم الفسيحة، ودار بنظره في أرجائها فتح عينيه واسعتين، وقال: «هذه غرفتك أنت أم ~~غرفة مدام ركامييه؟ أقسم أن غرفة «زبيدة» الملكة زوج «هارون الرشيد» لم تكن في جمال غرفتك ~~هذه وإبداعها، الآن أعترف أن ذوقك لا يعلوه ذوق، ولو أن الأقدار كانت منصفة لوجب أن تكوني ~~من أصحاب الملايين، حتى لا يقف في سبيل ذوقك الجميل عائق.» قلت فيما بيني وبين نفسي: «ترى ~~ماذا عساه كان يقول لو أنه دخل هذه الغرفة وأنا في زينة سريري؟!» وشرد ذهني لحظة حين كان هو ~~يتفقد كل قطعة من قطع الغرفة، ويقف أمامها هنيهة، فلما عاد إلى ناحية الباب حيث كنت أقف ~~قال: «كل ما هنا بديع بارع، لكن هذا لا يمنعني من أن أقول لك إنك ظلمت زوجك في النفقة ظلم ~~الحسن والحسين.» # ضقت ذرعا بتكراره عبارة النفقة وظلمي زوجي، فقلت: «وهل يضيق بأمور المال رجل ذو همة ~~وذكاء؟! إنما يقعد العجز بصاحبه عن الإقدام لبلوغ ما يريد! وهل أمطرت السماء ذهبا على من ~~تعرف ممن جمعوا مئات الألوف بل الملايين، أم أن إقدامهم وحسن حياتهم هما اللذان نصبا للمال ~~شباكه فصادته، وكانوا قبل ذلك فقراء لم يرثوا عن أهلهم ما ورث زوجي عن أبيه؟! معذرة عن ~~كلامي هذا، لكنك أكثرت الحديث عن النفقة وإسرافي فيها، وقد حملت ما قلته أول الأمر على ms089 أنه ~~اعتذار عن عدم بلوغ الإصلاح ما يرضيني حين إشرافك عليه، أما الآن فإني أشعر أن زوجي يكرر ~~عليك الكلام فيه ولكأنه يوجه إلي الاتهام بشأنه، وأنا إنما أردت أن يعيش كما يجب أن ~~يعيش، فإن كنت أسرفت في حسن ظني فاستغفره لي، وقل له إني تبت لعله يقبل توبتي!» # قلت هذا الكلام في حدة روعت الرجل فقال: «مهلا مهلا، لا تسرفي في التثريب على الرجل ~~إلى حد اتهامه بالضعف والعجز، إن أولئك الذين تذكرين ممن تصيدوا الملايين لم يتصيدوها في ~~عام ولا في بضعة أعوام، وزوجك اليوم أعمق تفكيرا في التحايل على المال منه في الغضب منك أو ~~في اتهامك، إنه يريد إرضاءك، إرضاءك بكل وسيلة لا تخدش شرفه، ولا تؤذي سمعته بين الناس. ~~ولست أدري أيستطيع إنسان أن يجمع بين المال والشرف وحسن السمعة؟ لكن تصيد المال هو ما يشغل ~~زوجك الآن إرضاء لطموحك، ولعلي لو كنت مكانه لما صنعت صنيعه، ولوقفت في طريق اندفاعك إبقاء ~~على نفسي من الانزلاق في سبيل لا يغامر بالانزلاق إليها إلا الذين لا يعنيهم شيء، فإن تحقق ~~ما غامروا في سبيله ارتفعوا بثروتهم إلى السماء، وإن لم يتحقق ظلوا في القاع الذي يحاولون ~~الخروج منه.» # وخشينا كلانا أن يسرقنا الوقت إلى ما يثير هواجس زوجي من بطئنا، فلما رآه صديقنا قال له: ~~«هنيئا لك يا صديقي هذا المنزل الفخم، بل القصر المنيف، لم أكن أتصور أن يخلق الإصلاح من ~~تلك الدار التي رأيت أول الصيف هذه التحفة التي أرى الآن!» # ثم التفت إلي وقال: «وأنا أهنئك يا سيدتي، لقد محا إعجابي بذوقك كل غضب أثاره في نفسي ~~عدم رضاك عن إشرافي، وهو إعجاب لا حد له، ولو أن أصحاب هذه الدار كانوا أهل ذوق ومروءة ~~لاحتملوا نفقات هذا الإصلاح كلها، وأنا مستعد لأن أخاطبهم في ذلك، وأحملهم ما أستطيع منها ~~إذا لم يكن لكما على تدخلي اعتراض.» # وشكرناه وقلنا له إنا لا اعتراض لنا على تدخله. والعجب أنه لم يمض على حديثنا ms090 في الأمر ~~غير ثلاثة أيام، ثم إذا هو يحمل إلينا النبأ بأن الدائرة قبلت أن تتحمل نصف ما أضيف علينا ~~من نفقات الإصلاح، وشعرت كأن زوجي انتشل من وهدة لسماع هذا النبأ السار، واغتبطت أنا كذلك، ~~ولكن هذه الفرحة التي بدت على زوجي جعلتني أشفق عليه لعجزه عن أن يفعل ما فعله صديقنا، ~~ويحمل الدائرة على ما حملها هذا الصديق عليه، وكان هو أحرى بهذا وهو صاحب الشأن الأول ~~والمصلحة المباشرة، ولو أنه فعل لرفع عن عاتقه هما وأرقا كاد أثرهما يسيء إلى ~~صحته. # وعاد صديقنا سيرته الأولى إلى مودتنا والتردد علينا، وعاد يعابث زوجي بفلتات لسانه، ~~ويعابثني أحيانا كذلك، ولم يكن زوجي يجيب معابثته إلا بالسخر منه، وعدم الاكتراث لعبثه، ~~وكان هذا الموقف وذاك من جانب الرجلين طبيعيا، ولكن عجبت كيف جمعت الصداقة بين طبعين ~~مختلفين هذا الاختلاف، فزوجي رزين شديد الاتزان يقدر كل كلمة يقولها، ويبالغ في احترام ~~الناس احتراما لنفسه، وصديقنا على النقيض يلقي الكلام جزافا، ولا يعبأ بمظاهر الاحترام، ~~وزوجي شديد الحياء إلى حد أضيق به أحيانا، وصديقنا يجد الحياء سخفا لا معنى له، وزوجي ~~ودود متخفف مع ذلك في وده، وصديقنا مسرف في الود سريع مع ذلك إلى المغاضبة، ولكن صداقة ~~الرجلين اتصلت منذ كانا طالبين معا في المدرسة الثانوية، وصداقة الصبا قل أن يعدو عليها ~~الزمان وإن أمكن أن يعدو عليها النسيان! # وكان صديقنا يعرف صديقتي التي مات زوجها منذ عامين فطمع أهله في تركته ومنعوها وذريتها ~~الضعاف من الاستيلاء عليها أو على إيرادها، وكان صديقنا كذلك صديقا لزوجها ولأمها، وكان ~~فيما يخيل إلي معجبا بجمالها وبطبعها، وقد كان زوجها شديد الغيرة عليها، وكان يعرف في ~~طبعها خفة لا تؤذي وفاءها وعفتها، ولكن تؤذي غيرته، ولذلك انتقل بها إلى الضواحي وسكن معها ~~فيها، ومنعها من أن تنزل إلى المدينة إلا بإذنه وفي رفقته، فلما مات عادت إلى القاهرة ~~وأظهرت من الحزن عليه ما رق له قلب صديقنا وفاء للزوج المتوفى، وإعجابا بالزوج الأرمل . ~~ولقد ms091 عرف بعد قليل ما تضطرب فيه هذه الزوج الأرمل من مشاكل ميراث مع أهل زوجها لا قبل لها ~~وحدها بحلها، فتبرع مشكورا لمعاونتها، واضطر من أجل ذلك أن يكثر التردد عليها، واقتضت هذه ~~المشاكل مشورة طبيب فأشرك صديقنا زوجي معه في مهمته. # ولم يبد زوجي بادئ الأمر حماسة لهذه المعاونة لولا أن دفعته أنا إليها، وقد أدهشني ~~تباطؤه عن المبادرة إلى عمل إنساني يتفق مع طيبة قلبه وحبه الخير للناس، وزادني دهشة أنه ~~كان يعرف صديقتي في حياة زوجها، وكان يتردد عليها لعيادتها، ولعيادة أطفالها، ثم كان يحدثني ~~عنها حديثه عن أي مريض أو مريضة يعوده أو يعودها، ولم يبد من مظاهر الإعجاب بجمالها ما ~~يريبني، لكنه لم يلبث بعد حين من مشاركته صديقنا في معاونتها أن ازدادت حماسته لهذه ~~المعاونة، حتى بلغت أشدها، وأن صار يتحدث عنها وكأنه يقوم بعمل يمس قلبه، بل يحركه، فماذا ~~حدث؟ أتراه أذعن لفتنتها فصار يبدي لميراث أبنائها كل هذه الحماسة؟! ثم إنه أخذ يتردد ~~عليها في بيت أمها العجوز الشمطاء، وهي في غير حاجة إلى طبه وعلاجه، فهل تراها تنصب له ~~شباكها ليقع في حبائلها؟ هنالك بدأت الغيرة تدب في صدري، وإن حرصت على ألا يبدو من أثرها أي ~~مظهر، وبدأت أفكر كيف أستعيد هذا الرجل خالصا لي كما كان. # ولم يكن دافعي إلى هذا التفكير محبتي إياه بقدر ما كان الدافع إليه غيرتي ونفوري من أن ~~تأخذ امرأة مني رجلا ملكته يدي، وأصبح طوع يميني، فصار لا يستطيع حراكا بغير ~~إرادتي! # واستخلصت صديقتي ميراثها بمعونة زوجي ومعونة صديقنا، وأصبحت بذلك في سعة تسمح لها أن تنهض ~~بحياتها وحياة أولادها في رخاء ونعمة، فأقامت في مسكن اختارته لنفسها، ولم يكفها أن تذهب ~~إلى الأقصر في الشتاء لنزهتها، بل كانت تصطاف في أوروبا، وتقضي في ربوعها شهور متاع ومرح ~~ومسرة. # ولم ينقطع زوجي عن التردد عليها بعد أن استخلصت ميراثها، ولم تنقطع هي عن زيارتنا برغم ~~قلة زيارتي بيتها، وكانت غيرتي تزداد لذلك ضراما، ms092 وكنت أومئ إلى زوجي أن الناس يتحدثون في ~~تردده عليها، فلا يأبه لهذا التلميح، مكتفيا بقوله: «ما دمت واثقة بي مطمئنة إلي فإن ~~كلام الناس لا يعنيني»، وكانت كبريائي تأبى علي حين أسمع منه هذا القول أن أخبره بمكنون ~~صدري، وإن استبد بي التفكير في التماس الوسيلة للتخلص من هذه المرأة ومن تردد زوجي عليها. ~~وإني لأقلب هذا الأمر على وجوهه إذ أخبرني زوجي أن الألماني الذي عرفنا في الأقصر قد جاء ~~إلى القاهرة، وأنه تحدث إليه بالتليفون، وأنه دعاه لتناول الشاي معنا، قلت: «إذن فادع ~~صديقنا لنحدث التعارف بينهما، وإذا لم يكن لديك مانع فادع كذلك صديقتي فإنه يسرها لا ريب ~~لقاء الألماني بالقاهرة، بعد أن تلاقيا طويلا بالأقصر.» ولم يجد زوجي بأسا بدعوتهما، فكدت ~~أطير من الفرح مؤمنة بأن الحظ الذي جاء بالألماني إلى القاهرة في هذا الوقت لا بد مسعدي في ~~تفكيري، وستتمخض هذه المصادفة الطيبة عن نتائج أرضاها. # وجاء المدعوون ساعة الشاي، وأقبل علي الألماني يحييني وتكاد عيناه لا تنظران إلى غيري، ~~وكانت أول عبارة قالها: «لم لم تحضري إلى الأقصر هذا العام يا سيدتي؟ إن جميع معارفك ~~والمعجبين بك كانوا يسألون عن موعد مجيئك بشغف ليس كمثله شغف، سلي صديقتك، لقد عرفت من ذلك ~~ما عرفت، وأظنها أبلغتك تحياتهم واحتراماتهم.» # لم يثر هذا الكلام من صديقتي أي صدى، بل تشاغلت عن الإصغاء إليه بالحديث إلى زوجي وإلى ~~صديقنا، وزادني ذلك إقبالا على الألماني، وترحيبا به، وعملا على أن أصل الحديث بينه وبين ~~سائر الحاضرين. # لم توجه صديقتي إلى الألماني في أثناء الشاي إلا كلمات متقطعة، لكنها كانت المودة مع زوجي ~~كل المودة، وكانت تلتهم صديقنا بعينيها التهاما، وتكاد تأكله بهما أكلا، وكان صديقنا ~~يجاهد لكي لا يغيب عنا مسحورا بهاتين العينين الفاتنتين، زانهما حور زاده الكحل الرقيق ~~سحرا، وزاد صاحبته فتنة، وكانت صديقتي تعرف سحر عينيها، وتعرف كيف تزيد نظراتهما فتنة ~~وسحرا، ومع ذلك جزى الألماني صدها عنه بالإقبال علي وتوجيه الحديث كله إلي إلا ms093 عبارات ~~كان يبعثرها هنا وهناك حتى لا يحسب زوجي أو صديقنا أنه نسيهما لفرط اشتغاله بي. # فلما فرغنا من الشاي قلت: «ألا تريد أن تنزل إلى الحديقة؟» قال: «بكل سرور»، فدعوت صديقنا ~~وتخطيت مع الرجلين غرف الطابق الأول، ونزلنا من السلم الخلفي إلى حديقة الدار، أما صديقتي ~~فقد اعتذرت، وآثرت المكث حيث هي، واضطر زوجي للبقاء في صحبتها، ولم تطل دورتنا في الحديقة، ~~فلما عدنا منها قال الألماني موجها الكلام إلى زوجي: «ما أجمل داركما! إن براعة الذوق في ~~نظامها وتنسيقها لتنطق بأن السيدة قد بثت فيها من روحها بعض ما تنطوي عليه من تناسق وجمال.» ~~وشكره زوجي، ثم ودعنا ضيوفنا وأوصلناهم إلى الباب الخارجي. # فلما خلوت إلى زوجي قلت له: «ما رأيك في أن ندعو الرجل للعشاء غدا؟ إنه ينزل فندق ~~الكونتننتال، وليس أيسر من أن تحادثه بكرة الصباح تليفونيا، وما أحسبه إلا قابلا ~~دعوتنا»، وأجاب زوجي في هدوء مصطنع لا يتفق مع ألفاظ عبارته: «ألم يكفك أني دعوته اليوم ~~للشاي إرضاء لك، أنت تعلمين كما أعلم أنه لم يخاطبني في التليفون حين جاء إلى القاهرة حرصا ~~على مقابلتي، بل حرصا على مقابلتك أنت، فإذا دعوناه للعشاء غدا أثار ذلك حديث أصدقائنا ~~حولنا، ولا أحسبك تغتبطين بأن يذاع هذا الحديث!» # قلت وأنا أكظم في نفسي سرورا كادت تلمع به عيناي: «وماذا عسى يستطيعون أن يقولوا؟ هذا ~~رجل مسافر بعد غد إلى بلاده في أوروبا ليقيم بها ستة أشهر أو تزيد، وقد أكرمني في الأقصر ~~العامين الماضيين، فلا عجب أن تكرمه بمناسبة مروره بالقاهرة، وأنا مع ذلك لا ألح عليك في ~~دعوته، وإن كنت أعجب لكلامك عن حديث الناس، وكأنهم لا يتكلمون اليوم عنا لمبالغتك في ~~العناية بصديقتي، ولو أنك عرفت ما يقولون لما ذكرت حديثهم في دعوة بريئة لرجل أكرمنا من ~~قبل، وأكرر أني لا ألح في دعوته، بل أعتذر إليك وأرجوك أن تنسى أني طلبتها.» # وتلجلج زوجي حين سمع هذا الكلام وكأنما طعنته في صدره، فوجم هنيهة ، ثم ms094 قال: «يغفر الله ~~للذين يتحدثون عني، إنما دفعتني للعناية التي تذكرين عاطفة نبيلة لأطفال ما أحوجهم إلى ~~ميراث أبيهم، وللعطف عليهم، أما أمهم فلا شأن لي بها، ولا شأن لها بي إلا أن تشكرني على ~~العناية بأطفالها، وصديقنا هو المعني الأول بالأمر، وهو الذي يحفزني كلما ظن أني بحاجة ~~إلى حافز لمضاعفة عنايتي، وقد لا تعلمين أن صديقنا يفكر في الزواج من هذه السيدة، أو أنها ~~هي التي تفكر في الزواج منه.» # كنت أسمع أحاديث عن هذا الزواج، وكنت في ريب منها، فلما أكدها زوجي كنت كمن فوجئ بها، ~~والعجيب أني شعرت حين تحققت منها كأن صديقتي تخونني، وفكرت لذلك في إفساد ذلك الزواج التي ~~تعتزم، كيف نبت هذا الشعور في نفسي وصديقتي مخلصة في مودتها لنا، ولا جناح عليها وهي أرمل ~~أن تفكر في الزواج، ولا حق لي وأنا متزوجة أن ألومها فيه؟ ولم أكن أحسب أن بيني وبين صديقنا ~~عاطفة تسوغ مثل هذا الشعور! لا جواب على هذه الأسئلة، ولكن ذلك ما حدث، وسرعان ما ترعرع هذا ~~النبت فحرك شجوني وأنساني الألماني، وأنساني زوجي، وأنساني حديث الناس، وجعلني لا أعنى ~~بشيء إلا بإفساد هذا الزواج! # ولطالما فكرت من بعد: أي داع دفع هذا العزم إلى نفسي؟ وكل ما اهتديت إليه بعد طول ~~البحث والتحليل أني كنت أجد في زيارات صديقنا وأحاديثه متعة أستعين بها على الملال، بل أسعد ~~بها في الساعات الطويلة التي كان العمل يشغل زوجي في أثنائها، وأن عقلي الباطن أوحى إلي ~~أن زواجه بهذه المرأة سيشغله عني ويأخذه مني، ومن يدري؛ فلعلها يوم تتزوجه تجعل من دارها ~~ندوة يأوي إليها زوجي فتتم بذلك عزلتي، ويصبح انتصار هذه الفاتنة اللعوب علي حاسما يحطم ~~كبريائي ويمرغها في التراب؟! فأما إن استطعت إفساد هذا الزواج فسيبقى صديقنا يؤنس وحدتي، ~~ويبعث المسرة إلى قلبي، وسأجد في أحاديثه مسلاتي، بل هناءتي، وسيبقى منزلي مقصده ومقصد ~~زوجي، هذا ما اهتديت إليه من بعد، تفسيرا لعزمي على إفساد هذا الزواج. # وأحكمت يومئذ ms095 تدبيري، فتمارضت ولزمت سريري، وكنت إذا أصبحت وخرج زوجي إلى عمله تزينت ~~للسرير أجمل زينة وأشدها إغراء، وبقيت به طيلة النهار، واستقبلت زائراتي وأزواجهن في غرفة ~~نومي، وجاءني زوجي غداة اعتكافي، وأخبرني أن صديقنا يستفسر عن صحتي، وأنه في بهو الاستقبال، ~~قلت: «لو أن صديقتي كانت هنا لما رأيت بأسا باستقبالهما في غرفة النوم ما داما يعتزمان ~~الزواج.» # ولم أعجب حين رأيت صديقتي تجيء الغداة ومعها صديقنا، بحجة أنها تريد محادثة زوجي في بعض ~~الشئون المتعلقة بأبنائها، فلما خلا الجو لصديقنا قال: «أشكرك على السماح بزيارتك وأنت في ~~هذه الزينة البارعة، لقد ضاعف وجودك هنا من جمال هذه الغرفة وزادها سحرا.» قلت: «دعك من ~~هذا الحديث فأنا متعبة لا طاقة لي بسماعه، وأين جمال هذه الغرفة وساكنتها من جمال عروسك ~~وسحر عينيها الفاتنتين؟ فلا تكادان تنظران إلى رجل حتى يخر على قدميه ساجدا.» وسكت لحظة ~~ثم قلت: «إنني هدني التعب والمرض، وأنا أشكرك لتفضلك بالسؤال عني»، قلت هذا وصحبته بابتسامة ~~حار في دلالتها، أهي التهكم أم الصدق أم مجرد الإغراء؟ ونظر الرجل إلي بعينين واسعتين، ~~وقال: «يا ماكرة! أمتعبة أنت حقا أم تريدين أن تتعبي من يزورونك هنا لأنهم لا يستطيعون ~~الإمساك عن التفكير في صورتك الجذابة، وفي الإطار البديع الذي أحطت نفسك به.» # وعادت صديقتي فأمسكنا عن الكلام، على أن صديقنا عاد الغداة مع زوجي، وصعد معه إلى غرفة ~~نومي، وقد أقنعته سرعته إلى رفع الكلفة بأنه لم يبق ما يمنعه من زيارتي فيها، وابتسمت فيما ~~بيني وبين نفسي لنجاح الخطوة الأولى من خطتي، فلولا أنني أذنت بصعوده إلي مع صديقتي لبقي ~~كارها في تحفظه. ورآني حين دخل الغرفة في زينة غير التي رآها لأمسه، فانتهز فرصة خرج فيها ~~زوجي لبعض شأنه، وقال: «ما أجمل المرض في هذا السرير!» قلت: «وما لك أنت وذاك وأنت موشك أن ~~تتزوج؟ احتفظ بمثل هذه التحيات لتقولها لأهل بيتك، متعك الله في الحياة الجديدة التي ~~تنتظرك، وأرجو يومئذ أن تنسيك هذه الحياة أصدقاءك!» ms096 # وبعد هنيهة سألته: «ما بال صديقتي لم تحضر معك كما فعلت أمس وهي تعلم أني متعبة؟» قال: ~~مررت بها فألفيتها غادرت منزلها، ولم تذكر لخادمها أيان ذهبت، وسألت عنها في بيت أهلها فلم ~~أجدها هناك.» # كنت أعرف في هذه الصديقة خفة تستسيغ معها أن تصحب المعجبين بها إلى نزهات خلوية، وكنت ~~أعرف من أقاربي شابا جميل الطلعة يتردد إليها مسحورا بجمالها وبفتنة عينيها، وقد شجعته ~~هذه الفترة الأخيرة على مصاحبتها، وعلمت في هذا اليوم أنهما سيخرجان لنزهة على طريق السويس ~~بعد مصر الجديدة، فأوحيت إلى صديقنا أن يذهب إلى هذه المنطقة فإذا صادف قريبي هناك، فليبعث ~~به إلي لأمر هام أريد أن أحدثه فيه، ولم يجد صديقي بعد زياراته الأخيرة إياي في غرفة نومي ~~مفرا من أن ينزل على رغبتي. وبعد الغروب عاد إلي وعيناه تقدحان الشرر وهو يقول: «أهنئك ~~يا سيدتي بنجاحك في إفساد هذا الزواج، وأشكرك، لقد رأيت قريبك مع صديقتك داخل السيارة في ~~جوف الصحراء وهما في وضع لا أستطيع أن أصفه!» قلت: «هون عليك يا أخي، فقد حملني الوفاء ~~لصداقتك على أن أتيح لك فرصة ليس يسيرا أن تتاح لإنسان، فإن كان قد ساءك ما فعلت فلي من ~~حسن قصدي عذير.» قال: «ولكنك قاسية، وكان حسبك أن تنبهيني»، فقلت: «إنني أردت أن ترى بعينيك ~~ما لا تستطيع أن تصدقه حين تسمعه»، فأطرق إطراقة طويلة ثم ارتمى على مقعد، وكأنما ترقرقت في ~~عينيه دمعة، وقال: «شكرا لك أن أزلت عن ناظري غشاوة حجبت عني خطرا داهما.» وبعد برهة ~~ودعني وانصرف. # أما صديقتي فلم تخاطبني ولم أخاطبها بعد ذلك اليوم، ولم يكفها أن قاطعتني، بل ذهبت تذيع ~~في كل صالون، وفي كل ناد، وفي كل مجتمع في المدينة أني أحب صديقنا، وأنني أريد أن يطلقني ~~زوجي لأتزوجه، وأن الغيرة دبت في نفسي منها منذ عني زوجي بشأنها، واهتم بميراث أطفالها، ~~وقد كان عذرها في مهاجمتي أنها تدافع عن نفسها، فقد أخبرني قريبي الذي كان معها في السيارة ~~في ms097 الصحراء أن صديقنا فاجأها وهو ممسك يدها بين يديه، وهي ملقية رأسها على كتفه، وأنها حين ~~رأت صديقنا سحبت يدها من يديه، وصفعته على وجهه قائلة: «أوبلغ من سفالتك أن تدبر مع ~~قريبتك هذا الموقف المشين يا نذل؟!» وأقسمت أن لن تراني، وأنها ستفضحني. وكان مما قالته له ~~والسيارة تعود بهما أدراجهما: «لماذا تدليتم إلى هذا الحضيض يا أحط من خلق؟! هل أخذت منها ~~زوجها؟! لقد كان في مقدوري أن أفعل، فأنا أجمل منها ألف مرة، ولكني حفظت عهد الصداقة، ورعيت ~~ما بيننا من خالص الود. هل أخذت منها الألماني في الأقصر، ولم تكن تراه إلا على مائدتي في ~~«ونتر بالاس»؟ وإذا كانت تعشق هذا الذي كنت أريد أن أتزوجه فلماذا لم تخبرني فأدعه لها ~~وألقيه صاغرا تحت أقدامها؟ أم حسبت أنني أنافسها في محبته فتآمرت معك هذه المؤامرة ~~الدنيئة؟! إن يكن ذلك ظنها فهي مخطئة، إنه رجل ماجن، ولكنه أظهر صدق الإخلاص إثر وفاة زوجي، ~~وعمل جهده لمعاونتي على استخلاص ميراث أطفالي حتى استخلصه، فقدرت له هذا الصنيع وأردت أن ~~أجزيه عنه بالتزوج منه، فإن كانت قريبتك قد ظنت رغبتي في التزوج منه عشقا أو حبا فهي ~~مخطئة، وليس بين الرجال من يستحق في سني أن أحبه، وإن كان منهم من يستحق أن أحترمه، ولست ~~أنت ممن يستحقون الاحترام بعد أن انحدرت إلى هاوية المؤامرة التي انحدرت إليها!» # قص علي قريبي هذا كله غداة حدوثه، واشتد في لومي أن أوقفته هذا الموقف، وطمأنته ~~بكلمات لم تزل غضبه، ولم يرعني هذا الغضب وأنا أحسب أني في أوج انتصاري، لقد دبرت فنجح ~~تدبيري، وكنت أعلم أن نجاحي معناه القطيعة الحاسمة بيني وبين صديقتي، وأن تدبيري لن يضير ~~قريبي وهو شاب وسيم، ومن حقه في نظر الناس جميعا أن يخرج للنزهة مع أي امرأة يغريها شبابه ~~وجماله، فلن يروعني إذن أن ينتج عملي كل آثاره. # وانقضت أيام انقطع صديقنا في أثنائها عن المجيء إلينا حتى خشيت أن يكون قد خاصمني، وإنني ~~لفي ms098 غرفة زينتي إذ دخل علي زوجي متجهما صامتا، فسألته ما به؟ فقال إن صديقنا مريض نزلت ~~به الحمى منذ غادرني آخر مرة عائدا إلى منزله، وإنه قص عليه ما كان بين صديقتي وقريبي، ~~وإنه اليوم أحسن حالا، وسكت زوجي بعد ذلك طويلا ثم قال: «وقد سألته لم لم يدعني ~~لعيادته لأول ما نزل به المرض، فقال إنه لم يرد إزعاجك، ولست أدري كيف سولت لك نفسك أن ~~تقدمي على ما أقدمت عليه!» قلت: «لقد كنت أحسبك أكثر وفاء لصديقك، وأشد حرصا على ~~طمأنينته في حياته.» قال: «أوقاصر هو لتنصبي نفسك وصية عليه؟» قلت وقد بدأ هدوئي ~~يزايلني: «وهل بلغ من حرصك على عواطف صديقتي وعلى رقيق مزاجها أن تلومني من أجلها؟ تزوجها ~~إذن أنت إن كانت قد فتنتك! لقد طالما حدثتني نفسي عن سر عنايتك بشأنها، وطالما حاولت أن ~~أقنع نفسي بأن إنسانيتك وطيبة قلبك وشفقتك على أطفالها هي مصدر هذه العناية، أما الآن فقد ~~فضحت سرك، واستبان لي خفي أمرك، اذهب فتزوجها أنت إن شئت، اذهب يا منافق!» # قلت عبارتي الأخيرة في ثورة غضبي حاولت أن أكظمها فلم أنجح، وأبت كبريائي على أن أصيح ~~لأنفس عن نفسي، واستلقيت منهدة في مقعدي، وانهمرت الدموع من عيني، وأخذت أبكي بكاء ~~الطفل، وأراد زوجي أن يسكن روعي فدفعته عني ملقية نظري إلى الأرض؛ لأني كرهت أن أرى وجهه. ~~ووقف الرجل قبالتي وانتظر حتى هدأ روعي بعض الشيء، ثم نظر إلي نظرة إشفاق وقال: «أولو كان ~~بيني وبين صديقتك من الود ما تنزعجين له، أفكنت أنظر مغتبطا لزواج صديقنا منها، لينقطع ~~الود بيني وبينها، أم كنت أصنع صنيعك فأفسد هذا الزواج لتخلص لي؟ لقد كنت أحسبك أوفر ذكاء ~~من أن تضل الغيرة الحمقاء بصيرتك، وتدفعك إلى صنيع غير لائق بأمثالك!» # قلت وقد غالبت نفسي حتى ملكت ما استطعت روعي: «أنت تتهم ذكائي وتحسب حجتك تقنعني، كلا يا ~~سيدي، أنت تعلم كما أعلم أنها إذا تم زواجها بصديقنا فسيفتح هذا البيت أمامها على مصراعيه، ms099 ~~وسيكون لك من الحرية في استدامة ودها أضعاف ما لك اليوم، ولن أستطيع أنا يومئذ أن أقول ~~شيئا، فتخير إن شئت حجة أخرى أجدر بقدرتك على استنباط الحيل!» قال وقد كاد يخرج عن طوره: ~~«يا عجبا! أوبلغ من الحطة أن يسلب رجل زوجة صديقه، أو تسلب امرأة زوج صديقتها؟! ذلك أمر ~~لا يمكن أن يدور بخاطري، وأنت فوق ذلك تعلمين أن لك عندي من المكانة ما كنت أحسبه يسمو بي ~~عندك فوق كل شبهة، لقد أصفيتك وأصفيت أولادنا حبة قلبي، فإن كنت في ريب من ذلك فالذنب ذنبك ~~لا ذنبي!» # ثم إنه أخذ بمجامع بدني وجذبني نحوه، وضمني إليه ليسكن من ثائرتي، ولم أستطع إزاء عطفه ~~ورقته أن أتابع المعركة، وإن شعرت بأن شيئا بيننا قد تحطم، وأن حياتنا الهانئة الهادئة قد ~~أسدل عليها ستار كثيف. # وبعد أيام جاءني صديقنا، ولا تزال عليه آثار العلة، فلما رأيته امتلأ قلبي رحمة وشفقة، ~~وشعرت أني أثمت في حقه، فلما استقر به المجلس وتناول بعض المرطبات قال: «جئت اليوم أسألك ~~وأرجوك أن تجيبيني في صدق وصراحة، إني أعرف صديقتك منذ سنين، وأعرف خفتها، لكني لم أعلم أن ~~هذه الخفة جنت قط على عفتها أو على وفائها لزوجها الأول، فهل تستطيعين أن تذكري لي بشرفك ~~أنك تعلمين غير ما أعلم»، وأحسست من نبرة صوته أنه يريد أن يضعني موضع الاتهام فقلت: «وما ~~شأني أنا بهذا؟ إن كنت تريد أن تتزوجها فلست أنا التي أمنعك من زواجها، إنما دفعني الوفاء ~~لصداقتك لنا على أن أفتح عينيك على ما أعرف، فإن لم تجد فيما رأيت ما يريبك فأنت أعلم بما ~~يسرك وما يسوءك، وأنا لا أعرف عن صديقتي أكثر مما تعرف أنت عنها، وأنت كنت تعرف زوجها ولم ~~أكن أعرفه، وكنت تزوره يوم أسكنها الضواحي ولم أكن أزورها، فلا تسلني عما لا علم لي به، ~~وأنت صاحب الشأن في زواجك منها بعد أن انقطعت صلتي بها.» # وتركني صديقنا وخرج، تركني حيرى أنعى ما فرحت به من ms100 نجاحي، وأنعى إخفاقي المشين، ~~وأنعى ما تحطم بيني وبين زوجي، وأنظر إلى المستقبل بعين كلها اليأس والأسى. والحقيقة أني ~~لم أكن أعلم عن صديقتي برغم خفتها ما يجرح عفتها، فأي شيطان دفعني إلى ما أقدمت عليه، وما ~~نفر مني كل من أحب، وضرب حولي نطاقا وجعلني أدور حول نفسي في عزلتي، كما يدور الحيوان ~~المفترس الحبيس في قفصه؟ # أولو تزوج صديقنا صديقتي برغم ما رأى، فماذا يكون موقفي منه ومنها ومن زوجي؟ وإذا حدث ذلك ~~ودعيت مع زوجي لحضور قرانهما فماذا أستطيع أن أفعل؟ أأدعه يذهب وحده فيصدق الناس ما ~~أذاعته من أني أحب زوجها، وكنت أريد أن يطلقني زوجي لأتزوجه؟ أم أذهب معه قطعا لألسنة ~~الناس؟ وإذا ذهبت فبأي وجه ألقاها؟ مرت بخيالي أمثال هذه الأسئلة المحرجة حتى ضقت ذرعا ~~بها، وحتى أظلمت الدنيا في عيني. # وهب صديقنا لم يتزوج فهل تظل صلته بي كسابق عهده في الأيام الأخيرة إذ كان يزورني في غرفة ~~نومي وأنا في سريري، أم تراه ينقبض عني ولا يلقاني إلا بحضرة زوجي كما كانت الحال من قبل؟ ~~وبأي وجه ألقى الناس في الحالين: حال إقباله وحال إعراضه؟ فهم لا ريب سيقولون وسيعيدون، ولن ~~تفتأ صديقتي تذيع ثم تذيع لتجعلني أحدوثة المجتمعات، يتندر بقصتي المتندرون، ويرثي لحالي ~~الشامتون، ويذهب من شاء مذاهب أيسرها أن الحب والغيرة دفعاني لأزدري ما تقضي به المروءة، ~~وتفرضه الصداقة. # وعدت أسأل نفسي: أي شيطان وسوس إلي ما أقدمت عليه؟ فلو كنت أحب صديقنا حب غرام وعشق ~~لكان حبي إياه عذيري عن مؤامرتي، أو لكنت التمست وسيلة أخرى لإرضاء حبي، ولكني لا أحس نحوه ~~بنار الحب المحرقة التي تبيح لمن تحب أن تفعل ما فعلت، إنني أغتبط بمجلسه وبحسن إصغائه، ~~لكنه ليس وحده الذي يتمتع عندي بهذه المنزلة، بل إن غيره من أصدقائنا المهذبين المثقفين من ~~أحب مجالستهم، وأغتبط بإصغائهم وإعجابهم بحديثي، وإن قل منهم من كان مثله كامل الرجولة جم ~~الوفاء. # وإذا لم يكن حبي صديقنا حب غرام دافعي إلى ms101 فعلتي، أفكانت غيرتي على زوجي ومخافتي أن تغصبه ~~صديقتي مني هي هذا الدافع؟ لقد ابتسمت ساخرة حين عرض لي هذا السؤال، فزوجي آخر من تغار ~~امرأة عليه، لقد تزوجته فرارا من زوج أبي، ومن بيت أبي، وتزوجته طفلة غريرة لا أعرف شابا ~~غيره، فأصفيته ودي، ومنحته قلبي، وشعرت بأنه يبادلني حبا بحب وودا بود، وربما دام شعوري ~~ذاك لو أن الدنيا بقيت كما كانت فلم أعرف رجلا غيره، لكنني ما لبثت بعد سنوات قلائل أن ~~رأيته يحبني بحكم الواجب لا من أعماق قلبه، ورأيت في طبيعتنا تفاوتا ينأى به عنه، فليس ~~عنده من الطموح ما عندي، وليست فيه رجولة العقل أو القلب، أو أي من ألوان الرجولة التي ~~تجعل المرأة تتعلق بالرجل وتفنى فيه، إنه طيب بالغ الطيبة، فيه صفات رب الأسرة العطوف الذي ~~يبذل غاية جهده لإرضاء أسرته، لكنه ليس بالرجل الذي يثير الغيرة؛ لأنه لا يعرف الحب الذي لا ~~يرضى بما دون قلب المحبوب وعقله وروحه وجسمه ليملكها جميعا ملكا تاما مطلقا. # ما الذي دفعني إذن إلى ما فعلت؟ لا أدري، وهأنذي أشعر الآن بأني خسرت المعركة، وأضعت كل ~~شيء، أضعت حتى كرامتي، وأذللت نفسي، وكانت أعز من أن تذل لإنسان، وهأنذي أشعر بالعزلة ~~وكأني من الحياة في سجن مظلم، حتى أطفالي أشعر حين أراهم أني غير جديرة بأن أقبلهم، لقد ~~خانني ذكائي فلم أقدر لكل هذه العواقب، إنني تعسة، وليس على الأرض امرأة أتعس مني. # انتهز فرصة خرج فيها زوجي وقال: «ما أجمل المرض في هذا السرير!» # واستوحشت حتى من نفسي فكنت إذا أقبل الصبح وخرج زوجي إلى عمله، خرجت أضرب في الأرض على ~~غير هدى مخافة أن يسأل عني أحد معارفي بالتليفون، أو يسألني من لا أعرف عما اجترحت ويؤنبني ~~عليه، فإذا كنت في الطريق ورأيت الناس وتعرضت لضجة الحياة، عدت إلى نفسي بعض الشيء إبقاء ~~على نفسي أن تدهمني سيارة، أو يرتطم بي إنسان مشتت الذهن لأنه لا يجد قوت عياله، أو آخر ~~نزلت به ms102 كارثة اضطرب أمامها ولا يدري كيف يتخلص منها، فإذا كان موعد الطعام رجعت إلى الدار ~~ألقى زوجي وأطفالي، وأنا مضطربة الذهب خائرة القوى. # ودخل علي زوجي بعد أيام والتأثر باد عليه، وقال: «مسكين صديقنا، لقد انتكس ولزم من ~~جديد فراشه يعاني من الحمى أهوالا، وقد دعاني صبح اليوم لعيادته، فلما ذهبت إليه وفحصته ~~تولاني القلق عليه، وسأعوده كل يوم مرتين لأرى أثر الدواء فيه، والله يساعدني.» # نزلت علي هذه الكلمات نزول الصاعقة، ألا لئن أصاب صديقنا مكروه لأكونن الآثمة ~~الجانية، وأردت أن أسأل زوجي عما إذا كانت حياته في خطر، فتلجلج لساني في فمي، وعز ~~علي أن يدور هذا الخاطر الأسود بخيالي، فلما أمسيت تولاني أرق اضطربت في أثنائه بين ~~اليقظة والإغفاء، فإذا أغفيت رأيت صديقنا ترعده الحمى وسمعته يناديني، وحين بدت تباشير ~~النهار هببت من مرقدي كالمجنونة طائشة الصواب، وحاولت جهدي ضبط أعصابي فإذا بي أرتعد، ~~وكأن بي من الحمى ما بهذا الرجل الذي جنيت عليه، واستيقظ زوجي وتناول فطوره وذهب إلى ~~عمله وتركني مستلقية في غرفة أخرى، وقد خيل إليه حين دخل ورآني بهذه الصورة أني أرقت ~~ليلي ثم نمت وجه الصبح، وأن من الخير لذلك أن يدعني أستعيد بالنوم راحتي. # فلما استطعت أن أجمع قواي خرجت إلى الطريق هائمة على وجهي، وجعلت أسير ثم أسير، وأتلفت ~~بين الحين والحين مخافة أن يراني أحد معارفنا، وكأني سجين هارب من سجنه. وطال بي السير وأنا ~~لا أعرف لنفسي غاية أقصد إليها، ورأيت نفسي بعد حين على مقربة من «كوبري» عباس، فملت إليه ~~وسرت فوقه حتى توسطته، هنالك وقفت وأخذت أنظر إلى صفحة الماء في النيل، أولو ألقيت بنفسي في ~~النهر فابتلعتني لجته، ألا تكون هذه الخاتمة خير جزاء لي؟ مر هذا الخاطر بذهني كلمح البصر، ~~ثم استقر في رأسي لا يبرحها، ولم أذكر لأول وهلة فجيعة أطفالي بموتي، بل اعتبرته الوسيلة ~~الوحيدة لنجاتي من الهم المقيم الذي جثم على صدري منذ انقلب علي انتصاري، وثبت نظري على ~~صفحة الماء، ms103 فسحرت بها، ولم أجد عن إدامة النظر إليها منصرفا، وإنني لكذلك تزداد فكرة ~~الانتحار تشبثا بنفسي إذا برق طيف الطفلين في خيالي، وكأنما يناديني: «رحماك يا أماه!» ~~هنالك انهملت العبرات من مآقي، وغامت الدنيا في عيني، واستندت بيدي إلى حاجز «الكوبري» ~~ولم أعد أرى شيئا. # كم بقيت على هذه الحال؟ ساعة أو أكثر أو أقل، لا أدري! وكل الذي شعرت به أن المارة كانوا ~~ينظرون إلي ثم يتخطونني لشأنهم، ولا يعنيهم أمري. وإنني لكذلك إذ وقفت إلى جانبي سيدة ~~ربتت بيدها على كتفي، فتنبهت فزعة فنظرت إليها فإذا هي زميلة قديمة من زميلات المدرسة، فلما ~~استيقنتها واستيقنتني قالت: «ما لك يا حبيبتي، وماذا يبكيك؟ إنني لم أرك منذ سنوات، ولكني ~~سرعان ما عرفتك، إنك لم تتغيري عما كنت عليه أيام المدرسة، لماذا تبكين؟ هوني عليك، ~~فالحياة أهون من أن تذرفي عليها دمعة واحدة، انظري إلى هؤلاء الذين يمرون الآن بنا، ~~أتحسبينهم أسعد منك حالا؟ بل أتحسبينهم أقل مني ومنك هما وألما؟ إن منهم من لا يجد قوت ~~يومه إلا بشق النفس، ومنهم العاجز والمريض، ومن أثقلته الأحزان والهموم، نعم يا حبيبتي، ومن ~~نظر إلى بلوى الناس هانت عليه بلواه، فهوني عليك وكفكفي عبراتك وتعالي معي.» # قالت هذا الكلام، ولم تنتظر مني جوابا، بل جذبتني من يدي وسارت، وسرت أتبعها كأني طفلة، ~~ولا تكاد قدماي تحملاني، فلما جاوزنا الجسر إلى الطريق، قالت: «أراك متعبة، فخير أن نركب ~~عربة أوصلك بها إلى بيتك تستريحين فيه»، ونادت سيارة وطلبت إلي أن ألقي إلى سائقها بعنوان ~~منزلي، وألقيت نفسي منقادة لأوامرها كأنني تلميذة من تلميذاتها، فقد عرفت من حديثها أنها ~~مدرسة، وأنها مضطرة الساعة للذهاب إلى مدرستها، ولولا ذلك لبقيت معي حتى أسترد سكينتي، ~~وألقيت إلى السائق بعنوان المنزل، فلما كنا عند بابه نظرت زميلتي إليه، ثم قالت: «أتسكنين ~~هذا القصر ثم تبكين؟!» # وشكرتها من أعماق قلبي، لا لأنها أنقذت حياتي، بل لأنها ردتني إلى الطفلين العزيزين، ~~قالت: «أسعدك الله بهما وأسعدهما بك »، وألقت ms104 إلى السائق بعنوان مدرستها بعد أن اطمأنت إلى ~~أنني دخلت المنزل، وعبثا حاولت من بعد أن أرى هذا الملاك الرحيم. # دخلت المنزل منهوكة القوى محطمة الأعصاب لا أكاد أقوى على نزع ملابسي، فلما استطعت نزعها ~~وألقيت بنفسي في سريري إذا البكاء يغلبني من جديد، وإذا عيناي تجودان بدمع هتون، وبعد برهة ~~إذا جسمي كله ترعده الحمى، وإذا بي أضطرب في فراشي اضطرابا جعلني أصيح منادية مربية ~~أطفالي، فلما دخلت علي ورأتني ممتقعة اللون أسرعت إلى «الترمومتر»، ثم سارعت بعد أن نظرت ~~إليه إلى إسعافي. # وبعد سويعة أقبل زوجي لموعد طعامه، فلما عرف ما بي أسرع يفحصني، ثم أمر بإقفال نوافذ ~~الغرفة، وبتركي في راحة تامة، وجاء الطفلان بعد ذلك من المدرسة، فاستقبلتهما مربيتهما، ~~وأخبرتهما أنني مريضة، ولذلك يجب عليهما ألا يحدثا أية ضجة أو جلبة تزعجني، وأمسكت الطفلين ~~ودخلت بهما علي، فإذا هما ساهمان وكأنهما حدثتهما نفساهما البريئتان بأن أمرا حدث، فلما ~~وقفا إلى جانب سريري اغرورقت عيناي بالدمع، ونظرت إليهما كأنما أستغفرهما أن كدت أجني ~~عليهما فأيتمهما، وانصرف الطفلان كسيري الطرف، ثم غلبتهما الطفولة فسمعتهما يضحكان، عند ذلك ~~شعرت بأني كنت مقدمة على عمل جنوني أنجاني القدر منه بأن بعث إلي ذلك الملاك ~~الرحيم. # ولم يكن يشغلني أيام مرضي غير نكسة صديقنا وحال صحته! وقد سألت زوجي غير مرة عن حاله، ~~فأنبأني أنه تخطى الخطر وإن كان في حاجة إلى زمن طويل ليسترد عافيته، فلما برئت واستطعت أن ~~أخرج من منزلي سألت زوجي أن أصحبه يوما في عيادة هذا الصديق العزيز! # وإذ رأيته وتبينت حاله رق قلبي رقة لم يكن يسيرا معها أن أغالب دمعي، ثم زادت بقلبي ~~رقته، فأمسكت بيده وزوجي واقف بجانبي، وقلت: «أستحلفك بأعز عزيز عليك أن تسامحني، أنا أعلم ~~أن ذنبي لا يسعه الغفران، ولكني أعلم كذلك أن وفاءك لصداقتنا يسمو بك إلى ما فوق المغفرة، ~~يسمو بك إلى الرحمة، وإلى الإشفاق على بائسة مسكينة.» # فنظر إلي الرجل وهو ممدد على كرسيه الطويل بعينين يشيع ms105 فيهما عطف يكاد يكون الحنان، ~~وقال: «لقد سامحتك منذ زمان طويل، وليسامحك الله، وليسامحنا جميعا.» # لم أشعر في حياتي بتضاؤل كبريائي مثل ما شعرت في هذا اليوم، لقد شعرت بنفسي - أنا ~~المتعالية المعتزة بنفسي - صغيرة ضئيلة تافهة محتاجة إلى كلمة عطف تسند ضعفي، وتسكب ماء ~~البر الطهور على ذنوبي، وهأنذي قد سمعتها، لكني بقيت مع ذلك صغيرة ضئيلة تافهة. # وانقضت الأيام والأسابيع وعوفي صديقنا، وعاد يتردد علينا، لكني بقيت برغم ذلك محطمة ~~الأعصاب، فلا بد لي من جو جديد تتغير فيه نفسيتي، فلما أقبل الصيف قال لي زوجي: «ما أحسبك ~~احتجت يوما إلى السفر إلى أوروبا حاجتك هذا العام، فأعدي عدتك، وقد لا أستطيع السفر معكم، ~~ولذلك أعددت جواز سفر لك وللطفلين، وأرجو أن يفيدكم تغيير الجو الفائدة التي أرجوها، ~~وشكرته، وأخذت أفكر في السفر وفي إعداد عدته.» # | الفصل السادس # لم أنظر إلى اصطيافنا بأوروبا هذا العام مطمئنة النفس قريرة العين، أنا حقا في أشد ~~الحاجة إليه، فهذا الجو الذي يحيط بي خانق، ولم يبق لي طاقة باحتماله، وأعصابي مرهقة ~~يثيرها مس الهواء، لكن الهواجس كانت تفزعني، وتبلبل خاطري، وتزيد نفسي قلقا، وأعصابي ~~اضطرابا، فما بال زوجي لا يريد أن يصحبنا إلى أوروبا؟ أي شيء يمسكه بالقاهرة ليصلى صيفها ~~القائظ؟ # وهنا ارتسمت أمامي صورة صديقتي وهي تنظر بعينيها الجميلتين الساحرتين إلى هذا الطبيب الذي ~~وهبها كل عناية لإنقاذ ميراثها وميراث أطفالها، أولا تكون هذه المرأة هي السبب في تخلفه ~~عن مصاحبتنا وبقائه بالقاهرة؟ أنا أعلم أنها تصطاف بالإسكندرية، لكن الذهاب من القاهرة إلى ~~الإسكندرية آخر كل أسبوع لقضاء يومين أو ثلاثة على مقربة منها والتقاءهما كلما شاءا؛ أمر ~~يسير! # وإذا أنا كنت قد فعلت ما فعلت لأمنع زواجها من صديقنا، أفأسافر إلى أوروبا وأدعها تغصب ~~مني والد أطفالي، على حين أنتقل أنا بهما بين بلاد المياه، وفي أعالي الجبال الأوروبية ~~الجميلة؟! # ودار بخاطري أن أعتذر عن عدم السفر، وأن أكتفي بالذهاب إلى الإسكندرية أقضي الصيف بها. ~~وإني لأفكر كيف أصور ms106 الأمر لزوجي إذ مر بي صديقنا، وأخذ يسألني عن موعد السفر وبرنامجه، ~~قلت بعد حوار طويل: وما اهتمامك أنت وزوجي بهذا الأمر؟ كأنما تريدان إبعادي عن مصر لأمر ~~تدبرانه؟ # فبهت الرجل لسماع هذه العبارة، وقد قلتها بنغمة كلها الجد والحزم، وقال بعد هنيهة: ~~«أوهجست بنفسك هواجس جنونية جديدة لتقولي مثل هذا الكلام السخيف؟» قلت: «فلم إذن لا ~~يصاحبنا زوجي إلى أوروبا؟» # هنا تبسم الرجل ضاحكا وقال: «إذن فاعلمي أنه استدان المبلغ اللازم لسفركم، وكنت أنا ~~واسطته وضامنه، وهو يريد أن يشتغل في الصيف ليسدد ما استدان، أويكفيك هذا العلم لتهدأ ~~نفسك وتسكن أعصابك؟» # قلت وأنا أحاول التسكين من وساوس نفسي: «ما كان أغناه عن هذه الاستدانة وأغناني عن التعرض ~~لهذه الهواجس! إنني لم أرغب إليه في السفر، بل هو الذي عرضه علي، ولو علمت أن الأمر ~~يقتضيه أن يستدين لما قبلته، بل لكفانا أن نقضي معا شهرا بأي مصيف، وأن نقيم بقية الصيف ~~هنا في وكرنا وملجئنا»، وأجاب صديقنا مبتسما: «ثم تبقى أعصابك مضطربة، وحسك مرهفا طيلة ~~العام المقبل؛ فتجعلين حياته جحيما! لا تحسبي يا سيدتي أنه نسي في هذا الأمر نفسه، ولم ~~يفكر إلا فيك، فقد ذكرت له حين طلب إلي التوسط في الاستدانة وضمانه فيها هذا الكلام الذي ~~قلت أنت الآن، وعرضت عليه أن تذهبوا إلى مكان قصي كمرسى مطروح، فحدثني بلغة الطبيب الذي ~~يعرفك خير معرفة أنك لا دواء لك إلا السفر إلى أوروبا، وأن ما يتكلفه في ذلك من النفقة أيسر ~~عليه من بقائك فيما أنت فيه مما ينغص عليه وعلى الطفلين عيشهم، ألا ترين أنه يحسن التقدير ~~والحساب؟ فاطرحي من خيالك المريض هواجس لا وجود لها إلا في هذا الخيال، واستقبلي سفرك بنفس ~~راضية لتعود إليك صحتك، وليعود إلى طفليك مرحهما وابتسامهما، وسأمر بك بعد ثلاثة أيام لأعرف ~~كيف أعددت لرحلتك وبرنامجها.» # وصدق الرجل وعده ومر بي بعد ثلاثة أيام فألفاني أكثر هدوءا وطمأنينة، ذلك بأنني كنت قد ~~أخذت أثق به وأطمئن إلى كلامه بعد ms107 أن أيقنت من خلال أحاديثه المتكررة أنه لن يتزوج صديقتي، ~~ودار بيننا في رفق حديث هادئ أطلعته في أثنائه على خطة سفري وعدته. # وصحبني هو وزوجي إلى الإسكندرية حتى ودعاني ساعة تحركت الباخرة، فلما بعدت عن الشاطئ ~~وغابت عنا آثاره ذهبت أستقبل هواء البحر أملأ منه صدري ورئتي، مقتنعة بأن فيه الدواء ~~الناجع لعلتي، واستنشقت هذا الهواء ملء خياشيمي، فأحسست فيه حياة تنعش قلبي، وترفع عن صدري ~~عبئا كان يثقله، وتمددت على مقعد طويل أرحت إلى مسنده ظهري ليكون صدري أكثر استقبالا لهذا ~~الهواء المحسن، وتطلعت بنظري إلى الأفق الممتد بين السماء والماء، وكأنما يتهادى مع الباخرة ~~فوق لج البحر العظيم، وانقضت ساعة وأخرى وأنا على هذه الحال، أزداد كل ساعة شعورا بأن ~~الأعصاب المنهارة التي كانت تتحكم في وجودي تستقيم وتقوى شيئا فشيئا، ألم يقل صديقنا إن ~~السفر إلى أوروبا فيه دواء علتي، وهأنذي أشعر بفعل هذا الدواء منذ اللحظات الأولى. # وأقبل المساء فكنت أهدأ نوما، وتقضت أيامنا على الباخرة وأنا أشعر كل يوم بأنني أحسن ~~حالا مما كنت عليه في اليوم الذي سبقه، وكان على الباخرة سيدات رقيقات رأينني ورأين ~~أطفالي، فكن يداعبن الأطفال ويحادثنني في مألوف ما يتحدث المسافرون فيه، فلما أصبحت اليوم ~~الأخير والباخرة تتأهب لإلقاء مراسيها على رصيف المرفأ، جئن يودعنني، ثم قالت إحداهن وكأنها ~~تهمس في أذني: «أهنئك من كل قلبي يا سيدتي، لقد أشفقت عليك ساعة رأيتك تصعدين الباخرة في ~~الإسكندرية، كان وجهك شاحبا، وملامحك متعبة، وكان الجهد باديا عليك، وكأنما قضيت زمنا ~~طويلا في غرفة مظلمة، أما الآن - ولا حسد - فوجهك مشرق، وملامحك باسمة، وكلك حيوية ونشاط.» ~~فشكرتها وقلت: «لقد كنت أحس الإعياء حقا، لقد مرت بي أحداث أرهقتني، وأشعر الآن أنني ~~أفقت وحييت.» # وسافرنا توا من المرفأ إلى الجبال، وأخذت أتنقل مع الأطفال من مصيف إلى مصيف، وقد نسيت ~~كل شيء إلا أنني حييت، فلما اطمأننت إلى العافية وإلى أطفالي أخذت أستعيد هذا الماضي القريب ~~في دهشة، وأعجب لما حدث فيه، ms108 فإذا رأيته بدأ يشغل حيزا من تفكيري لم يكن أيسر من أن أهز ~~أكتافي، وأعود إلى متاعي بجمال الطبيعة من حولي، لكن أمرا واحدا لم يبرح ذهني، ذلك أمر ~~صديقتي وعناية زوجي بشأنها وبميراث أطفالها عناية غير مألوفة، فلن تحرك الرحمة والإنسانية ~~وحدهما رجلا ليعرض نفسه إلى ما تعرض له زوجي من أجل هذه الفاتنة! # وفيما ننتقل بين المصايف صادفتني السيدة الأمريكية المعنية بزينة سريرها أكثر من عنايتها ~~بزينة خروجها ونزهتها، وهي التي عرفتها الصيف الماضي إذ كان زوجي معنا في أوروبا، فقد ~~صادفتني أسير في بهو الفندق وطفلاي يسيران معي، فلما رأتني أقبلت علي وعانقتني، وأبدت من ~~السرور بلقائي ما أنعش نفسي، وعدنا سيرتنا العام الماضي، وزدنا عليها أنني جلست وإياها على ~~مائدة واحدة في غرفة الطعام. # وكانت تدعو بعض أصدقائها وصديقاتها أحيانا لتناول الطعام معنا، فيتيح ذلك لنا فرصة ~~الحديث في شئون شتى، ولهؤلاء الغربيين جرأة على موضوعات يمنعنا الحياء في مصر أن نعرض لها، ~~ولست أنسى لهم حديثا ترك في نفسي من بعد أثرا عميقا، وكان للسيدة الأمريكية فيه رأي جريء ~~لم أجد مثل صراحته فيما سبق من مطالعاتي، فقد تحدثوا عن الحب، وعن صلات الرجل والمرأة، ~~وأيد بعضهم ما يقوله الروائيون من أن الحب عاطفة يقصد بها الرجل تملك المرأة، وأيد ~~آخرون مذهب شوبنهور من أن الحب أسطورة تقصد الطبيعة من ورائها إلى تخليد النوع وتحسينه، ~~قالت الأمريكية: «أما أن الحب عاطفة يقصد بها الرجل تملك المرأة، فحديث خرافة ابتدعه الرجال ~~إرضاء لغرورهم، فلست أعرف رجلا تملك امرأة في غير الكتب التي يزوقها القصاصون، أما الواقع ~~فإن النساء هن اللواتي يمتلكن الرجال، ويسخرنهم كما يشأن لأغراض الحياة، وقصة آدم وحواء ~~تصور هذا الواقع خير تصوير، فحواء هي التي أرادت أن تطعم من شجرة الخلد فسخرت آدم لما ~~أرادت، فأذعن لها وهو يعلم أنه يخالف بهذا الإذعان أمر ربه، والمرأة هي التي تخلق من الرجل ~~ملاكا أو شيطانا حسب هواها، ترتفع به إلى الذروة أو تهوي به ms109 إلى الحضيض، وقل أن كان ~~العكس صحيحا، والرجال أنفسهم لا ينكرون على المرأة هذا السلطان ولا يأبونه، ألا يتحدث ~~الشعراء من أقدم العصور عن ربة الشعر على أنها مصدر وحيهم وإلهامهم، والغزل في الشعر من ~~فنون الرجال يتغزلون به في المرأة، ويتخذونه زلفى إليها؟ وقل أن روى التاريخ لامرأة شعر ~~غزل إلا أن يكون الرجال قد زيفوه لينزلوا بالمرأة إلى مثل مكانتهم، وماذا يمتلك الرجل من ~~المرأة فيما يزور القصاصون؟ جسمها، إنه يملكه سويعة يذل لصاحبته بعدها ما عاش، وفي طبعها ~~ما في طبع كل أنثى مما يذكره شوبنهور: أن تخلد النوع. والرجل يحسب أنه يتملكها حين ~~تسخره هي ليتم أسمى غرض في الحياة وأرفعه، ذلك أن تخلق جيلا جديدا!» # قالت سيدة من الحاضرات: «إن ما ذكرته يصدق على الزواج أو على التناسل إن شئت، لكنك لم ~~تذكري شيئا عن الحب، والحب لا صلة له بالتناسل، بل هو عاطفة مجردة مكتفية بذاتها كالصداقة. ~~والحب كلما ازداد تجردا ازداد سموا، وكلما كان خالصا لوجهه وحده كان رحيق العواطف ~~وخلاصتها جميعا.» # أجابت الأمريكية: «إن هذا الحب الرحيق الذي تذكرين، وهذه العاطفة السامية المكتفية ~~بذاتها، حب ملائكي لا يعرفه بنو الإنسان، وهو على كل حال ليس الحب الذي يذكر القصاصون أن ~~الرجل يقصد به إلى امتلاك المرأة، ولئن وجد هذا الحب الملائكي بين شاب وفتاة، أو بين رجل ~~وامرأة، ونذر كلاهما لله أو للعذراء ألا يقرب أيهما صاحبه، وألا يكون بينهما قط شيء من صلة ~~الجسد، إنهما إذن لمن أتقى أبناء الكنيسة الكاثوليكية البررة المطهرين، وليسا من أبناء ~~عالمنا نحن، عالم الحياة والتجدد. أما حب الرجل والمرأة في عالم الحياة، فغايته إنشاء ~~الشركة اللازمة لأداء واجب الحياة على خير وجه، ووسيلته التجانس والتجاذب بين الشريكين على ~~نحو يكفل انتقاء أحسن بذرة للتربة التي تصلح لها، والتي تتكفل هذه الشركة بتعهد ثمراتها، ~~هذه صورة مادية قد لا ترضي الخيال الشعري، لكنها الصورة التي تنتقل مع تاريخ الإنسانية منذ ~~عرفنا تاريخ الإنسانية، فالتشريع الذي وضعه ms110 الرجال في مختلف العصور يقررها، والواقع الذي ~~تراه أعيننا يشهد بها، فإذا أراد رجل أو أرادت امرأة أن تسمو على هذه الصورة المادية فقد ~~أنكر كلاهما واجب الحياة وتنكر له، وهذا - مع الشيء الكثير من الأسف - ما تيقنته أنا بعد ~~تجارب كثيرة مريرة.» # قلت ملقية الكلام إلى الحاضرين من غير أن أوجهه إلى أحد بذاته: «والغيرة، ألها صلة ~~بالحب؟ أم أنها مستقلة عنه قائمة بذاتها؟» # قالت الأمريكية وكأنما حرك هذا السؤال عندها شجنا دفينا: «غيرة المرأة عاطفة طبيعية ~~باعثها الدفاع عن النفس، وعن الملك، فالمرأة - كما ذكرت - تملك الرجل الذي تحب وتحرص على ~~ألا تفرط فيه، وهي لذلك تحوطه بالعناية التي يحيط بها الإنسان أعز ما يملك، وهي تعتبر ماله ~~ملكها، وصحته ملكها، وقلبه ملكها، وسمعته ملكها، ومكانته في المجتمع ملكها، فإذا حاولت ~~امرأة غيرها أن تغصب هذا الملك منها فمن حقها أن تدفع هذا الاعتداء بكل وسائلها، وفي مقدمة ~~هذه الوسائل أن تنصب شباكها حول الرجل نفسه حتى لا يفلت منها، فإن نجحت فذاك، وإن تغلبت ~~عليها غريمتها أو حاول رجلها أن يفر منها، فمن حقها أن تعلن عليهما حربا شعواء، قد تكون ~~الهزيمة في هذه الحرب نصيبها، ولكن خوف الهزيمة لا يجوز أن يثنيها عن النضال، فلا تفرط في ~~قيد أنملة من ملكها إلا مغلوبة على أمرها، وإذا هزمت مع ذلك فلها العذر، ولها من ~~استماتتها في النضال عن ملكها عزاء عن فقده آخر الأمر، وإن لم يرد هذا العزاء فائتا، ولم ~~ينجها من أن تغرق نفسها فيما يذيب الهم ويذهب الحزن.» # قالت الأمريكية عباراتها الأخيرة وقد شردت نظراتها، وانخفض صوتها، وكأنما حركت نفسها ~~هواجس ماض قاست فيه أهوالا، وانهزمت فيه بعد دفاع طويل مجيد، عند ذلك أدركت حرصها على ~~الشراب، تغرق فيه همها، وقد رأيتها ذلك اليوم أشد إكبابا عليه كأنما هاجت الذكرى أشجانها، ~~فاستعانت بالشراب على نسيانها، وخشيت أن يعاودها من هذه الذكرى رجع يثير من نفسي ما لا أريد ~~أن يثور، وأنا حريصة على أن ms111 أفيد لصحتي ولأعصابي ولكل حيويتي من هذا الاصطياف ما استطعت، ~~فانتقلت إلى مصيف آخر أكثر مرحا، وأخذت أعبث أنا وأطفالي وأرتع معهم، نرتفع إلى قنن ~~الجبال، ونلعب في الثلوج البيضاء المتراكمة عليها، ونهبط إلى الوديان نستمتع بخضرتها ~~ومياهها، وننتقل ثم ننتقل حتى لا يدع لي المقام في مكان واحد فرصة للتفكير في غير المرح ~~والمتاع. # وعدنا آخر الصيف إلى مصر، واستقبلنا زوجي على ظهر الباخرة أول ما أرست بالإسكندرية، وفرح ~~الطفلان بأبيهما فتعلقا بعنقه وأخذا يقبلانه، فسألني هو كيف أمضينا صيفنا، فذكرت له طرفا ~~مما رأينا، وذكرت الأمريكية التي زارها معي العام الماضي في غرفة نومها، ولكني لم أذكر ~~شيئا من أحاديثها وأحاديث أصحابها، وسألته بدوري كيف قضى صيفه؟ ورجوت ألا يكون قيظ القاهرة ~~أرهقه، وأجابني أنه استطاع أن ينتهز فترات جاء في أثنائها إلى الإسكندرية يستريح من عناء ~~العمل، ويستنشق هواء البحر يسري به عن نفسه، ويعتاض به من قيظ بلغت درجته الأربعين في ~~بعض الأيام، وذكرتني زوراته الإسكندرية حيث مصطاف صديقتي بهواجسي قبيل سفري إلى أوروبا، ~~على أني آثرت الصمت فلم أقل شيئا. # وانتقلنا إلى القاهرة، وجاء صديقنا يحمد الله على سلامتنا، فأبدى اغتباطه بما أفدت لصحتي ~~من رحلتي، وسروره بما عاودني من سكوني وطمأنينتي، وتقضت أوائل الخريف بعد ذلك رتيبة متشابهة ~~تبعث إلى النفس السأم والملال، فلما كنت في الأيام الأولى من شهر ديسمبر أقبل زوجي يوما ~~يذكر لي أن جماعة من أصدقائه الذوات، سيدات ورجالا، يريدون أن يستمتعوا تلك الليلة بضوء ~~القمر عند سفح الأهرام، وأنهم يدعوننا لمشاركتهم في هذا المتاع، وأنه ذكر لهم أن مثل هذه ~~النزهة الليلية غير مألوفة لي، فألحوا عليه في أن يقنعني بمشاركتهم وقبولي دعوتهم، وأنه ~~وعدهم أن يفعل، وسألني بم يجيبهم، قلت: وما رأيك أنت؟ فأنا في هذا الأمر على ما تحب، إن ~~شئت ذهبنا وإن شئت اعتذرنا.» # وإنما أردت بهذا الأدب الجم أن ألقي عليه كل التبعة، على أنني كنت أود من كل قلبي أن يقبل ~~هذه الدعوة ، فهي ms112 لون جديد من الحياة يشوقني أن أعرفه، وأصحابها طراز من الجمعية القاهرية ~~الراقية يسرني أن أتعرف إليهم، ولقد كنت فوق هذا وذاك أفكر في الوسيلة التي أسترد بها زوجي ~~إلى حظيرتي، فلا يبقى لدي خيال شك في تعلقه بصديقتي، وقد استبد بي هذا التفكير بعد أن ذكر ~~حين استقبلنا على الباخرة بالإسكندرية أنه جاء من القاهرة إليها غير مرة في أثناء غيابنا في ~~أوروبا حين كانت صديقتي تصطاف بها، فإذا قبلنا هذه الدعوى فتحت أمامي بابا أنفذ منه للغرض ~~الذي أقصد إليه. # وبدا على زوجي بعض التردد بعدما ذكرت أني تركت الأمر له. قلت: «فيم تتردد؟ إن لم يكن في ~~هذه الدعوة ما يغريك فلا أيسر عليك من أن تعتذر عنها، وكل الذي أرجوك فيه ألا تحتج في ~~اعتذارك بي حتى لا يفسر القوم ذلك تفسيرا يسوءني، تستطيع إن شئت أن تحتج بعملك، فأنت طبيب ~~معرض لأن تطلب في كل وقت، أما إن راقك أن تقبل الدعوة فأبلغ أصحابها شكري إياهم، واغتباطي ~~بالتعرف إليهم.» # وسكت زوجي هنيهة ثم قال: «أما وأنت لا ترفضينها فأنا أقبلها، وسأبلغهم ذلك الساعة، وإنني ~~لواثق من أنك ستسرين بمعرفتهم، فهم غاية في الرقة رجالا ونساء، وقد أبدوا من الحرص على ~~التعرف إليك ما شكرتهم عليه، وإنني لواثق من أنكم ستصبحون أصدقاء عما قليل.» # ما أشد غبطتي وما أسعدني بما قال! فهذا يتفق مع ما دار بخاطري، وما فكرت فيه من وسيلة ~~أسترده بها إلى حظيرتي، لا بد أن أثير الغيرة في نفسه حتى لا يظل متوهما أنني لا أعرف ~~غيره، ولا أحب غيره، ولا أقدر غيره، مما دعاه إلى الاكتفاء نحوي بأداء واجبه ربا لأسرتنا، ~~وأن يتناسى شخصيتي وما حباني القدر من مواهب يعجب بها غيره أشد الإعجاب. # وأقبل المساء وأشاع القمر بضيائه الرطب الندي معاني النعيم في أجواء القاهرة، واشتملها ~~كلها، وتزينت لهذه النزهة الصحراوية زينة جمعت إلى البساطة الإغراء. ودق التليفون، وقال ~~زوجي إن القوم في طريقهم إلينا، فهبطنا إلى الطابق الأول حتى ms113 إذا سمعنا نفير سياراتهم خرجنا ~~إليهم فألفيناهم نزلوا من السيارات لتحيتنا، وتعرفت إليهم، ودعاني أحدهم لأجلس في سيارته ~~إلى جانبه وهو على عجلة القيادة، وذهبت زوجه في سيارة أخرى، وتفرقنا حتى لا تجلس زوجة مع ~~زوجها في سيارة واحدة، وانطلقنا مسرعين حتى إذا بلغنا طريق الهرم سرنا على هون مبطئين، وما ~~كان لنا ألا نفعل، فقد سكب القمر على ما حولنا من المزارع والمساكن أمواجا من نور غمرت ما ~~بين السماء الأرض، وجعلتنا نسبح منها فوق أثير شعري رقت معه قلوبنا، وسمت عواطفنا حتى كادت ~~تلتقي وتتعانق، قلت لزميلي في السيارة: «لست أدري كيف أشكر لكم هذه الدعوة، فلست أذكر أني ~~رأيت القمر أبهى سنا، وأروع جمالا في هالته البديعة مما هو اليوم، لقد طالما اجتزت هذا ~~الطريق في ضوء عاشق السموات فلم أره يرنو إلي ويحدثني بمثل هذه اللغة التي يحدثني بها ~~الليلة؟» # وأجاب صاحبي: «أنت يا سيدتي التي أوحيت إلى القمر كل هذا الشعر الذي يوقع لنا الليلة ~~أنغامه، وسترينه على سفح الأهرام، وعلى وجه أبي الهول أروع شعرا وأبدع إيقاعا بفضل وحيك ~~وإلهامك.» واتصل بيننا بعد ذلك حديث رقيق حرصت ما استطعت على أن يزداد ظرفا ورقة وسحرا، ~~فإذا تحدث الرجل بعد ذلك عني حديثا بلغ سمع زوجي عرف أنه ظالمي، وأن من حقي أن أثور بهذا ~~الظلم. # وبلغنا سفح الأهرام، وأوغلنا في الصحراء، ثم تركنا السيارات وأخذنا ننعم في هذا الجو ~~الشعري الساحر بأعذب ألوان الحس، كنا نتطلع إلى ناحية الأهرام فنراها قد كساها القمر من ~~ضيائه حلة زادتها بهاء ومهابة ورهبة، ثم نتطلع إلى رمال الصحراء المتموجة تحت أشعة القمر في ~~ارتفاع وانخفاض يخلقان منها بحرا لجيا وإن لم يصطخب له موج، وإن كان صامتا صمت ~~الليل، ونرتفع ببصرنا أحيانا إلى السماء فإذا الجو كله معطر بعبير هذه الساعة اللذيذة ~~المنعشة، وإذا القمر قد أذاب في هذا الجو نورا مطمئنا تستريح له العين، وينهل منه القلب، ~~وتنتشي بسحره العواطف، ويعبث الهوى في أثنائه بالأفئدة بين ms114 الجوانح. # وسرعان ما أقام القوم مرقصا على أنغام أسطوانات جلبوها وجلبوا «فونوغرافها» معهم، وشاركت ~~وشارك زوجي بطبيعة الحال في الرقص، وإن لم نرقص مرة واحدة معا خلال الساعات المتعاقبة التي ~~شهد فيها ساهر السموات هذا المرح السابغ المجنون، وقد ألقيت نفسي في أثناء هذا الرقص بين ~~أذرع الرجال من أصحابنا جميعا، وجعلت أكثر رقصاتي مع زميلي في السيارة، وكنت في أثناء رقصي ~~معه أتابع الأحاديث الحلوة التي بدأناها في طريق الهرم. # فلما أخذنا من الرقص حظنا كاملا، جلسنا على سجادة جيء بها لهذا الغرض، وتناولنا طعاما ~~خفيفا نكظم به صيحات معداتنا بعد أن هضم الرقص ما كانت تحتويه، وجعل القوم في أثناء الطعام ~~يثنون أطيب الثناء على رقصي، وينسبون لقوامي البارع أكبر الفضل فيه. # وعدنا أدراجنا بعد أن شكرت القوم من كل قلبي لأنهم أتاحوا لي فرصة متاع لا عهد لي بمثلها ~~من قبل، وأجاب القوم بأنهم هم الذين يشكرونني لأني دفعت إلى سهرتهم من حيويتي ومن رقتي ~~حياة ورقة لم يعرفوهما فيما سبق لهم من مثلها. # وانطلقت السيارة بي وبزوجي في هذه الساعة المتأخرة من الليل، فلما شعرت أني وإياه في خلوة ~~قلت: «ألم تحدثك نفسك طيلة ساعات الرقص أن تطلبني لرقصة معك؟» وكأنما أدهشه سؤالي هذا ~~فأجابني: «لقد رأيتك في أثناء الرقص كله في غبطة لم أرد أن أفسدها عليك، أو أنتقص منها.» ~~قلت: «لست أنكر أنني اغتبطت بهذه النزهة الساهرة من أولها إلى آخرها، لكنك كنت أكثر مني ~~اغتباطا، فقد رأيتك تائها في أحلام أفسح سعة من الصحراء، وأقسم أنني لم أكن خطرت بأحلامك، ~~ولو أنني خطرت بها لدعوتني ولو مرة واحدة إلى الرقص معك.» # وأجابني وكأنما أخذ لهذا الجواب عدته: «لكن ذلك لم يكن يليق، فنحن مدعوان إلى هذه الحفلة، ~~فيجب ألا يشعر أصحابها بأنا ننكمش عنهم إلى ناحية لحظة واحدة، ولأي اعتبار.» قلت: «وما لهم ~~لم يرعوا ذلك فيما بينهم، فقد راقصت كل سيدة زوجها مرة على الأقل، أما أنت فقد تعمدت إهمالي ~~لغرض لا ms115 أفهمه.» وأدرت وجهي غاضبة، واستمر هو يقود السيارة إلى منزلنا. # ومر بي صديقنا الغداة فقصصت عليه أنباء سهرتنا وما دار بيني وبين زوجي حين عودتنا، فابتسم ~~وقال: «مسكين زوجك! إنه رجل طيب، ولكنه لا يفهم العواطف كما تفهمينها، هي ليست في نظره ~~لونا من ألوان الفن الجميل الذي يشهد الناس صوره المختلفة على المسرح، ولكنها بعض واجبات ~~الحياة الزوجية يؤديها الرجل فيما يبديه من عناية براحة زوجه وأولاده، وعذره عن هذا الفهم ~~أنه فلاح، هو من أبناء الأعيان يرون الحب المسرحي عيبا غير لائق بالناس الطيبين، وهو مقتنع ~~بأنه يؤدي لك ولطفليك ما لكم عليه من حق، ويحسب أنه يؤدي هذا الواجب على الوجه الأكمل، وهو ~~يظهر لي دهشته أحيانا، ويسألني: أمقصر هو في حقكم في شيء برغم ما يحمل نفسه من أعباء ~~يخشى أن ينوء بها يوما من الأيام؟» # وقلت في نفسي: «نعم، هو فلاح وفيه خبث الفلاحين، وكل ما درسه، وكل ما رآه في أسفاره إلى ~~أوروبا، وكل ما تعلمه من معاشرة الذوات وأبناء الذوات لم يغير طينته، وإن أسبغ عليه طلاء ~~ظاهرا من الثقافة والتمدن، فإذا حك هذا الطلاء ظهر الفلاح بقسوته وضعفه وخبثه، ألا يتزوج ~~أحدهم زوجة ثانية ثم لا تعلم زوجه الأولى بما فعل سنين متعاقبة؟! وما يدريني لعله تزوج ~~صديقتي، وهو - لا ريب - يحبها وإن لم يتزوجها، إن هذه الطيبة التي يتظاهر بها ليست إلا ثوب ~~رياء يستر به مكره وخبثه، أفلا يجمل بي أن أحاربه بمثل سلاحه، فأظهر غير ما أبطن، علي ~~بذلك أستل منه سره، وأقف على مكنون صدره؟» # وفي الغد كان القمر بدرا كاملا، فاتفقنا مع أصدقائنا الذوات على أن نوغل في الصحراء، ~~وأن نجعل الاستراحة القائمة في منتصف الطريق بين القاهرة والإسكندرية غايتنا، وقضينا وقتا ~~ناعما استمعنا فيه من «الجراموفون» أحلى الأغاني وأعذب الأنغام، وتناولنا من الأحاديث، كل ~~جماعة في ناحية، ما أرضى هوانا وأمتع أرواحنا وقلوبنا، ألا ما أروح الصحراء في ضوء القمر! ~~أنت منها في لجة تجمع السماء ms116 والهواء والأرض في غلالة من غمام مضيء، لا تعرف العين له بداية ~~ولا نهاية، ولا تعرف أين منه مساكن الشياطين، وأين منه منازل الملائكة؟ كل شيء فيه مبهم ~~أمام العين، واضح أمام البصيرة تقرأ سطور الغيب في لوحه المحفوظ، فأنت تشعر وأنت في هذا ~~المحيط الباهر الوضاء كأنما كشف عنك غطاؤك، وكأنما اتصلت على موج الأثير بعوالم الكون ~~جميعا وهي مع ذلك محجوبة عنك، لا ترى فيها الدقائق التي ترى في وضح النهار، وأنت مع ذلك ~~معجب بما ترى، تحسب أنك استبطنت أسرار الكون، وعرفت منها ما كان وما يكون! # وعدنا أدراجنا حين تكبد القمر السماء، وإننا لننهب الطريق إلى القاهرة إذ وقفت إحدى ~~السيارات، واندفع نفيرها يعلن نداء الاستغاثة، وفي لمح البصر اجتمعت السيارات كلها حول ~~السيارة المنكوبة، ونزلنا جميعا رجالا ونساء نتساءل: ما أصابها؟ ولم يكن العطب فادحا، ~~إنما هي عجلة انفجرت ويجب تبديلها، يكفي إذن أن يتعاون رجلان في هذه المهمة، وكان أحد ~~الرجلين زوجي، وانصرفنا جميعا نستمتع من جديد بالهواء المنعش، والضياء الرقيق، والحديث ~~العذب، والضحكات الناعمة تتأرجح على أرج النسيم فتنتشي بها أسماع الرجال نشوة تترجمها بسمات ~~ثغورهم، وبريق عيونهم. # وكنا إذ ذاك في طريق الصحراء على بضعة كيلومترات من طريق الهرم، فلما استعادت السيارة ~~المنكوبة مقدرتها على السير ركبت كل سيدة مع زوجها حتى بلغنا منازلنا. # لذ لي عيش هؤلاء الذوات، واستراحت نفسي للون حياتهم، وأعجبني فيهم ظرفهم وحسن ذوقهم في ~~الحياة، ولطف مسلكهم فيها، وارتبطت لذلك معهم بأوثق صلة، ولقد كنا حين لا يسعفنا ضوء القمر ~~بسهرات في الهواء الطلق نؤثر أن نجتمع في منزل من منازلنا نقضي فيه سهرة لا تقل عن سهرات ~~الصحراء متاعا ومرحا، كنا نرقص ونغني ونستمع إلى الموسيقى تثير من ألوان الطرب ما لا عين ~~رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فإذا عدت مع زوجي إلى منزلنا في الهزيع الأخير من ~~الليل كان الجهد قد أخذ منا، فنمنا إلى الضحى، فإذا استيقظت علمت أن زوجي ms117 قد بكر إلى عمله ~~كعادته، وأمر ألا يزعجني عن فراشي أحد. # ولم أكن أحسب أن هذا اللون من حياة الذوات باهظ النفقة، لكني سرعان ما تبينت خطئي، ~~فالولائم والأزهار النادرة والحلي والثياب وما يتصل بذلك من ملحقاته لا ينتهي حين يبدأ، ولا ~~تنتهي نفقاته، ونحن نعيش من قبل عن سعة اضطرت زوجي للاستدانة سدا لنفقات سفرنا إلى ~~أوروبا، وليس في مقدورنا الآن وقد عرفنا هذه الألوان الجديدة من الحياة، وتعرفنا إلى ~~أصحابها أن نرتد عنها، حتى نترع منها ويفيض بنا كأسها، ولم يدر بخاطر زوجي أن يخالفني في ~~ذلك حذر المستقبل، ولعل عقله الباطن هو الذي صده عن أن يفعل مخافة كلام الناس، إنه يحسب أنه ~~انتقل بي إلى مصاف الذوات، ومن العار عليه أن يرتد بي عن هذه الصفوف خشية إملاق، فالله يرزق ~~من يشاء بغير حساب، أليس صاحبه المليونير كان إلى بضع سنوات متواضع الثراء، وكان يقترض منه ~~ثم يرد له ما اقترضه، فما ضره وقد أصبح الرجل مليونيرا أن يقترض هو منه في انتظار أن يسد ~~الله عنه دينه؟ # ولكن كيف يحتال لذلك من غير أن يجرح إباءه الذاتي؛ دعا المليونير إلى وليمة فاخرة عندنا، ~~وأوصاني أن أبالغ في اللطف معه، والتودد إليه، وحسن اللقيا لزوجه، ولم أجد في تنفيذ الوصية ~~مشقة؛ فقد أعجبتني هذه الزوج، وحلت أجمل مكان من نفسي، فبالغت في تحيتها عن رضا مني، ~~واطمئنان إليها، وكان المليونير قليل الكلام، كثيرا ما يغيب بذهنه عن المجلس، وكأنه يفكر ~~في مشروعاته وحساباته، وقد بذلت جهدي لاستدراجه إلى الكلام في الشئون الجارية مما تنشر ~~الصحف أو تتداوله المجالس، فكان يحصر ذهنه ليحسن الإصغاء إلي، ثم يحييني في عبارات موجزة ~~جدية محكمة. # وزرنا الرجل بعد ذلك وتردد علينا، لقد طالما سمعت عنه من رجال ذوي ثقافة أنه محدود الأفق ~~لا يستطيع أن يسمو بعقله فوق الماديات، وفوق ما يتناول الناس من منافع الحياة، وقد أردت أن ~~أسبر غوره لأعرف مبلغ ما في هذا الكلام من دقة وصدق، ms118 فدلني ما شهدت على صحته، لكني رأيت ذلك ~~التفكير المادي الذي ينسبونه إليه واسع المدى إلى غير حد، إذا تكلم في أحد مشروعاته تناول ~~تفاصيله في دقة غاية الدقة، وقص ما أنفق للحصول على هذا المشروع من جهد ومال قصصا يستهوي ~~اللب، ويكاد يذكر الإنسان بالقصص البوليسية، وهو يؤمن بالمال إيمانا لا حد له. وقد ~~ذكرني إيمانه هذا بغني آخر نعرفه جعله الإيمان بالمال شحيحا غاية الشح، إلا أن يكون له ~~من وراء السخاء منفعة مادية، هنالك ينفق عن سعة ولكن بحساب، عابه أحد أصحابه يوما لعبادته ~~المال وحرصه عليه، وكان صاحبه هذا مولعا بالتحف والصور الزيتية ينفق في اقتنائها الشيء ~~الكثير، وكان جواب الغني الشحيح على ما عابه به صاحبه صريحا واضحا، قال: «أوتستطيع أن ~~توضح لي سبب اقتنائك هذه الصور التي تزين جدران بيتك، وهذه التحف الكثيرة المنشورة في ~~أرجائه، وهي تكلفك الألوف؟!» ودهش صاحبه وقال: «عجبا لك يا أخي! ألا تعرف شيئا اسمه ~~الجمال وذوق الجمال والمتاع به، إنني إذ أقف أمام هذه الصور وهذه التحف أتأملها أشعر بمتاع ~~يتضاءل المال إلى جانبه، ويهون في سبيله، إنما المال يا أخي وسيلة للمتاع بالحياة وجمالها، ~~فإذا نحن لم ننفقه واكتنزناه لم نعرف للجمال قدرا، ولم نسغ للحياة طعما.» قال المؤمن ~~بالمال: «إني أوافقك على كل ما قلت، ولا أخالفك إلا في استنتاجك الأخير، أنت تعشق الجمال، ~~وترى في اقتناء الصور والتحف - وإن كلفتك من المال ما كلفتك - وسيلتك إلى المتاع بالحياة، ~~وأنا أرى في المتاع بالحياة رأيا آخر؛ إني حين أتناول كشف حسابي من البنك آخر كل شهر وأرى ~~رصيدي فيه يزداد، أشعر بمزيد من العزة والسلطان يضاعف متاعي بالحياة، ولا تثريب علي ولا ~~عليك إذا اختلف ذوقنا في المتاع بالحياة، واختلفت وسيلتنا إلى هذا المتاع.» # ولم يكن للمليونير كذلك إيمان عميق بغير المال، فكان غرامه بالنساء هوى طارئا لا عمق ~~فيه، وكان تعلقه بمتع الحياة سطحيا لا يعنيه منه إلا المظهر البادي للناس يرضي به غرور ~~نفسه ms119 وكبرياء سلطانه، كان لكاتب صحفي دالة عليه، ولقد زاره يوما وأخذ يتحدث وإياه في أمور ~~جارية لا نتيجة لها، ودخل السكرتير وأخبر المليونير أن أحد أصحاب الدولة السابقين يستأذن ~~عليه، وكان صاحب الدولة السابق هذا عضوا منتدبا لإدارة شركة من شركات المليونير، وأجاب ~~الرجل سكرتيره: «قل له فلينتظر فلي حديث معه»، فلما انصرف السكرتير قال الصحفي: «ليس بيننا ~~حديث ذو شأن حتى تنظر رجلا في مقام صاحب الدولة هذا»، وكان جواب المليونير: «بالله عليك ~~خبرني، أتحسب أني - ولي من الثراء ما لي - آكل خيرا مما تأكل، أو ألبس خيرا مما تلبس، أو ~~أنام في فراش أوثر من فراش نومك؟ لا شيء من كل هذا، فأي قيمة للثراء إذن إذا لم أشعر أني ~~أستطيع بفضل سلطانه أن أدع صاحب الدولة هذا وأمثاله ينتظرونني إن أمرت، ويدخلون علي إن ~~شئت؟» # كنت قد سمعت هذه القصة، وخشيت أن ينال زوجي ما نال صاحب الدولة يوم يعلم المليونير أنه ~~يطمع منه في قرض، على أن زوجي لم يخبرني من ذلك بشيء، ولم أسأله أنا عن شيء، لكني لاحظت بعد ~~أن تم القرض أن المليونير قل تردده علينا، وكان أكثر مجيئه حين يكون زوجي في عمله، وكنت ~~ألقاه متلطفة في مودة، فإذا عاد زوجي من عمله أخبرته بمجيئه، وقصصت عليه ما دار بيننا من ~~حديث، فلا يعلق على ذلك بكلمة، وكأن رجلا لم يقابل زوجه، ولم يقل لها عبارة مجاملة. # أدهشني هذا الجمود من زوجي؛ فلا تحركه أية غيرة علي، أنا التي فعلت ما فعلت لغير شيء ~~إلا لعنايته بميراث صديقتي وأطفالها، أتراني أحبه وهو لا يحبني؟ أم أنه طراز من الرجال لا ~~يعرف كيف يعبر عن حبه برغم تعلقه بي؟ أنا لا أطلب إليه أن يكون شاعرا يتغزل في، ولكني ~~أريد منه أن يتحدث إلي ويصغي لحديثي في إعجاب كما يفعل صديقنا، وكما يفعل غيره من الرجال ~~الذين يقضون الساعات مصغين وعيونهم تناجيني في صمت وإذعان، ألا تعسا ليوم ربط الزواج بيني ~~وبينه فيه! ms120 ولكن ماذا عساي أن أفعل وهذان الطفلان يوثقاننا في رباط يتعذر الفكاك ~~منه؟ # ولم أكن أستطيع أن أشكوه إلا لصديقنا، فزوجي اليوم طبيب مشهود لطبه بين زملائه وبين ~~مرضاه، ولو أنني شكوته إلى أبي لرماني بالجنون، ولنسب جنوني إلى خلة ورثتها من أمي، فذلك ~~دأب الرجال ينسبون فضائل ذريتهم إلى ما ورثوه منهم، وينسبون عيوبها إلى ما ورثوه من ~~أمهاتهم؛ ذلك شأنهم ولو كانت الأم لا تزال معهم وكانوا لا يزالون يحبونها، ما بالك بهم إذا ~~انفصلت الأم عنهم أو ماتت وحل غيرها محلها عندهم؟! # والآن ماذا أفعل إزاء ذلك الجمود الذي يلقاني به زوجي؟ إنه لا يزيد على أن يسألني عن ~~حاجاتي وحاجات أطفالي، فإذا ذكرتها قضاها أو أتاح لي فرصة قضائها، لكنه لم يعن يوما بثوب ~~جديد أرتديه، ولا بقبعة ألبسها، ولا بحذاء أنتعله، ولم يقف أمام شيء من ذلك مثنيا في ~~إعجاب، وهو إنما يتحرك بعض الشيء للجديد الذي يلبسه الطفلان، هذا وما حباني به القدر من ~~جاذبية استهوت كثيرين لا يحركه نحوي، ولا يثير غيرته علي، وقد حاولت أن أحرك هذه الغيرة ~~في نفسه في أثناء مرحنا في الليالي القمرية التي نعمنا بها مع أصدقائنا الذوات فلم أنجح، ~~أتراني انهزمت، ويجب أن ألقي سلاحي؟! لكنه لم يجرحني يوما بكلمة ولم يغض يوما عن تلبية ~~رغباتي ما استطاع، ولم تتغير معاملته لي قط، ولم أعلم من صلاته بصديقتي ما يثير شبهاتي، وإن ~~أثار غيرتي. # ولم يكن صديقنا يزيد حين أذكر له ما يعنيني من خلجات نفسي على أن يسخر مني ومن نزعاتي ~~الخيالية نحو رجل لم يهبه القدر ذرة من نعمة الخيال، وانتهى بي الأمر إلى أن أستسلم ~~للمقادير، وأن أذعن لقضاء الله في. # وأقبل الصيف فقضى زوجي جانبا منه في ربوع لبنان، وبقيت أنا وأطفالي بالقاهرة، والعجيب ~~أنه كان يحدثني كل يوم بالتليفون من مصيفه يسأل عن صحتنا وحاجاتنا، مما يشهد بشديد عنايته ~~براحتنا وطمأنينتنا، وعظيم حرصه على أن يطمئن علينا، أم تلك نعرة الفلاح يريد ms121 أن يتظاهر ~~أمام أصحابه الذين يصطاف معهم بأنه أكثرهم جميعا برا بأهله وعطفا عليهم؟ # وبقيت في حيرتي، تضيق نفسي أحيانا، وتدفعني إلى الثورة على ما أنا فيه، وأستسلم أحيانا ~~أخرى إشفاقا على طفلي أن يصيبهما من ثورتي ما يفسد حياتهما. وأفكر في أثناء ثورتي وأثناء ~~استسلامي في هذا القضاء الذي نزل بي، وفرضته الأقدار علي، والذي جعلني أضطرب في حياتي ولا ~~أعرف لها مستقرا. # وهداني تفكيري آخر الأمر إلى خطة رسمتها، واعتزمت تنفيذها، فما الذي يمسكني في هذا الوضع؟ ~~هو شعوري بأنه مفروض علي ولا فكاك لي منه، ومبعث هذا الشعور حرصي على مستقبل الطفلين، فلو ~~أنني تخلصت من هذا الشعور واسترددت استقلالي لاستطعت أن أصور حياتي على ما أريد، وأن أطرح ~~كل ما أضيق به، فكيف أبلغ هذه الغاية، وأحقق هذا الغرض؟ # فكرت أولا وقبل كل شيء في أمر الطفلين، وقررت أني لن أتخلى بحال عنهما وأدعهما لأي سبب ~~لأبيهما، هما منعاني من الانتحار مخافة يتمهما، فليس يجوز أن أراهما بعيني يتيمي الأم ~~وأنا على قيد الحياة؛ إنهما يتقدمان الآن من الطفولة إلى الصبا، وهما مبعث سروري ومصدر ما ~~أشعر به أحيانا من السعادة، فمن الحمق الذي لا حمق بعده أن أحرم نفسي منهما، وأحرمهما من ~~حناني وعطفي، وهما لن يشعرا قط بالحرمان من أبيهما، فعمله يشغله عنهما، وهو قليلا ما ~~يراهما، لا بد لي إذن من أن أحتفظ بهما، وأن أبذل في سبيل ذلك كل ما أستطيع بذله. # ثم يجب أن أوفر من المال كل ما أستطيع ليكون سندي في تنفيذ خطتي؛ ولهذا فتحت لنفسي حسابا ~~خاصا في البنك، جعلت أودع فيه كل ما يصل إلي من والدي، وكل ما أقتصده من نفقات المنزل ~~ومن أي مصدر أحصل عليه لي وللطفلين، قد لا يكون ذلك وفيرا، وقد يحتاج اقتصاد مبلغ ذي قيمة ~~إلى سنوات، لكن الخطة التي رسمتها للنضال كان أساسها الصبر والاحتمال، فليس يسيرا أن ينجح ~~في نضال من ليس يستطيع الصبر، وأنا بعد أدافع عن حريتي ms122 وعن كرامتي، وذلك نضال لا أذكر أن ~~مصرية سبقتني إليه، بل قل أن سبقتني إليه في غير مصر امرأة يحيط بها وبمجتمعها ما يحيط بي ~~من ظروف. # وكانت الخطوات الأولى لتنفيذ هذه الخطة بطيئة بالفعل، انقضت الشهور الأولى ولم أستطع أن ~~أقتصد شيئا يذكر، وشعرت إثر انقضائها بشيء من اليأس في نجاح ما اعتزمت، وبدا لي أني لو ~~سلكت خطة أخرى، فهاجمت زوجي في سمعته الطيبة - وبخاصة فيما يتصل بعنايته بصديقتي وبميراث ~~أطفالها - فقد أختصر الطريق إلى غايتي، ولعلي أشرت إلى شيء من هذا في حديث جرى بيني وبينه ~~في نوبة غضب لم أملك معها صوابي، فقد جاءني صديقنا يوما متجهما، فلما سألته عن سبب تجهمه ~~قال: «هو هذا الجنون الذي قام برأسك وجعلك تهددين زوجك بتحطيم سمعته، بل بتحطيم حياته، ~~أولا تعلمين أن ما يمس زوجك يمس طفليك في صميم حياتهما؟ إنهما ابناه رضيت أنت أم أبيت، ~~فإذا حاولت أن تشوهي سمعته أو تحطمي حياته فاعلمي أن الحجر الذي تقذفينه يصيبهما قبل أن ~~يصيبه، ولن يقول الناس يومئذ إنك زوج غاضبة أو عاقة، بل سيقولون إنك أم شريرة، وقد يقولون ~~أكثر من هذا، وقد جئتك الآن لتقسمي أمامي بحياة طفليك أنك لن تجازفي بشيء من هذا الجنون، ~~الذي يضر بك قبل أن يضر بأي إنسان آخر، ولن أقبل يمينا أخرى غير حياة هذين الطفلين ~~العزيزين عليك، فأنا أعلم أنهما أعز عليك حتى من نفسك.» # ووجمت برهة غير قصيرة تردد في أثنائها أمام خيالي طيف الطفلين؛ فانحدرت من عيني دمعة قلت ~~بعدها: «أعدك بألا أفعل، وأرجوك في ألا تلح علي في هذا القسم الذي تطلب، فلن أستطيع أن ~~أقسمه، لكن هذا الوعد الذي بذلته لك وعد قطعته ولن أخل به إلا أن يكون ذلك بعلم ~~منك.» # ويظهر أن موقفي هذا قد كان له أثره، فقد بدأ زوجي يسخو في النفقة سخاء لم يكن لي به من ~~قبل عهد، لم أكن أطلب شيئا للمنزل أو لي أو للطفلين إلا أجابني إلى ms123 ما أطلب، ووضع في يدي ~~من المال أكثر مما أرغب فيه، بذلك بدأت خطتي المرسومة تنجح على نحو لم أتوقعه، وبذلك أخذ ~~رصيدي الخاص في البنك يزداد شهرا بعد شهر، وأخذت أشعر أنني أمهد بالفعل لاسترداد حريتي، ~~وأن شيئا من الصبر كفيل بأن يفتح لي باب الخطوة الحاسمة لاستكمالها. # وتوفي والدي وأنا في صميم هذه المعركة الصامتة أناضل نضال امرأة مست عزتها وجرحت ~~كرامتها، وقد حزنت أشد الحزن لوفاة هذا الوالد البر الحنون الذي لم يذكر والدتي يوما بسوء، ~~وطالما أسدى إلي أصدق النصح وأحكمه، على أن وفاته قربتني من الأمل الذي كان يداعبني في ~~استرداد حريتي، ولم يكن ذلك لأني ورثت عنه مالا يعتمد عليه، فقد رزقت زوجه الثانية ~~عديدا من الأطفال، فتت تركته وجعل الاعتماد على حصة كل وارث فيها غير مستطاع لمن كان في ~~مثل مكانتي، ولكني أحسست بوفاته أني أصبحت طليقة من قيود معنوية كان وجوده يفرضها ~~علي. # على أنني رأيت أن أدع العيدين يمران على وفاته قبل أن أتخذ أي موقف حاسم؛ وذلك إرضاء ~~لذكراه، وحتى لا يقول الناس إنه - عليه رحمة الله - هو الذي كان يحمل زوجي على إمساكي، بذلك ~~انقضت شهور ستة تابعت فيها خطتي، وازداد خلالها رصيدي في البنك، ورأيت بعدها أن أخطو الخطوة ~~الأخيرة؛ أضطره بها أن ينزل على كل ما أريد. # استغرقت خطتي منذ بدأت تنفيذها إلى ذلك اليوم ما يزيد على ثلاث سنوات خيل إلي أن ما ~~أتممته فيها كفيل بأن يثير زوجي، ويحمله على التسليم من غير قيد ولا شرط، فقد عزلته في غرفة ~~في أقصى المنزل نقلت إليها سرير نومه وكتبه وأدواته الطبية، وكنت أتناول الطعام أحيانا ~~وأخرج من المنزل قبل أن يحضر، وكنت أقص عليه أحيانا في ازدهاء وعلو ما يغمرني به المعجبون ~~من عبارات الثناء التي تثير غيرته، وكنت أبالغ في الإنفاق مبالغة ينوء بها إيراده من عمله، ~~وإيراده من ثروته، وتحمله من غير شك على الاستدانة، وكنت أفعل هذا كله متعمدة إساءته ~~وإثارته ، وكنت ms124 أحسب أنه سيجيء يوما وقد فاض معين حلمه وطار صوابه ليقتلني أو ليضربني غير ~~عابئ بالنتائج، أو أنه سيقول لي يوما: «لك ما شئت على أن ننفصل وأتخلص من هذا السعير الذي ~~أعيش فيه»، لكن شيئا من ذلك لم يحدث، بل ظل الرجل يتحمل كل ما يلقاه مني في صبر، وكأن حبنا ~~المتبادل أو زواجنا لا يزال يملأ قلبه، وكأن ما أوجهه له في وجود أصدقائنا وصديقاتنا لا ~~يحرك شعرة من إبائه وكرامته، ولقد عجبت لهذا الإذعان المطلق من جانبه حتى ظننت يوما أنه ~~مدبر أمرا ضدي، وفكرت ما عسى يكون هذا الأمر لأفسده، ولكن مر الأسابيع والشهور ~~أقنعني أن إذعانه عجز، وأنه أضعف من أن يقف رافعا رأسه أمامي. # وأعجب من ذلك أنه لم يكن يناقش قط في أثناء هذه الفترة الأخيرة في أمر الطفلين وطريقة ~~تربيتهما وتعليمهما، بل كان يقر كل تصرفاتي بشأنهما من غير بحث، فكانا يلبسان كما أشاء، ~~ويذهبان إلى المدرسة التي أختار، وكان لمربيتهما رأي تأخذ وتعطي فيه معي حين لا يقول هو ~~شيئا، وكأن الأمر لا يعنيه، وكأنهما ليسا ولديه. # وكانت حالته هذه تثير إشفاقي عليه أحيانا، فقد بدا لي أنه انحلت همته، وتضعضع عزمه، ~~وتداعت إرادته؛ فأصبح كأولئك الذين يصيبهم الانهيار العصبي، فهم يبثون كل إنسان شكواهم، ولا ~~يعرفون كيف يواجهون الحياة وأعباءها، وهم يخشون يومهم وغدهم، ويحسون الخطر في كل لحظة يهدد ~~وجودهم، وطبيعي أن تأثر بهذا الاضطراب عمله في عيادته، وتزعزعت ثقة مرضاه به، ولكني مع ذلك ~~لم أكن مستعدة لتخفيف طلباتي المالية منه؛ لذلك اضطر أن يلجأ إلى كبير في الدولة يرجوه أن ~~يسند إليه منصبا طبيا فيها، وكان هذا الكبير يعلم من أمره لكثرة ما سمع به ومنه ما أثار ~~شفقته، فأسند إليه عملا محترما لا يحتاج إلى مجهود فكري، فهو إشراف إداري على طائفة من ~~الأطباء الناشئين في مصلحة كبرى، وما لبثت حين علمت بذلك أن اطمأننت إلى أنني في حل من ~~أن أمتص مرتبه هذا أو معظمه، ms125 فطفلاي أولى به من أبيهما، ومن الواجب علي وحدي أن أفكر في ~~مستقبلهما. # ترى هل بقيت فيه بعد كل الذي مر به بقية للنضال، أم تراه أصبح كالجدار المتداعي، لا يلبث ~~حين تعصف به الريح أن ينقض وينهار؟ لقد خيل إلي يوما أنني لو طلبت إليه أن ننفصل ~~بالطلاق فإنه لن يتردد في ذلك، بل يتلقاه شاكرا متنفسا الصعداء، مؤمنا بأنه قد آن له أن ~~ينتقل من الجحيم إلى المطهر في انتظار يوم تتم عليه مغفرة الله فيه، لكني خشيت إن أنا أقدمت ~~على هذه الخطوة بنفسي أن يعاوده عناد الفلاح فيرفض لغير شيء إلا التشبث بهذا العناد، لهذا ~~آثرت أن ألقي على صديقنا هذا العبء، فإن نجح فيه في غير مشقة فذاك، وإلا أقدمت على الخطوة ~~الحاسمة التي اعتزمتها. # ودعوت صديقنا واتفقت معه على أن يذكر لزوجي أن الحال التي يعانيها لا تحتمل، وأنه رحمة به ~~يرى أن يخاطبني في أن ننفصل بالطلاق، فإن أنا قبلت ذلك ولم يدفعني العناد إلى لدد في ~~الخصومة كان ذلك خيرا له ولي، واضطلع صديقنا بهذه المهمة وخاطب زوجي كما اتفقنا، لكنه عاد ~~يذكر لي أن زوجي أجفل حين سمع كلمة الطلاق، وقال له: «وماذا يقول الناس عنا؟ وماذا يكون ~~مصير طفلينا؟ إنني احتملت وأحتمل ما تعلم، وأكثر مما تعلم، حتى لا يشمت الشامتون بنا، وحتى ~~لا يشعر الطفلان بأنهما ليسا كغيرهما من أبناء طبقتهما، وأنا لا أزال أطمع في أن يرد الصبر ~~إلى زوجي رزانتها وحكمتها، بل إني لأعتقد أنها لو خوطبت في هذا الأمر الذي تخاطبني فيه ~~لكانت أكثر مني إنكارا له وتقززا من الكلام فيه.» # وعجبت لما سمعت! لقد كنت أتوقع أن يغتبط الرجل بفكرة انفصالنا، وها هو ذا يفزع منها وينفر ~~أشد نفار، ولست أحسبه يفزع وينفر تعلقا منه بي، أو تلبية منه لداعي محبته إياي، فلو أنه ~~أحبني كما أحب ليلى المجنون لما بقي في قلبه أثارة من هذا الحب بعد الذي صنعته معه. # وهنا برقت أمامي فكرة ms126 آمنت بأنها التصوير الصحيح لما بعثه على أن يرفض طلاقي، لقد خيل ~~إليه أن صديقنا يريد أن ننفصل لأتزوجه، فقد أذاعت صديقتي هذا الحديث بعد انقطاع ما بيننا ~~وألحت في إذاعته، وأكبر ظني أن ما تذيعه صديقتي يؤمن به زوجي، ولذلك عاند وتشبث بعناده. ~~نعم، ذلك باعثه على رفض ما عرض عليه أن ننفصل بالحسنى، أما وذلك شأنه فلم يبق لي مفر أن ~~أنفذ خطتي، ولا أظنه يستطيع مقاومتها، ولو جمع في نفسه مكر الفلاحين جميعا، بل مكر ~~النساء جميعا. # وقررت أن أنفذ هذه الخطة منذ غد! # | الفصل السابع # لزوجي أصدقاء كثيرون من خيرة طبقات القاهرة، يجتمع بهم في ناد من أنديتها، وقد كان ~~يتناول طعامه في هذا النادي في أثناء غيابنا في أوروبا، كما كان يتناول بعض وجباته فيه إذا ~~اضطره عمله للتخلف عن الحضور إلى المنزل في الظهر أو المساء، أو لو حملته على أن يتناول ~~أكثر وجباته هناك، وأمعنت بذلك في إبعاده عنا وعن المنزل، أولا يشعر بالوحدة شعورا يهون ~~عليه أن يقبل الانفصال الذي أريده؟ # وتنفيذا لهذا التصميم كنت كثيرا ما أطلبه في المساء في النادي، وأبلغه أن المنزل لا ~~طعام فيه، وأنه إن شاء أن يتناول طعاما فليتناوله في النادي، ولعله لم يكن يضيق بذلك ~~ويتأذى منه، ولعله كان يجد فيه فرصة لإطالة المقام بين أصدقائه، فإذا جاء إلى المنزل في ~~موعد النوم لم يزد على أن يبادلني تحية المساء ويذهب إلى غرفته، ولم أكن صادقة في كل ~~المحادثات التليفونية معه، فكثيرا ما كان يتناول العشاء معي في تلك الليالي أصدقاء وصديقات ~~يسر زوجي بالوجود معهم، وفي هذه الليالي كنت أشد حرصا على بقائه بعيدا عن المنزل حتى ~~لا يجد ما يحببه فيه ويدعوه إليه. # وللمصادفات في حياتنا الإنسانية تصاريف عجب، فقد كلمته ذات مساء ليتناول طعامه في النادي، ~~وكانت عندي ليلتها وليمة دعوت إليها عددا من أصدقائي الذين يسرون بلقائه، فلما حضروا ~~ودعينا إلى المائدة سأل بعضهم عنه، فذكرت أنه اعتذر لي في اللحظة ms127 الأخيرة لأمر طرأ عليه، ~~وإننا لنتناول الطعام إذ دخل هو علينا ووقف واجما ينظر إلى هذه المائدة الفاخرة، ويذكر ~~قولي له إن المنزل لا طعام فيه، وأخذت حين رأيته في موقفه منها وكدت أضطرب، لكني ملكت نفسي ~~وقلت في عبارة حاسمة إنه لا مكان له على المائدة، وأراد بعض الحاضرين أن يفسح له مكانا، ~~فقلت في لهجة الحزم: «فليبق كل في مكانه، أما هو فلا مكان له بيننا»، وساد الحضور - ~~وبينهم صديقنا - وجوم استمر حتى خرج زوجي من قاعة الطعام معتذرا في ابتسامة متكلفة بأنه ~~أكل قبل أن يحضر إلى المنزل، ثم عدنا إلى أحاديث تافهة نقطع بها جو هذا الوجوم. # وفي الغد تناول زوجي طعام الظهيرة خارج المنزل، ثم جاء مبكرا في المساء فألفاني وحيدة في ~~غرفة نومي، وقد تزينت لسريري زينة كلها الإغراء، وقد ألف بحكم مهنته أن يجلس على سرير ~~المريض حين يفحصه، وكثيرا ما كان يجلس إلى جانبي هذه الجلسة فيما مضى، أما اليوم فلم يفعل، ~~بل جر كرسيا إلى جانب السرير جلس عليه، وارتسم على وجهه من سيما الحزم ما لم أتعوده منه ~~قط، ثم قال: «اسمعي، إنني أريد أن أحدثك في هدوء فإياك أن تفسدي علي هدوئي، إن ما حدث منك ~~أمام ضيوفك أمس لا يصدر عن سيدة ولا امرأة من حثالة الناس، لقد تحملت منك ما تحملت حتى ~~اليوم لغير سبب أعلمه، ولقد تحملته لا خوفا منك، ولكن خوفا عليك، وخوفا عليك من نفسك؛ ~~فأنت امرأة مريضة النفس، لا تنظرين إلى الحياة بالعين التي ينظر بها الأصحاء، بل متأثرة ~~بعاملين هما مصدر علتك وسبب مرضك النفسي، هذان العاملان هما: الغرور والغيرة، برغم ذلك ~~أحببتك ولا أزال أحبك! وحبي إياك من أجلك ومن أجل طفليك، هو الذي يجعلني أحتمل منك ما ~~احتملت، وأن أصبر عليه ما بقي أمره بيني وبينك، آملا أن يشفيك الله يوما فيثوب إليك رشدك. ~~أما أن يبلغ الأمر إهانتي على نحو ما حدث أمس فذلك ما لا قبل لي باحتماله، ms128 ويجب أن تعلمي ~~أن هذا البيت بيتي أنا، وأن الذين يدخلونه يدخلون بيتي أنا، وأنت تقيمين فيه وتدعين أصحابك ~~إليه لأنك زوجتي، وأحسبك تقرين هذا ولا تجهلينه، فلو أننا انفصلنا غدا بالطلاق كما طلب ~~إلي صديقنا أن أفعل لما بقي لك في هذا البيت مكان، ولما استطعت أن تستقبلي فيه ~~أحدا.» # كنت أسمع كل كلمة من كلماته هذه كأنها خنجر يطعنني في صميم كرامتي، ولكني كظمت غيظي وحبست ~~دموعي، حتى إذا أتم مقاله أجبته في هدوء: «وماذا عليك إذا أرحت نفسك وأخرجتني من هذا البيت ~~ليكون لك وحدك، أو لمن يرضي قلبك أن يحل فيه مكاني؟!» # لم أكد أتم هذه الكلمة حتى رفع يديه وقال: «الآن أيقنت أني أخطئ في تقديري، فصديقنا لم ~~يحضر ولم يكلمني في طلاقك من تلقاء نفسه، بل اتفقتما معا لغرض تضمرانه، لكني لست من ~~السذاجة بما تتوهمان، إنني لن أنيلكما ما تبغيان، ولن أجعل نفسي وأجعلك وأجعل طفلينا أحدوثة ~~الناس، كلا! لن أفعل، لن أطلقك وإن تحملت في سبيل إمساكك أضعاف ما تحملت، كلا، لن أنيل هذا ~~الجاحد للأخوة الخائن للصداقة ما يريد، أوتستطيعين أن تقولي كيف عرفته؟ أولم يكن صديقي ~~الحميم وأنا الذي قدمته إليك وائتمنته على شرفي وعرضي، واتخذت منه أخا فخان مودتي، وتسلل ~~إلى قلبك مكاني؟! يا له من غادر مخادع! إني أحذرك مغبة السير وراءه، والانخداع بمعسول ~~كلامه، إنك لا تزالين في أعين الناس السيدة المحترمة الشريفة التي تحمل اسمي، فلا تدعي هذا ~~الماكر الخائن ينفث في فؤادك سمومه، ويدع الناس يتقولون عليك ما أنت بريئة منه، ويتهمونك ~~باطلا وأنت الطهر والعفاف والكرامة والشرف.» # وهنا بدأ الرجل يضطرب كأن به الحمى، وأمسك برهة عن الكلام، ولم أجد وهو في هذه الحال ما ~~أجيبه به، فقد غلبتني الرأفة بحاله، وخشيت إن أنا قلت شيئا أن يزداد اضطرابه. # وبدأ عليه شيء من الهدوء الظاهر، لكن نفسه كانت تتعذب، وكانت عيناه تنمان عن هذا العذاب ~~الذي يتأجج في صدره، ولقد مر بخاطري في أثناء ms129 صمته أن تمنيت لو أنه ثار هذه الثورة منذ شهور ~~وسنين، وتمنيت لو أنه يومئذ حطم كبريائي وإن أدت به الحال أن يضربني، فلو أنه فعل يومئذ ~~لاعتقدت أن لي عنده مكانا، وأنه يريد أن يدافع عني غيرة علي، وإني لتمر بي هذه الخواطر ~~وأشباهها إذ رأيته يمد يده ويسحب يدي في رفق ويقول، وقد تندت عيناه وانخفض صوته: «بالله ~~خبريني، لم تعاملينني هذه المعاملة؟! إني لا أزال أحبك كما أحببتك يوم زواجنا ومن قبل ~~زواجنا، وهذا الحب هو الذي يجعلني أحتمل منك ما لا يمكن - لولا الحب - احتماله، أويرضى ~~قلبك أن ينخدع بصديقنا فينكر ماضينا، وينكر أبوتي لطفلينا؟ بالله عليك! بحق هذين الطفلين ~~العزيزين، إلا ما راجعت نفسك، واتقيت الله في نفسك وفينا جميعا.» # كدت أشفق عليه وأضعف لضعفه، بل كدت أتلطف معه وأعتذر عما بدر مني أمس له، ولكني ما لبثت ~~أن رأيت طيف صديقتي يتبدى في خيالي، ويجفف في عيني عبرات كانت توشك أن تنحدر، عند ذلك سحبت ~~يدي من يده، واستويت جالسة في سريري، ونظرت إليه بعينين انقلب حنانهما حزما، بل قسوة، ~~وقلت: «يرحمك الله يا صديقي! لقد كدت تمس قلبي كما لم تمسسه من قبل قط، فما عهدتك في كل ما ~~خلا من سني حياتنا تتقن التمثيل المسرحي، وتستطيع أن تتلاعب بالعواطف، أما اليوم فما أبرعك ~~ممثلا تتقن الأدوار المتناقضة، فأنت «روميو» وأنت «عطيل» في وقت معا! أتراك لعب بك إغرائي ~~وأنا في هذا السرير فانتقلت من التهديد الذي حفظت دوره قبل أن تحضر إلي، إلى الاستعطاف ~~وإلى الحديث عن الهوى والغرام؟! وإني لأسأل نفسي ولك هذه المقدرة: أي دور تمثل حين تلقى ~~صديقتي؟ أحسبك حين تراها لا يبقى أمامك من الوجود كله سواها، فهي أمامك الشمس والقمر، ~~ولعلها في نظرك أبهى من الشمس والقمر. # أيقظته عبارتي الأخيرة فنظر إلي بعينين فيهما عطف وفيهما حزم، وقال: «حسبك الله يا ظالمة، ~~فأنت تعلمين أني لو أردت أن أتزوج صديقتك بعد وفاة زوجها لما عزت نفسها علي، ms130 وأنني لو ~~أردت أن أتزوجها بعد أن بدا اليأس لها من صديقنا لاستجابت في غير تردد، وأنني لو أردت أن ~~أتزوجها اليوم أو غدا لقبلت في اغتباط أي اغتباط، لكني لم أفكر قط في أن أتزوجها، ولن أفكر ~~في ذلك، فهي لي منذ مات زوجها بمثابة الأخت المحرمة علي، وأنت تعلمين أني أعرفها وأعرف ~~أسرتها منذ بدأت أمارس مهنة الطب، ولعلي فكرت في أن أتزوجها قبل أن أعرفك، وأن يكون بيننا ~~من الود ما أدى إلى زواجنا، ولم أجرب عليها من يومئذ إلى اليوم ما يمس شرفها وعفافها برغم ~~ما تتهم به من خفة، وبرغم جمالها الفاتن، فبالله عليك لا تسرفي في تصوير عواطفي نحوها، ~~فعواطفي كلها لك، وليس بيني وبين صديقتك إلا الإخاء يدفعني إليه سابق معرفتي بها وبأسرتها ~~وبزوجها.» # دهشت لهذا الدفاع الحار عن امرأة قاطعتني، وأذاعت في كل مجتمعات القاهرة ما أذاعت عني، ~~فلو أن عواطف زوجي كانت كلها لي كما يقول لغضب لي من صديقتي، ولما ذكر جمالها الفاتن وريقه ~~يتحلب، وكأنما يريد أن يطير إليها ليستمتع بنظرة من عينيها الساحرتين، لذلك قلت له: «إنك يا ~~صديقي لست ممثلا بارعا وكفى، بل أنت محام بارع كذلك، وكنت أود أن تكون قضيتي أقرب إلى ~~قلبك من قضية صديقتي، فتدفع تخرصاتها عني في كل مجالسها بهذه الحماسة التي تدافع بها عن ~~عفافها وشرفها.» # وبعد هنيهة أردفت: «ولو أنني أردت أن أدافع عن صديقنا - كما تدافع أنت عن صديقتي - لما ~~أعوزتني الحجة الصادقة، فهو لم يخنك كما تزعم، ولم يحاول التسلل إلى قلبي، ولكني أشعر بأن ~~حديثنا الليلة طال، وأن من الخير أن تنسحب أنت إلى غرفتك، وأن تدعني أستريح في ~~مخدعي.» # وابتسم هو وقد بدا عليه شيء من الاطمئنان، أو من الإذعان، وأطفأت أنا مصابيح الغرفة، ~~وحاولت أن أنام فذهبت محاولتي عبثا، فقد أخذت أستعيد الحديث الذي دار بيني وبين زوجي كلمة ~~كلمة وحرفا حرفا، ثم أخذت أفكر كيف أواجه هذا الموقف؛ فلو أن هذا الحديث جرى بيننا ms131 قبل أن ~~أوجه إليه في وجود أصدقائنا تلك الإهانة التي أدمت قلبه ودفعته لما فعل لكان لي فيه رأي، ~~أما وقد شعر بأني أتعمد إحراجه، فأراد بما فعل أن يفسد خطتي، فلن أمكنه مما أراد، لقد تحطم ~~ما بيننا منذ عهد طويل، وهو قد واجهني خلال هذا العهد كله بجمود يدل على أنه لا يحس نحوي ~~بأي عاطفة، فمجيئه اليوم بعد اللطمة القاسية التي نالته مني يتحدث عن قلبه وحبه ليس إلا ~~أحبولة يتوهم بها القدرة على تغيير ما استقر عليه عزمي، وذلك ما لا سبيل إليه. # وفكرت فيما عساي أفعل في هذا الموقف الذي خلقه هو بأسلوب لا يخلو من براعة، واستقر بي ~~الرأي بعد طول الروية على أن أكتب إليه خطابا يكون عريضة اتهام، وإنذارا نهائيا في ~~الوقت نفسه، وأردت بالفعل أن أبدأ الكتابة رغم تقدم الليل، ولكني شعرت بالجهد، فأطفأت ~~الأنوار من جديد ولزمت سريري. # وكان النهار ضحى حين استيقظت في الغداة أجمع أعصابي المهدمة، وسألت عن زوجي فإذا هو قد ~~استيقظ وتناول فطوره وخرج كعادته إلى عمله، وشعرت بالضيق يكاد يخنقني، وبالحاجة إلى الهواء ~~أتنفسه، وكأن المنزل على سعته لم تبق فيه أثارة من هواء؛ ولذا قمت فتناولت فنجانا من اللبن ~~والقهوة، واكتفيت به عن كل فطور، وخرجت إلى الشوارع ألتمس فيها متنفسا، وجعلت أسير حتى ~~انتهيت إلى حدائق الجزيرة، هنالك وقفت على شاطئ النيل أستنشق الهواء ملء رئتي أسترد به ~~نشاطي وهدوء أعصابي، فلما ردت إلي حيويتي أخذت أفكر فيما حدث أمس، وفي الخطاب الذي ~~أكتبه إلى زوجي. # ولم تطاوعني نفسي على العودة إلى المنزل ساعة الظهيرة، وتابعت السير حتى بلغت حديقة ~~الحيوان، فدخلتها وذهبت إلى جزيرة الشاي، وتناولت فيها طعام الغداء، جالسة إلى مائدة على ~~حافة بحيرتها الصغيرة، ونظري كله إلى الماء، وإلى الطيور الجميلة التي تعوم فيه، وفكري مشتت ~~يحاول أن يجمع ما يحويه خطابي إلى زوجي، فلما كانت ساعة الشاي أقبل قوم وعليهم سيما المرح، ~~وفي أصواتهم رنين المسرة، وأفسدت ضجتهم الطروب ms132 علي خلوتي، فغادرت مكاني وخرجت من الحديقة، ~~وناديت سيارة أقلتني إلى المنزل. # فلما احتواني المنزل عاد الضيق يأخذ بخناقي، فذهبت إلى غرفتي، وجلست إلى نضد زينتي، ~~وهيأت منه مكتبا، وأخذت أدون ما أريد أن أكتبه لزوجي، لقد كانت الكتابة تستعصي علي ~~حين ألجأ إلى الحجة والمنطق، فإذا أرخيت العنان لعاطفتي وما تتنفس عنه اندفع قلمي لا يكبو ~~ولا يتعثر، وسطرت بضع صفحات أعدت قراءتها فإذا هي ليست عريضة اتهام وكفى، بل تأنيبا موجعا ~~في لهجة مقذعة لا تتفق ومألوف رزانتي واتزاني، ولا مع الهدوء الذي حاول زوجي به أن يصوغ ~~كلامه لي، لذلك أعدت الكتابة وحاولت التخفيف من حدتي، لكني لم أستطع أن أكون هادئة ولا ~~موجزة، بل كتبت عشرات من الصحف كانت سطورها تتدافع إلى قلمي، ولا تكاد يدي تجاريها في سرعة ~~تدفقها لتدون كل كلمة من كلماتها، فلما فرغت من تدوين الكتاب وراجعته بعثت به إليه، وأقمت ~~أنتظر النتيجة التي يرتبها عليه. # ولست أريد أن أنقل نص ذلك الكتاب إلى هذه القصة، وأنا كلما تلوته بعد السنين التي انقضت ~~على كتابته خجلت وتولتني الدهشة كيف استطعت أن أفرغ كل ما فيه من قحة وإقذاع! وحسبي أن أذكر ~~أنني قلت فيه إنني لم أشعر بالسعادة منذ زواجنا يوما من الأيام، وإن مسلكه فيما ادعاه من ~~معاونة صديقتي للحصول على ميراثها وميراث أبنائها كان معيبا دنيئا، وإنه أهملني وأهمل ~~ولدينا وكأننا من سقط المتاع، وإنه عاملني كما لو كنت خادمة أبيه، وإنه كان يغتبط بسفري إلى ~~أوروبا ليخلو له الجو ليندفع في تيار أهوائه ومفاسده، وإنه ضيق الفكر ريفي العقلية إلى الحد ~~الذي جعله يقول لي في آخر حديث له إن هذا البيت بيته، وإنني أقيم فيه بأمره وإذنه وتسامحه. ~~وذكرت أنني لن أبقى في هذا البيت، ولن يعرف هو بعد ذلك مقري، وأنه يستطيع إن شاء أن يطلبني ~~إلى بيت الطاعة، وإنني أتحداه أن يفعل ليتيح لي فرصة الدفاع أمام القضاء عن نفسي وعن حياتي ~~التي حطمها، ولأتمكن بعد ms133 ذلك أن أطلب الانفصال عنه، ويومئذ لن يتردد قاض في الحكم لي، ثم ~~يعلم الناس كم قاسيت في سبيل المحافظة على سمعته وسمعتي، لا حبا إياه ولا حرصا على ~~الحياة معه، لكن من أجل طفلينا حتى لا يصيبهما رشاش من مسلك أبيهما المشين. # ولم أتحرج حين الحديث عن معاونته صديقتي في أن أصفها بما أعتقد أنها أهل له، وأن أذكر أن ~~صلاته بها أوحت بها الأهواء، ولم توح بها المروءة ولا الإنسانية! كما أنني ذكرت له أنه ~~سبني سبا قبيحا حين تكلم عن صديقنا وزعم أني دبرت معه أن يتحدث إليه في أمر طلاقي منه ~~لغرض في نفسينا، وأعدت في خاتمة الكتاب أنني لن أراه، ولن أسمح له بأن يراني، وأنني لن أبقى ~~في بيت يسميه بيته، وأنه لن يعرف لي مقرا، وأنني أحتقر نفاقه حين يزعم لي أنه لا يزال ~~يحبني، وأنا أعلم علم اليقين أن قلبه لغيري، هذا إن كان قلبه يعرف الحب، أو يملي عليه عاطفة ~~كريمة صادقة! # ماذا كان شعوره حين قرأ هذا الكتاب؟ لا أدري، لكن صديقنا جاءني بعد أيام يقول لي إنه ~~التقى بزوجي مصادفة، وإنه رآه في حال من الهم والأسى تثير الشفقة، وإنه تحدث إليه محاولا ~~أن يخفف عنه فإذا عيناه تدمعان، وإذا هو يخرج من جيبه خطابي ويدفعه إليه، ويطلب إليه أن ~~يقرأه. قال صديقنا: «وقد تصفحت بعض صحفه فأدهشني أنه لم يحضر إليك ولم يضربك ولم ينتقم ~~لنفسه من بذاءة لم أقرأ ولم أسمع قط مثلها من سيدة أو امرأة من السوقة أو سواد الدهماء، ولو ~~أنه فعل لما استطعت إلا أن تعتذري له عن هذا الطيش الجنوني الذي أملى عليك ما كتبت، أنت حرة ~~في أن تكرهيه أو تحبيه، لكنك لست حرة في أن تهينيه وتسبيه.» # قلت: «أتراك عاودتك نزواتك السابقة حين أردت أن تتزوج من صديقتي، وأن هذه النزوات هي التي ~~دفعتك للتطاول علي الساعة؟!» # نظر الرجل إلي في صمت حين سمع مني هذا الكلام نظرة تأنيب وعتاب، ms134 ثم استدرك هذه النظرة ~~بعد برهة وقال: «وماذا يعنيك أنت من أن تعاودني نزواتي أو لا تعاودني؟ أم تريدين أن تسمعي ~~مني مرة أخرى أني لن أتزوج صديقتك؟ إذن فاعلمي أني لن أتزوجها، نعم، لن أتزوجها، وليس ما ~~تتوهمين من نزواتي هو الذي دفعني لأخاطبك بهذه اللهجة التي خاطبتك بها، لكنك أسرفت في إهانة ~~رجل لا يسوغ لك أن تهينيه وأنت لا تزالين زوجته وله عليك حقوق أولها احترامه، فالزوجة قد لا ~~تستطيع أن تحب زوجها، ولكنها لا حق لها بحال أن تهينه، أفهمت الآن سبب ما سميته تطاولي ~~عليك؟» # هذه كلمات قاسية لم أسمع من قبل مثلها، لكنها نزلت علي بردا وسلاما، أكان ذلك لأنه ~~أكد من جديد أنه لن يتزوج صديقتي؟ أم لأنه خالف بزجره إياي ما ألفت من جمود زوجي؟ لا أدري، ~~لكني ابتسمت حين أتم كلامه، وقلت: «ما أظرف حديثك، وما أرق فلتات لسانك!» ثم نظرت إليه في ~~خبث نظرة حرصت عيناي على أن تكذب بها لساني وأضفت: «وأي شأن لي إن أنت تزوجت صديقتي، ~~اللهم إلا أن تكون حريصا على أن تجيء معك لزيارتي؟» وازدادت ابتسامتي وضوحا ونظرتي خبثا ~~وزدت: «هذا إلا أن تخشى أن يكون عندي قريبي الذي رأيته معها في السيارة.» # وكان كل جواب الرجل: «دعيني من صديقتك فقد انقطع ما بيني وبينها كما انقطع ما بينك ~~وبينها، لكنك ذكرت في خطابك لزوجك أنك لن تبقي بهذا البيت، فإلى أين تذهبين؟ وهلا تخشين ما ~~يتقوله الناس عليك وأنت لا تزالين في عصمة زوجك، ولا يزال هو مصرا على إمساكك؟» # قلت: «أما أني سأترك هذا البيت فذلك أمر قررته ولا رجعة فيه، ولست أخشى ما يقوله ~~الناس؛ لأنهم لا يعلمون ما قاسيت هنا، فقلوب الناس كالحجارة ما دام الأمر لا يمسهم، وإن ~~أوقف هذا الأمر من يعنيه على حافة اليأس ودفعه إلى الانتحار، لقد دبرت أمري في سر، ولعلي لا ~~أضن عليك أنت بسري، يوم يصبح أمرا مقضيا، فأنت وحدك الذي أجد في التحدث ms135 إليه السلوى عن ~~بلواي، ومنقذي من عزلة يحاول زوجي أن يضرب نطاقها حولي بما يذكره إلى أصدقائنا عني، فأنا ~~أعلم أنه تحدث إلى غير واحد من هؤلاء الأصدقاء عن الخطاب الذي بعثت به إليه، وذكر لهم شر ما ~~فيه، لكن ما يقوله لم يعد يعنيني، وقد انحسم ما بيننا، ولم يبق سبيل إلى غير ~~انفصالنا.» # وتركني صديقنا بعد حديث حاول به أن يردني إلى ما سماه الصواب، فلما خلوت إلى نفسي أخذت ~~أقلب صفحاتها وأنا مضطربة الخاطر حينا، هادئة حينا، وعدت بذاكرتي إلى حديث زوجي الأخير ~~معي، ووقفت منه عند كلامه عن مرضي وعلتي، وأن الغرور والغيرة هما مصدر هذه العلة، عند ذلك ~~ثارت نفسي، وسمعت بأذني صوتي وأنا أقول: «يا بؤسى لهذا الرجل! أولو صح ما يزعم أفلا يرضيه ~~أن أغار عليه؟! أم يريد أن أصنع صنيعه فأختار رجلا غيره أصفيه مودتي وأهبه قلبي؟ أم تراه ~~يحسبني بعض متاع هذا المنزل، يسكن إليه متى شاء، ويدعه متى شاء، ويركله برجله أو يلقيه من ~~النافذة إن أراد؟ إن يكن ذلك رأيه فليبحث عمن توافقه عليه، ولألقين عليه درسا لن ينساه ما ~~عاش.» # وشغلت بالتفكير في ترك هذا البيت الذي يسميه بيته، فأين أذهب؟ وكيف أنفذ ما ذكرته له من ~~أنه لن يعرف لي مقرا؟ ليس ذلك يسيرا إن أنا بقيت بالعاصمة، وليس يسيرا كذلك في مدينة ~~صغيرة تثير أتفه الحوادث فيها طلعة ساكنيها، فهم يتحدثون عنها، وتلوكها ألسنتهم ~~ويتناقلونها، فلا يبقى فيهم صغير ولا كبير لا يعرفها، إذن فليكن مقري الجديد بالإسكندرية، ~~ولأذهب إليها أبحث فيها عن سكن لي وللطفلين؛ فالإسكندرية مدينة فسيحة الأرجاء مترامية ~~الأطراف، وحسبي يوم أقيم بها ألا أختلط بأهلها، وأن أجعل مقامي في حي ناء من أحيائها، ~~وسأستحلف صديقنا يوم أبوح إليه بسري ألا يبوح به لأحد، ولن أقبل منه إلا أن يقسم بقبر أمه، ~~فذلك قسم لا يحنث هو به أبدا. # فلما صح مني العزم ترددت على الإسكندرية، ثم اخترت في ضاحية من ضواحيها النائية ms136 بيتا ~~صغيرا أنيقا تحيط به الأشجار، وكأنما بناه صاحبه للغرض الذي أقصد إليه، وبعد أيام مر بي ~~صديقنا فأخبرته بما فعلت بعد أن أقسم لي بقبر أمه أنه لن يبوح بسري، وبعد أيام جاءت إلى ~~المنزل عربة من عربات نقل الأثاث حين كان زوجي في عمله، فنقلت ما أخذت إلى الإسكندرية، وقبل ~~أن يحضر زوجي كنت قد سافرت أنا والمربية والطاهي إلى مقرنا الجديد. # وتنفست الصعداء حين نزلت بيتي أنا، لا بيت زوجي، وشعرت كأن عبئا ثقيلا قد انزاح من فوق ~~صدري، واستنشقت رئتاي هذا الهواء الجديد، هواء الحرية المطلقة، وخيل إلي أن السعادة ~~أصبحت في متناول يدي، وأنني ألقيت ما كان يساورني من هموم في لجة البحر المترامي بموجه ~~المصطخب أمام نظري، وزاد في غبطتي أني رأيت طفلي مغتبطين بهذا الانتقال كأنما كانا ~~يعانيان ما كنت أعاني، ويضيقان بالجو الخانق الذي كنت أضيق به. # وبعد أسبوع أو نحوه جاء صديقنا يزورني، فلما رأى المنزل ونظامه هنأني على حسن اختياري، ~~ثم تحدثنا في شئون حرص من ناحيته وحرصت من ناحيتي على ألا نشوبها بشيء من ذكرى الماضي، وقد ~~حمدت له عنايته بسؤالي عن الطفلين وأية مدرسة اخترت لهما، ونصحه إياي أن أحتفظ بمربيتهما. ~~وانقضى الوقت وأنا أقص عليه في مرح كمرح الأطفال ما أجده في هذه الحياة الجديدة من مسرة، ~~أيسرها جلوسي إلى شاطئ البحر، أسمع إلى صريف أمواجه، وأستنشق طيب هوائه، وأمد ببصري إلى ~~آفاقه التي لا تنتهي، والتي تحجب في طياتها غيب السموات والأرض. # أتاح لي هذا الهدوء الذي اشتملني أول مقامي بالإسكندرية - لبعده عن موطن النضال، وما ~~يثيره النضال في النفس من غضب - أن أسبر غور نفسي لأستظهر عواطفي، لقد بذلت الجهد في مقاومة ~~صديقتي، أريد أن أستخلص من براثنها زوجي لأختصه خالصا لي ولولدي، غير مطمئنة لتوكيده ~~المتكرر لي أنه لا يحبها ولا يحب غيري، وأن تردده عليها عناية بشأن أولادها لا تشوبه قط ~~ريبة، وقد بقيت أمقتها برغم شعوري في أعماق روحي بأن حجابا قام ms137 بيني وبين زوجي يحول دون ~~تآلفنا وامتزاج قلبينا، وقد بلغت قسوتي في مقاومتها ذروتها يوم أوحيت إلى صديقنا فذهب إلى ~~الصحراء فألفاها في سيارة مع قريبي ويدها بين يديه، ورأسها على كتفه، فأفسد ذلك عزمه على ~~التزوج منها، وكان هذا الزواج موشكا أن يتم، وأنا إن أحسست في نفسي ميلا لصديقنا ~~واستلطافا، فلم يبلغ هذا الميل وهذا الاستلطاف مبلغ الحب الذي يجيز لصاحبه أو لصاحبته ~~المغامرة بمثل ما فعلت، ولا أحسب غيرتي من جمالها باعثي على هذا النضال، وهل تراني تحركني ~~غيرة من مثلها ولم يقف جمالها الساحر حائلا دون فتنة المعجبين بي وقد فتنتهم جاذبيتي ~~وذكائي، وسحر حديثي، وسائر مواهبي؟ وحسبي أن أذكر الألماني الذي كان يجالسنا معا بالأقصر، ~~وكيف دفعه ذكاؤه وواسع علمه وسعة أفقه ففتن بي وسحره حديثي، ولم يفتن بها ولم يسحره جمالها. ~~فما الذي حركني إذن إلى هذا النضال؟ # لم أهتد إلى جواب على هذا السؤال بعد أن جهدت أياما حسوما ألتمس الجواب عليه، وعند ذلك ~~آثرت أن أدعه واثقة أن الزمن سيكشف لي عن هذا الجواب، وعدت إلى طمأنينتي السابقة الجميلة، ~~وقد زادت حياتي الجديدة في سعادتي بها واستراحتي لها. # كان صديقنا يزورني في عطلة آخر الأسبوع مرتين على الأقل في كل شهر، وإننا يوما لنتحدث إذ ~~فتح الباب، ورأينا زوجي وكأنما يريد أن يدخل علينا، وأجفلت لمرآه وتولتني الحيرة ماذا أصنع؟ ~~لكنه لم يدع لي فرصة للتفكير، فإنه ما لبث حين رآنا أن ارتد على عقبه، وأن أقفل الباب الذي ~~فتحه، وأن هرول مسرعا إلى خارج الدار حتى خلت أنه طيف لا حقيقة له، وأن خيالي هو الذي صوره ~~لي، ولكنني صدمت بهذه المفاجأة صدمة هزت أعصابي، واضطر صديقنا أن يدعو المربية لتسعفني، ~~وانقضى وقت غير قليل قبل أن أسترد هدوئي، فلما سكنت نفسي، واستطعت أن أفكر وأن أتكلم قلت: ~~كيف اهتدى هذا الرجل إلى المنزل، وكيف سولت له نفسه أن يصعد إلى هنا؟ # ولم يكن صديقنا أقل مني حيرة ولا دهشة ، فهو ms138 لم ير زوجي منذ أطلعه على خطابي، ولم يحدث له ~~من أمري ذكرا، من ذا الذي هداه إذن إلى بيتي؟ وهل تراه يريد أن يفسد علي حياتي من جديد ~~بعد أن تركت له العاصمة كلها، وما فيها ومن فيها؟ لقد كان يخشى قالة الناس فينا إذا هو ~~سرحني ولم يمسكني، أما وقد حسمت ما بيني وبينه بهذا الانفصال من غير طلاق فما مطاردته لي، ~~كأنني سجين هارب من سجنه، ولا مفر من إعادة القبض عليه؟! # انصرف صديقنا حين أوشك النهار أن يولي، بعد أن حاول ما استطاع أن يهون علي ما حدث، ~~فلما خلوت إلى نفسي ارتسمت أمامي صورة زوجي ساعة فتح الباب علينا ووجدني في خلوة مع ~~صديقنا، وكاد يتولاني الدوار من جديد، ترى أي ظنون قامت بذهنه لهذا المنظر الذي لم يكن ~~يتوقعه؟ أم تراه جاء وهو يعلم بوجود صديقنا عندي، فأراد أن يظهرني على أنه يعلم من أمري ما ~~أردت ستره؟ أم أنها المصادفة البحتة هي التي ساقته في تلك الساعة، وأوقفتني منه موقفا ~~أرتج علي فيه فلم أستطع أن أقول كلمة، ولم أستطع أن أزجره لاقتحامه علي بيتا هو ~~بيتي وليس بيته ولا شأن له به؟ وكذلك أخذت أقلب هذا الأمر في نفسي، ثم ترتسم بين آونة وأخرى ~~أمام خيالي تلك الصورة التي أثارت انزعاجي، ترى أين ذهب بعد أن ولى مدبرا وأقفل الباب ~~وراءه؟ هل ذهب يدعو من يشهد ما رأى؟ لكن أحدا لم يحضر، وهل تراه غادر الإسكندرية أم بقي ~~بها؟ وهل أستطيع أن أراه لأؤنبه على فعلته المنكرة؟ # وجفا النوم مضجعي تلك الليلة لكثرة ما فكرت فيما عساي أصنع، وكيف أستطيع أن أعلم كيف عرف ~~زوجي مقري، ولم يغمض لي جفن حتى الهزيع الأخير من الليل، فلما استيقظت ضحى الغد ناولتني ~~مربية أولادي خطابا عرفت لأول ما رأيت عنوانه أنه من زوجي، وتوقعت قبل أن أفتحه أن أقرأ ~~فيه من فحش القول وهجر الكلام ما لا أستطيع الرد عليه، وما لزوجي كل العذر ms139 في أن يقوله، ~~فلما فتحته وتلوته انقلبت مخاوفي دهشة وعجبا، وتولاني من الحيرة ما كاد يذهلني، فهو كتاب ~~موجز كل الإيجاز، وفيه يقول زوجي بعد تحية رقيقة إنه لم يحضر إلى بيتي لظنة قامت بنفسه كما ~~قد أتوهم، ولكن عليه واجبات بصفة كونه زوجا وأبا لا يمكن أن يهملها، ولا بد له من أدائها، ~~ويسألني أن أفكر لصحتي وصحة الولدين أن أسافر إلى أوروبا هذا العام ليبعث لي نفقات السفر ~~كما عودني، ويختم خطابه: زوجك الوفي المخلص. # لم أصدق عيني حين تلوت الكتاب، فأعدت تلاوته مرة ومرة ومرة، ثم شعرت بعد هذه التلاوة ~~وكأنني هويت من أعلى السحاب! يا عجبا! أولو كانت في يد هذا الرجل طبنجة أفرغها في وفي ~~صديقنا، أفكان يلومه أحد؟ أولو كانت معه هراوة أدارها علينا، ثم طرد صديقنا كما يطرد الكلب، ~~أفما كان الناس جميعا يرونه محقا؟ أولو كان قد وجه إلينا أقبح الشتائم وأقذع السباب، ~~أكان في مقدورنا أن ندافع عنا بكلمة؟ لكنه لم يفعل من ذلك كله شيئا، بل انسحب وكأنه لم ~~يرنا، وها هو ذا يبعث إلي بذلك الكتاب العجيب يريد أن يؤدي واجب الزوج والأب، ويعرض علي ~~أن أسافر إلى أوروبا، أأستطيع مع ذلك أن أهمل الرد عليه؟ وإذا رددت فماذا أقول؟! # وأسندت رأسي برهة إلى مقعدي أفكر في الأمر، على أنني ما لبثت أن مر بخيالي أن يكون هذا ~~الخطاب أحبولة نصب لي شباكها، فلو أنني قبلت ما عرضه لكان ذلك أقوى سند له إذا أراد أن ~~يكرهني بحكم القضاء على العود إلى بيته، وإلى طاعته، أأرفض إذن؟ ولكني إن رفضت أسقطت حجتي ~~في مطالبته بنفقتي ونفقة الطفلين إذا اقتضى الأمر. وإني لأفكر في هذا كله إذ جاء صديقنا ~~يبلغني أنه عائد إلى القاهرة، ويسألني أفي حاجة أنا لأي رأي أو معونة، ولعله أراد أكثر من ~~هذا وذاك أن يرى الأثر الذي تركته مفاجأة زوجي في نفسي بعد انقضاء يوم كامل عليها، فلما ~~أريته الخطاب وتلاه تولاه من الدهشة ما ms140 تولاني، وأخذ يقلب الأمر معي على وجوهه بعد أن ~~ذكرت له ما ثار عندي من ظنون، ثم إننا اتفقنا على أن أكتب له في إيجاز كتابا أقول له إنه ~~أدرى بواجبه أكثر مني، وإن طبه يسمح له بأن يقدر حاجة الولدين للسفر إلى أوروبا، فإن رأى ~~ذلك ورأى أن أسافر معهما للعناية بهما فإنني لن أقصر في القيام بواجب الأمومة، وسأنهض به ~~كما ينهض هو بواجب الأبوة، أما إن رأى بقاء الطفلين بمصر فلا اعتراض لي على ذلك، فصحة ~~الولدين غاية همي، والعناية بهما مصدر سعادتي وهنائي. # على أن كتاب زوجي وردي عليه لم يهدياني إلى جواب عن سؤالي: كيف عرف مقري؟ وقد عرفت من ~~بعد أنه علم بتردد صديقنا إلى الإسكندرية، فأيقن أني أقمت بها، فاتصل بمحافظها - وكان صديقه ~~- وطلب إليه أن يدله على عنواني، ولم يجد المحافظ مشقة في الاهتداء إلي حيث أقيم؛ إذ سأل ~~رجال الإدارة في أحياء الإسكندرية جميعا فجاءه من أقيم في حيه بالعنوان، فأبلغه إلى زوجي، ~~عند ذلك أيقنت أن من يعيش في جماعة منظمة يصعب عليه أن يحتفظ بأسرار حياته، وبخاصة ما كان ~~منها واقعا تحت نظر الدولة ورجالها كمحل السكن. # وأقمت أنتظر تصرف زوجي بعد ردي على خطابه، ولم يطل انتظاري، فبعد أيام تناولت كتابا به ~~تحويل على أحد بنوك الإسكندرية بنفقة إقامتنا، وفي الكتاب أن محل كوك أصدر تعليماته إلى ~~فرعه بالإسكندرية ليعطيني تذاكر السفر لي وللولدين والمربية إلى أوروبا، وإلى حيث أريد ~~التنقل بين أرجائها ذهابا وإيابا حتى عودتي إلى مصر، وأنه يريد أن يعرف الزمن الذي أعتزم ~~قضاءه في تلك الربوع، ليبعث إلي تحويلا بالنفقة اللازمة له. # لم تكن دهشتي إذ تلوت هذا الكتاب بأقل من دهشتي يوم تلوت الكتاب الأول، فلو أنني كنت ~~مكانه حين رآني أتحدث في خلوة مع صديقنا لأكلت الغيرة قلبي، ولما ملكت نفسي، ولما استطعت أن ~~أضبط أعصابي، وها هو ذا يبعث إلي بالنفقة كأن أمرا لم يحدث، وكأني لا أزال أهلا لعطفه ~~وحبه، ms141 أي إنسان هذا الرجل؟! وكيف ظل واثقا بي ليوقع كتابه إلي: «الزوج الوفي ~~المخلص»، وكأني لست دونه إخلاصا ولا وفاء، أم يحسب نفسه قديرا على أن يشتريني بالمال؟! إن ~~يكن ذلك ظنه فقد خاب رجاؤه، فلست بالجامدة التي تستطيع أن تتحكم في أعصابها وعواطفها كما ~~يتحكم هو في أعصابه وعواطفه. # وألفيت نفسي، بعد أن تلقيت كتابه الأخير، أمام الأمر الواقع؛ لذا ذهبت الغداة إلى البنك ~~فقبضت التحويل، ثم ذهبت إلى كوك لمخاطبتهم في أمر السفر، واستعنت بهم في تصوير خطته ~~وبرنامجه، ووعدتهم أن أعود الغداة لأبلغهم مطالبي، وأخذت وأنا في طريق عودتي أفكر من جديد ~~في زوجي وجموده أمام منظر يثير الغيرة في نفس أكثر الناس جمودا وأشدهم لزوجته - التي لا ~~تزال على ذمته - كراهية واحتقارا. # على أنني سمعت إذ ذاك صوتا يناديني منبعثا من أعماق نفسي: «لك الله يا ظالمة! أوتظنين ~~أنه كان يحمل على نفسه كل ما حمل، ويكلف نفسه عبء سفركم وحالته المالية ما تعلمين، لولا أنه ~~أراد أن يفرق بينك وبين صديقنا من غير ضجة تفضحكما وتسيء إلى ولديكما؟ خففي إذن من غلوائك، ~~واعلمي أن غيرتك الحمقاء وكبرياءك المغرور هما علة ما أنت فيه، وأنك لولاهما لاستطعت أن ~~تكوني أسعد النساء.» # أزعجني هذا الصوت، فلم يبق في قلبي ذرة من عطف على هذا الرجل، أو عاطفة تقربني منه ليفرق ~~بيني وبين صديقنا، وإذا صح أن غيرته هي التي دفعته ليحمل على نفسه ويحتمل عبء سفرنا إلى ~~أوروبا، فأين كانت هذه الغيرة من سنوات مضت؟ وإذا كان يظن أن هذا السفر يصلح ما أفسد، فما ~~أفحش خطأه! لقد تنافر ود قلبينا فلم يعد إلى تجاوبهما سبيل، أما غيبتي عن صديقنا أشهر الصيف ~~فلا أثر لها في نفسي، فليس بيني وبين الرجل إلا أنه كان شهما ذا مروءة، سندني في أوقات ~~محنتي، وأظهر من الرجولية إزاء صديقتي ما لم يظهره زوجي، وأبدى من العطف على ولدي منذ ~~انتقالي إلى الإسكندرية ما استحق ثنائي الجميل. # ومر بخاطري برهة أن ms142 أرفض السفر، وأن أظل بالإسكندرية كيدا لزوجي، وامتحانا جديدا ~~لغيرته، ولكني خشيت إن فعلت أن يتمسك علي بهذا الرفض، ويتخذه حجة لأمر يدبره ضدي، فذهبت ~~الغداة إلى كوك، ورتبت معه برنامج رحلتنا وطلبت إليه أن يعد تذاكر السفر كلها، ثم مررت به ~~بعد يومين وأخذت كل ما أعده، وأبلغ المحل الرئيسي زوجي ما حدث، فبعث إلي بكتاب أرفق به ~~تحويلا جديدا لنفقات السفر، وبعث معه بالجوازات اللازمة لي وللطفلين والمربية، وتمنى لنا ~~رحلة سعيدة موفقة. # وجاء صديقنا قبيل السفر يودعني ويذكر أنه كان يود أن يراني ساعة السفر، لولا مخافته أن ~~يلتقي بزوجي على الباخرة لقاء تخشى مغبته. فلما كان يوم الرحيل وذهبنا إلى الميناء ألفيت ~~زوجي في انتظارنا، فلما رآنا أقبل علينا، وقبل الولدين وسلم علي، وحيا المربية، وصعد ~~معنا الباخرة، واطمأن معنا إلى حجراتنا منها، وإلى موضع متاعنا بها، ثم ذهبنا جميعا نستريح ~~فوق ظهر الباخرة، فسرت أمامه وسار خلفي ممسكا كلا من الولدين في إحدى يديه حتى أجلسهما ~~معه على مقعد طويل، ولقد أخذ يداعبهما ويقبلهما، وأخذت أرق له وأرثي لحاله. وإننا لكذلك ~~إذ فاجأتنا المصادفة بمنظر ارتاع له قلبي، رأيت صديقتي مقبلة علينا وحولها عديد من معارفها ~~والمعجبين بها، وهي توزع بينهم نظراتها الساحرة وابتساماتها المشرقة، وتبادلهم في صوت خافت ~~عبارات لم أتبينها، وأشحت وجهي حتى لا أراها، ومرت هي بي في استخفاف وكأنها لا تراني، ~~ولكنها وقفت عند زوجي وحيته وقبلت ولدينا، وبادلته عبارات فهمت من مجموعها أنها تسأله إن ~~كان مسافرا معنا، وأنه يجيبها أن عمله لا يسمح بهذا السفر، إذ ذاك تضاحكت في دلال وقالت ~~بصوت مسموع: «كم آسف لذلك، فقد كانت رفقتك تسعدني، ولو لم تطل لأكثر من الأيام التي ~~نقضيها على ظهر السفينة حتى نصل إلى جنوا.» # هي إذن مسافرة معي على الباخرة، وقد كان زوجي يعلم لا ريب بموعد سفرها، أتراه جاء اليوم ~~ليودعنا، أم اتخذنا سلما ليودعها؟ ها هي ذي تنظر إليه كأنما تريد أن تلتهمه بعينيها، وهو ~~يحدثها ms143 ملقيا بنظره إلى الأرض كأنما خجل من أن أراهما يتحادثان، وحانت مني التفاتة إلى ~~مربية أولادي فهمت منها ما أريد فأسرعت إلى الولدين وجاءت بهما عندي، وصديقتي تتعمد إطالة ~~الحديث حتى استغرق دقائق خلتها دهرا أرهفت أذني في أثنائه لأسمع ما يدور بينهما من ~~حديث، ولاحظت منذ جاء الولدان عندي أن زوجي يريد أن ينهي هذا الحديث ليعودا إليه، وأدركت ~~صديقتي ذلك من ردوده المقتضبة، فسلمت عليه سلاما حارا وودعته بنظرة بارعة، وقالت في ~~ابتسام ساحر: «أرجو أن أراك حين عودتي مستريح البال موفور العافية.» # فلما عاد إلى مجلسه على مقعده الطويل نظر إلى ولديه، وأومأ إليهما برأسه فهرولا نحوه ~~مسرعين، وأجلسهما معه كما كانا من قبل، وعاد يقبلهما ويداعبهما، فلما أعلنت الباخرة ~~المودعين بصوتها الضخم تؤذنهم بالانصراف ضم كلا من الولدين إلى صدره، ثم مسح عينيه ~~بمنديله، وأقبل نحوي فسلم علي وعلى المربية، وقصد نحو السلم يهبط عليه إلى رصيف ~~الميناء. # وجرى ولداي مع المربية إلى الناحية الأخرى من الباخرة حيث السلم ليتمكنا من رؤية أبيهما ~~حين انصرافه، ومكثت أنتظر عودتهما، لكنهما طال غيابهما؛ لأن أباهما وقف يشير إليهما ~~ويناديهما، ويلوح بمنديله الأبيض حتى تحركت الباخرة واستدارت نحو مدخل الميناء إلى فسحة ~~البحر، عند ذلك عادا فقبلتهما وقلبي يدق، وكأنما يقول في دقاته: تستطيعين أن تنفصلي عن هذا ~~الرجل بجسدك، لكنك لن تستطيعي أن تفصلي حياتك عن حياته، وهذان الطفلان يربطان بينكما بأوثق ~~رباط! # وتخطت الباخرة الميناء إلى البحر، وأطلقت لمحركاتها العنان، وأخذت الإسكندرية تتوارى ~~شيئا فشيئا في حجاب الأفق، فلما لم يبق أمام ناظري إلا السماء والماء تمطيت على مقعد ~~طويل، وحاولت أن أخلي خاطري من كل شيء، وأن أدع نفسي تموج مع نسيم البحر العليل في عوالم ~~مبهمة لا يشغل الخيال ولا الذهن شيء مما فيها، وإنني لكذلك إذ مرت صديقتي مستندة إلى ~~ذراع أحد المسافرين وهي ترسل الحين بعد الحين ضحكات ناعمة تشهد بما يملأ قلبها من مرح ~~ومسرة، قلت في نفسي: «ما أسعد هذه الأرملة ms144 الطروب بالحياة اليوم! وهي هي التي كانت من سنوات ~~مضت صورة ناطقة لمعاني الهم والشجن، وهمها وشجنها بالأمس هما مصدر مرحها وسعادتها اليوم، ~~فلولاهما ما بذل صديقنا وزوجي ما بذلا من عناية حتى استخلصا ميراثها وميراث أبنائها، وأتاحا ~~لها هذه الحياة الناعمة التي تحياها، ولما شغل صديقنا، ولما شغل زوجي بها إلى اليوم. وهكذا ~~الحياة، مجموعة من المتناقضات يسعد بها قوم ويشقى آخرون: صحة ومرض، فقر وغنى، شقاء وسعادة، ~~وهذه المتناقضات تتداولنا دراكا فنسعد ثم نشقى، ونشقى ثم نسعد، ويتوالى ذلك علينا حتى ~~يدركنا الأجل المحتوم! # لست أدري لم أثار مرور صديقتي هذه المعاني الفلسفية في نفسي، وجعلني أفكر في ضعف ~~الإنسان أمام الحياة حتى لتزعجه أتفه الأشياء كما تسعده أتفهها، قد يكون موج البحر الممتد ~~أمام النظر إلى مدى الأفق، والذي يستر في طياته من الغيب ما لا أعلم، هو الذي أثارها، وقد ~~يكون هواء هذه الساعة برقته وما يهيئ للنفس من استرخاء وسكينة هو مبعثها، على أية حال فقد ~~بقيت بعدها كأنني في حلم متمطية على مقعدي، أفتح عيني وأغمضهما كما أهوى، وأشعر بنوع من ~~تخدير الأعصاب الذي يسبق النوم. # فلما حان موعد العشاء وحان للناس أن يبدلوا ملابسهم ارتديت للسهرة ثوبا بسيطا، ثم صعدت ~~إلى سطح الباخرة تلمع عليه أضواء الكهرباء، وبينما أسير ذهابا وجيئة مرت بي صديقتي من ~~جديد، وقد ارتدت للسهرة ثوبا بارع الجمال، وقد تزينت زينة كلها الإغراء، وقد أمست بجمالها ~~وزينتها وثوبها تلفت نظر كل رجل وكل امرأة مرت به أو مر بها، ونظرت إليها إذ ذاك، وأطلت ~~النظر، وذكرت كلماتها الأخيرة لزوجي: «أرجو أن أراك حين عودتي مستريح البال موفور ~~العافية.» # وتناولنا طعام العشاء، ثم أديرت بعده حفلة رقص شهدتها إلى منتصف الليل، وقد رقصت صديقتي ~~مع كثيرين كانوا يستبقون إليها ويطلبونها للرقص معهم، وكانت لا تأبى أن تلبي من يتقدم إليها ~~لتراقصه، ثم كان جمالها وكانت زينتها حديث الرجال جميعا، وكان مرحها وكانت ابتسامتها أشد ~~إثارة لإعجابهم من ثوبها ومن زينتها، ms145 وقد خيل إلي ساعة غادرت هذه الحفلة إلى مخدعي أن ~~الرجال جميعا جنوا بها جنونا، وأنهم لن يدعوا الحفلة تنتهي حتى مطلع الفجر! # وخلعت ثيابي، وارتديت ملابس النوم، واستلقيت في سريري وصورة صديقتي - وهي موضع الإعجاب، ~~بل موضع التقديس عند الجميع - لا تبرح خيالي، وأغمضت عيني أحاول النوم، فإذا هذه الصورة ~~تتوارى لتحل محلها صورة صديقتي يوم التقينا بالأقصر بعد عام من وفاة زوجها، لم تكن يومئذ ~~الأرملة الطروب التي يراها الرجال اليوم ويعجبون بها، بل كانت سيدة بادية الحشمة، تؤمن ~~بجمالها من غير أن تعرضه نزهة للناظرين، بل كانت تبدو وكأنها تستحيي منه، وتود لو تستطيع أن ~~تواريه عن الأعين، يومئذ كنت أجلس إليها وأراها شابة جميلة ساذجة لا تجيد أن تتكلم، ولا ~~تجيد إلا أن تنظر بعينيها الساحرتين إلى من يجالسها ومن يمر بها، ويومئذ لم أر بأسا بأن ~~يهتم صديقنا بأمرها، وأن يعنى زوجي بشئونها وشئون أبنائها، أما منذ خلص لها ولأبنائها ~~ميراثهم وحسبت أنها اطمأنت إلى الحياة، تبدلت حالها غير الحال، وأصبحت امرأة وقاحا لا ~~تطاق، ظنت أنها تستطيع أن تنافسني في سلاسة العبارة وجمال اللفظ، وأنها تستطيع أن تسحر بهما ~~الناس فوق سحرها إياهم ببارع جمالها وساحر فتنتها، وقد بلغت من ذلك أن فكر صديقنا في أن ~~يتزوجها، وأن قبضت على ناصية زوجي، واستبقت مودته. # وكانت صورتها تتبدل أمام بصيرتي وأنا مستلقية في مرقدي، كلما تصورت حالا من أحوالها التي ~~أثارتني بها وانتهت إلى القطيعة بيني وبينها، وكنت أزداد حنقا على هذه الصور وعلى صاحبتها ~~كلما هفا إلى مسمعي صوت موسيقى الرقص آتيا من ناحية بهو الباخرة، وهي الليلة في ذروة مجدها ~~وانتصارها. # وأصبحت فتناولت فطوري في غرفة الطعام، وصعدت إلى ظهر الباخرة، ووقفت أستنشق هواء البحر ~~لعله يذهب عني جهد الأرق الذي لازمني معظم ليلتي، وبعد قليل وقفت إلى سيدة حيتني بالفرنسية، ~~ثم أخذنا نتبادل الحديث المألوف في مثل هذه الأسفار عن الجو والبحر، والرجاء أن يظل هادئا ~~إلى نهاية السفرة، وإنا لفي حديثنا ms146 إذ مرت صديقتي مشرقة الوجه باسمة الثغر كأنها نامت كل ~~ليلتها، وسعدت بأجمل أحلامها، وكأنها لم ترقص إلى قرابة الصبح، ونظرت إلي ساعة مرت بنا ~~نظرة تعال وكبرياء وكأنها تقول لي: «أرأيتني ليلة أمس، وهلا تزال الغيرة تأكل صدرك مني ولا ~~تفتئين تطمعين في منافستي؟ إن يكن ذلك فهذا البحر أمامك فاشربي منه، أو ألقي نفسك بين ~~أحضانه لتتخلصي من غيرتك ويأسك.» # وسألتني محدثتي، وكنت قد علمت منها أنها فرنسية، أأعرف هذه السيدة الجميلة؟ قلت: نعم، ~~أعرفها، وإن لم نكن أصدقاء، وهي كثيرة المعارف والأصدقاء، وأصحابها في مصر يسمونها «الأرملة ~~الطروب»، ففيها خفة تقارب الطيش، وتذكرت وأنا أتكلم أن صديقتي مصرية، ويجب لذلك ألا أجرحها، ~~فاستطردت في كلامي: «لكن أصدقاءها يذكرون أنها طيبة القلب، وأن خفتها ومرحها لا يتعديان ~~المجتمع إلى حياتها الخاصة، أما معرفتي بها فقليلة، وليس من حقي أن أحكم لها أو ~~عليها.» # وعلقت محدثتي الفرنسية على كلامي فقالت: «أنت على حق يا سيدتي، فأنا أعرف في باريس نفسها ~~سيدات اشتهرن بالخلاعة، وهن مع ذلك مثال الشرف والسمو عن الابتذال، وتقولين أنت الآن إن ~~أصدقاء هذه السيدة المصرية يقولون ذلك عنها، ولا أحسبني في ريب من ذلك بعد الذي رأيته أمس، ~~لقد تركتنا أمس منتصف الليل والسهرة لم يحم وطيسها، ولو أنك بقيت إلى نهايتها لرأيت عجبا، ~~شرب بعض الشبان حتى ثملوا، وعرضوا على هذه السيدة أن تشرب ولو قليلا من الشمبانيا فأبت ~~إباء مطلقا، معتذرة بأنها لم تشرب في حياتها، وأن دينها يحرم عليها الشراب، وألقى هؤلاء ~~الشبان الثملون أنفسهم على أقدامها، وزعم أحدهم أنه شاعر إنجليزي، وألقى مقطوعة ادعى أنه ~~نظمها لساعته من وحي عينيها الساحرتين، وذهب آخر إلى غرفة الطعام وجاء بما فيها من الأزهار ~~ونثرها عليها، ولم يكن القبطان أقل الحاضرين افتتانا بها، فقد عرض عليها وهو في نشوة شرابه ~~إن لم تكن تعجبها قمرتها، أن تأخذ قمرته وصالونه، وضحكت هي لهذا العرض، وقالت إنها ستفكر ~~فيه متى أصبحت وأصبح القبطان، والحق أشهد أنها ms147 كانت برغم مرحها وطربها شديدة الاعتزاز ~~بنفسها وبكرامتها، وإن لم تكن أقل من ذلك اعتزازا بجمالها وبسحرها»، وسكتت محدثتي قليلا، ~~ثم قالت: «ألا ليتك تستطيعين يا سيدتي أن تحدثي التعارف بيني وبينها.» # وأخذت لهذه العبارة الأخيرة، فلن يحملني اعتبار أيا كان على التحدث إلى هذه المرأة ~~التي سلبتني هناءتي وسعادتي، بل سلبتني كل ما في الحياة من نعمة وجمال، على أني سارعت مع ~~ذلك وقلت لمحدثتي: «أنت يا سيدتي في غير حاجة إلى من يقدمك لها، وحسبك أن تبادئيها الحديث ~~بإطراء جمالها لتكسبي قلبها، وهي طيبة القلب كما ذكرت لك، ويسرها لذلك أن تعامليها من غير ~~كلفة ولا رسميات.» # لا أستطيع أن أصف ما أثاره هذا الحديث في نفسي من غيرة ومن حيرة، لقد كان هذا الانتصار ~~الباهر الذي أحرزته صديقتي خنجرا مسموما صوب إلى صدري، ولكني كتمت موجدتي، واتخذت من ~~طفلي مسلاة لي أنسى بهما همي وكربتي. # وتناولنا طعام الظهيرة وذهبنا إلى بهو الباخرة نتناول القهوة، فإذا إعلان بخط واضح أن ~~الآنسة الإيطالية، ضاربة الكمان الشهيرة في الأوساط العالمية جميعا، تفضلت بإحياء سهرة هذا ~~المساء في بهو الباخرة، وتبدأ الساعة التاسعة والنصف، والجميع مدعوون. # أقبل المساء وبدل المسافرون ملابسهم لطعام العشاء، فإذا صديقتي أبدع ثوبا وزينة مما ~~كانت عليه أمس، وإذا العيون تنهبها ساعة دخلت قاعة الطعام، وعجب الناس حين رأوها تتخطى ~~المائدة التي كانت تجلس عليها الليلة الماضية إلى مائدة القبطان لتجلس إلى جانبه، عند ذلك ~~دوت القاعة بالتصفيق مما أخجل مصريتي، فلما فرغنا من الطعام وذهبنا إلى البهو إذا رجال ~~الباخرة قد استحدثوا فيه منصة للاعبة الكمان، وإذا على هذه المنصة كراسي ثلاثة لم نعرف لمن ~~وضعت، وبعد قليل أقبل القبطان وعن يمينه لاعبة الكمان، وعن يساره صديقتي، وإذا هم يصعدون ~~جميعا إلى المنصة، ويجلس القبطان بين السيدتين، فلما سكن تصفيق الحضور وقف القبطان يقول: ~~«لا حاجة بي إلى تقديم الآنسة ربة الكمان وشهرتها تغنيها عن كلامي، وكمانها الذي ستسمعونه ~~عما قليل أبلغ عبارة مني في تقديمها، ms148 أما السيدة المصرية فقد عرفتموها جميعا ليلة أمس، بعد ~~أن قدمها لكم جمالها وظرفها وقلبها الكبير، والكلمة الآن للكمان البارع.» # فلما كان يوم الرحيل وذهبنا إلى الميناء ألفيت زوجي في انتظارنا، فلما ~~رآنا أقبل علينا وقبل الولدين. # ولعبت الآنسة عدة مقطوعات لعبت معها بالعقول والقلوب، فكانت كل مقطوعة تنتهي تدمي الأكف ~~بالتصفيق، ولست أذكر أني سمعت موسيقى بلغت من الإعجاز ما بلغت موسيقى تلك الليلة، سمعنا ~~مقطوعات لبتهوفن، ولموزار، ولفاجنر، وأمثالهم من الخالدين الذين أشاعوا في جو العالم أبدع ~~الأنغام وأعذب الألحان، فلما فرغت الآنسة من إيقاعها البارع البديع الذي سما بنفوسنا إلى ~~أجواء الفن العليا، وقف القبطان يشكرها لما أسعدتنا جميعا به من تلك الموسيقى السماوية، ثم ~~قال: «ولم أرد أن أروعكم ساعة بدأت هذه الحفلة، فقد صادف بدؤها بدء عاصفة لعبت بالباخرة، ~~وستحسونها جميعا عما قليل، لكن هذه العاصفة وعبثها بالباخرة لم يكن لهما أي سلطان على ~~الآنسة؛ لأن فنها ملكها في أثناء لعبها فلم يكن لغيره، ولم يكن للعاصفة، سلطان على أصابعها ~~البارعة، ولا على جسمها الذي استطاع أن يحتفظ بكل توازنه أكثر مما استطاعت باخرتي أن تحتفظ ~~بتوازنها. # ولم تقف قدرة الآنسة عند هذا الحد، فقد أنستكم جميعا ببراعة فنها أن الباخرة تميل يمنة ~~ويسرة؛ لأن أنغامها أمسكتكم في مقاعدكم تطربون لها وتستمعون إليها، أفلا يوجب هذا كله علي ~~وعليكم أن نضاعف شكرنا لمن أباحت لنا هذا الفن الجميل، وأنستنا غضب البحر وهياجه؟! فباسم ~~هؤلاء الحاضرين واسمي أقدم لك يا سيدتي خالص الشكر وجزيل الثناء.» # واندفع الحاضرون نحو المنصة يحيون الآنسة ويشكرونها، ولكن الأعجب من هذا أنهم كانوا ~~يتجهون بعد تحيتها إلى صديقتي يحيونها هي الأخرى، ثم يقفون حولها يبدون من الإعجاب بجمالها ~~مثل إعجابهم بالكمان ولاعبته، وحاولت صديقتي أن تنصرف حين انصرف القبطان، فإذا المحيطون بها ~~قد ضربوا حولها نطاقا يتعذر اختراقه، ولم ينجها من هذا الموقف إلا أن أعلنت أنها بدأت تشعر ~~بالدوار، وأنها في حاجة إلى الهواء الطلق، أو تهبط إلى قمرتها ، عند ms149 ذلك أفسح المحيطون بها ~~طريقا لها، وكلهم يكررون آي إعجابهم بجمالها ورقتها وظرفها. # وكنت أشهد ذلك مشدوهة، لا دهشة أعظم من دهشتي، ولا حيرة أعظم من حيرتي وغيرتي، ولو أن ~~زوجي اختار لها أن تسافر معي على هذه الباخرة كيدا لي، لقد بلغ من كيده ما أراد، وأكثر مما ~~أراد، أما إن كانت المصادفة هي التي ساقت ذلك كله إلي فيا لبؤسها من مصادفة ~~مشئومة! # وخرجت مع الناس إلى ظهر الباخرة، وكأني أشعر بالدوار يعبث بي، فهبطت مسرعة إلى قمرتي، ~~وقضيت بها ليلة نابغية، فلما أصبحت كان البحر قد استرد اتزانه فسكن هياجه، وعاد سلسا كما ~~كان، والتقيت بالفرنسية بعد الفطور، وتبادلنا التحية، وأخذت تحدثني عن موسيقى الآنسة ~~الإيطالية وروعتها، ثم قالت: «وصاحبتنا المصرية، أرأيت تهافت الرجال عليها، واستسلامهم ~~لفتنة جمالها؟» قلت: «نعم، رأيت ذلك ولم يدهشني، ذلك شأن الرجال، يترامون على المرأة ترامي ~~الفراش على النور، ثم لا يعنيهم أن تحرقهم بنارها، وتذري بقاياهم في الهواء يبددها كل ~~ريح.» # وقالت محدثتي: «وأعجب الأمر أن أكثر الرجال رزانة وحكمة لا يمتازون في هذا الشأن عن ~~أكثرهم طيشا ونزقا، وإن اختلفت أمزجتهم في ذوق الجمال وصاحبته، وأعجب من ذلك أن البريق ~~الظاهر يفتنهم ويغريهم أكثر مما يفتنهم الجمال الحق في المرأة الكاملة، ولا شيء يدل على هذا ~~ما يدل عليه افتتانهم بثياب المرأة وحليها وظاهر زينتها، وأنهم مع ذلك يذكرون أن المرأة هي ~~التي تخلع على هذه الأشياء جمالها ورونقها، وأما إن رأوا سيدة بسيطة الثياب قليلة الزينة ~~فقلما يلفتهم جمالها، وأقل من ذلك أن يلفتهم ما تنطوي عليه روحها وجسمها من كريم المعاني، ~~ورائع الجمال، ثم يقول الرجال بعد هذا إنهم أولو حكمة، وإن كانت حكمتهم أغلب الأمر هي السخف ~~كل السخف، ولم يكن لها من سند إلا سخرية المرأة منهم وفتنتها إياهم.» # أعجبني هذا الكلام فانصرفت أكرره في أعماق روحي، وتبدو لي من خلاله صورة زوجي وعطفه على ~~صديقتي، فلا يزيدني ارتسامها أمامي إلا ازدراء له ومقتا إياه ، فهو ms150 الذي أفسد حياتي ودفعني ~~للفرار من بيتي باصطفائه صديقتي على رغم علمه بخفتها وطيشها. # كانت ليلتنا المقبلة آخر ليالينا على الباخرة؛ إذ كانت ترسو الصباح بمرفأ جنوا، ولهذا ~~أقيمت في المساء حفلة تنكرية لم أرد أن أشترك فيها؛ لأن صديقتي بارعة في التنكر، تبتكر له ~~من الأزياء ما لا يرد بالخاطر، وما يلفت الأنظار إليه ويمسكها عنده، ولست حريصة على أن أشهد ~~الاحتفال بانتصارها الساحق للمرة الثالثة؛ لهذا أويت إلى قمرتي، وأعددت متاعنا، وقضيت بعض ~~الوقت أقرأ وأنا في سريري، ثم أطفأت مصباحي. # واستيقظت بكرة الصباح وصعدت إلى ظهر الباخرة فإذا هي ترسو، وانتقلنا توا إلى محطة السكة ~~الحديدية، فلما انطلق القطار ولم تكن به صديقتي تنفست الصعداء، وحمدت الله أن استعدت حريتي، ~~وتنقلنا بين شمال إيطاليا وسويسرا وفرنسا وألمانيا مبتعدين عن المدن ما استطعنا، مستمتعين ~~من هواء الجبال والبحيرات بما رد إلي هدوئي وطمأنينتي، وزادني هدوءا أني انتهيت إلى ~~تصميم حاسم أن أنفصل بالطلاق عن زوجي، وإن كلفني ذلك ما كلفني، فلم يعد يعنيني ما يقوله ~~الناس عني إذا لجأت إلى القضاء، فالأمر لا يتعلق بسعادتهم بل بسعادتي، ولم أعد أعبأ بما كان ~~يذكره صديقنا من تأثر ولدي بهذا الطلاق، فالوضع الحاضر أسوأ أثرا على نفسيهما، وأكثر ~~إساءة لهما، وإذا اضطرني عناد زوجي إلى التشهير به، فلن يكون ذلك ذنبي، ولن أكون آخر امرأة ~~طلقت، ولا آخر امرأة تطلق، ولن يكون لي من وراء هذا الطلاق إلا أن أستعيد حريتي، وأن ~~أحيا كما يحيا كل من ملك حريته. # من يوم صح على هذا الرأي عزمي شعرت بدبيب الحياة السعيدة يجري في عروقي، ورأيت الجبال ~~أبهى منظرا بالخضرة التي تكسو سفوحها، والبحيرات أبرع جمالا بأضواء الشمس والقمر تنعكس ~~على صفحتها، ثم شعرت بنوع من النعمة لم أكن أشعر به من قبل، شعرت بكمال شخصيتي، وبقوة ~~أنوثتي. # وعدنا إلى مصر، فألفيت زوجي يصعد إلى الباخرة وهي لا تزال في عرض الميناء، وأقبل علينا ~~وجلس إلينا بعد أن قبل الطفلين وضمهما إلى ms151 صدره وقبل يدي وسلم على المربية، وكأنه مشوق ~~إلينا أعظم الشوق، وبعد أن اطمأن بنا المجلس وتبادلنا السؤال عن الصحة وكيف قضينا سفرنا، ~~نظر إلي في عطف وحنان، وسألني: «ألا تريدين أن نعود جميعا إلى القاهرة؟» فأجبته في هدوء ~~وحزم: «أشكرك يا صديقي فلم يبق إلى حياتنا المشتركة من سبيل، وأنا أطلب إليك منذ اللحظة أن ~~تسرحني، ولن أضن عليك بما تطلب لقاء طلاقي، فإن أجبتني إلى ذلك شكرت لك، وإن أبيت فلن تحمد ~~من بعد إباءك.» # ووجم الرجل لما سمع، ولم نتبادل بعد ذلك كلمة حتى خرجنا من الجمرك، وذهبت إلى بيتي ~~بالإسكندرية، وعلى باب البيت ودعنا ولا يزال واجما كئيبا، وعاد إلى القاهرة، وعدت إلى ~~حياتي أنتظر ما الله فاعل به وبي! # | الفصل الثامن # بعد ثلاثة أيام من مقامنا بالإسكندرية جاء صديقنا يسلم علينا ويرحب بنا، وإنما علمت ~~بمقدمه حين سمعت طفلي يستقبلانه أول وصوله بالبشر والتهليل كأنه أعز عزيز عليهما، وصعدا ~~معه إلي، وجلسا من حوله ينظران إليه بعيونهما البريئة نظرات كلها الحب الخالص، واهتز قلبي ~~لهذا المنظر غبطة وطربا، وبقي هو يداعبهما تارة ويحدثني تارة أخرى وأنا سعيدة بلقائه أعظم ~~سعادة، واستأذن يريد الانصراف قبيل موعد الغداء، فدعوته ليتناوله معنا، فاعتذر بأنه على ~~موعد مع أصدقائه من أهل الإسكندرية سبقوني إلى دعوته إذ كانوا معه في القطار الذي قدم فيه، ~~ثم قال وهو يودعني: «سأعود إليك بعد الظهر لحديث طويل بيني وبينك.» # وحاولت بعد انصرافه أن أتوهم ما عسى يكون هذا الحديث، فذهبت محاولتي سدى، وأوحيت إلى ~~المربية بعد أن تناولنا طعام الغداء أن تأخذ الطفلين إلى حديقة النزهة، وأن تعود بهما ساعة ~~المغيب ليخلو الجو لصديقنا في أثناء حديثه، وبعد قليل من خروجهم جاء صديقنا فألفاني وحدي ~~فقال: «حسنا فعلت حتى يكون لي مطلق الحرية فيما جئت إليك بشأنه.» # قلت: «كلي آذان صاغية بعد أن حاولت عبثا أن أعرف ما تريد مني.» # قال: «إذن فاسمعي، أنت تعلمين أني لم أر زوجك ولم يرني منذ انتقالك ms152 إلى الإسكندرية، فقد ~~اتهمني يومئذ أنني حرضتك ضده، وأعنتك عليه، ولذلك قاطعني وشهر عند أصدقائي بي، وإنني لفي ~~منزلي أول من أمس إذ رأيته يدخل علي محمر العينين، ممتقع الوجه، متهالكا على نفسه، وكأنه ~~لم يذق طعم النوم منذ عدة أيام، وقمت إليه مشفقا عليه راثيا لحاله، فعانقته كما لم أعانقه ~~منذ سنين، ورجوته أن يجلس وأن يطامن من نفسه، وأن يذكر لي سبب همه وكربته، فمكث صامتا ~~زمنا ثم قال: «معذرة يا صديقي أن لجأت إليك بعد أن قاطعتك، لقد فكرت طويلا فيمن ألجأ إليه ~~لتفريج بلواي فلم أجد سواك، فأعني يرحمك الله، ولا أذاقك ما أذوق أنا الآن من مرارة قاتلة، ~~لقد ذهبت أستقبل زوجي وطفلي بالإسكندرية ساعة عودهم من أوروبا، فلما لقيتهم رجوت زوجي أن ~~نعود جميعا إلى القاهرة، فكان جوابها أنه لم يبق إلى حياتنا المشتركة سبيل، وأنها تريد مني ~~أن أطلقها، فإن أبيت فلن أحمد من بعد إبائي، ولست أدري ما ذنبي عندها، لقد أحببتها ولا أزال ~~أحبها حب تقديس، بل حب عبادة، أحبها لنفسها، وأحبها لطفلينا، أحبها وأزداد إعجابا بها كلما ~~رأيت غيري يطري ذكاءها ورقتها وسحر حديثها، لم تأخذني الغيرة يوما عليها لأني أؤمن بشرفها ~~وكبريائها، كإيماني بالله وبشرفي وشرف مهنتي، وقد غاضبتني بعد أن استخلصت بمعونتك ميراث ~~صديقتها، غاضبتني وهي التي كانت تحرضني على ذلك وتدفعني إليه، وأنت تعلم أنه لم يكن بيني ~~وبين صديقتها يوما ما يشينني، وأقسم بالله وبشرفي وبشرفها وبرأسي طفلينا أنه لم يكن بيني ~~وبين هذه السيدة قط ريبة توجب أن تغاضبني زوجتي، فلما غاضبتني صبرت وصابرت مؤمنا بأن الزمن ~~سيفعل فعله؛ لأن حبي إياها لا يزال اليوم كما كان يوم تزوجنا، مع ذلك أصرت على مغاضبتي - ~~كما تعلم - وبعثت إلي ذلك الخطاب الذي أطلعتك عليه، ثم هجرت بيتها، وذهبت إلى الإسكندرية، ~~وعدت فصبرت وصابرت، ولم أقصر قط في حقها أو حق ولدينا، ودفعتها إلى السفر في هذا الصيف ~~الأخير إلى أوروبا لعلها تعاود التفكير في أمرنا وأمر ms153 ولدينا، فكانت نتيجة هذا التفكير ما ~~ذكرت لك من إصرارها على الطلاق.» # وسكت زوجك برهة بعد ذلك استرد فيها هدوءه، ثم تابع حديثه قائلا: «أنا لا أريد قط أن ~~ألومها على شيء من ذلك كله، لا أريد أن ألومها على مغاضبتي، ولا على ذهابها إلى الإسكندرية، ~~ولا على طلبها الطلاق، لكني أريد أن أستغفرها ولا أزال أطمع في عفوها، أريد أن أعترف لها في ~~غير موجب للاعتراف، بأني مذنب وبأني هفوت، بل أخطأت، بل أثمت في عنايتي بصديقتها، وفيما ~~تقول من أني أعطف عليها، أو أميل إليها، أريد يا صديقي أن أفرض هذا كله صحيحا! ألسنا ~~جميعا معرضين لأن نخطئ؟ # وهل يستطيع الناس أن يعيشوا وأن يتفاهموا إذا لم يغسل العفو بينهم حوبة الخطيئة؟ إن ~~المرأة لتخون زوجها حتى ليرتاب في ولده منها، ثم تطمع مع ذلك في عفوه ومغفرته، ولو أن زوجتي ~~تتهمني بأن الأمر بلغ بيني وبين صديقتها هذا المدى - ولا أحسبها تبلغ من الريبة هذا المبلغ ~~- أفلا أستطيع مع ذلك أن أستغفرها؟ تستطيع أنت يا صديقي أن تذكر لها أنني أقسم بأنني لن أرى ~~صديقتها من بعد قط إذا أعدنا حياتنا سيرتها الأولى، أمن المعقول أن تجزي هذا الحب الخالص ~~لها بكل هذا المقت الذي تواجهني به؟! وهل يبلغ من أمرها وهي الرزينة الحكيمة، أن تنسى ما ~~يجر انفصالنا على ولدينا من ضياع يفسد كل حياتهما؟ إذا لم ترد أن تسمع في أمري إلى صوت ~~الزوجة، فلتسمع في أمر ولدينا إلى صوت الأم، إنني أدع بين يديك يا صديقي بقية رجاء في أن ~~تعيد إلى أسرة بائسة قبسا من نور الأمل في وجه الله، أفتقبل هذا الرجاء؟» # وما كاد زوجك يتم كلامه حتى انخرط في البكاء كأنه الطفل، وانقبض قلبي لبكائه، وكادت ~~الدمعة تنحدر من عيني رثاء له وشفقة عليه، أنت تعلمين كم تعنيني سعادتك وسعادة طفليك، ~~وأستطيع أن أؤكد لك صادقا أنه لم يكن بين زوجك وصديقتك ما يريب، فإن لم تصدقيه ولم ~~تصدقيني، فهو بعد ms154 الذي كان منه، وبعد حديثه هذا معي، أهل لعفوك وغفرانك، أفأنت مع ذلك لا ~~تغفرين، إن لم يكن من أجله فمن أجل ولديك؟» # أنصت إلى هذا الكلام، وتأثرت به، فأطرقت وأطلت الإطراق، وفي إطراقي ذكرت يوم قلت لزوجي ~~إنه ممثل بارع، وإنه عطيل وروميو معا، فلما طال بصديقنا انتظار كلمتي نبهني بقوله: «سمعت ~~الآن ما جئتك فيه، فماذا تقولين؟ أم تريدين أن أنظرك إلى غد حتى تفكري في الأمر وتقلبيه ~~على شتى وجوهه؟» # قلت: «لا حاجة بي إلى الانتظار يا صديقي، لقد قلبت هذا الأمر وفكرت فيه شهورا إن لم أقل ~~منذ سنين، وقد عدت إلى تقليبه في أثناء سفري الأخير إلى أوروبا؛ فازداد تصميمي على رأيي ~~ثباتا وقوة، وأنت تعرف هذا الرأي، لست أخفيك أن ما ذكرته لي الآن قد ترك أثره في نفسي، ~~برغم اقتناعي بأن زوجي ممثل بارع، وقد يكون صحيحا ما رواه لك من أنه يحبني، وأنه لم يكن ~~بينه وبين صديقتي ما يريب، ولكن الأمر في هذا الموضوع لا يتعلق بروايته وصحتها أو بطلانها، ~~إنما يتعلق بما أحسه أنا، وأنا أرى هذه المرأة بيني وبينه كلما مرت بخاطري صورته، أراها ~~بيني وبينه في يقظتي وفي منامي، أراها بيني وبينه لابسة ثيابها وعارية كيوم ولدتها أمها، ~~أراها بيني وبينه تنظر إليه بعينيها الساحرتين، وتطوق عنقه بذراعيها العاريتين، أراها بيني ~~وبينه حتى في سرير نومي، أدع هذا الذي أقوله لك ما شئت؛ سمه تخريفا، سمه طائفا من ~~الجنون تحكم في بصري وبصيرتي وفي أعصابي، لكنه الواقع من أمري؛ لقد أصبحت هذه الصورة لا ~~تبارحني، وكأنما سرت مسرى الدم في عروقي، فتأثرت بها أعصابي وتأثر بها عقلي الباطن، فلم يبق ~~لي فكاك منها، أما والأمر ما ترى فإنني أقول لك في شيء كثير من الأسف إن ما تطلب إلي لم ~~يبق إليه سبيل.» # وحاول صديقنا أن يعاود الكلام في الأمر معي فقلت له: «لا تحاول المستحيل، وأبلغ زوجي أنه ~~إن أراد بنفسه وبي وبطفلينا الخير فليسرحني سراحا جميلا، ms155 وأنه إن فعل ذكرت له هذه المنة ~~ما حييت، ولن يكون لي عنده مطلب من المطالب.» # وغادرني صديقنا عائدا إلى القاهرة كاسف البال أسفا، فلما استدار الأسبوع عاد إلي ~~ولا يزال الأسف باديا عليه، فلما جلسنا نتحدث قال: أشهد أن زوجك أكرم منك ألف مرة، وأنه ~~رجل مروءة لا حد لمروءته، لقد قصصت عليه ما دار بيننا، وذكرت له أنني رويت لك حديثه كلمة ~~كلمة، وصورت له إجابتك أدق تصوير، فاغرورقت عيناه، وقال: «أما وذلك شأنها فلا أرى الصبر ~~ناجعا في علاجها، وليس لي إلا أن أنزل على إرادتها، وأن أدع لها بعد ذلك حرية الاختيار ~~كاملة»، ثم إنه رجاني أن أحضر صبح الغد لأجد المأذون عنده فيطلقك أمامي طلقة واحدة بائنة لا ~~يمكن معها ردك إليه بغير رضاك، وعدت إليه في الموعد الذي ضربه فألفيت المأذون عنده فأتم ~~الطلاق كما قال، ولما انصرف المأذون أعطاني قسيمة الطلاق لأوصلها إليك، وقال: «أبلغها أنني ~~عند رأيها ما حييت، إن شاءت يوما أن تعود إلى عصمتي فهذا البيت بيتها، وإن أرادت أن تتزوج ~~بغيري فذلك شأنها، ولن أقصر في نفقة ولدينا، كما تقدرها هي، إلا أن يقعدني العجز عن ~~أدائها»، ثم إن صديقنا سلمني قسيمة الطلاق، وقال: والآن فما رأيك يا سيدتي؟ فلم أملك نفسي ~~بعد الذي سمعت منه، وبعد أن أمسكت بقسيمة الطلاق في يدي أن بكيت حتى علا بالبكاء صوتي، فلما ~~عاودني بعض هدوئي قلت: أشكرك، والآن عد أنت إلى القاهرة، فإذا حدثتك نفسك يوما أن تزورنا ~~كنت قد رويت في أمري، فأخبرك بما يستقر عليه رأيي. # وانصرف الرجل وهو يقول: «أرجو لك من الله التوفيق والسداد.» # خلوت بعد انصرافه إلى نفسي فقرأت قسيمة الطلاق، وأعدت قراءتها، وأخذت أفكر فيما يكون بعد ~~أن بلغت غايتي، على أنني سرعان ما سألت نفسي: أينا انتصر بهذا الطلاق، أنا أم صديقتي؟ ~~لقد كنت أراها بيني وبين زوجي، وهأنذي الآن نحيت نفسي فأصبحت وحدها معه، في ثيابها أو عارية ~~كيوم ولدتها أمها، ألا تعسا ms156 لها فاتنة الرجال! نعم هي التي انتصرت، أما أنا فأصبحت وحيدة ~~لا سند لي، أعيش من نفقة هذين الولدين ومما اقتصدت، وهانت علي عبرتي من جديد فأسلمت لعيني ~~العنان، وخشيت أن يحضر طفلاي، وأن يرياني على هذه الحال فدخلت غرفة نومي، وأوصدت بابها، ~~ودقت المربية الباب فناديتها من مضجعي: إنني متعبة، وطلبت إليها أن تدعني أستريح. # ولقد شعرت بنفسي متعبة مهدودة بالفعل، ورأيت بعد قليل أنني عاجزة عن التفكير، وكأن ذهني ~~خلا من كل ما يشغله، وإن لم تطاوعني أعصابي إلى الهدوء الذي أبتغيه، فتناولت مسكنا أسرع بي ~~إلى عالم النوم. # استيقظت صبح الغد وأنا أحسن حالا مما كنت، واستعدت حين صحوت ما دار بيني وبين صديقنا من ~~حديث منذ أسبوع، وذكرت ما رواه على لسان مطلقي من أنه لم يحب صديقتي ولا يحب غيري، فخف ~~علي العبء الذي أثقلني أمس، حين تصورت أن هذه المرأة انتصرت علي بطلاقي من زوجي، وشعرت ~~بأن هذا الرجل المسكين قد أصبح بعد تطليقه إياي في عزلة تامة، لا يؤنسه أحد، ولا يؤنسه ~~ولداه وهما بالإسكندرية معي. # وخرجت من غرفتي ألقى الطفلين، فلما قبلتهما ورأيتهما في صحتهما ونضارتهما ازددت هدوءا ~~وطمأنينة، وذكرت صديقات لي مات أزواجهن وهن في ريعان شبابهن، وتركوا لهن صبية ضعافا، ~~فكرسن حياتهن لأبنائهن، ثم سعدن بهم إذ رأينهم يكبرون بعنايتهن ورعايتهن، أما وقد رزقني ~~الله هذين الصبيين الجميلين، فأي سعادة غيرهما أبغى؟ إن واجبي أن أكرس لهما حياتي، ولا أفكر ~~في شيء سواهما لأراهما يكبران أمام ناظري فيصبحان فتى وفتاة ملء العين، ثم رجلا وامرأة ~~يحملان عبء الحياة بأحسن وأسعد مما حملته. # وسكنت نفسي إلى هذا الخاطر، فضاعفت عنايتي بالصبيين، وشغلت بإدخالهما المدرسة، وعاهدت ~~نفسي على أن أنقطع لهما ولمعاونتهما في دروسهما، وأن أنسى كل شيء فيهما، ففي ذلك هناءتي ~~وحسن أداء واجبي في الحياة، وانقضت أيام وأنا على هذه الحال، لا أكاد أفكر في أبيهما، بل لا ~~أكاد أفكر في نفسي، مؤمنة بأنهما أصبحا كل شيء في حياتي ، وبأن ms157 ما سواهما لم تبق له أية صلة ~~بي. # وكان لذلك أثره الحسن في صحتي وطمأنينتي؛ أذكر إذ ذاك يوما جلست فيه إلى شاطئ البحر أرقب ~~أمواجه، فمرت بخيالي صورة مطلقي وقد التقى بصديقتي ووقفا يتحدثان، لم تزعجني الصورة قط، بل ~~هززت كتفي وقلت في نفسي: «ليس ذلك شأني، فهذا الرجل لم يبق زوجي، ولم يبق لي أن أحاسبه، لقد ~~أصبح بطلاقي حرا كما أصبحت أنا بهذا الطلاق حرة، وكما أستطيع إن شئت أن أتزوج وأن أختار ~~السيرة التي أرضاها فهو كذلك حر في أن يختار لون الحياة الذي يرضيه، وهذه المرأة حرة هي ~~الأخرى، إن صح أن التقيا يوما فليفعلا ما يشاءان، حسبي سعادة بالطفلين، ولغيري أن يبحث عن ~~سعادته كما يحب ويهوى.» # وبعد أسبوعين رأيت صديقنا يدخل عندي ويسألني بعد أن بادلني التحية: «أما فكرت من جديد في ~~استئناف حياتك مع زوجك؟ لقد لقيته في المعادي منذ يومين فدعاني إليه وسألني: ألك في هذا ~~الأمر رأي؟ ولما قلت له إنني لم أرك منذ أعطيتك قسيمة الطلاق، رجاني في زيارتك والتحدث ~~إليك في الموضوع.» وأدهشني هذا الكلام، فقلت في حدة: «وهل تراني كنت أعبث يوم طلبت الطلاق، ~~ذلك أمر لا رجعة فيه، ولا محل للحديث عنه.» قال: «الأمر في ذلك لك، وقد توقع هو أنك ~~ستجيبين كما أجبت الآن، أما وقد صح تقديره فإنه يستأذنك في أن يرى ولديه، ولا يشك لحظة ~~في أنك تأذنين.» وأجبت على الفور: «هذا حقه ولن أحرمه منه، لكن لي شرطا واحدا، ذلك ~~ألا يراني ولا أراه، فإذا فكر في المجيء ليراهما فليخطرني بموعد حضوره، وعند ذلك ~~أدع له البيت ليلقى طفليه فيه.» قال صديقنا: «أنا أشكرك بلسانه، وسيحضر في الأسبوع ~~المقبل بأول قطار يغادر القاهرة يوم الجمعة، ثم يعود إليها بآخر قطار في اليوم ~~نفسه.» # وانتقل صديقنا بعد ذلك بالحديث يسألني - وقد ذكرت له أنني لن أستأنف حياتي الزوجية مع ~~مطلقي - عما اعتزمت أن أفعل بعد انقضاء عدتي، قلت: «لا شيء، كرست حياتي لهذين ms158 الطفلين ~~اللذين رزقني الله بهما، وأكبر ما أرجو أن يساعدني على القيام بواجبهما على نحو يرضيني، ~~ويطمئن له قلبي.» قال صديقنا: «فليعاونك الله وليوفقك فيما تقصدين إليه.» # وفي يوم الجمعة الذي تلا هذا الحديث غادرت المنزل قبل موعد وصول قطار القاهرة إلى ~~الإسكندرية، وقلت للمربية ساعة خروجي إنني سأتناول غدائي في الخارج، وذكرت لها أن والد ~~الطفلين سيحضر ليراهما فلتبق معهما في البيت حين حضوره؛ حتى تنقل إلي عند عودتي ما يدور ~~بينه وبينهما من حديث، فلما عدت ساعة المغيب ذكرت لي أن الدكتور حضر بعد قليل من مغادرتي ~~المنزل، وأنه ما لبث حين رأى ولديه أن قبلهما وعانقهما طويلا وعيناه مغرورقتان، وأنه ~~دعاهما ودعاها للتنزه ولتناول الغداء في مطعم على شاطئ البحر، وأن الصبيين كانا سعيدين ~~بأبيهما كل السعادة، وأنهم قضوا جميعا يوما من أسعد الأيام وأمتعها، وأنه عاد معهم إلى ~~المنزل، فلما حان موعد سفره ودع الصبيين في تقبيل وعناق تأثرت المربية لهما غاية التأثر، ثم ~~أعطاها ساعة خروجه هدية قيمة هي ثلاث ساعات ذهبية، فلما سألته المربية عن الساعة الثالثة ~~لمن تكون، قال إنها لأمهما، ثم وعد أن يزورنا في مثل موعده بعد أسبوعين، وقالت له بنتنا: ~~ولم لا تزورنا كل أسبوع يا والدي؟ فأجابها بأنه يكون أسعد الناس بذلك إذا أذنت والدتك ~~به. # وأخذت الساعات الثلاث وقلبتها في يدي فإذا هي هدية قيمة بالفعل، وإذا الساعة التي خصني ~~بها أجملها وأقيمها، ولقد دهشت لهذا التصرف من جانبه، فما له وما لي بعد أن طلقني نزولا ~~على إرادتي؟! أولو كان يميل إلى صديقتي، أفما كانت أولى هي بهذه الهدية مني؟ إنها لم تنتصر ~~إذن علي، والموقف لا يزال في يدي. # وابتسمت لهذا الخاطر، وجاء ولداي قبل نومهما يقبلانني ويهديانني مساء الخير، فلما ~~قبلتهما وأذنت لهما بالانصراف إلى حجرة نومهما قالت ابنتي: «لم لا تأذنين يا أماه لأبينا ~~أن يزورنا كل أسبوع؟ إنه ظريف ويحبنا، لقد قضينا معه سحابة هذا النهار أسعد ما نكون، ولعل ~~هدية الساعات الثلاث ms159 أعجبتك.» فقبلتها من جديد وقلت لها: «اذهبي إلى مخدعك، وسيكون لي في ~~الأمر رأي.» # وشعرت لساعتي بأنا لن نستطيع أن ننفصل حقا وهذان الطفلان بيننا، وإذا أردت أن أنفصل عنه ~~انفصالا حاسما فيجب أن ينسياه، لكنهما لا يزالان في حاجة إليه، على الأقل لنفقتهما، وليس ~~بمعقول أن أكلفه هذه النفقة وأن أحرمه رؤيتهما، ولست أشك في أنه سينفق عليهما كل ما أطلب ~~منه، ولو أرهقه ذلك من أمره عسرا. # وانقضى الأسبوعان وجاء الرجل من القاهرة يرى ولديه، وقد تركت له البيت كما فعلت المرة ~~الأولى، فلما عدت إلى المنزل بعد انصرافه علمت أنه حمل إلى الولدين من الهدايا ما جعلهما ~~يتصايحان ساعة دخولي، يعرضان علي ما جاء به والدهما، ويذكران كيف قضيا معه نهارا سعيدا، ~~وأعطتني المربية خطابا منه فتحته فإذا فيه تحويل على البنك، ورسالة يذكر فيها أنه آثر أن ~~يحول هذا المبلغ الكبير دفعة واحدة حتى لا يبعث إلي بتحويلات شهرية، وأنه يرغب إلى أن ~~أحيطه علما متى نفد هذا المبلغ ليبعث إلي بتحويل جديد. # وأثار تصرفه هذا حيرتي، فأنا أعلم من حاله المالية ما لا أشك معه في أنه يستدين الكثير من ~~هذه المبالغ التي يبعث بها إلينا، سواء تحويله اليوم، أو تحويله حين سفرنا إلى أوروبا، أو ~~تحويله الأول، هذا إلى جانب ما ينفق لحياته الخاصة، أفلا يحملني ذلك على التفكير من جديد في ~~الأمر حتى لا أشق عليه إلى هذا الحد، ولا أحمله ما لا يطيق؟ # وجاء صديقنا بعد أسبوع، فذكرت له ما صنع مطلقي، ورجوته أن يبلغه أنني لا أريد إرهاقه، ~~وأني أفضل أن نتفق على مبلغ شهري لنفقة الطفلين؛ لأنني لا أقبل منه شيئا لنفسي، وأنا ~~مصممة على ألا أعود إلى الحياة معه أبدا. # قال صديقنا: «أولا تزالين تظنين أن له بصديقتك علاقة، أو أن له إليها ميلا، أو أن شيئا ~~من ذلك كان؟» # قلت: «كلا، إني مطمئنة الآن كل الاطمئنان من هذه الناحية وإن لم تعد تعنيني، فلو أنه تزوج ~~صديقتي غدا ms160 لما اهتز لذلك مني عصب، ولا طرفت لي بسببه عين.» # قال: «أما وقد زال ما كان قائما بنفسك من هذه الناحية، فما هذا التشبث السخيف بألا ~~تعودي أنت ووالد ابنيك سيرتكما الأولى، فتجمعي بذلك أسرة تشتتين أنت اليوم شملها، وتبددين ~~سعادتها وهناءها؟!» # لم أملك نفسي حين سمعت ذلك منه أن ثارت كبريائي، فقد أصاب كلامه عزتي بطعنة أهاجت كرامتي، ~~وبجرح أدمى نفسي فصحت به: «أوتحسبني طفلة غريرة لا تعرف ما تريد؟ وهل تظنني حفلت يوما ~~بصديقتي إلى حد أثار غيرتي منها لعناية هذا الرجل بها؟ لقد كان الأمر بيني وبين زوجي أعمق ~~من هذا، وإذا كنت قد حدثتك عنها وذكرت لك أنني أراها بيني وبينه فلأنني لم أرد ولن أريد أن ~~أكشف عن مستور نفسي وحقيقة سري، فأرجوك يا صديقي وألح عليك ألا تعود إلى الكلام معي فيما ~~ذكرت اليوم، فلا طاقة لي بسماعه من أحد، ولا طاقة لي بسماعه منك أنت خاصة.» # لست أدري كيف أفلتت هذه الجملة الأخيرة من بين شفتي، فلقد خشيت بعد أن تلفظت بها أن ~~يحملها صديقنا معنى بذاته، فعدت إلى هدوئي وقلت له: «إنني لواثقة بأنك أشد الناس حرصا ~~على شعوري، وأكثر معرفة بما تنطوي عليه نفسي إزاء هذا الرجل، فلو أن غيرك قال ما قلت أنت ~~هان علي سماعه، أما وأنت تعرفني حق المعرفة، وتعلم أنني لا أصدر في تصرفاتي عن طيش ولا عن ~~نزق؛ فقد أثارني كلامك وجعلني أظنك تناسيت ما لا يجب أن تنساه.» # ورحنا بعد ذلك إلى الحسنى، وتناول كلامنا من الشئون ما لا شأن له بي، فلما انصرف صديقنا ~~حمدت ثورتي أن جعلت العود إلى هذا الموضوع محالا. # وتوالت الأسابيع والشهور بعد ذلك، وزادني تواليها اقتناعا بأن المربية أقدر مني على ~~العناية بالطفلين ومعاونتهما على استذكار دروسهما؛ لذلك بدأت أشعر بخلو حياتي، وبدأ الملال ~~يعاودني، كيف أملأ إذن أوقات فراغي؟ لا شيء يستنفد الوقت ما تستنفده القراءة! لذا أكببت ~~أقرأ ما لم أكن قرأت من أمهات كتب الآداب الإنجليزية ms161 والفرنسية والألمانية، وما ترجم إلى ~~هذه اللغات من أمهات الأدب في غيرها من الأمم، وأعيد ما كان موضع إعجابي مما قرأت من قبل، ~~وكثيرا ما كنت آخذ كتابي وأجلس إلى شاطئ البحر أستمع مقفلة العينين إلى صريف أمواجه ~~المتكسرة على الشاطئ كما يستمع المغني إلى ألحان الموسيقى قبل أن يبدأ أدواره، فإذا امتلأت ~~أجنحة الخيال فتحت كتابي وأخذت أقرأ فأستغرق في القراءة، فتأخذني روائعها عن كل ما حولي من ~~ضجة الحياة، وأحس أنني اندمجت مع المؤلف ومع أفكاره ومع أبطاله، وأصبحت في جوه هو، وأصبح ~~الجو من حولي مسرحا لهذه الأفكار ولهؤلاء الأبطال لا يعرف غيرها وغيرهم، ولا يتحرك فيه شيء ~~سواها وسواهم. # وطال بي ذلك زمنا استغرق أسابيع بل شهورا، على أني شعرت بعد هذا الزمن أنني في حاجة إلى ~~أن أستجم وأستريح، وما كدت أقضي أياما في راحتي واستجمامي حتى بدأ الشعور بالملال يعاودني، ~~فكرت أنه لا بد من شيء آخر غير القراءة أطرد به هذا الملال وما يجره من سآمة، ودار بخاطري ~~أن أستغني عن المربية وأن أقوم أنا بدورها، لكني أشفقت من هذه الأمانة وأبيت حملها بعد أن ~~سبقت لي تجربتها، واقتنعت بأن المربية أقدر مني على إجادتها، ماذا أصنع إذن لأملأ أوقات ~~فراغي؟ # شغلت نفسي بما تشغل به كثيرات من الأمهات وقتهن فبدأت أطرز لطفلي بعض ملابسهما، لكني ~~سرعان ما برمت بهذا العمل وألقيته جانبا، فهو يشغل اليدين ويترك الذهن في حيرة فراغه، ~~وهو بعد ليس الإنتاج الذي يليق بمثلي، وقد تعودت أن أبتاع للطفلين هذا النوع من الملبس ~~الجميل الذي لا يكلف باهظ النفقة، فأي شيء أصنع يليق بي ويملأ أوقات فراغي؟ # بدأت أغبط هاتيك النسوة الفقيرات بائعات اللبن أو الخضر، أو العاملات في المزارع ~~والمصانع، أو في المنزل ممن يستيقظن مع الفجر ليؤدين واجب الحياة ولا يشعرن بما أشعر به من ~~ملال وسأم، وبدأت أغبط مربية أولادي إذ تنهض بعبء حياتهما وبتربيتهما وتعليمهما، وتولاني ~~الأسف أن لم أتم دراستي ليكون إتمامها في الموقف ms162 الدقيق الذي أقفه اليوم وسيلتي لعمل مثمر ~~يملأ فراغ وقتي؛ فلست أنا من طراز هاتيك النسوة أمثال صديقتي ممن يستطعن أن يقضين نهارهن ~~وجانبا غير قليل من ليلهن في التزين، وفي فتنة الرجال استجداء لعطفهم واستظلالا بحمايتهم، ~~أما وذلك شأني فما عساي أصنع لأملا أوقات فراغي؟ # شغلت بهذا الأمر أيما شغل، وزادني اشتغالا به ما أعلمه عن الناس وألسنتهم الحداد يسلقون ~~بها امرأة مثلي تعيش منفردة مع طفلين في حي ناء من أحياء الإسكندرية، ولئن كانت أحاديث ~~الناس لا تعنيني فإنني مع ذلك لجد حريصة على مكانتي، وعلى سمعتي، وعلى ألا يشمت الشامتون ~~بي. # وجاء صديقنا يوما فألفاني في هذه الحال القاتلة كاسفة البال، فسألني ما بي؟ # قلت: لا شيء. قال: إن وجهك ينم عن شدة حيرتك وقلقك، فهل يوجد ما يزعجك؟ # قلت: كلا، ولكنه الفراغ يقتلني، لقد كنت قبل طلاقي أناصب زوجي الخصومة، وأناضل أوهاما ~~تقوم برأسي، فكان لي من هذا النضال ما يشغل وقتي كله، أما اليوم فلم يبق لي في الحياة ~~شاغل، ولست أطيق هذا الفراغ فهو يأخذ بخناقي، دعك ما يتيحه للناس من فرصة الثرثرة علي ~~والتندر بي فذلك لا يعنيني. # قال صديقنا: أما فكرت في العود إلى القاهرة تستأنفين فيها حياتك الماضية؛ إن لك بها ~~لأصدقاء يسرهم أن يروحوا عنك ويذهبوا ملالك وسآمتك، ولو أنك عدت إليها لسرني أن أكون في ~~مقدمة هؤلاء. # قلت: لم تعد هذه الحياة تروقني، لقد اتخذتها يوما وسيلة لغاية هي أن أثير غيرة زوجي ~~ليعود إلى حظيرتي، أما أن أجعلها حياتي اليومية، وأن أطلق بذلك ألسنة الناس في غير موجب، ~~فذلك حمق لا أرضاه. # قال صديقنا: لا أريد أن أحدثك من جديد في استئناف حياتك الزوجية الأولى بعد الذي سمعته ~~منك في شأنها، فلم لا تتزوجين رجلا آخر تبنين معه بيتا جديدا وحياة جديدة؟ # فأطرقت طويلا ثم قلت: ذلك أمر لم أفكر بعد فيه، أنا بطبيعة الحال حرة في أن أفعل إن شئت، ~~لكنني ... لم أفكر في الأمر. # والواقع أن ms163 هذه الفكرة كانت قد بدأت بالفعل تداعبني، وأنني كنت أفكر بالفعل في صديقنا، ~~لكن اعتراضات قوية ردتني عن هذا التفكير: أولها ما دأبت صديقتي على إذاعته في جميع أوساطي ~~قبل زمن طويل من طلاقي، من أني أريد أن يطلقني زوجي لأتزوج من صديقنا، فلو أن هذا الزواج تم ~~اليوم لصدق الناس ما كانت تذيعه، ولقال الناس في ما شاءت لهم أهواؤهم فصدقهم الأمر ~~الواقع. # وثاني هذه الاعتبارات وأهمها في نظري أني أريد أن أنسي ولدي أباهما حتى يكون انفصالنا ~~حاسما، ولن يكون ذلك إلا إذا تبناهما من أتزوجه فتسميا باسمه، وليس يسيرا أن يقبل رجل ~~هذه التبعة أمام نفسه وأمام الناس. # ولما ذكرت لصديقنا أنني لم أفكر في أمر الزواج بعد قال: لعلك تفكرين فيه ثم نعود إلى ~~تقليبه معا، وسأعود من القاهرة في الأسبوع المقبل. # ماذا تراني أقول له يوم يعود؟ قضيت طيلة الأسبوع ألتمس جوابا لهذا السؤال، ولم أكن قد ~~اهتديت إلى جواب حين عاد، فلما فاتحني في الموضوع قلت له: لقد فكرت في الأمر فلم يهدني ~~تفكيري إلى رأي، فهل لي أن ألتمس هذا الرأي عندك؟ # فمكث طويلا صامتا، ثم قال: لم أكن أحسب الأمر دقيقا بهذا المقدار، فلم يعهد الناس أن ~~تقول سيدة إنها تريد أن تتزوج، وإنما عهدهم أن يخطب الرجل السيدة فتقبل أو تأبى. # قلت: أرأيت؟! هأنتذا وضعت يدك على جوهر الأمر ولبه، أما ولم يخطبني حتى اليوم أحد إلى ~~نفسه فلا يجوز لي أن فكر فيما أريد وما لا أريد. # وأطرق الرجل طويلا ثم رفع رأسه وقال: أصارحك بأنني لست راضيا عن هذه الحياة التي ~~تحيينها، سواء رضيت بها أنت أم برمت بها، فأجيبيني بصراحة: أترضينني زوجا إذا أنا خطبتك ~~إلى نفسي؟ # قلت: وما عسى أن تقول صديقتي يومئذ؟ إنني منعتك من زواجها، وبذلت جهدي ليطلقني زوجي حتى ~~تتزوجني؟! # قال: دعك من صديقتك وما يمكن أن تقول، وإذا كان هذا كل اعتراضك فما أهونه! أنت اليوم ~~امرأة حرة من عدة أشهر، فإذا تزوجت ms164 دل ذلك على أنك سيدة عاقلة، وأنك تؤثرين الحياة الكريمة ~~على هذه الحياة الماجنة التي تحياها صديقتك منذ سنين. # قلت: إذن فاسمع، إنني أرحب بخطبتك وأشكرك عليها إذا قبلت لي شرطا لا أفكر في أن أتزوج من ~~لا يقبله؛ إنني أريد أن أحسم كل صلة بيني وبين مطلقي، ولا يكون ذلك ما بقي هذان الطفلان ~~منسوبين له، فلا بد أن يتبناهما من أتزوجه، وأن يتسميا باسمه، فإن قبلت أنت ذلك ~~قبلت الزواج منك. # وجم الرجل وتولته الدهشة لهذا الذي طلبت إليه، وبعد أن فكر في الأمر مليا قال: لك ما ~~تطلبين، فالأمر في ذلك أمرك أنت، وإذا وجه الناس فيه لوما فسيوجهونه إليك، على أنني ~~أوثر ألا نعجل في ذلك، وألا نعجل في إعلان زواجنا حتى لا يعرفه مطلقك، فإذا انقضت على ~~زواجنا بضعة أشهر انتقلت إلى بيتي بالقاهرة، ودبرنا أمر الطفلين في هذه الأثناء، عند ذلك ~~أجبته: إذن فأنت وما تريد. # ولم ينقض هذا المساء حتى كان قد أحضر المأذون فأطلعه على وثيقة الطلاق فعقد زواجنا، ~~وانتهت بذلك حيرتي وقلقي؛ إذ أصبحت في عصمة رجل أثق به وأطمئن إليه، وله إلى ذلك الفضل في ~~أنه هو الذي عرض نفسه لينقذني من هذه الحيرة وهذا القلق، برغم ما يمكن أن يتهمه الناس به من ~~أنه خان عهد الوفاء لصديقه، وخفر ذمته وسلبه زوجه. # وعاد الرجل الغداة إلى القاهرة وكأن شيئا لم يحدث، وأخذ يتردد علينا كل أسبوع متحاشيا ~~يوم يجيء مطلقي يرى فيه ولديه، وانقضت الأيام والأسابيع والأشهر بعد ذلك، وقد سكنت نفسي ~~وهدأ بالي واطمأننت إلى الحياة، ولم يعد يشغل بالي من أمرها إلا أن ندبر كيف ننسب الطفلين ~~إلى زوجي، ولم يكن تدبير هذا الأمر مستطاعا قبل أن يعلم مطلقي بزواجنا، وقبل أن نقطع صلته ~~على وجه حاسم بنا. # وبقيت أتناول من مطلقي ما قرره لنا من نفقة حتى عدت إلى القاهرة، وحتى علم بأنني تزوجت ~~صديقنا، هنالك جن جنونه وأيقن أنني لم أفسد زواج صديقتي بصديقنا إلا ms165 لأتزوجه أنا، فأنا ~~إذن كنت أحب الرجل الذي تزوجته اليوم إذ كنت في عصمته هو، وأنا لم أغاضبه ولم أناصبه ~~العداوة إلا لهذا السبب، وأن صديقنا حرضني على ذلك وأعانني عليه، كما حرضني على هجر بيت ~~الزوجية والفرار إلى الإسكندرية، ولم يترك مطلقي وسطا من الأوساط التي يغشاها إلا طعن فيها ~~على صديقنا أشد الطعن، ورماه بالخيانة والغدر، وبكل منقصة تنكرها الرجولة وتأباها ~~الكرامة. # ولم يقف أمره عند هذا الحد، إنه يعلم تعلقي بولدينا وحبي لهما حب العبادة لا حب الأم؛ لذا ~~بعث إلي من يخبرني أنني لم أعد أصلح للقيام عليهما بعد أن تزوجت، وأنه يطلب أن أسلمه ~~إياهما بالحسنى، وإلا قاضاني لضمهما إليه، وطلبت إلى رسوله أن يبلغه أنني لا أزال أطمع منه ~~فيما عودنيه من عطف ونبل، وألا يحرم الولدين من حنان أمهما وقد تعوداه، وأنني سأبعث بهما ~~إليه يوما من كل أسبوع يقضيان سحابة نهارهما عنده، وتوسلت إلى الرسول كي يقف مدافعا عني ~~عند مطلقي وقلت له: «بالله عليك، أكان يرضيك أن أبقى بلا زوج فتكثر قالة الناس في وتجرحني ~~بالباطل؟! لقد نذرت نفسي غداة طلاقي لهذين الطفلين أربيهما ثم لا أتزوج ما عاشا، لكنني رأيت ~~نفسي بعد شهر عاجزة عن الوفاء بنذري، معرضة لما تتعرض له امرأة في مثل موقفي من سوء القالة ~~وإثم الظن، ولولا أن عرض صديقنا نفسه ليفتديني مما كنت معرضة له لبقيت ينهشني الناهشون، ~~ويدسون إلى قلبي سمومهم حتى أموت كمدا، لكن هذا الرجل كان صديقا لمطلقي قبل أن أعرفه، ثم ~~كان مطلقي سبب التعارف بيننا وتوثيق صلتنا؛ إذ قدمه لي على أنه أكثر أصدقائه وفاء ومروءة، ~~هذا الرجل أدرك حرج مركزي فقدم نفسه منقذا لي؛ فتشبثت باليد التي مدها إلي إبقاء على ~~سمعة طاهرة ما تعرضت يوما لكلمة سوء، أليس حقا على مطلقي أن يحمد هذا الصنيع؟ أم ~~يكون جزاء ولدي أن يحرما من حنان أمهما، وأن يعيشا مع مربيتهما يتيمين؟ ~~«ناشدتك المروءة يا سيدي إلا ما رجعت إلى صاحبك ms166 وأقنعته بأن ولدينا عندي أعز من عيني، بل ~~أعز من حياتي، وأنني سأبقى مدينة له بهذه الحياة لقاء تركهما في أحضان عنايتي، أنا أم يا ~~سيدي فلا تكن علي في حرماني من حبة قلبي، بل كن لي ولك شكري وثنائي، وادع الله معي أن ~~يوفقك فيما أرفع إليك أكف الضراعة فيه.» # كانت نبرات صوتي في أثناء هذا الحديث تصور ما ينبض به قلبي، وكنت في ختامه قد رفعت كفي ~~المرتعشتين ضارعة إلى رسول مطلقي ليكون عوني، فلما أتممت كلامي ألقيت رأسي بين ذراعي أخفي ~~دموعي التي انهملت وفضحها بكائي، ثم رفعت رأسي فإذا الرجل كله التأثر يكاد يبكي لبكائي، ~~فلما استرجعنا بعض سكينتنا قال: «ليتني أستطيع في الأمر شيئا يا سيدتي، ولو أنك رأيت ثورة ~~مطلقك لعذرتني، ولو أنني عرفت قوة حجتك لما قبلت رسالته، صحيح أنه حذرني من سحر حديثك، ~~وحديثك ساحر لا ريب، ولست أدري والأمر ما أسمع وأرى كيف طابت نفسه بتطليقك، على أنه ذكر لي ~~أنك لو كنت تزوجت شخصا غير هذا الذي خان عهده وأبعدك عنه، لما ثار بك هذه الثورة، مع هذا ~~سأكون رسولك إليه، كما كنت رسوله إليك، وأرجو أن أوفق معه إلى ما يرضيك برغم ما في ثورته ~~من عناد وعنف.» # انصرف هذا الرسول ولم يعد إلي، وحسبت أنه وفق في إقناع مطلقي بما أردت؛ لأنني لم ~~أسمع عن هذا الموضوع حديثا أسابيع متعاقبة، بل لقد بعث إلي مطلقي بنفقة الطفلين بعد ذلك ~~مما ثبت عندي الظن بأنه أجاب رغبتي، على أني علمت أنه سافر بعد ذلك إلى الإسكندرية لغير ~~سبب أفهمه، ولم أعن نفسي بالتماس العلة لهذا السفر، ولم أتتبع خطواته فيه، ولم يدر ~~بخاطري أن له بحياتي هناك أيه صلة. وكان من أثر سكوته الظاهر عني أن استراح ضميري إذ قدرت ~~أن أمر الطفلين انتهى إلى ما أريد، وإن اضطرني ما حدث للتنازل عن مطالبة زوجي بأن يتبناهما ~~حتى لا يثور الأب من جديد لإهدار أبوته فيعود إلى المطالبة بضمهما ms167 إليه. # وإنني في مخدعي ذات صباح بعد هذه الأسابيع إذ حمل إلي الخادم إعلانا قال إن أحد ~~المحضرين جاء به واستمضاه على أصله، وقرأت الإعلان فإذا هو من مطلقي يطلبني به أمام المحكمة ~~الشرعية لسماع الحكم بضم ولديه إليه لأنني تزوجت وأصبحت لا أؤتمن عليهما. عند ذلك طاش صوتي، ~~وخيل إلي أن انتزاع الصبيين مني معناه انتزاع حياتي من بين جنبي، ولعنت الساعة التي ~~قبلت فيها أن أتزوج من صديقنا، وحسبت أني إذا انفصلت عنه بالطلاق حلت هذه العقدة ~~واستبقيت ولدي في أحضاني، لكن ماذا يقول الناس يومئذ عني؟ ويا لشماتة صديقتي إن حدث مثل ~~هذا الأمر! إنها يومئذ لتدق الطبول وتقييم الأفراح، وتنادي بأن القدر انتقم لها من مؤامرتي ~~عليها، رباه ماذا أفعل وأي سبيل أسلك؟! # وإني لفي حيرتي إذ أقبل صديقنا - زوجي - فناولته الإعلان فقرأه ثم رده إلي، وبعد ~~هنيهة قال: «يا له من دنيء! أيحسب قاضيا يحكم بما يطلب ليقيم الطفلان في بيت لا يرعاهما ~~فيه أحد؟! سأوكل عنك أبرع المحامين الشرعيين يسلقونه في المحكمة بألسنتهم الحداد، ولا يدعون ~~له أديما صحيحا حتى يمزقوه إربا إربا، وسيعلم يوم يحكم القضاء برفض دعواه ومضاعفة نفقة ~~الطفلين أنه اختار أسوأ ميدان يمكن أن ينازلك فيه.» # وبعد الظهر أخذ الإعلان وذهب به إلى محام شرعي من أصدقائه وكله عني، ويومئذ أيقنت أني ~~عدت مع مطلقي إلى خصومة لا تنفع فيها مغاضبة ولا ملاينة؛ لأنها انتقلت إلى عناد عنيف بين ~~زوجي القديم وزوجي الجديد، ولم يخطئ ظني، فقد شغل زوجي بهذه المسألة إلى غير حد، حتى لقد ~~كان يذهب إلى المحامي بعد الظهر من كل يوم، ثم يجيء إلي يقص ما دار بينهما، ويذكر أن ~~المحامي واثق من كسب الدعوى لا محالة. # مع هذا كانت المخاوف تساورني، أولو قضي لمطلقي بضم ولديه فماذا عساي أفعل؟ أؤسلمهما ~~له في يسر وإذعان لأنني إن لم أفعل تسلمهما بقوة القانون؟ لكن حياتي تصبح بعد ذلك جحيما لا ~~يطاق، ويعلم الله بعد ذلك ما يكون ms168 بيني وبين زوجي في حياتنا الحاضرة! # وبدأت أعصابي تضطرب لكثرة تفكيري في هذا الأمر، وأدى ذلك بي إلى صنع ما كنت أسخر منه حين ~~يصنعه غيري؛ بدأت أزور الذين يقرءون الكف وينظرون في فنجان القهوة لعلهم يطمئنونني على مصير ~~الولدين، وقيل لي إن شيخا من أولي البركة يستطيع بتعاويذه أن يكفل لي كسب قضيتي، فذهبت ~~إليه من غير أن يعلم زوجي، وكنت كلما رأيت الطفلين أمامي بكيت كأنما أصبحا يتيمين، وكنت ~~أختلف مع زوجي وأغاضبه لسبب ولغير سبب، وكان هو يدرك علة اضطرابي وما أنا فيه فلا يغضبه ~~غضبي، بل يبذل كل جهده ليهون علي الأمر ويرد إلي الطمأنينة. # وتأجلت القضية غير مرة بطلب محامي، ثم جاءت جلسة المرافعة فيها فأردت حضورها، فألح ~~علي زوجي ألا أفعل مخافة أن تصدر مني كلمة من غير قصد تكون سببا في ضياع حقنا، وترافع ~~المحاميان في الدعوى، وقالا في وفي زوجي وفي مطلقي ما قال مالك في الخمر، وحجزت القضية ~~بعد ذلك أسبوعا للحكم فازددت اضطرابا، لقد أفهمني زوجي أن دعوى مطلقي سترفض في الجلسة وفي ~~وجهه، فما هذا التأجيل؟! # وقضيت الأسبوع كاسفة البال كثيرة التفكير، فلن يتغير شيء في حياتي إذا رفضت المحكمة طلب ~~مطلقي، أما إذا حكمت له فالويل لي! # وجاء موعد النطق بالحكم، فإذا هو يقضي بضم الولدين إلى أبيهما، وقعت الواقعة إذن وأقر ~~القضاء ما وجه إلي زوجي من مطاعن، قال زوجي حين رأى جزعي وبكائي: «لا تجزعي فسنستأنف ~~الحكم، وأمل المحامي في الاستئناف كبير.» قلت: «وقد كان أمله كبيرا عندما تسلم الإعلان ~~الأول، وها نحن أولاء خسرنا القضية في الجولة الأولى، ولا أريد بحال أن نغامر أمام ~~الاستئناف فنخسرها مرة أخرى، إنني أريد أن أرى مطلقي بنفسي، وأنا واثقة من مروءته وطيبة ~~قلبه.» قال: «الأمر لك، فاصنعي ما تشائين! لكن الاستئناف يجب أن يرفع بعد أن أصبحت أنا ~~هدفا لمطاعن لا يمكن أن أقبلها.» # وأعلنني مطلقي بالحكم، وكان مشمولا بالنفاذ المعجل، وقال في الإعلان إنني إن لم أسلمه ms169 ~~الطفلين لضمهما إليه فسيتخذ إجراءات التنفيذ. قلت في نفسي: أصبح الأمر يقتضي الحكمة وحسن ~~الحيلة، وهبني ذهبت إليه بنفسي فأبى أن يقابلني، أو قابلني في جفاء وأصر على تنفيذ الحكم! ~~أليس خيرا أن أبعث إليه رسوله الذي خاطبني في أمر الولدين، والذي تأثر بحديثي وكاد يبكي ~~لبكائي؟ # وبعثت إلى هذا الرسول أرجوه مقابلتي، فلما حضر عندي قلت له: «لقد حسبت سفارتك عني أقنعت ~~مطلقي بالعدول عن ضم ولديه، وها هو ذا قاضاني في أمرهما، وحكم له القضاء بضمهما ورضيت بذلك ~~كرامته، أفأطمع منك مرة أخرى في المرافعة عنده نيابة عني؟ أرجوك أن تؤكد له أنني لم أكن ~~أريد السير في مخاصمته، وأن زوجي هو الذي اندفع فوكل محاميا عني؛ لأن عريضة الدعوى مسته في ~~كرامته وإبائه، وأن تذكر له أنني طوع إرادته في كل ما يريد إذا هو ترك الطفلين يكبران بعيني ~~في رعايتي وحناني، إنه يعلم أنه قاتلي لا محالة إذا انتزعهما مني، فإذا قدر لي أن أعيش ~~قضيت ما بقي من أيامي شقية بائسة، فإن رضيت بذلك مروءته ورحمته وما عودني طول حياتي معه من ~~بر وعطف فذلك شأنه، وذنبي في رقبته، وإن غلبه ما أعرف من بره فترك لي الطفلين، فأنا رهن ~~إشارته، وإن شاء أن يطلقني زوجي فله ما يشاء، وإن أراد أن أهجر القاهرة إلى أي مكان يختاره ~~فأنا طوع إرادته، إنني أقبل كل شيء ما بقي الولدان في أحضان عنايتي وحناني، إنني أم يا سيدي ~~فارحموا أمومتي، ارحموا هذه العاطفة التي أودع الله تكويننا معشر الأمهات، وجعل منها نور ~~أعيننا وسبب حياتنا، ارحموني فإنني اليوم على حافة اليأس، فإن تفعلوا شكرتكم، أو يكون قضاء ~~الله بيني وبينكم.» # ورأيت أن يكون ولدانا رسولي إليه عني وعن نفسيهما. # وإني لأحدثه وعيناي تسحان بالدمع إذا الصبيان يدخلان علينا ولا يكادان يريان ما أنا فيه ~~حتى يرتميا علي يبكيان وهما يقولان: «نحن فداؤك يا أماه»، وبكى الرسول لبكائنا، فلما هدأت ~~ثورتنا قال: «لك علي أن أكون عند مطلقك ms170 رسول هذين الصبيين قبل أن أكون رسول أمهما، فإذا ~~أحوج الأمر فسأطلب إليه أن يدعوهما ليسألهما أيبقيان معك أو يعيشان معه، والله يوفقني لما ~~يرضاه وترضينه يا سيدتي.» # وانصرف الرجل بعد أن شكرته في توسل تنطق به دموعي أبلغ مما ينطق به لساني، ولم يبطئ الرجل ~~علي غير ثلاثة أيام ثم عاد إلي متهلل الوجه يقول: «بشراك يا سيدتي! لقد نجحت سفارتي عنك ~~كل النجاح»، ثم أخرج الرجل من جيبه ورقة دفعها إلي وقال: «وهذا هو الحكم الذي صدر لمطلقك ~~بضم ولديه إليه، وقد كتب عليه بخطه وتوقيعه بالتنازل عنه لمصلحتك، وبقبوله إبقاء الصبيين في ~~رعايتك.» # ولقد كدت أطير فرحا حين تناولت منه صورة الحكم وقرأت تنازل مطلقي عليها، وكدت - لولا ~~الحياء - أن أقبل الرسول، ثم إنني شكرته من أعماق قلبي وسألته: «وفيم كان انقطاعك عني كل ~~هذه الأيام الثلاثة؟ أترى مطلقي لم يقتنع لأول ما حدثته؟» وتردد الرجل وطلب مني إعفاءه من ~~الجواب عن سؤالي، فزادني ذلك شوقا لمعرفة ما كان وإلحاحا في السؤال عنه، فكان جوابه: «لم ~~يكن انقطاعي هذه الأيام الثلاثة لأن الدكتور أبى أو تردد منذ اليوم الأول، فقد ذكرت له ~~رسالتك بكلماتها فذرفت عيناه الدمع، وقال: «مسكينة هذه المرأة! لولا غرورها وغيرتها لما ~~جرت على نفسها وعلي وعلى ولدينا كل هذا البلاء، هي تعلم أنني أحببتها ولا أزال أحبها، ~~لكنها لم تطق إلى جانب محبتي إياها أي عاطفة من جانبي لغيرها، ولا عاطفة الصداقة، ولا عاطفة ~~المروءة، وإنني ليعز علي أن تتألم وأن أكون أنا سبب ألمها، ولست أريد منها شيئا قط، لتبق ~~مع زوجها الخائن ليمتعها الله بحياتها وحياته، وتحتفظ بالولدين فلن أحرمها منهما وأنا أعلم ~~أنها من دونهما لن تطيق الحياة.» ومد مطلقك يده إلى مكتبه يريد أن يخرج الحكم منه ليكتب ~~عليه بالتنازل، وإنه ليجر درج المكتب إذ دخلت علينا صديقتك ورأتني، وإذ كانت قد سمعت حديثي ~~إليه دفاعا عنك قبل أن يرفع الدعوى، فقد أدركت أنني جئت إليه بسفارة منك ، لذلك ms171 صاحت به ~~وبي: «ماذا تفعلان؟!» وقص عليها مطلقك ما رويت له من حديثك فقالت: «يا للفاجرة! أفنسيت ~~ما صنعته معك كل هذه السنين؟ لقد غاضبتك برغم إكرامك إياها لغير شيء إلا لغيرتها مني غيرة ~~حمقاء، وقد فرت منك إلى الإسكندرية، فلما أردتها على أن ترجع إليك أبت منك هذه الكرامة، مع ~~ذلك بالغت أنت في إكرامها، وبعثت بها وبولديها إلى أوروبا، وأرادت المصادفة أن أكون وإياها ~~على باخرة واحدة، ولو أنك رأيتها إذ ذاك وكيف أدت بها الغيرة إلى حديث السوء عني مع مسافرة ~~فرنسية كانت معنا ونقلت إلي أقوالها لأيقنت أنها أصيبت في عقلها! فقد أنكرت أنها ~~صديقتي، وذكرت لهذه الفرنسية أن أصدقائي يسمونني «الأرملة الطروب»، فلما عادت لم تعترف لك ~~بالفضل، بل ألحت عليك في أن تطلقها، فلما طلقتها تزوجت هذا الوغد الذي خانك وخفر ذمة ~~صداقتك، أهي هذه المرأة التي لا زال حبها يسيل دموعك، وينيلها كل برك وعطفك؟»» # واستطرد الرسول بعد ذلك يقول: «هنالك رد مطلقك درج مكتبه وأقفله، وقال: «بالله عليك يا ~~أخي إلا ما تركتني أفكر في الأمر سحابة هذه الليلة»، فلما عدت إليه الغداة ألفيت صديقتك ~~عنده، وقد أخذت لدخولي عليهما، وظهر عليها بعض الارتباك دليلا على أنها كانت تتكلم في ~~موضوعنا، عند ذلك قلت موجها الكلام إليها، وكأنها معي في الحجرة وحدها: «حنانيك يا سيدتي ~~ورفقا بهذين الصغيرين، إنك أم وتقدرين حاجة الصغير إلى حنان أمه، وإنني لا أخاطب الدكتور ~~باسم مطلقته، وإنما أخاطبه باسم ولديه، باسم هذين العصفورين اللذين لا يزالان في حاجة إلى ~~دفء هذا الصدر وعطفه، صدر الأم الحنون التي ترى فيهما روحها وحياتها، فكري في الأمر يا ~~سيدتي من هذه الناحية، وانسي المرأة التي تكون قد أساءتك، انسي غريمتك التي أثرت غيرتها ~~وأثارت غيرتك واذكري أبناءك أنت! أفتطيقين أن يحرموا من حنانك ثم تطمئنين عليهم؟ واسمحي ~~لي بعبارة قد ترينها قاسية: أولو خيرت - لا قدر الله - بين أن تفقدي جمالك هذا الفاتن ~~أو تفقدي أبناءك فأي النكبتين تختارين؟ ms172 أرجوك يا سيدتي أن تكوني مع الصغيرين لا عليهما؛ ~~فهما لم يسيئا إليك إن كانت قد بدرت من أمهما إليك مساءة.» ثم إنني توجهت بالكلام إلى مطلقك ~~وقلت له: «وأنت يا صديقي، أتسيغ رحمتك أم يسيغ عدلك أن يتحمل هذان الصغيران وزر صديقك ~~وخيانته عهدك؟! إنك لن تستطيع أن تنقطع لهما، وعملك يشغل نهارك وبعض ليلك، وليس لك أم تحنو ~~عليهما حنو أمهما، وقد أنصفك القضاء وحكم لك، وهذه مطلقتك لا تطمع إلا في مروءتك وكرمك ~~ونبلك، أفتردني إلى الصغيرين وإليها خائبا؟ حاشاك أن تفعل!» # فنظرت إلي صديقتك ملء عينيها الفاتنتين وقالت: «ما أرى إلا أن حديث هذه المرأة سحرك كما ~~سحر غيرك، وقد أدليت بحجتي وأدليت أنت بحجتك، فلننصرف بسلام، ولنترك الأمر لصاحبه.» # قال مطلقك: «فعد إلي يا أخي غدا نتناول الغداء معا، وعندها أقول لك كلمتي الحاسمة.» ~~وانصرفت وانصرفت صديقتك، فلما دخلت عليه في موعد الطعام سلمني صورة الحكم وعليها تنازله ~~كما سلمتك إياها، فلما قرأتها وشكرته قال: «لا حيلة لي في ذلك يا صديقي، فأنا لا أملك ~~إغضابها وأنا لا أزال أحبها، وبذلك انتهى الكلام بيننا في هذا الأمر».» # فلما أتم الرسول حديثه قلت له: «إنني أكرر شكري لك يا سيدي من أعماق قلبي، ولست أدري كيف ~~أستطيع أن أجزيك بما صنعت، فالله يتولى جزاءك»، وودعت الرجل إلى الباب حين انصرافه أكرر له ~~عبارات الشكر، فوقف قبل أن يتخطى إلى الخارج وقال: «لا تشكريني يا سيدتي بل اشكري مطلقك، ~~اشكري هذا الرجل ذا القلب الكبير الذي لا يعرف الحقد ولا القسوة، ولو اعتقدت أنك تستطيعين ~~لأشرت بأن تذهبي إليه بنفسك وتبذلي له خالص الشكر على سمو نفسه وعظيم مروءته.» # وفاض بي السرور حين رأيت نفسي وحيدة في غرفتي فارتفع صوتي بالغناء، وإنني لكذلك إذ دخل ~~علي زوجي فجأة وسألني ما لي؟ فأعطيته صورة الحكم فقرأ التنازل الذي عليها ثم قال: «لم يبق ~~إذن للاستئناف موضع، ولم يعد في مقدوري أن أنتقم من هذا الرجل الذي أساء إلي ms173 بلسان محاميه ~~شر إساءة.» قلت: «لا عليك يا عزيزي، لقد كسبنا الدعوى من غير أن نستأنفها، والخاسر اليوم ~~هما المحاميان، فلم يبق لمحامينا أن يمزق أديم مطلقي، ولم يبق لمحاميه أن يمزق أديمنا، ~~فكفانا ما كان من ذلك أمام المحكمة الابتدائية، ولنحتفل اليوم بأن الولدين ظلا في أحضاننا، ~~فاليوم عندنا هو خير عيد مر بي في حياتي.» # وأسلمت نفسي بعد هذا اليوم إلى فيض من الغبطة أعتاض به عن قسوة الأيام التي مرت بي منذ ~~بدأ الحديث في فصل ولدي عني، وكذلك خلا بالي وغمرني من الحياة نعمة أنستني كل ما مر بي من ~~متاعبها، وما أيسر ما ينسى الإنسان البأساء والضراء إذا مسته نعمة لم يكن يتوقعها! # وأقبل الصبيان فأخذت أقبلهما كأنهما كانا في سفر طويل ثم عادا اليوم منه، أو كأنما كنت ~~فقدتهما ثم لقيتهما، وشعر الصبيان - برغم عبرات جادت بها عيناي - أنني فرحة مستبشرة، ~~فغمراني بقبلاتهما، وأمسكا بيدي يعبثان في نشوة وطرب، ويدعوانني بأعذب الأسماء التي تمر ~~بخاطرهما، وكذلك عمت البيت كله نشوة لم تكن المربية أقلنا غبطة بها واشتراكا ~~فيها. # ومرت الأيام وهذه الغبطة تملأ البيت بشرا وحبورا، وأنا لا أفكر في شيء إلا فيما غمرنا ~~من نعمة الرضا، وأحسب أن أيام الهموم قد ابتلعها اليم في جوفه، وأن المستقبل كله سيكون ~~معطرا بشذا السعادة، بعد أن بدأت أزاهيره تتفتح عن الأمل الباسم. # | الفصل التاسع # لم يكن لي بد من أن أشكر مطلقي على ما أسدى إلي من يد وطوق عنقي به من كريم مروءته ~~ونبله، ولم أكن أستطيع أن أذهب إليه بنفسي وأنا في عصمة صديقنا، وأنا معرضة إن فعلت أن ألقى ~~عنده صديقتي فأضطر للفرار من وجهها فلا يحمد الرجل أدبي، وأنا لا أملك في هذه الحال إلا ~~الفرار، لهذا رأيت أن يكون ولدانا رسولي إليه عني وعن نفسيهما، فلما كان الموعد الذي يذهبان ~~إليه فيه كل أسبوع علمت ابنتي ما تقول لأبيها، وجعلتها تكرره حتى حفظته عن ظهر قلبها، ~~فلما عاد الصبيان من ms174 عند أبيهما ذكرت لي ابنتي أن أباها بلغ منه التأثر غايته حين قبلت ~~يده وقالت له: «إن والدتي تشكر لك برك ومروءتك من أعماق قلبها»، وأنه ازداد تأثرا حين ~~قبلت هي وقبل أخوها يديه وقالا له معا: «ونحن كلانا نشكر حنانك وعطفك»، فقد أجلسهما ~~عند ذلك إلى جانبه وأوسعهما تقبيلا، ولم يستطع وعبراته تنهمل من عينيه أن يقول كلمة ~~واحدة. # تعاقبت الأيام بعد ذلك وأنا في غبطة بما ظفرت به من بقاء طفلي في كنفي وتحت جناحي، فلقد ~~كنت أراهما نهاري، فإذا جاء موعد نومهما ذهبت إلى غرفتهما أتحسسهما بيدي أريد أن أطمئن ~~اطمئنانا ماديا إلى أنهما بجانبي وتحت سقفي، كأنما كنت أخشى أن يختطفهما أثيم فيحرمني ~~متاع عيشي وموجب حياتي. # وفعل الزمن فعله فهدأت بمرور الأسابيع نفسي، وعدت سابق سيرتي، لكن الزمن لا يرضيه أن يبقى ~~مطمئن في طمأنينته ولا سعيد في سعادته، فقد عاد الصبيان من عند أبيهما يوما فذكرا أنهما ~~رأيا هناك صديقتي ومعها كبرى بناتها، وأنها نظرت إليهما وقالت - توجه الكلام إلى أبيهما: ~~«ما شاء الله! لقد كبر الصبيان وترعرعا.» لقد انتفض جسمي كله حين سمعت ما ذكرا؛ أكان ذلك ~~لأنني خشيت أن تحسدهما عيناها الجميلتان؟ أم أن وجودها مع ابنتها عند مطلقي أثار نفسي ~~وحرك ما كاد يندمل من شجوني؟ لست أدري، لكن عاطفة الشكر لمطلقي بدأت من هذه اللحظة تضطرب ~~في نفسي، وبدأت أشعر بأنني لم أخلق لأكون يوما على وفاق معه. # وأخذ ذهني يفيق من السبات المسعد الذي كان قد استراح إليه، وجعلني أستعيد ماضي حياتنا، ~~وآخر أحاديثه عني للرسول الذي كان سفيره إلي وسفيري إليه، ولقد وقفت عند كلمة قالها لهذا ~~الرسول وقالها قبل ذلك لي: إنه لولا غروري وغيرتي لما جررت عليه وعلى نفسي وعلى ولدينا ~~ما أصابنا من المتاعب، وإنه مع ذلك لا يزال يحبني ولن يحب غيري، وابتسمت حين استعدت هذه ~~العبارة وخيل إلي أنه لولا هذا الغرور وهذه الغيرة لما أحبني، ولما ظل متشبثا بحبي ~~برغم ما أذقته ms175 من أهوال، لكن ابتسامتي لم تلبث على شفتي غير لحظة ثم تلاشت؛ لأن طيف صديقتي ~~تعرض أمامي وكأنها تقول: «لا تخدعي نفسك، فما يدور بخاطرك الساعة ليس إلا أثرا من آثار ~~غرورك وغيرتك.» أزعجني هذا الطائف ودفعني لأن أتساءل: «إذا كان مطلقي لا يزال يحبني وإن لم ~~أحبه فما تردد هذه المرأة عليه؟ وما استماعه لها حتى كاد يتردد في إجابة مطلبي بقاء ولدي في ~~كنفي ورعايتي؟!» # واضطربت في نفسي عاطفة الشكر لمطلقي حتى بلغ من اضطرابها أن عدت ألعن يوم تزوجنا، وأسأل ~~نفسي كيف استطعت حينذاك أن أحبه، وكيف استطعت أن أعيش معه السنين التي عشناها جبنا إلى ~~جنب، ولم يكن قد جد ما يحرك هذا الشعور عندي إلا إحساس بأنه يخدعني حين يذكر أنه لا يزال ~~يحبني وإن كنت لا أحبه، فلو كان ما يقوله صحيحا لأقصى عنه صديقتي، ولما سمح لها بزيارته ~~منفردة أو مع ابنتها، ولا سمح لها بأن تتدخل في أخص شئونه. لعلي كنت ظالمة، أو على الأقل ~~كنت مبالغة في ثورتي هذه برجل أحسن إلي ولا يزال يظهر لي خالص الود بإحسان معاملته ولديه، ~~ولعلي كنت يومئذ لا أجد جوابا إذا سألني سائل: وماذا تقولين إذا تزوج مطلقك صديقتك كما ~~تزوجت أنت صديقه؟ وهلا يكون يومئذ قد جزاك أعدل جزاء؟ بل لقد كان حقا أن أذكر أنا ذلك وإن ~~لم يسألني عنه أحد، لكني لم أفعل، وبقي طيف صديقتي يتبدى الحين بعد الحين أمامي ليزيد ثورتي ~~احتداما، وليزيدني حنقا على الرجل ومقتا له وغضبا منه. # على أنني لم أكن أستطيع أن أجاهر بثورتي هذه أو أبرز لها في الخارج أثرا، وهل تراني كنت ~~أستطيع حجب ولديه عنه إعلانا لغضبي؟ إنه لم يقصر قط في حقهما، فلو أنني فعلت لاتهمني ~~الناس جميعا بالجحود وإنكار الجميل، ولم يبق بيني وبينه غير الولدين، فلأكتم إذن حفيظتي في ~~قلبي حتى إذا حانت الفرصة لإظهار هذه الحفيظة من غير أن يلومني الناس لم أتركها ~~وانتهزتها. # لقد كنت أعلم أنه ms176 عسير أن تحين هذه الفرصة، فلم يكن الرجل يقصر في حق الولدين ولا في ~~نفقتهما، وكانا كلما ذهبا إليه أغدق عليهما من فيض حنانه وبره ما يجعلهما يعودان إلي ~~ولساناهما يلهجان بالثناء عليه ومحبته، فلا بد لي من أن أصبر، والصبر وحده يحسم الأحداث ~~والنوب. # وتراخت الشهور يتلو بعضها بعضا وتكاد نفسي تضيق بها، وإنني لكذلك إذ عاد ولداي يوما من ~~عند أبيهما متجهمين وفي أعينهما أثر البكاء، قلت: «ما بكما؟» قالا: «إن أبانا مريض ~~اشتدت به الحمى ولم نستطع المكث معه إلا قليلا، ولم نستطع مغادرة بيته قبل الموعد الذي ~~تعودنا أن نغادره فيه.» وخيل إلي أن هذه فرصة سنحت لمنعهما من الذهاب إليه محافظة على ~~صحتهما حتى لا تمتد إليهما العدوى منه، وجاء زوجي فذكرت له ما مر بخاطري فقال: «ليس هذا من ~~حقك إلا أن يمنع الطبيب دخولهما عنده، لقد أكرمك الرجل فلا تشقي عليه في علته، ~~وسأستفهم عن الطبيب الذي يعالجه حتى نستطيع تتبع أخباره، والله أرجو من كل قلبي أن يتم ~~شفاءه.» وبدت علي الدهشة لما قال فأردف: «إننا يا عزيزتي عرضة كلنا للسقم وللعجز وللموت! ~~وليس يشمت بإنسان في هذه الحالات إلا نذل وضيع، وقد كان مطلقك زوجك كما كان صديقي، وإذا جاز ~~لنا أن نخاصمه وهو في صحته، فأقل ما توجبه المروءة علينا أن نتألم لحاله وهو في علته، وأن ~~نرجو له الشفاء.» # وأطرقت لسماعه وتولاني العجب أن تصدر عنه هذه العبارات بعد الذي عرف من اتهام مطلقي إياه ~~بخيانة العهد، وخفر ذمة المروءة، وبعد أن كان حريصا على أن يستأنف الحكم الذي صدر لمصلحة ~~مطلقي لينتقم لنفسه منه في مرافعة محاميه. عند ذلك أيقنت أن في بعض النفوس الإنسانية عنصرا ~~يسمو على الحقد ساعة عسرة الصديق، وأن للصداقة قدسية لا يكفر بها إلا الجاحدون! # وأخبرني زوجي الغداة أنه عرف الطبيب المعالج الذي يتولى العناية بمطلقي، وأنه سأله عن ~~حاله فقال له إن ما به من حمى لا يمكن تبين نوعه قبل بضعة ms177 أيام وقبل التحليل، ولما سأله: ~~أتجوز زيارته؟ طلب إليه أن ينظره خمسة أيام ثم يبدي في الأمر رأيا، وفي ختام الأيام ~~الخمسة قال إنه لا يرى بأسا بالزيارة على ألا تطول. ونبهت المربية إلى ذلك وقلت لها إنها ~~إن استطاعت أن يبقى الولدان لا يدخلان على أبيهما حتى يجيء الطبيب فيدخلان معه كان ذلك ~~خيرا، ونفذت المربية ما ذكرت، ثم عادت مع الولدين لموعد الغداء فأخبرتني بأنها تأثرت أشد ~~التأثر حين رأت مطلقي وقد هده المرض وأضنته الحمى. # وبعد أيام دق التليفون وأخبرني المليونير أنه يريد أن يراني، وجاءني في الموعد الذي ضربته ~~له وأخبرني أن مطلقي دعاه إلى سرير مرضه وطلب إليه أن يدفع إلي نفقة الولدين، وأضاف أنه ~~يخشى على حياة الرجل من هذا المرض، فلما رآني المليونير صامتة قال: «ولست أدري إذا أصابه ~~المقدار كيف أقتضي ديني، لقد باع كل ما يملك جزءا بعد جزء، وقد أصبح مستغرقا، ولولا مرضه، ~~ولولا أن ما طلب إلي أن أدفعه اليوم يتعلق بنفقة طفلين بريئين، لما قبلت أن أدفع عنه ~~شيئا إلا أن يجيئني بضمان مليء يتضامن معه في سداد ديونه.» وسكت بعد ذلك هنيهة ثم قال: ~~«أوتقبلين يا سيدتي أن تضمنيه أو يضمنه زوجك ولك ما تشائين؟» فابتسمت ابتسامة ساخرة وقلت ~~له: «ليتك لم تقبل يا سيدي دفع نفقة الطفلين اليوم لتأخذ مقابلها ضمان تضامن مع مطلقي، وأنا ~~أعفيك من دفع هذه النفقة إن شئت.» # قال الرجل: «لقد أسأت فهمي يا سيدتي، إنما أردت أن تتصل العلاقة بيني وبينك، إذا حم ~~القضاء في هذا الرجل المريض.» # قلت: «شفاه الله يا سيدي ولا أحوجك أن تتصل هذه العلاقة، وما أحسب مرضه من الخطورة بما ~~ترى.» # وانصرف الرجل بعد أن دفع نفقة الولدين، كما أراد مطلقي، فلما جاء زوجي وأخبرته بما حدث ~~وأظهرت العجب له، وبخاصة بعد الذي كان يبديه المليونير من محبة لمطلقي وإخلاص لصداقته، قال: ~~«لا تعجبي، إن رجال المال هؤلاء لا يخلصون لشيء غير المال، ولا يؤمنون بشيء ms178 غيره؛ هو دينهم ~~وعبادتهم بعد أن بذلوا للحصول عليه ما يأنف الرجل الكريم من بذله، ولو أن مطلقك مات - لا ~~قدر الله - لرأيت هذا الرجل يظهر أمامك وفي يده من الوثائق التي احتاط بها لنفسه ما لا يدور ~~بخاطرك، وهو إذ طلب ضمانك أو ضماني إنما أراد مزيدا من الاحتياط، ولعله هو الذي اشترى ما ~~كان يملك مطلقك أو أكثره، هذا إذا لم يكن قد ارتهنه قبل بيعه لديونه، وحسنا فعلت إذ رفضت ~~ما طلبه منك حتى لا يكون تردده علينا من بعد مثار شبهة، أيسر معانيها أننا مدينون له، وخير ~~عندي أن يبيع الإنسان بعض ملكه من أن يستدين من هذا الرجل.» # لم يعنني أمر المليونير بعد أن رفضت طلبه، وإنما عناني ما ذكره من أن مطلقي باع ما يملك ~~جزءا بعد جزء، أترى اضطره لذلك ما أنفقه في أسفاري، ولإصلاح البيت الذي كنا نقيم به وتجديد ~~أثاثه، ولغير ذلك من مطالبي؟ أم أنفقه مذ كان يعاون صديقتي لاستخلاص ميراثها وميراث ~~أبنائها؟ وأيا كان سبب إنفاقه، ألم يكن واجبا عليه أن يقدر لمستقبل ولديه حتى لا ~~يتركهما فقيرين عالة على غيرها؟ ولكن لا عجب، فهذا الرجل كما وصفه زوجي من سنين، من طراز ~~الأعيان الذين يبددون كل ثروتهم في سبيل التظاهر بأنهم من أهل الثراء، وكل ما أكسبه إياه ~~تعليمه العالي، وما أكسبته إياه أسفاره وتجاربه، لم يزد على طلاء ظاهر يستر الفلاح الكامن ~~وراءه، ثم لم يغير من طبعه شيئا، أولو حم القضاء فيه فماذا يكون مصير هذين الصبيين؟! ~~أحسبني يومئذ في حل من أن أحمل زوجي على أن يتبناهما وأن ينتسبا إليه، ثم لا يكون ~~لإنسان أن يلومني على ما فعلت وقد أردت خيرهما وكفالة مستقبلهما. # وعنيت بتتبع الأنباء عن مطلقي وسير مرضه، وقد وثق زوجي صلته بالطبيب المعالج، وكان ~~يسأله كل يوم عن حال مريضه، ثم يحمل إلي ما يبلغه من الأنباء، ولقد طال هذا المرض حتى مله ~~المريض نفسه، برغم تردد أصدقائه الكثيرين عليه ، وإبدائهم ms179 أرق العواطف نحوه، ودعائهم له ~~بالشفاء والعافية. لقد كانوا مخلصين في دعائهم؛ لأن الرجل كان في نظرهم مثال الطيبة ~~والوداعة ودماثة الخلق، ولأن عطفهم اشتد عليه منذ طلقت منه اقتناعا من بعضهم بأنني ~~كنت ظالمة له، متجنية عليه، ومن الآخرين بأنه كان سيئ الحظ غير موفق في زواجه. # وفكرت حين طال به المرض أن أحجب ولديه عنه، محتجة بأنه يشتد تأثره حين يراهما فيسوء أثر ~~ذلك في صحته، لكن زوجي لم يرض ما أردت، بحجة أن امتناع الولدين عن زيارة أبيهما يدخل في ~~روعه أن الطبيب هو الذي منعهما خوف العدوى من مرض فتاك، وأن هذا الوهم إذا تمكن من نفسه ~~فقد يقضي على حياته. وأهاب بي زوجي - بعد أن ذكر لي حجته هذه - ألا أحمل هذا الوزر لجسامته، ~~فإذا قضى الرجل نحبه - لا قدر الله - بقي ضميري يؤنبني ما بقيت من أيام حياتي. # وقبلت حجة زوجي ونزلت على رأيه إكراما له، لا خوفا على مطلقي، فإن ما عرفته من أنه أصبح ~~مستغرقا لا يملك شيئا، وأنه لن يترك لولدينا ميراثا قل أو كثر، قد زاد حفيظتي عليه ~~وغضبي منه، وإنني لأفكر يوما إذ استأذن علي الرسول الذي كان سفير مطلقي إلي وسفيري ~~إليه في أمر الولدين وحضانتهما، وأذنت له، فلما حياني وتناول القهوة قال: «جئت سفيرا مرة ~~أخرى من قبل مطلقك، ما أشد جزعي على هذا الرجل النبيل ذي المروءة! وما أعظم خوفي على ~~حياته! إنه يذبل يوما بعد يوم، ويرى بعينيه أجله يدنو، وهو طبيب، وهو لذلك أشد جزعا على ~~نفسه؛ لأنه يعرف سر علته، ويذكر في ألم وحسرة أنه لا برء له منها، وهو يشكرك من أعماق قلبه ~~ويكرر هذا الشكر كلما بعثت له بالولدين يزورانه ويؤنسانه، فهو يرى فيهما صورتك أنت مجتمعة ~~إلى صورته، ويذكر كلما رآهما أسعد أيام حياته، ويتولاه الأسى والحزن لأنكما لم تستطيعا أن ~~تعيشا في هذين الولدين ولهما، ولقد كنت أعجب يا سيدتي كلما ذكر لي أيام صحته وعافيته أنه لا ~~يزال ms180 يحبك، وكنت أحسبه إذ ذاك يتغنى بحبكما الأول ويتشبث به لأن قلبه لم يعرف حبا بعده، ~~لكن هيامه بك اليوم وهو موشك أن يلقى ربه، يدلني على أنه كان صادقا، وأن قلبه ظل حياته ~~مليئا بك ولم يعرف غيرك، وهو قد أرسلني اليوم إليك في أمر لا أدري كيف أصوره، إنه يريد أن ~~يراك ليستغفرك عن كل ما مضى من ذنوبه، طامعا في عفوك وإحسانك.» # قلت في دهشة: «يريد أن يراني؟!» # قال الرسول: «مهلا يا سيدتي، فلا يأخذ منك العجب، ولا تتولك الدهشة، ولو أنك رأيت هذا ~~المريض، المشرف على الموت، كيف ينسى مرضه، وكيف ينسى الموت كلما ذكرك وخيل إليه أنك ~~زرته، لما ترددت لحظة في زيارته، إحسانا منك تبذلينه صدقة لوجه الله، فهذا الرجل لم يعد ~~يعرف في الحياة سواك، ولم يعد يجري على لسانه إلا اسمك، أنت القبس الباقي له من نور الدنيا، ~~والأمل المرجو عنده في الحياة الآخرة، أنت حلمه في يقظته وفي نومه، أنت مصدر راحته حين ~~تنحدر به علته إلى هاوية الفناء، إنه حين يرى ولديكما يقول إنه يحبهما لأنهما ولداك أكثر ~~مما يحبهما لأنهما ولداه، إنه يناديك باسمك مبتهلا مستغفرا، كما ينادي المؤمن ربه في ~~صلاته، إنه يهذي بحبك هذيان المجنون بليلى، أولا يمس ذلك كله من قلبك أوتار رحمتك وبرك؟ ~~أولا تحسين - وقد وصفت لك حاله - أن من حق المروءة عليك لا أن تزوريه وكفى، بل أن تلازميه ~~حتى يلفظ نفسه الأخير؟» # اشتدت بي الدهشة وبقيت مشدوهة لا أدري ما أقول، فلما رأى الرسول حالي قال بعد برهة: «إنني ~~عائد إليه الساعة يا سيدتي، ولن أقول له إني رأيتك، سأعود إليك غدا في مثل هذا الموعد، ~~وأكبر رجائي ألا تخيبي أمل رجل أبقى على حبك حياته برغم يأسه منك وانفصاله عنك، قد تكون آخر ~~سويعاته في هذه الدنيا حين يقع نظره عليك، وحين يحاول أن يرفع إليك يديه مستغفرا من ذنوب ~~يعلم الله براءته منها، سيقول لك إنه أخطأ ولم تخطئي ، وإن ms181 عليه كل الوزر فيما أصابك ولا وزر ~~عليك أنت في شيء قط، سيرفع إليك أكف الضراعة لتسامحيه فيسامحه ربه، إن لك قلبا يا سيدتي ~~يعرف الرحمة وينسى الموجدة، فاستشيري قلبك، وإلى غد في مثل هذا الموعد لنذهب معا ~~إليه.» # قال الرسول هذا الكلام واستأذن وانصرف، ولم أملك التفكير وأنا فيما أنا فيه من دهشة بلغت ~~الذهول، كيف تراني أستطيع أن أفكر وهذا السيل الجارف من عواطف رجل تهدده المنون ينساب نحوي ~~ويكاد يغرقني؟ وخرجت إلى حديقة المنزل أستنشق الهواء لعله يرد إلي بعض سكينتي، ومع هذا ~~بقيت عاجزة عن كل تفكير زمنا غير قليل، فلما أردت أن أفكر انتفض أمامي طيف صديقتي وكأنما ~~تقول: هأنذي. وانتفض إلى جانبه شبح المليونير يطالب بديونه، وأقبل ولداي في هذه اللحظة ~~فقبلتهما على عجل، ثم أسرعت إلى مخدعي مضطربة الذهن لا أرى ما أمامي. # وجاء زوجي وشاهد اضطرابي فذكرت له ما جاء به الرسول، وقصصت عليه حديثه، قال: «الأمر لك يا ~~عزيزتي، إن شئت ذهبت غدا معه، أو شئت التمست لنفسك عذرا من عدم إجابة مطلبه، ليس عندي ما ~~أشير به في موقف تملي فيه العاطفة ولا شأن للعقل به، ولو أنني وجهت إلي مثل هذه ~~الرسالة بوصفي صديق هذا الواقف على أبواب الأبدية لحرت في أمري، ولترددت ماذا أصنع بعد الذي ~~كان بيننا آخر الدهر من قطيعة وخصومة، لكنه أحسن إليك يوم ترك لك ولديك، فأنت في غير موقفي، ~~وهو على كل حال لم يطلب إلي أن أزوره، فلا شيء يحملني على أن أفكر في الأمر أو أعتزم فيه ~~رأيا، فاصنعي ما تشائين ولا اعتراض لي على أي قرار تتخذينه.» # زاد هذا الحديث حيرتي، هبني أبيت أن أذهب فبأي عذر أواجه الرسول؟ أأقول إن قلبي لا ~~يطاوعني أن أراه وقد ترك ولديه معدمين ينفق عليهما من يبعث الله إلى قلبه الشفقة بهما؟ أم ~~أقول له إن ما يهرف به ليس إلا هذيان الحمى، وإنه لو شفاه الله كما أرجو لأسف أن جرى اسمي ms182 ~~على لسانه في أثناء مرضه؟ وإن أنا قبلت رجاء الرسول وذهبت معه، فماذا يكون موقفي من هذا ~~الرجل المضطرب بين الحياة والموت؟ ما الذي أستطيع أن أقوله له إذا هو خاطبني باللهجة التي ~~خاطبني بها الرسول؟ لن أزيد على أنني سامحته، ثم أضطر أن أرجوه كي يسامحني فيما لعلي هفوت ~~فيه، وهبه تأثر بلقائي ولفظ نفسه الأخير في وجودي فأية مأساة عند ذلك أواجه؟! # وقضيت ليلي في حيرة من أمري، وأرقت ولم يعرف النوم سبيلا إلى جفني، على أنني كنت كلما ~~قلبت الأمر ازددت اقتناعا بأني لا قبل لي بالذهاب إلى مطلقي، ولا فائدة لمطلقي من ~~ذهابي إليه، سيقدر الرسول حين أرفض الذهاب معه أني لا قلب لي، وسيرى أنني أسأت إلى من ~~أحسن إلي، ولكن ذلك خير من أن أتعرض ويتعرض مطلقي لموقف لا طاقة لي به، ولا جدوى له من ~~ورائه. # وجاء الرسول الغداة لموعده، فلما سلم علي قال: «لعل الله قد هدى قلبك إلى خير تبذلينه ~~لهذا المسكين، لقد رأيته بعد أن غادرتك أمس، فكان أول ما فاتحني به أن سألني إن كنت قد ~~لقيتك وأديت إليك رسالته، فلما أبلغته أن وقتي لم يتسع لما أراد انهملت عبراته وقال: «حتى ~~أنت يا صديقي تتنكر لصداقتي حين تراني على حافة القبر، ما ضرك لو ذهبت إليها فرددت إلي ~~روحي بزيارتها أو بوعد منها أن تزورني!» لست أكتمك يا سيدتي أنني أوشكت أن أفضي إليه بما ~~حدث بيني وبينك أمس دفعا لاتهامه إياي أنني جحدت حتى الصداقة، ولكنني وعدتك ألا أفعل حتى ~~أعود إليك اليوم آملا أن تذهبي معي فتردي أنت روحه، أفتراني أطمع منك أن تكوني كريمة ~~معه كما كان هو كريما ذا مروءة يوم خاطبته باسمك في أمر ولديك؟» # قلت بعد هنيهة: «أرجوك يا سيدي أن تمنحني شيئا من صبرك ومن حلمك حتى أعرض عليك أمري: لقد ~~قضيت ليلة لم أذق فيها النوم أفكر فيما تطلب إلي وأقلبه على كل وجوهه، ولم أنس منذ ~~بدأت تفكيري أنني ms183 مدينة بالشكر الخالص لسفارتك الناجحة عني عند مطلقي في شأن ولدي، كما أني ~~مدينة له بالشكر على مروءته ونبله، ولهذا وددت لو استطعت أن أجيبك إلى ما طلبت مني إن كان ~~في إجابته أي فائدة، أنت تطلب إلي يا سيدي أن أزور مطلقي ليسمع مني أني سامحته فيما لعله ~~أخطأ معي فيه إبان زوجيتنا، إذن فأبلغه عني - وهو لا شك مصدقك - أنني سامحته من كل ~~قلبي، وأنني أطلب إليه كذلك أن يسامحني وأن يغفر لي، لعل الله يشملنا نحن الاثنين بعفوه ~~ومغفرته، أقول ذلك صادقة مخلصة عن نفسي، أما ولدانا فأمرهما إلى ربهما ولا أملك أنا من ذلك ~~شيئا، إنه إن اختاره الله إليه سيتركهما فقيرين إلى عطف أجنبي يكفلهما أو يتبناهما، أتراني ~~أستطيع أن أقول ذلك لمطلقي وهو - فيما تقول - موشك أن يلقى ربه؟ وهل يرضيك أن أكتم ذلك ~~فأبوء بإثم الولدين في غير ذنب ولا جريرة؟ وهبني ذهبت معك إليه ورضيت أن أكتم أمر الولدين ~~إبقاء عليه، واندفع هو يذكر أمامي ما قلت أنت لي من أنه يحبني ولا يحب غيري، أفأجيبه صادقة: ~~«لكني لا أحبك»، أم أجيبه كاذبة بأني أحبه وأنه ملء سمعي وبصري؟ إنك تحدثني باسم عواطفه ~~التي تتحكم فيه، فهل تريدني أن أقف أمامه صلدة جامدة أسمع ولا أنطق، أم تريدني باسم الرحمة ~~كاذبة مرائية؟! ثم هبني ذهبت معك إليه فكان ما تقول وقضى نحبه سعيدا بوجودي عنده، فماذا ~~يقول الناس عني؟ إنني أشقيته صحيحا وقتلته مريضا؟! ذلك بعض ما دار بخاطري يا سيدي طول ~~ليلي، وأعفيك من سماع ما بقي مما سواه، فهل تراني أصبت الرأي، أم ترى أن تشير علي بما ~~يخالفه؟» # وظل الرجل صامتا كأني لا أزال أتكلم، وكأنه لا يزال يسمع، فلما فطن إلى سكوتي التفت ~~إلي وقال: «يبدو لي يا سيدتي أنك اتخذت في الأمر قرارا لا سبيل إلى الرجوع فيه، فقد ~~فرضت كل الفروض وأجبت عليها جوابا لا يحتمل المناقشة، ولعلي لو قلت لمطلقك إنك سامحته ~~وصفحت عنه فيما ms184 لعله فرط منه أرضاه ذلك وطمأنه، ولعله يزداد اطمئنانا حين أذكر له أنك ~~تريدين أن يغفر لك كما غفرت له، وأن يسامحك كما سامحته، ولكني شد ما أخشي أن يبقى يعذبه ~~ضميره إذا عرف أنك سامحته عن نفسك وأبيت أن تسامحيه عن ولديكما، أنا أفهم ما تقولين من أن ~~أمرهما ليس لك، وأنهما هما اللذان يملكان مسامحته يوم يكبران، وهو لا ريب يفهم ذلك كما ~~أفهمه، ولكنه يطمع في ألا يكون قلبك غاضبا عليه من أجلهما، أفأستطيع أن أبلغه ذلك؟ فلو ~~أنني فعلت لسهل ذلك علي التماس العذر من عدم ذهابك إليه، ولا أحسبك تأبين علي ما أطلب ~~من ذلك وأنت تعلمين أنه لم يبعثر ماله في ترف لنفسه، أو في عبث مما يتلهى المسرفون به، كما ~~أنك تعلمين أنه لو استطاع أن يضاعف ثروته لما أقعده دون مضاعفتها من طريق شريف أي ~~اعتبار.» # قلت: «عزيز علي يا سيدي أن أرفض لك مطلبا في مقدوري إجابته، ولو أنني كنت امرأة واسعة ~~الثراء لأجبتك إلى ما تريد، ولجعلت لولدي من مالي ما يغنيهما عن ميراث أبيهما، أما وليس ~~لي هذا الثراء فلا بد أن يكفلهما غيري، فكيف يرضى قلبي عن بقائهما عالة على الغير وقد ~~ألفا منذ مولدهما حياة النعيم؟! فإن يكن أبوهما قد أضاع ماله مضطرا فإن الله وحده هو ~~الذي يغفر له؛ فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه. أما إن كان قد أضاع ما يملك في ~~غير ضرورة فالله يتولى جزاءه، إن شاء غفر له وإن شاء لم يغفر، ذلك غاية ما أستطيع قوله، ~~ولعلك تراني منصفة فيه كل الإنصاف.» # لم يجد الرجل ما يجيبني به، ولم يطمع في إقناعي بتعديل قراري، فاستأذن وانصرف ~~مشكورا. # ولست أدري على أي وجه أبلغ حديثنا لمطلقي، ولكنني علمت من بعد أن هذا المريض المسكين حز ~~في نفسه أن أبيت زيارته، وأن تراخت زيارة ولديه له، وإن كان لا يراهما حين يذهبان إليه إلا ~~لحظات لا تغني ولا تروي ظمأ ms185 ظامئ. # مع ذلك استطال من بعد مرضه حتى رحمه شانئوه، وحتى كان أحباؤه يتوجهون بالدعاء إلى الله أن ~~يريحه بالموت من عنائه، وفي الأيام الأخيرة من شهر نوفمبر من تلك السنة أبلغت أنه مات، ~~فترحمت عليه، وقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون. # هدأت نفسي حينا بعد وفاة مطلقي، وخيل إلي أن الموت حسم ما بيني وبينه إلى الأبد، ~~وأقام ستارا كثيفا حجب عني ماضيا ذقت فيه غصصا وآلاما، وتوهمت أن في مقدوري أن أنسى ~~هذا الماضي فلا يبقى له في ذاكرتي ولا في أي مظهر من مظاهر وجودي أثر، وهل شيء كالنسيان ~~ينقذنا مما نود أن نتخلص منه، ويتيح لنا أن نكيف ماضينا على ما نريد، لننعم بما يحويه من ~~خير وإن قل، ونجسم هذا الخير ونمجده، ونمحو ما أصابنا فيه من بأساء وكأنها لم تكن، ونزيف ~~بذلك لأنفسنا تاريخها كما تزيف الأمم تاريخها؟! # وأول ما دار بخاطري، لأجعل هذا الذي توهمت حقيقة واقعة، ولأمحو من ذاكرة الوجود أنني كان ~~لي زوج قبل زوجي الذي يحبني اليوم من كل قلبه، أن أنسب ولدي إلى هذا الزوج الثاني وأمحو ~~نسبتهما إلى أبيهما الذي أنجبتهما منه، ولم يكن ذلك عسيرا والقانون يبيح تغيير الأسماء إذا ~~اتخذت لهذا التغيير إجراءاته، ولكنني لم أكن لأقوم بتنفيذ ما أردت إلا أن يوافق زوجي عليه، ~~وأن يعاونني في الإجراءات التي تحققه. # ولم يكن عسيرا علي أن أقنعه وأن أزيل من نفسه شبهات أبداها حين بدأت حديثي معه في هذا ~~الأمر، فقد ذكرته بأنه قبل شرطي يوم خطبني إلى نفسه أن يتبنى الولدين حتى لا تبقى بيني ~~وبين مطلقي أية صلة، وأنني كنت معتزمة يومئذ أن أنسبهما إليه لولا أن رفع مطلقي الدعوى يطلب ~~فيها ضم الولدين إليه، ولولا أن حكمت المحكمة له بما طلب، فاضطرني حكمها إلى مصالحته على ~~بقائهما في رعايتي، لولا ذلك لما تردد زوجي في تنفيذ شرط قبله، ولم يبد الرجل اعتراضا ~~إلا خشيته من قالة الناس في، وفساد ظنهم بي، وسوء حديثهم ms186 عني. # واتخذ المحامي الإجراءات وحكمت المحكمة بتبديل اسم الولدين وجعل نسبتهما إلى زوجي، ومحو ~~اسم أبيهما وإزالته عنهما، وقد اغتبطت يوم صدر هذا الحكم بقدر ما اغتبطت يوم قبل مطلقي أن ~~يتنازل عن ضم الولدين إليه ليبقيا في كنفي، فقد أيقنت أني لن أسمع من بعد اسم هذا الرجل، ~~ولن أقرأه في الشهادات التي تبعث المدرسة بها إلي عن امتحان الولدين، ولن يبقى له فيما ~~يتصل بي أي ذكر أو أثر. # وذكر لي زوجي بعد صدور الحكم بتسمية الولدين باسمه أنه يريد أن يوصي لهما بثلث ماله، وأنه ~~لو وجد في القانون حيلة لأوصى لهما بكل ماله، قلت له: «لا تعجل فهما ولداك، والأب لا يوصي ~~لأبنائه، أطال الله بقاءك وبقائي حتى نراهما شابا وفتاة ملء العين، وحتى تكفل لهما عنايتك ~~مستقبلا يرضيك.» ولقد كنت أعبر صادقة عما يدور بقلبي، فقد أكرم زوجي ولدي منذ تزوجنا ~~إكرام الأب لبنيه، ورعاهما رعايته، فملك بحنانه عليهما كل قلبي، وجعلني أشعر بأن المثل ~~القائل: «رب أخ لك لم تلده أمك» كان يجب أن يضاف إليه: «رب أب لك لم تخالطه أمك.» # وهل الأبوة والأمومة إلا الحنان والعطف؟! أذكر وأنا أكتب هذه العبارة تمثيلية شهدتها في ~~باريس تصور زوجة سامحها زوجها بعد أن أنجبت ولدا من خليلها، ونسب الولد بحكم القانون إلى ~~الزوج الذي أغدق عليه من يوم مولده كل عطفه وحنانه، وشب الولد وكبر وهو يؤمن بأن هذا الزوج ~~أبوه، ثم إنه عثر يوما في أوراق أمه بخطاب عرف منه سر مولده، فثار في عروقه دمه أن حمل هذا ~~الرجل الذي لم يكن أباه كل ما يحمل الأب من عبء لتنشئة أولاده، وتطوع للجندية وندب كطلبه ~~للسفر إلى الهند الصينية فرارا من بيت ليس بيته، عبثا حاول الرجل أن يقنعه بحماقة ما ~~يصنع، وأن طيش لحظة طاف بأمه لا يمحو عطفه هو عشرين سنة أو تزيد. وسافر الرجل يودع الشاب ~~على الباخرة التي تبحر به إلى منفاه ويرجوه أن يعدل من عزمه ، وأبى ms187 الشاب، فلما بدأت الباخرة ~~تتحرك ووقف الرجل على رصيف الثغر يودعه ويشير إليه بمنديله الأبيض، صاح الولد: إلى الملتقى ~~يا والدي. وطفح قلب الرجل سرورا بكلمة والدي هذه مقتنعا بأن الشاب آمن برأيه في اللحظة ~~الأخيرة، وأنه لم يقل هذه الكلمة بحكم العادة، ولا بدافع المجاملة. # وهذا الرجل في رأيي على حق، فما قيمة الأبوة أو الأمومة العاقة إلا أن يفرض القانون على ~~هذا الأب أو على هذه الأم أداء الواجب للجيل الناشئ، فإن لم يفعلا لم يكن أيهما حقيقا باسم ~~الأب أو الأم، هذا الاسم الكريم الذي يحمل في طياته أكرم المعاني وأنبلها، وقد حمل زوجي عبء ~~الأبوة لولدي من يوم تزوجنا، فلم أكن مبالغة ولا مغالية في قولي له إنهما ولداه، ولا فيما ~~فعلت من نسبة اسميهما إليه، وإن كان من الحق علي اليوم، وقد مرت السنون على وفاة زوجي ~~الأول، أبيهما، ألا أجحد أنه إلى أن وافته المنية لم يقصر في واجبه إزاءهما، وكان كله ~~الحنان والعطف عليهما. # وتعاقبت السنون وقد وضعت زوجي الأول من ذاكرتي ومن قلبي في قبر سحيق أشد صمتا من القبر ~~الذي يحوي رفاته، فلم يكن اسمه يجري على لساني، بل لم يكن يمر بخيالي، وتعود الولدان أن ~~يخاطبا زوجي مخاطبة الولد لوالده، وألا يذكرا أنهما كان لهما أب سواه، وأن يقدرا ما يحبوهما ~~به من عطف، وما يسبغه عليهما من حنان، ولقد أدهشني منه وأثار إعجابي به أنه لبس ثوب الأب في ~~سلطانه وفي حنانه، وكأن محبته لي أدخلت إلى قلبه من عواطف الأبوة ما احتواه قلبي من عواطف ~~الأمومة، فكان ذلك مدعاة لانسجام الحياة بيننا جميعا كما تنسجم الحياة في الأسرة الواحدة ~~بين الوالدين والبنين. # وظل ذلك شأننا، وظل الولدان يكبران بأعيننا وعنايتنا، لا شيء يكدر صفونا أو يشوب سعادتنا، ~~ولا نطمع من الحياة في خير مما أعطتنا. لم أعد أفكر في السفر إلى أوروبا أو إلى الأقصر، ولم ~~تعد مغريات المجتمع تجذبني إليها، بل أصبحت مملكة البيت مملكتي، والعناية بالبيت ms188 ومن فيه ~~مصدر سروري وسعادتي، وقد بلغني في أثناء هذه السنوات الهنيئة أن صديقتي تزوجت فدعوت لها ~~بالتوفيق، ولم يتعرض طيفها لي، ولم يثر جمالها تأثيري، وما لي أنا ولها؟ بل ما لي أنا ~~ولغيري من الناس وقد ظفرت بما كنت أرجو من طمأنينة وسعادة؟ ولقد أنست إلى زوجي وولدي ~~وأنسوا إلي، وقد أصبحت أدعو للناس جميعا بما حباني الله به من فضله. # يقولون إن الأمم السعيدة لا تاريخ لها، ويبدو لي أن الأسرة السعيدة لا تاريخ كذلك لها، ~~إنها تتخطى في هون على متن السنين مألوف حياتها، فلا يثير طلعة أحد، ولا تدعو أحدا للكلام ~~عنها أو للتندر بها، وإن غبطها الناس لما أفاء الله عليها من ستره ورعايته. # وتخطى ولدي الثانية والعشرين من سني حياته، وإنني لجالسة يوما في غرفة نومي إذ دخل علي ~~يبدو على سيماه اشتغال البال، ولم أرد أن أسأله عما يشغله، واثقة أنه لم يحضر هذه الساعة ~~اعتباطا، وإنما جاء يحدثني في أمر يراه جليل الخطر، وللشباب عذرهم إذا اضطربوا لما لا يوجب ~~الاضطراب، فليست لهم من تجارب الحياة مناعة ترد عنهم شتات البال وتبلبل الفكر في كل شأن ~~جل أو صغر. وأمسك الشاب عن الكلام هنيهة بعد أن جلس إلى جانبي، وكأنه يدير الأمر في رأسه ~~ليصوره لي، على أنه ناء بالصمت بعد قليل فاندفع يقول: «جئت أحدثك يا أماه في أمر أجل من كل ~~ما تتصورين خطرا، لقد أعجبتني فتاة تعرفينها وتعرفين أهلها، وأردت أن أخطبها إلى نفسي، ~~ورأيت أن أسألها أتوافقني على أن نتزوج؟ فقالت في حياء وخفر إن الأمر في ذلك لوالديها، ولم ~~أرد أن أفاتحك في الأمر قبل أن أطمئن إلى رأي أمها، فأنا أعلم أن الأم إذا رضيت بعد أن ~~رضيت ابنتها، فقلما يرفض الأب ما رضيتاه، فلما ذهبت إلى تلك الأم الطيبة القلب وعرضت عليها ~~الأمر وقلت لها إن ابنتها تركت الحكم في ذلك لأبويها، قالت: «إنني يا بني لا أعز عليك ~~شيئا، ولا أعز عليك ابنتي، ms189 لقد كان والدك - عليه رحمة الله - صديقنا، وكان من خير الناس ~~وأطيبهم قلبا وأكثرهم مروءة، لكنك يا بني محوت اسمه من اسمك، وأبدلته باسم زوج أمك، ولم ~~أكن أنا ولم يكن زوجي راضيين عن ذلك من يوم حدث، فذكرى أبيك أعز علينا من أن تمحى، وأسألك ~~يا بني: إذا تزوجت ابنتي وأنجبت منها وسأل الناس ولدكما عن جده لأبيه فماذا يقول؟ أيذكر ~~أباك الحق أم يذكر زوج أمك؟ فإن شئت يا بني أن أخاطب زوجي فيما تطلب فأعد قبل كل شيء اسمك ~~كما كان، انتسب لأبيك لا لزوج أمك، فإن فعلت فحبا وكرامة، ولك علي أن أحاول إقناع زوجي ~~لتكون زوج ابنته، أما إن أبيت فعزيز علي أن أبلغك أننا آسفون إذا لم نستطع أن نجيبك إلى ~~ما تطلب، ولا أريد منك الساعة جوابا، بل ترو في الأمر واستشر فيه.» # كذلك قالت لي يا أماه، وقد رأيتها على حق، فجئت أعرض الأمر عليك قبل أن أتخذ فيه إجراء أو ~~أخطو فيه خطوة، فأشيري علي.» # بم أجيب؟ ليس الأمر الذي يعرضه علي ولدي نزوة شباب، ولا هو من ضآلة الشأن بما يثير ~~ابتسامتي، بل هو أجل خطرا بالفعل من كل ما توقعت، فلا بد لي من مواجهته بشيء من الحزم ~~يرد عني وعن أسرتنا كلها ما يهددها في صميم كيانها، لذلك لم أتردد في أن قلت: وما لأم هذه ~~الفتاة أن تتدخل في أخص شئوننا وشئونك؟! وهلا ترى من تدخلها اليوم أنك إن صاهرتها غدا ~~فستظل مستبدة بك تحاول توجيهك في الجليل والحقير من أمورك؟ لذلك أنصحك أن تعدل عن التفكير ~~في هذه الفتاة، وأنا كفيلة بأن أجد لك خيرا منها يفرح بها قلبك، ويفرح بها قلبي، هذا إن ~~كنت مصرا على الزواج وأنت لا تزال في هذه السن المبكرة، أما إن أردت الخير لنفسك فأجل ~~تفكيرك في إقامة أسرة قد تنوء اليوم بأعبائها، حتى يعاونك عمل تنهض به، ويدر عليك أخلاف ~~الرزق لتسعد أنت بأسرتك، وتسعد هذه الأسرة بك . # وأجابني ms190 الفتى: ليس الأمر الساعة أن أؤجل التفكير في الزواج أو أعجل به، وإنما الأمر في ~~هذا الاسم الذي أحمله بغيا بغير حق، ولقد خاطبت أختي في أن نعود باسمينا إلى اسم أبينا ~~الذي أنجبنا فوافقتني على ذلك، ولم يبد زوجها اعتراضا، هذا لب الموضوع في حديثي لك ~~اليوم، فإن أنت وافقتني ثم اعترضت على زواجي من هذه الفتاة لأسباب تعرفينها فإني عند رأيك، ~~ولا أعصي أمرك، فهل ترين ما يمنع عودتنا إلى التسمي باسم أبينا؟ إننا الآن راشدان أنا ~~وأختي، ونستطيع هذا الأمر من تلقاء أنفسنا، لكنا لا نقدم عليه حتى تكوني راضية عنه مطمئنة ~~إليه. # قلت وأعصابي تضطرب وأكاد أرى أسرتنا تنهار أمام عيني: أنظرني إلى غد أروي في الأمر ~~وأشير بالرأي فيه، فإنني الساعة متعبة وأشعر بالحاجة إلى الراحة. # وقام الشاب وفي نظراته معنى الدهشة وقال: إلى غد إذن يا أماه، وأرجو لك راحة الجسم ~~وطمأنينة النفس. # ولم ألبث حين خرج أن رأيت الدنيا تدور من حولي، وكأنني على زورق في بحر لجي لا شاطئ ~~له، أفأستطيع أن أفاتح زوجي في شيء مما قاله ولدي ليرى كل ما أسداه لأخته وله ينقلب جحودا ~~وعقوقا؟ وهل أستطيع أن أنكر على ولدي حقه في التسمي - إن شاء - باسم أبيه؟ وأي داع دعا ~~هذه السيدة، وهي من أكثر أصدقائنا إخلاصا لنا، أن تثير هذا الأمر، وأن تقفني هذا الموقف؟ ~~لست أعرف بيني وبينها حقدا ولا غيرة، فما كان أجدرها أن تخاطبني في الأمر قبل أن تفضي بما ~~قالت إلى ولدي! وكيف تراني أنقض اليوم ما أبرمته أمس فيظن زوجي أنني خدعته لغاية في ~~نفسي؟! # فلما دخل زوجي إلى غرفة الاستقبال رأى صورة مكبرة لزوجي الأول. # وتوارد طوفان من هذه الخواطر على ذهني فشعرت بقلبي يخفق وأعصابي تزداد اضطرابا، ثم أحسست ~~برعشة كأنها الحمى، ولقد حمدت الله أن كان زوجي مدعوا للغداء ذلك اليوم، ثم كانت عنده ~~مشاغل تمسكه عن الحضور إلى البيت حتى المساء، وقلت في نفسي: لعلي أكون قد تدبرت ms191 الأمر ووجدت ~~حلا قبل موعد حضوره. # وأقبل المساء فإذا الحمى تلازمني وتمسكني في سرير نومي، فلما جاء زوجي ورأى حالي أراد أن ~~يدعو الطبيب فقلت له: دعني الليلة فإني أحسبها رعشة طارئة، فإذا أصبحنا ولم تنصرف عني كان ~~لدعوة الطبيب موضع، ورجوته أن يقضي ليله في غرفة أخرى، ولست أدري بعد أن بقيت وحدي ما الذي ~~أصابني، أفنمت فعبث بي كابوس أزعجني، أم أنه هذيان الحمى الذي استبد بي؟ فقد تبدى أمامي طيف ~~مطلقي وهو ملتف في أكفانه، وأخذ يحملق في، وسمعته وكأنه يهتف بي: هأنذا سترينني الليلة ~~وسترينني من بعد، سترينني بينك وبين زوجك في يقظتك وفي نومك، سترينني بينك وبينه في ثيابي ~~وعاريا كيوم ولدتني أمي، سترينني بينك وبينه حتى في سرير نومك، وسترينني حتى يعود ولداي ~~إلى التسمي باسمي، فإن عادا تواريت لا عن رضا، ولكن لأدع زوجك يتم قضاء الله فيكما، والله ~~أعدل الحاكمين. # واستيقظت جوف الليل مذعورة أصيح من هول ما رأيت، وأسرع إلي زوجي من المخدع الذي كان فيه ~~يسألني ما بي؟ قلت والحمى تهزني: «إنه كابوس أزعجني فلا تتركني.» وقضى الرجل بقية ليله على ~~كنبة في الغرفة، وبقيت مؤرقة حتى إذا نادى مؤذن الفجر غفوت فرأيت في غفوتي كأن والدي يقول ~~لي: «فيم تنزعجين يا ابنتي؟ دعي الأمر لولديك يقضيان فيه برأيهما، لا تحملي أنت تبعته، ~~قولي ذلك لولدك إذا جاء اليوم إليك يريد مشورتك، ونبهيه إلى أن الأمر أخطر بالنسبة له ولك ~~من أن يقضي فيه بخفة ومن غير روية.» # نمت بعد ذلك وطاب نومي، ولم أستيقظ إلا قرابة الظهيرة، واستيقظت وقد نزلت عني الحمى وإن ~~بقيت منهوكة الجسم، محطمة الأعصاب، وكان زوجي قد خرج لعمله فأتاح لي فرصة أتدبر فيها الأمر ~~من جديد، ولم أجد خيرا من المشورة التي أسداها إلي طيف أبي، لكني آثرت ألا أبت في ~~الأمر قبل التحدث فيه مع زوجي. وجاء ولدي ورآني ملازمة فراشي، فأبت عليه بنوته أن يعيد ~~الكلام علي ويسألني رأيي حتى أستعيد نشاطي، ms192 فلما جاء زوجي ودخل إلي يسأل عن صحتي ~~استبقيته عندي، وذكرت له حديث ولدي، وأن هذا الحديث هو الذي أركبني الحمى وأزعجني، فسكت ~~طويلا ثم قال: «هل نستطيع أن نمنعه أو نمنع أخته وقد بلغا رشدهما ولم يبق لي ولا لك ~~عليهما سلطان؟ ليفعلا ما يشاءان فذلك حقهما، ثم يكون لنا بعد ذلك في الأمر رأي.» # وجاء ولدي الغداة فألفاني على مقعدي الطويل، فجلس عند قدمي وسألني عن صحتي، وحمدت له الله ~~على أن أعاد إلي العافية، ثم قلت له: «إنك شاب عاقل تحسن وزن الأمور، فلك أن تتصرف كما ~~تشاء فيما حدثتني عنه أول من أمس، ولا اعتراض لي على ما تفعل، وكل الذي أريد أن تعلمه أنني ~~يوم بدلت اسميكما إنما أردت خيركما ومصلحتكما، عز علي أن تشعرا كلما دخلتما هذا البيت ~~أو خرجتما منه أنكما غريبان عنه، وأن يشعر زوجي كذلك مثل هذا الشعور، فأردت أن أخلق فيه جو ~~الأسرة بمعناه الكامل، وقد أقرني زوجي على ما أردت وأعانني فيه، ثم ذهب إلى أبعد من ~~المعونة، فأراد أن يوصي لكما بثلث ماله، بل بكل ماله، وعارضت يومئذ إرادته حتى لا يظن أني ~~قصدت إلى منفعة مادية مما صنعت، ولا أراه إذا نفذت أنت عزمك وبدلت اسمك واسم أختك ألا يصر ~~على تحرير وصيته تلك، فهو رجل طيب القلب، عاملكما منذ دخلتما بيته معاملة الأب لأبنائه، بل ~~اعتبركما ابنيه بالفعل وبذل لكما كل عطفه وحنانه، أما وقد بلغتما رشدكما وأصبح من حقكما أن ~~تختارا البقاء على ما اخترت لكما أو تعدلا عنه لما كنتما عليه، فلكما من ذلك ما تشاءان، ~~وأنت قبل أختك خير من يقدر ما يترتب على تصرفه من آثار ونتائج.» # قال ولدي في غير تردد: «أشكرك يا أماه من كل قلبي، ولا تثريب لي عليك فيما فعلته إبان ~~صغري، سواء فعلته غضبا من أبي أو التماسا لخيري ومصلحتي، فإن كانت الأولى فلا أحسب ~~الموجدة باقية في قلبك بعد كل هذه السنين على رجل يذكر عارفوه ms193 جميعا مروءته، ويذكرون أنه ~~أكرمك طول حياته بعد غضبك منه وانفصالك عنه، وإن كانت الثانية فما كنت لأبيع اسم أبي بثمن ~~وإن عظم، فاسمه هو الدم الذي يجري في عروقي، والحياة التي ينبض بها قلبي، والنعمة التي ~~يشع بها نور عيني، ولن ينسيني هذا الدم وهذه الحياة وهذه النعمة ما لزوجك الذي ندعوه اليوم ~~أبانا من فضل علينا وبر وحنان ذقنا كل هذه السنين حلاوته، فلسنا يا أماه عاقين، ونحن ~~ابناك وابنا أبينا، وإذا كنتما قد انفصلتما في الحياة لأمر، فذلك طارئ يحدث ثم ينسى، أما ~~الاسم الذي حملناه يوم مولدنا فهو الذي يجب أن يبقى علما على محبتكما وبركما، فالحياة ~~محبة، وما سوى المحبة هباء يذهب مع الريح ولا تبقى منه باقية. # تأثرت بهذا الذي سمعت من ولدي أبلغ التأثر فقبلته من أعماق قلبي، وقلت له: «رعاك الله ~~يا بني، وهداك السداد والحكمة، ألا ترى أن تفضي لأبيك زوجي بهذا الذي ذكرت الساعة عنه؟» ~~وأجاب: «بكل سرور يا أماه، لولا أن أخشى تأويل ذلك بأنني أطمع في وصيته، فأستأذنك في اتخاذ ~~الإجراءات لأستعيد اسم أبي لي ولأختي، فإذا تم ذلك واستقر أمره جئت معها فأدينا لأبينا ~~واجب الشكر وعرفان الجميل.» # وانصرف ولدي مستأذنا في أن يدعني أستريح، وأخذت أفكر في هذا الحديث الجديد ومقدماته ~~ونتائجه، ولعنت الساعة التي عرف فيها ولدي هذه الفتاة حتى ليريد أن يخطبها إلى أهلها، ~~والساعة التي استشار فيها أمها، وقد أدت مشورتها إلى هذا الاضطراب الذي أعانيه اليوم، وقد ~~تؤدي إلى اضطراب أوسع نطاقا تتأثر به صلتي بزوجي، وينتهي إلى تشتيت شملنا بعد إذ كان ~~مجتمعا في انسجام واتساق. # ودخل علي زوجي وهذه الأفكار تتناوبني وترتسم صورتها على محياي، فلما رأى ما يبدو من ~~ذلك علي قال: «لا تجسمي الأمر يا عزيزتي ولا تنزعجي له، فهو واقع غدا إن لم يقع اليوم؛ ~~لأنه نزول على حكم الطبيعة، فما كان الدم لينقلب ماء في يوم من الأيام، وللوراثة حكم لا ~~سبيل إلى مغالبته، وقد أصبحت ms194 ابنتك في عصمة رجل، وأصبح ابنك قديرا على الكفاح في الحياة ~~فأغناهما ذلك عنا، وأتاح لهما من الاستقلال في التفكير ما نزع عنهما سلطاننا، وإن استبقى ~~لهما حبنا وعطفنا.» فشكرت له سمو عواطفه وقلت له: «لو أنك سمعت ما قاله ولدي عما يضمره لك ~~من إكرام، ومن اعتراف بفضلك وجميلك، وتقدير لحنانك وبرك كل هذه السنين، لسرك أن أثمرت ~~تربيتنا هذه الثمرة الصالحة، وقد ذكر لي أنه سيؤدي ما عليه لك من واجب الشكر بعد أن يعيد ~~إلى اسمه واسم أخته اسم أبيهما ليكون الشكر خالصا بريئا من كل شائبة.» # وجم زوجي لسماع هذه الكلمات الأخيرة ثم قال: «فليلهمه الله السداد والحكمة.» وعاد الرجل ~~إلى وجومه، ثم انصرف عني إلى مكتبه، فلما آذنت الشمس بالمغيب جاء إلي يخبرني أن أصدقاءه ~~دعوه إلى طعام العشاء وإلى سهرة قصيرة بعده، وأيقنت حين غادر البيت أن حديث ولدي فعل فعله ~~في نفسه، وأنه مضطرب له اضطرابي، حائر في أمره حيرتي، مقدر أنه لا يملك رده، متألم من أجل ~~ذلك له، وأنه ابتكر هذا العشاء وهذه السهرة حتى لا ينكشف لي اضطرابه وألمه، وقد زاد هذا ~~اليقين في حيرتي واضطرابي، وفي خشيتي من المستقبل القريب وما ينطوي عليه من نذر. # وإذ جن الليل وآن لي أن أسكن إلى مضجعي، وأن أطفئ أنوار غرفتي، شعرت بالرعشة من جديد ~~تهزني، وتراجعت عن سريري فزعة مخافة أن أرى الطيف الملتف في أكفانه يندس إلى جانبي ليكون ~~بيني وبين زوجي، عند ذلك همل الدمع من عيني، وعدت حيث كنت على مقعدي، ورفعت أكف الضراعة إلى ~~الله أن يعفو عني، وأن يريح بالي، وأقمت على ذلك زمنا ذهبت بعده إلى مرقدي أحاول النوم فلا ~~يطاوعني، وبعد منتصف الليل أحسست بزوجي يدخل الغرفة ولا يضيء نورها، ويتمطى في مكانه من ~~السرير، وأنا متناومة لا أبدي حراكا، فلما تبينت من صوت أنفاسه أنه نام أخذتني الشفقة عليه ~~لاضطرابه وحيرته، فهو قد حاول أن يقيم أسرة تسعد بها كهولته وشيخوخته، وبذل في ms195 سبيل ذلك حر ~~عواطفه وماله، وها هو ذا يرى محاولته تنهار من أساسها ولا يستطيع شيئا لدعمها واستبقاء ~~كيانها، وهأنذي شريكته في محاولته، أشاركه الحسرة لانهيارها، ثم أنا بعد ذلك أشد منه حيرة، ~~أضطرب بينه وبين ولدي أحشائي، ولا أقدر على منع كارثة تهددني! # وبعد أسابيع جاءني ولدي متهللا يذكر أن المحكمة حكمت بإعادة اسم أبيه إلى اسمه واسم ~~أخته، وأنه قد آن له أن يجيء معها إلى زوجي يعترفان له بسابغ فضله، وعظيم حنانه ~~وبره. # قلت: «لقد كنت تخشى أن تفعل ذلك قبل حكم القضاء مخافة تأويله بأنكما تطمعان في وصيته، ~~فهلا تخشى مثل هذا التأويل اليوم؟» وأجابني: «كلا، فالرجل لم يحرر وصيته بعد، فإذا هو حررها ~~برغم ما فعلنا كان ذلك إقرارا منه لعملنا، وإعلانا لإبقائه على محبتنا والعطف علينا، وإن ~~لم يحررها فذلك شأنه، ولن ينقص إحجامه عن تحريرها من اعترافنا بجميله وفضله.» # واستأذن الشاب في الانصراف لبعض شأنه، فلما كان موعد الغداء حضر زوجي، ثم رأيت ابني ~~وشقيقته يدخلان علينا وتقول ابنتي: «لقد جئنا نتناول الطعام معك يا أماه ومع عمنا»، ولاحظت ~~لون زوجي يتغير لسماعه كلمة العم ممن تعودت شفتاه أن يدعوه أبي، وكأنما لاحظ ولدي ما لاحظت ~~فأسرع يقول: «نحن يا عماه ابناك، وقد جئنا إليك نعتذر عن العود باسمينا إلى اسم أبينا، لم ~~يكن ذلك إنكارا لفضلك ولا تنكرا لجميلك، لكنني أعلم أنك كنت أوفى الأصدقاء لأبي، فلما ~~اختاره الله إليه اتخذتنا وديعة عندك، فأسبغت علينا مثل بره وحنانه، وسميتنا باسمك حتى نشعر ~~بأبوتك لنا وبنوتنا لك، فلما بلغنا أشدنا وآن أن ترد الوديعة، أحسست بما في ذلك من مشقة ~~عليك لرقة عواطفك وفرط حنانك، ولأن مر السنين ربط بيننا وبينك بأوثق رابطة، فاحتملت أنا ~~العبء عنك، مطمئنا إلى أنك سترضى صنيعي؛ لأنك رجل أمين لا ترضى أن تحتفظ بما استودعت، ~~وتحرص على رد الأمانات إلى أهلها، أما وقد ردت فقد جئت وشقيقتي الآن نضاعف لك الثناء ~~والحمد على عنايتك بنا، وجميل عطفك ms196 علينا، وسمو أبوتك لنا، طامعين في أن تقبل شكرنا لك ~~وثناءنا عليك، والله يتولى جزاءك.» # انفرجت أسارير زوجي لهذا الكلام، فانتقلنا بالحديث إلى جو أكثر طمأنينة، بذلك استأنفنا ~~حياتنا وأنا أرجو أن تعود سابق سيرتها، لكنني شعرت بأن حجابا قام بيني وبين زوجي، وكأن هذا ~~الاسم الذي استعاده ولداي - اسم صاحب الطيف الملتف في أكفانه - قد حال بيني وبينه حتى كاد ~~يجعلني غريبة عنه، ويجعله غريبا عني. # وجاءني ولدي بعد أيام يسألني رأيي في أمر الفتاة التي يريد أن يخطبها لنفسه، واستمهلته ~~حتى أروي في الأمر كما قلت له، وحتى أسأل زوجي لكيلا يزداد الحجاب كثافة بيني وبينه، فلما ~~سألته قال إنه لا اعتراض له على مصاهرة هذه الأسرة فهم أصدقاؤنا ومن طبقتنا، لكنه أضاف: ~~«لكنك توافقينني على أن هذا المسكن الذي نقيم به لا يتسع لأسرتين، وأنا أقترح أن يسكن ابنك ~~وعروسه العمارة التي تقيم بها أخته حتى تسهل عليك زيارتهما كلما هفا لذلك قلبك.» # أحسست من هذه الكلمات الأخيرة أن الرجل لم يعد يطيق حياة ولدي معنا، برغم ما يبديه لي من ~~مجاملة ولطف، فلما حدثني ولدي الغداة قلت له إني أوافق على الزواج، وأقترح عليه أن يسكن ~~العمارة التي تقيم بها أخته، وكذلك فعل، وجهزت العروس مسكنها جهازا حسنا، وأخذت أتردد ~~مع أمها عليه نعنى بنظامه وحسن تنسيقه. # وانتقل الشاب إلى مسكنه الجديد، وكنت أزوره هو وأخته الحين بعد الحين، وكان زوجي يرافقني ~~في هذه الزيارات أحيانا، فيرى في كل مرة جديدا في أثاث ولدي يسره ويعجبه، وإن شعرت دائما ~~بأنه يقوم بهذه الزيارات معي مجاملة لي، لا بدافع من قلبه ووجدانه. # فلما اطمأن ولدي إلى أنه أفاء على مسكنه آخر سمة له، دعانا يوما لتناول الشاي عنده، ~~وذهبنا عنده فاستقبلتنا أخته؛ لأن عروسه شعرت بوعكة لعلها من أثر الحمل، فلما دخل زوجي إلى ~~غرفة الاستقبال رأى فيها صورة مكبرة لزوجي الأول أبي الولدين، فوقف يتأملها ووقفنا من ~~حوله أنا وولدي، فنظر إلينا وإلى الصورة وقال : «هذه ms197 هي الأسرة الأولى اجتمعت من ~~جديد.» # وشعرت في نبرة صوته بأسى المنهزم الذي حاول أن يقاوم الطبيعة فلم تنجح محاولته، وحاول أن ~~يرث ما ليس له بحق فلم ينل ما أراد، هنالك أيقنت أنني أصبحت فريسة بينه وبين الولدين يجذبني ~~كل إلى ناحيته، وأني لن يهدأ لذلك بالي، ولن يطيب لي عيش بعد اليوم. # رباه! ماذا أصنع لأنجو من موقف أنوء باحتماله؟! إنني لا قدرة لي على مغاضبة ولدي، ولا ~~قدرة لي على مغاضبة زوجي، فولداي هما ولداي، وزوجي هو الذي افتداني من موقف لم يكن أحد ~~لينقذني منه لو لم يمد هو إلي يده، إنني أضرع إليك، أنا المرأة الضعيفة المؤمنة بقضائك ~~وعدلك، فهبني من لدنك رشدا، وهيئ لي من رحمتك سندا أحتمي به من هول هذا الموقف. # ولم تكذب مخاوفي، فقد بدأ هذا الصراع الصامت بين زوجي وولدي يتجاذبني يمنة ويسرة، وبدأت ~~أشعر كأني الكرة يتجاذبها المتنافسان، وكل منهما في موقفه لا يريم عنه، فكان ولداي يذكران ~~أن اشتغالي براحة زوجي يشغلني عنهما، وكان زوجي يتهكم بي قائلا إن لي العذر أن طغت علي ~~أمومتي فشغلت عنه، وزوجي وولداي لا يبدي أي منهم للآخر إلا المودة والحسنى، والقلوب مطوية ~~على التنازع على هذه المرأة المسكينة المغلوبة على أمرها؛ لأنها زوج تقر لزوجها بفضله ~~ومروءته ونبله، وأم تحب ولديها حب العبادة. # رباه! ماذا أصنع؟! عاودني إذ ذاك رجع من تقوى صباي يوم كنت رضوان الجنة، فأعددت في بيتنا ~~مصلى عنيت به كما كنت أعنى بمصلى المدرسة، وأكببت على فروضي أصليها لأوقاتها، أستيقظ مع ~~الفجر أصليه حاضرا قانتة إلى ربي داعية إياه، أستغفره وأتوب إليه، وألبي داعي المؤذن ~~كلما نادى: «حي على الصلاة»، فأهرع إلى مصلاي فأجد في الصلاة سكينة نفسي وطمأنينة قلبي ~~بانقطاعي إلى ربي. # وذكرت يومئذ عمتي الحاجة وطرحتها البيضاء، وكانت قد انتقلت منذ سنوات إلى جوار الله، ~~فاتخذت للصلاة طرحة بيضاء كطرحتها، وإنني لأصلى الفجر يوما وأقرأ القنوت إذ هتف بي هاتف: ~~«ما لك لا تحجين بيت ms198 الله أداء لفرضه؟ إنك إن تفعلي يغفر الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر، ~~وتبعدين بذلك عن صراع أنت وحدك فريسته وضحيته.» # ما أرحمك يا رب، وما أعظم فضلك! لقد اطمأن قلبي لهذا الهاتف، واعتزمت لساعتي أداء هذه ~~الفريضة الخامسة من فرائض ديني، فلما جاء زوجي أفضيت له بعزمي فقال: أنت وما تريدين. وأخبرت ~~ولدي كذلك بأني خارجة إلى الحج، وما كان لهما أن يصداني عنه. # وبدأت أتجهز للحج وأعد له عدتي، ومن يوم بدأت هذا التجهز شعرت بالإيمان يطرد الهم من قلبي ~~ويحل محله النور والطمأنينة، وشعرت بزوجي وولدي يحوطونني بعناية سعدت بها من قبل ثم ~~نسيتها من يوم حملق في هذا الطيف الملتف في أكفانه وصاح بي مهددا ونذيرا. # ما ألذ حلاوة الإيمان، وما أعظم سعادة المؤمنين! فمنذ نذرت الحج وشغلت بالتجهز له ~~تقشعت من حولي كل سحابة داكنة، وأقبل علي أهلي وأصحابي يهنئونني بما اختار الله لي، ~~ويطلبون إلي أن أدعو لهم بالخير وأنا عند بيت الله المحرم، وجاءني زوجي يوما يقول: ~~«ناشدتك الله إلا ما استغفرت لي ربي وأنت تلبين على عرفات للصفح عني إن كنت قد أخطأت في حق ~~صديقي زوجك الأول»، وأخذ ولداي يسألاني عما يكملان به جهاز سفري، ويطلبان إلي أن ~~أباركهما، وأن أدعو الله لهما، وسمت بي صلواتي في هذه الفترة فوق نوازع النفس كلها، فهانت ~~علي الدنيا وما فيها، وأيقنت حقا أنها متاع الغرور! # واقترب موعد السفر وتلاحقت زيارات المهنئين والمودعين، فلما كانت ليلة البرزة وهفا بي ~~النوم إلى مرقدي، رأيت أبي وأمي وهما في ثياب الآخرة، وكأنهما ملكان يرفرفان بأجنحة من نور ~~فوق رأسي، ويحمدان الله أن رضي عني بما وهبني من تمام الإيمان بتقواي وبحجي، ثم رأيت الطيف ~~الملتف في أكفانه يبدو وعلى ثغره ابتسامة، ومحياه كله الضياء، وهو يقول: «غفر الله لك وغفر ~~لي، وسعت رحمته كل شيء، إنه رب التقوى ورب المغفرة.» # واستيقظت الفجر وصليته، ثم إذا زوجي وولداي وطائفة من أهلي يحيطون بي ويقبلونني، وليس في ms199 ~~قلوبهم جميعا إلا المحبة الخالصة، وركبوا جميعا معي قطار السكة الحديد إلى السويس، وظلوا ~~جميعا معي على ظهر الباخرة المسافرة إلى جدة، فلما آن لها أن تبحر ودعوني وكلهم يرجون الله ~~لي حجا مبرورا وذنبا مغفورا، وأنا أرجو لهم جميعا من الله الهدى والرحمة. # | الفصل العاشر1 # أبحرت الباخرة بمن عليها من الحجاج قاصدة بيت الله الحرام، فلما حاذت رابغ أحرمنا جميعا، ~~وفي بكرة الصبح من غدنا وصلنا إلى جدة فنزلنا من الباخرة إليها، ثم تخطيناها إلى مكة، وهنا ~~طفنا بالكعبة الشريفة طواف القدوم في انتظار يوم التروية الذي يسبق وقفة عرفات. # وكانت حالتي النفسية تمور في هذه الأثناء مورا جاوز كل ما تصورت، لقد كنت قبيل سفري أشعر ~~حين صلواتي بأنني قريبة من ربي، وأنه يسمع دعائي أكفر به عن ذنبي ليغفر لي ويرحمني، فلما ~~لبست ثوب الإحرام شعرت بأنني تجردت لله - جل ثناؤه - ودخلت واسع رحمته، ولم يبق عندي شك، ~~وقد جئت بيته خالصة القصد في التوجه إليه، في أنه غفر لي قبل أن أؤدي شعائر الحج؛ لأنه رب ~~القلوب، ولأن الأعمال عنده بالنيات، ولأني قصدت بابه الكريم قانتة تائبة عابدة مسلمة إليه ~~وجهي، آسفة على ما أسلفت من ذنوبي وأوزاري، فهو لا يرد من قصده من عباده ما خلصت نيته في ~~قصده. # وبينا أنا في هذه الحال من الطمأنينة والغبطة إذ فوجئت بما أخرجني منها، فقد وقفت يوما ~~عند مدرسة من مدارس الحرم، فسمعت أستاذا يحاضر الناس في الحج ويقول: «ليس الحج شعائر ~~ومناسك وكفى، بل هو قبل كل شيء حساب النفس أمام بارئها عما قدمت في حياتها، وهل أدت للحياة ~~واجبها بما يرضي الله ويرضي الضمير، فلم يحملها غرورها على اجتراح الآثام إرضاء لأهوائها، ~~ولم يوسوس لها الشيطان بأن الحياة حق للحي وليست واجبا عليه لله وللناس ولنفسه.» # زلزل هذا الكلام نفسي، وأخرجني من بلهنية الطمأنينة التي كانت تشتملني، وعاد بي إلى ~~ماضي حياتي أنشره أمام بصيرتي ليكون صحيفتي عند ربي، وليكون ما أذرف من دمع التوبة ms200 عما فرط ~~مني شفيعي إليه تعالت أسماؤه. صدق الأستاذ، ليس الحج شعائر ومناسك وكفى، ولكنه حساب النفس ~~واعترافها بذنوبها قبل أن تحاسب حين يتوفاها ربها يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله ~~بقلب سليم. # كانت هذه المرحلة من مراحل نفسي أشق المراحل على وجداني، لكنني صمدت لها واجتزتها بإذعاني ~~وإسلامي، وبإقراري بعجزي وضعفي، وباعترافي الكامل بذنوبي، وضراعتي إلى الله أن يغفر لي بعد ~~الذي بلوت في حياتي من محن كانت الجزاء العادل عما كسبت نفسي. ولقد شعرت بعد اجتيازي هذه ~~المرحلة برضا ملأ جوانحي وانتشر في كل وجودي، كما أضاء أمام بصيرتي نور يهديني السبيل إلى ~~بارئي، فحمدته - جل شأنه - وازددت تواضعا لله وثناء عليه، وتسليما بقضائه، وإسلاما ~~لأمره. # وإنني لسعيدة بما أنا فيه من حال الرضا، أصلي بالحرم الشريف كل فروضي، وأطوف بالكعبة كل ~~يوم، إذ رأيت ما لم أكن أتوقع، فقد صليت العشاء الآخرة ذات مساء ثم ذهبت إلى مضجعي، فرأيت ~~فيما يرى النائم أني هممت بأن أسعى بعد طوافي، فقصدت إلى باب الصفا لأخرج منه إلى المسعى، ~~فإذا سيدة تقبل علي تقبلني وتعانقني، فرفعت إليها عيني لأتبينها، فلما رأيتها لم أملك ~~نفسي من الدهشة؛ فتلك صديقتي! نعم صديقتي التي اشتهرت بالخفة إلى حد الطيش، وقلت لها ~~والدهشة لا تزال تملكني: «أنت هنا؟!» قالت: «نعم، مع زوجي، وقد رأيتك مقبلة علي فشعرت ~~ونحن في بيت الله بأنا أختان إن فرقت بيننا أهواء الدنيا في بلادنا، فلا شيء يفرق بيننا في ~~هذا البيت العتيق!» وزادني كلامها هذا دهشة، فما عهدتها تنطق بمثل هذه الحكمة من قبل، ~~وقبلتها كما قبلتني، وأردت أن أستأذنها لأخرج فأسعى فأمسكت بيدي وقالت: «سأسعى معك.» ~~وسعينا وكلتانا تدعو وتستغفر ربها، وتتلو ما ألقي علينا أن نتلوه في رواحنا وجيئتنا بين ~~الصفا والمروة، فلما أتممنا سعينا سألتني عن موعد طوافي الغداة، وقالت: «سأكون إلى جانبك ~~نطوف معا كما سعينا اليوم معا.» # ثم رأيتني عدت إلى مسكني، ولم تنقض دهشتي ولا أكاد أصدق ما ms201 رأته عيني، فلما ذهبت صبح الغد ~~للطواف ألفيت صديقتي في انتظاري، وتقدمت نحوي حين رأتني وقالت: «إن لي معك حديثا قصيرا ~~قبل أن نبدأ الطواف، لقد هتف الليلة هاتف بي تبينته طيف زوجك الأول استحلفني أن أقسم لك ~~أمام هذا البيت المحرم أني ما كانت بيني وبينه قط ريبة، وأني ما أحببته ولا أحبني، وأنا لم ~~تزد مودتنا على موجب الصداقة البريئة الطاهرة أملاها علي واجب الاعتراف بجميله لما صنعه ~~لي ولأولادي من استخلاص ميراثنا، وأملتها عليه مروءته وشهامته.» ثم إنها جذبتني من يدي قبل ~~أن أتمكن من أن أؤكد لها اقتناعي بصحة قولها، فلما كنا قبالة الحجر الأسود أقسمت هذه اليمين ~~ثلاثا، ثم قالت: «والآن سامحيني يا صديقتي ليغفر الله لك ولي»، وأجبتها: «بل سامحيني أنت ~~فيما كان من سوء ظني بك، وإفساد زواجك بمن تزوجته أنا، وأقسم لك كما أقسمت لي أمام هذا ~~البيت أنني يوم أفسدت هذا الزواج لم أكن أفكر في التزوج من صديقنا برغم ما أذعت أنت من ~~ذلك»، قالت: «فسامحيني في هذه كذلك، فإنما كنت أدافع عن نفسي وعن شرفي.» وسامحتني وسامحتها، ~~وأقسمنا على أن نعود لصداقتنا الأولى، ثم طفنا حول الكعبة أداء لواجبنا وتوكيدا لقسمنا، ~~وافترقنا وكلتانا تحمد الله أن طهر الله قلبينا وغسل برحمته ما غسل من ذنوبنا، وتدعو الله ~~لبنيها ولذويها أن يكلأهم برحمته وعنايته. # واستيقظت لصلاة الفجر وأنا أسائل نفسي عن سر ما رأيت في نومي، ثم ذهبت بعد أن أسفر الصبح ~~ألتمس الأستاذ الذي يحاضر الناس في الحج فقصصت عليه حالي، وكيف اطمأنت نفسي وبلغت من الرضا ~~غاية ما أطمع فيه، ورغبت إليه أن يفسر لي ما طاف بي وأنا مستغرقة في نومي، فقال: «إنه من ~~الوضوح يا سيدتي بما لا يحتاج إلى تفسير، فمن أنعم الله عليه فبلغ مثلك حال الرضا يجب أن ~~يطهر قلبه، وأن يطهر عقله الباطن من كل موجدة على أي إنسان، وأن يغفر للناس خطاياهم كما ~~يطمع في أن يغفر الله له خطاياه، ولا ms202 يزال قلبك واجدا على هذه السيدة، ولا بد لك إن شئت ~~لحال الرضا أن تدوم أن تطردي هذه الموجدة من قلبك ومن ذاكرتك، ليكون تجردك لله خالصا ~~صادقا مصدره حب الناس جميعا، والمغفرة لكل مخطئ، والاستغفار عن كل خطيئة، ومن أتم الله ~~ذلك له دام له الرضا في الدنيا وفي الآخرة.» # وتخطيت فناء الحرم والدمعة تنحدر من عيني، ووقفت في مقام إبراهيم ورفعت يدي إلى السماء، ~~وهتف قلبي: «ما أكرمك ربي! أجديرة أنا بكل هذه العناية؟ أم أن أعظم الناس ذنوبا أدناهم إلى ~~عفوك وبرك؟ رب إني لأشعر في أعماق روحي بأن قلبي لا يزال في حاجة إلى أن يتطهر ليكون ~~خليقا بأن يسمو إلى حضرتك، ويشرف بالمثول في مقامك الكريم.» # وطال وقوفي وابتهالي إلى الله ودعائي إياه أن يهبني القدرة حتى يتطهر قلبي ووجداني ليدوم ~~لي رضاه عني، فلما أتممت ابتهالي جلست مع الجالسين في مقام إبراهيم، حتى إذا سكن روعي ~~وهدأت نفسي وعاودتني طمأنينتي قمت فصليت، ثم طفت بالكعبة، ثم انتحيت جانبا قريبا من باب ~~الصفا، هنالك ذكرت ما رأيت في نومي، فقمت فسعيت بين الصفا والمروة، وتلوت ما ألقي علي أن ~~أتلوه وأنا أسعى، وسمعت المؤذن ينادي لصلاة الظهر وأنا في آخر أشواط السعي، فدخلت الحرم من ~~جديد فصليت وراء الإمام، ثم انصرفت إلى مسكني. # وشعرت حين خلوت إلى نفسي بأنني خلوت إلى حال جديدة من حالات نفسي، فلا بد لي إن أردت أن ~~يديم الله ما أنعم علي من حال الرضا، أن أمحو كل موجدة من قلبي، وأن أحب الناس جميعا، ~~وأن تكون محبة كل ما خلق الله شعاري ليشرح الله لي صدري، ويرفع عني وزري، فتطمئن نفسي وأرجع ~~إلى ربي راضية مرضية، أتراني أستطيع أن أفعل؟ ذلك ما ابتهلت فيه إلى الله ليهبني القدرة ~~عليه، والله سميع مجيب. # فلما كان المساء وصليت العشاء الآخرة نشرت صحيفتي أمام بصيرتي راجية أن يمحو الله منها كل ~~شائبة من وزر أو شبهة من هوى، وقرأت في هذه الصحيفة ms203 أول ما قرأت ما كرره لي زوجي الأول من ~~أن الغيرة والغرور هما مصدر علتي، وسبب ما أرهقته وأرهقت نفسي وولدي به من متاعب وبلاء، ~~وسرعان ما تيقنت أنه - رحمة الله عليه - كان ثاقب النظر، وأن غيرتي وغروري جسما أنانيتي ~~فصرت لا أرى غير نفسي، وأفرغت كل ما في نفسي من حب على هذه النفس الأمارة بالسوء، ولولا ~~أمومتي وحبي ولدي - وهما بعض نفسي - لأنكرت الحب، وأنكرت كل ما يتصل بالحب من عواطف، ~~فأنانيتي هي التي دفعتني للغيرة من صديقتي لأنني لست جميلة جمالها، ولست فاتنة فتنتها، ~~وأنانيتي هي التي دفعتني للاغترار بنفسي والإيمان بذكائي وسحر حديثي، وإيثار من يؤمنون بهذا ~~الذكاء وهذا السحر، فيدفعهم إيمانهم إلى الإعجاب بهما وإنكار ما سواهما، وأنانيتي هي التي ~~جعلتني كذلك أسيرة نفسي فأذلتني لها، وضربت حولي نطاقا من سجنها وحالت دون تبادلي مع الناس ~~جميعا أكرم العواطف، فلو أنني محوت بفضل من الله أنانيتي أو تغلبت على الأقل عليها، لحطمت ~~جدران سجني، ولخرجت من عزلتي، ولأحببت كل ما حولي ومن حولي، ولتطهر قلبي ودامت علي نعمة ~~الرضا من ربي. # وجاهدت منذ ذلك اليوم نفسي، فلم أكن أرى في الحرم امرأة تبدو عليها مظاهر الهم والألم إلا ~~سكبت فيها من روحي ما يزيل همها وألمها، سواء علي عرفتها أم لم أعرفها، ولم أكن أسمع ~~أنة مريض أو مكلوم القلب حتى أخف لشفاء مرضه أو لشفاء قلبه، ولم أكن أشعر بأنانيتي تتحرك ~~فيما استبطن من أعماق وجودي حتى أقطب جبيني لها، وأردها إلى أعماق سجنها، بذلك صرت أفرح ~~لأفراح الناس ممن حولي، وأتألم لآلامهم؛ ولذلك رجوت أن يشفيني الله من علتي، وأن يقبل بفضله ~~خالص توبتي. # وجاء موعد الحج فقضينا مناسكه: صعدنا إلى عرفات نلبي داعي ربنا ونشهد بوحدانيته لا شريك ~~له، وأن الحمد والنعمة والملك له تعالت أسماؤه، وهناك ابتهلت إليه ودعوته لكل من رغب إلي ~~أن أدعو الله ليبارك عليه وليهديه ويغفر له ويرحمه، وكان أحر دعائي لولدي أن ينجيهما الله ~~من شر ms204 نفسيهما، ومن الوقوع في مثل آثامي، وإلى والدي أن يجزيهما الله بما أحسنا إلي، ~~وإلى زوجي أن يبلغه الله مراتب الرضا، وإلى الطيف الملتف في أكفانه زوجي الأول أن يثبته ~~الله وأن يسكنه الجنة جزاء عفوه عني برغم ما أسأت إليه، ودعوت الله كذلك إلى الأقربين من ~~أهلي وذوي رحمي كل باسمه، وإلى الناس جميعا أن يرفع الله عنهم مقته وغضبه، وأن يديهم سواء ~~السبيل. # وآن لنا بعد أن طفنا طواف الوداع وسعينا سعيه أن نذهب إلى مدينة الرسول - عليه السلام - ~~وأنا أرجو أن أظل في رحابها حتى يقبضني الله إليه بها، وأن أدفن في ترابها. # لا قدرة لي على تصوير شعوري حين أهلت المدينة وطالعتنا أعاليها ونحن منها على مدى النظر، ~~لقد كانت عمتي تحدثني بعد حجها أنهم لما شارفوا المدينة رأوا النور يتلألأ فوق القبة ~~الخضراء من قباب المسجد النبوي، أما أنا فلم تر عيني حين شارفت المدينة إلا ما يراه من يقبل ~~على أية مدينة في العالم، وكنت كلما اقتربنا منها ووضحت معالمها وتبينا قبابها تمنيت لو ~~كانت أدق نظاما وأحسن عمارة، وكذلك كان شعوري منذ دخلتها، ولا يزال هذا الشعور آخذا بنفسي ~~إلى اليوم، ولا أزال أدعو الله في صلواتي أن يهيئ لها من يحسن عمارتها، ومن ينهض بكل ~~مرافقها إلى مستوى الحضارة في أرقى صوره. # لم تر عيني حين شارفت المدينة نورا يتلألأ فوق القبة الخضراء، لكنني أحسست بقلبي يملؤه ~~النور أول ما علمت أننا نقترب من قبر الرسول الكريم، وقبل أن تطالعنا قباب مسجده، وانتشر ~~النور من قلبي في كياني كله، وأعاد إلى ذاكرتي كل صفحة من حياة النبي العربي قرأتها قبل ~~حجي، ولعل هذا النور الذي أضاء روحي وانتشر في كل وجودي كان ينتقل من قلب عمتي وأمثالها إلى ~~أبصارهم فيرونه متلألئا فوق القبة الخضراء، ولا تخالج نفوسهم إثارة ريب في أنه منبعث من ~~قبر الرسول الكريم الكائن تحتها، والإيمان ينير البصائر كما ينير القلوب، فترى الأبصار بفيض ~~من قوة هذا الإيمان ما ms205 لا نرى، وتقص صادقة ما لا ريب عندها في أنها رأته رؤية مادية كما رأت ~~القبة الخضراء نفسها. # ودخلنا المدينة وأزلت عني غبار السفر، وقصدت لتوي إلى مسجد الرسول، فصليت في الروضة ~~النبوية الشريفة صلاة القدوم، ثم إنني زرت الحجرة النبوية الشريفة ووقفت قبالة قبره # صلى الله عليه وسلم # أسأله الشفاعة يوم الدين، وما لبثت حين بدأت أدعو ربي ليقبل شفاعة رسوله في أن ~~انهملت عبرتي وخفق قلبي وانعقد لساني كأني في حضرة ملك عظيم، بل كأني في حضرة أعظم الملوك ~~وأجلهم قدرا وأوسعهم سلطانا، وإن يكن سلطانه سلطان بر ورحمة، لا سلطان جبروت ونقمة، ولم ~~أستطع وتلك حالي أن أغادر مكاني، فتشبثت بأعواد الحجرة حتى دفعني الزائرون والزائرات عنها ~~ليلثموها تبركا بها، هنالك جلست قبالتها وأطلت التحديق فيها، وقلبي مأخوذ عن كل شيء إلا ~~عنها، ونظري ثابت نحوها لا يتحول يمنة ولا يسرة، فلما انحلت عقدة لساني أخذت أدعو من أعماق ~~قلبي رسول البر والرحمة والتوبة والمغفرة أن يديم الله ما أنعم به علي من حال الرضا، وأن ~~يفتح قلبي لمحبة الناس جميعا، ولمحبة أمثالي الذين أسرفوا في حياتهم على أنفسهم، وأن يسعنا ~~جميعا في رحابه، وأن يتقبل توبة التائبين وأن يدخلهم فسيح رحمته. # واتخذت لي مكانا في الروضة الشريفة أصلي فيه كل يوم فرائضي الخمس، وأدعو الله مخلصة أن ~~يقبل توبتي، وأتلو فيه من سيرة الرسول ما أتخذ منه الأسوة الحسنة، مع إقراري بعجزي عن السمو ~~إلى ذياك المقام وقد أدبه ربه فأحسن تأديبه. # وشعرت بقلبي يزداد كل يوم طمأنينة، وبنفسي تزداد كل يوم هدى، فدفعني ذلك إلى التفكير في ~~المقام بالمدينة أجاور الرسول الكريم ما بقي من أيامي، لكني تركت بالقاهرة زوجا أحسن إلي ~~وولدين يشتاقهما قلبي، وتحن إلى نظرة منهما نفسي، ولئن استطعت أن أدعو الولدين لأراهما ~~بالمدينة ولو مرة في كل عام، فليس من حقي أن أقيم بها إلا أن يأذن لي زوجي؛ لذلك كتبت إليه ~~كتابا رقيقا أشرح له فيه ما مر من أحوالي ms206 ، وأشكر الله ما أنعم به علي، وأستأذنه في ~~المقام مجاورة رسول الله # صلى الله عليه وسلم # حتى يختارني ربي، وأقمت أنتظر الجواب على خطابي، ولدهشتي ~~وفرحتي جاءني بعد قليل كتاب زوجي ينبئني بأنه قادم إلي ومعه ابنتي، وأن ابني كان يود أن ~~يحضر لولا أن أمسكته مصالحنا في مصر ليرعاها. # ولم يطل انتظاري مقدمهم، فبعد أيام من تناولي كتاب زوجي تسلمت برقية بأنهم أبحروا من ~~السويس إلى ينبع في طريقهم إلى المدينة، أتراني أنتظرهم حتى يحضروا إلي أم أخف للقائهم ~~بينبع؟ كان الجواب على هذا السؤال مدار نزاع حامي الوطيس بين روحي وقلبي: قلبي يحركه ~~الشوق إليهم فيدفعني دفعا عنيفا لأذهب إلى ينبع، وروحي تحدثني بوحي من عقلي أنهم سيبلغون ~~المدينة مساء اليوم الذي تستقبلهم ينبع في صباحه، وليس يشق علي أن أنتظرهم هذه الساعات ~~فلا يخلو مكاني في أثنائها في الروضة النبوية، ولا أشغل خلالها بشيء عما أخذت به نفسي من ~~عبادة ربي، وغلبت روحي آخر الأمر فأذعنت مؤمنة بأن غلبها كان بقضاء من الله وقدره، وبقيت ~~بالمدينة أنتظر القادمين العزيزين من غير أن أنقطع عن أداء ما لله علي من حق. # واستقبلتهما وأنا في ثيابي الناصعة البياض، وحياني زوجي في شوق وإكرام، وتمنى لي حجا ~~مبرورا، وقابلت تحيته بمثلها في تواضع واحترام، أما ابنتي فاندفعت إلي تقبلني وتعانقني ~~وتضمني إلى صدرها، فأشعر في هذه الضمة البنوية الصادرة من أعماق قلبها وكأنها تريد أن تعود ~~بضعة مني كيوم كنت أحملها في أحشائي، فيزداد قلبي وقلبها امتزاجا، وأحس بأننا روح واحد في ~~جسدين، فلما فرغنا من تحياتنا وقبلاتنا وعناقنا، وذكرت لهم أني دعوت الله لهم ولأهلنا ~~جميعا، سألت ابنتي: وكيف أخوك؟ قالت: بخير يا أماه، وهو يسأل متى تعودين إلى القاهرة؟ ~~ولمحت زوجي فإذا هذا السؤال مرتسم على وجهه، وإذا هو ينتظر أن يسمع جوابي عليه، قلت: ذلك ما ~~سنتحدث فيه بعد أن تقيما معي أياما. وبعد برهة صمت قال زوجي: أولا يجب علينا أن نذهب إلى ~~الحرم نؤدي لصاحبه ms207 - عليه الصلاة والسلام - تحية القدوم. قلت: ذلك لكما، وسأرافقكما، لكن ~~الواجب عليكما أن تقرأ سيرته لتقدرا شرف مثولكما في حضرته حق قدره، وهذه السيرة عندي ~~يستطيع أيكما أن يقرأها إذا قام الليل إلا قليلا، فإذا هو زار الحرم بعد ذلك ووقف أمام ~~الحجرة الشريفة استنار قلبه بنور صاحبها، وعرف كيف يجتمع الحق والخير والإيثار وإنكار الذات ~~وسائر المعاني الرفيعة في نفس واحدة، هي ملاك المعاني السامية كلها، وهي القدوة خير قدوة ~~لمن شاء أن يتبع خطاها، ويسير في أثرها. # وقرأ زوجي وقرأت ابنتي السيرة، وأخذا يصحباني كل يوم إلى مسجد صاحبها، ويجلسان معي في ~~الروضة يصليان ويتعبدان، على أنني شعرت بعد أيام أنهما يحسباني أبالغ في تقواي، فلم أعر ~~حسبانهما هذا بالا؛ لأنني أدركت مما رأيت منهما أن أمرا خاصا يشغلهما، وخلا إلي زوجي ~~يوما بين صلاتي العصر والمغرب إذ كانت ابنتي في الحرم فسألني: والآن هل أستطيع أن أعلم ~~متى اعتزمت العود إلى القاهرة؟ فقلت: أوتذكر لي أنت ما حدث بين ابنتي وزوجها؟ فأجابني وقد ~~علته الدهشة: وكيف علمت؟ وهل كتب إليك أحد من مصر بما حدث؟! قلت: كلا، ولكنه إحساس خامر ~~قلبي، وشهد به عندي ما كانت تنم عنه أساريركما كلما جاء ذكره في حديثي معكما. قال مبتسما ~~بدء حديثه، بادية عليه سيما الأسف حين استطرد فيه: «لا يزال ذكاؤك لماحا برغم تقواك، وكنت ~~أحسب أن الذكاء والتقوى لا يجتمعان، أما وقد اجتمعا فلن أستطيع أن أخفي عنك شيئا، والأمر ~~يحتاج في معالجته إلى حكمتك وبصيرتك. إن ابنتك وزوجها يكثر اختلافهما حتى لأضيق أحيانا ~~بهما حين يحتكمان إلي فأحاول إصلاح ذات بينهما، وقد استطعت إلى عهد قريب أن أتغلب على ~~منازعاتهما، وأن أردهما إلى حمى الصلح والسلام، ثم استفحل خلافهما في الفترة الأخيرة حتى ~~خشيت انفصالهما، وكدت أيأس من إمكان تفاهمهما، وإنا لكذلك إذ جاءني كتابك تستأذنينني في ~~البقاء بالمدينة هنا، وقد انتهزت فرصة تناوله واتخذت منه حجة للكلام في غير ما يشتد جدلهما ~~حوله، ثم رأيت حين ms208 قررت المجيء إليك أن تصحبني ابنتك راجيا أن يبعث بعدها شوق كل من ~~الزوجين إلى صاحبه، فينسيهما الشوق خلافهما. هذه قصتهما وقصتي معهما، ولن يستطيع أحد ما ~~تستطيعين أنت علاجا لحال يعصي علي أمرها، وأخشى أن يفلت من يدي زمامها.» # قلت: «فلنستعن بالله فيما يعصي عليك، فإذا جاءت ابنتي خاطبتها آملة أن أردها إلى صوابها ~~لترد هي زوجها إلى صوابه.» # وذهبنا إلى الحرم وصلينا المغرب والعشاء وراء الإمام، ثم عدنا وعادت ابنتي معنا، فلما ~~تناولنا طعامنا، واستقر بنا المجلس، قلت لها: لقد دار بظني أنك على خلاف مع زوجك إذ كنت ~~أراك وعمك تنقبض أساريركما كلما جرى اسمه على لساني، وقد سألت عمك عن ذلك فأخبرني أنكما بلغ ~~من أمركما أن خشي انفصالكما، وأن كاد ييأس من إصلاح ذات بينكما، ففيم تختلفان؟ قالت وهي ~~تحبس دمعة ترقرقت في عينيها: «لقد أصبحت حياتنا لا تطاق يا أماه؛ إن زوجي يريد أن يستأثر ~~بكل شيء داخل المنزل على حين لا أسأله أنا شيئا فيما خرج عن دائرة المنزل، إنه يريد أن ~~يكون السيد المطاع، وأن تكون كلمته أمرا لا أناقشه فيه، فإذا أردت أن أبدي له ملاحظة عن ~~لون ثيابه أو زيه قال: ما لك أنت وذاك؟ هي ثيابي أنا، متناسيا أن ما يوجه إلى ثيابه من نقد ~~موجه إلى ذوقي وحسن عنايتي، وهو يريد مع ذلك أن يكون صاحب الرأي في ثيابي، في لونها وقماشها ~~وتفصيلها، وأنت يا أماه تعرفين أن الرجال لا يعلمون شيئا عن ثياب النساء، فالنساء يغيرن ~~أزياءهن، والرجال معجبون دائما بكل ما يصنعن، حسب المرأة أن تملق غرور الرجل فتسأله رأيه ~~في ثوبها ليبدي غاية الإعجاب بالثوب وبها، وهذا وإن أوهمت المرأة زوجها بأنها تستشيره قبل ~~أن تختار القماش وطراز الثوب، وبلغ من أمر زوجي معي حين ثرت باستبداده أن قال يوما: «إنني ~~لا أريد أن تصيري إلى ما صارت إليه أمك!» عند ذلك رأيت الكأس قد طفحت، وأنه وقد تخطاني إليك ~~اليوم، فإنه سيتخطاك إلى أبي ms209 غدا، وإذا لم تقم الحياة بين الزوجين على تبادل الاحترام فلا ~~خير فيها، فالحب الذي يتجاوز الاحترام لا يكفي وحده لاتصال الحياة بين الزوجين.» # شعرت بأن ابنتي ذكرت إشارة زوجها إلى مصيري لتثير حماستي، لكنني كنت أشد حرصا على مصيرها ~~هي؛ لذلك سارعت فأجبتها: «لا تحسبي رجلا يستطيع أن يستبد بامرأة إلا أن يكون وحشا كاسرا، ~~أو تكون المرأة عنيفة فقدت كل معاني الأنوثة، أو مغرورة عبثت بها أنانيتها فلم يبق لزوجها ~~إلا أن يفرض وجوده عليها.» # قالت ابنتي: «فأشيري علي يا أماه، أنت تعلمين أنني أحب زوجي وأنه يحبني، لكنني أرى أن ~~مشاركته في الصغير والجليل من الشئون فقدان ثقة بي، ولشد ما أخشى أن أبادله عدم الثقة فيكون ~~لذلك من سوء الأثر في حياتنا ما أريد جهد طاقتي تجنبه.» # قلت: «فاسمعي يا صغيرتي، لا تطلبي إلى زوجك أن يثق بك ثقة عمياء، وهو لن يطلب إليك مثل ~~هذه الثقة به، أنتما شريكان في كل شيء، ومن حق الشريك أن يحاسب شريكه، لقد خبرت هذا الأمر ~~وبلوت من مره علقما، فثقة أبيك العمياء بي هي التي أضلتني، وسبقه إياي إلى رغباتي هو الذي ~~جر عليك وعلى أخيك أبلغ الضرر، فهو لم يكن يراجعني أو يصدني عن شيء، وقد كنت معرضة للخطأ ~~فيه، حسبه مني أنه كان يحبني، وكنت أول سني زواجنا أحبه، وأنني لم أكن أسأله عن شيء في ~~عمله؛ لأنني لم أكن أعرف ألف الطب ولا باءه، وكان ذلك دافعي يومئذ لأرغب إليه في الانتقال ~~من الطب إلى السلك السياسي؛ ليكون سلطاني أفسح مدى، لكنه أبى وأصر على إبائه، عند ذلك بدأ ~~حبي إياه يضطرب في نفسي، والحب إذا اضطرب فمصيره إلى الاحتضار والموت، وما قيمة حب لا مظهر ~~له إلا أن يقول الرجل للمرأة، أو تقول هي له: إنني أحبك، وألا يلتقيا إلا لإنجاب ذريتهما، ~~وألا يحاول كل منهما أن يكمل نقص صاحبه ليسمو به إلى ما يقربه من الكمال، ولو أن أباك ~~راجعني بدء زوجيتنا فيما ms210 يخشى أن أتعرض للخطأ فيه، وردني برفق لا يعرف العنف الذي كنت ~~أراجعه به بعد أن فتر حبي له، لما بلغت الأمور بيننا إلى ما تعلمين من انفصالنا، فلا تبالغي ~~يا صغيرتي إذ تتحدثين عن حرص زوجك على الاستئثار بشئونك، بل تسامحا وتشاورا، وتشاركا في كل ~~ما تستطيعان فيه تسامحا أو مشورة أو اشتراكا، ينتقل ذلك بحبكما من القلب إلى الروح، ولا ~~حب كالحب بالروح بقاء ودواما.» # أحسنت ابنتي الإنصات إلى حديثي، فلما فرغت منه قالت، وعلى ثغرها ابتسامة تشوبها السخرية: ~~«سامحيني يا أماه إذا قلت إنك لم تعرفي الرجال بعد برغم خبرتك الطويلة، إنهم لا يكفيهم أن ~~يستأثروا بأجسامنا، فهم يريدون أن يستأثروا بقلوبنا وعقولنا وأذواقنا وكل شيء في وجودنا، ~~إنهم لا حد لأنانيتهم، وهم أشد حرصا على أن يستأثروا بكل ذلك من المرأة ما كانوا أشد لها ~~حبا، وحرصهم يتجاوز كل حد إذا بلغ حبهم العبادة، فإذا لم تصدهم المرأة عن غيهم في ~~الاستئثار المطلق بها فني أمامهم وجودها، وأصبحت أمة رق لهم، وهذا ما لا أرضاه ولن ~~أرضاه مخافة الغد، وما أخشاه من مذلتي فيه.» # وابتسمت كما ابتسمت وقلت: «أنت على حق يا صغيرتي، أنا لم أعرف الرجال بعد كما عرفتهم ~~أنت، ولكنما عرفت أن الرجل ضعيف عنيف، وأن المرأة ضعيفة قادرة، فالرجل إذا استثير جابه ~~الخطر ولو كان في مجابهة الخطر حتفه، وجابهه مضطرب الروية زائغ البصر، غير مؤمن بسلاح غير ~~سلاح العنف. أما المرأة فالعنف ألد أعدائها، هي حمامة السلام، فإذا نصبت نفسها للقتال فويل ~~لها وويل للسلام، وقدرة المرأة في ذكاء أنوثتها، هذه الأنوثة الذكية هي السلاح الحاسم الذي ~~تستطيع به كل شيء، وتستطيع به أن تملك عقل الرجل وقلبه وروحه وكل حواسه، والأنوثة الذكية ~~تأنف العنف في كل مظاهره؛ لأنها تدرك ما للرفق والمحبة من سلطان قاهر يعنو له العنف ~~ويتلاشى أمامه. بالرفق والمحبة تجعل المرأة هزيمتها نصرا، وإذعانها أكبر من النصر، فعالجي ~~يا صغيرتي زوجك بذكاء أنوثتك، وأنا كفيلة لك بأنه سيكون ms211 طوع إرادتك في كل ما ~~تطلبين.» # قالت ابنتي في استسلام مصطنع: «سأحاول يا أماه، ولعلي أجد في حياتك درسا لي، وإن كنت ~~أخشى أن تغلبني كبريائي يوما فلا أبلغ ما يشتد حرصي اليوم عليه.» # وقاطعتها في عنف قائلة: «تعسا لباطل الكبرياء الذي ينفث فينا سموم الغرور، إنه هو الذي ~~يهزمنا ويذلنا حين يكون النصر في قبضة يدنا، لا شيء يا ابنتي خير من التواضع ما لم ينزل ~~بصاحبه إلى هوان المذلة، وإنني لأدعو لك من كل قلبي أن تبلغ أنوثتك من الذكاء ما يفتح لك ~~بالتواضع أبواب السعادة والهناء.» # قالت: «ومتى تحضرين إلى القاهرة يا أماه لتسددي من خطاي ما أخشى أن يتعثر، ألا تعودين مع ~~عمي ومعي؟» # وأجبتها: «ذلك ما سأحدث عمك فيه، فأنا لا أستطيع أن أبقى هنا أو أعود إلى هناك بغير إذنه، ~~وسأكشف له عن مكنون صدري، ولا مرد بعد ذلك لحكمه.» # وأدركت ابنتي من عبارتي أنني أريد أن أخلو إلى عمها أحدثه فانسحبت متلطفة وقالت: أنا ~~ذاهبة إلى مخدعي، فلتمسيا بخير. ورددنا تحيتها بمثلها. # فلما خلونا قال زوجي: «أخشى أن يكون حوارك مع ابنتك قد أجهدك وجعلك في حاجة إلى الراحة، ~~فإن شئت تحدثنا عن عودك إلى القاهرة بعد صلاة الفجر.» # وأجبته: «الأمر على عكس ما تظن، فقد أيقظ هذا الحوار كل حواسي، وأطار كل خاطر للنوم من ~~رأسي، فإن لم تكن أنت بحاجة إلى الراحة فإني مفضية إليك بذات نفسي، أما إن آثرت أن تستريح ~~فأنا وما تريد.» # وآثر هو أن يستريح فنمت بجواره، وألصقت جسمي بجسمه، وشعرت بالدفء يسري منه إلى كل وجودي، ~~ويبعث إلى قلبي من الطمأنينة ما سكن من يقظة أعصابي وهفا بي إلى النوم، واستيقظت مع الفجر ~~وأيقظته، وصليت مؤتمة به، فلما فرغنا من صلاتنا ومن دعائنا قال: «ألا ترين أنك تظلمينني إذا ~~بقيت هنا وتركتني أعود إلى القاهرة أعاني الوحدة وآلامها، إنني أدرك بعد الأيام التي أقمتها ~~بالمدينة حلاوة هذه الحياة التي تحيينها، تقضين معظم نهارك وطرفا من الليل ms212 في الحرم على ~~مقربة من الرسول الكريم، وكم تمنيت لو استطعت أن أجاوره كما تجاورينه، لكنك تعلمين أن ~~مصالحنا بمصر تحول بيني وبين هذه الأمنية العزيزة، ولك علي إن أردت أن تحجي كل عام وأن ~~تزوري أن أعاونك على ذلك، وأن أصحبك فيه كلما استطعت إلى صحبتك سبيلا.» # قلت وقد ازداد قلبي رقة لهذا الرجل المحسن الكريم: «عزيز علي أن أدعك تعاني الوحدة في ~~مصر وأنت الذي أنقذتني منها، وكم نازعتني نفسي إلى العود معك، ولو أننا تحدثنا في هذا الأمر ~~يوم مقدمك إلى هنا لهفت نفسي إلى ما تريد، فقد كنت أشعر يومئذ أني بلغت من تطهير قلبي إلى ~~ما يديم علي حال الرضا التي أكرمني الله بها، لكن الأيام التي قضيتها معي هنا أرهفت حسي ~~نحوك، وجعلتني أشعر لك في أعماق قلبي بما لم أشعر من قبل بمثل بأسه وسلطانه، نعم، إني أحبك ~~الآن حب امرأة لرجل، فجسمي يهواك كما يحبك قلبي، وأخشى أن ينسيني هذا الحب وهذا الهوى محبة ~~غيرك ممن خلق الله، وما خلق الله، فإن حدث ذلك - وشد ما أخشى أن يحدث - زالت عني حال ~~الرضا، وعدت أعاني من حساب الضمير عن ماضي حياتي ما أنوء به. قد يكون هذا الحب العنيف من ~~نزغ الشيطان، وقد يكون اختبارا يريد به ربي أن يبلوني، وأن يشهدني على ضعف نفسي وباطل ~~غروري؛ إذ أظن أنني سموت إلى مرتبة رضاه وروحي لا تزال تتجاذبها الأهواء، ويختلط فيها ~~الخبيث بالطيب، فهل لي أن أرجوك - وأنت الزوج المحسن الكريم - أن تدعني هنا أتابع ما بدأته ~~من تطهير قلبي حتى أطمئن إلى نقائه؟ ولعلك إن عدت للزيارة في شهر رجب ألفيتني في طاعة الله ~~وطاعتك سباقة إلى مرضاتك!» # كنت أنظر إليه وأنا أخاطبه بعينين ملئتا عطفا ومحبة، ثم كنت أراه مع ذلك مشدوها كأنما ~~أخاطبه بلغة غير مفهومة، وقد ظل بعد أن فرغت من حديثي تعلوه الدهشة، وكأنما يريد أن يتبين ~~ما أريد فلا يسعفه ذكاؤه، وبعد برهة ساد فيها بيننا ms213 الصمت قال: «أصدقك أنني لم أفهم كل ما ~~قلته، لكنك ذكرت أنك أصبحت تحبينني الآن حب امرأة لرجل، أوأفهم من ذلك أنك لم تكوني ~~تحبينني قبل أن تحضري إلى المدينة؟» وسارعت فأجبته: «لا تبالغ يا عزيزي، ولا تحمل ما قلته ~~معنى لا يحتمل، إنما قلت إنني أحببتك منذ جئت إلى هنا حبا لم أشعر من قبل بمثل بأسه ~~وسلطانه، ولا أخالك تريدني على أن أقص عليك قصة عاطفتي نحوك من قبل فأنت تعرفها، وتعرف ما ~~كان من حديث بعضهم عنها، وكل الذي أرغب إليك فيه ألا تأخذك النشوة بحبي إياك اليوم، وأن ~~تدعو الله معي أن يديم علي هذا الحب سلطانه من غير أن يحبسني في سجنه، وأن يدع قلبي ~~مفتوحا لحب كل ما خلق ومن خلق حتى يدوم لي عفوه عني، فأبقى في حال الرضا التي أنعم بها ~~علي.» # لم يدعني الرجل أستطرد في الحديث، بل قال: «بل أريد أن تقصي علي قصة عاطفتك نحوي؛ ~~فذلك أدنى لفهمي، وأحب إلى نفسي.» # قلت: «أتراك راجعك شبابك يوم كنت تريد أن تتزوج صديقتي؟ ولكن لا بأس بأن أجيبك إلى ما ~~يرضيك، أنت تعلم أنني عرفتك أول ما عرفتك الصديق الوفي لزوجي الأول، كما كنت الصديق الوفي ~~لصديقتي، كنت يومئذ أستريح إلى مجلسك، وآنس بحديثك، وأغتبط بحسن إصغائك إلى حديثي، فكنت إذا ~~جئت إلينا سررت بلقياك، وحرصت على استبقائك عندي أطول زمن ممكن، فلما أشركت زوجي الأول معك ~~في معاونة صديقتي على استخلاص ميراثها لم أجد بذلك أول الأمر بأسا، لكنكما بالغتما من بعد ~~في عنايتكما بهذا الأمر مبالغة أثارت نفسي بكما، وأقنعتني بأن جمال صديقتي، لا الوفاء ~~لأولادها أو لذكرى زوجها، هو الذي يدفعكما إلى هذه المبالغة، ولقد كدت - لمبالغة زوجي الأول ~~ولكثرة تردده على صديقتي - أحملك أنت التبعة؛ لأنك شجعته على هذه المعاونة، ودفعته إليها، ~~فلما أردت أن تتزوج صديقتي عرضت لي فرصة نادرة للانتقام منك ومنها فأفسدت هذا الزواج، ومرضت ~~أنت بعد ذلك، واستبد بك المرض فتولاني الندم على ms214 ما فعلت، وبدأت عواطفي نحوك تحرك قلبي، ~~وازدادت هذه العواطف حين أكدت لي غير مرة أنك لن تتزوجها، وحين انقطعت كل صلة بينك وبينها، ~~على حين بقي زوجي متصلا بها، وبدأ العطف إذ ذاك يشوبه الود وإن لم ينقلب حبا؛ لأننا ~~وقفنا صفا واحدا، تنكر أنت على صديقتي التي قاطعتني وأذاعت أنني أفسدت زواجها منك ~~لأتزوجك، ولا أحب أنا زوجي؛ لأنه أبقى على ود صديقتي التي قاطعتني وطعنت علي. وتضاعف ودي ~~لك بعد أن هدك المرض بسبب فعلتي، وإنك واسيتني في محنة احتضار حبي لزوجي مواساة استراح لها ~~قلبي، فاعترف بجميلك، وأقر في أعماقه بعظيم فضلك، وازددت أنا إقرارا بهذا الفضل حين حاولت ~~أنت غير مرة أن تعيد الصفاء بيني وبين زوجي وفاء منك لصداقته، مع يقينك إذ ذاك بأنك تحاول ~~المستحيل. # من يومئذ وقفت إلى جانبي فخففت عني عبء عزلتي بعد أن انتقلت إلى الإسكندرية، ثم إنك أقنعت ~~زوجي فطلقني فضاعف ذلك ودي لك، فلما رأيتني أضطرب في حياتي الجديدة كما تضطرب الخشبة ~~الضئيلة ألقي بها في لج البحر المتلاطم، مددت يدك إلي فأنقذتني وتزوجتني غير عابئ بإثم ~~الظن وقالة السوء! يومئذ غمرني فضلك؛ فأصفيتك كل قلبي، فلم يبق لك من شريك فيه غير ولدي، ~~وزاد ملكك هذا القلب حين اعتبرتهما ولديك، وبقينا من بعد ذلك السنين وأنا في رحاب فضلك، ~~منسوبة أنا وولداي إليك، نعيش في ظل عطفك وسابغ برك، فلما ارتد ولداي فتسميا باسم أبيهما ~~تصارع في قلبي حبي إياك وحبي إياهما، فهرعت إلى البلد الأمين لائذة بربي لاجئة إلى حماه، ~~وأقمت في هذه الأرض المقدسة أدعو الله وأتوب إليه وأستغفره حتى اطمأن قلبي إلى أنه غفر لي ~~وعفا عني، ومحا بفضل منه ما سلف من ذنوبي، عند ذلك شعرت بأن قلبي وروحي عاودهما شبابهما، ~~وانفتحت لهما صفحة جديدة مبرأة من الذنوب، فلما جئت أنت إلى هنا أحسست بهذا الشباب ينتقل من ~~قلبي، بفضلك وجميلك انقلب حبا جارفا، حب امرأة لرجل، بل عشق فتاة لشاب، عند ذلك ms215 أيقنت أن ~~هذا الحب لم يكن وليد يومه، وأنه لم يكن حبا من أول نظرة كما يقولون، بل نشأ منذ عهد بعيد ~~نطفة، ثم مضغة، ثم علقة جعل ينمو حتى بلغ اليوم فتوة شبابه، ولقد كنت أسمع ولا أصدق أن حب ~~الكهولة أعنف الحب، وهأنذي اليوم وقعت في براثنه بعد أن عشش في قلبي وأفرخ، وبعد أن حملته ~~في قلبي كل هذه السنين كما تحمل المرأة طفلها في أحشائها تسعة أشهر، فإذا وضعته نسيت كل ~~شيء، بل نسيت حياتها من أجل وليدها، وأكرر الآن أنني أخشى أن يبلغ من طغيان هذا الحب علي ~~أن يحبسني في سجنه، وأن ينسيني محبة ما خلق الله ومن خلق؛ ولذا أعود فأرجوك باسم هذا الحب ~~أن تدعني هنا أتابع ما بدأت من تطهير قلبي حتى يسع إلى جانب حبك حب خلق الله؛ لأنه وسيلتنا ~~إلى محبة الله ودوام عفوه وعطفه، فإن أذنت - ولا أخالك إلا آذنا - أسديت لي يدا تنفعني ~~وتنفعك عند ربي، فإذا عدت بعد ذلك يوما إلى القاهرة عدت بريئة مطهرة، وكنت النفس المطمئنة ~~التي تطمع في أن يدخلها الله في عباده، وأن يدخلها جنته.» # كان زوجي يسمع قصتي مستريحا لها راضيا عنها، وتزداد أساريره انفراجا كلما أمعنت فيها، ~~فلما فرغت منها، وهز رأسه وكأنما تولاه العجب وقال: «لشد ما تختلف الصور لتنتهي من بعد ~~إلى التقاء، بل إلى امتزاج! فقصتي معك تختلف عن قصتك معي كل الاختلاف، والقصتان تنتهيان مع ~~ذلك إلى امتزاج قلبينا أشد الامتزاج، لقد أحببتك أنا من أول نظرة، يوم قدمني زوجك الأول ~~إليك على أنني صديقه الوفي، وقد تمنيت يومئذ لو لم تكوني زوجه لأتزوجك، ولعلك تذكرين أنك ~~أنت التي طلبت إلي أن أعنى بميراث صديقتك وأبنائها، فاعتبر قلبي طلبك أمرا لا مفر من ~~نفاذه، ولا تنسي أنني استشرتك في الاستعانة بزوجك فأذنت لي، بل ألححت عليه في معاونتي، ~~وأتاح لي ذلك فرصة الإكثار من التردد عليك، وإرضاء قلبي وروحي بجاذبيتك وسحر حديثك، وكان ~~ذلك يلهب حبي ms216 ، ويضاعف الصراع بينه وبين الوفاء لصديق ائتمنني على بيته وشرفه. # عند ذلك فكرت في التزوج من صديقتك وأنا أعلم الناس بخفتها ونزقها؛ لأجد في جمالها وفي ~~حواسها بعض ما يسكن شغفي بك وحبي إياك، فلما أفسدت أنت هذا الزواج آمن قلبي بأنك تحبينني ~~كما أحبك، لهذا عاد الصراع بين الحب والوفاء للصداقة أعنف مما كان، لكنني كتمت ما في نفسي ~~إبقاء على شرفك وشرفي، وحاولت جهدي أن أعيد الحياة لحبك المحتضر، مكتفيا من حبي إياك ~~بالنظر إليك، والمتاع بسحر حديثك، فلما ذهب جهدي عبثا، وطلقت من زوجك لم أرد أن أفاتحك ~~بحبي حتى لا يصدق ما أذاعته صديقتك من أنك أردت الطلاق لتتزوجي مني، لكن رأيتك بعد ذلك ريشة ~~في مهب الريح، فمددت يدي إليك إرضاء لحب تأجج في صدري كل هذه السنين، فتزوجنا. يومئذ اطمأن ~~قلبي، ولم يعنني من بعد أن يقول مطلقك إنني خنت عهد صداقته، فالله يعلم وأنت تعلمين كم وفيت ~~له، وكم قاسيت في سبيل هذا الوفاء؛ ولهذا أمتعنا الله سني زواجنا بالسعادة والنعمة، وكذلك ~~امتزج قلبانا بعد أن بقيا متحاذيين على طريق الحياة السنين الطوال.» # وسكت الرجل بعد ذلك هنيهة، ثم قال: «على أنني يزداد يا عزيزتي عجبي حين تذكرين أنك لم ~~تشعري ببأس الحب وسلطانه ما تشعرين اليوم، ثم تريدين مع ذلك أن نفترق! أصدقك القول إنني لم ~~أفهم هذا التصوف الذي تلبسين اليوم لباسه، وكنت أحسب أن سلطان الحب الذي حدثتني عنه سيدفعك ~~إلى مصاحبتي، والعود معي إلى دفء عشنا الجميل بالقاهرة.» # قلت وفي صوتي نبرة التوسل والاستجداء: «أنت تعلم أنك إن أمرتني أن أعود معك فلن أعصي لك ~~أمرا، وأني لن أقيم هنا إلا بإذن منك تبذله عن رضا وطيب نفس، وإنما أضرع إليك أن تدعني هنا ~~في جوار الرسول إلى رجب المقبل حتى يطهر قلبي، ويتقبل مني ربي، وتصدق عنده توبتي، فلا تشوب ~~نفسي بعد ذلك شائبة من وزر أو هوى، ولك علي عهد الله وميثاقه إن أنت رغبت إلي خلال ms217 هذه ~~الأشهر الستة أن أعود إلى القاهرة، ولو بعد أيام من وصولك إليها، فستجدني حاضرة عندك؛ ~~إيمانا مني بأن قلبك هو الذي دعاني.» # وبعد هنيهة أضفت: «والآن أطلب إلى هذا القلب الكبير أن يأذن ببقائي، ذلك رجاء أتوسل إليك ~~في ضراعة أن تقبله، والأمر بعد الله لك جزاء حبك وإحسانك وبرك.» # كان زوجي مطرقا وأنا أتكلم، فلما فرغت من حديثي رفع إلي رأسه، وقد ارتسمت معاني الطيبة ~~والحب على محياه، وقال: «ما كنت لأحول بينك وبين ما تطمعين فيه من مغفرة بارئك وعفوه، فأنت ~~وما تريدين، أقيمي إلى جوار الرسول الكريم ما طاب لك المقام، ولا تنسي الدعاء لي أن يغفر ~~الله ذنوبي! أقيمي راضية عني مرضية مني، وأرجو الله أن يجمعنا هنا في زيارة رجب، وأن تطيب ~~نفسك يومئذ بالعود إلى أرض الوطن طاهرة مطهرة.» # عقدت غبطتي بكرم عواطفه لساني، فلم أجد الألفاظ التي تكفي للثناء عليه، فقمت إليه فقبلته ~~قبلة شكر ومحبة، ثم قلت له: «فليتول الله جزاء إكرامك إياي وإحسانك لي!» # وانتقلنا بالحديث إلى مألوف القول، ثم إنني بعثت بالخادم، فدعت ابنتي فتناولت فطورها ~~معنا، فلما فرغت منه سألت: أوتعودين معنا يا أماه؟ وأجبتها: قد أذن لي عمك يا ابنتي في ~~المقام هنا إلى زيارة رجب على أن أخف بالعودة إلى القاهرة ساعة يدعوني إليها، وإن لساني ~~ليعجز عن شكره على جميل صنيعه. أما وقد علمت منه أنكما تعودان إلى مصر على الباخرة التي ~~تبحر من ينبع بعد غد فإني أرجو لكما السلامة، وأحملك إلى أخيك قبلات شوقي ومحبتي، وكم ~~أتمنى لو أتيح له أن يحضر إلى هنا لأراه كما رأيتك، وأروي برؤيته شوقي الظامئ لضمه إلى ~~صدري، وهو لا ريب أحكم من أن يحتاج الأمر بيني وبينه إلى حوار كالذي دار بيني وبينك. # وابتسمت الشابة وقالت: «إن طيبة قلبه، وكرم خلقه، وشدة حبه لزوجه يغنيه عن مثل هذا ~~الحوار. # ولقد فكرت هذه الليلة طويلا فيما أسديت لي يا أماه من نصائح فرأيتك على حق، أهو عقلي ms218 ~~الذي هداني إلى تبين هذا الحق، أم هو وحي هذه المدينة المنورة، أم أنهما تآزرا على هدايتي؟! ~~أيا كان الأمر فإني شاكرة لك من أعماق قلبي، مستغفرة عما لعله فرط مني في أثناء ~~حديثي.» # وقبلتها وقلت: «إن الهدى يا ابنتي هدى الله، أمتعك الله بالسعادة والهناء.» # وفي الغد تأهب زوجي وابنتي للسفر إلى ينبع فصحبتهما إليها، وودعتهما حين أبحرت الباخرة، ~~وعدت في رفقة إلى المدينة، واتخذت مكاني من الروضة، وحمدت الله أن هدى ابنتي إلى الحق، وهدى ~~زوجي ليدعني في جوار الرسول الكريم. # | الفصل الحادي عشر # عدت إلى المدينة وإلى مكاني من الروضة في المسجد النبوي، وقلبي مفعم غبطة أن أتاح الله لي ~~فرصة كاملة لتطهير روحي من كل شائبة، ورآني خادم المسجد أعود وحدي إلى مكاني بعد أن كان ~~زوجي وابنتي يصحباني إليه، فتلطف في السؤال عنهما، فلما علم أنهما عادا إلى مصر، وأنهما ~~سيحضران إلى المدينة في زيارة رجب دعا لهما بالخير، وأثنى عليهما أجمل الثناء، وتمنى لهما ~~زيارة رجب موفقة، وكذلك عدت إلى مألوف سيرتي قبل مجيئهما من مصر، ولا أشك في أن الله قد رضي ~~عني، وأن بقائي بالمدينة بإذن بذله زوجي طيب النفس ببذله خير مظهر لهذا الرضا. # وأقمت الأيام والأسابيع والشهور من يومئذ أمعن في تطهير نفسي وقلبي، وأطمئن إلى من بمصر ~~من رسالاتهم إلي، وأدعو لهم وللناس جميعا بالخير. وإن شهر رجب ليقترب، وإن نفسي لتهفو ~~لرؤية الأعزة ولصحبتهم في زيارة مدينة الرسول ومسجده وآثاره، إذ تناولت من ولدي برقية نصها: ~~«صحة عمي توجب حضورك فورا.» ولشد ما أزعجتني هذه البرقية، وجعلتني أضرب أخماسا لأسداس ~~أحاول أن أحدس ما أصاب زوجي! لقد كان في كمال صحته يوم كان هنا، ويوم ودعته بينبع، ترى ~~أصابته نوبة من تلك النوبات التي تخشى مغبتها، فدفعت ولدي ليبعث إلي يدعوني إلى ~~القاهرة؟ فأنا أعرف ولدي، وأعلم أنه لا يزعجني هذا الإزعاج لطارئ لا تخشى عواقبه، لا بد ~~إذن من السفر على أول باخرة تبحر من ينبع. # وتجهزت ms219 للسفر، واتخذت له كل عدته، وذهبت إلى ينبع وأبحرت منها إلى مصر، وكان زوج ابنتي في ~~انتظاري بالسويس، فلما رأيته سألته في لهفة عن أنباء عمه، وحاول الشاب أن يطمئنني لكن ~~محاولته لم تزل مخاوفي؛ لأن سؤالي جعله في حيرة اضطرب لها هنيهة قبل أن يتكلم، ثم لم تكن ~~عبارته حين تكلم عبارة الواثق بنفسه، وقلت له: «لا تخف عني شيئا يا بني، إنني سأرى الرجل ~~بعد ساعات إن كان لا يزال على قيد الحياة، فاصدقني ولا تزد بمحاولتك اضطراب نفسي.» وكان ~~جوابه: «لقد أصابته يا أماه نوبة قلبية شديدة هي التي دفعتنا لاستدعائك على عجل، وكانت صحته ~~قد بدأت تتحسن حتى لقد عاتبنا أمس على إزعاجك، لكنه استيقظ فجر اليوم متعبا فدعونا له ~~الطبيب قبل أن تطلع الشمس، ولم أستطع البقاء لأعرف رأي الطبيب مخافة ألا أدرك الباخرة أول ~~وصولها، وكلنا ندعو الله من أعماق قلوبنا أن يمن عليه بالشفاء، وأن يرد إليه ~~العافية.» # وأطرقت لما سمعت، ورفعت رأسي أدعو الله من أعماق قلبي ألا يسيئني في هذا الرجل الطيب الذي ~~أحسن إلي وأنقذني، ثم أحسن إلي سنوات طوالا بعد زواجنا، ثم أحسن إلي مرة ثالثة، فأذن ~~لي في مجاورة الرسول الكريم. # وأقلتنا السيارة تنهب طريق الصحراء إلى القاهرة، فلما دخلت غرفة المريض العزيز وأنا في ~~ثوب الإحرام الناصع البياض، نظر إلي بعينين ملأهما الدمع نظرة شوق ويأس، وأقبلت عليه ~~فقبلت جبينه ويده وأنا أرتجف لشدة ما أصاب قلبي من الخفقان، فلما هدأ روعي بعض الشيء ~~أمسكت بيده وقلت: «شفاك الله يا حبيبي وعافاك، إنها دعوة يهتف بها قلبي منذ عرفت وأنا ~~بالمدينة بعض ما أصابك، وظل يهتف بها في كل صلواتي وخلواتي، وساعات قنوتي وتهجدي، وأرجو أن ~~يسمع الله لي، إنه سميع الدعاء.» فنظر إلي بعينين ملئتا يأسا، وقال في همس: «شكرا يا ~~حبيبتي، لكني أحس دنو الأجل! نعم، إنها النهاية؛ فاستغفري لي ربك هنا، واستغفريه حين تعودين ~~إلى المدينة تجاورين رسول الله الأكرم»، وسكت بعد ذلك برهة ms220 ، ثم قال في صوت خافت لا يكاد ~~يبين: «وداعا وحمدا لله أن رأيتك قبل أن ألقاه لتستغفريه لي؛ فأنت ولية الله ~~الصالحة!» # قلت: «بل أنا يا حبيبي المذنبة التائبة، فليغفر الله لك ولي، وليرحمك ويرحمني، إنه رب ~~التقوى ورب المغفرة!» # وأسبل الرجل عينيه؛ أتراه ودع الدنيا؟ أتراني حضرت من المدينة إلى القاهرة لأراه هذه ~~اللحظة القصيرة؟ أتراه ودعني حقا وداع الأبد؟! # عاد إلى قلبي خفقانه، وعادت إلى جسمي رجفته، ولم أشعر ويده لا تزال في يدي أأثلجها الموت ~~أم أنها لا يزال فيها دفء الحياة! وإنني لفي هذه الحال من الحيرة والاضطراب إذ دخل الطبيب ~~الذي عاده وأنا لا أزال بالسويس، فلما رآني استأذنني وأخذ يد زوجي من يدي، ثم وضع أذنه على ~~قلب الرجل، ثم قال: البقية في حياتك يا سيدتي. وانصرف. # رباه ماذا أصنع؟! هذا قضاؤك لا مرد له، أأصيح كما تصيح النساء؟ أأخلع ثياب إحرامي لألبس ~~السواد؟ خنقتني العبرة وهوى قلبي إلى قرار سحيق، وحبس صوتي فلم أجد إلى الصياح سبيلا، ~~ولقي الطبيب ابنتي صاعدة إلى الغرفة التي أنا بها فأسر إليها النبأ الفاجع فدخلت علي ~~والدمع يملأ عينيها، وقبلتني وفي نبرات صوتها حزن لم تعرفه يوم مات أبوها، وأقبل ولدي ومعه ~~زوجه وزوج ابنتي، واجتمعنا كلنا حول هذا الميت المسجى في فراشه، وأنا لا تنفرج شفتاي عن ~~كلمة، وانهملت عيناي بالدمع الهتون، وجاء جيراننا يشاركوننا مصابنا فتلقيناهم في حجرة ~~أخرى. # وخرج ولدي وزوج ابنتي يعدان لدفن الميت، وذهبت ابنتي وزوج ولدي فلبستا السواد وعادتا، ~~أما أنا فبقيت في لباس إحرامي؛ لأن وجيعة قلبي لم تكن بحاجة إلى لباس يعبر عنها، بل كانت ~~تعبر عن نفسها بأبلغ مما يعبر عنها أي مظهر. # وأي وجيعة لقلب امرأة في كهولتها أقسى من أن ترى حبها الذي اكتمل وملأ دمها وأعصابها كما ~~ملأ قلبها يتحطم على صخرة الموت، فلا يبقى له في متاع الحياة أمل أو رجاء. # ودفن زوجي - عليه رحمة الله - قبيل المغيب من يوم وفاته، فلما ذهبت إلى ms221 مرقدي بعد أن ~~صليت العشاء الآخرة ذكرت، ويا لهول ما ذكرت! ذكرت يوم رجاني رسول زوجي الأول أن أذهب إليه ~~وهو في ساعات احتضاره ليسمع مني بأذنه أنني سامحته فأبيت! ألا كم كنت قاسية يومئذ! أويغفر ~~لي ربي هذه القسوة؟ وغفوت فإذا الطيف الملتف في أكفانه؛ طيف زوجي الأول، يتبدى لي قائلا: ~~لا عليك مما صنعت يومئذ، لقد سامحتك كما سامحتني، فليغفر الله لك ولي، فنامي هادئة ~~مطمئنة. # واستيقظت الصباح بعد غفوة غفوتها بعد صلاة الفجر، فلما تقدم النهار انتقلت إلى بهو ~~الاستقبال أتلقى العزاء ممن جئن مواسيات، فإذا بينهن صديقتي، فلما مال ميزان النهار وانصرف ~~الناس بقيت هي حتى خلت إلي، عند ذلك قالت: «جئتك يا صديقتي معزية في زوجك الذي اختاره ~~الله إليه أمس، وفي زوجك الأول، ولأقسم لك أنني ما كان بيني وبين أيهما إلا المودة البريئة ~~الطاهرة أملاها علي اعترافي بجميلهما في استخلاص ميراثي وميراث أبنائي، وأملاها عليهما ~~شهامتهما ومروءتهما، أما وأنت اليوم ولية الله الصالحة التي جاورت رسوله الكريم فقد جئت ~~إليك مستغفرة عما فرط مني في حقك، راجية أن تسامحيني ليغفر الله لي.» # وذكرت لحديثها ما رأيت في نومي وأنا بمكة حين سعينا معا، وطفنا معا، وأقسمنا أن نعود ~~صديقتين كما كنا، فقصصت عليها رؤياي تلك، وتفسير الأستاذ الذي يحاضر الناس في الحج مغزاها، ~~وكيف أني طهرت نفسي من كل موجدة عليها، فعدنا صديقتين كما كنا، ثم قلت لها: «وأنا يا صديقتي ~~لست ولية الله الصالحة كما تذكرين، وكما ذكر زوجي أمس وهو في احتضاره، إنما أنا المذنبة ~~التائبة التي ترجو عفو ربها ومغفرته ذنوبها.» # وقامت صديقتي فقبلتني قبلة شعرت بها صاعدة من أعماق قلبها، وقالت: «شكرا لك، والحمد لله ~~أن عدنا صديقتين كما كنا، وإني لشاكرة من كل قلبي أن أكون من جديد صديقة لولية الله ~~الصالحة»، وقلت من جديد: «بل للمذنبة التائبة، ولعلنا نلتقي يا صديقتي عما قريب في بيت ~~الله فنطوف معا ونسعى معا لتصبح رؤياي حقا، ولتزوري معي مدينة الرسول ms222 الكريم، وتتبركي ~~بمسجده والصلاة في روضته.» # وقبلتني صديقتي من أعماق قلبها قبلة أخرى، وقالت: «فليسمع الله منك، وليهيئ لي بفضله حج ~~بيته وزيارة نبيه ورسوله»، وودعتني وودعتها وقد امتلأ قلبي حبا لها، وعطفا عليها، وبرا ~~بها، فلما عدت إلى مجلسي بعد انصرافها رفعت كفي أشكر الله على تطهير قلبي وروحي ~~ووجداني. # وانقضت أيام العزاء، فلما كنا عشية الجمعة الذي تلا الوفاة أوصيت بشراء قدر كبير من ~~الورود وأغصان الشجر ومما يوزع على الفقراء في المقابر من الطعام. وفي صباح الجمعة صحبني ~~ولدي وابنتي وزوجاهما إلى قبر المتوفى، وهناك قمنا بمراسم تحيته، والدعاء أن يرحمه الله ~~ويغفر له، ووضعت نصف ما معنا من الورود وأغصان الشجر على قبره، ووزعت على الفقراء الذين ~~أحاطوا بنا ساعة خرجنا من عنده نصف ما معنا من طعام، ثم قلت لولدي: هيا بنا إلى قبر أبيكما، ~~فأقبل ابني وابنتي يقبلانني في لهفة وقد ملأ الدمع أعينهما، وبلغنا مقام القبر ودخلناه ~~وحيينا صاحبه، ودعونا الله أن يغفر له ويرحمه، ووضعت الورود وأغصان الشجر على قبره، ووزعت ~~ما بقي معي من طعام على الفقراء. وقبيل خروجنا لم أملك عبرتي، فقد ذكرت الطيف الملتف في ~~أكفانه يوم هتف بي أن الله غفر له ولي، وقلت مناجية ربي: «رب ما أعدلك، وما أرحمك، وما أعظم ~~فضلك! رب لقد بلوتني حتى طهر قلبي، رب فاعف عني، وسعت رحمتك كل شيء.» # ومن المقابر عدنا إلى بيت ولدي، فلما دخلنا بهو الاستقبال وواجهتني في صدره صورة زوجي ~~الأول، شعرت لمرآها بصدمة لم أكن قط أتوقعها بعد أن كنت منذ قليل على قبره وأديت له واجبه، ~~فقد أثارت هذه الصورة أمام بصري منظره الكامل في حياته، كما رأيت عينيه تنظران إلي وكأنما ~~تريدان أن تخترقا شغاف قلبي إلى دخيلة ضميري لتريا فيه الدافع الصحيح لذهابي إلى قبره، ~~وقيامي بما قمت به عنده، إذ ذاك رأيتني أضطرب في موقفي، وشعرت بالرعشة تسري في جسمي، ~~وخيل إلي أن ماضي حياتنا يرتسم كاملا أمام بصيرتي، ولم يغنني ms223 ما ذكرت من صفح هذا ~~الرجل الكريم عني، بل تضاءلت نفسي أمام هذه الذكرى، وبدا لي أن أوهامي تخدعني، وأنني لم ~~أبلغ بعد من طهر قلبي والضمير ما حسبت أن الله أكرمني به، وأفاء علي من أجله حال ~~الرضا. # وعدت في المساء إلى بيت الزوج الذي أصفيته حبي إلى آخر نسمة من حياته، واتخذت من أصغر ~~حجرة فيه مصلى أخلو بها إلى نفسي ساعات وحدتي، وأحاسب فيها نفسي بعد صلواتي، وكانت كثيرات ~~من صديقاتي يزرنني يسرين عني بعض ما أمضني من عميق شجني، وكن جميعا يجئن لابسات السواد ~~المألوف في مصر، فرأيت ناصع البياض الذي ألبسه غير متفق مع مظهرهن، فلبست السواد مثلهن، وإن ~~استبقيت طرحتي البيضاء لصلواتي، ولأذكر بها أيام سكينة النفس وطمأنينة الضمير، وكان ولدي ~~وابنتي يقضيان معي أوقات فراغهما حتى لا تثقلني الوحدة بهمومها فتزيد اضطراب نفسي ووجيعة ~~قلبي. # وبدا لي بعد زمن أن أعود إلى المدينة المنورة؛ لعل في حياتها ما يخفف عني، ويهون علي ~~مصابي، لكني خشيت أن يبلغ ما كان يعاودني من تخاذل النفس واضطراب الأعصاب مبلغ الخطر على ~~حياتي وأنا في وحدتي وغربتي، وقد استشرت الطبيب فأقر مخاوفي، وأشار بضرورة تريثي، فآثرت أن ~~أبقى حتى تهدأ ثائرتي وتثوب إلي سكينتي، فإذا ذهبت بعد ذلك إلى المدينة استطعت أن أؤدي ~~لله حقه، وأن أرجو عفوه ومغفرته. # وأقمت في بيت زوجي أستقبل زائراتي، وأستريح إلى صحبة ابني وابنتي، فإذا لم يبق بالمنزل ~~جليس ذهبت إلى حجرة خلوتي أؤدي فرائضي، وألتمس عون الله في محنتي، وكنت أحسب أن مضي ~~الزمن كفيل بشفاء نفسي من الاضطراب الذي كان يعتادني، لكني شعرت بعد لأي بأن نفسي تزداد ~~اضطرابا، وبأن الأرق يتولاني، وبأن الهواجس تعصف بفؤادي، ثم إنني ما لبثت أن استبد بي ~~الفزع حين شعرت بأن صلاتي وخشوعي وتهجدي وقنوتي لم تبق خالصة من الشوائب، فقد جعل زوجي ~~الذي أصفيته كل حبي تتبدى لي ذكراه؛ فتنهمل من مآقي عبرات سخينة، وأذكر ما قلت له حين ~~زارني بالمدينة من ms224 أنني أصبحت أحبه حب امرأة لرجل، وأحبه بحواسي وبدمي وبأعصابي، فيزداد ~~دمعي هملانا على حب ملك علي كل وجودي، ثم أتى عليه الموت حين بلغ عنفوانه، وقبل أن ~~أستمتع بثمراته. # ولم تكن هذه الذكرى المريرة بعض أحلامي وكفى، بل كانت غصة يقظتي، وكانت تساورني وأنا في ~~صلاتي، وقد حاولت مغالبتها بالفزع إلى ربي كي ينقذني منها، فإذا هي تزداد تمكنا من نفسي، ~~وورودا إلى خاطري، وتبلغ من ذلك أن تخرجني من صلاتي فأستغفر ربي، ثم أعود إلى الصلاة، فلا ~~يلبث شيطان الذكرى أن يثير أشجاني، ويفسد من جديد صلاتي. # ذكرت وأنا في هذا المضطرب النفسي ما كنت قطعته لزوجي من عهد أن أعود معه إلى مصر بعد ~~زيارة رجب لنستمتع بهذا الحب الذي استوفى كماله، وكيف اضطررت إلى العودة قبل هذا الموعد ~~بأيام لأشهد احتضاره، ولأودعه الوداع الأخير، ترى لو أن الله قد غفر لي حقا، وكانت الرؤى ~~التي رأيتها شاهدة بهذه المغفرة صادقة، أفكان الله يمتحنني هذا الامتحان القاسي الذي لا ~~يصبر عليه قلب إنسان؟ أم أن تلك الرؤى كانت من أفانين الخيال، وأن هذا المصاب الذي حل بي ~~كان بعض الجزاء الذي ادخره القدر لي عن ماضي حياتي؟ # وكنت أزداد كل يوم شعورا بالوحدة والعزلة، وبأنني لم يبق لي في هذا العالم صديق أو أنيس ~~بعد أن فقدت هذا الصديق الأنيس والزوج الحبيب. ولم يدر بخلدي في هذه الساعات التي كوت ~~لواعج الحزن فيها شغاف قلبي أن الله وهبني ابنا وابنة يؤنسان وحدتي، ويضمدان جراح قلبي، ~~بل كدت أنسى هذين الولدين اللذين أراهما كل يوم، وأنسى أنهما بضعة مني، وأنهما امتداد ~~حياتي. # وكذلك كان شعوري بالفاجعة يزداد عنفا على الأيام، حتى لقد كنت في كثير من الأحيان أقضي ~~الليل مسهدة محزونة، فإذا أوشك الليل أن يولي غفوت وطالت غفوتي فلم أستيقظ لصلاة الفجر، ثم ~~لم يسعفني أن أستغفر عما فرط مني؛ لأنني كنت لا أكاد أتم استغفاري حتى أعود إلى بثي وحزني، ~~وأندب ما قضى عليه الموت من ms225 حبي، وأعود على نفسي باللائمة أن لم أعد مع زوجي من المدينة ~~المنورة إلى مصر يوم دعاني للعودة معه؛ لأمتع هذا الحب بما يشفي غلته خلال الأشهر الخمسة ~~التي عشتها بعيدة عن هذا الحبيب، ومن يدري؟ فلعلي لو صحبته يومئذ وعدت معه لما دهمه الموت ~~مستعجلا، ولكنت قد بعثت إليه من حيويتي وحياتي ما أطال في حياتي وحفظه لي! # وكانت تقواي تعاودني فأحاول التغلب على هذه الحال، فكنت أمرغ وجهي في التراب لعل روحي ~~تطهر بتعذيب جسمي، وكنت أصوم الأيام المتعاقبة راجية أن يعيد إلي الصوم طمأنينة النفس، ~~وكنت أهرع إلى البؤساء والمساكين الذين يقفون على أبواب المساجد أستجديهم كلمة عطف لعل الله ~~أن يغفر لي، ثم كنت بعد كل ما أصنع من ذلك أشعر بنزغ الشيطان، وكأنما يقول: «وماذا أفدت من ~~تقواك وصلواتك، وقنوتك وعبادتك، إلا أن قضيت على الرجل الذي كان يحبك حب العبادة؟! عودي إلى ~~صوابك، وفكري لغدك أكثر مما تفكرين في أمسك، ولعل الحظ الذي أتاح لك من أنقذك من وحدتك يوم ~~طلقك زوجك الأول يمد إليك يده مرة آخرة، ويهيئ لك من ينقذك من شجنك ومن هموم ~~كهولتك!» # ولقد سخرت من نفسي حين نزغ الشيطان لي، ونظرت مع ذلك إلى وجهي في المرآة، فرأيتني ولا ~~تزال في عيني جاذبية شبابي، وإن خطت الكهولة على جبيني بعض سطورها، وسرعان ما استعذت بالله ~~من الشيطان ونزغه، وهتفت به - جل شأنه - ضارعة إليه أن ينقذني من شر نفسي، وأن يهديني إلى ~~سواء السبيل. # وإنني لتساورني هذه الهواجس، وتعبث بي هذه الهموم إذ جاء إلي ولدي ذات صباح مقطب ~~الجبين، يذكر لي أن أخته تركت بيت زوجها، وجاءت إلى بيته تقيم به، وأنه حاول أن يعيد الصفاء ~~بين الزوجين فلم تفلح محاولته، وأن هذه لم تكن أول مرة اشتد الخلاف فيها بينهما، وأنه يلجأ ~~إلي لأتدبر الأمر بحكمتي بعد أن تولاه اليأس منه، وبعد أن خشي أن يؤدي إلى نتائج لا ~~تحمد عاقبتها. # وتولتني الدهشة لما سمعت، فقد كنت ms226 مقتنعة إلى يومئذ بأن ما دار من حديث بيني وبين ابنتي ~~حين زارتني مع عمها بالمدينة قد ردها إلى صوابها، وأن ما قلته لها عن ذكاء الأنوثة ~~وسلطانه القاهر قد مكنها من التغلب على نزواتها ونزوات زوجها، وكان مصدر اقتناعي هذا أن ~~ما كان يرد لي من خطابات، خلال الأشهر الخمسة التي كنت فيها بعيدة عنهم، لم يرد فيه شيء ~~يزعزع هذا الاقتناع، بل كانت كلها تتحدث عن هناءتهم وسعادتهم في انتظار عودتي إليهم، ~~أفجد بعد عودتي إلى مصر جديد أثار منازعات الزوجين؟ وهل يحدث مثل ذلك ونحن نعالج همنا، ~~ونحاول أن نداوي مصابنا؟ # وأطرقت برهة أفكر في الأمر وكيف أتدبره، وفجأة انحدرت من عيني دمعة لخاطر مر بخيالي؛ ~~أولم تكفني وفاة زوجي عقابا لي على ما سلف من أوزاري؟ أم يريد القدر أن يضاعف عقوبتي في ~~شخص ابنتي؟ أين إذن ما كان من توبتي واستغفاري؟ لست أنا إذن ولية الله الصالحة، بل لست إذن ~~المذنبة التائبة، فها هي ذي توبتي لم تقبل، وهأنذي أواجه من قسوة القدر ما لا قبل لي به، ~~ولا طاقة لي باحتماله. # وبصر بي ولدي والدمعة تنحدر من عيني، فزايل جبينه قطوبه وأقبل علي يواسيني ويخفف الهم ~~عني، ورفعت عيني ونظرت إلى وجهه، فإذا الطيبة بكامل معناها مرتسمة على أساريره، طيبة أبيه ~~زوجي الأول، وإذا هو يقول لي: «لا تجزعي يا أماه، سأبذل لراحة أختي كل ما أستطيع بذله، وإذا ~~لم يكن إلى مصالحتها مع زوجها من سبيل، فسأحمل عبء حياتها، لتعيش كريمة ما حييت وما استطعت ~~إلى ذلك سبيلا.» # وقبلته وقد ازداد تأثري لمشابهته أباه في طيبته، كمشابهته إياه في ملامحه، ألا كم جنيت ~~عليه وعلى أخته بانفصالي عن أبيهما بعد أن بذل في سبيل رضاي كل ما يستطيع إنسان بذله! وبعد ~~هنيهة قلت له: «عد إلى منزلك، وسألحق بك فيه عما قريب.» # وانصرف الشاب وذهبت أنا إلى خلوتي أصلي بها ركعتين لعل الله يهديني الرشاد في أمر ابنتي، ~~وما كدت أتم صلاتي حتى ms227 امتلأت عيناي بالدمع مرة أخرى؛ إذ خيل إلي أن شواظا من جهنم قد ~~سلط على ضميري يعذبه، وأن هذا الشواظ قد صور في شخص ابنتي، وأنني لن يهدأ لي بعد ~~اليوم بال، ولن تطمئن لي نفس؛ لأنني عذبت أباها، فحق علي أن أوفى جزاء ما قدمت يداي ~~فأتعذب لعذابها، وأتألم لألمها. وعبثا حاولت أن أطرد هذا الهاجس الذي استبد بي زمنا لم ~~أدر أطال أم قصر، ولولا أنني خشيت أن يطول على ولدي غيابي لأمسكني هذا الهاجس، فلم أستطع ~~من خلوتي حراكا، لهذا قمت وارتديت ملابس خروجي، وذهبت إلى منزل ولدي. # ودخلت على أهله فألفيت زوج ولدي تحدث ابنتي في رفق تحاول إقناعها بالعود إلى زوجها، وجلست ~~إليهم وسألت ابنتي: ما أغضبها؟ قالت وفي نبرة صوتها حدة لم آلفها يوم تحدثت إليها وأنا ~~بالمدينة المنورة لأعيد الصفاء بينها وبين زوجها: «لم يبق يا أماه في قوس صبري منزع، ولم ~~يبق من انفصالي عن زوجي مفر، لقد كنت أشكو من قبل تدخله في أخص شئوني، وقد استطعت بفضل ~~نصائحك أن أتغلب على ذلك بتمليق غروره تارة، وبالتظاهر بموافقته أخرى، أما اليوم فالأمر ~~مختلف، لقد تمكنت الغيرة من نفسه على نحو يشبه الجنون، وهو لا يغار من رجل بذاته، بل يغار ~~من كل رجل يتجه إلي نظره، وإن له لصديقا يزورنا بين الحين والحين ويجاملني بالثناء على ~~ثوبي، أو يبدى إعجابه بحسن حديثي، فإذا انصرف رأيت زوجي انقلب شيطانا يحاسبني على كل كلمة ~~قالها صديقه، وقلت له حين تكرر ذلك منه: «إذا جاء صاحبك هذا إلى هنا فلا تدعني لألقاه حتى ~~لا تثور غيرتك»، وكان جوابه: «وما تريدينه أن يقول عني؟ أتريدين أن يتهمني بالتأخر؟ لكن ~~واجبك ألا تتزيني زينة تثير إعجابه، ولا تتحدثي حديثا يستدعي طول إنصاته.» وأجبته إلى ما ~~أراد، فلما جاء صديقه يوما ودعاني هو إلى مجلسهما ذهبت إليه في ثياب أشبه ما تكون بثياب ~~المنزل، ولم أزد في الحديث على أن أجيب بإيجاز عما أسأل عنه، ولم يزد ms228 صديقه في أثناء ذلك ~~على أن جاملني بكلمات من مألوف القول، ومع ذلك اشتد زوجي في تأنيبي على إهمال ثوبي، ثم ~~اتهمني بأني أردت بثوبي وبحديثي أن أثير عجب صديقه بدل أن أثير إعجابه، وليس هذا يا أماه ~~إلا مثلا مما يدور بيننا كل يوم، أترين حياة كهذه يمكن أن تطاق؟ أوليس انفصالنا خيرا من ~~الصبر عليها أو انتظار ما هو شر منها؟!» # دار بخاطري وأنا أسمع حديث ابنتي أن القدر ينتقم في شخصها من مثل غيرتي، حين كنت ألوم ~~أباها على العناية بصديقتي، أفقدر لهذه المسكينة أن ترث كل حظي، وأن تعاني في حياتها ~~ما عانيت في حياتي؟ أفحق أن الآباء يأكلون الحصرم والأبناء يضرسون؟ وهل تجمع هذه ~~العبارة القديمة في ألفاظها القليلة قوانين الوراثة التي تحدثنا الكتب الحديثة عنها؟ ~~مهما يكن من أمر فمن واجبي اليوم أن أعالج ما حدث بين ابنتي وزوجها، فإن نجحت فذلك ما أرجو، ~~وإن لم أنجح فمن حسن حظ ابنتي أنها لم تنجب بعد، فهي لذلك غير معرضة في مستقبل حياتها لما ~~تعرضت وأتعرض له من تبعات تثقل الضمير وتبعث إلى النفس الأسى والشجن. # أتمت ابنتي كلامها فقلت: «أريد قبل أن أحكم لك أو عليك أن أسمع كلام زوجك لأكون أدنى إلى ~~العدل بينكما، فدعينا أنت الآن، واذهب يا بني فادع زوج أختك إلى هنا، وقل له إنني أريد أن ~~أتحدث إليه.» ولم يبطئ ولدي في العود مع زوج أخته، فهما يسكنان عمارة واحدة، وحياني الشاب ~~تحية حسنة، وإن بدا الجد على وجهه، فلما اطمأن به المجلس قلت له: «أنت يا بني شاب حصيف ~~عاقل، وابنتي في عصمتك، فأنت الذي تعصمها من خطئها إذا أخطأت، وأنت الذي تعصمها من الغير ~~إذا حاول الغير أن يسيء إليها، وأنت كذلك الذي تعصمها من غضبك إذ بلغ هذا الغضب أن ~~يعرضكما لسوء، فكيف - وذلك مكانك منها - يبلغ النفور بينكما مبلغا لم يستطع زوجي - عليه ~~رحمة الله - في وقت من الأوقات أن يتغلب عليه، ولم يستطع ولدي ms229 أخيرا أن يصلح منه؟ إني ألجأ ~~يا بني إلى حكمتك وحسن رأيك، فإن تكن زوجك مخطئة عاونتك عليها ورددتها إلى صوابها.» # أمسك الشاب برهة عن الكلام وكأنه يريد أن يبحث في ذاكرته عن تهمة يلصقها بزوجه، وأحسبه لم ~~يجد شيئا معينا يذكره، فاندفع يقول: اسمعي يا أماه، يجب أن تعلمي أنني رجل شديد الغيرة، ~~وفي ابنتك جاذبية شديدة أحببتها من أجلها لأول ما رأيتها، ولا أزال أحبها أشد الحب وأعنفه، ~~لكن هذه الجاذبية تجعل غيري من الرجال يحاولون التقرب منها، بل التمسح بها، أنا أعلم أنها ~~لا ذنب لها في ذلك، فجاذبيتها بعض خلقها، لكن هذا التقرب يثير غيرتي إلى أبعد حد، ويدعو إلى ~~ما يقع بيني وبينها من خلاف، وقد خيل إليها أن انفصالنا بالطلاق هو الدواء لما أشكو منه، ~~وأنت تقدرين أن ذلك أسخف الرأي، وأنه وهم باطل، فحبي إياها سبب غيرتي عليها، ولولا هذا ~~الحب العنيف لهان علي أن أنفصل عنها، فهل لديك لهذا الموقف الشاذ دواء؟» # وسارعت إلى إجابته بقولي: «نعم يا بني، الدواء الناجع أن تنجبا أطفالا تشغل أنت وتشغل ~~أمهم بهم، فيقسم حبك بينها وبينهم، وتخف بذلك غيرتك عليها، وتتجه جاذبيتها إليهم، فتقل ~~عناية الرجال بالتقرب إليها.» # ونظر إلي الشاب في دهشة، وكأنما خيل إليه أني أمزح معه أو أسخر منه، وقال: «هذا ~~اقتراح مفيد لعلاج طويل الأجل، وهو كذلك إذا افترضنا أن إنجاب الأطفال رهن مشيئتنا، إنما ~~أريد دواء سريع المفعول للتغلب على الموقف الذي نقفه اليوم، ومحال أن يكون الانفصال بالطلاق ~~هو هذا الدواء، فأنا أحب زوجتي، ولن أتيح لغيري فرصة الاستيلاء عليها برد حريتها إليها، ~~وأنت يا أماه سيدة مجربة تعرفين ما لا نعرف، وتستطيعين أن تصفي الدواء السريع المفعول، فنحن ~~في أشد الحاجة اليوم إليه.» # قلت: «هذا الدواء في يدك ولدي، وابنتي طوع بنانك إذا عالجتها وعالجت نفسك به؛ ذلك أن تجعل ~~الحكم في غيرتك لعقلك لا لهواك، ولو أنك فعلت لأدركت أنك تبالغ في لوم زوجك على ذنب تعترف ms230 ~~أنت بأنها لم تجنه، ثم لأدركت أن القدر وهبك سعادة تريد أن تدس إليها السم بدل أن تستمتع ~~بها صافية سلسبيلا، أنت تلوم زوجك، بل تؤنبها، بل تعاقبها لأن الرجال يتملقونها أو ينظرون ~~إليها مفتونين بجاذبية أسبغها عليها بارئها، وأنت مع ذلك تعلم أن هذه الجاذبية في ملكك أنت، ~~أنت وحدك الذي تستمتع بها نهارك وليلك، في يقظتك وفي أحلام نومك، وأن نصيب غيرك منها لا ~~يزيد على غبطتهم إياك أو حسدهم لك عليها. # أنت كمن يملك قصرا منيفا يقف عنده من يمرون به ويتمنون أن يكون لهم مثله، وهم لا يملكون ~~إلى ذلك الوسيلة! أفتلوم أنت هذا القصر وتحاول هدمه؟ أم تزداد اعتزازا به وحمدا لله على ~~أن جعله لك؟ هذا إلا أن تتهم زوجك في وفائها أو في عفافها، وذلك ما أعيذك وأعيذها بالله ~~منه، فإن يكن ذلك ورددت الأمر إلى حكم عقلك ولم ترخ فيه العنان لهواك، استرحت وأرحت زوجك، ~~وهيأت خير مكان للسعادة من بيتك. هذا دوائي الذي أقترحه أملته علي تجربة قاسية، أود ألا ~~تعصف بحبكما تجربة مثلها.» # وأطرق زوج ابنتي هنيهة ثم قال: «إن منطقك دقيق يا أماه، وسأحاول جهدي أن أغالب غيرتي، ~~لكني بحاجة إلى معاونة زوجي في هذه المحاولة.» # قلت: «فعد إلي يا بني ساعة الشاي، وإنني لعظيمة الرجاء أن تعود الحياة الزوجية بينكما ~~مصدر هناء وسعادة.» # ودعوت ابنتي بعد انصرافه، وطالعتها بكل ما دار بيني وبين زوجها، وأعدت عليها ما ذكرته لها ~~حين زارتني بالمدينة عن ذكاء الأنوثة وسلطانها، قالت: «أؤكد لك يا أماه أني أجهدت هذا ~~الذكاء، وابتكرت لزوجي من حيله ما كدت أضيق ذرعا به، ألم أقل لك ونحن بالمدينة إن الرجل ~~إذا بلغ حبه المرأة حد العبادة لم يكفه أن يملك منها قلبها وعقلها وذوقها وكل شيء في ~~وجودها، وإن غيرته عليها تشوبها عند ذلك وحشية تخرج بالرجل عن منطق العقل وعن منطق القلب، ~~إلى حال أقرب ما تكون إلى الجنون، فكيف ترينني قادرة على معاونة زوجي كي ms231 يتغلب على جنون ~~حبه؟» # قلت: «هبي يا ابنتي هذه الحال مرضا، أوليس واجبا على الزوجة أن تسهر على زوجها إذا ~~مرض حتى يشفى؟ وقد وصفت أنا الدواء واقتنع بفائدته إذا أنت عاونته بذكاء أنوثتك على ~~الاستفادة منه، فحاولي مرة أخرى لعل هذه المحاولة تكون موفقة، فإذا جاء ساعة الشاي فعودي ~~معه إلى بيتك كأن لم يكن بينكما شيء، وسأدعو لكما الله من كل قلبي أن يهديكما ويوفق ~~بينكما.» # وكذلك كان، جاء زوجها ساعة الشاي، وتحادثنا كأن لم يكن شيء، ثم عادا بعد الشاي إلى ~~مسكنهما، وعدت أنا إلى بيت زوجي فأويت فيه إلى خلوتي، ودعوت الله من كل قلبي أن يرزق ابنتي ~~أطفالا تسعد ويسعد زوجها بهم، ويشغلونهما عن منازعاتهما بما يبعثون إلى حياتهما من روح ~~الأبوة والأمومة، ومن عواطف الحنان والمحبة والرحمة. وتفتح قلبي إثر هذا الدعاء، ورجوت ~~الله مخلصة أن يحققه، ففيه لي كذلك عزاء وسلوى إذ يعود الأطفال بنا معشر الجدات إلى أيام ~~طفولتنا وشبابنا، ويبعثون إلى حياتنا من براءة طفولتهم ما ينبت على أغصان كهولتنا التي كادت ~~تجف وتذوى أوراقا جديدة تبتعث حيويتنا إلى نشاط كادت تنساه، وكادت لذلك تنظر إلى المستقبل ~~بعين زايلها كل أمل أو رجاء؛ لأن المستقبل يصبح في نظرها المنحدر الذي يهوي بنا إلى ~~الفناء. # والحق أنني لم أكن أمزح مع زوج ابنتي ولا كنت أسخر منه حين قلت له إنه إن أنجب هو وزوجه ~~أطفالا شغل هو بهم عن غيرته، وشغلت هي بهم عن تمليق الرجال جاذبيتها، وظل ذلك دأبهما ~~سنوات عدة حتى يكبر الأطفال، وفي هذه السنوات يصبح هو أقل غيرة، وتشغل زوجه عن نفسها ~~بأبنائها، وتتغير حياة الأسرة كلها تغيرا أرجو أن يفيء عليهما الرضا والطمأنينة! # وانتقلت من حجرة خلوتي إلى غرفة نومي، فلما دخلت سريري وأطفأت الأنوار ذكرتني غيرة زوج ~~ابنتي بما كان من غيرتي أيام شبابي، وما كان لهذه الغيرة من أثر في حياتي، وما أدت إليه من ~~انفصالي بالطلاق عن زوجي، وأن طفولة ولدينا لم تمنع ms232 يومئذ الانفصال، ولم تشغلني عن هذه ~~الغيرة، على أنني دفعت ما أثارته هذه الذكرى من مخاوفي بأن غيرة المرأة ليست كغيرة الرجل؛ ~~حسب الرجل من المرأة أن يؤمن بوفائها له، ومحافظتها على عهده؛ ليطمئن قلبه، وليستريح إلى ~~أن مجاملة الرجال لامرأته بالثناء عليها، بل بتمليق مزاياها ومواهبها، لا أثر لهما في ~~وفائها وإخلاصها له ولأسرتهما. أما غيرة المرأة فمرجعها إلى أن الرجال لا وفاء لهم إلا ما ~~ندر؛ لأن تعدد النساء في طبعهم، ولأن عدم وفائهم لا يدخل على أسرتهم من ليس منها، فمن حق ~~المرأة أن تكون دائمة اليقظة دفاعا عن نفسها، ولها عذرها إن دفعتها الغيرة إلى مثل ما ~~دفعتني إليه، مع ما في ذلك من مضرة بها وبأبنائها، وأقنعتني هذه الحجة بأن ابنتي ليست معرضة ~~لمثل مصيري ما وفت هي لزوجها، فاطمأننت لهذا المنطق، وذهبت بي الطمأنينة إلى عالم ~~النوم. # تنصف شهر شعبان، فأديت لزوجي واجبه، فذهبت إلى قبره، ووضعت عليه الورود وأغصان الشجر، ~~وتلا قارئ القرآن هناك ما تيسر منه، ووزعت الطعام على الفقراء، ثم عدت إلى بيتي، ولا يزال ~~أثر البكاء في عيني، وفي الأيام الباقة من هذا الشهر أخذت أعد لسهرة رمضان، وأفكر في نظام ~~حياتي بعد نهايته. # وكان هذا التفكير في سهرة رمضان جديدا علي، فلم يعتد زوجي - ولا اعتاد زوجي الأول قبله ~~- إحياء هذه السهرة، ولا أخالني كنت أفكر في إحيائها لولا ما عاودني من تقوى صباي مما دفعني ~~بعد ذلك للحج وللمقام بالمدينة، ولولا وفاة زوجي وفاة حزت في كبدي. فلما بدأ رمضان، وأخذت ~~القارئة التي اخترتها ترتل القرآن بصوتها الرخيم، شعرت لسماعه بطمأنينة النفس إلى قضاء الله ~~وقدره، وازددت يقينا بمغفرة الله للتائب الذي صدقت توبته وإنابته، وإن أيقنت كذلك بأن ~~التوبة الصادقة تقتضي صاحبها التكفير عن خطاياه بصدق الندم عليها، والإيمان بأن ما أصابه ~~وما يصيبه من جرائها ليس إلا الجزاء العدل عنها جزاء يجب أن نتقبله شاكرين. # وقضيت رمضان في العبادة والتهجد، أقوم الليل، فإذا تناولت طعام السحر ms233 وصليت الفجر، أويت ~~إلى مضجعي لأستيقظ لصلاة الظهر، أو للجمع بين الظهر والعصر، وقبيل المغرب تجيء القارئة تتلو ~~ما تيسر من القرآن، فإذا غابت الشمس صليت ثم أفطرت، ثم صليت العشاء وبدأت السهرة، فجاءني ~~بعض صديقاتي وزارني أبنائي، وأقمنا نستمع للقرآن ونتداول الحديث، حتى إذا انصرفوا قبيل موعد ~~السحر أقمت أتحدث مع القارئة حتى نتناول طعام السحر معا، ثم ذهبت إلى حجرة خلوتي، وأقمت ~~بها حتى أصلي الفجر لأذهب بعد الصلاة إلى مضجعي. # وانقضى رمضان وأديت في فترة العيد واجباته لزوجي ولزوجي الأول، فذهبت إلى قبريهما ومعي ~~أولادي، وهناك قمنا بالمراسم المألوفة في هذه المواسم. # وأخذت أفكر في المستقبل القريب وما أصنع فيه؛ ذلك أنني جال بخاطري غير مرة في أثناء رمضان ~~أن أحج البيت وأهب حجي لزوجي لعل الله يغفر له، وأن أحج العام الذي يليه وأهب حجي لزوجي ~~الأول عسى الله أن يرحمه. وإنني لكذلك إذ تناولت مع البريد رسالة فضضتها فتولتني الدهشة، ~~وأخذ مني العجب، فهي مكتوبة بالألمانية، ونظرت في التوقيع فإذا هي من زوج السفير الألماني ~~الذي عرفت منذ أكثر من عشرين سنة، والتي اعتزت يوما بمركزها وجنسيتها فنال ذلك من كبريائي ~~ومن قوميتي، فأتقنت الألمانية وقرأت أمهات أدبها، حتى لا تزعم أنها خير مني في المجتمع ~~مكانا، وابتسمت لهذه الذكرى، ذكرى الشباب وكبريائه وغروره، وتلوت الرسالة فإذا صاحبتها ~~تذكر سابق معرفتنا، وأنها جاءت إلى القاهرة إثر وفاة زوجها تتسلى عن شجنها بذكريات سعيدة ~~نعمت بها في عاصمة مصر مع ذلك الزوج الذي كان يحبها من كل قلبه، وتطلب إلي أن نلتقي في ~~الموعد الذي أحدده لنجدد بالتقائنا عهدا تنافسنا فيه، ثم تصافينا ولم يطرأ بعد ذلك على ~~صفائنا ما يشوبه. # وابتسمت بعد أن فرغت من تلاوة الرسالة، فقد أثارت أمام خاطري عهد الشباب ونضارته، ورسمت ~~أمام كهولتي تلك المرأة الشابة الجذابة الساحرة الحديث التي كنتها، والتي أثارت إعجاب ~~المعجبين، وتمليق المملقين، وذكرتني لغة الخطاب بذلك الألماني الذي عرفت في الأقصر، والذي ~~زارني بعد ذلك في ms234 القاهرة، بعد أن بلغ إعجابه بي أن قال إنه يراني على الأرض كما يرى الله ~~في السماء، ألا ما أجمل الشباب وبراءة غروره! ما أجمل تلك الأيام التي يشعر الإنسان فيها ~~بأنه محور الوجود، وأن كل ما في الكون يتجه بنظره نحوه ويتحدث إليه! بل ما أجمل أخطاء ~~الشباب وخطاياه وأوزاره! إنها مصدر سعادتنا في شبابنا، والتكفير عنها والتوبة منها مصدر ~~نعيمنا في كهولتنا. ترى لو أن الشباب لم يندفع مع غروره إلى الخطأ وإلى الخطيئة، فهل تكون ~~الكهولة وهل تكون الشيخوخة إلا فراغا ثقيلا لا معنى له، إلا أنه غرفة انتظار للأجل ~~المحتوم؟! # ترى كيف حال هذه السيدة الألمانية زوج السفير الذي سبقها إلى العالم الآخر؟ ألا تزال ~~فيها بقية من ذلك الجمال الذي كانت تتيه به، وتلك الكبرياء القومية التي كانت تدفعها إلى ~~التعالي على الناس؟! وما لي أسأل نفسي عن ذلك وحسبي - لأراه رأي العين - أن أضرب لها موعدا ~~كما طلبت في كتابها، وعندئذ يصبح الخبر خبرا، إذ أراها وأتحدث إليها، وأذكر معها عهدا ~~سعدت به ثم شقيت، ونعمت به ثم استغفرت الله عنه. # وكتبت إليها أدعوها لتناول الشاي معي في يوم قريب عينته، وجاءت لموعدي فكدت أنكرها لأول ~~ما رأيتها؛ لقد ابيض شعرها، وتجعد وجهها، وأطفأ منظارها الأزرق بريق عينيها، وأثقلت ~~سمنتها جسمها، وبدت وكأنها تكبرني بأكثر من عشرين سنة، وحمدت الله حين رأيتها لما أنعم به ~~علي، ثم أخذت أحدثها عن سالف أيامنا وفتوة شبابنا، فتنهدت ثم قالت: «وا رحمتاه لذلك العهد ~~السعيد! لم أكن أصدق ما قيل من أن مصرية في عهد الفراعنة كتبت على قبر ولدها: «من انتهك ~~حرمة هذا القبر فليكن آخر من يموت ممن يحبهم»، وكنت أحسب أن الحياة لذاتها أحب إلينا من كل ~~من نحب، لكني رأيت أمي وأبي وإخوتي وأعز صديقاتي وأصدقائي يتهاوون إلى قبورهم كما تهوي ريح ~~الخريف بورق الشجر إلى الأرض، فكنت أشعر لكل صدمة بجانب من نياط قلبي ينقطع، وبنفسي تساقط ~~أنفسا، وبحيويتي يغيض معينها، وكأنما ms235 يذهب جزء منها مع كل واحد منهم إلى مثواه الأخير، ~~فلما مات زوجي العام الماضي كانت الضربة القاضية، حتى لقد شعرت بأن حياتي كلها تذبل وتذوى، ~~وأنني أصبحت كالشجرة التي سقط عنها كل ورقها، وانحدر منها ماء حياتها، فهي تجف وتجف لتسقط ~~مع أول ريح تعصف بها، وقد جمعت كل قوتي لأقاوم أحزاني ومصائبي، وجئت إلى هنا ألتمس في ~~الذكريات السعيدة الماضية ما يزيد في هذه القوة لأتمكن من مغالبة الحياة، والتغلب على ~~همومها، أتراني أنجح فيما قصدت إليه؟ أم أن لعنة هذه المصرية القديمة ستحل بي بعد موت ~~أحبتي، وسيكون ما بقي من حياتي بعدهم أنشودة بؤس وشجن؟!» # قلت: «لا تذهب نفسك حسرات على الماضين يا صديقتي، وليكن لك في إيمانك بالله وعفوه ومغفرته ~~لك ولهم ما تتسلين به عن همك وشجنك.» # قالت: «ليتني عرفت الإيمان يا صديقتي في شبابي لألجأ إليه اليوم! أما ولم أعرفه إذ ذاك ~~فإنني أخجل من نفسي أن أستعيره اليوم لأجعل منه وسيلة سلواي وعزائي، ولو فعلت فمن ذا أخدع؟ ~~أأخدع رب السموات، والمؤمنون يذكرون أنه يعلم السر وأخفى؟ أم أخدع نفسي وأتخذ من هذه ~~العارية علالة أعالج بها سقم حياتي كما يخدع الطفل باللعبة يقدمها إليه أهله ليتسلى بها ~~عن مرضه أو عن ألمه؟» # لم أدر بم أجيبها فصمت برهة جالت بخاطري في أثنائها حكمة لقاسم أمين: «أتعس البرية ~~إنسان ضاع إيمانه يدس الموت بسمه في حياته، فيفسد عليه لذتها، وينغص عليه شهوتها.» ودعاني ~~تذكر هذه الكلمة للعدول بالحديث إلى أمور لا تثير نفسها، فسألتها: كيف تريد أن تقضي ~~إقامتها في مصر؟ وأجابتني أنها تريد أن تقضي ستة أسابيع بأسوان، وأنها كانت تود لو نصطحب في ~~هذه الرحلة، واعتذرت بأن عاداتنا القومية لا تجيز لحزينة مثلي أن تغادر المدينة التي تقيم ~~بها، إلا أن تذهب لأداء فريضة دينية، عند ذلك سألتني عن ولدي وما صارا إليه، فذكرت لها ~~أنهما تزوجا. قالت: «أسعدك الله بهما، وكم أتمنى اليوم لو كانت لي ابنة تجعل المستقبل ms236 أملا ~~أرجوه، وتكون لي في هذا الحاضر عزاء وأنسا. لقد كنت صدر شبابي أعجب لبنات وطنك كيف يحز في ~~كبدهن ألا ينجبن، وكنت أسائل نفسي: ما لهن يردن أن يحملن في الحياة أعباء ما أغناهن عن ~~حملها؟! وكان عجبي يزداد حين أسمع الآباء؛ إذ يكفل الواحد منهم عدة أبناء، وينفق على كل ابن ~~وابنة أضعاف ما أنفق عليه أبوه ليكون خيرا منه في المجتمع مكانا. # أما اليوم فإني أشعر بالحزن أن لا ولد لي كشعوري بالحزن لفقد زوجي، لقد أظلم ماضي بموت ~~زوجي والأحبة من أهلي وأصدقائي، وأظلم مستقبلي لأنني لا أرى فيه طفلا يمت إلى أحشائي، ~~وتبعث براءة ابتسامته إلى نفسي أجمل الرجاء في أن أسعد بسعادته، لم يبق لي إذن ماض ولا ~~حاضر، ولم يبق لي إلا أن أجاهد الحياة بعزيمتي المفردة ما بقيت، وسأجاهدها وسألتمس في ~~ظلمائها قبسا من نور، لا أدرى كيف أجده ولكني موقنة بأن العزم القوي الصادق قدير على كل ~~شيء، بل قدير على المستحيل!» # لا أريد أن أقص هنا ما دار بيني وبين صاحبتي من حديث عن ذكريات شبابنا، فالحديث في أيام ~~الكهولة عن ذكريات الشباب يوجب الحسرة، وحسبي - وأنا موشكة أن أختم قصتي - ما سطرت فيها مما ~~أثار ألمي وتندى له جبيني، ثم حسبي أن أذكر أني زرت صاحبتي هذه وزارتني من بعد غير مرة، ~~وأني رأيتها - برغم صلابة عزمها في مجالدة الحياة - تضعف أحيانا حتى تنحدر الدموع من ~~عينيها حين تذكر أحبتها، وحين تذكر زوجها، وحين تذكر عقمها، وكم قبلت بعد كل زورة من هذه ~~الزورات ظاهر يدي وباطنها شكرا لله على ما أنعم به علي من ولد، وما أبقى لي في كهولتي من ~~صحة وحيوية لا تخجلان حين يذكر الشباب. أما الأحبة الذين انحدروا إلى ظلمات القبور فهم ~~السابقون، ونحن اللاحقون، وشكرا لله أن أنعم علي في صباي وكهولتي بنعمة التقوى والإيمان؛ ~~لأستغفر لهم الله، ولأتوب إليه لعله يشملهم ويشملني برحمته. # وكم أدخلت هذه المقارنة بين حظي وحظ هذه الألمانية ms237 من الطمأنينة إلى نفسي، وذكرتني ~~بأن متاعب الحياة ومصائبها لا تحصى، فحق علينا أن نحمد الله، كلما رأينا حظنا من ذلك ~~خيرا من حظ غيرنا. # وذكرت لي الألمانية حين زارتني للمرة الأخيرة أنها مسافرة إلى أسوان بعد ثلاثة أيام بقطار ~~عربات النوم، وذهبت إليها قبيل الغروب من يوم سفرها أودعها فرأيتها في بهو الفندق الذي تقيم ~~به، فندق سميراميس، ورأيت معها رجلا يتحدث إليها وكأن بينهما معرفة قديمة، فلما اقتربت ~~منهما قام الرجل فأقبل نحوي مبتسما وهو يقول: هذه أنت! وحدقت به فإذا هو الألماني الذي ~~عرفت بالأقصر منذ أكثر من عشرين سنة، ولا تزال تبدو عليه مع ذلك مخايل الفتوة؛ برغم بياض ~~فوديه وبياض شعرات في شاربه وحاجبيه، واغتبطت لمرآه، وذكرت إعجابه بي كما ذكرت الهدية ~~التي قدمها لي من صنع يده، وابتسمت حين حييته وقلت: «ألا ترى أن العالم ضيق الرقعة، وأن ~~الزمن سريع الدوران؟!» قال وهو يبتسم كذلك: «كما أرى أن كهولتك لا تقل جاذبية عن شبابك، ألا ~~تسافرين الليلة مع السفيرة؟ أنا مسافر في القطار الذي تسافر به، ولكني سأغادره بالأقصر أقضي ~~بها أياما أستعيد بها أسعد ذكرياتي قبل أن أذهب إلى أسوان.» وأجبته: «أمتعكما الله ~~بالسلامة، أما أنا فإني أعد منذ الآن عدتي للسفر إلى الحجاز.» # وجلست معه إلى السفيرة فأخذنا نتجاذب أطراف الحديث، ونذكر خلاله ما بالأقصر من روائع الفن ~~الفرعوني، وفيما نتحدث سمعنا ضجة إعجاب في شرفة الفندق، فأسرع الألماني يرى سببها، ثم ~~نادانا قائلا: «هلما، إن مغرب الشمس اليوم بديع، وهي تلقي من أشعتها على صفحة النيل وعلى ~~أشجار الجزيرة ما يحيلهما سحرا رائعا»، وقمنا في بطء؛ السفيرة لسمنتها وشيخوختها، وأنا ~~لزهدي وتقواي، لكنا ما لبثنا حين رأينا هذا المنظر البديع أن وقفنا نستمتع بروعة جماله في ~~مثل حماسة الشباب، وكأنا لم نر من قبل مثله على كثرة ما تنعم به مصر من مغارب الشمس ~~الرائعة، فلما آن للشفق أن يولي، والليل أن يسحب على هذا المنظر البديع رداءه، بدأ الناس ~~يعودون ms238 إلى مجالسهم، وبدأت أستدير لأدخل بهو الفندق من جديد، لكني شعرت بيد ناعمة على كتفي، ~~فنظرت فإذا صاحبتها صديقتي، وما لبثت حين استدرت إليها أحييها أن قالت: «أنت هنا! ذلك ما لم ~~أكن أصدقه!» على أنها رأت صديقنا الألماني مقبلا نحونا وسرعان ما عرفته، وقالت: الآن فهمت، ~~وسألتها: ماذا فهمت؟ ولم تجب، ولم يذكر الألماني شيئا عن سحر عينيها، وكأنه لم يفتن بهما ~~في شبابها، فسرني ذلك منه، واعتبرته خير جواب على سوء ظنها، وجاءت السفيرة بخطاها المتثاقلة ~~فقدمت إليها صديقتي، ثم قلت: أخشى أن يحول وجودي دون إلقائك النظرة الأخيرة على متاع ~~سفرك، ووجهت الكلام إلى صديقتي قائلة: «لقد جئت أودع السفيرة في سفرها هذا المساء إلى ~~أسوان، فألفيت صديقنا الألماني معها، فسررت لهذه المصادفة كسروري لمقابلتك الساعة مصادفة ~~كذلك.» # واستأذنت السفيرة وصاحبنا الألماني، ورجوت لهما سفرا سعيدا، واستأذنت كذلك صديقتي، وعدت ~~إلى بيتي، فلما خلوت إلى نفسي أثارت هذه الزيارة بمصادفاتها أمام خاطري منظرا تعدل روعته ~~منظر مغيب الشمس الليلة على صفحة النيل وعلى أشجار الجزيرة، ذلك منظر مغيب الشمس الذي كنا ~~نشهده ونحن في شرفة «ونتر بالاس» بالأقصر، ونرى النيل، ونرى هضاب «طيبة الأموات» تتابع ~~عليها ألوان هذا المغيب، فتبعث إليهما من الجلال والجمال ما يثير في النفس أعظم الإعجاب. ~~عند ذلك ذكرت الإنجليزية التي لقيتني عامين متتابعين بونتر بالاس، والتي أخذ المنظر بمجامع ~~قلبها فحدثتني - وهي تحدق بي - عن إعجابها الذي لا حد له بالفراعنة وحضارتهم، وقلت في نفسي: ~~من يدري؟ لعلها كانت بين الحاضرين في شرفة سميراميس الليلة، هذا إن لم تكن قد تخطت حدود ~~عالمنا إلى عالم الأرواح. # وهاجت هذه الذكرى خواطر شبابي، فأردت كبتها فأويت إلى حجرة خلوتي، وقسرت نفسي على التفكير ~~في جهاز سفري إلى الحجاز، فقد كنا إذ ذاك في منتصف ذي القعدة، ولم يكن باقيا على سفر ~~الباخرة التي أبحر عليها غير أسبوعين اثنين، وإنني لأفكر في ذلك إذ دخلت علي ابنتي ومعها ~~زوجها، وقالت بعد أن قبلتني: جئت يا ms239 أماه أزف إليك البشرى، لقد استجاب الله دعاءك أن ~~تصبحي جدة لطفلنا المنتظر. # لم أشعر منذ عهد بعيد بمثل هذه السعادة التي شعرت بها لسماع هذه البشرى، وقمت إلى ابنتي ~~أقبلها، وأقبل زوجها، وأنا في فيض من الغبطة أنساني كهولتي، وأنساني خلوة عبادتي، وفتح ~~أمامي آفاقا من الأمل الحلو، وصور لناظري الطفل المرجو باسم الثغر والعينين، ورأيته يكبر ~~بعناية أمه وعنايتي، فيملأ البيت على أبويه وعلي بشرا وحبورا، وخرجت من خلوتي ومعي ~~ابنتي وزوجها، وذهبنا إلى غرفة نومي وقد عقد السرور لساني، فلما اطمأنت الأنفس قلت: كنت ~~أفكر الساعة في جهاز سفري إلى الحجاز لأهب حجتي إلى عمكما، ولأقيم بالمدينة حتى عامنا ~~المقبل لأحج كرة أخرى، وأهب حجتي لأبيك يا ابنتي، ثم أبقى بعد ذلك بالمدينة راجية أن أظل في ~~رحابها حتى يقبضني الله إليه بها، وأدفن في ترابها، أما وقد وهبنا الله هذه النعمة التي ~~بشرتني الساعة يا ابنتي بها، فسأعود بعد حجي وزيارتي هذا العام أنتظر إلى جوارك حتى أطمئن ~~عليك وعلى وليدك، ثم أعود العام المقبل فأحج وفاء بنذري، وراحة لضميري، وعند الله حسن ~~الثواب. # وأخذنا نتحدث، وجعلت أذكر لابنتي وقد حلت عقدة لساني ما يجب عليها لنفسها ولجنينها في ~~أثناء حملها، وكان زوجها يسمع لحديثنا، وعلى محياه أمارات السعادة ولا يقول شيئا، وفيما ~~نتحدث دخل علينا ابني وزوجه، وكانا قد عرفا النبأ السعيد قبلي فشاركانا في حديثنا، وأراد ~~ابني لهذه المناسبة أن يصرفني عن الحج هذا العام لأبقى إلى جانب أخته، فقلت له إن حجي ~~وزيارتي لن يطولا أكثر من ستة أسابيع، وإن أخته لا يزال أمامها في الحمل أكثر من ستة أشهر، ~~وما كنت لأعدل عن الوفاء بنذر نذرته والسبيل مهيأ للوفاء به. # وحججت وزرت ووهبت حجي وزيارتي لزوجي، ولم يستغرق ذلك كله ستة الأسابيع التي ذكرتها لولدي، ~~ووقفت ساعة الوداع أمام المقصورة النبوية، وهتفت بصاحبها - عليه أفضل الصلاة والسلام: ~~«معذرة نبي الله ورسوله! لقد حرصت على أن أبقى في جوارك حتى يختارني الله إلى ms240 جواره، ~~فأنعم في عالم الأرواح بطمأنينة السكينة الأبدية، فأبى القدر إلا أن أعود إلى وطني وأهلي، ~~وأنتظر هذا المولود ليرد إلى أهله وإلي نعمة الحياة، وليحملني من جديد أعباءها، فكن ~~شفيعي عند ربي ليجعل لنا من هذا الحفيد سعادة ونعمة.» # وعدت إلى مصر وبقيت إلى جوار ابنتي حتى تم وضعها، فأسمت الوليد باسم جده - أبيها - ~~واستأثر هذا الوليد البريء بكل ما في قلبي من حنان وبر، ونظرت إليه يوما وهو بين ذراعي، ~~وقلت في نفسي: ترى لو أن جده زوجي الأول كان اليوم حيا، أفما كان قلبانا يجتمعان حول هذا ~~الطفل يحوطانه بأجمل ما ينبضان به من عواطف؟ ولم ألبث حين مر هذا الخاطر بخيالي أن سألت ~~نفسي: كيف سولت لي يوما أن أفكر في فصم كل صلة بيني وبين هذا الرجل، وأن أنسى أننا إذا ~~انفصل جسمانا فمصير قلبينا إلى اجتماع حول حفيدنا، وأن الحكمة تقتضينا لذلك أن نعالج بالصبر ~~أهواء الحياة؟ فأهواء الحياة قلب، وأساس الحياة الحق المحبة، فإذا استبقيناها في قلوبنا ~~أبقينا على خير ما في الحياة، بل أبقينا على أساس الحياة وسر وجودنا فيها. # وجعل الطفل ينمو فيزيد نموه في محبتي إياه، فلما انقضت أشهر على مولده، وآن موعد الحج ~~وفيت بنذري فحججت وزرت، ووهبت حجتي وزيارتي لجده، ثم عدت إلى مصر متشوقة أشد الشوق لاجتلاء ~~ابتسامته. وجاء ولدي إلى السويس يستقبلني، وفيما نحن في طريق الصحراء إلى القاهرة زف ~~إلي البشرى بحمل زوجه، وبأنني سأصبح عما قريب جدة لولده كما أنني اليوم جدة ابن أخته، ~~واغتبطت وقبلته ونحن في السيارة تنهب بنا الأرض إلى غايتنا، فلما بلغت بيتي ألفيت ابنتي ~~وزوجها وابنها وزوج ولدي في انتظاري، ثم ألفيتهم جميعا يقبلون علي يقبلونني ويرجون لي ~~حجا مبرورا، وتناولت الطفل العزيز من أمه وقبلته وضممته إلى صدري، وشعرت به فلذة من ~~قلبي. # وفي المساء ذهبنا جميعا نتناول العشاء في بيت ولدي، وجلسنا كلنا في بهو الاستقبال وفيه ~~صورة زوجي الأول، وكأنه ينظر بعينيه الثابتتين إلى بنيه وحفدته ms241 . # عند ذلك أيقنت بأن الله أكرمني بأن لم أعقب من زوجي الثاني، وإن حز في نفسي ما تيقنته من ~~أن هذا الرجل الذي أنقذني وأكرمني سيصبح عما قليل نسيا منسيا. # أتراني أستطيع بعد اليوم أن أفكر في العود إلى المدينة المنورة لأقيم في رحابها حتى ~~يقبضني الله إليه بها فأدفن في ترابها؟ أم أن الحياة أمسكتني هنا مع أبنائي وحفدتي ~~الأبرياء حتى أرقد الرقدة الأخيرة في صحراء القاهرة؟ # وهل أنعم الله علي بهؤلاء الحفدة ليكونوا عزاء كهولتي وشيخوختي؟ أم أن الحياة لا تزال ~~تعد لي من بأسائها ما يضطرب قلبي لمجرد تصوره؟ # علم ذلك كله عند ربي، والحمد لله الذي وهبني على الكبر نعمة العود إلى الحياة والمتاع ~~بها من جديد مع حفدتي الأطفال الأبرياء. # | خاتمة # فرغت الآن من تدوين قصتي، متوخية فيها الصدق جهد طاقتي، أتراني أستطيع أن أغامر فأنشرها ~~على الناس؟ # لقد كان جبيني يندى وأنا أسطر بعض صفحاتها، ولشد ما أخشى إذا هي نشرت أن يندى هذا ~~الجبين كلما لاح لخيالي قارئ يحاول أن يستشف من خلالها ما يرضي طلعته، أو يقف منها على ~~أسرار لا شأن لغيري بها، ولا علم لغيري بدوافعها وملابساتها! # ولست آسف مع ذلك على ما أنفقت من وقت في تدوينها، فقد متعت في أثناء كتابتها بألوان من ~~المسرة، سواء وأنا أجلو الصحف المضيئة أو الأركان المظلمة من حياة قلبتني على ورود وعلى ~~أشواك يثير مسها في النفس أحاسيس متباينة تبعث إليها الرضا برغم تضاربها؛ لأنها مظهر حياتي ~~خلال عشرات السنين التي طويت من عمر الحياة، والتي أذاقتني كل ما في الحياة من هناء وشقاء، ~~ومن سعادة وبؤس، ومن لذة وألم، ومن أمل ويأس. # وكيف آسف وإني لتهزني الغبطة كلما عدت إلى هذه الصورة التي رسمتها من حياتي، ورأيت هذه ~~الحياة كاملة أمامي، لا يحجبها عني تعاقب الأزمنة ولا تغير الأمكنة التي مررت بها؟! فأنا ~~أرى فيها الطفلة التي كنتها، والصبية التي ترعرعت على أعواد هذه الطفلة، والشابة والزوج ~~والأم، وأرى انسياب الأيام ms242 يندس إلى هذا الشباب رويدا رويدا فيحيله كهولة تتخطى على هون ~~إلى ما بعد الكهولة، وإني لأبتسم لهذه الأطوار جميعا، وأبتسم لآلام حزت يوما في نفسي، ~~وأوقفتني على حافة اليأس، ثم مر الزمن بيده المحسنة على هذه الآلام فأصبحت اليوم موضع عطفي، ~~ومدعاة تقديري وغبطتي. # يذكر الذين ترجموا للمثال الإيطالي الخالد ميكل أنجلو أنه لما أتم تمثاله «موسى» ورآه ~~بلغ الكمال، خاطبه مبديا إعجابه بكماله، فلما لم يجد لكلامه من جانب التمثال صدى، نظر إليه ~~مغضبا وضربه بإزميله وصاح به: ما لك لا تتكلم؟! ولست من الغرور بحيث أنظر مغضبة إلى هذه ~~الصفحات التي كتبت وأنا أعجب كيف لا تخرج من بينها الصبية والمرأة التي رسمت ممتلئة حياة ~~ونشاطا، فلم يبلغ إيماني بالفن ما بلغه من نفس المثال الإيطالي الخالد، وأنا أقل إيمانا ~~بفني من أن يدور مثل هذا الخاطر بخلدي. # ولهذا لا أحسبني أغامر فأدع هذه القصة تنشر يوما على الناس، وما جدوى نشرها؟ لست من ~~السذاجة بعد الذي قطعت من عمر الحياة وقطع الوجود من عمري لأتوهم ما يذهب بعض الكتاب ~~إليه من أن قراءها سيجدون فيها عبرة تنفعهم في حياتهم، فالعبرة كلمة نقولها ولا مدلول في ~~الواقع لها. وهل اعتبرت الإنسانية بما يصيبها من أهوال الحرب وويلاتها فأقلعت عنها؟ وهل ~~يعتبر الشباب بما أصاب آباءهم وذويهم؟ إذن لاحتاطوا فلا يقعون فيما وقع هؤلاء الآباء فيه، ~~وكيف تنفع العبرة وفي الحياة من الغيب المستور ما تتغير معه المقدمات والنتائج تغيرا لا ~~يستطيع أكثر الناس ذكاء وعلما توقعه، بله التقدير له. # وكيف يستطيع الشباب أن يتخذ العبرة من المشيب ولما يعرف من أمر المشيب قليلا ولا ~~كثيرا؟! لقد طالما اطلعت في شبابي على مثل هذه القصة فوجدت في مطالعتها تسلية ولذة لم ~~يتعديا حدود اللذة والتسلية، وكان لأصحاب هذه القصص من البراعة ما ليس لي، فإذا لم تظفر ~~قصتي بتسلية قرائها فمن حقهم أن ينقموا مني، وأن يلعنوا غروري، وخير لي أن أتقي النقمة ~~واللعنة كلتيهما، فلا أطالع الناس ms243 بما يدفعهم إليهما، ذلك خير لهم ولي، وأدعى أن ينفقوا ~~وقتهم فيما يعود عليهم بما يلذهم ويرضيهم. # ولا أحسبني أبالغ حين أذكر أن العبرة بما يصيب الغير كلمة لا مدلول لها في الواقع، فنحن ~~لا نعتبر إلا بما يصيب ذاتنا. # كانت لي أخت طفلة لما تبلغ عامها الثاني، وكانت بادية الذكاء منذ طفولتها، وكان أبي ~~مغرما بها، يغتبط بمداعبتها، ويقضي في ذلك سويعات كل يوم، وقد أدنى من إصبعها يوما عودا ~~من الكبريت ملتهبا، ثم سحبه في حركة تدل على خوفه من أن يحرقها، لكن الصغيرة لم تفطن لهذه ~~الحركة ولم تعتبر بها حتى أدنى والدي عود الكبريت الملتهب من إصبعها فكاد يحرقها، هنالك ~~أدركت أن النار تحرق، وصارت تسرع إلى سحب يدها كلما أدنى أحد النار منها، وذلك شأننا ~~جميعا في الحياة؛ إذا لم نكن نحن موضع العبرة لم يكن للعبرة مدلول في نظرنا، وكثيرا ما ~~نخطئ في تقدير مدى العبرة مما يصيبنا نحن، فلا نفيد منها إلا القليل. # وليس عجيبا أن تكون العبرة كلمة لا مدلول في الواقع لها، فنحن نحكم على الأشياء بمجموعة ~~من العناصر الذاتية، يختلف الحكم باختلاف تأثرها بما في الحياة وتأثيرها فيها، نحن نحكم ~~بعقلنا وعلمنا وعواطفنا، وميولنا وإحساسنا وأعصابنا، وهذا المزاج من العناصر يتأثر بما نكون ~~عليه من أحوال الغضب والرضا والطمأنينة والقلق، كما يتأثر بالبيئة المحيطة بنا، ولا سلطان ~~لنا عليها، فأي هاتيك العناصر تكون أقوى أثرا في اعتبارنا بما نقرأ؟ وقد تكون البيئة أقوى ~~من كل تلك العناصر أثرا. # كنت في العاشرة من سني، وكنت تلميذة بالمدرسة السنية للبنات في العشرة الأولى من هذا ~~القرن العشرين، فلم يكن يومئذ للبنات مدارس مصرية غير السنية وأم عباس، وإني لأمر بفناء ~~الدار دعاني والدي فدخلت غرفة الجلوس وحوله فيها جماعة من أصدقائه ومعارفه، بينهم مطربشون ~~ومعممون، وسألني والدي عما ندرسه في الجغرافيا والتاريخ، وخرجت من عنده وانتحيت جانبا في ~~الفناء فلم ألبث أن سمعت مناقشة حادة بين الموجودين مع أبي؛ يبدي أحدهم إعجابه ms244 بما سمع مني، ~~ويعترض آخر على ذهابي إلى المدرسة اعتراضا شديدا، ويعترض على تعليم البنات بوجه عام ~~قائلا: إن مصير البنت أن تتزوج، فما فائدة أن تتعلم القراءة والكتابة؟! بل إن في تعليمها ~~لضررا أبلغ الضرر، إنه يمكنها من قراءة الروايات وما فيها من قصص الحب ومن كل ما يفسد ~~الأخلاق، وهي بعد في غير حاجة إلى هذه المعرفة، فنحن لا نعدها لوظيفة في الحكومة، ولا لعمل ~~من الأعمال يحتاج إلى القراءة والكتابة. واستمر الرجل يؤيد هذا الرأي، ويزداد حماسة في ~~تأييده كلما ازداد مناقشه تأييدا لضرورة تعليم البنت لتستكمل وجودها الإنساني، وقد كان ~~يؤيد ذلك المعارض في تعليم البنت يومئذ كثيرون حتى من المتعلمين تعليما مدنيا، وكانت ~~البيئة تسيغ يومئذ مثل ذلك التفكير. ترى أيمكن أن يدور مثل هذا التفكير اليوم بخاطر أحد أو ~~يجرؤ على الجهر به وقد أخذت البنات مجلسهن من مقاعد الجامعة، وقد غصت وظائف الحكومة ~~بالكثيرات منهن، وقد أصبحت ميادين العمل الحر مفتوحة أمامهم؟ أفلا يشهد ذلك بأن آراءنا ~~وأحكامنا تتأثر بالبيئة إلى حد كبير؟ وهي تتأثر كذلك باعتباراتنا الذاتية، وقتية كانت هذه ~~الاعتبارات أو غير وقتية، مما يدل على أن العبرة التي نتلمسها في القصص قليلة الأثر في ~~الواقع، إن كان لها من هذا الأثر أي حظ! # لم أعن نفسي بهذا الحوار حول تعليم البنت يوم سمعته وأنا في موقعي على مقربة من باب ~~غرفة الجلوس، بل فررت مسرعة إلى داخل الدار خيفة أن يراني أحد ويتساءل عن سبب وقوفي، وما ~~كنت لأفكر يومئذ أي المتحاورين على حق؟ فقد كان أبي هو الذي يفكر لي، وهو الذي ينفذ تفكيره، ~~إن شاء أن أبقى بالمدرسة بقيت، وإن شاء أن أغادرها وألزم البيت كان الرأي رأيه، ولقد مر ~~هذا الحوار من بعد بخاطري فأثار مني ابتسامة إشفاق حينا، وابتسامة تخالطها المرارة ~~أحيانا، أما الإشفاق فعلى هذا الذي توهم أن البنت تتعلم الحب في قصص الحب، وهل تقرأ الطير ~~قصص الحب وهي في عشها وفي سمواتها، وللطير ms245 على اختلاف أجناسها قصص في الحب أروع من قصص بني ~~الإنسان؟ فالحب غريزة ركبت في الذكر والأنثى يلتمس كلاهما في سبيلها تخليد النوع، والفتى ~~الساذج في الحقل وفي المصنع والفتاة الساذجة التي تشاركه العمل؛ ينجذب أحدهما نحو صاحبه في ~~غير حاجة إلى كتاب يقرؤه، مندفعين في ذلك بحكم الغريزة التي لا تقهر، وهما يسمعان من قصص ~~الحب ما يغنيهما عن قراءة شعر «المجنون»، أو قصة «روميو وجولييت»، فإذا توهم أحد أن قراءة ~~قصص الحب مفسدة للأخلاق فهو جدير بالإشفاق وبأكثر من الإشفاق. # وأما المرارة التي خالطت ابتسامتي أحيانا، فقد أثارها في نفسي شعور ذاتي لاعتبار قل أن ~~يرد بخاطر أحد، فإن كثرة القراءة وإدمان القراءة يدعو إلى شيء من العمق في التفكير وإلى ~~عزلة لا مفر منها يدفع إليها التفكير العميق، فهذا التفكير فيما حولنا يكشف لنا عما في حياة ~~المجتمع من حمق وسخافة، ويدفعنا للتعالي على هذا المجتمع، بل إلى ازدرائه في كثير من ~~الأحيان. # هذا لون من الغرور لا ريب، وهو غرور يجعلنا ننطوي على أنفسنا، ونتذوق في دخيلتنا غبطة ~~كبيرة بتفوقنا، ولكنه يدس إلينا مع هذه الغبطة مرارة سببها انكماشنا عن الناس، وتعذر ~~التفاهم بيننا وبينهم في كثير من الأحيان، وقد تبلغ هذه المرارة أن تدفعنا إلى حافة اليأس ~~فلا ينجينا منه إلا أن ننزل إلى المستوى العام، وأن ننسى أنفسنا في ألوان من المسرة يمجها ~~ذوقنا، لولا هذه المرارة التي تضطرنا للرضا بما لا نرضاه بحكم عقلنا وثقافتنا. # وإذا كان للبيئة من السلطان على أحكامنا ما قدمت فلظروفنا الخاصة سلطان لا يقل عن سلطان ~~البيئة، فهذه الظروف هي التي تكيف اتجاهنا في الحياة، وهي التي تكيف أحكامنا على ما رأينا ~~وما نرى، أليس يختلف حكم الأغنياء عن حكم الفقراء على الأشياء؟ وهلا يختلف حكم الأذكياء ~~عن حكم الأغبياء، ويختلف حكم أبناء الحرفة الواحدة عن أبناء الحرفة الأخرى على ما يرون؟ ~~أولا ترى شخصا يوهب منذ مولده أذنا واعية للأنغام والألحان، وآخر يوهب عينا بصيرة ~~بالصور والألوان ms246 ، وثالثا لا يعنى من الأنغام ولا من الألوان بأكثر من التسلية، برغم ما ~~له من ذكاء نفاذ وحسن بصر بالأمور؟! # وليس يسيرا أن نحيط بظروف الناس الخاصة، فهي لا تحصى، ولكني طالما سألت نفسي: أترانا ~~برغم هذه الظروف نزعم أن لنا في هذه الحياة اختيارا بأي مقدار؟ وهل كان لي اختيار أن أولد ~~أنثى، وأن أولد في المدينة وأبواي من أهل الريف، وأن أكون على حظ قليل أو كثير من الجمال أو ~~الذكاء أو الجاذبية، وأن يكون أبواي من طبقة معينة من طبقات المجتمع، وأن يقيدني كل واحد من ~~هذه الظروف بقيود لا فكاك لي منها، ولا سلطان لي عليها؟ وما هذا الاختيار الذي يحدثوننا عنه ~~إذا كان الإنسان مهددا بالعقاب لعمل يجترحه موعودا بالمثوبة إذا عمل صالحا؟ أم نحن ~~مختارون حين يشتهي أحدنا صنفا من الطعام، ويشتهي صاحبه صنفا آخر لأن معدة الأول لا تطيق ~~ما تطيقه معدة الثاني؟! الحق أشهد أنني لم أشعر بأنني كنت مختارة في يوم من الأيام، وإنما ~~فرضت الحياة نفسها علي، فلم يكن لي اختيار في قبول ما فرضت مذ كنت طفلة إلى هذا اليوم، ~~وإلى أن أموت. # وإذا لم يكن لنا في الحياة اختيار، فهل يبقى لكلمة العبرة معنى أو مدلول في الواقع؟ لقد ~~عدت غير مرة إلى كتب قرأتها منذ سنوات عديدة فتغير حكمي على ما فيها عما كان عليه يوم ~~قرأتها أول مرة، فأيقنت أن أحكام شبابنا تختلف عن أحكام كهولتنا، لأن عناصر الحكم الكمينة ~~فينا يختلف مزاجها بتقدم السن، أو بتغير أحوالنا المعيشية، أو باختلاف البيئة التي تحيط ~~بنا، أو بما يمر بنا من حالات الصحة والمرض والنجاح والفشل والرجاء واليأس، وبعض هذه الكتب ~~التي عدت إلى قراءتها ليست قصصا جانب التسلية فيها أوفر من جانب العبرة، بل هي كتب تفكير ~~ورأي، أو كتب علم أو فلسفة، فإذا كانت صور الأشياء تتغير أمامنا على هذا النحو، فهي إذن وهم ~~وليست حقيقة، وهي صورة لما نشعر به في دخيلة أنفسنا أكثر ms247 منها حقيقة كونية مادية يمكن ~~الاطمئنان إليها. # وبعد فهل في الحياة حقيقة ثابتة؟ أم أن ما في الحياة كله حقائق وإن كانت لا ثبات لها؟ ~~أترى الحقيقة هي النور أم الظلام؟ وهي السعادة أم الشقاء؟ وهي الرجاء أم اليأس؟ وهي الحياة ~~أم الموت؟ لقد طالما تبدت لتفكيري صور وألوان من هذه الحقائق التي لا ثبات لها، والتي نمر ~~بها على دوام تغيرها متفانية متجددة، فأوقعني التفكير فيها في حيرة كانت بعض أسباب المرارة ~~التي اندست على حياتي، وبعض أسباب العزلة التي باعدت بيني وبين الناس، ثم وجدت الوسيلة في ~~بعض الأحيان إلى التغلب عليها بأن اندمجت في غمار الناس، وسرت سيرتهم، وطلقت التفكير حتى ~~اهتديت آخر أمري، وفي موليات عمري، إلى أن الحقيقة فوق هذه الصور جميعا، وإلى أن التماسها ~~يقتضينا السمو فوق صور الحياة في انهيارها وتجددها لنطالع وجه الله الأكرم ذي ~~الجلال. # وما لي أطيل التفكير فيما كتبت؟ وهل ينشر على الناس أو لا ينشر؟ وفيما إذا كان لكلمة ~~العبرة مدلول في الواقع أو أنها ليس لها هذا المدلول؟ أليس خيرا أن أدع التفكير في هذا ~~لغيري، فإذا رأى قصة حياتي حقيقة بأن يطالعها غيري فيجد فيها متعة أو عبرة فلينشرها، وإلا ~~فليلق بها في سلة المهملات كما يقولون. # إنني قد اعتزمت مغادرة مصر إلى حيث أستطيع التوجه إلى الله بكل قلبي ألتمس عنده المغفرة ~~من ذنوبي، وأجد منه الهدى إلى الحقيقة التي يستريح لها وجداني، ويوم يتاح لي تنفيذ غرضي ~~فسأدع هذه القصة بين يدي من يستطيع أن يحكم عليها بأعدل مما أستطيع، وله يومئذ أن يفعل بها ~~ما يشاء، فإذا نشرت فلن أستطيع قراءتها مطبوعة؛ لأنني سأكون بعيدة عن مصر، بعيدة عن هذا ~~المجتمع الذي نعمت به وشقيت، والذي عرفت بين أحضانه ألوانا من السعادة والبأساء، ومن اليأس ~~والرجاء، أكثر مما عرفت كثيرات من بنات جنسي! # والله أسأل أن يهيئ لي فيما بقي من أيام حياتي سبيلا أهدى من السبيل التي اخترت إلى ~~اليوم، وأن يكتب ms248 لي أن أموت راضية مرضية، وأن يجعل من توبتي ومن أيام شقوتي شفيعا عنده، ~~إليه المرجع والمآب، وهو الحكم العدل اللطيف الخبير. ~~••• # أتممت كتابة ما تقدم عشية الحج أول مرة، وكنت أحسب يومئذ أني فرغت من تدوين قصتي، ورسمت ~~الطريق لما بقي لي في الحياة من أسابيع أو شهور أو سنين كثيرة أو قليلة، لكن القدر سرعان ما ~~أثبت لي مرة أخرى أنه لا يعبأ بإرادتنا الإنسانية، وما نرسم أو نصور، وأنا أضعف أمامه من ~~أن نثبت بإرادتنا شيئا في لوحه. # صحيح أني حججت وزرت مدينة الرسول، وعزمت أن أجاوره، لكن هذا العزم ما لبث أن عبثت به ~~الأقدار، واضطرتني للعود إلى القاهرة لأواجه بها أقسى ما يواجه إنسان في حياته، وعدت فعزمت ~~أن أقيم بالمدينة آملة أن أظل في رحابها حتى يقبضني الله بها، وأدفن في ترابها، فإذا هذا ~~العزم لا يثبت للمرة الثانية أكثر مما ثبت للمرة الأولى، وإذا بي أضطر للمقام في مصر في ~~جوار أحفادي، سعيدة بهذا الجوار، مشفقة من هذه السعادة، خائفة أترقب ما يخبئ الغد في طياته ~~مما قد أنوء به. # وقد قصصت ذلك كله بعد زمن طويل من تدوين ما جرى في شبابي وبوادر كهولتي، ولست أدري ~~أيعنى أحد بأن يطلع عليه، ولذلك تركته مع ما سبقه إلى من يستطيع أن يقطع فيه بحكم فينشره ~~أو يهمله. # وسواء علي أنشرت هذه القصة أم لم تنشر، فحسبي أن دونتها، ولن أعود إلى قراءتها من ~~بعد، فلي من هؤلاء الأحفاد ما يشغلني عنها، وعما كان زوجي الأول يسميه غيرتي وغروري. # والله أرجو أن يتوب علي ويغفر لي، إنه الغفور الرحيم. ms249