######OpenITI# #META# URI: 1375MuhammadHusaynHaykal.HayatMuhammad.Hindawi20604026 #META# Tags: history #META# ID: 20604026 #META# Title: حياة محمد #META# AuthorID: 73037206 #META# Author: محمد حسين هيكل #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الإهداء‏ # سجل المراجع‏ # تعريف بالكتاب‏ # تقديم الكتاب‏ # تقديم الطبعة الثانية‏ # تقديم الطبعة الثالثة1‏ # 1 - بلاد العرب قبل الإسلام‏ # 2 - مكة والكعبة وقريش‏ # 3 - محمد: من ميلاده إلى زواجه‏ # 4 - من الزواج إلى البعث‏ # 5 - من البعث إلى إسلام عمر‏ # 6 - قصة الغرانيق‏ # 7 - مساءات قريش‏ # 8 - من نقض الصحيفة إلى الإسراء‏ # 9 - بيعتا العقبة‏ # 10 - هجرة الرسول‏ # 11 - أول العهد بيثرب‏ # 12 - السرايا1 والمناوشات الأولى‏ # 13 - غزوة بدر الكبرى‏ # 14 - بين بدر وأحد‏ # 15 - غزوة أحد‏ # 16 - آثار أحد‏ # 17 - أزواج النبي‏ # 18 - غزوتا الخندق وبني قريظة‏ # 19 - من الغزوتين إلى الحديبية‏ # 20 - عهد الحديبية‏ # 21 - خيبر والرسل إلى الملوك‏ # 22 - عمرة القضاء‏ # 23 - غزوة مؤتة‏ # 24 - فتح مكة‏ # 25 - حنين والطائف‏ # 26 - إبراهيم ونساء النبي‏ # 27 - تبوك وموت إبراهيم‏ # 28 - عام الوفود وحج أبي بكر بالناس‏ # 29 - حجة الوداع‏ # 30 - مرض النبي ووفاته‏ # 31 - دفن الرسول‏ # خاتمة في مبحثين‏ # تقدير وشكر‏ # الإهداء‏ # سجل المراجع‏ # تعريف بالكتاب‏ # تقديم الكتاب‏ # تقديم الطبعة الثانية‏ # تقديم الطبعة الثالثة1‏ # 1 - بلاد العرب قبل الإسلام‏ # 2 - مكة والكعبة وقريش‏ # 3 - محمد: من ميلاده إلى زواجه‏ # 4 - من الزواج إلى البعث‏ # 5 - من البعث إلى إسلام عمر‏ # 6 - قصة الغرانيق‏ # 7 - مساءات قريش‏ # 8 - من نقض الصحيفة إلى الإسراء‏ # 9 - بيعتا العقبة‏ # 10 - هجرة الرسول‏ # 11 - أول العهد بيثرب‏ # 12 - السرايا1 والمناوشات الأولى‏ # 13 - غزوة بدر الكبرى‏ # 14 - بين بدر وأحد‏ # 15 - غزوة أحد‏ # 16 - آثار أحد‏ # 17 - أزواج النبي‏ # 18 - غزوتا الخندق وبني قريظة‏ # 19 - من الغزوتين إلى الحديبية‏ # 20 - عهد الحديبية‏ # 21 - خيبر والرسل إلى الملوك‏ # 22 - عمرة القضاء‏ # 23 - غزوة مؤتة‏ # 24 - فتح مكة‏ # 25 - حنين والطائف‏ # 26 - إبراهيم ونساء النبي‏ # 27 - تبوك وموت إبراهيم‏ # 28 - عام الوفود وحج أبي بكر بالناس‏ # 29 - حجة الوداع‏ # 30 - مرض النبي ووفاته‏ # 31 - دفن الرسول‏ # خاتمة في مبحثين‏ # تقدير وشكر‏ # | حياة محمد # | حياة محمد # تأليف # محمد حسين هيكل # إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها ms001 ~~الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما # | الإهداء # إلى الذين يبتغون الحق لوجه الحق وحده # | سجل المراجع # المراجع العربية # القرآن الكريم. # تفصيل آيات القرآن الحكيم، لجول لابوم، نظمه بالعربية محمد فؤاد عبد الباقي. # كتب الحديث. # تفسير الطبري: جامع البيان في تفسير القرآن، لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري (مطبعة ~~بولاق الأميرية سنة 1329ه). # أسباب النزول لأبي الحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري، وبهامشه الناسخ والمنسوخ، ~~لأبي القاسم هبة الله بن سلامة أبي النصر (مطبعة هندية سنة 1315ه). # الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم، لأبي جعفر النحاس (مطبعة السعادة). # زاد المعاد في هدي خير العباد: لشمس الدين أبي عبد الله الدمشقي المعروف بابن القيم ~~الجوزي (المطبعة اليمنية بمصر سنة 1324ه). # سيرة سيدنا محمد رسول الله، المعروفة بسيرة ابن هشام، لأبي محمد عبد الملك بن هشام ~~(طبعة جتنجن سنة 1274ه بعناية المستشرق وستنفلد). # الطبقات الكبرى، لمحمد بن سعد كاتب الواقدي (بمطبعة برل بليدن سنة 1322ه). عني بطبعه ~~وتصحيحه إدورد سخو # Imp. Brill. Leiden ~~. # المغازي، لأبي عبد الله محمد بن عمر الواقدي (طبعة البعثة المعمدانية المسيحية بكلكتا ~~سنة 1855م). # تاريخ الرسل والملوك، لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري (مطبعة برل بليدن). عني به بارت ~~ونلدكي. # المواهب اللدنية بالمنح المحمدية، لأحمد بن محمد بن أبي بكر الخطيب القسطلاني (مطبعة ~~شاهين). # البداية والنهاية في التاريخ، لابن كثير الدمشقي (مطبعة السعادة). # الشفاء للقاضي عياض (نسخة خطية بمكتبة جعفر ولي). # الأصنام، لابن الكلبي (مطبعة دار الكتب المصرية). # الإعلام بأعلام بيت الله الحرام، لقطب الدين النهرواني (مطبعة بركهاوس ~~بليبزج). # أخبار مكة، لأبي الوليد محمد بن عبد الله بن أحمد الأزرقي (مطبعة بركهاوس بليبزج # Brockhaus, Leipzig ~~). # فجر الإسلام للأستاذ أحمد أمين. # في الأدب الجاهلي، للدكتور طه حسين. # قصص الأنبياء، للأستاذ الشيخ عبد الوهاب النجار. # الوحي المحمدي، للسيد محمد رشيد رضا صاحب المنار. # تفسير الفاتحة ومشكلات القرآن، عن الشيخ محمد عبده. # الإسلام والنصرانية، للشيخ محمد عبده (مطبعة المنار). # الرحلة الحجازية: لمحمد لبيب البتانوني. # اليهود في بلاد العرب، للدكتور إسرائيل ولفنسون. # محمد المثل ms002 الكامل، للأستاذ محمد أحمد جاد المولى. # الإسلام الصحيح، لمحمد إسعاف النشاشيبي. # فتح العرب لمصر، للدكتور ألفرد بتلر، ترجمة الأستاذ محمد فريد أبي حديد (مطبعة دار ~~الكتب المصرية). # مفتاح كنوز السنة لفنسنك، ترجمة محمد فؤاد عبد الباقي (مطبعة مصر). # الإسلام والتجديد في مصر، تأليف تشارلس آدمز وترجمة الأستاذ عباس محمود. # دائرة معارف القرن العشرين، للسيد محمد فريد وجدي. # المراجع الأجنبية # The Spirit of Islam ~~, by Sayed Ameer ~~Aly. # Life of Mahomet ~~, by Washington ~~Airving. # Life of Mohammed # by Sir William ~~Miur. # The Prophet of the Desert ~~, by Khaled ~~Goba. # Mohammad ~~, by ~~Margliouth. # Heroes, and Hero Worship ~~, by Thomas ~~Garlyle. # La Vie de Mahomet ~~, par Emile ~~Demenghem. # Essai sur L’Histoire des Arabes ~~, par ~~Caussin de Perceval. # L’Islam ~~. Par ~~Lammens. # Les Grands Initiés ~~, par Edouard ~~Schuré. # Dictionnaire Larousse ~~, Art. ~~Mahomet. # Encyclopaedia Britannica ~~; Art. ~~Mahomet. # Historian’s History of the ~~World ~~. # | تعريف بالكتاب # منذ وجد الإنسان على الأرض وهو مشوق إلى تعرف ما في الكون المحيط به من سنن وخصائص، وكلما ~~أمعن في المعرفة ظهرت له عظمة الكون أكثر من ذي قبل، وظهر ضعفه وتضاءل غروره. ونبي الإسلام صلوات ~~الله عليه شبيه بالوجود. فقد جد العلماء منذ أشرقت الأرض بنوره يتلمسون نواحي العظمة الإنسانية ~~فيه، ويتلمسون مظاهر أسماء الله جلت قدرته في عقله وخلقه وعلمه. ومع أنهم استطاعوا الوصول إلى ~~شيء من المعرفة، فقد فاتهم حتى الآن كمال المعرفة؛ وأمامهم جهاد طويل، وبعد شاسع، وطريق لا نهاية ~~له. # والنبوة هبة الله لا تنال بالكسب؛ لكن حكمة الله وعلمه قاضيان بأن تمنح للمستعد لها والقادر ~~على حملها. الله أعلم حيث يجعل رسالته. ومحمد أعد لأن يحمل الرسالة للعالم أجمعه، أحمره ~~وأسوده، إنسه وجنه، وأعد لأن يحمل رسالة أكمل دين، ولأن يختم به الأنبياء والرسل، وليكون شمس ~~الهداية وحده إلى أن تنفطر السماء وتنكدر النجوم، وتبدل الأرض غير الأرض والسموات. # عصمة الأنبياء في التبليغ وأداء أمانة الوحي قضية فرغ العلماء منها؛ فليس للأنبياء فضل ~~الاختيار في التبليغ ms003 وأداء الأمانة بعد طبعهم بخاتم النبوة واختيارهم لها. وهذا التبليغ نتيجة ~~حتمية للنبوة لا مرد لها. غير أن الوحي لا يلازم الأنبياء في كل عمل يصدر عنهم وفي كل قول يبدر ~~منهم؛ فهم عرضة للخطأ، يمتازون عن سائر البشر بأن الله لا يقرهم على الخطأ بعد صدوره، ويعاتبهم ~~عليه أحيانا. # أمر محمد بأن يبلغ عن ربه، ولم تبين له الطرق التي يتبعها في التبليغ وفي حماية الدعوة، ~~وترك له أن يتصرف بعقله وعمله وفطنته، كما يتصرف غيره من العلماء والعقلاء. وجاء الوحي مفصلا ~~قاطعا في كل ما يخص ذات الإله ووحدته وصفاته وكيفية عبادته؛ ولم يكن كذلك فيما يخص النظم ~~الاجتماعية للأسرة والقرية والمدينة والدولة منفردة ومرتبطة بغيرها من الدول. فهناك مجال واسع ~~للبحث عن عظمة النبي قبل الوحي، وهناك مدى فسيح للبحث عن تلك العظمة بعد الوحي. فقد صار مبلغا ~~عن ربه داعيا إليه، حاميا لتلك الدعوة ولحرية الداعين، مدافعا عنهم؛ وأصبح حاكم الأمة ~~الإسلامية وقائد حربها ومفتيها وقاضيها ومنظم جميع الصلات والروابط فيها، وبينها وبين غيرها من ~~الأمم. وقد أقام العدل في ذلك كله، وألف بين أمم وطوائف ما كان العقل يسيغ إمكان التأليف ~~بينها؛ وظهرت الحكمة والرصانة وبعد النظر وكمال الفطنة وسرعة الخاطر وقوة الحزم في كل ما صدر عنه ~~من قول أو فعل، وتفجرت منه ينابيع العلم والمعرفة، وينابيع البلاغة التي يطأطئ البلغاء رءوسهم ~~أمامها إجلالا وهيبة؛ وفارق الدنيا وهو راض عن عمله مرضي من الله ومن المسلمين. # وكل هذه النواحي تستحق الدرس والتمحيص، وليس في مقدور شخص واحد أن يفيها حقها، بل ليس في مكنة ~~شخص واحد أن يوفي على الغاية في ناحية من هذه النواحي. # وسيرة محمد صلوات الله عليه وعلى آله - كسائر العظماء - أضيف إليها ما ليس منها، إما عن حب ~~وهوى وحسن قصد، وإما عن سوء قصد وحقد. غير أنها تمتاز عن سير العظماء جميعهم بأن منها شيئا ~~كثيرا ضمه الوحي الإلهي وضمن حفظه القرآن المطهر، وشيئا كثيرا روي على لسان الحفاظ ms004 الثقات من ~~المحدثين، وعلى هذه الأسس الصحيحة يجب أن تبنى السيرة، وأن يستنبط العلماء منها حكمها ~~وأسرارها ودقائقها، وأن تحلل التحليل العلمي النزيه، ملاحظا في ذلك ظروف الوسط وحال البيئة ~~ونواحيها المختلفة من عقائد ونظم وعادات. # وقد أخرج الدكتور هيكل للناس كتابه «حياة محمد» في سيرة محمد، ويسر لي أن أطلع على جزء ~~منه قبل إتمام طبعه. والدكتور هيكل معروف لقراء اللغة العربية، غني بآثاره فيها عن التعريف. وقد ~~درس القانون واطلع على المنطق والفلسفة، ومكنته ظروفه وطبيعة عمله من الاتصال بالثقافة القديمة ~~والثقافة الحديثة، وأوفى منهما على حظ عظيم، وناظر وجادل وهجم ودافع في المعتقدات والآراء وقواعد ~~الاجتماع وفي السياسة وغيرها، فنضج عقله وكمل علمه واتسع اطلاعه وامتد أفقه، فأصبح ينافح عن آرائه ~~بمنطق قوي وحجج باهرة وأسلوب اختص به لا تخفى نسبته إليه. بهذه الثقافة وهذه القوة نسج الدكتور ~~كتابه وقال في مقدمته: لست مع ذلك أحسب أني أوفيت على الغاية من البحث في حياة محمد؛ بل لعلي أكون ~~أدنى إلى الحق إذا ذكرت أني بدأت هذا البحث في العربية على الطريقة الحديثة. وقد تأخذ القارئ ~~الدهشة إذا ذكرت ما بين دعوة محمد والطريقة العلمية الحديثة من شبه قوي. فهذه الطريقة العلمية ~~تقتضيك إذا أردت بحثا أن تمحو من نفسك كل رأي وكل عقيدة سابقة في هذا البحث، وأن تبدأ بالملاحظة ~~والتجربة، ثم بالموازنة والترتيب، ثم بالاستنباط القائم على هذه المقدمات العلمية. فإذا وصلت إلى ~~نتيجة من ذلك كله كانت نتيجة علمية خاضعة بطبيعة الحال للبحث والتمحيص، ولكنها تظل علمية ما لم ~~يثبت البحث العلمي تسرب الخطأ إلى ناحية من نواحيها. وهذه الطريقة العلمية هي أسمى ما وصلت إليه ~~الإنسانية في سبيل تحرير الفكر، وها هي ذي مع ذلك طريقة محمد وأساس دعوته. # أما أن هذه الطريقة طريقة القرآن فذلك حق لا ريب فيه، فقد جعل العقل حكما والبرهان أساس ~~العلم، وعاب التقليد وذم المقلدين، وأنب من يتبع الظن وقال: # إن ~~الظن لا يغني من الحق شيئا # وعاب ms005 تقديس ما عليه الآباء، وفرض الدعوة ~~بالحكمة لمن يفقهها. ولم تكن معجزة محمد القاهرة إلا في القرآن، وهي معجزة عقلية. وما أبدع قول ~~البوصيري: # لم يمتحنا بما تعيا العقول به # حرصا علينا، فلم نرتب ولم نهم # وأما أن هذه الطريقة حديثة، فهذا ما يعتذر عنه. وقد ساير الدكتور غيره من العلماء في هذا؛ ~~ذلك لأنها طريقة القرآن كما اعترف هو، ولأنها طريقة علماء سلف المسلمين. انظر كتب الكلام ترهم ~~يقررون أن أول واجب على المكلف معرفة الله، فيقول آخرون: لا، إن أول واجب هو الشك. ثم إنه لا طريق ~~للمعرفة إلا البرهان. وهو وإن كان نوعا من أنواع القياس إلا أنه يجب أن تكون مقدماته قطعية حسية، ~~أو منتهية إلى الحس، أو مدركة بالبداهة أو معتمدة على التجربة الكاملة أو الاستقراء التام، على ما ~~هو معروف في المنطق. وكل خطأ يتسرب إلى إحدى المقدمات أو إلى شكل التأليف مفسد للبرهان. # وقد جرى الإمام الغزالي على الطريقة نفسها. وقد قرر في أحد كتبه أنه جرد نفسه من جميع ~~الآراء ثم فكر وقدر، ورتب ووازن، وقرب وباعد، وعرض الأدلة وهذبها وحللها؛ ثم اهتدى بعد ذلك ~~كله إلى أن الإسلام حق، وإلى ما اهتدى إليه من الآراء. وقد فعل هذا ليجافي التقليد، وليكون إيمانه ~~إيمان المستيقن المعتمد على الدليل والبرهان، ذلك الإيمان الذي لا يختلف المسلمون في صحته ونجاة ~~صاحبه. # وأنت واجد في كتب الكلام في مواضع كثيرة حكاية تجريد النفس عما ألفته من العقائد، ثم البحث ~~والنظر. فطريق التجريد طريق قديم، وطريق التجربة والاستقراء طريق قديم، والتجربة والاستقراء التام ~~وليدا الملاحظة، فليس هناك جديد عندنا، ولكن هذه الطريقة القديمة بعد أن نسيت في التطبيق العلمي ~~والعملي في الشرق، وبعد أن نشأ التقليد وأهدر العقل، وبعد أن أبرزها الغربيون في ثوب ناضج وأفادوا ~~منها في العلم والعمل، رجعنا نأخذها عنهم ونراها طريقة في العلم جديدة. # هذا القانون العلمي في البحث معروف قديما وحديثا. والمعرفة سهلة ولكن العمل عسير. ولا ~~يتفاوت الناس كثيرا في ms006 معرفة القانون، ولكنهم يتفاوتون جد التفاوت في تطبيق القانون. # تجريد النفس والملاحظة والتجربة والموازنة والاستنباط كلمات سهلة؛ لكن الإنسان الرازح تحت ~~أحمال الوراثة في دمه وعقله، وأحمال البيئة في البيت والقرية والمدينة والدولة والمدرسة، وأحمال ~~المعتقدات والمزاج والصحة والمرض والشهوات، كيف يسهل عليه تطبيق القانون؟ هذا هو موضع الداء ~~قديما وحديثا، وهو سبب تعدد المذاهب والآراء وسبب تبدلها وتنقلها من قطر إلى قطر، ومن أمة إلى ~~أمة. والفلسفة والآداب تبدل ثيابها على تعاقب الأجيال كما تبدل النساء أزياءها، وقل أن تجد ~~فيها شيئا يصونه حرز أو يقيه حصن؛ بل سرى التبدل إلى قواعد العلم التي لم تكن طوال الأجيال ~~الماضية موضعا للشك. ونظرية النسبية اضطرب لها العلماء وسرعان ما قام من يهدمها. والآراء في ~~الأمراض وأسبابها وطرق علاجها وفي التغذية لا تزال مطية للتبدل والتحول. وهكذا إذا أنعمنا النظر ~~لا نجد أمانا لما أنتجه العقل وحده إلا ما كان البرهان بشروطه متوافرا فيه. ولكن ما نسبة هذه ~~الأشياء التي يتوافر فيها البرهان إلى غيرها مما تمليه الظنون وتسطره الأوهام وتمجه الأذهان ~~المريضة، وتفرضه السياسة؛ ويبدعه العلماء الذين يجدون كل اللذة في مخالفة غيرهم وإحداث هذه ~~المذاهب والآراء! ولعل هذه الحيرة ستخفف غلواء العلماء المعتزين بالعقل وحده، وتلويهم يوما من ~~الأيام إلى الدخول في حمى الحق وحصن اليقين؛ وهو الوحي الصادق، وهو القرآن الكريم والسنة الصحيحة ~~المطهرة. # نعود بعد هذا إلى الدكتور هيكل وكتابه. # يقول بعض علماء الكلام: إن الاطلاع على علم تشريح الأفلاك وعلم تشريح الإنسان يدل أوضح ~~الدلالة على شمول العلم الإلهي لدقائق الوجود. وأنا أقرر أيضا أن العلم والكشف عن سنن الوجود ~~وعجائبه سيكون نصير الدين، وسيقرب إلى العقل الإنساني طريق فهم ما كان غامضا مبهما، وما كان ~~فوق طاقة العقل إدراكه من قبل، مصداقا لقوله تعالى: # سنريهم آياتنا ~~في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم ~~يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ~~. # والكهربا وما نشأ عنها من المخترعات قربت إلى العقل فهم إمكان تحول ms007 المادة إلى قوة وتحول ~~القوة إلى مادة. وعلم استحضار الأرواح فسر للناس شيئا كثيرا مما كانوا فيه يختلفون، وأعان على ~~فهم تجرد الروح وإمكان انفصالها وفهم ما تستطيعه من السرعة في طي الأبعاد، وقد انتفع الدكتور ~~هيكل بشيء من هذا في تقريب قصة الإسراء فأتى بشيء طريف. # ويطول بي القول إذا أنا عرضت لما في كتاب الدكتور هيكل من حسنات، وحسبي أن أنبه إلى تلك ~~الحسنات إجمالا، وسيدرك الناس جماله بأنفسهم ويستمتعون بلذة نتاج الفكر تهديه الأسانيد الصحيحة، ~~ويهديه المنطق الدقيق وتسعده الفطرة الصادقة، وسيرون أن الدكتور كان مخلصا الإخلاص كله للحقيقة، ~~عامر القلب بما في الوحي المحمدي من هدى ونور، وبما في سيرة النبي من جمال وجلال وعظمة وعبرة، ~~مطمئنا كل الاطمئنان إلى أن هذا الدين المحمدي سينقذ البشر مما هم فيه من الحيرة، وينشلهم من ~~ظلمة المادة ويبصرهم بنور الإيمان، ويوجههم إلى النور الإلهي، فيدركون به سعة رحمته التي وسعت ~~كل شيء، وعظمة مجده الذي تسبح به السموات والأرض وكل شيء فيهما ، وعزته التي تتضاءل أمامها ~~الموجودات. ألا تراه يقول: «وأذهب أبعد مما تقدم فأقول: إن هذا البحث جدير بأن يهدي الإنسانية ~~طريقها إلى الحضارة الجديدة التي نلتمسها. وإذا كانت نصرانية الغرب تستكبر أن تجد النور الجديد في ~~الإسلام ورسوله وتلتمس هذا النور في «ثيوزوفية» الهند وفي مختلف مذاهب الشرق الأقصى، فإن رجال هذا ~~الشرق من المسلمين واليهود والنصارى خليقون بأن يقوموا بهذه البحوث الجليلة بالنزاهة والإنصاف ~~اللذين يكفلان وحدهما الوصول إلى الحق. # فالتفكير الإسلامي على أنه تفكير علمي على الطريقة الحديثة في صلة الإنسان بالحياة المحيطة ~~به، هو من هذه الناحية واقعي بحت، ينقلب تفكيرا ذاتيا حين يتصل الأمر بصلات الإنسان بالكون ~~وخالق الكون.» # ويقول: «لكن طلائع القضاء على الوثنية التي تتحكم في عالمنا الحاضر وتوجه الحضارة الحاكمة فيه ~~تبدو واضحة لكل من يتتبع سير العالم وأحداثه. فلعل هذه الطلائع تتواتر وتقوى دلالتها إذا انجلت ~~أمام العالم تلك المسائل الروحية بالتخصص لدراسة حياة محمد وتعاليمه وعصره، والثورة ms008 الروحية التي ~~انتشرت في العالم كأثر من آثاره.» # وهذا الاطمئنان يؤيده الواقع؛ فإن ما يرى الآن من عناية الغرب ببحث آثار الشرق، ومن عناية ~~علمائه بدراسة الإسلام من نواحيه المختلفة ودراسة تاريخه وأممه قديما وحديثا، ومن إنصاف بعضهم ~~للنبي، وما أيدته التجارب من أن الحق لا محالة غالب؛ كل ذلك يرشدنا إلى أن الإسلام سينشر لواءه ~~على العالم وسيكون أشد الناس عداوة له اليوم هم أشد الناس غيرة عليه ودفاعا عنه، وسيكون هؤلاء ~~الغرباء عنه هم أنصاره وأهله، وكما نصره أول أمره الغرباء عن البيئة التي نشأ فيها، فسينصره آخر ~~الأمر الغرباء عن لغته ووطنه. وقد بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء! # وإذا كان النبي خاتم الأنبياء وليس للعالم بعده هاد مرشد، وكان دينه أكمل دين بنص الوحي ~~القاطع، فلا يمكن أن يقف أمره على ما هو عليه الآن، ولا بد أن يمحو نوره نور غيره كما تمحو الشمس ~~أضواء غيرها من الكواكب. # وقد وفق الدكتور في تنسيق الحوادث وربط بعضها ببعض ، فجاء كتابه عقدا منضدا وسلسلة متينة ~~محكمة الحلقات. وقد أبدع في بيان الأسباب والأغراض والحكم بيانا قويا واضحا يجعل القارئ مطمئن ~~النفس رضي القلب يستمتع بما يقرأ ويثلج صدره ببرد اليقين، فيملك عليه أمره، ويجبره على متابعة ~~القراءة حتى يوفي على آخر ما بيده من البحث. # وفي الكتاب بحوث قيمة ليست من السيرة، ولكنها اتصلت بها بسبب الإسهاب في بيان أغراضها. # وأختم كلمتي هذه بقول سيد الخلق صلوات الله عليه وعلى آله الأطهار ومن اتبعه: «أعوذ بنور وجهك ~~الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن تنزل علي غضبك، أو تحل بي ~~سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بالله.» # 15 من فبراير 1935 # محمد مصطفى المراغي # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله رب العالمين * الرحمن ~~الرحيم * مالك يوم الدين * إياك نعبد ~~وإياك نستعين * اهدنا الصراط المستقيم * ~~صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا ~~الضالين # | تقديم الكتاب # محمد عليه ms009 الصلاة والسلام # بهذا الاسم الكريم تنطق ملايين الشفاه، وله تهتز ملايين القلوب كل يوم مرات. وهذه الشفاه ~~والقلوب به تنطق وله تهتز منذ أربعمائة وألف سنة إلا خمسين. وبهذا الاسم الكريم ستنطق ملايين ~~الشفاه وتهتز ملايين القلوب إلى يوم الدين. فإذا كان الفجر من كل يوم وتبين الخيط الأبيض من ~~الخيط الأسود. أهاب المؤذن بالناس أن الصلاة خير من النوم. ودعاهم إلى السجود لله والصلاة ~~على رسوله، فاستجاب له الألوف والملايين في مختلف أنحاء المعمورة يحيون بالصلاة رحمة الله وفضله ~~متجليين في مطلع كل نهار. وإذا كانت الظهيرة وزالت الشمس أهاب المؤذن بالناس لصلاة الظهر، ثم ~~لصلاة العصر فالمغرب فالعشاء. وفي كل واحدة من هذه الصلوات يذكر المسلمون محمدا عبد الله ونبيه ~~ورسوله في ضراعة وخشية وإنابة، وهم فيما بين الصلوات الخمس ما يكادون يسمعون اسمه حتى تجف ~~قلوبهم بذكر الله وبذكر مصطفاه. كذلك كانوا وكذلك سيكونون حتى يظهر الله الدين القيم ويتم ~~نعمته على الناس أجمعين. # الإمبراطورية الإسلامية الأولى # ولم يك محمد في حاجة إلى زمان طويل ليظهر دينه وينتشر في الخافقين لواؤه، فقد أكمل الله ~~للمسلمين دينهم قبيل وفاته، ويومئذ وضع هو خطة انتشار الدين فبعث إلى كسرى وإلى هرقل وإلى ~~غيرهما من الملوك والأمراء كي يسلموا، ولم تمض خمسون ومائة سنة من بعد ذلك حتى كان علم ~~الإسلام خفاقا من الأندلس في غرب أوروبا إلى الهند وإلى التركستان وإلى الصين في شرق آسيا؛ ~~وبذلك وصلت الشام والعراق وفارس وأفغانستان - وقد أسلمت كلها - ما بين بلاد العرب ومملكة ابن ~~السماء، كما وصلت مصر وبرقة وتونس والجزائر ومراكش ما بين أوروبا وإفريقية ومبعث محمد ~~عليه السلام. ومن يومئذ إلى يومنا هذا بقي علم الإسلام مرفرفا على هذه الربوع جميعا، خلا ~~الأندلس التي أغارت النصرانية عليها فعذبت أهلها وأذاقتهم ألوانا من الشدة والبأس. ولم يطق ~~أهلها صبرا على الحياة، فعاد منهم من عاد إلى إفريقية، ورد الهول والفزع من ارتد منهم عن دينه ~~ودين أبيه إلى دين العتاة والمعذبين. # على ms010 أن ما خسره الإسلام في الأندلس من غرب أوروبا كان له عنه العوض حين فتح العثمانيون ~~القسطنطينية ومكنوا لدين محمد فيها. هنالك امتدت كلمته إلى البلقان كلها، وانبلج نوره في ~~روسيا وفي بولونيا، وخفقت أعلامه على أضعاف ما كانت تخفق عليه من أرض إسبانيا. ومن يوم انتشر ~~الإسلام في صولته الأولى إلى يومنا لم يتغلب عليه من الأديان متغلب، وإن تغلب على أممه من شدائد ~~الظلم وألوان التحكم ما جعلها أشد بالله إيمانا، ولحكمه إسلاما، وفي رحمته وفي غفرانه أملا ~~ورجاء. # الإسلام والمسيحية # هذه القوة التي انتشر الإسلام بها سرعان ما وقفته وجها لوجه أمام المسيحية وقفة نضال ~~مستميت. لقد تغلب محمد على الوثنية، ومحا من بلاد العرب - كما محا خلفاؤه الأولون من بلاد الفرس ~~والأفغان وطائفة كبيرة من بلاد الهند - أثرها. ولقد تغلب خلفاء محمد على المسيحية في الحيرة ~~واليمن والشام ومصر إلى مهد المسيحية مدينة قسطنطين. أفقدر على المسيحية ما قدر على الوثنية ~~من اضمحلال وهي دين كتاب من الأديان التي أشاد بها محمد ونزل الوحي بنبوة صاحبها؟ وهل قدر ~~لهؤلاء العرب - عرب البادية الزاحفين من شبه الجزيرة الصحراوية القاحلة - أن يضعوا أيديهم على ~~حدائق الأندلس وبزنطية وسائر البلاد المسيحية؟ الموت ولا هذا! واستمر القتال بين أتباع عيسى ~~وأتباع محمد قرونا متتالية. ولم يقف القتال عند حرب الأسنة والمدافع، بل تعداها إلى ميادين ~~الجدل والنضال الكلامي. جاء المقاتلون فيها بأسماء عيسى ومحمد، وجعل كل فريق يلتمس الوسيلة ~~لتأليب السواد واستثارة حماسة الجماهير وتعصبها. # المسلمون وعيسى # على أن الإسلام حال بين المسلمين وبين الحط من مقام عيسى، إنه عبد الله آتاه الكتاب وجعله ~~نبيا، وجعله مباركا أينما كان، وأوصاه بالصلاة والزكاة ما دام حيا، وبرا بوالدته ولم ~~يجعله جبارا شقيا، فسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا. أما المسيحيون فقد جعل ~~الكثيرون منهم يعرضون بمحمد وينعتونه بأوصاف يبرأ منها المهذب من الرجال؛ شفاء لما في نفوسهم ~~من غل، واستفزازا وحفزا لشهوات الناس الدنيا. وعلى رغم ما يقال ms011 من أن الحروب الصليبية وضعت ~~أوزارها منذ مئات السنين ظل تعصب الكنيسة المسيحية على محمد على أشده إلى عصور قريبة. ولعله ~~كذلك ما يزال إن لم يك أشد، وإن كان خفيا يعمل في ظلمات التبشير بالدون من الوسائل. ولم يقف ~~الأمر عند الكنيسة بل تعداها إلى كتاب وفلاسفة في أوروبا وفي أمريكا لم تك تصلهم بالكنيسة صلة ~~تذكر. # المسيحيون المتعصبون ومحمد # ولقد يعجب الإنسان أن يظل تعصب المسيحية على الإسلام بهذه الشدة في عصر يزعمون أنه عصر ~~النور والعلم، وأنه لذلك عصر التسامح وسعة الأفق، ويزداد الإنسان عجبا إذ يذكر المسلمين ~~الأولين وكيف كان اغتباطهم بانتصار المسيحية على المجوسية عظيما حين ظفرت جيوش هرقل بأعلام ~~فارس وكسرت عسكر كسرى. فقد كانت فارس صاحبة النفوذ في جنوب شبه جزيرة العرب منذ أخرج كسرى ~~الأحباش من اليمن. ثم إن كسرى وجه جيوشه - سنة 614 ميلادية - تحت إمرة قائد من قواده يدعى ~~شهر براز # 1 # لغزو الروم، فظهر عليهم حين التقى بهم بأذرعات وبصرى، أدنى الشام إلى أرض العرب، ~~فقتلهم وخرب مدائنهم وقطع زيتونهم. وكان العرب - ولا سيما أهل مكة - يتتبعون أخبار هذه الحرب ~~بتلهف وشغف؛ فقد كانت القوتان المتناحرتان أكبر ما تعرف أمم الأرض يومئذ. وكانت بلاد العرب ~~تجاورهما وتخضع بعض أجزائها لفارس وتتاخم الروم بعض أجزائها الأخرى. وشمت كفار مكة بالمسيحيين ~~وفرحوا لهزيمتهم؛ لأنهم أهل كتاب كالمسلمين، وحاولوا أن يلصقوا بدينهم عار اندحارهم. أما ~~المسلمون فشق عليهم أمر الروم لأنهم أهل كتاب مثلهم، فكان محمد وأصحابه يكرهون أن يظهر المجوس ~~عليهم. وأدى هذا الخلاف بين مسلمي مكة وكفارها إلى تنادر الفريقين وإلى تهكم الكفار بالمسلمين، ~~حتى أبدى أحدهم من السرور أمام أبي بكر ما غاظه ودفعه إلى أن يقول: لا تعجل بالمسرة، فسيأخذ ~~الروم بثأرهم. وأبو بكر معروف بالهدوء ووداعة النفس. فلما سمع الكافر قوله أجابه متهكما: كذبت. ~~فغضب أبو بكر وقال: كذبت أنت يا عدو الله! وهذا رهان عشرة جمال على أن تغلب الروم المجوس قبل ~~عام. وعرف محمد أمر ms012 هذا الرهان فنصح إلى أبي بكر أن يزيد في الرهان وأن يطيل المدة. فزاد أبو ~~بكر في الرهان إلى مائة بعير إن هزمت الفرس قبل تسع سنين. وانتصر هرقل سنة 625 وهزم فارس واسترد ~~منها الشام، واستعاد الصليب الأعظم، وكسب أبو بكر رهانه. وفي النبوءة بهذا النصر نزل قوله تعالى ~~في صدر سورة الروم: # الم * غلبت الروم * ~~في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون * في ~~بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح ~~المؤمنون * بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز ~~الرحيم * وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون ~~. # 2 # المبادئ الأولية في الدينين # كان اغتباط المسلمين يومئذ بانتصار هرقل والنصارى عظيما، وظلت صلة الإخاء بين الذين اتعبوا ~~محمدا والذين آمنوا بعيسى عظيمة طوال حياة النبي وإن تكرر بين الفريقين ما كان من مجادلة، على ~~خلاف ما كان بين المسلمين واليهود من تهادن أول الأمر ثم عداوة استمرت وكان لها من الآثار ~~والنتائج الدامية ما أجلى اليهود عن شبه جزيرة العرب جمعاء. ومصداق ذلك قوله تعالى: # لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود ~~والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين ~~قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا ~~يستكبرون ~~. # 3 # ثم إنك لترى الدينين يصوران الحياة والخلق صورة تكاد تكون واحدة، وهما في تصوير ~~الإنسانية ومبدأ خلقها سواء: خلق الله آدم وحواء وأسكنهما الجنة، وأوحى إليهما ألا يسمعا إلى ~~نزغ الشيطان فيأكلا من الشجرة فيخرجهما من الجنة. والشيطان عدوهما الذي أبى أن يسجد لآدم فيما ~~أوحاه الله لمحمد، والذي أبى أن يقدس كلمة الله، على رواية كتب النصارى المقدسة، ووسوس الشيطان ~~لحواء وزين لها، فزينت لآدم فأكلا من شجرة الخلد فبدت لهما سوءاتهما، فاستغفرا ربهما فبعثهما ~~على الأرض بعض ذريتهم لبعض عدو، يغريهم الشيطان فيضل قوم ويقاوم الهلاك آخرون. ولتقوى الإنسانية ~~على حرب الغواية بعث الله نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى، والنبيين. وبعث مع كل رسول كتابا ~~بلسان قومه مصداقا لما ms013 بين يديه ليبين لهم. وكما يقوم في صف الشيطان أنصاره من أرواح الشر، ~~تقوم الملائكة تسبح بحمد ربها وتقدس له. وهؤلاء وأولئك يتنازعون أسباب الحياة والكون جميعا ~~حتى يوم البعث، يوم تجزى كل نفس بما كسبت ولا يسأل حميم حميما. # الخلاف بينهما: التوحيد والتثليث # وإنك لتجد في القرآن من ذكر عيسى ومريم وإكرام الله لهما وتقديمه إياهما ما تشعر معه حق ~~الشعور بهذا الإخاء، وما يجعلك تسائل: ما بال المسلمين والنصارى إذن ظلوا على القرون خصوما ~~متقاتلين؟ والجواب عن سؤالك أن بين الإسلام والنصرانية خلافا على مسائل أساسية كانت موضع جدل ~~شديد في عهد النبي، وإن لم يتعد الأمر الجدل إلى العداوة والبغضاء. فالنصرانية لا تقر بنبوة ~~محمد كما يقر الإسلام بنبوة عيسى، والنصرانية تقول بالتثليث، والإسلام ينكر كل ما سوى التوحيد ~~أشد الإنكار. والنصارى يؤلهون عيسى ويتلمسون الدليل على ألوهيته في أنه تكلم في المهد وأوتي ~~من المعجزات ما لم يؤته غيره مما هو من عمل الخالق جل شأنه. وهم كانوا أيام الإسلام الأولى ~~يحاجون المسلمين في ذلك بالقرآن ويقولون : أوليس يقر القرآن الذي نزل على محمد رأينا حتى ~~يقول: # إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك ~~بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا ~~والآخرة ومن المقربين * ويكلم الناس في المهد ~~وكهلا ومن الصالحين قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني ~~بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول ~~له كن فيكون * ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة ~~والإنجيل * ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم ~~بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير ~~فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص ~~وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون ~~في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين ~~. # 4 # فالقرآن قد ذكر إذن أنه يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص، ويخلق من الطين طيرا، ويخبر ~~بالغيب، وكل هذه خصائص إلهية. هذا رأي نصارى عهد النبي الذين كانوا ms014 يحاجونه ويجادلونه ويذهبون ~~إلى أن عيسى إله مع الله. ولقد ذهبت طائفة منهم إلى تأليه مريم أن ألقى الله إليها بكلمته. وكان ~~أصحاب هذا الرأي من نصارى ذلك العهد يعتبرون مريم ثالث الثلاثة: الأب والابن والروح القدس. ولم ~~يكن أصحاب هذا القول بألوهية عيسى وأمه إلا طائفة من طوائف النصرانية الكثيرة المتفرقة يومئذ ~~شيعا وأحزابا. # مجادلة النصارى للنبي # كان نصارى شبه الجزيرة يجادلون محمدا على اختلاف نحلهم على أساس مذاهبهم. فكانوا يقولون ~~إن المسيح هو الله، ويقولون هو ولد الله، ويقولون هو ثالث ثلاثة، وكان القائلون بألوهيته يحتجون ~~بما سبق بيانه، ويحتج القائلون بأنه ولد الله بأنه لم يكن له أب يعلم، وأنه تكلم في المهد ~~صبيا مما لم يقع لأحد من بني آدم، ويحتج القائلون بأنه ثالث ثلاثة بأن الله يقول: أمرنا ~~وخلقنا وقضينا، ولو كان واحدا لقال: أمرت وخلقت وقضيت. وكان محمد يستمع لهم جميعا ويجادلهم ~~بالتي هي أحسن. وهو لم يكن في جادلهم يشتد شدته في جدال المشركين وعباد الأصنام، بل كان ~~يحاجهم بالوحي من طريق المنطق ومن كتبهم وما جاء فيها؛ فالله تعالى يقول: # لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن ~~يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ~~ومن في الأرض جميعا ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما ~~يخلق ما يشاء والله على كل شيء قدير * وقالت ~~اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم ~~بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من ~~يشاء ~~. # 5 # وقال تعالى: # لقد كفر الذين قالوا إن الله هو ~~المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي ~~وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ~~ومأواه النار وما للظالمين من أنصار * لقد كفر ~~الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد ~~وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب ~~أليم # 6 # وقال جل شأنه: # وإذ قال ms015 الله يا عيسى ابن مريم ~~أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال ~~سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد ~~علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام ~~الغيوب * ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا ~~الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما ~~توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد * إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك ~~أنت العزيز الحكيم ~~. # 7 # تقول المسيحية بالتثليث وبأن عيسى ابن الله، والإسلام ينكر إنكارا صريحا باتا أن يكون ~~لله ولد. # قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوا ~~أحد ~~. # 8 # ما كان لله أن يتخذ من ولد ~~سبحانه ~~. # 9 # إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه ~~من تراب ثم قال له كن فيكون ~~. # 10 # والإسلام دين توحيد في أشد معاني التوحيد صفاء وقوة، وفي أشد معاني التوحيد بساطة ~~ووضوحا. وكل ما يمكن أن يلقى ظلا على فكرة التوحيد أو صورته ينكره الإسلام ويراه كفرا. # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشاء ~~. # 11 # فمهما يكن للصورة المسيحية في التثليث من صلة تاريخية ببعض الأديان القديمة فهي ليست من ~~الحق عند محمد في شيء. إنما الحق هو الله وحده، لا شريك له، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا ~~أحد. فلا عجب إذن أن تكون بين محمد ونصارى عهده تلك المجادلة بالتي هي أحسن، وأن يؤيد الوحي ~~محمدا بما تلوت من الآيات. # مسألة صلب المسيح # ومسألة أخرى يختلف فيها الإسلام والنصرانية، وكانت مثار جدل بينهما في عهد النبي: تلك مسألة ~~صلب عيسى ليفتدي بدمه خطايا الخلق. فالقرآن صريح في نفي أن اليهود قتلوا المسيح أو صلبوه، إذ ~~يقول: # وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم ~~رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين ~~اختلفوا فيه ms016 لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع ~~الظن وما قتلوه يقينا * بل رفعه الله إليه وكان ~~الله عزيزا حكيما ~~. # 12 # ولئن كانت فكرة افتداء المسيح بدمه خطايا إخوته من بني آدم جميلة لا ريب، ويستحق ما كتب ~~فيها دراسة من نواحيه الشعرية والخلقية والنفسية، لقد كان المبدأ الذي قرره الإسلام من أنه لا ~~تزر وازرة وزر أخرى، وأن كل امرئ يوم القيامة مجزي بأعماله إن خيرا فخير وإن شرا فشر، ~~يجعل التقريب المنطقي بين العقيدتين غير ممكن، ويجعل منطق الإسلام من الدقة بحيث لا تجدي معه ~~محاولات التوفيق، مع التناقض الواضح بين فكرة الافتداء وفكرة الجزاء الذاتي. # لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده ~~شيئا ~~. # 13 # الروم والمسلمون # هل فكر أحد من نصارى يومئذ في هذا الدين الجديد وفي إمكان التوفيق بين فكرة التوحيد فيه ~~وبين ما جاء به عيسى؟ نعم، وآمن به منهم كثيرون. ولكن الروم الذين اغتبط المسلمون بنصرهم ~~واعتبروه نصرا للأديان الكتابية؛ لم يكلف سادتهم أنفسهم مئونة البحث في الدين الجديد، ولم ~~يلبثوا أن نظروا إلى الأمر من ناحيته السياسية، وفكروا فيما يصيب ملكهم إذا تم للدين الجديد ~~الغلب. ولذلك بدءوا يأتمرون به وبأهله، حتى أرسلوا جيشا عرمرما عدته مائة ألف في رواية، ~~ومائتا ألف في رواية أخرى، مما أدى إلى غزوة تبوك. وقد انسحب فيها الروم أمام المسلمين الذين ~~خرجوا ومحمد على رأسهم لدفع عدوان لم يكن له ما يسوغه. # من يومئذ وقف المسلمون والنصارى موقف خصومة سياسية حالف النصر فيها المسلمين قرونا متتالية ~~امتدت إمبراطوريتهم في أثنائها إلى الأندلس غربا وإلى الهند والصين شرقا. وآمنت أكثر أجزاء ~~هذه الإمبراطورية بالدين الجديد واستقرت فيها لغته العربية. فلما آن لدورة التاريخ أن تدور، طرد ~~النصارى المسلمين من الأندلس، وحاربوهم الحروب الصليبية، وأخذوا يطعنون في دينهم ونبيهم طعنا ~~كله فحش وكذب وافتراء؛ ونسوا في فحشهم ما بلغ محمد عليه الصلاة والسلام في أحاديثه، وما بلغ ~~القرآن في الوحي الذي نزل عليه، ms017 من رفع مقام عيسى عليه السلام إلى المستوى الذي رفعه الله ~~إليه. # كتاب المسيحية ومحمد # جاء في موسوعة لاروس الفرنسية خلال العرض لآراء كتاب المسيحية إلى النصف الأول من القرن ~~التاسع عشر ممن نالوا من محمد شر نيل ما يأتي: «بقي محمد مع ذلك ساحرا ممعنا في فساد الخلق، ~~لص نياق، كردينالا لم ينجح في الوصول إلى كرسي البابوية، فاخترع دينا جديدا لينتقم من ~~زملائه. واستولى القصص الخيالي والخليع على سيرته. وسيرة باهوميه (محمد) تكاد تقيم أدبا من هذا ~~النوع. وقصة محمد التي نشرها رينا وفرانسيسك ميشيل سنة 1831 تصور لنا الفكرة التي كانت لدى أهل ~~العصور الوسطى عنه. وفي القرن السابع عشر نظر بيل في تاريخ أدب القرآن نظرة تاريخية. مع ذلك ظلت ~~مقررات ظالمة ثابتة في نفسه عنه. على أنه يعترف مع ذلك بأن النظام الخلقي والاجتماعي الذي أقامه ~~لا يختلف عن النظام المسيحي لولا القصاص وتعدد الزوجات.» # وإن واحدا من المستشرقين الذين عرضوا لحياة محمد بشيء من الإنصاف - ذلك هو الكاتب الفرنسي ~~إميل درمنجم - ليذكر بعض هذا الذي كتب إخوانه في الدين فيقول: # 14 ~~«لما نشبت الحرب بين الإسلام والمسيحية اتسعت هوة الخلاف وسوء الفهم بطبيعة الحال ~~وازدادت حدة. ويجب أن يعترف الإنسان بأن الغربيين كانوا السابقين إلى أشد الخلاف. فمن البزنطيين ~~من أوقروا الإسلام احتقارا من غير أن يكلفوا أنفسهم - فيما خلا جان داماسيين - مئونة دراسته. ~~ولم يحارب الكتاب والنظامون مسلمي الأندلس إلا بأسخف المثالب. فقد زعموا أن محمدا لص نياق، ~~وزعموه متهالكا على اللهو، وزعموه ساحرا، رئيس عصابة من قطاع الطرق، بل زعموه قسا ~~رومانيا مغيظا محنقا أن لم ينتخب لكرسي البابوية ... وحسبه بعضهم إلها زائفا يقرب له عباده ~~الضحايا البشرية. وإن جبير دنوجن نفسه - وهو رجل جد - ليذكر أن محمدا مات في نوبة سكر بين؛ ~~وأن جسده وجد ملقى على كوم من الروث وقد أكلت منه الخنازير، وذلك ليفسر السبب الذي من أجله ~~حرم لحم ذلك الحيوان. وذهبت الأغنيات إلى حد أن جعلت محمدا ms018 صنما من ذهب وجعلت المساجد ~~الإسلامية برابي ملأى بالتماثيل والصور! وقد تحدث واضع أغنية أنطاكية حديث من رأى صنم «ماحوم» ~~مصنوعا من ذهب ومن فضة خالصين وقد جلس فوق فيل على مقعد من الفسيفساء. أما أغنية رولان التي ~~تصور فرسان شارلمان يحطمون الأوثان الإسلامية فتزعم أن مسلمي الأندلس يعبدون ثالوثا مكونا ~~من ترفاجان وماهوم وأبلون. وتحسب «قصة محمد» أن الإسلام يبيح للمرأة تعدد الأزواج! # وقد ظلت حياة الأحقاد والخرافات قوية متشبثة بالحياة. فمنذ رودلف دلوهيم إلى وقتنا ~~الحاضر قام نيكولا دكيز، وفيفس، ومراتشي، وهوتنجر وبيلياندر، وبريدو وغيرهم، فوصفوا محمدا بأنه ~~دجال، والإسلام بأنه مجموعة الهرطقات كلها وأنه من عمل الشيطان، والمسلمين بأنهم وحوش، والقرآن ~~بأنه نسيج من السخافات، وقد كانوا يعتذرون عن الحديث الجد في أمر هذا مبلغ سخافته. مع ذلك فإن ~~بيير المحترم (فنرابل) مؤلف أول رسالة غربية ضد الإسلام قد ترجم القرآن في القرن الثاني عشر إلى ~~اللاتينية. وفي القرن الرابع عشر كان بيير باسكال من الذين توسعوا في الدراسات الإسلامية. وقد ~~وصف إنوسان الثامن محمدا يوما بأنه عدو المسيح. أما القرون الوسطى فلم تكن تحسب محمدا إلا ~~هرطيقا. وكان لريمون ليون في القرن الثامن عشر، ولغليوم بستل في القرن السادس عشر، ولرولان ~~وجانييه في القرن الثامن عشر، وللقسيس دبرجلي ولرينان في القرن التاسع عشر آراء وأحكام ~~مختلفة. على أن الكونت بولنفلييه وشول وكوسان دبرسفال ودوزي وسبرنجر وبارتملي سانتيلير ~~ودكاستري وكارليل وغيرهم يظهرون على وجه الإجمال إنصافا للإسلام ونبيه، ويشيدون في بعض الأحيان ~~بهما. مع ذلك فإن دروتي يتحدث في سنة 1876 عن محمد قائلا: «هذا الأعرابي المنافق القذر.» كما ~~طعن عليه فوستر من قبل سنة 1822. وما زال للإسلام حتى اليوم محاربون متحمسون.» # أرأيت الحضيض الذي هوت إليه هذه الطائفة من كتاب الغرب؟ أرأيت إصرارهم - مع توالي القرون ~~- على الضلال وعلى إثارة العداوة والبغضاء بين أبناء الإنسانية؟! ومن هؤلاء من جاءوا في العصور ~~التي يسمونها عصور العلم والبحث والتفكير الحر وتقرير الإخاء بين الإنسان والإنسان. قد يخفف من ms019 ~~أثر الضلال قيام أولئك المنصفين إلى حد ما، ممن أشار إليهم درمنجم، ومنهم من يقر بصدق إيمان ~~محمد بالرسالة التي عهد الله إليه تبليغها من طريق الوحي، ومنهم من يشيد بعظمة محمد الروحية ~~وبسمو خلقه ورفعة نفسه وجم فضائله، ومن يصور ذلك في أقوى أسلوب وأتمه روعة. وإن بقي الغرب مع ~~ذلك ينال من الإسلام ونبيه أشد النيل، ثم تبلغ منه الجرأة حتى يبث المبشرين في أنحاء البلاد ~~الإسلامية يذيعون مثالبهم الوضيعة، ويحاولون صرف المسلمين عن دينهم إلى المسيحية. # سبب الخصومة بين الإسلام والمسيحية # يجب لذلك أن نبحث عن السبب الذي ترجع إليه هذه الخصومة الهوجاء وهذه الحرب العنيفة التي ~~تثيرها المسيحية على الإسلام. وعندنا أن جهل الغرب بحقيقة الإسلام وبسيرة النبي في مقدمة ما ~~يدعو إلى هذه الخصومة. والجهل - ولا ريب - من أعقد أسباب الجمود والتعصب وأشدها ~~استعصاء. # الجهل والتعصب # ولقد تراكم هذا الجهل على مر القرون، وقامت له في نفوس الأجيال تماثيل وأوثان يحتاج تحطيمها ~~إلى قوة روحية كبرى كقوة الإسلام أول ظهوره، على أنا نحسب أن ثمة سببا غير الجهل هو الذي دفع ~~أهل الغرب إلى هذا التعصب وإلى إثارة الحرب الضروس الشعواء التي أثاروها ويثيرونها على الإسلام ~~وعلى المسلمين آنا بعد آن. وليس ينصرف ذهننا إلى ما قد يدور بالخاطر من صروف السياسة وحب ~~الظفر بالشعوب لاستغلالها: فتلك في اعتقادنا نتيجة لا سبب لهذا التعصب المستعصي حتى على العلم ~~وعلى بحوثه. # المسيحية لا تلائم طبيعة الغرب # أما السبب في رأينا فيرجع إلى أن المسيحية، وما تدعو إليه من الزهد في الحياة واعتزال ~~العالم ومن العفو والمغفرة ومن المعاني النفسانية السامية، ليست مما يلائم طبيعة الغرب الذي عاش ~~ألوف السنين على دين تعدد الآلهة، والذي يدعوه مركزه الجغرافي إلى حياة الكفاح لمغالبة الزمهرير ~~والضنك وسوء الحال. فإذا قضت الظروف التاريخية عليه بأن يدين بالمسيحية فلا مفر له من أن يسبغ ~~عليها ثوب الكفاح، وأن يخرجها بذلك عن طبيعتها السمحة الجميلة، وأن يفسد فيها هذا التناسق ~~الروحي الذي ms020 يجعل منها حلقة في سلسلة الوحدة التي أتمها الإسلام: هذه الوحدة التي تؤاخي بين ~~الروح والجسد وتزاوج بين العاطفة والعقل، وتسلك الفرد والإنسانية جميعا في نظام الكون على ~~أنهما بعض منه متسق وإياه في لا نهاية الزمان والمكان. هذا في رأينا هو مرجع السبب في تعصب ~~الغرب في موقفه من الإسلام موقفا تجافت الحبشة المسيحية عنه حين احتمى المسلمون بها أول ما دعا ~~النبي إلى دين الله. # وإلى هذا السبب في رأيي، يرجع إغراق الغربيين وغلوهم في التدين وفي الإلحاد جميعا، إغراق ~~تعصب وكفاح لا يعرف الهوادة ولا يعرف التسامح. وإذا كان التاريخ قد عرف منهم قديسين احتذوا في ~~حياتهم مثال السيد المسيح والحواريين، فإن التاريخ قد عرف كذلك أن حياة أمم الغرب كانت دائما ~~حياة نضال وكفاح وحروب دامية باسم السياسة أو باسم الدين، وعرف أن بابوات الكنيسة وأرباب السلطة ~~الزمنية كانوا في نزاع دائم يغالب بعضهم بعضا، فيتغلب هذا يوما ويتغلب ذاك يوما آخر. ولما ~~كان الفوز في القرن التاسع عشر قد تم للسلطة الزمنية، حاولت هذه السلطة أن تقضي على الحياة ~~الروحية باسم العلم، وأن تزعم أن العلم سيحل من الحياة الإنسانية محل الإيمان من الحياة ~~الروحية. وها هي ذي عرفت اليوم، بعد جهاد طويل، سوء رأيها، وأن ما قصدت إليه مستحيل تحقيقه. ~~والصيحة تعلو اليوم من جوانب الغرب المختلفة يريد أهله حياة روحية أضاعوها، فهم يتلمسونها في ~~الثيوزوفية وغير الثيوزوفية. # 15 # ولو أن المسيحية كانت تلائم غرائز الكفاح التي تنشأ بحكم الطبيعة كجزء من حياة أهل ~~الغرب، لرأيتهم - وقد شعروا بعجز الفكرة المادية عن أن تلهمهم المدد الروحي - يعودون إلى الدين ~~المسيحي الجميل دين عيسى ابن مريم، إن لم يهدهم الله إلى الإسلام، ولما كانوا في حاجة إلى هذه ~~الهجرة إلى الهند وإلى غيرها يستمدون منها حياة روحية يشعر الإنسان بالحاجة إليها حاجته إلى ~~التنفس؛ لأنها بعض طبعه، بل لأنها بعض نفسه وكيانه. # الاستعمار والدعوة ضد الإسلام # وقد عاون الاستعمار الغربي أهله على الاستمرار في الحملة ms021 التي أثاروها على الإسلام وعلى ~~محمد، ودعاهم ليقولوا ما قال أهل مكة حين أرادوا أن يحملوا النصرانية عار هزيمة هرقل والروم ~~أمام فارس، فقد قالوا - ولا يزال الكثيرون منهم يقولون - إن الإسلام هو السبب في انحطاط الشعوب ~~الآخذة به وفي خضوعهم لغيرهم. وهذه فرية يكفي لإدحاضها أن يذكر قائلها أن الشعوب الإسلامية ظلت ~~صاحبة الحضارة الغالبة وصاحبة السيادة على العالم المعروف كله قرونا متوالية، وأنها كانت محط ~~رجال العلم والعلماء، وموئل الحرية التي لم يعرفها الغرب إلا من أمد قريب. فإذا أمكن أن ينسب ~~انحطاط طائفة من الشعوب إلى الدين الذي تؤمن به فلا يكون هذا الدين الإسلام، وهو الذي حفز بدو ~~شبه جزيرة العرب وأثارهم ومكن لهم من حكم العالم. # الإسلام وما صارت إليه الشعوب الإسلامية # على أن لهؤلاء الذين يحملون الإسلام وزر انحطاط الشعوب الإسلامية من العذر أن أضيف إلى ~~دين الله شيء كثير لا يرضاه الله ورسوله، واعتبر من صلب الدين ورمي من ينكره بالزندقة. وندع ~~الدين جانبا ونقف عند سيرة صاحبه عليه الصلاة والسلام. فقد أضافت أكثر كتب السيرة إلى حياة ~~النبي ما لا يصدقه العقل ولا حاجة إليه في ثبوت الرسالة، وما أضيف من ذلك قد اعتمد عليه ~~المستشرقون واعتمد عليه الطاعنون على الإسلام ونبيه وعلى الأمم الإسلامية واتخذوه تكأتهم في ~~مطاعنهم المثيرة لنفس كل منصف. اعتمدوا عليه وعلى ما ابتدعوه من عندهم وما زعموا أنهم يكتبونه ~~على الطريقة العلمية الحديثة، هذه الطريقة التي تعرض الحوادث والناس والأبطال فتصدر بعد ذلك ~~حكمها عادلا إن هي رأت لإصدار حكم محلا. فإذا أنت وقفت عند ما كتبه هؤلاء رأيته تمليه شهوة ~~الجدل والتجريح، مصوغا في عبارة لا تخلو من براعة تستهوي إخوانهم في العقيدة إلى الظن بأن ~~البحث العلمي المجرد النزاع إلى الحقيقة وحدها يريد أن يستشفها من وراء كل الحجب، هو الذي ~~وجه هؤلاء المتعصبين من الكتاب والمؤرخين. على أن السكينة التي ينزلها الله على نفوس الراضين ~~من الناس، كتابا وعلماء، قد أدت بآخرين من أحرار ms022 الفكر ومن المسيحيين ليكونوا أدنى إلى العدل ~~وأحرص على النصفة. # الجمود والاجتهاد عند المسلمين # ولقد قام بعض علماء المسلمين في ظروف مختلفة فحاولوا إدحاض مزاعم أولئك المتعصبين من أبناء ~~الغرب. واسم الشيخ محمد عبده هو أنصع الأسماء في هذا الصدد. لكنهم لم يسلكوا الطريقة العلمية ~~التي زعم أولئك الكتاب والمؤرخون الأوروبيون أنهم يسلكونها لتكون لحجتهم قوتها في وجه ~~خصومهم. # أثر الجمود في الشباب # ثم إن هؤلاء العلماء المسلمين - والشيخ محمد عبده في مقدمتهم - قد اتهموا بالإلحاد والكفر ~~والزندقة، فأضعف ذلك من حجتهم أمام خصوم الإسلام. ولقد كان اتهامهم هذا عميق الأثر في نفوس شباب ~~المسلمين المتعلمين. شعر هؤلاء الشبان بأن الزندقة تقابل حكم العقل ونظام المنطق في نظر جماعة ~~من علماء المسلمين، وأن الإلحاد عندهم قرين الاجتهاد، كما أن الإيمان قرين الجمود؛ لذلك جزعت ~~نفوسهم وانصرفوا يقرءون كتب الغرب يتلمسون فيها الحقيقة، اقتناعا منهم بأنهم لن يجدوها في كتب ~~المسلمين. وهم لم يفكروا في كتب المسيحية والتاريخ المسيحي بطبيعة الحال؛ إنما فزعوا إلى كتب ~~الفلسفة يتلمسون في أسلوبها العلمي ري ما في نفوسهم من ظمأ محرق للحق، وفي منطقها ضياء ~~للجذوة المقدسة الكمينة في النفس الإنسانية، ووسيلة إلى الاتصال بالكون وحقيقته العليا. وهم ~~واجدون في كتب الغرب، سواء منها كتب الفلسفة وكتب الأدب الفلسفي وكتب الأدب نفسه، الشيء الكثير ~~مما يغري الإنسان بالأخذ به، لروعة أسلوبها ودقة منطقها وما يظهر فيها من صدق القصد وخالص ~~التوجه إلى المعرفة ابتغاء الحق. لذلك انصرفت نفوسهم عن التفكير في الأديان كلها وفي الرسالة ~~الإسلامية وصاحبها، حرصا منهم على ألا تثور بينهم وبين الجمود حرب لا ثقة لهم بالانتصار فيها، ~~ولأنهم لم يدركوا ضرورة الاتصال الروحي بين الإنسان وعوالم الكون اتصالا يرتفع به الإنسان إلى ~~أرقى مراتب الكمال وتتضاعف به قوته المعنوية. # علم الغرب وأدبه # انصرف هؤلاء الشبان عن التفكير في الأديان كلها وفي الرسالة الإسلامية وصاحبها. وزادهم ~~انصرافا ما رأوا العلم الواقعي والفلسفة الواقعية (الوضعية) يقررانه من أن المسائل الدينية لا ~~تخضع للمنطق ms023 ولا تدخل في حيز التفكير العلمي، وأن ما يتصل بها من صور التفكير التجريدي ~~(الميتافيزيقي) ليس هو أيضا من الطريقة العلمية في شيء. ثم إنهم رأوا الفصل بين الكنيسة ~~والدولة واضحا صريحا في البلاد الغربية، ورأوا البلاد التي تقرر دساتيرها أن ملكها هو حامي ~~البروتستنتية أو الكثلكة، أو تقرر أن دين الدولة الرسمي المسيحية، لا تقصد من ذلك إلى أكثر من ~~مظاهر الأعياد والمواسم وما يتصل بها؛ فازدادوا انخراطا في هذا التفكير العلمي وحرصا على ~~الأخذ منه ومما يتصل به من فلسفة وأدب وفن بأوفر نصيب. فلما آن لهم أن ينتقلوا من الدرس إلى ~~الحياة العملية، شغلتهم هذه الحياة عن التفكير في المسائل التي انصرفوا من قبل عن التفكير فيها، ~~وظل اتجاههم الفكري في تياره الأول، ينظر إلى الجمود العقلي مشفقا مزدريا، وينهل من ورد ~~التفكير الغربي والفلسفة الغربية، فيجد فيهما لذة ويزداد بهما إعجابا وعلى ما نهل صدر شبابه ~~منهما حرصا. # وليس ريب في أن الشرق اليوم في حاجة أشد الحاجة إلى النهل من ورد الغرب في التفكير وفي ~~الأدب والفن. فقد قطع ما بين حاضر الشرق الإسلامي وماضيه قرون من الجمود والتعصب غشت على تفكيره ~~السليم القديم بطبقة كثيفة من الجهل وسوء الظن بكل جديد. فلا مفر لمن يريد أن يصهر هذه الطبقة ~~من الاستعانة بأحدث صور التفكير في العالم، ليستطيع من هذه السبيل أن يصل بين الحاضر الحي وثروة ~~الماضي وتراثه العظيم. # جهود التجديد الإسلامي # ومن الحق علينا للغرب أن نقول: إن ما يقوم به علماؤه اليوم من بحوث نفيسة في تاريخ الدراسات ~~الإسلامية والدراسات الشرقية، قد مهد لأبناء الإسلام وأبناء الشرق أن يتزيدوا من هذه البحوث ~~في تلك الدراسات وأن يكونوا أكبر رجاء في الاهتداء إلى الحق؛ فهم أقرب بطبعهم إلى حسن إدراك ~~الروح الإسلامي والروح الشرقي. وما دام التوجيه الجديد قد بدأ في الغرب، فواجب عليهم أن يتابعوه ~~وأن يصححوا أغلاطه وأن يبثوا فيه الروح الصحيح الذي يعيده إلى الحياة ويصله بالحاضر، لا على أنه ms024 ~~مجرد دراسة وبحث، بل على أن ميراث روحي وعقلي يجب أن يتمثله الوارثون، وأن يضيفوا إليه، وأن ~~يزيدوا سنا ضيائه بما يزيد الحقيقة الكامنة فيه ضياء ونورا. # المبشرون والجامدون # وقد توفر منهم كثيرون على هذه البحوث يقومون اليوم بها على الطريقة العلمية الصحيحة؛ ~~والمستشرقون أنفسهم يقدرون لهم ذلك ويشيدون بفضلهم فيه. # وبينا يقوم هذا التعاون العلمي الجديد بأن يؤتي خير الثمرات، إذا بنشاط رجال الكنيسة ~~المسيحية لا يفتر في الطعن على الإسلام وعلى محمد طعنا لا يقل عما تلوت منه فيما سبقت الإشارة ~~إليه. والاستعمار الغربي يؤيد بقوته أصحاب هذه المطاعن باسم حرية الرأي، مع أن أصحاب هذه ~~المطاعن قد أجلوا عن بلادهم وحيل بينهم وبين ما يسمونه تثبيت الإيمان في نفوس إخوانهم في ~~الدين. وهذا الاستعمار يؤيد كذلك دعاة الجمود من المسلمين. وكذلك تضافر عمل الاستعمار على تأييد ~~ما دس على الإسلام مما يبرأ الإسلام منه، وعلى سيرة الرسول من خرافات لا يسيغها العقل ولا ~~يقبلها الذوق، وعلى تأييد الطاعنين على الإسلام وعلى محمد بما دس على الإسلام وعلى سيرة ~~الرسول. # كيف فكرت في وضع هذا الكتاب؟ # أتاحت لي ظروف حياتي العملية أن أرى ذلك كله في مختلفة بلاد الشرق الإسلامي، بل في البلاد ~~الإسلامية كلها، وأن أتبين ما يقصد إليه من القضاء على الروح المعنوية في هذه البلاد بالقضاء ~~على حرية الرأي وحرية البحث ابتغاء الحقيقة. وقد شعرت بأن علي واجبا أقوم به في هذا الموضوع ~~لإفساد الغاية التي ترمي هذه الخطة إليها، والتي تضر الإنسانية كلها ولا يقف ضررها عند الإسلام ~~والشرق. وأي أذى يصيب الإنسانية أكبر من العقم والجمود يصيبان نصفها الأكبر والأعرق في الحضارة ~~على حقب التاريخ؟! ولذلك فكرت في هذا وأطلت التفكير، وهداني تفكيري آخر الأمر إلى دراسة حياة ~~محمد صاحب الرسالة الإسلامية، وهدف مطاعن المسيحية من ناحية، وجمود الجامدين من المسلمين من ~~الناحية الأخرى، على أن تكون دراسة علمية على الطريقة الغربية الحديثة، خالصة لوجه الحق، ولوجه ~~الحق وحده. # بدأت أراجع تاريخ محمد، ms025 وأعيد النظر في سيرة ابن هشام وطبقات ابن سعد ومغازي الواقدي، وعدت ~~إلى كتاب سيد أمير علي (روح الإسلام)، ثم حرصت على أن أقرأ ما كتب بعض المستشرقين، فقرأت كتاب ~~درمنجم وكتاب وشنطن إرفنج، ثم انتهزت فرصة وجودي بالأقصر في شتاء سنة 1932 وبدأت أكتب. ~~ولقد ترددت يومئذ في أن أجعل البحث الذي أطالع قرائي به من وضعي أنا خيفة ما قد يقوم به أنصار ~~الجمود والمؤمنون بالخرافات من ضجة تفسد علي ما أريد. لكن ما لقيت من إقبال وتشجيع من طائفة ~~شيوخ المعاهد، وما أبدى لي بعضهم من ملاحظات تدل على العناية بالبحث الذي أقوم به، جعلني أفكر ~~تفكيرا جديا في إنفاذ ما اعتزمت من كتابة حياة محمد على الطريقة العلمية الصحيحة كتابة ~~مفصلة، ودعاني إلى التفكير في أمثال الوسائل لتمحيص السيرة تمحيصا علميا جهد ما ~~أستطيع. # القرآن أصدق مرجع # ولقد تبينت أن أصدق مرجع للسيرة إنما هو القرآن الكريم؛ فإن فيه إشارة إلى كل حادث من حياة ~~النبي العربي يتخذها الباحث منارا يهتدي به في بحثه، ويمحص على ضيائه ما ورد في كتب السنة وما ~~جاء في كتب السيرة المختلفة. وأردت جاهدا أن أقف على كل ما ورد في القرآن متصلا بحياة النبي؛ ~~فإذا معونة صادقة في هذا الباب يقدمها إلي الأستاذ أحمد لطفي السيد الموظف بدار الكتب ~~المصرية، هي مجموعة وافية مبوبة لآيات القرآن المتصلة بحياة من أوحي الكتاب الكريم إليه. وأخذت ~~أدقق في هذه الآيات، فرأيت أن لا بد من الوقوف على أسباب نزولها وأوقات هذا النزول ومناسباته. ~~وأعترف بأني - على ما بذلت في ذلك من جهد - لم أوفق لكل ما أردت منه. فكتب التفسير تشير أحيانا ~~إليه وتهمل هذه الإشارة في أكثر الأحايين. ثم إن كتاب «أسباب النزول» للواحدي، وكتاب «الناسخ ~~والمنسوخ» لابن سلامة، إنما تناولا هذا الموضوع الجليل الجدير بكل تدقيق واستيفاء تناولا ~~موجزا. على أنني وقفت فيهما وفيما رجعت إليه من كتب التفسير على مسائل عدة استطعت أن أمحص بها ~~ما ورد في ms026 كتب السيرة، ووجدت فيهما وفي كتب التفسير نفسها أشياء جديرة بمراجعة العلماء ~~المتبحرين في علوم الكتاب والسنة وتحقيقهم إياها من جديد تحقيقا دقيقا. # المشورة الصادقة # ولما تقدم بي البحث بعض الشيء ألفيت المشورة الصادقة تصل إلي من كل صوب، ومن ناحية الشيوخ ~~أكثر من كل ناحية أخرى بطبيعة الحال. وكانت المعونة الكبرى معونة دار الكتب ورجالها الذين ~~أمدوني من ألوان المعونة بما لا يفي الشكر بحسن تقديره. ويكفي أن أذكر أن الأستاذ عبد الرحيم ~~محمود المصحح بالقسم الأدبي بدار الكتب كان يكفيني مئونة الذهاب إلى الدار في كثير من الأحيان ~~ويستعير لي ما أريد استعارته من الكتب مشمولا بعطف مدير الدار وكبار القائمين بالأمر فيها؛ وأن ~~أذكر أني في كل مرة ذهبت إلى الدار كنت أجد أجمل العون في البحث عما أريد البحث فيه من موظفي ~~الدار كبارا وصغارا، من عرفت منهم ومن لم أعرف. ثم إنه كانت تستغلق علي بعض المسائل أحيانا ~~فأفضي إلى من آنس فيه المعرفة من أصدقائي بما استغلق علي فأجد في كثير من الأحيان خير العون. ~~وجدت ذلك غير مرة عند الأستاذ الأكبر محمد مصطفى المراغي، ووجدته عند صديقي الضليع جعفر (باشا) ~~والي الذي أعارني عدة كتب كصحيح مسلم وتواريخ مكة، ودلني على غير مسألة من المسائل وهداني إلى ~~موضعها، وقد أعارني صديقي الأستاذ مكرم عبيد (باشا) كتاب المستشرق السير وليم موير «حياة محمد» ~~وكتاب الأب لامنس «الإسلام». هذا إلى ما وجدت من عون في مؤلفات المعاصرين القيمة ككتاب «فجر ~~الإسلام» للأستاذ أحمد أمين، و«قصص الأنبياء» للأستاذ عبد الوهاب النجار، و«في الأدب الجاهلي» ~~للدكتور طه حسين، و«اليهود في بلاد العرب» لإسرائيل ولفنسن، وغير هذه من كتب المعاصرين كثير ~~ذكرته في بيان المراجع القديمة والحديثة التي استعنت بها على وضع هذا الكتاب. # ولقد كنت كلما ازددت توسعا في البحث أرى مسائل تنجم أمامي وتستدعي التكفير ومزيدا من ~~البحث لحلها. وكما عاونتني كتب السير وكتب التفسير في الاهتداء إلى غاية من تفكيري أطمئن إليها، ~~عاونتني كذلك كتب ms027 المستشرقين في الاهتداء إلى غاية أطمئن إليها. على أنني رأيتني مضطرا في كل ~~المواقف لأقصر بحثي في حدود حياة محمد نفسه ما لم أضطر إلى تناول مسائل أخرى متصلة بهذا البحث ~~اضطرارا. ولو أنني أردت أن أبحث كل ما اتصل بهذه الحياة الفياضة العظيمة، لاحتاج الأمر إلى ~~وضع مجلدات عدة في حجم هذا الكتاب. ويحسن أن أذكر أن كوسان دبرسفال وضع ثلاثة مجلدات ~~بعنوان «رسالة في تاريخ العرب»، جعل المجلدين الأولين منها في تاريخ قبائل العرب وحياتها، وجعل ~~الثالث عن محمد وخليفتيه الأولين أبي بكر وعمر. وطبقات ابن سعد تقع في مجلدات كثيرة يتناول ~~جزؤها الأول حياة محمد، وسائر أجزائها حياة أصحابه. ولم يكن غرضي أول ما بدأت البحث ليتجاوز ~~حياة محمد، فلم أرد في أثنائه أن أتركه يتشعب فيحول ذلك بيني وبين الغاية التي إليها ~~قصدت. # في حدود السيرة لا أتعداها # وشيء آخر كان يمسكني في حدود هذه الحياة؛ ذلك روعة جلالها وباهر ضيائها جلالا وضياء ~~يتوارى دونهما كل ما سواهما. فما كان أعظم أبا بكر! وما كان أعظم عمر؛ إذ كان كل منهما في ~~خلافته علما يحجب سواه! وما أشد ما كان للسابقين الأولين إلى صحبة محمد من عظمة ثبتت على ~~الأجيال وهي بعد مما تفاخر به الأجيال. لكن بهؤلاء جميعا كانوا يستظلون أثناء حياة النبي ~~بجلال عظمته ويستضيئون بباهر لألائه. فليس من اليسير على من يبحث في سيرة الرسول أن يدعها لشيء ~~سواها. وهو أشد شعورا بذلك إذا تناول البحث على الطريقة العلمية الحديثة على نحو ما حاولت أن ~~أفعل؛ هذه الطريقة التي تجلو عظمة محمد على نحو يبهر العقل والقلب والعاطفة جميعا، ويغرس فيها ~~من الإجلال للعظمة والإيمان بقوتها ما لا يختلف فيه المسلم وغير المسلم. # وأنت إذا طرحت جانبا أولئك المتعصبين الحمقى الذين جعلوا النيل من محمد دأبهم كالمبشرين ~~وأشباههم، فإنك واجد هذا الإجلال للعظمة والإيمان بقوتها في كتب العلماء المستشرقين واضحين ~~جليين. عقد كارليل في كتابه «الأبطال» فصلا عن محمد صور فيه الجذوة الإلهية ms028 المقدسة التي ~~أوحت إلى محمد ما أوحت فصور العظمة في جلال قوتها. وموير، وإرفنج، وسبرنجر، وفيل، وغيرهم من ~~المستشرقين والعلماء قد صور كل واحد منهم عظمة محمد تصويرا قويا وإن وقف هذا أو ذاك منهم ~~عند مسائل اعتبرها مآخذ على صاحب الرسالة الإسلامية، لغير شيء إلا أنه لم يمتحنها ولم يمحصها ~~التمحيص العلمي الدقيق، ولأنه اعتمد فيها على ما ورد في بعض كتب السيرة أو كتب التفسير من ~~الروايات المضطربة، متناسيا أن أول كتب السيرة إنما كتب بعد قرنين من عصر محمد دست أثناءهما ~~في سيرته وفي تعاليمه إسرائيليات كثيرة، ووضعت أثناءهما ألوف الأحاديث المكذوبة. ومع أن ~~المستشرقين يقررون هذه الحقيقة، تراهم لا يأبون مع ذلك تناسيها ليقرروا أمورا يعتبرونها ~~صحيحة مع أن أقل التمحيص ينفيها. من ذلك مسألة الغرانيق، ومسألة زيد وزينب، ومسألة أزواج النبي، ~~مما أتيح لي امتحانه وتمحيصه في هذا الكتاب. # الكتاب بداءة البحث # لست مع ذلك أحسبني أوفيت على الغاية من البحث في حياة محمد. بل لعلي أكون أدنى إلى الحق ~~إذا ذكرت أني بدأت هذا البحث في العربية على الطريقة العلمية الحديثة، وأن ما بذلت في هذه ~~السبيل من مجهود لا يخرج هذا الكتاب عن أنه بداءة البحث من ناحية علمية إسلامية في هذا الموضوع ~~الجليل. وإذا كان جماعة من العلماء والمؤرخين قد انقطعوا لبحث عصر من العصور، كما انقطع أولار ~~في فرنسا لبحث عصر الثورة الفرنسية، وكما انقطع غيره من العلماء لبحث عصر أو عصور معينة من ~~التاريخ في مختلف الأمم، فحياة محمد جديرة بأن ينقطع لبحثها على طريقة علمية جامعية أكثر من ~~أستاذ يتخصص فيها ويتوفر عليها. وليس يساورني شك في أن الانقطاع والبحث العلمي، في هذه الفترة ~~القصيرة من حياة بلاد العرب واتصالها بحياة الأمم المختلفة في ذلك العصر، تؤتي نتائجه العالم ~~كله، لا الإسلام والمسلمين وحدهم، خير الثمرات. فهي تجلو أمام العلم كثيرا من المسائل النفسية ~~والروحية فضلا عما تفيض عليه من ضياء في نواحي الحياة الاجتماعية والخلقية والتشريعية لا يزال ms029 ~~العلم يتردد أمامها متأثرا بهذا النزاع الديني بين الإسلام والنصرانية، وبهذه المحاولات ~~العقيمة التي يقصد منها إلى «تغريب» الشرقيين أو تنصير المسلمين، مما ثبت على الأجيال إخفاقه ~~واستحالته وسوء أثره في علاقات أجزاء الإنسانية المختلفة بعضها ببعض. # فائدة البحث إنسانية عامة # وأذهب إلى أبعد مما تقدم فأقول: إن هذا البحث جدير بأن يهدي الإنسانية طريقها إلى الحضارة ~~الجديدة التي تتلمسها. وإذا كانت نصرانية الغرب تستكبر أن تجد النور الجديد في الإسلام ورسوله ~~وتشيم هذا النور في ثيوزوفية الهند وفي مختلف مذاهب الشرق الأقصى فإن رجال هذا الشرق من ~~المسلمين واليهود والنصارى جميعا خليقون أن يقوموا بهذه البحوث الجليلة بالنزاهة والإنصاف ~~اللذين يكفلان وحدهما الوصول إلى الحق. فالتفكير الإسلامي - على أنه تفكير علمي الأساس على ~~الطريقة الحديثة في صلة الإنسان بالحياة المحيطة به، وهو من هذه الناحية واقعي بحت - ينقلب ~~تفكيرا ذاتيا حين يتصل الأمر بعلاقة الإنسان بالكون وخالق الكون، ويبدع لذلك في النواحي ~~النفسية والنواحي الروحية آثارا يقف العلم بوسائله حائرا أمامها، لا يستطيع أن يثبتها ولا أن ~~ينفيها، وهو لا يعتبرها حقائق علمية، ثم هي تظل مع ذلك قوام سعادة الإنسان في الحياة ومقومة ~~سلوكه فيها. فما الحياة؟ وما صلة الإنسان بهذا الكون؟ وما حرصه على الحياة؟ وما هي العقائد ~~المشتركة التي تبعث في الجماعات القوة المعنوية التي تضمحل بضعف هذه العقائد المشتركة؟ وما ~~الوجود؟ وما وحدة الوجود؟ وما مكان الإنسان من الوجود ووحدته؟ # هذه مسائل خضعت للمنطق التجريدي ووجدت منه أدبا مترامي الأطراف. لكنك تجد حلها في حياة ~~محمد وتعاليمه أدنى لتبليغ الناس سعادتهم من هذا المنطق التجريدي الذي أفنى فيه المسلمون قرونا ~~منذ العهد العباسي، وأفنى فيه الغربيون ثلاثة قرون منذ القرن السادس عشر إلى القرن التاسع عشر ~~مما انتهى بالغرب إلى العلم الحديث على نحو ما انتهى بالمسلمين فيما مضى، ثم وقف العلم في ~~الماضي كما أنه مهدد اليوم بالوقوف دون إسعاد الإنسانية. ولا سبيل إلى درك هذه السعادة إلى ~~العود إلى حسن إدراك هذه الصلة ms030 الذاتية بالوجود وخالق الوجود في وحدته التي لا تتغير سننها ولا ~~يعتبر للزمان أو المكان فيها إلا وجود نسبي لحياتنا القصيرة. وحياة محمد هي لا ريب خير مثل ~~لدراسة هذه الصلة الذاتية دراسة علمية لمن أراد، ودراسة عملية لمن تؤهله مواهبه أن يحاول هذا ~~الاتصال في مراتب أولية لبعد ما بينه وبين الصلة الإلهية التي أفاء الله على رسوله. وأكبر ظني ~~أن هاتين الدراستين خليقتان، يوم يتاح لهما التوفيق، أن تنقذا عالمنا الحاضر من وثنية تورط فيها ~~على اختلاف عقائده الدينية أو العلمية، وثنية جعلت المال وحده معبودا، وسخرت كل ما في الوجود ~~من علم وفن وخلق ومواهب لعبادته والتسبيح بحمده. # قد يكون هذا التوفيق ما يزال بعيدا. لكن طلائع القضاء على هذه الوثنية التي تتحكم في ~~عالمنا الحاضر، وتوجه الحضارة الحاكمة فيه، واضحة لكل من تتبع سيرة العالم وأحداثه. فلعل هذه ~~الطلائع تتواتر وتقوى دلالتها إذا انجلت أمام العلم تلك المسائل الروحية بالتخصص لدراسة حياة ~~محمد النبي وتعاليمه وعصره والثورة الروحية التي انتشرت في العالم أثرا من آثاره. وإذا أتاحت ~~الدراسة العلمية والدراسة الذاتية لقوى الإنسانية الكمينة مزيدا من اتصال بني الإنسان بحقيقة ~~الكون العليا، كان ذلك الحجر الأول في أساس الحضارة الجديدة. # وهذا الكتاب ليس إلا محاولة بدائية في هذه السبيل كما قدمت. وبحسبي أن يقنع هذا الكتاب ~~الناس بما فيه، وأن يقنع العلماء والباحثين بضرورة الانقطاع والتخصص لبلوغ الغاية من بحث ~~موضوعه. ولو أنه أثمر أيا من هذين الأثرين أو كليهما، لكان ذلك أكبر جزاء أرجو عن المجهود ~~الذي بذلت فيه. والله يجزي المحسنين. # محمد حسين هيكل # | تقديم الطبعة الثانية # نفدت طبعة هذا الكتاب الأولى بأسرع من كل ما قدر لها. فقد صدر منها عشرة آلاف نسخة نفد ~~ثلثها بالاشتراك في الكتاب أثناء طبعه. ونفد سائرها خلال ثلاثة أشهر من صدوره، ولقد دل الإقبال ~~على اقتناء هذا الكتاب على عناية القراء بالبحث الذي يحتويه؛ لذلك لم يكن بد من التفكير في إعادة ~~طبعه، وفي إعادة النظر فيه. ms031 # ملاحظة على الكتاب # وموضوع الكتاب هو السبب الأول في الإقبال عليه لا ريب. ولعل الطريقة التي عولج الموضوع بها ~~كانت ذات أثر في الإقبال عليه كذلك. وأيا كان السبب فقد سألت نفسي حين فكرت في أمر الطبعة ~~الثانية: أفأعيدها صورة من الطبعة الأولى لا أزيد فيها ولا أنقص منها، أم أرجع إليها بالتنقيح ~~والزيادة والتصحيح فيما تتضح لي ضرورة تصحيحه أو تنقيحه أو الزيادة عليه؟ أشار علي بعض من ~~أقدر مشورتهم أن أجعل الطبعة الثانية صورة من الطبعة الأولى كيما تتحقق المساواة بين الذين ~~يقتنون أيا من الطبعتين، ولكي يتسع لي زمن المراجعة والتنقيح فيما بعد هذه الطبعة الثانية. ~~وكدت آخذ بهذا الرأي. ولو أنني فعلت لكانت هذه الطبعة في أيدي القراء منذ أشهر. غير أني ترددت ~~في الأخذ بهذه المشورة، ثم انتهيت إلى ضرورة التنقيح والزيادة لاعتبارات شتى. وكان أول هذه ~~الاعتبارات بعض ملاحظات تفضل الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي بإبدائها لي حين أطلعته ~~على ما تم طبعه من الكتاب قبل ظهور طبعته الأولى فتفضل بوضع التعريف الذي صدرت الكتاب به، ~~فلما ظهر الكتاب تفضل بعض الكتاب والعلماء بالتنويه به في الصحف والمجلات وعن طريق الإذاعة، ~~وأبدوا ما عن لهم من الملاحظات عليه. وقد أبديت هذه الملاحظات جميعا بعد الثناء الجم على ~~مجهود بذلته لست أحسبه جديرا بكل هذا التقدير، وأبديت حرصا على ألا تشوب كتابا عن النبي ~~العربي هنة من الهنات ما دام مؤلفه قد وفق في وضعه توفيقا أرضاهم ونال تقديرهم؛ لذلك لم ~~يكن بد من أن أعير هذه الملاحظات ما هي جديرة به من عظيم العناية. # ولعل هذا الرضا والتقدير هما اللذان جعلا طائفة من هذه الملاحظات ترد على مسائل كمالية ~~لا تتصل بجوهر الكتاب ولا بما ورد من الروايات فيه. فمنها ما يرجو أصحابه إيضاح بعض أمور رأوها ~~في حاجة إلى الإيضاح. ومنها ما يرمي إلى مزيد من التدقيق في استعمال حروف الجر، أو إلى اقتراح ~~بعض ألفاظ بدل أخرى يعتقد الذين اقترحوها أنها ms032 أدق تعبيرا عن المعنى المقصود، على أن طائفة من ~~الملاحظات انصبت على بعض مباحث الكتاب فدفعتني إلى مزيد من التفكير والمراجعة. # ولشد ما أحرص على أن تكون هذه الطبعة الثانية أدنى إلى إرضاء هؤلاء العلماء جميعا، وإن كنت ~~لا أرى في البحث كله، كما ذكرت في تقديم الكتاب، إلا أنه بداءة بحث في موضوعه باللغة العربية ~~وضع على الطريقة العلمية الحديثة. # ومما أدى بي كذلك إلى تناول الطبعة الأولى بالتنقيح والزيادة، أنني عدت إلى تلاوة الكتاب ~~بعدها. بعد أن وقفت على ما أبدي عليه من ملاحظات لم يغب أكثرها عني أثناء وضع الكتاب، فاقتنعت ~~بضرورة الإفاضة في تمحيص بعض ما وردت الملاحظات عليه لإقناع أصحاب هذه الملاحظات بوجهة نظري ~~وصواب حجتي. وقد هدتني مراجعاتي التي قمت بها لهذه الغاية إلى مواضع للتأمل جديرة بأن يتناولها ~~كل كاتب سيرة النبي العربي. ولئن اغتبطت لأنني تناولت في الطبعة الأولى كل ما أشارت الملاحظات ~~إليه، لأنا اليوم أشد اغتباطا بأن أفيض في بعض المباحث إفاضة أعتبرها ضرورية في هذه الدراسة ~~التمهيدية لحياة أعظم إنسان عرفه التاريخ، خاتم الأنبياء والمرسلين عليه الصلاة والسلام. # وقد حاولت في هذا التقديم لطبعة الكتاب الثانية تمحيص طائفة من الملاحظات التي أبديت على ~~طريقة البحث في الطبعة الأولى. وأضفت في آخر الكتاب فصلين تناولت فيهما أمورا مررت بموضوعها ~~لماما في خاتمة الطبعة الأولى، كما أني نقحت وأضفت في تضاعيف الكتاب ما رأيت تنقيحه أو إضافته ~~بعد الذي هدتني إليه مراجعاتي وتأملاتي، إتماما للبحث وإجابة لأصحاب الملاحظات عن ~~ملاحظاتهم. # أنصار المستشرقين والرد عليهم وما يؤاخذونني به # وفي مقدمة ما أتناوله بالتفنيد رسالة وردت إلي من كاتب مصري ذكر أنها ترجمة عربية لمقال ~~بعث به إلى مجلة المستشرقين الألمانية نقدا لهذا الكتاب. ولم أنشر هذه الرسالة في الصحف ~~العربية لأن بها مطاعن لا سند لها؛ ولذلك تركت لصاحبها أن يتحمل تبعة نشرها إن شاء. ولم أر أن ~~أذكر اسمه في هذا التقديم اقتناعا مني بأنه سيعدل عن نسبتها إليه بعد أن ms033 يقرأ تفنيدها. وخلاصة ~~هذه الرسالة أن البحث الذي قمت به في «حياة محمد» ليس بحثا علميا بالمعنى الحديث؛ لأنني ~~اعتمدت فيه على المصادر العربية وحدها، ولم أرجع إلى مباحث المستشرقين الألمان من أمثال «فيل» ~~و«جولدزهر» و«نولدكي» وغيرهم، ولم آخذ بنتائج هذه البحوث؛ ولأني اعتبرت القرآن وثيقة تاريخية لا ~~محل لريبة فيها، مع أن مباحث هؤلاء المستشرقين تدل على أنه حرف وبدل بعد وفاة النبي وفي ~~الصدر الأول للإسلام، واسم النبي بعض ما بدل فيه؛ فقد كان اسمه «قثم» أو «قثامة» ثم أبدل من بعد ~~وصار «محمدا» ليتسنى وضع الآية: # ومبشرا برسول يأتي من ~~بعدي اسمه أحمد ~~. إشارة إلى ما جاء في الإنجيل عن النبي الذي يجيء بعد ~~عيسى. ويضيف الكاتب إلى أقواله هذه أن بحوث المستشرقين دلت كذلك على أن النبي كان يصاب بالصرع، ~~وأن ما كان يسميه الوحي الذي ينزل عليه إنما كان أثرا لنوبات الصرع التي كانت تعتريه، وأن ~~أعراض الصرع كانت تبدو على محمد فكان يغيب عن صوابه، ويسيل منه العرق، وتعتريه التشنجات، وتخرج ~~من فيه الرغوة، فإذا أفاق من نوبته ذكر أنه أوحي إليه، وتلا على المؤمنين به ما يزعم أنه من وحي ~~ربه. # أسباب خطأ المستشرقين # لم أكن لأعنى بهذه الرسالة ولا بتفنيد ما فيها لولا أن كاتبها مصري ومسلم، ولو أنه كان ~~مستشرقا أو مبشرا لتركته ملقى حبله على غاربه، يقول ما تمليه عليه أهواؤه وما تنضح به شهواته، ~~وحسبي ما ذكرت في تقديم الكتاب وفي تضاعيفه إدحاضا لأقوال هؤلاء وأولئك. لكن كاتب هذه الرسالة ~~إنما هو مثل لطائفة من شبابنا ورجالنا المسلمين الذين يتلقون كل ما يقوله المستشرقون بقبول حسن، ~~ويعتبرونه العلم الصحيح المعبر عن الحقيقة الخالصة. وإلى هؤلاء أوجه القول هنا لأحذرهم ما يقع ~~المستشرقون فيه من خطأ. وبعض هؤلاء المستشرقين مخلص في بحثه على رغم خطئه. لكن الخطأ يتسرب إلى ~~بحثه لعدم دقته في إدراك أسرار اللغة العربية تارة، ولما يشوب نفوس طائفة من هؤلاء العلماء من ~~الحرص على هدم مقررات ms034 دين من الأديان، أو على هدم مقررات الأديان جميعا، تارة أخرى. وهذا وذاك ~~إسراف كان يجمل بالعلماء أن يجتنبوه. ولقد رأينا مسيحيين دفعهم هذا الإسراف إلى إنكار أن عيسى ~~وجد على التاريخ، ورأينا آخرين تخطوا حدود الإسراف فكتبوا عن جنون عيسى. وإنما دعا إلى هذه ~~النزعة في أوروبا ما بين الكنيسة والدولة من نزاع أدى برجال العلم وبرجال الدين، كل من ~~ناحيته، إلى الحرص على الغلب لاقتناص السلطان والحكم. أما والإسلام بريء من هذا النزاع فليتق ~~الباحثون من أبنائه سلطان هذه الشهوة التي يخضع لها رجال الغرب، والتي تفسد على العلماء بحوثهم ~~أكثر الأمر، ويجب عليهم لذلك أن يأخذوا حذرهم حين يطلعون على ما يصدر عن الغرب من مباحث دينية، ~~وأن يمحصوا كل ما يصوره العلماء على أنه حق. فالكثير منه يتأثر بمقدار غير قليل بهذا الماضي ~~الذي جعل الخصومة متصلة بين رجال الدين ورجال العلم قرونا متوالية. # الاعتماد على كتاب السيرة من المسلمين # وما ورد في رسالة هذا المصري المسلم مما لخصته هنا بالغ الدلالة على وجوب هذا الحذر. فأول ~~ما يأخذه علي أنني اعتمدت على المراجع العربية والإسلامية واتخذتها أساسا لبحثي. ولست أنكر ~~ذلك. على أنني قد رجعت إلى كتب المستشرقين ممن ذكرت في سجل المراجع، لكن المصادر العربية كانت ~~دائما الأساس الأول لهذا البحث الذي قمت به. وهذه المصادر العربية كانت الأساس الأول كذلك ~~لمباحث المستشرقين جميعا. وهذا طبيعي؛ فهذه المصادر - وفي مقدمتها القرآن - هي أول من تحدث ~~عن حياة النبي العربي. فلا جرم أن تكون العمدة والأساس لكل من يريد أن يكتب سيرته بأسلوب العصر ~~وطريقته. و«نولدكي» و«جولدزهر» و«فيل» و«سبرنجر» و«موير» وغيرهم من المستشرقين قد جعلوها عمدتهم ~~في بحثهم كما جعلتها عمدتي في بحثي. وقد أبحت لنفسي في تمحيصها ونقدها ما أباحوه لأنفسهم من ~~حرية، كما أنني لم أغفل بعض ما اعتمدوا عليه من كتب المسيحيين الأقدمين وإن أملاها التعصب ~~الديني للمسيحية ولم يملها النقد العلمي بحال، فإذا لامني لائم لأنني لم أتقيد بالنتائج التي ~~وصل ms035 بعض المستشرقين إليها، أو لأنني أبحت لنفسي مخالفتهم ونقدهم، فتلك دعوة إلى الجمود العلمي ~~لا تقل رجعية ولا تأخرا عن أية دعوة إلى الجمود في الميادين العقلية والروحية جميعا. وما أحسب ~~أحدا من المستشرقين أنفسهم يوافق على هذه الدعوة إلى الجمود العلمي، ولو أن أحدهم أقرها لجاز ~~إقرار الدعوة إلى الجمود الديني. وهذا وذاك ما لا أرضاه لنفسي ولا أرضاه لأحد ممن يريدون ~~الاشتغال بالبحوث التاريخية على وجه علمي صحيح. إنما أعمل وأطالب غيري أن يعمل على تمحيص ما يقع ~~عليه من مباحث غيره. فإن اقتنع بها عن بينة وبعد أن يقوم لديه الدليل القاطع عليها فذاك، وإلا ~~فليعمل من ناحيته للوصول إلى الحقيقة حتى يقتنع بأنه وصل إليها. هذا ما أدعو إليه شبابنا ~~ورجالنا المعجبين ببحوث المستشرقين، وهذا ما فعلت؛ ولي أجر المصيب على ما أصبت فيه، ولي عذر ~~الباحث عن الحقيقة مع صدق القصد في توخي السبيل إليها إن أخطأني التوفيق في شيء منه. # المستشرقون والمقررات الدينية # ومن الأدلة على تأثر بعض المستشرقين بحرصهم على هدم المقررات الدينية وإسرافهم في ذلك ما ~~ذهب إليه كاتب الرسالة المصري المسلم من أن مباحث هؤلاء المستشرقين تدل على أن القرآن ليس وثيقة ~~تاريخية لا محل لريبة فيها، وأنه حرف بعد وفاة النبي وفي صدر الإسلام، وأضيفت إليه أثناء ذلك ~~آيات لأغراض دينية أو سياسية. ولست أناقش صاحب الرسالة من ناحية إسلامية فأحاجه، وهو مسلم، ~~بما يقرره الإسلام من أن القرآن كتاب الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؛ فهو يذهب ~~مذهب المستشرقين من أن القرآن كتاب وضعه محمد، عن إيمان منه بأن هذا الكتاب وحي الله في رأي ~~طائفة من هؤلاء المستشرقين، وحرصا منه على إثبات رسالته بما يذكر من أن هذا القرآن وحي الله ~~إليه في رأي الآخرين. فلأخاطبه إذن بلغته على أنه من أحرار الفكر الذين لا يريدون أن يتقيدوا ~~إلا بما يثبته العلم إثباتا يقينيا. # فرية تحريف القرآن # هو يعتمد على المستشرقين وما يقولونه. ومن ms036 المستشرقين طائفة تزعم بالفعل في أمر القرآن ما ~~نقله عنهم. لكن زعمهم هذا يدل على أنهم إنما تدفعهم إليه أغراض يبرأ منها العلم ولا تخفى على ~~أحد. وحسبك دليلا على ذلك قولهم: إن عبارة # ومبشرا برسول يأتي ~~من بعدي اسمه أحمد ~~، التي وردت في الآية السادسة من سورة الصف، إنما أضيفت ~~بعد وفاة النبي لالتماس الدليل على نبوة محمد ورسالته من الكتب المقدسة السابقة للقرآن، فلو ~~أن الذين قالوا هذا القول من المستشرقين كانوا يخلصون للعلم حقا لما جاءوا إلى مثل هذا ~~التدليل القائم عندهم على أن التوراة والإنجيل كتابان مقدسان بالفعل. فلو أنهم كانوا يريدون ~~العلم للعلم لسووا بين القرآن والكتب المقدسة التي سبقته؛ فإما اعتبروه مقدسا مثلها، فذكره ~~الكتب المقدسة التي عرفها الناس قبله طبيعي لا محل لرفضه، وإما اعتبروا هذه الكتب كما اعتبروا ~~القرآن وقالوا في شأنها ما قالوه في شأنه، وقرروا أن أصحابها وضعوها لأغراض دينية أو سياسية ~~خاصة. ولو أنهم قالوا مثل هذا القول لقضى المنطق بفساد ما ذهبوا إليه من تحريف القرآن لأغراض ~~سياسية أو دينية، فما كان للمسلمين أن يلتمسوا الحجة من هذه الكتب بعد أن اطمأن ملكهم ودانت لهم ~~الإمبراطورية المسيحية كما دان لهم غيرها من أمم الأرض، وبعد أن دخل المسيحيون في الإسلام ~~أفواجا بل أمما كاملة. هذا هو المنطق الذي يقتضيه البحث العلمي النزيه. أما اعتبار التوراة ~~والإنجيل مقدسين، ونفي هذه الصفة عن القرآن فأمر لا يسوغه العلم. وأما القول بتحريفه التماسا ~~للحجة من التوراة والإنجيل فهراء لا يقره التاريخ ولا يرضاه المنطق. # والذين زعموا هذا الزعم الفاسد من المستشرقين هم قلة بين أشد المستشرقين تعصبا. أما كثرتهم ~~فيقرون بأن القرآن الذي نتلوه اليوم هو بعينه القرآن الذي تلاه محمد على المسلمين أثناء حياته، ~~لم يحرف ولم يبدل. وهم يحرصون على أن يذكروا هذا وإن أضافوا إليه من عبارات النقد للنظام ~~الذي جمع القرآن به ولترتيب السور فيه ما لا يدخل تمحيصه في نطاق هذا البحث. وقد تناول ~~المشتغلون بعلوم ms037 القرآن من المسلمين أوجه النقد هذه ودفعوها. أما ما نحن الآن في صدده فحسبنا ~~فيه أن نقتطف بعض ما ذكره المستشرقون عنه، لعله يقنع المصري المسلم الذي نناقش ها هنا رسالته، ~~ولعله يقنع الذين يفكرون على شاكلته. # موير ينكر هذه الفرية # وما أورده المستشرقون من ذلك كثير، نختار منه بعض ما كتبه السير وليم موير في كتابه «حياة ~~محمد» ليرى هؤلاء الذين أسرفوا على التاريخ وعلى أنفسهم شدة ما أسرفوا حين اطمأنوا إلى ما قيل ~~عن تحريف القرآن وتبديله. وموير مسيحي شديد الحرص على مسيحيته والدعوة إليها، شديد الحرص لذلك ~~على ألا يدع موضعا لنقد نبي الإسلام وكتابه دون الوقوف عنده ومحاولة دعمه. # الذاكرة العربية # يقولو سير وليم موير، عند كلامه عن القرآن ودقة وصوله إلينا، ما ترجمته: «كان الوحي المقدس ~~أساس أركان الإسلام، فكانت تلاوة ما تيسر منه جزءا جوهريا من الصلوات اليومية عامة أو ~~خاصة، وكان القيام بهذه التلاوة فرضا وسنة يجزى من يؤديهما جزاء دينيا صالحا. ذلك كان ~~جماع الرأي في السنة الأولى، وهو ما يستفاد كذلك من الوحي نفسه. لذلك وعت القرآن ذاكرة كثرة ~~المسلمين الأولين إن لم يكونوا جميعا. وكان مبلغ ما يستطيع أحدهم تلاوته بعض المميزات الجوهرية ~~في العهد الأول للإمبراطورية الإسلامية. وقد يسرت عادات العرب هذا العمل؛ فقد كانوا ذوي ولع ~~بالشعر عظيم. ولما كانت الوسائل لتحرير ما يفيض عن شعرائهم في غير متناول اليد، فقد اعتادوا أن ~~ينقشوا هذه القصائد كما كانوا ينقشون ما يتعلق بأنسابهم وقبائلهم على صفحات قلوبهم. بذلك نمت ~~ملكة الذاكرة غاية النمو، ثم تناولت القرآن بكل ما أدت إليه يقظة الروح إذ ذاك من حرص وإقبال. ~~ولقد بلغ بعض أصحاب النبي من قوة الذاكرة ودقتها ومن التعلق بحفظ القرآن واستذكاره حدا ~~استطاعوا معه أن يعيدوا بدقة يقينية كل ما عرف منه إلى يوم كانوا يتلونه.» # تحرير القرآن في عهد النبي # على الرغم من هذه القوة التي امتازت بها الذاكرة العربية، فقد كنا في حل من ألا نولي ثقتنا ms038 ~~مجموعة ذلك كل مصدرها. لكن لدينا من الأسباب ما يحملنا على الاعتقاد أن أصحاب النبي دونوا أثناء ~~حياته نسخا شتى لأجزاء مختلفة من القرآن، وأن هذه النسخ سجلت القرآن، سجلته كله تقريبا. فقد ~~كانت الكتابة معروفة على وجه عام بمكة قبل نبوة محمد بزمن غير قليل. وكان النبي قد استعمل على ~~تحرير الكتب والرسائل أكثر من واحد من أصحابه بالمدينة. وقد فك إسار الفقراء من أسرى بدر ~~مقابل قيامهم بتعليم أنصار المدينة الكتابة. ومع أن أهل المدينة لم يكونوا مثقفين ثقافة أهل ~~مكة، فقد عرفت مقدرة الكثيرين منهم على الكتابة قبل الإسلام. ومن اليسير مع ثبوت هذه المقدرة ~~على الكتابة، أن نستنبط غير مخطئين أن الآيات التي وعتها الذاكرة بدقة قد سجلتها الكتابة بمثل ~~هذه الدقة. # ثم إنا نعرف أن محمدا كان يبعث إلى القبائل التي تدخل في الإسلام واحدا أو أكثر من أصحابه ~~لتعليمهم القرآن وتفقيههم في الدين. وكثيرا ما نقرأ أن هؤلاء المبعوثين كانوا يحملون معهم ~~أوامر مكتوبة في شأن الدين. ولقد كانوا يحملون ما نزل به الوحي بطبيعة الحال، وخاصة ما اتصل ~~منه بشعائر الإسلام وقواعده، وما يتلى منه أثناء العبادة. والقرآن نفسه ينص على وجوده مكتوبا. ~~وتنص كتب السيرة، حين تذكر إسلام عمر، على وجود نسخة من السورة المتمة للعشرين (سورة طه) في ~~حيازة أخته وأسرتها. وكان إسلام عمر قبل الهجرة بثلاث سنوات أو أربع. فإذا كان الوحي يدون ~~ويتبادل في العصر الأول، حين كان المسلمون قليلين وحين كانوا يسامون العذاب، فمن المقطوع به أن ~~النسخ المكتوبة كثر عددها وتداولها حين بلغ النبي أوج السلطة وحين صار كتابه قانون العرب ~~جميعا. # الرجوع إلى النبي عند الخلاف # كذلك كان شأن القرآن أثناء حياة النبي، وكذلك كان شأنه إلى عام بعد وفاته: بقي مسطورا في ~~قلوب الذين آمنوا به مسجلة أجزاؤه المختلفة في نسخ كانت تزداد كل يوم عددا. وكان لزاما أن ~~يتطابق هذان المصدران تمام التطابق. فقد كان القرآن منظورا إليه، حتى في حياة النبي، برهبة ~~اليقين ms039 بأنه كلام الله ذاته. لذلك كان كل خلاف على نصه يرجع فيه إلى النبي نفسه كي يزيله. ~~ولدينا أمثلة من ذلك؛ إذ رجع إلى النبي عمرو بن مسعود وأبي بن كعب. فلما قبض النبي كان يرجع ~~عند الخلاف إلى النصوص المكتوبة، وإلى ذاكرة أصحاب النبي الأقربين وكتاب وحيه. # الجمع الأول للقرآن # فلما فرغ من أمر مسيلمة، في حروب الردة، كانت مذبحة اليمامة قد أتت على كثير من المسلمين ~~ومن بينهم عدد كبير من خير حفاظ القرآن، هنالك ساورت عمر المخاوف في أمر الكتاب ونصوصه وما ~~ربما يعلق بها من ريبة إذا أصاب المقدور من اختزنوه في ذاكرتهم فماتوا جميعا. إذ ذاك توجه إلى ~~الخليفة أبي بكر بقوله: «أخشى أن يستحر القتل كرة أخرى بين حفاظ القرآن في غير اليمامة من ~~المغازي وأن يضيع لذلك كثير منه. والرأي عندي أن تسارع فتأمر بجمع القرآن.» وأقر أبو بكر هذا ~~الرأي، وأفضى برغبته في إنفاذه إلى زيد بن ثابت كبير كتاب النبي وقال: «إنك رجل شاب عاقل لا ~~نتهمك، كنت تكتب الوحي لرسول الله، فتتبع القرآن فاجمعه.» وإذا كان هذا العمل حدثا غير متوقع ~~فقد اضطرب زيد بادئ الرأي، وخامره الريب في صلاحية الإقدام عليه، بل في مشروعيته. فلم يقم به ~~محمد نفسه ولم يأمر أحدا بالقيام به. على أنه انتهى إلى النزول على ما أبدى أبو بكر وعمر من ~~رغبة ملحة. وجهد في جمع السور وأجزائها من كل جانب، حتى لقد جمع ما كان منها على ورق الشجر وعلى ~~الحجر الأبيض وفي صدور الرجال. ويضيف بعضهم أنه جمع كذلك منها ما كان على الورق وعلى الجلد وعلى ~~عظام الكتف والضلع من الإبل والماعز. وظفرت جهود زيد المتصلة خلال سنتين أو ثلاث بجمع هذه ~~المادة كلها وترتيبها على النحو الذي هي عليه اليوم، وعلى النحو الذي كان زيد يتلو عليه القرآن ~~في حضرة محمد فيما يقولون. فلما كملت النسخة الأولى عهد بها عمر إلى صيانة حفصة ابنته وزوج ~~النبي. وظل هذا الكتاب الذي ms040 جمعه زيد قائما طيلة خلافة عمر على أنه النص الصادق الصحيح. # مصحف عثمان # على أن الخلاف لم يلبث أن بدأ في طريقة التلاوة، ناشئا إما عن الخلاف السابق لنسخة زيد، ~~وإما عن تحريف تسرب إلى النسخ التي نقلت عن نسخته. وفزع العالم الإسلامي لذلك أيما فزع. ~~فالوحي الذي نزل من السماء «واحد» فأين الآن وحدته؟ ولقد حارب حذيفة في إرمينية وفي أذربيجان ~~ولاحظ اختلاف القرآن عند السوريين عنه عند أهل العراق، فجزع لتعدد ذلك ولمبلغ ما بينه من خلاف، ~~إذ ذاك فزع إلى عثمان كيما يتدخل «ليقف الناس حتى لا يختلفوا على كتابهم كما اختلف اليهود ~~والنصارى.» واقتنع الخليفة. وليدفع الضر لجأ كرة أخرى إلى زيد بن ثابت وعززه بثلاثة من قريش، ~~وجيء بالنسخة الأولى من حيازة حفصة، وعرضت القراءات المختلفة من أنحاء الإمبراطورية، وروجعت ~~كلها بأتم عناية للمرة الأخيرة. ولقد كان زيد إذا اختلف مع زملائه القرشيين رجح صوت هؤلاء أن ~~كان التنزيل بلسان قريش، وإن قيل إن الوحي نزل على سبع لهجات مختلفة من لهجات العرب. وأرسلت نسخ ~~من هذا المصحف بعد تمام جمعه إلى جميع الأمصار في الإمبراطورية، وجمع ما بها من سائر النسخ ~~بأمر الخليفة وأحرق. وردت النسخة الأولى إلى حيازة حفصة. # ووصل إلينا مصحف عثمان. وقد بلغت العناية بالمحافظة عليه أنا لا نكاد نجد - بل لا نجد - ~~أي خلاف بين النسخ التي لا عداد لها، والمنتشرة في أنحاء العالم الإسلامي الفسيحة. ومع ما أدى ~~إليه مقتل عثمان نفسه بعد ربع قرن من وفاة محمد، من قيام شيع مغضبة ثائرة زعزعت - ولا تزال ~~تزعزع - وحدة العالم الإسلامي، فإن قرآنا واحدا قد ظل دائما قرآنها جميعا. وهذا الإسلام ~~منها جميعا لكتاب واحد على اختلاف العصور حجة قاطعة على أن ما أمامنا اليوم إنما هو النص الذي ~~جمع بأمر الخليفة السيئ الحظ. والأرجح أن العالم كله ليس فيه كتاب غير القرآن ظل ثلاثة عشر ~~قرنا كاملا بنص هذا مبلغ صفائه ودقته. والقراءات المختلفة قليلة إلى حد يثير الدهشة، ms041 وهذا ~~الاختلاف محصور أكثر أمره في نطق الحروف المتحركة أو في مواضع الوقف، وهذه مسائل أبدعت في تاريخ ~~متأخر، فلا مساس لها بمصحف عثمان. # وحدة الإسلام في عهد عثمان # والآن وقد تبين أن القرآن الذي نتلو هو نص مصحف عثمان لم يتغير، فعلينا أن نبحث: أهذا النص ~~هو صورة مضبوطة لما جمع زيد بعد الاتفاق على إزالة ما كان في التلاوة من أوجه خلاف قليلة العدد ~~قليلة الخطر؟ وكل ما لدينا مقنع تمام الإقناع بأن الأمر كذلك. فليس في الأنباء القديمة أو ~~الجديرة بالتصديق ما يلقي على عثمان أية شبهة بأنه قصد إلى تحريف القرآن لتأييد أغراضه. صحيح ~~أن الشيعة ادعوا من بعد أنه أغفل بعض آيات تزكي عليا. لكن العقل لا يسوغ هذا الزعم؛ فلم يكن ~~قد نجم أي خلاف بين الأمويين والعلويين حين أقر مصحف عثمان، بل كانت وحدة الإسلام قائمة ~~حينذاك لا يهددها شيء. ثم إن عليا لم يكن قد صور مطالبه في صورتها الكاملة؛ فلم يكن غرض من ~~الأغراض إذن ليدفع عثمان إلى ارتكاب إثم ينظر إليه المسلمون بعين المقت غاية المقت . ولقد كان ~~عدد كبير ممن وعت قلوبهم القرآن كما سمعوه حين تلاه النبي أحياء حين جمع عثمان المصحف. # فلو أن آيات تزكي عليا كانت قد نزلت لوجدت نصوصها بين يدي أنصاره الكثيرين. وهذان السببان ~~كانا كفيلين بالقضاء على كل محاولة لإغفال هذه الآيات. # يضاف إلى ذلك أن شيعة علي استقلوا بأمرهم بعد وفاة عثمان وبايعوا عليا بالخلافة. أفيقبل ~~العقل أنهم - وقد وصلوا إلى السلطة - يرضون عن قرآن مبتور، ومبتور قصدا للقضاء على أغراض ~~زعيمهم؟! مع ذلك ظلوا يتلون القرآن الذي يتلوه خصومهم، ولم يثيروا أي ظل من الاعتراض عليه؟ بل ~~إن عليا كان قد أمر بأن تنشر نسخ كثيرة منه، ويقال إنه كتب بخط يده عددا منها. صحيح أن ~~الثائرين قد جعلوا من أسباب انتقاضهم أن عثمان جمع القرآن وأمر بإهلاك ما سوى مصحفه من المصاحف ~~واعتراضهم إنما ينصب على إجراءات عثمان لذاتها ويعتبرونها ms042 محرمة لا تجوز. لكن لم يشر أحد فيما ~~وراء ذلك إلى تحريف في المصحف أو إبدال؛ فمثل هذا الزعم كان ظاهر الفساد يومئذ؛ وإنما أبدعه ~~الشيعة من بعد لأغراضهم. # دقة مصحف عثمان وكماله # نستطيع أن نستنبط إذن مطمئنين أن مصحف عثمان كان - وما يزال - صورة مضبوطة لما جمعه زيد بن ~~ثابت، مع مزيد في التوفيق بين الروايات السابقة له وبين لهجة قريش، ثم استبعاد سائر القراءات ~~التي كانت منتشرة، في أنحاء المملكة. مع ذلك لا تزال أهم مسألة قائمة أمامنا؛ هذه المسألة هي: ~~هل كان ما جمعه زيد صورة صادقة كاملة لما أوحي إلى محمد؟ والاعتبارات الآتية تبعث اليقين بأنه ~~كان مجموعة صادقة بلغت من حيث إنها كاملة كل ما يمكن بلوغه يومئذ: # أولا: # تم الجمع الأول برعاية أبي بكر. وكان أبو بكر تابعا صادق الإخلاص لمحمد كما كان ~~مؤمنا كامل الإيمان بالمصدر القدسي للقرآن؛ وكان اتصاله الحميم بالنبي خلال السنوات ~~العشرين الأخيرة من حياته، ومظهره في الخلافة مظهر البساطة والحكمة والتنزه عن المطامع، ~~بحيث لا تدع موضعا لأي فرض آخر. وكان إيمانه بأن ما يوحى إلى صاحبه إنما يوحى إليه من ~~الله ذاته، مما يجعل أول أغراضه أن يكفل جمع هذا الوحي كله مطهرا كاملا. ومثل هذا ~~القول يصدق على عمر، وقد تم الجمع في خلافته. وهذا القول يصدق كذلك على المسلمين يومئذ ~~جميعا، لا تفاوت لديهم فيه بين الكاتبين الذين عاونوا على هذا الجمع وبين المؤمن ~~الرقيق الحال الذي يحمل إلى زيد ما عنده من الوحي المكتوب على العظام أو على أوراق ~~الشجر؛ فقد كانوا جميعا تتساوى رغبتهم الصادقة في استظهار العبارات والألفاظ التي ~~تلاها عليهم نبيهم على أنها رسالة من عند الله. وقد كان الحرص على الدقة قائما بشعور ~~الناس جميعا؛ لأنه لم ينغرس في نفوسهم شيء ما انغرس هذا التقديس المرهب لما يعتقدونه ~~كلمة الله. وفي القرآن نذر للذين يفترون على الله الكذب أو يخفون شيئا من وحيه. ولسنا ~~نستطيع أن نصدق أن يجرؤ المسلمون الأولون، ms043 في حماستهم الأولى لدينهم وتقديسهم إياه، ~~على التفكير في أمر ذلك مبلغه من مجافاة الإيمان. # ثانيا: # تم الجمع خلال سنتين أو ثلاث سنين بعد وفاة محمد؛ وقد رأينا طائفة من أتباعه يحفظون ~~الوحي كله عن ظهر قلب، وأن كل واحد من المسلمين كان يحفظ طائفة منه، وأن جماعة من ~~القراء كانت تعينهم الدولة وتبعث بهم إلى أنحاء المملكة الإسلامية لإقامة الشعائر ~~ولتفقيه الناس في الدين. من هؤلاء جميعا تكونت حلقة اتصال بين ما تلا محمد من الوحي ~~يوم تلاه وبين ما جمعه زيد. فالمسلمون لم يكونوا صادقي القصد في جمع القرآن كله في مصحف ~~واحد فحسب، بل كانت لديهم كذلك كل الوسائل التي تكفل تحقيق هذا الغرض، وتكفل تحقيق ما ~~اجتمع في الكتاب الذي وضع بين أيديهم بعد جمعه من دقة وكمال. # ثالثا: # ولدينا ضمان أوفى للدقة والكمال. ذلك ما كان موجودا منذ حياة محمد من أجزاء القرآن ~~المكتوبة، والتي كثر لا شك عدد نسخها قبل جمع القرآن. وأكثر الأمر أن هذه النسخ كانت ~~موجودة في حيازة جميع الذين يستطيعون القراءة. أما ونحن نعرف أن ما جمعه زيد قد تداوله ~~الناس وتلوه بعد جمعه مباشرة. فمن المعقول أن نستنبط أنه تناول ما احتوته هذه الأجزاء ~~المكتوبة جميعا واتفق معها؛ لذلك حل محلها بإقرارهم جميعا. فلم يتصل بنا أن الجامعين ~~أغفلوا أجزاء أو آيات أو ألفاظا، أو أن شيئا مما كان موجودا من هذه اختلف عما حواه ~~المصحف الذي جمع. ولو أن شيئا من ذلك كان، للوحظ بلا ريب ولدون في هذه المساند ~~القديمة التي احتوت أدق أعمال محمد وأقواله، والتي لم تغفل منها حتى ما كان قليل ~~الخطر. # رابعا: # محتويات القرآن ونظامه تنطق في قوة بدقة جمعه؛ فقد ضمت الأجزاء المختلفة بعضها ~~إلى بعض ببساطة تامة لا تعمل ولا فن فيها. وهذا الجمع لا أثر فيه ليد تحاول المهارة ~~أو التنسيق. وهو يشهد بإيمان الجامع وإخلاصه لما يجمع؛ فهو لم يجرؤ على أكثر من تناول ~~هذه الآيات المقدسة ووضع بعضها ms044 إلى جانب بعض. # والنتيجة التي نستطيع الاطمئنان إلى ذكرها هي أن مصحف زيد وعثمان لم يكن دقيقا فحسب، بل ~~كان - كما تدل الوقائع عليه - كاملا، وأن جامعيه لم يتعمدوا إغفال أي شيء من الوحي. ونستطيع ~~كذلك أن نؤكد - استنادا إلى أقوى الأدلة - أن كل آية من القرآن دقيقة في ضبطها كما تلاها ~~محمد. ~~••• # أطلنا في اقتطاف عبارات «سير وليم موير» كما وردت في مقدمة كتابه «حياة محمد». # 1 # على أن ما اقتطفناه يغنينا عن ذكر ما كتبه «الأب لامنس» و«هون هامر» ومن يرون هذا الرأي من ~~المستشرقين. هؤلاء جميعا يقطعون بدقة القرآن الذي نتلوه اليوم، وبأنه يحتوي كل ما تلاه محمد ~~على أنه الوحي الذي تلقاه من ربه صادقا كاملا. فإذا ذهبت بعد ذلك قلة من المستشرقين غير ~~مذهبهم وزعموا أن القرآن حرف، غير آبهين لهذه الأدلة العقلية التي ساقها «موير» وكثرة ~~المستشرقين، والتي أخذوها عن التاريخ الإسلامي والعلماء المسلمين، كان ذلك تجنيا على الإسلام ~~لم يمله غير الحقد على الإسلام وعلى صاحب الرسالة الإسلامية. ومهما يبلغ المتجنون من البراعة ~~في صياغة تجنيهم فلن يستطيعوا أن يخلعوا عليه ثوب البحث العلمي النزيه، ولن يستطيعوا أن يخدعوا ~~به من المسلمين أحدا، الله إلا الشبان الذين يتوهمون أن البحث الحر يقتضيهم أن ينكروا ماضيهم، ~~وأن يفتنوا عن الحق بما يزين لهم من الأباطيل وأن يؤمنوا بكل مطعن على هذا الماضي، ولو لم يكن ~~لهذا الطعن ما يسوغه من حقائق العلم والتاريخ. # كنا نستطيع أن نسوق هذه الحجج التي ساقها «السير موير» وغيره من المستشرقين، وأن نأتي بها ~~من التاريخ الإسلامي ومما كتب علماء المسلمين، وأن نردها إلى مراجعها فيها. لكنا آثرنا نقلها عن ~~أحد المستشرقين؛ لنظهر شبابنا المولع بكل آثار الغرب، من غير تمحيص لها، على أن الدقة في البحث ~~العلمي وحسن القصد إلى الحق وحده جديران بهداية من يسلك سبيلهما مخلصا للحقيقة المجردة من كل ~~زيف، وندله على أن واجب المحقق أن يدقق في بحثه حتى يصل من الحقيقة إلى غايته ms045 دون تأثر بهوى ~~أو شهوة، ومن غير أن يقف به التقليد أو القصور عن بلوغ هذه الغاية. وقد وفق المستشرقون للحق ~~في بعض الأحيان، وقصر همهم دونه في أحيان أخرى. وكذلك كان أكثرهم في مسائل متصلة بحياة النبي ~~العربي أتيح لنا تمحيصها في هذا الكتاب. # الطريقة الصحيحة في البحث # ويجمل بنا في هذا المقام أن نذكر أن واجب الباحث ألا يثبت مسألة من المسائل وألا ينفيها، ~~قبل أن يصل من تمحيصه وبحثه إلى الاقتناع الذاتي الصحيح بأنه اطمأن كل الطمأنينة إلى الوقوف ~~فيها على الحقيقة كاملة غير مشوبة بشائبة. وشأن المؤرخ في ذلك شأن العالم في الأمور الطبيعية ~~وفي غيرها من العلوم جميعا. وهذا واجبه، تناول كتب المستشرقين أو تناول كتب العلماء المسلمين. ~~وإذا أوجب قصد الحق والمعرفة علينا أن ننقد وأن نمحص ما خلف كتاب العرب والكتاب المسلمون ~~في الطب والفلك والكيمياء وغيرها من العلوم، فننفي منها ما لا يثبت أمام النقد العلمي ونثبت ما ~~تقره قواعد هذا النقد، فقصد الحق والمعرفة يوجب علينا مثل هذه الدقة في أمر التاريخ وإن تعلق ~~بسيرة النبي عليه الصلاة والسلام. فالمؤرخ ليس ناقلا فحسب. بل هو أيضا ناقد لما ينقل، ممحص ~~إياه لمعرفة ما ينطوي عليه من الحق. والنقد سبيل التمحيص. والعلم والمعرفة أساس هذا النقد ~~والتمحيص. # أحسبنا، بعد هذا التمحيص الذي نقلناه في شأن القرآن ودقته، في حل من إغفال ما جاء في ~~رسالة ذلك المصري المسلم، المؤمن بكل ما يكتب المستشرقون، عن آيات يزعمون أنها أضيفت إلى القرآن ~~أو عن اسم النبي وأنه لم يكن قثم أو قثامة، فهذا كلام لم يمله الحق بل أملاه الهوى الذي أملى ~~دعوى تحريف القرآن. # ونعود إلى تفنيد النقطة الأخيرة من رسالة ذلك المصري المسلم. فهو يذكر أن مباحث المستشرقين ~~دلتهم على أن النبي كان يصاب بالصرع وأن أعراضه كانت تبدو عليه؛ إذ كان يغيب عن صوابه، ويسل ~~منه العرق، وتعتريه التشنجات وتخرج من فمه الرغوة، حتى إذا أفاق من نوبته تلا على المؤمنين ms046 به ~~ما يقول إنه وحي الله إليه، حين لم يكن هذا الوحي إلا أثرا من نوبات الصرع. # فرية الصرع # وتصوير ما كان يبدو على محمد في ساعات الوحي على هذا النحو خاطئ من الناحية العلمية أفحش ~~الخطأ. فنوبة الصرع لا تذر عند من تصيبه أي ذكر لما مر به أثناءها؛ ولا يذكر شيئا مما صنع أو ~~حل به خلالها؛ ذلك لأن حركة الشعور والتفكير تتعطل فيه تمام التعطل. وهذه أعراض الصرع. كما ~~يثبتها العلم، ولم يكن ذلك ما يصيب النبي العربي أثناء الوحي، بل كانت تتنبه حواسه المدركة في ~~تلك الأثناء تنبها لا عهد للناس به، وكان يذكر بدقة غاية الدقة ما يتلقاه وما يتلوه بعد ذلك ~~على أصحابه. هذا، ثم إن نزول الوحي لم يكن يقترن حتما بالغيبوبة الجسمية مع تنبه الإدراك ~~الروحي غاية التنبه، بل كان كثيرا ما يحدث والنبي في تمام يقظته العادية، وحسبنا أن نشير إلى ~~ما أوردنا في هذا الكتاب عن نزول سورة الفتح عند قفول المسلمين من مكة إلى يثرب بعد عهد ~~الحديبية. # ينفي العلم إذن أن الصرع كان يعتري محمدا؛ ولذلك لم يقل به إلا الأقلون من المستشرقين ~~الذين افتروا على القرآن أنه حرف. وهم لم يقولوا به حرصا على حقيقة يتلمسونها، وإنما قالوا ~~به ظنا منهم أنهم يحطون من قدر النبي العربي في نظر طائفة من المسلمين. أم حسبوا أنهم يلقون ~~بأقوالهم هذه ظلا من الريبة على الوحي الذي نزل عليه، لأنه نزل عليه فيما يزعمون أثناء هذه ~~النوبات؟ إن يكن ذلك فهو الخطأ البين، كما قدمنا، وهو ما ينكره العلم عليهم أشد الإنكار. # الرجوع إلى العلم # ولو أن نزاهة القصد كانت رائد هؤلاء المستشرقين لما حملوا العلم ما ينكره. وهم إنما فعلوا ~~ذلك ليخدعوا به أولئك الذين لا يهديهم علمهم إلى معرفة أعراض الصرع، والذين تمسكهم طمأنينتهم ~~الساذجة إلى أقوال هؤلاء المستشرقين عن سؤال أهل العلم من رجال الطب وعن الرجوع إلى كتبه. ولو ~~أنهم فعلوا لما تعذر عليهم أن يكشفوا ms047 عن خطأ هؤلاء المستشرقين خطأ مقصودا أو غير مقصود، ~~ولتبينوا أن النشاط الروحي والعقلي للإنسان يختفي تمام الاختفاء أثناء نوبات الصرع، ويذر صاحبه ~~في حالة آلية محضة يتحرك مثل حركته قبل نوبته، أو يثور إذا اشتدت به النوبة فيصيب غيره بالأذى، ~~وهو أثناء ذلك غائب عن صوابه، لا يدرك ما يصدر عنه ولا ما يحل به، شأنه شأن النائم الذي لا يشعر ~~بحركاته أثناء نومه؛ فإذا انقضى ما به لم يذكر منه شيئا. وشتان ما بين هذا وبين نشاط روحي قوي ~~قاهر يصل صاحبه بالملأ الأعلى عن شعور تام وإدراك يقيني، ليبلغ من بعد ما أوحي إليه. فالصرع ~~يعطل الإدراك الإنساني وينزل بالإنسان إلى مرتبة آلية يفقد أثناءها الشعور والحس. أما الوحي ~~فسمو روحي اختص الله به أنبياءه ليلقي إليهم بحقائق الكون اليقينية العليا كي يبلغوها ~~للناس. وقد يصل العلم إلى إدراك بعض الحقائق ومعرفة سننها وأسرارها بعد أجيال وقرون، وقد يظل ~~بعضها لا يتناوله العلم حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وهي مع ذلك حقائق يقينية تهتدي قلوب ~~المؤمنين الصادقين إلى حقيقتها، على حين تظل قلوب عليها أقفالها جاهلة إياها لغفلتها ~~عنها. # قصور العلم أحيانا # كنا نفهم أن يقول هؤلاء المستشرقون: إن الوحي ظاهرة نفسية شاذة في تقدير علمنا وما وصل إليه ~~حتى اليوم؛ فمن المتعذر إذن تفسيرها على طريقته لكن هذا القول إنما يدل على أن علمنا - على ما ~~انفسح مداه واتسع أفقه - لا يزال قاصرا عن تفسير كثير من الظاهرات الروحية والنفسية. ولا عيب ~~على العلم في هذا ولا عجب منه؛ فعلمنا ما يزال قاصرا عن تفسير بعض الظاهرات الكونية القريبة ~~منا، وطبيعة الشمس والقمر وغيرهما من الأفلاك والكواكب لا يزال أمر العلم فيها عند الفروض ~~والاستنباطات؛ وهذه الأفلاك جميعا بعض ما تشهده العين المجردة، وما تكشف الآلات المقربة لنا عن ~~كثير من خفاياها. وإلى قرن مضى كانت مخترعات كثيرة تعتبر بعض إبداع الخيال فلا سبيل إلى أن ~~تتجسد أمامنا، وها هي ذي تجسدت وصرنا نحسبها من ms048 البسائط. والظاهرات الروحية والنفسية هي اليوم ~~موضع ملاحظة العلماء، لكنها لم تخضع بعد لسلطان العلم كي يستنبط قوانينها الثابتة. وكثيرا ما ~~نقرأ عن أمور شهدها العلماء وأثبتوها ثم أثبتوا معها أنهم لا يجدون لها في السنن الكونية التي ~~استنبطها العلم تأويلا تطمئن إليه قواعده. فعلم النفس ما يزال بوجه عام، غير ثابت السنن في ~~كثير من الشئون التي تعرض له. فإذا كان هذا واقعا في الحياة العادية، كان البدار إلى محاولة ~~تفسير ظاهرات الحياة جميعها على الطريقة العلمية محاولة عقيمة وإسرافا معيبا. # ولقد كان الوحي بعض ما شهد المسلمون أثناء حياة محمد، وكان القرآن كلما ذكره لهم زادهم به ~~إيمانا. وكان منهم أذكياء غاية الذكاء، وكان منهم يهود ونصارى طال الجدال بينهم وبين النبي ~~العربي، ثم آمنوا برسالته ولم ينكروا عليه من أمر الوحي شيئا. ولقد حاول قوم من قريش أن يتهموه ~~بالسحر والجنون ثم أقروا أنه ليس بساحر ولا بمجنون وتابعوه وآمنوا بما جاء به. أما وذلك ثابت ~~يقينا، فما يأباه العلم وتتنزه عنه قواعده إنما هو إنكار حدوث الوحي، والحط من قدر صاحبه ونعته ~~بأوصاف ينكرها العلم ولا يقرها. والعالم النزيه القصد إلى الحق لا يستطيع أكثر من أن يقرر أن ~~ما وصل إليه العلم حتى هذا الزمان يقصر دون تفسير الوحي على الطريقة العلمية، ولكنه لا يمكنه ~~أن ينكر بحال من الأحوال حدوث ظاهرات هذا الوحي مما وصف أصحاب النبي وكتاب الصدر الأول ~~للإسلام، فإن أنكرها وحاول تأويلها واتخذ العلم باطلا وسيلة إلى ذلك كان مبطلا متعنتا. ~~والتعنت والعلم لا يتفقان. # الطعن في محمد عجز عن الطعن في رسالته # ولئن دل هذا العنت على شيء لعلى شدة حرص أصحابه على التشكيك في الإسلام، وهم لم يستطيعوا ~~الطعن على هذا الدين وقد رأوا دينا بلغ غاية السمو مع بساطة ويسر هما مصدر قوته؛ لذلك لجئوا ~~إلى حجة العاجز حين يدع الأثر العظيم لا يعرض له بمطعن لأن المطاعن لا ترقى إليه، فهو يتناول ~~من صدر هذا الأثر عنه ms049 أو كان وسيلته إلى الناس فيجعله هدف مطاعنه، وهذا عجز لا يلجأ إليه ~~عالم، وهو بعد مناقض لقانون الطبيعة الإنسانية. ففي طبيعة الناس أو يعنوا بالآثار لذاتها، وأن ~~يستمتعوا بثمراتها دون بحث لا طائل تحته في مصدرها ووسيلة حدوثها ونموها. وهم لذلك لا يعنون ~~أنفسهم بالبحث في أصل الشجرة التي أنبتت الثمرة التي تعجبهم، ولا في السماد الذي أدى إلى ~~ازدهارها، ما داموا لا يفكرون في غرس شجرة مثلها أو شجرة أشهى منها ثمرا. وهم حين يبحثون في ~~فلسفة «أفلاطون» أو مسرحيات «شكسبير» أو عن «رفائيل» لا يتلمسون المطاعن في حياة هؤلاء العظماء ~~عنوان مجد الإنسانية وفخارها حين لا يجدون على هذه الآثار مطعنا، فإذا تلمسوا المطاعن التي ~~لا سند لها من الحق، لم يبلغوا من ذلك غايتهم وإن كشفوا عن سوء رأي وحقد يسقط حجتهم ويحول دون ~~الاستماع لهم. ولن يغير من ذلك أن يفرغ هذا الحقد في قالب العلم؛ فالحقد لا يعرف الحقيقة. وكبرت ~~الحقيقة أن يكون الحقد لها مصدرا. وهذا شأن مطاعن أولئك المستشرقين على النبي العربي خاتم ~~المرسلين؛ ولذلك هوت مطاعنهم إلى الحضيض. # فرغت الآن من تفنيد رأي أولئك المستشرقين الذين استندت إليهم رسالة ذلك المصري المسلم، ~~وأقمت الدليل على فساده، فلأنتقل إلى طائفة أخرى من الملاحظات التي أبداها بعض المشتغلين ~~بالعلوم الدينية من المسلمين بعد ظهور الطبعة الأولى. # وأكبر ظني ألا تتكرر أمثال هذه المطاعن الوضيعة التي يأباها العلم وينكرها. فربما كان ~~لهؤلاء المستشرقين من العذر عن إسرافهم من قبل أنهم كانوا يحسبون أنهم يكتبون للأوروبيين ~~المسيحيين، وأنهم كانوا يقومون لذلك بواجب قومي أو بواجب ديني تمليه عليهم عقيدتهم وتدفعهم إلى ~~اتخاذ العلم بغيا وسيلتهم إلى أدائه. أما اليوم، وقد توثقت أسباب الاتصال بالبرق والإذاعة، ~~وبعد أن وثقت الصحافة والطباعة بين أجزاء العالم، فقد أصبح ما ينشر وما يقال في أوروبا أو في ~~أمريكا يعرف ليومه أو لساعته في بلاد الشرق جميعا. فواجب على الذين يريدون الاضطلاع برسالة ~~المعرفة والحقيقة أن ينزعوا عن عيونهم وعن ms050 قلوبهم غشاوة الحواجز القومية أو الجنسية أو الدينية، ~~وأن يقدروا أن ما يقولونه أو يكتبونه سرعان ما يصل علمه إلى الناس جميعا، فيتناولونه في ~~مختلف بلاد الأرض بالنقد والتمحيص. فلتكن الحقيقة غير المقيدة بأي قيد هي رائدنا جميعا. ~~ولنوجه كل همنا إلى أن نربط ما بين ماضي الإنسانية ومستقبلها، على أنها وحدة كبرى لا تفرق بينها ~~القوميات ولا الجنسيات ولا الأديان برابطة ترمي إلى تحقيق أسمى غاية تطلعت إليها الإنسانية منذ ~~نشأتها، رابطة الإخاء الحر في ظل الحق والجمال، فتلك وحدها هي الرابطة التي تكفل هداية ~~الإنسانية في سيرها الحثيث نحو السعادة والكمال. # أصحاب الملاحظات من المشتغلين بالشئون الإسلامية # بينا يأخذ علينا غلاة المصدقين لما أسرف فيه المستشرقون أنا نعتمد على المصادر العربية ~~ونستند إلى ما ورد فيها، إذ بعض المشتغلين بالعلوم الدينية الإسلامية يأخذون علينا أننا نرجع ~~إلى أقوال المستشرقين ولا نأخذ بكل ما سجلته كتب السيرة وما روته كتب الحديث متصلا بسيرة النبي ~~العربي، وأننا لا ننهج نهج هذه الكتب. # وعلى هذا الأساس أبدى بعضهم ملاحظات في أكثرها رفق ومجادلة بالتي هي أحسن ابتغاء الوصول إلى ~~الحق، وفي بعضها عنت أو جهل لا يرضى أيهما لنفسه من أوتي حظا من العلم. أما الذين جادلوا في ~~رفق فتنصرف أكثر ملاحظاتهم إلى أننا لم نذكر ما ورد في كتب السيرة والحديث من المعجزات، بل قلنا ~~في خاتمة الطبعة الأولى: فحياة محمد حياة إنسانية بلغت أسمى ما يستطيع إنسان أن يبلغ. ولقد كان ~~حريصا على أن يقدر المسلمون أنه بشر مثلهم يوحى إليه، حتى كان لا يرضى أن تنسب إليه معجزة ~~غير القرآن، ويصارح أصحابه بذلك. # وقلنا عند الكلام عن قصة شق الصدر: إنما يدعو المستشرقين ويدعو المفكرين من المسلمين إلى ~~هذا الموقف من ذلك الحادث أن حياة محمد كانت كله حياة إنسانية سامية، وأنه لم يلجأ في إثبات ~~رسالته إلى ما لجأ من سبقه من أصحاب الخوارق. وهم في هذا يجدون من المؤرخين العرب والمسلمين ~~سندا حين ينكرون من حياة ms051 النبي العربي كلها ما لا يدخل في معروف العقل، ويرون ما ورد من ذلك ~~غير متفق مع ما دعا القرآن إليه من النظر في خلق الله وأن سنة الله لن تجد لها تبديلا، غير ~~متفق مع تعيير القرآن للمشركين أنهم لا يفقهون؛ أن ليست لهم قلوب يعقلون بها. ومن هؤلاء ~~المجادلين في رفق من يأخذ علينا أننا أوردنا مطاعن المستشرقين على النبي مقدمة للرد عليها؛ ~~وإيراد هذه المطاعن لا يتفق مع ما يجب في نظرهم، للنبي عليه السلام من إكبار وإكرام. # الصلاة على النبي # أما الذين لجئوا إلى العنت فقد ظهروا قبل أن تظهر طبعة الكتاب الأولى، وقبل أن يجمع هذا ~~البحث في كتاب، وأشد ما استطاعوا أن يأخذوه علي أنني جعلت عنوان بحثي «حياة محمد» من غير أن ~~أردف هذا العنوان بالصلاة والسلام على رسول الله، وإن ذكرتها غير مرة في غضون البحث. وكنت ~~أحسبهم يرجعون عن عنتهم بعد أن زينت عنوان الطبعة الأولى بالآية الكريمة: # إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا ~~صلوا عليه وسلموا تسليما # 2 # وبعد أن تناول الكتاب السيرة على الطريقة التي تناولها بها. لكنهم أصروا على ~~ملاحظتهم، فدلوا بذلك على تعنتهم وعلى جهلهم مع ذلك بحقائق الإسلام اكتفاء منهم باتباع ما ~~وجدوا عليه آباءهم. # ونبدأ بدفع هذه الملاحظة الخاطئة آملين ألا يعود أصحابها وألا يعود غيرهم إلى إبدائها على ~~أي كتاب يظهر، وإنما ندفعها بالرجوع إلى كتب الأئمة من علماء المسلمين حتى يعرف الناس جميعا ~~سمو الإسلام فوق القيود اللفظية ويقدروا قيمة الحديث: «إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، فإن ~~المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى.» فقد ذكر أبو البقاء في «كلياته» أن «كتابة الصلاة في ~~أوائل الكتب قد حدثت في أثناء الدولة العباسية، ولهذا وقع كتاب البخاري وغيرها عاريا عنها.» ~~وكثرة الأئمة على أن الصلاة على النبي يكفي أن يذكرها المرء مرة واحدة في حياته. قال ابن نجيم ~~في «البحر الرائق»: «وأما موجب الأمر في قوله تعالى: # صلوا ms052 ~~عليه # فهو افتراضها في العمر مرة واحدة في الصلاة أو خارجها؛ لأن الأمر لا يقتضي ~~التكرار، وهذا بلا خلاف. والخلاف بين الشافعي وغيره على وجوب الصلاة على النبي أثناء الصلاة لا ~~خارجها. والصلاة هي الدعاء: ومعناها في الآية أن يترحم الله على النبي ويسلم.» هذا ما أورده ~~علماء المسلمين وأئمتهم في هذا الموضوع. وهو يدل على إسراف الذين يزعمون وجوب الصلاة على النبي ~~كلما ذكر اسمه وكلما كتب، وعلى خطئهم خطأ ما كانوا يقعون فيه إذا عرفوا ما قدمنا وأن كبار ~~المحدثين لم يكونوا يكتبون الصلاة في أوائل الكتب. # دفع المطاعن وطريقته # أما الذين قالوا بأن مقام النبي الكريم يوجب عدم ذكر مطاعن المستشرقين والمبشرين عليه ~~مقدمة للرد عليها، فلا سند لهم في قولهم هذا إلا عاطفة إسلامية يحمدون عليها؛ أما من الناحيتين ~~العلمية والدينية فلا سند لهم، والقرآن الكريم يذكر ما كان يقول المشركون عن النبي ويدفعه ~~بالحجة البالغة. هذا، وأدب القرآن أقوم أدب وأسماه؛ فهو يذكر اتهام قريش محمدا بالسحر والجنون، ~~وهو يقول: # ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه ~~بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي ~~مبين ~~. # 3 # وهو يجري في ذلك بالشيء الكثير. ثم إن الحجة لا تدفع علميا إلا إذا ذكرت ودونت ~~بأمانة ودقة. ولقد قصدت من هذا الكتاب إلى البحث العلمي توخيا للحقيقة العلمية وحدها. وقصدت به ~~إلى أن يقرأه المسلمون وغير المسلمين آملا أن أقنعهم جميعا بهذه الحقيقة العلمية. ولا تبلغ ~~هذه الغاية إلا إذا كان الباحث نزيها في حرصه على الحقيقة، لا يتقيد باعتبار غير هذا الحرص، ~~ولا يتردد في الاعتراف بالحق أيا كان مصدره. # كتب السيرة وكتب الحديث # ونعود إلى المأخذ الأول، الذي أخذه علي بعض المشتغلين بالعلوم الدينية الإسلامية في رفق ~~ومجادلة بالتي هي أحسن. ذلك قولهم إنني لم آخذ بما سجلته كتب السيرة وكتب الحديث، ولم أنهج في ~~التعبير عن مختلف الحوادث نهجها. ولقد كان يكفيني ردا على هذا أنني أجري في هذا البحث على ~~الطريقة العلمية الحديثة ms053 وأكتبه بأسلوب العصر، وأنني أفعل ذلك لأنه الوسيلة الصالحة في نظر ~~المعاصرين لكتابة التاريخ وغير التاريخ من العلوم والفنون. وما كان لي، وذلك شأني، أن أتقيد ~~بنهج الكتب القديمة وأساليبها، وبين هذين وبين النهج والأساليب في عصرنا الحاضر بون عظيم، أيسره ~~أن النقد في الكتب القديمة لم يكن مباحا بالقدر الذي يباح به اليوم، وأن كثرة الكتب القديمة ~~كانت تكتب لغاية دينية تعبدية، على حين يتقيد كتاب العصر الحاضر بالنهج العلمي والنقد العلمي. ~~كان يكفيني هذا تسويغا للطريقة التي عالجت بها بحثي ودفعا لكل اعتراض عليه، لكني رأيت من ~~الخير أن أتبسط بعض الشيء في بيان الأسباب التي دعت المفكرين من أئمة المسلمين فيما مضى، ~~وتدعوهم اليوم، كما تدعو كل باحث مدقق، إلى عدم الأخذ جزافا بكل ما ورد في كتب السيرة وفي كتب ~~الحديث، وإلى التقيد بقواعد النقد العلمي تقيدا يعصم من الزلل ما استطاع الإنسان أن يعصم نفسه ~~منه. # الخلاف بين هذه الكتب # وأول هذه الأسباب ما بين هذه الكتب من خلاف في رواية الكثير من الأمور المنسوبة إلى النبي ~~العربي منذ مولده إلى وفاته؛ فقد لاحظ الذين درسوا هذه الكتب أن ما روته من أنباء الخوارق ~~والمعجزات ومن كثير غيرها من الأنباء، كان يزيد وينقص دون مسوغ إلا اختلاف الأزمان التي وضعت ~~هذه الكتب فيها. فقديمها أقل رواية للخوارق من متأخرها. وما ورد من الخوارق في الكتب القديمة ~~أقل بعدا عن مقتضى العقل مما ورد في كتب المتأخرين. وهذه سيرة ابن هشام أقدم السير المعروفة ~~اليوم تغفل كثيرا مما ذكره أبو الفداء في تاريخه، ومما ذكره القاضي عياض في كتاب الشفاء، ومما ~~ذكر في كتب المتأخرين جميعا. وكذلك الشأن في كتب الحديث واختلافها؛ فبعضها يروي قصة من القصص، ~~وبعضها يغفلها وبعضها يضعفها. فلا بد للباحث في هذه الكتب جميعا بحثا علميا أن يضع مقياسا ~~يعرض عليه ما اختلفت فيه وما اتفقت عليه. فما صدقه هذا المقياس أقره الباحث، وما لم يصدقه ~~وضعه موضع التمحيص إذا كان مما ms054 يقبل التمحيص. # وقد أخذ السلف بهذه الطريقة في بعض الأمور وأغفلوها في بعضها. من ذلك قصة الغرانيق التي ~~تذهب إلى أن النبي لما ضاق ذرعا بسادات قريش تلا عليهم سوة النجم، حتى إذا بلغ منها قوله ~~تعالى: # أفرأيتم اللات والعزى * ومناة ~~الثالثة الأخرى # 4 # قرأ: «تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى.» ثم مضى في قراءة السورة إلى آخرها ~~وسجد فسجد المسلمون والمشركون معه، هذه القصة رواها ابن سعد في طبقاته الكبرى ولم يعرض لها ~~بنقد، ووردت في الصحيح من بعض كتب الحديث مع اختلاف في الرواية عن الغرانيق. أما ابن إسحاق فروى ~~هذه القصة وقال: إنها من وضع الزنادقة. وذكرها ابن كثير في كتاب «البداية والنهاية في التاريخ» ~~فقال: «ذكروا قصة الغرانيق، وقد أحببنا الإضراب عن ذكرها صفحا لئلا يسمعها من لا يضعها في ~~موضعها إلا أن أصل القصة في الصحيح.» ثم ذكر حديثا عن البخاري في أمرها وأردفه بقوله: «انفرد ~~به البخاري دون مسلم.» أما أنا فلم أتردد في نفي القصة من أساسها والاتفاق مع ابن إسحاق في أنها ~~من وضع الزنادقة؛ وسقت في تفنيدها أدلة لم أكتف فيها بما في هذه القصة من نقض ما للرسل من عصمة ~~في تبليغ رسالات ربهم، بل استعنت فيها كذلك بقواعد النقد العلمي الحديث. # العصر الذي كتبت فيه # وسبب آخر يوجب تمحيص ما ورد في كتب السلف ونقده نقدا دقيقا على الطريقة العلمية، أن ~~أقدمها كتب بعد وفاة النبي بمائة سنة أو أكثر، وبعد أن فشت في الدولة الإسلامية دعايات سياسية ~~وغير سياسية كانت اختلاق الروايات والأحاديث بعض وسائلها إلى الذيوع والغلب؛ فما بالك بالمتأخر ~~مما كتب في أشد أزمان التقلقل والاضطراب؟ وقد كانت المنازعات السياسية سببا فيما لقيه الذين ~~جمعوا الحديث ونفوا زيفه ودونوا ما اعتقدوه صحيحا منه من جهد وعنت أدى إليهما حرص هؤلاء ~~الجامعين على الدقة في التمحيص حرصا لا يتطرق إليه ريب. # ويكفي أن يذكر الإنسان ما كابده البخاري من مشاق وأسفار في مختلف أقطار الدولة الإسلامية ~~لجمع ms055 الحديث وتمحيصه، وما رواه بعد ذلك من أنه ألفى الأحاديث المتداولة تربي على ستمائة ألف ~~حديث لم يصح لديه منها أكثر من أربعة آلاف، وهذا معناه أنه لم يصح لديه من كل مائة وخمسين ~~حديثا إلا حديث واحد. أما أبو داود فلم يصح لديه من خمسمائة ألف حديث غير أربعة آلاف ~~وثمانمائة. وكذلك كان شأن سائر الذين جمعوا الحديث، وكثير من هذه الأحاديث التي صحت عندهم ~~كانت موضع نقد وتمحيص عند غيرهم من العلماء انتهى بهم إلى نفي الكثير منها، كما كان الشأن في ~~مسألة الغرانيق. فإذا كان ذلك شأن الحديث، وقد جهد فيه جامعوه الأولون ما جهدوا، فما بالك بما ~~ورد في المتأخر من كتب السيرة؟ وكيف يستطاع الأخذ به دون التدقيق العلمي في تمحيصه؟! # أثر المنازعات السياسية الإسلامية # والواقع أن المنازعات السياسية التي حدثت بعد الصدر الأول من الإسلام أدت إلى اختلاق كثير ~~من الروايات والأحاديث تأييدا لها. فلم يكن الحديث قد دون إلى عهد متأخر من عصر الأمويين. ~~وقد أمر عمر بن عبد العزيز بجمعه، ثم لم يجمع إلا في عهد المأمون بعد أن أصبح «الحديث الصحيح في ~~الحديث الكذب كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود.» على قول الدارقطني. لعل الحديث لم يجمع في ~~الصدر الأول من الإسلام لما كان يروى عن النبي أنه قال: «لا تكتبوا عني شيئا غير القرآن ومن ~~كتب شيئا غير القرآن فليمحه.» # جمع الحديث # على أن أحاديث النبي كانت متداولة على الألسن من يومئذ، وكانت الروايات تختلف فيها. ولقد ~~أراد عمر بن الخطاب أثناء خلافته أن يتدارك الحال في ذلك بأن يكتب السنن؛ فاستفتى أصحاب النبي ~~في ذلك فأشاروا عليه بأن يكتبها. فطفق عمر يستخير الله شهرا، ثم أصبح يوما وقد عزم الله له # 5 # فقال: «إني كنت أريد أن أكتب السنن وإني والله لا أشوب كتاب الله بشيء أبدا.» وعدل ~~عن كتابتها، وكتب في الأمصار عنها: «من كان عنده شيء فليمحه.» وظلت الأحاديث بعد ذلك تتوالد ~~وتتداول، حتى جمع ما صح ms056 لدى الجامعين منها في عهد المأمون. # القياس الصحيح للحديث # ومع ما أبداه جامعو الحديث مع حرص على الدقة لا ريب فيه، فقد جرح بعض العلماء كثيرا من ~~الأحاديث التي أثبتها جامعوها على أنها صحيحة. قال النووي في شرح مسلم: «استدرك جماعة على ~~البخاري ومسلم أحاديث أخلا بشرطهما فيها ونزلت عن درجة ما التزماه.» ذلك أن الجامعين قد جعلوا ~~مقياس السند والثقة بالرواية أساسهم في قبول الحديث أو رفضه؛ وهو مقياس له قيمته؛ لكنه وحده غير ~~كاف. وعندنا أن خير مقياس يقاس به الحديث، وتقاس به سائر الأنباء التي ذكرت عن النبي، ما روي ~~عنه عليه السلام أنه قال: «إنكم ستختلفون من بعدي، فما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله ... فما ~~وافقه فمني، وما خالفه فليس عني.» وهذا مقياس دقيق أخذ به أئمة المسلمين منذ العصور الأولى. وما ~~زال المفكرون منهم يأخذون به إلى يومنا الحاضر. قال ابن خلدون: «وإنني لا أعتقد صحة سند حديث ~~ولا قول عالم صحابي يخالف ظاهر القرآن وإن وثقوا رجاله؛ فرب راو يوثق للاغترار بظاهر حاله ~~وهو سيئ الباطن. ولو انتقدت الروايات من جهة فحوى متنها ، كما تنتقد من جهة سندها، لقضت المتون ~~على كثير من الأسانيد بالنقض. وقد قالوا إن من علامة الحديث الموضوع مخالفته لظاهر القرآن أو ~~القواعد المقررة في الشريعة أو البرهان العقلي أو للحس والعيان وسائر اليقينيات.» وهذا المقياس ~~الذي جاء في حديث النبي، والذي ذكره ابن خلدون فيما تقدم، يتفق مع قواعد النقد العلمي الحديث ~~أدق اتفاق. # ومن الحق أن المسلمين قد بلغ اختلافهم بعد وفاة النبي حدا دعا الدعاة فيهم إلى اختلاق ~~الآلاف المؤلفة من الأحاديث والروايات. ومنذ قتل أبو لؤلؤة غلام المغيرة عمر بن الخطاب، ومنذ ~~تولى عثمان بن عفان الخلافة بدأت الخصومة التي كانت بين بني هاشم وبني أمية قبل رسالة النبي ~~العربي تظهر من جديد. فلما قتل عثمان وقامت الحرب الأهلية بين المسلمين وخاصمت عائشة عليا ~~وأيد عليا من أيد، بدأت الأحاديث الموضوعة تكثر إلى حد أنكره ms057 علي بن أبي طالب، حتى روي عنه ~~أنه قال: «ما عندنا كتاب نقرؤه عليكم إلا ما في القرآن وما في هذه الصحيفة أخذتها من رسول الله ~~فيها فرائض الصدقة.» على أن ذلك لم يقف رواة الحديث عن روايته، ولم يقف قوما عن وضع الحديث ~~لهوى يدعون الناس إليه، أو لفضائل يزعمون أن الناس أحرص على اتباعها حين ينسب إلى رسول الله ~~حديثها. # فلما استتب الأمر لبني أمية جعل المحدثون المتصلون ببني أمية يضعفون ما يروى عن علي بن ~~أبي طالب وفضائله، في حين جعل أنصار علي وأهل بيت النبي يزيدون في هذه الأحاديث ويحاولون ~~إذاعتها بكل الوسائل، كما جعلوا يعرضون عما يروى عن عائشة أم المؤمنين. ومن طريف ما يروى في ~~ذلك ما رواه ابن عساكر عن أبي سعد إسماعيل بن المثنى الإستراباذي؛ إذ كان يعظ بدمشق فقام إليه ~~رجل فسأله عن قول النبي: أنا مدينة العلم وعلي بابها. فأطرق إسماعيل لحظة ثم رفع رأسه وقال: ~~نعم، لا يعرف هذا الحديث عن النبي إلا من كان صدرا في الإسلام، إنما قال النبي: أنا مدينة ~~العلم وأبو بكر أساسها وعمر حيطانها وعثمان سقفها وعلي بابها. وقد سر الحاضرون بذلك وطلبوا ~~إلى إسماعيل أن يذكر لهم إسناده فاغتم لعجزه. وكذلك كانت الأحاديث تلفق لأغراض سياسية ولأهواء ~~عاجلة. وقد كثرت هذه الأحاديث الموضوعة كثرة راعت المسلمين، لمنافاة الكثير منها لما في كتاب ~~الله. ولم تنجح المحاولات التي بذلت لوقفها في زمن الأمويين. فلما كانت الدولة العباسية، وجاء ~~المأمون بعد قرابة قرنين من وفاة النبي كان قد أذيع من هذه الأحاديث الموضوعة عشرات الألوف ~~ومئاتها، وكان بينها من التضارب وفيها من التهافت ما لا يخطر بالبال. # جامعو الحديث في عهد المأمون # إذ ذاك قام الجامعون بجمع الحديث وتولى كتاب السيرة كتابتها. فقد عاش الواقدي وابن هشام ~~والمدائني وكتبوا كتبهم أيام المأمون. وما كان لهم ولا لغيرهم أن ينازعوا الخليفة في آرائه ~~مخافة ما يحل بهم. لذلك لم يطبقوا، بما يجب من الدقة، هذا المقياس ms058 الذي روي عن النبي عليه ~~السلام من وجوب عرض ما يروى عنه على القرآن، فما وافق القرآن فمن الرسول وما خالفه فليس ~~عنه. # ولو أن هذا المقياس طبق بما يجب من دقة لتغير بعض ما كتب هؤلاء الأعلام، فالنقد العلمي على ~~الطريقة الحديثة لا يختلف عن هذا المقياس في شيء ... لكن أحوال العصر اقتضت هؤلاء الأعلام أن ~~يطبقوا هذا المقياس على طائفة مما كتبوا ثم لا يطبقونه على طائفة أخرى. وقد ورث المتأخرون عن ~~السلف هذه الطريقة في كتابة السيرة لاعتبارات غير اعتباراتهم. ولو أنهم أنصفوا التاريخ لطبقوا ~~الحديث على سيرة النبي العربي في جملتها وفي تفصيلها، دون استثناء لأي نبأ روي عنها لا يتفق مع ~~ما ورد في القرآن الكريم؛ فما لم يكن مما تجري به سنة الكون ولم يرد ذكره في كتاب الله لم ~~يثبتوه وما كان مما تجري به سنة الكون محصوه، ثم أثبتوا منه ما ثبت لديهم بالدليل اليقيني، ~~وتركوا ما لم يقم الدليل عليه. # وقد أخذ بهذا الرأي جماعة من كبار الأئمة من سلف المسلمين، وتابعهم عليه أئمة الإسلام إلى ~~يومنا هذا. قال الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي في التعريف بهذا الكتاب ما يأتي: لم ~~تكن معجزة محمد القاهرة إلا في القرآن، وهي معجزة عقلية. وما أبدع قول البوصيري: # لم يمتحنا بما تعيا العقول به # حرصا علينا فلم نرتب ولم نهم # وقال المرحوم السيد محمد رشيد رضا صاحب مجلة المنار (في عددها الذي صدر في 3 من مايو سنة ~~1935)؛ ردا على الذين اعترضوا على كتابنا هذا، ما نصه: «أهم ما ينكره الأزهريون والطرقيون على ~~هيكل أو أكثره مسألة المعجزات أو خوارق العادات. وقد حررتها في كتاب الوحي المحمدي من جميع ~~مناحيها ومطاويها في الفصل الثاني وفي المقصد الثاني من الفصل الخامس، بما أثبت به أن القرآن ~~وحده هو حجة الله القطعية على ثبوت نبوة محمد بالذات ونبوة غيره من الأنبياء وآياتهم بشهادته لا ~~يمكن في عصرنا إثبات آية إلا بها، وأن الخوارق الكونية شبهة ms059 عند علمائه لا حجة؛ لأنها موجودة في ~~زماننا ككل زمان مضى، وأن المفتونين بها هم الخرافيون من جميع الملل، وبينت سبب هذا الافتتان ~~والفروق بين ما يدخل منها في عموم السنن الكونية والروحية وغيره.» # وقال الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده في أول كتاب (الإسلام والنصرانية): «فالإسلام في هذه ~~الدعوة والمطالبة بالإيمان بالله ووحدانيته لا يعتمد على شيء سوى الدليل العقلي والفكر الإنساني ~~الذي يجري على نظامه الفطري؛ فلا يدهشك بخارق العادة، ولا يغشى بصرك بأطوار غير معتادة، ولا ~~يخرس لسانك بقارعة سماوية، ولا يقطع حركة فكرك بصيحة إلهية. وقد اتفق المسلمون، إلا قليلا ممن ~~لا يعتد برأيهم فيه، على أن الاعتقاد بالله مقدم على الاعتقاد بالنبوات، وأنه لا يمكن الإيمان ~~بالرسل إلا بعد الإيمان بالله. فلا يصح أن يؤخذ الإيمان بالله من كلام الرسل، ولا من الكتب ~~المنزلة؛ فإنه لا يعقل أن تؤمن بكتاب أنزله الله إلا إذا صدقت قبل ذلك بوجود الله. وبأنه يجوز ~~أن ينزل كتابا أو يرسل رسولا.» # وأكبر ظني أن الذين كتبوا السيرة كانوا يؤثرون هذا الرأي، لولا أحوال العصر أيام المتقدمين، ~~ولولا أن ظن المتأخرون في ذكر ما لم يرد به القرآن من خوارق ومعجزات ما يزيد الناس إيمانا على ~~إيمانهم؛ لذلك حسبوا أن ذكر هذه المعجزات ينفع ولا يضر، ولو أنهم عاشوا إلى زماننا هذا، ورأوا ~~كيف اتخذ خصوم الإسلام ما ذكروه منها حجة على الإسلام وعلى أهله، لالتزموا ما جاء به القرآن، ~~ولقالوا بما قال به الغزالي ومحمد عبده والمراغي وسائر المدققين من الأئمة. ولو أنهم عاشوا في ~~زماننا هذا، ورأوا كيف تزيغ هذه الروايات قلوبا وعقائد بدلا من أن تزيدها إيمانا وتثبيتا ~~لكفاهم ذكر ما في كتاب الله من آيات بينات وحجج دامغة. # الروايات التي لا يقرها العقل والعلم # أما ومضرة الروايات التي لا يقرها العقل والعلم قد أصبحت واضحة ملموسة، فمن الحق على كل من ~~يعرض لهذه الأمور أن يراعي جانب الدقة العلمية في تمحيصها خدمة للحق وخدمة للإسلام ولتاريخ ~~النبي ms060 العربي، وتمهيدا لما يجلوه البحث في هذا التاريخ العظيم من حقائق تنير أمام الإنسانية ~~سبيلها إلى حضارتها الصحيحة. # القرآن والمعجزات # ولو أننا عرضنا كثيرا من الأمور التي ترويها كتب السيرة وكتب الحديث على ما في القرآن لما ~~وسعنا إلا أن نأخذ برأي الأئمة المدققين، فقد كان أهل مكة يطلبون إلى النبي أن يجري ربه على ~~يديه المعجزات إذا أرادهم أن يصدقوه، فنزل القرآن يذكر ما طلبوا ويدفعه بحجج مختلفة. قال تعالى: # وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ~~ينبوعا * أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر ~~الأنهار خلالها تفجيرا * أو تسقط السماء كما ~~زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا * أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن ~~لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل ~~كنت إلا بشرا رسولا ~~. # 6 # وقال تعالى: # وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن ~~جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله وما ~~يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون * ونقلب ~~أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في ~~طغيانهم يعمهون * ولو أننا نزلنا إليهم ~~الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما ~~كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون ~~. # 7 # ولم يرد في كتاب الله ذكر لمعجزة أراد الله بها أن يؤمن الناس كافة، على اختلاف عصورهم، ~~برسالة محمد إلا القرآن الكريم. هذا مع أنه ذكر المعجزات التي جرت بإذن الله على أيدي من سبق ~~محمدا من الرسل، كما أنه جرى بالكثير مما أفاء الله على محمد وما وجه إليه الخطاب فيه. وما ~~ورد في الكتاب عن النبي العربي لا يخالف سنة الكون في شيء. # المعجزة الكبرى # أما وذلك ما يجري به كتاب الله وما يقتضيه حديث رسول الله، فأي داع دعا طائفة من المسلمين ~~فيما مضى ويدعو طائفة منهم اليوم إلى إثبات خوارق مادية للنبي العربي؟ إنما دعاهم إلى ذلك أنهم ~~تلوا ما جاء في القرآن عن معجزات من ms061 سبق محمدا من الرسل، فاعتقدوا أن هذا النوع من الخوارق ~~المادية لازم لكمال الرسالة فصدقوا ما روي منها وإن لم يرد في القرآن، وظنوا أنها كلما ازداد ~~عددها كانت أدل على هذا الكمال وأدعى إلى أن يزداد الناس بالرسالة إيمانا. ومقارنة النبي ~~العربي بمن سبقه من الرسل مقارنة مع الفارق. فهو خاتم الأنبياء والمرسلين، وهو مع ذلك أول رسول ~~بعثه الله للناس كافة ولم يبعثه إلى قومه وحدهم ليبين لهم. لذلك أراد الله أن تكون معجزة محمد ~~معجزة إنسانية عقلية، لا يستطيع الإنس والجن الإتيان بمثلها ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا. هذه ~~المعجزة هي القرآن وهي أكبر المعجزات التي أذن الله بها. وقد أراد جل شأنه منها أن تثبت رسالة ~~نبيه بالحجة البينة والدليل الدامغ، وأراد لدينه أن ينتصر بفضل منه في حياة رسوله، ليرى الناس ~~في انتصاره قوة سلطانه، ولو أراد الله أن تكون المعجزة المادية وسيلة إلى اقتناع من نزل الإسلام ~~على رسوله بينهم، لكانت ولذكرها في كتابه. لكن من الناس من لا يصدقون إلا ما يقره العقل؛ لذلك ~~كانت الوسيلة إلى إقناع الناس كافة برسالة محمد أوثق ما تكون اتصالا بقلوبهم وعقولهم، فجعل ~~الله القرآن، حجته البالغة، معجزة النبي الأمي إليهم، وجعل انتصار دينه وقوة الإيمان به آتيين ~~من طريق الدليل اليقيني والاقتناع الصادق، والدين الذي يقوم على هذا الأساس أدعى إلى أن يؤمن ~~الناس جمعيا به، على مر العصور واختلاف الأمم وتباين اللغات. # ولو أن أمة غير مسلمة آمنت اليوم بهذا الدين ولم تحتج إلى التصديق بمعجزة غير القرآن لتؤمن، ~~لما طعن ذلك في إيمانها ولا نقص من إسلامها. فما دام الوحي لم ينزل بها فلا جناح على من يؤمن ~~بالله ورسوله أن يجعل ما يتصل به من أمرها محل تمحيص؛ فما ثبت بالحجة اليقينية أخذ به، وما لم ~~يثبت بها فله فيه رأيه، ولا تثريب عليه. فالإيمان بالله وحده لا شريك له لا يحتاج إلى معجزة؛ ~~ولا يحتاج إلى أكثر من النظر في هذا الكون ms062 الذي خلقه الله. والشهادة برسالة محمد، الذي دعا ~~الناس بأمر ربه إلى هذا الإيمان وجنبهم ما يزيغ قلوبهم عنه، لا تحتاج إلى معجزة غير القرآن، ~~ولا تحتاج إلى أكثر من تلاوة الكتاب الذي أوحاه الله إليه. # الإيمان عند أئمة المسلمين # ولو أن أمة غير مسلمة آمنت اليوم بهذا لدين من غير حاجة إلى التصديق بمعجزة غير القرآن، ~~لكان الذين آمنوا من أبنائها أحد رجلين: رجل لم يتلجلج قلبه ولم يتعثر فؤاده، بل هداه الله إلى ~~الإيمان أول ما دعي إليه، كما هدى أبا بكر، فآمن وصدق من غير تردد، وآخر لم يلتمس إيمانه ~~فيما وراء سنة الكون من خوارق، بل التمسه في خلق هذا الكون الفسيح الأرجاء الذي يقصر ~~تصورنا دون إدراك حدوده في الزمان أو في المكان، وتجري أموره مع ذلك على سنن لا تحويل لها ولا ~~تبديل، فاهتدى من سنة الله في الكون إلى بارئه ومصوره. سواء عند هذين أكانت الخوارق أم لم ~~تكن، بل هما لا يفكران في هذه الخوارق إلا على أنها من آيات فضل الله. ومثل هذا الإيمان يراه ~~الكثيرون من أئمة المسلمين مثلا أسمى في الإيمان، ويذهب بعضهم كذلك إلى أن الإيمان الصحيح يجب ~~ألا يكون مصدره خوفا من عقاب الله أو طمعا في ثوابه، بل يجب أن يكون إيمانا خالصا بالله ~~وفناء تاما فيه. إليه يرجع الأمر كله، وإنا لله وإنا إليه راجعون. # المؤمنون في حياة النبي # مثل الذين يؤمنون اليوم بالله ورسوله من غير أن تحملهم المعجزات على الإيمان، كمثل الذين ~~آمنوا بالله ورسوله في حياة النبي العربي. فلم يذكر التاريخ أن المعجزات حملت أحدا منهم على أن ~~يؤمن؛ بل كانت حجة الله البالغة عن طريق الوحي على لسان نبيه، وكانت حياة النبي، في سموها ~~البالغ غاية السمو، هي التي دعت إلى الإيمان من آمن منهم. وإن كتب السيرة جميعا لتذكر أن طائفة ~~من الذين آمنوا برسالة محمد قبل الإسراء قد ارتدت عن إيمانها حين ذكر النبي أن الله أسرى به ~~ليلا ms063 من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بارك حوله. ولم يؤمن سراقة بن جعشم، لما اتبع ~~محمدا حين هجرته إلى المدينة ليأتي أهل مكة به حيا أو ميتا طمعا في مالهم، على رغم ما روت ~~كتب السيرة من معجزة الله في سراقة وفي جواده. ولم يذكر التاريخ أن مشركا آمن برسالة محمد ~~لمعجزة من المعجزات، كما آمن سحرة فرعون لما لقفت عصا موسى ما صنعوا. # الغرانيق وتبوك # ثم إن ما ورد في كتب السيرة والحديث عن المعجزات قد اختلف فيه أحيانا. وقد كان على الرغم ~~من ثبوته في كتب الحديث موضع النقد أحيانا أخرى، وقد أشرنا إلى مسألة الغرانيق في هذا التقديم ~~وذكرناها مفصلة في الكتاب. وقصة شق الصدر قد وقع الاختلاف فيها على ما روته حليمة ظئر النبي ~~عنها لأمه، كما وقع على الزمن الذي حدثت فيه من سن محمد وما روت كتب السيرة وكتب الحديث عن قصة ~~زيد وزينب مردود من أساسه، للأسباب التي أبديناها عند الكلام عن هذه القصة في أثناء الكتاب. وقد ~~وقع مثل هذا الاختلاف على ما حدث أثناء مسيرة جيش العسرة إلى تبوك: فقد روى مسلم في صحيحه عن ~~معاذ بن جبل أن النبي قال لمن سار معه إلى تبوك: إنكم ستأتون إن شاء الله غدا عين تبوك وإنكم ~~لن تأتوها حتى يضحي النهار: فمن جاء منكم فلا يمس من مائها شيئا حتى آتي. فجئناها وقد سبقنا ~~إليها رجلان والعين مثل الشراك تبض بشيء من ماء. قال: فسألهما رسول الله: هل مسستما من مائها ~~شيئا! قالا: نعم؛ فسبهما النبي وقال لهما ما شاء الله أن يقول. قال: ثم غرفوا بأيديهم من العين ~~قليلا قليلا حتى اجتمع في شيء. قال: وغسل رسول الله فيه يديه ووجهه ثم أعاده فيها فجرت العين ~~بماء منهمر - أو قال غزير، شك أبو علي أيهما قال - حتى استقى الناس. ثم قال: «يوشك يا معاذ إن ~~طالت بك حياة أن ترى ما هاهنا قد ملئ جنانا.» # 8 # فأما كتب السيرة فتروي ms064 قصة تبوك على صورة أخرى لا يرد فيها ذكر المعجزة، وإنما تجري فيها ~~الرواية على نحو غير ما ورد في صحيح مسلم. من ذلك ما رواه عنها ابن هشام إذ قال: «قال ابن ~~إسحاق: فلما أصبح الناس ولا ماء معهم شكوا ذلك إلى رسول الله فدعا رسول الله، فأرسل الله سحابة ~~فأمطرت حتى ارتوى الناس واحتملوا حاجتهم من الماء. قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، ~~عن محمود بن لبيد عن رجال من بني عبد الأشهل، قال: قلت لمحمود: هل كان الناس يعرفون النفاق ~~فيهم؟ قال: نعم! والله إن كان الرجل ليعرفه من أخيه ومن أبيه ومن عمه وفي عشيرته ثم يلبس بعضهم ~~بعضا على ذلك. ثم قال محمود: لقد أخبرني رجال من قومي عن رجل من المنافقين معروف نفاقه كان ~~يسير مع رسول الله حيث سار؛ فلما كان من أمر الماء بالحجر ما كان ودعا رسول الله حين دعا فأرسل ~~الله السحابة فأمطرت حتى ارتوى الناس قالوا: أقبلنا عليه نقول: ويحك! هل بعد هذا شيء؟ قال: ~~سحابة مارة.» # وهذا الاختلاف في الوقائع يجعل تأكيدها والقطع بها أمرا غير ميسور في نظر العلم. ويقتضي ~~الذين يمحصونها ألا يقفوا عند القول بالراجح والمرجوح قولا لا يثبت إحدى الروايتين ولا ينفي ~~الأخرى؛ وأقل ما يجب عليهم إذا لم تثبت الرواية عندهم أن يغفلوها؛ فإذا عثر غيرهم من بعد على ~~الأدلة اليقينية عليها فذاك، وإلا بقيت غير ثابتة ثبوتا علميا. # طريقتي في البحث # هذه هي الطريقة التي جريت عليها منذ بدأت هذا البحث في حياة محمد صاحب الرسالة الإسلامية. ~~وأنا منذ اعتزمت القيام بهذه الدراسة إنما أردتها دراسة علمية على الطريقة الحديثة خالصة لوجه ~~الحق، ولوجه الحق وحده. ذلك ما قلت في تقديم هذا الكتاب، كما رجوت في خاتمة طبعته الأولى أن ~~أكون قد وفقت لتحقيق ما قصدت إليه، وأن يكون البحث قد تم بحثا علميا لوجه الحقيقة العلمية ~~وحدها، وأن أكون قد مهدت به السبيل إلى مباحث في موضوعه أكثر ms065 استفاضة وعمقا، تجلو أمام العلم ~~من المسائل النفسية والروحية ما يهدي الإنسانية طريقها إلى الحضارة الجديدة التي تلتمسها. وما ~~أشك أن التعمق في البحث يكشف عن أسرار كثيرة ظن الناس زمنا أن لا سبيل إلى تعليلها، ثم إذا ~~مباحث علم النفس تفسرها وتجلوها واضحة للمتعقلين. وكلما وقعت الإنسانية على أسرار الكون الروحية ~~والنفسية ازدادت صلة بالكون، وازدادت سعادة بهذه الصلة؛ كما أنها ازدادت استمتاعا بما في الكون ~~لما ازدادت اتصالا بأسرار القوة والحركة الكمينة فيه حين عرفت الكهربا والأثير. # من أجل ذلك كان خليقا بكل من يتصدى للبحث في مثل هذا الموضوع أن يتوجه به إلى الإنسانية ~~كلها لا إلى المسلمين وحدهم. فليست الغاية الصحيحة منه دينية محضة كما قد يظن بعضهم، بل الغاية ~~الصحيحة منه أن تعرف الإنسانية كيف تسلك سبيلها إلى الكمال الذي دلها محمد على طريقه، وإدراك ~~هذه الغاية غير ميسور إذا لم يهتد الإنسان إلى هذه السبيل بمنطق عقله ونور قلبه. راضي النفس ~~بهذا المنطق، منشرح الصدر إلى هذا النور؛ لأن مصدرهما المعرفة الصحيحة والعلم الصحيح. فالتفكير ~~الذي لا يعتمد على المعرفة الدقيقة ولا يتقيد مع ذلك بالطرائق العلمية، كثيرا ما يعرض صاحبه ~~لأن يخطئ ويكبو، وكثيرا ما ينأى لذلك به عن محجة الحق، فطبيعتنا الإنسانية تجعل تفكيرنا يتأثر ~~بمزاجنا تأثرا عظيما، وكثيرا ما يختلف المتساوون علما في تفكيرهم لغير سبب إلا اختلاف ~~أمزجتهم مع إخلاصهم جميعا في القصد والغاية. فمن الناس العصبي المزاج الحاد التفكير، السريع ~~إلى الاندفاع فيه. ومنهم الصوفي النزعة، الرواقي المزاج، الزاهد في المادة وآثارها، ومنهم ~~المادي الهوى، المتأثر بماديته تأثرا يحول بين تفكيره وبين ما يحسه من قوى تحيط به هي التي ~~تسيطر على المادة. وغير هؤلاء كثيرون تختلف أمزجتهم ويختلف لذلك نظرهم إلى الأمور وتقديرهم ~~إياها. وهذا الاختلاف نعمة كبرى على الإنسانية في ميادين الفن وفي الحياة العلمية، لكنه نقمة ~~على العلم وعلى التفكير القائم على أساسه ابتغاء أمثال الحياة العليا لخير الإنسانية جمعاء. ~~ودراسة التاريخ يجب أن تكون غايتها ms066 نشدان الأمثال العليا من حقائق الحياة، ويجب لذلك أن يتجنب ~~من يدرس التاريخ سلطان الهوى وحكم المزاج. ولا سبيل إلى تجنبها إلا أن يتقيد الإنسان بالطريقة ~~العلمية أدق التقيد، وألا يجعل من العلم والبحوث العلمية في التاريخ أو غير التاريخ مطية لإثبات ~~هوى من أهوائه أو نزوة من نزوات مزاجه. # بحوث المستشرقين # ولقد تأثر كثير من المستشرقين في بحوثهم التي صيغت صيغة العلم بأهواء أمزجتهم، وكذلك فعل ~~كثيرون من كتاب المسلمين، وأعجب الأمر في هؤلاء وأولئك أن يتخذ كل مما تزينه نزوات مزاج الآخر ~~من الوقائع ما يقيمه أساسا لكتابة يزعمها علمية ابتغى بها وجه الحق، في حين هو يتأثر فيها ~~بمزاجه وبهواه أشد التأثر. ودليل ذلك لو كلف نفسه بعض الجهد في تمحيص ما كتب الآخر تمحيصا ~~نزيها لتداعت أمام نظره الوقائع التي أبدعها خيال صاحبه. ولو أنه فعل وتجرد جهد طاقته من هوى ~~نفسه، وتحصن بقواعد العلم وطرائقه، لكانت كتابته أبقى في النفوس أثرا على خلاف الكتابة التي ~~يدفع إليها الهوى. وقد حاولت أن أبين شيئا من أخطاء هؤلاء وأولئك في هذا التقديم للطبعة ~~الثانية، متوخيا في ذلك ما اقتضاه المقام من إيجاز غاية الإيجاز. ولعلي وفقت لبعض ما قصدت إليه ~~من نزاهة وإنصاف. # ليس من اليسير أن يقوم المستشرقون في بحوثهم الإسلامية بكل هذه الدقة وهذا الإنصاف، مهما ~~تحسن نيتهم ومهما يتحروا الدقة العلمية. فعسير عليهم أن يحيطوا بكل أسرار اللغة العربية وإن ~~أحاطوا بعلومها. ثم إنهم متأثرون بالنصرانية الأوروبية تأثرا يجعل أكثرهم ينظرون إلى الأديان ~~نظرة تملؤها الريبة، ويجعل الأقلين المستمسكين بمسيحيتهم يتأثرون بما كان بين المسيحية والعلم ~~من نضال، فيخضعون في بحوثهم الإسلامية لمثل ما خضع له أمثالهم في بحوثهم المسيحية أو في بحوثهم ~~الدينية بوجه عام، أقصد التأثر بهذا النضال الهدام. وهذا أمر لا يعاب به المستشرقون المنصفون؛ ~~فلن يستطيع أحد من الناس أن يتحرر من حكم بيئته الزمانية والمكانية. لكنه يجعل بحوثهم في الأمور ~~الإسلامية تشوبها شوائب تنأى عن الحق ولو بمقدار. ومن ms067 شأن ذلك أن يلقي على عاتق العلماء من أهل ~~البلاد الإسلامية، سواء منهم المشتغلون بالعلوم الدينية والمشتغلون بغيرها من العلوم، هذا العبء ~~الجليل العظيم؛ عبء القيام بهذه المباحث الإسلامية بدقة ونزاهة في حدود الطريقة العلمية، فإذا ~~هم فعلوا مستعينين بمعرفتهم أسرار اللغة العربية والحياة العربية، فسيكون لبحوثهم من الأثر أن ~~تعدل بالمستشرقين، أو ببعضهم على الأقل، عن كثير من الآراء، وتقنعهم بالنتائج التي وصل إليها ~~علماء البلاد الإسلامية عن طمأنينة نفس وطيب خاطر. # المسلمون وهذه البحوث # وليس الوصول إلى هذه النتائج بالأمر الهين؛ فهو يحتاج إلى جلد ومثابرة في البحث والموازنة ~~والتفكير الحر، لكنه ليس كذلك بالأمر المستحيل ولا بالأمر العسير. وهو بعد أمر جليل الخطر عظيم ~~الأثر في مستقبل الإسلام وفي مستقبل الإنسانية كلها. وعندي أن القيام به على وجه صالح يقتضي ~~التفريق بين فترتين مختلفتين من تاريخ الإسلام: أولاهما من بدء الإسلام إلى مقتل عثمان. ~~والثانية من مقتل عثمان إلى أن أقفل باب الاجتهاد؛ ففي الفترة الأولى بقي اتفاق المسلمين ~~تاما؛ لم تغير منه روايات الاختلاف على الخلافة، ولا غيرت منه حروب الردة ولا فتح المسلمين ~~للبلاد التي فتحوا. أما بعد مقتل عثمان فقد دب الخلاف بين المسلمين وقامت الحروب الأهلية بين ~~علي ومعاوية، واستمرت الثورات، ظاهرة تارة وخفية أخرى، ولعبت الأهواء السياسية دورا خطيرا ~~في الحياة الدينية نفسها. وحسب الإنسان، ليقدر هذا الخلاف، أن يوازن بين المبادئ التي ينطوي ~~عليها خطاب أبي بكر بعد بيعته حين يقول: «أما بعد، أيها الناس، فإن قد وليت عليكم، ولست بخيركم ~~فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني. الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى ~~أريح عليه حقه إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله. لا يدع قوم ~~الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء. ~~أطيعوني ما أطعت الله ورسوله؛ فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم. قوموا إلى صلاتكم يرحمكم ~~الله.» ms068 وخطاب المنصور العباسي بعد تسنمه ذروة العرش إذ يقول: «أيها الناس إنما أنا سلطان الله ~~في أرضه، أسوسكم بتوفيقه وتأييده، وحارسه على ماله، أعمل فيه بمشيئته، وأعطيه بإذنه؛ فقد جعلني ~~الله عليه قفلا، إن شاء أن يفتحني فتحني لإعطائكم وقسم أرزاقكم، وإن شاء أن يقفلني عليها ~~أقفلني ...» حسب الإنسان أن يوازن بين هذين الخطابين ليرى مدى التغير العظيم في القواعد الأساسية ~~للحياة الإسلامية في أقل من قرنين، تغيرا نقلها من الشورى بين المسلمين إلى الحكم المطلق ~~المستمد من الحق المقدس. # ولقد كانت هذه الثورات، وما أدت إليه من انقلاب بعد آخر في أسس الحكم سبب ما آل إليه أمر ~~الدولة الإسلامية من بعد من انحلال وتقهقر. ومع ازدهار الإسلام والحضارة الإسلامية قرنين كاملين ~~بعد مقتل عثمان، ومع ما نشط إليه الإسلام من فتح الممالك وتدويخ الملوك على يد المغول وعلى يد ~~السلاجقة بعد الانحلال الأول، فإن الفترة الأولى التي انتهت بمقتل عثمان هي التي تقررت فيها ~~القواعد الصحيحة للحياة الإسلامية العامة؛ وهي لذلك وحدها التي يمكن الاعتماد الثابت اليقيني ~~على ما وقع فيها لمعرفة هذه القواعد الصحيحة. أما فيما بعد هذه الفترة، فإنه - على الرغم من ~~ازدهار العلم والمعرفة أيام الأمويين، وخاصة أيام العباسيين - قد اندست يد العبث بهذه القواعد ~~الأساسية الصحيحة لتقيم مقامها قواعد تتنافى في كثير من الأحيان مع روح الإسلام، تحقيقا لأغراض ~~سياسية شعوبية في أكثر أمرها. وقد كان الأعاجم وكان الذين تظاهروا بالإسلام من اليهود والنصارى ~~هم الذين روجوا لهذه القواعد الجديدة، غير متورعين في تأييدها عن اختراع الأحاديث ونسبتها إلى ~~النبي عليه السلام، ولا عن ادعاء أشياء على الخلفاء الأولين لا تتفق مع سيرتهم ولا تلتئم مع ~~مزاجهم. # هذه الفترة الأخيرة لا يمكن الاعتماد على ما دون فيها اعتمادا علميا دون تمحيصه ونقده، ~~أدق التمحيص والنقد، بغير تأثر بالأهواء أو بنزعات المزاج الذاتي. وأول ما يجب من ذلك أن نرد ~~مما وقع الخلاف عليه فيها كل ما لا يتفق مع القرآن، وإن نسب ما وقع ms069 عليه الخلاف إلى النبي ~~العربي. أما صدر الإسلام الأول إلى مقتل الخليفة الثالث فيمكن الاعتماد على ما يروى مباشرة عنه، ~~ويمكن لذلك أن يتخذ أيضا أساسا لتمحيص ما جاء بعده. وإني لأحسبنا إذا فعلنا هذا كله بدقة ~~علمية، قديرين على أن نرسم صورة صادقة من قواعد الإسلام الصحيحة ومن الحياة الإسلامية الأولى؛ ~~هذه الحياة العقلية والروحية التي بلغت من القوة والسمو مبلغا دفع عرب البادية من أهل شبه ~~الجزيرة لينتشروا في الأرض خلال بضعة عقود من السنين كي يقيموا في مختلف الممالك أسمى المبادئ ~~الإنسانية التي عرفها التاريخ. ولو أننا نجحنا في هذا لكشفنا أمام الإنسانية أفقا تصعد منه إلى ~~معرفة أسرار الكون النفسية والروحية، وتتصل به عن طريق هذه المعرفة اتصالا يهيئ للإنسانية ~~أسباب نعمتها وسعادتها، كما أنها ازدادت استمتاعا بما في الكون حين ازدادت اتصالا بأسرار ~~القوة والحركة الكمينة فيه بعد أن عرفت الكهربا والأثير. ولو أننا نجحنا في هذا لكان للإسلام من ~~الفضل على الإنسانية اليوم ما كان له في الصدر الأول، حين خرج به العرب من شبه الجزيرة لينشروا ~~مبادئه السامية في العالم كله. # وفي مقدمة ما يجب علينا من ذلك، خدمة للحقيقة وللإنسانية، أن نتعمق في دراسة سيرة النبي ~~العربي تعمقا يهدي الإنسانية طريقها إلى الحضارة التي تنشدها. والقرآن أصدق مرجع لهذه الدراسة؛ ~~فهو الكتاب الذي لا يأتيه الباطل ولا تعلق به الريبة، وهو الكتاب الذي بقي ثلاثة عشر قرنا، ~~وسيبقى أبد الدهر معجزة الحياة في طهارة نصوصه، مصداقا لقوله تعالى: # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ~~، # 9 # كما كان وسيبقى معجزة محمد القائمة منذ أوحاه الله إلى أن يرث الله الأرض ومن ~~عليها. فكل ما تعلق بسيرة محمد يجب أن يعرض على القرآن، فما وافقه كان حقا، وما لم يوافقه لم ~~يكن بحق. وقد حاولت من ذلك في هذا البحث البدائي جهد طاقتي. فلما عدت إليه بعد طبعة هذا الكتاب ~~الأولى شكرت لله توفيقه ورجوته أن يهيئ لمتابعة التعمق فيه تعمقا علميا من ms070 يحبوه هدايته، ~~ويمده بتسديده. # ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك ~~المصير ~~. # | تقديم الطبعة الثالثة1 # لا تختلف هذه الطبعة الثالثة عن الطبعة الثانية في شيء اللهم إلا في بعض ألفاظ غيرت أو ~~نقحت لمزيد من الدقة في الضبط العربي، أو شدة في الحرص على وضوح المقصود منها. وما حدث من ذلك ~~قليل لا يكاد يحسه إلا من أراد الموازنة اللفظية بين الطبعتين. ولن يجد من يكلف نفسه هذه المئونة ~~أي غناء فيها. ولم يكن الشعور بكمال الكتاب بعد طبعته الثانية هو الذي عدل بي عن تناول ما فيه ~~بالتنقيح أو بالزيادة في هذه الطبعة الثالثة، فأنا لا أفتأ أكرر ما قلته، في مقدمة الطبعة الأولى، ~~من أن هذا الكتاب لا يخرج عن أنه بداءة البحث من ناحية علمية إسلامية في موضوعه الجليل. ولكنني ~~فصلت كثيرا مما يتصل بهذا الموضوع في كتابي «في منزل الوحي» على أثر أدائي فريضة الحج، وسيري ~~في أثر الرسول بالحجاز وتهامة؛ فلم يكن لي أن أعود لأجمل ها هنا ما فصلته هناك. ثم إنني شغلت بعد ~~ظهور «في منزل الوحي» عن متابعة البحث في سيرة الرسول وتعاليمه وسيرة أصحابه وخلفائه، مما كنت قد ~~شغلت به في السنوات الثماني الأخيرة، فلم تتح لي الفرصة ولم يتح لي من فسحة الوقت ما أفصل به ما ~~أجملت في خاتمة الطبعة الثانية. ولعل الله يوقفني فأعود من بعد إلى هذا التفصيل في كتاب مستقل. ~~وأحسب القارئ يشاركني في هذا الدعاء بعد أن يتم تلاوة المبحثين اللذين يكونان هذه الخاتمة. # وإني ليسعدني أن أختم هذا التقديم للطبعة الثالثة بشكر الله على ما لقي هذا الكتاب من تقدير ~~الذين اطلعوا عليه من المسلمين وغير المسلمين، ومن تنويه طائفة من الكتاب والمؤلفين في الشرق ~~والغرب به في تقديم كتبهم وفي تضاعيف هذه الكتب. وأكبر أملي في وجهه الكريم أن ييسر لمتابعة هذا ~~البحث من يصل به إلى غايته، ومن يخدم الحق بذلك خدمة كبرى. # الفصل الأول # | بلاد العرب قبل الإسلام # (مهد الحضارة الأولى - اليهودية ms071 والمسيحية - الفرق المسيحية وتناحرها - مجوسية فارس - شبه جزيرة ~~العرب - طريقا القوافل فيها - اليمن وحضارتها - بقاء شبه الجزيرة على الوثنية) ~~*** # ما يزال البحث في تاريخ الحضارة الإنسانية وأين كان منشؤها متصلا إلى عصرنا الحاضر. وكان هذا ~~البحث قد استقر زمانا طويلا عند القول بأن مصر كانت مهد هذه الحضارة منذ أكثر من ستة آلاف سنة ~~مضت، وأن ما قبل هذا الزمن يرجع إلى عصور ما قبل التاريخ؛ ولذلك يتعذر الكشف عنه بطريقة علمية ~~صحيحة. أما اليوم فقد عاد علماء الآثار ينقبون في العراق وفي سوريا يريدون الوقوف على أصل الحضارة ~~الآشورية والحضارة الفينيقية، وتحقيق العصر الذي ترجع هاتان الحضارتان إليه: أهو سابق عصر الحضارة ~~المصرية الفرعونية مؤثر فيها، أم هو لاحق عصر هذه الحضارة متأثر بها؟ # ومهما يسفر تنقيب علماء الآثار عنه، في هذه الناحية من نواحي التاريخ، فهو لا يغير شيئا من ~~حقيقة لم يكشف التنقيب في آثار الصين والشرق الأقصى عما يخالفها؛ هذه الحقيقة هي أن مهد حضارة ~~الإنسان الأولى، في مصر كان أو في فينيقيا أو في آشور، كان متصلا بالبحر الأبيض المتوسط؛ وأن مصر ~~كانت أقوى المراكز التي أصدرت الحضارة الأولى إلى اليونان وإلى رومية؛ وأن حضارة عالمنا، في هذا ~~العصر الذي نعيش فيه، ما تزال وثيقة الصلة بتلك الحضارة الأولى؛ وأن ما قد يكشف البحث عنه في ~~الشرق الأقصى من تاريخ الحضارة في تلك الأقطار لم يكن له في عصر ما أثر بين في توجيه الحضارات ~~الفرعونية والآشورية والإغريقية، ولم يغير من اتجاه تلك الحضارات وتطورها إلى أن اتصلت بها حضارة ~~الإسلام، فأثرت فيها وتأثرت بها وتفاعلت وإياها تفاعلا كانت الحضارة العالمية التي تخضع ~~الإنسانية اليوم لسلطانها بعض أثره. # وقد ازدهرت تلك الحضارات، التي انتشرت على شواطئ البحر الأبيض أو على مقربة منه في مصر وآشور ~~واليونان منذ ألوف السنين، ازدهارا ما يزال حتى اليوم موضع دهشة العالم وإعجابه. ازدهرت في العلم ~~والصناعة والزراعة والتجارة وفي الحرب وفي كل نواحي النشاط الإنساني. على أن الأصل الذي ms072 كانت تصدر ~~تلك الحضارات عنه وكانت تستمد قوتها منه كان أصلا دينيا دائما. حقا إن هذا الأصل اختلف ما ~~بين التثليث المصري القديم مصورا في أوزوريس وإيزيس وهورس مشيرا إلى وحدة الحياة في بلاها ~~وتجددها وإلى اتصال خلد الحياة من الآباء إلى الأبناء، وما بين الوثنية اليونانية في تصويرها للحق ~~والخير والجمال تصويرا مستمدا من مظاهر الكون الخاضعة للحس، كما اختلف من بعد ذلك اختلافا هوى ~~بهذا التصوير في عصور الانحلال المختلفة إلى دنيا المراتب؛ لكنه بقي دائما أصل هذه الحضارات التي ~~شكلت مصاير العالم، كما أنه قوي الأثر في حضارة هذا العصر الحاضر، وإن حاولت هذه الحضارة أن ~~تتخلص منه وتقف في وجهه وقوفا ما يزال الحين بعد الحين يستدرجها إليه. ومن يدري؟! لعله سيدمجها ~~فيه في مستقبل قريب أو بعيد مرة أخرى. # في هذه البيئة التي استندت حضارتها منذ ألوف السنين إلى أصل ديني، نشأ أصحاب الرسالة بالأديان ~~المعروفة حتى اليوم. في مصر نشأ موسى، وفي حجر فرعون تربي وهذب وعلى يد كهنته ورجال الدين من ~~أهل دولته عرف الوحدة الإلهية وعرف أسرار الكون. فلما أذن الله له في هداية قومه ببلد كان فرعون ~~يقول لأهله: «أنا ربكم الأعلى.» وقف يجادل فرعون وسحرته، حتى اضطر آخر الأمر فهاجر ومعه بنو ~~إسرائيل إلى فلسطين. وفي فلسطين نشأ عيسى روح الله وكلمته التي ألقاها إلى مريم. فلما رفع الله ~~عيسى ابن مريم إليه. قام الحواريون من بعده يدعون إلى المسيحية التي دعا إليها. ولقي الحواريون ~~ومن اتبعهم أشد العنت؛ حتى إذا أذن الله للمسيحية أن تنتشر حمل علمها عاهل الروم صاحبة السيادة ~~على العالم يومئذ، فدانت الإمبراطورية الرومانية بدين عيسى؛ وانتشرت المسيحية في مصر والشام ~~واليونان، وامتدت من مصر إلى الحبشة، وظلت من بعد قرونا يزداد سلطانها توطدا، ويستظل بلوائها كل ~~من استظل بلواء الروم وكل من طمع في مودتها وفي حسن العلاقة بها. # تجاه المسيحية التي انتشرت في ظل لواء الروم ونفوذها وقفت مجوسية الفرس تؤازرها قوى الشرق ~~الأقصى ms073 وقوة الهند المعنوية. وقد ظلت آشور وظلت مدنية مصر الممتدة في فينيقيا عصورا طويلة حائلة ~~دون انتطاح عقائد الغرب والشرق وحضارتيهما. على أن دخول مصر وفينيقيا في المسيحية أذاب هذا الحائل ~~ووقف مسيحية الغرب ومجوسية الشرق وجها لوجه. وقد ظل الشرق والغرب عصورا متصلة وفي نفس كل من ~~الهيبة لدين الآخر ما أقام مكان ذلك الحائل الطبيعي الأول حائلا آخر معنويا، اقتضى كلتا قوتيه ~~أن توجه جهودها وغزواتها الروحية في ناحيتها، وألا تفكر في دعوة الأخرى إلى عقيدتها أو حضارتها، ~~مع ما اتصل بينهما على مر القرون من حروب. ومع أن فارس انتصرت على الروم وحكمت الشام ومصر ووقفت ~~على أبواب بزنطية، لم يفكر ملوكها في نشر المجوسية أو إحلالها محل النصرانية. بل احترم الغزاة ~~عقائد المحكومين، وعاونوهم على تشييد ما خربت الحرب من معابدهم، وتركوا لهم الحرية في إقامة ~~شعائرهم. وكل ما صنع الفرس أن أخذوا الصليب الأعظم وأبقوه عندهم، حتى دارت دائرة الحرب عليهم ~~واسترده الروم منهم، وكذلك ظلت غزوات الغرب الروحية في الغرب، وغزوات الشرق في الشرق؛ وبذلك كان ~~الحائل المعنوي في مثل منعة الحائل الطبيعي، وكفل تكافؤ القوتين من الناحية الروحية عدم ~~تصادمهما. # وظلت الحال كذلك إلى القرن السادس المسيحي. وفي هذه الأثناء اشتدت المنافسة بين رومية ~~وبزنطية. أما رومية، التي أظلت أعلامها ربوع أوروبا إلى الغال وإلى السلت في إنكلترا أجيالا عدة، ~~والتي فاخرت العالم - وما زالت تفاخره - بعهد يوليوس قيصر، فقد بدأ مجدها ينزوي رويدا رويدا، ~~حتى انفردت بزنطية بالسلطان وأصبحت وارثة الإمبراطورية الرومانية المترامية الأطراف. وبلغ من ~~انحلال رومية من بعد أن أغار الفندال الهمج عليها وأخذوا بأيديهم مقاليد حكمها. وكان لهذه الأحداث ~~أثرها الطبيعي في المسيحية التي نشأت في أحضان رومية، وذاق الذين آمنوا بعيسى أكبر تضحياتهم هولا ~~في ظلالها. # بدأت هذه المسيحية تتعدد مذاهبها وينقسم كل مذهب على توالي الزمن فرقا وأحزابا؛ وسار لكل ~~شيعة في أوضاع الدين وأسسه رأي يخالف رأي الشيعة الأخرى. وتنكرت هذه الطوائف بعضها لبعض بسبب ~~خلافها ms074 في الرأي تنكرا أنتج العداوة الشخصية التي تلمسها حيثما دب الضعف الخلقي والذهني إلى ~~النفوس فجعلها سريعة إلى الخوف، سريعة لذلك إلى التعصب الأعمى والجمود القتال. كان من بين صفوف ~~طوائف المسيحية في تلك الأزمان من ينكرون أن لعيسى جسدا يزيد على طيف يتبدى به للناس. وكان من ~~بينها من يزاوجون بين شخصه ونفسه زواجا روحيا يحتاج إلى كثير من كد الخيال والذهن لتصوره، ~~وغير هؤلاء وأولئك من كانوا يعبدون مريم، على حين كان ينكر غيرهم بقاءها عذراء بعد وضع المسيح. ~~وكذلك كان الجدل بين أتباع عيسى جدل أيام الانحلال في كل أمة وعصر: يقف عند الألفاظ والأعداد، ~~يسبغ على كل لفظ وكل عدد من المعاني، ويضفي عليه من الأسرار، ويحيطه من ألوان الخيال، بما يعجز ~~عنه المنطق ولا تسيغه إلا سفسطة الجدل العقيم. # قال أحد رهبان الكنيسة: «كانت أطراف المدينة جميعا ملأى بالجدل، ترى ذلك في الأسواق، وعند ~~باعة الملابس، وصيارفة النقود، وباعة الأطعمة، فأنت تريد أن تبدل قطعة من ذهب فإذا بك في جدل عما ~~خلق وعما لم يخلق! وأنت تريد أن تقف على ثمن الخبز فيجيبك من تسأله: الأب أعظم من الابن والابن ~~خاضع له. وأنت تسأل عن حمامك وهل ماؤه ساخن، فيجيبك غلامك: لقد خلق الابن من العدم.» # على أن هذا الانحلال الذي طرأ على المسيحية فجعلها أحزابا وشيعا، لم يكن ذا أثر قوي في كيان ~~الإمبراطورية الرومانية السياسي؛ بل ظلت هذه الإمبراطورية قوية متماسكة، وظلت هذه الفرق تعيش في ~~كنفها في نوع من النضال لم يتعد الجدل الكلامي ولم يتعد المؤتمرات اللاهوتية التي كانت تعقد لتبت ~~في مسألة من المسائل فلا يكون لقرار طائفة ما من السلطان ما يلزم الطوائف أو الفرق الأخرى. وأظلت ~~الإمبراطورية هذه الفرق جميعا بحمايتها، ومدت لها جميعا في حرية الجدل بما زاد في سلطان ~~الإمبراطور المدني من غير أن يضعف من هيبته الدينية. فقد كانت كل فرقة تعتمد على عطفه عليها، بل ~~تذهب إلى الزعم بأنها تعتمد على تأييده إياها، ms075 وهذا التماسك في كيان الإمبراطورية هو الذي طوع ~~للمسيحية أن يظل انتشارها في مسيره، وأن تصل من مصر الرومانية إلى الحبشة المستقلة المحالفة للروم ~~فتجعل لحوض البحر الأحمر من المكانة ما لحوض البحر الأبيض، وأن تنتقل من الشام وفلسطين، حيث دان ~~بها أهلها ودان بها العرب الغساسنة الذين هاجروا إليها، إلى شاطئ الفرات ليدين بها أهل الحيرة ~~ويؤمن بها اللخميون والمناذرة الذين ارتحلوا من جدب الصحراء وباديتها ليستقروا في هذه المدائن ~~الخصبة العامرة وليكونوا مستقلين زمنا لتحكمهم الفرس المجوسية من بعده. # ولقد أصاب المجوسية في الفرس من أسباب الانحلال في هذه الأثناء ما أصاب المسيحية في ~~الإمبراطورية الرومانية. وإذا كانت عبادة النار قد ظلت الظاهرة المجوسية البادية للعيان، فإن آلهة ~~الخير والشر وأتباعها قد انقسمت كذلك عند المجوس فرقا وطوائف، وليس ها هنا مكان عرضها. مع ذلك ظل ~~كيان الفرس السياسي قويا، لم يؤثر فيه هذا الجدل الديني حول صور الآلهة والأفكار المطلقة التي ~~ترتسم وراء هذه الصور. واحتمت الفرق الدينية المختلفة بعاهل الفرس الذي أظلها جميعا بلوائه، ~~والذي ازداد باختلافها قوة على قوة، إذ جعل من اختلافها وسيلة لضرب بعضها ببعض كلما خيف أن تقوى ~~شوكة إحداها على حساب الملك أو على حساب الفرق الأخرى. # هاتان القوتان المتقابلتان: قوة المسيحية وقوة المجوسية، قوة الغرب وقوة الشرق، ومعهما ~~الدويلات المتصلة بهما والخاضعة لنفوذهما، كانتا في أوائل القرن السادس الميلادي تحيطان بشبه ~~جزيرة العرب. لقد كان لكل واحدة منهما مطامع في الاستعمار والتوسع. وكان رجال الدين في كلتيهما ~~يبذلون الجهود لنشر الدعوة إلى العقيدة التي يؤمنون بها؛ مع ذلك ظلت شبه الجزيرة وكأنها واحة ~~حصينة آمنة من الغزو إلا في بعض أطرافها، آمنة من انتشار الدعوة الدينية، مسيحية أو مجوسية، إلا ~~في قليل من قبائلها. وهذه ظاهرة قد تبدو في التاريخ عجيبة، لولا ما يفسرها من موقع بلاد العرب ومن ~~طبيعتها، وما للموقع والطبيعة من أثر في حياة أهلها وفي أخلاقهم وميولهم ونزعاتهم. # فشبه جزيرة العرب مستطيل غير متوازي الأضلاع، شماله ms076 فلسطين وبادية الشام، وشرقه الحيرة ودجلة ~~والفرات وخليج فارس، وجنوبه المحيط الهندي وخليج عدن، وغربه بحر القلزم «البحر الأحمر». فهو إذن ~~حصين بالبحر من غربه وجنوبه، وحصين بالصحراء من شماله، وبالصحراء وخليج فارس من شرقه. وليست هذه ~~المناعة هي وحدها التي عصمته من الغزو الاستعماري أو الغزو الديني، بل عصمه كذلك ترامي أطرافه، ~~فطول شبه الجزيرة يبلغ أكثر من ألف كيلومتر وعرضه يبلغ نحو الألف من الكيلومترات وعصمه أكثر من ~~هذا جدبه جدبا صرف عين كل مستعمر عنه. فليس في هذه الناحية الفسيحة من الأرض نهر واحد، وليست ~~لأمطارها فصول معروفة يمكن الاعتماد عليها وتنظيم الصناعة إياها. وفيما خلال اليمن الواقعة جنوب ~~شبه الجزيرة والممتازة بخصب أرضها وكثرة نزول المطر فيها، فسائر بلاد العرب جبال ونجود وأودية غير ~~ذات زرع وطبيعة جرداء لا تيسر الاستقرار ولا تجلب الحضارة، وهي لا تشجع على حياة غير حياة البادية ~~وما تقضي به من الارتحال الدائم واتخاذ الجمل سفينة للصحراء، وانتجاع مراعي الإبل، والاستقرار ~~عندها ريثما تأتي الإبل عليها، ثم الارتحال من جديد انتجاعا لمرعى جديد. وهذه المراعي ينتجعها ~~بدو شبه الجزيرة إنما تدور حول عين من العيون، تتفجر عن ماء المطر الذي يتسلل خلال أرض البلاد ~~الحجرية، فينبت تفجره الخضرة المنتشرة ها هنا وهناك في واحات تحيط بهذه العيون. # طبيعي في بلاد هذه حالها أن تكون كصحراء إفريقية الكبرى لا يقيم بها مقيم، ولا تعرف الحياة ~~الإنسانية إليها سبيلا، وطبيعي ألا يكون لمن يحل بهذه الصحراء غرض أكثر من ارتيادها والنجاة ~~بنفسه منها، إلا في هذه النواحي القليلة التي تنبت الكلأ والمرعى. وطبيعي أن تظل هذه النواحي ~~مجهولة من الناس لقلة من يغامر بحياته لارتيادها. وقد كانت بلاد العرب فيما سوى اليمن مجهولة ~~بالفعل من أهل تلك العصور القديمة. # لكن موقعها أنجاها من الإقفار وأمسك عليها أهلها. ففي تلك العصور القديمة لم يكن الناس قد ~~أمنوا البحر ليتخذوه مركبا لتجارتهم أو لأسفارهم. وما تزال أمثال العرب تحت أنظارنا تنبئنا بما ~~كان من خوف ms077 الناس البحر كخوفهم الموت، فلم يكن بد إذن للاتجار من أن تجد التجارة لها وسيلة ~~انتقال غير هذا المركب الخطر المخوف. وكان أهم انتقال التجارة يومئذ بين الشرق والغرب: بين الروم ~~وما وراءها، والهند وما وراءها. وكانت بلاد العرب طريق هذه التجارة التي كانت تجتاز إليها عن طريق ~~مصر أو عن طريق الخليج الفارسي متخطية البوغاز الواقع على مدخل خليج فارس. فكان طبيعيا إذن أن ~~يكون بدو شبه جزيرة العرب هم أمراء الصحراء كما أصبح رجال السفن في العصور التي تلت والتي طغى ~~الماء فيها على اليابسة هم أمراء البحر. # وكان طبيعيا إذن أن يرسم أمراء الصحراء هؤلاء طرق القوافل من أنحائها فيما لا يخاف خطره، ~~كما يرسم رجال البحر خطوط سير السفن بعيدة عن شعاب البحر ومخاطره. يقول هيرن: «لم يكن طريق ~~القافلة شيئا متروكا للاختيار بل كان مقررا بالعادة. ففي هذه المراحل الفسيحة من الصحراء ~~الرملية التي كان رجال القوافل يجتازونها، حبت الطبيعة المسافر بضعة أماكن مبعثرة في جدب البادية ~~يتخذها موئلا لراحته. وهناك، في ظلال أشجار النخيل وإلى جانب المياه العذبة التي تجري من حولها، ~~يستطيع التاجر ودابة حمله أن ينهلا من صيبها ما أحوجهما إليه العنت الذي لقيا. وأصبحت منازل ~~الراحة هذه مستودعات للتجارة، وصار بعضها مقاما للهياكل والمحاريب، يتابع التاجر في حمايتها ~~تجارته، ويلجأ الحاج إليها لالتماس العون منها.» # 1 # كانت شبه الجزيرة تموج بطرق القوافل. وكان منها طريقان رئيسيان. فأما أحدهما فيتاخم الخليج ~~الفارسي، ويتاخم دجلة، ويقتحم بادية الشام إلى فلسطين؛ ويصح لمجاورته حدود البلاد الشرقية أن يسمى ~~طريق الشرق. وأما الآخر فيتاخم البحر الأحمر؛ ويصح لذلك أن يسمى طريق الغرب، وعن هذين الطريقين ~~كانت تنتقل مصنوعات الغرب إلى الشرق ومتاجر الشرق إلى الغرب، وكانت تجبى إلى البادية أسباب ~~الرخاء والرفاهية. على أن ذلك لم يزد أهل الغرب معرفة بهذه البلاد التي تجتازها تجارتهم. فقد كان ~~الذين يعبرونها من أهل الشرق والغرب قليلين؛ لما في عبورها من مشقة لا يحتملها إلا الذين اعتادوها ~~منذ ms078 نعومة أظفارهم، والمجازفون الذين يستهينون بالحياة، حتى أضاعها كثير منهم في هذه المهامه ~~والفدافد عبثا. وما احتمال رجل اعتاد بلهنية الحضر لوعثاء هذه الجبال الجرداء التي تفصل تهامة ~~بينها وبين شاطئ البحر الأحمر بفاصل ضيق؛ فإذا بلغها المسافر في تلك الأيام، التي لم تعرف غير ~~الجمل مطية للسفر، ظل يصعد بين قممها حتى تقذفه إلى هضاب نجد الصحراوية القليلة الغناء؟! وما ~~احتمال رجل اعتاد النظام السياسي الذي يكفل للناس جميعا طمأنينتهم لعنت هذه البادية التي لا ~~يعرف أهلها نظاما سياسيا بل تعيش كل قبيلة، بل كل أسرة، بل كل فرد وليس ما ينظم علاقته بغيره ~~إلا روابط عصبية الأسرة والقبيلة، أو قوة الحلف، أو حمى الجوار يرجو الضعيف به رعاية قوي إياه؟! ~~فقد كانت حياة البادية في كل العصور حياة خارجة على كل نظام عرفه الحضر، مطمئنة إلى العيش في حمى ~~مبادئ القصاص، ودفع العدوان بالعدوان، واغتيال الضعيف ما لم يجد من يجيره. وليست هذه بالحياة التي ~~تشجع على التطلع إلى استكناه أخبارها والتحقق من تفاصيل نظمها. لذلك ظلت شبه الجزيرة مجهولة عند ~~سائر العالم يومئذ، إلى أن أتاحت لها الأقدار، بعد ظهور محمد عليه الصلاة والسلام فيها، أن يقص ~~أخبارها من نزح عنها من أهلها، وأن يقف العالم على كثير مما كان العالم من قبل ذلك في أتم الجهل ~~به. # لم يند من بلاد العرب عن جهالة العالم سوى اليمن وما جاورها من البلاد المتاخمة للخليج ~~الفارسي. وليس يرجع ذلك إلى متاخمتها الخليج الفارسي أو المحيط الهندي أو البحر وكفى، ولكنه يرجع ~~قبل ذلك وأكثر منه إلى أنها لم تكن كسائر شبه الجزيرة صحراوية جرداء لا تلفت العالم ولا تجعل ~~لدولة من صداقتها فائدة ولا لمستعمر فيها مطمعا. بل كانت على الضد من ذلك موطن خصب في الأرض ومطر ~~منتظم الفصول في تهتانه، ومن ثم موطن حضارة مستقرة ذات مدائن عامرة ومعابد قوية على نضال الزمان. ~~وكان سكانها من بني حمير ذوي فطنة وذكاء وعلم هداهم إلى حسن الاستفادة ms079 من الأمطار حتى لا تتسرب ~~إلى البحر فوق الأرض المنحدرة إلى ناحيته؛ ولذلك أقاموا سد مأرب، فحولوا اتجاه المياه الطبيعي ~~تحويلا تقتضيه حياة الحضارة والاستقرار، فقد كانت الأمطار، إلى أن أقيم هذا السد، تنزل بجبال ~~اليمن المرتفعة، ثم تنحدر في أودية واقعة إلى شرق مدينة مأرب، وكانت في انحدارها الأول تنزل بين ~~جبلين يقومان عن جانب هذه الأودية يفصل بينهما أربعمائة متر تقريبا؛ فإذا بلغت مأرب انفرج الوادي ~~انفراجا تضيع المياه فيه كما تضيع في منطقة السدود بأعالي النيل. فلما هدى العلم والذكاء أهل ~~اليمن إلى إقامة سد مأرب شيد بالحجر عند مضيق الوادي، وجعلت له فتحات يمكن تصريف المياه منها ~~وتوزيعها إلى حيث يشاء الناس لتروي الأرض وتزيدها خصبا وإثمارا. # وإن ما كشف وما يزال يكشف عنه حتى اليوم من آثار هذه الحضارة الحميرية في اليمن ليدل على أنها ~~بلغت في بعض العصور مكانا محمودا، وأنها ثبتت لقسوة الزمان في عصور قسا على اليمن فيها ~~الزمان. # على أن هذه الحضارة وليدة الخصب والاستقرار جلبت على اليمن من الأذى ما منع الجدب منه أواسط ~~شبه الجزيرة. فقد ظل ملك اليمن في بني حمير يتوارثونه حينا ويثب عليه حميري من الشعب حينا آخر ~~حتى ملكهم ذي نواس الحميري. وكان ذو نواس هذا ميالا إلى دين موسى، راغبا عن الوثنية التي ~~تورط فيها قومه، وكان قد أخذ هذا الدين عن اليهود الذين هاجروا إلى اليمن وأقاموا بها. وذو نواس ~~الحميري هذا هو - فيما يذكر المؤرخون - صاحب قصة أصحاب الأخدود التي نزل فيها قوله تعالى: # قتل أصحاب الأخدود * النار ذات الوقود * إذ هم عليها قعود * وهم على ما يفعلون ~~بالمؤمنين شهود * وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا ~~بالله العزيز الحميد # 2 # وخلاصة هذه القصة أن رجلا صالحا من أتباع عيسى يدعى قيميون، كان قد هاجر من بلاد ~~الروم واستقر بنجران، فاتبعه أهلها لما رأوا صلاحه وظل عددهم يزداد حتى استفحل أمرهم. فلما نمى ~~خبرهم إلى ذي نواس سار إلى نجران، ودعا أهلها إلى ms080 الدخول في اليهودية أو يقتلوا. فلما أبوا شق لهم ~~أخدودا أوقد فيه النار ثم ألقى بهم فيها، ومن لم يمت بالنار قتل بالسيف ومثله به. وقد هلك منهم، ~~على رواية كتب السيرة، عشرون ألفا. # ثم إن أحد هؤلاء النصارى فر من القتل من ذي نواس وسار حتى أتى قيصر الروم جوستنيان فاستنصره ~~على ذي نواس. ولما كانت الروم بعيدة عن اليمن كتب القيصر إلى النجاشي ليأخذ بالثأر من ملك اليمن. ~~ويومئذ (في القرن السادس الميلادي) كانت الحبشة والنجاشي على رأسها في ذروة مجدها تجري بأمرها على ~~البحار تجارة واسعة، ويمخر لها العباب أسطول قوي # 3 # يجعلها تتسلط بنفوذها على ما حاذاها من البلاد؛ وكانت حليفة الإمبراطورية البزنطية ~~ورافعة علم المسيحية على البحر الأحمر، كما كانت بزنطية رافعة علمها على البحر الأبيض. فلما بلغت ~~النجاشي رسالة القيصر بعث مع اليمني، الذي حمل إليه هذه الرسالة، جيشا جعل على رأسه وفي جنده ~~أبرهة الأشرم. وغزا أرياط اليمن وملكها باسم عاهل الحبشة وظل على حكمها حتى قتله أبرهة وتولى ~~الأمر مكانه. وأبرهة هذا هو صاحب الفيل، وهو الذي غزا مكة ليهدم الكعبة فأخفق، على نحو ما سيرى ~~القارئ في الفصل الآتي. # 4 # وملك أبناء أبرهة اليمن من بعده وفشا فيها استبدادهم. فلما طال على الناس البلاء خرج سيف بن ~~ذي يزن الحميري حتى قدم على ملك الروم، فشكا إليه ما هم فيه، وسأله أن يبعث إليهم من الروم من ~~يكون له ملك اليمن. لكن حلف القيصر والنجاشي حال دون سماعه شكاية ابن ذي يزن؛ فخرج من عند القيصر ~~حتى أتى النعمان بن المنذر، وهو عامل كسرى على الحيرة وما يليها من أرض العراق. # فلما دخل النعمان على كسرى أبرويز دخل سيف بن ذي يزن معه. وكان كسرى يجلس في إيوان مجلسه وقد ~~جمع فيه أجزاء عرش دارا. وكان موشاة بصور نجوم المجرة. فإذا كان في مشتاه وضعت هذه الأجزاء يحيط ~~بها ستار من أنفس الفراء تتدلى أثناءه ثريات من فضة وأخرى من ذهب، ms081 ملئت بالماء الفاتر ونصب فوقها ~~تاجه العظيم، يضرب فيه الياقوت والزبرجد واللؤلؤ بالذهب والفضة مشدودا إلى السقف بسلسلة من ذهب. ~~وكان يلبس نسيج الذهب ويتشح بحلي الذهب؛ فما يلبث من يدخل إلى مجلسه أن تأخذه هيبته حين يراه. ~~وكذلك كان شأن سيف بن ذي يزن. فلما تطامن وسأله كسرى عن أمره وما جاء فيه قص عليه أمر الحبشة ~~وظلمها اليمن. وتردد كسرى بادي الرأي، ثم بعث معه جيشا على رأسه وهرز من خير بيوت فارس وأكثرها ~~فروسية وشجاعة. وتغلب الفرس وأجلوا الحبشان عن اليمن بعد أن ملكوها اثنتين وسبعين سنة. وظلت اليمن ~~في حكم فارس حتى كان الإسلام ودخلت سائر البلاد العربية في دين الله وفي الإمبراطورية ~~الإسلامية. # على أن الأعاجم الذين تولوا أمر اليمن لم يكونوا خاضعين مباشرة لسلطان ملك فارس. وكان الأمر ~~كذلك بنوع خاص بعد أن قتل شيرويه أباه كسرى أبرويز وقام في الملك مقامه؛ فقد خيل إليه في غرارته ~~أن العوالم تسير على هواه، وأن ممالك الأرض تعمل لملء خزانته ولتزيد فيما أغرق فيه نفسه من نعيم. ~~ثم إن هذا الملك الشاب انصرف عن كثير من شئون الملك إلى متعه وملذاته؛ فكان يخرج للصيد في ترف لم ~~تسمع بمثله أذن: كان يخرج يحيط به الشبان الأمراء في ثياب حمر وصفر وبنفسجية ومن حولهم حملة ~~البزاة والخدم يمسكون الفهود الأليفة بالكمامات: والعبيد حملة الطيب ومطاردو الذباب والموسيقيون. ~~وليشعر نفسه في قر الشتاء ببهاء الربيع، كان يجلس وحاشيته على بساط فسيح صورت عليه طرق المملكة ~~ومزارعها وفيها الأزهار المختلفة الألوان من ورائها الأحراش والغابات الخضر والأنهار ذات اللون ~~الفضي، ومع ما كان من انصراف شيرويه إلى مسراته، ظلت فارس محتفظة بمجدها، وظلت المنافس القوي ~~لسلطان بزنطية ولانتشار المسيحية، وإن آذن اعتلاء شيرويه عرشها بأفول هذا المجد ومهد للمسلمين من ~~بعد غزوها ونشر الإسلام فيها. # هذا النزاع الذي كانت اليمن مسرحه منذ القرن الرابع المسيحي كان عميق الأثر في تاريخ شبه ~~جزيرة العرب من جهة توزيع سكانها: فلقد قيل ms082 إن سد مأرب الذي غير الحميريون الطبيعة به لفائدة ~~بلادهم، قد طغى عليه سيل العرم فحطمه؛ لأن هذه المنازعات المستمرة صرفت الناس وصرفت الحكومات ~~المتعاقبة عن تعهده والاستمرار في تقويته، فضعف فلم يقو على صد هذا السيل. وقيل: إن ملك الروم لما ~~رأى اليمن موطن نزاع بينه وبين فارس، وأن تجارته مهددة من جراء هذا النزاع، جهز أسطولا يشق البحر ~~الأحمر ما بين مصر وبلاد الشرق البعيدة ليجلب التجارة التي تحتاج إليها بزنطية، ويستغني بذلك عن ~~طريق القوافل. ويذكر المؤرخون واقعة يتفقون عليها ويختلفون في السبب الذي أدى إليها. هذه الواقعة ~~هي هجرة أزد اليمن إلى الشمال؛ فكلهم يقول بهذه الهجرة، وإن نسبها بعضهم إلى إقفار كثير من مدائن ~~اليمن بسبب اضمحلال التجارة التي كانت تمر بها، وعزاها آخرون إلى انقطاع سد مأرب واضطرار كثير من ~~القبائل إلى الهجرة مخافة الهلاك. وأيا ما كانت الحقيقة فهذه الهجرة هي السبب في اتصال اليمن ~~بسائر العرب، اتصال نسب واختلاط ما يزال الباحثون يحاولون اليوم تحديده. # إذا كان النظام السياسي قد اضطرب في اليمن على نحو ما رأيت بسبب الظروف التي مرت بلاد ~~الحميريين بها، والغزوات التي كانت تلك البلاد ميدانا لها، فقد كان هذا النظام السياسي غير معروف ~~في سائر بلاد شبه الجزيرة. وكل نظام يمكن أن يوصف بأنه نظام سياسي، على المعنى الذي نفهمه نحن ~~اليوم أو الذي كانت الأمم المتحضرة تفهمه في تلك الأيام، كان مجهولا في ربوع تهامة والحجاز ونجد ~~وتلك المساحات الشاسعة التي منها كانت تتكون بلاد العرب. فقد كان أبناؤه، كما لا يزال أكثرهم حتى ~~اليوم، أهل بادية لا يألفون الحضر، ولا يطيب لهم المقام ولا الاستقرار بأرض، ولا يعرفون غير دوام ~~الارتحال والنقلة طلبا للمرعى وإرضاء لهوى نفوسهم التي لم تعرف غير حياة البادية ولا تطيق حياة ~~غيرها. وأساس حياة البادية، حيث وجدت من بقاع الأرض، إنما هي القبيلة. والقبائل الدائمة التجول ~~والترحال لا تعرف قانونا كالذي نعرف، ولا تخضع لنظام كالذي نخضع له، ولا تصبر ms083 على ما دون الحرية ~~كاملة للفرد وللأسرة وللقبيلة كلها. وأهل الحضر يرضون النزول باسم النظام عن جانب من حريتهم ~~للمجموع أو للحاكم المطلق مقابل ما ينعمون به من طمأنينة ورخاء. # أما رجل البادية الزاهد في الرخاء، البرم بطمأنينة الاستقرار، فلا يخدعه عن شيء من حريته ~~الكاملة رجاء فيما يفرح به أهل المدن من جاه أو مال، ولا يرضى بما دون المساواة الكاملة بينه وبين ~~أفراد قبيلته جميعا وبين قبيلته وغيرها من القبائل. وإنما ينتظم حياته ما ينتظم سائر الخلق من حب ~~البقاء والحرص عليه والدفاع عنه، على أن يكون ذلك كله متفقا مع قواعد الشرف التي تمليها عليه ~~حياة البادية الحرة؛ لذلك لم يكن أهل هذه البادية يقيمون على ضيم يراد بهم، بل كانوا يدفعونه ~~بقوتهم، فإن لم يستطيعوا دفعه تخلوا عن مواطنهم وارتحلوا عن شبه الجزيرة كلها إذا لم يكن من هذا ~~الارتحال بد. ولذلك لم يكن شيء أيسر عند هذه القبائل من القتال إذا نبت خلاف لم يتيسر في ظلال ~~قواعد الكرامة والمروءة والشرف والفصل فيه. # من ثم نجمت في كثير من هذه القبائل خلال الكرم والشجاعة والنجدة وحماية الجار والعفو عند ~~المقدرة، وما إلى هذه من خلال تقوى في النفس كلما قاربت حياة البادية، وتضعف وتضمحل فيها كلما ~~أوغلت في أسباب الحضارة. لذلك ولما قدمنا من أسباب اقتصادية، لم تطمع بزنطية، ولا طمعت فارس، فيما ~~سوى اليمن من بلاد شبه الجزيرة التي لم تكن لتخضع، لأنها تؤثر على الخضوع هجرة الوطن، ولأن ~~أفرادها وقبائلها لا يدينون بالطاعة لنظام قائم ولا لهيئة حاكمة تتسلط عليهم. # ولقد أثرت هذه الطبائع البدوية، إلى حد كبير، في البلاد القليلة الصغيرة التي نشأت في أنحاء ~~شبه الجزيرة بسبب تجارة القوافل على نحو ما قدمناه، والتي يأوي إليها التجار يقطعون عندها متاعب ~~رحلاتهم المضنية، ويجدون بها هياكل عبادة يشكرون فيها الآلهة أن منت عليهم بالنجاة من أخطار ~~الفلوات، وأن جلبت تجارتهم سالمة إلى حيث وصلوا. من هذه البلاد مكة والطائف ويثرب، وأشباهها من ms084 ~~الواحات المنتثرة بين الجبال أو خلال رمال الصحراء. تأثرت هذه البلاد بطبائع البادية؛ فكانت أقرب ~~إلى البداوة منها إلى الحضارة في نظام قبائلها وطوائفها، وفي أخلاق أهلها وعاداتهم وفي شدة نفورهم ~~من كل حد لحريتهم، وإن أكرهتهم حياة الاستقرار على نوع من الحياة غير ما اعتاد أهل البادية. وسترى ~~شيئا من تفصيل ذلك عند الكلام في الفصول الآتية عن مكة وعن يثرب. # هذه البيئة الطبيعية وما ترتب عليها من هذه الأحوال الخلقية والسياسية والاجتماعية كان لها ~~أثر مشابه في الحال الدينية. فهل تأثرت اليمن - بطبيعة اتصالها بمسيحية الروم ومجوسية الفرس - ~~بهذين الدينين وأثرت بهما في سائر بلاد شبه الجزيرة؟ هذا ما يتبادر إلى الذهن؛ وهو كذلك بنوع خاص ~~في أمر المسيحية. فالمبشرون بدين عيسى كان لهم في ذلك العصر ما لهم اليوم من نشاط في الدعوة إلى ~~دينهم والتبشير به. وفي طبيعة حياة البادية من تحريك المعاني الدينية في النفس ما ليس في طبيعة ~~حياة الحضر. في حياة البادية يتصل الإنسان بالكون ويحس لا نهاية الكون في مختلف صورها، ويشعر ~~بضرورة تنظيم ما بينه وبين الوجود في لا نهايته. أما رجل الحاضر فمحجوب عن اللانهاية بمشاغله، ~~محجوب عنها بحماية الجماعة إياه لقاء نزوله للجماعة عن جانب من حريته. وإذعانه لسلطان الحاكم كي ~~ينال حمايته يقصر به عن الاتصال بما وراء الحاكم من القوى الطبيعية القوية الأثر في الحياة، ويضعف ~~لذلك عنده روح الاتصال بعناصر الطبيعة المحيطة به. ولا شيء من ذلك يحول بين رجل البادية والمعاني ~~الدينية التي تحركها حياة البادية في النفس. # ترى هل أفادت المسيحية الجمة النشاط منذ عصورها الأولى من هذه الظروف كلها في سبيل ذيوعها ~~وانتشارها؟ ربما انتهى الأمر إلى ذلك لولا أمور أخرى حالت دونه، وأبقت بلاد العرب كلها واليمن ~~معها على الوثنية دين آبائها وأجدادها، إلا قليلا كان من القبائل التي لانت للدعوة ~~المسيحية. # فقد كانت أقوى مظاهر الحضارة العالمية في ذلك العصر تحيط، كما رأيت، بحوضي البحر الأبيض «بحر ~~الروم» والبحر الأحمر «بحر ms085 القلزم». وكانت المسيحية واليهودية تتجاوران في ذلك المحيط تجاورا إلا ~~يكن فيه عداء ظاهر فليست فيه مودة ظاهرة. وكان اليهود إلى يومئذ، كما لا يزالون، يذكرون ثورة عيسى ~~بهم وخروجه على دينهم. فكانوا يعملون في الخفية ما استطاعوا لصد تيار المسيحية التي أخرجتهم من ~~أرض المعاد، والتي استظلت بلواء الروم في إمبراطوريتها الفسيحة المترامية الأطراف. وكان لليهود في ~~بلاد العرب جاليات كبيرة يقيم أكثرها في اليمن وفي يثرب. # ثم كانت مجوسية الفرس تقف في وجه القوات المسيحية حتى لا تعبر الفرات إلى فارس، وتؤيد بقوتها ~~المعنوية أوضاع الوثنية حيثما وجدت الوثنية. وكان سقوط رومية وزوال سلطانها بعد انتقال عاصمة ~~حضارة العالم إلى بزنطية وما تلا ذلك من بوادر التحلل، قد أكثر الشيع في المسيحية كثرة جعلتها - ~~كما قدمنا - تتناحر وتقتتل وتهوي من عليا مراتب الإيمان إلى الجدل في الصور والألفاظ وفي مبلغ ~~قدس مريم وتقدمها على ابنها المسيح أو تقدمه عليها. جدلا هو النذير أنى وجد بتدهور ما يجري في ~~شأنه وما يحتدم من أجله؛ ذلك بأنه يذر اللب ويأخذ بالقشور، ويظل يكدس من هذه القشور فوق اللب ما ~~يخفيه وما يجعل من المحال على الناس إدراكه أو اختراق حجب القشور إليه. # وقد كان ما يحتدم جدل نصارى الشام حوله غير ما يحتدم جدل أهل الحيرة أو أهل الحبشة حوله. ولم ~~يكن اليهود بطبيعة صلتهم بالنصارى ليعملوا على تهدئة هذا الجدل أو التسكين من حدته. لذلك كان ~~طبيعيا أن يظل العرب الذين يتصلون بنصارى الشام وبنصارى اليمن في رحلتي الشتاء والصيف وبمن ~~يفدون عليهم من نصارى الحبشة بعيدين عن أن ينتصروا لفريق على فريق مطمئنين إلى وثنيتهم التي ولدوا ~~فيها وتابعوا آباءهم عليها. ولذلك ظلت عبادة الأصنام مزدهرة عندهم، حتى امتد شيء من أثرها إلى ~~جيرانهم نصارى نجران ويهود يثرب الذين تسامحوا في أمرها ثم احتملوها ثم اطمأنوا إليها، أن كانت من ~~صلات التجارة الحسنة بينهم وبين هؤلاء العرب الذين يعبدونها لتقربهم إلى الله زلفى. # ولعل تناحر الفرق المسيحية لم ms086 يكن وحده السبب في إصرار العرب على وثنيتهم؛ فقد كانت الوثنيات ~~المختلفة ما تزال لها بقايا في الأمم التي انتشرت المسيحية فيها. كانت الوثنية المصرية والوثنية ~~الإغريقية ما تزالان تتبديان من خلال المذاهب المختلفة، ومن خلال بعض المذاهب المسيحية نفسها، ~~وكانت مدرسة الإسكندرية وفلسفتها ما تزال ذات أثر، إن يكن أقل كثيرا مما كان في عهد البطالسة وفي ~~أول العهد المسيحي، فقد كان على كل حال ما يزال متغلغلا في النفوس، وما يزال منطقه البراق ~~المظهر، وإن يكن سفسطائي الجوهر، يغري الوثنية المتعددة الآلهة، القريبة بآلهتها إلى سلطان ~~الإنسان، المحببة لذلك إليه. وأكبر ظني أن هذا هو ما يشد النفوس الضعيفة إلى الحرص على الوثنية في ~~كل الأزمان، وفي زماننا هذا. فالنفوس الضعيفة أعجز من أن تسمو حتى تتصل بالوجود كله كيما تدرك ~~وحدته ممثلة فيما هو أسمى من كل ما في الوجود، ممثلة في الله ذي الجلال. وهي لذلك تقف عند مظهر من ~~مظاهر هذا الوجود كالشمس أو كالقمر أو كالنار، ثم تضعف عن السمو إلى تصور ما يدل هذا المظهر ~~عليه من وحدة الوجود. # هذه النفوس الضعيفة تكتفي بوثن يتمثل لها في معنى مبهم وضيع من الوجود ووحدته ، فتتصل بهذا ~~الوثن وتخلع عليه من صور التقديس ما لا نزال نراه في بلاد العالم جميعا، مع ما يزعم هذا العالم ~~من تقدم في العلم وسمو في الحضارة. من ذلك ما يراه الذين يزورون كنيسة القديس بطرس رومية؛ فهم ~~يرون قدم التمثال المقام بها للقديس تبريها قبلات عباده المؤمنين، ثم تضطر الكنيسة إلى تغييرها ~~كلما انبرت. وما نحسبنا ونحن نرى ذلك إلا نلتمس العذر لأولئك الذين لما يكن الله قد هداهم إلى ~~الإيمان، والذين كانوا يرون تناحر جيرانهم النصارى وبقاء أوضاع الوثنية بينهم، حتى يقيمون على ~~عبادة الأوثان التي كان يعبد آباؤهم. وكيف لا نعذرهم وهذه الأوضاع متأصلة في العالم باقية بقاء ~~لم ينقطع حتى اليوم وما أحسبه ينقطع أبدا؛ بقاء يفسر هذه الوثنية التي يرتضيها المسلمون اليوم ~~في دينهم، ms087 وهو الذي جاء حربا على الوثنية، وهو الذي قضى على كل عبادة غير عبادة الله ذي ~~الجلال. # ولقد كانت للعرب في عبادة الأوثان أفانين شتى يصعب على باحث اليوم أن يحيط بها. فقد حطم النبي ~~الأصنام وأمر أصحابه بتحطيمها حيثما ثقفوها؛ وتناهى المسلمون عن التحدث عنها بعد أن عفوا على ~~آثارها وأزالوا من الوجود في التاريخ وفي الأدب كل ما يتصل بها. على أن ما ورد من ذكرها في القرآن ~~وما تناقلته الروايات في القرن الثاني للهجرة عنها، بعد إذ أمن المسلمون فتنتها. ينبئ عما كان لها ~~قبل الإسلام من جليل المكانة وما كانت عليه من مختلف الصور، ويدل على أنها كانت تتفاوت في درجات ~~التقديس. وقد كان لكل قبيلة صنم تدين له بالعبادة. وكانت هذه المعبودات الجاهلية تختلف ما بين ~~الصنم والوثن والنصب؛ فالصنم ما كان على شكل الإنسان من معدن أو خشب والوثن ما كان على شكله من ~~حجر. أما النصب فصخرة ليست لها صورة معينة، تجرى عليها قبيلة من القبائل أوضاع العبادة، لما تزعمه ~~من أصلها السماوي أن كانت حجرا بركانيا أو ما يشبهه. ولعل أدق الأصنام صنعا ما كان لأهل ~~اليمن. ولا عجب فحظهم من الحضارة لم يعرف أهل الحجاز ولا عرفه أهل نجد وكندة. على أن كتب الأصنام ~~لا تشير بالدقة إلى شيء من صور هذه الأصنام إلا ما قيل عن هبل من أنه كان من العقيق على صورة ~~الإنسان، وأن ذراعه كسرت فأبدله القرشيون منها ذراعا من ذهب. وهبل كان كبير آلهة العرب وساكن ~~الكعبة بمكة، فكان الناس يحجون إليه من كل فج عميق. # ولم يكن العرب ليكتفوا بهذه الأصنام الكبرى يقدمون إليها صلواتهم وقرابينهم، بل كان أكثرهم ~~يتخذ له صنما أو نصبا في بيته، يطوف به حين خروجه وساعة أوبته، ويأخذه معه عند سفره إذا أذن له ~~هذا الصنم في السفر. # وهذه الأصنام جميعا، سواء منها ما كان بالكعبة أو حولها وما كان في مختلف جهات بلاد العرب ~~وبين مختلف قبائلها، كانت تعتبر ms088 الوسيط بين عبادها وبين الإله الأكبر. وكان العرب لذلك يعتبرون ~~عبادتهم إياها زلفى يتقربون بها إلى الله وإن كانوا قد نسوا عبادة الله لعبادتهم هذه ~~الأصنام. # ومع أن اليمن كانت أرقى بلاد شبه الجزيرة كلها حضارة بسبب خصبها وحسن تنظيم انحدار المياه ~~إلى أرضها، لم تكن مع ذلك مطمح النظر لأهل هذه البلاد الصحراوية المترامية الأطراف، ولم يكن إلى ~~معابدها حجهم؛ وإنما كانت مكة وكانت كعبتها بيت إسماعيل مثابة الحاج، إليها كانت تشد الرحال وتشخص ~~الأبصار، وفيها أكثر من كل جهة سواها كانت ترعى الأشهر الحرم. لذلك ولمركزها الممتاز في تجارة ~~العرب كلها، كانت تعتبر عاصمة شبه الجزيرة. ثم أراد القدر من بعد أن تكون مسقط رأس محمد النبي ~~العربي، فتكون بذلك متجه نظر العالم على توالي القرون، ويظل لبيتها العتيق تقديسه، وتبقى لقريش ~~فيها المكانة السامية، وإن ظلت وظلوا جميعا أدنى إلى خشونة البداوة التي كانوا عليها منذ عشرات ~~القرون. # الفصل الثاني # | مكة والكعبة وقريش # (موقع مكة - إبراهيم وإسماعيل - قصة الذبح والفداء - زمزم - زواج إسماعيل من جرهم - ~~بناء الكعبة - ولاية جرهم أمر مكة - قصي وأولاده - اجتماع أمر مكة لقصي القرشي - هاشم ~~وعبد المطلب - وظائف مكة الزمنية والدينية - الحج إلى الكعبة - قصة أبرهة والفيل - عبد ~~الله بن عبد المطلب - قصة فدائه) ~~*** # في وسط طريق القوافل المحاذي للبحر الأحمر ما بين اليمن وفلسطين، تقوم عدة سلاسل من الجبال ~~تبعد نحو الثمانين كيلومترا من الشاطئ. وهي تحيط بواد غير فسيح، تكاد تحصره لولا منافذ ثلاثة، ~~يصله أحدها بطريق اليمن، ويصله الثاني بطريق قريب من البحر الأحمر «بحر القلزم» عند مرفأ جدة، ~~ويصله الثالث بالطريق المؤدي إلى فلسطين. في هذا الوادي المحصور بين الجبال تقوم مكة. ومن العسير ~~معرفة تاريخ قيامها. وأكثر الظن أنه يرجع إلى ألوف من السنين خلت. والثابت أن واديها اتخذ من قبل ~~أن تبنى موئلا لراحة رجال القوافل، بسبب ما كان به من بعض العيون، وأن رجال القوافل هؤلاء كانوا ~~يجعلون منها مضارب لخيامهم، سواء منهم القادمون من ناحية ms089 اليمن قاصدين فلسطين والقادمون من فلسطين ~~متجهين إلى اليمن. والراجح أن إسماعيل بن إبراهيم أول من اتخذها مقاما وسكنا، بعد أن كانت مجرد ~~محلة للقوافل وسوقا للتجارة يقع فيها التبادل بين الآتين من جنوب الجزيرة والمنحدرين من ~~شمالها. # وإذا كان إسماعيل أول من اتخذ مكة مقاما وسكنا، فإن تاريخها فيما قبل ذلك غامض كل الغموض. ~~وربما أمكن القول بأنها اتخذت مقاما للعبادة قبل أن يجيء إسماعيل إليها ويقيم بها. وقصة مجيئه ~~إليها تدعونا إلى أن نلخص قصة أبيه إبراهيم عليهما السلام. فقد ولد إبراهيم بالعراق لأب نجار كان ~~يصنع الأصنام ويبيعها من قومه من يعبدونها. فلما شب إبراهيم ورأى الأصنام يصنعها أبوه، ثم رأى ~~قومه من بعد ذلك كيف يعبدونها وكيف يخلعون على هذه القطع من الخشب التي مرت بين يديه ويدي أبيه كل ~~ذلك التقديس، ساوره الشك في أمرها، وسأل أباه كيف يعبدها وهي من صنع يده؟! # وتحدث إبراهيم بذلك إلى الناس؛ فاهتم أبوه لأمره مخافة ما يجره من بوار تجارته. لكن إبراهيم ~~كان يحترم عقله، ويريد أن يحمل الناس بالحجة على الاقتناع برأيه؛ فانتهز غفلة الناس فذهب إلى هذه ~~الآلهة فكسرها إلا كبيرها، فلما جيء به على أعين الناس قيل له: # أأنت ~~فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم * قال بل فعله ~~كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون ~~. # 1 # وإنما فعل إبراهيم هذا بعد إذ فكر في ضلال عبادة الأصنام وفيمن تجب له العبادة: # فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي ~~فلما أفل قال لا أحب الآفلين * فلما رأى القمر ~~بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن ~~من القوم الضالين * فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ~~ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون ~~* إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض ~~حنيفا وما أنا من المشركين ~~. # 2 # ولم ينجح إبراهيم في هداية قومه، بل كان جزاؤه منهم أن ألقوه في النار وأنجاه الله منها، ففر ~~إلى فلسطين مستصحبا معه ms090 زوجه سارة. ومن فلسطين ارتحل إلى مصر. وبها يومئذ ملوك العماليق ~~«الهكسوس»؛ وكانت سارة جميلة وكان الملوك الهكسوس يأخذون الجميلات المتزوجات؛ فأظهر إبراهيم أن ~~سارة أخته خشية أن يقتله الملك ليتخذها له زوجا. وأراد الملك اتخاذها زوجا، فرأى في المنام أنا ~~ذات بعل، فردها إلى إبراهيم بعد أن عاتبه وأعطاه هدايا من بينها جارية تدعى هاجر. ولما كانت سارة ~~قد سلخت السنين الطوال مع إبراهيم ولم تلد، دفعته ليدخل بهاجر، فدخل بها، فلم تبطئ أن ولدت له ~~إسماعيل. وبعد أن شب إسماعيل وترعرع حملت سارة وولدت إسحاق. # يختلف الرواة ها هنا في مسألة إقدام إبراهيم على ذبح إسماعيل والفداء، وهل كانت قبل ميلاد ~~إسحاق أو بعده، وهل كانت بفلسطين أو بالحجاز. # وإن مؤرخي اليهود ليذهبون إلى أن الذبيح إنما كان إسحاق لا إسماعيل. وليس ها هنا مقام تمحيص ~~هذا الخلاف. وفي رأي الأستاذ الشيخ عبد الوهاب النجار في كتاب «قصص الأنبياء» أن الذبيح هو ~~إسماعيل. ودليله من التوراة نفسها أن الذبيح وصف فيها بأنه ابن إبراهيم الوحيد، وكان إسماعيل هو ~~الابن الوحيد إلى أن ولد إسحاق. فلما ولدت سارة لم يبق لإبراهيم ابن وحيد أن كان له إسماعيل ~~وإسحاق. والتسليم بهذه الرواية يقتضي أن تكون قصة الذبح والفداء بفلسطين. وكذلك يكون الأمر إذا ~~كان الذبيح إسحاق؛ فقد ظل إسحاق مع أمه سارة بفلسطين ولم يذهب إلى الحجاز. فأما الرواية التي تذهب ~~إلى أن الذبح والفداء إنما كان فوق منى فتجعل الذبيح إسماعيل. ولم يرد في القرآن ذكر لاسم الذبيح ~~مما جعل المؤرخين المسلمين يختلفون فيه. # وقصة الذبح والفداء أن إبراهيم رأى في منامه أن الله يأمره بأن يقدم ابنه قربانا فيذبحه؛ ~~فسار وابنه في الصباح، # فلما بلغ معه السعي قال يا بني ~~إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت ~~افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين * ~~فلما أسلما وتله للجبين * وناديناه أن يا ~~إبراهيم * قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي ~~المحسنين * إن هذا ms091 لهو البلاء المبين * ~~وفديناه بذبح عظيم ~~. # 3 # وتصور بعض الروايات هذه القصة تصويرا شعريا تدعونا روعته أن نقصه هنا وإن لم يقتض الحديث ~~عن مكة قصصه؛ ذلك أن إبراهيم لما رأى في المنام أنه يذبح ابنه وتحقق أن ذلك أمر ربه، قال ~~لابنه؛ يا بني خذ الحبل والمدية وانطلق بنا إلى هذه الهضبة لنحتطب لأهلنا. وفعل الغلام وتبع ~~والده، فتمثل الشيطان رجلا. فجاء أم الغلام فقال لها: أتدرين أين ذهب إبراهيم بابنك؟ قالت: ذهب ~~به يحتطب لنا من هذا الشعب. قال الشيطان: والله ما ذهب به إلا ليذبحه. قالت الأم: كلا. هو أشفق به ~~وأشد حبا له. قال الشيطان: إنه يزعم أن الله أمره بذلك، فأجابت الأم: إن كان الله قد أمره بذلك ~~فليطع أمر ربه. فانصرف الشيطان خاسئا، ثم لحق بالابن وهو يتبع أباه، وألقى إبليس عليه ما ألقى ~~على أمه، وأجاب الابن بما أجابت هي به. فأقبل الشيطان على إبراهيم يذكر له أن المنام الذي رأى ~~خدعة من الشيطان ليذبح ابنه ثم يندم ولات ساعة مندم، فصرفه إبراهيم ولعنه. فنكص إبليس على عقبيه ~~خزيان محنقا أن لم ينل من إبراهيم ولا من زوجه ولا من ابنه ما أراد أن ينال منهم . # ثم إن إبراهيم أفضى إلى ابنه برؤياه وسأله رأيه في الأمر. قال: يا أبت افعل ما تؤمر. ثم قال ~~في رواية القصة الشعرية: يا أبتاه! إذا أردت ذبحي فاشدد وثاقي لئلا يصيبك شيء من دمي فينقص أجري. ~~وإن الموت لشديد، ولا آمن أن أضطرب عنده إذا وجدت مسه، فاشحذ شفرتك حتى تجهز علي. فإذا أنت ~~أضجعتني لتذبحني فاكببني على وجهي ولا تضجعني لجنبي، فإني أخشى إن أنت نظرت إلى وجهي أن تدركك ~~الرقة فتحول بينك وبين أمر ربك في. وإن رأيت أن ترد قميصي إلى أمي فإنه عسى أن يكون أسلى لها ~~عني فافعل. قال إبراهيم: نعم العون يا بني أنت على أمر الله! ثم إنه هم بالتنفيذ، فشد كتاف ~~الغلام وتله للجبين ليقتله، فنودي أن يا ms092 إبراهيم قد صدقت الرؤيا، وافتدي بكبش عظيم وجده ~~إبراهيم على مقربة منه فذبحه وحرقه. # هذه قصة الذبح والفداء. وهي قصة الإسلام لأمر الله غاية الإسلام، والتسليم لقضائه كل ~~التسليم. # وشب إسحاق إلى جانب إسماعيل، وتساوى عطف الأب على الاثنين، فأغضب ذلك سارة أن رأت هذه التسوية ~~بين ابنها وابن هاجر أمتها غير لائقة بها. وأقسمت لا تساكن هاجر ولا ابنها حين رأت إسماعيل يضرب ~~أخاه. وأحس إبراهيم أن العيش لن يطيب وهاتان المرأتان في مكان واحد. عند ذلك ذهب بهاجر وبابنها ~~ميمما الجنوب حتى وصل إلى الوادي الذي تقوم مكة اليوم به. وكان هذا الوادي - كما قدمنا - مضرب ~~خيام القوافل في الأوقات التي تفصل فيها القوافل من الشام إلى اليمن، أو من اليمن إلى الشام، ~~ولكنه كان فيما خلا ذلك أشد أوقات السنة خلاء أو يكاد. وترك إبراهيم إسماعيل وأمه وترك لهما بعض ~~ما يتبلغان به. واتخذت هاجر عريشا أوت إليه مع ابنها ... وعاد إبراهيم أدراجه من حيث أتى. فلما نفد ~~الماء والزاد جعلت هاجر تجيل طرفها فيما حولها فلا ترى شيئا. فجعلت تهرول حتى نزلت الوادي تلتمس ~~ماء وهي - فيما يقولون - لا تنفك في هرولتها بين الصفا والمروة، حتى إذا أتمت السعي سبعا عادت ~~إلى ولدها وقد ملكها اليأس فألفته قد فحص الأرض بقدمه فنبع الماء من الأرض فارتوت وأروت إسماعيل ~~معها. وحبست الماء عن السيل حتى لا يضيع في الرمال، وأقام الغلام وأمه ترد عليهم العرب أثناء ~~رحلاتهم، فينالان من الخير ما يكفيهم أسباب العيش إلى أن تمر بهم قوافل أخرى. # استهوت زمزم وماؤها المتفجر بعض القبائل للمقام على مقربة منها. وجرهم أولى القبائل التي ~~أقامت والتي يقول بعض الرواة إنها كانت هناك قبل أن تجيء هاجر وابنها، على حين تذهب روايات أخرى ~~إلى أنها لم تقم إلا بعد أن تفجرت زمزم وجعلت العيش في هذا الوادي الأجرد مستطاعا. وشب إسماعيل ~~وتزوج فتاة من جرهم، وأقام وإياها مع الجرهميين في هذا المكان الذي شيد به البيت الحرام، وقامت ms093 ~~مكة بعد ذلك من حوله. ويذكرون أن إبراهيم استأذن سارة يوما في زيارة إسماعيل وأمه فأذنت له فذهب. ~~فلما سأل عن بيت إسماعيل وعرفه قال لامرأته: أين صاحبك؟ قالت: ذهب يتصيد ما نعيش به. فسألها ~~أعندها ضيافة من طعام أو شراب؟ فأجابت بأن ليس عندها شيء، فانصرف إبراهيم بعد أن قال لها: إذا جاء ~~زوجك فأقرئيه مني السلام وقولي له: غير عتبة بيتك، فلما أخبرت إسماعيل بما ذكر أبوه سرحها وتزوج ~~جرهمية أخرى بنت مضاض بن عمرو. قد أكرمت وفادة إبراهيم لما جاء بعد ذلك بزمن. فلما انصرف طلب ~~إليها أن تقرئ زوجها السلام وتقول له: الآن استقامت عتبة بيتك. وولد لإسماعيل من هذا الزواج اثنا ~~عشر ولدا، هم آباء العرب المستعربة، وهم العرب الذين ينتمون من ناحية خئولتهم في جرهم إلى العرب ~~العاربة أبناء يعرب بن قحطان؛ فأما أبوهم إسماعيل بن إبراهيم فيمت من ناحية أمومته إلى مصر بأوثق ~~نسب، ومن ناحية أبوته إلى العراق وإلى فلسطين وإلى حيث نزل إبراهيم من أرض الله. # هذه القصة من قصص التاريخ يكاد ينعقد الإجماع على جملتها من ذهاب إبراهيم وإسماعيل إلى مكة ~~وإن وقع خلاف على التفاصيل. والذين يعرضون لتفاصيل حوادثها بالنقد يروونها على أن هاجر ذهبت ~~بإسماعيل إلى الوادي الذي به مكة اليوم، وكانت به عيون أقامت جرهم عندها، فنزلت هاجر منهم أهلا ~~وسهلا لما جاء إبراهيم بها وبابنها. فلما شب إسماعيل تزوج جرهمية ولدت له أولاده، وكان لهذا ~~التلاقح بين إسماعيل العبري المصري وبين هؤلاء العرب ما جعل ذريته على جانب من العزم وقوة البأس ~~والجمع بين فضائل العرب والعبريين والمصريين. أما ما ورد عن حيرة هاجر لما نضب الماء منها، وعن ~~سعيها سبعا بين الصفا والمروة، وعن زمزم وكيف نبع الماء منها، فموضع شك عندهم. # ويرتاب وليم موير في ذهاب إبراهيم وإسماعيل إلى الحجاز، وينفي القصة من أساسها، ويذكر أنها ~~بعض الإسرائيليات ابتدعها اليهود قبل الإسلام بأجيال ليربطوا بها بينهم وبين العرب بالاشتراك في ~~أبوة إبراهيم لهم أجمعين، ms094 أن كان إسحاق أبا لليهود. فإذا كان أخوه إسماعيل أبا العرب فهم إذن ~~أبناء عمومة توجب على العرب حسن معاملة النازلين بينهم من اليهود، وتيسر لتجارة اليهود في شبه ~~الجزيرة. ويستند المؤرخ الإنكليزي في رأيه هذا إلى أن أوضاع العبادة في بلاد العرب لا صلة بينها ~~وبين دين إبراهيم لأنها وثنية مغرقة في الوثنية، وكان إبراهيم حنيفا مسلما. ولسنا نرى مثل هذا ~~التعليل كافيا لنفي واقعة تاريخية؛ فوثنية العرب بعد موت إبراهيم وإسماعيل بقرون كثيرة لا تدل ~~على أنهم كانوا كذلك حين جاء إبراهيم إلى الحجاز وحين اشترك وإسماعيل في بناء الكعبة. ولو أنها ~~كانت وثنية يومئذ لما أيد ذلك سير موير؛ فقد كان قوم إبراهيم يعبدون الأصنام، وحاول هو هدايتهم ~~فلم ينجح. فإذا دعا العرب إلى مثل ما دعا إليه قومه فلم ينجح وبقي العرب على عبادة الأوثان لم ~~يطعن ذلك في ذهاب إبراهيم وإسماعيل إلى مكة. بل إن المنطق ليؤيد رواية التاريخ. فإبراهيم الذي خرج ~~من العراق فارا من أهله إلى فلسطين وإلى مصر، رجل ألف الارتحال وألف اجتياز الصحاري؛ والطريق ما ~~بين فلسطين ومكة كان مطروقا من القوافل منذ أقدم العصور؛ فلا محل إذن للريبة في واقعة تاريخية ~~انعقد الإجماع على جملتها. # والسير وليم موير والذين ارتأوا في هذه المسألة رأيه يقولون بإمكان انتقال جماعة من أبناء ~~إبراهيم وإسماعيل بعد ذلك من فلسطين إلى بلاد العرب واتصالهم وإياهم بصلة النسب. وما ندري، وهذا ~~الإمكان جائز عندهم في شأن أبناء إبراهيم وإسماعيل، كيف لا يكون جائزا في شأن الرجلين بالذات؟! ~~وكيف لا يكون ثابتا قطعا ورواية التاريخ تؤكده؟! وكيف لا يكون بحيث لا يأتيه الريب وقد ذكره ~~القرآن وتحدثت به بعض الكتب المقدسة الأخرى؟! # ورفع إبراهيم وإسماعيل القواعد من البيت الحرام. # إن أول بيت ~~وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين * ~~فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ~~. # 4 # ويقول تعالى: # وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا ~~واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وعهدنا إلى إبراهيم ~~وإسماعيل ms095 أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود ~~* وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق ~~أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن ~~كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس ~~المصير * وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت ~~وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ~~. # 5 # كيف رفع إبراهيم البيت مثابة للناس وأمنا، ليتوجه الناس فيه إلى الله مؤمنين به وحده، ثم ~~أصبح من بعد ذلك موئل الأصنام وعبادتها؟ وكيف كانت أوضاع العبادة تؤدى فيه بعد إبراهيم وإسماعيل، ~~وفي أية صورة كانت تؤدى؟ ومتى تغيرت هذه الأوضاع وتغلبت عليها الوثنية؟ هذا ما لا يحدثنا التاريخ ~~المعروف عنه، وكل ما هنالك فروض يحسبها أصحابها تصف ما كان واقعا. فالصابئون من عباد النجوم ~~كان لهم سلطان كبير في بلاد العرب. وقد كان هؤلاء - فيما يقولون - لا يعبدون النجوم لذاتها، وإنما ~~كانوا في بداءة أمرهم يعبدون الله وحده. ويعظمون النجوم على أنها مظاهر خلقه وقدرته. ولما كانت ~~كثرة الناس الكبرى أقصر من أن يحيط ذهنها بمعنى الألوهية السامي، فقد اتخذوا من النجوم آلهة. ~~وكانت بعض الأحجار البركانية يخال الناس أنها ساقطة من السماء منحدرة لذلك من بعض النجوم؛ ومن ثم ~~اتخذت أول أمرها مظاهر لهذه الآلهة الرفيعة وقدست بهذه الصفة، ثم قدست لذاتها، ثم كانت عبادة ~~الأحجار، ثم بلغ من إجلالها أن كان العربي لا يكفيه أن يعبد الحجر الأسود بالكعبة، بل يأخذ معه في ~~أسفاره أي حجر من أحجار الكعبة يصلي إليه ويستأذنه في الإقامة والسفر، ويؤدي إليه كل ما يؤدى ~~للنجوم وخالق النجوم من أوضاع العبادة. وعلى هذا النحو استقرت الوثنية وقدست التماثيل وقربت لها ~~القرابين. # هذه صورة يصورها بعض المؤرخين لتطور الأمر في بلاد العرب من بناء إبراهيم البيت لعبادة الله، ~~وكيف آل أمره بعد ذلك فصار مستقر الأصنام. وقد ذكر هيرودوت، أبو التاريخ المكتوب، عبادة اللات في ~~بلاد العرب، وذكر ديودور الصقلي بيت مكة الذي يعظمه العرب؛ فدل ذلك على قدم الوثنية في ms096 شبه ~~الجزيرة، وعلى أن دين إبراهيم لم يستقر فيها طويلا. # ولقد قام في هذه القرون أنبياء دعوا قبائلهم في بلاد العرب إلى عبادة الله وحده، فرفض العرب ~~وأصروا على وثنيتهم: قام هود فدعا عادا - وكانت تقيم في شمال حضرموت - إلى عبادة الله وحده؛ فما ~~آمن به إلا قليل؛ فأما كثرة قومه فاستكبروا وقالوا له: # يا هود ما ~~جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك ~~بمؤمنين ~~. # 6 # وأقام هود يدعوهم السنين، فلا تزيدهم دعوته إلا عتوا في الأرض واستكبارا. وقام ~~صالح يدعو للإيمان ثمود، وكانت مساكنهم بالحجر بين الحجاز والشام إلى وادي القرى في الجنوب الشرقي ~~من أرض مدين القريبة من خليج العقبة؛ ولم تثمر دعوة صالح ثمود أكثر مما أثمرت دعوة هود عادا. ~~وقام شعيب في شعب مدين، وكانوا بالحجاز، يدعوهم إلى الله، فلم يسمعوا له فهلكوا ونزل بهم ما نزل ~~بعاد وثمود، وغير هؤلاء من الأنبياء قص القرآن قصصهم ودعوتهم قومهم لعبادة الله وحده، واستكبار ~~قومهم وإقامتهم على عبادة الأوثان وعلى التوجه بقلوبهم لأصنام الكعبة وحجهم إليها كل عام من كل ~~صوب وحدب في بلاد العرب. وفي ذلك نزل قوله تعالى: # وما كنا معذبين ~~حتى نبعث رسولا ~~. # 7 # أفكانت تحيط بالكعبة منذ إنشائها مناصب كالتي تولاها قصي بن كلاب في منتصف القرن الخامس ~~الميلادي حين اجتمع له ملك مكة؟ فقد اجتمعت لقصي الحجابة والسقاية والرفادة والندوة واللواء ~~والقيادة. والحجابة سدانة البيت؛ أي تولي مفاتيحه. والسقاية إسقاء الحجيج الماء العذب الذي كان ~~عزيزا بمكة، وإسقاؤهم كذلك نبيذ التمر. والرفادة إطعام الحاج جميعا. والندوة رياسة الاجتماع كل ~~أيام العام، واللواء راية يلوونها على رمح وينصبونها علامة للعسكر إذا توجهوا إلى عدو. والقيادة ~~إمارة الجيش إذا خرجوا إلى حرب، وكانت هذه المناصب كلها معتبرة في مكة وكأنها تحيط بالكعبة متجه ~~أنظار العرب جميعا في عبادتهم. وأحسبها لم تنبت كلها دفعة واحدة منذ أقيم البيت، بل نشأت الواحدة ~~تلو الأخرى مستقلا بعضها عن الكعبة ومكانتها الدينية، متصلا بعضها بالكعبة ms097 من طبعه. # لم تكن مكة حين بناء الكعبة - على خير ما يمكن أن يصوره خيالنا - لتزيد على قبائل من العماليق ~~ومن جرهم، فلما استقر بها إسماعيل ورفع قواعد البيت مع أبيه إبراهيم اقتضى تطور مكة، لتصير حضرا ~~أو ما يشبه الحضر، زمانا طويلا، ونقول: ما يشبه الحضر أن ظلت مكة وما تزال وفي طباع أهلها بقايا ~~متخلفة من معاني البداوة الأولى. ولا يأبى بعض المؤرخين أن يذكر أنها ظلت على بداوتها إلى أن ~~اجتمع أمرها لقصي في منتصف القرن الخامس للميلاد، وعسير أن نتصور بقاء بلد له ما لمكة وبيتها ~~العتيق من التقديس في حالة البادية، مع ما يثبت التاريخ من أن أمر البيت بقي بعد إسماعيل في يد ~~جرهم أخوال بنيه أجيالا متعاقبة أقاموها حوله، ومع أن مكة كانت ملتقى طرق القوافل إلى اليمن وإلى ~~الحيرة وإلى الشام وإلى نجد، كما كانت تتصل من البحر الأحمر القريب منها بتجارة العالم - عسير أن ~~نتصور بقاء بلد له هذه المكانة من غير أن يدنيه اتصاله بالعالم من مراتب الحضارة. فمن الحق لذلك ~~أن نقدر أن مكة - وقد دعاها إبراهيم بلدا ودعا الله له أن يكون آمنا مطمئنا - قد عرفت حياة ~~الاستقرار أجيالا طويلة قبل قصي. # وظل أمر مكة لجرهم بعد أن غلبوا العماليق عليها إلى عهد مضاض بن عمرو بن الحارث. وقد راجت ~~تجارة مكة خلال هذه الأجيال رواجا أمر مترفيها وجعلوا ينسون أنهم بواد غير ذي زرع وأنهم في ~~حاجة لذلك إلى الدأب المتصل واليقظة الدائمة. وبلغ من نسيانهم أن نضب ماء زمزم وأن فكر عرب خزاعة ~~في الوثوب إلى مناصب الأمر في البلد الحرام. # ولم يجد تحذير مضاض قومه عاقبة ما انغمسوا فيه من ترف، وأيقن أن الأمر زائل عنه وعنهم؛ ~~فعمد إلى زمزم فأعمق حفرها، وإلى غزالتين من ذهب كانتا بالكعبة مع طائفة من الأموال التي كانت ~~تهدى إلى البيت الحرام فدفعها بقاع البئر وأهال الرمال عليها، آملا أن يعود له الأمر يوما فيفيد ~~من الكشف عنها، وخرج ms098 ومعه بنو إسماعيل من مكة. ووليت خزاعة أمرها. وظلت تتوارثه حتى آل إلى ~~قصي بن كلاب الجد الخامس للنبي. # وكانت أم قصي فاطمة بنت سعد بن سهل قد تزوجت من كلاب فولدت له زهرة وقصيا. ثم هلك كلاب ~~وقصي طفل في المهد. وتزوجت فاطمة من ربيعة بن حرام؛ فرحل بها إلى الشام وهناك ولدت له ~~دراجا. وكبر قصي وهو لا يعرف لنفسه أبا غير ربيعة. ووقع بينه وبين آل ربيعة شر فعيروه أنه ~~في جوارهم وأنه ليس منهم. وشكا قصي إلى أمه ما عير إياه، فقالت: يا بني إنك والله لأكرم منهم ~~أبا، أنت ابن كلاب بن مرة، وقومك بمكة عند البيت الحرام. # وقدم قصي مكة وأقام بها، وعرف عنه فيها من الجد وحسن الرأي ما جعله موضع احترام أهلها ~~وأهله فيها. وكانت سدانة البيت في خزاعة لحليل بن حبشية، وكان رجلا ثاقب النظر حسن التقدير؛ فما ~~لبث حين خطب قصي إليه ابنته حبى أن رحب به وزوجه منها. واستمر دأب قصي في السعي والتجارة، ~~فكثرت أمواله كما كثر أولاده وعظم بين قومه شرفه. ومات حليل بعد أن أوصى بمفتاح البيت الحرام ~~لحبى زوج قصي، واعتذرت حبى عن ذلك وجعلت المفتاح لأبي غبشان الخزاعي. وكان أبو غبشان ~~سكيرا، فأعوزه الشراب يوما فباع مفتاح البيت قصيا بزق خمر. وقدرت خزاعة ما يصيب مكانتها ~~بمكة إذا بقيت سدانة الكعبة لقصي بعد أن كثر ماله وبعد أن بدأت قريش تجتمع حوله، فأنكروا أن ~~يكون لغيرهم منصب من المناصب المتصلة بالبيت الحرام. واستنفر قصي قريشا، ورأت بعض القبائل أنه ~~أحكم المقيمين بمكة وأعظمهم قدرا فانضموا له وأجلوا خزاعة عن مكة، واجتمعت مناصب البيت كلها ~~لقصي، وأقر القوم له بالملك عليهم. # وذهب البعض - كما قدمنا - إلى أن مكة لم يكن بها بناء غير الكعبة إلى أن تولى قصي أمرها. ~~ويعللون ذلك بأن خزاعة وجرهما قبلها لم يريدوا أن يكون إلى جوار بيت الله بيت غيره، وأنهم لم ~~يكونوا يقيمون ليلهم بالحرم بل يذهبون إلى الحل. ms099 ويضيف هذا البعض أن قصيا لما تم له أمر ~~مكة جمع قريشا وأمرهم أن يبنوا بها، وابتدأ هو فبنى دار الندوة يجتمع فيها كبراء أهل مكة تحت ~~إمرته ليتشاوروا في أمور بلدهم. فقد كان من عادتهم ألا يتم أمر إلا باتفاقهم؛ فلم تكن تنكح امرأة ~~ولا يتزوج رجل إلا في هذه الدار. وبنت قريش بأمر قصي حول الكعبة دورها، وتركوا مكانا كافيا ~~للطواف بالبيت، وتركوا بين كل بيتين طريقا ينفذ منه إلى المطاف. # كان عبد الدار أكبر أبناء قصي، ولكن أخاه عبد مناف كان قد تقدم عليه أمام الناس وقد شرف ~~فيهم. فلما كبر قصي وضعف بدنه ولم يبق قادرا على تولي أمور مكة جعل الحجابة لعبد الدار وسلم ~~إليه مفتاح البيت، كما أعطاه السقاية واللواء والرفادة. وكانت الرفادة قسطا تخرجه قريش كل ~~عام من أموالها فتدفعه إلى قصي يصنع منه في موسم الحج طعاما ينال منه من الحاج من لم يكن ذا ~~سعة ولا زاد. وكان قصي أول من فرض الرفادة على قريش حين جمعهم واعتز بهم وأخرج وإياهم خزاعة ~~من مكة. فرضها عليهم وقال لهم: «يا معشر قريش! إنكم جيران الله وأهل بيته وأهل حرمه، وإن الحاج ~~ضيف الله وزوار بيته، وهم أحق الأضياف بالكرامة ، فاجعلوا لهم طعاما وشرابا أيام الحج حتى ~~يصدروا عنكم.» # وتولى عبد الدار مناصب الكعبة كأمر أبيه وتولاها أبناؤه من بعده. لكن أبناء عبد مناف ~~كانوا أشرف في قومهم وأعظم مكانة: لذلك أجمع هاشم وعبد شمس والمطلب ونوفل بنو عبد مناف على أن ~~يأخذوا ما بأيدي أبناء عمومتهم، وتفرق رأي قريش: تنصر طائفة هؤلاء وأخرى أولئك. وعقد بنو عبد ~~مناف حلف المطيبين؛ لأنهم غمسوا أيديهم في طيب جاءوا به إلى الكعبة وأقسموا لا ينقضون حلفهم. وعقد ~~بنو عبد الدار حلف الأحلاف. وكان هؤلاء وأولئك يوشكون أن يقتتلوا في حرب تذيب قريشا لولا أن ~~تداعى الناس إلى الصلح على أن يعطوا بني عبد مناف السقاية والرفادة، وأن تبقى الحجاجة واللواء ~~والندوة لبني عبد الدار. ورضي ms100 الفريقان بذلك، وظل الأمر عليه إلى أن جاء الإسلام. # وكان هاشم كبير قومه، وكان ذا يسار، فولي السقاية والرفادة، ودعا قومه إلى مثل ما دعاهم إليه ~~قصي جده. دعاهم إلى أن يخرج كل منهم من ماله ما ينفقه هو في إطعام الحاج أثناء الموسم. ~~فزوار بيت الله وحجاجه هم ضيف الله وأحق الضيف بالكرامة ضيف الله. وكذلك كان يطعم الحاج ~~جميعا حتى يصدروا عن مكة. # لم يقف أمر هاشم عند هذا، بل اتصل بره وكرمه بأهل مكة أنفسهم. أصابتهم سنة، # 8 # فجاء لهم من الطعام وثرد لهم الثريد بما جعلهم ينظرون من جديد إلى الحياة بوجه باسم. ~~وهاشم هو كذلك الذي سن رحلتي الشتاء والصيف: رحلة الشتاء إلى اليمن، ورحلة الصيف إلى الشام، وبهذه ~~المظاهر كلها ازدهرت مكة وسمت مكانتها في أنحاء شبه الجزيرة جميعا، واعتبرت العاصمة المعترف بها. ~~وطوع هذا الازدهار لأبناء عبد مناف أن يعقدوا مع جيرانهم معاهدات أمن وسلام: عقد هاشم بنفسه مع ~~الإمبراطورية الرومانية ومع أمير غسان معاهدة حسن جوار ومودة، وحصل من الإمبراطورية على الإذن ~~لقريش بأن تجوب الشام في أمن وطمأنينة. وعقد عبد شمس معاهدة تجارية مع النجاشي، كما عقد نوفل ~~والمطلب حلفا مع فارس ومعاهدة تجارية مع الحميريين في اليمن. وكذلك ازدادت مكة منعة جاه كما ~~ازدادت يسارا، وبلغ أهلها من المهارة في التجارة أن أصبحوا لا يدانيهم فيها مدان من أهل عصرهم. ~~وكانت القوافل تجيء إليها من كل صوب وتصدر عنها في رحلتي الشتاء والصيف، وكانت الأسواق تنصب فيما ~~حولها لتصريف هذه التجارة فيها؛ ولذلك مهر أهلها في النسيئة والربا وفي كل ما يتصل بالتجارة من ~~أسباب المعاملات. # وظل هاشم تتقدم به السن وهو في مكانته على رياسة مكة لا يفكر أحد في منافسته، حتى خيل لابن ~~أخيه أمية بن عبد شمس أنه قد بلغ مكانا يسوغ له هذه المنافسة، لكنه لم يقدر وغلب على أمره، وبقي ~~الأمر لهاشم. وترك أمية مكة إلى الشام عشر سنوات كاملة. وإن هاشما لفي رحلته يوما ms101 عائدا من ~~الشام مارا بيثرب إذ رأى امرأة ذات شرف وحسب تطل على قوم يتجرون لها؛ تلك سلمى بنت عمرو ~~الخزرجية. وقد أعجب هاشم بها، وسأل: أهي في عصمة رجل؟ فلما عرف أنها مطلقة وأنها لا ترضى زوجا ~~إلا أن تكون عصمتها بيدها، خطبها إلى نفسها فرضيت لعلمها بمكانته من قومه. وأقامت معه بمكة زمنا ~~عادت بعده إلى المدينة حيث ولدت ولدا دعته شيبة ظل في حضانتها بيثرب. # خريطة مكة المكرمة. # ومات هاشم بعد سنين من ذلك بغزة أثناء إحدى رحلات الصيف، فخلفه أخوه المطلب في مناصبه. وكان ~~المطلب أصغر من أخيه عبد شمس، ولكنه كان ذا شرف في القوم وفضل. وكانت قريش تسميه «الفيض» لسماحته ~~وفضله. وطبيعي، وذلك مكان المطلب من قومه، أن تبقى الأمور تسير سيرتها مطمئنة هانئة. # وفكر المطلب يوما في ابن أخيه هاشم، فذهب إلى يثرب وطلب إلى سلمى أن تدفع إليه الفتى وقد بلغ ~~أشده. وأردف المطلب الفتى على بعيره ودخل به مكة، فظنته قريش عبدا له جاء به؛ فتصايحت: عبد ~~المطلب. قال المطلب، ويحكم، إنما هو ابن أخي هاشم قدمت به من يثرب. على أن هذا اللقب غلب على ~~الفتى فدعي به ونسي الناس اسم شيبة الذي دعي به منذ ولد. # وأراد المطلب أن يرد على ابن أخيه أموال هاشم، لكن نوفل أبى ووضع يده عليها. فلما اشتد ساعد ~~عبد المطلب استعدى أخواله بيثرب على عمه كي يردوا عليه حقه. وأقبل ثمانون فارسا من خزرج يثرب ~~لنصرته، فاضطر نوفل إلى رد ماله إليه. وقام عبد المطلب في مناصب هاشم، له السقاية والرفادة من بعد ~~عمه المطلب. وقد لقي في القيام بهذين المنصبين، وبالسقاية بنوع خاص، شيئا غير قليل من المشقة؛ ~~فقد كان يومئذ وليس له من الأبناء إلا ولده الحارث. وكانت سقاية الحاج يؤتى بها، منذ نضبت زمزم، ~~من آبار عدة مبعثرة حول مكة، فتوضع في أحواض إلى جوار الكعبة. وكانت كثرة الولد عونا على تيسير ~~هذا العمل والإشراف عليه. أما وقد ولي عبد ms102 المطلب السقاية والرفادة وليس له ولد إلا الحارث فقد ~~عناه الأمر وطال فيه تفكيره. # وكانت العرب ما تفتأ تذكر زمزم التي طمها مضاض بن عمرو الجرهمي منذ قرون خلت، وتتمنى لو أنها ~~كانت لا تزال باقية. وكان عبد المطلب بطبيعة مركزه أكثرهم تفكيرا في هذا الأمر وأشدهم تمنيا أن ~~يكون. ولقد ألح الرجاء به حتى كان يهتف به الهاتف أثناء نومه يحضه على أن يحفر البئر التي تفجرت ~~تحت أقدام جده إسماعيل. وألح الهاتف يدله على مظان وجودها؛ وألح هو باحثا عن زمزم حتى اهتدى ~~إليها بين الوثنين إساف ونائلة. وجعل يحفر مستعينا بابنه الحارث حتى نبع الماء وظهرت غزالتا ~~الذهب وأسياف مضاض الجرهمي، وأرادت قريش أن تشارك عبد المطلب في البئر وفيما وجد فيها. فقال لهم: ~~لا! ولكن هلم إلى أمر نصف بيني وبينكم: نضرب عليها بالقداح؛ نجعل للكعبة قدحين، ولي قدحين، ~~ولكم قدحين، فمن خرج قدحاه على شيء كان له، ومن تخلف قدحاه فلا شيء له؛ فارتضوا رأيه. ثم أعطوا ~~القداح صاحب القداح الذي يضرب بها عند هبل في جوف الكعبة، فتخلف قدحا قريش وخرجت الأسياف لعبد ~~المطلب والغزالتان للكعبة، فضرب عبد المطلب الأسياف بابا للكعبة، وضرب في الباب غزالتي الذهب ~~حلية للبيت الحرام. وأقام عبد المطلب في سقاية الحاج بعد أن يسرتها زمزم له. # وأحس عبد المطلب قلة حوله في قومه لقلة أولاده، فنذر إن ولد له عشرة بنين ثم بلغوا معه أن ~~يمنعوه من مثل ما لقي حين حفر زمزم لينحرن أحدهم لله عند الكعبة. وتوافى بنوه عشرة آنس فيهم ~~المقدرة على أن يمنعوه؛ فدعاهم إلى الوفاء بنذره فأطاعوه. وفي سبيل هذا الوفاء كتب كل واحد من ~~الأبناء اسمه على قدح، وأخذها عبد المطلب وذهب بها إلى صاحب القداح عند هبل في جوف الكعبة. وكانت ~~العرب كلما اشتدت بها الحيرة في أمر لجأت إلى صاحب القداح كي يستفتي لها كبير الآلهة الأصنام عن ~~طريق القداح. وكانت عبد الله بن عبد المطلب أصغر أبنائه وأحبهم لذلك إليه. ms103 فلما ضرب صاحب القداح ~~القداح التي عليها أسماء هؤلاء الأبناء ليختار هبل من بينها من ينحره أبوه، خرج القدح على عبد ~~الله، فأخذ عبد المطلب الفتى بيده وذهب به لينحره حيث كانت تنحر العرب عند زمزم بين إساف ونائلة. ~~إذ ذاك قامت قريش كلها من أنديتها تهيب به أن لا يفعل، وأن يلتمس عن عدم ذبحه عند هبل عذرا. ~~وتردد عبد المطلب لدى إلحاحهم. وسألهم ما عساه يفعل لترضى الآلهة؟ قال المغيرة بن عبد الله ~~المخزومي: إن كان فداؤه بأموالنا فديناه. وتشاور القوم، واستقر رأيهم على الذهاب إلى عرافة بيثرب ~~لها في مثل هذه الأمور رأي. وجاءوا العرافة، فاستمهلتهم إلى الغد ثم قالت لهم كم الدية فيكم؟ ~~قالوا: عشر من الإبل. قالت: فارجعوا إلى بلادكم ثم تقربوا وقربوا عشرا من الإبل ثم اضربوا عليه ~~وعليها بالقداح، فإن خرجت على صاحبكم فزيدوا من الإبل حتى يرضى ربكم. وقبلوا، وجعلت القداح تخرج ~~على عبد الله فيزيدون في الإبل حتى بلغت مائة، عند ذلك خرجت القداح على الإبل. فقالت قريش لعبد ~~المطلب، وكان أثناء ذلك كله واقفا يدعو ربه: قد رضي ربك يا عبد المطلب. قال عبد المطلب: لا ~~والله، حتى أضرب عليها ثلاث مرات. وفي المرات الثلاث خرجت القداح على الإبل؛ فاطمأن عبد المطلب ~~إلى رضاء ربه ونحرت الإبل، ثم تركت لا يصد عنها إنسان ولا سبع. # بذلك تجري كتب السيرة فتصف طرفا من عادات العرب وعقائدهم وأوضاع هذه العقائد، وتدل في الوقت ~~نفسه على ما بلغت مكة في بلاد العرب من مقام كريم ببيتها الحرام. ويروي الطبري - استدلالا على ~~قصة الفداء هذه - أن امرأة من المسلمين نذرت إن فعلت كذا لتنحرن ابنها، وفعلت ذلك الأمر، ثم ذهبت ~~إلى عبد الله بن عمر فلم ير في فتياها شيئا، فذهبت إلى عبد الله بن العباس فأفتاها بأن تنحر مائة ~~من الإبل، كما كان الأمر في فداء عبد الله بن عبد المطلب، فلما عرف ذلك مروان والي المدينة أنكره، ~~وقال: لا نذر في معصية. ms104 # أدت مكانة مكة ومقام بيتها الحرام إلى إقامة بعض البلاد البعيدة معابد فيها لعلها تصرف الناس ~~عن مكة وعن بيتها. فأقام الغساسنة بيتا بالحيرة. وأقام أبرهة الأشرم بيتا باليمن. فلم يغن ذلك ~~العرب عن بيت مكة ولا هو صرفهم عن البلد الحرام. وقد عني أبرهة بزخرفة بيت اليمن غاية العناية، ~~وجلب له من فاخر الأثاث ما خيل إليه معه أنه صارف العرب وصارف أهل مكة أنفسهم إليه. فلما رأى ~~العرب لا تتجه إلا إلى البيت العتيق، ورأى أهل اليمن يدعون البيت الذي بني يعتبرون حجهم مقبولا ~~إلا بمكة، لم يجد عامل النجاشي وسيلة إلا هدم بيت إبراهيم وإسماعيل. وتهيأ للحرب في جيش لجب من ~~الحبشة تقدمه على فيل عظيم ركبه. وسمعت العرب بذلك. فخافت العاقبة، وعظم عليها أن يقدم رجل حبشي ~~على هدم بيت حجهم ومقام أصنامهم. وهب رجل، كان من أشراف أهل اليمن وملوكها يدعى ذا نفر، فاستنفر ~~قومه ومن أجاب من غيرهم من العرب لمقاتلة أبرهة وصده عما يريد من هدم بيت الله. لكنه لم يستطع أن ~~يثبت لأبرهة بل هزم وأخذ أسيرا. وهزم كذلك نفيل بن حبيب الخثعمي حين جمع قومه من قبيلتي شهران ~~وناهس وأخذ كذلك أسيرا، فأقام نفسه دليلا لأبرهة وجيشه، فلما نزل أبرهة الطائف كلمه أهلها بأن ~~بيتهم ليس هو البيت الذي يريد، إنما هو بيت اللات، وبعثوا معه من يدلهم على مكة. # فلما اقترب أبرهة من مكة بعث رجلا من الجيش على فرسان له، فساق إليه أموال أهل تهامة من قريش ~~وغيرهم وبينها مائة بعير لعبد المطلب بن هاشم. وهمت قريش ومن معهم من أهل مكة بقتاله، ثم رأوا أن ~~لا طاقة لهم به، وبعث أبرهة رجلا من رجاله يدعى حناطة الحميري سأل عن سيد مكة، فذهبوا به إلى ~~عبد المطلب بن هاشم، فأبلغه رسالة أبرهة إليه، أنه لم يأت لحرب وإنما جاء لهدم البيت؛ فإن لم ~~تحاربه مكة فلا حاجة به لدماء أهلها. فلما ذكر له عبد المطلب أنهم لا يريدون حربا ms105 سار به حناطة ~~ومع عبد المطلب بعض أبنائه وبعض كبراء مكة حتى بلغوا معسكر الجيش. وأكرم أبرهة وفادة عبد المطلب ~~وأجابه إلى رد إبله إليه. لكنه أبى إباء تاما كل حديث في أمر الكعبة ورجوعه عن هدمها، ورفض ما ~~عرض عليه وفد مكة من النزول له عن ثلث ثروة تهامة. وعاد عبد المطلب وقومه إلى مكة؛ فنصح للناس أن ~~يخرجوا منها إلى شعاب الجبل خيفة أبرهة وجيشه حين يدخلون البلد الحرام لهدم البيت العتيق. # وكانت ليلة ليلاء تلك التي فكر فيها القوم في هجر بلدهم وما هو نازل به وبهم. ذهب عبد المطلب ~~ومعه نفر من قريش فأخذ حلقة باب الكعبة وجعل يدعو ويدعون يستنصرون آلهتهم على هذا المعتدي على بيت ~~الله. فلما انصرفوا وخلت مكة منهم وآن لأبرهة أن يوجه جيشه ليتم ما اعتزم فيهدم البيت ويعود ~~أدراجه إلى اليمن، كان وباء الجدري قد تفشى بالجيش وبدأ يفتك به؛ وكان فتكه ذريعا لم يعهد من قبل ~~قط. ولعل جراثيم الوباء جاءت مع الريح من ناحية البحر، وأصابت العدوى أبرهة نفسه، فأخذه الروع ~~وأمر قومه بالعودة إلى اليمن. وفر الذين كانوا يدلون على الطريق ومات منهم من مات. وكان الوباء ~~يزداد كل يوم شدة ورجال الجيش يموت منهم من يموت كل يوم بغير حساب. وبلغ أبرهة صنعاء وقد تناثر ~~جسمه من المرض، فلم يقم إلا قليلا حتى لحق بمن مات من جيشه. وبذلك أرخ أهل مكة بعام الفيل هذا، ~~وخلده القرآن بذكره: # ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ~~* ألم يجعل كيدهم في تضليل * وأرسل ~~عليهم طيرا أبابيل * ترميهم بحجارة من سجيل * فجعلهم كعصف مأكول ~~. # 9 # زاد هذا الحادث الفذ العجيب في مكانة مكة الدينية، وزاد تبعا لذلك في مكانتها التجارية، وزاد ~~أهلها انصرافا عن التفكير في شيء غير الاحتفاظ بتلك المكانة الرفيعة الممتازة ومحاربة من يحاول ~~الانتقاص منها أو الاعتداء عليها. # وزاد المكيين حرصا على مكانة مدينتهم ما كانت تتيحه لهم من رخاء وترف على أوسع صورة يستطيع ~~الذهن ms106 تصورها للترف في هذه الجهة الصحراوية البلقع الجرداء. فقد كان لأهلها غرام بالنبيذ أي غرام، ~~وكانوا يجدون في النشوة به نعيما أي نعيم! نعيما يسر لهم أن يطلقوا لشهواتهم أعنتها، وأن يجدوا ~~في الجواري والعبيد الذين يتجرون فيهم والذين يشترونهم متعا تغريهم بالمزيد منها، ويغريهم ذلك ~~بالحرص على حريتهم وحرية مدينتهم، وباليقظة للذود عن هذه الحرية ودفع كل معتد أثيم تحدثه نفسه ~~بالعدوان عليها. # ولم يكن شيء أشهى إليهم من أن يجعلوا سمرهم وشرابهم في سرة المدينة حول بناء الكعبة. وهناك ~~إلى جانب ثلاثمائة صنم أو تزيد، لكل قبيلة من قبائل العرب بينها صنم أو أكثر، كان أكابر قريش ~~والمقدمون من أهل مكة يجلسون؛ يقص كل منهم أمر ما اتصل به من أخبار البادية واليمن وجماعة ~~المناذرة في الحيرة والغساسنة في الشام مما ترد به القوافل أو يتناقله سكان البادية. وكان ذلك يصل ~~إليهم على سبيل الرواية تتناقلها قبيلة عن قبيلة، وكأن كل قبيلة لها مذيع وملتقط لاسلكي يتلقى ~~الأنباء ويذيعها. يقص كل ما اتصل به من أخبار البادية ويروي روايات جيرانه وأصحابه ويشرب نبيذه ~~ويعد نفسه بعد سمر الكعبة لسمر أكثر إشباعا لأهوائه وإمتاعا لشهواته. # وتطل الأصنام بعيونها الحجرية على مجالس السمر هذه، وللسامرين فيها من الحماية أن جعلت الكعبة ~~بيتا حراما ومكة بلد آمنا، وللأصنام على السامرين ألا يدخل مكة كتابي إلا أن يكون أجيرا لا ~~يتحدث بشيء من أمر دينه ومن أمر كتابه؛ ولذلك لم تكن ثمة جاليات من اليهود كما كانت بيثرب، ولا من ~~النصارى كما كانت بنجران. بل كانت كعبتها قدس أقداس الوثنية تحميها من كل مجدف في أمرها، وتحتمي ~~بها من العدوان عليها. وكذلك استقلت مكة بنفسها كما كانت تستقل قبائل العرب بنفسها، ولا ترضى ~~لغيرها عليها سلطانا، ولا ترضى من استقلالها بديلا ولا تعنى من الحياة بغير هذا الاستقلال في ~~حمى أوثانها؛ لا تضار قبيلة قبيلة أخرى، ولا تفكر طائفة من القبائل في الارتباط لتكون جماعة قوية ~~لها ما للروم أو للفرس من ms107 مطامع في السيادة والغزو، ومن ثم ظلت القبائل جميعا ولا كيان لها غير ~~كيان البداوة تنتجع في ظلاله المرعى، وتعيش في كنفه عيشا خشنا، يحببه إليها ما فيه من استقلال ~~وحرية وأنفة وفروسية. # وكانت منازل أهل مكة تحيط بدارة الكعبة، تقترب منها أو تبتعد عنها تبعا لما لكل أسرة وفخذ من ~~جلال خطر وجليل مقام؛ فكان القرشيون أقربهم إليها دارا وأكثرهم بها اتصالا، كما كانت لهم ~~سدانتها وسقاية زمزم وكل ألقاب التشريف الوثنية التي قامت في سبيلها حروب، وانعقدت من أجلها ~~أحلاف، وضعت من أجلها بين القبائل معاهدات صلح كانت تحفظ في الكعبة تسجيلا لها، وإشهادا لآلهتهم ~~على ما فيها حتى تنزل غضبها بمن يخل بتعهداتها. وفيما وراء منازل قريش كانت تجيء منازل القبائل ~~التي تليها في الخطر، ثم تلي هذه منازل من دونهم، حتى تكون منازل العبيد والخلعاء المستهترين. ~~وكان النصارى واليهود بمكة عبيدا. كما قدمنا، فكان مقامهم بهذه المنازل البعيدة عن الكعبة ~~المتاخمة للصحراء؛ ولذلك كان ما يتحدثون به من قصص دينية عن النصرانية واليهودية بعيدا عن أن ~~يتصل بسمع أمجاد قريش وأشراف أهل البلد الحرام. وأتاح لهم بعده أن يصموا دونه آذانهم. كما جعله ~~بحيث لا يشغل بالهم، وهم قد كانوا يسمعون مثله أثناء رحلاتهم كلما مروا بدير من الأديار أو صومعة ~~من الصوامع. # على أن ما بدأ يقال يومئذ عن نبي يظهر بين العرب قد أخذ يقض بعض المضاجع. ولقد عتب أبو سفيان ~~يوما على أمية بن أبي الصلت كثرة تكريره لما يذكره الرهبان من هذا الأمر. وربما كان من حق أبي ~~سفيان يومئذ أن يقول لصاحبه: إن هؤلاء الرهبان إنما يتحدثون من ذلك بما يتحدثون لأنهم في جهل من ~~أمر دينهم. فهم في حاجة إلى نبي يدلهم عليه؛ أما ونحن نتخذ الأصنام ليقربونا إلى الله زلفى فلا ~~حاجة بنا إلى شيء من هذا؛ ويجب علينا أن نحارب كل حديث من مثله. كان من حقه أن يقول هذا؛ لأنه في ~~تعصبه لمكة ووثنيتها لم يكن يقدر ms108 أن ساعة الهدى بالباب، وأن نبوة محمد عليه السلام اقتربت، وأن من ~~بلاد العرب الوثنية المتدابرة سيضيء العالم كله نور التوحيد وكلمة الحق. # وكان عبد الله بن عبد المطلب فتى وسيما جميل الطلعة. وكان أوانس مكة ونساؤها معجبات لذلك ~~به، وزادهن به إعجابا حديث الفداء والمائة من الإبل التي لم يرض هبل بما دونها فداء له، لكن ~~القدر كان قد أعد عبد الله لأكرم أبوة عرفها التاريخ، وأعد آمنة بنت وهب لتكون أما لابن عبد ~~الله؛ لذلك تزوجها ولم تك إلا أشهر بعد زواجه منها حتى مات، لم ينجه من الموت فداء أيا كان ~~نوعه. وبقيت آمنة من بعد لتلد محمدا ولتموت وما يزال طفلا. # ونضع أمام نظر القارئ رسما توضيحيا لشجرة النسب النبوي مبينا عليها أقرب التواريخ لميلاد ~~أصحابها. # الفصل الثالث # | محمد: من ميلاده إلى زواجه # (زواج عبد الله من آمنة - وفاة عبد الله - مولد محمد - رضاعه في بني سعد - قصة الملكين ~~- مقامه خمس سنوات بالبادية - موت آمنة - كفالة عبد المطلب إياه - موت عبد المطلب - ~~كفالة أبي طالب إياه - خروجه إلى الشام في الثانية عشرة من عمره - حرب الفجار - رعيه ~~الغنم - خروجه في تجارة خديجة إلى الشام - زواجه بخديجة) ~~*** # كان عبد المطلب قد جاوز السبعين أو ناهزها حين حاول أبرهة مهاجمة مكة وهدم البيت العتيق. وكان ~~ابنه عبد الله في الرابعة والعشرين من سنه. فرأى أن يزوجه، فاختار له آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن ~~زهرة سيد بني زهرة إذ ذاك سنا وشرفا. وخرج به حتى أتى منازل بني زهرة ودخل وإياه عند وهب وخطب ~~إليه ابنته. ويذهب بعض المؤرخين إلى أنه إنما ذهب إلى أهيب عم آمنة؛ لأن أباها كان هلك وكانت هي ~~في كفالة عمها. وفي اليوم الذي تزوج عبد الله فيه من آمنة تزوج عبد المطلب من ابنة عمها هالة، ~~فأولدها حمزة عم النبي وضريبه في سنه. # وأقام عبد الله مع آمنة في بيت أهلها ثلاثة أيام، على عادة العرب حين يتم الزواج في بيت ms109 ~~العروس. فلما انتقل وإياها إلى منازل بني عبد المطلب لم يقم معها طويلا، إذ خرج في تجارة إلى ~~الشام، وتركها حاملا، وتختلف الروايات في أمر عبد الله وهل تزوج غير آمنة، وهل عرضت عليه نساء ~~غيرها أنفسهن. والوقوف لتقصي أمثال هذه الروايات لا غناء فيه. وكل ما يمكن الاطمئنان إليه أن عبد ~~الله كان شابا وسيما قويا؛ فلم يكن عجبا أن تطمع غير آمنة في الزواج منه. فلما بنى بها ~~تقطعت بغيرها أسباب الأمل ولو إلى حين. ومن يدري، لعلهن قد انتظرن أوبته من رحلته إلى الشام ~~ليكن زوجات له مع آمنة. ومكث عبد الله في رحلته هذه الأشهر التي يقتضيها الذهاب إلى غزة والعود ~~منها، ثم عرج على أخواله بالمدينة يستريح عندهم من وعثاء السفر ليقوم بعد ذلك في قافلة إلى مكة؛ ~~لكنه مرض عند أخواله فتركه رفاقه؛ حتى إذا بلغوا مكة أخبروا أباه بمرضه. ولم يلبث عبد المطلب حين ~~سمع منهم أن أوفد الحارث أكبر بنيه إلى المدينة ليعود بأخيه بعد إبلاله. وعلم الحارث حين بلغ ~~المدينة أن عبد الله مات ودفن بها بعد شهر من مسير القافلة إلى مكة، فرجع أدراجه ينعى أخاه إلى ~~أهله ويثير من قلب عبد المطلب ومن قلب آمنة هما وشجنا، لفقد زوج كانت آمنة ترجو في حياته هناءة ~~وسعادة. وكان عبد المطلب عليه حريصا حتى افتداه من آلهته فداء لم تسمع العرب من قبل ~~بمثله. # وترك عبد الله من بعده خمسة من الإبل وقطيعا من الغنم وجارية هي أم أيمن حاضنة النبي من بعد. ~~ربما لا تكون هذه الثروة مظهر ثراء وسعة؛ لكنها كذلك لم تكن تدل على فقر ومتربة. ثم إن عبد الله ~~كان في مقتبل عمره، فكان قديرا على الكسب والعمل والبلوغ إلى السعة في المال؛ وكان أبوه ما يزال ~~حيا فلم يؤل إليه شيء من ميراثه. # وتقدمت بآمنة أشهر الحمل حتى وضعت كما تضع كل أنثى. فلما تم لها الوضع بعثت إلى عبد المطلب ~~عند الكعبة تخبره أنه ولد ms110 له غلام. وفاض بالشيخ السرور حين بلغه الخبر، وذكر ابنه عبد الله وقلبه ~~مفعم بالغبطة لخلفه، وأسرع إلى زوج ابنه وأخذ طفلها بين يديه، وسار حتى دخل الكعبة وسماه ~~محمدا. وكان هذا الاسم غير متداول بين العرب، لكنه كان معروفا. ورد الجد الصبي إلى أمه وجعل ~~وإياها ينتظر المراضع من بني سعد لتدفع الأم بوليدها إلى إحداهن، على عادة أشراف العرب من أهل ~~مكة. # وقد اختلف المؤرخون في العام الذي ولد محمد فيه؛ فأكثرهم على أنه عام الفيل (570 ميلادية). ~~ويقول ابن عباس: إنه ولد يوم الفيل. ويقول آخرون: إنه ولد قبل الفيل بخمس عشرة سنة، ويذهب غير ~~هؤلاء إلى أنه ولد بعد الفيل بأيام أو بأشهر أو بسنين، يقدرها قوم بثلاثين سنة، ويقدرها قوم ~~بسبعين. # واختلف المؤرخون كذلك في الشهر الذي ولد فيه وإن كانت كثرتهم على أنه ولد في شهر ربيع الأول. ~~وقيل: ولد في المحرم. وقيل ولد في صفر وبعضهم يرجح رجبا، على حين يرجح آخرون شهر رمضان. # كذلك اختلف في تاريخ اليوم من الشهر الذي ولد فيه؛ فقيل: ولد لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول، ~~وقيل: لثماني ليال، وقيل: لتسع. والجمهور على أنه ولد في الثاني عشر من شهر ربيع الأول، وهو قول ~~ابن إسحاق وغيره . # وكذلك اختلف في الوقت الذي ولد فيه أنهارا كان أم ليلا. كما اختلف في مكان ولادته بمكة. ~~ويرجح كوسان دبرسفال في كتابه عن العرب أن محمدا ولد في أغسطس سنة 570، أي عام الفيل، ~~وأنه ولد بمكة بدار جده عبد المطلب. # وفي سابع يوم لمولده أمره عبد المطلب بجزور فنحرت، ودعا رجالا من قريش فحضروا وطعموا. فلما ~~علموا منه أنه أسمى الطفل محمدا سألوه لم رغب عن أسماء آبائه؟ فقال: أردت أن يكون محمودا في ~~السماء لله وفي الأرض لخلقه. # انتظرت آمنة مجيء المراضع من بني سعد لتدفع به إلى إحداهن كعادة أشراف العرب من أهل مكة. ولا ~~تزال هذه العادة متبعة عند أشراف مكة؛ إذ يبعثون أبناءهم إلى البادية في ms111 اليوم الثامن من مولدهم ~~ثم لا يعودون إلى الحضر حتى يبلغوا الثامنة أو العاشرة. ومن قبائل البادية من لها في المراضع ~~شهرة، ومن بينها قبيلة بني سعد. وفي انتظار المراضع دفعت آمنة بالطفل إلى ثويبة جارية عمه أبي لهب ~~فأرضعته زمنا، كما أرضعت من بعد عمه حمزة؛ فكانا أخوين في الرضاع. ومع أن ثويبة لم ترضعه إلا ~~أياما فقد ظل يحفظ لها خير الود ويصلها ما عاشت؛ ولما ماتت في السنة السابعة من هجرته إلى ~~المدينة سأل عن ابنها الذي كان أخاه في الرضاع ليصله مكانها، فعلم أنه مات قبلها. # وجاءت مراضع بني سعد إلى مكة يلتمسن الأطفال لإرضاعهم. وكن يعرضن عن اليتامى لأنهن كن ~~يرتجين البر من الآباء. أما اليتامى فكان الرجاء فيهن قليلا؛ لذلك لم تقبل واحدة من أولئك ~~المراضع على محمد، وذهبت كل بمن ترجو من أهله وافر الخير. # على أن حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية التي أعرضت عن محمد أول الأمر كما أعرض عنه غيرها لم تجد ~~من تدفع إليها طفلها؛ ذلك أنها كانت على جانب من ضعف الحال صرف الأمهات عنها. فلما أجمع القوم على ~~الانطلاق عن مكة قالت حليمة لزوجها الحارث بن عبد العزى: والله إني لأكره أن أرجع مع صواحبي ولم ~~آخذ رضيعا ، والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم ولآخذنه! وأجابها زوجها: لا عليك أن تفعلي، عسى الله أن ~~يجعل لنا فيه بركة. وأخذت حليمة محمدا وانطلقت به مع قومها إلى البادية. وكانت تحدث أنها وجدت ~~فيه منذ أخذته أي بركة: سمنت غنمها وزاد لبنها، وبارك الله لها في كل ما عندها. # وأقام محمد في الصحراء سنتين ترضعه حليمة وتحضنه ابنتها الشيماء؛ ويجد هو في هواء الصحراء ~~وخشونة عيش البادية ما يسرع به إلى النمو ويزيد في وسامة خلقه وحسن تكوينه. فلما أتم سنتيه وآن ~~فصاله ذهبت به حليمة إلى أمه ثم عادت به إلى البادية، رغبة من أمه، في رواية، ومن حليمة في رواية ~~أخرى؛ عادت به حتى يغلظ، وخوفا عليه من وباء ms112 مكة. وأقام الطفل بالصحراء سنتين أخريين يمرح في جو ~~باديتها الصحو الطلق لا يعرف قيدا من قيود الروح ولا من قيود المادة. # في هذه الفترة وقبل أن يبلغ الثالثة تقع الرواية التي يقصونها من أنه كان مع أخيه الطفل من ~~سنه في بهم لأهله خلف بيوتهم؛ إذ عاد أخوه الطفل السعدي يعدو ويقول لأبيه وأمه: ذلك أخي القرشي ~~قد أخذه رجلان عليهما ثياب بيض، فأضجعاه فشقا بطنه، فهما يسوطانه. # 1 # ويروى عن حليمة أنها قالت عن نفسها وزوجها: «فخرجت أنا وأبوه نحوه، فوجدناه قائما ممتقعا ~~وجهه، فالتزمته والتزمه أبوه، فقلنا له: ما لك يا بني؟ قال: جاءني رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاني ~~فشقا بطني فالتمسا فيه شيئا لم أدر ما هو.» ورجعت حليمة ورجع أبوه إلى خبائهما. وخشي الرجل أن ~~يكون الغلام أصابته الجن، فاحتملاه إلى أمه بمكة. ويروي ابن إسحاق في هذه الواقعة حديثا عن النبي ~~بعد بعثه، لكن ابن إسحاق يحتاط بعد أن يقص هذه القصة ويذكر أن السبب في رده إلى أمه لم يكن ~~حكاية الملكين وإنما كان - على ما روته حليمة لآمنة - أن نفرا من نصارى الحبشة رأوه معها حين ~~رجعت به بعد فطامه، فنظروا إليه وسألوها عنه وقلبوه ثم قالوا: لنأخذن هذا الغلام فلنذهب ~~به إلى ملكنا وبلدنا؛ فإن هذا غلام كائن له شأن نحن نعرف أمره. ولم تكد حليمة تنفلت به منهم. ~~وكذلك يرويها الطبري، لكنه يحيطها بالريبة؛ إذ يذكرها في هذه السنة من حياة محمد، ثم يعود فيذكر ~~أنها وقعت قبيل البعث وسنه أربعون سنة. # لا يطمئن المستشرقون ولا يطمئن جماعة من المسلمين كذلك إلى قصة الملكين هذه ويرونها ~~ضعيفة السند. فالذي رأى الرجلين في رواية كتاب السيرة إنما هو طفل لا يزيد على سنتين إلا ~~قليلا، وكانت كذلك سن محمد يومئذ، والروايات تجمع على أن محمدا أقام ببني سعد إلى الخامسة من ~~عمره، فلو كان هذا الحادث قد وقع وسنه سنتان ونصف سنة، ورجعت حليمة وزوجها إذ ذاك به إلى أمه، ~~لكان ms113 في الروايتين تناقض غير مقبول؛ ولذلك يرى بعض الكتاب أنه عاد مع حليمة مرة ~~ثالثة. # ولا يرضى المستشرق سير وليم موير أن يشير إلى قصة الرجلين في ثيابهما البيضاء، ويذكر أنه إن ~~كانت حليمة وزوجها قد نبها لشيء أصاب الطفل فلعله نوبة عصبية أصابته، ولم يكن لها أن تؤذي صحته ~~لحسن تكوينه، ولعل آخرين يقولون: إنه لم يكن في حاجة إلى من يشق بطنه أو صدره ما دام الله قد ~~أعده من يوم خلقه لتلقي رسالته. ويرى درمنجم أن هذه القصة لا تستند إلى شيء غير ما يفهم من ~~ظاهر الآيات: # ألم نشرح لك صدرك * ووضعنا ~~عنك وزرك * الذي أنقض ظهرك # 2 # وأن ما يشير القرآن إليه إنما هو عمل روحي بحت، والغاية منه تطهير هذا القلب وتنظيفه ~~ليتلقى الرسالة القدسية خالصا ويؤديها مخلصا تماما الإخلاص محتملا عبء الرسالة المضني. # وإنما يدعو المستشرقين ويدعو المفكرين من المسلمين إلى هذا الموقف من ذلك الحديث أن حياة محمد ~~كانت كلها إنسانية سامية، وأنه لم يلجأ في إثبات رسالته إلى ما لجأ إليه من سبقه من أصحاب ~~الخوارق، وهم في هذا يجدون من المؤرخين العرب والمسلمين سندا حين ينكرون من حياة النبي العربي كل ~~ما لا يدخل في معروف العقل، ويرون ما ورد من ذلك غير متفق مع ما دعا القرآن إليه من النظر في خلق ~~الله، وأن سنة الله لن تجد لها تبديلا، غير متفق مع تعيير القرآن للمشركين أنهم لا يفقهون أن ~~ليست لهم قلوب يعقلون بها. # وأقام محمد في بني سعد إلى الخامسة من عمره ينهل من جو الصحراء الطلق روح الحرية والاستقلال ~~النفسي، ويتعلم من هذه القبيلة لغة العرب مصفاة أحسن التصفية، حتى لقد كان يقول من بعد لأصحابه: ~~«أنا أعربكم؛ أنا قرشي واسترضعت في بني سعد بن بكر.» وتركت هذه السنوات الخمس في نفسه أجمل الأثر ~~وأبقاه، كما بقيت حليمة وبقي أهلها موضع محبته وإكرامه طوال حياته. أصابت الناس سنة # 3 # بعد زواج محمد من خديجة؛ فجاءته حليمة ms114 فعادت من عنده ومعها من مال خديجة بعير يحمل ~~الماء وأربعون رأسا من الغنم. وكانت كلما أقبلت عليه مد لها طرف ردائه لتجلس عليه سيما الاحترام. ~~وكانت الشيماء ابنتها بين من أسر من بني هوازن بعد حصار الطائف، فلما جيء بها إلى محمد عرفها ~~وأكرمها وردها إلى أهلها كما رغبت. # وعاد إلى أمه بعد هذه السنوات الخمس. ويقال: إن حليمة التمسته وهي مقبلة به على أهله فلم ~~تجده؛ فأتت عبد المطلب فأخبرته أنه ضل منها بأعلى مكة. فبعث من يبحث عنه حتى رده عليه ورقة بن ~~نوفل فيما يروون. وكفل عبد المطلب حفيده، وأغدق عليه كل حبه، وأسبغ عليه جم رعايته. كان يوضع لهذا ~~الشيخ، سيد قريش وسيد مكة كلها، فراش في ظل الكعبة، فكان بنوه يجلسون حول ذلك الفراش إجلالا ~~لأبيهم، فإذا جاء محمد أدناه عبد المطلب منه وأجلسه على الفراش معه وربت على ظهره، وأبدى من آيات ~~عطفه ما يمنع أعمام محمد من تأخيره إلى حيث يجلسون. # وزاد في إعزاز الجد لحفيده أن آمنة خرجت بابنها إلى المدينة لتري الغلام فيها أخوال جده من ~~بني النجار، وأخذت معها أم أيمن الجارية التي خلفها عبد الله من بعده. فلما كانوا بها أرت ~~الغلام البيت الذي مات أبوه فيه والمكان الذي دفن به ، فكان ذلك أول معنى لليتم انطبع في نفس ~~الصبي. # ولعل أمه حدثته طويلا عن هذا الأب المحبوب الذي غادرها بعد مقامه معها أياما معدودة ليجيئه ~~بعين أخواله أجله، فقد كان النبي بعد هجرته إلى المدينة يقص على أصحابه حديث تلك الرحلة الأولى ~~إلى المدينة مع أمه، حديث محب للمدينة محزون لمن تحوي القبور من أهله بها. ولما تم مكثهم بيثرب ~~شهرا اعتزمت آمنة العودة، فركبت وركب من معها بعيريهما اللذين حملاهما من مكة. فلما كانوا في ~~أثناء الطريق بين البلدين مرضت آمنة بالأبواء # 4 # وماتت ودفنت بها، وعادت أم أيمن بالطفل إلى مكة منتحبا وحيدا يشعر بيتم ضاعفه عليه ~~القدر فيزداد وحشة وألما. لقد كان منذ أيام ms115 يسمع من أمه أنات الألم لفقد أبيه وهو ما يزال ~~جنينا، وها هو ذا قد رأى بعينيه أمه تذهب كما ذهب أبوه وتدع جسمه الصغير يحمل هم اليتم ~~كاملا. # زاد ذلك في إعزاز عبد المطلب إياه. مع ذلك بقيت ذكرى اليتم أليمة عميقة في نفسه، حتى وردت في ~~القرآن؛ إذ يذكر الله نبيه بالنعمة عليه فيقول: # ألم يجدك يتيما ~~فآوى * ووجدك ضالا فهدى ~~. # 5 # ولعل جوى هذه الذكرى كان يخف بعض الشيء لو أن عبد المطلب عمر أكثر مما عمر، لكنه مات في ~~الثمانين من عمره ومحمد ما يزال في الثامنة. وحزن محمد لموت جده حزنه لموت أمه. حزن حتى كان دائم ~~البكاء وهو يتبع نعشه إلى مقره الأخير، وحتى كان دائم الذكر من بعد ذلك له، مع ما لقي من بعد في ~~كفالة عمه أبي طالب من عناية ورعاية، ومن حماية امتدت إلى ما بعد بعثه ورسالته، ودامت إلى أن مات ~~عمه. والحق أن موت عبد المطلب كان على بني هاشم جميعا ضربة قاسية؛ فإنه لم يكن من أبنائه من كان ~~في مثل مكانته عزما وقوة أيد وأصالة رأي وكرما وأثرا في العرب جميعا. ألم يكن يطعم الحاج ~~ويسقيهم ويبر أهل مكة جميعا إذا أصابهم شر أو أذى؟! وها هم أولاء أبناؤه لم يصل أحد منهم إلى ~~مكانته؛ إذ كان فقيرهم عاجزا عن مثل عمله، وكان غنيهم حريصا على ماله. لذلك ما لبث بنو أمية أن ~~تهيئوا ليأخذوا المكانة التي طمعوا فيها من قبل دون أن يخشوا من بني هاشم مزاحمة تخيفهم. # آلت كفالة محمد إلى أبي طالب وإن لم يكن أكبر إخوته سنا؛ فقد كان الحارث أسنهم، وإن لم يكن ~~أكثرهم يسارا. وكان العباس أكثرهم مالا، لكنه كان على ماله حريصا؛ لذلك احتفظ بالسقاية وحدها ~~دون الرفادة، فلا عجب أن كان أبو طالب على فقره أنبلهم وأكرمهم في قريش مكانة واحتراما، ولا عجب ~~أن عهد إليه عبد المطلب بكفالة محمد من بعده. # وقد أحب أبو طالب ابن أخيه ms116 كحب عبد المطلب له. أحبه حتى كان يقدمه على أبنائه، وكان يجد فيه ~~من النجابة والذكاء والبر وطيب النفس ما يزيده به تعلقا: ولقد أراد أن يخرج يوما في تجارة له ~~إلى الشام حين كان محمد في الثانية عشرة من عمره؛ ولم يفكر في اصطحابه خوفا عليه من وعثاء السفر ~~واجتياز الصحراء. لكن محمدا أبدى من صادق الرغبة في مصاحبة عمه ما قضى على كل تردد في نفس أبي ~~طالب. وصحب الغلام القافلة حتى بلغ بصرى في جنوب الشام، وتروي كتب السيرة أنه التقى في هذه الرحلة ~~بالراهب بحيرى، وأن الراهب رأى فيه أمارات النبوة على ما تدله أنباء النصرانية. وتذهب بعض ~~الروايات إلى أن الراهب نصح إلى أهله ألا يوغلوا به في بلاد الشام خوفا عليه من اليهود أن يعرفوا ~~منه هذه الأمارات فينالوه بالأذى. # في هذه الرحلة وقعت عينا محمد الجميلتان على فسحة الصحراء، وتعلقتا بالنجوم اللامعة في سمائها ~~الصافية البديعة. وجعل يمر بمدين ووادي القرى وديار ثمود وتستمع أذناه المرهفتان إلى حديث العرب ~~وأهل البادية عن هذه المنازل وأخبارها وماضي نبئها. وفي هذه الرحلة وقف من بلاد الشم عند الحدائق ~~الغناء اليانعة التي أنسته حدائق الطائف وما يروى عنها، والتي تبدت له جنات إلى جانب جدب ~~الصحراء المقفرة والجبال الجرداء فيما حول مكة. وفي الشام كذلك عرف محمد أخبار الروم ونصرانيتهم، ~~وسمع عن كتابهم وعن مناوأة الفرس من عباد النار لهم وانتظارهم الوقيعة بهم. ولئن كان بعد في ~~الثانية عشرة من سنه لقد كان له من عظمة الروح وذكاء القلب ورجحان العقل ودقة الملاحظة وقوة ~~الذاكرة وما إلى ذلك من صفات حباه القدر بها للرسالة العظيمة التي أعده لها، ما جعله ينظر إلى ما ~~حوله نظرة الفاحص المحقق، فلا يستريح إلى كل ما يسمع ويرى، فيرجع إلى نفسه يسائلها: أين الحق من ~~ذلك كله؟ # والراجح أن أبا طالب لم يفد مالا كثيرا من رحلته تلك، فلم يعد من بعد إلى رحلة مثلها، بل ~~قنع بحظه، وأقام بمكة ms117 يكفل في حدود ماله القليل أولاده الكثيرين. وأقام محمد مع عمه قانعا ~~بنصيبه، يقوم من الأمر بما يقوم به من هم في مثل سنه. فإذا جاءت الأشهر الحرم ظل بمكة مع أهله، أو ~~خرج وإياهم إلى الأسواق المجاورة لها بعكاظ ومجنة وذي المجاز يستمع لإنشاد أصحاب المذهبات ~~والمعلقات، وتلتهم أذناه بلاغتهم في غزلهم وفخرهم وذكرهم أنسابهم ومغازيهم وكرمهم وفضلهم، ثم ~~يعرض ذلك على بصيرته تلفظ منه ما لا تسيغ وتعجب بما تراه جديرا بالإعجاب. ويستمع إلى خطب ~~الخطباء، ومن بينهم اليهود والنصارى الذين كانوا ينقمون من إخوانهم العرب وثنيتهم، ويحدثونهم عن ~~كتب عيسى وموسى. ويدعونهم إلى ما يعتقدونه الحق. ويزن ذلك بميزان قلبه فيراه خيرا من هذه الوثنية ~~التي غرق فيها أهله، ولكنه لا يطمئن كل الطمأنينة إليه. وكذلك جعل القدر يوجه نفسه منذ نعومة ~~أظفاره الوجه التي تهيئه لذلك اليوم العظيم، يوم الوحي الأول حين دعاه ربه لتبليغ رسالته: رسالة ~~الهدى والحق للناس كافة. # وكما عرف محمد طرق القوافل في الصحراء مع عمه أبي طالب، وكما استمع إلى الشعراء والخطباء مع ~~ذويه في الأسواق حول مكة أثناء الأشهر الحرم، عرف كذلك حمل السلاح؛ إذ وقف إلى جانب أعمامه في حرب ~~الفجار. وحرب الفجار تلك كانت بعض ما يثور ويتصل بين قبائل العرب من الحروب . وقد سميت الفجار ~~لأنها وقعت في الأشهر الحرم، إذ تمتنع قبائل العرب عن القتال ويعقدون أسواق تجارتهم بعكاظ بين ~~الطائف ونخلة وبمجنة وذي المجاز على مقربة من عرفات، لتبادل التجارة وللتفاخر والجدل، وللحج بعد ~~ذلك عند أصنامهم بالكعبة. وكانت سوق عكاظ أكثر أسواق العرب شهرة، فيها أنشد أصحاب المعلقات ~~معلقاتهم، وفيها خطب قس، وفيها كان اليهود والنصارى وعباد الأصنام يحدث كل عن رأيه ~~آمنا، لأنه في الشهر الحرام. # على أن البراض بن قيس الكناني لم يحترم هذه الحرمة حين غافل أثناءها عروة الرحال بن عتبة ~~الهوازني وقتله. وسبب ذلك أن النعمان بن المنذر كان يبعث كل عام قافلة من الحيرة إلى عكاظ تحمل ~~المسك وتجيء ms118 بديلا منه بالجلود والحبال وأنسجة اليمن المزركشة. فعرض البراض الكناني نفسه عليه ~~ليقود القافلة في حماية قبيلته كنانة؛ وعرض عروة الهوازني نفسه كذلك وأن يتخطى إلى الحجاز طريق ~~نجد. واختار النعمان عروة؛ فأحفظ ذلك البراض فتبعه وغاله وأخذ قافلته. ثم أخبر البراض بشر بن ~~أبي خازم أن هوازن ستأخذ بثأرها من قريش. ولحقت هوازن بقريش قبل أن يدخلوا البيت الحرام فاقتتلوا، ~~وتراجعت قريش حتى لاذت من المنتصرين بالحرم، فأنذرتهم هوازن الحرب بعكاظ العام المقبل. وقد ظلت ~~هذه الحرب تنشب بين الفريقين أربع سنوات متتابعة انتهت بعدها إلى صلح من نوع صلح البادية ذلك بأن ~~يدفع من كانوا أقل قتلى دية العدد الزائد على قتلاهم من الفريق الآخر. ودفعت قريش دية عشرين رجلا ~~من هوازن، وذهب البراض مثلا في الشقاوة. # لم يحقق التاريخ سن محمد أيام حرب الفجار؛ فقيل كان ابن خمس عشرة سنة؛ وقيل: كان ابن عشرين. ~~ولعل سبب الخلاف أن هذه الحرب استطالت أربع سنوات تجعل حاضر أولها وهو في الخامسة عشرة يلحق ~~آخرها في جوار العشرين. # وقد اختلف فيما قام به محمد من عمل في هذه الحرب. فقال أناس: إنه كان يجمع السهام التي تقع ~~من هوازن ويدفعها إلى أعمامه ليردوها إلى صدور خصومهم، وقال آخرون: بل اشترك فيها ورمى السهام ~~بنفسه. وما دامت الحرب المذكورة قد امتدت فتراتها في سنوات أربع، فليس ما يمنع صحة الروايتين؛ ~~فيكون قد جمع السهام لأعمامه أول الأمر ورمى من بعد ذلك. وقد ذكر رسول الله الفجار بعد سنوات من ~~رسالته فقال: «قد حضرته مع عمومتي ورميت فيه بأسهم، وما أحب أني لم أكن فعلت.» # وقد شعرت قريش بعد الفجار بأن ما أصابها وما أصاب مكة جميعا بعد موت هاشم وموت عبد المطلب من ~~تفرق الكلمة وحرص كل فريق على أن يكون صاحب الأمر، قد أطمع فيها العرب بعد ما كانت أمنع من أن ~~يطمع فيها طامع. إذ ذاك دعا الزبير بن عبد المطلب، فاجتمعت بنو هاشم، وزهرة، وتيم، في دار عبد ms119 ~~الله بن جدعان، فصنع لهم طعاما، فتعاقدوا وتعاهدوا بالله المنتقم ليكونن مع المظلوم حتى ~~يؤدى إليه حقه ما بل بحر صوفة. وقد حضر محمد هذا الحلف الذي سماه العرب حلف الفضول؛ وكان ~~يقول: «ما أحب أن لي بحلف حضرته في دار ابن جدعان حمر النعم ولو دعيت به لأجبت.» # لم تكن حرب الفجار، كما رأيت، تستغرق إلا أياما من كل عام؛ أما سائر العام فكان العرب يرجعون ~~فيه إلى أعمالهم يزاولونها دون أن تترك الحرب في نفوسهم من المرارة ما يحول بينهم وبين التجارة ~~والربا والشراب والتسري والأخذ من مختلف ألوان اللهو بأوفر نصيب. أفكان محمد يشاركهم في هذا؟ أم ~~كانت رقة حاله وضيق ذات يده وكفالة عمه إياه تجعله بمنأى عنها ينظر إلى الترف نظرة المحروم ~~والمشتهي؟ أما أنه نأى عنها فذلك ما يشهد به التاريخ. لكنه لم ينأ عنها عجزا عن النيل منها؛ فقد ~~كان الخلعاء المقيمون بأطراف مكة والذين لا يجدون من أسباب الرزق إلا الضنك والإملاق يجدون ~~الوسيلة إليها، بل كان بعضهم أشد من أمجاد مكة وأشراف قريش إمعانا فيها وإدمانا لها. إنما كانت ~~نفس محمد مشغوفة بأن ترى وأن تسمع وأن تعرف. وكأن حرمانه من التعلم الذي يتعلمه بعد أنداده من ~~أبناء الأشراف جعله أشد للمعرفة تشوقا، وبها تعلقا؛ كما أن النفس العظيمة التي تجلت من بعد ~~آثارها وما زال يغمر العالم ضياؤها، كانت في توقها إلى الكمال ترغب عن هذا اللهو الذي يصبو إليه ~~أهل مكة، إلى نور الحياة المتجلي في كل مظاهر الحياة لمن هداه الحق إليها، ولاكتناه ما تدل هذه ~~المظاهر عليه وما تحدث الموهوبين به. ولذلك ظهر منذ الصبا الأول مظهر الكمال والرجولية وأمانة ~~النفس، حتى دعاه أهل مكة جميعا «الأمين». # ومما زاده انصرافا إلى التفكير والتأمل اشتغاله برعي الغنم سني صباه تلك، فقد كان يرعى غنم ~~أهله، ويرعى غنم أهل مكة، وكان يذكر رعيه إياها مغتبطا. وكان يقول: «ما بعث الله نبيا إلا رعى ~~الغنم ...» ويقول: «بعث موسى وهو راعي ms120 غنم، وبعث داود وهو راعي غنم، وبعثت وأنا أرعى غنم أهلي ~~بأجياد.» وراعي الغنم الذكي القلب يجد في فسحة الجو الطلق أثناء النهار وفي تلألؤ النجوم إذا ~~جن الليل موضعا لتفكيره وتأمله يسبح منه في هذه العوالم، يبتغي أن يرى ما ورائها، ويلتمس في ~~مختلف مظاهر الطبيعة تفسيرا لهذا الكون وخلقه؛ وهو يرى نفسه، ما دام ذكي الفؤاد عليم القلب، ~~بعض هذا الكون غير منفصل عنه. أليس هو يتنفس هواءه ولو لم يتنفسه قضى؟! أليست تحييه أشعة الشمس ~~ويغمرها ضياء القمر ويتصل وجوده بالأفلاك والعوالم جميعا. هذه الأفلاك والعوالم التي يرى في فسحة ~~الكون أمامه، متصلا بعضها ببعض في نظام محكم، لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق ~~النهار؟! وإذا كان نظام هذا القطيع من الغنم أمام محمد يقتضي انتباهه ويقظته حتى لا يعدو الذئب ~~على شاة منها، وحتى لا تضل إحداها في مهامه البادية، فأي انتباه وأية قوة تحفظ على نظام ~~العالم كل إحكامه؟! وهذا التفكير والتأمل من شأنهما صرف صاحبهما عن التفكير في شهوات الإنسان ~~الدنيا والسمو به عنها بما يبديان له من كاذب زخرفها. لذلك ارتفع محمد في أعماله وتصرفاته عن ~~كل ما يمس هذا الاسم الذي أطلق عليه بمكة وبقي له: «الأمين». # يدل على ذلك كله ما حدث هو عنه، من أنه كان يرعى الغنم مع زميل له، فحدثته نفسه يوما أن ~~يلهو كما يلهو الشباب، فأفضى إلى زميله هذا ذات مساء أنه يود أن يهبط مكة، يلهو بها لهو الشباب في ~~جنح الليل. وطلب لذلك إليه أن يقوم على حراسة أغنامه. لكنه ما إن بلغ أعلى مكة حتى استرعى انتباهه ~~عرس زواج وقف عنده، ثم ما لبث أن نام. ونزل مكة ليلة أخرى لهذه الغاية، فامتلأت آذانه بأصوات ~~موسيقية بارعة كأنما هي موسيقى السماء، فجلس يستمع ثم نام حتى أصبح. وماذا عسى أن تفعل مغريات مكة ~~بقلب مهذب ونفس كلها تفكير وتأمل؟! ماذا عسى أن تكون هذه المغريات التي وصفنا والتي لا ms121 يستريح ~~إليها من يكون دون محمد سموا بمراحل كثيرة؟! لذلك أقام بعيدا عن النقص، لا يجد لذة يذوقها أطيب ~~لنفسه من لذة التفكير والتأمل. # وحياة التفكير والتأمل وما يستريح إليه من عمل بسيط كرعي الغنم، ليست بالحياة التي تدر على ~~صاحبها أخلاف الرزق أو تفتح أمامه أبواب اليسار. وما كان محمد يهتم لذلك أو يعنى به، وقد ظل طول ~~حياته أشد الناس زهدا في المادة ورغبة عنها. وما إقباله عليها وقد كان الزهد بعض طبعه؟ وكان لا ~~يحتاج من الحياة إلى أكثر مما يقيم صلبه! أليس هو القائل: «نحن قوم لا نأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا ~~لا نشبع»؟! أليس هو الذي عرف عنه كل حياته حرصه على شظف العيش ودعوة الناس إلى الاستمتاع بخشونة ~~الحياة؟ والذين يتوقون إلى المال ويلهثون في طلبه إنما يبتغونه لإرضاء شهوات لم يعرف محمد طوال ~~حياته شيئا منها. واللذة النفسية الكبرى، لذة الاستمتاع بما في الكون من جمال ومن دعوة إلى ~~التأمل، هذه اللذة العظيمة التي لا يعرفها إلا الأقلون، والتي كانت لذة محمد منذ نشأته ومنذ أرته ~~الحياة في نعومة أظفاره ذكريات بقيت مطبوعة في نفسه داعية إلى الزهد في الحياة، وأولاها موت أبيه ~~وهو ما يزال جنينا، ثم موت أمه، ثم موت جده - هذه اللذة ليست في حاجة إلى ثروة من المال وإن تكن ~~في حاجة إلى ثروة نفسية طائلة يعرف الإنسان معها كيف يعكف على نفسه ويعيش بها وفي دخيلتها. ولو أن ~~محمدا ترك وشأنه يومئذ لما نازعته نفسه إلى شيء من المال، ولظل سعيدا بهذه الحال، حال الرعاة ~~المفكرين الذين ينتظمون الكون في أنفسهم، والذين يحتويهم الكون في حبة قلبه. # لكن عمه أبا طالب كان - كما قدمنا - حليف فقر كثير عيال؛ لذلك رأى أن يجد لابن أخيه سببا ~~للرزق أوسع مما يجيئه من أصحاب الغنم التي يرعى. فبلغه يوما أن خديجة بنت خويلد تستأجر رجالا من ~~قريش في تجارتها، وكانت خديجة امرأة تاجرة ذات شرف ومال، تستأجر الرجال في مالها يضاربون ms122 لها به ~~بشيء تجعله لهم. ولقد زاد في ثروتها أنها - وكانت من بني أسد - قد تزوجت مرتين في بني مخزوم مما ~~جعلها من أوفر أهل مكة غنى. وكانت تقوم على مالها بمعونة أبيها خويلد وبعض ذوي ثقتها. وقد ردت ~~خطبة الذين خطبوها من كبار قريش؛ لأنها كانت تعتقد أنهم ينظرون إلى مالها، واعتزمت أن تقف جهدها ~~على تنمية ثروتها. وإذ علم أبو طالب أنها تجهز لخروج تجارتها إلى الشام مع القافلة نادى ابن أخيه، ~~وكان يومئذ في الخامسة والعشرين من سنه، وقال له: يا ابن أخي، أنا رجل لا مال لي، وقد اشتد الزمان ~~علينا، وقد بلغني أن خديجة استأجرت فلانا ببكرين، ولسنا نرضى لك بمثل ما أعطته، فهل لك أن ~~أكلمها؟ قال محمد: ما أحببت! فخرج أبو طالب إليها فقال لها: هل لك يا خديجة أن تستأجري محمدا؟ ~~فقد بلغنا أنك استأجرت فلانا ببكرين، ولسنا نرضى لمحمد دون أربعة بكار. وكان جواب خديجة: لو سألت ~~ذلك لبعيد بغيض فعلنا، فكيف وقد سألته لحبيب قريب؟! وعاد العم إلى ابن أخيه يذكر له الأمر ويقول ~~له: هذا رزق ساقه الله إليك. # خرج محمد مع ميسرة غلام خديجة بعد أن أوصاه أعمامه به. وانطلقت القافلة في طريق الصحراء إلى ~~الشام مارة بوادي القرى ومدين وديار ثمود وبتلك البقاع التي مر بها محمد مع عمه أبي طالب وهو في ~~الثانية عشرة من عمره. وأحيت هذه الرحلة في نفسه ذكريات الرحلة الأولى، كما زادته تأملا وتفكيرا ~~في كل ما رأى وسمع من قبل عن العبادات والعقائد بالشام أو بالأسواق المحيطة بمكة. فلما بلغ بصرى ~~اتصل بنصرانية الشام وتحدث إلى رهبانها وأحبارها، وتحدث إليه راهب نسطوري وسمع منه. ولعله أو ~~لعل غيره من الرهبان قد جادل محمدا في دين عيسى، هذا الدين الذي كان قد انقسم يومئذ شيعا ~~وأحزابا، كما بسطنا من قبل. واستطاع محمد بأمانته ومقدرته أن يتجر بأموال خديجة تجارة أوفر ربحا ~~مما فعل غيره من قبل، واستطاع بحلو شمائله وجمال عواطفه أن ms123 يكسب محبة ميسرة وإجلاله. فلما آن لهم ~~أن يعودوا ابتاع لخديجة من تجارة الشام كل ما رغبت إليه أن يأتيها بها. # فلما بلغت القافلة مر الظهران في طريق عودتها، قال ميسرة: يا محمد، أسرع إلى خديجة فأخبرها ~~بما صنع الله لها على وجهك فإنها تعرف ذلك لك. وانطلق محمد حتى دخل مكة في ساعة الظهيرة، وكانت ~~خديجة في علية لها، فرأته وهو على بعيره، ونزلت حين دخل دارها واستقبلته. واستمعت إليه يقص ~~بعبارته البليغة الساحرة خبر رحلته وربح تجارته وما جاء به من صناعة الشام، وهي تنصت مغتبطة ~~مأخوذة. وأقبل ميسرة من بعد فروى لها عن محمد ورقة شمائله وجمال نفسه ما زادها علما به فوق ما ~~كانت تعرف من فضله على شباب مكة. ولم يك إلا رد الطرف حتى انقلبت غبطتها حبا جعلها - وهي في ~~الأربعين من سنها، وهي التي ردت من قبل أعظم قريش شرفا ونسبا - تود أن تتزوج من هذا الشاب الذي ~~نفذت نظراته ونفذت كلماته إلى أعماق قلبها. وتحدثت في ذلك إلى أختها على قول، وإلى صديقتها نفيسة ~~بنت منية على قول آخر. وذهبت نفيسة دسيسا إلى محمد فقالت له: ما يمنعك أن تتزوج؟ قال: ما بيدي ما ~~أتزوج به. قالت: فإن كفيت ذلك ودعيت إلى الجمال والمال والشرف والكفاءة ألا تجيب؟ قال: فمن هي؟ ~~أجابت نفيسة بكلمة واحدة: خديجة. قال محمد: كيف لي بذلك؟! وكان قد أنس هو أيضا إلى خديجة وإن لم ~~تحدثه نفسه بزواج منها لما كان يعلم من ردها أشراف قريش وأغنياءها. فلما قالت له نفيسة جوابا ~~عن سؤاله: علي ذلك، سارع إلى إعلان قبوله. ولم تبطئ خديجة أن حددت الساعة التي يحضر فيها مع ~~أعمامه ليجدوا أهلها عندها فيتم الزواج. وزوجها عمها عمر بن أسد؛ لأن خويلدا كان قد مات قبل حرب ~~الفجار، مما يكذب ما يروى من أنه كان حاضرا ولم يكن راضيا هذا الزواج، وأن خديجة سقته خمرا ~~حتى أخذت فيه، وحتى زوجها محمدا. # وهنا تبدأ صفحة جديدة من ms124 حياة محمد: تبدأ حياة الزوجية والأبوة: الزوجية الموفقة الهنية من ~~جانبه وجانب خديجة جميعا، والأبوة التي تعرف من الآلام لفقد الأبناء ما عرف محمد في طفولته ~~لفقد الآباء. # الفصل الرابع # | من الزواج إلى البعث # (صفة محمد - بناء المكيين الكعبة - حكم محمد بينهم في الحجر الأسود - حكماء قريش والوثنية ~~- بناء محمد وبناته - موت أبنائه - زواج بناته - ميل محمد للعزلة - تحنثه في حراء - ~~الرؤيا الصادقة - أول الوحي) ~~*** # تزوج محمد من خديجة بعد أن أصدقها عشرين بكرة. وانتقل إلى بيتها ليبدأ وإياها صفحة جديدة من ~~صفحات الحياة، صفحة الزوجية والأبوة، وليبادلها من جانبه حب شاب في الخامسة والعشرين لم يعرف ~~نزوات الشباب ولا طيشه، ولا هو عرف هذا الحب الأهوج يبدأ كأنه الشعلة المتوهجة لينطفئ من بعد ذلك ~~سراجه، وليرزق منها البنين والبنات؛ فيحتسب ولديه القاسم وعبد الله الطاهر الطيب # 1 # بما يثير في نفسه لاعج الحزن والألم، وتبقى له بناته وهو بهن البر والشفقة، وهن له ~~الإكرام والإعزاز الخالص. # وكان محمد وسيم الطلعة، ربعة في الرجال ليس بالطويل البائن ولا بالقصير المتردد، ضخم الرأس، ~~ذا شعر رجل شديد سواده، مبسوط الجبين فوق حاجبين سابغين منونين متصلين، واسع العينين ~~أدعجهما، تشوب بياضهما في الجوانب حمرة خفيفة وتزيد في قوة جاذبيتهما وذكاء نظرتهما أهداب طوال ~~حوالك، مستوي الأنف دقيقه، مفلج الأسنان، كث اللحية، طويل العنق جميله، عريض الصدر رحب ~~الساحتين، أزهر اللون، شثن الكفين والقدمين (أي غليظهما) يسير ملقيا جسمه إلى الأمام مسرع الخطو ~~ثابته، على ملامحه سيما التفكير والتأمل، وفي نظرته سلطان الآمر الذي يخضع الناس لأمره. فلا عجب ~~وتلك صفته أن تجمع خديجة بين حبه والإذعان له، ولا عجب أن تعفيه من تدبير ما لها لتقوم هي على هذا ~~التدبير كدأبها من قبل، وأن تدع له ما شاء من فسحة الوقت ليفكر وليتأمل. # وأقام محمد وقد أغناه الله بزواج خديجة في ذروة من النسب وسعة من المال، وأهل مكة جميعا ~~ينظرون إليه نظرة غبطة وإكبار. وكان في شغل عن نظرتهم بما أسبغه ms125 الله عليه من فضله، وما يبشره به ~~خصب خديجة من عقب صالح. لكن ذلك لم يصرفه عن الاختلاط بهم والأخذ معهم بنصيب في الحياة العامة على ~~ما كان يفعل من قبل، بل لقد زاده جاها بينهم ومكانة فيهم، وزاده لذلك تواضعا على جم تواضعه. ~~فلقد كان على عظيم ذكائه وظاهر تبريزه حسن الإصغاء إلى محدثه لا يلوي عن أحد وجهه، ولا يكتفي ~~بإلقاء السمع إلى من يحدثه، بل يلتفت إليه بكل جسمه. وكان قليل الكلام كثير الإنصات، ميالا ~~للجد من القول، وإن كان لا يأبى أن يشارك في مفاكهة وأن يمزح ثم لا يقول إلا حقا. وكان يضحك ~~أحيانا حتى تبدو نواجذه. فإذا غضب لم يظهر عليه من أثر الغضب إلا نفرة عرق بين حاجبيه؛ ذلك أنه ~~كان يكظم غيظه ولا يريد أن يظهر غضبه، لما جبل عليه من سعة الصدر وصدق الهمة والوفاء للناس، ومن ~~البر والجود وكرم العشرة، وما كان عليه إلى جانب ذلك من ثبات العزيمة، وقوة الإرادة، وشدة البأس، ~~ومضاء التصميم مضاء لا يعرف التردد. وهذه الصفات مجتمعة فيه كان ذات أثر عميق في كل ما اتصل به، ~~فمن رآه بديهة هابه، ومن خالطه أحبه. فما كان أعظم أثرها إذن فيما اتسق بينه وبين خديجة ~~الزوج الوفية من مودة صادقة ووفاء كامل ! # لم ينقطع محمد عن مخالطة أهل مكة والأخذ معهم بنصيب في الحياة العامة، وكانوا يومئذ في شغل ~~بما أصاب الكعبة؛ فقد طغى عليها سيل عظيم انحدر من الجبال فصدع جدرانها بعد توهينها. وكانت قريش ~~من قبل ذلك تفكر في أمرها. فهي لم تكن مسقوفة، وكانت لذلك عرضة لانتهاب السارقين ما تحتوي من ~~نفائس. لكن قريشا كانت تخشى إن هي شيدت بنيانها ورفعت بابها وسقفتها أن يصيبها من رب الكعبة ~~المقدسة شر وأذى. فقد كانت تحيط بها في مختلف عهود الجاهلية أساطير تخيف الناس من الإقدام على ~~تغيير شيء من أمرها، وتجعلهم يعتبرون ذلك بدعا. فلما طغى عليها السيل لم يكن بد من الإقدام ولو ms126 ~~في شيء من الخوف والتردد. وصادف أن رمى البحر إذ ذاك بسفينة قادمة من مصر مملوكة لتاجر رومي ~~اسمه باقوم فحطمها. وكان باقوم هذا بناء على شيء من العلم بالنجارة. فلما سمعت قريش بأمره خرج ~~الوليد بن المغيرة في نفر من قريش إلى جدة، فابتاعوا السفينة من الرومي وكلموه في أن يقدم معهم ~~إلى مكة ليعاونهم في بناء الكعبة؛ وقبل باقوم. وكان بمكة قبطي يعرف نجر الخشب وتسويته، فوافقهم ~~على أن يعمل لهم ويعاونه باقوم. # ثم إن قريشا اقتسمت جوانب أربعة، لكل قبيلة جانب تقوم بهدمه وبنائه. ولقد ترددوا قبل هدمها ~~مخافة أن يصيبهم أذى، ثم أقدم الوليد بن المغيرة في شيء من الخوف، فدعا آلهته وهدم بعض الجانب من ~~الركن اليماني. وأمسى القوم ينتظرون ما الله فاعل بالوليد. فلما أصبح ولم يصبه شيء أقدموا يهدمون ~~وينقلون الحجارة، ومحمد معهم، حتى انتهى الهدم إلى حجارة خضر ضربوا عليها بالمعول فارتد عنها؛ ~~فاتخذوها أساسا للبناء فوقه، ونقلت قريش أحجار الجرانيت الأزرق من الجبال المجاورة وبدأت في ~~البناء. فلما ارتفع إلى قامة الرجل وآن أن يوضع الحجر الأسود المقدس في مكانه من الجانب الشرقي، ~~اختلفت قريش أيهم يكون له فخار وضع الحجر في هذا المكان. واستحر الخلاف حتى كادت الحرب الأهلية ~~تنشب بسببه. # تحالف بنو عبد الدار وبنو عدي أن يحولوا بين أية قبيلة وهذا الشرف العظيم؛ وأقسموا على ذلك ~~جهد أيمانهم. حتى قرب بنو عبد الدار جفنة مملوءة دما وأدخلوا أيديهم فيه توكيدا لأيمانهم، ولذلك ~~سموا «لعقة الدم». فلما رأى أبو أمية بن المغيرة المخزومي ما صار إليه أمر القوم، وكان أسنهم وكان ~~فيهم شريفا مطاعا، قال لهم: اجعلوا الحكم فيما بينكم أول من يدخل من باب الصفا. فلما رأوا ~~محمدا أول من دخل قالوا: هذا الأمين رضينا بحكمه. وقصوا عليه قصتهم، وسمع هو لهم ورأى العداوة ~~تبدو في عيونهم، ففكر قليلا ثم قال: هلم إلي ثوبا، فأتي به؛ فنشره وأخذ الحجر فوضعه بيده فيه، ~~ثم قال: ليأخذ كبير كل قبيلة ms127 بطرف من أطراف الثوب؛ فحملوه جميعا على ما يحاذي موضع الحجر من ~~البناء، ثم تناوله محمد من الثوب ووضعه في موضعه، وبذلك انحسم الخلاف وانفض الشر. وأتمت قريش بناء ~~الكعبة حتى جعلت ارتفاعها ثماني عشرة ذراعا، ورفعوا بابها عن الأرض ليدخلوا من شاءوا ويمنعوا من ~~شاءوا. وجعلوا فى داخلها ست دعائم في صفين، وجعلوا في ركنها الشآمي من داخلها درجا يصعد به إلى ~~سطحها. ووضع هبل في داخل الكعبة، كما وضعت في داخلها النفائس التي تعرضت من قبل بنائها وسقفها ~~لمطامع اللصوص. # اختلف في سن محمد حين بناء الكعبة وحين حكمه بين قريش في أمر الحجر، فقيل: كان ابن خمس ~~وعشرين، وقال ابن إسحاق: كان ابن خمس وثلاثين. وسواء أصحت الأولى أم الأخرى من هاتين الروايتين ~~فإن إسراع قريش إلى الرضا بحكمه أول ما دخل من باب الصفا، وتصرفه هو في أخذ الحجر ووضعه على الثوب ~~وأخذه من الثوب لوضعه مكانه من جدار الكعبة، يدل على ما كان له من مكانة سامية في نفوس أهل مكة ~~ومن تقدير جم لما عرف عنه من سمو النفس ونزاهة القصد. # وهذا الخلاف بين القبائل، وهذا التحالف بين لعقة الدم، وهذا الاحتكام لأول مقبل من باب الصفا، ~~يدل على أن السلطة في مكة كانت انحلت، فلم يبق لرجل منها ما كان لقصي ولا لهاشم ولا لعبد المطلب ~~من سلطان. ولقد كان لتنازع بني هاشم وبني أمية السلطان بعد وفاة عبد المطلب أثره في ذلك لا ريب. ~~وكان الانحلال في السلطة جديرا بأن يجر على مكة الأذى، لولا ما كان لبيتها العتيق في نفوس العرب ~~جميعا من تقديس. وأدى انحلال السلطان إلى نتيجته الطبيعية؛ أدى إلى مزيد من حرية الناس في ~~التفكير والجهر بالرأي، وإلى إقدام اليهود والنصارى، ممن كانوا يخافون صاحب السلطان، على تعيير ~~العرب عبادة الأوثان. وانتهى ذلك بكثير من أهل مكة ومن القرشيين أنفسهم إلى أن زال من نفوسهم ~~تقديس الأصنام، وإن ظل أمجاد مكة وسادتها يظهرون لها التقديس والعبادة، ولهؤلاء من ms128 العذر ما للذين ~~يرون في الدين القائم وسيلة من وسائل ضبط النظام وعدم تبلبل الأفكار، وفي عبادة الأصنام بالكعبة ~~ما يحفظ على مكة مكانتها الدينية والتجارية. وقد ظلت مكة بالفعل تنعم من وراء هذه المكانة بالرخاء ~~واتصال التجارة، ولكن ذلك لم يغير من زوال تقديس الأصنام في نفوس المكيين. # ذكروا أن قريشا اجتمعت يوما بنخلة تحيي عبد العزى، فخلص منهم أربعة نجيا، هم زيد بن ~~عمرو، وعثمان بن الحويرث، وعبيد الله بن جحش وورقة بن نوفل؛ فقال بعضهم لبعض: «تعلموا والله ما ~~قومكم على شيء وإنهم لفي ضلال. فما حجر نطيف به لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ولا ينفع، ومن فوقه ~~يجري دم النحور؟! يا قوم التمسوا لكم دينا غير هذا الدين الذي أنتم عليه.» أما ورقة فدخل ~~النصرانية، وقيل: إنه نقل إلى العربية بعض ما في الأناجيل. وأما عبيد الله بن جحش فظل فيما هو فيه ~~من الالتباس حتى أسلم ثم هاجر مع المسلمين إلى الحبشة، وهناك دخل في النصرانية ومات عليها، وأقامت ~~امرأته أم حبيبة بن أبي سفيان على الإسلام حتى صارت من أزواج النبي وأمهات المؤمنين. وأما زيد بن ~~عمرو ففر من وجه زوجه ومن عمه الخطاب. وطوف في الشام وفي العراق ثم عاد ولم يدخل في يهودية ~~ولا نصرانية. وفارق دين قومه واعتزل الأوثان، وكان يقول وهو مستند إلى الكعبة: «اللهم لو أني أعلم ~~أي الوجوه أحب إليك لعبدتك به، ولكني لا أعلمه.» وأما عثمان بن الحويرث - وكان من ذوي قرابة خديجة ~~- فذهب على بيزنطة وتنصر وحسنت مكانته عند قيصر الروم، ويقال: إنه أراد أن يخضع مكة لحماية الروم ~~وأن يكون عامل قيصر عليها، فطرده المكيون فاحتمى بالغساسنة في الشام، وأراد أن يقطع الطريق على ~~تجارة مكة، فوصلت إلى الغساسنة هدايا المكيين، فمات ابن الحويرث عندهم مسموما. # تعاقبت السنون ومحمد يشارك أهل مكة في حياتهم العامة، ويجد في خديجة خير النساء حقا: الودود ~~الولود التي وهبت نفسها له، والتي أنجبت له من الأبناء القاسم وعبد ms129 الله الملقب بالطاهر وبالطيب، ~~ومن البنات زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة. أما القاسم وعبد الله فلم يعرف عنهما إلا أنهما ماتا ~~طفلين في الجاهلية لم يتركا على الحياة أثرا يبقى أو يذكر؛ لكنهما من غير شك قد ترك موتهما في ~~نفس أبويهما ما يتركه موت الابن من أثر عميق، وترك موتهما من غير شك في نفس خديجة ما جرح أمومتها ~~جرحين داميين. وهي لا ريب قد اتجهت عند موت كل واحد منهما في الجاهلية إلى آلهتها الأصنام تسألها: ~~ما بالها لم تشملها برحمتها وبرها؟ # وما بالها لم ترحم قلبها من أن يهوي به الثكل ليتحطم على قرارة الحزن مرة فمرة؟! وقد شعر معها ~~زوجها لا ريب بالألم لوفاة ابنيه، كما حز في قلبه هذا الألم الحي ممثلة صورته في زوجه يراه كلما ~~عاد إلى بيته وجلس إليها. وليس يتعذر علينا أن نقدر عمق هذا الحزن السحيق في عصر كانت البنات ~~يوأدن فيه، وكان الحرص على العقب الذكر يوازي الحرص على الحياة بل يزيد عليه. وبحسبك مظهرا لهذا ~~الألم أن لم يطق محمد على الحرمان صبرا، حتى إذا جيء بزيد بن حارثة يشترى، طلب إلى خديجة أن ~~تبتاعه ففعلت، ثم أعتقه وتبناه، فكان يدعى زيد بن محمد، واستبقاه ليكون من بعد من خيرة أتباعه ~~وصحبه. # ولقد حزن محمد من بعد حين مات ابنه إبراهيم أشد الحزن بعد أن حرم الإسلام وأد البنات. وبعد ~~أن جعل الجنة تحت أقدام الأمهات. فلا ريب إذن أن قد كان لما أصاب محمدا في بنيه ما هو جدير بأن ~~يترك في حياته وتفكيره أثره. ولا ريب في أنه استوقف تفكيره ولفت نظره في كل واحدة من هذه الفواجع ~~ما كانت خديجة تتقرب به إلى أصنام الكعبة، وما كانت تنحر لهبل ولللات والعزى ولمناة الثالثة ~~الأخرى، تريد أن تتفادى مما ألم بها من ألم الثكل، فلا تفيد القرابين ولا تجدي النحور. # وأما البنات فقد عني محمد بتزويجهن من أكفاء لهن: زوج زينب كبراهن من أبي العاص بن ms130 الربيع ~~بن عبد شمس، وكانت أمه أختا لخديجة، وكان فتى مقدرا من قومه لاستقامته ونجاح تجارته، وكان هذا ~~الزواج موفقا على الرغم مما كان بعد الإسلام، حين أرادت زينب الهجرة من مكة إلى المدينة، من فرقة ~~بينهما سترى من بعد تفصيلها. وزوج رقية وأم كلثوم من عتبة وعتيبة ابني عمه أبي لهب. ولم تبق هاتان ~~الزوجتان مع زوجيهما بعد الإسلام؛ إذ أمر أبو لهب ابنيه بتسريحهما، فتزوجهما عثمان واحدة بعد ~~الأخرى، وكانت فاطمة ما تزال طفلة فلم تزوج من علي إلا بعد الإسلام. # حياة طمأنينة ودعة إذن كانت حياة محمد في هذه السنين من عمره. ولولا احتسابه بنيه لكانت حياة ~~نعمة بمودة خديجة ووفائها، وبهذه الأبوة السعيدة الراضية. طبيعي لذلك أن يترك نفسه لسجيتها، سجية ~~التفكير والتأمل، وأن يستمع إلى قومه فيما كان حوارهم يقع عليه من أمور أصنامهم، وما كان النصارى ~~واليهود يقولونه لهم، وأن يفكر ويتدبر وأن يكون أشد من كل قومه تدبرا وتفكيرا. فهذا الروح ~~القوي الملهم، هذا الروح الذي أعدته الأقدار ليبلغ الناس من بعد رسالات ربه ويوجه حياة العالم ~~الروحية الاتجاه الحق، لا يمكن أن يظل مطمئنا إلى ما غرق الناس فيه إلى الأذقان من ضلال، ولا بد ~~أن يلتمس في الكون أسباب الهدى، حتى يعده الله ليلقي عليه ما قدر في الغيب من رسالته. ومن عظيم ~~توجهه إلى هذه الناحية الروحية وشديد تعلقه بها، لم يكن يريد لنفسه أن يكون من طراز الكهان، ولا ~~أراد أن ينصب نفسه حكيما على نحو ما كان ورقة بن نوفل وأمثاله؛ إنما كان يريد الحق لنفسه، فكان ~~لذلك كثير التفكير، طويل التأمل، قليل الإفضاء إلى غيره بما يجيش بنفسه من آثار تفكيره ~~وتأمله. # غار حراء بمكة. # وقد كان من عادة العرب إذ ذاك أن ينقطع مفكروهم للعبادة زمنا في كل عام يقضونه بعيدا عن ~~الناس في خلوة، يتقربون إلى آلهتهم بالزهد والدعاء، ويتوجهون إليها بقلوبهم يلتمسون عندها الخير ~~والحكمة، وكانوا يسمون هذا الانقطاع للعبادة التحنف والتحنث، وقد وجد ms131 محمد فيه خير ما يمكنه من ~~الإمعان فيما شغلت به نفسه من تفكير وتأمل، كما وجد فيه طمأنينة نفسه وشفاء شغفه بالوحدة يلتمس ~~أثناءها الوسيلة إلى ما لم يبرح شوقه يشتد إليه من نشدان المعرفة واستلهام ما في الكون من ~~أسبابها. وكان بأعلى جبل حراء - على فرسخين من شمال مكة - غار هو خير ما يصلح للانقطاع والتحنث، ~~فكان يذهب إليه طول شهر رمضان من كل سنة يقيم به مكتفيا بالقليل من الزاد يحمل إليه ممعنا في ~~التأمل والعبادة، بعيدا عن ضجة الناس وضوضاء الحياة، ملتمسا الحق، والحق وحده. ولقد كان يشتد به ~~التأمل ابتغاء الحقيقة حتى لقد كان ينسى نفسه وينسى طعامه وينسى كل ما في الحياة؛ لأن هذا الذي ~~يرى في حياة الناس مما حوله ليس حقا. وهناك كان يقلب في صحف ذهنه كل ما وعى فيزداد عما يزاول ~~الناس من ألوان الظن رغبة وازورارا. # وهو لم يكن يطمع في أن يجد في قصص الأحبار وفي كتب الرهبان الحق الذي ينشد، بل في هذا الكون ~~المحيط به: في السماء ونجومها وقمرها وشمسها، وفي الصحراء ساعات لهيبها المحرق تحت ضوء الشمس ~~الباهرة اللألاء، وساعات صفوها البديع إذ تكسوها أشعة القمر أو أضواء النجوم بلباسها الرطب الندي، ~~وفي البحر وموجه، وفي كل ما وراء ذلك مما يتصل بالوجود وتشمله وحدة الوجود. في هذا الكون كان ~~يلتمس الحقيقة العليا، وكان ابتغاء إدراكها يسمو بنفسه ساعات خلوته ليتصل بهذا الكون وليخترق ~~الحجب إلى مكنون سره. ولم يكن في حاجة إلى كثير من التأمل ليرى أن ما يباشر قومه من شئون الحياة ~~وما يتقربون به إلى آلهتهم ليس حقا. فما هذه الأصنام التي لا تضر ولا تنفع، ولا تخلق ولا ترزق، ~~ولا تدفع عن أحد غائلة شر يصيبه! # وهبل واللات والعزى، وكل هذه الأنصاب والأصنام القائمة في جوف الكعبة أو حولها، لم تخلق ~~يوما ذبابة ولا جادت مكة بخير! ولكن أين الحق إذن؟ أين الحق في هذا الكون الفسيح بأرضه وسمواته ~~ونجومه؟ أهو في ms132 هذه الكواكب المضيئة التي تبعث إلى الناس النور والدفء، ومن عندها ينحدر ماء ~~المطر؛ فتكون للناس، ولأهل الأرض كافة من خلائق، حياة بالماء والنور والدفء؟ كلا! فما هذه ~~الكواكب إلا أفلاك كالأرض سواء، أهو فيما وراء هذه الأفلاك من أثير لا حد ولا نهاية له؟ ولكن ما ~~الأثير؟ وهذه الحياة التي نحيا اليوم فتنقضي غدا، ما أصلها وما مصدرها؟ أمصادفة تلك التي أوجدت ~~الأرض وأوجدتنا عليها؟ لكن للأرض وللحياة سننا ثابتة لا تبديل لها ولا يمكن أن تكون المصادفة ~~أساسها. وما يأتي الناس من خير أو شر، أفيأتونه طواعية واختيارا، أم هو بعض سليقتهم فلا سلطان ~~لاختيارهم عليه؟ # في هذه الأمور النفسية والروحية كان محمد يفكر أثناء انقطاعه وتعبده بغار حراء، وكان يريد أن ~~يرى الحق فيها وفي الحياة جميعا. وكان تفكيره يملأ نفسه وفؤاده وضميره وكل ما في وجوده، ويشغله ~~لذلك عن هذه الحياة وصبحها ومسائها. فإذا انقضى شهر رمضان عاد إلى خديجة وبه من أثر التفكير ما ~~يجعلها تسائله تريد أن تطمئن على أنه بخير وعافية. # أفكان محمد يتعبد أثناء تحنثه ذاك على شرع بذاته؟ هذا أمر اختلف العلماء فيه. وقد روى ابن ~~كثير في تاريخه طرفا من آرائهم في الشرع الذي كان يتعبد عليه: فقيل شرع نوح، وقيل إبراهيم، وقيل ~~موسى، وقيل عيسى ، وقيل كل ما ثبت أنه شرع عنده اتبعه وعمل به. ولعل هذا القول الأخير أقوم من كل ~~ما سبقه، فهو الذي يتفق وما شغف محمد به من التأمل ومن التفكير على أساس هذا التأمل. # وكان إذا استدار العام وجاء شهر رمضان ذهب إلى حراء وعاد إلى تفكيره ينضجه شيئا فشيئا ~~وتزداد نفسه به امتلاء. وبعد سنوات شغلت أثناءها هذه الحقائق العليا نفسه، صار يرى في نومه ~~الرؤيا الصادقة تنبلج أثناءها أمام باصرته أنوار الحقيقة التي ينشد، ويرى معها باطل الحياة وغرور ~~زخرفها. إذ ذاك آمن أن قومه قد ضلوا سبيل الهدى، وأن حياتهم الروحية قد أفسدها الخضوع لأوهام ~~الأصنام وما إليها من عقائد متصلة ms133 بها ليست دونها ضلالا، وليس فيما يذكر اليهود وما يذكر النصارى ~~ما ينقذ قومه من ضلالهم. ففيما يذكر هؤلاء وأولئك حق، لكن فيه كذلك ألوانا من الوهم، وصورا من ~~الوثنية، لا يمكن أن تتفق مع الحق المجرد البسيط الذي لا يعرف كل هذه المضاربات الجدلية العقيمة ~~مما يمعن فيه هؤلاء وأولئك من أهل الكتاب. وهذا الحق هو الله خالق الكون لا إله إلا هو. وهذا الحق ~~هو أن الله رب العالمين. هو الرحمن الرحيم. وهذا الحق هو أن الناس مجزيون بأعمالهم. # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره ~~، # 2 # وأن الجنة حق والنار حق، وأن الذين يعبدون من دون الله إلها آخر لهم جهنم، وساءت ~~مستقرا ومقاما. # وشارف محمد الأربعين، وذهب إلى حراء يتحنث وقد امتلأت نفسه إيمانا بما رأى في رؤاه الصادقة، ~~وقد خلصت نفسه من الباطل كله، وقد أدبه ربه فأحسن تأديبه، وقد اتجه بقلبه إلى الصراط المستقيم ~~وإلى الحقيقة الخالدة. وقد اتجه إلى الله بكل روحه أن يهدي قومه بعد أن ضربوا في تيهاء الضلال. ~~وهو في توجهه هذا يقوم ويرهف ذهنه وقلبه، ويطيل الصوم، وتثور به تأملاته، فينحدر من الغار إلى طرق ~~الصحراء، ثم يعود إلى خلوته ليعود فيمتحن ما يدور بذهنه وما يتبين له في رؤاه. ولقد طالت به الحال ~~ستة أشهر، حتى خشي على نفسه عاقبة أمره؛ فأسر بمخاوفه إلى خديجة وأظهرها على ما يرى، وأنه يخاف ~~عبث الجن به. فطمأنته الزوج المخلصة الوفية، وجعلت تحدثه بأنه الأمين، وبأن الجن لا يمكن أن تقترب ~~منه، وإن لم يدر بخاطرها ولا بخاطره أن الله يهيئ مصطفاه بهذه الرياضة الروحية إلى اليوم العظيم ~~وإلى النبأ العظيم، يوم الوحي الأول، ويهيئه بها إلى البعث والرسالة. # وفيما هو نائم بالغار يوما جاءه ملك وفي يده صحيفة، فقال له: اقرأ. فأجاب مأخوذا: ما أقرأ؟! ~~فأحس كأن الملك يخنقه ثم يرسله ويقول له: اقرأ. قال محمد: ما أقرأ؟! فأحس كأن الملك يخنقه كرة ~~أخرى، ثم ms134 يرسله ويقول: اقرأ. قال محمد - وقد خاف أن يخنق مرة أخرى - ماذا أقرأ؟! قال الملك: # اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق ~~الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * ~~الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم ~~، # 3 # فقرأها وانصرف الملك عنه وقد نقشت في قلبه. # 4 # ولكنه ما لبث أن استيقظ فزعا يسأل نفسه: أي شيء رأى؟ أتراه أصابه ما كان يخشى من جنة؟ وتلفت ~~يمنة ويسرة فلم ير شيئا. ومكث برهة أصابته فيها رعدة الخوف وتولاه أشد الوجل، وخاف ما قد يكون ~~بالغار، ففر منه وكله حيرة لا يستطيع تفسير ما رأى. وانطلق هائما في شعاب الجبل يسائل نفسه عمن ~~دفعه ليقرأ. لقد كان إلى يومئذ يرى وهو في تحنثه الرؤيا الصادقة تنبلج من خلال تأمله فتملأ صدره ~~فتضيء أمامه وتدله على الحق أين هو، وتنير له حجب الظلمات التي زجت قريشا في وثنيتهم إلى عبادة ~~أصنامهم. وهذا النور الذي أضاء أمامه وهذا الحق الذي هداه سبيله هو الواحد الأحد. فمن هذا ~~المذكر به، وبأنه الذي خلق الإنسان، وبأنه الأكرم الذي علم الإنسان بالقلم ما لم يعلم؟ وتوسط ~~الجبل وهو في هذه الحال من فزع وخشية ومساءلة، فسمع صوتا يناديه، فأخذه الروع ورفع رأسه إلى ~~السماء، فإذا الملك في صورة رجل هو المنادي، وزاد به الفزع ووقفه الرعب مكانه ، وجعل يصرف وجهه عما ~~يرى، فإذا هو يراه في آفاق السماء جميعا ويتقدم ويتأخر فلا تنصرف صورة الملك الجميل من أمامه. ~~وأقام على ذلك زمنا كانت خديجة قد بعثت أثناءه من يلتمسه في الغار فلا يجده. # فلما انصرفت صورة الملك رجع محمد ممتلئا بما أوحي إليه، وفؤاده يجف وقلبه يضطرب خوفا ~~وهلعا. ودخل على خديجة وهو يقول: زملوني؛ فزملته وهو يرتعد كأن به الحمى. فلما ذهب عنه الروع نظر ~~إلى زوجه نظرة المستنجد. وقال: يا خديجة! مالي؟! وحدثها بالذي رأى، وأفضى إليها بمخاوفه أن ~~تخدعه بصيرته أو أن يكون كاهنا. وكانت خديجة - كما كانت أيام تحنثه في الغار ومخاوفه أن تكون ms135 به ~~جنة - ملك الرحمة وملاذ السلام لهذا القلب الكبير الخائف الوجل. لم تبد له أي خوف أو ريبة، بل رنت ~~إليه بنظرة الإكبار وقالت: «أبشر يا بن عم واثبت. فوالذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبي ~~هذه الأمة. ووالله لا يخزيك الله أبدا. إن لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكل، وتقري الضيف، ~~وتعين على نوائب الحق.» # واطمأن روع محمد، وألقى على خديجة نظرة شكر ومودة، ثم أحس جسمه متعبا في حاجة إلى النوم ~~فنام. نام ليستيقظ من بعد لحياة روحية قوية غاية القوة؛ حياة تأخذ بالأبصار والألباب، ولكنها حياة ~~تضحية خالصة لوجه الله والحق والإنسانية. تلك رسالة ربه يبلغها ويدعو الناس إليها بالتي هي أحسن، ~~حتى يتم الله نوره ولو كره الكافرون. # الفصل الخامس # | من البعث إلى إسلام عمر # (حديث خديجة وورقة بن نوفل - فتور الوحي - إسلام أبي بكر - المسلمون الأولون - دعوة ~~محمد أهله للإسلام - إغراء قريش شعراءها بمحمد - ذكر محمد آلهة قريش بالسوء - سفارة ~~قريش إلى أبي طالب - موقف محمد من عمه - تعذيب قريش المسلمين - هجرة المسلمين للحبشة - ~~إسلام عمر) ~~*** # نام محمد وحدقت فيه خديجة وقد امتلأ قلبها إشفاقا وأملا لهذا الذي سمعت منه. فلما رأته ~~استغرق في نوم مطمئن هادئ، تركته وخرجت تقلب في نفسها هذا الذي هز قلبها وأثار هواجسها، وتفكر في ~~الغد ترجو خيرا، وترجو أن يكون زوجها نبي هذه الأمة العربية التي غرقت في الضلال؛ يهديها دين ~~الحق ويدلها على الصراط المستقيم. ولكنها، مع ذلك كانت تخشى هذا الغد أشد الخشية على هذا الزوج ~~البار الوفي الحميم. وطفقت تعرض أمام بصيرتها ما قص عليها، وتتخيل الملك الجميل الذي تعرض له في ~~السماء بعد أن أوحى إليه كلمات ربه، والذي ملأ عليه الوجود كله حينما كان يراه أينما صرف وجهه، ~~وتستعيد الكلمات التي تلا محمد بعد أن نقشت في صدره. جعلت تعرض ذلك كله أمام بصيرتها فتفتر شفتاها ~~طورا عن ابتسامة الأمل، وتنكمش أساريرها طورا آخر خيفة ما قد يكون أصاب الأمين. ولم تطق ms136 البقاء ~~في وحدتها طويلا، تنتقل من الأمل الحلو الباسم إلى الريبة والإشفاق المخوف، ففكرت بأن تفضي بما ~~في نفسها إلى من تعرف فيه الحكمة ومحض النصيحة. # لذلك انطلقت إلى ابن عمها ورقة بن نوفل؛ وكان كما قدمنا قد تنصر وعرف الإنجيل ونقل بعضه إلى ~~العربية. فلما أخبرته بما رأى محمد وسمع، وقصت عليه كل ما حدثها به، وذكرت له إشفاقها وأملها، ~~أطرق مليا ثم قال: «قدوس قدوس، والذي نفس ورقة بيده لئن كنت صدقتني يا خديجة لقد جاء الناموس ~~الأكبر الذي كان يأتي موسى، وإنه لنبي هذه الأمة، فقولي له فليثبت.» وعادت خديجة فألفت محمدا ما ~~يزال نائما، فحدقت فيه وكلها الحب والإخلاص، وكلها الإشفاق والأمل. وفيما هو في هدأة نومه إذا به ~~اهتز وثقل تنفسه وبلل العرق جبينه يقوم ليستمع إلى الملك يوحي إليه: # يا ~~أيها المدثر * قم فأنذر * وربك فكبر ~~* وثيابك فطهر * والرجز فاهجر * ولا تمنن تستكثر * ولربك فاصبر ~~. # 1 # ورأته خديجة كذلك فازدادت إشفاقا، وتقدمت إليه في رقة وضراعة أن يعود إلى فراشه وأن ينام ~~ليستريح. فكان جوابه - أو كما قال - انقضى يا خديجة عهد النوم والراحة، فقد أمرني جبريل أن أنذر ~~الناس وأن أدعوهم إلى الله وإلى عبادته. فمن ذا أدعو؟ ومن ذا يستجيب لي؟ فجهدت خديجة تهون عليه ~~الأمر وتثبته. وسارعت فقصت عليه نبأ ورقة وما حدثها به، ثم أعلنت إليه في شوق ولهف إسلامها له ~~وإيمانها بنبوته. # وكان طبيعيا أن تسارع إلى الإيمان به، وقد جربت عليه طول حياته الأمانة والصدق وعلو النفس ~~وحب البر والرحمة، رأته في سنوات تحنثه كيف شغلت نفسه بالحق وحده، يطلبه مرتفعا بقلبه وبروحه ~~وبعقله فوق أوهام الناس ممن يعبدون الأصنام ويقربون لها القرابين، وممن يرون فيها آلهة يزعمونها ~~تضر وتنفع، ويتوهمونها خليقة بالعبادة والإجلال. رأته في سنوات تحنثه كما رأت كيف كان حاله أول ~~عوده من حراء بعد البعث وهو في أشد الحيرة من أمره. ولقد طلبت إليه متى جاءه الملك أن يخبرها. ~~فلما رآه أجلسته على فخذها ms137 اليسرى ثم على فخذها اليمنى، ثم في حجرها وهو ما يزال يراه، فحسرت ~~وألقت خمارها فإذا هو لا يراه؛ فلم يبق ريب عندها في أنه ملك وليس بشيطان. # وخرج محمد من بعد ذلك يوما للطواف بالكعبة، فلقيه ورقة بن نوفل، فلما قص عليه محمد أمره قال ~~ورقة: «والذي نفسي بيده إنك لنبي هذه الأمة. ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء موسى. ~~ولتكذبن، ولتؤذين، ولتخرجن ولتقاتلن. ولئن أنا أدركت ذلك اليوم لأنصرن الله نصرا ~~يعلمه.» ثم أدنى منه رأسه فقبل يافوخه. وشعر محمد بصدق ورقة في قوله وبثقل ما ألقي عليه، وطفق ~~يفكر كيف يدعو قريشا إلى ما آمن به وهو يعلم أنهم أحرص ما يكونون على باطلهم، حتى ليقاتلون في ~~سبيله ويقتلون، وهم من بعد أهله وعشيرته الأقربون. # إنهم في ضلال، وإن ما يدعوهم إليه هو الحق، فهو يدعوهم إلى الارتفاع بقلوبهم وبأرواحهم لتتصل ~~بالله الذي خلقهم وخلق من قبل آباءهم، ليعبدوه مخلصين له الدين طاهرة نفوسهم. وهو يدعوهم ليتقربوا ~~إلى الله بالعمل الصالح وإيتاء ذي القربى حقه وابن السبيل، ولينبذوا عبادة هذه الأحجار التي ~~اتخذوا منها أصناما يزعمون أنها تغفر لهم ما يمعنون فيه من لهو وفسوق، ومن أكل الربا ومال ~~اليتيم، فإذا عبادتها تحيل نفوسهم وقلوبهم أشد من الأصنام تحجرا وقسوة! وهو يهيب بهم أن ينظروا ~~إلى ما في السموات والأرض من خلق الله لتمتثل نفوسهم ذلك كله وتدرك ما له من خطر وجلال، فتعظم ~~بإدراكها سنة ما في السموات وما في الأرض، ثم تعظم بعبادتها خالق الوجود كله وحده لا شريك له، ~~وتسمو لذلك عن كل وضيع، وتتعالى عن كل دون، وتأخذها الرحمة بكل ما لم يهده الله وتعمل لهدايته، ~~وتكون البر لكل يتيم ولكل بائس أو ضعيف. نعم! إلى هذا أمره الله أن يدعوهم. لكن هذه القلوب ~~القاسية، وهذه الأرواح الغلاظ قد يبست على عبادة ما كان يعبد آباؤها. ووجدت فيه تجارة تجعل مكة ~~مركز حجيج عبدة الأصنام! أفيتركون دين آبائهم ويعرضون مكانة مدينتهم لما قد ms138 تتعرض له إذا لم يبق ~~على عبادة الأصنام أحد؟! ثم كيف تطهر هذه القلوب وتخلص من أدران شهواتها، والشهوة تهبط بها إلى ~~إرضاء بهيميتها، في حين هو ينذر الناس أن يرتفعوا فوق شهواتهم وفوق أصنامهم؟ وإذا هم لم يؤمنوا به ~~فماذا عسى أن يفعل؟ هذه هي المسألة الكبرى؟ # انتظر هداية الوحي إياه في أمره وإنارة سبيله، فإذا الوحي يفتر! وإذا جبريل لا ينزل عليه، ~~وإذا ما حوله سكينة صامتة جعلته في وحدة من الناس ومن نفسه، وردته إلى مثل مخاوفه قبل نزول الوحي. ~~وقد روي أن خديجة قالت له: ما أرى ربك إلا قد قلاك. وتولاه الخوف والوجل، فهما يبتعثانه من جديد ~~يطوي الجبال وينقطع في حراء يرتفع بكل نفسه ابتغاء وجه ربه يسأله: لم قلاه بعد أن اصطفاه؟ ولم تكن ~~خديجة أقل منه إشفاقا ووجلا. ويتمنى الموت صادقا لولا أنه كان يشعر بما أمر به فيرجع إلى نفسه ~~ثم إلى ربه. ولقد قيل: إنه فكر في أن يلقي بنفسه من أعلى حراء أو أبي قبيس. وأي خير في الحياة ~~وهذا أكبر أمله فيها يذوي وينقضي؟! وإنه لكذلك تساوره هذه المخاوف إذ جاءه الوحي بعد طول ~~فتوره. # ونزل عليه بقوله تعالى: # والضحى * والليل إذا ~~سجى * ما ودعك ربك وما قلى * وللآخرة ~~خير لك من الأولى * ولسوف يعطيك ربك فترضى * ألم يجدك يتيما فآوى * ووجدك ضالا فهدى ~~* ووجدك عائلا فأغنى * فأما اليتيم فلا ~~تقهر * وأما السائل فلا تنهر * وأما ~~بنعمة ربك فحدث ~~. # 2 # يا لجلال الله! أية سكينة للنفس، وغبطة للقلب، وبهجة للفؤاد! انجابت مخاوف محمد وزال كل روعه، ~~وارتسمت على ثغره ابتسامة الرضا، وافترت شفتاه عن معاني الحمد وآي التقديس والعبادة، لم يبق لما ~~كانت تخشى خديجة من أن الله قلاه ولم يبق لفزعه وهلعه موضع، بل تولاه الله وتولاها برحمته، وأزال ~~كل خشية أو ريبة من نفسه. لا انتحار إذن، ولكن حياة ودعوة إلى الله، وإلى الله وحده. إلى الله ~~العلي الكبير تعنو له الجباه ويسجد له من في ms139 السموات والأرض جميعا. وهو وحده الحق وكل ما يدعون ~~من دون الباطل. إليه وحده يتوجه القلب، وبه وحده يجب أن تتعلق النفس، وفيه وحده يجب أن تفنى ~~الروح، وللآخرة خير لك من الأولى؛ الآخرة التي تحيط فيها النفس بكل الوجود في كمال وحدته، والتي ~~يتناهى إليها المكان والزمان وننسى فيها اعتبارات هذه الحياة الوضيعة الأولى. الآخرة التي يصير ~~فيها الضحى ولألاء شمسه الباهرة والليل ودجاه الساجي، والسموات والكواكب والأرض والجبال كلا ~~واحدا تتصل به الروح الراضية المرضية. هذه هي الحياة التي يجب أن تكون إليها الغاية من سفر هذه ~~الحياة. هذا هو الحق وكل ما دونه صور منه لا تغني عنه. هذا هو الحق الذي أضاء بنوره روح محمد ~~والذي ابتعثه من جديد ليفكر في الدعوة إلى ربه. وللدعوة إلى ربه يجب أن يطهر ثيابه، وأن يهجر ~~المنكر، وأن يصبر على ما يلاقي من الأذى في سبيل الدعوة إلى الحق، وأن ينير للناس سبيل العلم بما ~~لم يكونوا يعلمون، وألا ينهر من أجل ذلك سائلا، ولا يقهر يتيما. حسبه اختيار الله إياه لكلمته ~~فليتحدث عنها. وحسبه أن الله وجده يتيما فآواه في كفالة جده عبد المطلب وعمه أبي طالب؛ وأنه وجده ~~فقيرا فأغناه بأمانته ويسر له خديجة شريكة صباه، شريكة تحنثه، شريكة بعثه، شريكة المحبة، ~~الناصحة الرءوف، وأنه وجده ضالا فهداه برسالته. حسبه هذا. وليدع إلى الحق جاهدا ما استطاع. ~~ذلك أمر الله إلى نبيه الذي اصطفاه، ما ودعه وما قلاه. # وعلم الله نبيه الصلاة فصلى وصلت خديجة معه. وكان يقيم معهما غير بناتهما علي بن أبي طالب ~~الذي كان صبيا لما يبلغ الحلم؛ ذلك أن قريشا أصابتهم أزمة شديدة؛ وكان أبو طالب كثير العيال. ~~فقال محمد لعمه العباس - وكان من أكثر بني هاشم يسارا: «إن أخاك أبا طالب كثير العيال، وقد أصاب ~~الناس ما ترى من هذه الأزمة: فانطلق بنا إليه فلنخفف من عياله، آخذ من بنيه رجلا وتأخذ أنت رجلا ~~فنكفلهما عنه ...» وكفل العباس جعفرا وكفل محمد عليا، ms140 فلم يزل معه حتى بعثه الله. وفيما محمد ~~وخديجة يصليان يوما دخل عليهما علي مفاجأة، فرآهما يركعان ويسجدان ويتلوان ما تيسر مما أوحاه ~~الله يومئذ من القرآن. فوقف الشاب دهشا حتى أتما صلاتهما، ثم سأل: لمن تسجدان؟ فأجابه محمد - أو ~~كما قال: إنما نسجد لله الذي بعثني نبيا وأمرني أن أدعو الناس إليه. ودعا محمد ابن عمه إلى ~~عبادة الله وحده لا شريك له، وإلى دينه الذي بعث نبيه به، وإلى إنكار الأصنام من أمثال اللات ~~والعزى، وتلا محمد ما تيسر من القرآن، فأخذ علي عن نفسه، وسحره جمال الآيات وإعجازها، ~~واستمهل ابن عمه حتى يشاور أباه. ثم قضى ليله مضطربا، حتى إذا أصبح أعلن إليهما أنه اتبعهما من ~~غير حاجة لرأي أبي طالب، وقال: «لقد خلقني الله من غير أن يشاور أبا طالب، فما حاجتي أنا إلى ~~مشاورته لأعبد الله.» وكذلك كان علي أول صبي أسلم، ومن بعده أسلم زيد بن حارثة مولى النبي. وبذلك ~~بقي الإسلام محصورا في بيت محمد: فيه وفي زوجته وابن عمه ومولاه. وظل هو يفكر كيف يدعو قريشا ~~إليه وهو يعلم ما هي عليه من شدة البأس وبالغ التعلق بعبادات آبائها وأصنامهم. # وكان أبو بكر بن أبي قحافة التيمي صديقا حميما لمحمد، يستريح إليه ويعرف فيه النزاهة ~~والأمانة والصدق؛ لذلك كان هو أول من دعاه إلى عبادة الله وحده وترك عبادة الأوثان، وأول من أفضى ~~إليه بما رأى وبما أوحي إليه: ولم يتردد أبو بكر في إجابة محمد إلى دعوته وفي الإيمان بها، وأي ~~نفس تنشرح للحق تتردد ترك في عبادة الأوثان لعبادة الله وحده؟ وأي نفس فيها شيء من السمو ترضى ~~عن عبادة الله عبادة حجر أيا كانت صورته؟ أو أي نفس تقية تتردد في طهر الثياب وطهر النفس وإعطاء ~~السائل والبر باليتيم؟! وأذاع أبو بكر بين أصحابه إيمانه بالله وبرسوله. وكان أبو بكر رجلا ~~وسيما «مألفا لقومه محببا سهلا، وكان أنسب قريش لقريش وأعلم قريش بها وبما كان فيها من ~~خير وشر. ms141 وكان رجلا تاجرا ذا خلق ومعروف، وكان رجال قومه يألفونه لغير واحد من الأمر، لعلمه ~~وتجارته وحسن مجالسته.» # وجعل أبو بكر يدعو إلى الإسلام من وثق به من قومه، فتابعه على الإسلام عثمان بن عفان، وعبد ~~الرحمن بن عوف، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، والزبير بن العوام، ثم أسلم من بعد ذلك أبو ~~عبيدة بن الجراح وكثيرون غيره من أهل مكة. # وكان أحدهم إذا أسلم ذهب إلى النبي فأعلن إليه إسلامه وتلقى عنه تعاليمه. وكان المسلمون ~~الأولون يستخفون؛ لعلمهم بما تضمر قريش من عداوة لكل خارج على أوثانها، فكانوا إذا أرادوا الصلاة ~~انطلقوا إلى شعاب مكة وصلوا فيها. وظلوا على ذلك ثلاث سنوات ازداد الإسلام فيها انتشارا بين أهل ~~مكة، ونزل على محمد فيها من الوحي ما زاد المسلمين إيمانا وتثبيتا. # وكان مثل محمد خير ما يزيد الدعوة انتشارا: كان برا رحيما، جم التواضع كامل الرجولية، ~~عذب الحديث، محبا للعدل، يعطي كل ذي حق حقه، وينظر إلى الضعيف واليتيم وإلى البائس والمسكين ~~نظرة كلها الأبوة والحنان والعطف والمودة. وكان تهجده وسهره الليل وترتيله ما أنزل عليه ودوام ~~نظره في السموات والأرض والتماس العبرة من الوجود كله وكل ما فيه، وفي توجهه الدائم لله وحده، ~~والتماسه حياة الكون كله في أطواء نفسه ودخيلة حياته، مثلا جعل الذين آمنوا به وأسلموا له أحرص ~~على إسلامهم وأشد يقينا بإيمانهم، على ما في ذلك من إنكار ما كان عليه آباؤهم واحتمال تعرضهم ~~لأذى المشركين ممن لم يدخل الإيمان في قلوبهم. آمن بمحمد من تجار مكة وأشرافها من عرفت نفوسهم ~~الطهر والنزاهة والمغفرة والرحمة، وآمن به كل ضعيف وكل بائس وكل محروم، وانتشر أمر محمد بمكة، ~~ودخل الناس في الإسلام أرسالا رجالا ونساء. # وتحدث الناس عن محمد وعن دعوته. على أن أهل مكة من قساة الأكباد ومن على قلوبهم أقفالها ~~لم يعبئوا به أول أمره، وظنوا أن حديثه لن يزيد على حديث الرهبان والحكماء أمثال قس وأمية ~~وورقة وغيرهم، وأن الناس عائدون ms142 لا محالة إلى دين آبائهم وأجدادهم، وأن هبل واللات والعزى، ~~وإسافا ونائلة اللذين كانا ينحر عندهما، ستكون آخر الأمر صاحبة الغلب، ناسين أن الإيمان الصادق ~~لا يغلبه غالب، وأن الحق قد كتب له الفوز أبدا. # بعد ثلاث سنين من حين البعث أمر الله رسوله أن يظهر ما خفي من أمره وأن يصدع بما جاء منه، ~~ونزل الوحي: # وأنذر عشيرتك الأقربين * واخفض جناحك ~~لمن اتبعك من المؤمنين * فإن عصوك فقل إني ~~بريء مما تعملون ~~، # 3 # فاصدع بما تؤمر وأعرض عن ~~المشركين ~~. # 4 # ودعا محمد عشيرته إلى طعام في بيته، وحاول أن يحدثهم داعيا إياهم إلى الله؛ فقطع عمه أبو ~~لهب حديثه واستنفر القوم ليقوموا. ودعاهم محمد في الغداة كرة أخرى، فلما طعموا قال لهم: ما ~~أعلم إنسانا في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة. وقد أمرني ربي ~~أن أدعوكم إليه. فأيكم يؤازرني على هذا الأمر؟ فأعرضوا عنه وهموا بتركه. لكن عليا نهض، وهو ما ~~يزال صبيا دون الحلم. وقال: «أنا يا رسول الله عونك. أنا حرب على من حاربت.» فابتسم بنو هاشم ~~وقهقه بعضهم، وجعل نظرهم ينتقل من أبي طالب إلى ابنه، ثم انصرفوا مستهزئين. # انتقل محمد بعد ذلك بدعوته من عشيرته الأقربين إلى أهل مكة جميعا. صعد الصفا يوما ونادى: يا ~~معشر قريش! قالت قريش: محمد على الصفا يهتف، وأقبلوا عليه يسألونه ما له؟ قال: أرأيتم لو أخبرتكم ~~أن خيلا بسفح هذا الجبل أكنتم تصدقون؟ قالوا: نعم! أنت عندنا غير متهم وما جربنا عليك كذبا ~~قط. قال: فإني نذير بين يدي عذاب شديد، يا بني عبد المطلب، يا بني عبد مناف، يا بني زهرة، يا ~~بني تيم، يا بني مخزوم، يا بني أسد، إن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين، وإني لا أملك لكم من ~~الدنيا منفعة ولا من الآخرة نصيبا إلا أن تقولوا: لا إله إلا الله، أو كما قال. فنهض أبو لهب - ~~وكان رجلا بدينا سريع الغضب - فصاح: «تبا لك سائر هذا ms143 اليوم! ألهذا جمعتنا؟!» # وأرتج على محمد فنظر إلى عمه، ثم ما لبث أن جاء الوحي بقوله تعالى: # تبت يدا أبي لهب وتب * ما أغنى عنه ماله وما كسب ~~* سيصلى نارا ذات لهب ~~. # 5 # لم يحل غضب أبي لهب ولا خصومة غيره من قريش دون انتشار الدعوة إلى الإسلام بين أهل مكة. فلم ~~يكن يوم إلا أسلم فيه بعضهم لله وجهه. وكان الزاهدون في الدنيا أشد على الإسلام إقبالا. أولئك لا ~~تلهيهم التجارة ولا يلهيهم البيع عن التأمل فيما يدعوهم الداعي إليه. وهم قد رأوا محمدا في غنى ~~من مال خديجة وماله، وها هو ذا مع ذلك لا يعبأ بهذا المال ولا بالمزيد عليه والإكثار منه، ويدعو ~~إلى الحب والعطف والمودة والتسامح. بل ها هو ذا يجيئه الوحي بأن في الإكثار من الثروة لعنة ~~للروح. أليس يقول: # ألهاكم التكاثر * حتى ~~زرتم المقابر * كلا سوف تعلمون * ثم كلا ~~سوف تعلمون * كلا لو تعلمون علم اليقين * ~~لترون الجحيم * ثم لترونها عين اليقين * ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ~~؟ # 6 # وأي شيء خير مما يدعو إليه محمد؟! أليس هو يدعو إلى الحرية! إلى الحرية المطلقة التي لا حدود ~~لها! إلى الحرية العزيزة على نفس العربي عزة حياته عليه؟! نعم! أليس يطلق الناس من التقيد بأية ~~عبادة غير عبادة الله وحده؟! أليس يحطم كل ما بينهم وبينه من أغلال؟! لا هبل ولا اللات ولا ~~العزى ولا نار المجوس ولا شمس المصريين ولا نجوم عباد النجوم ولا الحواريون ولا أحد من ~~الإنس أو من الملائكة أو من الجان يحجب بين الله والإنسان. وأمام الله، أمامه وحده لا شريك له، ~~يسأل الإنسان عما قدم من خير أو شر. وأعمال الإنسان هي وحدها شفيعه. وضميره هو الذي يزن ~~أعماله، وهو وحده صاحب السلطان عليه، وبه يحاسب يوم تجزى كل نفس بما كسبت. أية حرية أوسع مدى ~~من هذه الحرية التي يدعو محمد إليها؟! وهل يدعو أبو لهب وأصحابه إلى شيء من مثلها؟! أم هم يدعون ~~الناس لتظل نفوسهم في ms144 رق وعبودية بما تكدس عليها من خرافات حجبت عنها نور الحق أو ضياء ~~الهدى؟ # على أن أبا لهب وأبا سفيان وأشراف قريش وأمجادها، وأشراف المال وأمجاد اللهو، بدءوا يشعرون ~~بما في دعوة محمد من خطر على مكانتهم، فرأوا بادئ الرأي أن يحاربوه بالحط من شأنه، وبتكذيبه فيما ~~يزعم من نبوته. وكان أول ما صنعوا من هذا أن أغروا به شعراءهم: أبا سفيان بن الحارث، وعمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبعرى، يهجونه ويقارعونه. وتولت طائفة من شعراء المسلمين الرد على هؤلاء ~~من غير أن يكون محمد في حاجة إلى مساجلتهم. هنالك تقدم غير الشعراء يسألون محمدا عن معجزاته ~~التي يثبت بها رسالته؛ معجزات كمعجزات موسى وعيسى. # فما باله لا يحيل الصفا والمروة ذهبا، ولا ينزل عليه الكتاب الذي يتحدث عنه مخطوطا من ~~السماء؟! ولم لا يبدو لهم جبريل الذي يطول حديث محمد عنه؟! ولم لا يحيي الموتى ولا يسير الجبال ~~حتى لا تظل مكة حبيسة بينها؟! ولم لا يفجر ينبوعا أعذب من زمزم ماء وهو أعلم بحاجة أهل بلده ~~إلى الماء؟! ولم يقف أمر المشركين عند التهكم بالمسألة في هذه المعجزات، بل كانوا يزدادون ~~تهكما ويسألونه: لم لا يوحي إليه ربه أثمان السلع حتى يضاربوا على المستقبل. وطال بهم اللجاج، ~~فرد الوحي لجاجهم بما أنزل على محمد من قوله تعالى: # قل لا أملك ~~لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب ~~لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير ~~وبشير لقوم يؤمنون ~~. # 7 # جانب من المسجد الحرام. # نعم! ما محمد إلا نذير وبشير. فكيف يطالبونه بما لا يقبل العقل وهو لا يطلب إليهم إلا ما ~~يقبله العقل بل يمليه ويحتمه؟! وكيف يطلبون إليه ما تأنف منه النفس الفاضلة وهو لا يطالبهم إلا ~~أن يستجيبوا لوحي النفس الفاضلة؟! وكيف يطلبون إليه المعجزات وهذا الكتاب الذي يوحى إليه، والذي ~~يهدي إلى الحق، معجزة المعجزات؟! وما لهم يطلبون إليه إثبات رسالته بالخوارق ليترددوا من بعد ذلك ~~أيتبعونه ms145 أم لا يتبعونه، وهذه التي يزعمونها آلهتهم ليست إلا حجارة أو خشبا مسندة أو أنصابا ~~قائمة في عرض الفلاة لا تملك لهم نفعا ولا ضرا، وهم مع ذلك يعبدونها دون أن يطلبوا إليها ما ~~يثبت ألوهيتها؟! ولو أنهم طلبوا لظلت خشبا أو حجارة لا حياة فيها ولا حركة لها، لا تستطيع ~~لنفسها ضرا ولا نفعا، ولا تستطيع إذا حطمها محطم عن نفسها دفعا. # وبادأهم محمد بذكر آلهتهم وكان من قبل لا يذكرها، وعابها وكان من قبل لا يعيبها. هنالك عظم ~~الأمر على قريش وحز في صدورهم؛ وبدءوا يفكرون التفكير الجد في أمر هذا الرجل وما هو لاق منهم ~~وما هم لاقون منه، لقد كانوا إلى يومئذ يسخرون من قوله، وكانوا إذا جلسوا في دار الندوة أو حول ~~الكعبة وأصنامهم فجرى ذكره على ألسنتهم لم يثر أكثر من ابتسامات استخفافهم واستهزائهم. أما وقد ~~حقر من شأن آلهتهم وسخر مما يعبدون وما كان يعبد آباؤهم، ونال من هبل ومن اللات والعزى ومن ~~الأصنام جميعا، فلم يبق الأمر موضع استخفاف وسخرية، بل أصبح موضع جد وتدبير. أولو أتيح لهذا ~~الرجل أن يؤلب عليهم أهل مكة وأن يصرفهم عن عبادتهم فماذا تئول إليه تجارة مكة؟ وماذا يكون مقامها ~~الديني؟ # لم يكن عمه أبو طالب قد دخل في دين الله، لكنه ظل حاميا لابن أخيه قائما دونه، معلنا ~~استعداده للدفاع عنه . لذلك مشى رجال من أشراف قريش على أبي طالب، وفي مقدمتهم أبو سفيان بن حرب، ~~فقالوا: «يا أبا طالب، إن ابن أخيك قد سب آلهتنا وعاب ديننا وسفه أحلامنا وضلل آباءنا، فإما ~~أن تكفه عنا وإما أن تخلي بيننا وبينه؛ فإنك على مثل ما نحن عليه من خلاف فسنكفيكه.» فردهم أبو ~~طالب ردا جميلا. ومضى محمد يشتد في الدعوة إلى رسالته، ويزداد لدعوته أعوانا. وائتمرت قريش ~~بمحمد ومشوا إلى أبي طالب مرة أخرى ومعهم عمارة بن الوليد بن المغيرة، وكان أنهد فتى في قريش ~~وأجمله، وطلبوا إليه أن يتخذه ولدا ويسلمهم محمدا، فأبى. # ومضى ms146 محمد في دعوته ومضت قريش في ائتمارها. ثم ذهبوا إلى أبي طالب مرة ثالثة وقالوا له: «يا ~~أبا طالب، إن لك سنا وشرفا ومنزلة فينا، وقد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا. وإنا والله ~~لا نصبر على هذا من شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك حتى ~~يهلك أحد الفريقين.» وعظم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم، ولم يطب نفسا بإسلام ابن أخيه ولا ~~خذلانه. ماذا تراه يصنع؟ بعث إلى محمد فقص عليه رسالة قريش، ثم قال له: «فأبق علي وعلى نفسك ~~ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق.» # وأطرق محمد إطراقة وقف إزاءها تاريخ الوجود كله برهة مبهوتا لا يدري بعدها ما اتجاهه. وفي ~~الكلمة التي تفتر عنها شفتا هذا الرجل حكم على العالم: أهو يظل في الضلال يمد له فيه، ~~فتطغى المجوسية على النصرانية المتخاذلة المضطربة وترفع الوثنية بباطلها رأسها الخرف الأفن، أم ~~هو يضيء أمامه نور الحق، تعلن فيه كلمة التوحيد، وتحرر فيه العقول من رق العبودية والقلوب من أسر ~~الأوهام، وترفع فيه النفس الإنسانية لتتصل بالملأ الأعلى؟ وهذا عمه كأنه ضعف عن نصرته والقيام ~~معه، فهو خاذله ومسلمه. وهؤلاء المسلمون ما يزالون ضعافا لا يقوون على حرب ولا يستطيعون مقاومة ~~قريش ذات السلطان والمال والعدة والعدد. إذن لم يبق له دون الحق الذي ينادي الناس باسمه نصير، ~~ولم يبق له سوى إيمانه بالحق عدة. ليكن! إن الآخرة خير له من الأولى. فليؤد رسالته وليدع إلى ~~ما أمره ربه. ولخير له أن يموت مؤمنا بالحق الذي أوحي إليه من أن يخذله أو يتردد فيه. لذلك ~~التفت إلى عمه ممتلئ النفس بقوة إرادته وقال له: «يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني ~~والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته.» # يا لعظمة الحق وجلال الإيمان به! اهتز الشيخ لما سمع من جواب محمد، ووقف كذلك مبهوتا أمام ~~هذه القوة القدسية والإرادة السامية فوق ms147 الحياة وما في الحياة. وقام محمد وقد خنقته العبرة مما ~~فاجأه به عمه وإن لم تدر بنفسه خلجة ريب في السبيل الذي يسلك. ولم تك لحظة اهتز فيها وجود أبي ~~طالب متحيرا بين غضبة قومه وموقف ابن أخيه حتى نادى محمدا أن أقبل، فلما أقبل قال له: اذهب يا ~~ابن أخي فقل ما أحببت، فوالله لا أسلمك لشيء تكرهه أبدا! وأفضى أبو طالب إلى بني هاشم وبني ~~المطلب بقول ابن أخيه وبموقفه، وحديثه عنه يتدفق بروعة ما شهد وجلال ما شعر به، وطلب إليهم أن ~~يمنعوا محمدا من قريش؛ فاستجابوا له جميعا إلا أبا لهب؛ فإنه صارحهم بالعداوة وانضم إلى خصومهم ~~عليهم. وهم لا ريب قد منعوه متأثرين بالعصبية القومية وبالخصومة القديمة بين بني هاشم وبني ~~أمية. # لكن العصبية لم تكن وحدها التي حفزتهم إلى الوقوف هذا الموقف من قريش كلها في أمر له من جلال ~~الخطر ما للدعوة إلى نبذ دينهم والخروج على عقائدهم التي وجدوا عليها آباءهم؛ بل كان موقف محمد ~~منهم وشدة إيمانه بينهم ودعوته الناس بالحسنى إلى عبادة الواحد الأحد، وما كان شائعا يومئذ بين ~~قبائل العرب جميعا من أن لله دينا غير دينهم الذي هم عليه؛ مما جعلهم يرون حقا لابن أخيهم ~~محمد أن يعالن الناس برأيه كما كان يفعل أمية بن أبي الصلت وورقة بن نوفل وغيرهما. فإن يكن محمد ~~على الحق - وذلك ما لا ثقة لهم به - فسيظهر الحق من بعد وسيكون لهم من مجده نصيب، وإلا يكن على ~~الحق فسينصرف الناس عنه كما انصرفوا من قبل عن غيره، ثم لن يكون لدعوته من الأثر أن يخرجوا على ~~تقاليدهم وأن يسلموه لخصومه كي يقتلوه. # اعتصم محمد بقومه من أذى قريش، كما اعتصم بخديجة في داره من هم نفسه. فقد كانت له بصدق ~~إيمانها وعظيم حبها، وزير صدق تسري عنه كل همه، وتقوي فيه كل عارض ضعف من أثر أذى خصومه ~~وإمعانهم في مناوأته وإيصال الأذى لأتباعه. وفي الحق أن قريشا لم تنم ولم ms148 تعد لما عرفت من قبل ~~من دعة النعيم؛ بل وثبت كل قبيلة على من فيهم من المسلمين يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم، حتى ألقى ~~أحدهم عبده الحبشي بلالا على الرمل تحت الشمس المحرقة ووضع حجرا على صدره وتركه ليموت، لا لشيء ~~إلا أنه أصر على الإسلام! ولم يزد بلال وهو في هذه الحال على أن يكرر كلمة: «أحد أحد.» ~~محتملا هذا العذاب في سبيل دينه. وقد رآه أبو بكر يوما يعاني هذا العذاب فاشتراه وأعتقه. ~~واشترى أبو بكر كثيرا من الموالي الذين كانوا يعذبون، ومن بينهم جارية لعمر بن الخطاب اشتراها ~~منه قبل إسلامه. # وعذبت امرأة حتى ماتت لأنها لم ترض أن ترجع عن الإسلام إلى دين آبائها. وكان المسلمون من ~~غير الموالي يضربون وتوجه إليهم أشد صور المهانة. ولم يسلم محمد - مع منع بني هاشم وبني ~~المطلب له - من هذه الإساءات. كانت أم جميل زوج أبي لهب تلقي النجس أمام بيته فيكتفي محمد بأن ~~يزيله. وكان أبو جهل يلقي عليه أثناء صلواته رحم شاة مذبوحة ضحية للأصنام فيحتمل الأذى ويذهب إلى ~~ابنته فاطمة لتعيد إليه نظافته وطهارته. هذا إلى جانب ما كان المسلمون يسمعون من لغو القول وهجر ~~الكلام حيثما ذهبوا. واستمر الأمر على ذلك طويلا، فلم يزدادوا إلا حرصا على دينهم وابتهاجا ~~بالأذى والتضحية في سبيل عقيدتهم وإيمانهم. # هذه الفترة من فترات حياة محمد عليه السلام هي من أشد ما عرف التاريخ الإنساني روعة في العصور ~~جميعا. فما كان محمد والذين اتبعوه طلاب مال ولا جاه ولا حكم أو سلطان؛ إنما كانوا طلاب حق ~~وإيمان به. وكان محمد طالب هدى للذين يصيبونه بالأذى وتحرير لهم من ربقة الوثنية الوضيعة التي ~~تنحدر بالنفس الإنسانية إلى خزي المذلة والهوان. في سبيل هذه الغاية الروحية السامية، لا في سبيل ~~شيء آخر، كان الأذى يصله، وكان الشعراء يسبونه، وكانت قريش تأتمر به حتى حاول رجل قتله عند ~~الكعبة. وكان منزله يرجم، وكان أهله وأتباعه يهددون، فلا يزيده ذلك إلا صبرا وإمعانا في ~~الدعوة. ms149 # وامتلأت نفوس المؤمنين الذين اتبعوه بقوله: «والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري ~~على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته.» وهانت عليهم جميعا التضحيات ~~الجسام، وهان عليهم الموت في سبيل الحق وهداية قريش له. وقد تعجب لهذا الإيمان الآخذ بنفوس ~~أولئك المكيين ولما يكن الدين قد كمل، ولما يكن قد نزل من القرآن إلا القليل. وقد تحسب أن شخصية ~~محمد ودماثة طبعه وجميل خلقه وما عرف من صدقه وما بدا من صلابة عوده وقوة عزمه وثبات إرادته، ~~كان السبب في كل هذا، ولا ريب قد كان لهذا كله حظه ونصيبه، لكن عوامل أخرى جديرة بالتقدير ~~والاعتبار كان لها هي أيضا نصيب في ذلك غير قليل. # فقد كان محمد في بلاد حرة هي أشبه ما تكون بالجمهورية. وكان في الذروة والسنام منها حسبا ~~ونسبا. وكان قد وصل من المال إلى ما يشاء. وكان إلى ذلك من بني هاشم. اجتمعت لهم سدانة الكعبة ~~وسقاية الحاج وما شاءوا من مجد الألقاب الدينية. فلم يكن لذلك في حاجة إلى المال أو الجاه أو ~~المكانة السياسية أو الدينية. وكان في ذلك على خلاف من سبقه من الرسل والأنبياء. فقد ولد موسى في ~~مصر وفيها فرعون يدين له أهلها بالألوهية وينادي هو فيهم: «أنا ربكم الأعلى.» وتعاونه طائفة رجال ~~الدين على سوم الناس ألوان الظلم والاستغلال والعسف، فكانت الثورة التي قام بها موسى بأمر ربه ~~ثورة نظام سياسي وديني معا. أليس يريد أن يكون فرعون والرجل الذي يرفع الماء بالشادوف من النيل ~~أمام الله سيين؟ إذن فما هي ألوهية فرعون وما هذا النظام القائم؟! يجب أن يحطم ذلك كله، ويجب ~~أن تكون الثورة سياسية أولا. # لهذا لقيت الدعوة الموسوية منذ بداءتها حربا من فرعون شعواء، ولذلك آزرت المعجزات موسى ليؤمن ~~الناس بدعوته. ألقى عصاه فإذا هي حية تسعى تلقف ما صنع سحرة فرعون. ولم يجد ذلك موسى شيئا، ~~فاضطر إلى مغادرة وطنه مصر، وقد آزرته في هجرته معجزة ms150 انفلاق الطريق في البحر خلال الماء. وقد ~~ولد عيسى في الناصرة من أعمال فلسطين، وهي يومئذ ولاية رومانية خاضعة لحكم القياصرة ولظلم ~~المستعمرين بها ولآلهة رومية، فدعا الناس إلى الصبر على الظلم، وإلى المغفرة للتائب المنيب، وإلى ~~ألوان من الرحمة اعتبرها القائمون بالأمر ثورة على تجبرهم، فآزرت عيسى معجزات إحياء الموتى وإبراء ~~المرضى وسائر ما أيده به روح القدس من عنده. صحيح أن تعاليمهم تنتهي في جوهرها إلى ما تنتهي ~~إليه تعاليم محمد في جوهرها، مع خلاف في التفاصيل ليس هنا موضع إيضاحه. لكن هذه العوامل ~~المختلفة، والعامل السياسي في مقدمتها، وجهت دعوتهما اتجاهها. أما محمد - وكانت ظروفه ما ~~قدمنا - فكانت رسالته عقلية روحية أساسها الدعوة إلى الحق والخير والجمال، دعوة مجردة في بدئها ~~وفي غايتها. ولبعدها عن كل خصومة سياسية لم تزعج النظام الجمهوري الذي كان قائما بمكة بأية صورة ~~من صور الإزعاج. # وقد تأخذ القارئ الدهشة إذا ذكر ما بين دعوة محمد والطريقة العلمية الحديثة من شبه قوي، فهذه ~~الطريقة العلمية تقتضيك إذا أردت بحثا أن تمحو من نفسك كل رأي وكل عقيدة سابقة لك في هذا البحث، ~~وأن تبدأ بالملاحظة والتجربة، ثم بالموازنة والترتيب ثم بالاستنباط القائم على المقدمات العلمية، ~~فإذا وصلت إلى نتيجة من ذلك كانت نتيجة علمية خاضعة بطبيعة الحال للبحث والتمحيص، ولكنها تظل ~~علمية ما لم يثبت البحث العلمي تسرب الخطأ إلى ناحية من نواحيها. وهذه الطريقة العلمية هي أسمى ~~ما وصلت إليه الإنسانية في سبيل تحرير الفكر، وها هي ذي مع ذلك طريقة محمد وأساس دعوته، فكيف ~~اقتنع الذين اتبعوه بدعوته وآمنوا بها؟ نزعوا من نفوسهم كل عقيدة سابقة وبدءوا يفكرون فيما ~~أمامهم. # لقد كان لكل قبيلة من قبائل العرب صنم. فأي صنم هو الحق وأي صنم هو الباطل؟ وكان في بلاد ~~العرب وفي البلاد التي تجاورها صابئة ومجوس يعبدون النار، وكان فيها الذين يعبدون الشمس فأي ~~هؤلاء على الحق، وأيهم على الباطل؟ لنذر هذا كله إذن جانبا، ولنمح أثره من نفوسنا، ولنتجرد ms151 من كل ~~رأي ومن كل عقيدة سابقة ولننظر. والنظر والملاحظة بطبيعة الحال سيان. مما لا شبهة فيه أن لكل ~~موجود بسائر الموجودات اتصالا؛ فالإنسان تتصل قبائله بعضها ببعض وأممه بعضها ببعض. والإنسان يتصل ~~بالحيوان والجماد. وأرضنا تتصل بالشمس وبالقمر وبسائر الأفلاك. وذلك كله يتصل في سنن مطردة لا ~~تحويل لها ولا تبديل. لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار. # ولو أن إحدى موجودات الكون تحولت لتبدل ما في الكون، فلو أن الشمس لم تسعد الأرض بالنور ~~والحرارة، على السنة التي تجري عليها منذ ملايين السنين، لتبدلت الأرض غير الأرض والسماء. وما ~~دام ذلك لم يحدث، فلا بد لهذا الكل من روح يمسكه؛ منه نشأ، وعنه تطور، وإليه يعود. هذا الروح وحده ~~هو الذي يجب أن يخضع له الإنسان. أما سائر ما في الكون فهو خاضع لهذا الروح كالإنسان سواء. ~~والإنسان والكون والزمان والمكان وحدة، وهذا الروح جوهرها ومصدرها. وإذن فلتكن لهذا الروح وحدة ~~العبادة. ولهذا الروح يجب أن تتجه القلوب والأفئدة. وفي الكون كله يجب أن نلتمس من طريق النظر ~~والتأمل سننه الخالدة. وإذن فما يعبد الناس من دون الله أصناما وملوكا وفراعنة ونارا وشمسا ~~إنما هو وهم باطل غير جدير بالكرامة الإنسانية، ولا هو يتفق مع عقل الإنسان وما كرم به من ~~القدرة على استنباط سنة الله من طريق النظر في خلقه. # هذا جوهر الدعوة المحمدية على ما عرفها المسلمون الأولون. وقد أبلغهم الوحي إياها على لسان ~~محمد في آي من البلاغة كانت ولن تزال معجزة؛ فجمع لهذا بذلك بين الحق وتصويره في كمال جماله. ~~وهنالك ارتقت نفوسهم وسمت قلوبهم تريد الاتصال بهذا الروح الكريم؛ فهداهم محمد إلى أن الخير هو ~~طريق الوصول، وأنهم مجزيون عن هذا الخير يوم يتمون واجبهم في الحياة بالتقوى، ويوم تجزى كل ~~نفس بما كسبت. # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ~~. # 8 # أي سمو بالعقل الإنساني أعظم من هذا السمو؟! وأي تحطيم لقيوده أشد ms152 من هذا التحطيم؟! حسب ~~الإنسان أن يفهم هذا وأن يؤمن به وأن يعمل عليه ليبلغ الذروة من مراتب الإنسان. وفي سبيل هذه ~~المكانة تهون كل تضحية على من يؤمن بها. # وقد كان من جلال موقف محمد ومن اتبعه أن ازداد بنو هاشم وبنو المطلب منعا له ودفعا للأذى ~~عنه. مر أبو جهل بمحمد يوما فآذاه وشتمه ونال منه بعض ما يكره من العيب لدينه والتوهين من أمره، ~~فأعرض محمد عنه وانصرف ولم يكلمه. وكان حمزة عمه وأخوه من الرضاعة، لا يزال على دين قريش، وكان ~~رجلا قويا مخوفا. وكان ذا ولع بالصيد، فإذا رجع من صيده طاف بالكعبة قبل أن يعود إلى داره. ~~فلما جاء في ذلك اليوم وعلم بما أصاب ابن أخيه من أذى أبي جهل ملأه الغضب، وذهب إلى الكعبة ولم ~~يقف مسلما على أحد ممن كان عندها كعادته، ودخل المسجد فألفى أبا جهل فقصد إليه، حتى إذا بلغه رفع ~~القوس فضربه بها فشجه شجة منكرة. وأراد الرجال من بني مخزوم أن ينصروا أبا جهل فمنعهم حسما للشر ~~ومخافة استفحاله معترفا أنه سب محمدا سبا قبيحا، ثم أعلن حمزة إسلامه، وعاهد محمدا على ~~نصرته والتضحية في سبيل الله حتى النهاية. # ضاقت قريش ذرعا بمحمد وأصحابه؛ إذ رأتهم يزدادون كل يوم قوة، ثم لا يثنيهم الأذى ولا يصرفهم ~~العذاب عن إيمانهم والجهر به، وعن صلواتهم وأداء فرضها؛ فخيل إليهم أن يتخلصوا من محمد بما ~~توهموا من إرضاء مطامعه، ناسين عظمة الدعوة الإسلامية ونزاهة جوهرها الروحي السامي عن الخصومة ~~السياسية. فقد رغب عتبة بن ربيعة، وكان من سادات العرب، إلى قريش وهم في ناديهم أن يكلم محمدا ~~وأن يعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها فيعطونه أيها شاء ويكف عنهم. وكلم عتبة محمدا فقال: «يا بن ~~أخي، إنك منا حيث قد علمت من المكان في النسب. وقد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم. ~~فاسمع مني أعرض عليك أمورا لعلك تقبل بعضها ... إن كنت إنما تريد بهذا الأمر مالا جمعنا لك ms153 من ~~أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا. وإن كنت تريد تشريفا سودناك علينا، فلا نقطع أمرا دونك. وإن ~~كنت تريد ملكا ملكناك علينا. وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا # 9 # تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى تبرأ.» # فلما فرغ من قوله تلا محمد عليه سورة السجدة وعتبة منصت يستمع إلى أحسن القول، ويرى أمامه ~~رجلا لا مطمع له في مال ولا تشريف ولا في ملك ولا هو بالمريض، وإنما يدلي بالحق، ويدعو إلى ~~الخير، ويدفع بالتي هي أحسن، مع الإعجاز في العبارة، فلما انتهى محمد انصرف عتبة إلى قريش مأخوذا ~~بجمال ما رأى وسمع، مأخوذا بعظمة هذا الرجل وسحر بيانه. ولم يرق قريشا أمر عتبة ولا راقها ~~رأيه أن تترك للعرب محمدا، فإن تغلبت عليه استراحت قريش، وإن تبعته فلها فخاره. فعادت تناوئ ~~محمدا وتناوئ أصحابه وتصيبهم من البلاء مما كان هو في منجاة منه بمكانته من قومه ومنعته بأبي ~~طالب وبني هاشم وبني المطلب. # وزاد ما ينزل بالمسلمين من الأذى، وبلغ منهم القتل والتعذيب والتمثيل، هنالك أشار عليهم محمد ~~أن يتفرقوا في الأرض. فلما سألوه أين نذهب؟ نصح إليهم أن يذهبوا إلى بلاد الحبشة المسيحية «فإن ~~بها ملكا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه.» فخرج فريق من ~~المسلمين عند ذلك إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة وفرارا إلى الله بدينهم. وخرجوا في هجرتين؛ كانوا ~~في الأولى أحد عشر رجلا وأربع نساء تسللوا من مكة لواذا، ثم أقاموا في خير جوار من النجاشي، حتى ~~ترامى إليهم أن المسلمين بمكة أصبحوا بمأمن من أذى قريش فعادوا، كما سنقصه من بعد. فلما لقوا ~~عنت قريش وأذاهم أبلغ مما كان عادوا إلى الحبشة في ثمانين رجلا غير نسائهم وأطفالهم، وأقاموا بها ~~إلى ما بعد هجرة النبي إلى يثرب. وهذه الهجرة إلى الحبشة كانت أول هجرة في الإسلام. # من حق من يؤرخ لمحمد أن يسأل: أكان كل القصد من هذه ms154 الهجرة، التي قام بها المسلمون بأمره ~~ورأيه، الفرار من كفار مكة وما يلحقون بهم من الأذى؟ أما أنها كان لها كذلك غرض سياسي إسلامي ~~رمى محمد من ورائه إلى غاية عليا؟ من حق مؤرخ محمد أن يسأل عن هذا بعد ما ثبت من تاريخ هذا ~~النبي العربي في أطوار حياته جميعا أنه كان سياسيا بعيد الغور، كما كان صاحب رسالة وأدب نفس ~~لا يدانيه فيهما في السمو والجلال والعظمة مدان. ويدعونا إلى هذه المسألة ما تجري به الرواية ~~من أن أهل مكة لم يستريحوا إلى خروج من خرج من المسلمين إلى الحبشة، بل بعثوا رجلين إلى النجاشي ~~ومعهما الهدايا النفيسة ليقنعوه بأن يرد المسلمين من مواطنيهم إليهم. والحبشة ونجاشيها كانوا ~~نصارى، فليس تخشى قريش عليهم من الناحية الدينية أن يتبعوا محمدا. فهل تراهم عنوا بالأمر ~~وبعثوا يستردون المسلمين لأنهم رأوا أن حماية النجاشي إياهم بعد سماعه أقوالهم قد تكون ذات أثر في ~~إقبال أهل جزيرة العرب على دين محمد واتباعهم إياه؟ أم هم خافوا - إن بقي هؤلاء في الحبشة - أن ~~تشتد شوكتهم، فإذا عادوا بعد ذلك لمعونة محمد عادوا أقوياء بالمال والرجال؟ # كان الرسولان عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة. وقد دفعا إلى النجاشي وإلى بطارقته ~~بالهدايا كي يرد المهاجرين من أهل مكة إليها. ثم قالا: «أيها الملك إنه قد ضوى # 10 # إلى بلدك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، وجاءوا بدين ابتدعوه ~~لا نعرفه نحن ولا أنت. وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم ~~إليهم؛ فهم أعلى بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه.» وكان السفيران قد اتفقا مع ~~بطارقة النجاشي بعد أن أتحفاهم بهدايا أهل مكة أن يعاونوهم على رد المسلمين إلى قريش دون أن ~~يسمع النجاشي كلامهم، فأبى النجاشي أن يفعل حتى يسمع ما يقولون، وبعث في طلبهم. فلما جاءوا سألهم: ~~ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا به في ديني ولا دين أحد ms155 من هذه الملل؟ # فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب، قال: «أيها الملك، كنا قوما أهل جاهلية، نعبد الأصنام ~~ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار ويأكل القوي منا الضعيف. فكنا على ذلك ~~حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ~~ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه، من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة ~~وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال ~~اليتيم وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئا. وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام - ~~وعدد عليه أمور الإسلام - فصدقناه به واتبعناه على ما جاء به من الله. فعبدنا الله وحده لا ~~نشرك به شيئا. وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا فعذبونا ~~وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث. ~~فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك واخترناك على من ~~سواك؛ ورغبنا في جوارك ورجونا ألا نظلم عندك.» # فقال النجاشي: «هل معك مما جاء به عن الله من شيء تقرؤه علي؟» # قال جعفر: نعم! وتلا عليه سورة مريم من أولها إلى قوله تعالى: # فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا * قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا * وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة ~~والزكاة ما دمت حيا * وبرا بوالدتي ولم يجعلني ~~جبارا شقيا * والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ~~ويوم أبعث حيا ~~. # 11 # فلما سمع البطارقة هذا القول مصدقا لما في الإنجيل أخذوا وقالوا: هذه كلمات تصدر من النبع ~~الذي صدرت منه كلمات سيدنا يسوع المسيح. وقال النجاشي: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة ~~واحدة. انطلقا والله لا أسلمهم إليكما. فلما كان الغد عاد ابن العاص إلى النجاشي فقال له: إن ~~المسلمين يقولون في عيسى ابن مريم قولا عظيما، فأرسل إليهم فسلهم ms156 عما يقولون فيه. فلما دخلوا ~~عليه قال جعفر بن أبي طالب: فيه نقول الذي جاء به نبينا، يقول: هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ~~ألقاها إلى مريم العذراء البتول. فأخذ النجاشي عودا وخط به على الأرض وقال - وقد بلغت منه ~~المسرة أكبر مبلغ: ليس بين دينكم وديننا أكثر من هذا الخط. وكذلك تبين للنجاشي بعد سماع ~~الفريقين أن هؤلاء المسلمين يعترفون بعيسى ويقرون النصرانية ويعبدون الله. ووجد المسلمون في ~~جوار النجاشي أمنا ودعة حتى رجعوا إلى مكة للمرة الأولى ومحمد ما يزال بها، حين بلغهم أن خصومة ~~قريش هدأت. فلما رأوا المكيين ما يزالون ينزلون به وبأعوانه الأذى عادوا إلى الحبشة في ثمانين ~~رجلا غير نسائهم وأطفالهم. أفكانت هجرتاهم هاتان لمجرد الفرار من الأذى، أم كان لهما - ولو في ~~تدبير محمد وحده - غاية سياسية يجمل بالمؤرخ أن يجلوها؟ # ومن حق مؤرخ محمد أن يسأل: كيف أمن محمد على أصحابه هؤلاء أن يذهبوا إلى أرض الحبشة ~~والنصرانية دين أهلها، دين كتاب، ورسولها عيسى يقر الإسلام رسالته، ثم لا يخاف عليهم فتنة ~~كفتنة قريش وإن تكن من نوع آخر؟ وكيف أمن هذه الفتنة والحبشة بلاد بها من الخصب ما ليس بمكة؛ فهي ~~أشد من قريش فتنة؟ ولقد تنصر بالفعل أحد المسلمين الذين ذهبوا إلى الحبشة، فدل تنصره على أن ~~خوف هذه الفتنة كان جديرا بأن يساور محمدا وقد كان لا يزال ضعيفا ، ولا يزال الذين اتبعوه في ~~أشد الريب من قدرته على حمايتهم أو الانتصار به على عدوهم. # وأكبر الظن أن يكون ذلك قد دار بخاطر محمد، أن كانت سعة ذهنه وذكاء فؤاده وبعد نظره عدلا ~~لسمو روحه وكرم نفسه وحسن أدبه ورقة عاطفته. لكنه كان مطمئنا من هذه الناحية تمام الطمأنينة؛ ~~فقد كان الإسلام يومئذ، وإلى يوم مات صاحب الرسالة، في صفاء جوهره لم تشب نقاءه ولا سموه شائبة. ~~وكانت نصرانية الحبشة كنصرانية نجران والحيرة والشام قد اندس إليها من شوائب الخلاف بين مؤلهي ~~مريم ومؤلهي عيسى والمخالفين لهؤلاء وأولئك ما ms157 لا يخشى معه على أولئك الذين كانوا ينهلون من نبع ~~الرسالة المصفى. # وفي الحق أن أكثر الأديان ما كانت تتخطى على الأزمان أجيالا معدودة حتى يندس إليها نوع من ~~الوثنية، إن لم يكن من هذا الطراز الوضيع الشائع يومئذ في بلاد العرب فإنه وثنية على كل حال. ~~والإسلام نزل عدو الوثنية اللدود في جميع صورها وأوضاعها. ثم إن النصرانية تعترف من ذلك التاريخ ~~لطائفة رجال الدين بمكانة خاصة لم يعرفها الإسلام قط، وكان يومئذ أشد ما يكون عليها سموا، ~~ومنها براءة. ثم إنه كان يومئذ وبقي في جوهره دين السمو بالنفس الإنسانية إلى الذروة العليا من ~~السمو. فلم يدع صلة بين المرء وربه غير العمل الصالح والتقوى، وأن يحب الإنسان لأخيه ما يحب ~~لنفسه. لم تبق أصنام ولم يبق كهنة ولم يبق عرافون ولم يبق شيء يحول دون أن تسمو الروح الإنسانية ~~لتتصل بالوجود كله صلة خير ومعروف، ليكون جزاؤها عند الله أكبر من عملها أضعافا مضاعفة. # والروح! الروح الذي هو أمر الله! الروح المتصل بأزل الزمن وأبده! هذا الروح ما عمل صالحا فلا ~~حجاب بينه وبين وجه الله ولا سلطان لغير الله. يستطيع الأغنياء والأقوياء والشريرون أن يعذبوا ~~الجسد وأن يحولوا بينه وبين ملاذه وشهواته وأن يهلكوه، لكنهم لن يصلوا إلى الروح ما دام صاحبه ~~يريد به سموا فوق سلطان المادة وفوق سلطان الزمن واتصالا بالوجود كله. إنما يجزى الإنسان عن ~~أعماله يوم تجزى كل نفس بما كسبت، يومئذ لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا، ~~ويومئذ لا ينفع الأغنياء مالهم، ولا الأقوياء قوتهم، ولا المتكلمين كلامهم؛ إنما هي الأعمال ~~وحدها تشهد لصاحبها أو تشهد عليه. ويومئذ يقف هذا الوجود جميعا متسقة وحدته مجتمعا أزله وأبده، ~~لا يظلم ربك أحدا. ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون. # كيف يخاف محمد الفتنة على من علمهم هذه المعاني ومن بثها في نفوسهم فحلت منهم في سويداء ~~القلب ومكان العقيدة والإيمان؟! ثم كيف يخاف عليهم الفتنة ومثله حاضر ms158 أمامهم بشخصه المحبوب، حتى ~~ليحبه أحدهم أكثر من حبه نفسه وبنيه وأهله. شخصه الذي يضع هذه العقيدة فوق ملك الأرض والسماء ~~والشمس والقمر ويقول لعمه: «والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ~~حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته.» شخصه الذي يضيء بنور الإيمان والحكمة والعدل والخير والحق ~~والجمال، الممتلئ إلى جانب ذلك تواضعا وبرا ومودة ورحمة. لذلك كان مطمئنا إلى هجرة أصحابه ~~هؤلاء إلى الحبشة كل الاطمئنان. وكان أمنهم عند النجاشي وسكينتهم إلى دينهم بين قوم لا تربطهم بهم ~~أواصر قربى أو عطف، مما جعل قريشا تشعر بما في إيذائها للمسلمين - وهم منهم وهم أهلوهم وأنسابهم ~~- من ظلم ومن عنت ومن إمعان في الفجور، ومن تحميل كل ألوان الأذى لهؤلاء الذين ارتفعت نفوسهم فوق ~~الأذى، فأصبح لا ينالهم سوء، وأصبحوا يرون في الصبر على البأساء قربى إلى الله ومغفرة منه. # وكان عمر بن الخطاب يومئذ رجلا في فتوة الرجولة، بين الثلاثين والخامسة والثلاثين. وكان ~~مفتول العضل، قوي الشكيمة، حاد الطبع، سريع الغضب، محبا للهو والخمر، وفيه إلى ذلك بر بأهله ~~ورقة لهم. وكان من أشد قريش أذى للمسلمين ووقيعة فيهم. فلما رآهم هاجروا إلى الحبشة ورأى النجاشي ~~حماهم، شعر لفراقهم بوحشة، وبما لفراقهم وطنهم من ألم يحز في الكبد ويفري المهجة. وكان محمد ~~يوما مجتمعا مع أصحابه الذين لم يهاجروا في بيت عند الصفا، ومن بينهم عمه حمزة وابن عمه علي ~~بن أبي طالب وأبو بكر بن أبي قحافة وغيرهم من سائر المسلمين. وعرف عمر اجتماعهم، فقصد إليهم يريد ~~أن يقتل محمدا كي تستريح قريش وتعود إليها وحدتها بعد أن فرق أمرها وسفه أحلامها وعاب ~~آلهتها، ولقيه نعيم بن عبد الله في الطريق وعرف أمره فقال له: «والله لقد غشتك نفسك من نفسك يا ~~عمر! أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على وجه الأرض وقد قتلت محمدا؟! أفلا ترجع إلى أهل بيتك ~~وتقيم أمرهم؟!» # وكانت فاطمة أخت عمر وزوجها سعيد بن ms159 زيد قد أسلما. فلما عرف عمر من نعيم أمرهما كر ~~راجعا إليهما ودخل البيت عليهما، فإذا عندهما من يقرأ عليهما القرآن. فلما أحسوا دنو داخل ~~عليهم اختفى القارئ وأخفت فاطمة الصحيفة. وسأل عمر: ما هذه الهينمة التي سمعت؟ فلما أنكرا صاح ~~بهما: لقد علمت أنكما تابعتما محمدا على دينه، وبطش بسعيد. فقامت فاطمة تحمي زوجها فضربها ~~فشجها. فهاج إذ ذاك هائج الزوجين وصاحا به: نعم أسلمنا، فاقض ما أنت قاض. واضطرب عمر حين رأى ما ~~بأخته من الدم، وغلبه بره وعطفه، فارعوى وسأل أخته أن تعطيه الصحيفة التي كانوا يقرءون. فلما ~~قرأها تغير وجهه وأحس الندم على صنيعه، ثم اهتز لما قرأ في الصحيفة وأخذه إعجازها وجلالها ~~وسمو الدعوة التي تدعو إليها، فزاد جانب البر غلبة عليه. # وخرج وقد لان قلبه واطمأنت نفسه؛ فقصد إلى مجلس محمد وأصحابه عند الصفا. فاستأذن وأعلن ~~إسلامه، فوجد المسلمون فيه وفي حمزة للإسلام منعة وللمسلمين حمى. # وفت إسلام عمر في عضد قريش، فأتمرت مرة أخرى ما تصنع. والحق أن هذا الحادث عزز ~~المسلمين بعنصر جديد قوي غاية القوة، جعل موقف قريش منهم وموقفهم من قريش غير ما كان، واستتبع ~~ما بين الطرفين سياسة جديدة مليئة بأحداث وتضحيات وقوى جديدة أدت إلى الهجرة وإلى ظهور محمد ~~السياسي إلى جانب محمد الرسول. # الفصل السادس # | قصة الغرانيق # (عود مهاجري الحبشة - الغرانيق العلا - تمسك المستشرقين بقصتها - أسانيدهم في ذلك - ~~ضعف هذه الأسانيد - القصة ظاهرة الكذب ينفيها التمحيص العلمي) ~~*** # أقام المسلمون الذين هاجروا إلى الحبشة ثلاثة أشهر أسلم أثناءها عمر بن الخطاب. وعلم هؤلاء ~~المهاجرون ما حدث على أثر إسلامه من رجوع قريش عن إيذائها محمدا ومن اتبعه، فعاد كثير منهم في ~~رواية، وعادوا كلهم في رواية أخرى إلى مكة. فلما بلغوها رأوا قريشا عادت إلى إيذاء المسلمين وإلى ~~الإمعان في عداوتهم أشد مما عرف هؤلاء المهاجرون من قبل، فعاد إلى الحبشة من عاد، ودخل مكة من ~~دخل مستخفيا أو بجوار. ويقال: إن الذين عادوا استصحبوا معهم عددا آخر ms160 من المسلمين أقاموا ~~بالحبشة إلى ما بعد الهجرة وإلى حين استتباب الأمر للمسلمين بالمدينة. # أي داع حفز مسلمي الحبشة إلى العودة بعد ثلاثة أشهر من مقامهم بها؟ هنا يرد حديث الغرانيق ~~الذي أورده ابن سعد في طبقاته الكبرى والطبري في تاريخ الرسل والملوك، كما أورده كثيرون من ~~المفسرين المسلمين وكتاب السيرة، والذي أخذ به جماعة المستشرقين ووقفوا يؤيدونه طويلا. وحديث ~~الغرانيق أن محمدا لما رأى تجنب قريش إياه وأذاهم أصحابه تمنى فقال: ليته لا ينزل علي شيء ~~ينفرهم مني، وقارب قومه ودنا منهم ودنوا منه، فجلس يوما في ناد من تلك الأندية حول الكعبة فقرأ ~~عليهم سورة النجم حتى بلغ قوله تعالى: # أفرأيتم اللات والعزى ~~* ومناة الثالثة الأخرى ~~. # 1 # فقرأ بعد ذلك: تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى. ثم مضى وقرأ السورة كلها وسجد ~~في آخرها، وهنالك سجد القوم جميعا لم يتخلف منهم أحد. وأعلنت قريش رضاها عما تلا النبي، وقالوا: ~~قد عرفنا أن الله يحيي ويميت ويخلق ويرزق، ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده. أما إذ جعلت لها نصيبا ~~فنحن معك. وبذلك زال وجه الخلاف بينه وبينهم. وفشا أمر ذلك في الناس حتى بلغ الحبشة؛ فقال ~~المسلمون بها: عشائرنا أحب إلينا، وخرجوا راجعين. فلما كانوا دون مكة بساعة من نهار لقوا ركبا ~~من كنانة فسألوهم، فقالوا: ذكر آلهتهم بخير فتابعه الملأ، ثم ارتد عنها فعاد لشتم آلهتهم فعادوا ~~له بالشر . وأتمر المسلمون ما يصنعون، فلم يطيقوا عن لقاء أهلهم صبرا فدخلوا مكة. # وإنما ارتد محمد عن ذكر آلهة قريش بالخير - في مختلف الروايات التي أثبتت هذا الخبر - لأنه ~~كبر عليه قول قريش: «أما إذ جعلت لآلهتنا نصيبا فنحن معك.» ولأنه جلس في بيته، حتى إذا أمسى ~~أتاه جبريل فعرض النبي عليه سورة النجم، فقال جبريل: أوجئتك بهاتين الكلمتين؟! مشيرا إلى «تلك ~~الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى.» قال محمد: قلت على الله ما لم يقل! ثم أوحى الله إليه: # وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك ~~لتفتري علينا غيره وإذا ms161 لاتخذوك خليلا * ولولا ~~أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا * إذا ~~لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا ~~نصيرا ~~. # 2 # وبذلك عاد يذكر آلهة قريش بالشر ويسبهم، وعادت قريش لمناوأته وإيذاء أصحابه. # وهذا حديث الغرانيق، رواه غير واحد من كتاب السيرة، وأشار إليه غير واحد من المفسرين، ووقف ~~عنده كثيرون من المستشرقين طويلا. وهو حديث ظاهر التهافت ينقضه قليل من التمحيص. وهو بعد حديث ~~ينقض ما لكل نبي من العصمة في تبليغ رسالات ربه. فمن عجب أن يأخذ به بعض كتاب السيرة وبعض ~~المفسرين المسلمين: ولذلك لم يتردد ابن إسحاق حين سئل عنه في أن قال: إنه من وضع الزنادقة. # ولكن بعض الذين أخذوا به حاولوا تسويغه فاستندوا إلى الآيات: # وإن ~~كادوا ليفتنونك ~~، وإلى قوله تعالى: # وما أرسلنا من ~~قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في ~~أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته ~~والله عليم حكيم * ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة ~~للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي ~~شقاق بعيد ~~. # 3 # ويفسر بعضهم كلمة «تمنى» في الآية بمعنى قرأ، ويفسرها آخرون بمعنى الأمنية المعروفة. ويذهب ~~هؤلاء وأولئك، ويتابعهم المستشرقون، إلى أن النبي بلغ منه أذى المشركين أصحابه؛ إذ كانوا يقتلون ~~بعضهم ويلقون بعضا في الصحراء يلفحهم لظى الشمس المحرقة، وقد أوقروهم بالحجارة كما فعلوا ببلال، ~~حتى اضطر إلى الإذن لهم في الهجرة إلى الحبشة. كما بلغ منه جفاء قومه إياه وإعراضهم عنه. ولما ~~كان حريصا على إسلامهم ونجاتهم من عبادة الأصنام، تقرب إليهم وتلا سورة النجم وأضاف إليها ~~حكاية الغرانيق، فلما سجد سجدوا معه، وأظهروا له الميل لاتباعه ما دام قد جعل لآلهتهم نصيبا مع ~~الله. # ويضيف سير وليم موير إلى هذه الرواية التي وردت في بعض كتب السيرة وكتب التفسير، حجة يراها ~~قاطعة بصحة حديث الغرانيق. ذلك أن المسلمين الذين هاجروا إلى الحبشة لم يك قد مضى على هجرتهم ~~إليها غير ثلاثة أشهر، أجارهم النجاشي أثناءها، ms162 وأحسن جوارهم. فلو لم يكن قد ترامى إليهم خبر ~~الصلح بين محمد وقريش لما دفعهم دافع إلى العود حرصا على الاتصال بأهلهم وعشائرهم. وأنى يكون صلح ~~بين محمد وقريش إذ لم يسع محمد إليه، وقد كان في مكة أقل نفرا وأضعف قوة، وقد كان أصحابه أعجز من ~~أن يمنعوا أنفسهم من أذى قريش ومن تعذيبهم إياهم! # هذه هي الحجج التي يسوقها من يقولون بصحة حديث الغرانيق، وهي حجج واهية لا تقوم أمام التمحيص. ~~ونبدأ بدفع حجة المستشرق موير؛ فالمسلمون الذين عادوا من الحبشة إنما دفعهم إلى العود إلى مكة ~~سببان: أولهما أن عمر بن الخطاب أسلم بعد هجرتهم بقليل. وقد دخل عمر فى دين الله بالحمية التي ~~كان يحاربه من قبل بها، لم يخف إسلامه ولم يستتر، بل ذهب يعلنه على رءوس الملأ ويقاتلهم في ~~سبيله. ولم يرض عن استخفاء المسلمين وتسللهم إلى شعاب مكة يقيمون الصلاة بعيدين عن أذى قريش، بل ~~دأب على نضال قريش حتى صلى عند الكعبة وصلى المسلمون معه. هنالك أيقنت قريش أن ما تنال به محمدا ~~وأصحابه من الأذى يوشك أن يثير حربا أهلية لا يعرف أحد مداها ولا على من تدور دائرتها. فقد أسلم ~~من قبائل قريش وبيوتاتها رجال تثور لقتل أي واحد منهم قبيلته وإن كانت على غير دينه. فلا مفر إذن ~~من الالتجاء في محاربة محمد إلى وسيلة لا يترتب عليها هذا الخطر. وإلى أن تتفق قريش على هذه ~~الوسيلة، هادنت المسلمين فلم تنل أحدا منهم بأذى، وهذا هو ما اتصل بالمهاجرين إلى الحبشة. ودعاهم ~~إلى التفكير في العود إلى مكة. # وربما ترددوا في هذا العود لو لم يكن السبب الثاني الذي ثبت عزمهم؛ ذلك أن الحبشة شبت بها ~~يومئذ ثورة على النجاشي، كان دينه وكان ما أبدى من عطف على المسلمين بعض ما أذيع فيها من تهم وجهت ~~إليه. ولقد أبدى المسلمون أحسن الأماني أن ينصر الله النجاشي على خصومه؛ لكنهم لم يكونوا ليشاركوا ~~في هذه الثورة وهم أجانب، ولم يك ms163 قد مضى على مقامهم بالحبشة غير زمن قليل. # أما وقد ترامت إليهم أنباء الهدنة بين محمد وقريش، هدنة أنجت المسلمين مما كان يصيبهم من ~~الأذى، فخير لهم أن يدعوا الفتنة وراء ظهورهم وأن يلحقوا بأهليهم؛ وهذا ما فعلوه كلهم أو بعضهم. ~~على أنهم ما كادوا يبلغون مكة حتى كانت قريش قد ائتمرت ما تصنع بمحمد وأصحابه، واتفقت عشائرها ~~وكتبوا كتابا تعاقدوا فيه على مقاطعة بني هاشم مقاطعة تامة؛ فلا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم، ~~ولا يبيعوهم ولا يبتاعوا منهم. وبهذا الكتاب عادت الحرب العوان بين الفريقين، ورجع الذين عادوا من ~~الحبشة، وذهب معهم من استطاع اللحاق بهم. وقد وجدوا هذه المرة عنتا من قريش إذ حاولت أن تمنعهم ~~من الهجرة. # ليس الصلح - الذي يشير إليه المستشرق موير - هو إذن الذي دعا المسلمين إلى العودة من بلاد ~~الحبشة؛ إنما دعاهم هذه الهدنة التي حدثت على إثر إسلام عمر وحماسته في تأييد دين الله. فتأييد ~~حديث الغرانيق إذن بحجة الصلح تأييد غير ناهض. # أما احتجاج المحتجين من كتاب السيرة والمفسرين بالآيات: # وإن كادوا ~~ليفتنونك ~~، و # وما أرسلنا من قبلك من رسول ~~ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ~~، فهو ~~احتجاج أشد تهافتا من حجة السير موير، ويكفي أن نذكر من الآيات الأولى قوله تعالى: # ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا ~~قليلا # لنرى أنه إن كان الشيطان قد ألقى في أمنية الرسول حتى لقد كاد يركن إليهم ~~شيئا قليلا فقد ثبته الله فلم يفعل، ولو أنه فعل لأذاقه الله ضعف الحياة وضعف الممات. وإذن ~~فالاحتجاج بهذه الآيات احتجاج مقلوب. فقصة الغرانيق تجري بأن محمدا ركن إلى قريش بالفعل. وأن ~~قريشا فتنته بالفعل فقال على الله ما لم يقل. والآيات هنا تفيد أن الله ثبته فلم يفعل. فإذا ذكرت ~~كذلك أن كتب التفسير وأسباب النزول جعلت لهذه الآيات موضعا غير مسألة الغرانيق، ورأيت أن ~~الاحتجاج بها في مسألة تتنافى مع عصمة الرسل في تبليغ رسالاتهم، وتتنافى مع تاريخ محمد كله، ~~احتجاج ms164 متهافت، بل احتجاج سقيم. # أما الآيات # وما أرسلنا من قبلك من رسول # فلا صلة ~~لها بحديث الغرانيق البتة، فضلا عن ذكرها أن الله ينسخ ما يلقي الشيطان ويجعله فتنة للذين في ~~قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم، ويحكم الله آياته والله عليم حكيم. # وندع هذا إلى تمحيص القصة التمحيص العلمي الذي يثبت عدم صحتها. وأول ما يدل على ذلك تعدد ~~الروايات فيها، فقد رويت - كما سبق القول - على أنها: تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى. ~~ورواها بعضهم: «الغرانقة العلا إن شفاعتهم ترتجى.» وروى آخرون: «إن شفاعتهم ترتجى.» دون ذكر ~~الغرانقة أو الغرانيق. وفي رواية رابعة: «وإنها لهي الغرانيق العلا.» وفي رواية خامسة: «وإنهن لهن ~~الغرانيق العلا. وإن شفاعتهم لهي التي ترتجى.» وقد وردت في بعض كتب الحديث روايات أخرى غير هذه ~~الروايات الخمس. وهذا التعدد في الروايات يدل على أن الحديث موضوع، وأنه من وضع الزنادقة، كما قال ~~ابن إسحاق، وأن الغرض منه التشكيك في صدق تبليغ محمد رسالات ربه. # ودليل آخر أقوى وأقطع؛ ذلك سياق سورة النجم وعدم احتماله لمسألة الغرانيق. فالسياق يجري بقوله ~~تعالى: # لقد رأى من آيات ربه الكبرى * ~~أفرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة الأخرى ~~* ألكم الذكر وله الأنثى * تلك إذا ~~قسمة ضيزى * إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم ~~وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما ~~تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى ~~. # 4 # وهذا السياق صريح في أن اللات والعزى أسماء سماها المشركون هم وآباؤهم ما أنزل الله بها من ~~سلطان، فكيف يحتمل أن يجري السياق بما يأتي: «أفرأيتم اللات والعزى. ومناة الثالثة الأخرى. تلك ~~الغرانيق العلا. إن شفاعتهن ترتجى. ألكم الذكر وله الأنثى. تلك إذن قسمة ضيزى. إن هي إلا أسماء ~~سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان.» إن في هذا السياق من الفساد والاضطراب ~~والتناقض، من مدح اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى وذمها في أربع آيات متعاقبة، ما لا يسلم به ~~عقل ولا يقول به إنسان، ولا تبقى معه ms165 شبهة في أن حديث الغرانيق مفترى وضعه الزنادقة لغاياتهم، ~~وصدقه من يسيغون كل غريب ومن تقبل عقولهم ما لا يسيغ العقل المنطقي. # وحجة أخرى ساقها المغفور له الأستاذ محمد عبده حين كتب يفند قصة الغرانيق. تلك أن وصف العرب ~~لآلهتهم بأنها الغرانيق لم يرد في نظمهم ولا في خطبهم، ولم ينقل عن أحد أن ذلك الوصف كان جاريا ~~على ألسنتهم، وإنما ورد الغرنوق والغرنيق على أنه اسم لطائر مائي أسود أو أبيض، والشاب الأبيض ~~الجميل. ولا شيء من ذلك يلائم معنى الآلهة أو وصفها عند العرب. # بقيت حجة قاطعة، نسوقها للدلالة على استحالة قصة الغرانيق هذه من حياة محمد نفسه؛ فهو منذ ~~طفولته وصباه وشبابه لم يجرب عليه الكذب قط، حتى سمي الأمين ولما يبلغ الخامسة والعشرين من ~~عمره. وكان صدقه أمرا مسلما به عند الناس جميعا، حتى لقد سأل قريشا يوما بعد بعثه: «أرأيتم ~~لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل أكنتم تصدقوني؟» فكان جوابهم: «نعم! أنت عندنا غير متهم ~~وما جربنا عليك كذبا قط.» فالرجل الذي عرف بالصدق في صلاته بالناس منذ نعومة أظفاره إلى ~~كهولته كيف يصدق إنسان أنه يقول على ربه ما لم يقل، ويخشى الناس والله أحق أن يخشاه؟! هذا أمر ~~مستحيل، يدرك استحالته الذين درسوا هذه النفوس القوية الممتازة التي تعرف الصلابة في الحق ولا ~~تداجي فيه لأي اعتبار. وكيف ترى يقول محمد لو وضعت قريش الشمس في يمينه والقمر في شماله على أن ~~يترك هذا الأمر أو يموت دونه ما فعل، ثم يقول على الله ما لم يوح إليه، ويقوله لينقض به أساس ~~الدين الذي بعثه الله به هدى وبشرى للعالمين؟! # ومتى رجع إلى قريش ليمدح آلهتهم؟ بعد عشر سنوات أو نحوها من بعثه، وبعد أن احتمل هو وأصحابه ~~في سبيل الرسالة من ألوان الأذى وصنوف التضحية ما احتمل، وبعد أن أعز الله الإسلام بحمزة وعمر، ~~وبعد أن بدأ المسلمون يصبحون قوة بمكة، ويمتد خبرهم إلى بلاد العرب كلها وإلى الحبشة وإلى مختلف ms166 ~~نواحي العالم. إن القول بذلك حديث خرافة وأكذوبة ممجوجة. ولقد شعر الذين اخترعوها بسهولة ~~افتضاحها، فأرادوا سترها بقولهم: إن محمدا ما كاد يسمع كلام قريش إذ جعل لآلهتهم نصيبا في ~~الشفاعة حتى كبر ذلك عليه، وحتى رجع إلى الله تائبا أول ما أمسى ببيته وجاءه جبريل فيه. لكن هذا ~~الستر أحرى أن يفضحها. فما دام الأمر قد كبر على محمد منذ سمع مقالة قريش، فما كان أحراه أن يراجع ~~الوحي لساعته! وما كان أحراه أن يجري الوحي الصواب على لسانه؟ وإذن فلا أصل لمسألة الغرانيق إلا ~~الوضع والاختراع، قامت بهما طائفة الذين أخذوا أنفسهم بالكيد للإسلام بعد انقضاء الصدر ~~الأول. # وأعجب ما في جرأة هؤلاء المفترين أنهم عرضوا للافتراء في أم مسائل الإسلام جميعا: في ~~التوحيد! في المسألة التي بعث محمد لتبليغها للناس منذ اللحظة الأولى، والتي لم يقبل فيها منذ تلك ~~اللحظة هوادة، ولا أماله عنها ما عرضت عليه قريش أن يعطوه ما يشاء من المال أو يجعلوه ملكا ~~عليهم. وعرضوا ذلك عليه حين لم يكن قد اتبعه من أهل مكة إلا عدد يسير. وما كان أذى قريش لأصحابه ~~ليجعله يرجع عن دعوة أمره ربه أن يبلغها للناس. فاختيار المفترين لهذه المسألة التي كانت صلابة ~~محمد فيها غاية ما عرف عنه من الصلابة، يدل على جرأة غير معقولة، ويدل في الوقت نفسه على أن ~~الذين مالوا إلى تصديقهم قد خدعوا فيما لا يجوز أن يخدع فيه أحد. # لا أصل إذن لمسألة الغرانيق على الإطلاق، ولا صلة البتة بينها وبين عودة المسلمين من الحبشة، ~~إنما عادوا، كما قدمنا، بعد أن أسلم عمر ونصر الإسلام بمثل الحمية التي كان يحاربه من قبل ~~بها، حتى اضطرت قريش لمهادنة المسلمين. وعادوا حين شبت في بلاد الحبشة ثورة خافوا مغبتها. فلما ~~علمت قريش بعودتهم ازدادت مخاوفها أن يعظم أمر محمد بينهم، فأتمرت ما تصنع. وقد انتهت بوضع ~~الصحيفة التي قرروا فيها فيما قرروا ألا يناكحوا بني هاشم ويبايعوهم ولا يخالطوهم، كما أجمعوا ~~فيما بينهم ms167 أن يقتلوا محمدا إن استطاعوا. # الفصل السابع # | مساءات قريش # (إعلان عمر إسلامه وصلاة المسلمين عند الكعبة - صحيفة المقاطعة - جهود قريش في محاربة ~~محمد - سلاح الدعاية - سحر البيان - جبر النصراني - تأثر قريش بالدعوة الجديدة - ~~الطفيل الدوسي - وفد النصارى - ما منع قريشا أن تتابع محمدا: المنافسة، الخوف على ~~مكانة مكة، الفزع من البعث) ~~*** # فت إسلام عمر في عضد قريش أن دخل في دين الله بالحمية التي كان يحاربه من قبل بها. لم ~~يخف إسلامه ولم يستتر، بل ذهب يعلن على رءوس الملأ ويقاتلهم في سبيله، ولم يرض عن استخفاء ~~المسلمين وذهابهم إلى شعاب مكة يقيمون الصلاة فيها بعيدين عن أذى قريش، بل دأب على نضال قريش حتى ~~صلى عند الكعبة وصلى المسلمون معه. وأيقنت قريش أن ما تنال به محمدا وأصحابه من الأذى لن يحول ~~دون إقبال الناس على دين الله ليحتموا من بعد ذلك بعمر وحمزة أو بالحبشة أو بمن يقدر على حمايتهم؛ ~~فأتمرت من جديد ماذا تصنع، واتفقوا فيما بينهم وكتبوا كتابا تعاقدوا فيه على مقاطعة بني هاشم ~~وبني عبد المطلب مقاطعة تامة، فلا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم، ولا يبيعوهم شيئا ولا يبتاعوا ~~منهم، وعلقوا صحيفة هذا العقد في جوف الكعبة توكيدا لها وتسجيلا. وكان أكبر ظنهم أن هذه ~~السياسة السلبية وسياسة التجويع والمقاطعة ستكون أفعل أثرا من سياسة الأذى والإعنات، وإن لم ~~ينقطعوا عن الإعنات ولا عن الأذى. وأقامت قريش على حصار المسلمين وحصار بني هاشم وبني عبد المطلب ~~سنتين أو ثلاثا، كانت ترجو خلالها أن تصل من محمد إلى اعتزال قومه إياه، فيعود وحيدا ولا يبقى ~~له ولا لدعوته من خطر. # فأما محمد فلم يزده ذلك إلا اعتصاما بحبل الله، ولم يزد أهله والذين آمنوا به إلا ذودا عنه ~~وعن دين الله، ولم يحل دون انتشار الدعوة إلى الإسلام انتشارا خرج بها من حدود مكة. وذاع أمر ~~الدعوة بين العرب وقبائلها بما جعل الدين الجديد يفشو ذكره في شبه الجزيرة بعد أن كان حبيسا بين ~~جبال مكة، وما ms168 جعل قريشا تزيد إمعانا في تفكيرها كيف تحارب هذا الذي خرج عليها وسب آلهتها، ~~وكيف تقف دون انتشار دعوته بين قبائل العرب، هذه القبائل التي لا غنى لمكة عنها ولا غنى لها عن ~~مكة في التجارة المتصلة التي تصدر عن أم القرى وترد إليها. # ولقد كان ما بذلت قريش ومن مجهود في محاربة هذا الخارج عليها وعلى دينها ودين آبائها، وما ~~ثابرت وصابرت السنين الطوال للقضاء على هذه الدعوة الجديدة، يعدو ما يتصوره العقل. هددت محمدا ~~وهددت أهله وأعمامه. تهكمت به وبدعوته، وسخرت منه وممن اتبعه. أرسلت شعراءها تهجوه وتفري ~~أديمه. نالته بالأذى ونالت من اتبعه بالسوء والعذاب. عرضت عليه الرشوة، وعرضت عليه الملك، وعرضت ~~عليه كل ما يطمع الناس فيه. شردت أنصاره عن أوطانهم، وأصابتهم في تجارتهم وفي أرزاقهم. أنذرته ~~وأنذرتهم الحرب وأهوالها وما تجني وما تدمر. وها هي ذي تحاصرهم أخيرا لتميتهم جوعا إن استطاعت ~~إلى ذلك سبيلا. مع ذلك ظل محمد يشتد في دعوة الناس بالحسنى إلى الحق الذي بعثه الله به للناس ~~بشيرا ونذيرا. أفآن لقريش أن تلقي سلاحها وأن تصدق الأمين الذي عرفته منذ طفولته وكل صباه ~~وشبابه أمينا؟ أم أنها لجأت إلى سلاح غير ما قدمنا من أسلحة النضال وخيل إليها أنها مستطيعة ~~به أن تكسب الموقعة، وأن تستبقي لأصنامها مكانة الألوهية التي تزعمها، وأن تستبقي بمكة متحف هذه ~~الأصنام ومكان تقديسها ليبقى لمكة كل ما ينالها بسبب هذه الأصنام من تقديس؟! # كلا! لم يأن لقريش أن تذعن وأن تسلم وهي الآن أشد ما تكون خوفا من انتشار دعوة محمد ~~بين قبائل العرب بعد أن انتشرت بمكة. وقد بقي لديها سلاح لجأت إليه منذ الساعة الأولى ولا يزال ~~لها في قوته وفي مضائه مطمع، ذلك سلاح الدعاية: الدعاية بكل ما تنطوي عليه من مجادلة وحجج ومهاترة ~~وترويج إشاعات وتوهين لحجة الخصم، واستعلاء بالدليل على دليله، الدعاية على العقيدة وعلى صاحب ~~العقيدة واتهامه فيها واتهامها لذاتها. الدعاية التي لا تقف عند حدود مكة، والتي لم ms169 تكن بحاجة ~~إليها كحاجة البادية وقبائلها وشبه الجزيرة وسائر أهلها. كان التهديد والإغراء والإرهاب والتعذيب ~~بعض ما يغني عن الدعاية في مكة، لكنها لم تكن لتغني عنها شيئا عند الألوف الذين يفدون إلى مكة ~~كل عام في التجارة والحج، والذين يجتمعون في أسواق عكاظ ومجنة وذي المجاز ليحجوا إلى الكعبة ~~بعد ذلك مقربين إلى أصنامهم، ناحرين عندها، ملتمسين منها البركة والمغفرة؛ لذلك فكرت قريش منذ ~~استحرت الخصومة بينها وبين محمد في تنظيم الدعاية عليه. وكانت في تفكيرها هذا أشد إمعانا منذ ~~فكر هو في مبادأة الحاج بدعوتهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له. وهو قد فكر في هذا بعد ~~السنين الأولى من بعثه؛ فهو قد بدأ نبيا منذ بعثه إلى أن جاءه الوحي أن ينذر عشيرته الأقربين. ~~فلما أنذر قريشا وأسلم منها من أسلم، وألح في الكفر والعناد من ألح، ألقى عليه أن يدعو قومه ~~والعرب جميعا ليلقي عليه من بعد ذلك أن يدعو الناس كافة. # لما فكر في مبادأة الحاج من مختلف قبائل العرب بالدعوة إلى الله، اجتمع نفر من قريش إلى ~~الوليد بن المغيرة يتشاورون: ماذا عسى أن يقولوا في شأن محمد للعرب القادمين إلى موسم الحج، حتى ~~لا يختلف بعضهم على بعض ويكذب بعضهم بعضا. واقترح بعضهم أن يقولوا: إن محمدا كاهن؛ فرد ~~الوليد هذا الرأي أن ليس ما يقول محمد بزمزمة # 1 # الكاهن ولا بسجعه. واقترح آخرون أن يزعموا أن محمدا مجنون؛ فرد الوليد هذا الرأي ~~بأنه لا تبدو عليه لهذا الزعم ظاهرة. واقترح غيرهم أن يتهموا محمدا بالسحر؛ فرد الوليد بأن ~~محمدا لا ينفث في العقد ولا يأتي من عمل السحرة شيئا. وبعد حوار اقترح الوليد عليهم أن ~~يقولوا للحاج من العرب إن هذا الرجل ساحر البيان، وإن ما يقوله سحر يفرق به بين المرء وأبيه، ~~وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجه، وبين المرء وعشيرته. وكان لهم عند العرب من الحجة على قولهم ~~هذا ما أصابهم في مكة من فرقة وتخاذل وتناحر، بعد أن ms170 كانت مكة مضرب المثل في العصبية وفي قوة ~~الرابطة. وانطلقت قريش في الموسم تحذر الحاج الاستماع إلى هذا الرجل وسحر بيانه، حتى لا يصيبها ~~ما أصاب مكة فتكون فتنة تصلى نارها جزيرة العرب جمعاء. # ولكن دعاية كهذه لا يمكن أن تقوم وحدها أو تقاوم سحر هذا البيان الذي يؤمنون إليه. فإذا جاء ~~الحق في هذا البيان الساحر فما يمنع الناس أن يؤمنوا به؟ هل كان الاعتراف بالعجز وتبريز الخصم ~~دعاية ناجعة في يوم من الأيام؟! فلتكن لقريش إلى جانب هذه الدعاية دعاية أخرى. ولتلتمس قريش هذه ~~الدعاية عند النضر بن الحارث. وقد كان هذا النضر من شياطين قريش، وكان قد قدم الحيرة وتعلم بها ~~أحاديث ملوك الفرس وعباداتها وأقوالها في الخير والشر وفي عناصر الكون. فأخذ كلما جلس محمد مجلسا ~~يدعو فيه قومه إلى الله، ويحذرهم عاقبة من قبلهم من الأمم التي أعرضت عن عبادة الله يخلف ~~محمدا في مجلسه ويقص على قريش حديث فارس ودينها، ثم يقول: بماذا يكون محمد أحسن حديثا مني؟ أليس ~~يتلو من أساطير الأولين ما أتلو؟! وكانت قريش تذيع أحاديث النضر من طريق الرواية دعاية على ما ~~ينذر محمد الناس به وما يدعوهم إليه. # وكان محمد يكثر من الجلوس عند المروة إلى مبيعة غلام نصراني يقال له جبر، فكانت قريش تزعم أن ~~جبرا النصراني هذا هو الذي يعلم محمدا أكثر ما يأتي به، فإذا كان لأحد أن يخرج على دين آبائه ~~فالنصرانية أولى. وروجت قريش لزعمها هذا، فنزل في ذلك قوله تعالى: # ولقد ~~نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون ~~إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين ~~. # 2 # بهذه الضروب وأمثالها من الدعاية جعلت قريش تحارب محمدا ترجو أن تبلغ بها منه أكثر مما يبلغ ~~منه الأذى وممن اتبعه العذاب. على أن قوة الحق في الصورة الواضحة البسيطة التي صور فيها على ~~لسان محمد كانت تعلو على ما يقولون، وما تفتأ لذلك تزداد كل يوم بين العرب انتشارا. قدم الطفيل ~~بن عمرو الدوسي مكة، ms171 وكان رجلا شريفا شاعرا لبيبا، فمشت إليه قريش تحذره محمدا وأن قوله ~~كالسحر، يفرق بين المرء وأهله، بل بين المرء ونفسه، وأنهم يخشون عليه وعلى قومه مثل ما أصابهم ~~بمكة، وأن الخير في ألا يكلمه ولا يستمع إليه. # وذهب الطفيل يوما إلى الكعبة، وكان محمد هناك، فسمع بعض قوله فإذا هو كلام حسن؛ فقال في ~~نفسه: «واثكل أمي! والله إني لرجل لبيب شاعر ما يخفى علي الحسن من القبيح، فما يمنعني أن أسمع ~~من هذا الرجل ما يقول؟! فإن كان حسنا قبلته، وإن كان قبيحا تركته.» واتبع محمدا إلى بيته ~~وأظهره على أمره وما دار بنفسه؛ فعرض محمد عليه الإسلام وتلا عليه القرآن، فأسلم وشهد شهادة الحق، ~~ورجع إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام، فلباه بعضهم وأبطأ بعض؛ وما زال الطفيل بهم يدعوهم سنين ~~متعاقبة حتى أسلم أكثرهم، وانضموا إلى النبي بعد فتح مكة وبعد أن بدأ النظام السياسي يأخذ في ~~الإسلام صورة معينة. # وليس الطفيل الدوسي إلا مثلا من كثير. ولم يكن عباد الأصنام وحدهم هم الذين يستجيبون لدعوة ~~محمد. قدم عليه وهو بمكة عشرون رجلا من النصارى حين بلغهم خبره. فجلسوا إليه وسألوه واستمعوا له، ~~فاستجابوا وآمنوا به وصدقوه، مما غاظ قريشا حتى سبوهم وقالوا لهم: «خيبكم الله من ركب! بعثكم ~~من وراءكم من أهل دينكم لتأتوهم بخبر الرجل، فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه ~~بما قال!» ولم تثن مقالة قريش هذا الوفد عن متابعة محمد ولم ترده عن الإسلام، بل زادتهم بالله ~~إيمانا على إيمانهم إذ كانوا نصارى، وكانوا من قبل أن يستمعوا إلى محمد لله مسلمين. # بل لقد بلغ من أمر محمد ما هو أعظم من هذا؛ بدأ أشد قريش خصومة يسائلون أنفسهم: أحقا أنه ~~يدعو إلى الدين القيم، وأن ما يعدهم وما ينذرهم هو الصحيح؟ خرج أبو سفيان بن حرب وأبو جهل بن ~~هشام والأخنس بن شريق ليلة ليستمعوا إلى محمد وهو في بيته، فأخذ كل منهم مجلسا يستمع فيه ~~وكل منهم لا يعلم ms172 بمكان صاحبه. وكان محمد يقوم الليل إلا قليلا يرتل القرآن في هدوء وسكينة، ~~ويردد بصوته العذب آياته القدسية على أوتار سمعه وقلبه. فلما كان الفجر تفرق المستمعون وهم ~~عائدون إلى منازلهم؛ فجمعهم الطريق، فتلاوموا وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا! فلو رآكم بعض سفهائكم ~~لأضعف ذلك من أمركم ولنصر محمدا عليكم. فلما كانت الليلة الثانية شعر كل واحد منهم، في مثل ~~الموعد الذي ذهب فيه أمس، كأن رجليه تحملانه من غير أن يستطيع امتناعا ليقضي ليله حيث قضاه ~~أمس، وليتسمع إلى محمد يتلو كتاب ربه. وتلاقوا عند عودتهم مطلع الفجر وتلاوموا من جديد، فلم يحل ~~تلاومهم دون الذهاب في الليلة الثالثة. فلما أدركوا ما بهم لدعوة محمد من ضعف تعاهدوا ألا يعودوا ~~لمثل فعلتهم، وإن ترك ما سمعوا من محمد في نفوسهم أثرا جعلهم يتساءلون فيما بينهم عن الرأي فيما ~~سمعوا، وكلهم تضطرب نفسه ويخاف أن يضعف وهو سيد قومه فيضعف قومه ويتابعوا محمدا معه. # ما منعهم أن يتابعوا محمدا؟ إنه لا يريد منهم مالا ولا فيهم سيادة ولا عليهم ملكا أو ~~سلطانا، وهو بعد جم التواضع شديد الحب لقومه والبر بهم والحرص على هداهم، شديد حساب النفس، ~~حتى ليخشى إساءة المسكين والضعيف، ويرى في المغفرة لأذى يحتمله طمأنينة لقلبه وراحة لضميره. ألم ~~يقف مع الوليد بن المغيرة يوما وقد طمع في إسلامه، والوليد سيد من سادات قريش، فمر به ابن أم ~~مكتوم الأعمى وجعل يستقرئه القرآن ، وألح في ذلك حتى شق على محمد إلحاحه، لما شغله عما كان فيه من ~~أمر الوليد، فتولى عنه وانصرف عابسا؛ فلما خلا إلى نفسه جعل يحاسبها على صنيعها ويسائلها أأخطأ؟ ~~حتى نزل عليه الوحي بهذه الآيات: # عبس وتولى * أن جاءه ~~الأعمى * وما يدريك لعله يزكى * أو ~~يذكر فتنفعه الذكرى * أما من استغنى * ~~فأنت له تصدى * وما عليك ألا يزكى * ~~وأما من جاءك يسعى * وهو يخشى * فأنت عنه ~~تلهى * كلا إنها تذكرة * فمن شاء ذكره ~~* في صحف مكرمة * مرفوعة مطهرة * بأيدي سفرة * كرام بررة ~~. # 3 ms173 # فما دام ذلك أمره فما منع قريشا أن يتابعوه، وأن يعينوه على دعوته، وخاصة بعد إذ لانت ~~قلوبهم، وإذ أنستهم السنون ما تدفع إليه المحافظة على القديم البالي من جمود النفس، وإذ رأوا في ~~دعوة محمد جلالا وكمالا؟! # ولكن! أحقا أن السنين تنسي النفوس جمودها ومحافظتها على القديم البالي؟ إنما يكون ذلك عند ~~الممتازين ومن في قلوبهم نزوع دائم إلى الكمال، هؤلاء ما يزالون حياتهم كلها يقلبون الحقائق ~~التي آمنوا من قبل بها لينفوا ما يعلق بها من زيف بالغة ما بلغت تفاهته. وهؤلاء كأن قلوبهم ~~وعقولهم بوتقة دائمة الغليان، تقبل كل جديد من الرأي يلقى إليها، فتصهره وتنفي خبثه وتستبقي ما ~~فيه من خير وحق وجمال. وهؤلاء يلتمسون الحق في كل شيء وفي كل مكان وعلى كل لسان. بيد أنهم في كل ~~أمة وعصر هم الصفوة المختارة، وهم لذلك قلة أبدا. وهم يجدون الخصومة دائما ناشئة على أشدها ~~بينهم وبين ذوي المال والجاه والسلطان؛ لأن هؤلاء يخافون من كل جديد أن يجني على مالهم أو جاههم ~~أو سلطانهم، وهم لا يعرفون غير هذه في الحياة حقائق ملموسة. # كل ما سوى هذه حق إذا هو أدى إلى مزيد منها، باطل إذا بعث إلى أصحابها أيسر ظل من الريبة ~~إزاءها: رب المال يرى أن الفضيلة حق إذا زادت في ماله، باطل إذا حرمته إياه، وأن الدين حق إذا ~~عرف كيف يسخره لشهواته، باطل إذا وقف في وجه هذه الشهوات وحطمها، ورب الجاه ورب السلطان في ذلك ~~كرب المال سواء، وهؤلاء في خصومتهم لكل جديد يخافون منه، يستعدون السواد الذي يفيد منهم رزقه ~~على المنادي بهذا الرأي الجديد، وهم يستعدون السواد بتقديس الصروح القديمة التي نخر السوس فيها ~~بعد أن فر الروح منها، وهم يقيمون هذه الصروح هياكل من الحجر ليزعموا للسواد البريء أن الروح ~~المقدس، الذي لفوه هم في أكفانه، ما برح في جلاله بين محبس هذه الهياكل. # والسواد ينصرهم أكثر الأمر؛ لأنه ينظر قبل كل شيء إلى رزقه، ولا يسهل ms174 عليه أن يدرك أن أية ~~حقيقة لا تطيق أن تبقى حبيسة بين جدران معبد من المعابد بالغا ما بلغ جماله وجلاله، وأن في طبع ~~الحقيقة أن تكون حرة طليقة تغزو النفوس وتغذوها، لا تفرق فيها بين نفس سيد ونفس عبد، ولا يقف نظام ~~من النظم في سبيلها بالغة ما بلغت قسوته وبطش أصحابه في حمايته. # فكيف تريد من هؤلاء الذين كانوا يتسللون لواذا يستمعون إلى القرآن أن يؤمنوا به وهو يؤاخذهم ~~في كثير مما يرتكبون، وهو لا يفرق بين الأعمى ومن استغنى بكثرة المال إلا بطهارة النفس، وهو ~~ينادي الناس جميعا: # إن أكرمكم عند الله أتقاكم ~~. # 4 # فإذا ظل أبو سفيان ومن معه على دين آبائهم فليس ذلك إيمانا منهم به أو بحق يحتويه، ~~بل هو حرص على نظام قديم أقامه ثم أفاء الحظ عليهم في ظله من بسطة المال والجاه ما يحرصون عليه ~~ويحاربون الحياة كلها دونه. # وإلى جانب هذا الحرص كان يقوم الحسد والتنافس والتنازع مانعا من إقبال قريش على متابعة ~~النبي. كان أمية بن أبي الصلت ممن حدثوا عن نبي يقوم في العرب قبل ظهور محمد، حتى طمع هو في ~~النبوة؛ وأكلت قلبه الغيرة حين لم ينزل الوحي عليه، فلم يرض أن يتابع من ظنه منافسه مع غلبة ~~الحكمة على شعره، حتى قال عليه السلام يوما وهذا الشعر يروى أمامه: «أمية آمن شعره وكفر ~~قلبه.» وكان الوليد بن المغيرة يقول: «أينزل على محمد وأترك أنا كبير قريش وسيدها ويترك ~~أبو مسعود عمرو بن عمير الثقفي سيد ثقيف ونحن عظيما القريتين؟!» وإلى هذا يشير قوله تعالى: # وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين ~~عظيم * أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم ~~معيشتهم في الحياة الدنيا ~~. # 5 # ولما استمع أبو سفيان وأبو جهل والأخنس إلى القرآن ثلاث ليال متتابعة في القصة التي رويناها، ~~ذهب الأخنس إلى أبي جهل في بيته فسأله: يا أبا الحكم، ما رأيك فيما سمعنا من محمد؟ فكان جواب أبي ~~جهل: «ماذا سمعت؟ تنازعنا ms175 نحن وبنو عبد مناف الشرف: أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا ~~فأعطينا، حتى إذا تحاذينا الركب وكنا كفرسي رهان قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء فمتى ~~ندرك مثل هذه؟ والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه.» وللحسد والتنافس والتنازع في هذه النفوس ~~البدوية من عميق الأثر ما يخطئ الإنسان إذا هو حاول الإغضاء عنه أو لم يقدره حق قدره. ويكفي أن ~~نذكر ما لهذه الشهوات على النفوس جميعا من سلطان، لنقدر أن التخلص من أثرها يجب أن يسبقه تهذيب ~~طويل يصقل الفؤاد ويرفع حكم العقل على نزعات الهوى، ويسمو بالعاطفة وبالروح إلى مرقى يجعلك ترى ~~الحقيقة على لسان خصمك بل عدوك هي الحقيقة على لسان حميمك ووليك، وتؤمن بأنك أكثر غنى بملك ~~الحقيقة منك بمال قارون وجاه الإسكندر وملك قيصر. هذه مكانة قل من يصل إليها إلا من هدى الله ~~قلبه للحق. أما سائر الناس فتعميهم العاجلة من مال ونشب، ويعميهم الاستمتاع باللحظة التي يعيشون ~~فيها، عن الارتفاع إلى هذه المعاني. وهم في سبيل هذه العاجلة واقتناص تلك اللحظة يحاربون ~~ويقاتلون، لا يحول شيء دون أن ينشب أحدهم أظفاره وأنيابه في عنق الحق والخير والفضيلة، وأن يدوس ~~تحت أقدام دنسه أطهر معاني الكمال. ما بالك بهؤلاء العرب من قريش وهم يرون محمدا يزداد أنصاره كل ~~يوم عددا، ويخشون يوما ما يكون فيه للحق الذي يعلنه السلطان عليهم وعلى من يدين لهم بالطاعة، ~~ويمتد من وراء ذلك إلى العرب في مختلف أنحاء الجزيرة! دون هذا قط الرقاب إذا استطاعوا قطها. ~~ودون هذه الدعاية والمقاطعة والحصار والتعذيب والتنكيل يصبونه على هام خصومهم صبا. # وسبب ثالث منع قريشا من متابعة محمد. ذلك فزعهم من البعث ومن عذاب جهنم يوم الحساب؛ فقد ~~رأيتهم قوما مكبين على اللهو مسرفين فيه، ويتخذون من التجارة ومن الربا إليه الوسيلة. ولا يرى ~~الغني منهم في شيء من الأشياء رذيلة يتجافى عنها؛ ثم كان لهم من التقرب إلى أصنامهم ما يزعمون أنه ~~يكفر عن سيئاتهم وذنوبهم. بحسب الرجل أن ms176 يضرب القداح عند هبل قبل أن يقدم على أمر ليكون ما ~~تشير به عليه القداح أمر هبل. وبحسبه أن ينحر للأصنام لتمحو الأصنام سيئاته وذنوبه! هو في حل ~~من أن يقتل وينهب ويرتكب الفحشاء ولا يعف عن الخنا ما دام قديرا على رشوة هذه الآلهة بالقرابين ~~والنحور! # وهذا هو محمد يعلن إليهم في آيات مرهبة تنخلع من هولها القلوب وتضطرب الأفئدة أن ربهم لهم ~~بالمرصاد، وأنهم مبعوثون في اليوم الآخر خلقا جديدا، وأن أعمالهم هي وحدها الشفيع لهم. # فإذا جاءت الصاخة * يوم يفر المرء من ~~أخيه * وأمه وأبيه * وصاحبته وبنيه * لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه * وجوه ~~يومئذ مسفرة * ضاحكة مستبشرة * ووجوه ~~يومئذ عليها غبرة * ترهقها قترة * ~~أولئك هم الكفرة الفجرة ~~. # 6 # والصاخة تجيء: # يوم تكون السماء كالمهل * وتكون الجبال كالعهن * ولا يسأل حميم ~~حميما * يبصرونهم يود المجرم لو يفتدي من عذاب ~~يومئذ ببنيه * وصاحبته وأخيه * وفصيلته ~~التي تؤويه * ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه * كلا إنها لظى * نزاعة للشوى * تدعو من أدبر وتولى * وجمع فأوعى ~~، # 7 # يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية * فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرءوا ~~كتابيه * إني ظننت أني ملاق حسابيه * ~~فهو في عيشة راضية * في جنة عالية * ~~قطوفها دانية * كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في ~~الأيام الخالية * وأما من أوتي كتابه بشماله ~~فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه * ولم أدر ما ~~حسابيه * يا ليتها كانت القاضية * ما ~~أغنى عني ماليه * هلك عني سلطانيه * ~~خذوه فغلوه * ثم الجحيم صلوه * ثم في ~~سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه * إنه كان لا ~~يؤمن بالله العظيم * ولا يحض على طعام المسكين * فليس له اليوم هاهنا حميم * ولا طعام إلا ~~من غسلين * لا يأكله إلا الخاطئون ~~. # 8 # أتلوت هذا؟! أسمعته؟! ألم يأخذك الهول ويتولك الفزع؟! وليس هذا إلا قليلا مما كان ينذر ~~محمد به قومه. وأنت تتلوه اليوم وقد تلوته وسمعته من قبل مرات. وأنت تعيد إلى ذهنك إذ تتلوه ما في ~~القرآن من تصوير جهنم: # يوم نقول لجهنم ms177 هل امتلأت ~~وتقول هل من مزيد ~~، # 9 # كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا ~~غيرها ليذوقوا العذاب ~~. # 10 # يسير عليك وقد داخلك الروع أن تقدر ما كان يتولى قريشا والمترفين منها خاصة، إذ كانوا ~~يستمعون إلى هذا القول بعد إذ كانوا من قبل ما ينذرهم به من العذاب بنجوة في حمى آلهتهم وأوثانهم. ~~ويسير بعد ذلك أن تقدر مبلغ حماستهم في تكذيب محمد ومناوأته والتأليب عليه. فهم لم يكونوا ~~يعرفون البعث، ولم يكونوا يعترفون بما يسمعونه عنه. لم يكن أحدهم ليتوهم أنه مجزي عن عمل هذه ~~الحياة بعد مفارقته الحياة. إنما كان خوفهم من المستقبل في هذه الحياة. كان خوفهم من المرض ومن ~~الإصابة في الأموال والبنين وفي المكانة والجاه. كانت الحياة عندهم غاية الحياة. فكان كل همهم ~~منصرفا لجمع أسباب الاستمتاع فيها ودفع كل ما يخشونه منها. # وإذ كان المستقبل غيبا محجوبا أمامهم. وكانت نفوسهم تحس أن أعمالهم شر قد يصيبهم الغيب من ~~أجله بأذى، فقد كانوا يتفاءلون ويتطيرون: كانوا يستقسمون بالقداح، ويضربون بالحصى، ويزجرون الطير، # 11 # وينحرون للأوثان؛ كل ذلك يدرعون به مما يخافون من هذا المستقبل القريب في الحياة. ~~أما الجزاء بعد الموت، أما البعث والنشور يوم ينفخ في الصور، أما الجنة التي أعدت للمتقين وجهنم ~~التي أعدت للظالمين، أما ذلك كله فلم يكن يدور بخواطرهم، وذلك كله قد سمعوا به في دين اليهود ~~وفي دين النصارى، ولكنهم لم يسمعوا عنه تصويرا قويا مخوفا كالذي يسمعهم الوحي على لسان محمد، ~~والذي ينذرهم، إن هم ظلوا فيما هم فيه من لهو الحياة أو الاستكثار من المال بظلم الضعيف وأكل مال ~~اليتيم وإهمال المسكين والغلو في الربا، بعذاب خالد في درك سقر تصطك القلوب فزعا من هوله لمجرد ~~سماع صورته، ما بالك به محققا تراه البصيرة جاثما وراء الخطوة الضيقة التي يتخطى الإنسان من ~~جانب الحياة إلى ناحية الموت، بعده البعث والنشور، والرضا أو الثبور؟! # أما ما وعد الله المتقين من جنة عرضها السموات والأرض لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما ms178 إلا ~~قيلا سلاما سلاما، فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، فكانت قريش في ريب منها. وكان يزيدها ~~ريبا تعلقها بالعاجلة، وحرصها على أن ترى هذا النعيم محققا لها في حياة هذا العالم، وضيقها ~~بالانتظار إلى يوم الجزاء، على حين لم تكن هي تؤمن بيوم الجزاء. # ولقد يأخذ الإنسان العجب كيف أقفلت قلوب العرب دون تصور الحياة الأخرى والجزاء فيها، في حين ~~تدور رحى المعركة بين الخير والشر في هذا العالم الإنساني منذ الأزل، لم تعرف يوما هوادة ولا ~~اطمأنت إلى سكينة. كان المصريون القدماء، قبل ألوف السنين من بعث محمد، يزودون الميت زاد الدار ~~الآخرة، ويضعون في أكفانه كتاب الموتى بما فيه من أغنيات ونذر، ويصورون على معابدهم صور ~~الميزان والحساب والتوبة والعقاب، وكان الهنود يصورون رضا النفس الراضية في «النرفانا» وتناسخ روح ~~المسيء في صور من الخلق تتعذب أثناءها ألوف السنين وملايينها، حتى تلهم الحق فتطهر وتعود مرة ~~أخرى إلى الخير طمعا في بلوغ «النرفانا». ولم يكن مجوس فارس لينكروا معركة الخير والشر وآلهة ~~الظلمة والنور. والموسوية والعيسوية تصفان حياة الخلد ورضا الله وغضبه. # أفلم يبلغ هؤلاء العرب شيء من ذلك كله، وقد كانوا أهل تجارة يتصلون في رحلاتهم وأسفارهم بأهل ~~هذه النحل جميعا؟! فكيف لا يبلغهم؟ وكيف لا تكون لهم صورة خاصة منه وهم أهل بادية وأشد اتصالا ~~باللانهاية، وأقرب إلى تصور ما يشتمل عليه هذا الوجود من أرواح تتبدى في لهب الظهيرة وفي غسق ~~الليل! أرواح خيرة وأخرى شريرة! أرواح هي التي يحسبونها تسكن جوف الأصنام التي تقربهم إلى الله ~~زلفى؟! لا ريب أنه كانت عندهم فكرة من هذا الغيب المحيط بهم. لكنهم وهم أهل تجارة كانت نفوسهم ~~أكثر للواقع المحسوس قدرا؛ ولأنهم أهل لهو وخمر كانوا أشد لجزاء الآخرة إنكارا. فكانوا يحسبون ~~ما يلقاه الإنسان في هذه الحياة من خير أو شر جزاء عمله، ولا جزاء عنه بعد الحياة. ولذلك كان أكثر ~~ما نزل من الوحي نذيرا وبشيار قد نزل بمكة في أول الرسالة، حرصا على ms179 الخلاص لأرواح هؤلاء الذين ~~بعث محمد بينهم. ولقد كان جديرا بأن ينبههم إلى ما هم فيه من غي وضلالة؛ جديرا بأن يرتفع بهم ~~من عبادة الأصنام إلى عبادة الله الواحد القهار. # في سبيل هذا الخلاص الروحي لأهله وللناس كافة احتمل محمد ومن آمن به من ألوان الأذى وصور ~~التضحية، ومن آلام النفس والجسد، ومن الارتحال عن الوطن، ومن عداوة الأهل والولد، ما مر بك شيء ~~منه. وكأنما كان محمد يزداد لأهله حبا وعلى خلاصهم حرصا كلما ازدادوا إيذاء له ومساءة. ويوم ~~البعث والحساب كان آية الآيات التي يجب أن يتنبهوا لها لتنقذهم من شر وثنيتهم ومن التورط في ~~آثامهم؛ لذلك لم يكن الوحي في السنوات الأولى يفتر عن إنذارهم بها وتفتيح عيونهم عليها، مع أنهم ~~كانوا يمعنون في إنكارها وفي الازورار عنها، مما دعاهم إلى إشعال هذه الحرب الضروس التي لم تهدأ ~~بينهم وبين محمد ثائرتها، # 12 # حتى تم للإسلام النصر، وحتى أظهر الله دينه على الدين كله. # الفصل الثامن # | من نقض الصحيفة إلى الإسراء # (فرار المسلمين من مكة إلى شعاب الجبل - عدم اختلاطهم بالناس إلا في الأشهر الحرم - قيام زهير ~~وأصحابه في نقض الصحيفة - وفاة أبي طالب وخديجة - إيذاء قريش محمدا - ذهاب محمد إلى الطائف ورد ~~ثقيف إياه - الإسراء والمعراج) ~~*** # ظلت الصحيفة التي تعاقدت قريش فيها على مقاطعة محمد وحصار المسلمين نافذة ثلاث سنوات متتابعة، ~~احتمى محمد وأهله وأصحابه خلالها في شعب من شعاب الجبل بظاهر مكة، يعانون الحرمان ألوانا، ولا ~~يجدون في بعض الأحايين وسيلة إلى الطعام يدفعون به جوعهم. ولم يكن يتاح لمحمد ولا للمسلمين ~~الاختلاط بالناس والتحدث إليهم إلا في الأشهر الحرم، حين يفد العرب إلى مكة حاجين، وحين تضع ~~الخصومات أوزارها، فلا قتل ولا تعذيب ولا اعتداء ولا انتقام. في هذه الأشهر كان محمد ينزل إلى ~~العرب يدعوهم إلى دين الله ويبشرهم بثوابه وينذرهم عقابه. وكان ما أصاب محمدا من الأذى في سبيل ~~دعوته شفيعه عند كثيرين؛ حتى لقد زادهم ما سمعوا من ذلك عليه ms180 عطفا، وعلى دعوته إقبالا. وهذا ~~الحصار الذي أوقعته قريش واحتماله إياه صابرا في سبيل رسالته، كسب له كثيرا من القلوب التي لم ~~تبلغ منها القسوة ما بلغت من قلب أبي جهل وأبي لهب وأمثالهما. # على أن طول الزمن وكثرة ما أصاب المسلمين من عنت قريش - وهم منهم إخوانهم وأصهارهم وأبناء ~~عمومتهم - جعل كثيرين يشعرون بفدح ما ارتكبوا من ظلم وقسوة. فلولا أن كان من أهل مكة رجال، لديهم ~~على المسلمين عطف، يحملون إليهم الطعام في الشعب الذي احتموا به لهلكوا جوعا. وكان هشام بن عمرو ~~من أحسن قريش في هذه البأساء عطفا على المسلمين؛ كان يأتي بالبعير قد أوقره طعاما أو برا ~~فيسير به جوف الليل، حتى إذا استقبل فم الشعب خلع خطامه ثم ضرب على جنبه فيدخل البعير الشعب ~~عليهم. ولما ضاق بما يحتمل محمد وأصحابه من الأذى صدرا، مشى إلى زهير بن أبي أمية، وكانت أمه ~~عاتكة بنت عبد المطلب، فقال: يا زهير، أقد رضيت أن تأكل الطعام وتلبس الثياب وتنكح النساء وأخوالك ~~حيث قد علمت، ولا يبتاعون ولا يبتاع منهم، ولا ينكحون ولا ينكح إليهم؟! أما إني أحلف بالله أن لو ~~كان أخوال أبي الحكم بن هشام ثم دعوته إلى مثل ما دعاك إليه منهم ما أجابك إليه أبدا. وتعاهد ~~الرجلان على نقض الصحيفة، على أن يستعينوا على ذلك بغيرهم يقنعونهم به سرا. واتفق معهما المطعم ~~بن عدي وأبو البختري بن هشام وزمعة بن الأسود، وأجمع الخمسة أمرهم وتعاهدوا على القيام في أمر ~~الصحيفة حتى ينقضوها. # وغدا زهير بن أمية فطاف بالبيت سبعا. ثم نادى في الناس: يا أهل مكة أنأكل الطعام ونلبس ~~الثياب وبنو هاشم هلكى لا يبتاعون ولا يبتاع منهم؟! والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة ~~الظالمة! وما كاد أبو جهل يسمعه حتى صاح به كذبت والله لا تشق! فتصايح زمعة وأبو البختري والمطعم ~~وهشام بن عمرو كلهم يكذبون أبا جهل ويؤيدون زهيرا. وأدرك أبو جهل أن الأمر قضي بليل، وأن القوم ~~اتفقوا ms181 عليه، وأن مخالفتهم قد تثير شرا، فأوجس خيفة وتراجع، وقام المطعم ليشق الصحيفة فوجد ~~الأرضة قد أكلتها إلا فاتحتها «باسمك اللهم». وبذلك أتيح لمحمد وأصحابه أن يعودوا من الشعب إلى ~~مكة، وأن يبيعوا قريشا ويبتاعوا منها، وإن بقيت صلات الفريقين كما كانت وبقي كل منهم متحفزا ~~ليوم يستعلي فيه على صاحبه. # ذهب بعض كتاب السيرة إلى أن الذين قاموا في نقض الصحيفة، ممن كانوا لا يزالون على عبادة ~~الأوثان، ذهبوا إلى محمد يسألونه، منعا للشر، أن يتصالح وقريشا على شيء، كأن يسلم بآلهتهم ~~ولو بطرف أصابعه. فمالت نفسه إلى شيء من هذا تقديرا لجميلهم، وقال فيما بينه وبين نفسه: «وما ~~علي لو فعلت والله يعلم أن بار؟!» أو إلى أن هؤلاء الذين نقضوا الصحيفة وجماعة معهم خلوا بمحمد ~~ذات ليلة إلى الصبح يكلمونه ويفخمونه ويسودونه ويقاربونه ويقولون له: أنت سيدنا، يا سيدنا؛ وأنهم ~~ما زالوا به حتى كاد يقاربهم في بعض ما يريدون. وهاتان الروايتان هما بعض ما حدث به سعيد بن ~~جبير في الأولى وقتادة في الثانية. ويذكرون أن الله عصم محمدا بعد ذلك، وأنزل عليه قوله: # وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري ~~علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا * ولولا أن ~~ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا * إذا ~~لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا ~~نصيرا ~~. # 1 # وهذه الآيات قد نزلت - في زعم أصحاب قصة الغرانيق - في تلك القصة المكذوبة كما قد رأيت، وهذان ~~المحدثان يردانها إلى قصة نقض الصحيفة. وقد نزلت هذه الآيات في حديث عطاء عن ابن عباس في وفد ~~ثقيف؛ إذ طلبوا إلى محمد أن يحرم واديهم كما حرمت مكة شجرها وطيرها ووحشها؛ فتردد النبي عليه ~~السلام حتى نزلت. ومهما تكن الحقيقة الثابتة التي لا تختلف الروايات عليها للواقعة أو الوقائع ~~التي نزلت الآيات فيها، فإنها تصور ناحية من نواحي العظمة النفسية لمحمد، كما تصور صدق إخلاصه ~~تصويرا قويا. وهذه الناحية تصورها كذلك الآيات التي نقلنا من سورة «عبس» ويشهد بها ms182 تاريخ محمد ~~كله. تلك أنه يصارح الناس بأنه بشر مثلهم يوحي ربه إليه لهدايتهم، وأنه وهو بشر مثلهم معرض للخطأ ~~لولا عصمة الله إياه. فهو قد أخطأ حين عبس لابن أم مكتوم وتولى عنه، وهو قد كاد يخطئ فيما نزلت ~~آيات الإسراء في شأنه، وكاد يفتن عن الذي أوحي إليه ليفتري غيره. فإذا نزل عليه الوحي ينبهه إلى ~~ما صنع في أمر الأعمى، وفي أمر هذه الفتنة التي كادت قريش تدفعه إليها، وصدق في تبليغ هذا الوحي ~~إلى الناس صدقه في تبليغ رسالات ربه ولم يقف حائل من أنفة أو كبرياء ولا وقف اعتبار إنساني، حتى ~~مما يسيغ الفضلاء، دون إعلان هذا الحق في أمر نفسه؛ فالحق إذن، والحق وحده، كان رسالته. وإذا كان ~~احتمال أذى الغير في سبيل ما نؤمن به بعض ما تطيق النفوس الكبيرة، فإن إقرار العظيم بأنه كاد يفتن ~~ليس مما ألف الناس صدوره حتى من العظماء. إنما يخفي هؤلاء أمثال ذلك من الأمور، ويكتفون بحساب ~~النفس عليه ولو حسابا عسيرا، فهو شيء إذن أكبر من العظمة وأعظم من كل عظيم ذلك الذي يتيح للنفس ~~هذا السمو فتكشف عن الحق كله. ذلك الشيء الذي يسمو على العظمة ويفوق كل عظيم هو النبوة التي تملي ~~على الرسول صدق الإخلاص في إبلاغ رسالة الحق جل شأنه. # عاد محمد ومن معه من الشعب بعد تمزيق الصحيفة، وجعل من جديد يذيع دعوته في مكة وفي القبائل ~~التي تجيء إليها في الأشهر الحرم. ومع ما ذاع من أمر محمد بين قبائل العرب جميعا وما كان من كثرة ~~الذين اتبعوه، لقد ظل لا يسلم أصحابه من أذى قريش، ولا يستطيع هو لهم منعا. ولم تمض إلا شهور على ~~نقض الصحيفة حتى فجأت محمدا في عام واحد فاجعتان اهتزت لهما نفسه؛ هما موت أبي طالب وخديجة ~~دراكا. وكان أبو طالب يومئذ قد نيف على الثمانين. فلما اشتكى وبلغ قريشا أنه موف على ختام ~~حياته، خشيت ما يكون بينها وبين محمد وأصحابه من بعد، ms183 وفيهم حمزة وعمر المعروفان بشدتهما ~~وبطشهما، فمشى أشرافها إلى أبي طالب وقالوا له: يا أبا طالب، أنت منا حيث قد علمت وحضرك ما ترى ~~وتخوفنا عليك. وقد علمت الذي بيننا وبين ابن أخيك، فادعه فخذ له منا وخذ لنا منه، ليكف عنا ونكف ~~عنه، وليدعنا وديننا وندعه ودينه. وجاء محمد والقوم في حضرة عمه. فلما عرف ما جاءوا فيه قال: نعم؛ ~~كلمة واحدة تعطونيها تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم! قال أبو جهل: نعم وأبيك، وعشر كلمات. ~~قال. تقولون: لا إله إلا الله، وتخلعون ما تعبدون من دونه. قال بعضهم: أتريد يا محمد أن تجعل ~~الآلهة إلها واحدا؟! ثم قال بعضهم لبعض: والله ما هذا الرجل بمعطيكم شيئا مما تريدون؛ ~~وانطلقوا. وتوفي أبو طالب والأمر بين محمد وقريش أشد مما كان. # ومن بعد أبي طالب توفيت خديجة؛ خديجة التي كانت سند محمد بما توليه من حبها وبرها، ومن رقة ~~نفسها وطهارة قلبها وقوة إيمانها. خديجة التي كانت تهون عليه كل شدة وتزيل من نفسه كل خشية، ~~والتي كانت ملك رحمة، يرى في عينيها وعلى ثغرها من معاني الإيمان به ما يزيده إيمانا بنفسه. ~~وتوفي أبو طالب الذي كان لمحمد حمى وملاذا من خصومه وأعدائه. أي أثر تركت هاتان الفاجعتان ~~الأليمتان في نفس محمد عليه السلام؟! إنهما لجديرتان بأن تتركا أقوى النفوس كليمة مضعضعة، يدس ~~إليها اليأس سموم الضعف، ويدفع إليها الأسى والحزن من لواذع الهم المبرح ما يجعلها تنهد ~~أمامهما ولا تفكر في شيء سواهما. # ما لبث محمد بعد أن فقد هذين النصيرين أن رأى قريشا تزيد في إيذائه، وكان من أيسر ذلك أن ~~اعترضه سفيه من سفهاء قريش فرمى على رأسه ترابا، أفتدري ما صنع؟ دخل إلى بيته والتراب على رأسه؛ ~~فقامت إليه فاطمة ابنته وجعلت تغسل عنه التراب وهي تبكي. وليس أوجع لنفوسنا من أن نسمع بكاء ~~أبنائنا، وأوجع منه أن نسمع بكاء بناتنا. كل دمعة ألم تسيل من مآقي البنت قطرة حمم تهوي على ~~قلوبنا فينقبض ms184 انزعاجا، حتى لنكاد من شدة الانزعاج نصيح ألما. وكل أنة حزن تثير في الحشا وفي ~~الكبد أنات ما أقساها، تختنق لها حلوقنا وتكاد تهمي بالدمع مع وقعها عيوننا. وقد كان محمد أبر ~~أب ببناته وأحناه عليهن. فماذا تراه صنع لبكاء هذه البنت التي فقدت منذ قريب أمها، ولبكائها هي من ~~أجل ما أصاب أباها؟ لم يزده ذلك كله إلا توجها بقلبه إلى الله وإيمانا بنصره إياه. قال لابنته ~~وعينها تهمي بالدمع: لا تبكي يا بنية! فإن الله مانع أباك. ثم كان يردد: والله ما نالت مني قريش ~~شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب. # وكثرت مساءات قريش من بعد ذلك لمحمد حتى ضاق بهم ذرعا. فخرج إلى الطائف وحيدا منفردا لا ~~يعلم بأمره أحد، يلتمس من ثقيف النصرة والمنعة بهم من قومه، ويرجو إسلامهم، لكنه رجع منهم بشر ~~جواب. فرجاهم ألا يذكروا من استنصاره بهم شيئا حتى لا يشمت به قومه. ولم يسمعوا له بل أغروا به ~~سفهاءهم يسبونه ويصيحون به؛ ففر منهم إلى حائط لعتبة وشيبة ابني ربيعة فاحتمى به، فرجع السفهاء ~~عنه. وجلس إلى ظل شجرة من عنب وابنا ربيعة ينظران إليه وإلى ما هو فيه من شدة الكرب. فلما اطمأن ~~رفع عليه السلام رأسه إلى السماء ضارعا في شكاية وألم وقال: «اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة ~~حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين. أنت رب المستضعفين وأنت ربي. إلى من تكلني! إلى بعيد ~~يتجهمني، أو إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك أوسع لي. أعوذ ~~بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك أو تحل علي ~~سخطك. لك العتبى حتى ترضى؛ ولا حول ولا قوة إلا بك.» # منظر عام لمنى. # وطال تحديق ابني ربيعة فيه، فتحركت نفساهما رحمة له وإشفاقا من سوء ما لقي، وبعثا غلامهما ~~النصراني عداسا إليه بقطف من عنب الحائط. فلما وضع محمد يده فيه قال: باسم الله، ثم ms185 أكل. ونظر ~~عداس دهشا، وقال: هذا كلام لا يقوله أهل هذه البلاد! فسأله محمد عن بلده ودينه، فلما علم أنه ~~نصراني من نينوى قال له: أمن قرية الرجل الصالح يونس بن متى؟ فسأله عداس: وما يدريك ما يونس ~~بن متى؟ قال محمد: ذاك أخي كان نبيا وأنا نبي. فأكب عداس على محمد يقبل رأسه ويديه وقدميه. ~~وعجب ابنا ربيعة لما رأيا وإن لم يصرفهما ذلك عن دينهما، ولم يمنعهما من التحدث إلى عداس حين ~~عاد إليهما يقولان: يا عداس، لا يصرفنك هذا الرجل عن دينك فهو خير من دينه. # وكأن ما أصاب محمدا من أذى خفف من سخط ثقيف وإن لم يغير من جمودهم عن متابعته. وعرفت قريش ~~الأمر فازدادت لمحمد إيذاء، فلم يصرفه ذلك عن الدعوة إلى دين الله. وجعل يعرض نفسه في المواسم ~~على قبائل العرب يدعوهم إلى الحق، ويخبرهم أنه نبي مرسل، ويسألهم أن يصدقوه. غير أن عمه عبد ~~العزى بن عبد المطلب أبا لهب لم يكن يدعه، بل كان يتبعه أينما ذهب ويحرض الناس ألا يستمعوا ~~له. ولم يكتف محمد بعرض نفسه على قبائل العرب في مواسم الحج بمكة، بل أتى كندة في منازلها، وأتى ~~كلبا في منازلها، وأتى بني حنيفة وبني عامر بن صعصعة، فلم يسمع منهم أحد. وردوه جميعا ردا ~~غير جميل، بل رده بنو حنيفة ردا قبيحا. أما بنو عامر فطمعوا إذا هو انتصر بهم أن يكون لهم ~~الأمر من بعده. فلما قال لهم: إن الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء لووا عنه وجوههم وردوه كما ~~رده غيرهم. # هل أصرت هذه القبائل على عناد محمد لمثل الأسباب التي أصرت قريش من أجلها على عناده؟ لقد رأيت ~~بني عامر وكيف كانوا يطمعون في الملك إذا هم انتصروا وإياه. أما ثقيف فكان لها رأي آخر. فالطائف ~~فضلا عن أنها كانت مصيف أهل مكة لجمال جوها وحلو أعنابها، قد كانت مستقر عبادة اللات، وكان لها ~~هناك صنم يعبد ويحج إليه. فلو أن ثقيفا تابعت محمدا لفقدت ms186 اللات مكانتها، ولقامت بينها ~~وبين قريش خصومة تترك لا ريب أثرها الاقتصادي في موسم الاصطياف. وكذلك كانت لكل قبيلة علة محلية ~~اقتصادية كانت أقوى أثرا في إعراضها عن الإسلام من تعلقها بدينها ودين آبائها وبعبادة ~~أصنامها. # زاد عناد هذه القبائل محمدا عزلة، كما زاده إمعان قريش في أذى أصحابه ألما وهما. وانقضى ~~زمن الحداد على خديجة، ففكر في أن يتزوج؛ لعله يجد في زوجه من العزاء ما كانت خديجة تأسو به ~~جراحه. على أنه رأى أن يزيد الأواصر بينه وبين السابقين إلى الإسلام متانة وقربى؛ فخطب إلى أبي ~~بكر ابنته عائشة. ولما كانت لا تزال طفلة في السابعة من عمرها عقد عليها ولم يبن بها إلا بعد ~~سنتين حين بلغت التاسعة. وفي هذه الأثناء تزوج من سودة أرملة أحد المسلمين الذين هاجروا إلى ~~الحبشة وعادوا إلى مكة وماتوا بها. وأحسب القارئ يلمح ما في هاتين الصلتين من معنى يزداد وضوحا ~~من بعد في صلات زواج محمد ومصاهرته. # في هذه الفترة كان الإسراء والمعراج. وكان محمد ليلة الإسراء في بيت ابنة عمه هند ابنة أبي ~~طالب، وكنيتها أم هانئ. وقد كانت هند تقول: «إن رسول الله نام عندي تلك الليلة في بيتي فصلى ~~العشاء الآخرة، ثم نام ونمنا. فلما كان قبيل الفجر أهبنا رسول الله؛ فلما صلى الصبح وصلينا معه ~~قال: يا أم هانئ لقد صليت معكم العشاء الآخرة كما رأيت بهذا الوادي، ثم جئت بيت المقدس فصليت فيه، ~~ثم قد صليت صلاة الغداة معكم الآن كما ترين . فقلت له: يا نبي الله لا تحدث به الناس فيكذبوك ~~ويؤذوك. قال: والله لأحدثنهموه.» # يستند الذين يقولون بأن الإسراء والمعراج إنما كان بروح محمد إلى حديث أم هانئ هذا، وإلى ما ~~كانت تقوله عائشة: ما فقد جسد رسول الله # صلى الله عليه وسلم # ولكن الله أسرى بروحه. وكان معاوية ابن أبي ~~سفيان إذا سئل عن مسرى الرسول قال: كانت رؤيا من الله صادقة. وهم يستشهدون إلى جانب ذلك كله بقوله ~~تعالى: # وما جعلنا ms187 الرؤيا التي أريناك إلا فتنة ~~للناس ~~. # 2 # وفي رأي آخرين أن الإسراء من مكة إلى بيت المقدس كان بالجسد، مستدلين على ذلك بما ذكر محمد ~~أنه شاهد في البادية أثناء مسراه مما سيأتي خبره، وأن المعراج إلى السماء كان بالروح. ويذهب غير ~~هؤلاء وأولئك إلى أن الإسراء والمعراج كانا جميعا بالجسد. وقد كثرت مناقشات المتكلمين في هذا ~~الخلاف حتى كتبت فيه ألوف الصحف. ولنا في حكمة الإسراء رأي نبديه. ولسنا ندري أسبقنا إليه أم ~~لم نسبق. لكنا قبل أن نبدي هذا الرأي - بل لكي نبديه - يجب أن نروي قصة الإسراء والمعراج على نحو ~~ما جاءت به كتب السيرة. # سرد المستشرق درمنجم هذه القصة مستخلصة من مختلف كتب السيرة في عبارة طلية رائعة، هذه ~~ترجمتها: في منتصف ليلة بلغ السكون فيها غاية جلاله، وصمتت فيه طيور الليل وسكتت الضواري، وانقطع ~~خرير الغدران وصفير الرياح، استيقظ محمد على صوت يصيح به: أيها النائم قم. وقام فإذا أمامه الملك ~~جبريل وضاء الجبين أبيض الوجه كبياض الثلج مرسلا شعره الأشقر، واقفا في ثيابه المزركشة ~~بالدر والذهب، ومن حوله أجنحة من كل الألوان ترعش، وفي يده دابة عجيبة هي البراق، ولها أجنحة ~~كأجنحة النسر انحنت أمام الرسول، فاعتلاها وانطلقت به انطلاق السهم فوق جبال مكة ورمال الصحراء ~~متجهة صوب الشمال. وصحبه الملك في هذه الرحلة، ثم وقف به عند جبل سيناء حيث كلم الله موسى، ثم وقف ~~به مرة أخرى في بيت لحم حيث ولد عيسى، وانطلق بعد ذلك في الهواء في حين حاولت أصوات خفية أن ~~تستوقف النبي الذي رأى في إخلاصه لرسالته أن ليس لغير الله أن يستوقف حيث شاء دابته. وبلغ بيت ~~المقدس، فقيد محمد دابته وصلى على أطلال هيكل سليمان ومعه إبراهيم وموسى وعيسى، ثم أتي ~~بالمعراج فارتكز على صخرة يعقوب وعليه صعد محمد سراعا إلى السموات، وكانت السماء الأولى من فضة ~~خالصة علقت إليها النجوم بسلاسل من ذهب، وقد قام على كل منها ملك يحرسها حتى لا تعرج الشياطين إلى ms188 ~~علو عليها أو يستمع الجن منها إلى أسرار السماء. في هذه السماء ألقى محمد التحية على آدم، وفيها ~~كانت صور الخلق جميعا تسبح بحمد ربها. ولقي محمد في السموات الست الأخرى نوحا وهارون وموسى ~~وإبراهيم وداود وسليمان وإدريس ويحيى وعيسى. ورأى فيها ملك الموت عزرائيل، بلغ من ضخامته أن كان ~~ما بين عينيه مسيرة سبعين ألف يوم، ومن سلطانه أن كانت تحت إمرته مائة ألف فرقة، وكان يسجل في ~~كتاب ضخم أسماء من يولدون ومن يموتون. ورأى ملك الدمع يبكي من خطايا الناس، وملك النقمة ذا الوجه ~~النحاسي المتصرف في عنصر النار والجالس على عرش من لهب. وقد رأى كذلك ملكا ضخما نصفه من نار ~~ونصفه من ثلج وحوله من الملائكة فرقة لا تفتر عن ذكر الله قائلة: اللهم قد جمعت الثلج والنار، ~~وجمعت كل عبادك في طاعة سنتك. وكان في السماء السابعة مقر أهل العدل ملك أكبر من الأرض كلها، له ~~سبعون ألف رأس، في كل رأس سبعون ألف فم، في كل فم سبعون ألف لسان، يتكلم كل لسان سبعين ألف لغة، ~~من كل لغة سبعين ألف لهجة، وكلها تسبح بحمد الله وتقدس له. # وبينما هو يتأمل هذا الخلق الغريب إذا به ارتفع إلى قمة سدرة المنتهى، تقوم إلى يمين العرش ~~وتظل ملايين الملايين من الأرواح الملائكية. وبعد أن تخطى في أقل من لمح البصر بحارا شاسعة ~~ومناطق ضياء يعشى وظلمة قاتمة وملايين الحجب من ظلمات ونار وماء وهواء وفضاء، يفصل بين كل واحد ~~منها وما بعده مسيرة خمسمائة عام، تخطى حجب الجمال والكمال والسر والجلال والوحدة، قامت وراءها ~~سبعون ألف فرقة من الملائكة سجدا لا يتحركون ولا يؤذن لهم فينطقون. ثم أحس بنفسه يرتفع ~~إلى حيث المولى جل شأنه، فأخذه الدهش وإذا الأرض والسماء مجتمعتان لا يكاد يراهما، وكأنما ~~ابتلعهما الفناء فلم ير منهما إلا حجم سمسمة في مزرعة واسعة. وكذلك يجب أن يكون الإنسان في حضرة ~~ملك العالم. # ثم كان في حضرة العرش وكان منه قاب قوسي ms189 أو أدنى، يشهد الله بعين بصيرته، ويرى أشياء يعجز ~~اللسان عن التعبير عنها وتفوق كل ما يحيط به فهم الإنسان. ومد العلي العظيم يدا على صدر ~~محمد والأخرى على كتفه، فأحس النبي كأنه أثلج إلى فقاره، ثم بسكينة راضية وفناء في الله ~~مستطاب. # وبعد حديث لم تحترم كتب الأثر المدققة قدسيته أمر الله عبده أن يصلي كل مسلم خمسين صلاة في كل ~~يوم. فلما عاد محمد يهبط السماء لقي موسى؛ فقال ابن عمران له: كيف ترجو أن يقوم أتباعك بخمسين ~~صلاة في كل يوم؟! لقد بلوت الناس قبلك، وحاولت مع بني إسرائيل كل ما يدخل في الطوق محاولته؛ ~~فصدقني وعد إلى ربنا واطلب إليه أن ينقص الصلوات. # وعاد محمد فنقص عدد الصلوات إلى أربعين وجدها موسى فوق الطاقة، وجعل يرد خليفته في النبوة ~~إلى الله مرات عدة حتى انتهت الصلوات إلى خمس. # وذهب جبريل بالنبي فزار الجنة التي أعدت للمتقين بعد البعث. ثم عاد محمد على المعراج إلى ~~الأرض، ففك البراق وامتطاه وعاد من بيت المقدس إلى مكة على الدابة المجنحة. # هذه رواية المستشرق درمنجم عن قصة الإسراء والمعراج. وأنت تقع على ما قصه منثورا في كثير من ~~كتب السيرة، وإن كنت تجد فيها جميعا خلافا بزيادة أو نقص في بعض نواحيها. من ذلك مثلا ما روى ~~ابن هشام على لسان النبي عليه السلام بعد أن لقي آدم في السماء الأولى، أنه قال: «ثم رأيت رجالا ~~لهم مشافر كمشافر الإبل، في أيديهم قطع من نار كالأفهار # 3 # يقذفونها في أفواههم فتخرج من أدبارهم. فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء أكلة مال ~~اليتامى ظلما، ثم رأيت رجالا لهم بطون لم أر مثلها قط بسبيل آل فرعون يمرون عليهم كالإبل المهيومة # 4 # حين يعرضون على النار يطئونهم لا يقدرون على أن يتحولوا عن مكانهم ذلك. قلت: من هؤلاء ~~يا جبريل؟ قال: هؤلاء أكلة الربا. ثم رأيت رجالا بين أيديهم لحم سمين طيب إلى جانبه غث منتن، ~~يأكلون من الغث المنتن ويتركون ms190 السمين الطيب. قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يتركون ما ~~أحل الله من النساء ويذهبون إلى ما حرم الله عليهم منهن. ثم رأيت نساء معلقات بثديهن، ~~فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء اللاتي أدخلن على الرجال من ليس من أولادهم ... ثم دخل بي ~~الجنة فرأيت فيها جارية لعساء، فسألتها: لمن أنت؟ وقد أعجبتني حين رأيتها، فقالت: لزيد بن حارثة. ~~فبشر بها رسول الله # صلى الله عليه وسلم # زيد بن حارثة.» # وأنت واجد في غير ابن هشام من كتب السيرة وفي كتب التفسير أمورا أخرى غير هذه. ومن حق المؤرخ ~~أن يسائل عن مبلغ التدقيق والتمحيص في أمر ذلك كله، وما يمكن أن يسند منه إلى النبي بسند صحيح؛ ~~وما يمكن أن يكون من خيال المتصوفة وغيرهم. وإذا لم يكن المجال هاهنا متسعا للحكم في ذلك أو ~~لاستقصائه، وإذا لم يكن هاهنا مجال القول في المعراج أو الإسراء أكانا بالجسم أم كان المعراج ~~بالروح والإسراء بالجسم، أم كان المعراج والإسراء جميعا بالروح؟ فمما لا شك فيه أن لكل رأي من ~~هذه الآراء سندا عند المتكلمين، وأنه لا جناح على من يقول بواحد دون غيره من هذه الآراء. فمن شاء ~~أن يرى أن الإسراء والمعراج كانا بالروح فله من السند ما قدمنا وما تكرر في القرآن وعلى لسان ~~الرسول: # إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما ~~إلهكم إله واحد ~~، # 5 # وأن كتاب الله وحده معجزة محمد، و # إن الله لا يغفر أن ~~يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ~~. # 6 # ولصاحب هذا الرأي أكثر من غيره أن يسأل عن حكمة الإسراء والمعراج ما هي؟ وهنا موضع الرأي الذي ~~نريد أن نبديه ولا ندري أسبقنا إليه أم لم نسبق. # ففي الإسراء والمعراج في حياة محمد الروحية معنى سام غاية السمو، معنى أكبر من هذا الذي ~~يصورون، والذي قد يشوب بعضه من خيال المتكلمة الخصب حظ غير قليل. فهذا الروح القوي قد ~~اجتمعت فيه في ساعة الإسراء والمعراج وحدة هذا ms191 الوجود بالغة غاية كمالها لم يقف أمام ذهن محمد ~~وروحه في تلك الساعة حجاب من الزمان أو المكان أو غيرهما من الحجب التي تجعل حكمنا نحن في الحياة ~~نسبيا محدودا بحدود قوانا المحسة والمدبرة، والعاقلة. تداعت في هذه الساعة كل الحدود أمام ~~بصيرة محمد، واجتمع الكون كله في روحه، فوعاه منذ أزله إلى أبده، وصوره في تطور وحدته إلى الكمال ~~عن طريق الخير والفضل والجمال والحق في مغالبتها وتغلبها على الشر والنقص والقبح والباطل بفضل من ~~الله ومغفرة. # وليس يستطيع هذا السمو إلا قوة فوق ما تعرف الطبائع الإنسانية. فإذا جاء بعد ذلك ممن اتبعوا ~~محمدا من عجز عن متابعته في سمو فكرته وقوة إحاطته بوحدة الكون في كماله وفي جهاده لبلوغ هذا ~~الكمال؛ فلا عجب في ذلك ولا عيب فيه. والممتازون من الناس والموهوبون منهم درجات. وبلوغنا الحقيقة ~~معرض دائما لهذه الحدود التي تعجز قوانا عن تخطيها. وإذا كان من القياس مع الفارق أن نذكر، ~~لمناسبة ما نحن الآن بصدده، قصة أولئك المكفوفين الذين أرادوا أن يعرفوا الفيل ما هو، فقال ~~أحدهم: إنه حبل طويل لأنه صادف ذنبه، وقال الآخر: إنه غليظ كالشجرة لأنه صادف رجله، وقال ثالث: ~~إنه مدبب كالرمح لأنه صادف سنه، وقال رابع: إنه مستدير ملتو كثير الحركة لأنه صادف خرطومه - فإن ~~هذا المثل، مقرونا إلى الصورة التي تتكون لدى المبصر من الفيل لأول ما يراه، يسمح لنا بالموازنة ~~بين إدراك محمد كنه وحدة الكون والوجود وتصويره في الإسراء والمعراج حيث يتصل بأول الزمن من قبل ~~آدم إلى آخره يوم البعث، وحيث تنعدم نهائية المكان، إذ يطل بعين البصيرة من لدن سدرة المنتهى إلى ~~هذا الكون يصبح أمامه سديما، وبين ما يستطيع الكثيرون إدراكه من حكمة هذا الإسراء والمعراج؛ إذ ~~يقفون عند تفاصيل ليست من وحدة الكون وحياته إلا كذرات الجسم، بل كالذرات العالقة به من غير أن ~~يتأثر بها نظامه. أين الواحدة من هذه الذرات من حياة هذا الجسم ومن نبض قلبه وإشراق روحه وضياء ms192 ~~ذهنه وامتلائه بالحياة التي لا تعرف حدا؛ لأنها تتصل من الوجود بكل حياة الوجود؟ # والإسراء بالروح هو في معناه كالإسراء والمعراج بالروح جميعا سموا وجمالا وجلالا. فهو ~~تصوير قوي للوحدة الروحية من أزل الوجود إلى أبده، فهذا التعريج على جبل سيناء حيث كلم الله ~~موسى تكليما، وعلى بيت لحم حيث ولد عيسى، وهذا الاجتماع الروحي ضمت الصلاة فيه محمدا وعيسى ~~وموسى وإبراهيم، مظهر قوي لوحدة الحياة الدينية على أنها من قوام وحدة الكون في موره الدائم ~~إلى الكمال. # والعلم في عصرنا الحاضر يقر هذا الإسراء بالروح، ويقر المعراج بالروح، فحيث تتقابل القوى ~~السليمة يشع ضياء الحقيقة؛ كما أن تقابل قوى الكون في صورة معينة قد طوع «لماركوني»؛ إذ سلط ~~تيارا كهربيا خاصا من سفينته التي كانت راسية بالبندقية، أن يضيء بقوة الأثير مدينة سدني في ~~أستراليا. وفي عصرنا هذا يقر العلم نظريات قراءة الأفكار ومعرفة ما تنطوي عليه، كما يقر انتقال ~~الأصوات على الأثير بالراديو، وانتقال الصور والمكتوبات كذلك، مما كان يعتبر فيما مضى بعض أفانين ~~الخيال. وما تزال القوى الكمينة في الكون تتكشف لعلمنا كل يوم عن جديد. فإذا بلغ روح من القوة ومن ~~السلطان ما بلغت نفس محمد، فأسرى به الله ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بارك ~~حوله ليريه من آياته، كان ذلك مما يقر العلم، وكانت حكمة ذلك هذه المعاني القوية السامية في ~~جمالها وجلالها، والتي تصور الوحدة الروحية ووحدة الكون في نفس محمد تصويرا صريحا، يستطيع ~~الإنسان أن يصل إلى إدراكه إذا هو حاول السمو بنفسه عن أوهام العاجلة في الحياة، وحاول الوصول إلى ~~كنه الحقيقة ليعرف مكانه ومكان العالم كله منها. # لم يكن العرب من أهل مكة ليستطيعوا إدراك هذه المعاني؛ لذلك ما لبثوا حين حدثهم محمد بأمر ~~إسرائه أن وقفوا عند الصورة المادية من أمر هذا الإسراء وإمكانه أو عدم إمكانه، ثم ساور أتباعه ~~والذين صدقوه أنفسهم بعض الريب فيما يقوله. وقال كثيرون: هذا والله الأمر البين. والله إن العير لتطرد ms193 # 7 # شهرا من مكة إلى الشام مدبرة وشهرا مقبلة، أيذهب محمد في ليلة واحدة ويرجع إلى ~~مكة؟! وارتد كثير ممن أسلم. وذهب من أخذتهم الريبة في الأمر إلى أبي بكر وحدثوه حديث محمد؛ فقال ~~أبو بكر: إنكم تكذبون عليه. قالوا: بلى، ها هو ذاك في المسجد يحدث الناس. قال أبو بكر: والله لئن ~~كان قد قاله لقد صدق، إنه ليخبرني أن الخبر ليأتيه من الله من السماء إلى الأرض في ساعة من ليل أو ~~نهار فأصدقه، فهذا أبعد مما تعجبون منه. وجاء أبو بكر إلى النبي واستمع إليه يصف بيت المقدس، وكان ~~أبو بكر قد جاءه، فلما أتم النبي صفة المسجد قال له أبو بكر: صدقت يا رسول الله. ومن يومئذ دعا ~~محمد أبا بكر بالصديق. # ويدلل الذين يقولون إن الإسراء بالجسد على رأيهم بأن قريشا لما سمعت بأمر إسرائه سألته وسأله ~~الذين آمنوا به عن آية ذلك، فإنهم لم يسمعوا بشيء من مثله؛ فوصف لهم عيرا مر بها في الطريق، ~~فضلت دابة من العير فدلهم عليها، وأنه شرب من عير أخرى وغطى الإناء بعد أن شرب منه، فسألت قريش في ~~ذلك فصدقت العير ما روى محمد عنهما. وأحسبك لو سألت الذين يقولون بالإسراء بالروح في هذا لما ~~رأوا فيه عجبا بعد الذي عرف العلم في وقتنا الحاضر من إمكان التنويم المغناطيسي للتحدث عن ~~أشياء واقعة في جهات نائية. ما بالك بروح يجمع الحياة الروحية في الكون كله ويستطيع بما حباه الله ~~من قوة أن يتصل بسر الحياة من أزل الكون إلى أبده ؟ # الفصل التاسع # | بيعتا العقبة # (رد القبائل لمحمد ردا غير جميل - بشائر الفوز من ناحية يثرب - صلاة اليهود بالأوس والخزرج - ~~إسلام بعض اليثربيين - وقعة بعاث - بيعة العقبة الصغرى - مصعب بن عمير - عودة مع الحاج إلى مكة بعد ~~عام - المسلمون من يثرب - بيعة العقبة الكبرى - أنباؤها عند قريش - ائتمار قريش بمحمد كي تقتله - ~~إذن محمد لمسلمي مكة في الهجرة إلى يثرب) ~~*** # لم تدرك قريش معنى الإسراء، ولم يدرك كثير ms194 ممن أسلموا معناه الذي قدمنا؛ لذلك انصرف جماعة ~~من هؤلاء عن متابعة محمد بعد أن اتبعوه زمنا طويلا. ولذلك ازدادت مساءات قريش لمحمد وللمسلمين ~~حتى ضاقوا بها ذرعا. ولم يبق لمحمد رجاء في نصرة القبائل إياه بعد إذ ردته ثقيف من الطائف بشر ~~جواب، وبعد إذ ردته كندة وكلب وبنو عامر وبنو حنيفة لما عرض نفسه عليهم في موسم الحج. وشعر محمد ~~بعد ذلك كله بأنه لم يبق له مطمع في أن يهدي إلى الحق من قريش أحدا. ورأت غير قريش - من القبائل ~~التي تجاور مكة والتي تجيء من مختلف أنحاء بلاد العرب حاجة إليها - ما صار إليه من عزلة، وما ~~أحاطته به قريش من عداوة تجعل كل نصير له عدوا لها وعونا عليها، فازدادت إعراضا عنه. ومع ~~اعتزاز محمد بحمزة وعمر، ومع طمأنينته إلى أن قريشا لن تنال منه أكثر مما نالت لمنعته بقومه من ~~بني هاشم وبني عبد المطلب، لقد رأى رسالة ربه تقف في دائرة من اتبعه إلى يومئذ ممن يوشكون لقلتهم ~~ولضعفهم أن يبيدوا أو أن يفتنوا عن دينهم إذا لم يأتهم نصر الله والفتح. وتطاولت الأيام بمحمد ~~وهو يزداد بين قومه عزلة وقريش تزداد عليه حقدا. فهل ضعضعت هذه العزلة من نفسه أو أوهنت له ~~عزما؟! # كلا! بل زاده الإيمان بالحق الذي جاءه من ربه سموا على هذه الاعتبارات التي تفت في عضد ذوي ~~النفوس العادية، ولا تزيد أصحاب النفوس الممتازة إلا سموا وإيمانا. وظل محمد، وأصحابه من حوله، ~~أشد ما يكون في عزلته ثقة بنصر الله له وإعلاء دينه على الدين كله. لم تزعزع منه أعاصير الحقد، ~~بل جعل يقيم بمكة طوال عامه لا يعنيه أن ذهب مال خديجة وماله، ولا يضعضع من نفسه ضيق ذات يده، ولا ~~يتطلع بروحه إلى شيء غير هذا النصر الذي لا ريب عنده في أن الله مؤتيه إياه. فإذا جاء موسم الحج ~~واجتمع الناس من أنحاء شبه الجزيرة بمكة، بادأ القبائل فدعاها إلى الحق الذي جاء به، غير ms195 آبه أن ~~تبدي هذه القبائل الرغبة عن دعوته والإعراض عنه، أو ترده ردا غير جميل. ويتحرش به بعض سفهاء ~~قريش حين إبلاغه الناس رسالة ربه وينالونه بالسوء، فلا تغير مساءاتهم رضا نفسه وطمأنينتها إلى ~~غده. إن الله ذا الجلال قد بعثه بالحق، فهو لا ريب ناصر هذا الحق ومؤيده. وهو قد أوحي إليه أن ~~يجادل الناس بالتي هي أحسن، # فإذا الذي بينك وبينه عداوة ~~كأنه ولي حميم ~~، # 1 # وأن يقول لهم قولا لينا لعلهم يذكرون أو يخشون. فليصبر على أذاهم، إن الله مع ~~الصابرين. # ولم يطل بمحمد الانتظار أكثر من بضع سنين حتى بدت له في الأفق تباشير الفوز آتية طلائعها من ~~ناحية يثرب. ولمحمد بيثرب علاقة غير علاقة التجارة؛ له بها علاقة قربى، وله فيها قبر كانت أمه ~~تحج إليه قبل موتها في كل عام مرة، أما ذوو قرباه فأولئك بنو النجار أخوال جده عبد المطلب. وأما ~~ذلك القبر فقبر أبيه عبد الله بن عبد المطلب. إلى هذا القبر كانت تحج آمنة الزوج الوفية، وكان يحج ~~عبد المطلب الأب الذي فقد ابنه وهو في شرخ شبابه وريعان قوته. وقد صحب محمد أمه إلى يثرب في ~~السادسة من عمره، فزار معها قبر أبيه ثم قفلا عائدين، فمرضت آمنة في الطريق وماتت ودفنت بالأبواء ~~في منتصف الطريق بين يثرب ومكة. فلا عجب أن تبدأ تباشير الفوز لمحمد من ناحية بلد له به هذه الصلة ~~وإلى ناحيته كان يتجه حين يصلي جاعلا قبلته المسجد الأقصى ببيت المقدس، مقام سلفيه موسى وعيسى، ~~ولا عجب أن تهيئ المقادير ليثرب هذا الحظ ليتم لمحمد بها النصر، وللإسلام بها الفوز ~~والانتشار. # هيأت المقادير ليثرب هذا الحظ بما لم تهيئه لبلد آخر. فقد كان الأوس والخزرج من عباد الأوثان ~~بيثرب يجاورون يهودها جوارا كثيرا ما شابته البغضاء وما تعدى البغضاء إلى القتال. وإن التاريخ ~~ليروي أن المسيحيين في الشام، ممن كانوا يتبعون الدولة الرومانية الشرقية، وكان يمقتون اليهود أشد ~~المقت لاعتقادهم أنهم هم الذين صلبوا المسيح ونكلوا ms196 به، قد أغاروا على يثرب ليقتلوا يهودها. فلما ~~لم يظفروا بهم استعانوا بالأوس والخزرج على استدراجهم، ثم قتلوا عددا منهم غير قليل. وأنزل ذلك ~~اليهود عن مكان السيادة الذي كان لهم، ورفع عرب الأوس والخزرج إلى مكانة غير مكانة العمال التي ~~كانوا مقصورين من قبل عليها. وقد حاول العرب بعد ذلك أن يوقعوا باليهود مرة أخرى ليزدادوا في ~~المدينة العامرة بالزراعة والماء سلطانا، فنجحوا في كيدهم بعض النجاح، ثم فطن اليهود لوقيعتهم ~~بهم. بذلك تمكنت العداوة والبغضاء في نفوس يهود يثرب لأوسها وخزرجها، وفي نفوس الأوس والخزرج ~~لليهود. ورأى أتباع موسى أن مقابلة القتال بالقتال قد تهوي بهم إلى الفناء إذا وجد الأوس والخزرج ~~حلفا من بني دينهم العرب على أهل الكتاب هؤلاء، فسلكوا في سياستهم خطة غير خطة الغلب في المعارك. ~~لجئوا إلى سياسة الوقيعة والتفريق، بأن دسوا بين الأوس والخزرج وأغروا بينهم بالعداوة والبغضاء ~~حتى جعلوا كل فريق على أهبة مستمرة للقتل والقتال. بذلك أمن اليهود عدوانهم، وجعلوا يزيدون في ~~تجارتهم وفي ثروتهم ويستعيدون ما فقدوا من سيادة ويستردون ما أضاعوا من دار ومن عقار. # كان لجوار اليهود والعرب بيثرب - فيما خلا هذا النزاع على السيادة والسلطان - أثر آخر أعمق ~~عند الأوس والخزرج مما كان عند سائر أهل جزيرة العرب؛ ذلك هو الأثر الروحي. فقد كان اليهود - وهم ~~أهل كتاب ودعاة وحدانية - يعيبون على جيرانهم الوثنيين اتخاذهم الأوثان زلفى إلى الله، وينذرونهم ~~بعث نبي يقضي عليهم ويشايع اليهود. ولم تصل هذه الدعوة إلى تهويد العرب لسببين: أحدهما أن ما كان ~~بين النصرانية واليهودية من حرب جعل يهود يثرب لا يطمعون في أكثر من السلامة التي تهيئ لهم سعة ~~التجارة. والآخر أن اليهود يحسبون أنفسهم شعب الله المختار. ولا يرضون أن تكون لشعب غيرهم هذه ~~المكانة، وهم لذلك لا يدعون لدينهم ولا يرضونه يخرج من بني إسرائيل. وعلى الرغم من قيام هذين ~~السببين هيأ اتصال الجوار والتجارة، بين اليهود والعرب أوس يثرب وخزرجها ليكونوا أكثر استماعا ~~للحديث في الشئون ms197 الروحية وفي سائر شئون الدين من غيرهم من العرب. يدلك على ذلك أن العرب لم تستجب ~~لدعوة محمد الروحية مثلما استجاب أهل يثرب. # كان سويد بن الصامت من كبار أشراف يثرب، حتى كان قومه يسمونه الكامل، لجلده وشعره ~~وشرفه ونسبه. وفي هذه الفترة التي نتحدث عنها قدم سويد مكة حاجا، فتصدى له محمد فدعاه إلى الله ~~وإلى الإسلام. فقال له سويد: لعل الذي معك مثل الذي معي! قال محمد: وما الذي معك؟ قال: حكمة ~~لقمان. فطلب إليه محمد أن يعرضها عليه فعرضها؛ فقال له محمد: إن هذا الكلام حسن والذي معي أفضل؛ ~~هو قرآن أنزله الله علي هدى ونورا. وتلا عليه القرآن ودعاه إلى الإسلام. فطاب سويد نفسا بما ~~سمع وقال: هذا حسن. وانصرف يفكر فيه. وإن قوما ليقولون حين قتلته الخزرج: إنه مات ~~مسلما. # وليس سويد بن الصامت هو المثل الوحيد الذي يدل على أثر تجاور اليهود والعرب بيثرب من الناحية ~~الروحية. فقد كان بين الأوس والخزرج من العداوة التي بث اليهود ما علمت، وكان كل منهم يلتمس ~~الحلف من قبائل العرب ليقاتل الآخر. وكان من ذلك أن قدم أبو الحيسر أنس بن رافع مكة ومعه فتية من ~~بني عبد الأشهل فيهم إياس بن معاذ يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج. وسمع بهم محمد، ~~فأتاهم فجلس إليهم ودعاهم إلى الإسلام وتلا عليهم القرآن. فقال إياس بن معاذ، وكان غلاما حدثا: ~~أي قوم! هذا والله خير مما جئتم فيه. وعاد القوم إلى يثرب لم يسلم منهم غير إياس؛ لأنهم كانوا في ~~شغل بالتماس الحلف استعدادا لوقعة بعاث التي اصطلى الأوس والخزرج جميعا بنارها بعد قليل من عود ~~أبي الحيسر ومن معه إلى مكة. لكن كلام محمد ترك في نفوسهم بعد هذه الوقعة من الأثر ما دعا الأوس ~~والخزرج جميعا ليلتمسوا في محمد نبيا ورسولا وحليفا وإماما. # كانت وقعة بعاث بعد قليل من عود أبي الحيسر ومن معه إلى يثرب، واقتتل فيها الأوس والخزرج ~~قتالا شديدا أملته عداوة متأصلة، ms198 حتى لكان كل قوم يتساءلون إذا هم انتصروا: أيبقون على أصحابهم، ~~أم يستأصلونهم ويجهزون عليهم. وكان أبو أسيد حضير الكتائب على رأس الأوس، وكان في نفسه من الحقد ~~على الخزرج أشده. فلما بدأ القتال دارت على الأوس الدائرة، فولوا فرارا نحو نجد، فعيرتهم ~~الخزرج. فلما سمع حضير تعييرهم طعن بسنان رمحه فخذه ونزل وصاح: واعقراه! والله لا أريم حتى أقتل! ~~فإن شئتم يا معشر الأوس أن تسلموني فافعلوا فعاد الأوس للقتال وبهم من الألم مما أصابهم ما جعلهم ~~يستبسلون مستيئسين، فيهزمون الخزرج شر هزيمة. وجعلت الأوس تحرق على الخزرج نخلها ودورها، حتى ~~أجارها سعد بن معاذ الأشهلي. وأراد حضير أن يأتي الخزرج قصرا قصرا، ودارا دارا، يقتل ويهدم ~~لا يبقي منهم أحدا، لولا أن منعه أبو قيس بن الأسلت إبقاء على بني دينهم؛ «فجوارهم خير من جوار ~~الثعالب.» # واستعادت اليهود بعد هذا اليوم مكانتها بيثرب. ورأى المنتصر والمهزوم من الأوس والخزرج جميعا ~~سوء ما صنعوا، وفكروا في عاقبة أمرهم، وتطلعوا إلى إقامة ملك عليهم. واختاروا لذلك عبد الله بن ~~محمد من الخزرج المهزومة لمكانته وحسن رأيه. لكن تطور الأحوال تطورا سريعا حال دون ما أرادوا؛ ~~ذلك أن نفرا من الخزرج خرجوا إلى مكة في موسم الحج، فلقيهم محمد فسألهم عن شأنهم وعرف أنهم من ~~موالي اليهود. وقد كان اليهود بيثرب يقولون لهم إذا اختلفوا وإياهم: إن نبيا مبعوثا الآن قد ~~أطل زمانه، نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم. فلما كلم النبي أولئك النفر ودعاهم إلى الله، نظر ~~بعضهم إلى بعض وقالوا: والله إنه للنبي الذي تواعدكم به يهود، فلا يسبقنكم إليه. وأجابوا محمدا ~~إلى دعوته وأسلموا، وقالوا له: «إنا قد تركنا قومنا - أي الأوس والخزرج - ولا قوم بينهم من ~~العداوة والشر ما بينهم، فعسى أن يجمعهم الله بك. وإن يجمعهم عليك فلا رجل أعز منك.» وعاد هؤلاء ~~النفر إلى المدينة، ومن بينهم اثنان من بني النجار أخوال عبد المطلب جد محمد الذي كفله منذ مولده، ~~فذكروا لقومهم إسلامهم، فألفوا قلوبا ms199 منشرحة ونفوسا متلهفة لدين يجعلهم موحدين كاليهود، بل ~~يجعلهم خيرا منهم، فلم تبق دار من دور الأوس والخزرج جميعا إلا فيها ذكر محمد عليه ~~السلام. # فلما استدار العام وعادت الأشهر الحرم وجاء موعد الحج لمكة، أتى الموسم اثنا عشر رجلا من أهل ~~يثرب فالتقوا هم والنبي بالعقبة، فبايعوه بيعة العقبة الأولى. بايعوه على ألا يشرك أحدهم بالله ~~شيئا، ولا يسرق ولا يزني، ولا يقتل أولاده ولا يأتي ببهتان يفتريه بين يديه ولا رجليه ولا يعصيه ~~في معروف، فإن وفى ذلك فله الجنة، وإن غشي من ذلك شيئا فأمره إلى الله، إن شاء عذب وإن شاء غفر. ~~وأنفذ محمد معهم مصعب بن عمير يقرئهم القرآن، ويعلمهم الإسلام، ويفقههم في الدين. ازداد الإسلام ~~بعد هذه البيعة بيثرب انتشارا. وأقام مصعب بين المسلمين من الأوس والخزرج يعلمهم دينهم، ويرى ~~مغتبطا ازدياد الأنصار لأمر الله ولكلمة الحق. فلما آذنت الأشهر الحرم أن تعود، لحق بمكة وقص ~~على محمد خبر المسلمين بالمدينة، وما هم عليه من منعة وقوة، وأنهم سيجيئون إلى مكة موسم حج هذا ~~العام الجديد أكثر عددا وأعظم بالله إيمانا. # دعت أخبار مصعب محمدا أن يفكر في الأمر طويلا. ها هم أولاء أتباعه بيثرب يزدادون كل يوم ~~عددا وسلطانا، ولا يجدون من أذى اليهود ولا من أذى المشركين ما يجد زملاؤهم بمكة من أذى قريش. ~~وها هي ذي يثرب بها من الرخاء أكثر مما بمكة، بها زرع ونخيل وأعناب. أوليس من الخير أن يهاجر ~~المسلمون المكيون إلى إخوانهم هناك ليجدوا عندهم أمنا، وليسلموا من فتنة قريش إياهم عن دينهم؟! ~~وذكر محمد أثناء تفكيره أولئك النفر من يثرب الذين كانوا أول من أسلم، والذين ذكروا ما بين الأوس ~~والخزرج من عداوة، أنهم إذا جمعهم الله به فلا رجل أعز منه. أوليس من الخير، وقد جمعهم الله به، ~~أن يهاجر هو أيضا؟! إنه لا يحب أن يرد على قريش مساءاتها وهو يعلم أنه أضعف منها، وأن بني هاشم ~~وبني المطلب إن منعوه من الاعتداء عليه ms200 فلن ينصروه معتديا، ولن يمنعوا الذين اتبعوه من اعتداء ~~قريش عليهم ومن إصابتها إياهم بأنواع المساءة. وإذا كان الإيمان أقوى سند يجعلنا نستهين بكل شيء ~~ونضحي عن طيب خاطر في سبيله بالمال والراحة والحرية والحياة، وإذا كان الأذى من طبعه أن يزيد ~~الإيمان استعارا، فإن في استمرار الأذى والتضحية ما يشغل المؤمن عن دقة التأمل التي تزيد في أفق ~~المؤمن سعة، وفي إدراكه قوة وعمقا. وقد أمر محمد الذين اتبعوه من قبل أن يهاجروا إلى الحبشة ~~المسيحية أن كانت بلاد صدق، وكان بها ملك لا يظلم عنده أحد؛ فأولى بالمسلمين أن يهاجروا إلى ~~يثرب وأن يتقووا بأصحابهم المسلمين فيها، وأن يتآزروا بذلك على دفع ما يمكن أن يصيبهم من شر؛ ~~ليكون لهم بذلك من الحرية في تأمل دينهم والجهر به ما يكفل إعلاء كلمته، كما يكفل نجاح الدعوة ~~إليه؛ دعوة لا تعرف الإكراه، بل أساسها الرفق والإقناع والمجادلة بالتي هي أحسن. # وكان الحاج من يثرب في هذه السنة - سنة 622 ميلادية - كثيرين بالفعل، وكان من بينهم خمسة ~~وسبعون مسلما، منهم ثلاثة وسبعون رجلا وامرأتان. فلما عرف محمد مقدمهم، فكر في بيعة ثانية ~~لا تقف عند الدعوة إلى الإسلام على نحو ما ظل هو يدعو إليه ثلاث عشرة سنة متتابعة في رفق وهوادة ~~مع احتمال صنوف التضحية والألم جميعا، بل تمتد إلى ما وراء ذلك، وتكون حلفا يدفع به هؤلاء ~~المسلمون عن أنفسهم الأذى بالأذى والعدوان بالعدوان. واتصل محمد سرا بزعمائهم وعرف حسن ~~استعدادهم، فواعدهم أن يلتقوا معه عند العقبة جوف الليل في أوسط أيام التشريق . وكتم مسلمو يثرب من ~~معهم من المشركين أمرهم، وانتظروا حتى إذا مضى ثلث الليل من يوم موعدهم مع النبي خرجوا من ~~رحالهم يتسللون تسلل القطا مستخفين حذر أن ينكشف سرهم. فلما كانوا عند العقبة تسلقوا الشعب ~~جميعا وتسلقت المرأتان معهم، وأقاموا ينتظرون مقدم صاحب الرسالة. # وأقبل محمد ومعه عمه العباس بن عبد المطلب، وكان ما يزال على دين قومه، لكنه عرف من قبل من ~~ابن ms201 أخيه أن في الأمر حلفا، وأن الأمر قد يجر إلى حرب، وذكر أنه قد تعاهد مع من تعاهد من بني ~~المطلب وبني هاشم أن يمنعوا محمدا، فليستوثق لابن أخيه ولقومه حتى لا تكون كارثة يصلى بنو هاشم ~~وبنو المطلب نارها، ثم لا يجدون من هؤلاء اليثربيين نصيرا. لذلك كان العباس أول من تكلم فقال: يا ~~معشر الخزرج! إن محمدا منا حيث قد علمتم وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه، وهو في ~~عز من قومه ومنعة في بلده. وقد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم. فإن كنتم ترون أنكم وافون له ~~فيما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه. فأنتم وما تحملتم من ذلك. وإن كنتم مسلميه وخاذليه بعد ~~خروجه إليكم فمن الآن فدعوه. # قال اليثربيون - وقد سمعوا كلام العباس: سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله، فخذ لنفسك ولربك ~~ما أحببت. فأجاب محمد بعد أن تلا القرآن ورغب في الإسلام: أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون ~~منه نساءكم وأبناءكم. # وكان البراء بن معرور سيد قومه وكبيرهم، وكان قد أسلم بعد العقبة الأولى وقام بكل ما يفرض ~~الإسلام، إلا أنه جعل قبلة صلاته الكعبة، وكان محمد والمسلمون جميعا يومئذ ما تزال قبلتهم المسجد ~~الأقصى. ولما اختلف هو وقومه واحتكموا إلى النبي أول وصولهم إلى مكة، رد محمد البراء عن اتخاذ ~~الكعبة قبلته. فلما طلب محمد إلى مسلمي يثرب أن يمنعوه مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم، مد البراء ~~يده على ذلك وقال: بايعنا يا رسول الله! فنحن والله أبناء الحروب وأهل الحلقة ورثناها كابرا عن ~~كابر. # وقبل أن يتم البراء كلامه اعترض أبو الهيثم بن التيهان قائلا: يا رسول الله، إن بيننا ~~وبين الرجال - أي اليهود - حبالا، # 2 # نحن قاطعوها فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟! ~~فتبسم وقال: بل الدم الدم والهدم الهدم # 3 # أنتم مني وأنا منكم، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم. وهم القوم بالبيعة، ~~فاعترضهم العباس بن عبادة قائلا: ms202 يا معشر الخزرج! أتعلمون علام تبايعون هذا الرجل؟ إنكم ~~تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس. فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة ~~وأشرافكم قتلا أسلمتموه فمن الآن فدعوه؛ فهو والله إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة. وإن كنتم ترون ~~أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على نهكة الأموال وقتل الأشراف فخذوه؛ فهو والله خير الدنيا ~~والآخرة. # فأجاب القوم: إنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف. فما لنا يا رسول الله إن نحن وفينا ~~بذلك؟ ورد عليهم محمد مطمئن النفس قائلا: الجنة. # مدوا إليهم أيديهم، فبسط يده فبايعوه، فلما فرغوا من البيعة قال لهم النبي: أخرجوا لي منكم ~~اثني عشر نقيبا يكونون على قومهم بما فيهم كفلاء. فاختار القوم تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس. ~~فقال النبي لهؤلاء النقباء: أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم، وأنا ~~كفيل على قومي. وكانت بيعتهم الثانية هذه أن قالوا: بايعنا على السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا ~~ومنشطنا ومكرهنا، وأن نقول الحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم. # تم ذلك كله جوف الليل في شعب العقبة في عزلة من الناس والقوم على ثقة من أنه لا يطلع عليهم ~~إلا الله، لكنهم ما كادوا يتمونه حتى سمعوا صوتا يصيح بقريش: إن محمد والصباء # 4 # معه قد اجتمعوا على حربكم ذلك رجل خرج لبعض شأنه، فعرف من أمر القوم قليلا اتصل ~~بسمعه، فأراد أن يفسد عليهم تدبيرهم، وأن يدخل في روعهم أن ما بيتوا بليل افتضح، لكن الخزرج ~~والأوس كانوا عند عهدهم، حتى لقد قال العباس بن عبادة لمحمد بعد أن سمع هذا المتجسس: «والله الذي ~~بعثك بالحق إن شئت لنميلن على أهل منى غدا بأسيافنا!» فكان جواب محمد أن قال: «لم نؤمر بذلك، ~~ولكن ارجعوا إلى رحالكم.» فرجعوا إلى مضاجعهم وناموا حتى أيقظهم الصبح. # على أن الصبح ما كاد يتنفس حتى علمت قريش بنبأ هذه البيعة فانزعجت. وغدت جلتها على الخزرج في ~~منازلهم يعاتبونهم ويقولون لهم: إنهم لا يريدون ms203 حربهم، فما بالهم يحالفون محمدا على قتالهم؟! ~~وانبعث المشركون من الخزرج يحلفون بالله ما كان من هذا شيء. أما المسلمون فاعتصموا بالصمت حين ~~رأوا قريشا مالت لتصديق شركائها في الدين، وعادت قريش لا تؤكد الخبر ولا تنفيه، وأخذت تتنطسه ~~علها تقف على جلية الأمر فيه. واحتمل أهل يثرب رحالهم وعادوا قاصدين بلدهم قبل أن تثق قريش بشيء ~~مما حصل. فلما عرفت أن الخبر حق، وخرجت تطلب أهل يثرب، فلم تلحق منهم إلا بسعد بن عبادة، فأخذوه ~~وردوه إلى مكة وعذبوه حتى أجاره جبير بن مطعم بن عدي والحارث بن أمية؛ لأنه كان يجير لهما من ~~يخرجون في تجارتهما إلى الشام حين مرورهم بيثرب. # لم تبالغ قريش قط في فزعها ولا في تتبعها الذين بايعوا محمدا على قتالها؛ فقد عرفته ثلاث ~~عشرة سنة متتابعة منذ بدء نبوته، ووقفت من الجهود للحرب السلبية التي أعلنت عليه ما جهدها وجهده، ~~ونال منها ونال منه. عرفت ذلك القوي بالله المستمسك برسالة الحق لا يلين فيها ولا يداجي، ولا ~~يخاف فيها أذى ولا مساءة ولا قتلا. وقد خيل إلى قريش بعد أن أرهقته ومن معه بألوان الأذى، وبعد ~~أن حاصرته في الشعب؛ وبعد أن أدخلت على أنفس أهل مكة جميعا من الروع ما صدهم عن اتباعه، أنها ~~توشك أن تظفر به، وأن تحصر نشاطه في الدائرة الضيقة من الأتباع الذين ظلوا على دينه، وأنه ومن معه ~~لا يلبثون إلا قليلا حتى تضنيهم العزلة فيعودوا إلى حكمها طائعين. أما اليوم وإزاء هذا الحلف ~~الجديد، فقد انفتح أمام محمد والذين معه باب الرجاء في الغلب ، أو على الأقل باب الرجاء في حرية ~~الدعوة إلى عقيدتهم، والطعن على الأصنام وعبادها. # ومن يدري ما يكون أمر القوم من بعد ذلك في شبه جزيرة العرب كلها وقد نصرتهم يثرب بأوسها ~~وخزرجها، وقد جعلتهم بمأمن من العدوان، وفسحت لهم حرية القيام بفرائض دينهم ودعوة غيرهم إلى ~~الانضمام إليهم؟! فإذا لم تقض قريش على هذه الحركة في مهدها فالخوف من المستقبل لن ms204 يزال يساورها ~~وفوز محمد عليها لن يزال يقض مضجعها. # لذلك أمعنت تفكر فيما تفعل لتحبط ما قام به محمد، ولتقضي على هذه الحركة الجديدة. ولم يكن هو ~~من ناحيته أقل من قريش تفكيرا؛ إن هذا الباب الذي فتح الله أمامه هو باب العزة لدين الله، والسمو ~~لكلمة الحق. فالمعركة الناشبة اليوم بينه وبين قريش هي أشد ما وقع منذ بعثه، وهي معركة حياة أو ~~موت بالنسبة له ولها، والغلب لا ريب للصادقين. فليجمع أمره، وليستعن بالله وليكن لما تكيد قريش ~~أشد ازدراء مما كان في كل ما سلف، وليقدم ولكن في حكمة وأناة ودقة؛ فالموقف موقف حنكة السياسي ~~والقائد الدقيق المداورة. # وأمر أصحابه أن يلحقوا الأنصار بيثرب، على أن يتركوا مكة متفرقين حتى لا يثيروا ثائرة قريش ~~عليهم. وبدأ المسلمون يهاجرون فرادى أو نفرا قليلا. لكن قريشا فطنت للأمر، فحاولت أن ترد كل من ~~استطاعت رده إلى مكة لتفتنه عن دينه أو لتعذبه وتنكل به. وبلغت من ذلك أنها كانت تحول بين الزوج ~~وزوجه إذا كانت المرأة من قريش فلا تدعها تسير معه، وأنها كانت تحبس من تستطيع حبسه ممن لم يطعها. ~~لكنها لم تكن تقدر على أكثر من ذلك، حتى لا تكون حرب أهلية بين مختلف قبائلها إذا هي همت بقتل ~~واحد من أهل هذه القبائل. وتتابعت هجرة المسلمين إلى يثرب ومحمد مقيم حيث هو، لا يعرف أحد هل ~~اعتزم الإقامة أم قرر الهجرة. وما كانوا ليعرفوا وقد أذن لأصحابه في الهجرة إلى الحبشة من قبل وظل ~~هو بمكة يدعو سائر أهلها إلى الإسلام. وبلغ من ذلك أن أبا بكر استأذنه في الهجرة إلى يثرب، فقال ~~له: لا تعجل لعل الله يجعل لك صاحبا، ولم يزد على ذلك. # على أن قريشا كانت تحسب لهجرة النبي إلى يثرب ألف حساب. لقد كثر المسلمون فيها كثرة جعلتهم ~~يكادون يكونون أصحاب اليد العليا. وها هم أولاء المهاجرون من مكة ينضمون إليهم فيزيدونهم قوة. ~~فإذا لحق محمد بهم - وهو على ما يعرفون من ms205 ثبات وحسن رأي وبعد نظر - خشوا على أنفسهم أن يدهم ~~اليثربيون مكة أو يقطعوا عليها طريق تجارتها إلى الشام، وأن يجيعوها كما حاولوا هم أن يجيعوا ~~محمدا وأصحابه حين وضعوا الصحيفة بمقاطعتهم وأكرهوهم على أن يلزموا الشعب وأن يقضوا فيه ثلاثين ~~شهرا. # وإذا بقي محمد بمكة وحاول الخروج منها، فهم معرضون لمثل هذا الأذى من جانب اليثربيين دفاعا ~~عن نبيهم ورسولهم. فلم يبق إلا أن يقتلوه ليستريحوا من كل هذا الهم الواصب. # 5 # لكنهم إن قتلوه طالب بنو هاشم وبنو المطلب بدمه وأوشكت الحرب الأهلية أن تفشو في مكة ~~فتكون شرا عليها مما يخشونه من ناحية يثرب. واجتمع القوم بدار الندوة يفكرون في هذا كله وفي ~~وسيلة اتقائه. قال قائل منهم: احبسوه في الحديد وأغلقوا عليه بابا ثم تربصوا به ما أصاب أشباهه ~~من الشعراء الذين كانوا قبله؛ زهيرا والنابغة ومن مضى منهم، حتى يصيبه ما أصابهم. لكن هذا الرأي ~~لم يلق سميعا. وقال قائل: نخرجه من بين أظهرنا وننفيه من بلادنا ثم لا نبالي بعد ذلك من أمره ~~شيئا. لكنهم خافوا أن يلحق بالمدينة وأن يصيبهم ما يفرقون منه. وانتهوا إلى أن يأخذوا من كل ~~قبيلة فتى شابا جليدا، وأن يعطوا كل فتى سيفا صارما بتارا فيضربوه جميعا ضربة رجل واحد، ~~فيتفرق دمه بين القبائل، ولا يقدر بنو عبد مناف على قتالهم جميعا، فيرضوا فيه بالدية، وتستريح ~~قريش من هذا الذي بدد شملها وفرق قبائلها شيعا. وأعجبهم هذا الرأي فاطمأنوا إليه، واختاروا ~~فتيانهم، وباتوا يحسبون أن أمر محمد قد فرغ منه، وأنه بعد أيام سيوارى وتوارى دعوته في التراب، ~~وسيعود الذين هاجروا إلى يثرب إلى قومهم وإلى دينهم وآلهتهم، وتعود بذلك لقريش ولبلاد العرب ~~وحدتها التي تمزقت ومكانتها التي تضعضعت أو كادت. # الفصل العاشر # | هجرة الرسول # (الأمر بالهجرة - علي في فراش النبي - في غار ثور - الخروج إلى يثرب - قصة سراقة بن جعشم - ~~مسلمو يثرب في انتظار الرسول - الإسلام بيثرب - دخول محمد المدينة) ~~*** # اتصل بمحمد نبأ ما بيتت قريش لقتله ms206 مخافة هجرته إلى المدينة واعتزازه بها، وما قد يجر ذلك ~~على مكة من أذى، وعلى تجارتها مع الشام من بوار، ولم يكن أحد يشك في أن محمدا سينتهز الفرصة ~~فيهاجر. على أن ما أحاط به نفسه من كتمان لم يجعل لأحد إلى سره سبيلا، حتى أبو بكر، الذي أعد ~~راحلتين منذ استأذن النبي في الهجرة فاستمهله، قد بقي لا يعرف من الأمر إلا قليلا. ولقد ظل محمد ~~بمكة حتى علم من أمر قريش ما علم، وحتى لم يبق من المسلمين بها إلا القليل. وإنه لينتظر أمر ربه ~~إذ أوحى إليه أن يهاجر. هنالك ذهب إلى بيت أبي بكر وأخبره بأن الله أذن له في الهجرة. وطلب ~~الصديق أن يصحبه في هجرته فأجابه إلى ما طلب. # هنا تبدأ قصة من أجل ما عرف تاريخ المغامرة في سبيل الحق والعقيدة والإيمان قوة وروعة. كان ~~أبو بكر قد أعد راحلتيه ودفعهما إلى عبد الله بن أريقط يرعاهما لميعادهما. فلما اعتزم الرجلان ~~مغادرة مكة لم يكن لديهما ظل من ريب في أن قريشا ستتبعهما؛ لذلك اعتزم محمد أن يسلك طرقا غير ~~مألوفة، وأن يخرج إلى سفره في موعد كذلك غير مألوف. وكان هؤلاء الشبان الذين أعدت قريش لقتله ~~يحاصرون داره في الليل مخافة أن يفر. ففي ليلة الهجرة أسر محمد إلى علي بن أبي طالب أن ~~يتسجى برده الحضرمي الأخضر وأن ينام في فراشه، وأمره أن يتخلف بعده بمكة حتى يؤدي عنه الودائع ~~التي كانت عنده للناس. وجعل هؤلاء الفتية من قريش ينظرون من فرجة إلى مكان نوم النبي، فيرون في ~~الفراش رجلا فتطمئن نفوسهم إلى أنه لم يفر، فلما كان الثلث الأخير من الليل خرج محمد في غفلة ~~منهم إلى دار أبي بكر وخرج الرجلان من خوخة في ظهرها، وانطلقا جنوبا إلى غار ثور؛ فاتجاههما نحو ~~اليمن لم يكن مما يرد بالبال. # لم يعلم بمخبئهما في الغار غير عبد الله بن أبي بكر وأختيه عائشة وأسماء ومولاهم عامر بن ~~فهيرة. أما عبد الله ms207 فكان يقضي نهاره بين قريش يستمع ما يأتمرون بمحمد ليقصه ليلا على النبي ~~وعلى أبيه. وأما عامر فكان يرعى غنم أبي بكر، وكان إذا أمسى أراح عليهما فاحتلبا وذبحا. وإذا عاد ~~عبد الله بن أبي بكر من عندهما تبعه عامر بالغنم فعفى على أثره. وأقاما بالغار ثلاثة أيام كانت ~~قريش أثناءها تجد في طلبهما غير وانية. وكيف لا تفعل وهي ترى الخطر محدقا بها إن هي لم تدرك ~~محمدا ولم تحل بينه وبين يثرب؟! أما الرجلان فأقاما بالغار ومحمد لا يفتر عن ذكر الله، إليه أسلم ~~أمره وإليه تصير الأمور، وأبو بكر يرهف أذنه يريد أن يعرف هل الذين يقفون أثرهما قد أصابوا من ~~ذلك نجاحا. # وأقبل فتيان قريش، من كل بطن رجل، بأسيافهم وعصيهم وهراواتهم يدورون باحثين في كل اتجاه. ~~ولقوا راعيا على مقربة من غار ثور سألوه؛ فكان جوابه: قد يكونان بالغار، وإن كنت لم أر أحدا ~~أمه. # وتصبب أبو بكر عرقا حين سمع جواب الراعي، وخاف أن يقتحم الباحثون عنهما الغار، فأمسك أنفاسه ~~وبقي لا حراك به وأسلم لله أمره. وأقبل بعض القرشيين يتسلقون إلى الغار، ثم عاد أحدهم أدراجه، ~~فسأله أصحابه: ما لك لم تنظر في الغار؟ فقال: إن عليه العنكبوت من قبل ميلاد محمد، وقد رأيت ~~حمامتين وحشيتين بفم الغار فعرفت أن ليس أحد فيه. ويزداد محمد إمعانا في الصلاة ويزداد أبو بكر ~~خوفا، فيقترب من صاحبه ويلصق نفسه به، فيهمس محمد في أذنه: لا تحزن! إن الله معنا. # وفي رواية كتب الحديث: أن أبا بكر لما شعر بدنو الباحثين قال هامسا: لو نظر أحدهم تحت ~~قدميه لأبصرنا. # فأجابه النبي: يا أبا بكر! ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟! # وزاد القرشيين اقتناعا بأن الغار ليس به أحد أن رأوا الشجرة تدلت فروعها إلى فوهته، ولا سبيل ~~إلى الدخول إليه من غير إزالة هذه الفروع. إذ ذاك انصرفوا وسمع اللاجئان تناديهم للأوبة من حيث ~~أتوا؛ فازداد أبو بكر إيمانا بالله ورسوله، ونادى محمد: الحمد لله، الله أكبر. ms208 # نسيج العنكبوت والحمامتان والشجرة، تلك هي المعجزة التي تقص كتب السيرة في أمر الاختفاء بغار ~~ثور. ووجه المعجزة فيها أن هذه الأشياء لم تكن موجودة، حتى إذا لجأ النبي وصاحبه إلى الغار أسرعت ~~العنكبوت إلى نسيج بيتها تستر به من في الغار عن الأعين، وجاءت الحمامتان فاضتا عند بابه، ونمت ~~الشجرة ولم تكن نامية. وفي هذه المعجزة يقول المستشرق درمنجم: # هذه الأمور الثلاثة هي وحدها المعجزة التي يقص التاريخ الإسلامي الجد: نسيج عنكبوت، ~~وهوي حمامة، ونماء شجيرة؛ وهي أعاجيب ثلاث لها كل يوم في أرض الله نظائر. # على أن هذه المعجزة لم ترد في سيرة ابن هشام، بل كل ما أورد هذا المؤرخ في سياق قصة الغار ما ~~يأتي: عمدا إلى غار ثور - جبل أسفل مكة - فدخلاه، وأمر أبو بكر ابنه عبد الله أن يتسمع لهما ما ~~يقول الناس فيهما نهاره، ثم يأتيهما إذا أمسى بما يكون في ذلك اليوم من الخبر، وأمر عامر بن فهيرة ~~أن يرعى غنمه نهاره ثم يريحها عليهما إذا أمسى في الغار. وكانت أسماء بنت أبي بكر تأتيهما من ~~الطعام إذا أمست بما يصلحهما ... فأقام رسول الله في الغار ثلاثا. وجعلت قريش فيه حين فقدوه مائة ~~ناقة لمن يرده عليهم. وكان عبد الله بن أبي بكر يكون في قريش نهاره ومعهم، يسمع ما يأتمرون به وما ~~يقولون في شأن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وأبي بكر، ثم يأتيهما إذا أمسى فيخبرهما الخبر. وكان عامر بن ~~فهيرة مولى أبي بكر يرعى في رعيان أهل مكة، فإذا أمسى أراح عليهما غنم أبي بكر فاحتلبا وذبحا . ~~فإذا عبد الله بن أبي بكر غدا من عندهما إلى مكة تبع عامر بن فهيرة أثره بالغنم حتى يعفي عليه. ~~حتى إذا مضت الثلاث وسكن عنهما الناس. أتاهما صاحبهما الذي استأجرا ببعيرهما وبعير له ... إلخ هذا ~~ما ذكر ابن هشام عن قصة الغار نقلناه إلى حين خروج محمد وصاحبه منه. # وفي مطاردة قريش محمدا لقتله وفي قصة الغار هذه نزل قوله ms209 تعالى: # وإذ ~~يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ~~ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ~~. # 1 # وقوله عز وجل: # إلا تنصروه فقد نصره الله إذ ~~أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول ~~لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه ~~وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى ~~وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم ~~. # 2 # وفي اليوم الثالث حين عرفا أن قد سكن الناس عنهما أتاهما صاحبهما ببعيريهما وبعير له، وأتتهما ~~أسماء بنت أبي بكر بطعامهما. فلما ارتحلا لم تجد ما تعلق به الطعام والماء في رحالهما، فشقت ~~نطاقها وعلقت الطعام بنصفه وانتطقت بالنصف الآخر؛ فسميت لذلك «ذات النطاقين». وامتطى كل رجل ~~بعيره ومعهما طعامهما ومع أبي بكر خمسة آلاف درهم هي كل ماله. وزادهما اختفاؤهما بالغار وعلمهما ~~بإمعان قريش في تتبعهما حرصا وحذرا؛ فتخذا إلى يثرب طريقا غير الطريق الذي ألف الناس. سلك بهما ~~دليلهما عبد الله بن أريقط (أحد بني الدئل) ممعنا إلى الجنوب بأسفل مكة ثم متجها إلى تهامة ~~على مقربة من شاطئ البحر الأحمر. فلما كانا في غير الطريق الذي ألف الناس اتجه بهما شمالا ~~محاذيا الشاطئ مع الابتعاد عنه، متخذا من السبل ما قل أن يطرقه أحد، وأمضى الرجلان ودليلهما ~~طيلة الليل وصدر النهار على رواحلهم، لا يعبآن بمشقة ولا يضنيهما تعب. وأية مشقة أخوف مما ~~يخافان من قريش لصدهما عن الغاية التي يبتغيان بلوغها في سبيل الله والحق؟! # صحيح أن محمدا لا تساوره ريبة في أن الله ناصره، ولكن لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة. والله ~~في عون العبد ما دام العبد في عون نفسه، وفي عون أخيه. لقد تخطيا في أمان أيام الغار، ولكن ما ~~جعلته قريش لمن يردهما أو يدل عليهما جدير بأن يستهوي نفوسا يغريها الكسب المادي ولو جاء عن ~~طريق الجريمة. فما بالك وهؤلاء العرب من قريش يعتبرون محمدا عدوا لهم؟! وفي نفوسهم من خلق ~~الغيلة ما لا يأنف من الفتك ms210 بالأعزل والاعتداء على من لا يستطيع عن نفسه دفاعا. فليكونا إذن على ~~أشد الحذر، وليكونا أعينا ترى، وآذانا تسمع، وقلوبا تشعر وتعي. # ولم يخنهما حدسهما؛ فقد أقبل على قريش رجل أخبرها أنه رأى ركبة ثلاثة مروا عليه يعتقدهم ~~محمدا وبعض أصحابه، وكان سراقة بن مالك بن جعشم حاضرا فقال: إنما هم بنو فلان؛ ليضلل الرجل ~~وليفوز بمغنم النوق المائة. ومكث مع القوم قليلا ثم عاد إلى بيته فتدجج بسلاحه، وأمر بفرسه ~~فأرسل إلى بطن الوادي حتى لا يراه أحد ساعة خروجه، وامتطاه ودفعه إلى الناحية التي ذكر ذلك ~~الرجل، وكان محمد وصاحباه قد أناخوا في ظل صخرة ليقيلوا وليرفهوا عن أنفسهم بعض ما أرهقها من وصب، ~~ولينالوا من الطعام والشراب ما لعلهم يستعيدون به قوتهم وصبرهم. # وبدأت الشمس تنحدر، وبدأ محمد وأبو بكر يفكران في امتطاء جمالهما إذ كانا من سراقة قيد البصر. ~~وكان جواد سراقة قد كبا به قبل ذلك مرتين لشدة ما جهده. فلما رأى الفارس أنه وشيك النجاح وأنه ~~مدرك الرجلين فرادهما إلى مكة أو قاتلهما إن حاولا عن نفسيهما دفاعا، نسي كبوتي جواده ولزه ~~ليمسك بيده ساعة الظفر. ولكن الجواد في قومته كبا كبوة عنيفة ألقى بها الفارس من فوق ظهره يتدحرج ~~في سلاحه. وتطير سراقة وألقي في روعه أن الآلهة مانعة منه ضالته، وأنه معرض نفسه لخطر داهم إذا ~~هم مرة رابعة لإنفاذ محاولته. هنالك وقف ونادى القوم: أنا سراقة بن جعشم. انظروني أكلمكم، فو ~~الله لا أريبكم ولا يأتيكم مني شيء تكرهونه. فلما وقفا ينظرانه طلب إلى محمد أن يكتب له كتابا ~~يكون آية بينه وبينه. وكتب أبو بكر بأمر النبي كتابا على عظم أو خزف ألقاه إلى سراقة؛ فأخذه وعاد ~~أدراجه. وأخذ نفسه بتضليل من يطاردون المهاجر العظيم بعد أن كان هو يطارده. # وانطلق محمد وصاحبه يقطعان بطون تهامة في قيظ محرق تتلظى له رمال الصحراء، ويجتازان إكاما ~~ووهادا، ولا يجدان أكثر الأمر ما يتقيان به شواظ الهاجرة، ولا يجدان ملجأ من قسوة ms211 ما يحيط بهما، ~~وأمنا مما يتخوفان أن يفجئهما، إلا في صبرهما وحسن ثقتهما بالله وعظيم إيمانهما بالحق الذي أنزل ~~على رسوله. وظلا كذلك سبعة أيام متتالية ينيخان في حمارة القيظ ويسريان على سفينة الصحراء ~~الليل كله يجدان في سكينته وفي ضوء النجوم اللامعة في ظلمته ما يطمئن له قلباهما وتستريح له ~~نفساهما. فلما بلغا مقام قبيلة بني سهم وجاء إليهما شيخها بريدة يحييهما زالت مخاوفهما واطمأنت ~~لنصر الله قلوبهما وقد صارا من يثرب قاب قوسين أو أدنى. # وفي فترة رحلتهما هذه المضنية كانت الأخبار قد ترامت إلى يثرب بهجرة النبي وصاحبه ليلحقا ~~أصحابهما فيها. وكانت قد عرفت ما لقيا من عنت قريش ومن تتبعها إياهما. لذلك ظل المسلمون جميعا ~~بها وهم ينتظرون مقدم صاحب الرسالة بنفوس ممتلئة شوقا لرؤيته والاستماع له. وكان الكثيرون منهم ~~لما يروه وإن كانوا قد سمعوا من أمره ومن سحر بيانه ومن قوة عزمه ما جعلهم للقياه أشد اشتياقا، ~~وإلى رؤيته أشد تطلعا. وإنك لتقدر مبلغ ما كانت تجيش به هذه النفوس حين تعلم أن من سادة يثرب من ~~لم يروا محمدا من قبل، وإنما اتبعوه بعد أن سمعوا أصحابه الذين كانوا أشد المسلمين لدين الله ~~دعوة ولرسول الله حبا. جلس سعد بن زرارة ومصعب بن عمير في حائط من حوائط بني ظفر واجتمع إليهما ~~رجال ممن أسلموا؛ فبلغ نبؤهما سعد بن معاذ وأسيد بن حضير، وكانا يومئذ سيدي قومهما؛ فقال سعد ~~لأسيد: انطلق إلى هذين الرجلين اللذين أتيا دارنا ليسفها ضعفاءنا، فازجرهما، وانههما، فإن سعد ~~بن زرارة ابن خالتي ولا أجد عليه مقدما. فذهب أسيد إليهما يزجرهما. فقال له مصعب: أو تجلس فتسمع، ~~فإن رضيت أمرا قبلته، وإن كرهته كف عنك ما تكره؟ # قال أسيد: أنصفت وركز حربته وجلس إليهما، وسمع إلى مصعب فقام مسلما، وعاد إلى سعد بوجه غير ~~الوجه الذي تركه به. فغاظ ذلك سعدا، وقام هو إلى الرجلين، فكان أمره كأمر صاحبه، وكان من أثر ذلك ~~أن ذهب سعد إلى قومه فقال: ms212 يا بني عبد الأشهل، كيف تعلمون أمري فيكم؟ # قالوا: سيدنا وأوصلنا وأفضلنا رأيا وأيمننا نقيبة. # قال: فإن كلام نسائكم ورجالكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله. # فأسلم بنو عبد الأشهل جميعا رجالا ونساء. # وبلغ من انتشار الإسلام بيثرب ومن بأس المسلمين فيها من قبل هجرة النبي إليها ما لم يحلم به ~~مسلمو مكة، وما طوع لبعض الشبان من المسلمين أن يعبثوا بأصنام المشركين من أهلهم. كان لعمرو بن ~~الجموح صنم من خشب يدعوه مناة، قد اتخذه في داره كما كان الأشراف يصنعون. وكان عمرو سيدا من ~~سادات بني سلمة وشريفا من أشرافهم. فلما أسلم فتيان قومه كانوا يريحون بالليل على صنمه فيحملونه ~~فيكبونه على رأسه في إحدى الحفر التي يخرج أهل يثرب لقضاء حاجاتهم بها. فإذا أصبح عمرو فلم يجد ~~الصنم التمسه حتى يعثر به، ثم غسله وطهره ورده مكانه وهو يبرق ويرعد ويتهدد ويتوعد. وكرر فتيان ~~بني سلمة عبثهم بمناة ابن الجموح، وهو كل يوم يغسله ويطهره. فلما ضاق بهم ذرعا علق على الصنم ~~سيفه وقال له: إن كان فيك خير فامتنع، فهذا السيف معك. وأصبح فالتمسه فوجده في بئر مقرونا إلى ~~كلب ميت وليس معه السيف، فلما كلمه رجال قومه أسلم بعد أن رأى بعينه ما في الشرك والوثنية من ضلال ~~يهوي بنفس صاحبه إلى درك لا يجمل بإنسان. # يسير عليك أن تقدر، مع ما بلغ الإسلام من علو الشأن بيثرب، تحرق أهلها شوقا إلى مقدم ~~محمد عليهم بعد إذ علموا بهجرته من مكة. كانوا يخرجون كل يوم بعد صلاتهم الصبح إلى ظاهر المدينة ~~يتلمسونه حتى تغلبهم الشمس على الظلال في هذه الأيام الحارة من شهر يوليه. وبلغ هو قباء - على ~~فرسخين من المدينة - فأقام أربعة أيام بها ومعه أبو بكر. وفي هذه الأيام الأربعة أسس مسجدها. ~~وبينما هم بها وصل إليها علي بن أبي طالب الذي رد الودائع التي كانت عند محمد لأصحابها من أهل ~~مكة ثم غادرها يقطع الطريق إلى يثرب على قدميه، يسير الليل ويستخفي ms213 بالنهار، ويحتمل هذا الجهد ~~المضني أسبوعين كاملين ليلحق بإخوانه في الدين. # وإن مسلمي يثرب لينتظرون يوما كعادتهم إذ صاح بهم يهودي كان قد رأى ما يصنعون: «يا بني ~~قيلة، هذا صاحبكم قد جاء.» وكان هذا اليوم يوم جمعة، فصلاها محمد بالمدينة. وهناك في المسجد ~~الذي ببطن وادي رانونا أقبل عليه مسلمو يثرب وكل يحاول أن يراه وأن يقترب منه، وأن يملأ عينيه ~~من هذا الرجل الذي لم يره من قبل، والذي امتلأت مع ذلك نفسه بحبه وبالإيمان برسالته، والذي يذكره ~~كل يوم أثناء صلاته مرات. وعرض عليه رجال من سادة المدينة أن يقيم عندهم في العدد والعدة ~~والمنعة؛ فاعتذر لهم وامتطى ناقته وألقى لها خطامها، فانطلقت في طرق يثرب والمسلمون من حولها في ~~حفل حافل يخلون لها طريقها، وسائر أهل يثرب من اليهود والمشركين ينظرون إلى هذه الحياة الجديدة ~~التي دبت إلى مدينتهم، وإلى هذا القادم العظيم الذي اجتمع عليه من الأوس والخزرج من كانوا من قبل ~~أعداء متقاتلين، ولا يجول بخاطر أحدهم في هذه البرهة التي اعتدل فيها ميزان التاريخ إلى وجهته ~~الجديدة، ما أعد القدر لمدينتهم من جلال وعظمة يبقيان على الزمن ما بقي الزمن، وجعلت الناقة تسير ~~حتى كانت عند مربد لغلامين يتيمين من بني النجار، هنالك بركت، ونزل الرسول عنها، وسأل: لمن ~~المربد؟ فأجابه معاذ بن عفراء: إنه لسهل وسهيل ابني عمرو، وهما يتيمان له وسيرضيهما، ورجا محمدا ~~أن يتخذه مسجدا. وقبل محمد، وأمر أن يبنى في هذا المكان مسجده وأن تبنى داره. # خريطة المدينة المنورة. # الفصل الحادي عشر # | أول العهد بيثرب # (استقبال يثرب للمهاجر العظيم - بناء المسجد ومنزل النبي - تفكير محمد في حرية العقيدة لأهل يثرب ~~جميعا - يهود المدينة - مؤاخاة محمد بين المهاجرين والأنصار - معاهدته مع اليهود لتقرير حرية ~~الاعتقاد - زواج محمد بعائشة - الأذان للصلاة - مثل محمد وتعاليمه - قوة الدين الجديد وخوف اليهود ~~منها - تحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام - وفد نصارى نجران إلى المدينة - التقاء ~~الأديان الثلاثة بيثرب - تفكير المسلمين في موقفهم ms214 من قريش) ~~*** # خرج أهل يثرب لاستقبال محمد زرافات ووحدانا، رجالا ونساء، بعد الذي ترامى إليهم من أخبار ~~هجرته ومن ائتمار قريش به، ومن احتماله أشد القيظ في هذه الرحلة المضنية بين كثبان تهامة وصخورها ~~التي ترد ضوء الشمس لظى وسعيرا. وخرجوا يثيرهم تطلعهم، لما انتشر من خبر دعوته في أنحاء شبه ~~الجزيرة وما تقضي عليه هذه الدعوة من عقائد ورثها أهلها عن آبائهم، وكانت عندهم موضع التقديس. لكن ~~خروجهم لم يكن راجعا إلى هذين السببين وكفى، بل كان راجعا أكثر من ذلك إلى أنه هاجر من مكة إلى ~~يثرب ليقيم بها. فكل طائفة وكل قبيلة من أهل يثرب كانت ترتب على هذا المقام - من الناحية السياسية ~~والاجتماعية - آثارا شتى، هي التي استخفتهم أكثر مما استخفهم التطلع ليخرجوا فينظروا إلى هذا ~~الرجل، وليروا هل تؤيد سيماه حدسهم، أو هي تدعوهم إلى تعديله؛ لذلك لم يكن المشركون ولا كان ~~اليهود أقل إقبالا من المسلمين - مهاجريهم والأنصار - على استقبال النبي. # ولذلك أحاطوا به جميعا وكل يخفق قلبه خفقانا مختلفا عن غيره باختلاف ما يجول بنفسه إزاء ~~القادم العظيم. وقد اتبعوه إذ ألقى بخطام ناقته على غاربها في شيء من عدم النظام أدى إليه حرص ~~كل على أن يجتلى محياه، وأن يحيط نواحيه جميعا بنظرة ترسم في نفسه صورة من هذا الذي عقد بيعة ~~العقبة الكبرى مع من بايعه من أهل هذه المدينة على حرب الأسود والأحمر من الناس، والذي هجر وطنه ~~وفارق أهله واحتمل عداوتهم وأذاهم ثلاث عشرة سنة متتابعة، في سبيل توحيد الله توحيدا أساسه النظر ~~في الكون، واجتلاء الحقيقة من طريق هذا النظر. # بركت ناقة النبي - عليه السلام - على مربد سهل وسهيل ابني عمرو، فابتاعه ليبنيه مسجدا له. ~~وأقام أثناء بنائه في دار أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري. وعمل محمد في بناء المسجد بيديه، ودأب ~~المسلمون من المهاجرين والأنصار على مشاركته في بنائه، حتى أتموه وأقاموا من حوله مساكن الرسول. ~~وما كان بناء المسجد ولا كان بناء المساكن ليرهق أحدا ms215 وقد كانت كلها البساطة بما يتفق وتعاليم ~~محمد. كان المسجد فناء فسيحا، بنيت جدرانه الأربعة من الآجر والتراب، وسقف جزء منه بسعف النخل، ~~وترك الجزء الآخر مكشوفا، وخصصت إحدى نواحيه لإيواء الفقراء الذين لم يكونوا يملكون سكنا. ولم ~~يكن المسجد يضاء ليلا إلا ساعة صلاة العشاء؛ إذ توقد فيه أنوار من القش أثناءها. وكذلك ظل تسع ~~سنوات متتالية شدت بعدها مصابيح إلى جذوع النخل التي كان يعتمد سقفه عليها. ولم تكن مساكن النبي ~~أكثر من المسجد ترفا، وإن كانت بطبيعتها أكثر منه استتارا. # بنى محمد مسجده ومساكنه، وأوى من بيت أبي أيوب إليها. ثم جعل يفكر في هذه الحياة الجديدة التي ~~استفتح، والتي نقلته ونقلت دعوته خطوة جديدة واسعة. فقد ألفى هذه المدينة وبين عشائرها من التنافر ~~ما لم تعرف مكة؛ لكنه ألفى قبائلها وبطونها تصبو إلى حياة فيها من السكينة ما يجنبها الخلاف ~~والحزازات التي مزقتها في الماضي شر ممزق، وما يهيئ لها في المستقبل طمأنينة تطمع معها أن تكون ~~أوفر من مكة ثروة وأعظم جاها. وما كانت ثروة يثرب ولا كان جاهها أول ما يعني محمدا وإن كان بعض ~~ما يعنيه. إنما كان همه الأول والآخر هذه الرسالة التي عهد الله إليه في تبليغها والدعوة إليها ~~والإنذار بها. لقد حاربها أهل مكة من يوم بعثه إلى يوم هجرته أهول الحرب، فحال ذلك دون امتلاء كل ~~القلوب بنورها وكل الأنفس إيمانا بها من خوف أذى قريش وعنتها. والأذى والعنت يحولان بين الإيمان ~~والقلوب التي لما يدخل الإيمان فيها. فيجب أن يؤمن المسلمون وأن يؤمن غيرهم بأن من اتبع الهدى ~~ودخل في دين الله بمأمن من أن يصيبه الأذى، ليزداد المؤمنون إيمانا، وليقبل على الإيمان المتردد ~~والخائف والضعيف. # في هذا كان يفكر محمد أول طمأنينته إلى مسكنه بيثرب، وإلى هذا كانت تتجه سياسته، وفي هذا ~~الاتجاه يجب أن يترجم لحياته. هو لم يكن يفكر في ملك ولا في مال ولا في تجارة؛ بل كان كل همه ~~توفير الطمأنينة لمن يتبعون ms216 رسالته، وكفالة الحرية لهم في عقيدتهم ككفالتها لغيرهم في عقيدتهم. ~~يجب أن يكون المسلم واليهودي والنصراني سواء في حرية العقيدة، وفي حرية الرأي وحرية الدعوة إليه. ~~فالحرية وحدها هي الكفيلة بانتصار الحق وبتقدم العالم نحو الكمال في وحدته العليا، وكل حرب على ~~الحرية تمكين للباطل ونشر لجيوش الظلام لتقضي على جذوة النور المضيئة في النفس الإنسانية، والتي ~~تصل بينها وبين الكون كله، من أزله إلى أبده، صلة اتساق ومحبة ووحدة، لا صلة نفور وفناء. # هذه الوجهة في التفكير هي التي نزل بها الوحي على محمد منذ الهجرة، وهي التي جعلته جنوحا ~~للسلم، راغبا عن القتال، مقتصدا طول حياته أشد القصد فيه، غير لاجئ إليه إلا لضرورة تقتضيه ~~الدفاع عن الحرية دفاعا عن الدين وعن العقيدة. ألم يقل له أهل يثرب ممن بايعوه في العقبة الثانية ~~حين سمعوا المتجسس عليهم يصيح بقريش ينبهها لأمرهم: «والله الذي بعثك بالحق إن شئت لنميلن على أهل ~~منى غدا بأسيافنا.» فكان جوابه: «لم نؤمر بذلك»؟ ألم تكن أول آية نزلت في القتال: # أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على ~~نصرهم لقدير ~~؟ # 1 # ألم تكن الآية التي تلت هذه في أمر القتال قوله تعالى: # وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ~~؟ # 2 # فتفكير محمد إذن إنما كان متجها إلى غاية واحدة عليا؛ هي كفالة حرية العقيدة والرأي كفالة في ~~سبيلها وحدها أحل القتال، ودفاعا عنها أبيح دفع المعتدي حتى لا يفتن أحد عن دينه، ولا يظلم ~~أحد بسبب عقيدته أو رأيه. # بينما كانت هذه وجهة محمد في التفكير في أمر يثرب وما يجب لكفالة الحرية فيها ، كان أهل هذه ~~المدينة ممن استقبلوه يفكرون، وإن كان كل فريق يفكر على نحو يخالف تفكير غيره. فقد كان بيثرب ~~يومئذ من مهاجرين وأنصار؛ وكان بها المشركون من سائر الأوس والخزرج، وكان بين هؤلاء وأولئك ما ~~علمت. ثم كان بها اليهود، يقيم منهم بنو قينقاع في داخلها، ويقيم بنو قريظة في فدك، وبنو النضير ~~على مقربة منها، ms217 ويهود خيبر في شمالها. # أما المهاجرون والأنصار فقد ألف الدين الجديد بينهم بأوثق رباط، وإن بقيت في نفس محمد بعض ~~المخاوف أن تثور البغضاء القديمة بينهم يوما؛ مما جعله يفكر في وسيلة للقضاء على كل شبهة من هذا ~~النوع تفكيرا كان له من بعد أثره. وأما المشركون من سائر الأوس والخزرج، فقد ألفوا أنفسهم بين ~~المسلمين واليهود ضعافا نهكتهم الحروب الماضية، فاتجه همهم للوقيعة بين هؤلاء وأولئك. وأما ~~اليهود فبادروا بادئ الرأي إلى حسن استقبال محمد ظنا منهم أن في مقدورهم استمالته إليهم وإدخاله ~~في حلفهم والاستعانة به على تأليف جزيرة العرب حتى تقف في وجه النصرانية التي أجلت اليهود، شعب ~~الله المختار، عن فلسطين أرض المعاد ووطنهم القومي. وانطلق كل على أساس تفكيره يمهد أسباب ~~النجاح لبلوغ غايته. # هنا يبدأ طور جديد من أطوار حياة محمد لم يسبقه إليه أحد من الأنبياء والرسل. هنا يبدأ طور ~~السياسي الذي أبدى محمد فيه من المهارة والمقدرة والحنكة ما يجعل الإنسان يقف دهشا ثم يطأطئ ~~الرأس إجلالا وإكبارا. كان أكبر همه أن يصل بيثرب - موطنه الجديد - إلى وحدة سياسية ونظامية لم ~~تكن معروفة من قبل في سائر أنحاء الحجاز، وإن كانت قد عرفت قبل ذلك بكثير في بلاد اليمن. فتشاور ~~هو ووزيراه أبو بكر وعمر؛ فكذلك كان يسميهما. وقد كان أول ما انصرف إليه تفكيره بطبيعة الحال ~~تنظيم صفوف المسلمين وتوكيد وحدتهم، للقضاء على كل شبهة في أن تثور العداوة القديمة بينهم. ~~ولتحقيق هذه الغاية دعا المسلمين ليتآخوا في الله أخوين أخوين. فكان هو وعلي بن أبي طالب أخوين. ~~وكان عمه حمزة ومولاه زيد أخوين ، وكان أبو بكر وخارجة بن زيد أخوين. # وكان عمر بن الخطاب وعتبان بن مالك الخزرجي أخوين. وتآخى كذلك كل واحد من المهاجرين الذين كثر ~~عددهم بيثرب، بعد أن تلاحق إليها سائر من كان منهم بمكة في أعقاب هجرة الرسول إياها، مع واحد من ~~الأنصار إخاء جعل له الرسول حكم إخاء الدم والنسب. وبهذه المؤاخاة ازدادت وحدة المسلمين ms218 ~~توكيدا. # وأظهر الأنصار من كرم الضيافة لإخوانهم المهاجرين ما تقبله هؤلاء أول الأمر مغتبطين؛ ذلك أنهم ~~تركوا مكة، وتركوا وراءهم ما يملكون فيها من مال ومتاع، ودخلوا المدينة ولا يكاد الكثيرون منهم ~~يجدون قوتهم. ولم يكن منهم على جانب من الثراء والنعمة غير عثمان بن عفان؛ أما الآخرون فقليل منهم ~~من احتمل من مكة شيئا ينفعه. وقد ذهب حمزة عم الرسول يوما يطلب إليه أن يجد له ما يقتات به. ~~وكان عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع أخوين، ولم يكن عبد الرحمن يملك بيثرب شيئا. فعرض عليه ~~سعد أن يشاطره ماله؛ فأبى عبد الرحمن وطلب إليه أن يدله على السوق، وفيها بدأ يبيع الزبد والجبن، ~~واستطاع بمهارته التجارية أن يصل إلى الثروة في زمن قصير وأن يمهر إحدى نساء المدينة، وأن تكون له ~~قوافل تذهب في التجارة وتجيء. وصنع كثير غير عبد الرحمن من المهاجرين صنيعه؛ فقد كان لهؤلاء ~~المكيين من الدراية في شئون التجارة ما قيل معه عن أحدهم: إنه ليحيل بالتجارة رمل الصحراء ~~ذهبا. # أما الذين لم يشتغلوا بالتجارة، ومن بينهم أبو بكر وعمر وعلي بن أبي طالب وغيرهم. فقد عملت ~~أسرهم في الزراعة في أراضي الأنصار مزارعة مع ملاكها. وكان غير هؤلاء وأولئك يلقون من الحياة شدة ~~وبأساء؛ لكنهم كانوا يأبون أن يعيشوا كلا على غيرهم؛ فكانوا يجهدون أنفسهم في العمل أشد الجهد، ~~ويجدون في ذلك من لذة الطمأنينة لأنفسهم ولعقيدتهم ما لم يكونوا يجدونه بمكة. على أن جماعة من ~~العرب الذين وفدوا على المدينة وأسلموا، كانوا في حال من العوز والمتربة، حتى لم يكن لأحدهم سكن ~~يلجأ إليه . هؤلاء أفرد محمد لهم صفة المسجد (وهي المكان المسقوف منه) يبيتون بها ويأوون إليها؛ ~~ولذلك سموا أهل الصفة، وجعل لهم رزقا من مال المسلمين والأنصار الذين آتاهم الله رزقا ~~حسنا. # اطمأن محمد إلى وحدة المسلمين بهذه المؤاخاة. وهي لا ريب حكمة سياسية تدل على سلامة تقدير ~~وبعد نظر، نتبين مقدارهما حين نقف على ما كان من محاولة ms219 المنافقين الوقيعة بين الأوس والخزرج من ~~المسلمين وبين المهاجرين والأنصار لإفساد أمرهم. لكن العمل السياسي الجليل حقا والذي يدل على ~~أعظم الاقتدار، ذلك ما وصل به محمد إلى تحقيق وحدة يثرب وإلى وضع نظامها السياسي بالاتفاق مع ~~اليهود على أساس متين من الحرية والتحالف. وقد رأيت اليهود كيف أحسنوا استقباله أملا في استدراجه ~~إلى صفوفهم. وقد بادر هو إلى رد تحيتهم بمثلها، وإلى توثيق صلاته بهم؛ فتحدث إلى رؤسائهم وتقرب ~~إليه كبراؤهم، وربط بينه وبينهم برابطة المودة باعتبار أنهم أهل كتاب موحدون. وبلغ من ذلك أن كان ~~يصوم يوم صومهم، وكانت قبلته في الصلاة ما تزال إلى بيت المقدس قبلة أنظارهم ومثابة بني إسرائيل ~~جميعا. وما كانت الأيام لتزيده باليهود أو لتزيد اليهود به إلا مودة وقربى. كما أن سيرته، وعظيم ~~تواضعه، وجميل عطفه، وحسن وفائه، وفيض بره بالفقير والبائس والمحروم، وما أورثه ذلك من قوة ~~السلطان على أهل يثرب؛ كل ذلك وصل بالأمر بينه وبينهم وإلى عقد معاهدة صداقة وتحالف وتقرير لحرية ~~الاعتقاد. # معاهدة هي - في اعتقادنا - من الوثائق السياسية الجديرة بالإعجاب على مر التاريخ. وهذا الطور ~~من حياة الرسول لم يسبقه إليه نبي أو رسول. فقد كان عيسى وكان موسى وكان من سبقهما من الأنبياء ~~يقفون عند الدعوة الدينية يبلغونها للناس من طريق الجدل ومن طريق المعجزة، ثم يتركون لمن بعدهم من ~~الساسة وذوي السلطان أن ينشروا هذه الدعوة بالمقدرة السياسية وبالدفاع عن حرية الناس في الإيمان ~~بها، ولو دفاعا مسلحا فيه الحرب والقتال. انتشرت المسيحية على يد الحواريين من بعد عيسى، فظلوا ~~ومن تبعهم يعذبون، حتى جاء من الملوك من لان قلبه لهذا الدين فآواه ونشره. وكذلك كان أمر سائر ~~الأديان في شرق العالم وغربه. فأما محمد فقد أراد الله أن يتم نشر الإسلام وانتشار كلمة الحق على ~~يديه، وأن يكون الرسول والسياسي والمجاهد والفاتح، كل ذلك في سبيل الله، وفي سبيل كلمة الحق التي ~~بعث بها. وهو قد كان في ذلك كله عظيما، وكان مثل الكمال ms220 الإنساني على ما يجب أن يكون. # كتب محمد بين المهاجرين والأنصار كتابا واعد فيه اليهود وعاهدهم وأقرهم على دينهم وأموالهم، ~~واشترط عليهم وشرط لهم. وهذا الكتاب: # بسم الله الرحمن الرحيم # هذا كتاب محمد النبي بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد ~~معهم؛ أنهم أمة واحدة من دون الناس. المهاجرون من قريش على ربعتهم # 3 # يتعاقلون بينهم وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو عوف على ~~ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين - ثم ~~ذكر كل بطن من بطون الأنصار وأهل كل دار: بني الحارث، وبني ساعدة، وبني جشم، وبني النجار، ~~وبني عمرو بن عوف وبني النبيت، إلى أن قال - وأن المؤمنين لا يتركون مفرحا # 4 # بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل. ولا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه. وأن ~~المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ابتغى دسيعة، # 5 # ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين، وأن أيديهم عليه جميعا ولو كان ولد ~~أحدهم ولا يقتل مؤمن مؤمنا في كافر، ولا ينصر كافرا على مؤمن، وأن ذمة الله واحدة يجير ~~عليهم أدناهم، وأن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس، وأنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة # 6 # غير مظلومين ولا متناصر عليهم، وأن سلم المؤمنين واحدة لا يسالم مؤمن دون مؤمن في ~~قتال في سبيل الله إلا على سواء وعدل بينهم، وأن كل غازية غزت معنا يعقب بعضها بعضا، وأن ~~المؤمنين يبيء # 7 # بعضهم عن بعض بما نال دماءهم في سبيل الله، وأن المؤمنين المتقين على أحسن هدى ~~وأقومه، وأنه لا يجير مشرك مالا لقريش ولا نفسا ولا يحول دونه على مؤمن، وأنه من اعتبط # 8 # مؤمنا قتلا عن بينة فإنه قود به إلا أن يرضى ولي المقتول، وأن المؤمنين عليه ~~كافة، ولا يحل لهم إلا قيام عليه، وأنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة وآمن بالله ~~واليوم الآخر أن ينصر محدثا # 9 ms221 # ولا يؤويه، وأنه من نصره أو آواه فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة ولا ~~يؤخذ منه صرف ولا عدل، وأنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى الله وإلى محمد - عليه ~~الصلاة والسلام - وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وأن يهود بني عوف أمة من ~~المؤمنين. # لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم ومواليهم وأنفسهم إلا من ظلم أو أثم فإنه لا يوتغ # 10 # إلا نفسه وأهل بيته، وأن ليهود بني النجار ويهود بني الحارث ويهود بني ساعدة ~~ويهود بني جشم ويهود بني الأوس ويهود بني ثعلبة ولجفنة ولبني الشطيبة # 11 # مثل ما ليهود بني عوف، وأن موالي ثعلبة كأنفسهم، وأن بطانة يهود كأنفسهم، وأنه لا ~~يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد - عليه الصلاة والسلام - وأنه لا يتحجز # 12 # على ثأر جرح، وأنه من فتك فبنفسه وأهل بيته إلا من ظلم، وأن الله على أبر هذا، ~~وأن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم. وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، ~~وأن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم، وأنه لم يأثم امرؤ بحليفه، وأن النصر للمظلوم، وأن ~~اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وأن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة، وأن ~~الجار كالنفس غير مضار ولا آثم، وأنه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها، وأنه ما كان بين أهل هذه ~~الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، ~~وأن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره، وأنه لا تجار قريش ولا من نصرها، وأن بينهم النصر ~~على من دهم يثرب، وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه فإنهم يصالحونه ويلبسونه، وأنهم إذا ~~دعوا إلى مثل ذلك فإن لهم على المؤمنين إلا من حارب في الدين؛ على كل أناس حصتهم من جانبهم ~~الذي قبلهم، وأن يهود الأوس مواليهم وأنفسهم على مثل ما لأهل هذه الصحيفة مع البر المحض من ~~أهل هذه الصحيفة، وأن البر دون الإثم، لا ms222 يكسب كاسب إلا على نفسه، وأن الله على أصدق ما في ~~هذه الصحيفة وأبره، وأنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم، وأن من خرج آمن ومن قعد آمن ~~بالمدينة إلا من ظلم وأثم، وأن الله جار لمن بر واتقى. # هذه هي الوثيقة السياسية التي وضعها محمد منذ ألف وثلاثمائة وخمسين سنة، والتي تقرر حرية ~~العقيدة وحرية الرأي وحرمة المدينة وحرمة الحياة وحرمة المال وتحريم الجريمة. وهي فتح جديد في ~~الحياة السياسية والحياة المدنية في عالم يومئذ؛ هذا العالم الذي كانت تعبث به يد الاستبداد، ~~وتعيث فيه يد الظلم فسادا. ولئن لم يشترك في توقيع هذه الوثيقة من اليهود بنو قريظة وبنو النضير ~~وبنو قينقاع، فإنهم ما لبثوا بعد قليل أن وقعوا بينهم وبين النبي صحفا مثلها. وكذلك أصبحت ~~المدينة وما وراءها حرما لأهلها؛ عليهم أن ينضحوا عنها ويدفعوا كل عادية عليها، وأن يتكافلوا ~~فيما بينهم. لاحترام ما قررت هذه الوثيقة فيها من الحقوق ومن صور الحرية. # طاب محمد نفسا بهذه النتيجة، وسكن المسلمون إلى دينهم، وجعلوا يقيمون فرائضه مجتمعين ~~ويقيمونه فرادى، لا يخافون أذى ولا يخشون فتنة. إذ ذاك بنى النبي محمد بعائشة بنت أبي بكر، وكانت ~~في العاشرة أو الحادية عشرة من عمرها، وكانت فتاة رقيقة حلوة القسمات محببة العشرة، وكانت تخطو ~~دراكا من الطفولة إلى الصبا، وكانت ذات ولع باللعب والمرح، وكانت نامية نموا حسنا. ووجدت في ~~محمد أول انتقالها إليه بمسكنها إلى جانب مسكن سودة في جوار المسجد أبا برا عطوفا، وزوجا ~~مشفقا رفيقا، لا يأبى عليها أن تعبث وتلهو بألاعيبها؛ وتسليه بذلك عن دائم تفكيره في العبء ~~العظيم الذي ألقي عليه، وفي سياسة يثرب التي بدأ يوجهها إلى خير وجهة. # في هذه الفترة التي سكن فيها المسلمون إلى دينهم فرضت الزكاة وفرض الصيام وقامت الحدود، ~~وتمكنت بيثرب شوكة الإسلام. وكان محمد حين قدم المدينة إنما يجتمع إليه الناس للصلاة لحين ~~مواقيتها بغير دعوة؛ ففكر في أن يدعو للصلاة ببوق كالبوق الذي يدعو به اليهود ms223 لصلاتهم. لكنه كره ~~البوق فأمر بالناقوس، فنحت ليضرب به للصلاة، كما تفعل النصارى. على أنه بعد مشورة عمر وطائفة من ~~المسلمين على رواية، وبأمر الله على لسان الوحي في رواية أخرى، عدل عن الناقوس أيضا إلى الأذان، ~~وقال لعبد الله بن زيد بن ثعلبة: «قم مع بلال فألقها عليه - أي صيغة الأذان - فليؤذن بها فإنه ~~أندى صوتا منك.» وكان لامرأة من بني النجار منزل إلى جانب المسجد أعلى منه، فكان بلال يرقاه ~~فيؤذن عليه. وكذلك صار أهل يثرب جميعا يسمعون منذ الفجر في كل يوم دعوة إلى الإسلام مرتلة ~~ترتيلا حسنا بصوت رطب جميل يوجهها بلال مع كل ريح إلى كل النواحي، ويلقي في أذن الحياة نداءه: ~~«الله أكبر الله أكبر. أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أن محمدا رسول الله. حي على الصلاة، حي ~~على الفلاح. الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله.» # وكذلك انقلبت مخاوف المسلمين أمنا، وأصبحت يثرب مدينة الرسول، وأصبح غير المسلمين من أهلها ~~يشعرون بقوة المسلمين قوة منبعثة من أعماق قلوب عرفت التضحية في سبيل الإيمان وذاقت الأذى بسببه ~~ألوانا، وها هي ذي اليوم تجني ثمرة الصبر، وتستمتع من حرية العقيدة بما قرر الإسلام من أن ليس ~~لإنسان على إنسان سيادة، ومن أن الدين لله وحده، والعبودية له وحده، والناس أمام وجهه الأكرم ~~سواسية، لا يجزون إلا بأعمالهم وبالنية التي تصدر هذه الأعمال عنها. # وانفسح المجال أمام محمد ليعلن تعاليمه، وليكون بذاته وبتصرفاته المثل الأسمى لهذه التعاليم، ~~وليصبح بذلك حجر الأساس للحضارة الإسلامية. # وحجر الأساس هذا هو الإخاء الإنساني، إخاء يجعل المرء لا يكمل إيمانه حتى يحب لأخيه ما يحب ~~لنفسه، وحتى يصل به هذا الإخاء إلى غاية البر والرحمة من غير ضعف ولا استكانة. سأل رجل محمدا: أي ~~الإسلام خير؟ فقال: «تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف.» وفي أول خطبة ألقاها ~~بالمدينة قال: «من استطاع أن يقي وجهه من النار ولو بشقة من تمر فليفعل، ومن لم يجد ms224 فبكلمة طيبة ~~فإن بها تجزى الحسنة عشر أمثالها.» وفي خطبته الثانية قال: «اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، ~~واتقوه حق تقاه، واصدقوا الله صالح ما تقولون، وتحابوا بروح الله بينكم: إن الله يغضب أن ينتكث ~~عهده.» بهذا وبمثله كان يحدث أصحابه وكان يخطب الناس في مسجده، مستندا إلى جذع من جذوع النخل ~~التي يعتمد عليها سقفه، حتى أمر فصنع له منبر من ثلاث درجات، كان يقوم على درجته الأولى خطيبا. ~~وكان يجلس في درجته الثانية. # ولم تكن أقواله وحدها دعامة الدعوة إلى هذا الإخاء الذي جعل منه حجر الزاوية في حضارة ~~الإسلام، بل كانت أعماله وكان مثله هو هذا الإخاء في أسمى صور كماله. كان رسول الله، لكنه كان ~~يأبى أن يظهر في أي من مظاهر السلطان أو الملك أو الرياسة الزمنية. كان يقول لأصحابه: «لا تطروني ~~كما أطرت النصارى ابن مريم؛ إنما أنا عبد الله، فقولوا عبد الله ورسوله.» وخرج على جماعة من ~~أصحابه متوكئا على عصا فقاموا له، فقال: «لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضهم بعضا.» وكان ~~إذا بلغ في مسيره أصحابه جلس منهم حيث انتهى به المجلس. وكان يمازح أصحابه ويخالطهم ويحادثهم ~~ويداعب صبيانهم ويجلسهم في حجره ويجيب دعوة الحر والعبد والأمة والمسكين، ويعود المرضى في أقصى ~~المدينة، ويقبل عذر المعتذر، ويبدأ من لقيه بالسلام، ويبدأ أصحابه بالمصافحة، ولا يجلس إليه أحد ~~وهو يصلي إلا خفف صلاته وسأله عن حاجته، فإذا فرغ عاد إلى صلاته، وكان أطيب الناس نفسا وأكثرهم ~~تبسما ما لم ينزل عليه قرآن أو يعظ أو يخطب. # وكان في بيته في مهنة أهله يطهر ثوبه ويرقعه ويحلب شاته، ويخصف نعله، ويخدم نفسه، ويعقل ~~البعير، ويأكل مع الخادم، ويقضي حاجة الضعيف والبائس والمسكين. وكان إذا رأى أحدا في حاجة آثره ~~على نفسه وأهله ولو كان بهم خصاصة. وكان لذلك لا يدخر شيئا لغده؛ حتى لقد توفي ودرعه مرهونة عند ~~يهودي في قوت عياله. وكان جم التواضع، شديد الوفاء، حتى لقد وفد للنجاشي وفد فقام ms225 بخدمتهم؛ فقال ~~له أصحابه: يكفيك. فقال: إنهم كانوا لأصحابنا مكرمين وإني أحب أن أكافئهم. وبلغ من وفائه أنه ما ~~ذكرت خديجة إلا ذكرها أطيب الذكر؛ حتى كانت عائشة تقول: ما غرت من امرأة ما غرت من خديجة لما ~~كنت أسمعه يذكرها. ودخلت عليه امرأة فهش لها وأحسن السؤال عنها؛ فلما خرجت قال: إنها كانت تأتينا ~~أيام خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان. وبلغ من طيبة نفسه ورقة قلبه أنه كان يدع بني بناته ~~يداعبونه أثناء صلاته. بل لقد صلى بأمامة ابنة بنته زينب يحملها على عاتقه، فإذا سجد وضعها وإذا ~~قام حملها. # ولم يقف بالبر والرحمة اللذين جعلهما دعامة الإخاء الذي قامت الحضارة الجديدة على أساسه عند ~~الإنسان، بل عداهما إلى الحيوان كذلك؛ كان يقوم بنفسه فيفتح بابه لهرة تلتمس عنده ملجأ، وكان ~~يقوم بنفسه على تمريض ديك مريض، وكان يمسح لجواده بكم قميصه. وركبت عائشة بعيرا فيه صعوبة فجعلت ~~تردده؛ فقال لها: عليك بالرفق. وكذلك شملت رحمته كل ما اتصل بها، وأظلت كل من كان في حاجة إلى ~~تفيؤ ظلالها. # وهي لم تكن رحمة ضعف ولا استكانة، ولم تشبها شائبة من ولا استعلاء، إنما كانت إخاء في ~~الله بين محمد والذين اتصلوا به جميعا. ومن ثم يفترق أساس حضارة الإسلام عن كثير من سائر ~~الحضارات. الإسلام يضع العدل إلى جانب الإخاء ويرى أن الإخاء لا يكون إخاء إلا به. # فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى ~~عليكم ~~، # 13 # ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب ~~. # 14 # يجب أن يكون الدافع النفساني وحده والإرادة الحرة المطلقة وابتغاء وجه الله - دون أي اعتبار ~~آخر - مصدر الإخاء وما يدعو إليه من بر ورحمة. ويجب أن يصدر ذلك عن نفس قوية لا تعرف لغير الله ~~إسلاما ولا تضعف ولا تتهالك باسم الورع أو التقوى، ولا يتسرب إليها خوف أو وهن إلا عن معصية ~~تجترحها أو إثم تقترفه. ولا تكون النفس قوية إذا كانت في حكم غيرها، ولا تكون قوية إذا خضعت لحكم ms226 ~~أهوائها وشهواته. وقد هاجر محمد وأصحابه من مكة حتى لا يكونوا في حكم قريش ولا يوهن أذاها نفس ~~أحد منهم. والنفس إنما تخضع لحكم الأهواء والشهوات إذا تحكم الجسد في الروح وغلبت الشهوة العقل، ~~وأصبحنا نقيم للحياة الخارجة عنا سلطانا على حياتنا نحن، على حين أنا في غنى عنها وأنا ~~أصحاب السلطان عليها. # وكان محمد المثل الأعلى في القوة على الحياة، قوة جعلته لا يأبى أن يعطي غيره كل ما عنده؛ ~~وحتى قال أحدهم: إن محمدا يعطي عطاء من لا يخشى فاقة. ولكي لا يكون لشيء مما في الحياة سلطان ~~عليه، وليكون له هو كل السلطان عليها، كان شديد الزهد في مادتها، على شدة رغبته في الإحاطة بها ~~وفي معرفة أسرارها، وتوقه إلى غاية الحقيقة من أمرها. بلغ من زهده فيها أن كان في فراشه الذي ينام ~~عليه أدم حشوه ليف، وأنه لم يشبع قط، ولم يطعم خبز الشعير يومين متواليين، وكان السويق طعام أكلته ~~الكبرى، وكان التمر طعام سائر أيامه. وكان الثريد مما لا يكثر له ولأهله تناوله. ولقد عانى الجوع ~~غير مرة، حتى كان يشد على بطنه حجرا يكظم به على صيحات معدته. ذلك كان المعروف عنه في طعامه، وإن ~~لم يمنعه ذلك من أن ينال في بعض الأحايين من أطايب الرزق، وأن يعرف عن حبه زند الخروف والقرع ~~والعسل والحلوى. # وكان زهده في اللباس كزهده في الطعام. أعطته امرأة يوما ثوبا كان في حاجة إليه، فطلب إليه ~~أحدهم ما يصلح كفنا لميت فأعطاه الثوب. وكان معروف ثيابه القميص والكساء، وكانا من صوف أو قطن أو ~~تيل. على أنه في بعض الأحيان لم يكن يأبى أن يلبس من أنسجة اليمن لباسا فخما يناسب المقام إذا ~~اقتضاه المقام ذلك. وكان يحتذي حذاء بسيطا، ولم يلبس خفا إلا حين أهدى إليه النجاشي خفين ~~وسراويل. # لم يكن هذا الزهد، ولا هذه الرغبة عن الدنيا تقشفا للتقشف، ولا كانا من فرائض الدين؛ فقد جاء ~~في القرآن: # كلوا من طيبات ما رزقناكم # 15 ms227 # وجاء: # وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا ~~تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ~~. # 16 # وفي الأثر: «احرث لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا.» لكن محمدا أراد أن ~~يضرب للناس المثل الأعلى في القوة على الحياة قوة لا يتطرق إليها ضعف، ولا يستعبد صاحبها متاع أو ~~مال أو سلطان أو أي مما يجعل لغير الله عليه سيادة. والإخاء الذي يستند إلى هذه القوة ويكون له ~~من المظهر ما ضرب محمد له المثل الأعلى فيما رأيت، إخاء محض بالغ غاية الإخلاص والسمو، إخاء لا ~~تشوبه شائبة؛ لأن العدل يتضافر فيه مع الرحمة، لأن صاحبه لا يرضى أن تحمله عليه إلا إرادته الحرة ~~المطلقة. لكن الإسلام إذ يضع العدل إلى جانب الرحمة يضع العفو إلى جانب العدل، على أن يكون عفوا ~~عن مقدرة؛ ليكون مظهر الرحمة صريحا صحيحا، وليكون القصد منه إلى الإصلاح صادقا. # هذا الأساس الذي وضعه محمد للحضارة الجديدة التي يقيمها يتلخص بصورة واضحة فيما روي عن علي ~~بن أبي طالب أنه سأل رسول الله عن سنته فقال: «المعرفة رأس مالي، والعقل أصل ديني، والحب أساسي، ~~والشوق مركبي، وذكر الله أنيسي، والثقة كنزي، والحزن رفيقي؛ والعلم سلاحي، والصبر ردائي، والرضا ~~غنيمتي، والفقر فخري، والزهد حرفتي، واليقين قوتي، والصدق شفيعي، والطاعة حسبي، والجهاد خلقي، ~~وقرة عيني في الصلاة.» # تركت تعاليم محمد هذه وترك مثله وقدوته في النفوس أعمق الأثر؛ حتى لقد أقبل كثيرون على ~~الإسلام، وازداد المسلمون في المدنية شوكة وقوة. هنالك بدأ اليهود يفكرون من جديد في موقفهم من ~~محمد وأصحابه. لقد عقدوا معه عهدا، وكانوا يطمعون في أن يضموه إلى صفوفهم وفي أن يزدادوا به على ~~النصارى منعة وقوة. وهذا هو أقوى من هؤلاء وأولئك جميعا، وهذه كلمته تزداد ثباتا. بل ها هو ذا ~~يفكر في أمر قريش وإخراجها إياه وإخراجها المهاجرين من مكة، وفتنتها من استطاعت فتنته من المسلمين ~~عن دينه، أترى اليهود يتركون دعوته تنتشر وسلطانه الروحي يمتد؛ مكتفين بالأمن في ms228 جواره أمنا يزيد ~~تجارتهم سعة وثروتهم ربحا؟ لعلهم كانوا يقنعون بهذا لو أنهم أمنوا ألا تمتد دعوته إلى اليهود ~~وألا تفشوا في عامتهم، على حين تقتضيهم تعاليمهم ألا يعترفوا بنبي من غير بني إسرائيل. # لكن حبرا عالما من كبار أحبارهم وعلمائهم، هو عبد الله بن سلام، لم يلبث حين اتصل بالنبي ~~أن أسلم، وأمر أهل بيته فأسلموا معه. وخشي عبد الله أن يقول اليهود فيه إذا علموا بإسلامه، غير ما ~~اعتادوا. فطلب إلى النبي أن يسألهم عنه: ما شأنه؟ قبل أن يعرف أحد منهم إسلامه. قالوا: سيدنا ~~وابن سيدنا وحبرنا وعالمنا. فلما خرج عبد الله إليهم وتبينوا ما صنع ودعاهم هو إلى الإسلام، خافوا ~~عاقبة أمره، فوقعوا فيه وأذاعوا عنه قالة السوء في أحياء اليهود كلها؛ وأجمعوا أمرهم على أن ~~يكيدوا لمحمد وينكروا نبوته. وما كان أسرع أن اجتمع إليهم من بقي على الشرك من الأوس والخزرج ومن ~~أسلم منهم نفاقا، جريا وراء مغنم أو إرضاء لذي عصبة وبأس. # وهنا بدأت حرب جدل بين محمد واليهود أشد لددا وأكبر مكرا من حرب الجدل التي كانت بينه وبين ~~قريش بمكة. وفي هذه الحرب اليثربية تعاونت الدسيسة والنفاق والعلم بأخبار السابقين من الأنبياء ~~والمرسلين. أقامتها اليهود جميعا صفوفا متراصة يهاجمون بها محمدا ورسالته وأصحابه المهاجرين ~~والأنصار. دسوا من أحبارهم من أظهر إسلامه ومن استطاع أن يجلس بين المسلمين يظهر غاية التقوى، ~~ثم ما لبث الحين بعد الحين أن يبدي من الشكوك والريب ويلقي على محمد من الأسئلة ما يحسبه يزعزع ~~في أنفس المسلمين عقيدتهم به وبرسالة الحق التي يدعو إليها. وانضم إلى اليهود جماعة من الأوس ~~والخزرج الذين أسلموا نفاقا أيضا ليسألوا وليوقعوا بين المسلمين. # وبلغ من تعنتهم أن اليهود منهم كانوا ينكرون ما في التوراة، وأنهم جميعا وكلهم يؤمنون بالله ~~سواء منهم بنو إسرائيل والمشركون الذين يتخذون أصنامهم لتقربهم إلى الله زلفى. كانوا يسألون ~~محمدا: إذا كان الله قد خلق الخلق فمن خلق الله؟! وكان محمد يجيبهم بقوله تعالى: # قل هو ms229 الله أحد * الله الصمد * لم ~~يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوا أحد ~~. # 17 # وفطن المسلمون لأمر خصومهم وعرفوا غاية سعيهم. ورأوهم يوما في المسجد يتحدثون بينهم خافضين ~~أصواتهم قد لصق بعضهم ببعض، فأمر بهم محمد فأخرجوا من المسجد إخراجا عنيفا. ولم يثنهم ذلك عن ~~كيدهم وسعيهم في الوقيعة بين المسلمين. مر أحدهم «شاس بن قيس» على نفر من الأوس والخزرج في مجلس ~~جمعهم؛ فغاظه صلاح ذات بينهم وقال في نفسه: قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد؛ وما لنا معهم إذا ~~اجتمع ملؤهم بها من قرار. وأمر فتى شابا من اليهود كان معهم أن ينتهر فرصة يذكر فيها يوم بعاث ~~وما كان من انتصار الأوس فيه على الخزرج. وتكلم الغلام، فذكر القوم ذلك اليوم وتنازعوا وتفاخروا ~~واختصوا، وقال بعضهم لبعض: إن شئتم عدنا إلى مثلها. وبلغ محمدا الأمر، فخرج إليهم فيمن معه من ~~أصحابه، فذكرهم بما ألف الإسلام بين قلوبهم وجعلهم إخوانا متحابين. وما زال بهم حتى بكى القوم ~~وعانق بعضهم بعضا واستغفروا الله جميعا. # بلغ الجدال بين محمد واليهود مبلغا من الشدة يشهد به ما نزل من القرآن فيه. فقد نزل صدر سورة ~~البقرة إلى الآية الحادية والثمانين منها، ونزل قسم عظيم من سورة النساء، وكله يذكر هؤلاء ~~الكتابيين وإنكارهم ما في كتابهم ويلعنهم لكفرهم وإنكارهم أشد اللعنة: # ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل وآتينا ~~عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما ~~جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم ~~وفريقا تقتلون * وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله ~~بكفرهم فقليلا ما يؤمنون * ولما جاءهم كتاب من ~~عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين ~~كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على ~~الكافرين ~~. # 18 # وبلغ الجدال بين اليهود والمسلمين حدا كان يصل أحيانا - مع ما كان بينهم من عهد - إلى ~~الاعتداء بالأيدي. وحسبك - لتقدر هذا - أن تعلم أن أبا بكر، على ما كان عليه من دماثة الخلق وطول ~~الأناة ms230 ولين الطبع، تحدث إلى يهودي يدعى فنحاص، يدعوه إلى الإسلام؛ فرد فنحاص بقوله: «والله يا ~~أبا بكر ما بنا إلى الله من فقر وإنه إلينا لفقير، وما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا. وإنا عنه ~~أغنياء وما هو عنا بغني. ولو كان غنيا عنا ما استقرضنا أموالنا كما يزعم صاحبكم، ينهاكم عن ~~الربا ويعطيناه، ولو كان عنا غنيا ما أعطانا.» وفنحاص يشير هنا إلى قوله: # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا ~~كثيرة ~~. # 19 # لكن أبا بكر لم يطق على هذا الجواب صبرا، فغضب وضرب وجه فنحاص ضربا شديدا، وقال: والذي ~~نفسي بيده لولا العهد الذي بيننا وبينكم لضربت رأسك يا عدو الله! وشكا فنحاص أمره إلى النبي، ~~وأنكر ما قاله لأبي بكر في الله؛ فنزل قوله تعالى: # لقد سمع الله ~~قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا ~~وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق ~~. # 20 # لم يكتف اليهود بالوقيعة بين المهاجرين والأنصار وبين الأوس والخزرج من هؤلاء، ولم يكفهم فتنة ~~المسلمين عن دينهم ومحاولة ردهم إلى الشك دون محاولة تهويدهم، بل زادوا على ذلك أن حاولوا فتنة ~~محمد نفسه؛ ذلك أن أحبارهم وأشرافهم وسادتهم ذهبوا إليه وقالوا: «إنك قد عرفت أمرنا ومنزلتنا، ~~وإنا إن اتبعناك اتبعك اليهود ولم يخالفونا، وإن بيننا وبين بعض قومنا خصومة، فنحتكم إليك فتقضي ~~لنا فنتبعك ونؤمن بك.» فنزل فيهم قوله تعالى: # وأن احكم بينهم بما ~~أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما ~~أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ~~ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون * ~~أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم ~~يوقنون ~~. # 21 # ضاق اليهود ذرعا بمحمد ، ففكروا في أن يمكروا به، وأن يقنعوه بالجلاء عن المدينة كما أجلاه ~~أذى قريش إياه وأصحابه عن مكة؛ فذكروا له أن من سبقه من الرسل ذهبوا جميعا إلى بيت المقدس وكان ~~به مقامهم، وأنه إن يكن رسولا حقا ms231 فجدير به أن يصنع صنيعهم، وأن يعتبر المدينة وسطا في هجرته ~~بين مكة ومدينة المسجد الأقصى. لكن محمدا لم يحتج إلى طويل تفكير فيما عرضوا عليه ليعلم أنهم ~~يمكرون به. وأوحى إليه الله يومئذ، على رأس سبعة عشر شهرا من مقامه بالمدينة، أن يجعل قبلته إلى ~~المسجد الحرام بيت إبراهيم وإسماعيل، فنزلت الآية: # قد نرى تقلب ~~وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر ~~المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره ~~. # 22 # وأنكر اليهود عليه ما فعل، وحاولوا فتنته مرة أخرى بقولهم إنهم يتبعونه إذا هو رجع إلى قبلته؛ ~~فنزل قوله تعالى: # سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن ~~قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من ~~يشاء إلى صراط مستقيم * وكذلك جعلناكم أمة ~~وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ~~وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع ~~الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على ~~الذين هدى الله ~~. # 23 # في هذا الوقت الذي اشتد فيه الجدال بين محمد واليهود، وفد على المدينة وفد من نصارى نجران ~~عدتهم ستون راكبا؛ من بينهم من شرف فيهم ودرس كتبهم وحسن علمه في دينهم، فكانت ملوك الروم من ~~أهل النصرانية قد شرفوه ومولوه وأخدموا وبنوا له الكنائس وبسطوا عليه الكرامات. ولعل هذا ~~الوفد إنما جاء إلى مدينة النبي حين علم بما بينه وبين اليهود من خلاف، طمعا في أن يزيد هذا ~~الخلاف شدة حتى يبلغ به العداوة، فيريح النصرانية المتاخمة في الشام وفي اليمن من دسائس اليهود ~~وعدوان العرب. واجتمعت الأديان الثلاثة الكتابية بمجيء هذا الوفد وبجداله النبي وبقيام ملحمة ~~كلامية عنيفة بين اليهودية والمسيحية والإسلام. فأما اليهود فكانوا ينكرون رسالة عيسى ومحمد ~~إنكارا فيه من العنت ما رأيت، ويزعمون أن عزيرا ابن الله، وأما النصارى فكانوا يقولون بالتثليث ~~وألوهية عيسى. وأما محمد فكان يدعو إلى توحيد الله، وإلى الوحدة الروحية تنتظم العالم من أزله إلى ~~أبده. كان اليهود والنصارى يسألونه عمن ms232 يؤمن بهم من الرسل فيقول: # آمنا ~~بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ~~ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ~~ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ~~. # 24 # وكان ينكر عليهم أشد الإنكار كل ما يلقى أية شبهة على وحدة الله، ويذكر لهم أنهم حرفوا ~~الكلم مما في كتبهم عن مواضعه، وأنهم يذهبون إلى غير ما ذهب إليه النبيون والرسل الذين يقرون ~~لهم بالنبوة، وأن ما جاء به عيسى وموسى ومن سبقهم لا يختلف في شيء عما جاء هو به؛ لأن ما جاءوا به ~~إنما هو الحقيقة الأزلية الخالدة التي تتكشف في جلال وضوحها وعظمة بساطتها لكل من نزه نفسه عن ~~الخضوع لغير الله في عظمة وحدته، ونظر في الكون على أنه وحدة متصلة نظرة سامية فوق أهواء الساعة ~~ومطامع العاجلة وشهوات المادة، مجردة من الخضوع الأعمى لأوهام العامة ولما وجد عليه آباءه ~~وأجداده. # أي مؤتمر أعظم من هذا المؤتمر الذي شهدت يثرب، تلتقي فيه الأديان الثلاثة التي تتجاذب حتى ~~اليوم مصاير العالم، وتلتقي فيه لأسمى فكرة وأجل غاية؟! لم يكن مؤتمرا اقتصاديا، ولا كان مرماه ~~أي غرض من هذه الأغراض المادية التي ينطح عالمنا اليوم عبثا صخرتها؛ إنما كان مرماه غاية روحية ~~تقف من ورائها في أمر النصرانية واليهودية مطامع السياسة ومآرب أرباب المال وذوي الملك والسلطان، ~~ويقف فيه محمد لغاية روحية إنسانية بحتة يملي عليه الله في سبيلها الصيغة التي يلقي بها إلى ~~اليهود والنصارى وإلى الناس كافة، يقول لهم فيها: # قل يا أهل الكتاب ~~تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا ~~نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن ~~تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ~~. # 25 # ماذا يستطيع اليهود أو النصارى أو يستطيع غيرهم أن يقولوا في هذه الدعوة: ألا يعبدوا إلا الله ~~ولا يشركوا به شيئا، ولا يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله؟! فأما الروح المخلصة الصادقة، ~~فأما النفس الإنسانية ms233 التي كرمت بالعقل والعاطفة فلا تستطيع إلا أن تؤمن بهذا دون غيرها. لكن في ~~الحياة الإنسانية إلى الجانب النفساني جانبها المادي. فيها هذا الضعف الذي يجعلنا نقبل لغيرنا ~~علينا سلطانا بثمن يشتري به أنفسنا وأرواحنا وقلوبنا. فيها هذا الغرور القتال للكرامة وللعاطفة ~~ولنور النفس العاقلة. هذا الجانب المادي المصور في المال وفي الجاه وفي كاذب الألقاب والرتب، هو ~~الذي جعل أبا حارثة أكثر نصارى نجران علما ومعرفة يدلي إلى رفيق له باقتناعه بما يقول محمد، ~~فلما سأله رفيقه: فما يمنعك منه وأنت تعلم هذا؟ كان جوابه: يمنعني ما صنع بنا هؤلاء القوم؛ شرفونا ~~ومولونا وأكرمونا وقد أبوا إلا خلافه، فلو فعلت نزعوا منا كل ما ترى. # دعا محمد اليهود والنصارى إلى هذه الدعوة أو يلاعن النصارى؛ فأما اليهود فكان بينه وبينهم عهد ~~الموادعة. إذ ذاك تشاور النصارى ثم أعلنوا إليه أنهم رأوا ألا يلاعنوه وأن يتركوه على دينه ~~ويرجعوا على دينهم. ولكنهم رأوا حرص محمد على العدل حرصا احتذى أصحابه فيه مثاله، فطلبوا إليه أن ~~يبعث معهم رجلا يحكم بينهم في أشياء اختلفوا عليها من أقوالهم. وبعث محمد معهم أبا عبيدة بن ~~الجراح ليقضي بينهم فيما اختلفوا فيه. # وجعل محمد يمكن للحضارة التي وضع حجر الأساس فيها بتعاليمه ومثله؛ وجعل يفكر هو وأصحابه من ~~المهاجرين فيما لم يفتهم التفكير لحظة فيه منذ هجرتهم من مكة: فيما يجب أن يكون موقفهم من قريش ~~وأمرهم معهم. ولقد كان يدفعهم إلى هذا التفكير دوافع عدة؛ ففي مكة كانت الكعبة بيت إبراهيم ومكان ~~حجهم وحج العرب جميعا. أفتراهم ينقطعون عن هذا الواجب المقدس الذي كانوا يقومون به إلى يوم ~~أخرجوا من مكة؟! وفيها ما يزال لهم أهل تهوي إليهم نفوسهم وتشفق من بقائهم على الشرك أفئدتهم ~~وقلوبهم. وفيها بقيت أموالهم ومتاعهم وتجارتهم مما منعتهم قريش منه حين هجرتهم. ثم إنهم إذ حضروا ~~المدينة كانت موبوءة بالحمى فأصابهم منها عنت شديد، وبلغت منهم حتى جهدوا مرضا وكانوا يصلون ~~قعودا؛ فزاد ذلك في تحنانهم إلى مكة. ms234 وهم قد أخرجوا من مكة، كارهين فكأنهم خرجوا مغلوبين على ~~أمرهم. وليس في طبع هؤلاء القرشيين أن يصبروا على الضيم أو أن يذعنوا للغلب دون تفكير في الثأر ~~لأنفسهم منه. # وإلى جانب هذه الدوافع جميعا كان يحركهم الدافع الطبيعي دافع الحنين إلى الوطن، إلى هذا ~~المكان الذي منه نبتنا وفيه نشأنا ولأرضه وسهله وجبله ومائه كان أول حديثنا وأول صداقتنا وأول ~~ودنا. هذه البقعة من الأرض نمتنا صغارا فإليها مثوانا كبارا، بها تتعلق قلوبنا وعواطفنا، ~~وعنها نذود بقوتنا وبمالنا، ونضحي بمجهودنا وبحياتنا، وفيها نود أن ندفن بعد موتنا لنعود إلى ~~ترابها الذي خرجنا منه. هذا الدافع الطبيعي أذكي في أنفس المهاجرين سائر الدوافع، وجعلهم لا ~~ينفكون يفكرون في قريش وفيما يجب أن يكون موقفهم منها. لن يكون هذا الموقف موقف استسلام أو ~~استخذاء وقد صبروا فيها على الأذى ثلاثة عشر عاما سويا. والدين الذي احتملوا فيه هذا الأذى ~~والذي هاجروا في سبيله لا يقر الضعف ولا اليأس ولا الاستكانة. وإذا كان يمقت الاعتداء وينكره، ~~ويقرر الإخاء ويدعو إليه، فإنه يفرض الدفاع عن النفس وعن الكرامة وعن حرية العقيدة وعن الوطن. ~~ولهذا الدفاع أتم محمد مع أهل يثرب بيعة العقبة الكبرى. فكيف يؤدي المهاجرون هذا الفرض عليهم لله ~~ولبيته الحرام ولوطنهم مكة المحبب إلى قلوبهم؟ هذا ما ستتجه إليه سياسة محمد والمسلمين معه، حتى ~~يتم له فتح مكة، وحتى يعلو دين الله وتعلو كلمة الحق فيها. # الفصل الثاني عشر # | السرايا1 والمناوشات الأولى # (تفكير محمد في أمر قريش - إيفاد السرايا لتخويف قوافلهم - غزوة عبد الله بن جحش في الشهر الحرام - ~~الإسلام والقتال) ~~*** # استقر للمسلمين المقام بالمدينة بعد أشهر من الهجرة، فبدأ تحنان المهاجرين إلى مكة يزداد، ~~وبدءوا يفكرون فيمن تركوا وما تركوا بها، وما أنزلت قريش بهم من الأذى ، فماذا عساهم يصنعون؟ تذهب ~~الكثرة من المؤرخين إلى أنهم فكروا وفكر محمد على رأسهم في الانتقام من قريش لأنفسهم، وفي ~~مبادأتهم بالعداوة والحرب، بل إن بعضهم ليذهب إلى أنهم فكروا في هذه الحرب ms235 منذ مقدمهم إلى ~~المدينة، وإنما منعهم من إشعال نارها أنهم كانوا في شغل بإعداد مساكنهم وتنظيم وسائل معاشهم، ~~ويستدل هذا البعض بأن محمدا إنما عقد بيعة العقبة الكبرى لحرب الأحمر والأسود من الناس، وطبيعي ~~أن تكون قريش أول من يتجه إليها نظره ونظر أصحابه، مما فطنت له قريش بكرة العقبة، فخرجت في ~~فزع تسأل الأوس والخزرج عنه. # ويؤيد هذا البعض قوله بما وقع بعد ثمانية أشهر من مقام الرسول والمهاجرين بالمدينة؛ إذ بعث ~~محمد عمه حمزة بن عبد المطلب في ثلاثين راكبا من المهاجرين دون الأنصار إلى شاطئ البحر من ناحية ~~العيص حيث لقي أبا جهل بن هشام في ثلاثمائة راكب من أهل مكة؛ وبأن حمزة كان على أهبة مقاتلة ~~قريش إلا أن حجز بينهم مجدي بن عمرو الجهني، وكان موادعا الفريقين جميعا، فانصرف بعض القوم عن ~~بعض دون قتال؛ وإذ بعث محمد عبيدة بن الحارث في ستين راكبا من المهاجرين دون الأنصار، فساروا إلى ~~ماء بالحجاز بوادي رابغ، فلقيهم به جمع من قريش يزيد على مائتين على رأسهم أبو سفيان، فانسحبوا من ~~غير قتال، إلا ما روي من أن سعد بن أبي وقاص رمى يومئذ بسهم «فكان أول سهم رمي به في الإسلام»؛ ~~وإذ بعث سعد بن أبي وقاص في ثمانية من المهاجرين على رواية، وفي عشرين منهم على رواية أخرى؛ ~~فخرجوا إلى أرض الحجاز ثم عادوا بعد أن لم يصيبوا ما أرسلوا فيه. # ويزيد هذا البعض دليله تأييدا بأن النبي خرج بنفسه على رأس اثني عشر شهرا من مقدمه إلى ~~المدينة، واستعمل عليها سعد بن عبادة، وسار إلى الأبواء حتى بلغ ودان يريد قريشا وبني ضمرة؛ ~~فلم يلق قريشا وحالفته بنو ضمرة، وأنه بعد شهر من ذلك خرج على رأس مائتين من المهاجرين والأنصار ~~إلى بواط يريد قافلة يقودها أمية بن خلف عدتها ألفان وخمسمائة بعير يحميها مائة محارب فلم يدركها، ~~أن اتخذت طريقا غير طريق القوافل المعبد. وأنه بعد شهرين أو ثلاثة من عودته من بواط من ms236 ناحية ~~رضوى استعمل على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد، وخرج في أكثر من مائتين من المسلمين حتى نزل ~~العشيرة من بطن ينبع فأقام بها جمادى الأولى وليالي من جمادى الآخرة من السنة الثانية للهجرة ~~(أكتوبر سنة 623م) ينتظر مرور قافلة من قريش على رأسها أبو سفيان ففاتته. وكسب من رحلته هذه أن ~~وادع بني مدلج وحلفاءهم من بني ضمرة، وأنه ما كاد يرجع إلى المدينة ليقيم بها عشر ليال حتى أغار ~~كرز بن جابر الفهري، من المتصلين بمكة وبقريش، على إبل المدينة وأغنامها، فخرج النبي في طلبه، ~~واستعمل على المدينة زيد بن حارثة، وتابع مسيره حتى بلغ واديا يقال له سفوان من ناحية بدر، ~~وفاته كرز فلم يدركه. وهذه هي التي يطلق عليها كتاب السيرة اسم غزة بدر الأولى. # أفلا يقوم هذا كله دليلا على أن المهاجرين فكروا وفكر محمد على رأسهم في الانتقام من قريش ~~لأنفسهم وفي مبادأتهم بالعداوة والحرب؟ وهو على أقل تقدير - في رأي هؤلاء المؤرخين - يشهد بأنهم ~~قصدوا من إرسال سراياهم وغزواتهم المبدئية هذه إلى غايتين؛ الأولى: الوقوع على قوافل قريش في ~~ذهابها إلى الشام أو عودتها منها حين رحلة الصيف، واحتمال ما يمكن احتماله من الأموال التي تذهب ~~هذه القوافل وتعود بالتجارة فيها. والثانية: أخذ الطرق على قوافل قريش في رحلتها إلى الشام بعقد ~~الموادعات والأحلاف مع القبائل المتصلة ما بين المدينة وشاطئ البحر الأحمر، بما يسهل على ~~المهاجرين مهاجمة هذه القوافل دون أن تلقى في جوار هاته القبائل وما يحميها من محمد وأصحابه، ~~حماية تمنع أخذ المسلمين رجالها ومالها أخذ عزيز مقتدر. وهذه السرايا التي عقد النبي - عليه ~~السلام - ألويتها لحمزة ولعبيدة بن الحارث ولسعد بن أبي وقاص، وهذه المحالفات التي عقدها بنو ضمرة ~~وبنو مدلج وغيرهم، تؤيد الغاية الثانية وتشهد بأن أخذ طريق الشام على أهل مكة كان بعض ما قصد إليه ~~المسلمون. # أما أنهم بهذه السرايا، التي بدأت بعد ستة أشهر من مقامهم بالمدينة والتي اشترك فيها ~~المهاجرون وحدهم، كانوا يقصدون ms237 حرب قريش وغزو قوافلها، فذلك ما يقف الإنسان منه موقف التردد ~~والتفكير. فلم تكن سرية حمزة لتزيد على ثلاثين رجلا من المهاجرين، ولم تزد سرية عبيدة على ستين، ~~وكانت سرية سعد لا تتجاوز ثمانية نفر على قول، وعشرين على قول آخر. وكان الموكلون بحماية قوافل ~~قريش عادة أضعاف هذه الأعداد، وقد زادتهم قريش عددا وعدة منذ أقام محمد بالمدينة وبدأ يحالف ~~القبائل التي بها والقريبة منها. ومهما يكن من بأس حمزة وعبيدة وسعد ممن كانوا يرأسون سرايا ~~المهاجرين، فإن عدة من معهم لم تكن لتشجعهم على الحرب، مما جعلهم يكتفون يكتفون منها جميعا ~~بتهديد قريش دون قتالها إلا ما قيل عن السهم الذي رمى به سعد. # ثم إن قوافل قريش كان يحميها من أهل مكة من تصلهم بالكثيرين من المهاجرين أواصر القربى وصلات ~~الدم؛ فلم يكن من اليسير عليهم أن يقتل بعضهم بعضا وأن يتعرض هؤلاء وأولئك لطلب الثأر، وأن ~~يعرضوا مكة والمدينة جميعا لحرب أهلية استطاع المسلمون والوثنيون اتقاءها بمكة ثلاث عشرة سنة ~~متتابعة من يوم بعث محمد إلى يوم هجرته. والمسلمون كانوا يعلمون أن بيعة العقبة كانت بيعة ~~دفاعية تعهد فيها الأوس والخزرج بحماية محمد، ولم يعاهدوه ولا عاهدوا أحدا ممن معه على العدوان. ~~فليس من اليسير مع هذا كله التسليم مع المؤرخين، الذين لم يبدءوا بكتابة تاريخ النبي إلا بعد ~~قرابة قرنين من وفاته، بأن هذه السرايا والرحلات الأولى كان يقصد بها القتال بالفعل. فلا بد لها ~~إذن من تأويل أقرب إلى العقل وأكثر اتفاقا مع سياسة المسلمين في هذه الفترة الأولى من مقامهم ~~بالمدينة، وأدق تمشيا مع سياسة الرسول التي كانت قائمة يومئذ على قواعد التفاهم والاتفاق مع ~~مختلف القبائل، لكفالة حرية الدعوة الدينية من ناحية، وكفالة حسن المعاملة والجوار من ناحية ~~أخرى. # والراجح عندي أن هذه السرايا الأولى إنما قصد بها إلى إفهام قريش أن مصلحتهم تقتضيهم التفاهم ~~مع المسلمين من أهلهم الذين اضطروا إلى الجلاء عن مكة بسبب ما عانوا من الاضطهاد تفاهما يقي ms238 ~~الطرفين شرور العداوة والبغضاء ويكفل للمسلمين حرية الدعوة إلى الدين، ولأهل مكة سلامة تجارتهم في ~~طريقها إلى الشام. وقد كانت هذه التجارة التي تبعث بها مكة والطائف جميعا، والتي كانت تجيء إلى ~~مكة من بلاد الجنوب، تجارة واسعة النطاق، حتى لقد كانت بعض القوافل تسير في ألفي بعير، حمولتها ~~تزيد على خمسين ألف دينار. كانت صادرات مكة السنوية، على ما قدرها المستشرق «سبرنجر» توازي ~~مائتين وخمسين ألفا من الدنانير؛ أي نحو مائة وستين ألف جنيه ذهبا. # فإذا أيقنت قريش تعرض هذه التجارة للخطر آتيا من أبنائها من الذين هاجروا إلى المدينة ~~دعاها ذلك إلى التفكير في التفاهم معهم تفاهما طمع المسلمون في أن يكفل لهم ما كانوا يطمحون إليه ~~من حرية الدعوة إلى دينهم، ومن حرية الدخول إلى مكة والطواف ببيتها العتيق. ولم يكن مثل هذا ~~التفاهم ممكنا ما لم تقدر قريش قوة المهاجرين من أبنائها على الإيقاع بها وإيصاد طريق التجارة ~~في وجهها. وهذا هو ما يفسر عندي رجوع حمزة ومن معه من المهاجرين الذين لقوا أبا جهل بن هشام عند ~~ساحل الجزيرة لأول ما حجز مجدي بن عمرو الجهني بينهما، كما يفسر كثرة اتجاه المسلمين بسراياهم ~~إلى طريق تجارة مكة في عدد لا يسهل معه تصورهم مقدمين على الحرب، وهذا كذلك هو الذي يفسر حرص ~~النبي، بعد ما بدا من صلف قريش وعدم اعتدادها بقوة المهاجرين، على موادعة القبائل المقيمة على ~~طريق هذه التجارة، والتحالف معها تحالفا نمى خبره إلى قريش لعلها ترعوي وتعود إلى التفكير في ~~التفاهم والاتفاق. # يدعم هذا الرأي بأقوى سند أن النبي - عليه السلام - لما خرج إلى بواط وإلى العشيرة كان من ~~بين الذين صحبوه عدد غير قليل من الأنصار أهل المدينة. والأنصار إنما بايعوه ليدفعوا عنه لا ~~ليهاجموا معه. وسنرى ذلك صريحا حين غزوة بدر الكبرى؛ إذ يتردد محمد دون القتال حتى يوافق أهل ~~المدينة عليه. وإذا كان الأنصار لا يرون مخالفة لبيعتهم في أن يعاهد محمد غيرهم من الناس، فليس ~~معنى هذا ms239 أن يخرجوا معه لحرب أهل مكة وليس بين الفريقين من أسباب الحرب ما تجيزه أخلاق العرب، أو ~~يجيزه نظام صلاتهم بعضهم ببعض. ومهما يكن في هذه الموادعات التي يعقدها محمد من تقوية المدينة ~~ومن توهين ما تطمع تجارة قريش فيه من أسباب الحماية؛ فشتان ما بين ذلك وبين إعلان الحرب أو السعي ~~إليها. فالقول إذن بأن حمزة أو عبيدة بن الحارث أو سعد بن أبي وقاص إنما خرجوا لحرب قريش، وتسمية ~~سرياتهم غزوات مرجوح عندنا فلا نكاد نسيغه. والقول كذلك بأن محمدا إنما خرج إلى الأبواء وبواط ~~والعشيرة غازيا، فيه تجوز كبير وترد عليه الاعتراضات التي قدمنا. ولا يفسر أخذ مؤرخي محمد به ~~إلا أنهم لم يترجموا لمحمد إلا في أواخر القرن الثاني للهجرة، وأنهم كانوا متأثرين بالمغازي التي ~~حدثت بعد ذلك منذ بدر الكبرى، فاعتبروا ما سبقها من مناوشات يقصد بها إلى غير الحرب مغازي تضاف ~~إلى حروب المسلمين أيام النبي. # والظاهر أن كثيرين من المستشرقين قد فطنوا لهذا الاعتراض وإن لم يشيروا في كتبهم إليه. وإنما ~~يدعونا إلى الظن بفطنتهم له أنهم - مع مجاراتهم مؤرخي المسلمين في قصد المهاجرين ومحمد على رأسهم ~~إلى حرب أهل مكة منذ الساعة الأولى من مقامهم بالمدينة - قد أشاروا إلى أن هذه السرايا الأولى ~~إنما كان يقصد بها إلى نهب تجارة القوافل، فإن النهب كان بعض طباع أهل البادية، وإن أهل المدينة ~~إنما أغرتهم الغنيمة والسلب باتباع محمد على خلاف عهدهم في العقبة، وهذا كلام مردود؛ لأن أهل ~~المدينة كأهل مكة لم يكونوا أهل بادية يعيشون على السلب والنهب، وأنهم فوق ذلك كان في طبعهم ما في ~~طبع من يعيشون على الزراعة من حب الاستقرار مما يجعلهم لا يتحركون إلى قتال إلا لدافع قوي. أما ~~المهاجرون فكان من حقهم أن يستخلصوا من أيدي قريش ما أخذت من أموالهم، لكنهم لم يستعجلوا ذلك قبل ~~بدر، فلم يكن هو الدافع لإرسال السرايا والغزوات الأولى. # ثم إن القتال لم يشرع في الإسلام ولم يقم به محمد ms240 وأصحابه لهذه الغاية البدوية التي يتوهم ~~المستشرقون، وإنما شرع وقام به محمد وأصحابه حتى لا يفتنهم عن دينهم أحد، وحتى يكون لهم من حرية ~~الدعوة ما يشاءون. وسنرى من بعد تفصيل هذا والدليل عليه. وعندئذ يزداد أمامنا وضوحا أن محمدا ~~إنما كان يرمي من المعاهدات التي عقد إلى تعزيز المدينة، حتى لا يتطرق إلى قريش فيها مطمع، فلا ~~يحاولوا إعنات المسلمين فيها كما حاولوا من قبل إعادتهم من بلاد الحبشة؛ وأنه كان لا يأبى في ~~الوقت نفسه أن يعاهد قريشا على أن تترك حرية الدعوة لدين الله طليقة، حتى لا تكون فتنة ويكون ~~الدين لله. # ولعل محمدا رمى من وراء هذه السرايا والرحلات المسلحة إلى غرض آخر. لعله رمى إلى إرهاب ~~اليهود المقيمين في المدينة وعلى مقربة منها. فقد رأيت أن هؤلاء اليهود بعد أن طمعوا أول وصول ~~محمد إلى المدينة في ضمه إليهم، وبعد أن وادعوه وعاهدوه على حرية الدعوة للدين، وعلى إقامة شعائره ~~وفرائضه، لم يلبثوا - حين رأوا أمر محمد يستقر ولواء الإسلام يسمو ويرتفع - أن بدءوا يقلبون للنبي ~~ظهر المجن ويعملون للوقيعة به. ولئن قعدوا عن مصارحته بالعداوة خشية أن تتعرض مصالحهم ~~التجارية للارتباك إذا نشبت بين أهل المدينة حرب أهلية، أو محافظة على عهد موادعتهم، لقد لجئوا ~~إلى كل وسيلة للدس بين المسلمين، ولإثارة البغضاء بين المهاجرين والأنصار، ولإيقاظ الأحقاد ~~الماضية بين الأوس والخزرج بذكر يوم بعاث ورواية ما قيل من الشعر فيه. # وقد فطن المسلمون لدسهم ولمبالغتهم فيه، وبلغوا من ذلك أن حشروهم في زمرة المنافقين، بل ~~اعتبروهم شرا منهم، فأخرجوهم من المسجد إخراجا عنيفا، وأبوا عليهم أن يجلسوا إليهم أو أن ~~يتحدثوا معهم؛ وانتهى النبي - عليه السلام - إلى الإعراض عنهم بعد إذ حاول إقناعهم بالحجة ~~والدليل، وطبيعي لو ترك حبل يهود المدينة هؤلاء على غاربهم، أن يستفحل أمرهم ويثيروا الفتنة التي ~~يسعون لإثارتها. وليس يكفي في عرف الدقة السياسية التحذير منهم والتنبيه إلى كيدهم، بل لا بد من ~~إشعارهم أن للمسلمين من القوة ما ms241 يمكنهم من إخماد أية فتنة تقوم، ومن القضاء على أسبابها واجتثاث ~~أصولها. وخير وسيلة لهذا الإشعار إرسال السرايا والقيام بالمناوشات الحربية في مختلف الأنحاء على ~~ألا تتعرض قوات المسلمين لهزيمة تطمع اليهود كما تطمع قريشا فيهم. وهذه المداورة هي ما وقع؛ ووقع ~~من رجال كحمزة سريعين إلى الغضب لا تكفي لصدهم عن القتال واسطة موادع يدعو إلى السلم ما لم تكن ~~المناوشة الحربية ثم الإمساك عن القتال في عزة وكرامة، سياسة مرسومة، وخطة مبيتة يقصد بها إلى ~~درك غايات معينة، هي ما ذكرنا من تخويف اليهود من ناحية، والسعي من ناحية أخرى للاتفاق مع قريش ~~على ترك الدعوة للدين وإقامة شعائره حرة مطلقة من غير حاجة إلى حرب أو قتال. # وليس معنى هذا أن الإسلام كان يومئذ ينكر القتال دفاعا عن النفس ودفاعا عن العقيدة، دفعا ~~لمن يريد فتنة صاحبها عنها. كلا! بل إن الإسلام ليفرض هذا الدفاع. وإنما معناه أن الإسلام كان ~~يومئذ - كما هو اليوم وكما كان دائما - ينكر حرب الاعتداء: # ولا تعتدوا ~~إن الله لا يحب المعتدين ~~. # 2 # وإذا كان لدى المهاجرين يومئذ ما يبيح لهم اقتضاء ما حجزت قريش من أموالهم عند هجرتهم ~~فإن دفع فتنة المؤمنين عن دينهم كان أكبر عند الله ورسوله، وكان الغاية الأولى التي شرع من أجلها ~~القتال. # والحجة على ذلك ما نزل من الآيات في سرية عبد الله بن جحش الأسدي؛ فقد بعثه رسول الله في رجب ~~من تلك السنة الثانية للهجرة ومعه جماعة من المهاجرين، ودفع إليه كتابا، وأمره ألا ينظر فيه إلا ~~بعد يومين من مسيره، فيمضي لما أمره ولا يستكره من أصحابه أحدا. وفتح عبد الله الكتاب بعد يومين، ~~فإذا فيه: «إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة (بين مكة والطائف) فترصد بها قريشا ~~وتعلم لنا من أخبارهم.» وعلم أصحابه بالأمر وبأنه لا يستكره أحدا منهم، فمضوا معه جميعا خلا ~~سعد بن أبي وقاص الزهري وعتبة بن غزوان اللذين ذهبا يطلبان بعيرا لهما ضل فأسرتهما قريش. ms242 وسار ~~عبد الله ومن معه حتى نزلوا نخلة. هناك مرت بهم عير لقريش تحمل تجارة عليها عمرو بن الحضرمي؛ وكان ~~يومئذ آخر شهر رجب. وذكر عبد الله بن جحش ومن معه من المهاجرين ما صنعت قريش بهم وما حجزت من ~~أموالهم، وتشاوروا وقال بعضهم لبعض: «والله لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلن الحرم ~~فليمتنعن منكم به. ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام.» وترددوا وهابوا الإقدام، ثم ~~شجعوا أنفسهم وأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم وأخذ ما معهم. ورمى أحدهم عمرو بن الحضرمي بسهم ~~فقتله وأسر المسلمون رجلين من قريش. # وأقبل عبد الله بن جحش بالعير والأسيرين حتى قدموا المدينة على الرسول وحجز القوم لمحمد من ~~مغنمهم الخمس. فلما رآهم قال لهم: ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام؛ ووقف العير والأسيرين، وأبى ~~أن يأخذ من ذلك شيئا. وأسقط في يد عبد الله بن جحش وأصحابه، وعنفهم إخوانهم من المسلمين بما ~~صنعوا. وانتهزت قريش الفرصة فأثارت ثائرة الدعاية ونادت في كل مكان: إن محمدا وأصحابه استحلوا ~~الشهر الحرام، وسفكوا فيه الدم، وأخذوا فيه الأموال، وأسروا الرجال. وأجاب المسلمون الذين كانوا ~~بمكة أن إخوانهم في الدين من المهاجرين إلى المدينة إنما أصابوا في شعبان. ودخلت يهود تريد إشعال ~~نار الفتنة، إذ ذاك نزل قوله تعالى: # يسألونك عن الشهر الحرام ~~قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به ~~والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة ~~أكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن ~~دينكم إن استطاعوا ~~. # 3 # وسري عن المسلمين بنزول القرآن بهذا الأمر، وقبض النبي العير والأسيرين فافتدتهما منه ~~قريش؛ فقال: لا نفديكموهما # 4 # حتى يقدم صاحبانا - يعني سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان - فإنا نخشاكم عليهما، فإن ~~تقتلوهما نقتل صاحبيكم. وقدم سعد وعتبة وأفداهما النبي من الأسيرين. فأما أحدهما الحكم بن ~~كيسان فأسلم وأقام بالمدينة. وأما الآخر فرجع إلى مكة وظل بها حتى مات على دينه ودين ~~آبائه. # جدير بنا أن نقف عند ms243 سرية عبد الله بن جحش هذه والآية الكريمة التي نزلت فيها؛ فهي في رأينا ~~مفترق طرق في سياسة الإسلام. هي حادث جديد في نوعه يدل على روح قوي في سموه، إنساني في ~~قوته، ينتظم نواحي الحياة المادية والمعنوية والروحية كأشد ما يكون النظام قوة ورفعة وتوجها ~~إلى الكمال. فالقرآن يجيب المشركين عن سؤالهم عن القتال في الشهر الحرام أهو من الكبائر، ويقرهم ~~على أنه كذلك أمر كبير. لكن هناك ما هو أكبر من هذا الأمر. فالصد عن سبيل الله والكفر به أكبر من ~~القتال في الشهر الحرام، والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر من القتال في الشهر الحرام والقتل ~~فيه. وفتنة الرجل عن دينه بالوعد والوعيد والإغراء والتعذيب أكبر من القتل في الشهر الحرام وفي ~~غير الشهر الحرام. وقريش والمشركون الذين ينعون على المسلمين ما قتلوا في الشهر الحرام لن يزالوا ~~يقاتلون المسلمين حتى يردوهم عن دينهم إن استطاعوا. فإذا كانت قريش وكان المشركون يرتكبون هذه ~~الكبائر جميعا، فيصدون عن سبيل الله ويكفرون به ويخرجون أهل المسجد الحرام منه ويفتنونهم عن ~~دينهم، فلا جناح على من تقع عليه أوزارهم وكبائرهم هذه إن هو قاتلهم في الشهر الحرام، وإنما ~~الكبيرة أن يقاتل في الشهر الحرام من لا يجترح من هذه الأوزار وزرا. # الفتنة أكبر من القتل. وحق - بل واجب - على من يرى غيره يحاول فتنته عن دينه أو يصد عن سبيل ~~الله أن يقاتل في سبيل الله حتى لا يفتن وحتى ينصر دين الله. هنا يرفع المستشرقون والمبشرون ~~عقائرهم صائحين: أرأيتم! هذا محمد يدعو دينه إلى الحرب وإلى الجهاد في سبيل الله؛ أي إكراه الناس ~~بالسيف على الدخول في الإسلام. أليس هذا هو التعصب بعينه؟! وهذا في حين تنكر المسيحية القتال ~~وتمقت الحرب وتدعو إلى السلام، وتنادي بالتسامح وتربط بين الناس برابطة الإخاء في الله وفي السيد ~~المسيح. ولست أؤيد لكي أناقش هؤلاء، أن أذكر كلمة الإنجيل: «ما جئت لألقي على الأرض سلاما بل ~~سيفا ... إلخ.» وما تنطوي عليه هذه الكلمة ms244 من المعاني؛ فالمسلمون يقرون دين عيسى كما نزل به ~~القرآن، وإنما أريد بادئ الرأي أن أرد قولهم: إن محمدا دعا دينه إلى القتال لإكراه الناس بالسيف ~~على الدخول في الإسلام. فهذه فرية ينكرها القرآن في قوله تعالى: # لا ~~إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ~~، # 5 # وفي قوله تعالى: # وقاتلوا في سبيل الله الذين ~~يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ~~، # 6 # وفي كثير غير هاتين الآيتين الكريمتين. # والجهاد في سبيل الله معناه الصريح، على نحو ما ورد في الآيات التي ذكرناها والتي نزلت في ~~سرية عبد الله بن جحش، قتال الذين يفتنون المسلم عن دينه ويصدون عن سبيل الله، وهذا هو القتال في ~~سبيل حرية الدعوة إلى الله وإلى دينه. وبعبارة تتمشى مع أسلوب عصرنا الحاضر: الدفاع عن الرأي ~~بالوسائل التي يقاتل بها أصحاب الرأي. فإذا أراد أحد أن يفتن رجلا عن رأيه بالدعاية وبالمنطق دون ~~أن يحمله على ترك هذا الرأي بالقوة وبغير القوة من وسائل الرشوة والتعذيب، لم يكن لأحد أن يدفع ~~هذا الرجل إلا بإدحاض حجته وتفنيد منطقه، لكنه إذا حاول بالقوة المسلحة أن يصد صاحب رأي عن رأيه، ~~وجب دفع القوة المسلحة بالقوة المسلحة متى استطاع الإنسان إليها سبيلا. ذلك بأن كرامة الإنسان ~~تتلخص في كلمة واحدة: عقيدته. فالعقيدة أثمن - عند من يقدر معنى الإنسانية - من المال ومن الجاه ~~ومن السلطان ومن الحياة نفسها؛ من هذه الحياة المادية التي يشترك الإنسان والحيوان فيها، يأكلون ~~ويشربون، وتنمو أجسامهم وتقوى عضلاتهم. والعقيدة هي هذه الصلة المعنوية بين الإنسان والإنسان، ~~والصلة الروحية بين المرء وربه. وهي هذا الخط الذي يمتاز به الإنسان على سائر الحيوان مما في ~~الحياة، والذي يجعله يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ويؤثر البائس والفقير والمسكين على أهله ولو كان به ~~وبهم خصاصة، ويتصل بالكون كله ليعمل دائبا كي يبلغ الكون ما قدر الله له من الكمال. # إذا ملكت هذه العقيدة إنسانا فحاول غيره فتنته عنها ولم يستطع دفاعا عن نفسه، فعل ما ms245 فعل ~~المسلمون قبل هجرتهم إلى المدينة، فاحتمل المساءة والأذى وصبر على الهوان والضيم، ولم يصده جوع ~~ولا حرمان أيا كان نوعه عن التمسك بعقيدته. وهذا الذي فعل المسلمون الأولون هو الذي فعل ~~المسيحيون الأولون. لكن الصابرين لعقيدتهم ليسوا هم سواد الناس ولا جماعتهم، وإنما هم الصفوة ~~والمختارون ومن حباهم الله من قوة الإيمان ما يصغر معه كل أذى وكل ضيم؛ وما يدك الرواسي، وما تقول ~~معه للجبل انتقل من مكانك ينتقل، على حد تعبير الإنجيل. لكنك إذا استطعت أن تدفع الفتنة بسلاح ~~من يحاول الفتنة، وأن تقف في وجه من يصد عن سبيل الله بوسائله، وجب عليك أن تفعل، وإلا كنت ~~مزعزع العقيدة ضعيف الإيمان. وهذا ما فعل محمد وأصحابه بعد أن استقر لهم الأمر بالمدينة، وهذا ما ~~فعل المسيحيون بعد أن استقر لهم السلطان في رومية وفي بزنطية وبعد أن لان قلب بعض عواهل الروم ~~لدين المسيح. # ويقول المبشرون: لكن روح المسيحية تنكر القتال على إطلاقه. ولست أقف لأبحث عن صحة هذا القول. ~~لكن تاريخ المسيحية أمامنا شاهد عدل، وتاريخ الإسلام أمامنا شاهد عدل. فمنذ فجر المسيحية إلى ~~يومنا هذا خضبت أقطار الأرض جميعا بالدماء باسم السيد المسيح؛ خضبها الروم وخضبتها أمم أوروبا ~~كلها. والحروب الصليبية إنما أذكى لهيبها المسيحيون لا المسلمون. ولقد ظلت الجيوش باسم الصليب ~~تنحدر من أوروبا خلال السنين قاصدة أقطار الشرق الإسلامية، تقاتل وتحارب وتريق الدماء، وفي كل ~~مرة كان البابوات خلفاء المسيح يباركون هذه الجيوش الزاحفة للاستيلاء على بيت المقدس وعلى الأماكن ~~المقدسة. أفكان هؤلاء البابوات جميعا هراطقة وكانت مسيحيتهم زائفة؟ أم كانوا أدعياء جهالا لا ~~يعرفون أن المسيحية تنكر القتال على إطلاقه؟ أم يقولون: تلك كانت العصور الوسطى عصور الظلام فلا ~~يحتج على المسيحية بها؟ إن يكن ذلك بعض ما قد يقولون، فإن هذا القرن المتم للعشرين الذي نعيش فيه ~~والذي يسمونه عصر الحضارة الإنسانية العليا، قد رأى ما رأت تلك العصور الوسطى المظلمة. فقد وقف ~~اللورد اللنبي ممثل الحلفاء: إنكلترا وفرنسا وإيطاليا ms246 ورومانيا وأمريكا، يقول في بيت المقدس في ~~سنة 1918 حين استيلائه عليه في أخريات الحرب العالمية الأولى: «اليوم انتهت الحروب ~~الصليبية.» # إذا كان من بين المسحيين قديسون أنكروا القتال في مختلف العصور وسموا بذواتهم إلى الذروة من ~~معنى الإخاء الإنساني، بل من معنى الإخاء بين عناصر الكون كله، فمن بين المسلمين كذلك قديسون سمت ~~نفوسهم هذا السمو واتصلوا بكل الوجود اتصال إخاء ومحبة وإشراق ملأ منهم النفوس بوحدة الوجود. لكن ~~هؤلاء القديسين، من النصارى والمسلمين، وإن صوروا المثل الأعلى، لا يمثلون حياة الإنسانية أثناء ~~تطورها الدائم وفي دأب جهادها إلى الكمال، إلى هذا الكمال الذي نحاول تصوره ثم يقعد بنا العقل ~~ويقعد بنا الخيال دون شيء من الدقة في إدراكه، وإن نحن جازفنا بتصويره تمهيدا لما نحاول من جهود ~~في سبيله. وهذه سبع وخمسون وثلاثمائة وألف سنة قد انقضت منذ هجرة النبي العربي من مكة إلى يثرب ~~والناس في مختلف العصور يزدادون في القتال افتنانا وفي صنع آلاته الجهنمية المدمرة دقة ~~وإتقانا. وما تزال كلمات نبذ الحرب وإلغاء التسلح والتحكيم لا تزيد على أنها كلمات تقال في أعقاب ~~كل حرب تنهك الأمم، أو على أنها دعايات تلقى في جو الحياة من أناس لم يستطيعوا حتى اليوم - ممن ~~يدري؟! فلعلهم لا يستطيعون يوما - أن يحققوا منها شيئا، وأن يحلوا السلام الصحيح؛ سلام الإخاء ~~والعدل، محل السلام المسلح نذير الحرب وطليعة ويلاتها. # والإسلام ليس دين وهم وخيال، ولا هو دين يقف عند دعوة الفرد وحده إلى الكمال، إنما الإسلام ~~دين الفطرة التي فطر الناس جميعا عليها أفرادا وجماعات، وهو دين الحق والحرية والنظام. وما ~~دامت الحرب في فطرة الناس، فتهذيب فكرتها في النفوس وحصرها في أدق الحدود الإنسانية هو غاية ما ~~تحتمل فطرة البشر، وما يحقق للإنسانية اتصال تطورها في سبيل الخير والكمال. وخير تهذيب لفكرة ~~الحرب ألا تكون إلا للدفاع عن النفس وعن العقيدة وعن حرية الرأي والدعوة إليه، وأن ترعى فيها ~~الحرمات الإنسانية تمام الرعاية. وهذا ما قرر الإسلام على ms247 ما رأينا وما سنرى من بعد. وهذا ما ~~نزل به القرآن، وضعناه وسنضعه تحت نظر القارئ في الأحوال والمناسبات التي نزل فيها. # الفصل الثالث عشر # | غزوة بدر الكبرى # (خروج أبي سفيان إلى الشام - محاولة المسلمين قطع الطريق عليه - نجاته في الذهاب - انتظارهم إياه ~~في أوبته - علم قريش بتجهيز المسلمين - خروجهم إلى بدر - نجاة أبي سفيان بتجارته - تردد قريش ~~والمسلمين في القتال - زوال التردد - موقف الفريقين في بدر - حماسة المسلمين وانتصارهم) ~~*** # كان سرية عبد الله بن جحش مفترق طرق في سياسة الإسلام، فيها رمى واقد بن عبد الله التميمي ~~عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، فكان أول دم أراق المسلمون. وفيها نزلت الآية التي قدمنا؛ وعلى ~~أثرها شرع قتال الذين يفتنون المسلمين عن دينهم ويصدون عن سبيل الله. وكانت هذه السرية مفترق ~~طرق كذلك في سياسة المسلمين إزاء قريش، أن جعلت الفريقين يتناظران بأسا وقوة. فقد جعل المسلمون ~~يفكرون من بعدها تفكيرا جديا في استخلاص أموالهم من قريش بغزوهم وقتالهم؛ ذلك بأن قريشا حاولت ~~إثارة شبه الجزيرة كلها على محمد وأصحابه أن قتلوا في الشهر الحرام؛ حتى لقد أيقن محمد أن لم يبق ~~في مصانعتهم أو في الاتفاق معهم رجاء. # وقد خرج أبو سفيان في أوائل الخريف من السنة الثانية للهجرة في تجارة كبيرة يقصد الشام، وهي ~~التجارة التي أراد المسلمون اعتراضها حين خرج النبي - عليه الصلاة والسلام - إلى العشيرة. لكنهم ~~إذ بلغوها كانت قافلة أبي سفيان قد مرت بها ليومين من قبل وصولهم إليها؛ إذ ذاك اعتزم المسلمون ~~انتظارها في عودتها. ولما تحين محمد انصرافها من الشام بعث طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد ~~ينتظران خبرها، فسارا حتى نزلا على كشد الجهني بالحوراء وأقاما عنده في خباء حتى مرت العير، ~~فأسرعا إلى محمد ليفضيا إليه بأمرها وما رأيا منها. # على أن محمدا لم ينتظر رسوليه إلى الحوراء وما يأتيان به من خبر العير؛ فقد ترامى إليه أنها ~~عير عظيمة، وأن أهل مكة جميعا اشتركوا فيها، لم يبق أحد منهم من ms248 الرجال والنساء استطاع أن يساهم ~~فيها بحظ إلا فعل، حتى قوم ما فيها بخمسين ألفا من الدنانير. ولقد خشي إن هو انتظرها أن تفوته ~~العير في عودتها إلى مكة كما فاتته في ذهابها إلى الشام. لذلك ندب المسلمين وقال لهم: هذه عير ~~قريش؛ فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها. وخف بعض الناس وثقل بعض. وأراد جماعة لم يسلموا أن ~~ينضموا طمعا في الغنيمة، فأبى محمد عليهم الانضمام أو يؤمنوا بالله ورسوله. # أما أبو سفيان فكان قد اتصل به خروج محمد لاعتراض قافلته حين رحلتها إلى الشام، فخاف أن ~~يعترضه المسلمون حين أوبته بعد أن ربحت تجارته، وجعل ينتظر أخبارهم. وكان الجهني الذي نزل عليه ~~رسولا محمد بالحوراء بعض من سأل. ومع أن الجهني لم يصدقه الخبر فقد بلغه من أمر محمد والمهاجرين ~~والأنصار معه مثل ما ترامى إلى محمد من خبره؛ فخاف عاقبة أمره أن لم يكن من قريش في حراسة العير ~~إلا ثلاثون أو أربعون رجلا. عند ذلك استأجر ضمضم بن عمرو الغفاري فبعثه مسرعا إلى مكة ليستنفر ~~قريشا إلى أموالهم، ويخبرهم أن محمدا قد عرض لها في أصحابه. ووصل ضمضم من مكة إلى بطن الوادي ~~فقطع أذني بعيره وجدع أنفه وحول رحله ووقف هو عليه وقد شق قميصه من قبل ومن دبر وجعل يصيح: ~~يا معشر قريش! اللطيمة # 1 # اللطيمة! أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه لا أرى أن تدركوها. الغوث ~~الغوث! وما لبث أبو جهل حين سمعه أن صاح بالناس من عند الكعبة يستنفرهم. وكان أبو جهل رجلا ~~خفيفا حديد الوجه حديد اللسان حديد النظر. ولم تكن قريش في حاجة إلى من يستنفرها، وقد كان لكل ~~منهم في هذه العير نصيب. # على أن طائفة من أهل مكة كانت تشعر بما ظلمت قريش المسلمين من أهلها حتى أكرهتهم على الهجرة ~~إلى الحبشة ثم الهجرة إلى المدينة، فكانت تتردد بين النفير للذود عن أموالها والقعود رجاء ألا ~~يصيب العير مكروه. وهؤلاء كانوا يذكرون أن قريشا وكنانة ms249 بينهما ثأر في دماء تبادل الفريقان ~~إراقتها. فإذا هي خفت إلى لقاء محمد لمنع عيرها منه خافت بني بكر (من كنانة) أن تهاجمها من خلفها. ~~وكادت هذه الحجة ترجح وتؤيد رأي القائلين بالقعود، لولا أن جاء مالك بن جعشم المدلجي، وكان من ~~أشراف بني كنانة، فقال: أنا لكم جار من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه. إذ ذاك رجحت كفة ~~أبي جهل وعامر بن الحضرمي والدعاة إلى الخروج لدفع محمد والذين معه، ولم يبق لكل قادر على القتال ~~عذر في التخلف أو يرسل مكانه رجلا. ولم يتخلف من أشراف قريش إلا أبو لهب الذي بعث مكانه العاص بن ~~هشام بن المغيرة وكان لط # 2 # له بأربعة آلاف درهم كانت له عليه أفلس بها. وكان أمية بن خلف قد أجمع على القعود، ~~وكان شيخا جليلا جسيما ثقيلا، فأتاه بالمسيجد عقبة بن أبي معيط وأبو جهل، ومع عقبة مجمرة فيها ~~بخور ومع أبي جهل مكحلة ومرود فوضع عقبة المجمرة بين يديه وقال: يا أبا علي استجمر فإنما أنت من ~~النساء. وقال أبو جهل: اكتحل أبا علي فإنما أنت امرأة. فقال أمية: ابتاعوا لي أفضل بعير في ~~الوادي، وخرج معهم؛ فلم يبق بمكة متخلف قادر على القتال. # أما النبي - عليه السلام - فقد خرج في أصحابه من المدينة، لثمان خلون من شهر رمضان من السنة ~~الثانية من الهجرة، وجعل عمرو بن أم مكتوم فيها على الصلاة بالناس، ورد أبا لبابة من الروحاء ~~واستعمله على المدينة. وكانت أمام المسلمين في مسيرتهم رايتان سوداوان، وكانت إبلهم سبعين بعيرا ~~جعلوا يعتقبونها، # 3 # كل اثنين منهم وكل ثلاثة وكل أربعة يعتقبون بعيرا، وكان حظ محمد في هذا كحظ سائر ~~أصحابه؛ فكان هو وعلي بن أبي طالب ومرثد بن أبي مرثد الغنوي يعتقبون بعيرا. وكان أبو بكر وعمر ~~وعبد الرحمن بن عوف يعتقبون بعيرا، وكانت عدة من خرج مع محمد إلى هذه الغزوة خمسة وثلاثمائة ~~رجل، منهم ثلاثة وثمانون من المهاجرين وواحد وستون من الأوس والباقون من الخزرج. ms250 وانطلق القوم ~~مسرعين من خوف أن يفلت أبو سفيان منهم، وهم يحاولون حيثما مروا أن يقفوا على أخباره. فلما كانوا ~~بعرق الظبية لقوا رجلا من الأعراب فسألوه عن القوم فلم يجدوا عنده خبرا. # وانطلقوا حتى أتوا واديا يقال له ذفران نزلوا فيه، وهناك جاءهم الخبر بأن قريشا قد خرجوا ~~من مكة ليمنعوا عيرهم. إذ ذاك تغير وجه الأمر. لم يبق هؤلاء المسلمون مهاجروهم والأنصار أمام أبي ~~سفيان وعيره والثلاثين أو الأربعين رجلا معه، لا يملكون مقاومة محمد وأصحابه؛ بل هذه مكة خرجت ~~كلها وعلى رأسها أشرافها للدفاع عن تجارتها. فهب المسلمين أدركوا أبا سفيان وتغلبوا على رجاله ~~وأسروا منهم من أسروا واقتادوا إبله وما عليها، فلن تلبث قريش أن تدركهم، يحفزها حرص على مالها ~~والدفاع عنه وتؤازرها كثرة عديدها وعددها، وأن توقع بهم وأن تسترد الغنيمة منهم أو تموت دونها. ~~ولكن إذا عاد محمد من حيث أتى طمعت قريش وطمعت يهود المدينة فيه، واضطر إلى موقف المصانعة، واضطر ~~أصحابه إلى أن يحتملوا من أذى يهود المدينة مثل ما احتملوا من أذى قريش بمكة. وهيهات إن هو وقف ~~هذا الموقف أن تعلو كلمة الحق وأن ينصر الله دينه. # استشار الناس وأخبرهم بما بلغه من أمر قريش؛ فأدلى أبو بكر وعمر برأيهما، ثم قام المقداد بن ~~عمرو فقال: «يا رسول الله، امض لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل ~~لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون.» ~~وسكت الناس. فقال الرسول: أشيروا علي أيها الناس. وكان يريد بكلمته هذه الأنصار الذين بايعوه ~~يوم العقبة على أن يمنعوه مما يمنعون منه أبناءهم ونساءهم ولم يبايعوه على اعتداء خارج مدينتهم. ~~فلما أحس الأنصار أنه يريدهم، وكان سعد بن معاذ صاحب رايتهم التفت إلى محمد وقال: لكأنك تريدنا يا ~~رسول الله؟ قال: أجل. قال سعد: «لقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ~~ذلك عهودنا ومواثيقنا ms251 على السمع والطاعة؛ فامض لما أردت فنحن معك. فوالذي بعثك لو استعرضت بنا هذا ~~البحر فخضته لخضناه معك وما تخلف منا رجل واحد. وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا. إنا لصبر ~~في الحرب صدق في اللقاء؛ لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله.» # ولم يكد سعد يتم كلامه حتى أشرق وجه محمد بالمسرة وبدا عليه كل النشاط وقال: سيروا وأبشروا، ~~فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين. والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم. وارتحلوا جميعا، حتى ~~إذا كانوا على مقربة من بدر انطلق محمد على بعيره حتى وقف على شيخ من العرب وسأله عن قريش وعن ~~محمد وأصحابه، ومنه عرف أن عير قريش منه قريب. # إذ ذاك عاد إلى قومه، فبعث علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص في نفر من ~~أصحابه إلى ماء بدر يتلمسون له الخبر عليه. وعادت هذه الطليعة ومعها غلامان عرف محمد منهما أن ~~قريشا وراء الكثيب بالعدوة القصوى. ولما أن أجابا أنهما لا يعرفان عدة قريش، سألهما محمد كم ~~ينحرون كل يوم؟ فأجابا: يوما تسعا ويوما عشرا. فاستنبط النبي من ذلك أنهم بين التسعمائة ~~والألف. وعرف من الغلامين كذلك أن أشراف قريش جميعا خرجوا لمنعه؛ فقال لقومه: «هذه مكة قد ألقت ~~إليكم أفلاذ كبدها.» إذن فلا بد له ولهم أمام قوم يزيدون عليهم في العدد ثلاثة أضعاف أن يشحذوا ~~عزائمهم، وأن يوطنوا على الشدة أفئدتهم ونفوسهم، وأن ينتظروا موقعة حامية الوطيس لا يكون النصر ~~فيها إلا لمن ملأ الإيمان بالنصر قلبه. # وكما عاد علي ومن معه بالغلامين وبخبر قريش معهما ذهب اثنان من المسلمين حتى نزلا بدرا، ~~فأناخا إلى تل قريب من الماء وأخذا وعاء لهما يستقيان فيه. وإنهما لعلى الماء إذ سمعا جارية ~~تطالب صاحبتها بدين عليها والثانية تجيبها: إنما تأتي العير غدا أو بعد غد، فأعمل لهم ثم أقضيه ~~لك. وعاد الرجلان فأخبرا محمدا بما سمعا. فأما أبو سفيان فسبق العير يتنطس ms252 الأخبار حذر أن يكون ~~محمد قد سبقه إلى الطريق. فلما ورد الماء وجد عليه مجدي بن عمرو، فسأله: هل قد رأى أحدا؟ وأجاب ~~مجدي بأنه لم ير إلا راكبين أناخا إلى هذا التل، وأشار إلى حيث أناخ الرجلان من المسلمين. فأتى ~~أبو سفيان مناخهما فوجد في روث بعيريهما نوى عرفه من علائف يثرب، فأسرع عائدا إلى أصحابه وعدل ~~بالسير عن الطريق مساحلا البحر مسرعا في مسيره، حتى بعد ما بينه وبين محمد، ونجا. # وأصبح الغد والمسلمون في انتظار مروره بهم، فإذا الأخبار تصلهم أنه فاتهم وأن مقاتلة قريش هم ~~الذين ما يزالون على مقربة منهم؛ فيذوي في نفوس جماعة منهم ما كان يملؤها من أمل الغنيمة، ويجادل ~~بعضهم النبي كي يعودوا إلى المدينة ولا يلقوا القوم الذين جاءوا من مكة لقتالهم. وفي ذلك نزل قوله ~~تعالى: # وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم ~~وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق ~~الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين ~~. # 4 # وقريش هم أيضا، ما حاجتهم إلى القتال وقد نجت تجارتهم؟ أليس خيرا لهم أن يعودوا من حيث ~~أتوا، وأن يتركوا المسلمين يرجعون من رحلتهم بخفي حنين؟ كذلك فكر أبو سفيان وبذلك أرسل إلى قريش ~~يقول لهم: إنكم قد خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم، فقد نجاها الله فارجعوا، ورأى من قريش ~~رأيه عدد غير قليل. لكن أبا جهل ما لبث حين سمع هذا الكلام أن صاح: والله لا نرجع حتى نرد بدرا ~~فنقيم عليه ثلاثا ننحر الجزر، ونطعم الطعام ونسقي الخمر وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب ~~وبمسيرنا وجمعنا، فلا يزالون يهابوننا أبدا بعدها؛ ذلك أن بدرا كانت موسما من مواسم العرب؛ ~~فانصراف قريش عنها بعد أن نجت تجارتهم قد تفسره العرب، فيما رأى أبو جهل، بخوفهم من محمد وأصحابه، ~~مما يزيد محمدا شوكة ويزيد دعوته انتشارا وقوة، وخاصة بعد الذي كان من سرية عبد الله بن جحش ~~وقتل ابن الحضرمي وأخذ الأسرى والغنائم من قريش. # وتردد القوم بين اتباع أبي ms253 جهل مخافة أن يتهموا بالجبن، وبين الرجوع بعد أن نجت عيرهم، فلم ~~يرجع إلا بنو زهرة الذين اتبعوا مشورة الأخنس بن شريق، وكان فيهم مطاعا. واتبعت سائر قريش أبا ~~جهل حتى ينزلوا منزلا يتهيئون فيه للحرب ثم يتشاورون بعد ذلك. ونزلوا بالعدوة القصوى خلف كثيب من ~~الرمل يحتمون به. أما المسلمون الذين فاتتهم الغنيمة فقد أجمعوا أن يثبتوا للعدو إذا أجمع على ~~محاربتهم؛ لذلك بادروا إلى ماء بدر، ويسر لهم مطر أرسلته السماء مسيرتهم إليها. فلما جاءوا أدنى ~~ماء نزل محمد به. # وكان الحباب بن المنذر بن الجموح عليما بالمكان؛ فلما رأى حيث نزل النبي قال: يا رسول ~~الله، أرأيت هذا المنزل أمنزلا أنزلكه الله فليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي ~~والحرب والمكيدة؟ قال محمد: بل هو الرأي والحرب والمكيدة. فقال: يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل؛ ~~فانهض بالناس حتى تأتي أدنى ماء من القوم فتنزل ثم نغور ما وراءه من القلب، # 5 # ثم نبني عليه حوضا فملأه ماء ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون. ولم يلبث محمد حين ~~رأى صواب ما أشار به الحباب أن قام ومن معه واتبع رأي صاحبه، معلنا إلى قومه أنه بشر مثلهم ~~وأن الرأي شورى بينهم وأنه لا يقطع برأي دونهم، وأنه في حاجة إلى حسن مشورة صاحب المشورة الحسنة ~~منهم. # ولما بنوا الحوض أشار سعد بن معاذ قائلا: «نبي الله، نبني لك عريشا تكون فيه وتعد عندك ~~ركائبك ثم نلقى عدونا؛ فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الأخرى ~~جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا من قومنا؛ فقد تخلف عنك أقوام يا نبي الله ما نحن بأشد لك حبا ~~منهم، ولو ظنوا أنك تلقى حربا ما تخلفوا عنك، يمنعك الله بهم يناصحونك ويجاهدون معك.» # وأثنى محمد على سعد ودعا له بخير، وبني العريش للنبي، حتى إذا لم يكن النصر في جانبه وجانب ~~أصحابه لم يقع في يد عدوه واستطاع اللحاق بأصحابه في يثرب. ms254 # هنا موضع لوقفة إعجاب بصدق وفاء المسلمين وعظيم محبتهم لمحمد وإيمانهم برسالته. فها هم أولاء ~~يعلمون أن قريشا تفوقهم في العدد وأنها ثلاثة أمثالهم، ومع ذلك اعتزموا الوقوف في وجهها وقتالها. ~~وها هم أولاء يرون الغنيمة فاتتهم فلم يصبح الكسب المادي هو الذي يحفزهم للقتال، ومع ذلك قاموا ~~إلى جانب النبي يؤيدونه ويعززونه. وها هم أولاء تتردد نفوسهم بين الطمع في النصر وخوف الهزيمة. ~~ومع ذلك فكروا في حماية النبي وتوقيته أن يظفر به عدوه، ومهدوا له سبيل الاتصال بمن ترك ~~بالمدينة. فأي موقف أدعى للإعجاب من هذا الموقف؟ وأي إيمان يكفل النصر كهذا الإيمان؟! # ونزلت قريش منازل القتال، ثم بعثوا من يقص لهم خبر المسلمين فجاءهم بأنهم ثلاثمائة أو يزيدون ~~قليلا أو ينقصون، ولا كمين لهم ولا مورد؛ ولكنهم قوم ليس لهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم، فلا يموت ~~منهم رجل قبل أن يقتل رجلا مثله. ولما كانت صفوة قريش قد خرجوا في هذا الجيش، خشي بعض ذوي الحكمة ~~منهم أن يقتل المسلمون كثرتهم فلا تبقى لمكة مكانة. لكنهم خافوا حدة أبي جهل ورميه إياهم بالجبن ~~والخوف، وإن لم يمنع ذلك عتبة بن ربيعة من أن يقف بينهم قائلا: «يا معشر قريش، إنكم والله ما ~~تصنعون بأن تلقوا محمدا وأصحابه شيئا. والله لئن أصبتموه لا يزال الرجل ينظر في وجه رجل قتل ابن ~~عمه أو ابن خاله أو رجلا من عشيرته. فارجعوا وخلوا بين محمد وسائر العرب؛ فإن أصابوه فذلك الذي ~~أردتم، وإن كان غير ذلك لم نتعرض منه لما تكرهون.» فلما بلغت أبا جهل مقالة عتبة استشاط غيظا ~~وبعث إلى عامر بن الحضرمي يقول له: «هذا حليفك يريد أن يرجع بالناس وقد رأيت ثأرك بعينك، فقم ~~فانشد مقتل أخيك.» وقام عامر فصرخ: وا عمراه! فلم يبق بعد ذلك من الحرب مفر. وأعجل القتال أن ~~اندفع الأسود بن عبد الأسد المخزومي من بين صفوف قريش إلى صفوف المسلمين يريد أن يهدم الحوض الذي ~~بنوا؛ فعاجله حمزة بن عبد المطلب ms255 بضربة أطاحت بساقه فسقط إلى ظهره تشخب رجله دما، ثم أتبعها حمزة ~~بضربة أخرى قضت عليه دون الحوض. ولا شيء أرهف لظبا السيوف من منظر الدم؛ ولا شيء أشد إثارة ~~لعواطف القتال والحرب في الإنسان من مرأى رجل مات بيد العدو وقومه وقوف ينظرون. # وما إن سقط الأسود حتى خرج عتبة بن ربيعة بين أخيه شيبة وابنه الوليد بن عتبة ودعا إلى ~~المبارزة. وخرج إليه فتية من أبناء المدينة. فلما عرفهم قال لهم: ما لنا بكم من حاجة إنما نريد ~~قومنا. ونادى مناديهم: يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا. وخرج إليهم حمزة بن عبد المطلب ~~وعلي بن أبي طالب وعبيدة بن الحارث. ولم يمهل حمزة شيبة ولا أمهل علي الوليد أن قتلاهما، ثم ~~أعانا عبيدة وقد ثبت له عتبة. فلما رأت قريش من ذلك ما رأت، تزاحف الناس، والتقى الجمعان صبيحة ~~الجمعة لسبع عشر خلت من شهر رمضان. # وقام محمد على رأس المسلمين يعدل صفوفهم. فلما رأى كثرة قريش وقلة رجاله وضعف عدتهم إلى جانب ~~عدة المشركين عاد إلى العريش ومعه أبو بكر، وهو أشد ما يكون خوفا من مصير ذلك اليوم، وأشد ما ~~يكون إشفاقا مما يصير إليه أمر الإسلام إذا لم يتم للمسلمين النصر. واستقبل محمد القبلة واتجه ~~بكل نفسه إلى ربه، وجعل ينشده ما وعده ويهتف به أن يتم له النصر. وبالغ في التوبة والدعاء ~~والابتهال وجعل يقول: «اللهم هذه قريش قد أتت بخيلائها تحاول أن تكذب رسولك، اللهم فنصرك الذي ~~وعدتني. اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد.» وما زال يهتف بربه مادا يديه مستقبلا ~~القبلة حتى سقط رداؤه؛ وجعل أبو بكر من ورائه يرد على منكبيه رداءه ويهيب به: يا نبي الله، بعض ~~مناشدتك ربك؛ فإن الله منجز لك ما وعدك. ولكن محمدا ظل فيما هو فيه أشد ما يكون توجها وأشد ما ~~يكون تضرعا وخشية واستعانة بربه على هذا الموقف الذي لم يتوقعه المسلمون ولم يتخذوا له عدته، حتى ~~خفق خفقة من ms256 نعاس رأى خلالها نصر الله، وانتبه بعدها مستبشرا، وخرج إلى الناس يحرضهم ويقول له: ~~«والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر إلا أدخله الله ~~الجنة.» # وسرت من نفسه القوية - أمدها الله من لدنه بما سما بها فوق كل قوة - إلى نفوس هؤلاء المؤمنين ~~برسالته قوة ضاعفت عزمهم، وجعلت كل رجل منهم يعدل رجلين بل يعدل عشرة رجال. ويسير عليك أن تقدر ~~هذا إذا ذكرت ما لازدياد القوة المعنوية من أثر في النفس متى توافرت أسباب ازدياد هذه القوة ~~المعنوية فيها. فدافع الوطنية يزيدها. وهذا الجندي الذي يقف مدافعا عن وطنه المهدد بالخطر ممتلئ ~~النفس بالعاطفة الوطنية، تتضاعف قوته المعنوية بمقدار حبه لوطنه وإيمانه به، وبمقدار تخوفه من ~~الخطر الذي يتهدد العدو الوطن به. ولهذا تغرس الأمم في نفوس أبنائها منذ نعومة أظفارهم حب الوطن ~~والاستهانة بالتضحية في سبيله. والإيمان بالحق وبالعدل وبالحرية وبالمعاني الإنسانية السامية يزيد ~~القوة المعنوية في النفس بما يضاعف القوة المادية فيها. والذين يذكرون ما قام به الحلفاء في الحرب ~~الكبرى من دعوة واسعة النطاق ضد الألمان، أساسها أنهم يدافعون عن قضية الحرية والحق ويحاربون في ~~ألمانيا الجندية المسلحة ويمهدون لعهد سلام ونور، يدركون ما كانت تضاعف هذه الدعوة من قوة في نفوس ~~جنود الحلفاء بمقدار ما كانت تحيطهم به من عطف في أكثر أمم العالم. # وما الوطنية وما قضية السلام إلى جانب ما كان محمد يدعو إليه؟! إلى اتصال الإنسان بالوجود كله ~~اتصالا يندمج به فيه ويصبح قوة من قوى الكون الموجه له إلى سبيل الخير والنعمة والكمال! نعم ما ~~الوطنية وما قضية السلام إلى جانب الوقوف في جانب الله ودفع الذين يفتنون المؤمنين عنه، والذين ~~يصدون عن سبيله، والذين ينزلون بالإنسان إلى درك الوثنية والإشراك؟! إذا كانت النفس يزيدها حب ~~الوطن قوة بمقدار ما في الوطن كله من قوة، ويزيدها حب السلام للإنسانية كلها قوة بمقدار ما في ~~الإنسانية من قوة، فما أكثر ما يزيدها الإيمان بالوجود كله ms257 وبخالق الوجود كله من قوة! إنه ليجعلها ~~قديرة أن تسير الجبال، وتحرك العوالم، وتهيمن بسلطانها المعنوي على كل من كان أقل منها في ~~هذا الأمر إيمانا. # وهذا السلطان المعنوي يزيد قوتها أضعافا مضاعفة، فإذا لم يصل هذا السلطان المعنوي إلى غاية ~~كماله بسبب ما كان بين المسلمين من خلاف قبل الموقعة، لم تبلغ القوة المادية كل ما تطمح إلى ~~بلوغه، وإن هي زادت بفعل هذا الإيمان الذي ازداد قوة بتحريض محمد أصحابه فعوضهم بذلك عن قلة ~~عددهم وعدتهم. وفي حال النبي وأصحابه هذه نزلت الآيتان: # يا أيها ~~النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون ~~يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين ~~كفروا بأنهم قوم لا يفقهون * الآن خفف الله عنكم ~~وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا ~~مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله ~~مع الصابرين ~~. # 6 # ازداد المسلمون قوة بتحريض محمد إياهم ووقوفه بينهم ودفعهم لمقاتلة العدو والصيحة بهم أن ~~الجنة لمن أحسن البلاء ومن غمس يده في العدو حاسرا. ووجه المسلمون أكبر همهم إلى سادات قريش ~~وزعمائها يريدون استئصالهم جزاء وفاقا لما عذبوهم بمكة، ولما صدوهم عن المسجد الحرام وعن ~~سبيل الله. ورأى بلال أمية بن خلف وابنه، ورأى بعض المسلمين الذين عرفوه بمكة حوله. وكان أمية هو ~~الذي عذب بلالا إذ كان يخرجه إلى رمضاء مكة فيضجعه على ظهره ويأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على ~~صدره ليفتنه عن الإسلام، فيقول بلال: أحد أحد - رأى بلال أمية فصاح به: أمية رأس الكفر لا نجوت ~~إن نجا! وحاول بعض المسلمين من حول أمية أن يحولوا دون قتله وأن يأخذوه أسيرا. فصرخ بلال بأعلى ~~صوته في الناس: يا أنصار الله، رأس الكفر أمية بن خلف! لا نجوت إن نجا. واجتمع الناس ولم ينصرف ~~بلال حتى قتل أمية. وقتل معاذ بن عمرو بن الجموح أبا جهل بن هشام. وخاض حمزة وعلي وأبطال ~~المسلمين وطيس المعركة وقد نسي كل منهم نفسه ms258 ونسي قلة أصحابه وكثرة عدوه، فثار النقع وامتلأ الجو ~~بالغبار، وجعلت هام قريش تطير عن أجسادها والمسلمون يزدادون بإيمانهم قوة ويصيحون مهللين: أحد ~~أحد، وقد كشفت أمامهم حجب الزمان والمكان وأمدهم الله بالملائكة يبشرونهم ويزيدونهم تثبيتا ~~وإيمانا، حتى لكأن الواحد منهم إذ يرفع سيفه ويهوي به على عنق عدوه إنما تحرك قوة الله ~~يده. # ووقف محمد وسط هذا الوطيس يتمشى خلاله ملك الموت يقظ رقبة الكفر، فأخذ حفنة من الحصباء ~~فاستقبل بها قريشا وقال: شاهت الوجوه! ثم نفحهم بها وأمر أصحابه فقال: شدوا. وشد المسلمون وما ~~يزالون أقل من قريش عددا، لكن كل واحد منهم امتلأت بنفحة من أمر الله نفسه، فلم يكن هو الذي يقتل ~~العدو، ولا كان هو الذي يأسر من يأسر، لولا هذه النفحة التي ضاعفت قوته المعنوية بما ضاعفت قوته ~~المادية. وفي ذلك نزل قوله تعالى: # إذ يوحي ربك إلى الملائكة ~~أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا ~~الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان ~~، # 7 # وقوله تعالى: # فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم ~~ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ~~. # 8 # لما آنس الرسول أن الله أنجزه وعده وأتم على المسلمين النصر عاد إلى العريش. وفرت قريش ~~فطاردهم المسلمون يأسرون منهم من لم يقتل ولم يساعفه حسن فراره بالنجاة. # هذه غزوة بدر التي استقر بها الأمر للمسلمين من بعد في بلاد العرب جميعا، والتي كانت مقدمة ~~وحدة شبه الجزيرة في ظلال الإسلام، ومقدمة الإمبراطورية الإسلامية المترامية الأطراف، والتي أقرت ~~في العالم حضارة لا تزال ولن تزال ذات أثر عميق في حياته. ولقد تعجب إذ تعلم أن محمدا، على ما ~~كان من تحريضه أصحابه وما كان يرجو من استئصال عدو الله وعدوه، قد طلب إلى المسلمين منذ اللحظة ~~الأولى من المعركة ألا يقتلوا بني هاشم وألا يقتلوا بعض رجال من سادات قريش، مع أنهم اشتركوا في ~~قتال المسلمين، ومع أنهم سيقتلون من المسلمين من يستطيعون قتله. ولا تحسب أنه في ذلك أراد أن ms259 ~~يحابي أهله أو أحدا ممن يمتون إليه بآصرة القربى، فنفس محمد أسمى من أن تتأثر بمثل هذا، وإنما ~~ذكر لبني هاشم منعهم إياه مدى ثلاثة عشر عاما من يوم بعثه إلى يوم هجرته، حتى كان عمه العباس معه ~~ليلة بيعة العقبة. وذكر لغير بني هاشم من قريش جميل من قاموا وهم على الكفر يطالبون بنقض الصحيفة، ~~التي اضطرته بها قريش أن يلزم هو وأصحابه الشعب، بعد أن قطعت قريش بهم كل صلة وكل علاقة. فهذا ~~المعروف الذي تقدم به هؤلاء وأولئك قد اعتبره محمد حسنة يجزى من قدمها بمثلها، بل يجزى بعشر ~~أمثالها؛ لذلك كان شفيعا لهؤلاء عند المسلمين ساعة القتال، وإن أبى بعض هؤلاء القرشيين أن ~~يستظلوا بهذا العفو على نحو ما فعل أبو البختري أحد الذين قاموا في نقض الصحيفة، فقد أبى ~~وقتل. # ولى أهل مكة الأدبار كاسفا بالهم، خاشعة من الذل أبصارهم، لا يكاد أحدهم يلتقي نظره بنظر ~~صاحبه حتى يواري وجهه خجلا من سوء ما حل بهم جميعا. أما المسلمون فأقاموا ببدر إلى آخر النهار، ~~ثم جمعوا الذين قتلوا من قريش فحفروا لهم قليبا فدفنوهم فيه. وقضى محمد وأصحابه تلك الليلة في ~~الميدان في شغل بجمع الغنيمة والسهر على الأسرى. وإذا جن الليل جعل محمد يفكر في نصر الله ~~المسلمين على قلة عددهم، وخذلانه المشركين الذين لم يكن لهم من قوة الإيمان عضد تعتز به كثرتهم. ~~جعل يفكر في هذا، حتى سمعه أصحابه جوف الليل وهو يقول: «يأهل القليب! يا عتبة بن ربيعة، ويا شيبة ~~بن ربيعة! ويا أمية بن خلف! ويا أبا جهل بن هشام! - واستمر يذكر من في القليب واحدا بعد واحد - ~~يأهل القليب هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا، فإني وجدت ما وعدني ربي حقا.» قال المسلمون: يا رسول ~~الله، أتنادي قوما جيفوا؟! # 9 # قال عليه السلام: «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوني.» ~~ونظر رسول الله في وجه أبي حذيفة بن عتبة فألفاه كئيبا قد تغير لونه. فقال: ms260 «لعلك يا أبا حذيفة ~~قد دخلك من شأن أبيك شيء؟ قال أبو حذيفة: لا والله يا رسول الله! ما شككت في أبي ولا في مصرعه، ~~ولكن كنت أعرف من أبي رأيا وحلما وفضلا فكنت أرجو أن يهديه ذلك للإسلام. فلما رأيت ما أصابه، ~~وذكرت ما كان عليه من الكفر بعد الذي كنت أرجو له، أحزنني أمره.» فقال له رسول الله خيرا ودعا له ~~بخير. # ولما أصبح الصبح وآن للمسلمين أن يرتحلوا قافلين إلى المدينة، بدءوا يتساءلون في الغنيمة لمن ~~تكون، قال الذين جمعوها: نحن جمعناها فهي لنا. وقال الذين كانوا يطاردون العدو حتى ساعة هزيمته: ~~نحن والله أحق بها، فلولانا لما أصبتموها. وقال الذين يحرسون محمدا مخافة أن يرتد إليه العدو: ما ~~أنتم ولا هم أحق بها منا، وكان لنا أن نقتل العدو ونأخذ المتاع حين لم يكن دونه من يمنعه، ولكنا ~~خفنا على رسول الله كرة العدو فقمنا دونه. فأمر محمد الناس أن يردوا كل ما في أيديهم من ~~الغنائم، وأمر بها أن تحمل حتى يرى فيها رأيه أو يقضي الله فيها بقضائه. # وبعث محمد إلى المدينة عبد الله بن رواحة وزيد بن حارثة بشيرين يلقيان إلى أهلها بما فتح ~~الله على المسلمين من النصر. وقام هو وأصحابه قافلين إلى المدينة ومعه الأسرى وما أصاب من ~~المشركين من غنيمة جعل عليها عبد الله بن كعب. وسار القوم، حتى إذا تخطوا مضيق الصفراء نزل محمد ~~على كثيب فقسم هناك النفل الذي أفاء الله على المسلمين، بين المسلمين على سواء. ويقول بعض ~~المؤرخين إنه قسمه بينهم بعد أن أخذ منه الخمس، لقوله تعالى: # واعلموا ~~أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى ~~واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما ~~أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله ~~على كل شيء قدير ~~. # 10 # ويذهب الأكثرون من كتاب السيرة، والمتقدمون منهم خاصة ، أن هذه الآية نزلت بعد بدر وبعد قسم ~~فيئها، وأن محمدا جعل القسمة بين المسلمين على ms261 سواء، وأنه جعل للفرس مثل ما للفارس، وجعل للورثة ~~حصة من استشهد ببدر، وجعل حصة لمن تخلف بالمدينة فلم يشهد بدرا ما كان قائما فيها بعمل ~~المسلمين، ومن حرضه حين الخروج إلى بدر وتخلف لعذر قبله الرسول. وكذلك قسم الفيء بالقسط. فلم ~~يشترك المقاتل وحده في الحرب والنصر، بل اشترك في الحرب والنصر كل من كان لعمله في الفوز حظ أيا ~~كان هذا العمل، وفي ميدان القتال كان أو بعيدا عنه. # وبينما المسلمون في طريقهم إلى مكة قتل من الأسرى رجلان: أحدهما النضر بن الحارث، والآخر ~~عقبة بن أبي معيط. ولم يكن محمد ولا كان أصحابه إلى هاته اللحظة قد وضعوا للأسرى نظاما يكون على ~~مقتضاه قتلهم أو فداؤهم أو استرقاقهم. لكن النضر وعتبة كانا من المسلمين أيام مقامهم بمكة شرا ~~مستطيرا، وكانا لا ينفكان يوصلان لهم من الأذى كل ما يستطيعان. قتل النضر حين عرض الأسرى على ~~النبي - عليه السلام - عند بلوغهم الأثيل، فقد نظر إلى النضر نظرة ارتعد لها الأسير وقال لرجل ~~إلى جنبه: محمد والله قاتلي! فقد نظر إلي بعينين فيهما الموت. قال الذي إلى جنبه: ما هذا والله ~~منك إلا رعب. وقال النضر لمصعب بن عمير، وكان أقرب من هناك به رحما: كلم صاحبك أن يجعلني كرجل ~~من أصحابه، فهو والله قاتلي إن لم تفعل. فكان جواب مصعب: إنك كنت تقول في كتاب الله وفي نبيه كذا ~~وكذا، وكنت تعذب أصحابه. قال النضر: لو أسرتك قريش ما قتلتك أبدا وأنا حي. قال مصعب: والله ~~إني لا أراك صادقا، ثم إني لست مثلك، فقد قطع الإسلام العهود، وكان النضر أسير المقداد، وكان ~~يطمح أن ينال افتداء أهله إياه مالا كثيرا. فلما رأى الحديث حول قتله صاح: النضر أسيري. قال ~~النبي عليه السلام: اضرب عنقه، واللهم أغن المقداد من فضلك. فقتله علي بن أبي طالب ضربا ~~بالسيف. # ولما كانوا في طريقهم بعرق الظبية أمر النبي بقتل عقبة بن أبي معيط فصاح عقبة: فمن للصبية يا ~~محمد؟! قال: النار. ms262 وقتله علي بن أبي طالب أو قتله عاصم بن ثابت، على اختلاف في الرواية. # وقبل أن يصل النبي والمسلمون بيوم وصلها رسولاه زيد بن حارث وعبد الله بن رواحة، ودخل كل واحد ~~من ناحية منها؛ فجعل عبد الله ينادي على راحلته يبشر الأنصار بنصر رسول الله وأصحابه، ويذكر لهم ~~من قتل من المشركين. وجعل زيد بن حارثة يصنع صنيعه وهو ممتط القصواء ناقة النبي. وسر المسلمون ~~واجتمعوا وخرج من كان منهم في داره وانطلقوا يهللون لهذا النصر العظيم. # أما الذين بقوا على الشرك، وأما اليهود، فقد كبتوا لهذا النبأ، وحاولوا أن يقنعوا أنفسهم وأن ~~يقنعوا الذين أقاموا في المدينة من المسلمين بعدم صحته، فصاحوا؛ إن محمدا قتل وأصحابه هزموا، ~~وهذه ناقته نعرفها جميعا لو أنه انتصر لبقيت عنده، وإنما يقول زيد ما يقول هذيانا من الفزع ~~والرعب. لكن المسلمين ما لبثوا حيث تثبتوا من الرسولين واطمأنوا إلى صحة الخبر أن زاد بهم السرور ~~لولا حادث طرأ خفف من سرورهم؛ ذلك الحادث هو موت رقية بن النبي، وكان تركها عند ذهابه إلى بدر ~~مريضة، وترك معها زوجها عثمان بن عفان يمرضها. ولما أيقن المشركون والمنافقون بنصر محمد أسقط في ~~أيديهم، ورأوا موقفهم من المسلمين قد أصبح موقف هوان ومذلة، حتى قال أحد زعماء اليهود: بطن الأرض ~~اليوم خير من ظهرها بعد أن أصيب أشراف الناس وسادتهم وملوك العرب وأهل الحرم والأمن. # ودخل المسلمون المدينة قبل أن يدخلها الأسارى بيوم، فلما جيء بهم ورجعت سودة بنت زمعة زوج ~~النبي من مناحة ابني عفراء وكانت بهم، رأت أبا يزيد سهيل بن عمرو أحد الأسرى مجموعة يداه إلى عنقه ~~بحبل، فلم تملك نفسها أن توجه إليه الكلام قائلة: أي أبا يزيد! أسلمتم أنفسكم وأعطيتم بأيديكم، ~~ألا متم كراما؟! فناداها محمد من البيت: يا سودة! أعلى الله عز وجل وعلى رسوله تحرضين! فأجابت: ~~يا رسول الله! والذي بعثك بالحق ما ملكت نفسي حين رأيت أبا يزيد مجموعة يداه إلى عنقه أن قلت ما ~~قلت. وفرق ms263 محمد الأسارى بين أصحابه وقال لهم: استوصوا بهم خيرا. وطفق من بعد ذلك يفكر فيما ~~يصنع بهم: أفيقتلهم أم يأخذ منهم الفداء؟ إن منهم لأشداء في الحرب أقوياء في النضال، ومن امتلأت ~~بالحقد والضغينة نفوسهم بعد الذي كان من هزيمتهم ببدر وما لحقهم من عار الأسر؛ فإن هو قبل الفداء ~~كانوا عليه حربا وألبا، وإن هو قتلهم أثار في نفوس أهليهم من قريش ما ربما هدأ لو أنهم ~~افتدوهم. # وعرض الأمر على المسلمين يستشيرهم ويترك لهم الخيار. وكان المسلمون قد آنسوا من الأسرى طمعا ~~في الحياة واستعدادا لفدية عظيمة. فقال هؤلاء: لو بعثنا إلى أبي بكر فإنه أوصل قريش لأرحامنا ~~وأكثرهم رحمة وعطفا، ولا نعلم أحدا آثر عند محمد منه. وبعثوا إلى أبي بكر فقالوا له: أبا بكر، ~~إن فينا الآباء والإخوان والعمومة وبني العم وأبعدنا قريب. كلم صاحبك يمن علينا أو يفادنا. ~~فوعدهم خيرا، وخافوا أن يفسد ابن الخطاب عليهم أمرهم، فأرسلوا إليه فجاءهم فقالوا له مثل قولهم ~~لأبي بكر، فنظر إليهم شزرا. وذهب وزيرا محمد إليه فجعل أبو بكر يلينه ويفثؤه # 11 # ويقول: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي! قومك فيهم الآباء والأبناء والعمومة وبنو العم ~~والإخوان وأبعدهم منك قريب؛ فامنن عليهم من الله عليك، أو فادهم يستنقذهم الله بك من النار، ~~فتأخذ منهم ما أخذت قوة للمسلمين، فلعل الله أن يقبل بقلوبهم. وسكت محمد فلم يجبه، فقام ~~فتنحى. # وجاء عمر فجلس مجلسه وقال: يا رسول الله، هم أعداء الله، كذبوك، وقاتلوك وأخرجوك، اضرب ~~رقابهم، هم رءوس الكفر وأئمة الضلالة يوطئ الله بهم الإسلام ويذل بهم أهل الشرك. ولم يجب محمد. ~~فعاد أبو بكر إلى مقعده الأول وجعل يتلطف ويستعطف، ويذكر القرابة والرحم، ويرجو لهؤلاء الأسرى ~~الهدى إن هم أبقي على حياتهم؛ وعاد عمر مثال العدل الصارم لا تأخذه فيه هوادة ولا رحمة. # ولما فرغ أبو بكر وعمر من كلامهما، قام محمد فدخل قبته فمكث فيها ساعة ثم خرج والناس يخوضون ~~في شأنهم، يقف بعضهم في صف أبي ms264 بكر، ويقف آخرون في صف عمر. فشاورهم فيما يصنع، وضرب لهم في أبي ~~بكر وفي عمر مثلا. فأما أبو بكر في الملائكة كمثل ميكال ينزل برضا الله وعفوه عن عباده، ومثله في ~~الأنبياء كمثل إبراهيم، كان ألين على قومه من العسل. قدمه قومه إلى النار وطرحوه فيها فما زاد ~~على أن قال: # أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا ~~تعقلون # 12 # وأن قال: # فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني ~~فإنك غفور رحيم ~~، # 13 # ومثله في الأنبياء كمثل عيسى إذ يقول: # إن تعذبهم ~~فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ~~. # 14 # ومثل عمر في الملائكة كمثل جبريل ينزل بالسخط من الله والنقمة على أعداء الله. ومثله ~~في الأنبياء كمثل نوح إذ يقول: # رب لا تذر على الأرض من ~~الكافرين ديارا # 15 # وكمثل موسى إذ يقول: # ربنا اطمس على أموالهم ~~واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ~~. # 16 # ثم قال: وإن بكم عيلة؛ فلا يفوتنكم رجل من هؤلاء إلا بفداء أو ضربة عنق. وتشاور القوم ~~فيما بينهم وكان من بين الأسرى شاعر، هو أبو عزة عمرو بن عبد الله بن عمير الجمحي، رأى خلاف القوم ~~واستعجل النجاة فقال: لي خمس بنات ليس لهن شيء فتصدق بي عليهن يا محمد، وإني لمعطيك موثقا لا ~~أقاتلك ولا أكثر عليك أبدا. فأمنه النبي وأرسله من غير فداء، وكان هو وحده الأسير الذي ظفر ~~بهذا الأمان. على أنه ما لبث أن نكث عهده، وأن عاد فقاتل بعد عام في أحد. فأسر وقتل. وظل ~~المسلمون في تشاورهم زمنا انتهوا بعده إلى قبول الفداء. وفي قبولهم نزلت هذه الآية الكريمة: # ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في ~~الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز ~~حكيم ~~. # 17 # يقف غير واحد من المستشرقين عند أسرى بدر هؤلاء وعند مقتل النضر وعقبة ويتساءلون: أليس في ذلك ~~ما يدل على ظمأ هذا الدين الجديد إلى الدم ظمأ لولاه لما قتل الرجلان، ولكان ms265 أكرم للمسلمين بعد ~~أن كسبوا الموقعة أن يردوا الأسرى وأن يكتفوا بالفيء الذي غنموا؟ وذلك تساؤل الذي يريد أن يثير ~~في النفس عوامل إشفاق لم يكن له يومئذ موضع، ليكون له بعد ألف سنة من هذه الغزوة وما تلاها من ~~غزوات وسيلة للنيل من الدين ومن صاحب الدين. على أن هذا التساؤل ما يلبث أن ينهار ويتداعى إذا نحن ~~وازنا بين مقتل النضر وعقبة، وما يجري اليوم وما سيجري دائما ما دامت الحضارة الغربية، التي ~~تتشح بوشاح المسيحية، متحكمة في الأرض. فهل تراه يوازي شيئا إلى جنب ما يقع باسم قمح الثورات في ~~بلاد يحكمها الاستعمار على كره من أهلها؟! وهل تراه يوازي شيئا إلى جانب ما وقع من مجازر الحرب ~~الكبرى؟! ثم هل هو يوازي شيئا مما حدث أثناء الثورة الفرنسية الكبرى، وأثناء الثورات المختلفة ~~التي وقعت وتقع في أمم أوروبا المختلفة؟! # وليس ريب في أن الأمر بين محمد وأصحابه كان ثورة قوية من محمد بعثه الله ليقوم بها في وجه ~~الوثنية والمشركين من عبادها. ثورة قامت أول أمرها بمكة، واحتمل محمد وأصحابه من أجلها ألوان ~~العذاب ثلاثة عشر عاما سويا. ثم انتقل المسلمون إلى المدينة وحشدوا جمعوهم وقواتهم بها، وما ~~تزال مبادئ الثورة قائمة على أشدها في نفوسهم وفي نفوس قريش جميعا. وانتقال المسلمين إلى ~~المدينة، وموادعتهم اليهود من أهلها؛ وما قاموا به من مناوشات سبقت بدرا، وغزوة بدر هذه - ذلك ~~كله كان سياسية الثورة ولم يكن مبادئها؛ كان السياسة التي قرر القائم بهذه الثورة وأصحابه أن ~~يتبعوا لإقرار أسمى المبادئ، التي جاء الرسول بها. وسياسة الثورة شيء ومبادئها شيء آخر. والخطة ~~التي تتبع قد تختلف تمام الاختلاف عن الغاية المقصودة من هذه الخطة. أما وقد جعل الإسلام الأخوة ~~أساس الحضارة الإسلامية، فيجب أن يسلك للنجاح سبله وإن اقتضى ذلك من العنف والشدة ما لا مفر ~~منه. # وهذا الذي صنع المسلمون بأسرى بدر آية في الرحمة وفي الحسنى إلى جانب ما يقع في الثورات التي ~~يتغنى أهلها بمعاني ms266 العدل والرحمة. وهو لا شيء إلى جانب المجازر الكثيرة التي قامت باسم المسيحية ~~من مثل مجزرة سان بارتملي، هذه المجزرة التي تعتبر سبة في تاريخ المسيحية لا شيء من مثلها قط في ~~تاريخ الإسلام. هذه المجزرة التي دبرت بليل، وقام فيها الكاثوليك يذبحون البروتستنتيين في باريس ~~وفي فرنسا غدرا وغيلة في أحط صور الغدر وأبشع صور الغيلة. فإذا قتل المسلمون اثنين من أسرى بدر ~~الخمسين لأنهم كانوا قساة على المسلمين، مدى الأعوام الثلاثة عشر التي احتمل المسلمون فيها صنوف ~~الأذى بمكة، فقد كان في ذلك من مزيد الرحمة ومن اعتبار الفائدة العاجلة ما نزلت معه الآية: # ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض ~~تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم ~~. # 18 # بينما كان المسلمون في فرحهم بنصر الله وما أفاء عليهم من المغانم كان الحيسمان بن عبد الله ~~الخزاعي يحث الطريق إلى مكة، حتى كان أول من دخلها وأخبر أهلها بهزيمة قريش ومصابها في كبرائها ~~وأشرافها وسادتها. وقد ذهلت مكة أول الأمر فلم تصدق الخبر. وكيف لا تذهل وهي تسمع أخبار هزيمتها ~~ومقتل السادة الأشراف منها؟! لكن الحيسمان لم يكن يهذي وكان يؤكد ما يقول وهو أشد من قريش جزعا ~~لما أصابهم. فلما استوثقوا من روايته خرجوا صعقين، حتى لقد حم أبو لهب ومات بعد سبعة أيام. # وتشاورت قريش ما تصنع فأجمعت على ألا تنوح على قتلاها مخافة أن يبلغ محمدا وأصحابه فيشمتوا ~~بهم، وألا تبعث في أسراها حتى لا يأرب # 19 # عليها محمد وأصحابه ويغلوا في الفداء. وانقضى زمن وقريش صابرة على محنتها، حتى سنحت ~~فرصة افتدائها أسراها. إذ ذاك قدم مكرز بن حفص في فداء سهيل بن عمرو. وكأنما عز على عمر بن الخطاب ~~أن يفتدى وينجو من غير أن يصيبه مكروه، فقال: يا رسول الله، دعني أنزع ثنيتي سهيل بن عمرو فيدلع ~~لسانه فلا يقوم عليك خطيبا في موطن أبدا. فكان جواب النبي هذا الجواب البالغ غاية السمو: لا ~~أمثل به ms267 فيمثل الله بي وإن كنت نبيا. # وبعثت زينب ابنة النبي تفتدي زوجها أبا العاص بن الربيع، وكان فيما بعثت قلادة لها كانت خديجة ~~أدخلتها بها على العاص حين بنى بها. فلما رآها النبي رق لها رقة شديدة، فقال: إن رأيتم أن تطلقوا ~~لها أسيرها وتردوا عليها مالها فافعلوا. ثم إنه اتفق فيما بينه وبين أبي العاص على أن يفارق زينب ~~وقد فرق الإسلام بينه وبينها. وبعث محمد زيد بن حارثة وصاحبا معه فجاء بها إلى المدينة. على أن ~~أبا العاص ما لبث بعد مدة إساره أن خرج إلى الشام في مال قريش؛ حتى إذا كان على مقربة من المدينة ~~لقيته سرية لمحمد فأصابوا ما معه. فانحدر تحت الليل إلى أن دخل على زينب واستجارها فأجارته، ورد ~~المسلمون على الرجل ماله فانطلق به آمنا إلى مكة، فلما رده لأصحابه من قريش قال: يا معشر قريش! ~~هل بقي لأحد منكم عندي مال لم يأخذه؟ قالوا: لا! جزاك الله خيرا فقد وجدناك وفيا كريما. قال: ~~فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، والله ما منعني من الإسلام عنده إلا مخافة ~~أن تظنوا أني إنما أردت أن آكل أموالكم، فلما أداها الله إليكم وفرغت منها أسلمت. وعاد إلى ~~المدينة ورد عليه النبي زينب. واستمرت قريش تفتدي أسراها. وكان الفداء يومئذ أربعة آلاف درهم ~~للرجل إلى ألف، إلا من لا شيء عنده فقد من عليه محمد بحريته. # لم يهون ذلك على قريش مصابها، ولا هو دعاها إلى أن تهادن محمدا أو أن تنسى هزيمتها؛ بل ~~ناحت نساء قريش من بعد ذلك على قتلاها شهرا كاملا، فجززن شعر رءوسهن، وكان يؤتى براحلة الرجل أو ~~بفرسه فينحن حولها؛ ولم يخالف في هذا إلا هند بنت عتبة زوج أبي سفيان. ولقد مشى نساء منهن ~~يوما إليها فقلن: ألا تبكين على أبيك وأخيك وعمك وأهل بيتك؟! فقالت: أنا أبكيهم فيبلغ محمدا ~~وأصحابه فيشمتوا بنا ويشمت بنا نساء الخزرج ؟! لا والله حتى أثأر من محمد وأصحابه! ms268 والدهن علي ~~حرام حتى نغزو محمدا! والله لو أعلم أن الحزن يذهب من قلبي لبكيت، ولكن لا يذهب إلا أن أرى ثأري ~~بعيني من قتلة الأحبة. ومكثت لا تقرب الدهن ولا تقرب فراش أبي سفيان وتحرض الناس حتى كانت وقعة ~~أحد. أما أبو سفيان فنذر بعد بدر ألا يمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو محمدا. # الفصل الرابع عشر # | بين بدر وأحد # (المسلمون واليهود - غزوة بني قينقاع - جلاء اليهود عن المدينة - قريش تتحرك - غزوة السويق - ~~القبائل تتحرك فتفر - هزيمة صفوان بن أمية) ~~*** # تركت بدر بمكة من عميق الأثر ما رأيت. تركت الحرص على الثأر من محمد والمسلمين يوم تتهيأ فرصة ~~الثأر. لكن أثرها بالمدينة كان أوضح وأكثر اتصالا بحياة محمد والمسلمين معه. فقد شعر اليهود ~~والمشركون والمنافقون بعد بدر بمزيد قوة المسلمين؛ ورأوا هذا الرجل الأجنبي الذي وفد عليهم منذ ~~أقل من عامين فارا مهاجرا من مكة، يزداد سلطانا وبأسا، ويكاد يكون صاحب الكلمة في أهل ~~المدينة جميعا لا في أصحابه وحدهم. وكان اليهود، على ما رأيت؛ قد بدأ تذمرهم من قبل بدر وبدأت ~~مناوشاتهم المسلمين، حتى لكأن ما بين الفريقين من عهد الموادعة هو الذي حال في أكثر من حادث دون ~~الانفجار. لذلك ما كاد المسلمون يعودون من بدر معتزين بالنصر حتى جعلت طوائف المدينة الأخرى ~~تتغامز وتأتمر، وحتى بدأت تغري بهم وترسل الأشعار في التحريض عليهم. # بذلك انتقل ميدان الثورة من مكة إلى المدينة. وانتقل من الدين إلى السياسة. فلم تبق دعوة محمد ~~إلى الله هي وحدها التي تحارب، بل كان كذلك سلطانه ونفوذ أمره موضع الرهبة والخوف، وكان لذلك ~~سبب الائتمار به والتفكير في اغتياله. ولم يكن محمد لتخفى عليه من ذلك كله خافية؛ بل كان يقع على ~~أخباره جميعا ويتصل بعلمه كل ما يدبر ضده، وجعلت النفوس من جانبي المسلمين واليهود تمتلئ ~~بالغل والضغينة شيئا فشيئا، رويدا رويدا، وجعل كل فريق يتربص بصاحبه الدوائر. # وكان المسلمون إلى حين نصرهم الله ببدر يخشون مواطنيهم من أهل المدينة، ms269 فلا تبلغ منهم الجرأة ~~إلى الاعتداء على من يعتدي على مسلم منهم. فلما عادوا منتصرين أخذ سالم بن عمير نفسه بالقضاء على ~~أبي عفك (أحد بني عمرو بن عوف)؛ لأنه كان يرسل الأشعار يطعن بها على محمد وعلى المسلمين، ويحرض ~~بها قومه على الخروج عليهم؛ وظل كذلك بعد بدر يغري بهم الناس. فذهب إلى سالم في ليلة صائفة كان ~~أبو عفك نائما فيها بفناء داره، فوضع سالم السيف على كبده حتى خش في الفراش. وكانت عصماء بنت ~~مروان (من بني أمية بن زيد) تعيب الإسلام وتؤذي النبي وتحرض عليه، وظلت كذلك إلى ما بعد بدر ~~فجاءها يوما عمير بن عوف في جوف الليل حتى دخل عليها بيتها وحولها نفر من ولدها نيام ومنهم من ~~ترضعه؛ وكان عمير ضعيف البصر، فجسها بيده فوجد الصبي ترضعه فنحاه عنها، ثم وضع سيفه في صدرها ~~حتى أنفذه من ظهرها. ورجع عمير من عند النبي بعد أن أخبره الخبر، فوجد بنيها في جماعة يدفنونها، ~~فأقبلوا عليه فقالوا: يا عمير أنت قتلتها؟ قال: «نعم! فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون. فوالذي نفسي ~~بيده لو قلتم بأجمعكم ما قالت لضربتكم بسيفي حتى أموت أو أقتلكم.» وقد كان من أثر جرأة عمير هذه ~~أن ظهر الإسلام في بني خطمة، وكانت عصماء زوجة رجل منهم، فأظهر منهم من كان يخفي إسلامه وانضم ~~إلى صف المسلمين وسار معهم. # ويكفي أن نضيف إلى هذين المثلين مصرع كعب بن الأشرف، وهو الذي قال حين علم بمقتل سادات مكة: ~~«هؤلاء أشراف العرب وملوك الناس. والله لئن كان محمد أصاب هؤلاء القوم لبطن الأرض خير من ظهرها.» ~~وهو الذي ذهب إلى مكة لما تيقن الخبر يحرض على محمد وينشد الأشعار ويبكي أصحاب القليب؛ وهو الذي ~~رجع بعد ذلك إلى المدينة فجعل يشبب بنساء المسلمين. وأنت تعرف طبائع العرب وأخلاقها، وتعرف مبلغ ~~تقديرهم للعرض وثورتهم من أجله. وقد بلغ غيظ المسلمين أنهم أجمعوا على قتل كعب، واجتمع في ذلك ~~عدة منهم؛ وذهب إليه أحدهم يستدرجه بالطعن ms270 على محمد إذ يقول له: كان قدوم هذا الرجل علينا بلاء ~~من البلاء؛ عادتنا العرب ورمونا على قوس واحدة، وقطعت عنا السبل حتى ضاع العيال وجهدت الأنفس. ~~ولما أنس إلى كعب وأنس إليه كعب طلب إليه مالا لنفسه ولجماعة من أصحابه على أن يرهنوه دروعهم؛ ~~ورضي كعب على أن يجيئوه من بعد. # وإنه لفي داره على بعد من المدينة إذ ناداه صدر الليل أبو نائلة (أحد المؤتمرين به) فنزل إليه ~~على رغم تحذير عروسه إياه النزول في مثل هذه الساعة من الليل. وسار الرجلان حتى التقيا بأصحاب أبي ~~نائلة وكعب آمن لا يخافهم. وخرج القوم يتماشون حتى مشوا ساعة بعدوا بها عن دار كعب وهم يتجاذبون ~~أطراف الحديث، ويذكرون من حالهم وما وصلوا إليه من شدة ما يزيد في طمأنينة كعب. وفيما هم يسيرون ~~كان أبو نائلة يضع يده في رأس كعب ويشمها ويقول: ما رأيت كالليلة طيبا أعطر قط. ولما لم تبق لدى ~~كعب شبهة فيهم، عاد أبو نائلة فوضع يده على شعر كعب ثم أخذ بفوديه وقال: اضربوا عدو الله فضربوه ~~بأسيافهم حتى مات. # زاد هذا الحادث في مخاوف اليهود، فلم يبق منهم إلا من يخاف على نفسه. مع ذلك لم يسكتوا عن ~~محمد ولا عن المسلمين حتى فاضت النفوس أي فيض. قدمت امرأة من العرب إلى سوق اليهود من بني قينقاع ~~ومعها حلية جلست إلى صائغ منهم بها، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها وهي تأبى، فجاء يهودي من خلفها ~~في سر منها فأثبت طرف ثوبها بشوكة إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوأتها فضحكوا بها فصاحت؛ فوثب رجل ~~من المسلمين على الصائغ - وكان يهوديا - فقتله، وشددت اليهود على المسلم فقتلوه. فاستصرخ أهل ~~المسلم المسلمين على اليهود، فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع. وطلب محمد إلى هؤلاء أن يكفوا عن ~~أذى المسلمين وأن يحفظوا عهد الموادعة أو ينزل بهم ما نزل بقريش. فاستخفوا بوعيده وأجابوه: «لا ~~يغرنك يا محمد أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة. ms271 إنا والله لئن حاربناك لتعلمن ~~أنا نحن الناس.» لم يبق بعد ذلك إلا مقاتلتهم أو يتعرض المسلمون ويتعرض سلطانهم بالمدينة ~~للتداعي، ثم يصبحوا أحدوثة قريش وقد جعلوا قريشا بالأمس أحدوثة العرب. # وخرج المسلمون فحاصروا بني قينقاع في دورهم خمسة عشر يوما متتابعة لا يخرج منهم أحد ولا يدخل ~~عليهم بطعام أحد، حتى لم يبق لهم إلا النزول على حكم محمد والتسليم بقضائه. وسلموا؛ فقرر محمد بعد ~~مشورة كبار المسلمين، قتلهم جميعا، فقام إليه عبد الله بن أبي بن سلول، وكان لليهود كما كان ~~للمسلمين حليفا، فقال: يا محمد أحسن في موالي. # فأبطأ عليه النبي فكرر الطلب، فأعرض النبي عنه فأدخل يده في جيب درع محمد فتغير محمد وقال له: ~~أرسلني؛ وغضب حتى رأوا لوجهه ظللا، ثم أعاد وأثر الغضب في نبرات صوته: «أرسلني ويحك!» قال ابن ~~أبي: لا والله لا أرسلك حتى تحسن في موالي! أربعمائة حاسر وثلاثمائة دارع قد منعوني من الأحمر ~~والأسود تحصدهم في غداة واحدة! إني والله امرؤ أخشى الدوائر. وكان عبد الله لا يزال ذا سلطان في ~~المشركين من الأوس والخزرج، وإن كان هذا السلطان ضعف بقوة المسلمين. فرأى النبي في إلحاحه ما جعله ~~يعود إلى سكينته، وخاصة بعد إذ جاء عبادة بن الصامت يحدثه بحديث ابن أبي؛ إذ ذاك رأى أن ~~يسدي هذه اليد إلى عبد الله وإلى المشركين موالي يهود جميعا حتى يصبحوا مدينين لإحسانه ورحمته؛ ~~على أن يجلو بنو قينقاع عن المدينة جزاء لهم على صنيعهم. # وقد حاول ابن أبي أن يتحدث مرة أخرى إلى محمد في بقائهم ومقامهم. لكن أحد المسلمين حال دون ~~ابن أبي ولقاء محمد واشتجر حتى شج عبد الله. فقالت بنو قينقاع: والله لا نقيم ببلد تشج فيه يا ابن ~~أبي ولا نستطيع عنك دفاعا. وعلى ذلك سار بهم عبادة بعد الذي كان من تسليمهم وإذعانهم تاركين ~~المدينة، تاركين وراءهم السلاح وأدوات الذهب الذي كانوا يصوغون، حتى بلغوا وادي القرى. هناك ~~أقاموا زمنا، ومن هناك احتملوا ما معهم، وساروا ms272 صوب الشمال حتى بلغوا أذرعات على حدود الشام، ~~وبها أقاموا. ولعلهم إنما استهوتهم إلى الشمال أرض المعاد التي كانت وما تزال تهوي إليها أفئدة ~~اليهود. # ضعفت بالمدينة شوكة اليهود بعد جلاء بني قينقاع عنها. فقد كان أكثر اليهود المنتسبين إلى ~~المدينة يقيمون بعيدا عنها بخيبر وبأم القرى. ولهذه النتيجة كان يقصد محمد من إجلائهم. وهذا ~~تصرف سياسي آية في الدلالة على الحكمة وبعد النظر. وهو مقدمة لم يكن منها بد للآثار السياسية ~~التي ترتبت بعد ذلك على خطة محمد؛ فليس شيء أضر على وحدة مدينة من المدن من تنازع الطوائف فيها. ~~وإذا كان نضال هذه الطوائف لا بد منه فهو لا بد منته إلى تغلب طائفة على سائرها غلبة تنتهي إلى ~~سيادتها. وقد تحدث بعض المؤرخين منتقدا تصرف المسلمين إزاء اليهود، زاعما أن حكاية المسلمة ~~التي ذهبت إلى الصائغ كان من اليسير إنهاؤها ما دام قد قتل من المسلمين رجل ومن اليهود رجل، وقد ~~نستطيع دفع هذا القول بأن مقتل اليهودي والمسلم لم يمح ما لحق من إهانة في شخص المرأة التي عبث ~~اليهودي بها، وأن مثل هذه المسألة عند العرب، أكثر منها عند غيرهم من الأمم، جديرة أن تثور لها ~~الثائرات، وأن يقوم من أجلها القتال بين قبيلتين أو طائفتين سنوات متتابعة. وفي تاريخ العرب من ~~ذلك أمثال يعرفها المطلعون على هذا التاريخ. # ولكن هنالك إلى جانب هذا الاعتبار اعتبارا آخر أقوى منه. فحادث المرأة كان من حصار بني ~~قينقاع وإجلائهم عن المدينة ما كان مقتل ولي عهد النمسا بسيراجيفو سنة 1914 من الحرب الكبرى التي ~~اشتركت فيها أوروبا جميعا. هو إنما كان الشرارة التي ألهبت ما تؤجج به نفوس المسلمين واليهود ~~جميعا لهبا أدى إلى انفجارها وإلى كل ما يحدث الانفجار من آثار. والحق أن وجود اليهود ~~والمشركين والمنافقين إلى جانب المسلمين بالمدينة وما أذكى ذلك من أسباب الفرقة، قد جعل المدينة - ~~من الناحية السياسية - على بركان لا مفر له من أن ينفجر؛ وقد كان حصار بني قينقاع ms273 وإجلاؤهم عن ~~المدينة أول مظاهر هذا الانفجار. # كان طبيعيا أن ينكمش غير المسلمين من أهل المدينة بعد إجلاء بني قينقاع عنها، وأن تبدو من ~~الهدوء والسكينة في المظهر الذي يعقب كل عاصفة وكل إعصار. وعلى هذا الهدوء ظل الناس شهرا كاملا ~~كان جديرا أن تتلوه أشهر لولا أن أبا سفيان لم يطق البقاء بمكة، قابعا تحت خزي هزيمة بدر، دون ~~أن يعيد إلى أذهان العرب بشبه الجزيرة أن قريشا ما تزال لها قوتها وعصبيتها ومقدرتها على الغزو ~~والقتال. لذلك جمع مائتين - وقيل أربعين - من رجال مكة وخرج فيهم مستخفين؛ حتى إذا كانوا على ~~مقربة من المدينة خرجوا سحرا فأتوا ناحية يقال لها العريض، فوجدوا رجلا من الأنصار وحليفا ~~له في حرث لهما فقتلوهما، وحرقوا بيتين بالعريض ونخيلا. ثم رأى أبو سفيان أن يمينه بغزو محمد ~~برت، فانكفأ هاربا خائفا أن يطلبه النبي وأصحابه. وندب محمد أصحابه فخرجوا في إثره وهو على ~~رأسهم حتى بلغوا قرقرة الكدر، وأبو سفيان ومن معه جادون في الفرار يتزايد خوفهم فيلقون ما ~~يحملون من زادهم من السويق، فإذا مر المسلمون به أخذوه. ولما رأى محمد أن القوم أمعنوا في الفرار ~~عاد وأصحابه إلى المدينة. وقد انقلب فرار أبي سفيان عليه بعد أن كان يحسب الغزوة ترفع رأس قريش من ~~مصاب بدر. وبسبب السويق الذي ألقت قريش سميت هذه الغزوة من غزوات محمد غزوة السويق. # استفاضت أنباء محمد هذه بين العرب جميعا. أما القبائل البعيدة عنه فظلت في مأمنها لا تعنى ~~إلا قليلا بأمر هؤلاء المسلمين الذين كانوا إلى يوم بدر - أي إلى أشهر قليلة خلت - أذلة يلتمسون ~~بالمدينة ملجأ، والذين أصبحوا اليوم يقفون في وجه قريش، ويجلون بني قينقاع، ويرسلون الرعب إلى ~~روع عبد الله بن أبي، ويطاردون أبا سفيان، ويظهرون مظهرا لم يكن من قبل مألوفا. فأما القبائل ~~القريبة من المدينة فقد بدأت ترى ما يتهدد مصيرها من قوة محمد وأصحابه، ومن تعادل هذه القوة وقوة ~~قريش بمكة تعادلا تخشى نتائجه. ذلك بأن طريق ms274 الشاطئ إلى الشام هي الطريق المعبدة المعروفة. ~~وتجارة مكة في مرورها بها تفيد هذه القبائل فائدة اقتصادية تذكر. وقد عاهد محمد كثيرا من القبائل ~~التي تتاخم الشاطئ، فهدد هذا الطريق وعرض رحلة الصيف لمخاطر قد تضطر معها قريش إلى العدول عن ~~متاخمة الشاطئ. فما عسى أن يصيب هذه القبائل إذا انقطعت تجارة قريش؟ وكيف تراهم يحتملون شظف ~~الحياة في هذه البقاع الشديدة الشظف بطبعها؟ فمن حقها إذن أن تفكر في مصيرها وفيما عسى أن يصيبها ~~من أثر هذا الموقف الجديد الذي لم يعرف قبل هجرة محمد وأصحابه إلى يثرب، والذي لم يصل إلى ما وصل ~~إليه من تهديد حياة هذه القبائل قبل بدر وانتصار المسلمين فيها. # لكن بدرا أدخلت الرعب في قلوب هذه القبائل. أفتراها تغير على المدينة وتحارب المسلمين، أم ~~ماذا تراها تصنع؟ بلغ محمدا أن جمعا من غطفان وسليم اعتزم الاعتداء على المسلمين؛ فخرج إلى ~~قرقرة الكدر ليأخذ عليهم الطريق. فلما وصل إلى ذلك المكان رأى آثار النعم ولم يجد في المجال ~~أحدا، فأرسل نفرا من أصحابه في أعلى الوادي وانتظر هو في بطنه. فلقي غلاما اسمه يسار، فسأله ~~فعلم منه أن الجمع ارتفع إلى الماء؛ فجمع المسلمون ما وجدوا من نعم فاقتسموه بعد أن أخذ محمد ~~الخمس، كنص القرآن. قيل: وكان ما غنموا خمسمائة بعير أخرج النبي خمسها وقسم الباقي، فأصاب كل رجل ~~بعيران. وبلغ محمدا أن جمعا من بني ثعلبة ومحارب بذي أمر قد تجمعوا يريدون أن يصيبوا من ~~أطرافه. فخرج عليه السلام في أربعمائة وخمسين من المسلمين، فلقي رجلا من ثعلبة فسأله عن القوم، ~~فدله الرجل على مكانهم وقال له: إنهم يا محمد إن سمعوا بمسيرك هربوا في رءوس الجبال، وأنا سائر ~~معك ودالك على عورتهم. فما لبث المغيرون حين سمعوا باقتراب محمد منهم أن فروا فوق الجبال. وبلغه ~~أن جمعا كبيرا من بني سليم ببحران تهيئوا لقتاله؛ فخرج في ثلاثمائة رجل فأغذوا السير، حتى إذا ~~كانوا دون بحران بليلة لقيهم رجل من بني سليم؛ ms275 فسأله محمد عنهم فأخبره أنهم تفرقوا وعادوا ~~أدراجهم. وكذلك كان هؤلاء الأعراب في فزع من محمد وفي قلق على مصيرهم، ما يكادون يفكرون في الكيد ~~لمحمد وفي السير لملاقاته حتى تنخلع قلوبهم لمجرد سماعهم بسيره لملاقاتهم. # وفي هذه الأثناء وقع مقتل كعب بن الأشرف على نحو ما قدمنا. فأصاب اليهود كذلك من الفزع ما ~~جعلهم يلزمون دورهم لا يخرج أحد منهم مخافة أن يصيبه ما أصاب كعبا. وزاد في فزعهم أن أهدر محمد ~~دماءهم بعد الذي كان من أمر بني قينقاع مما أدى إلى حصارهم. فجاءوا إلى محمد يشكون إليه أمرهم ~~ويذكرون له مقتل كعب غيلة بلا جرم ولا حدث علموه. فكان جوابه لهم: إنه آذانا وهجانا بالشعر ولو ~~قر كما قر غيره ممن هو على مثل رأيه ما أصابه شر. وبعد حديث طال بينهم دعاهم إلى أن يكتب معهم ~~كتابا يحترمونه. وخافت اليهود وذلت وإن بقي في نفسها من محمد ما بدا من بعد أثره. # ماذا تصنع قريش بتجارتها إلى الشام وقد أخذ محمد عليها طريقها؟ إن مكة تعيش من التجارة، فإذا ~~لم تجد الوسيلة إليها تعرضت لشر ما تتعرض له مدينة مثلها. وهذا محمد أراد حصارها والقضاء في ~~نفس العرب على مكانتها. وقف صفوان بن أمية يوما في قريش وقال لهم: «إن محمدا وأصحابه قد عوروا ~~علينا متجرنا، فما ندري كيف نصنع بأصحابه وهم لا يبرحون الساحل وأهل الساحل قد وادعوهم ودخل ~~عامتهم معه، فما ندري أين نسكن. وإن قمنا في دارنا هذا أكلنا رءوس أموالنا فلم يكن لها من بقاء. ~~وإنما حياتنا بمكة على التجارة إلى الشام في الصيف وإلى الحبشة في الشتاء.» قال له الأسود بن عبد ~~المطلب: تنكب الطريق على الساحل وخذ طريق العراق. ودله على فرات بن حيان من بني بكر بن وائل ~~يدلهم على الطريق. وقال لهم فرات: طريق العراق ليس يطؤها أحد من أصحاب محمد، فإنما هي أرض نجد ~~وفياف. لم يخف صفوان الفيافي أن كان الفصل شتاء وحاجتهم إلى الماء قليلة، ms276 وتجهز صفوان من الفضة ~~والبضائع بما قيمته مائة ألف درهم. وكان بمكة حين تدبير قريش خروج تجارتها يثربي (هو نعيم بن ~~مسعود الأشجعي) عاد إلى المدينة وجرى على لسانه ذكر حديث قريش وما صنعت لأحد المسلمين. فأسرع هذا ~~فنقل الخبر إلى محمد. وما لبث النبي أن بعث زيد بن حارثة في مائة راكب اعترضوا التجارة عند القردة ~~(ماء من مياه نجد) ففر الرجال وأصاب المسلمون العير؛ فكانت أول غنيمة ذات قيمة غنمها المسلمون، ~~وعاد زيد ومن معه؛ فخمسها محمد وقسم ما بقي على رجاله. وجيء بفرات بن حيان فعرض عليه أن يسلم ~~لينجو، فأسلم ونجا. # هل اطمأن محمد بعد هذا كله إلى أن الأمر قد استقر له؟ هل خدعه يومه عن غده؟ وهل خيل له فزع ~~القبائل منه وما غنم من قريش أن كلمة الله وكلمة رسوله قد اطمأنت ولم يبق للخوف عليها محل؟ وهل ~~جعله إيمانه بنصر الله إياه يلقي حبال الأمور على غواربها علما منه بأن الأمر كله لله؟ كلا؟ ~~فالأمر كله حقا لله، لكنك لن تجد لسنة الله تبديلا. وما ركب الله في النفوس من سلائق لا سبيل ~~إلى إنكاره وقريش لها سيادة العرب، وهي لا يمكن أن تني عن الأخذ بثأرها. وما أصاب قافلة صفوان بن ~~أمية لن يزيدها على الثأر إلا حرصا، وفي التهيؤ للأخذ به إلا شدة. وما كان شيء من هذا ليغيب عن ~~محمد وبعد نظره وسلامة سياسته، فلا بد له إذن من أن يزيد المسلمين به تعلقا وارتباطا، ومهما يكن ~~الإسلام قد شد من عزائمهم وجعلهم كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، فإن حسن رعايتهم تزيد عزائمهم ~~شدة وتضامنهم قوة. ومن حسن رعايتهم أن يزيد محمد رابطته بهم. # لهذا تزوج من حفصة بنت عمر بن الخطاب، كما تزوج من عائشة بنت أبي بكر من قبل، وكانت حفصة من ~~قبله زوج خنيس أحد السابقين إلى الإسلام، وقد مات عنها قبل زواج محمد بسبعة أشهر. وكما تزوج من ~~حفصة فزاد عمر بن الخطاب به تعلقا، ms277 زوج ابنته فاطمة من ابن عمه علي أشد الناس محبة للنبي ~~وإخلاصا له منذ طفولته. ولما كانت رقية ابنته قد اختارها الله إلى جواره، فقد زوج عثمان بن ~~عفان بعدها ابنته أم كلثوم. وكذلك جمع حوله برابطة المصاهرة أبا بكر وعمر وعثمان وعليا، وجمع ~~بذلك أربعة من أقوى المسلمين الذين كانوا معه، بل أقواهم إن شئت. بهذا كفل للمسلمين مزيدا من ~~القوة، كما كفل لهم بما غنموا في مغازيهم إقداما على الحرب يجمع فيها الرجل بين الجهاد في سبيل ~~الله والغنم من المشركين. وهو في هذه الأثناء يتتبع بدقة كل الدقة أخبار قريش وما تعد. فقد ~~كانت قريش تعد للثأر ولتفتح لنفسها طريق التجارة إلى الشام، حتى لا تهوي مكانة مكة التجارية ~~ومكانتها الدينية إلى حيث لا تقوم لها من بعد ذلك قائمة. # الفصل الخامس عشر # | غزوة أحد # (استعداد قريش بمكة - خروجها للغزو - كيف علم به محمد # صلى الله عليه وسلم ~~- تشاور المسلمين في التحصن ~~بالمدينة أو الخروج لملاقاة العدو - انتصار المسلمين ثم هزيمتهم - خروج النبي من المدينة غداة أحد ~~ليلحق بالمنتصرين فيغزوهم - عودة أبي سفيان وقريش إلى مكة) ~~*** # لم يهدأ منذ بدر لقريش بال، ولم تغنها غزوة السويق شيئا، وزادتها سرية زيد بن حارثة التي ~~أخذت تجارتهم حين سلوكها سبيل العراق إلى الشام حرصا على الثأر وادكارا لقتلى بدر. وكيف لقريش ~~نسيانهم وهم أشراف مكة وساداتها وذوو النخوة والكرامة من كبارها؟! وكيف لها نسيانهم وما تزال نساء ~~مكة تذكر كل منهن في القتلى لها ابنا أو أخا أو أبا أو زوجا أو حميما، فهي له تتوجع وعليه ~~تبكي وتولول؟! هذا، وكانت قريش - منذ قدم أبو سفيان بن حرب بالعير التي كانت سبب بدر من الشام ~~وعاد الذين شهدوا بدرا وسلموا من القتل فيها - قد وقفت العير بدار الندوة، واتفق كبراؤها: جبير ~~بن مطعم وصفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل والحارث بن هشام وحويطب بن عبد العزى وغيرهم، على أن ~~تباع العير وأن تعزل أرباحها وأن يجهز بها جيش ms278 لقتال محمد، جرار في عدده وعدته، وأن تستنفر ~~بها القبائل ليشاركوا قريشا في أخذهم بالثأر من المسلمين. وقد استنفروا معهم أبا عزة الشاعر الذي ~~عفا عنه النبي من أسرى بدر، كما استنفروا معهم من اتبعهم من الأحابيش. وأصرت النسوة من قريش على ~~أن يسرن مع الغزاة. فتشاور القوم؛ فمن قائل بخروجهن، «فإنه أقمن أن يحفظكم # 1 # ويذكركم قتلى بدر، ونحن قوم مستميتون لا نريد أن نرجع إلى دارنا حتى ندرك ثأرنا أو ~~نموت دونه.» # ومن قائل: «يا معشر قريش! هذا ليس برأي أن تعرضوا حرمكم لعدوكم، ولا آمن أن تكون الدبرة # 2 # عليكم فتفضحوا في نسائكم.» وبينما هم يتشاورون صاحت هند بنت عتبة زوج أبي سفيان بمن ~~يعترض خروج النساء: «إنك والله سلمت يوم بدر فرجعت إلى نسائك. نعم نخرج فنشهد القتال، ولا يردنا ~~أحد كما ردت الفتيات في سفرهم إلى بدر حين بلغوا الجحفة # 3 # فقتلت الأحبة يومئذ أن لم يكن معهم من يحرضهم.» وخرجت قريش ومعها نساؤها وعلى رأسهن ~~هند وهي أشدهن على الثأر حرقة، أن قتل يوم بدر أبوها وأخوها وأعز الناس عليها - خرجت قريش تقصد ~~المدينة في ثلاثة ألوية عقدت في دار الندوة، وعلى اللواء الأكبر منها طلحة بن أبي طلحة، وهم ~~ثلاثة آلاف، ليس بينهم غير مائة رجل من ثقيف، وسائرهم من مكة سادتها ومواليها وأحابيشها. وقد ~~أخذوا معهم من العدة والسلاح الشيء الكثير، وقادوا مائتي فرس وثلاثة آلاف بعير، ومن بينهم سبعمائة ~~دارع. # تهيأ القوم للمسير بعد أن أجمعوا عليه والعباس بن عبد المطلب عم النبي بينهم واقف على أمرهم ~~مطلع على كل دقيق وجليل من شأنهم. وكان العباس على حرصه على دين آبائه ودين قومه يحس لمحمد شعور ~~العصبية وشعور الإعجاب، ويذكر له حسن معاملته إياه يوم بدر. ولعل الإعجاب والعصبية اللذين جعلاه ~~يشهد مع محمد بيعة العقبة الكبرى ويخاطب الأوس والخزرج بأنهم إن لم يكونوا مانعي ابن أخيه مما ~~يمنعون منه نساءهم وأولادهم فليدعوه إلى أهله يذودون عنه ذيادهم من قبل، هما ms279 اللذان دفعاه حين ~~أجمعت قريش المسير في هذا العدد العظيم إلى أن يكتب كتابا يصف فيه صنيعهم وجمعهم وعدتهم وعديدهم، ~~ويدفع به إلى رجل غفاري يسير به إلى النبي حتى يبلغ المدينة في ثلاثة أيام فيدفعه إليه. فأما ~~قريش فسارت حتى بلغت الأبواء، ومرت بقبر آمنة بنت وهب، فدفعت الحمية بعض الطائشين منها إلى ~~التفكير في نبشه. ولكن زعماءها أبوا عليهم هذه الفعلة، حتى لا تكون سنة عند العرب، وقالوا لا ~~تذكروا من هذا شيئا؛ فلو فعلنا نبشت بنو بكر وبنو خزاعة موتانا. وتابعت قريش مسيرها حتى بلغت ~~العقيق، ثم نزلت عند السفوح من جبل أحد على خمسة أميال من المدينة. # وبلغ الغفاري الذي بعثه العباس بن عبد المطلب بكتابه المدينة، فوجد محمدا بقباء، فذهب إليه ~~فألفاه على باب المسجد هناك يركب حماره، فدفع إليه الكتاب، فقرأه عليه أبي بن كعب، فاستكتمه محمد ~~ما فيه وعاد إلى المدينة فقصد إلى سعد بن الربيع في داره فقص عليه ما بعث العباس به إليه ~~واستكتمه أيضا إياه. على أن زوج سعد كانت بالمنزل وكانت تسمع ما دار فلم يبق سرا. وبعث محمد ~~ابني فضالة أنسا ومؤنسا يتنطسان خبر قريش، فألفياها قاربت المدينة وأطلقت خيلها وإبلها ترعى ~~زروع يثرب المحيطة بها. وبعث محمد من بعدهما الحباب بن المنذر بن الجموح. فلما جاءه من خبرهم ~~بالذي أخبره العباس أخذته عليه السلام الحيرة. وخرج سلمة بن سلامة، فإذا طليعة خيل قريش تقارب ~~المدينة وتكاد تدخلها، فعاد فخبر قومه بما رأى. فخشي الأوس والخزرج وأهل المدينة جميعا عاقبة هذه ~~الغزوة التي أعدت لها قريش خير ما أعدت في تاريخ حروبها؛ حتى لقد بات وجوه المسلمين من أهل ~~المدينة وعليهم السلاح بالمسجد خوفا على النبي، وحرست المدينة كلها طيلة الليل. فلما أصبحوا جمع ~~النبي أهل الرأي من المسلمين ومن المتظاهرين بالإسلام - أو المنافقين على ما كانوا يدعون يومئذ ~~وما نعتوا في القرآن - وجعلوا يتشاورون؛ كيف يلقون عدوهم ... # رأى النبي - عليه السلام - أن يتحصنوا بالمدينة وأن يدعوا قريشا ms280 خارجها، فإذا حاولوا ~~اقتحامها كانوا أهلها فكانوا أقدر على دفعهم والتغلب عليهم. ورأى عبد الله بن أبي بن سلول رأي ~~النبي وقال: «لقد كنا يا رسول الله نقاتل فيها ونجعل النساء والأطفال في هذه الصياصي ونجعل معهم ~~الحجارة، ونشبك المدينة بالبنيان، فتكون كالحصن من كل ناحية، فإذا أقبل العدو رمته النسوة ~~والأطفال بالحجارة وقابلناه بأسيافنا في السكك، إن مدينتنا يا رسول الله عذراء ما فضت علينا ~~قط، وما دخل علينا عدو فيها إلا أصبناه، وما خرجنا إلى عدو قط منها إلا أصاب منا، فدعهم يا رسول ~~الله وأطعني في هذا الأمر؛ فإني ورثت هذا الرأي عن أكابر قومي وأهل الرأي منهم.» # وكان كلام ابن أبي هذا هو رأي الأكابر من أصحاب الرسول من المهاجرين ومن الأنصار، كما كان ~~رأي الرسول عليه السلام. لكن فتيانا ذوي حمية لم يشهدوا بدرا، ورجالا شهدوها وأمتعهم الله ~~بالنصر فيها وملأ الإيمان قلوبهم أن ليس لقوة أن تغالبهم أو تتغلب عليهم، أحبوا الخروج إلى العدو ~~وملاقاته حيث نزل، مخافة أن يظن أنهم كرهوا الخروج وتحصنوا بالمدينة جبنا عن لقائه. ثم إنهم ~~إلى جانب المدينة وعلى مقربة منها أقوى منهم يوم كانوا ببدر لا يعرف أهلوهم من أمرهم شيئا. قال ~~قائل منهم: «إني لا أحب أن ترجع قريش إلى قومها فيقولون حصرنا محمدا في صياصي يثرب وآطامها فتكون ~~هذه مجرئة لقريش. وها هم هؤلاء قد وطئوا سعفنا فإذا لم نذب عن عرضنا # 4 # لم يزرع، وإن قريشا قد مكثت حولا تجمع الجموع وتستجلب العرب من بواديها ومن تبعها ~~من أحابيشها، ثم جاءونا قد قادوا الخيل وامتطوا الإبل حتى نزلوا بساحتنا أفيحبسوننا في بيوتنا ~~وصياصينا، ثم يرجعون وافرين لم يكلموا! لئن فعلنا لازدادوا جرأة، ولشنوا الغارات علينا وأصابوا ~~من أطرافنا، ووضعوا العيون والأرصاد على مدينتنا، ثم لقطعوا الطريق علينا.» وتعاقب الدعاة إلى ~~الخروج يتحدث كل حديثه ويذكرون جميعا أنهم إذا أظفرهم الله بعدوهم فذلك الذي أرادوا، وذلك الذي ~~وعد الله رسوله بالحق، وإن هم انهزموا واستشهدوا كانت ms281 لهم الجنة. # وهز حديث الشجاعة وحديث الاستشهاد القلوب، واستنفر روح الجماعة الأنفس لتجري كلها في هذا ~~التيار، ولتتحدث كلها على هذه النغمة، فلم يبق تلك اللحظة أمام الجمع الماثل في حضرة محمد الممتلئ ~~القلب بالإيمان بالله ورسوله وكتابه وحسابه، إلا صورة الظفر بهذا العدو المعتدي تفرقه سيوفهم ~~أيدي سبأ، ويبعثه بأسهم بددا شذر مذر، وتستولي أيديهم على مغانمه ومحارمه؛ وصورة الجنة أعدت ~~للذين قتلوا في سبيل الله، فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين يلقون فيها أحبتهم الذين شهدوا ~~بدرا واستشهدوا فيها، # لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما * إلا قيلا سلاما سلاما ~~. # 5 # قال خيثمة أبو سعد بن خيثمة: «عسى الله أن يظفرنا بهم أو تكون الأخرى فهي الشهادة. لقد ~~أخطأتني وقعة بدر وكنت عليها حريصا، حتى بلغ من حرصي عليها أن ساهمت ابني في الخروج، فخرج سهمه ~~فرزق الشهادة. وقد رأيت ابني البارحة في النوم وهو يقول: الحق بنا ترافقنا في الجنة، فقد وجدت ما ~~وعدني ربي حقا. وقد - والله يا رسول الله - أصبحت مشتاقا إلى مرافقته في الجنة؛ وقد كبرت سني ~~ورق عظمي وأحببت لقاء ربي.» فلما ظهرت الكثرة واضحة في جانب الذين يقولون بالخروج إلى العدو ~~وملاقاته قال لهم محمد: إني أخاف عليكم الهزيمة؛ فأبوا مع ذلك إلا الخروج. فلم يكن له إلا أن ينزل ~~على رأيهم. وقد كانت الشورى أساس نظامه لهذه الحياة، فلم يكن ينفرد بأمر إلا ما أوحي إليه من عند ~~الله. # وكان اليوم يوم جمعة، فصلى النبي بالناس، وأخبرهم أن لهم النصر ما صبروا، وأمرهم بالتهيؤ ~~لعدوهم. ودخل محمد بيته بعد صلاة العصر ودخل معه أبو بكر وعمر فعمماه وألبساه درعه، وتقلد سيفه، ~~والناس أثناء غيبته هذه في جدل يتحاورون. قال أسيد بن حضير وسعد بن معاذ، وكانا ممن أشاروا ~~بالتحصن بالمدينة، للذين رأوا الخروج منها: «لقد رأيتم رسول الله يرى التحصن بالمدينة، فقلتم ما ~~قلتم واستكرهتموه على الخروج وهو له كاره، فردوا الأمر إليه، فما أمركم فافعلوا، وما رأيتم له فيه ~~هوى أو ms282 رأيا فأطيعوه.» ولان الداعون للخروج لما سمعوا، وحسبوا أنهم خالفوا الرسول إلى شيء قد ~~يكون لله فيه آية. فلما خرج النبي إليهم لابسا درعه متقلدا سيفه أقبل عليه الذين كانوا يرون ~~الخروج فقالوا: «ما كان لنا يا رسول الله أن نخالفك، فاصنع ما بدا لك، وما كان لنا أن نستكرهك؛ ~~والأمر إلى الله ثم إليك.» قال محمد: «قد دعوتكم إلى هذا الحديث فأبيتم. وما ينبغي لنبي إذا لبس ~~لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين أعدائه. انظروا ما آمركم به فاتبعوه، والنصر لكم ما ~~صبرتم.» وكذلك وضع محمد إلى جانب مبدأ الشورى أساس النظام. فإذا تم للكثرة رأي بعد بحث، لم يكن ~~لها أن تنقضه لهوى أو لغاية، بل يجب أن ينفذ الأمر على أن يحسن من يتولى تنفيذه ويوجهه إلى حيث ~~يتحقق نجاحه. # وتقدم محمد بالمسلمين متجها إلى أحد، حتى نزل الشيخين. # 6 # وهناك بصر بكتيبة لا يعرف أهلها، فسأل عنها فقيل: هؤلاء حلفاء ابن أبي من يهود. قال ~~عليه السلام: لا يستنصر بأهل الشرك على أهل الشرك ما لم يسلموا، فانصرف اليهود عائدين إلى ~~المدينة. إذ ذاك جعل حلفاء ابن أبي يقولون له: لقد نصحته وأشرت عليه برأي من مضى من آبائك فكان ~~رأيه مع رأيك، ثم أبى أن يقبله وأطاع الغلمان الذين معه. وصادف حديثهم هوى من نفس ابن أبي؛ ~~فلما أصبحوا انخذل مع كتيبة من أصحابه. وبقي النبي ومعه المؤمنون حقا وعدتهم سبعمائة، ليقاتلوا ~~ثلاثة آلاف قرشي من أهل مكة كلهم موتور من يوم بدر، وكلهم على ثأره حريص. # وسار المسلمون مع الصبح حتى بلغوا أحدا، فاجتازوا مسالكه وجعلوه إلى ظهورهم. وجعل محمد ~~يصف أصحابه، وقد وضع منهم خمسين من الرماة على شعب في الجبل وقال لهم: «احموا لنا ظهورنا فإنا ~~نخاف أن يجيئونا من ورائنا. والزموا مكانكم لا تبرحوا منه. وإن رأيتمونا نهزمهم حتى ندخل عسكرهم ~~فلا تفارقوا مكانكم. وإن رأيتمونا نقتل فلا تعينونا ولا تدافعوا عنا. وإنما عليكم أن ترشقوا ~~خيلهم بالنبل؛ فإن ms283 الخيل لا تقدم على النبل.» ثم نهى غير الرماة أن يقاتل أحد حتى يأمر هو ~~بالقتال. # فأما قريش فصفت صفوفها، وجعلت على الميمنة خالد بن الوليد، وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل، ~~ودفعت اللواء إلى عبد العزى طلحة بن أبي طلحة. وجعلت نساء قريش يمشين خلال صفوفها يضربن ~~بالدفوف والطبول، فيكن تارة في مقدمة الصفوف وتارة في مؤخرتها، وعلى رأسهن هند بنت عتبة زوج أبي ~~سفيان وهن يقلن: # ويها بني عبد الدار # ويها حماة الأدبار # ضربا بكل بتار # ويقلن: # إن تقبلوا نعانق # ونفرش النمارق # أو تدبروا نفارق # فراق غير وامق # واستعد الفريقان للقتال وكل يحرض رجاله. فأما قريش فتذكر بدرا وقتلاها. وأما المسلمون ~~فيذكرون الله ونصره. ومحمد يخطب ويحض على القتال، ويعد رجاله النصر ما صبروا. مد يده بسيف فقال: ~~من يأخذ هذا السيف بحقه؟ فقام إليه رجال فأمسكه عنهم، حتى قام أبو دجانة سماك بن خرشة أخو بني ~~ساعدة فقال: وما حقه يا رسول الله؟ فقال: أن تضرب به في العدو حتى ينحني. وكان أبو دجانة رجلا ~~شجاعا له عصابة حمراء، إذا اعتصب بها علم الناس أنه سيقاتل وأنه أخرج عصابة الموت. فأخذ السيف ~~وأخرج عصابته وعصب بها رأسه، وجعل يتبختر بين الصفين على عادته إذ يختال عند الحرب. فلما رآه محمد ~~يتبختر قال: «إنها لمشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن.» # وكان أول من أنشب الحرب بين الفريقين أبو عامر عبد عمرو بن صيفي الأوسي، وكان قد انتقل من ~~المدينة إلى مكة يحرض قريشا على قتال محمد، ولم يكن شهد بدرا، فخرج في أحد في خمسة عشر رجلا ~~من الأوس، وفي عبيد أهل مكة؛ وكان يزعم أنه إذا نادى أهله المسلمين من الأوس الذين يحاربون في صف ~~محمد استجابوا له وانحازوا معه ونصروا قريشا. فخرج فنادى: يا معشر الأوس: أنا أبو عامر. فأجابه ~~الأوس المسلمون: لا أنعم الله بك عينا يا فاسق! ثم نشب القتال بينهم. وحاول عبيد قريش وحاول ~~عكرمة بن أبي جهل، وكان على الميسرة، أن ms284 يأخذوا المسلمين من جناحهم، ولكن المسلمين رشقوهم ~~بالحجارة حتى ولى أبو عامر ومن معه مدبرين. هنالك صاح حمزة بن عبد المطلب صيحة القتال يوم أحد: ~~«أمت، أمت.» واندفع إلى قلب جيش قريش. وصاح طلحة بن أبي طلحة حامل لواء أهل مكة: من يبارز؟! ~~فبرز له علي بن أبي طالب والتقيا بين الصفين، فبادره علي بضربة فلقت هامته. واغتبط النبي ~~وكبر المسلمون وشدوا واندفع أبو دجانة وفي يده سيف النبي وعلى رأسه عصابة الموت، فجعل لا يلقى ~~أحدا إلا قتله حتى شق صفوف المشركين، فرأى إنسانا يخمش # 7 # الناس خمشا شديدا، فحمل عليه بالسيف فولول، فإذا هند بنت عتبة فارتد عنها مكرما ~~سيف الرسول أن يضرب به امرأة. # واندفعت قريش إلى القتال يثور في عروقها طلب الثأر لمن مات من أشرافها وسادتها منذ عام ببدر. ~~ووقفت بذلك قوتان غير متكافئتين في العدد ولا في العدة، يحرك الكثرة العظيمة ثأر لا يهدأ منذ بدر ~~في النفوس ثائره، ويحرك الفئة القليلة عاملان: الدفاع عن العقيدة وعن الإيمان وعن دين الله، ~~والدفاع عن الوطن وعما يشتمل عليه هذا الوطن من مصالح. فأما المطالبون بالثأر فكانوا أعز نفرا ~~وأكثر جندا، وكان من ورائهم الظعن يحركنهم، وقد أعدت غير واحدة منهن مولى وعدته الخير الوفير ~~لينتقم لها ممن فجعها ببدر في أب أو أخ أو زوج أو عزيز. كان حمزة بن عبد المطلب، من أعظم أبطال ~~العرب وشجعانهم، وكان قد قتل يوم بدر عتبة أبا هند، كما قتل أخاها ونكل بكثير من الأعزة عليها. ~~وكان يوم أحد كما كان يوم بدر أسد الله وسيفه البتار. قتل أرطأة بن عبد شرحبيل. وقتل سباع بن عبد ~~العزى الغبشاني. وجعل يهذ # 8 # كل من لقي بسيفه فتسيل من جسده روحه. وكانت هند بنت عتبة قد وعدت وحشيا الحبشي مولى ~~جبير خيرا كثيرا إن هو قتل حمزة، كما قال له جبير بن مطعم مولاه وكان عمه قد قتل ببدر: إن قتلت ~~حمزة عم محمد فأنت عتيق. روى وحشي قال: «فخرجت ms285 مع الناس ، وكنت رجلا حبشيا أقذف بالحربة قذف ~~الحبشة قلما أخطئ بها شيئا. فلما التقى الناس خرجت أنظر حمزة وأتبصره، حتى رأيته في عرض ~~الناس مثل الجمل الأورق # 9 # يهذ الناس سيفه هذا، فهززت حربتي حتى إذا رضيت عنها دفعتها عليه فوقعت في ثنته # 10 # حتى خرجت من بين رجليه، وتركته وإياها حتى مات، ثم أتيته فأخذت حربتي ورجعت إلى ~~المعسكر وقعدت فيه، ولم يكن لي بغيره حاجة. إنما قتلته لأعتق. فلما قدمت مكة أعتقت.» # أما المدافعون عن الوطن فكان لهم مثل في قزمان أحد المنافقين الذين أظهروا الإسلام. تخلف عن ~~الخروج يوم خرج المسلمون لأحد. فلما أصبح عيره نساء بني ظفر فقلن: يا قزمان، ألا تستحي لما صنعت؟! ~~ما أنت إلا امرأة، خرج قومك فبقيت في الدار. فدخل قزمان بيته مغيظا محنقا فأخرج فرسه وجعبته ~~وسيفه، وكان يعرف بالشجاعة، فخرج يعدو حتى كان عند الجيش والنبي يسوي صفوف المسلمين، فتخطاها ~~حتى كان في الصف الأول منها، وكان أول من رمى بنفسه من المسلمين، وجعل يرسل نبلا كأنها الرماح، ~~فلما كان آخر النهار فضل الموت على الفرار وقتل نفسه بعد أن أصاب من قريش سبعة رجال في سويعة غير ~~من قتل منهم بدء المعركة. ومر به أبو الغيداق وهو يسلم الروح، فقال له: «هنيئا لك الشهادة يا ~~قزمان!» قال قزمان: «إني والله ما قاتلت يا أبا عمرو على دين. ما قاتلت إلا على الحفاظ أن تسير ~~قريش إلينا فتقتحم حرمنا وتطأ سعفنا، والله إن قاتلت إلا عن أحساب قومي، ولولا ذلك ما ~~قاتلت.» # أما المؤمنون حقا، وكان عددهم لا يزيد على سبعمائة يقاتلون ثلاثة آلاف، فقد رأيت من فعال ~~حمزة وأبي دجانة ما يصور لك صورة من قوتهم المعنوية؛ قوة انثنت أمامها صفوف قريش وكأنها ~~الخيزران، وتراجع أمامها أبطال قريش وكانوا بين العرب مضرب المثل في الإقدام والشجاعة. وكان ~~لواؤهم لا يسقط من يد حامله حتى يأخذه خلفه. حمل عثمان بن أبي طلحة اللواء بعد أن قتل علي طلحة ~~بن ms286 أبي طلحة، فلقي مصرعه على يد حمزة. وحمله أبو سعد بن أبي طلحة وصاح: أتزعمون أن قتلاكم في ~~الجنة وقتلانا في النار؟! والله إنكم لتكذبون. ولو كنتم تؤمنون حقا فليتقدم منكم من يقاتلني. ~~وضربه علي أو سعد بن أبي وقاص بسيفه ضربة فلقت هامته. وتعاقبت حملة اللواء من بني عبد الدار حتى ~~قتل منهم تسعة، كان آخرهم صؤاب الحبشي غلام بني عبد الدار، وقد ضربه قزمان على يده اليمنى، ~~فتناول اللواء باليسرى، فقطعها قزمان بسيفه، فضم صؤاب اللواء بذراعيه إلى صدره ثم حنى عليه ظهره ~~وهو يقول: يا بني عبد الدار، هل أعذرت؟ وقتله قزمان أو قتله سعد بن أبي وقاص، على خلاف في ~~الرواية. فلما قتل أصحاب اللواء انكشف المشركون منهزمين لا يلوون على شيء حتى أحيط بنسائهم، وحتى ~~وقع الصنم الذي احتملوه يتيامنون به من فوق الجمل الذي كان يحمله ومن خلال الهودج الذي كان ~~يحتويه. # والحق أن ظفر المسلمين في صبيحة يوم أحد كان معجزة من معجزات الحرب، قد يفسرها بعضهم بمهارة ~~محمد في وضعه الرماة في شعب الجبل يصدون الفرسان بالنبل فلا يتقدمون ولا يأتون المسلمين من خلفهم. ~~وهذا حق. ولكن من الحق أيضا أن ست المائة من المسلمين الذين هاجموا عددا يوازي خمسة أمثالهم، ~~وعدة في مثل هذه النسبة، إنما دفعهم إلى معجزات البطولة التي أتوا شيء أعظم من مهارة القيادة: ~~ذلك هو الإيمان، الإيمان الصادق بأنهم على الحق. ومن آمن بالحق لم تزعجه قوة مادية مهما عظمت، ولم ~~تضعضع من عزمته كل قوات الباطل وإن اجتمعت. وهل رأيت مهارة القيادة وحدها كانت تغني والرماة الذين ~~وضعهم النبي في الشعب لم يكونوا إلا خمسين، فلو أن مائتين أو ثلاثمائة رجل هاجموهم مستقتلين لما ~~ثبتوا ولا صبروا أمامهم. لكن القوة الكبرى، قوة الفكر، قوة العقيدة، قوة الإيمان الصادق بالحق ~~العلي الأعلى، هذه القوة لا غالب لها ما أراد صاحبها وجه الحق وحده. ولذلك تمزقت قريش في ثلاثة ~~آلاف من فرسانها أمام هجمات ستمائة مسلم. وأوشكت نسوتها ms287 أن يؤخذن أسرى ذليلات . وتبع المسلمون ~~عدوهم يضعون السلاح فيه حيث شاءوا حتى بعد عن معسكره؛ فجعل المسلمون ينتهبون الغنيمة، وما أكثر ما ~~كانت! وصرفهم ذلك عن اتباع عدوهم ابتغاء عرض الدنيا. # ورآهم الرماة الذين أمرهم الرسول ألا يبرحوا الشعب ولو رأوه وأصحابه يقتلون، فقال بعضهم لبعض ~~وقال سال لمرأى الغنيمة لعابهم: «لم تقيمون ههنا في غير شيء وقد هزم الله عدوكم وهؤلاء إخوانكم ~~ينتهبون عسكرهم، فادخلوا فاغنموا مع الغانمين.» قال قائل منهم: «ألم يقل لكم رسول الله لا تبرحوا ~~مكانكم وإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا؟!» قال الأولون: «لم يرد رسول الله أن نبقى بعد أن أذل ~~الله المشركين.» واختلفوا فخطبهم أميرهم عبد الله بن جبير أن لا يخالفوا أمر الرسول، فعصاه أكثرهم ~~وانطلقوا ولم يبق معه إلا نفر دون العشرة. واشترك المنطلقون في النهب وشغلوا كما شغل سائر ~~المسلمين به. إذ ذاك اهتبل الفرصة خالد بن الوليد، وكان على فرسان مكة، فشد برجاله على مكان ~~الرماة فأجلاهم. ولم يفطن المسلمون لفعله لأنهم شغلوا عنه وعن كل شيء بهذه الغنائم يعبون منها، ~~حتى ولم يبق رجل منهم وقع في يده شيء إلا أخذه. وإنهم لكذلك إذ صاح ابن الوليد صيحة أدركت قريش ~~معها أنه دار برجاله وراء جيش المسلمين. # عند ذلك عاد منهم كل منهزم فأثخنوا في المسلمين ضربا وقتلا. وهناك دارت الدائرة؛ فألقى كل ~~مسلم ما كان بيده مما انتهب وعاد إلى سيفه يسله ليقاتل به. ولكن هيهات هيهات! لقد تفرقت الصفوف ~~وتمزقت الوحدة وابتلع البحر اللجي من رجال قريش هذه الصفوة من المسلمين كانت إلى ساعة تقاتل بأمر ~~ربها تنضح عن إيمانها، وهي الساعة تقاتل لتنجو من براثن الموت ومخالب المذلة. وكانت تقاتل متراصة ~~متضامنة، وهي الآن تقاتل مبعثرة متناكرة. وكانت تقاتل تحت قيادة قوية حازمة حكيمة، وهي الآن تقاتل ~~ولا قيادة لها. فلم يكن عجبا أن ترى مسلما يضرب مسلما بسيفه وهو لا يكاد يعرفه. وصاح صائح ~~بالناس: إن محمدا قد قتل، فازدادت الفوضى وعظمت البلبلة، واختلف ms288 المسلمون وصاروا يقتتلون ويضرب ~~بعضهم بعضا وهم لا يشعرون لما هم فيه من العجلة والدهش. قتل المسلمون مواطنهم المسلم حسيل بن ~~جابر أبا حذيفة وهم لا يعرفونه. وكان أكبر هم كل مسلم أن ينجو بنفسه إلا من عصم الله؛ من ~~أمثال علي بن أبي طالب. # على أن قريشا ما لبثت حين سمعت بمقتل محمد أن تدافعت تدافع السيل إلى الناحية التي كان فيها. ~~وكل يريد أن يكون له في قتله أو التمثيل به ما يفاخر الأجيال به. هنالك أحاط المسلمون القريبون ~~بنبيهم يدافعون عنه ويحمونه، وقد عاد الإيمان فملأ نفوسهم وملك قلوبهم وحبب إليهم الموت وهون ~~عليهم الحياة الدنيا. وزادهم إيمانا واستماتة أن رأوا الحجارة التي تقذفها قريش قد أصابت النبي ~~فوقع لشقه فأصيبت رباعيته، وشج في وجهه، وكلمت شفته، ودخلت حلقتان من المغفر الذي يستر به ~~وجهه في وجنته. وكان رامي الحجر الذي أصابه عتبة بن أبي وقاص. وتمالك الرسول وسار وأصحابه من ~~حوله، فإذا به يقع في حفرة حفرها أبو عامر ليقع فيها المسلمون. هنالك أسرع إليه علي بن أبي طالب ~~فأخذ بيده ورفعه طلحة بن عبيد الله حتى استوى وجعل يسير وأصحابه، متسلقين أحدا ناجين من العدو ~~واتباعه إياهم. # وفي لحظة قاموا كان قد اجتمع حولهم من المسلمين من استماتوا في الدفاع عن رسول الله استماتة ~~لا يقهر صاحبها أبدا. كانت أم عمارة الأنصارية قد خرجت أول النهار ومعها سقاء فيه ماء تدور به ~~على المسلمين المجاهدين تسقي منهم من استسقى. فلما انهزم المسلمون ألقت سقاءها واستلت سيفا وقامت ~~تباشر القتال تذب عن محمد بالسيف وترمي عن القوس، حتى خلصت الجراح إليها. وترس أبو دجانة بنفسه ~~دون رسول الله، فحنى ظهره والنبل يقع فيه. ووقف سعد بن أبي وقاص إلى جانب محمد يرمي بالنبل دونه ~~ومحمد يناوله النبل ويقول له: ارم فداك أبي وأمي. وكان محمد قبل ذلك يرمي بنفسه عن قوسه حتى اندقت ~~سيتها. هذا، فأما الذين ظنوا محمدا قد مات ومن بينهم أبو بكر وعمر ms289 فانتحوا الجبل وألقوا ~~بأيديهم . فرآهم أنس بن النضر فقال: ما يجلسكم؟ قالوا: قتل رسول الله. قال: فما تصنعون بالحياة ~~بعد؟! قوموا فموتوا على ما مات عليه؛ ثم استقبل القوم فقاتل قتالا شديدا وأبلى بلاء منقطع ~~النظير، حتى إنه لم يقتل إلا بعد أن ضرب سبعين ضربة، وحتى إنه لم يعرفه أحد إلا أخته عرفته من ~~بنانه. # وفرحت قريش بما اعتقدت من موت محمد، فراح أبو سفيان يفتقده في القتلى؛ ذلك بأن الذين كانوا ~~ينضحون عنه عليه السلام لم يكذب أحد منهم خبر قتله إطاعة لأمره حتى لا تتكاثر عليهم قريش ~~فتغلبهم دونه. على أن كعب بن مالك أقبل إلى ناحية أبي دجانة ومن معه فعرف محمدا حين رأى عينيه ~~تزهران تحت المغفر فنادى بأعلى صوته: يا معشر المسلمين أبشروا! هذا رسول الله؛ فأشار النبي إليه ~~ليسكت. لكن المسلمين ما لبثوا حين عرفوا أن نهضوا بالنبي ونهض هو معهم نحو الشعب، ومن حوله أبو ~~بكر وعمر وعلي بن أبي طالب والزبير بن العوام ورهط غيرهم. وكان لصيحة كعب عند قريش كذلك أثرها. ~~صحيح أن أكثرهم لم يصدقها وحسبها صيحة أريد بها شد عزائم المسلمين، إلا أن بعضهم اندفع وراء ~~محمد والذين ساروا معه. # وقد أدركهم أبي بن خلف وهو يقول: أين محمد؟ لا نجوت إن نجا! فطعنه الرسول بحربة الحارث بن ~~الصمة طعنة جعلته يتقلب على فرسه ويعود أدراجه ليموت في الطريق. فلما انتهى المسلمون إلى فم الشعب ~~خرج علي فملأ درقته ماء، فغسل محمد به الدم عن وجهه وصب منه على رأسه؛ ونزع أبو عبيدة بن ~~الجراح حلقتي المغفر من وجه الرسول فسقطت ثنيتاه. وإنهم لكذلك إذ علا خالد بن الوليد على رأس ~~فرسان معه الجبل، فقاتلهم عمر بن الخطاب ورهط من أصحاب الرسول فردوهم، وازداد المسلمون في الجبل ~~تصعيدا وقد نهكهم التعب وهدهم الجهد، حتى صلى النبي الظهر قاعدا من الجراح التي أصابته، وصلى ~~المسلمون خلفه قعودا. # فأما قريش فطارت بنصرها سرورا وحسبت نفسها انتقمت لبدر أشد الانتقام؛ حتى ms290 صاح أبو سفيان: ~~«يوم بيوم بدر والموعد العام المقبل.» وأما هند بنت عتبة زوجه فلم يكفها النصر، ولم يكفها قتل ~~حمزة بن عبد المطلب، بل انطلقت هي والنسوة اللاتي معها يمثلن بالقتلى من المسلمين تجدعن الآذان ~~والأنوف، وجعلت هند لنفسها منها قلائد وأقراطا، ثم إنها بقرت بطن حمزة وجذبت بين يديها كبده ~~وجعلت تلوكها بأسنانها فلا تستطيع أن تسيغها. وبلغ من شناعة ما فعلت وما فعلت النسوة ممن معها، بل ~~ما فعل الرجال كذلك من الفظائع، أن تبرأ أبو سفيان من تبعتها، وأعلن أنه لم يأمر به وإن كان قد ~~اشترك فيه، بل قال يخاطب أحد المسلمين: «إنه قد كان في قتلاكم مثل، والله ما رضيت وما سخطت وما ~~نهيت وما أمرت.» # وانصرفت قريش بعد أن دفنت قتلاها؛ وعاد المسلمون إلى الميدان لدفن قتلاهم. وخرج محمد يلتمس ~~عمه حمزة. فلما رآه قد بقر بطنه ومثل به حزن من أجله أشد الحزن وقال: «لن أصاب بمثلك أبدا. ما ~~وقفت موقفا قط أغيظ إلي من هذا.» ثم قال: «والله لئن أظهرنا الله عليهم يوما من الدهر لأمثلن ~~بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب.» وفي هذا نزل قوله تعالى: # وإن ~~عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير ~~للصابرين * واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن ~~عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون # 11 # فعفا رسول الله وصبر ونهى عن المثلة، وسجى حمزة ببرده وصلى عليه. وجاءت أخته صفية ~~بنت عبد المطلب، فنظرت إليه وصلت عليه واستغفرت له. ودفن حمزة، وأمر النبي بالقتلى فدفنوا حيث ~~لقوا مصارعهم، وانصرف المسلمون إلى المدينة ومحمد على رأسهم، تاركين وراءهم سبعين من القتلى؛ يحز ~~في نفوسهم الألم لما أصابهم من هزيمة من بعد نصر، ومن مذلة وهوان بعد ظفر لا ظفر مثله؛ وذلك كله ~~لعصيان الرماة أمر النبي واشتغال المسلمين عن العدو بغنائمه. # ودخل النبي إلى بيته وجعل يفكر. ها هم أولاء أهل يثرب من اليهود والمنافقين والمشركين يظهرون ~~السرور أشد السرور لما كانت ms291 من هزيمته وهزيمة أصحابه. وهذا سلطان المسلمين بالمدينة كان قد استقر ~~فلم يبق لأحد أن ينازع فيه، وها هو يوشك أن يضطرب ويتزعزع. وهذا عبد الله بن أبي بن سلول قد خرج ~~على الجماعة وعاد من أحد ولم يشترك في القتال بدعوى أن محمدا لم يسمع رأيه، أو أن محمدا غضب ~~على مواليه من اليهود. فلو أن هزيمة أحد بقيت الكلمة الأخيرة بين المسلمين وقريش لهان أمر محمد ~~وأصحابه على العرب، ولتضعضع سلطانهم بيثرب، ولكانوا عرضة لاستخفاف قريش بهم وإرسالها دعابة السخر ~~والاستهزاء منهم في أنحاء شبه الجزيرة جميعا. ولئن حدث هذا لجاء في أثره اجتراء المشركين ~~وعباد الأوثان على دين الله فتكون الطامة الكبرى. فلا بد إذن من ضربة جريئة تخفف من وقع هزيمة ~~أحد وترد إلى المسلمين قوتهم المعنوية، وتدخل إلى روع اليهود والمنافقين الرهبة وتعيد إلى محمد ~~وأصحابه سلطانهم بيثرب قويا كما كان. # فلما كان الغد من يوم أحد، وكان الأحد لست عشرة ليلة مضت من شوال، أذن مؤذن النبي في ~~المسلمين بطلب العدو واستنفرهم لمطاردته، على ألا يخرج إلا من حضر الغزوة. وخرج المسلمون فوقع في ~~روع أبي سفيان أن أعداءه جاءوا من المدينة بمدد جديد فخاف لقاءهم. وبلغ محمد حمراء الأسد، # 12 # وكان أبو سفيان وأصحابه بالروحاء فمر به معبد الخزاعي، وكان قد مر بمحمد ومن معه، ~~فسأله عن شأنهم فأجابه معبد - وكان لا يزال على الشرك: «إن محمدا قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع ~~لم أر مثله قط، وقد اجتمع معه من كان قد تخلف عنه، وكلهم أشد ما يكون عليكم حنقا ومنكم للثأر ~~طلبا.» على أن أبا سفيان فكر فيما يكون لفراره من محمد ومن عدم مواجهته إياه بعد انتصاره عليه ~~بأحد من الأثر. أفلا تقول العرب في قريش ما كان يود هو أن تقوله في محمد وأصحابه؟ # ولكن هبه رجع إلى محمد فهزمه المسلمون، إذن ليكونن ذلك القضاء الأخير على قريش قضاء لا تقوم ~~لها من بعده قائمة أبدا. فلجأ إلى ms292 الحيلة، فبعث مع ركب من عبد القيس يقصدون المدينة أن يبلغوا ~~محمدا أنه قد أجمع السير إليه وإلى أصحابه ليستأصل بقيتهم. فلما أبلغ الركب الرسالة إلى محمد ~~بحمراء الأسد لم يتضعضع عزمه ولم تهن قوته، بل ظل في مكانه يوقد النار طيلة الليل ثلاثة أيام ~~متتابعة، ليدل قريشا على أنه على عزمه وأنه منتظر رجعتهم. وأخيرا تزعزعت # 13 # همة أبي سفيان وقريش، وآثروا أن يبقوا على نصرهم بأحد وعادوا أدراجهم ميممين مكة. ~~ورجع محمد إلى المدينة وقد استرد كثيرا من مكانة تزعزعت على أثر أحد، وإن كان المنافقون قد ~~بدءوا يرفعون رءوسهم ضاحكين من المسلمين يسألونهم: إذا كانت بدر آية من الله برسالة محمد فماذا ~~عسى أن تكون آية أحد وماذا تكون دلالتها؟! # الفصل السادس عشر # | آثار أحد # (ائتمار القبائل المجاورة بالمسلمين - غزوة بني أسد - أمر الهذلي - مقتل خبيب وأصحابه بالرجيع - ~~مقتل المسلمين ببئر معونة - إجلاء بني النضير عن المدينة - غزوة بدر الآخرة - غزوة دومة ~~الجندل) ~~*** # عاد أبو سفيان من أحد إلى مكة، وقد سبقته إليها أخبار النصر، ممتلئ النفس غبطة وسرورا بما ~~زال عن قريش من عار بدر. ولم يلبث حين بلغها أن قصد الكعبة قبل أن يدخل إلى بيته، وبها رفع إلى ~~كبير آلهتهم هبل آي الثناء والحمد؛ ثم حلق لمته ورجع إلى داره موفيا نذره ألا يقرب زوجه حتى ~~ينتصر على محمد. أما المسلمون فألفوا المدينة وقد تنكر لهم الكثير من أمرها، على رغم مطاردتهم ~~عدوهم وثباتهم له ثلاثة أيام سويا من غير أن يجترئ على الرجعة إليهم وهو المنتصر قبل أربع ~~وعشرين ساعة عليهم. ألفوا المدينة وقد تنكر لهم الكثير من أمرها وإن بقي سلطان محمد فيها السلطان ~~الأعلى، وشعر عليه السلام بدقة الموقف وحرج المركز، لا في المدينة وحدها، بل كذلك عند قبائل العرب ~~ممن كان الرعب منه قد داخل نفوسها؛ قد ردت أحد إليها من السكينة ما سمح لها أن تفكر في معارضته ~~ومناوأته. لذلك حرص على أن يقف من أخبار أهل المدينة ومن ms293 أخبار العرب جميعا، على ما يمكنه من ~~استعادة مكانة المسلمين وسطوتهم وهيبتهم في النفوس. # وكان أول ما بلغه بعد شهرين من أحد أن طليحة وسلمة ابني خويلد، وكانا على رأس بني الأسد، ~~يحرضان قومهما ومن أطاعهما يريدان مهاجمة المدينة والسير إلى محمد في عقر داره ليصيبوا من ~~أطرافه وليغنموا من نعم المسلمين التي ترعى الزروع المحيطة بمدينتهم. وغنما شجعهم على ذلك ~~اعتقادهم أن محمدا وأصحابه لا يزالون مضعضعين من أثر أحد. فما لبث النبي حين اتصل به الخبر أن ~~دعا إليه أبا سلمة بن عبد الأسد وعقد له لواء سرية تبلغ عدتها مائة وخمسين، منهم أبو عبيدة بن ~~الجراح، وسعد بن أبي وقاص، وأسيد بن حضير، وأمرهم بالسير ليلا والاستخفاء نهارا وسلوك طريق غير ~~مطروق حتى لا يطلع أحد على خبرهم، فيفجئوا العدو بالإغارة عليه على غرة منه، ونفذ أبو سلمة ما ~~أمر به حتى جاء القوم ولم يستعدوا لنضال، فأحاط بهم في عماية الصبح، وحض رجاله وحرضهم على ~~الجهاد؛ فلم يستطع المشركون أن يثبتوا لهم، فوجه لواءين في طلبهم وطلب الغنيمة، وأقام هو ومن ~~معه حتى عاد المطاردون بما غنموا، فنحوا الخمس لله ورسوله وللمسكين وابن السبيل، واقتسموا ~~الباقي ورجعوا إلى المدينة ظافرين وقد أعادوا إلى النفوس من هيبة المسلمين شيئا مما ضيعت أحد. ~~على أن أبا سلمة لم يعش بعد السرية طويلا؛ فقد كان جرح بأحد ولم يكن التئام جرحه إلا ظاهرا. ~~فلما جهد نفسه نغر الجرح # 1 # وظل به حتى قضى عليه. # واتصل بمحمد من بعد ذلك أن خالد بن سفيان بن نبيح الهذلي مقيم بنخلة أو بعرنة، وأنه يجمع ~~الناس ليغزوه، فدعا إليه عبد الله بن أنيس وبعثه يتجسس حتى يقف على جلية الخبر، وسار عبد الله حتى ~~لقي خالدا وهو في ظعن يرتاد لهن منزلا. فلما انتهى إليه سأله خالد: من الرجل؟ فأجابه: أنا رجل ~~من العرب سمع بك وبجمعك لمحمد فجاءك لذلك. فلم يخف خالد أنه يجمع الجمع ليغزو المدينة. ولما رآه ~~عبد الله ms294 في عزلة من الرجال وليس معه إلا أولئك النسوة استدرجه للمسير معه، حتى إذا أمكنته منه ~~الفرصة حمل عليه بالسيف فقتله، ثم ترك ظعائنه منكبات عليه يبكينه، وعاد إلى المدينة فأخبر الرسول ~~الخبر. وهدأت بنو لحيان من هذيل بعد موت زعيمها زمنا، ثم فكرت تحتال لتثأر له. # في هذا الحين وفد رهط من قبيلة تجاورهم إلى محمد يقولون له: إن فينا إسلاما، فابعث معنا ~~نفرا من أصحابك يعلموننا شرائعه ويقرئوننا القرآن. وكان محمد يبعث من أصحابه كلما دعي إلى ذلك ~~ليؤدوا هذه المهمة الدينية السامية، وليدعوا الناس إلى الهدى ودين الحق، وليكونوا لمحمد وأصحابه ~~عونا على خصومهم وأعدائهم، على نحو ما رأيت من ذلك كله فيمن بعثهم إلى المدينة على أثر العقبة ~~الكبرى. لذلك بعث ستة من كبار أصحابه خرجوا مع الرهط وساروا معهم. فلما كانوا جميعا على ماء ~~لهذيل بالحجاز بناحية تدعى الرجيع، غدروا بهم واستصرخوا عليهم هذيلا. ولم يرع المسلمين الستة وهم ~~في رحالهم إلا الرجال بأيديهم السيوف قد غشوهم؛ فأخذ المسلمون أسيافهم ليقاتلوا. لكن هذيلا قالت ~~لهم: إنا والله ما نريد قتلكم؛ ولكنا نريد أن نصيب بكم مكة، ولكم عهد الله وميثاقه ألا نقتلكم. ~~ونظر المسلمون بعضهم إلى بعض وقد أدركوا أن الذهاب بهم إلى مكة فرادى إنما هو المذلة والهوان وما ~~هو شر من القتل، فأبوا ما وعدت هذيل. وانبروا لقتالها، وهم يعلمون أنهم في قلة عددهم لا يطيقونه. ~~وقتلت هذيل ثلاثة منهم ولان الثلاثة الباقون. # فأمسكت بتلابيبهم وأخذتهم أسرى، وخرجت بهم إلى مكة تبيعهم فيها. فلما كانوا في بعض الطريق ~~انتزع عبد الله بن طارق أحد المسلمين الثلاثة يده من غل الأسر ثم أخذ سيفه؛ فاستأخر عنه القوم ~~وطفقوا يرجمونه بالحجارة حتى قتلوه، أما الأسيران الآخران فقدمت بهما هذيل مكة وباعتهما من أهلها. ~~باعت زيد بن الدثنة لصفوان بن أمية الذي اشتراه ليقتله بأبيه أمية بن خلف؛ فدفع به إلى مولاه ~~نسطاس ليقتله. فلما قدم سأله أبو سفيان: أنشدك الله يا زيد، أتحب أن محمدا ms295 الآن عندنا في مكانك ~~تضرب عنقه وأنت في أهلك؟ قال زيد: والله ما أحب أن محمدا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة ~~تؤذيه وأنا جالس في أهلي! فعجب أبو سفيان وقال: ما رأيت من الناس أحدا يحبه أصحابه ما يحب أصحاب ~~محمد محمدا. وقتل نسطاس زيدا، فذهب شهيد أمانته لدينه ولنبيه. # أما خبيب فحبس حتى خرجوا به ليصلبوه؛ فقال لهم: إن رأيتم أن تدعوني حتى أركع ركعتين فافعلوا؛ ~~فأجازوه فركع ركعتين أتمهما وأحسنهما، ثم أقبل على القوم وقال: أما والله لولا أن تظنوا أني إنما ~~طولت جزعا من القتل لاستكثرت من الصلاة. ورفعوه إلى خشبة؛ فلما أوثقوه إليها نظر إليهم بعين ~~مغضبة وصاح: «اللهم أحصهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تغادر منهم أحدا.» فأخذت القوم الرجفة من ~~صيحته، واستلقوا إلى جنوبهم حذر أن تصيبهم لعنته، ثم قتلوه. # وكذلك استشهد خبيب كما استشهد زيد في سبيل بارئه وسبيل دينه ونبيه. وكذلك ارتفع إلى السماء ~~هذان الروحان الطاهران وكان في استطاعة صاحبيهما أن يستنقذاهما من القتل إن رضيا الردة عن دينهما ~~لكنهما في يقينهما بالله وبالروح وبيوم البعث، يوم تجزى كل نفس بما كسبت ولا تزر وازرة وزر أخرى، ~~رأيا الموت، وهو غاية كل حي، خير ما يكون غاية للحياة في سبيل العقيدة وفي سبيل الإيمان بالحق؛ ~~ولكنهما آمنا بأن دمهما الزكي الطهور الذي أريق على أرض مكة سيدعو إليها إخوانهم المسلمين ~~يدخلونها فاتحين يحطمون أصنامها، ويطهرونها من رجس الوثنية والشرك، ويردون فيها إلى الكعبة بيت ~~الله ما يجب لبيت الله من تقديس وتنزه عن أن يذكر فيه اسم غير اسم الله. # لا يقف المستشرقون من هذا الحادث وقوفهم عند أسيري بدر اللذين قتلهما المسلمون، ولا يحاولون ~~أن يستنكروا هذا الغدر برجلين بريئين لم يؤخذا في حرب وإنما أخذا خداعا وسارا بأمر الرسول ليعلما ~~من غدروا بهما ومن أسلموهما إلى قريش بعد أن قتلوا زملاءهم غيلة وبغيا. وهم لا يستنكرون ما صنعت ~~قريش بالرجلين الأعزلين، مع أن ما صنعته بهما شر ms296 مثل للجبن وللعدوان الدنيء. ولقد كانت أولى مبادئ ~~الإنصاف تقتضي المستشرقين، الذين أنكروا ما فعل المسلمون بأسيري بدر، أن يكونوا أشد استنكارا ~~لغدر قريش وغدر الذين أسلموا إليها الرجلين لقتلهما، بعد أن قتلوا الأربعة الرجال الذين جاءوا ~~وإياهم إجابة لطلبهم ليدلوهم على الحق ويفقهوهم في الدين. # حزن المسلمون وحزن محمد لما أصاب أصحابهم الستة الذين استشهدوا في سبيل الله بغدر هذيل بهم، ~~وأرسل حسان بن ثابت أشعاره يرثي فيها خبيبا وزيدا أحر الرثاء. وازداد محمد تفكيرا في أمر ~~المسلمين وخشي إن تكررت مثل هذه الأمور أن تستخف العرب بشأنهم. ولا شيء أقتل لهيبتك من استخفاف ~~غيرك بشأنك. وإنه لفي تفكيره إذ قدم عليه أبو براء عامر بن مالك ملاعب الأسنة؛ فعرض محمد عليه أن ~~يسلم فلم يقبل، ولكنه لم يظهر للإسلام عداوة، بل قال: يا محمد، لو بعثت رجالا من أصحابك إلى أهل ~~نجد فدعوهم إلى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك. فخاف محمد على أصحابه من أهل نجد وخشي أن يغدروا بهم ~~كما غدرت هذيل بخبيب وأصحابه. ولم يقتنع ولم يجب طلب أبي براء، حتى قال: أنا لهم جار، فابعثهم ~~فليدعوا إلى أمرك. وكان أبو براء رجلا مسموع الكلمة في قومه لا يخاف من أجاره عادية أحد عليه. ~~وبعث محمد المنذر بن عمرو أخا بني ساعدة في أربعين رجلا من خيار المسلمين. فساروا ونزلوا بئر ~~معونة بين أرض بني عامر وحرة بني سليم، ومن هناك بعثوا حرام بن ملحان إلى عامر بن الطفيل بكتاب ~~محمد فلم ينظر عامر الكتاب بل قتل الرجل واستصرخ بني عامر كي يقتلوا المسلمين. فلما أبوا أن ~~يخفروا ذمة أبي براء وجواره استصرخ عامر قبائل أخرى أجابته وخرجت معه حتى أحاطوا بالمسلمين في ~~رحالهم فلما رآهم المسلمون أخذوا سيوفهم وقاتلوا حتى قتلوا عن آخرهم، لم ينج منهم إلا كعب بن زيد؛ ~~إذ تركه ابن الطفيل وبه رمق، فعاش ولحق بالمدينة، وإلا عمرو بن أمية الذي أعتقه عامر بن الطفيل عن ~~رقبة زعم أنها كانت على أمه. ms297 ولقي عمرو رجلين في الطريق حين عودته بعد انطلاقه، فحسبهما من القوم ~~الذين عدوا على أصحابه، فأمهلهما حتى إذا ناما عدا عليهما فقتلهما، وتابع مسيره حتى بلغ المدينة، ~~فأخبر الرسول - عليه السلام - بما صنع فإذا الرجلان عامريان من قوم أبي براء، وإذا معهما عقد جوار ~~من رسول الله اقتضاه أن يؤدي ديتهما. # وجد محمد لقتلى بئر معونة أشد الوجد، وحزن من أجلهم أعمق الحزن، وقال: هذا عمل أبي براء، لقد ~~كنت كارها متخوفا وشق على أبي براء إخفار عامر بن الطفيل إياه، حتى لقد ذهب ابنه ربيعة فطعن ~~عامرا بالرمح انتقاما منه لأبيه. وبلغ من حزن محمد أنه ظل شهرا كاملا يدعو الله بعد أداء ~~فريضة الفجر لينتقم لهم من قتلتهم. وتأثر المسلمون جميعا لهذه الكارثة التي أصابت إخوانهم في ~~الدين. وإن آمنوا بأنهم جميعا استشهدوا، وبأنهم جميعا لهم الجنة. # ووجد أهل المدينة من المنافقين واليهود فيما أصاب المسلمين بالرجيع وبئر معونة ما أعاد إلى ~~ذاكرتهم انتصار قريش بأحد، وما أنساهم نصر المسلمين على بني أسد، وما أضعف في نفوسهم من هيبة ~~محمد وأصحابه. وفكر النبي - عليه السلام - في هذه الحالة تفكير سياسي دقيق النظر بعيد مرامي ~~الرأي. فليس شيء أشد على المسلمين يومئذ خطرا من أن تضعف في نفوس مساكنيهم بالمدينة هيبتهم، وليس ~~شيء يطمع قبائل العرب فيهم مثل أن تشعر بهذا الانقسام الداخلي يوشك أن يثير حربا أهلية إذا غزا ~~المدينة غاز من جيرانها. ثم إنه رأى اليهود والمنافقين كأنهم يتربصون به الدوائر؛ فقدر أن لا ~~شيء خير من أن يستدرجهم لتتضح نياتهم. ولما كان اليهود من بني النضير حلفاء لبني عامر، فقد ذهب ~~إلى محلتهم على مقربة من قباء، في عشرة من كبار المسلمين بينهم أبو بكر وعمرو وعلي، وطلب إليهم ~~معاونتهم في دية القتيلين اللذين قتل عمرو بن أمية خطأ، ومن غير أن يعلم أن محمدا ~~أجارهما. # فلما ذكر لهم ما جاء فيه أظهروا الغبطة والبشر وحسن الاستعداد لإجابته. لكنه ما لبث أثناء ~~تبسط بعضهم معه ms298 أن رأى سائرهم يتآمرون، ويذهب أحدهم إلى ناحية ، ويبدو عليهم كأنهم يذكرون مقتل كعب ~~بن الأشرف، ويدخل أحدهم (عمرو بن جحاش بن كعب) البيت الذي كان محمد مستندا إلى جداره. إذ ذاك ~~رابه أمرهم، وزاده ريبة ما كان يبلغه من حديثهم عنه وائتمارهم به. لذلك ما لبث أن انسحب من مكانه ~~تاركا أصحابه وراءه يظنون أنه قام لبعض أمره. أما اليهود فقد اختلط عليهم الأمر ولم يعودوا ~~يعرفون ما يقولون لأصحاب محمد ولا ما يصنعون بهم. فإن هم غدروا بهم فمحمد لا ريب منتقم منهم شر ~~انتقام. وإن هم تركوهم فلعل ائتمارهم بحياة محمد وأصحابه لا يكون قد افتضح فيظل ما بينهم وبين ~~المسلمين من عهد قائما. وحاولوا أن يقنعوا ضيوفهم المسلمين بما يزيل ما قد يكون رابهم من غير أن ~~يشيروا إلى شيء منه. لكن أصحاب محمد استبطئوه فقاموا في طلبه، فلقوا رجلا مقبلا من المدينة ~~عرفوا منه أن محمدا دخلها وأنه قصد توا إلى المسجد فيها، فذهبوا إليه. # فلما ذكر لهم ما رابه من أمر اليهود ومن اعتزامهم الغدر به وتنبهوا إلى ما كانوا رأوا، آمنوا ~~بنفاذ بصيرة الرسول وما أوحي إليه. وبعث النبي يدعو إليه محمد بن مسلمة وقال له: «اذهب إلى يهود ~~بني النضير وقل لهم: إن رسول الله أرسلني إليكم أن اخرجوا من بلادي؛ لقد نقضتم العهد الذي جعلت ~~لكم بما هممتم به من الغدر بي. لقد أجلتكم عشرا، فمن رئي بعد ذلك ضربت عنقه.» وأبلست # 2 # بنو النضير، فلم يجدوا لهذا الكلام دفعا ولم يحيروا عنه جوابا إلا أن قالوا لابن ~~مسلمة: «يا محمد، ما كنا نرى أن يأتي بهذا رجل من الأوس.» وذلك إشارة إلى تحالفهم وإياهم من قبل ~~في حرب الخزرج. فكان كل ما أجاب به ابن مسلمة: «تغيرت القلوب.» # ومكث القوم على ذلك أياما يتجهزون وإنهم لكذلك إذ جاءهم رسولان من عند عبد الله بن أبي ~~يقولان: لا تخرجوا من دياركم وأموالكم، وأقيموا في حصونكم فإن معي ألفين من قومي وغيرهم ms299 من العرب ~~يدخلون معكم حصنكم ويموتون عن آخرهم قبل أن يوصل إليكم. وتشاورت بنو النضير في مقالة ابن أبي ~~وهم أشد ما يكونون حيرة؛ فمنهم من لم يكن له بابن أبي أية ثقة. ألم يعد بني قينقاع من قبل مثل ~~ما يعد بني النضير اليوم، فلما جد الجد تخلى عنهم وولى مدبرا؟ وهم يعلمون أن بني قريظة لا ~~ينصرونهم لما بينهم وبين محمد من عهد. ثم إنهم جلوا عن ديارهم إلى خيبر أو إلى محلة قريبة، ~~استطاعوا أن يعودوا حين يثمر نخيلهم إلى يثرب، يجنون ثمره ويعودون أدراجهم فلا يكونون قد خسروا ~~كثيرا. قال كبيرهم حيي بن أخطب: كلا بل أنا مرسل إلى محمد: إنا لا نخرج من ديارنا وأموالنا، ~~فليصنع ما بدا له، وما علينا إلا أن نرم حصوننا ندخل إليها ما شئنا، وندرب أزقتنا وننقل ~~الحجارة إليها، وعندنا من الطعام ما يكفينا سنة، وماؤنا لا ينقطع، ولن يحصرنا محمد سنة كاملة. ~~وانقضت الأيام العشرة ولم يخرجوا من ديارهم. # فأخذ المسلمون السلاح وساروا إليهم فقاتلوهم عشرين ليلة، وكانوا أثناءها إذا ظهروا على الدرب ~~أو الديار تأخر اليهود إلى الديار التي من بعدها بعد تخريبهم إياها. ثم أمر محمد أصحابه أن يقطعوا ~~نخل اليهود وأن يحرقوه حتى لا تبقى اليهود في شدة تعلقها بأموالها تتحمس للقتال وتقدم عليه. ~~وجزع اليهود ونادوا: يا محمد، قد كنت تنهى عن الفساد، وتعيبه على من صنعه، فما بال قطع النخل ~~وتحريقها؟! وفي ذلك نزل قوله تعالى: # ما قطعتم من لينة أو ~~تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي ~~الفاسقين ~~. # 3 # وعبثا انتظر اليهود نصر ابن أبي أو تقدم أحد من العرب لنجدتهم، حتى لم يبق لديهم ريبة في ~~سوء مصيرهم إذا أصروا على متابعة القتال. فلما ملأ اليأس قلوبهم رعبا، سألوا محمدا أن يؤمنهم ~~على أموالهم ودمائهم وذراريهم حتى يخرجوا من المدينة. فصالحهم محمد على أن يخرجوا منها، ولكل ~~ثلاثة منهم بعير يحملون عليه ما شاءوا من مال أو طعام أو شراب، وليس لهم ms300 غيره. واحتمل اليهود على ~~رأسهم حيي بن أخطب، فنزل خيبر منهم من نزل وسار آخرون إلى أذرعات بالشام، وتركوا وراءهم للمسلمين ~~مغانم كثيرة من غلال وسلاح بلغ خمسين درعا وثلاثمائة وأربعين سيفا، ثم كان ما خلت اليهود من ~~الأرض التي كانوا يملكون خير ما غنم المسلمون. على أن هذه الأرض لم تعتبر أسلاب حرب، ولذلك لم ~~تقسم بين المسلمين، بل كانت لرسول الله خاصة يضعها حيث يشاء. وقد قسمها على المهاجرين الأولين ~~دون الأنصار بعد أن استبقى قسما خصصت غلته للفقراء والمساكين. وبذلك أصبح المهاجرون في غنى عن ~~معونة الأنصار. وأصبح لهم مثل ثروتهم. ولم يشترك في القسمة من الأنصار إلا أبو دجانة وسهل بن ~~حنيف، فقد ذكرا فقرا فأعطاهما محمد كما أعطى المهاجرين، ولم يسلم من يهود بني النضير غير رجلين ~~أسلما على أموالهما فأحرزاها. # ليس من العسير أن يقدر الإنسان قيمة نصر المسلمين وإجلاء بني النضير عن المدينة بعد الذي ~~قدمنا من تقدير الرسول - عليه السلام - لما كان يخلقه بقاؤهم من تشجيع عوامل الفتنة، ومن دعوة ~~المنافقين إلى أن يرفعوا رءوسهم كلما أصاب المسلمين شر، ومن التهديد بالحرب الأهلية إذا غزا ~~المسلمين غاز من الأعداء. وفي جلاء بني النضير نزلت سورة الحشر، وفيها: # ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من ~~أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا ~~أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون * لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ~~ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون * لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم ~~قوم لا يفقهون # 4 # وتجري السورة بعد ذلك بذكر الإيمان وسلطانه، الإيمان بالله وحده لا تعرف النفس ~~الإنسانية التي تعرف قيمتها وكرامتها لغيره سلطانا: # هو الله الذي لا ~~إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم * هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام ~~المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما ~~يشركون * هو الله الخالق البارئ المصور له ms301 ~~الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو ~~العزيز الحكيم ~~. # 5 # كان كاتب سر النبي، إلى حين إجلاء بني النضير عن المدينة، من اليهود؛ ليتسنى له أن يبعث من ~~الرسائل بالعبرية والسريانية ما يريده. فلما جلا اليهود خاف النبي أن يستعمل في أسراره غير مسلم، ~~فأمر فتعلم زيد بن ثابت من شبان المدينة المسلمين اللغتين المذكورتين، وأصبح كاتب سر النبي في كل ~~شئونه. وزيد بن ثابت هذا هو الذي جمع القرآن في خلافة أبي بكر، وهو الذي عاد فراقب الجمع حين ~~اختلفت القراءات في خلافة عثمان، فوضع مصحف عثمان وأحرقت سائر المصاحف. # اطمأنت المدينة بعد إجلاء بني النضير عنها، فلم يعد المسلمون يخشون المنافقين فيها، واغتبط ~~المهاجرون بما أصابوا من أرض اليهود؛ واغتبط الأنصار باستغناء المهاجرين عن معونتهم؛ وتنفسوا ~~جميعا الصعداء، وكانت فترة سكينة وهدوء وطمأنينة استراح إليها المهاجرون والأنصار جميعا. وظلوا ~~كذلك، حتى إذا استدار العام منذ أحد ذكر محمد - عليه السلام - قولة أبي سفيان: «يوم بيوم بدر ~~والموعد العام المقبل.» ودعوته محمدا للقائه ببدر مرة أخرى. وكان العام عام جدب. وكان أبو سفيان ~~يود لو يؤجل اللقاء إلى عام آخر، فبعث نعيما إلى المدينة يقول للمسلمين إن قريشا جمعت جيشا لا ~~قبل لجيش في العرب بمواجهته لتحاربهم به حتى تقضي عليهم قضاء لا يعد ما تم بأحد إلى جانبه ~~شيئا. وبدا للمسلمين أن يجتنبوا الخطر، فأظهر الكثيرون الرغبة عن النهوض والسير لبدر. لكن محمدا ~~غضب لهذا الضعف والتراجع، وصاح بهم مقسما أنه ذاهب إلى بدر ولو ذهب وحده. # لم يبق بعد هذه الغضبة العظيمة إلا أن يذوب كل تردد ويزول كل خوف وأن يحمل المسلمون سلاحهم ~~وأن يذهبوا إلى بدر. واستعمل النبي على المدينة عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول، ونزل ~~المسلمون بدرا ينتظرون قريشا مستعدين لقتالها. وخرجت قريش مع أبي سفيان من مكة في أكثر من ألفي ~~رجل. لكن أبا سفيان بدا له أن يرجع بعد مسيرة يومين، فنادى في الناس: يا معشر ms302 قريش، إنه لا ~~يصلحكم إلا عام خصيب، وإن عامكم هذا جدب وإني راجع فارجعوا. ورجع الناس. وأقام محمد في جيش ~~المسلمين ينتظرهم ثمانية أيام متتابعة اتجر المسلمون ببدر فيها فربحت تجارتهم، ثم عادوا إلى ~~المدينة مستبشرين بفضل من الله ونعمة. # وفي بدر الآخرة هذه نزل قوله تعالى: # الذين قالوا لإخوانهم ~~وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن ~~كنتم صادقين * ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله ~~أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون * فرحين بما ~~آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من ~~خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون * يستبشرون ~~بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين * الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم ~~القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم * ~~الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم ~~فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل * ~~فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان ~~الله والله ذو فضل عظيم * إنما ذلكم الشيطان ~~يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين ~~. # 6 # وكذلك محت غزوة بدر الآخرة أثر أحد محوا تاما، ولم يبق لقريش إلا أن تنتظر عاما آخر، ~~رازحة تحت عار من جبنها لا يقل وطأة عن عار هزيمتها في بدر الأولى. # وأقام محمد بالمدينة مستريحا إلى نصر الله إياه، مطمئنا إلى ما عاد للمسلمين من هيبتهم، ~~حذرا دائما غدرة العدو، باثا عيونه في كل النواحي. وإنه لكذلك إذ اتصل به أن جماعة من غطفان ~~بنجد يجمعون له يريدون حربه. وكانت خطته أن يأخذ عدوه على غرة قبل أن يعد العدة لدفعه. لذلك خرج ~~في أربعمائة من رجاله حتى نزل ذات الرقاع حيث اجتمع بنو محارب وبنو ثعلبة من غطفان. فلما رأوه طلع ~~عليهم في عدة حربه مهاجما مساكنهم، تفرقوا تاركين وراءهم نساءهم ومتاعهم. واحتمل المسلمون ما ~~استطاعوا، وعادوا أدراجهم إلى المدينة. على أنهم خافوا رجعة العدو عليهم فتناوبوا الحراسة ليل ~~نهار. وجعل محمد يصلي بهم ms303 أثناء ذلك صلاة الخوف؛ فكان جماعة منهم يظلون مستقبلين العدو مخافة ~~لحاقه بهم في حين يصلي الآخرون مع محمد لله ركعتين. ولم يبد للعدو أثر وعاد النبي وأصحابه إلى ~~المدينة بعد غيابهم خمسة عشر يوما عنها وهم بظفرهم جد فرحين. # وخرج النبي بعد قليل من ذلك إلى غزوة أخرى هي غزوة دومة الجندل. ودومة الجندل واحة على حدود ~~ما بين الحجاز والشام، تقع في منتصف الطريق بين البحر الأحمر وخليج فارس. ولم يقابل محمد القبائل ~~التي أراد مقاتلتها هناك والتي كانت تغير على القوافل؛ لأنها ما لبثت حين سمعت باسمه أن أخذها ~~الفزع وولت مدبرة، وتركت للمسلمين ما احتملوا من غنائم. وأنت ترى من هذا التحديد الجغرافي لدومة ~~الجندل مبلغ ما اتسع نفوذ محمد وأصحابه، وما بلغ إليه سلطانهم وخوف شبه الجزيرة إياهم، كما ترى ~~كيف كان المسلمون يحتملون المتاعب في غزواتهم، مستهينين بالقيظ والجدب وقلة الماء، مستهينين ~~بالموت نفسه، يحركهم إلى هذا النصر والظفر شيء واحد هو سبب قوتهم المعنوية: الإيمان بالله وحده لا ~~شريك له. # آن لمحمد من بعد ذلك أن يطمئن بالمدينة عدة أشهر متتابعة، ينتظر فيها موعد قريش لعامه القادم ~~- سنة خمس من الهجرة - ويقوم بأمر ربه، بإتمام التنظيم الاجتماعي للجماعة الإسلامية الناشئة، ~~تنظيما كان يتناول عدة ألوف يومئذ ليتناول الملايين ومئات الملايين من بعد ذلك، ويقوم بإتمام هذا ~~التنظيم الاجتماعي في دقة وحسن سياسة، يوحي إليه ربه منه ما يوحي، ويقر هو ما يتفق مع أمر الوحي ~~وتعاليمه، ويضع من تفاصيل ذلك ما كان موضع التقديس من أصحابه يومئذ، وما ظل من بعد ذلك قائما على ~~الأجيال والدهور، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. # الفصل السابع عشر # | أزواج النبي # (زينب بنت خزيمة وأم سلمة - قصة زينب بنت جحش وكلام المستشرقين فيها - وقائعها كما يرويها التاريخ ~~الصحيح) ~~*** # في الفترة التي وقعت فيها حوادث الفصلين السابقين تزوج محمد زينب بنت خزيمة، ثم تزوج أم سلمة ~~بنت أبي أمية بن المغيرة، ثم تزوج زينب بنت ms304 جحش بعد أن طلقها زيد بن حارثة، وزيد هذا هو الذي ~~تبناه محمد وأعتقه منذ اشتراه يسار لخديجة. ها هنا يصيح المستشرقون ويصيح المبشرون: انظروا! لقد ~~انقلب محمد الذي كان بمكة داعية قناعة وزهد وتوحيد ورغبة عن شهوات هذه الحياة الدنيا، رجل شهوة ~~يسيل منظر المرأة لعابه، ولا يكفيه ثلاث نسوة في بيته، بل يتزوج أولئك الثلاث اللائي ذكرنا، ~~ويتزوج من بعدهن ثلاثا أخريات غير ريحانة. # وهو لا يكفيه أن يتزوج ممن لا بعولة لهن؛ بل هو يشغف حبا بزينب بنت جحش وهي تحت زيد بن ~~حارثة مولاه؛ لغير شيء إلا أنه مر ببيت زيد وهو غائب فاستقبلته زينب، وكانت في ثياب تبدي محاسنها، ~~فوقع منها في قلبه شيء لجمالها، فقال: سبحان مقلب القلوب! ثم كرر هذه العبارة ساعة انصرافه، ~~فسمعتها زينب ورأت في عينيه وهج الحب، فأعجبت بنفسها وأبلغت زيدا ما سمعت فذهب من فوره إلى النبي ~~يذكر له استعداده لتسريحها؛ فقال له: أمسك عليك زوج واتق الله. لكن زينب لم تحسن من بعد عشرته ~~فطلقها؛ وأمسك محمد عن زواجها وقلبه في شغل بها حتى نزل قوله تعالى: # وإذ ~~تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك ~~واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق ~~أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون ~~على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا ~~وكان أمر الله مفعولا # 1 # إذ ذاك تزوجها فأطفأ بزواجها لاذع حبه ومتوهج غرامه. فأي نبي هذا؟! وكيف يبيح لنفسه ~~ما حرمه على غيره؟! وكيف لا يخضع للقانون الذي يقول إن الله أنزله عليه؟! وكيف يخلق هذا «الحريم» ~~الذي يثير في النفس ذكر الملوك المترفين بدل أن يثير فيها ذكر الأنبياء الصالحين المصلحين؟! ثم ~~كيف يبلغ منه الخضوع لسلطان الحب في شأن زينب حتى يصل بمولاه زيد إلى تطليقها ثم يتزوجها من ~~بعده؟! وكان ذلك محرما في الجاهلية، فأباحه نبي المسلمين إرضاء لهواه، واستجابة لداعي ~~حبه. # ويطلق ms305 المبشرون والمستشرقون لخيالهم العنان حين يتحدثون من تاريخ محمد في هذا الموضوع، حتى ~~ليصور بعضهم زينب ساعة رآها النبي وهي نصف عارية أو تكاد، وقد انسدل ليل شعرها على ناعم جسمها ~~الناطق بما يكنه من كل معاني الهوى، وليذكر آخرون أنه حين فتح باب بيت زيد لعب الهواء بأستار ~~غرفة زينب وكانت ممددة على فراشها في ثياب نومها، فعصف منظرها بقلب هذا الرجل الشديد الولع ~~بالمرأة ومفاتنها، فكتم ما في نفسه وإن لم يطق الصبر على ذلك طويلا! # وأمثال هذه الصورة التي أبدعها الخيال كثير، تراه في موير وفي درمنجم وفي واشنطن إرفنج وفي ~~لامنس وغيرهم من المستشرقين والمبشرين. ومما يدعو إلى أشد الأسف أن هؤلاء جميعا اعتمدوا في ~~روايتهم على ما ورد في بعض كتب السيرة والكثير من الحديث، ثم أقاموا على ما صوروا قصورا من ~~الخيال في شأن محمد وصلته بالمرأة، واستدلوا على ذلك بكثرة أزواجه حتى بلغن تسعا في القول ~~الراجح، وحتى بلغن أكثر من ذلك في بعض الروايات. # كان في مقدورنا أن نجبه هذه الأقوال جميعا بقولنا: فلتكن صحيحة؛ فماذا فيها مما يطعن على ~~عظمة محمد أو على نبوته ورسالته؟! إن القوانين التي تجري على الناس لا سلطان لها على العظماء، ~~فأولى ألا يكون لها سلطان على المرسلين والأنبياء. ألم ير موسى - عليه السلام - خلافا بين رجلين ~~هذا من شيعته وهذا من عدوه، فوكز الذي من عدوه فقضى عليه، وهذا قتل محرم في غير حرب ولا شبه ~~حرب، وهذا مخالف للقانون. مع ذلك لم يخضع موسى للقانون ولم يطعن ذلك في نبوته ولا في رسالته، ~~ولم يطعن في عظمته. وشأن عيسى في مخالفة القانون أكبر من شأن موسى ومن شأن محمد ومن شأن الأنبياء ~~والمرسلين جميعا. فليس يقف أمره عند بسطة في القوة أو الرغبة، بل خرج بمولده وبحياته على قوانين ~~الطبيعة وسننها جميعا. تمثل لأمه مريم روح الرحمن بشرا سويا، ليهب لها غلاما زكيا، فعجبت ~~وقالت: أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك ms306 بغيا؟! قال الرسول: إن الله يريد أن يجعله ~~آية للناس، فلما جاءها المخاض قالت : يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا. فناداها من تحتها ~~أن لا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا. وأتت به قومها تحمله، فقالوا: لقد جئت شيئا فريا. فحدثهم ~~عيسى في مهده قال: إني عبد الله ... إلى آخر ما قال. # ومهما يكن من إنكار اليهود لهذا كله، ومن نسبتهم عيسى إلى يوسف النجار نسبة لا يزال بعض ~~العلماء من أمثال رينان يأخذون اليوم بها. فقد كانت عظمة عيسى ونبوته ورسالته دليل معجزة الله فيه ~~وخرقه لنواميس الكون وسنن الطبيعة وقوانين الخلق من أجله. فمن عجب أن يدعو المسيحيون المبشرون إلى ~~الإيمان بهذا الخروج على سنة الكون في أمر عيسى، وأن يأخذوا محمدا بما هو دونه، وما لا يزيد على ~~أنه سمو من الخضوع لقانون المجتمع يسمح به لكل عظيم، ويسمح به للملوك ورؤساء الدول الذين ~~تقدسهم الدساتير وتجعل ذواتهم مصونة لا تمس. # كان في مقدورنا أن نجبه هذه الأقوال جميعا بهذا الرد، وكان فيه من غير شك ما يسقط حجة ~~المبشرين ومن ينهجون نهجهم من المستشرقين. لكنا في هذا كنا نجني على التاريخ ونجني على عظمة محمد ~~وجلال رسالته. فهو لم يكن، كما صور هؤلاء وأولئك، رجلا يأخذ بعقله الهوى، وهو لم يتزوج من تزوج ~~من نسائه بدافع من شهوة أو غرام. وإذا كان بعض الكتاب المسلمين في بعض العصور قد أباحوا لأنفسهم ~~أن يقولوا هذا القول، وأن يقدموا لخصوم الإسلام عن حسن نية هذه الحجة، فذلك لأنهم انحدر بهم ~~التقليد إلى المادية، فأرادوا أن يصوروا محمدا عظيما في كل شيء، عظيما حتى في شهوات الدنيا. ~~وهذا تصوير خاطئ ينكره تاريخ محمد أشد إنكار، وتأبى حياته كلها أن تقره. # فهو قد تزوج خديجة وهو في الثالثة والعشرين من عمره، وهو في شرخ الصبا وريعان الفتوة ووسامة ~~الطلعة وجمال القسمات وكمال الرجولية. مع ذلك ظلت خديجة وحدها زوجه ثمانيا وعشرين سنة حتى تخطى ~~الخمسين، هذا على حين ms307 كان تعدد الزوجات أمرا شائعا بين العرب في ذلك العهد. وعلى حين كان لمحمد ~~مندوحة في التزوج على خديجة، أن لم يعش له منها ذكر، في وقت كانت توأد فيه البنات، وكان الذكور ~~وحدهم هم الذين يعتبرون خلفا. وقد ظل محمد مع خديجة سبع عشرة سنة قبل بعثه وإحدى عشرة سنة بعده ~~وهو لا يفكر قط في أن يشرك معها غيرها في فراشه. ولم يعرف عنه في حياة خديجة ولم يعرف عنه قبل ~~زواجه منها أنه كان ممن تغريهم مفاتن النساء في وقت لم يكن فيه على النساء حجاب، بل كانت النساء ~~يتبرجن فيه ويبدين من زينتهن ما حرم الإسلام من بعد ... # فمن غير الطبيعي أن تراه وقد تخطى الخمسين ينقلب فجأة هذا الانقلاب الذي يجعله ما يكاد يرى ~~بنت جحش، وعنده نساء خمس غيرها من بينهن عائشة التي أحب وظل يحب طوال حياته، حتى يفتن بها وحتى ~~تستغرق تفكيره ليله ونهاره. وليس من الطبيعي أن تراه، وقد تخطى الخمسين، يجمع في خمس سنوات أكثر ~~من سبع زوجات، وفي سبع سنوات تسع زوجات، وذلك كله بدافع من الرغبة في النساء، رغبة صورها بعض ~~كتاب المسلمين، وحذا الإفرنج حذوهم، تصويرا لا يليق في ضعته برجل مادي بله عظيما استطاعت ~~رسالته أن تنقل العالم وأن تغير مجرى التاريخ، وما تزال على استعداد لأن تنقل العالم مرة أخرى ~~وتغير مجرى التاريخ طورا جديدا. # وإذا كان هذا عجيبا وكان غير طبيعي، فمن العجيب كذلك أن نرى محمدا تلد له خديجة ما ولدت من ~~بنيه وبناته إلى ما قبل الخمسين، وأن نرى مارية تلد له إبراهيم وهو في الستين، وألا تلد غير هاتين ~~من نسائه، وكلهن بين شابة في مقتبل العمر لا يمنع من ناحيتها ولا من ناحيته أن تحمل وأن تلد، وبين ~~امرأة كملت لها أنوثتها فتخطت الثلاثين أو تخطت الأربعين وكان لها ولد من قبل. فكيف تفسر هذه ~~الظاهرة العجيبة من ظاهرات حياة النبي، هذه الظاهرة التي لا تخضع للقوانين الطبيعية في تسع ms308 نسوة ~~جميعا؟! هذا وقد كانت نفس محمد، باعتبار أنه إنسان، تميل من غير ريب إلى أن يكون له ولد، وإن كان ~~مقام النبوة والرسالة قد جعله من الناحية الروحية أبا للمسلمين جميعا. # ثم إن التاريخ ومنطق حوادثه أصدق شاهد بكذب رواية المبشرين والمستشرقين في شأن تعدد زواج ~~النبي. فهو كما قدمنا، لم يشرك مع خديجة أحدا مدى ثمان وعشرين سنة. فلما قبضها الله إليه تزوج ~~سودة بنت زمعة أرملة السكران بن عمرو بن عبد شمس. ولم يرو راو أن سودة كانت من الجمال أو من ~~الثروة أو المكانة بما يجعل لمطمع من مطامع الدنيا أثرا في زواجه منها. إنما كانت سودة زوجا ~~لرجل من السابقين إلى الإسلام الذين احتملوا في سبيله الأذى والذين هاجروا إلى الحبشة بعد أن ~~أمرهم النبي بالهجرة وراء البحر إليها. وقد أسلمت سودة وهاجرت معه، وعانت من المشاق ما عانى، ~~ولقيت من الأذى ما لقي. فإذا تزوجها محمد بعد ذلك ليعولها وليرتفع بمكانتها إلى أمومة المؤمنين، ~~فذلك أمر يستحق من أجله أسمى التقدير وأجل الحمد. # أما عائشة وحفصة فكانتا ابنتي وزيريه أبي بكر وعمر. وهذا الاعتبار هو الذي دعا محمدا أن ~~يرتبط وإياهما برابطة المصاهرة بالتزوج من ابنتيهما، كما دعاه أن يرتبط بعثمان وبعلي برابطة ~~المصاهرة بتزويجه ابنتيه منهما. وإذا صح القول في عائشة وفي حبه إياها، فإنما ذلك حب نشأ بعد ~~الزواج لا حينه، فهو قد خطبها إلى أبيها وما تزال في التاسعة من عمرها، وقد بقيت سنتين قبل أن ~~يبني بها. فليس مما يرضاه المنطق أن يكون قد أحبها وهي في هذه السن الصغيرة. يؤيد ذلك زواجه من ~~حفصة بنت عمر في غير حب بشهادة أبيها نفسه. قال عمر: «والله إنا كنا في الجاهلية ما نعد للنساء ~~أمرا حتى أنزل الله فيهن ما أنزل وقسم لهن ما قسم. قال: فبينما أنا في أمر آتمره إذ قالت لي ~~امرأتي: لو صنعت كذا وكذا! فقلت لها: وما لك أنت ولما ها هنا وما تكلفك في أمره ms309 أريده! فقالت لي: ~~عجبا لك يا ابن الخطاب! ما تريد أن تراجع أنت وإن ابنتك لتراجع رسول الله # صلى الله عليه وسلم # حتى يظل يومه ~~غضبان؟! قال عمر: فآخذ ردائي ثم أخرج مكاني حتى أدخل على حفصة، فقلت لها: يا بنية إنك لتراجعين ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # حتى يظل يومه غضبان؟ فقالت حفصة: والله إنا لنراجعه، فقلت: تعلمين أني أحذرك ~~عقوبة الله وغضب رسوله. يا بنية لا يغرنك هذه التي قد أعجبها حسنها وحب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # إياها ~~... وقال: والله لقد علمت أن رسول الله لا يحبك ولولا أنا لطلقك.» أفرأيت إذن أن محمدا لم يتزوج ~~من عائشة ولم يتزوج من حفصة لحب أو لرغبة، وإنما تزوج منهما ليمتن أواصر هذه الجماعة الإسلامية ~~الناشئة في شخصي وزيريه، كما تزوج من سودة ليعلم المجاهدين من المسلمين أنهم إذا استشهدوا في سبيل ~~الله فلن يتركوا وراءهم نسوة وذرية ضعافا يخافون عليهم عيلة. # يقطع في ذلك زواجه من زينب بنت خزيمة ومن أم سلمة. فقد كانت زينب زوجا لعبيدة بن الحارث بن ~~المطلب الذي استشهد يوم بدر، ولم تكن ذات جمال، وإنما عرفت بطيبتها وإحسانها حتى لقبت أم ~~المساكين؛ وكانت قد تخطت الشباب، فلم يك إلا سنة أو سنتان ثم قبضها الله؛ فكانت بعد خديجة الوحيدة ~~من أزواج النبي التي توفيت قبله. أما أم سلمة فكانت زوجا لأبي سلمة وكان لها منه أبناء عدة، وقد ~~سبق القول: إن أبا سلمة جرح في أحد ثم برأ جرحه، فعقد له النبي لحرب بني أسد فشتتهم وعاد إلى ~~المدينة بما غنم؛ ثم نغر عليه جرح أحد وما زال به حتى قضى عليه. وقد حضره النبي وهو على فراش ~~موته، وظل إلى جانبه يدعو له بخير حتى مات فأسبل عينيه. وبعد أربعة أشهر من وفاته خطب محمد أم ~~سلمة إلى نفسها؛ فاعتذرت بكثرة العيال وبأنها تخطت الشباب، فما زال بها حتى تزوج منها وحتى أخذ ~~نفسه بالعناية بتنشئة أبنائها. أبعد ذلك يزعم ms310 المبشرون والمستشرقون أن أم سلمة كانت ذات جمال هو ~~الذي دعا محمدا إلى التزوج منها؟! # إن يكن ذلك فقد كانت غيرها، من بنات المهاجرين والأنصار، من تفوقها جمالا وشبابا وثروة ~~ونضرة ومن لا يبهظه عبء عيالها. لكنه إنما تزوج منها لهذا الاعتبار السامي الذي دعاه ليتزوج زينب ~~بنت خزيمة، والذي زاد المسلمين به تعلقا وجعلهم يرون فيه نبي الله ورسوله، ويرون فيه إلى جانب ~~ذلك أبا لهم جميعا: أبا لكل مسكين ومحروم وضعيف وبائس وعاجز، أبا لكل من فقد أباه شهيدا في ~~سبيل الله. # ماذا يستنبط التمحيص التاريخي النزيه مما تقدم؟ يستنبط أن محمدا نصح بالزوجة الواحدة في ~~الحياة العادية. هو قد دعا إلى ذلك بمثله الذي ضربه في حياة خديجة، وبه نزل القرآن في قوله تعالى: # فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ~~ فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ~~، # 2 # ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو ~~حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة ~~. # 3 # ولقد نزلت هذه الآية في أخريات السنة الثامنة للهجرة بعد أن كان قد بنى بأزواجه ~~جميعا. ونزلت لتحدد عدد الزوجات بأربع وقد كان إلى حين نزولها لا حد له، مما يسقط قول القائلين ~~بأن محمدا أباح لنفسه ما حرم على الناس. ثم نزلت لتشيد بفضل الزوجة الواحدة وتأمر بها لمجرد ~~الخوف من عدم العدل، ومع التأكيد بأن العدل غير مستطاع. على أنه رأى في ظروف حياة الجماعة ~~الاستثنائية إمكان الحاجة للتعدد إلى أربع على شرط العدل. وهو قد دعا إلى ذلك بمثله الذي ضرب أيام ~~غزوات المسلمين واستشهاد من استشهد منهم. # ولعمرك هل تستطيع أن تقطع بأن الاقتصار على الزوجة الواحدة، حين تحصد الحروب أو الأوبئة أو ~~الثورات ألوف الرجال وملايينها، خير من هذا التعدد الذي أبيح على طريق الاستثناء؟! وهل يستطيع أهل ~~أوروبا، في هذا العصر الذي عقب الحروب الكبرى، أن يقولوا بأن نظام الزوجة الواحدة نظام نافذ ~~بالفعل إن استطاعوا أن يقولوا إنه نافذ بالقانون؟ أولا يعود ms311 سبب الاضطراب الاقتصادي والاجتماعي ~~الذي عقب الحرب إلى عدم التعاون المشروع بين الجنسين بالزواج تعاونا قد كان من شأنه أن يعيد إلى ~~الحال الاقتصادية شيئا غير قليل من التوازن؟! إنني لا أريد أن أقطع بالحكم لكني أترك الأمر ~~لتفكير المفكر وتدبير المدبر، مع القول دائما بأنه متى عادت الحياة العادية فخير ما يكفل سعادة ~~الأسرة وسعادة الأمة اقتصار الرجل على زوجة واحدة. # أما زينب بنت جحش، وما أضفى بعض الرواة وأضفى المستشرقون والمبشرون عليها من أستار الخيال حتى ~~جعلوها قصة غرام ووله؛ فالتاريخ الصحيح يحكم بأنها من مفاخر محمد، وأنه - وهو المثل الكامل ~~للإيمان - قد طبق فيها حديثه الذين معناه: لا يكمل إيمان المرء حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه؛ وقد ~~جعل نفسه أول من يضرب المثل لما يضع من تشريع يمحو به تقاليد الجاهلية وعاداتها، ويقر به النظام ~~الجديد الذي أنزل الله هدى ورحمة للعالمين. # ويكفي لهدم كل القصة التي قرأت عنها من أساسها أن زينب بنت جحش هذه هي ابنة أميمة بنت عبد ~~المطلب عمة رسول الله عليه السلام، وأنها ربيت بعينه وعنايته، وأنها كانت لذلك منه بمقام البنت أو ~~الأخت الصغرى، وأنه كان يعرفها ويعرف أهي ذات مفاتن أم ليست كذلك قبل أن تتزوج زيدا، وأنه شهدها ~~في نموها تحبو من الطفولة إلى الصبا وإلى الشباب، وأنه هو الذي خطبها على زيد مولاه - إذا عرفت ~~ذلك تداعت أمام نظرك كل تلك الخيالات والأقاصيص من أنه مر ببيت زيد ولم يكن فيه، فرأى زينب ~~فبهره حسنها وقال: سبحان مقلب القلوب! أو أنه لما فتح باب زيد عبث الهواء بالستار الذي على غرفة ~~زينب، فألفاها في قميصها ممددة وكأنها «مدام ركامييه!» فانقلب قلبه فجأة ونسي سودة وعائشة وحفصة ~~وزينب بنت خزيمة وأم سلمة، ونسي كذلك ذكر خديجة التي كانت عائشة تقول: إنها لم تجد في نفسها غيرة ~~من أحد من نساء النبي ما وجدت من ذكر خديجة، ولو أن شيئا من حبها علق بقلبه لخطبها إلى أهلها ~~على نفسه ms312 بدل أن يخطبها على زيد. وهذه الصلة بين زينب ومحمد، وهذا التصوير الذي صورناها به، لا ~~يدعان بعدهما لتلك القصة الخيالية التي يروون أي أساس من الحق أو أي حظ في البقاء. # وماذا يثبت التاريخ أيضا؟ يثبت أن محمدا خطب ابنة عمته زينب على مولاه زيد؛ فأبى أخوها عبد ~~الله بن جحش أن تكون أخته وهي قرشية هاشمية وهي فوق ذلك ابنة عمة الرسول، تحت عبد رق اشترته ~~خديجة ثم أعتقه محمد، ورأى في ذلك على زينب عارا كبيرا. وكان ذلك عارا حقا عند العرب كبيرا. ~~فلم تكن بنات الأشراف الشريفات ليتزوجن من موال وإن أعتقوا. لكن محمدا يريد أن تزول مثل هذه ~~الاعتبارات القائمة في النفوس على العصبية وحدها، وأن يدرك الناس جميعا أن لا فضل لعربي على ~~أعجمي إلا بالتقوى. # إن أكرمكم عند الله أتقاكم ~~. # 4 # وهو لا يرى أن يستكره لذلك امرأة من غير أهله. فلتكن زينب بنت جحش بنت عمته هي التي ~~تحتمل هذا الخروج على تقاليد العرب، وهذا الهدم لعاداتها، معرضة في ذلك عما يقول الناس عنها مما ~~تخشى سماعه. وليكن زيد مولاه الذي تبنى، والذي أصبح بحكم عادات العرب وتقاليدها صاحب حق في أن ~~يرثه كسائر أبنائه سواء، هو الذي يتزوجها فيكون مستعدا للتضحية التي أعد الشارع الحكيم للأدعياء ~~الذين اتخذوا أبناء. وليبد محمد إصراره على أن تقبل زينب ويقبل أخوها عبد الله بن جحش زيدا ~~زوجا لها؛ ولينزل في ذلك قوله تعالى: # وما كان لمؤمن ولا ~~مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من ~~أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا ~~. # 5 # لم يبق أمام عبد الله وأخته زينب بعد نزول هذه الآية إلا الإذعان؛ فقالا: رضينا يا رسول الله، ~~وبنى زيد بزينب بعد أن ساق النبي إليها عنه مهرها. فلما سارت زينب إلى زوجها لم يسلس له قيادها ~~ولا لان إباؤها، بل جعلت تؤذي زيدا وتفخر عليه بنسبها وبأنها لم يجر عليها رق. واشتكى زيد إلى ~~النبي ms313 غير مرة من سوء معاملتها إياه، واستأذنه غير مرة في تطليقها، فكان النبي يجيبه: «أمسك عليك ~~زوجك واتق الله.» لكن زيدا لم يطق معاشرة زينب وإباءها عليه طويلا فطلقها. # وكأن الشارع الحكيم قد أراد أن يبطل ما كانت تدين به العرب من التصاق الأدعياء بالبيوت ~~واتصالهم بأنسابها، ومن إعطاء الدعي جميع حقوق الابن، ومن إجرائهم عليه أحكامه حتى في الميراث ~~وحرمة النسب، ولا يجعل للمتبني واللصق إلا حق المولى والأخ في الدين. فنزله قوله تعالى: # وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم ~~بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ~~. # 6 # ومعنى هذا أنه يجوز للمدعي أن يتزوج ممن كان زوجا لمن ادعاه، ويجوز للمتبني أن ~~يتزوج ممن كانت زوجا لمتبناه. ولكن كيف السبيل إلى تنفيذ هذا؟ ومن من العرب يستطيعه وينقض ~~به تقاليد الأجيال السالفة جميعا؟ إن محمدا نفسه، على قوة عزيمته وعميق إدراكه لحكمة الله في ~~أمره، قد وجد على نفسه الغضاضة في تنفيذ هذا الحكم بأن يتزوج زينب بعد تطليق زيد إياها، ودار ~~بخاطره ما يمكن أن يقول الناس في خرقه هذه العادة القديمة المتأصلة في نفوس العرب؛ وذلك ما ~~يريده تعالى في قوله: # وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى ~~الناس والله أحق أن تخشاه ~~. # 7 # لكن محمدا كان القدوة في كل ما أمر الله به وما ألقى عليه أن يبلغه للناس؛ فلا يخشى ما يقول ~~الناس في تزوجه من زوج زيد مولاه، فخشية الناس ليست شيئا إلى جانب خشية الله بتنفيذ أمره، ~~وليتزوج من زينب ليكون قدوة فيما أبطل الشارع الحكيم من الحقوق المقررة للتبني، والادعاء. وفي ~~ذلك قوله تعالى: # فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها ~~لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا ~~منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا ~~. # 8 # هذه رواية التاريخ الصحيح في أمر زينب بنت جحش وزواج محمد منها. فهي ابنة عمته يراها ويعرف ~~مبلغ جمالها قبل أن تتزوج زيدا، وهو الذي خطبها على زيد، وهو كان يراها بعد أن ms314 تزوجت زيدا أن لم ~~يكن الحجاب معروفا يومئذ. على أنه كان من شأنها، بحكم صلة القرابة من ناحية، وأنها زوج دعيه ~~زيد من ناحية أخرى، أن تتصل به لمصالحها ولتكرار شكوى زيد منها. # وقد نزلت هذه الأحكام جميعا، فأيدها ما حصل من زواج زيد لزينب وتطليقه إياها وزواج محمد منها ~~بعد ذلك؛ هذه الأحكام التي ترفع المعتق إلى مكانة الحر الشريف، والتي تبطل حقوق الأدعياء وتقضي ~~عليها بصورة عملية لا محل للبس ولا لتأويل بعدها. أفيبقى بعد ذلك أثر لهذه الأقاصيص التي يكررها ~~المستشرقون والمبشرون، ويرددها موير وإرفنج وسبرنجر وفيل ودرمنجم ولامنس وغيرهم ممن تناولوا كتابة ~~حياة محمد؟! ألا إنها شهوة التبشير المكشوف تارة والتبشير باسم العلم أخرى، والخصومة القديمة ~~للإسلام خصومة تأصلت في النفوس منذ الحروب الصليبية، هي التي تملي على هؤلاء جميعا ما يكتبون ~~وتجعلهم في أمر أزواج النبي، وفي أمر زواجه من زينب بنت جحش خاصة، يتجنون على التاريخ، ويتلمسون ~~أضعف الروايات فيه مما دس عليه ونسب إليه. # ولو أن ما ذكروا كان صحيحا، لكان في مقدورنا أن نجبهه بأن العظمة لا تخضع لقانون، وبأن موسى ~~وعيسى ويونس من قبل، قد سموا فوق نواميس الطبيعة وسنن الاجتماع، بعضهم بمولده، وبعضهم في حياته، ~~فلم يطعن ذلك في عظمتهم. لكن محمدا كان يضع سنن الاجتماع بوحي ربه، وكان ينفذها بأمر ربه، وكان ~~بذلك المثل الأسمى، والأسوة الحسنة، في تنفيذ ما أمر ربه. أفكان أولئك المبشرون يريدونه على أن ~~يطلق أزواجه فلا يزيد على الأربع كما شرع للمسلمين من بعد زواجه منهن جميعا؟ وهل كانوا يومئذ ~~يعفونه من نقدهم؟! على أن معاملة محمد لأزواجه معاملة بلغت من السمو ما رأيت شيئا منه في حديث ~~عمر بن الخطاب الذي سقنا، وسترى كثيرا منه خلال فصول هذا الكتاب، ستكون المثل الناطق على أنه لم ~~يحترم المرأة أحد ما احترمها محمد، ولم يسم بها إلى المكان اللائق بها ما سما محمد. # الفصل الثامن عشر # | غزوتا الخندق وبني قريظة # (حيي بن أخطب وتأليبه العرب ms315 جميعا على المسلمين - عشرة آلاف مقاتل يقصدون المدينة - سلمان الفارسي ~~يشير بحفر الخندق حولها - حصار قريش وغطفان إياها - نقض بني قريظة عهدهم مع المسلمين - ضياع الثقة ~~بين العرب واليهود - انسحاب العرب عن المدينة - محاصرة بني قريظة - القضاء عليهم بالقتل ...) ~~*** # آن للمسلمين بعد إجلائهم بني النضير عن المدينة، وبعد بدر الآخرة، وبعد غزوتي غطفان ودومة ~~الجندل، أن يركنوا إلى شيء من الطمأنينة إلى الحياة بالمدينة. وذهبوا ينظمون عيشهم، وكان من ~~بعد أقل شظفا بما غنموا في غزواتهم هذه، وإن كانت قد صرفتهم في كثير عن الزرع والتجارة. وكان ~~محمد على طمأنينته حذرا غدرة العدو، باثا دائما عيونه وأرصاده في أنحاء شبه الجزيرة ينقلون ~~إليه من أخبار العرب وما يأتمرون به ما يمهد له دائما فرصة الأهبة لدفاع المسلمين عن أنفسهم. ومن ~~اليسير عليك أن تقدر ضرورة الحذر والحيطة بعد كل الذي رأيت من غدرات قريش وغير قريش بالمسلمين ومن ~~أن بلاد العرب كلها كانت في ذلك الحين، وكانت من بعد ذلك في أكثر أطوار تاريخها، أشبه بمجموعة ~~جمهوريات مستقلة كل واحدة منها عن سائرها، تتخذ كل واحدة منها نظاما هو أقرب ما يكون إلى نظام ~~القبائل، وتضطر لذلك إلى الاحتماء بعادات وتقاليد لا يألفها تصورنا في الأمم المنظمة. وكان محمد ~~أشد ما يكون حذرا أن كان عربيا بقدر ما ركب في الغريزة العربية من الحرص على الثأر. وقد كانت ~~قريش وكان يهود بني قينقاع ويهود بني النضير وعرب غطفان وهذيل والقبائل المتاخمة للشام، تتربص كل ~~واحدة منها بمحمد وأصحابه الدوائر، وتود كل واحدة منها لو تستطيع أن تجد الفرصة لإدراك ثأرها من ~~هذا الرجل الذي فرق العرب في دينها شيعا، والذي خرج من مكة مهاجرا لا حول له ولا قوة إلا ما ~~يملأ نفسه الكبيرة من الإيمان، وها هو ذا في خمس سنوات قد أصبح له من الحول ومن القوة ما جعله ~~مرهوب الجانب من أشد مدائن العرب ومن أشد قبائلها حولا وقوة. # ولقد كان اليهود أبصر خصوم محمد بتعاليمه وبمصير ms316 دعوته، وكانوا أكثرهم تقديرا لما يصيبهم ~~بانتصاره. فهم كانوا في بلاد العرب دعاة التوحيد، وكانوا ينافسون المسيحيين في سلطانهم ويأملون ~~مغالبتهم والتغلب عليهم. ولعلهم كانوا على حق أن كانت السامية أميل بطبعها إلى فكرة التوحيد، على ~~حين كان التثليث المسيحي مما لا يسهل على هذه النفس الحامية مساغه. وهذا محمد من صميم العرب ومن ~~صميم الساميين، يدعو إلى التوحيد بعبارات قوية نفاذة تأخذ بمجامع الفؤاد، وتصل إلى أعماق القلب، ~~وتسمو بالإنسان إلى ما فوق نفسه. وها هو ذا قد بلغ من القوة حتى أخرج بني قينقاع من المدينة، وحتى ~~أجلى بني النضير عن ديارهم؟ فهل يتركونه وشأنه منصرفين إلى الشام وإلى وطنهم الأول بيت المقدس في ~~أرض المعاد، أم تراهم يحاولون تأليب العرب عليه ليأخذوا بالثأر منه؟ # كانت فكرة تأليب العرب هي الفكرة التي اختمرت في نفوس أكابر بني النضير. وتنفيذا لها خرج نفر ~~منهم، ومن بينهم حيي بن أخطب وسلام بن أبي الحقيق وكنانة بن أبي الحقيق، ومعهم نفر من بني وائل ~~هوذة بن قيس وأبو عمار حتى قدموا على قريش مكة. فسأل أهلها حييا عن قومه، فقال: تركتهم بين ~~خيبر والمدينة يترددون حتى تأتوهم فتسيروا معهم إلى محمد وأصحابه. وسألوه عن قريظة، فقال: أقاموا ~~بالمدينة مكرا بمحمد، حتى تأتوهم فيميلوا معكم. وترددت قريش أتقدم أم تحجم؛ فليس بينها وبين محمد ~~خلاف إلا على الدعوة التي يدعو إلى الله. أليس من الممكن أن يكون على حق ما دامت كلمته تزداد كل ~~يوم رفعة وسموا؟! وقالت قريش لليهود: يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأول وأهل العلم بما ~~أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، أفديننا خير أم دينه؟ قالت اليهود: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى ~~بالحق منه. وإلى ذلك يشير القرآن الكريم في قوله تعالى: # ألم تر إلى ~~الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ~~ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا * أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له ~~نصيرا ~~. # 1 # وفي موقف ms317 اليهود هذا من قريش وتفضيلهم وثنيتهم على توحيد محمد يقول الدكتور إسرائيل ولفنسون ~~في كتابه «تاريخ اليهود في بلاد العرب»: «كان من واجب هؤلاء ألا يتورطوا في مثل هذا الخطأ الفاحش، ~~وألا يصرحوا أمام زعماء قريش بأن عبادة الأصنام أفضل من التوحيد الإسلامي ولو أدى بهم الأمر إلى ~~عدم إجابة مطالبهم؛ لأن بني إسرائيل الذين كانوا مدة قرون حاملي راية التوحيد في العالم بين الأمم ~~الوثنية باسم الآباء الأقدمين، والذين نكبوا بنكبات لا تحصى من تقتيل واضطهاد بسبب إيمانهم بإله ~~واحد في عصور شتى من الأدوار التاريخية، كان من واجبهم أن يضحوا بحياتهم وكل عزيز لديهم في سبيل ~~أن يخذلوا المشركين. هذا فضلا عن أنهم بالتجائهم إلى عباد الأصنام إنما كانوا يحاربون أنفسهم ~~ويناقضون تعاليم التوراة التي توصيهم بالنفور من أصحاب الأصنام وبالوقوف منهم موقف ~~الخصومة.» # لم يكف حيي بن أخطب واليهود الذين معه هذا الذي قالوا لقريش في تفضيل وثنيتها على توحيد محمد ~~حتى تنشط لمحاربته، وأن يأخذوا وإياهم لذلك بعد أشهر موعدا، بل خرج أولئك اليهود إلى غطفان من ~~قيس عيلان، ومن بني مرة، ومن بني فزارة، ومن أشجع، ومن سليم ومن بني سعد، ومن أسد، ومن كل من ~~لهم عند المسلمين ثأر، وما زالوا بهم يحرضونهم على الأخذ بثأرهم ويذكرون لهم متابعة قريش إياهم ~~على حرب محمد ويحمدون لهم وثنيتهم، ويعدونهم النصر لا محالة. وخرجت الأحزاب التي جمع اليهود لحرب ~~محمد وأصحابه: خرجت قريش وعلى رأسها أبو سفيان في أربعة آلاف مجند وثلاثمائة جواد وخمسمائة وألف ~~ممتط بعيره. وعقد اللواء في دار الندوة لعثمان بن طلحة الذي قتل أبوه وهو يحمل لواء قريش في ~~أحد. وخرجت بنو فزارة وعلى رأسها عيينة بن حصن بن حذيفة في رجال كثيرين وألف بعير. أما أشجع ~~ومرة فجاء كل منهما في أربعمائة محارب، يتزعم الحارث بن عوف مرة، ويتزعم مسعر بن رخيلة أشجع. ~~وجاءت سليم أصحاب بئر معونة في سبعمائة رجل. واجتمع هؤلاء وانحاز إليهم بنو سعد وأسد، فصاروا في ~~عشرة ms318 آلاف رجل أو نحوها، وساروا جميعا تحت إمرة أبي سفيان قاصدين المدينة. فلما بلغوها تداول ~~زعماء هذه القبائل الزعامة أثناء الحرب كل يوما على التوالي. # واتصل نبأ هذا السير بمحمد والمسلمين معه في المدينة ففزعوا. ها هي ذي العرب كلها قد أجمعت ~~أمرها لتسحقنهم ولتقضين عليهم ولتستأصلنهم. وها هي ذي قد جاءت في عدة وعديد ما لها في حروب ~~العرب جميعا من قبل مثل. وإذا كانت قريش قد انتصرت في أحد عليهم لما خرجوا من المدينة وكانت دون ~~هذه الأحزاب بمراحل في العدد والعدة، فماذا عسى أن يصنع المسلمون لمقابلة الألوف المؤلفة من ~~رجال وخيل وإبل وأسلحة وذخيرة؟! لم يكن سبيل إلى غير التحصن بيثرب العذراء، على ما وصفها عبد الله ~~بن أبي. ولكن أيكفي هذا التحصن أمام تلك القوة الساحقة؟! وكان سلمان الفارسي يعرف من أساليب الحرب ~~ما لم يكن معروفا في بلاد العرب، فأشار بحفر الخندق حول المدينة وتحصين داخلها. وسارع المسلمون ~~إلى تنفيذ نصيحته، فحفر الخندق وعمل فيه النبي - عليه السلام - بيديه، فكان يرفع التراب ويشجع ~~المسلمين بذلك أعظم التشجيع، ويدعوهم إلى مضاعفة الجهد. وأخذ المسلمون آلات الحفر، من مساح ~~وكرازين ومكاتل # 2 # من قريظة: اليهود الذين بقوا على ولائهم، وبهذا الدأب والجهد المتصل تم حفر الخندق في ~~ستة أيام. وفي هذه الأثناء كذلك حصنت جدران المنازل التي تواجه العدو والتي بينها وبين الخندق ~~نحو فرسخين. وعند ذلك أخليت المساكن التي ظلت فيما وراء الخندق، وجيء بالنساء والأطفال إلى هذه ~~المنازل التي حصنت ووضعت الأحجار إلى جانب الخندق من ناحية المدينة لتكون سلاحا يرمى به عند ~~الحاجة إليه. # وأقبلت قريش وأحزابها وهي ترجو أن تلقى محمدا بأحد، فلم تجد عنده أحدا. فجاوزته إلى ~~المدينة حتى فاجأها الخندق، فعجبت أن لم تكن تتوقع هذا النوع من الدفاع المجهول لها. وبلغ منها ~~الغيظ حتى زعمت أن الاحتماء وراءه جبن لا عهد للعرب به. وعسكرت قريش ومن تابعها بمجتمع الأسيال من ~~رومة، وعسكرت غطفان ومن اتبعها من أهل نجد بذنب ms319 نقمى. أما محمد فخرج في ثلاثة آلاف من المسلمين ~~فجعل ظهره إلى هضبة سلع، وجعل الخندق بينه وبين أعدائه، وهناك ضرب عسكره ونصبت له خيمته الحمراء. ~~ورأت قريش والعرب معها أن لا سبيل إلى اجتياز الخندق فاكتفت بتبادل الترامي بالنبال عدة أيام ~~متتابعة. # وأيقن أبو سفيان والذين معه أنهم مقيمون أمام يثرب وخندقها طويلا دون أن يستطيعوا اقتحامها. ~~وكان الوقت آنئذ شتاء قارسا برده، عاصفة رياحه، يخشى في كل وقت مطره. وإذا كان من اليسير أن ~~يحتمي أهل مكة وأهل غطفان من ذلك كله بمنازلهم في مكة وفي غطفان، فالخيام التي ضربوا أمام يثرب لا ~~تحميهم منه فتيلا. وهم بعد قد جاءوا يرتجون نصرا ميسورا لا يكلفهم غير يوم كيوم أحد، ثم ~~يعودون أدراجهم يتغنون بأناشيد الفوز ويستمتعون باقتسام الغنائم والأسلاب. وماذا عسى أن يمسك ~~غطفان عن أن تعود أدراجها وهي إنما اشتركت في الحرب لأن اليهود وعدتها متى تم النصر، ثمار سنة ~~كاملة من ثمار مزارع خيبر وحدائقها، وها هي ذي ترى النصر غير ميسور، أو هو على الأقل غير محقق، ~~وهو يحتاج من المشقة في هذا الفصل القارس إلى ما ينسيها الثمار والحدائق! فأما انتقام قريش لنفسها ~~من بدر ومما لحقها بعد بدر من هزائم، فأمره مدرك على الأيام ما دام هذا الخندق يحول دون إمساك ~~محمد بالتلابيب، وما دامت بنو قريظة تمد أهل يثرب بالمئونة إمدادا يطيل أمد مقاومتهم شهورا ~~وشهورا. أفليس خيرا للأحزاب أن يعودوا أدراجهم؟! نعم! لكن جمع هؤلاء الأحزاب لحرب محمد مرة أخرى ~~ليس بالأمر الميسور. وقد استطاع اليهود، وحيي بن أخطب على رأسهم، أن يجمعوها هذه المرة للانتقام ~~لأنفسهم من محمد وأصحابه عما أوقع بهم وببني قينقاع من قبلهم. فإن أفلتت الفرصة فهيهات هيهات أن ~~تعود، وإن انتصر محمد بانسحاب الأحزاب فالويل ثم الويل لليهود. # قدر حيي بن أخطب هذا كله، وخاف مغبته، ورأى أن لا مفر من أن يقامر بآخر سهم عنده. فأوحى إلى ~~الأحزاب أنه مقنع بني قريظة بنقض عهد موادعتهم ms320 محمدا والمسلمين والانضمام إليهم، وأن قريظة متى ~~فعلت انقطع المدد والميرة عن محمد من ناحية، وفتح الطريق لدخول يثرب من ناحية أخرى. وسرت قريش ~~وغطفان بما ذكر حيي، وسارع هو فذهب يريد كعب بن أسد صاحب عقد بني قريظة، وقد أغلق كعب دونه باب ~~حصنه أول ما عرف مقدمه عليه، مقدرا أن غدر قريظة بمحمد ونقضها عهده وانضمامها إلى عدوه قد ~~يفيده ويفيد اليهود إذا دارت الدوائر على المسلمين، لكنه جدير بأن يمحوها محوا إذا هزمت الأحزاب ~~وانصرفت قواتها عن المدينة. # غير أن حييا ما زال به حتى فتح له باب الحصن ثم قال له: «ويحك يا كعب! جئتك بعز الدهر وببحر ~~طام. جئتك بقريش وبغطفان مع قادتها وسادتها، وقد عاهدوني وعاقدوني على ألا يبرحوا حتى نستأصل ~~محمدا ومن معه.» وتردد كعب وذكر وفاء محمد وصدقه لعهده، وخشي مغبة ما يدعوه حيي إليه. لكن حييا ~~ما زال به يذكر له ما أصاب اليهود من محمد وما يوشك أن يصيبهم منه إذا لم تنجح الأحزاب في القضاء ~~عليه، ويصف له قوة الأحزاب وعدتها وعددها، وأنها لم يمنعها غير الخندق أن تقضي في سويعة على ~~المسلمين جميعا، حتى لان كعب له، فسأله: وماذا يكون إذا ارتدت الأحزاب؟ هناك أعطاه حيي موثقا إن ~~رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن يدخل معه في حصنه فيشركه في حظه. وتحركت في نفس كعب ~~يهوديته فقبل ما طلب ونقض عهده مع محمد والمسلمين وخرج من حياده. # واتصل نبأ انضمام قريظة إلى الأحزاب بمحمد وأصحابه، فاهتزوا له وخافوا مغبته. وبعث محمد سعد ~~بن معاذ سيد الأوس وسعد بن عبادة سيد الخزرج ومعهما عبد الله بن رواحة بن جبير ليقفوا على جلية ~~الأمر، على أن يلحنوا # 3 # به عند عودتهم إن كان حقا؛ حتى لا يفتوا في أعضاد الناس. فلما أتى هؤلاء الرسل ~~ألفوا قريظة على أخبث ما بلغهم عنهم. فلما حاولوا ردهم إلى عهدهم طلب كعب إليهم أن يردوا إخوانهم ~~يهود بني النضير إلى ديارهم. وأراد سعد ms321 بن معاذ، وكان حليف قريظة، أن يقنعها مخافة أن يحل بها ما ~~حل ببني النضير أو ما هو شر منه؛ فانطلقت اليهود ووقعوا في محمد - عليه السلام - وقال كعب: من ~~رسول الله؟! لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد. وكاد الفريقان يتشاتمان. # رجع رسل محمد بما رأوا. هنالك عظم البلاء واشتد الخوف، ورأى أهل المدينة طريق قريظة وقد فتح ~~للأحزاب فدخلوا عليهم واستأصلوهم. ولم يكن ذلك محض خيال ووهم؛ فهم رأوا قريظة تقطع المدد والميرة ~~عنهم، ورأوا قريشا وغطفان، منذ عاد حيي بن أخطب ينبئهم بانضمام قريظة إليهم، قد تغيرت نفسيتهم ~~وأخذوا يعدون أنفسهم للقتال. وذلك أن قريظة استمهلت الأحزاب عشرة أيام تعد فيها عدتها على أن ~~تقاتل الأحزاب المسلمين في هذه الأيام العشرة أشد القتال. وذلك ما فعلوا. فقد ألفوا ثلاث كتائب ~~لمحاربة النبي؛ فأتت كتيبة ابن الأعور السلمي من فوق الوادي، وأتت كتيبة عيينة بن حصن من الجنب، ~~ونصب له أبو سفيان من قبل الخندق. وفي هذا الموقف نزلت هذه الآيات: # إذ ~~جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت ~~القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا * هنالك ابتلي ~~المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديد * وإذ يقول ~~المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا ~~غرورا * وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام ~~لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا ~~عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا ~~. # 4 # ولأهل يثرب أبلغ العذر إن هم بلغ منهم الفزع وزلزلت قلوبهم. ولمن قال منهم العذر في أن يقول: ~~كان محمد يعدنا، أن نأكل كنوز كسرى وقيصر وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط. ~~وللذين زاغت أبصارهم العذر في أن تزيغ. وللذين بلغت قلوبهم الحناجر العذر في أن تبلغها. أليس هو ~~الموت الذي يرون آتيا تقدح بالشرر عينه، مصورة في بريق هذه السيوف تلمع في أيدي قريش وفي أيدي ~~غطفان، وتدب إلى القلب مخافته متسللة من منازل بني قريظة الغدرة الخائنين؟! ألا ويل ms322 لليهود! ما ~~كان أجدر محمدا بأن يقضي على بني النضير وأن يستأصلهم بدل أن يذرهم يرتحلون موفورين، وأن يذر ~~حييا والذين معه يؤلبون العرب على المسلمين ليستأصلوهم. ألا إنها الطامة الكبرى والفزع الأكبر، ~~ولا حول ولا قوة إلا بالله! # وسمت روح الأحزاب المعنوية، حتى دفعت بعض فوارس من قريش، منهم عمرو بن عبد ود، وعكرمة بن أبي ~~جهل، وضرار بن الخطاب، أن يقتحموا الخندق، فتيمموا مكانا منه ضيقا فضربوا خيلهم فاجتازته فجالت ~~بهم في السبخة بين الخندق، وسلع، وخرج علي بن أبي طالب في نفر من المسلمين فأخذوا عليهم الثغرة ~~التي اقتحمت منها خيلهم، وتقدم عمرو بن عبد ود ينادي: من يبارز؟ ولما دعاه ابن أبي طالب إلى ~~النزال قال في صلف: لم يا بن أخي؟! فوالله ما أحب أن أقتلك. قال علي: لكني أحب والله أن أقتلك. ~~فتنازلا فقتله علي؛ وفرت خيل الأحزاب منهزمة، حتى اقتحمت الخندق من جديد مولية الأدبار لا تلوي ~~على شيء. وأقبل نوفل بن عبد الله بن المغيرة على فرس له بعد ما غربت الشمس يريد أن يجتاز الخندق، ~~فهوى هو والفرس فيه فصرعا وتحطما. وأرسل أبو سفيان يعرض دية جثته مائة من الإبل، فرفض النبي - ~~عليه السلام - وقال: خذوه فإنه خبيث الدية. # وأعظمت الأحزاب نيرانها مبالغة في تخويف المسلمين وإضعافا لروحهم، وبدأ المتحمسون من قريظة ~~ينزلون من حصونهم وآطامهم إلى منازل المدينة القريبة منهم، يريدون إرهاب أهلها. كانت صفية بنت عبد ~~المطلب في فارع حصن حسان بن ثابت، وكان حسان فيه مع النساء والصبيان، فمر بهم يهودي يطيف بالحصن. ~~فقالت صفية مخاطبة حسانا: إن هذا اليهودي يطيف يا حسان بالحصن كما ترى، وإني والله ما آمنه أن ~~يدل على عورتنا من وراءنا من اليهود، ورسول الله وأصحابه قد شغلوا عنا، فانزل إليه فاقتله. قال ~~حسان: يغفر الله لك يا بنة عبد المطلب! والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا. فأخذت صفية عمودا ~~ونزلت من الحصن وضربت به اليهودي حتى قتلته. فلما رجعت قالت: يا ms323 حسان انزل إليه فاسلبه فإنه لم ~~يمنعني من سلبه إلا أنه رجل. قال حسان: ما لي يا بنت عبد المطلب بسلبه من حاجة! # وظل أهل المدينة في فزعهم وزلزال قلوبهم، على حين جعل محمد يفكر في الوسيلة إلى الخلاص، ولم ~~تكن الوسيلة مواجهة العدو بطبيعة الحال. فلتكن الحيلة إذن. فبعث إلى غطفان يعدها ثلث ثمار المدينة ~~إن هي ارتحلت. وكانت غطفان قد بدأت تمل، فأظهرت امتعاضا من طول هذا الحصار وما لقوا من العنت ~~أثناءه لغير شيء إلا إجابة حيي بن أخطب واليهود الذين معه. ثم إن نعيم بن مسعود ذهب بأمر الرسول ~~إلى قريظة، وكانت لا تعرف أنه أسلم، وكان لها نديما في الجاهلية، فذكرهم بما بينه وبينهم من ~~مودة، ثم ذكر لهم أنهم ظاهروا قريشا وغطفان على محمد، وقريش وغطفان ربما لا تطيقان المقام طويلا ~~فترتحلان فتخليان ما بينهم وبين محمد فينكل بهم، ونصح لهم ألا يقاتلوا مع القوم حتى يأخذوا منهم ~~رهنا يكونون بأيديهم حتى لا تتنحى قريش وغطفان عنهم. واقتنعت قريظة بما قال. ثم ذهب إلى قريش ~~فأسر لهم أن قريظة ندموا على ما فعلوا من نكث عهد محمد، وأنهم عاملون لاسترضائه وكسب مودته بأن ~~يقدموا له من أشراف قريش من يضرب أعناقهم. ولذلك نصح لهم إن بعثت إليهم اليهود يلتمسون رهائن من ~~رجالهم ألا يبعثوا منهم أحدا. # وصنع نعيم مع غطفان ما صنع مع قريش وحذرهم مثل ما حذرهم. ودبت الشبهة من كلام نعيم إلى نفوس ~~قريش وغطفان فتشاور زعماؤهم، فأرسل أبو سفيان إلى كعب سيد بني قريظة يقول له: قد يا كعب طالت ~~إقامتنا وحصارنا هذا الرجل، وقد رأيت أن تعمدوا إليه في الغد ونحن من ورائكم، فعاد رسول أبي سفيان ~~إليه بقول زعيم قريظة: إن غدا السبت، وإنا لا نستطيع القتال والعمل يوم السبت. فغضب أبو سفيان ~~وصدق حديث نعيم، وأعاد الرسول يقول لقريظة: اجعلوا سبتا مكان هذا السبت، فإنه لا بد من قتال محمد ~~غدا، ولئن خرجنا لقتاله ولستم معنا لنبرأن من ms324 حلفكم ولنبدأن بكم قبل محمد. فلما سمعت قريظة كلام ~~أبي سفيان كررت أنها لا تتعدى السبت، وقد غضب الله على قوم منهم تعدوه فجعلهم قردة وخنازير. ثم ~~أشاروا إلى الرهائن حتى يطمئنوا لمصيرهم. فلما سمع ذلك أبو سفيان لم يبق لديه في كلام نعيم ريبة، ~~وبات يفكر ماذا عسى أن يصنع؛ وتحدث إلى غطفان فإذا هي تتردد في الإقدام على قتال محمد متأثرة بما ~~كان قد بدأها به من وعدها ثلث ثمار المدينة وعدا لم يتم أن اعترضه سعد بن معاذ وسادة المدينة من ~~الأوس والخزرج ومن أصحاب مشورة رسول الله. # فلما كان الليل عصفت ريح شديدة، وهطل المطر غزيرا، وقصف الرعد، ولمع البرق، واشتدت العاصفة ~~فاقتلعت خيام الأحزاب وكفأت قدورهم وأدخلت الرعب إلى نفوسهم، وخيل إليهم أن المسلمين انتهزوا ~~فرصة ليعبروا إليهم وليوقعوا فيهم. فقام طليحة بن خويلد فنادى: إن محمدا قد بدأكم بشر فالنجاة ~~النجاة. وقال أبو سفيان: «يا معشر قريش، إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام. لقد هلك الكراع # 5 # والخف، وأخلفنا بنو قريظة وبلغنا منهم ما نكره، ولقينا من شدة الريح ما ترون ~~فارتحلوا فإني مرتحل.» # فاستخف القوم ما استطاعوا حمله من متاع وانطلقوا وما تزال الريح تعصف بهم، وفروا وتبعتهم ~~غطفان والأحزاب. وأصبح الصبح ولم يجد محمد أحدا، فانصرف راجعا إلى منازل المدينة والمسلمون معه، ~~يرفعون أكف الضراعة إلى الله شكرا أن كشف الضر عنهم وأن كفى المؤمنين القتال. # عاد محمد بعد رحيل الأحزاب يفكر في موقفه. لقد أذهب الله عنه عدوه الذي كان يهدده لكن ~~اليهود قادرون على أن يعودوا لمثلها وأن يختاروا فصلا من السنة غير الشتاء القارس الذي كان من ~~جند الله في هزيمة عدوه. ثم إن قريظة لولا ارتحال الأحزاب ولولا ما وقع في صفوفهم من شقاق ~~وانقسام، كانت على أهبة النزول إلى المدينة والفتك بالمسلمين والمعاونة على استئصالهم. لا تقطعن ~~إذن ذنب الأفعى وتتركها. ولا بد من القضاء على بني قريظة بما فعلوا، وأمر - عليه السلام - ~~مؤذنا فأذن في الناس: ms325 من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا ببني قريظة؛ وقدم عليا ~~برايته إليها. ومع ما كان عليه المسلمون من نصب بعد طول حصار قريش وغطفان إياهم، فقد خفوا لهذا ~~القتال الذي لم يكن لديهم أي شك في نتيجته. صحيح أن بني قريظة يقيمون في حصون محصنة كالتي كانت ~~لبني النضير، لكن هذه الحصون إن أغنتهم في الدفاع عن أنفسهم فلن تغنيهم في مهاجمة المسلمين. ~~والميرة قد أصبحت في متناول أيدي أهل المدينة بعد جلاء الأحزاب عنها. لذلك خف المسلمون فرحين وراء ~~علي، حتى أتوا بني قريظة، فإذا بهم ومعهم حيي بن أخطب النضيري يقعون في محمد بأقبح مقالة، ~~يكذبونه ويطعنون عليه وينالون من أعراض نسائه. وكأنما شعروا بعد انخذال الأحزاب عن المدينة بما ~~هيئ لهم. ولما جاء الرسول لقيه علي وطلب إليه ألا يدنو من حصون اليهود. فسأله محمد: ولم؟ أظنك ~~سمعت منهم لي أذى؟ قال: نعم. قال رسول الله: لو رأوني لما قالوا من ذلك شيئا. فلما دنا من ~~حصونهم ناداهم: يا إخوان القردة! هل أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته؟! قالوا: يا أبا القاسم ما كنت ~~جهولا. وجعل المسلمون بقية نهارهم يتوافدون على بني قريظة حتى اجتمع جمعهم عندها، فأمرهم محمد ~~بحصارها. # ظل هذا الحصار خمسا وعشرين ليلة لم يقع خلالها إلا بعض تراشق بالنبل والحجارة، ولم يجرؤ بنو ~~قريظة أن يخرجوا من الآطام لطول مدة الحصار مرة واحدة، فلما جهدوا وأيقنوا أن لن تغني عنهم حصونهم ~~من الهلاك شيئا، وأنهم لا بد أن يقعوا في قبضة المسلمين وإن طال أمد الحصار، بعثوا إلى الرسول أن ~~ابعث إلينا أبا لبابة لنستشيره في أمرنا. وكان أبو لبابة من الأوس حلفائهم. فلما رأوه قام إليه ~~الرجال وأجهش النسوة والصبيان بالبكاء، حتى رق لهم. فقالوا له: أترى يا أبا لبابة أن ننزل على حكم ~~محمد؟ قال: نعم - وأشار بيده إلى حلقه - إنه الذبح إن لم تفعلوا. وقد ندم أبو لبابة على إشارته ~~هذه فيما روت السير. فلما انصرف أبو لبابة عنهم ms326 عرض كعب بن أسد أن يتابعوا محمدا على دينه وأن ~~يسلموا فيأمنوا على دمائهم وأموالهم وأبنائهم؛ فرفض أصحاب كعب أن يسمعوا هذا الكلام منه وصاحوا ~~به : لا نفارق حكم التوراة، ولا نستبدل به غيره. فعرض عليهم أن يقتلوا نساءهم وأبناءهم وأن يخرجوا ~~إلى محمد وأصحابه رجالا مصلتين السيوف غير تاركين وراءهم ثقلا حتى يحكم الله بينهم وبين محمد. ~~فإن هلكوا لم يتركوا وراءهم نسلا يخشون عليه وإن ظهروا اتخذوا النساء والأبناء، فرفضوا هذا العرض ~~أيضا قائلين: نقتل هؤلاء المساكين؟! فما خير العيش بعدهم؟! قال لهم كعب: لم يبق إذن إلا أن ~~تنزلوا على حكم محمد وقد سمعتم ما أعد لكم. # وتشاور القوم فيما بينهم وقال قائل منهم: إنهم لن يكونوا أسوأ من بني النضير مصيرا، وإن ~~أولياءهم من الأوس سيدفعون عنهم الشر، وإنهم إن عرضوا أن يرتحلوا إلى أذرعات بالشام لم يجد محمد ~~بأسا من قبول عرضهم. # وبعثت قريظة إلى محمد تعرض عليه الخروج إلى أذرعات تاركة وراءها ما تملك، فأبى ذلك عليها إلا ~~أن تنزل على الحكم. فأرسلت إلى الأوس تقول لهم: ألا تأخذون لإخوانكم مثلما أخذت الخزرج لإخوانهم؟! ~~فمشى جماعة من الأوس إلى محمد فقالوا: يا نبي الله، ألا تقبل من حلفائنا مثل الذي قبلت من حلفاء ~~الخزرج؟! قال محمد: يا معشر الأوس، ألا ترضون أن أجعل بيني وبين حلفائكم رجلا منكم؟! فقالوا: ~~بلى. قال: فقولوا لهم فليختاروا من شاءوا. فاختار اليهود سعد بن معاذ، وكأنما أعماهم القدر عما ~~كتب لهم في لوح حظهم، فأنساهم مقدم سعد إليهم أول نقضهم عهدهم، وتحذيره إياهم، ووقوعهم في محمد ~~أمامه، وسبهم المسلمين بغير حق. وأخذ سعد المواثيق على الفريقين أن يسلم كلاهما لقضائه وأن يرضى ~~به. فلما أعطوه المواثيق، أمر ببني قريظة أن ينزلوا وأن يضعوا السلاح ففعلوا، فحكم فيهم أن تقتل ~~المقاتلة، وتقسم الأموال وتسبى الذرية والنساء. فلما سمع محمد هذا الحكم قال: والذي نفسي بيده لقد ~~رضي بحكمك هذا الله والمؤمنون وبه أمرت. ثم خرج إلى سوق المدينة فأمر ms327 فحفرت بها خنادق ثم جيء ~~باليهود أرسالا فضربت أعناقهم، وفي هذه الخنادق دفنوا. ولم يكن بنو قريظة يتوقعون هذا الحكم من ~~سعد بن معاذ حليفهم. بل كان يحسبونه يصنع بهم ما صنع عبد الله بن أبي مع بني قينقاع. ولعل سعدا ~~ذكر أن الأحزاب لو انتصرت بخيانة بني قريظة لما كان أمام المسلمين إلا أن يستأصلوا وأن يقتلوا ~~وأن يمثل بهم. فجزاهم بمثل ما عرضوا المسلمين له. # وقد أظهر اليهود من الجلد أمام القتل ما تراه في حديث حيي بن أخطب حين قدم لضرب عنقه، فقد ~~نظر إليه النبي وقال: ألم يخزك الله يا حيي؟! فأجاب حيي: «كل نفس ذائقة الموت، ولي أجل لا أعدوه ~~ولا ألوم نفسي على عداوتك.» ثم التفت إلى الناس فقال: «أيها الناس إنه لا بأس بأمر الله، كتاب ~~وقدر وملحمة كتبها الله على بني إسرائيل.» ثم إن الزبير بن باطا القرظي كان قد من على ثابت بن ~~قيس يوم بعاث بأن خلى سبيله بعد أسره، فأراد ثابت أن يجزيه، بعد حكم ابن معاذ على اليهود، عن ~~يده، فذكر لرسول الله منة الزبير عليه واستوهبه دمه، وأجاب رسول الله طلبته، فلما عرف الزبير ما ~~فعل ثابت قال له: شيخ كبير مثلي لا أهل له ولا ولد ماذا يصنع بالحياة؟! فاستوهب ثابت رسول الله دم ~~امرأته وأولاده فوهبه له، ثم استوهبه ماله فوهبه له كذلك. فلما اطمأن الزبير إلى أهله وولده وماله ~~سأله عن كعب بن أسد وعن حيي بن أخطب وعن عزال بن سموءل وعن زعماء بني قريظة، فلما علم أنهم ~~قتلوا قال: إني أسألك يا ثابت بيدي عندك إلا ألحقتني بالقوم، فوالله ما في العيش بعد هؤلاء من ~~خير، فما أنا بصابر لله فتلة دلو ناضح # 6 # حتى ألقى الأحبة، وكذلك ضربت عنقه بمشيئته. وكان المسلمون لا يقتلون في غزواتهم ~~النساء والذراري، ولكنهم يومئذ قتلوا امرأة طرحت الرحا على مسلم فقتلته. وكانت عائشة تقول: والله ~~ما أنسى عجبا منها طيب نفسها وكثرة ضحكها وقد عرفت ms328 أنها تقتل. وأسلم يومئذ من اليهود أربعة فنجوا ~~من القتل. # وفي رأينا أن دم بني قريظة معلق في عنق حيي بن أخطب، وإن كان قد قتل معهم . فهو قد حنث في ~~العهد الذي عاهد قومه من بني النضير حين أجلاهم محمد عن المدينة ولم يقتل منهم بعد النزول على ~~حكمه أحدا. وهو بتأليبه قريشا وغطفان وتحزيبه العرب كلها لقتال محمد جسم العداوة بين اليهود ~~والمسلمين، وجعل هؤلاء يعتقدون أن بني إسرائيل لا تطيب نفوسهم إلا باستئصال محمد وأصحابه. وهو ~~الذي حمل بني قريظة من بعد ذلك على نقض عهدها والخروج من حيادها، ولو أنها بقيت عليه لما أصابها ~~من الشر. وهو الذي دخل حصن بني قريظة بعد ارتحال الأحزاب ودعاهم لمواجهة المسلمين والدفاع عن ~~أنفسهم بمقاتلهم، ولو أنهم نزلوا على حكم محمد منذ اليوم الأول واعترفوا بخطئهم في نقض عهدهم، ~~لما أهدرت دماؤهم وضربت أعناقهم. لكن العداوة بلغت من التأصل في نفس حيي وانتقلت منه إلى نفوس ~~بني قريظة حدا جعل سعد بن معاذ نفسه، وهو حليفهم، يؤمن بأنهم إن أبقى على حياتهم لم تهدأ لهم ~~نفس حتى يؤلبوا الأحزاب من جديد، وحتى يجمعوا العرب لقتال المسلمين، وحتى يقتلوهم عن آخرهم إن ~~ظفروا بهم. فالحكم الذي أصدره على قسوته إنما أصدره متأثرا بالدفاع عن النفس، معتبرا بقاء ~~اليهود أو زوالهم مسألة حياة أو موت بالنسبة للمسلمين. # وقسم النبي أموال بني قريظة ونساءهم وأبناءهم على المسلمين بعد ان أخرج منها الخمس؛ قسمها بأن ~~كان للفارس سهمان، ولفرسه سهم، وللراجل سهم. وكانت الخيل يوم قريظة ستة وثلاثين فرسا. ثم بعث سعد ~~بن زيد الأنصاري بطائفة من سبايا بني قريظة إلى نجد، فابتاع بها خيلا وسلاحا زيادة في قوة ~~المسلمين الحربية. # وكانت ريحانة إحدى سبايا بني قريظة قد وقعت في سهم محمد، فعرض عليها الإسلام فأصرت على ~~يهوديتها، وعرض عليها أن يتزوجها فقالت: بل تتركني في ملكك فهو أخف علي وعليك. ولعل حرصها على ~~اليهودية ورفضها الزواج يرجعان إلى عصبيتها لقومها، وما كان ms329 باقيا في نفسها من كراهية للمسلمين ~~ولنبيهم. ولم يتحدث أحد عن جمال ريحانة ما تحدثوا عن جمال زينب بنت جحش، وإن ذكر بعضهم أنها كانت ~~جميلة وسيمة . وقد اختلفت السير فيها: أضرب عليها الحجاب كما ضرب على نساء النبي، أم أنها ظلت ~~كسائر نساء العرب يومئذ لم يضرب عليها حجاب. وبقيت ريحانة في ملكه حتى ماتت عنده. # وطدت غزوة الأحزاب، ووطد القضاء على بني قريظة، للمسلمين في المدينة، فلم يبق للمنافقين ~~فيها صوت قط. وذهبت العرب كلها تتحدث بقوة المسلمين وسلطانهم، وبمقام محمد وقوته ورهبة جانبه. ~~ولكن الرسالة لم تكن للمدينة وحدها بل كانت للعالم بأسره. فما يزال على النبي وأصحابه إذن أن ~~يمهدوا لكلمة الله، وأن يدعوا الناس لدينه الحق، وأن يصدوا عنه كل معتد عليه. وهذا ما ~~فعلوا. # الفصل التاسع عشر # | من الغزوتين إلى الحديبية # (المرأة والرجل في الإسلام - غزوة بني لحيان - قتل عيينة والأقرع - غزوة بني المصطلق - حديث ~~الإفك) ~~*** # استتب الأمر لمحمد والمسلمين بعد غزوة الخندق والقضاء على بني قريظة استتبابا جعل العرب ~~تخافهم أشد الخوف، وجعل الكثيرين من قريش يفكرون: أليس خيرا لقريش لو أنها هادنت محمدا وصافته ~~وهو منها وهي منه، والمهاجرون معه بينهم كبراؤها وساداتها؟! واستراح المسلمون بعد الذي اطمأنوا ~~إليه من القضاء على اليهود بجوار المدينة قضاء لا تقوم لهم قائمة بعده. ومكثوا بالمدينة لذلك ستة ~~أشهر يباشرون من تجارة الحياة ما يستمتعون معه بشيء من نعمة الحياة، ويزدادون برسالة محمد إيمانا ~~ولتعاليمه امتثالا، ويسيرون وإياه في طريق تنظيم الجماعة العربية تنظيما لم يكن مألوفا عندها ~~من قبل، ولكنه لم يكن منه بد في جماعة منظمة ذات كيان ووحدة كالجماعة التي كانت تتكون تحت سلطان ~~الإسلام رويدا رويدا. فقد كانت العرب في الجاهلية لا تعرف لها نظاما ثابتا إلا ما أقرته ~~عاداتها ولم يكن لها في أمر الأسرة ونظامها، والزواج وحدوده، والطلاق وقيوده، وصلات الزوجين ~~والأبناء، إلا ما تمليه طبيعة ذلك الجو الذي يغلو في الإباحة تارة ليصل من الجمود والتقيد إلى ~~حدود ms330 الرق وعسفه تارة أخرى. فلينظم الإسلام الجماعة الإسلامية الناشئة التي لما تتكون تقاليدها، ~~وليمهدها في وقت قصير لتضع نواة حضارة تنتظم من بعد ذلك حضارة الفرس والروم والمصريين، وتطبعها ~~بطابعها الإسلامي الذي يتدرج رويدا رويدا حتى يصل إلى كماله يوم ينزل قوله تعالى: # اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ~~ورضيت لكم الإسلام دينا ~~. # 1 # ومهما يكن الرأي في حضارة العرب قبل الإسلام وبداوتها، وهل كانت القرى من أمثال مكة والمدينة ~~ذات حضارة لا تعرفها البادية، أو أنها كانت أيضا في أوليات مراتب الحضارة فإن صلات الرجل والمرأة ~~في هذه الجماعة العربية كلها لم تكن تعدو - بشهادة القرآن وبشهادة ما بقي من آثار ذلك العهد - ~~صلات الذكورة والأنوثة، مع تفاوت تمليه مراتب الطوائف والعشائر لا يبعد عن هذا الوضع القريب من ~~مراتب الإنسان الأول؛ ولذلك كان النسوة يتبرجن في الجاهلية الأولى ويبدين من زينتهن ما لا يقف ~~أمره عند بعولتهن، وكن يخرجن فرادى ومثنى وزرافات لحاجتهن يقضينها في غوطة الصحراء فيلقاهن ~~الشبان والرجال وهن يتهادين في جماعتهن، فلا يأبى هؤلاء ولا أولئك أن يتبادلوا أشهى النظرات ~~ومعسول الحديث مما يستريح إليه الذكر وتطمئن إليه الأنثى. وبلغ من أمر هذه الصلة وما قرت في ~~النفوس، أن لم تأب هند زوج أبي سفيان أن تقول في أشد مواقف الجد والشدة، وهي تحث قريشا حين ~~الحرب يوم أحد: # إن تقبلوا نعانق # ونفرش النمارق # أو تدبروا نفارق # فراق غير وامق # ولم يكن الزنا يومئذ بالجريمة ذات الخطر والشأن في بعض القبائل. وكان الغزل بعض معروف العرب ~~جميعا. ولقد ذكر الرواة عند هند هذه، على ما كان لأبي سفيان من مكانة وخطر، أحاديث غرام وهوى لم ~~تغير من مكانتها في قومها ولا بين أهلها. ثم إن المرأة كانت إذا ولدت، ولم يعرف لمولودها أب، لم ~~تأب أن تذكر من لامسها من الرجال لينسب مولودها إلى أيهم كان أقرب إليه شبها. ولم يكن إلى ذلك ~~الوقت لتعداد الزواج ولا للرق حد أو قيد. كان للرجل أن ms331 يتزوج ما شاء، وأن يتسرى ما شاء، وكان ~~لهؤلاء ولأولئك أن يلدوا ما شاءوا. وكان الأمر في ذلك لا خطر له إلا أن يتضح وتخشى معرته، وما قد ~~يجر وراءه من أهاجي تتبادل لا يدري أحد ما ينجم عنها من خصومة وقتال. هنالك يتبدل الأمر غير ~~الأمر، وترى ما كانت المودة قد سترت من قبل من ملاحم الهوى ووثبات الغرام، قد هتكته الخصومة ~~فجعلته سببا لملاحم القتال ووثبات النزال. # وإذا شبت الخصومة فلكل أن يتقول ما شاء وأن يزعم ما يريد. وخيال العربي خصب، بطبيعة عيشه ~~تحت السماء، وتجواله الدائم في طلب الرزق، واضطراره إلى المغالاة وإلى الكذب أحيانا في شئون ~~التجارة. والعربي مولع بالفراغ الذي يغريه بالغزل ويزيد خياله في السلم والحرب خصبا. فإذا وقف ~~زيد في السلم يحادث هندا حديث هوى لم يزد على شهي اللفظ تساقطه لآلئ الثنايا العذاب، رأيت زيدا ~~هذا حين الخصومة والحرب يرفع عقيرته بهند، وقد لقيها أمامه متجردة، يقول في نحرها وصدرها ونهدها ~~وخصرها وعجيزتها وما دون ذلك ما شاءت له أفانين الخصومة، واهتياج الخيال الذي لا يعرف في المرأة ~~غير الأنثى وغير ما تفرش من النمارق. ومع ما قضى الإسلام على هذه النفسية فقد بقي من آثارها ما ~~نقرؤه في مثل شعر عمر بن أبي ربيعة، وما تأثر به شعر الغزل في العربية إلى عصور كثيرة، وما لا ~~يزال له أثره، ولو إلى حد قليل، في شعر عصرنا الحاضر. # ربما بدا هذا التصوير للقارئ المعجب بالعرب وحضارتهم، وللمعجب حتى بعرب الجاهلية، مشوبا بشيء ~~من الغلو. وللقارئ العذر من ذلك، إذ يوازن بين هذه الصورة التي وضعناها أمامه، وما هو واقع بالفعل ~~في عصرنا الحاضر وما نرجو أن تصل إليه صلات الرجل والمرأة في الزواج والطلاق وصلات الزوجين ~~والأبناء. لكن موازنة كهذه مخطئة جديرة أن تجر إلى أفحش الضلال. إنما يجب أن يوازن بين الجماعة ~~العربية التي صورنا إحدى نواحيها في القرن السابع المسيحي، والجماعات الإنسانية في ذلك ~~العصر. # وما أحسبنا نغالي إذا ms332 قلنا: إن الجماعات العربية كانت، مع ما وصفنا من أمرها، خيرا بكثير من ~~الجماعات المعاصرة لها في آسيا وفي أوروبا. ولسنا نقف عند ما كان من ذلك في الصين أو في الهند، ~~فما لدينا من المعلومات عنه قليل لا غناء فيه. لكن أوروبا الشمالية وأوروبا الغربية كانت يومئذ ~~في ظلمات تبيح لك أن تصور من نظام الأسرة فيها ما تريد مما يقرب من أوليات مراتب الإنسانية. ~~وكانت الروم، وهي صاحبة الشرع يومئذ وصاحبة الغلب والسيادة والمنافس الوحيد القوي للفرس، تجعل ~~المرأة من الرجل في مكانة دون مكانة المرأة العربية من الرجل حتى في البادية. # كانت المرأة في شرائع الروم يومئذ معتبرة متاعا مملوكا للرجل يتصرف فيه كيف يشاء. ويملك من ~~أمره ما يريد حتى الحياة والموت. كانت تعامل معاملة الرق سواء، لا فارق بينها وبينه في نظر الشرع ~~الروماني. كانت مملوكة لأبيها، ثم لزوجها، ثم لابنها، وكان ملكهم إياها تاما كملكهم الرقيق ~~وكملكهم الحيوان والجماد. وكان ينظر إلى المرأة على أنها مثار الشهوة، وعلى أنها لا سلطان لها ~~على أنوثتها الحيوانية، حتى لم يكن بد من اصطناع نطاق العفة ومن التمسك بذلك قرونا متوالية، بعد ~~هذا العصر الذي نصف فيه أحوال جزيرة العرب. ومع أن السيد المسيح - عليه السلام - كان برا بالنساء ~~عطوفا عليهن. حتى لقد قال حين أظهر بعض رجاله العجب لحسن معاملته مريم المجدلية: «من لم يكن منكم ~~ذا خطيئة فليرمها بحجر.» مع هذا ظلت أوروبا المسيحية، كما كانت أوروبا الوثنية من قبل، تزدري ~~المرأة شر ازدراء. ولم تكن تنظر إلى صلاتها بالرجل على أنها صلات الذكورة والأنوثة وكفى، بل على ~~أنها صلة عبودية ورق ومهانة مما طوع لبعض المتكلمين في عصور مختلفة أن يتساءلوا: أللمرأة روح ~~وأنها ستحاسب، أم أنها كالحيوان لا روح لها ولا تعرف عند الله حسابا وليس لها في ملكوت الله ~~متسع؟! # وكان محمد يقدر، بما أوحي إليه، أن لا صلاح للجماعة إلا بتعاون الرجل والمرأة، باعتبار أنهما ~~أخوان متضامنان تضامن مودة ورحمة، وأن ms333 للنساء مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة. لكن ~~الأخذ في ذلك بالطفرة لم يكن أمرا ميسورا، ومهما يكن من إيمان العرب الذين اتبعوه به، فإن أخذهم ~~باليسير من الأمر وعدم تعريضهم للحرج، أدعى إلى مزيد إيمانهم، وإلى ازدياد أنصاره. وكذلك كان ~~الشأن في كل إصلاح اجتماعي فرضه الله على المسلمين. # بل كذلك كان الشأن في فروض الدين ذاتها، في الصلاة والصوم والزكاة والحج. وكذلك كان الشأن في ~~المحرمات كالخمر والميسر ولحم الخنزير وما إليها. وقد بدأ محمد، في شأن الإصلاح الاجتماعي، وتقرير ~~صلات ما بين الرجل والمرأة، بالمثل يضربه فيما بينه وبين أزواجه مما كان المسلمون جميعا يرونه. ~~فالحجاب لم يفرض على نساء النبي إلى ما قبيل غزوة الأحزاب كما لم يفرض تحديد الزوجات بأربع مع ~~شرط العدل إلى ما بعد غزوة الأحزاب، بل إلى ما بعد غزوة خيبر بأكثر من سنة. فكيف يصل النبي إلى ~~توطيد علاقات الرجل والمرأة على أساس صالح، تمهيدا لهذه المساواة التي انتهى الإسلام إليها، ~~مساواة تجعل للنساء مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة؟ # كانت صلات الرجل والمرأة عند المسلمين، كما كانت عند سائر العرب، على ما وصفنا، مقصورة على ~~صلات الذكورة الأنوثة. وكان التبرج وإبداء الزينة بصورة تدعو إلى تحرش الرجال بالنساء، كلما وجدوا ~~الفرصة لذلك بعض ما يذكي عواطف الجنس عند الرجل والمرأة على سواء، وما يحول لذلك دون التقريب ~~بينهما تقريبا أساسه المعنى الإنساني السامي، وأساسه الاشتراك الروحي في العبودية لله وحده. وقد ~~نشأ عن قيام طوائف اليهود والمنافقين في المدينة، وخصومتهم لمحمد وللمسلمين، أن بلغ تحرش هذه ~~الطوائف بالمسلمات حدا أدى إلى حصار بني قينقاع كما رأيت، وإلى إيصال الأذى للمسلمات، مما كانت ~~تنشأ عنه مشاكل لا ضرورة لها. فلو أن المسلمات لم يبدين زينتهن أثناء خروجهن، لكان ذلك أدنى أن ~~يعرفن فلا يؤذين، ولوفر ذلك هذه المشاكل، ولكان بدءا حسنا لهذه المساواة التي يريد الإسلام ~~تحقيقها بين الجنسين، من غير أن يشعر المسلمون، رجالا ونساء، بانتقال في الفكرة ms334 لم يمهدوا ~~له. # وفي هذه الظروف نزل قوله تعالى: # والذين يؤذون المؤمنين ~~والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا ~~* يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء ~~المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن ~~فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما * لئن لم ينته ~~المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة ~~لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا * ~~ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا * سنة ~~الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا ~~. # 2 # بهذا التمهيد سهل على المسلمين أن يقلعوا عن عادات العرب الأولى. كما أن ما قصد إليه شارع ~~الإسلام، من تنظيم الجماعة على أساس الأسرة طاهرة من أدران الدخيلة مما جعل الزنا جريمة كبرى، قد ~~يسر لكل مسلم أن يقدر ما في تبرج الأنثى تتبدى به للذكر من عيب ومعرة، ما لم تكن صلة ما بين ~~الرجل والمرأة تسمح بهذا التبرج. وذلك قوله تعالى: # قل للمؤمنين ~~يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن ~~الله خبير بما يصنعون * وقل للمؤمنات يغضضن من ~~أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر ~~منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن ~~إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو ~~أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني ~~أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير ~~أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات ~~النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن ~~وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون لعلكم تفلحون ~~. # 3 # وكذلك عمل الإسلام، فتدرجت صلة ما بين الرجل والمرأة إلى غير ما كانت فلم تبق صلة ذكورة ~~وأنوثة إلا حيث تخشى الفتنة من مثل هذه الصلة؛ فأما في سائر شئون الحياة وفي علاقات الرجال ~~والنساء جميعا، فالكل سواسية، والكل عباد الله، والكل متضامنون للخير ولتقوى الله. فإذا فرط من ~~أحدهم أو من إحداهن ما يذكي في النفس معاني الجنس فذلك إثم يجب ms335 على من فرط منه أن يتوب إلى الله؛ ~~إنه هو التواب الرحيم. # لكن ذلك كله لم يكن كافيا لينقل النفس العربية في أعوام قلائل من اعتباراتها الأولى ليغيرها ~~في هذا الشأن، كما غيرها في الإيمان بالله وعدم الشرك به؛ نفسا جديدة. وذلك طبيعي؛ فالمادة إذا ~~تكيفت على صورة ما، لم يكن من اليسير تحولها إلا رويدا رويدا؛ ومهما تحولها فلن تحولها إلا ~~قليلا. ذلك شأن حياة الإنسان المادية. تطبعه العادات المتوارثة، وتطبعه تقاليد البيئة في شئون ~~حياته، فإذا أريد به أن يتغير فقد وجب أن يتدرج في انتقاله وتغيره، ثم إنه لن يستطيع هذا التدرج ~~إلا إذا غير ما بنفسه. وقد يستطيع الإنسان أن يغير جانبا من جوانب نفسه بإزالة ما أمامها من ~~حوائل تعوق تمددها وانتشارها لتمتثل الكون كله. وهذا ما فعل الإسلام بالمسلمين في شأن توحيد الله ~~والإيمان به وبرسوله وباليوم الآخر. لكن كثيرا من جوانب النفس العربية لم تحطم أمامه العوائق، ~~وخاصة في شئون الحياة المادية. فبقي المسلمون فيه قريبين مما كانوا قبل إسلامهم، وذلك كان شأنهم ~~فيما طبعتهم عليه حياة الصحراء من تلكؤ، وفيما درجوا عليه من حب التحدث إلى النساء. # ومع هذا الذي أسلفنا من تعديل الدين الجديد نظرتهم لصلات ما بين الرجل والمرأة، فقد ظلوا ~~فيما سوى ذلك كما كانوا من قبل أو على مقربة منه. وكثيرا ما كان أحدهم يحب أن يدخل على النبي ~~بيته، وأن يمكث عنده وأن يتحدث إليه وأن يتحدث إلى نسائه، وقد كانت مهام النبوة العظمى أكبر من أن ~~تدع محمدا يشغل نفسه بحديث هؤلاء الذين يجيئون إليه، والذين يتحدثون إلى نسائه وما ينقل نساؤه ~~إليه من أحاديثهم، لذلك أراد الله أن يخلي نبيه من هذه المشاغل الصغرى، فأنزل عليه الآيات: # يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن ~~يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم ~~فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم ~~كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من ms336 الحق وإذا ~~سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر ~~لقلوبكم وقلوبهن وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن ~~تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله ~~عظيما ~~. # 4 # وكما نزلت هذه الآية حديثا للمؤمنين وإرشادا لهم إلى واجبهم إزاء النبي وأزواجه، نزلت ~~الآيتان الآتيتان كذلك موجهتين إلى أزواج النبي في هذا الشأن نفسه. قال تعالى: # يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن ~~فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا ~~معروفا * وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج ~~الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ~~ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ~~ويطهركم تطهيرا ~~. # 5 # هذا هو التمهيد الاجتماعي الجديد الذي أراده الإسلام للجماعة الإنسانية. أقام أساسه على تغيير ~~نظرة الجماعة إلى ما بين الرجل والمرأة من صلات، وأراد أن يمحو من النفوس تسلط فكرة الجنس ~~واعتبارها وحدها المتغلبة على كل اعتبار، وأراد بذلك أن يوجه الجماعة وجهتها الإنسانية العليا ~~التي لا تنكر على الإنسان استمتاعه بالحياة استمتاعا لا يضعف من حريته في أن يريد - ومن باب ~~أولى لا يسلبه هذه الحرية في أن يريد - والتي تجعل من الإنسان صلة ما بين الكائنات جميعا، فيرتفع ~~به من مراتب زراعة الأرض ومن الصناعة ومن تجارة الحياة أيا كانت، لتسمو به إلى مجاورة القديسين ~~والاتصال بالملائكة المقربين. وقد جعل الإسلام من الصوم والصلاة والزكاة وسائل لهذا السمو؛ بما ~~تنهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، وبما تطهر النفس والقلب من شوائب الخضوع لغير الله، وبما تقوي ~~من أسباب الأخوة بين المؤمنين، ومن الاتصال بين الإنسان وسائر ما في الكون. # هذا التنظيم للحياة الاجتماعية رويدا رويدا، تمهيدا للانتقال العظيم الذي أعد الإسلام له ~~الإنسانية، لم يمنع قريشا والعرب أن تتربص بمحمد الدوائر، ولم يمنع محمدا أن يكون دائم الحذر، ~~سريعا إلى النشاط لإلقاء الرعب في قلوب خصومه عند الحاجة. من ذلك أنه، بعد ستة أشهر من القضاء ~~على بني قريظة - شعر بشيء من الحركة ms337 في ناحية مكة، ففكر في أن ينتقم لخبيب بن عدي وأصحابه ممن قتل ~~بنو لحيان عند ماء الرجيع منذ سنتين. على أنه لم يجهر بقصده خيفة أن يتخذ العدو الحيطة لنفسه. ~~فأظهر أنه يريد الشام ليصيب من القوم غرة، فأخذ قواته ويمم بها شمالا. فلما اطمأن إلى أن قريشا ~~وجيرانها لم يبق منهم من يفطن لمقاصده، انتقل راجعا إلى ناحية مكة وأغذ السير مسرعا حتى بلغ ~~منازل بني لحيان بعران. لكن قوما رأوه أول انحداره إلى الجنوب فعرف منهم بنو لحيان قصده إياهم. ~~فاعتصموا برءوس الجبال هم ومتاعهم. وفات النبي أن يصيبهم، فبعث أبا بكر في مائة راكب حتى بلغوا ~~عسفان على مقربة من مكة. ثم كر رسول الله قافلا إلى المدينة في يوم قائظ بلغ من قيظه أن كان ~~النبي يقول: «آئبون تائبون إن شاء الله لربنا حامدون. أعوذ بالله من وعثاء السفر وكآبة المنقلب ~~وسوء المنظر في الأهل والمال.» # ولم يكد محمد يقيم بالمدينة ليالي بعد أوبته إليها حتى أغار عيينة بن حصن على أطرافها، وكان ~~بظاهرها إبل ترعى يحرسها رجل وامرأته فقتل عيينة وأصحابه الرجل وساقوا الإبل واحتملوا المرأة ~~وانصرفوا يحسبون أنهم من اللحاق بمنجاة. لكن سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلمي قد غدا يريد الغابة ~~متوشحا قوسه ونبله؛ فلما مر على ثنية الوداع وأشرف على ناحية من سلع، وأبصر القوم قد اقتادوا ~~الإبل واحتملوا المرأة، فصاح: واصباحاه! وجعل يشتد في أثر القوم حتى إذا اقترب منهم رماهم بالنبل، ~~وهو في أثناء ذلك لا ينفك يصيح. وبلغ محمدا صياح سلمة. فنادى في أهل المدينة: الفزع الفزع؛ ~~فترامى الفرسان إليه من مختلف النواحي، فأمرهم فانطلقوا في أثر القوم، وجهز هو قواته وسار على ~~رأسها يتبعهم حتى نزل بالجبل من ذي قرد. # كان عيينة ومن معه قد أغذوا السير مسرعين يريدون اللحاق بغطفان نجاة من المسلمين. ولكن ~~فرسان المدينة أدركوا مؤخرتهم واستخلصوا شطر الإبل منهم ولحق بهم محمد فأعانهم؛ ونجت المرأة ~~المؤمنة التي كان العرب قد احتملوها. وأراد جماعة ms338 من أصحاب النبي أخذت منهم الحماسة كل مأخذ أن ~~يتأثروا عيينة، فردهم رسول الله، أن علم أن عيينة وأصحابه قد أدركوا غطفان واحتموا بهم. ورجع ~~المسلمون إلى المدينة، وجاءت امرأة الحارس في آثارهم على ناقة المسلمين. وكانت المرأة قد نذرت إن ~~أنجتها الناقة لتنحرنها قربانا إلى الله، فلما أخبرت النبي بنذرها قال: «بئس ما جزيتها أن حملك ~~الله عليها ونجاك بها ثم تنحرينها. إنه لا نذر في معصية الله ولا فيما لا تملكين.» # وأقام محمد بعد ذلك قرابة شهرين. ثم كانت غزوة بني المصطلق بالمريسيع، هذه الغزوة التي يقف ~~عندها كل كاتب وكل مؤرخ لسيرة النبي العربي؛ لا لأنها غزوة ذات قيمة، أو لأن المسلمين أو عدوهم ~~أبلوا فيها بلاء خارقا للعادة، بل لأن الشقاق كاد يفشو بعدها في صفوف المسلمين، فحسمه الرسول ~~بأحسن ما يكون عزيمة وحزما، ولأن من أثرها أن تزوج الرسول من جويرية بن الحارث، ولأن هذه الغزوة ~~أثمرت حديث الإفك عن عائشة حديثا كان موقفها منه - وهي لما تزل في السادسة عشرة - موقف إيمان ~~وقوة تحطمت على جنباتها وعنت لجلالهما كل الوجوه. # فقد بلغ محمدا أن بني المصطلق وهم فرع من خزاعة، يجمعون في حيهم على مقربة من مكة، وأنهم ~~يحرضون عليه يريدون قتله، وعلى رأسهم قائدهم الحارث بن أبي ضرار. ووقف محمد من أحد البدو على سر ~~جمعهم فأسرع في الخروج ليأخذهم على غرة، كعادته في أخذ أعدائه. وجعل لواء المهاجرين لأبي بكر، ~~ولواء الأنصار لسعد بن عبادة. ونزل المسلمون على ماء قريب من بني المصطلق يقال له المريسيع، ثم ~~أحاطوا ببني المصطلق ففر من جاءوا لنصرتهم. وقد قتل من بني المصطلق عشرة ولم يقتل من المسلمين إلا ~~رجل يقال له هشام بن صبابة، أصابه رجل من الأنصار وهو يحسبه خطأ من العدو. ولم يجد بنو المصطلق، ~~بعد قليل من التراشق بالنبال، مفرا من التسليم تحت ضغط المسلمين القوي السريع، فأخذوا أسرى هم ~~ونساؤهم وإبلهم وماشيتهم. # وكان لعمر بن الخطاب في الجيش أجير يقود فرسه، ms339 فازدحم بعد انتهاء الموقعة مع أحد رجال الخزرج ~~على الماء فاقتتلا فتصايحا، يقول الخزرجي: يا معشر الأنصار، ويقول أجير عمر: يا معشر المهاجرين. ~~وسمع عبد الله بن أبي النداء، وكان قد خرج مع المنافقين في هذه الغزوة ابتغاء الغنيمة، فثار ما ~~في نفسه على المهاجرين وعلى محمد حفيظة، وقال لجلسائه: «لقد كاثرنا المهاجرون في ديارنا والله ما ~~أعدنا وإياهم إلا كما قال الأول: «سمن كلبك يأكلك.» أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن ~~الأعز منها الأذل.» ثم قال لمن حضر من قومه: «هذا ما فعلتم بأنفسكم: أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم ~~أموالكم. أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم.» ومشى بحديثه هذا ماش إلى ~~رسول الله بعد فراغه من عدوه، وكان عنده عمر بن الخطاب، فهاج عمر لما سمع وقال: مر به بلالا ~~فليقتله. هنا ظهر النبي كدأبه مظهر القائد المحنك والحكيم البعيد النظر؛ إذ التفت إلى عمر وقال: ~~فكيف يا عمر إذا تحدث الناس وقالوا إن محمدا يقتل أصحابه؟ # لكنه قدر في الوقت نفسه أنه إن لم يتخذ خطة حازمة فقد يستفحل الأمر؛ لذلك أمر أن يؤذن في ~~الناس بالرحيل في ساعة لم يكن يرتحل المسلمون فيها، وترامى إلى ابن أبي ما بلغ النبي عنه، فأسرع ~~إلى حضرته ينفي ما نسب إليه، ويحلف بالله ما قاله ولا تكلم به. ولم يغير ذلك من قرار محمد الرحيل ~~شيئا، بل انطلق بالناس طيلة يومهم حتى أمسوا، وطيلة ليلتهم حتى أصبحوا، وصدر يومهم الثاني حتى ~~آذتهم الشمس. فلما نزل الناس لم يلبثوا حين مست جنوبهم الأرض أن وقعوا من فرط تعبهم نياما، ~~وأنسى التعب الناس حديث ابن أبي وعادوا بعد ذلك إلى المدينة ومعهم ما حملوا من غنائم بني ~~المصطلق وأسراهم وسبيهم، ومعهم جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار قائد الحي المهزوم وزعيمه. # بلغ المسلمون المدينة، وأقام ابن أبي بها، لا تهدأ له نفس حسدا لمحمد وللمسلمين، وإن تظاهر ~~بالإسلام بل بالإيمان؛ وإن أصر على إنكار ما نقل عنه لرسول ms340 الله عند المريسيع. أثناء ذلك نزلت ~~سورة المنافقين وفيها قوله تعالى: # هم الذين يقولون لا تنفقوا ~~على من عند رسول الله حتى ينفضوا ولله خزائن السماوات ~~والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون * يقولون لئن ~~رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ~~ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون ~~. # 6 # هنالك حسب قوم أن في هذه الآيات قضاء على ابن أبي، وأن محمدا لا ريب آمر بقتله، فذهب عبد ~~الله بن عبد الله بن أبي، وكان مسلما حسن الإسلام، فقال: «يا رسول الله، إنه بلغني أنك تريد قتل ~~عبد الله بن أبي فيما بلغك عنه، فإن كنت فاعلا فمرني به أنا أحمل إليك رأسه، فوالله لقد علمت ~~الخزرج ما كان بها من رجل أبر بوالده مني. وإني لأخشى أن تأمر به غيري فيقتله فلا تدعني نفسي ~~أنظر إلى قاتل أبي يمشي في الناس، فأقتله فأقتل رجلا مؤمنا بكافر فأدخل النار.» كذلك قال عبد ~~الله بن عبد الله بن أبي لمحمد. وما أحسب عبارة أبلغ من عبارته على إيجازها في قوة التعبير عن ~~حالة نفسية تضطرب فيها أقوى العوامل في النفس أثرا: تضطرب فيها عوامل البر بالأب وصدق الإيمان ~~والنخوة العربية والحرص على سكينة المسلمين حتى لا تتواتر الثارات بينهم! # فهذا ابن يرى أباه سيقتل، فلا يطلب إلى النبي ألا يقتله، لأنه يؤمن بأن النبي إنما يصدع بأمر ~~ربه، ويوقن بكفر أبيه. وهو، من خيفة ما يقتضيه البر بأبيه وما تقتضيه الكرامة والنخوة أن يثأر له ~~ممن قتله، يريد أن يحمل على نفسه وأن يقتل هو أباه، وأن يحمل هو بنفسه إلى النبي رأسه، وإن قطع ~~ذلك قلبه وفرى كبده! وهو يجد في إيمانه بعض العزاء عن هذا الشطط الذي يكلف نفسه، مخافة أن يدخل ~~النار إن هو قتل المؤمن الذي يأمره النبي بقتل أبيه. أي جلاد بين الإيمان والعاطفة والخلق أشد ~~من هذا الجلاد؟! وأية مأساة نفسية أفتك بصاحبها من هذه المأساة؟! أفتدري بم أجاب النبي عبد الله ~~بعد أن سمع ms341 قوله: «إنا لا نقتله بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا.» # يا لروعة العفو وجلاله! محمد يترفق بهذا الذي يؤلب أهل المدينة عليه وعلى أصحابه، فيكون رفقه ~~ويكون عفوه أبعد أثرا من عقوبته لو أنه أنزلها به. فقد كان عبد الله بن أبي بعد ذلك إذا أحدث ~~الحدث يعاتبه قومه ويعنفونه ويشعرونه أن حياته بعض هبات محمد له. وتذاكر النبي مع عمر يوما شئون ~~المسلمين وجاء ذكر ابن أبي وما يعاتبه قومه وما يعنفونه؛ فقال محمد: كيف ترى يا عمر؟! أما والله ~~لو قتلته يوم قلت لي اقتله لأرعدت له آنف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته. قال عمر: قد والله ~~علمت لأمر رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أعظم بركة من أمري. # حدث ذلك كله بعد أن عاد المسلمون إلى المدينة ومعهم ما معهم من السبي والغنائم. على أن أمرا ~~حدث لم يترك بادئ الرأي أثرا، كان له بعد ذلك حديث طويل. ذلك أن النبي كان إذا غزا أقرع بين ~~نسائه، فأيهن خرج سهمها خرج بها معه. وخرج سهم عائشة عشية غزوة بني المصطلق فخرج بها. وكانت عائشة ~~نحيفة خفيفة، فكانوا إذا جاءوا بالهودج إلى بابها خرجت إليه فأخذ الرجال به فشدوه إلى ظهر البعير ~~وهم لا يكادون يشعرون بها لخفة زنتها. ولما فرغ النبي من سفره وسار ومن معه مسيرتهم الطويلة ~~المضنية التي ذكرنا، اتجه بعد ذلك إلى المدينة، حتى إذا كان قريبا منها نزل منزلا بات به بعض ~~الليل ثم أذن في الناس بالرحيل وكانت عائشة قد خرجت من خيمة النبي لبعض حاجتها والهودج موضوع ~~أمام الخيمة في انتظار دخولها فيه. # وكان لعائشة عقد انسل من عنقها وهي في بعض حاجتها. فلما قامت عائدة إلى الرحيل التمست العقد ~~فلم تجده فرجعت أدراجها تبحث عنه. ولعلها بحثت عنه طويلا حتى وجدته. ولعلها أغفت أثناء ذلك لفرط ~~ما نالها من التعب بعد مسيرتهم المجهدة. ورجعت إلى المعسكر لتستقل هودجها، فإذا القوم قد شدوه إلى ~~ظهر البعير وهم يحسبونها فيه، ms342 وارتحلوا وهم يحسبون أنهم حملوا معهم أشد أمهات المؤمنين حظوة عند ~~النبي. ولم تجد هي في المعسكر داعيا ولا مجيبا. فلم يساورها الخوف وأيقنت أن القوم إذا افتقدوها ~~فلم يجدوها رجعوا إليها، فخير لها أن تبقى مكانها من أن تضرب في الصحراء على غير هدى فتضل ~~السبيل. ولم يساورها الخوف فالتفت في جلبابها واضطجعت مكانها منتظرة دعوة الباحث عنها. # وإنها لفي ضجعتها إذ مر بها صفوان بن المعطل السلمي، وكان قد تخلف عن المعسكر لبعض حاجاته ~~وكان يراها قبل أن يضرب الحجاب على نساء النبي، فلما بصر بها على هذه الحال تراجع دهشا وقال: ~~إنا لله وإنا إليه راجعون! ظعينة رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~! ما خلفك رحمك الله؟ فلم تجبه فقرب هو ~~لها البعير واستأخر عنه وقال: اركبي، فركبت. وانطلق بالبعير سريعا يطلب الناس فلم يدركهم، أن ~~كانوا يعجلون سيرهم يريدون المدينة ليستريحوا بها من عناء السير الذي أمر به رسول الله إطفاء ~~للفتنة التي كادت تقوم بسبب حديث ابن أبي. ودخل صفوان المدينة في وضح النهار بأعين الناس وعائشة ~~على ظهر بعيره. حتى إذا كانت عند منزلها بين منازل نسوة الرسول دلفت إليه. ولا يجول بخاطر أحد أن ~~يحدث في أمرها قولا أو يثير حول تأخرها عن الركب شبهة، ولا يدور بخاطر الرسول ظنة سوء في ~~ابنة أبي بكر أو في صفوان المؤمن الحسن الإيمان. # وما كان لحديث أن يدور، وها هي ذي تدخل المدينة بأعين الناس في أعقاب العسكر الذين جاءوا لم ~~يمض بين مجيئهم ومجيئها وقت يحمل على ظنة أو يبعث إلى نفس ريبة؛ وها هي تدخل بأعين الناس صافية ~~الجبين مشرقة الوجه، ليس في شيء من مظهرها ما يريب. فلتجر إذن شئون المدينة كما هي وليقتسم ~~المسلمون الأسلاب والغنائم والسبايا مما أسروا من بني المصطلق، ولينعموا بهذه الحياة الرخية التي ~~تزداد على الأيام رخاء كلما زادهم إيمانهم على عدوهم عزا وكلما أظفرتهم به عزيمتهم الصادقة ~~واستهانتهم بالموت في سبيل الله وفي سبيل دينه وفي ms343 سبيل حرية العقيدة، حرية كان العرب من قبل ~~يأبونها عليهم. # وكانت جويرية بنت الحارث من سبايا بني المصطلق، وكانت امرأة حلوة ملاحة وقد وقعت في سهم أحد ~~الأنصار، فأرادت أن تفتدي نفسها منه ، فأغلى الفداء علما منه بأنها ابنة زعيم بني المصطلق، وأن ~~أباها على أداء ما طلب قدير. وخشيت جويرية أثر شططه، فذهبت إلى النبي وكان في دار عائشة فقالت: ~~«أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه، وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك، فوقعت في سهم ~~فلان فكاتبته على نفسي، فجئتك أستعينك على كتابتي.» قال: فهل لك في خير من ذلك؟ قالت: وما هو؟ ~~قال: أقضي كتابتك وأتزوجك. فلما بلغ الناس الخبر أطلقوا من بأيديهم من أسرى بني المصطلق إكراما ~~لصهر رسول الله إياهم، حتى لكانت عائشة تقول عن جويرية: ما أعلم امرأة كانت أعظم على قومها بركة ~~منها. # هذه رواية، وتجري رواية أخرى بأن الحارث بن أبي ضرار جاء إلى النبي بفداء ابنته، وأنه أسلم ~~بعد أن آمن برسالة النبي، وأنه أخذ ابنته جويرية فأسلمت كما أسلم أبوها فخطبها محمد إليه فزوجه ~~إياها، وأصدقها أربعمائة درهم. # وفي رواية ثالثة: أن أباها لم يكن راغبا في هذا الزواج، بل لم يكن راضيا عنه، وأن أحد أقارب ~~جويرية هو الذي زوجها من النبي على غير إرادة أبيها. # تزوج محمد من جويرية، وبنى لها منزلا إلى جانب منازل نسائه في جوار المسجد، وأصبحت بذلك من ~~أمهات المؤمنين. وبينما هو في شغله بها كان قوم قد بدءوا يتهامسون. ما بال عائشة قد تأخرت عن ~~المعسكر وجاءت مع صفوان على بعيره، وصفوان شاب وسيم الطلعة مكتمل فتوة الشباب؟! وكانت لزينب بنت ~~جحش أخت تدعى حمنة، وكانت تعلم ما لعائشة عند محمد من حظوة تقدمها على أختها فجعلت حمنة هذه تذيع ~~ما يهمس به الناس من أمر عائشة، وكانت تجد من حسان بن ثابت عونا، ومن علي بن أبي طالب سميعا. ~~فأما عبد الله بن أبي فوجد في هذا الحديث ms344 مرعى خصيبا لشفاء ما في نفسه من غل وجعل يذيعه جهد ~~طاقته. ولكن جماعة الأوس وقفوا موقف الدفاع عن عائشة، وقد كانت مضرب المثل في الطهر وسمو النفس. ~~وكاد الحديث يؤدي إلى فتنة في المدينة. # وبلغت هذه الأخبار محمدا فاضطرب لها. ماذا؟! عائشة هذه تخونه؟! هذا مستحيل. إنها الأنفة ~~والإباء، وإن لها من حبه إياها وشدة عطفه عليها ما يجعل مجرد ظن كهذا إثما دونه كل إثم. نعم! ~~ولكن أف للنساء! من ذا يستطيع أن يسبر غورهن أو يصل إلى قرارة ما في نفوسهن؟! وعائشة بعد طفلة ~~يافعة! وأي شيء هذا العقد الذي فقدته فذهبت تلتمسه جوف الليل؟ وما بالها لم تحدث له وهم ما ~~يزالون في المعسكر من أمره ذكرا؟! وتقلب النبي على أشواك الحيرة، ما يدري أيصدق أم ~~يكذب. # أما عائشة فلم يجرؤ أحد على أن يبلغها من كل هذا الذي يقول الناس شيئا، وإن أنكرت من زوجها ~~جفاء لم تعرفه منه ولم يتفق في شيء مع لطفه بها وحبه إياها. ثم إنها مرضت من بعد ذلك مرضا ~~شديدا، فكان إذا دخل عليها وأمها تمرضها لم يزد على قوله: «كيف تيكم؟» ووجدت عائشة في نفسها لما ~~رأت من جفاء النبي إياها، وجعلت تحدث نفسها: ألا تكون جويرية قد حلت من قلبه محلها؟! وبلغ من ~~ضيق ذرعها بجفاء النبي محمد إياها أن قالت له يوما: لو أذنت لي فانتقلت إلى أمي فمرضتني! وانتقلت ~~إلى أمها وفي نفسها من الدهشة لهذا التفريط في أمرها ما آذاها وآلمها. وظلت في مرضها بضعة وعشرين ~~يوما حتى نقهت، وهي لا تعرف من كل ما يدور حول اسمها من حديث شيئا. أما محمد فقد بلغ من تأذيه ~~بترامي هذه الأخبار إليه أن قام يوما في الناس يخطبهم فقال: «أيها الناس! ما بال رجال يؤذونني في ~~أهلي ويقولون عني غير الحق! والله ما علمت منهم إلا خيرا. ويقولون ذلك لرجل والله ما علمت منه ~~إلا خيرا، وما يدخل بيتا من بيوتي إلا معي.» فقام أسيد ms345 بن حضير فقال: يا رسول الله، إن يكونوا ~~من إخواننا الأوس نكفيكهم، وإن يكونوا من إخواننا الخزرج فمرنا بأمرك. فوالله إنهم لأهل أن تضرب ~~أعناقهم. ورد عليه سعد بن عبادة بأنه إنما تقدم بهذه المقالة لأنه يعرف أنهم من الخزرج، ولو ~~كانوا من الأوس ما قالها. وتشاور الناس وكادت تقوم الفتنة لولا حكمة الرسول وحسن مداخلته. # وانتهى الخبر آخر الأمر إلى عائشة، حدثتها به امرأة من المهاجرين، فلما عرفته كاد يغشى ~~عليها من هوله. وانطلقت تبكي لا يحبس دمعها حابس حتى شعرت كأن كبدها تتصدع. وذهبت إلى أمها وقد ~~أثقل الهم كاهلها حتى كاد ينوء بها، وقالت لها والعبرة تخنقها: يغفر الله لك يا أماه! تحدث ~~الناس بما تحدثوا به ولا تذكرين لي من ذلك شيئا! ورأت أمها الهم الذي بها، فحاولت تخفيف أثره في ~~نفسها فقالت: أي بنية، خففي عليك الشأن فوالله لقلما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبها لها ضرائر ~~إلا كثرن وكثر الناس عليها. ولكن عائشة لم تتعز بهذا القول، وزادها ألما أن ذكرت جفاء النبي ~~إياها بعد الذي كان من لطفه بها، وأن شعرت بأنه قد وقع في نفسه من هذا الحديث أثر وقامت بنفسه منه ~~ريبة. لكن ماذا عساها تستطيع أن تفعل؟! أتفاتحه في القول وتذكر له الخبر وتقسم له أنها بريئة؟! هي ~~إذن تتهم نفسها ثم تدفع التهمة بالأيمان والتوسلات. أفتعرض عنه كما أعرض عنها وتجفوه كما جفاها؟ ~~لكنه رسول الله وهو قد اصطفاها على نسائه، وليس من ذنبه أن تحدث الناس عنها بسبب تأخرها عن العسكر ~~وعودها مع صفوان. رباه؟ ألهمهما في هذا الموقف الدقيق مخرجا يتضح لمحمد معه الحق في أمرها ~~ليعود إلى مثل ما كان من حبها والعطف عليها واللطف بها. # ولم يكن محمد خيرا منها مكانا؛ فقد آذاه ما يتحدث به الناس، حتى اضطر آخر الأمر إلى أن ~~يتشاور مع خلصائه ماذا يصنع. فذهب إلى بيت أبي بكر ودعا إليه عليا وأسامة بن زيد فاستشارهما، ~~فأما أسامة فنفى كل ما ms346 نسب إلى عائشة على أنه الكذب والباطل، وأن الناس لا يعرفون كما لا يعرف ~~النبي عنها إلا خيرا. وأما علي فقال: يا رسول الله، إن النساء لكثير. ثم أشار باستجواب جارية ~~عائشة لعلها تصدقه. ودعيت الجارية وقام لها علي فضربها ضربا موجعا وهو يقول: اصدقي رسول ~~الله، والجارية تقول: والله ما أعلم إلا خيرا، وتنفي عن عائشة قالة السوء. أخيرا لم يبق أمام ~~محمد إلا أن يواجه زوجه وأن يطلب إليها أن تعترف. # ودخل عليها وعندها أبواها وامرأة من الأنصار، وهي تبكي والمرأة تبكي معها. وقد هوى الأسى ~~بنفسها إلى أعمق قرارات الحزن من هول ما ترى من ريبة محمد بها، من ريبة هذا الرجل الذي تحب ~~وتقدس؛ والذي به تؤمن وفيه تفنى. فلما رأته كفكفت دمعها وسمعت إليه وهو يقول: «يا عائشة، إنه قد ~~كان ما بلغك من قول الناس، فاتقي الله إن كنت قد قارفت سوءا مما يقولون، فتوبي إلى الله يقبل ~~التوبة عن عباده.» # فما إن أتم حديثه حتى ثار في عروقها دمها، وجف من عينيها دمعها، وتلفتت إلى ناحية أمها ~~وإلى ناحية أبيها تنظر بما يجيبان. لكنهما سكتا فلم ينبسا بكلمة. فازدادت ثورة نفسها وصاحت بهما: ~~ألا تجيبان؟! وقالا: ما ندري بم نجيب. وعادا إلى وجومهما. وهنالك لم تملك نفسها دون النشيج ~~بالبكاء؛ وساعفتها دموعها لتهدئ من الثورة المضطرمة بين ضلوعها تكاد تحرقها. ثم وجهت الكلام إلى ~~النبي وهي تبكي فقالت: والله لا أتوب إلى الله مما ذكرت أبدا! إني لأعلم لئن أقررت بما يقول ~~الناس والله يعلم أني بريئة لأقولن ما لم يكن، ولئن أنا أنكرت لا تصدقوني. ثم سكتت هنيهة وعادت ~~تقول: إنما أقول كما قال أبو يوسف: «صبر جميل والله المستعان على ما تصفون.» # فترة سكوت تلت هذه الثورة لم يعرف حاضروها أطالت أم قصرت، على أن محمدا لم يبرح مجلسه حتى ~~تغشاه من الوحي ما كان يتغشاه، فسجي بثوبه ووضعت وسادة من أدم تحت رأسه. قالت عائشة: أما أنا ~~فوالله ما فزعت ms347 ولا باليت حين رأيت من ذلك ما رأيت، فقد عرفت أني بريئة وأن الله غير ظالمي. وأما ~~أبواي فما سري عن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # حتى ظننت لتخرجن نفساهما فرقا من أن يأتي من الله تحقيق ~~ما قال الناس. فلما سري عن محمد جلس يتصبب عرقا، فجعل يمسحه عن جبينه ويقول: أبشري يا عائشة! ~~قد أنزل الله براءتك. قالت عائشة: الحمد لله! وخرج محمد إلى لمسجد فألقى على المسلمين هذه الآيات ~~التي نزلت: # إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا ~~تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما ~~اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب ~~عظيم ~~. # 7 # إلى قوله تعالى: # ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون ~~لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم * ~~يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين * ~~ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم * إن ~~الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم ~~في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون ~~. # وفي هذه المناسبة كذلك نزلت عقوبة رمي المحصنات: # والذين يرمون ~~المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ~~ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون ~~. # 8 # وتنفيذا لحكم القرآن أمر بمسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش وكانوا ممن أفصح ~~بالفاحشة، فضرب كل منهم ثمانين جلدة، وعادت عائشة إلى مثل مكانها الأول من بيت محمد ومن ~~قلبه. # يقول السير وليم موير تعليقا على هذا الحادث ما ترجمته: «إن حياة عائشة قبل هذا الحادث وبعده ~~تدعونا إلى القطع ببراءتها وعدم التردد في إدحاض أية شبهة أثيرت حولها.» # وقد استطاع حسان بن ثابت من بعد أن يعود إلى رضا محمد وعطفه عليه، كما طلب محمد إلى أبي ~~بكر ألا يحرم مسطحا عطفه الذي عوده إياه. ومن ثم انقضى هذا الحادث ولم يبق له في المدينة كلها ~~أثر. وأسرع النقه إلى عائشة وعادت إلى دارها من مساكن الرسول، وإلى مكانتها من قلبه، ms348 وإلى مركزها ~~الرفيع من نفوس أصحابه المسلمين جميعا. وبذلك فرغ النبي إلى رسالته وإلى سياسة المسلمين ~~استعدادا لعهد الحديبية يفتح الله به على المسلمين فتحا مبينا. # الفصل العشرون # | عهد الحديبية # (بعد ست سنوات بالمدينة - دعوة محمد الناس للحج - لا قتال ولا حرب - قريش تقرر الحيلولة بين ~~المسلمين ودخول مكة - مفاوضات الصلح - أناة محمد وسياسته - عهد الحديبية فتح مبين) ~~*** # انقضت ست سنوات منذ هجرة النبي وأصحابه من مكة إلى المدينة، وهم فيما رأيت من جهاد مستمر ~~متصل، بينهم وبين قريش تارة، وبينهم وبين اليهود أخرى. والإسلام في أثناء ذلك يزداد انتشارا ~~ويزداد قوة ومنعة. ومنذ السنة الأولى من الهجرة عدل محمد بقبلته عن المسجد الأقصى إلى المسجد ~~الحرام، وجعل المسلمون وجهتهم بيت الله الذي بنى إبراهيم بمكة، والذي تجدد بناؤه بعد ذلك ومحمد ما ~~يزال في فتوة الشباب، وقد رفع إذ ذاك حجره الأسود إلى مكانه من جدار هذا البيت، وذلك قبل أن يرد ~~بخاطره أو بخاطر أحد من الناس ما سيلقي الله عليه من رسالة. # وكان هذا المسجد الحرام إلى مئات السنين خلت وجهة العرب في عبادتهم، يحجون إليه كل عام في ~~الأشهر الحرم، فمن دخله كان آمنا. فإذا التقى المرء بأشد الناس له عداوة لم يستطع عنده أن يجرد ~~سيفا أو يسفك دما. لكن قريشا آلت على نفسها منذ هاجر محمد والمسلمون معه أن يصدوهم عن المسجد ~~الحرام، وأن يحولوا بينهم وبينه دون سائر العرب. وفي ذلك نزل قوله تعالى منذ السنة الأولى للهجرة: # يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال ~~فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج ~~أهله منه أكبر عند الله ~~. # 1 # ونزل كذلك قوله تعالى من بعد غزوة بدر: # وما لهم ألا ~~يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا ~~أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون * وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء ~~وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون * إن ~~الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل ms349 الله ~~فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا ~~إلى جهنم يحشرون ~~. # 2 # وفي هذه السنوات الست نزلت الآيات كثيرة متتابعة في هذا المسجد الحرام الذي جعله الله مثابة ~~للناس وأمنا. لكن قريشا كانت ترى محمدا والذين معه كفروا بآلهة هذا البيت: هبل وإساف ونائلة ~~وسائر الأصنام، ولذلك كانت ترى حربهم وحرمانهم من الحج إلى الكعبة واجبا عليها حتى يثوبوا إلى ~~آلهة آبائهم. # والمسلمون أثناء ذلك يذوقون ألم الحرمان من أداء الواجب الديني المفروض عليهم، كما كان ~~مفروضا من قبل على آبائهم. والمهاجرون منهم يذوقون إلى جانب ذلك هما واصبا وألما لذاعا: ~~ألم النفي، وهم الحرمان من الوطن ومن أهلهم فيه. وهؤلاء وأولئك كانوا في ثقتهم بنصر الله رسوله ~~ونصره إياهم وإعلاء دينهم على الدين كله، يؤمنون بأن يوما قريبا لا بد آت يفتح الله لهم فيه ~~أبواب مكة ليطوفوا بالبيت العتيق، وليؤدوا فريضة الله على الناس جميعا. وإذا كانت السنة تمر تلو ~~السنة فتساجل الغزوة الغزوة، وتكون بدر ثم أحد ثم الخندق ثم سائر الغزوات والأعمال، فإن هذا ~~اليوم الذي يؤمنون به لا ريب آت. وما أشدهم لهذا اليوم شوقا! وما أشد ما يشاركهم محمد في شوقهم ~~وما يؤكد لهم أن هذا اليوم قريب! # والحق أن قريشا ظلموا محمدا وأصحابه بمنعهم من زيارة الكعبة وأداء فرائض الحج والعمرة. فلم ~~يكن هذا البيت العتيق ملكا لقريش، ولكنه كان ملكا للعرب جميعا. وإنما كانت في قريش سدانة ~~الكعبة وسقاية الحاج وما إلى ذلك من العناية بالبيت ورعاية زائريه. ولم يكن اتجاه قبيلة بعبادتها ~~إلى صنم دون آخر ليبيح لقريش منعها من زيارة الكعبة والطواف بها والقيام بما تفرضه عبادة هذا ~~الصنم من شعائر. فإذا جاء محمد ليدعو الناس إلى نبذ عبادة الأصنام وإلى التطهر من رجس الوثنية ~~والشرك، وإلى السمو بالنفس إلى عبادة الله وحده لا شريك له، والارتفاع في سبيل ذلك فوق كل نقص، ~~والارتقاء بالروح إلى حيث تستطيع إدراك وحدة الوجود والتوحيد بالله، وكان من فرائض ذلك حج ms350 البيت ~~والعمرة، فمن العدوان منع أصحاب الدين الجديد من أداء هذه الفريضة. ولكن قريشا خافت إن جاء محمد ~~ومن حوله المؤمنون بالله وبرسالته، وهم من صميم أهل مكة، أن يتعلق سواد المكيين بهم وأن يشعروا ~~بما في بقائهم بعيدين عن أهليهم وأبنائهم من ظلم؛ فيكون ذلك نواة حرب أهلية. ثم إن رؤساء قريش ~~وأكابر أهل مكة، لم ينسوا لمحمد والذين معه أنهم حطموا تجارتهم وحالوا بينهم وبين طريقهم ~~المعبدة إلى الشام، وأنهم أثاروا بذلك في نفوسهم من الحقد والبغضاء ما لا يخفف منه أن البيت لله ~~وللعرب جميعا، وأنهم لا يملكون من أمره إلا العناية به ورعاية زائريه. # انقضت ست سنوات منذ الهجرة والمسلمون يتحرقون شوقا يريدون زيارة الكعبة ويريدون الحج ~~والعمرة، وإنهم لمجتمعون بالمسجد ذات صباح إذ أنبأهم النبي بما ألهم في رؤياه الصادقة: أنهم ~~سيدخلون المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسهم ومقصرين لا يخافون. فما كاد القوم يسمعون ~~إلى رؤيا رسول الله حتى علا بحمد الله صوتهم، وحتى انتقل نبأ هذه الرؤيا إلى سائر أنحاء المدينة ~~في سرعة البرق الخاطف. ولكن كيف يدخلون المسجد الحرام؟ أفيحاربون في سبيله؟ أفيجلون قريشا عنه ~~عنوة؟! أم ترى تفتح قريش لهم طريقة مذعنة صاغرة؟ # كلا! لا قتال ولا حرب. بل أذن محمد في الناس بالحج في شهر ذي القعدة الحرام، وأوفد رسله إلى ~~القبائل من غير المسلمين يدعوهم إلى الاشتراك وإياه في الخروج إلى بيت الله آمنين غير مقاتلين. ~~وحرص محمد في الوقت نفسه على أن يكون معه من المسلمين أكبر عدد مستطاع. وحكمته في ذلك أن تعلم ~~العرب كلها أنه خرج في الشهر الحرام حاجا ولم يخرج غازيا، وأنه أراد أداء فريضة فرضها الإسلام ~~كما فرضتها أديان العرب من قبل، وأنه أشرك العرب معه ممن ليسوا على دينه في أداء هذه الفريضة. فإن ~~أصرت قريش مع ذلك على مقاتلته في الشهر الحرام ومنعه من أداء ما يؤمن العرب على اختلاف آلهتهم به، ~~لم تجد قريش من العرب من يؤيدها ms351 في موقفها ولا من يعينها على قتال المسلمين، وكانت بإمعانها في ~~الصد عن المسجد الحرام تصرف الناس عن دين إسماعيل وعن ملة أبيهم إبراهيم. وبذلك يأمن المسلمون أن ~~تجتمع العرب عليهم اجتماع الأحزاب من قبل، ويزداد دينهم رفعة على رفعته عند العرب الذين لا ~~يؤمنون به. وما عسى أن تقول قريش لقوم جاءوا محرمين، لا سلاح معهم إلا سيوفهم في غمودها، يتقدمهم ~~الهدي الذي ينحرون، ولا هم لهم إلا أن يؤدوا بتطواف البيت فريضة تؤديها العرب جميعا؟! # أذن محمد في الناس بالحج، وطلب إلى القبائل من غير المسلمين الخروج معه، فأبطأ كثير من ~~الأعراب. وخرج في أول ذي القعدة أحد الأشهر الحرم بمن معه من المهاجرين والأنصار ومن لحق به من ~~العرب، يتقدمهم على ناقته القصواء، فكانت عدة الذين خرجوا ألفا وأربعمائة. وساق محمد معه الهدي ~~سبعين بدنة؛ وأحرم بالعمرة، ليعلم الناس أنه لا يريد قتالا، وأنه إنما خرج زائرا بيت الله ~~الحرام معظما له. فلما بلغ ذا الحليفة # 3 # عقص الناس الرءوس، ولبوا بالعمرة، وعزلوا الهدي ومازوا جوانبها اليمنى ومن بينها بعير ~~أبي جهل الذي أخذوا ببدر، ولم يحمل أحد من هذا الحاج سلاحا إلا ما يحمل المسافر من سيف مغمد. ~~وكانت أم سلمة زوج النبي معه في هذه الرحلة. # وبلغ قريشا أمر محمد ومن معه وأنهم يسيرون قبلهم حاجين؛ فامتلأت نفس قريش بالمخاوف وجعلوا ~~يقلبون هذا الأمر على وجوهه، يحسبونه حيلة أراد محمد أن يحتال بها على دخول مكة بعد أن صدهم ~~والأحزاب معهم عن دخول المدينة، ولم يثنهم ما عملوا من إحرام خصومهم بالعمرة وإذاعتهم في أنحاء ~~الجزيرة كلها أنهم لا تحركهم إلا العاطفة الدينية لقضاء فرض يقره العرب جميعا، عن أن يقرروا ~~الحيلولة بين محمد ودخول مكة، بالغا ما بلغ الثمن الذي يدفعونه لتنفيذ قرارهم هذا. لذلك عقدوا ~~لخالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل على جيش يبلغ عدد فرسانه وحدهم مائتين، وتقدم هذا الجيش حتى ~~يحول بين محمد وأم القرى، وبلغ من تقدمه أن عسكر ms352 بذي طوى. # أما محمد فتابع مسيرته، حتى إذا كان بعسفان # 4 # لقيه رجل من بني كعب سأله النبي عما قد يكون لديه من أخبار قريش، فكان جوابه: «قد ~~سمعت بمسيرك فخرجوا، وقد لبسوا جلود النمور ونزلوا بذي طوى يعاهدون الله لا تدخلها عليهم أبدا. ~~وهذا خالد بن الوليد في خيلهم وقد قدموها إلى كراع الغميم.» # 5 # قال محمد: «يا ويح قريش! لقد أهلكتهم الحرب. ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر ~~العرب، فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين، وإن ~~يفعلوا قاتلوا وبهم قوة! فما تظن قريش؟! فوالله لا أزال أجاهد على الذي بعثني به حتى يظهره الله ~~أو تنفرد هذه السالفة.» # 6 # ثم وقف يفكر ماذا عساه يصنع. إنه لم يخرج من المدينة غازيا، وإنما خرج محرما يريد ~~بيت الله يؤدي عنده إلى الله فرضه. وهو لم يتخذ للحرب عدتها؛ فلعله إن حارب فلم ينتصر جعلت قريش ~~من ذلك موضع فخارها، بل لعلها إنما أوفدت ابن الوليد وعكرمة قصد إدراك هذه البغية حين علمت أنه لم ~~يخرج مقاتلا. # وبينما كان محمد يفكر كانت فرسان مكة تبدو على مرمى النظر، يدل مرآها على أنه لا سبيل ~~للمسلمين إلى درك غايتها إلا أن يقتحموا هذه الصفوف اقتحاما، وأن تدور معركة تقف فيها قريش ~~مدافعة عن كرامتها وعن شرفها وعن وطنها؛ معركة لم يردها محمد، وإنما حملته قريش عليها حملا ~~وألزمته خوض غمارها إلزاما. إن المسلمين ممن معه لا تنقصهم الحمية، وقد تكفيهم سيوفهم إذا جردت ~~من غمودها لدفع عدوان المعتدي؛ لكنه يفوت بذلك قصده وقد يجعل لقريش عند العرب حجة عليه، وهو أبعد ~~من هذا نظرا وأكثر حنكة وأدق سياسة. إذن ... نادى في الناس قائلا من رجل يخرج بنا على طريق غير ~~طريقهم التي هم بها؟ # وكذلك ظل مستقرا رأيه على سلوك سياسة السلم التي رسم منذ خرج من المدينة ومنذ اعتزم الذهاب ~~إلى مكة حاجا. وخرج رجل يسلك بهم طريقا وعرا بين ms353 شعاب مضنية وجد المسلمون في سلوكها مشقة أي ~~مشقة، حتى أفضت بهم إلى سهل عند منقطع الوادي الذي سلكوا فيه ذات اليمين حتى خرجوا على ثنية ~~المرار مهبط الحديبية من أسفل مكة. فلما رأت خيل قريش ما صنع محمد وأصحابه ركضوا راجعين أدراجهم ~~ليقفوا مدافعين عن مكة إذا دهمها المسلمون. ولما بلغ المسلمون الحديبية بركت القصواء «ناقة النبي» ~~وظن المسلمون أنها جهدت. فقال رسول الله: «إنما حبسها حابس الفيل عن مكة. لا تدعوني قريش إلى خطة ~~يسألوني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها.» ثم دعا الناس إلى النزول فقالوا: «يا رسول الله، ما ~~بالوادي ماء ننزل عليه.» فأخرج هو سهما من كنانته فأعطاه رجلا نزل به إلى بئر من الآبار ~~المنثورة في تلك الأنحاء، فعرزه في الرمال من قاع البئر فجاش الماء، فاطمأن الناس ونزلوا. # نزلوا، ولكن قريشا بمكة لهم بالمرصاد، وهي تؤثر الموت على أن يدخلها محمد عليهم عنوة. فهل ~~يعدون لقريش عدة النزال فيحاربوها حتى يحكم الله بينهم وبينها وحتى يقضي الله أمرا كان مفعولا؟! ~~في هذا فكر بعضهم وفي احتماله فكرت قريش. لئن حدث ذلك وانتصر المسلمون لقد قضي على قريش عند العرب ~~كلها قضاء أخيرا، وقد تعرضت قريش لأن ينزع منها سدانة الكعبة وسقاية الحاج وكل ما تفاخر به ~~العرب من مراسم ومناسك دينية. ماذا تصنع إذن؟ وقف المعسكران يفكر كل في الخطة التي يتبع؛ فأما ~~محمد فظل على خطته التي رسم منذ أخذ للعمرة عدته، خطة السلم والجنوح عن القتال إلا أن تهاجمه قريش ~~أو تغدر به، وهنالك لا يبقى من انتضاء السيف مفر. # وأما قريش فترددت ثم رأت أن توفد إليه من رجالها من يتعرف قوته من ناحية، ومن يصده عن دخول ~~مكة من ناحية أخرى. وجاءه بديل بن ورقاء في رجال من خزاعة يسألونه ما الذي جاء به. فلما اقتنعوا ~~من حديثه بأنه لم يأت يريد حربا وإنما جاء زائرا للبيت معظما لحرمته، رجعوا إلى قريش يريدون ~~إقناعهم ليخلوا بين الرجل وأصحابه وبين ms354 البيت العتيق. لكن قريشا اتهموهم وجبهوهم وصاحوا بهم: وإن ~~كان جاء لا يريد قتالا فوالله لا يدخل علينا عنوة أبدا ولا تتحدث بذلك عنا العرب. ثم بعثت قريش ~~رسولا لم يسمع إلا ما سمع من قبله، ولم يغامر بأن يتهم عند قريش. وكانت قريش تعتمد فيما أعدت من ~~قتال محمد على حلفائها من الأحابيش. # 7 # ففكرت أن توفد سيدهم لعله إذا رأى أن محمدا لا يسمع له ولا يتفاهم وإياهم، ازداد ~~لقريش نصرة فزادهم على محمد قوة. وخرج الحليس سيد الأحابيش قاصدا معسكر المسلمين. # فلما رآه النبي مقبلا أمر بالهدي أن تطلق أمامه، لتكون تحت نظره دليلا ماديا على أن هؤلاء ~~الذين تريد قريش حربهم إنما جاءوا حاجين معظمين البيت، ورأى الحليس الهدي سبعين بدنة تسيل عليه من ~~عرض الوادي قد تأكلت أوبارها؛ فتأثر لهذا المنظر وثارت في نفسه ثائرات دينية، وأيقن أن قريشا ~~ظالمة هؤلاء الذين لا يريدون حربا ولا عدوانا. فانقلب إلى قريش دون أن يلقى محمدا وذكر لهم ما ~~رأى. فلما سمعوا حديثه غاظهم وقالوا له: اجلس، فإنما أنت أعرابي لا علم لك. وغضب الحليس لمقالتهم ~~وأنذرهم أنه ما حالفهم ليصد عن البيت من جاء معظما إياه. وأنهم إن لم يخلوا بين محمد وما جاء به ~~نفر بالأحابيش من مكة. وخشيت قريش عاقبة غضبه، فاسترضوه وطلبوا إليه أن ينظرهم حتى يفكروا في ~~أمرهم. # ثم رأوا أن يوفدوا حكيما يطمئنون إلى حكمته، فتحدثوا في ذلك إلى عروة بن مسعود الثقفي؛ ~~فاعتذر لهم بما رأى من تعنيفهم وسوء مقابلتهم لمن سبقه من رسلهم. فلما اعتذروا له وأكدوا أنه ~~عندهم غير متهم وأنهم يطمئنون إلى حكمته وحسن رأيه، خرج إلى محمد وذكر له أن مكة بيضته، وأنه إن ~~يفضضها على أهله المقيمين بها بمن جمع من أوشاب الناس ثم انصرف هؤلاء الأوشاب عنه، كان العار ~~الخالد لقريش عارا لا يرضاه محمد وإن اتصلت الحرب بينه وبين قريش ما اتصلت. فصاح أبو بكر بعروة ~~منكرا أن ينصرف الناس عن رسول الله. ms355 وكان عروة يتناول لحية محمد وهو يكلمه، وكان المغيرة بن شعبة ~~واقفا على رأس الرسول يضرب يد عروة كلما تناول لحية محمد، مع علمه بأن عروة هو الذي دفع عنه قبل ~~إسلامه ثلاث عشرة دية عن قتلى كان المغيرة قتلهم. ورجع عروة بعد أن سمع من محمد مثل ما سمع الذين ~~سبقوه من أنه لم يأت يريد حربا وإنما جاء معظما البيت مؤديا فرض ربه. فلما كان عند قريش قال ~~لهم: «يا معشر قريش، إني جئت كسرى في ملكه، وقيصر في ملكه، والنجاشي في ملكه، وإني والله ما رأيت ~~ملكا في قوم قط مثل محمد في أصحابه. لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوءه، ولا يسقط من شعره شيء إلا ~~أخذوه، وإنهم لن يسلموه لشيء أبدا فروا رأيكم.» # وطالت المحادثات على النحو الذي قدمنا. ففكر محمد في أن رسل قريش ربما لم يكن لديهم من ~~الإقدام ما يقنعون به قريشا بالرأي الذي يرى، فبعث من جانبه رسولا يبلغهم رأيه. لكنهم عقروا جمل ~~هذا الرسول، وأرادوا قتله لولا أن منعته الأحابيش فخلوا سبيله. وقد دل أهل مكة بتصرفهم هذا على ما ~~يسودهم من روح الخصومة والبغضاء مما قلق له صبر المسلمين، حتى لقد فكر بعضهم في القتال. وفيما هم ~~كذلك يتبادلون الرسل يحاولون أن يصلوا إلى اتفاق، كان بعض السفهاء من قريش يخرجون ليلا يرمون ~~عسكر النبي بالحجارة؛ حتى خرج منهم أربعون أو خمسون رجلا يوما ليصيبوا من أصحاب النبي، فأخذوا ~~أخذا وجيء بهم إليه. أفتدري ماذا صنع؟ عفا عنهم وخلى سبيلهم تشبثا منه بخطة السلم واحتراما ~~للشهر الحرام أن يسفك فيه دم في الحديبية وهي من حرم مكة. وبهتت قريش حين عرفوا هذا، وسقطت كل حجة ~~لهم يريدون أن يزعموا بها أن محمدا يريد حربا، وأيقنوا أن كل اعتداء من جانبهم على محمد لن تنظر ~~إليه العرب إلا على أنه غدر دنيء، لمحمد الحق في أن يدفعه بكل ما أوتي من قوة. # ثم إنه عليه السلام حاول أن يمتحن صبر قريش مرة ms356 أخرى بإرسال رسول يفاوضهم؛ فدعا إليه عمر بن ~~الخطاب كي يبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له. # قال عمر: «يا رسول الله إني أخاف قريشا على نفسي، وليس بمكة من بني عدي بن كعب أحد يمنعني، ~~وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظتي عليها. ولكني أدلك على رجل أعز بها مني: عثمان بن عفان.» فدعا ~~النبي عثمان زوج ابنته وبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش. فخرج عثمان في رسالته، فلقيه لأول ما دخل ~~مكة أبان بن سعيد فأجاره الزمن الذي يفرغ فيه من رسالته. وانطلق عثمان إلى سادة قريش فأبلغهم ~~رسالته. قالوا: يا عثمان، إن شئت أن تطوف بالبيت فطف. قال: ما كنت لأفعل حتى يطوف رسول الله؛ إنما ~~جئنا لنزور البيت العتيق ولنعظم حرمته ولنؤدي فرض العبادة عنده. وقد جئنا بالهدي معنا، فإذا ~~نحرناها رجعنا بسلام. وأجابت قريش بأنها أقسمت لن يدخل محمد مكة هذا العام عنوة. وطال الحديث وطال ~~احتباس عثمان عن المسلمين، وترامى إليهم أن قريشا قتلته غيلة وغدرا. ولعل سادة قريش كانوا في ~~هذه الأثناء يبحثون مع عثمان عن صيغة توفق بين قسمهم ألا يدخل محمد هذا العام مكة عنوة، وبين حرص ~~المسلمين على أن يطوفوا بالبيت العتيق ويؤدوا إلى رب البيت فرضه. ولعلهم قد أنسوا إلى عثمان ~~وكانوا في هذه الأثناء يبحثون وإياه عن تنظيم علاقاتهم بمحمد وتنظيم علاقات محمد بهم. # مهما يكن من الأمر فقد قلق المسلمون بالحديبية على عثمان أشد القلق، وتمثل أمامهم غدر قريش ~~وقتلهم إياه في هذا الشهر الذي لا تجيز فيه أديان العرب جميعا لعدو أن يقتل في حرم الكعبة ولا ~~في حرم مكة عدوه، وتمثل أمامهم غدر قريش برجل ذهب إليهم في رسالة سلم وموادعة، ووضع كل منهم يده ~~على قبضة سيفه؛ سمة النذير وسمة البطش والغضب. ودخل في روع النبي - عليه السلام - أن قريشا قتلت ~~عثمان فغدرت في الشهر الحرام، فقال: «لا نبرح حتى نناجز القوم.» ودعا أصحابه إليه وقد وقف تحت ~~شجرة في هذا الوادي فبايعوه جميعا على ms357 ألا يفروا حتى الموت. وبايعوه وكلهم ثابت الإيمان، قوي ~~العزيمة، ممتلئ حماسة للانتقام ممن غدر وقتل. بايعوه بيعة الرضوان التي نزل فيها قوله تعالى: # لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت ~~الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم ~~فتحا قريبا ~~. # 8 # فلما أتم المسلمون البيعة ضرب - عليه السلام - بإحدى يديه على الأخرى بيعة لعثمان كأنه حاضر ~~معهم بيعة الرضوان. وبهذه البيعة اهتزت السيوف في غمودها، وتبدى للمسلمين جميعا أن الحرب آتية ~~لا ريب فيها، وجعل كل ينتظر يوم الظفر أو يوم الاستشهاد بنفس راضية وفؤاد مرتاح وقلب مطمئن. وإنهم ~~لكذلك إذ ترامى إليهم أن عثمان لم يقتل، ثم لم يطل بهم الأمر حتى جاء عثمان بنفسه إليهم. على أن ~~بيعة الرضوان هذه بقيت مع ذلك، كبيعة العقبة الكبرى، علما في تاريخ المسلمين كان محمد يستريح إلى ~~ذكره لما كشف عنه من متانة الروابط بينه وبين أصحابه، ولما دل عليه من مبلغ إقدامهم على خوض مخاطر ~~الموت لا يخافون، ومن أقدم على مخاطر الموت خافه الموت وعنت له جبهة الحياة وكان من ~~الفائزين. # عاد عثمان فأبلغ محمدا ما قالت قريش. فهم لم تبق عندهم ريبة في أنه وأصحابه إنما جاءوا حاجين ~~معظمين للبيت. وهم يقدرون أنهم لا يملكون منع أحد من العرب عن الحج والعمرة في الأشهر الحرم. ~~وهم مع ذلك قد خرجوا من قبل تحت راية خالد بن الوليد لقتاله وصده عن دخول مكة، وقد وقعت بين بعض ~~رجالهم وبعض رجاله مناوشات. فإذا هم بعد الذي حدث تركوه يدخل مكة تحدثت العرب بأنهم انهزموا ~~أمامه، فتضعضعت في نظر العرب مكانتهم وسقطت هيبتهم. لذلك هم يصرون على موقفهم منه هذا العام ~~إبقاء على هذه الهيبة واستبقاء لتلك المكانة. فليفكر وإياهم، وهذا موقفه وموقفهم، لعلهم جميعا ~~يجدون من هذا الموقف مخرجا، وإلا فليس إلا الحرب يدخلونها طوعا أو كرها. بل إنهم لها لكارهون ~~في هذه الأشهر، تقديرا لحرمتها الدينية من ناحية، ولأنها من ناحية أخرى، إذا لم تحترم اليوم ms358 ~~حرمتها ووقعت الحرب فيها، لم يأمن العرب في مستقبل أيامهم أن يجيئوا إلى مكة وأسواقها مخافة ~~انتهاك الأشهر الحرم مرة أخرى، فيجني ذلك على تجارة مكة وعلى أرزاق أهلها. # واتصل الحديث وعادت المفاوضات بين الفريقين كرة أخرى. وأوفدت قريش سهيل بن عمرو وقالوا له: ~~ائت محمدا فصالحه، ولا يكن في صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا. فوالله لا تحدث العرب عنا أنه ~~دخلها علينا عنوة أبدا. فلما انتهى سهيل إلى الرسول جرت محادثات طويلة للصلح وشروطه كانت تنقطع ~~في بعض الأحيان، ثم يعيد اتصالها حرص الجانبين على النجاح. وكان المسلمون من حول النبي يسمعون أمر ~~هذه المحادثات ويضيق بعضهم بأمرها صبرا، لتشدد سهيل في مسائل يتساهل النبي في قولها. ولولا ثقة ~~المسلمين المطلقة بنبيهم، ولولا إيمانهم به، لما ارتضوا ما تم الاتفاق عليه، ولقاتلوا ليدخلوا مكة ~~أو لتكون الأخرى. فقد ذهب عمر بن الخطاب في أعقاب المحادثات إلى أبي بكر ودار بينهما الحديث ~~الآتي: # عمر ~~: # أبا بكر، أليس برسول الله؟! # أبو بكر ~~: # بلى؟! # عمر ~~: # أولسنا بالمسلمين؟! # أبو بكر ~~: # بلى! # عمر ~~: # فعلام نعطي الدنية في ديننا؟! # أبو بكر ~~: # يا عمر الزم غرزك، # 9 # فإني أشهد أنه رسول الله! # عمر ~~: # وأنا أشهد أنه رسول الله! # وانقلب عمر بعد ذلك إلى محمد وتحدث وإياه بمثل هذا الحديث وهو مغيظ محنق. لكن ذلك لم يغير ~~من صبر النبي ولا من عزمه؛ وكل الذي قاله في ختام الحديث لعمر: «أنا عبد الله ورسوله لن أخالف ~~أمره ولن يضيعني.» ثم كان بعد ذلك من صبر محمد حين كتابة العهد ما زاد في حفيظة بعض المسلمين؛ ~~فقد دعا علي بن أبي طالب وقال له: «اكتب بسم الله الرحمن الرحيم.» فقال سهيل: «أمسك، لا أعرف ~~الرحمن الرحيم، بل اكتب باسمك اللهم.» قال رسول الله: «اكتب باسمك اللهم.» ثم قال: «اكتب: هذا ما ~~صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو.» فقال سهيل: «أمسك، لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك، ~~ولكن اكتب اسمك واسم أبيك.» قال رسول ms359 الله: «اكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله ...» ثم كتبت ~~العهدة بين الطرفين وفيها أنهما تهادنا عشر سنين، في رأي أكثر كتاب السيرة، وسنتين في قول ~~الواقدي، وأن من أتى محمدا من قريش بغير إذن وليه رده عليهم، ومن جاء قريشا من رجال محمد لم ~~يردوه عليه، وأنه من أحب من العرب محالفة محمد فلا جناح عليه، ومن أحب محالفة قريش فلا جناح عليه، ~~وأن يرجع محمد وأصحابه عن مكة عامهم هذا على أن يعودوا إليها في العام الذي يليه فيدخلوها ويقيموا ~~بها ثلاثة أيام ومعهم من السلاح السيوف في قربها ولا سلاح غيرها. # وما كاد هذا العهد يوقع حتى حالفت خزاعة محمدا وحالفت بنو بكر قريشا. وما كاد هذا العهد ~~يوقع حتى أقبل أبو جندل بن سهيل بن عمرو على المسلمين يريد أن ينضم إليهم ويسير معهم. فلما رأى ~~سهيل ابنه ضرب وجهه وأخذ بتلبيبه وجعل يجره ليرده إلى قريش، وأبو جندل يصيح بأعلى صوته: يا معشر ~~المسلمين! أؤرد إلى المشركين يفتنونني عن ديني؟! وزاد ذلك في قلق المسلمين وعدم رضاهم عن العهد ~~الذي عقد الرسول مع سهيل. لكن محمدا وجه إلى أبي جندل قوله: «يا أبا جندل، اصبر واحتسب فإن الله ~~جاعل لك ولمن معك من المستضعفين مخرجا. إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحا وأعطيناهم على ذلك ~~وأعطونا عهد الله، وإنا لا نغدر بهم.» وعاد أبو جندل إلى قريش نفاذا لعهد النبي ووعده، وقام سهيل ~~راجعا إلى مكة. وأقام محمد مضطربا مما رأى من شأن من حوله، ثم صلى واطمأن ثم قام إلى هديه ~~فنحره، ثم جلس فحلق رأسه إيذانا بالعمرة. وقد امتلأت نفسه بالسكينة والرضا. فلما رأى الناس صنيعه ~~ورأوا سكينته تواثبوا ينحرون ويحلقون، وإن منهم من حلق ومنهم من قصر. قال محمد: يرحم الله ~~المحلقين. فتنادى الناس في قلق: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: يرحم الله المحلقين. فتنادى الناس ~~في قلق: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: والمقصرين. قال بعضهم: فلم ظاهرت يا رسول ms360 الله الترحم ~~للمحلقين دون المقصرين؟ فكان جوابه: لأنهم لم يشكوا. # لم يبق للمسلمين إلا أن يرجعوا إلى المدينة في انتظار أن يعودوا إلى مكة العام المقبل. وقد ~~كان أكثرهم يحتمل هذه الفكرة على مضض، ولا يهونها على نفسه إلا أنها أمر رسول الله؛ فهم ليس لهم ~~عادة بهزيمة ولا تسليم من غير قتال، وهم في إيمانهم بنصر الله رسوله ودينه لم تخالجهم ريبة في ~~اقتحام مكة لو أن محمدا أمر باقتحامها. وأقاموا بالحديبية أياما، منهم من يتساءلون في حكمة هذا ~~العهد الذي عقد النبي، ومنهم من تحدثه نفسه بالشك في حكمته، ثم تحملوا وقفلوا راجعين. وإنهم لفي ~~طريقهم بين مكة والمدينة إذ نزل الوحي على النبي بسورة الفتح. فتلا النبي على أصحابه قوله تعالى: # إنا فتحنا لك فتحا مبينا * ليغفر لك ~~الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك ~~صراطا مستقيما # إلى آخر السورة. # لم يبق إذن ريب في أن عهد الحديبية فتح مبين. وهو قد كان كذلك. وقد أثبتت الأيام أن هذا العهد ~~حكمة سياسية وبعد نظر كان لهما أكبر الأثر في مستقبل الإسلام وفي مستقبل العرب كله. فقد كانت هذه ~~أول مرة اعترفت قريش فيها بمحمد لا على أنه ثائر بها خارج عليها، ولكن على أنه ندها وعدلها: ~~فاعترفت بذلك بالدولة الإسلامية وقيامها. ثم إن إقرارها للمسلمين بحق زيارة البيت، وإقامة شعائر ~~الحج، اعتراف منها بأن الإسلام دين مقرر معترف به من أديان شبه الجزيرة. وهدنة السنتين، أو ~~السنوات العشر، قد جعلت المسلمين يطمئنون من ناحية الجنوب ولا يخشون غارة قريش، ومهدت للإسلام أن ~~يزداد انتشارا. أفليست قريش ألد أعدائه وأشد محاربيه قد انتهت بالإذعان لما لم تكن تذعن له من ~~قبل قط؟! وقد انتشر الإسلام بالفعل بعد هذه الهدنة انتشارا أسرع أضعافا من انتشاره من قبل. كان ~~الذين جاءوا إلى الحديبية ألفا وأربعمائة؛ فلما كان بعد عامين اثنين وجاء محمد لفتح مكة جاء في ~~عشرة آلاف. وأشد ما اعترض عليه من ساورتهم الشكوك في ms361 حكمة عهد الحديبية ما نص عليه العهد من أن من ~~أتى محمدا من قريش بغير إذن وليه رده عليهم، ومن جاء قريشا من المسلمين لم ترده على محمد. وكان ~~رأي محمد في هذا أن من ارتد عن الإسلام ولجأ إلى قريش لم يكن جديرا بأن يعود إلى جماعة المسلمين، ~~وأن من أسلم وحاول اللحاق بمحمد فسيجعل الله له مخرجا. وقد صدقت الحادثات رأي محمد في ذلك ~~بأسرع ما كان يظن أصحابه، ودلت على أن الإسلام كسب من صلح الحديبية أعظم الكسب، ومهد لما جاء بعد ~~ذلك بشهرين اثنين من بدء محمد مخاطبة الملوك ورؤساء الدول الأجنبية يدعوهم إلى الإسلام. # صدقت الحادثات رأي محمد بأسرع مما كان يظن أصحابه. فقد وفد أبو بصير من مكة إلى المدينة ~~مسلما ينطبق عليه العهد برده إلى قريش لأنه خرج بغير رأي مولاه. فكتب أزهر بن عوف والأخنس بن ~~شريق إلى النبي كي يرده، وبعثا بكتابهما مع رجل من بني عامر ومعه مولى لهم. قال النبي: يا أبا ~~بصير: إنا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت، ولا يصح لنا في ديننا الغدر، وإن الله جاعل لك ولمن ~~معك من المستضعفين فرجا ومخرجا، فانطلق إلى قومك. قال أبو بصير: يا رسول الله، أتردني إلى ~~المشركين يفتنونني في ديني؟! فكرر عليه النبي قوله، فانطلق مع الرجلين؛ حتى إذا كان بذي الحليفة ~~سأل أخا بني عامر أن يريه سيفه؛ وما إن استوت قبضته في يده حتى علا به العامري فقتله، فخرج المولى ~~يعدو ناحية المدينة حتى أتى النبي، فلما رآه قال: إن هذا رجل قد رأى فزعا. ثم قال للرجل: ويحك! ~~مالك؟ قال: قتل صاحبك صاحبي. ثم ما برح حتى طلع أبو بصير متوشحا السيف موجها الحديث إلى محمد ~~وهو يقول: يا رسول الله، وفت ذمتك وأدى الله عنك. أسلمتني بيد القوم وقد امتنعت بديني أن أفتن فيه ~~أو يعبث بي. ولم يخف الرسول إعجابه وتمنيه لو كان معه رجال. # ثم خرج أبو بصير حتى نزل العيص ms362 على ساحل البحر في طريق قريش إلى الشام، وكان عهد محمد وقريش ~~أن تترك هذه الطريق للتجارة لا يقطعها هو ولا تقطعها قريش. فلما ذهب أبو بصير إليها وسمع ~~المسلمون المقيمون بمكة بأمره وبما كان من إعجاب الرسول به فر منهم نحو سبعين رجلا اتخذوه لهم ~~إماما وجعلوا وإياه يقطعون على قريش طريقها، وكانوا لا يظفرون بأحد منهم إلا قتلوه، ولا تمر بهم ~~عير إلا اقتطعوها. هنالك رأت قريش أنها أكبر خسارة بحرصها على هؤلاء المسلمين أن يظلوا بمكة، ~~وقدرت أن الرجل الصادق الإيمان، محاولة حبسه شر من إطلاق سراحه، فهو لا بد منتهز فرصة الفرار، ~~مقيم على الذين حاولوا حبسه حربا عوانا هم فيها الأخسرون، وكأنما ذكرت قريش محمدا حين هاجر إلى ~~المدينة وقطع عليهم طريق القوافل، وخشيت أن يكرر أبو بصير هذا الصنيع فبعثت إلى النبي تسأله ~~بأرحامها إلا آوى هؤلاء المسلمين حتى يتركوا الطريق آمنا. ونزلت قريش بذلك عما أصر عليه سهيل بن ~~عمرو من رد المسلمين من قريش إلى مكة إذا ذهبوا إلى محمد بغير رأي مواليهم. وسقط بذلك الشرط الذي ~~أحفظ عمر بن الخطاب والذي كان سببا في ثورته التي ثار على أبي بكر. وآوى محمد أصحابه وعاد طريق ~~الشام آمنا. # أما المهاجرات من قريش إلى المدينة فكان لمحمد فيهن رأي آخر. خرجت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي ~~معيط من بعد الهدنة، فخرج أخواها عمارة والوليد يطلبان إلى رسول الله أن يردها عليهما بحكم عهد ~~الحديبية. لكن النبي أبى، ورأى أن هذا العهد لا ينسحب على النساء حكمه، وأن النساء إذا استجرن ~~وجبت إجارتهن. ثم إن المرأة إذا أسلمت لم تصبح حلا لزوجها المشرك فوجب التفريق بينه وبينها. وفي ~~ذلك نزل قوله تعالى: # يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم ~~المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن ~~علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل ~~لهم ولا هم يحلون لهن وآتوهم ما أنفقوا ولا جناح عليكم ~~أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ولا تمسكوا بعصم ms363 ~~الكوافر واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا ذلكم حكم ~~الله يحكم بينكم والله عليم حكيم ~~. # 10 # وكذلك صدقت الحادثات حكمة محمد وبعد نظره ودقة سياسته، وأثبتت أنه إذ عقد عهد الحديبية وضع ~~حجرا لا ينقض في سياسة الإسلام وانتشاره، وهذا هو الفتح المبين. # اطمأنت العلاقات بعد الحديبية بين قريش ومحمد أعظم الطمأنينة، وأمن كل جانب صاحبه. واتجهت ~~قريش كلها إلى التوسع في تجارتها، لعلها تستعيد من طريقها ما فقد أيام اتصال الحرب بين المسلمين ~~وبينها، وحين سدت عليها طريق الشام وأصبحت تجارتها معرضة للضياع. أما محمد فاتجه بفكره إلى متابعة ~~إبلاغ رسالته للناس جميعا في مشارق الأرض ومغاربها، ووجه نظره إلى تمهيد أسباب النجاح لطمأنينة ~~المسلمين في شبه الجزيرة. وهذا وذاك هو ما صنع بإرسال الرسل إلى الملوك في مختلف الدول، وبإجلاء ~~اليهود عن شبه جزيرة العرب إجلاء تاما بعد غزوة خيبر. # الفصل الحادي والعشرون # | خيبر والرسل إلى الملوك # (الإسلام والتنظيم الاجتماعي - تحريم الخمر - رسل محمد إلى الملوك والأمراء - المسلمون واليهود - ~~غزوة خيبر - القضاء الأخير على سلطة اليهود - رد الملوك على رسل النبي - في انتظار عمرة ~~القضاء) ~~*** # عاد محمد والمسلمون معه من الحديبية قافلين إلى المدينة بعد ثلاثة أسابيع من تمام الصلح بينهم ~~وبين قريش على ألا يدخلوا مكة هذا العام، وأن يدخلوا العام الذي يليه. عادوا وفي نفوسهم من أمر ~~هذا الصلح شيء، أن اعتبره بعضهم غير متفق مع كرامة المسلمين، حتى نزلت سورة الفتح وهم في الطريق ~~وتلاها النبي عليهم. وجعل محمد يفكر أثناء مقامهم بالحديبية وبعد عودهم منها ماذا عساه يصنع ~~للمزيد من تثبيت أصحابه ولزيادة انتشار دعوته. وانتهى به التفكير إلى إرسال رسله إلى هرقل وكسرى ~~والمقوقس ونجاشي الحبشة وإلى الحارث الغساني وإلى عامل كسرى في اليمن، كما انتهى به إلى ضرورة ~~القضاء قضاء أخيرا على شوكة اليهود في شبه جزيرة العرب. # والحق أن الدعوة الإسلامية كانت قد بلغت يومئذ من النضج ما يجعلها دين الناس كافة. فهي لم ~~تقف عند التوحيد وما يقتضيه التوحيد من ms364 عبادات، بل انفرج ميدانها وتناولت من صور النشاط الاجتماعي ~~كلها ما يوازي بينها وبين سمو فكرة التوحيد وما يجعل صاحبهما أدنى إلى بلوغ مراتب الكمال الإنساني ~~وإلى تحقيق المثل الأعلى في الحياة. ولذلك نزلت الأحكام في كثير من أمور الاجتماع. # اختلف مؤرخو السيرة في تحريم الخمر متى كان، وذهب بعضهم إلى أنه كان في السنة الرابعة للهجرة، ~~ولكن أكثرهم على أنه كان عام الحديبية. والفكرة في تحريم الخمر اجتماعية غير متصلة بالتوحيد من ~~حيث هو التوحيد. ولا أدل على ذلك من أن التحريم لم ينزل به القرآن إلا بعد انقضاء عشرين سنة أو ~~نحوها على بعث النبي، وأن المسلمين ظلوا يشربونها إلى أن نزل التحريم. ولا أدل على ذلك من أن ~~التحريم لم ينزل مرة واحدة، بل نزل على فترات جعلت المسلمين يخففون منها، حتى كان التحريم فانتهوا ~~عن شربها. فقد روي عن عمر بن الخطاب أنه سأل عن الخمر وقال: اللهم بين لنا فيها، فنزلت الآية: # يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم ~~كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ~~. # 1 # فلما لم يكف المسلمون بعد هذه الآية، وكان بعضهم يقضي ليله متوفرا على شرابه حتى كان إذا ذهب ~~إلى صلاته لا يعلم ما يقول فيها، عاد عمر فقال: اللهم بين لنا في الخمر، فإنها تذهب العقل والمال، ~~فنزلت الآية: # يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة ~~وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ~~. # 2 # ومن يومئذ كان منادي الرسول ينادي وقت الصلاة: لا يقربن الصلاة سكران. وعلى رغم ما كان يقضي ~~هذا الأمر من الإقلال من الشراب، وما كان له في هذه الناحية من أثر بالغ جعل الكثيرين يقلون من ~~الخمر ما استطاعوا، عاد عمر بعد زمن يقول: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا فإنها تذهب ~~العقل والمال. وقد كان عمر في حل من قولها أن كان العرب، والمسلمون من بينهم، يصل بهم الشراب إلى ~~حد يجعلهم يعربدون، يأخذ بعضهم بلحية بعض، ويهوي بعضهم على رأس بعض. دعا ms365 بعضهم جماعة إلى طعام ~~وشراب، فلما ثملوا ذكروا المهاجرين والأنصار، فأبدى أحدهم التعصب للمهاجرين فأخذ متعصب للأنصار ~~بعظمة من عظام رأس الجزور التي يأكلونها فجرح بها أنف المهاجري. وثمل حيان فتشاجرا فشج بعضهم ~~بعضا فوقعت في أنفسهم الضغائن، وكانوا من قبل ذلك أحبة متصافين. إذ ذاك نزل قوله تعالى: # يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب ~~والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون * إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة ~~والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة ~~ فهل أنتم منتهون ~~. # 3 # وقد كان أنس الساقي يوم حرمت الخمر، فلما سمع المنادي بتحريمها بادر فأراقها. ولكن أناسا لم ~~يرقهم هذا التحريم فقالوا: أتكون الخمر رجسا وهي في بطن فلان وفلان قتل يوم أحد وفي بطن فلان ~~وفلان قتل يوم بدر؟! فنزل قوله تعالى: # ليس على الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا ~~الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب ~~المحسنين ~~. # 4 # وما أمر به الإسلام من البر والرحمة، وما دعا إليه من عمل الخير، وما في عبادته من رياضة ~~النفس والطبع، وما يصل إليه الركوع والسجود في الصلاة من قتل غرور القلب، كل ذلك جعله الكمال ~~الطبيعي للأديان التي سبقته، وجعل الدعوة إليه للناس كافة. # كان هرقل وكسرى يومئذ على رأس دولتي الرومان والفرس أقوى دول العصر وصاحبتي الإملاء في سياسة ~~العالم ومصاير أممه جميعا. وكانت الحرب سجالا بين الدولتين كما رأيت؛ وكانت الفرس صاحبة الغلب ~~أول الأمر فاستولت على فلسطين وعلى مصر ووضعت يدها على بيت المقدس ونقلت منه الصليب. ثم دارت على ~~الفرس الدائرة، فعادت أعلام بزنطية تخفق مرة أخرى على مصر وعلى سورية وفلسطين، واسترد هرقل الصليب ~~بعد أن نذر، إن هو تم له النصر، أن يحج إلى بيت المقدس ماشيا حتى يرد الصليب فيه إلى مكانه. ~~ومن اليسير عليك إذ تذكر مكانة الدولتين أن تقدر ما يبعثه اسمهما من الرهبة إلى النفوس ومن الهيبة ~~إلى ms366 القلوب، حتى لا تفكر دولة في التعرض لهما، ولا يدور بخلد أحد أن يفكر في غير خطبة ودهما. ~~أما وذلك شأن دول العالم المعروفة يومئذ جميعا، فقد كان أجدر ببلاد العرب أن يكون ذلك ~~شأنها. # فقد كانت اليمن والعراق تحت نفوذ فارس، وكانت مصر والشام تحت نفوذ هرقل؛ فكان الحجاز وسائر ~~شبه الجزيرة محصورا في دائرة نفوذ الإمبراطوريتين. وكانت حياة العرب وقفا على تجارة مع اليمن ~~ومع الشام، فكانوا بذلك محتاجين أشد الحاجة إلى مصانعة كسرى وهرقل جميعا حتى لا يفسد بسلطانهما ~~عليها تجارتهم. ثم إن العرب إن يكونوا يزيدون على قبائل تشتد الخصومة بينها حينا وتهدأ حينا ~~آخر، ولا تربط بعضها ببعض رابطة تجعل منها وحدة سياسية تستطيع أن تفكر في مواجهة نفوذ الدولتين ~~العظيمتين؛ ولذلك كان عجيبا أن يفكر محمد يومئذ في أن يرسل رسله إلى الملكين العظيمين وإلى ~~غسان واليمن ومصر والحبشة يدعوهم إلى دينه، دون خشية لما قد يترتب على عمله هذا من نتائج ربما ~~تجر على بلاد العرب كلها الخضوع لنير فارس أو بزنطية. # لكن محمدا لم يتردد في دعوة هؤلاء الملوك جميعا إلى دين الحق. بل خرج يوما على أصحابه ~~فقال: «أيها الناس، إن الله قد بعثني رحمة للناس كافة فلا تختلفوا علي كما اختلف الحواريون ~~على عيسى ابن مريم.» قال أصحابه: «وكيف اختلف الحواريون يا رسول الله؟» قال: «دعاهم إلى الذي ~~دعوتكم إليه، فأما من بعثه مبعثا قريبا فرضي وسلم، وأما من بعثه مبعثا بعيدا فكره وجهه ~~وتثاقل.» ثم ذكر لهم أنه مرسل إلى هرقل، وكسرى، والمقوقس، والحارث الغساني - ملك الحيرة - والحارث ~~الحميري - ملك اليمن - وإلى نجاشي الحبشة يدعوهم إلى الإسلام، وأجابه أصحابه إلى ما أراد. فصنع له ~~خاتما من فضة نقش عليه: «محمد رسول الله.» وبعث بكتبه يقول فيها ما نضع منه مثلا أمام القارئ ~~كتابه إلى هرقل إذ جاء فيه: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد عبد الله إلى هرقل عظيم الروم. سلام ~~على من اتبع الهدى. أما بعد، فإني أدعوك ms367 بدعاية الإسلام. أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين. فإن ~~توليت فإنما عليك إثم الأريسيين. # 5 # قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء ~~بيننا وبينكم ألا نعبد إلا لله ولا نشرك به شيئا ولا ~~يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون لله فإن تولوا فقولوا اشهدوا ~~بأنا مسلمون ~~. # ودفع بكتاب هرقل إلى دحية بن خليفة الكلبي، وبكتاب كسرى إلى عبد الله بن حذافة السهمي. وبكتاب ~~النجاشي إلى عمرو بن أمية الضمري، وبكتاب المقوقس إلى حاطب بن أبي بلتعة، وبكتاب ملكي عمان إلى ~~عمرو بن العاص السهمي، وبكتاب ملكي اليمامة إلى سليط بن عمرو، وبكتاب ملك البحرين إلى العلاء ~~الحضرمي، وبكتاب الحارث الغساني - ملك تخوم الشام - إلى شجاع بن وهب الأسدي، وبكتاب الحارث ~~الحميري - ملك اليمن - إلى المهاجر بن أمية المخزومي. وانطلق هؤلاء جميعا كل إلى حيث أرسله ~~النبي. انطلقوا في وقت واحد على قول أكثر المؤرخين، وانطلقوا في أوقات مختلفة على قول ~~بعضهم. # أليس إرسال محمد هؤلاء الرسل عجبا يثير الدهشة؟! أوليس أشد إثارة للدهشة ألا تمضي ثلاثون ~~عاما بعد ذلك حتى تصبح هذه البلاد التي أرسل محمد إليها رسله وقد فتحها المسلمون ودان أكثرها ~~بالإسلام؟! لكن هذه الدهشة ما تلبث أن تزول حين تذكر أن الإمبراطوريتين العظيمتين اللتين كانتا ~~تزعمان تحضير عالم ذلك العصر، وكانت حضارتهما هي الغالبة على العالم كله، إنما كانتا تتنازعان ~~الغلب المادي، على حين كانت القوة الروحية فيهما جميعا قد انحلت واضمحلت؛ فقد كانت فارس مقسمة ~~بين الوثنية والمجوسية. وكانت مسيحية بزنطية قد اضطربت بين مختلف المذاهب والفرق فلم تظل عقيدة ~~سليمة تحرك القلوب وتقويها، بل انقلبت رسوما وتقاليد يهيمن بها رجال الدين على عقول السواد لحكمه ~~واستغلاله. أما الدعوة الجديدة التي يدعو محمد إليها فكانت روحية صرفة وكانت ترتفع بالإنسان إلى ~~أسمى مراتب الإنسانية، وحيثما التقت المادة والروح، وحيثما تعارض هم الحاضر وأمل الخلود، انهزمت ~~المادة وعنا وجه الحاضر. # ثم إن فارس وبزنطية كانتا - على عظم سلطانهما - قد فقدتا قوة الابتكار وملكة الإنشاء، ونزلنا ~~في ms368 عالم التفكير وفي عالم الشعور وفي عالم العمل إلى درك التقليد واحتذاء السلف، واعتبار كل ~~جديد بدعة، وكل بدعة ضلالة. والجماعة الإنسانية كالفرد الإنساني وككل كائن حي، تتجدد كل يوم؛ ~~فإما كانت ما تزال فتية شابة فكان تجددها خلقا وإنشاء ومزيدا في الحياة، وإما كانت قد بلغت ~~الذروة ولم تعد قادرة على الإنشاء والخلق، فهي تنفق من رأس مال حياتها؛ فحياتها لذلك في نقص ~~مستمر، وفي انحدار إلى درك النهاية. والجماعة الإنسانية التي تنحدر إلى درك النهاية مصيرها أن ~~يخلقها عنصر خارجي، فيه فتوة الحياة، خلقا جديدا. العنصر الخارجي المليء بقوة الحياة الفتية إلى ~~جانب فارس وبزنطية لم يكن في ناحية الصين أو الهند، ولا كان في ناحية أواسط أوروبا؛ إنما كان هذا ~~العنصر محمدا. # كانت دعوته في شباب فتوتها جديرة بأن تعيد إلى هذه النفوس، المنهدم داخلها بحكم التقاليد ~~الدينية والخرافات القائمة منها مقام الإيمان والعقيدة، حياة فتية تجددها وتردها إلى الحياة. ~~وشعلة الإيمان الجديد التي كانت تضيء نفس الرسول، وقوة نفسه التي سمت فوق كل قوة، هي التي هدت ~~إلهامه إلى أن يبعث هؤلاء الرسل يدعون عظماء الأرض بدعاية الإسلام دين الحق، دين الكمال، دين الله ~~جل شأنه؛ يدعوهم إلى الدين الذي يحرر العقول لترى، والقلوب لتبصر، والذي يضع للإنسان في حياة ~~العقيدة، كما يضع له في نظام الجماعة، قواعد عامة توازي بين سلطان الروح وقوة المادة التي تنطوي ~~على الروح، لتبلغ بالإنسان من طريق هذه الموازاة إلى غاية ما يستطيع بلوغه من قوة على الحياة، قوة ~~لا يشوبها وهن ولا غرور، ولتبلغ بالجماعة الإنسانية بفضل ذلك النظام إلى خير مكان أعد لها بعد ~~أن تسلك ما قدر لها من ضروب التطور بين كائنات الوجود جميعا. # أفيرسل محمد رسله إلى هؤلاء الملوك وهو ما يزال يخشى غدر اليهود الذين لا يزالون مقيمين شمال ~~المدينة؟ صحيح أنه قد عهد عهد الحديبية، فأمن قريشا وأمن الجنوب كله؛ لكنه لن يأمن من ناحية ~~الشمال أن يستعين هرقل أو يستعين كسرى بيهود ms369 خيبر، وأن يحرك في نفوسهم ثاراتهم القديمة، وأن ~~يذكرهم إخوانهم في الدين من بني قريظة وبني النضير وبني قينقاع، وقد أجلاهم محمد عن ديارهم بعد ~~أن حصرهم بها وقاتلهم فيها وقتل منهم وسفك دماءهم. واليهود أشد من قريش عداوة له؛ لأنهم أحرص منهم ~~على دينهم، ولأن فيهم ذكاء وعلما أكثر مما في قريش. وليس من اليسير أن يوادعهم بصلح كصلح ~~الحديبية، ولا أن يطمئن لهم وقد سبقت بينه وبينهم خصومات لم ينتصروا في إحداها. فما أجدرهم أن ~~يثأروا لأنفسهم إذا هم وجدوا من ناحية هرقل مددا. لا بد إذن من القضاء على شوكة هؤلاء اليهود ~~قضاء أخيرا؛ حتى لا تقوم لهم من بعد ببلاد العرب قائمة أبدا. ولا بد من المسارعة إلى ذلك حتى ~~لا يكون لديهم من الوقت متسع للاستعانة بغطفان أو بغيرها من القبائل المعادية لمحمد والموالية ~~لها. # وكذلك فعل؛ فإنه لم يقم بالمدينة بعد عوده من الحديبية إلا خمس عشرة ليلة على قول، وشهرا على ~~قول آخر، ثم أمر الناس بالتجهيز لغزو خيبر على ألا يغزو معه إلا من شهد الحديبية، إلا أن يكون ~~غازيا متطوعا ليس له من الغنيمة شيء. وانطلق المسلمون في ألف وستمائة ومعهم مائة فارس، وكلهم ~~واثق بنصر الله، ذاكر قوله تعالى في سورة الفتح التي نزلت في عهد الحديبية: # سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا ~~نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم ~~قال الله من قبل فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون ~~إلا قليلا ~~. # 6 # وقطعوا مراحل الطريق ما بين خيبر والمدينة في ثلاثة أيام لم تكد خيبر تحسهم أثناءها، حتى لقد ~~باتوا أمام حصونها. وأصبح الصباح وغدا عمال خيبر خارجين إلى مزارعهم ومعهم مساحيهم ومكاتلهم؛ فلما ~~رأوا جيش المسلمين ولوا الأدبار يتصايحون: هذا محمد والجيش معه! وقال الرسول حين سمع قولهم: «خربت ~~خيبر! إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين.» # على أن يهود خيبر كانوا يتوقعون أن يغزوهم محمد، وكانوا يودون أن يجدوا الوسيلة ms370 إلى الخلاص ~~منه. أما بعضهم فنصح لهم أن يبادروا إلى تأليف كتلة منهم ومن يهود وادي القرى وتيماء تغزو يثرب، ~~دون اعتماد على البطون العربية في الغزو، وأما آخرون غيرهم فكانوا يرون أن يدخلوا في حلف مع ~~الرسول لعل ذلك يمحو ما ثبت من كراهيتهم في نفوس المسلمين والأنصار منهم خاصة ، بعد اشتراك حيي بن ~~أخطب وجماعة من اليهود معه في تأليب العرب لاقتحام المدينة وأخذها عنوة في غزوة الخندق. لكن ~~النفوس من الجانبين كانت ملأى، حتى لقد سبق المسلمون قبل غزوة خيبر بقتل كل من سلام بن أبي الحقيق ~~واليسير بن رزام من زعماء خيبر. لذلك كانت اليهود على اتصال دائم بغطفان، ولذلك استعانوا بهم أول ~~ما ترامى إليهم خبر اعتزام محمد غزوهم. ويختلف الرواة فيما كان من غطفان: أأعانتهم، أم حالت جيوش ~~المسلمين بينها وبين خيبر. # وسواء أكانت غطفان قد أعانت اليهود أم كانت قد وقفت بمعزل بعد أن وعدها محمد حظا من ~~الغنائم، فقد كانت هذه الموقعة من أكبر المواقع، أن كانت جموع اليهود في خيبر من أقوى الطوائف ~~الإسرائيلية بأسا، وأوفرها مالا وأكثرها سلاحا، وأن كان المسلمون مؤمنين بأنه ما بقيت لليهود ~~شوكة في شبه الجزيرة فستظل المنافسة بين دين موسى والدين الجديد حائلا دون تمام الغلب لهم؛ لذلك ~~ذهبوا مستقتلين لا يعرف التردد إلى نفوسهم سبيلا. ووقفت قريش ووقفت شبه جزيرة العرب كلها متطلعة ~~إلى هذه الغزوة؛ حتى لقد كان من قريش من يتراهنون على نتائجها ولمن يتم الغلب فيها. وكان كثيرون ~~من قريش يتوقعون أن تدور الدائرة على المسلمين، لما عرف من قوة حصون خيبر وقيامها فوق الصخور ~~والجبال، ولطول ممارسة أهلها للحرب والقتال. # وقف المسلمون أمام حصون خيبر متأهبين كاملي العدة. وتشاور اليهود فيما بينهم، فأشار عليهم ~~زعيمهم سلام بن مشكم، فأدخلوا أموالهم وعيالهم حصني الوطيح والسلالم، وأدخلوا ذخائرهم حصن ناعم، ~~ودخلت المقاتلة وأهل الحرب حصن نطاة، ودخل سلام بن مشكم معهم يحرضهم على الحرب، والتقى الجمعان ~~حول حصن نطاة واقتتلوا قتالا شديدا، ms371 حتى قيل: إن عدد الجرحى من المسلمين في هذا اليوم بلغ ~~خمسين، فكم كان إذن عدد الجرحى من اليهود؟! وتوفي سلام بن مشكم، فتولى الحارث بن أبي زينب قيادة ~~اليهود، وخرج من حصن ناعم يريد منازلة المسلمين؛ فدحره بنو الخزرج واضطروه أن يرتد إلى الحصن على ~~أعقابه. وضيق المسلمون الحصار على حصون خيبر واليهود يستميتون في الدفاع إيمانا منهم بأن هزيمتهم ~~أمام محمد هي القضاء الأخير على بني إسرائيل في بلاد العرب. # وتتابعت الأيام فبعث الرسول أبا بكر إلى حصن ناعم كي يفتحه، فقاتل ورجع دون أن يفتح الحصن. ~~وبعث الرسول عمر بن الخطاب في الغداة، فكان حظه كحظ أبي بكر. فدعا الرسول إليه علي بن أبي طالب، ~~ثم قال له: خذ هذه الراية فامض بها حتى يفتح الله عليك. ومضى علي بالراية، فلما دنا من الحصن ~~خرج إليه أهله فقاتلهم، فضربه رجل من اليهود فطرح ترسه من يده، فتناول علي بابا كان عند الحصن ~~فتترس به فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح الحصن، ثم جعل الباب قنطرة اجتاز المسلمون عليها إلى ~~داخل أبنية هذا الحصن. وإنما سقط حصن ناعم بعد أن قتل الحارث بن أبي زينب؛ مما يدل على استماتة ~~اليهود في القتال واستماتة المسلمين في الحصار وفي الهجوم. # وبعد حصن ناعم فتح المسلمون القموص بعد قتال شديد، وبعد أن قلت المئونة عندهم قلة توجه بسببها ~~جماعة منهم يشكون إلى محمد أمرهم، ويطلبون إليه ما يسدون به رمقهم؛ فلم يجد شيئا يعطيهم إياه، ~~وأذن لهم في أكل لحوم الخيل. وقد رأى أحد المسلمين قطيعا من الغنم يدخل إلى أحد حصون اليهود، ~~فاختطف منه شاتين فذبحوهما وأكلوهما. على أنه بعد أن تم لهم فتح حصن الصعب بن معاذ قلت حاجتهم، ~~أن وجدوا فيه طعاما كثيرا مكن لهم متابعة قتال اليهود وحصارهم في سائر حصونهم. واليهود أثناء ~~ذلك كله لا يسلمون في شبر أرض ولا يسلمون حصنا إلا بعد أن يدافعوا عنه دفاع الأبطال، وبعد ألا ~~يبقى لهم على ms372 صد هجوم المسلمين قوة. خرج مرحب اليهودي من أحد الحصون وقد جمع للحرب سلاحه وأكمل ~~عدته وهو يرتجز: # قد علمت خيبر أني مرحب # شاكي السلاح بطل مجرب # أطعن أحيانا وحينا أضرب # إذا الليوث أقبلت تحرب # 7 # إن حماي للحمى لا يقرب # يحجم عن صولتي المجرب # فصاح محمد بأصحابه: من لهذا؟ فقال محمد بن مسلمة: أنا له يا رسول الله. أنا والله الموتور ~~الثائر! قتل أخي بالأمس. وقام إليه بإذن النبي، وتصاولا حتى كاد مرحب يقتله، لكن ابن مسلمة اتقى ~~سيفه بالدرقة فوقع السيف فيها فعضت به فأمسكته، وضربه محمد بن مسلمة حتى قتله. وكذلك كانت هذه ~~الحرب بين اليهود والمسلمين ضروسا قاسية، وكانت منعة حصون اليهود تزيدها شدة وقسوة. # حاصر المسلمون حصن الزبير وطال حصارهم إياه وقاتلوا قتالا شديدا، ومع ذلك لم يستطيعوا فتحه ~~حتى قطعوا الماء عنه واضطروا اليهود فيه إلى الخروج منه وإلى قتال المسلمين قتالا انتهى بالأولين ~~إلى أن يلوذوا بالفرار. وكذلك جعلت الحصون تقع واحدا بعد الآخر في أيدي المسلمين، حتى انتهوا إلى ~~الوطيح والسلالم بمنطقة الكتيبة، وكانا آخر حصنين منيعين لهم. هنالك استولى على نفوسهم اليأس، ~~فطلبوا الصلح بعد أن حاز النبي أموالهم كلها بالشق ونطاة والكتيبة، على أن يحقن دماءهم، وقبل محمد ~~وأبقاهم على أرضهم التي آلت له بحكم الفتح، على أن يكون لهم نصف ثمرها مقابل عملهم. # عامل محمد يهود خيبر بغير ما عامل به بني قينقاع وبني النضير حين أجلاهم عن أرضهم؛ لأنه أمن ~~بسقوط خيبر بأس اليهود، وآمن بأنهم لن تقوم لهم بعد ذلك قائمة أبدا. ثم إن ما كان بخيبر من ~~الحدائق والمزارع والنخيل كان يحتاج إلى الأيدي العاملة الكثيرة لاستغلاله وحسن القيام على ~~زراعته. ولئن كان أنصار المدينة أهل زراعة، لقد كانت أرضهم بها في حاجة إلى أذرعهم كما أن النبي ~~كان في حاجة إلى جيوشه للحرب، فهو لا يرضى أن يتركها للزرع. وكذلك ظل يهود خيبر يعملون بعد أن ~~انهار سلطانهم السياسي انهيارا جنى على نشاطهم؛ حتى لقد ms373 أسرعت خيبر من ناحية الزراعة نفسها إلى ~~البوار والخراب، مع ما كان من حسن معاملة النبي أهلها، ومن عدل عبد الله بن رواحة رسوله إليهم كل ~~عام بينهم في القسمة. وكان من إحسان النبي معاملة يهود خيبر أنه كان من بين ما غنم المسلمون حين ~~غزوها عدة صحائف من التوراة، فطلب اليهود ردها فأمر النبي بتسليمها لهم، ولم يصنع صنيع الرومان ~~حين فتحوا أورشليم وأحرقوا الكتب المقدسة وداسوها بأرجلهم، ولا هو صنع صنيع النصارى في حروب ~~اضطهاد اليهود في الأندلس حين أحرقوا كذلك صحف التوراة. # ولما طلب يهود خيبر الصلح، أثناء محاصرة المسلمين إياهم في حصني الوطيح والسلالم، بعث النبي ~~إلى أهل فدك ليسلموا برسالته أو يسلموا أموالهم. ووقع في نفوس أهل فدك الرعب بعد الذي علموا ~~من أمر خيبر، فتصالحوا على نصف أموالهم من غير قتال. فكانت خيبر للمسلمين لأنهم قاتلوا ~~لاستخلاصها، وكانت فدك خالصة لمحمد لأن المسلمين لم يجلبوا عليها بخيل ولا ركاب. # وتجهز الرسول بعد ذلك كله للعود إلى المدينة عن طريق وادي القرى؛ فتجهز يهودها لقتال ~~المسلمين، وقاتلوا. لكنهم اضطروا إلى الإذعان والصلح كما صنعت خيبر. أما يهود تيماء فقبلوا الجزية ~~من غير حرب ولا قتال. وبذلك دانت اليهود كلها لسلطان النبي، وانتهى كل ما كان لهم من سلطان في شبه ~~الجزيرة، وأصبح محمد بمأمن من ناحية الشمال إلى الشام، كما صار من قبل ذلك بمأمن من ناحية الجنوب ~~بعد صلح الحديبية. وبانهيار سلطان اليهود خفت بغضاء المسلمين، والأنصار منهم خاصة، لهم، وتغاضوا ~~عن رجوع بعضهم إلى يثرب، ووقف النبي مع اليهود الذين بكوا عبد الله بن أبي وعزى ابنه؛ وأوصى ~~معاذ بن جبل بألا يفتن اليهود عن يهوديتهم؛ ولم يفرض الجزية على يهود البحرين وإن ظلوا متمسكين ~~بدين آبائهم؛ وصالح بني غازية وبني عريض على أن لهم الذمة وعليهم الجزية. # وعلى الجملة دان اليهود لسلطان المسلمين، وتضعضع في بلاد العرب مركزهم حتى اضطروا إلى مهاجرة ~~تلك البلاد وكانوا من قبل بها أعزة، وحتى تم جلاؤهم ms374 في حياة الرسول على قول، وبعد وفاته على قول ~~آخر. # على أن إذعان أهل خيبر وسائر اليهود لمصيرهم في شبه الجزيرة، لم يقع مرة واحدة بعد هزيمتهم، ~~بل لقد كانت نفوسهم في أثر الهزيمة ملأى بالغل والغضب أخبث الغضب. أهدت زينب بنت الحارث امرأة ~~سلام بن مشكم إلى محمد شاة - بعد أن اطمأن وبعد أن وقع الصلح بينه وبين أهل خيبر - فجلس وأصحابه ~~حولها ليأكلوها، وتناول عليه السلام فلاك منها مضغة فلم يسغها، وكان بشر بن البراء معه قد تناول ~~منها مثل ما تناول. فأما بشر فأساغها وازدردها. وأما الرسول فلفظها وهو يقول: إن هذا العظم ~~ليخبرني أنه مسموم. ثم دعا بزينب فاعترفت وقالت: لقد بلغت من قومي ما لم يخف عليك فقلت: إن كان ~~ملكا استرحت منه، وإن كان نبيا فيسخبر. ومات بشر من أكلته هذه. # وقد اختلف الرواة، فذكر أكثرهم أن النبي عفا عن زينب وقدر لها عذرها بعد الذي أصاب أباها ~~وزوجها. وذكر بعضهم أنها قتلت في بشر الذي مات مسموما. # وقد تركت فعلة زينب في نفوس المسلمين أعمق الأثر، وجعلتهم في أعقاب خيبر لا يثقون باليهود، بل ~~يخشون غدرهم أفرادا بعد أن قضي على جماعتهم القضاء الأخير. كانت صفية ابنة حيي بن أخطب ~~النضيرية من بين السبايا اللائي أخذ المسلمون من حصون خيبر، وكانت زوجا لكنانة بن الربيع، وكان ~~عند كنانة مما يعرف المسلمون كنز بني النضير. فسأله النبي عنه فأقسم لا يعرف مكانه. فقال له محمد: ~~إن وجدناه عندك أأقتلك؟ قال: نعم. وكان أحدهم قد رأى كنانة يطوف بخربة وذكر أمره للنبي، فأمر ~~بالخربة فحفرت فأخرج منها بعض الكنز، فقتل في إنكاره. فلما خلصت صفية إلى المسلمين وصارت بين ~~الأسرى، قيل للنبي: «صفية سيدة بني قريظة والنضير لا تصلح إلا لك.» فأعتقها وتزوجها مقتفيا بذلك ~~أثر الفاتحين العظماء الذين كانوا يتزوجون من بنات عظماء الممالك التي يفتحونها ليخففوا من مصابهم ~~ويحفظوا من كرامتهم. # وقد خشي أبو أيوب خالد الأنصاري أن تتحرك في نفسها الضغينة على ms375 الرسول الذي قتل أباها وزوجها ~~وقومها؛ لذلك بات حول الخيمة التي أعرس فيها محمد بصفية في طريق عودته من خيبر متوشحا بسيفه. ~~فلما أصبح الرسول ورآه سأله: ما لك؟ قال: خفت عليك من هذه المرأة وقد قتلت أباها وزوجها وقومها ~~وقد كانت حديثة عهد بكفر. على أن صفية أقامت على الوفاء لمحمد حتى قبضه الله إليه. وقد اجتمع ~~نساؤه حوله في مرضه الأخير؛ فقالت صفية: أما والله يا نبي الله لوددت أن الذي بك بي. فتغامز بها ~~أزواج النبي. فقال لهن: مضمضن. قلن: من أي شيء يا نبي الله؟ قال: من تغامزكن بصاحبتكن، والله إنها ~~لصادقة. وبقيت صفية بعد النبي حتى خلافة معاوية، وفيها توفيت ودفنت بالبقيع. # ماذا فعل الله بالرسل الذين أوفدهم محمد إلى هرقل وكسرى والنجاشي وغيرهم من الملوك المحيطين ~~ببلاد العرب؟! هل سافروا قبل غزوة خيبر، أو هم حضروها حتى تم النصر للمسلمين فيها ثم سافروا من ~~بعدها كل إلى ناحيته؟ يختلف المؤرخون في ذلك اختلافا كبيرا يصعب معه القطع في الأمر بقول. ~~وأكبر ظننا أنهم لم يسافروا جميعا في وقت واحد، وأن منهم من سافر قبل خيبر ومنهم من سافر بعدها. ~~فقد جاء في غير رواية أن دحية بن خليفة الكلبي حضر خيبر وهو مع ذلك الذي ذهب برسالة هرقل. سافر ~~إليه وكان هرقل يومئذ عائدا يحف به النصر بعد أن تغلب على الفرس واستنقذ منهم الصليب الأعظم ~~الذي أخذ من بيت المقدس، وآن له أن يتم نذره وأن يحج إلى بيت المقدس ماشيا ليرد الصليب الأعظم ~~إلى مكانه، وكان قد بلغ من سياحته مدينة حمص حين حمل الخطاب إليه. هل حمله إليه جماعة من رجاله ~~بعد أن أسلم دحية الخطاب إلى عامله على بصرى، أو أنه اطلع عليه بعد أن أدخل جماعة من البدو ودحية ~~على رأسهم يقدم إليه الكتاب بنفسه؟ هذا ما تضطرب الرواية كذلك حوله. وتلي الخطاب عليه وترجم ~~له، فلم يغضب ولم تثر ثائرته، ولم يفكر في إرسال جيش يغزو بلاد العرب، ms376 بل رد على الرسالة ردا ~~حسنا جعل بعض المؤرخين يزعمون خطأ أنه أسلم. # وفي الوقت نفسه بعث الحارث الغساني إلى هرقل يخبره أن رسولا جاءه من محمد بكتاب، رأى هرقل ~~شبهه بالكتاب الذي أرسل إليه يدعوه إلى الإسلام ويستأذن الحارث في أن يقوم على رأس جيش لمعاقبة ~~هذا المدعي النبوة. لكن هرقل رأى الخير في أن يكون الحارث ببيت المقدس حين زيارته إياه ليزيد في ~~جلال الحفلات برد الصليب إليه، ولم يعبأ بهذا الداعي إلى دين جديد، ولم يدر بخلده أنه لن تمضي ~~سنوات قليلة حتى يكون بيت المقدس وتكون الشام في ظل الراية الإسلامية، وأن العاصمة الإسلامية ~~ستنتقل إلى دمشق، وأن النضال بين دول الإسلام والإمبراطورية الرومية لن تهدأ ثائرته حتى يستولي ~~الأتراك على القسطنطينية في سنة 1453م، وحتى يحيلوا كنيستها الكبرى مسجدا يكتب فيه اسم هذا النبي ~~الذي حاول هرقل أن يظهره مظهر من لا يحفل به أو يعنى بأمره، وأن تظل هذه الكنيسة مسجدا عدة قرون ~~حتى يحيلها المسلمون الأتراك متحفا للفن البزنطي. # أما كسرى عاهل الفرس فإنه ما لبث حين تلي عليه كتاب محمد يدعوه إلى الإسلام أن استشاط ~~غضبا وشق الكتاب، وكتب إلى بازان عامله على اليمن يأمره بأن يبعث إليه برأس هذا الرجل الذي ~~بالحجاز. ولعله كان يحسب في هذا ما يخفف من آثار هزائمه أمام هرقل. فلما بلغت النبي مقالة كسرى ~~وما فعل بكتابه قال: مزق الله ملكه. وأوفد بازان رسله برسالة إلى محمد. وفي هذه الأثناء كان كسرى ~~قد خلفه شيرويه. وكان النبي قد عرف ذلك فأخبر رسل بازان به، وطلب إليهم أن يكونوا رسله إلى بازان ~~يدعونه إلى الإسلام. وكان أهل اليمن قد عرفوا ما حل بفارس من هزائم وقد شعروا بانحلال سلطانها ~~عنهم، وقد اتصلت بهم انتصارات محمد على قريش وقضاؤه على سلطة اليهود. فلما رجع رسل بازان إليه ~~وأبلغوه رسالة النبي، كان سعيدا بأن يسلم وأن يبقى عامل محمد على اليمن. وماذا ترى يطلب محمد ~~إليه وما تزال مكة ms377 بينه وبينه؟ إذن فله الغنم بعد أن تقلص ظل فارس في أن يحتمي بالقوة الناشئة ~~الجديدة في بلاد العرب من غير أن تطلب إليه هذه القوة شيئا. # ولعل بازان لم يقدر يومئذ أن انضمامه إلى محمد كان نقطة ارتكاز قوية للإسلام في جنوب شبه ~~الجزيرة، كما دلت الأحوال عليه بعد عامين اثنين. # وكان رد المقوقس عظيم القبط في مصر غير رد كسرى، بل كان أجمل من رد هرقل. فقد بعث إلى محمد ~~يخبره أنه يعتقد أن نبيا سيظهر، ولكنه سيظهر في الشام، وأنه استقبل رسوله بما يجب له من إكرام، ~~وأنه بعث معه بهدية: جاريتين وبغلة بيضاء وحمار ومقدار من المال وبعض خيرات مصر. أما الجاريتان ~~فمارية التي اصطفاها النبي لنفسه والتي ولدت له إبراهيم من بعد، وسيرين التي أهديت إلى حسان بن ~~ثابت، وأما البغلة فأسماها النبي دلدل، وكانت فريدة ببياضها بين البغال التي رأتها بلاد العرب. ~~وأما الحمار فأسمي غفيرا أو يعفورا. وقبل محمد هذه الهدية، وذكر أن المقوقس لم يسلم خشية أن ~~يسلبه الروم ملك مصر، وأنه لولا ذلك لآمن ولكان من حظه الهدى. # وكان طبيعيا، بعد الذي عرفنا من صلات نجاشي الحبشة بالمسلمين، أن يكون رده جميلا، حتى لقد ~~ورد في بعض الروايات أنه أسلم وإن أثارت طائفة من المستشرقين الشك حول إسلامه هذا. على أن الرسول ~~بعث له غير كتاب دعوته إلى الإسلام بكتاب آخر يطلب إليه رد المسلمين الذين أقاموا بالحبشة إلى ~~المدينة. وقد جهز لهم النجاشي سفينتين حملتاهم وعلى رأسهم جعفر بن أبي طالب ومعهم أم حبيبة رملة ~~بنت أبي سفيان بعد أن مات زوجها عبد الله بن جحش الذي جاء إلى الحبشة مسلما ثم تنصر وبقي على ~~نصرانيته حتى مات. وقد أصبحت أم حبيبة بعد عودتها من الحبشة من أزواج النبي ومن أمهات المؤمنين. ~~ذكر بعض المؤرخين أن النبي تزوجها ليرتبط مع أبي سفيان برابطة النسب توكيدا لعهد الحديبية. ورأى ~~آخرون في زواج رملة من محمد وأبو سفيان على وثنيته، ما تألم ms378 له نفسه ويغص به حلقه. # وأما أمراء العرب فقد رد أمير اليمن وعمان على رسالة النبي ردا فاحشا، ورد أمير البحرين ~~ردا حسنا وأسلم. ورد أمير اليمامة مظهرا استعداده للإسلام إذا هو نصب حاكما؛ فلعنه النبي ~~لمطامعه. ويذكرون أنه لم يلبث إلا عاما بعد ذلك ثم مات. # يستوقف القارئ ما في إجابات أكثر هؤلاء الملوك والأمراء من رفق ومن حسن رأي، وأنه لم يقتل أحد ~~من رسل محمد ولم يسجن، بل عادوا إليه كلهم بما حملوا من رسالات في أكثرها رقة وعطف، وفي بعضها ~~غلظة وشدة. فكيف تلقى أولئك الملوك رسالة الدين الجديد من غير أن يتألبوا على صاحب الدعوة، ومن ~~غير أن يتضافروا على سحقه؟ ذلك أن عالم يومئذ كان كعالمنا الحاضر، قد طغت فيه المادة على الروح، ~~وأصبح فيه الترف غاية الحياة، وأصبحت الأمم تقتل حبا في الظفر، وإرضاء لمطامع ملوكها وسادتها، ~~وشفاء لغرور أنفسهم، أو طمعا في مزيد من الترف تبلغه وتستمتع به. ومثل هذا العالم تهوي فيه ~~العقيدة إلى شعائر تقام في العلن ولا تؤمن النفوس التي تؤديها بشيء مما وراءها، ولا تعنى إلا بأن ~~تكون في حكم صاحب السلطان الذي يطعمها ويكسوها ويكفل لها رخاء العيش وعرض الجاه وكثرة المال. ولا ~~تستمسك بهذه الشعائر إلا بمقدار ما تدر عليها من خير مادي. # فإذا فاتها هذا الخير، خارت عزيمتها، وتضعضعت همتها، ووهنت فيها قوة المقاومة؛ ولذلك لم يلبث ~~الناس حين سمعوا دعوة جديدة للإيمان فيها بساطة وفيها قوة، وفيها مساواة أمام رب واحد، إياه نعبد ~~وإياه نستعين، هو وحده الذي يملك ضر النفوس ونفعها، شعاع من رضاه يبدد غضب ملوك الأرض جميعا، ~~ومخافة غضبه تزعزع النفس وإن أغرقها الملوك كلهم في النعمة والرضا، والرجاء في مغفرته متصل لمن ~~تاب وآمن وعمل صالحا - لم يلبث الناس حين سمعوا هذه الدعوة، ورأوا صاحبها يقوى بها على الاضطهاد، ~~وعلى الظلم، وعلى التعذيب، وعلى كل ما في الحياة المادية من قوى، ويمتد بها سلطانه، وهو اليتيم ~~الفقير المحروم، إلى ما ms379 لم يحلم به أحد من قبله في بلده ولا بلاد العرب كلها، حتى اشرأبت الأعناق، ~~وأرهفت الآذان، وشعرت النفوس بظمئها، وتطلعت الأرواح لمورد ريها، لولا بقية من الخوف والشك تقوم ~~بينها وبين الحقيقة حجابا. لذلك رد من رد من الملوك في رفق ورقة. وبذلك ازداد المسلمون إيمانا ~~على إيمانهم وقوة في يقينهم. # عاد محمد من خيبر وعاد جعفر والمسلمون معه من الحبشة، وعاد رسل محمد من حيث أوفدهم، والتقوا ~~جميعا بالمدينة كرة أخرى، والتقوا ليقضوا بقية عامهم هذا مشوقين ليوم في العام القابل يحجون فيه ~~إلى مكة يدخلونها آمنين محلقين رءوسهم ومقصرين لا يخافون. وقد بلغ من غبطة محمد بلقيا جعفر أن ~~ذكر أنه لا يدري بأي هو أشد اغتباطا: بالنصر على خيبر أو بلقيا جعفر. وفي هذه الفترة تجري القصة ~~التي تروى أن اليهود سحروا محمدا بفعل لبيد، حتى كان يحسب أنه يفعل الشيء وهو لا يفعله. وهي قصة ~~اضطربت فيها الروايات اضطرابا شديدا يؤيد رأي القائل بأنها محض اختراع لا شيء فيها من ~~الحق. # وأقام المسلمون آمنين بالمدينة، مستمتعين بالعيش، ناعمين بفضل من الله ورضوان، لا يفكرون من ~~أمر الغزو في أكثر من إرسال بعض السرايا لمعاقبة من يفكر في الاعتداء على حقهم أو سلب شيء من ~~مالهم ومتاعهم. فلما استدار العام، وكانوا في ذي القعدة خرج النبي في ألفين من رجاله لعمرة القضاء ~~نفاذا لعهد الحديبية، وإطفاء لظمأ هذه النفوس الشديدة الظمأ لأداء فرائض البيت العتيق. # الفصل الثاني والعشرون # | عمرة القضاء # (ركب المسلمين إلى مكة - جلاء قريش عن مكة - نزول المسلمين بها - طواف محمد وهرولته - زواج محمد من ~~ميمونة - رغبته إلى قريش أن يعرس بمكة ورفضهم ذلك - إسلام خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعثمان ~~بن طلحة) ~~*** # استدار العام بعد الحديبية، وأصبح محمد وأصحابه في حل بعهدهم مع قريش من الدخول إلى مكة ~~وزيارة الكعبة؛ لذلك نادى الرسول في الناس كي يتجهزوا للخروج إلى عمرة القضاء بعد أن منعوا من ~~قبل منها. ومن اليسير عليك أن تقدر ms380 كيف أقبل المسلمون يلبون هذا النداء ومنهم المهاجرون الذين ~~تركوا مكة منذ سبع سنوات، ومنهم الأنصار الذين كانت لهم مع مكة تجارة وبهم إلى زيارة البيت الحرام ~~هوى. لذلك زاد الركب إلى ألفين بعد أن كان ألفا وأربعمائة في العام الذي سبقه، وتنفيذا لعهد ~~الحديبية لم يحمل أحد من هؤلاء الرجال سلاحا إلا سيفا في قرابه. ولكن محمدا كان يخشى الغدر ~~دائما. فجهز مائة فارس جعل على رأسهم محمد بن مسلمة، وبعثهم طليعة له على ألا يتخطوا حرم مكة، ~~وأن ينحدروا إذا هم بلغوا مر الظهران إلى واد قريب منها. # وساق المسلمون الهدي أمامهم ستين ناقة وقد تقدمهم محمد على ناقته القصواء، وساروا من المدينة ~~يحدوهم شغف أي شغف بالدخول إلى أم القرى والطواف ببيت الله، ويرقب كل واحد من المهاجرين أن يرى ~~البقعة التي ولد فيها، والبيت الذي شب عن الطوق بين جدرانه، والأصحاب الذين غادر، وأن يتنسم ~~عرف هذا الوطن المقدس وأن يلمس في إجلال وإعزاز ثرى القرية المباركة الميمونة التي أنجبت الرسول ~~والتي نزل فيها أول ما نزل من الوحي. وتستطيع أن تتصور هذا الجيش من المسلمين وعدتهم ألفان ~~يغذون سيرهم تطفر # 1 # أمامهم قلوبهم وترقص جذلا أفئدتهم؛ فإذا أناخوا جعل كل منهم يقص على أصحابه آخر ~~عهده بمكة أو أيام طفولته بها، أو يحدث عن أصدقائه فيها، أو عن المال الذي ضحى به في سبيل ~~الله عند هجرته منها. تستطيع أن تتصور هذه المظاهرة الفذة من نوعها، يزجي سيرها الإيمان، ويجذب ~~أصحابها إلى بيت جعله الله مثابة للناس وأمنا. إنك إذن لترى بعين بصيرتك أي طرب كان يستخف هؤلاء ~~الذين حيل بينهم وبين هذا الفرض المقدس إذ يسيرون إليه ليدخلوا مكة آمنين، محلقين رءوسهم ~~ومقصرين، لا يخافون. # وعرفت قريش بمقدم محمد وأصحابه، فجلت عن مكة، نزولا على صلح الحديبية، وصعدت في التلال ~~المجاورة لها حيث ضربت الخيام، وحيث أوى منهم من أوى إلى فيء الشجر. ومن فوق أبي قبيس وحراء، ومن ~~فوق كل مرتفع مطل على ms381 مكة، أطل هؤلاء المكيون ينظرون بعيون كلها تطلع إلى الطريد وأصحابه داخلين ~~بلد البيت الحرام لا يصدهم عنه صاد، ولا يحول بينهم وبينه حائل. # وانحدر المسلمون من شمال مكة وقد أخذ عبد الله بن رواحة بخطام القصواء، وأحاط كبار الصحابة ~~بالنبي عليه السلام. وسارت الصفوف من خلفهم ما بين راجل ومقتعد غارب بعيره. فلما انكشف البيت ~~الحرام أمامهم، انفرجت شفاه المسلمين جميعا عن صوت واحد منادين: لبيت لبيك! متوجهين بالقلوب ~~والأرواح إلى وجه الله ذي الجلال، محيطين في هالة من رجاء وإكبار بهذا الرسول الذي بعثه الله ~~بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله. والحق أنه كان مشهدا فذا من مشاهد التاريخ التي اهتزت ~~لها أرجاؤه، والتي جذبت إلى الإسلام قلوب أشد المشركين صلابة في وثنيته وفي عناده. وعلى هذا ~~المشهد الفذ كانت تقع عيون أهل مكة. وهذا الصوت المنبعث من القلوب يدوي: لبيك! لبيك، كان يخترق ~~آذانهم فيهز قلوبهم هزا. # ولما بلغ الرسول المسجد اضطبع # 2 # بردائه وأخرج عضده اليمنى ثم قال: اللهم ارحم امرءا أراهم اليوم من نفسه قوة. ثم ~~استلم الركن عند الحجر الأسود وهرول وهرول أصحابه معه، فلما استلم الركن اليماني مشى حتى استلم ~~الحجر الأسود مهرولا من جديد ثلاثة أطواف ومشى سائرها. والألفان من المسلمين يهرولون كلما هرول، ~~ويمشون كلما مشى. وقريش تنظر من فوق أبي قبيس، فيأخذها لهذا المنظر البهر # 3 # من كل مكان، وتشهد أنها، وكانت تحدث عن محمد وأصحابه أنهم في عسر وشدة وجهد، قد رأت ~~ما يمحو من أفئدتها كل وهم بوهن محمد وأصحابه. وفي حماسة هذه الساعة أراد عبد الله بن رواحة أن ~~يقذف في وجه قريش بصيحة حرب؛ فصده عمر، وقال له الرسول: «مهلا يا بن رواحة وقل لا إله إلا الله ~~وحده، نصر عبده وأعز جنده. وخذل الأحزاب وحده.» أو كما قال؛ فنادى بها ابن رواحة بأعلى صوته، ~~ورددها المسلمون من بعده، فتجاوبت بأصدائها جوانب الوادي، وارتفعت رهبتها إلى قلوب الذين تسنموا ~~الجبال حوله. # ولما أتم المسلمون الطواف ms382 بالكعبة انتقل محمد على رأسهم إلى الصفا والمروة فركب بينهما سبعا، ~~كما كان يفعل العرب من قبل، ثم نحر الهدي عند المروة وحلق رأسه وأتم بذلك فرائض العمرة. ولما كان ~~الغد دخل محمد إلى الكعبة وبقي بها حتى صلاة الظهر. ولقد كانت الأصنام ما تزال تعمرها. مع ذلك علا ~~بلال سقفها وأذن في الناس لصلاة الظهر عندها. وصلى النبي يومئذ بألفين من المسلمين صلاة الإسلام ~~عند البيت الذي كان يصد من سبع سنين عن الصلاة عنده. وأقام المسلمون بمكة ثلاثة الأيام المفروضة ~~في عهد الحديبية، وقد خلت أم القرى من أهلها. فجلس المسلمون خلالها لا يصيبهم فيها أذى يعترضهم ~~أحد بسوء. والمهاجرون منهم يزورون دورهم ويزيرون أصحابهم من الأنصار إياها، وكأنما هم جميعا ~~أصحاب هذا البلد الأمين؛ وكلهم يسير سيرة الإسلام يؤدي إلى الله كل يوم صلواته فيقتل في نفسه ~~غرورها، ويعين قويهم ضعيفهم، ويبر غنيهم فقيرهم؛ والنبي ينتقل بينهم أبا محبا محبوبا يبسم ~~لهذا، ويمزح مع ذاك، ثم لا يقول إلا حقا. وقريش وسائر أهل مكة يطلون من منازلهم فوق السفوح على ~~هذا المشهد الفذ في التاريخ، يرون رجالا هذه أخلاقهم، لا يشربون خمرا، ولا يأتون معصية، ولا ~~يغريهم الطعام ولا الشراب؛ ولا تفتنهم في الحياة فتنة، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما ~~يؤمرون. أي أثر يترك هذا المنظر الذي سما بالإنسان إلى ما فوق أسمى مراتب الإنسان؟! من اليسير ~~عليك أن تقدره حين تعلم أن محمدا عاد بعد ذلك بشهور ففتح مكة على رأس عشرة آلاف من ~~المسلمين. # كانت أم الفضل، زوج العباس بن عبد المطلب عم النبي، موكلة من أختها ميمونة في تزويجها، وكانت ~~ميمونة في السادسة والعشرين من عمرها، وكانت خالة خالد بن الوليد. وأقامت أم الفضل زوجها العباس ~~مقامها في تزويج أختها. ولما رأت ميمونة ما رأت من أمر المسلمين في عمرة القضاء هوت إلى الإسلام ~~نفسها، فخاطب العباس ابن أخيه في أمرها وعرض عليه أن يتزوجها. وقبل محمد وأصدقها أربعمائة درهم. ~~وكانت ثلاثة ms383 الأيام التي نص عهد الحديبية عليها قد انقضت، لكن محمدا أراد أن يتخذ من زواجه ~~ميمونة وسيلة لزيادة في التفاهم بينه وبين قريش. # فلما جاءه سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى من قبل قريش يقولان لمحمد: «إنه انقضى أجلك ~~فاخرج عنا.» قال لهما: «ما عليكم لو تركتموني فأعرست بين أظهركم وصنعنا لكم طعاما فحضرتموه.» قال ~~محمد ذلك وهو يعلم ما تركت عمرة القضاء في نفوس أهل مكة من أثر، كيف سحرتهم وسكنت من خصومتهم، ~~ويعلم أنهم إن قبلوا دعوته إلى الطعام فتحدث إليهم وتحدثوا إليه فتحت مكة أمامه أبوابها طائعة. ~~وهذا ما خشي سهيل وحويطب؛ لذلك كان جوابهما: «لا حاجة بنا إلى طعامك فاخرج عنا.» ولم يتردد محمد ~~في النزول على رأيهما تنفيذا لعهده مع قومهما، فأذن في المسلمين بالرحيل، وخرج المسلمون من ~~ورائه. وخلف أبا رافع مولاه على ميمونة حتى أتاه بها بسرف # 4 # فبنى بها. وميمونة أم المؤمنين آخر أزواج النبي، عمرت بعده خمسين سنة، ثم طلبت أن ~~تدفن حيث بنى بها رسول الله. وحمل محمد أختي ميمونة: سلمى أرملة عمه حمزة، وعمارة البكر التي لم ~~تتزوج. # وبلغ المسلمون المدينة وأقاموا بها، محمد لا يشك في عظم ما تركت عمرة القضاء من أثر في نفوس ~~قريش وفي نفوس أهل مكة جميعا، ولا يشك فيما سينشأ عنها من آثار سريعة خطيرة. # وصدقت الأيام تقديره؛ فإنه ما كاد يتحمل راجعا إلى المدينة حتى وقف خالد بن الوليد فارس ~~قريش المعلم وبطل أحد يقول في جمع منها: «لقد استبان لكل ذي عقل أن محمدا ليس بساحر ولا شاعر، ~~وأن كلامه من كلام رب العالمين. فحق على كل ذي لب أن يتبعه.» وقد فزع عكرمة بن أبي جهل لما سمع، ~~فرد قائلا: لقد صبؤت يا خالد. ودار بينهما الحديث الآتي: # خالد ~~: # لم أصبؤ ولكني أسلمت. # عكرمة ~~: # والله إن كان أحق قريش ألا يتكلم بهذا الكلام لأنت. # خالد ~~: # ولم؟ # عكرمة ~~: # لأن محمدا وضع شرف أبيك حين جرح، وقتل عمك وابن عمك ببدر. ms384 فوالله ما كنت لأسلم ولأتكلم ~~بكلامك يا خالد. أما رأيت قريشا يريدون قتاله؟! # خالد ~~: # هذا أمر الجاهلية وحميتها. لكني والله أسلمت حين تبين لي الحق. # وبعث خالد إلى النبي بأفراس وبعث إليه بإقراره بالإسلام وعرفانه. وبلغ إسلام خالد أبا سفيان، ~~فبعث في طلبه وسأله: أحق ما بلغه عنه؟ ولما أجابه خالد أنه حق، غضب وقال: «واللات والعزى لو أعلم ~~أن الذي تقول حق لبدأت بك قبل محمد.» قال خالد: «فوالله إنه لحق على رغم من رغم.» فاندفع أبو ~~سفيان في غضبه نحوه؛ فحجزه عنه عكرمة وكان حاضرا وقال: «مهلا يا أبا سفيان فوالله لقد خفت للذي ~~خفت أن أقول مثل ما قال خالد وأكون على دينه. أنتم تقتلون خالدا على رأي رآه وقريش كلها تبايعت ~~عليه! والله لقد خفت ألا يحول الحول حتى يتبعه أهل مكة كلهم.» وخرج خالد من مكة إلى المدينة، ~~فانضم إلى صفوف المسلمين. # وأسلم من بعد خالد عمرو بن العاص، وحارس الكعبة عثمان بن طلحة. وقد أسلم بإسلام هؤلاء كثير من ~~أهل مكة واتبعوا دين الحق. وبذلك قويت شوكة الإسلام، وأصبح فتح مكة أبوابها لمحمد أمرا لا محل ~~لريبة فيه. # الفصل الثالث والعشرون # | غزوة مؤتة # (اتجاه نظر محمد إلى الشام - توجيهه ثلاثة آلاف لغزوها - لواؤهم لزيد بن حارثة، فإن أصيب فلجعفر ~~بن أبي طالب، فإن أصيب فلعبد الله بن رواحة - الروم في مائة ألف أو مائتي ألف - التقاء الجيشين ~~بمؤتة - موت الثلاثة أصحاب اللواء على التعاقب - الراية لخالد بن الوليد - مداورته وانسحابه) ~~*** # لم يكن محمد يستعجل فتح مكة وهو يعلم أن الزمن في صفه، كما أن عهد الحديبية لم يكن قد مضى ~~عليه غير عام واحد، ولم يكن قد جد ما يوجب نقضه. ومحمد رجل وفاء لا ينقض كلمة قال ولا عهدا ~~عقد. لذلك ذهب إلى المدينة فأقام بضعة أشهر لم تقع خلالها غير مناوشات صغيرة؛ كإرسال خمسين رجلا ~~إلى بني سليم ليدعوهم إلى الإسلام وغدر بني سليم بهم وقتلهم إياهم بغيا بغير حق، حتى لم ms385 ينج ~~رئيسهم إلا بمحض المصادفة؛ وكغزو جماعة من بني الليث والظفر بهم والغنم منهم؛ وكمعاقبة بني مرة ~~على ما غدروا من قبل، وكإرسال خمسة عشر رجلا إلى ذات الطلح على حدود الشام يدعون إلى الإسلام ~~دعوة كان جزاؤهم عنها القتل لم ينج منهم إلا رئيسهم. وقد كانت ناحية الشام وهذه الجهات الشمالية ~~متجه نظر النبي منذ أمن الجنوب بعهده مع قريش وبإذعان عامل اليمن لدعوته؛ ذلك أنه كان يتوسم طريق ~~انتشار دعوته إلى الإسلام أول مغادرتها حدود شبه الجزيرة، فيرى الشام والبلاد المجاورة هي المنفذ ~~الأول لهذه الدعوة. لذلك لم تمض أشهر على مقامه بالمدينة بعد عوده من عمرة القضاء حتى وجه ثلاثة ~~آلاف هم الذين قاتلوا في مؤتة مائة ألف في رواية، ومائتي ألف في رواية أخرى. # ويختلف الرواة في سبب غزوة مؤتة هذه؛ فيذهب بعضهم إلى أن قتل أصحابه في ذات الطلح كان سبب ~~الغزو لتأديب هؤلاء الغادرين، ويذهب آخرون إلى أن النبي أرسل رسولا من رسله إلى عامل هرقل على ~~بصرى وأن أعرابيا من غسان قتل هذا الرسول باسم هرقل، فبعث محمد بالذين قاتلوا في مؤتة لتأديب ~~هذا العامل ومن ينصره. # وكما كان عهد الحديبية مقدمة عمرة القضاء ففتح مكة، كانت غزوة مؤتة مقدمة تبوك وما كان بعد ~~وفاة النبي من فتح الشام. وسواء أكان السبب الذي أدى إلى غزوة مؤتة هو قتل رسول النبي إلى عامل ~~بصرى أم قتل رجاله الخمسة عشر في ذات الطلح، فإنه عليه السلام دعا إليه، في جمادى الأولى من السنة ~~الثامنة للهجرة (سنة 629م)، ثلاثة آلاف من خيرة رجاله، واستعمل عليهم زيد بن حارثة، وقال: «فإن ~~أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس، وإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة على الناس.» وخرج هذا ~~الجيش وخرج معه خالد بن الوليد متطوعا ليدل بحسن بلائه في الحرب على حسن إسلامه. وودع الناس ~~أمراء الجيش والجيش، وسار محمد معهم حتى ظاهر المدينة، يوصيهم ألا يقتلوا النساء ولا الأطفال ولا ~~المكفوفين ولا الصبيان، ms386 ولا يهدموا المنازل ولا يقطعوا الأشجار. # ودعا عليه السلام ودعا المسلمون لهذا الجيش قائلين: صحبكم الله ودفع عنكم وردكم إلينا سالمين! ~~وكان أمراء الجيش كلهم يفكرون في أخذ القوم من أهل الشام على غرة منهم، على عادة النبي في سابق ~~غزواته، فيسرع إليهم النصر ويعودون بالغنيمة. وسار القوم حتى بلغوا معان من أرض الشام وهم لا ~~يعلمون ما هو ملاقيهم. لكن أنباء مسيرتهم كانت قد سبقتهم. فقام شرحبيل عامل هرقل على الشام فجمع ~~جموع القبائل ممن حوله، وأوفد من جعل هرقل يمده بجيوش من الإغريق ومن العرب. وتذهب بعض الروايات ~~إلى أن هرقل نفسه تقدم بجيوشه حتى نزل مآب من أرض البلقاء على رأس مائة ألف من الروم، كما انضم ~~إليه مائة ألف أخرى من لخم وجذام والقين وبهراء وبلي. # ويقال إن تيودور أخا هرقل هو الذي كان على رأس هذه الجيوش لا هرقل نفسه. وبلغ المسلمين وهم ~~بمعان أمر هذه الجموع، فأقاموا بها ليلتين يفكرون ماذا يصنعون أمام هذا العدد الذي لا قبل لهم به. ~~قال قائل منهم: نكتب إلى رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فنخبره بعدد عدونا؛ فإما يمدنا بالرجال، وإما أن ~~يأمرنا بأمره فنمضي له. وكاد هذا الرأي يسود لولا أن تقدم عبد الله بن رواحة - وكان إلى جانب ~~شهامته وفروسيته شاعرا - فقال: يا قوم، والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون: الشهادة، وما ~~نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، وما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به؛ فانطلقوا، ~~فإنما هي إحدى الحسنيين: إما ظهور وإما شهادة. وامتدت عدوى النخوة من الشاعر الشجاع إلى الجيش ~~كله؛ فقال الناس: فوالله صدق ابن رواحة! ومضوا، حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقيتهم جموع هرقل من ~~الروم والعرب بقرية يقال لها مشارف. فلما دنا العدو انحاز المسلمون إلى قرية مؤتة أن رأوها خيرا ~~من مشارف لتحصنهم بها. وفي مؤتة بدأت المعركة حامية الوطيس بين مائة أو مائتي ألف من جيوش هرقل ~~وثلاثة آلاف من المسلمين. # يا لجلال الإيمان ms387 وروعة قوته! حمل زيد بن حارثة راية النبي واندفع بها في صدر العدو وهو موقن ~~أن ليس من موته مفر. لكن الموت في هذا المقام هو الاستشهاد في سبيل الله! وليس إلا الاستشهاد دون ~~النصر والظفر مكانا. وحارب زيد حرب المستميت حتى مزقته رماح العدو فتناول الراية من يده جعفر بن ~~أبي طالب، وهو يومئذ في الثالثة والثلاثين من عمره، وهو شاب تعدل وسامته شجاعته. وقاتل جعفر ~~بالراية، حتى إذا أحاط العدو بفرسه اقتحم عنها فعقرها، واندفع بنفسه وسط القوم منطلقا انطلاقة ~~السهم يهوي سيفه برءوسهم حيثما وقع. وكان اللواء بيمين جعفر فقطعت، فأخذه بشماله فقطعت، فاحتضنه ~~بعضديه حتى قتل. يقال إن رجلا من الروم ضربه يومئذ ضربة قطعته نصفين. فلما قتل جعفر أخذ ابن ~~رواحة الراية، ثم تقدم بها وهو على فرسه؛ فجعل يستنزل نفسه ويتردد بعض التردد ثم قال: # أقسمت يا نفس لتنزلنه # لتنزلن أو لتكرهنه # إن أجلب الناس وشدوا الرنة # ما لي أراك تكرهين الجنة # ثم أخذ سيفه فتقدم فقاتل حتى قتل. # هؤلاء زيد وجعفر وابن رواحة استشهدوا ثلاثتهم في سبيل الله في موقعة واحدة. لكن النبي لما علم ~~بخبرهم كان على زيد وجعفر أكبر أسى، وقال: لقد رفعوا إلي الجنة فيما يرى النائم على سرر من ذهب، ~~فرأيت في سرير عبد الله بن رواحة ازورارا عن سرير صاحبيه؛ فسأل: لم هذا؟ فقيل: مضيا، وتردد عبد ~~الله بعض التردد ثم مضى. أترى إلى هذه العبرة والموعظة الحسنة؟! فإنما معناها أن المؤمن لا يجوز ~~له أن يتردد أو يخاف الموت في سبيل الله؛ بل يجب عليه، كلما مضى في أمر يؤمن بأنه لله والوطن، أن ~~يحمل حياته على كفه، وأن يلقي بها في وجه من يقف في سبيله؛ فإما فاز وظفر فبلغ ما يؤمن به من حق ~~الله والوطن، وإما استشهد فكان المثل الحي لمن بعده والذكر الباقي لروح عظيم عرف أن قيمة الحياة ~~ما يضحى بالحياة في سبيله، وأن الإمساك على الحياة في مذلة إهدار للحياة، فما ms388 يستحق صاحبها بعد ~~ذلك في الحياة ذكرا؛ وأن الرجل يلقي بيديه إلى التهلكة إذا هو عرض حياته تعريضا تذهب معه ضحية ~~غرض وضيع، وأنه كذلك يلقي بيديه إلى التهلكة إذا هو أمسك على حياته حين يدعوه داعي الحق جل شأنه ~~ليقذف بها في وجه الباطل ليسحقه، فيواريها هو بالحجاب ويخاف عليها الموت خوفا هو شر من ~~الموت. # وإذا كان التردد القليل من ابن رواحة مع إقدامه بعد ذلك واستشهاده، قد جعله في غير مكانة زيد ~~وجعفر اللذين اقتحما صفوف الموت اقتحاما وطارا للاستشهاد فرحا، فما بالك بالذي ينكص على عقبيه ~~طمعا في جاه أو مال أو غرض من أغراض الحياة؟! إنه إذن للحشرة الحقيرة وإن عرض عند السواد جاهه، ~~وإن بز مال قارون ماله. وهل لنفس إنسانية أن تغتبط حقا لشيء اغتباطها للتضحية في جانب ما تؤمن ~~بأنه الحق، حتى تنتهي من ذلك إلى الاستشهاد في سبيل الحق، أو إلى تمليك الحق الحياة؟! # قتل ابن رواحة بعد تردد ثم إقدام، فأخذ الراية ثابت بن أرقم أحد بني العجلان، فقال: يا معشر ~~المسلمين، اصطلحوا على رجل منكم، قالوا: أنت. قال: ما أنا بفاعل. فاصطلح الناس على خالد بن ~~الوليد. فأخذ خالد الراية مع ما رأى من تفرق صفوف المسلمين وتضعضع قوتهم المعنوية. وكان خالد ~~قائدا ماهرا ومحركا للجيوش قل نظيره. لذلك أصدر أوامره، فداور بالمسلمين حتى ضم صفوفهم، ووقف ~~من محاربة العدو عند مناوشات امتدت به حتى أرخى الليل سدوله، ووضع الجيشان السلاح إلى الصباح. ~~أثناء ذلك أحكم خالد تدبير خطته، فوزع عددا غير قليل من رجاله في خط طويل من مؤخرة جيشه ~~أحدثوا، إذا أصبح الناس، من الجلبة ما أدخل في روع عدوه أن مددا جاءه من عند النبي. وإذا كان ~~ثلاثة آلاف قد فعلوا بالروم الأفاعيل في اليوم الأول وقتلوا منهم خلقا كثيرا، وإن لم يستطيعوا ~~أن يثبتوا، فما عسى أن يصنع هذا المدد الذي جاء لا يدري أحد عدته! لذلك تقاعس الروم عن مهاجمة ~~خالد وسروا بعدم مهاجمته ms389 إياهم، وكانوا أكثر سرورا بانسحابه ومن معه راجعين إلى المدينة، بعد ~~معركة لم ينتصر فيها المسلمون وإن كان حقا كذلك أن عدوهم لم ينتصر عليهم فيها. # لذلك ما كاد خالد والجيش معه يدنون من المدينة حتى تلقاهم محمد والمسلمون معه. وطلب محمد فأتي ~~بعبد الله بن جعفر فأخذه وحمله بين يديه. أما الناس فجعلوا يحثون على الجيش التراب ويقولون. يا ~~فرار، فررتم في سبيل الله! فيقول رسول الله: ليسوا بالفرار، ولكنهم الكرار إن شاء الله. ومع ~~هذه التأسية من محمد للعائدين من مؤتة فقد ظل المسلمون لا يغفرون لهم انسحابهم وعودهم، حتى كان ~~سلمة بن هشام لا يحضر الصلاة مع المسلمين خشية أن يسمع من كل من رآه: يا فرار فررتم في سبيل ~~الله. ولولا ما كان بعد ذلك من فعال هؤلاء الذين حضروا مؤتة، ومن فعال خالد بنوع خاص، لظلت مؤتة ~~معتبرة بعض ما لطخ به إخوانهم في الدين جبينهم من عار الفرار. # وقد بلغ الألم من نفس محمد منذ علم بقتل زيد وجعفر، وحز الأسى في نفسه من أجلهما. لما أصيب ~~جعفر ذهب محمد إلى منزله ودخل على زوجه أسماء بنت عميس، وكانت قد عجنت عجينها وغسلت بنيها ودهنتهم ~~ونظفتهم، فقال لها: ائتيني ببني جعفر. فلما أتته بهم تشممهم وذرفت عيناه الدمع. قالت أسماء في لهف ~~وقد أدركت ما أصابها: يا رسول الله بأبي أنت وأمي ما يبكيك؟ أبلغك عن جعفر وأصحابه شيء؟ قال: نعم ~~أصيبوا هذا اليوم! وازدادت عيناه بالدمع تهتانا. فقامت أسماء تصيح حتى اجتمع النساء إليها. أما ~~محمد فخرج إلى أهله فقال: لا تغفلوا آل جعفر من أن تصنعوا لهم طعاما فإنهم قد شغلوا بأمر صاحبهم. ~~ورأى ابنة مولاه زيد قادمة فربت على كتفيها وبكى. وأظهر بعضهم دهشة لبكاء الرسول على من استشهد؛ ~~فقال ما معناه: إنما هي عبرات الصديق يفقد صديقه. # وفي رواية أن جثة جعفر حملت إلى المدينة ودفنت بها بعد ثلاثة أيام من وصول خالد والجيش ~~إليها. ومن يومئذ أمر الرسول الناس ms390 أن يكفوا عن البكاء؛ فقد أبدل الله جعفرا من يديه اللتين ~~قطعتا جناحين طار بهما إلى الجنة. # أراد محمد بعد أسابيع من عود خالد أن يسترد هيبة المسلمين في شمال شبه الجزيرة، فبعث عمرو بن ~~العاص يستنفر العرب إلى الشام؛ ذلك أن أما له كانت من قبائل تلك النواحي، فكان من اليسير عليه ~~أن يتألفهم. فلما كان على ماء بأرض جذام يقال له السلسل، خاف فبعث إلى النبي يستمده، فأمده بأبي ~~عبيدة بن الجراح في المهاجرين الأولين فيهم أبو بكر وعمر. وخاف محمد أن يختلف عمرو، وهو حديث عهد ~~بالإسلام، مع أبي عبيدة من المهاجرين الأولين؛ فقال لأبي عبيدة حين وجهه: لا تختلفا. وقال عمرو ~~لأبي عبيدة: إنما جئت مددا لي فأنا على قيادة الجيش. وكان أبو عبيدة رجلا لينا سهلا هينا ~~عليه أمر الدنيا، فقال لعمرو: لقد قال رسول الله: لا تختلفا، وإنك إن عصيتني أطعتك. وصلى عمرو ~~بالناس، وتقدم بالجيش فشتت جموع أهل الشام الذين أرادوا محاربته، وأعاد بذلك هيبة المسلمين في ~~تلك الناحية. # وفي هذه الأثناء كان محمد يفكر في مكة ومآلها. لكنه كما قدمنا، كان وفيا بعهد الحديبية، ~~فأقام ينتظر انقضاء السنتين. وجعل أثناء ذلك يبعث السرايا ليسكن بها ثائرة القبائل التي تحدثها ~~نفوسها بالثورة. على أنه كان في غير حاجة إلى كبير عناء من هذه الناحية؛ فقد بدأت الوفود ترد إليه ~~من مختلف النواحي تعلن إليه طاعتها وإذعانها. وإنه لكذلك إذ حدث ما كان مقدمة لفتح مكة، ~~ولاستقرار الإسلام بها استقرارا أسبغ عليها إلى أبد الدهر أعظيم التقديس. # الفصل الرابع والعشرون # | فتح مكة # (أثر موقعة مؤتة - نقض قريش عهد الحديبية - استعداء خزاعة النبي على قريش - سفارة أبي سفيان إلى ~~النبي وإخفاقها - تجهيز المسلمين عشرة آلاف يسيرون إلى مكة - رجاء محمد أن يفتح أم القرى من غير ~~إراقة الدماء - خروج العباس ومقابلته لأبي سفيان وأخذه إلى النبي بظاهر مكة - دخول المسلمين فاتحين ~~- المكيون الذي تحرشوا بجيش خالد بن الوليد - عفو محمد عن خصومه جميعا - تطهير الكعبة ms391 من الأصنام - ~~إسلام أهل مكة) ~~*** # عاد جيش المسلمين بعد موقعة مؤتة ولواؤهم لخالد بن الوليد. عادوا لا منتصرين ولا منكسرين ولكن ~~راضين من الغنيمة بالإياب. وقد ترك انسحابهم بعد موت زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن ~~رواحة، أثرا مختلفا أشد الاختلاف عند الروم وعند المسلمين المقيمين بالمدينة وعند قريش بمكة: ~~أما الروم ففرحوا بانسحاب المسلمين وحمدوا ربهم أن لم يطل القتال بهم، مع أن جيش الروم كان مائة ~~ألف على قول ومائتي ألف على قول آخر، في حين كانت عدة المسلمين ثلاثة آلاف. وسواء أكان فرح الروم ~~راجعا إلى ما أبدى خالد بن الوليد من الاستماتة في الدفاع والقوة في الهجوم حتى لقد تحطمت في يده ~~تسعة أسياف وهو يحارب بعد موت أصحابه الثلاثة، أم كان راجعا إلى مهارته في توزيع الجيش في اليوم ~~الثاني وإحداث ما حدث من الجلبة حتى ظن الروم أن مددا جاءه من المدينة، فإن القبائل العربية ~~المتاخمة للشام نظرت إلى فعال المسلمين بإعجاب أشد الإعجاب. وكان من ذلك أن أحد زعمائهم (فروة بن ~~عمرو الجذامي، وكان قائدا لفرقة من جيش الروم) ما لبث أن أعلن إسلامه؛ فقبض عليه بأمر من هرقل ~~بتهمة الخيانة. وكان هرقل على استعداد للإفراج عنه إذا هو عاد إلى المسيحية، بل كان على استعداد ~~أن يرده إلى مركز القيادة الذي كان فيه. لكن فروة أبى وأصر على إبائه وعلى إسلامه فقتل. وكان من ~~ذلك أيضا أن ازداد الإسلام انتشارا بين قبائل نجد المتاخمة للعراق والشام حين كان سلطان الروم ~~في ذروته. # وزاد في انضمام الناس إلى الدين الجديد اضطراب أحوال الدولة البزنطية اضطرابا جعل أحد عمال ~~هرقل، وقد كلف أن يدفع للجيش رواتبه، يصيح في وجه عرب الشام الذين اشتركوا في الحرب: «انسحبوا. ~~فالإمبراطور لا يجد ما يدفع منه رواتب جنده إلا بمشقة. وليس لديه لذلك ما يوزعه على كلابه.» فلا ~~عجب أن ينصرف هؤلاء عن الإمبراطور وعن جنده، وأن يزداد ضياء الدين الجديد أمامهم نورا إلى ms392 صدق ~~الحقيقة السامية التي يبشر الناس بها. لذلك دخل في الإسلام في هذه الفترة ألوف من سليم وعلى رأسهم ~~العباس بن مرداس، ومن أشجع وغطفان الذين كانوا حلفاء اليهود حتى نكب اليهود في خيبر، ومن عبس ومن ~~ذبيان ومن فزارة. فكانت وقعة مؤتة بذلك سببا في استتباب الأمر للمسلمين في شمال المدينة إلى حدود ~~الشام، وفي ازدياد الإسلام عزة وقوة ومنعة. # لكن أثرها في نفوس المسلمين المقيمين بالمدينة كان غير هذا الأثر؛ فهم ما لبثوا حين رأوا ~~خالدا والجيش معه عائدين من تخوم الشام لم ينتصروا على جيش هرقل، أن صاحوا في وجوههم: «يا ~~فرار، فررتم في سبيل الله.» ولقد بلغ من خجل بعض رجال الجيش أن لزم بيته، كيلا يؤذيه صبيان ~~المسلمين وشبانهم بتهمة الفرار. # أما أثر مؤتة في نفس قريش فكان أنها هزيمة قضت على المسلمين وعلى سلطانهم، حتى لم يبق إنسان ~~يأبه لهم أو يقيم لعهدهم وزنا. فلتعد الأمور كما كانت قبل عمرة القضاء. ولتعد الأمور كما كانت ~~قبل عهد الحديبية. ولتعد قريش حربا على المسلمين ومن في عهدهم من غير أن تخشى من محمد ~~قصاصا. # وصلح الحديبية كان قد قضى أنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده فليدخل فيه، ومن أحب أن يدخل ~~في عقد قريش وعهدهم فليدخل فيه. وكانت خزاعة قد دخلت في عهد محمد، ودخلت بنو بكر في عهد قريش. ~~وكانت بين خزاعة وبني بكر ثارات قديمة سكنت بعد صلح الحديبية وانحياز كل من القبيلتين إلى فريق من ~~المتصالحين. فلما كانت مؤتة وخيل إلى قريش أن المسلمين قضي عليهم، وخيل إلى بني الديل من بني بكر ~~بن عبد مناة أن الفرصة سنحت لهم ليصيبوا من خزاعة بثاراتهم القديمة، وحرضهم على ذلك جماعة من ~~قريش منهم عكرمة بن أبي جهل وبعض سادات قريش وأمدوهم بالسلاح. # وبينما خزاعة ذات ليلة على ماء لهم يدعى الوتير إذ فاجأتهم بنو بكر فقتلوا منهم، ففرت خزاعة ~~إلى مكة ولجئوا إلى دار بديل بن ورقاء، وشكوا إليه نقض ms393 قريش ونقض بني بكر عهدهم مع رسول الله، ~~وسارع عمرو بن سالم الخزاعي فغدا متوجها إلى المدينة حتى وقف بين يدي محمد وهو جالس في المسجد ~~بين الناس، وجعل يقص ما حدث ويستنصره. قال رسول الله: «نصرت يا عمرو بن سالم.» ثم خرج بديل بن ~~ورقاء في نفر من خزاعة حتى قدموا المدينة، فأخبروا النبي بما أصابهم وبمظاهرة قريش بني بكر عليهم. ~~عند ذلك رأى النبي أن ما قامت به قريش من نقض عهده لا مقابل له إلا فتح مكة، وأنه لذلك يجب أن ~~يرسل إلى المسلمين في أنحاء شبه الجزيرة ليكونوا على أهبة لإجابة ندائه من غير أن يعرفوا وجهته ~~بعد هذا النداء. # أما حكماء قريش وذوو الرأي فيها فما لبثوا أن قدروا ما عرضهم له عكرمة ومن معه من الشبان ~~من خطر. فهذا عهد الحديبية قد نقض، وهذا سلطان محمد في شبه الجزيرة يزداد بأسا وقوة. ولئن فكر ~~بعد الذي حدث في أن ينتقم لخزاعة من أهل مكة لتتعرضن المدينة المقدسة لأشد الخطر. فماذا تراهم ~~يصنعون؟ أوفدوا أبا سفيان إلى المدينة ليثبت العقد وليزيد في المدة. ولعل المدة كانت سنتين فكانوا ~~يريدونها عشرا. وخرج أبو سفيان قائدهم وحكيمهم يريد المدينة فلما بلغ من طريقه عسفان، لقيه بديل ~~بن ورقاء وأصحابه، فخاف أن يكون قد جاء محمدا وأخبره بما حدث، فيزيد ذلك مهمته تعقيدا. وقد نفى ~~بديل مقابلته محمدا لكنه عرف من بعر راحلة بديل أنه كان بالمدينة؛ لذلك آثر ألا يكون محمد أول من ~~يلقى، فجعل وجهته بيت ابنته أم حبيبة زوج النبي. # ولعلها كانت قد عرفت عواطف النبي إزاء قريش وإن لم تكن تعلم ما اعتزمه في أمر مكة. ولعل ذلك ~~كان شأن المسلمين بالمدينة جميعا. فقد أراد أبو سفيان أن يجلس على فراش النبي فطوته أم حبيبة. ~~فلما سألها أبوها: أطوته رغبة بأبيها عن الفراش، أم رغبة بالفراش عن أبيها؟ كان جوابها: هو فراش ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وأنت رجل مشرك نجس، فلم أحب ms394 أن تجلس عليه. قال أبو سفيان: والله لقد أصابك يا ~~بنية بعدي شر! وخرج مغضبا. ثم كلم محمدا في العهد وإطالة مدته، فلم يرد بشيء. فكلم أبا بكر ~~ليكلم له النبي، فأبى. فكلم عمر بن الخطاب فأغلظ له في الرد وقال: أنا أشفع لكم إلى رسول الله! ~~فوالله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به. # ودخل أبو سفيان على علي بن أبي طالب وعنده فاطمة، فعرض عليه ما جاء فيه واستشفعه إلى ~~الرسول؛ فأنبأه علي في رفق أنه لا يستطيع أحد أن يرد محمدا عن أمر إذا هو اعتزمه. واستشفع رسول ~~قريش فاطمة أن يجير ابنها الحسن بين الناس. فقالت: ما يجير أحد على رسول الله. واشتدت الأمور على ~~أبي سفيان فاستنصح عليا؛ فقال له: والله ما أعلم شيئا يغني عنك شيئا. لكنك سيد بني كنانة، فقم ~~فأجر بين الناس ثم الحق بأرضك؛ وما أظن ذلك مغنيا، ولكني لا أجد لك غيره. فذهب أبو سفيان إلى ~~المسجد وهناك أعلن أنه أجار بين الناس. ثم ركب راحلته وانطلق ذاهبا إلى مكة وقلبه يفيض أسى مما ~~لقي من هوان على يد ابنته وعلى يد أولئك الذين كانوا قبل هجرتهم من مكة يرتجون منه نظرة عطف أو ~~رضا. # عاد أبو سفيان إلى مكة؛ فقص على قومه ما لقي بالمدينة وما أجار بين الناس في المسجد بمشورة ~~علي، وأن محمدا لم يجز جواره. قال قومه: ويلك! والله إن زاد الرجل على أن لعب بك. وعادوا فيما ~~بينهم يتشاورون. # أما محمد فقد رأى ألا يترك لهم الفرصة حتى يتجهزوا للقائه. ولئن كان واثقا من قوته ومن نصر ~~الله إياه، لقد كان يرجو أن يبغت القوم في غرة منهم، فلا يجدوا له دفعا، فيسلموا من غير أن ~~تراق الدماء؛ لذلك أمر الناس بالتجهيز، فلما تجهزوا أعلمهم أنه سائر إلى مكة وأمرهم بالجد، ودعا ~~الله أن يأخذ العيون الأخبار عن قريش حتى لا تقف من سيرهم على نبأ. # وبينما الجيش على أهبة السير كتب حاطب بن أبي ms395 بلتعة كتابا أعطاه امرأة من مكة مولاة لبعض بني ~~عبد المطلب تسمى سارة، وجعل لها جعلا على أن تبلغه قريشا ليقفوا على ما أعد محمد لهم، وحاطب ~~كان من كبار المسلمين، ولكن في النفس الإنسانية جوانب ضعف تطغى في بعض الأحيان عليها، وتهوي بها ~~إلى ما لا ترضاه هي لنفسها. وما لبث محمد أن أحيط بالأمر خبرا. فسارع فبعث علي بن أبي طالب ~~والزبير بن العوام فأدركا سارة فاستنزلاها، فالتمسا في رحلها فلم يجدا شيئا. فأنذرها علي إن لم ~~تخرج الكتاب ليكشفنها. فلما رأت المرأة الجد منه قالت: أعرض. فحلت ذوائب شعرها فأخرجت الكتاب ~~منها، فرداها إلى المدينة. # ودعا محمد حاطبا يسأله ما حمله على ذلك؟ قال حاطب: يا رسول الله، أما والله إني لمؤمن بالله ~~ورسوله وما غيرت ولا بدلت، ولكني كنت امرأ ليس له في القوم من أهل ولا عشيرة، وكان لي بين أظهرهم ~~ولد وأهل فصانعتهم عليهم. قال عمر بن الخطاب: دعني يا رسول الله فلأضرب عنقه، فإن الرجل قد نافق. ~~قال رسول الله: وما يدريك يا عمر لعل الله قد اطلع إلى أصحاب بدر يوم بدر فقال: اعملوا ما شئتم ~~فقد غفرت لكم. وكان حاطب من أصحاب بدر. وإذ ذاك نزل قوله تعالى: # يا أيها ~~الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم ~~بالمودة ~~. # 1 # وتحرك جيش المسلمين من المدينة قاصدا مكة ليفتحها، وليضع يده على البيت الحرام الذي جعله ~~الله مثابة للناس وأمنا. تحرك هذا الجيش في عدد لا عهد للمدينة به؛ فقد بعثت القبائل، من سليم ~~ومزينة وغطفان وغيرها من انضم إلى المهاجرين والأنصار وسار معهم في يلب # 2 # الحديد يسيلون في فسيح الصحراء، حتى كانوا إذا ضربوا خيامهم اكتست بها رمال البيداء ~~فما يكاد يبدو منها للناظر شيء. تحركوا وأغذ هؤلاء الألوف سيرهم، وصاروا كلما تقدموا فيه انضم ~~إليهم من سائر القبائل من زاد عددهم وزاد منعتهم، وكلهم ممتلئ النفس بالإيمان أن لا غالب لهم من ~~دون الله. # وسار محمد على رأسهم ms396 وأكبر همه وكل تفكيره أن يدخل البيت الحرام من غير أن يهريق قطرة دم ~~واحدة. وبلغ الجيش مر الظهران # 3 # وقد كملت عدته عشرة آلاف لم يصل إلى قريش من أمرهم خبر، فهي في جدل مستمر ماذا تصنع ~~لاتقاء عدوة محمد عليها. أما العباس بن عبد المطلب عم النبي فقد تركهم في جدلهم وخرج مع أهله حتى ~~لقي محمدا بالجحفة. # 4 # ولعل طائفة من بني هاشم كانت بنبأ أو شبه نبأ من خروج النبي، فأرادت أن تلحق به دون ~~أن يصيبها أذى. فقد خرج سوى العباس أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم النبي، وعبد الله بن ~~أبي أمية بن المغيرة ابن عمته، حتى اتصلا بجيش المسلمين بنيق العقاب، واستأذنا على النبي، فرفض ~~أن يأذن لهما، وقال لزوجه أم سلمة حين كلمته في أمرهما: لا حاجة لي بهما. أما ابن عمي فقد أصابني ~~منه سوء. وأما ابن عمتي وصهري فقد قال بمكة ما قال. وبلغ أبا سفيان هذا الكلام فقال: والله ليؤذنن ~~لي أو لآخذن بيد بني هذا ثم لنذهبن في الأرض حتى نموت عطشا وجوعا. فرق محمد، ثم أذن لهما ~~فدخلا عليه فأسلما. # ورأى العباس بن عبد المطلب من جيوش ابن أخيه ومن قوته ما راعه وأزعجه. وهو إن كان أسلم فإن ~~ذلك لم يخل قلبه من خشية ما يحل بمكة إذا دهمها هذا الجيش الذي لا قبل لقوة في بلاد العرب به. ~~أوليس قد ترك مكة منذ حين، وله بها من الأهل والخلان والأصدقاء من لم يقطع الإسلام الذي دان به ~~من وشائجهم؟! ولعله أفضى بمخاوفه هذه إلى الرسول وسأله؛ ماذا يصنع إذا ما طلبت قريش أمانه؟ ولعل ~~ابن أخيه سر بمفاتحة العباس إياه في هذا، ورجا أن يتخذ منه سفيرا يلقي في قلوب القوم من قريش ~~الرعب فيدخل مكة من غير أن يسفك دما، وتظل مكة حراما كما كانت وكما يجب أن تكون. وجلس العباس ~~على بغلة النبي البيضاء وخرج عليها حتى جاء ناحية الأراك، ms397 لعله يجد حطابا أو صاحب لبن أو أي ~~إنسان ذاهبا إلى مكة، يحمله إلى أهلها رسالة بقوة المسلمين وبأس جيوشهم، حتى يخرجوا إلى رسول ~~الله فيستأمنوه قبل أن يدخلها عليهم عنوة. وكانت قريش قد بدأت، منذ نزل المسلمون مر الظهران، ~~تشعر بأن خطرا يقترب منها؛ فأرسلت أبا سفيان بن حرب، وبديل بن ورقاء، وحكيم بن حزام قريب خديجة، ~~يتنطسون الأخبار، ويستطلعون مبلغ الخطر الذي تحس قلوبها. وإن العباس ليسير على بغلة النبي البيضاء ~~إذ سمع حديثا بين أبي سفيان بن حرب وبديل بن ورقاء كذلك يجري: # أبو سفيان ~~: # ما رأيت كالليلة نيرانا قط ولا عسكرا. # بديل ~~: # هذه والله خزاعة حمشتها الحرب. # أبو سفيان ~~: # خزاعة أقل وأذل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها. # وعرف العباس صوت أبي سفيان، فناداه بكنيته قائلا: أبا حنظلة! وأجاب أبو سفيان بدوره: أبا ~~الفضل. قال العباس: ويحك يا أبا سفيان؟ هذا رسول الله في الناس. وا صباح قريش إذا دخل مكة عنوة! ~~قال أبو سفيان: فما الحيلة فداك أبي وأمي؟ فأركبه العباس في عجز البغلة ورد صاحبيه إلى مكة وسار ~~به. والناس إذا رأوا البغلة عرفوها وتركوها تمر بمن عليها بين عشرة آلاف أوقدوا نيرانهم لتلقي ~~الرعب في قلب مكة وأهلها. فلما مرت بنار عمر بن الخطاب ورآها عرف أبا سفيان وأدرك أن العباس يريد ~~أن يجيره، فأسرع إلى خيمة النبي وطلب إليه أن يضرب عنقه. قال العباس: إني يا رسول الله قد أجرته. ~~إزاء هذا الموقف في تلك الساعة من الليل، وبعد مناقشة لا تخلو من حدة بين العباس وعمر قال محمد: ~~اذهب به يا عباس إلى رحلك، فإذا أصبحت فأتني به. فلما كان الصباح، وجيء بأبي سفيان في حضرة النبي ~~وبمسمع من كبراء المهاجرين والأنصار، جرى الحوار الآتي: # النبي ~~: # ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله؟! # أبو سفيان ~~: # بأبي أنت وأمي! ما أحلمك وأكرمك وأوصلك! والله لقد ظننت لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى ~~شيئا ms398 بعد. # النبي ~~: # ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟! # أبو سفيان ~~: # بأبي وأمي! ما أحلمك وأكرمك وأوصلك! أما والله هذا فإن في النفس منها حتى الآن ~~شيئا! # فتدخل العباس موجها القول إلى أبي سفيان أن يسلم ويشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول ~~الله قبل أن تضرب عنقه. ولم يجد أبو سفيان أمام هذا إلا أن يسلم. فتوجه العباس بالقول إلى ~~النبي عليه السلام: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر، فاجعل له شيئا. قال رسول ~~الله: «نعم! من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو ~~آمن.» # هذه الوقائع وارد عليها اتفاق المؤرخين وكتاب السيرة جميعا إلا أن بعضهم يسائل: أهي قد حدثت ~~كلها بمحض المصادفة؟ فخروج العباس إلى النبي كان قصده منه أن يذهب إلى المدينة فإذا هو يلقى جيوش ~~المسلمين بالجحفة، وخروج بديل بن ورقاء مع أبي سفيان بن حرب كان لمحض الاستطلاع، مع أن بديلا ذهب ~~قبل ذلك إلى المدينة وقص على النبي ما لقيت خزاعة وعرف من النبي أنه ناصرها، وخروج أبي سفيان كان ~~جهلا منه بأن محمدا قد سار لغزو مكة! أم أن شيئا من الاتفاق، قليلا أو كثيرا، كان قد حدث قبل ~~ذلك، وأن هذا الاتفاق هو الذي أخرج العباس للقاء محمد، وأن هذا الاتفاق هو الذي جمع بين العباس ~~وأبي سفيان، وأن أبا سفيان كان قد وثق، منذ ذهب إلى المدينة ليمد في عهد الحديبية ورجع صفر ~~اليدين، بأن لا سبيل لقريش إلى رد محمد، وأيقن أنه إذا مهد للفتح السبيل فستبقى له رياسته في مكة ~~ومقامة الكبير فيها، وأن الذي ربما كان وقع عليه الاتفاق من ذلك لم يتعد محمدا والأشخاص الذين ~~يعنيهم الأمر، بدليل ما هم به عمر من قتل أبي سفيان؟ من المغامرة أن نحكم. لكنا نستطيع أن نقرر ~~- مطمئنة نفوسنا - أنه سواء أكانت المصادفة هي التي ساقت ذلك كله أم أن ms399 شيئا من الاتفاق قد وقع ~~عليه، فالحالان تدلان على دقة محمد ومهارته في كسب أكبر موقعة في تاريخ الإسلام من غير حرب ومن ~~غير إراقة دماء. # لم يمنع إسلام أبي سفيان محمدا أن يتخذ لدخول مكة كل ما لديه من أهبة وحذر. وإذا كان النصر ~~بيد الله يؤتيه من يشاء، فإن الله لا يؤتي النصر إلا من أعد له كل عدته، واحتاط لكل دقيقة وجليلة ~~قد تقف في سبيله، لذلك أمر أن يحبس أبو سفيان بمضيق الوادي عند مدخل الجبل إلى مكة، حتى تمر به ~~جنود المسلمين فيراها ليحدث قومه بها عن بينة، ولكي لا يكون في إسراعه إليهم خيفة مقاومة أيا ~~كان نوعها. ومرت القبائل بأبي سفيان، فما راعه منها إلا الكتيبة الخضراء يحيط بمحمد فيها ~~المهاجرون والأنصار لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد. فلما عرف أبو سفيان أمره قال: يا عباس! ما ~~لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة. والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما! ثم انطلق ~~إلى قومه يصيح فيهم بأعلى صوته: يا معشر قريش! هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به، فمن دخل دار ~~أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن. # وسار محمد في الجيش، حتى إذا انتهى إلى ذي طوى، ورأى من هناك مكة لا تقاوم استوقف كتائبه، ~~ووقف على راحلته، وانحنى لله شاكرا، أن فتح الله عليه مهبط الوحي ومقر البيت الحرام ليدخله ~~والمسلمين آمنين مطمئنين. وفيما هو كذلك طلب أبو قحافة، ولم يكن قد أسلم كابنه، إلى حفيدة له أن ~~تظهر به على أبي قبيس، وكان قد كف بصره. فلما ارتفعت به الجبل سألها ما ترى؟ قالت: أرى سوادا ~~مجتمعا. قال: تلك الخيل. ثم قالت: قد والله انتشر السواد. فقال: تلك الخيل دفعت إلى مكة، فأسرعي ~~بي إلى بيتي. ولم يصل إلى بيته حتى كانت الخيل قد زحفت وتلقته قبل بلوغه إياه. # شكر محمد الله أن فتح عليه مكة، ms400 ولكنه ظل مع ذلك متخذا حذره؛ فقد أمر أن يفرق الجيش أربع ~~فرق، وأمرها جميعا ألا تقاتل وألا تسفك دما إلا إذا أكرهت على ذلك إكراها واضطرت إليه ~~اضطرارا. وجعل الزبير بن العوام على الجناح الأيسر من الجيش وأمره أن يدخل مكة من شمالها، وجعل ~~خالد بن الوليد على الجناح الأيمن وأمره أن يدخل من أسفل مكة، وجعل سعد بن عبادة على أهل المدينة ~~ليدخلوا مكة من جانبها الغربي. أما أبو عبيدة بن الجراح فجعله محمد على المهاجرين، وسار وإياهم ~~ليدخلوا مكة من أعلاها في حذاء جبل هند، وفيما هم يتأهبون سمع بعضهم سعد بن عبادة يقول: «اليوم ~~يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة ...» وفي ذلك من نقض أمر النبي ألا يقتل المسلمون من أهل مكة ما ~~فيه. لذلك رأى النبي حين بلغه ما قال سعد أن يأخذ الراية منه وأن يدفعها إلى ابنه قيس، وكان رجلا ~~ضخما، لكنه كان أهدأ من أبيه أعصابا. # دخلت الجيوش مكة فلم يلق منها مقاومة إلا جيش خالد بن الوليد؛ فقد كان يقيم في هذا الحي من ~~أسفل مكة أشد قريش عداوة لمحمد، ومن اشتركوا مع بني بكر في نقض الحديبية بالغارة على خزاعة. هؤلاء ~~لم يرضهم ما نادى به أبو سفيان. بل أعدوا عدتهم للقتال، وأعد آخرون منهم عدتهم للفرار. وقام ~~على رأسهم صفوان وسهيل وعكرمة بن أبي جهل. فلما دخلت فرقة خالد أمطروها نبالهم، لكن خالدا لم ~~يلبث أن فرقهم، ولم يقتل من رجاله إلا اثنان ضلا طريقهما وانفصلا عنه. أما قريش ففقدوا ثلاثة ~~عشر رجلا في رواية، وثمانية وعشرين في رواية أخرى. ولم يلبث صفوان وسهيل وعكرمة حين رأوا الدائرة ~~تدور عليهم أن ولوا الأدبار، تاركين وراءهم من حرضوهم على المقاومة يصلون بأس خالد وبطش أبطاله ~~معه. وبينما كان محمد على رأس المهاجرين يرقى في مرتفع ينزل منه إلى مكة مطمئن النفس لفتحها في ~~سكينة وسلم بصر بأم القرى وبما فيها جميعا، وبصر بتلماع السيوف أسفل المدينة وبمطاردة جيش خالد ~~لمن هاجموهم. ms401 هنالك أسف وصاح مغضبا يذكر أمره ألا يكون قتال. فلما علم بما كان، ذكر أن الخيرة ~~فيما اختاره الله. # ونزل النبي بأعلى مكة قبالة جبل هند، وهنالك ضربت له قبة على مقربة من قبري أبي طالب وخديجة. ~~وسئل: هل يريد أن يستريح في بيته؟ فأجاب: كلا! فما تركوا لي بمكة بيتا. ودخل إلى القبة يستريح ~~وقلبه مفعم بشكر الله أن عاد عزيزا منتصرا إلى البلد الذي آذاه وعذبه وأخرجه من بين أهله ~~ودياره، وأجال بصره في الوادي وفي الجبال المحيطة به، في هذه الجبال التي كان يأوي إلى شعابها حين ~~يشتد به أذى قريش وتشتد به قطيعتها، في هذه الجبال، ومن بينها حراء حيث كان يتحنث حين نزل عليه ~~الوحي أن: # اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق ~~الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * ~~الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم ~~. # 5 # أجال بصره في هذه الجبال وفي الوادي مبعثرة منازل مكة فيه يتوسطها البيت الحرام، فبلغ من ~~خضوعه لله أن ترقرقت في عينه دمعة إسلام وشكر للحق لا حق إلا هو، إليه يرجع الأمر كله. وشعر ~~ساعتئذ أن مهمة القائد قد انتهت، فلم يقم بالقبة طويلا بل خرج وامتطى ناقته القصواء وسار بها حتى ~~بلغ الكعبة، فطاف بالبيت سبعا على راحلته يستلم الركن. بمحجن # 6 # في يده. فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة ففتح الكعبة، فوقف محمد على بابها وتكاثر ~~الناس في المسجد، فخطبهم وتلا عليهم قوله تعالى: # يا أيها الناس ~~إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ~~ إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير ~~. # 7 # ثم سألهم: «يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل بكم؟» قالوا: «خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم!» قال: ~~«فاذهبوا فأنتم الطلقاء.» وبهذه الكلمة صدر العفو العام عن قريش وعن أهل مكة جميعا. # ما أجمل العفو عند المقدرة! ما أعظم هذه النفس التي سمت كل السمو، فارتفعت فوق الحقد وفوق ~~الانتقام، وأنكرت كل عاطفة دنيا، وبلغت من النبل فوق ms402 ما يبلغ الإنسان! هؤلاء قريش يعرف محمد منهم ~~من ائتمروا به ليقتلوه، ومن عذبوه وأصحابه من قبل ذلك، ومن قاتلوا في بدر وفي أحد، ومن حصروه ~~في غزوة الخندق، ومن ألبوا عليه العرب جميعا، ومن لو استطاعوا قتله وتمزيقه إربا إربا لما ~~ونوا في ذلك لحظة! هؤلاء قريش في قبضة محمد وتحت قدميه، أمره نافذ في رقابهم، وحياتهم جميعا ~~معلقة بين شفتيه، وفي سلطانه هذه الألوف المدججة بالسلاح تستطيع أن تبيد مكة وأهلها في رجع ~~البصر! لكن محمدا! لكن النبي! لكن رسول الله ليس بالرجل الذي يعرف العداوة أو يريد بها أن تقوم ~~بين الناس. وليس هو بالجبار ولا بالمتكبر. لقد أمكنه الله من عدوه، فقدر فعفا، فضرب بذلك ~~للعالم كله ولأجياله جميعا مثلا في البر والوفاء بالعهد، وفي سمو النفس سموا لا يبلغه ~~أحد. # ودخل محمد الكعبة فرأى جدرانها صورت عليها الملائكة والنبيون، ورأى إبراهيم مصورا في يده الأزلام # 8 # يستقسم بها، ورأى بها تمثال حمامة من عيدان فكسرها بيده وألقاها إلى الأرض. أما صورة ~~إبراهيم فنظر محمد إليها مليا وقال: قاتلهم الله! جعلوا شيخا يستقسم بالأزلام! ما شأن إبراهيم ~~والأزلام؟! ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين. ~~أما الملائكة الذين صوروا نساء ذات جمال، فقد أنكر محمد صورهم أن ليست الملائكة ذكورا ولا ~~إناثا. ثم أمر بتلك الصور كلها فطمست. وكانت حول الكعبة الأصنام التي كانت تعبدها قريش من دون ~~الله، قد شدت إلى جدرها بالرصاص، كما كان هبل في داخل الكعبة؛ فجعل محمد يشير إلى هذه الأصنام ~~جميعا بقضيب في يده وهو يقول: # وقل جاء الحق وزهق الباطل ~~إن الباطل كان زهوقا ~~. # 9 # وكبت الأصنام على وجوهها وظهورها، وطهر البيت الحرام بذلك منها. وأتم محمد بذلك في أول يوم ~~لفتح مكة ما دعا إليه منذ عشرين سنة، وما حاربت مكة أشد الحرب فيه. أتم تحطيم الأصنام والقضاء على ~~الوثنية في البيت الحرام بمشهد من قريش، ترى أصنامها التي كانت تعبد ms403 ويعبد آباؤها، لا تملك لنفسها ~~نفعا ولا ضرا. # ورأى الأنصار من أهل المدينة ذلك كله، ورأوا محمدا يقوم على الصفا ويدعو، فخيل إليهم أنه ~~تارك المدينة إلى وطنه الأول وقد فتحه الله عليه، وقال بعضهم لبعض: أترون رسول الله # صلى الله عليه وسلم # إذ ~~فتح الله عليه أرضه وبلده يقيم بها؟ ولعلهم كانوا على حق في مخاوفهم. فهذا رسول الله، وبمكة البيت ~~الحرام بيت الله، وبمكة المسجد الحرام. لكن محمدا ما لبث حين أتم دعاءه أن سألهم ما قالوا؟ فلما ~~عرف بعد تردد منهم مخافتهم قال: «معاذ الله! المحيا محياكم والممات مماتكم.» فضرب بذلك للناس ~~مثلا في البر بعهده في بيعة العقبة، وفي الوفاء لأنصاره الذين وقفوا ساعة الشدة إلى جانبه، برا ~~ووفاء لا ينسيهما وطن ولا أهل ولا تنسيهما مكة البلد الحرام. # ولما أن طهرت الكعبة من أصنامها، أمر النبي بلالا فأذن فوقها، وصلى الناس بإمامة محمد. ومن ~~يومئذ إلى يومنا الحاضر، مدى أربعة عشر قرنا مضت لا تنقطع، وبلال وخلفاء بلال من بعده ينادون ~~بالأذان، كل يوم خمس مرات من فوق مسجد مكة، ومدى أربعة عشر قرنا مضت من يومئذ يؤدي المسلمون فرض ~~الصلاة لله والصلاة على رسوله، متوجهين إلى الله بقلوبهم وعقولهم، مستقبلين هذا البيت الحرام الذي ~~طهره محمد يوم الفتح من أوثانه وأصنامه. # وأذعنت قريش لما حل بها، واطمأنت لعفو محمد عنها، وأقامت تنظر إليه وإلى المسلمين من حوله ~~بعيون كلها دهش وإعجاب يمازجها الخوف والحذر. لكن طائفة منها عدتها سبعة عشر رجلا، كان محمد قد ~~استثناها من رحمته وأمر ساعة دخول مكة أن يقتل رجالها ولو وجدوا متعلقين بأستار الكعبة، كان قد ~~آثر بعضها الاختفاء ولاذ بعضها بالفرار. ولم يكن قرار محمد قتلهم لحقد منه أو غضب عليهم؛ فهو لم ~~يكن يعرف الحقد، ولكن لجرائم كبيرة ارتكبوها. فأحدهم عبد الله بن أبي السرح كان قد أسلم وكان يكتب ~~لمحمد الوحي، فارتد مشركا إلى قريش زاعما أنه كان يزيف الوحي حين يكتبه. وعبد الله بن خطل ms404 كان ~~قد أسلم ثم قتل مولى له وارتد مشركا وأمر جاريتيه فرتنى وصاحبتها فكانتا تغنيان بهجاء محمد، فأمر ~~بقتلهما معه. وعكرمة بن أبي جهل، وكان من أشد الناس لددا في خصومة محمد والمسلمين خصومة لم تهدأ ~~حتى بعد فتح مكة ودخول خالد بن الوليد من أسفلها. # أمر محمد بعد دخول مكة ألا يسفك بها دم أو يقتل فيها أحد غير هذه الطائفة. لذلك اختفى رجالها ~~ونساؤها وفر منهم من فر. فلما استقر الأمر وهدأت الحال ورأى الناس من فسحة صدر الرسول ومن عفوه ~~الشامل ما رأوا، طمع بعض أصحابه في أن يعفو حتى عن هؤلاء الذين أمر أن يقتلوا. فقام عثمان بن ~~عفان، وكان أخا ابن أبي السرح للرضاعة، حتى أتى به النبي فاستأمن له. فصمت محمد طويلا، ثم قال: ~~نعم، وأمته. وأسلمت أم حكيم بنت الحارث بن هشام زوج عكرمة بن أبي جهل الذي فر إلى اليمن واستأمنت ~~له محمدا فأمنه، فخرجت في طلبه وجاءت به. وعفا محمد كذلك عن صفوان بن أمية وكان قد صحب عكرمة ~~في فراره إلى ناحية البحر يستقلانه إلى اليمن، فجيء بهما والسفينة التي تحملهما على أهبة إقلاعها. ~~وعفا محمد كذلك عن هند زوج أبي سفيان التي مضغت كبد حمزة عم الرسول بعد استشهاده في أحد، كما ~~عفا عن أكثر من أمر بقتلهم. ولم يقتل منهم إلا أربعة، منهم الحويرث الذي أغرى بزينب بنت النبي حين ~~رجوعها من مكة إلى المدينة، ورجلان أسلما ثم ارتكبا بالمدينة جريمة القتل وفرا راجعين إلى مكة ~~مرتدين إلى الشرك، وإحدى قينتي ابن خطل اللتين كانتا تؤذيان النبي بغنائهما، وفرت الأخرى، ثم ~~استؤمن لها. # وفي غداة يوم الفتح عثرت خزاعة على رجل من هذيل وهو مشرك فقتلوه فغضب النبي وقام في الناس ~~خطيبا فقال: «أيها الناس، إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، فهي حرام من حرام من حرام ~~إلى يوم القيامة، لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دما، أو يعضد # 10 # فيها شجرا، ms405 لم تحلل لأحد كان قبلي ولا تحل لأحد يكون بعدي، ولم تحلل لي إلا هذه ~~الساعة غضبا على أهلها، ثم رجعت كحرمتها بالأمس فليبلغ الشاهد منكم الغائب. فمن قال لكم إن رسول ~~الله قد قاتل فيها فقولوا إن الله أحلها لرسوله ولم يحللها لكم يا معشر خزاعة. ارفعوا أيديكم عن ~~القتل فلقد كثر إن نفع. لقد قتلتم قتيلا لأدينه. فمن قتل بعد مقالي هذا فأهله بخير النظرين: ~~إن شاءوا فدم قاتله، وإن شاءوا فعقله.» # 11 # ثم ودى بعد ذلك الرجل الذي قتلت خزاعة، وبهذا الخطاب وبتصرفه الذي زاد على السماحة والعفو ~~أمس، كسب محمد قلوب أهل مكة بما لم يكونوا يقدرون، فأقبلوا على الإسلام، ونادى مناد فيهم: «من ~~كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يترك في داره صنما إلا حطمه.» ثم بعث جماعة من خزاعة ~~ليصلحوا من العمد المحيطة بالبلد الحرام، مما دل أهل مكة على ما لها في نفسه من التقديس وما زادهم ~~له حبا. فلما أخبرهم أنهم خير أمة يحب، وأنه ما كان ليتركهم أو يعدل بهن ناسا لولا أنهم ~~أخرجوه، بلغ تعلقهم به غاية حدوده. وجاء أبو بكر بأبيه، الذي ارتقى أبا قبيس يوم الزحف، يقوده حتى ~~وقف بين يدي النبي. فلما رآه محمد قال: هلا تركت الشيخ بمكانه حتى أكون أنا آتيه فيه! قال أبو ~~بكر: يا رسول الله هو أحق أن يمشي إليك من أن تمشي إليه أنت. فأجلس النبي الشيخ بين يديه ومسح ~~صدره ثم قال له: أسلم. فأسلم وحسن إسلامه. وكذلك أسرت أخلاق النبوة السامية هذا الشعب الذي كان ~~ثائرا على محمد أشد الثورة، والذي أصبح اليوم يجله ويقدسه. وكذلك أسلمت قريش رجالا ونساء ~~وبايعت. # وأقام محمد بمكة خمسة عشر يوما ينظم خلالها شئون مكة ويفقه أهلها في الدين. وفي هذه الأثناء ~~بعث السرايا للدعوة إلى الإسلام لا للقتال، ولتحطيم الأصنام من غير سفك للدماء. وكان خالد بن ~~الوليد قد خرج إلى نخلة ليهدم العزى - وكانت لبني شيبان - فلما هدمها خرج إلى ms406 جذيمة، فلما رآه ~~القوم أخذوا السلاح؛ فطلب إليهم خالد أن يضعوه فإن الناس قد أسلموا. قال رجل من جذيمة لقومه: ~~ويلكم يا بني جذيمة! إنه خالد. والله ما بعد وضع السلاح إلا الإسار، وما بعد الإسار إلا ضرب ~~الأعناق. قال له قومه: أتريد أن تسفك دماءنا؟! إن الناس قد أسلموا ووضعت الحرب وأمن الناس. وما ~~زالوا به حتى وضع سلاحه. عند ذلك أمر بهم خالد فغلوا، ثم عرضهم على السيف فقتل من قتل منهم. فلما ~~انتهى الخبر إلى النبي رفع يديه إلى السماء وقال: «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد.» ~~ثم بعث إليهم علي بن أبي طالب وقال له: اخرج إلى هؤلاء القوم فانظر في أمرهم، واجعل أمر ~~الجاهلية تحت قدميك. وخرج علي ومعه مال أعطاه النبي إياه. فلما بلغ القوم دفع الدية عن الدماء ~~وعما أصيب من الأموال، حتى إذا لم يبق شيء من دم أو مال إلا وداه، أعطاهم بقية المال الذي بعث به ~~رسول الله احتياطا لرسول الله مما لا يعلم. # وفي الأسبوعين اللذين أقام محمد بمكة عفى على كل آثار الوثنية فيها. ولم ينتقل إلى الإسلام ~~من مناصب البيت الحرام إلا سدانة الكعبة، أقرها النبي في عثمان بن طلحة وأبنائه من بعده حتى يرث ~~الله الأرض ومن عليها لا يأخذها منهم إلا ظالم، وسقاية الحاج من زمزم جعلها لعمه العباس. # وكذلك آمنت أم القرى ورفعت منار التوحيد ولواءه وأضاءت العالم خلال الأجيال والقرون بنوره ~~الوضاء. # الفصل الخامس والعشرون # | حنين والطائف # (تألب هوازن وثقيف بإمرة مالك بن عوف - تحصينهم بمضيق وادي حنين - خروج المسلمين إلى حنين تعجبهم ~~كثرتهم - دخول المسلمين من مضيق الوادي في عماية الصبح - ضرب هوازن وثقيف إياهم من المرتفعات ~~وارتدادهم منهزمين - ثبات محمد إلى الموت - صياح العباس بالمسلمين كي يعودوا - عودهم إلى رسول الله ~~ومقاتلتهم وانتصارهم - الفيء - المسير إلى الطائف - حصارها وعدم إمكان اقتحامها - تحريق نخيلها - ~~استرحامها النبي - رجوعه عن الحصار - إسلام هوازن - حديث الشيماء - العودة إلى الجعرانة وقسمة الفيء ~~- العمرة ms407 - العودة إلى المدينة) ~~*** # أقام المسلمون بمكة بعد فتحهم إياها فرحين بنصر الله إياهم، مغتبطين أن لم يسفك في هذا النصر ~~العظيم إلا الدم القليل، مسارعين إلى البيت الحرام كلما أذن بلال بالصلاة، متدافعين حول رسول الله ~~حيث أقام وحيث ذهب. يغشى المهاجرون منهم دورهم ويتصلون بأهليهم الذين هدى الله بعد الفتح، ونفوسهم ~~جميعا مطمئنة إلى أن الأمر قد استقر للإسلام، وأن الجانب الأكبر من الجهاد قد كلل بالفوز والظفر . ~~وإنهم لكذلك بعد خمسة عشر يوما من مقامهم بأم القرى إذ ترامت إليهم أنباء أيقظت استنامتهم ~~للغبطة! تلك أن هوازن كانت تقيم على مقربة من مكة إلى جنوبها الشرقي في جبال هناك، فلما علمت بما ~~تم للمسلمين من فتح مكة ومن تحطيم أصنامها. خشيت أن تدور عليها الدائرة وأن يقتحم المسلمون عليها ~~منازلها، ففكرت فيما تصنع لاتقاء هذه الكارثة الوشيكة الوقوع ولصد محمد والكف من غلواء المسلمين ~~الذين يعملون للقضاء على استقلال قبائل شبه الجزيرة وعلى ضمها كلها في وحدة يظلها الإسلام، لذلك ~~جمع مالك بن عوف النصري هوازن وثقيفا، كما اجتمعت نصر وجشم ولم يتخلف عن الاجتماع من هوازن إلا ~~كعب وكلاب. # وكان في جشم دريد بن الصمة. وكان يومئذ شيخا كبيرا لا نفع منه في الحرب، ولكنما كان ~~الانتفاع برأيه بعد الذي عركه على السنين في وقائعها. اجتمعت هذه القبائل كلها ومعها أموالها ~~ونساؤها وأبناؤها، وتم جمعها حين نزلت سهل أوطاس. فلما سمع دريد رغاء البعير ونهاق الحمير وبكاء ~~الصغير وثغاء الشاء، سأل مالك بن عوف: لم ساق مع المحاربين أموالهم ونساءهم وصغارهم؟ فلما أجابه ~~مالك بأنه إنما أراد أن يشجع بها المحاربين، قال دريد: وهل يرد المنهزم شيء؟! إنها إن كانت لك لم ~~ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك. واختلف هو ومالك. وتبع الناس ~~مالكا، وكان شابا في الثلاثين من عمره، قوي الإرادة ماضي العزيمة، وتابعهم دريد ما يرد لهم، ~~على رغم سابقته في الحرب، رأيا. # وأمر مالك الناس أن ينحازوا إلى ms408 قمم حنين وعند مضيق الوادي؛ فإذا نزل المسلمون واديه فليشدوا ~~عليهم شدة رجل واحد تضعضع صفوفهم، فيختلط حابلهم بنابلهم ويضرب بعضهم بعضا، وتدور عليهم الهزيمة، ~~ويزول أثر انتصارهم حين فتحوا مكة، ويبقى لقبائل حنين في بلاد العرب جميعا فخار النصر على هذه ~~القوة التي تريد أن تظل بسلطانها بلاد العرب جميعا. وامتثلت القبائل أمر مالك وتحصنت بمضيق ~~الوادي. # أما المسلمون فبادروا بعد أسبوعين من مقامهم بمكة وعلى رأسهم محمد في عدة وعديد لم يكن لهم من ~~قبل بها عهد قط. ساروا في اثني عشر ألفا من المقاتلين، منهم عشرة آلاف هم الذين غزوا مكة ~~وفتحوها، وألفان ممن أسلم من قريش، وبينهم أبو سفيان بن حرب، وكلهم تلمع دروعهم، وفي مقدمتهم ~~الفرسان والإبل تحمل الميرة والذخيرة. سار المسلمون في هذا الجيش الذي لم تعرف بلاد العرب من قبل ~~مثاله، يتقدم كل قبيلة علمها وتمتلئ النفوس كلها إعجابا بهذه الكثرة، وبأن لا غالب اليوم لها؛ ~~حتى لقد تحدث بعضهم بذلك إلى بعض وجعلوا يقولون: لن نغلب اليوم لكثرتنا. وبلغوا حنينا والمساء ~~يقبل، فنزلوا على أبواب واديها وأقاموا بها حتى بكرة الفجر. هنالك تحرك الجيش، وركب محمد بغلته ~~البيضاء في مؤخرته، على حين سار خالد بن الوليد على رأس بني سليم في المقدمة، وانحدروا من مضيق ~~حنين في واد من أودية تهامة. # وإنهم لكذلك منحطون إلى الوادي إذ شدت عليهم القبائل بإمرة مالك بن عوف شدة رجل واحد وأصلوهم ~~وابلا من النبال وهم جميعا ما يزالون في عماية الفجر. إذ ذاك اختلط أمر المسلمين واضطرب، وعادوا ~~منهزمين قد أخذ الخوف والفزع منهم كل مأخذ، حتى أطلق بعضهم ساقيه للريح، وحتى قال أبو سفيان بن ~~حرب وعلى شفته ابتسامة المغتبط لفشل أولئك الذين انتصروا بالأمس على قريش: لا تنتهي هزيمتهم دون ~~البحر. وقال شيبة بن عثمان بن أبي طلحة: اليوم أدرك ثأري من محمد، وكان أبوه قد قتل في غزوة أحد. ~~وقال كلدة بن حنبل: ألا بطل السحر اليوم! فرد عليه أخوه صفوان: اسكت ms409 فض الله فاك! فوالله لأن يربني # 1 # رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن. تقع هذه الأحاديث والجيش يختلط ~~حابله بنابله والنبي في المؤخرة تمر عليه القبائل واحدة بعد الأخرى مهزومة لا تلوي على ~~شيء. # ماذا تراه يصنع؟ أفتضيع تضحيات عشرين سنة في هذه اللحظة من عماية الصبح؟ أفتنحى عنه ربه ~~وتخلى عنه نصر الله إياه؟! كلا! كلا! لن يكون هذا! دون هذا تبيد أمم وتفنى أقوام! ودون هذا الموت ~~يدخل محمد في غماره لعل في الموت لدين الله نصرا. وإذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون، وثبت محمد مكانه، وأحاط به جماعة من المهاجرين والأنصار ومعه أهل بيته، وجعل ينادي في ~~الناس إذ يمرون به منهزمين: أين أيها الناس؟! أين؟! لكن الناس كانوا فيما هم فيه من هول الفزع لا ~~يسمعون إلى شيء ولا يدور بتصورهم إلا هوازن وثقيف منحدرتين من معتصمهما بالقمم تطاردانهم حتى ~~تأتيا عليهم. ولم يخطئ تصورهم؛ فقد انحدرت هوازن من مكانها يتقدمها رجل على جمل له أحمر، بيده ~~راية سوداء في رأس رمح طويل، وهو كلما أدرك المسلمين طعن برمحه، وهوازن وثقيف وأنصارهما منحدرون ~~من ورائه يطعنون، وثارت بمحمد حميته، فأراد أن يندفع ببغلته البيضاء في صدر هذا السيل الدافق من ~~رجال العدو، وليكن بعد ذلك أمر الله. لكن أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب أمسك بخطام بغلته ~~وحال دون تقدمها. # وكان العباس بن عبد المطلب رجلا جسيما جهوري الصوت قويه، فنادى بما أسمع الناس جميعا ~~من كل فج: يا معشر الأنصار الذين آووا ونصروا! يا معشر المهاجرين الذين بايعوا تحت الشجرة! إن ~~محمدا حي فهلموا! وكرر العباس النداء حتى تجاوبت في كل جنبات الوادي أصداؤه. وهنا كانت ~~المعجزة: سمع أصحاب العقبة اسم العقبة فذكروا محمدا وذكروا عهودهم وشرفهم. وسمع المهاجرون اسم ~~محمد فذكروا تضحياتهم وذكروا شرفهم. وسمع هؤلاء وأولئك بسكينة محمد وثباته في نفر قليل من ~~المهاجرين والأنصار، كثباته يوم أحد، في وجه هذا العدو الزاحف، صورت لهم ms410 نفوسهم ما قد ينشأ عن ~~خذلانهم إياه من تغلب المشركين على دين الله. وكان نداء العباس أثناء ذلك ما يزال يدوي في ~~آذانهم وتهتز لأصدائه أوتار قلوبهم. هنالك تصايحوا من كل صوب: لبيك لبيك! وارتدوا إلى المعركة ~~مستبسلين. # وبدأ الطمأنينة تعاود محمدا حين رآهم يعودون؛ فقد انحدرت هوازن من مكامنها وأصبحت وجها لوجه ~~مع المسلمين في الوادي. وقد أضاء النهار وطغى النور على عماية الفجر. واجتمع حول رسول الله بضع ~~مئات استقبلوا القبائل وصبروا لهم، وقد أخذ يزداد عددهم وتشتد بعودتهم عزائم من خارت من قبل ~~عزائمهم، وجعل الأنصار يتصايحون: يا للأنصار! ثم تنادوا: يا للخزرج! ومحمد ينظر إلى تناحر القوم؛ ~~حتى إذا رأى الصدام اشتد ورأى رجاله تسمو نفوسهم ويطيحون بخصومهم، نادى: الآن حمي الوطيس، إن الله ~~لا يخلف رسوله وعده. ثم طلب إلى العباس فناوله حفنة من الحصى ألقى بها في وجوه العدو قائلا: شاهت ~~الوجوه. واندفع المسلمون إلى المعركة مستهينين بالموت في سبيل الله، مؤمنين بأن النصر لا محالة ~~آت، وأن من استشهد منهم فله من النصر أكبر من نصيب من بقي. وكان البلاء شديدا؛ حتى إن هوازن ~~وثقيفا ومن معهم ما لبثوا، حين رأوا كل مقاومة غير مجدية وأنهم معرضون للفناء عن آخرهم، إن فروا ~~منهزمين لا يلوون على شيء، تاركين وراءهم نساءهم وأبناءهم وأموالهم غنيمة للمسلمين الذين أحصوها ~~يومئذ اثنين وعشرين ألفا من الإبل وأربعين ألفا من الشاء وأربعة آلاف أوقية من الفضة. أما ~~الأسرى وعددهم ستة آلاف فقد نقلوا محروسين إلى وادي الجعرانة حيث أووا إلى أن يعود المسلمون من ~~مطاردة عدوهم ومن حصار ثقيف بالطائف. # وتابع المسلمون مطاردتهم لعدوهم. وزادهم إغراء بهذه المطاردة أن أعلن الرسول أن من قتل ~~مشركا فله سلبه. وأدرك ابن الدغنة جملا عليه شجار # 2 # ظن به امرأة طمع في سلبها، فأناخ الجمل فإذا شيخ كبير لا يعرفه الفتى هو دريد بن ~~الصمة. وسأل ربيعة: ما يريد به؟ قال: أقتلك وأهوى عليه بسيفه فلم يغن شيئا. قال دريد: «بئس ms411 ما ~~سلحتك أمك! خذ سيفي هذا من مؤخر الرحل ثم اضرب به، وارفع عن العظام واخفض عن الدماغ فإني كذلك ~~كنت أضرب به الرجال. ثم إذا أتيت أمك فأخبرها أنك قتلت دريد بن الصمة، فرب والله يوم قد منعت فيه ~~نساءك.» ولما رجع ربيعة إلى أمه وأخبرها خبره قالت له: «حرق الله يدك، فإنما قال ذلك ليذكرنا نعمه ~~عليك. فوالله لقد أعتق لك ثلاث أمهات في غداة: أنا وأمي وأم أبيك » وتبع المسلمون هوازن حتى بلغوا ~~أوطاسا، وهناك أوقعوا بهم وهزموهم شر هزيمة، وسبوا من احتملوا من النساء والأموال وعادوا بهم إلى ~~محمد. أما مالك بن عوف النصري فقد ثبت هنيهة ثم فر وقومه مع هوازن حتى افترق عنهم عند نخلة، ثم ~~ولى وجهه نحو الطائف فاحتمى بها. # وكذلك كان نصر المؤمنين مؤزرا، وكانت هزيمة المشركين تامة بعد ذلك الفزع الذي أصاب ~~المسلمين في عماية الصبح، وحين شد المشركون عليهم شدة رجل واحد ضعضعت صفوفهم وخلطت حابلهم ~~بنابلهم، كان نصر المسلمين مؤزرا بفضل ثبات محمد والفئة القليلة التي أحاطت به. وفي ذلك نزل ~~قوله تعالى: # لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم ~~حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت ~~عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين * ثم ~~أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم ~~تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين * ~~ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم * يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا ~~المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف ~~يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم ~~. # 3 # على أن المسلمين لم يحرزوا هذا النصر المؤزر رخيصا، بل دفعوا ثمنا غاليا لعلهم لم يكونوا ~~يدفعونه لولا تخاذلهم الأول وتدافعهم مهزومين، ليقول فيهم أبو سفيان: إنهم لا يردهم إلا البحر. ~~دفعوا الثمن غاليا من مهج الرجال وأرواح الأبطال الذين استشهدوا في الموقعة. ولئن لم تحص كتب ~~السيرة كل القتلى، لقد ذكرت أن ms412 قبيلتين من المسلمين فنيتا أو كادتا، وأن النبي صلى على أرواحهم ~~رجاء أن يدخلهم الله الجنة. لكنه كان النصر على كل حال: النصر التام تغلب فيه المسلمون على خصومهم ~~وغنموا منهم وأسروا ما لم يغنموا ولم يأسروا من قبل. والنصر هو كل شيء في النضال أيا كان الثمن ~~الذي يدفع فيه ما دام نصرا شريفا. لذلك اغتبط المسلمون بما جزاهم الله، وظلوا يرتقبون قسمة ~~الفيء والعود بالغنيمة. # لكن محمدا كان يريده نصرا أكثر روعة وأعظم جلالا. وإذا كان مالك بن عوف هو الذي قاد هذه ~~الجموع، ثم احتمى بعد هزيمتها مع ثقيف بالطائف، فليحاصر المسلمون الطائف وليضيقوا عليها الحصار. ~~وتلك كانت خطة محمد في خيبر بعد أحد، وفي قريظة بعد الخندق. ولعله ادكر في موقفه هذا يوم ذهب إلى ~~الطائف لسنوات قبل الهجرة يدعو أهلها إلى الإسلام، فسخروا منه وقذفه صبيانهم بالأحجار، حتى اضطر ~~إلى الاحتماء من أذاهم بحائط # 4 # فيه كرم. ولعله ادكر كيف ذهب يومئذ منفردا ضعيفا، لا حول له ولا قوة إلا حول الله ~~وقوته، وإلا هذا الإيمان العظيم الذي ملأ صدره والذي يدك الجبال. وها هو ذا الآن يذهب إلى ~~الطائف في جمع من المسلمين لم تشهد جزيرة العرب في ماضي تاريخها جمعا مثله. # أمر محمد أصحابه إذن أن يسيروا إلى الطائف ليحاصروا بها ثقيفا وعلى رأسها مالك بن عوف. وكانت ~~الطائف مدينة محصنة لها أبواب تغلق عليها كأكثر مدن العرب في ذلك العصر. وكان أهلها ذوي دراة ~~بحرب الحصار، وذوي ثروة طائلة جعلت حصونهم من أمنع الحصون. وقد سار المسلمون إليها فمروا في ~~مسيرتهم بلية حيث يقوم حصن خاص لمالك بن عوف فهدموه، كما خربوا أثناء مسيرتهم كذلك حائطا لرجل ~~من ثقيف. وبلغ المسلمون الطائف، فأمر النبي عسكره فنزل على مقربة منها، وجمع أصحابه ليفكروا فيما ~~يصنعون. لكن ثقيفا ما لبثت حين رأتهم من أعلى حصونها أن نالتهم بالنبل وقتلت جماعة منهم. ولم يكن ~~من اليسير أن يقتحم المسلمون هذه الحصون المنيعة إلا أن يلجئوا ms413 إلى وسائل غير التي ألفوا حتى ~~اليوم حين حاصروا قريظة وخيبر. أتراهم إن هم اكتفوا بالحصار يصلوا إلى تجويع ثقيف تجويعا يحملها ~~على التسليم؟ وإذا هم أرادوا مهاجمتها فما عسى أن تكون هذه الوسائل الجديدة التي يهاجمونها بها؟ ~~هذه أمور تحتاج إلى التفكير وإلى الوقت. فلينسحب العسكر إذن بعيدا عن مرمى النبل لكي لا يصيبه ~~فيقتل رجال من المسلمين، ثم ليفكر محمد فيما عسى أن يصنع. # وأمر عليه السلام فنقل العسكر بعيدا عن مرمى النبل في مكان أقيم به مسجد الطائف بعد أن سلمت ~~الطائف وأسلمت. ولم يكن من ذلك بد وقد قتلت نبال ثقيف ثمانية عشر من المسلمين، وجرح كثيرون، ~~بينهم أحد أبناء أبي بكر. وفي جانب من هذا المكان البعيد عن مرمى النبال ضربت خيمتان من جلد أحمر ~~لزوجتي النبي أم سلمة وزينب، وكانتا تسيران معه في كل هذه الوقائع منذ ترك المدينة. وبين هاتين ~~الخيمتين كان محمد يقيم الصلاة. ولعل مسجد الطائف إنما أقيم في هذا المكان. # وأقام المسلمون ينتظرون ما الله صانع بهم وبعدوهم. قال أحد الأعراب للنبي: إنما ثقيف في ~~حصنها كالثعلب في جحره، لا سبيل إلى إخراجه منه إلا بطول المكث، فإن تركته لم يلحقك منه ضر. ~~لكنما شق على محمد أن يعود أدراجه دون أن يصيب من ثقيف شيئا. وكان لبني دوس (إحدى القبائل ~~المقيمة بأسفل مكة) علم بالرماية بالمنجنيق وبمهاجمة الحصون في حماية الدبابات. وكان أحد رؤسائها ~~الطفيل قد صحب محمدا منذ غزا خيبر؛ وكان معه عند حصار الطائف؛ فأوفده النبي إلى قومه يستنصرهم؛ ~~فجاء بطائفة منهم ومعهم أدواتهم فبلغوا الطائف بعد أربعة أيام من حصار المسلمين إياها، ورمى ~~المسلمون الطائف بالمنجنيق، وبعثوا إليها بالدبابات دخل تحتها نفر منهم، ثم زحفوا بها إلى جدار ~~الطائف ليخرقوه. لكن رجال الطائف كانوا من المهارة بحيث أكرهوا هؤلاء على أن يلوذوا بالفرار. فقد ~~أحموا قطعا من الحديد بالنار. حتى إذا انصهرت ألقوها على الدبابات فحرقتها، ففر جنود المسلمين ~~من تحتها خيفة أن يحترقوا؛ فرمتهم ثقيف ms414 بالنبل فقتلت جماعة منهم. لم يفلح هذا المجهود إذن أيضا، ~~ولم يستطع المسلمون التغلب على مناعة هذه الحصون. # ماذا عساهم بعد ذلك يصنعون؟ فكر محمد في هذا وفكر طويلا. ولكن ألم ينتصر على بني النضير ~~ويجلها عن ديارها بإحراق نخيلها؟! وكروم الطائف أكبر قيمة من نخيل بني النضير، فهي كروم لها من ~~ذيوع الاسم في بلاد العرب جمعاء ما تباهي به الطائف أخص بلاد العرب، وما جعل الطائف واحة كأنها ~~الجنة وسط هذه الصحاري. وأمر محمد فبدأ المسلمون ينفذون، يقطعون ويحرقون الكروم التي ما يزال ~~لها حتى اليوم مثل ما كان لها من شهرة وذيوع صوت. ورأى الثقفيون هذا وأيقنوا أن محمدا جاد فيه، ~~فبعثوا إليه أن يأخذه لنفسه إن شاء وأن يدعه لله وللرحم لما بينه وبينهم من قرابة. استمهل محمد ~~رجاله. ثم نادى في ثقيف إنه معتق من جاء إليه من الطائف. ففر إليه قرابة عشرين من أهلها. عرف ~~منهم أن بالحصون من الذخيرة ما يكفي أمدا طويلا. هنالك رأى أن الحصار سيطول أمده، وأن جيوشه تود ~~الرجوع لاقتسام الفيء الذي كسبوا، وأنه إن أصر على البقاء فقد ينفد صبرهم. هذا وكانت الأشهر الحرم ~~قد آذنت ولا يجوز فيها قتال. لذلك آثر أن يرفع الحصار بعد شهر من وقوعه. وكان ذو القعدة قد هل ~~فرجع بجيشه معتمرا، وذكر أنه متجهز إلى الطائف إذا انتهت الأشهر الحرم. # وانصرف محمد والمسلمون معه عن الطائف قافلين إلى مكة حتى نزلوا الجعرانة حيث تركوا غنائمهم ~~وأسراهم. وهنالك نزلوا يقتسمون. وفصل الرسول الخمس لنفسه ووزع ما بقي على أصحابه. وإنهم بالجعرانة ~~إذ جاء وفد من هوازن قد أسلموا وهم يرتجون أن يرد عليهم أموالهم ونساءهم وأبناءهم، بعد أن طال ~~عنهم غيابهم، وبعد أن ذاقوا مرارة ما حل بهم. ولقي الوفد محمدا، وخاطبه أحدهم قائلا: يا رسول ~~الله، إنما في الحظائر عماتك وخالاتك وحواضنك اللواتي كن يكفلنك. ولو أنا ملحنا # 5 # للحارث بن أبي شمر، أو للنعمان بن المنذر، ثم نزل منا بمثل الذي ms415 نزلت به، رجونا عطفه ~~وعائدته علينا؛ وأنت خير المكفولين. ولم يخطئ هؤلاء في تذكير محمد بصلته بهم وقرابته منهم؛ فقد ~~كانت بين السبايا امرأة تخطت الكهولة عنف عليها الجند المسلمون؛ فقالت لهم: تعلموا والله إني لأخت ~~صاحبكم من الرضاعة. فلم يصدقوها وجاءوا بها محمدا، فعرفها فإذا هي الشيماء بنت الحارث بن عبد ~~العزى. وأدناها منه وبسط لها رداءه وأجلسها عليه، وخيرها إن أحبت أبقاها وإن أحبت متعها ~~ورجعها إلى قومها؛ فاختارت الرجوع إلى قومها . # طبيعي وتلك صلة محمد بهؤلاء الرجال الذين أقبلوا عليه من هوازن مسلمين، أن يعطف عليهم وأن ~~يجيبهم إلى مطلبهم؛ فقد كان ذلك دائما شأنه مع كل من أسدى إليه يوما من الدهر يدا. كان عرفان ~~الجميل بعض شأنه، والبر بكليم القلب في جبلته. فلما سمع مقالتهم سألهم: أبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم ~~أم أموالكم؟ قالوا: يا رسول الله خيرتنا بين أموالنا وأحسابنا! بل ترد علينا نساءنا وأبناءنا ~~فهم أحب إلينا. فقال عليه السلام: أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم. وإذا ما أنا صليت ~~الظهر بالناس فقوموا فقولوا إنا نستشفع برسول الله إلى المسلمين وبالمسلمين إلى رسول الله في ~~أبنائنا ونسائنا فسأعطيكم عند ذلك وأسأل لكم. ونفذت هوازن قول النبي، فأجابهم: أما ما كان لي ~~ولبني عبد المطلب فهو لكم. قال المهاجرون: وما كان لنا فهو لرسول الله، وكذلك قال الأنصار. أما ~~الأقرع بن حابس عن تميم وعيينة بن حصن فرفضا، ورفض العباس بن مرداس عن بني سليم؛ لكن بني سليم لم ~~يقروا العباس على رفضه. هنالك قال النبي: أما من تمسك منك بحقه من هذا السبي فله بكل إنسان ست ~~فرائض من أول سبي أصيبه، وكذلك ردت نساء هوازن وأبناؤها إليها بعد أن أعلنت إسلامها. # وسأل محمد وفد هوازن عن مالك بن عوف النصري. فلما علم أنه ما يزال بالطائف مع ثقيف، طلب إليهم ~~أن يبلغوه: أنه إن أتاه مسلما رد عليه أهله وماله وأعطاه مائة من الإبل. ولم يبطئ مالك حين علم ~~بوعد ms416 الرسول أن أسرج فرسه في سر من ثقيف، وأن نجا بها حتى لحق بالرسول، فأعلن إسلامه فأخذ أهله ~~وماله ومائة من الإبل. وأوجس الناس خيفة إن أفشى محمد هذه الأعطيات لمن يفدون عليه أن تنقص من ~~قسمتهم من الفيء، فألحوا في أن يأخذ كل فيأه وتهامسوا بذلك. فلما بلغ الهمس النبي وقف إلى جانب ~~بعير فأخذ وبرة من سنامه فجعلها بين إصبعيه ثم رفعها وقال: «أيها الناس، والله ما لي من فيئكم ولا ~~هذه الوبرة إلا الخمس، والخمس مردود عليكم.» وطلب إلى كل أن يرد ما غنم حتى تكون القسمة العدل، ~~«فمن أخذ شيئا في غير عدل ولو كان إبرة كان على أهله عارا ونارا وشنارا إلى يوم ~~القيامة.» # قال محمد هذه العبارة مغضبا بعد أن ردوا إليه رداءه الذي أخذوا، وبعد أن صاح بهم: ردوا ~~إلي ردائي أيها الناس. فوالله لو أن لكم بعدد شجر تهامة نعما لقسمته عليكم، ثم ما ألفيتموني ~~بخيلا ولا جبانا ولا كذابا. ثم إنه خمس الغنيمة وأعطى من خمسه الذين كانوا إلى أيام أشد ~~الناس عداوة له نصيبا على نصيبهم، فأعطى مائة من الإبل كلا من أبي سفيان وابنه معاوية والحارث ~~بن الحارث بن كلدة والحارث بن هشام وسهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى والأشراف ورؤساء العشائر ~~ممن تألف بعد فتح مكة؛ وأعطى خمسين من الإبل من كانوا دون هؤلاء شأنا ومكانة. وقد بلغ عدد الذين ~~أعطاهم عشرات. وبدا محمد يومئذ غاية من السماحة والكرم مما جعل أعداء الأمس تنطلق ألسنتهم بجميل ~~الثناء عليه. ولم يدع لأحد من هؤلاء المؤلفة قلوبهم حاجة إلا قضاها. أعطى عباس بن مرداس عددا من ~~الإبل لم يرضه وعاتبه على أن فضل عليه عيينة والأقرع وغيرهما. فقال النبي: اذهبوا به فاقطعوا ~~عني لسانه. فأعطوه حتى رضي، وكان ذلك قطع لسانه. # على أن هذا الذي تألف به النبي قلوب من كانوا إلى أمس أعداءه، قد جعل الأنصار يتحدث بعضهم إلى ~~بعض فيما صنع الرسول ويقول بعضهم لبعض: «لقي والله ms417 رسول الله قومه.» ورأى سعد بن عبادة أن يبلغ ~~النبي مقالة الأنصار ويؤيدهم فيها؛ فقال له النبي: «اجمع لي قومك في هذه الحظيرة.» فجمعهم سعد ~~وأتاهم النبي فدار الحوار الآتي: # محمد ~~: # يا معشر الأنصار، ما قالة بلغتني عنكم وجدة وجدتموها في أنفسكم؟! ألم آتكم ضلالا ~~فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله، وأعداء فألف الله بين قلوبكم؟ # الأنصار ~~: # بلى! الله ورسوله أمن وأفضل. # محمد ~~: # ألا تجيبونني يا معشر الأنصار؟! # الأنصار ~~: # بماذا نجيبك يا رسول الله ولرسوله المن والفضل. # محمد ~~: # أما والله لو شئتم لقلتم فلصدقتم ولصدقتم: أتيتنا مكذبا فصدقناك، ومخذولا ~~فنصرناك وطريدا فآويناك، وعائلا فآسيناك. أوجدتم يا معشر الأنصار في لعاعة # 6 # من الدنيا تألفت بها قوما ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم! ألا ترضون يا معشر ~~الأنصار أن تذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعوا برسول الله إلى رحالكم؟! فوالذي نفس محمد بيده ~~لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار. ولو سلك الناس شعبا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب ~~الأنصار. اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار. # قال النبي هذه العبارات وكله تأثر، وكله فيض من الحب لهؤلاء الذين بايعوه ونصروه واعتزوا به ~~وأعزوه، حتى بلغ من تأثره أن بكى الأنصار وقالوا: رضينا برسول الله قسما وحظا. # وكذلك أظهر النبي رغبة عن هذا المال الذي غنم في حنين والذي بلغ ما لم يبلغه فيء من قبل. ~~أظهر رغبته عنه، وجعله وسيلة تتألف بها قلوب الذين كانوا، إلى أسابيع قليلة، مشركين ليروا في ~~الدين الجديد سعادة الدنيا والآخرة. وإذا كان محمد قد عناه أمر هذا المال في قسمته حتى لقد كاد ~~المسلمون يتهمونه، وإذا هو كان قد أغضب الأنصار بما أعطى المؤلفة قلوبهم، فإنه قد أظهر من العدل ~~ومن بعد النظر ومن حسن السياسة ما مكنه من أن يعود بهذه الألوف من العرب وكلهم راضية نفسه، ~~مطمئن قلبه، مستعد لأن يهب حياته في سبيل الله. # وخرج الرسول من الجعرانة معتمرا إلى مكة. فلما قضى عمرته استخلف عتاب بن أسيد على أم ~~القرى، وخلف معه معاذ بن ms418 جبل ليفقه الناس في دينهم ويعلمهم القرآن، وعاد هو والأنصار ~~والمهاجرون قافلين إلى المدينة ليقيم النبي بها ريثما يرزقه الله ابنه إبراهيم، وليطمئن إلى شيء ~~من سكينة الحياة زمنا ثم يتجهز إلى غزوة تبوك بالشام. # الفصل السادس والعشرون # | إبراهيم ونساء النبي # (العودة إلى المدينة - بانت سعاد - وفاة زينب - مولد إبراهيم - غيرة نساء النبي من مارية - مظاهرة ~~حفصة وعائشة - حديث المغافير - مارية في دار حفصة - هجرة النبي نساءه شهرا - حديث عمر مع النبي - ~~سورة التحريم) ~~*** # عاد محمد إلى المدينة بعد فتح مكة وبعد انتصاره في حنين وحصاره الطائف، وقد ثبت في نفوس العرب ~~جميعا أن لم يبق لأحد قبل به في شبه الجزيرة كلها، وأن لم يبق للسان أن ينطق بإيذائه أو الطعن ~~عليه. وعاد الأنصار والمهاجرون معه وكلهم مغتبط بفتح الله على نبيه بلد المسجد الحرام، وبما هدى ~~أهل مكة إليه من الإسلام، وبما دان له العرب على اختلاف قبائلهم من الطاعة والإذعان. عادوا جميعا ~~إلى المدينة ليطمئنوا إلى سكينة الحياة، بعد أن ترك محمد وراءه عتاب بن أسيد على أم القرى ومعاذ ~~بن جبل ليفقه الناس دينهم وليعلمهم القرآن. # وقد ترك هذا النصر، الذي لم يعرف له في تاريخ العرب وفي رواياتهم نظير، أثرا بالغا في نفوس ~~العرب جميعا: ترك أثرا في نفوس العظماء والسادة الذين كانوا لا يتوهمون مجيء يوم يدينون فيه ~~لمحمد بطاعة، أو يرتضون دينه لأنفسهم دينا؛ وفي نفوس الشعراء الذين ينطقون بلسان هؤلاء السادة ~~مقابل ما يلقون من عطفهم وتأييدهم، أو مقابل ما يلقون من تأييد القبائل ومؤازرتها؛ وفي نفس تلك ~~القبائل البادية التي لم تكن تعدل بحريتها شيئا، ولا كان يدور بخاطرها أن تنضم تحت لواء غير ~~لوائها الخاص أو تموت دون ذلك في حرب وطعان تفنى خلالها فناء تاما، وماذا يجدي على الشعراء ~~شعرهم، وعلى السادة سيادتهم، وعلى القبائل احتفاظها بذاتيتها، أمام هذه القوة الخارقة للطبيعة، لا ~~تقف قوة أمامها ولا يجرؤ سلطان على اعتراضها؟! # وقد بلغ الأثر في نفوس العرب أن كتب ms419 بجير بن زهير إلى أخيه كعب بعد منصرف النبي على الطائف ~~يخبره أن محمدا قتل رجالا بمكة ممن كانوا يهجونه ويؤذونه، وأن من بقي من هؤلاء الشعراء قد هربوا ~~في كل وجه، وينصح إليه أن يطير إلى النبي بالمدينة؛ فإنه لا يقتل أحدا جاءه تائبا، أو ينجو ~~بنفسه إلى حيث شاء من أغوار الأرض. وإنما قص بجير حقا؛ فلم يقتل بمكة أحد بأمر محمد خلا أربعة، ~~منهم شاعر آذى النبي هجاؤه، ومنهم اثنان آذوا زينب ابنته حين أرادت بإذن زوجها أن تهاجر من مكة ~~لتلحق أباها. وأيقن كعب صدق أخيه، وإنه إن لم يأت محمدا ظل حياته طريدا مشردا؛ لذلك أسرع إلى ~~المدينة ونزل عند صديق له قديم. فلما أصبح غدا إلى المسجد واستأمن النبي وأنشده قصيدة: # بانت سعاد فقلبي اليوم متبول # متيم إثرها لم يفد مكبول # فعفا النبي عنه وحسن من بعد ذلك إسلامه. # قبة المسجد النبوي مع الرواقات القديمة. # جانب من داخل أحد الرواقات الحديثة بالمسجد النبوي. # إحدى المنارات الحديثة بالمسجد النبوي. # وكان من هذا الأثر كذلك أن بدأت القبائل تقبل على النبي تقدم الطاعة بين يديه: قدم وفد من ~~طيئ وعلى رأسهم سيدهم زيد الخيل، فلما انتهوا إليه أحسن استقبالهم، وتحدث إليه زيد؛ فقال النبي ~~له: ما ذكر لي رجل من العرب بفضل ثم جاءني إلا رأيته دون ما يقال فيه إلا زيد الخيل فإنه ليبلغ ~~كل ما فيه. ودعاه «زيد الخير» بديلا من «زيد الخيل.» وأسلمت طيئ وزيد على رأسها. # وكان عدي بن حاتم الطائي نصرانيا، وكان من أشد العرب كراهية لمحمد. فلما رأى أمره وأمر ~~المسلمين في شبه الجزيرة، تحمل في إبله بأهله وولده ولحق بأهل دينه من النصارى بالشام، وإنما فر ~~عدي حين أوفد النبي علي بن أبي طالب ليهدم صنم طيئ، وهدم علي الصنم واحتمل الغنائم والأسرى ~~ومن بينهم ابنة حاتم أخت عدي التي حبست في حظيرة بباب المسجد كانت السبايا تحبس فيها. ومر بها ~~النبي فقامت إليه وقالت: يا رسول الله هلك ms420 الوالد وغاب الرافد، فامنن علي من الله عليك. وأعرض ~~عنها النبي حين علم أن رافدها عدي بن حاتم الفار من الله ورسوله. لكنها راجعته، وذكر هو ما كان ~~لأبيها في الجاهلية من كرم أعلى به ذكر العرب، فأمر بتسريحها وكساها كسوة حسنة وأعطاها نفقتها ~~وحملها مع أول ركب قاصد إلى الشام. فلما لقيت أخاها وذكرت له ما أكرمها به محمد عاد إليه فألقى ~~بنفسه إلى صفوف المسلمين. # وكذلك جعل السادة وجعلت القبائل تفد إلى محمد ، بعد فتح مكة وبعد انتصار حنين وحصار الطائف، ~~تدين له بالرسالة وبالإسلام، وهو في مقامه ذاك بالمدينة مطمئن إلى نصر الله وإلى شيء من سكينة ~~الحياة. # لكن سكينة حياته لم تكن يومئذ صفوا؛ فقد كانت زينب ابنته إذ ذاك مريضة مرضا خشي منه عليها. ~~وهي منذ آذاها الحويرث وهبار حين خروجها من مكة أذى أفزعها فأجهضها، قد ظلت مهدمة العافية، ~~وانتهى المرض بوفاتها. وبموتها لم يبق لمحمد من عقبه إلا فاطمة، بعد أن ماتت أم كلثوم كما ماتت ~~رقية قبل زينب، وحزن محمد لفقدها وذكر لها رقة شمائلها وجميل وفائها لزوجها أبي العاص بن الربيع ~~حين بعثت تفتديه من أبيها وقد أسره ببدر، وتفتديه مع ما كان من إسلامها وشركه، ومع ما كان من ~~محاربته أباها حربا لو انتصرت قريش فيها لما أبقت لمحمد على حياة. ذكر محمد رقة شمائلها وجميل ~~وفائها، وذكر ما لاقت من ألم المرض طوال أيامها منذ عادت من مكة إلى حين وفاتها. وكان محمد يشارك ~~كل ذي ألم في ألمه، وكل ذي مصاب في مصابه، وكان يذهب إلى أطراف المدينة وإلى ضواحيها يعود المريض، ~~ويواسي البائس، ويأسو جراح الكليم. فإذا أصابه المقدار في ابنته بعد ما أصابه من قبل في أختيها ~~وكما أصابه قبل رسالته في أخويها، فلا جرم أن يحزن ويشتد به جوى الحزن، وإن وجد من بر الله ورفقه ~~به ما يعزيه كيما يسلو. # ولم يطل انتظار التأساء؛ فقد رزقه الله من مارية القبطية غلاما دعاه إبراهيم تيمنا ms421 باسم ~~إبراهيم جد النبي الحنيف المسلم. وكانت مارية إلى يومئذ ومنذ أهداها المقوقس إلى النبي في مرتبة ~~السراري، فلم يكن لها من أجل ذلك منزل بجوار المسجد كما كان لأزواج النبي أمهات المؤمنين؛ بل ~~أنزلها محمد بالعالية من ضواحي المدينة، في المحل الذي يقال له الآن مشربة أم إبراهيم، بمنزل تحيط ~~به كروم؛ وكان يختلف إليها فيه كما يزور الرجل ملك يمينه. وكان قد اختارها حين أهداها المقوقس ~~إليه مع أختها سيرين، وجعل سيرين لحسان بن ثابت. ولم يكن محمد يرجو أن يعقب بعد أن ظلت أزواجه ~~جميعا من بعد وفاة خديجة ومنهن الفتاة الفتية، ومنهن النصف التي أعقبت من قبل لم تبشر إحداهن ~~بخصب عشرة أعوام متتابعة. فلما حملت مارية ثم ولدت إبراهيم، وقد تخطى هو إلى الستين، فاضت بالمسرة ~~نفسه، وامتلأ هذا القلب الإنساني الكبير أنسا وغبطة، وارتفعت مارية بهذا الميلاد في عينه إلى ~~مكانة سمت بها عن مقام مواليه إلى مقام أزواجه، وزادتها إلى ذلك عنده حظوة ومنه قربا. # كان طبيعيا أن يدس ذلك في نفوس سائر أزواجه غيرة تزايدت أضعافا بأنها أم إبراهيم وبأنهن ~~جميعا لا ولد لهن. ولم تكن نظرة النبي إلى هذا الطفل إلا تزيد هذه الغيرة كل يوم في نفوسهن ~~اشتعالا. فهو قد أكرم سلمى زوج أبي رافع قابلة مارية أيما إكرام. وهو قد تصدق يوم ولد بوزن شعره ~~ورقا على كل واحد من المساكين. وهو قد دفعه لترضعه أم سيف وجعل في حيازتها سبعا من الماعز ترضعه ~~لبنها. وهو كان يمر كل يوم بدار مارية ليراه وليزداد أنسا بابتسامة الطفل البريئة الطاهرة، ~~ومسرة بنموه وجماله. أي شيء أشد من هذا كله إثارة للغيرة في نفوس أزواج لم يلدن؟! وإلى أي حد ~~تدفع الغيرة أولئك الأزواج؟ # حمل النبي إبراهيم يوما بين ذراعيه إلى عائشة وهو فياض بالبشر، ودعاها لترى ما بين إبراهيم ~~وبينه من عظيم الشبه. فنظرت عائشة إلى الطفل وقالت إنها لا ترى بينهما شبها. ولما رأت النبي ~~فرحا بنمو الطفل لاحظت ms422 في غضب أن كل طفل ينال من اللبن ما يناله إبراهيم يكون مثله أو خيرا منه ~~نموا. وكذلك كان مولد إبراهيم سببا أثار في زوجات النبي امتعاضا لم يقف أثره عند هذه الإجابات ~~الجافية بل تعداها إلى أكثر منها. وترك في تاريخ محمد وفي تاريخ الإسلام من الأثر ما نزل به الوحي ~~وقدسه كتاب الله الكريم. # وكان طبيعيا أن يحدث هذا الأثر؛ فقد جعل محمد لنسائه من المكانة ما لم يكن معروفا قط عند ~~العرب . قال عمر بن الخطاب في حديث له: «والله إنا كنا في الجاهلية ما نعد للنساء أمرا حتى أنزل ~~الله تعالى فيهن ما أنزل وقسم لهن ما قسم. فبينما أنا في أمر آتمره إذ قالت لي امرأتي: لو صنعت ~~كذا وكذا! فقلت لها: وما لك أنت ولما ها هنا، وما تكلفك في أمر أريده؟! فقالت لي: عجبا لك يا ~~بن الخطاب! ما تريد أن تراجع أنت، وإن ابنتك لتراجع رسول الله # صلى الله عليه وسلم # حتى يظل يومه غضبان؟ ~~قال عمر: فآخذ ردائي ثم أخرج مكاني حتى أدخل على حفصة فقلت لها: يا بنية، إنك لتراجعين رسول الله # صلى الله عليه وسلم # حتى يظل يومه غضبان؟ فقالت حفصة: والله إنا لنراجعه. فقلت: تعلمين أني أحذرك عقوبة ~~الله وغضب رسوله. يا بنية لا يغرنك هذه التي أعجبها حسنها وحب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # إياها. ثم خرجت ~~حتى أدخل على أم سلمة لقرابتي منها فكلمتها؛ فقالت لي أم سلمة: عجبا لك يا بن الخطاب! لقد دخلت ~~في كل شيء حتى تبتغي أن تدخل بين رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وأزواجه!» قال عمر: فأخذتني أخذا كسرتني به ~~عن بعض ما كنت أجد، فخرجت من عندها. وروى مسلم في صحيحه أن أبا بكر استأذن على النبي ودخل بعد أن ~~أذن له، ثم استأذن عمر ودخل بعد الإذن، فوجد النبي جالسا وحوله نساؤه واجما ساكنا. فقال عمر: ~~«لأقولن شيئا أضحك النبي # صلى الله عليه وسلم ~~. ثم قال: يا ms423 رسول الله، لو رأيت بنت خارجة. # 1 # سألتني النفقة. فقمت إليها فوجأت # 2 # عنقها. فضحك رسول الله وقال: هن حولي يسألني النفقة. فقام أبو بكر إلى عائشة يجأ ~~عنقها، وقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها، كلاهما يقول: تسألن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # ما ليس عنده؟! فقلن: ~~والله لا نسأل رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أبدا شيئا ليس عنده.» # وإنما دخل أبو بكر وعمر على النبي لأنه عليه السلام لم يخرج للصلاة: فتساءل المسلمون بعدها ~~عما منعه. وفي حديث أبي بكر وعمر مع عائشة وحفصة نزل قوله تعالى: # يا ~~أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا ~~وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا * وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد ~~للمحسنات منكن أجرا عظيما ~~. # 3 # ثم إن نساء النبي كن يأتمرن به. فقد كان إذا صلى العصر دار على نسائه فيدنو منهن. فدخل على ~~حفصة في رواية، وعلى زينب بنت جحش في رواية، فاحتبس عندها أكثر مما كان يحتبس، فأحدث ذلك الغيرة ~~في نفوس سائر نسائه. وقالت عائشة: «فتواطأت أنا وحفصة أن أيتنا ما دخل عليها النبي # صلى الله عليه وسلم # فلتقل إني أجد ريح مغافير. أكلت مغافير» (والمغافير شيء حلو له ريح كريهة؛ وكان النبي لا يحب ~~الرائحة الكريهة) فدخل على إحداهما فقالت له ذلك. فقال: بل شربت عسلا عند زينب بنت جحش ولن أعود ~~له. وروت سودة، وكانت تواطأت على مثل ذلك مع عائشة، أن النبي لما دنا منها قالت له: أكلت مغافير؟ ~~قال: لا. قالت: فما هذه الريح؟ قال: سقتني حفصة شربة من عسل. قالت: جرست نحله العرفط. # 4 # ودخل على عائشة فقالت له ما قالت سودة، ثم دخل على صفية فقالت له مثل قولهما، فحرمه ~~على نفسه. فلما فعل قالت سودة: سبحان الله! والله لقد حرمناه. فنظرت إليها عائشة نظرة ذات مغزى ~~وقالت لها: اسكتي. # طبيعي وقد جعل النبي لأزواجه هذه المكانة، بعد أن كن كغيرهن من نساء العرب لا ms424 رأي لهن، أن ~~يتغالين في الاستمتاع بحرية لم يكن لمثيلاتهن بها عهد، وأن تبلغ إحداهن من مراجعة النبي أن يظل ~~يومه غضبان. وكم أعرض عنهن وكم هجر بعضهن حتى لا يدفعهن رفقه بهن إلى مزيد من غلوهن؛ وأن تخرج ~~بإحداهن الغيرة إلى غير لائق بالسداد. فلما ولدت مارية إبراهيم خرجت الغيرة بأزواج النبي عما ~~أدبهن به، حتى كان هذا الحديث بينه وبين عائشة إذ تنكر عليه كل شبه بين إبراهيم وبينه، ولتكاد ~~تتهم مارية بما يعرف النبي براءتها منه . # وحدث أن كانت حفصة يوما قد ذهبت إلى أبيها فتحدثت عنده. وجاءت مارية إلى النبي وهو في دار ~~حفصة وأقامت بها زمنا معه. وعادت حفصة فوجدتها في بيتها، فجعلت تنتظر خروجها وهي أشد ما تكون ~~غيرة، وجعلت كلما طال بها الانتظار تزداد الغيرة بها شدة. فلما خرجت مارية ودخلت حفصة على النبي، ~~قالت له: «لقد رأيت من كان عندك. والله لقد سببتني. وما كنت لتصنعها لولا هواني عليك.» وأدرك محمد ~~أن الغيرة قد تدفع حفصة إلى إذاعة ما رأت والتحدث به إلى عائشة أو إلى غيرها من أزواجه، فأراد ~~إرضاءها بأن حلف لها أن مارية عليه حرام إذا هي لم تذكر مما رأت شيئا. ووعدته حفصة أن تفعل. لكن ~~الغيرة أكلت صدرها فلم تطق كتمان ما به، فأسرته إلى عائشة. وأومأت هذه إلى النبي بما رأى منه أن ~~حفصة لم تصن سره. ولعل الأمر لم يقف عند حفصة وعائشة من أزواج النبي. ولعلهن جميعا وقد رأين ما ~~رفع النبي من مكانة مارية قد تابعن عائشة وحفصة حين ظاهرتا على النبي على أثر قصة مارية هذه، وإن ~~تكن لذاتها قصة لا شيء فيها أكثر مما يقع بين رجل وزوجه، أو بين رجل وما ملكت يمينه، مما هو حل ~~له ومما لا موضع فيه لهذه الضجة التي أثارتها ابنتا أبي بكر وعمر محاولتين أن تقتصا لذاتيهما من ~~ميل النبي لمارية. وقد رأينا أن شيئا من الجفوة وقع بين النبي وأزواجه في أوقات مختلفة ms425 بسبب ~~النفقة، أو بسبب عسل زينب، أو لغير ذلك من الأسباب التي تدل على أن أزواج النبي كن يجدن عليه أن ~~يكون لعائشة أحب، أو أن يكون لمارية أهوى. # وبلغ من أمرهن أن أوفدن إليه يوما زينب بنت جحش وهو عند عائشة تصارحه بأنه لا يعدل بين ~~نسائه، وأنه لحبه لعائشة يظلمهن. ألم يجعل لكل امرأة يوما وليلة؟! ثم رأت سودة انصراف النبي عنها ~~وعدم بشاشته لها، فوهبت يومها وليلتها لعائشة إرضاء للرسول. ولم تقف زينب من سفارتها عند الكلام ~~في ميل النبي عن العدل بين نسائه؛ بل نالت من عائشة وهي جالسة بما جعل عائشة تتحفز للرد عليها ~~لولا إشارات من النبي كانت تهدئ من حدتها. غير أن زينب اندفعت ولج بها الاندفاع وبالغت في النيل ~~من عائشة، حتى لم يبق للنبي بد من أن يدع لحميرائه أن تدافع عن نفسها. وتكلمت عائشة بما أفحم زينب ~~وسر النبي ودعاه إلى الإعجاب بابنة أبي بكر. # وبلغت منازعات أمهات المؤمنين في بعض الأحايين، بسبب إيثاره بعضهن بالمحبة على بعض، حدا ~~هم النبي معه أن يطلق بعضهن لولا أنهن جعلنه في حل أن يؤثر من يشاء منهن على من يشاء. فلما ولدت ~~مارية إبراهيم لجت بهن الغيرة أعظم لجاج، وكانت بعائشة ألج. ومد لهن في لجاج الغيرة بهن هذا الرفق ~~الذي كان محمد يعاملهن به، وهذه المكانة التي رفعهن إليها. ومحمد ليس خليا فيشغل وقته بهذا ~~اللجاج ويدع نفسه لعبث نسائه، فلا بد من درس فيه حزم وفيه صرامة يرد الأمور بين أزواجه إلى ~~نصابها. ويدع له طمأنينة التفكير فيما فرض الله عليه من الدعوة إلى رسالته. وليكن هذا الدرس هجرهن ~~والتهديد بفراقهن؛ فإن ثبن إلى رشادهن فذاك، وإلا متعهن وسرحهن سراحا جميلا. # وانقطع النبي عن نسائه شهرا كاملا لا يكلم أحدا في شأنهن، ولا يجرؤ أحد أن يفاتحه في ~~حديثهن. وفي خلال هذا الشهر اتجه بتفكيره إلى ما يجب عليه وعلى المسلمين للدعوة إلى الإسلام، ولمد ~~سلطانه إلى ما وراء شبه ms426 الجزيرة. على أن أبا بكر وعمر وأصهار النبي جميعا كانوا في قلق أشد القلق ~~على ما قدر مصيرا لأمهات المؤمنين، وما يتعرضن له من غضب رسول الله، وما يجر إليه غضب الرسول ~~من غضب الله وغضب ملائكته، بل لقد قيل: إن النبي طلق حفصة بنت عمر، بعد الذي كان من إفشائها ما ~~وعدت أن تكتمه. وقد سرى الهمس بين المسلمين أن النبي مطلق أزواجه. وأزواجه خلال ذلك مضطربات ~~نادمات، أن دفعتهن الغيرة إلى إيذاء هذا الزوج الرفيق بهن، هو منهن الأخ والأب والابن وكل ما في ~~الحياة وما وراء الحياة. وجعل محمد يقضي أكثر وقته في خزانة له ذات مشربة، يجلس غلامه رباح على أسكفتها # 5 # ما أقام هو بالخزانة، ويرقى هو إليها على جذع من نخل هو الخشونة كل الخشونة. # وإنه لفي خزانته يوم أوفى الشهر الذي نذر فيه هجر نسائه على التمام، وقد أقام المسلمون ~~بالمسجد مطرقين ينكتون الحصى ويقولون: طلق رسول الله # صلى الله عليه وسلم # نساءه، ويأسون لذلك أسى يبدو على ~~وجوههم واضحا عميقا، إذ قام عمر من بينهم فقصد إلى مقام النبي بخزانته، ونادى غلامه رباحا كي ~~يستأذن له على رسول الله. ونظر إلى رباح يروم الجواب، فإذا رباح لا يقول شيئا علامة أن النبي لم ~~يأذن. فكرر عمر النداء؛ ولم يجب رباح مرة أخرى. فرفع عمر صوته قائلا: «يا رباح استأذن لي عندك ~~على رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فإني أظنه ظن أني جئت من أجل حفصة. والله لئن أمرني بضرب عنقها لأضربن ~~عنقها.» وأذن النبي، فدخل عمر فجلس ثم أجال بصره فيما حوله وبكى. قال محمد: ما يبكيك يا بن ~~الخطاب؟ وكان الذي أبكاه هذا الحصير الذي رأى النبي مضطجعا عليه وقد أثر في جنبه، والخزانة لا ~~شيء فيها إلا قبضة من شعير ومثلها من قرظ وأفيق # 6 # معلق. # فلما ذكر عمر ما يبكيه علمه محمد من وجوب الإعراض عن الدنيا ما رد إليه طمأنينته، ثم قال ~~عمر: يا رسول الله، ما ms427 يشق عليك من أمر النساء؟ إن كنت طلقتهن فإن الله معك وملائكته وجبريل ~~وميكائيل وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك. ثم انعكف يحدث النبي حتى تحسر الغضب عن وجهه وحتى ضحك، ~~فلما رأى عمر ذلك منه ذكر له أمر المسلمين بالمسجد وما يذكرون من طلاقه نساءه، فلما ذكر النبي أنه ~~لم يطلقهن استأذنه في أن يفضي بالأمر إلى أولئك المقيمين بالمسجد ينتظرون. ونزل إلى المسجد. ~~فنادى بأعلى صوته: لم يطلق رسول الله # صلى الله عليه وسلم # نساءه. وفي هذه القصة نزلت الآيات الكريمة: # يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي ~~مرضات أزواجك والله غفور رحيم * قد فرض الله لكم ~~تحلة أيمانكم والله مولاكم وهو العليم الحكيم * ~~وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به ~~وأظهره الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض فلما نبأها ~~به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير * ~~إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن ~~الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ~~ظهير * عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا ~~منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات ~~وأبكارا ~~. # 7 # وبذلك انتهى الحادث، وثاب إلى نساء النبي رشادهن، ورجع هو إليهن تائبات عابدات مؤمنات، وعادت ~~إلى حياته البيتية السكينة التي يحتاج إليها كل إنسان لأداء ما فرض عليه أداؤه. # ما قصصت الآن، عن هجر محمد نساءه وتخييره إياهن ومقدمات هذا الهجر ونتائجه والوقائع التي سبقت ~~وأدت إليه، هو في رأيي الرواية الصحيحة لتاريخ هذا الحادث. وهي رواية يتضافر على تأييدها ما جاء ~~في كتب التفسير وفي كتب الحديث، وما جاء متفرقا عن أخبار محمد ونسائه في كتب السيرة المختلفة. ~~بيد أنه لم تكن واحدة من هذه السير تقص الحوادث أن تضع المقدمات والنتائج بالصورة التي سردناها ~~ههنا. وأكثر السير تمر بهذا الحادث مرا دون أن تقف عنده؛ وكأنما تجده خشن الملمس فتخشى أن ~~تقربه. وبعضها يقف عند رواية خبر العسل والمغافير. ولا يشير بكلمة ms428 إلى مسألة حفصة ومارية. فأما ~~المستشرقون فيجعلون مسألة حفصة ومارية وإفضاء حفصة إلى عائشة بما عاهدت النبي أن تكتمه، سبب كل ~~الذي وقع؛ ليحاولوا بذلك أن يضيفوا جديدا لما يلقون في روع قرائهم عن النبي العربي من أنه كان ~~رجلا محبا للنساء حبا معيبا. # وعندي أن المؤرخين المسلمين لا عذر لهم في إغفال هذه الوقائع ولها مغزاها الدقيق الذي سقنا ~~شيئا من أمره، وأن المستشرقين يتخطون الدقة التاريخية متأثرين في ذلك بهواهم المسيحي. فالنقد ~~التاريخ النزيه يأبى كل الإباء على أي إنسان ، بله عظيم كمحمد، أن يجعل من إفضاء حفصة لعائشة ~~بأنها وجدت زوجها في بيتها مع مولاة له هي ملك يمينه، فهي بذلك حل له، سببا لهجر محمد نساءه ~~جميعا شهرا كاملا، وتهديده إياهن جميعا بأن يطلقهن. والنقد التاريخي النزيه يأبى كذلك أن تكون ~~حكاية العسل سبب هذا الهجر والتهديد. فإذا كان الرجل عظيما كمحمد، رقيقا كمحمد، واسع الصدر طويل ~~الأناة متصفا بما لمحمد من سائر الصفات التي يقر له بها مؤرخوه جميعا على سواء، كان اعتبار أي ~~الحادثين لذاته سببا لهذا الهجر والتهديد بالطلاق مما يزور عند النقد التاريخي وينأى عنه بجانبه ~~أشد النأي، وإنما يطمئن هذا النقد ويستقيم منطق التاريخ إذا سيقت الحوادث المساق الذي لا مفر معه ~~من أن تؤدي إلى نتائجها المحتومة، فتصبح بذلك أمورا طبيعية يسيغها العقل ويرضاها العلم. وما ~~فعلنا نحن هو في نظرنا المساق الطبيعي للحوادث، وهو الذي يتفق مع حكمة محمد وعظمته وحزمه وبعد ~~نظره. # ويتحدث بعض المستشرقين عما نزل من الآيات في مستهل سورة التحريم مما نقلنا هنا، ويذكر أن كتب ~~الشرق المقدسة جميعا لم تشر إلى مثل هذا الحادث المنزلي على هذه الصورة. وما أحسبنا في حاجة إلى ~~أن نذكر ما ورد بالكتب المقدسة جميعا، والقرآن من بينها، عن قوم لوط ونقيصتهم، وما كان من ~~مجادلتهم الملكين ضيفي لوط، ولا ما ورد في هذه الكتب عن امرأته وأنها كانت من الغابرين. بل إن ~~التوراة لتقص نبأ ابنتي لوط، إذ ms429 سقتا أباهما حتى ثمل ليلتين متتاليتين ليمس كل واحدة منهما ليلة ~~كيما يخصبها فتلد، مخافة فناء آل لوط بعد أن أنزل الله بهم من الجزاء ما أنزل. ذلك بأن الكتب ~~المقدسة جميعا جعلت من قصص الرسل وسيرهم وما صنعوا وما أصابهم عبرة للناس. وقد جاء في القرآن ~~كثير من ذلك، قص الله فيه على رسوله أحسن القصص. # والقرآن لم ينزل لمحمد وحده، وإنما نزل للناس كافة. ومحمد نبي ورسول خلت من قبله الرسل الذين ~~قص القرآن أخبارهم. فإذا قص القرآن من أخبار محمد وتناول من سيرته ليكون للمسلمين مثلا، وليكون ~~للمسلمين فيه أسوة حسنة، وأشار إلى حكمته في تصرفاته فلا شيء من ذلك يخرج عما أوردت سائر الكتب ~~المقدسة وما أورد القرآن من سير الأنبياء. فإذا ذكرت أن هجر محمد نساءه لم يكن لسبب منفرد من ~~الأسباب التي رويت في شأنه، ولم يكن لأن حفصة أفضت إلى عائشة بما فعل محمد مع مارية مما يحق لكل ~~رجل مع أزواجه وما ملكت يمينه، رأيت في هذه الملاحظة التي يبديها بعض المستشرقين ما لا يثبت أمام ~~النقد التاريخي، ولا يتفق مع ما جرت به الكتب المقدسة في شأن الأنبياء وحياتهم وأخبارهم. # الفصل السابع والعشرون # | تبوك وموت إبراهيم # (الخراج وجبايته - أنباء تهيؤ الروم - نفير محمد في المسلمين ليتهيئوا للقتال بالشام - الخوالف ~~المنافقون - شدة محمد معهم - الجيش العرم - في لظى الطريق إلى الشام - انسحاب الروم خوفا من محمد - ~~عهده ليوحنا والأمراء الحدود - العود إلى المدينة - مرض إبراهيم ووفاته وبكاء محمد إياه) ~~*** # لم يغير هذا الحادث المنزلي وهذا الإضراب والاضطراب بين النبي وأزواجه من سير الشئون العامة ~~شيئا. وكانت الشئون العامة بعد فتح مكة وإسلام أهلها قد بدأ يتضاعف خطرها، وقد بدأت العرب جميعا ~~تحس جلال هذا الخطر. فالبيت الحرام كان بيت العرب المقدس يحجون إليه منذ أجيال طويلة. وهذا البيت ~~الحرام وما يتصل به من سدانة ورفادة وسقاية وما يتصل بالحج من مختلف الشعائر، قد أصبح في حكم محمد ~~وفي حكم الدين الجديد. فلا ms430 جرم إذن أن تزداد شئون المسلمين العامة لفتح مكة، وأن يزداد المسلمون ~~إحساسا بسلطانهم في كل ناحية من شبه الجزيرة. وازدياد الشئون العامة يحتاج بطبعه إلى مزيد في ~~النفقات العامة. لذلك لم يكن بد من أن يدفع المسلمون زكاة العشر، وأن يدفع العرب الذين أصروا على ~~جاهليتهم ما يفرض عليهم من خراج. قد يحرجهم ذلك، وقد يدعوهم إلى التذمر وإلى أكثر من التذمر؛ لكن ~~ما اتصل بالدين الجديد من نظام في شبه الجزيرة جديد لم يجعل من جمع العشر والخراج مخرجا. # ولهذه الغاية أوفد محمد عاشريه بعد قليل من عوده من مكة ليجمعوا له عشر إيراد القبائل التي ~~دانت للإسلام من غير أن يتعرضوا لأصول أموالها. وذهب كل واحد من هؤلاء وجهته، فتلقتهم القبائل ~~بالترحاب ودفعت لهم زكاة العشر طيبة بدفعها نفوسهم؛ لم يند عن ذلك غير فرع من بني تميم وغير بني ~~المصطلق ... فبينما كان العاشر يقتضي قبائل في جوار بني تميم زكاة العشر وهم يدفعونها من إبلهم ~~وأموالهم، سارعت إليه بنو العنبر (فخذ من بني تميم) قبل أن يطالبها بزكاتها تحمل نبالها وسيوفها ~~وطردته من أرضها. فلما بلغ الخبر محمدا بعث إليهم عيينة بن حصن على رأس خمسين فارسا انقضوا ~~عليهم في سر منهم ففروا، وأصاب المسلمون الأسرى والسبايا وهم يزيدون على خمسين رجلا وامرأة ~~وطفلا وعادوا موفورين إلى المدينة، وحبس النبي هؤلاء الأسرى. # وكان من بني تميم جماعة أسلموا وقاتلوا إلى جانب النبي عند فتح مكة وفي حنين. وكان منهم من لا ~~يزال على جاهليته. فلما عرفوا ما أصاب أصحابهم من بني العنبر أرسلوا إلى النبي وفدا من أشرافهم ~~نزلوا إلى المدينة ودخلوا المسجد ونادوا النبي من وراء حجراته أن اخرج إلينا يا محمد. وآذى ~~نداؤهم النبي، فما كان ليخرج إليهم لولا أن أذن لصلاة الظهر. فلما رأوه ذكروا ما صنع عيينة ~~بأهلهم، كما ذكروا ما كان لمن أسلم منهم من جهاد إلى جانبه، وما لقومهم من مكانة بين العرب. ثم ~~قالوا له: إنا جئناك نفاخرك. فأذن ms431 لشاعرنا وخطيبنا، فقام خطيبهم عطارد بن حاجب؛ فلما فرغ دعا رسول ~~الله ثابت بن قيس ليرد عليه. ثم قام شاعرهم الزبرقان بن بدر فأنشد، وأجابه حسان بن ثابت. فلما ~~انتهت المفاخرة، قال الأقرع بن حابس: وأبي إن هذا الرجل لمؤتى له، لخطيبه أخطب من خطيبنا، ~~ولشاعره أشعر من شاعرنا، ولأصواتهم أعلى من أصواتنا. وأسلم القوم؛ فأعتق النبي الأسرى وردهم إلى ~~قومهم. # فأما بنو المصطلق فإنهم لما رأوا الصيرف فر هاربا خافوا عاقبة أمرهم، وأوفدوا إلى النبي من ~~ذكر له أن الخوف في غير محل له هو الذي أدى إلى ما وقع من سوء الفهم. # ولم تكن ناحية من نواحي شبه الجزيرة إلا بدأت تحس سلطان محمد. ولم تحاول طائفة أو قبيلة أن ~~تقاوم هذا السلطان إلا بعث النبي إليها قوة تحملها على الإذعان بدفع الخراج والبقاء على دينها، أو ~~الإسلام ودفع الزكاة. # وفيما كانت عينه على بلاد العرب جميعا حتى لا ينتقض فيها منتقض، وحتى يستتب الأمن في ربوعها ~~من أقصاها إلى أقصاها، إذ اتصل به نبأ من بلاد الروم أنها تهيئ جيوشا لغزو حدود العرب الشمالية ~~غزوا ينسي الناس انسحاب العرب الماهر في مؤتة، وينسي الناس ذكر العرب وسلطان المسلمين الزاحف ~~في كل ناحية ليتاخم سلطان الروم في الشام وسلطان فارس في الحيرة. واتصل به هذا النبأ مجسما أيما ~~تجسيم. فلم يتردد هنيهة في تقرير مواجهة هذه القوى بنفسه، والقضاء عليها قضاء يقضي في نفوس ~~سادتها على كل أمل في غزو العرب أو في التعرض لهم. وكان الصيف لما ينته والقيظ في أوائل الخريف ~~يصل إلى درجات تجعله أشد من قيظ الصيف في هذه الصحاري إرهاقا وقتلا. ثم إن الشقة من المدينة إلى ~~بلاد الشام طويلة شاقة تحتاج إلى الجلد وتحتاج إلى المئونة وإلى الماء. # إذن لا مفر من أن يطالع محمد الناس بعزمه السير إلى الروم وقتالهم، حتى يأخذوا لذلك عدتهم. ~~ولا مفر من أن يخالف بذلك تقاليده في سابق غزواته، حين كان يتوجه في كثير من الأحيان ms432 بجيشه إلى ~~غير الناحية التي إليها يقصد، تضليلا للعدو حتى لا يفشو خبر مسيرته. وأرسل محمد في القبائل ~~جميعا يدعوها للتهيؤ كيما تعد أكبر جيش يمكن إعداده، وأرسل إلى أثرياء المسلمين ليشاركوا في ~~تجهيز هذا الجيش بما آتاهم الله من فضله، وليحرضوا الناس على الانضمام إليه حتى يكون من الأهبة ~~بما يدخل الروع في نفوس الروم الذين عرفوا بوفرة عدتهم وكثرة عديدهم. # بم عسى أن يستقبل المسلمون هذه الدعوة إلى هجر أبنائهم ونسائهم وأموالهم في شدة القيظ ليقطعوا ~~فيافي وصحاري مجدبة قليلة الماء، ثم ليلقوا عدوا غلب الفرس ولم يقهره المسلمون؟! أفيدفعهم ~~إيمانهم وحبهم للرسول وشديد تعلقهم بدين الله إلى الإقبال على دعوته متدافعين بالمناكب حتى يضيق ~~بهم فضاء الصحراء، دافعين أمامهم أموالهم وإبلهم، مدرعين بسلاحهم مثيرين أمامهم من النقع ما إن ~~يكاد يبلغ العدو نبؤه حتى يولي الأدبار لا يلوي على شيء؟ أم تمسكهم مشقة الطريق وشدة الحر ومخافة ~~الجوع والعطش فيتقاعسون ويتراجعون؟ لقد كان في المسلمين يومئذ من هؤلاء وأولئك: كان فيهم أولئك ~~الذين أقبلوا على الدين بقلوب ممتلئة هدى ونورا. ونفوس غمرها ضياء الإيمان فلا تعرف غيره، وكان ~~فيهم من دخل دين الله رغبا ورهبا؛ رغبا في مغانم الحرب بعد أن أصبحت قبائل العرب كلها لا تثبت ~~أمام غزو المسلمين فتسلم لهم وتؤدي إليهم الجزية عن يد وهي صاغرة، ورهبا من هذه القوة التي تضرب ~~أمامها كل قوة، ويخشى سلطانها كل ملك. فأما الأولون فأقبلوا يلبون دعوة رسول الله خفافا مسرعين. ~~ومنهم الفقير الذي لا يجد الدابة يحمل نفسه عليها، ومنهم الغني ماله بين يديه يقدمه في سبيل الله ~~راضية نفسه طامعا في الاستشهاد والانحياز إلى جوار الله، وأما الآخرون فتثاقلوا وبدءوا يلتمسون ~~الأعذار، وجعلوا يتهامسون فيما بينهم. ويهزءون بدعوة محمد إياهم لهذا الغزو النائي في ذلك الجو ~~المحرق. هؤلاء هم المنافقون الذين نزلت فيهم سورة التوبة، وفيها أعظم دعوة للجهاد وأشد تخويف من ~~عذاب الله يصيب من تخلف عن إجابة رسوله. # قال قوم من المنافقين بعضهم ms433 لبعض: لا تنفروا في الحر؛ فنزل قوله تعالى: # وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا ~~يفقهون * فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما ~~كانوا يكسبون ~~. # 1 # قال محمد للجد بن قيس أحد بني سلمة: «يا جد، هل لك العام في جلاد بني الأصفر؟» فقال: «يا ~~رسول الله، أوتأذن لي ولا تفتني، فوالله لقد عرف قومي أنه ما من رجل أشد عجبا بالنساء مني. ~~وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر ألا أصبر.» (وبنو الأصفر هم الروم). فأعرض عنه رسول الله. وفيه ~~نزلت هذه الآية: # ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ~~ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين ~~. # 2 # وانتهز الذين تنطوي قلوبهم على بغضاء محمد هذه الفرصة ليزيدوا المنافقين نفاقا وليحرضوا ~~الناس على التخلف عن القتال. هؤلاء لم ير محمد أن يتهاون معهم خيفة أن يستفحل أمرهم، ورأى أن ~~يأخذهم أخذ عزيز مقتدر. بلغه أن ناسا منهم يجتمعون في بيت سويلم اليهودي، يثبطون الناس ويلقون في ~~نفوسهم التخاذل والتخلف عن القتال؛ فبعث إليهم طلحة بن عبيد الله في نفر من أصحابه، فحرق عليهم ~~بيت سويلم، ففر أحدهم من ظهر البيت فانكسرت رجله، واقتحم الباقون النار فأفلتوا، ولكنهم لم يعودوا ~~لمثلها، ثم كانوا مثلا لغيرهم، فلم يجرؤ أحد بعدهم على مثل فعلهم. # وقد كان لهذه الشدة في أخذ المنافقين ومن معهم أثرها؛ فقد أقبل الأغنياء وذوو اليسار فأنفقوا ~~نفقة عظيمة لتجهيز الجيش. أنفق عثمان بن عفان وحده ألف دينار، وأنفق كثيرون غيره، كل في حدود ~~طاقته. وتقدم كل قادر على نفقة نفسه بعدته ونفقته. وأقبل كثيرون من الفقراء يريدون أن يحملهم ~~النبي معه، فحمل منهم من استطاع، واعتذر إلى الباقين وقال: لا أجد ما أحملكم عليه، فتولوا وأعينهم ~~تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون. ولبكائهم هذا أطلق عليهم اسم البكائين. واجتمع لمحمد في ~~هذا الجيش، الذي سمي جيش العسرة لشدة ما لاقى منذ يوم تكوينه، ثلاثون ألفا من المسلمين. # اجتمع الجيش وقام أبو ms434 بكر فيه يؤم الناس للصلاة في انتظار عود محمد من تدبير شئون المدينة في ~~أثناء غيبته. وقد استخلف عليها محمد بن مسلمة وخلف علي بن أبي طالب على أهله وأمره بالإقامة ~~فيهم، وأصدر ما رأى أن يصدر من الأوامر، ثم عاد إلى الجيش يتولى قيادته. وكان عبد الله بن أبي ~~قد خرج في جيش من قومه يسير به إلى جانب جيش محمد. لكن النبي رأى أن يظل عبد الله وجيشه بالمدينة، ~~لأنه كان بعد ضعيف الثقة به وبصحة إيمانه. وأمر فتحرك الجيش، وثار النقع ، وصهلت الخيل، وارتقت ~~نساء المدينة سقفها يشهدن هذا الجحفل الجرار، يتوجه مخترقا الصحراء صوب الشام، مستهينا في سبيل ~~الله بالحر والظمأ والمسغبة، تاركا وراءه القواعد والخوالف ممن آثروا الظل والنعمة واللذة على ~~إيمانهم وعلى رضا الله عنهم. # ولقد حرك منظر الجيش يتقدمه عشرة آلاف فارس ومنظر النسوة مأخوذات بجلاله وقوته بعض نفوس ~~لم تحركها دعوة الرسول فتقاعست ولم تتبعه. رجع أبو خيثمة بعد أن رأى هذا المنظر، فوجد امرأتين له ~~قد رشت كل واحدة منهما عريشها وبردت له فيه ماء وهيأ له فيه طعاما. فلما رأى الرجل ما صنعتا ~~قال: رسول الله في الضح والريح والحر وأبو خيثمة في ظل بارد وطعام مهيأ وامرأة حسناء في ماله ~~مقيم؟! هيئا لي زادا حتى ألحق به. فهيأتا له زاده ولحق بالجيش. ولعل جماعة من الخوالف قد فعلوا ~~فعل أبي خيثمة، بعد أن رأوا ما في التقاعس والخوف من شنار ومذلة. # وسار الجيش حتى بلغ الحجر، وبها أطلال لمنازل ثمود منقورة في الصخر. هنالك أمر رسول الله ~~بالنزول، فاستقى الناس من بئرها. فلما راحوا قال لهم: لا تشربوا من مائها شيئا ولا تتوضئوا منه ~~للصلاة، وما كان من عجين عجنتموه فأعلفوه الإبل ولا تأكلوا منه شيئا، ولا يخرجن أحد منكم الليلة ~~إلا ومعه صاحب له. ذلك أن المكان لم يكن أحد يمر به، وكان تعصف فيه أحيانا عواصف الرمل تطمر ~~الناس والإبل. ولقد خرج رجلان على خلاف أمر الرسول، ms435 فاحتملت أحدهما الريح وطمت الآخر الرمال. فلما ~~أصبح الناس ألفوا هذه الرمال قد طمرت البئر فلم يبق بها ماء، ففزعوا خيفة الظمأ، وقدروا هول ما ~~بقي من طول الطريق. وإنهم لكذلك إذ مرت بهم سحابة أمطرتهم، فارتووا وأصابوا من الماء ما شاءوا ~~وزايلهم الفزع، وطار أكثرهم سرورا، وأقبل بعض منهم على بعض يقولون إنها معجزة. أما آخرون فقالوا: ~~إنما هي سحابة مارة. # وانطلق الجيش بعد ذلك قاصدا تبوك، وكانت الروم قد بلغها أمر هذا الجيش وقوته، فآثرت الانسحاب ~~بجيشها الذي كانت وجهت إلى حدودها ليحتمي داخل بلاد الشام في حصونها. فلما انتهى المسلمون إلى ~~تبوك وعرف محمد أمر انسحاب الروم ونمى إليه ما أصابهم من خوف، لم ير محلا لتتبعهم داخل ~~بلادهم. # وأقام عند الحدود يناجز من شاء أو ينازله أو يقاومه، ويعمل لكفالة هذه الحدود حتى لا يتخطى من ~~بعد ذلك إليه أحد. وكان يوحنا بن رؤبة صاحب أيلة أحد الأمراء المقيمين على الحدود. ولقد وجه ~~إليه النبي رسالة أن يذعن أو يغزوه فأقبل يوحنا وعلى صدره صليب من ذهب، وقدم الهدايا والطاعة، ~~وصالح محمدا وأعطاه الجزية، كما صالحه أهل الجرباء # 3 # وأذرح # 4 # وأعطوه الجزية. # وكتب رسول الله لهم كتب أمن، هذا نص أحدها - وهو ما كتب ليوحنا: «بسم الله الرحمن الرحيم هذه ~~أمنة من الله ومحمد النبي رسول الله ليوحنة بن رؤبة وأهل أيلة سفنهم وسيارتهم في البر والبحر لهم ~~ذمة الله ومحمد النبي ومن كان معهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر. فمن أحدث منهم حدثا فإنه ~~لا يحول ماله دون نفسه، وإنه طيب لمحمد أخذه من الناس. وإنه لا يحل أن يمنعوا ماء يردونه ولا ~~طريقا يريدونه من بر أو بحر.» وإيذانا بالموافقة على هذا العهد أهدى محمد إلى يوحنا رداء من ~~نسج اليمن وأحاطه بكل صنوف الرعاية، بعد أن اتفق على أن تدفع أيلة جزية قدرها ثلاثمائة دينار في ~~كل عام. # لم يبق محمد في حاجة إلى القتال بعد انسحاب الروم، وبعد معاهدة ms436 البلاد الواقعة على الحدود ~~معه، وبعد أن أمنه عودة الجيوش البزنطية من هذه الناحية لولا خيفة انتقاض أكيدر بن عبد الملك ~~الكندي النصراني أمير دومة، # 5 # ومعاونته جيوش الروم إذا جاءت من ناحيته. ولذلك بعث النبي إليه خالد بن الوليد في ~~خمسمائة فارس وانقلب بجيشه راجعا إلى المدينة. وأسرع خالد بالانتقاض على دومة في غفلة من مليكها ~~الذي خرج في ليلة مقمرة ومعه أخ له يسمى حسان يطاردان بقر الوحش. ولم يلق خالد مقاومة تذكر، ~~فقتل حسان وأخذ أكيدر أسيرا وهدده بالقتل إن لم تفتح دومة أبوابها . وفتحت المدينة الأبواب ~~فداء لأميرها، وساق خالد منها ألفي بعير وثمانمائة شاة وأربعمائة وسق من بر وأربعمائة درع، وذهب ~~بها ومعه أكيدر حتى لحق بالنبي في عاصمته. وعرض محمد الإسلام على أكيدر فأسلم وأصبح له ~~حليفا. # لم يكن عود محمد على رأس هذه الألوف من جيش العسرة من حدود الشام إلى المدينة بالأمر الهين. ~~فلم يدرك كثيرون من هؤلاء مغزى الاتفاق الذي عقد مع أمير أيلة والبلاد المجاورة له، ولم يقيموا ~~كبير وزن لما حققه محمد بهذه الاتفاقات من تأمين حدود شبه الجزيرة، وإقامة هذه البلاد معاقل بينه ~~وبين الروم، بل كان كل الذي نظروا إليه أنهم قطعوا هذه الشقة الطويلة وتحملوا في قطعها ما تحملوا ~~من الأذى، ثم عادوا لم يغنموا ولم يأسروا، بل لم يقاتلوا: وكل الذي فعلوا أن أقاموا بتبوك قرابة ~~عشرين يوما. فهل لهذا قطعوا الصحراء في شدة القيظ في حين كانت ثمار المدينة قد طابت وآن أن ~~يستمتع الناس بها؟! وجعل جماعة منهم يستهزئون بما فعل محمد؛ ونقل من ملأ الإيمان قلوبهم نبأهم ~~إليه. فأخذ المستهزئين بالشدة حينا وباللين حينا، والجيش يسير قافلا إلى المدينة ومحمد يحفظ ~~النظام في صفوفه. حتى إذا انتهى إليها لم يلبث ابن الوليد أن لحقه بها؛ لحقه ومعه أكيدر، وما حمل ~~من دومة من إبل وشاة وبر ودروع، وعلى أكيدر حلة من ديباج موشى بالذهب بهت أهل المدينة ~~لمرآها. # هنالك اضطرب الذين تخلفوا ms437 عن اتباعه اضطرابا رد المستهزئين إلى صوابهم. جاء المتخلفون ~~يعتذرون وأكثرهم يشوب معاذيره الكذب. وأعرض محمد عما صنعوا تاركا لله حسابهم. لكن ثلاثة صدقوا ~~الله ورسوله فاعترفوا بتخلفهم واعترفوا بذنبهم. هؤلاء الثلاثة هم كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، ~~وهلال بن أمية. وهؤلاء الثلاثة أمر محمد فأعرض المسلمون عنهم خمسين يوما لا يكلمهم أحد ولا تصل ~~بينهم وبين مسلم تجارة. ثم تاب الله على هؤلاء الثلاثة وعفا عنهم ونزل فيهم قوله تعالى: # لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين ~~اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ~~ثم تاب عليهم إنه بهم رءوف رحيم * وعلى ~~الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت ~~وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ~~ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم ~~. # 6 # من يومئذ بدأ محمد يشتد في معاملة المنافقين شدة لم يألفوها من قبل؛ ذلك أن عدد المسلمين زاد ~~زيادة تجعل عبث المنافقين بهم خطرا يخشى منه ويجب تلافيه وعلاجه. ولم يقم بنفس محمد ريب، بعد أن ~~وعده ربه لينصرن دينه وليعلين كلمته في أنهم سيزدادون من بعد أضعاف زيادتهم اليوم، وعند ذلك يصبح ~~المنافقون خطرا عظيما. ولقد كان له من قبل. حين كان الإسلام محصورا بالمدينة وما حولها أن يشرف ~~بنفسه على ما يجري بين المسلمين. أما وقد انتشر الدين في أنحاء بلاد العرب جميعا، وها هو ذا ~~يشارف الانتقال منها فكل تهاون مع المنافقين شر تخشى مغبته، وخطر ما أسرع ما يستشري إذا لم تجتث ~~جرثومته. بنى جماعة مسجدا بذي أوان، بينه وبين المدينة نحو ساعة؛ وإلى هذا المسجد كان يأوي جماعة ~~من المنافقين يحاولون أن يحرفوا كلام الله عن مواضعه، وأن يفرقوا بذلك بين المؤمنين ضرارا ~~وكفرا. وطلبت هذه الجماعة إلى النبي أن يفتتح المسجد بالصلاة فيه. وكان طلبهم هذا قبل تبوك، ~~فاستمهلهم حتى يعود. فلما عاد وعرف أمر المسجد وحقيقة ما قصد إليه من إقامته أمر ms438 بإحراقه، فضرب ~~بذلك مثلا ارتعدت له فرائص المنافقين فخافوا وانزووا، ولم يبق لهم من يحميهم إلا عبد الله بن ~~أبي شيخهم وقائدهم. # على أن عبد الله لم يعمر بعد تبوك غير شهرين مرض إثرهما ومات. ومع أن الحقد على المسلمين قد ~~كان يأكل قلبه منذ نزل النبي المدينة؛ فقد آثر محمد ألا ينال المسلمون ابن أبي بسوء. ولم يلبث ~~النبي حين دعي للصلاة عليه لما مات أن صلى وقام على قبره إلى أن دفن وفرغ منه. وبموته انهار ركن ~~المنافقين، وآثر من بقي منهم أن يخلص لله توبته . # بغزوة تبوك تمت كلمة ربك في شبه الجزيرة كلها، وأمن محمد كل عادية عليها، وأقبل سائر أهلها ~~وفودا عليه يقدمون الطاعة ويعلنون لله الإسلام. ولقد كانت هذه الغزوة خاتمة غزوات النبي - عليه ~~السلام - ومن بعدها أقام محمد بالمدينة مغتبطا بما أفاء الله عليه. # وكان ابنه إبراهيم قرة عينه له ستة عشر شهرا أو ثمانية عشر شهرا، فكان إذا فرغ من استقباله ~~الوفود، ومن القيام بأمر المسلمين، ومن أداء حق الله ورسالته وحق أهله جميعا لهم، اطمأنت نفسه ~~برؤية هذا الطفل الذي ظل يترعرع وينمو ويزداد شبهه بمحمد وضوحا مما يزيد أباه له حبا وبه ~~تعلقا. وخلال هذه الأشهر جميعا كانت حاضنته أم سيف ترضعه وتسقيه لبن الماعز التي أهداها النبي ~~إليها. # ولم يكن تعلق محمد بإبراهيم لغاية في نفسه لها اتصال برسالته أو بمن يخلفه؛ فقد كان - عليه ~~السلام - في إيمانه بالله وبرسالته لا يفكر في ولده ولا فيمن يرثه؛ بل كان يقول: «نحن معاشر ~~الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة.» إنما هي العاطفة الإنسانية في أسمى معانيها؛ العاطفة ~~الإنسانية التي بلغت من السمو في نفس محمد ما لم تبلغه في نفس أحد غيره؛ العاطفة الإنسانية التي ~~جعلت العربي يرى فيمن يخلفه من الذكران صورة من صور الخلود - هذه العاطفة التي جعلت محمدا يخلع ~~على إبراهيم كل هذا الحب؛ ويرمقه من العطف بما لا عطف بعده. ولقد زاد هذه العاطفة رقة وقوة ms439 في ~~نفسه أن فقد ولديه القاسم والطاهر وهما ما يزالان طفلين في حجر أمهما خديجة، وأنه فقد بناته بعد ~~خديجة واحدة بعد الأخرى بعد أن كبرن وصرن أزواجا وأمهات؛ فلم تبق له منهن غير فاطمة. هؤلاء ~~الأبناء والبنات الذين تساقطوا من حوله فدفنهم بيده تحت صفائح الثرى، تركوا في نفسه قرحة ألم ~~اندملت بمولد إبراهيم وأثمرت مكانها رجاء وأملا؛ وكان حلا له أن يمتلئ بهذا الأمل غبطة ~~واستبشارا. # لكن هذا الأمل لم يكن ليطول إلا تلك الأشهر التي ذكرنا. فقد مرض إبراهيم بعدها مرضا خيف منه ~~على حياته ، فنقل إلى نخل بجوار مشربة أم إبراهيم، وقامت من حوله مارية وأختها سيرين تمرضانه. ~~ولم يطل بالطفل المرض. فلما كان في الاحتضار وأخبر النبي بأمره، أخذ بيد عبد الرحمن بن عوف ~~يعتمد عليه لشدة ألمه، حتى أتيا إلى النخل بجوار العالية التي تقوم المشربة اليوم مكانها. فوجد ~~إبراهيم في حجر أمه يجود بنفسه، فأخذه فوضعه وقلبه يجف ويده تضطرب وقد ملك الحزن عليه فؤاده، ~~وبدت صورة الألم على قسمات وجهه، وضعه في حجره وقال: «إنا يا إبراهيم لا نغني عنك من الله شيئا.» ~~ثم وجم وذرفت عيناه، والغلام يجود بنفسه، وأمه وأختها تصيحان فلا ينهاهما رسول الله! فلما استوى ~~إبراهيم جثمانا لا حراك به ولا حياة فيه، وانطفأ بموته ذلك الأمل الذي تفتحت له نفس النبي زمنا، ~~زادت عينا محمد تهتانا وهو يقول: «يا إبراهيم لولا أنه أمر حق، ووعد صدق، وأن آخرنا سيلحق ~~بأولنا، لحزنا عليك أشد من هذا.» وبعد أن وجم هنيهة قال: «تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما ~~يرضي الرب، وإنا يا إبراهيم عليك لمحزونون.» # ورأى المسلمون ما بمحمد من حزن، وحاول حكماؤهم أن يردوه عن الإمعان فيه، فذكروه بما نهى عنه؛ ~~فقال: «ما عن الحزن نهيت وإنما نهيت عن رفع الصوت بالبكاء. وإن ما ترون بي أثر ما في القلب من ~~محبة ورحمة. ومن لم يبد الرحمة لم يبد غيره عليه الرحمة.» أو كما قال. ثم ms440 إنه حاول كظم حزنه ~~وتبريد لوعته، ونظر إلى مارية وإلى سيرين نظرة عطف، وطلب إليهما أن تهونا عليهما قائلا: «إن له ~~لمرضعا في الجنة.» ثم إن أم بردة غسلته - أو غسله الفضل بن عباس، في رواية - وحمل من بيتها ~~على سرير صغير، وشيعه النبي وعمه العباس وطائفة من المسلمين إلى البقيع حيث دفن بعد أن صلى النبي ~~عليه. فلما تم دفنه أمر محمد بسد القبر ثم سوى عليه بيده ورش الماء وأعلم عليه بعلامة وقال: ~~«إنها لا تضر ولا تنفع، ولكنها تقر عين الحي. وإن العبد إذا عمل عملا أحب الله أن ~~يتقنه.» # ووافق موت إبراهيم كسوف الشمس؛ فرأى المسلمون في ذلك معجزة وقالوا إنها انكسفت لموته. وسمعهم ~~النبي: أترى فرط حبه لإبراهيم وشديد جزعه لموته قد جعله يتعزى بسماع مثل هذه الكلمة، أو يسكت ~~على الأقل عنها، أو يعذر الناس إذ يراهم مأخوذين بما يحسبونه المعجزة؟ كلا! فمثل هذا الموقف إن ~~لاق بالذين يستغلون في الناس جهالتهم، أو لاق بالذين يخرجهم الحزن عن رشادهم، فهو لا يليق ~~بالنزيه الحكيم، فما بالك بالرسول العظيم؟! لذلك نظر محمد إلى الذين ذكروا أن الشمس انكسفت لموت ~~إبراهيم فخطبهم فقال: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا تخسفان لموت أحد ولا لحياته. ~~فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله بالصلاة.» أية عظمة أكبر من ألا ينسى الرسول رسالته في أشد ~~المواقف التي تملأ نفسه بالفجيعة والهول؟! لقد وقف من تناول من المستشرقين هذا الحديث لمحمد موقف ~~الإجلال والإعظام، ولم يستطيعوا كتم إعجابهم وإكبارهم وإعلان عرفانهم بصدق رجل لا يرضى في أدق ~~المواقف إلا الصدق والحق. # ترى ماذا كان شعور أزواج النبي بفجيعته في إبراهيم وحزنه الشديد عليه؟ أما هو فتعزى بفضل ~~الله، وبمتابعته أداء رسالته، وبازدياد الإسلام انتشارا في هذه الوفود التي كانت ما تفتأ تتوارد ~~إليه من كل صوب؛ حتى لقد دعيت هذه السنة العاشرة من الهجرة سنة الوفود، وهي السنة التي حج أبو ~~بكر فيها كذلك بالناس. # الفصل الثامن والعشرون ms441 # | عام الوفود وحج أبي بكر بالناس # (دخول العرب أفواجا في دين الله - إسلام عروة بن مسعود الثقفي وقتل أهل الطائف له - أخذ القبائل ~~المجاورة الطريق على ثقيف - وفدها إلى النبي وشروطه - إسلام الوفد وإسلام الطائف وهدم صنمها اللات - ~~حج أبي بكر بالناس - لحاق علي بن أبي طالب به - سورة براءة - أساس الدولة الإسلامية المعنوي - ~~الجهاد في الإسلام وتسويغه) ~~*** # بغزوة تبوك تمت كلمة ربك في شبه جزيرة العرب كلها، وأمن محمد كل عادية عليها. والحق أنه لم ~~يكد يستقر بعد أن عاد من هذه الغزوة إلى المدينة حتى بدأ كل من أقام على شركه من أهل شبه الجزيرة ~~يفكر. ولئن كان المسلمون، الذين صحبوا محمدا في مسيره إلى الشام كابدوا من صنوف المشاق واحتملوا ~~من القيظ والظمأ أهوالا، قد عادوا وفي نفوسهم شيء من السخط أن لم يقاتلوا ولم يغنموا بسبب انسحاب ~~الروم إلى داخل الشام ليتحصنوا بمعاقلهم فيها. لقد ترك هذا الانسحاب في نفوس قبائل العرب ~~المحتفظة بكيانها وبدينها أثرا عميقا، وترك في نفوس قبائل الجنوب باليمن وحضرموت وعمان أثرا ~~أشد عمقا. أليس الروم هؤلاء هم الذين غلبوا الفرس واستردوا منهم الصليب وجاءوا به إلى بيت المقدس ~~في حفل عظيم، وفارس كانت صاحبة السلطان على اليمن وعلى البلاد المجاورة لها أزمانا ~~طويلة؟! # فإذا كان المسلمون على مقربة من اليمن ومن غيرها من البلاد العربية جمعاء، فما أجدر هذه ~~البلاد بأن تتضام كلها في تلك الوحدة التي تستظل بعلم محمد، علم الإسلام، لتكون بمنجاة من تحكم ~~الروم والفرس جميعا! وماذا يضر أمراء القبائل والبلاد أن يفعلوا وهم يرون محمدا يثبت من جاءه ~~معلنا الإسلام والطاعة في إمارته وعلى قبيلته؟! فلتكن السنة العاشرة للهجرة إذن سنة الوفود، ~~وليدخل الناس في دين الله أفواجا، وليكن لغزوة تبوك ولانسحاب الروم أمام المسلمين من الأثر أكثر ~~مما كان لفتح مكة والانتصار في حنين وحصار الطائف. # ومن حسن صنيع القدر أن كانت الطائف - التي قاومت النبي في أثناء حصارها ما قاومت حتى انصرف ~~المسلمون عنها دون ms442 اقتحامها - هي أول من أسرع إلى إعلان الطاعة بعد تبوك، وإن ترددت طويلا في ~~إعلان هذه الطاعة. فقد كان عروة بن مسعود - أحد سادة ثقيف المقيمين بالطائف - غائبا باليمن في ~~أثناء غزو النبي بلاده بعد موقعة حنين. فلما عاد إلى موطنه ورأى النبي انتصر في تبوك وعاد إلى ~~المدينة، أسرع إليه يعلن إسلامه وحرصه على دعوة قومه للدخول في دين الله. ولم يكن عروة ليجهل ~~محمدا وعظم أمره، وقد كان أحد الذين فاوضوه عن قريش في صلح الحديبية. وعرف النبي بعد إسلام عروة ~~اعتزامه الذهاب إلى قومه يدعوهم إلى الدين الذي دخل فيه، وكان النبي يعرف من تعصب ثقيف لصنمها ~~اللات ومن نخوتها وشدتها ما جعله يحذر عروة ويقول له: إنهم قاتلوك، لكن عروة اعتز بمكانه من ~~قومه فقال: يا رسول الله، أنا أحب إليهم من أبصارهم. # وذهب عروة فدعا قومه إلى الإسلام؛ فتشاوروا فيما بينهم ولم يبدوا له رأيا. فلما كان الصباح ~~قام على علية له ينادي إلى الصلاة. هنالك صدقت فراسة الرسول، فلم يطق قومه صبرا، فأحاطوا به ~~ورموه بالنبل من كل وجه فأصابه سهم قاتل. واضطرب من حول عروة أهله، فقال وهو يسلم الروح: «كرامة ~~أكرمني الله بها، وشهادة ساقها الله إلي. فليس في إلا ما في الشهداء الذين قتلوا مع رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم # قبل أن يرتحل عنكم.» ثم طلب أن يدفن مع الشهداء فدفنه أهله معهم. # ولم يذهب دم عروة هدرا، فإن القبائل التي تحيط بالطائف كانت قد أسلمت كلها، ولذلك رأت فيما ~~صنعت ثقيف بسيد من ساداتها إثما منكرا. ورأت ثقيف من أثر ذلك أنهم صاروا لا يأمن لهم سرب. ولا ~~يخرج منهم رجل إلا اقتطع، وأيقنوا أنهم إن لم يجدوا سبيلا إلى صلح أو هدنة مع المسلمين فمصيرهم ~~لا ريب إلى الفناء. وأتمر القوم فيما بينهم، وتحدثوا إلى كبير منهم (عبد ياليل)، كي يذهب إلى ~~النبي يعرض عليه صلح ثقيف معه. وخشي عبد ياليل أن يصيبه من قومه ما أصاب عروة ms443 بن مسعود، فلم يقبل ~~أن يخرج إلى محمد حتى أوفدوا معه خمسة آخرين، اطمأن إلى أنه إذا خرج معهم ثم عادوا شغل كل رجل ~~منهم رهطه. ولقي المغيرة بن شعبة القوم حين دنوا من المدينة، فأسرع يريد أن يخبر النبي خبرهم. ~~ولقيه أبو بكر يشتد في السير؛ فلما عرف منه ما جاء فيه طلب إليه أن يدع له هذه البشرى يزفها إلى ~~رسول الله، ودخل أبو بكر فأخبر النبي بقدوم وفد ثقيف. # وكان هذا الوفد ما يزال يعتز بقومه، وما يزال يذكر حصار النبي للطائف وانصرافه عنها. فمع ما ~~علمهم المغيرة كيف يحيون النبي بتحية الإسلام لم يرضوا حين قابلوه إلا أن يحيوه بتحية الجاهلية، ~~ثم إنهم ضربت لهم قبة خاصة في ناحية من المسجد أقاموا بها يصرون على الحذر من المسلمين وعدم ~~الطمأنينة إليهم. وكان خالد بن سعيد بن العاص هو الذي يمشي بينهم وبين رسول الله في مفاوضتهم ~~إياه؛ فكانوا لا يطعمون طعاما يأتيهم من عند النبي حتى يأكل منه خالد. وقام هذا بالسفارة، فأبلغ ~~محمدا أنهم مع استعدادهم للإسلام، يطلبون إليه أن يدع لهم صنمهم اللات ثلاث سنين لا يهدمها، وأن ~~يعفيهم من الصلاة. # وأبى محمد عليهم ما طلبوا من ذلك أشد إباء. ولقد نزلوا يطلبون أن يدع اللات سنتين، ثم أن ~~يدعها سنة، ثم أن يدعها شهرا واحدا بعد انصرافهم إلى قومهم، لكن إباءه ذلك كان حاسما لا تردد ~~فيه ولا هوادة. وكيف تريد من نبي يدعو إلى دين الله الواحد القهار ويهدم الأصنام فلا يذر منها ~~باقية، أن يتهاون في أمر صنم منها، وإن كان لقومه من المنعة ما كان لثقيف بالطائف؟! فالإنسان إما ~~أن يؤمن، وإما ألا يؤمن، وليس بين الطرفين إلا الارتياب والشك. والشك والإيمان لا يجتمعان في قلب ~~كما لا يجتمع الإيمان والكفر. وبقاء اللات طاغية ثقيف علم على أنهم لا يزالون يداولون عبادتهم ~~بينها وبين الله جل شأنه. وهذا إشراك بالله، والله لا يغفر أن يشرك به. # وطلبت ثقيف إعفاءها من ms444 الصلاة؛ فرفض محمد قائلا: إنه لا خير في دين لا صلاة فيه. ونزل ~~الثقفيون عن بقاء اللات وقبلوا الإسلام وإقامة الصلاة، لكنهم طلبوا ألا يكسروا أوثانهم بأيديهم. ~~إنهم حديثو عهد بإيمان، وقومهم ما يزالون في انتظارهم ليروا ما صنعوا، فليجنبهم محمد تحطيم ما ~~كانوا يعبدون وما كان يعبد آباؤهم، ولم ير محمد أن يشتد في هذه، فسيان أن يكسر الثقفيون الصنم وأن ~~يكسره غيرهم؛ فهو سيهدم، وستقوم في ثقيف عبادة الله وحده. قال عليه السلام: أما كسر أوثانكم ~~بأيديكم فسنعفيكم منه، ثم أمر عليهم عثمان بن أبي العاص وكان من أحدثهم سنا. أمره عليهم على ~~حداثة سنه؛ لأنه كان أحرصهم على الفقه في الإسلام وتعلم القرآن، بشهادة أبي بكر والسابقين إلى ~~الإسلام. وأقام القوم مع محمد ما بقي من رمضان، وصاموا وإياه وهو يبعث لهم بفطورهم وسحورهم. فلما ~~آن لهم أن ينصرفوا إلى قومهم أوصى محمد عثمان بن أبي العاص قائلا: «تجاوز في الصلاة واقدر الناس ~~بأضعفهم، فإن فيهم الكبير والصغير والضعيف وذا الحاجة.» # وعاد القوم إلى بلادهم، فوجه النبي معهم أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة، وكانت لهما ~~بثقيف مودة وحرمة، ليقوما بهدم اللات. وقدم أبو سفيان والمغيرة لهدم الصنم، فهدمه المغيرة ونساء ~~ثقيف حسرا يبكين، ولا يجرؤ أحد أن يقترب منه بعد الذي كان من اتفاق وفد ثقيف والنبي على هدمه. ~~وأخذ المغيرة مال اللات وحليها فقضى منه، بأمر الرسول وبالاتفاق مع أبي سفيان، دينا كان على عروة ~~والأسود. وبهدم اللات وبإسلام الطائف كانت الحجاز كلها قد أسلمت، وكانت سطوة محمد قد امتدت من ~~بلاد الروم في الشمال إلى بلاد اليمن وحضرموت في الجنوب. وكانت هذه البلاد الباقية في جنوب شبه ~~الجزيرة تتهيأ كلها لتنضم إلى الدين الجديد، ولتقف على الدفاع عنه وعن وطنها كل قوتها. وكانت ~~وفودها تسير لذلك من جهات مختلفة، قاصدة كلها إلى المدينة لتعلن الطاعة ولتدين بالإسلام. # بينما كانت الوفود تقبل تترى إلى المدينة، كانت الأشهر يتلو أحدها الآخر حتى اقترب موعد ~~الحج، ms445 ولم يكن النبي - عليه السلام - أدى الفريضة على تمامها يومئذ كما يؤديها المسلمون اليوم، ~~أفتراه يخرج في عامه هذا شكرا لله على ما نصره على الروم، وما أدخل الطائف في حظيرة الإسلام، وما ~~جعل الوفود تجيء إليه من كل فج عميق؟ إن شبه الجزيرة ما يزال بها من لم يؤمن بالله ورسوله، ما ~~يزال بها الكفار وما يزال بها اليهود والنصارى. والكفار على عهدهم في الجاهلية ما يزالون يحجون ~~إلى الكعبة في الأشهر الحرم. والكفار نجس. فليبق إذن بالمدينة حتى يتم الله كلمته وحتى يأذن الله ~~له بالحج إلى بيته، وليخرج أبو بكر في الناس حاجا. # وخرج أبو بكر في ثلاثمائة مسلم قاصدا إلى مكة. ولكن العام قد يتلو العام والمشركون ما يزالون ~~يحجون بيت الله الحرام. أليس بين محمد وبين الناس عهد عام ألا يصد عن البيت أحد جاءه، ولا ~~يخاف أحد في الأشهر الحرم؟! أليست بينه وبين قبائل من العرب عهود إلى آجال مسماة؟! فما دامت ~~هذه العهود فسيظل بيت الله يحج إليه من يشرك بالله ومن يعبد غير الله، وسيظل المسلمون يرون عبادة ~~الجاهلية تؤدى بأعينهم حول الكعبة وهم بحكم هذه العهود الخاصة وهذا العهد العام لا قبل لهم بصد ~~أحد عن حجه وعبادته. # وإذا كانت الأصنام التي يعبد العرب قد حطم الكثير منها وحطم منها كل ما كان في الكعبة أو ~~حولها، فإن هذا الاجتماع في بيت الله المقدس، اجتماعا يضم الثائرين على الشرك وعلى الوثنية ~~والمقيمين على هذا الشرك وهذه الوثنية، تناقض غير مفهوم. وإذا استطاع أحد أن يفهم حج اليهود ~~والنصارى جميعا إلى بيت المقدس على أن أرض المعاد لليهود ومولد المسيح للنصارى، فلن يستطيع أحد ~~أن يفهم اجتماع عبادتين حول بيت تحطم فيه الأصنام وتعبد فيه الأصنام التي حطمت. لذلك كان ~~طبيعيا أن يحال بين المشركين وبين الاقتراب من البيت الذي طهر من الشرك ومحيت منه كل معالم ~~الوثنية. وفي هذا نزلت الآيات من سورة براءة. لكن موسم الحج بدأ والمشركون قد أتى ms446 منهم من أتى من ~~كل فج يقضي مناسك حجه. فليكن هذا الاجتماع أوان تبليغهم أمر الله بنقض كل عهد بين الشرك والإيمان ~~إلا من عهد عقد لأجل فإنه يبق إلى أجله. # ولهذه الغاية أوفد النبي علي بن أبي طالب كي يلحق بأبي بكر، وكي يخطب الناس حين الحج يوم ~~عرفة بما أمر الله ورسوله. وحضر علي، في أثر أبي بكر والمسلمين الذين برزوا إلى الحج معه، كي ~~يؤدي رسالته. فلما رآه أبو بكر قال له: أمير أم مأمور! قال علي: بل مأمور. وأخبره بما جاء فيه، ~~وأن النبي إنما بعثه في الناس لأنه من أهل بيته. فلما اجتمع الناس بمنى يؤدون مناسك الحج، وقف ~~علي بن أبي طالب وإلى جانبه أبو هريرة، فنادى علي في الناس يتلو قوله تعالى: # براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من ~~المشركين * فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا ~~أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين * ~~وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله ~~بريء من المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خير لكم وإن ~~توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر الذين كفروا ~~بعذاب أليم * إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم ~~لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم ~~عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين * فإذا ~~انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم ~~واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم * ~~وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ~~ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون * ~~كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين ~~عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ~~إن الله يحب المتقين * كيف وإن يظهروا عليكم لا ~~يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى ~~قلوبهم وأكثرهم فاسقون * اشتروا بآيات الله ثمنا ~~قليلا فصدوا عن سبيله إنهم ساء ما كانوا يعملون * ~~لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وأولئك ms447 هم المعتدون * فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في ~~الدين ونفصل الآيات لقوم يعلمون * وإن نكثوا ~~أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر ~~ إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون * ألا تقاتلون ~~قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدءوكم أول ~~مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين * قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم ~~عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين * ويذهب غيظ ~~قلوبهم ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم * ~~أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم ~~يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير ~~بما تعملون * ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله ~~شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار ~~هم خالدون * إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله ~~واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله ~~فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين * أجعلتم ~~سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم ~~الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي ~~القوم الظالمين * الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في ~~سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك ~~هم الفائزون * يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان ~~وجنات لهم فيها نعيم مقيم * يا أيها الذين آمنوا ~~لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على ~~الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون * ~~قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم ~~وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها ~~أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى ~~يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين * ~~لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم ~~كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ~~ثم وليتم مدبرين * ثم أنزل الله سكينته على ~~رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين ~~كفروا وذلك جزاء الكافرين * ثم يتوب الله من بعد ~~ذلك على من يشاء والله غفور رحيم * يا أيها ~~الذين آمنوا ms448 إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام ~~بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله ~~إن شاء إن الله عليم حكيم * قاتلوا الذين لا يؤمنون ~~بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا ~~يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن ~~يد وهم صاغرون * وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت ~~النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول ~~الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون * ~~يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله * ~~إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون * هو الذي ~~أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو ~~كره المشركون * يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من ~~الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن ~~سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في ~~سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم * يوم يحمى عليها في ~~نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما ~~كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون * إن عدة ~~الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات ~~والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا ~~فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة ~~واعلموا أن الله مع المتقين ~~. # 1 # وقف علي في الناس وهم يؤدون مناسك الحج بمنى، فتلا عليهم هذه الآيات من سورة التوبة نقلناها ~~كاملة لغرض سنبينه. فلما أتم تلاوتها وقف هنيهة ثم صاح بالناس: «أيها الناس! إنه لا يدخل الجنة ~~كافر، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. ومن كان له عند رسول الله # صلى الله عليه وسلم # عهد ~~فهو إلى مدته.» صاح علي في الناس بهذه الأوامر الأربعة، ثم أجل الناس أربعة أشهر بعد ذلك ~~اليوم ليرجع كل قوم إلى مأمنهم وبلادهم. ومن يومئذ لم يحج مشرك، ولم يطف بالبيت عريان. ومن ~~يومئذ وضع الأساس الذي تقوم عليه الدولة الإسلامية. # هذا الأساس هو الذي جعلنا نسجل هنا صدر سورة التوبة كله. والحرص على ms449 أن يدرك العرب جميعا هذا ~~الأساس هو الذي دعا عليا إلى ألا يكتفي بقراءة هذه الآيات من براءة يوم الحج، على ما اتفقت عليه ~~الرواية، بل جعله يقرؤها على الناس من بعد ذلك في منازلهم، على ما جاءت به روايات كثيرة. وإنك إذ ~~تتلو صدر «براءة» وتعيد تلاوته بإمعان وروية لتشعر حقا بأنه الأساس المعنوي في أقوى صورة لكل ~~دولة ناشئة تقوم. ونزول «براءة» كلها بعد آخر غزوة من غزوات النبي، وبعد أن جاء أهل الطائف يعلنون ~~انضمامهم إلى الدين الجديد. وبعد أن أصبح الحجاز كله ومعه تهامة ونجد منضويا تحت راية الإسلام، ~~وبعد أن أعلن كثير من قبائل الجنوب في شبه الجزيرة الإذعان لمحمد والانضواء إلى دينه، يجلو الحكمة ~~التاريخية في نزول الآيات التي تنتظم أساس الدولة المعنوي في هذا الحين. فالدولة، لتكون قوية، يجب ~~أن تكون لها عقيدة معنوية عامة يؤمن بها أهلوها ويدافعون جميعا عنها بكل ما أوتوا من عتاد وقوة. ~~وأية عقيدة أعظم من الإيمان بالله وحده لا شريك له؟! أية عقيدة أكبر سلطانا على النفس من أن يحس ~~الإنسان نفسه تتصل بالوجود في أسمى مظاهره، لا سلطان عليه لغير الله ولا رقيب غير الله على ~~ضميره؟! فإذا وجد الذين يقومون في وجه هذه العقيدة العامة التي يجب أن تكون أساس الدولة، فأولئك ~~هم الفاسقون، وأولئك هم نواة الثورة الأهلية والفتنة الماحقة، وأولئك يجب لذلك ألا يكون لهم عهد، ~~ويجب أن تقاتلهم الدولة. فإن كانوا ثائرين على العقيدة العامة ثورة جامحة، وجب قتالهم حتى يذعنوا. ~~وإن كانت ثورتهم على العقيدة العامة غير جامحة، كما هو شأن أهل الكتاب، وجب أن يدفعوا الجزية عن ~~يد وهم صاغرون. # النظر إلى المسألة من الجهة التاريخية والجهة الاجتماعية يهدينا إلى هذا التقدير لمغزى الآيات ~~التي تلاها القارئ ههنا من سورة التوبة، وهو يهدي إلى هذا التقدير كل منصف نزيه القصد. لكن الذين ~~أسرفوا في أحكامهم على الإسلام وعلى رسوله يذرون هذا النظر على نبأ ويعرضون لهذه الآيات القوية ~~غاية القوة ms450 من سورة التوبة على أنها دعوة إلى التعصب لا تتفق مع ما ترضاه الحضارة الفاضلة من ~~تسامح، دعوة إلى قتال المشركين وقتلهم حيث ثقفهم المؤمنون في غير رفق ولا هوادة، دعوة إلى إقامة ~~الحكم على أساس البطش والجبروت. هذا كلام تقرؤه في كثير من كتب المستشرقين. وهو كلام تهوي إليه ~~الأذهان التي لم تنضج فيها ملكة النقد الاجتماعي والتاريخي حتى من أبناء المسلمين، وهو كلام لا ~~يتفق مع الحقيقة التاريخية ولا يتفق مع الحقيقة الاجتماعية في شيء، وهو لذلك يؤدي بأصحابه إلى ~~تفسيرهم ما أوردنا من سورة التوبة، وما جاء من مشابهه في مواضع كثيرة من القرآن، تفسيرا يأباه ~~منطق الحوادث في سيرة الرسول تمام الإباء، وتأباه حياة النبي العظيم في تسلسلها من يوم بعثه الله ~~للدعوة إلى دين الحق إلى يوم اصطفاه الله إليه. # ويجمل بنا لبيان ذلك أن نسأل عن الأساس المعنوي للحضارة الحاكمة اليوم، ثم نقيس به هذا الأساس ~~المعنوي الذي دعا محمد إليه. فالأساس المعنوي للحضارة الحاكمة اليوم هو حرية الرأي حرية لا حد ~~لها، ولا حد للتعبير عنها إلا بالقانون، وحرية الرأي هذه هي لذلك عقيدة يدافع الناس عنها ويضحون ~~في سبيلها ويجاهدون لتحقيقها ويحاربون من أجلها، ويعتبرون ذلك كله آية من آيات المجد التي يفاخرون ~~بها الأجيال ويتباهون بها على ما سبقهم من العصور. ومن أجل ذلك يقول المستشرقون الذين أشرنا ~~إليهم: إن دعوة الإسلام لمقاتلة من لا يؤمن بالله واليوم الآخر دعوة إلى التعصب تتنافى وهذه ~~الحرية. وهذه مغالطة مفضوحة إذا عرفت أن قيمة الرأي الدعوة له والعمل به. والإسلام لم يدع إلى ~~مناوأة المشركين من أهل الجزيرة، إذا هم أذعنوا ولم يدعوا إلى شركهم ولم يعملوا به ويقيموا ~~عبادته. والحضارة الحاكمة اليوم تحارب الآراء التي تناقض مواضع العقيدة منها بأشد مما كان يحارب ~~المسلمون المشركين، وتفرض على من يعتبر كتابيا بالنسبة لهذه الحضارة الحاكمة ما هو شر من الجزية ~~ألف مرة. # ولسنا نضرب المثل لذلك بما كان حين محاربة تجارة الرقيق، وإن ms451 آمن الذين كانوا يقومون بهذه ~~التجارة بأنها غير محرمة. لا نضرب لهذا المثل حتى لا يقال: إننا لا نستنكر هذه التجارة وإن كان ~~الإسلام لم يدع إلى أكثر من محاربة ما يستنكر. لكن أوروبا اليوم، أوروبا صاحبة الحضارة الحاكمة ~~تؤيدها أمريكا وتعززها قوات الجنوب في آسيا والشرق الأقصى منها، قد حاربت البلشفية، وهي مستعدة ~~لمحاربتها أشد الحرب. ونحن في مصر مستعدون للاشتراك مع الحضارة الحاكمة لمحاربة البلشفية. ~~والبلشفية ليست مع ذلك إلا رأيا في الاقتصاد يحارب الرأي الذي تدين به الحضارة الحاكمة اليوم. ~~أفتكون دعوة الإسلام إلى محاربة المشركين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه دعوة وحشية إلى ~~التعصب وضد الحرية، وتكون الدعوة إلى محاربة البلشفية الهادمة للنظام الاجتماعي في الحضارة ~~الحاكمة دعوة إلى الحرية في العقيدة والرأي وإلى احترامها؟! # ثم إن قوما رأوا في غير بلد من بلاد أوروبا أن التهذيب النفسي يجب أن يتصل به التهذيب ~~الجسمي، وأن ما تواضع الناس عليه من ستر الجسم كله أو بعض أعضائه أشد إثارة للمعاني الجنسية في ~~النفس، وأشد لذلك إفسادا للخلق من أن يسير الناس وكلهم عريان. وبدأ أصحاب هذا الرأي ينفذونه ~~وأقاموا محلات العري في بعض المدن، وأقاموا أماكن يغشاها من شاء للتدرب على هذا التهذيب الجسمي. ~~لكن هذا الرأي ما بدأ ينتشر حتى رأى القائمون بالأمر في كثير من البلاد أن في انتشار مظاهره ~~إفسادا للتهذيب الخلقي يضر بالجماعة؛ فحرموا «محلات العري» وحاربوا القائمين بالرأي. ونهوا ~~بالقانون عن إنشاء أماكن هذا التهذيب الجسمي. وما نشك في أن هذا الرأي، لو انتشر في أمة بأسرها ~~لكان سببا لإعلان الحرب عليها من أمم أخرى على أنه مفسدة للحياة المعنوية في الإنسان، كما أثيرت ~~حروب بسبب الرقيق، وكما تثار حروب أو ما يشبهها بسبب تجارة الرقيق الأبيض وبسبب الاتجار ~~بالمخدرات. لماذا ذلك كله؟ لأن حرية الرأي على إطلاقها يمكن أن تحتمل ما بقيت حبيسة في حدود ~~القول الذي لا يتصل منه بالجماعة ضر أو أذى. فإذا أوشك هذا الرأي أن ms452 يثير في الجماعة الإنسانية ~~الفساد فقد وجبت محاربة هذه الثائرات، ووجبت محاربة مظاهر الرأي جميعا، بل وجبت محاربة الرأي ~~نفسه، وإن اختلفت مظاهر هذه الحرب بمقدار ما يترتب على هذه المظاهر من فساد في الجماعة يخشى منه ~~على قوامها الخلقي أو الاجتماعي أو الاقتصادي. # هذه هي الحقيقة الاجتماعية المعترف بها والمقررة لدى الحضارة الحاكمة اليوم. ولو أردنا أن ~~نستقصي مظاهر ذلك وآثاره في مختلف الشعوب لطال بنا البحث. وليس ها هنا موضعه. على أنك تستطيع أن ~~تقول إن كل تشريع يراد به قمع أية حركة اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية إنما هو حرب للرأي الذي ~~تصدر عنه هذه الحركة. وهذه الحرب تجد ما يسوغها في مبلغ ما يصيب الجماعة الإنسانية من ضرر إذا ~~نفذت الآراء تشب الحرب عليها. فإذا أردنا أن نقدر دعوة الإسلام إلى مقاتلة الشرك وأهله وحربهم ~~حتى يذعنوا، وهل هذه الحرب مسوغة أو غير مسوغة، وجب أن ننظر فيما تمثله فكرة الشرك هذه وما ~~تدعو إليه. فإن اتفقت الكلمة على فادح ضررها بالجماعة الإنسانية في مختلف عصورها كان لإعلان ~~الإسلام الحرب عليها ما يسوغه بل ما يوجبه. # والشرك الذي كان موجودا حين قيام محمد - عليه السلام - بالدعوة إلى دين الله الحق لم يكن ~~يمثل عبادة الأصنام وكفى، ولو أنه كان كذلك لوجبت محاربته؛ فمن الازدراء للعقل الإنساني ~~وللكرامة الإنسانية أن يعبد الإنسان حجرا. ولكن هذا الشرك كان يمثل مجموعة من التقاليد ~~والعقائد والعادات، بل كان يمثل نظاما اجتماعيا هو شر من الرق وشر من البلشفية وشر من كل ما ~~يتصور العقل في هذا القرن المتم للعشرين. كان يمثل وأد البنات، وتعدد الزوجات إلى غير حد، ~~حتى ليحل للزوج أن يتزوج ثلاثين وأربعين ومائة وثلاثمائة امرأة وأكثر من ذلك. وكان يمثل الربا ~~في أفحش ما يستطيع الإنسان أن يتصور الربا. وكان يمثل الإباحية الخلقية في أسفل صورها، وكانت ~~جماعة الوثنيين العرب شر جماعة أخرجت للناس. ونود من كل منصف أن يجيب على هذا السؤال: لو أن ~~جماعة من ms453 الناس وضعت لنفسها اليوم نظاما فيه من العقائد والعادات وأد البنات، وتعدد الزوجات ~~وإباحة الرق لسبب أو لغير سبب، واستغلال الأموال استغلالا فاحشا، ثم قامت ثورة على ذلك كله ~~تحاول تحطيمه والقضاء عليه. أتتهم هذه الثورة بالتعصب وبالعمل ضد حرية الرأي؟! # وإذا افترضنا أن أمة اطمأنت إلى هذا النظام الاجتماعي المنحط وأوشكت العدوى أن تنتقل منها إلى ~~غيرها من الدول فآذنتها هذه الدول بحرب، أتكون الحرب مسوغة أم غير مسوغة؟! أولا تكون مسوغة ~~أكثر من الحرب الكبرى الأخيرة التي طاحت بملايين من أهل هذا العالم لغير سبب إلا الشره والجشع من ~~جانب دول الاستعمار؟! وإذا كان ذلك شأنها فما عسى أن تكون قيمة نقد المستشرقين للآيات التي تلاها ~~القارئ من سورة براءة، ولدعوة الإسلام إلى حرب الشرك وأهله ممن يدعون إلى إقامة نظام فيه ما ذكرنا ~~وشر مما ذكرنا؟! # وإذا كانت هذه هي الحقيقة التاريخية في شأن هذا النظام الذي كان قائما في بلاد العرب ~~يظله علم الشرك والوثنية، فهناك أيضا حقيقة تاريخية أخرى مستمدة من حياة الرسول. فهو قد أنفق ~~منذ بعثه الله برسالته ثلاثة عشرة سنة حسوما يدعو الناس فيها إلى دين الله بالحجة ويجادلهم بالتي ~~هي أحسن. وهو فيما قام به من غزوات لم يكن معتديا قط، وإنما كان مدافعا عن المسلمين دائما، ~~مدافعا عن حريتهم في الدعوة إلى دينهم الذي يؤمنون به ويضحون بحياتهم في سبيله. هذه الدعوة ~~القوية إلى قتال المشركين على أنهم نجس، وأنهم لا عهد لهم ولا ميثاق، وأنهم لا يرعون في مؤمن ~~إلا ولا ذمة، وإنما نزلت بعد آخر غزوة غزا النبي: تبوك. فإذا حل الإسلام ببلاد تفشى فيها ~~الشرك وحاول أن يقيم فيها هذا النظام الاجتماعي والاقتصادي الهدام الذي كان قائما في شبه ~~الجزيرة حين بعث النبي، فدعا المسلمون أهلها إلى ترك هذا النظام، وإلى الأخذ بما أحل الله ~~وتحريم ما حرم فلم يذعنوا، فليس من منصف إلا يقول بالثورة عليهم، وبقتالهم حتى تتم كلمة الحق، ~~وحتى يكون الدين كله لله. ms454 # ولقد أثمر هذا الذي تلا علي من «براءة» وما نادى في الناس بألا يدخل الجنة كافر، وبألا يحج ~~بعد العام مشرك، وبألا يطوف بالبيت عريان، خير الثمرات، وأزال كل تردد من نفوس القبائل التي كانت ~~ما تزال متباطئة في تلبية دعوة الإسلام. # وبذلك دخلت في الإسلام بلاد اليمن ومهرة والبحرين واليمامة، ولم يبق من يناوئ محمدا إلا ~~عددا قليلا أخذتهم العزة بالإثم وغرهم بالله الغرور. من هؤلاء عامر بن الطفيل الذي ذهب مع وفد ~~بني عامر ليستظلوا براية الإسلام؛ فلما كانوا عند النبي امتنع عامر ولم يسلم، وأراد أن يكون ~~للنبي ندا. وأراد النبي أن يقنعه كيما يسلم، فأصر على إبائه، ثم خرج وهو يقول: أما والله ~~لأملأنها عليك خيلا ورجالا. قال محمد: اللهم اكفني عامر بن الطفيل! وانصرف عامر يريد قومه، وإنه ~~لفي بعض الطريق إذ أصابه الطاعون في عنقه وقضى عليه وهو في بيت امرأة من بني سلول؛ قضي عليه وهو ~~يردد: «يا بني عامر! أغدة كغدة البعير وموتة في بيت سلولية؟!» # أما أربد بن قيس فقد أبى أن يسلم وعاد إلى بني عامر ولم يطل به المقام بل أحرقته صاعقة حين ~~خرج على جمل له يبيعه. ولم يمنع إباء عامر وأربد قومهما من أن يسلموا. ومن هؤلاء بل هو شر منهم ~~مكانا مسيلمة بن حبيب؛ فقد جاء في وفد بني حنيفة من أهل اليمامة وخلفه القوم على رحالهم ~~وذهبوا إلى رسول الله فأسلموا وأعطاهم النبي، فذكروا له مسيلمة، فأمر له بمثل ما أمر للقوم، ~~وقال: أما إنه ليس بشركم مكانا؛ وذلك لحفظه رحال أصحابه. فلما سمع مسيلمة قولهم ادعى النبوة، ~~وزعم أن الله أشركه مع محمد في الرسالة، وجعل يسجع لقومه ويقول لهم فيما يقول محاولا مضاهاة ~~القرآن: «لقد أنعم الله على الحبلى. أخرج منها نسمة تسعى. من بين صفاق وحشا.» وأحل مسيلمة ~~الخمر والزنا، ووضع عن قومه الصلاة، وانطلق يدعو الناس إلى تصديقه. فأما من عدا هؤلاء من العرب ~~فأقبلوا يدخلون في دين الله أفواجا من ms455 أطراف شبه الجزيرة، وعلى رأسهم رجال من أعز الرجال من ~~أمثال عدي بن حاتم وعمر بن معدي كرب. وبعث ملوك حمير رسولا بكتاب منهم إلى النبي يعلنون فيه ~~إسلامهم فأقرهم عليه وكتب إليهم بما لهم وما عليهم في شرع الله. فلما انتشر الإسلام في جنوب شبه ~~الجزيرة، بعث محمد من السابقين إلى الإسلام من يفقههم في دينهم ويثبتهم فيه. # لم نطل الوقوف عند وفود العرب إلى النبي كما فعل بعض الأقدمين من كتاب السيرة، لتشابه ~~أمرهم في الانضواء تحت راية الإسلام. ولقد أفرد ابن سعد في طبقاته الكبرى لوفادات العرب على ~~الرسول خمسين صفحة كبيرة، نكتفي بأن نذكر منها أسماء القبائل والبطون التي أوفدتها. فقد جاءت وفود ~~من: مزينة، وأسد، وتميم، وعبس، وفزارة، ومرة، وثعلبة، ومحارب، وسعد بن بكر، وكلاب، ورؤاس ~~بن كلاب، وعقيل بن كعب، وجعدة، وقشير بن كعب، وبني البكاء، وكنانة، وأشجع، وباهلة، وسليم، ~~وهلال بن عامر، وعامر بن صعصعة، وثقيف. وجاءت وفود ربيعة من: عبد القيس، وبكر بن وائل، وتغلب، ~~وحنيفة، وشيبان. وجاء من اليمن وفد من طيئ، وتجيب، وخولان، وجعفي، وصداء، ومراد، وزبيد، ~~وكندة، والصدف، وخشين، وسعد هذيم، وبلي، وبهراء، وعدرة، وسلامان، وجهينة، وكلب، وجرم، ~~والأزد، وغسان، والحارث بن كعب، وهمدان، وسعد العشيرة، وعنس، والداريين، والرهاويين (حي من ~~مذجح)، وغامد، والنخع، وبجيلة، وخثعم، والأشعرين، وحضرموت، وأزد عمان، وغافق، وبارق، ودوس، ~~وثمالة، والحدان، وأسلم، وجذام، ومهرة، وحمير، ونجران، وجيشان. وكذلك لم يبق في شبه الجزيرة ~~بطن أو قبيلة حتى أسلم إلا من قدمنا. # وكان ذلك شأن المشركين من أهل شبه الجزيرة؛ سارعوا إلى الدخول في الإسلام، وتركوا عبادة ~~الأوثان. وتطهرت بلاد العرب جميعا من الأصنام وعبادتهم، وتم ذلك كله بعد تبوك طواعية واختيارا، ~~من غير أن تزهق نفس أن يهراق دم. فماذا صنع اليهود والنصارى مع محمد، وماذا صنع محمد معهم؟ # الفصل التاسع والعشرون # | حجة الوداع # (محمد وأهل الكتاب - موقفه من النصارى - مجادلته إياهم - وحدة موقف محمد منهم - بعث علي بن أبي ~~طالب إلى اليمن - دعوة محمد ms456 الناس للحج ومجيئهم إلى المدينة من كل صوب - مسيرتهم في نحو مائة ألف ~~إلى مكة - مناسك الحج - خطبة محمد) ~~*** # منذ تلا علي بن أبي طالب صدر سورة براءة على الحاج من مسلمين ومشركين، حين حج أبو بكر ~~بالناس، ومنذ أذن فيهم بأمر محمد حين اجتمعوا بمنى أن لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد هذا ~~العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عند رسول الله # صلى الله عليه وسلم # عهد فهو له إلى مدته، ~~أيقن المشركون من أهل بلاد العرب جميعا أن لم يبق لهم إلى المقام على عبادة الأوثان سبيل، وأنهم ~~إن يفعلوا فليأذنوا بحرب من الله ورسوله. وكان ذلك شأن أهل الجنوب من شبه جزيرة العرب حيث اليمن ~~وحضرموت؛ لأن أهل الحجاز وما والاها شمالا كانوا قد أسلموا واستظلوا براية الدين الجديد. وكان ~~الأمر في الجنوب مقسما بين الشرك والمسيحية. # فأما المشركون فأقبلوا كما رأيت من قبل، يدخلون في دين الله أفواجا ويبعثون وفودهم إلى ~~المدينة فيلقون من النبي كل حفاوة بهم تزيدهم على الإسلام إقبالا وترد أكثرهم إلى إماراته ~~فتجعله أشد على دينه الجديد حرصا. وأما أهل الكتاب من اليهود النصارى فقد نزلت فيهم مما تلا ~~علي من سورة التوبة هذه الآيات: # قاتلوا الذين لا يؤمنون ~~بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا ~~يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن ~~يد وهم صاغرون ~~. # 1 # إلى قوله تعالى: # يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا ~~من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون ~~عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في ~~سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم * يوم يحمى عليها في ~~نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما ~~كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون ~~. # يقف كثير من المؤرخين، أمام هذه الآيات من سورة التوبة ختام ما نزل من القرآن، يسائلون ~~أنفسهم: هل أمر محمد - عليه السلام - في شأن أهل الكتاب بغير ما أمر به من قبل ms457 أثناء سني ~~رسالته؟ ويذهب بعض المستشرقين إلى القول بأن هذه الآيات تضع أهل الكتاب والمشركين فيما يشبه ~~المساواة؛ وأن محمدا، وقد ظفر بالوثنية في شبه الجزيرة بعد أن استعان عليها باليهودية والمسيحية، ~~معلنا خلال أعوام رسالته الأولى أنه إنما جاء مبشرا بدين عيسى وموسى وإبراهيم والرسل الذين خلوا ~~من قبل، قد جعل وجهته إلى اليهود الذين بدءوه بالعداوة، وظل بهم حتى أجلاهم عن شبه الجزيرة، ~~وأثناء ذلك كان يتودد إلى النصارى وتنزل عليه الآيات تشيد بحسن إيمانهم وجميل مودتهم، وينزل ~~عليه قوله تعالى: # لتجدن أشد الناس عداوة للذين ~~آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين ~~آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ~~ورهبانا وأنهم لا يستكبرون ~~. # 2 # وها هو ذا الآن يجعل وجهته إلى النصرانية يريد بها ما أراد باليهودية من قبل، فيجعل شأن ~~النصارى كشأن الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر؛ وهو يصل إلى ذلك بعد أن أجار النصارى من ~~اتبعه من المسلمين حين ذهبوا على الحبشة يستظلون بعدل نجاشيها، وبعد أن كتب محمد لأهل نجران ~~وغيرهم من النصارى يقرهم على دينهم وعلى القيام برسوم عبادتهم. ويذهب أولئك المستشرقون إلى أن هذا ~~التناقض في خطة محمد هو الذي أدى إلى استحكام العداوة بين المسلمين والنصارى من بعد، وأنه هو ~~الذي جعل التقريب بين أتباع عيسى وأتباع محمد غير ميسور إن لم يكن في حكم المستحيل. # والأخذ بظاهر هذه الحجة قد يغري الذين يستمعون إليها إلى أنها تصف جانبا من الحق، إن لم ~~تغرهم بتصديقها، فأما تتبع التاريخ والتدقيق في أحوال نزول الآيات وأسباب نزولها، فلا يدع محلا ~~للريب ألبتة في وحدة موقف الإسلام وموقف محمد من الأديان الكتابية منذ بدء رسالته إلى ختامها. ~~فالمسيح ابن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم. والمسيح ابن مريم عبد الله آتاه الكتاب وجعله ~~نبيا وجعله مباركا وأوصاه بالصلاة والزكاة ما دام حيا؛ ذلك ما نزل به القرآن منذ بدء الرسالة ~~إلى ختامها. # والله أحد لم يلد ولم يولد ms458 ولم يكن له كفوا أحد؛ ذلك روح الإسلام وأساسه منذ اللحظة الأولى، ~~وذلك روح الإسلام ما دام العالم. ولقد ذهب وفد من نصارى نجران إلى النبي يجادلونه في الله، وفي ~~بنوة عيسى لله من قبل أن تنزل سورة التوبة بزمن طويل، ويسألون محمدا: إن عيسى أمه مريم فمن أبوه؟ ~~وفي ذلك نزل قوله تعالى: # إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم ~~خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون * الحق من ربك ~~فلا تكن من الممترين * فمن حاجك فيه من بعد ما ~~جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ~~ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على ~~الكاذبين * إن هذا لهو القصص الحق وما من إله ~~إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم * فإن تولوا ~~فإن الله عليم بالمفسدين * قل يا أهل الكتاب ~~تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا ~~نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن ~~تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ~~. # 3 # وفي هذه السورة، سورة آل عمران، يتوجه الحديث حديثا معجزا إلى أهل الكتاب يعاتبهم لم يصدون ~~عن سبيل الله من آمن، ولم يكفرون بآيات الله وهي هي التي جاء بها عيسى وجاء بها موسى وجاء بها ~~إبراهيم، قبل أن تحرف عن مواضعها وقبل أن يوجهها التأويل بما تهوى أغراض هذه الحياة الدنيا ~~ومتاعها الغرور. وفي كثير من السور توجيه للحديث على النحو الذي وجه به في سورة آل عمران. ففي ~~سورة المائدة يقول الله تعالى: # لقد كفر الذين قالوا إن الله ~~ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما ~~يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم * أفلا ~~يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم * ما ~~المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه ~~صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم ~~انظر أنى يؤفكون ~~. # 4 # وفي سورة المائدة كذلك يقول تعالى: # وإذ قال الله يا ~~عيسى ms459 ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون ~~الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق ~~. # 5 # إلى آخر الآيات التي نقلنا في تقديم هذا الكتاب. وسورة المائدة هي التي من بين آياتها ~~الآية التي يحتج بها المؤرخون من النصارى، ويتخذونها دليلا على تطور موقف محمد منهم لتطور ~~أحواله السياسية؛ إذ يقول تعالى: # لتجدن أشد الناس عداوة ~~للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة ~~للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم ~~قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون ~~. # 6 # والآيات التي نزلت في سورة براءة وتحدثت عن أهل الكتاب لم تتحدث عنهم في إيمانهم بالمسيح ~~ابن مريم، وإنما تحدثت عنهم وعن شركهم بالله وفي أكلهم أموال الناس بالباطل وفي كنزهم الذهب ~~والفضة. والإسلام يرى ذلك خروجا من أهل الكتاب على دين عيسى، يجعلهم يحلون ما حرم الله ~~ويصنعون صنيع من لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر. وهو مع ذلك يجعل من إيمانهم بالله، على الرغم من ~~ذلك كله، شفيعا لهم لا تجوز معه مساواتهم بالوثنيين، ويكفي معه، إن هم أصروا على أن يجعلوا الله ~~ثالث ثلاثة وعلى أن يحلوا ما حرم الله، أن يدفعوا الجزية عن يد وهم صاغرون. # كانت هذه الدعوة التي أذن علي بها، يوم حج أبي بكر بالناس، آية إسلام الناس من أهل ~~الجنوب في شبه الجزيرة ودخولهم في دين الله أفواجا. فقد توالت الوفود تترى على المدينة كما قدمنا ~~من قبل، ومن بينها وفود من المشركين ووفود من أهل الكتاب. وكان النبي يكرم كل وافد عليه ويرد ~~الأمراء مكرمين إلى إماراتهم. من ذلك ما سبق لنا ذكره في الفصل الماضي، ومنه أن الأشعث بن قيس قدم ~~في وفد كندة في ثمانين راكبا، دخلوا المسجد على النبي وقد رجلوا لممهم وتكحلوا ولبسوا جبب ~~الحبر بطنوها بالحرير، فلما رآهم النبي قال: ألم تسلموا؟ قالوا: بلى. قال: فما هذا الحرير في ~~أعناقكم؟! فشقوه. وقال له الأشعث: يا رسول الله، نحن بنو آكل ms460 المرار وأنت ابن آكل المرار فتبسم ~~النبي ونسب ذلك إلى العباس بن عبد المطلب وربيعة بن الحارث. وقدم وائل بن حجر الكندي مع الأشعث ~~وكان أمير بلاد الشاطئ من حضرموت فأسلم، فأقره النبي على إمارته على أن يجمع العشر من أهل بلاده ~~ليرده إلى جباة الرسول. وكلف النبي معاوية بن أبي سفيان أن يصحب وائلا إلى بلاده. وأبى وائل ~~أن يردفه أو أن يعطيه نعليه يتقي بهما حمارة الغيظ مكتفيا بأن يدعه يسير في ظل بعيره. وقبل ~~معاوية ذلك على مخالفته لما جاء به الإسلام من التسوية بين المسلمين ومن جعل المؤمنين إخوة، حرصا ~~على إسلام وائل وقومه. # ولما انتشر الإسلام في ربوع اليمن، أوفد النبي معاذا إلى أهله يعلمهم ويفقههم وأوصاه ~~قائلا: «يسر ولا تعسر. وبشر ولا تنفر. وإنك ستقوم على قوم من أهل الكتاب يسألونك: ما ~~مفتاح الجنة؟ فقل: شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له.» وذهب معاذ ومعه طائفة من المسلمين ~~الأولين ومن الجباة يعلمون الناس ويقضون بينهم بقضاء الله ورسوله. وبانتشار الإسلام في ربوع شبه ~~الجزيرة من شرقها إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها، أصبحت أمة واحدة يظلها لواء واحد هو لواء محمد ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وتدين كلها بدين واحد هو الإسلام، وتتجه قلوبها جميعا إلى عبادة الله وحده ~~لا شريك له؛ هذا بعد أن كانت إلى قبل عشرين سنة قبائل متنافرة، تشن إحداها الغارة على غيرها كلما ~~وجدت في ذلك مغنما. وبانضوائها تحت لواء الإسلام طهرت من رجس الوثنية واستراحت إلى حكم الواحد ~~القهار. وبذلك هدأت الخصومات بين أهلها؛ فلم يبق لغزو أو خصومة موضع، ولم يبق لأحد أن يستل سيفه ~~من قرابه إلا أن يدافع عن وطنه أو يدفع المعتدي على دين الله. # على أن جماعة من نصارى نجران احتفظوا بدينهم، مخالفين في ذلك الأكثرين من قومهم بني الحارث ~~الذين أسلموا من قبل. إلى هؤلاء وجه النبي خالد بن الوليد يدعوهم إلى الإسلام كي يسلموا من ~~مهاجمته ولم ms461 يلبثوا حين نادى فيهم خالد أن أسلموا؛ فبعث خالد وفدا منهم إلى المدينة لقيه النبي ~~فيها بالترحيب والمودة. ثم إن جماعة من أهل اليمن عز عليهم أن يخضعوا للواء الإسلام، لأن الإسلام ~~ظهر بالحجاز، ولأن اليمن اعتادت أن تغزو الحجاز فلم يغزها الحجاز من قبل قط. إلى هؤلاء أرسل النبي ~~علي بن أبي طالب يدعوهم إلى الإسلام. وقد استكبروا أول الأمر وقابلوا دعوة علي بمهاجمته؛ فلم ~~يلبث علي أن شتتهم على صغر سنه وإن لم يكن معه إلا ثلاثمائة فارس. وارتد المنهزمون ينظمون من ~~جديد صفوفهم. بيد أن عليا أحاط بهم وأوقع في صفوفهم الرعب ، فلم يجدوا من التسليم بدا، ~~وسلموا وأسلموا وحسن إسلامهم، وأنصتوا إلى تعاليم معاذ وأصحابه، وكان وفدهم آخر وفد استقبله ~~النبي بالمدينة قبل أن ينتقل إلى الرفيق الأعلى. # بينما كان علي يتأهب للعودة إلى مكة كان النبي يتجهز للحج ويأمر الناس بالتجهز له؛ ذلك أن ~~أشهر السنة استدارت وأقبل ذو القعدة وأوشك أن يولي، ولم يكن النبي قد حج الحج الأكبر وإن يكن قد ~~اعتمر فأدى الحج الأصغر قبل ذلك مرتين. وللحج مناسك يجب أن يكون عليه السلام قدوة المسلمين فيها. ~~وما كاد الناس يعرفون ما صح عليه عزم النبي ودعوته إياهم للحج معه حتى انتشرت الدعوة في كل ناحية ~~من شبه الجزيرة، وحتى أقبل الناس على المدينة ألوفا ألوفا من كل فج وحدب: من المدائن والبوادي، ~~من الجبال والصحاري، من كل بقعة في هذه البلاد العربية المترامية الأطراف، التي استنارت كلها بنور ~~الله ونور نبيه الكريم. وحول المدينة ضربت الخيام لمائة ألف أو يزيدون جاءوا تلبية لدعوة نبيهم ~~رسول الله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم. جاءوا إخوة متعارفين تجمع بينهم المودة الصادقة ~~والأخوة الإسلامية، وكانوا إلى سنوات قبل ذلك أعداء متنافرين. وجعلت هذه الألوف المؤلفة تجوس ~~خلال المدينة، وكل باسم الثغر، وضاح الطلعة، مشرق الجبين، يصف اجتماعهم انتصار الحق وانتشار نور ~~الله انتشارا ربط بينهم وجعلهم جميعا كالبنيان المرصوص. # وفي الخامس والعشرين من ذي القعدة ms462 من السنة العاشرة للهجرة سار النبي وأخذ نساءه جميعا معه، ~~كل في محفتها. سار وتبعه هذا الجمع الزاخر، يذكر طائفة من المؤرخين أنه كان تسعين ألفا، ويذكر ~~آخرون أنه كان أربعة ومائة ألف. ساروا يحدوهم الإيمان وتملأ قلوبهم الغبطة الصادقة لسيرهم إلى بيت ~~الله الحرام يؤدون عنده فريضة الحج الأكبر. فلما بلغوا ذا الحليفة نزلوا وأقاموا ليلتهم بها. ~~فلما أصبحوا أحرم النبي وأحرم المسلمون معه، فلبس كل منهم إزاره ورداءه وصاروا ينتظمهم جميعا زي ~~واحد هو أبسط ما يكون زيا، وقد حققوا بذلك المساواة بأسمى معانيها وأبلغها. وتوجه محمد بكل ~~قلبه إلى ربه ونادى ملبيا والمسلمون من ورائه: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك. الحمد ~~والنعمة والشكر لك لبيك. لبيك، لا شريك لك لبيك.» وتجاوبت الأودية والصحاري بهذا النداء تلبي كلها ~~وتنادي بارئها مؤمنة عابدة. وانطلق الركب بألوفه وعشرات ألوفه يقطع الطريق بين مدينة الرسول ~~ومدينة المسجد الحرام، وهو ينزل عند كل مسجد يؤدي فيه فرضه، وهو يرفع الصوت بالتلبية طاعة لله ~~وشكرا لنعمته، وهو ينتظر يوم الحج الأكبر نافد الصبر مشوق القلب ممتلئ الفؤاد لبيت الله هوى ~~ومحبة، وصحاري شبه الجزيرة وجبالها وأوديتها وزروعها النضرة في دهش مما تسمع وتتجاوب به أصداؤها ~~مما لم تعرف قط قبل أن يباركها هذا النبي الأمي عبد الله ورسوله. # فلما بلغ القوم سرفا، وهي محلة في الطريق بين مكة والمدينة، قال محمد لأصحابه: من لم يكن ~~منكم معه هدي فأحب أن يجعلها عمرة فليفعل، ومن كان معه هدي فلا. # وبلغ الحجيج مكة في اليوم الرابع من ذي الحجة، فأسرع النبي والمسلمون من بعده إلى الكعبة، ~~فاستلم الحجر الأسود فقبله، وطاف بالبيت سبعا هرول في الثلاث الأولى منها على نحو ما فعل في ~~عمرة القضاء. وبعد أن صلى عند مقام إبراهيم عاد فقبل الحجر الأسود كرة أخرى، ثم خرج من المسجد ~~إلى ربوة الصفا، ثم سعى بين الصفا والمروة. ثم نادى محمد في الناس أن لا يبق على إحرامه من لا هدي ms463 ~~معه ينحره. وتردد بعضهم، فغضب النبي لهذا التردد أشد الغضب وقال: ما آمركم به فافعلوا. ودخل قبته ~~مغضبا. فسألته عائشة: ما أغضبك؟ فقال: وما لي لا أغضب وأنا آمر أمرا فلا يتبع؟! ودخل أحد ~~أصحابه وما يزال غضبان، فقال: من أغضبك يا رسول الله أدخله الله النار. فكان جواب الرسول: أوما ~~شعرت أني أمرت الناس بأمر فإذا هم يترددون؟! ولو أني استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ~~معي حتى أشتريه، ثم أحل كما حلوا. كذلك روى مسلم. فلما بلغ المسلمين غضب رسول الله حلل الألوف ~~من الناس إحرامهم على أسف منهم، وحل نساء النبي وحلت ابنته فاطمة مع الناس، ولم يبق على ~~إحرامه إلا من ساق الهدي معه. # وبينما المسلمون في حجهم أقبل علي عائدا من غزوته باليمن وقد أحرم للحج لما علم أن رسول ~~الله حج بالناس. ودخل على فاطمة فوجدها قد حلت إحرامها. فسألها فذكرت له أن النبي أمرهم أن ~~يحلوا بعمرة. فذهب إلى النبي فقص عليه أخبار سفرته باليمن. فلما أتم حديثه، قال له النبي: ~~انطلق فطف بالبيت وحل كما حل أصحابك. قال علي: يا رسول الله، إني أهللت كما أهللت. قال ~~النبي: ارجع فاحلل كما حل أصحابك. قال علي: يا رسول الله إني قلت حين أحرمت: اللهم إني أهل ~~بما أهل به نبيك وعبدك ورسولك محمد. فسأله النبي: أمعه هدي؟ فلما نفى علي أشركه محمد في هديه، ~~وثبت علي على إحرامه وأدى مناسك الحج الأكبر. # وفي الثامن من ذي الحجة يوم التروية ذهب محمد إلى منى، فأقام بخيامه فيها وصلى فروض يومه بها ~~وقضى الليل حتى مطلع الفجر من يوم الحج، فصلى الفجر وركب ناقته القصواء حين بزغت الشمس ويمم بها ~~جبل عرفات والناس من ورائه. فلما ارتقى الجبل أحاط به ألوف المسلمين يتبعونه في مسيرته، ومنهم ~~الملبي ومنهم المكبر، وهو يسمع ذلك ولا ينكر على هؤلاء ولا على هؤلاء. وضربت للنبي قبة ~~بنمرة، (قرية بشرق عرفات)، وكان ذلك بعض ما أمر به. فلما ms464 زاغت الشمس أمر بناقته القصواء فرحلت، ~~ثم سار حتى أتى بطن الوادي من أرض عرنة، وهناك نادى في الناس وما يزال على ناقته بصوت جهوري ~~كان يردده مع ذلك من بعده ربيعة بن أمية بن خلف وهو يقف بين عبارة وأخرى قائلا بعد أن حمد الله ~~وأثنى عليه: # خطبة الرسول الجامعة # أيها الناس: اسمعوا قولي فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف ~~أبدا. # أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا، وكحرمة ~~شهركم هذا. # وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم وقد بلغت. # فمن كان عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها. # وإن كل ربا موضوع، # 7 # ولكن لكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون. # قضى الله أنه لا ربا، وأن ربا عباس بن عبد المطلب موضوع كله. # وأن كل دم كان في الجاهلية موضوع، وأن أول دمائكم أضع دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد ~~المطلب ... # أما بعد أيها الناس، فإن الشيطان قد يئس من أن يعبد بأرضكم هذه أبدا. ولكنه إن يطع ~~فيما سوى ذلك فقد رضي به مما تحقرون من أعمالكم، فاحذروه على دينكم. # وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا ~~عشر شهرا منها أربعة حرم، ثلاثة متوالية ورجب مفرد الذي بين جمادى وشعبان. # أما بعد، أيها الناس، فإن لكم على نسائكم حقا ولهن عليكم حقا، لكم عليهن ألا يوطئن ~~فرشكم أحدا تكرهونه، وعليهن ألا يأتين بفاحشة مبينة. فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن ~~تهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضربا غير مبرح. فإن انتهين فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف. ~~واستوصوا بالنساء خيرا فإنهن عندكم عوان # 8 # لا يملكن لأنفسهن شيئا. وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن ~~بكلمات الله. # فاعقلوا أيها الناس قولي فإني قد بلغت، وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا ~~أمرا بينا: كتاب الله وسنة رسوله. # أيها الناس، اسمعوا قولي واعقلوه. تعلمن أن ms465 كل مسلم أخ للمسلم، وأن المسلمين إخوة ~~فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه، فلا تظلمن أنفسكم. # اللهم هل بلغت؟! # كان النبي يقول هذا وربيعة يردده من بعده مقطعا مقطعا، ويسأل الناس أثناء ذلك ليحتفظ ~~بيقظة أذهانهم. فكان النبي يكلفه أن يسألهم مثلا: إن رسول الله يقول: هل تدرون أي يوم هذا؟ ~~فيقولون: يوم الحج الأكبر. فيقول النبي: قل لهم إن الله قد حرم عليكم دماءكم وأموالكم إلى أن ~~تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا. فلما بلغ خاتمة كلامه وقال: اللهم هل بلغت؟ أجاب الناس من كل صوب: ~~نعم. فقال: «اللهم اشهد.» # ولما أتم النبي خطابه نزل عن ناقته القصواء، وأقام حتى صلى الظهر والعصر ثم ركبها حتى ~~الصخرات؛ وهناك تلا عليه السلام على الناس قول الله تعالى: # اليوم ~~أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ~~دينا ~~. # 9 # فلما سمعها أبو بكر بكى أن أحس أن النبي وقد تمت رسالته قد دنا يومه الذي يلقى فيه ~~ربه. # وترك النبي عرفات وقضى ليله بالمزدلفة، ثم قام في الصباح فنزل بالمشعر الحرام؛ ثم ذهب إلى ~~منى وألقى في طريقه إليها الجمرات؛ حتى إذا بلغ خيامه نحر ثلاثا وستين ناقة، واحدة عن كل سنة من ~~سني حياته، ونحر علي ما بقي من الهدي المائة التي ساق النبي منذ خروجه من المدينة. ثم حلق ~~النبي رأسه وأتم حجه. أتم هذا الحج الذي يسميه بعضهم حجة الوداع، وآخرون حجة البلاغ، وغيرهم ~~حجة الإسلام. وهي في الحق ذلك كله؛ فقد كانت حجة الوداع، رأى فيها محمد مكة والبيت الحرام للمرة ~~الأخيرة. وكانت حجة الإسلام، أكمل الله فيها للناس دينه وأتم عليهم نعمته. وكانت حجة البلاغ، أتم ~~النبي فيها بلاغه للناس ما أمره الله ببلاغه. وما محمد إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون. # الفصل الثلاثون # | مرض النبي ووفاته # (تفكيره في غزو الروم - جيش أسامة - بدء مرض النبي - ذهابه إلى مقابر المسلمين وصلاته على أهل أحد ~~- شكواه من وجع رأسه - الحمى - أمره أبا ms466 بكر أن يصلي بالناس - صحو الموت - اختيار الرفيق ~~الأعلى) ~~*** # تمت حجة الوداع وآن لعشرات الألوف ممن صحبوا النبي فيها أن يعودوا إلى ديارهم، فأنجد منهم أهل ~~نجد، وأتهم أهل تهامة، وانحدر إلى الجنوب أهل اليمن وحضرموت وما حاذاها. وسار النبي وأصحابه ~~ميممين المدينة حتى إذا بلغوها أقاموا بها في أمن من شبه الجزيرة كلها، وفي تفكير متصل من جانب ~~محمد في أمر البلاد الخاضعة للروم والفرس بالشام ومصر والعراق. فهو قد أمن من ناحية شبه جزيرة ~~العرب جمعاء بعد أن دخل الناس في دين الله أفواجا، وبعد أن جعلت الوفود تقبل تترى إلى يثرب ~~تعلن الطاعة وتتفيأ ظلالها تحت لواء الإسلام، بعد أن انحاز العرب جميعا إليه في حجة الوداع. وكيف ~~لا يخلص ملوك العرب في ولائهم للنبي ولدينه ولم يبق لهم أحد ما أبقاه لهم النبي الأمي من ~~سلطان واستقلال ذاتي. أولم يبق بدهان عامل فارس على أرض اليمن في ملكه حين أعلن بدهان إسلامه ~~وحرص على وحدة العرب وألقى نير المجوس؟ ولم يكن ما يقوم به بعضهم في أنحاء من شبه الجزيرة من ~~حركات تشبه الانتقاض ليستغرق من النبي شيئا من التفكير أو ليثير في نفسه شيئا من المخاوف، بعد ~~أن انبسط سلطان الدين الجديد على كل الأنحاء، وعنت الوجوه للحي القيوم، وآمنت القلوب بالله ~~الواحد القهار. # لذلك لم يثر قيام الذين قاموا إذ ذاك يدعون النبوة عناية محمد ولا اهتمامه. صحيح أن بعض ~~القبائل القاصية عن مكة كانت تسرع، بعد الذي عرفت عن محمد ونجاح دعوته، إلى الاستماع لمدعي ~~النبوة من أهل قبيلتهم، وتود لو يكون لها من الحظ ما أوتيت قريش، وأن هذه القبائل كانت لبعدها ~~عن مقر الدين الجديد لا تعرف كل أمره، لكن الدعوة الحق إلى الله كانت قد تأصلت في بلاد العرب، ~~فلم تكن مقاومتها أمرا يسيرا. وما لاقى محمد في سبيل هذه الدعوة كان قد انتشر في الآفاق خبره، ~~ولم يكن مستطاعا لغير ابن عبد الله احتماله. وكل ادعاء أساسه البهتان لا ms467 مفر أن ينكشف سريعا ~~بهتانه. فكل ادعاء للنبوة لم يكن مقدرا له أي نجاح ذي بال. قام طليحة - زعيم بني أسد وأحد ~~أشاوس العرب في الحرب ومن ذوي السلطان بنجد - وزعم أنه نبي ورسول، وأيد زعمه بالتنبؤ بموقع ~~الماء في يوم كان قومه فيه يسيرون ويكاد الظمأ يقتلهم. لكنه بقي خائفا من الانتقاض على محمد طوال ~~حياة محمد، ولم يعلن الثورة إلا بعد أن قبض الله إليه رسوله. # وهزم ابن الوليد طليحة في ثورته هذه، فانضم من جديد إلى صفوف المسلمين وحسن إسلامه. ولم يكن ~~مسيلمة ولا كان الأسود العنسي خيرا مكانا من طليحة طيلة حياة النبي. بعث مسيلمة إلى النبي - ~~عليه السلام - يقول: إنه نبي مثله، «وإن لنا نصف الأرض ولقريش نصف الأرض، ولكن قريشا قوم لا ~~يعدلون.» فلما تلا الخطاب نظر النبي لرسولي مسيلمة وأبدى لهما أنه كان يأمر بقتلهما لولا أن ~~الرسل في أمن، ثم أجاب مسيلمة بأنه سمع إلى كتابه وما فيه من كذب، وأن الأرض لله يورثها من يشاء ~~من عباده الصالحين. والسلام على من اتبع الهدى. # وأما الأسود العنسي - صاحب اليمن بعد موت بدهان - فقد جعل يدعي السحر ويدعو الناس إليه ~~خفية، حتى إذا عظم أمره سار من الجنوب وطرد عمال محمد على اليمن، وتقدم إلى نجران وقتل فيها ابن ~~بدهان ووارث عرشه، وبنى بزوجه، ونشر في تلك الأصقاع سلطانه. ولم يثر استفحال أمره عناية محمد، ~~ولا استدعى من اهتمامه أكثر من أن بعث إلى عماله باليمن كي يحيطوا بالأسود أو يقتلوه. ونجح ~~المسلمون في تأليب اليمن من جديد على الأسود، وقتلته زوجه انتقاما منه لقتله زوجها الأول ابن ~~بدهان. # كان تفكير محمد وكانت عنايته متجهين إذن إلى الشمال بعد عوده من حجة الوداع، وكان من ناحية ~~الجنوب آمنا مطمئنا. والحق أنه منذ غزوة مؤتة، ومنذ عاد المسلمون قانعين من الغنيمة بالإياب، ~~مكتفين بما أبدى خالد بن الوليد من مهارة في الانسحاب، كان محمد يحسب لناحية الروم حسابها، ويرى ~~ضرورة توطيد سلطان المسلمين على ms468 حدود الشام حتى لا يعود إليها الذين جلوا عن شبه الجزيرة إلى ~~فلسطين يناوئون أهلها. ولهذا جهز الجيش العرم الذي جهز حين بلغه تفكير الروم في مهاجمة حدود ~~شبه الجزيرة، وسار هو على رأسه حتى بلغ تبوك، فألفى الروم قد انسحبوا إلى داخل بلادهم وحصونهم من ~~هيبته. لكنه مع هذا ظل يقدر لناحية الشمال أن تثور الذكريات بحماة المسيحية وأصحاب الغلب في ذلك ~~العصر من أهل الإمبراطورية الرومية، فيعلنوا الحرب على من أجلوا النصرانية عن نجران وغير نجران من ~~أنحاء بلاد العرب. لذلك لم يطل بالمسلمين المقام بالمدينة بعد عودهم من حجة الوداع بمكة حتى أمر ~~النبي بتجهيز جيش عرم إلى الشام، جعل فيه المهاجرين الأولين ومنهم أبو بكر وعمر، وأمر على الجيش ~~أسامة بن زيد بن حارثة. # وكان أسامة بن زيد يومئذ حدثا لا يكاد يعدو العشرين من سنه، فكان لإمارته على المتقدمين ~~الأولين من المهاجرين ومن كبار الصحابة ما أثار دهشة النفوس لولا إيمانها الصادق برسول الله. ~~والنبي إنما أراد بتعيين أسامة بن زيد أن يقيمه مقام أبيه الذي استشهد في موقعة مؤتة، وأن يجعل له ~~من فخار النصر ما يجزي به ذلك الاستشهاد، وما يبعث إلى جانب ذلك في نفس الشباب الهمة والحمية، ~~ويعودهم الاضطلاع بأعباء أجسم التبعات. وأمر محمد أسامة أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم ~~من أرض فلسطين على مقربة من مؤتة حيث قتل أبوه، وأن ينزل على أعداء الله وأعدائه في عماية الصبح، ~~وأن يمعن فيهم قتلا، وأن يحرقهم بالنار، وأن يتم ذلك دراكا حتى لا تسبق إلى أعدائه أنباؤه. ~~فإذا أتم الله النصر لم يطل بقاءه بينهم، وعاد غانما مظفرا. # وخرج أسامة والجيش معه إلى الجرف (على مقربة من المدينة) يتجهزون للسفر إلى فلسطين. # وإنهم لفي جهازهم إذ حال مرض رسول الله، ثم اشتداد المرض به، دون مسيرهم. وقد يسأل إنسان: كيف ~~يحول مرض رسول الله دون مسيرة جيش أمر بجهازه وسفره؟ لكن مسيرة جيش إلى الشام يقطع البيد والصحاري ~~أياما طويلة ليست ms469 بالأمر الهين، ولم يكن يسهل على المسلمين، والنبي أحب إليهم من أنفسهم، أن ~~يتركوا المدينة وهو يشكو المرض وهم لا يعلمون ما وراء هذا المرض. ثم إنهم لم يعرفوا قط من قبل أنه ~~شكا مرضا ذا بال، فهو لم يصب من المرض بأكثر من فقد الشهية في السنة السادسة من الهجرة حين قيل ~~كذبا إن اليهود سحروه، ومن ألم أصابه واحتجم من أجله حين أكل من الشاة المسمومة في السنة السابعة ~~من الهجرة. ثم إن حياته وتعاليمه كانت تنأى به وبكل من يتبعها عن المرض. # فهذا الزهد في الطعام ونيل القليل منه، وهذه البساطة في الملبس والعيش، وهذه النظافة التامة ~~نظافة يقتضيها الوضوء ويحبها محمد ويحرص عليها، حتى ليقول: إنه لولا خيفته أن يشق على قومه لفرض ~~عليهم السواك في اليوم خمس مرات، وهذا النشاط الدائم؛ نشاط العبادة من ناحية ونشاط الرياضة من ~~ناحية أخرى. وهذا القصد في كل شيء، وفي الملذات قبل كل شيء، وهذا السمو عن عبث الأهواء، وهذه ~~الرفعة النفسية لا تدانيها رفعة، وهذا الاتصال الدائم بالحياة وبالكون في خير صور الحياة وأدق ~~أسرار الكون - هذا كله يجنب صاحبه المرض ويجعل الصحة بعض حظه. # فإذا كان سليم التكوين، قوي الخلق، كما كان محمد، جفاه المرض ولم يعرف إليه سبيلا. فإذا مرض ~~كان طبيعيا أن يخاف محبوه وأصحابه، وكان طبيعيا أن يخافوا وهم قد رأوا ما عاناه من مصاعب ~~الحياة خلال عشرين سنة متتابعة. فهو منذ بدأ يجهر بدعوته في مكة مناديا الناس بعبادة الله وحده ~~لا شريك له وبترك الأصنام مما كان يعبد آباؤهم، قد لقي من العنت ما تنوء به النفوس مما شتت عنه ~~أصحابه الذين أمرهم فهاجروا إلى الحبشة، وما اضطره للاحتماء بشعاب الجبل حين أعلنت قريش ~~قطيعته. # وهو حين هاجر من مكة إلى المدينة بعد بيعة العقبة قد هاجر في أدق الأحوال وأشدها تعرضا ~~للخطر، وهاجر وهو لا يعرف ما قدر له بالمدينة. وقد كان بها في الفترة الأولى من مقامه موضع دس ~~اليهود ms470 وعبثهم. فلما نصره الله وأذن أن يدخل الناس من أنحاء شبه الجزيرة في دين الله أفواجا، ~~ازداد عمله وتضاعف مجهوده وظل تعهده ذلك كله يقتضيه من بذل الجهود ما ينوء بالعصبة أولي ~~القوة، وإن له - عليه الصلاة والسلام - في بعض الغزوات لمواقف تشيب من هولها الولدان. # وأي موقف أشد هولا من موقفه يوم أحد حين ولى المسلمون، وسار هو يصعد في الجبل ورجال قريش ~~يشتدون في تتبعه، ويرمونه حتى كسرت رباعيته؟! وأي موقف أشد هولا من موقفه يوم حنين حين ارتد ~~المسلمون في عماية الصبح مولين الأدبار، حتى قال أبو سفيان: إن البحر وحده هو الذي يردهم، ~~ومحمد واقف لا يرتد ولا يتراجع وينادي في المسلمين: إلى أين، إلى أين؟! إلي إلي، حتى عادوا ~~وحتى انتصروا! والرسالة! والوحي! وهذا المجهود الروحي المضني في اتصاله بسر الكون وبالملأ ~~الأعلى، هذا المجهود الذي روى بسببه عن النبي أنه قال: شيبتني هود وأخواتها! رأى أصحاب محمد هذا ~~كله، ورأوه يحمل العبء صلبا قويا لا يعرف المرض إليه طريقا. فإذا مرض من بعد ذلك، فمن حق ~~أصحابه أن يخافوا وأن يتمهلوا في السير من معسكرهم بالجرف إلى الشام، حتى تطمئن نفوسهم إلى ما ~~يكون من أمر الله في نبيه ورسوله. # وحادث وقع جعلهم أشد خوفا، فقد أرق محمد ليلة أول ما بدأ يشكو وطال أرقه، وحدثته نفسه ~~أن يخرج في ليل تلك الأيام، أيام الصيف الرقيقة النسيم، فيما حول المدينة، وخرج ولم يستصحب معه ~~أحدا إلا مولاه أبا مويهبة. أفتدري إلى أين ذهب؟ ذهب إلى بقيع الغرقد حيث مقابر المسلمين على ~~مقربة من المدينة. فلما وقف بين المقابر قال يخاطب أهلها: «السلام عليكم يأهل المقابر، ليهنئ لكم ~~ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه. أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أولها، الآخرة شر ~~من الأولى.» حدث أبو مويهبة أن النبي قال له أول ما بلغا بقيع الغرقد: «إني أمرت أن أستغفر ~~لأهل هذا البقيع فانطلق معي.» فلما استغفر لهم وآن له أن يئوب، ms471 أقبل على أبي مويهة فقال له: «يا ~~أبا مويهبة، إني قد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلود فيها ثم الجنة، فخيرت بين ذلك وبين لقاء ~~ربي والجنة.» قال أبو مويهبة: بأبي أنت وأمي! فخذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة. قال ~~محمد: «لا والله يا أبا مويهبة! لقد اخترت لقاء ربي والجنة.» # تحدث أبو مويهبة بما رأى وما سمع؛ لأن النبي بدأ يشكو المرض غداة تلك الليلة التي زار فيها ~~البقيع، فاشتد خوف الناس ولم يتحرك جيش أسامة. صحيح أن هذا الحديث الذي يروى عن أبي مويهبة ~~يلقاه بعض المؤرخين بشيء من الشك، ويذكرون أن مرض محمد لم يكن وحده هو الذي حال دون تحرك الجيش ~~إلى فلسطين، وأن تذمر الكثيرين من تعيين حدث كأسامة على رأس جيش يضم جلة المهاجرين ~~الأولين والأنصار، كان أكبر من مرض محمد في عدم تحرك الجيش أثرا. وقد اعتمد هؤلاء المؤرخون ~~في تدوين رأيهم هذا على وقائع يتلوها القارئ في هذا الفصل. وإذا كنا لا نناقش أصحاب هذا الرأي ~~رأيهم في تفاصيل هذا الذي روى أبو مويهبة، فإننا لا نرى مسوغا لإنكار الحادث من أساسه، وإنكار ~~ذهاب النبي إلى بقيع الغرقد واستغفاره لأهل المقابر من ساكنيه ودقة إدراكه اقتراب ساعته، ساعة ~~الدنو من جوار الله، فالعلم لا ينكر في عصرنا الحاضر مناجاة الأرواح على أنها بعض المظاهر ~~النفسية Psychique ~~. ودقة الإدراك لدنو الأجل يؤتاها الكثيرون ~~حتى ليستطيع أي إنسان أن يقص مما عرف من وقائع ذلك شيئا غير قليل. ثم إن هذه الصلة بين الأحياء ~~والموتى، وهذه الوحدة بين الماضي والمستقبل، وحدة لا يحدها زمان ولا مكان، قد أصبحت مقررة اليوم ~~وإن كنا بطبيعة تكويننا نقصر عن استجلاء صورتها. فإذا كان ذلك بعض ما نرى اليوم وبعض ما يقره ~~العلم، فلا محل لإنكار هذا الحادث الذي روى أبو مويهبة من أساسه، ولا محل لهذا الإنكار بعد الذي ~~ثبت من اتصال محمد النفسي والروحي بعوالم الكون اتصالا يجعله يدرك من أمره أضعاف ما يدرك ~~الموهوبون ms472 في هذه الناحية. # وأصبح محمد في الغداة ومر بعائشة، فوجدها تشكو صداعا في رأسها وتقول: وا رأساه. فقال لها ~~وقد بدأ يحس ألم المرض: بل أنا والله يا عائشة وا رأساه. لكن شكوه لم يكن قد اشتد إلى الحد ~~الذي يلزمه الفراش، أو يحول بينه وبين ما عود أهله وأزواجه من تلطف ومفاكهة. وكررت عائشة ~~الشكوى من صداعها حين سمعته يشكو؛ فقال لها: وما ضرك لو مت قبلي فقمت عليك وكفنتك وصليت عليك ~~ودفنتك؟! وأثارت هذه الدعابة غيرة الأنوثة في نفس عائشة الشابة كما أثارت عندها حب الحياة ~~والحرص عليها، فأجابت: «ليكن ذلك حظ غيري. والله لكأني بك لو قد فعلت ذلك لقد رجعت إلى بيتي ~~فأعرست فيه ببعض نسائك.» وتبسم النبي وإن لم يمكنه الألم من متابعة الدعابة، فلما سكن عنه الألم ~~بعض الشيء قام يطوف بأزواجه كما عودهن. لكن الألم جعل يعاوده وتزداد به شدته. حتى إذا كان في ~~بيت ميمونة لم يطق مغالبته، ورأى نفسه في حاجة إلى التمريض. هنالك دعا نساءه إليه في بيت ميمونة ~~واستأذنهن، بعد أن رأين حاله، أن يمرض في بيت عائشة. وأذن له أزواجه في الانتقال؛ فخرج عاصبا ~~رأسه، يعتمد في مسيرته على علي بن أبي طالب وعلى عمه العباس، وقدماه لا تكادان تحملانه حتى دخل ~~بيت عائشة. # وزادت به الحمى في الأيام الأولى من مرضه، حتى لكان يشعر كأن به منها لهبا. لكن ذلك لم يكن ~~يمنعه ساعة تنزل الحمى من أن يمشي إلى المسجد ليصلي بالناس. وظل على هذا عدة أيام، لا يزيد على ~~الصلاة ولا يقوى على محادثة أصحابه ولا خطابهم، وإن لم يحل ذلك دون أن يصل الهمس إلى أذنه بما ~~يقول الناس إنه أمر غلاما حدثا على جلة المهاجرين والأنصار لغزو الشام. ومع أنه كان يزداد ~~وجعه كل يوم شدة، لقد شعر من هذا الهمس بضرورة التحدث إلى الناس حتى يعهد إليهم؛ فقال لأزواجه ~~وأهله: «هريقوا علي سبع قرب من آبار شتى حتى أخرج إلى الناس فأعهد ms473 إليهم.» وجيء بالماء من آبار ~~مختلفة، وأقعده أزواجه في مخضب # 1 # لحفصة، وصببن عليه ماء القرب السبع حتى طفق يقول: حسبكم حسبكم. ولبس ثيابه وعصب رأسه ~~وخرج إلى المسجد وجلس على المنبر، فحمد الله ثم صلى على أصحاب أحد واستغفر لهم وأكثر من الصلاة ~~عليهم، ثم قال: «أيها الناس أنفذوا بعث أسامة. فلعمري لئن قلتم في إمارته لقد قلتم في إمارة أبيه ~~من قبله. # وإنه لخليق للإمارة وإن كان أبوه لخليقا لها.» وسكت محمد هنيهة خيم الصمت على الناس ~~أثناءها. ثم عاد إلى الحديث فقال: «إن عبدا من عباد الله خيره الله بين الدنيا والآخرة وبين ما ~~عنده فاختار ما عند الله.» وسكت محمد من جديد والناس كأنما على رءوسهم الطير. لكن أبا بكر أدرك أن ~~النبي إنما يعني بهذه العبارة الأخيرة نفسه، فلم يستطع لرقة وجدانه وعظيم صداقته للنبي أن يمسك عن ~~البكاء، فأجهش وقال: بل نحن نفديك بأنفسنا وأبنائنا! وخشي محمد أن تمتد عدوى التأثر من أبي بكر ~~إلى الناس، فأشار إليه قائلا: على رسلك يا أبا بكر. ثم أمر أن تقفل جميع الأبواب المؤدية إلى ~~المسجد إلا باب أبي بكر، فلما أقفلت قال: «إني لا أعلم أحدا كان أفضل في الصحبة عندي يدا منه. ~~وإني لو كنت متخذا من العباد خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن صحبة وإخاء إيمان حتى يجمع الله ~~بيننا عنده.» ونزل محمد عن المنبر يريد أن يعود بعد ذلك إلى بيت عائشة، على أنه لم يلبث أن التفت ~~إلى الناس وقال: «يا معشر المهاجرين استوصوا بالأنصار خيرا، فإن الناس يزيدون والأنصار على هيئتها لا ~~تزيد. وإنهم كانوا عيبتي # 2 # التي أويت إليها، فأحسنوا إلى محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم.» # ودخل محمد بيت عائشة. لكن المجهود الذي أنفقه يومئذ وهو في مرضه قد كان من شأنه أن زاد وطأة ~~المرض شدة. وأي مجهود بالنسبة لمريض تساوره الحمى يخرج بعد أن تصب عليه سبع قرب من الماء، ويخرج ~~تثقله أكبر الشواغل: جيش أسامة، ومصير الأنصار من ms474 بعده، ومصير هذه الأمة العربية التي ربط الدين ~~الجديد بأقوى الأواصر وأمت الروابط بينها. لذلك حاول أن يقوم في غده ليصلي بالناس كما عودهم، ~~فإذا هو لا يقدر. إذ ذاك قال: مروا أبا بكر فليصل بالناس. وكانت عائشة تحرص على أن يؤدي النبي ~~الصلاة لما في ذلك من مظهر الصحة، فقالت: إن أبا بكر رجل رقيق ضعيف الصوت كثير البكاء إذا قرأ ~~القرآن. قال محمد: مروه فليصل بالناس، فكررت عائشة قولها، فصاح محمد بها والمرض يهزه: إنكن ~~صواحب يوسف! مروه فليصل بالناس. وصلى أبو بكر بالناس كأمر النبي. وإنه لغائب يوما إذ دعا بلال ~~إلى الصلاة ونادى عمر أن يصلي بالناس مكان أبي بكر. وكان عمر جهير الصوت؛ فلما كبر في المسجد ~~سمعه محمد من بيت عائشة فقال: «فأين أبو بكر؟ يأبى الله ذلك والمسلمون.» ومن هنا ظن بعضهم أن ~~النبي استخلف أبا بكر من بعده أن كانت الصلاة بالناس أول مظهر للقيام مقام رسول الله. # وبلغت به شدة المرض حدا آلمه؛ ذلك أن الحمى زادت به حتى لقد كانت عليه قطيفة، فإذا وضع ~~أزواجه وعواده أيديهم من فوقها شعروا بحر هذا الحمى المضنية. وكانت ابنته فاطمة تعوده كل يوم، ~~وكان يحبها ذلك الحب الذي يمتلئ به وجود الرجل للابنة الواحدة الباقية له من كل عقبه. لذلك كانت ~~إذا دخلت على النبي قام إليها وقبلها وأجلسها في مجلسه. فلما بلغ منه المرض هذا المبلغ دخلت ~~عليه فقبلته؛ فقال: مرحبا بابنتي، ثم أجلسها إلى جانبه وأسر إليها حديثا فبكت، ثم أسر إليها ~~حديثا آخر فضحكت. فسألتها عائشة في ذلك؛ فقالت: ما كنت لأفشي سر رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~. فلما مات ~~ذكرت أنه أسر إليها أنه سيقبض في مرضه هذا فبكت، ثم أسر أنها أول أهله يلحقه، فضحكت، وكانوا ~~لاشتداد الحمى به يضعون إلى جواره إناء به ماء بارد، فما يزال يضع يده فيه ويمسح بها على وجهه. ~~وكانت الحمى تصل به حتى يغشى عليه أحيانا ثم يفيق وهو يعاني ms475 منها أشد الكرب؛ حتى قالت فاطمة ~~يوما وقد حز الألم في نفسها لشدة ألم أبيها: واكرب أبتاه! فقال: لا كرب على أبيك بعد اليوم. ~~يريد أنه سينتقل من هذا العالم عالم الأسى والألم. # وحاول أصحابه يوما تهوين الألم على نفسه، فذكروا له نصائحه ألا يشكو المريض. فأجابهم إن ما ~~به أكثر مما يكون في مثل هذه الحال برجلين منهم. وفيما هو في الشدة وفي البيت رجال قال: «إيتوني ~~بدواة وصحيفة أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا.» قال بعض الحاضرين: إن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قد ~~غلبه الوجع، وعندكم القرآن، وحسبنا كتاب الله. ويذكرون أن عمر هو الذي قال هذه المقالة. واختلف ~~الحضور، منهم من يقول: قربوا يكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده. ومنهم من يأبى ذلك مكتفيا بكتاب ~~الله، فلما رأى محمد خصومتهم قال: قوموا! ما ينبغي أن يكون بين يدي النبي خلاف. وما فتئ ابن عباس ~~بعدها يرى أنهم أضاعوا شيئا كثيرا بأن لم يسارعوا إلى كتابة ما أراد النبي إملاءه. أما عمر فظل ~~ورأيه، أن قال الله في كتابه الكريم: # ما فرطنا في الكتاب من ~~شيء ~~. # 3 # وتناقل الناس ما بلغ من اشتداد المرض بالنبي، حتى هبط أسامة وهبط الناس معه من الجرف إلى ~~المدينة. ودخل أسامة على النبي في بيت عائشة، فإذا هو قد أصمت # 4 # فلا يتكلم، فلما بصر بأسامة جعل يرفع يده إلى السماء ثم يضعها على أسامة علامة ~~الدعاء له. # ورأى أهله وهذه حاله أن يسعفوه بعلاج، فأعدت أسماء قريبة ميمونة شرابا كانت عرفت أثناء ~~مقامها بالحبشة كيف تعده، وانتهزوا فرصة إغماءة من إغماءات الحمى فصبوه في فيه. فلما أفاق قال: ~~من صنع هذا؟ ولم فعلتموه؟ قال عمه العباس: خشينا يا رسول الله أن تكون بك ذات الجنب. قال: ذلك داء ~~ما كان الله عز وجل ليقذفني به! ثم أمر بمن في الدار، خلا عمه العباس، أن يتناولوا هذا الدواء لم ~~تستثن منهم ميمونة على رغم صيامها. # وكان عند محمد أول ms476 ما اشتد به المرض سبعة دنانير خاف أن يقبضه الله إليه وما تزال باقية عنده، ~~فأمر أهله أن يتصدقوا بها. لكن اشتغالهم بتمريضه والقيام في خدمته واطراد المرض في شدته أنساهم ~~تنفيذ أمره. فلما أفاق يوم الأحد الذي سبق وفاته من إغمائه سألهم: ما فعلوا بها؟ فأجابت عائشة ~~إنها ما تزال عندها. فطلب إليها أن تحضرها، ووضعها في كفه ثم قال: «ما ظن محمد بربه لو لقي الله ~~عنده هذه.» ثم تصدق بها جميعا على فقراء المسلمين. # وقضى محمد ليله هادئا مطمئنا نزلت عنه الحمى، حتى لكأن الدواء الذي سقاه أهله قد فعل فعله ~~وقضى على المرض عنده. وبلغ من ذلك أن استطاع أن يخرج ساعة الصبح إلى المسجد عاصبا رأسه معتمدا ~~على علي بن أبي طالب والفضل بن العباس. وكان أبو بكر ساعتئذ يصلي بالناس. فلما رأى المسلمون ~~النبي وهم في صلاتهم قد خرج إليهم كادوا يفتنون فرحا به وتفرجوا. فأشار إليهم أن يثبتوا على ~~صلاتهم. وسر محمد بما رأى من ذلك أكبر سرور واغتبط له أعظم الغبطة. وأحس أبو بكر بما صنع ~~الناس، وأيقن أنهم لم يفعلوه إلا لرسول الله، فنكص عن مصلاه يريد أن يتخلى لمحمد عن مكانه. ~~فدفعه محمد في ظهره وقال: صل بالناس؛ وجلس هو إلى جنب أبي بكر فصلى قاعدا عن يمينه. فلما فرغ ~~من صلاته أقبل على الناس رافعا صوته حتى سمعه من كان خارج المسجد فقال: «أيها الناس، سعرت النار، ~~وأقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، وإني والله ما تمسكون علي بشيء. إني والله لم أحل إلا ما ~~أحل القرآن ولا أحرم إلا ما حرم القرآن. لعن الله قوما اتخذوا قبورهم مساجد.» # ولقد عظم فرح المسلمين بما رأوا من مظاهر التقدم في صحة النبي، حتى أقبل عليه أسامة بن زيد ~~يستأذنه في مسيرة الجيش إلى الشام، وحتى مثل بين يديه أبو بكر قائلا: يا نبي الله إني أراك قد ~~أصبحت بنعمة من الله وفضل كما تحب، واليوم يوم بنت خارجة، أفآتيها؟ فأذن النبي ms477 له في ذلك، وانطلق ~~أبو بكر إلى السنح بأطراف المدينة حيث تقيم زوجه. وانصرف عمر وعلي لشئونهما. وتفرق المسلمون ~~وكلهم سعيد مستبشر، بعد أن كانوا إلى أمس عابسين مغمومين لما يتصل بهم من أخبار النبي ومرضه ~~واشتداد الحمى به وإغمائه. وعاد هو إلى بيت عائشة والسرور لرؤية هؤلاء المسلمين قد امتلأ بهم ~~المسجد يفعم قلبه، وإن كان يحس جسمه ضعيفا غاية الضعف، وعائشة تنظر إلى هذا الرجل الذي يمتلئ ~~قلبها تقديسا لجلال عظمته، وقد ملكها الإشفاق عليه لضعفه ومرضه، فهي تود لو تبذل له حشاشة ~~نفسها لترد إليه القوة والحياة. # لكن خروج النبي إلى المسجد لم يكن إلا الصحو الذي يسبق الموت. فقد كان يزداد بعد دخوله إلى ~~البيت في كل لحظة ضعفا. وكان يرى الموت يدنو، ولم يبق لديه ريب في أنه لم يبق له في الحياة إلا ~~سويعات. ترى ماذا عساه كان يشهد في هذه السويعات الباقية له على فراق الحياة؟ أفكان يستذكر حياته ~~منذ بعثه الله هاديا ونبيا، وما لاقى فيها، وما أتم الله عليه من نعمته، وما شرح به صدره من ~~فتح قلوب العرب لدين الحق؟ أم كان يقضيها مستغفرا ربه متوجها إليه بكل روحه على نحو ما كان يفعل ~~كل حياته؟ أم كان يعاني هذه الساعات الأخيرة من آلام النزع ما لم يبق لديه قوة الاستذكار؟ ~~تختلف الروايات في ذلك اختلافا كبيرا، وأكثرها على أنه دعا في هذا اليوم القائظ من أيام شبه ~~الجزيرة، 8 يونيو سنة 632م، بإناء فيه ماء بارد كان يضع يده فيه ويمسح بمائه وجهه؟ وأن رجلا من ~~آل أبي بكر دخل على عائشة وفي يده سواك، فنظر إليه محمد نظرا دل على أنه يريده، فأخذته عائشة من ~~قريبها ومضغته له حتى لان وأعطته إياه فاستن به؛ # 5 # وأنه وقد شق عليه النزع، توجه إلى الله يدعوه: اللهم أعني على سكرات الموت. قالت ~~عائشة، وكان رأس النبي في هذه الساعة في حجرها: «وجدت رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يثقل في ms478 حجري، فذهبت ~~أنظر في وجهه فإذا بصره قد شخص وهو يقول: «بل الرفيق الأعلى من الجنة.» قلت: خيرت فاخترت والذي ~~بعثك بالحق. وقبض رسول الله بين سحري # 6 # ونحري ودولتي لم أظلم فيه أحدا. فمن سفهي وحداثة سني أنه # صلى الله عليه وسلم # قبض وهو في حجري، ~~ثم وضعت رأسه على وسادة وقمت ألتدم مع النساء وأضرب وجهي.» # أمات محمد حقا؟ ذلك ما اختلف العرب يومئذ فيه اختلافا كاد يثير بينهم الفتنة، وما تؤدي ~~الفتة إليه من حرب أهلية، لولا أن أراد الله بهم وبدينه الحق الحنيف خيرا. # الفصل الحادي والثلاثون # | دفن الرسول # (اختلاف المسلمين هل مات محمد - عمر يخطب الناس بأنه لم يمت - أبو بكر يعود فيخطبهم بأنه مات ويتلو ~~عليهم القرآن - اقتناع المسلمين بقول أبي بكر - خوف الاختلاف فيمن يقوم بأمر المسلمين - بيعة ~~السقيفة، ثم البيعة العامة لأبي بكر - تجهيز النبي وغسله - مرور الناس به رجالا فنساء فصبيانا - ~~دفنه حيث قبض - إنفاذ جيش أسامة إلى الشام وانتصاره - آخر ما قال الرسول) ~~*** # اختار النبي الرفيق الأعلى في بيت عائشة ورأسه في حجرها، فوضعت رأسه على وسادة وقامت تلتدم ~~وتضرب وجهها مع النساء اللاتي أسرعن إليها لأول ما بلغهن الخبر. وفوجئ المسلمون بالمسجد بهذه ~~الضجة؛ لأنهم رأوا النبي في الصباح وكل شيء يدل على أنه عوفي، مما جعل أبا بكر يذهب إلى زوجه ~~بنت خارجة بالسنح. لذلك أسرع عمر إلى حيث كان جثمان النبي وهو لا يصدق أنه مات. ذهب فكشف عن ~~وجهه فألفاه لا حراك به: فحسبه في غيبوبة لا بد أن يفيق منها. وعبثا حاول المغيرة إقناعه ~~بالحقيقة الأليمة؛ فقد ظل مؤمنا بأن محمدا لم يمت، فلما ألح المغيرة قال له: كذبت. وخرج معه ~~إلى المسجد وهو يصيح: «إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # توفي؛ وإنه والله ~~ما مات، ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران؛ فقد غاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع إليهم بعد ~~أن قيل: قد مات. ms479 والله ليرجعن رسول الله كما رجع موسى، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم زعموا ~~أنه مات.» # واستمع المسلمون بالمسجد إلى هذه الصيحات من جانب عمر يرسل الواحدة تلو الأخرى وهم في حالة ~~أشبه شيء بالذهول، ألا إن كان محمد قد مات حقا فوا حر قلباه! ويا للهم الناصب لأولئك ~~الذين رأوه وسمعوا له، وآمنوا بالله الذي بعثه بالهدى ودين الحق، هم يذهل القلب ويذهب باللب. ~~وإن كان محمد قد ذهب إلى ربه، كما يقول عمر، فذلك أدعى للذهول؛ وانتظار أوبته حتى يرجع كما رجع ~~موسى أشد إمعانا في العجب. لذلك أحاطت جموعهم بعمر وهم أدنى إلى تصديقه وإلى الإيمان بأن ~~رسول الله لم يمت. # وكيف يموت وقد كان معهم منذ ساعات يرونه ويسمعون إلى صوته الجهوري وإلى دعائه واستغفاره؟! ~~وكيف يموت وهو خليل الله الذي اصطفى لتبليغ رسالته، وقد دانت له العرب كلها، وبقي أن يدين له ~~كسرى وأن يدين له هرقل بالإسلام؟! وكيف يموت وهو هذه القوة التي هزت العالم مدى عشرين سنة ~~متوالية، وأحدثت فيه أعنف ثورة روحية عرف التاريخ؟! لكن النساء هناك ما زلن يلتدمن ويضربن ~~وجوههن علامة أنه مات. # ولكن عمر ها هنا في المسجد ما فتئ ينادي بأنه لم يمت، وبأنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن ~~عمران، وبأن الذين يقولون بموته إنما هم المنافقون؛ هؤلاء المنافقون الذين سيضرب محمد أيديهم ~~وأعناقهم بعد رجعته. أي الأمرين يصدق المسلمون؟ لقد أخذهم الفزع أول الأمر، ثم ما زالت بهم أقوال ~~عمر تبعث إلى نفوسهم الأمل برجعة النبي حتى كادوا يصدقون أمانيهم، ويصورون منها لأنفسهم حقائق ~~يكادون يستريحون إليها. # وإنهم لكذلك إذ أقبل أبو بكر آتيا من السنح وقد بلغه الخبر الفادح. وبصر بالمسلمين وبعمر ~~يخطبهم، فلم يقف طويلا ولم يلتفت إلى شيء، بل قصد إلى بيت عائشة فاستأذن ليدخل، فقيل له: لا حاجة ~~لأحد اليوم بإذن. فدخل فألفى النبي مسجى في ناحية من البيت عليه برد حبرة، # 1 # فأقبل حتى كشف عن وجهه ثم أقبل عليه يقبله وقال: ms480 ما أطيبك حيا وما أطيبك ميتا! ثم ~~إنه أخذ رأس النبي بين يديه وحدق في معارف وجهه التي بقيت لم ينكرها عدوان الموت عليها، وقال: ~~بأبي أنت وأمي! أما الموتة التي كتب الله عليك فقد ذقتها، ثم لن تصيبك بعدها موتة أبدا. ثم أعاد ~~الرأس إلى الوسادة ورد البرد على وجهه وخرج وعمر ما يزال يكلم الناس ويقنعهم بأن محمدا لم يمت. ~~وفسح الناس لأبي بكر طريقا. فلما دنا من عمر ناداه: على رسلك يا عمر! أنصت! لكن عمر أبى أن ~~يسكت أو ينصت واستمر يتكلم. فأقبل أبو بكر على الناس وأشار إليهم بأنه يكلمهم. ومن كأبي بكر في ~~هذا المقام؟! أليس هو الصديق صفي النبي ومن لو اتخذ خليلا لاتخذه خليلا؟! # لذلك أسرع الناس إلى تلبية دعوته وانصرفوا إليه عن عمر. فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها ~~الناس، إن من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات. ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. ثم ~~تلا قوله تعالى: # وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله ~~الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب ~~على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين ~~. # 2 # وكان عمر قد أنصت حين رأى انصراف الناس إلى أبي بكر، فلما سمع أبا بكر يتلو هذه الآية خر ~~إلى الأرض ما تحمله رجلاه موقنا أن رسول الله قد مات. وأما الناس فقد أخذوا من قبل بأقوال ~~عمر، حتى لقد ألفوا أنفسهم إذ سمعوا هذه الآية يتلوها أبو بكر وكأنهم لم يكونوا يعلمون أنها ~~نزلت. وكذلك زايل القلوب كل شك في أن محمدا قد اختار جوار الرفيق الأعلى، وأن الله قد ضمه ~~إليه. # أفكان عمر غاليا حين اقتنع بأن محمدا لم يمت، وحين دعا الناس إلى مثل اقتناعه؟ كلا! وإن ~~العلماء ليحدثوننا اليوم بأن الشمس ستظل تتناثر على حقب الدهور حتى يجيء يوم تفنى فيه. أفيصدق ~~أحد هذا الكلام من غير أن تساوره الشكوك في إمكانه؟ هذه الشمس التي ترسل ms481 من ضيائها ومن حرارتها ~~ما يحيا العالم به، كيف تفنى وكيف تنطفئ ثم يبقى العالم بعدها يوما؟ ومحمد لم يكن أقل من الشمس ~~ضياء، ولا حرارة، ولا قوة. وكما أن الشمس محسنة، فقد كان محمد محسنا. وكما أن الشمس تتصل ~~بالكائنات كلها، فقد كان روح محمد متصل بالكائنات جميعا، وما زال ذكره # صلى الله عليه وسلم # يعطر الكون ~~كله. فلا عجب إذا اقتنع عمر بأن محمدا لا يمكن أن يموت. وهو حقا لم يمت ولن يموت. # وكان أسامة بن زيد قد رأى النبي صباح ذلك اليوم حين خرج إلى المسجد، وظن كما ظن المسلمون ~~جميعا أنه تعافى، فذهب ومن كان قد عاد إلى المدينة من الجيش المسافر إلى الشام ولحق بالمعسكر ~~بالجرف، وأمر الجيش بالتجهز للمسير. وإنه لكذلك إذ لحق به الناعي نذيرا بوفاة النبي، فعاد ~~أدراجه وأمر الجيش فرجع كله إلى المدينة؛ ثم ذهب هو فركز علمه عند باب عائشة، وانتظر ما سيكون من ~~أمر المسلمين من بعد. # وفي الحق أن المسلمين كانوا من أمرهم في حيرة. فهم لم يلبثوا حين سمعوا أبا بكر وحين أيقنوا ~~أن محمدا قد مات، أن تفرقوا، فانحاز حي من الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، ~~واعتزل علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله في بيت فاطمة، وانحاز ~~المهاجرون ومعهم أسيد بن حضير في بني عبد الأشهل إلى أبي بكر. وإن أبا بكر وعمر لكذلك إذ أتى ~~آت ينبئهما بنبأ الأنصار الذين انحازوا إلى سعد بن عبادة، ثم يردف النبأ بقوله: فإن كان لكم ~~بأمر الناس حاجة فأدركوا الناس قبل أن يتفاقم أمرهم، ورسول الله # صلى الله عليه وسلم # في بيته لم يفرغ من ~~أمره قد أغلق دونه الباب أهله. قال عمر موجها حديثه إلى أبي بكر: انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من ~~الأنصار حتى ننظر ما هم عليه. وإنهم لفي طريقهم إذ لقيهم من الأنصار رجلان صالحان، فذكرا ~~للمهاجرين ما تمالأ عليه القوم وسألاهم: أين يريدون؟ ms482 فلما علما أنهم يريدون الأنصار قالا: لا ~~عليكم ألا تقربوهم؛ يا معشر المهاجرين اقضوا أمركم. قال عمر: والله لنأتينهم. وانطلقوا حتى ~~نزلوا بهم في سقيفة بني ساعدة فإذا بين ظهرانيهم رجل مزمل. قال عمر بن الخطاب: من هذا؟ قالوا: ~~سعد بن عبادة، به وجع. فلما جلس المهاجرون قام خطيب الأنصار فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما ~~بعد، فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام، وأنتم معشر المهاجرين رهط منا وقد دفت دافة من قومكم ~~وإذا هم يريدون أن يحتازونا من أصلنا ويغصبونا الأمر. # وكانت هذه روح الأنصار أثناء حياة النبي، لذلك لم يكد عمر يسمع هذا الكلام حتى أراد أن يدفعه: ~~فأمسك به أبو بكر مخافة شدته وقال: على رسلك يا عمر! ثم قال موجها كلامه للأنصار: «أيها الناس! ~~نحن المهاجرين أول الناس إسلاما، وأكرمهم أحسابا، وأوسطهم دارا، وأحسنهم وجوها، وأكثرهم ~~ولادة في العرب، وأمسهم رحما برسول الله: أسلمنا قبلكم، وقدمنا في القرآن عليكم، فقال تبارك ~~وتعالى: # والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ~~والذين اتبعوهم بإحسان ~~. # 3 # فنحن المهاجرون وأنتم الأنصار؛ إخواننا في الدين وشركاؤنا في الفيء، وأنصارنا على العدو. ~~وأما ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، وأنتم أجدر بالثناء من أهل الأرض جميعا. فأما العرب فلن ~~تعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش. فمنا الأمراء ومنكم الوزراء.» هناك استشاط أحد الأنصار ~~غضبا وقام فقال: «أنا جذيلها # 4 # المحكك، وعذيقها المرجب. منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش.» قال أبو بكر: ~~بل منا الأمراء ومنكم الوزراء، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين، فبايعوا أيهما شئتم؛ وأخذ بيد عمر ~~بن الخطاب وبيد أبي عبيدة بن الجراح وهو جالس بينهما. هنالك كثر اللغط وارتفعت الأصوات وخيف ~~الاختلاف؛ فنادى عمر بصوته الجهوري: ابسط يدك يا أبا بكر. فبسط أبو بكر يده فبايعه وهو يقول: ~~«ألم يأمرك النبي بأن تصلي أنت يا أبا بكر بالمسلمين؟! فأنت خليفته؛ ونحن نبايعك فنبايع خير من ~~أحب رسول الله منا جميعا.» ومست هذه الكلمات قلوب الحاضرين من ms483 المسلمين أن كانت معبرة حقا ~~عما ظهر من إرادة النبي حتى هذا اليوم الأخير الذي رآه الناس فيه، فقضى ذلك على ما بينهم من خلاف، ~~وأقبلوا فبايع المهاجرون ثم بايع الأنصار. # وإذ كان الغد من ذلك اليوم، جلس أبو بكر على المنبر، وتقدم ابن الخطاب فتكلم قبل أبي بكر فحمد ~~الله وأثنى عليه ثم قال: «إني قد قلت لكم بالأمس مقالة ما كانت مما وجدتها في كتاب الله ولا كانت ~~عهدا عهده إلي رسول الله، ولكني قد كنت أرى أن رسول الله سيدبر أمرنا ويبقى ليكون آخرنا. وإن ~~الله قد أبقى فيكم كتابه الذي به هدى رسوله. فإن اعتصمتم به هداكم الله لما كان هداه له. وإن الله ~~قد جمع أمركم على خيركم صاحب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وثاني اثنين إذ هما في الغار، فقوموا فبايعوه.» ~~فبايع الناس أبا بكر البيعة العامة بعد بيعة السقيفة. # وقام أبو بكر بعد أن تمت البيعة فألقى في الناس هذا الخطاب الذي يعتبر آية من آيات الحكمة ~~وفصل الخطاب. قال - رضي الله عنه - بعد أن حمد الله وأثنى عليه: «أما بعد، أيها الناس، قد وليت ~~عليكم ولست بخيركم. فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني. الصدق أمانة، والكذب خيانة. والضعيف ~~فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله. والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء ~~الله. لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم ~~الله بالبلاء. أطيعوني ما أطعت الله ورسوله. فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم. قوموا إلى ~~صلاتكم يرحمكم الله.» # وبينما المسلمون يختلفون ثم يتفقون على بيعة أبي بكر بيعة السقيفة ثم البيعة العامة، كان ~~جثمان النبي حيث كان على سرير موته يحيط به الأقربون من أهله. فلما تمت البيعة لأبي بكر أقبل ~~الناس على جهاز رسول الله كي يدفنوه. وقد اختلفوا فيما بينهم أين يدفن. قال جماعة من المهاجرين: ~~يدفن في مكة مسقط ms484 رأسه وبين أهله. وقال غيرهم: بل يدفن في بيت المقدس حيث دفن الأنبياء قبله. وما ~~أدري كيف قال أصحاب هذا الرأي، وبيت المقدس كان ما يزال بأيدي الروم، وكان بين الروم والمسلمين ~~عداوة منذ مؤتة وتبوك حتى جهز رسول الله جيش أسامة للثأر. ولم يرض المسلمون هذا الرأي ولا هم رضوا ~~أن يدفن النبي بمكة، ورأوا أن يدفن بالمدينة التي آوته ونصرته والتي استظلت قبل غيرها بلواء ~~الإسلام. وتحدثوا أين يدفن؟ قال فريق منهم: يدفن بالمسجد حيث كان يخطب الناس ويعظهم ويصلي بهم؛ ~~ورأى هؤلاء أن يدفن حيث يقوم المنبر أو إلى جانبه. لكن هذا الرأي لم يلبث أن رفض؛ لما روي عن ~~عائشة أن النبي كان عليه رداء أسود حين اشتد وجعه، فكان يضعه مرة على وجهه ويكشفه عنه مرة وهو ~~يقول: قاتل الله قوما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد! ثم قضى أبو بكر بين الناس إذ قال: إني سمعت ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يقول: ما قبض نبي إلا دفن حيث يقبض. ثم تقرر أن يحفر له مكان الفراش ~~الذي قبض فوقه. # وتولى غسل النبي أهله الأقربون، وفي مقدمتهم علي بن أبي طالب والعباس بن عبد المطلب وولداه ~~الفضل وقثم وأسامة بن زيد. وكان أسامة بن زيد وشقران مولى النبي هما اللذان يصبان الماء ~~عليه وعلي يغسله وعليه قميصه؛ فقد أبوا أن ينزعوا عنه القميص. وكانوا أثناء ذلك يجدون به طيبا ~~حتى كان علي يقول: بأبي أنت وأمي! ما أطيبك حيا وميتا! ويذهب بعض المستشرقين إلى أن هذه ~~الرائحة الذكية ترجع إلى ما اعتاد النبي طوال حياته من التطيب حتى كان يرى الطيب بعض ما حبب ~~إليه من هذه الحياة الدنيا. فلما فرغوا من غسله وعليه قميصه كفن في ثلاثة أثواب: ثوبين صحاريين # 5 # وبرد حبرة أدرج فيها إدراجا. ولما تم الجهاز على هذا النحو ترك الجثمان حيث كان، ~~وفتحت الأبواب للمسلمين يدخلون من ناحية المسجد يطوفون، يلقون على نبيهم نظرة الوداع، ويصلون على ~~النبي، ثم يخرجون وقد ms485 هوى الحزن بنفوسهم إلى قرار سحيق. # وامتلأت الحجرة حين دخل أبو بكر وعمر يصليان مع المسلمين لا يؤمهم في صلاتهم هذه أحد. فلما ~~استوى الناس بالمكان وقد علاهم الصمت قال أبو بكر: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته. ~~نشهد أن نبي الله ورسوله قد بلغ رسالة ربه وجاهد في سبيله حتى أتم الله النصر لدينه، وأنه وفى ~~بوعده، وأمر ألا نعبد إلا الله وحده لا شريك له. وكان المسلمون يجيبون عند كل جملة من كلام أبي ~~بكر في هيبة وخشوع: آمين آمين. فلما فرغ الرجال من صلاتهم وخرجوا أدخل النساء، ثم أدخل الصبيان من ~~بعدهم. وهؤلاء وأولئك جميعا كل واجب قلبه محزون فؤاده يفري الأسى كبده لفراق رسول الله خاتم ~~النبيين، وتساوره على دين الله أشد الخشية من بعده. # وإني لأستعيد الساعة، بعد أكثر من ألف وثلاثمائة سنة من ذلك اليوم، صورة هذا المشهد الرهيب ~~المهوب فتمتلئ نفسي هيبة وخشوعا ورهبة. هذا الجثمان المسجى في ناحية من الحجرة التي ستصبح غدا ~~قبرا والتي كانت إلى أمس بساكنها حياة ورحمة ونورا؛ وهذا الجثمان الطاهر لذلك الذي دعا الناس ~~إلى الهدى والحق، وكان لهم المثل الأعلى في البر والرحمة والإقدام والإباء وإنصاف المظلوم ~~والانتصاف من كل معتد أثيم؛ وهذه الجموع تمر به كاسفة البال كسيرة الطرف، وكل رجل وكل امرأة وكل ~~صبي يذكر في هذا الرجل الذي اختار جوار ربه أباه وأخاه وصاحبه ووفيه ونبي الله ورسوله! أي شعور ~~تمتلئ به تلك القلوب العامرة بالإيمان الممتلئة إشفاقا مما يخبئ الغد بعد موت الرسول - أستعيد ~~الساعة صورة هذا المشهد الرهيب؛ فأراني شاخصا له مأخوذا به ممتلئ القلب من جلال هيبته، أكاد لا ~~أجد إلى الانصراف عنه سبيلا. # وكان من حق المسلمين أن تساورهم الخشية. فمنذ ذاع النبأ بموت النبي في المدينة وترامى إلى ~~قبائل العرب المحيطة بها، اشرأبت اليهودية والنصرانية، ونجم النفاق، وتبلبلت عقائد المستضعفين من ~~العرب. وهم أهل مكة بالرجوع عن الإسلام، بل أرادوا ذلك، حتى خافهم عتاب بن أسيد ms486 عامل النبي ~~على أم القرى فتوارى منهم. ولولا أن قام سهيل بن عمرو بينهم، فقال بعد أن ذكر وفاة النبي: إن ذلك ~~لم يزد الإسلام إلا قوة، فمن رابنا ضربنا عنقه؛ ثم قال: يأهل مكة، كنتم آخر من أسلم فلا تكونوا ~~أول من ارتد، والله ليتمن الله عليكم هذا الأمر كما قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، لما رجعوا عن ~~ردتهم! # وقد كان للعرب في حفر قبورهم طريقتان: إحداهما لأهل مكة يحفرون القبر مسطح القاع، والأخرى ~~لأهل المدينة يحفرونه مقوسا. وكان أبو عبيدة بن الجراح يضرح كحفر أهل مكة، وأبو طلحة زيد بن ~~سهل هو الذي يحفر لأهل المدينة. وحار أهل النبي أي الطريقتين يسلكون في حفر قبره. فبعث عمه العباس ~~رجلين يدعو أحدهما أبا عبيدة ويدعو الآخر أبا طلحة. فأما المبعوث إلى أبي عبيدة فلم يعد به وجاء ~~المبعوث إلى أبي طلحة به، فلحد لرسول الله على طريقة أهل المدينة، فلما كان المساء وبعد أن مر ~~المسلمون بالجثمان الطاهر وودعوه الوداع الأخير، اعتزم أهل النبي دفنه، فانتظروا حتى مضى هزيع ~~من الليل، وفرشوا القبر برداء أحمر كان النبي يلبسه، ثم أنزله الذين تولوا غسله إلى المقر ~~الأخير لرفاته، وبنوا فوقه باللبن وأهالوا التراب فوق القبر. قالت عائشة: ما علمنا بدفن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # حتى سمعنا صوت المساحي من جوف الليل، وقالت فاطمة مثل هذا القول. وكان دفنه ليلة ~~الأربعاء الرابع عشر من شهر ربيع الأول؛ أي بعد يومين من اختياره الرفيق الأعلى. # وظلت عائشة من بعد ذلك تعيش بمنزلها في الحجرة المجاورة لحجرة القبر سعيدة بهذا الجوار ~~الكريم. ولما مات أبو بكر دفن إلى جوار النبي، كما دفن عمر إلى جواره من بعد. ويروى أن عائشة كانت ~~تزور حجرة القبر سافرة إلى أن دفن عمر بها إذ لم يكن بها يومئذ غير أبيها وزوجها. فلما دفن عمر ~~كانت لا تدخل إلا محتجبة لابسة كامل ثيابها. # ولم يكد المسلمون يفرغون من جهاز رسول الله ودفنه حتى ms487 أمر أبو بكر أن ينفذ جيش أسامة لغزو ~~الشام تنفيذا لما كان قد أمر رسول الله به. وقد أبدى بعض المسلمين من الاعتراض على ذلك ما أبدوا ~~أيام مرض النبي. وانضم عمر إلى المعترضين ورأى ألا يشتت المسلمون، وأن يحتفظ بهم في المدينة مخافة ~~أمر قد يدعو إليهم. لكن أبا بكر لم يتردد لحظة في تنفيذ أمر الرسول، ورفض أن يستمع إلى قول الذين ~~أشاروا بتعيين قائد أسن من أسامة وأكثر منه في الحرب دربة. وتجهز الجيش عند الجرف وأسامة على ~~رأسه، وخرج أبو بكر يودعه. هنالك طلب إلى أسامة أن يعفي ابن الخطاب من الذهاب معه ليبقى ~~بالمدينة يشير على أبي بكر. ولم تمض عشرون يوما على مسيرة الجيش حتى أغار المسلمون على البلقاء، ~~وحتى انتقم أسامة للمسلمين ولأبيه الذي قتل بمؤتة أشد انتقام. وقد كانت صيحة الحرب في تلك الأيام ~~المظفرة: «يا منصور أمت.» وكذلك نفذ أبو بكر ونفذ أسامة أمر النبي، وعاد بالجيش إلى المدينة ~~ممتطيا الجواد الذي قتل أبوه بمؤتة عليه، يتقدمه اللواء الذي عقده رسول الله بيده. # ولما قبض النبي طلبت فاطمة ابنته إلى أبي بكر أن يرد عليها ما ترك من أرض بفدك وخيبر. لكن أبا ~~بكر أجابها بقول أبيها: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة.» ثم قال لها: فأما إن كان ~~أبوك قد وهب لك هذا المال فإني أقبل كلمتك في ذلك وأنفذ ما أمر به، وأجابت فاطمة بأن أباها لم يفض ~~إليها بشيء من ذلك، وإنما أخبرتها أم أيمن بأن ذلك كان قصده. عند ذلك أصر أبو بكر على استبقاء فدك ~~وخيبر وردهما إلى بيت مال المسلمين. # وكذلك خرج محمد من هذه الحياة الدنيا لم يترك شيئا من عرضها الزائل لأحد بعده؛ خرج منها كما ~~دخل إليها وقد ترك فيها للناس هذا الدين القيم، ومهد فيها لهذه الحضارة الإسلامية الكبرى التي ~~تفيأ العالم ظلالها من قبل وسيتفيأ ظلالها من بعد، وأقر فيها التوحيد، وجعل فيها كلمة الله ~~العليا وكلمة الذين ms488 كفروا السفلى، وقضى فيها على الوثنية في كل صورها ومظاهرها القضاء المبرم، ~~ودعا الناس فيها أن يتعاونوا على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان، وترك من بعده كتاب الله ~~هدى للناس ورحمة، وكان فيها المثل الأسمى والأسوة الحسنة. وكان من آخر ما ضربه للناس من الأمثلة ~~أن قال للناس يوم كلمهم أثناء مرضه: «أيها الناس من كنت جلدت له ظهرا فهذا ظهري فليستقد مني. ~~ومن كنت شتمت له عرضا فهذا عرضي فليستقد منه. ومن أخذت له مالا فهذا مالي فليأخذ منه، ولا يخش ~~الشحناء فهي ليست من شأني.» وادعى عليه رجل ثلاثة دراهم فأعطاه عوضها. ثم ترك العالم بعد ذلك ~~مخلفا هذا الميراث الروحي العظيم الذي لا يزال ينتشر في العالم حتى يتم الله كلمته، وينصر دينه ~~على الدين كله ولو كره الكافرون. # صلى الله عليه وسلم. # | خاتمة في مبحثين # (1) الحضارة الإسلامية كما صورها القرآن # خلف محمد هذا الميراث الروحي العظيم الذي أظل العالم ووجه حضارته خلال عدة قرون مضت، ~~والذي سيظله من بعد ويوجه حضارته حتى يتم الله في العالم نوره. وإنما كان لهذا الميراث كل هذا ~~الأثر فيما مضى، وسيكون له مثله وأكثر من بعد، لأنه أقام دين الحق ووضع أساس حضارة هي وحدها ~~كفيلة بسعادة العالم. والدين والحضارة اللذان بلغهما محمد للناس بوحي ربه، يتزاوجان حتى لا ~~انفصال بينهما. ولئن قامت هذه الحضارة الإسلامية على أساس من قواعد العلم وهدى العقل، واستندت ~~في ذلك إلى ما تستند إليه الحضارة الغربية في عصرنا الحاضر؛ ولئن استند الإسلام من حيث هو دين ~~إلى التفكير الذاتي، وإلى المنطق التجريدي (الميتافيزيقي)؛ إن الصلة مع ذلك وثيقة بين الدين ~~ومقرراته والحضارة وأساسها؛ ذلك بأن الإسلام يربط بين التفكير المنطقي والشعور الذاتي، وبين ~~قواعد العقل وهدى العلم، برابطة لا مفر لأهله من البحث عنها والاهتداء إليها ليظلوا مسلمين ~~وطيدا إيمانهم. وحضارة الإسلام تختلف من هذه الناحية عن الحضارة الغربية المتحكمة اليوم في ~~العالم، كما تختلف عنها في تصوير الحياة والأساس الذي يقوم هذا ms489 التصوير عليه. وهذا الاختلاف بين ~~الواحدة والأخرى من هاتين الحضارتين جوهري إلى الحد الذي يجعل أساس كل واحدة منهما نقيض ~~الأساس الذي تقوم عليه الأخرى. # يرجع هذا الاختلاف إلى أسباب تاريخية، أشرنا إليها في تقديم هذا الكتاب وفي تقديم طبعته ~~الثانية. فقد أدى النزاع في الغرب المسيحي بين السلطتين الدينية والزمنية - وبعبارة هذا العصر: ~~بين الكنيسة والدولة - إلى الفصل بينهما وإلى إقامة سلطان الدولة على إنكار سلطان الكنيسة. وكان ~~لهذا التنازع على السلطان أثره في التفكير الغربي كله. وفي مقدمة النتائج التي ترتبت على هذا ~~الأثر ما كان من تفريق بين الشعور الإنساني والعقل الإنساني، وبين منطق العقل المجرد ومقررات ~~العلم الواقعي المستندة إلى الملاحظة المادية. # وكان لانتصار التفكير المادي أثره البالغ في قيام النظام الاقتصادي أساسا رئيسيا للحضارة ~~الغربية. فقد نشأ من ذلك أن قامت في الغرب مذاهب تريد أن تجعل كل ما في عالمنا خاضعا لحياة هذا ~~العالم الاقتصادية، كما أراد غير واحد أن يضع تاريخ الإنسانية في أديانها وفنها وفلسفتها ~~وتكفيرها وعلمها بوحي ما كان من مد أو جزر اقتصادي في أممها المختلفة. ولم يقف أمر هذا ~~التفكير عند التاريخ وكتابته، بل أقامت بعض مذاهب الفلسفة الغربية قواعد الخلق على أسس نفعية ~~مادية بحتة. ومع ما بلغته هذه المذاهب من براعة في التفكير وقوة في الابتكار، لقد أمسكها التطور ~~الفكري في الغرب في حدود المنفعة المادية المشتركة، تقيم عليها قواعد الخلق جميعا، وترى ذلك ~~من المقتضيات المحتومة للبحث العلمي. فأما المسألة الروحية فهي في نظر الحضارة الغربية مسألة ~~فردية صرفة، فلا محل لأن يعنى الناس أنفسهم جماعة بها. # ومن ثم كانت الإباحة في العقيدة بعض ما قدسه أهل الغرب، وكان أشد تقديسا لها من تقديسهم ~~الإباحة في الخلق؛ وهم أشد تقديسا للإباحة في الخلق منهم لحرية الحياة الاقتصادية المقيدة ~~بالقانون تقييدا ينفذه الجندي وتنفذه الدولة بكل ما أوتيت من قوة. # في اعتقادي أن حضارة تجعل الحياة الاقتصادية أساسا، وتقيم قواعد الخلق على أساس هذه الحياة ~~الاقتصادية، ولا ms490 تقيم للعقيدة وزنا في الحياة العامة، تقصر عن أن تمهد للإنسانية سبيل ~~سعادتها المنشودة. بل إن هذا التصوير للحياة لجدير أن يجر على الإنسانية ما تعانيه من محن في ~~هذه العصور الأخيرة، جدير أن يجعل كل تفكير في منع الحرب وفي توطيد أركان السلام في العالم قليل ~~الجدوى غير مرجو الثمرة. فما دامت صلتي بك أساسها الرغيف الذي آكل أنا أو تأكل أنت وتنازعنا ~~عليه ونضالنا في سبيله، قائمة بذلك على أساس القوة الحيوانية في كل منا، فسيظل كل منا يرقب ~~الفرصة التي يحسن فيها الاحتيال للحصول على رغيف صاحبه؛ وسيظل كل منا ينظر إلى الآخر على أنه ~~خصمه لا على أنه أخوه، وسيظل الأساس الخلقي الكمين في النفس أساسا حيوانيا بحتا ، وإن بقي ~~كمينا حتى تدفع الحاجة إلى ظهوره، وستظل المنفعة وحدها قوام هذا الأساس الخلقي، على حين تنزلق ~~عليه المعاني الإنسانية السامية والمبادئ الخلقية الكريمة، مبادئ الإيثار والمحبة والأخوة، ~~فلا يكاد يمسكها ولا تكاد تعلق به. # وما هو واقع في العالم اليوم خير مصداق عملي لما أذكره؛ فالتنافس والنضال هما المظهر الأول ~~للنظام الاقتصادي، وهما لذلك أول مظهر لحضارة الغرب. وهما كذلك في المذهب الفردي وفي المذهب ~~الاشتراكي على سواء. في المذهب الفردي ينافس العامل العامل، وينافس رب المال رب المال، والعامل ~~ورب المال فيه خصمان يتنافسان. وأرباب هذا المذهب يرون في هذا التنافس وهذا النضال كل خير ~~للإنسانية ولتقدمها. فهما عندهم الحافز للإتقان والحافز لتقسيم العمل، وهما المعيار العادل ~~لتوزيع الثروة. أما المذهب الاشتراكي فيرى في نضال الطوائف، نضالا يفنيها جميعا حتى يرد ~~الأمر كله للعمال، بعض ما تحتمه الطبيعة، وما دام التنافس والنضال على المال هما جوهر الحياة، ~~وما دام النضال بين الطوائف طبيعيا، فالنضال بين الأمم طبيعي كذلك، وللغاية التي يقع من أجلها ~~نضال الطوائف. ومن ثم كانت فكرة القوميات أثرا محتوما بحكم الطبيعة لهذا النظام الاقتصادي. ~~أما ونضال الأمم في سبيل المال طبيعي، أما والاستعمار لذلك طبيعي أيضا، فكيف يمكن أن تمتنع ~~الحرب ويستقر ms491 السلام في العالم؟! لقد شهدنا في هذا القرن المتم للعشرين المسيحي وما نزال نشهد ~~البينات على أن السلام في عالم هذا أساس حضارته حلم لا سبيل إلى تحقيقه، وأمنية معسولة، ولكنها ~~سراب كذوب. # تقوم الحضارة الإسلامية على أساس هو النقيض من أساس الحضارة الغربية؛ فهي تقوم على أساس ~~روحي يدعو الإنسان إلى حسن إدراك صلته بالوجود ومكانه منه قبل كل شيء. فإذا بلغ من هذا الإدراك ~~حد الإيمان، دعاه إيمانه إلى إدامة تهذيب نفسه وتطهير فؤاده، وإلى تغذية قلبه وعقله بالمبادئ ~~السامية: مبادئ الإباء والأنفة والأخوة والمحبة والبر والتقوى. وعلى أساس هذه المبادئ ينظم ~~الإنسان حياته الاقتصادية. هذا التدرج هو أساس الحضارة الإسلامية كما نزل الوحي بها على محمد. ~~فهي حضارة روحية أولا. والنظام الروحي فيها هو أساس النظام التهذيبي وأساس قواعد الخلق. ~~والمبادئ الخلقية هي أساس النظام الاقتصادي، فلا يجوز أن يضحى بشيء من مبادئ الخلق في سبيل ~~التنظيم الاقتصادي. # هذا التصوير الإسلامي للحضارة هو في يقيني التصوير الجدير بالإنسانية الكفيل بسعادتها، ولو ~~أنه استقر في النفوس، وانتظم الحياة انتظام الحضارة الغربية اليوم إياها، لتبدلت الإنسانية غير ~~الإنسانية، ولانهارت مبادئ يؤمن الناس اليوم بها، ولقامت مبادئ سامية تكفل معالجة أزمات العالم ~~الحاضر على هدى نورها. # والناس اليوم في الغرب والشرق يحاولون حل هذه الأزمات دون أن يتنبه أحد منهم، ودون أن يتنبه ~~المسلمون أنفسهم إلى أن الإسلام كفيل بحلها؛ فأهل الغرب يتلمسون اليوم جدة روحية تنقذهم من ~~وثنية تورطوا فيها، وكانت سبب شقائهم وعلة ما ينشب من الحروب بينهم؛ تلك عبادة المال. وأهل ~~الغرب يتلمسون هذه الجدة في مذاهب الهند والشرق الأقصى على حين هي قريبة منهم؛ يجدونها مقررة في ~~القرآن، مصورة خير صورة فيما ضربه النبي العربي للناس من مثل أثناء حياته. # لست أطمع في أن أصور هنا هذه الحضارة الإسلامية ونظامها؛ فهذا التصوير يقتضي بحثا ~~مستفيضا، ويستغرق كتابا في حجم هذا الكتاب أو أكثر منه؛ وإنما أريد أن أجمل صورة هذه الحضارة، ~~بعد أن أشرت إلى الأساس ms492 الروحي الذي تقوم عليه، لعلي بذلك أصور الدعوة المحمدية في مجموعها ~~وأمهد بهذا التصوير لمباحث أكثر استفاضة وعمقا. وإني ليجمل بي قبل ذلك أن أشير إلى أن تاريخ ~~الإسلام خلا من النزاع بين السلطة الدينية والسلطة الزمنية؛ أي بين الكنيسة والدولة، فأنجاه ذلك ~~مما ترك هذا النزاع في تفكير الغرب وفي اتجاه تاريخه. وترجع نجاة الإسلام من هذا النزاع وآثاره ~~إلى أنه لم يعرف شيئا اسمه الكنيسة أو السلطة الدينية على نحو ما عرفت المسيحية. فليس لأحد من ~~المسلمين، ولو كان خليفة، أن يفرض أمرا على الناس باسم الدين، وأن يزعم أنه قدير مع ذلك على ~~الغفران لمن خالف هذا الأمر. وليس لأحد من المسلمين، ولو كان خليفة، أن يفرض على الناس غير ما ~~فرضه الله في كتابه. بل المسلمون أمام الله سواسية، لا فضل لأحد منهم على أحد إلا ~~بالتقوى. # وليس لولي الأمر على مسلم طاعة في معصية ولا فيما لم يأمر الله به. يقول أبو بكر الصديق ~~حين خطب المسلمين يوم بايعوه بالخلافة: أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإن عصيت الله ورسوله فلا ~~طاعة لي عليكم. ومع ما آل إليه الأمر في الإسلام بعد ذلك من ملك عضوض، ومع ما قام بين المسلمين ~~من ثورات أهلية، لقد أقام المسلمون على تمسكهم بهذه الحرية الذاتية العظيمة التي قررها لهم ~~دينهم؛ هذه الحرية التي جعلت العقل حكما في كل شيء، والتي جعلته حكما في الدين وفي الإيمان ~~نفسه. لقد تمسكوا بهذه الحرية حتى بعد أن ادعى أمراء المؤمنين أنهم خلفاء الله لا خلفاء رسوله ~~على الأرض، وأنهم يملكون من أمر المسلمين كل شيء حتى الحياة والموت. يشهد بذلك ما حدث في عصر ~~المأمون حين اختلف على القرآن أمخلوق هو أم غير مخلوق؟ فقد خالف الكثيرون رأي الخليفة مع علمهم ~~بما يستهدف له المخالف من عقاب وغضب. # جعل الإسلام العقل حكما في كل شيء، وجعله حكما في الدين وفي الإيمان نفسه. يقول تعالى: # ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا ms493 ~~يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون ~~. # 1 # ويفسر الشيخ محمد عبده هذه الآية فيقول: «إن الآية صريحة في أن التقليد بغير عقل ولا هداية ~~هو شأن الكافرين، وإن المرء لا يكون مؤمنا إلا إذا عقل دينه وعرفه بنفسه حتى اقتنع به. فمن ~~ربي على التسليم بغير عقل، والعمل ولو صالحا بغير فقه، فهو غير مؤمن. فليس القصد من الإيمان ~~أن يذلل الإنسان للخير كما يذلل الحيوان، بل القصد منه أن يرتقي عقله وترتقي نفسه بالعلم فيعمل ~~الخير لأنه يفقه أنه الخير النافع المرضي لله، ويترك الشر لأنه يفهم سوء عاقبته ودرجة ~~مضرته.» # وهذا الذي يقوله الشيخ محمد عبده تفسيرا لهذه الآية قد جاء به القرآن صريحا في آيات كثيرة ~~غيرها. فهو يدعو الناس إلى النظر في الكون ومعرفة أنبائه ليهديهم نظرهم إلى وجود الله ووحدته جل ~~شأنه، يقول الله سبحانه وتعالى: # إن في خلق السماوات ~~والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر ~~بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به ~~الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح ~~والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم ~~يعقلون ~~. # 2 # ويقول تعالى: # وآية لهم الأرض الميتة ~~أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون * ~~وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون ~~* ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا ~~يشكرون * سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت ~~الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون * وآية لهم ~~الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون * والشمس ~~تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم * ~~والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم * لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار ~~ وكل في فلك يسبحون * وآية لهم أنا حملنا ~~ذريتهم في الفلك المشحون * وخلقنا لهم من ~~مثله ما يركبون * وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ~~ولا هم ينقذون * إلا رحمة منا ومتاعا إلى ~~حين ~~. # 3 # والدعوة إلى النظر في الكون لاستنباط سننه وللاهتداء إلى ms494 الإيمان ببارئه يكررها القرآن مئات ~~المرات في سوره المختلفة، وكلها موجهة إلى قوى الإنسان العاقلة تدعوه إلى التدبر والتأمل ~~ليكون إيمانه عن عقل وبينة، وتحذره الأخذ بما وجد آباءه عليه من غير نظر فيه وتمحيص له وثقة ~~ذاتية بمبلغه من الحق. # هذا هو الإيمان الذي دعا الإسلام إليه، وهو ليس هذا الإيمان الذي يسمونه إيمان العجائز، ~~إنما هو إيمان المستنير المستيقن الذي نظر ونظر، ثم فكر وفكر، ثم وصل من النظر والتفكير إلى ~~اليقين بالله جلت قدرته، وما أحسب رجلا نظر بعقله وقلبه ثم لم يهتد إلى الإيمان، وهو كلما أنعم ~~نظره وأطال تأمله وتدبره، وحاول الإحاطة بالزمان والمكان وما تشتمله وحدتهما التي لا نهاية لها ~~من عوالم دائمة المور، شعر بنفسه ذرة من هذه العوالم تجري كلها على سنن تمسكها، وإلى غاية عند ~~بارئها علمها، وتيقن من ضعفه وقصور علمه إذا لم يستعن على إدراك هذا الوجود بقوة فوق حسه وفوق ~~عقله، تصل بينه وبين هذه العوالم جميعا، وتجعله يشعر بمكانته منها. وتلك قوة الإيمان. # فالإيمان إذن شعور روحي يحس به الإنسان يملأ نفسه كلما اتصل بالكون وفني في لا نهاية المكان ~~والزمان، وامتثل الكائنات كلها في نفسه، فرآها تجري كلها على سنن تمسكها، ورآها كلها تسبح ~~بحمد ربها؛ بارئها ومنشئها. أما أنه جل شأنه ماثل فيها متصل بها، أو هو مستقل بنفسه منفصل عنها، ~~فهذه مضاربات جدلية عقيمة تضل ولا تهدي، وتضر ولا تنفع. وهي بعد لا تزيدنا علما. ولقد طالما ~~أجهد الكتاب والفلاسفة أنفسهم يحاول بعضهم حلها، ويحاول بعضهم معرفة جوهر الخالق جل شأنه، ~~فذهب جهدهم عبثا، وأقر بعضهم بأنها فوق ما نطيق إدراكه. ولئن قصر عقلنا دون هذا الإدراك ليكونن ~~هذا القصور أدنى إلى تثبيت إيماننا. فشعورنا اليقيني بوجوده جل شأنه وبإحاطته بكل شيء علما، ~~وبأنه الخالق المصور إليه يرجع الأمر كله، من شأنه أن يقنعنا بأنا لن نستطيع أن ندرك كنهه على ~~شدة إيماننا به، وإذا كنا حتى اليوم لا ندرك ما الكهربا وإن شهدت ms495 أعيننا آثارها، وكانت تكفينا ~~هذه الآثار لنؤمن بالكهربا والأثير، فما أشدنا غرورا ونحن نشهد كل يوم من بديع صنع الله إذا ~~نحن لم نؤمن به حتى نعرف كنهه، تنزه جل شأنه عما يصفون. # والواقع في الحياة أن الذين يحاولون تصوير ذاته جل شأنه هم الذين يعجز إدراكهم عن السمو إلى ~~تصور ما فوق حياتنا الإنسانية، والذين يريدون أن يقيسوا الوجود وخالق الوجود بمقاييسنا ~~النسبية المحصورة في حدود علمنا القليل. أما الذين أوتوا العلم حقا فيذكرون قوله تعالى: # ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما ~~أوتيتم من العلم إلا قليلا # 4 # وتمتلئ قلوبهم إيمانا بخالق الروح وخالق الكون كله، ثم لا يزجون بأنفسهم في ~~مضاربات عقيمة لا ثمرة لها ولا نتيجة. # ويفرق القرآن بين الإسلام بعد الإيمان والإسلام دون إيمان. يقول تعالى: # قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما ~~يدخل الإيمان في قلوبكم ~~. # 5 # فمثل هذا الإسلام إذعان لدعوة الداعي عن رغبة أو رهبة أو إعجاب وتقديس دون امتثال النفس هذه ~~الدعوة وفهمها إياها إلى حد الإيمان بها. فصاحبه لم يهده الله للإيمان عن طريق النظر في الكون ~~ومعرفة سننه، والاهتداء من هذا النظر وهذه المعرفة إلى خالقه، وإنما أسلم لرغبة أو هوى أو لأنه ~~وجد آباءه مسلمين. وهو لذلك لم يدخل الإيمان في قلبه على رغم إسلامه. من أمثال هذا المسلم من ~~يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون. في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا. ~~وهؤلاء الذين يسلمون دون إيمان، وإنما يسلمون عن رغبة أو رهبة أو هوى، تظل نفوسهم ضعيفة ~~وعقائدهم مزعزعة وقلوبهم مستعدة للإذعان للناس والخضوع لأمرهم. فأما الذين تصل عقولهم وقلوبهم ~~إلى أن تؤمن بالله من طريق النظر في الكون إيمانا صادقا، يدعوهم إلى أن يسلموا لله وحده ~~أمرهم، فأولئك لا يعرفون لغير الله خضوعا ولا إذعانا. وهم لا يمنون على أحد إسلامهم # بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم ~~صادقين ~~. # 6 # فمن أسلم وجهه لله وهو ms496 مؤمن فأولئك لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، أولئك لا يخافون في الحياة ~~فقرا ولا مذلة لأن الإيمان غاية الغنى وغاية العزة. والعزة لله جميعا وللمؤمنين. # والنفس الراضية المطمئنة إلى هذا الإيمان لا تستريح إلا في الدأب لمعرفة أسرار الكون وسننه ~~كيما تزداد بالله اتصالا. وسبيلها إلى هذه المعرفة البحث والنظر في خلق الله مما في الكون ~~نظرا علميا دعا القرآن إليه وجد المسلمون الأولون فيه، وهو الطريقة العلمية الحديثة في ~~الغرب. على أن الغاية منه تختلف في الإسلام عنها في الحضارة الغربية. فهي في الإسلام ترمي إلى ~~أن يجعل الإنسان من سنة الله في الكون سنته ونظامه، على حين ترمي في الغرب إلى الاستفادة ~~المادية مما في الكون. وهي في الإسلام ترمي أولا وقبل كل شيء، إلى حسن العرفان بالله كلما ~~ازداد زادنا إيمانا به جل شأنه. وهي ترمي إلى حسن العرفان من جانب الجماعة كلها لا من جانب ~~الفرد وحده. فالكمال الروحي ليس مسألة فردية صرفة، فلا محل لأن يعني الناس أنفسهم جماعة بها، ~~بل هو أساس الحضارة للجماعة الإنسانية في مشارق الأرض ومغاربها. وواجب لذلك على الإنسانية أن ~~تدأب في سبيل هذا الكمال الروحي أكثر من دأبها للوقوف على حقيقة المحسوسات، وأن تجعل من معرفة ~~أسرار الأشياء وسنن الكون وسيلتها إلى هذا الكمال أكثر مما تجعل من هذه المعرفة وسيلة للسلطان ~~المادي على الأشياء. # ليس يكفي لبلوغ هذه المرتبة من الكمال الروحي أن نستعين بمنطقنا وحده، بل يجب أن نمهد ~~لقلوبنا وعقولنا سبيل الوصول إلى أسمى ما نستطيع الوصول إليه من هذا المنطق. وإنما يكون ذلك ~~بالتماس العون من الله واتجاه الإنسان إليه تعالى بقلبه وروحه، إياه يعبد، وإياه يستعين، ~~للاهتداء إلى أسرار الكون وسنن الحياة. وهذا هو الاتصال بالله شكرا لله على نعمته، ليزيدنا ~~اهتداء إلى ما لم نهتد إليه. قال تعالى: # وإذا سألك عبادي عني ~~فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي ~~وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون ~~، # 7 # وقال جل شأنه: # واستعينوا بالصبر والصلاة ms497 ~~وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين * الذين يظنون ~~أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون ~~. # 8 # الصلاة هي هذا الاتصال بالله إيمانا به والتماسا للعون منه. وليس القصد منها حركات الركوع ~~والسجود، وتلاوة ما يتلى من القرآن، أو تلاوة التكبير والتعظيم لله جل شأنه، دون أن تمتلئ النفس ~~إيمانا به والقلب تقديسا له والفؤاد سموا إليه، وإنما القصد منها، ومما فيها من تكبير ~~وتلاوة وركوع وسجود إلى هذا السمو والتقديس والإيمان وإلى عبادته عبادة خالصة لوجهه نور السموات ~~والأرض. يقول تعالى: # ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل ~~المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر ~~والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي ~~القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي ~~الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا ~~عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك ~~الذين صدقوا وأولئك هم المتقون ~~. # 9 # فالمؤمن الصادق الإيمان هو من يتوجه بقلبه إلى الله ساعة الصلاة، يشهد على تقواه ويستعينه ~~على أداء واجب الحياة، ويستمد منه هدايته، ويستلهمه توفيقه لإدراك سر الكون وسننه ~~ونظامه. # والمؤمن الصادق الإيمان بالله يشعر بنفسه أثناء صلاته، ويشعر بها دائما شيئا ضئيلا أمام ~~عظمة الله العلي الكبير. إننا إذ نرتفع في طائرة من الطائرات ألفا أو بضعة آلاف من الأمتار، ~~نرى الجبال والأنهار والمدن مظاهر صغيرة على هذه الأرض، ونراها ترتسي أمام باصرتنا وكأنها خطوط ~~مرسومة على خريطة من الورق، وكأنها قد تساوى سطحها فلا ارتفاع لجبل ولا لبناء، ولا انخفاض لبئر ~~ولا لنهر. ولا شيء أكثر من ألوان تتوالى وتتمازج وتزداد تمازجا كلما ازددنا نحن ارتفاعا. ~~وأرضنا كلها ليست إلا كوكبا صغيرا في عالم ألوف الأفلاك والكواكب، وليست إلا كما ضئيلا ~~جدا في لا نهاية هذا الكون. فما أصغرنا وما أضعفنا شأنا أمام بارئ هذا الوجود ومدبره جلت ~~عن أفهامنا عظمته! وما أجدرنا ونحن نتوجه بقلوب خالصة إلى جلال قدسه الأسمى نلتمس منه العون ~~لتقوية ضعفنا وهدايتنا إلى الحق، أن نرى مبلغ تساوي الناس جميعا في الضعف الذي ms498 لا يشد من أزره ~~أمام الله مال ولا جاه، وإنما يشد من أزره الإيمان الصادق والخضوع لله والبر والتقوى. # شتان ما بين هذه المساواة التامة الصحيحة أمام الله، وبين ما كانت تتحدث عنه الحضارة ~~الغربية في العصور الأخيرة من المساواة أمام القانون. ولقد بلغت هذه الحضارة الآن أن كادت تنكر ~~هذه المساواة أمام القانون، ولا توجب احترامه على طائفة من الناس. شتان ما بين هذه المساواة ~~أمام الله، مساواة تمسها حقيقة ملموسة في ساعة الصلاة وتهتدي إليها برأيك الحر، وبين مساواة في ~~النضال لكسب المال نضالا يبيح الخديعة والنفاق، ثم ينجو صاحبه من سلطان القانون ما مهر في ~~التحايل عليه وبرع في حسن العبث به. # هذه المساواة أمام الله تدعو إلى الإخاء الصادق؛ لأنها تشعر الناس جميعا بأنهم إخوة في ~~العبودية لخالقهم والعبودية له وحده. وهذا إخاء يقوم على تقدير سليم ونظر حر وتدبر فرضه القرآن. ~~وهل حرية وإخاء ومساواة أعظم من وقوف هذا الجمع أمام الله تعنو له جميعا جباههم، إياه يكبرون ~~وله يركعون ويسجدون، لا تفاوت في ذلك بين أحدهم وأخيه، وكلهم مستغفر تائب مستعين، وليس بين ~~أحدهم وبين الله إلا عمله الصالح وما قدم من بر وتقوى؟! إخاء هذا شأنه يصفي القلوب ويطهرها من ~~قذى المادة، ويكفل للناس السعادة كما يؤدي بهم إلى إدراك سنة الله في الكون ما هداهم الله ~~بنوره إلى هذا الهدى. # الناس جميعا ليسوا سواء في القدرة على ما أمر الله به من التقوى. فقد يثقل جسمنا روحنا ~~وتغطى ماديتنا على إنسانيتنا إذا لم ندم رياضة الروح ولم نتوجه بقلوبنا لله أثناء صلواتنا، ~~واكتفينا بأوضاع الصلاة من ركون وسجود وتلاوة؛ لذلك وجب جهد الطاقة أن نكف عما يجعل الجسم يثقل ~~الروح ويجعل المادية تطغى على الإنسانية. ولذلك فرض الإسلام الصوم وسيلة لبلوغ مرتبة التقوى. ~~قال تعالى: # يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام ~~كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ~~. # 10 # والتقوى والبر سواء، فالبر من اتقى، والبر من آمن بالله واليوم ms499 الآخر والملائكة ~~والنبيين، وقام بما ورد في الآية التي أسلفنا. # وإذا كان القصد من الصوم ألا يثقل الجسم الروح، وألا تطغى ماديتنا على إنسانيتنا، فالوقوف ~~به عند الإمساك من الفجر إلى الليل والإمعان بعد ذلك في الاستمتاع باللذات تفويت لهذا القصد. ~~فالإمعان في الاستمتاع مفسدة لذاته ومن غير صيام، ما بالك به إذا صام المرء أو أمسك طيلة نهاره ~~عن كل طعام وشراب ولذة، فإذا انقضى وقت الصيام أسلم نفسه لما يحسبها حرمته أثناء النهار من ~~نعمة؟! إنه إذن ليشهد الله على أنه لم يصم تطهيرا لجسمه وسموا بإنسانيته، ولم يصم لذلك ~~مختارا إيمانا منه بفائدة الصوم في حياتنا الروحية، بل صام أداء لفرض لا يدرك بعقله ضرورته، ~~ويرى فيه حرمانا له من حرية سرعان ما يستردها آخر النهار حتى ينهمك في لذاته استعاضة عما حرم ~~بالصوم منها. ومن يفعل ذلك فشأنه كشأن من لا يسرق لأن القانون يحرم عليه السرقة، لا لأنه يسمو ~~بنفسه عنها ويحرمها على نفسه وعلى غيره مختارا. # وفي الحق أن النظر إلى الصيام على أنه حرمان وحد من حرية الإنسان نظر خاطئ يجعل الصيام ~~عبثا لا محل له. إنما الصيام طهور للنفس يوجبه العقل عن اختيار من الصائم كي يسترد به حرية ~~إرادته وحرية تفكيره. فإذا استردهما استطاع السمو بهما إلى عليا مراتب الإيمان الحق بالله. وهذا ~~هو المقصود بقوله تعالى، بعد ذكره أن الصيام كتب على المؤمنين كما كتب على الذين من قبلهم: # أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على ~~سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام ~~مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن ~~كنتم تعلمون ~~. # 11 # قد يبدو غريبا ما أقول من أنا نسترد بالصيام حرية الإرادة وحرية التفكير إذا قصدنا من ~~الصيام إلى ما فيه من خير لحياتنا الروحية. وهو إنما يبدو غريبا لأن التفكير الحديث أفسد في ~~أذهاننا صورة الحرية، حين هدم حدودها الروحية والنفسية، ثم استبقى حدودها المادية التي ينفذها ~~الجندي ms500 بسيف القانون. فالإنسان ليس حرا بحكم هذا التفكير الحديث في أن يعتدي على مال غيره أو ~~على شخصه، ولكنه حر في أمر نفسه وإن جاوز في ذلك كل ما يقره العقل أو تمليه قواعد الخلق. ~~والواقع في الحياة غير هذا. والواقع أن الإنسان عبد العادة؛ فهو معتاد أن يتناول طعامه في ~~الصباح وفي الظهيرة وفي المساء؛ فإذا قيل له: بل تناوله في الصباح وفي المساء فقط، اعتبر هذا ~~اعتداء على حريته، في حين هو اعتداء على عبوديته لعادته، إن صح هذا التعبير. ومن اعتاد أن ~~يدخن إلى حد استعباد التدخين إياه؛ فإذا قيل له: اقض نهارك لا تدخن، اعتبر هذا اعتداء على ~~حريته، في حين هو لا يزيد على أنه اعتداء على عبوديته لعادته. ومنهم من اعتاد تناول القهوة أو ~~الشاي أو غيرهما من ألوان الشراب في أوقات معينة له؛ فإذا قيل له اعدل عن هذه الأوقات إلى غيرها ~~عد الاعتداء على عبوديته لعادته اعتداء على حريته. وهذه العبودية للعادة مفسدة للإرادة، ~~مفسدة للفكرة الصحيحة من الحرية في صورتها الصادقة. وهي بعد مفسدة لسلامة التفكير؛ لأنها تخضعه ~~للتأثر بضرورات الجسم المادية التي طبعتها العادة فيه. ولهذا يعكف كثيرون على ألوان مختلفة من ~~الصوم يزاولونها في فترات من كل أسبوع أو من كل شهر. لكن الله أراد بالناس اليسر، إذ كتب عليهم ~~الصيام أياما معدودات يكونون أثناءها جميعا سواء، وإذ جعل لهم الفدية وإذ أعفى من كان منهم ~~مريضا أو على سفر على أن يؤدي هذا الصيام في أيام أخر. # ولفرض الصيام أياما معدودات من توطيد معنى الإخاء والمساواة أمام الله ما له من رياضة ~~روحية. فالناس إذ يمسكون جميعا من مطلع الفجر إلى الليل، تتم بينهم المساواة كما تتم في صلاة ~~الجماعة، ويشعرون خلال ذلك بإخائهم شعورا يضعفه تفاوتهم في الاستمتاع بما رزق الله كلا منهم ~~من أسباب الاستمتاع في الحياة. ومن ثم كان الصيام موطدا لمعاني الحرية والإخاء والمساواة في ~~نفس الإنسان مثلما توطدها الصلاة. # إذا أقبلنا على الصيام ms501 مختارين، مدركين أن أمر الله لا يمكن أن يختلف عن حكم العقل ما أدرك ~~العقل أغراض الحياة في أسمى صورها قدرنا ما في الصيام من تحرير لنا من رق العادة، ومن رياضة ~~لإرادتنا وحريتنا، وذكرنا أن ما يفرضه الإنسان على نفسه بإذن الله، من حدود روحية ونفسية لحريته ~~بالتحرير من بعض عاداته وشهواته، هو خير ما يكفل لتفكيره أن يبلغ مراتب الإيمان العليا. وإذا ~~كان التقليد في الإيمان ليس إيمانا بل هو إسلام من غير إيمان، فالتقليد في الصوم ليس صوما، ~~ولذلك يعتبره المقلد حرمانا وحدا من حريته، بدل أن يدرك ما فيه من تحرير من قيود العادة ومن ~~غذاء نفسي وروحي عظيم. # إذا بلغ الإنسان، من طريق هذه الرياضة الروحية، أن اهتدى إلى سنن الكون وأسراره، وأن عرف ~~مكانه ومكان بني الإنسان منه، ازداد لإخوانه بني الإنسان حبا، وتحاب بنو الإنسان جميعا في ~~الله، وتعاونوا على البر والتقوى، ورحم قويهم ضعيفهم، ونزل غنيهم لفقيرهم عن حظ من ماله، وهذه ~~هي الزكاة والمزيد عليها هو الصدقة. # والقرآن يقرن الزكاة إلى الصلاة في كثير من المواضع. وقد تلوت قوله تعالى: # ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة ~~والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى ~~واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب ~~وأقام الصلاة وآتى الزكاة ~~. # 12 # ويقول تعالى: # وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~واركعوا مع الراكعين ~~. # 13 # ويقول جل شأنه: # قد أفلح المؤمنون * ~~الذين هم في صلاتهم خاشعون * والذين هم عن اللغو ~~معرضون * والذين هم للزكاة فاعلون ~~. # 14 # والآيات التي تقرن الزكاة إلى الصلاة كثيرة. # وما ورد في القرآن عن الزكاة وعن الصدقة مستفيض قوي غاية القوة. وهو يضع الصدقة في المكان ~~الأول من فعل الخير الذي يجزى الإنسان عليه الجزاء الأوفى. بل هو يضعها إلى جانب الإيمان ~~بالله حتى لتشعر بأنها تكاد تعدله بقوله تعالى: # خذوه فغلوه * ثم الجحيم صلوه * ثم في سلسلة ذرعها ~~سبعون ذراعا فاسلكوه * إنه كان لا يؤمن بالله ~~العظيم * ولا يحض على طعام المسكين ~~. # 15 ms502 # ويقول جل شأنه: # وبشر المخبتين * ~~الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم ~~والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ~~. # 16 # ويقول تبارك وتعالى: # الذين ينفقون أموالهم ~~بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون ~~. # 17 # ولا يقف القرآن عند ذكر الصدقات، ومثوبة صاحبها عند الله كمثوبة من آمن به وأقام الصلاة، بل ~~ينظم أدب هذه الصدقات تنظيما هو السمو كله. يقول تعالى: # إن تبدوا ~~الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير ~~لكم ~~. # 18 # ويقول: # قول معروف ومغفرة خير من صدقة ~~يتبعها أذى والله غني حليم * يا أيها الذين آمنوا ~~لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ~~. # 19 # ويقول جل شأنه في بيان من تكون لهم الصدقات: # إنما ~~الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة ~~قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل ~~فريضة من الله والله عليم حكيم ~~. # 20 # الزكاة والصدقة فريضة من فرائض الإسلام، وركن من أركانه، لكن أعبادة هذا الفرض، أم هو أدخل ~~في الأخلاق وتهذيبها؟ هو عبادة لا ريب؛ فالمؤمنون إخوة، ولا يتم إيمان المرء حتى يحب لأخيه ما ~~يحب لنفسه. فالمؤمنون يتحابون بنور الله بينهم. وفريضة الزكاة والصدقة تتصل بهذا الإخاء، ولا ~~تتصل بالأخلاق وتهذيبها ولا بالمعاملات وتنظيمها. وما اتصل بالإخاء اتصل بالإيمان بالله. وكل ما ~~اتصل بالإيمان فهو عبادة. ولذلك كانت الزكاة ركنا من أركان الإسلام الخمسة. ومن أجل ذلك قام ~~أبو بكر بعد وفاة النبي يطالب المسلمين بأدائها، فلما رأى بعضهم النكول عنها، رأى خليفة محمد في ~~هذا النكول ضعفا في إيمانهم وتفضيلا للمال عليه، وخروجا على النظام الروحي الذي نزل به ~~القرآن، وارتدادا بذلك عن الإسلام، فكانت حروب الردة التي ثبت بها أبو بكر رسالة الإسلام ~~كاملة، والتي بقيت فخرا على الأيام. # واعتبار الزكاة والصدقة فرضا متصلا بالإيمان، يجعلهما بعض النظام الروحي الذي يجب أن ~~ينتظم حضارة العالم. وهذا أسمى ما تبلغ إليه الحكمة وما يكفل للناس سعادتهم. فالمال والحرص عليه ~~والاستكثار منه واتخاذه وسيلة لاستعلاء ms503 الإنسان على الإنسان، كان ولا يزال سببا لشقاء العالم ~~ومصدرا للثورات والحروب فيه. وعبادة المال كانت ولا تزال سبب التدهور الخلقي الذي أصاب ~~العالم، والذي لا يزال العالم يرزح تحت أعبائه. والاستكثار من المال والحرص عليه هو الذي قضى ~~على الإخاء الإنساني، وجعل الناس بعضهم لبعض عدوا. ولو أنهم كانوا أصح نظرا وأسمى تفكيرا؛ ~~لرأوا الإخاء أدعى للسعادة من المال، ولرأوا بذل المال للمحتاج أكبر جاها عند الله والناس من ~~إذلال الناس لهذا المال. ولو أنهم آمنوا بالله حقا لتآخوا فيما بينهم، ولكان أدنى مظاهر ~~تآخيهم إغاثة الملهوف، وإعانة المحتاج، ومحو الشقاء عمن تجر المتربة ويجر الفقر عليهم هذا ~~الشقاء. وإذا كانت بعض الدول السامية الحضارة، في وقتنا الحاضر، تقيم شعوبها المستشفيات ~~والمنشآت الخيرية لإيواء البائس، والبر بالمحروم، ورعاية الفقير، باسم الشفقة الإنسانية، فإن ~~إقامة هذه المنشآت بدافع الإخاء والتحاب في الله والشكر له على نعمته أسمى في الفكرة وأدعى ~~إلى سعادة الناس جميعا. قال تعالى: # وابتغ فيما آتاك الله ~~الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله ~~إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب ~~المفسدين ~~. # 21 # هذا الإخاء الإنساني يزيد الناس بعضهم لبعض محبة. وليس يجوز في الإسلام أن تقف هذه المحبة ~~عند حدود وطن بالذات، ولا أن تنتهي إلى حدود قارة من القارات، بل يجب ألا تعرف حدودا ~~البتة. # لذلك يجب أن يتعارف الناس من أطراف الأرض جميعا، ليزداد بعضهم لبعض في الله محبة، ولتزيدهم ~~محبتهم هذه بالله إيمانا. ووسيلة ذلك أن يجتمعوا من أطراف الأرض في صعيد واحد. وخير مكان ~~يجتمعون فيه، إنما هو المكان الذي انبثق فيه نور هذه المحبة، وهذا المكان هو بيت الله بمكة؛ ~~وهذا هو الحج. والمؤمنون إذ يجتمعون فيه وإذ يؤدون شعائره، يجب أن تكون حياتهم مثلا أثناءه ~~ساميا للإيمان بالله وإخلاص القصد في التوجه إليه. يقول تعالى: # الحج ~~أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا ~~جدال في الحج وما تفعلوا من ms504 خير يعلمه الله وتزودوا فإن ~~خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب ~~. # 22 # في هذا الصعيد الذي يحج المؤمنون إليه ليتعارفوا، وليرتبطوا بأقوى روابط الإخاء فيزيدهم ~~إخاؤهم إيمانا، يجب أن تسقط كل الفوارق وألا يكون بين هؤلاء المؤمنين جميعا تفاوت ما، ويجب أن ~~يشعروا بأنهم جميعا أمام الله سواسية، وأن يتوجهوا إليه بقلوبهم مستجيبين لدعوته، مؤمنين ~~بوحدانيته، شاكرين لنعمته. وأية نعمة أكبر من نعمة الإيمان به جل شأنه مصدر كل خير ونعمة؟! أمام ~~نور هذا الإيمان تنقشع أوهام الحياة، ويزول باطل غرورها من مال وبنين وجاه وسلطان. وبفضل نوره ~~يصل الإنسان إلى إدراك ما في الوجود من حق وخير وجمال، وما يجري عليه الكون من سنن الله الخالدة ~~لا تحويل لها ولا تبديل. وهذا الاجتماع العام يحقق معاني الإخاء والمساواة بين المؤمنين جميعا ~~في أوسع صورها وأكثرها سموا وصفاء. # هذه قواعد الإسلام وفرائضه كما نزل بها الوحي على محمد عليه السلام. وهي أركان الإيمان كما ~~رأيت في الآيات التي أثبتناها هنا، وأركان الحياة الروحية الإسلامية. ومن اليسير عليك أن تقدر ~~بعد ذلك ما يمكن أن تقوم على هذا الأساس من قواعد الخلق. هي قواعد سامية غاية السمو، بلغت من ~~ذلك ما لا نظير له في أية حضارة من الحضارات ولا في أي عصر من العصور. وقد نص القرآن فيها على ~~ما يصل بالإنسان إلى غاية كماله إذا هو هذب نفسه على موجبها وأدبها بأدبها. وهي لم ترد في ~~سورة واحدة من سور القرآن، بل وردت متفرقة فيه، فلا تكاد تتلو سورة منه حتى تسمو بنفسك إلى ذروة ~~من الرقي لم تبلغها حضارة من قبل ولا يمكن أن تبلغها حضارة من بعد. وحسبك قيام أدب النفس على ~~أساس روحي مصدره الإيمان بالله ورياضة العقل والقلب على هذا الأساس، دون النظر إلى أية منفعة ~~مادية يجنيها الإنسان من وراء التأدب بهذا الأدب، لترى رفعة هذه الذروة التي بلغتها. # لقد طالما صور الكتاب في مختلف العصور والأمم صورة الرجل الكامل. صوره الشعراء ~~والكتاب ms505 والفلاسفة والمسرحيون. صوروا هذه الصورة في العصور القديمة وما يزالون يصورونها ~~حتى اليوم. مع ذلك لن تجد صورة لهذا الرجل الكامل كهذه الصورة الفذة التي وردت في سياق سورة ~~الإسراء؛ وهي ليست إلا ما أوحى الله إلى رسوله من الحكمة، لا يقصد بها إلى تصوير الرجل الكامل، ~~وإنما يقصد بها أن يذكر الناس بعض ما يجب عليهم. يقول تعالى: # وقضى ~~ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما ~~يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا ~~تنهرهما وقل لهما قولا كريما * واخفض لهما جناح ~~الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا * ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين ~~فإنه كان للأوابين غفورا * وآت ذا القربى حقه ~~والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا * إن ~~المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا ~~* وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ~~ترجوها فقل لهم قولا ميسورا * ولا تجعل يدك ~~مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما ~~محسورا * إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ~~إنه كان بعباده خبيرا بصيرا * ولا تقتلوا ~~أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم ~~كان خطئا كبيرا * ولا تقربوا الزنى إنه كان ~~فاحشة وساء سبيلا * ولا تقتلوا النفس التي حرم ~~الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا ~~فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا * ولا تقربوا ~~مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا ~~بالعهد إن العهد كان مسئولا * وأوفوا الكيل إذا ~~كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا ~~* ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر ~~والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا * ولا تمش في ~~الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا * كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها ~~. # 23 # أي سمو بالنفس كهذا السمو، وأي كمال لها كهذا الكمال، وأي طهر للذيل كهذا الطهر؟! وإن ~~كل آية من هذه الآيات لتقف قارئها أمامها، مقدسا لما جمعت بين ms506 القوة والروعة وسحر البيان وسمو ~~المعنى والإعجاز في التصوير. وليت المقام هنا يتسع لهذه الوقفات! ولكن كيف يتسع والحديث عما ~~تنطوي عليه هذه الآيات الست عشرة جديرة بأن يستوعب مؤلفا ضخما؟! # ولو شئنا أن نجيء بطرف مما في القرآن في أدب النفس، وتهذيب الأخلاق، لانفسح المجال إلى ما ~~لا تنفسح له خاتمة الكتاب. وحسبنا أن نذكر أنه ما حض كتاب على الخير والفضل ما حض القرآن، وما ~~سما كتاب بالنفس الإنسانية ما سما بها القرآن، وما تحدث كتاب عن البر والرحمة، وعن الإخاء ~~والمودة، وعن التعاون والوفاق، وعن الصدقة والإحسان، وعن الوفاء وأداء الأمانة، وعن سلامة القلب ~~وصدق الطوية، وعن العدل والمغفرة، وعن الصبر والثبات، وعن التواضع والإذعان، وعن الخير ~~والمعروف، وعن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بالقوة والإقناع والإعجاز في الأداء، ما تحدث ~~القرآن. وما نهى كتاب عن الضعف والجبن، وعن الأثرة والحسد، وعن البغض والظلم، وعن الكذب ~~والنميمة، وعن التبذير والبخل، وعن البهتان واللمز، وعن الاعتداء والإفساد، وعن الغدر والخيانة، ~~وعن كل رذيلة ومنكر، ما نهى القرآن، وبالقوة والإقناع والإعجاز التي نزل بها الوحي على النبي ~~العربي. # وما من سورة تتلوها إلا وجدت فيها من الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ~~والتوجه إلى الكمال، ما تسمو به نفسك غاية السمو. واسمع إلى قوله تعالى في التسامح: # ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما ~~يصفون ~~. # 24 # ويقول تعالى: # ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ~~ ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ~~ولي حميم ~~. # 25 # لكن هذا التسامح الذي يدعو القرآن إليه لا يدفع إليه ضعف، وإنما يدفع إليه الخلق ~~وحرص على استباق الخيرات وترفع عن الدنايا. يقول تعالى: # وإذا ~~حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ~~. # 26 # ويقول: # وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما ~~عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين ~~. # 27 # وهذا صريح في أن الدعوة إلى التسامح دعوة إلى الفضل لا شيء من الضعف فيها، وإنما هي ~~السمو النفساني الذي لا تشوبه شائبة. ms507 # هذا التسامح الذي يدعو القرآن إليه عن فضل، إنما أساسه الإخاء الذي جعله الإسلام دعامة ~~حضارته. والذي أراد به أن يكون إخاء بين الناس كافة في مشارق الأرض ومغاربها. والإخاء ~~الإسلامي يتضافر فيه العدل والرحمة من غير ضعف ولا استكانة. وهو إخاء متساو في الحق والخير ~~والفضل غير متأثر بالعاجلة من المنافع، بل يؤثر الآخذون به على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة. ~~والآخذون به يخشون الله ولا يخشون غيره. وهم لذلك الإباء والأنفة. وهم مع ذلك التواضع الجم. وهم ~~الصادقون الموفون بعهدهم إذا عاهدوا، والصابرون في البأساء والضراء وحين البأس، الذين إذا ~~أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون، لا يصعر أحدهم خده ولا يمشي في الأرض مرحا، ~~وقاهم الله شح أنفسهم، لا يقولون على الله ولا على عباده الكذب، ولا يحبون أن تشيع الفاحشة في ~~الذين آمنوا، يجتنبون كبائر الإثم والفواحش، وإذا ما غضبوا هم يستغفرون، يكظمون غيظهم ويعفون عن ~~الناس، يجتنبون كثيرا من الظن ولا يتجسسون ولا يغتاب بعضهم بعضا، لا يأكلون أموالهم بينهم ~~بالباطل ولا يدلون بها إلى الحكام ليأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم، تتنزه نفوسهم عن ~~الحسد وعن الخديعة وعن لغو القول وعن كل منقصة. # وهذه الصفات والأخلاق التي يقوم عليها أدب النفس ويهذب الخلق على مقتضاها، إنما تستند - ~~كما قدمنا - إلى النظام الروحي الذي نزل به القرآن والذي يتصل بالإيمان بالله. وهذا هو الأمر ~~الجوهري فيها. وهذا هو ما يكفل تمكن هذا النظام الخلقي من النفس وبقاءه مطهرا من كل دنس، ~~بعيدا عن أن تتسرب إليه أسباب تفسده. فالأخلاق التي تقوم على أساس من المنفعة وتبادلها يسرع ~~إليها الضعف ما اطمأنت إلى أن هذا الضعف لا يجر على منافعها أذى. وهذه الأخلاق القائمة على ~~تبادل المنفعة يغلب في صاحبها أن يكون باطنه غير ظاهره، ومكنون أمره غير ما يبدو للناس به؛ فهو ~~يصطنع الأمانة وليس ما يمنعه أن يتخذها ذريعة لتصيد المنافع. وهو يتظاهر بالصدق، ولا يصده عن ~~مجافاته شيء ما كان في ms508 مجافاته جلب منفعة له. أخلاق ذلك ميزانها ما أسرع ما يضعف صاحبها أمام ~~المغريات، وما أسرع ما يجري وراء الأهواء والغايات! # وهذا الضعف هو الظاهرة البادية للعيان في عالمنا الحاضر. فما أكثر ما يسمع الناس بفضائح تقع ~~في بلد أو في آخر من بلاد العالم المتحضر، سببها الحرص على المال وعلى السلطان أكثر من الحرص ~~على الخلق الكريم وعلى الإيمان الصادق. وكثيرون من هؤلاء الذين ينحدرون إلى مهاوي هذه المآسي ~~الخلقية والذين يرتكبون أتعس الجرائم، تراهم أول أمرهم على خلق كريم، لكن المنفعة كانت أساس ~~هذا الخلق. كانوا يرون النجاح في الحياة رهنا بالاستقامة، فاستقاموا لينجحوا، لا لأن الاستقامة ~~متصلة بعقيدتهم؛ فهم يقفون عند حدودها ولو جنت عليهم. فلما رأوا الاستهانة بالاستقامة بعض أسباب ~~النجاح في حضارة هذا العصر استهانوا بها. ومنهم من يظل أمره مستورا عن الناس، فلا تناله ~~الفضيحة وسيظل مرموقا بعين الإكبار، ومنهم من ينكشف أمره فيفتضح وتصل به الفضيحة إلى الانتحار ~~أحيانا. # بناء النظام الخلقي على المنفعة يعرضه، إذن، لهذا البلاء ما بين حين وحين. أما بناؤه على ~~هدى النظام الروحي على نحو ما نزل به القرآن، فهو الكفيل ببقائه متينا لا يتسرب إليه وهن. ~~فالنية التي يصدر العمل عنها هي قوام هذا العمل والمقياس الذي يجب أن يقاس به. والرجل الذي ~~يشتري ورقة نصيب لبناء مستشفى من المستشفيات لا يشتريها بنية فعل الخير وبقصد الإحسان، بل ~~يشتريها طمعا في الربح. والرجل الذي يعطي لأن سائلا ألحف عليه في المسألة فأراد التخلص منه، ~~ليس كمن يعطي من تلقاء نفسه أولئك الذين لا يسألون الناس إلحافا يحسبهم الجاهل أغنياء من ~~التعفف. والرجل الذي يقول الحق للقاضي مخافة عقاب القانون لشاهد الزور، ليس كمن يقول الحق لأنه ~~يؤمن بفضيلة الصدق. ولن تكون الأخلاق التي تقوم على أساس المنفعة وتبادلها في متانة الأخلاق ~~التي يؤمن صاحبها بأنها متصلة بكرامته الإنسانية، متصلة بإيمانه بالله، قائمة في نفسه على ~~الأساس الروحي الذي يقوم عليه الإيمان بالله. # وقد حرص القرآن على أن ms509 يظل حكم العقل سليما، لا يتسرب إليه ما يؤثر في حسن تصوره الإيمان ~~والخلق. لذلك اعتبر الخمر والميسر رجسا من عمل الشيطان؛ ولئن كان فيها منافع للناس لإثمهما ~~أكبر من نفعهما، ومن ثم وجب اجتنابهما. فالميسر يصرف ذهن المقامر عما سواه، ويستنفد من وقته ~~ويغريه بما يلهيه عن موجب الخلق الفاضل. والخمر تذهب العقل والمال على حد تعبير عمر بن الخطاب ~~حين دعا أن يبين الله فيها. وطبيعي أن يضل حكم العقل إذا ذهب أو تغير، وأن يهون ضلاله على ~~صاحبه مؤاتاة الدنية بدل أن يسمو عن أن يمر به طيف الفاحشة. # هذا النظام الخلقي الذي نزل به القرآن للمدينة الفاضلة، لا يدعو إلى حرمان النفس مما خلق ~~الله من أنعم، حتى لا يؤدي بها الحرمان إلى ما يؤدي إليه الإمعان في التقشف من انصراف عن ~~التفكير في الكون، وزهد في العلم بما فيه. وهو لا يرضى أن يسلم الإنسان نفسه للاستمتاع حتى لا ~~يغرقها في لجة الترف وينسيها كل ما سواه. بل هو يجعل الناس أمة وسطا، ويوجههم وجهة الفضيلة ~~الخالصة ووجهة المعرفة للكون وكل ما فيه. والقرآن يتحدث عما في الكون من خلق الله حديثا يوجهنا ~~إلى غاية ما نستطيع معرفته من أمره. فهو يتحدث عن الأهلة، وعن الشمس والقمر، وعن الليل ~~والنهار، وعن الأرض وما خلق فيها، والسماء وزينة كواكبها، وعن البحر يزجي الله الفلك فيه لنبتغي ~~من فضله، وعن الأنعام التي نركبها وزينة، وعن كل ما في الكون من علم وفن. يتحدث القرآن عن هذا ~~كله، ويدعو إلى النظر فيه وإلى دراسته، وإلى الاستمتاع بآثاره وثمراته شكرا لله على نعمته. أما ~~وقد أدب القرآن الناس بأدبه ودعاهم إلى السعي وإلى الدأب لمعرفة كل ما في الكون، فما أجدرهم ~~أن يصلوا من نظرهم من طريق العقل إلى غاية ما يستطيع العقل إدراكه! وما أجدرهم أن يقيموا نظامه ~~الاقتصادي على أساس فاضل! # النظام الاقتصادي، الذي يقوم على ما قدمنا من أسس خلقية وروحية، جدير بأن يصل بالناس إلى ms510 ~~السعادة، وبأن يمحو من الأرض الشقاء. فهذه المبادئ السامية التي يحرص القرآن على أن تحل من ~~النفس محل العقيدة والإيمان تأبى على صاحبها أن يرى في الأرض شقاء أو نقصا يستطيع إزالته ثم ~~لا يزيله. وأول ما ينكره من تأدب بهذا الأدب، الربا: أساس الحياة الاقتصادية الحاضرة، ومصدر ~~شقاء الناس جميعا؛ ولذلك حرمه الإسلام تحريما قاطعا. يقول تعالى: # الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه ~~الشيطان من المس ~~. # 28 # ويقول: # وما آتيتم من ربا ليربو في أموال ~~الناس فلا يربو عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله ~~فأولئك هم المضعفون ~~. # 29 # تحريم الربا قاعدة أساسية للحضارة التي تكفل للعالم سعادته. فالربا في أقل صوره ضررا إنما ~~هو اشتراك رجل لا يعمل في ثمرات عمل غيره بلا سبب إلا أنه أقرضه مالا، بحجة أنه أعان هذا الغير ~~بما أقرضه على إدراك هذه الثمرات، وأنه لو لم يفعل لما استطاع مدينه أن يعمل وأن يجني هذه ~~الثمرات. ولو أن هذه الصورة كانت وحدها صورة الربا لما كانت مع ذلك مسوغة له. فلو أن الذي ~~يقرض المال كان قديرا على أن يثمره بنفسه لما أقرضه غيره. ولو أنه أبقاه عنده لبقي معطلا ~~لا يؤتي ثمرة، ولأكله صاحبه شيئا فشيئا. فإذا أراد الاستعانة بغيره في تثمير ماله مقابل ~~الحصول على حظ من ثمرته، لم تكن وسيلة ذلك أن تفرض لرأس المال فائدة معينة، وإنما تكون وسيلته ~~أن يشارك صاحب المال من يثمر هذا المال في مقابل حصته من الثمرة. فإن ربح المثمر كان لرب ~~المال من ذلك الربح نصيبه، وإن خسر كان عليه من الخسارة نصيبه. فأما أن تفرض لرأس المال فائدة ~~ولو لم يفد من ثمره شيئا فذلك هو الاستغلال غير المشروع. # ولا يعترض بأن المال عرض كغيره يؤجر كما تؤجر الأرض أو كما تؤجر الدابة، وأن فائدة النقل ~~تقابل إيجار غيره من العروض؛ فبين المال الذي يصلح للإنفاق كما يصلح للتثمير والذي ينتفع به في ~~الخير وتجلب ms511 به أسباب الإثم، وبين غيره من الأموال الثابتة والمنقولة فرق كبير. فالإنسان لا ~~يستأجر أرضا أو بيتا أو دابة أو أيا من العروض إلا لينتفع به فيما يصلح له ما لم يكن ~~سفيها أو معتوها لا تلزمه تصرفاته. فأما رءوس الأموال فأكثر ما تقترض في خير الوجوه للتجارة. ~~والتجارة عرضة دائما للكسب والخسارة. أما إجارة العقار أو المنقول لاستغلاله فقل أن تتعرض ~~للخسارة إلا في أحوال شاذة لا يوضع التشريع العادي لها. فإذا حدثت هذه الأحوال الشاذة تدخل ~~المشروع بين الملاك والمستأجرين على نحو ما حدث في بلاد العالم كله غير مرة لرفع الحيف عن ~~المستأجر، وإنقاذه من أن يأكل المالك ثمرة عمله. فأما تحديد فائدة النقد بسبعة أو تسعة في ~~المائة أو بأكثر من ذلك أو أقل، فلا يغير من أن المقترض معرض لخسارة المال نفسه فضلا عن ~~تعرضه لخسارة عمله. فإذا طولب مع ذلك بالفائدة كان هذا هو الإثم ، وكان من أثر ذلك أن تقوم ~~الشحناء بين الناس مقام الإخاء، وأن تحل البغضاء بينهم محل المحبة؛ وذلك مصدر الشقاء، ومبعث ما ~~تعانيه الإنسانية في عصرنا الحاضر من أزمات. # وإذا كان هذا شأن الربا في أقل صوره ضررا، وكانت هذه بعض النتائج التي تترتب عليه، فكيف به ~~في صوره الأخرى حين يكون المقرض أدنى إلى الوحش المفترس منه إلى الإنسان، أو حين يكون المقترض ~~في حاجة إلى المال لسبب غير التثمير؟! فقد يكون في حاجة إلى المال لإقامة أوده ولإنفاقه في ~~قوته وفي قوت عياله. حينذاك يكون إنظاره إلى ميسرة، حتى يتهيأ له عمل يطمئن به إلى العيش ~~ويستطيع أن يرد منه ديونه، بعض ما توجبه الإنسانية في أولى مراتبها؛ وذلك ما يفرضه القرآن ~~الكريم. أليس الإقراض بالربا في مثل هذه الأحوال عملا وحشيا، وجريمة كجريمة القتل سواء؟! ~~وأشنع من هذه الجريمة التحايل من طريق الربا على سلب ثروات الضعفاء الذين لا يحسنون القيام على ~~أموالهم. هذا التحايل لا يقل إثما عن السرقة الدنيئة، ويجب أن يعاقب من يقدم ms512 عليه عقاب السارق ~~أو أشد منه. # والربا هو بعض ما جر على العالم مصائب الاستعمار، وما أدى الاستعمار إليه من شقاء. ~~فالاستعمار يبدأ أكثر أمره بطائفة من المرابين أفرادا أو شركات ينزلون بلدا من البلاد يقرضون ~~أهله أموالهم، ثم يتغلغلون حتى يصلوا إلى وضع أيديهم على منابع الثروة فيه، فإذا أفاق أهله ~~وأرادوا الذود عن أنفسهم وأموالهم، استعدى هؤلاء الأجانب عليهم دولهم، فدخلت باسم حماية ~~رعاياها، ثم تغلغلت هي كذلك، ثم وضعت يدها مستعمرة، وفرضت إرادتها حاكمة، وحرمت الناس حريتهم، ~~واستولت على الكثير مما رزقهم الله في بلادهم. لذلك تضيع سعادتهم، ويخيم الشقاء على ربوعهم، ~~ويمد البؤس يده إلى قلوبهم، ويرين الضلال على عقولهم، فتضعف أخلاقهم، ويتضعضع إيمانهم، وينزلون ~~عن مرتبة الإنسانية الصحيحة إلى مكان من الضعة لا يرضاه لنفسه من يؤمن بالله، وبأن الله وحده هو ~~الذي تجب له العبادة. # والاستعمار مصدر الحروب، ومصدر الشقاء الذي ينيخ بكلكله على الإنسانية كلها في هذا العصر ~~الحاضر. وما دام الربا، وما دام الاستعمار، فلا أمل في العود إلى عهد إخاء ومحبة بين الناس؛ ولا ~~أمل في العود إلى مثل هذا العهد إلا أن تقوم الحضارة على الأساس الذي جاء به الإسلام، ونزل به ~~الوحي في القرآن. # وفي القرآن اشتراكية لم تبحث بعد. وهي اشتراكية لا تقوم على أساس من حرب رأس المال ونضال ~~الطوائف، شأن الاشتراكية اليوم في الحضارة الغربية، وإنما تقوم على أساس خلقي سام يكفل إخاء ~~الطوائف وتكافلها وتعاونها على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان. ومن اليسير أن يرى الإنسان ~~قيام هذه الاشتراكية على الإخاء فيما فرضه القرآن من زكاة ومن صدقة، وأن يقدر أنها ليست ~~اشتراكية تسود فيها طائفة طائفة أو تتحكم بها جماعة في جماعة. # فالحضارة التي صور القرآن لا تعرف سيادة ولا تحكما، بل أساسها الإخاء الصادق عن إيمان ~~ثابت بهذا الإخاء؛ إيمان يجعل من التحدث بنعمة الله إعطاء الفقير والبائس والمحروم ما يحتاجون ~~إليه من غذاء ومأوى ودواء وتعليم وتهذيب، وإعطاءهم ذلك من غير ms513 من ولا أذى. بذلك يزول الشقاء ~~ويتم الله نعمته على الناس وتسودهم السعادة. # والاشتراكية الإسلامية لا تقتضي إلغاء التملك إطلاقا، كما تقتضيه الاشتراكية الغربية. وقد ~~أثبت الواقع في روسيا البلشفية وفي كل بلاد سادتها الاشتراكية، أن إلغاء التملك أمر غير ممكن. ~~لكن المرافق العامة يجب أن تكون ملكا عاما مشاعا بين الناس جميعا. وتحديد المرافق العامة ~~متروك أمره للدولة. # ولذلك وقع الخلاف على هذا التحديد منذ الصدر الأول للإسلام؛ فكان من بين أصحاب النبي غلاة ~~في الاشتراكية يجعلون كل ما خلق الله ملكا مشاعا ومرفقا عاما؛ ولذلك يجعلون شأن الأرض وما ~~تحتويه شأن الماء والهواء، لا يجوز تملك شيء منه. وإنما يقع التملك على الثمرات ينال منها كل ~~على قدر سعيه ومجهوده. وكان منهم من لا يرون هذا الرأي، ويقولون بجواز تملك الأرض، ويعتبرونها ~~من العروض التي يقع عليها التبادل. # على أن الاتفاق منعقد بينهم على قاعدة اشتراكية مقررة اليوم في أوروبا، تقضي بأنه يجب على ~~كل إنسان أن يبذل للجماعة كل كفاياته، ويجب على الجماعة أن تبذل لكل فرد منها ما يسد حاجاته. ~~فلكل مسلم حق في أن ينال من بيت مال المسلمين ما يكفل حاجاته وحاجات من يعول ما دام لا يجد ~~عملا يرتزق منه، أو ما دام العمل الذي يزاوله غير كاف لرزقه ورزق عياله. وما دامت قواعد ~~الخلق التي قرر القرآن هي ما قدمنا فلن يكذب أحد، ولن يزعم أحد أنه متعطل على حين هو في ~~الحقيقة لا يريد أن يعمل، ولن يزعم أحد أنه لا يجد من عمله ما يكفيه على حين يدر عليه ~~الكفاية. وقد كان أمراء المؤمنين في الصدر الأول يفرضون على أنفسهم أن يتفقدوا أمور المؤمنين ~~ليبذلوا للمحتاج منهم حقه، وليدفعوا عنه عادية الحاجة. # ومن ثم نرى الاشتراكية في الإسلام ليست اشتراكية المال وتوزيعه، وإنما هي اشتراكية عامة ~~أساسها الإخاء في الحياة الروحية، وفي الحياة الخلقية، وفي الحياة الاقتصادية. وإذا كان المرء ~~لا يكمل إيمانه حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، فالمرء ms514 لا يكمل إيمانه إذا لم يحض على طعام ~~المسكين ولم ينفق للخير العام مما رزقه الله سرا وعلانية. وكلما ازداد المرء إيثارا على ~~نفسه كان أقرب إلى الله وأدنى إلى رضاه، وكانت نفسه أكثر طمأنينة وقلبه أشد غبطة. وإذا كان الله ~~قد جعل الناس بعضهم فوق بعض درجات، وكان يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر فإن الناس لا صلاح لهم إلا ~~إذا وقر صغيرهم كبيرهم، ورحم كبيرهم صغيرهم، وأعطى غنيهم فقيرهم، ابتغاء وجه الله وشكرا لله ~~وتحدثا بنعمته. # ما أحسبنا في حاجة إلى ذكر ما جاء في القرآن من تفاصيل النظام الاقتصادي في المواريث ~~والوصية والعقود والتجارة وما إليها؛ فمحاولة الإشارة أوجز الإشارة إلى ما جاء فيه من هذه ~~الشئون الفقهية ومن الشئون الاجتماعية، تقتضي عدة فصول كهذا الفصل. وحسبنا أن نذكر أن ما ورد ~~فيه من ذلك لم يرد إلى اليوم ما هو خير منه في أية شريعة من الشرائع. بل إن الإنسان لتأخذ منه ~~الدهشة كل مأخذ حين يجد بعض تفاصيل، كالكتابة في الدين إلى أجل مسمى إلا أن تكون تجارة، وكإرسال ~~الحكمين إذا وقع الشقاق بين الزوجين خيفة الفرقة، وكالقيام بالإصلاح بين طائفتين اقتتلوا، ~~ومقاتلة الطائفة التي تبغي ولا ترضى الصلح حتى تفيء إلى أمر الله - تأخذ الإنسان الدهشة إذ يرى ~~هذه الأمور، ويوازن بينها وبين ما ورد في الشرائع المختلفة، فإذا أحسن التشريع ما وافق هذه ~~القواعد التي وضعها القرآن. فلا عجب إذن - وما ذكرنا عن الربا وعن الاشتراكية الإسلامية هو أساس ~~النظام الاقتصادي المصور في القرآن، وهذه التفاصيل التشريعية هي خير ما وصل التشريع إليه في ~~مختلف العصور - أن تكون الحضارة الإسلامية هي الحضارة الجديرة بالإنسانية الكفيلة حقا ~~بإسعادها. # ربما ذهب بعض كتاب الغرب - بعد اطلاعهم على ما قدمنا من تصوير القرآن للحضارة وأساسها - ~~إلى أن طبيعة الإنسان لا تألف هذا النظام الذي يكلفها من السمو إلى ما فوق فطرتها ما لا تطيق، ~~وأن نظاما ذلك شأنه ليس مقدورا له أن يحيا أو أن يطول بقاؤه. ms515 فالإنسان في رأيهم إنما يحركه ~~الخوف والرجاء، وتحركه الأهواء والشهوات، شأنه في ذلك شأن الحيوان، وهو بعد حيوان ناطق، فحمل ~~الإنسانية على الأخذ بنظام كالذي صوره الإسلام للحضارة أمر غير مستطاع، أو هو على الأقل غير ~~ميسور. وغاية ما نطيق في نظم هذه الحياة للجماعة الإنسانية أن نهذب الشهوات، وأن نحسن توجيه ~~فكرة الخوف والرجاء من الناحية الاقتصادية المادية البحتة. فأما ما وراء ذلك فأمر لا قبل ~~للجماعة به. ولعل الدليل عندهم على ذلك أن النظام الإسلامي - على النحو الذي صوره القرآن ~~وحاولت إيجازه هنا - لم يستقر في الجماعة الإسلامية نفسها إلا أيام النبي وفي الصدر الأول، ولو ~~أن النظام كان صالحا للحياة لاستقر في تلك الجماعات الإسلامية الأولى ولانتشر منها في أنحاء ~~العالم. أما وذلك لم يحدث، بل حدث نقيضه، فالزعم بأن هذا النظام أجدر بالإنسانية وأكفل بسعادتها ~~زعم لا يصدقه الواقع. # ويكفي لإدحاض هذا الاعتراض اعتراف أصحابه بأن النظام الإسلامي قام وطبق في عهد النبي وفي ~~الصدر الأول. ولقد كان محمد خير أسوة في تطبيقه. واتبع خلفاؤه الأولون أسوته الحسنة وساروا بهذا ~~النظام إلى حيث يجب أن يبلغ كماله. لكن الدسائس والأهواء ما لبثت بعد ذلك أن طغت شيئا فشيئا ~~على أسسه الصحيحة من طريق الإسرائيليات تارة، ومن طريق الشعوبية أخرى وكان من أثر ذلك أن عاد ~~الناس شيئا فشيئا إلى تغليب المادة على الروح، والحيوانية على الإنسانية، وإلى الوقوف في ~~دائرة الحدود التي تقف المدنية الحاضرة فيها اليوم، والتي تجر على الإنسانية شر أهوال ~~الشقاء. # كان محمد خير أسوة في تطبيق الحضارة كما صورها القرآن. وقد رأيت من ذلك خلال هذا الكتاب ~~كيف كان إخاؤه لبني الإنسان جميعا إخاء تاما صادقا؛ كان إخوانه بمكة متساوين وإياه في ~~احتمال البأساء والضراء؛ وكان هو أشد منهم للبأساء والضراء احتمالا، فلما هاجر إلى المدينة آخى ~~بين المهاجرين والأنصار فيها إخاء جعل له حكم إخاء الدم. وكان إخاء المؤمنين عامة إخاء محبة ~~لإصلاح دعامة الحضارة الناشئة في ذلك العهد؛ وكان يقوي ms516 هذا الإخاء إيمان صادق بالله بلغ من ~~قوته أن كان محمد يسمو به إلى الاتصال بالله جل شأنه. وموقفه في غزوة بدر حين ناشد ربه النصر ~~الذي وعده إياه، وجعل يستنجزه هذا النصر، ويذكر له أن فئة بدر إن هزمت لم يعبد، مظهر قوي ~~من مظاهر هذا الاتصال. ومواقفه في غير بدر من المواطن تدل على أنه كان دائم الاتصال بالله في ~~غير الساعات التي ينزل فيها عليه الوحي. وكان اتصاله هذا من طريق إيمانه الصادق إيمانا جعله ~~يستهين بالموت ويقبل عليه ويتمناه. فكل صادق في إيمانه لا يهاب الموت بل يتمناه؛ فلكل أجل كتاب، ~~والناس أينما يكونوا يدركهم الموت ولو كانوا في بروج مشيدة. # وهذا هو الذي جعل محمدا يثبت حين فر المسلمون منهزمين عندما بدأت غزوة حنين، ويدعو ~~الناس إليه غير آبه للموت المحيط به وبالعدد القليل الذين ثبتوا معه. وهذا الإيمان هو الذي جعله ~~يعطي عطاء من لا يخشى فاقة، ويبر اليتيم وابن السبيل وكل بائس وكل محروم، ويسمو إلى ذروة ما دعا ~~إليه كتاب الله من فضائل. ذلك كله، واحتذاء المسلمين مثاله في الصدر الأول، جعل الإسلام يسرع ~~إلى الانتشار في العقود الأولى من السنين التي تلت اختيار الله نبيه إلى جواره؛ وينتشر لينتشر ~~في كل قطر رفرفت عليه أعلامه أسمى ما قررته هذه الحضارة، ولينشئ بذلك من هذه الأمم المنحلة ~~المتهدمة شعوبا قوية ودولا ذات بأس تقبل على العلم وتصل من طريقه إلى الاتصال بكثير من أسرار ~~الكون، وتبدع لذلك في الحياة من المنشآت ما تفاخر به هذا العصر الحاضر الذي يزعمونه عصر النور ~~والعلم، من غير أن يجني على سعادة الإنسانية بسبب عبادة المادة وضعف الإيمان بالله. # وإنما اندست في الحضارة الإسلامية أهواء الشعوبية والإسرائيليات، كما اندست في غيرها من ~~الحضارات؛ لأن طائفة من العلماء الذين يجب عليهم أن يكونوا ورثة الأنبياء، قد آثرت السلطان على ~~الحق، والجاه على الفضيلة؛ فاتخذت من علمها وسيلة تضلل بها سواد الناس وناشئتهم، كما يضلل ~~كثيرون من علماء ms517 هذا العصر سواد أهله وناشئته. هؤلاء العلماء هم أنصار الشيطان، وهم لذلك أثقل ~~الناس تبعة أمام الله. وأول واجب على كل عالم مخلص حقا لعلمه ولله أن يحاربهم وأن يستأصل بذور ~~فسادهم؛ لأنهم يفتنون الناس عن الحق والهدى ويضلونهم عن سواء السبيل. وإذا جاز أن يكون لهؤلاء ~~العلماء المضلين مجال حيث تقتتل الكنيسة والعلم على السلطان في الغرب، فلا مجال لهم في البلاد ~~الإسلامية حيث تزاوج الحضارة بين الدين والعلم، وحيث يكون الدين بغير علم كفرا، والعلم بغير ~~دين تجديفا. ولو أن العالم استظل بحضارة الإسلام على ما صورها القرآن، ولم تجن عليه فتوح ~~المغول وغيرهم ممن دخلوا في الإسلام ولم يعملوا بمبادئه ولا عملوا على نشرها، بل اتخذوه وسيلة ~~لحكم سواد المسلمين على مبادئ تناقض مبادئ الإخاء الإسلامي، لتبدل الأمر في العالم غير الأمر، ~~ولنجت الإنسانية من كثير مما ترزح اليوم تحته من أهوال الشقاء. # وإني لواثق أن تسود الحضارة التي صورها القرآن العالم إذا قام جماعة من العلماء يدعون ~~إليها على طريقة علمية بعيدة عن الجمود والتعصب. فهذه الحضارة تخاطب القلب كما تخاطب العقل، ~~وتكفل إقبال الناس من كل الأمم عليها إقبالا لن تستطيع مطامع أصحاب المطامع صده. ولا يطلب إلى ~~هؤلاء العلماء أكثر من أن يكونوا مؤمنين حقا، يدعون الناس إلى الله وإلى هذه الحضارة مخلصين ~~له الدين حنفاء. يومئذ يسعد الناس بالإخاء في الله كما سعدوا به في عهد النبي. # وما كان في عهد النبي وفي الصدر الأول، ينهض دليلا على ما قلته في مقدمة هذا الكتاب من أن ~~البحث العلمي في الثورة الروحية التي أفاض محمد على العالم ضياءها جدير بأن يهدي الإنسانية ~~طريقها إلى الحضارة الجديدة التي تتلمسها، وأنا لا أرتاب في ذلك لحظة. لكن لعلماء الغرب بعض ~~اعتراضات يبدونها، ينسبونها إلى الروح الذي صدرت عنه فكرة الحضارة الإسلامية، ويقيمون على ~~أساسها حكمهم بأن الإسلام كان سببا في تدهور الأمم التي دانت به. وأهم هذه الاعتراضات ما ~~يذهبون إليه من أن الجبرية الإسلامية أضعفت ms518 همة المسلمين، وقعدت بهم عن الكفاح في الحياة؛ ~~فهانوا وذلوا. ودفع هذا الاعتراض وما يجري مجراه هو موضوع المبحث الثاني من هذه الخاتمة. ~~(2) المستشرقون والحضارة الإسلامية # واشنجتون إيرفنج من أعلام الكتاب الذين فاخرت بهم الولايات المتحدة الأمريكية غيرها من ~~الأمم في القرن التاسع عشر المسيحي. وقد كتب سيرة النبي العربي في كتاب عرض فيه هذه السيرة ~~عرضا فيه قوة بيانية تملك قارئه في كثير من أجزائه، وفيه إلى جانب هذه القوة إنصاف أحيانا ~~وتحامل أحيانا أخرى. وقد وضع للكتاب خاتمة عرض فيها لقواعد الإسلام وما حسبه المصادر التاريخية ~~التي استندت إليها هذه القواعد، وفي مقدمتها الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. ~~ثم قال: القاعدة السادسة والأخيرة من قواعد العقيدة الإسلامية هي الجبرية. وقد أقام محمد جل ~~اعتماده على هذه القاعدة لنجاح شئونه الحربية. فقد قرر أن كل حادث يقع في الحياة قد سبق في علم ~~الله تقديره، فكتب في لوح الخلد قبل أن يبرأ الله العالم، وأن مصير كل إنسان وساعة أجله قد ~~عينت تعيينا لا مرد له، فلا يمكن أن تتقدم أو أن تتأخر بأي مجهود من مجهودات الحكمة الإنسانية ~~أو بعد النظر. بهذا الاقتناع كان المسلمون يخوضون غمار المعارك دون أن ينال منهم الخوف. فما دام ~~الموت في هذه المعارك هو عدل الاستشهاد الذي يسرع بصاحبه إلى الجنة؛ فقد كانت لهم الثقة بالفوز ~~في حالي الاستشهاد أو الانتصار. # هذا المذهب الذي يقرر أن الناس غير قادرين بإرادتهم الحرة على اجتناب الخطيئة أو النجاة من ~~العقاب، يعتبره بعض المسلمين منافيا لعدل الله ورحمته. وقد تكونت عدة فرق جاهدت وما تزال ~~تجاهد لتهوين هذا المذهب المحير وإيضاحه. لكن عدد هؤلاء المتشككة قليل. وهم لا يعتبرون من أهل ~~السنة. # وقد ألهم محمد مذهب الجبرية من وحي الساعة، فكان ذلك إلهاما معجزا لحدوثه في أنسب ~~أوقاته. فقد حدث توا بعد غزوة أحد المنكودة التي ذهبت فيها أرواح عدد غير قليل من أنصاره، ~~ومن بينهم عمه حمزة. عندئذ، وفي ساعة وجوم وهلع ms519 تحطمت أثناءها قلوب أصحابه المحيطين به، أصدر ~~هذا القانون ينبئهم أن لا مفر لإنسان من أن يتوفى في ساعة أجله، في فراشه كان أو في ساحة ~~الوغى. # أية عقيدة يمكن أن يصورها صاحبها أدق من هذا التصوير ليدفع بها للغزو طائفة من الجنود ~~الجهلاء الأغرار دفعا وحشيا؛ إذ يقنعهم عن يقين بالفيء لمن يبقى، والجنة لمن يموت؟! ولقد ~~جعلت هذه العقيدة جند المسلمين لا يكاد يغلبه غالب؛ لكنها احتوت كذلك السم الذي يقضي على ~~سلطانه. فمنذ اللحظة التي كف فيها خلفاء النبي عن أن يكونوا غزاة فاتحين، ومنذ أغمدوا سيوفهم ~~بصفة نهائية، بدأت العقيدة الجبرية تعمل عملها الهدام، فقد أرهف السلم أعصاب المسلمين كما ~~أرهفها المتاع المادي الذي أباحه القرآن، والذي يفصل فصلا حاسما بين مبادئه ودين المسيح دين ~~الطهر والإيثار؛ فصار المسلم ينظر إلى ما يصيبه من بأساء على أنها بعض ما قدر الله عليه وما لا ~~مفر منه، وما يجب الإذعان له واحتماله، ما دام كل جهد وكل حكمة إنسانية عبثا لا نفع له. # ولم تكن قاعدة «أعن نفسك يعنك الله.» مما يرى أتباع محمد تنفيذه، بل كان عكسها نصيبهم؛ من ~~ثم محق الصليب الهلال. وبقاء الهلال إلى اليوم في أوروبا حيث كان يوما ما بالغا غاية القوة ~~إنما يرجع إلى اختيار الدول المسيحية الكبرى، أو يرجع بالأحرى إلى تنافسها. ولعل الهلال باق ~~ليكون دليلا جديدا على أن «من أخذ بالسيف فبالسيف يؤخذ.» # هذا كلام واشنجتون إيرفنج. وهو كلام رجل لم تمكنه دراسته من إدراك روح الإسلام وأساس ~~حضارته؛ فذهب هذا المذهب الخاطئ في تأويل مسألة القضاء والقدر وكتاب الأجل. ولعل له من العذر ~~أنه وقف في بعض الكتب الإسلامية على ما جعله يذهب هذا المذهب: فأما القرآن فلا تقاس إلى جانب ما ~~ورد فيه عبارة «أعن نفسك يعنك الله.» من حيث القوة في الدعوة إلى التعويل على الذات، وأن الناس ~~مجزيون بأعمالهم وبالنية التي تصدر هذه الأعمال عنها. قال تعالى: # قل يا ~~أيها الناس قد جاءكم الحق ms520 من ربكم فمن اهتدى فإنما ~~يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ~~. # 30 # وقال تعالى: # من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ~~ ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ~~وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ~~. # 31 # وقال: # من كان يريد حرث الآخرة نزد له في ~~حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة ~~من نصيب ~~. # 32 # وقال: # إن الله لا يغير ما بقوم حتى ~~يغيروا ما بأنفسهم ~~. # 33 # ومثل هذا في القرآن كثير. وهو صريح في الدلالة على أن إرادة الإنسان وعمله هما مصدر مثوبته ~~وعقابه. وقد حض الله الناس أن يسعوا في مناكب الأرض وأن يأكلوا من رزقه، وأمرهم بالجهاد في ~~سبيله بآيات قوية غاية القوة تلوت شيئا منها في أثناء هذا الكتاب. وهذا لا يتفق وما يقوله ~~إيرفنج وما يقول بعض رجال الغرب من أن الإسلام دين تواكل وقعود، وأنه يعلم أهله أنهم لا ~~يملكون لأنفسهم بعملهم نفعا ولا ضرا، فلا فائدة لهم من السعي والإرادة؛ لأن السعي والإرادة ~~معلقان بمشيئة الله؛ فإذا سعينا وكان مقدرا ألا يثمر سعينا لم يثمر، وإذا لم نسع وكان ~~مقدرا أن نصبح أغنياء أو أقوياء أو مؤمنين أصبحنا كذلك من غير سعي ولا عمل. فالآيات التي ~~قدمنا تناقض هذا الرأي وتنفيه. # ألم يعتمد هؤلاء الذين ينسبون تواكل المسلمين في هذه العصور الأخيرة إلى دينهم على ما جاء ~~في القرآن من آيات القدر، كقوله تعالى: # وما كان لنفس أن تموت ~~إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ~~. # 34 # وكقوله: # ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم ~~لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ~~. # 35 # وكقوله: # ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في ~~أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله ~~يسير ~~. # 36 # وكقوله: # قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ~~هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون ~~. # 37 # إن يكن ذلك ما يعتمدون عليه فقد فاتهم معنى هذه الآيات وأمثالها، وما تصوره من صلة وثيقة ~~بين العبد وربه، ms521 ودعاهم ذلك إلى الظن بأن الإسلام يدعو إلى التواكل مع أنه الدين الذي يدعو إلى ~~الجهاد وإلى الاستشهاد وإلى الإباء والأنفة، كما يقيم حضارته على أساس من الإخاء ~~والرحمة. # والواقع أن هذه الآيات وما جرى مجراها تصور حقيقة عملية قررتها كثرة فلاسفة الغرب وعلمائه ~~وأطلقوا عليها مذهب الجبرية كذلك، ونسبوا الجبر فيها إلى سنة الكون ومجموع الحياة فيه بدل أن ~~ينسبوها إلى الله وعلمه وقدرته. وهذا المذهب الذي تقره كثرة فلاسفة الغرب أقل سعة وتسامحا ~~وانطباقا على خير الجماعة الإنسانية من المذهب الفلسفي الذي يستخلص من القرآن الكريم، كما ~~سنرى من بعد. وهذه الجبرية العلمية تذهب إلى أن ما لنا من اختيار في الحياة إنما هو اختيار ~~نسبي ضئيل القدر وأن القول بهذا الاختيار النسبي يرجع إلى ضرورات الحياة الاجتماعية من ناحية ~~علمية أكثر مما يرجع إلى حقيقة علمية أو فلسفية. فلو لم يتقرر مذهب الاختيار لتعذر على ~~الجماعة أن تجد أساسا تقيم عليه تشريعها وحدودها، وتنظم بذلك حياتها ، وتفرض به على كل إنسان ~~جزاء تصرفاته جزاء جنائيا أو مدنيا. # صحيح أن بين العلماء والفقهاء من لا يقيمون أساس الجزاء على الجبر ولا على الاختيار، وإنما ~~يقيمون على ما يحدث من رد الفعل الذي تقوم به الجماعة محافظة على كيانها، كما يقوم الفرد بمثله ~~محافظة على كيانه. وسيان عند الجماعة إذ تقوم برد الفعل هذا أن يكون الفرد مختارا وأن يكون غير ~~مختار. على أن الاختيار في التصرف ما يزال الأساس للجزاء عند أكثر الفقهاء، ودليلهم عليه أن ~~مسلوب الحرية والاختيار، كالمجنون والصغير والسفيه، لا يجزى عن عمله ما يجزى الرشيد الذي ~~يميز بين الخير والشر. فإذا تخطينا هذه الاعتبارات العملية في الفقه والتشريع وأردنا أن نخلص ~~إلى الحقيقة العلمية والفلسفية، ألفينا الجبرية هي هذه الحقيقة. فليس لأحد اختيار للعصر الذي ~~يولد فيه، ولا للأمة التي يولد من أبنائها، ولا للبيئة التي ينشأ بينها، ولا لأبويه وفقرهما ~~وغناهما وفضلهما ونقصهما، ولا لأنه ذكر أو أنثى، ولا لما يحيط به من ms522 أحداث لها، أغلب الأمر، ~~الأثر الأكبر في توجيه أعماله وحياته. وقد عبر الفيلسوف الفرنسي «هيبوليت تين» عن هذا المذهب ~~بقوله: «المرء ثمرة بيئته.» وقد ذهب غير واحد من العلماء والفلاسفة في تأييد ذلك إلى حد القول ~~بأن علمنا لو استطاع أن يصل من معرفة سنن الحياة الإنسانية وأسرارها إلى مثل ما وصل إليه من ~~معرفة سنن الأفلاك، لاستطاع أن يحدد بالدقة مصير كل فرد وكل أمة، كما يحدد الفلكيون بالدقة ~~مواقيت كسوف الشمس وخسوف القمر. # مع ذلك لم يقل أحد في الغرب ولا في الشرق بأن هذا المذهب الجبري يحول بين المرء والسعي ~~للنجاح في الحياة أو يحول بين الأمم والوثوب إلى خير مكان، ولم يقل أحد بأن هذا المذهب يؤدي إلى ~~تدهور الأمم التي تأخذ به. هذا مع أن المذهب الجبري في الغرب لا تؤيده في السعي والعمل آيات ~~كالتي تلوت من آيات القرآن عن تبعة الإنسان عن عمله # وأن ليس ~~للإنسان إلا ما سعى * وأن سعيه سوف يرى ~~. ~~أفلا ينهض هذا وحده دليلا على تحامل المستشرقين الذين يزعمون أن جبرية الإسلام قد أدت إلى ~~تدهور الأمم الآخذة به؟ # بل إن الجبرية الإسلامية لأكثر حضا على السعي إلى الخير والفضل وإلى ابتغاء الرزق من ~~الجبرية الغربية. فكلتاهما متفقة على أن للكون سننا لا تحويل لها ولا تبديل، وأن ما في الكون ~~جميعا خاضع لهذه السنن، وأن الإنسان خاضع لها خضوع سائر ما في الكون. لكن الجبرية الغربية ~~تخضع المرء لبيئته ووراثته خضوع إذعان لا محيص عنه ولا مفر منه، وتجعل إرادة الإنسان بعض ما ~~يخضع لبيئته، فلا سبيل له لذلك إلى أن يغير نفسه. فأما القرآن فيدعو إرادة كل فرد لتتوجه بحكم ~~العقل إلى ناحية الخير، ويذكر لهم أنه إذا كان قد قدر لهم الخير فبما كسبت أيديهم، وأنهم لا ~~ينالون هذا الخير اعتباطا من غير سعي. # يقول تعالى: # إن الله لا يغير ما بقوم حتى ~~يغيروا ما بأنفسهم ~~. # 38 # ففي مقدورهم إذن أن يفكروا وأن يتدبروا بعد أن ms523 هداهم الله بكتبه إلى الواجب عليهم، وبعد أن ~~دلهم أنبياؤه ورسله على طريق الحق، وبعد أن دعوا إلى النظر في الكون وتدبر سننه ومشيئة الله ~~فيه. ومن يؤمن بهذا، ومن يوجه نفسه وجهته، فلن يصيبه إلا ما كتب الله عليه. فإذا كان قد كتب ~~عليه أن يموت في سبيل الحق أو الخير الذي أمر الله به فلا خوف عليه، وهو وأمثاله أحياء عند ربهم ~~يرزقون. أية دعوة إلى الإقدام وإلى السعي وإلى الإرادة كهذه الدعوة؟ وأين فيها ما يزعم إيرفنج ~~والمستشرقون من تواكل؟! # التواكل ليس من التوكل على الله في شيء. فالتوكل على الله لا يكون بقعود المرء والتخلف عن ~~أمر ربه، بل بالعمل الجدي لما أمر به. وذلك قوله تعالى: # فإذا عزمت ~~فتوكل على الله ~~. فالعزم والإرادة يجب إذن أن يسبقا التوكل. وأنت ما عزمت ثم ~~توكلت على الله بالغ نهاية أمرك بفضل منه. وأنت ما ابتغيت وجهه وحده، وما خشيته وحده، وما سلكت ~~سبيله وحده، مهتد إلى الخير بحكم سنة الله في الكون، وسنة الله لا تحويل لها ولا تبديل. وأنت ~~بالغ هذا الخير، أدى بك سعيك إلى النجاح والفوز، أو أدى بك إلى الموت. وما ينالك من الخير فمن ~~عند الله. أما ما يصيبك من مكروه فبما كسبت يداك وباتباعك سبيلا غير سبيل الله. فالخير كله بيد ~~الله، والضلال والشر من نزغ الشيطان وعمله ... # أما علم الله بكل ما يقع في الوجود قبل أن يبرأ الله الوجود، وأنه جل شأنه # لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ~~ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين ~~، # 39 # فيرجع إلى أن الله برأ للكون سننا لا تحويل لها ويجب أن تنشأ عنها آثارها. وإذا ~~كان العلماء يذهبون إلى ما قدمنا من أن العلم الواقعي يستطيع إذا عرف أسرار الحياة الإنسانية ~~وسننها، أن يعرف ما قدر لكل فرد ولكل أمة على وجه اليقين، كما يعرف مواقيت الكسوف والخسوف، ~~فإن الإيمان بالله يقتضي حتما الإيمان بعلمه ms524 بكل شيء من قبل أن يبرأ العالم. وإذا كان المهندس ~~الذي يصنع «تصميم» دار أو قصر ويراقب تنفيذ هذا التصميم، يستطيع أن يعلم مدى ما يعيش هذا البناء ~~وما قد تتعرض له أجزاؤه المختلفة على مضي السنين، وكان علماء الاقتصاد يذهبون إلى أن السنن ~~الاقتصادية تهديهم على سبيل القطع إلى معرفة ما ينشأ في حياة العالم الاقتصادية من أزمة أو ~~رخاء، فإن مناقشة علم الله بكل صغيرة وكبيرة مما خلق في الكون تجديف لا يقبله عقل منطقي. وهذا ~~العلم لا يصح أن يقف الناس عن التفكير في مآلهم، والعمل جهد الطاقة لاتباع جادة الحق وتنكب طريق ~~الضلال؛ فعلم الله غيب عليهم وهم مهتدون آخر الأمر إلى الحق ولو بعد حين. والله قد كتب على نفسه ~~الرحمة، وهو يقبل توبة التائب من عباده ويعفو عن كثير. وما دامت رحمته وسعت كل شيء فليس لإنسان ~~أن ييأس من الاهتداء إلى الحق والخير ما دام ينظر في الكون ويتدبر ما فيه. وليس لإنسان أن يقنط ~~من رحمة الله إذا هداه نظره آخر الأمر إلى سبيل الله. وإنما الويل لمن ينكر إنسانيته ويستكبر عن ~~النظر والتفكير ابتغاء الهدى. أولئك يعاندون الله ولا يبتغون وجهه، وأولئك ختم الله على قلوبهم، ~~فلهم جهنم ولهم سوء الدار. # أفيرى أولئك المستشرقون سمو الجبرية الإسلامية وانفساح مداها؟! وهل يرون فساد ما يزعمونه من ~~أنها تدعو إلى القعود عن السعي أو قبول المذلة أو الرضا بالخضوع لغير الله؟! ثم هي من بعد تجعل ~~باب الرجاء في مغفرة الله ورحمته مفتوحا دائما لمن تاب وأناب. فما يزعمونه من أنها تدعو ~~المسلم إلى النظر لما يصيبه من خير أو شر على أنه بعض ما كتب الله فيقعد لذلك صابرا محتملا ~~الضر والمذلة، بعيد عن الحقيقة في أمر هذه الجبرية التي تدعو إلى دوام الدأب ابتغاء رضا الله، ~~وإلى عزم الأمر قبل التوكل على الله. فإذا لم يوفق الإنسان للخير اليوم، فليعمل لعله يوفق له ~~غدا؛ وله من دائم الرجاء في الله أن ms525 يسدد خطاه أو يتوب عليه وأن يغفر له، خير حافز إلى التفكير ~~المتصل والسعي الدائب لبلوغ الغاية من رضا الله، إياه يعبد وإياه يستعين، منه جل شأنه الهدى، ~~وإليه يرجع الأمر كله. # ما أعظم القوة التي تبعثها هذه التعاليم السامية إلى النفس! وما أوسع أفق الرجاء الذي ~~تفتتحه أمامها! فأنت موفق للخير ما ابتغيت بعملك وجه الله. وأنت إن أضلك الشيطان مقبولة توبتك ~~ما غالب عقلك هواك فغلبه وعاد بك إلى الصراط المستقيم. والصراط المستقيم هو سنة الله في خلقه، ~~سنة نهتدي إليها بقلوبنا وعقولنا، وبتفكيرنا فيما خلق الله، وبدأبنا في السعي لمعرفة أسراره. ~~فإذا ظل من الناس بعد ذلك من يشرك بالله، ومن يبغي الفساد في الأرض، ومن يعميه الاستئثار عن كل ~~معنى من معاني الأخوة، فإنما هو المثل الذي يضربه الله للناس ليروا عاقبة أمر الله فيه لتكون ~~لهم العبرة من مثله. وهذا عدل الله في الناس ورحمته بهم جميعا، لا يحول دونهما ولا يحد منهما ~~أن يضل ضال فيناله العذاب جزاء ما قدمت يداه. # ولكن! لماذا يفكر الناس ولماذا يعملون والموت لهم بالمرصاد، فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ~~ساعة ولا يستقدمون؟ ولماذا يفكر الناس ولماذا يعملون وقد كتب للسعيد منهم أن يكون سعيدا وعلى ~~الشقي منهم أن يكون شقيا؟ هذا تكرار للسؤال الذي أجبنا عنه سقناه قصدا، لننظر في مسألة كتاب ~~الأجل من ناحية أخرى: فما كتب الله إنما هو سنة الكون من قبل أن يبرأ الكون، ومن قبل أن يقول ~~له كن فيكون، ولا أدل على دقة هذا التصوير من قوله تعالى: # كتب ربكم ~~على نفسه الرحمة ~~. ومعنى هذا أن الرحمة صفة لله وسنة من سننه في الكون ~~وليست فرضا فرضه على نفسه؛ فالفرض لا يجوز عليه جل شأنه. ويقول الله تعالى: # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ~~. فإذا ضل قوم لم ~~يبعث الله لهم رسولا قضت سنة الله ألا يعذب منهم أحدا. وعلم الله بآثار سنته في الكون بديهي ~~لكل من آمن بأن الله هو ms526 الذي خلق الكون. فإذا بعث الله لقوم رسولا ثم قضت سنة الكون ومشيئة ~~الله فيه أن يصر إنسان من هؤلاء القوم على الضلال بعد إذ دعي إلى الهدى، فإساءته على نفسه ~~وهو لغيره عبرة ومثل. # ومن السذاجة القول بأن هذا الذي ضل فجوزي بضلاله قد ظلم ما دام الضلال قد كتب عليه. ~~نقول من السذاجة بدل أن نقول من التجديف؛ لأن أبسط قسط من التفكير يهدينا إلى أن من ضل يظلم ~~نفسه ولا يظلمه الله. وقد يكفينا في بيان ذلك مثل الأب البار العطوف يدني النار من طفله، فإذا ~~أراد أن يمسكها بعد بها عنه مشيرا إليه أنها تحرقه. ثم هو يدنيها منه مرة بعد مرة، ولا بأس ~~بأن تحترق إصبع الطفل كي يكون له من حسه الذاتي ما ينبهه إلى الحقيقة الملموسة التي تظل ماثلة ~~أمامه طيلة حياته. فإذا أقدم بعد رشاده فأمسك بالنار أو ألقى بنفسه فيها فجزاؤه ما يصيبه منها، ~~ولا تثريب على أبيه، ولا يطلب أحد إلى هذا الأب أن يحول بينه وبينها. # كذلك مثل الأب الذي يدل ابنه على مضرة القمار أو الخمر، فإذا بلغ الابن رشاده واجترح ما ~~نهاه عنه أبوه فأصابه الشر لم يكن أبوه ظالما إياه، وإن كان في مقدوره أن يحول بينه وبين ما ~~يصنع. وأبوه أبعد عن ظلمه إن كان قد ترك الابن يجترح من ذلك ما يجترح مزدجر وعبرة لأهله وإخوته، ~~فإذا كان الأهل والإخوة يعدون بالمئات أو بالألوف في مدينة كثرت فيها أسباب الغواية بطبيعة ~~نواميسها، فمن الخير ومن العدل أن يكون فيما يصيب بعض هؤلاء من الآثار المحتومة جزاء أعمالهم ما ~~تستقيم به أمور هذه الجماعة على أسف منها لما أصاب الظالمين من أبنائها. وهذه أبسط صور العدل ~~على ما نتصوره في جماعتنا الإنسانية، فما بالك بها حين نتصورها بالنسبة للعالم كله وملايين ~~الملايين من خلائقه في لا نهايات الزمان والمكان؟! إن ما يصيب فردا أو جماعة بظلمهم، في هذه ~~الصورة التي يكاد يعجز عن تصورها خيالنا، ms527 إنما هو العدل في أبسط صوره. # لو أننا نسبنا الظلم لأب ترك ابنه الذي ضل يلقى جزاء ضلاله ما دام الضلال قد كتب عليه، ~~لحق علينا أن ننسب الظلم لأنفسنا لأننا نقتل برغوثا يؤذينا اتقاء وخوفا من عدوى ينقلها ~~إلينا قد تكون وبالا علينا وعلى الجماعة إذا انتقلت منا إلى غيرنا، أو لأننا نفتت حصاة في ~~المرارة أو الكلى خيفة ما تجره علينا من آلام وشقوة، أو لأننا نبتر عضوا من أعضائنا مخافة أن ~~يستشري منه الفساد إلى سائر الجسم فيقتله، ولو أننا لم نفعل؛ لأن ذلك قد كتب علينا، ثم شقينا أو ~~هلكنا فلا نلومن إلا أنفسنا بما يصيبنا من السوء ما دام الله قد فتح لنا باب الشفاء كما فتح ~~للمذنب باب التوبة. والجاهلون وحدهم هم الذين يقبلون الألم والشقاء زعما منهم أنه كتب عليهم؛ ~~وذلك حماقة منهم وسخف. فكيف بنا ونحن نرى قتل البرغوث واستئصال الحصاة وبتر العضو المريض عدلا ~~كل العدل، وإن كان قد كتب في سنة الكون أن يؤذي البرغوث وأن ينقل إلى الإنسان العدوى وأن تفسد ~~الحصاة وأن يفسد العضو المريض سائر الجسد فيقضي عليه؛ كيف بنا ونحن نرى هذا ألا نعتبر سذاجة ~~بلهاء لا مسوغ لها إلا الاستئثار الضيق الأفق أن نقف من أمر هذه العدالة عند ذواتنا، وألا ~~نعديها إلى الجماعة الإنسانية كلها، وألا نعديها أكثر من ذلك إلى الكون كله؟! # وما البرغوث وما الحصاة وما الإنسان إلى جانب الكون؟! بل ما الإنسانية كلها إلى جانب الكون؟ ~~هذا الكون الفسيح يحاول خيالنا العاجز تصوير حدوده بالزمان والمكان وبالأزل والأبد، وبأمثال هذه ~~الألفاظ التي لا سبيل لنا غيرها إلى أن نرسم لأنفسنا صورة من الكون ناقصة غاية النقص، يتفق ~~نقصها مع ما أوتينا من العلم، وما أوتينا من العلم إلا قليلا. وهذا القليل قد هدانا إلى أن ~~سنة الله في الكون سنة نظام وعدل لا تبديل لها ولا تحويل. وإنما نهتدي إلى هذه السنة وقد ~~جعل الله لنا السمع والأبصار والأفئدة لنشهد بديع ms528 صنعه ونقف في الكون على سنته، فنسبح بحمده ~~ونعمل الخير بأمره. وعمل الخير عن إيمان هو أرقى مظهر لعبادة الله لقوم يعقلون. # فأما الموت فخاتمة حياة وبدء حياة؛ لذلك لا يجزع منه إلا الذين ينكرون الحياة الآخرة ~~ويخشونها لسوء صنيعهم في الحياة الدنيا. أولئك لا يتمنون الموت بما كسبت أيديهم؛ وإنما يتمنى ~~الموت صدقا المؤمنون حقا والذين عملوا في الدنيا صالحا. # يقول تعالى: # الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم ~~أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور ~~. # 40 # ويقول جل شأنه مخاطبا نبيه: # وما جعلنا لبشر من ~~قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون * كل نفس ~~ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ~~ترجعون ~~. # 41 # ويقول: # مثل الذين حملوا التوراة ثم لم ~~يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين ~~كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين * قل ~~يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون ~~الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين * ولا ~~يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم ~~بالظالمين ~~. # 42 # ويقول : # وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ~~ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ثم ~~إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون ~~. # 43 # هذه الآيات قوية غاية القوة تنقض ما يقال عن دعوة الجبرية الإسلامية للقعود وعدم السعي. ~~فالله خلق الموت والحياة ليبلو الناس أيهم أحسن عملا. وعملهم في الحياة، وجزاؤهم عنه بعد ~~الموت. فإذا لم يعملوا، وإذا لم يمشوا في مناكب الأرض ويأكلوا من رزق الله، وإذا لم يصدقوا ~~مما آتاهم الله، وإذا لم يؤثروا على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، عصوا الله، وكان من يفعل ذلك كله ~~أحسن منهم عند الله عملا وأحسن في الآخرة جزاء ومثوبة. والله يبلونا في الحياة بالخير والشر ~~فتنة. وعلينا أن نميز بعقولنا بين الخير والشر. فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومنم يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره. ولئن لم يصبنا إلا ما كتب الله لنا ليكونن ذلك أشد إمعانا بنا في سبيل ~~الخير لنرى الخير. وسواء علينا بعد ms529 ذلك اختارنا الله إليه أقوياء عاملين مجاهدين، أم رددنا إلى ~~أرذل العمر لكيلا نعلم من بعد علم شيئا. فليس مقياس الحياة عدد السنين التي يقضي المرء فيها، ~~وإنما مقياسها ما يقوم به الإنسان فيها من أعمال باقيات صالحات. والذين يتوفون في سبيل الله ~~أحياء عند ربهم، وهم أحياء بيننا بذكرهم. وكم من أسماء باقية على مر الدهور والقرون لأن ~~أصحابها وهبوا أنفسهم ومجهوداتهم للخير؛ فهم بيننا معشر الأحياء وإن كان الله قد اختارهم إليه ~~منذ مئات السنين. # فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون ~~. هذا هو الحق، وهو وحده الذي يتفق مع سنة الكون. فللإنسان أجل لا ~~يعدوه، كما أن للشمس وللقمر مواقيت للكسوف والخسوف لا تتغير، لا تستقدم ولا تستأخر. وهذا الأجل ~~المحتوم أدعى إلى أن يسارع الإنسان إلى الخيرات، وأن يعمل صالحا، وأن يبذل في ذلك كل جهده؛ فهو ~~لا يدري متى تكون منيته، فإذا جاءت فجزاؤه ما قدم. وإن أمامنا كل يوم لدليلا على أن الأجل ~~قدر لا مفر منه، فمن الناس من يأتيه الموت فجأة ولا يعرف أحد له مرضا، ومنهم المريض الذي ~~يكافح مرضه ويئن من أهواله عشرات السنين حتى يرد إلى أرذل العمر. وطائفة من الأطباء اليوم ~~يقولون: إن الإنسان يولد وفي تكوينه جرثومة انتهاء حياته، وإن الأمد الذي تعمل فيه هذه الجرثومة ~~لتبلغ غايتها يمكن معرفته لو استطعنا معرفة الجرثومة نفسها. ومعرفة هذه الجرثومة ليس بالأمر ~~المستطاع، فهي قد تكون مادية في الجسم كامنة في عضو من أعضائه الرئيسية أو غير الرئيسية، وقد ~~تكون معنوية في التفكير متصلة بتلافيف المخ تدفع صاحبها إلى المغامرة وإلى المخاطرة، أو إلى ~~الشجاعة والإقدام. والله الذي أحاط بكل شيء علما، عنده علم الساعة التي تحين فيها منية كل ~~إنسان بحكم سنة الكون التي لا تحويل لها ولا تبديل. # ومن آيات رحمته جل شأنه أنه لا يعذب حتى يبعث رسولا يهدي الناس إلى الحق ويبين لهم ~~سبيل الخير، ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من ms530 دابة، لكنه يؤخرهم إلى أجل مسمى ~~ليسمعوا إلى الرسل فيتبعوا الهدى ولا تغرهم الحياة الدنيا بزخرفها ... ولم يبعث الله رسله من ~~الملوك ولا من الأغنياء وذوي الجاه ولا من العلماء؛ وإنما بعثهم من أبناء الشعب؛ فإبراهيم ~~نجار وأبوه نجار، وعيسى نجار الناصرة، وغير واحد من الأنبياء كانوا رعاة غنم؛ ومن هؤلاء ~~خاتمهم عليه الصلاة والسلام. وإنما يبعث الله رسله من أبناء الشعب ليدل عباده على أن الحقيقة ~~ليست في ملك الأغنياء ولا الأقوياء، بل هي في ملك من يبتغي الحق لوجه الحق وحده. والحقيقة ~~الأزلية الخالدة أن المرء لا يكمل إيمانه حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وإن أكرمكم عند الله ~~أتقاكم؛ وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ولا تجزون إلا ما كنتم تكسبون. والحقيقة الكبرى أن الله ~~حق، لا إله إلا هو. # الموت خاتمة حياة وبدء حياة؛ خاتمة الحياة الدنيا وبدء الحياة الآخرة. ولسنا نعلم من أمر ~~الحياة الدنيا إلا قليلا. لسنا نعلم إلا ما تتصل به حواسنا، وترشدنا إليه عقولنا، وتكشف لنا ~~عنه قلوبنا . أما الحياة الآخرة فلا علم لنا من أمرها إلا ما علمنا الله منه. وسنن الكون فيها ~~غيب علينا، علمه عند عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال. فحسبنا ما ذكر الله في كتابه العزيز ~~من أمرها وأنها دار الجزاء، ولنعد أنفسنا في الدار الدنيا بعملنا وبعزمنا أمورنا وبتوكلنا ~~بعد ذلك على الله لهذا الجزاء العدل؛ فأما ما وراء ذلك فأمره لله وحده. # أفيرى الذين يلفون لف واشنطون إيرفنج من المستشرقين وغير المستشرقين مبلغ خطئهم في تصوير ~~الجبرية الإسلامية؟ إننا لم نثبت هنا شيئا غير ما ورد في القرآن الكريم؛ لأننا لا نريد أن نضع ~~الأمر موضع مجادلة في آراء المتكلمين والمتصوفة وغيرهم من فرق المسلمين وفلاسفتهم. وإيرفنج ~~أبلغ خطأ حين يزعم أن القضاء والقدر وكتاب الأجل إنما نزل ما نزل من القرآن فيه بعد غزوة أحد ~~ومقتل حمزة سيد الشهداء فيها. فمن الآيات التي اقتبسنا هنا آيات مكية نزلت قبل الهجرة وقبل أن ~~تبدأ غزوات المسلمين. وإنما ms531 يقع إيرفنج ومن على شاكلته في هذا الخطأ لأنهم لا يعنون أنفسهم ~~ببحث مسألة هذا مبلغ خطرها بحثا علميا دقيقا، بل يصورون لأنفسهم عن الإسلام الفكرة التي ~~تتفق مع ميولهم المسيحية ثم يلفقون لها الدليل بما تهوى أنفسهم، ظنا منهم أن دليلهم يقنع ~~قراءهم ثم لا يفنده بعدهم أحد. # ولو أدرك المستشرقون الجبرية الإسلامية على نحو ما صورنا هنا لقدروا فكرتها الفلسفية ~~البالغة غاية السمو، العميقة غاية العمق، والتي تصور الحياة تصويرا يصف أدق النظريات ~~العلمية والفلسفية التي وصل إليها التفكير في مختلف عصوره، وما ناله فيها من تطور وتقدم. وهذه ~~الفكرة الفلسفية الإسلامية فكرة توفيقية لا تضيق بالجبرية العلمية، ولا بالعالم كإرادة وتمثل، ~~ولا بالتطور المنشئ، # 44 # بل هي تسلك هذه المذاهب جميعا في نظامها على أنها بعض سنن الكون والحياة. ولئن لم ~~يتسع المقام هنا لبسط هذه الصورة لأحاولن مع ذلك إيجازها بكل ما أستطيع من دقة ووضوح. وأحسب ~~الذين يتلون ما أكتب يوافقونني على أن سمو الفكرة وانفساح مداها وعمقها قد بلغ الغاية من كل ما ~~نعرف من نظريات حتى اليوم، وأنها تفسح الطريق إلى ما قد يسمو إليه الفكر الإنساني من ~~بعد. # وأريد قبل أن أبدأ هذا الإيضاح الوجيز أن أثبت هنا ملاحظتين أرجو ألا ينساهما في هذا المقام ~~أحد: أولاهما أنني لا أقصد من ذلك إلى معارضة نظرية مسيحية. فما جاء به عيسى قد أقره الإسلام ~~كما ذكرت غير مرة في غضون هذا الكتاب. وإنما جاء الإسلام جامعا ومتوجا للنبوات والرسالات التي ~~سبقته. ولقد أثبتت الأناجيل قول المسيح لأصحابه: «ما جئت لأنقض الناموس ولكن جئت لأكمله.» كذلك ~~أثبت القرآن إيمان المسلمين بإبراهيم وموسى وعيسى والنبيين من قبل. وإنما جاء الإسلام مكملا ~~لما أرسلهم الله به، مصححا لما حدث من تحريف أتباعهم الكلم عن مواضعه. والثانية أن المذهب ~~الفلسفي الإسلامي الذي استنبطته من القرآن قد سبقني إليه غيري، ولكن على نحو غير النحو الذي ~~أقرره اليوم؛ وإنما اهتديت في هذا النحو بهدي القرآن، ونهجت فيه نهج ms532 الطريقة العلمية الحديثة، ~~فإن وفقني الله للصواب فله جل شأنه الفضل والمنة. وإن جفاني التوفيق في شيء منه كان من أكبر ~~التحدث بنعمة الله أن يهديني أولو العلم إلى ما جفاني التوفيق فيه. # وأول ما يقرره القرآن أن لله في الكون سننا ثابتة لا تحويل لها ولا تبديل. والكون ليس ~~أرضنا وما عليها وكفى، ولا هو محصور فيما يقع عليه حسنا من كواكب وأفلاك، وإنما الكون مجموع ~~ما خلق الله من محسوس وغير محسوس، حاضر وغيب. وحسبك أن تتصور هذا لتدرك حقا أننا لم نؤت من ~~العلم إلا قليلا. فهذا الأثير بيننا وبين الكواكب، وهذه الكهربا التي تملأ الأثير وتملأ أرضنا، ~~وهذه الأبعاد الشاسعة التي تفصل بيننا وبين الشمس وما هو أبعد من الشمس من أفلاك، وما وراء ~~الأفلاك التي تبعد عن الشمس بألوف السنين الضوئية، ثم ما وراء ذلك من لا نهايات لا سبيل لخيالنا ~~أن يحيط بها وعند الله علمها - هذا كله يجري على سنة ثابتة لا تتغير. وما نعرفه من هذا كله ~~معرفة علمية - على حد تعبيرنا اليوم - قليل يختلط فيه الخيال بالواقع، ثم يتضاءل الواقع إلى ~~جانب الخيال حتى يبلغ غاية الضآلة، ثم يبقى هذا الواقع مع ذلك غاية ما نعلم وما نقيم عليه ~~أقيستنا وما نقرر على ضوئه ما نسميه سنن الكون والحياة. ولو أننا أردنا أن نطلق للخيال عنانه ~~لنتصور ضآلة هذا الذي نعرف لانفسح أمامنا مجال الأمثال بما يضيق عنه هذا المقام. افترض مثلا أن ~~أهل المريخ أقاموا عندهم «مذيعا» قوته مائة مليون كيلوات ليسمعونا - أهل الأرض - ما يدور عندهم ~~وليرونا إياه من طريق «التليفزيون» أترانا بعد ذلك نستطيع أن نمسك علينا عقولنا؟ والمريخ ليس ~~أبعد الكواكب عنا ولا أشدها ازورارا عن الاتصال بنا. # وهذا الكون الذي لم نؤت من علمه إلا قليلا يؤثر كل ما فيه في وجود أرضنا وما عليها. فلو ~~أن واحدا من هذه الأفلاك اختلف بقدر من الله مداره، لتغيرت سنة الكون، ولتغيرت لذلك حياتنا ~~القصيرة الضئيلة المتأثرة، بكل ms533 ما حولنا، وبأتفه ما حولنا. وهي أكثر تأثرا وخضوعا بطبيعة ~~الكون لعظائم ما في الكون وجلائله. وهي في تأثرها ذاك قد تسلك سبيل الخير وقد تنحرف عنها. وهي ~~في سلوكها هذه السبيل وفي انحرافها عنها لا تندفع في هذه أو تلك من الناحيتين بحكم ما يؤثر فيها ~~من عوامل الحياة وحده، بل بحكم استعدادها كذلك لتلقي آثار الحياة، وسلطانها على ذاتها في تلقي ~~هذه الآثار. ورب عامل معين أثر في نفوس كثيرين آثارا مختلفة، فاندفعت كل واحدة منها إلى ~~ناحية، كانت إحداها الفيصل بين الخير والشر، ثم كانت سائرها درجات نحو الخير ودرجات نحو ~~الشر. # فما في الحياة من خير أو شر إنما هو أثر لما يقع بين عوامل الحياة والنفس الإنسانية من ~~تفاعل؛ ومن ثم كان الخير والشر بعض ما في الكون من آثار سنته الثابتة، وكانا لذلك من مستلزمات ~~وجوده، كما أن السالب والموجب من مستلزمات وجود الكهربا، وكما أن وجود بعض المكروبات من ~~مستلزمات الحياة لجسم الإنسان. # وليس شيء شرا لذاته ولا خيرا لذاته، بل للغاية التي يوجه إليها، وللأثر الذي يترتب ~~عليه. فما يكون شرا أحيانا يكون ضرورة ملحة وخيرا محضا أحيانا أخرى. ومن المدمرات التي ~~تستعمل في الحروب لإهلاك ملايين بني الإنسان وتخريب أبدع ما أقام الإنسان من الآثار ما له أيام ~~السلم أكبر الفائدة. فلولا الديناميت لتعذر شق الأنفاق ومد السكك الحديدية خلالها؛ ولتعذر الكشف ~~عن المناجم التي تحتوي أثمن الكنوز وأنفس الأحجار والمعادن. والغازات الخانقة التي يلقي ~~المحاربون قذائفها على الوادعين من أبناء الأمة التي تحاربهم، والتي تعتبر لذلك عارا وشنارا ~~على الإنسانية ومظهرا من مظاهر وحشيتها وجبنها؛ هذه الغازات تصلح في السلم لأغراض نافعة أعظم ~~النفع، منقذة للإنسانية من كثير من الأمراض المعدية وأهوالها. فمن هذه الغازات ما تنقى به ~~المياه من المكروبات الضارة كغاز الكلور، ومنها ما يصلح في حياة السفن إذ يقتل بعضه الجرذان ~~فيها، ويدل بعضه على مواطن الغازات الأخرى التي تعرض حياة الملاحين للخطر. # وقديما خيل إلى الناس ms534 أن من الحشرات والطيور والحيوان ما لا فائدة البتة من وجوده، ثم ~~تبين لهم بعد البحث والدرس ما لهذه الحشرات والطيور والحيوان من فائدة للإنسان، حتى لقد صدرت في ~~ممالك مختلفة قوانين تحمي هذه الخلائق من القتل أو الصيد تقديرا لخيرها للإنسانية. والذين ~~درسوا هذه الخلائق قد لاحظوا أنها أشد حرصا على مسالمة الحياة المحيطة بها في حدود الاحتفاظ ~~بوجودها كي تقوم بقسطها من الخير الذي فطرت على القيام به، وأنها لا تؤذي إلا دفاعا عن نفسها ~~حين يهاجمها مهاجم أو يغريها مغر بالأذى. # وأعمالنا - نحن بني الإنسان - ليست خيرا كذلك لذاتها ولا شرا لذاتها، بل للغاية التي ~~توجه إليها والأثر الذي يترتب عليها. أليس القتل إثما محرما؟! ولكن الله مع ذلك إذ يحرم ~~القتل يقول: # ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا ~~بالحق ~~. والقتل بالحق لا إثم فيه. # ولكم في القصاص ~~حياة يا أولي الألباب ~~. والجلاد الذي يقتل مجرما حكم عليه بالقتل، ~~والرجل الذي يقتل نفسا دفاعا عن نفسه، والجندي الذي يقتل دفاعا عن وطنه ، والمؤمن الذي يقتل ~~حتى لا يفتنه أحد عن دينه، هؤلاء جميعا لا يرتكبون إثما ولا معصية حين يقتلون. هم إنما يؤدون ~~لله حقا فرضه الله عليهم ولهم عنه جزاء المحسنين. وما يقال في القتل يقال كذلك في غيره من ~~الأعمال المتداولة بين الخير والشر. فالعالم الذي يكتشف بعض المدمرات للدفاع عن وطنه أو لما ~~تفيد هذه المدمرات العالم حين السلم، وصانع الأسلحة وكل عامل وكل إنسان على الأرض، إنما يعمل ~~الخير أو يرتكب المعصية حسب الوجهة التي يولي وجهه شطرها والأثر الذي يترتب على عمله. # هذه إرادة الله وهي سنته في الكون، ولما كان الله قد خلق الناس بعضهم فوق بعض درجات في ~~الاستعداد لإدراك هذه السنة، فجعل منهم من يحصرون كل نشاطهم في البقعة التي ينشئون فيها وهي ~~تثميرها والقيام عليها، ووهب آخرين موهبة الصناعة، وجعل لغير هؤلاء وأولئك من المواهب في ~~الأعمال والفنون والعلوم ما لا يتيسر لهم معه الاهتداء إلى هذه ms535 السنة، ولما كانت معرفتها أساسية ~~للإنسان كي يهتدي في الحياة، فقد وهب لأفراد موهبة النبوة واصطفى آخرين لرسالاته ليبينوا لنا ~~الخير والشر، ووهب لآخرين مواهب العلم والمنطق ليكونوا ورثة الأنبياء فيهدونا إلى ما يجب علينا ~~أن نعمله وما يجب علينا أن نتجنبه، وركب فينا قوى العقل والعاطفة لندرك ما يلقى إلينا من ~~التعاليم، فنروض أنفسنا برياضتها كي نحسن التوجه في الحياة إلى الخير وكي نأمر بالمعروف وننهى ~~عن المنكر. فإذا التبس الأمر مع ذلك على بعض الناس فارتكبوا المعصية فجزتهم الجماعة عن معصيتهم، ~~احتفاظا بكيانها أن تجني هذه المعصية عليه، لم يكن ذلك سدا بينهم وبين التوبة والأوبة إلى ~~الحق. فمن ارتكب الخطيئة أو الإثم بجهالة ثم حاسب نفسه وغير ما بها وعاد إلى الله طائعا ~~منيبا، غفر الله له ما تقدم من ذنبه وتاب عليه. ومن ثم كان للخاطئ والآثم أن يستفيد من عبر ~~الأيام وأن يطهر قلبه، وأن يرجع إلى طريق الحق تائبا فيقبل الله منه؛ إنه هو التواب ~~الرحيم. # هذا التصوير للحياة، يوفق ما بين مذاهب فلسفية شتى يحسب أصحابها أن لا سبيل إلى التوفيق ~~بينها، فهو صريح في أن الوجود إرادة # إنما قولنا لشيء إذا ~~أردناه أن نقول له كن فيكون ~~. والكون يمثل ما يقع عليه الحس وما ~~ينقطع الحس دونه. وللكون سنن ثابتة نستطيع في حدود علمنا الواقعي أن نقف منها على ما يهدينا ~~العقل إليه، وما يزداد بازدياد مجهودنا للكشف عنه. والخير قوام الكون. ولكن الشر يغالبه فيه ~~ويكاد يتغلب عليه أحيانا. ومغالبة الخير للشر هي هذا التطور المنشئ الذي خطا بالكون ~~وبالإنسانية خطوات واسعة حتى بلغت من طريقها إلى الكمال ما بلغته اليوم. # وأنت ترى أن هذا التصوير ينطوي على فكرة التقدم إلى الكمال كخير ما عرف التفكير الفلسفي ~~تصويرا من نوعه. يدلك على ذلك، فضلا عما سبق تصوير القرآن للتطور الروحي في الحياة منذ خلق ~~الله الأرض ومن عليها. فقد خلق الله السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش. أفهذه ms536 ~~الأيام الستة من أيامنا على الأرض أم هي أيام يصح فيها قوله تعالى: # وإن ~~يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون ~~؟ # 45 # ليس هذا محل بحثنا وإن وجدت فيه نظرية التطور - وإنه بعض سنة الله في الكون - ~~مجالا للقول فسيحا. وخلق الله آدم وحواء وقال للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى. ولم ~~يرد إبليس عن إبائه أن علم الله آدم الأسماء كلها. قال تعالى: # ويا ~~آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا ~~هذه الشجرة فتكونا من الظالمين * فوسوس لهما ~~الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما وقال ما ~~نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو ~~تكونا من الخالدين * وقاسمهما إني لكما لمن ~~الناصحين * فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة ~~بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ~~وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما ~~إن الشيطان لكما عدو مبين * قالا ربنا ظلمنا ~~أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين * قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض ~~مستقر ومتاع إلى حين * قال فيها تحيون وفيها ~~تموتون ومنها تخرجون * يا بني آدم قد أنزلنا ~~عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ~~ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون * يا بني آدم لا ~~يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما ~~لباسهما ليريهما سوآتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث ~~لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا ~~يؤمنون ~~. # 46 # وهبط آدم وحواء من الجنة بعض ذريتهما لبعض عدو. هبطوا يجاهدون في الحياة بما وهب ~~لهم الله من قوة، وتتعاقب فيها أجيالهم حتى تتم كلمة ربك. # وكانت القسوة وكان التعصب أول مظهر لحياة الإنسان على الأرض. يقول تعالى: # واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا ~~فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك ~~قال إنما يتقبل الله من المتقين * لئن بسطت إلي ~~يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله ~~رب ms537 العالمين * إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك ~~فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين * ~~فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين * فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري ~~سوءة أخيه قال يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب ~~فأواري سوءة أخي فأصبح من النادمين * من أجل ~~ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس ~~أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها ~~فكأنما أحيا الناس جميعا ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ~~ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون ~~. # 47 # وظاهر ما في قتل الأخ أخاه من استئثار وحسد وقسوة طبع وغلظة كبد. لكن الأخ التقي الذي يخاف ~~الله لم يرد، حين قال له أخوه: لأقتلنك، أن يستغفر الله له، بل قال له: إني أريد أن تبوء بإثمي ~~وإثمك فتكون من أصحاب النار، وهذه غلبة الطبيعة الإنسانية ومنطق القصاص على السمو الروحي وجمال ~~العفو. # وكثر بنو آدم على الأرض، وأرسل الله إليهم النبيين مبشرين ومنذرين. لكنهم أصروا على ~~ضلالهم ، وبقيت حياتهم الروحية جامدة وقلوبهم مقفلة. أرسل نوحا إلى قومه فنادى فيهم: أن لا ~~تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم، فكذبه قومه وما آمن معه إلا قليل. وتواترت ~~النبوات بعد نوح، وتواترت الرسالات بالدعوة إلى الله وحده؛ فتغلب جمود الناس عليها وقعدت عقولهم ~~دون إدراكها، واتخذوا من مظاهر الخلق آلهة. وكلما جاءهم رسول من عند ربهم ففريقا كذبوا وفريقا ~~يقتلون. لكن جمودهم تزعزع بتواتر الرسالات التي كانت بذورا صالحة أبطأ نباتها، غير أنها تركت ~~مع ذلك أثرها. وهل ذهبت كلمة الحق ضياعا أو هباء في يوم من الأيام؟! ولئن دفع الغرور الناس ~~لينأوا بجانبهم عنها وليستهزئوا أكثر الأمر بصاحبها لقد كانوا يستعيدونها إذا خلوا إلى أنفسهم ~~يسألونها عن مبلغ الحق فيها. وكان الذين يدركون ما تنطوي عليه من حق قلة وكانوا ~~يستكبرون. # كانت مصر على عهد الفراعنة يؤمن كهنتها بالوحدانية، ويعلمون الناس غيرها ويعددون لهم ~~آلهتهم. وإنما دعاهم ms538 إلى ذلك حرصهم على الاحتفاظ بسلطانهم على الناس وجاههم فيهم؛ حتى لقد ~~حاربوا موسى وأخاه هارون حين جاءا يدعوان فرعون إلى الله ويطلبان إليه أن يرسل معهما بني ~~إسرائيل. # ويذكر القرآن نبأ هؤلاء الأنبياء الذين تعاقبوا على الإنسانية أجيالا طوالا فظلت ممعنة في ~~الضلال إلا قليلا هدى الله إلى الحق. وفي قصص الأنبياء ظاهرة يقف عندها النظر، ويحسن بنا - ~~لبيانها - أن نرجع إلى عهد موسى وعيسى وما كان بعدهما من رسالة محمد عليه السلام. # هذه الظاهرة هي الانفصال أو ما يشبهه أول الأمر بين حكم العقل ومنطقه والإيمان القائم على ~~المعجزات والخوارق. فقد آزر الله كلا من أنبيائه بمعجزة لقومه حتى يصدقوه، ولم يصدقه مع ذلك ~~منهم إلا قليل. ولم تكفهم عقولهم ومنطقها ليدركوا أن الله خلق كل شيء، وأنه الملك الحق لا إله ~~إلا هو. # ولما قضى الله أن يبعث موسى من مصر، خرج منها قبل بعثه خائفا يترقب حتى ورد ما مدين وتزوج ~~من أهلها. فلما أذن الله له أن يعود # نودي من شاطئ الواد ~~الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا ~~الله رب العالمين * وأن ألق عصاك فلما رآها ~~تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى أقبل ~~ولا تخف إنك من الآمنين * اسلك يدك في جيبك ~~تخرج بيضاء من غير سوء واضمم إليك جناحك من الرهب ~~فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه إنهم كانوا ~~قوما فاسقين ~~. # 48 # ولم يؤمن سحرة فرعون بدعوة موسى حتى لقفت عصاه ما صنعوا؛ إذ ذاك ألقي السحرة سجدا ~~قالوا: آمنا برب هارون وموسى. ومع ذلك ظل بنو إسرائيل في غيهم حتى قالوا لموسى: أرنا الله ~~جهرة. ولما قبض موسى عادوا يذكرون عبادة العجل. وجاءهم أنبياؤهم من بعد موسى يدعونهم إلى الله ~~فقتلوهم بغير حق. فلما عادوا من بعد ذلك إلى ذكر الله انتظروا أن يقوم فيهم نبي يرد إليهم ملكا ~~يحكمون به العالم حكما زمنيا. # وليس هذا الحادث بالبعيد عنا في ظلمات التاريخ؛ فهو لا ms539 يرجع إلى أكثر من خمسة وعشرين قرنا. ~~وهو مع ذلك صريح في الدلالة على غلبة منطق الحس على منطق العقل، والتصور المادي على التصور ~~الروحي؛ وبعد أن انقضت عليه خمسة قرون أو ستة جاء عيسى يدعو قومه إلى الله يؤيده الله بروح ~~القدس من عنده. ولما كان عيسى يهوديا، حسب اليهود أول ما نمى إليهم خبره أنه نبيهم المنتظر ~~ليرد إلى أرض المعاد ملكها المضاع، وكانوا أكثر لهفة على هذا الملك بعد أن طال عليهم حكم ~~الرومان وقسوتهم. على أنهم انتظروا ليتبينوا الحق من أمر عيسى. أفتراه خاطبهم بمنطق العقل وحده؟ ~~كلا! بل كانت المعجزة طريقه إلى إقناعهم. ولئن صحت الرواية المسيحية لقد كان تحويله الماء خمرا ~~في عرس «قانا الجليل» أول ما لفت نظر الناس إليه. وبعد ذلك كانت معجزة الأرغفة والسمكات ومعجزات ~~إبراء المرضى وإحياء الموتى هي التي طوعت له أن يقوم بتعليم الناس من طريق القلب والعاطفة دون ~~أن يكون للعقل ومنطقه الحظ الأول في تعاليمه. لكن هذا الحظ كان مع ذلك أوفر من حظ من سبقه من ~~الرسل. كانت تختلط في تعاليمه دعوة العاطفة إلى الرحمة والمغفرة والمحبة بدعوة عقلية غير مدعومة ~~بالدليل المنطقي إلى ملكوت الله. فإذا تسرب الشك إلى النفوس في أمر هذه الدعوة العقلية أذن الله ~~بمعجزة جديدة تزيد الناس بالمسيح تعلقا وعليه إقبالا. وكان من معجزاته إبراء الأبرص والأكمه ~~وإحياء الميت أن بلغت بمن اتبعوه في تعلقهم به مدى بعيدا، حتى حسبه بعضهم ابن الله، وحسب ~~آخرون أنه الله تجسد على الأرض ليفتدي خطايا البشر. وهذا صريح في الدلالة على أن منطق العقل لم ~~يكن إلى ذلك العهد قد بلغ من النضج ما يجعله وحده قديرا على إدراك الحقيقة العليا في أمر ~~الخالق جل شأنه، وأنه أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد. # في هذا الزمن الذي جاء فيه موسى وعيسى كانت علوم مصر الفرعونية وفلسفتها وتشريعها قد انتقلت ~~إلى اليونان وإلى رومية، وغزت بسلطانها وبمنطقها الأفكار، وأوحت ms540 إلى الفلسفة اليونانية وإلى ~~الأدب اليوناني خير ما فيهما. وكانت يقظة العقل ومنطقه قد نبهت الناس إلى أن الخوارق لا تنهض ~~بذاتها دليلا عقليا على شيء. وكان من أثر ذلك أن جعلت الفلسفة اليونانية من جوارها للمسيحية ~~في مصر وفلسطين والشام ما عدد مذاهب المسيحية، على ما أشرنا إليه في أثناء هذا الكتاب. وقد ~~كتب الله في سنته أن يكون منطق العقل تاج هذه الحياة الإنسانية، على ألا يكون منطقا جافيا ~~خاليا من العاطفة ومن الروح، بل على أن يكون منطقا توفيقيا، ينتظم العقل والعاطفة والروح ~~جميعا حتى يستطيع اكتناه غاية ما تستطيعه الإنسانية من أسرار الكون. وكذلك كتب الله في لوح هذا ~~الوجود أن يقوم نبي الإسلام داعيا إلى الحق بمنطق العقل تؤازره العاطفة والروح، وأن تكون معجزة ~~هذا المنطق البالغة في الكتاب الكريم الذي أوحاه إلى نبيه، به أكمل الله للناس دينهم وأتم عليهم ~~نعمته، وبه توج الرسالات وختمها. وإنما كان ذلك بعد هذا المجهود العظيم المتصل الذي قام به ~~الأنبياء والرسل ووجهوا به الإنسانية في تطورها الروحي حتى بلغت الدعوة الإسلامية إلى صفاء ~~التوحيد وإلى الإيمان بالله وحده. # ولتكمل هذه العقيدة أحيط الإيمان بها بما ذكرنا من فرائض في البحث الأول من هذه الخاتمة. ~~وليصل المؤمن إلى الذروة منها يجب أن يدأب للوقوف على سنة الله في الكون دأبا يتصل حتى يبعث ~~الله الأرض ومن عليها. وهذا ما بدأ به المسلمون في الصدر الأول وفي العصر الذي تلاه حتى آن ~~للزمن أن يدور دورته. # هذه الحجج التي قدمت تدحض ما أول به المستشرقون الجبرية الإسلامية، وما أولوا به ما ~~جاء في القرآن عن القضاء والقدر وكتاب الأجل. وهي تثبت بوجه لا يحتمل أي ريب، أن الإسلام دين ~~سعي وكفاح وجهاد في نواحي الحياة الروحية والعلمية والدينية والدنيوية جميعا، وأن الله كتب في ~~سنة الكون أن الإنسان إنما يجزى بعمله، وأنه جل شأنه لا يظلم أحدا ولكن الناس أنفسهم يظلمون، ~~وهم يظلمون أنفسهم حين يظنون أنهم يصلون إلى ms541 رضا الله بالقعود والتواكل باسم التوكل على ~~الله. # ومع أن هذه الحجج دامغة في الغرض الذي سقتها له، فإنني لا أستطيع أن أغفل حجة أخيرة أعتبرها ~~بالغة، تلك هي الحجة المستفادة من قوله تعالى: # المال والبنون ~~زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا ~~وخير أملا ~~. # 49 # فليس شيء في الحياة يحفزنا للعمل والسعي كما يحفزنا كسب الرزق وطلب المال. ففي سبيل الله ~~ينفق الأكثرون من الناس أعظم الجهد ويقومون بما يفوق الطاقة أحيانا. ونظرة يلقيها الإنسان على ~~عالمنا الحاضر تنبئ عما يهتز به هذا العالم من دأب ومشقة، ومن سلم وحرب، ومن ثورات واضطرابات، ~~في سبيل المال. في سبيله تقلب الملوكيات جمهوريات، وفي سبيله تراق الدماء وتزهق الأنفس والبنون! ~~أفلاذ أكبادنا التي تمشي على الأرض، أية مشقة لا نحتملها من أجلهم؟! وأي مر لا يحلو مذاقه ما ~~دام يؤدي إلى طمأنينتهم وإلى كفالة رخائهم ومجدهم؟! كل عسير يصبح في جانب سعادتهم يسيرا، وكل ~~صعب يصبح في سبيل رضاهم سهلا. بل إن من الناس من يستهين في سبيل المال والبنين بما يحسبه ~~مستحيلا عليه لولا المال والبنون. ومن الناس من يبالغ في ذلك ليضحي في سبيله بهناءته، بل ~~بحياته. # ومع ذلك فالمال والبنون زينة الحياة الدنيا. وليست الزينة شيئا إلى جانب الجوهر. ولا يضحي ~~بالجوهر في سبيل الزينة إلا الجهلاء والحمقى: إلا المرأة التي تستهين بصحتها لتظهر جميلة سويعة ~~أو سويعات من زمان، وإلا الشاب المغرور الذي يضحي بعقله وبكرامته وسط صحب يسخرون منه حين يحسب ~~أنه سيدهم لأنه يبعثر بينهم ماله، وإلا أمثال هؤلاء من المأفونين الذين يخدعهم المظهر عن ~~الحقيقة، واليوم عن الغد. والذين يسعون لزينة الحياة من مال وبنين وينسون ما سواهما ليسوا أقل ~~من هؤلاء أفنا وحمقا. فالمال والبنون زينة. أما جوهر الحياة فالباقيات الصالحات من أعمال ~~الخير. ولهذه الباقيات الصالحات يجب أن نبذل من السعي والجهد أكثر مما نبذل لزينة الحياة من مال ~~وبنين. # أرأيت سمو الغاية التي تصورها هذه الآية من الذكر الحكيم؟ ms542 فأنت إذا بذلت جهودك ودمك في سبيل ~~الزينة؛ وجب أن تبذل روحك وقلبك في سبيل الجوهر، ووجب أن تخضع الزينة للجوهر، ووجب لذلك أن تجعل ~~كل حياتك وكل مالك وكل بنيك مقصودا بها هذا الجوهر من الباقيات الصالحات، فهي خير عند ربك ~~ثوابا وخير أملا. # كيف انقلب الأمر في تفكير المسلمين من هذا المنطق السليم الواضح إلى اعتقادات لا تتفق معه ~~في شيء؟ أشرنا إلى ذلك لماما في البحث الأول من هذه الخاتمة حين أشرنا إلى تبدل الأمر عند ~~المسلمين بحكم الغزاة الذين توالوا على الإمبراطورية الإسلامية منذ انتهاء العهد العباسي، كما ~~أشرنا في تقديم الطبعة الثانية إلى ما كان من تبدل من الشورى في الصدر الأول إلى ذلك الملك ~~العضوض أيام الأمويين، فإلى الحق الإلهي أيام العباسيين. وندع الكلمة الآن في شيء من تفصيل ذلك ~~إلى المغفور له الأستاذ الإمام محمد عبده؛ إذ يقول في كتاب «الإسلام والنصرانية» ما نصه: # كان الإسلام دينا عربيا، ثم لحقه العلم فصار علما عربيا بعد أن كان يونانيا، ثم ~~أخطأ خليفة في السياسة فاتخذ من سعة الإسلام سبيلا إلى ما كان يظنه خيرا له. ظن أن الجيش ~~العربي قد يكون عونا لخليفة علوي؛ لأن العلويين كانوا ألصق ببيت النبي # صلى الله عليه وسلم ~~. فأراد أن ~~يتخذ له جيشا أجنبيا من الترك والديلم وغيرهم من الأمم التي ظن أنه يستعبدها بسلطانه، ~~ويصطنعها بإحسانه، فلا تساعد الخارج عليه ولا تعين طالب مكانه من الملك، وفي سعة أحكام ~~الإسلام ما يبيح له ذلك. هنالك استعجم الإسلام وانقلب عجميا. # خليفة عباسي أراد أن يصنع لنفسه ولخلفه، وبئس ما صنع بأمته ودينه. أكثر من ذلك الجند ~~الأجنبي وأقام عليه الرؤساء منه؛ فلم تكن إلا عشية أو ضحاها حتى تغلب رؤساء الجند على ~~الخلفاء واستبدوا بالسلطان دونهم وصارت الدولة في قبضتهم. ولم يكن لهم ذلك العقل الذي راضه ~~الإسلام، والقلب الذي هذبه الدين، بل جاءوا إلى الإسلام بخشونة الجهل يحملون ألوية الظلم. ~~لبسوا الإسلام على أبدانهم، ولم ينفذ منه ms543 شيء إلى وجدانهم. وكثير منهم كان يحمل إلهه معه ~~يعبده في خلوته، ويصلي مع الجماعات لتمكين سلطته. ثم عدا على الإسلام آخرون كالتتار وغيرهم ~~ومنهم من تولى أمره. أي عدو لهؤلاء أشد من العلم الذي يعرف الناس منزلتهم، ويكشف لهم ~~قبح سيرهم؟! فمالوا على العلم وصديقه الإسلام ميلتهم، أما العلم فلم يحفلوا بأهله، وقبضوا ~~عنه يد المعونة. وحملوا كثيرا من أعوانهم أن ينتظموا في سلك العلماء وأن يتسربلوا بسرابيله ~~ليعدوا من قبيله، ثم يضعوا للعامة في الدين ما يبغض إليهم العلم ويبعد بنفوسهم عن طلبه. ~~ودخلوا عليهم وهم أغرار من باب التقوى وحماية الدين. زعموا الدين ناقصا ليكملوه، أو مريضا ~~ليعللوه، أو متداعيا ليدعموه، أو يكاد أن ينقض ليقيموه. # نظروا إلى ما كانوا عليه من فخفخة الوثنية، وفي عادات من كان حولهم من الأمم النصرانية، ~~فاستعاروا من ذلك للإسلام ما هو براء منه. لكنهم نجحوا في إقناع العامة بأن في ذلك تعظيم ~~شعائره، وتفخيم أوامره. والغوغاء عون القائم، وهم يد الظالم؛ فخلقوا لنا هذه الاحتفالات، ~~وتلك الاجتماعات، وسنوا لنا من عبادة الأولياء والعلماء والمتشبهين بهم ما فرق الجماعة، ~~وأركس الناس في الضلالة، وقرروا أن المتأخر ليس له أن يقول بغير ما يقول المتقدم، وجعلوا ~~ذلك عقيدة حتى يقف الفكر وتجمد العقول. ثم بثوا أعوانهم في أطراف الممالك الإسلامية ينشرون ~~من القصص والأخبار والآراء ما يقنع العامة بأنه لا نظر لهم في الشئون العامة، وأن كل ما هو ~~من أمور الجماعة والدولة فهو مما فرض فيه النظر على الحكام دون من عداهم؛ ومن دخل في شيء ~~من ذلك من غيرهم فهو متعرض لما لا يعنيه؛ وأن ما يظهر من فساد الأعمال؛ واختلال الأحوال، ~~ليس من صنع الحكام وإنما هو تحقيق لما ورد في الأخبار من أحوال آخر الزمان، وأنه لا حيلة في ~~إصلاح حال ولا مآل، وأن الأسلم تفويض ذلك إلى الله، وما على المسلم إلا أن يقتصر على خاصة ~~نفسه. ووجدوا في ظواهر الألفاظ لبعض الأحاديث ما يعينهم على ذلك، ms544 وفي الموضوعات والضعاف ما ~~شد أزرهم في بث هذه الأوهام. وقد انتشر بين المسلمين جيش من هؤلاء المضلين، وتعاون ولاة ~~الشر على مساعدتهم في جميع الأطراف، واتخذوا من عقيدة القدر مثبطا للعزائم، وغلا للأيدي ~~عن العمل. والعامل الأقوى في حمل النفوس على قبول هذه الخرافات إنما هو السذاجة وضعف ~~البصيرة في الدين وموافقة الهوى. أمور إذا اجتمعت أهلكت. فاستتر الحق تحت ظلام الباطل، ورسخ ~~في نفوس الناس من العقائد ما يضارب أصول دينهم ويباينها على خط مستقيم، كما يقال. # هذه السياسة - سياسة الظلمة وأهل الأثرة - هي التي روجت ما أدخل على الدين مما لا ~~يعرفه، وسلبت من المسلم أملا كان يخترق به أطباق السموات، وأخلدت به إلى يأس يجاور به ~~العجماوات ... فجل ما تراه الآن مما تسميه إسلاما فهو ليس بإسلام، وإنما حفظ من أعمال ~~الإسلام صورة الصلاة والصوم والحج ومن الأقوال قليلا منها حرفت عن معانيها. ووصل الناس ~~بما عرض على دينهم من البدع والخرافات إلى الجمود الذي ذكرته وعدوه دينا. نعوذ بالله ~~منهم ومما يفترون على الله ودينه. فكل ما يعاب الآن على المسلمين ليس من الإسلام وإنما هو ~~شيء آخر سموه إسلاما. # 50 # هذه الحال التي صورها الشيخ محمد عبده أدت إلى ذيوع مبادئ متناقضة نشرها أصحابها على أنها ~~من الإسلام وأنها بعض ما أمر به الله ورسوله. من هذه المبادئ مذهب الجبرية الذي صوره ~~المتأخرون تصويرا يخالف ما جاء في القرآن. قد رأيت تصوير القرآن لهذا المذهب فيما سبق. أما ~~أولئك المتأخرون فدعوا إلى القعود والاستسلام، وقالوا: إن العيش ليس بالسعي ولا التدبير، وإنما ~~هو بالرزق والتقدير، دون أن يكون لعمل الإنسان فيه فضل. وهذه جبرية مخطئة أتاحت لبعض أهل الغرب ~~أن يتهم الإسلام بها باطلا من غير حق. ومن هذه المبادئ مذهب ازدراء المادة وعدم الأخذ منها بأي ~~نصيب. وهذا مذهب الرواقيين اليونانيين، وهو مذهب انتشر في بعض العصور عند طوائف المسلمين مع ~~مخالفته لقوله تعالى: # ولا تنس نصيبك من الدنيا ~~. ومع ~~هذه المخالفة كان ms545 لهذا المذهب أدب مترامي الأطراف في العصر العباسي وما بعده، والقرآن إنما يدعو ~~إلى قصد السبيل؛ فلا يرضى هذا الحرمان، كما أنه لا يرضى الإباحية التي زعم إيرفنج أنها غمست ~~المسلمين في الترف وصرفتهم عن الجهاد، وهوت بالأمم الإسلامية إلى حيث هي اليوم. # ويزعم الكاتب الأمريكي أن المسيحية تدعو إلى الطهر والإيثار على نقيض ما يتقوله هو على ~~الإسلام. ولست أريد أن أوازن بين الإسلام والمسيحية في هذه المسألة؛ لأنهما فيها متفقان غير ~~مختلفين. وكثيرا ما تجر الموازنة إلى جدل وتنابز لا خير للمسيحية ولا للإسلام فيه. لكني ~~ألاحظ - وأقف عند الملاحظة - أن بين سيرة عيسى - عليه السلام - وما ينسب إلى المسيحية، من دعوة ~~إلى الرواقية والإمعان في الزهد، اختلافا بينا. فلم يكن المسيح رواقيا؛ بل كانت أولى ~~معجزاته أن أحال الماء خمرا في عرس «قانا الجليل» حيث كان مدعوا، وحيث أراد ألا يحرم الناس ~~الخمر بعد نفادها. وهو لم يكن يأبى دعوة الفريسيين إلى مآدبهم الفخمة ولا كان يأبى على الناس أن ~~يستمتعوا بأنعم الله. وسيرة محمد في ذلك أشد إمعانا في قصد السبيل. صحيح أن عيسى كان يدعو ~~الأغنياء إلى البر بالفقراء ومحبتهم من غير من. والقرآن في هذا وفي الدعوة إليه أبلغ ما عرف ~~البشر. وقد تلا القارئ من ذلك عند الكلام عن الزكاة وعن الصدقة، ما يغنينا عن معاودة القول ~~فيه. # وحسبنا ردا على إيرفنج وأمثاله أن القرآن دعا إلى قصد السبيل في كل شيء. # بقيت العبارة الأخيرة من كلام إيرفنج: هذه العبارة التي يعيرنا الغرب بمثلها على حين هي عار ~~الغرب ووصمته وجرثومة القضاء على كبريائه وعلى حضارته. يقول إيرفنج: «إن بقاء الهلال حتى اليوم ~~في أوروبا، حيث كان يوما ما بالغا غاية القوة، إنما يرجع إلى اختيار الدول المسيحية الكبرى، ~~أو يرجع بالأحرى إلى تنافسها. ولعله الهلال باق ليكون دليلا جديدا على أن: «من أخذ بالسيف ~~فبالسيف يؤخذ».» ~~«من أخذ بالسيف فبالسيف يؤخذ.» هذه آية الإنجيل يوجهها إيرفنج باسم المسيحية إلى الإسلام. ~~يا عجبا! ms546 لعل لإيرفنج من العذر أنه قالها منذ قرن مضى حيث لم يكن الاستعمار الغربي في تعبيرنا ~~- المسيحي في تعبيره - قد بلغ من الشره والجشع ومن الأخذ بالسيف ما بلغ اليوم. ولكن الماريشال ~~اللنبي، الذي استولى على بيت المقدس في سنة 1918 باسم الحلفاء، قد قال مثل هذه العبارة إذ نادى ~~عند هيكل سليمان: «اليوم انتهت الحروب الصليبية.» وقال الدكتور بيترسن سميث في كتابه عن سيرة ~~المسيح: «إن هذا الاستيلاء على بيت المقدس كان حربا صليبية ثامنة أدركت المسيحية فيها غايتها.» ~~ولقد يكون من الحق أن هذا الاستيلاء لم ينجح بمجهود المسيحيين، وإنما نجح بمجهود اليهود الذين ~~سخروهم ليحققوا حلم إسرائيل القديم فيجعلوا أرض المعاد وطنا قوميا لليهود. ~~«من أخذ بالسيف فبالسيف يؤخذ.» لئن صدقت كلمة الإنجيل هذه على قوم لهي أشد ما تكون صدقا ~~اليوم على أوروبا المسيحية. أما الإسلام فلم يأخذ بالسيف، ولن يؤخذ لذلك بالسيف. وأوروبا ~~المسيحية قد أخذت بالسيف في العصر الأخير إمعانا في الإباحية والترف مما ينسبه إيرفنج باطلا ~~للإسلام والمسلمين. أوروبا المسيحية تقوم اليوم بالدور الذي قام به المغول والتتار حين اتشحوا ~~ظاهرا برداء الإسلام ثم فتحوا الممالك دون أن يبعثوا بتعاليم الإسلام فيها، فحقت عليهم وعلى ~~المسلمين الكلمة، وكان هذا التدهور والانحلال الذي أصاب الشعوب الإسلامية. وأوروبا المسيحية ~~اليوم أقل فضلا من أولئك التتار والمغول. فالممالك التي فتحها هؤلاء سرعان ما دخلت في الإسلام ~~حين رأت عظمته وبساطته. أما أوروبا فلا تغزو لتنشر عقيدة ولا لتدعو إلى حضارة. إنما هي تريد ~~استعمارا، وتريد أن تجعل من العقيدة المسيحية مطية هذا الاستعمار؛ لذلك لم تنجح الدعاية ~~التبشيرية الأوروبية لأنها دعاية غير مخلصة. وهي لم تنجح ولن تنجح في الأمم الإسلامية خاصة؛ ~~لأن عظمة الإسلام وبساطته وأخذه بحكم العقل والعلم لا تجعل لأية دعاية دينية أملا في النجاح ~~بين أبنائه. ~~«من أخذ بالسيف فبالسيف يؤخذ.» هذا حق. وهو إن انطبق على المتأخرين من المسلمين الذين غزوا ~~ليفتحوا الممالك وليستعمروا لا ليدفعوا عن أنفسهم وعن عقيدتهم، لهو ms547 اليوم أشد انطباقا على هذا ~~الغرب الذي يغزو ويفتح ليذل الشعوب ويستعمرها، فأما المسلمون الأولون من عهد النبي وخلفائه ومن ~~جاءوا بعدهم فلم يغزوا للفتح والاستعمار، وإنما غزوا دفاعا عن عقيدتهم حين هددتها قريش وحين ~~هددها العرب، ثم حين هددها الروم وهددها الفرس، وهم في هذا الغزو لم يفرضوا على أحد دينهم؛ فلا ~~إكراه في الدين. وهم في هذا الغزو لم يقصدوا إلى الاستعمار، فقد ترك النبي ملوك العرب وأمراءها ~~على إماراتهم وممالكهم؛ إنما أرادوا حرية الدعوة للعقيدة. ولما كانت العقيدة الإسلامية قوية ~~بالحق الذي تنادي به، قوية بأنها لا تجعل فضلا لعربي على عجمي إلا بالتقوى، وبأنها لا تجعل ~~لغير الله على الإنسان سلطانا، أسرعت إلى الانتشار في ربوع الأرض كلها كما تسرع كل حقيقة صادقة ~~إلى الانتشار. فلما جاء المتأخرون ممن دخلوا في الإسلام وغزوا للفتح وأخذوا بالسيف أخذوا من ~~بعد ذلك بالسيف. لكن الإسلام لم يأخذ بالسيف ولن يؤخذ بالسيف. هو لم يأخذ بالسيف شيئا قط، بل ~~استولى على العقول والقلوب والضمائر بقوة سلطانه؛ لذلك تعاقبت على أممه دول حكمتها وقهرتها ~~وتحكمت فيها، فلم يغير ذلك من إسلامها ولا غير من إيمانها. وما تزال أوروبا اليوم تحكم الشعوب ~~الإسلامية وتتحكم فيها، ولن يغير ذلك من إيمانها بالله شيئا. فأما الذين يأخذون المسلمين اليوم ~~بالسيف فمصيرهم، كي تصدق عليهم كلمة الإنجيل، أن يؤخذوا بالسيف جزاء وفاقا. # رد النبي الأمراء إلى إماراتهم والملوك إلى ممالكهم. ولقد كانت بلاد العرب في آخر عهده عصبة ~~أمم عربية إسلامية، ولم تكن فيها مستعمرة خاضعة لمكة أو ليثرب. كان العرب يومئذ جميعا سواسية ~~أمام الله في إيمانهم المتين به وكانوا جميعا يدا واحدة على من اعتدى عليهم أو حاول فتنتهم عن ~~دينهم. وظلت الأمم الإسلامية من بعد ذلك وإلى عهد الانحلال عصبة أمم إسلامية، مقر الخليفة فيها ~~هو مقر العصبة. لم تستأثر دار الخلافة بالسلطة الروحية ولا استأثرت بالعلم ونوره؛ بل كانت كل ~~الأمم الإسلامية لا تعرف سلطة روحية غير أمر الله. وكانت ms548 العواصم الإسلامية كلها عواصم للعلم ~~والفن والصناعة؛ وظل ذلك شأنها حتى تغير المسلمون للإسلام، وأنكروا مبادئه الكريمة، ونسوا ~~أخوة المؤمنين، ونسوا أن المرء لا يكمل إيمانه حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه. هنالك غلبت عليهم ~~الأثرة. # وهنالك لعبت السياسة المدمرة أدوارها فصار السيف حكما. ومن يأخذ بالسيف فبالسيف يؤخذ؛ لذلك ~~نهضت أوروبا المسيحية منذ القرن الخامس عشر الميلادي إلى حياة روحية جديدة، ربما كانت تفيد ~~العالم حقا لولا أن أسرع إليها الفساد الذي لم يكن منه بد بسبب تفرق المسيحية شيعا. على أنها ~~في فترة النهوض هذه واجهت الأمم الإسلامية التي نسيت الإسلام فأخذتها بالسيف وظلت ممعنة في ~~أخذها به، ثم جعلته بينها وبين الأمم الإسلامية حكما. ومتى حكم السيف فقل على العقل وعلى العلم ~~وعلى الخير وعلى المحبة وعلى الإيمان، بل على الإنسانية نفسها، العفاء. # وحكم السيف العالم اليوم هو سبب هذه الأزمة الروحية والنفسية التي يجتازها العالم ويئن من ~~هولها. وقد آمنت الدول التي تحكم العالم بالسيف أثناء الحرب الكبرى الماضية - أي منذ عشرين سنة ~~- بهذه الحقيقة؛ فأرادت أن تقر حكم السلام في العالم، وأقامت عصبة الأمم لتحقيق هذه الغاية. ~~وعهدة هذه العصبة تتخلص كلها في قوله تعالى: # وإن طائفتان من ~~المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على ~~الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن ~~فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب ~~المقسطين * إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين ~~أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون ~~. # 51 # لكن روح السلام لم تسد العالم بعد؛ لأن أساس الحضارة الغالبة فيه هو الاستعمار؛ الاستعمار ~~القائم على أساس القوميات وتنافسها ومحاولة كل دولة قوية استغلال الدول الضعيفة. ومن حق كل أمة ~~مغلوبة على أمرها، بل أول واجب عليها أن تعمل لتحطيم نير الغالب؛ ولذلك كان الاستعمار بذرة ~~الثورة والحرب ونواتهما. فما بقي الاستعمار فلن يكون للسلام الغلب ولن تضع الحرب أوزارها إلا ~~ظاهرا، وستظل الأمم ينظر بعضها إلى بعض نظرة التوجس والحذر، بل نظرة التربص للاغتيال. وأنى ~~يكون سلام ms549 وهذه النفسية باقية؟! إنما يكون السلام يوم يغير الناس في مختلف أمم الأرض ما ~~بأنفسهم، ويوم يؤمنون بالسلام إيمانا حقا، ويقيمون على أساسه تعاليمهم، ويجمعون أمرهم بإخلاص ~~على الوقوف في وجه كل محاول تعكير صفوه. # وإنما يكون ذلك يوم لا يكون الاستعمار أساس حضارة العالم، ويوم يرى الناس جميعا في مختلف ~~بقاع الأرض أن واجبهم الأول أن يعين قويهم ضعيفهم، وأن يرحم كبيرهم صغيرهم، وأن يهذب عالمهم ~~جاهلهم، وأن ينشروا لواء العلم في نواحي الأرض جميعا، حرصا على أن يسعد الناس به، لا على أن ~~يتخذ أداة لاستغلال الشعوب باسم العلم، وباسم الصناعة التي تستفيد من العلم. # يوم يؤمن العالم كله بهذا المبدأ، ويوم يشعر الناس جميعا بأن العالم كله وطن لهم وأنهم ~~جميعا إخوة يحب أحدهم لأخيه ما يحب لنفسه؛ يومئذ يسود بين الناس التسامح وتسود بينهم المودة، ~~ويومئذ يتخاطبون بلغة غير التي يتخاطبون اليوم بها، ويتبادلون الثقة فيما بينهم وإن بعد بينهم ~~المزار، ويعملون الخير جميعا لوجه الله؛ ويومئذ تنتفي الخصومة والبغضاء، وتعلو كلمة الحق ويسود ~~السلام الوجود كله، ويرضى الله عن الناس ويرضون عنه. # يقول تعالى: # إن الذين آمنوا والذين هادوا ~~والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا ~~فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ~~. # 52 # أرأيت في باب التسامح أفسح من هذا الأفق؟! من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم ~~أجرهم عند ربهم، لا فرق بين المؤمنين ومن لم تبلغهم دعوة الإسلام على حقيقتها من غير تشويه من ~~اليهود والنصارى والصابئين. # 53 # ويقول جل شأنه: # وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله ~~وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون ~~بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله ~~سريع الحساب ~~. # 54 # أين هذا مما يسود العالم اليوم باسم الحضارة الغربية، من تعصب للقومية وللدين وما يجره هذا ~~التعصب من حروب وكوارث؟! # هذا الروح السامي في تسامحه هو الذي يجب أن يسود العالم إذا أريد أن ms550 تستقر في العالم كلمة ~~السلام ليسعد الناس به. وهذا الروح هو الذي يجعل كل دراسة لحياة من أوحى الله هذا الكلام إليه، ~~دراسة علمية خالصة لوجه العلم وحده، جديرة بأن تجلو أمام العلم من المسائل النفسية والروحية ما ~~يهدي الإنسانية طريقها إلى الحضارة الجديدة التي تلتمسها. وكل تعمق في هذه الدراسة يكشف عن ~~أسرار كثيرة ظن الناس زمنا أن لا سبيل إلى تعليلها تعليلا علميا، ثم إذا مباحث علم النفس ~~تفسرها وتجلوها واضحة للمتعقلين. فحياة محمد - كما رأيت - حياة إنسانية بلغت من السمو غاية ما ~~يستطيع إنسان أن يبلغ، وكانت لذلك أسوة حسنة لمن هداه القدر أن يحاول بلوغ الكمال الإنساني من ~~طريق الإيمان والعمل الصالح. أي سمو في الحياة كهذا السمو الذي جعل حياة محمد قبل الرسالة مضرب ~~المثل في الصدق والكرامة والأمانة، كما كانت بعد الرسالة كلها التضحية في سبيل الله وفي سبيل ~~الحق الذي بعثه الله به، تضحية استهدفت حياته من جرائها للموت مرات، فلم يصده عنه أن أغراه ~~قومه، وهو في الذروة منهم حسبا ونسبا، بالمال وبالملك وبكل المغريات؟! # بلغت هذه الحياة الإنسانية من السمو ومن القوة ما لم تبلغه حياة غيرها، وبلغت هذا السمو في ~~نواحي الحياة جميعا. وما بالك بحياة إنسانية اتصلت بحياة الكون من أزله إلى أبده، واتصلت بخالق ~~الكون بفضل منه ومغفرة؟! ولولا هذا الاتصال، ولولا صدق محمد في تبليغ رسالة ربه، لرأينا الحياة ~~على كر الدهور تنفي مما قال شيئا. لكن ألفا وثلاثمائة وخمسين سنة انقضت وما يزال بلاغ محمد عن ~~ربه آية الحق والهدى. وبحسبنا على ذلك مثلا واحدا نضربه: ذلك ما أوحى الله إلى محمد أنه خاتم ~~الأنبياء والمرسلين. انقضت أربعة عشر قرنا لم يقل أحد خلالها إنه نبي أو إنه رسول رب العالمين ~~فصدقه الناس. قام في العالم أثناء هذه القرون رجال تسنموا ذروة العظمة في غير ناحية من نواحي ~~الحياة فلم توهب لأحدهم هبة النبوة والرسالة. ومن قبل محمد كانت النبوات تتواتر والرسل يتتابعون ~~فينذر كل قومه ms551 أنهم ضلوا ويردهم إلى الدين الحق، ولا يقول أحدهم إنه أرسل للناس كافة أو إنه ~~خاتم الأنبياء والمرسلين، أما محمد فيقولها فتصدق القرون كلامه. ما كان حديثا يفترى ولكن ~~تصديق الذي بين يديه وهدى ورحمة للعالمين. # وغاية ما أرجو أن أكون قد وفقت لما قصدت إليه من هذا البحث، وأن أكون قد مهدت به السبيل ~~إلى مباحث في موضوعه أكثر استفاضة وعمقا. ولقد بذلت من الجهد في ذلك ما وسعته طاقتي وما يسره ~~الله لي. # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت ~~وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ~~ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ~~ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا ~~وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين ~~. # 55 # | تقدير وشكر # نوهت، في آخر الطبعة الأولى لهذا الكتاب؛ بما بذله لي المغفور له محمد طلعت حرب باشا، وكان ~~يومئذ مدير بنك مصر وشركاته، من مختلف صور العون، فكان له فضل معاونتي أكبر المعاونة في الإسراع ~~إلى إصدار الكتاب وفي أن أجعل من نسخ تلك الطبعة العشرة الآلاف ألفا للجمعية الخيرية الإسلامية. ~~ونوهت كذلك بتأنق المرحوم محمود بك خاطر - مدير مطبعة مصر يومئذ - تأنقا أظهر الكتاب لقرائه في ~~خير ثوب له. وذكرت معاونة المرحوم الأستاذ عبد الرحيم محمود المصحح بدار الكتب في تصحيح الكتاب ~~وضبط الأعلام والآيات فيه، كما ذكرت ما للأساتذة الخطاطين محمد حسني، وسيد إبراهيم، والمرحوم ~~مصطفى بك غزلان من فضل في تنسيق صحفه الأولى، وما للأساتذة إبراهيم الأبياري، وعبد الحفظ شلبي ~~والشيخ أحمد عبد العليم البردوني، وعلي أحمد الشهداوي، المصححين بدار الكتب، من مجهود في وضع ~~فهارسه. وأشرت إلى الأستاذ علي فودة الذي كان عوني وعون الأستاذ عبد الرحيم محمود في التصحيح. ~~واعتذرت لسائر من عاونوني عن عدم ذكر أسمائهم مخافة أن يجني النسيان على بعضهم، وكررت الشكر ~~لهؤلاء جميعا حين صدرت الطبعة الثانية. # وقد تواتر العون منذ ظهور الطبعة الأولى إلى ms552 أن تمت الطبعة الثانية من كثيرين لا أنسى لهم ~~فضلهم. فقد تفضل الأستاذ الشيخ أحمد مصطفى المراغي - وكان يومئذ مدرسا بكلية اللغة العربية ~~بالأزهر - فراجع الكتاب في نسخته الخاصة وبعث بها إلي وعلى هوامشها بعض ملاحظات لغوية أخذت ~~بالكثير منها في الطبعة الثانية. كذلك أرسل إلي غير واحد مثل هذه الملاحظات، فأعرتها ما هي ~~جديرة به من العناية. وأرسل إلي بعض الأصدقاء مؤلفات لهم راجعتها، واستعنت بها. من ذلك كتاب ~~صديقي الفلسطيني الأستاذ إسعاف النشاشيبي «الإسلام الصحيح». ومنها كتابان للأستاذ محمد فؤاد عبد ~~الباقي، أحدهما «مفتاح كنوز السنة» الذي ترجمه عن المستشرق فنسنك ثم أكمله، والآخر «تفصيل آيات ~~القرآن الحكيم» الذي وضعه على نظام المستشرق جول لابوم. وهذا الكتاب الأخير جم الفائدة لكل من ~~أراد الرجوع إلى القرآن في مباحثه؛ فهو يجمع ما جاء في الكتاب في كل موضوع جمعا دقيقا نظامه ~~غاية الدقة. وقد رجعت فيما خلا ذلك إلى كتب أخرى أضفتها إلى سجل المراجع. # ومنذ بدأت الطبعة الثانية بمطبعة دار الكتب رأيت رجال الدار جميعا يبدون من العناية بالكتاب ~~ما لا يبدي إنسان أكثر منه لو أن الكتاب كان كتابه. كان ذلك شأن مدير الدار يومئذ الأستاذ محمد ~~«بك» أسعد براده، ومدير المطبعة الأستاذ محمد نديم، وشأن القسم الأدبي كله بدار الكتب برياسة ~~المرحوم الأستاذ أحمد زكي العدوي. وكم من مرة شاركني رجال هذا القسم الأدبي في تحقيق بعض مسائل ~~اختلفت عليها كتب الحديث وكتب السيرة، كي تصل إلى غاية ما يستطاع من الدقة والضبط! وكم من مرة ~~اشتركنا في تحقيق لفظ من الألفاظ، أو تركيب من التراكيب من حيث اللغة وعلومها، لننفي كل دخيل على ~~الكتاب ما استطعنا إلى ذلك سبيلا. والقسم الأدبي هو الذي وضع من هوامش الكتاب التنبيه إلى مواضع ~~الآيات من سور القرآن، وشرح بعض الألفاظ اللغوية التي رآها في حاجة إلى الشرح. # وقد تفضل المغفور له الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي فاطلع على ما جد في الطبعة ~~الثانية من فصول. # أما العناية ms553 بالطبع وإخراج الكتاب لقرائه على ما رأوه من دقة وتأنق فيرجع فضلها إلى الأستاذ ~~محمد نديم مدير المطبعة وإلى أعوانه من رجال الفن في الطباعة. وهم في ذلك إنما يعملون بقوله عليه ~~والسلام: «إن العبد إذا عمل عملا أحب الله أن يتقنه.» # ورأيت حقا علي، عند الطبعة الثالثة، أن أضاعف الشكر لرجال دار الكتب وللقائمين على ~~مطبعتها. فقد حالت مشاغلي دون الاشتراك في هذه الطبعة بأكثر من مراجعة التجارب الأخيرة والإذن ~~بالطبع. فأما ما خلا ذلك من وضع عناوين الصفحات ومن المزيد في دقة الضبط، فالفضل فيه لهم، ولما ~~بيني وبين رجال الدار جميعا، وعلى رأسهم مديرها يومئذ الدكتور منصور فهمي باشا من مودة ~~صادقة. # لذلك فإن كل شكر أبذله لهم وكل تقدير مني لجميلهم دون مجهودهم قدرا؛ فليتول الله جزاءهم ~~على حسن صنيعهم. وعنده جل شأنه حسن الجزاء. # واليوم، ولمناسبة هذه الطبعة الرابعة التي طبعت من جديد بمطبعة مصر، أرى حقا علي أن أشكر ~~للأستاذ يوسف بهجت مدير المطبعة، وللأستاذ محمد إبراهيم عثمان رئيسها، ولجميع رجال مطبعة مصر ما ~~بذلوا من همة وعناية، حتى خرج الكتاب في هذا الثوب القشيب من الدقة وجمال الطبع وأناقته. كما أشكر ~~للأستاذ أحمد عبد العليم البردوني معاونته الصادقة في ضبط فهرس هذه الطبعة. # وفي هذه الطبعة الخامسة يسرني أن أشكر للدكتور سيد نوفل - مدير الإدارة التشريعية بمجلس ~~الشيوخ - دقة المراجعة لتجاربها ولتجارب الطبعة الرابعة. # وأحمد الله وأرجو أن يوفقنا للخير ولحسن أداء واجبنا في الحياة. # محمد حسين هيكل ms554