######OpenITI# #META# URI: 1375MuhammadHusaynHaykal.ImanWaMacrifaWaFalsafa.Hindawi19351958 #META# Tags: philosophy #META# ID: 19351958 #META# Title: الإيمان والمعرفة والفلسفة #META# AuthorID: 73037206 #META# Author: محمد حسين هيكل #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # 1 - الدين والعلم1‏ # 2 - أوجست كومت وفلسفته1‏ # 3 - المعرفة أساس إيمان المستقبل1‏ # 4 - القدرية والجبرية أو الاختيار والاضطرار1‏ # 1 - الدين والعلم1‏ # 2 - أوجست كومت وفلسفته1‏ # 3 - المعرفة أساس إيمان المستقبل1‏ # 4 - القدرية والجبرية أو الاختيار والاضطرار1‏ # | الإيمان والمعرفة والفلسفة # | الإيمان والمعرفة والفلسفة # تأليف # الدكتور محمد حسين هيكل # الفصل الأول # | الدين والعلم1 # «... أما الدين والعلم فلم تكن بينهما خصومة ولن تكون بينهما خصومة.» # 1 ~~... فأما الخصومة بين رجال الدين ورجال العلم فخصومة قديمة؛ لأنها خصومة على الاستئثار ~~بالسلطة وبنظام الحكم، وأما الدين والعلم فلم تكن بينهما خصومة ولن تكون بينهما خصومة؛ ~~لأن الدين يقرر المثل الأعلى لقواعد الإيمان التي يجب أن يأخذ الناس بها في حياتهم، ~~والعلم يقرر الواقع في حياة الوجود ويترسم تطور الحياة في سبيل سيرها نحو ما يظنه ~~الكمال، والواجب شيء والواقع شيء آخر، والكمال الذي يدعو الدين إليه كمال مقرر القواعد ~~والأركان لا يمكن أن يتغير أو أن يتبدل، والكمال الذي يظن العلم أن الإنسانية تسير نحوه ~~كمال ظني لا يستطيع العلم رسم قواعده؛ لأن العلم يعترف بأن الإنسانية، وهي بعض قليل من ~~الوجود، خاضعة في تطورها ومورها لعوامل معروفة وأخرى ثابتة ولكنها ما تزال غير معروفة. ~~وإلى أن يكشف العلم - إن أتيح له أن يكشف يوما ما - عن هذه العوامل غير المعروفة، ~~فالكمال العلمي لا يزال ظنيا وما يزال مبهم الحدود غير مقرر القواعد والأركان. # فإذا سمعت يوما أن بين الدين والعلم خلافا أو خصومة فاقطع بادئ الرأي بأن الخلاف ~~والخصومة ليستا بين الدين والعلم، ولكنهما بين رجال الدين ورجال العلم، وأن أساسهما ليس ~~في شيء من الدين لذاته ولا من العلم لذاته، ولكنه في سعي كل من هاتين الطائفتين سعيا ~~أنانيا صرفا ليكون بيدها الحكم والسلطان دون الأخرى. # وكيف يكون خلاف بين الدين لذاته والعلم لذاته ومن بين رجال الدين علماء في العلم ~~آخذون بأساليبه من غير أن يطعن ذلك في دينهم أو يغير من عقيدتهم، ومن بين رجال العلم من ~~عمرت بالإيمان نفوسهم، وأخذوا ms001 في حياتهم بما يدعو الدين إليه من قواعد الكمال. وكيف ~~يكون خلاف بين الدين لذاته والعلم لذاته ومن رجال الدين من إذا خلوت إليه أو خلا إلى ~~نفسه رأيت الشك يملأ جوانب فؤاده فيعذبه أو يدفعه إلى السخر والاستهزاء من غير أن يخرجه ~~ذلك من زمرة رجال الدين، ومن رجال العلم من يشك في طرائق العلم وأساليبه أكبر الشك، ~~ويدعو لذلك إلى الأخذ بأساليب أخرى قد تكون إلى أساليب الدين أقرب. # ألم يكن رينان الكاتب الفرنسي الكبير من رجال الدين، ثم بلغ من خروجه على متعارف ~~قواعد الدين أن رمي بالإلحاد وأن أضافه أهل طائفته إلى رجال العلم ليحاربوه بالوسائل ~~التي يحاربون بها رجال العلم، وبرجسون الفيلسوف الفرنسي الكبير يدعو إلى عدم التقيد ~~بأساليب العلم الواقعي المقررة أن كان يراها أضيق من أن تتسع لكل الحقائق، وإلى الأخذ ~~بوحي الإلهام فيما لم يصل العلم إلى الكشف عن حقيقته. ووحي الإلهام أقرب إلى الأساليب ~~الدينية، بل هو قاعدة المذاهب الميتافيزيقية التي أنكرها العلم أشد الإنكار. وكثيرا ما ~~حارب الدينيون رجلا منهم بتهمة خروجه على الدين فلما أتى عليه الموت وتقضت شهوات ~~الحياة وفي مقدمتها شهوة الحكم والسلطان، ودخل هذا الرجل حوزة التاريخ عاد جيل جديد من ~~الدينيين فجعله من المقدسين والأولياء المقربين. بل إنك لترى رجال الدين يشتدون في ~~خصومتهم لأشد رجال العلم إيمانا لا لشيء إلا أن هؤلاء المؤمنين العلماء عرضوا لميدان ~~الدين بالبحث. وهذا ديكارت العالم الفيلسوف الفرنسي الكبير كتب في العلم خير كتبه وعلا ~~بين الناس مقامه وفضله، ولم يعرض له رجال الدين إلا حين بحث على طريقته العلمية - التي ~~تبدأ بإنكار كل شيء - في وجود الله وخلود الروح. ومع أنه انتهى إلى إثبات وجود الله ~~وخلود الروح بأدلته العلمية، فقد حظر رجال الكنيسة على الناس قراءة هذا الكتاب، بل ~~قراءة كتب الفيلسوف كلها، وكانت مباحة من قبل. كذلك كان الأمر مع روسو؛ فقد أثبت وجود ~~الله وأظهر من قوة الإيمان وفضله وجماله ما ندر أن استطاع واحد ms002 من رجال الدين أنفسهم ~~الوصول إليه؛ ولهذا قامت عليه قيامة رجال الدين فنفي من فرنسا ونفي من سويسرا والتجأ ~~إلى إنجلترا ثم تركها وظل هائما على وجهه طريدا من الكنيسة بقية حياته. هذا، وربما ~~جاز لنا أن نقرن إلى هذين الاسمين اسم عالم من علماء الإسلام هو الأستاذ الشيخ محمد ~~عبده؛ فلقد لقي في حياته من رجال الدين عنتا ورمي بالكفر والإلحاد، وهو صاحب رسالة ~~التوحيد والقوة التي لم تعدلها في عصرها قوة للذود عن حياض الإسلام والمسلمين ضد من ~~طعنوا عليه من أهل الأديان الأخرى. # ويزيدك دلالة على ما تقدم وعلى أن الخلاف ليس بين الدين والعلم، بل هو بين رجال الدين ~~ورجال العلم وأنه خلاف على السلطة ونظام الحكم قبل أن يكون خلافا على شيء آخر، ما كان ~~من الخلاف بين طوائف رجال الدين أنفسهم حين انقسامهم إلى مذاهب مختلفة. فقد بدأ الخلاف ~~بين أهل هذه المذاهب على أنه خلاف في المبادئ لذاتها، ثم سرعان ما انقلب خلافا غايته ~~السلطة والحكم، وكلمة هنري الرابع: «باريس تساوي قداسا» - يقصد أن امتلاك باريس يستحق ~~انتقاله من البروتستاتنية إلى الكثلكة - تدل على معنى كبير. وكل الفرق بين هنري الرابع ~~وغيره أن هنري الرابع كان صريحا وأن كثيرين يذهبون مذهبه لو أنهم وجدوا ما يساوي ~~ذهابهم هذا المذهب. فإذا لم يجدوه ورأوا في التعصب لرأيهم ما يساوي باريس تعصبوا لهذا ~~الرأي أيما تعصب. # الخصومة بين رجال الدين ورجال العلم إذن هي خصومة أساسها بعيد عن الدين والعلم ~~جميعا، وقاعدتها حرص كل طائفة على الاستئثار بالسلطة ونظام الحكم. وكلما تغلبت طائفة ~~من الطائفتين على الأخرى قام منها رجال السياسة وأولياء الأمر في الدولة. ألم يكن ~~ريشليو كبير وزراء فرنسا كاردينالا من أكابر الكرادلة. لكن مجده على التاريخ ليس مجدا ~~دينيا بل هو مجد سياسي؛ لأن رجال الدين كانت لهم الغلبة على رجال العلم في عصره، فآلت ~~إليهم شئون الدولة وقام أذكياؤهم وذوو الدراية والدربة في الشئون العامة منهم بالتقدم ~~إلى مصاف الحكم. لكن ms003 هؤلاء كانوا يتبادلون المعاونة مع أهل طائفتهم من رجال الدين. ~~فكانوا يعينونهم على الحياة ومرافقها وييسرون لهم أسباب العيش فيها بما في يدهم من ~~سلطان يسمح لهم بالتحكم في خزانة الدولة. وكانوا يستعينون بما لأهل طائفتهم من رجال ~~الدين من سلطان على المجموع وحكم على عقائده وعلى أعماله. # ولم تنج دولة من الدول ولم ينج عصر من العصور من هذا الصراع الطائفي. وهو طائفي ~~محتوم؛ لأن رجل الدين ليس في الواقع رجل دين باختياره، ورجل العلم ليس في الواقع رجل ~~علم باختياره، بل كل واحد منهم له هذه الصفة بالنشأة التي نشأها والبيئة التي تربى فيها ~~وبالطائفة التي يسرته الحياة ليكون أحد أفرادها؛ فهو في خصومته غير مختار بأكثر مما ~~يختار الجندي المدافع عن وطنه، هذا الجندي يستحمس ويستميت لا لأن له في ذلك مصلحة ~~ذاتية، ولكنه يعلم أو يشعر شعورا لا سبيل فيه لريب أو شك أن هزيمة بلاده تخضعه لألوان ~~من الذل يقاسيها بالاشتراك مع أهل بلاده جميعا، كذلك رجل الطائفة يسير وطائفته جنبا ~~لجنب لمثل هذا السبب. والذي يخرج على طائفته متأثرا بعقيدة خاصة أو رأي شخصي مثله مثل ~~الذين لا ينخرطون في سلك الجندية، ولو اعتبروا فارين وأعدموا لاعتقادهم بأن الحرب إثم ~~وحشي لا يجوز لإنسان أن يقدم على اقترافه ولو تحمل في سبيل ذلك ما تحمل من ~~النتائج. # ولم يكن فوز طائفة رجال الدين بالحكم، ولا كان فوز طائفة رجال العلم راجعا إلى الدين ~~لذاته أو إلى العلم لذاته، بل كان راجعا أبدا إلى اعتقاد المجموع بصلاح واحدة من ~~الطائفتين دون الأخرى لولاية شئون الدولة. واعتقاد المجموع بالصلاح لولاية شئون الدولة ~~يرجع إلى اعتبارات عملية لا دخل للدين ولا للعلم فيها، وإنما الدخل لقوام الخلق وحسن ~~البصر بالأمور وبعد النظر ودقة معرفة حاجات الدولة في الفترة التي يحكم المجموع فيها، ~~سواء ما تعلق من هذه الحاجات بحكم الدولة في شئونها الداخلية وما تعلق بصلاتها بسواها ~~من الدول. # ولقد قضت العصور الحديثة منذ قرون ثلاثة في ms004 أوروبا أن يتغلب رجال العلم على رجال ~~الدين شيئا فشيئا، حتى كان ما كان من فصل الكنيسة عن الحكومة في فرنسا في العهد ~~الأخير الذي سبق الحرب الكبرى. وإنما تغلبت طائفة رجال العلم أن نشأ المخترعون ~~والاقتصاديون. وهؤلاء وأولئك جعلوا الناس أكثر حرصا على حياة أكثر رفها ونعمة. وقد ~~تقدمت الاختراعات على يد رجال العلم إلى حد أيقن الناس معه أن رجال الدين - على حاجة ~~الناس إليهم لهدايتهم في سبيل الله - أقل صلاحا للحكم وتنظيم شئون الدنيا من رجال ~~العلم. وامتد هذا الاعتقاد وساد أوروبا كلها وانتقل مع الغزاة والمستعمرين الأوروبيين ~~إلى أمم الشرق، وهو اليوم قد تغلغل في هذه الأمم حتى أصبح من البدهيات المسلم بها عند ~~الناس جميعا، أن خير ما يجب أن يتحلى به رجل الدين الورع والزهد في الدنيا وزخرفها، ~~والتقرب إلى الله للعبادة والانقطاع له بدرس الدين من غير تعرض لشئون الدولة ولا لنظام ~~الحكم فيها. # وهذه تركيا مثل قوي من أمثلة انقضاء سلطة رجال الدين في أمور الحكم وذهابها إلى غير ~~عودة. ومصر من زمن بعيد تقف سلطة رجال الدين فيما يختص بالحكم ونظامه في حدود ضيقة، وإن ~~بقي لهم مقامهم واحترامهم الديني. وكلما ازداد الغرب والشرق اشتباكا، شعر الناس بأن ~~العلم وما يكشف عنه من مخترعات جديدة وما يضعه من نظم اقتصادية وقواعد للعيش، وهو ~~القدير على أن يهبهم من نعم الحياة جديدا وأن يرفع عنهم من بؤسها ما رزحوا تحت أعبائه ~~سنين طويلة، إذن فسيبقى السلطان ونظام الحكم في يد رجال العلم. وستبقى الخصومة بينهم ~~وبين رجال الدين قائمة. ولكن من شأن هذه الخصومة أن تكمن إذا قويت إحدى الطائفتين قوة ~~تضطر الثانية للإذعان والخضوع، وأن تظهر إذا بدت للطائفة الضعيفة بارقة أمل من ~~قوة. # وليس محققا أن تبقى السلطة أبدا لرجال العلم. فقد يأتي زمن يكون العلم فيه قد أنتج ~~كل ما يستطيع إنتاجه، فأصبح العلماء مجرد حفاظ للميراث الذي خلفه أسلافهم وعقموا عن أن ~~يبدعوا جديدا. صحيح أن رجال العلم ms005 لا يقرون اليوم بهذا، إذ يذهبون إلى أن العلم يمتد ~~سلطانه إلى كل ناحية من نواحي الحياة، وقد تكون دعواهم هذه صحيحة، لكنها قد تكون ~~مبالغا فيها كذلك، فمن قبلهم قال الميتافيزيقيون: إن الميتافيزيقا تحل كل ما في الحياة ~~من رموز وتصل إلى ما فيها من حقيقة. ومن قبل هؤلاء قال المتكلمون (التيولوجيون) مثل ~~قولهم. واليوم يقوم جماعة الروحانيين وأضرابهم يقولون: بتفسير ما في الحياة على طريقة ~~غير الطرائق العلمية المقررة. ولئن كان هؤلاء الروحانيون يتمسحون بالعلم وبطرائقه اليوم ~~فقد تمسح العلماء من قبل بالميتافيزيقا وبالدين. فلما اطمأن العلماء إلى شيء من القوة ~~نادوا باستقلالهم التام وأعلنوا طرائقهم الخاصة. # فإذا شعر الروحانيون وأضرابهم يوما بعقم العلم وبجمود العلماء واقتصارهم على ~~المحافظة على القديم وعدم اجتهادهم لإحداث جديد، وإذا شعروا يوما بأن الناس قد أترعوا ~~بآثار العلم فتاقت نفوسهم إلى جدة روحية أو نفسانية لا يستطيع العلماء في جمودهم ~~تقديمها لهم - إذا شعر هؤلاء يوما ما بهذا - وقد يأتي هذا اليوم أو لا يأتي - فقد يعلن ~~هؤلاء الروحانيون وأضرابهم استقلالهم عن العلم وطرائقه، وقد يتقدمون للناس يطلبون الثقة ~~بهم وإيلاءهم الحكم ليتمكنوا من تقديم الغذاء الروحي الطامحة نفوسهم له. ويومئذ تقوم ~~خصومة جديدة بين طائفة العلماء وطائفة الروحانيين وأضرابهم على السلطة والاستئثار بنظام ~~الحكم، كالخصومة التي كانت وما تزال قائمة بين رجال العلم ورجال الدين. # على أن هذا اليوم الذي يجمد فيه العلم ما يزال في رأي الأكثرين بعيدا. ولئن كانت بعض ~~النزعات تقوم في الغرب لمحاربة القواعد الواقعية، فإن هذه القواعد ما تزال خصيبة في ~~الإنتاج، وما تزال طوائف العلماء المختلفة تتجاذب كل منها الحكم إليها كما كان يتجاذبها ~~أصحاب المذاهب المختلفة في الدين. وهذه المذاهب الاشتراكية والشيوعية التي تحارب المذهب ~~الفردي في الاقتصاد ما تزال بعيدة عن أن تحقق أيا من الأسس التي قامت لتحقيقها. وما ~~تزال غزوات العلم في الشرق في أول عهدها. وما يزال الأمل واسعا في أن يحقق العلم في ~~الشرق من الرفاهية والنعمة والسعادة ما ms006 يمكن لحكمه زمنا طويلا. # وسواء لدينا أكان الحكم لهؤلاء أم أولئك من أهل الطوائف المختلفة، فنحن لا نملك من ~~أمر ذلك شيئا. وكما أن الأصلح للبقاء بين الأفراد هو الذي يبقى، كذلك فإن الأصلح من ~~الطوائف للحكم هو الذي يحكم. وكما أن النزاع بين الأفراد كان ولن يزال، كذلك فالنزاع ~~بين الطوائف كان ولن يزال. وما دام العلم في تطور دائم فالنضال سيكون قاعدة هذا التطور. ~~وإن أمكن أن يتطور النضال نفسه فيصبح سلميا بعد أن كان دمويا. لكن الأمر الذي لا ~~نزاع فيه، والذي عرضنا من أجله لهذا البحث، هو أن الخصومة لم تكن يوما بين الدين ~~والعلم وإنما كانت وستكون بين رجال الدين ورجال العلم، وسيكون أساسها وقاعدتها ~~الاستئثار بالسلطة ونظام الحكم. # 2 # ما الدين وما العلم وما تعريف كل منهما تعريفا جامعا مانعا؟ # الإسلام على خلاف سائر الأديان يتناول أمور الدين وأمور الدنيا ويحض على طلب العلم؛ ~~فالعلماء عند المسلمين هم رجال الدين. # أساس العلم التطور والتجديد؛ ولذلك لا يمكن أن يقفل فيه باب الاجتهاد أو أن يجمد ~~رجاله؛ ومن ثم سيسد أبدا حاجات البشر. # هذه وأمثالها هي المسائل والردود التي أدى إليها مقالنا عن الدين والعلم ورجال الدين ~~ورجال العلم، وقد دلت هذه المسائل والردود على صدق نظريتنا من أن الدين والعلم لا خلاف ~~بينهما؛ لأن لكل منهما ميدانا غير ميدان الآخر؛ وأن الخلاف منحصر بين رجال الدين ورجال ~~العلم على الاستئثار بالسلطة وبنظام الحكم. وقد تظهر المسألة الأولى، مسألة تعريف الدين ~~والعلم، بريئة من الدخول في خصومة ما بين رجال الدين ورجال العلم لو أنها طرحت للبحث ~~النظري ليس غير. لكنها وردت على لسان أقوام ظاهر من بقية عبارتهم اشتراكهم في الخصومة. ~~ففقدت بذلك طهرها وبراءتها أن شابها الغرض وأدت إليها الخصومة. # ونحن لم نعرض للمسألة في مقالنا الماضي؛ لنثير الخصومة بين رجال الدين ورجال العلم، ~~ولكن لننفي الخصومة بين الدين والعلم ولنثبت أن ما يحسبه البعض خصومة بينهما ليس هو في ~~الواقع إلا خصومة ms007 بين الرجال الذين ينتسبون لكل منهما، وأنها خصومة غايتها التسلط ~~والحكم قبل أن تكون لها أية غاية أخرى. ونفي الخصومة بين الدين والعلم قد يحتاج إلى بعض ~~إيضاح للمسائل التي ناقش بها بعضهم رأينا. ونعتقد اعتقادا لا ريب فيه أن الذين باحثونا ~~أو أرادوا مباحثتنا سينتهون إلى الاتفاق معنا اتفاقا تاما وسيسلمون، سواء أكانوا من ~~رجال الدين أم من رجال العلم، بأن الخصومة بينهم خصومة مادية محضة، العلم لذاته منها ~~بريء، والدين لذاته منها بريء. # وأول ما نتقدم به للتدليل على رأينا الجواب عن سؤال السائل: ما العلم؟ وما الدين؟ ولا ~~نريد منذ الآن أن نضع ما يسمونه تعريفا جامعا مانعا لكل منهما؛ لأن التعاريف كثيرا ~~ما تجني على البحث الذي يؤدي إلى تصوير حقيقة واقعة من الوقائع، والدين والعلم واقعتان ~~تاريخيتان في حياة الإنسانية. كما أن التعاريف كثيرا ما تؤدي إلى مناقشات جدلية لا ~~طائل تحتها ولا نتيجة لها إلا زيادة التشعيب في المسائل التي يتناولها البحث تشعيبا لا ~~ضرورة له، وكل أثره أن ييسر السبيل إلى الضلال. # على أنا نبادر من الآن لنقول: إنا لم نقصد بالعلم مجرد المعرفة، وإنما قصدنا به العلم ~~الوضعي أو الواقعي كما يسمونه # Science Positive # ولم ~~نقصد بالدين ديانة خاصة، بل قصدنا الأديان جميعا من غير تفريق بينها. ولو أنا قصدنا ~~بالعلم مجرد المعرفة لكان الدين علما في رأي الوضعيين الذين ينظرون إليه كواقعة ~~اجتماعية تاريخية؛ ولكان العلم بعض آثار الدين الذي أحاط بكل شيء علما. # ولا ريب في أن العلم قديم؛ لأن أبسط المعارف هي أولى درجات العلم، فمنذ رأى الإنسان ~~الأول مشرق الشمس ومغربها، ومنذ رأى المغرب والمشرق يتكرران كل يوم فعرف أن هذا بعض ~~نواميس الوجود وإن لم يدرك سره، ومنذ رأى النجوم ولاحظ ثبات بعضها في اتجاه معين فاتخذ ~~منه هاديا في مسراه - من ذلك الحين كانت هذه المعارف الأولى؛ وما تزال؛ نواة العلم. ~~وعلى توالي الأجيال تكاثرت وتداولت هذه المعارف التي تقع تحت الحس، والتي استنبط ~~الإنسان منها ms008 نظام حياته بين الموجودات الكثيرة المختلفة التي تقع تحت حسه وملاحظته. ~~وبتكاثرها وتداولها استطاع الإنسان التقريب بينها ومقارنتها واستنباط قوانين الوجود ~~وسننه منها، واستطاع أن يستفيد بعلمه هذه القوانين والسنن ما يزيده سلطانا على الوجود ~~وتحكما فيه واستمتاعا به. # والدين قديم أيضا. فمذ رأى الإنسان الأول مشرق الشمس ومغربها وسبح النجوم في أفلاكها # لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا ~~الليل سابق النهار ~~، ومنذ رأى نظام هذا الكون العظيم نظاما ~~عجيبا يعجز عقله الضعيف، وعلمه المحدود عن إدراك كنهه أو تفسيره، من ذلك اليوم آمن بأن ~~هذا الكون المملوء بالمخاوف والآمال، والذي ينتهي هو فيه إلى الموت قبل أن يحيط بكثير ~~من أمره خبرا؛ لا بد لوجوده ولتدبيره من قوة أعظم من الكون ومن كل ما فيه أضعافا ~~مضاعفة، وبأن هذه القوة الخالقة المدبرة لا تحيط بها الأفهام ولا تدرك كنهها ~~العقول. # العلم والدين - الوقائع التي تقع تحت الحس وتحيط بها الملاحظة، والإيمان الذي ينبعث ~~إلى النفس حين مشاهدتها عظمة الكون ونظامه بأن لا بد لوجود الكون وتدبيره من قوة لا ~~حدود لقوتها - العلم والدين قديمان، إذن متجاوران في النفس الإنسانية منذ الأزل ~~الإنساني. وسيظلان متجاورين فيها ما بقي في الكون غيب لا بد للإنسان معه الالتجاء إلى ~~الإلهام حين تفسير الوجود. والإنسانية حريصة على تفسير الوجود؛ لأنها حريصة على أن ~~تطمئن لمكانها منه ومستقبلها فيه. # ولما كانت المشاهدات الإنسانية، سواء منها ما أحاط به الحس وحدده وما أحاط به وعجز عن ~~تحديده؛ هي مصدر العلم ومبعث الإيمان. ولما كانت هذه المشاهدات في بداية أمرها قليلة ~~محدودة يسهل على عقل الرجل أن يدركها جميعا - فقد نشأ من تجاور العلم والدين في النفس ~~الإنسانية ما يكاد يكون تضامنا بل تمازجا؛ فالمعلومات التي تقع تحت الحس تقاس إليها ~~المعلومات التي لا يحيط بها الحس إحاطة كافية، وينهض الكل دليلا ملموسا على ما هدى ~~إليه الإلهام، والإلهام يفسر ما تعجز الحواس عن تحديده تفسيرا يكفل للإنسان الهوى في ~~حياته. وكذلك تضامن الشعور ms009 والإدراك، القلب والعقل، والإيمان والعلم، في وضع سنن الحياة ~~الإنسانية التي تكفل سعادة الإنسان في الحياة وبعد الموت. # وكان هذا التعاون والتضامن في أول الأمر تعاونا وتضامنا بين قوتين غير متكافئتين. ~~فإن علم الإنسان المحدود ومعارفه القليلة كانا ضئيلي الفائدة جدا إلى جانب ما يفيده ~~إيمانه في الحياة من قوة على الحياة، فلم يكونا ليدفعا عنه غائلة المعتدي ولا ثوران ~~الطبيعة، ولا كانا يؤديان إليه من نعمة الحياة المادية أكثر مما تهديه إليه سجيته ~~الفطرية. أما الإيمان فكان يحل له - فيما يظن - كل العقد ويبلغه كل الغايات ويرشده إلى ~~الوسيلة إليها. والجماعات تخضع في نظام حكمها لطريقة التفكير التي تهديها السبيل لتحقيق ~~غاياتها ومآربها؛ لذلك خضعت للإيمان الصادر عن الإلهام وأسلمت رجال الدين ولاية ~~الأمر. # ولما كانت الإنسانية بحاجة مع ذلك إلى الاستفادة من علمها المحدود ومعارفها القليلة، ~~فقد كانت معارف الحس بعض ما انصب عليه الإيمان الملهم وسلكه في نظامه. وبهذا التطابق ~~سارت الإنسانية قرونا طويلة يحس المجموع فيها السكينة إلى العيش والطمأنينة إلى الحياة ~~وإلى الموت وإلى ما بعدهما. # في هذه القرون الطويلة أسلمت الإنسانية قيادها إلى أولئك الدعاة الصالحين الذين هدوها ~~سبل الخير، وكان العلماء بعض طوائف هذه الإنسانية السعيدة. وقد أسلموا هم الآخرين ~~القياد إلى الهداة؛ لأن علمهم كان أقصر من أن يقدم للإنسانية غذاء ماديا كافيا أو ~~غذاء قلبيا كافيا أو غذاء روحيا كافيا، لكنه كان مع ذلك نواة العلم الوضعي أو ~~العلم الواقعي الذي أنتج اليوم من الثمرات أغزرها مادة وأقواها سلطانا. ~~••• # وفيما كان رجال العلم - وأقصد العلم الواقعي - قانعين دائما بحظهم هذا، راضين ~~بقناعتهم أو كارهين لها، قائمين في خدمة السلطان، دائبين على طرائقهم في البحث في هذا ~~الكون وأسراره وسننه، يؤمن منهم من يهدي الله قلبه إلى الإيمان، ويداخل منهم من يداخله ~~الشك في هذا الهدى إن وجد فيه ما لا يقبله عقله ولا يطمئن إليه تفكيره، ثم يعلن شكه وإن ~~تعرض من أجل ذلك إلى ضروب القسوة وألوان العذاب - في هذه ms010 الأثناء، وكانت هذه الأثناء ~~أجيالا وعصورا وقرونا ترجع إلى القدم هي الأخرى، قام جماعة التجريديين ~~(الميتافيزيقيين) وسطا، أو بالأخرى صلة، بين الطرفين. والذي يستطيع أن يتوسط أو أن يصل ~~بين الإيمان بالوحي وتقرير الواقع هو العقل؛ لذلك كان العقل المحض هو أداة التجريديين ~~للوصول إلى ما سموه الحقيقة المطلقة. فما أقره العقل ولو أعوزه الدليل المحسوس كان ~~حقا، وما نفاه العقل ولو أيده الوحي كان مفتقرا للدليل كي يثبت. وواسطة العقل في ~~التدليل المنطق؛ ولذا كان المنطق من أقدم العلوم الإنسانية، أو الفنون الإنسانية إن شاء ~~العلماء الواقعيون. # وكثيرون من التجريديين كانوا مؤمنين إيمانا صادقا، وعليهم وعلى أدواتهم في البحث ~~والتدليل اعتمد رجال الدين أزمانا طويلة. على أن من هؤلاء التجريديين من كانوا كذلك ~~ملحدين إلحادا صريحا، ومنهم من كانوا يؤمنون بأن في العلم مادة حياته ووجوده، كما ~~يؤمن المؤمنون بأن الله خلق العالم في ستة أيام ثم استوى على العرش. وقد قوي سلطان ~~التجريديين بعد أن تعددت الأديان واتخذ بعضهم من تعددها وسيلة للمقارنة بينها والتشكيك ~~فيها. ومن هؤلاء التجريديين (الميتافيزيقيين) من كان يؤيد دينا بعينه، ومنهم من كان ~~يؤيد الإيمان بالله وبالروح وخلودها وبالبعث والحساب. وأنت واجد من هؤلاء التجريديين - ~~أو الفلاسفة كما كانوا يدعون - عددا غير قليل إلى جانب كل دين يؤيده ويعززه. فثم ~~فلاسفة إسلاميون وفلاسفة مسيحيون وفلاسفة إسرائيليون وفلاسفة غير هؤلاء يؤيد كل منهم ~~الدين بحجة العقل المحض. وأنت واجد كذلك من الفلاسفة عددا غير قليل يؤيد الإيمان ~~لذاته، يثبت الله والروح والبعث، ثم يداخله الشك في الأديان على أنها منزلة من عند ~~الله، وإن كان يعترف لأصحابها بكل عظمة وسمو وتفوق، ويراها ظاهرات اجتماعية آمن الناس ~~بها؛ لأن قلوبهم في حاجة إلى الإيمان؛ ولأن موضع الإيمان من نفوسهم لا يمكن أن يبقى ~~خلاء لا يملؤه شيء. # وقد ازداد التجريديون - أو الفلاسفة إن شئت - شوكة في أوروبا بعد عهد الإصلاح وتضاعفت ~~قوتهم، وقويت شوكتهم بعد انقسام المسيحيين إلى كثالكة وبروتستانت وأرثوذكس وما جاور هذه ~~من ms011 المذاهب الأخرى. ذلك بأن أهل هذه المذاهب بدءوا يتناحرون ويهدم بعضهم بعضا. وكان ~~مما يطعن به بعضهم على بعض أن مذهبا من المذاهب لا يسلم به العقل. خذ مثلا المسألة ~~الجوهرية التي قام عليها النزاع بين لوثر وخصومه والتي أدت إلى الانقسام: مسألة حق ~~الغفران وبيع براءاته. فهل يسلم العقل أو لا يسلم بأن لرجال الدين أن يغفروا ذنوب ~~غيرهم؟ وامتد النزاع إلى غير هذه من المسائل فتقدم التجريديون كل ينصر جانبا بحجة ~~العقل المحض ومنطقه. وأدت هذه النهضة في الفلسفة إلى تقدم في التفكير وإلى سعي في ~~استنباط الأدلة من الواقع المحسوس، فإلى تقدم في العلم الوضعي الذي كان إلى ذلك الحين ~~ما يزال في خدمة الدين والفلسفة، وكان أصحابه ما يزالون طائفة ضعيفة الحول والسلطان. ~~وشجعت هذه النهضة قوما على الإنكار والإلحاد وعلى التبرم بكل هذه المضاربات النظرية ~~التي يصوغها منطق العقل حججا وبراهين، بل قواعد ومذاهب، والتي لا تستقيم ولا تقوى على ~~الوقوف إلا ريثما يهدمها منطق العقل بحجج وبراهين مثلها. وقام النزاع بين التجريديين ~~(الفلاسفة) حادا قويا. هذا يثبت وذاك ينفي، هذا يقيم مذهبا وذاك ينقضه. وبقي رجال ~~الدين بعيدين عن المعركة لا يشتركون فيها اشتراكا يلفت إليهم النظر أو يستهوي إليهم ~~الأفئدة، ولا يقومون فيها بعمل أكثر من إصدار القرارات والأحكام ضد الفلاسفة الذين ~~يعتقدونهم لهم خصوما. # واتجه الناس إلى الفلاسفة؛ لأنهم رأوا طريقة تفكيرهم أقرب إلى هداهم في سبيل الحياة ~~لتحقيق مآربهم منها. ومعنى هذا الاتجاه أنهم أسلموهم قياد الحكم. ورأى رجال الدين ذلك ~~فعز عليهم أن يفلت الحكم من يدهم. لكن استبقاء الحكم لم يكن أمرا ميسورا لهم بعد الذي ~~كان من جمودهم وعجزهم عن أن يقدموا للإنسانية غذاء جديدا. فقاموا بحركة دوران لا تخلو ~~من مهارة. ذلك أنهم رأوا بين التجريديين مؤمنين بالدين حريصين على تأييده. ورأوا الملوك ~~أكثر إلى هؤلاء الفلاسفة المؤمنين ميلا فانضموا إليهم وأيدوهم واثقين من أن اشتراكهم ~~وإياهم في الإيمان يستبقي لهم شيئا من السلطة غير قليل، وما ms012 داموا لم يستطيعوا ~~الاستئثار بها جميعا فبعض الشر أهون من بعض. وفي مقامهم هذا وجهوا كل قوتهم لمحاربة ~~الفلاسفة الذين لا ينصرون الدين المسيحي. وكانت حربهم المؤمنين من هؤلاء الفلاسفة الذين ~~يقفون عند تأييد الإيمان بالله والروح والبعث من غير أن يؤيدوا الدين أشد من حربهم ~~الفلاسفة الملحدين. ذلك بأن هؤلاء الفلاسفة كانوا يحاربون من القواعد التي وضعها رجال ~~الدين وجعلوها من الدين ما لا يثبت أمام العقل، وكانوا في نفس الوقت يؤيدون الإيمان ~~الذي لا غنى للمجموع عنه. وهذه الطريقة أشد خطرا على سلطة رجال الدين من طريقة ~~الملحدين؛ لأن الملحدين يهدمون الإيمان الثابت ولا يقيمون بناء غيره يحل محله؛ فهم بذلك ~~بعيدون عن أن ينالوا تأييد المجموع، بعيدون عن أن يصلوا لثقة المجموع بهم كي يحكموه، ~~وطبيعي وهذه هي الحال أن يوجه رجال الدين قوتهم لمقاتلة أمثال ديكارت وروسو وغيرهم من ~~المؤمنين الذين ينافسون المتدينين في الوصول إلى تأييد المجموع إياهم وحكمهم إياه. وكيف ~~لا يجزع الدينيون من المؤمنين، وقد حاول غير واحد من هؤلاء المؤمنين أمثال روسو أن يقيم ~~دينا جديدا يحله محل الأديان المقررة. # على أن وصول الفلاسفة المتدينين للحكم دفع طبقة الفلاسفة كلها للصف الأول من طوائف ~~الجمعية. ولم يكن من تأييد رجال الدين الفلاسفة المتدينين إلا أن زادت المعركة بين ~~الفلاسفة أوارا وشدة، وفي سبيل النصر فضح الفلاسفة المؤمنون والفلاسفة الملحدون جميعا ~~مخازي الكثيرين من رجال الدين، وأظهروا المجموع على شره هؤلاء وشهواتهم وحبهم المال، ~~وتهالكهم على الملاذ وحرمانهم المجموع من كثير من أسباب نعمته وسعادته. وفي هذه ~~الأثناء كلها كان العلم يزداد انتشارا ورجاله قوة، ويفكرون في الوسيلة لإسعاد المجموع ~~من طريقه. ~~••• # لم تكن المباحث العلمية إلى ذلك الحين بعيدة عن المباحث التجريدية (الفلسفية)، ولم ~~يكن العلم ورجاله طائفة محددة تأبى الخضوع لغيرها والفناء فيه. بل كانت العلوم الوضعية ~~التي استقلت فيما بعد وأصبحت جزءا من مجموع الفلسفة الوضعية - ولا نقول: الديانة ~~الوضعية أو ديانة الإنسانية كما قال أوجست كومت؛ لأن أحدا لم ms013 يؤمن بهذه الديانة - كانت ~~العلوم الوضعية في خدمة التجريد بعد أن كانت قبل ذلك في خدمة اللاهوت (أو الكلام أو ~~الثيولوجيا ). لكن هذه العلوم بدأت منذ القرن السادس عشر تستقل بنفسها استقلالا صحيحا. ~~وقد عاونها على هذا الاستقلال أن غزرت مادتها، واتسع مدى بحثها فاستطاعت أن تتوقع إخضاع ~~المعارف كلها لطريقتها: طريقة الملاحظة والمقارنة والاستنتاج لمعرفة سنن الكون الثابتة ~~بالدليل المحسوس، والتي لا سبيل فيها إلى خلاف أو جدل. على أن فروعا من المعارف كانت ~~إلى ذلك الحين - وما يزال بعضها إلى اليوم - أقرب إلى الفنون منها إلى العلوم، وإن كانت ~~كفنون أقرب إلى العلوم منها إلى التجريد (الميتافيزيقا)؛ لأن موضوعاتها مما يمكن تصور ~~وقوعه تحت الملاحظة. # هذه الفروع من المعارف هي الخاصة بالإنسان وبالجماعة الإنسانية، كالمباحث النفسية ~~وكالاقتصاد السياسي وكالاجتماعيات. ~~(ولست بحاجة إلى أن أبين هنا الفرق بين الفنون في هذا السبيل من البحث والمعلومات ~~الفنية والفنون الجميلة، فهو فرق يعرفه كل من درس المبادئ الأولية في البحث ~~العلمي). # قضى حسن الطالع أن يقرر الاقتصاد السياسي نظرية تقسيم العمل والتخصص فيه. وإن كانت ~~هذه النظرية مقصورة في أول أمرها على الأعمال المادية عموما وعلى العمل الصناعي ~~خصوصا. فلما انفرج أمام العلم وأمام العقل أفق البحث والنظر تسربت النظرية الاقتصادية ~~إلى ميادين العمل العلمي والعمل العقلي، وترتب عل ذلك أن تخصص كل عالم وكل مفكر لما ~~يسر له. فترتبت على ذلك نتيجته الطبيعية وازداد إنتاج البحوث العلمية والعقلية ~~ازديادا عظيما، وجاء الوقت الذي قضى بتقسيمها وتقديم الصالح للجماعة ونظامها وحكمها ~~على ما هو أقل منه صلاحا، وعلى ما لا يحتاج إليه الإنسان إلا لرياضة عقله ورياضة ~~نفسه. # وسنحت فرصة هذا التقسيم على أثر الثورة الفرنسية. فقد جاءت هذه الثورة في وقت بلغ فيه ~~النضال بين التجريديين من متدينين ومؤمنين وملاحدة أشده، ووقف فيه رجال الدين وراء ~~التجريديين المؤمنين ينصرونهم بالطعن على عقيدة خصومهم، ووقف هؤلاء الخصوم يظهرون الناس ~~على ما خفي من فضائح رجال الدين ومخازيهم، ويدلونهم على أن أولئك ms014 الذين يتظاهرون بالورع ~~والتقوى وبالزهد في الدنيا، وباطل زخرفها وغرور متاعها أكثر الناس رذائل وخطايا، ~~وأحرصهم على اكتناز الأموال وإن أظهروا التعفف عنها، ويشيرون لهم باليد واللسان إلى ~~انكداس الأموال المرصودة على الكنائس والتي يتخذها رجال الدين وسيلة إلى لذتهم وإلى ~~إفساد الضمائر والذمم، ويطلعونهم من الأمور على ما يؤكدون معه أن القلنسوة والطيلسان لا ~~يستران إلا نفاقا وكذبا وإلا ذمما خربة، ونفوسا خاوية من كل فضيلة وضمائر معروضة ~~للبيع عرض السلع. وقضى الحظ أن يكون صاحب إنجيل الثورة الفرنسية السياسي جان جاك روسو ... ~~وروسو كان مؤمنا أشد الإيمان، ولكنه كان مع احترامه التام لأصحاب الأديان، يعتبرهم ~~عظماء هدوا العالم في عصورهم على النحو الذي كان يمكن هداية الناس من طريقه، كما كان ~~خصما لرجال الدين في عصره لدودا. وكان له إلى جانب تعاليمه السياسية الحرة التي اهتدى ~~الناس بها إبان الثورة نظرية في الدين جديدة هي نظرية الديانة الطبيعية التي تقف عند ~~الإيمان بالله وبالروح وباليوم الآخر، وتذر لصاحب السيادة في الدولة تدبير طقوس هذه ~~الديانة كما تذر له تدبير شئون الدولة السياسية، وفي طبائع المجاميع إذا وثقوا بزعيم أن ~~يتبعوه في كل أفكاره؛ لذلك كانت سياسة روسو وديانته الطبيعية التي وضعها ونظرياته في ~~التربية وآراؤه في الحرية تطبق إبان الثورة الفرنسية في أوسع دائرة ممكنة. على أن أمد ~~ذلك لم يطل إلا ريثما استغل نابليون هذه الثورة لمجد نفسه، فوجه النفوس غير اتجاهها ~~الأول، وإن جاهر بأنه إنما ينشر بحروبه مبادئ الثورة ويقضي على خصومها. فلما قضى ~~نابليون وانقضى بانقضائه سحره الناس وبهرهم به، عادوا يفكرون في أمر الثورة ويريدون جني ~~نتائجها. وفي سبيل هذه الغاية انصرف كثير من المفكرين يضعون من صور أنظمة الحكم ما ~~يرونه كفيلا بحل المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي أدت إلى الثورة. على ~~أن واحدا من هؤلاء المفكرين ذهب غير مذهبهم، ورأى أن تصور النظم لا يكفي ما دام طريق ~~التفكير لا يتفق وهذه النظم. هذا المفكر العظيم هو أوجست كومت صاحب الفلسفة ms015 الوضعية أو ~~الواقعية. وأول من نظم عقد العلوم الوضعية في النظام الذي ساد أوروبا من ذلك الحين، ~~والذي ما يزال صاحب السيادة برغم الحملات العنيفة التي توجه إليه، والتي تكاد ترج أساسه ~~من حين إلى حين. # ونظرية كومت الأساسية هي ما يسميها قانون الحالات الثلاث # 2 # ويفسرها بأن العقل الإنساني في تصويره الوجود مر بحالات ثلاث: الأولى: ~~الحال الثيولوجية أو اللاهوتية والثانية: هي الحال التجريدية وهاتان هما ما مر بك ~~بيانه. والحال الثالثة: هي الحال العلمية التي تبحث من طريق الملاحظة والمقارنة ~~والاستقراء عن سنن الكون وقوانينه الثابتة. وهذه الحال لا تثبت ولا تنفي من قواعد ~~الإيمان، ومقررات الأديان ما لا يخضع لطرائق البحث العلمي. بل للعالم أن يؤمن أشد ~~الإيمان وأن يكون متدينا أشد التدين من غير أن يجني ذلك على علمه شيئا؛ لأن ميدان ~~الإيمان والدين غير ميدان العلم ولا ينقض مقررات العلم الثابتة، فلا محل لأن يحارب ~~العلم ما ليس من خصائصه وما لا تتناوله طرائق بحثه. # وقد نظم كومت العلوم الوضعية فجعل الرياضة مبدأها وعلم الاجتماع غايتها؛ فاشتملت بذلك ~~كل ما يحتاج إليه الفرد وما تحتاج إليه الجماعة لنظامها المادي والعقلي في الحياة ولحسن ~~صلاتها بالكون كله. ولم تدع جانبا إلا المضاربات النظرية فيما وراء المادة - أو ما ~~وراء الطبيعة - مما لا يخضع للطرائق العلمية. وقد أراد أن يقيم على أساس هذه العلوم ~~(الديانة الإنسانية) لهذه المجاميع؛ لكنه لم ينجح لأن طبيعة العلم دوام التطور، في حين ~~أن طبيعة الدين تقتضي الثبات والاستقرار. ولذلك بقي اسم كومت مقرونا بالفلسفة الوضعية. ~~ودخلت ديانة الإنسانية ودين الطبيعة الذي وضعه روسو في صف المضاربات النظرية. # استقر هذا النظام الفكري الذي وضعه كومت، وانتشر في العالم المتحضر كله وأخصب في ~~نتائجه وانضوت تحت كنفه كل البحوث الاجتماعية والنفسانية، بل انضوت البحوث الروحية هي ~~الأخرى تحت كنفه، وعلى مقتضاه تكيفت نظم الحكم في العالم، وأصبح رجال السياسة وأرباب ~~الدولة من أنصاره وأعوانه، وتضاءل التجريديون، واكتفى رجال الدين بميدانهم يقومون فيه ~~بالإشراف ms016 على حياة الإيمان في النفوس وقوة العقائد في القلوب، وقيام الناس بالفروض ~~والسنن إشراف إرشاد وهداية لا إشراف حكم وسلطان. # أترى رجال الدين راضين بهذا الحظ من الحياة العامة؟ ليس الجواب سهلا. ولكنهم قانعون ~~به راضون بقناعتهم أو كارهون لها قائمون اليوم في خدمة السلطان وذوي السلطان، قيام رجال ~~العلم يوم كان السلطان لرجال الدين. وستظل الحال كذلك ما دام العلم قادرا على إرضاء ~~عقول الجماعة، قديرا في نفس الوقت على سداد حاجاتها المادية. فمن الحق علينا أن نقول: ~~إنه منذ فتحت العلوم للصناعات المختلفة الأبواب واسعة، وأتاحت للإنسان العادي من أسباب ~~النعيم والترف ما لم يكن يطمع فيه رئيس قبيلة أو ملك من ملوك العصور الأولى، آمن الناس ~~بأن العلم هو وحده الذي يقوم بسداد حاجات الفكر وأغراض الحياة المادية معا، وأن نظام ~~الحكم وتصوير غايات الحياة يجب لذلك أن تتفق معه، وأن رجاله يجب أن يمسكوا بيدهم تصريف ~~مقاليد الدولة وأن يلوا أمورها. وإلى أن يقفل في العلم باب الاجتهاد ويجمد، ويبقى رجاله ~~حفاظا لتراث الماضي، فستبقى الحال كما هي اليوم. # على أن الحظ الذي قسم لرجال الدين ليس من شأنه أن يجعلهم أبدا راضين. وهم إذا وجدوا ~~يوما من الأيام للسلطة منفذا نفذوا منه. وإذا كانت الحرب بينهم وبين رجال العلم اليوم ~~هادئة، فذلك لما قدمنا في مقالنا السابق من أن الغلب غير مأمول اليوم فيه. ~~••• # هل الإسلام في هذا الموضوع على خلاف سائر الأديان لتناوله أمور الدين وأمور الدنيا، ~~فرجال الدين فيه هم كذلك العلماء؟ وهل يسد العلم أبدا حاجات البشر؛ لأن أساس العلم ~~التطور والتجديد فلا يمكن أن يقفل فيه باب الاجتهاد، ولا يمكن أن يجمد رجاله؛ هاتان ~~المسألتان نتناولهما بالبحث فيما تبقى من هذا الفصل. # 3 # قبل الحديث عن الإسلام وهل هو على خلاف سائر الأديان إذ يشمل أمور الدين والدنيا، ~~فرجال الدين هم فيه العلماء كذلك. وعن العلم الوضعي، وهل يسد أبدا حاجات البشر - أريد ~~أن أوضح فكرتي الأساسية من أن الخلاف ليس ms017 بين الدين والعلم، ولكنه بين رجال الدين ورجال ~~العلم بعدما رأيت من بعض الكاتبين ما شعرت معه بأن أساء تقدير حدود الفكرة، فظن أنها ~~تعني أن كل رجل من رجال الدين إنما ينصر الدين ويعززه ليسود هو ويصل إلى ولاية الحكم، ~~وأن كل عالم من العلماء إنما يعمل لزيادة العلم بسطة وقوة؛ ليسود هو ويصل إلى ولاية ~~الحكم. فتوجيه الفكرة هذه الوجهة والاعتراض عليها بأن الغزالي أو ابن رشد أو «كانت» أو ~~«أوجست كومت» لم يكن ينصر الدين أو العلم ليسود هو ويصل إلى ولاية الحكم بعيد كل البعد ~~عن حسن تفهمها وإدراك حدودها. فخصومة رجال الدين ورجال العلم خصومة طائفة لطائفة، أو ~~عقلية لعقلية - على حد تعبير بعضهم. وابن حنبل وروسو وكومت إنما كان ينصر كل منهم فكرة ~~معينة تلتف حولها طائفة الدينيين أو طائفة التجريديين أو طائفة العلماء. وتغلب طائفة من ~~هذه الطوائف معناه خضوع الجمهرة الكبرى من الناس لتيار تفكيرها. وإذا تغلب تيار فكري ~~وضع أصحابه نظام الحكم وأقاموه وتولى أنصاره تنفيذه. # فسواء أكان هؤلاء الأفراد في نضالهم لسؤدد فكرتهم مدركين أم غير مدركين في سبيل تنظيم ~~الحكم وولايته، فتلك نتيجة محتومة لنضالهم. وما أكثر ما يعمل الناس لتحقيق غايات محتومة ~~بالطبيعة ثم هم لا يدركون - أو بالأحرى لا يكادون يدركون - أنهم يعملون في سبيل هذه ~~الغاية. أوليس الحب في أدنى درجاته مثله في أسمى درجاته، إنما يرمي لغاية طبيعية محتومة ~~هي تخليد النوع وتحسينه؟ ~~••• # والآن نعود إلى موضوعنا. فهل الإسلام دين كسائر الأديان في أسسه وغاياته، أو هو يختلف ~~عن سائر الأديان أن كان يشمل أمور الدين والدنيا، والعلم بعض أمور الدنيا؛ فرجال الدين ~~الإسلامي هم لذلك العلماء؟ # يقص القرآن الكريم نبأ من سبق محمدا # صلى الله عليه وسلم # من الأنبياء والمرسلين، ويبين في وضوح ~~أنما كان يرسل الله لقوم رسولا بالهدى والبينات إذا فسق هؤلاء القوم وضلوا السبيل، ~~واتخذوا من دون الله أربابا. ولقد كان مبعث الرسل - عليهم السلام - ينحصر في قسم ضيق ~~من المعمورة ms018 المعروفة في ذلك الحين؛ لأن كثيرا من سائر الأقسام كان في درك من الهمجية ~~فلا يستطيع أهله الوصول لإدراك ما في الأديان من معاني الإيمان، وكان الرسول يبعث بعد ~~أن يحرف المتكلمون كلام الرسول الذي سبقه عن مواضعه، ويدخلون عليه من الأباطيل ~~والخرافات ما يفسده ويضل تابعيه، وكان كل دين ينقسم إلى عقائد وعبادات وأخلاق ومعاملات. ~~فأما العقائد فظلت واحدة في الأديان كلها: الإيمان بالله وبالروح وبالبعث. وأما ~~العبادات فتحورت بعض الشيء بتسلسل الأديان وإن بقيت قريبة الشبه بعضها من بعض؛ فالصلاة ~~والصيام والزكاة والحج تراها في اليهودية والنصرانية والإسلام مع فرق قليل أو كثير في ~~الطقوس التي يقوم بها أهل كل دين عنها فيما يقوم به أهل الدين الآخر، والعقائد ~~والعبادات فروض واجبة الأداء على كل متدين وإلا كان مقصرا في دينه وفي حق الله. ~~والعقائد غير قابلة بطبيعتها للتطور؛ لأنها قائمة لما بين الفرد وربه غير متعلقة ~~بالجماعة؛ وهي لذلك واحدة في الأديان جميعا. أما العبادات فهي وإن قامت بين الفرد وربه ~~إلا أنها تتصل بالجماعة في أن الأفراد من أهل الدين الواحد يؤدونها لله وتيرة واحدة؛ ~~وهي لذلك دليل على أن الفرد على دين الجماعة، ويمكن لها إذن أن تؤمن له. # وقد تناولت الأديان جميعا الأخلاق على خلاف بينها في الشدة والهوادة في الأمر بها أو ~~النهي عنها، وإن جعلت المثوبة عليها والجزاء عنها في الدار الآخرة لا في هذه الدار ~~الدنيا. # فأما المعاملات فاختلفت الأديان في مبلغ تناولها إياها. فمنها من لم يمسسها إلا مسا ~~خفيفا كالمسيحية ف «لا تزن ولا تسرق» وما إليها من الأوامر المتصلة بعلاقات الناس ~~بعضهم ببعض هي بعض ما يعتبر من المعاملات. لكن المسيحية لم ترتب على مخالفة هذه الأوامر ~~عقابا دنيويا، بل رتبت عليها عقابا دينيا. أما اليهودية والإسلام فتناولا ~~المعاملات أكثر مما تناولتها المسيحية؛ وإن كان تناولهما إياها لم يتعد الحدود والقواعد ~~العامة؛ لأن المعاملات تتطور بتطور الجماعة. فوضع أنظمة محدودة لكل دقيقة وجليلة لا ~~يتفق مع هذا التطور. ms019 # وهذه العقائد والعبادات والأخلاق والمعاملات مما اشتملته الأديان، إنما نزل به الوحي ~~على الرسل من عند الله؛ وهي لذلك ثابتة في أصولها لا يصح أن تخضع لحكم التطور. # وكالأديان المنزلة سائر الأديان. فالبوذية والبرهمية وغيرهما تنقسم كل منها إلى عقائد ~~وعبادات وأخلاق ومعاملات. وبعض هذه الأديان تحدث عن المعاملات أكثر مما تحدث عنه أي دين ~~منزل. # ولقد يكون الإسلام بين الأديان المنزلة أكثرهم تنظيما للمعاملات، وإن كان ما ورد في ~~القرآن الكريم عنها لم يتعد القواعد العامة كما قدمنا. وكان تنظيم المعاملات التي ~~تعاقبت بعد انقضاء عهد الخلفاء الراشدين خاضعا لتطور الجماعات الإسلامية في حدود كتاب ~~الله وسنة رسوله. # هذا وأما العلم الوضعي القائم على أساس الملاحظة والاستنباط، فيتناول ما يتناول من ~~أمور الوجود لمعرفة السنن والقوانين العامة التي تحكم نظام الوجود. وقد اصطلح العلماء ~~على تقسيم العلوم النظرية التي تتناول هذه السنن والقوانين تقسيما يتفق مع نظام تدرجها ~~من العموم والبساطة. فما تناول من هذه العلوم كل الوجود كان أعمها وما لم يحتج إلى غيره ~~من العلوم لاستنباط سننه وقوانينه كان أبسطها. وقد اختلفوا بعض الشيء في طريق التقسيم، ~~ولكن خلافهم لا يؤثر في نظام تدرج العلوم وتبويبها بما يجني على هذه العلوم، أو يؤثر في ~~سنن الوجود التي تقررها. # وأعم العلوم وأبسطها في نظر أوجست كومت الرياضيات، فهي في غير حاجة إلى أي علم آخر ~~لاستنباط سننها، وهي تتناول الوجود وما فيه جميعا. ويلي الرياضيات في العموم والبساطة ~~الفلك، فالطبيعة فالكيمياء فالفسيولوجيا فعلم الاجتماع. ويسير عليك إذا قرنت هذه العلوم ~~التي تقوم عليها الفلسفة الواقعية (أو الوضعية) إلى ما جاءت به الأديان من عقائد ~~وعبادات وأخلاق ومعاملات، ثم قرنت أصل الدين وهو الوحي إلى أصل العلم وهو الملاحظة ~~والاستقراء أن ترى اختلاف الميدان الذي يتناوله كل منهما، وأن تحكم بأن هذا الاختلاف لا ~~يدع بينهما مجالا لخلاف، إلا أن يتحكك رجال العلم في تفاصيل ليست من أصول الدين ~~وقواعده في شيء، أو أن يتحكك رجال الدين في تفاصيل ms020 ليست من أصول العلم وقواعده في ~~شيء. # والمقارنة تظهرك كذلك على أن موقف الإسلام من العلم كموقف الأديان الأخرى سواء بسواء. ~~فالعلم لا يمس العقائد والعبادات إلا على أنها مواضع درس وبحث كظاهرات اجتماعية قامت ~~بين الجماعات الإنسانية منذ كانت الجماعات الإنسانية، من غير تعرض إلى ما تحتويه هذه ~~العقائد والعبادات من حقيقة مطلقة أو غير مطلقة، بل العلم لا يقر المضاربات التجريدية ~~فيما وراء الطبيعة مما كان يقيمه الميتافيزيقيون على أساس ما يسمونه منطق العقل وحده. ~~وقد عقد هربرت سبنسر فصلا في المجلد الأول من مجلدات (فلسفته التوفيقية) وهو المجلد ~~الذي جعل عنوانه (المبادئ الأولية)، وجعل لهذا الفصل عنوانا «ما لا يمكن العلم به # Un Knowable ~~» تناول فيه الخلق والخالق، ~~وأثبت بمنطق العقل المحض أن لهذا الخلق خالقا مستقلا عنه مريدا في خلقه قائما ~~بتدبيره. ثم أثبت بمنطق العقل المحض أن هذا الخلق لا يمكن أن يكون له هذا الخالق ~~المستقل عنه، وأن القوة والمادة ليستا منفصلتين ولا هما من جوهر مختلف، وأن العالم ~~تديره سنن الضرورة. وأنت إذ تقرأ هذا الفصل الذي لخص فيه سبنسر حجج المؤمنين والطبيعين، ~~تنتهي وإياه إلى أن منطق العقل المحض لا يستقيم معه الدليل العلمي في هذه المسألة وفي ~~أمثالها، وأن هذه المسائل ليست إذن من تناول العلم، وإن العلم في غير حاجة لتناولها ~~بالإثبات أو النفي، وإن تناولها كظاهرات للدرس والتبويب واستنباط السنن وقوانين ~~الاجتماع. # أما الأخلاق والمعاملات فيتناولهما العلم تمام التناول، وينفي فيهما ويثبت ما شاء له ~~النفي والإثبات. ولقد تنتهي مقررات العلم في هذا الباب الذي لم يبلغ بعد حد الكمال ~~العلمي إلى ما يخالف مقررات الدين فيه. مثال ذلك مسألة الربا وتحريم الدين له وتحليل ~~العلم الاقتصادي إياه، ومسألة العقوبات التي وردت في الكتب المنزلة كقطع يد السارق، ~~ورجم الزاني مما ورد في القرآن الكريم، وما قال العلم الجنائي بتحويره. على أن هذا ~~الخلاف ليس خلافا بين الدين والعلم؛ لأنه لا يتناول أصول الدين ولا ينقض سنن العلم، بل ms021 ~~هو خلاف على تفاصيل ليس الخلاف عليها محرما في الدين ولا في العلم، وكيف يكون خلافا ~~في أصول الدين، وقواعد الإسلام خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ~~وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت من استطاع إليه سبيلا؛ وليست المسائل ~~التي قدمنا من هذه القواعد في شيء. وكيف يكون خلافا في أصول الدين لا يتسامح الناس ~~فيه، وقد قال تعالى: # إن الله لا يغفر أن يشرك به ~~ويغفر ما دون ذلك ~~. فمثل هذا الخلاف مما تقع عليه المغفرة ~~قطعا، وهذا الخلاف لا يمس كذلك أصول العلم الاجتماعي وما ينضوي تحته مما لا يزال في ~~سبيل التطور، ثم هذه المسائل التي عليها الخلاف لا تمس أصلا ثابتا من أسسه ولا قاعدة ~~مقررة من قواعده. # ولقد أورد صديقي الدكتور طه حسين في بحثه الذي نشر في الأسبوع الماضي # 3 # أمثلة على الخلاف كمسألة خلق الإنسان الأول بالإرادة على ما يقرر الدين، ~~وبالتطور على ما يقول العلم وكغير هذه من المسائل التي يراها أساسية. وقد يكون هذا ~~الخلاف صحيحا لو أن طرائق الدين والعلم كانت واحدة، وأن تصور الدين والعلم للحوادث كان ~~واحدا. أما والطرائق مختلفة والتصور مختلف والغايات مختلفة - والميدان لذلك مختلف - ~~فتصوير الخلاف بين الدين والعلم مثله مثل تصوير الخلاف على بيت بين رجلين؛ لأن أحدهما ~~رآه من ناحية والآخر رآه من ناحية أخرى، البيت هو هو. والرجلان هما المختلفان. # ثم إن الدين يرى الرياضيات والطبيعة والكيمياء إلخ علوما، ويفرض معرفتها ولكن فرض ~~كفاية لا فرض عين؛ # 4 # لأنها ليست من جوهر الدين. والعلم يرى المباحث الفلسفية فيما وراء الطبيعة ~~مما يتناوله الدين على أنه جوهري، ويفرض معرفتها فرض كفاية لا فرض عين؛ لأنها مما يسلك ~~في نظام العلم. فما هو فرض عين في كل من الدين والعلم هو فرض كفاية في الآخر. وما كان ~~الخلاف على فرض الكفاية خلافا في الجوهر. # لكن الخلاف كان وما يزال قائما بين رجال الدين ورجال العلم. وهو خلاف ms022 على السلطة ~~ونظام الحكم - كما بينا من قبل - وقد انتصر رجال العلم، ونظموا الحكم واستأثر أنصارهم ~~به في كل أنحاء العالم المتمدن، وبقي لرجال الدين الإشراف على قيام ما هو جوهر الدين في ~~النفوس إشراف نصيحة وإرشاد لا إشراف حكم وسلطان. # والمسلمون في ذلك كغير المسلمين؛ لأن طبائع الأديان واحدة كما تقدم. ~~••• # هل يسد العلم أبدا حاجات البشر فيبقى العلماء وأنصارهم مستأثرين لذلك بالسلطة ~~وبتنظيم الحكم؟ # هذه هي المسألة الثالثة التي أثارها بحثنا في الدين والعلم. ورجال الدين الذين يرون ~~أن المادة والقوة ليستا منفصلتين، وأنهما من جوهر واحد، وأن المادة تستحيل إلى قوة كما ~~أن القوة تستحيل إلى مادة، وأن العالم وحدة في الوجود والمكان والزمن، وأن أساس الإيمان ~~هو ضعف الفرد وضعف الجماعات التي لم تقف من أسرار الكون على كثير ينجيها من الخوف من ~~الموت، ومما يجر إليه هذا الخوف من ألوان التسليم والإيمان أما هؤلاء فيرون أن العلم لن ~~يفلس، وأنه سيسد حاجات البشر كلها، وسيصل يوما في القريب أو في البعيد إلى هتك حجب ~~الغيب أو على الأقل؛ لإثبات أن هذا الغيب ليس حقيقة تخشى، بل هو وهم يخافه الناس ~~اليوم؛ لأنهم لم يؤمنوا بعد بأنه وهم. ويقيم هؤلاء دليلا على صدق نظريتهم أن ~~المشتغلين بعلم الأرواح في هذه الأيام يأخذون أخذ العلماء الواقعيين في طريقة البحث، ~~فإذا وصل هؤلاء إلى إثبات علمهم الروحاني، وإلى استنباط قوانينه وسننه وإلى وضعه الوضع ~~العلمي الذي يبيح لكل إنسان يريد الوقوف على الحقيقة أن يقف عليها من طريق أدواته ~~العلمية - يومئذ توضع مسألة الأرواح من نظام العلوم فوق مسألة علم الاجتماع وعلم النفس، ~~أما إن عجز الروحانيون أخيرا وتبين أنهم يدورون حول تصورات الطريق إلى إثباتها بوسيلة ~~من الوسائل الكثيرة التي ما يزال العلم يبدعها كل يوم، فيكون ذلك دليلا على أن ليس ~~لهذا العلم الذي يريدون إثباته قوام، فيزول لذلك خطره وينقشع عن الناس كابوسه، ويقتنعون ~~بأن ليس بعد الحياة شيء، وبأن الحياة غاية الحياة، وأن الحياة ms023 تطور أزلي أبدي الإنسان ~~فيه كفرد ذرة تافهة سريعة التطور؛ وكجنس لا يمتاز كثيرا عن سائر الأجناس إلا من حيث ~~إنه - فيما نظن - أرقاها في سبيل التطور ، وأدناها إلى مرتبة أسمى من مرتبته الحالية، ~~ومن كل ما في الوجود من مراتب. # أما الفلاسفة المؤمنون فيرون العلم في صورته وبطرائقه الوضعية أقصر من أن يحيط بأسرار ~~الكون، وبالغيب العظيم الذي يكتنف الإنسان، ويذكرون أن الإنسانية، وإن بلغت ما بلغت من ~~الرقي، وإن تفتق عقلها عما يتفتق عنه من ذكاء ومهارة، وإن أحاطت بما أحاطت به مما حولها ~~من الكائنات، فستظل أبدا عاجزة عن كشف سر الوجود. ذلك بأن الإنسانية جزء صغير من ~~الكون. هي جزء صغير في الكم وفي الحيز الذي تشغله وفي الزمان الذي بدأت فيه، والذي ~~تنتهي إليه إذا قدر للكون من صور التطور ما يجعل غيرها من الكائنات أسمى منها مقاما ~~ومكانة. فمحال عليها وهذه حالها أن تحل لغز الوجود حلا وضعيا بطرائق العلم الحالية. ~~ثم إن العلم يقرر أنه لا يبحث عن أسباب الأشياء ولماذا كانت فحسب؛ وإنما يبحث عن كيف ~~الأشياء والقوانين والسنن التي تحكم هذا الكيف، وأسباب الأشياء ولماذا كانت تشغل تصور ~~الإنسان وخياله وتطلب إليه دائما أن يجد ما يرضي هذا التصور الذي لا يطمئن إلى الظلام، ~~كما لا يطمئن العقل إلى الجهل. وإذا كان الناس قد شغلوا بالعلم الوضعي وبلغ من شغفهم به ~~أنهم زعموه، يوما، قديرا على حل كل معضلة؛ فذلك لأنه كشف عنهم ضر الجمود في عصر كان ~~الجمود فيه قتالا، وكان رجال الدين هم مثال الجمود وصورته. أما وقد حطم الجمود وقد ~~بالغت المعاول في تحطيمه حتى بلغت ذلك النور الذي كان يضيء ظلمات الغيب والذي اختفى في ~~هذه الهياكل الخربة التي كانت معدة في الماضي لتكون المنارة التي يشع منها ويضيء من ~~خلالها، فقد صار واجبا أن تقوم منائر أخرى غير خربة ينبعث الإيمان من خلالها حيا ~~قويا نزيها عن شبهات المادة وظلمها متصلا بأسمى أسباب الكون، فتسير الإنسانية ms024 على ~~هداه، ولا يضل السواد السبيل بارتكاسه في حمأة الحيوانية الدنيا التي ارتكس فيها أولئك ~~الجامدون الذين عبدوا المال أكثر من عبادتهم ربهم. # ومحاولات الفلاسفة والعلماء الوضعيين في هذا الباب دليل قاطع بصدق هذا الرأي في نظر ~~أصحابه. فدين الطبيعة الذي حاول روسو وضعه؛ وديانة الإنسانية التي أراد أوجست كومت أبو ~~العلم الواقعي بعثها. هما بعض هذه المحاولات. ثم إن الذين يشتغلون بالروحيات ~~والروحانيات في الوقت الحاضر، وإن اشتغلوا بها على طرائق العلم فليس لهم من دافع إلى ~~هذا الاشتغال إلا من يحيط بهم من ظمأ النفوس إلى الإيمان ونفورها في نفس الوقت من رجال ~~الدين وإيمانهم. يؤيد ما سبق في نظر أصحابه دائما هذا الاتجاه الذي تسير نحوه أوروبا - ~~منشأ العلم ومهبطه - منذ وضعت الحرب أوزارها، والذي تبتغي به أن تجد في الشرق مهبط ~~الوحي ومبعث الديانات هدى دياجير ظلمة القلوب. فلو أن العلم كان يسد أبدا حاجات البشر ~~لظل إيمان الناس به على ما كان في منتصف القرن التاسع عشر، ولما اضطرب الناس في أوروبا ~~ومن بينهم عدد كبير من العلماء يريدون إيمانا كإيمان العجائز. ~~••• # ونحن لا نقطع أي الرأيين حق. فنحن لم نؤت ذكاء يخترق حجب المستقبل، ويكشف ستاره ولم ~~نؤت جرأة العليم بالإيمان وبالعلم وبالدين، فنقضي قضاء الجريء الذي لا يعرف التردد. ~~لكنا قانعون بموقف الشك بين هذه المضارب الفكرية الظريفة. وكل الذي نقطع به أن الخلاف ~~ليس بين هذه المضاربات لذاتها، ولكنه خلاف كان ولن يزال على الاستئثار بالسلطة وبنظام ~~الحكم. فالسلطة إنما يليها الذين يستطيعون سداد حاجات الجماعة العقلية والنفسية ~~والمادية. وولاية الحكم غريزة في النفس يسعى إليها الإنسان ما استطاع لذلك سبيلا. وأنت ~~ترى الرجل الساذج من القرية إذا سمحت له ظروفه يوما من الأيام أن يكون له على غيره ~~سلطان سعى لذلك سعيه، وعمل للظفر منه بغايته، وكالرجل الساذج غيره من الناس. فتلك فطرة ~~عامة لا تقتصر على الإنسان وحده، وسبيل تحقيقها في الجماعات أن تسد حاجة الجماعات. ~~والعلم ورجاله يسدون اليوم ms025 هذه الحاجة؛ ولذلك ولي هؤلاء الرجال وأنصارهم الحكم. فإذا ~~ظلوا في مثل موقفهم ظل الحكم لهم. وإن تغلب غيرهم عليهم انتقل الحكم إلى هذا ~~الغير. # وكذلك كانت الخصومة بين الرجال لا بين العلم ولا بين الأفكار من حيث هي. كانت الخصومة ~~للاستئثار بالسلطة وبنظام الحكم. وكل الذي ترجوه الإنسانية في تطورها أن يسير بها أولو ~~الأمر فيها إلى أسمى ما ترجوه من غايات النظام والتقدم والسلام. # الفصل الثاني # | أوجست كومت وفلسفته1 # «لقد أخلصت حياتي لأستنبط من العلم الثابت الأسس اللازمة للفلسفة الصحيحة التي تسمح ~~لي أن أقيم الديانة الحقة على موجبها.» ~~(1) أسس فلسفة كومت # كل مذهب جديد في الفلسفة يمت؛ وإن ظهر فذا غريبا؛ بلحمة نسب ضيقة للمذاهب التي ~~سبقته، كما يرتبط بما حوله من الأصوات العامة ارتباطا يعدل تلك اللحمة متانة واتصالا، ~~وإن كان أقل منها ظهورا ووضوحا. فهو متضامن مع الشئون الاجتماعية كافة تضامنا يجعل ~~تأثره بما في البيئة المحيطة به من المظاهر الدينية والفلسفية والاقتصادية والعقلية لا ~~يقل عن أثره فيها؛ لذلك ليس يكفي درس المذهب الجديد على أنه وحدة قائمة بذاتها مستقلة ~~عما سواها. بل يجب النظر إليه ضمن المجموع العام الذي لا تتضح أهم أركانه إلا ~~به. # وهذه القاعدة - وهي إحدى قواعد الطريقة التاريخية التي أكثر كومت من ترديدها - تنطبق ~~تمام الانطباق على مذهبه. فمراجعة نصوصه وحدها لا تكفي لفهم نظريته فهما تاما، ولا ~~لتقدير فكرته العامة على وجه الضبط، ولا تكفي لمعرفة الأسباب التي أدت بالمؤلف ليجعل ~~لبعض نظرياته خطرا خاصا. وللوصول إلى ذلك كله يجب أن نقف مع مراجعة النصوص على ~~الظروف التاريخية التي ظهر المبدأ في أيامها، وعلى حركة الأفكار العامة التي عاصرته، ~~وعلى المؤثرات التي أثرت في نفس الفيلسوف أيا كان نوعها. # فالعصر الذي ظهرت فيه الفلسفة الواقعية (الوضعية) كان متأثرا بالثورة الفرنسية أكثر ~~مما كان متأثرا بأي حدث آخر. وذلك ما قرره كومت صراحة. فلولا الثورة ما ظهر مبدأ ~~التقدم ولا كان العلم الاجتماعي الذي بني عليه، ولا الفلسفة الواقعية ms026 التي جاءت على ~~أثرهما. لكن هذه الهزة الاجتماعية غير العادية أحدثت حركة كبيرة في دائرة المضاربات ~~الفلسفية والسياسية، وقد اختلفت نتائج هذه الحركة باختلاف قوة الأذهان التي صادفتها ~~وعبقريتها، وإن كانت بعض الظواهر الخاصة قد لفتت كبار المفكرين وضعافهم على السواء. من ~~ذلك مثلا أن كان كل مفكر من الذين ظهروا في بدء القرن التاسع عشر يسائل نفسه: أي نظام ~~يجب أن يقوم على أثر الثورة؟ ولم يكن الشكل الذي يريدونه للحكومة كل همهم من سؤالهم، بل ~~كانوا يريدون أيضا الاهتداء إلى المبادئ الأساسية لنظام الاجتماع، وكانت هذه المسألة ~~لا تحتمل في نظرهم إمهالا من الوجهة العلمية كما كانوا يحسبونها أم المسائل من الجهة ~~النظرية. وهذه المسألة في صورها المختلفة هي التي شغلت «شاتوبريان» كما شغلت «فورييه» ~~«وسان سيمون»، وتعلق بها «يوسف دمتر» كما عقلها «كوزن كومت». # على أنهم كانوا جميعا متفقين على نقطة أولية هي وجوب التجديد. فالعصر المضطرب الذي ~~تداعى يجب أن يعقبه عصر نظام. وعبارة سان سيمون في هذا المعنى قوية غاية القوة إذ قال: ~~«لم تخلق الإنسانية لتقيم في الخرائب والأطلال الدارسة». لكن الاضطراب الثوري والرجة ~~التي تلته والهزة الاجتماعية التي جاءت على أثرهما كانت كلها من القوة والشدة، بحيث لم ~~يستطع أحد معه أن يقدر نتائج الثورة تقديرا دقيقا. فكم من النظم كان يظن أنها تحطمت ~~فإذا هي لم يصبها إلا بعض الاضطراب. وكثير من النظام القديم تخطى الأزمة سليما لم يصب ~~بأذى. غير أن هذه الظاهرة التي لم تفت رجال سنة 1830 كانت لا تزال غامضة أمام الجيل ~~الذي سبقهم، فلم يميزها وخيل إلى أهله أن النظام القديم دكت أعاليه وأسافله وأن واجبا ~~عليهم لذلك أن يعيدوه، أو يخلقوا نظاما اجتماعيا جديدا، وكانوا في ظنهم هذا محتفظين ~~بروح الثورة التي اعتبرها أهلها كما اعتبرها العالم المتمدن فاتحة لتشيد الإنسانية ~~نظاما سياسيا واجتماعيا جديدا، لكن هذا المطمع العظيم لم يتحقق برغم أعمال ~~الجمعيات الثورية وكفاية النوابغ الذين كانوا في الكنفنسيون # Convention ~~؛ بل تعاقبت الديركتوار # Le ms027 Directoire # والإمبراطورية بعد ذلك وبقيت المسألة كما كانت: كيف ~~السبيل إلى تنظيم الجمعية بعد ما انهار النظام القائم؟ # لذلك انصرفت المضاربات الفلسفية في مبدأ القرن التاسع عشر إلى المسائل الدينية ~~والاجتماعية. صحيح أن تقدم العلوم الواقعية تقدما واضحا مطردا كان أمرا لا ريبة ~~فيه، ولا يجوز إنكاره في بحث غايته استظهار فلسفة أوجست كومت. لكن عناية كومت بالمسائل ~~العلمية كل تلك العناية إنما كان يقصد بها إلى حل المسألة الاجتماعية، وكانت كل غايته ~~من الفلسفة أن يضع الأسس العقلية لبناء الجمعية، وأن يضع كذلك قواعد دين يحل محل ~~الكثلكة التي كانت قد أتمت في نظره مهمتها. # قال رانك: «القرن التاسع عشر قرن إصلاح»، وتلك عبارة دقيقة تصور أحد مظاهر هذا القرن ~~الخطيرة من جهته التاريخية. ولقد أراد به أهله أن يكون عصر إصلاح حقا. فكان الإصلاح ~~وجهة معظم المبادئ الفلسفية التي صورت كنه طبيعة ذلك العصر، على أن هذا الإصلاح كان ~~يثبت غير قليل من النتائج التي اكتسبت في أثناء الأزمة ويعضدها، كما أن نظريات جديدة ~~استدعاها تقدم الصناعة الكبرى، جعلت بعيدي النظر من المفكرين يحسون تمام الإحساس بأن ~~العصر الذي رغب الناس أشد الرغبة في انتهائه لم يكن في الحقيقة إلا عند أوله ~~ومبتدئه. # واعتقد أوجست كومت كما اعتقد كثير من معاصريه أنه مبعوث لوضع «النظام الاجتماعي ~~الجديد». لكنه كان يخالف من سواه في النظر. فكل من أولئك المصلحين كان يبدأ ما يرتئيه ~~من مشروعات النظم صالحا لحل المسألة الاجتماعية، ويصرف كل مجهوداته بعد ذلك لتبرير ~~رأيه. ولما كانت هذه المسألة في نظرهم لا تحتمل إمهالا، فقد قصروا أفكارهم عليها، أما ~~كومت فكان يرى هذه الطريقة عقيمة محققة الخذلان. ذلك بأن المسألة الاجتماعية لا يمكن ~~حلها مباشرة، بل يجب قبل التعرض لها حل مسائل أخرى نظرية صرفة، وهي هاته المسائل التي ~~يجب البدء بها إذا كان للإنسان هم غير الاستكثار من الأحلام السياسية والأوهام ~~الاجتماعية. # فالنظم عند كومت تابعة للأخلاق، والأخلاق تابعة للعقائد. ومن العبث وضع مشروعات نظم ~~جديدة ms028 ما لم تكن الأخلاق قد رتبت، ونظمت وما لم يكن أساس هذا النظام مذهبا فكريا قد ~~تم وضعه وقبلته النفوس كلها على أنه الحق، وآمنت به ما آمنت أوروبا بآي الكثلكة في ~~القرون الوسطى. والمسألة الاجتماعية تبقى لا حل لها ما لم توضع فلسفة جديدة تكون أساسا ~~لحلها. # لهذا نزع كومت إلى الفلسفة وقصر نفسه أول الأمر عليها، وكان مما كتب في سنة 1824: ~~«إني أعتبر كل مناقشة تقوم بشأن النظم من أتفه السفاسف، ما لم يكن نظام الجمعية من ~~الوجهة الروحية قد كمل أو قارب الكمال». # 2 # طرافة كومت أنه جعل يبحث في العلم والفلسفة عن المبادئ التي يبنى عليها النظام ~~الاجتماعي الذي كان غاية كل مجهوداته؛ وبذلك خالف معاصريه من المصلحين في الوسيلة، وإن ~~اتفق معهم في الغرض. فهو مثلهم يريد وضع سياسة معينة. لكنه يريدها سياسة وضعية أساسها ~~نظام أخلاقي ومذهب فلسفي وضعيان كذلك. ولئن كانت هذه السياسة هي علة وجود المذهب، ومن ~~أجلها وضعه كومت فإنها إذا فقدت مبرر وجودها ومصدر سلطانها، وأصبحت من شوارد الخواطر. ~~فالفلسفة لازمة لتكون أساسا للسياسة، كما أن السياسة لازمة لتكوين الفلسفة وبعث روح ~~التناسق والوحدة فيها. # والآن فأي سبب دعا كومت ليتعرض لتلك المسألة الكبيرة التي شغلت أذهان كل معاصرية على ~~نحو اختص به هو من دونهم؟ ليس في مقدورنا بسط ترجمته هنا بسطا مستفيضا يفيض على هذه ~~المسألة نورا يجلوها، ولكنا نكتفي فنذكر أنه كان من أسرة كاثوليكية ملكية. وعلى الرغم ~~مما ذكره من تركه عقائد عشيرته السياسية والدينية لأول ما بلغ الثالثة عشرة من عمره، ~~فإن العقائد الدينية لم تمح من نفسه بمقدار ما كان يظن. فقد بقي كل حياته شديد الإعجاب ~~بالكاثوليكية، وهو لا ينكر ذلك ولكنه يعزوه إلى ما تأثر به من كتابات جوزف دمتر. غير ~~أنه مهما يكن قد تذوق كتاب (البابا) فإن هذا الميل الخاص يرجع بعضه إلى ما تركته ~~الطفولة من آثار بقيت مستكنة في نفس حساسة سريعة التأثر. # وكانت الرياضيات أول ما اشتغل ms029 به ذهنه بطريقة جدية. فلما دخل مدرسة الهندسة؛ وقد قبل ~~فيها وسنه دون السن القانونية بسنة، بدأ يدرس العلوم الطبيعية وجعل في الوقت نفسه يفكر ~~فيما كتب مونتسيكو وكوندورسيه، ثم مال إلى الفلسفة بمعناها الحقيقي وانصرف إلى قراءة ~~الأيقوسيين وفرجيزن وآدم سمث وهيوم، وتبين أن هذا الأخير أرقى من سائرهم بكثير. فلما ~~خرج من مدرسة الهندسة بقي في باريس وجعل في وقت واحد يلقي دروسا تقوم بمعيشته، ويكمل ~~دراسته العلمية بالتلقي على دلامير وبلانفيل والبارون تنار، وبإدمان قراءة فونتنل ~~ودالمبرت وديدرو؛ ويمعن بوجه خاص في قراءة كوندورسيه الذي استجمع مادة فلسفة القرن ~~الثامن عشر وأوضحها. وفيما كان يقرأ ديكارت ومن جاء بعده من كبار الرياضيين كان يتتبع ~~بتمعن والتفات أعمال الطبيعيين والبيولوجيين أمثال لامارك وكوفييه وجال وكابانيس وبشا ~~وبروسيه وكثيرين غيرهم، على أن علمه نما لهذه العلوم الجديدة من الأهمية الفلسفية مما ~~أشار إليه ديدرو من قبل لم ينسه درس المسائل التاريخية والاجتماعية. فقد قرأ الأمليين # Les idéologues # أمثال المسيو بونالد - المفكر ~~العظيم النشاط - وجوزف دمتر الذي ترك في نفس كومت أكثر من كل كاتب آخر، أعمق الأثر ~~وأبقاه. # وإذن فلقد كان كومت، من قبل أن يعرف سان سيمون، ملما بقسم عظيم من المادة التي كانت ~~قوام مبدئه في المستقبل. وذلك ما تشهد به رسائله إلى صديقه فالا. ولكن مؤلفاته لم تخرج ~~إلى ذلك الحين عن موضعين مختلفين. فكان بعضها خاصا بالمسائل العلمية (الرياضيات ~~والطبيعة والكيمياء والعلوم الطبيعية) والبعض الآخر أميل للمسائل السياسية (كالتاريخ ~~والسياسة والمسائل الاجتماعية). # وقد التقى كومت بسان سيمون سنة 1818 فسحر به وتهالك عليه، وجعل يشتغل معه أربع سنوات ~~كان في خلالها يحبه ويحترمه احترام التلميذ أستاذه، ويغذو نفسه من أفكاره ويشترك وإياه ~~في مؤلفاته ومشروعاته، ويدعو نفسه (تلميذ المسيو سان سيمون)، لكنه انفصل عن هذا الأستاذ ~~المحترم المحبوب في سنة 1822. فماذا ترى كان قد حصل؟ # إن الأسباب التي تقدم بها كومت لم تكن إلا ذات أهمية ثانوية. ولكن الأستاذ وتلميذه ~~كانا لا بد مفترقين عاجلا ms030 أو آجلا لما بينهما من التباين المطلق. فلقد كان سان سيمون ~~لنبوغه وحدة خاطره يلقن بالكثير من الأفكار والآراء الجديدة التي ينتج في المستقبل ~~أكثرها ويفرخ. ولكنه كان سريع الإثبات، قليل التدليل، ليس عنده من الصبر ما يسمح له ~~بالوقوف طويلا عند موضوع معين؛ ليتعمق في النظر فيه نظرا مرتبا. أما كومت فكان على ~~العكس من صاحبه يرى رأي ديكارت أن الفهم واجب كل الوجوب في المسائل العلمية، وأن ~~(التماسك المنطقي) آكد دليل للحقيقة؛ لهذا لم يكن له أن يكتفي بمقالات سان سيمون ~~المتقطعة زمنا طويلا، ولكنه أخذ ما صح من تلك الإلهامات المتواترة غير المرتبة، وإن ~~حسب أن مذهبه إنما هو الذي أثبت لها قيمتها العلمية؛ لأن مذهبه هو وحده الذي استطاع أن ~~يرتبها ويردها إلى أصولها. # من ذلك يظهر أن أثر سان سيمون في كومت كان عظيما، وأن عبقرية كومت الفلسفية مؤكدة لا ~~يأتيها الشك. وأكثر ما كان من أثر سان سيمون أنه أوحى إلى كومت بمجموع من الأفكار ~~العامة والآراء الخاصة التي أخذ بها فيما قرر من فلسفة التاريخ، كما أنه عرف كيف يجمع ~~بين الفرعين اللذين ألف فيهما من قبل مفردا كلا عن الآخر، وذلك باستنباط علم يكون ~~اجتماعيا وسياسة تكون علمية. ولولا سان سيمون لما جال بخاطر كومت أن يوفق بين هذين ~~الفرعين من فروع العلم بعد أن كان يعمل في كل منهما مستقلا، أو لجاءه هذا التوفيق ~~متأخرا. لهذا ليس لنا أن نغمط سان سيمون ما يعترف له به كومت نفسه من أنه وجه تلميذه ~~في أكثر السبل موافقة لذهنه ولنبوغه. # ولم تتم الخلطة الفكرية بينهما يوما ما. وإذا كان كومت قد وصل إلى دخيلة أفكار سان ~~سيمون (وإن لم يكن قد أخذ بها جميعا)، فإن سان سيمون أساء فهم طرف من فكرة كومت لضعف ~~تربيته العلمية، حتى إن ما كتبه عن قانون الجاذبية التامة لا بد أن يكون قد استثار ~~اشمئزاز كومت. لهذا لم يترك كومت دراسته الرياضية حتى حين كان متحمسا لسان ms031 سيمون ~~متهالكا عليه بكل ما فيه من شباب وعطف. ولقد كتب لفالا في 28 سبتمبر سنة 1819 يقول له: ~~«إني اليوم وسأبقى دائما أعمل في فرعين من فروع البحث: الفرع العلمي والفرع السياسي. ~~ولولا ما أذكره دائما من فائدة العمل العلمي لبني الإنسان لما اهتممت له، بل لعدلت به ~~حل الألغاز اللفظية. ثم إن بي لبغضا شديدا لما لا أرى له فائدة من الأعمال العلمية ~~قريبة كانت هذه الفائدة أو بعيدة. أما الأعمال السياسية فيأخذني إليها أنها تستهوي ~~الفكر وتشحذ الذهن ولولا ذلك لكنت أكثر هوادة في الاشتغال بها برغم كل ما عندي من ميل للإنسانية»، # 3 # فلما أرسل لصديقه بعد سنة من ذلك مجموعة كراسات سياسية ميز فيها بين ما له، ~~وما لسان سيمون أخبره أنه فضلا عن هذا يشتغل بجد في أعماله الرياضية، وأنه يريد الدخول ~~في منافسة أعلنتها (الأنستيتو # L’institut ~~)، وقد كان ~~يطمع من ذلك في الدخول في أكاديمية العلوم. # وفي سنة 1822 ظهر كتيب كومت (فكرة عن المسائل العلمية اللازمة لإعادة نظام الجمعية)، ~~وفيه ذلك التوفيق بين فرعي العلوم. وقد ذكر في مفكرة كومت مبنيا على اكتشافه: ترتيب ~~العلوم وقانون الحركة الاجتماعية # Dynamique Sociale ~~. ~~ولئن لم يكن الكتاب هو السبب الأهم فإنه كان الفرصة التي حدثت عندها القطيعة ما بين ~~كومت وسان سيمون. فقد رأى كومت تلك اللحظة حاسمة في تاريخية تفكيره إذ حوى هذا الكتيب ~~مجموع نظريته المقبلة. ثم دلت المقدمة التي وضعها له سان سيمون على أنه لم يفهم مرماه. ~~فاستقل كومت بعد إذ عثر فيها على ما كان يبحث عنه من سنين من غير أن يتبينه، وكرس بقية ~~حياته لما وصل إليه وما كان قد وضع له فكرته، ولم يبق له أن يتساءل كيف يوفق بين بحوثه ~~العلمية ودراسته السياسية. وقد وضع تدرج العلوم الفلسفي جاعلا الطبيعة الاجتماعية في ~~مركز التاج منها. # كتب كومت في 8 سبتمبر 1824 ما يأتي: «عن لي في أثناء أعمالي الفلسفية الكبرى أن ~~أنشر بعض كتب خاصة عن ms032 النقط الرئيسية للرياضيات مما كنت قد تبينته من زمن طويل، ثم وصلت ~~أخيرا لربط هذه النقط بأفكاري العامة عن الفلسفة الوضعية، فسمح لي ذلك أن أستظهرها من ~~غير أن تنقطع وحدة الفكرة عندي. هذه الوحدة اللازمة لحياة كل مفكر». # 4 # وكتب في 27 فبراير سنة 1826 في خطاب شائق إلى ديلانفيل يشرح شرحا واضحا ~~الفكرة التي تولد منها مذهبه قال: «إن فكرتي في اعتبار السياسة طبيعة اجتماعية، وذلك ~~القانون الذي اكتشفته عن أحوال العقل الإنساني الثلاثة ليسا إلا فكرة واحدة نظر إليها ~~من جهتين مختلفتين: جهة الطريقة وجهة العلم. ومتى تقرر ذلك فسأبين أن هذه الفكرة تكفي ~~تمام الكفاية، وبطريق مباشر لسد الحاجة العظيمة التي تحسها الجمعية الحاضرة من جهة ~~النظر ومن جهة العمل معا. وأظهر أن ما من شأنه أن يبعث إلى المستقبل التماسك والمتانة ~~بإقامة نظام ترتاح إليه الأذهان هو أيضا ينظم الحاضر قدر المستطاع، إذ يقوم أمام رجال ~~السياسة كأساس يبنى عليه العمل المعقول». # 5 # ومن ذلك الحين أصبحت حياة كومت مكرسة لإنفاذ برنامجه إنفاذا مرتبا متينا، فجعل ~~يؤلف وينشر بانتظام تام فلسفة العلوم والتاريخ والأخلاق والسياسة والديانة الوضعية. ~~وليس معنى ذلك أن فكرة كومت بقيت جامدة فقد تطورت فيما بين سنة 1822 وسنة 1857. ولكن ~~تطورها كان بحيث يستطيع الملاحظ الدقيق الذي قرأ (فكرته عن المسائل العلمية اللازمة ~~لإعادة نظام الجمعية) أن يترسم خطاها من ذلك الحين. فلم يكن لكومت إلا مبدأ واحد تطور. ~~وتمت فكرته فيما بين ما نشره حين كان في سن العشرين إلى يوم أن ظهر كتابه عن (التوافق ~~الذاتي) # La synthese subjective ~~. # ولقد طعن على تناسق هذا المبدأ ووحدته، وإن كومت نفسه ليميز في حياته بين حالين ~~متعاقبتين. كان هو في أولاهما - على حد قوله من غير تواضع باطل - أرسطو؛ ثم صار في ~~الثانية القديس بولس. وإنما هيأ مؤسس الفلسفة الأسباب لوضع الديانة «فقد أخلصت حياتي ~~لأستخلص من العلم الثابت الأسس اللازمة للفلسفة الصحيحة التي تسمح لي أن أقيم الديانة ~~الحقة على موجبها». ms033 # على أن جماعة من أكبر أصحاب كومت، وأكثرهم مناصرة له في مبدئه أمثال لتريه، قد وقفوا ~~عن اتباعه في حالته الثانية ولم يقنعهم ما عندهم من الإعجاب بالفيلسوف لينضموا إلى ~~القديس. # ولتريه وأصحابه أحرار في الوقوف عن ترسم كومت إلا إلى حد معين، وهم أحرار أن يقبلوا ~~فلسفته ويرفضوا ديانته، ولو أنهم وقفوا عند ذلك لما كان لكومت إلا أن ينعي سوء منطقه، ~~ويبرأ من (أولئك الوضعيين غير الناضجين الذين لا تزيدهم دعواهم الذكاء ذكاء ولا فطنة). ~~ولكنهم على العكس من ذلك هم الذين اتهموا كومت بالخطأ والتناقض قائلين: إنه خان ~~مبادئه الأولى وإن الطريقة ~~الذاتية # Méthode subjective ~~، التي لجأ إليها في الثانية أفسدت ما أوصلته إليه الطريقة ~~الموضوعية في حاله الأولى من ثمين النتائج، مدعين أنهم في وقوفهم عند (دروس الفلسفة ~~الوضعية) أكثر إخلاصا لفكرة كومت الرئيسية من كومت نفسه، وأنهم فيما يقولون من ذلك ~~إنما يدافعون عن الفلسفة الوضعية الحقة في وجه مؤسسها ومنشئها. # ولقد دفع كومت عن نفسه هذه التهم التي حزت في كبده، وبلغت من نفسه لصدورها من ~~أولئك الذين عدهم أشد أصحابه إخلاصا وأكثر أصدقائه وفاء. وإن ما سنجيء به في هذا ~~الكتاب قمين أن يظهر خطأهم ويبين أن طريقتي كومت ليستا متنافيتين، بل تكمل إحداهما ~~الأخرى كما تكمل حاله الثانية حاله الأولى. # صحيح أن أفكار كومت وكتاباته أخذت صبغة صوفية في السنين العشر الأخيرة من حياته، وأن ~~صلته القصيرة بمدام دفو، ثم موت هذه الصديقة «القديسة» هزا مشاعره هزة شديدة، وأن هذه ~~المشاعر والعواطف تحولت في نفسه إلى أفكار دخلت خلال طريقته ومذهبه في وقت كان يعمل فيه ~~لتأسيس ديانة للإنسانية، زعم أنه سيكون لها على النفوس سلطان يعدل ما كان للمسيحية ~~عليها، وأن اهتياج عواطفه واهتمامه بالديانة الجديدة التي يقيمها وشعوره بالرسالة ~~القدسية الملقاة عليه شعورا متحكما كان من شأنها أن تؤثر في المبدأ الذي قرره في ~~المدة السالفة؛ لهذا لم تظهر فلسفة العلوم والتاريخ في (السياسة الوضعية) على الطريقة ~~التي ظهرت بها ms034 في (الفلسفة الوضعية). ولكن ذلك كان مقصودا. وإن كومت ليفسر اختلاف ~~العبارة وطريقة الشرح والعرض في هذين الكتابين باختلاف الغاية التي رمى إليها كل منهما. ~~أما المبدأ الفلسفي فقد بقي فيهما واحدا لم يتغير، وكل ما يمكن موافقة لتريه عليه أن ~~عرض المبدأ من الجهة الدينية في (السياسة الوضعية) أفسد ظاهره فلا يستطيع من قصر قراءته ~~على هذا الكتاب أن يصل إلى فكرة المبدأ الدقيقة التي وضعت في (دروس الفلسفة الوضعية)؛ ~~ولهذا السبب عينه أشار كومت على كل من قرأ كتاب السياسة أن يرجع إلى كتابه «الرئيسي ~~الأكبر». # على أن المدقق الذي يطلع على (الدروس) يجد فيها إشارات وعلامات تنبئ عن كتابه السياسة ~~وتبشر به. ولو أن كومت اكتفى بالإشارة إلى ما جاء من ذلك في «الدروس» لكفى ذلك ردا ~~على أصحابه الخارجين عليه. لكنه عمل خيرا من هذا. فلقد طبع في آخر الجزء الرابع من ~~كتاب السياسة الوضعية ست رسائل مما كتب في أيام صباه ما بين 1818 و1826 حوت، خلا النقط ~~الجوهرية لفلسفته، فكرته في أن الفلسفة ليست إلا مقدمة بسيطة، وأن العمل الأهم والغاية ~~العليا إنما هما الديانة الوضعية التي أعدت الفلسفة لتكون أساسا لها ترتفع فوقه. بل ~~لقد كانت هذه روح كل تلك الرسائل. ومن ثم صحت حجة كومت وقوي مركزه فيما يتعلق بوحدة ~~مبدئه وكسب الخصومة من منازعه لتريه. # بين كومت غير مرة في رسائله لجون ستوارت مل - وكانت فيما بين سنة 1841 وسنة 1846 ~~أي: في الفترة التي تشمل ختام حاله الأولى وبدء حاله الثانية - محل تماسك قسمي أعماله ~~وموضع تباينهما. وقد يكون مفيدا أن ننقل هنا نص ألفاظه، قال: «يجب أن يختلف القسم ~~الثاني من حياتي الفلسفية عن القسم الأول منها اختلافا عظيما، وبالأخص في العواطف. إذ ~~يجب أن تحتل من نفسي محلا حقيقيا، وإن لم يكن ظاهرا يضارع ما يحتله العقل منها، ~~فإن التنظيم العظيم الذي اختص به عصرنا يجب أن يشمل العواطف كما يشمل الأفكار، بل إن ~~هذه الأخيرة هي التي ms035 يجب تنظيمها أولا، وإلا فاتنا تكوينها تكوينا صحيحا فترتكس في ~~نوع من التصوف فيه ما فيه من إبهام لا حد له؛ ولهذا كانت وجهة كتابي الرئيسي مخاطبة ~~العقل دون سواه، فبنيته على أساس من البحث وما يلزمه من المعارضة والمناقشة، وغايتي من ~~ذلك اكتشاف المبادئ العامة الصحيحة، وتكوينها بالتدرج من أبسط المسائل العلمية إلى أرقى ~~المضاربات الاجتماعية»، # 6 # فلما تم ذلك لكومت انتقل لتنظيم العواطف على اعتبار أنها (النتيجة اللازمة ~~لتنظيم الأفكار والأساس الذي لا أساس غيره لقيام الأنظمة). # وإذن فهذا القسم الأخير عمل قائم بذاته، ولقد ظن كومت أن شخصا سواه كان يستطيع أن ~~يقوم به فتنتهي مهمته هو عند تأسيس الفلسفة التي تضع حدا (للفوضى العقلية)، ثم يكون ~~بناء الأخلاق والديانة على أساس من هذه الفلسفة، ووضع حد للفوضى الخلقية والسياسية من ~~عمل صاحب يخلفه. على أن إدمان العمل والحظ الحسن قد سمحا له هو بإتمام هذا العمل. وقد ~~رأى منذ سنة 1845 (تحت تأثير مدام دفو الصالح) مجموع حاليه والفرق بينهما، وقدر في ~~الثانية وجوب جعل الفلسفة ديانه كما جعل من العلم فلسفة في الحال الأولى. # وغرضنا من هذا الكتاب درس فلسفة كومت من غير تعرض إلى التحول الذي طرأ على هذه ~~الفلسفة فجعلها ديانة، وليس اختيارنا هذا الغرض اختيارا تحكميا. فلدينا - تبريرا له ~~- ما رأينا من تقرير كومت نفسه أن فلسفته وديانته قد يقوم بوضع كل منهما شخص مستقل عن ~~الآخر. # قد يتساءل بعضهم عن الفرق بين المركز الذي اخترناه لأنفسنا، ومركز لتريه (والوضعيين ~~غير الناضجين). وجوابنا أن الفرق بيننا وبينهم هو الفرق بين نظر المؤرخ والمقرر. فإن ~~لتريه وأصحابه قد نظروا من هذه الجهة الأخيرة، ورفضوا لذلك فكرة (تنظيم العواطف) ~~والطريقة الذاتية وديانة الإنسانية، وأخذوا كوضعيين، القسم الأول من المبدأ ولم يأخذوا ~~القسم الثاني. أما نحن فقد وضعنا أنفسنا موضع المؤرخ، وللمؤرخ الحق في تحديد موضوعه من ~~غير أن يترك دقيقة، ولا جليلة من المبدأ الذي يعرضه. ونحن أبعد من أن ندعي مع لتريه أن ms036 ~~الشطر الثاني من مذهب كومت يضعف الشطر الأول ويناقضه، بل لقد قررنا أن مجموع القسمين ~~يكون كلا واحدا وضع كومت فكرته في كتاباته الأولى، وأنه كان على حق حين وضع في صدر ~~كتابه (اسياسة الوضعية) تلك الكلمة الجميلة التي قالها الشاعر الفيلسوف: إنما الحياة ~~العظيمة فكرة يصورها الشباب وتنفذها الرجولة. # ولم ندرس إلا الشطر الأول من حاليه؟ لم لا نحترم مجموع ذلك الكل، ونحن نرى أن لتريه ~~قد أخطأ في إنكار تناسقه؟ أجل إنا لنحترمه فلا نجتزئ من المبدأ استبدادا شيئا مما ~~جعله كومت قسما منه، ولئن جعلنا الفلسفة الغرض الفرد من ذلك الكتاب فإنا سنجعل حاضرا ~~أمام الذهن دائما ذلك المجموع الأعم الذي وضعه كومت فيه، فذلك شرط لازم لا يكون بدونه ~~هذا البحث دقيقا وافيا. ولكنا متى التزمنا بهذا الشرط فنحن في دائرة حقنا، إذا نحن ~~وجهنا إلى الفلسفة وحدها كل مجهوداتنا. # لتصوير تاريخ مبدأ من المبادئ طريقتان: فإما أن يقف المؤرخ نفسه في الموقف الفكري ~~للفيلسوف الذي يدرسه مستعيدا أفكار ذلك الفيلسوف الرئيسية على الوجه الذي كان قد رآها ~~به، ثم يقدر على طريقته أيضا أهمية المسائل المختلفة من غير أن يخرج عليه في التمييز ~~ما بين المهم والثانوي منها، ويكون التأريخ في هذه الحالة أشبه شيء بترجمة عقلية ~~للمؤلف. وإما أن يعمل المؤرخ لاستجلاء دخيلة المذهب قصد الوقوف على ما بنى من مبادئ ~~وأفكار، ثم يضع نفسه بعيدا عنه وفوقه ويجتهد ليمركزه في محله من التطور الفلسفي العام، ~~وبهذه الطريقة يتيسر فهم المذهب في مجموعه فهما دقيقا حيث يراه الإنسان، ويرى مبلغ ~~اتصاله بما سبقه وما عاصره، وما جاء بعده من المبادئ. ثم إن الإنسان ليستطيع في هذه ~~الحالة الأخيرة أن يفرق ما بين الأفكار الثانوية الأهمية القليلة البقاء مهما يكن من ~~رأي صاحبها فيها. وإنا لنأخذ عن كومت في هذا المقام تفرقة كان يكثر من تقريرها، فكان ~~يعطي أولى هاتين الطريقتين الأفضلية لمن أراد البحث والتنقيب، ويعطي هذه الأفضلية ~~ثانيتهما فيما يتعلق بالتأريخ. # وتطبيق الطريقة ms037 الأولى في النظر إلى مذهبه يسوق المؤرخ؛ ليكون معه في اعتبار الفلسفة ~~الوضعبة تمهيدا، وتحضيرا لديانة الإنسانية التي كانت الغرض والغاية من مجهودات تلك ~~الفلسفة. ومهما وجب على المؤرخ في مثل هذه الحالة أن يوسع بهذه المقدمة اللازمة المؤلف ~~الأساسي الذي وضع فيه كومت الأساس الفكري لمبادئه السياسية والدينية، فهو مكلف أن ~~يجعلها تابعة لهذه المبادئ وأن يضع في المكان الأول فكرة (إعادة نظام الجمعية) وآي ~~ديانة الإنسانية وبناء سلطان روحي، وسائر ذلك القسم من عمل كومت الذي أراد أن يقوم مقام ~~(برنامج الكاثوليكية في العصور الوسطى)، وكله الثقة أنه سيؤدي غرضها خيرا مما قامت هي ~~بأدائه. # ولكن عبقرية كومت لم تظهر على أكملها في هذا القسم من عمله. كلا! ولا كان هذا القسم ~~أخصب مواضع فكرته. فإن مسألة إعادة نظام الجمعية لم تكن من وضعه هو بل كانت منتشرة في ~~البيئة التي ظهر فيها أول شبابه، إذ كانت كل آمال الجيل الذي نشأ معه متجهة إلى إعادة ~~النظام ووضع شروط التقدم وتحديد الصلات بين مقتضيات الخلق، وضرورات السياسة وإقامة ~~ديانة تملأ ذلك الفراغ الذي خيل للناس أن الكثلكة تركته وراءها، وكل ما جاء في (السياسة ~~الوضعية) لا يزيد على مشروعات المدرسة السان سيمونية التي ظهرت في سنة 1830، وإن اختلف ~~الأساس الذي قامت عليه كل من الفكرتين. فكل ما عملته هذه السياسة أنها تأخرت ثلاثين سنة ~~عن المشروعات المماثلة لها لا لشيء إلا أن كومت أراد إقامة نظامه على أساس من الفلسفة ~~ومن الأخلاق، فصرف في هذا المجهود النظري زهرة شبابه وعنفوانه، ولكن الفكرة ذاتها ترجع ~~في نفسه إلى الثلث الأول من ذلك القرن كما تدل عليه النشرات التي أعاد كومت طبعها. فلما ~~ظهرت فيما بين سنة 1850 وسنة 1857 لم تكن من الجيل الجديد الذي نشأ في ظروف سياسية ~~واجتماعية مخالفة لظروف جيل كومت، فلم تجد إلا نفوسا غير مكترثة لها لاشتغالها بمسائل ~~أخرى ظهرت، فاستلفتت الأذهان واستشعر الناس الحاجة إلى حلها على عجل. وبذلك لم يبق ~~لفلسفة التاريخ ms038 أن تستفز من النفوس ما كانت تستفزه من قبل، وضعف ما كان في النفوس من ~~شوق لظهور ديانة جديدة، وبرهنت الكثلكة أن قوة الحياة فيها لا تزال موفورة لم تصب ~~بسوء. # لهذا فإن عبقرية كومت والاحتياطات التي ظن أنه اتخذها لإقامة نظامه الاجتماعي على ~~أساس معقول، كل ذلك لم يمنع فكرته أن يصيبها ما أصاب غيرها من الأفكار المشابهة لها مع ~~بعض اختلاف في الزمن الذي لزم لذلك. حقا أن (السياسة الوضعية) وغيرها من الكتب التي ~~كتبها كومت في حاله الثانية تكثر فيها الآراء الثاقبة الدقيقة. ومن المفيد أن يبحث ~~الإنسان عما يصل إليه تفكير العقل الكبير في أي موضوع من الموضوعات، ولكن هذا الجزء من ~~عمله، وإن حسبه هو صاحب المركز الأول أبعد من أن يحتفظ بهذا المركز في نظر ~~المؤرخ. # وسبب ذلك أن كومت لا يمثل فيه إلا جيله، أما في فلسفته فهو ممثل عصره والقرن بأجمعه. ~~ولسنا بحاجة إلى إقامة الدليل على ذلك؛ فإن تاريخ الحياة الفكرية لذلك القرن تشهد به كل ~~خطوة من خطاها؛ إذ كان هذا المذهب من بين المذاهب التي ظهرت في فرنسا في القرن التاسع ~~عشر الوحيد الذي تخطى حدود هذا الوطن ورسم بطابعه المفكرين الأجانب. فقد لقيت فلسفة ~~كومت أول ظهورها في إنجلترا وهولندا عطفا لم تلقه في فرنسا نفسها، واستمد منها ستوارت ~~مل وهربرت سبنسر وجورج لويس وجورج اليت وعدد غيرهم من فلاسفة الإنجليز وكتابهم، ثم هي ~~لا تزال إلى اليوم تجد من بين رجال إنجلترا النوابغ من يدافع عنها. وإذا لم يكن من ~~فلاسفة الألمان من اتصل بكومت صلة جان ستوارت مل به، فإن الروح الوضعية تمتد في الكليات ~~الألمانية وتنتشر من نحو ثلاثين سنة. ويكفي مقنعا بذلك ملاحظة ما هناك من اطراح ~~الأفكار المتافيزيقية (ما بعد الطبيعة) والمذهب الذي يقام على أساس العلوم الخلقية ~~والاجتماعية، أما في الممالك اللاتينية في العالمين، فأثر كومت ظاهر على أشده، سواء في ~~ذلك إسبانيا والبرتغال وأمريكا الجنوبية. ولم تخل أمريكا الشمالية من الجمعيات ms039 الوضعية. ~~بل لقد لقي كومت فيها أيام حياته أصحابا أكثر ما يكونون لمذهبه إخلاصا. # أما السبب الأهم في إذاعة الفلسفة الوضعية في فرنسا، فكانت كتابات ذينك المؤلفين ~~المحبوبين إلى الرأي العام تين ورينان. فلقد عملا من غير أن يكونا وضعيين لنشر مذهب ~~كومت أكثر مما عمل لتريه وكل الوضعيين معا. # حقا لقد أفاد تين كثيرا من سبينوزا ومن هيجل. أجل أفاد من كندياك أكثر مما أفاد ~~منهما. وهو يتصل من المعاصرين بستوارت مل وسبنسر. ولكنه إنما كان يصدر عن كومت متخذا ~~إياهم بعد ذلك سبيله ووسيلته. ففكرته في تاريخ الأدب وفي النقد وفي فلسفة الفنون ~~والمجهودات التي صرفها لينقل إلى العلوم الخلقية طريقة العلوم الطبيعية كل ذلك يرجع إلى ~~أوجست كومت بنوع خاص. وكتابه في تاريخ أدب الإنجليز هو تطبيق للنظرية الوضعية التي تجعل ~~تطور الفنون والآداب خاضعا لأحكام معينة وقوانين محتومة تجعلها متضامنة مع تطور ~~الأخلاق والأنظمة والعقائد. أما نظرية الزمن والوسط، وهي إحدى نظريات تين الرئيسية، فلم ~~تكن مجهولة في القرن الثامن عشر، ولكن فضل تعميمها يرجع إلى كومت في مقاربته ما بين ~~لاماركه ومونتسكيو. وكومت هو الذي أفاد تين التعريف العام لفكرة الوسط تعريفا جامعا ~~بين أن يكون بيولوجيا واجتماعيا. # وأما ما قاله رينان عن كومت فكان غاية في القسوة، ويمازجه شيء من التحقير والازدراء. ~~وعلى الرغم من ذلك فقد اعترف أن كومت سيكون بلا شك من أعلام ذلك العصر كما أنه لم يسلم ~~من التأثر به أعظم الأثر. ولئن كان واجبا ألا ننسى المصادر الأخرى الفرنسية والأجنبية ~~التي أوردها ذلك العقل الكبير، فإن اعتباره التاريخ (علم الإنسانية الأقدس) وانتظاره ~~منه أن يحل الإيمان بفكرة التقدم الوضعية محل آي الكثلكة القديمة عن القدرة العليا، ~~وإدراكه أن الحقيقة والخير ليسا حقائق خالدة جامعة، بل هما يتحققان رويدا بمجهودات ~~الأجيال المتعاقبة، كل ذلك يرجع الفضل فيه إلى كومت بمبلغ ما يرجع إلى هيجل. # ونحسب هذين المثلين يكفيان لإظهار ما وصلت إليه الروح الوضعية من سعة ~~الانتشار. # وقد بلغ من ms040 اختلاط هذه الروح بالفكرة العامة في عصرنا الحاضر حتى أصبح الإنسان لا ~~يكاد يلاحظها، مثلما أنه لا يهتم للهواء الذي يستنشقه. فتأثر بها التاريخ والقصص والشعر ~~ثم عادت هذه الفروع كلها، فزادت في تلك الروح انتشارا. وكذلك عن كومت صدر علم الاجتماع ~~الحاضر؛ وعنه إلى حد ما صدر علم النفس بطريقته العلمية؛ ولهذا كله فلا يكون مجازفا من ~~يعتبر الفلسفة الوضعية مظهر الميول والأفكار المميزة لعصرنا الحاضر. # وإذن فوقوفنا من عمل كومت عند الفلسفة التي تكون أكثر أقسامه عبقرية وحياة وخصبا، ~~ليس هو إلا الأخذ بالحقيقة التي يرى بها التاريخ. ولا يهمنا إن لم يعتبر كومت هذا القسم ~~إلا مقدمة بسيطة. فكم كان المجهود النظري يقوم به أحد المفكرين لينشئ فوقه عملية أكثر ~~فائدة وأخلد أثرا من تلك النتائج نفسها. ~~(2) المسألة الفلسفية # يرى كومت أن القصد من الفلسفة أن تقوم أساسا للخلق وللسياسة وللدين. فهي ليست غاية ~~لذاتها ولكنها وسيلة لغاية لا يمكن الوصول إليها بدونها. ولو اعتقد كومت يوما أن في ~~الإمكان إعادة نظام الجمعية من غير البدء بنظام الأخلاق أو إقامة الأخلاق من غير أن ~~يسبقه تنظيم العقائد، إذن لما ألف - على الأغلب - ستة أجزاء في دروس الفلسفة الوضعية ~~التي شغلته ما بين سنة 1830 وسنة 1842، بل لتخطاها إلى ما كان أسمى منها فائدة وأكثر ~~جدوى. # ولكنه اقتنع من أول أمره أن أقصر الطرق أسوؤها، ورأى أن كل مجهود يصرف لإقامة النظام ~~الديني أو السياسي أو الخلقي يذهب عبثا إذا لم يسبقه إعادة النظام العقلي؛ لهذا جعل ~~أول همه إقامة فلسفة جديدة لا غنى عنها للوصول إلى الغاية الاجتماعية التي كان يرمي ~~إليها. وبذلك أصبحت هذه الفلسفة غرضا في ذاتها ولو مؤقتا. # إذن فسينظم كومت العقائد. ومعنى ذلك أنه سيحل إيمانا مبنيا على الحجة والدليل محل ~~الإيمان الموحى به والذي خبا ضوءه. ولن يكون ذلك الإيمان المتعقل مشابها في شيء ~~للديانة الطبيعية التي قامت في القرن الثامن عشر، فإن تلك الديانة لم تكن إلا نوعا ~~مختلا ضعيفا من ms041 أنواع الإيمان بما فوق الطبيعة تظهر الفكرة الدينية من خلال منطقه ~~الميتافيزيقي عن الألوهية. أما الإيمان المتعقل فيستمد أصوله ومسوغات وجوده من العلم ~~الوضعي، (الواقعي). ويومئذ لا يكون التنافر الذي يرى بين كلمتي (الإيمان) و(الدليل) إلا ~~تنافرا ظاهريا وإن كان ما سيوضع من القواعد يراد به أن يكون موضع (إيمان)، نظرا لما ~~يجب للأغلبية العظمى من الناس من الأخذ بالنتائج التي قررتها الفلسفة الوضعية. وسيبقون ~~دائما قلائل أولئك الرجال الذين يجدون من الوقت ويصلون من كمال العلم إلى ما يمكنهم من ~~فهم هذه النتائج واستقصاء أدلتها. أما من سوى هؤلاء فلن يكون منهم لها سوى الخضوع ~~والاحترام. ولكن الفارق بين هذا الإيمان المتعقل وبين ما عرفته الإنسانية إلى يومئذ من ~~آي الدين أن الأول لا يحوي شيئا لم يثبت بعد تمحيصه بالطريقة العلمية ولا شيء فيه يخرج ~~عن دائرة المعلومات النسبية، وأن كل ما فيه يمكن في لحظة إثباته أمام كل ذي بصيرة ~~يستطيع تتبع ما يدلي به من الحجة والدليل. # وهذا النوع من الإيمان حاصل بالفعل فيما يتعلق بعدة حقائق علمية. فجميع المتمدينين ~~يؤمنون اليوم بنظرية (النظام الشمسي # Système Solaire ~~) ~~التي يرجع الفضل في اكتشافها إلى كوبرنيك وكبلر ونيوتن، وقل منهم من هو بحيث يفهم ~~الإيضاحات التي بنيت النظرية عليها. ولكنهم يعلمون أن ما هو موضع إيمانهم هذا هو موضع ~~علم وبحث عند الآخرين، وأنه يكون كذلك بالنسبة لهم لو أنهم وصلوا من العلم لما يؤهلهم ~~له. إذن فليس معنى الإيمان هنا التنازل اختيارا عن تعقل طريقة تفوق مدى العقل، بل ~~التسليم الذي لا يضيع على صاحبه حق التعقل. وأساس هذا التسليم أن ليس في وسع إنسان في ~~كل لحظة أن يستعمل حق النقد. ومن رأي كومت وجوب قصر هذا الحق في العمل عند أضيق حدوده. ~~وإن كان الأصل وجوده لكل رجل ذي بصيرة ما بقي. وعلى ذلك يكون معنى الإيمان المتعقل هو ~~هذه الفكرة: (لو أن الناس جميعا كانوا بحيث يستطيعون استقصاء آياته لوصلوا جميعا وبلا ~~استثناء لفهم ms042 مبادئه ونظرياته، ولسلموا بها كلهم). # فيجب إذن ألا تكون كلمات (العقيدة) و(الإيمان) مثارا هنا لشبهة. فإن ما اشتغل به ~~كومت من (تنظيم العقائد) لم يشمل منها إلا ما كان ممكن التوضيح والاستظهار. وهو هنا ~~متفق مع فكرة سان سيمون الذي كان يعتبر الديانة كأساس من أسس النظام السياسي، ثم إن ~~كومت - في أول حاليه على الأقل - لم يدخل في الإيمان شيئا من المسائل الغيبية أو ~~العواطفية أو غير العقلية التي تنطوي عليها هذه الكلمة عادة، وتجعلها لذلك معارضة في ~~أغلب الأحيان للتعقل، بل قصد بالإيمان كل ما يعتقده الإنسان خاصا بأي مسائل يمكن أن ~~يصل إليها علمه. وانما حدا به إلى ذلك ما ظهر من عدم اكتفاء العقل الإنساني بتلك ~~التفاسير المثلية أو الميتافيزيقية التي كان يعلمها الفلاسفة والقساوسة الناس عن ~~العالم وعن الإنسان، والتي كانت موضوع العقائد إلى حينئذ. فاتخذت الفلسفة الوضعية ~~طريقا غير ذلك الطريق، وجعلت تحل العرفان بقوانين الحوادث محل هذه التفاسير. ومن ثم ~~أصبحت المسألة عند كومت ... الوصول من طريق العقل لإقامة مجموعة حقائق خاصة بالإنسان ~~والجمعية، والعالم يسلم بها الناس جميعا. # وقد وقر في نفس كومت على أثر ذلك فكرتان: أولاهما: أن الأفكار والعقائد والتصورات ~~الخاصة بهذه الأمور كانت في ذلك اليوم فوضى، والثانية: أن حالتها الطبيعية المعقولة أن ~~تكون منظمة. # أما النقطة الأولى فغنية عن كل دليل. ويكفي أن يلقي الإنسان نظرة على الجمعية الخاصة ~~ليعلم أن الاضطرابات التي تهز جوفها وتهددها بالخراب، إذا هي لم تهتد إلى أساس ثابت ~~يقوم بناؤها عليه ليس مرجعها أسبابا سياسية فحسب، بل هو نتيجة اضطراب خلقي يرجع هو ~~الآخر إلى اضطراب فكري منشؤه عدم وجود قواعد مشتركة بين كل العقول وعدم قيام مبادئ ~~وعقائد يسلم بها الناس جميعا. وليس يكفي لوجود جمعية إنسانية وبقائها وجود شيء من ~~الشبه بين العواطف، كلا ولا قيام المصلحة المشتركة بين أفرادها، بل يجب مع هذا وقبل كل ~~شيء وجود اتفاق فكري تحققه مجموعة عقائد مشتركة. # فإذا رأيت جمعية من الجمعيات يعمل ms043 فيها فساد مزمن لا تظن أن طرق العلاج السياسية تنتج ~~في شفائه، فاعلم أن السبب الأصيل لذلك الفساد إنما هو اختلال النظام العقلي، وأن ~~المفاسد الأخرى ليست إلا مظاهر لهذا الاختلال. وتلك في رأي كومت هي حال جمعيتنا ~~الحاضرة؛ فلم تبق تحكمها سلطة عقلية ولا روحية، وبلغت من ذلك حتى فقدت مجرد الشعور ~~بانحلال تلك السلطة. فلم يبق بين العقول نظام مشترك تقره ولم يبق النقد السلبي الهادم ~~مبدأ، إلا أتى عليه وأقام الفرد نفسه الحكم الأوحد في كل مسائل الفلسفة والخلق والسياسة ~~والدين يأخذ منها ما يشاء، ولو لم يكن عنده من العلم ما يؤهله لهذا الاختيار، ويحسب أن ~~ما أخذ به ليس أقل مما أخذ به سواه، وأنه لا يصدر إلا عن نفسه. وهذا التشتت بين العقول ~~(أو ما يقول عنه كومت أخيرا هذه الثورة فيها) هو ما نسميه حالة الفوضى. # ولكن مثل هذه الحال هي الحال العادية الصرفة للجمعيات الإنسانية. وإن الحال النظامية ~~لا تظهر إلا نادرا وبصفة استثنائية. وهذا زعم فاسد الأساس، ولو أنه صح يوما لما بقيت ~~الجمعيات ثم لما تقدمت، وإنما الصحيح أن أزمنة الفوضى العقلية هي أزمنة استثنائية، وأن ~~الناس في كل جمعية عادية يربطهم معا خضوع عام لمجموع معين من المبادئ والعقائد. ~~والتاريخ شاهد يؤيد هذا الرأي. فإن جمود مدنيات الشرق الأقصى مرجعه الأول ما يمتازون هم ~~به عنا من الثبات العقلي. وقد اطمأنت الجمعيات القديمة (اليونانية والرومانية) إلى فكرة ~~معينة عن الإنسان وعن المدنية وعن العالم لم يطرأ عليها طول مدة بقاء هذه الجمعيات إلا ~~قليل من التغيير. ثم كان للمسيحية في أوروبا سلطة عجيبة في مدى القرون المتوسطة، فأقام ~~النظام الكاثوليكي (الذي يعتبر منتهى ما تصل إليه الحكمة السياسية) بناء من العقائد ~~اطمأنت له كل النفوس، وأسلمت قيادها له وانحلال هذا البناء أقوى من معظم الشرور التي ~~نتخبط في حمأتها. من ذلك يتبين أن الفوضى العقلية حال غير عادية، ومرض سماه كومت (لمرض ~~الغربي) ولو طال أمد هذا المرض لأصبح ms044 قاتلا فإما أن تستسلم الجمعية له فتهلك، وإما أن ~~تعاود العقول توازنها بالخضوع لمبادئ مشتركة والتسليم بها. # من ذلك يظهر أن مسألة إعادة نظام العقائد تزدوج، فيصبح ثمة من جهة مسألة فلسفية صرفة ~~ترمي إلى إقامة مجموعة مبادئ عقائد صالحة ليسلم بها الناس جميعا، ومن جهة أخرى مسألة ~~اجتماعية تبحث في الوسيلة لجمع العقول والأذهان إلى هذا الإيمان الجديد، على أن هذه ~~الفكرة ليست إلا ظاهرية. فإن حل المسألة الأولي يجر حتما إلى حل المسألة الثانية؛ ذلك ~~لأن صفة النظام عند المجموع أساسها الأول ما في نفس كل فرد من الاضطراب، وانقسام العقول ~~فيما بينها أصله انقسام كل عقل على نفسه. فلو أن عقلا واحدا أمكنه أن يقيم التوازن في ~~نفسه لانتقل هذا التوازن بفضل المنطق وحده إلى ما حوله ومن جاوره. وإذن متى أنشئت ~~الفلسفة أصبح أمر تحقيق الباقي موكولا ليد الزمن. وحسبنا بحث الأفكار والعقائد القائمة ~~في إحدى النفوس، والنظر فيما يلزم لإحلال التوازن محل الفوضى فيها بمعنى أن يحل فيها ~~«توازنا منطقيا كاملا». # لما أراد ديكارت أن يبلو معلوماته بمبدأ الشك لم يحتج إلى أكثر من تعرف المصادر التي ~~جاءت هذه المعلومات عنها. وكذلك فعل كومت. فإنه لما أراد تحقيق التوافق المنطقي لآرائه ~~اكتفى بالنظر في الطرائق التي أوصلتها إياه، حتى إذا اكتشف أن أيا من بينها لا تتفق ~~مع سواها كان قد وجد سبب الاضطراب العقلي، ومنشأ المفاسد التي تثقل كاهل الجمعية ~~الحاضرة، وكان كذلك قد وجد الدواء. والدواء هو السعي لاستبعاد هذا التناقض؛ فإن الوحدة ~~والتوافق هما أول ما يتطلبه الفكر الإنساني بطبيعته، والفهم متناسق بفطرته فلا يكتفي ~~بآراء محشودة في الذهن ولا تتفق مع المنطق، ومهما يكن التناقض مجهولا من صاحبه فإن ذلك ~~لا يمنعه من أن يحس به، وكل فكرة عندنا تستدعي وجود مجموع أفكار مرتبطة بها وصلت إلينا ~~من نفس الطريق الذي وصلت منه تلك الفكرة، وهذا المجموع جزء من كل أعظم منه يتم في ~~أنفسنا، وتجمعه فكرة عامة عن العالم. # وقد ms045 وجد كومت في نفسه وفي نفوس معاصريه طريقتين عامتين من طرائق التفكير لا يتفق ~~وجودهما معا من غير تعارض ولا تناقض. ولم تستطع إحداهما إلى يومنا هذا التغلب على ~~الأخرى تغلبا حاسما. فهو يفكر عند النظر في عدة مجموعات من الحوادث تفكير عالم نشأ في ~~مدرسة هيز وجاليليه وديكارت وتابعيهم، فلا يفكر في تفسير هذه الحوادث بأسبابها، ويقنع ~~أن أوصلته الملاحظة أو أوصله الاستقراء لمعرفة قوانينها لما تسمح له به معرفة تلك ~~القوانين من المداخلة أحيانا في شأن الحوادث؛ ليحل محل النظام الطبيعي نظاما صناعيا ~~أكثر اتفاقا مع حاجاته، وهذا هو ما صير المظاهر الميكانيكية والفلكية والطبيعية ~~والكيماوية، بل البيولوجية في نظره، موضوعات للعلم النسبي والوضعي (الواقعي). # ولكن متى كانت المسائل المراد النظر فيها راجعة أصولها إلى دخيلة ضمير الإنسان، أو ~~متعلقة بالحياة التاريخية والاجتماعية، فهنالك تغلب على النفس وجهته مناقضة لتلك الوجهة ~~الأولى. فلا يقتصر الذهن عندئذ على البحث وراء قوانين الظواهر، بل يزعم لنفسه القدرة ~~على تفسيرها، ويندفع يريد الوصول لماهيتها وسببها. فهو يبحث في أمر الروح الإنسانية وفي ~~علاقتها بحقائق العالم الأخرى، وفي الغاية التي يجب على الجمعية أن ترمي إليها وفي أحسن ~~الحكومات الممكنة، وفي العقد الاجتماعي وفي غير ذلك من المسائل التي يرجع في كلها إلى ~~طريق التفكير (الميتافيزيقي). وهذا الطريق لا يتفق مع الأول بحال من الأحوال. ومع ذلك ~~نراهما قائمين اليوم معا في كل النفوس. # وإن سير الجماعات ليظهر لنا كيف حدث ذلك. ولكن أيا كانت أسبابه التاريخية فإن ~~حقيقته ثابتة للعيان. فلا يستطيع الذهن الإنساني اليوم أن يتقبل كلا، ولا أن يرفض ~~بتاتا أيا من هاتين الطريقتين من طرائق التفكير. فهو يشعر تمام الشعور أن ما قررته ~~العلوم الوضعية لا يمكن رفضه أو التخلص منه. وأن لا سبيل للرجوع إلى تفاسير ميتافيزيقية ~~أو دينية للظواهر الفلكية أو الطبيعية. ولكن يرى أيضا أن الصور الميتافيزيقية والدينية ~~لازمة عنده ولا غناء له عنها. وذلك طبيعي ما دام العقل الإنساني يريد لسد حاجته إلى ~~الوحدة ms046 والتناسق اللذين هما مطلبه الأعلى فكرة عامة تحيط بكل أنواع الظواهر. وهذه ~~الفكرة هي ما سماه كومت جماع التجارب، أو هي في كلمة واحدة (الفلسفة). # ولم تثبت طريقة التفكير الوضعية إلى اليوم قدرتها على سد هذه الحاجة، إذ إنها لم تنتج ~~إلا بعض علوم معينة، ولما كان العلم الوضعي خاصا وجزئيا فقد قصر بحثه على مجموعة ~~محدودة من الظواهر وقف عليها كل أعماله التحليلية والتنسيقية بدقة محمودة كانت أساس ~~قوته، ولم يقدم يوما ما على تنسيق كل الحقائق التي وصل إليها علمنا. بل اختص الديانات ~~والميتافيزيقيات بهذا العمل الذي لا يزال إلى يومنا هذا سبب وجودها الأهم، ذلك بأنه عمل ~~يجب القيام به لما يطمح إليه العقل الإنساني بالضرورة، وبطبعه من الوحدة وما يرجوه من ~~تحصيل فكرة عن العالم. فخير له إذن أن يبقى متعلقا بهذه الحلول التي تقدمها له ~~الديانات والميتافيزيقيات، مهما تكن حلولا خيالية من أن يترك المسائل الفلسفية معلقة ~~أمامه ولا جواب عليها. ومما تقدم يظهر أن الروح الوضعية في زمننا الحاضر (حقيقة)، ~~ولكنها (خاصة) والروح الدينية الميتافيزيقية (عامة) ولكنها (خيالية). وليس في إمكاننا ~~أن نضحي (حقيقة) العلم ولا (عمومية) الفلسفة. فكيف السبيل إلى الخروج من هذا ~~المأزق. # لدينا لذلك ثلاثة حلول لا رابع لها: ~~(1) # فإما أن نصل إلى توفيق يمكن معه وجود طريقتي التفكير من غير ~~تضارب. ~~(2) # وإما أن نقيم الوحدة بتعميم الطريقة الدينية الميتافيزيقية. ~~(3) # وإما أن نقيم الوحدة بتعميم الطريقة الوضعية. ~~••• # يظهر الحل الأول لأول وهلة مقبولا أكثر من الأخيرين. إذ لم لا يتفق بحيث الأنواع ~~المختلفة من المظاهر الطبيعية على طريقة وضعية مع فكرة ميتافيزيقية أو دينية عن الوجود. ~~وأي مانع يمنع تصور المظاهر بسنن لا تبديل لها، وأن نبحث في الوقت نفسه من طريق آخر ~~السبب الذي يجعلنا نفهم العالم والطبيعة على عمومها. ومتى كان ذلك وتحرر العلم الوضعي ~~من حكم الدين والميتافيزيقية، ضمن ذلك العلم لهما مثل ما وصل إليه من الاستقلال، وتحددت ~~بذلك على طريقة تزداد كل يوم دقة، النطاق الصحيح ms047 للعلم الوضعي من جهة ونطاق التطورات ~~التي تتعدى التجارب من الجهة الأخرى. # وإن كومت ليخبرنا أن هذا التوفيق ظهر معقولا زمنا طويلا، وأن الأفكار الدينية ~~والميتافيزيقية لا تزال إلى يومنا هذا هي الصور الجامعة التي قامت في النفس الإنسانية ~~عن الوجود. ولقد أدت هذه الأفكار بذلك وظيفة ضرورية لولاها لما وجد العلم الوضعي ولما ~~تقدم. ولكن لما كان هذا العلم هو وارثها فهو كذلك عدوها، وتقدمه يجر حتما تدركها. وما ~~في التاريخ من تراجح آي الدين والميتافيزيقية من جهة والمعلومات الوضعية من الجهة ~~الأخرى يدل على أن التوفيق بينهما لا يمكن أن يدوم. # ولا يكون انقضاء التناقض بين طريقتي التفكير نتيجة معركة منطقية فاصلة تنهزم فيها ~~الديانات والفلسفات؛ فليس على هذا الشكل تنتهي الآيات والفكر ولكنها تختفي بإهمالها، ~~كما يقول كومت، اختفاء الطرق غير المستعملة. وهل هي كانت إلا كطرائق للذهن الإنساني ~~الذي أراد أن يحيط مجموع الأشياء بنظره من قبل أن يتم درسها. ولم يكن للعقل أن يتقدم ~~للإنسان بهذه المعلومات الحقة إلا متأخرا، وبرغم الجهود الطويلة التي قام بها العلم، ~~ولقد كانت المعلومات التي تقدم بها متواضعة كل التواضع ونسبية كلها؛ لهذا لجأ الإنسان ~~إلى الخيال طالبا هذه المعلومات دفعة واحدة ومطلقة كلها. ولكنه ترك هذه التفسيرات ~~الدينية والمنطقية رويدا رويدا على نسبة تقدمه في بحث المظاهر بحثا وضعيا، وعود ~~نفسه أن يردها إلى مناطق تزداد بالزمن بعدا من غير أن يهمل قطعا التنقيب عن أسباب ~~الأشياء. ولكنه أصبح لا يهتم بتقدير الأسباب للظواهر التي وصل فيها إلى فكرة وضعية ~~بحتة، وصار يكتفي بما يعلم من خضوع هذه الظواهر لقوانين معينة. ومتى اعتادت الأذهان ~~تصور كل الظواهر من كل الأنواع على هذا النحو، وأصبحت فكرة قوانين هذه الظواهر أيا ~~تكون متعارفة كذلك لا يبقى لطريقة التفكير الميتافيزيقية وجود، وبالاختصار فمتى أصبح ~~العلم كله وضعيا أصبحت الفلسفة وضعية كذلك. # فإنا لا نملك النظر للأشياء إلا من جهة واحدة، وكل ما كان من معلوماتنا «حقيقيا» ~~ينصب على الظواهر وقوانينها. فإذا ms048 أصبح نظرنا لكل أنواع الظاهرات مأخوذة واحدة بعد ~~الأخرى مكيفا على الطريقة الوضعية لم يبق لنا، إذا أخذناها معا ونظرنا إلى مجموعها، ~~أن نفكر فيها بطريقة مختلفة عن الطريقة الوضعية بل معارضة لها. # والواقع أن وجود هاتين الطريقتين من طرق التفكير معا سيبقى ما دامت الروح الوضعية لم ~~تصل إلى تمام انتشارها، وما بقي جزء قل أو كثر من الظاهرات الطبيعية يفسر بماهيته وسببه ~~وغايته. ولكن هذه الحال لن تدوم إلى الأبد. بل كلما تقدمت الروح الوضعية اضمحل مركز ~~الصورة الدينية الميتافيزيقية من العالم وتلاشى. فعلينا إذن أن نختار بين الطريقتين إذ ~~لا سبيل إلى وحدة التفكير، ولا إلى التماسك المنطقي التام إلا هذا الاختيار. # وهذا الاختيار الذي ألجأنا إليه عدم إمكان التوفيق يدفعنا للنظر في الأخذ بطريق ~~التفكير الوضعي كلا أو اطراحه كلا. ولقد رأى المحافظون # traditionalistes ~~- وأخصهم يوسف دمتر - هذا الوجه من أوجه المسألة مما دعا ~~كومت للاعتراف لهم بكبير الفضل. ودمتر لا يرى لجمعيتنا سلاما إلا في العودة التامة ~~لطريق التفكير الديني. وهو لذلك يحارب الروح الفلسفية الحديثة في أصلها، وإن شئت ففي ~~الأصول المتعددة التي أخذت عنها، فهو يناضل كومت مناضلته فلسفة القرن الثامن عشر التي ~~أخذت عنها، ولا يراعي لباكون أكثر مما راعى للوك من حرمة، ولا يرحم أنصار الإصلاح الأول ~~أكثر من رحمته باكون؛ ذلك لأنه علم أن القرن الثامن عشر إنما هو النتيجة الشاملة التي ~~جهزها القرنان السادس والسابع عشر، وأن هذه القضية المنطقية العظمى المخربة ترجع أصولها ~~إلى أعمال التحليل والإفساد التي بدأت منذ القرن الرابع عشر؛ ولهذا فهو متفق مع نفسه ~~فيما سعى إليه من منازلة هذا العمل الشيطاني لإرجاع أوروبا إلى ما كانت عليه حالها ~~العقلية الدينية في العصور الوسطى، فإن إعادة سلطان البابا الروحي يقطع الطريق على ~~الفوضى العقلية والخلقية، وهناك ترجع الكثلكة إلى النفوس أرفع حاجاتها وهي ~~الوحدة. # وهذا الحل يكفي أمام الخيال لمواجهة فروض المسألة. ولكنه غير ممكن الحصول في الواقع؛ ~~لأن التاريخ لا يرجع إلى منبعه. ms049 ويجب لإخضاع الأذهان من جديد إلى السلطان الروحي الذي ~~كانت تقبله طوعا في العصور المتوسطة أن نعيد حولها مجموع الظروف التي كانت تحيط بها في ~~ذلك الحين. لكن كيف لنا أن نمحو من التاريخ اكتشاف أمريكا، واختراع الطباعة وغير ذلك من ~~الأمور الاجتماعية الكبرى. ثم ما هو السبيل لنتجاهل وجود كوبرنك وكبلر وجاليليه وديكارت ~~ونيوتن وسائر مؤسسي العلوم الوضعية. ولئن أمكن المستحيل واستطعنا أن نستعيد الوحدة ~~العقلية والخلقية التي كانت قائمة في الجمعية المسيحية أيام العصور الوسطى، فكيف لنا أن ~~نمنع القوانين الطبيعية التي وصلت إلى حل هذه الوحدة مرة أن تعود إلى مثل ذلك مرة ~~أخرى. # وما دام ذلك غير ممكن فقد أصبح الإنسان مسوقا حتما لقبول الحل الثالث والأخير. ما ~~دام التوفيق بين طريق التفكير الوضعية والطريق الأخرى غير ممكن. وما دام السلطان المطلق ~~لا يمكن أن يكون لطريق التفكير الدينية الميتافيزيقية. وما دام واجبا للعقل الإنساني ~~الأخذ بفلسفة، فلم يبق إلا أن تنشأ هذه الفلسفة من طريق التفكير الوضعي وحده. ولا شيء ~~فيما نرى يمنع تحقيق ذلك. بل إن آخر قضايا الروح الدينية الفلسفية ليست من المتانة فلا ~~تمحى. وهذه الروح (الخيالية) بماهيتها لا يمكن أن تصبح حقيقة يوما من الأيام. أما ~~الروح الوضعية فليست (خاصة) إلا عرضا، ومن الممكن جدا أن تصل إلى العمومية التي ~~تفتقدها. وإذ ذاك يمكن إقامة فلسفة جديدة تحل معها مسألة (التماسك المنطقي التام) ~~المنشود. # فالصعوبة كلها إذن هي في تعميم طريقة التفكير الوضعية. ويجب للوصول إلى ذلك أن تمتد ~~هذه الطريقة إلى الظواهر التي لا يزال الناس يتصورونها عادة على طريقة التفكير الدينية ~~الميتافيزيقية. هذه هي الظراهر الخلقية والاجتماعية، وسيكون هذا العمل هو الاكتشاف ~~الرئيسي لكومت. فإنه سينشئ (طبيعة اجتماعية)، ويكون بها قد نفى ما بقي للدين وللفلسفة ~~من سبب في الوجود، وأقام على أساس من العلم الوضعي فلسفة وضعية كذلك، وعندئذ تتحقق ~~(وحدة الفكر) ويكون من أثر هذا التوازن العقلي قيام التوازن الخلقي والتوازن الديني ~~للإنسانية. ~~(3) قانون الحالات الثلاث # قد ms050 يعتبر إنشاء علم الاجتماع في مذهب كومت بدء وغاية في وقت معا. فإنك لترى الطريقة ~~الوضعية تصل معه من جهة إلى حكم أرقى الظاهرات وأشرفها وأكثرها تركيبا. وهنا يكون علم ~~الاجتماع أرفع مراتب الروح الوضعية، وبذا يصل إلى أرقى درجات العلوم، ومن ثم يحكمها ~~جميعا. ثم إنك من الجهة الأخرى ترى الفلسفة الوضعية، وقد أصبحت ممكنة الوجود تنشأ من ~~عنده لتقيم مبادئ الخلق والسياسة. # قال كومت في أول «الدروس»: (إن إنشاء علم الاجتماع سيسمح للفلسفة الوضعية أن تكسب صفة ~~العمومية التي لم تكن بعد قد أفادتها، وستصير بذلك قادرة على أن تحل محل الفلسفة ~~الدينية والميتافيزيقية التي لا تمتاز اليوم بصفة حقيقية غير هذه العمومية). # 7 # ثم استنتج في آخر «الدروس» ما يأتي: (إن خلق علم الاجتماع أقام اليوم ~~الوحدة الأساسية في مذهب الفلسفة الحديثة كله). # 8 # ولقد خلق هذا العلم الذي يرجع إليه كل ما سواه من يوم أن اكتشف كومت قانون الحالات ~~الثلاث. فإن إقامة هذا القانون تخرج (الطبيعة الاجتماعية) عن أن تكون مجرد فكرة فلسفية ~~لتصبح علما وضعيا. ولقد أحس بهذا القانون بل حدده في القرن الثامن ترجو ثم كوندرسيه ~~ثم الدكتور بوردن. ولكن كومت ينسب - على الرغم من ذلك - اكتشافه لنفسه. على أنه إذا كان ~~عدلا أن نعترف لسابقيه بما لهم من حق، فحق كذلك أن نقر كومت على أن أحدا منهم لم ~~يتصور المدى العلمي لذلك القانون وشتان بين مجرد استنباط الوقائع، وبين فهم عظيم ~~أهميتها والاهتداء من بينها إلى القانون الأساسي الذي يحكم مجموع تقدم الإنسانية. وإليك ~~كيف يتقدم به كومت في (فكرة عن الأعمال العلمية اللازمة لإعادة نظام الجمعية - 1822): # إن طبيعة العقل الإنساني تقضي على كل فرع من فروع معلوماتنا أن يمر في أثناء ~~سيره حتما، وعلى طريق التعاقب بثلاث أحوال نظرية مختلفة: الحال الدينية أو ~~التخيلية، والحال الميتافيزيقية أو المطلقة - ثم الحال العلمية أو الوضعية. # 9 # ولقد ذكر كومت هذه الفكرة في الدرس الأول من دروس الفلسفة الوضعية، ثم أضاف إليها ما ms051 ~~يأتي: (وبعبارة أخرى فإن الذهن الإنساني بطبيعته يستخدم على التعاقب في كل أبحاثه ثلاث ~~طرائق من طرق الفلسفة يختلف كل منها في جوهره عن الآخرين بل يعارضهما. فالطريقة الدينية ~~أولا ثم الطريقة الميتافيزيقية ثانيا والطريقة الوضعية أخيرا. وينشأ عن ذلك ثلاث ~~فلسفات أو مذاهب عامة عن تصوراتنا لمجموع الظواهر تنفي كل منها ما بعدها. فالأولى هي ~~نقطة البدء اللازمة للعقل الإنساني، والثالثة هي حاله الثابتة النهائية، وأما الثانية ~~فلم تعد إلا لتكون سبيلا بينهما). # 10 # وكلمتا الدينية والميتافيزيقية يقصد بهما هنا معنى معينا أدق التعيين، فكومت يقصد ~~بالدين مذهبا عاما في تصور مجموع الظواهر يرجع قيام هذه الظواهر إلى إرادة الآلهة، ~~ولا يريد به المضاربات والتفكيرات الدينية التي يعتبرها الناس عادة علما منطقيا أو ~~قدسيا. بل إنه لا يفكر أقل التفكير في درس الحقيقة الموحى بها. وإنما يشير بهذا الاسم ~~إلى تفسير ظواهر الطبيعة بأسباب تحكمية فوق الطبيعة. فمعنى الديني التخيلي. وكومت يسمى ~~هذه الطريقة في التفسير أيضا «التصورية» أو «المثالية». وعلى هذا المعنى نراه يتساءل: ~~إذا لم يكن كل منا يذكر أن أفكاره الرئيسية كانت دينية أيام طفولته ميتافيزيقية في ~~شبابه طبيعية في رجولته. # 11 # كومت لا يشير في ذلك إلى ما يأخذه الطفل من التعاليم الدينية عن أهله بل ~~إلى ميله السليقي الذي يجعله يفسر الظواهر الطبيعية بإرادات لا بقوانين. إذن فالدين ~~يرادف هنا تصور أسباب الأشياء كأثر قوي، وهي إن تكن علوية فهي تشابه الإنسان في تفكيره ~~وإرادته. # كذلك لا يجعل كومت للميتافيزيقي ذلك المعنى الواسع الذي يعطى له عادة، ولا يتعرض إلا ~~عرضا لعلم الموجود في اعتباره موجودا ولا للمادة ولا للعناصر الأولى، وإنما ينظر ~~إليها كوسيلة لتفسير الظواهر التي تنتجها التجارب - فافتراض أثير لتفسير ظواهر الضوء ~~والكهرباء في الطبيعة هو من أمثلة الميتافيزيقية. ومثله افتراض العنصر الحيوي في ~~الفسيولوجيا، وافتراض الروح في البسيكلوجيا (علم النفس). فالميتافيزيقا ترادف الغرض ~~المطلق كما يقول كومت، وهي ليست في حقيقتها إلا طريقة التفسير الأولى قد ذهب لونها، ~~واعتراها الذبول ms052 والذهول وهي تزداد تدرجا في ذلك كلما أنتجت زيادة الدقة في ملاحظة ~~الظواهر الطبيعية التباعد عن إسناد هذه الظواهر إلى إرادات خاصة، وإخضاعها لقوانين ~~معينة. # لنحذر إذن من أن نعطي كلمتي (الميتافيزيقا) و(الدين) كامل معنيهما. إذن فلو استنتج ~~مستنتج من قانون الحالات الثلاث أن تدرج الإنسانية يزيدها كل يوم بعدا عن التدين؛ ~~لتنتهي عند حالة أخيرة لا يكون فيها للدين محل مثلا لكان ذلك أغرب الخلط في فهم مذهب ~~كومت. فإن تقدم الإنسانية سيسوقها إلى حال ستكون دينية قبل كل شيء، وترتب فيها الديانه ~~حياة الإنسان كلها، ولا نحسب كومت يأبى أن يعرف الإنسان بما عرفه كثيرون غيره من أنه ~~حيوان متدين، وقد يمكن تطوير تاريخ الإنسانية من بعض وجوهه تطورا يسيرا من الديانة ~~الأولى (ديانة عبادة الأصنام)؛ ليقف عند (الديانة النهائية). لكن الغرض من قانون ~~الحالات الثلاث ليس هو تصوير تطور الإنسانية الديني، وإنما هو خاص بسير العقل الإنساني؛ ~~فهو يذكر الفلسفات المتعاقبة التي أخذ ذلك العقل بها في تفسير الظواهر الطبيعية، وهو ~~بالاختصار قانون تطور «الفكرة». # ولا شك في أن الذين أخطأوا الفهم لم ينظروا إلى ذلك القانون إلا في الدرس الأول من ~~«الدروس»، حيث ذكر منعزلا عن تطبيقاته. ولكن هذا الخطأ لا يبقى له محل إذا رجع الإنسان ~~إلى الجزء الرابع من «الدروس»، حيث وضع ذلك القانون في المكان الواجب له عند الكلام عن ~~الحركة الاجتماعية، فإذا رجع الدرس الثامن والخمسين من الجزء السادس ارتفع كل ~~إبهام. # على أن تقرير كومت لهذا القانون في الصحائف الأولى من (دروس الفلسفة الوضعية) لم يكن ~~عن غير حكمة. فإن قانون التطور العقلي للإنسانية، أعني قانون الحالات الثلاث هو بالنسبة ~~لعلم الاجتماع كما يتصوره كومت القانون الأهم للحركة الاجتماعية، وبالتالي للعلم ~~الاجتماعي كله. فإن العامل العقلي هو أهم كل العوامل الاجتماعية التي ينشأ تقدم ~~الإنسانية عن تطورها المصطحب المتضامن. فهو بذلك حاكمها جميعا بمعنى أنها كلها تتعلق ~~به أكثر بكثير مما يتعلق هو بها. وعليه فتاريخ الفنون والأنظمة والأخلاق والحقوق ~~والمدنية ms053 على العموم لا يمكن فهمها من غير الرجوع إلى تاريخ التطور العقلي، أي: تاريخ ~~العلم والفلسفة، في حين أن هذين يمكن مع شيء من التدقيق فهمهما من غير الرجوع لما ~~سواهما. # فهذا التطور هو إذن العماد الأهم الذي تترتب حوله باقي أنواع المظاهر الاجتماعية. ~~والقانون الذي يعبر عنه هو كذلك القانون (الأساسي) الأول و(الأعم) بالمعنى الذي قصده ~~كومت من هذه الكلمة الأخيرة. فالإشارة إلى هذا القانون وذكره، فيه التقدم بتبرير ~~العلم الاجتماعي كله، وتدليل واقعي على أن العلم الاجتماعي ليس ممكنا فحسب، بل إنه ~~موجود بالفعل، ومن هنا تلك المكانة العليا التي يضع كومت فيها قانون الحالات ~~الثلاث. ~~••• # يقدم كومت إثبات هذا القانون في شكلين متغايرين؛ فهو يستند لذلك على التاريخ أولا. ~~والتاريخ يشهد حقيقة أن كل فرع من فروع معلوماتنا مر بهذه الحالات الثلاث من غير أن ~~يرجع القهقرى أبدا، ولئن كان صحيحا أن الأكثر منها لم يصل بعد إلى الحالة الوضعية، ~~فإنه قد لوحظ أن هذه قد سارت حتى الآن في الطريق الذي سار فيه غيرها مما وصل إلى تلك ~~الحالة. # والتحقيق التاريخي يكفي لإثبات ذلك عند الضرورة على شريطة أن يكون كاملا، ولكن كومت ~~لا يكتفي به ويدعي إلى جانبه استنتاج قانون الحالات الثلاث من الطبيعة الإنسانية. ~~ويتقدم لإثبات ذلك من طريق مباشر مستقل. بل إنه ليرى التاريخ على ما فيه من حجة ودليل ~~غير واضح الصورة في هذا الباب، ويرى الاستعانة بالبسيكولوجيا للوصول إلى الوضوح ~~المطلوب. قال: (يجب أن ندقق في تحديد العوامل العامة المختلفة المأخوذة من معرفتنا ~~الطبيعة الإنسانية معرفة مضبوطة، والتي جعلت التعاقب المحتوم للظواهر الاجتماعية غير ~~ممكن اجتنابه من جهة وضروريا من الجهة الأخرى، ما دام نظرنا متجها بكله إلى تطورها ~~العقلي الذي يحكم سيرها العام أكثر من كل ما سواه). # 12 # فلم يكن الذهن الإنساني قادرا أن يبدأ بتفهم الطبيعة إلا على الشكل الديني من أشكال ~~الفلسفة؛ ذلك لأن هذا النوع هو الوحيد الذي يظهر فجأة ولا يحتاج أن يسبقه غيره. وعليه ms054 ~~ترى الإنسان أول ما يتصور القوى يتصورها على مثال نفسه، ويتفهم الظواهر بجعلها شبيهة ~~أعماله حيث يحسب نفسه عليما كيف تنتج هذه الأعمال، نظرا لما عنده من إحساس بمجهوده ~~وشعور بإرادته. وهذا التفسير التصويري ملازم لطبيعتنا حتى لنرانا في كل لحظة على أهبة ~~الاستسلام له. ولو أنا اليوم نسينا النظام الوضعي لحظة وتقنا للبحث عن طريقة حدوث بعض ~~الظواهر، فسرعان ما يجيئنا خيال مبهم من قوة تشابه قوتنا إلى حد ما. وإن أولئك ~~الميتافيزيقيين الذين يجعلون من الله شخصا لهم عند كومت أشد من كل أمثالهم، الذين ~~يدعون معرفة صورة الله، تمشيا مع أنفسهم. # وما أكثر ما عادت به الفجأة التي يمتاز بها طريق التفكير الديني من الفائدة. ولا يرى ~~الإنسان كيف كان ممكنا تقدم العقل الإنساني بدونها. فإن الذهن محتاج إذا أراد تكوين ~~نظرية علمية عن الظواهر الطبيعية إلى ملاحظات يكون قد حصلها من قبل مهما كان من تواضع ~~النظرية المذكورة، وجزئيتها. لكن الملاحظة العلمية لا تكون ممكنة هي الأخرى إذا لم تكن ~~نظرية أو افتراضا على الأقل. والتحكم المطلق هو عند كومت عقيم، بل لا يمكن لدى التدقيق ~~تصوره. وليس لمجرد مجموعات الوقائع مهما قدر لها من كثرة العدد، أي مدلول علمي بذاتها. ~~مثال ذلك التقريرات المثيورولوجية التي تملأ أعمدة القوائم وصحائف المجلدات، والتي لن ~~تكون ملاحظات إلا إذا عمل الذهن حين جمعهما على تفسيرها مسوقا بفكرة تحقيق فرض من ~~الفروض، سواء أكان ذلك الفرض مبهما أم معينا وحقيقيا أم خياليا. # فإذا أحرج الذهن بين هاتين الضرورتين المتساويتين في تحكمهما مع ضرورة البدء ~~بالملاحظة للوصول إلى (صورة معقولة)، والبدء بتصور نظرية أيا ما تكون للوصول إلى ~~استنباط ملاحظات متتابعة لجأ إلى طريق التفكير الديني حيث لا يحتاج تخيل قوى مشابهة ~~لقوته منتشرة في أرجاء الطبيعة لأي ملاحظة تسبق هذا الخيال، ولكن متى تمخض الخيال عن ~~هذا الفرض تبعته الملاحظة لتأييده أولا ثم لمحاربته بعد ذلك، ومن ثم يفسح الطريق ويبدأ ~~تطور العلوم والفلسفة سيره خلال المبادئ تتعاقب بعد ms055 ذلك على نظام محتوم. # وذلك هو الحال أيضا من الجهة الخلقية. فلقد كانت الفلسفة الدينية هي الوحيدة التي ~~استطاعت أول الخلق أن توحي إلى الإنسانية الضعيفة الجاهلة من الإقدام والثقة بالذات ما ~~كفى لإنهاضها من غفلتها الأولى. ولو أن الإنسان علم في تلك العصور ما يعرفه إنسان اليوم ~~من خضوع ظواهر الطبيعة لقوانين لا تبديل لها، لما دار في خلده أن معرفة هذه القوانين ~~تجعل له على الطبيعة سلطانا ، بل لكان جهله قوة العلم داعية احتلال اليأس نفسه وعجزه ~~دون القيام بأي مجهود. لكن طريقة التفكير الثيولوجية كانت أكثر تشجيعا. فقد تخيلت ~~الظواهر ممكنا تحويرها وقدرت كل شيء ممكن الحدوث، وقررت أن لا مستحيل وأن لا محتوم وأن ~~حدوث شيء أو عدم حدوثه هو رهن بإرادة الآلهة. وإذا كان الإنسان لا يقدر بنفسه من أمر ~~الطبيعة على شيء، فإنه يقدر على كل شيء إذا هو نال رضا الآلهة أولي الشهوة الحاكمة؛ ~~وكذلك كان الإنسان أشد ما يكون ثقة بسلطانه وقوته يوم كان ضعفه وعجزه على ~~أشدهما. # ولقد كانت الفلسفة الثيولوجية لازمة من الوجهة الاجتماعية أيضا لبقاء الجمعية ~~الإنسانية وتقدمها. ذلك بأن تبادل اشتراك أفراد الجمعية في العواطف، وتوافقهم في ~~المصلحة لا يكفي لقيامها ولا لتقدمها، بل يجب لذلك اشتراكهم في الإيمان بعقائد معينة. ~~ولا وجود لجمعية إنسانية بغير مذهب مقرر يتضمن أفكارا مشتركة. ولكن كيف لنا أن نتصور ~~قيام مثل هذا المذهب إذا لم يكن ثمة نظام اجتماعي قائم؟ تلك حلقة مفرغة أخرى لم يكن ~~للخروج منها سبيل إلا الفلسفة الثيولوجية التي وضعت من بادئ الأمر مبادئ مشتركة يدافع ~~عنها أعضاء الجمعية طرا، ويزيدهم في دفاعهم هذا تحمسا أن بها تتعلق آمالهم ومخاوفهم ~~لهذا العالم وللعالم الآخر إن كانوا من قد اعتقدوا به. # ولقد كان من أثر هذه الفلسفة الثيولوجية أيضا أن كونت في الجمعية طائفة معينة اختصت ~~بالفكر والنظر. # وما أسرع ما قامت هذه الطائفة، وانفردت عن سائر الجماعة حتى أقامت التفرقة بين النظر ~~والعمل تفرقة عادت لا شك ms056 بالتقدم العظيم برغم أنها كانت لا تزال صورة غير منظمة. ولا شك ~~أن هذا التقدم كان بطيئا جدا، فإنا لا نزال نرى الناس إلى اليوم لا يقبلون راضين أي ~~جديد لا يرون فيه فائدة عملية قريبة. وقد كان في يد هذه الطائفة بطبيعة وظيفتها سلطة ~~أفادت الاجتماع في تقدمه أثمن الفائدة، كما أنها كانت تتمتع بالفراغ اللازم للإمعان في ~~البحوث النظرية. قال كومت: (ولولا أن أنشئت هذه الطائفة فجأة لوقفت قوانا، وقد أصبحت ~~عملية كلها عند حد من التقدم ما أسرع ما يقتصر على بعض طرق وآلات حربية وصناعية). # 13 # وهذه الخطوة الأولى هي التي استتبعت كل ما تلاها من أقسام العمل. فعلماؤنا ~~وفلاسفتنا ومهندسونا هم أخلاف القسيسين الأولين والسحرة ونذر المطر. # إذن فطبيعة الإنسان تقتضي ظهور الفلسفة الثيولوجية فجأة، وظهورها هذا لا غنى عنه ولا ~~سبيل لاجتنابه. وبعبارة أخرى فهو محتوم، ويجيء على أثره ما قد نسميه منطق التاريخ ~~العقلي للإنسانية، ومن ثم تكون الفلسفة الثيولوجية قد مهدت السبيل لملاحظة الظواهر ~~ملاحظة تدخل إلى العقول رويدا رويدا فكرة السنن الثابتة، وتجعل الفلسفة الثيولوجية ~~بذلك محفوفة بالخطر حتى ليجيء عليها وقت تظهر فيه بالية مضرة. هنالك يبدأ الفكر يحل ~~نفسه محل الخيال في توضيح الطبيعة وتفسيرها. وكلما سار هذا التطور إلى الأمام تبين ميل ~~العقل الإنساني إلى طريقة التفكير الوضعية، وتفضيله إياها تفضيلا يصل في مختلف فروع ~~العلوم إلى الاستئثار والتفرد بها بعد خلاف قد يطول أو لا يطول. # والحقيقة أن الحالة الثيولوجية لمعلوماتنا تحوي حتى في تلك اللحظة التي تكون فيها في ~~ذروة السلطان (وذلك يكون بعد قليل من نشأتها) جراثيم تحللها وفسادها؛ وذلك لأنها لم تكن ~~تامة التناسق في يوم من الأيام، فإن من بين الظواهر ما لم يغلب يوما على الناس نظامها، ~~ولا هم تصوروها يوما تحت تصرف إرادات مطلقة التحكم، من ذلك ما ينقله كومت عن آدم سميث ~~حين يلاحظ أن إله الثقل لم يوجد في أي زمن ولا في أي مكان. وكذلك فلقد أحس الإنسان ms057 من ~~أول وجود الجمعية بشيء من أثر القوانين البسيكولوجية، وذلك لاضطراره أن يتفق مع أمثاله ~~في طريقة الإحساس والعمل. من ذلك ينتج أن البذرة الأولى للفلسفة الوضعية ترجع في القدم ~~إلى ما ترجع إليه بذرة الفلسفة الثيولوجية، وإن لم يكن نماؤها وتقدمها قد أبطأ أي ~~إبطاء. ولما لم تكن الفلسفة الثيولوجية لذلك عامة لم تكن إلا مؤقتة. وإنما تكون خاتم ~~الفلسفات أو طرائق تفسير الظواهر الطبيعية تلك التي تنطبق عليها جميعا، وبلا استثناء ~~من أبسطها إلى أكثرها تركيبا. ذلك بأن هذه الفلسفة هي وحدها التي تحقق الوحدة التي لا ~~غنى للذهن عنها. # لكن الانتقال من الفلسفة الثيولوجية إلى الفلسفة الوضعية لا يتم بالطفره أبدا. فإن ~~التعارض بينهما بين وواضح، وعقلنا لا يحتمل تغييرا ذلك مبلغه دفعة واحدة؛ لهذا قامت ~~الحال الميتافيزيقية وسيلة بينهما. وتمتاز هذه الحال عن الآخرين بأن ليس لها مبدأ معين ~~تعرف به. فبينا نرى الفلسفة الثيولوجية مكتفية بنفسها ذات وحدة متناسقة، تبقى لها ما ~~دامت الجرثومة الوضعية الكمينة فيها لم تتحرك ولم تعمل عملها. وبينا ستكون الحال ~~الوضعية تامة التناسق كذلك. إذ الحال الميتافيزيقية ليست في تعريفها إلا خليطا منهما ~~معا، قال كومت في سنة 1825: (إن الضرورات الميتافيزيقية ترجع إلى الثيولوجيا والطبيعة ~~جميعا في وقت معا، أو هي على الصح ليست إلا الأولى قد حورتها الثانية). # 14 # فالميتافيزيقية في أشكالها الدائمة المتغيرة المستمرة التدرج إنما تقوم ~~بالتوفيق الذي يستدعيه وجود الفلسفتين الثيولوجية والوضعية معا في النفوس، حتى تصل ~~الفلسفة الوضعية حد كمالها. ولقد تسنى للطريقة العلمية أن تتقدم في غزواتها تحت ستار من ~~الافتراضات الميتافيزيقية من غير أن تزعج أنصار الفلسفة الثيولوجية؛ وفضلا عن ذلك فإن ~~للميتافيزيقية قوة نقدية غاية في النشاط كان لها فضل غير قليل في دهورة العقائد ~~القديمة؛ ولهذا ينظر كومت إلى الأكثرين من فلاسفة القرن الثامن عشر الفرنسيين كأحسن ~~الممثلين للروح الميتافيزيقية. # على أنه إذا كان يجب رد هذه الحال الوسط إلى أي من الطرفين، فإن كومت لا يتردد في ~~ردها إلى الحال ms058 الثيولوجية، ذلك بأن الفلسفة الميتافيزيقية تحل الوحدات محل الإرادات ~~والطبيعة محل الخالق، ولكنها تجعل وظيفة وحداتها وطبيعتها مشابهة أكبر الشبه لإرادات ~~الثيولوجيا وللخالق فيها. إذن فتفسير الواقع يبقي الغرض الذي ترمي إليه، وإن كان قد ~~أضعفه ذلك الشعور المتزايد بضرورة وجود القوانين الطبيعية. وتكون هذه الطريقة العقيمة ~~بذلك قد استبقت الثيولوجيا، وإن كانت قد قتلت الركن العقلي الأهم منها بإنكار نتائجها ~~باسم المبادئ المقررة؛ ولهذا لم يكن ثمة ما يضمن عدم عودة الصور الثيولوجية عودة ~~عدوانية إذ لم تكن الأفكار الوضعية قد حلت محلها. وسيرى القارئ أن المعركة الفاصلة بين ~~الروح الثيولوجية والروح الوضعية ستضم الميتافيزيقيين والإلهيين جميعا في «مركز ~~التقهقر»؛ مما يحقق ما قاله كومت من عدم وجود أي تضامن، سواء في التاريخ أو في المبادئ ~~بين الفلسفة الوضعية، وتلك الفلسفة السلبية فلا تستطيع الأولى أن ترى في الثانية إلا ~~تطورا أخيرا تمهيديا من تطورات الفلسفة الثيولوجية. # 15 # فالحال الميتافيزيقية لا يمكن أن تكون إذن إلا صلحا غير ثابت. وبقاؤها إنما يكون ~~رهنا باستمرار تغيرها وتبدلها. وإن ما ينشأ عن ذلك من عدم وجود مبدأ يكون قوامها ~~ليجعلها نقدية بحتة. ومن ثم فلا يكون لدينا أصليا إلا فلسفتان أو طريقتان من طرائق ~~التفكير وهاتان الفلسفتان الثيولوجية والوضعية هما وحدهما اللتان تسمحان للعقل بإنشاء ~~مذهب من أفكار منطقية متناسقة يصلح أساسا للخلق وللديانة، فالروح الثيولوجية خيالية في ~~سيرها، مطلقة في تصوراتها، تحكمية في تطبيقها. وأما الروح الوضعية فتحل طريقة الملاحظة ~~مكان الخيال والأفكار النسبية محل الأفكار المطلقة. وهي لا تدعي لنفسها سلطانا لا حد ~~له على ظواهر الطبيعة، بل تعلم أن قوتها إنما تقاس على مقدار ما تصل إليه من العلم. ~~وتاريخ الإنسانية هو الذي يرينا الخطى التي تدرجت هي بها من طريقة التفكير الأولى إلى ~~الطريقة الثانية. ~~••• # يعتبر كومت قانون الحالات الثلاث ثابت الأساس. وإليك ما كتب في سنة 1839: (إن سبع ~~عشرة سنة قضيتها دائم التفكير في هذا الموضوع العظيم مقلبا إياه على جميع وجوهه، آخذا ~~فيه بكل احتياط ms059 ممكن تسمح لي أن أقرر من غير أي تردد علمي أن هذه القضية التاريخية ~~ستكون ثابتة أبدا، وأحسبها الآن قد بلغت من كمال الثبوت ما بلغه أي أمر من الأمور ~~العامة المسلم بها في الفلسفة الطبيعية). # 16 # ولن يمكن أن تكون يوما موضع شك إلا إذا عثر الإنسان على فرع من فروع ~~معلوماتنا ارتد من الحال الميتافيزيقية إلى الحال الثيولوجية، أو من الحال الوضعية إلى ~~أي من الحالتين السابقتين. لكن ذلك أمر لم يعرض أبدا، كما أن إثبات هذا القانون من ~~الوجهة النظرية قد دل على أنه لا يمكن أن يعرض مطلقا. # ولقد أظهر هذا الإيضاح أن تعاقب هذه الأحوال الثلاث في نظام لا يتغير هو السبيل ~~المحتوم لترقي الذهن الإنساني في تعرف الظواهر، وأنه حاصل بطبيعة العقل. ومن رأي كومت ~~أن قانون الحالات الثلاث بسيكولوجي بمقدار ما هو تاريخي. # وليس المراد هنا بالبسيكولوجيا تلك البسيكولوجيا الداخلية التي تستخدم الضمير الفردي ~~وسيلة للبحث. فإن كومت لا يعترف بأية قيمة علمية لهذه الطريقة، كلا بل وهو ينكر إمكان ~~وجودها. على أنه ولو أمكن للشخص أن يلاحظ نفسه لما أفاد ذلك شيئا فيما نحن بصدده. فإن ~~هذه الملاحظة لن تبين له إلا عن الحال الحاضرة لعقله الفردي لا عن قانون تطور الذهن ~~الإنساني. ولا سبيل لظهور هذا القانون إلا بالنظر إلى الجنس لا إلى الفرد، وذلك بأن ~~يقلع الذهن عن إنفاق مجهودات عقيمة مرماها أن يشاهد بنفسه حركته؛ ليحيط بوجوه التقدم ~~المتعاقبة التي تظهر فيما أنتج. والتاريخ الفلسفي لعقائدنا وتصوراتنا ومذاهبنا هو ذلك ~~الضمير الذي يجب أن يجعله العقل موضع نظره. ففي هذا التاريخ لا في سواه يرى الفيلسوف ~~القوى التي احتوى ذلك العقل جرثومتها تدخل في الحياة العملية واحدة بعد الأخرى، وكلها ~~ترمي إلى «التناسق الدائم». فإذا ما وصلنا في ذلك لاكتشاف قانون الحالات الثلاث أمكن ~~لنا أن نفهم التطور العقلي لكل فرد في طريقه. ومن ثم يزيدنا درس كل فرد زيادة في التحقق ~~من صحة القانون. قال كومت: «مهما أكن ms060 قد أخذت من النظر إلى الفرد، فإن الفكرة الرئيسية ~~التي بنيت عليها نظريتي وما تلا ذلك من تكون هذه النظرية وتقدمها إنما يرجع مباشرة ~~لأبحاثي المتعلقة بالمجموع». # فقانون الحالات الثلاث هو إذن الضابط العام لتقدم العقل الإنساني لا منظورا إليه في ~~شخص فرد معين، ولكن في الشخص العام الذي هو الإنسانية. # وهو ذلك الشخص العام الذي درسه كومت في «نقد العقل المجرد». لكن طريقته كانت طريقة ~~مطلقة وميتافيزيقية صرفة، نظر فيها إلى الشخص العام الذي بحث عن قوانينه على اعتبار أنه ~~العقل الإنساني «لذاته منظورا إليه من جهة ماهيته». لكن كومت يخالف ذلك كل المخالفة، ~~ويتمثل الشخص العام كأنه وحدة مجسمة تتحقق على الزمن، ويرى أن بحث قوى الإنسان العقلية ~~لا يصير وضعيا إلا إذا أخذ فيه من الجهتين التاريخية والاجتماعية؛ ولهذا كان اكتشاف ~~قانون الحالات الثلاث حدثا عظيم الأهمية جاء مبشرا بالعلم الوضعي في تطبيقه على ~~الإنسانية بشرى يعد تحققها الشرط الأساسي لقيام الفلسفة الوضعية. وإن هذا الاكتشاف تأكد ~~فيه «كمال التماسك المنطقي» ببحث كل الظواهر على طريقة واحدة. وهذا القانون من قوانين ~~الحركة الاجتماعية هو حجر الزاوية لكل المذهب الوضعي. # الفصل الثالث # | المعرفة أساس إيمان المستقبل1 # «إن ما لا نعرف من الغيب أبعد في حياتنا النفسية مدى مما نعرف من العلم.» # 1 # يضطرب العالم اليوم بشعور عام يبدو أثره في ظاهرات من الفوضى تارة، ومن الإباحية تارة ~~أخرى، ويتمخض ثالثة عن ثورات اجتماعية أو اقتصادية غير معينة المطالب والنتائج. ويعزو ~~الأكثرون هذا الشعور الذي ترتب على ما أحدثت الحرب الكبرى من انقلاب إلى اضطراب الدعائم ~~الاقتصادية العالمية، سواء في البلاد التي اشتركت في الحرب اشتراكا فعليا أو في ~~البلاد التي بقيت على الحياد في أثنائها. وكل الظواهر تعاون على الاقتناع بصحة هذا ~~القول. فاضطراب العملة في البلاد المختلفة؛ وكساد كثير من الصناعات، وما نشأ عنه من ~~مشكلة العطلة في كثير من الأمم، واختلاف وسائل النقل عما كانت قبل الحرب - كل هذه عوامل ~~اقتصادية هي مصدر القلق العالمي الحاضر. ms061 والثورة البلشفية في روسيا ومساعيها المتصلة ~~لتقلب العالم شيوعيا كله ليست إلا هدما للنظم الاقتصادية القائمة. وعلى هذا الأساس ~~تعقد الدول المؤتمرات، وتسعى بمختلف الوسائل لتثبت نظم التبادل وإعادة الثبات الاقتصادي ~~الذي ظل العالم مطمئنا إليه عصورا طويلة قبل الحرب. وهؤلاء الأكثرون يذهبون إلى أن ~~العالم متى عاد إلى مثل حالته الاقتصادية السابقة على الحرب زال قلقه، وزالت منه الفوضى ~~واطمأن إلى ما كان مطمئنا إليه من قواعد. # ولا ريب في أن الانقلاب الاقتصادي كان له أثر كبير في هذا الشعور العام. لكنا نعتقد ~~أنه ليس العامل الأساسي الذي يتوقف كل شيء على تطوره، وإن هناك عاملا نفسيا ترتب هو ~~الآخر على الانقلاب الذي أحدثته الحرب، ولا مفر من علاجه إذا أريد بالعالم أن تعاوده ~~الطمأنينة. هذا العامل النفسي يرجع إلى عقائد الجماعات، وتقديرها قواعد الخلق، وبحثها ~~عن مثل أعلى يكون مطمح الإنسانية الذي تشعر به وتجد لتحقيقه، فإذا اطمأن الناس إلى ~~عقيدة اجتماعية عامة، وإذا تواضعوا على قواعد للخلق تتفق مع مظاهر حياة العالم في العصر ~~الحاضر، وإذا عرفوا لأنفسهم مثلا أعلى، راجعت الإنسانية سكينتها وعادت للعمل في جد ~~وسلام تضيء لها عقيدتها وأخلاقها المتعارفة، ومثلها الأسمى سبيلا مفيدا بعيدا عن ~~الاضطرابات. # ربما كان السعي الجد لإعادة الطمأنينة الاقتصادية إلى العالم بعض وسائل الهدوء النفسي ~~الذي تتلمسه الإنسانية اليوم فلا تجده. فقديما كان الاضطراب الاقتصادي سبب الحروب ~~والثورات، وسبب المذاهب والعقائد الجديدة. لكن الطمأنينة الاقتصادية لم تكن يوما غاية ~~اجتماعية لذاتها. إنما هي أبدا وسيلة لرخاء العالم رخاء يمكن له من المتاع بكل ما في ~~الوجود من أسباب النعمة والسعادة. والنعمة والسعادة اللتان يدأب الإنسان في طلبهما غير ~~يائس من الوصول إلى حظ قل أو كثر منهما، إنما يتعلقان بالنفس الإنسانية عند الفرد وعند ~~الجماعة على السواء. والنفس الإنسانية ليست بحاجة إلى أن تترع بنعيم المادة لتنال حظها ~~من السعادة. وإنما هي بحاجة إلى أن تكون فوق مستوى العوز المادي الذي يضطرها لإنفاق كل ~~وقتها في السعي للعيش. وكل ms062 ساعة فراغ من هذا السعي تنالها هي سعادة مكسوبة إلى الحياة ~~الإنسانية المتطلعة لمعاني الوجود العليا بمقدار ما تطبق النفس تصور هذه المعاني. ~~والجماعة في ذلك كالفرد سواء بسواء. # وقد غيرت الحرب من تصور الناس لمعاني الوجود تغييرا كبيرا هو الانقلاب بعينه. وإذا ~~عمت الحرب العالم كله، فتناولت آسيا وأمريكا وأستراليا وأفريقيا كما تناولت أوروبا ~~نفسها؛ فالانقلاب الذي حدث في هذا الشأن عالمي عام. وأنت تقدر مدى الانقلاب، إذ ترى هذا ~~الإخاء بين أهل الأديان المختلفة في بلاد كالهند كان يظن هذا الإخاء فيها محالا، وإذ ~~ترى الأمم الأوروبية التي كانت تفاخر؛ إلى ما قبل الحرب: بأنها اهتدت إلى سبيل الحق من ~~طريق العلم تشعر الآن بتداعي كثير مما آمنت به وتلتمس في ماضي الشرق الروحي وسيلة ~~للإيمان على أنه سبيل السعادة. وهذا الإخاء الديني الذي ظل زمنا في الهند، وهذا الوهن ~~في العقيدة بالعلم مما لا يزال في أوروبا ليسا إلا مظهرين لظمأ النفس إلى أخلاق جديدة، ~~وإلى مثل عليا غير تلك التي كانت تؤمن بها. وهذا الظمأ بالغ اليوم غاية الشدة، وهو ~~السبب في الفوضى وفي الإباحية وفي الاضطراب، وفي كل ما يشكو الناس منه وما يرونه شرا، ~~ثم ما يعجزون عن وصف الدواء له؛ ذلك بأنهم يشعرون أن التماس الدواء في الماضي لا فائدة ~~منه بعد هذه الخطى الواسعة التي خطاها العالم منذ الحرب إلى عصرنا، فباعد ما بينه وبين ~~الماضي بما لا يبقي بينهما صلة نافعة؛ ولأنهم لما يتبينوا الخلق والإيمان الجديدين ~~اللذين يملآن الفراغ الحاضر، ويكونان دعامة الحياة الاجتماعية في المستقبل. # ولعلك إذا أردت أن تعرف السبب الصحيح لانقطاع الصلة، ولو انقطاعا مؤقتا بين الحاضر ~~والماضي موفق إلى ذلك فيما كان من اختلاط أمم العالم وأجناسه في أثناء الحرب اختلاطا ~~أظهرها إلى عقائد وأخلاق وعادات ومعارف جديدة، ودلها على سوء تقديرها الماضي لما كانت ~~تسمع عنه من ذلك عند الأمم والأجناس الأخرى. فهذه الألوف من جنود الهند السذج الجهلاء ~~الذين كانوا معتقلين في سياج حصين ms063 من عقائد بلادهم وأخلاقها، قد رأوا في مصر وفي ~~أوروبا، وفي مختلف الجهات التي مروا بها شيئا غير الذي ألفوه وألفه آباؤهم وأجدادهم. ~~ومثلهم جنود السنغال وجنود الروس. وقد وقف الأوروبيون من هؤلاء على تصور جديد لمعاني ~~الوجود لم يكونوا يألفونه بل كانوا يحسبون أن جماعة من الجماعات الإنسانية لا يمكن أن ~~تقوم به. وهذه الألوف من الجنود السذج الجهلاء من أهل الأمم المختلفة هي التي يتكون ~~منها السواد، والجماهير أكثر ثقة بها وبما ترويه منها بمنطق الفلاسفة وبحوث العلماء ~~وتجاربهم؛ لذلك ليس عجبا بعد ما عاد هؤلاء وقصوا ما رأوا وما سمعوا أن تبهم عليهم، ~~وعلى من يستمعون لهم صور الحياة التي ألفوا، وأن يلتمسوا جديدا يحسبونه أدنى إلى حظ من ~~النعمة والسعادة أوفى مما كانت الصور القديمة تتيحه لهم. وإذا كانت الشهوات الدنيا هي ~~أقرب ما يتصوره الإنسان العادي من سعادة الحياة، فقد كانت الإباحية في العالم وكان ما ~~ترتب عليها من الفوضى ومن الاضطراب. # إلى جانب ما أحدثت الحرب من الاختلاط بين أمم العالم وأجناسه قربت الاختراعات بين ~~أجزاء العالم تقريبا، لم يكن يدور بخلد أحد إلى ما قبل الحرب بزمن قليل، حتى لقد أصبح ~~العالم ضيقا، وأصبح صغيرا تستطيع ان تقف على مختلف ما يدور فيه بأوفى وأسرع مما كنت ~~تستطيع في الماضي القريب أن تقف على أخبار أمة من أممه، بل مقاطعة من مقاطعات تلك ~~الأمة. وقد تناول هذا التقريب بين أجزاء العالم كل ما يمكن تصوره من أسباب. فأنت مستطيع ~~أن تنتقل بين جوانبه المختلفة في وقت قصير، وأنت قدير على معرفة أخباره جميعا بالدقة ~~والتفصيل في الساعة التي تقع فيها، أو بعد ذلك ببضع ساعات قليلة. ولم يصبح أمر إمداد ~~الناس بالأخبار مقصورا على الصحافة، بل تعددت الأسباب وصرت ترى على شريط السينما أو ~~تسمع من طريق الراديو ما يحدث في أكثر بلاد العالم بعدا عنك كما لو كان إلى جانبك. هذا ~~بعد أن كانت تلك البلاد خيالات وأحلاما، فإذا سمعنا عنها سمعنا ms064 مثل أقاصيص ألف ليلة ~~وليلة، وانتهينا إلى أن ما نسمع ليس إلا خيالا يقصد به إلى التسلية لا أكثر ولا أقل، ~~فلم يزعزع ذلك من تصورنا للوجود ولا من إدراكنا لمعانيه. # ولم يقف الأمر عند اختلاط الأجناس وتقارب الممالك. بل لقد تقاربت أفلاك الوجود كلها ~~بما كشف، وما لا يزال يكشف العلم عنه من كنه هذه الأجرام وصلاتها بالأرض. ولم تبق معرفة ~~مقصورة على طائفة محصورة، بل أصبح كل يستطيع الوقوف على كثير منه بما تنشره الكتب ~~والمجلات والصحف والمحاضرات التي أصبح سماعها ممكنا في أنحاء العالم المختلفة عن طريق ~~الراديو. ولئن لم يقف سواد الجماهير بعد على تفاصيل هذا وعلى دخائله، فإنه يتصور وجوده ~~على نحو أزال من نفسه الصورة القديمة التي كان يؤمن بها على أنها حقيقة هذه الأفلاك. ~~ومجرد زوال هذه الصورة القديمة كاف ليزعزع من قواعد الاعتقاد والخلق شيئا ~~كثيرا. # هذا الاختلاط بين الأمم وهذا التقارب بين البلاد وبين الأفلاك نفسها لم يكن ذائعا ~~قبل الحرب ذيوعه اليوم، ولم تكن جماهير الأمم المختلفة قد اقتنعت به اقتناعها اليوم. ~~وقد زلزل هذا الاقتناع كثيرا من قواعد إيمانها القديم، وإن لم يضع مكانها قواعد أخرى: ~~وإذ كانت الجماهير لا تطيق العيش من غير قواعد ومثل عليا، فقد تدافعت إلى ما تدفعها ~~سلائقها إليه من الاستمتاع بالحياة، وبكل ما فيها في أبسط صور الاستمتاع وأقربها لإشباع ~~الشهوات. ولما كان هذا خروجا على متعارف الناس إلى العصر الأخير، فقد ذاعت دعوة الفوضى ~~والإباحية. # طبيعي أن ما أحدثت الحرب من انقلاب لم يحدث فجأة، وأنه يستمد أصوله من تطورات العالم ~~في الأجيال الأخيرة. بل إن كثيرا مما يقع اليوم ليتصل اتصالا مباشرا بما خلفت الثورة ~~الفرنسية الكبرى وثورة سنة 1848 من آثار. لكن هذه الأصول لم يظهر أثرها قبل الحرب إلا ~~في بيئات خاصة هي البيئات المستنيرة. فلما كانت الحرب انتشرت تلك الآثار بين سواد ~~الجماهير، وزادها انتشارا تزايد المكتشفات والمخترعات، وتقريبها مبادئ العلم وقواعده ~~من أفهام السواد؛ لذلك تقبل الكل ms065 الانقلاب من غير أن تقف في سبيله فطرة المحافظة التي ~~تهاب كل جديد وتقف في وجهه وتحاربه. وهذا هو السر في أن الانقلابات العظيمة التي حدثت ~~في روسيا وفي إيطاليا وفي تركيا لم تلق من جماهير العالم حربا لها إلا ما اتصل منها ~~بمصالح أصحاب الأموال مما هددته البلشفية. فأما الانقلابات الاجتماعية فقد تمت في كل ~~هذه الأمم على صورة لم تكن تخطر بحلم الحالمين، وتمت مع ذلك من غير أن تثير من عداوة ~~الدول المختلفة ما أثارت مبادئ الثورة الفرنسية، مما أدى إلى تألب ممالك أوروبا عليها ~~والعمل لمقاومتها والاضطرار آخر الأمر للأخذ بها؛ لأنها كانت المبادئ التي تتفق والتطور ~~النفساني الكمين في أرواح الشعوب. # وثم انقلاب في تقدير الأفراد للنظام الاجتماعي يتصل بهذه الانقلابات العامة، بل ~~يتقدمها. فقد كان الناس، إلى زمن قريب، يقدرون لطوائف الجماعة المختلفة حدودا خلقية ~~يعتبر تخطيها جناية على الشرف وعلى الكرامة، وتحاربه كل طائفة بكل ما أوتيت من وسائل. ~~وها نحن أولاء لا نزال نسمع من بقايا هذا التقدير تقرير الحكومة الرومانية نزول البرنس ~~كارل عن ولاية العهد، وعن عرش أبيه، ورفع ابنه الطفل ميخائيل إلى هذا العرش، لإطاعته ~~عاطفة الحب وعدم إخضاعه إياها لموجبات السياسة. على أن تصرف كارل في اتصاله بامرأة ~~يعتبر المسئولون عن مصير رومانيا الاتصال بها مزريا بملك هو لذاته أثر من آثار ~~الانقلاب العالمي؛ فالناس ينظرون اليوم إلى هذا التصرف الذي أتاه الأمير من غير أن ~~تأخذهم دهشة. بل ربما كانت دهشتهم من إنزاله عن عرش لآبائه أكبر من دهشتهم للسبب الذي ~~أدى إلى هذا القرار، ولو أن تصرفا كهذا تم منذ سنوات لاضطربت له بلاطات الملوك، ~~ولاعتبر حادثا خارقا لقوانين الطبيعة. وما أتاه البرنس كارل ليس إلا مثلا مما يحدث ~~اليوم من غير أن تثور له نفس أو تهتز له عاطفة. ألم تخبرنا الصحف أن ابنة أخت الجنرال ~~هندنبرج رئيس الجمهورية الألمانية تقوم بالتمثيل السينمائي؟ أولم تفعل زوج ابن السلطان ~~عبد الحميد مثل تلك الفعلة؟ وهذان مثلان ms066 من كثير يقع في عالم السينما وفي عوالم الفن ~~والعلم المختلفة. ولو أن شيئا من مثله حدث في الماضي القريب لكان أعجوبة الأعاجيب، ~~ولكان خروجا على قواعد الدين ومبادئ الخلق، ولاستحق مجترحوه حرمان الكنيسة وزراية ~~الناس. # ومن العبث الآن محاولة العود بالعالم؛ ليخضع إلى ما كان خاضعا له قبل الحرب من عقائد ~~وأخلاق وعادات. صحيح أن كثيرا من هذه سيعود قويا كما كان. لكنه في عودته سيضطر إلى ~~الاصطباغ بلون حياة العالم العقلية والروحية الجديدة، وهذه الحياة الجديدة هي ما يفكر ~~اليوم فيه العلماء والمفكرون، وإن كانوا لما يهتدوا إلى شيء صالح. ويخيل إلينا أن ~~الإنسانية ما تزال بعيدة عن هذه الهداية، وأنها ستظل سنوات طويلة في اضطرابها الحاضر ~~إلى أن يتاح لها رسول جديد من العلماء والفلاسفة يهديها طريق الحق. وآية هذا البعد عن ~~الهداية ما يبدو على أدب العصر من الانحلال والاضمحلال، وعلى تفكيره من القصور عن تناول ~~المسالة العالمية بصورة جريئة واضحة يصيح بها صاحبنا في الناس بما يؤمن هو به أنه الحق، ~~أي: أنه أقوم طريق يمكن للإنسانية من تحقيق أكبر حظ مستطاع من السعادة في ظروفها ~~الحاضرة. # في انتظار اليوم الذي تعلو فيه صيحة الهدى والحق يجب تمهيد الإنسانية لسماعها، وهي في ~~اعتقادنا لن تخرج عن دائرة العقل والعلم. قد تظل الشئون الروحية فوق متناول هذه الصيحة. ~~لكن ما كانت هذه الشئون الروحية تعتبره داخلا في نطاقها من قواعد السلوك ومبادئ الخلق ~~والجزاء عن العمل، وما إلى ذلك مما يتصل بتصرفات الأفراد أو الجماعة الماسة بحياتهم ~~سيصبح غير روحي، وسيخضع لقوانين العلم ومبادئه. بل ربما لا يكون محالا أن ترتبط هذه ~~الصيحة المنتظرة ارتباطا وثيقا أو غير وثيق بصيحات أوجست كومت وفلناي وروسو وغيرهم، ~~ممن أرادوا أن يجعلوا العقل والعلم وحدهما المدبرين لحياة الأفراد والجماعات والمنظمين ~~لكل شيء فيها. # وما دام ذلك هو الشأن فتمهيد الإنسانية للصيحة المرجوة لا يكون إلا بكشف قناع الوهم ~~عن عيون الجماهير، وإظهارها على كل آثار العلم ونتائجه. يجب ألا ms067 يعتبر أمر من الأمور ~~سرا يتحتم ستره من عيون الأطفال في أثناء تعليمهم، وعن عيون السواد في حياته العامة، ~~بل يجب أن يعرف كل فرد ما يستطيع أن يعرفه، وأن يعرفه على طريقة علمية صحيحة. وأن يبني ~~على هذه المعرفة عقائده وعاداته وأخلاقه. ويجب كذلك أن يعلم أن ليس شيء من هذا الذي ~~يلقي به إليه مقدسا غير خاضع للتطور أو التغير. وإن عقائدنا الأخلاقية والاجتماعية ~~ليست أمرا واجب الطاعة لذاته؛ ولكن لأنها هي التي تقربنا من السعادة؛ وعلى الأقل تبعد ~~عنا هموم الحياة وآلامها. وأن الحقيقة الإنسانية هي ما أدى إلى هذه الغاية. # فإذا تقررت هذه القاعدة وأخذ بها المعلمون في مدارسهم والكتاب في كتبهم وصحفهم تفتح ~~عقول جمهور الإنسانية، فأفاد من هذه الثروة العلمية العظيمة التي تكدست على القرون، ~~والتي ظلت مع ذلك ولما تنظم نظاما يجعلها نافعة، ويقربها من المجاميع إلا قليلا في ~~العصور الأخيرة. إذا تقررت هذه القاعدة، وعرف كل فرد الأسباب الاجتماعية والعلمية لما ~~تحرمه القوانين، ولما تنصح به التعاليم وأدرك الطفل والساذج أن ليس في الحياة سر من ~~الأسرار، وأن ما وضع وما يوضع من قواعد السلوك ومبادئ الخلق ليس شيئا خارقا للطبيعة، ~~ولا أجنبيا عن الإنسان، وأن الإنسان هو كل شيء، يسر ذلك لكل فرد أن يشعر شعورا ~~صحيحا بأنه ذرة حية من الوجود الإنساني في تعاونها مع سائر أفراد المجتمع ما يكفل ~~فائدتها وفائدة المجتمع. ثم كان أساسا صالحا لتفسير كثير من العواطف الإنسانية التي ~~يحسبها الناس غرائز وهبات لا سبيل لتغييرها، بينا هي إن تكن غرائز وهبات، أو تكن شيئا ~~آخر فهي قائمة بالنفس لفائدة الفرد؛ ولفائدة الجماعة والجنس على السواء. # إذا تقررت هذه القاعدة في حياتنا العملية، وهتكت المعرفة حجاب السر، وأصبحت الجماهير ~~تدرك أن قداسة الأشياء والمبادئ راجعة إلى أنها هي التي جعلتها مقدسة؛ لأنها سبيل ~~سعادتها الممكنة ووقف الأفراد على ما للطبيعة من قوانين، وما للإنسان على الطبيعة من ~~سلطان، وسار العلم في نفس الوقت بالخطى الواسعة التي ms068 يسير اليوم بها، إذا حدث ذلك أمكن ~~تمهيد الإنسانية للصيحة المنتظرة، ولقواعد العقيدة والأخلاق الجديدة. # 2 # تفضل المسيو جورج دوهامل الكاتب الفرنسي الكبير الذي زارنا بمصر أخيرا، وكان لي حظ ~~تقديمه إلى سامعي محاضراته بالجامعة الأمريكية، تفضل فبعث لي من باريس مهديا روايته ~~الأخيرة «ليلة عاصفة # Une nuit d’orage ~~»، وروايته هذه ~~تتلخص في أن شابا ولد في أسرة انتبذت العقيدة، واتجهت إلى العلم وحده ونشأ في دراسات ~~علمية بحتة؛ تزوج من فتاة نشأت علمية هي الأخرى وأنكرت الفأل والطيرة وكل مظاهر العقيدة ~~جميعا. وبعد زمن قضاه الزوجان المتحابان في هناءة ونعمة، سافرا إلى تونس وقصدا إلى بعض ~~الأماكن التي تجاور الصحراء، واحتفرا فيها بعض آثار عادا بها إلى فرنسا. وفيما كان عم ~~الفتى يتفرج على هذه الآثار استوقفته إحداها، ففحصها وقرر أنها مشئمة وطلب إليهما أن ~~يدفعا له بها. واعتذر الزوج عن إجابة طلب عمه؛ وعاد إلى العيش مع زوجه عيشا ناعما ~~يزيده ما بينهما من حب، ومن اتصال عقلي وعلمي قوة ومتاعا، لكن أسابيع انقضت وإذا الزوج ~~تشعر بانحطاط في قواها، وإذا ابتسامتها تغادر شفتيها، وإذا الضعف يندس إلى وجودها. فذهب ~~بها زوجها إلى الطبيب الذي فحصها فلم يجد للمرض عندها علامة أو مظهرا. وكذلك كان رأي ~~طبيب آخر استعان بزميلين له إخصائيين في الأمراض العصبية، إذ اتفق الثلاثة على أن لا ~~مرض ولا أثر للمرض، وأن حالا عصبية هي سبب هذا الضعف ما تلبث أن تزول حتى يزول الضعف ~~معها، وحتى تعاود الزوجة قوتها وابتسامتها. # 2 # وعكف الفتى يفكر فيما عسى أن يكون سبب ما أصاب زوجته. ليس شيء مما يعترينا إلا ويكون ~~عن سبب يعرفه العلم، وإن لم يعرفه العلم اليوم فسيعرفه غدا؛ وهؤلاء هم الأطباء يقررون ~~أنهم لا يجدون لما أصاب زوجته سببا. وهي مع ذلك ما تفتأ تزداد ضعفا يوما بعد يوم ~~برغم ما يوليها من عناية، ويحيطها به من عطف وحب، أفلا يمكن أن تكون هذه المشئمة التي ~~أتيا بها من تونس هي سبب ms069 المرض؟ ولكن أي علاقة يمكن أن تكون لسن ملبسة فضة وموضوعة في ~~درج مكتب على صحة إنسان بعيد عنها غير متصل بها؟ على أنه لم يقع جديد منذ تزوجا، ومنذ ~~سافر إلى شمال إفريقية غير هذه السن التي قال عمه عنها: إنها فأل سوء. وإذا كان للعامة ~~وسواد الناس أن يؤمنوا بفأل السوء وبفال الخير وبالتميمة والمشئمة، فليس من حق أهل ~~العلم أن ينزلوا إلى هذا الدرك، أو أن يتوهموا للحادث أسبابا غير ما في الطبيعة مما ~~يتناوله فهمنا أو يمكن أن يتناوله، ويظل الفتى كذلك في حوار مع نفسه يغالب الإشفاق على ~~زوجه إيقانه بالعلم ويكاد يغلبه، فيرى واجبا عليه أن يحطم هذا الفال وأن يلقي به ~~بعيدا، ثم تنتصر كبرياء العلم على عاطفة الإشفاق، إبقاء على عقله أن تدنسه مثل هذه ~~الترهات. ويصل حينا إلى ذكر قول باسكال: لنتراهن على وجود الله. فأما الذين يتراهنون ~~على أنه موجود فلا يخسرون شيئا إن لم يكن موجودا وكان العالم كله هباء، وهم يكسبون كل ~~شيء متى كان موجودا قادرا على كل شيء. كذلك فلنحطم هذا الفأل. فإن يك من أثره ما أصاب ~~الزوجة العزيزة، فهي عائدة إلى صحتها وإلى ابتسامتها وإلى نعيم الحياة وطمأنينتها، وإن ~~لم يكن له في المرض أثر فلم نخسر شيئا. ولكن أين هذه الأوهام من العلم التجريبي ~~الواقعي الذي يؤمن الزوج وتؤمن الزوجة به؟ بل أليست هي تجديفا في حق العلم وردة عن ~~الإيمان به وتطليقا لحكم العقل وخضوعا لخداع الوهم؟ ويظل صاحبنا في هذا الجدل العنيف ~~بينه وبين نفسه حتى يتغلب الإشفاق على العلم والعاطفة على العقل، فيتسلل جوف الليل إلى ~~الغرفة، حيث المكتب الذي حفظت المشئمة فيه، وما يكاد يدخلها حتى يقف ذاهلا مرتجا ~~عليه. ماذا يرى؟ زوجته أمام المكتب؟ هي إذن تفكر هي الأخرى كما يفكر، وتحسب أن قد يكون ~~في هذه السن الملبسة فضة سبب همها وما أصابها. وهي إذن تعتزم هي الأخرى أن تلقي بها ~~بعيدا حتى تتخلص من أثرها فتعاودها ms070 صحتها. وتتقابل نظرات الزوجين في ضوء الغرفة ~~الضئيل، فتسأل الزوجة صاحبها: ماذا جاء به إلى حيث هو؟ أفتراه يذكر لها أن إشفاقه غلب ~~علمه، وأنه جاء يبحث عن فأل السوء؛ لينجو بها من سوء أثره؟ كلا بل تعلو كبرياء العلم في ~~نفسه من جديد ويخبرها بأنه أحس بها تهبط الدرج، فتبعها خيفة أن يصيبها مكروه، وتعلو ~~كبرياء العلم في نفسها هي الأخرى فلا تخبره بشيء، ويظل كل واحد منهما يخترع الأسئلة ~~والأجوبة يرجو أن يضعف صاحبه أولا، فلا تتحطم كبرياؤه هو . ويعودان أدراجهما مكدودين ~~ولم يرض أيهما أن يظهر بأنه قد تزعزع إيمانه بالعلم لحظة واحدة. # ويزداد الزوج إصرارا على كبريائه ويرجو أن تضعف زوجه قبله، فيطلع على فتحة الدرج ~~بنقطة من سائل الشمع، ثم يعود بعد ذلك لعله يرى أن الشمع زال والدرج فتح وفأل السوء ~~ذهب، وأن كبرياءه انتصرت فيرتد على عقبه جريحا أن يرى امرأته العزيزة ما تزال أقوى منه ~~كبرياء، وأشد على كبريائها حرصا. لكنها هي المريضة وهي التي تتأثر ما لم يسلم الزوج. ~~ولكن من يدري، فلعلها فتحت الدرج وألقت بالمشئمة ثم ألقت نقطة من الشمع أخرى! وإذن ~~فليفتح الزوج ولير! ها هي ذي السن التعسة ما تزال في موضعها. وها هو ذا قد أسلم كبرياءه ~~العلمية، وخضع لحكم الوهم. وها هو ذا يريد أن يزداد خضوعا فيأخذ السن ليلقي بها في نهر ~~بعيد أو يقذفها إلى أمواج البحر إن أحوج الأمر أن تزول الزوال الأخير. وفيما هو في ~~تفكيره ومحادثته نفسه دخلت خادم! فما كاد يلمح دخولها حتى دفع الدرج بقوة، وخرج وراء ~~الخادم تاركا فأل السوء حيث كان. # وبعد أيام من هذا جاءت زوجه من سفر كان الأطباء قد نصحوا به ولم يفدها شيئا. ولكن لم ~~تمض أيام أخرى على حضورها حتى إذا قواها قد بدأت تعاودها، وترد إليها من الحياة ما يزيل ~~هزالها ويعيد تورد وجناتها وابتسام ثغرها! وعادت إلى الدار كل حياتها وكل سعادتها. وبعد ~~ذلك بسنتين فيما كان الزوج يرقب ms071 في ليلة عاصفة خطف البرق وقصف الرعد وتهتان المطر حلا ~~له أن يذهب إلى غرفة كانت زوجه بعد عودة صحتها قد نقلت إليها المكتب المشئوم، ففتح ~~الدرج الذي عرف فأل السوء فيه، فلم يجد شيئا وفتح الدرج الذي تحته، فإذا الفأل ما يزال ~~فيه.عند ذلك ادكر حين دفع الدرج عندما فاجأته الخادم، أن قاع الدرج تزحزح من مكانه ~~تاركا بينه وبين جدار الدرج الأمامي فراغا سقط الفأل منه. إذن لم يبق شك في أن الزوجة ~~عادت إلى الدرج بعد عودها من سفرها، فلم تجد المشئمة فيه فاطمأنت كبرياؤها العلمية إلى ~~أنها لم تضعف. وإذ كانت هذه المشئمة سبب ما أصابها من اضطراب عصبي كاد يأتي على حياتها، ~~فقد زال الاضطراب بزوالها وعادت إليها القوة والصحة. # وابتسم الشاب في هذه الليلة العاصفة أن أنقذت المصادفة كبرياءه وكبرياء زوجته جميعا، ~~وإن ردت المصادفة الصحة الغالية إليها، فأعادت السكينة لدار هجرتها السكينة طوال العام ~~الأول من أعوام زواجهما، وآمن أن الحياة ما يزال فيها مغالق تثير الوهم في أقوى النفوس ~~إيمانا بالعلم، وتجعل العلماء كثيرا ما يجيبونك على ما تسألهم عنه: «قل ما ~~ندري». # هذا النضال بين كبرياء العلم وضعف الوهم هو إذن مدار قصة دوهامل كلها. وهو ينتهي إلى ~~أن ضعف الوهم أقوى أثرا من كبرياء العلم، وأن ما لا نعرف من الغيب أبعد في حياتنا ~~النفسية مدى مما نعرف من العلم؛ وأنا يجب لذلك أن نقيم للغيب في حياتنا وزنا، ونفرد له ~~منها مكانا، وأن نعترف له أمام عقلنا بحق الوجود أن يصيبنا من إنكارنا إياه ما أصاب ~~هذين الزوجين من بأساء عاما كاملا، بأساء لم ينجهما منها إلا مصادفة هي بعض الغيب ~~الذي يحاولان إنكاره، الذي يخضعان مع ذلك له، ويضعفان أمامه ثم يجدان آخر الأمر فيه حصن ~~الطمأنينة وموضع الرضا والنعيم. # ولست أدري ما عسى أن يكون رأي القراء في هذا الضرب من الفلسفة. بل لست أعرف لنفسي ~~رأيا ثابتا فيه، وإن كنت لا أسيغه فلسفة للحياة وحكمتها. فأما ms072 الذي أعرفه فذلك أن لنا ~~جميعا ساعات ضعف ننكر فيها علمنا، ونتنكر لماضينا، ونخضع فيها خضوعا أعمى للكمين في ~~أعماقنا مما ورثنا عن أسلافنا، أو مما يقوله المحيطون بنا ولم يكن لرأيهم من قبل أي ~~احترام عندنا. وكما أن السعيد بجهالته الكافر بهذا العلم الذي غير وجه الأرض القانع من ~~العيش بإيمانه بكل ما نسميه الخرافة والوهم الناسب المرض، والعلة للحسد والجن - كما أن ~~هذا الإنسان يذعن أحيانا، فيذهب بمريضه إلى الطبيب منكرا إيمانه بأن الطبيب هو الله. ~~كذلك يقع أن يذعن المؤمن بالعلم الشديد الاعتزاز به المنكر لكل شيء سواه، فيرضى أن ~~يستمد العون أو الشفاء أو الهداية لنفسه أو لذويه من قوى كان من قبل يسخر منها ويزدري ~~المؤمنين بها. وكثيرا ما حدث لبعض أكابر العلماء في مختلف الأمم أن أهوت عليهم مصائب ~~من نواح مختلفة، فلم يجدوا آخر الأمر عاصما منها إلا الالتجاء لزيارة الأولياء ~~والمقربين، ومن العلماء من نذر النذور ومنهم من أقرا أهله على نذرها. وهؤلاء الذين ~~يقومون اليوم بتجارب مخاطبة الأرواح إنما تدفعهم إليها - في أكبر ظني - عاطفة كهذه ~~العاطفة التي تذهب بالعالم لزيارة ولي أو النذر له. وهل زيارة الناس أجداث موتاهم لا ~~تنطوي إلا على لذع من هذا الشعور الذي لا نجد له تفسيرا في العلم الواقعي، علم ~~المشاهدة والتجارب، وإن وجدت له تفسيرا في هذا الضعف الإنساني الذي يبلغ في كثير من ~~الأحايين من القوة ما لا تبلغه كبرياء العلم. # والحقيقة أن العلم قد كشف لنا عن كثير مما في الحياة، وأتاح لنا الاستمتاع بنعيمها ~~إلى حد لم يكن يخطر بخيال أحد من قبل. والحقيقة كذلك أن الظمأ للمعرفة بعض طبائع ~~الإنسان، فهو ما يكاد يقف على شيء ويكتنه بواطنه حتى تدفعه الطلعة؛ لكي يقلب في هذه ~~البواطن أو يبحث عن جديد لما يخضع لعلمه. لكن الحقيقة كذلك أن المعرفة لا تلقي سببا ~~للسعادة، بل إنها كثيرا ما تكون داعية قلق النفس واضطراب الخاطر. والسعادة، هذا الحلم ~~الجميل الطائر أمام أعيننا ms073 بأجنحة من نور، هذا الأثير المحسن نتنسم في الجو ذراته، ~~ونريد أن نستنشقها ملء صدورنا فلا نجد منها أبدا ما يكفينا، السعادة هي ما يجري بنو ~~الإنسان وراءه من عهد آدم إلى اليوم. يجرون وما يكاد أحدهم يحسب نفسه أدركها حتى يجذبه ~~من خلفه شيطان الشقاء فيصده عنها. هذه السعادة ليست في العلم؛ لأن العلم شهوة وليس من ~~وراء شهوة سعادة، وكثيرا ما أكب علماء على العلم فأفنوا فيه حياتهم حتى إذا كانوا عند ~~خاتمة المطاف منها لذعتهم الحسرة أن زادوا أنفسهم بعملهم هما، فأوصوا أن ينشأ أبناؤهم ~~في الإيمان وأن يعمدوا وأن يرسلوا في الحياة على سجيتهم، وألا يطلبوا إلى العلم حل ~~طلاسم الغيب. فعلمنا وإن اتسع المدى ضيق إذا قيس إلى مدى الوجود الذي لا نهاية له. بذلك ~~أوصى تين وغير تين من أكابر العلماء الذي آمنوا صدر شبابهم بأن العلم هاتك حجب الغيب لا ~~محالة، حتى إذا رأوا حجب الغيب لا تنتهي ضعفوا، وخيل إليهم أنهم كانوا يسعون وراء سراب ~~لا حقيقة له، وإن كانت غاية هذا السراب كل الحقيقة. # ضعفوا فضعفت كبرياء العلم فيهم فنصحوا بالإيمان. وكثيرا ما قيل: إن الإيمان مظهر من ~~مظاهر الضعف الإنساني، وأن النفس كلما كانت أشد قوة كانت أقل للإيمان حاجة. ولقد يكون ~~هذا صحيحا، ولكنه إن صح لا ينفي أن الإيمان كمين النفس كمون الضعف فيها. وكما أنك ما ~~دمت في مقتبل شبابك صحيحا قويا لا تعني بالقلب أين موضعه، ولا يهمك غير القلب من ~~الأعضاء، ولا أن تعرف مكانه ولا تكوينه ولا ما يؤثر فيه ويتأثر به، فإذا دب إليك الهرم ~~أو المرض ذهبت تستقصي عن هذه الأعضاء وخصائصها وما يتعلق بها وظهر أمام بصيرتك هذا ~~الكمين المخبوء في أطواء جسمك، كذلك تراك من الإيمان والوهم أو الخرافة أو ما شئت ~~فقل. # أنت لا تعرف من ذلك شيئا ما دمت قوي النفس جلدا على مكافحة الحياة. فإذا دب إلى ~~نفسك هم أو بأس أو أضعفك هرم أو مرض، رأيت ms074 هذه الكامنات النفسية تظهر أمام بصيرتك من ~~مخبئها في أطواء جوانحك، ورأيت وأنت العالم المنكر لهذا كله تشعر بمثل ما يشعر به من ~~ليس له بعض علمك وفضلك. وكثيرا ما تعترض كبرياؤك العلمية على ما يثير الضعف من إيمان، ~~ولكنك ترى نفسك في هذا النضال بين كبرياء العلم وضعف الوهم لأن تسلم لأيهما أقوى، أو ~~لأيهما أشد صبرا وأقدر على المثابرة في السجال. وكثيرا ما تنتهي الغلبة ~~للإيمان. # لقائل أن يقول: إن العلة ضعف والهم ضعف واليأس ضعف، وأن هذه كلها حالات مرضية تنكرها ~~الصحة السليمة، فالإيمان المترتب عليها هو لذلك حالة مرضية هو الآخر. وإذا كان للمرض أن ~~يغلب الصحة وأن ينتهي بنا إلى الموت، فليس معنى هذا أن المرض هو الحق، وأن الصحة ليست ~~حقا، فالحياة والحق عدلان، والحياة والصحة عدلان، وكل حالة مرضية لا يمكن أن تعبر عن ~~حقيقة الحياة. فالعلم إذن هو الذي يعبر عن هذه الحقيقة دون الإيمان. وكبرياء العلم هي ~~كبرياء الحياة في عنفوان صحتها، وضعف الوهم وما يترتب عليه من آثار نفسية هو في الواقع ~~مقدمة الانهيار إلى الموت وإلى الفناء. ونحن في كل مباحثنا العلمية إنما نجري وراء ~~مظاهر الحياة نريد أن نثبت سننها، ولا نعني بالموت إلا بمقدار ما يمكن أن تتجدد به في ~~صورة حياة أخرى. # ولهذا الاعتراض ظاهرة من الوجاهة. لكن الحال المرضية هي بعض حالات الحياة كحال الصحة ~~سواء بسواء. والموت حقيقة واقعة هو الآخر له عند الناس حسابه، بل له عندهم جميعا أكبر ~~الحساب. ولو أن الحياة لم يكن يشوبها المرض ويختمها الموت لكان لنا فيها سلوك غير ~~سلوكنا الحاضر وآراء غير آرائنا وعقائد غير عقائدنا، بل لكان علمنا بما فيها مخالفا ~~لعلمنا اليوم، ونظرنا لها مختلفا عن نظرنا في حياة يعتريها المرض ويتربص بها الموت في ~~الخاتمة. هذا وإن كثيرا من مظاهر الضعف ليست من الحياة المرضية في شيء. فقصة دوهامل ~~التي قصصنا في صدر هذه الرسالة بعيدة كل البعد عن أن يكون الضعف فيها ناشئا ms075 عن مرض. ~~والفجيعة التي تودي بعزيز لديك أو تفقده وتترك ما تترك في نفسك من ضعف ليست مرضية ~~بالمعنى المادي للكلمة، وأنت قد تشهد حادثا من الحوادث لا صلة له بك ولا أحد من ذويك، ~~فيترك هذا الحادث في نفسك من عميق الأثر ما يثير فيها كمين الإيمان، ولو كنت أنت من أشد ~~الناس انتصارا للعلم واقتصارا على طرائقه. ثم إن كثيرين من العلماء المؤمنين بالعلم، ~~والذين كشفوا فيه عن جديد ذي قيمة كبرى يؤمنون بالغيب إيمانهم بالعلم؛ أو إيمانا هو في ~~نفوسهم أكثر عمقا وأبعد أثرا، وهم بعد لم يصابوا ولم تجر عليهم تصاريف الدهر بما ~~يسوء. وهذا ما أشار إليه مسيو دوهامل في قصته حين ذهب الزوج المسكين في مرض زوجه يسأل ~~عالما من العلماء تقدم في السن، وكثرت أبناؤه: أهو يعتقد بالخرافة؟ # s’il est superstitieux ~~. فكان جواب العالم ~~بالإيجاب. فليس ممكنا، وهذه هي الحال، أن نرى في الإيمان حالة مرضية حتى مع التسليم ~~بأنه يقوم في النفس الإنسانية على جوانب الضعف فيها. # وفي رأينا أن الإيمان والعلم لا يتناقضان، وأن في النفس الإنسانية ما يتسع لهما ~~جميعا، حتى لو أنك أخذت الإيمان في درجاته التي تنزل إلى الوهم وإلى الخرافة. فالعلم ~~هو مجهود أفراد الإنسانية المتصل المتتابع؛ ليكشفوا رويدا رويدا عن حقائق الوجود، ~~وهذه الحقائق لا تتناهى. وأنت كلما كشفت منها عن جديد تبدى لك بعده ما كانت الحقائق ~~التي كشفت عنها تحجبه قبل أن يقع نور العرفان عليها، فأما الإيمان فما تتصوره نفس الفرد ~~أو الجماعة الإنسانية من أثر هذا الوجود الرهيب فيها، وقد يتغير الشعور من فرد إلى فرد ~~ومن جماعة إلى أخرى. فجوانب رهبة الوجود متعددة في غير حد، كما أن جوانب العلم به ~~متعددة إلى غير حد. وما دامت حياة الإنسان محدودة، وما دام كل واحد منا يبدأ جهادا ~~جديدا للوقوف على ما أورثه أسلافه من العلم، ثم يرى نفسه بعد كل مجهوداته أمام غيب لا ~~يقل عن العلم قوة ولا جلالا، ويرى ms076 أن عمر الحياة أقصر من أن يصل به إلى الكشف عن هذا ~~الغيب؛ وأن الموت له بالمرصاد - ما دام ذلك كله فسيظل في النفس الإنسانية ضعف قد لا ~~يعرف الإنسان الجانب الذي يكمن فيه، ثم إذا حادث من الحوادث قد جلى هذا الضعف وأبرزه ~~واضحا صريحا. # وليس لدينا من سلطان نتغلب به على هذا الضعف إلا أن نعترف به ونذعن له، لا إذعان خضوع ~~واستسلام، ولكن إذعان رضا وسلام، وما عسى يفيدنا، أو يفيد الإنسانية عن جهودنا، أن نقف ~~حياتنا على مقاومته والعمل للتغلب عليه والاندفاع بذلك في سبيل من الأثرة التي لا جدوى ~~لها ولا طائل تحتها! وإن لنا من ذلك عزاء وعنه سلوى في أن نوجه كل جهودنا للقيام ~~بالواجب الذي تفرضه الحياة علينا، فليس منا إلا من تفرض عليه الحياة واجبا شريفا ~~يستطيع أن يجد الطمأنينة الممكنة في الحياة بأدائه. هذا الواجب الشريف وسعينا المتصل في ~~سبيله هو عوضنا عن كل ضعف يصيبنا، وهو قوتنا على الحياة والوسيلة لملكنا إياها فإذا مرت ~~بنا في الحياة عاصفة حالت بيننا وبين القيام بواجبنا فلنطأطئ الرأس للعاصفة، ولنذعن ~~لوحي إيماننا في الوسيلة لاتقائها، ولنا بعد ذلك من العمل الجد النزيه ما يرد إلينا ~~القوة، ويذهب عنا الضعف والخوف. ولو أذعن بطلا قصة دوهامل لوحي ضميرها لما أضاعا سنة ~~كاملة في نضال مستمر بين كبريائهما وإيمانهما، ولما تركت الحياة في نفسيهما جرحا إن ~~اندمل يوما، فهو لا بد تارك أثره مذكر إياهما بضعف لا يلذ النفس ذكره. # 3 # أشعر اليوم بأن ما تخيلته في زمن من الأزمان عن العلم التجريبي واقتداره المطلق على ~~حل كل ألغاز الكون، والحلول بذلك في نفس الجماعات محل الإيمان ليس يبلغ من نفسي إلى ~~مكان العقيدة واليقين بمقدار ما كان يبلغ منها في صدر شبابي. بل إن شعوري هذا ليزداد ~~كلما اتصلت بالحضارات القديمة، وبالحضارات الفرعونية منها بنوع خاص، وكلما رأيت ما كان ~~لهذه الحضارات من قوة وأيد، وما كانت ترتكز مع ذلك عليه من صور ms077 الإيمان التي تحفز ~~الجماعات إلى مضاعفة السعي والعمل في الحياة، وتصل بهم لذلك إلى أن يخلدوا على الزمن من ~~آثار علمهم ما لم يقدر الزمن على إخضاعه لناموس البلى والتجدد، وما لا يزال حتى اليوم ~~وحتى ألوف سنين مقبلة شاهدا على قوة حضارة شادت هذه الآثار الخالدة. # 3 # ولقد ازددت إيمانا بصدق هذا الشعور في أثناء مقامي بالأقصر وأسوان في أسبوع عيد ~~الفطر الأخير، وحين شاهدت للمرة الثالثة معابد الأقصر وخوفو وآمون بالكرنك ومقابر ~~الملوك والملكات، ومعابد الدير البحري والروماسيوم ومدينة هابو وتمثالي ممنون بطيبة ، ~~ومعبد إيزيس الغريق في مياه الخزان عند الشلال فيما وراء أسوان. ازددت إيمانا بصدق هذا ~~الشعور؛ وتبدى لي أن حضارة جديدة لا بد سيبزغ فجرها عما قريب، وستكون حضارة الفراعنة ~~هذه، وحضارة الشرق والإسلام بعدها، هي العامل الأكبر في هذا البعث، وكما أن غزو الأتراك ~~مدينة قسطنطين وإجلاءهم الكثير من علماء النصرانية إلى اليونان وروما، قد كان سبب البعث ~~(الرينسانس) في الغرب وأساس هذه المدنية الغربية التي ظلت قوية قاهرة أكثر من أربعة ~~قرون، فإن غزو الغرب للشرق واقتحام علم الغرب أبواب مقابر الملوك الأجداد وكشفه عما في ~~هذه المقابر من أسرار تاريخ تلك العصور، وفتح هذا العلم عيون أبناء مصر والشرق على هذه ~~النفائس المحدثة عن حضارة كملت لها كل أدوات الحضارة، وإثارة عواطفنا ودفعها لتنهل من ~~هذا التراث الذي كشف، ولن يعود إلى الظلماء من بعد - سيكون هذا كله بسبب البحث ~~(الرينسانس) في الشرق وأساس حضارة جديدة يتزاوج فيها العلم والإيمان، فيرتوي منها العقل ~~والنفس جميعا، وتجد فيهما الروح الإنسانية غذاء يجمع لها بين الرخاء والسعادة وبين ~~النعمة والطمأنينة. # ولعلك تتساءل: كيف توحي الآثار المصرية بهذا الشعور؟ والجواب عندي أن هذه الآثار ~~تحدثك عن علم لأهلها غزير، علم استطاعوا به خلق معجزات ما يزال عصرنا ينظر إليها في شيء ~~من البهر والإعجاب. فهذه الهياكل الضخمة والمعابد العظيمة لم تقم عمارتها على أساس من ~~المصادفة ولا على تجارب للفن وكفى، بل إن في كل ms078 منها لآثارا هندسية يحدثك علماء اليوم ~~عنها حديث معجب بها أشد إعجاب. وهذه الأهرام القريبة منا في القاهرة لم تكن مدافن وكفى؛ ~~بل إن في عمارتها ومقاييسها واتجاهاتها الفلكية ما يدل على معارف هندسية وفلكية دقيقة ~~غاية الدقة. وليس هنا مكان تفصيلها؛ لأنها تستوعب صحفا وصحفا من شرح فني لم يقصر ~~علماء اليوم في وضعه تحت أنظارنا، ثم إن ما تراه على جدران المعابد من صور الحياة؛ ~~ليدلك على أن هؤلاء الأقدمين كانوا يفهمون الحياة فهما واقعيا بحتا على نحو ما تملي ~~به قواعد العلم والطريقة التي وضعها ديكارت، ونظمها وهذبها من جاء بعده من العلماء. ~~وإنك إذ ترى على جدران الكرنك من صور الطير والوحش والإنسان ما لا مزيد بعده لدقة، ~~لتدهش (للريالسم) القوي الذي كان قاعدة الفن في تلك العصور البعيدة. وقد أطلعت في أحد ~~أعداد مجلة الالستراسيون الفرنسية على صورة جدارية مأخوذة عن آثار بني حسن تصور مصارعة ~~بين رجلين تصويرا سينماتوغرافيا ترى فيه تسلسل الحركات واضحا جليا إلى حد دفع ~~المجلة الفرنسية لإظهار عظيم إعجابها بهذا التصوير الفرعوني السينمائي، في حين ما يكاد ~~الغرب يحتفل بمرور ثلاثين عاما على السينما فيه بإعتبارها أثرا من آثار العلم الحديث. ~~ومع ما ترى من غزارة علم أرباب هذه الحضارة القديمة؛ فإنك ترى في نفس الوقت مظاهر ~~إيمانهم القوي بادية كذلك في نقوشهم وتماثيلهم، دالة على أنهم كانوا يحسون ما نحس به من ~~قوى الغيب، وما لا يزال علم الإنسان عاجزا عن تكييفه وإدراكه واستنباط قوانينه. ولكنهم ~~كانوا لا يتجاهلون هذه القوى كما نتجاهلها ولا ينسونها كما ننساها، ولا يقفون من ~~إيمانهم بها عند الانتظار إلى أن يقتحم العلم خفاياها ويستظهر سننها؛ لأنهم كانوا ~~يشعرون أن حياة الإنسان القصيرة تتمثل الغيب كما تتمثل الواقع، ويجب أن تستلهم غرائزها ~~وحي الغيب كما تستلهم حواسها ومداركها، وعقلها الصورة المضبوطة الدقيقة للواقع. # وإلى هذا النحو من تمثل الحياة تميل نظريات كثيرة من فلسفة الغرب اليوم، وفي مقدمتها ~~نظريات الفيلسوف الفرنسي الكبير هنري برجس. ms079 وأحسب أنا جميعا نرانا - بحكم عقولنا نفسها ~~- مضطرين لتمثل الحياة على هذه الصورة لو أننا تركنا وإلهام عقلنا غير متأثرين ~~بالنظريات الأخرى، التي نرى واجبا علينا محاربتها ولو أدى بنا التطرف في الحرب إلى شيء ~~من الغلو وإنكار الواقع. فليس عالم من العلماء إلا يشعر بأن العلم الإنساني على عظمة ما ~~كشف عنه من نواميس، وما أخضع للإنسان من قوى، وما يزال يحيط به حظ من الغيب عظيم له كما ~~للمحسوسات والمدركات نفسها أثر كبير في الحياة وفي سيرتنا فيها، وإذا كان ممكنا في حكم ~~التفكير المجرد أو الجدلي أن يصل العلم يوما من الأيام إلى الكشف عن كل ما في الوجود ~~وإخضاعه لحسنا وإدراكنا، فإن ذلك لن يكون - على ما نظن - في مستقبل قريب. بل هو لن ~~يكون إلا إذا تطور الناس طورا آخر، وأصبح لهم من الحواس وأسباب الإدراك أكثر مما لهم ~~اليوم، واستطاعوا أن يستعينوا بوسائل العلم أضعاف ما يستطيع إنسان عصرنا. والحضارة، وهي ~~طريق حياة العالم وسبيل سعيه إلى الرغد والسعادة، لا تستطيع أن تنتظر حتى ذلك اليوم ~~البعيد، أو حتى تصبح الإنسانية في صورة أخرى غير الصورة التي نعرفها، ويعرفها آباؤنا ~~وأجدادنا من ألوف السنين. وما دمنا جميعا نشهد في حضارة الغرب شيئا من مقدمات القصور ~~عن أن تؤدي للعالم ما تشعر الإنسانية أنه طلبتها في الحياة من رغد وسعادة، فلا مفر لهذه ~~الحضارة من أن تسمح لحضارة غيرها - رويدا رويدا بطبيعة الحال - من أن تقوم بما قصرت ~~هي عن القيام به. # ومقدمات القصور من جانب حضارة الغرب عن أداء الرسالة التي يطلب إلى كل حضارة أداؤها؛ ~~أكثر وضوحا من أن تحتاج إلى طويل بحث أو جدل. ويكفيك مقنعا بل إيمانا بقصورها أن ~~تسأل عن الرسالة النفسية التي أخذت حضارة الغرب على عاتقها أن تقوم بها، وأن تجد الجواب ~~عن سؤالك هذا سلبيا أو في حكم السلبي. فحضارة الغرب شرقية الأصول في روحها يونانية ~~الأسس في مظاهرها، هي تقوم على المسيحية في جانبها الروحي، وعلى ms080 اليونانية في جانبها ~~العقلي والفني. وقد كان بين هذين الجانبين من جوانبها، وما يزال بينهما نضال غايته أن ~~يكون لأحدهما على الآخر الغلب. فمنذ القرن السادس عشر قام الثائرون على سلطان الكنيسة ~~بالحركة الفكرية والعلمية التي طبعت حضارة الغرب في العصور الأخيرة بطابعها. وككل حركة ~~جديدة مضطرة للنضال، كانت هذه الحركة العلمية والفكرية ترمي إلى هدم الكنيسة، وتقويض ~~أركانها ومسح قواعدها وأسسها. وإذ كان العلم قد أسفر عن نجاح قوى سريع قلب نظام الحياة، ~~ودخل إلى الناس في دورهم ومساكنهم، ويسر لهم من ألوان العيش والحياة ما لم يعرفوا شيئا ~~مثله حين حكم الكنيسة، فقد صفق الجميع لرجال العلم، وانزوى رجال الدين في ناحية قانعين ~~بالهزيمة التي أصابتهم منتظرين يوما أحسن. وطال برجال الكنيسة الانتظار أن كان العلم ~~يطفر من نجاح إلى نجاح، وأن كانت القوى التي كشف عنها تضع في متناول الناس كل أسباب ~~الرغد رخيصة جميلة فيها ما يلذ وما يستهوي، ثم إن كانت الكنيسة ورجالها قد أحاطت ~~تعاليمها بحجب كثيفة من الأوهام التي كانت محسنة السواد أيام جهل السواد، والتي جعلت ~~تتداعى بانتشار النور بين الناس وبمداومة العلم الكشف عما في هذه الأوهام من سخف ~~وترهات. على أن هذه الحجب من الأوهام والأباطيل إن سترت ما كانت رسالة الكنيسة تضفي ~~عليها بيئة من نور، فهي لم تطفئ ضياء الروح الذي ينبعث هذا النور عنه. ألست ترى ~~الجاهلين من الناس يلفون الشخص الذي يعزونه في خلق يريدون أن يتقي هذا الشخص به البرد، ~~فإذا الخلق يحوي من أسباب الضعف ما يجعل العزيز يتألم. وبدلا من أن يكشف أهله الخلق، ~~ويزيلوا الهدم البالية تراهم يضيفون عليها خلقا وأثوابا بالية قذرة تزيد عزيزهم ~~ضعفا. لكنه ما دام على قيد الحياة فهو قدير على أن يعود إلى قوته إذا هو أزيلت عنه ~~الأثواب المحيطة به. كذلك جعل العلم يهدم ما أحاطت به الكنيسة روح المسيحية من خرافات ~~وأباطيل، وجعل البعض يتوهمون أن هذه الخرافات متى انكشفت كلها فلن يبقى تحتها من ms081 شيء. ~~لكن جماعة من العلماء أنفسهم شعروا بأن هذا الضياء الذي كانت المسيحية تريد أن تنير ~~العالم به تمهد به السبيل بين شقاء الحياة وآلامها هو بعض حاجات النفس الإنسانية، فيجب ~~أن تصل إليه، إن لم يكن عن طريق العلم فمن طريق آخر غير العلم، وجاهد العلماء يريدون أن ~~ينبعث عن العلم هذا الضياء. وهم إلى اليوم لم يصلوا من ذلك إلى غاية. ولعل السر في هذا ~~أن لهذا الضياء مصدرا غير التفكير؛ وأن طرائق العلم قد جعلت التفكير وحده، التفكير ~~القائم على أسس المشاهدة الحسية، هو الوسيلة لاستنباط ما يمكن استنباطه من سنن الكون. ~~والمشاهدة الحسية والتفكير الإنساني لم يستطيعا حتى اليوم أن يقفا على سنن الكون ~~جميعا، وإذن فلا بد لنا من حاسة غير الحواس المعروفة تنير لنا ما لم ينر العلم من طريق ~~الحياة، وهذه الحاسة هي ما يسميه برجسون الإلهام، وما تسميه الأديان البصيرة أو النور ~~أو هداية الله. # لم يستطع الجانب العقلي والفني أن يقضي على الجانب الروحي؛ وبكلمة أخرى: لم يستطع ~~الجانب اليوناني أن يقضي على الجانب المسيحي في الحياة الغربية، وإن كانت حضارة الغرب ~~الحاضرة ما تزال تدل بأنها يونانية الأصول. على أن ما طورت وأكبرت من أصولها اليونانية، ~~قد وصل، أو كاد، إلى الحد الذي يقف عنده ولا يتخطاه قبل أن يطعم بروح جديد. ولسنا نحن ~~الذين يقولون هذا أو يبتدعونه. فغاية الحضارة اليونانية، فيما يقول كثيرون من كتاب ~~الغرب: الكمال والجمال، وعلى حد تعبير بعضهم: كمال الجمال وجمال الكمال، وهاهم أولاء ~~الغربيون أنفسهم قد أصبحوا ينظرون إلى فنونهم باعتبارها مظهر الجمال آسفين على أنها ~~تتدرج إلى عصر من الانحلال بما يتسرب إليها من نظريات جديدة، كالتكعيب # cubisme # وغير التكعيب، كما أنهم ينظرون إلى معنى ~~الكمال، كأنه خيال سعوا وراءه فإذا سعيهم وراء آل لا حقيقة ولا وجود له. ولئن كان البعض ~~من مفكريهم ينشدون في تضامن الإنسانية معنى جديدا يريدون به أن يدفعوا إلى حضارة الغرب ~~قوة تعادل ما يخافونه عليها ms082 من ضعف، فذلك غرض معناه أن ما حاول الغرب من إقامة مدنية ~~غربية يونانية الأصول قائمة على العلم وحده، لم يصادف من النجاح ما كان يطمع فيه ~~المفكرون والعلماء الصادقو العزيمة ممن سعوا إليه في الماضي. فلا بد إذن من مدد جديد ~~يبحث الباحثون عنه في الشرق، وفي غير الشرق لمنع التدهور والانحلال. # على أن الحضارة اليونانية التي اتخذ منها الغرب أساس نشاطه في القرون الأخيرة كانت ~~تمسكها روح من الخلق أهملها الغرب إلى حد كبير كأساس من أسس حياته، وإن لم يهملها مفكرو ~~الغرب في مضارباتهم النظرية التي لا يستطيع أحد أن ينكر قوتها وغناءها. # أهمل الغرب روح الخلق هذه؛ لأن طريقة العلم لا تعتمد على شيء غير الحس. وقد انتقلت ~~هذه الطريقة من العلم إلى الفن، وبالغ الفن فيها حتى جعل من الحس كل شيء، وحتى خضع ~~لسلطان الحس وشهواته خضوعا تراه واضحا في الأدب كما تراه واضحا في الصور والتماثيل. ~~ولما كان العلماء يعزون طرائقهم إلى اليونان القديمة، فقد عزا الفنانون طرائقهم كذلك ~~إلى اليونان القديمة. ولقد أذكر بحثا قرأته منشورا في مجلة (المركير دفرانس) منذ ~~سنوات يبين البون العظيم بين تصوير الفن اليوناني للحياة، وتصوير الفن الأوروبي الحاضر ~~لها. فمن النظريات التي خرجت مجرى الحقائق عند أرباب الفن أن الجمال العريان يوناني ~~قديم، وهو لذلك طاهر عفيف. وأخذا بهذه النظرية جعل كثيرون من كبار المصورين والمثالين ~~في القرون الأخيرة الجسم العاري للرجل والمرأة موضع دراستهم وبحثهم وتصويرهم ونحتهم. ~~وأنت إذ تعود إلى كتاب ككتاب ريشين عن الميثولوجيا الإغريقية القديمة ترى فيه صورا ~~بديعة لأنجز ورمبرانت ورويفس وغيرهم، وأكثرها يمثل آلهة اليونان وإلاهاتهم عارية يبهر ~~جمال عريها الإحساس والإبصار. # وتطبيقا لهذه القاعدة أصبح تمثيل الجمال العريان ممتدا على أوسع جبهات ميادين الفن ~~في العصور الأخيرة جميعا. على أن صاحب البحث الذي أشرت إليه في (المركير دفرانس) يعارض ~~هذه القاعدة وينقضها نقضا علميا. فالجمال العريان ليس قديما، وليس هو لذلك طاهرا ~~ولا عفيفا. والدليل على ذلك ما خلف ms083 السلف اليونان أنفسهم من آثارهم. فأنت لا تجد من ~~الصور العارية التي تمثل الآلهة ذكورا كانوا أم إناثا إلا تمثالا واحدا للزهرة. أما ~~ما سوى هذا التمثال فكاس، وبالغ كساؤه حد الحشمة والوقار. ويشير الباحث كذلك إلى أن ~~الفن المصري القديم الذي سبق اليونان وفنها كاس هو الآخر. ولم نعرف التماثيل العارية ~~إلا للمرانة في الألعاب الرياضية؛ لأن جسم هؤلاء وتكوينه هو في الغالب فيهم على الروح ~~وجمالها. وإنما اختط القدماء في الفن هذه الخطة؛ لأنهم كانوا يتوسمون في الجمال صورة ~~غير ما تصبو إليه رغبات الحس وحدها، هذه الرغبات المادية التي تنسى سامي مطامح النفس ~~إلى المثل الأعلى، والتي تحرك في المجموع من وضيع الشهوات ما قد يقمعه العلم في نفس ~~العالم أو الفن في نفس الفنان؛ أو قد يتهاون العالم أو الفنان فيه حين يكون هو لسواد ~~الجماعة سبب شقوة وتعس. والحضارة الصحيحة هي التي تغلب بوسائلها الفعالة على أسباب ~~الشقوة والتعس. # لا بد إذن من مثل أعلى تؤمن به الجماعة، وتجد من تطلعها إليه وهيامها به ما ينسيها ما ~~في الحياة من هم وبأساء. وهذا المثل الأعلى لم يكن يوما من الأيام مطمع العلم. إنما ~~كان مطمع العلم الوصول إلى الحقيقة المحسوسة. وليس في أي من المحسوسات ما يستلزم تطلع ~~الجماعة إليه وهيامها ببلوغه؛ لذلك جعل الدين في الدار الآخرة موضع الأمل الأسمى ~~والرجاء الذي لا رجاء بعده؛ ولذلك تضافرت الأديان كلها على وصف ما في الدار الآخرة من ~~نعيم يعوض عن شقاء الحياة ومتاعبها. فقليلون أولئك الذين يجدون في صور الحياة التي ~~نحياها، وفي آداء الإنسان واجبه في الحياة ما يكفي لنسيان المرء نفسه في واجبه، وفي ~~القيام بأداء هذه الواجب. ولئن رأى بعضهم في هذا التصوير للحياة الآخرة تصويرا ~~ماديا، ورأوا لذلك أن السعادة كل السعادة في إدراك كل ما تحتوي عليه المادة من جمال ~~وحق وتحصيله، ورأوا لذلك في جهود العلم كي يخضع قوى الكون لسلطان الإنسان ومتاعه محققا ~~في هذا العالم لما يصبو ms084 إليه في العالم الآخر، فإن ذلك لن يروي ظمأ النفس الإنسانية، ~~وظمأ الجماعة بنوع خاص، إلى مثل أعلى قد يكون محالا أمام العقل إدراكه؛ ولكن في هذه ~~الاستحالة نفسها موضعا لطمأنينة النفس إلى أنها تجاهد في سبيل ما ترجو من سعادة، وأنها ~~بقوة إيمانها لا تحكم عقلها؛ قد تصل يوما إلى بلوغ هذه السعادة المنشودة. ~~«إذا ملأ الإيمان قلبي وقلت لهذا الجبل: انتقل من مكانك ينتقل». وقد ملأ الإيمان ~~بالعلم قلوب أهل العصور الأخيرة، فنقلوا الجبال وملكوا عنان الجو، وسخروا الكثير من قوى ~~الوجود. لكن هذا ليس هو الحضارة المأمولة التي تملأ قلب الإنسان بالإيمان ليطلب السعادة ~~فيكون سعيدا، هذا الإيمان بالسعادة يجب أن نبحث عنه في آثار الفراعنة، ومن تأثروا ~~بحضارة الفراعنة، فخلدوا من آثارهم ما خلد نفوسهم وأرواحهم. ويجب أن نبحث عنه بعد ذلك ~~في الحضارات والأديان التي تلت الحضارة الفرعونية والديانة الفرعونية، وأن نرى الصلة ~~بين هذه الحضارات والحضارة الأولى. نعم يجب أن نبحث الإيمان على أنه واقعة اجتماعية لا ~~حياة للجماعات بدونها، وعلى أنه لذلك حقيقة اجتماعية وجدت في كل الأزمان والأماكن، فإذا ~~شذت عنها طائفة من الناس، فقد كانت هذه الطائفة وما تزال أقلية صغيرة. ولم تقل هذه ~~الأقلية يوما إن ما تقف عليه من العلم كفيل بسعادة الإنسانية، وبتهوين آلام الحياة على ~~الناس فيها. # مثل هذا البحث والوصول فيه إلى شيء قمين أن يصل بنا لأن نضع أمام الجماعات الإنسانية ~~مثلا أعلى يصبو إليه الإيمان الإنساني، ويتعلق به ويرجو من ورائه بلوغ السعادة التي ~~ينشدها. # وليس كمصر ميدان لهذه المباحث: ففيها نشأت الحضارة الأولى، وعليها تقلبت كل الحضارات ~~والأديان التي تبعتها. عرفت مدرسة الإسكندرية فلسفة الإغريق وحضارتهم. ثم انتقلت إليهما ~~المسيحية مع الحكم الروماني، وكان للحضارة الإسلامية فيها مظاهر قوية غاية القوة. وهذه ~~الحضارات التي تعاقبت على مصر تأثرت كلها إلى حد كبير بالحضارة الفرعونية الأولى، وأثرت ~~فيها وما تزال آثارها باقية إلى اليوم، لا في البرديات والمقابر وكفى، بل في نفوسنا نحن ~~الذين ms085 نعمر مصر بعد الفراعنة بكل ما مضى عليهم من ألوف السنين. كذلك كنا أجدر بأن نقوم ~~بهذه الدراسة، وكان من حقنا أن نطمع في هذا التوفيق بين العقل والروح نقيم من هديهما ~~الحضارة التي يلتمسها العالم اليوم في أبحاثه المختلفة. # مثل هذا المجهود الذي نطالب أبناء وطننا به مجهود ضخم هائل قد ينوء به جيل كامل. لكن ~~فخر إقامة حضارة تعم العالم أكبر من أن يهتز أمام أعبائه جيل أو أجيال. فسيكون فخر مصر ~~في عصورها جميعا؛ وسيكون لأبنائنا وحفدتنا موضع زهو وإعجاب، ثم هو يكون للعالم نورا ~~يهديه الطريق إلى ما يستطاع بلوغه من السعادة. # كنت أود لو أذكر شيئا عن واجب الجامعة المصرية في هذا الشان ... ولكني أشعر بأني ألقيت ~~من قبل على الجامعة تبعات كثيرة لما تقم بها، فليفكر الأفراد بادئ الأمر في ما أدعو ~~إليه، وإني مؤمن بأن ما أدعو إليه عظيم. # الفصل الرابع # | القدرية والجبرية أو الاختيار والاضطرار1 # «الاختيار معدوم من الوجود جملة، وإنما تصرفنا قوانين مرتبة نعرفها ومصادفات واتفاقات ~~ربما كانت تسير على قوانين لا نعرفها.» # 1 # لم يشتغل العقل الإنساني بشيء مثل اشتغاله بمسألة القدر والجبر. فمن أول ما بدت ~~تباشير الفكر وقدر لنا أن نقف على أخبار المتقدمين أهل التاريخ الأول سمعنا بهذه ~~المسألة. فهي قديمة وربما كانت أعرق في الوجود من كل فكرة أخرى. ولما جاءت في الأديان ~~جعلتها موضع نظر ولكنها لم تتوصل إلى حلها بل تركتها بحذافيرها تنتقل من جيل إلى جيل ~~حتى وصلت إلينا، ولم تزل الشغل الشاغل للمفكرين والفلاسفة. بل لا نغالي إن قلنا: إنها ~~من الأسس الأولى التي تبنى عليها اليوم أقسام كبيرة من الفلسفة والعلم. فمسائل التشريع ~~والقواعد الاقتصادية والأفكار الاجتماعية كلها تمس هذه الفكرة وتعتد بها. وكلنا في ~~أعمالنا اليومية ومعاملاتنا مع الآخرين لا ننسى مبلغ ما يترتب على عملنا من المسئولية ~~الشخصية، ولا مقدار المسئولية التي تقع على عاتق غيرنا بانين ذلك على أن الإنسان حر ~~مختار. وكلنا نحس أن الأفراد لا يتساوون ms086 في هذه المسئولية، بل تصغر عند قوم وتكبر عند ~~آخرين على نسب مختلفة للعمل الواحد. # ولم يصل كثير من الباحثين إلى نقطة عملية عامة في هذه المسألة. بل تراهم يميلون إلى ~~الاعتراف بقسط من الاختيار لكل فرد من الأفراد لم يخرج عن عقله، كبر ذلك القسط أم صغر. ~~وتراهم يقولون: إنه لولا ذلك لما ساغ لنا أن نستاء من عمل غيرنا ولا أن نفرح له. لكنا ~~نستاء ونفرح. ولا شك أن معنى هذا أننا نقدر أن هذا الشخص كان يستطيع أن يعمل غير ما ~~عمل فيستحق منا إحساسا مخالفا للإحساس الذي أبديناه حين رأيناه عمل ما عمل. ولا بد ~~لنا أيضا من الاعتراف بقسط من الجبر أو الاضطرار يختلف قدره باختلاف الأفراد. وهذا هو ~~السبب في أن الإحساس الذي نقابل به عملا معينا من زيد ليس هو بعينه الإحساس الذي ~~نقابل به العمل نفسه من كل شخص غيره. # هذه هي الأفكار العملية العامة في الموضوع. ولسنا ندري هل تتغير قريبا؟ ولكن ما لا ~~شك فيه أنها تشكلت بأشكال كثيرة، وليست مع الأحوال المختلفة لبوسا جمة. فبالنسبة لقيم ~~الاختيار والاضطرار، وبالنسبة لمصدرها راجت أفكار وأوهام كثيرة على مدى الأزمان ~~المختلفة. فجبرية اليوم يرجعها المعاصرون من كتاب أوروبا إلى تأثيرات الوراثة والوسط في ~~حين كان يرجعها أهل الزمن القديم إلى القدرة الإلهية. والاختيار المطلق والاختيار ~~النسبي شغلا من الأبحاث آلاف الصحائف. وكذلك مقدار الاختيار. ولسنا نريد بما نكتب تحليل ~~هذه الأبحاث، ولا التنقيب عما كان واستظهاره، بل إثبات رأي نعتقده وإظهار أثر هذا الرأي ~~في بعض جهات العلم والفلسفة، ولا سيما ما اختص بفكرة المسئولية وتقدير الخير ~~والشر. # وقبل الشروع في ذلك نرى أن نوضح هذا الرأي في ذاته وموضعه بالنسبة للآراء الأخرى. ولا ~~يلمنا أحد بالتعجب في ذلك، فإن أول ما نطلب أن يكون القارئ عارفا بمرامينا حتى إذا قرأ ~~ما نكتب كان قادرا على اتباع أسباب الحجة التي ندلي بها وطرقها ومسالكها، فيصل بها ~~معنا إلى الغاية التي نراها من ms087 غير أن يكلف نفسه الرجوع إليها؛ ليرى مواضع الضعف ~~منها. # أما رأينا فهو أن الاختيار معدوم من الوجود جملة، وإنما تصرفنا قوانين مرتبة نعرفها ~~ومصادفات واتفاقات ربما كانت تسير على قوانين لا نعرفها. ولسنا نقصد بالاختيار هذه ~~الحرية الجزئية الضئيلة التي نستطيع معها أن نسير إلى اليمين لا إلى اليسار، ونأكل ~~صنفا دون آخر، ولكنما نقصد به مجموع القوة المصرفة للحياة والمتسلطة على هامة الحرية ~~الجزئية، نقصد به روح الحياة ذاتها. فهذه الروح أو تلك القوة أو ما شئت فسمها معدومة ~~الاختيار من جميع الجهات، سواء كان ذلك من جهة تكوينها المباشر بالذات، أو من جهة ~~الظروف الخارجية التي تعيش وقتيا في وسطها. وهي مدفوعة في طريقها بعوامل لا دخل لها ~~مطلقا فيها، أو إن كان ثمة لها دخل فهو ضئيل إلى درجة معدومة الأثر. وهذه الحرية ~~الجزئية الضئيلة التي نعتقد أننا نملكها بيدنا، وأنا نتصرف على مقتضاها في حياتنا ~~اليومية معدومة أيضا وما نراه منها إنما هو خيال ووهم. # كلما تيسر لي أن أفصل بذلة جديدة يدخل رأسي تصميم أن أغير الألوان المعتادة التي ~~ألبسها، وأدخل محل الخياط على هذا التصميم. وبعد أن أقلب خمسين قطعة من القماش أقف عند ~~اختيار لون لا يخرج مطلقا عن ألواني المعتادة. وقد خرجت مرة عن هذا الجمود لعلي أرى في ~~الجديد طلاوة. فلما لبست بذلتي الجديدة شعرت بعدم ارتياح لما عملت كأنه خالف اختياري. ~~فهل أنا مختار في المرات الأولى، وهل أنا مختار في هذه المرة الأخيرة؟ وأعتقد أن كثيرين ~~مثلي لاحظوا من ذلك ما لاحظته. # نجد هذا أيضا عند اعتيادنا اختيار الطعام. نجد هذا الاختيار محدودا لا يتعدى ~~أصنافا معينة، فإذا تعداها الإنسان حسب نفسه خرج على نفسه أي حسب نفسه غير كامل ~~الاختيار. ويكون ذلك إحساسه في غير هذه الجزئيات كل مرة يخرج فيها عن معتاد اختياره، ~~اللهم إلا إذا نسي نفسه مع أصحاب أو جماعة أيا ما يكونون. وهو لا شك في هذه الحالة ~~مسلوب الاختيار في أغلب الأحيان. ms088 # ونظن القارئ في غنى عن أن نضرب له الأمثال لذلك. ومن هذا نرى أن هذه الجزئيات البسيطة ~~من متعارف ما في الحياة، ومما نظن لأنفسنا كامل الحرية فيه إنما حدد اختيارنا لها ظروف ~~خارجة عنا كونت عندنا عادة أعدمت هذا الاختيار، وبالتالي قتلت هذه الحرية. # وإذا ارتقينا فوق هذه الدرجة، وجعلنا أعمالا أكبر من الأعمال اليومية موضع نظرنا ~~تجلى لنا انعدام الاختيار عند الإنسان بشكل أوضح. وليست الأمثلة هي التي تعوزنا هنا. ~~فنادر هو الرجل الذي لم تجئه حادثة خارجة عن انتظاره، بل عن اعتقاده فاضطرته أن يتبع ~~مسلكا من مسالك الحياة لم يكن يحلم به. ونادر من لم تؤثر في حياته أو أعماله صداقة رجل ~~معين أو حب امرأة معينة. ونادر من لم تغير خطته مقابلة في قطار أو سفرة إلى بعض المكان. ~~ونادر منا من لم يكن لمرضه أو لزواجه أو لنسله تعديل عام لطريق سيره. وربما كانت كلمة ~~نادر غير كافية، فأقول: ليس في الوجود إنسان لم يذعن لحكم كل هذه الظروف أو بعضها على ~~أنها حين تقابل الواحد منا تحدث عنده أثرا غير الأثر الذي تحدثه عند الآخر، وربما كان ~~على عكسه والواحد منا لا يستطيع أن يغير فيها أو يبدل، وإنما يخضع لها مجبرا غير ~~مختار. # ومركز الواحد منا في الحياة - كونه ابن زيد لا ابن عمرو، وكونه ولد في بلد وفي قطر ~~معين وفي عصر معين - أي اختيار له في هذا؟ من غير شك لا اختيار له، وإنما هو يحتل هذا ~~المركز مجبرا سواء أراده أم لم يرده. ومن لنا بالرجل الذي يقدر على اختيار ~~مركزه. # ربما قيل: إنه مهما أمكن التسليم بصحة ما تقدم فإن في نفي الاختيار إطلاقا مغالاة. ~~وأن من الواجب الاعتراف باختيار نسبي للفرد يميز به بين الخير والشر والحسن والقبيح، ~~ويمكن معه احتمال مسئولية العمل الذي يعمله. وإن هذا الاختيار النسبي الذي هو أساس ~~المسئولية ونتيجة من نتائج الإرادة حرية نسبية، وهو متعلق بالفرد ملتصق به بل هو جزء ms089 ~~منه. # ولا شك في أن هذا الكلام غير خلو من المعنى. فإن لنا إرادة نسبية نميز بها أعمالنا ~~اليومية، وتجعلنا مسئولين أمام أبناء عصرنا عما يصدر منا من الأعمال، وهذه الإرادة هي ~~التي تعطينا الحق في مؤاخذة غيرنا، وفي مؤاخذة أنفسنا. لكن هذه الإرادة النسبية هي كما ~~قدمنا محكومة بظروف خارجة عنها مؤثرة فيها باعثة إياها حتما لتسير في طريق معين. أي: ~~إن إرادتنا ليست حرة في أن تريد. فالأحكام التي تصدر عنها والتصميمات التي تتبعها إنما ~~هي مدفوعة إليها بعوامل خارجة عنها، ربما كانت قوانين الطبيعة، وربما كانت المصادفة ~~التي لا نعرف قوانينها، وربما كانت أيضا روح الوجود الخفية والقوة المصرفة له التي لا ~~تدرك ماهيتها. وربما كانت مجموع هذه الأشياء. # ففي الأمثلة البسيطة التي قدمنا عن اختيار اللون في الملبس والمطعم، رأينا أن هذا ~~الاختيار مقيد بقيود كثيرة منها الوسط الزماني والوسط المكاني، ونوع التربية ومبلغ ~~الصحة أو المرض والقوة أو الضعف، التي عند الفرد وعوامل كثيرة أخرى ليس من السهل حصرها، ~~وقد رأينا أيضا حين ترقينا فوق هذه الأمثال أن هذه القيود لا اختيار لنا في وجودها. ~~وكون الرجل ابن شخص معين ولد في بلد معين، وفي زمن معين وفي أمة معينة أمور كلها بعيدة ~~جدا عن أن تكون من اختياره. ومع ذلك فلها تأثير بين واضح في آخر درجات الاختيار؛ ~~لأنها هي أسباب الإرادة. # وهذه الأسباب نفسها غير مختارة؛ لأنها غير متعلقة بإرادة عاقلة تعرف ماهيتها. فوجود ~~زمن من الأزمان أو مكان من الأمكنة على صورة معينة أمر لا دخل لإرادة معينة فيه، بل هو ~~نتيجة لعوامل بعيدة عن إرادة الناس أفرادا كانوا أو جماعات. وكل جيل من الأجيال يحتمل ~~غير مريد نتيجة أعمال آلاف الأجيال التي سبقته، ويحتمل غير مريد شر أعمال الأجيال ~~المعاصرة له. وإذا كان ذلك شأن الجيل فإن الفرد الذي هو ذرة منه يحتمل تأثير ملايين من ~~إرادات معاصريه وملايين الملايين من إرادات الأجيال الماضية. فهل يبقى مع ذلك صاحب ~~إرادة خاصة، ms090 ويستطيع أن يقول حين يعمل عملا معينا: إني قمت به؛ لأنني أردته؟ # ليتصور القارئ معي نفسه: هو الآن يقرأ هذه السطور. فهل هو مريد في ذلك؟ وإذا كان ~~مريدا فما هي قيمة اختياره في هذه الإرادة. أولا من أجل أن أكتب ما أكتب مررت بآلاف ~~بل بملايين من المؤثرات التي شكلت إرادتي على ما أردت هي لا على ما أردت أنا. ثم كتبته ~~بعد ذلك. وكتبته في أوقات ربما كان يكفي أن تتغير هي لتغير ما أكتب. ثم نشرته في هذه ~~المجلة بعد تفكير في ظروف لا دخل لي فيها هي التي استوقفت عزمي عندها. فلم لم ~~أنشرها في غيرها؟ لأسباب خارجة عن إرادتي إذا نحن اعتبرنا مطلق الإرادة. وقرأها القارئ ~~في هذه المجلة؛ لأنه من قرائها؛ لا لأنه يريد أن يقرأ كلامي. # ثم ما هو الإحساس الذي يجده القارئ حين القراءة؟ أهو الانبساط أم الامتعاض أم عدم ~~الاهتمام؟ لا شك أن ذلك كله يختلف كثيرا ما بين قارئ وقارئ. فمن الممكن أن يثني القارئ ~~عطفه قائلا: وما نتيجة هذه الأبحاث في الحياة؟! ومن الممكن أيضا أن يقول: لقد أحسن ~~الكاتب فإن في بحث هذه النظريات ما يؤثر في تقدير المسئولية الاجتماعية والمسئولية ~~الفردية. ومن الممكن كذلك أن يمر بما أكتب ثم يلقي المجلة من يده متثائبا. هذا كله إذا ~~لم ير في طرق باب مثل هذا الموضوع ما لا يسمح به الدين. وكل هذه الأحكام التي يصدرها ~~يحسب أنه مريد كل الإرادة في إصدارها مع أنها إنما تتعلق بنوع تعليمه وبالمدرسة التي ~~نشأ فيها، وبالقراءات التي قرأها وبطرق التفكير التي مر بها، وبالحوادث التي واجهها. ~~ولو أن شيئا من ذلك كله تغير لتغير هذا الحكم وبكلمة أخرى لتغيرت الإرادة. # وظاهر من ذلك أن الإرادة لا تعمل بذاتها مجردة، ولكن تحت مؤثرات كثيرة هي التي تكونها ~~على نحو خاص، وتجعلها بذلك تصدر أحكامها على هذا النحو محكومة بقوى تلك المؤثرات. ولا ~~يمكن أن يقال مع ذلك: إنها حرة في أن ms091 تريد، بل ظاهر أنها مجبرة على السير في الطريق ~~الذي رسمته لها هذه المؤثرات. وبكلمة أخرى مجبرة في اختيارها. # ومن الممكن أن نلخص العوامل التي تؤثر في الإرادة، وتحكمها في الاختيار على الطريقة ~~الآتية: ~~(1) # حكم الوسط الزماني والمكاني: فهذا الوسط الذي تكون على مدى الأجيال ~~المتعاقبة من تفاعل ملايين الإرادات الإنسانية مع عوامل الطبيعة الأخرى له ~~في إرادة كل فرد منا أعظم تأثير. فإن منها تتكون الأفعال الاجتماعية، ~~والأنظمة السياسية والقوانين الإجبارية، والاعتبارات الأخلاقية. وهذه كلها ~~وما سواها من الأفعال الاجتماعية تشترك في صفة مميزة هي إكراهها كل فرد على ~~اتباعها، وجعلها إرادته تتكيف على النحو الذي تقتضيه. ~~(2) # حكم الوراثة: وله في كل منا أثر مباشر في تكوينه الجسمي والعقلي. ومعلوم ~~أن هذا التكوين له شأن كبير في حركاتنا وسكناتنا، وفي جميع تصرفاتنا، وفي ~~نظرنا إلى الحوادث والأشياء وسائر ما في الحياة. وبكلمة أخرى في أحكام ~~إرادتنا على كل ما جل ودق من الأعمال. ~~(3) # حكم العادة: فلكل فرد على حسب ما كونته الأوساط التي نشأ فيها، وعلى حسب ~~تأثير وراثته عليه وما انتابه من حوادث المرض والزواج، والوظيفة التي ~~يؤديها في الحياة نظم يسير عليها، وتؤثر فيه أشد التأثير. هذه النظم هي ~~عاداته الفردية التي كونها لنفسه، والتي أصبحت - كما يقولون - طبيعته ~~الثانية. وهو كلما فكر في أمر من الأمور حكمته تلك العادات في التفكير وفي ~~اتجاه إرادته. خذ مثلا لذلك شخصا اعتاد التدخين أو اعتاد تناول أدوية ~~معينة في أوقات معينة، فترى أن هذه العادات لها في تصرفاته أثر كبير. كم ~~ترى معتاد التدخين منحرف المزاج ضيق الصدر مسرعا في الحكم إذا هو لم يجد ~~سيجارته حاضرة تحت يده عند طلبه إياها، وكم تراه ساعة التدخين ميالا في ~~تفكيره إلى طريق الأحلام والأماني. ثم كم ترى السقيم المعتاد تناول ~~المورفين بعيدا عن الابتهاج بالحياة وما فيها إذا منع عنه. ~~(4) # حكم المصادفة: ليس من ينكر أن مصادفات في الحياة غير منظورة خلقت له ~~مركزا خاصا جعله ينظم حياته على شكل ms092 دون آخر، من غير أن يكون له دخل في ~~تلك المصادفات مطلقا. # فهذه العوامل التي تؤثر في حياتنا وإرادتنا، وتتأثر هي بأعمالنا وتنتقل إلى الجيل ~~الذي بعدنا محملة بماضي الإنسانية الطويل مؤثرة في ذلك الجيل الجديد، تترك الفرد منا ~~وشأنه في وسط هذا العالم الهائل شأن أي ذرة أخرى من ذراته تسير في نظامه محكومة ~~بقوانينه الخالدة غير مستطيعة لنفسها نفعا ولا ضرا. # قد يرد على هذه الحجج كلها اعتراض يجب عدم إهماله. وذلك أننا في كل اعتباراتنا ~~المتقدمة كنا دائما ننظر إلى الإرادة المطلقة، كأنها مثال الإرادة التي تطلب للإنسان. ~~وأنا كنا نمثل الشخص الكامل الاختيار كأنه الشخص الذي يسير على غير قانون ونظام. ~~وفضلا عن هذا فكأنا أغفلنا فكرة الإرادة النسبية إغفالا تاما. فإذا صح ما قدمنا من ~~أن الإرادة الفردية محكومة بقوانين تحدد اختيارها إلى حد كبير، فإن في هذه القوانين من ~~السعة والتسامح ما يجعل لهذه الإرادة مجالا في العمل واسعا. # وفضلا عن ذلك فقد كان بحثنا كله دائرا حول الفرد معتبرا إياه ذرة من الوجود متأثرة ~~بما حولها. وما دام ذلك فلا يمكن إلا التسليم بأن كل إرادة يجب أن تخضع لمقتضى قوانين ~~الحياة. ولكن الواجب أيضا أن ننظر إلى الفرد كوحدة قائمة بذاتها مؤثرة في الحوادث ~~مصرفة لها على نحو معين ومشكلة إياها بشكل خاص. أي: إنه يلزم لمعرفة مقدار حرية الإرادة ~~أن ننظر إلى هذه الإرادة حين تفاعلها مع الحوادث كمؤثرة فيها قبل أن تكون متأثرة بها، ~~ونقدر مبلغ ما لها من التصرف في هذا التأثير. وذلك يتحتم أكثر إذا علمنا أن العوامل ~~المؤثرة في الإرادة هي عوامل عامة على الغالب مشتركة بين كل الأفراد. فإن ما سميناه نحن ~~حكم المصادفة يسير هو نفسه إلى حد كبير على نظام يصيب الأفراد منه بالنسبة لأثره في ~~إرادتهم - لا في حظهم - قدر غير قليل. فإذا نحن أخذنا هذه العوامل المؤثرة على اعتبار ~~أنها متساوية في فعلها في الإرادة، ونظرنا إلى الإرادة بعد ذلك مجردة عنها ms093 كان لنا أن ~~نحكم أن لها في الحياة اختيارا يصرف حياة الفرد، وكثيرا ما يمسك بيده تصريف حياة ~~الكون كله في مدة غير قصيرة من الزمن. # وقد يضرب المعترض مثلا إرادات مصرفة يجدها قاومت نظام الكون، وغالبت قوى الطبيعة ~~وتمكنت من إخضاعها، ووصلت من ذلك إلى المدنية الحالية وما فيها من المخترعات والعجائب، ~~ولو أنها اتبعت نظام الطبيعة وسارت على قانون أقل مجهود لبقي العالم متلمسا في ظلامه ~~القديم. لكن تلك الإرادات القديرة عملت ونجحت في إخضاع أقسى ما نعانيه في الحياة. فدعاة ~~الأديان أثروا في العالم بتعاليمهم تأثيرا كبيرا، وكذلك نابليون بونابرت بحروبه ~~وأعماله وقانونه المدني. وجوستنيان في التشريع الروماني. فهل هذه النفوس التي أقامت ~~المدنية، وأحيت تاريخ الإنسانية ونشرت العلم والنور والهدى والحضارة ذرات تسير في نظام ~~الكون محكومة بقوانينه الخالدة لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرا، وهل هذه الإرادات ~~القوية التي غلبت حياة الوجود لم تكن إلا عجينة شكلتها ظروف الوسط وأحكام العادة، ~~ومؤثرات الوراثة من غير أن يكون لها في نفسها أثر. # هذا وجه الاعتراض الذي يوجه في مثل هذه الأحايين. ولسنا نقف دون هذا الاعتراض أو ~~نحسبه يغير شيئا من صحة ما قدمناه. فإن تحليلا بسيطا لهاته النفوس الممتازة، وما ~~أحاط بها يجعلنا نؤمن تمام الإيمان بأنه لم يكن لأصحابها من الإرادة في عملهم إلا ~~بمقدار ما أجبرتهم على السير فيه ظروف الحياة، كما أن الوقوف عند الإرادة الفردية ~~لذاتها وتجريدها من العوامل المشتركة التي تؤثر فيها تظهر لنا هذه الإرادة قوة عمياء لا ~~تتحرك بنفسها، ولا تتصرف باختيارها، ولكنها تنتظر عوامل خارجية تدفعها للسير في الطرق ~~التي نرسمها لها. # ومن أجل أن نصل إلى ذلك بحجج بينة واضحة يجب أن نفهم أولا ما هي الإرادة وكيف نريد؟ ~~كان الكتاب الأقدمون يحسبون الإرادة قوة من قوى الروح، والروح عندهم شعاع لطيف خارج عن ~~مادة الجسم سرى فيها سريان الريح في الورد، والزيت في الزيتون، والنار في الفحم، مؤثر ~~فيها غير متأثر بها. وكأن ريح الورد ms094 وزيت الزيتون ونار الفحم كانت في نظرهم قوى خارجة ~~عن المواد التي تسري فيها، وعلى ذلك كانت الإرادة عندهم قائمة بذاتها تكافح ثورات الجسم ~~أحيانا، وتناهض ما قد تتجه نحوه شهواته ورغائبه، وكما أن ذلك في مقدور هذه القوة، فقد ~~بنوا عليه تكليف الإنسان اتباع الخير وتوجيه إرادته نحوه، واجتناب الشر وتوجيه إرادته ~~ضده، واعتقدوا أنه مهما كانت الميول الإنسانية شريرة بطبعها، فإن قوة الإرادة تكفي ~~لتقويم عوج الطبيعة بمكافحة هذه الميول ومناضلة الطبيعة. وهذا هو عندهم أساس ~~المسئولية. # لكنهم كانوا يرون في الواقع أشياء كثيرة تقف دون تعميم فكرتهم هذه وإطلاقها، فكثيرون ~~يوجهون همتهم إلى جهة معينة ويريدون عملا معينا، ثم تراهم وقد أسقط في يدهم في كل ما ~~أرادوا. كثيرون يريدون عيش التبتل ويعملون جهدهم له ولكن مصادفة منحوسة في اعتقادهم ~~تقابلهم بامرأة تستغويهم وتضلهم سبيلهم. كثيرون يريدون عمل الخير للناس على نحو خاص، ~~ويبذلون قصد الوصول إلى تحقيق غرضهم كل ما لديهم من الوسائل، ثم ينقلب سعيهم وبالا ~~عليهم وعلى من يريدون به الخير لظروف خارجة عن إرادتهم وترتيبهم. وكثيرون لا همة لهم ~~ولكن خطأ غير منظور يرفعهم إلى درجات العلى، ويخرج من بين أيديهم المعجزات. كان الكتاب ~~الأقدمون يرون ذلك كله، ويشعرون بأنه يتفق مع فكرة الإرادة المطلقة الخارجة عن مادة ~~الجسم المصرفة لحركاته وسكناته حسب تدبير خاص، فلا يستطيعون بغير الاتجاه إلى ضعف ~~الإنسان وجهله تفسير عجزهم عن إطلاق فكرتهم على كل ما في الحياة، ووسيلة ذلك هي التسامح ~~مع قوى خارجة عن الوجود وعن عالمنا؛ لتتداخل تداخلا غير منظور لنا وبالتالي غير معروف ~~منا. وعن طريق هذه المداخلة من جانب تلك القوى تحدث هذه العجائب التي لا تسير على سنة، ~~ولا يحكمها قانون. فصورا مداخلة الشيطان لإغوائنا في جهة الشر، وجعلوا أفعال الخير التي ~~تصدر عنا أثرا من آثار الإلهام الإلهي ووحي خالق الروح والإرادة، فلما أحسوا أن مثل ~~هذه المداخلة إذا أطلقت تصل إلى ملاشاة الإرادة، وملاشاة الإرادة تفسد عليهم فكرة ~~المسئولية في ms095 الدنيا وفي الآخرة؛ لأن مبناها عندهم هو حرية الاختيار، جعلوا الرجل ~~مريدا وغير مريد معا، وحكموا أنه مختار ومضطر في وقت واحد. # وبعد تقلب كثير في الأفكار والفلسفات، اطمأنت الأفكار إلى فكرة الاختيار النسبي ~~لتضعها أساسا للمسئولية. # والاختيار النسبي هو افتراض الفرد مجبرا في مجموع حياته مختارا في جزئياتها. ولما ~~كانت معاملاته مع الناس متعلقة بهذه الجزئيات كانت مسئوليته أمام أمثاله تامة؛ لأنه ~~يتمتع بهذه المسئولية بحرية تامة. # 2 # ظاهر مما تقدم أن الأبحاث التي جرت في هذا الباب هي أبحاث تصويرية أكثر منها علمية، ~~فإنها لا ترمي إلى تعرف حقيقة الإرادة، ثم بناء فكرة المسئولية عليها بل إلى الاعتراف ~~بفكرة المسئولية، والإحساس بها واقعة ملموسة، وتلمس أسبابها في أنواع من الصور ~~والخيالات أقامها الذهن الإنساني ليعتبرها مصدرا لتعليلاته المنطقية. ولا شك أن هذا ~~الطريق هو طريق الحلقة المفرغة لا يدري أين طرفاها؛ لأنك لا تستطيع أن تميز في هذه ~~الأبحاث تمييزا دقيقا واضحا هل فكرة المسئولية هي التي انتزعت من وجود الإرادة ~~الحرة، أو أن فكرة الإرادة الحرة هي التي خلقت لتقوم دعمة المسئولية الموجودة والمحس ~~بها. ولولا تقدم العقل الإنساني لبقينا في تيهاء غامضة يغشانا نور لا ندري أين ~~مصدره. # والحقيقة عندنا أن الإرادة ليست قوة خارجة عن الجسم متعلقة بالروح؛ لأن الروح ليست ~~شعاعا مستقلا عن الجسم على نحو ما كانوا يقولون، وإنما الحياة أثر تفاعل المواد ~~المركب منها الجسم الإنساني بعضها مع بعض وتفاعلها مع المواد الأخرى في العالم، وهذا ~~التفاعل هو مصدر كل القوى بما فيها الروح والإرادة. # وليس معنى ذلك أن الحركات والسكنات التي تصدر عنا ليس لها نظام خاص، أو أنا نحن لا ~~نسير على ناموس في تصرفاتنا غير ناموس المصادفة البحت، بل إن كل حركة من حركاتنا أيا ~~كان نوعها تصدر عن مركز خاص، لكنها قبل أن تصل إلى هذا المركز، ثم تصدر عنه تمر ~~بأجهزتنا المختلفة وتتوزع بعد ذلك على حسب أنواعها على المراكز المعدة لتلقيها ~~وإصدارها. وتصرف هذه المراكز في ms096 التلقي والإصدار تصرف آلي بحت؛ فالحركة العنيفة يصدر ~~في المركز المقابل لها أثر عنيف يظهر في الخارج في هذه الصورة، والحركة الضعيفة قد تصل ~~من الضعف بحيث لا يظهر لها في الخارج أثر على الإطلاق، وأثر الجسم ومراكزه المختلفة لا ~~يختلف في شكله عن أثر التفاعلات الكيماوية في المعامل، ولا عما نراه في المواد غير ~~الحية التي تقابلنا عرضا في الحياة. أنت تضغط قطعة من الخشب أو تجر خيطا في لعبة، ~~فإذا يد اللعبة أو عيناها أو أسنانها تتحرك. وتضغط زرا أمامك فإذا جرس يدق بعيدا ~~متأثرا بهزات الكهرباء ، وتضع المادة القلوية على ورق اللتموس، فتحوله من الحمرة إلى ~~الزرقة. ثم تضع حامضا عليه بعد ذلك قتنقلب زرقته حمرة من جديد. في هذه الأحوال الثلاث ~~يوجد تيار مختلف يحدث حركة ضعيفة. فالتيار الذي يحرك اللعبة هو تيار مادي صرف هو الخيوط ~~أو الأسلاك التي تصل بعض أجزائها بالبعض الآخر. والتيار الذي يحرك الجرس تيار لا يمكنك ~~أن تراه ولا أن تسمعه، ولكنك تحس به إذا لمست الأسلاك التي يسير فيها، ويصبح جزءا منها ~~ما دام مصدره موجودا. والتيار الذي يحدث الانقلاب الكيماوي باختلاف المادة المضافة إلى ~~اللتموس من قلوية إلى حمضية تيار غير محسوس بالكلية. ولكن يظهر لنا أثره كما سمعنا ~~الجرس، وكما رأينا تحرك اللعبة، ولكنا لا نعرف سببه على النحو الذي عرفنا به سبب ~~الأثرين الآخرين. # ثم أنت ترى عدسة الفتوغرافية تلقي الصور التي أمامها في لوح الزجاج (المصنفر)، إذا ~~وضع على بعد معين منها مستعينا في إحداث هذه الصور بخيوط النور التي تصل ما بين ~~الكائنات ولا تستطيع تعريفها. وتميز دقات التلغراف اللا سلكي في العدد المقابلة منقولة ~~إليها بأثير الهواء وتموجات تياره. ونسمع من الفونوغراف أصواتا مضبوطة تظهر إلى الوجود ~~من سير الإبرة فوق موجات أسطوانية. وكذلك تنقل هذه التيارات المحسوسة المعروفة أو غير ~~المعروفة لنا آثارا معينة، هي نتيجة مرور صور معينة عن طريقها بآلات أو أجسام ~~معينة. # مثل الإنسان في حركاته وحياته مثل هذه ms097 الآلات وتلك الأوتار، ولكن نظامه مركب دقيق يصل ~~أحيانا إلى حد التعقيد، فيقف الفهم والتصور دون إدراك حقيقة بعض ما فيه بل دون الوصول ~~إلى خيال يكاد يقنع المنطق الإنساني بمشابهته لهذه الحقيقة. في تلك اللحظات يرجع الرجل ~~منا إلى ذلك الملجأ الحصين الذي طالما احتمى فيه آباؤنا الأقدمون، قبل أن ينير العلم ~~بشعاعه الضئيل بعض أركان عالمنا الناقص الغريب. يلجأ إلى الغيب والقوة والقدرة الغائب ~~عنا علمها، والتي لا تدنو منا لنتعرف شيئا من ماهيتها. # ولكن جهلك الشيء لا يدل على صدوره عن مصدر خارج عنه، وعن أشباهه ونظائره. بل كل ما ~~يدل عليه أنك تجهله في حين أن غيرك ربما يعرفه أو في حين أن جيلا آخر ربما يصل ~~لاكتشافه والوقوف على حقيقة أمره. ولئن بقي هذا الشيء غامضا أبد الدهر، فإن القوانين ~~العامة التي تحكم العالم تكفي لتفسيره، ولو على طريقة الأخذ بأمثاله. وقد دل العلم على ~~أن أشياء كثيرة كانت لا تزال بعيدة عن تصور الإنسان، ولكنه كان يدركها بإلهام خاص حين ~~كان يردها إلى أشباهها ونظائرها إدراكا لم يكن بعيدا عن الحقيقة كثيرا. # اعتقد الفلاح الساذج أول ما رأى قطار السكة الحديد أو الترام أو «الأوتوموبيل»، يسير ~~من تلقاء نفسه من غير أن يجره ثور أو حصان أن قوة غريبة تسيره، أو أن شيطانا يسكن في ~~داخله، فلما أفهم على التوالي السنين وبمشاهدته وابورات المياه التي تجاور مزرعته أن ~~النار والماء هما المصدر لكل تلك الحركة بدأ يتصور أن هناك قوى معروفة لدى بني الإنسان ~~ممن (شافوا الدنيا)، ولا علاقة لها بالشياطين ولا بالملائكة، وأن هذه القوى هي التي ~~تسير تلك الأحجام الهائلة التي يراها. وعلى ذلك فلما سمع بالطيارات لم يحتج أن يلتجئ ~~إلى قوى خارجة عن العالم؛ لأنه رد حركة الطيارة إلى مشابهاتها التي معه على ~~الأرض. # فالحركة التي تصدر عن الإنسان، وتظهر لنا هي أثر الموجودات الخارجية منعكسة على ~~الأجهزة المختلفة المعدة لتلقيها. واتصال هذا الأثر بطريق أجهزة، وتيارات مادية متصلة ~~بمركز ms098 الحركة الإنساني، إما مباشرة وإما بطرق وتيارات أخرى تجعل هذا المركز يحدث هذه ~~الحركة على نحو ما أحدث ضغطك الخشبة في اللعبة من تحرك يديها، وعلى نحو ما حصل حين ضغطت ~~زر الكهرباء فدق الجرس، وعلى نحو الآثار المختلفة التي تقدم ذكرها وآلاف آلاف غيرها مما ~~يرى الإنسان في المحيط الخارجي. ولما كانت أجهزة الإنسان وتياراته أول نشأته متشابهة كل ~~التشابه، كانت الحركات التي تصدر عن الأطفال متشابهة أتم الشبه؛ فالطفل أول ما يولد ~~يبكي أو بالأحرى يحدث صوتا يشبه البكاء. وهذا الصوت ناشئ من تأثر رئتيه بالهواء ~~الخارجي . كذلك هو يدافع عن نفسه في أول أيامه بالطريقة الآلية الصرفة التي حبته إياها ~~الطبيعة، فهو يستنجد عن طريق البكاء أو هو يدفع بيديه. وتبقى هذه الحالات العكسية ~~الصرفة # étâts reflexes # عنده زمنا غير قليل، بل منها ما ~~يبقى يصاحبه طول حياته. # ولكن انقضاء زمن الطفولية الأولى يقضي معه على هذا الشبه، وينتقل الأولاد حينذاك من ~~الحالة الانعكاسية التي يكونون فيها مثل مرآة تعكس ما يقابلها من الصور والموجودات ~~والحوادث إلى ما يسمونه بحالة الرغبة # étât de desir ~~، ~~وهي الحال التي يكون الطفل فيها أسير شهواته ورغباته، بمعنى أنه إذا رأى شيئا استهواه ~~ورغب في الحصول عليه تحكمت فيه فكرته هذه حتى يهون معها كل شيء، وحتى يهون معها تلف ~~نفسه. # وهذه الحال لا تختلف عن الحال العكسية الصرفة، إلا من حيث الكم والاتجاه. أما من حيث ~~الكيف فهي وتلك الحال الأولى سواء، وسبب هذا الاختلاف في الكم والاتجاه لا يرجع إلى ~~إرادة خاصة، ولكنه محكوم بقوانين قاسية تتمشى على الإنسان وعلى الجماد، وعلى سائر ما في ~~هذا الكون مما يقع تحت عيوننا، وأظهر هذه القوانين بقاء الأصلح وتلاشي ما لا فائدة منه، ~~وقانون آخر متفرع عن القانون الأول، وهو أن استعمال الشيء يزيده قوة وصلاحية، وإهماله ~~يضعفه ويفنيه. فإذا كانت بعض الأجهزة والتيارات في طفل أضعف منها في طفل آخر بطريق ~~الوراثة أو لسبب من الأسباب، أو كانت هذه الأجهزة ms099 على تساويها قوة فيهما مرنت في ~~أحدهما، وأهملت في الآخر، نتج عن ذلك على مرور الأيام اختلاف أجهزتها في التلقي ~~والإصدار، وكان لما يتلقاه الجهاز القوي من شدة الأثر في نفس الطفل ما يحرك في نفسه أشد ~~الرغبة في حين يمر ما يتلقاه الجهاز الضعيف غير محس به فكأنه لم يكن. # ولنضرب لذلك مثلا واضحا: طفل عمي بعد ثلاث سنوات من ولادته. هذا الطفل لا يمكن أن ~~تنتج عنده الرغبة لهفة على منظور من المنظورات؛ ذلك لأن الحاسة التي تتلقى هذه ~~المنظورات وتبعث بها عن طريق التيارات الأخرى إلى المصادر التي تحرك النفس، وتستدعي ~~الرغبة تلاشت. وما يقال هنا يقال عن تلاشي أي جهاز معد لتلقي وإصدار أي حركة أو أي ~~محسوس. هذا طبعا إلا إذا أمكن الاستعاضة عن الجهاز المفقود بجهاز آخر لو إلى حد محدود. ~~وفي هذه الحالة يكون التأثير الذي تحدثه الأشياء الخارجية في الأجهزة - أو على نحو ما ~~يقال عادة: في النفس - متناسبا مع قوة هذه الأجهزة وضعفها. وهذا يدل أتم الدلالة على ~~أن حالة تحكم الرغبة لا تفترق عن الحالة العكسية الصرفة إلا في الكم وفي الاتجاه، مع ~~اتفاقها معها في الكيف، وسيرى القارئ أن حالة ~~الإرادة # L’étât volontaire # هي أيضا طور خاص من أطوار الحالة العكسية يظن أنه أرقى من ~~تلك الأطوار، ولكنه لا يغير شيئا من نوع تلك الحالة. # فإرادة الواحد منا لا تتحرك من نفسها، بل إجابة لمؤثرات خاصة تستثير منها الحركة. ~~وهذه المؤثرات هي الأشياء الخارجية التي تمر بأجهزتنا وتحركنا. وحركتنا التي نعتقدها ~~اختيارية صرفة ليست إلا نتيجة تأثر الأجهزة والتيارات التي تحركت بانعكاس الحوادث ~~والأشياء الخارجة عليها. وغاية الأمر أن هذا الانعكاس إما أن يقابل أجهزة معدة لتلقيه، ~~فتتأثر به مسرعة وبذلك ينتقل أثره سريعا ويحدث الحركة، وهذا ما يحصل حينما تكون ~~الحوادث والأشياء مما اعتادت أجهزتنا وتياراتنا تلقيه وإصداره. ومعلوم مما سبق أن ~~التكرار يورث العضو أو الجهاز الذي يحدث فيه قوة ومتانة وسرعة. وهذه الانعكاسات ~~المتواترة هي ما ms100 نسميه بالعادات. وإما أن يقابل تلك الانعكاسات أجهزة قليلة الاستعداد ~~لهذا التلقي والإصدار. فحين ذاك تخترق الصورة حجب تياراتنا مترددة، وعلى مهل كما ~~يخترق شعاع النور الضئيل غرفة من خلال زجاج غير شفاف. نرى هذا الشعاع كأنه تائه وسط ~~الغرفة لا يستقر في مركز من الحائط المقابل، إلا بعد أن يزداد مصدره قوة وثباتا. هنالك ~~يستقر أخيرا ويثبت. كذلك الصورة المنعكسة على أجهزتنا التي لم تتعود تلقيها وإصدارها ~~تجد من هذه الأجهزة ارتباكا في نقلها إلى التيارات المعدة لنقلها إلى مركز الحركة، ~~الذي يسمونه مستقر الإرادة. وفي أثناء هذا التردد تنهال علينا عاداتنا القديمة، ~~وتذكاراتنا الماضية وتعاليمنا الخاصة وحالنا الوراثية، وما نحن فيه من صحة ومرض، وظروف ~~الوقت التي تحيط بنا والمصادفات التي تصرف إلى حد كبير حياتنا، فتثبت إرادتنا في ناحية ~~من النواحي. وبكلمة أخرى تعدل تياراتنا الناقلة للحركة إلى الطريق الملائم لهذه الظروف ~~والأحوال التي لا عداد لها، والتي لم يكن لنا دخل إرادي في تكوينها. فهل مع وضوح ~~المسألة إلى هذا الحد يمكن القول: بأن الحال الإرادية هي شيء آخر غير الحال العكسية ~~وجهت جهة خاصة غيرت في كمها واتجاهها، ولم تغير مطلقا في نوعها وكيفها؟ # على أن لدينا دليلا آخر أبلغ ما يكون في الإقناع بأن حالنا الإرادية، ليست إلا أثر ~~تفاعل المواد المركب منها جسمنا مع نفسها ومع المواد الأخرى. وهذا الدليل يستنتج من ~~حالتي السكر والمرض. ها هو ذا صديقك مصمم كل التصميم على القيام بعمل خاص، ولقد رجوته ~~كثيرا أن يعدل عن رأيه أو يغير إرادته، فرفض رفضا باتا مع تقديم أقوى معاذيره. ~~وإنكما لتسيران في الطريق، وإذا بالمطر ينزل فاضطررتما أن تميلا إلى (قهوة) من المقاهي. ~~وطاب لكما المجلس واستمر المطر يهطل وخيم الليل، وأضاءت مصابيح الكهرباء ولذ لكما تناول ~~شيء من الكونياك أو الوسكي. ووجدتما صنف المشروب الذي قدم لكما جيدا فاستزدتما منه. ~~أفترى صديقك باقيا على تصميمه الأول؟ أم ترى فعل المشروب سرى في نفسه، وعدل آراءه ~~وجعله شخصا آخر ms101 غير الذي كنت تراه منذ ساعتين مضتا. فقد تراه إذا عرضت له فكرة أخرى ~~يبدي فيها رأيا ربما كان نقيض الرأي الذي أبداه قبل نزول المطر. كذلك ترى هذا الحال ~~عند إصابته بمرض. فإنه يصاب بضعف في الإرادة وفتور في تحول التيارات الفكرية إلى حركات ~~عملية، وهمود عام يصير روحه ضعيفة مبلغ ضعف جسمه. # وقعت على بعض أمثال مما كتبه بعض كتاب الإنجليز والفرنسيين في هذا الباب أريد إيرادها ~~هنا دليلا على ما قدمت. # أدمن الكاتب الإنجليزي دكونسي الأفيون حتي بلغ من ذلك ما لم يبلغه غيره، فوصلت به ~~الحال الإرادية إلى حال من الضعف كادت تتلاشى معه. فكان يود من كل قلبه إنفاذ عمل يراه ~~ممكنا، ويحس أن إنفاذه واجب عليه، ولكن حركته الفكرية كانت تتخطى قوته العملية إلى حد ~~يعجز فيه عن إنفاذ ما يريد، بل عن الشروع في ذلك. فكأنما كان تحت سلطان كابوس يرى معه ~~ما يريد القيام به دون استطاعته كما يشهد رجل أقعده الضعف المهلك عن مغادرة فراشه ~~المساءة موجهة إلى موضع من مواضع حبه وعطفه، فيلعن المرض الذي أقعده ومنعه الحركة، ويود ~~أن يخلص نفسه من الحياة لو استطاع أن يقوم أو يمشي، ولكنه عاجز عجز الطفل ولا يقدر أن ~~يقف على قدميه. (كتاب اعترافات آكل الأفيون صفحات 186-188.) # وذكر الطبيب الإنجليزي «بنت» حالة رجل كان لا يستطيع إنفاذ ما يريد إنفاذه. فكثيرا ~~ما كان يود خلع ملابسه، ثم يبقى ساعتين عاجزا عن القيام بهذا العمل مع أن قواه العقلية ~~خلا الإرادة كانت كاملة، ولقد طلب يوما كوب ماء، فقدم إليه فلم يستطع تناوله برغم ~~رغبته فيه فترك الخادم واقفة أمامه نصف ساعة قبل أن يستطيع التغلب على هذه الحال. وكان ~~يقول: إنما يخيل إليه أن شخصا آخر ممسك بإرادته. # ولقد ناضل الفيلسوف الفرنسي مين دي بيران؛ ليتغلب في نفسه على ما فيه من ضعف الإرادة ~~ووجه لذلك كل همه، وكان كل ما يرمي إليه من فلسفة هو تغليب الإرادة على النزعات ~~الجسمانية. ms102 لكنه اضطر أخيرا أن يعترف «أن الحرية ليست إلا الإحساس بحال معينة من أحوال ~~النفس نود لنفسنا أن تكون عليه، ولكن هذه الحال متعلقة في الواقع باستعداد الجسد الذي ~~لا نقدر من أمره على مسها، وأن كل الميول والعواطف التي يظنها الناس مصدر السعادة ليست ~~إلا أثرا من آثار نظامنا الجسمي كالسعادة نفسها» (أفكار مين دي بيران ص117 وص ~~119). # فذلك كله يحمل على الاعتقاد بأن أعصابنا وتياراتنا المادية، هي التي تصدر عنها ~~أفعالنا التي تبعث بها إرادتنا، وأن أي مادة أخرى يمكن أن تؤثر في هذه الأعصاب ~~والتيارات تغير من اتجاه الإرادة والعمل؛ لذلك فما تقدم لا يدع مجالا للريب في أن ~~الحالة الإرادية ليست إلا طورا خاصا من أطوار الحال العكسية، وأنها متعلقة تمام ~~التعلق بتأثر أجهزة الجسم، وتياراته بالآثار الخارجية. وهذه الآثار هي المحيطات ~~الزمانية والمكانية. ومعنى هذا أن الإرادة الحرة لا وجود لها. فكيف والحالة هذه تمكن ~~مثل مشترعي الأديان ومثل نابليون وأضرابه أن يغيروا في وجه العالم بإرادتهم ما غيروا، ~~وأن يقيموا دعامة المدنية الحاضرة على الشكل الحالي إذا لم تكن إرادتهم إلا صدى الحوادث ~~الخارجية عنهم. # هذا هو القسم الثاني من الاعتراض الذي رأينا أن نرد عليه. ومبنى هذا الاعتراض عند ~~أصحابه أنهم يفترضون الفرد الإنساني وحدة قائمة بذاتها مؤثرة في العالم قبل أن تكون ~~متأثرة به. كلا بل هي روح العالم كله على ما قالوا: # وتزعم أنك جرم صغير # وفيك انطوى العالم الأكبر # وعلى هذا الافتراض الوهمي الصرف بنوا نظرتهم في حرية الإرادة مستندين إلى هذه ~~الإرادات العليا، ولكنهم أكبروا شأن الإنسان إكبارا لا محل له، ليس الإنسان إلا ذرة من ~~ذرات هذا العالم العظيم الذي لا ندري فيه حدود الزمان ولا المكان، ولا نفقه لهما معنى ~~وهو ذرة ضئيلة لا يعبأ الكون بوجودها ولا يهتم بفنائها. فلو أن له قيمة خاصة في وجود ~~العالم لما حقرت الطبيعة من شأنه إلى حد أن لم تكترث له، ولم تهتم به أكثر من اهتمامها ~~بأي جرذ ms103 وبأي حجر وبأي قطرة ماء في المحيطات الواسعة، ثم هي بمدنياته أقل اهتماما إن ~~كان للتناهي في الأقلية محل، أفترى أن المدنيات المتعاقبة حادت بكوكب عن فلكه، أو قدمت ~~كسوف الشمس أو أخرت خسوف القمر، أو قلبت المد جزرا والجزر مدا، أم ترى أن ما تغيره ~~المدنيات ليس هو إلا حركة متناهية في الأقلية وصغر الشأن، إذا قيست بالبعوضة التي وقفت ~~على قرن الثور. فإذا كان ذلك لم يبق محل لاعتبار الإنسان مركز دائرة الفلك، وإنما يجب ~~وضعه في الموضع اللائق به. ذرة تتحول من جماد إلى نبات إلى حيوان هو الإنسان ثم إلى ~~جماد إلى نبات آخر وهلم جرا. # إذن ما هي الإرادات العليا؟ سمعنا كثيرا أن باخرة من البواخر استطاعت أن تقطع تيار ~~التلغراف اللا سلكي الذي تبعث به باخرة لأخرى. وعرفنا أن السر في ذلك أن تيار تلغراف ~~هذه الباخرة أقوى من تلغراف الباخرتين المتراسلتين. فإذا أرادت هي أن تخاطب إحداهما لم ~~يحل دون ذلك حائل؛ لأن تموجات الأثير تساعد تيار معداتها؛ لأنها أقوى والطبيعة تساعد ~~القوي وتجور على الضعيف. # والقوي هو المخلوق الأكثر ملاءمة للزمان والمكان اللذين يوجد فيهما، والضعيف هو الأقل ~~ملاءمة لها. تلك الإرادات العليا التي يقولون عنها: هي مجموع تيارات قوية أكثر من غيرها ~~استعدادا للتلقي والإصدار. فإذا وقعت عليها الصور الخارجية، وانقلبت عن طريق تياراتها ~~إلى حركة كانت هذه الحركة بحيث تأخذ بالأنظار، وتستدرج التيارات الضعيفة نحوها لتتلقى ~~عنها على نحو ما أخضع تيار الباخرة القوية الباخرتين الضعيفتين. وهذه القوة هي سر ~~البطولة أي: النبوغ والعبقرية، ولكن القوة في التلقي والإصدار ليست دليلا على الحرية، ~~بل على حسن الاستعداد للوسط المحيط بالأجهزة العبقرية. فإذا نحن نسبنا الحرية إلى هذه ~~الأجهزة كنا كمن ينسب إلى شخص قوي الحافظة قصيدة يرويها لمجرد سماعها مع أنه لم يكن ~~إلا آلة بسيطة في ترديدها. وكذلك فهؤلاء الأبطال يرددون بقوة صدى الوسط الزماني ~~والمكاني الذي يعيشون فيه متأثرين بعوامل ذلك الوسط نفسه، فيصبح ذلك الصدى قوة جديدة ms104 ~~تؤثر مع المؤثرات المحيطة بها. # وهذا التفسير الموجز يسمح لنا أن نقول: إن العظماء والأبطال هم أكبر الناس استعدادا ~~للبقاء والتغلب على أمثالهم من الذرات الأخرى التي تنافسهم؛ لأنهم الأقوى والأصلح ~~للبقاء. وهو يسمح لنا أيضا أن نقول: إن إرادتهم القوية لا تفرق في كيفها عن الإرادات ~~الأخرى، وإنما الاختلاف في الكم وفي القوة والضعف، وقد رأينا أن الإرادة في الإنسان ~~ليست إلا طورا من أطوار الحال العكسية في اتجاه خاص. إذا فالحرية مفقودة من العظماء ~~مبلغ ما هي مفقودة من عامة الناس. # يتبين مما سبق أن ما يسمى بالإرادة ليس هو إلا المظهر الذي تنقله الحركات الخارجية عن ~~طريق أجهزتنا وتياراتنا المادية، أو المتعلقة بما فينا من مادة حسب تكوين تلك الأجهزة ~~والتيارات، وما توالى عليها من التقلبات والتغيرات من وراثة ومرض، وعادات خاصة ووسط ~~اجتماعي وغير ذلك من الآثار المادية، وأن ليس هناك شيء خارج عنا مصرف لنا غير المادة ~~التي تكوننا، وما في هذه المادة من قوة ملازمة لها متعلقة بها لا يمكن أن تنفصل عنها ~~مهما بولغ في تحليلها. # ولقد جعلنا وجهتنا فيما اتخذنا من الأمثلة استظهار أبسط ما يصل إليه الحس، مما وصلت ~~إلى تحليله يد الإنسان. ولو أنا أردنا تلمس المثل من عالم الحيوان أو عالم النبات لما ~~أعوزنا. بل لو أنا طرقنا باب ما أوصلت إليه مبادئ لمبروزو في كتاب الفلسفة الجنائية ~~لرأى القارئ كم تؤثر المظاهر الجسمية في الأخلاق. وكيف توجه الإرادة وجهة خاصة. ولكنا ~~لم نر محلا للدخول في مسائل ربما أدى تعقيدها، ودقتها بالشك إلى أن يتسرب إلى ~~نظريتنا، فاكتفينا بأبسط الأشياء، وكانت نعم المساعد لنا على توضيح غرضنا. # وإلى هنا نرى أننا أثبتنا مبدأ الجبر المطلق وأقمناه على أساس متين، ولكن هل معنى ما ~~تقدم انعدام المسئولية وهدم الاعتبارات الأخلاقية، وإن لم يكن ذلك فعلى أي أساس تقوم ~~المسئولية، وكيف لنا أن نفرق بين الخير والشر، وأن نمدح فاعل الأول ونذم مرتكب الثاني؟ ~~ذلك ما سنبينه في كلمتنا الثانية ms105 عن المسئولية. # 3 # المسئولية: طبيعة فكرتها وكيفية تكوينها في النفس # كلمة المسئولية من الكلمات المعقدة الدقيقة؛ ذلك لأن مدلولها ليس شيئا محسوسا نحيط ~~بجميع نواحيه، ونستطيع الوقوف بالدقة على ظواهره وخوافيه، ولا هو معنى بسيطا قائما ~~بالذهن كما يقوم به معنى كلمة الصدق مثلا. ولكنه أثر ونتيجة لإحساساتنا وعقائدنا ~~وأعمالنا فيما بيننا وبين أنفسنا، وفيما بيننا وبين سوانا بل فيما بين غيرنا ممن نعول ~~ونفسه وفيما بينه وبين سواه. # فالواحد منا يحس بمعنى المسئولية إن ارتكب خطيئة أمام ربه وكان متدينا، ويحس بهذا ~~المعنى إذا أساء ظنه بغيره من الناس بغير حق، ويحس به أن رأى بائسا يستطيع تقديم ~~المعونة إليه، ثم يحجم عن إعانته. ويحس به ولكن على شكل آخر إن هو أوصل الأذى إلى غيره. ~~ويحس به على شكل ثالث إذا أتى ابنه وأخوه أو صديقه أمرا نكرا. يحس بالمسئولية أمام ~~ضميره في الأحوال الأولى، وأمام الناس أيضا في الأحوال الثانية يحس أعمالهم على نحو ما ~~يظن أنهم يحملونه تبعة أعماله. # ومع تشعب معنى هذه الكلمة وامتداده، فإنك ترى إحساس الناس به إحساس إيمان وتسليم بحيث ~~لا يكاد يتسرب إلى أنفسهم شك في وجود هذه المسئولية، ولا في كمها وكيفها. وليس ذلك ~~بغريب فيهم فإنهم كانوا ولا يزالون يسرعون إلى الحكم على أشد الأشياء دقة وأكثرها ~~تطلبا للبحث والنظر بسهولة مدهشة، في حين تراهم يترددون إذا دعوتهم للحكم في مسالة ~~بسيطة يمكنهم البحث في كل أجزائها، والوصول إلى معرفة ما جل وما دق منها. فمسائل الدين ~~كلها: وجود الله، وخلود النفس والعقاب والثواب، والنظريات الاجتماعية والاقتصادية ~~العليا كفكرة الأسرة، وحق العقاب، وفكرة الملكية ونحو ذلك - هذه المسائل المعقدة ~~الدقيقة لا تحتمل لديهم مناقشة ولا جدلا، بل هم يرون من السخف النظر أو البحث فيها، ~~ويطلقون على هذا السخف أنواعا من الأسماء، فيسمونه التجديف مرة والهرطقة أخرى والسفسطة ~~ثالثة، أما ما انحط إلى أسفل من هذه المسائل بدركات، فهو يستدعي تفكيرهم وبحثهم لإمكان ~~الحكم فيه، ككون زيد رجلا طيبا ms106 أو رجلا خبيثا. وكون عمل من الأعمال يستحق المدح أو ~~الذم، وجمال حيوان أو قبحه، وغير ذلك من المسائل البسيطة. # وظاهر أن هذا تناقض غريب؛ لأن التردد في الحكم يزداد كلما ازدادت المسألة المطلوب ~~الحكم فيها دقة وتعقيدا. فيجب من أجل الوصول إلى حكم مقنع تذليل جميع المصاعب، وحل كل ~~العقد واستظهار كل الدقائق حتى تصبح المسألة مجموع مسائل بسيطة تحل كلها على طريقة ~~واضحة مقبولة. فكيف يسوغ إذن حل مسألة دينية أو اجتماعية أو اقتصادية بكلمة في حين أننا ~~ندقق ونبحث، إذا أردنا الحكم في أصغر الأمور وأضعف الأعمال. أفليس هذا هو التناقض ~~بعينه؟ # لو كان صحيحا ما يقال من أن الإنسان حيوان مفكر، وطالبنا جميع الناس بالتفكير لكان ~~هذا تناقضا من غير نزاع؛ لأن مطالبتنا جميع الناس بالتفكير في كل مسألة تعرض عليهم ~~مطالبة بالمستحيل. ولو وقف كل فرد منهم حياته على التفكير. لوقف دولاب الأعمال في ~~العالم، ووقف بذلك ما يدعو للتفكير. وإنما يعيش المجموع الأعظم في كل الأمم وغذاؤه ~~الفكري الإيمان. يعيش على وهم أنه فكر، ووصل من تفكيره إلى نتائج معينة اتخذها قواعد في ~~الحياة، في حين أنه وجد هذه القواعد محضرة له بواسطة أفراد أعدتهم الطبيعة بما وهبتهم ~~من الملكات الخاصة للقيام بوظيفة الفكر في العالم. هؤلاء الأفراد يضعون قواعد الحياة لا ~~اعتباطا، ولا نتيجة شهوة من شهواتهم الفكرية، بل يضعونها محكومين بماضي الإنسانية ~~الطويل، والقواعد التي يضعونها هم أو يضعها المتشبهون بهم، ولا يكون لها بالماضي لحمة ~~نسب إنما هي قواعد ضيقة محكوم عليها مقدما بالبوار والفناء؛ لأن حياتها إنما تكون ~~بدخولها في كتاب إيمان العالم. وفصول هذا الكتاب متناسقة فما كان دخيلا عليها لا يبقي ~~بينها؛ لأنها تلفظه وتنفيه. # ولا شيء أشد تنافيا مع الإيمان من التحليل والتنسيب (إيجاد النسب بين الأجزاء ~~المختلفة من الشيء الذي تحلله)؛ ذلك لأن أول ما يستدعيه التحليل والتنسيب هو إمكان الشك ~~في مجموع ما نحلله، أو في نسبة شيء منه لشيء آخر. والشك وإلإيمان نقيضان لا ms107 يجتمعان؛ ~~لذلك كان من أول خصائص الإيمان التسليم بالشيء جملة أو نفيه جملة. # وهذه النظريات الكبرى الدينية والاجتماعية والاقتصادية تستدعي من أجل تناول الفهم ~~إياها تناولا دقيقا تحليلا طويلا، وملاحظة كثيرة يستلزمان الشك المرة بعد المرة حتى ~~يمكن الوصول فيها إلى نتيجة تقنع العقل. وهذا التحليل وهذه الملاحظة هما من شان المفكر ~~لا العامل. والنتائج الأخيرة التي يصل إليها المفكر هي وحدات إيمان كل فرد من أفراد ~~المجموع يأخذها مقياسا للأعمال التي يستلزمها وجوده في الحياة. # هذه الوحدات الإيمانية يزداد عددها أو يقل بانحطاط الوسط أو رقيه، وبكثرة المفكرين ~~وقلتهم. فكلما ارتقى الوسط قلت الوحدات الإيمانية. وكلما زاد المفكرون أمكن المجموع ~~أن يرقى إلى مكانة من العقل تسمح له أن يشك في عدد أوفر من النظريات، وهذا هو السبب في ~~«تطور» فكرة البطولة والألقاب التي كانت تعطى للعظماء والأبطال في متعاقب الدهور. فبينا ~~كنت ترى لقب الألوهية يطلق على مفكرين، وعظماء أمثال (أودن) الاسكندنافي، وأمثال الآلهة ~~وأنصاف الآلهة الكثيرين الحافل بهم تاريخ أثينا، ترى هذا اللقب يضعف ويتلاشى من عالمنا ~~الأرضي، ويبقى وقفا على الإله الأعظم الذي لا تراه العيون، ولا تحيط بمكنون كنهه ~~العقول. ويحل محل الآلهة، وأنصاف الآلهة الذين كانوا يشرفون الإنسانية في التاريخ الأول ~~الأنبياء والرسل - عليهم السلام. # وهكذا ترى هذه الوحدات الجميلة التي كانت موضع القداسة والإجلال في الأزمان الأولى ~~أزمان قصر العقل الإنساني، يرضى بعضها بالخلود في مستودع الماضي معززا مكرما في حين ~~لا تستطيع الأخريات الوصول إلى هذا المركز من الإعزاز، ويكون كل نصيبها أن تذكر في ~~تاريخ الإنسانية كموجود عقلي أخذ دوره على الزمان، ثم هرم وتلاشى. # وهذه «التطورات» تسير في حصولها على سنة معينة، تلك السنة هي الضرورة الاجتماعية. فما ~~دامت فكرة معينة لازمة لبقاء الجمعية وتوازنها، فهذه الفكرة تدخل حتما في مجموع ~~الوحدات التي يتكون منها القانون العام لبقاء الجمعية؛ لهذا كان الناس أكثر إيمانا بما ~~وراء الطبيعة وبالقوى المصرفة للكون حين كانوا يعتقدون لهذه القوى أثرا فعالا في نزول ~~المطر، ms108 وفي حركات الرعد والبرق، وفي الصواعق وفي غير ذلك مما يؤثر في حياة الاجتماع ~~بالخير والشر. فلما بدت تباشير العلم وابتدأوا يوقنون أن الصواعق والمطر والخسوف كلها ~~ظواهر تسير على قوانين ونواميس معينة قل إيمانهم الأول بما وراء الطبيعة، وأصبحوا يحسون ~~بأن الصلات التي كانت تربطهم بتلك القوى تتلاشى شيئا فشيئا، حتى جاء مذهب الوضعيين ~~(Les Positivistes) # في النصف الأخير من القرن ~~التاسع عشر، وأساسه درس السنن والقوانين التي تحكم الطبيعة، وتصرف حياة الاجتماع من غير ~~تعرض بخير أو شر أو احترام، أو تحقير للقوى الأصلية التي يقول بعضهم: بوجودها في حين ~~ينكرها آخرون إنكارا تاما. # ولهذا أيضا تطورت الفكرة المسيحية في قداسة الزوجية. فبعد أن كان الزواج عقدا بين ~~زوجين لا انفصام له ما بقيا، على اعتبار أن هذه الوسيلة هي الوحيدة التي تضمن توازن ~~الاجتماع، تطورت هذه الفكرة بتطور الزمان، وبحكم الضرورة الاجتماعية، واضطرت الكنيسة أن ~~تدخل إلى شريعتها فكرة الانفصال بين الزوجين. ثم أدخلت القوانين المدنية نظرية الطلاق. ~~وكذلك قضي على الفكرة الأولى بعد إذ كانت آية من آي الاجتماع في العصور الماضية، ولقد ~~صاحب هذا التطور في الإيمان بفكرة العائلة تطور آخر يختص باعتبار المرأة وتقديرها. ذلك ~~أنه لما كانت رابطة الزوجية الأولى عقدة لا انفصام لها تقضي بوجود المرء وزوجه معا طول ~~الحياة، عمل في هذه الرابطة قانون الطبيعة العام، قانون التنافس وسيادة الأصلح والأقوى، ~~النفس الاجتماعية فكرة تحقير المرأة. والنفس الاجتماعية تشمل نفوس الرجال والنساء معا؛ ~~لذلك كانت المرأة المسيحية في الأزمان الأولى محتقرة في عين الرجل وفي عين نفسها. فلما ~~بدأ إحساسها بوجودها يتكون بدأت أيضا فكرة القداسة لرابطة الزوجية تتبخر وتتطاير، فلم ~~يبق في الأذهان والعقول إلا ذكراها. # مثل هذه التطورات حصلت في كل الوحدات الإيمانية، وهي - كما قدمنا - النظريات التي يحس ~~بها الضمير العام كضروريات اجتماعية لا غنى عنها لحفظ كيان الجمعية وحسن توازنها. ~~والتطور تقدم أو تأخر وليس سكونا؛ لأن السكون والحياة لا يجتمعان. إذن فمحل كل وحدة ~~إيمانية تتطور ms109 تحل وحدة أخرى لتصل؛ لتكون جزءا من مجموع النظريات التي يؤمن بها ~~المجموع؛ ولكن على مقدار رقي هذا المجموع وانحطاطه يترتب بقاء هذه النظريات جامدة ~~أجيالا من الدهر، أو يتسرب الشك إليها بين حين وحين. # وهذه الوحدات الإيمانية تدخل إلى نفس الفرد من يوم وجوده وسط الجماعة، وتتكون معه ~~وتبلغ أشدها متى بلغ هو أشده وتصبح بذلك - قسما منه يسميه الناس ضميره. فضمير الفرد هو ~~انعكاس الوحدات الإيمانية اللازمة لحياة الجماعة على نفس الفرد، وهذا الانعكاس يحصل ~~حتما؛ لأن حياة الفرد واغتباطه معلقان على اغتباط الجماعة في حياتها. فهو مكره على ~~احتمال كل ما تتصوره الجمعية من ضرورات الوجود بالنسبة إليها . # هذا الانعكاس لقواعد حياة الجماعة في نفس الفرد يكون عنده إحساسا خاصا بأن مخالفته ~~لهذه القواعد تجر عليه جزاء محتوما. وهذا الإحساس ناتج من إيمانه بضرورة هذه القواعد ~~لحفظ كيان الجمعية، وأنه هو قسم من هذه الجمعية يتأثر بما تتأثر هي به في جهة الخير أو ~~الشر؛ فلما كانت الجمعية تؤمن بالقوى التي فوق الطبيعة، وتعتقدها مصرفة للمطر والبرق ~~والرعد والصواعق انعكس إيمانها هذا في نفوس الأفراد، وأصبحوا يحسون أمام هذه القوى ~~بعبودية خاصة تستتبع استرضاء كل فرد لها، وإلا حل به الجزاء. كذلك لما كانت فكرة الأسرة ~~والزوجية إحدى وحدات إيمان الجماعات، كان هناك في نفس كل فرد شعور خاص بأن مخالفة هذه ~~الفكرة يجر حتما أوصابا ومصائب لا نهاية لها، وهكذا كانت كل وحدة إيمانية اجتماعية ~~تبعث إلى نفس كل فرد نوعا من العبودية أمامها والتقديس لها، والاعتقاد بأن مخالفتها ~~تؤدي إلى بوار كبير. وهذا هو الأساس التي بنيت عليه فكرة المسئولية في نفس ~~الأفراد. # هذا التحليل لفكرة المسئولية يوضح السبب الذي يجعل هذه الفكرة معقدة ودقيقة. فإنها ~~ترتكز على أدق مظاهر الإنسانية نعني بها الضمير الفردي القائم كما بينا على أساس وحدات ~~الإيمان، التي تكونها ضرورات الحياة الاجتماعية. فمن أجل تفهم فكرة المسئولية يجب تفهم ~~معنى الضرورات الاجتماعية، وطريق انعكاسها في نفس الفرد، وكيفية تكوينها لضميره ms110 الذي هو ~~مصدر إحساسه بالمسئولية. ولما كانت فكرة الضرورات الاجتماعية التي هي أساس كل هذه ~~النتائج تحتاج في تفهمها إلى التدقيق، وتحليل الوحدات الإيمانية، وكان هذا التحليل ~~يستدعي افتراضات وشكوكا تتنافى مع طبيعة الإيمان، لجأ الأكثرون إلى نعيم الاغتباط ~~والاستسلام، وضل آخرون في تيهاء الشكوك المنطقية، وجعلوا يتلمسون لفكرة المسئولية أسسا ~~غريبة ترجع إلى طرق تعليمهم. فبينا يقول جماعة: إن أساس المسئولية حرية الإرادة، ~~واختيار الفرد لأعماله في الحياة يقول آخرون: إنها مظهر من مظاهر الضمير على اعتبار أن ~~الضمير وحدة قائمة بذاتها تخلق مع الفرد يوم يخلق. ويقول البعض: إنها فكرة العدالة. ~~ويقول غيرهم: إنها منعدمة وإنما أوجدتها الضرورة الاجتماعية . ويقول غير هؤلاء وأولئك ~~أقولا يشعر الإنسان أنها لم تصدر عنهم، يريدون بها الوصول لتحليل فكرة بالذات مخلصين ~~لها بحثهم، ولكنها قيلت كمقدمة لغرض ثابت في نفوسهم يريدون الوصول إليه. وذلك شأن ~~الكتاب الدينيين، وشأن بعض علماء القانون الجنائي الأقدمين، وشأن فلاسفة المنطق المجرد. ~~ولكن التعمق في البحث والتحليل، واتخاذ الوقائع والحوادث الاجتماعية ومظاهر الوجود ~~الفردي مواضع للملاحقة والاستنتاج، تبين لنا ما تحويه هذه الأفكار من نقص أو خطأ، ~~وتدلنا دلالة واضحة أن المسئولية أثر ونتيجة للقوانين الطبيعية، التي تحكم حياة ~~الجماعات وتصرف حياة الأفراد، فلا وجود لها في الحياة بذاتها، وإنما هي فكرة مجردة معلق ~~قيامها على تفاعل هذه القوانين واحدا بعد الآخر طبق النظام الذي سبق بيانه. # والذي يوضح ما سبق ويؤيده ما نلاحظه في العالم الحيواني، فإن الحيوانات الانفرادية ~~كالذئاب الضارية والأسود لا يدخل في طبيعة تركيبها شيء من معنى المسئولية أمام ~~الموجودات الأخرى. وأدنى ما عندها الفتك بكل ما يقترب منها، ولو كان من بني جنسها. أما ~~الحيوانات الأليفة والحيوانات التي تعيش أسرابا فإن فكرتها الاجتماعية تدخل إلى نفسها ~~شيئا أشبه ما يكون بالمسئولية. وذلك ظاهر كل الظهور في بعض الدويبات الصغرى، إذ يشعر ~~كل واحد من أفرادها كأن له حقوقا على الآخرين وعليه واجبات نحوهم، فهناك في خلايا ~~النحل يلاحظ الناظر شبه مملكة يقوم ms111 كل فرد من الأفراد فيها بعمل خاص، يقتضيه نظام حياة ~~الجماعة. فكما أن وظيفة ملكة النحل التناسل، ووظيفة ذكر النحل تلقيحها فوظيفة النحل ~~العامل استجلاب الشمع والعسل لبناء الخلية ولغذائها. وفي كل خلية ملكة واحدة يقوم ~~بتلقيحها ذكر النحل، فإذا تم واجبه من ذلك قتلته، فإذا صادف وجود ملكة أخرى هناك ~~اقتتلتا حتى تقضي واحدة منها على الأخرى. ويبقى النحل العامل أمام هذه المعركة الناشبة ~~بين الملكتين متفرجا لا دخل له فيها بشيء مطلقا؛ ذلك لأنه يشعر بفطرة الحياة فيه أن ~~من الواجب لوجود الجمعية التي هو منها قيام ملكة واحدة في المملكة التي هي الخلية. وهو ~~يشعر أيضا أن الملكة الغالبة هي الأصلح لحياة جمعيته، فيجب إذن ترك الملكتين تقتتلان ~~كما تشاءان حتى تموت إحداهما. وكل واحدة من النحل العامل تقدم على الاشتراك في المعركة ~~تلقى من غيرها ما لا تحب. وظاهر أن هذا نوع من الإحساس بالمسئولية قريب الشبه بإحساس ~~جماعة البربر من بني آدم. # ومما يلاحظ على النحل يلاحظ على النمل. فإن طبقاته المختلفة تحس بما عليها من ~~الواجبات، وبما لها من الحقوق إحساسا مرتبطا كل الارتباط بحياة الجمعية التي هي منها، ~~فالنمل العامل يجد الصيف في اكتناز القوت لنفسه، وللأنثى التي تعمر القرية. وبعضه يقوم ~~بوظيفة تربية ديدان النمل والمحافظة عليها مخافة الخطر. وهو يضحي من أجل ذلك كثيرا من ~~راحته، بل قد يضحي حياته حتى لقد شوهد بعض النمل حاملا ست ديدان ومسرعا يطلب قوته، ~~وذلك برغم انقصام ظهوره، ولم يشعر بالألم الذي جر عليه حتفه إلا بعد أن قام بالواجب ~~الذي تطالبه به حياة الجمعية التي هو منها. # وإذا نحن ارتقينا في السلم الحيواني إلى درجة أعلى من النحل والنمل، تبين لنا ما نقره ~~بشكل جلي واضح. فبعض الحيوانات التي تعيش مع الإنسان كالفيلة مثلا يتكون عندها إحساس ~~الألفة لشخص دون آخر، ويخيل للإنسان حين يراها مع صاحبها كأنها تشعر بأنها جزء من مجموع ~~المنزل الذي تقيم فيه عليها واجبات ولها حقوق. ولقد بلغ ms112 من شعور الناس بذلك حتى قرروا ~~عليها جزاءات توقع حين ارتكابها هفوة من الهفوات، كما يوقع الجزاء على مذنب من بني آدم. ~~ومعنى ذلك قطعا أن هذه الحيوانات تعتبر مكلفة باتباع النواميس التي تكون في النفس ~~العامة اعتقاد ضرورتها للاجتماع. على أن هذا المعنى الذي بيناه يتضح أيضا من اعتبارات ~~الناس لدرجات المسئولية، فإن اختلاف الأشخاص في درجات المسئولية يرجع إلى مقدار ~~صلاحيتهم أو عدم صلاحيتهم لحياة الجمعية. فالمجرم الذي يقصى عن الناس طول حياته، هو ذلك ~~الشخص الذي ارتكب ما يجعله غير أهل للمعيشة بين الناس من قتل أو قطع طريق أو سطو أو نحو ~~ذلك، وأما الأشخاص قليلو الخطر على الجمعية، فتوقع عليهم جزاءات توازي مبلغ خطرهم كثرة ~~وقلة، وتقدير هذا الخطر راجع دائما إلى ما يضعه الرأي العام من القواعد لحسن نظام ~~الجمعية. وهذه القواعد هي الوحدات الإيمانية التي وصفناها. ولو أنك افترضت شخصا يعيش ~~عيشة الوحدة منقطعا في جزيرة يجد فيها ما يعوله، لما استطعت أن تفترض له شيئا مما ~~نسميه نحن الضمير، ولا أمكنك أن تتصوره شاعرا بأية مسئولية، فإن كل ما تكلفه إياه ~~فطرته إنما هو الاحتفاظ بحياته، فإذا لم يكن على هذه الحياة خطر، ولم يكن في المحيطات ~~به ما يطالبه مطالبة خاصة بعمل خاص، فإنه يقضي أيامه في سكينة البله ونعيم الغفلة ~~راتعا وسط السعة التي حبته إياها الطبيعة. ولا تحسبه حينذاك مفكرا في شيء، أو حاسبا ~~حساب أمر من الأمور. ولكن في اليوم الذي يجد له مشاركا يناقشه الحساب، ويقول له: ذلك ~~لك وهذا لي وكما اعتديت علي يجب أن أدفع العدوان بالعدوان؛ في ذلك اليوم يبدأ يفكر في ~~طريقة تضمن له طمأنينته الأولى من غير احتياج للنزاع الدائم مع جاره وشريكه. وهذه ~~الطريقة هي قواعد حفظ الأمن والنظام. وهي هي أساس حياة الجمعية، والأصل الذي تبنى عليه ~~في النفس فكرة المسئولية. فالمسئولية أثر ونتيجة لحياة الفرد في الاجتماع، وليس لها ~~وجود مستقل في نفسه. # قد يظن البعض من قولنا: إن ms113 فكرة المسئولية يستمد أساسها من الضمير الفردي، الذي تكونه ~~الوحدات الإيمانية الاجتماعية بانعكاسها فيه، ومن مثل الشخص الذي يعيش عيشة الوحدة، فلا ~~يكون له ضمير ولا يشعر بالمسئولية - إن فكرة المسئولية فكرة صناعية خلقها الاجتماع، ~~وليست طبيعية في الفرد من حين خلقه. ولكن هذا الاعتراض لا يكون وجيها إلا عند الذين ~~يحسبون الفرد وجد وجودا مستقلا، وأنه اتفق مع أمثاله على ما سماه روسو العقد ~~الاجتماعي، فخلقوا الجمعية. وهذه الفكرة الأخيرة فكرة تصورية بحتة تخالف نواميس الطبيعة ~~أشد المخالفة؛ لأن الإنسان مدني بطبعه. وليست الوحدة والانفراد من غرائزه مطلقا. ~~والشخص الذي يستوحش ويخرج عن الجماعات ويعيش متبتلا منقطعا لشخص مختل التوازن العقلي ~~قطعا، وهو حيوان نادر الوجود؛ لذلك فلا يمكن أن يبنى عليه حكم مطلقا. أما الإنسان ~~الطبيعي فهو مخلوق اجتماعي فيه كل الصفات والقوى اللازمة؛ لتؤهله للحياة مع بني جنسه، ~~وتظهر هذه الصفات والقوى رويدا رويدا على قدر اشتباكه مع الحياة الاجتماعية، وأخذه ~~منها بنصيب. وعلى ذلك تكون جرثومة المسئولية وبذرتها موجودة مستكنة في النفس الإنسانية ~~من يوم خلقها، ومنتظرة احتكاكها بالعوالم الخارجية وبنظام الجمعية؛ لتظهر ويشعر الفرد ~~بها. لكن هذا الاحتكاك بالذات هو الذي يوجه فكرة المسئولية وجهتها، ويرسم لها الطريق ~~الذي تسير فيه لتحكم صاحبها بعد ذلك على نمط معين. وهذا هو السبب في اختلاف فكرة ~~المسئولية كما وكيفا في الشعوب المختلفة والأزمان المختلفة، وعلى الأخص فيما يتعلق ~~بتطبيقات هذه الفكرة عمليا. بل إنك لتجد في مثل البلاد المستحدثة مدنيتها التي تضرب ~~فيها الفوضى، وتجعلك ترى في المدينة الواحدة، بل في القرية الواحدة أنواعا شتى من ~~المدنيات المختلفة ميدانا فسيحا للملاحظة في هذا الباب. فإن فكرة المسئولية تختلف في ~~الأفراد أنفسهم من جهة كمها وكيفها بشكل غريب. فأنت إذا وقفت على باب مسجد من المساجد ~~في إحدى مدائن مصر، وكلفت نفسك مؤونة محادثة شيخ من أهل الورع الداخلين بيت الله يؤدون ~~له الفريضة، وكان هذا الشيخ من أكبر علماء عصره رأيته ينكر أشياء ويقر أخرى، وينحي ~~باللائمة ms114 على قوم ويرطب لسانه بالثناء على قوم غيرهم، وهو في كل ذلك يحكي لك عن عقيدة ~~وإيمان، فإذا تركته وتركت المسجد وانحدرت إلى حان نظيف، وقابلت بعض المتعلمين من إخوان ~~المدنية الأوروبية وحادثته في الموضوعات التي حادثت فيها صاحبك الشيخ رأيت بينهما بونا ~~بعيدا. رأيت الثاني يذم مادح الأول ويمدح ما ندد به. وليس ذلك إلا صورة الجمعية انطبعت ~~في نفس كل منهما بشكل خاص، فكونت فيه وحدات إيمانية خاصة جعلته الشخص الذي رأيت، وكونت ~~في نفسه فكرة المسئولية على النحو الذي رأيت، فكأن هذه البذرة الأولى الموجودة في النفس ~~الإنسانية بفطرتها المدنية إنما يكيف ظهورها ونموها وشكلها العقائد الاجتماعية، التي ~~توضع في النفس التي تحوي البذرة في وسطها. # بل إن الشكل الذي تأخذه فكرة المسئولية في نفس الفرد يتحور تحورا عظيما بانتقال ~~الفرد نفسه من وسط إلى وسط آخر. وكم رأينا من شيوخ كانوا مثال التقوى انطبعت في نفوسهم ~~وحدات الدين الإيمانية انطباعا، فلما انتقلوا إلى أوروبا وإلى وسط آخر تختلف عقائده عن ~~عقائد تداعت في نفوسهم مبادئ ووحدات قديمة، وصرت ترى فكرة المسئولية التي هي مجتمع ~~عقائد كل فرد وعاداته تغيرت تغيرا سمح لهم بمناصرة ما كان في نظرهم من قبل جرما ~~وإثما. # من هذا يظهر واضحا أن الوسط الاجتماعي هو العنصر الأقوى والمكون الأول لفكرة ~~المسئولية في النفس الإنسانية. وأن طبائع الإنسان وغرائزه الاجتماعية تتشكل بالشكل الذي ~~يريده لها الاجتماع مكرها صاحبها على اتخاذ هذا الشكل المعين. وأن الجرثومة الأولى ~~الموجودة في نفس الفرد لا تعمل بذاتها، بل تعمل متأثرة بذلك الوسط، ولولاه لاضمحلت ~~وفنيت، فبقي الإنسان أشبه الأشياء بالحيوانات التي تكتفي من كل ما في الحياة بالاحتفاظ ~~بالحياة، ودفع ما من شأنه أن يلاشيها. # 4 # إذا كان الاجتماع هو المكون الأول لفكرة المسئولية، وكانت جرثومتها لا يقوم بناؤها ~~إلا كما توجهه وحدات الاجتماع الإيمانية، فهل هذه الجرثومة هي هي بعينها في كل النفوس. ~~فإذا أنت وضعت شخصين في وسط اجتماعي واحد، وعرضت عليهما صورا واحدة أيكون ms115 كم فكرة ~~المسئولية وكيفها واتجاهها واحدا؟ وبكلمة أخرى هل فكرة المسئولية أمر اجتماعي بحت، ~~يتأثر به الفرد من غير أن يكون لتكوينه هو الخاص أثر فيه. لقد سبق لنا فيما كتبنا عن ~~الاختيار والاضطرار، أن أظهرنا أن هناك عوامل مثيرة تعمل في تكوين حياة الفرد الخاصة، ~~كالوراثة وطوارئ الحوادث ونوع التربية، وبينا حينذاك أن الفرد وإن لم يكن له وجود خاص، ~~وإنما هو ذرة تصرفها حياة العالم وهي تسير مكرهة في الطريق الذي يرسم لها، فإن في هذه ~~العوامل الخاصة ما يكفي للتفرقة بين الأفراد في الوجهات التي توجههم إليها الحياة. هذه ~~العوامل نفسها وأخصها الوراثة والطوارئ، وأحداث المصادفات ونوع التربية هي التي تجعل ~~لصورة الحياة الاجتماعية في نفس الفرد لونا خاصا، وتجعله يتصور المسئولية على نحو ~~خاص. صحيح أن مجموع الوحدات الإيمانية هو الذي يرسم الطريق الذي تتبعه هذه العوامل. ~~ولكن هذه قد تبلغ من نفوس بعض الأفراد أحيانا، فتطمس عليه الطريق وتأخذ صاحبها إلى ~~وجهة أخرى تجعله إما مجرما أثيما أو شاعرا كبيرا أو نبيا كريما. وفي الأحايين ~~الأخرى والغالبة لا تصل إلى هذا، ولكنها تجعل دائما شيئا من التضارب يقوم بين الوحدات ~~الإيمانية أو البعض منها وبين الفرد. وهذا التضارب هو ما يدفع به إلى ما يسميه الناس ~~الخطيئة. والشخص الذي تنطبق نفسه تمام الانطباق على الوسط الذي يعيش فيه هو الشخص الذي ~~اتبعت وراثته مجرى تطور الإنسانية، فلم تزد أطماعه على ما يريد الاجتماع أو يحبوه إياه، ~~ولم يشعر بثقل حمل الواجبات التي يضعها الاجتماع على عاتقه. # وهذا النوع الأخير من الأفراد نادر جدا، إن لم نقل: إنه معدوم كلية وكأن ذلك الخيال ~~القديم الباقي خيال آدم وهو خارج على الوسط الذي عاش فيه مرتكب تلك الخطيئة التي أخرجته ~~وأبناءه من الجنة هو هو صورة كل واحد من بني آدم. وإنما يجب أن نلاحظ أيضا أن العوامل ~~التي تؤثر في نفس الفرد لا تصل إلى ملاشاة صورة الجمعية من نفسه إلا في أحيان نادرة. ~~فالمجرمون بالخلق ms116 والمجانين العظماء قلائل في العالم جدا. وأما ما عدا هؤلاء من ~~الأفراد الذين يكونون سواد الإنسانية، فهم مرآة لصورة الجمعية التي يعيشون فيها. وعلى ~~مقدار دقتهم أو عدم دقتهم في تلقي هذه الصورة تكون فكرة المسئولية في نفوسهم. وهؤلاء ~~الأشخاص الذين لم يصلوا بالتربية؛ ليفكروا لأنفسهم ولم تخرجهم عوامل خاصة كالوراثة ~~والمصادفات عن طريق الحياة المعتاد تنطبع في نفسهم صورة الجمعية التي يعيشون فيها ~~انطباعا يكاد يكون تاما؛ ولذلك تقوم المسئولية في نفوسهم وحدة مكونة متماسكة مرتبطة ~~أتم الارتباط بالصورة المذكورة. من هذا ما لوحظ من أن بعض القبائل المتوحشة يبلغ الندم ~~على الخطيئة من نفوس بعض أفرادها، حتى لتراه نائحا منتحبا مهما قلت قيمة الخطيئة التي ~~ارتكبها. كأن هذا الفرد يشعر بأنه جزء متضامن مع الكل الذي هو الجمعية، ومن أمثلة ذلك ~~أن بعض قبائل أستراليا تحرم على الشبان منها أكل نوع خاص من أنواع الصيد النادرة، التي ~~يحتفظ بها لتقدم للرجال والكهول تكريما وإعزازا. وبلغ من شأن ذلك التحريم أن من ~~يتعداه يجازى بالقتل، ولقد شوهد من بين الشبان الذين انتهكوا حرمة ذلك القانون، ولو تحت ~~أثر الجوع من يقدمون أنفسهم معترفين بذنبهم مظهرين أشد الندم عليه. وهذا الاعتبار للفرد ~~كوحدة اجتماعية لا وجود لها بذاتها هو الذي سمح لقبائل العرب ولقبائل أستراليا أن ~~يحسبوا جريمة واحد من قبيلة أخرى، تقع على قبيلتهم مستوجبة مسئولية كل فرد من أفراد تلك ~~القبيلة الأخرى، حتى لتهدأ ثائرة الإنتقام في نفس من وقعت عليه الجريمة متى قتل أي فرد ~~من أفراد قبيلة واتره, وقد استمرت هذه الفكرة فكرة تضامن الفرد في المسئولية مع الجماعة ~~التي هو منها تتسلسل على العصور إلى ما بعد المسيحية. وإنا لنقرأ في هرودوتس أبي ~~التاريخ قصص الملك كريسس (قارون) الذي ذهب يشكو إلى الإله أبولون ما لاقى من هزيمة وذل ~~في موقعة سرديس، بعدما أفاض على هذا الإله من تحف وقرابين، فيجيبه رسول أبولون بما ~~يأتي: محال أن تنجو حتى الآلهة مما قدر لها، ويجب أن ms117 يذكر كريسس أنه إنما لاقى جزاء ~~خطيئة جده الخامس الذي كان فارسا في حرس كاندول أحد أبناء الهراقلة، ثم ترك نفسه تتسلط ~~عليها امرأة تدفعه آخر الأمر لقتل سيده الملك، واغتصاب تاج لم يكن له. ولقد جاهد أبولون ~~رجاء إرجاء مصيبة سرديس حنى تقع على رأس أخلاف كريسس، ولا تصيب إياهم فلم يقبل رجاؤه، ~~ولا استطاع إخلاف القدر. وكل ما وصل إليه أن تأخرت سرديس ثلاث سنين. وإنما نال ذلك على ~~كره لأحكام المقادير. وهنالك يعترف كريسس أن الذنب ذنبه الموروث لا ذنب الإله. # ومن ذلك كله يرى أن الفرد العادي يعتبر نفسه ذرة مماثلة لكل ذرات الجمعية الأخرى، ~~ويشعر في أعماق نفسه أنه متضامن تضامنا تاما مع هاتيك الذرات؛ حتى ليسأل هو عن ~~التكفير عما يقع منها. وليس شيء أبلغ من ذلك في الدلالة على أن الجمعية تطبع الأفراد ~~بطابعها، وتعدم شخصيتهم لتقيم في قرارة قلوبهم شخصيتها، وتجعلهم بذلك يسيرون على السنن ~~التي تسنها هي لهم من غير أن يكون لهم في تلك السنن أي اختيار. # ولكن ألوف القرون التي مرت بالإنسانية لم تترك فردا من أفرادها من غير أن تخلق له ~~ظروفا خاصة، تكون في نفسه شيئا من الفردية الواقفة ظاهرا في وجه الجمعية البارزة ضد ~~طابعها. فتعاقب الوراثات المختلفة وتنافس المدنيات المتناقضة، وتناقض المذاهب والملك ~~وقيام الحروب الشعواء من أجل مناصرة هذه المذاهب وتلك المدنيات. كل ذلك وما سواه جعل ~~الصورة الاجتماعية يداخلها في بعض المواضع شيء من الإبهام يسنح لقوى خاصة في نفس الفرد ~~أن تقوم وتقوى وتصل من ذلك إلى مناهضة الجمعية، وقوانينها السائدة مناهضة يختلف مقدارها ~~باختلاف الملكات والقوى، وباختلاف الظروف التي قامت فيها تلك الملكات وتكونت وقويت. ففي ~~نفوس هؤلاء الأفراد تقوم فكرة المسئولية على أساس يتفق مع طابع الجمعية إلى الحد الذي ~~تبدأ بعده تلك القوى، والظروف الفردية تناوئ الوحدات الإيمانية السائدة. أما بعد هذا ~~الحد فتكون فكرة المسئولية مضطربة لا يحدها إلا الجزاء القانوني المقابل لما يبعثها من ~~الأعمال والحركات الفردية. ms118 # وكلما ازدادت الظروف الخاصة، وسمحت للفرد أن يقوم بكله في وجه الجمعية تداعت في النفس ~~فكرة المسئولية، وحلت محلها اعتبارات خاصة نرجئ بحثها إلى أن نصل للمقارنة بين فكرتي ~~المسئولية والجدارة. # هذه القواعد التي قدمت تنطبق على الأشخاص الذين يتبعون فطرتهم، ويسيرون مع عواطفهم، ~~سواء كانت هذه الفطرة وتلك العواطف اجتماعية أو ضد الاجتماع، وأما الأشخاص الذين يصلون ~~من تربيتهم إلى حد التفكير الفردي الخاص، فأولئك يحللون مسئولياتهم في كل صغيرة وكبيرة ~~مما في الحياة. وذلك لا يمنع إحساس بعضهم من أن يكون ميتا أمام الذنب الذي ~~يرتكبه. # بل إن أولئك الذين يصلون من تفكيرهم الفردي إلى حد تحليل المسئوليات، التي تكونت في ~~نفوسهم من نعومة أظفارهم يكونون في الغالب أقل إحساسا بعظم الخطيئة، كما يكونون أقل ~~دهشة أو إعجابا أو تقديسا أمام الجميل العظيم. وسبب ذلك هو ما قدمنا من أن التحليل ~~والتنسيب يستدعيان الاحتمالات والافتراضات التي هي أساس الشكوك. والشكوك إذا بدأت عملها ~~في تحليل المسئولية اضطرت حتما أن تتناول الوحدات الإيمانية التي هي أساس المسئولية. ~~وهذه الوحدات الإيمانية هي الغذاء الروحي الذي يدخل القلب والنفس، ويعطيها من القوة ما ~~يعطيه الغذاء المادي للجسم. فإذا دخلها الشك ابتدأت النفس تنزعج ويعقب ذلك حتما ازدراء ~~وتقزز منها. ومتى داخل النفس التقزز صغر أمامها كل شيء، واحتقرت الوجود وما فيه. فتضاءل ~~الإعجاب وتضاءل الأسف، وخمد القلب وقلت نزعاته الكريمة. ولولا أن فكرة استبقاء الحياة ~~قوية جدا تغلب على كل مفر منها لوصل الفكر إلى نتائج أتعس من الإذعان لاحتمال الحياة. ~~ولكن هذه الفكرة القوية الفعالة تعيد كرتها عليه، وتغالب فيه دواعي استنكار الحياة ~~بأنواع شتى من الحيل أبسطها أن يسأل المرء نفسه: وما نتيجة استنكار الحياة. هنالك ~~يعاوده الأمل ويرى وجوب الأخذ في الحياة العملية بواجبات قريبة منة المتعارف تكون نظامه ~~وطمأنينته. ولكنه يبقى حاسا بشيء من الوحدة يدفعه؛ ليجاهد في سبيل إدخال وحداته ~~الإيمانية الخاصة في كتاب الاجتماع؛ ليجد في الناس إخوانا وأصدقاء. وهذا الجهاد هو نوع ~~خاص من ms119 أنواع المسئولية نبينه فيما سيأتي ونوضح سببه ونتيجته. # ولكن هذه الصور التي جئنا بها في طريق تحليلنا لفكرة المسئولية، كالشذوذ الفردي ~~والمجانين العظماء وخمود حاسية المفكر بالمسئولية أليست في ظاهرها تقف في وجه الفكرة ~~الأولى فكرة انطباع صورة الجمعية في نفس الفرد، وتكوينها بذلك ضميره وإدخال مبادئها ~~عليه، وتركها إياه يقدر المسئولية بمقدار هذه المبادئ. فكيف يكون ذلك مع ما عليه ~~الجمعية من قوة تكاد تلاشي الفرد كل التلاشي؟ إن أول القوانين الطبيعية التي تعمل في كل ~~المخلوقات الحية قانون بقاء الأصلح وفناء الشاذ. وهذا القانون لا يحتمل أي استثناء. فهو ~~يستخدم كل الوسائل ليكون نافذا على كل المخلوقات. فهل اضمحل في الجمعية الإسلامية. وهل ~~معنى القوانين والأنظمة محاربة الطبيعة ونواميسها. وإن صح ذلك فكيف يكون النظام ~~الاجتماعي طبيعيا وهو بنفسه يحارب الطبيعة. # هذه مسائل واعتراضات يحار الذهن أمامها، إذا هو لم يستعن على حلها بمعلومات خارجة عن ~~المنطق المجرد. وأهم هذه المعلومات معرفة قانون التطور وكيفية عمله وتفاعله مع قانون ~~بقاء الأصلح. فإن الجمعية الإنسانية لم تكن من ألف ألف سنة ما كانته من ألف قرن، ولا ما ~~هي عليه اليوم، بل هي تتطور وتدخل فيها عناصر وتنحل عناصر أخرى، وتنتقل بذلك من جيل إلى ~~جيل محملة بماضيها مستعدة لانقلابات جديدة حاملة في جوفها بذور ثورات وأنظمة، واختراعات ~~لا حد لها ولا نهاية. ولكن حصول هذه الانقلابات ليس معناه فناء ما سبقها، وقيام نظام ~~جديد لا علاقة له بالماضي. فإن الطفرة مستحيلة استحالة تامة، ولكن الانقلابات معناها ~~انهيار بناء متداع نخر السوس في أصله، وظهور أبنية جديدة كانت أسسها موجودة يشعر الناس ~~بها، ولكنها لم تكن قد ارتفعت بعد وأعلنت عن نفسها. وحتى الأبنية القديمة التي تنهار لا ~~تفنى فناء مطلقا، ومهما يكن من شدة حنق الإنسانية حين قامت فدكتها، فإن ذلك لم يمنع ~~هذه الإنسانية نفسها حين تراجعها سكينتها من أن تبني لذكرى ذلك الماضي أضرحة جميلة من ~~الرخام النقي، وأن تقيم حولها الأزهار وتخلدها بأشعار رائعة؛ ذلك ms120 لأن في الماضي مهما ~~نخر أصوله السوس ذكرى آبائنا وأجدادنا وأعزة علينا، فيه ذكرى عظماء الإنسانية الخالدين. ~~فيه ذكرى فرعون وموسى والمسيح ومحمد وشكسبير ونابليون، والماضي هو فوق ذلك فترة من عمر ~~الإنسانية ذات أثر خالد في حاضرها ومستقبلها. ومن ذلك يظهر أن التطور ليس استحالة تامة، ~~ولكنه فروع جديدة تنمو على الجذع الأصيل مكان فروع أخرى، ذبلت وسقطت وتركت في ذلك الجذع ~~القديم الخالد الذي يعز كل جيل من أجياله آثارا مندملة لا يمكن أن تزول. # وحدوث هذا التطور راجع إلى ما يلقيه جماعة الذين ينظرون إلى الحوادث الاجتماعية نظرا ~~سطحيا للتضارب بين مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة. فهذه الحركة العظيمة التي يسعى إليها ~~كل واحد من بني آدم للوصول إلى مركز عال، أو ثروة ضخمة أو متاع بالحياة كبير مضحيا في ~~سبيل ذلك ببعض الاعتبارات الخلقية، واصلا أحيانا في هذه التضحية إلى ارتكاب ما تحرمه ~~سنن الاجتماع الأدبية، بل قواعده القانونية - هي السلم الذي تتدرج عليه الجمعية من ~~حالتها البربرية الأولى إلى مدنيات مختلفة، وصلت إلى ما نراه اليوم من عظمة السلام ~~وعظمة الحرب. وهي السلم الذي ينتظر أن تصل عليه إلى أرقى مما نرى بكثير. لهذا فمهما ~~تجاهد الجمعية بقوانينها ووحداتها الإيمانية، وإكراهها المادي والمعنوي تريد أن تخضع ~~الأفراد لسلطانها، فسيبقى دائما في قرارة النفس الفردية شيء كأنه يثور على هاته ~~القوانين والقواعد والوحدات، وعلى الرغم من هذا الإكراه؛ لأن هذا الشيء الكمين في النفس ~~والإحساس الداخلي الذي يدفع الفرد مهما خضع لأوامر الجمعية التي هو منها؛ ليثور عليها ~~أو ليفعل ما قد يضرها والموجود في كل الأفراد بكميات مختلفة هو أساس تلك الظاهرة ~~الاجتماعية، التي يقوم عليها التطور الإنساني. هو نزعة الجنس إلى الكمال والتطلع الكمين ~~في نفس الإنسانية. مأخوذة كوحدة قائمة بذاتها وسط وحدات الكون وعوالمه الأخرى، يريد بها ~~أن تصل لتحتل مكان القلب والعقل والروح في نفس الوجود كله. على أن هذا الإحساس الدقيق ~~العظيم تخمد جذوته في معظم النفوس، وتتحول في طريق لا يمكن ms121 أن يصل إلى الغاية المرجوة ~~في نفوس أخرى في حين هو يوفق كل التوفيق، ويصل إلى أحسن النتائج في نفوس ثالثة، والخمود ~~والتقهقر والنبوغ إنما تكون بمقدار استعداد تيارات الجسم للتلقي والإصدار، وللتفاعل مع ~~الحوادث سلبا وإيجابا. # 5 # إن التطور الاجتماعي العظيم على سلم النزعات الفردية الذي وضعناه في الجزء السابق يرى ~~مجسما في تاريخ الإنسانية، فالآلهة وأنصاف الآلهة القدماء والأنبياء من بعدهم والملوك ~~والشعراء، والفلاسفة هم الذين كانوا المحور الذي دارت عليه المدنيات المتعاقبة. ولم ~~يأخذ واحد من هؤلاء اسما في التاريخ كعامل من عوامل الرقي، أو التدهور الإنساني إلا ~~بمقدار نزعاته الخاصة الخارجة على النظام الاجتماعي السائد في وجوده، بل إن تراجمهم ~~لتدل على أنهم جميعا كانوا منظور إليهم بعين الاستغراب من الرأي السائد؛ لتفوقهم في ~~القيام في وجه الوحدات الإيمانية الموطدة الأركان في النفوس. ولكن الذي لوحظ إلى جانب ~~ذلك أن نزعات الأفراد الذين كانوا عوامل في رقي الإنسانية كانت نزعات تتفق مع قوانين ~~حياة الاجتماع الطبيعية من حيث هي، وبكلمة أخرى إن هؤلاء الأفراد كانوا صيحة الجنس ~~البشري نحو الكمال. وإن هذه النزعات على ما فيها من مصادمة الرأي السائد لم تكن إلا ~~خطوات ضيقة جدا، وكانت جمعيتهم مهيئة لها، وإنما يقف في وجهها الماضي الذي قدس وحداته ~~الإيمانية حتى صارت في نظر المجموع عقيدة لا يمكن أن تتحول. أما الأفراد الذين عملوا ~~على تدرك الإنسانية، فكانت نزعاتهم ضد الاجتماع بل ضد الحياة - كانوا نذر الموت وأعلام ~~الدمار. كانوا أفرادا ساعدتهم ظروف خاصة على الرجوع بالإنسانية إلى الوراء. ولكن ~~الاجتماع أظهر القوة في كل الظروف التي حلت به فيها مثل هذه الكوارث، فلم يكن ينساق في ~~تدركه؛ لهذا نرى استبداد ملوك الرومانيين لم يوقف سير المدنية إلا قليلا. بل لقد كانت ~~شرور ذلك العصر سببا في إفاقات اقتضاها انفجار القوى المضغوطة برغم ما توصي به طبيعة ~~الحياة. # والتاريخ لدينا حافل يشهد بما تقدم. ولنأخذ مارتين لوثر مثلا. ومارتين لوثر من ~~الرجال الذين هزوا الإنسانية، وقسموا المسيحية ms122 إلى قسميها الكاثوليكية والبروتستانية. ~~قام هذا البطل وسط العقائد والوحدات الإيمانية السائدة في القرن الخامس عشر لميلاد ~~المسيح. وكانت سيادة هذه العقائد من القوة بحيث لم يكن لمن يقاومها إلا ملاقاة حتفه. ~~فكم من أرواح أزهقت لا لشيء إلا أنها سمحت لأبسط الانتقاد أن يوجه صادرا منها إلى بعض ~~شعب غير رئيسية مما تفرع عن هذه العقائد. ومثال هس وجيروم باق ينطق بما كان يلقاه ~~المعارضون من أنواع التعذيب الذي كان ينتهي بموتهم حرقا. ولكن عصر لوثر لم يكن عصر هس ~~وجيروم. فقد كانت النفوس في عصره مهيئة لقبول تعاليم جديدة، شعرت بها لازمة لحياة ~~الجماعة؛ لهذا ما كاد ينشر تعاليمه حتى رحب به الأنصار والأشياع. فلما استدعى إلى مجمع ~~ورمس ليناقش الحساب بعد ثلاث سنين من قيامه بنشر دعوته علت حوله الصيحات من كل جانب: ~~«كن عند رأيك فأنا معك»، وكذلك كان، فجعل يدافع ساعتين عن آرائه في خطبة ألقاها كانت ما ~~سميناه نحن صيحة الجنس نحو الكمال. ولقيت خطبة من أهل ذلك العصر استعدادا، فأقرها ~~الناس وكانت فاتحة عصر جديد. ولكنها في الواقع لم تكن إلا خطوة ضيقة أعد الماضي لها ~~الناس، فلما خطوها في عصر لوثر جاءت على أثرها خطوات، تأسست عليها مدنية أوروبا في ~~العصر الحاضر. # ومارتن لوثر ليس إلا المثل المكرر من أمثلة المصلحين الذين قاموا في الإنسانية من يوم ~~نشأتها إلى العصر الحاضر. ولكن الأكثرين من هؤلاء الأبطال المصلحين إن لم نقل: كلهم ~~أقرب إلى الشعراء منهم إلى المفكرين؛ لأن من شأن المفكر أن تخمد القوة العملية فيه ~~بمقدار ذكاء قوته الفكرية. فالفكرة التي تتكون في نفسه بدل أن تدفعه للعمل لإظهارها ~~تنحل إلى فكرة أخرى، وإلى فكرة ثالثة وهلم جرا. وعلى ذلك تنقضي حياة المفكر في ~~ملاحظات واستنتاجات، وتشكيك في الملاحظات والاستنتاجات، وردود على هذا التشكيك ومؤازرة ~~للفكرة بأفكار أخرى. ولكن الأبطال المصلحين يقفون عند أفكار معينة تسمو على افكار الشعب ~~الذي يقيمون بينه سموا محدودا في اتجاهه، وفي مقداره لاضطرار المصلح أن ms123 يلائم الوسط ~~الذي يظهر فيه ملاءمة تسمح لسواد هذا الوسط أن يتبعه على طريق القياس ببعض ما عنده من ~~الوحدات الإيمانية، التي أفلتت من القيود القديمة وسمحت لها مقتضيات الاجتماع أو ~~أكرهتها ظروفه على التقدم بعض الشيء. ولكن المفكر لا يقف عند فكرة معينة، بل هو يتطلب ~~دائما نتائج هذه الفكرة وآثارها، وارتباط النتائج والآثار بحياة الوجود العام وغير ذلك ~~مما لا ينتهي، ومما هو مثار الشكوك الدائمة. كذلك تنقضي حياة المفكر في وسط خيالي لا ~~يفهمه الناس ويتذوقه هو. ومحال أن يكون غير ذلك ما دام الفكر الإنساني محدودا والعالم ~~غير محدود. # وضع المفكر العظيم أوجست كومت فلسفته الوضعية قضى في ترتيبها زهرة حياته. ولما اكتهل ~~صادفته مدام دفو، فوصل من الإعجاب بها إلى حد تقديسها. وهنالك داخلت نفسه نزعة شعرية ~~فانتقل من فلسفته إلى سياسته التقريرية آخذا النتائج التي وصل إليها من طريق الملاحظة ~~والاستقراء ملبسا إياها نفسه، ثم نافثا لها في صيغة شعرية أشبه الأشياء بالصيغة التي ~~تأخذها كتب العقائد. هنالك حكم عليه أنصاره أنفسهم بأنه قضى كمفكر؛ لأن النتائج العظيمة ~~التي وصل إليها في فلسفته ليست خاتمة ما يمكن أن يصل إليه الملاحظ والمستقرئ؛ ولذلك ~~وقفوا في مناصرته عند الذي وصل إليه من فلسفته، واستمروا في الطريق الذي كان هو سائرا ~~فيه. استمروا يفكرون. # 2 # وهذا النوع من الحياة وأقصد إذكاء الفكرة، وجعلها تدفع إلى فكرة أخرى لا إلى عمل من ~~أعمال الحياة يفقد هذه الأعمال قيمتها في النفس. وذلك هو السبب في ضعف إحساس المفكر ~~بالمسئولية. فهو يترك الحياة المادية تسير كما يحلو لها أن تسير منقطعا إلى حياته ~~العليا، فتصبح الأعمال عنده موضع ملاحظة، ونظر كأنها شيء آخر مستقل عنه، فلا تستدعي منه ~~أسفا ولا غبطة. ولكن الذي يستوقفه ويستدعي إعجابه أو انقباضه هو الفكرة الجميلة أو ~~الفكرة المجرمة. # يتضح مما تقدم أن أصحاب الشذوذ الفكري والمجانين العظماء والمفكرين هم شواذ في ~~الجمعية، ولكنهم أثر من آثارها هم الملتقى الذي تصل عنده وحداتها الإيمانية ms124 المتضاربة ~~في أغلب الأحيان، تضاربا إن اتفق مع الحياة فهو لا يتفق مع التقدم. والتقدم والارتقاء ~~هما آثار التطور الذي هو أحد القوانين الرئيسية لنظام الجمعية وخلودها. وعلى اعتبار ~~هؤلاء الأشخاص شواذ لازمين قطعا لوجود الجمعية الإنسانية، من حيث هي الجمعية الإنسانية ~~في صورتها غير المحدودة بالمكان والزمان والقائمة بين الأزل والأبد - على هذا الاعتبار، ~~سمح لهم الرأي السائد في كل العصور أن ينتهكوا حرمته، ويحولوا تياره؛ لأن الرأي السائد ~~يحتوي جرثومة التطور والتقدم. هذا هو ما جعل فكرة المسئولية تنطبع في نفوس هؤلاء ~~الأفراد على نحو مبهم، أقرب لأن يكون طابع المستقبل منه لأن يكون طابع الجمعية ~~الحاضرة. # وهؤلاء الأفراد هم الذين أوتوا أجهزة وتيارات غير عادية، وسمحت لهم ظروف خاصة ~~كالمصادفة والوراثة أن يوجهوها لخير الإنسانية، فوفقت أحسن التوفيق وكانت نزعاتهم ~~الفردية حجر الأساس الذي شيدت فوقه المدنيات المتعاقبة. # ولكنا إذا حولنا النظر إلى الجهة المقابلة، حيث ترفع النزعات الفردية أعلام الموت، ~~وترسل نذر الخراب، وأخذنا نيرون الظالم مثلا رأينا الفرد المجرد من معنى الاجتماع ~~والعائش بنفسه لنفسه، ورأينا المخرب الذي يندفع ليدك قواعد الوجود إرضاء لشهوته، رأينا ~~هذا المستبد الأحمق محرقا رومية ممسكا بيديه قيثارته يوقع عليها قصيدة خرقاء، جادت ~~بها قريحته المجرمة، ولكن رومية عادت إلى الحياة ومات هو وطمس على قصيدته في ~~حفرته. # ولذلك يعلو الاجتماع، ويبقى ويموت الفرد الخارج عن قوانينه تحت أقدامه. # نيرون هو المثل المجرم في الإنسانية، والمجرم شخص مجرد من العواطف والإحساسات البشرية ~~لا يحس بالألم ولا بالسعادة، ويرى الوجود الذي أمامه عدوا له لدودا. هو حيوان من غير ~~النوع الإنساني؛ لأنه غير مدني ولكنه ألبس صورة الناس ظاهرا؛ لهذا لم يكن لقواعد ~~الحياة ووحدات إيمان الوجود أن تنطبع في نفسه الصلدة بل يبقى فؤاده جامدا ونفسه ~~حيوانية لا تعرف من معنى الاجتماع شيئا، ولا تفهم من قوانين الطبيعة إلا القانون العام ~~الذي يحكم الموجودات الحية إلى أدنأ أنواعها: قانون استبقاء الحياة. ولما كان الكد ~~والكدح أثرين من آثار التنافس الذي ms125 لا يكون إلا بالاجتماع، وكان المجرم غير مدني رأيته ~~يميل للكسل، ويفضل الإغارة على أمثاله من بني آدم يختطف أموالهم من يدهم كما يغير الأسد ~~أو النمر على ما يجاوره، ويأخذ الفريسة التي تلوح له. # وجمود نفس المجرم عن تلقي آي الاجتماع ينتج عنده حتما جمود أمام الجزاء المقابل الذي ~~تفترضه هاته الآي عقوبة لمن خرج عليها؛ لهذا لوحظ أن المجرمين المتأصلة جرثومة الإجرام ~~في نفوسهم لا يعرفون معنى للتوبة، ولا يفقهون معنى التكفير عن الخطيئة. كما أنهم لا ~~يشعرون في العقوبة بألم يردعهم عن العودة لما يستوجبها، بل هم يرتكبون الجريمة بالهوادة ~~والطمأنينة التي يجدها غيرهم في أي عمل عادي مشروع؛ لأن الجريمة عمل عادي مشروع ~~عندهم. # لكن هذا النوع من المجرمين قليل وغير منتشر. والغالبية العظمى ممن يخرجون على النظام ~~أشخاص، تدفعهم ظروف خاصة توجه نزعاتهم الفردية وجهات غير موفقة، فيرتكبون ما يخالف ~~التعاليم التي انطبعت في نفوسهم والتي هي وحدات الوجود الإيمانية. ومن هؤلاء تتركب ~~طائفة المسئولين الكبرى. فمنهم المجرمون بالمصادفة، والمجرمون بالعادة، والمجرمون بدافع ~~الشهوة، والمجرمون المتهوسون والمجرمون السياسيون وغير هؤلاء وأولئك ممن سيرجع بنا ~~الكلام إليهم عند بحث المسئولية القانونية. # ووجود هذا النوع من المسئولين في الجمعية هو المقابل الطبيعي لوجود العظماء والمفكرين ~~والمصلحين. فما دام الاجتماع الإنساني في تطوره نحو الكمال يستخدم النزعات الفردية ~~لإتمام ذلك التطور، فستوفق بعض هذه النزعات للسير في الطريق السوي، وستضل أخرى وتنحدر ~~في مهاوي الجريمة. ولكن أصحاب النزعات الضالة يلقون دائما جزاء ضلالهم، فتدوسهم ~~الجمعية بأقدامها وتمر من فوقهم غير مهتمة بهم، ولا مكترثة لهم بل مستخدمة إياهم في ~~أحايين لمساعداتهم في التقدم إلى الغرض الذي تسير إليه. ولم يستطع هؤلاء الضالون في عصر ~~من العصور الماضية كلا، ولن يستطيعوا في المستقبل أن يقفوا في وجه الجمعية؛ لأن الجمعية ~~وجود طبيعي أزلي خالد. والأفراد ذرات سريعة التحول والانقلاب. والجمعية كل والفرد ذرة ~~متناهية في الصغر إلى جانب ذلك الكل ومسخرة لخدمته. # إذن فشأن الفرد في الجمعية شأن مسمار ms126 في ماكينة عظيمة. فذلك المسمار يبقى سالما ما ~~دام قائما بأداء الوظيفة، التي وضع لها غير خارج على المجاورات التي حوله. لكنه يلقى ~~جزاء محتوما إن هو وقف عن أداء وظيفته أو خرج عن المكان المعد له. فإنه يلقى قسما آخر ~~من الماكينة أمتن منه، وأقوى يصادفه في سيره فيكسر رأسه أو يرده بالرغم عنه إلى مكانه. ~~بل إن شأن الفرد لأضعف من ذلك وأحقر؛ لأنا مهما تصورنا من عظمة هاته الماكينة، ومن ضآلة ~~المسمار إلى جانبها، فلن نبلغ في ذلك ما يقابل الجمعية والفرد. # وقد أحس الناس من أبعد الأزمان بهذا الإحساس، وفهموا تمام الفهم معنى الجزاء الذي ~~تنزله بهم الجمعية حين خروجهم عليها. وبلغ من قوة إحساسهم به أن خلطوا بين فكرة الجزاء ~~وفكرة المسئولية، وأحلوا الأولى محل الثانية، وترتب على هذا الخلط الفكري خلط آخر جر ~~إليه التشابه اللغوي. فلما كانوا يرون الجزاء، وهو المقابل الطبيعي لعمل من الأعمال، ~~يعرض صاحبه لسخط الجمعية، وكان الجزاء لغة هو المقابل للعمل بالأوامر، سواء أكان هذا ~~اجتماعيا أم غير اجتماعي، وسواء أكان مضرا بالجمعية ويستدعي مسئولية فاعلة أم هو لا ~~علاقة له بالجمعية مطلقا، وإنما هو عمل يستحق المدح من فرد معين من الناس على خدمة، ~~وصلته من آخر - جعلوا هذه الأعمال غير الاجتماعية لما يقابلها في نظرهم من الجزاء داعية ~~مسئولية، ولو في جانب ما يسمونه الخير. مع أن المسئولية إنما تتكون عند الفرد على أثر ~~انطباع وحدات الإيمان المتعلقة بحياة الاجتماع في نفسه، ومخالفة هذه الوحدات من بعض ~~الأشخاص. # ولكن إذا كان الخلط قد جر إليه الشبه اللغوي في استعمال كلمة الجزاء، فإن الذي مكن له ~~في عالم الفكر، ومد في حياته حتى نراه باقيا إلى اليوم هو الإبهام الذي كان حاصلا في ~~فهم الوحدات والقوانين اللازمة لحياة الاجتماع، حتى رتبت بعض العصور أضعف أعمال الفرد ~~في جهتى النافع والضار والخير والشر ترتيبا لا يسمح لنزعة فردية من النزعات التي هي ~~أساس التطور الاجتماعي أن تقوى، وتعمل عملها ms127 في الوجود. رتبتها وحكمتها فكان الميدان ~~المسموح للفرد أن يتنفس فيه ضيقا إلى حد كاد يخنقه. فكان طعامه وشرابه وحركاته ونوع ~~كلامه، بل اتجاه فكره كلها معتبرة من الوحدات الإيمانية اللازمة لحياة الجمعية. ولكن ~~التطور الذي حصل على متعاقب العصور حلل بعض الشيء من هذه الدائرة، وسمح للأفراد بدائرة ~~أوسع يتحركون فيها حسب ما توحي إليهم به نزعاتهم وظروفهم الخاصة، وإن حكمتهم دائما ~~ظروف الوسط والزمان. # وهذه الحرية التي سمح بها الاجتماع لأفراده على اعتبار أنها لازمة للتطور وغير ضارة ~~بحياته، هي التي سمحت لفكرة المسئولية أن ترجع بعض الشيء إلى معناها الطبيعي الأول. ~~وتعني إحساس الفرد بمخالفة سنة الاجتماع مخالفة، يغلب أن تجر عليه الجزاء المقابل لها. ~~لكن فكرة الجزاء هي المقابل لفكرة المسئولية، وليست هي هي بعينها كما قرر بعض الكتاب ~~والفلاسفة. فقد يأمن الرجل كل الأمن وقوع الجزاء، ولكن ذلك لا يمنع تحرك ضميره حسبما ~~تكون من قبل، ما لم يكن مجرما بالفطرة ميت الإحساس بطبيعته. وإن كثيرين من الأشخاص ~~الذين يقدمون للقضاء، فيبرءون لعدم قيام أدلة كافية لإدانتهم يبقون برغم فرحهم بالنجاة ~~من العقاب تحت تأثير وخز الضمير زمنا غير قليل. بل قد يبلغ الحال من بعضهم أن يجزي ~~بنفسه نفسه. ولولا نعمة النسيان تسمح للأكثرين منهم بشيء من الهدوء لما برحهم ألمهم. ~~كما أن فكرة التفكير والتوبة تريح نفوسا كثيرة قد تنوء لولاهما بفكرة ~~المسئولية. # بل كم رأينا من كبراء الرجال من ارتكب على علم إثما أضر بجمعيته، ولكن ظروفا خاصة ~~جعلته يرتكبه وهو مطمئن ساعة ارتكابه لكن الماضي لم يلبث أن تكدس كله، وغلب الحاضر ~~وقامت فكرة المسئولية قاسية أليمة تعذب ضمير هذا الرجل أشد العذاب. # وأما إدخال عمل الخير تحت فكرة المسئولية، فذلك خطأ جر إليه الخلط اللغوي، وجر ~~إليه تاريخ فكرة المسئولية ووطد أركانه ميل العقل الإنساني إلى فكرة المقارنة ~~والمقابلة بين الأضداد. والحقيقة أن فكرة الخير والإحسان والفضيلة هي أفكار نسبية أبدعت ~~في مختلف العصور للتعبير عن النزعات الفردية التي تسعى ms128 بالجنس في طريق تقدمه نحو ~~الكمال، ولا يمكن أن تستثير الأعمال التي أطلقت عليها هذه الأسماء فكرة المسئولية في ~~النفس، ولكن التعاليم القديمة كانت تجعلها تستثير فكرة الجزاء عند الله إن لم يكن عند ~~الناس، فكان ذلك سببا للخطأ الذي أشرنا إليه. ms129