######OpenITI# #META# URI: 1375MuhammadHusaynHaykal.ImbaraturiyyaIslamiyya.Hindawi16136305 #META# Tags: history #META# ID: 16136305 #META# Title: الإمبراطورية الإسلامية والأماكن المقدسة #META# AuthorID: 73037206 #META# Author: محمد حسين هيكل #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الجزء الأول: الإمبراطورية الإسلامية‏ # 1 - أسباب قوة الإمبراطورية الإسلامية‏ # 2 - نظام الحكم في الإسلام‏ # الجزء الثاني: الاشتراكية والديمقراطية في الإسلام‏ # 1 - الاشتراكية الإسلامية‏ # 2 - الإسلام والديمقراطية‏ # الجزء الثالث: الإسلام والحريات الأربع‏ # 1 - الإسلام وحرية العقيدة‏ # 2 - الإسلام وحرية الرأي‏ # 3 - الإسلام والتحرر من العوز‏ # 4 - الإسلام والتحرر من الخوف‏ # الجزء الرابع: الأماكن المقدسة في الشرق الأوسط‏ # 1 - الأماكن الإسلامية المقدسة‏ # 2 - الأماكن المسيحية المقدسة‏ # 3 - مبكى اليهود‏ # 4 - الأماكن المقدسة لماذا لم تحتفظ ببساطتها‏ # الجزء الأول: الإمبراطورية الإسلامية‏ # 1 - أسباب قوة الإمبراطورية الإسلامية‏ # 2 - نظام الحكم في الإسلام‏ # الجزء الثاني: الاشتراكية والديمقراطية في الإسلام‏ # 1 - الاشتراكية الإسلامية‏ # 2 - الإسلام والديمقراطية‏ # الجزء الثالث: الإسلام والحريات الأربع‏ # 1 - الإسلام وحرية العقيدة‏ # 2 - الإسلام وحرية الرأي‏ # 3 - الإسلام والتحرر من العوز‏ # 4 - الإسلام والتحرر من الخوف‏ # الجزء الرابع: الأماكن المقدسة في الشرق الأوسط‏ # 1 - الأماكن الإسلامية المقدسة‏ # 2 - الأماكن المسيحية المقدسة‏ # 3 - مبكى اليهود‏ # 4 - الأماكن المقدسة لماذا لم تحتفظ ببساطتها‏ # | الإمبراطورية الإسلامية والأماكن المقدسة # | الإمبراطورية الإسلامية والأماكن المقدسة # تأليف # محمد حسين هيكل # الجزء الأول # | الإمبراطورية الإسلامية # الفصل الأول # | أسباب قوة الإمبراطورية الإسلامية # (1) حادث فذ # قيام الإمبراطورية الإسلامية حادث فذ في تاريخ الإنسانية، فقد بدأ الغزو العربي ~~للشام والعراق سنة خمس وثلاثين وستمائة لميلاد السيد المسيح. وبعد خمس عشرة سنة من ~~هذا التاريخ كانت الإمبراطورية الإسلامية قد اشتملت على فارس ومصر وشمال أفريقيا، ~~وامتدت إلى حدود الهند وتاخمت الصين. وقيام إمبراطورية بهذه السعة في هذا الزمن ~~القصير معجزة لذاته، لكن من حوادث التاريخ ما يشبه هذه المعجزة. # وحسبنا أن نشير إلى حروب الإسكندر وإلى حروب المغول. امتدت حروب الإسكندر مشرقة ~~من مقدونيا إلى الهند وتناولت مصر، وامتدت حروب المغول غربا من قلب الصين إلى ~~أوروبا، لكن حروب الإسكندر وحروب المغول لما تكد تنتهي حتى تناثر عقد ~~الإمبراطورية التي نشأت سلطاتها، وعادت الدول التي انتظمها الغزاة إلى نظامها ~~الأول. # أما الإمبراطورية الإسلامية التي مدت لواءها في هذا الزمن القصير على هذا الجانب ~~الكبير من ms001 العالم، فقد استقرت قرونا امتدت أثناءها إلى الأندلس، وانتشرت في الهند، ~~وأظلت جانبا من الصين. وهي إلى ذلك قد أقامت حضارة سادت ~~شئون العالم كل هذه القرون، فلما آن ~~للإمبراطورية الإسلامية أن تنحل بقيت هذه الحضارة تناضل عن نفسها، وهي اليوم تبعث ~~من جديد. # هذه هي المعجزة حقا، وقد حاول كثيرون تأويلها والتماس أسبابها، ولما يبلغوا ~~من ذلك غاية يطمئن الباحث المنصف إليها كل الاطمئنان، فإذا صح أن كانت عبقرية ~~الإسكندر الحربية سبب فتوحه العظيمة، وأن تنسب فتوح جنكيز خان ونابليون إلى مثل هذه ~~العبقرية، فمن العسير أن ينسب قيام الإمبراطورية الإسلامية إلى عبقرية حربية من ~~هذا القبيل. # النصر من عند الله # وإذا جاز لنا أن نقرن اسم قائد نابغة، كخالد بن الوليد، إلى أسماء الإسكندر ~~وجنكيز خان ونابليون، فيجب ألا ننسى أن هؤلاء بلغت بهم عبقريتهم أن أصبحوا ~~ملوكا وأن صار إليهم وحدهم الأمر كله، على حين بقي خالد بن الوليد، وعمرو بن ~~العاص، وغيرهما من قواد المسلمين تحت سلطان الخلفاء أمراء المؤمنين. بل لقد عزل ~~عمر بن الخطاب خالد بن الوليد، وكان من أسباب عزله إياه أنه خشي أن يظن الناس ~~أن المسلمين لا ينتصرون إلا بخالد، وليس خالد في رأي عمر إلا رجلا من المسلمين ~~شأنه شأن غيره من القواد، وإنما النصر من الله يؤتيه من يشاء. # لا بد إذن أن نلتمس لقيام الإمبراطورية الإسلامية ولاستقرارها سببا غير ~~السبب الذي أقام إمبراطورية الإسكندر وغير الإسكندر من عباقرة الحرب، وأن نلتمس ~~هذا السبب - أو هذه الأسباب إن شئت تعبيرا أدق - عن طريق التحليل الاجتماعي ~~لحياة العصر الذي قامت الإمبراطورية الإسلامية فيه، والعوامل الظاهرة التي أدت ~~إلى قيام هذه الإمبراطورية واستقرارها. # بعث النبي ودعوته # يذكر المؤرخون المسلمون أن بعث النبي العربي ودعوته هما اللذان أقاما هذه ~~الإمبراطورية، وهذا تعليل صحيح لا ريب ... فقيام النبي العربي بالدعوة إلى ~~الإسلام، وانضواء جزيرة العرب كلها إلى لوائه، ذلك هو الذي دفع العرب إلى ما ~~وراء حدودهم، وجعلهم يغنمون العراق والشام ويغزون الإمبراطوريتين ms002 الرومية ~~والفارسية، لكن التاريخ يحدثنا بأن دعوة النبي العربي حوربت في آخر حياته، وبعد ~~وفاته، بأشد مما حوربت أول بعثه وفي مستهل دعوته. كان قومه من قريش هم الذين ~~خاصموه وقاوموه في السنوات الأولى من بعثه ودعوته، وقد تغلب عليهم بالصبر ~~والثبات، فلما نفد صبره وخاف على الذين اتبعوه هاجر إلى يثرب، ثم حارب خصومه ~~حتى دان شبه الجزيرة لدعوته. # فلما انتشر الإسلام في ربوع البلاد العربية كلها نشأت دعوة تقاومه، لم تلبث ~~أن تمخضت عن حركة الردة التي استفحلت في عهد أبي بكر. ولقد تردد غير واحد من ~~كبار الصحابة بادئ الرأي في مجاراة الصديق حين دعا لمحاربة المرتدين، فلو أن ~~الدعوة إلى الإعفاء من الزكاة استفحلت لاستفحلت معها فكرة الردة، ولخيف على ~~الدين الناشئ ألا يستقر في النفوس، فلا يكون الإيمان به قويا إلى الحد الذي ~~يقيم إمبراطورية عظيمة. # فلما انتصر أبو بكر في حروب الردة، وجمع شبه الجزيرة تحت لواء واحد، وأقر ~~وحدتها السياسية إلى جانب وحدتها الدينية، آن للعرب أن يندفعوا لغزو العراق ~~وغزو الشام، وكان هذا أول التمهيد للفتح وللإمبراطورية. # ولم يكن هذا التمهيد مأمون العاقبة، فقد انقضت خلافة أبي بكر، وانقضت سنة أو ~~نحوها من خلافة عمر بن الخطاب، والعرب مقيمون على تخوم العراق وعلى تخوم الشام، ~~يتخطون هذه التخوم حينا، ويردون عنها أحيانا. ولو أن القوة التي وقفت أمامهم ~~كان في مقدورها أن تصمد لهم لتغير وجه التاريخ. # ويذهب بعضهم إلى أن الأمر لو أسند إلى خليفة غير عمر، لتغير وجه التاريخ ~~كذلك، لكن قوة الروم وقوة الفرس تضعضعت أمام سياسة عمر وبأس الغزاة، فاندفع ~~هؤلاء يتخطون العراق إلى فارس، ويتخطون الشام إلى مصر، ولا يحاولون أن يكرهوا ~~الناس من أهل هذه البلاد حتى يكونوا مسلمين. # ريح الثورة # وانقضت خلافة عمر، وانقضى الشطر الأول من خلافة عثمان، ثم بدأت ريح الثورة ~~تهب في أرجاء الإمبراطورية الناشئة؛ في مصر، وفي العراق، وتنتهي إلى قتل ~~الخليفة الشيخ عثمان بن عفان. فلما وقع هذا الحادث الأليم ms003 انطفأ لهب الثورة ~~حينا، ليندلع بعد ذلك أشد ما يكون أوارا، فتكون الحرب الداخلية بين علي ~~ومعاوية؛ أي بين بني هاشم وبني أمية، وتظل أجزاء الإمبراطورية في الشام والعراق ~~ومصر، وفي شبه الجزيرة نفسها، في اضطراب أيما اضطراب. # أين كان الروم، وأين كان الفرس إذ ذاك، وكيف بقيت الإمبراطورية الإسلامية بعد ~~ذلك ثابتة القواعد وطيدة الأركان، فلم يفكر قياصرة بيزنطة، ولا فكر وارثو ~~الأكاسرة في مهاجمتها وتقويض أركانها؟! # لم يقف الأمر عند عجز الروم والفرس دون انتهاز هذه الحروب الداخلية التي شتتت ~~العرب شيعا وأحزابا، بل انتهت هذه الحروب بفوز بني أمية بالملك، ثم قيامهم ~~بعد ذلك بتنظيم الإمبراطورية من جديد، وكأن لم تقع حرب أهلية، وكأن مصر والشام ~~والعراق وفارس قد أصبح أهلهم عربا متعاونين على تقوية هذه الإمبراطورية وتدعيم ~~بنائها. ثم امتدت الإمبراطورية بعد ذلك، واشتملت على أمم وولايات لم تدخل ~~حظيرتها في عهد عمر ولا في عهد عثمان. # وشبت الثورة بعد ذلك بين الأمويين والعباسيين، وانتهت بظفر الآخرين بالملك، ~~ثم لم تجن الحروب الداخلية على الإمبراطورية، بل ازدادت هذه الإمبراطورية قوة ~~حتى آن لعوامل الانحلال أن تتسرب إليها. # انقضت بين التمهيد للإمبراطورية وبدء انحلالها قرون عدة، نشر أبناء ~~الإمبراطورية أثناءها حضارة جديدة، أظلت العالم ووجهت مصائره، ثم استجنت بعد ~~انحلال الإمبراطورية منتظرة أن تبعث من جديد. ~~(2) رسالة الحرية والمساواة # كيف استقرت الإمبراطورية كل هذه القرون؟ ... وما بالها لم تهب عليها ريح الفناء ~~التي هبت على إمبراطورية الإسكندر وعلى إمبراطورية المغول؟ ليس تفصيل هذه الأسباب ~~مستطاعا في مثل موقفي هذا، لكني أستطيع أن أجمل هذه الأسباب في سبب واحد؛ ذلك أن ~~العرب لم يندفعوا إلى الغزو، تحركهم مطامع مادية صرفة، بل اندفعوا إليه مؤمنين بأن ~~القدر ألقى عليهم رسالة وأوجب عليهم تبليغها للناس كافة لخير الإنسانية في مشارق ~~الأرض ومغاربها. وهذا الإيمان هو الذي أقام الإمبراطورية، وهو الذي أبقاها ما بقيت ~~من القرون. فلما اضمحل هذا الإيمان بدأ الانحلال يدب في أرجاء الإمبراطورية، يمزقها ~~وينتهي بها إلى مثل ms004 ما انتهت إليه الإمبراطورية البيزنطية والإمبراطورية ~~الفارسية. # لم تكن هذه الرسالة، التي آمن العرب بأن القدر ألقى عليهم تبليغها للناس، شيئا ~~آخر غير رسالة الحرية والإخاء والمساواة في أسمى صورة يدركها العقل لمعاني الحرية ~~والإخاء والمساواة؛ فإله الناس إله واحد، والناس متساوون أمام هذا الإله الواحد، لا ~~فرق بين عربي ولا عجمي إلا بالتقوى، وهم إخوة في هذه المساواة، يشد بعضهم أزر بعض، ~~وهم مع هذا الإخاء وهذه المساواة أحرار لا سلطان عليهم لغير الله. أما وهذه المبادئ ~~مقدسة، فكل نظام يوضع للجماعة يجب أن يقوم على أساسها، فلا يكون لخليفة المسلمين ~~وأمير المؤمنين امتياز على أحد من رعاياه، بل إن عليه لواجبا أن يخدم هذه المبادئ ~~المقدسة أو يكون قد خالف ما أمر الله به. # المبادئ السامية سر القوة # انتشرت هذه المبادئ في شبه جزيرة العرب لعهد النبي العربي، فحطمت في النفس ~~العربية تقاليدها البالية التي أورثتها إياها عبادة الأصنام، وردت إليها هذه ~~الحرية الروحية العزيزة على نفس العربي، فاندفع إلى الشام وإلى العراق مؤمنا ~~بها. وهناك - على ضفاف دجلة والفرات، وعلى ضفاف بردي، وبين جبال لبنان الرفيعة ~~- لقي العرب نظاما اجتماعيا ونظاما سياسيا بلغا من الهرم والانحلال ~~مبلغا صرف الناس عن التحمس لهما والدفاع عنهما؛ لذلك لم تحرك فرق الجند من ~~الفرس ومن الروم فكرة تدافع عنها في قتالها العرب. # بل كانت هذه القوات تذهب طوعا لأمر السادة الحاكمين، وقل أن حفزت الطاعة ~~للحاكم، وحدها، إلى تضحية وإن قلت! ما بالك والجندي يسير إلى ميدان القتال ~~ليضحي بحياته، وليترك من بعده أهله وأبناءه بين أيم تندبه، ويتيم يتلفت يمنة ~~ويسرة فلا يجد ما هو في أشد الحاجة إليه من حنان ورحمة! # فلما استقر المسلمون في البلاد التي فتحوها، أقروا هذه المبادئ السامية بين ~~أهلها، وجعلوا التسامح الديني أساس حكمهم حيثما نزلوا، فلم يكرهوا أحدا من ~~أهل البلاد المفتوحة على الإسلام، وأباحوا للناس من ألوان الحرية ما كان ~~معروفا في ذلك العهد، والحرية العقلية، وحرية القول، في مقدمة ما ms005 أباحوا. ~~واحترموا شعائر الجميع وعقائدهم، وجعلوا العدل بين المسلم وغير المسلم أساس ~~الحكم. # فلما رأى الناس ذلك، ورأوا المسلمين أنفسهم يستمتعون من ألوان الحرية العقلية ~~والحرية العامة بما لم يكن له وجود من قبل في بلاد الروم ولا بلاد العرب، كان ~~ذلك داعيا لهم إلى الدخول في الدين الجديد، والتمتع بما قرره من مبادئ الحرية ~~والإخاء والمساواة. # وقد كان للحرية العقلية ولحرية الرأي من القدسية ما يشهد به اجتهاد المشترعين ~~والفقهاء في القرون الأولى، وما يدل عليه ما نقل من كتب الفلسفة اليونانية وما ~~أخذ به المفكرون والفلاسفة الإسلاميون من مبادئ هذه الفلسفة اليونانية وما ~~أضافوه إليها من عندهم. ~~(3) أسباب التدهور # ظلت الإمبراطورية الإسلامية قائمة قوية ما جعلت هذه الرسالة الإنسانية السامية ~~غايتها. ولقد كانت موشكة أن تنشئ على أساس من هذه الرسالة، دولة عالمية تنتظم أمم ~~ذلك العهد جميعا، لكن دورة الفلك دارت، فإذا الحرية انقلبت جمودا، وإذا الإخاء ~~والمساواة يذبلان أمام سلطان الباطشين من الحكام المستبدين. # عند ذلك بدأ تدهور الإمبراطورية وانحلالها. # ولم يكن ذلك عجبا والحياة الإنسانية فكرة ورسالة، وليست أداة يوجهها من شاء إلى ~~ما شاء. والحياة الإنسانية القائمة على الفكرة مثمرة دائما، موجهة أبناءها ~~جميعا إلى ألوان من النشاط تزيدها قوة، وتدفع إليها كل يوم حيوية جديدة. # فإذا انطفأ نور الفكرة لم يبق للرسالة وجود، وآن لهذه الحياة الإنسانية أن ~~يتوارى كل ما فيها من ضياء، فلا يبقى منها إلا المظهر المادي، أو المظهر الحيواني ~~للوجود. # ولا قيام لإمبراطورية على أساس من المادة ولا من المظهر الحيواني؛ ولذلك انحلت ~~الإمبراطورية الإسلامية، لأن الرسالة التي آمن بها المسلمون الأولون توارت وراء ~~الحجب. # أفقدر لها أن تبعث من جديد؟ ذلك ما أعتقده، وعلمه عند ربي. # الفصل الثاني # | نظام الحكم في الإسلام # (1) نظام الحكم # الكلام في نظام الحكم في أمة من الأمم لا يقف عند الفكرة العامة من الحكم، فردي ~~هو أم نيابي، ملكي أم جمهوري، ديمقراطي أم ديكتاتوري، بل هو يتناول أمورا كثيرة ~~تتصل بالفكرة العامة للحكم ms006 من قريب أو بعيد، يتناول النظام الاقتصادي، والنظام ~~الخلقي، والنظام الاجتماعي، وألوانا أخرى من النظم خاصة بالسلم والحرب، بالدين ~~والعلم، وبغير ذلك من تفاصيل لا يتم تصور نظام الحكم إلا بتصورها كاملة في حال ~~حركتها، وفي حال استقرارها. # فإنجلترا ديمقراطية، وأمريكا ديمقراطية، لكن صورة الحكم في إنجلترا تختلف عنها في ~~أمريكا؛ إنجلترا ملكية وأمريكا جمهورية، إنجلترا برلمانية النظم وأمريكا نيابية ~~النظم، العلاقات بين الحكومة المركزية والحكومات المحلية في إنجلترا غير العلاقات ~~بين الحكومة المركزية في أمريكا وحكومات الولايات، القيم الخلقية ليست واحدة في ~~الدولتين، وهذا التباين طبيعي مرجعه إلى تاريخ الأمة، وإلى الأطوار التي مرت بها، ~~والأحداث التي تعاقبت عليها. # وتستطيع أن تقول مثل ذلك عن الدولة الواحدة في أطوار حياتها المختلفة، فالفكرة ~~العامة في النظام الإنجليزي اليوم هي بعينها الفكرة العامة في هذا النظام منذ قرون، ~~لكن ما أكبر الفرق بين آثار النظام الإنجليزي اليوم وآثاره في العهد الفكتوري! وما ~~أكبر الفرق بين آثاره في العهدين وآثاره في القرن الثامن عشر! ولا شبهة أن هذا ~~النظام سيتطور بعد حين تطورا عظيما مع بقاء فكرته العامة قائمة، وسيكون التطور ~~أكثر وضوحا في نواحيه الاقتصادية والاجتماعية. # أطوار شتى # وهذا الكلام عن تطور صورة الحكم يصدق كل الصدق على النظام الإسلامي، فالفكرة ~~العامة في هذا النظام واحدة، لكن آثار هذه الفكرة تطورت على القرون أطوارا ~~شتى، وبدت في صور اختلفت باختلاف البيئة التي حلت بها، والأحداث التي وقعت ~~أثناءها، والثورات التي كانت الإمبراطورية الإسلامية في العصور المختلفة ~~مسرحها، فإذا أردنا أن نصور نظام الحكم في الإسلام تصويرا يقربه من أذهان أهل ~~هذا الجيل، وجب علينا أن نقف وقفات سريعة عند طائفة من هذه الأطوار، ولعل ~~وقفاتنا هذه تجلو لنا صورة تتمشى فيها الوحدة المستمدة من الحياة الإسلامية، ~~وإن غشيت هذه الوحدة في كثير من الأحيان مظاهر تجعل من المتعذر محاولة إثباتها ~~بمقارنة الحكم الإسلامي في عهد الخلفاء الراشدين وفي عهد آل عثمان ~~مثلا. # ويجب أن تكون وقفتنا الأولى عند عهد النبي - عليه ms007 السلام - وخلفائه الأولين. ~~وأول ما يلاحظ أن العهد المكي من حياة رسول الله لم يتعرض للدولة، ولم يجعلها ~~غرضا من أغراضه، فقد اقتصرت السور المكية على الدعوة إلى التوحيد وإلى الإيمان ~~بالله وملائكته ورسله واليوم الآخر، وإلى السمو بالنفس الإنسانية عن الانخداع ~~بالدنيا ومتاعها الغرور، لتكون بهذا السمو أقرب إلى الله وأدنى إلى رحمته. أما ~~العهد المدني، فقد تقررت فيه القواعد الأساسية لحياة الأسرة وللميراث وللتجارة ~~وللبيع، ولكثير مما فصله الفقهاء من بعد تطبيقا لهذه القواعد الأساسية، ~~واستنباطا من حياة الجماعة التي كانوا يعيشون فيها. # على أن هذه القواعد الأساسية لشئون حياتنا الاجتماعية والاقتصادية والخلقية، ~~لم تتناول أي تفصيل في الأساس الذي تقوم عليه الدولة، ولم تتعرض لنظام الحكم ~~تعرضا مباشرا. والآيتان الكريمتان: # وشاورهم في ~~الأمر ~~، # وأمرهم شورى ~~بينهم # لم تنزلا في مناسبات تتصل بنظام الحكم، وهما بعد لا ~~تصوران نظام الحكم تفصيليا. # فهل يؤثر الإسلام النظام الجمهوري على النظام الملكي؟ لقد بويع الخلفاء ~~الراشدون في العهد الأول للإسلام على قاعدة من الشورى ليست هي الانتخاب ~~المباشر، وليس بينها وبين النظام البرلماني أو النظام النيابي شبه واضح. وأنت ~~تستطيع مع ذلك أن ترى في بيعة الخليفة بعد تشاور أهل الرأي ما يجعله أدنى إلى ~~رئيس جمهورية منه إلى ملك. أما الدول الأموية والعباسية وما تلاهما، فقد قامت ~~على أساس ملكي لا يمت للمعنى الجمهوري بصلة أو نسب. أفنقول مع ذلك بأن أحد ~~النظامين إسلامي والآخر غير إسلامي؟ من العسير أن نقرر ذلك بعد أن انعقد إجماع ~~المسلمين خلال القرون على خلافه. # هذا، ثم إن فكرة الحكم لم تكن مفصلة القواعد في عهد النبي بعد الهجرة إلى ~~المدينة، وهو # صلى الله عليه وسلم # لم يغير شيئا من النظام العربي في الحكم على ما ~~بينه في الأساس الذي كان يقوم عليه في قبائل البادية، وفي حضر الحجاز ~~واليمن من تباين واضح، فقد ترك الرسول هذه الشئون يوجهها الناس في كل أمة كما ~~اعتادوا أن يوجهوها، مكتفيا منهم بأن يقبلوا الدين الذي جاء ms008 به من عند ~~الله. # وكان إذا سئل في شيء من ذلك أجاب: أنتم أعلم بأمور دنياكم. فلما استقر سلطان ~~المسلمين بالمدينة، وآل الأمر فيها إلى النبي العربي، لم يغير صورة الحكم ~~عما كانت عليه، وكل ما حدث أن ما كان ينزل به الوحي من قواعد تخالف ما ألف ~~العرب في حياتهم، كان يوجه المسلمين وجهتهم الجديدة في الحياة، دون أن يغير ~~المبدأ الأساسي للحكم العربي. # كان هذا الحكم العربي يختلف من البادية إلى الحضر، ومن حضر الشمال إلى حضر ~~الجنوب. وكان اختلافه يرجع إلى اعتبارات إقليمية، وتاريخية، تأثرت بها كل بيئة ~~تأثرا يختلف عما حدث في بيئة أخرى. # كانت مدن الحجاز تستقل كل واحدة منها بنفسها، ولا تعرف لغيرها سلطانا عليها، ~~كذلك كان شأن مكة وشأن المدينة، وشأن الطائف. كان بكل واحدة من هذه المدن ~~استقلالها ونظامها، وكان الحكم فيها متأثرا بالعوامل التاريخية التي تعاقبت ~~عليها، فكانت السلطة في المدينة مثلا موضوع تنازع دائم بين الأوس والخزرج ~~واليهود. # وظل الأمر على ذلك إلى أن استقرت كلمة الإسلام، وعاد الأمر إلى النبي العربي. ~~أما مكة، فقد تقاسمت الأسر الكبيرة فيها شئونها العامة: كانت أمور الكعبة لبني ~~هاشم، وكانت أمور الحرب لبني مخزوم، وكانت الديات والمغارم لبني تيم، وهلم ~~جرا. ولم يتغير الأمر بمكة بعد فتح النبي إياها، بل ظلت الكلمة فيها لهذه ~~الأسر الكبيرة. # وكان الخلاف في مبدأ الحكم بين شمال شبه الجزيرة وجنوبها أشد منه بين مدن ~~الحجاز، كانت اليمن قد اندمجت في وحدة سياسية، قبل البعث بزمن غير قليل. وترجع ~~وحدة اليمن السياسية إلى اعتبارات اقتصادية وأخرى تاريخية واضحة الأثر، فلم تكن ~~بين مدن الحجاز روابط اقتصادية تقتضي خضوعها لنظام مشترك كنظام اليمن، أما في ~~اليمن، فقد قضت المصالح الاقتصادية المشتركة - كقيام سد مأرب - بأن توضع قواعد ~~عامة للحكم يحترمها أهل البيئة جميعا. هذا، ثم إن اليمن خضعت في عهود كثيرة ~~لأطوار سياسية لم يعرفها الحجاز، عدت الحبشة، وعدت فارس، على استقلال اليمن، ~~وأقامت فيها حاكما تخضع جميع أنحائها ms009 لسلطانه. كان طبيعيا إزاء هذه ~~الاعتبارات أن يقوم الحكم في أنحاء اليمن كلها على قاعدة معترف بها من أهلها ~~جميعا، ينفذها الحاكم بقوة القانون إن لم ينفذها الناس عن رضا واختيار. # ونظام القبائل في البادية لم يكن يتفق ونظام الحضر في اليمن أو في الحجاز، بل ~~كان الغزو والسلب تحت إمرة رئيس القبيلة أساس الحياة عند البدو. وكان رئيس ~~القبيلة هو القاضي، وهو القائد الأعلى، وهو الذي يصرف شئون القبيلة ما جل ~~منها وما دق. وطبيعي أن يستند مثل هذا النظام إلى شخصية رئيس القبيلة وأن ~~يتأثر بمنطقه وحكمته. ~~(2) المبادئ الأساسية في الحكم # لم يغير النبي العربي شيئا من هذه النظم المتباينة في الحجاز ولم يضع قواعد ~~ثابتة لنظام الحكم الإسلامي، وكل الذي صنعه أنه كان يوفد من عنده إلى القبائل أو ~~المدن التي تعتنق الإسلام من يفقه الناس في دينهم، ويعلمهم قواعده، ويحملهم بذلك ~~على أن ينظموا سلوكهم على موجب هذه القواعد. # على أن القواعد الجديدة التي جاء بها الإسلام لتنظيم السلوك والمعاملات كانت ~~مقدمة لتنظيم سياسي لا مفر من استقراره، وقد اطمأنت قواعده بالفعل شيئا فشيئا، ~~متأثرة بالبيئة وأحداث التاريخ. وفي مقدمة القواعد التي تأثر بها النظام السياسي ~~للإسلام الإيمان بالله لا إله إلا هو، وبأنه وحده تجب له العبادة. فقد أدى هذا ~~الإيمان إلى تقرير قواعد المساواة والإخاء والحرية، فالمؤمنون جميعا سواسية أمام ~~الله، تجري عليهم جميعا سننه بالقسط لا تفرق بين أحدهم وصاحبه، ولا فضل لعربي منهم ~~على عجمي إلا بالتقوى. وهم لذلك إنما يجزون بأعمالهم، إن خيرا فخير، وإن شرا ~~فشر. والناس إخوان يجب أن تقوم المحبة بينهم مقام البأس، بل مقام القانون، فلا يكمل ~~إيمان أحدهم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، والناس أحرار في كل شيء، أحرار في العقيدة ~~نفسها، فلا إكراه في الدين، ولا إيمان إلا بعد اقتناع بالحجة والموعظة ~~الحسنة. # كانت هذه هي المبادئ الأساسية للحكم في العهد الإسلامي الأول، وكانت لذلك واضحة ~~الأثر في تطور نظام الحكم في بلاد العرب ms010 تطورا، بدا للعيان على أثر حروب الردة. ~~وقد أكملت القواعد الاقتصادية والاجتماعية هذه المبادئ، وأسرعت بالنظام الإسلامي ~~إلى أن تتضح صورته، وأن يستقر، على أن تطوره ظل متصلا على العصور، لم يقتصر تأثره ~~على العامل الإسلامي الذي نشير الآن إليه، بل تأثر أحيانا بالبيئة وأحداث التاريخ ~~تأثرا بعيدا عن القواعد الإسلامية، بل مناقضا لهذه القواعد في بعض الأحيان ~~مناقضة صريحة. # وقد بدأت هذه العوامل الأجنبية يتضح أثرها منذ العهد الأول للإسلام، وكانت أولى ~~المظاهر التي بدت بهذه العوامل الأجنبية ما كان من قتل أبي لؤلؤة، غلام المغيرة، ~~عمر بن الخطاب الخليفة الثاني، ثم ما كان من مؤامرة انتهت إلى قتل الخليفة الثالث ~~عثمان بن عفان، وما حدث بعد ذلك من ثورة شبت نارها وتلظت الحرب بسببها بين علي ~~ومعاوية، فأبو لؤلؤة فارسي، وكانت مصر ذات يد في المؤامرة على عثمان، وكانت الشام ~~تؤيد عليا. هذه العوامل الخارجية الآتية من فارس ومصر والشام هي التي نقلت النظام ~~الإسلامي من الخلافة وإمارة المؤمنين إلى الملك الذي توارثه بنو أمية، فبنو العباس، ~~فمن جاء بعدهم من الملوك في أقطار العالم الإسلامي المختلفة. # وهذه العوامل الخارجية هي التي رسمت الإطار الخارجي لصورة الحكم الإسلامي منذ ~~العهد الأول، فبعد أن كان هذا الإطار عربيا صرفا في عهد النبي، وفي عهد أبي بكر، ~~وبعد أن كانت البساطة العربية تطبعه، حمل الفتح الإسلامي عمر بن الخطاب على إنشاء ~~الديوان، ثم أدى امتداد الفتح إلى تنظيم الحكومة الإسلامية في حدود الدين الجديد، ~~على مثال الحكومات القائمة في بلاد فارس وفي بلاد الروم. # وكان لهذا التطور الأول أثره في الحياة العامة، وإن لم يبعد بها عن الصورة ~~العربية إلى مثل ما حدث من بعد في العهد العباسي والعهود التي تلته. وظل هذا التطور ~~يتصل من بعد ذلك على الأجيال، وظل الفقهاء يستنبطون القواعد والأحكام من الكتاب ~~والسنة والإجماع، فيعاونون التطور بعلمهم ليبلغ غاية مداه. ~~(3) تطور نظام الحكم # لم يضع النبي العربي نظاما مفصلا للحكومة الإسلامية، على أن ما جاء ms011 به من عند ~~الله تنظيما لقواعد السلوك والمعاملات كان مقدمة لتنظيم سياسي لا مفر من استقراره. ~~وقد بدأ هذا التنظيم السياسي تطوره البطيء من عهد النبي، ثم كان تطوره أكثر وضوحا ~~عقب حروب الردة. فلما اتسعت رقعة الفتح الإسلامي بدأت العوامل الخارجية تحدث أثرها ~~في هذا التطور. وكان أثر هذه العوامل بعيدا عن القواعد الإسلامية أحيانا، مناقضا ~~لها كل المناقضة أحيانا أخرى. # وكانت النظم القائمة في الروم وفي فارس هي التي تأثر بها نظام الحكم الإسلامي منذ ~~أنشأ عمر الديوان، ثم ازداد تأثرا بها في عهد عثمان. فلما قامت الدولة الأموية، ~~واتخذت دمشق مقرا لها، كان طبيعيا أن تزداد هذه العوامل أثرا في تصوير الإطار ~~الخارجي لنظام الحكم، على أن الروح العربية ظلت سائدة إلى حد كبير في عهد بني أمية؛ ~~لأن الذين كانوا يضطلعون بأعباء الحكم ومناصب الدولة الكبرى كانوا من العرب. فلما ~~انتقل الأمر إلى العباسيين، بدأ الأثر الخارجي يبدو أكثر وضوحا؛ لأن الفرس كانوا ~~أصحاب نفوذ كبير في شئون الدولة. # هذا، ثم إن العهد العباسي امتاز بنقل الفلسفة اليونانية إلى اللغة العربية؛ لذا ~~بدأت نظريات هذه الفلسفة تعمل عملها في تطوير الحياة العامة للدولة الإسلامية. صحيح ~~أن الفقهاء والمحدثين، ومن إليهم، عنوا في ذلك العهد باستنباط القواعد والأحكام من ~~الكتاب والسنة، أو مهدوا بذلك لوضع التشريع الإسلامي، لكن كثيرين من هؤلاء الفقهاء ~~والمحدثين، وكثيرين من الكتاب والمفكرين، كانوا من غير العرب، فكان طبيعيا أن ~~تؤثر وراثتهم العقلية في أحكامهم وفي منطقهم. ثم إن النظام الذي كان قائما في ~~فارس، وفي بلاد الروم يجعل لولي الأمر سلطانا مطلقا، فكان من أثر ذلك أن تطورت ~~الفكرة الأساسية في الحكم إلى النقيض لما كانت عليه في أول العهد الإسلامي. ثم كان ~~من أثره أن شاعت فكرة هذا الحكم المطلق متنقلة من أمير المؤمنين إلى الحكام ~~والولاة، وإلى من دونهم من سائر من يتولون منصبا من مناصب الدولة ذا أثر في ~~توجيه حياة الناس ومنافعهم. # فكرتان # لما بويع أبو بكر بالخلافة ms012 خطب الناس فقال: # لقد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني ~~... أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم. # وهذا كلام صريح في أن الخليفة وكيل عن الأمة، وأن للأمة وهي ~~الأصيل أن تراقبه وأن تقومه، وأن تطيعه في حدود توكيله. وكان عمر بن الخطاب ~~يقول للناس: «من رأى منكم في اعوجاجا فليقومه.» فيقول له أحد الناس: «والله ~~يا عمر لو رأينا فيك اعوجاجا لقومناه بحد سيوفنا.» # أما في العهد العباسي، فكان أمير المؤمنين يخطب الناس بأنه ظل الله على ~~الأرض، وبأن الله وضع في يده مفاتيح خزائنه فيها، فإن شاء أن يفتحها فتحها، وإن ~~شاء أن يغلقها أغلقها. وكانت نظرية الحق الإلهي أو الحق المقدس للملوك نظرية ~~معترفا بها منذ العهد العباسي، كما اعترف بها بعد ذلك في أمم أوروبا المسيحية. ~~وأنت ترى من ذلك مبلغ التناقض بين الفكرتين: الفكرة العربية كما فهمها أبو بكر ~~وعمر، وهي التي تتفق مع ما نزل في القرآن على محمد # إنما أنا بشر مثلكم # والفكرة التي أخذ بها ملوك بني ~~العباس من أنهم يستمدون سلطانهم من الله لا من الناس، وأنهم محاسبون أمام ~~الله، غير محاسبين أمام الناس. # ليس عسيرا تفسير هذا الفارق ~~بين الفكرتين، فأبو بكر وعمر وعثمان كانوا أولياء على قومهم باختيار قومهم ~~ومبايعتهم إياهم، أما الملوك الذين جلسوا على عرش المملكة الإسلامية فكانوا ~~يرون أنهم تسنموا هذه العروش بحق الفتح، أولئك إذن ولاهم الشعب فهم وكلاؤه، ~~وهؤلاء غلبوا الشعب على أمره، وتسلطوا بقوة البأس على رقابه، فهم سادته وحكامه. ~~وأهل الرأي الذين بايعوا أولئك كانوا من العرب الذين نزل الدين على رجل منهم ~~فهم سواسية، وأهل الرأي ممن حول هؤلاء كانوا حاشية وبطانة يقولون لصاحب السلطان ~~سمعنا وأطعنا، فهم تبع. وطبيعي أن يكون الشعب بعدهم تبعا لهم، بذلك تطورت ~~الفكرة العامة لنظام الحكم الإسلامي من تلك البيعة الحرة عن طواعية ورضا إلى ~~هذا السلطان المطلق الذي أظل العالم الإسلامي خلال العصور منذ العهد ~~الأموي. ms013 # أثر التطور في مبادئ الإسلام # هل أثر هذا التطور في الفكرة العامة للحكم على المبادئ التي جاء بها الإسلام ~~لتكون أساس حضارة العالم؟ ذلك أمر لا ريب فيه؛ خذ الرق مثلا، كان الرق شائعا ~~قبل الإسلام شيوعا فاحشا، فلما جاء الإسلام حد منه، وجعل الرقيق أسير الحرب ~~الذي لا يفتدى، أو لا يقبل فيه فداء. ومع ذلك فتح باب العتق على مصراعيه، وجعل ~~فك الرقبة مما يتقرب به المرء إلى الله، ثم جعل الرقيق في مقام كريم، على أن ~~التطور الذي حدث في أمر الحكم رد شئون الرقيق إلى مثل ما كان عليه قبل الإسلام ~~أو ما يقرب من ذلك، فأصبح الرقيق تجارة رائجة، ولم يقف الرق عند أسرى الحرب، بل ~~تعدى ذلك إلى خطف الغلمان والفتيات، واعتبر هذا الخطف غزوا. # ليس الرقيق إلا مثلا نسوقه ~~للدلالة على الأثر الذي أدى إليه تطور الفكرة العامة للحكم في أمر المبادئ ~~السامية التي جاء بها الإسلام لتكون أساسا لحضارة العالم. ولو أننا أردنا أن ~~نتقصى هذا الأثر في حياة الجماعة، لما وسعنا هذا المقام. لكنا نقرر أنه تناول ~~الأسرة ونظامها، وتناول الحرية العامة في مختلف صورها، وتناول الوجود الإنساني ~~كله. لم تتقرر للمرأة حقوق في حضارة العالم ما قرره لها الإسلام، جعل للنساء ~~مثل الذي عليهن بالمعروف، وجعل للرجال عليهن درجة مقابل ما ألقي على الرجال من ~~أعباء أعفي النساء منها. المرأة المسلمة حرة حرية الرجل، حرة في ذاتها، حرة في ~~معاملاتها، يجب لها من احترام الرجل مثل ما يجب للرجل من احترامها. لا يملك ~~الرجل من أمرها إلا ما يوحيه هذا الاحترام وهذه الحرية، في حدود مصلحة الأسرة ~~ومصلحة الجماعة. # ومع ذلك لم يلبث هذا التطور الذي أحدثته العوامل الخارجية في الحياة ~~الإسلامية أن ردها إلى ما يقرب من مكانها عند الرومان وعند الفرس، ضرب عليها ~~الحجاب، وحرمت أقدس حق لها؛ حرمت حريتها في المتاع الشريف بالحياة. بذلك ~~انقلبت نظرة الرجل إليها فسقطت عنها كرامة الإنسان، وصارت متاعا للرجل يلهو به ms014 ~~ويتحكم فيه تحكم السيد في الرقيق، وتحكم أمير المؤمنين في رعيته. صارت المودة ~~والرحمة اللتان ورد ذكرهما في القرآن على أنهما أساس الصلة بين الرجل والمرأة، ~~تفضلا من الرجل على أحد الضعيفين: المرأة والرقيق. ووجد الفقهاء فيما وضع من ~~الأحاديث سندا يؤيدون به هذا التطور الذي جنى على الأسرة وعلى الأبناء وعلى ~~سعادة الأمة الإسلامية وتقدمها. # الحكم المطلق # ثم ماذا؟! ... ثم نشأ عن هذا التطور ما كان أبعد أثرا في حياة العالم الإسلامي ~~كله، هذا الحكم المطلق الذي جعل لأمير المؤمنين ما كان لإمبراطور الروم ولعاهل ~~الفرس من سلطان غير محدود، أغرى كل حاكم في ولاية إسلامية بأن ينتقض على أمير ~~المؤمنين كلما استطاع أن ينتقض عليه، ليكون له بذلك حقوق أمير المؤمنين في هذا ~~السلطان المطلق. # فإذا استطاع أمير المؤمنين من بعد أن ينكل بمنافسه وأن يقضي عليه فبها، وإلا ~~تنافس ذوو السلطان وأذاقوا الأمة ألوانا من التضحية لمجدهم الذاتي لا لمجد ~~الأمة، ولا لمجد الإسلام. بذلك عم الانتقاض أنحاء العالم الإسلامي، وبدأ ~~التدهور الذي انتهى إليه هذا التطور. # وكان من أثر هذا التدهور أن ~~زالت فكرة الإمبراطورية الروحية التي تربط المسلمين جميعا بآصرة التقوى ~~والإيمان بالله وحده، وإنكار الخضوع لغير الله، فصارت الإمبراطورية الإسلامية ~~في طور الإمبراطوريات المتداعية الركن المهيضة الجناح. وكيف لأمة أو ~~لإمبراطورية أن تقاوم التدهور والانحلال، إذا غاص ماء الحياة من مثلها ~~الأعلى وأصبحت لا تعرف التضامن ولا تعرف الاعتصام بحبل الله، بل صارت إلى مثل ~~مصير الحيوان، لا هم له إلا أن يلتمس كل فرد من أفرادها الرزق لنفسه، والقضاء ~~على أخيه. # وأنت ترى هذه الظاهرات كلها واضحة، إذا تتبعت تاريخ الأمم الإسلامية منذ ~~منتصف العهد العباسي، بل إنك لترى مقدماتها تستشري في كيان الأمة قبل ذلك ومنذ ~~بداية العهد الأموي، بل منذ قتل أبو لؤلؤة عمر، ومنذ انتهت المؤامرة التي دبرت ~~بقتل عثمان. صحيح أن هذه المقدمات لم يبد أثرها إلا بعد قرنين أو ثلاثة قرون ~~من قيام الإسلام، لكنها مع ذلك هي ms015 المقدمات التي أنتجت ما نلمسه من أثر في حياة ~~الأمم الإسلامية منذ منتصف العهد العباسي. # التنافس والتطاحن # وأنت تتلو في القرآن: # إنما المؤمنون إخوة ~~فأصلحوا بين أخويكم # وتتلو: # واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ~~، # ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم # وتتلو في الحديث: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا.» مع ذلك ترى في ~~تاريخ الأمم الإسلامية منذ مئات السنين من أسباب التنافس - بل التطاحن - ما لا ~~يتفق في شيء مع هذه المعاني السامية، كم من أمير أو ملك في أمة إسلامية تحالف ~~مع الصليبين أو مع التتار ليكون وإياهم ألبا على غيره من ملوك المسلمين ~~وأمرائهم! # وأنت ترى القرآن الكريم يفرض على الذين آتاهم الله من فضله أن يؤتوا الزكاة ~~وأن يؤدوا الصدقات إلى أهلها، ويقرر في أموال ذوي المال حقا معلوما للسائل ~~والمحروم، ويقيم بذلك مزاجا بين الفردية التي تحفز العامل للسعي وكسب الرزق، ~~وبين الاشتراكية التي تكفل للجماعة الطمأنينة والاستقرار بسد عوز المعوز وحاجة ~~المحتاج. ومع ذلك نرى عصور التدهور التي أشرنا إليها تشهد من آثار الأنانية ~~ومظاهر الأثرة ما يناقض هذه المثل العليا كل المناقضة. # وأنت ترى في القرآن الكريم من معاني التعاون ما لا تشهد له أثرا في العهود ~~المتأخرة إلا بقدر ما يستدر به الرجل عطف ذوي السلطان عليه، فإن رأى ذوو ~~السلطان في تشييد المساجد ما يتقربون به إلى الله، تقرب الناس إليهم بتشييد ~~المساجد، وإن رأى ذوو السلطان الانصراف إلى اللهو، تنافس الناس في محاكاتهم ~~وتقليدهم، بذلك صغرت النفوس، وضعفت القلوب، وهانت الكرامة الإنسانية، وأصبح أمر ~~الناس مظاهرة لا تنطوي على حقيقة، ولا مأرب لهم منها إلا إرضاءهم لأنانيتهم ~~وإشباعهم لغرورهم. # أثر الحضارة الغربية # ظل الأمر كذلك حتى بدأت الحضارة الغربية تظل العالم بنفوذها، وتوقظ الراقدين ~~من سباتهم، وكان ذلك منذ النصف الأخير للقرن الثامن عشر المسيحي. ومن يومئذ ~~بدأت الأمم الإسلامية تفيق شيئا فشيئا، وينظر حكماؤها ومفكروها فيما آل إليه ~~أمرها، أحق أنها هوت إلى المنحدر الذي هوت إليه بسبب عقائدها، أم بسبب ms016 نظام ~~الحكم فيها؟ وهل يرجع هذا النظام إلى أصل من الدين، فلا سبيل إلى الخروج عليه ~~إلا بالخروج على الدين؟ وهل هذه الحضارة الغربية بدعة منكرة في نظر الإسلام، أم ~~أن ما فيها من خير يقره الإسلام ولا ينكره؟ # هذه أمور تناولها أولئك الحكماء والمفكرون بالبحث والنظر، وفيما كانوا ينظرون ~~كان غزو الحضارة الجديدة يسير بأسرع من تفكيرهم ومن نظرهم، وكانت نظم الحكم ~~الغربية تنتقل مع هذا الغزو إلى الأمم الإسلامية المختلفة. وكان من المسلمين من ~~يقول إن هذه النظم التي كفلت سبق الأمم إلى مضمار الحضارة هي وحدها التي تتفق ~~مع روح الإسلام وتوائم تعاليمه. # على أن أحدا من فقهاء المسلمين في العصر الحديث لم يتجه نظره إلى تصوير ~~الفكرة الإسلامية في الحكم تصويرا كاملا، وتطبيق هذا التصوير على الأمم ~~الإسلامية في هذا الزمن الذي نعيش فيه، ولم يتجه أحدهم ليقيم مذهبا كاملا بين ~~الحدود والتفاصيل، يضع كل شأن من شئون الجماعة في المكان الواجب له من نظام ~~الحكم في الإطار الإسلامي الصحيح. قام جماعة من علماء الغرب بتصوير الاشتراكية ~~المسيحية، ولست أعرف أحدا قام بتصوير الاشتراكية الإسلامية في مذهب كامل. هذا، ~~والتفكير الإسلامي القديم غني بالمادة التي تكفي لإقامة هذا المذهب الكامل في ~~هذا الموضوع كغناها بالمادة التي تكفي لإقامة مذهب كامل لنظام الحكم على الأساس ~~الإسلامي في صفاء جوهره. # أفأستطيع أن أصور هذا النظام الإسلامي في الحكم بما يتفق وما عليه العالم في ~~هذا العصر، ذلك ما سوف يكون بيانه في الصفحات التالية. ~~(4) الإسلام ومبادئ الحضارة الإنسانية # سبق أن أشرنا إلى أن الإسلام لم يضع للحكم نظاما مفصلا، ولكنه وضع قواعد للسلوك ~~في الحياة وللمعاملات بين الناس، كانت مقدمة لنظام للحكم تطور على الزمان، وتأثر ~~أثناء تطوره بعوامل إسلامية وأخرى خارجية، تباينت ومبادئ الإسلام في بعض الأحيان ~~أشد التباين. وهذا الوضع الشاذ هو الذي أدى إلى تدهور الأمم الإسلامية بعد قرون ~~معدودة من انتشار الحضارة الإسلامية في ربوع كثيرة من العالم. # ولئن لم يضع الإسلام للحكم نظاما ms017 مفصلا، فقد وضع مبادئ أساسية لحضارة الإنسانية ~~من شأنها أن تتطور على الزمان ما تطور علم الإنسان وفنه وتفكيره. والأساس الإسلامي ~~للحضارة الإنسانية روحي ، يدعو إلى حسن إدراك الإنسان صلته بالوجود ومكانه منه، وإلى ~~البلوغ بهذا الإدراك حد الإيمان، وعلى هذا الأساس الروحي، يجب أن ينظم الإنسان ~~سلوكه في الحياة على مبادئ الأخوة والمحبة والبر والتقوى، وعلى أساس هذه المبادئ ~~يجب أن ينظم الحياة الاقتصادية للجماعة الإنسانية. # عقيدة التوحيد # كيف نستخلص من هذه المبادئ التي وضعها الإسلام أساسا للحضارة، ما يمكن أن ~~يكون نظاما للحكم صالحا لتحقيق أغراضها؟ نستخلص هذا النظام من تاريخ الإسلام ~~نفسه، ونستخلصه كذلك من تاريخ الأمم المختلفة على تباين العصور، فقد ثبت أن ~~اختلاف العقيدة الأساسية كان دائما موضع قلق في الأمة الواحدة، لهذا دعا ~~الإسلام إلى وحدة العقيدة على أساس بسيط كل البساطة، يسيغه العقل الإنساني في ~~مختلف الأمم وفي مختلف الأزمان. يقول تعالى: # إن الله ~~لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن ~~يشاء # وأنت ترى التوحيد عقيدة يؤمن الناس بها في مختلف أقطار ~~الأرض، وعلى اختلاف أديانهم ومذاهبهم، اليهود موحدون في أساس عقيدتهم، ومنهم ~~موحدون جهرة. وفي كثير من الأديان المعروفة في آسيا تعلو فكرة التوحيد على كل ~~فكرة أخرى، أنت تراها في البوذية، وفي غير البوذية من الأديان. ولا عجب أن يكون ~~ذلك، وفكرة التوحيد من البساطة والوضوح بما يدعو إليها كل عقل وكل جنان. # ثبات سنة الكون # هذا هو المبدأ الأول للحضارة الإسلامية، والمبدأ الثاني هو ثبات سنة الكون ~~وعدم تعرضها للتغير. وقد وردت في هذا المعنى آيات كثيرة، تنص على أنك لن تجد ~~لسنة الله تبديلا، ولن تجد لسنته تحويلا. وقد انتهى العلم في عصرنا إلى تقرير ~~هذا المبدأ في أمر الأحياء وغير الأحياء على السواء، وفي أمر الجماعات وأمر ~~الأفراد كذلك. ومن خير ما وقعت عليه في هذا المعنى ما ذكره الفيلسوف الفرنسي ~~«هيبوليت تين» من أننا لو استطعنا أن نبلغ من طريق العلم معرفة شئون الأحياء ms018 ~~بالدقة التي نعرف بها شئون غير الأحياء، لاستطعنا أن نعرف مصائر الأفراد والأمم ~~بالدقة التي نعرف بها مواقيت كسوف الشمس وخسوف القمر، ولأتيح لنا يومئذ أن نقرر ~~على نحو علمي ثابت مصير الإنسانية بعد قرون وقرون. # المساواة بين الناس # وحدانية الله وثبات سنته في الكون يقتضيان المساواة بين الناس أمام الله ~~وخضوعهم على السواء لسنته جل شأنه، وهذه المساواة هي المبدأ الثالث من مبادئ ~~الحضارة الإسلامية، وعلى أساسها أقام العرب صلاتهم بغيرهم من الأمم التي اتصل ~~الغزو بينها وبينهم في العهد الأول، فالمؤمن أخ المؤمن، يتساوى معه في الحق ~~والواجبات، لا فرق بين عربي وعجمي. ومع ذلك لم يفرض الإسلام على الناس بالسيف، ~~بل بقيت حرية الاعتقاد وحرية الرأي مطلقة من كل قيد. بذلك طبقت الآيتان ~~الكريمتان: # لا إكراه في الدين # و # ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة ~~الحسنة # تطبيقا صادقا. # وغاية ما فرض على الذين لم يعتنقوا الإسلام، أن يدفعوا الجزية ليكونوا في ~~حماية المسلمين يتولون دون سواهم القيام بأعباء الحرب، والدفاع عن كيان الدولة ~~وذمارها، على أن عمر بن الخطاب لم يأب على من اطمأن إلى ولائهم حين الحرب ~~واشتراكهم فيها في صفوفه، أن يعفوا من الجزية وأن يتساووا مع المسلمين في ~~الأعباء العامة. # عقيدة التوحيد، وثبات سنة الكون، والمساواة بين المؤمنين مساواة قائمة على ~~الإخاء أكثر من قيامها على التنافس، مبادئ إسلامية مقررة، يشترك فيها الرجل ~~والمرأة اشتراك مساواة تامة، فقد وجه القرآن الكريم الحديث للرجال والنساء في ~~كل أمر من الأمور، وجعل على الجنسين واجبات متساوية. وهذه المساواة سبق بها ~~الإسلام الشرائع الحديثة، وهي تعتبر بعض قواعد الحضارة الإنسانية كما صورها ~~الإسلام، ويجب لذلك أن تكون من أسس النظام الإسلامي للحكم، يقررها التشريع ~~وتجري على موجبها قواعد الخلق. وإذا كان الأمر فيها قد تغير بعد قليل من العهد ~~الإسلامي الأول، فإنما مرجع ذلك إلى العوامل التي ناقضت القواعد الإسلامية، ~~والتي أشرنا إليها من قبل. # هذه المبادئ وما يتصل بها من ~~قواعد الخلق تعتبر في نظر الإسلام ms019 واجبات وثيقة الاتصال بإيمان الإنسان بالله. ~~وإذا كانت حضارة عصرنا الحاضر تعتبر الكثير منها حقوقا للإنسان، له حرية ~~التمتع بها ما شاء، فإن الإسلام يراها فروضا واجبة لا يصح للإنسان أن ينزل ~~عنها أو يتهاون فيها. هي حقوق له إزاء أمثاله، وواجبات عليه إزاء بارئه جل ~~شأنه، هو خلقه ليستمتع بها، واستمتاعه الصحيح بها عبادة الله. فإذا هو نزل عنها ~~أو قصر فيها كان مسئولا أمام الله في هذه الدنيا، وكان مسئولا أمامه في ~~الآخرة. # وهذه المسئولية هي أساس الجزاء. والجزاء الأوفى عند الله هو الذي يجعل المسلم ~~يسمو بالقيم الخلقية سموا كبيرا أنه لا يخاف جزاء الشارع عنها في هذه ~~الحياة، لكنه مع ذلك غير ناج من جزاء الله المطلع على خافية الأنفس وما تخفي ~~الصدور. من ثم كانت الأقدار الخلقية جليلة المقام في الحياة الإنسانية لدى ~~الجماعة الإسلامية. ولذلك من غير ريب أثره البالغ في حياة الجماعة وفي نظامها ~~وفي الحكم وآثاره. # والإسلام يقر التملك والأسرة والميراث ويقررها، ويرى بعضهم لذلك أنه يتفق في ~~اتجاهه الاقتصادي مع المذهب الفردي، وهذا خطأ، فالإسلام حين يقرر التملك ~~والأسرة والميراث، يجعل في مال ذي المال حقا معلوما للسائل والمحروم، ويجعل ~~فرضا على الجماعة أن تكفل للفرد حياته. ومن الخطأ الظن بأنه لذلك يتفق في ~~اتجاهه الاقتصادي مع المذهب الاشتراكي، إنما الإسلام مزاج من المذهبين، يزاوج ~~بينهما في ظل قواعد الخلق المتصلة بالإيمان ذلك الاتصال الوثيق الذي أشرنا ~~إليه. # نظرية الواجب # يجعل الإسلام فرضا على الجماعة أن تكفل للفرد حياته، وهذه الكفالة تبدأ من ~~يوم ولد، وتظل إلى يوم يموت. وهي لا تقف في حدود القوت لمن لا يجد القوت، بل ~~هي تتناول كل حاجات الفرد الإنسانية على اختلاف صورها، فمنذ عهد النبي كان تعلم ~~الناس وتفقههم في دينهم بعض واجبات الجماعة للفرد. وظل الأمر كذلك في مختلف ~~العهود حتى في عهود الانحلال والتدهور، فحيثما أقيم مسجد للعبادة أقيمت معه ~~مدارس يتعلم فيها أبناء المسلمين فتية وفتيات، واعتبر ذلك واجبا لا محيد ms020 عنه، ~~وأمر الصحة كأمر التعليم، كانت تقام المستشفيات إلى جوار المساجد، وعلى مقربة ~~منها - وكان الناس جميعا يؤمونها - لأن الصحة العامة كانت بعض واجبات الدولة ~~للأفراد، كما كانت بعض واجبات الأفراد على أنفسهم لله. # نظرية الواجب هذه أساسية في النظام الإسلامي، وهي مستمدة من مسئولية الإنسان ~~أمام الله أولا وقبل كل شيء. الإنسان مسئول أمام الله عن كل أعماله، كبيرها ~~وصغيرها، دقيقها وجليلها، مسئول عن نواياه مسئوليته عن أعماله، فالنوايا مظاهر ~~نفسية يطلع الله عليها، كما أن الأعمال مظاهر مادية يطلع الله ويطلع الناس ~~عليها. والجماعة الإنسانية مسئولة أمام الله كمسئولية الفرد سواء بسواء، عليها ~~واجبات للفرد وواجبات لنفسها، إن قصرت في أدائها لقيت جزاءها من الله كما يلقى ~~الفرد جزاءه من قضائه، والقائمون بأمر الجماعة هم الذين تقع هذه المسئولية على ~~عاتقهم أولا وبالذات. # وتقرير نظرية الواجب على هذا النحو يجعل ما نسميه في التفكير الحديث حقوقا، ~~بعض هذا الواجب علينا أفرادا وجماعات، ولهذا لا نملك النزول عنه، فالحرية ~~العقلية واجب؛ لأننا إذا نزلنا عنها ضللنا طريق الهدى إلى الله وعجزنا عن معرفة ~~سنته في الكون. والدفاع عن حرية الغير واجب؛ لأن الاعتداء عليها منكر، ورسول ~~الله يقول: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يقدر فبلسانه، فإن لم ~~يقدر فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان.» وحب الغير واجب؛ لأن المرء لا يكمل إيمانه ~~حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وفعل الخير واجب القادر عليه لأنه المظهر الأول ~~لحب الغير، وتضامن الجماعة واجب لأنه الكفيل بحريتنا في أداء واجباتنا وإبراء ~~ذمتنا منها أمام الله وأمام الناس، وهو الكفيل لذلك بسعادة الفرد والجماعة في ~~الدنيا والآخرة. ~~••• # حسبي ما قدمت من مبادئ جوهرية قررها الإسلام أساسا للحضارة الإنسانية، فليس ~~يتسع المقام لسرد سائر المبادئ، وهو لا يتسع لتفصيل الفكرة في أي من المبادئ ~~التي قدمت. وهذا الذي قدمت يرسم أمام النظر إطارا عاما للفكرة الإسلامية في ~~الحياة ونظامها. # ونظام الحكم في الإسلام هو النظام الذي تتحقق في ظلاله الفكرة العامة، كما ~~تتحقق ms021 المبادئ التي تقوم عليها الحضارة الإنسانية في تطورها الدائم نحو ~~الكمال. ~~(5) الحكومة الإسلامية والتشريع # وقد رأينا نظام الحكومة الإسلامية اختلفت صورته، فهو في عهد الخلفاء الراشدين ~~غيره في عهد بني أمية، وهو في هذين العهدين غيره في عهد بني العباس. ومن غير ~~الميسور أن نختار نظاما من هذه النظم فندعو للعودة إليه، فنظام الحكم لا يتأثر ~~بالمبادئ وحدها، بل يتأثر كذلك بالبيئة التي يقوم فيها، وبالأحداث التي تمر بهذه ~~البيئة، وبالتطور الفكري والعلمي الذي ينتهي الناس إليه. # وقد تأثر نظام الحكم في الممالك الإسلامية بهذه العوامل تأثرا بينا، ناقض بعض ~~المبادئ التي أشرنا إليها في هذا الحديث مناقضة ظاهرة، فليس طبيعيا أن نسمي هذا ~~النظام نظاما إسلاميا سليما، وليس طبيعيا كذلك أن نعود بنظام الحكم الإسلامي ~~إلى الفكرة العربية الأولى. # فالتطور الذي مر به العالم خلال القرون الثلاثة عشر الأخيرة يجعل هذا العود غير ~~مستطاع، لكن هذا ليس معناه أن نظام الحكم الإسلامي لا يستطاع تطبيقه في عصرنا ~~الحاضر، وإنما معناه أننا يجب أن نجعل هذا النظام قائما في حدود تفكيرنا، محققا ~~في نفس الوقت للفكرة العامة وللمبادئ التي وضعها الإسلام أساسا للحضارة الإنسانية ~~لا يحيد عنها ولا يجري على نقيضها. # ولن يعترض أحد بأن مراعاة التطور الفكري والعلمي الذي انتهى الناس إليه والملاءمة ~~بينه وبين النظام الإسلامي للحكم فيه ما يخالف المبادئ الإسلامية، ما دام النظام ~~الذي يقوم تكون غايته تحقيق هذه المبادئ، وما دام النظام نفسه يقوم في حدود هذه ~~المبادئ. # خذ مبدأ المساواة مثلا، أشرنا إلى أن مبادئ الإسلام الأساسية لقيام الحضارة ~~الإنسانية تفرض تساوي الناس جميعا أمام الله، وانطباق سنته - جل شأنه - في الكون ~~على الجميع على السواء. هذا المبدأ يجعل للناس جميعا حقا ثابتا في الاشتراك في ~~الحكم عن طريق الشورى، ويجعل الحاكم والمحكوم متساويين أمام القانون وأمام ما أمر ~~الله به وما نهى عنه. وذلك قول أبي بكر حين بويع بالخلافة: «أطيعوني ما أطعت الله ~~فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم.» فكل نظام ms022 تراعى فيه هذه المساواة، وتكون ~~وسيلته الشورى نظام إسلامي، سواء أكان هذا النظام من نوع خلافة الراشدين، أم من نوع ~~إمارة المؤمنين على عهد الأمويين، أم من نوع آخر تتحقق به هذه المساواة. # ومثل آخر نسوقه، وفيه من الدلالة على مراعاة التطور ما يشهد بأن النظام الإسلامي ~~لا يقف في سبيل كل تطور تمليه مصلحة الجماعة، ما دام متفقا مع مبادئ الإسلام ~~العامة، فالأسرة هي الحجر الأول في بناء الجماعة الإسلامية كما قدمنا، لكن الأسرة ~~الإسلامية تقوم على أساس المودة والرحمة، ولا تقوم على أساس جامد من الإكراه الذي ~~يشقى به الناس، فإذا خيف الشقاق بين الشريكين اللذين يكونانها - الزوج والزوجة - ~~وجب العمل على إزالة هذا الشقاق، فإن أمكنت إزالته فذاك، وإلا افترق الزوجان على ما ~~في ذلك من مضرة هي دون مضرة الحياة القائمة على أساس من الشقاق، ولهما أن يتراجعا ~~ليعيدا للأسرة كيانها. وفرقة الزوجين هي الطلاق، والطلاق مرتان، فإمساك بمعروف أو ~~تسريح بإحسان، وذلك لتيسير المراجعة. # ومع ذلك، رأى عمر بن الخطاب أن الناس أسرفوا في الطلاق الثلاث دفعة واحدة، فأجازه ~~واعتبره عقوبة لهم على تسرعهم وعلى خروجهم على أمر كان لهم فيه أناة، وظل الأمر في ~~شأن الطلاق على رأي عمر قرونا كثيرة، وها نحن أولاء نعود إلى ما كان الأمر عليه في ~~حياة رسول الله، وفي حياة أبي بكر، فلا يقع الطلاق ثلاثا إلا واحدة ليتراجع ~~الزوجان وتستقر الأسرة. # والأمر في تعدد الزوجات كالأمر في الطلاق، تطور من التقييد الذي جاء في القرآن ~~إلى الإطلاق من القيد في عهد التدهور والانحلال، وهو الآن يعود إلى ما يتفق والمبدأ ~~الذي أقره الإسلام دون حاجة إلى تشريع خاص، وهو وحدة الزوجة إلا لحاجة ماسة. # وأود قبل أن أختم هذا الحديث، أن أذكر أن نظام الحكم لا يقصد به التفاصيل التي ~~يراها بعضهم كل شيء، إنما يقصد بنظام الحكم في الإسلام تحقيق الفكرة السامية ~~والمثل الأعلى والمبادئ العامة التي أرادها الإسلام أساسا للحضارة، فإذا حقق ~~النظام هذا الغرض، ms023 وإن تجاوزته بعض التفاصيل، كان النظام الإسلامي القدير على ~~التطور مع تقدم الإنسانية في تفكيرها وعلمها وفنها. وإن هو وقف عند التفاصيل دون ~~تحقيق الغرض الأسمى، كان نظاما جامدا متداعيا كالنظم التي قامت في عهود ~~الانحلال. # وبعد بذلك عن أن يكون نظام الحكم في الإسلام كما أراده صاحب الوحي للإسلام أن ~~يكون. # والواقع أن نظام الحكم شيء، والتشريع والقانون شيء آخر، نظام الحكم هو الإطار ~~العام الجدير بالثبات والاستقرار لتحقيق الأغراض الإنسانية السامية، فلا تعتريه ~~الغير إلا إذا عجز عن تحقيق هذه الأغراض، أو كان إدخال التعديل عليه كفيلا بأن ~~يجعله أدنى إلى تحقيقها. أما التشريع والقانون فيتطوران في حدود هذا النظام المستقر ~~على أنهما أداة الحركة والنشاط. والنظام الإسلامي الذي أردنا في هذا الحديث أن ~~نصوره هو النظام الذي تتحقق بقيامه المبادئ الإسلامية والمستمد من الإيمان الحق ~~بالله، وبثبات سنته في الكون ثباتا ندركه بعقولنا الحرة وتفكيرنا المتصل، وأن ~~نتعاون فيما بيننا على أن يحب أحدنا لأخيه ما يحب لنفسه، وأن يؤدي الفرد واجبه لله ~~وللجماعة، وأن تؤدي الجماعة واجبها لله وللأفراد جميعا. # الجزء الثاني # | الاشتراكية والديمقراطية في الإسلام # الفصل الأول # | الاشتراكية الإسلامية # (1) وجهة الاشتراكية الإسلامية # لم يطبق النظام الاشتراكي في الحياة الاقتصادية لأمة بأسرها إلا في هذا العهد ~~الحديث، وذلك منذ أصبحت الشيوعية النظام الأساسي لروسيا السوفيتية. والشيوعية صورة ~~من صور الاشتراكية الكثيرة المتباينة، وهي أكثر هذه الصور تطرفا وأشدها إمعانا في ~~إنكار الملكية الفردية. وهذه الشيوعية تناقض المبادئ الإسلامية كل المناقضة، فهي ~~تنكر الملك والميراث والأسرة، والملك والميراث والأسرة نظم جوهرية في الحياة ~~الإسلامية. هذا التباين، بل هذا التناقض الصريح بين الإسلام والشيوعية، يقتضينا ~~ونحن نبحث في الاشتراكية الإسلامية أن ندع الشيوعية جانبا، وأن ننظر فيما عداها من ~~صور الاشتراكية حتى نرى أوجه الاتفاق وأوجه الخلاف بين هذه الصور والاشتراكية ~~الإسلامية. # ويجمل بنا قبل أن نواجه هذا البحث أن نذكر أن الفكرة الاشتراكية التي نشأت منذ ~~ألوف من السنين، إنما نشأت صيحة ألم لما بين الناس من ms024 التفاوت في حظهم المادي ~~من الحياة، وأنها كانت ترمي دائما إلى محو هذا التفاوت حتى تقضي على نتائجه ~~الاجتماعية، وفي طليعتها التباغض والحسد والنضال المستتر حينا، الواضح حينا آخر، ~~وحتى تزيل ما يشعر به المحرومون من ألم الحرمان. # ولقد طالما تحدث العلماء والكتاب الاشتراكيون عن هذا التفاوت في حظوظ الناس، ~~ونسبوه إلى فساد النظم التي تقوم الجماعات الإنسانية عليها. وليس يحدثنا التاريخ ~~الذي نعرفه عما كان قبل أفلاطون من صور الاشتراكية، ولذلك ألف كثيرون أن ينعتوا ~~أفلاطون «أبا الاشتراكية» ومن يومئذ إلى يومنا الحاضر لم يفتأ الاشتراكيون يتحدثون ~~في هذا التفاوت في وسائل إزالته، ويقيمون من المذاهب ويقترحون من النظم ما يرونه ~~كفيلا بتحقيق الغاية التي يرمون إليها. # والأكثرون من العلماء والكتاب ينظرون إلى المسألة من ناحيتها الاقتصادية ~~البحتة. والأمر كذلك في عهدنا الحديث بنوع خاص. ولا ريب في ذلك، والنظام الاجتماعي ~~في هذا العهد يقوم على أساس اقتصادي صرف، وعلاقات الناس بعضهم ببعض، وعلاقات الأمم ~~بعضها ببعض، تخضع خضوعا تاما لما بينها من صلات اقتصادية، بل لا عجب في ذلك وقد ~~أقام كثير من الفلاسفة قواعد الخلق على أساس اقتصادي، وقد نادى كثيرون بأن تاريخ ~~الإنسانية لا تفسير له إلا في نظمها الاقتصادية، وأن حضارات العالم في الأزمان ~~المختلفة إنما تكيفت بتطور نظم العالم الاقتصادية. لا مفر لمن يجعل هذه الناحية ~~وجهة نظره للحياة، ثم يكون من دعاة الاشتراكية، أن يجعل غاية همه في الدعوة إلى ~~إزالة ما بين الناس من التفاوت المادي، ليرتفع الظلم عن عاتق الأكثرين، ولتكون ~~الكثرة من الناس أكثر بالحياة سعادة، وعنها رضا. # ولقد أثبت تعاقب القرون أن إزالة هذا التفاوت أمر غير مستطاع، وأن إقامة ~~الاشتراكية على أساس من المساواة بين الناس في حظوظهم المادية، لا يزيل الظلم الذي ~~يذكرونه، فمقدرة الناس على العمل في الحياة تتفاوت، ومتاعهم بنعم الحياة يتباين؛ ~~ففيهم القوي والضعيف، وفيهم الصحيح والمريض، وفيهم المتهالك على لذائذ العيش ومن ~~يرى الزهد فيها لذة تفوق كل لذة، ولا سبيل إلى التسوية ms025 بين هؤلاء جميعا، وعلى أساس ~~يرضى الجميع عنه. # الديمقراطية الحقة # ثم إنك لا تستطيع أن تنكر على الفرد ذاتيته، ولا تطمع في أن تصل من الجماعة ~~إلى العدل المطلق، لا بد إذن من مزاج يحقق خير الجماعة وحرية الفرد في ظل العدل ~~الإنساني. وتحقيق هذا المزاج يجب أن تراعى فيه ذاتية الفرد وكيان الجماعة لا من ~~الناحية المادية وحدها بل من النواحي الإنسانية المختلفة، ومن بينها الفطرة ~~والعاطفة والهوية، ومن بينها الغرائز الاجتماعية التي تقيم الأسرة، وتقيم ~~المدنية، وتقيم الجماعة الإنسانية بوجه عام. # وهذا المزاج هو ما قصد إليه الإسلام، فهو لم ينكر ذاتية الفرد، ولم ينكر حقه ~~في التملك، ولم يغفل الغرائز المختلفة التي تحركه في الحياة، لكنه قدر إلى جانب ~~ذلك أن الجماعة يجب ألا تبلغ من حماية الذاتية الفردية حدا يزيد القوي قوة ~~والضعيف ضعفا، ويكون لذلك سببا في تداعي الجوانب السامية في نفس الإنسان، ~~جوانب الإيثار والمحبة، وما إليها من عواطف أصيلة في النفس هي قوام الأسرة وهي ~~قوام الجمعية كلها. وتحقيق هذا المزاج هو الأساس الأول للاشتراكية الإسلامية. ~~وهذا الأساس يقوم على مبادئ تكفل رفع الظلم الذي يشكو الناس منه، والذي أدى منذ ~~أقدم العصور إلى التفكير في الاشتراكية ومحاولة تنظيمها لتكون صالحة للحياة ~~العملية في الجماعات. # ولم ينكر غير الشيوعيين مثل هذا المزاج، فكثير من المبادئ الاشتراكية لا تنكر ~~الملكية الفردية إنكارا مطلقا، ولا تنكر الأسرة ولا التوارث. وبعض هذه ~~المذاهب يقر الملكية الصغيرة في الزراعة والصناعة والتجارة، وإن أنكر الملكية ~~الكبيرة فيها جميعا. ومنها من يدعو إلى الاشتراك المطلق في مواد الإنتاج، ويقر ~~الفردية في التمتع بثمرات هذا الإنتاج. ومنها كذلك ما يجعل العمل أساس توزيع ~~الثمرات، يتخذ العمل بديلا من رأس المال الذي يقوم النظام الفردي على ~~أساسه. # هذا التعدد في صور الاشتراكية، هو الدليل على أن الإنسانية تحاول منذ القدم ~~أن تهتدي إلى نظام يزيل الإجحاف الناشئ عما بين الناس من تفاوت في حظوظهم ~~المادية. ولم تذهب هذه المحاولات عبثا، فلم ms026 يستقر النظام الفردي بصورة مطلقة ~~في الحياة الاجتماعية إلا في فترات وجيزة. وأنت ترى اليوم صورا من الاشتراكية ~~تجاور النظم الفردية في الحياة الاقتصادية للأمم كلها. وما تقرر من حقوق مشتركة ~~للجميع، كالتعليم والصحة والتعاون وما إليها، ليست إلا بعض هذه الصور تقررها ~~الجماعات للخير العام من ناحية، وإقرارا لمبادئ العدل بين الأفراد من الناحية ~~الأخرى. # وهذا التجاور بين النظم الفردية والنظم الاشتراكية في الجمعية الواحدة أمر ~~طبيعي، بل هو وحده الطبيعي، فالجماعة الإنسانية - على أي أساس أقمتها - لا يمكن ~~أن تنهض إلى الكمال الواجب عليها، إلا إذا كفلت للفرد حريته في النشاط الذاتي، ~~وحقه في المتاع العادل بثمرات هذا النشاط، ثم حالت في نفس الوقت بينه وبين ~~الضغط على نشاط غيره، وبينه وبين ما لغيره من حق في ثمرات نشاطه والمتاع بها، ~~بذلك يكفل تضامن الجهود في توجيهها لخير الجميع. # والمبادئ الإسلامية في التنظيم الاجتماعي تحقق هذا كله، فهي تقر الملك ~~والأسرة والميراث كما قدمنا، وتعتبرها نظما أساسية في الحياة الاجتماعية. ~~لكنها تقدر ما في قيام الملكية الكبيرة واستمرارها من خطر الطغيان من جانب ~~الأغنياء، والشعور بالظلم الناشئ عن تفاوت الحظوظ المادية من جانب الفقراء؛ ~~لذلك عملت للحيلولة دون قيام الملكية الكبيرة على أساس غير المجهود الذاتي، ~~ولبلوغ هذه الغاية حرم القرآن الكريم الربا، وجعل نظام الميراث وسيلة فعالة ~~لتجزئة الملكية الكبيرة. وفي تجزئتها، وفي تسهيل انتقال أجزائها من فرد إلى ~~فرد، ومن أسرة إلى أسرة، ما يزيل الخوف من ألم النفوس لتفاوت الأرزاق تفاوتا ~~ظالما. # لم يكتف الإسلام بهذه القيود التي فرضها على الملكية وثمراتها وطريقة ~~توزيعها، بل جعل على أصحابها حقوقا لبيت مال المسلمين يؤدونها زكاة عن أموالهم ~~وصدقة تطهرهم، وجعل للفقراء الذين حرموا السعة في الرزق، وللمحتاجين الذين ~~ثقلت عليهم الحياة حقوقا في بيت مال المسلمين مقررة بقوله تعالى: # إنما الصدقات للفقراء والمساكين ~~والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب ~~والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من ~~الله والله عليم حكيم # والحديث المأثور عن النبي - عليه ms027 ~~السلام - أنه قال: «أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها على فقرائكم» يتفق ~~تمام الاتفاق وأحكام الآية السابقة من القرآن، على أن الإسلام لا يريد أن يكون ~~هذا الاشتراك في مال الأغنياء - مما جعله حقا للفقراء - أمرا تشريعيا ينزل ~~المشرع حكمه طائعا أو كارها، بل أراده أمرا تعبديا يجب أن يتصل بالإيمان ~~اتصال الصلاة والصوم وسائر الفروض. وذلك قوله تعالى: # ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق ~~والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر ~~والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على ~~حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن ~~السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى ~~الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين ~~في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين ~~صدقوا وأولئك هم المتقون ~~. # الاشتراكية الإسلامية يجب أن تقوم بالنفس على أنها من فرائض الإيمان، وهذا ~~الإيمان نفسه له في قيام الاشتراكية أثر بالغ. ~~(2) أسس الاشتراكية الإسلامية # الاشتراكية الإسلامية تناقض الشيوعية وتحاربها، فهي - على خلاف الشيوعية - تعتبر ~~الملك والأسرة والميراث نظما أساسية في الحياة الاجتماعية، لكنها ترى الغنى ~~الفاحش مصدر طغيان يخشى خطره؛ لذلك عملت للحيلولة دون قيام الملكية الكبيرة على ~~أساس غير المجهود الذاتي، فحرم القرآن الكريم الربا، وجعل الميراث وسيلة فعالة ~~لتجزئة الملك، ثم فرض للفقراء حقوقا على الأغنياء، وجعل هذا كله من فرائض الإيمان، ~~فكفل بذلك للاشتراكية الإسلامية القوة والبقاء. # وأبادر، بادئ ذي بدء، بتفسير ما أقوله من أن الإسلام جعل هذه الأمور من فرائض ~~الإيمان، فإن كثيرين يسألون: لم فرض الإسلام على الناس أمورا تدخل في نظام ~~حياتهم في هذا العالم، ولم يكتف بالعبادات وما بين المرء وخالقه مما يتصل ~~بالعقيدة، ليترك ما بين الناس بعضهم وبعض، ينظمونه على مقتضى مصالحهم في العصور ~~المختلفة، والأمم المختلفة؟ # وأكرر ما سبق أن قلته غير مرة: إن القرآن الكريم لم يتناول تفصيل المسائل بل ~~مبادئها العامة، ثم ترك التفاصيل ينظمها الناس بما يحقق مصالحهم، واجتهاد المسلمين ~~في العصور المختلفة، واحترامهم جميعا للمذاهب المختلفة التي أقامها هذا الاجتهاد، ~~أقوى حجة على هذا. وما ms028 جاء به القرآن الكريم من المبادئ العامة لنظام الحياة الدنيا ~~جوهري في الإسلام لسلامة العقيدة، ولذلك كانت العقيدة السليمة والإيمان الصادق، ~~قوام هذا الدين ، وكانت مصدر النظام الروحي الذي يجب أن يقوم الخلق الحسن على أساسه. ~~وكل خروج في نظم الحياة الاجتماعية على قواعد الخلق، وعلى النظام الروحي الذي تقوم ~~عليه، جدير بأن يترك أثره السيئ في الأخلاق وفي العقائد العامة، وفي الإيمان ~~والعبادات المترتبة عليه. # يجب علي، لأزيد هذه الفكرة وضوحا، أن أذكر اتجاه الإسلام الواضح في تقرير سلطان ~~الروح في سموها إلى المثل الأعلى على الغرائز الإنسانية الجمعية في حدود الحياة، ~~وحاجاتها العاجلة. والناس جميعا - على اختلاف أديانهم ومذاهبهم - يؤمنون بهذا ~~السلطان، وإن كانوا لا يرتبون عليه كما يرتب الإسلام كل نتائجه. وهل غرضنا جميعا ~~من تربية أبنائنا وتهذيب نفوسنا إلا أن نهذب هذه الغرائز، وأن نبلغ بتهذيبها أسمى ~~المبادئ الإنسانية؟ وأكثر الأمم رقيا، وأكثرها نجاحا في تربية أبنائها، هي التي ~~تصل بهم إلى الإيمان بمبادئ الغيرية والإيثار على أنها واجب عليهم لأنفسهم، ولأبناء ~~جنسهم. وهم لذلك يقررون ما توجبه هذه المبادئ بوحي ضمائرهم، وإن لم يفرضها عليهم ~~قانون أو يلزمهم بها سلطان. # والتربية والتهذيب غرضهما الأساسي تقوية سلطان العقل والروح على الغرائز الأولية ~~التي يحركها الحرص على الاحتفاظ بالحياة، وكلما زاد سلطان العقل والروح على الغرائز ~~السليقية، ازددنا إيمانا بفكرة الواجب وإذعانا لندائه المنبعث من ضمائرنا، فإذا ~~بلغ اقتناعنا بهذه الفكرة مبلغ الإيمان، وأيقنا بأن هذا الواجب يفرضه علينا بارئ ~~الوجود، وزاد بنا اليقين فعلمنا أن هذه الحياة ليست كل شيء، وأن النتائج العاجلة ~~التي نجنيها من إطاعة غرائزنا الأولية كثيرا ما تضرنا في حاضرنا وفي مستقبلنا، كنا ~~أشد بالواجب إيمانا، ثم رتبنا على مقتضى هذا الواجب معاملتنا للناس وصلتنا ~~بهم. # وضرورة الإيمان بالواجب، وتقديمه على حاجات الحياة المادية مقررة في النفوس ~~جميعا منذ بدأ الإنسان يفكر، والجندي الذي يبذل حياته فداء لوطنه، مثل حي لهذا ~~الإيمان في كل العصور. وحينما فكر بعضهم في إقامة نظم دينية ms029 بأوروبا تساير حضارتها ~~في القرون الأخيرة، كان دين الواجب بعض ما فكر فيه «أوجست كنت»، ذلك لأن الغرائز ~~الفردية الحبيسة في حدود الحياة وحاجاتها العاجلة، تقتصر عن أن تسمو بالإنسان إلى ~~حيث أعده القدر؛ ولذا وجب أن يكون سلطان العقل والروح على هذه الغرائز الفردية ~~قويا إلى الحد الذي يكفل حياة الجماعة الإنسانية وطمأنينتها وسعادتها، وقواعد ~~الخلق هي الكفيلة بتحقيق هذه الأغراض، والإيمان بأن هذه القواعد جوهرية لبلوغ ~~الكمال في أداء الواجب هو القوة الروحية السامية التي تطمئن إليها قواعد الخلق، ~~وتدعو الناس إلى القيام بالواجب حرصا على رضا الضمير، ورضا الله. # على هذا الأساس كانت الزكاة ركنا من أركان الإسلام، وكانت الصدقة فريضة من ~~فرائضه. والزكاة لها قواعدها، والوالي ينظمها حسب مقتضيات الوقت كما تنظم الحكومات ~~الضرائب، ويقتضيها الناس بقوة الشرع وسلطانه، فإذا نكل الناس عن أدائها أكرهوا ~~عليها. وامتناع العرب عن أداء الزكاة هو الذي أدى إلى حروب الردة في عهد أبي بكر. ~~أما الصدقة ففريضة تعبدية أوجبها الإسلام على كل قادر عليها لخير من هو في حاجة ~~إليها، وجعل جزاءها عند الله كجزاء الإيمان بالله، وذلك قوله تعالى: # خذوه فغلوه * ثم الجحيم صلوه ~~* ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا ~~فاسلكوه * إنه كان لا يؤمن بالله العظيم ~~* ولا يحض على طعام المسكين # وقوله ~~جل شأنه: # الذين ينفقون أموالهم بالليل ~~والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون # وكون الصدقة فريضة صريح في ~~قوله تعالى: # إنما الصدقات للفقراء ~~والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي ~~الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة ~~من الله والله عليم حكيم # وفي قوله جل شأنه: # والذين في أموالهم حق معلوم * ~~للسائل والمحروم ~~. # والأحاديث الواردة في الصدقة متفقة مع ما جاء في كتاب الله، مستفيضة قوية غاية ~~القوة في الحض عليها. # تحديد الثروة # أما نزعة الإسلام إلى تحديد الثروة ورغبته عن الثروات الضخمة، فواضح في ~~القرآن الكريم كل الوضوح، من ذلك قوله تعالى: # إن ~~الإنسان ليطغى * أن رآه ~~استغنى ms030 # ومنه قوله: # يا أيها ~~الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ~~ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل ~~الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ~~ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم * يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى ~~بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم ~~لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون ~~. # هذه كلها ميول اشتراكية واضحة، على أن أشد ميول الاشتراكية الإسلامية اتفاقا ~~مع ما تنادي به بعض المذاهب الاشتراكية المعتدلة في عصرنا الحديث، فذلك جعله ~~العمل الأساس الأول لتوزيع الثروة واعتباره رأس المال وسيلة للعمل، وليس عنصرا ~~قائما بذاته تترتب لصاحبه ثمرات كالتي تترتب للعامل، أو لمالك الأرض وغير ~~الأرض من أدوات الإنتاج. # وهذا الاعتبار هو في رأيي السبب الجوهري لتحريم الربا، فإقراض المال وفرض ~~فائدة معينة له، بقطع النظر عن الثمرة التي يجنيها من يثمر هذا المال، وعما قد ~~ينشأ عن هذا التثمير من الخسارة، معناه اشتراك رجل لا يعمل في ثمرات العمل الذي ~~يقوم به غيره. فإذا اعتبرنا رأس المال ثمرة عمل سابق اشترك به صاحبه مع من يثمر ~~المال المقترض كانت النتيجة العادلة أن يكون المقرض والمقترض شريكين لكل من ~~الربح، وعليه من الخسارة حظ معلوم. أما أن يكون لأحد الطرفين ربح ثابت سيان ~~ربح الآخر أو خسر، وأن يسمى هذا الربح فائدة المال، فذلك ما لا يقره الإسلام ~~بحال. # ليس معنى هذا بالطبيعة أن الإسلام لا يقر قيام الشركات، فكل شركة تتألف ~~للقيام بعمل من الأعمال، ويكون للشركاء فيها حظ من الربح وعليهم حظ من الخسارة، ~~بمقدار نجاح الشركة أو مصادفتها العقبات، يتفق وما قدمنا تمام الاتفاق. ولقد ظل ~~التجار يقومون من مكة بعد الإسلام، كما كانوا يقومون قبله، فيجمعون الأموال من ~~أهلها ويتجرون فيها ثم يقسمون الأرباح بين الشركاء. وقد تطورت نظم الشركات ~~بتطور الأحوال التي مرت بها الدول الإسلامية، فنظم الفقهاء أحكامها بما هداهم ~~إليه اجتهادهم. # العمل أساس الجزاء # وكما قصد من تحريم الربا إلى أن يكون عمل العامل هو الركن الأساسي لتوزيع ~~الثروة، ms031 قصد من قواعد التوريث الإسلامي إلى الحيلولة دون قيام الملكية الكبيرة ~~واستمرارها أجيالا في يد واحدة. وقد لاحظ الذين تتبعوا انتقال الثروة في الأمم ~~الإسلامية خلال العصور، سرعة تنقلها وعدم استقرارها في يد واحدة استقرارا يغري ~~بالطغيان. وكانت هذه الملاحظة موضع تفكير من جانب الذين يظنون أن تقدم الأمم ~~رهن باستقرار الأسر العريقة وتقاليدها الصالحة، لكن هذا التفكير لا يتفق وميول ~~الإسلام الاجتماعية، ولا يتفق مع ما ينطوي عليه هذا الدين من حرص على قيام ~~المزاج الضروري من الفردية والاشتراكية لخير المجموع، ثم هو لا يتفق أخيرا مع ~~الأساس الجوهري الذي وضعه الإسلام أساسا لهذه الحياة الدنيا وللحياة الآخرة، ~~والذي تلخصه الآية الكريمة: # فمن يعمل مثقال ~~ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة ~~شرا يره ~~. # وهذا الأساس الجوهري هو ما جعلني أقرر من غير تردد أن الإسلام يشترك مع ~~المبادئ الاشتراكية المعقولة في هذا العصر الحديث، إذ يقرر أن العمل أساس ~~الجزاء، ويجب لهذه الغاية أن يكون أساس توزيع الثروة. ولا أراني بحاجة إلى ذكر ~~نصوص القرآن الكريم التي تقرر هذا المبدأ في وضوح وصراحة، فالآيات التي في معنى ~~قوله تعالى: # هل تجزون إلا ما كنتم ~~تعملون # متواترة في القرآن الكريم تواتر الآيات التي تحض على ~~الزكاة، وعلى الصدقة، وعلى الإيمان بالله. # الاشتراكية الإسلامية لا تنكر إذن ذاتية الفرد، ولذلك لا تنكر الملك ولا ~~الأسرة ولا التوارث. وهي مع ذلك تنكر التفاوت الذي يخلق الطبقات، ويقيم بينها ~~النضال، وما ينشأ عن النضال من عداوة وبغضاء. ومن ثم، جعلت العمل أساس الجزاء ~~وتوزيع الثروة، وحرمت كل وسيلة للغنى تجيز الاستيلاء على مجهود الغير. ~~(3) تطبيق الاشتراكية # في عهد النبي # صلى الله عليه وسلم # النظام الاقتصادي في الإسلام مزاج من الفردية والاشتراكية، فهو يقرر الملك ~~والأسرة والميراث، وهو يقيم طائفة من القيود والحدود تخفف من التفاوت بين الناس ~~في حظهم المادي، وهو يجعل قواعد الخلق القائمة على أركان الإيمان الإسلامي ~~أساس هذا النظام، ليكفل له القوة والبقاء. # كيف طبقت الاشتراكية الإسلامية القائمة على ms032 هذا الأساس في الصدر الأول ~~للإسلام؟ # أما في عهد رسول الله، فقد بلغ تطبيقها غاية السمو، وكان الرسول الكريم ~~الأسوة الحسنة فيها، ثم كان أصحابه مثال الإيثار على أنفسهم. وأنت إذ ترجع إلى ~~ما قبل الهجرة إلى المدينة ترى من أمثلة ذلك الشيء الكثير، فكثيرا ما افتدى ~~أبو بكر الأرقاء الذين أسلموا فعذبهم سادتهم، ثم أعتقهم بعد افتدائهم. وكذلك ~~فعل غير أبي بكر، بل لقد كاد المسلمون يعتبرون أموالهم جميعا ملكا مشتركا ~~بينهم جميعا، ولذلك أفنى أكثرهم ماله، فلم يبق له إلا القليل حين الهجرة إلى ~~المدينة. # كانت أموال خديجة أم المؤمنين طائلة، وكان رسول الله يتصرف فيها كما يشاء. ~~ولقد أنفقها جميعا على المسلمين، فلم يكن له منها حين الهجرة شيء. وكان أبو ~~بكر قد جمع من التجارة أربعين ألف درهم قبل إسلامه، ومع أنه ظل يتجر بعد أن ~~أسلم، فيجني من التجارة وافر الربح، فقد كان كل ماله يوم هاجر إلى المدينة خمسة ~~آلاف درهم. وأنفق عثمان بن عفان لخير المسلمين صدقات يخطئها العد. # ولما قاطعت قريش رسول الله وأصحابه، وأكرهتهم على أن يقيموا بشعاب الجبل ثلاث ~~سنوات متعاقبة لا يتصلون بسائر أهل مكة في تجارة، كان الفقراء يأكلون من مال ~~ذوي اليسار، لا يحاسبهم أحد، وذوو اليسار هؤلاء مطمئنون إلى أن الله سيجزيهم عن ~~بذلهم لإخوانهم أوفى الجزاء. # فلما هاجر المسلمون إلى المدينة، وبدأ رسول الله يعلن إلى أهلها تعاليم ~~الإسلام، كان الإخاء الإسلامي حجر الأساس في دعوته إلى الدين الجديد والحضارة ~~الجديدة. وكان هذا هو الدليل على أن تعاليم مكة لم يدع إليها اضطهاد المشركين ~~للذين أسلموا، ولذلك لم يكن الاضطهاد سبب ما رأيت من إخاء وبذل واشتراكية، فلقد ~~ظلت تعاليم محمد بمكة قائمة على الأساس الذي نادى به منذ اليوم الأول، أساس ~~الإخاء الصادق، فلا يكمل إيمان المرء حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وحتى يصل به ~~هذا الإخاء إلى غاية البر والرحمة من غير ضعف ولا استكانة. # سأل رجل من أهل المدينة محمدا: «أي ms033 الإسلام خير؟» فأجابه: «تطعم الطعام ~~وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف.» وكان رسول الله يرى الفقر فخره، ويرى ~~في ادخار المال ما لا يتفق ومقامه من الرسالة. # كان عنده أول ما اشتد به المرض الذي أعقبته وفاته سبعة دنانير، خاف أن يقبضه ~~الله إليه وما تزال باقية عنده، فأمر أهله أن يتصدقوا بها، لكن اشتغالهم بمرضه ~~أنساهم تنفيذ أمره، وسأل عنها قبيل وفاته، فلما ذكرت عائشة أنها ما تزال عندهم، ~~طلب إليها أن تحضرها ووضعها في كفه، وقال: «ما ظن محمد بربه لو لقي الله وعنده ~~هذه.» ثم تصدق بها على فقراء المسلمين. # ولما تمت هجرة المسلمين من أهل مكة إلى المدينة، فانصرف تفكير الرسول إلى ~~تنظيم صفوف المسلمين وتوكيد وحدتهم، كان أول ما صنعه أن دعا المهاجرين والأنصار ~~جميعا ليتآخوا في الله أخوين أخوين، ثم جعل لهذا الإخاء حكم إخاء الدم والنسب. ~~ولقد أبدى الأنصار في هذا الموقف من حسن الإيمان ما جعلهم يعرضون على المهاجرين ~~أن يشاركوهم أموالهم، لكن المهاجرين أبوا أن يعيشوا كلا على إخوانهم، ثم ~~كانوا يجدون في الجهد للعيش من الطمأنينة لأنفسهم ولعقيدتهم ما لم يكونوا ~~يجدونه بمكة. # فأما الذين لم يجدوا عملا، أو لم يكونوا يستطيعونه، فأولئك أفرد لهم الرسول ~~مكانا مسقوفا بالمسجد هو صفته يبيتون به ويأوون إليه، ولذلك سموا أهل ~~الصفة، وجعل لهم رزقا من مال المسلمين الذين آتاهم الله رزقا حسنا. وهذا ~~بعض الاشتراكية الإسلامية، وهو يتفق مع ما يقع اليوم حين حدوث بطالة بين العمال ~~في الأمم المتمدينة. # وقبل أن أنتقل إلى تطبيق الاشتراكية الإسلامية في عهد أبي بكر أذكر ما حدث ~~حين قسمة النبي في «حنين»، فقد كان الخمس من الفيء والغنائم يرد إلى رسول ~~الله بحكم القرآن. على أن رسول الله رأى في أعقاب حنين أن يتألف خصومه من أهل ~~الطائف وغيرهم بأن يرد إليهم ما غنمه المسلمون منهم. # وأخذ هؤلاء المؤلفة قلوبهم من الفيء شيئا غير قليل، فخشي المسلمون أن تنقص ~~قسمتهم من الفيء إن ms034 أفشى محمد هذه الأعطيات، لذلك ألحوا في أن يأخذ كل فيئه ~~وتهامسوا بذلك. فلما بلغ التهامس النبي، وقف إلى جانب بعير فأخذ وبرة من سنامه، ~~فجعلها بين أصبعيه، ثم رفعها وقال: «أيها الناس، والله ما لي من فيئكم ولا هذه ~~الوبرة إلا الخمس، والخمس مردود عليكم.» وهذه العبارة الأخيرة: «الخمس مردود ~~عليكم» تنطوي على معنى من معاني الاشتراكية لا يفوت أحدا. # تطبيق الاشتراكية في عهد أبي بكر # ولما اختار الله رسوله، وخلفه أبو بكر على المسلمين، سار سيرته في المساواة ~~بين الناس وفي تنفيذ فكرة الاشتراكية الإسلامية تنفيذا دقيقا، كانت الزكاة ~~تجمع إلى بيت مال المسلمين، فينفق منها ومن الصدقات والمغانم على شئون الدولة ~~فيما يصلح الجيوش وغيرها، فإذا بقي بعد ذلك شيء قسم بين المسلمين بالسوية، ~~لا يميز منهم حر على عبد، ولا يميز عربي على أعجمي. # وقد اكتشف منجم للذهب على مقربة للمدينة في أراضي بني سليم، فسار أبو بكر في ~~تقسيم الذهب المستخرج منه مسيرته في تقسيم ما بقي من الزكاة وأخماس الفيء ~~والغنائم، فكان يسوي في قسمته بين السابقين الأولين والمتأخرين في الإسلام وبين ~~الحر والعبد والذكر والأنثى. وقيل له: «ألا تقدم أهل السبق على قدر منازلهم؟» ~~فكان جوابه: «إنما أسلموا لله ووجب أجرهم عليه، يوفيهم ذلك في الآخرة، وإنما ~~هذه الدنيا بلاغ.» # هذه النزعة الجديدة إلى الاشتراكية لم تكن مألوفة عند العرب، ولذلك كانوا ~~يعترضون على أبي بكر في مساواته هذه في التوزيع بين المسلمين. وكان أبو بكر ~~يحتج بسنة رسول الله، ويجعل الإخاء والمساواة أساسين جوهريين لنظام هذه الحياة ~~الدنيا كما أنهما ركنان من أركان الإيمان بالله، ومن الأسس التي تقوم عليها ~~عبادته جل شأنه. # الاشتراكية في عهد عمر # ومثل هذه المبادئ الناشئة في جمعية من الجمعيات الإنسانية تتأثر في أحيان ~~كثيرة بميول الجمعية؛ ولهذا عدل عمر بن الخطاب عن سنة أبي بكر في توزيع ~~الصدقات، وفي توزيع الخمس الذي لبيت المال في الغنائم والفيء، فقارب العرب في ~~ميولهم لأنه كان متفقا معهم فيها. ms035 من ذلك أنه فضل السابقين إلى الإسلام في ~~توزيع ما للمسلمين من حق في بيت المال على غيرهم، كما فضل نساء النبي أمهات ~~المؤمنين ، ثم فضل أهل بيت النبي وذوي قرابته. # ولم يبدأ عمر بهذا التفضيل لأول ما تولى إمارة المسلمين، فقد اتبع رأي أبي ~~بكر في التسوية بين الناس حتى تم له فتح العراق، عند ذلك شاور الناس في التفضيل ~~ورأى أنه الرأي. وكان يقول: «لا أجعل من قاتل رسول الله كمن قاتل معه.» لذلك ~~فرض لكل من السابقين الذين شهدوا بدرا من المهاجرين والأنصار خمسة آلاف، ~~وفرض لمن لم يشهد بدرا من هؤلاء أربعة آلاف، وفرض لكل واحدة من نساء النبي ~~اثني عشر ألفا، وفرض للعباس عم رسول الله اثني عشر ألفا، وفرض لكل من الحسن ~~والحسين خمسة آلاف، وفرض لأبناء المهاجرين والأنصار ألفين، وفرض لمن دون هؤلاء ~~فروضا تختلف وتنزل إلى ستمائة درهم وأربعمائة درهم ومائتي درهم. # على أن عمر قد أقام على رأي أبي بكر في أمر الأرض، فلم ير قسمتها بين ~~المسلمين على أنها غنيمة غنموها، ولقد كتب إلى سعد بن أبي وقاص حين فتح العراق ~~يقول، بعد أن أمره أن يقسم المال بين من حضر من المسلمين: «واترك الأراضي ~~والأنهار لعمالها، فإنك إن قسمتها بين من حضر لم يكن لمن بعدهم شيء.» وإنما قصد ~~بذلك أن تبقى الأرض وما عليها من الرجال للدولة، يأخذ الرجال مقابل عملهم، ~~وتأخذ الدولة سائر غلتها لتضمه إلى بيت المال، فتتصرف فيه تصرفها في بيت ~~المال. # تطورات جديدة # ظل التطور بعد عهد عمر والخلفاء الراشدين يطرد متأثرا بالفتوح وبالنظم ~~القائمة في البلاد التي فتحها الله للمسلمين، وكان اطراد هذا التطور يقتضي تغير ~~الأوضاع الفقهية للملك والخراج والزكاة والصدقة؛ فأنت ترى في بعض الأحيان ما ~~يساير الأفكار التي يقول بها أصحاب مذهب اشتراكية الدولة من أنصار اشتراكية ~~العهد الحديث، وترى في أحيان أخرى نظما تكاد تتفق وما كان في عهود الإسلام ~~الأولى، على أن المسلمين في كل العهود قد اعتبروا ms036 طائفة من الحقوق التي تقررها ~~المذاهب الاشتراكية فوق الجدل، فكما كانوا يبنون المساجد للعبادة ويرونها حقا ~~مشتركا للجميع لا ينازع فيه منازع، كانوا يبنون المدارس للجميع يتعلمون فيها ~~بلا مقابل، ويرون التعليم حقا مشتركا للجميع لا ينازع فيه منازع، وكانوا ~~يقيمون موارد للماء يشرب منها كل ظامئ، وكانوا يعتبرون هذا كله وما إليه حقا ~~مسلما به لذوي الحق في الصدقة ممن ورد النص عليهم في آيات القرآن الكريم، ~~كما كانت الصدقة فريضة تعبدية يؤديها ذوو اليسار شكرا لله على ما رزقهم هذا ~~اليسار، والتماسا منه جل شأنه أن يحفظه عليهم وأن يزيدهم منه. # واعتبار الصدقة فريضة تعبدية، وجعل ما في بيت مال المسلمين منها حقا ~~مقررا لمن فرضه الإسلام لهم، هو الذي يؤكد معنى الاشتراكية على ما فهمها في ~~العصر الأول، وعلى ما طبقوها في عهود الخلفاء الراشدين ومن جاء بعدهم. ~~(4) الأمم الإسلامية في العصر الحديث # مرت الأمم الإسلامية في العصور المختلفة بأطوار متفاوتة في قربها من النظام ~~العربي الذي نشأ مع الإسلام، واستمد أصوله من البيئة العربية، وفي بعدها عن هذا ~~النظام وقربها من النظم التي كانت تحيط بالعاصمة الإسلامية حين كان للمسلمين عاصمة ~~معترف بها منهم جميعا، وبأقوى العواصم الإسلامية حين تعددت هذه العواصم وتنافست، ~~واستقلت بعضها بالخلافة على المسلمين وخرجت بعضها عن سلطان الخليفة وحكمه. # كان ذلك شأن هذه الأمم في نظامها السياسي، وفي نظامها الاجتماعي، وفي نظامها ~~الاقتصادي، ولئن ظلت كلها خاضعة لأحكام القرآن الكريم في إيمانها وعباداتها. لقد ~~كان لاجتهاد الفقهاء وكبار العلماء أثره البالغ في التطور من نواحيه المتصلة بنظم ~~الحياة الاجتماعية، ولن يزال ذلك شأنها اليوم وفي المستقبل كما كان شأنها في ~~الماضي، فما جاء بالقرآن من نظم هذه الحياة الاجتماعية لم يتعد المبادئ العامة ~~كما قدمنا، وتفصيل هذه المبادئ وتوجيهها كان ولا يزال مصدر تطورها واتصالها بسائر ~~أمم العالم وبالحضارة القائمة فيه. # ولقد عم الحكم المطلق الأمم الإسلامية، حين ساد هذا النظام أمم العالم كله، أما ~~اليوم فالأمم الإسلامية تؤمن كلها بالمبادئ ms037 الديمقراطية، وتراها وحدها المتفقة مع ~~مبادئ الإسلام الأساسية، ومع ما قررته هذه المبادئ من قواعد الإخاء والحرية ~~والمساواة. # على أن تغير النظم التي أظلت العالم الإسلامي في مختلف العصور لم يغير المبدأ ~~العام للحياة الاقتصادية، ولا الأساس الذي تقوم هذه الحياة عليه، فقد ظلت هذه ~~الحياة دائما مزاجا من الفردية والاشتراكية. # لذلك ظل الملك والأسرة والميراث أسسا جوهرية لحياة هذه الأمم، وظلت لليتامى ~~والفقراء والمساكين وأبناء السبيل وغيرهم ممن نص الكتاب الكريم عليهم حقوق مقررة في ~~بيت المال تقتضى من الزكاة ومن الصدقة، كما ظل في مال كل مؤمن حق معلوم للسائل ~~والمحروم. # الاشتراكية في العبادات # وما كان لهذه القواعد أن تتغير أو تتبدل وهي متصلة بالإيمان بالله كما قدمنا، ~~وما كان للاشتراكية الإسلامية أن تزول أو تضعف ولها في سائر مظاهر الإيمان ~~والعبادات المترتبة عليه نصيب واضح. ولقد أشرنا إلى أن الزكاة والصدقة واتصال ~~هذه الاشتراكية واضح في صلاة الجماعة، وفي الصوم، كما أن فريضة الحج تنطوي على ~~معاني الاشتراكية الإسلامية، حتى لا يبالغ من يقول إنها أوضح مظهر لهذه المعاني ~~جميعا. # فالتفاوت بين الناس يسقط أثناء هذه الفريضة، فلا يبقى له أثر في لباسهم، ولا ~~في زينتهم، ولا في أي من مظاهر حياتهم. هم أثناء طوافهم بالكعبة وسعيهم بين ~~الصفا والمروة وقيامهم على عرفات وإقامتهم بمنى، صورة قوية الدلالة على زوال ~~التفاوت، وعلى سعادة الإنسانية بهذا الزوال. ودلالة هذه الصورة أقوى وأكثر ~~صراحة في أن التفاوت النفساني أعظم من التفاوت المادي. # هذا كله جعل الاشتراكية الإسلامية تبقى قوية عميقة القواعد في نفس كل مسلم. ~~ولقد كانت واضحة الأثر منذ نصف قرن في الأمم الإسلامية، وتطورت صورها في هذا ~~القرن العشرين حتى كادت تخفى عن الأعين، وسبب هذا التطور شدة اتصال الأمم ~~الإسلامية بالغرب وأخذها بمبادئه وبحضارته. والاشتراكية الإسلامية مع ذلك ~~باقية، وأنا واثق بأن التطور في حياة الأمم الإسلامية سيعيدها على أساس من ~~القواعد التي عرفها أهل الصدر الأول وأهل العصور الأولى للإسلام. # ولقد يعجب بعضهم لقولي إن ms038 الاشتراكية الإسلامية كانت واضحة الأثر إلى خمسين ~~سنة مضت، لكن الواقع هو ما أقول. والذين عاشوا خلال الحقبة الأخيرة من القرن ~~الماضي - وهم لحسن الحظ كثيرون - يذكرون أن السجايا الإسلامية التي كانت ~~متداولة بين المسلمين الأولين من أهل شبه جزيرة العرب كانت متداولة في مصر، ~~فكان الذين آتاهم الله رزقا حسنا يشعرون بما عليهم للفقير واليتيم والمسكين ~~وابن السبيل من حق واجب الأداء لرضا الله، وكان مظهر ذلك باديا في نواحي ~~الحياة بوجه عام. # ولقد كان أكثر وضوحا في شهر الصوم من كل سنة، حتى لقد كان أهل القرى لا ~~يتناول أحدهم طعامه داخل داره، بل أمام الدار، ويرى حقا لكل من يمر به - عرفه ~~أو لم يعرفه - أن يجلس معه وأن ينال من هذا الطعام كفايته. هذا إلى أن من آتاهم ~~الله رزقا حسنا هم الذين كانوا يتكفلون بالمرافق العامة للقرية، فكان ~~الأذكياء من أبناء الفقراء يتعلمون على نفقتهم، وكان المرضى موضع عنايتهم ~~ورعايتهم، وكان في مالهم حق معلوم للسائل والمحروم، وكانوا يرون أداء هذا الحق ~~واجبا يحاسبهم الله ويجزيهم عليه. # ولقد قلنا من قبل إن الإسلام حرم الربا على أساس اشتراكي مقبول، ذلك ألا ~~يستغل من لا يعمل ثمرات العمل الذي يقوم به غيره. وكلنا لا نزال نذكر أن الربا ~~كان إلى عهد قريب بغيضا إلى النفس الإسلامية أشد البغض، وأن المسلمين جميعا ~~كانوا لا يفتئون يذكرون قوله تعالى: # يمحق الله ~~الربا ويربي الصدقات # وقوله جل شأنه: # الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما ~~يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ~~. # وكان العمل بهذه المبادئ متبعا في الأمم الإسلامية في هذا الزمن القريب ~~الذي أشير إليه، وكان القرض الحسن وإنظار ذي العسرة إلى ميسرة، بعض ما يراه ~~صاحب المال واجبا عليه لمن كان في حاجة إلى هذا المال. # تطورت هذه الأخلاق في مصر، وتطورت في غير مصر من الأمم الإسلامية، وكان من ~~أثر هذا التطور أن كانت هذه الاشتراكية تخفى عن الأعين، فلم يبق لها مظهر إلا ~~في الجمعيات ms039 الخيرية التي تألفت لتسد الأغراض التي جنى عليها هذا التطور، على ~~أن ما نراه في مصر وفي غير مصر يدل على أن هذه الأمم الإسلامية تلتمس في نظمها ~~الجديدة وسيلة يتحقق بها هذا المزاج بين الفردية والاشتراكية على النحو الذي ~~قرره الإسلام منذ عهوده الأولى. # وآية هذا الاتجاه ما هو واضح من حرص المسئولين في الشئون العامة على العناية ~~بشئون الطبقات الفقيرة عناية تقوم الدولة بأعبائها. ولم يعارض أحد هذه النزعة ~~التي تحقق المزج بين الفردية والاشتراكية، وهذا الإجماع صريح في الدلالة على أن ~~الفكرة أصيلة في النفس الإسلامية، متصلة فيها بالعقيدة وبالمبادئ الإنسانية ~~العامة التي تدعو هذه العقيدة إليها. # هذا واقع بالفعل لا ينكره أحد، وبإجماع لا يخرج عليه أحد، على أن ثمت أمرا ~~يتصل به يستوقف النظر، وهو في رأيي جدير بالإعجاب والتقدير. ذلك أن الذين يدعون ~~هذه الدعوة ويتحمسون لها في الأمم الإسلامية ينادون بها على أساس مدني بحت، ~~ويعتبرونها تنظيما للحياة الاجتماعية والاقتصادية متصلا بشئون الحياة الدنيا، ~~ينطبق عليه الحديث النبوي: «أنتم أعلم بأمور دنياكم.» وأنت تراهم لذلك لا ~~يتقيدون فيه إلا بما يحقق المصلحة العامة على النحو الذي يهديهم إليه تفكيرهم، ~~مستمدين من شئون الحياة في تطوراتها الحاضرة بحكم الحضارة القائمة ما يتفق ~~والمبادئ الإنسانية السامية القائمة على أساس من قواعد الخلق السليم المتصل في ~~نفوسهم بحكم ضمائرهم. # وهذا الاتجاه المدني متفق مع المنطق الإسلامي الذي يجعل العقل حكما في كل ~~شيء، حكما في الإيمان نفسه، وذلك قول المغفور له الأستاذ الإمام الشيخ محمد ~~عبده: «إن المرء لا يكون مؤمنا إلا إذا عقل دينه وعرفه بنفسه حتى اقتنع به، ~~فمن ربي على التسليم بغير عقل، والعمل - ولو صالحا - بغير فقه، فهو غير ~~مؤمن، فليس القصد من الإيمان أن يذلل الإنسان للخير كما يذلل الحيوان، بل ~~القصد منه أن يرتقي عقله وترتقي نفسه بالعلم، فيعمل الخير لأنه يفقه أنه الخير ~~النافع المرضي لله، ويترك الشر لأنه يفهم سوء عاقبته ودرجة مضرته.» # التنظيم الاقتصادي # وتفكير المفكرين من ms040 أهل الأمم الإسلامية في التنظيم الاقتصادي على أساس مدني ~~تعينه المصلحة العامة، قد كان سائدا بين المسلمين منذ العصور الأولى، لا تقيده ~~إلا المبادئ العامة المقررة في كتاب الله. ومن هذه المبادئ الأساسية قيام ~~الملك الخاص والأسرة والميراث، أما المرافق العامة فيجب أن تكون ملكا عاما ~~مشاع النفع بين الناس جميعا. وتحديد المرافق العامة متروك أمره للدولة، وهو ~~لذلك مدني بحت. # وقد وقع الخلاف على هذا التحديد منذ العصور الأولى للإسلام، فكان من أصحاب ~~النبي من يجعل الأرض وما تحتويه مرفقا عاما كالماء والهواء، وإنما يقع ~~التملك على ثمراتها ينال منها كل على قدر سعيه ومجهوده، وهذا رأي آحاد كما ~~يقول المحدثون، أما الرأي الذي ساد دائما فيقول بتملك الأرض واعتبارها من ~~العروض التي يقع عليها التبادل. # ولو أننا التمسنا في تفكير المسلمين الأولين قاعدة منطقية عامة يمكن الاهتداء ~~بها الآن في تقدير الاشتراكية الإسلامية واتجاهها، لوجدنا هذه القاعدة: يجب على ~~كل إنسان أن يبذل للجماعة كل كفاياته، ويجب على الجماعة أن تبذل لكل فرد منها ~~ما يسد حاجاته مما تقصر عنه ثمرات عمله، فلكل مسلم حق في أن ينال من بيت مال ~~المسلمين ما يكفل حاجاته وحاجات من يعول ما دام لا يجد عملا يرتزق منه، أو ما ~~دام العمل الذي يزاوله غير كاف لرزقه ورزق عياله. # وهذه القاعدة العامة الثابتة في نفوس المسلمين، هي التي تدعو مفكريهم اليوم ~~إلى تنظيم المزاج بين الفردية والاشتراكية تنظيما مدنيا متفقا مع تطورات ~~الحياة في هذا العصر، بحكم الحضارة القائمة في العالم. وهم لذلك يطلقون أنفسهم ~~من كل قيد حين هذا التفكير، وإن لم يفكر أحدهم في تخطي المبادئ العامة التي ~~وضعها القرآن الكريم، والتي يؤمن كل مسلم بأنها أساسية للحياة متفقة مع الفطرة ~~الإنسانية وطبائع الجماعات. # والتفكير على هذا النحو في العصر الحاضر يعتبر تفكيرا حديثا في العالم ~~الإسلامي. وهو كما قدمت لا يرجع إلى أكثر من أوائل هذا القرن العشرين، لذلك لا ~~يمكن التكهن بمداه ولا بنتائجه، فلندعه يسير في ms041 طريقه مطمئنين إلى أنه لن يعدو ~~في يوم من الأيام هذا المزاج الصالح بين الفردية والاشتراكية، وأنه سيكون وسيلة ~~سريعة الأثر في تقدم الأمم الإسلامية ورقيها. # الفصل الثاني # | الإسلام والديمقراطية # (1) المبادئ العامة # يختلف نظام الحكم في الأمم الديمقراطية، ويرجع اختلافه إلى تاريخ هذه الأمم ~~حينا، وإلى طباع أهلها أو نظامها الاقتصادي حينا آخر، فنظام الحكم في إنجلترا ~~برلماني وفي أمريكا نيابي، والتقاليد البرلمانية في إنجلترا تختلف عن مثلها في ~~فرنسا، ومع ذلك تتفق هذه الأمم في المبادئ الأساسية التي يقوم عليها نظام الحكم ~~فيها، والتي يؤمن أبناؤها بضرورتها لسعادة أممهم ورقيها. # وفي مقدمة هذه المبادئ حكم الشعب نفسه عن طريق التمثيل الصحيح والمناقشة الحرة ~~والتسليم برأي الأغلبية، على أن هذه المظاهر التي تمثل مجتمعة نظام الديمقراطية في ~~الحكم تقوم على أساس من مبادئ سبقتها، هي التي تعارف الناس على تسميتها حقوق ~~الإنسان، والتي جمعها الفرنسيون في شعارهم: الحرية والإخاء والمساواة. # إذا أردنا أن نعرف نظام الحكم في الإسلام وجب علينا أن نرجع إلى المبادئ الأساسية ~~التي قررها وجعلها أساس الحياة الإنسانية. ومتى عرفنا هذه المبادئ واستقرت في ~~أذهاننا، لم يبق لدينا ريب في أن الإسلام والديمقراطية يلتقيان في الأمور الجوهرية ~~جميعا، وأن نظام الحكم في الإسلام يجب أن يكون في صورة أو أخرى من صور الحكم في ~~الأمم الديمقراطية في عصرنا الحاضر، وأن كل نظام لا يقوم على أساس من حرية الفرد ~~وتضامن الجماعة وحق الشعب في حكم نفسه عن طريق المناقشة الحرة والانتهاء إلى رأي ~~الأغلبية، كل نظام لا يقوم على أساس من هذه المبادئ التي تدعو الديمقراطية إليها، ~~لا يتفق والقواعد الأساسية التي قررها الإسلام ودعا إليها، ولا يتفق وواجب المسلم ~~في التمسك بقواعد دينه والدفاع عنه. # وقد ألف كثير من الذين يتعرضون لهذا الموضوع، ويؤيدون الرأي الذي نقول الآن به، ~~أن يستندوا إلى بعض آيات القرآن الكريم كقوله تعالى: # وشاورهم في الأمر # وقوله: # وأمرهم ~~شورى بينهم # ثم يكتفون بها في التدليل على رأيهم. وهذا الدليل ~~لا ريب ms042 قائم وله قوته، وبخاصة أنه نص من كتاب الله، على أن جماعة من المسلمين في ~~عصور مختلفة قد لجئوا لأغراض خاصة إلى تفسير هذه الآيات بما يلائم أغراضهم، فلا ~~بد لذلك من أن نرجع إلى المبادئ العامة للإسلام، لنرى كيف تتوج هذه الآيات تلك ~~المبادئ، ولنتبين أن نظام الحكم القائم على الشورى الإسلامية يجب أن يتحقق به للناس ~~حظ من الحرية والإخاء والمساواة يعادل أو يزيد على ما تحققه لهم النظم الديمقراطية ~~كما نفهمها في عصرنا الحاضر. # مبدأ الإخاء # ولنبدأ بمبدأ الإخاء. لقد ذهب الإسلام في تقرير هذا المبدأ إلى أبعد مدى؛ فهو ~~لم يضع له حدا من الحدود، ولم يقم في سبيله عقبة من العقبات، لم يجعل ~~الجنس ولا اللغة ولا اللون سببا في التباعد بين الناس، ولم يفضل العربي على ~~العجمي كما يفضل بعضهم الآري على السامي، ولم يفضل الأسمر أو الأبيض على ~~الأسود. # والقرآن الكريم صريح في تقرير مبدأ الإخاء إذ يقول: # إنما المؤمنون إخوة ~~، وإذ يقول: # يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ~~وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم ~~عند الله أتقاكم # والحديث عن ~~النبي - عليه السلام -: «إنه لا فضل ~~لعربي على أعجمي إلا بالتقوى.» فالناس في إسلامهم إخوة لا يتفاضلون إلا ~~بالأعمال الصالحة، ولا يميز بعضهم عن بعض غيرها، وإن اختلفوا لونا ولغة ~~وجنسا ومذهبا. # والإخاء في الإسلام ليس حديثا يجري به اللسان، أو مظهرا من مظاهر المجاملة ~~وكفى، بل هو مبدأ أساسي وعقيدة يجب أن تقوم بالنفس، وأن تكون لها آثارها في ~~أعمال الإنسان أو يكون ضعيف الإيمان. # ولا أحسب تصويرا لهذا المعنى بلغ في قوته قول رسول الله: «لا يكمل إيمان ~~أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه.» وأول المحبة الاحترام، ومظهرها الأسمى ~~الإيثار على النفس. فإذا لم أحترم أخي لأنه من جنس غير جنسي، أو لأنه يتكلم لغة ~~غير لغتي، فأنا ضعيف ناقص الإسلام. # وإذا أنا لم أوثر أخي على نفسي فيما هو بحاجة إليه، فأنا ضعيف الإيمان ناقص ~~الإسلام، وإذا ms043 أنا قامت الكراهية بنفسي للناس فحقدت عليهم فأنا ضعيف الإيمان ~~ناقص الإسلام. فأما الذي يحب أخاه ويرجو له ما يرجوه لنفسه، فذلك بين المسلمين ~~رجل كمل إيمانه وتمت عليه نعمة الله. # ولا أخال مذهبا من المذاهب بلغ في تصوير الإخاء ما بلغه المسلمون. ولست أدلل ~~على ذلك بأقوال المتأخرين الذين لعلهم تأثروا بالفلسفة اليونانية أو بغيرها من ~~المذاهب التي نقلت إلى العربية في العصور الزاهرة للأمم الإسلامية، وإنما أدلل ~~عليه بأعمال النبي العربي وبأعمال أبي بكر وعمر. # فلم يرض النبي - على إكبار المسلمين له وتقديسهم إياه - أن يظهر في مظهر ~~السلطان أو الملك أو الرياسة الزمنية حين تم له السلطان في شبه جزيرة العرب ~~كلها، بل كان يجلس من أصحابه حيث ينتهي به المجلس، وكان يجيب دعوة الحر والعبد ~~والأمة والمسكين، ويعود المرضى في أقصى المدينة. # وكان أبو بكر في خلافته أخا لكل الناس صغيرهم وكبيرهم، وكذلك كان عمر، بل ~~لقد كان النبي وصاحباه يرون الضعفاء أحق بإخائهم من الأقوياء، فكانوا لا يضنون ~~به على أحد، ويرونه الأساس الأول للتضامن الاجتماعي. # والحق أني لا أستطيع أن أفهم التضامن الإنساني الذي ننشده جميعا، وندعو إليه ~~بكل قوتنا، حتى يتحقق هذا الإخاء بين الناس، ويتحقق إخاء مثله بين الأمم، وحتى ~~يشعر كل فرد وتشعر كل أمة شعورا صادقا قويا، بأن واجب الإخاء يقتضي أن يحب ~~المرء لأخيه ما يحب لنفسه. # المساواة في الإسلام # أما المساواة في الإسلام، فهي المثل الأعلى في تصور المساواة، ليست هي ~~المساواة أمام القانون وكفى، بل هي تتناول ذلك وتسمو عليه، هي المساواة أمام ~~الله. وهذه المساواة لا يجني عليها التفاوت في الرزق، ولا التفاوت في العلم، ~~ولا التفاوت في عرض من أعراض الدنيا. # ولم أر في حياتي مظهرا للمساواة أعمق أثرا في النفس من عشرات الألوف من ~~المصلين مجتمعين حول الكعبة في المسجد الحرام، يتوجهون كلهم إلى الله، ويعلمون ~~كلهم أن ما بينهم من تفاوت في المال أو الجاه أو السلطان يتضاءل ويذوي ويصبح لا ~~شيء في ms044 هذا الموقف الرهيب الجليل الذي يشعر فيه كثيرون ممن تزدهيهم الحياة، بأن ~~غيرهم ممن هم دونهم مالا وجاها وسلطانا أقرب إلى الله منهم بطهارة نفوسهم ~~وصالح أعمالهم. # إذا كان الإيمان بفكرة المساواة أمام القانون بعض أركان الديمقراطية، فما عسى ~~يكون جلال الإيمان بفكرة المساواة أمام القوة العليا مصدر القانون ومصدر كل ~~شيء، قوة بارئ الكون ومدبره. # الحرية أعز مبادئ الإسلام # أخرت الكلام عن الحرية في الإسلام لأختتم بها هذا الحديث، ولأن هذه الحرية ~~أعز مبادئ الإسلام منذ نشأته. # والحرية تعرف اليوم بما لك من حق في أن تصنع ما تشاء، ما دمت لا تؤذي غيرك ~~ولا تعتدي على حريته. ولست أرى فرقا بين هذا التعريف وبين قول المسلمين: ~~المسلم من سلم الناس من لسانه ويده. والواقع أن الإسلام يقرر الحرية للناس ~~كاملة إلا فيما يوجب الشرع عليه الجزاء، شأنه في ذلك شأن غيره من الشرائع في كل ~~الأزمان، وفي هذا الزمن الذي نعيش فيه. # على أن أهم صورة للحرية المقصودة في شعار الثورة الفرنسية، إنما هي حرية ~~التفكير وحرية الرأي والتعبير عنه. وليس يبالغ من يقول إن هذه الحرية مقررة في ~~الإسلام بأوسع صورها ومعانيها، ولا أدل على ذلك من قيام المذاهب الأربعة بين ~~أهل السنة من المسلمين، واحترامهم إياها جميعا، على ما بينها من اختلاف في ~~التفكير والرأي. وهذه المذاهب قررها الأئمة الذين يعترف المسلمون جميعا ~~بفضلهم، وحسن إيمانهم، وعلو مكانتهم. # ولا تنس أن المذاهب الأربعة تتناول أحكام الشريعة على ما قررته قواعد أصول ~~الدين. فإذا جاز الاختلاف في هذه الأحكام وصح الاجتهاد في أمرها، فما بالك بما ~~سواها مما لا يتصل بها من الآراء والمذاهب، إن حرية الرأي والتعبير عنه مطلقة ~~فيه إطلاقا لا حد له إلا العقل والعلم. # وإذا كان قيام المذاهب الأربعة دليلا على حرية الرأي، حتى في المسائل ~~الشرعية، فإن ما تركه فلاسفة الإسلام من أمثال ابن رشد والغزالي وابن سينا ~~والفارابي وغيرهم، يسقط كل حجة يمكن أن يتذرع بها من يرى غير رأينا. # أحسبني ms045 بما تقدم قد أقمت الدليل على أن شعار الديمقراطية متحقق في الإسلام ~~على أتم وجه وأكمله، كما أقمت الدليل على أن هذه المبادئ أساسية في الإسلام ~~مثلها في الديمقراطية سواء. أما والنتيجة اللازمة لهذه المبادئ في نظام الحكم ~~أن يقوم في صورة من صور الحكم الديمقراطي المختلفة، فالشورى الإسلامية واحدة من ~~هذه الصور لا ريب، والدفاع عنها دفاع عن مبدأ إسلامي سليم. # على أن التقاء الإسلام والديمقراطية في الأمور الجوهرية لا يقف عند هذه ~~المبادئ العامة بل يتناول غيرها مما يتصل بها أو يترتب عليها. ~~(2) التشريع والقضاء # الحرية، والإخاء، والمساواة، شعار الديمقراطية الحديثة، وهي كذلك من المبادئ ~~الأساسية في الإسلام، ذلك ما أقمنا عليه الدليل. وهذه المبادئ المترتبة على الحقوق ~~الطبيعية للإنسان في الديمقراطية وفي الإسلام جوهرية للجماعة بمقدار ما هي جوهرية ~~للفرد. وهي بهذه المثابة أساس التضامن الاجتماعي، وأساس النظام الذي يقوم عليه ~~الحكم سواء في الديمقراطية أو في الإسلام. # وقد أشرنا إلى أن هذه المبادئ تقتضي حتما حكم الشعب نفسه، عن طريق التمثيل ~~الصحيح والمناقشة الحرة والتسليم برأي الأغلبية، وأول مظهر لهذا الحكم إنما يتجلى ~~في التشريع وفي القضاء. فليس من حق فرد بالغة ما بلغت مكانته من السمو، أن يشرع ~~للمجموع على كره منه أو أن يلزم الشعب قوانين تأباها إرادته الحرة. # وليس من حق فرد، بالغة ما بلغت مكانته، أن يجعل إرادته المطلقة فيصلا في القضاء ~~بين الناس، بل لا بد للقضاء من قواعد يجري عليها، تتفق وإرادة الشعب وتكفل حقوقه ~~الطبيعية. ولا بد للقضاة من استقلال يجعلهم إذ يحكمون لا يرعون في قضائهم إلا ~~القانون وقواعد العدل وما ترضاه ضمائرهم النزيهة الطاهرة. وهذه القواعد التي تقررها ~~الديمقراطية الحديثة هي بعينها القواعد التي يقررها الإسلام. # ولعلك إذا رجعت إلى قواعد القضاء والتشريع في الأمم الإسلامية رأيتها أقرب ما ~~تكون في صورتها لقواعد القضاء والتشريع في إنجلترا في عهدها البرلماني الذي يمثل ~~مبادئ الديمقراطية أصح تمثيل، فقد ألف الناس في إنجلترا إلى عهد قريب جدا ألا ~~يقوم ms046 العدل على قواعد من التشريع البرلماني ويلجأ إلى تغييرها من حين إلى حين حسب ~~ما تقضي به الظروف. # وإنجلترا لم تألف هذا التقليد الفرنسي في التشريع إلا من عهد قريب، وهي لم تألفه ~~إلا في المسائل الاجتماعية المتصلة بالسلطة العامة أكثر من اتصالها بمعاملات ~~الأفراد وعلاقاتهم بعضهم ببعض. أما فيما خلا ذلك، فمرجع التشريع الإنجليزي إلى ~~أحكام القضاء التي تثبت قواعدها على الزمن فيرضاها الناس ويتخذونها شرعا لهم في ~~معاملاتهم، ثم تصبح في إنجلترا كلها قانونا يطبق على الجميع ويسترشد به القضاة ~~للفصل فيما يعرض عليهم من المنازعات. # وأنت إذا أردت أن ترجع إلى كتاب من كتب القانون في إنجلترا، لأمر يتعلق ~~بالمعاملات المدنية أو التجارية أو بالعقوبات أو الشئون الدولية الخاصة والعامة، ~~فأكثر ما تقع عليه من الكتب التي تكشف لك عما تبحث عنه كتب القضاء وأحكامه، وما ~~تنطوي عليه هذه الأحكام من مبادئ، تطبق في القضايا المماثلة في أنحاء الدولة ~~جميعا. # هذا النظام بعينه كان ولا يزال الأساس للقضاء وللفقه عند المسلمين، فكتب الفتاوى ~~هي المرجع الأول للأحكام. وأنت إذا أردت أن تبحث موضوعا فقهيا أو قضائيا، ~~فأكثر ما ترجع إليه كتاب ابن عابدين والفتاوى الحامدية والفتاوى الهندية وما إليها ~~إذا كنت تريد أحكام الفقه الحنفي. # ومثل هذه الكتب تماما هي ما نرجع إليه لمعرفة أحكام المذاهب الأخرى. وهذه الكتب ~~كلها من طراز الكتب الإنجليزية التي أشرنا إليها، فكلها تذكر قضايا فصل فيها القضاة ~~برأي أصبح مبدأ تشريعيا مسلما به، وأصبح لذلك مرجعا للقضاة ولجميع المشتغلين ~~بالقانون والفقه من بعد. # والقاضي العادل في البلاد الإسلامية، كان ولا يزال يتمتع بالمكانة والاستقلال ~~اللذين يتمتع بهما القاضي العادل في الدول الديمقراطية جميعا، ليس لأحد على هذا ~~القاضي سلطان، وسلطانه نافذ في الناس جميعا، وما دام الناس مطمئنين إلى عدله فله ~~أن يجتهد في قضائه ما وجد إلى الاجتهاد سبيلا. # فإذا رأى يوما أن يعدل عن رأي رآه سلفه من القضاة الذين شهد لهم الناس في عصرهم ~~بالنزاهة والعدل، بل إذا ms047 رأى يوما أن يعدل عن رأي رآه هو من قبل، اقتناعا منه بأن ~~رأيا غيره أدنى إلى الحق وإلى تحقيق المنفعة العامة، كان بعمله هذا يؤدي واجبا ذا ~~قيمة في الحياة الفقهية، ما دام هذا الرأي قائما على القواعد السليمة المقررة ~~للعدل بين المسلمين. والواجب الذي يؤديه القاضي في هذه الناحية هو أداة التطور ~~الفقهي، وهو الذي يجعل الفقه كفيلا دائما بأن يحقق الرخاء والأمن والسلام في حدود ~~الحق والعدل. # وفرنسا التي درجت، منذ قرن ونصف قرن على الأقل، على سنة التشريع المقنن، تعتبر ~~الفتاوى وأحكام القضاء مناهل أساسية لحياة العدالة. ومجموعات دالوز وسيري، وكتب ~~جارسون وأمثاله، تقيد الأحكام والفتاوى على النحو الذي قيد به المسلمون من قبل ~~أحكام قضاتهم وفتاوى مفتيهم، وتتخذ منها مرشدا لقواعد العدل ولتطور ~~التشريع. # الإسلام وتطور التشريع # يحاول بعضهم أن يصور الإسلام تصويرا لا يتفق مع ما قدمنا، ويذكر سندا لرأيه ~~أن التشريع والقضاء في الإسلام مقيدان بالقرآن الكريم تقييدا يحول دون التطور ~~الذي يقضي به النظام الديمقراطي. وهذا الرأي خاطئ، إن كان صادرا عن حسن نية، ~~فالفقه الإسلامي يعتمد على القرآن الكريم اعتمادا أساسيا، هذا صحيح، لكن ما ~~ورد في القرآن من التشريع لا يتخطى القواعد العامة التي تقرها قواعد العدالة ~~مصورة في مثلها الأعلى، والقواعد العامة الواردة في القرآن قليلة، لم تتناول ~~من التفاصيل إلا أمورا بذاتها محصورة العدد جدا. ولهذا رأى المسلمون منذ ~~العصر الأول أن يجعلوا مصادر الفقه والتشريع أربعة: الكتاب، والسنة، والقياس، ~~والإجماع، وأن يكلوا إلى القاضي تطبيق هذه القواعد مع مراعاة أدق صور ~~العدالة. # والسنة في الفقه الإسلامي هي ما تواتر من الأحكام عن رسول الله، وليس يتسع ~~المقام للحديث عما ثبت بالتواتر من هذه الأحكام. وحسبنا أن نذكر ما روي عن ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أنه قال: «إنكم ستختلفون من بعدي، فما جاءكم عني فاعرضوه ~~على كتاب الله، فما وافقه فمني، وما خالفه فليس عني.» # وقد قال ابن خلدون، وهو يتكلم عن الحديث: «لو انتقدت ~~الروايات ms048 - يقصد روايات الحديث - من ~~جهة فحوى متنها، كما تنقد من جهة سندها، لقضت المتون على كثير من الأحاديث ~~بالنقض. وقد قالوا إن من علامة الحديث الموضوع مخالفته لظاهر القرآن أو القواعد ~~المقررة في الشريعة أو للبرهان العقلي أو للحس والعيان وسائر ~~اليقينيات.» # أما الأصل الثالث من أصول الفقه - وهو القياس - فمرجعه العقل ومنطقه، وإلى ~~العلم بالكتاب والسنة. # بقي الأصل الأخير وهو الإجماع، وهذا الأصل هو الظاهرة الديمقراطية الواضحة ~~التي تدل على أن حق الشعب في الحكم، وفي التشريع، مقرر في الإسلام على وجه لا ~~يحتمل مناقشة أو جدلا. ولو أنك رجعت إلى كتب الأصول والفقه لتبينت أن القواعد ~~التي تسير عليها ديمقراطية هذا العصر في التشريع والتي ترمي دائما إلى ~~الملاءمة بين المنطق العقلي والعدل وبين حاجات الناس ومنافعهم، هي بعينها ~~القواعد التي قررتها هذه الكتب الإسلامية. # يجب علي أن أعترف مع هذا الذي قدمت، بأن القواعد التي وردت في القرآن - وإن ~~تكن قواعد عامة - هي قيد للمشرع، وذلك هو ما دعا بعضهم إلى الظن بأنها لا تدع ~~للإرادة العامة الحرية في التشريع والحكم، لكن التاريخ أثبت أن هذه القواعد ~~ضرورية لحياة الديمقراطية، فلا يمكن الخروج عليها. # خذ مثلا لذلك المبادئ الاقتصادية المقررة في كتاب الله، هذه المبادئ لا ترضى ~~عن الفردية المطلقة القائمة على أساس من الأنانية الذاتية التي لا حد لها، بل ~~هي تدعو إلى نوع من الاشتراكية جدير بأن يطلق عليه اسم الاشتراكية الإسلامية، ~~لكن هذه الاشتراكية الإسلامية لا تتعدى ما يقتضيه تضامن الجماعة، وتدعو إليه ~~مبادئ الرحمة الإنسانية التي تعتبر في الإسلام قاعدة مقررة لا كمالا نفسيا ~~وكفى. # ثم إن هذه المبادئ الاقتصادية المقررة في القرآن تأبى إباء صريحا أن تزيد ~~الاشتراكية على هذا القدر، وترفض رفضا باتا هدم الملكية الخاصة، وهي لذلك ~~تقف في وجه المبادئ الشيوعية التي قررها كارل ماركس بكل قوة وشدة. # ومثل آخر من المبادئ التي قررها القرآن، يتصل بالأسرة ويدخل لذلك في نطاق ~~الحياة الاجتماعية. فالزواج والأبناء والتوارث من الأمور التي ms049 لا يصح للمسلمين ~~الخلاف على مبدئها ولا على ما ورد في القرآن عنها، فإذا اعتبرت هذه المبادئ ~~وأمثالها قيدا لإرادة الشعب في التشريع، فهو قيد تقتضيه الحياة ~~الديمقراطية. # وها نحن أولاء نرى أن ما يخالف هذه المبادئ قد استحال قيامه في إنجلترا ~~وفرنسا وأمريكا والديمقراطيات كلها، وإنه حيث قام ألغيت المبادئ العامة ~~للديمقراطية - مبادئ الحرية والإخاء والمساواة - وقامت مقامها مبادئ الطغيان ~~والحكم المطلق. # ولو أن الطغيان رفع عن كواهل الأمم التي قامت فيها المبادئ التي تخالف ما ~~أسلفنا مما قرر القرآن الكريم لرأيت الناس يعودون إلى هذه المبادئ شيئا ~~فشيئا، لأنها من فطرة الإنسان، كما أن الحياة الديمقراطية من فطرته. # لا عجب بعد الذي قدمنا أن تنزع الشعوب الإسلامية كلها في العصر الحاضر إلى ~~ناحية الديمقراطية، وأن تجعل تشريعها على النظام الديمقراطي وسيلتها للحياة ~~وللرقي والتقدم، وهي إذ تنزع هذا المنزع عن إيمان بالديمقراطية يؤدي بها إلى ~~الدفاع عنها بكل قوتها، إنما تؤيد حكم الإجماع في حدود القواعد التي نص عليها ~~القرآن الكريم. وهي فيما تصنع من ذلك لا تخالف تاريخها ولا تخرج عليه، وإنما ~~تسير في طريق التطور الطبيعي للحياة الإنسانية. فقد كان حكم الشعب نفسه أساسا ~~للحكم الإسلامي منذ العهد الأول، وإنما اختلفت الصور التي صور فيها نظام هذا ~~الحكم باختلاف العصور، كما جاءت عصور مظلمة أساءت وجنت عليه. ~~(3) صور الحكم الديمقراطي # تختلف صور الحكم الديمقراطي في العصر الحاضر بين النظام النيابي والنظام ~~البرلماني، كما تختلف بين الملوكية والجمهورية، على أن هذه الصور ليست قديمة العهد، ~~وإنما ترجع إلى ثلاثة قرون أو نحوها في إنجلترا، وترجع إلى عهد الثورة الفرنسية في ~~فرنسا، وإلى عهد الاستقلال في أمريكا. # أما إذا نحن رجعنا إلى صور الحكم الديمقراطي في العصور القديمة، وبخاصة في ~~اليونان، فقلما نجد هذا الحكم ممتدا في أمة يبلغ عددها الملايين، وإنما نجده على ~~الأغلب في مدن أو مقاطعات محصورة العدد على نحو ما نعهده اليوم في سويسرا، لكنه كان ~~محتفظا دائما بالمبدأ الأساسي الذي تقوم عليه الديمقراطية، ms050 مبدأ حكم الشعب نفسه ~~عن طريق التمثيل الصحيح والمناقشة الحرة وإقرار رأي الأغلبية. # ونحن إذا رجعنا إلى الحكم الإسلامي في عهوده الأولى - أي منذ ألف وثلاثمائة سنة ~~وأكثر - وجدنا المبدأ الأساسي للديمقراطية مبدأه، ورأينا الصور التي تصور فيه ~~تختلف بعض الاختلاف عما نعهده اليوم في نظم عصرنا الحاضر، ولكنها تتفق وإياها في ~~الغاية وفي المبدأ. # ولا غرابة في ذلك، فقد نشأ الإسلام في بلاد العرب، وكان كتابه عربيا، وكان رسول ~~الله به عربيا. وقد كانت بلاد العرب في ذلك العصر تعيش في نظام ديمقراطي بحت، ~~أدنى إلى نظام سويسرا اليوم وإلى نظام المدن اليونانية القديمة. ولقد كانت الحرية ~~التامة أعز شيء على العربي، بدويا كان أم حضريا. # وكان أهل القبيلة أو أهل المدينة يجتمعون للنظر في شئونهم العامة، وللقضاء فيما ~~يقوم بينهم من المنازعات. وكانت دار الندوة بمكة، مكان هذا الاجتماع بالنسبة ~~للمدينة الإسلامية المقدسة من عهد إبراهيم، فكان طبيعيا أن ينعقد نظام الحكم في ~~الإسلام على هذا الأساس العربي الصريح، وأن يكون ديمقراطيا بالمعنى الذي يفهمه ~~العربي من الألفاظ التي ترادف هذه الكلمة في لغة ذلك العصر. # وأنت إذا رجعت إلى بيعة أبي بكر، وبيعة عمر، وبيعة عثمان، وجدت هذا المعنى واضحا ~~فيها تمام الوضوح، فقد كان الناس يجتمعون ويختارون خليفتهم ثم يبايعونه. ولم يكن ~~هؤلاء الخلفاء يتولون السلطة التشريعية؛ لأن هذه السلطة كانت متروكة إلى القضاة - ~~كما ذكرنا من قبل - وكان القضاة يستمدون قضاءهم من القرآن الكريم، ومن السنة، ومن ~~القياس، ومن الإجماع، ثم كانت أحكامهم، كما كانت فتاوى العلماء، هي الأساس الذي ~~يقوم عليه الفقه، وتجري على مقتضاه المعاملات بين الناس. # كان الخلفاء إذن إنما يتولون السلطة التنفيذية، على حد تعبيرنا في النظام ~~الديمقراطي، فهل كانوا يتولونها مستبدين لا يحاسبهم أحد، أم أنهم كانوا يحاسبون ~~وكانت عليهم رقابة سواء من نوع الرقابة البرلمانية في أوروبا، أو من نوع الرقابة ~~النيابية في أمريكا؟ إذا كانت عليهم رقابة - أيا كان نوعها - لم يبق ريب في أن ~~نظام الحكم الإسلامي ms051 نظام ديمقراطي، إن اختلف في الصورة عما نألف اليوم، فهو متفق ~~معه في المبدأ والأساس تمام الاتفاق. # لما تمت البيعة لأبي بكر خطب الناس ، فقال: «لقد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن ~~أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني.» وقال: «أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإن عصيت ~~الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم.» # وهذا صريح في أن أبا بكر يقر بحق الرأي العام في مراقبته وإرشاده، ويذهب في ذلك ~~إلى حد الإقرار لهذا الرأي العام بعصيانه إذا هو عصى الله ورسوله. # ونحن إذا أردنا أن نرتب على هذا الكلام نتيجته المنطقية لم نكن مخطئين في القول ~~بأن الذين بايعوا أبا بكر كان لهم حق محاسبته وتقويمه، فإن عصى كان لهم حق العصيان، ~~وبعبارة أخرى كان لهم حق عزله. ولا نحسب معنى أبلغ في تقرير مبادئ الديمقراطية من ~~هذا المعنى. # وكان عمر بن الخطاب بعد أن أصبح أمير المؤمنين يخطب الناس يوما بمثل المعنى الذي ~~تحدث فيه أبو بكر، ويذكر للناس أن لهم أن يقوموه إن رأوا في تصرفاته عوجا، ولقد ~~أجابه أحد الحاضرين بهذا الجواب الذي يحفظه كل مسلم عن ظهر قلبه: «والله يا عمر، لو ~~وجدنا فيك اعوجاجا لقومناه بحد سيوفنا.» # هذا الجواب يشهد لعمر بأنه كان رجل عدل وصدق ونزاهة، لكنه يشهد كذلك بأن العرب ~~كانوا يعرفون ما لهم من حق في محاسبة صاحب السلطان عليهم ومراقبته، شأنهم في ذلك ~~كشأن أهل إسبرطة وأثينا في اليونان القديمة، وشأنهم كشأن الأمم الديمقراطية ~~اليوم. # والنظام النيابي القائم في ~~أمريكا، لا يعرف المسئولية الوزارية على الصور المقررة في النظم البرلمانية، فإذا ~~كان العرب لم يعرفوا المسئولية البرلمانية هم الآخرون، فقد كان الحاكم مسئولا أمام ~~الرأي العام كمسئولية رئيس الولايات المتحدة. ونتيجة هذه المسئولية أن لا يجدد ~~الرأي العام انتخاب هذا الرئيس متى تمت مدته، أو يضطره للتخلي عن منصبه بإظهار عدم ~~الرضا عن تصرفاته أو بعصيان سياسته، على حد تعبير أبي بكر. # مدة الحاكم الإسلامي # لماذا لم تحدد مدة الحاكم الإسلامي في الصدر الأول، ms052 كما تحدد مدة الرئاسة ~~لرؤساء الجمهوريات في عصرنا الحاضر؟ وهلا ينهض ذلك حجة على أن الفكرة ~~الديمقراطية كانت ناقصة عند العرب، وبقيت ناقصة حين نفذها المسلمون؟ # الواقع أن التفكير في هذا الأمر لم يدر بخاطر المسلمين الأولين لاعتبارات ~~جوهرية؛ أولها: أن أبا بكر لم تطل خلافته أكثر من سنتين وأشهر، وأن عهده وعهد ~~عمر كانا جميعا عهد فتح متصل انفسحت به أطراف الإمبراطورية الإسلامية شرقا ~~وغربا، فلم يكن العرب ليقيموا أثناء ذلك في شبه الجزيرة، بل كانوا مشتغلين ~~خارجها بالغزو ومغانمه والنصر وأعياده. # وقد ألفت الأمم في كل العصور ألا تفكر في انتخابات أو ما يشبهها في أوقات ~~الحروب، حين يكون الاستقرار الداخلي جوهريا لحياة الدولة، ثم إن أبا بكر وعمر ~~كانا حاكمين من طراز لم يعرف التاريخ له نظيرا، لم تغير الخلافة ولا غيرت ~~الإمارة على المسلمين من حياة أي منهما، ولم تنتقل به من داره إلى دار أخرى، ~~بل لقد كانت نظريتهما في تولي أمور الدولة قائمة على أساس من إنكار الذات، بلغ ~~حدا يحسبه أهل جيلنا ممعنا في المبالغة. # نسي كل واحد منهما، منذ تولى أمور المسلمين، نفسه، ونسي أهله وأبناءه، وتجرد ~~لله تجردا مطلقا، وأوجب على نفسه أن يشعر بضعف الضعيف وحاجة المحتاج تحقيقا ~~لمعنى الإخاء في أسمى صوره، وإيذانا بأنه ليس له في الحياة هوى، وأنه لذلك ~~يقدر على أن يقيم بين الناس عدلا منزها لا يعرف محاباة، ولا يعرف إلا حق الله ~~في أن يعيش الناس جميعا في ظل عدله - جل شأنه - آمنين مطمئنين. # فلما انقضى عهد أبي بكر وعمر كانت رقعة الإمبراطورية الإسلامية قد انفسحت، ~~ومع ذلك بقي الحكم عربي الأساس، ديمقراطي المبدأ، حتى قامت الثورات والفتن بين ~~علي ومعاوية. # وقد تأثر الحكم الأموي بهذه الثورات لا ريب، لكنه بقي مع ذلك قريبا من ~~المبدأ العربي الذي يقدس الحرية، ويتفق وما نفهمه اليوم من الديمقراطية. # وقد لبث الحكم كذلك طيلة عهد الملوك الأولين من الأمويين، فلما استعرت ~~الثورات ثانية بين الأمويين والعباسيين، ولما ms053 دخل الفرس ثم دخل الروم في البلاط ~~الإسلامي، بدأت هذه المبادئ العربية التي تتفق والروح الإسلامي الصحيح تتأثر ~~بالبيئة الجديدة، ثم طغت هذه البيئة عليها، ثم آمن ملوك المسلمين بحقهم المقدس ~~في الملك، كما كان يؤمن به ملوك أوروبا، ثم كان من أثر ذلك أن تدهورت ~~الإمبراطورية الإسلامية، وأن بدأ عصر الانحلال الذي استمر أجيالا ~~وقرونا. # ليس من الإنصاف أن يحاسب الإسلام عما استحدث في هذه الأجيال مما يخالف مبادئه ~~ولا يتفق وتعاليمه، وقد بينا بوضوح ما تنطوي عليه هذه التعاليم، وما تقرره هذه ~~المبادئ، على ما صورت في أول عهد الناس بهذا الدين. # وليس ثمة شبهة في أن هذه المبادئ تتفق ومبادئ الديمقراطية، ولا شبهة كذلك في ~~أن المسلمين يجب عليهم أن يقيموا أنظمة الحكم في بلادهم على أساس من هذه ~~المبادئ ليصوروا هذه النظم كما يشاءون، ليجعلوها برلمانية أو نيابية، ليقيموها ~~على أساس المسئولية الوزارية أو المسئولية العامة أمام الرأي العام، مسئولية من ~~نوع ما هو حاصل اليوم في أمريكا، وما كان حاصلا في عهد الخلفاء الراشدين، ~~ليختاروا من ذلك أو مما يشبهه ما يشاءون. # لكن الأساس يجب أن يكون دائما حكم الشعب نفسه عن طريق التمثيل الصحيح، ~~والمناقشة الحرة، والانتهاء إلى رأي الأغلبية، ويجب على المسلمين أن يدفعوا عن ~~المبادئ التي قررها دينهم بكل قوتهم، ففي ذلك تثبيت لما يدينون به، وما تتحقق ~~به آراؤهم الإسلامية السليمة. # فأما الذين يحاولون التدليل على أن الإسلام يقر حكما غير الحكم الديمقراطي، ~~ويلتمسون الحجة على ذلك بما كان في عصور مختلفة من حياة الأمم الإسلامية، ~~فأولئك يخالفون المبادئ الجوهرية للإسلام على ما خرج في صفائه من شبه ~~الجزيرة. # وحسبي دمغا لحجة هؤلاء أن المسلمين لم يصبهم ما أصابهم فأحزنهم إلا بفضل هذا ~~الحكم المطلق، وما كان لنظام جنى على المسلمين هذه الجناية أن يكون نظاما ~~إسلاميا يقره المسلمون ويحترمونه! فأما الديمقراطية الإسلامية، على ما خرجت ~~من شبه الجزيرة، فهي التي جعلت للإسلام ما أراده الله له، وما حفظ حتى اليوم ms054 ~~كيانه. # ولم تقف المبادئ الديمقراطية في الإسلام عند نظام الحكم في أمة بذاتها، بل ~~لقد تعدت ذلك إلى العلاقات الدولية وتنظيمها، فاحترام المعاهدات، ومقاتلة ~~الباغي حتى يفيء إلى أمر الله، واحترام المحايدين والسكان الآمنين، كل ذلك وما ~~إليه مما تفرضه المبادئ الديمقراطية قد فرضه الإسلام وقرره القرآن ~~الكريم. ~~(4) الحياة الدولية # الإسلام دين حرية، وإخاء، ومساواة، والتشريع والقضاء ونظام الحكم فيه صورة من صور ~~الديمقراطية، كما فهمها اليونان الأقدمون، وكما نفهمها في العصر الحاضر، أفكان ذلك ~~شأنه في الحياة الدولية كذلك؟ وهل قرر في علاقات الدول بعضها مع بعض من المبادئ ما ~~يقارن بما تقرر في عصرنا الحاضر؟ وإن يكن من ذلك شيء، فهل تتفق هذه المبادئ وما ~~تدين به الأمم الديمقراطية؟ # وطبيعي ألا يغفل الإسلام العلاقات الدولية، وقد كانت معروفة أول ظهوره، وكانت ~~معروفة قبله بمئات السنين بل بألوفها، لكن الذي قد يعجب له بعضهم أن يكون الإسلام ~~قد نادى بالفكرة الدولية التي حققتها الأمم الديمقراطية سنة 1919 في أعقاب الحرب ~~الكبرى الماضية، أقصد فكرة عصبة الأمم. # والواقع أن هذه الفكرة ليست إلا تحقيقا لمعنى الديمقراطية في الحياة الدولية على ~~الوجه الذي تتحقق به في الحياة القومية، والأساس الذي تقوم عليه هو بعينه أساس ~~الحرية والإخاء والمساواة، المساواة بين الأمم الصغيرة والكبيرة، وحريتها في إبداء ~~رأيها في كل مسألة تعرض على العصبة، وسعي الدول المشتركة فيها جميعا لتحقيق معنى ~~التعاون والإخاء توطيدا للسلم ودفعا للحرب. # وذلك ما تجده في الفكرة الإسلامية، فأنت إن رجعت إلى عهدة هذه العصبة وجدتها كلها ~~تتلخص في قوله تعالى: # وإن طائفتان من المؤمنين ~~اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على ~~الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ~~فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله ~~يحب المقسطين * إنما المؤمنون إخوة ~~فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ~~ترحمون ~~، هذه الآيات تتناول مواد العهدة كلها تقريبا. # ولست أشك في أن قيام العصبة على أساس من هذه المبادئ الواردة في القرآن الكريم، ~~والتي أقرتها الأمم الديمقراطية ms055 العريقة في الحضارة في عصرنا الحديث، هو وحده ~~الوسيلة الأكيدة لاستقرار السلام في العالم. على أن الإسلام والمسلمين كانوا ~~يقدرون أن قيام عصبة للأمم على هذا الأساس الديمقراطي ليس من الأمور اليسيرة، وأن ~~رضا الأمم جميعا بهذا النظام - عن طواعية واختيار - لا يتحقق إلا بعد عصور طويلة؛ ~~لذلك قرروا مبادئ اتبعوها في الأزمان المختلفة، ثم خولفت في أزمان أخرى، تبعا ~~لتطور الأحوال مما أشرنا إليه في الفصول السابقة. # ومن أهم المبادئ التي قررها الإسلام احترام العهود وعدم الإخلال بالمعاهدات، وهذا ~~المبدأ أساسي في الحياة الدولية الإسلامية، حتى لقد ضحى المسلمون الأولون من أجله ~~أكبر التضحية. # لما فتح رسول الله مكة كان العرب من مختلف الأديان يحجون إلى الكعبة، ويعتبرون ~~ذلك من عباداتهم لآلهتهم، وإذ فرض الإسلام الحج إلى مكة، فقد أوحي إلى رسول الله ~~ما اقتضاه أن بعث علي بن أبي طالب في موسم الحج يعلن إلى الناس بمكة أن البيت ~~الحرام أصبح للمسلمين دون غيرهم، وأنه لا يصح لمشرك أن يحج بعد ذلك العام. مع هذا، ~~ومع أن الأمر الذي نزل به من عند الله كان صريحا فيه، فقد اشتمل هذا الأمر على ~~استثناء صريح للذين عاهدوا رسول الله من المشركين؛ لذلك قال علي حين أعلن للناس أنه ~~لا يحج بعد ذلك العام مشرك، إنه من كان له عند رسول الله عهد فهو إلى مدته. وهو في ~~ذلك إنما نفذ قوله تعالى في سورة براءة بعد إنذار المشركين ومنعهم من الحج: # إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ~~ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا ~~إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب ~~المتقين ~~. # ومن قبل ذلك عقد رسول الله عهد الحديبية مع أهل مكة، وكان من شروط هذا العهد أن ~~من جاء محمدا من قريش بغير إذن وليه رده عليهم، ومن جاء قريشا من رجال محمد لم ~~يردوه عليه. وما كاد هذا العهد يوقع حتى أقبل أبو جندل بن سهيل بن عمرو إلى ~~المسلمين يريد أن يذهب معهم إلى ms056 المدينة بغير إذن أبيه، ومنعه أبوه، وجعل يجره ~~ليرده إلى قريش، فنادى: «يا معشر المسلمين، الرد إلى المشركين يفتنونني في ديني.» ~~وكان جواب رسول الله : «يا أبا جندل، اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك من ~~المستضعفين مخرجا، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحا وأعطيناهم على ذلك وأعطونا ~~عهد الله، وإنا لا نغدر بهم.» # وبعد زمن من ذلك، خرج أبو بصير من مكة إلى المدينة بغير إذن مولاه، فكتب أهل مكة ~~إلى النبي يطلبون رده، فأمره أن يعود إلى قومه، وقال له: «يا أبا بصير، إنا قد ~~أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت، ولا يصح لنا في ديننا الغدر، فانطلق إلى ~~قومك.» # ولما تولى أبو بكر خلافة رسول ~~الله فارتدت العرب، فانتصر خالد بن الوليد على مسيلمة بن حبيب المتنبئ باليمامة، ~~عقد خالد صلحا مع أهلها من بني حنيفة، ثم إنه جاءه أمر من أبي بكر يخالف نصوص هذا ~~الصلح. ومع أن خالدا إنما كان يعمل بإذن أبي بكر، فإنه احترم المعاهدة التي عقدها ~~مع أهل اليمامة، وأجاز أبو بكر تصرفه في ذلك، ورأى فيه ما يتفق ومبادئ الإسلام ~~الأساسية. والأمثال على الوفاء بالعهد واحترام المعاهدات الدولية مستفيضة في تاريخ ~~المسلمين. # أما في الحرب، فقد كان المسلمون متأثرين بالقواعد المقررة في عهدهم في مختلف ~~البلاد، ومن بينها الإمبراطوريتان البيزنطية والفارسية. وأنت لا تستطيع في الحرب ~~إلا أن تقابل عمل عدوك بمثله، أو على الأقل بما يزيل أثره. # على أن المسلمين قد وضعوا قواعد إنسانية سامية نفذتها جيوشهم في كل حالة، لم ~~يضطرهم العدو فيها إلى الخروج عليها، من هذه القواعد ما ذكره أبو بكر في وصيته لجيش ~~أسامة بن زيد، إذ قال: «لا تخونوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلا ~~صغيرا، ولا شيخا كبيرا، ولا امرأة، ولا تعقروا نخلا، ولا تحرقوه، ولا تقطعوا ~~شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة، ولا بقرة، ولا بعيرا إلا لمأكله.» # وكتب أبو بكر في خاتمة كتاب بعث به إلى قائده المهاجر بن أبي ms057 أمية المخزومي، حين ~~بلغه أنه مثل ببعض أعداء الإسلام: «إياك والمثلة في الناس، فإنها مأثم ومنفرة ~~إلا في قصاص.» # ولم تكن هذه القواعد التي جرى عليها المسلمون تقتصر على ما بين الأمم الإسلامية ~~بعضها وبعض، فما ذكرناه عن النبي حدث مع المشركين، ولم يكن الخلاف في الدين سببا ~~قط في نقض العهود، كان أهل نجران نصارى يقيمون باليمن، وقد أقاموا على دينهم، ~~وتعاهدوا مع رسول الله على الجزية، فلما تولى أبو بكر الخلافة، أقام أهل نجران على ~~عهدهم، فاحترمه أبو بكر، بل جدده معهم باحترام «ملتهم وسائر أموالهم وحاشيتهم ~~وغائبهم وشاهدهم وأسقفهم ورهبانهم وبيعهم حيثما وقعت وعلى ما ملكت أيديهم من قليل ~~أو كثير». # هذه بعض القواعد التي أقرها الإسلام في أمر العلاقات الدولية، وهي تتفق مع أحدث ~~القواعد الديمقراطية في عصرنا الحاضر. # نقف الآن هنيهة لنسأل: كيف التقى الإسلام والديمقراطية في الأمور الجوهرية ~~جميعا؟ فقد ثبت لنا في البحوث الأربعة التي قمنا بها أنهما يلتقيان في المبادئ ~~العامة، وفي أسس التشريع والقضاء، وفي نظام الحكم، وفي تنظيم العلاقات ~~الدولية. # والإجابة على هذا السؤال يسيرة، فالإسلام والديمقراطية يتجهان جميعا وجهة مشتركة ~~ويرميان إلى غاية واحدة: سعادة الإنسانية وأمنها وسلامها، وغرضهما في هذا إنساني ~~مطلق لا تحده حدود القومية، ولا الجنسية ولا اللغة ولا غيرها من الحدود، وهما ~~يعتمدان في اتجاههما وفي تحقيق غايتهما على توجيه الفطرة الإنسانية توجيها يسمو ~~بها على حكم الهوى ويجنبها نزغ الشهوات. # ويتجاوز الإسلام الديمقراطية في غايته، فهي تحد غايتها بهذه الحياة، أما الإسلام ~~فيتعدى هذا الحد، شأنه في ذلك شأن الأديان السماوية الأخرى. # وإنما يعتمد الإسلام وتعتمد الديمقراطية على الفطرة الإنسانية؛ لأن كل ما يخالف ~~هذه الفطرة لا بقاء له على الحياة. من ثم تعرضت المذاهب الاقتصادية القائمة على ~~منطق العقل المطلق لفشل كل تجربة قصد بها إلى إقامة نظام على أساس هذه ~~المذاهب. # لماذا؟ لأن فطرة الإنسان مركبة، وليست بسيطة، فهي تتصل بالعقل، وبالعاطفة، ~~وبالهوى، وبالشهوة، وتنزع إلى السمو إذا وجدت التوجيه الصالح، لذلك ms058 كان العقل وحده، ~~بمنطقه المجرد، غير كاف لإقامة النظام الاجتماعي، وكذلك كانت العاطفة وحدها، ~~والهوى وحده، وكل عنصر منفرد مما تتكون منه فطرة الإنسان، غير كاف لإقامة هذا ~~النظام الاجتماعي. # وهذه العناصر التي تتركب منها الفطرة الإنسانية تتفاوت بين الأفراد، لكن تفاوتها ~~هذا لا يحول دون توازنها في نظام الجماعة. والجماعة الإنسانية كائن حي متصل على ~~الأجيال، فكل تنظيم لحياتنا يهمل عنصرا من عناصر الفطرة الإنسانية لا يمكن أن يكون ~~له بقاء أو دوام. # لا عجب واتجاه الإسلام والديمقراطية واحد، وغايتهما واحدة، وطريقتهما في الاعتماد ~~على الفطرة الإنسانية وتوجهها إلى الكمال متحدة، لا عجب أن يلتقيا في الأمور ~~الجوهرية جميعا، مما يتصل بشئون الحياة. ثم لا عجب بعد ذلك أن تقصد الأمم ~~الإسلامية في عصرنا الحديث إلى النظام الديمقراطي، تتخذه أداتها للسعادة الإنسانية ~~وللأمن والسلام، ولا عجب في أن تدافع عنه بكل قوتها، لا تدخر في هذا الدفاع وسعا، ~~ولا ترضى عن النظام الديمقراطي بديلا. # الجزء الثالث # | الإسلام والحريات الأربع # الفصل الأول # | الإسلام وحرية العقيدة # (1) حرية العقيدة ومقررات الإسلام # كانت نزعة السيادة التحكمية هي بعض ما أدى إلى الحرب العالمية الأخيرة وأثار ~~لهيبها، فكان طبيعيا أن ينص في مواثيق التنظيم الدولي الحديث على حرية الرأي ~~والتعبير عنه، وحرية العقيدة وإقامة شعائرها. # فهل يتفق هذان المبدآن مع مقررات الإسلام أو يخالفانها؟ # ليس من غرضي أن أبحث الأمر على طريقة الجدل الفقهي، لأقرر قاعدة حاسمة أعتبرها ~~حكما قاطعا، فالذين يذهبون هذا المذهب في بحث المبادئ يتعرضون في أغلب الأحيان ~~للخطأ؛ ذلك بأن المبادئ تكونت على الزمان بتأثيرات شتى عناصرها، وهي لذلك تختلف في ~~واقع الحياة اختلافا يتعذر معه الفصل بينها؛ ولذا أبحث هذا الأمر على ضوء الواقع ~~من شئون الحياة لأرى هل يتفق المبدآن مع مقررات الإسلام الذي أدين به ويدين به مئات ~~الملايين من الناس، بقدر ما يتفقان مع مقررات المسيحية التي يدين بها مئات الملايين ~~من الناس. # وفي هذا الشأن أتردد في القول بأن المبدأين يتفقان مع مقررات الإسلام أيما ms059 اتفاق. ~~وبيانا لذلك، أبدأ بالكلام عن حرية التدين: # صحيح أن الإسلام يجزي المرتد عنه بالقتل، لكن المسيحية هي الأخرى تهدر دم المرتد ~~عنها، وكذلك تفعل الأديان الأخرى غير الإسلام والمسيحية. وأما فيما وراء ذلك فإن ~~الإسلام صريح في أنه لا إكراه في الدين، كما يقرر أن الصالحين من أهل الكتاب لهم ~~جميعا ثوابهم عند ربهم جزاء بما عملوا، وقد طبق التعبير بأهل الكتاب في عهد عمر ~~بن الخطاب على قوم من أبناء فارس لم يكونوا من اليهود ولا من النصارى، وهذا يدل ~~أبلغ الدلالة على تسامح المسلمين الأولين الذين لم يفرضوا دينهم في الأمم التي ~~فتحوها، ولم يكرهوا الناس حتى يكونوا مؤمنين. # ولأن القرآن الكريم ينص على أنه لا إكراه في الدين فقد ترك المسلمون النصارى ~~واليهود والمجوس في بلاد الشام والعراق ومصر على دينهم، ولم يفرضوا الإسلام على أحد ~~منهم. وقد بقيت في هذه البلاد إلى يومنا الحاضر طوائف لم تدخل دين العرب، بل تمسكت ~~بدين آبائها، ثم تمتعت بالحماية التي تتمتع بها الأقليات اليوم في أكثر الأمم حضارة ~~بل بأكثر منها. # وأنت تتلو معاهدات الصلح التي عقدت في عهد الفتح الإسلامي، فتراها جميعا صريحة ~~في النص على احترام عقائد الأهلين في البلاد المفتوحة واحترام شعائرهم وبيعهم ~~وكنائسهم وأحبارهم ورهبانهم. وقد شعر أهل مصر بعد الفتح العربي بأنهم أكثر حرية في ~~تدينهم بمذهبهم المسيحي مما كانوا عليه حين كانوا خاضعين لسلطان الروم، إذ كان هرقل ~~يحاول إكراههم على تغيير مذهبهم واعتناق المذهب الرسمي الذي فرضه، وتطبيقه في بلاد ~~الإمبراطورية البيزنطية. ~~(2) الحرية والاختلاف المذهبي # لقد حدث بعد ذلك العهد الأول، أن كانت حرية التدين مقيدة في بعض الأزمان، وأن ~~القتال كان ينشب بين أهل المذاهب المختلفة في الدين الإسلامي بسبب هذا الاختلاف ~~المذهبي، لكن هذا الأمر كان يقع في البلاد المسيحية كما كان يقع في البلاد ~~الإسلامية؛ لأن السلطات الدينية في ذلك الوقت هي بعينها السلطات الزمنية، وكانت ~~لذلك تعتبر مذهبها الديني من نظام الدولة، بل أساس هذا النظام، إلا ms060 أن هذه الحروب ~~المذهبية كانت تنتهي حينا بظفر مذهب بعينه، وحينا آخر بانهزام هذا المذهب نفسه، ~~هي التي أقنعت الناس بأن العقائد لا تفرضها القوة إنما يؤدي إليها الاقتناع. # وليس للاقتناع سبيل غير حرية الرأي وحرية الدعوة إليه، فإذا اقتنع الناس بما ~~تنطوي عليه هذه الدعوة، اطمأنوا إلى الرأي فاعتقدوه وآمنوا به. # وهذا التطور هو الذي انتهى بإقرار الدساتير الحرة لحرية التدين، كما أنه هو الذي ~~دعا إلى إيضاح هذا المبدأ في ميثاق الأطلنطي ليكون من الأسس التي يقوم عليها عالم ~~ما بعد الحرب. وإقرار هذا المبدأ يؤدي إلى أن ينظر الناس بعضهم إلى بعض - على ~~اختلاف أديانهم - نظرة احترام متبادل، وأن يلتمسوا في مقررات أديانهم المختلفة ~~وسائل التقريب بينهم بدون أن يلتمسوا في هذا المقررات أسباب التنازع والشحناء، ~~فالأديان كلها تدعو إلى مبادئ سامية غاية السمو وتناجي الوجدان بأرفع المعاني، ~~وتدعو الناس ليتوجهوا إلى الله بقلب سليم يربط بينهم بروابط الأخوة والمحبة ~~والسلام. # ونحن المسلمين ننظر إلى الأديان الكتابية نظرة تقديس لأننا نؤمن بما أوتي عيسى ~~وموسى وإسحاق ويعقوب والنبيون من قبلهم، ونؤمن بأن الله الواحد هو الذي هداهم ويهدي ~~من يشاء طريق الخير وسواء السبيل. ~~(3) حرية العقيدة والتقدم # وقواعد الخلق المقررة في الأديان كلها أساسها الحق والخير والإيثار النفسي والعفو ~~عند المقدرة وما إلى ذلك من فضائل تعارف الناس في كل الأمم وفي كل العصور على أنها ~~قوام السعادة للإنسان. # وليس بين الأديان دين يدعو إلى البغضاء أو الانتقام أو إلى نقيصة من النقائص، وهي ~~فيما تدعو إليه من الفضائل تسمو بالنفس الإنسانية إلى المجد الأرفع، وتناجي خير ~~عناصرها لتزداد سموا ورفعة. # لذلك كان المتدين الحق، الصادق الإيمان المطمئن العقيدة، أدنى الناس إلى الكمال ~~أيا كانت العقيدة التي يؤمن بها؛ لأن العقائد على اختلافها تدعو إلى السمو ~~الإنساني وتحقق غاية الحياة. # إذا أدت حرية العقيدة إلى أن يتبادل الناس الاحترام، وأن يلتمسوا في الأديان ~~المختلفة أسباب الكمال عن طريق التسامح والأخوة والمحبة، كان ذلك من أكثر العوامل ~~الدافعة ms061 للتقدم، المؤدية إلى استقرار السلام في العالم، فإنما نشبت الحروب وقامت ~~الثورات الكبرى لأن كثيرين كانوا يشجعون على تجسيم ما بين الناس من أسباب الخلاف ، ~~فتتسع هوة هذا الخلاف بينهم ويصبح سببا للبغض وللعدوان التي تنتهي إلى التنازع ~~وإلى الحرب. وقد اتخذوا الأديان ذريعة لإثارة أسباب العداوة في بعض العصور، وإثارة ~~هذه الأسباب هي التي أدت إلى الحروب الصليبية بين المسلمين والنصارى، وإلى ما كان ~~بين البروتستانت والكاثوليك من اضطهاد ومجازر. # ولو أن حرية العقيدة كانت مبدأ مقررا في سالف العصور لعرف الناس التسامح ولما ~~امتحنت الإنسانية بما امتحنت به، ولما أصابها يومئذ من الويلات ما أصابها. # ولا أدل على ذلك من اطمئنان الناس إلى حرية العقيدة في العصور الأخيرة، فقد كانت ~~هذه الحرية كاملة وكنت ترى مظاهرها واضحة في إنجلترا وأمريكا وفرنسا وفي الأمم ~~الديمقراطية جميعا. ولم تثر مع ذلك من جرائها أية ثائرة، بل بقي للأديان جميعا من ~~الحرمة في نفس الناس ما لا يجني عليه التعصب ولا يذهب به التفريق. فإذا اتجه الناس ~~من بعد إلى اعتبار الأديان وسيلة تقارب ومودة بما تدعو إليه من رفعة وسمو، ولم ~~يسمعوا إلى الذين يدعونهم إلى التنافس والتنازع بسببها، تحققت أسباب الوئام والمحبة ~~والسلام. # أما ومقررات الإسلام لا تأبى حرية العقيدة، ومقررات المسيحية لا تأباها، فسيكون ~~لهذه الحرية، التي يؤمن الناس بها صادقين، أثر خير الأثر في علاقة ما بين الأمم ~~الإسلامية وغيرها من الأمم نصيرة الحرية. # الفصل الثاني # | الإسلام وحرية الرأي # (1) أساس من أسس الدين # ذكرت أن العالم يضطرب اليوم بمبادئ وآراء تستوقف النظر وتدعو إلى التفكير، ليرى ~~الإنسان ما بين هذه الآراء والمبادئ من ناحية، ومقررات الدين الإسلامي من ناحية ~~أخرى، من نسب يقربهما أو يباعد بينهما، وما عسى أن يكون لهذا التقريب أو لهذه ~~المباعدة من أثر في علاقات الأمم الإسلامية بغيرها من الأمم التي تدين بغير ~~الإسلام. # وتحدثت عما نص عليه ميثاق الأطلنطي من حرية الرأي والتعبير عنه، وحرية العقيدة ~~وإقامة شعائرها، وبينت فيما يتعلق بحرية ms062 العقيدة أن الإسلام يقر هذه الحرية، بقدر ~~ما تقرها المسيحية وغيرها من الأديان. # فالقرآن يقرر أن لا إكراه في الدين، وتاريخ المسلمين يشهد بأنهم لم يفرضوا ~~الإسلام على أحد في البلاد التي فتحوها، وأن من أقام على دينه من أهل هذه البلاد ~~ولم يعتنق الإسلام، تمتع بحماية لا تتمتع الأقليات اليوم في أكثر الأمم حضارة بأكثر ~~منها. # وخلصت من ذلك إلى أن في مقدور الناس أن يلتمسوا في مقررات الأديان على اختلافها ~~وسائل التقريب بينهم، فالأديان كلها تدعوهم ليتوجهوا إلى الله بقلب سليم، ليربط ~~بينهم بروابط الأخوة والمحبة والسلام. # ولا حاجة بي إلى القول بأن الإسلام قامت دعوته على أساس من حرية الرأي والتعبير ~~عنه، فهو حين دعا الناس إلى الإيمان بالله جعل النظر في الكون والتأمل في سنة الله ~~فيه أساس هذا الإيمان، فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، ومن ضل فإنما يضل ~~عليها. # وقد كان الاجتهاد بالرأي أصلا من أصول الشرع منذ العصر الإسلامي الأول، وكان هذا ~~الاجتهاد بالرأي يتناول أصول الفقه في الدين، فطبيعي أن تكون حرية الرأي مطلقة فيما ~~وراء ذلك من شئون الحياة، وهذا هو الذي جعل المسلمين الأولين في مقدمة من نقلوا ~~العلوم اليونانية والفلسفة اليونانية، وأقاموا على أساس من تفكير اليونان مذاهب ~~نقلها الأوروبيون عنهم من بعد. # هذا إجمال لصورة تاريخية تتولى ألوف المجلدات تفصيلها، وهي صورة صحيحة كل الصحة ~~مع إجمالها في سطور. # وحسبك أن تذكر ما كان يقع بين النبي العربي وخصوم الدعوة الجديدة من جدل، تبلغ ~~فيه المعارك الكلامية ذروتها لتقتنع بأن حرية الرأي كانت أساس هذه الدعوة، وأن تذكر ~~ما تكرر في القرآن من التثريب على الذين يتمسكون بما وجدوا عليه آباءهم دون النظر ~~فيه وتمحيصه، لنفي ما فيه من زيف باطل، لتعلم أن تحرير الفكر من رق الجمود كان ~~أساسا من أسس الدين الحنيف. # أما الاجتهاد بالرأي فكان يقع في عهد رسول الله، وكان عمر بن الخطاب إماما فيه، ~~حتى لقد صارت آراؤه من بعد مراجع يأخذ بها أئمة ms063 الفقه. # وقد أدى نقل الفلسفة اليونانية للعربية إلى نشاط عقلي، تبدو آثاره واضحة في كتب ~~الفلسفة الإسلامية، سواء منها ما ظهر في الشرق حين كانت دمشق وبغداد والقاهرة عواصم ~~الإمبراطورية الإسلامية، وما ظهر منها في الغرب أيام مقام المسلمين بالأندلس ~~واطمئنان دولتهم في ربوعها. ~~(2) في عهد الانحلال # وإنما قضي على هذه الحرية، وأقفل باب الاجتهاد، حين بدأ عهد الانحلال. في هذا ~~العهد انقسمت الإمبراطورية على نفسها، واستبد الملوك بأممها المختلفة، وأصبح شأن ~~العلماء في تلك العهود المهلهلة أن يجدوا ما يؤيد سلطان هؤلاء الملوك. # فإذا خرج أحدهم على هذا اللون من التفكير، أو أراد محاربة المظالم التي تقع في ظل ~~هذا السلطان، اتهم بالكفر والزندقة وحلت به نقمة الحاكم. من ذلك العهد بدأ الجمود ~~يقيد الأذهان، وبدأت الحرية العقلية تزول من العالم الإسلامي، وارتد الناس إلى ~~جاهلية لا تقرها مبادئ الإسلام السليمة. # واستنادا إلى ما حدث في ذلك العهد ظن بعض المستشرقين، وبعض الجامدين من ~~المسلمين، أن الدين الحنيف لا يقر حرية الرأي وحرية التعبير عنه، ولو أن هؤلاء ~~رجعوا إلى الأدب الإسلامي شعره ونثره في عصر الأمويين وفي عصر العباسيين، وإلى ~~الفنون التي ازدهرت على أيدي المسلمين الذين عاشوا أثناء تلك العهود، في بغداد ~~وفارس وفي دمشق والقاهرة، وإلى ما كان منها في الأندلس، لرأوا نهضة في التفكير وفي ~~التصور وفي تصوير الآراء والمذاهب والفنون، تدل على حرية لا تزيد عنها حريتنا اليوم ~~في إبداء الرأي والتعبير عنه. # وفي عهد الانحلال الذي طرأ على الإمبراطورية الإسلامية كانت أوروبا المسيحية لا ~~تعرف حرية الرأي، فلم تكن هذه الحرية تمر لأحد منها بخاطر، وفي هذا العهد لما تكن ~~أمريكا قد اكتشفت. # وإنما بدأ الناس في أوروبا يثورون بالجمود الديني في القرن السادس عشر، ومع ذلك ~~لم تعترف دولها بحرية الرأي قبل القرن الثامن عشر، وفي ذلك العصر الذي مهد له ~~«فولتير» و«روسو» وأضرابهما في فرنسا، كان صاحب الرأي يحارب لرأيه، وكان يحبس أو ~~ينفى من الأرض، وكان يضيق عليه في رزقه، ms064 ولم يتقرر هذا المبدأ على نحو صالح ~~إلا بعد الثورة الفرنسية. # مع ذلك ظلت حرية الرأي تحارب الحين بعد الحين، حتى إذا قامت الفاشية والنازية ~~في هذا القرن العشرين، قضت عليها في إيطاليا وفي ألمانيا قضاء مبرما. ولهذا رأى ~~روزفلت وتشرشل ضرورة النص عليها في ميثاق الأطلنطي، واعتبراها الأساس الذي يجب أن ~~تقوم عليه الحياة الإنسانية، فالإنسانية المحرومة من حرية الرأي محرومة من أول ~~عناصر الحياة الإنسانية الصحيحة، ومن أقوى عنصر يدفع إلى التقدم في سبيل ~~الكمال. ~~(3) حرية الرأي والتعاون # أما والإسلام يقر حرية الرأي والتعبير عنه، فتعاون الدول الإسلامية مع الدول التي ~~تدين بغير الإسلام على أساس من هذه الحرية ليس ممكنا وكفى، بل هو واجب لخير الناس ~~جميعا على اختلاف أديانهم وأوطانهم. # والواقع أن التعاون غير مستطاع بين الأمم في عالم حر، إذا لم تكن حرية الرأي أساس ~~هذا التعاون، فصلة الأمة بالأمة كصلة الرجل بالرجل، لا تقوم إلا على أحد الأساسين: ~~التفاهم أو الإكراه. # والإكراه إذلال للروح، وتدمير لخير مقوماتها وفضائلها، فهو كذلك في أمر الفرد وفي ~~أمر الجماعة، وفي أمر الأمم وعلاقات بعضها ببعض. وهو هو الذي يثير الحروب وما تجر ~~إليه من آلام ودموع وخراب ودمار. # أما التفاهم فهو وحده الجدير بالإنسان، وليس للتفاهم سبيل إلا حرية الرأي، هذا ~~إلى ما تؤدي إليه هذه الحرية من خير يعم الإنسانية كلها في مختلف العصور ~~والأمم. # ولا حاجة بي إلى القول بأنا ننعم اليوم في كثير من معاركنا ومن مقومات حياتنا ~~بثمرات هذه الحرية بعدما دفع أصحابها حياتهم ثمنا لها، لأنهم رأوها أعز من الحياة، ~~ورأوها وحدها التي تصل بنا إلى الحقيقة، والحقيقة الإنسانية - وإن تكن نسبية - هي ~~التي أبلغتنا في هذا العالم ما بلغناه من رقي وحضارة. ~~(4) أثر الحرية في الأفراد والجماعات # ويسير عليك أن ترى ما لهذه الحرية من أثر في حياة الأفراد وفي حياة الجماعات، ~~فالعلاقات القائمة بين الأفراد على أساس من التفاهم الحر هي التي تبقى؛ لأن هؤلاء ~~الأفراد أقاموها مختارين لا يتحكم ms065 أحدهم في صاحبه، ولا يكرهه على شيء لا ~~يريده. # والأمر كذلك بخاصة إذا كان هذا التفاهم حرا غير مشوب بشائبة تجعل أحد الطرفين ~~يسعى للتخلص من نتائجه إذا واتته فرصة لهذا التخلص. وعلاقات الأمم القائمة على ~~التفاهم الحر شأنها كشأن علاقات الأفراد سواء، فإذا ارتقى الأمر من مستوى التفاهم ~~على المنافع الخاصة أو العامة إلى حرية كل فرد في إعلان رأيه، والتعبير عنه صادق ~~القصد حسن النية، كانت هذه الحرية أقدس شيء في الحياة وأعزه، ثم كانت إلى ذلك غذاء ~~الحياة الاجتماعية في الأمة، حافز الإنسانية كلها إلى التقدم خطوات فسيحة نحو ~~الحضارة المثلى. # وتاريخ الإنسانية يشهد بهذه الحقيقة، فقد تنقلت المدنيات في حقب التاريخ المختلفة ~~من الشرق إلى الغرب، ومن حوض البحر الأبيض إلى حوض الأطلنطي وإلى حوض الباسفيكي، ~~فلم تكن مدينة تزدهر ازدهارا حقيقيا في غير ظلال الحرية العقلية الصحيحة. # فإذا أظلت الحرية الناس، كانت الفلسفة وكان العلم والأدب والفن، ترتقي كلها ~~وتنتظم الجماعة في كل طبقاتها، وتدفع الجميع إلى الأمام، يتنافسون متضامنين في سبيل ~~الرقي، فإذا الصناعة تعظم، وإذا الزراعة تينع، وإذا التجارة تتضاعف ثمراتها، وإذا ~~النشاط الإنساني في شتى صوره يتضاعف تضاعفا هندسيا مضطردا # ثم لا يكون هذا كله رهنا بإرادة رجل يوجهه، فإذا مات الرجل تضاءل النشاط وذوت ~~مظاهره، بل كان ذلك قائما بذاته، حيا بحياة الجماعة المستظلة بعلم الحرية ~~العقلية، باقيا ما بقيت هذه الحرية تغذيه وتجري بواعث الحياة فيه. # والعالم بأسره يتمخض اليوم عن حضارة عالمية عامة، تشمل العالم كله في كل أرجائه ~~وأقطاره، ولا سبيل لهذه الحضارة أن تقوم وتزدهر إلا أن تظل الحرية العقلية ~~العالم بأسره، وأن يتعاون الناس من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب في ظلال هذه الحرية ~~لإقامة هذه الحضارة وتثبيت أركانها. وما كان دين من الأديان، ولا كانت عقيدة من ~~العقائد، لتحول دون هذا التعاون؛ فالأديان كلها أساسها الحق والخير، وكل حضارة تقوم ~~ويرجى لها البقاء لا يمكن أن تقوم أو تبقى إلا على أساس من الحق والخير. ms066 # الفصل الثالث # | الإسلام والتحرر من العوز # (1) الإسلام والحرية الاقتصادية # أبنت أن مقررات الإسلام لا تنفي حرية الاعتقاد، وتؤيد حرية الرأي. وحرية ~~الاعتقاد وحرية الرأي مبدآن من مبادئ الحرية الأربعة التي نص عليها ميثاق الأطلنطي، ~~أما المبدآن الآخران فهما تحرير الناس من العوز، وتحريرهم من الخوف. # فهل تؤيد مقررات الإسلام هذين المبدأين كذلك؟ وإن كانت هذه المقررات تؤيدهما، فهل ~~هذا التأييد مطلق أم محدود؟ # وقبل أن أجيب على هذين السؤالين، أود أن أوضح المفهوم من عبارة «التحرر من العوز» ~~و«التحرر من الخوف» وهذا التوضيح يقتضي بعض الرجعة إلى الماضي، والتذكير لما كان ~~فيه. # وأبدأ بالكلام عن التحرر من العوز: # فقد كان مبدأ الحرية الاقتصادية سائدا في القرن التاسع عشر على نحو يكاد يكون ~~مطلقا، وكان مذهب الفردية يعبر عن هذه الحرية الاقتصادية تعبيرا حل من نفوس الناس ~~- مدى قرن كامل - محل الإيمان. # والمذهب الفردي يقوم على أساس من حرية الفرد المطلقة فيما يصنع وما يدع، فلا شأن ~~للدولة بالفرد، ولا سلطان لها عليه، إلا إذا أخل بالأمن أو احتاجت الدولة إليه ~~للدفاع عن كيانها ضد معتد أجنبي. # من ثم، كانت الدولة حارسا للأمن في الداخل والخارج، وكانت وظيفتها محصورة في ~~حدود هذه الحراسة لا تتخطاها. # وقد أيد كثيرون من فلاسفة القرن التاسع عشر هذه الحرية واعتبروها من سنن الطبيعة، ~~ورأوها القوام الأساسي لحياة الجماعة، فإذا نجم عنها ظلم أو بؤس أو شقي بسببها ~~كثيرون، فتلك أعراض طبيعية لا مناص من الإذعان لها، كإذعاننا لثورة البركان إذا ~~ثار، ولهياج البحر إذا هاج، ولتدمير العواصف أو الصواعق ما تحصد وما تدمر. # وكان هؤلاء الفلاسفة ينظرون إلى ما تعانيه بعض الطوائف بسبب هذه الحرية على أنه ~~أمر طبيعي يعللونه تعليلا منطقيا، كما يعللون كسوف الشمس أو خسوف القمر أو ~~جاذبية الأرض من ظواهر الطبيعة، فإذا تحدثوا عن الأجور تحدثوا عن قانون الأجور ~~الحديدي كما يتحدثون عن جاذبية الأرض، وقالوا إن انخفاض الأجور وارتفاعها رهن ~~بقانون العرض والطلب، فحيثما ازدادت الأيدي العاملة نقص الأجر، وحيثما ms067 قلت ~~زاد. # والأجر ميال في نظرهم دائما إلى الانخفاض؛ لأن ازدياده في صناعة من الصناعات أو ~~حرفة من الحرف يدعو العمال إلى الإقبال على تعلم هذه الصناعة أو الحرفة، فيزداد ~~العرض على الطلب، وتنزل الأجور إلى مستوى الكفاف الذي يقيم به العامل أوده، فإذا ~~بلغت هذا المستوى، انصرف الناس عن هذه الصناعة أو الحرفة إلى غيرها. # لم تلبث الحرية الفردية التي تؤدي إلى هذه النتيجة إلا قليلا حتى طفرت بأفراد ~~إلى ذروة الثروة، بينما بقي المجموع العامل مضغوطا في حدود الكفاف. ونشأ عن ذلك أن ~~بدأت جماعات العمال تتكون في صور مختلفة تطالب في شدة بما تعتبره حقوقها. # عند ذلك لم يكن للدولة بد من أن تتدخل باسم الأمن والنظام بادئ الأمر، وباسم ~~العدل العام بعد ذلك، لتخفف من ضغط هذه الحركات الاجتماعية الناشئة. وترتب على ~~ذلك أن قررت بلاد مختلفة مجانية التعليم للجميع، وأقامت النظام الصحي المجاني ~~للجميع، ثم أصدرت تشريعات العمل تنص فيها على حقوق العمال في التعويض عن حوادث ~~العمل ومعاشهم للتقاعد. # ولقد كانت المذاهب الاشتراكية تجد في هذا التطور الاقتصادي والاجتماعي غذاء ~~يزيدها قوة وتغلغلا بين مجاميع العمال. ولما كانت الحرب العالمية الأولى قد اشترك ~~فيها ملايين من هؤلاء العمال من مختلف الأمم، فقد أسرع اشتراكهم هذا في نمو المذاهب ~~الاشتراكية في الأمم المستعدة لها، فكانت الاشتراكية الديمقراطية في فرنسا، ~~والاشتراكية القومية في ألمانيا، والشيوعية في روسيا. # على أن رأس المال ونظامه بقي له من السلطان حظ متقارب بين الدول التي أظلته. ~~وتقرير ميثاق الأطلنطي - إبان الحرب العالمية الأخيرة - حق تحرير الناس من العوز ~~كمبدأ للسلام تطور جديد في تصوير ما يجب أن يكون بين رأس المال والعمل من ~~علاقة. # فهل تقر مبادئ الإسلام هذا التحرير من العوز على أنه مبدأ من المبادئ التي يقوم ~~عليها المجتمع الإنساني؟ وهل تستطيع الأمم الإسلامية لذلك أن تشترك في تقرير ~~التفاصيل التي ينفذ بها هذا المبدأ مع الأمم التي تدين بغير الإسلام؟ ~~(2) مقررات الإسلام والتحرر من العوز # لا أتردد ms068 لحظة في القول بأن مقررات الإسلام تقر هذا التحرير من العوز وتدفع إليه، ~~فقد فرض الإسلام الزكاة، وقرر الصدقة وجعلها للفقراء والمساكين وأبناء السبيل ممن ~~عضهم الفقر بنابه، كما جعل لها مصارف أخرى هي مرافق الدولة العامة. # وقد جعل القرآن في أموال الأغنياء حقا معلوما للسائل والمحروم. ولما بدأت ~~الأموال ترد من البلاد المفتوحة إلى مقر الخلافة في عهد عمر فرضت للناس أعطيات لم ~~تقتصر على المحاربين وعلى علية القوم، بل كان منها لكل فقير حق مدون في دفاتر ~~العطاء، اعتبره الخليفة واعتبره أولو الرأي الحد الأدنى لمستوى المعيشة ~~العربية. # إن الإسلام يقر الاشتراكية ويقر الملكية الخاصة ويقر الميراث، وما دام الأمر كذلك ~~فالمقادير التي ترضاها الجماعات في نظامها من هذه المذاهب والنظم متروك تقديرها ~~لساستها ولأولي الأمر فيها، فكما أن لهم أن يجبوا من الضرائب ما يكفل التعليم ~~العام والصحة العامة ومرافق الدولة جميعا، على النحو الذي يتصوره أهل عصرهم، فلهم ~~كذلك أن يضعوا للأجور حدا أدنى، وأن يحرروا الناس من العوز على الوجه الذي يتفق ~~مع المصلحة العامة، وأن يعينوا الحد لهذا التحرير. # فلن يقال إن عمر بن الخطاب رضي كذا حدا أدنى لعطائه، ليكون هذا التعيين ملزما ~~اليوم، فلكل زمن تقديره وتصويره، والتشريع يجاري تصور الناس في زمن بذاته، ما دام ~~هذا التصوير لا يتنافى مع المقررات الأساسية للإسلام. # وكيف يرتبط المسلمون اليوم بحد تقرر من قبل لأدنى مستوى العيش، وقد تغيرت الأوضاع ~~الاجتماعية والاقتصادية للحياة خلال القرون التي انقضت من صدر الإسلام إلى عصرنا ~~الحاضر، تغيرا جعلها شيئا آخر غير ما كانت. # وحسبك أن تذكر الانقلاب الذي طرأ على العالم بقيام الصناعة الكبرى فيه، وأن تذكر ~~كيف أثار هذا الانقلاب الإنتاج والتوزيع وكيف اهتز بسببه ما كان مستقرا في العالم ~~ألوف السنين من علاقة بين رأس المال والعمل، لترى ما بين العهدين من فرق ~~هائل. # والانقلاب الصناعي وليد القرن الماضي، ما بالك بما حدث من انقلابات اقتصادية ~~قبله، وما بالك بما سبقه وما عاصره من انقلابات ms069 اجتماعية! أما والأمر ما ترى، ~~فالتقيد بما تقرر في الماضي لا يمكن أن يتفق مع أوضاع الحاضر ونظمه. # هذا، ثم إن الناس كانوا يشكون في الماضي من القحط يصيب أمة من الأمم، أو طائفة ~~من الأمم، أما اليوم فأكثر ما يشكو الاقتصاديون منه زيادة الإنتاج على حاجات الناس ~~زيادة تؤدي إلى العطلة، وتؤدي إلى الاضطراب الاقتصادي، وإذا قلت الناس، قصدت بني ~~الإنسان في مختلف أقطار الأرض؛ فقد يسرت وسائل النقل تداول الحاصلات والمنتجات ~~الزراعية والصناعية، ولم يبق الخوف من القحط يساور أحدا في أيام السلم. # أما وزيادة الإنتاج خطر يهدد العالم الحين بعد الحين، فرفع مستوى العيش وتعيين حد ~~أدنى لحاجات الإنسان أدخل في باب العلاج الاقتصادي، وهو في نفس الوقت علاج للأحوال ~~الاجتماعية التي تثير الطوائف بعضها ببعض، كما أنه يتفق مع ما يجب للإنسان من كرامة ~~ترتبط بوجوده كقوة عاملة، ينتج عملها الخير الوفير للجماعة الإنسانية كلها. ~~(3) الطمأنينة وزيادة الإنتاج # والوقع أن ما في العالم من خيرات تتزايد كل يوم بفضل العلم، وما يمكن للإنسان من ~~التحكم في قوى الطبيعة تحكما يكفل للناس أن يعيشوا جميعا عيشا إنسانيا ~~معقولا، فإذا كان أكثرهم لا يزالون في عوز فمرجع ذلك إلى سوء التوزيع. # وقد عالج الاشتراكيون مشكلة سوء التوزيع بين رأس المال والعمل واقترحوا لها شتى ~~ألوان العلاج، وغير الاشتراكيين يرون في المقترحات الاشتراكية، أو المتطرف منها ~~بخاصة، ما لا يتفق وما في الطبيعة الإنسانية من عوامل هي التي تدفعها لزيادة ~~الإنتاج كما ونوعا، فإذا كان تحرير الناس من العوز يعالج مشكلة التوزيع، ويزيد ~~الجماعات الإنسانية تمتعا بالخيرات الكثيرة الموجودة في العالم، فواجب على الأمم ~~الإسلامية أن تشترك في تنظيم هذا التحرير، وقد أصبح جوهريا لحياة العالم ~~وطمأنينته والنتائج التي يصل إليها الساسة وأولو الرأي فيه، تمس كل واحدة من هذه ~~الأمم كما تمس سلام العالم مساسا مباشرا. # فإذا استطاع الساسة وأولو الرأي أن يبلغوا من هذا التحرير غاية محمودة، أدى ذلك ~~إلى تقدم العالم خطوة جديدة في سبيل الكمال، ms070 فمن شأن الطمأنينة إلى العيش أن تزيد ~~مستوى الإنتاج، وليس قصدي من الإنتاج ما تثمره الزراعة والصناعة وكفى، بل أقصد كذلك ~~إلى ثمرات العلم والفن، فكم قتل العوز من ملكات، وكم قضى على مواهب كانت - لولاه - ~~متحفزة لأن تنتج للإنسان في حياته العقلية وفي حياته المعنوية وافر الخير! # وإذا صحت شكوى الاقتصاديين من وفرة الإنتاج المادي، فلا يزال العالم يشكو الفقر ~~المعنوي، ولا يزال يطمح للرقي بالنفس الإنسانية إلى مستوى تعرف فيه معنى الرضا، ~~وتطمئن إلى قيم خلقية يتواضع الناس في الحياة الخاصة وفي الحياة العامة عليها، ~~وتكون مرجعهم في حسم كل نزاع يقع بينهم في الحياة القومية أو في الحياة ~~الدولية. # وهذا الطموح فأل خير لا ريب، فاليوم الذي يتفق الناس فيه على هذه القيم هو اليوم ~~الذي يتحررون فيه من الخوف من غير حاجة إلى قوة قاهرة تكفل لهم هذا التحرير، وإلى ~~أن يجيء اليوم الذي يصبح فيه الإيمان العالمي بالقيم الخلقية كفيلا وحده بتحرير ~~الناس من الخوف يجب أن نرد هذه الكفالة إلى أسباب وقوى أساسها التعاون الدولي على ~~هذا التحرير. # الفصل الرابع # | الإسلام والتحرر من الخوف # (1) عصبة الأمم ومخاوف الناس # لما أعلنت أمريكا الحرب على دول الوسط في الحرب العالمية الأولى، كان الرئيس ولسن ~~رئيس جمهورية الولايات المتحدة إذ ذاك، وكان رجل مبادئ يؤمن بها ويقررها عن عقيدة ~~واقتناع، وكان من عباراته المأثورة عن تلك الحرب أنها أثيرت لإنهاء الحروب كلها، ~~وأن الغرض منها أن يكون العالم آمنا لاستقرار الديمقراطية فيه. # وكانت فكرة عصبة الأمم مما أريد به إنهاء المنازعات بين الدول بالتحكيم، فلما ~~وضعت تلك الحرب أوزارها وانعقد مؤتمر السلام وألحق عهدة العصبة بمعاهدة فرساي، رأت ~~أمريكا في هذه العهدة خروجا بها على مبدأ منرو، وجرا إياها إلى المعترك الدولي، ~~بمقدار لا مصلحة لها فيه، فرفضت العهدة ولم تنضم إلى العصبة. # مع ذلك تألف عصبة الأمم، وعلق الناس على تأليفها كبير الرجاء في أن تحل المنازعات ~~الدولية بالتحكيم، وأن تفرض العقوبات على من يخالفها، بذلك ms071 اطمأنت مخاوفهم من وقوع ~~حرب جديدة. # وزادهم اطمئنانا أن الدول الكبرى أخذت تعمل على تحديد التسليح، تريد الوصول إلى ~~الحد الأدنى منه، فانعقدت المؤتمرات المتعاقبة، واتخذت فيها قرارات زادت الناس ~~أمنا من الخوف، ومع أن موسوليني قام في إيطاليا منذ سنة 1933، فألغى النظام ~~الديمقراطي وأقام النظام الفاشستي على أنقاضه، لم يدر بخاطر أحد يومئذ أن تهدد ~~إيطاليا سلام العالم أو تخرج على ما تقرره عصبة الأمم. # فلما تولى هتلر أمر ألمانيا، وجعل يقوي فيها روح القومية الجرمانية، بدأت مخاوف ~~بعض الساسة تثور، بينما بقي أكثرهم يرى فيه وفي عمله لرقي ألمانيا عنصرا من عناصر ~~السلام. ولم تمض سنوات حتى بدأت ألمانيا تعلن عن حاجتها لمجال أوسع من حدودها التي ~~رسمت في معاهدة فرساي، ثم بدأت تفكر في ضم الجنس الألماني في أوروبا تحت كنفها؛ ~~فضمت إليها النمسا، ثم ضمت السوديت، ثم طالبت بدانزج وبالممر البولوني. # عند ذلك رأت إنجلترا أن الأمر لم يبق مقصورا على طلب ألمانيا لمجال حيوي يظهر ~~فيه نشاطها، وأنها تريد التحكم في أوروبا للتحكم بعد ذلك في العالم، فكانت الحرب ~~العالمية الثانية نتيجة لتطور الحوادث في أوروبا بين سنة 1935 وسنة 1939. ~~(2) التفكير في منع الحرب # ومنذ بدأت الحرب الثانية عاد الناس يفكرون في الوسيلة لاتقاء الحرب، ولذلك كان ~~التحرر من الخوف رابع المبادئ التي وقعها الرئيسان روزفلت وتشرشل في ميثاق ~~الأطلنطي. والتفكير في اتقاء الحرب في المستقبل يشغل بال الناس جميعا إلى اليوم، ~~ولذلك كثرت المؤلفات التي وضعت تصويرا لهذا التفكير كثرة تزيد على أضعاف مثلها في ~~الحرب العالمية الأولى، وللناس عن التفكير في هذا الأمر أكبر العذر، فما تدمره ~~الحرب من أموال وأرواح مزعج مروع، ولا يقاس الدمار الذي تم في حروب نابليون كلها ~~بما وقع من الدمار في أي عام واحد من أعوام الحرب الأخيرة. # والعلم يكشف كل يوم عن جديد، هو في السلم نعمة وأداة رفه وخير، وهو في الحرب نقمة ~~وأداة دمار وموت. فإذا اطرد تقدم العلم ووقعت حرب كبرى ثالثة فلن ms072 يقف تدميرها عند ~~حد، ولن تودي بالحضارة الأوروبية أو بالحضارة الغربية وكفى، بل ستودي بكل ما في ~~العالم من مظاهر التقدم وآثار الإنسانية، لا عجب وذلك هو الشأن أن يعظم التفكير في ~~اتقاء الحرب في المستقبل. # وليس من غرضي أن أشير إلى ما أبدي من الآراء لضمان السلام في المستقبل، فالإشارة ~~إلى هذه الآراء لا يكفيها مثل هذه الدراسة ولا تكفيها عدة دراسات. فهل تتفق مقررات ~~الإسلام ومبدأ التحرر من الخوف اتفاقا يطوع للأمم الإسلامية أن تشترك في المجهودات ~~التي تبذل في سبيل هذا الغرض من جانب الأمم التي تدين بغير الإسلام؟ # وليس يكفي في الإجابة عن هذا السؤال أن أقول إن مقررات الإسلام لن تتنافى مع هذا ~~المبدأ ولا تحول بين الدول الإسلامية والاشتراك في المجهود الذي يبذل لتحقيق هذا ~~الغرض الإنساني العظيم، بل أقول في صراحة وقوة إن مقررات الدين الإسلامي تفرض على ~~الدول الإسلامية الحريصة على حريتها وحرية الشعوب جميعا أن تشترك في كل مجهود ~~يبذل في تحقيق هذه الغاية حماية لشعوب الأرض كلها من أن تكتوي بنار الحرب وأن تنزل ~~بها ويلاتها كرة أخرى. ~~(3) الإسلام دين سلام # فالإسلام دين سلام ودعوة للسلام، والقرآن صريح في إنكار حرب الاعتداء صراحته في ~~الدعوة إلى الجهاد لدفع الاعتداء. # فإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فالإسلام صريح في وجوب دعوتهما إلى السلم، فإن ~~فاءتا فبها، وإلا وجب مقاتلة الطائفة التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله، فإن فاءت ~~وجب الإصلاح والصلح خير. فإذا أمكن اتقاء الاعتداء قبل وقوعه، وأمكن تنظيم هذا ~~الاتقاء، كان واجبا أن تشارك الأمم الإسلامية فيه، وألا تتردد لحظة في النهوض ~~بنصيبها العدل من أعبائه. # ولا يعترض على هذا بأن خطاب القرآن وجه فيه للمؤمنين، فللمسلمين صلات بسائر ~~الأمم يجب أن تنظم، وقد عقدت معاهدات صلح كثيرة في العصور المختلفة بين الدول ~~الإسلامية وغيرها من الدول، وفي بعض هذه المعاهدات أقرت بعض الدول الإسلامية ~~امتيازات للأجانب الذين يعيشون في أرضها، مبالغة منها في إظهار محبتها للسلم وحرصها ~~عليه. ms073 # والواقع أن هذه الحرية الرابعة والتي يراد بها تحرير الناس من الخوف، هي وحدها ~~التي تكفل طمأنينة الناس في أرجاء العالم كله إلى تلافي الحرب من الثلاث الأخرى ~~السابقة التي تحدثنا عن اتفاقها مع مقررات الإسلام. # فالاعتداء والتأهب له والخوف منه هو وحده الذي يحتج به من يشاء للحد من حرية ~~العقيدة ومن حرية الرأي، وهو الذريعة التي يطالب الناس باسمها أن ينزلوا عن الحد ~~الأدنى لمستوى المعيشة الإنساني، وإنما ازدهرت الحرية العقلية والحرية الروحية في ~~القرن التاسع عشر لأن الناس اطمأنوا إلى ما تؤدي إليه سياسة توازن القوى من منع ~~الحرب. # وقد تبين أن سياسة التوازن هذه إنما تؤجل الحرب ولا تمنعها، ولذلك أدت إلى ~~الحربين العالميتين اللتين أقضتا مضجع الإنسانية في هذا القرن العشرين. # ومن يوم نشبت الحرب العالمية الأولى، بدأت الاضطرابات الاقتصادية والاجتماعية، ~~فلم يستقر لحرية في العالم قرار، ولهذا اتجه الناس في مختلف الأمم يلتمسون الوسيلة ~~لمنع الحرب وإقرار السلام. # مع ذلك نشبت الحرب الأخيرة، فجرت على العالم ما جرت من ويلات ودمار وموت، ~~وجعلت الناس يعيشون في جو مكهرب لا قرار فيه لشيء، ولا يعرف أحد فيه ما كتب له في ~~غده. وليس مما يسيغ العقل أن يخرج الناس من نكبة ليقعوا في نكبة شر منها، إلا أن ~~يكون صوابهم قد طاش وهواهم قد ضل، ولهذا كان التفكير من جديد في منع الحرب أعظم ما ~~يشغل بال الناس جميعا في كل الأمم. فإذا لم يكن منع الحرب بتاتا أمرا تطيقه ~~الطبيعة البشرية، فلا أقل من تأجيلها أجيالا متعاقبة تتقدم أثناءها الإنسانية ~~وينضج خلالها ضميرها، حتى يكون أحفادنا أسعد حالا منا. ~~(4) دعوة الإسلام إلى حياة أفضل # وهذه الغاية هي بذاتها غاية الإسلام وغاية المصلحين الذين قاموا خلال العصور في ~~مختلف الأمم، يدعون الناس إلى حياة خير من حياتهم وإلى فضائل خير من فضائلهم. وقد ~~كان الجهد الذي بذل في هذا السبيل مقصورا في الماضي على أمة أو طائفة من الأمم؛ ~~لأن أسباب الاتصال العالمي لم تكن ms074 ميسورة، ولأن أجزاء غير قليلة من أرضنا كانت ~~مجهولة لآبائنا وأجدادنا. # أما اليوم، وقد جمعت أسباب الاتصال أجزاء العالم، ويسرت سبل التفاهم، فمن حقنا ~~أن يعظم أملنا في أن يكون الناس أسعد غدا مما كانوا بالأمس، وأن يكونوا أشد حرصا ~~على استدامة هذه السعادة فلا يسمحون لرجل أو لأمة أن تهددها أو تهدرها بحرب ~~جديدة. # وكيف لا يحرص الناس على استدامة سعادة قوامها حرية الرأي والتعبير عنه، وحرية ~~العقيدة وإقامة شعائرها والتحرر من العوز، والتحرر من الخوف؟! # لقد جاهد العالم منذ مئات السنين وألوفها ليحقق لبنيه شيئا فشيئا هذه الحريات، ~~وقد بذل من الجهد والدماء في هذا الجهاد العنيف الطويل ما يسجله تاريخ الإنسانية من ~~مبتداه إلى وقتنا الحاضر. # وقد ثبت في صحف هذا التاريخ أن كل نكسة كانت تصيب العالم فيما كسب من جهاده، كانت ~~تؤدي إلى أعظم الويل، وكان الناس يدفعون ثمنها غاليا، ثم إن هذه النكسات كانت تحدث ~~لأن بعض الشعوب كانت تتمتع بهذه الحريات وكان بعضها لا يجد الوسيلة إليها. # أما وقد أقر الناس جميعا في كل الأمم بما لكل إنسان من حق في أن يتعلم وأن ~~يقدر ما له وما عليه، فإن هذه الحريات الأربع ستسرع إلى الانتشار، وسيؤمن بها كل ~~إنسان أينما وجد من أرجاء الأرض، وسيرى واجبا عليه أن يدافع عنها إذا حدثت ~~معتديا نفسه أن يعتدي عليها. # فإذا استقر هذا الشعور في النفوس، وبلغ منها مبلغ الإيمان، قضى هذا الإيمان وحده ~~على فكرة الاعتداء، وقرب بين بني الإنسان في أرجاء العالم كله، فعاش الناس بفضل من ~~الله إخوانا. # ألمح في خاطري هذا اليوم السعيد يبزغ فجره، ويعم نوره، ويستمتع أبناؤنا وحفدتنا ~~بنعمته، فتمتلئ نفسي ابتهاجا وغبطة. ولعل هؤلاء الأبناء والحفدة يحدث بعضهم يومئذ ~~بعضا فيقول أحدهم لأصحابه: «ما أكثر ما في العالم من خير يكفي أبناءه جميعا ~~ليعيشوا في أمن ورغد، سعداء بعلمهم وبثمرات هذا العمل، فما بال آبائنا كانوا ~~يتناحرون ويقتتلون، فيقتل بعضهم بعضا؟» # ولعل منهم يومئذ من يقسو في الحكم ms075 علينا ويتهمنا في منطقنا وفي رأينا، ولو ~~أنصفونا لذكروا أن ما ينعمون به من سعادة إنما هو ثمرة هذا التناحر وهذا القتال، ~~وما ابتلينا به خلال القرون من ألوان الشقاء والبؤس، ولقال حكيمهم: «ما أشبه ما ناء ~~به آباؤنا من ألم بمخاض الأم حين تضع وليدها، فإذا أثمر هذا المخاض وليدا جميلا ~~نما وترعرع، وسعدت الأم به وبآلامها في سبيل وضعه! ويقدر هذا الحكيم من حفدتنا ~~سعادة أرواحنا يومئذ في ظل الله.» # فليثمر ما تنوء به الإنسانية، وما ناءت به خلال الأجيال من آلام، هذا العالم ~~السعيد يقول فيه أبناؤنا: «ربنا أنت السلام ومنك السلام فحينا ربنا ~~بالسلام». # الجزء الرابع # | الأماكن المقدسة في الشرق الأوسط # الفصل الأول # | الأماكن الإسلامية المقدسة # (1) فكرة الأماكن المقدسة # ألف الناس أن يعتبروا كل بناء أتى عليه القدم أثرا من الآثار، وأن يزوروه ~~بدافع من الطلعة، استزادة من المعرفة، وحرصا على أن يروا بأعينهم ما صنع الأسلاف ~~الذين طواهم الدهر في صحائف القبور منذ مئات السنين أو ألوفها، فالذين يزورون معابد ~~الفراعنة في مصر يزورونها توقا إلى العلم بحضارة سلفنا، وبالقواعد التي كانت هذه ~~الحضارة تقوم عليها، وبالمنشآت التي شادها أهلها، وذلك شأن الذين يزورون الأطلال ~~والآثار القديمة في كل بلد من البلاد. فأما المسلمون الذين يحجون بيت الله الحرام ~~بمكة ويزورون قبر النبي - عليه السلام - بالمدينة، فليس حب الاستطلاع هو الذي ~~يدفعهم لزيارة آثار قديمة توالت عليها القرون، وإنما يدفعهم شعور عميق بأنهم يؤدون ~~فرضا فرضه الله عليهم. وهم يرون الكعبة، ويرون القبر النبوي ببصرهم وبصيرتهم، على ~~أنهما متطلعان بحياتهم الروحية، كاتصال منازلهم بحياتهم المادية وبحياتهم ~~الاجتماعية. # وذلك شأن المسيحيين إذ يحجون بيت المقدس، إنهم يشعرون حين يدخلون كنيسة القيامة، ~~وحين يزورون كنيسة المهد ببيت لحم، بأن فلذة من حياتهم الروحية قائمة في هذه ~~الأماكن المقدسة، وبأنهم إذا بعدوا بأجسامهم عنها فإن أرواحهم تظل تهفو ~~إليها. # واليهود الذين يزورون المبكى ببيت المقدس، يخالط قلوبهم شعور كشعور المسيحيين، ~~وكشعور المسلمين في زيارتهم الأماكن المقدسة عندهم. # لست ms076 أعدو الحق إذن حين أقول إن هذه الأماكن تبقى على القرون جديدة أمام كل جديد؛ ~~لأنها تعتبر في نظر الذين يحجونها موئلا لأرواحهم، وملاذا لقلوبهم المتعطشة إلى ~~التطهر ترجوه حيثما تكون من بقاع الأرض، ثم لا تطمئن إلى أنها بلغت حظها منه حتى ~~تتم حجها. # هذا الالتجاء الروحي إلى مكان مقدس أمر جوهري في طبيعة الأديان جميعا، وهو كذلك ~~بنوع خاص في طبيعة الأديان السماوية الثلاثة التي نزلت بالشرق الأوسط: اليهودية ~~والمسيحية والإسلام. صحيح أن نشأة الأماكن المقدسة في الأديان الثلاثة تختلف ~~وتتباين تباينا كبيرا، لكن الفكرة التي شادت هذه الأماكن واحدة في الأديان ~~الثلاثة أو تكاد تكون واحدة، وليس عجبا أن يكون ذلك شأنها. وبين هذه الأديان ~~الثلاثة صلة أوثق الصلة، فقد قام المسيح بين قومه من يهود، يذكر لهم دينهم في صفاء ~~جوهره وينذرهم عذاب الله بأنهم حرفوا كلامه إلى موسى عن مواضعه منقادين وراء ~~أهوائهم ومطامعهم، مبتغين من عرض الحياة الدنيا ما يباعد بينهم وبين رحمة الله، ~~مندفعين بحكم هذه الأهواء والمطامع إلى حياة الظلم والإثم، كما ينذرهم بأن أغنياءهم ~~الذين يظلمون الفقراء لن يتقبل الله منهم، فدخول الجمل سم الخياط أيسر من دخول ~~الغني الباغي ملكوت الله. # والقرآن الذي أنزله الله على محمد - عليه السلام - يجادل النصارى ويجادل اليهود ~~بأن الله بعث لهم رسله بكلمة الحق، فزاغت عنها أبصارهم وبصائرهم، وبأنهم حرفوا كلام ~~الله في التوراة والإنجيل عن مواضعه، وأن النبي العربي إنما بعثه الله ليرد الحق ~~إلى نصابه، وليحق الحق ولو كره الكافرون، وقد بعثه الله مصدقا لما بين يديه من ~~التوراة والإنجيل. # من هذه الصورة السريعة البسيطة لما بين الأديان الثلاثة من صلة يتضح أنها ترجع ~~إلى أصل واحد، وتستمد وجودها في صفائه من ينبوع واحد، وهذا الأصل الأزلي الخالد هو ~~الحق جل شأنه، تجلى على موسى فكلمه تكليما، ونفخ في مريم من روحه فكان عيسى ~~كلمته إلى الناس، وأوحى إلى محمد آياته وكلمته هدى للناس وبينات من الهدى ~~والفرقان. # والينبوع الذي تستمد منه ms077 هذه الأديان وجودها في صفائه هو السمو بالروح عن كل ~~عبودية لغير الله، فالروح من أمر الله، وملكوت الروح في السماء لا في الأرض ، وإله ~~الروح واحد هو الله جل شأنه وتعالت أسماؤه. وقيام هذه الأديان الثلاثة تحيط به ظروف ~~متشابهة كل التشابه. # كان الناس في عهود الرسل الثلاثة يتخذون لأنفسهم أربابا من دون الله، ثم يتخذون ~~هذه الأرباب إلى الله زلفى، فجاءت الأديان الثلاثة صريحة في التقرير بأن الله لا ~~إله إلا هو الملك الحق، وأن الذين يتخذهم الناس أربابا من دونه ليس لهم شيء من ~~قدرته، لا يستطيعون أن يخلقوا ذبابا، ضعف الطالب والمطلوب، وأن الناس يجب لذلك ~~أن يقلعوا عن كل عبادة إلا عبادة الله، وعن الأمل إلا في وجهه الأكرم، وعن الاهتداء ~~إلا بنوره الذي أضاءت له السموات والأرض وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة. ~~••• # كان أهل مصر الفراعنة يصدقون فرعون إذ يقول لهم: # أنا ~~ربكم الأعلى # فبعث الله موسى إلى بني إسرائيل يصرفهم عن عبادة ~~فرعون إلى عبادة الله، وكان أهل فلسطين يذعنون لأرباب روما صاحبة السلطان فيهم، ~~وكان اليهود منهم يتملقون الحاكم الذي ترسله روما ويقرون ظلمه ابتغاء لرضاه عنهم، ~~وليمد لهم أسباب السلطان والمال، فقام المسيح فيهم يدعوهم إلى ملكوت السموات، وينذر ~~الأغنياء عذاب ربهم الأعلى. # وكان العرب في شبه الجزيرة يعبدون الأصنام، فبعث الله محمدا إليهم يدعوهم لعبادة ~~الله وحده ولنبذ الأصنام، وينذرهم عذاب يوم شديد إذا هم لم يبتغوا وجهه الأكرم، ~~ملتمسين إليه الوسيلة بالبر والتقوى. # ليس عجبا - والصلة بين الأديان الثلاثة ما قدمت - أن تتفق الفكرة التي أدت إلى ~~تشييد الأماكن المقدسة أو تكاد تتفق. وهذه الفكرة لا تقف عند تقديس المكان الذي نزل ~~الدين فيه، فأمرها ليس كذلك في اليهودية بالنسبة لحائط المبكى ولا للصخرة المقدسة، ~~وإنما جوهر هذه الفكرة تعيين المكان الذي يجتمع الناس فيه ليتوجهوا بقلوبهم إلى ~~الله، والذي يقبل الله فيه توبة التائب من آثامه، فنحن وإن اتصلت روحنا ببارئ ~~النسم جل شأنه، تغشانا بحكم حياتنا الدنيا ms078 أهواء وشهوات، تحجب ضياء الروح، فلا ~~يهدينا صراط الله المستقيم. # وكثيرا ما تدفعنا هذه الشهوات وهذه الأهواء إلى ألوان من المعاصي والآثام، تباعد ~~بيننا وبين رضا الله عنا، وحسن مثوبته جل شأنه إيانا. # حق أن الحسنات يذهبن السيئات، وإنما في عبادتنا حيث كنا نخفف من أوضار ذنوبنا، ~~لكن من الذنوب ما يثقل الروح فهي أبدا قلقة تريد أن تخلص منه، ونحن نتوب إلى الله ~~ونستغفره في كل صلاة وفي كل ساعة من ساعات الليل والنهار، وعفو ربي وسع كل شيء، ~~لكن التوبة النصوح، التوبة التي يتقبلها الله ويمحو ذنوب صاحبها، هي التوبة التي ~~نسعى إليها، ونتجشم المشاق في سبيلها، ثم نعلنها على ملأ العالم من بني ديننا. وهذه ~~التوبة هي التي تتم في إعلان صريح في المكان المقدس الذي اختاره الله لنا، كي يكون ~~بعضنا شهيدا على بعض، ولكي لا تلهينا العاجلة، فلا نكاد نعلن التوبة إلى الله حتى ~~نتورط في حياة الإثم من جديد. # هذه هي الفكرة الجوهرية القائمة بنفس كل مسلم، وكل مسيحي، وكل يهودي، يعتزم الحج ~~إلى المكان المقدس الذي اختاره الله لأهل دينه وملته، ففي سبيل طهر القلب، ونقاء ~~الروح مما يعلق بالنفس من أوضار الإثم، نذر وراء ظهورنا تلك البيئة التي أغرتنا ~~وغرتنا، ولعبت بأهوائنا، وعبثت بقلوبنا إلى بيئة طهور تتجلى فيها أرواحنا، وترتفع ~~إلى غاية ما تستطيع أن تسمو إليه من عوالمها المضيئة، فتصهر بحرارة إيمانها، ~~وبحرارة توبتها، ما علق بها أو تصبره على ملأ بني الدنيا لأن الدنيا مهد الخطيئة، ~~فليس منا من يستطيع أن يدعي أنه لم يأثم، بل كلنا تصدق فينا كلمة السيد المسيح ~~في مريم المجدلية: «من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر.» # فكرة التوجه إلى الله بالتوبة وطلب المغفرة هي التي أبقت الأماكن المقدسة جديدة ~~أمام كل جديد، وهي التي أنشأت تلك الأماكن أول أمرها، وهي الأساس لنشأة أقدم هذه ~~الأماكن وأكثرها قدسية، فمنذ فجر الإسلام كان الطواف بالكعبة يجمع كل معاني التوجه ~~لله، من شكر إلى رجاء إلى ms079 توبة واستغفار. # وكان الطواف بالكعبة يجمع هذه المعاني قبل الإسلام، فالعربي الجاهلي الذي كان ~~يطوف بالكعبة قبل أن يخرج إلى عمل يرجو منه الخير ، والذي كان يضرب بالقداح عند ~~هبل القائم في جوف الكعبة قبل أن يوفقه رب البيت إلى ما يبغي ونحن لا نزال إذ ~~نطوف اليوم بالبيت العتيق يحدونا الرجاء أن يحط الله عنا أوزارنا، وأن يوفقنا في ~~حياتنا إلى ما نحب ونرضى وإلى ما يحب ويرضى، ذلك شأننا جميعا حين نحج وإن اختلف كل ~~حاج في تصور الحياة وتصور معاني الرجاء والشكر والتوبة. # الفكرة التي شادت الأماكن المقدسة وأبقتها جديدة أمام كل جيل جيد، هي إذن فكرة ~~التوجه لله ابتغاء رضاه، والأمل في بلوغ الكمال الذي يقربنا من الله، ثم قصورنا دون ~~هذا الكمال، وقربنا في كثير من الأحيان من نقيضه، ورجاؤنا في الله بعد ذلك أن يغفر ~~لنا ما قصرنا وما أتممنا. وهذا الاضطراب بين الكمال ونقيضه يتعرض له الناس جميعا ~~على اختلاف أقدارهم واختلاف علمهم. # فهذا العاهل العظيم الذي ملك ~~الأرضين ودوخ الشعوب، وبلغ من ذلك ما بهر القلوب وشد إليه الأنظار، يرجع إلى نفسه ~~ساعات فيشعر بأن ما يراه هو ويراه الناس العظمة كل العظمة، ليس شيئا إلى جانب ما ~~ارتكب في سبيله من أوزار، وأنه لذلك أحوج إلى رضا الله عنه ولطفه به، حتى لقد يود ~~لو أنه لم يكن عاهلا عظيما، ولم يرتكب كل ما ارتكب من الخطايا. # هنالك تضعف نفسه ويستشعر الندم، ويريد أن يتقدم إلى بارئه بالتوبة، فيسعى إلى ~~المكان المقدس الذي يتوب الناس عنده حاجا مستغفرا مما اجترح في سبيل العظمة التي ~~طالما أغرته وضلته. وهذا الفقير الذي يكد ليله ونهاره لقوته وقوت عياله يشعر بأنه ~~لم يكن دائما طاهر النفس في سعيه وفي كده، وأنه طالما تمنى لجاره ما لا يتمناه ~~لمن يحب، وأنه في سبيل الحياة قد أثم وأذنب، وأنه لذلك في حاجة إلى التوبة تطهره ~~ليعود إلى ربه نقي الروح، جديرا بملكوت الله. # وبين هذين - بين ms080 العاهل العظيم والفقير الذي يكد ويسعى لقوته وقوت أهله - ~~تضطرب طبقات الإنسانية المختلفة بين القوة والضعف، وبين اليأس والرجاء، وبين الأمل ~~الخادع والخيبة اللاذعة ، وهي في اضطرابها يعبث بها الغرور تارة، ويعبث بها الضعف ~~أخرى، فإذا عبث بها الغرور أثمت، وإذا عبث بها الضعف أثمت، وعند ذلك تشعر بالحاجة ~~إلى التوجه إلى الله منيبة تائبة من آثام الغرور ومن آثام الضعف جميعا. ثم لا تجد ~~ملاذا لطهر الروح المتعطشة إلى الطهر إلا بالحج إلى الأماكن المقدسة، تعلن عندها ~~التوبة، وتغسل في ظلالها الوزر والحوبة. # من ثم كان شعور الحجاج إذ يبلغون هذه الأماكن المقدسة قويا، فياضا بمعان ~~روحية لا سبيل إلى تصورها في غير هذه الأماكن، وسنرى صورا من ذلك حين الحديث عن كل ~~واحد منها. ~~(2) الكعبة الشريفة # الإسلام أحدث الأديان السماوية ~~الثلاثة التي نزلت في الشرق الأوسط، وقد جاء النبي العربي مصدقا لما بين يديه من ~~التوراة والإنجيل، ومع ذلك فبيت الله الحرام بمكة أقدم الأماكن المقدسة بهذا الشرق ~~الأوسط، والسر في ذلك أن الأماكن المقدسة لليهود والنصارى لم تخلع عليها آي ~~القداسة إلا بعد أن نزلت اليهودية وبعد أن نزلت المسيحية. أما الكعبة التي يعظمها ~~المسلمون اليوم، فكانت مقدسة قبل بعث محمد بأجيال طويلة، وكان العرب يحجون إليها ~~أيام الوثنية والأصنام، حتى منع الإسلام غير المسلمين من حج البيت. # وقد ذكر القرآن قدمها في قوله تعالى: # إن أول بيت ~~وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين * فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن ~~دخله كان آمنا ~~، وقال تعالى: # وإذ ~~جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام ~~إبراهيم مصلى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن ~~طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع ~~السجود # إلى قوله جل من قائل: # وإذ يرفع ~~إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل ~~منا إنك أنت السميع العليم ~~. # هذه الآيات ترجع بناء البيت الحرام إلى إبراهيم وإسماعيل، وإبراهيم هو جد ~~الأنبياء عليهم السلام، يسبق في التاريخ موسى وعيسى. لا عجب إذن أن يكون بيت الله ~~الحرام بمكة أقدم ms081 الأماكن المقدسة في الشرق الأوسط. # قصة البناء # وقصة بناء إبراهيم وإسماعيل البيت قصة رواها المؤرخون على وتيرة تكاد تكون ~~واحدة، والمأثور أن إبراهيم طعن على قومه لعبادتهم الأصنام فاضطهدوه، ففر إلى ~~فلسطين ومعه زوجه سارة، ومن فلسطين سافر إلى مصر وتزوج فيها جاريته هاجر، وولدت ~~له هاجر إسماعيل، ثم ولدت له سارة إسحاق. # لم تطق سارة المقام مع هاجر فسافر إبراهيم بها حتى بلغ الوادي الذي تقوم به ~~مكة اليوم، وهناك تركهما وترك معهما ما يقتاتان منه، أفكان في هذا المكان ماء، ~~وكان على الماء خيام لبدو يقيمون عنده؟ هذا أمر اختلف فيه، تجري إحدى ~~الروايات بأن قبائل جرهم كانت تقيم على ماء في هذا المكان، وتجري رواية أخرى ~~بأن إبراهيم ترك هاجر وإسماعيل وحدهما وعاد أدراجه، وأن الماء نفد بعد أيام من ~~هاجر، فجعلت تسعى بين ربوتين، هما: الصفا والمروة، فلما سعت سبعا تطلعت إلى ~~ناحية ولدها إسماعيل، فألفته قد فحص الأرض برجليه، فنجم الماء من بئر هو زمزم، ~~واستقت هاجر وسقت ولدها، وحجزت الماء دون السيل، فجاءت جرهم فأقامت مع الأم ~~وابنها على الماء. # ولما شب إسماعيل تزوج فتاة من جرهم - بنت مقضاض بن عمر - وقد ذهب إبراهيم ~~لزيارة إسماعيل وأمه أثناء مقامهما بهذا الوادي، مرة قبل هذا الزواج ومرة بعده. ~~والروايات تجري بأن بناء الكعبة حدث في إحدى هاتين الزيارتين، وإن اختلفت على ~~كيفية حدوثه. # ذهبت رواية إلى أن جبريل أمر إبراهيم فركب البراق مع هاجر ومع إسماعيل، ~~وطاروا يريدون مكان بيت الله لبنائه، حتى إذا نزلوا مكة تعاون الأب والابن على ~~إقامة البيت. وفي رواية أخرى، أن إبراهيم جاء إلى مكة بعد أن شب إسماعيل وتزوج، ~~ووجده أبوه يبري نبالا تحت دوحة قريبة من زمزم، فتبادل التحية معه، ثم قال له: ~~«يا إسماعيل إن الله أمرني بأمر، أن أبني هنا بيتا.» وأشار إلى أكمة مرتفعة ~~عما حولها، وتعاون الرجلان على البناء، إسماعيل يجيء بالأحجار، وإبراهيم ~~يبنيها، حتى ارتفع البناء إلى قرابة قامة الرجل، فجيء بالحجر الأسود ms082 ووضع ~~مكانه، ثم تعاون الرجلان حتى تم البناء. # الحجر الأسود # والروايات في الحجر الأسود وأصله تختلف، قيل: جاء به جبريل من السماء، إذ كان ~~قد رفع إليها حين أغرق الطوفان. وقيل: جاء به جبريل من الهند حيث هبط به آدم من ~~الجنة، وكان أبيض ناصعا فاسود من خطايا الناس. وقيل: بل كان في جبل قبيس منذ ~~طوفان نوح، وكان مضيئا يكاد يذهب سنا ضوئه بالأبصار، وإنما سودته أنجاس ~~الجاهلية وأرجاسها. # وهذه الروايات على اختلافها تذهب إلى أن البيت العتيق كان ارتفاعه، حين أقام ~~إبراهيم وإسماعيل قواعده، تسعة أذرع، وأنه كان مستطيلا عشرين ذراعا في ~~ثلاثين، وأنه كان له بابان ملاصقان للأرض، وأنه لم يكن عليه سقف وإنما حفر به ~~بئر يكون خزانة له. ~~••• # هذا هو المتواتر في أمر بيت الله الحرام، وإقامته أول ما أقيم، على أن طائفة ~~من غلاة المعتقدين لا يرضون أن تكون هذه النشأة نشأته، ويحرصون على أن يردوا ~~أمره إلى ما قبل خلق الإنسان أو إلى أول خلقه، ذكر بعضهم أن الملائكة هم الذين ~~بنوا البيت، ذلك أن الله غضب عليهم حين قال لهم: # إني ~~جاعل في الأرض خليفة # قالوا: # أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن ~~نسبح بحمدك ونقدس لك ~~. # وأحس الملائكة غضب الله عليهم، فلاذوا بالعرش يتضرعون ويبكون إشفاقا من هذا ~~الغضب، ثم طافوا بعرش الله شيعا كما يطوف الناس بالبيت الحرام وهم يقولون: ~~لبيك اللهم لبيك، ربنا معذرة إليك، نستغفرك ونتوب إليك؛ فأنزل الله الرحمة ~~عليهم، ووضع تحت العرش بيتا هو البيت المعمور، وقال للملائكة: «طوفوا بهذا ~~البيت ودعوا العرش.» ثم أمر الله الملائكة من سكان الأرض أن يبنوا في الأرض ~~بيتا على مثال البيت المعمور، وأمر من في الأرض أن يطوفوا به كما يطوف أهل ~~السماء بالبيت المعمور. وتجري هذه الرواية بأن الملائكة بنوا هذا البيت الذي ~~يقوم بيت الله الحرام اليوم مكانه قبل خلق آدم بألفي عام. # أما رواية آدم وبنائه البيت الحرام، فتذكر أن آدم سأل ربه بعد أن ms083 هبط وزوجه ~~من الجنة: «يا رب، ما لي لا أسمع أصوات الملائكة ولا أحسهم؟» وأجابه ربه: ~~«بخطيئتك يا آدم، ولكن اذهب فابن لي بيتا فطف به، واذكرني حوله كنحو ما رأيت ~~الملائكة تصنع حول عرشي.» فأقبل آدم يتخطى الأرض حتى بلغ مكة فبنى البيت ~~الحرام، وقيل: كان هو يبني وحواء تنقل له الحجارة. # وفي رواية أن شيئا بنى الكعبة بعد آدم، ثم جاء الطوفان في عهد نوح فأغرق ~~الأرض وما عليها وأغرق بناء الكعبة، ثم بوأ الله لإبراهيم مكان البيت، فأقام ~~قواعده مع إسماعيل. # وليس في وسع مؤرخ أن يثبت شيئا - على سبيل القطع - عن الروايات التي وردت عن ~~بناء الملائكة أو بناء آدم أو شيث الكعبة. # وظلت الكعبة على بناء إبراهيم وإسماعيل زمنا لم يحدده مؤرخ، قيل: بناها ~~العمالقة وجرهم بعد ذلك، وقيل: بقيت كما بناها إبراهيم وإسماعيل إلى أن جدد ~~بناءها قصي بن كلاب الجد الخامس للنبي العربي. وتذهب الرواية التي تذكر بناء ~~قصي الكعبة إلى أنه خالف ما كان متبعا من ترك البيت قائما في الفلاة لا يبني ~~حوله أحد إعظاما لحرمته، وأمر الناس فبنوا حول البيت ولم يتركوا إلا قدر ~~المطاف. # خلاف حول الحجر المقدس # وأقام العرب يحجون الكعبة كما بناها قصي، إلى أن ولد محمد بن عبد الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وإلى أن بلغ الخامسة والثلاثين من عمره. وفيما أهل مكة يتمتعون ~~بحياتهم العادية، إذا سيل عظيم انحدر من الجبال وطغى على مكة، وأصاب الكعبة ~~فوهنها وصدع جدرانها، وفكرت قريش فيما تصنع بها، وبعد تردد هدم القوم البيت ~~الحرام حتى جداره، ونقلت قريش الأحجار من الجبال وبدأت البناء. فلما ارتفع إلى ~~قامة الرجل وآن أن يوضع الحجر الأسود المقدس مكانه، اختلفت القبائل أيها يكون ~~لها فخار وضعه في هذا المكان، وكادت الحرب الأهلية تنشب بسبب هذا الخلاف، لولا ~~أن قال أمية بن المغيرة المخزومي للقوم - وكان فيهم شريفا مطاعا - اجعلوا ~~الحكم بينكم أول داخل من باب الصفا. # وكان محمد بن عبد الله أول من ms084 دخل، فلما قص عليه القوم قصتهم، قال: «هلم ~~إلي ثوبا.» ونشر الثوب، وأخذ الحجر بيده فوضعه فيه، ثم قال: «ليأخذ كبير كل ~~قبيلة بطرف من أطراف هذا الثوب.» وحملوه جميعا حتى إذا حاذى موضع الحجر من ~~البناء تناوله محمد ووضعه في موضعه، وبذلك انحسم الخلاف، وأتمت قريش بناء ~~الكعبة ورفعت بابها عن الأرض، وسقفتها ووضعت هبل في داخلها، ووضعت معه ~~النفائس التي أهديت من قبل لها، والتي طالما تعرضت قبل سقفها لمطامع ~~اللصوص. # إعادة بناء الكعبة # وظل بناء الكعبة هذا قائما حتى آل الأمر إلى يزيد بن معاوية، وكانت عاصمته ~~دمشق، وكان عبد الله بن الزبير لا يزال بمكة ثائرا بالأمويين، وجرد يزيد جيشا ~~سار إلى مكة، وحاصر ابن الزبير بها، ونصب المنجنيق على جبال مكة ورمى الكعبة ~~بعشرة آلاف حجر، وهنت البناء وجعلته عرضة للحريق لما كان يخالط أحجاره من خشب ~~الساج. عند ذلك استشار ابن الزبير الناس ما يصنع بالبيت، وانتهى الأمر إلى هدم ~~الكعبة وإعادة بنائها. # وفي أثناء البناء نصب حول الكعبة سياج من خشب وجعلت عليه ستور حتى يطوف ~~الناس بمكان البيت ويصلوا إليه. # وبعد عشر سنوات حاصر الحجاج ابن الزبير وقتله، ثم غير أحد جدران الكعبة، ~~وسد الباب الغربي، ورفع البناء إلى ما كان عليه في الجاهلية، فلما تولى هارون ~~الرشيد سأل الإمام مالكا في هدم الكعبة وردها إلى بناء ابن الزبير، فكان جواب ~~مالك: «يا أمير المؤمنين لا تجعل كعبة الله ملعبة للملوك، لا يشاء أحد أن ~~يهدمها إلا هدمها.» وترك الرشيد البيت، لم يتعرض له. # بقيت الكعبة على بناء ابن الزبير وتعديل الحجاج إياه، لا يزيد المسلمون على ~~أن يقووا ما يعتريه الوهن منها، حتى كانت سنة 1040ه/1630م، إذ هطل بمكة مطر ~~هتون فدخل المسجد وارتفع حتى دخل الكعبة، وكان بناؤها قد وهن بعد أن انقضى عليه ~~قرابة ألف عام؛ لذلك سقطت جدرانها واحدا بعد الآخر، وترامى ما أصاب البيت ~~الحرام إلى الأقطار الإسلامية، فانزعج الناس فيها كما انزعج أهل مكة، فأجمع ~~الكل ms085 على المبادرة إلى عمارتها. # وأحيط البيت بسياج من الخشب يطوف به الناس ويصلون إليه، كما كان الأمر على ~~عهد ابن الزبير، وأنفق القوم في البناء ستة أشهر وأموالا طائلة، ولم يعيدوا من ~~الأحجار التي بنى بها ابن الزبير الكعبة إلا ما وجدوه صلبا قويا، أما ما وهن ~~فاستبدلوا به غيره. # على أن مشكلة خطيرة واجهتهم، فقد بدأ الحجر الأسود يتناثر الفتات منه، وللحجر ~~الأسود من القدسية حظ جعل المعماريين يلجئون إلى كل أساليب الفن ليعيدوا إلى ~~أجزائه صلابتها، ولما تم لهم ما أرادوا ربطوه بإطار الفضة الذي ربط به على عهد ~~ابن الزبير ووضعوه مكانه. # وبناء الكعبة هذا هو القائم إلى يومنا الحاضر، وهو الذي يطوف المسلمون به منذ ~~فرض الله الحج عليهم إلى الآن. ~~(3) المسجد الحرام ومشاعر الحج # قلنا إن الكعبة أقدم الأماكن المقدسة، وإنها أول بيت وضع للناس، فقد كان العرب في ~~الجاهلية يحجونها على اختلاف نحلهم، ويعتبرونها المكان الذي يقبل فيه التوجه إلى ~~الله، وتقبل فيه توبة التائب، كان لبعض قبائل العرب أماكن كالكعبة تعظمها وتحج ~~إليها، وكان لكل قبيلة صنم تتخذه إلى الله زلفى، لكنها كانت جميعا تقدر أن الحج ~~المقبول عند الله هو الحج إلى بيته بمكة. فإذا اكتفى رجل القبيلة بالتعبد لصنمه، أو ~~بحج البيت القائم بالطائف إن كان من ثقيف مثلا، لم يكن قد أدى ما عليه من فرائض ~~العبادة أداء كاملا، ولا بد له من زيارة البيت العتيق ليتم حجه وتقبل ~~توبته. # ولما تغلبت الحبشة على اليمن، وحكمها أبرهة، ظن أنه يستطيع أن يصرف أهل اليمن عن ~~بيت مكة إذا هو أقام لهم بصنعاء بيتا يحجونه ويولون وجوههم شطره. وأقام بصنعاء ~~بيتا له من الجمال ومن دقة الفن ما لم يكن لبيت مكة الذي تنزه ببساطته عن مجالي ~~الفن، فلم ينصرف أهل اليمن مع ذلك إلى بيت أبرهة عن البيت العتيق، بل ظلوا مؤمنين ~~بأن هذا البيت القائم بمكة هو وحده الذي يقبل فيه التوبة إلى الله، وتقبل فيه توبة ~~التائب. # وكانت ms086 الأشهر التي تعارف عليها ~~العرب قبل الإسلام على حج البيت فيها حرما، لا يحل فيها قتل ولا قتال، فإذا برز ~~الناس للحج من أنحاء شبه الجزيرة، وتخطوا أعلام الحرم، لم يجز لأحد أن يقتل أو ~~يقاتل، ووجب على الجميع أن يلوذوا بأهداب السلام، وأن يقفوا من مناوآتهم ومناوشاتهم ~~عند الفخر والتفاخر على نحو ما كان يقع بعكاظ وبغيرها من أسواق العرب، فإذا حدثت ~~أحدا نفسه بالجريمة في الأشهر الحرم فهو آثم قلبه. # لذلك وجد النبي - عليه السلام - فرصة الدعوة إلى دين الله في هذه الأشهر الحرم، ~~حين قاطعته قريش وألزمته وأصحابه بمكة شعبا من شعاب الجبل ثلاث سنوات متوالية، في ~~هذه الفترة الدقيقة من حياة الدين الناشئ، كان الرسول يخرج إلى الناس في الأشهر ~~الحرم، آمنا عدوان خصومه عليه، وكان يعرض نفسه على القبائل يدعوها إلى دين الله، ~~مطمئنا إلى أنه في حمى بيت الله. # وكان المسلمون قبل الهجرة يعظمون ~~البيت كما يعظمه غيرهم من سائر العرب. ومن يوم أسلم عمر بن الخطاب لم يرض عن ~~استخفاء المسلمين وذهابهم إلى شعاب مكة، يقيمون الصلاة فيها بعيدين عن أذى قريش، بل ~~دأب على نضال قريش حتى صلى عند الكعبة وصلى المسلمون معه. فلما هاجر رسول الله ~~والمسلمون معه إلى المدينة، بقي حنينهم إلى بيت الله بمكة يستحثهم إلى زيارته، وظل ~~ذلك دأبهم حتى ذهبوا عام الحديبية لحج البيت. فلما صدتهم قريش ذلك العام ذهبوا ~~العام الذي بعده، وفتح الله مكة بعد ذلك لدينه ولنبيه، فأصبح للمسلمين من الحرية في ~~حج البيت ما لغيرهم، وظل ذلك شأنهم إلى أن كان العام الذي سبق وفاة الرسول، والذي ~~حرم بعده على غير المسلمين أن يطوفوا بالبيت العتيق. # قبل الإسلام وبعده # وإنما اختلف أمر الكعبة في الإسلام عنه في الجاهلية بعد فتح مكة؛ لأنها كانت ~~في الجاهلية موئل الأصنام، وكانت تهدى إليها نفائس تحفظ في داخلها، وكانت بعض ~~الأصنام قطعا من الفن، كان هبل مصنوعا من العقيق على صورة الإنسان، فلما ~~كسر ذراعه أبدله القرشيون ms087 منه ذراعا من ذهب. وكانت بئر زمزم مطموسة ثلاثة ~~قرون في الجاهلية، فأعاد عبد المطلب جد النبي حفرها، فأخرج منها غزالتين من ~~الذهب كانتا مخبوءتين فيها. وكانت الملائكة مصورة على جدران الكعبة في صورة ~~النساء، وكان لإبراهيم صورة يستقسم فيها بالأزلام. فلما فتح النبي مكة عفى على ~~هذا كله، وطهر الكعبة من كل صنم وصورة، وأبقاها في بساطتها مثابة للناس ~~وأمنا. # وللمسجد الحرام قدسية تتصل بقدسية الكعبة، وهو اليوم فسيح لبضعة آلاف من ~~الأمتار، يتجاوز في صحته الرخام والحصباء، ويمتد النظر في كل ناحية منه حتى ~~تفقه عمد بينها وبين جدرانه بضعة أمتار، وتقوم فوق العمد والجدران قباب تحمي من ~~بالمسجد من الشمس والمطر، وهو لم يبلغ سعته هذه في عهد النبي ولا في عهد أبي ~~بكر، ولم يزد عمر وعثمان في مطاف الكعبة إلا قليلا، ولم يرفعا حوله بناء ~~كالذي نراه اليوم، وإنما أحيط المطاف في عهدهما بجدار قصير وكان غير ~~مسقوف. # وفي المطاف كان المسلمون يقيمون الصلاة، فلما اتخذ الأمويون دمشق عاصمتهم، ~~ورأوا عناية النصارى بكنائسهم وعمارتها وزينتها، رأوا أن يجعلوا للمسجد الحرام ~~مثل هذه العناية. وكان عبد الملك بن مروان أول من أمر في سنة خمس وسبعين ~~للهجرة، فرفعت جدر المسجد وسقف بخشب الساج الداكن المتين. وزاد الوليد بن عبد ~~الملك في عمل أبيه، فوسع المسجد وزخرف السقف، وأزر أسفل جدرانه بالرخام، وجعل ~~له شرفا. # وجاء العباسيون فزادوا في رقعة المسجد إلى ضعف ما كان عليه، وزينوه بالذهب ~~وأنواع النقوش، وكانت الكعبة في جانب من المسجد، فأمر المهدي أن تكون في وسطه، ~~ونفذ المهندسون أمره مع الاحتياط للسيول حتى لا تطغى على البيت الحرام. وظل ~~المسجد بعد ذلك موضع العناية من جانب الأمم الإسلامية في مختلف العصور إلى ~~وقتنا الحاضر. # أماكن لها حرمة # الكعبة هي أول ما يأخذ بنظر من يدخل المسجد بطبيعة الحال، هي بيت الله ~~الحرام، من دخله كان آمنا، وهي قبلة المسلمين في أقطار الأرض جميعا، لكن ~~بالمسجد فيما حول الكعبة أماكن لها عند ms088 المسلمين حرمة خاصة، هذه الأماكن هي: ~~مقام إبراهيم، وحجر إسماعيل، وبئر زمزم. والتاريخ لا يحدثنا عن الصورة التي كان ~~عليها مقام إبراهيم أو حجر إسماعيل في الماضي، بل لعل بعض المؤرخين يجدون عسرا ~~في إثبات المكان الذي يقوم فيه المقام أو الحجر حين كانت الكعبة قائمة ليس ~~حولها إلا المطاف، على أن حرمة المقام والحجر والبئر ترجع إلى اعتبارات تاريخية ~~وإلى نصوص في القرآن تدني هذه الحرمة من القدسية، وإن لم تدن بها من قدسية ~~البيت الحرام. # وهذه الحرمة تدعو المسلمين للقيام في هذه الأماكن بالصلاة إجلالا لها، ولا ~~عجب أن يصنعوا، وقد ورد في القرآن عن مقام إبراهيم قوله تعالى: # وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا ~~واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ~~. أما حجر إسماعيل ~~فيذكرون أنه كان يقع داخل رقعة الكعبة، كما أقام إبراهيم وإسماعيل قواعدها؛ ~~ولذلك كان أجر الصلاة فيه كأجر الصلاة داخل بيت الله. # ومقام إبراهيم يقابل باب الكعبة ويقابل الحجر الأسود، وهو يقع في جوار باب ~~أقيمت عمده وأقيم عقده من الرخام. ولما كانت الروايات لا تثبت للمصلين فيه ~~أجرا، كأجر المصلين في حجر إسماعيل، كان الذين يطيلون المقام عنده ~~قليلين. # أما حجر إسماعيل فيتصل بالكعبة ويقع في الناحية المقابلة للجدار الممتد بين ~~الركن اليماني والحجر الأسود، ويحيط به سور في نصف دائرة من الرخام يرتفع إلى ~~ما دون قامة الرجل العادي، والمصلون فيه أيام الحج يزحم بعضهم بعضا حتى لا ~~يكاد الإنسان يجد به مكانا إلا أن ينتظر حتى يخلي له غيره مكانه. # يقابل بئر زمزم حجر إسماعيل إلى الناحية الأخرى من بناء الكعبة، وقد أقيم ~~فوق البئر حديثا بناء يستره، أريد به منع مياهه من التلوث، وهذا البناء فخم ~~يدخل الإنسان إليه إذا وجد الوسيلة إلى الدخول، فيراه فسيح الأركان، ويرى فيه ~~الموكلين بإخراج الماء من البئر ليشرب منه من يطلبون البركة. فأما الذين يتاح ~~لهم دخول البناء والوصول إلى البئر، فيتوضئون من ماء زمزم، ويتضاعف بذلك ~~حظهم من البركة. # أبواب المسجد # وللمسجد الحرام ms089 فيما يقابل البئر والحجر والمقام أبواب عدة، لعل باب علي ~~أكثرها جمالا من الناحية الفنية، على أن باب الصفا هو الذي ينتقل منه الإنسان ~~إلى شعيرة من شعائر الحج والعمرة بعد الطواف، فالطواف بالكعبة أول ما يجب على ~~من يدخل مكة أن يقوم به، فإذا أتمه فعليه أن يسعى بين الصفا والمروة استجابة ~~لقوله تعالى: # إن الصفا والمروة من شعائر ~~الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن ~~يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر ~~عليم ~~. # والصفا والمروة كانتا ربوتين قائمتين في الفلاة تظلهما السماء ويمتد بينهما ~~المسعى، فلما بنى الناس حول الكعبة اعتدوا على أجزاء من المسعى حتى لم يعد ~~اليوم مستقيما، وحتى طغت الحوانيت والجدران والطرق القائمة حوله على بعض ~~أجزائه. # هذه الأماكن التي أشرت إليها هي أماكن الحج الإسلامي المقدسة داخل مكة، وهي ~~تتصل ببيت الله الحرام، وقدسيتها تفرض لها شعائر خاصة من العبادة تقررت أصولها ~~منذ عهد النبي - عليه السلام - ثم نظمت تفاصيلها على الأجيال أدق نظام. # الأماكن المقدسة خارج مكة # أما أماكن الحج الإسلامي المقدسة خارج مكة، فأولها عرفات، وقدسية عرفات لا ~~تتجلى إلا يومي الحج، وهما اليومان الثامن والتاسع من شهر ذي الحجة لكل عام. ~~وعرفة أو عرفات جبل، يبعد عن مكة عشرين كيلومترا أو نحوها، سطحه بطحاء فسيحة ~~تتسع لعشرات الألوف من الناس، فإذا كان اليوم الثامن من ذي الحجة صعد الحجاج من ~~مكة إلى عرفات زمرا، فألفوا خيامهم ضربت بها وأعدت لقضاء الليل فيها، فإذا ~~أصبح الصبح من يوم عرفة، رأيت هذا البطيح ممتدا أمامك لا يكاد يحيط بحدوده ~~نظرك، ورأيت الناس فيه جميعا لبسوا لباس الإحرام فهم سواسية، ورأيتهم يتوجهون ~~بقلوبهم وأفئدتهم إلى الله يلتمسون التوبة والمغفرة، فأنت تسمع استغفارهم منذ ~~صلاة الفجر لذلك اليوم إلى أن يفيض الناس من عرفات بعد صلاة العشاء فوق الجبل. ~~فإذا أفاض الناس من عرفات عاد خلاء كما كان لا يعمره إلا من يمرون به من البدو، ~~ثم يبقى كذلك إلى أن ms090 يستدير العام وتعود أيام الحج في العام التالي. # ويفيض الناس من عرفات إلى المشعر الحرام بالمزدلفة، يأخذون منه الجمرات إلى ~~منى. والمشعر الحرام مسجد قائم في عزلة الصحراء بين هذه الجبال القليلة ~~الارتفاع، والتي تتصل من مكة إلى عرفات. وقل أن يرى أحد من الحجاج مسجد المشعر ~~الحرام لأنهم يمرون به بعد الإفاضة ليلا، ولا يقيمون عنده إلا سويعات تطول أو ~~تقصر حسب ساعات الإفاضة، فمن أفاض بعد العشاء أتيح له أن يبقى زمنا إلى ما بعد ~~منتصف الليل، ومن أفاض من عرفات قبيل منتصف الليل لم يقف بالمشعر إلا ريثما يتم ~~جمع الجمرات. # ويبلغ الحجاج منى قبيل الفجر، ثم يقضون ثلاثة أيام يرمون فيها الجمار ويصلون ~~بمسجد الخيف، على أن الناس يهبطون من منى أول أيام عيد الأضحى ليطوفوا بالبيت، ~~ومنهم المحرم ومنهم من حل إحرامه، فإذا أتموا الطواف والسعي عادوا إلى منى ~~فقضوا بها أيام عيد الأضحى، ثم رجعوا إلى مكة ينظمون سفرهم منها إلى المدينة أو ~~عودتهم إلى بلادهم. # هذه هي الأماكن المقدسة التي تتصل بالحج عند المسلمين، وهذه الصورة السريعة ~~التي عرضتها عليك تدلك على أن ما كان خارج مكة من هذه الأماكن لا تتجلى حرمته ~~إلا في أيام الحج، فأما ما خلا ذلك من أيام السنة، فهو خلاء لا يشهده ولا يمر ~~به إلا المقيمون حوله، أما بيت الله الحرام، وأما المسجد الحرام، فتظل شعائرهما ~~متصلة طول العام، وعلى كل من دخل مكة أن يطوف بالبيت وأن يسعى بين الصفا ~~والمروة. # والمكان المقدس عند المسلمين بعد بيت الله، هو القبر النبوي بالمدينة. ~~(4) المسجد النبوي # قل من المسلمين من حج بيت الله الحرام بمكة، ولم يزر الحجرة النبوية ~~بالمدينة، وكثيرا ما كان الناس في بعض الأزمان يكتفون بزيارة القبر النبوي في موسم ~~رجب، وكان ذلك واضحا بنوع خاص أيام كانت سكة الحديد الحجازية ممتدة بين الشام ~~ومدينة الرسول. والحق أن قدسية المسجد النبوي والحجرة النبوية لا تقل في نظر ~~الأكثرين عن قدسية المسجد والبيت الحرام بمكة، ms091 وإن لم يفرض الإسلام لمسجد المدينة ~~شعائر خاصة به. # والمسجد النبوي بالمدينة يحتوي على الحجرة النبوية حيث دفن رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، ~~وحيث دفن الخليفتان الأولان أبو بكر وعمر، ومن هنا ازدادت قدسيته وازداد إقبال ~~الناس على زيارته. على أن لمسجد المدينة مكانة خاصة؛ لأن رسول الله هو الذي أقامه ~~في صورته الأولى، فهو لذلك مسجد أقيم خالصا للمسلمين. # فقد دخل رسول الله المدينة بعد هجرته من مكة، وليس له فيها مكان يقيم به، فلما ~~بركت الناقة التي كان يمتطيها عند مربد يجفف فيه التمر لغلامين يتيمين من بني ~~النجار، سأل - عليه السلام: «لمن المربد؟» وأجابه معاذ بن عفراء أنه لسهل وسهيل ~~ابني عمرو، وهما يتيمان له وسيرضيهما، ورجا رسول الله أن يتخذه مسجدا، وقبل النبي ~~أن يبني في هذا المكان مسجده وأن يبني داره. # وأمر رسول الله، فقطع ما بالمربد من نخل وغرقه وسوى ما كان به من قبور الجاهلية، ~~وجفف ما كان به من الماء، ثم بدأ البناءون يبنون المسجد والرسول معهم ينقل اللبن. ~~وإذ كان البناء بسيطا، جدره من اللبن وسقفه من الجريد وعمده من خشب النخل، فسرعان ~~ما تم. # وبني بيت رسول الله بجوار المسجد، وإلى أن تم بناؤه كان رسول الله يقيم بدار ~~أبي أيوب الأنصاري. # وكانت مساحة المسجد، حين أتم النبي بناءه لأول مرة، لا تزيد على خمسة وثلاثين ~~مترا في ثلاثين، وكان بحجمه هذا كافيا لصلاة المسلمين الأولين بالمدينة من ~~المهاجرين والأنصار، فلما أجلى النبي اليهود عن المدينة وأجلاهم عن خيبر، وخلصت ~~المدينة بذلك للمسلمين، لم يكن بد من أن يزيد النبي في رقعة المسجد، فجعله خمسين ~~مترا في خمسين، وكانت قبلة المسجد يومئذ من جذوع النخل، وقد بقيت متجهة إلى ناحية ~~المسجد الأقصى حتى عدل بالقبلة إلى ناحية الكعبة. # ولم يتخذ رسول الله لنفسه منبرا أول ما بني المسجد، بل كان يخطب الناس مستندا ~~إلى جذع نخلة كانت عمادا من عمد المسجد، فلما شعر أصحابه أن القيام شق عليه صنعوا ms092 ~~له منبرا من الخشب درجتين ومجلسا. # توسيع المسجد # وانقضت خلافة أبي بكر والمسجد كما كان على عهد النبي، فلما اطردت زيادة ~~المسلمين رأى عمر أن لا بد من الزيادة في المسجد، فزاد فيه خمسة أمتار من ~~الناحية الجنوبية ونقل القبلة إليها، ونحو ذلك من الناحية الغربية، وخمسة عشر ~~مترا من الناحية الشمالية، ولم يزد شيئا من الناحية الشرقية؛ إذ كانت بيوت ~~أزواج رسول الله أمهات المؤمنين. ولم تكن زيادة عمر المسجد إلا زيادة في رقعته، ~~أما فن البناء فبقي كما كان على عهد رسول الله؛ لأن العرب إلى ذلك العهد كانوا ~~يقصدون بالعمارة سد الحاجة الماسة على أبسط صورة. # وازداد سكان المدينة بازدياد رقعة الفتح الإسلامي، فشكا الناس إلى عثمان ضيق ~~المسجد يوم الجمعة، وشاور عثمان أهل الرأي من الصحابة، فأجمعوا على أن يهدم ~~ويزاد فيه. وهدم عثمان المسجد وزاد فيه بقدر زيادة عمر، ثم أحدث من التطور في ~~عمارته أن بنى جدره بالحجارة المنقوشة، وجعل عمده من حجارة منقورة، أدخل فيها ~~عمد الحديد، وصب فيها الرصاص ونقشها من خارجها، وجعل السقف من خشب ~~الساج. # الوليد يعيد بناء المسجد # وبقي المسجد على بناء عثمان حتى استقر الأمر للوليد بن عبد الملك الأموي، ولم ~~تبق للثائرين بالحجاز قوة. وقدم الوليد الحجاز حاجا وزار المدينة، فألفى ~~أحفاد علي بن أبي طالب يلوذون ببيت فاطمة إلى جوار المسجد، ورأى في ذلك تحريضا ~~قد يعيد الثورة مشبوبة بالحجاز من جديد. هنالك قرر أن يزيد في المسجد، وأن ~~يدخل بيت فاطمة وبيوت النبي جميعا فيه، لم يثنه عن ذلك جزع الناس وبكاؤهم ~~لإزالة هذه الآثار التاريخية الباقية للنبي ولحياته في المدينة. # وكان للوليد في العمارة وزخرفها رأي غير رأي العرب، فقد قضى حياته بدمشق وبين ~~الآثار المسيحية والرومية في الشام، وقد أقام والده عبد الملك بن مروان قبة ~~الصخرة ببيت المقدس فبز بها الكثير من الكنائس البارعة، لذلك لم يلبث حين استقر ~~رأيه على هدم مسجد النبي وإعادة بنائه، أن كتب إلى ملك الروم يستعينه ms093 بعمال ~~وفسيفساء. # وهدم عمر بن عبد العزيز عامل الوليد على المدينة مسجد النبي، وأدخل فيه حجرات ~~أزواج النبي وبينها حجرة عائشة، بذلك أصبح القبر النبوي داخل المسجد. وبالغ عمر ~~في تجميل المسجد: زخرف المحراب والشرفات والمنابر زخرفا لا عهد للعرب به، وعني ~~بسقف المقصورة النبوية عناية جعلته بدعا في الفن. وقد أعجب الوليد بن عبد ~~الملك بما رأى من ذلك حتى لقد نظر إلى أبان بن عثمان يقول له: «أين بناؤنا ~~من بنائكم؟!» لكن أبان أجابه: «إنا بنيناه بناء المساجد وبنيتموه بناء ~~الكنائس.» # حريق المسجد # تمت هذه العمارة سنة تسعين للهجرة، وظل المسجد قائما بها إلى سنة ست وستين ~~ومائة، حين جاء المهدي العباسي فأمر بزيادة المسجد، وزيد في ناحيته الشمالية ~~زيادة كبيرة اتخذت لها عمارة الوليد طرازا. واستقرت رقعة المسجد على زيارة ~~المهدي إلى سنة 654 للهجرة، إذ ترك موقد المصابيح مشعلا في مخازن المسجد، ~~امتدت النار منه إلى ما حوله، وسرت إلى المسجد فلم تبق على خشبة واحدة، أكلت ~~النار المنبر النبوي والأبواب والخزائن والنوافذ والمقاصير وما اشتملت عليه من ~~كتب، وامتدت إلى كسوة الحجرة، ووقع السقف الذي كان بأعلى الحجرة على سقف بيت ~~النبي، فوقعا جميعا في الحجرة وعلى القبور التي بها. # كانت بلاد الدولة الإسلامية حين ذلك في قلق واضطراب؛ لذلك اكتفت كل منها ~~بأن بعثت من مواد العمارة إلى المدينة ما أرضى عقيدتها. وقام أهل المدينة بما ~~يستطيعون من عمارة المسجد، لكن أحداث الاضطراب في رقعة المملكة كانت تقف العمل ~~وتجعله إذا سار يسير في غير خطة مرسومة. فلما تولى الظاهر بيبرس أمر مصر، بعد ~~ست سنوات من الحريق، جهز الصناع وكل ما يحتاج إليه البناء وبعث بذلك كله إلى ~~المدينة، وسار العمل في البناء حتى تم، وقام المسجد كما كان قبل الحريق. # لم يطرأ على عمارة المسجد بعد ذلك، إلى سنة ست وثمانين وثمانمائة، تغيير ~~جوهري، وكل ما حدث أن جدد سقفه أو زيد فيه طمعا من بعض أمراء البلاد ~~الإسلامية، وأمراء مصر بنوع ms094 خاص، في المثوبة. أما في سنة ست وثمانين وثمانمائة، ~~فقد انقضت صاعقة على مئذنة المسجد الرئيسية، فانتقلت النار من المئذنة إلى سقف ~~المسجد، ثم إلى البناء كله، حتى احترقت المقصورة والمنبر والكتب والمصاحف، ولم ~~يسلم من الحريق إلا الحجرة وقبة مبنية بصحن المسجد. # قايتباي يعيد المسجد # كان التطور الذي حدث في عمارة المسجد، بعد انقضاض الصاعقة عليه، أكثر وضوحا. ~~لقد رأيت كيف انتقل من بساطته الأولى إلى هذه العمارة الفنية البديعة التي ~~ابتغى بها الملوك والأمراء مثوبة الله. أما بعد حريق الصاعقة فقد وجد أمير مصر ~~الملك الأشرف قايتباي من أعادوا بناء المسجد على صورة بلغت غاية التأنق، واقتضت ~~من النفقة ستين ألفا ذهبا من الجنيهات. # كانت مصر هي التي تقوم بعمارة المسجد النبوي - أو بالحظ الأكبر منها في تلك ~~العهود - فلما آلت الخلافة لآل عثمان بالأستانة، وجه سلاطين آل عثمان إلى ~~المسجد عناية فائقة، ففي القرن العاشر الهجري عمره السلطان سليم الثاني وشيد به ~~محرابا جميلا لا يزال قائما إلى اليوم غرب المنبر النبوي. وفي القرن الثالث ~~عشر بنى السلطان محمود القبة الخضراء. # وفي عهد السلطان عبد الحميد، في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، لوحظ أن ~~المسجد بحاجة إلى العمارة بعد أن انقضى على عمارته أربعة قرون لم تحدث به ~~أثناءها عمارة هامة. وقد كان المهندسون يهدمون جزءا من المسجد ويقيمون مكانه ~~ما يحل محله، ثم يهدمون بعده جزءا غيره، حتى تمت عمارة المسجد كله فيما بين ~~سنة 1265، وسنة 1277 وقد زيد في الجدار الشمالي ما كفى لبناء مخازن ومكاتب ~~وأحواض للوضوء. وشيدت المئذنة المجيدية على طراز بالغ غاية الروعة والإبداع، ~~وبلغت نفقات هذه العمارة ثلاثة أرباع المليون من الجنيهات المجيدية. # خطوط رائعة # وقد سجلت هذه العمارة من آثار الفن الإسلامي في بناء المسجد ما لا يزال حتى ~~اليوم بهجة الأنظار، كتبت على جدران المسجد سورة الفتح، وأسماء الله الحسنى، ~~وقصيدة البردية، وأسماء النبي - عليه السلام - بخط بالغ غاية الروعة والدقة ~~الفنية. والخط العربي هو الذي حل محل ms095 التصوير والنقش، بعد أن حارب الإسلام ~~التماثيل والصور. وقد قضى الخطاط العظيم عبد الله بك زهدي عشر سنوات في كتابة ~~ما كتب على جدران المسجد من هذه الآيات الرائعة في عالم الفن. # هذه العمارة هي القائمة إلى اليوم، لم تزد عليها إلا بعض ترميمات في محاريبه ~~وفي أرضه وفي عمده. # الروضة النبوية # على أن ما أشرت إليه من أمر المسجد لم يتناول القسمين الهامين فيه، أقصد ~~القبر النبوي والروضة النبوية، والروضة هي الجزء الواقع من المسجد بين قبر رسول ~~الله ومنبره، وذلك لما روي عنه - عليه السلام - أنه قال: «بين قبري ومنبري روضة ~~من رياض الجنة.» والروضة تمتد اليوم إلى ما بعد منبر النبي ويطلق اسمها على كل ~~القسم الذي به عمد مسجد النبي. وقد نقشت عمد الروضة بالأزهار، وقام على جانب ~~منبر النبي محرابان آية في الدقة والجمال، وفرشت أرض الروضة بأثمن ~~السجاجيد. # وتعتبر الروضة النبوية من أكثر الأماكن الإسلامية تقديسا، فكل من أم ~~المسجد بدأ بزيارة القبر النبوي، ثم ذهب إلى الروضة يصلي فيها تحية المسجد، ~~ويبقى إلى الفرض الذي يلي حضوره، وقد يبقى بها إلى أكثر من فرض، وهو يجد فيها ~~المصاحف ودلائل الخيرات موضوعة على كراسيها، يقرأ فيها من شاء تبركا ~~ومثوبة. # فأما القبر النبوي والحجرة النبوية، فموضع الإجلال والتقديس، يؤمهما الزائر ~~لأول ما يدخل المدينة، كما يؤم الكعبة لأول ما يدخل مكة، ويتلو عندهما من ~~الدعوات ما شاء الله أن يتلو، ويصلي في الروضة على مقربة منهما ما شاء الله أن ~~يصلي. وجمال الحجرة والقبر في داخلهما يأخذ بالنظر، لكنهما يثيران في النفس من ~~العبرة ما يزيدها للنبي العربي إجلالا وتقديسا. # لقد كانت هذه الحجرة آية في البساطة يوم دفن فيها رسول الله، كانت قبرا ~~سوي على صاحبه عليه السلام، وظلت حجرة القبر على بساطتها إلى أن أمر الوليد ~~بن عبد الملك بضمها، وضم بيوت أمهات المؤمنين إلى المسجد، عند ذلك أقام عمر بن ~~عبد العزيز الحجرة فخمة لا تمت إلى بساطتها الأولى بأية صلة. ms096 ولقد أنكر أولو ~~الورع من المسلمين ما حدث من ذلك، وعدوه بدعة، ورأوا فيه خروجا على الأسوة ~~الحسنة. # لكن ذلك لم يغير شيئا من اتجاه المسلمين بعد إلى الناحية التي اتجه إليها ~~الوليد بن عبد الملك، فقد تجدد بناء الحجرة بعد ذلك غير مرة، وفي كل مرة كانت ~~عمارتها تزداد فخامة عن المرة التي سبقتها، ثم إن الحجرة كسيت كسوة مطرزة أجمل ~~طراز، ثم جعلت الهدايا تهدى إليها، وفي مقدمتها قناديل الذهب والفضة، وقد بلغ ~~وزن قناديل الذهب في وقت من الأوقات تسعة قناطير. كذلك أهديت للحجرة هدايا من ~~الأحجار النفيسة، كان بينها حجر من الماس أطلق عليه اسم الكوكب الدري، قدرت ~~قيمته بثمانمائة ألف جنيه ذهبا، وعلق تحت هذا الكوكب الدري كف من الذهب مرصع ~~بالجوهر في وسطه حجر من الماس أصغر من الكوكب الدري، هذا إلى نفائس كثيرة لا ~~تقدر بثمن. # لم يبق لهذه النفائس اليوم أثر بالحجرة، لأن تقلب الأحوال والنظم السياسية ~~على الحجاز في هذا القرن العشرين أدى إلى نقلها إلى حيث توجد اليوم. # القبر النبوي، والروضة، والمسجد النبوي، هذه هي المجموعة المقدسة التي تلي في ~~نظر المسلمين الكعبة بيت الله الحرام. وهي لا ريب مجموعة لا نظير لها بين ~~الآثار الإسلامية في قيمتها التاريخية وفي قيمتها الفنية. ~~(5) المسجد الأقصى # تناولت الفصول السابقة إلمامات سريعة عن الأماكن المقدسة بالحجاز، وننتقل الآن ~~إلى فلسطين، لنتحدث عن أماكنها المقدسة، وأولها المسجد الأقصى. # والمسجد الأقصى من الأماكن المقدسة عند المسلمين، لكنه يرجع في تاريخه إلى عهد ~~قديم سبق الإسلام والمسيحية واليهودية جميعا، وهو في سبقه الأديان الثلاثة، يشبه ~~الكعبة وإن لم يكن له قدمها. والمسجد الأقصى يقوم على الصخرة التي كان يقوم عليها ~~هيكل سليمان، وقد روي عن رسول الله أنه قال: «إن الله أوحى إلى داود، أن ابن لي ~~بيتا أذكر فيه.» فخط داود خطة بيت المقدس، فإذا تربيعها بدار رجل من بني إسرائيل، ~~فسأله داود أن يبيعه إياها فأبى، فحدث داود نفسه أن يأخذها، فأوحى إليه الله ms097 أن يا ~~داود أمرتك أن تبني لي بيتا أذكر فيه، فأردت أن تدخل في بيتي الغصب، وليس من شأني ~~الغصب، وإن عقوبتك ألا تبنيه. قال: يا رب فمن؟ ولدي؟ قال: ولدك. وبناه سليمان بن ~~داود. # وتذهب بعض الروايات إلى أن داود أقام بيتا صغيرا للعبادة، وأن سليمان هو الذي ~~أقام الهيكل من بعده. وفي رواية أخرى، أن البيت الذي أقيم على الصخرة المقدسة يرجع ~~في تاريخه إلى ما قبل داود، ولعله نسب إلى الملائكة أو إلى آدم كما نسب بناء ~~الكعبة. # وبنى سليمان الهيكل على الصخرة المقدسة التي اختارها أبوه بوحي من ربه، بناه ~~فخما على طراز هياكل المصريين القدماء، فجعل له بابا رفيع العمد، وجعل له من وراء ~~الباب بهوا فسيحا تقوم فيه العمد، ثم جعل من وراء البهو قدسا للأقداس. وكما اتخذ ~~طراز المصريين في نظام البناء اتخذ طرازهم في جلاله وفخامته وعظمته. ولم يكن عجبا ~~أن يبني سليمان على الطراز المصري الفرعوني، وكثيرا ما كانت مصر تغير على فلسطين ~~وتخضعها لحكمها، هذا إلى أن البلاد المشاطئة للجانب الشرقي من البحر الأبيض المتوسط ~~- مصر وفلسطين وفينيقيا واليونان - كانت دائمة الاتصال في شئونها التجارية والفنية ~~والثقافية. # احتراق الهيكل # كانت مصر حاكمة فلسطين قبل داود وسليمان، وقد استقلت فلسطين عن مصر في ~~عهدهما، ثم عادت بعد وفاة سليمان إلى مصر في عهد الفرعون شيشاك، وحكمت فارس ~~فلسطين بعد ذلك، فاحترق بيت المقدس واحترق الهيكل أثناء حكمها، ثم أقام حاكم ~~الإقليم بيت المقدس بأمر كسرى، ثم أقام الهيكل من غير أن يجعله في مثل جلاله ~~وعظمته يوم أتم سليمان تشييده. # كان حريق الهيكل في سنة 586 قبل الميلاد، وقد أعيد بناؤه في سنة 520 قبل ~~الميلاد. وأهديت إليه حاملات الشمع والمباخر المصنوعة من الذهب، فعوضته بعض ~~الشيء عما أصابه بعد بانيه الأول. # استقر اليهود بفلسطين من بعد موسى، واتخذوا من هيكل سليمان معبدهم والمكان ~~المقدس لشعائرهم، وإذ كانت فلسطين معرضة لغزو مصر وغزو الروم، فقد حصنوه أكمل ~~تحصين، وقووا عمارته وأكثروا ms098 من النفائس المهداة له، بذلك أصبح قلعة ومعبدا في ~~آن واحد، وقد حاصر الإمبراطور الروماني بومبي بيت المقدس في سنة 63 قبل الميلاد ~~فصمدت له، وكان حصن الهيكل المقدس من الحصون المنيعة التي قاومته، صحيح أنه ~~انتهى إلى إخضاعها، لكن مقاومتها كانت ذات خطر حين الحصار من ناحية، ومهدت ~~للثورة بالحكم الروماني بعد ذلك بقليل من ناحية أخرى. # هيرودس الفلسطيني # على الرغم من هذه الثورة تمكن هيرودس الفلسطيني من أن يكون عامل روما على ~~فلسطين، وأن يخضعها لحكم الإمبراطورية. وقد استطاع بمهارته أن يحمل اليهود من ~~رعاياه على إقراره على هدم الهيكل وإعادة بنائه. وقد هدمه وأعاد بناءه على صورة ~~من الفخامة، ضاعفت مساحة بعض الأجزاء فيه، ورفعت البعض إلى ضعف ارتفاعها السابق ~~وخلعت عليه بهاء أعاد له بهاءه حين بناه سليمان إن لم يزد عليه، كما جعل به من ~~النفائس أكثر مما كان فيه من قبل. # ظل هيكل سليمان المكان المقدس لليهود بفلسطين إلى أن استقرت المسيحية بها ~~وحاربت اليهودية فيها، وقد جنى ذلك على الهيكل حتى كاد يصبح أطلالا. فلما غزا ~~العرب سوريا ومصر، أحالوا الهيكل مسجدا، هو المسجد الأقصى، على أن اسم المسجد ~~الأقصى قد أطلق عليه في الإسلام، قبل غزو العرب بلاد الشام، وقبل دخولهم ~~فلسطين، أطلق عليه في القرآن لمناسبة حديث الإسراء في قوله تعالى: # سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من ~~المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا ~~حوله ~~. والمسجد الحرام هو مكة، والمسجد الأقصى هو الهيكل ببيت ~~المقدس، وورود هذه التسمية في القرآن تشهد بأن لفظ المسجد كان مستعملا عند ~~العرب لكل مكان للسجود والعبادة، وأنه لم يكن مقصورا - كما هو اليوم - على ~~أماكن العبادة الإسلامية. # فالمسجد الحرام لم يكن يزيد - يوم نزلت هذه الآية - على الكعبة ومطافها. وهذا ~~المسجد لم يكن يومئذ إسلاميا كما هو اليوم، بل كان للعرب جميعا على اختلاف ~~نحلهم، وكانت أصنام العرب قائمة فيه، والمسجد الأقصى لم يكن قد اتصل بالإسلام ~~والمسلمين في شيء إلا في حديث الإسراء. # الإسراء ms099 والمسجد الأقصى # والإسراء هو الذي جعل المسلمين يتطلعون، بعد أن فتحوا الشام ووضعوا أيديهم ~~على بيت المقدس، إلى المسجد الأقصى لجعله من أماكنهم المقدسة، فأكثر الروايات ~~التي وردت عن الإسراء تذهب إلى أن رسول الله قيد البراق بالصخرة المقدسة حين ~~بلغ به الإسراء إلى بيت المقدس، وأنه صلى على أطلال هيكل سليمان إماما ~~لإبراهيم وموسى وعيسى، وأنه عرج إلى السماء بعد ذلك متخذا من صخرة يعقوب ~~مرتكزا للمعراج. فلما بلغ سدرة المنتهى، وأتم الله آيته، عاد رسوله إلى بيت ~~المقدس فامتطى البراق كرة أخرى إلى مكة. # لا جرم، وذلك شأن المسجد الأقصى، أن يتطلع المسلمون إليه على أنه من أماكنهم ~~المقدسة، فإذا أضفت إلى ذلك أن المسجد الأقصى كان قبلة المسلمين يتوجهون إليه ~~في صلواتهم منذ بعث رسول الله، وطيلة مقامه بمكة، وفي السنتين الأولى والثانية ~~بعد هجرته إلى المدينة، إلى أن حولت قبلة المسلمين إلى المسجد الحرام، إذا أضفت ~~هذا الاعتبار إلى الإسراء لم يكن عجبا أن ترى المسلمين يتخذونه مكانا مقدسا ~~لهم، ويقيمون فيه حرما كالحرم المكي وكالحرم المدني، وأن يكون له عندهم من ~~القداسة ما لا يزال يقتضيهم عناية به كعنايتهم بالبيت الحرام والمسجد النبوي من ~~حيث العمارة والصيانة والرعاية. # الاهتمام بالمسجد # على أن المسلمين لم يعيروا المسجد الأقصى عنايتهم في عهدهم الأول، وما كان ~~لهم أن يفعلوا، وهم لم يفتحوا بيت المقدس إلا في عهد عمر بن الخطاب. وما كان ~~عمر ليفكر في عمارة المسجد الأقصى، أو في إقامة القبة على الصخرة المقدسة في ~~أعقاب الفتح، بينما المسلمون في شغل بمحاربة الروم وفارس، بل لقد كان تفكير عمر ~~متجها حين فتح بيت المقدس إلى إقناع أهلها حتى يستريحوا إلى حكم المسلمين، ~~ويرونه خيرا من حكم الروم. # لما تغلب عمرو بن العاص على القائد الروماني أرطبون في فلسطين، وكان على ~~أبواب بيت المقدس، أعلن بطركها صفرنيوس أنه يريد التسليم والصلح على شريطة أن ~~يجيء الخليفة عمر بنفسه إلى المدينة المقدسة، وسار عمر من المدينة إلى ميدان ~~الحرب ms100 لعقد هذا الصلح وإبرام شروطه وفتحت بيت المقدس أبوابها أمامه بعد توقيع ~~الصلح. وصحب صفرنيوس عمر يوما خلال المدينة يريه آثارها ومواضع الحج فيها، وإذ ~~أدرك عمر موعد الصلاة، وهو بكنيسة القيامة، طلب البطرك إليه أن يصلي بها، فهي ~~من مساجد الله، لكن عمر اعتذر بأنه إن يفعل اتبعه المسلمون، واعتبروا عمله سنة ~~مستحبة، فأدى ذلك إلى إخراج المسيحيين من كنيستهم، ثم صلى في مكان قريب من ~~الصخرة المقدسة على أطلال الهيكل. وفي هذا المكان أقيم من بعد مسجد عمر، وهو ~~الذي أطلق عليه اسم المسجد الأقصى، أقامه عمر من ساذج البناء، كمسجد النبي ~~بالمدينة يوم أقيم. # وظلت الدولة الإسلامية من بعد في شغل بحروبها طيلة عهد عمر وعثمان، ثم شغلت ~~بالخلاف ما بين علي ومعاوية، لذلك لم يفكر أحد في عمارة مسجد عمر ببيت المقدس ~~عمارة تضارع بيوت العبادة في بلاد الشام، وظل الحال على ذلك إلى أن تولى عبد ~~الملك بن مروان الأموي الحكم. # كانت الثورة على الأمويين ما تزال مشبوبة في الحجاز، وعلى رأسها عبد الله بن ~~الزبير بمكة، وكان هؤلاء الثائرون موضع عطف الكثيرين من العرب والمسلمين لأنهم ~~كانوا ينتمون إلى أهل بيت رسول الله، ثم إنهم كانوا سدنة البيت الحرام بمكة ~~والقائمين على شئون مسجد النبي - عليه السلام - بالمدينة، فكان حج المسلمين ~~واختلاطهم بهم يزيدهم عطفا عليهم. # قبة الصخرة # وقد أشرنا إلى أن عبد الملك بن مروان كان قد شغف بالعمارة البيزنطية لمقامه ~~بدمشق بين كنائس النصارى وآثارهم، وإنه لذلك كان أول من قام بعمارة البيت ~~الحرام بمكة على نحو زاوج بين البساطة وما يطمئن له فن العمارة. وإعادته بناء ~~البيت الحرام لم يكن أول عمل له في العمارة، فقد قام قبل ذلك بتشييد مساجد ~~بالشام فيها جمال فني يأخذ بالقلوب والأبصار، على أن أروع آياته في البناء ~~وأشدها أخذا بالنظر كان في عمارة قبة الصخرة وبناء المسجد الأقصى، فقد شاد ~~القبة على نحو بز ما قام به من بعد في عمارة البيت الحرام، بل ms101 لعله قد بز ما ~~بناه من المساجد والعمائر. # وقد دهش الناس لفائق عنايته ببناء قبة الصخرة، وترامت أنباء ذلك إلى مختلف ~~الأمصار الإسلامية، وتساءل كثيرون: ما قصده من هذه المبالغة في عمارة القبة؟ ~~وزاد في تساؤلهم أن عبد الملك حظر الحج على المصريين وأهل الشام بحجة الثورة ~~القائمة بالحجاز. عند ذلك أذاع عبد الله بن الزبير في الناس أن عبد الملك قصد ~~من بناء القبة والمسجد الأقصى إلى صرف الناس عن حج البيت الحرام والمسجد الحرام ~~إلى حج المسجد الأقصى والصخرة المقدسة متأسيا في ذلك بأبرهة حين بنى بيت صنعاء ~~ليصرف الناس عن بيت مكة. ويتعذر القطع بصحة ما أذاعه ابن الزبير من هذه ~~الدعاية، وبخاصة لأن ابن الزبير مات بعد ذلك بقليل، وعلى أثر موته استولى عبد ~~الملك على مكة، وقام بعمارة المسجد الحرام على نحو أرضى به ذوقه الفني، كما ~~أنسى المسلمين تلك الدعاية التي أذاعها ثائر الحجاز ضده. # وأرصد عبد الملك لبناء القبة مالا كثيرا، قيل إنه خراج مصر سبع سنين، وجمع ~~الصناع من الفينيقيين، واستعان بصناعة بيزنطية. وبعد أن وضع تصميم لبناء ~~القبة رضي عبد الملك عنه، تولى رجاله تنفيذ ذلك التصميم وأتموه على خير وجه. ~~ومع ذلك، بقي من المال الذي خصص لهذا الغرض مائة ألف دينار، أنفقت في عهد ~~الوليد بن عبد الملك لإتمام بناء المسجد الأقصى، ولتقوية أجزاء وهت منه. # ولم تكن عناية عبد الملك بعمارة المسجد الأقصى دون عنايته بعمارة قبة الصخرة، ~~فقد جلب له عمد الرخام، أقام عليها خمس عشرة قبة وسقفه بالخشب الجميل المتين، ~~وجمل به أربعة منابر وأربعة وعشرين صهريجا، وجعل له أبوابا كثيرة وعلق فيه ~~قناديل، بالغ الرواة في عددها حتى بلغ به بعضهم خمسة آلاف، ورتب له ثلاثمائة ~~خادم. # ظل المسجد، وظلت القبة بعد ذلك، أربعة قرون في يد المسلمين محاطة من آي ~~الإجلال والإعظام بما أحيط به البيت الحرام والمسجد الحرام، حتى لم يكن يباح ~~لغير مسلم أن يطأ أرضهما. فلما كانت أواخر القرن الخامس الهجري ms102 دخل الصليبيون ~~الشام وتقدموا إلى فلسطين ووضعوا يدهم على بيت المقدس في سنة 492 هجرية. وقد ~~أقاموا ببيت المقدس قرابة قرن كامل، حتى أجلاهم صلاح الدين الأيوبي عنه في سنة ~~ثلاث وثمانين وخمسمائة، بذلك عادت إلى المسجد وإلى القبة قدسيتهما الأولى، وعاد ~~حراما على غير مسلم أن يدخلهما أو يطأ أرضهما. # على أن الحروب الصليبية ظلت متداولة بعد ذلك بين المسيحيين من أهل أوروبا ~~والمسلمين القائمين حول البحر الأبيض المتوسط. وقد استولى الصليبيون أثناءها ~~على القدس غير مرة ثم أجلوا عنها، واضطربت شئون المملكة الإسلامية بعد ذلك ~~بسبب تعدد الدول واقتتال الملوك والأمراء إلى أن آل الأمر إلى آل عثمان. ولم ~~يغير ما حل بالمملكة الإسلامية من الاضطراب من حرمة بيت المقدس على المسلمين، ~~ومن حرمة المسجد والقبة بنوع خاص. فلم يبح لغير المسلم أن يدخلهما أو يطأ ~~أرضهما إلا بعد حرب القرم في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، ولم يبح ذلك إلا ~~بمقدار، وفي حدود ضيقة. # ولا يزال المسجد الأقصى، ولا تزال القبة، ولهما من القداسة عند المسلمين ما ~~كان لهما من قبل، على رغم تبدل الأحوال السياسية، وقدسيتهما هي التي تجعل الأمم ~~الإسلامية، وتجعل ملوك المسلمين يحرصون على عمارتهما الحين بعد الحين، وكيف لا ~~يذكر المسلمون المسجد الأقصى وهم يذكرون قوله تعالى: # سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد ~~الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله ~~لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير ~~، ~~إنهم سيذكرونه ويذكرون ما حوله مما بارك الله، وسيبقى هذا المسجد لذلك حرما ~~مقدسا ما بقي الإسلام وما بقي المسلمون. # الفصل الثاني # | الأماكن المسيحية المقدسة # (1) كنيسة المهد # تناولت الفصول السابقة عن الأماكن المقدسة بالشرق الأوسط إلمامات عن بيت الله ~~الحرام وعن المسجد الحرام بمكة، وعن المسجد النبوي بالمدينة، وعن المسجد الأقصى ~~ببيت المقدس، وهذه الأماكن المقدسة إسلامية كلها. # فلننتقل بالحديث الآن إلى الأماكن المسيحية المقدسة بفلسطين، وسنكتفي بأن نتناول ~~مكانين اثنين منها: كنيسة المهد ببيت لحم، وكنيسة القيامة ببيت المقدس. # كان في وسعنا أن نتحدث ms103 عن أماكن أخرى بفلسطين لها قدسيتها عند المسيحيين، لكننا ~~قصرنا حديثنا حتى الآن على الأماكن المقدسة التي لقيت على تعاقب الأجيال من العناية ~~بعمارتها ما رأيت. ولم يلق أثر مسيحي من هذه العناية بفلسطين ما لقيت كنيسة المهد، ~~وكنيسة القيامة. # ولا عجب أن يلقيا كل هذه العناية، وإحداهما تقوم ذكرا لمولد عيسى، والأخرى تقوم ~~ذكرا لدفنه قبل الصعود، ومولد عيسى وقصة صلبه ودفنه وصعوده معجزتان على التاريخ، ~~من أروع ما قص التاريخ. # مولد عيسى # فمولد عيسى معجزة في الإسلام، كما أنه معجزة في المسيحية، فقد نفخ الله من ~~روحه في مريم، فحملت فولدت عيسى، فكان ذلك آية من آيات الله. وفي ذلك يقول ~~تعالى: # واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت ~~من أهلها مكانا شرقيا * فاتخذت من ~~دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها ~~بشرا سويا * قالت إني أعوذ بالرحمن ~~منك إن كنت تقيا * قال إنما أنا رسول ~~ربك لأهب لك غلاما زكيا * قالت أنى ~~يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا * قال كذلك قال ربك هو علي هين ~~ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا ~~مقضيا ~~. # والرواية المسيحية تجري بأن مريم وضعت عيسى، لما أحست قر الشتاء عقب وضعه ~~حملته إلى مزود قريب منها كانت الأبقار تأكل فيه، أرادت بذلك أن يبعث إليه تنفس ~~الأبقار من الدفء ما يقيه قارس البرد في ذلك الفصل القرير. أما رواية القرآن ~~لمولد عيسى فهي: # فأجاءها المخاض إلى جذع ~~النخلة قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا ~~منسيا * ~~فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك ~~سريا * وهزي إليك بجذع النخلة ~~تساقط عليك رطبا جنيا * فكلي واشربي ~~وقري عينا ~~. ترى هل حملت مريم طفلها بعد ذلك إلى مزود ~~الأبقار لينال ما ابتغت له من الدفء؟ ذلك ما لا محل الآن للكلام فيه. # هيرودس يقتل الأطفال # ذكروا أن هيرودس - حاكم فلسطين من قبل روما في ذلك العهد - رأى في منامه ~~رؤيا أفزعته، فطلب إلى أهل العلم بالأحلام أن يفسروا له ما ms104 رأى، فذكروا له أن ~~من بين الأطفال الذين ولدوا في الأعوام الخمسة الأخيرة طفلا سيكون له شأن يقض ~~مضجع الإمبراطورية ويسوء أثره فيها. ورأى هيرودس أن الخير في قتل الأطفال الذين ~~ولدوا في هذه الفترة جميعا، وقتلهم ودفنهم في مغارة ببيت لحم. وكان عيسى قد ~~ولد في هذه الفترة، ففرت به مريم إلى غار أقامت به حتى فرغ هيرودس من ارتكاب ~~جريمته وقتل من قتل من الأطفال، ثم إنها تحملت بابنها ممتطية حمارا وسارت به ~~ومعها يوسف النجار حتى بلغت مصر، وهناك أقامت ثلاث سنوات في رواية، واثنتي عشرة ~~سنة في رواية أخرى، ثم عادوا بعد ذلك إلى مسقط رأسه ومقر آبائها وأهلها ~~بفلسطين. # أين ولد عيسى؟ # أين ولد عيسى؟ المقرر أنه ولد ببيت لحم، على مقربة من بيت المقدس، وسترى خلال ~~هذا الحديث تحديد المكان الذي ولد فيه، لكن قوما يذهبون إلى أنه ولد ~~بالناصرة، ويستدلون على ذلك بنسبته إليها. أليس هو عيسى الناصري؟ لكن أصحاب ~~الرأي المقرر لا يترددون في القول بأن تسميته عيسى الناصري لا ترجع إلى مولده ~~بالناصرة، وإنما ترجع إلى مقامه بها، وقيامه بتعاليمه فيها، وإلى ما نسب إليه ~~من المعجزات في بحيرة طبرية التي تقع الناصرة عليها. # ولسنا نأخذ بنصيب في هذا الجدل الذي ثار حول مولد عيسى، كما ثار حول مولد ~~الأنبياء والعظماء في مختلف العصور، وغاية ما نذكره أن المدة التي انقضت بين ~~مولد المسيح - عليه السلام - وبين إقامة الهيكل الذي شاده الإمبراطور قسطنطين ~~تذكارا لهذا المولد، هذه المدة تزيد على ثلاثمائة سنة. # هيكل قسطنطين # والهيكل الذي شاده قسطنطين هو النواة التي شيدت حولها كنيسة المهد على ما ~~نراها اليوم، وكنيسة المهد هي الأثر الذي يذكر مولد السيد المسيح كما تقدم، ~~وعلى مقربة منها تقوم مغارة أطلق عليها اسم مغارة الحليب، يذكرون أنها هي التي ~~أوت إليها مريم، وأقامت بها مع ابنها، بينما كان هيرودس يقتل الأطفال الذين ~~ولدوا في الفترة التي ولد فيها المسيح. وهذه المغارة جديرة بأن نقف بالقارئ ~~وقفة ms105 قصيرة عندها، بعد أن نتم حديثنا عن كنيسة المهد. # قدمنا أن هذه الكنيسة أنشئت حول الهيكل الذي أقامه الإمبراطور قسطنطين بعد ~~ثلاثة قرون من مولد السيد المسيح ذكرا لهذا المولد، ولم يكن الموضع الذي أقيمت ~~به خلاء يوم أقام قسطنطين الهيكل، بل كان به معبد لادونيس - أقيم في عهد ~~الإمبراطور هادريان - فأمر به قسطنطين فهدم، وقام الهيكل المسيحي مكانه. وسنرى ~~حين الكلام عن كنيسة القيامة التي أقامها قسطنطين كذلك أنها قامت على أطلال ~~معبد أقامه هادريان ببيت المقدس لعبادة الزهرة، أمصادفة هذه؟ أم هي دليل على أن ~~هادريان كان يتعقب آثار المسيحية ويقيم فيها المعابد الوثنية، ليعفي على الدين ~~الجديد قبل أن يستفحل أمره؟ # كان الهيكل الذي أقامه قسطنطين جميلا، ولكنه لم يكن فسيح الجنبات، فلما آل ~~أمر الإمبراطورية إلى جوستنيان، أقام مكان الهيكل معبدا أفسح رقعة وأكثر بهاء. ~~ولما انشعبت المسيحية إلى شعبها المختلفة، بدأت كل شعبة تبني في هذا المكان ~~المقدس، وحول الكنيسة الأولى، ما طاب لها البناء. ومباني طوائف الروم واللاتين ~~والسريان ما تزال قائمة إلى اليوم، وما يزال لاختلاف هذه الطوائف أثره في شعائر ~~كنيسة المهد. # مغارات الكنيسة # وكنيسة المهد اليوم فسيحة الجنبات مترامية الأطراف، وأفنيتها تقوم فوق مغارات ~~كثيرة، يروي لك الموكلون بها شيئا كثيرا من القصص المنسوب لها. فواحدة من هذه ~~المغارات يطلق عليها اسم مغارة الأطفال، وتذكر قصتها أنها المغارة التي دفن ~~هيرودس فيها من أمر بقتلهم من الأطفال تفسيرا للحلم الذي أسلفنا أنه رآه. ~~ومغارة أخرى بها صورة زيتية لقديس قيل إنه القديس جيروم الذي قضى بهذه المغارة ~~ثلاثا وعشرين سنة يترجم الإنجيل. وبين هاتين المغارتين وحولهما مغارات أخرى ~~زينت كل واحدة منها بصورة زيتية تمثل المشهد الذي تخلد المغارة ذكره. # تقع مغارة المهد على مقربة من مغارة الأطفال، ومغارة المهد قبو ضيق يهبط إليه ~~الإنسان على درج نقر في الصخر، وهذا الدرج يصل بين المغارة وبين مذبح كنيسة ~~المهد وهيكلها، وقد نقرت في الصخر إلى جانب هذا القبو فجوة ترتفع إلى ms106 قامة ~~الإنسان وضعت فيها صورة العذراء، وثبتت في مكان منها نجمة من الفضة تحدد ~~المكان الذي قررت الطوائف المسيحية أنه مكان مولد المسيح، وهو لذلك مكان مبارك ~~عند الطوائف كلها. وكثيرا ما كانت بركته سبب منازعات دامية بين الطوائف ~~المختلفة، ابتغاء الاستئثار بهذه البركة. # المزود # يقابل نجمة الميلاد حوض من الحجر موضوع في الأرض، يذكرون أنه المزود الذي ~~كانت الأبقار تأكل فيه، حين وضعت مريم طفلها ثم نقلته إلى المزود اتقاء البرد ~~القارس. ولا أظن أحدا يذهب إلى أن هذا الحوض من الحجر، هو المزود الذي وضع ~~المسيح فيه بالفعل؛ فقد رأيت أن أول صورة لكنيسة المهد لم تكن إلا بعد ثلاثة ~~قرون من وفاة السيد المسيح، وأن معبدا أقامه أدونيس في هذا المكان، قبل بناء ~~الكنيسة المسيحية لأول مرة. # وهذا الحوض من الحجر الذي يمثل المزود، ينحدر دون نجمة الميلاد قرابة مترين، ~~ويبعد عنها نحو ثلاثة أمتار. أفيكون هذا لأن مريم كانت فوق أكمة ساعة الوضع، ~~وأن الأبقار ومزودها كانت في سفح هذه الأكمة؟ أم أن مريم كانت في مغارة هي ~~محرابها الذي أشار إليه القرآن، وأن الأبقار كانت في بطن من الجبل دون المغارة؟ ~~هنا يجب أن أقول: الله أعلم! # فجوتان عجيبتان # ليست كثرة المغارات في هذا الموضع مثارا لعجب، فهو جبل منبسط السطح، يرتفع ~~ثمانمائة متر فوق سطح البحر، وتقوم بيت لحم على سطحه، ولعل مغاراته الكثيرة ~~تفسر لنا أمرا يحار الإنسان أول الأمر في تفسيره، فأنت إذ تدخل من باب الكنيسة ~~إلى البهو الذي يفصل بين الباب ومذبح الكنيسة وهيكلها، ترى في أرض البهو بابين ~~يستوقفان نظرك، فإذا فتح أي من هذين البابين ألفيته يغطي فجوة أشبه شيء ~~بالمغارة أو الجب، فإذا أضيئت هذه الفجوات رأيت أرضها من الفسيفساء المنقوشة ~~نقشا بديعا يمثل الفاكهة والنبات والطير وما إليها. # وقد كشف هاتين الفجوتين - منذ أمد بعيد - مهندس فرنسي كان يقوم بترميم بعض ~~الأجزاء في أعلى الكنيسة، ويظهر أنه كان قد وقع في قراءاته على ما هداه إلى ms107 أن ~~هذه الكنيسة تقوم فوق آثار كنيسة سبقتها، كما هداه إلى موضع هذه الفسيفساء. وقد ~~حفر في هذين المكانين اللذين تقوم الأبواب فوقهما فصدق ظنه، ولم يحفر في غيرهما ~~لأن قراءاته دلته على أن ليس في غيرهما ما يهدي الحفر إليه. # قلت إن الفجوتين تقعان في البهو، بين باب الكنيسة ومذبحها وهيكلها. والمذبح ~~والمعبد لكنيسة المهد آية في الإبداع والروعة الفنية، فضلا عن قيمتهما لما ~~يحتويان عليه من تماثيل وآنية من الذهب أهداها المؤمنون الذين بسط الله لهم في ~~الرزق طلبا للمثوبة، وابتغاء المزيد من سعة الرزق. # باب الكنيسة # أما باب هذه الكنيسة، فأمره عجب، لقد ألف الناس في أبواب الكنائس بهاء وعظمة ~~وجلالا، وألفوا فيها دقة في الفن توازي سائر أجزاء الكنيسة أو تزيد عليها. ~~وكنيسة المهد من أفخم الكنائس وأفسحها رقعة وأكثرها مهابة، أما بابها فأعجوبة ~~من الأعاجيب، فهذا الباب أدنى لأن يكون فجوة ضيقة لا يمكن أن تكون بابا لمعبد ~~من المعابد بالغا ما بلغ صغره، وأنت حين ترى هذا الباب لا يذهب بك الظن إلى ~~أنه أكثر من مدخل لصومعة راهب من الرهبان نذر الرواقية والتقشف. وكيف يزيد على ~~ذلك، وهو دون قامة الإنسان ارتفاعا، ولا يمكن لأكثر من رجل واحد أن يدخل منه ~~حانيا رأسه؟! # وإنما دعا لبناء الباب بهذا الضيق، ما ذكرنا من أن طوائف الروم واللاتين ~~والسريان قد اشتركت على الأجيال في بناء هذه الكنيسة والمنازل المحيطة بها، وأن ~~بين هذه الطوائف من الخلاف ما تخشى مغبته إذا ثار، فلكل طائفة من هذه الطوائف ~~حقوق في الكنيسة، إذا اعتدت طائفة أخرى عليها كانت الثورة الدامية؛ لذلك تحرص ~~الحكومة على ألا تدع لأسباب الخلاف أن تثور، وعلى ألا يدخل الكنيسة إلا من ~~تريده أن يدخل. # صورتان من الخلاف الطائفي # ولتتبين لك صورة من هذا الخلاف، أعود بك إلى ذكر نجمة الميلاد، فهذه النجمة ~~كثيرا ما كانت تنزع من مكانها حين كانت تتقرب طائفة بنجمة أخرى مصنوعة من ~~الذهب أو مرصعة بالماس، وعند ذلك كانت ms108 الطوائف تختلف على ملكية النجمة؛ لذا ~~وضعت السلطات هذه النجمة من الفضة حتى لا تدعي طائفة ملكيتها. # وصورة أخرى لخلاف الطوائف، بساط ممدود إلى جانب أول عماد من عمد الكنيسة، ~~قائم إلى يسارك بعد دخولك من بابها الضيق، هذا البساط لا يستطيع أحد تقديمه أو ~~تأخيره عن المكان الذي هو به، أو تلتحم الطوائف التحاما داميا، فلكل طائفة ~~موضع من البساط أو حوله، إن تقدمت أو تأخرت عنه مست حقا لطائفة أخرى. وتنظيف ~~البساط وكنس ما حوله مقررة فيه حقوق الطوائف، كالبساط نفسه، فلا يجوز لطائفة أن ~~تكنس التراب من موضع ليس لها، أو تتهم بأنها تسعى إلى حق تغصبه غيرها. وتحافظ ~~الحكومات على حقوق الطوائف محافظة دقيقة، مخافة ما يجره التفريط فيها أو ~~الاعتداء عليها من نتائج وخيمة العاقبة. # مغارة الحليب # تقع مغارة الحليب قريبة من كنيسة المهد، وهي أكثر سعة من المغارات القائمة ~~تحت الكنيسة المذكورة. وتختلف المغارة في تنسيقها الحالي عن سائر مغارات ~~الكنيسة، وإن تشابهت جميعا في طبيعتها، ففي أول مغارة الحليب - بعد المدخل - ~~تمثال صغير للعذراء والمسيح ممتطيين حمارا يسير بهما إلى مصر، ويسير إلى جانبه ~~رجل لعله يوسف النجار، وينحدر الإنسان إلى كنيسة صغيرة يخال أنها منقورة في ~~الصخر، وإن هبط إليها ضوء النهار من أعلاها، وإلى جانب الكنيسة الأيمن صورة ~~كبيرة للعذراء. وهذه الآثار كلها تضيئها الكهرباء مختلف ألوانها، فتلقي عليها ~~بهاء لا مثيل له في مغارات الكنيسة الكبرى. # ليس لمغارة الحليب من القدسية ما لكنيسة المهد بطبيعة الحال، وليس في كنيسة ~~المهد مكان أكثر قدسية من مكان المهد نفسه، وليس يزيد على كنيسة المهد في ~~القدسية غير كنيسة القيامة ببيت المقدس. ~~(2) كنيسة القيامة # أشرنا إلى معجزة الله في مولد عيسى، وكنيسة المهد تقوم ببيت لحم ذكرا لهذا ~~المولد ولهذه المعجزة، أما كنيسة القيامة، فإنها تقوم ذكرا للرواية المسيحية عن ~~صلب المسيح وصعدوه إلى السماء، وقصة الصلب والصعود معجزة - هي الأخرى - جديرة ~~بالذكر، وبأن يقام لها هذا الأثر الفخم الذي يحج إليه المسيحيون ms109 من أقطار الأرض ~~جميعها، والذي كان مثارا للحروب الصليبية التي امتدت على القرون. # والإسلام والمسيحية يختلفان في صلب المسيح، وإن أمكن التوفيق بينهما في قصة ~~الصعود، وليس يرجع الخلاف على قصة الصلب إلى خلاف على مقدماتها وما سبقها، ولا إلى ~~خلاف على واقعتها، بل يرجع إلى وقوع الصلب على شخص المسيح نفسه. أما الصعود، فقد ~~ورد ذكره في القرآن في غير موضع، إذ يقول تعالى يخاطب المسيح: # إني متوفيك ورافعك إلي # ويقول: # بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا ~~حكيما ~~. # قصة الصلب # لا يقع الخلاف في قصة الصلب على مقدماتها، فالمسيح كلمة الله ورسوله، عند ~~المسلمين وعند المسيحيين، أرسله الله إلى قومه بفلسطين حين حكمتهم روما حكم بطش ~~واستبداد، وحين فرقت كلمتهم، وجعلت للأغنياء وذوي المكانة سلطانا على الفقراء ~~وعلى الشعب يسومونه سوء العذاب. ولم يكن شعب فلسطين يومئذ قد استسلم إلى المذلة ~~ورضي حكم الرومان، بل كانت أسباب الثورة تضطرب بها أحشاء البلاد كلها، وكان ~~الناس هناك يؤمنون بأنهم سيتحررون من نير روما، بل سيحكمون العالم بدورهم عما ~~قريب. # فلما قام المسيح بينهم وجعل يذيع تعاليمه فيهم، بدأت السلطات تخاف أثره، وبدأ ~~الأغنياء وذوو المكانة ورجال الدين من اليهود يناوئونه، على أن سخطهم عليه ~~وثورتهم به لم يبلغا ذروتهما حتى جاء بيت المقدس. أما حين كان يلقي تعاليمه على ~~أتباعه متنقلا من الناصرة إلى الجليل إلى غيرهما من البلاد، فيتناقلها الناس ~~ويذيعون بينهم معجزاته، فقد كان البرم به محصورا في دائرة ضيقة، فلما دخل بيت ~~المقدس بعد أن ذاعت في الناس معجزاته وتعاليمه، خشي اليهود مغبة ما يصيبهم إذا ~~استفحل أمره، وزينوا للحاكم من قبل روما ما جعله يعتقد أن المسيح يضلل الناس ~~بما يزعم من إحياء الموتى وإبراء المرضى وإعادة الصواب إلى ذي الجنة، وجيء ~~بعيسى، وحوكم فحكم عليه بالموت. وكانت عقوبة الإعدام تنفذ بالصلب في مصر ~~وروما وفلسطين، وغيرها من البلاد المجاورة لها، وصلب عيسى، ودقت المسامير إلى ~~يديه وساقيه، فسال دمه، فافتدى به خطايا الخلق. فلما ms110 مات ورفع من فوق الصليب ~~أودع قبرا هو الذي تقوم كنيسة القيامة اليوم ذكرا له. وبعد ثلاثة أيام من ~~دفنه عاد إلى أصحابه حيا، فأمرهم أن يتفرقوا في الأرض فيذيعوا في الناس ~~تعاليمه. وتفرق الحواريون، واتبعهم من اتبعهم، وظلوا يسامون في روما وفي غير ~~روما ألوان العذاب، حتى لان قلب العاهل الروماني قسطنطين إلى المسيحية ~~فاعتنقها، وكان أول من أمر ببناء كنيسة المهد وكنيسة القيامة. # هذه إلمامة سريعة عن صلب المسيح، كما يصور في الأناجيل وفي التواريخ ~~المسيحية. أما الروايات الإسلامية، فتنفي أنه صلب وإن لم تنف ما سبق الصلب، ~~وهي تنفي الصلب بقوله تعالى: # وقولهم إنا ~~قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه ~~وما صلبوه ولكن ~~شبه لهم وإن ~~الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من ~~علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا * بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا ~~حكيما ~~. # ويقول المؤرخون المسلمون إن اليهود ضاقوا ذرعا بالمسيح، فشكوه إلى الحاكم ~~الروماني، فأمر بالقبض عليه، فلم يعثر به الباحثون عنه، وإنما عثروا برجل ~~يشبهه، فساقوه إلى المحاكمة مربوطا في حبل، وجعل اليهود يقولون له: «إن كنت ~~تحيي الموتى أفلا تخلص نفسك من هذا الحبل؟» ثم يوجهون إليه ألوان الأذى ~~والإساءة، فلما صلب ومات استوهبه يوسف النجار من الحاكم الروماني فيلاخوس ~~ودفنه في قبر كان يوسف أعده لنفسه. # ليس المقام هنا مقام تفصيل لصعود عيسى، أكان بجسده أم بروحه، وما وقع على ذلك ~~من خلاف، فنحن إنما سقنا ما تقدم تمهيدا للحديث عن كنيسة القيامة التي أقيمت ~~ذكرا لدفن عيسى في القبر الذي رفع منه إلى الله بعد أن توفاه. # هيكل لادونيس # سبقنا إلى القول - حين حديثنا عن كنيسة المهد ببيت لحم - إن قسطنطين بنى ~~المعبد الأول لذكر الميلاد ببيت لحم بعد وفاة عيسى بثلاثمائة سنة، وإنه بنى هذا ~~المعبد في المكان الذي كان يقوم فيه هيكل لادونيس بناه هادريان، ومثل ما حدث ~~ببيت لحم لكنيسة المهد حدث ببيت المقدس لكنيسة القيامة؛ فقد بنى ms111 هادريان عدة ~~مساجد وثنية أثناء حكمه، ومن بين هذه المعابد معبد لأفروديت أو الزهرة ببيت ~~المقدس، وكان بناء هذا المعبد الوثني في سنة 135 ميلادية، فلما تولى قسطنطين ~~إمبراطورية روما، واعتنق المسيحية بعد ست سنوات من إمبراطوريته، شن حروبا عدة ~~حالفه النصر فيها، وكان يعتقد أن الصليب سبب انتصاره؛ ولذلك عول أن يبحث عن ~~مكان صلب المسيح وعن مكان مولده، واهتدى الباحثون إلى أن مكان المولد كان حيث ~~يقوم هيكل لادونيس، وأن مكان الصلب كان حيث يقوم هيكل أفروديت. أترانا نستنتج ~~من هذا أن هادريان عرف مكان مولد المسيح ومكان صلبه ودفنه، فأقام فيهما هذين ~~الهيكلين ليعفي على آثار المسيحية الناشئة، أم أن الأمر يرجع إلى محض المصادفة؟ ~~يقول الباحثون إنه محال القطع في هذا الأمر برأي يستند إلى سند علمي. # مكان الصلب والدفن # قرر الإمبراطور قسطنطين أن يقيم كنيسة حيث صلب المسيح، ومن حيث صعد إلى ~~السماء، فعهد بالبحث عن مكان الصلب والدفن والصعود إلى القس مكاريوس. وقرر هذا ~~القس أن المكان الذي كلف بالبحث عنه يوجد تحت الهيكل الذي أقامه هادريان ~~للزهرة. وأمر الإمبراطور فهدم الهيكل، فوجد قبرا منقورا في الصخر، وعلى مقربة ~~من هذا القبر إلى ناحية الشرق وجدت صلبان ثلاثة لوحظ أن أحدها يشفي المرضى، فلم ~~يبق شك في أنه هو الذي صلب عليه المسيح، وأن القبر المنحوت في الصخر هو الذي ~~دفن فيه بعد صلبه. وأبلغ هذا الاكتشاف إلى الإمبراطور قسطنطين، فأمر مكاريوس ~~أن يقيم عمائر فخمة في هذا المكان المقدس. # نقف هنيهة قبل الكلام عن عمارة كنيسة القيامة من ذلك العهد، فنذكر أن كثيرين ~~أبدوا الريبة في صحة هذا الاكتشاف الذي أعلنه مكاريوس إلى الإمبراطور، وأن ~~كتبا وبحوثا نشرت للتدليل على هذا الرأي، وليس في إبداء هذا الرأي ولا في نشر ~~تلك البحوث عجب، وقد نشر مثلها في أمر كثير من الأماكن المقدسة في أديان ~~مختلفة، ونشر مثلها في أمر كثيرين من العظماء، ومن يذكر التاريخ أنهم وجهوا ~~العالم في عصرهم وجهة جديدة. فإذا ms112 ذكرنا أن مكاريوس بدأ بحثه عن مكان الصلب ~~ومكان الصعود بعد وفاة المسيح بثلاثة قرون، وأن الحرص على تحديد هذين المكانين ~~كالحرص على تحديد مكان مولده عليه السلام، كان أقوى في نفسه من الحرص على ~~الأسانيد العلمية في البحث، التمسنا له ولأمثاله من العذر حسن نيتهم من ناحية، ~~وشدة توقهم لقيام معبد يذكر الناس بهذه الأحداث الجليلة في حياة العالم الروحية ~~من الناحية الأخرى. # أبلغ مكاريوس اكتشافه إلى الإمبراطور قسطنطين، فأمره الإمبراطور أن يقيم ~~عمائر فخمة ذكرا لصلب المسيح وصعوده، وشيدت يومئذ كنيستان: إحداهما فوق القبر، ~~والأخرى حيث وجدت الصلبان الثلاثة، وكانت هذه الثانية أكبر وأفخم. وبين ~~الكنيستين قام مرتفع قيل إنه مرتفع الجلجنة، وسويت الأرض المحيطة بالكنيستين ~~وأحيطت بالأبواب والعمد. # وكانت كنيسة القبر - كما بنيت في ذلك العهد - مستديرة قامت فوقها قبة جميلة. ~~أما كنيسة الفداء أو كنيسة الصلب، فكانت مستطيلة شيدت فوقها قبة هي الأخرى، ~~وأقيم الصليب الذي قيل إن المسيح افتدى عليه خطايا الخلق في المرتفع القائم بين ~~الكنيستين. ~~••• # تم بناء الكنيستين سنة 336 للميلاد، وظلتا قائمتين إلى سنة 614، إذ أصابهما ~~الفرس بتلف جسيم، ونقلوا الصليب الأعظم إلى بلادهم، وذلك حين دخلوا بيت المقدس ~~في حكم كسرى، على أن هذا الحكم لم يطل عهده؛ فقد انتصر هرقل على الفرس في سنة ~~625، فأصلح عامله على بيت المقدس ما تلف من الكنيستين استعدادا لدخول هرقل ~~المدينة المقدسة ورده الصليب الأعظم إلى مكانه. # ودخل العرب فلسطين في عهد أبي بكر الصديق، ثم فتحوا بيت المقدس في عهد عمر بن ~~الخطاب، فلم يتعرضوا للمعابد المسيحية بأذى، وبقيت كنائس بيت المقدس في عزها ~~وكرامتها. # أفكانت الكنيستان قائمتين حين فتح عمر بيت المقدس، أم أنهما كانتا أدمجتا في ~~كنيسة واحدة؟ ليس من اليسير القطع في الأمر برأي، فمنذ القرن الثامن الميلادي، ~~لم يذكر أحد ممن حجوا بيت المقدس كنيسة الصليب، وإنما كانوا يذكرون جميعا ~~كنيسة القيامة، أترى هدمت كنيسة الصليب قبل الفتح العربي أو بعده بقليل؟ أم أن ~~كنيسة القيامة أصبحت ذات مكانة ms113 خاصة أنست الحجيج من المسيحيين الكنيسة الأخرى؟ ~~لست أبدي في الأمر رأيا. ~~••• # وفي أوائل القرن الحادي عشر أمر الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله، فهدمت ~~كنيسة القيامة حتى لم يبق منها إلا أطلال، لكن ما أصاب الكنيسة المسيحية ~~المقدسة من هذا الشر لم يدم طويلا، فقد استولى الصليبيون على بيت المقدس في ~~أواخر ذلك القرن الحادي عشر، وأعادوا بناء الكنيسة على نحو من الفخامة ووسعوا ~~رقعتها، ثم جعل المسيحيون من بعدهم يضيفون إليها على الأجيال، حتى صارت إلى ما ~~هي عليه اليوم من فسحة وفخامة وجلال. # أكثر المواضع قدسية في كنيسة القيامة موضع القبر الذي دفن فيه السيد المسيح ~~بين وفاته وصعوده، وهو يقع إلى يسار الداخل إلى الكنيسة، بعد خطوات من بابها. ~~وقد بولغ في تجميل عمارته وفي تزيينه وترصيعه مبالغة تدعونا لنذكر بساطة المسيح ~~في حياته، ولنعجب كيف تؤدي هذه البساطة إلى كل تلك الزينة، وإلى هذا التأنق ~~الفني في نحت القبر من أبدع الرخام، وفي إضاءته على نحو لم يدر بخاطر صاحب ~~القبر، ولا بخاطر أحد من حوارييه! ولكن فيم العجب وليست كنيسة القديس بطرس ~~بروما دون كنيسة القيامة جلالا وبهاء وروعة؟ وفيم العجب والمسجد النبوي ~~بالمدينة لا يتفق جمال عمارته في شيء مع بساطته يوم شاده النبي من اللبن، ~~وجعل سقفه وعمده من جذوع النخل؟! ~~••• # وكنيسة القيامة - فيما وراء قبر السيد المسيح - مضرب للمثل في الفخامة ~~والمهابة والجلال، وليست مبالغة المسيحيين في إكبارها وتعظيم عمارتها مما يوجب ~~أية دهشة، ولا يرجع ذلك إلى مكانتها المقدسة من نفوسهم فحسب، بل يرجع كذلك إلى ~~ما احتملوه خلال الحروب الصليبية من تضحيات جسام، جعلتهم يودعون فيها ذكر هذه ~~التضحيات التي بذلت نداء للعقيدة، كما ضحى المسيح بنفسه - في اعتقادهم - ~~ليفتدي بدمه خطايا الناس جميعا. # تمتاز كنيسة القيامة على غيرها من الكنائس بأنها لا تقتصر على الفناء والمذبح ~~والهيكل، بل لقد أقيم بجوارها بناء متصل بها يرتفع سطحه عن سطحها. ويذكر بعض ~~القائمين بشئونها أنه أقيم حيث المرتفع الذي صلب عليه ms114 السيد المسيح، والذي كان ~~يصلب عليه من حكم عليهم في عهده، وهذه الرواية موضع ريبة في نظر كثيرين من ~~المسيحيين الذين يؤمون بيت المقدس، ويحاولون تحقيق مواضع الأماكن المقدسة فيها ~~تحقيقا علميا، فهؤلاء لا يذهبون مذهب من يرتاب في صحة مكان القبر، ولكنهم ~~يقطعون بأن هذا البناء المرتفع المتصل بالكنيسة، لا يذكر مكان الصلب في كثير ~~ولا في قليل. # وتقع إلى جوار الكنيسة كنيسة أخرى صغيرة حفظت بها بعض آثار تنسب إلى عهد ~~المسيح والحواريين، وباب هذه الكنيسة يفتح إلى الفضاء الواقع أمام باب القيامة. ~~وليس شيء من الآثار المحفوظة بهذه الكنيسة الصغيرة ثابت النسب ثبوتا تاريخيا ~~ذا قيمة، وما يرويه سدنة الكنيسة من ذلك، لا يعدو أن يكون من نوع القصص الذي ~~يرويه سدنة كل معبد، يجذبون به قلوب المؤمنين ممن من الله عليهم بإيمان ~~العجائز، أو بإيمان كإيمانهم. ~~••• # هذان الأثران المسيحيان اللذان ذكرتهما - كنيسة القيامة وكنيسة المهد - هما ~~اللذان يضارعان ما تحدثت عنه من الآثار الإسلامية بالحجاز وفلسطين في فن ~~العمارة، وكما أن بالحجاز أماكن إسلامية لها من القدسية ما يستهوي إليها قلوب ~~المسلمين الذين يؤدون فريضة الحج، فإن بفلسطين وحول بيت المقدس نفسها أماكن لها ~~في قلوب المسيحيين قدسية كبرى. # وحسبي أن أشير من هذه الأماكن المتصلة ببيت المقدس إلى جبل الزيتون وطريق ~~الآلام، على أنني لا أريد الوقوف عند هذه الأماكن المسيحية أو تلك الأماكن ~~الإسلامية؛ لأنني - كما ذكرت من قبل - إنما وقفت عند الأماكن التي نالت - بحكم ~~قدسيتها - من العناية الخاصة ما سنفسره في الفصل الأخير عن الأماكن المقدسة في ~~الشرق الأوسط، لنستشف منه الدوافع التي حركت الوجدان الإنساني للعناية بتلك ~~الأماكن المقدسة. # لكني أحرص قبل الحديث عن هذه الدوافع على أن أتحدث عن حائط المبكى، فهو ~~المكان المقدس لليهود في أرض المعاد، واليهودية هي أولى الأديان السماوية ~~الثلاثة التي نزلت بالشرق الأوسط. صحيح أن حائط المبكى لم يعمره اليهود، وما ~~كان لهم أن يعمروه، لكنه يحدث عن معنى له من القدسية في نفوسهم ما ms115 للأماكن ~~المقدسة التي تحدثنا عنها في نفوس المسلمين، وفي نفوس النصارى. # الفصل الثالث # | مبكى اليهود # (1) مبكى اليهود # ألف الناس من أهل بيت المقدس منظرا تقع عليه أعينهم بعد ظهر الجمعة وصبح ~~السبت من كل أسبوع على مدار السنة، منظر فذ لا مثيل له في العالم كله، هو لذلك مثار ~~طلعة الغريب النازل بيت المقدس حاجا أو سائحا، ففي هذين الموعدين من كل أسبوع ~~تكتظ شوارع المدينة وطرقها بعدد عظيم من الرجال والنساء والأطفال، لبسوا أجمل ~~ثيابهم على اختلاف صورها وألوانها، فمنهم لابس القفطان والقبعة، ومنهم لابس السروال ~~والعمامة السوداء، والنساء في أزيائهن المتباينة قد لبسن أفخر ما عندهن، فقيرات كن ~~أو ثريات، وألبسن أطفالهن أجمل ثيابهم. ويتأبط كل من هؤلاء كتابا من كتب ~~العبادة، ويتوجهون جميعا وجهة واحدة، يتوجهون إلى ناحية حائط المبكى، فأولئك هم ~~اليهود، ذاهبون يبكون. # فإذا اتبعتهم في طرق البلد المقدس بلغت معهم ذلك الحائط الغربي الباقي من الهيكل ~~المقدس، ثم رأيتهم وقفوا جميعا أمامه، يقبل بعضهم أحجاره ويتمسح بعضهم بها ~~تبركا وطلبا للمثوبة. فإذا حان موعد البكاء رأيت ربانيهم وقف على رأسهم يحدوهم ~~ويجيبونه. وقد صور غير واحد من السائحين الذين شهدوا هذا المنظر المثير للشجن صورة ~~هؤلاء الباكين تسيل دموعهم على خدودهم، وتخنق العبرات بعضهم حتى يكاد يغص بها. وذكر ~~هؤلاء السائحون حداء الرباني وجواب شعب إسرائيل، هذا الحداء وهذا الجواب اللذان لم ~~يتغيرا من تسعة عشر قرنا، واللذان لا يزالان يترددان كل أسبوع في أجواء بيت المقدس ~~إلى وقتنا الحاضر. # صورة الحداء # وجدير بنا أن نروي صورة هذا الحداء وهذا الجواب للذين لم يقفوا من بعد ~~عليهما، ليروا صورة من آلام شعب إسرائيل وآماله. وننبه قبل أن نبدأ الرواية إلى ~~أن جواب الشعب لا يزيد في بدء النظر على هذه الكلمات: «نجلس في عزلتنا وننوح»، ~~أما ما سوى هذه العبارة فحداء الرباني، والمنظر يجري كما يأتي: # الرباني ~~: # من أجل القصر الذي هجر. # الشعب ~~: # نجلس في عزلتنا وننوح. ~~- من أجل الجدران التي هدمت. ~~- نجلس في ms116 عزلتنا وننوح. ~~- من أجل مجدنا الذي ذهب. ~~- نجلس في عزلتنا وننوح. ~~- من أجل الهيكل الذي صار أطلالا. ~~- نجلس في عزلتنا وننوح. ~~- من أجل عظمائنا الذين ماتوا. ~~- نجلس في عزلتنا وننوح. ~~- من أجل رهباننا الذين قتلوا. ~~- نجلس في عزلتنا وننوح. ~~- من أجل ملوكنا الذين امتهنوا. ~~- نجلس في عزلتنا وننوح. # وقد ينقلب الحداء والجواب، في بعض هذه الاجتماعات، إلى دعاء يتبادله الرباني ~~والشعب على النحو الآتي: # الرباني ~~: # نبتهل إليك أن ترحم صهيون. # الشعب ~~: # وأن تجمع أبناء بيت المقدس في صعيد واحد. # الرباني ~~: # أعجلنا بالخير يا منقذ صهيون. # الشعب ~~: # وتحدث إلى قلب بيت المقدس. # الرباني ~~: # ولتعد مملكة صهيون عما قريب. # الشعب ~~: # رطب قلوب الذين ينوحون على بيت المقدس. # قد يختلف الحداء والجواب، وقد تختلف الأدعية في صورتها عما تقدم، لكنها ~~جميعا تدور حول هذه المعاني، وتعبر عن هذه الآلام والآمال. أليست هي آلام كل ~~يهودي منذ غلبهم الرومان، وأدالوا دولتهم وهدموا هيكلهم، ثم شتتوهم في الأرض، ~~فصاروا لا يعرفون لهم إلى اليوم وطنا ولا مستقرا؟ وهم يحاولون بكل الوسائل، ~~يرجون أن تعود لهم الدولة في أرض المعاد. وهذا النوح، وهذا الدعاء، وهذا ~~الاستغفار، وهذا التوسل للبارئ جل وعلا، بعض تلك الوسائل، وإن كنا لا ندري بأي ~~قدر يتعلق بهذه الوسيلة أملهم في عالمنا الحاضر. # وهذا الحائط الغربي الذي ~~ينوحون عنده لا يزيد عن أنه بقية من جدران الحرم الذي أقامه سليمان لهيكل بيت ~~المقدس، هذا الحرم الذي بنيت كنيسة القيامة فوق جانب منه، وبني المسجد الأقصى ~~فوق جانب آخر، وبنيت قبة الصخرة في المكان الذي كان يقوم قدس الهيكل عليه، هذه ~~البقية الباقية من هيكل سليمان، هي الأثر الذي يحدث شعب إسرائيل عن ذلك المجد ~~الغابر، الأثر المحطم اليوم، والذي كان شامخا رفيع العماد في عهد مضى حين عز ~~اليهودية وعظمة بني إسرائيل. وهذا الأثر هو الذي يريد بنو إسرائيل أن يعيدوا ~~إليه مجده، ويلتمسون لذلك كل الوسائل. # وأنت تستطيع أن تقدر حزن هؤلاء الفاتحين ومبلغ عمقه، حين تذكر المجد الغابر ~~الذي كان ms117 لهم، والذلة التي ضربت منذ عشرين قرنا عليهم، فبنو إسرائيل هم سلالة ~~إبراهيم وإسحق ويعقوب، وهم الذين أرسل الله إليهم موسى بكلمة التوحيد، يوم كانت ~~الوثنية هي الدين القائم في الأمم المحيطة بهم . ~~(2) الشعب المختار # كان فرعون يقول لأهل مصر: «أنا ربكم الأعلى» وكان المصريون يرون الطبيعة آلهة، ~~فيخلعون مجالي الألوهية على كل مظاهرها، فالشمس إله، والسماء إله، والأرض إله، ~~والليل إله. وكانت وثنية اليونان ما تزال في بدائيتها، وكانت آلهتها تتطور إلى ~~مظاهر الطبيعة كذلك لتصبح أبولون وفينوس وسكان الأولمب جميعا. وكانت مجوسية الفرس ~~ترى في النار والنور مصدر الحياة، وتخصهما لذلك بالألوهية. # في هذا العالم الوثني الذي لم يتخط الشعور فيه آثار الحس المباشر، سما بنو ~~إسرائيل إلى مراتب التجريد وألهموا سر الوجود، وهداهم خالق الكون إلى وحدانيته ~~وصمدانيته وبذلك كانوا شعبه المختار. # وفي هذا العالم الذي كانت المعابد تقوم فيه، يذكر فيها آمون رع بمصر، ويذكر ~~أبولون باليونان، وتذكر فيها نار المجوس بفارس؛ ذهب إبراهيم موغلا في الصحراء حتى ~~بلغ مكة، فوضع فيها القواعد لأول بيت رفع للناس يذكر فيه اسم الله وحده لا شريك ~~له. # في هذه الفلاة الموحشة أقام إبراهيم وإسماعيل قواعد البيت بعيدا عن غزو الغزاة ~~وعبث الطامعين، فلما قويت شوكة إسرائيل بعث الله كليمه موسى، فسار بمن كان منهم ~~بمصر إلى وطن إسرائيل بكنعان من أرض فلسطين، داعيا إلى عبادة الله وحده، ونبذ ما ~~يدعو المصريون واليونان والفرس إليه من عبادة مظاهر الطبيعة، فالطبيعة ومظاهرها ~~ليست إلا بعض ما خلقه الله جل شأنه وتعالت أسماؤه. ~~••• # ولقي موسى وأهله عنتا من فرعون وقومه، وكانت فلسطين خاضعة يومئذ لحكم مصر، ~~فاستقلت من بعد، وتولى أمرها داود، ثم ابنه سليمان، فأقام داود النواة الأولى ~~للهيكل المقدس، وأقام سليمان الهيكل كله في بهائه وفخامته وجلاله، أقيم هذا الهيكل ~~يذكر فيه اسم الله وحده لا شريك له، وأقيم في فخامة تضارع فخامة المعابد المصرية ~~التي تؤله فيها مظاهر الطبيعة. ~~(3) حضارة إسرائيل # وآن لبني إسرائيل أن يقيموا حضارة، وأن ms118 يذكروا في الأرض اسم الله وحكمه وشريعته. ~~بذلك أثاروا عليهم ثائرة الفراعنة وثائرة الفرس، وغزا الفراعنة فلسطين، فوجدوا في ~~دين موسى من أثر عباداتهم ما صدهم عن محاربة هذا الدين وعن التعرض لهيكله الأقدس. ~~وغزا الفرس فلسطين من بعد ذلك، فإذا دين إسرائيل ينكر دينهم ويتجافى عنه، لهذا ~~أحرقوا هيكل سليمان وتركوه يبابا. # على أن الهيكل أقيم بعد هذه الغزوات التي قام بها نبوخذ نصر، أقيم بادئ الأمر على ~~صورة دون صورته الأولى جلالا وفخامة، لكن بناءه أعيد حين تولى هيرودس الأول حكم ~~فلسطين باسم روما، وأعيد أفخم مما كان في أبهى عصوره وأكثرها عزا وأسماها ~~مكانة. ~~••• # تقلبت إسرائيل - بحكم هذه الأحداث التي تعاقبت على القرون - بين عزة الجاه ~~العريض، ومضطرب الثورة على الحكام الذين غزوها، والعمل على دفع الغزاة عن أرضهم ~~واستعادة سلطانهم عليها ودولتهم فيها، لكنهم أبوا خلال هذه الأحداث جميعا أن ~~ينشروا بين الناس عقيدتهم، أو يذيعوا كلمة التوحيد في غير شعبهم، حرصا منهم على أن ~~يظلوا شعب الله المختار، أو سموا بفكرتهم على أن يتناولها أولئك الذين يعبدون من ~~دون الله بعض ما خلق الله؛ لذلك ظلت اليهودية مقصورة عليهم لا تتعدى حدودهم، ثم ~~اندس إليها من عوامل الانحلال الروحي ما يترتب حتما على الانحلال الاجتماعي الذي ~~يجره الاستعمار في ذيوله؛ لذلك انصرف شعب إسرائيل عن المعاني الروحية السامية إلى ~~هذه الحياة الدنيا، وإن بقي من أحباره ورهبانه من أقاموا على حكم التوراة، ومن ~~احتفظوا بمميزات هذا الشعب، مميزات المثابرة، ودقة المنطق، وصفاء الذهن. ~~••• # كان انصراف بني إسرائيل عن شرعة التوراة في أسمى معانيها يدعو بعض هؤلاء الأحبار ~~والرهبان ليتوقعوا قيام نبي من قومهم يبعثه الله ليعيد إليهم مجدهم ويرد السلطان ~~لدولتهم. وكانت الإمبراطورية الرومانية إذ ذاك قد عظم أمرها في أوروبا، وآن لها أن ~~تستقر على ضفاف بحر الروم من ناحية الشرق، بعد أن كانت يدها تمتد إليه، ثم تنقبض ~~عنه. # وتم ذلك حين غزا بومبي فلسطين في السنة الثالثة والستين قبل الميلاد، لقد قاومت ms119 ~~بيت المقدس وقاومت حصون الهيكل المقدس جيوش الروم مقاومة عنيفة، لكن هذه الجيوش ~~انتهت إلى التغلب عليها، وإقرار حكم الإمبراطورية في ربوعها، على أن الروم لم ~~يتعرضوا يومئذ للهيكل، ولم يحالوا دك قواعده ، بل تركوه قائما واستأمنوا أهله الذين ~~أعلنوا الخضوع والطاعة، ورضوا أن تستقر روما في أرض إسرائيل. ~~(4) السيد المسيح # لم ينقض القرن على غزو بومبي أرض فلسطين، حتى أذن الله للسيد المسيح، فقام يدعو ~~قومه من بني إسرائيل ليعودوا إلى الله وليدخلوا على ملكوته. وكانت دعوته بطبيعتها ~~ثورة على انحراف اليهودية عن شرعة التوراة، كما كانت ثورة على الغزاة الظالمين. وقد ~~لقيت هذه الدعوة مقاومة من بني قومه، ومن الحاكم باسم روما، وبلغت هذه المقاومة شدة ~~العنف حين دخل المسيح بيت المقدس. # لكن الله كان قد أتم يومئذ كلمته على لسان عيسى، وكان قد أعد حوارييه ليذيعوا هذه ~~الكلمة في الأرض، لا يحتفظون بها لأنفسهم كما فعل أسلافهم من قبل. فلما توفى الله ~~عيسى ورفعه إليه، خيل لقومه من بني إسرائيل أنهم قد آن لهم أن يطمئنوا إلى ~~عقائدهم، لكن بذور الثورة التي بثتها كلمة عيسى في الناس دفعت بني إسرائيل أنفسهم ~~لينتقضوا على حكم روما وليثوروا بها. ~~••• # وبلغ الانتقاض أوجه بعد أربعين سنة من وفاة عيسى، عند ذلك ذهب تيطس فسبازيان ~~من روما إلى فلسطين، وأقسم ليخضعن بني إسرائيل وليضربنهم بيد من حديد. وقاومت ~~فلسطين جيوشه مقاومة عنيفة، يقول جوريفومل مؤرخ ذلك العصر، وكان يعيش فيه: «الآن ~~ولم يبق أمل في الخلاص، فذلك أوان القتال حتى الموت، فمن الشجاعة أن يقدم الإنسان ~~المجد على الحياة، وأن ينهض إلى عمل نبيل تذكره الأجيال من بعده.» # قال المؤرخ هذه الكلمة البالغة في سموها يوم كان أنين شعب إسرائيل، لمظالم ~~الرومان وقسوتهم، قد بلغ غاية مداه، لكن جيوش روما التي ألفت الظفر لم تصدها ~~المقاومة، بل سارت من مدينة إلى مدينة تقتل الناس وتحرق البلاد وتشيع في الأرض ~~الفساد، فلم يكن لصدها سبيل. وحاصر الروم بيت المقدس، فقاومتهم وطالت مقاومتها ms120 حتى ~~تفشى بين أهلها المرض بسبب الجوع، ثم أسلمت مفاتيحها إلى الفاتحين. ~~(5) هدم الهيكل # دخلت جيوش روما بيت المقدس، فهدمت الهيكل وأعملت السيف في رقاب أهلها، وأسرت من ~~بني إسرائيل كل من لم يمت وأجلتهم عن المدينة، بل أجلتهم عن فلسطين كلها، ~~فتشتتوا في البلاد المجاورة. # ذهب منهم من ذهب إلى العراق، وانحدر منهم من انحدر إلى شبه جزيرة العرب، وعاد ~~منهم من عاد إلى مصر، وانحل عنهم ذلك السلطان الذي كانوا يعتزون به، وأصبحوا لا ~~يعرفون لهم وطنا ولا مستقرا. ~~••• # أجلاهم المسلمون عن شبه جزيرة العرب في العهد الأول للدين الحنيف، بعد منازعات ~~وحروب بين هؤلاء وأولئك، ونظر إليهم المسيحيون في مختلف بقاع الأرض نظرة متأثرة بما ~~كان بين اليهود والمسيح، مما انتهى إلى قصة الصلب في كتب المسيحية المقدسة. وأبى ~~عليهم الناس جميعا أن يستقروا في بقعة من الأرض تكون وطنا لهم، ذلك شأنهم منذ ألف ~~وتسعمائة سنة، وذلك شأنهم إلى يومنا الحاضر، وبنو إسرائيل خلال هذه المحن لا يزال ~~حنينهم إلى أرض المعاد كحنين أجدادهم الأولين، ولا يزال رجاؤهم متصلا في أن تعود ~~إليهم دولتهم، وأن يكونوا في الأرض الحاكمين. # من أجل هذا الذي أصابهم يبكي اليهود وينوحون، ومن أجله يذهب المقيمون منهم ببيت ~~المقدس بعد الظهر من يوم الجمعة أو صبح السبت كل أسبوع على مدار السنة، حتى إذا ~~بلغوا بقية جدار الهيكل وقف ربانيهم على رأسهم يذكر ما أصابهم من هدم هيكلهم وقتل ~~رهبانهم وذهاب ملكهم، فتسيل لذلك دموعهم، ويهوي الحزن بقلوبهم إلى قرار سحيق، ثم ~~يضرعون إلى الله أن تعود دولتهم ليكونوا في الأرض الحاكمين. # 1 # | هوامش # الفصل الرابع # | الأماكن المقدسة لماذا لم تحتفظ ببساطتها # (1) بساطة الأماكن المقدسة # سبق أن أشرت إلى أن الفكرة التي أوحت بإقامة الأماكن المقدسة تستمد وجودها من ~~الأديان السماوية الثلاثة التي نزلت بهذا الشرق الأوسط: اليهودية، والمسيحية، ~~والإسلام، وأن مصدر هذه الفكرة هو الالتجاء الروحي إلى مكان بذاته، يعتبر في نظر ~~الذين يحجونه موئلا لأرواحهم، وملاذا لقلوبهم المتعطشة إلى ms121 التطهر، ترجوه حيثما ~~تكون من بقاع الأرض، ثم لا تطمئن إلى أنها أدركت حظها منه حتى تحج هذا ~~المكان. # فإذا أتم هؤلاء حجهم آمنوا بأن الله قبل توبتهم، وحط عنهم أوزارهم وذنوبهم، ~~لقاء ما توجهوا إليه منيبين مخلصين، وما سعت نفوسهم حين الحج إلى ذرى المعاني ~~الروحية. # والواقع أن الصادقين في حجهم، من أهل هذه الأديان، يخالج وجدانهم حين الحج شعور ~~فياض بمعان تسمو كل السمو على ما ألفوا فيما سبق من حياتهم. # هذه المعاني تختلف باختلاف منازع الناس، ومبلغ ثقافتهم، وألوان تفكيرهم، تختلف ~~عند الرجل الساذج عنها عند الرجل الذي ألف التفكير، ثم شعر كما شعر ذلك الساذج، ~~بمكان الحج يدعوه إليه ليطهر عنده، لكنها عند الرجلين سمو بالنفس إلى ما فوق نفسها، ~~وحرص على الاتصال بالملأ الأعلى من ملكوت الله، ورجاء في وجهه الأكرم أن ييسر هذا ~~الاتصال، لنكون في غدنا خيرا مما كنا في أمسنا، فنبلغ بذلك مكان النفس المطمئنة، ~~ترجع إلى ربها راضية مرضية، تدخل في عباده وتدخل جنته. # وقد رأينا كيف كانت هذه الأماكن أول أمرها بسيطة كل البساطة، وكيف تطور أمرها على ~~تعاقب القرون، فبلغت من الفخامة والمهابة والجلال أعظم مبلغ. # وهذه ظاهرة نراها في الأماكن المقدسة في أنحاء الأرض جميعا، بل نراها ظاهرة في ~~أماكن العبادة كلها في الأديان المختلفة، تبدأ هذه الأماكن بسيطة، ثم تتدرج شيئا ~~فشيئا إلى الفخامة، وذلك أمرها بنوع خاص حين تقام ذكرا لأمر تاريخي جسيم الخطر. # ما سبب هذا؟ # لم لا يحتفظ الناس لهذه الأماكن المقدسة ببساطتها الأولى لينعموا بما ~~للبساطة من روعة ومهابة؟ # السبب واضح، فالفكرة التي أقامت هذه الأماكن فكرة خالدة، ولذلك تبقى جديدة أمام ~~كل جيل جديد. # طبيعي أن يلتمس الناس لذكر الفكرة الخالدة مظهرا يبقى على الدهر أطول زمن، ~~يستطيع الإنسان أن يضمن بقاءه عليه. # هذا هو السر في تشييد المصريين القدماء الأهرام والمعابد التي لا تزال باقية ~~تشهدها أعيننا رغم مر السنين وكر القرون، إنهم شادوها رمزا لمعان باقية، فيجب أن ~~يكون لها ms122 من حظ البقاء ما لهذه المعاني. # وقد بقيت آثار القدماء المصريين عمرا أطول من عمر المعاني التي قامت تخلدها، ~~فحق أن تبقى الأماكن المقدسة عمرا يوازي عمر هذه المعاني الجليلة التي شادتها، ~~والتي لا يجيء عليها الزمان. # فإذا عجز الإنسان عن أن يقيم هذه الأماكن للخلود، فليقمها لتعمر على القرون ما ~~استطاع علمه وفنه أن يحفظها خالدة على القرون. # ترى لو أن مسجد النبي العربي بالمدينة بقيت عمارته كما شاده عليه السلام، أفكان ~~مقدرا له أن يبقى على وجه الزمان، أم أنه كان يعرض لأعاصير الحدثان مما شهدته ~~الأيام وما لا تزال تشهده أعيننا؟ # لذلك قوى عثمان بن عفان عمارته كما رأينا، وإن لم يفكر في زينته كما فكر عبد ~~الملك بن مروان، وكما فكر المسلمون على القرون التي تعاقبت من بعده. # وما يقال عن مسجد النبي بالمدينة يصدق على غيره من الأماكن التي شيدت لتخلد فكرة ~~عظيمة، بدأت كلها بسيطة بساطة الفكرة التي دعت إلى إقامتها. وأكثر الأفكار قوة ~~أكثرها وضوحا وأكثرها لذلك بساطة؛ لذلك تنغرس في نفوس الناس وتستولي عليهم، ~~فيزدادون شعورا بقوتها، فيزيدهم ذلك حرصا على تقوية الأثر الذي يذكرها. # ولما كانت الفكرة تتصل دائما برجل ألهمها أو أوحي إليه بها، فذكر هذا ~~الرجل يتصل بذكر الفكرة العظيمة التي تنسب إليه، من ثم تقام للعظيم آثار كالآثار ~~التي تقام لفكرته. # أشرنا إلى مسجد النبي العربي، هذا المسجد الذي أقامه النبي بسيطا، فجعله ~~المسلمون من بعده مثال المتانة والجلال والجمال. # كذلك الشأن في كنيسة المهد، وكنيسة القيامة، هما يقومان ذكرا للمسيح - عليه ~~السلام - يوم ولد، ويوم توفاه الله ورفعه إليه، وهما لذلك آية في المتانة ~~والروعة. # هذه الآثار التي تقام للعظماء، تضارع الآثار التي تقام تخليدا للفكرة التي جاءوا ~~بها، فبيت الله الحرام بمكة، والمسجد الأقصى ببيت المقدس، يقومان ذكرا لفكرة ~~التوحيد من يوم هدى الله أنبياءه ورسله إليه، وألقى عليهم أن يبلغوا الناس ~~فكرته. # فهذان الأثران المقدسان تضارعهما الآثار التي أقيمت لمن هدوا الإنسانية إلى ~~فكرة التوحيد ms123 قوة وجلالا وعظمة. # لا يكتفي الناس بتقوية الأماكن المقدسة لتقاوم الزمان وأحداثه، بل هم يضفون عليها ~~من ألوان البهاء والجمال والجلال غاية ما يهديهم إليه عملهم وفنهم. # لماذا؟ # لأن الفكرة العظيمة لها - على بساطتها - من البهاء والجمال والجلال ما يبهر اللب ~~ويأخذ بمجامع القلب. ~~(2) الصورة المادية للمعاني المجردة # بهاء الفكرة معنوي، وجلالها روحي. # وبهاء الأماكن التي تذكرها، وجلال هذه الأماكن وجمالها مادي، فكيف يقاس المادي ~~بالمعنوي؟ # لك أن تسأل هذا السؤال، وجوابنا عليه أن من طبيعة الإنسان أن يخلع الصورة المادية ~~على المعاني المجردة؛ لأن الإنسان قلما يدرك المعنى المجرد إلا أن تقوم له في نفسه ~~صورة مادية. # فإذا استطاع المفكرون أن يجردوا المعاني، وأن يدركوها لذاتها، وأن تتمثل أمامهم ~~حقائق لها صورتها الواضحة كوضوح الصورة المادية في نظر سواد الناس، فإن هذا السواد ~~لا سبيل له إلى امتثال الصورة المعنوية أو الروحية إلا أن يقيم لها في أطواء نفسه ~~صورة مادية. # لما فتح رسول الله مكة ودخل الكعبة، ورأى جدرانها صورت عليها الملائكة نساء ذوات ~~جمال، فأنكر هذه الصور لأن الملائكة ليسوا ذكورا ولا إناثا، وليس لهم في النفس ~~التي تدرك المعاني المجردة صورة مادية، لذلك أمر النبي فطمست هذه الصور. # على أن للذين صوروها عذرهم الذي سبق بيانه، فالصورة المجردة لا يمكن أن تثبت في ~~نفس السواد قائمة بذاتها، بل لا بد لها من جسد تستقر فيه لتحيا به في تصورهم كحياة ~~الروح في الجسم. # ولقد رأينا المصورين الأوروبيين في القرن الخامس عشر والقرن السادس عشر يصورون ~~الملائكة على نحو يقرب مما كان على جدران الكعبة، ولا يزال هذا شأن أهل الفن إلى ~~يومنا. ذلك بأن الصورة المجردة لا يمكن أن تثبت أمام حواسنا إلا إذا اتخذت الصورة ~~المادية لباسا لها تستقر عليه الحواس. # ودليل أكثر وضوحا على أن السواد لا يستطيع تمثل الصورة المعنوية إلا في صورة ~~مادية، عبادة الأصنام، فهذه الأصنام كانت تعبد عند العرب، وعند غير العرب، على ~~أنها صورة للإله على ما كان يتصورها ms124 أهل تلك العصور. # وليس بين المعاني التي تقوم بالنفس ما يسمو على كل صورة مادية كمعنى الألوهية ~~السامي. مع ذلك عجز السواد في الماضي عن تصور هذا المعنى مجردا من المحسوسات ~~المادية، فاتخذوا من الفن وسيلتهم إلى تمليق هذا العجز في نفوسهم دون الاعتراف به ~~صراحة وجهرا. # لهذا يضفي الناس على الأماكن المقدسة أروع صور الفن وأبدعها وأجملها. # ولهذا أوحت المعاني الدينية إلى الفن، وألهمت أربابه خير ما خلفوا للإنسانية من ~~تراثهم البارع. # ولقد رأيت الشيء الكثير من هذا الفن حين تحدثنا عن مسجد النبي وقبة الصخرة، وعن ~~كنيسة المهد وكنيسة القيامة. # وأنت ترى منه الشيء الكثير في المساجد والكنائس حيثما ذهبت من أنحاء العالم، ترى ~~فن العمارة بالغا غاية عظمته وجلاله، وترى سائر الفنون متجلية في التماثيل والصور ~~في الكنائس وفي السجاجيد والخط الجميل في المساجد. # ذلك لأن الفكرة العظيمة التي أقامت هذه المعابد الفخمة حركت الوجدان الإنساني ~~للعناية بها عناية تتفق مع جلال هذه الفكرة وعظمتها. ~~(3) نظرة المفكرين للتجسيد المادي # ذكرت أن المفكرين قديرون على تصور الفكرة المجردة لذاتها، وأنها تتمثل لبصائرهم ~~في صورة واضحة كوضوح الصورة المادية في نظر سواد الناس، وهم يسمون بالفكرة عن أن ~~تلبس اللباس المادي سموا كبيرا، بل هم يرون في إلباسها هذا اللباس حدا منها ~~وتضييقا لآفاقها، يصلان في كثير من الأحيان إلى إفسادها. # فكيف يرضون عن النزول بها في الأماكن المقدسة، وفي غير الأماكن المقدسة إلى أن ~~تصور صورة مادية؟ # وكيف يسكتون على ذلك ولا يحاربونه؟ # ثم كيف يحض الحاكمون وأولو الأمر عليه ويشجعونه؟ # لم لا يصنع المفكرون ما صنع النبي العربي حين طمس الصور التي كانت على جدران ~~الكعبة، وحين حطم الأصنام القائمة فيها؟ # لا أراني بحاجة إلى القول بأن السمو إلى مقام الرسالة أمر غير ميسور، إلا لمن ~~اختارهم الله لها. # وأزيد على ذلك أن أولي الأمر ليسوا دائما من المفكرين الذين يسمو تفكيرهم إلى ~~مقام التجريد وتمثل الفكرة في حيويتها الذاتية غير كاسية ثوب المادة. # وسيان منهم من ms125 سموا إلى هذا المقام ومن لم يسموا إليه، هم جميعا ينظرون إلى أمور ~~الحكم بعين الواقع لا بعين التجريد والبصيرة المطلقة من قيود هذا الواقع. # وهم يقدرون أن الرسول النبي العربي قد عفى على ما وجد بالكعبة من الآثار حتى لا ~~يبقى لعبادة الأصنام في النفوس أثر. # أما وقد بلغ الأمر من ذلك مداه، ولم تبق لهذه العبادة في النفوس باقية، فلتكن ~~معاني الحكم قريبة من متناول إدراك السواد حتى يطمئن الناس إلى هذا الحكم ويرضوا ~~عنه. ومن أسباب الرضا أن تقرب إلى أذهانهم المعاني النفسية في صور مادية؛ ولذا أنفق ~~عبد الملك بن مروان وغيره من الملوك والأمراء وبالغوا في الإنفاق على عمارة الأماكن ~~المقدسة، حتى يصل بها الفن إلى أبهى صور الجمال والجلال. # أما المفكرون، فلا يحاربون هذا التجسيد المادي للمعاني الذهنية والروحية؛ لأنهم ~~يرونه ظاهرة من ظواهر الحياة الإنسانية لا غنى للناس عنها، بل لعلهم يرون في هذا ~~التجسيد إبقاء على المعاني السامية في نفوس السواد؛ لأنه لا يستطيع أن يدرك هذه ~~المعاني دون أن تلبس هذا الثوب. # هؤلاء على الأقل هم المفكرون أولو الأفق الفسيح في تصور الحياة وما تنطوي عليه، ~~أما المتزمتون فلا يذهبون مذهبهم. # ألسنا قد ذكرنا ما كان من إنكار بعض المسلمين لعمل عثمان بن عفان حين زاد في رقعة ~~مسجد النبي، وانتقل بعمارته من البساطة التي كان عليها في عهد النبي وفي عهد أبي ~~بكر وعمر إلى بعض الفخامة والزينة؟ # ألم نذكر كيف ضج المسلمون حين أدخلت بيوت النبي في مسجده رغم ما كان من إبداع ~~عمر بن عبد العزيز في عمارة الحجرة النبوية وفي زينتها؟ # هذا، ثم إن للفن الجميل مقامه السامي عند المفكرين، قبل أن يكون له مثل هذا ~~المقام عند غيرهم. فإذا كانت الفكرة السامية حقيقة جديرة بالخلود، فالفن الذي يخلد ~~هذه الفكرة في نفس الإنسانية جدير بأن يشجع وألا يحارب، وهو إنما يشجع لذاته. ~~فإذا أدت آثاره إلى أن تندس إلى النفوس معان وثنية قامت الفكرة للقضاء عليها ms126 كما ~~هو الشأن في الأديان التي قامت في الشرق الأوسط، فإنما تعلن الحرب على هذه المعاني ~~الوثنية لا على الأثر الفني الذي تنسب له. # وهذا ما قام به المفكرون من قبل، وما يقومون به اليوم، وللجهود التي يبذلونها في ~~هذا السبيل أثرها القيم لا ريب، هذا الأثر الذي كفل بقاء فكرة التوحيد في نفوس ~~السواد، لا تطغى عليها الصورة الوثنية طغيانا يهدد كيانها أو يخشى خطره ~~عليها. ms127