######OpenITI# #META# URI: 1375MuhammadHusaynHaykal.MudhakkiratShabab.Hindawi57393159 #META# Tags: biographies #META# ID: 57393159 #META# Title: مذكرات الشباب #META# AuthorID: 73037206 #META# Author: محمد حسين هيكل #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # محمد حسين هيكل‏ # القسم الأول: مذكراتي في أوربا‏ # 1 - السفر‏ # 2 - باريس وضواحيها‏ # 3 - في الرفييرا‏ # 4 - في باريس من جديد‏ # 5 - في إنكلترا‏ # 6 - في سويسرا‏ # 7 - في لوسرن‏ # 8 - في إيطاليا‏ # 9 - في مصر‏ # القسم الثاني: ما بعد المذكرات‏ # 1 - أدب اللغة الفرنساوية‏ # 2 - تطور فكرة المسؤولية في العصور المختلفة‏ # 3 - كتاب مفتوح إلى لجنة تنقيح قانون الأحوال الشخصية‏ # 4 - الاقتصاد السياسي وقواعد الأخلاق‏ # القسم الثالث: ما بعد المذكرات‏ # وأخيرا‏ # محمد حسين هيكل‏ # القسم الأول: مذكراتي في أوربا‏ # 1 - السفر‏ # 2 - باريس وضواحيها‏ # 3 - في الرفييرا‏ # 4 - في باريس من جديد‏ # 5 - في إنكلترا‏ # 6 - في سويسرا‏ # 7 - في لوسرن‏ # 8 - في إيطاليا‏ # 9 - في مصر‏ # القسم الثاني: ما بعد المذكرات‏ # 1 - أدب اللغة الفرنساوية‏ # 2 - تطور فكرة المسؤولية في العصور المختلفة‏ # 3 - كتاب مفتوح إلى لجنة تنقيح قانون الأحوال الشخصية‏ # 4 - الاقتصاد السياسي وقواعد الأخلاق‏ # القسم الثالث: ما بعد المذكرات‏ # وأخيرا‏ # | مذكرات الشباب # | مذكرات الشباب # تأليف # محمد حسين هيكل # | محمد حسين هيكل # القسم الأول # | مذكراتي في أوربا # في الطريق # الفصل الأول # | السفر # 7 يوليو 1909 # هذه أول مرة في حياتي أضع فيها قدمي على غير أرض مصر. # لم نكد نصعد فوق سطح الباخرة حتى كنا وسط لجة لا حد لها من المسافرين ~~والمودعين لا تميز العين بينهم هؤلاء من أولئك، كلهم رجال وشبان على وجه الأكثرين ~~منهم أثر الجد والاهتمام، في حين تقرأ في عيون الآخرين حزنا عميقا ويمسحونها ~~بمناديلهم من وقت لآخر، ومن الشبان من يضحكون غير مبالين، وفي كل لحظة ترى إلى ~~جانبك اثنين يتقابلان ويتصافحان، ويقبل عليك الوقت بعد الوقت صديق لم تره من أيام ~~أو من سنين، فيهز يدك هزة قوية ويسألك إن كنت مسافرا أو مقيما، ومتى علم أنك مسافر ~~جعل يشجعك ويظهر من ثقته بك وبقوة عزيمتك، فتبسم أنت لأنك لا تعلم ما تجيبه ~~به. # عن جانبنا شاب وقف معه من جاء يودعه، عشرة أشخاص أو أكثر، ومن بين هؤلاء رجل ms001 ظاهر ~~الجزع لا يستطيع رغم شعوره المبيضة أن يحجز دمعته على أن تسيل على خده ~~الناشف الشديد السمرة، تدل حمرة جفونه على أنه كان يبكي من قبل، ويكفي منظره ليستدر ~~القلب رحمة به ويسعى من حوله لتعزيته، فلا ينفع معه شيء ولا يتعزى، كأنه يرى في ~~الخضم الهائل أمامه مختبئا ملك الموت ينتظر العزيز الذي يفارقه ... والناس يسيرون في ~~كل جانب من جوانب المركب وإلى كل الجهات ينظرون في كل الوجوه يريدون أن يقولوا كلمة ~~وداع لمن يعرفون، والكلام والضحك والبكاء ووصايا الآباء والإخوان وضجة الحمالين ~~وأصوات الصائحين ورج الآلات الرافعة جوف المركب، كل ذلك مخلوط بعضه ببعض يترك ~~الحواس والقلب والنفس في حيرة واندهاش، فإذا قلبت عينيك فيما حولك أزددت حيرة لا ~~ينجيك منها إلا محدث ممن معك يقف إلى جانبك، فإما كان رجلا فألقى إليك بنصائح، وإما ~~شابا من أصدقائك صامتا يحدق بك كأنما يريد أن يملأ عينيه من صورتك التي تتغيب ~~عنه الزمان الطويل ... # ارتفع في الجو صفير الباخرة تعلن المودعين ليذروها، في تلك الساعة هاج الناس ~~وماجوا وجعل كل يقول لصاحبه الكلمات الأخيرة. # سلم علي إخواني الشبان ثم وقفوا جانبا، وجعل أهلي وإخواني يقبلونني قبلة ~~الوداع ويقولون لي «مع السلامة وإن شاء الله نسمع عنك كل خير»، ولكن رجلا من ~~بينهم طالما عرفني لم يستطع أن ينطق بكلمة إلا دمعة ذرفها وقبلة وضعها على صدغي ثم ~~هز يدي وسار. # جعلت الباخرة تخلو من المودعين قليلا قليلا، وسلمها الخشبي الضيق مزدحم بهم ~~يقذفهم للشاطئ وهم يتتابعون فوقه، وأخيرا أصبح السلم هو الآخر خلاء ورفعوه إلى ~~الباخرة. # اصطف المودعون على الشاطئ وجع لكل منهم يبعث لمن يعرف نظرة أو ابتسامة، ثم تحركت ~~المركب بحركة بطيئة وأخرج الناس من جيوبهم مناديلهم يشيرون بها في الهواء ويتنادون: ~~«مع السلامة»، ثم ابتدأ الشاطئ يغادره من عليه حتى إذا لم يبق لنظرة أو لابتسامة ~~سبيل لم يبق إلا الآباء ومن معهم ممن جعلوا يقتربون جهة الباخرة كأنما تجرهم ~~إليها. # ابتعدت الباخرة في ms002 سيرها غير المحسوس ولم يبق على الشاطئ إنسان. # وذهبنا إلى الجهة الثانية فإذا أحجار المينا تقترب منا وهي قائمة بين الماء ~~الهادئ الذي تسري فوقه والخضم الهائل الذي ينتظرنا، ثم سمعت الأذن صريف أمواجه ~~المتكسرة على الأحجار. # عبرنا عباب المرفأ وتجلى أمامنا البحر ممتدا إلى الأفق، وجلست فوق تلك ~~المدينة السائرة أتحادث وأصدقائي، وزادت سرعة الباخرة فجعلت الإسكندرية تنطوي أمام ~~الناظر شيئا فشيئا، ومد من شاء من المسافرين بصرة يودع هذه الديار العزيزة ~~الغالية، والشمس يغمر نورها الجو وينطرح على مهاد الأمواج شعاعها قد ابتدأت تهبط ~~إلى مغيبها. # على هذا البعد الشاسع بيننا وبينها ظهرت المدينة مستكينة صاغرة وأحيت أمام ~~الذاكرة الإسكندرية القديمة حين الناس في مدينتهم الأولى، وكلما زاد بعدنا عنها ~~طحنها الأفق وأخفى من معالمها وزادها استكانة وخفوتا، ونحن ننظر لها وللجة ~~الهائلة تفصلنا عنها والعين أعلق ما تكونت بما بقي منها والقلب يود لو يطير إلى ~~هاته الأراضي كمن فيه حبها طول حياته، وها هو يستعر أن يراها تبتلعها السماوات ~~والبحار. # ثم ارتميت إلى مقعدي أن طمس الأفق على الخيال الأخير الذي كنت أرى، وأحسست كأن ~~حزنا يثقل فؤادي وينوء به صدري، وراحت خيالاتي في تيهاء لا أدرك فيها ~~شيئا. # لم يطل بي المقام على هذا الحال إذ اعتراني الدوار واضطرني أن أهبط إلى ~~غرفتي. # 10 يوليو # لنا الآن يومان على البحر تحيط بنا دائرة الأفق فوقنا وأسفل منا زرقة السماء ~~وزرقة الماء ... نحن في وحدتنا تتهادى بنا الباخرة فوق الامواج ولا تسمع الأذن سوى ~~كلام المسافرين الهادئ الساكن ورغاء الماء يشق عبابه حيزوم قاربنا الهائل، وتطلع ~~الشمس والناس في مراقدهم ثم ترتفع ويتلقف الموج شعاعها ويتقاذفه حتى يفنيه وسط ~~اللجة العظيمة، وتغرب وهم يتجهزون لطعامهم فلا يعنى بمغربها منهم جائع، ثم ندخل ~~بكلنا تحت غطاء الليل ينفرد على الوجود وتتلألأ فيه النجوم. # ذلك ما نرى من يومين طويلين حتى اعتادت العين المنظر والسمع هذا الوش الدائم، ولم ~~يبق أمام الحواس ما يستدعي الالتفات أو يشغل الضمير، ms003 نعيش في هدأة كاملة، أكبر ما ~~يهمنا أن نقوم للطعام وأقصى أمانينا أن نفرد مقعدنا في مكان ظليل، فنمد فوقه سيقاننا ~~ونسند إليه رأسنا وننظر بعين نصف مغمضة إلى الفضاء الذي أمامنا، ونترك أنفسنا خالدة ~~إلى سكونها ناعمة في ذلك التخدر اللذيذ الذي يجيئها به نسيم البحر. # ما أحلى هذه الحياة الفارغة من كل الهموم وما أطيبها! يمر علينا الوقت في مقعدنا ~~هذا أو جالسين إلى جانب أصدقاء يحكون لنا عما سنرى ولا نحس بمره ... نمسك أحيانا ~~كتابا فلا يجذبنا شيء مما فيه لأنه مهما كان لذيذا لا يساوي عيش السكون الذي ~~يغمرنا. # نجاهد أحيانا أن نغير هذا العيش ونبدله ببعض النشاط فندور فوق القارب من جانب ~~لجانب، ولكن ما أسرع ما نرجع إليه إذ لا شيء يعوضنا عنه. # اليوم عينه منتصف الليل # أسمع ضجة في الخارج ... ترى ماذا عساها تكون؟ ... # ها مينا نابولي تختفي عن الأنظار ويبتلعها الليل في جوفه العظيم، تركت صالون ~~الباخرة ساعة سمعت الضجة وأسرعت أرى سببها فإذا الناس ينظرون إلى بعيد ويتساءلون: ~~«شايف ... شايف»، فوقفت على أطراف أصابعي فلم أتبين شيئا لأن الواقف أمامي أكثر مني ~~طولا وأعرض أكتافا، وكلما حولت رأسي إلى جهة مال هو الآخر برأسه نحوها، وأخيرا ~~علمت أنها باخرة عند خط السماء، فغيرت من ذلك المنظر المتشابه الذي اعتدناه من ساعة ~~غابت الإسكندرية عنا وأدخلت إلى الجو العظيم الصامت شيئا من معنى الحياة ~~والحركة. # ازدادت الضجة ارتفاعا حينما لمعت عند الأفق بشائر الأرض، وجعل كل يقص على بعض ~~ما يعرف عن نابلي، ولم يك إلا قليل حتى رأينا قارب صياد يتلاعب به الموج وصاحبه ~~فيه ساع يريد أن يكسب من بين مخالب الموت قوته، فلما اقتربنا منه ودفعت الباخرة ~~عن جانبيها تضاعف الموج قوة وفظاعة فجعل القارب يختفي ويظهر بين طيات الماء، ~~والصياد في جوفه مطمئن اطمئنان المترف في رياشه، ناظر إلينا وإلى مختلف ما نلبس ~~بعين هادئة اعتادت هاته الأشكال حتى صارت مبتذلة عندها، وكأنه يقول لنا وقد اجتمعنا ~~نحدق ms004 به إنما العيش عادة تصبنا في قالبها الأيام، فلا نعبأ بما فيه مهما كان شديدا ~~إذ قد طال ما ألفناه. # في الفترة التي أخذها الصياد تجلت المدينة تحت الشمس الساطعة، وهبطت حركة الباخرة ~~حين دخلت المينا، ثم إذا إنسان يصيح كأنه غريق يستغيث، فما أسرع أن جاء راكب ~~ممن معنا فوقف إلى جانبي وأخرج من جيبه قطعة من النقود قذفها بعيدا عن الرجل كما ~~يقذف الإنسان إلى الكلب لقمة العيش أو قطعة السكر، وكالكلب أسرع هذا العاري فالتقط ~~القطعة بفمه، ووجدت أنا من السرور لنفسي أن أعمل ما عمل صاحبي فألقيت قطعة سقطت في ~~الماء فسقط وراءها وخرج بها بين أسنانه وجعل يصيح من جديد، والتف الركاب يتلهى ~~الإنسان بالضحك من أخيه الإنسان. # وكان هذا الرجل واحدا من كثير من أمثاله ليس عندهم من الهمة ما له، فانتظروا ~~قريبا من الشاطئ وهجموا جميعا على الباخرة دفعة واحد، ومن بينهم فتيان صغار ~~وفتيات عليهن أثر الجمال استلفتن إليهن المسافرين وأخذن منهم ما جادوا به. # ألقت الباخرة رواسيها ونزلنا المدينة مع دليل يعرف العربية ساقته الصدفة، فبعد أن ~~طردنا شرذمة من الأولاد الذين أحاطوا بنا يطلبون إحسانا باسم المكرونة، اخترنا ~~عربتين من بين كثير مصطفة على جانبي الطريق، عربات متسعة لا تضيق الواحدة منها ~~بخمسة أشخاص أو ستة، لكنها قديمة بالية مقطوع جوخها قذر داخلها وخارجها، فلما كنا ~~عندها اتجهت إلينا أنظار الحوذية وهم جميعا وقوف إلى جانب خيولهم المشتغل بعضها ~~بطعامه والآخر بدفع الطير عن جسده، بعد مداولة قصيرة أخذنا عربتين من بينها، كان ~~معي في العربة صديقي ب. وآخرون، وقد اشتغلت عنهم بالنظر عن يميني ويساري إلى المباني ~~الفادحة الارتفاع وإلى الشوارع الجميلة التنسيق. # وصلنا إلى شوارع متسعة تدل حالها وعلائم السكون البادية عليها أن الناس بها أرقى ~~حالا، وجعلت تتكرر أمامنا فيها وفي كل ميدان وعلى باب كل بناء عظيم التماثيل ~~المختلفة لا نعرف عنها شيئا فلا نفهم لها معنى، ولما كان الدليل في العربة الثانية ~~مع أصحابنا استفسرنا ms005 حوذينا فابتدأ بذلك فصل مضحك: حوذي يرطن بالتليانية يريد أن ~~يفهم شبانا لا يفهمون من كلامه كلمة. # زرنا الجالريا والأكواريم، الأولى متحف التماثيل والأخرى مجتمع أغرب الأسماك ~~مما لا يخطر في البال إن لونا أو شكلا أو حركة # 1 # ورجعنا بعد ذلك إلى سوق المدينة بقينا به حتى تناولنا عشاءنا فأخذنا من ~~(الأسباجتي) ما ضاقت دونه بطوننا ثم قمنا إلى المركب فوصلناها قبل موعد سفرها بنصف ~~ساعة. # أبحرت الباخرة الساعة العاشرة مساء فتجلت ميناء نابولي تأخذ بالأبصار القلوب، ~~قامت صفوف الأنوار في نصف دائرة بعضها فوق بعض تطوق بحر المرفأ وتطرح على الماء ~~الهادئ اللابس كساء الليل خيوط النور والذهب تبعث إليه الحياة والجمال وتبين صاعدة ~~من أعماقه مرتقية تتدرج إلى أعالي المدينة وتلاقي هناك عند مرمى النظر نجوم ~~السماء. # وكلما ابتعدنا عنها اقتربت من بعضها حتى صارت عقد جيد الأفق، ثم أخذت الباخرة ~~طريقا آخر وابتلع الليل المرفأ في دجنته. # يقول الإيطاليون: «زر نابلي ثم مت.» أصحيح ما يقولون؟ # 12 يولية # ما أجمل الهدوء والسكون وما أحبهما للنفس. الساعة السادسة صباحا والباخرة لا صوت ~~فيها، وصاحبي في الغرفة قد ذهب ليأخذ حمامه، وبقيت وحدي في هذا الوكر الضيق مطمئنا ~~فوق المدينة السائرة. # بالأمس مررنا من مضيق بونفسيو ورأينا على الجانبين جزيرتي كورسكا وساردينيا، ~~الأولى جدبة صخرية صفراء باقية على عهدها أيام ولد نابليون وعلى عهدها من قبله أيام ~~قيصر والسالفين، والثانية أبعد عن القارب وأبعد عن الذهن لا يلتفت إليها أحد لأن ~~الكل مأخوذ بصاحبتها. # فوق هذه الجزيرة الجرداء نما نابليون، بين هاته الصخور شب الإمبراطور، تلك الأرض ~~الصغيرة أنبتت الرجل الكبير لينشر علمه على الارض وليذيع ذكرها في الخافقين، كذلك ~~أنت يا كورسكا مسؤولة عن الدماء التي أراقها هذا الجلاد العظيم. # دق الباب ودخل صاحبي هاته اللحظة من حمامه فقطع علي سلسلة كتابتي. # صاحبي رجل طيب واسمه ع. ف. لا يلبث أن يرجع من حمامه حتى يفرد عباءته ويصلي، في ~~حين أبقى أغلب الأحيان في سريري أو على ms006 الكنبة إلى جانبه حتى يناديني الخادم إلى ~~دوري في الحمام ... ودوري من آخر الأدوار إن لم يكن آخرها. # أحسبنا اليوم ننزل مرسيليا؛ إذن ... الخادم يناديني للحمام، كيف ذلك؟ ... لأن كثيرين ~~مشغولين بترتيب ما معهم فتركوا دورهم ... # ها نحن وصلنا. # 13يولية # نزلنا مرسيليا صباح أمس بعد أن تركنا متاعنا لرجل من شركة توبن، خلصه حتى أنزله ~~معنا في قطار المساء، وتمكن من أن يهرب لنا خمسمائة سيكارة بالاتفاق مع عامل ~~الجمرك، ولقد تناول جماعة أصحابي من سمك (البويابس) في طعام غذائهم حتى لا تفوتهم ~~أكلة مرسيليا الخاصة بها، ثم أخذنا عربة طفنا بها أنحاء المدينة وأزارتنا أماكنها ~~الجميلة، دخلنا البرادو أكبر بستان في مرسيليا وجعلت العربة تسير بنا في جوانبه ~~وتمر بنا من تحت أقبيته الخضراء كونتها الأشجار الكبيرة الفروع حتى تتقابل ~~وتتداخل، ويتقن فيها البستاني فيصل إلى أعظم درجات الإبداع. # أما المينا نفسها فيما حول الكورنيش فيقف دونها الوصف، بيوت صغيرة منعزلة قائمة ~~وسط زرقة البحر تصعد متدرجة فوق الربى وتحيط بها من كل جانب أشجار ونباتات ~~تجعلها في وحدتها فريدة لا يداني جمالها جمال، وأمامها زرقة المتوسط وسماؤه ~~الصافية، ومن حولها يأخذ بالعين الجو العظيم تظهر فيه عن بعد بيوت أخرى وهضاب ~~وأشجار # وأخذنا القطار آخر النهار فلما تحرك واستقر بنا المجلس جئنا بطعامنا فتناولناه، ~~ثم بقينا بعد ذلك سكوتا همودا. # التفت إلى يساري علي أرى من النافذة شيئا، فإذا ما حولي سواد الليل الأدهم، ~~ونظرت إلى صاحبي أريد أن أفاتحه القول فإذا هو مسند رأسه إلى ما وراءه محدق ببصره ~~إلى سقف الغرفة تائه بكله في تلك الأحلام المبهمة التي تجيئنا عقب الطعام حين يصيب ~~أعضاءنا خمول يتركها خادرة، ونحس كأن فكرنا منهوك تاعب فهو لا يستطيع أن يفهم ~~شيئا، والآخرون إلى جانبه وحالهم كحاله. # ثم أفاقوا جميعا مرة واحدة حين علت ضجة القطار داخلا النفق، وأسرع أحدهم فأقفل ~~نافذة كانت مفتوحة خيفة أن يمتلئ المكان دخانا، وأحسسنا حين أحاطت بنا الأرض من ~~فوقنا ومن أسفل منا كأن ms007 صدى تلك الضجة يرن في قلوبنا فلم يقطع أحدنا السكوت الذي ~~كنا فيه حتى خرج القطار من جديد إلى الهواء الحر، حينذاك قال عبد الله بك: يالله ~~نلعب ورق. # قضينا في لعب الورق حتى منتصف الليل. # ولما وصل القطار إلى ليون نزل منه خلق كثير تركت أنا أصحابي إلى الغرفة المجاورة ~~آملين أن ننال بعد سهرنا هذا ساعة يرد لنا النوم فيها من الراحة ما يعوضنا عظيم ~~تعبنا. # لكني لم أبق طويلا حتى دخلت إلى هذه الغرفة فتاة وضعت شنطتها على الرف وجلست ~~إزائي فجعلت أدير نظري ساعة إلى جهة النافذة وأخرى ألقى به الأرض وثالثة أغمض عيني ~~خيفة أن تقع عليها، واستولاني خجل لا أفهمه، فلما تحرك القطار انتهزت فرصة اشتغالها ~~ببعض أمرها وانسحبت خارجا أريد أن أرجع إلى حيث كنت فوجدت أصحابي قد أقفلوا الباب ~~وطمسوا على النور ... # وقفت في الممر حائرا أسأل نفسي أليس ممكنا أن يكون المحل الذي جلست فيه محجوزا ~~«للستات»؟ ولكن بابه لا يدل على شيء من ذلك ... أليس ممكنا كذلك أن تكون هاته الفتاة ~~وجدتني مفردا فمالت عندي تريد أن تغريني؟ استحوذت هاته الفكرة علي تهيج في نفسي ~~أحيانا من السرور وأخرى من التخوف ... ثم عقدت حواجبي وهزرت رأسي قلت ... «وسألعب أنا ~~الآخر معها دوري». # دخلت إلى مكاني من جديد فوجدتها خلعت قبعتها وتقفل في ستار النافذة المقابلة لها، ~~لكني أحسست لأول ما رأيتها بهزة عرتني، فتناسيت واشتغلت عنها بإقفال ستار باقي ~~النوافذ حتى إذا انتهت جلست مكاني صامتا لا أتحرك وإن استرقت إليها النظرات ~~أحيانا، أما هي فبعد أن أتمت كل الذي عملت كأن لم أكن موجودا نظرت إلي وقالت: ~~تسمح يا سيدي أن تحجب النور؟ # فلم أتمالك نفسي حين سمعتها تتكلم أن ظهرت علي الدهشة والاستغراب: فتاة لا ~~أعرفها تكون وحيدة معي ثم تكلمني بسكون ومن غير خجل كما يكلمني أي رجل آخر، وتطلب ~~أن تحجب النور ليمسي المكان الذي نحن فيه مظلما ... ثم ماذا يكون بعد ذلك؟ # تولاني خجل لم ms008 أقدر معه أن أجيبها بحلوة ولا بمرة، بل قمت ساكنا فأرخيت ستاري ~~المصباح وجلست منزويا في الركن حيث كنت، فلم تمهلني بعد ذلك أن شكرتني ثم هيأت ~~لنفسها مضجعا اتكأت فيه وقالت (ولست أدري إن كانت تكلم نفسها أو تكلمني): آمل لا ~~يصعد إلى القطار في جرنبل من يفسد علينا نومنا. تمطيت أنا في الجهة المقابلة ولم ~~أقل كلمة واحدة كأني منها خائف وجل، وبقيت أغمض عيني وأفتحها وكلي الحذر ولا ~~أفكر في شيء مطلقا، بقيت كالطفل الذي أمرته أمه أن ينام وهو لا يريد، وفي الوقت ~~عينه لا يدري ماذا يفعل. # أمسينا بعد ذلك في ظلمة مخيفة، فما لبثت لحظة حتى سمعت أنفاسها تتردد في صدرها ~~علامة النوم الهادئ المطمئن، حينذاك سكن روعي ورحت في أفكار متناوبة حملتني معها ~~أنا كذلك إلى عالم السكون. # قضيت بقية ليلي بين النوم واليقظة أغيب عن نفسي أحيانا كأني نائم حقا ثم أرجع ~~إليها وهي خادرة عمل فيها هواء تلك الغرفة الممتلئ كسلا وخمولا. # ثم تبنيت من خلال الستار كأنما تبددت ظلمة الجور وما كدت أرفعه حتى صدق ~~النهار الوليد ظني، وتبدت أمامي الحقول تذهب منخفضة مرتفعة وتضيع دون الأفق، وتهبط ~~الأرض أحيانا فأحدق من الهضاب التي يرمح القطار فوقها ثم إذ الأرض ارتفعت ودخلنا ~~بين جبلين نسير بينهما مستكينين مستسلمين حتى يقذفا بنا في ظلمة النفق. # أخذت هاته المناظر البديعة بعيني وجلست معجبا بها لا أستطيع أن أتحول عن ~~النافذة، جلست بشعري المنكوش وعيوني المتعبة وأنا تائه أريد أن آخذ هذا الجمال ~~لصدري وأملأ منه ناظري فيحول دون ما أريد القطار الطائر إلى غايته، وأرسلت بأحلامي ~~في الجو الفسيح أمامي وهو لا يزال في رداء من الشك مملوء بأحلام الليل وآمال ~~النهار. # ثم التفت فإذا صاحبتي هي الأخرى منكوشة الشعر وإن تكن عيناها الزرقاوان ~~الضاحكتان أكثر يقظة وانتعاشا من عيني، فلما تقابلت نظراتنا ابتسمت عن شفاه رقاق ~~وأسنان ناصعة بديعة الترتيب ثم قالت: آمل أن تكون نمت نوما طيبا يا سيدي. # وبالرغم ms009 من قلة معرفتي للفرنساوية فقد استطعنا أن نتفاهم، وسألتني إن كنت رأيت ~~باريس من قبل، واستمر الكلام بيننا حتى تركتني وذهبت ترتب نفسها. # 2 # فلما جاءت رحت أنا الآخر، وعند رجوعي وجدت أصحابي أيقاظا يتكلمون ~~وينكتون ويضحكون، فلما وصل القطار وخرجنا من الحجرات ودعتني السيدة التي كانت معي ~~بابتسامه وحنيت لها رأسي ثم خرجنا جميعا إلى جوف باريس. # الفصل الثاني # | باريس وضواحيها # باريس ... كم حكى لنا عنها الحاكون حتى تصورت بيوتها بلورا أو ذهبا، وأهلها لا يسير ~~واحد منهم على قدميه، وشوارعها مع السكوت الأخرس مزدحمة لا يستطاع السير فيها، وتتخطر ~~النسوة في كل مكان، وينظرون لكل إنسان يردن أن يبتلعنه بأعينهن ... وها أنا لا أرى من ذلك ~~شيئا؛ ها بيوت مبنية بالحجر كبيوتنا، وناس كالذين نرى عندنا، وشوارع تجري بمن فيها، ~~ونسوة يسرن ظاهرات الجد ... عن أي باريس إذن كانوا يحكون؟ # 1 ~~... # 15 يولية # سأترك هذا الفندق الذي نزلنا فيه أول الأمس لأنزل في بيت عائلة (بانسيون) أكون ~~فيه بعيدا عن أصدقائي الذين جاءوا معي من مصر، وهم يرون أن هذه أحسن طريقة وأقربها ~~لتعلم اللغة الفرنساوية، سأتركه الساعة رغما عما خلفته الليلة الماضية عندي من ~~اللغوب، لو أن كل الأيام كيوم 14يولية وكل الليالي كليلته لما عرف الهم إلى نفوس ~~الناس سبيلا، فمع أني بباريس لأمسي فقط فقد انتقل إلي من السرور العام ما جعلني ~~لا أحس بمر ذلك النهار. # رأينا في الصباح قوس النصر، ورأينا عنده بعض الفرق الراجعة من الاستعراض، وبعد ~~الظهر ذهبنا إلى الحي اللاتيني، حي المدارس، وجلسنا في قهوة فاشيت ملتقى المصريين، ~~وقابلت بعضهم هناك وتعارفنا. # لست أدري ماذا أسمي هذا الذي يصنع أولئك الفرنسيون السكارى بنشوة الطرب، أمن أجل ~~ما يسمونه عيد الحرية يخلعون عذار الوقار إلى هذه الدرجة فيرقصون في الأماكن العامة ~~ويضحكون ويشربون ويعملون ما لا يعمل. # لا شك أنهم حقيقة تلك الأمة الممتلئة سرورا وجذلا، لا تكاد تسير خطوة إلا ~~ويدهشك القوم بسرورهم المفرط حتى لا تستطيع مهما كان من ms010 رأيك فيهم أن تمنع نفسك عن ~~مشاركتهم بقلبك في هذا السرور. # ذهبنا في المساء إلى ميدان الباستيل حيث يقوم تمثال الحرية عاليا يطل على ~~المدينة الزاخرة، ولقد وجدنا نصبا في اختطاط طريقنا بين الجموع المزدحمة الناسية ~~نفسها المأخوذ عقلها المستسلمة إلى فرح يبلغ حد الهوس، لم نكد نبلغ غايتنا حتى ~~قابلتنا الأنوار الزاهية وتبينت العين الغادة التي تمثل فرنسا حين دكت قواعد سجن ~~الباستيل مستودع الظلامات ومقام الأحرار الذين خسف بهم الاستبداد، ومن لحظة لأخرى ~~ينتشر النور مختلفة ألوانه يضيء التمثال وعماده وقاعدته والناس سكارى بعيدهم ~~وبالضوضاء المحيطة بهم وبتلك الأضواء الزاهية الزاهرة يمرحون في الميدان ~~العظيم. # وبعد منتصف الليل رجعت إلى اللوكاندة وقد هدني التعب، لكني لم أنم طويلا إذ ~~ما لبث الصبح أن تنفس حتى قمت أرتب عزالي لأقوم إلى مسكني الجديد. # دخلت نفسي بعد ذلك عالم الوحشة وأحسست أني صرت محتاجا لذراعي أنا ومساعدة نفسي، ~~ولكن ما أشأم عدم معرفة اللغة تضطر الإنسان لطلب المساعدة من غيره، وإني وإن كنت ~~سعيدا حيث كان مساعدي عبد الحميد سعيد من الرجال الذين لا ترفض مساعدتهم، إلا أني ~~كنت دائم الإحساس بشيء من الوحشة والحاجة لنفسي دائما، ولقد كان من أسباب وحشتي ~~بالطبيعة أني حديث العهد بباريس ومعيشتها وأماكن النزهة فيها. # 16 يولية # ما أسأم الوحدة الحزينة بين المجاميع الضاحكة # بمقدار ما كان الأمس فرحا فاليوم قطوب عابس. # انتقلت بالأمس إلى هنا وها أنا بين عشرين أو ثلاثين شخصا أشعر بذلك الانفراد ~~المطلق الذي وقعت فيه، ليس من عين تنظر لي إلا عين مستغربة ما يظهر على وجهي من ~~علائم الدهشة والألم ثم سرعان ما تنساني، وهؤلاء الذين أعيش بينهم ليسوا أكثر ~~إحساسا معي من أي إنسان في الطريق. # جارتي على المائدة غادة روسية خلع عليها الشباب أبهى حلله، ولا تظهر إلا باسمه ~~لكنها مشغولة عن كل إنسان بجارة لها روسية هي الأخرى، وهي لا تتقن الكلام ~~بالفرنساوية. # ما أحسن ذوقها في اللبس؛ تميل إلى الألوان الباسمة من غير ضحك، ms011 ويساعدها قوامها ~~الدقيق على أن تتأنق مقدار ما تشاء. # وتجاهي هندي جميل التقاطيع عرفت أنه انتهى من دراسته في كامبردج. # أما جاره هو ففرنساوي من قرابة صاحب (البانسيون)، ورغما عن أنه فرنسي فهو سمج، ~~كلمني بالإنجليزية في بعض مسائل تتعلق بالبانسيون، وسألني في أمور أخرى، فلم يكن ~~خفيفا على نفسي حديثه، وشكله هو كاف ليزعج الكثيرين. # أراحني عجزي في اللغة عن أن آخذ في الحديث بنصيب، ومن الشيء الذي كنت أفهم أراهم ~~أكثروا من الكلام عن الملابس والأزياء وسمعت كلمات ~~( # Tailleur # و # robe ~~: ثوب وترزي) تتردد على ~~ألسنتهم. # 17 منه # ثلاثة أيام في عالم الوحدة والوحشة والأحزان طوال. # أرى كل يوم مصريين فأتعزى بهم بعض الشيء عن ألمي وأجد فيهم ذكر بلادي البعيدة ~~النائية، ولكن هيهات القلب الذي يحس معي أو يألم لما أنا فيه ... # إذا كان ذلك، أفليس ضياعا أن يترك الإنسان نفسه يتسلبها الهم؟ ضياع وحمق، أنا لا ~~أنكر. ولكني إنسان والإنسان مهما اختلفت نزعاته وميوله لا يستغني عن عزاء يرتكن ~~إليه ساعات الضعف، ولو أن لي في هذا البلد الضيق أمام عيني ما أهتم له من إنسان أو ~~شيء لكفاني ذلك عزاء، ولكني وحيد مهموم. # خرجت بالأمس طرفا من الليل فقابلني بعض من عرفت من قبل، واقتادني معه حتى انتهى ~~بي إلى قهوة دخلناها فإذا هو لا يجد لنفسه مكانا إلا رغما، ويحيط به من كل جانب ~~جماعة من النساء لا تستقر عيونهن ... فلم أرتح للجلوس وخرجت لا ألوي على ~~شيء. # الشارع هادئ يسير فيه جماعة من الرجال والنساء وعلى الجميع مظهر التأدب ~~والوقار. # أيام الوحدة اليوم عينه، الساعة العاشرة مساء # بقيت في البيت هذا الصباح أرتب من شأني وأصف كتبي في قمطرها حتى ميعاد الغداء، ~~فلما كنا بعد الظهر نزلت أريد أن أرى الناس آملا أن أجد في ذلك ما يخفف من ~~الوحدة التي وقعت فيها بعد إذ تركت أصحابي، وسرت في شارع المدارس ~~(Rue des ecoles) # وهو في تلك الآونة هادئ ~~ساكن، فلما بلغت قهوة ms012 فاشت لم أجد بها أحدا، وجعلت أجيل عيني علها تقع على مخلوق ~~أعرفه أو آنس به فإذا كل شيء وكل إنسان مشتغل بنفسه أو واحد من معارفه بما يسلي به ~~وقته، وأنا في هذا المكان غريب منقطع. # كم بيني وبين أهلي في هذه الساعة؟ هم هناك هناك بعيدون وقد يكونون مهمومين لأمري ~~وأنا جالس منفرد يقطعني الهم ويتمشى اليأس إلى نفسي وما عرف إليها من قبل ~~سبيلا. # تولاني القلق وأخذ بخناقي ضيق شديد لم أتمكن معه إلا أن أهجر مكاني وأقوم من جديد ~~إلى الدار، وجاهدت حين وصلت أن أطلع في رواية كنت قرأت الصفحتين الأوليين منها وأنا ~~فوق البحر، ولكني وجدتها على نفسي كدرس التلميذ الكاره لدرسه، فقمت من جديد إلى ~~القهوة وبقيت بها رغما عن قلقي وضيقي. # ابتدأت الحياة والحركة تدخل إلى ما حولي حين فاتت الساعة الرابعة، وجاء بعد ذلك ~~أحد إخواننا المصريين ممن قابلت بالأمس فسلم وجلس إلى جانبي وبقينا بعد التحية ~~سكونا، ثم جاء آخر وثالث وجلسا معنا وابتدأوا جميعا حديثا طويلا في ~~السياسة. # لست من أنصار السياسة وكثرة الكلام فيها، ولقد بقيت عنها بمعزل طول أيامي بمصر؛ ~~ذلك لأني أرى الذين يتكلمون عنها يسرع إليهم التحمس، ويخرجهم عن حد الهدوء الذي ~~تستطاع معه المناقشة المعقولة، كما أنهم دائما متعصبون لحزب، مكرسون أنفسهم لنصرته ~~والطعن على غيره، مقدسون لرؤسائه والأشخاص العاملين فيه، ومهما يكن قليلا ما قرأت ~~من كتابة هؤلاء الرؤساء والعاملين فإنه كاف ليعلمني أنهم شيء ضئيل إلى جانب ~~الكتاب والمفكرين من أهل الأمم الغربية ومن العرب السالفين أنفسهم؛ إذن فالتعصب ~~لهم إلى الحد الذي أراه من إخواني ظاهر البطلان عندي، ولا أستطيع مهما جاهدت أن ~~أترك نفسي تأخذ بنصيب فيما أعتقده ظاهر البطلان؛ لأن عيشة الوحدة التي قضيت فيها كل ~~أيامي علمتني أن شيئا واحدا يمكن أن أحترمه، ذلك هو ما ارتاحت له النفس ورضيت ~~عنه. # لم أكن بين صحبتي الجديدة بأحسن حظا مما كنت من قبل، وبقيت في صمتي الأول حتى ~~أنقذني ms013 منه حضور السيد خالد. # السيد خالد رجل عرفته هو الآخر بالأمس فقط، ولكني أجد فيه من المعنى ما لا أجده ~~في غيره، كأنه قضى هو الآخر حياته في الوحدة؛ فتبين عليه آثار السكينة وتنم عيونه عن ~~تفكير طويل، أحسبه ليس من المغرمين بالتحمس والهياج كلما سمع كلمة تقال عن مصر أو ~~تمس السياسة. # جلس بجانبي عن اليسار، فلما وجدني صامتا سألني كيف أجد باريس ... كيف أجد باريس؟ ... ~~أنا لم أر منها شيئا بعد أستطيع معه أن أحكم إن كانت طيبة ولماذا؟ # ولقد أنست بالسيد خالد كثيرا، ولعلي أجد منه فيما بعد ما يعوضني عن إخواني ~~الذين خلفت في مصر. # قهوة فاشت ملتقى المصريين في حي الطلبة، ولقد علمت اليوم أن هناك قهوة أخرى ~~يلتقون بها تلك هي قهوة (دي لاپي) # De La Paix # ولقد ~~ذهبنا إليها السيد خالد وأحد أصحابه وأنا، ووجدت هناك صديقي سعيد مع آخرين، ومن ~~بينهم كثيرون ممن كانوا معنا في الباخرة، أشخاص ذوو وجاهة في مصر ومن قضاة ومحامين ~~وأطباء وأعيان ومن لا أعرفهم. # من أثقل ما يضايق في هذا البلد كثرة المطر ونزوله على غير ميعاد، فبينما نرى ~~الشمس زاهية والسماء صافية والنور يملأ الجو إذا السحب انتشرت وعبس الكون وهمت ~~السماء وفرد الناس مظلاتهم (أو مطرياتهم كما يسمونها) وحل محل النور والسرور قطوب ~~تضيق له النفس؛ ذلك شأنها من يوم نزلنا، وهو على ما يقولون شأنها دائما. # قمنا من القهوة ورجعت إلى الدار وأخذت طعامي وأنا صامت لا أدري ماذا أقول لأكون ~~مع هذا الجمع الطويل العريض الذي يحكي عما رأى وعن المخازن وما فيها والأقمشة ~~والأثواب وكل ما لا أفهم من شأنه لا قليلا ولا كثيرا ... ثم انتقلت إلى غرفتي وإلى ~~الوحدة المطلقة حيث لا يعلم أحد أحد بالزفرات التي أصعد ولا يهتم إنسان بآلامي، حيث ~~أنا الآن مفرد ليس لي على الأرض التي أسكن أهل ولا صديق. # 18 منه # اتفقت عصر اليوم مع الأستاذ والبك لنذهب لسان كلو. # الأستاذ شخص ربعة جميل ms014 التقاطيع كبير الأنف دقيق النظرات، أرسل ذقنه نصف قبضة وهي ~~لا تخلو من بعض التجعد، حلو الحديث جذاب، والبك رجل طيب عظيم الخلقة، وكلاهما من ~~أعيان المصريين. # أخذنا القارب من عند اللوفر، فسار يشق ظهر النهر المنحدر يخرق البلد ومبانيها ~~الهائلة حتى صرنا في الضواحي وقامت عند الشواطئ الأشجار والغياض، والسماء فوقنا ~~تسبح فيها سحب بيضاء فتزيد الأزرق منها زرقة، والشمس طرحت ضوءها على بساط الماء ~~ولفت الخليقة في نورها. # وصلنا سان كلو وتدرجنا مرتفعين حتى وصلنا بستانها، فجعل صديقنا البك يرينا من ~~جمالها رائعا، ويدلنا منها على أبدع ما نسقت يد الإنسان. # دخلناها فإذا هي الطبيعة في أجمل مظاهرها والخليقة في أبهج جمالها تصعد إلى ~~أعاليها، وعن يمينك الخضرة الناضرة وعن يسارك الأشجار الباسقة، فكأنما قد اجتمعت في ~~ذلك المكان مظاهر السعادة وآياتها، ولا يسع القلب ساعة ترى العين كل هذا الجمال إلا ~~أن يخشع اعترافا للخالق بقدرته وعظمته، ولعل ما عملته يد الإنسان في هذا الغاب ~~مما يزيده جمالا وبهاء ويكسوه من ثوب النظام حسنا وإن كان تنسيق الطبيعة ~~جميلا في ذاته. ظللنا زمنا لم يكن مع الأسف طويلا نعلوا حزنا ونهبط بطنا بين ~~جنان بالغة الزهر بديعة الشكل يطلعك الحزن على ما حواه السهل حتى موقف النظر، ويريك ~~المنخفض بها المرتفع وجمال تدرجه في الارتفاع، أضف إلى ذلك البهاء والجمال الصمت ~~المهيب إلا من أغاريد الطير تصبها من جوها بين أوراق الشجر وأغصانه في أذن ~~الخليقة فتهيج شجوها وتزيدها طربا. # ليس ذلك كل ما في سان كلو، بل إن فيها غير هذا شيء كثير يضيف إلى الجمال جمالا ~~حتى ليسجد له المتمتع به ولتأخذه نفسه من الإعجاب بهذا الجمال النادر ما لا قبل ~~لي بوصفه، وإن القلم مهما أعطيته من القوة فهو ضعيف عن أن يظهر على وجه القرطاس كل ~~ما في نفسي من أثر ذلك الجمال، فيها من البرك يجري في مائها السمك بمختلف ألوانه ~~والشلالات لينحدر منها الماء وما علمته يد الإنسان من نحو هذا، ms015 وإن القوم ليصفون من ~~بهاء سان كلو في يوم الأحد ما يشوقني لها ولا بد لها من عودة إن شاء الله. # وكتبت إلى لطفي بك خطابا لعنوانه بإنكلترا، كما كتبت لوالدي خطابا أيضا، وإن ~~تلك الساعة التي كنت أكتبه فيها لهي من أشد الساعات التي أخذ التأثر من نفسي فيها ~~وعمل الشوق في صدري، وكنت ولا أزال كلما كتبت خطابا وذكرت والدتي وتلك الساعة التي ~~رأيتها فيها تنهمل الدمعة على خدها تخنقني العبرة وإن كانت قوتي لتمنعني عن ~~الاسترسال في شجني، هذا الإحساس أحس به الساعة وسأحس به ما بقيت. # 25 منه # برج إيفل ... # ذهبت في الصباح لموعد إخوان متفقين معي على أن نذهب جميعا إلى برج إيفل، والبك ~~هو اليوم أيضا دليلنا، بالله ما أطيب هذا الرجل # أخذنا طريقنا إلى جانب النهر على الضفة المقابلة لضفة قصر اللوفر حتى كان البرج ~~على مقربة منا يستدعي البصر أعلاه قبل أن يأخذ بأسفله، وقد صعد في الجو كأنما ~~شاده أهله ليوحي للمدينة بأخبار السماء، وفوق قمته الدقيقة تلعب الريح بالعلم ~~المثلث اللون علم الجمهورية الفرنساوية. # يرتفع البرج إلى ثلاثمائة متر تحيط بقاعدته الحشائش الخضراء وينساب النهر إلى ~~جانبه هادئا، وقد سرنا تحته حتى وصلنا إلى غرفة التذاكر ثم جعلنا نتشاور أنصعد على ~~الأقدام أم نأخذ المرفع (اللفت)، وأخيرا اتفقنا جميعا على الصعود إلى الدور الأول ~~على أقدامنا وبقينا نتسلل فوق درجه الضيق واحدا بعد واحد حتى وصلنا مكدودين، هناك ~~ارتمينا على المقاعد وجعلنا نجيل نظرنا فيما حولنا في البرج الرفيع. # استرحنا ثم قمنا ندور في جوانبه وننظر إلى الأرض البعيدة عنا وإلى النهر ~~المستكين وإلى بيوت باريس أو بالأحرى إلى سقوفها، إلى تلك الظهور السوداء والحمراء ~~المحدبة اتقاء المطر، وظهرت أمامنا باريس بشوارعها كأنها خريطة تلهو بها العين كما ~~تشاء. # في جوانب ذلك الدور من البرج صناديق ألاعيب وفيه صندوق للخطابات، ولقد تسابقنا ~~جميعا لكتابة الكرت بوستال إلى أصدقائنا من مكاننا العالي، وبقينا حتى إذا كنا ~~الظهر ملنا إلى المطعم هناك ms016 أيضا فتناولنا غذاءنا، وانتظرنا حتى استقر في جوفنا ~~الطعام ثم صعدنا في المرفع إلى الدور الثاني. # المدينة من جديد على مقياس أصغر، والنهر أكثر استكانة وخضوعا، والناس يسيرون على ~~الأرض هناك فنطل عليهم من علياء ونجدهم صغارا، وإخواني وغيرهم فرحون بذلك، كأنما ~~حسبوا أنهم حقيقة أعظم ممن تركوا من بضع ساعات!! على كل حال ساعة من الحياة خلقت ~~لهم خيال سرور فمن الجنون أن لا يسكبوها. # في المرفع من جديد إلى الدور الثالث، المدينة والناس والنهر وكل شيء صغير خاضع ~~أمام نظرنا الذي يحوم في كل هذه المتسعات مما أمامه فلا يجد مانعا فيشعر في نفسه ~~بالرضى وينبعث إلى النفس إذ ذاك من دواعي القنوع بعظمتها ما تسر به أكبر السرور ~~... # ثم ها نحن نزلنا إلى الأرض، هنا نظرنا محدود وخيالاتنا في الهواء ورؤوسنا رد ~~إليها صوابها فعرفت أننا من الأرض وإلى الأرض نرجع، وأن ليست العظمة إلا نظرة في ~~ذلك الفضاء نتوه بها عن الواقع ثم إذانا رددنا كما كنا وإذا آفاقنا أضيق من كل ما ~~نتصور - إذانا لا شيء - إذانا تراب. # في صنع البرج من الإتقان والدقة ما يشهد بأكبر المهارة، وفيه من مظاهر العلم ومن ~~ذكرى المعرض العام ما يخلد للمدينة المسالمة العاملة أحسن الأثر. # 27 منه # اليوم وقعنا على معلم للغة الفرنساوية هو المسيو أ.ل. وأخذنا عليه الدرس الأول ~~كما اتفقنا أن نأخذ معه تسعة دروس في الأسبوع. وقد أخره ذلك عن الذهاب إلى مصيفه ~~بعد أن كان قد صمم نهائيا على مغادرة باريس. # الرجل غليظ الجسم جدا، وله تحت ذقنه أخريان، أصلع الرأس، خفيف الشارب، بارد ~~النظرات، عظيم البطن، قابلنا مرتديا سترة سوداء وحذاء أسود لماعا، وسألنا في أي ~~شيء نريد أن نشتغل. # نحن ثلاثة، أنا أشدنا جهلا باللغة، وصاحباي ليسا منها على كثير؛ لذلك وقفنا أمام ~~هذا التخيير من جانب الرجل حيارى، أخيرا دلنا على الكتب اللازمة. # لا أستطيع أن أنظر لهذا الرجل الضخم من غير أن يثير عندي شهوة الضحك، ولكني منعت ~~نفسي ms017 اليوم واستطعت أن أتغلب عليها. # 2 # 28 منه # كل شيء أرى يستطيع أن يجد فيه قلمي مجاله إلا قصر اللوفر، أقف خاضعا خاشعا ~~مقرا بالعجز، أمام ذلك الجمال العظيم يكفيني أن أقدس وأعبد. # وما بالك بقصر اللوفر، بالقصر العظيم تعاقب الملوك في تشييده فأهدوا باريس عظمه ~~وجمالا وجلالا، تمتد أجنحته فتحلق وسطها على حدائق التويلري البديعة، وتضم إلى ~~أحضانها ما في الجنة من زروع ناضرة وتماثيل غاية في الدقة، وأطفال يلعبون ويمرحون ~~هم ملائكها المقربون، فإذا وقفت في صحنه الواسع وأجلت بصرك في بناء القصر الفخيم ~~ارتد إليك طرفك وقد امتلأ وجودك هيبة وإجلالا، وإن أنت رميت ببصرك إلى الجهة ~~المقابلة راح إلى أقصى أبعاده يستجلي من بين أشجار الحدائق التماثيل، وتقوم أمامه ~~بعيدة في ميدان الكونكورد المسلة المصرية ثم قوس النصر أبعد منها وعلى مرمى ~~العين. # دخلنا القصر العظيم وليس بيدنا دليل ولا يصحبنا مرشد إلا صديق ما عهدته يهتم ~~بالجمال ولا يعبأ به، وجعلنا نطوف بأركانه عن غير مهل، وإلى جانبنا شبان وفتيات قد ~~أخذ كل في يده دليله يريد أن يقف على دقيق معنى ما يرى ويحرص على اكتناه سر ~~الشيء الذي أمامه. # بالرغم من ذلك فقد أخذت بالعين أشياء تركت في النفس أثرا باقيا، إما لغرابتها ~~وإما لمبلغها من الإتقان، من ذلك تمثال قديم يمثل الملك وقد قطب حاجبه وهو في جسمه ~~أضعاف من حوله، يحمل في يده خنجرا كأنه يتبرم بالوزراء القائمين عن يمينه، أما ~~الجند فقد قاموا خلفه وعليهم أثر اليقظة والرهبة معا. # كذلك تمثال ناسكة قد رفعت رأسها للسماء، ولبس جسمها النصف عار شكل الخشوع ~~والخضوع، وعليها مهابة الصلاح، وتقرأ في وجهها آي الأسف والإخلاص، وهي من تماثيل جالي ~~(عن العبادة). # أما زهرة ميلو # Venus de Milo # فهي حقا إلهة ~~المجال، هذا الأنف اليوناني البديع وتلك العيون الناطقة بما يكنه الشباب من غرام ~~وهوى، وقدماها المكتنزان وصدرها وخصرها وقوامها، هذا التمثال الصامت الناطق، هذا ~~الكل البالغ منتهى الإبداع هو لا شك إله الجمال ms018 ومعبود محبيه. # لم نر من الطبقة الثانية كثيرا؛ لأن موعد الطعام حل وأصحابي جميعا جياع، وكل ~~ما أذكر منها صورة لتسيانو هي (لورا دديانتي) ذات الصدر المصقول والذراع الخصب ~~والفم الملائكي، وكأنها تصغي لرجل يدل ما أراده الرسام من عدم وضوح صورته على معنى ~~ما بينهما من الصلة، والصورة معروفة كأنها (تسيانو ورفيقته ). # جاء موعد الطعام فأراد أصحابي الإسراع في مسيرهم، وفعلا تركنا الصور وما فيها ~~والسقوف وجمالها، ولم يك شيء ليلهينا عن سيرنا، هنالك ذكرت حكاية قاسم أمين حين ~~كان مع جماعة من أصحابه في قصر اللوفر، وجعلوا يتسللون منه واحدا بعد الآخر، ~~وهنالك أسفت وتعزيت في وقت واحد. # 30 منه # كنا، شرذمة من البكوات وأنا، في حديقة الأكليماتاسيون، فلما انتهينا من التفرج ~~على الحيوانات المختلفة التي بها دخلنا بيوت القصار، وهم الأعجوبة التي أهدت ~~الحديقة للنظر العام الباريسي هذه السنة. # تقع الحديقة في أحد أركان غابة بولونيا، ويقصدها الناس أولا كما يقصدون حديقة ~~الحيوانات عندنا، وثانيا مجذوبين بما سيرونه من عجيب نادر من أمثالهم من بني آدم، ~~والتناهي في الطول والتناهي في القصر أعجوبة؛ لذلك استدعى قصار من الناس معنى ~~العجب. # وجدناهم في دورهم أو بالأحرى في أوكارهم إلا من خرج منهم إلى فسحة المكان، ومن ~~بينهم ضاحك السن باش الوجه والعباس المقطب والحزين الكئيب ... والجميل المدل بجماله ~~والقبيح يجمل نفسه فيظهر قبيحا ... على العموم وجدناهم من بني آدم وحادثنا بعضهم ~~فإذا في رأسه الصغير من الرزانة ما لا يخفى معه كبر سنه، ومن بين هؤلاء هندي في ~~الخامسة والعشرين لا تزيد قامته على الثمانين سنتي مترا أو متر بالأكثر وتقرأ على ~~وجهه أثر التفكير العميق ويحييك بكل تعقل وسكينة. # بين هؤلاء القصار أشخاص ذوو صناعات مختلفة، فواحدهم حلاق وجماعة منهم شرطة، ~~وآخرون موكلون بعربات الفسحة، ومن بينهم جماعة ذوو ألقاب، لهم ملهى يمثلون فيه، فهم ~~يكونون مملكة صغيرة قصيرة. # ثم درنا بين الأقزام وخرجنا إلى قهوة نستريح فيها، فما هي إلا لحظة حتى خرج القوم ~~للنزهة ومنهم ms019 من يسير الهوينا وآخرون يركبون العربات، وجماعة امتطوا دراجاتهم ~~وقادوها كخير ما تكون القيادة، ومن بين هؤلاء مر ذلك الهندي القزم الذي تقدم ~~ذكره. # 1 أغسطس # كنت مع ل. بك على طعام العشاء، وكانت معنا مدام ت. صديقته، وهذه هي المرة الأولى ~~التي عرفتها فيها وحادثتها ... دار الحديث بيننا باللغة الإنجليزية تلك اللغة التي ~~كنت أعتقدها كما يعتقدها كثيرون غيري مثال التنافر، وها أنا أسمعها من فم محادثتي ~~ترن كأنها نغمات الموسيقى، بالرغم من شعورها المبيضة ووجهها الذي تبين فيه بعض ~~خطوط التجعد. # كان من ملاحظاتها لي أن الشرقيين ممن رأت تظهر في عيونهم آثار الحزن أكثر مما ~~يوحي به سنهم، وعللت ذلك معها بأنه نتيجة طبيعية للطقس، حيث إنك كلما ذهبت شمالا ~~وجدت الوجوه فرحة والناس أميل للطرب، وعندي أن للأمر سببا يرجع إلى تاريخ الشرق ~~وحال الشرقيين الاجتماعية الحاضرة أكثر مما يتعلق بالطقس والموقع الجغرافي؛ ذلك ~~أنهم محكومون بالاستبداد القرون الطوال، فدخلت إلى نفوسهم آثار الحزن وغادرها معنى ~~الفرح الصحيح الخالص، فصار يطربها النغم الشجي المحزن أكثر مما تأخذ بها الرقة ~~الضاحكة المفرحة، ويسرها الصوت الممتد الهادئ أكثر من الأصوات المرتفعة التي ترج ~~الأعصاب والفؤاد والقلب، أدخلهم ذلك التاريخ الأليم الذي مد جناحه فوقهم إلى ~~الاستسلام من غير رضى، وأرغمهم القسر الذي عاشوا ويعيشون فيه على وجود صاغر مستكين، ~~دخل إلى نفوسهم حب الخفاء في كل شيء وظهر في عيونهم - والعين مرآة النفس - أثر ذلك ~~الحزن العميق والتحرز الشديد. # بعد العشاء قام ل. بك لتجهيز معدات سفره، وودعناه على المحطة قائما بقطار الساعة ~~العاشرة إلى مصيفه، فودعنا منه رجلا عاقلا ورأسا مفكرا وصدرا رحبا. # 2 أغسطس # معلمنا يفيض سرورا، ولا يستطيع بطنه الضخم ولا رأسه الكبير أن يحوي سروره، ~~أحسبني أحسست برجليه تدقان في الأرض، وبكل جسمه يتحرك وبشفاهه تلعب من غير كلام ~~وبخدوده تهتز وبرأسه الأصلع يميل، وكله ثمل طرب لأنه يحكي لنا أن بلريو عبر ~~المناش فوق منطاده. # لم أتمالك نفسي من الضحك أمام هذا المنظر، ms020 فحسبني الرجل أضحك ساخرا منه وحدد ~~نحوي عيونه وقد ابتدأ يلعب بها الحنق، فزاد منظره إضحاكا حين جمع في لحظة بين ~~السرور والتغيظ، ولكني تمالكت نفسي وجاهدت حتى توصلت بالقليل من اللغة الذي أعرف ~~لأسأله. وماذا إن عبر بلريو المانش - أيه يعني. ~~- وكيف! أوما ترى أن ذلك ينفعنا إذا نشبت حرب بيننا وبين إنكلترا ونستطيع في تلك ~~الساعة أن ننزل جنودنا إلى شواطئها آمنين. # يا سلام يا مسيو، أتظن أن عبور المانش سيبقى احتكارا إلى الأبد لبلريو أو أن ~~بلريو لا يموت؟ ولكن المسيو أ.ل. وكل فرنساوي مثله معذور، هم يذكرون أيام نابليون، ~~ويذكرون بحسرة عجزهم عن عبور المانش على ظهر البواخر، فلم يكد يبدو لهم هذا الأمل ~~الجديد حتى طفحت بالسرور نفوسهم، وحتى حجبهم جذلهم به عن أن يروا قيد شبر ~~بعده. # وبقي طول مدة الدرس على هذا الحال من الجذل، ولو لا أن ضحكي كان يثير سخطه من حين ~~لآخر لما كان بعيدا أن يقوم فيرقص من شدة الطرب، وحتى يرضي شهوة رجليه التي بقيتا ~~لا تهدآن كل مدة وجودنا، والتي دفعته ثلاث مرات لأن يقوم فيرسم لنا على تختة سوداء ~~شكل الطيارة ويجتهد للتفريق بين (المنوبلان) و(البيلان) مما نحن لا شك في غنى ~~عنه؛ لأنا لا نعرف أهم ما في الطيارة حتى تهمنا معرفة أجنحتها. # 4 أغسطس # على رأي شكسبير «ما دام الختام حسنا فالكل حسن» ... كذلك كان يومنا هذا كله حسن ~~وأحسن ما فيه ختامه، فقد كان معنا في القطار راجعات من فرساي أم وثلاث بنات لها، ~~أما كبراهن فجميلة ولكنها ليست بارعة، وأما الصغريان فأبدع خلق السماء في أصفى ~~ساعاتها، عيون زرقاء تسيل رقة وتفور كأنما صورها (تسيانو) أو هي أبدع، ونظرات تسبق ~~إلى القلب، وجسم يكاد يجري من القميص من النعمة لولا القميص يمسكه. # ويتكلمن الألمانية فتتساقط ألفاظهن والأذن تعجز دون التقاطها، ولكنها تبعث إلى ~~النفس أعظم السرور ... يقف القلم حائرا كما يحتار اللب وتحار الروح، كيف وأنى ~~تجد المكان منها الذي تحل فيه ms021 هذا الجمال، وقد ملأها كلها وكل جارحة من ~~الجوارح. # كانت هذه خاتمة اليوم بعد أن رأينا قصر فرساي، قصر لويس الرابع عشر، قصر الملك ~~الذي قال: «أنا الحكومة والحكومة أنا»، وها جاءت الأيام فغيرت معالمه، فهل تجيء ~~الأيام أيضا فتغير من هاتيك الملائكة اللائي صحبننا في سفرنا القصير؟ # والقصر قائم بين جنات وحدائق وغابات وغياض يتوه فيها الخيال، قائم بعظمته يطل على ~~المتسعات الخضراء أمامه، وقد قام في صحنه تمثال لويس ممتطيا جواده غارقا في ~~لجة الشمس الناصعة هذا النهار. # فإذا ما دخلته قابلك فيه بدل الملك وحاشيته والأشراف واتباعهم تماثيل العظماء ~~والكتاب وصور الوقائع وأكابر الرجال، وبدل الجمع الكبير الدائر حول الملك شيخ ~~الطغاة والكل يسعى للزلفى إليه والقربى عنده بأنواع الصغار وقد ملئت نفسهم ~~بالأحقاد واللؤم - جمع كبير حافل جاء يتفرج على هذه الآثار من أيام العظمة الملوكية ~~بنيت على أساس من دماء الفقراء والعمال، ثم ولت عروشها ورجعت لتكون موضع سرور ~~الفقراء والعمال وكل إنسان يريد أن يراها. # وأكثر التماثيل أخذا بالعين تماثيل مشايخ كتاب القرن السابع عشر: راسين وملييرو ~~كورني، وتمتد على جدران الغرف الفسيحة الصور الكثيرة لما حاربت فيه الأمة ~~الفرنساوية، وإحداها موقعة من مواقع نابليون جرح فيها قدمه فضمد جرحه وهو يريد أن ~~يمتطي صهوة جواده، وليس على وجهه لذلك من ألم، بل هو الوجه الحاد الآمر لم يتغير ~~حماسه ولم يخرج عن حلمه. وأخرى صورة الإمبراطورة أوجيني زان التاج منها وجها ~~ملكيا جميلا. # أما السقوف وما عليها من نقش فهي كل الجمال. # من الصور التي أطلنا النظر إليها ما تعلق بالشرق بنوع عام وما تعلق بمصر بنوع ~~خاص، على أن الإتقان المرسومة به هذه الصور كاف وحده لياخذ النظر إليها، ما بالك ~~لو أن فيها ما يثير الإحساس ويستعيد ذكرى القديم أو ذكر مصر، وقد كانت أشكال بعض ~~الرجال كالشيخ البكري والسادات والمهدي تجتذب النظر للتحديق بها مهما بلغت من ~~الارتفاع. # دخلنا غرفة نوم لويس وفيها سريره الفخيم، وقد اجتمع الناس من حوله ms022 على أشكالهم ~~المختلفة وفي صورهم المتباينة، وكلهم فرح مستبشر ليس عليهم أثر الوجل أن دخلوا غرفة ~~الملك، ولا يرتعدون خيفة أن يحكم عليهم بالإعدام أو السجن، ولكنهم يقفون على بساط ~~المساواة والحرية، وقد أرق آباؤهم من أجلها دماء شريفة غالية. # 5 أغسطس # جدال حاد عن المرأة: # البك ~~: # لا ضرورة للنزاع في هذا الموضوع، وما دام ديننا قد أمرنا ~~فكل مناقشة عقيمة وصاحبها خارج عن الجماعة. # الأستاذ ~~: # أما أن ديننا أمرنا في هذه المسألة بأشياء معينة فذلك ما لا ~~شك فيه، ولكني أحسب هذه الأوامر تقوم من جهة إن العلم فرض على كل مسلم ~~ومسلمة، ومن الأخرى يقول تعالى: # ولهن مثل ~~الذي عليهن بالمعروف ~~. # البك ~~: # وهل تستطيعون تفسير القرآن وأومر الدين بخير مما فسره ~~الأئمة. # محمد ~~: # ليس هذا موضع البحث ساعة، كما أن الإمام الشافعي قرر أن ~~واجبا أن يكون لكل زمن مجتهد يشرح له أحكام دينه، فإذا كان أهل زمننا رأوا ~~خطأ في التفسير القديم - وليس الخطأ بمستحيل على ابن آدم - أو رأوا فيه ما ~~يناقض المصلحة، وأن ممكنا التوفيق بين المصلحة والدين فمن الحمق الأكبر أن ~~نقف متبلدين أمام أقوال الزمن القديم ... والواقع أن الذي يحول بيننا وبين ~~العدل في مسألة المرأة وفي غيرها مهما كان فاسدا به، ولكنه الاستبداد الذي ~~تخلل نفوسنا وأفسد ملكاتنا وتوصل شره إلى الدخول في دمنا، فلم يبق في ~~الإمكان أن نتخلى نحن عن الظلم بل تدفعنا نفوسنا فلا نكتفي بظلم أقراننا ~~وبظلم النساء حتى نظلم الدين هو الأخر في حين أن الدين لا ذنب له. # الأستاذ ~~: # أوما أوصى صاحب الشريعة مرارا وتكرارا بالمرأة؟ ولكني يا ~~أخي لا أعرف السبب الذي من أجله حرفت هذه الوصايا، أحسب ذلك جاء إلى ~~الأفكار والكتب نتيجة أنه كان موجودا في العمل بما أدخله اختلاط الأعجام ~~بالعرب الفاتحين من الترف وحجب النساء والاستمتاع عيانا بيانا بالقيان، ~~وطبيعي أن الترف يجر وراءه الرق ما دام غير مبني على أساس من العلم ~~الصحيح. # والواقع أن الحال النازلة بالمرأة اليوم لا ms023 شأن للدين فيها، ~~ولكنها نتيجة لازمة من نتائج التاريخ الذي حكم الأمة العربية قرونا ~~طوالا. # حسن ~~: # ولم كل هذا التمحك بالدين من غير معنى؟ أنا أرى أن ~~أمامنا مصلحة يجب أن نسعى إليها وأن نضحي من أجلها كل شيء، وما صرنا في ~~الحقيقة سوى الخيالات والأوهام التي نتمسك بها من غير عقل ولا تبصر، ولو لم ~~يبلغ بنا الجهل أن نهمل التعقل جانبا لنعيش في عالم من المزاعم العتيقة ~~لما كنا رجالا ونساء في هذا الموقف المحزن المخجل الذي نحن فيه ... ألا ~~يكفينا أن نعيش في أوربا لنرى بعيوننا سقوط الخرافات التي تفتك حتى بأرقى ~~الطبقات عندنا؟ أنا أعتقد أنه لم تعم الحرية بلدنا ويتمتع بها النساء ~~والرجال على السواء فإنا سنبقي في ذلنا الذي نحن فيه إلى الأبد، وتاريخنا ~~نحن وتاريخ الغرب شاهد عدل على ما أقول. # محمد ~~: # هون عليك يا صاح، العالم يسير رغم أنف كل إنسان، ومهما يكن ~~سيرنا إلى الأمام بطيئا فإن التقدم لا ينسانا، وكما أصبح العامل الذي كان ~~بالأمس العبد الذليل في أوربا حرا عزيزا ذا بأس وسلطة، فإن الزمان من ~~غير شك يضمر لنا ذلك، وسيأتي به يوما أردناه أو لم نرده، وإذا كانت غفلتنا ~~الحاضرة تسوقنا لاستعباد المرأة واعتبارها كمجرد متاع فإني أخشى جدا أن ~~يكون في ضمير الغد القريب سلطانا لها ننوء به نحن، ويكون يومئذ يوم ~~القصاص. # حسن ~~: # ما أجمل أحلامك يا أخي، أنا لا أستطيع أمام الحال المحزنة ~~التي عندنا دون اليأس من كل خير؛ أوما ترى معي أن كل شيء عندنا دخلت فيه ~~مصلحة من مصالح المرأة أو تعلق به أمر من أمورها هو ناقص نقصا ~~جوهريا؟ أوما ترى أن المرأة عنوان النقص في كل ما يختص بها؟ فمتى عساه ~~يكون غدك القريب الذي ترجو إن لم يكن حلما من الأحلام؟ # الأستاذ ~~: # أما أنا فلا أرى مطلقا مانعا من الوجهة الدينية يحول دون ~~رقي المرأة، بل بالعكس من ذلك لقد دلتني كل قراءاتي في هاته السنين الطويلة ~~التي ms024 قضيت في درس علوم الدين على أن الدين يساعد المرأة ويساعد التقدم ~~ويساعد المدنية. # حسن ~~: # ثم من ذا من الشبان يعقل يستطيع أن يقترن بامرأة لا يعرف أو ~~بامرأة جاهلة؟ لا شك أن الجهل والحجاب سيكونان على الأمة ضربة قاضية ويكون ~~ما تمناه محمد أفندي هو بوار النساء، فثورتهن على العادات التي طحنتهن ~~فنجاحهن بعد ذلك بالعلم والشعور ومخالطة الرجال. # البك ~~: # يا شيخ! بلا كلام فارغ، والله لن يخرب البلد إلا ~~أنتم. # 6 أغسطس # وا أسفاه: اليوم آخر أيامنا مع معلمنا اللطيف مسيو أ.ل. # أحد صديقي يريد أن ينفصل عنا فلم يك بد من ترتيب جديد، وتسعة دروس لنا ~~كثير، خصوصا وقد وقعنا على معلم جديد هو المسيو ه.ج. فلما أعلمنا المسيو أ.ل. ~~بعزمنا ظهر على وجهه أثر الغيظ، وجعل ذلك يزداد حتى احتقن وجهه واحمرت عيناه، وكم ~~كان جهاده عنيفا ليبقى معنا طول هذا الدرس حافظا صوابه. # وكل قليل تبدو له بارقه أمل فيسألنا من جديد إن كنا لا نزال على رأينا، ونرد ~~عليه أنا متأسفين لذلك، فتسقط آماله ويرجع له ما كان به من الغيظ، حتى رأسه ~~الأصلع هو الآخر يزداد احمرارا. # أخيرا انتهت الساعة وقام معنا، فلما كنا عند الباب أراد أن يحادثنا من جديد، ~~ودل على ما عنده من الأمل أنه ابتدأ يحرك رجليه، ولكنه ما لبث أن عرف أن هذه هي ~~اللحظة الأخيرة، حتى رد وداعنا بأن دفع الباب وراءنا بكل قوته، ونزلنا نحن على السلم ~~ضاحكين، وهكذا انتهى وقتنا الجميل مع المسيو أ.ل. فوا أسفاه # 10 أغسطس # في كل ناحية من نواحي باريس متاحف وآثار جميلة عظيمة، أكبر هذه الآثار قيمة في ~~الحي اللاتيني: البانتيون. # وهو بناء شامخ ترتفع قبته في السماء تسعون مترا وتقوم على قواعد عظيمة ضخمة، ~~وتحت هذه القبة وقواعدها وتحت الأرض القائم فوقها البناء ينام جماعة من عظماء ~~الرجال. # لأول ما تدخل المكان تحس بهيبة تقابلك ثم تأخذ ببصرك نقوش الجدران، وإنك لترى من ~~النقوش حيث كنت في باريس، في ms025 المتاحف والمعابد والكنائس والمنازل الخاصة وحيث تريد، ~~وتحس لذلك إحساسا صحيحا أن باريس وطن الفنون الجميلة. # لقد أحسست هنا إحساسا لم يكن عندي بشيء من هذه القوة لا في قصر اللوفر ولا في ~~قصر فرساي، استعدت أمام مخيلتي من الصور التي رأيت في القصرين ووضعتها إلى جانب ما ~~في البانتيون فعرتني القشعريرة لمبلغ قسوة بني الإنسان ووحشيتهم، وحقرهم عندي ما ~~في طبيعتهم من الشدة المتناهية من جانب من الخضوع الأعمى للقوة من جانب آخر، أثار ~~عندي ذلك الإحساس صور الوقائع الحربية حيث الأشلاء ملقاة تدوسها البهم والهامات ~~طائرة عن أعناقها والدم القاني يسيل من تلك الكلوم النافرة، وأمام كل هذا لا ترى ~~على وجه من الوجوه أثر رحمة أو شفقة، بل عيون تقدح الشرر ووجوه صورتها بصورتها ~~قلوبهم الحجرية فظهرت قاتمة عابسة، تلك الصور هي تاريخ الإنسانية الحي وآثارها ~~الصارخة بما جنى الناس ويجنون من الفظائع. # فوق بعض تلك الصور رسوم ملائكة توفرت بأجنحتها فوق هذه المجاميع المتحاربة، ~~وترقب من سمائها الإخاء الحب هاته الطوائف المتباغضة المتحاسدة، يسفك الإنسان دم ~~الإنسان ليرضي شهوة من شهوات ملكه الشره الطامع في أن يقال عنه سيد المشارق ~~والمغارب مهما طارت من أجل ذلك رؤوس وأريقت دماء. # وفي مغاور البانتيون في جوف الأرض ينام العظماء نومهم الهادئ الطويل، ينام روسو # 3 # وفلتير # 4 # وهوجو # 5 # وميرابو، # 6 # ينام هؤلاء الكتاب والمتكلمون وهم أشد صمتا من الأحجار التي ~~حولهم. # 13 أغسطس # دعانا صديقنا البك للغداء عنده، قد أسف أن يكون سفر الأستاذ بالأمس مما ينقص من ~~سرورنا، بالرغم من أنا سنكون سبعة أشخاص على المائدة، ودا رحديث طويل: # خليل ~~: # ما السبب في وضع الطلاق في يد الرجل دون المرأة؟ ثم كيف ~~تطلق له الحرية إلى أقصى درجاتها بهذا الشكل الذي نرى؟ أفليس ذلك من ~~الظلم؟ وهلا يتحتم تحديد قوة الزوج في القدرة على الطلاق حتى تصبح تلك ~~العلاقة محترمة بالقانون وفي العمل. # حسن ~~: # المشاهد الذي لا ينكر أن مرض الجهل أشد فتكا بالعقول من ~~التشريع ms026 نفسه. # خليل ~~: # وهل يعقل إذا تعلمت المرأة أن تبقى القوة على قطع الصلة ~~بينه وبين زوجته متروكة لحرية تصرف الرجل؟! # حسن ~~: # إنا نرى أن طائفة المتعلمين لا يطلقون نساءهم لأنهم ~~بأنفسهم يحترمون هذه الصلة، فإذا تعلمت المرأة وتعلم الرجل لم يبق من حاجة ~~لتحوير التشريع. # محمد ~~: # أما تحوير التشريع فضروري كل الضرورة، وإذا كان خليل يرى أن ~~من الظلم بقاء صلة الزوجية متروكة لاختيار الرجل إذا تساوى هو وزوجته في ~~العلم فالنظرية تصدق لا شك إذا كانا على مستوى واحد من الجهل؛ إذن فالفلاح ~~الجاهل وامرأته والعامل الجاهل وامرأته في حاجة مطلقة لإصلاح التشريع، ولا ~~يجب أن ننسى أن القانون يعمل من أجل هاته الطوائف أكثر مما يعمل من أجل ~~غيرها. # علي ~~: # عندك حق. خصوصا ... # حسن ~~: # ليس هذا الذي أنكر، ولكن خليل يقول إن من احتقار المرأة ~~بقاء حق الطلاق في يد الرجل في حين أنها متعلمة مثله كما قدمت، لا يستعمل ~~الرجل المتعلم هذا الحق، وإذن فكأنه غير موجود بالنسبة له. # محمد ~~: # إذن أنت معنا في وجوب الإصلاح، ولكن الذي يدعو للحيرة حقيقة ~~هو كيفية الإصلاح، أنعمل برأي خليل ونرجع إلى ما قررته الشرائع الغربية أو ~~نبيح الطلاق للمرأة كما هو مباح للرجل والشر من طبعه يداوي الشر؟ أنزيد في ~~تداخل القانون ونجعله هو الذي يحدد حرية الأفراد من هذه الجهة مهما كان في ~~ذلك من الاستحالة، عملا لما ظهر في فرنسا وفي غيرها من أن خرق القانون سهل ~~جدا، أو نحن نضع ثقلا في كفة المرأة يوازن الثقل الموضوع في كفة الرجل من ~~قبل؟ وأراني أميل لهذه الجهة لأني أعتقدها تتمشى مع شرف الإنسان أكثر وتضمن ~~له السعادة الصحيحة إلى حد أكبر، أما فساد التشريع الحاضر فأمر ظاهر ومفروغ ~~منه. # البك ~~: # يعني إيه أمر ظاهر؟ أوما حدد الدين هذه القوانين حتى تريدون ~~أن تعبثوا بها هي الأخرى؟ # محمد ~~: # الله رحيم لم يجعل علينا في الدين من حرج، وأظن من أكبر ~~الحرج أن تطلق امرأة زيد لأن عمرا لم ms027 يرض بتناول فنجال قهوة عنده. ومن ~~أكبر الحرج أن يصبح أطفال في مركز اليتامى لأن أباهم طلق امرأته ثلاثا في ~~غضبة ثم ندم على ما فعل، من أكبر الحرج أن تبقى امرأة في عصمة زوجها الذي ~~يسومها الخسف وسوء العذاب ... فأي شيء يناقض الدين: العمل لإعلاء مبدئه الذي ~~هو سعادة الناس في الدنيا والآخرة، أو الجمود دون إخراجهم من شقائهم، وربهم ~~أرحم من أن يريد لهم شقاء؟ # خليل ~~: # ولكن ما هذه الفكرة الغريبة من إطلاق الحرية للمرأة وللرجل ~~في الطلاق؟ وأين إذن تكون الرابطة؟ بل ألا تندك العائلة من أساسها ويصبح ~~موتها محتما. # حسن ~~: # وإني أنكر مع خليل هذه الفكرة لأقول ما قال أرسطو: «ان ~~جماعة الاشتراكيين الذين يريدون هدم العائلة هم كالرجل الذي يضيف الماء على ~~ما عنده من العسل فيفسد طعمه؛ إذ إن ما يجعل كلمات الأب والأخ عزيزة هي ~~هاته الصلة القريبة بينهم، بل لأخشى أن يكون الماء الذي يضيفه الاشتراكيون ~~كثيرا فيتلف طعم كل ما عندهم». # محمد ~~: # يجب أن نتفاهم حتى يمكننا أن نتناقش، فرق بين ما أطلب وبين ~~ما يريد الاشتراكيون من إعدام صلة الزوجية كلا؛ لأنهم يريدون أن يكون لكل ~~امرأة ولكل رجل حرية الاجتماع في كل وقت، وأريد أنا أن تبقى بينهما صلة ~~الزوجية مبنية على الاتفاق والرضى لا على الإكراه من جانب والخضوع من آخر، ~~وأعتقد طلبي ليس معقولا فقط بل هو طبيعي أيضا؛ فإنا نرى الطيور ~~والحيوانات الحرة تعيش أزواجا راضية متحابة، فهلا نتخذ منها لنا ~~مثلا. # حسن ~~: # إذا كنت تبحث عن الطبيعي فقد أخطأ قياسك؛ لأن الإنسان حيوان ~~اجتماعي، والحيوانات الاجتماعية بطبعها لا تعرف مثل هذه الصلة، بل ترى ~~القطعان تسير على مثل النظام الذي يطلبه الاشتراكيون للإنسانية. # يولد الصغير وتعنى به أمه ويتعهده المجموع بحمايته، وعلى ~~هذا فهم منطقيون مع أنفسهم أكثر ممن يريد، وهو حيوان اجتماعي، أن يعيش عيشة ~~الحيوانات المنفردة. # محمد ~~: # وما قولك في أسراب الحمام تطير جماعات ثم إذا رجعت لكنها ~~رجع كل ذكر وأنثاه إلى ms028 بيتهما، أفلا يجعل ذلك نظريتي التي أطلب منطقية مع ~~نفسها؟ يجب كذلك أن أقول إن حرية الصلة من شأنها أن تزيد كلمات. # 14 أغسطس # لا بدع أن أنبتت هذه البلاد الكتاب والشعراء ممن يقيمون صروح الحرية، اليوم ~~مررنا بحديقة (بارك منسو) مرا، كيف لا يكون الرجل الذي يعيش هنا بين أبدع ~~الحدائق، بين اللكسمبور والتويلري وبارك منسو وغابة بولونيا وسان كلو وفرساي، بين ~~هذه الجنان الناضرة والزروع الخضراء والأشجار الباسقة والزهور ومياهها وغدارنها، ~~كيف لا يكون شاعرا مبدعا وكاتبا تخضع له الأفهام. # 16 أغسطس # سبقت الليلة في النزول إلى العشاء، وجاءت جارتي فأهدتني تحية المساء، وفي انتظار ~~جارتها ومجيء الطعام سألتني: كيف تجد باريس؟ أظنك مسرورا بها. ~~- باريس جميلة جدا لكن وحدتي تضايقني أحيانا. # هنا ابتسمت وأفهمتني أن هذه الوحشة تزول لا شك متى فهمت البلد. # وكم كانت لطيفة ساعتئذ وهي تشرح لي حالها هي الأخرى أول ما جاءت، وكيف شعرت ~~بالوحدة بالرغم من الكثيرين من الأصدقاء الذين وجدت. # قالت: ... وكم تؤثر علينا الأشياء التي كانت محيطة بنا وفارقناها وكأنها تحوي روحا ~~تتبعنا دائما، وتثير عندنا ذكرى ما تركنا، ذكرى المنازل والناس والأشياء، وتصبح ~~الأمور الحقيرة التي كانت لا قيمة لها ذات قيمة لأنها دخلت عالم الذكرى. # وهكذا قضينا مدة العشاء في هذا الحديث، وشاركتنا جارتها بعض الشيء فيه. # 17 أغسطس # صممنا اليوم على الذهاب إلى الأنفاليد لنرى قبر نابليون، فأخذنا الترام حتى نزلنا ~~عند كبري إسكندر أعظم كباري باريس وأجملها، وعلى جوانبه الأربعة قامت أربعة نسور لا ~~تكل أجنحتها، فأخذنا الطريق حتى وصلنا إلى الأنفاليد ومنها إلى كنيسة ~~القبر. # وما هو إلا أن وصلنا بابها حتى قابلنا عليه أمر الدخول بالسكون والاحترام. وهل ~~ترى في المكان إلا رؤوسا ذاهلة وأصواتا خافتة تهمس كأنها في حضرة الملك الكبير، ~~والمكان فخيم عظيم تدخله فيقابلك شيء من الظلام المهيب فيكسوك مهابة لا تستطيع أن ~~تخاطب صاحبك إلا وعلى صوتك أثر الخشوع والخضوع ... ليس المكان مكان الحشر ولا مرسح ~~الظلامات ولا مغاور الجن، ms029 ولكنه مكان رفات نابليون، مكان قبر التاج من هامة الأمة ~~الفرنساوية، مكان الإمبراطور الأكبر صاحب باريس وموسكو ما بينهما. # عن يمينك وعن يسارك صورتان: إحداهما العذراء تحمل ولدها والأخرى صورة المسيح ~~بمفرده، صورة يتنزل عليها من البهاء والجمال ما يأخذ بالقلوب والأبصار، والمنبر بين ~~ذلك قائم وكأنه ولا أحد فوقه ينطق للناس وحده، وهل هاته الموجودات مما حوله إلا ~~آثار ناطقة، هل هي إلا نابليون دوخ الارض ثم نام في حفرته إلى الأبد، هل هي إلا ~~أمة الفرنسيس خاشعة صامتة كل كلامها خافت خامد، وأم توحي في أذن ولدها بآي الجلال ~~فتزرع في نفسه، ولم يخرج إلى عالم المادة الخسيس شيئا من إعظام الروح الكبيرة، هل ~~هناك كذلك إلا البناء الشامخ الرفيع تدوي فيه الأصوات المنخفضة كأنها تنزل من عالم ~~الملائكة كل هذا المعنى يوجد في هذا الجانب من قبر نابليون. # فإذا أخذت طريقك إليه من بابه الثاني ووصل بك سعيك رأيت القبر المهيب، رأيته ~~قائما في حفرته من الرخام الأحمر، وقد نقشت حوله أسماء وقائع الإمبراطور الكبيرة أوسترلتز # 7 # ويينا وغيرها. # إيه ياقبر نابليون، إيه يارفات الإمبراطور، إيه يا حفرة الرجل العظيم تأخذ بك ~~العين في لمحة وما كانت لتحيط بآمال مقبورك خيالات الواهمين، ويحني الرجل قوسه ~~للنظر إليك وكانت تنحني أمام صاحبك رؤوس العالم أجمعين، إيه أيها العالم الموهوم ~~تحث الإنسان على سفك دم الإنسان ثم تورده منك أضيق بقاعك، كان نابليون يرسل بإخوته ~~ملوكا لملكه، وإذا بك تراهم جميعا في غرفة بين جدران أربعة، وبينا القلوب كانت ~~تهتز منهم وجلا إذا هي مصدوعة عبرى أسى عليهم، ألا أيتها الطبيعة من أجل ماذا ~~هاته الآمال تبعثينها في رأس ابن آدم ثم تقضين عليه هذا القضاء القاسي، أغدر منك أو ~~غرور من هذا المخلوق المملوء بالخيال والأمل الكبير وهو على يقين من حتفه. # أمامك مقابل الباب أعمدة من الرخام المجزع ينعكس عليها نور النوافذ ذات الزجاج ~~الأصفر فلا تخالها إلا ذهبا، ويهبط من جانبها درج يؤدي بك إلى الباب ms030 البرنزي ~~المصنوع من مدافع أوسترلتز، وهو باب القبر وقد كتب فوقه ما معناه (ألا فلتوضع رفاتي ~~على شاطئ السين بين أمه الفرنسيس التي أحببت حبا جما)، كلمة قالها نابليون في ~~منفاه. كلمة قالها من كان ينظر إلى القارة فلا يجد إلا تاج نصره وعلمه الخفاق ~~فوقها، هبطت تلك الآمال من سماء الخيال فوقعت على الحقيقة القاسية، ورجعت من مسرح ~~الوهم إلى وكرها ساكتون فأين تذهب أفكارهم، أين تطير الساعة وقد رأت الرأس وقع في ~~فخ الطبيعة المنصوب ولا ينجو منه مخلوق؟ لا أدري. # فلأخفف عن نفسي إذن هموم عالم المادة، هي النفس الكبيرة تخلد على الدهر وفي طياته ~~وليست أوهام الحياة وآمالها إلا ذاهبة مع الريح. # انتقلنا بعد إلى غرفة من غرف المعروضات فيها أعلام كسبتها فرنسا، فيها تمثال ~~نابليون يوما وعلى وجهه أثر الشحوب والنحول، تمثال يدل على حمى التفكير التي تفتك ~~برأسه هو أقرب شيء إلى صورته في مرضه الأخير، كل فكره في الموت وكل آماله أن توضع ~~رفاته على نهر السين بين أمة الفرنسيس. # ولقد عملت الأمة الفرنساوية لأبنائها هنا كثيرا، علمتهم الطريق إلى إجلال ~~العظيم. # بعد ذلك خرجنا والنفس كأنها وجلة خائفة، والقلب كأنه في وهدة عميقة، والوجه ينم ~~عما حوته الروح من آثار الإجلال والإعظام، وخرجنا بذلك من عالم الحقيقة إلى عالم ~~الأوهام والمادة، عالم النقص والفساد. # 18 أغسطس # عنده قمطرين ممتلأين، ويظهر أن كل ما فيهما هو من كتب الأدب، وهو مستخدم في ~~دار الكتب الأهلية # La Bibliothéque National # لذلك رتب وقته معنا بعد الساعة الرابعة دائما أي بعد موعد خروجه، وإني آسف أنه لم ~~يستطع أن يعطينا أكثر من أربعة دروس في الأسبوع؛ لأنه يسافر كل أربعاء إلى حيث ~~زوجته في مصيفها على شاطئ البحر، على أنه وعدنا أن يعطينا ستة دروس ابتداء من ~~سبتمبر. # في رجوعنا من عنده هذا المساء صحبنا في الطريق من بيته في بلفار مون بارناس حتى ~~حديقة اللكسمبور، ولقد كان أكثر الحديث المتبادل بينه وبين ب. لأني لا ms031 أستطيع أن ~~أستمر طويلا في حديث بالفرنسية إلى اليوم. # 19 أغسطس # كنت أسير مع ب. على رصيف محطة اللكسمبور بعد أن تناولنا طعام العشاء عاملين بقول ~~مثل بلدنا: «اتعشوا واتمشوا»، فجعلنا نذهب ونجيء مسرورين ببعدنا عن ضجة البلفار ~~وأنواره وقهاويه الغاصة بمن فيها من بنات الرصيف. # لكن في كل واد أثر من ثعلبه، وهاتيك الفتيات يطلبن صيدهن حيث يقع لهن، بل لكأنهن ~~يجدن في الظلمة مأمنا فلا تطلع العين على مبلغ قبحهن أو تقبل وجوههن من الدهن، غير ~~أن صيادتنا لم تكن حسنة الحظ في اختيارها كما أن الظلمة نفسها كانت أشد فتنة عليها ~~من النور وأكثر إظهارا لحقيقة أمرها. # هذه أول مرة تبين لي فيها مبلغ بؤس هاتيك الفتيات وتعسهن، تلك العيون الميتة من ~~كثرة السهر وذلك الوجه الباهت لا لون له، والخدود الغائرة والفم تطوقه ابتسامه تنم ~~عن مبلغ ما تكن نفس صاحبته من الألم، وذلك الشكل الجامع بين الاستعطاف الجائع ~~المسكين وبين الحنق على الإنسانية والحقد على بني آدم. # بقيت هاته الفتاة تروح وتجيء إزاءنا ونحن ننظر لها بعين باردة ونتعمد إساءتها من ~~غير أن يتحرك لذلك ضميرنا، ومن غير أن نشعر أنا نسيء لنفس إنسانية أوقعها البؤس ~~وحكم الجمعية التي تعيش فيها إلى الحضيض الذي تئن من أعماقه فلا يسمع لأنينها ~~إنسان. # وفي آخر لحظة حين أردنا مفارقتها ابتسمنا لها باستهزاء وإصغار، لكن كل الظروف ~~أرادت أن تعطينا درسا، فلما وصلنا شارعنا فضلنا الجلوس على قهوة في أوله ريثما ~~يتأخر الوقت ويجيء موعد النوم، وجاء مجلسنا إلى جانب فتاة صغيرة الجسم نحيفة القوام ~~ترتدي رداء واسعا من الصفوف بالرغم من أنا لا نزال في أغسطس؛ ذلك أن ليس عندها ~~غيره فليس في وسعها أن تتبدل به آخر، وما كدنا نجلس حتى فاتحتنا الحديث، وما كدنا ~~نجيبها حتى طلبت من كل منا فرنكا لتسدد بالفرنكين فتاة جالسة إلى جانبها ~~اقترضتهما منها لطعام الغداء والعشاء لهذا اليوم. # استمر الكلام فيما بيننا وقامت جارتها لحالها، فسألها ب. لم تستمر ms032 في حرفتها ~~هذه وأي شيء ألجأها إليها؟ هنالك ظهرت على وجهها علامات ألم ولا أدري لم، ثم تبدد ~~ذلك كله سريعا وبدأت تقص حكايتها حين كانت تشتغل في معمل تطريز ثم استغني عنها ~~أيام الصيف، وكيف وقعت حينئذ على إنكليزي رافقها مدة رأت فيها من العز والدلال ما ~~لم يبق في حلمها اليوم أن تنال، ثم سافر وتركها بعد أن مضت أوليات الشتاء وبعد أن ~~أصبح من الصعب أن تجد ما تحترف به، ثم هي في الوقت عينه ترى أن ما تسير فيه اليوم ~~حرفة كغيرها لا أكثر ولا أقل. # أما حكمها الأخير فيقبل النظر، إذ مهما وجب علينا أن ننظر إليها بعين الإشفاق ~~ومهما جعلتنا الظروف التي أحاطت بها نتساهل في معاملتها، فليس من السهل الاقتناع ~~بأن حرفتها كباقي الحرف، صحيح أنها نتيجة احتياج لها موجود في البلد، ولولا ذلك لحق ~~عليها البوار ولكن نتائجها تنافي الفضيلة، وكل ما يمكن أن يدافع به عنها أنها تسد ~~حاجة، وكل ما سد حاجة في العالم يعد طبيعيا والطبيعي عذره في جوده. # 21 أغسطس # ألا ما أشد تعلق هؤلاء الذين عرفت من الغربيين بالمادة وما أكبر انكبابهم عليها، ~~هم ينسون أمامها كل خلق وكل فضيلة، فيتزلفون أو يشتدون، يحاسنون أو يسيئون على حسب ~~الظرف الذي هم فيه والوسيلة التي تسهل عليهم الكسب المادي، لم أجد واحدا ممن عرفت ~~إلى اليوم - وإن كانوا قليلين - شذ عن هذا المبدأ. # في البنسيون جاءني صاحبه يحادثني بالفرنساوية، حادثني طويلا وفي مواضيع مختلفة ~~ولكن ليصل منها كلها إلى معرفة المدة التي سأقيم عنده والحساب الذي يجب أن أدفع ~~اليوم، في غير البنسيون كل شيء يسير على هذا النسق أيضا، وأحسب أن المدينة التي ~~عندهم لا تدعو للتقشف والزهد؛ فإن الطبقة التي تقابل عندنا طبقة صغار الموظفين ~~والقليلى اليسار تيعش في ترف أكثر من ترف جماعة أغنيائنا، ولقد دلتني المنازل التي ~~رأيت: منزل المسيو أ.ل. والمسيو ه.ج. ومنازل كثيرة أخرى مررنا بها في بحثنا عن سكن ~~جديد ومنازلنا ms033 نحن التي نسكن الآن على مبلغ ما تطالب به من نفقات في التنظيم ~~والعناية، كما أن ما يظهر من تنوع حاجات الإنسان المتمدن إلى أقصى الحدود واضطراره ~~لقضائها جميعا، كل ذلك من شأنه أن يجعلهم ينكبون على المادة هذا الانكباب ~~الفظيع. # ولا يخطر بالبال مقارنة حالهم بما عندنا؛ لأنا نحن قوم زهد نحتقر عرض الدنيا ~~الفاني ولا يهمنا الأيام القليلة التي نبقاها على الأرض ولا بأي شكل قضيناها، يحتل ~~منا ذلك الشعور أعماق النفس فإذا أراد أحدنا أن يخرج عليه كان الشاب الذي ينفق ~~ماله باليمين وباليسار في محال اللهو من غير أي فائدة تعود عليه من ورائه، وأما ~~هم فقوم دنيا لا يعرفون سوى الحياة ولا يثقون بما بعدها، لذلك يريدون كسبها ~~بحذافيرها وأن يأخذوا منها كل تستطيع أن تعطي، من أجل هذا ترى في كل ما يحيط بك، في ~~كثرة الحدائق وما فيها من التماثيل، في المتاحف وبديع ما تحوي، في التياترات ~~الكثيرة نملأ بأسمائها إحدى الجرائد (كومديا) صفحة كاملة من صحائفها وأحيانا أكثر، ~~في كل المظاهر التي حولك والتي تلمس أنت بيدك، في ملابس السيدات والمبالغة في حسن ~~اختيارها، في الاستسلام للسرور (الذي يظهر على الناس كافة في عيد 14 يوليو والذي ~~يظهر على الكثيرين في كل يوم) في الصحف وغريب الأخبار التي تحتوي، ترى في كل ذلك من ~~الحركة والاهتمام بالدنيا والمنافسة في استغلالها وشديد الحرص على استثمار كل ما ~~يمكن استثماره منها ما يدهش اللب. # 22 أغسطس # قضينا سحابة النهار في سان كلو، وككل الضواحي في أيام الأحد كانت ملأى بالناس ممن ~~لا تدل حالهم على اليسار وإن كانوا نظافا، وقد خرجنا في مسيرنا من بستانها البديع ~~النظام لندخل الغاب المستوحش الجميل. # جلسنا على العشب مع الجالسين، ثم قمنا من مكاننا يجذبنا صوت موسيقى، فلما كنا ~~إلى جانب الطريق جلسنا من جديد ننتظرها، في حين جعل الآخرون الذين جاءوا من كل حدب ~~لمقابلتها يرقصون ويصيحون وقد فاض عنهم الطرب، ولما أن جاءت عندنا إذا القوم ms034 قاموا ~~فأداروا مرقصا عاما فيما بينهم، ظلوا يرقصون بعد أن ارتحلت الموسيقى وموسيقاروها ~~مكتفين بأن تردد لهم الأشجار العالية هاته الأصوات التي جعلت تبتعد تبتعد حتى ~~اندثرت. # لكن الموسيقى لم تكن موسيقانا الشرقية ذات النغمات الحزينة المتشابهة التي تذهب ~~بالقلب إلى عوالم أحلامه يستعرض امامه شجون الماضي والأيام الفائتة، ويذهب يتبع ~~النغمة تاركا نفسه مسحورا بها، بل هي موسيقى عسكرية قوية الصوت ترج القلب وتحرك ~~الحواس وتهيج في النفس من قوة الطرب ما لا تستطيع معه أن تبقى مخلدة إلى سكونها بل ~~هي تندفع مهتاجة مبتهجة إلى الرقص والغناء والصياح وتفيض كلها تريد أن تظهر إلى ~~الخارج. # آخر النهار أردنا أن نرجع، لكنا لم نرض أن نترك الغابة قبل أن نأخذ بعض الكرت ~~بوستال من مناظرها، فعرجنا على فتاة هناك جعل ب. يقلب يريد أن يختار مما عندها من ~~الكرت، وكلما تم له اختيار واحدة أعطاها إياها فتأخذها منه برقة ولطف وتبتسم ~~ابتسامه جميلة، ويزيد ابتسامتها جمالا أنها خفيفة الروح جذابة اللون دقيقة ~~التقاطيع ضاحكة النظرات، هذه الابتسامه أكبر شفيع لها، كما أن خفة الروح أحلى تيجان ~~الجمال. # هذا اللطف في المعاملة هو الأمر السائد هنا، فصديقك والتاجر الذي يبيعك سلعته ~~وخادم غرفتك وكل من تقابل دائم الابتسام حتى لكأن هذا الخلق أصبح طبيعيا فيهم، ~~يحيونك بابتسام ويعوضون حاجاتك بابتسام ويشكرونك بابتسام، وهم بذلك يسرون القلب ~~ويعوضون الإنسان عن قتوم السماء وعبوس مناظر المنازل الترابية اللون الحزينة ~~المنظر. # 25 أغسطس # في الأوليمبيا ومعي صديقان من المصريين. # الأولمبيا وما على شاكلتها من أماكن السرور هي ما يسميه الفرنساويون والإنجليز ~~معا # Music Halls ~~. # مكان فسيح جدا ويكاد يغص بالناس، ويظهر على وجوه الكثيرين أنهم أجانب، وبالرغم ~~من أننا في الدور الأول أي بعيدين عن ضجة الواقفين في الممشى، ومن أن المرسح ممتلئ ~~بالفتيات لبسن ثيابهن البيضاء القصيرة، ويتداخلن بشكل جميل كأنهن عصافير الجنة، ~~ومن أن الموسيقى تسري بنغماتها الشجية المتباطئة فيتملئ بها الجو الممتلئ بالدخان ~~والزفير، بالرغم من ذلك كله ومن تحديق ms035 الناس عيونهم إلى جهة الراقصات يرقبن حركات ~~أرجلهن الغريبة وأيديهن المشيرة كل لحظة في ناحية، وإلى مجموعهن يموج به المرسح في ~~حركة منتظمة لذيذة، فلم ين صاحباي عن التغامز والضحك من غير سبب أعرفه. # أخيرا سألاني حين انتهى الفصل ونزل الستار: هل سترجع إلى الدار وحدك؟ ~~- لماذا؟ وهلا سنرجع جميعا معا كما جئنا معا ~~- كأنك لا تفهمنا، فليس هذا ما نقصد. ~~- أما أنا فراجع وحدي وقد يحزنني أن لا أكون معكما. ~~- ربما لا يحزنك أن لا تكون معنا وحدنا، ولنا أمل أن ننال السرور بأن تكون في ~~جمعيتنا. # كنا في هذه اللحظة نتدرك السلم إلى صحن المكان، ولم نكد نسير خطوتين حتى قابلنا ~~مجيء الناس وذهابهم في كل جهة وإلى كل ناحية، فوقفنا نحن ووضع أحد صديقي يديه في ~~جيبي ردائه، وجعلنا ندير بصرنا ويبدي كل محلوظاته، وشغلني عن الحديث منظر جماعة من ~~الشبان ومعهم ثلاث فتيات وهم يضحكون جميعا ضحك الجنون، فلما رجعت طرفي إذا صاحباي ~~يبتسمان وإذا على مقربة منا فتاتان واقفتان تتغامزان، ثم لتجرا حديثا بيننا ~~وبينهما، قالت إحداهما لصاحبتها: أي لغة يتكلم هؤلاء ... أليست غريبة بل ~~مضحكة؟ # فابتسم لها صديقي الذي لم يضع يديه في جيوبه وأجاب: قد أفهم يا ستي أنها غريبة، ~~ولكن ما سبب أنها مضحكة؟ وبهذا اتصل حديث طويل باهت. # هاته التي سألت تبلغ ما بين خمس وثلاثين وأربعين سنة، وهي طويلة عريضة تشغل حيزا ~~عظيما من الفراغ، وثوبها (الدكلتية) ينم عن صدر ضخم وعن أصلي ثدييها البائن ~~انهدالهما، بالرغم من أن حزامها العالي يرفعهما لشديد ارتفاعهما كأنهما هضبة من ~~اللحم - البارد لا شك - كذلك ينم أسفل ثوبها كله عن كتلة قليلة النظام، ولكن خديها ~~الممتلئين المتقن دهانهما وعينيها الزرقاوين يداريان بقية شكلها بعض الشيء. # وبعد قليل ابتدأت الموسيقى من جديد، تصدح هذه المرة بدقات قوية تهز القلب ~~والجوانح، فتسلل الناس مسرعين إلى أماكنهم ورفعت الستار عن أحد قصور الجنان، قصر ~~فخيم تحيط به النعمة من كل جانب. # كانوا يمثلون حياة سلطانة شرقية ms036 في ديوانها، وقد قام من حولها الجواري لابسات ~~أقمصة سائبة من الحرير الأبيض، وهن جميعا يحكين في حركاتهن المتباطئة تلك الحياة ~~المكسال التي يتصور الغربي عن الشرقي، وما أسرع ما انقلبت دقات الموسيقى من جديد ~~فأخذت هي الأخرى تترنم في نغمات ساكنة متشابهة تلائم حركات الجواري الجميلات ~~وتكاسهلن. # واجتمع حول السلطانة من دواعي الترف الخامل ما لا يحرص على أقل حركة، ومن حين ~~لحين تبدو عليها علائم التناؤم. # انتهى هذا الفصل وما بعده وأحسنت الصدفة أن جعلتني أرجع وصاحباي معا كما أتينا ~~معا. # 29 أغسطس # قضيت النهار مع ب. في فانسن، وهي ضاحية تقع على بعد خمسين دقيقة في الترام من ~~باريس، وقد أخذنا ترامنا من عند اللوفر. # نزلناها ونحن أجهل ما يكون بها، وبعد شيء من التردد فيما نريد أن نعمل سألنا بعض ~~أهلها عن غريب ما فيها، فأوحى إلينا بأن ندخل إلى كنيستها، لكنا لم نكد نعبر ~~بابا كبيرا يبين منه ميدان فسيح حتى سألنا الحارس عما لو كان عندنا تصريح ~~بالدخول. تصريح بالدخول! لا. # فدلنا بلطف على غرفة رئيسه الذي أعطانا إذن المرور بعد أن أخذ أسماءنا وعنواننا ~~على أوراقه، خرجنا من عنده فذهبنا إلى «الدنجن». ~~«الدنجن» هو الحصن الذي كان يسجن فيه المجرمون السياسيون في عصر الملوك، بناء ~~شامخ عالي البناء، دخلناه وارتقينا جوفه درجا حلزونيا عنيفا في الصعود عليه، ~~وما زلنا به حتى وصلنا إلى الدور الثالث من الحصن، هنا قابلنا عاملا تفرجنا معه ~~على ما في هذا الدور، أبنية معشقة أحجارها متين صنعها غاية في الإحكام وغرف ضيقة ~~تشعر بالرهبة والمهابة، فإذا نطق محدث بكلمة سمعت دويها في المكان ورنين صداها بين ~~جدرانه وكأنك تلمسها خارجة من نوافذه الضيقة التي تطل على ما حولها من الأبنية، وفي ~~بعض تلك الغرف من البنادق شيء كثير. # صعدنا بعد ذلك حتى وصلنا أعلى البناء ونظرنا إلى ما حولنا فإذا البيوت بسقوفها ~~المحدبة قد خضعت كلها صاغرة إلى جانب ذلك الحصن الرهيب، وكأنها في صمتها أمام ~~الناظر من ms037 علويته هامدة ساكنة بالرغم مما في جوفها من الحركة الدائمة، والأشجار ~~بورقها الأخضر توحي للناظر إليها وتهزها الريح قليلا بعض الأحيان، ويلمع عليها ~~شعاع الشمس المحروقة في تلك الساعة من النهار، فإذا أنت مددت النظر إلى ما بعد ذلك ~~راقتك المناظر المختلطة المختلفة المتعددة، فضاء من الأرض مسطوح وسقف عال آخر خاضع ~~إلى جانبه على مرمى النظر، وقد التف في ثوب من الضباب، وصعد يطلب في الجو عنان ~~السماء، ترى برج أيفل وكأنه يحدث الأباعد والأقربين بما يتناجى به سكان السماوات في ~~عليين ... هو دائما حاضر هذا البرج الهائل، فحيث تكون تلمحه على الأبعاد الشاسعة ~~يناديك ها أنا ذا أقامتني يد الإنسان لأكون موضع الجلال أمام عين الإنسان، وعلى ~~مقربة منه تظهر قمة قبر نابليون وكأنها تنم عما تحتها من رفات ذات ~~الرجل. # أخيرا هبطنا من ذلك المرتفع ووصلنا الأرض ولما نكد. # ثم أردنا أن نذهب إلى الكنيسة فصحبتنا خادمة الباب بمفاتيحها وأدخلتنا المعبد ~~الصغير وجعلت تشرح لنا عما فيه، معبد جميل أقيم في القرن الخامس عشر بعد أن أقيمت ~~الدنجن في القرن الثالث عشر، أجمل ما فيه مدخله والزجاج الملون الذي في ~~نوافذه. # انتقلنا بعد ذلك من بين الحصن والمعبد والأبنية المختلفة الأخرى إلى غابة فانسن، ~~وسرنا بين أشجارها الباسقة تظلنا أوراق الكثيرة التي لم تدع للشمس إلا قدر ما تنفذ ~~أشعتها مجزأة لا تخافها العين ولا يخشاها محرور، وعلى العشب الناضر يجلس الكثيرون ~~ممن يستعيضون اليوم راحة عن كد الأسبوع، وقل أن نجد إلا رجلا وامرأة أو جماعة من ~~الجنسين معا، وكأنهم يرون أن رجوعهم إلى الغابات حيث الطبيعة لا تزال كما هى سليمة ~~لم تمسها يد يدعوهم إلى أن يستكمل كل رجل نفسه بالمرأة التي أعدت الطبيعة لتقوم ~~بهذه الوظيفة. # جلسنا في هذه الجنة اليانعة حتى تبدت الشمس هناك عند المغرب وتوجت هامات الشجر ~~البعيد بنورها، ثم قمنا نتسلل بين هذه الجذوع القائمة فوق بساط العشب ونترك وراءنا ~~رويدا رويدا الطبيعة البكر وبعض المتخلفين من الأزواج ~~(couples) ms038 # الذين يعشقون أخريات النهار ومبادئ الليل حين يختفي ~~القرص وتظلل الفروع والأوراق ينساب من بينها ريح هائم تلف المحبين في عبيرها، ~~وأخيرا ودعنا الغابة وفي النفس أكبر الشوق لها. # 27-31 أغسطس # هذه الأيام الأخيرة من شهر أغسطس كان فيها هنا سعد باشا زغلول وعاطف وحسن صبري، ~~وكان مشغولا بهم جدا بهي الدين فساعدني هذا على قراءة كتاب هول كين (النبي ~~الأبيض) الذي كتبه عن أحوال مصر، واليوم وقد فرغت منه أرى أن أسطر إحساسي ~~والتأثيرات التي أخذت بنفسي من قراءة هذا الكتاب باعتباري ذلك المصري العليم إلى حد ~~ما بأخلاق قومي وعاداتهم. # يمثل الرجل في كتابه حكم الإنكليزي أيام قنصلية اللورد كرومر وقد حكى التاريخ ~~حكاية هي الواقع والحقيقة في الصحائف الأولى من الرواية، ثم لما مشى ببطل روايته ~~إسماعيل الأمير فيما أراد أن يسلك به، تراه وقد مثل جماعة المصريين بما يسميه # Allah intoxicated people # مجاذيب لا يمس الواحد ~~منهم صاحبه إلا ويصيح مناديا الله الله، أو لا تحدث حادثة مهما دق أمرها وصغر ~~قدرها إلا ويتمثل في نفوسهم ذلك التعصب الديني الإسلامي في أفظع أشكاله، ولقد رام ~~هول كين في روايته هذه أن يرمي طيرين بحجر، فيرضي المصريين والإنجليز معا، وأحسبه ~~إلى حد معين قد وصل إلى ما أراد من غايته، ولا شيء أدل على هذا من سرور طائفة كبيرة ~~من المصريين بهذا الكاتب وكتابه مع أنه يمثلهم فيه تمثيلا فظيعا، أمة متأخرة إذا ~~نعق بينها ناعق باسم الدين تبعته بين الصحاري تحتمل أشعة الشمس المحرقة وشظف العيش ~~الأيام الطوال وتصدق أن كل ما يجيء به ذلك الناعق الديني معجزة من الله لذلك ~~المخلوق الذي يريها لهذا المجموع، ليت هذا كان كل الأمر، بل أنه رمى الخديوي أيضا ~~في روايته بأنه في نفسه تأليف خلافه عربية إسلامية يكون مقرها القاهرة، ويساعده في ~~هذا جماعة العلماء الذي وصف الكثيرين منهم بالضعف والنفاق، لم تسلم طائفة من ~~الطوائف التي تقوم في بنيان الأمة من النقص، كبراء منافقون وخديوي متعصب وأمة ms039 عمياء ~~سكرى بخمرة الدين. # ليته وقف عند هذا، بل أن الذي يرجع بأغراضه إلى وقائعها لا بد يجد ما وجدته من ~~التعريض بالنبي في ذاته، كأنه يريد أن يري الناس طريق المعجزات التي كان يجيء بها ~~وتلك الإشاعات المشوشة التي جاءت بعده في التاريخ كانت ما ينادي به بطله الذي سماه # Black Zogal # بالنسبة لإسماعيل الأمير، وإنني ~~لأرى الرجل سيئ الظن بالأمة المصرية إلى حد ليس صغيرا. # فوق هذا كله فمع ما رمى به كثيرين من المصريين من النفاق والضعف والتعصب إلى آخر ~~ما رماهم به، لم يقل عن إنكليزي في مصر إلا كل الخير أكثر من أنه أنحى على ~~لوردنتهام في روايته ولورد كرومر في الواقع، حيث أظهر أن من رأيه أن أخريات أيام ~~اللورد كرومر كانت ستثير الأهالي، وبذلك قد تحدث خطرا على الأمة البريطانية في ~~مصر، إنكليزي هو الآخر يعزز بقاء إنكلترا في مصر، يزيد دليلنا هذا قوة أن الشخص ~~الذي كان موضع إكبار المصريين وحبهم واحترامهم (جوردن) كان من هذا الرأي أيضا وإن ~~كان من رأي آخر في سياسة الأمة. # هذا شيء من رأيي في كتاب هول كين سطرته على صفحات مذكراتي، مع الاعتراف بأن ~~الكتاب متقن اللغة جدا ويشهد لصاحبه بالمقدرة العظيمة، مقدرة هائلة ليس من السهل ~~مسابقته فيها، وقلم بليغ عزيز الوجود يسحب الروح معه ويأخذ بمجامع النفس ويغري ~~المطلع على الاستمرار ولا يمل أبدا، كتاب بديع من الكتب النادرة التي يصح أن يحلي ~~به الإنسان مكتبته. # 1 سبتمبر # في منزل معلمنا المسيو ه.ج. الذي لم يحضر بعد من عمله. # بقينا نردد بعض دروسنا حتى جاء، وقد فضل أن يحادثنا اليوم على أن نقرأ في كتاب، ~~وما أدري غرضه تماما من ذلك، على أني أرى أن أثبت بعض أقواله التي يظهر أنها سائدة ~~في أنحاء باريس وأنها رأي أكثرية عظيمة في فرنسا، قال: ... من قرون مضت دخلت حرية ~~الفكر إلى أوربا بفضل كبار العلماء والمفكرين من كتابها، فلم تكد تنته حركة لوثر # 8 # وكلفن ms040 # 9 # القائمين باسم الدين لإصلاح الدين، حتى خرجت إلى الوجود كلمة رابليه # 10 # المشهورة التي كتبها على باب ديره «اعمل ما شئت» # Fais ce que tu voudras # ثم انتقل الناس إلى ~~القرن السابع عشر حين جاء الفيلسوف الكبير ديكارت # 11 # ووضع كلمته «تفكيري دليل ~~وجودي» # je pense donc je suis # وخلفهم من بعهد ذلك كتاب القرن الثامن عشر روسو وفولتير ~~ومونتسكيو، وجاء رنان فبنى للناس حرية الفكر على قاعدة ثابتة، أصبح أقل من القليل ~~من يستطيع أن يسمح لنفسه أمام نفسه أن يعتقد أن الديانات وحي سماوي من عند الله، أو ~~أن الأنبياء يوحى لهم من السماء، إنما النبي رجل توحي له نفسه وكل ما أوحت به النفس ~~فهو مقدس ... # هنا لاحظ الرجل السكوت الذي علانا وما ظهر على ب. من الاستغراب كأنه أحس بأنه كان ~~سريعا في تقدمه أكثر مما يجب حيث رجع فقال: # لأول ما نفكر في النبوة وفي إمكانها باعتبار مجيئها من السماء، تقف أمام عقولنا ~~عوائق كثيرة من العادة والعقيدة، وفي الواقع ليس من السهل التخلص من شيء دخل إلى ~~قلوبنا وتغذت به نفوسنا من يوم أن جئنا على الأرض، كما أن قيام بعض الناس يرفضون ~~النبوات بشكل غير مؤدب حيث يلقبون الأنبياء بالكذابين والمجانين يجعلنا نزداد عطفا ~~على هؤلاء العظماء الخالدي الذكر، وإن من أكبر الحمق اعتقاد أن عدم التدين يقضي ~~برفض ما جاء به الدين؛ إذ ممكن جدا رفض قاعدة أو أكثر والأخذ بالباقي، وما علمت ~~واحدا من العلماء جعل هؤلاء المرشدين سخرية أو لم يقل أن ما جاءوا به مقدس لأنه ~~وحي أنفسهم. # فإذا دخل الواحد منا إلى سكونه وخلا بنفسه وتجرد من كل عصبية لحظة من الزمان ~~رأى أن المذاهب الدينية هي في الواقع مذاهب أخلاقية واجتماعية وضعها أصحابها لمصلحة ~~الأمة التي قاموا بينها، وقد أثبت البحث العلمي أن كل دين يستمد أصوله من السوط ~~الذي عاش فيه. # وبما أن الحقيقة كانت وستبقى إلى الأبد موضع البحث من غير أن يصل إليها ms041 أحد، فقد ~~قام جامعة الأنبياء بدورهم كعظماء حقيقية، وغاية ما في الأمر أن منهم أو من أتباعهم ~~من رأى مبلغ شقاء الإنسان المفكر وقلة وجوده خصوصا في ذلك الزمان القديم، فرأوا من ~~مصلحة المجموع ومن دواعي سعادته أن يبقى متمسكا بالعقائد التي وضعوها هم له، لكنهم ~~في ذلك أحبوا الإنسانية حبا جما، وطلبوا إليها أكثر مما تستطيع أن تعطي، وإن ~~تعاقبهم هم واختلاف نظرهم في بعض المسائل وقيام كل بالدعوة لعقيدته حتى الموت ~~ليكفي دليلا على استحالة بقاء العالم في المركز السعيد الذي أرادوا له، وعلى أن ~~العالم سيبقى إلى الأبد مرسحا متنازعا في أيدي الكتاب والفلاسفة ~~والمفكرين. # فسأله ب. لم كل الناس إذن متدينين؟ ولم ابتدأ التدين من أول الخليقة؟ ... إن كنت ~~تريد بالتدين الاعتقاد فلا شك أن الناس كانوا ولن يزالوا أصحاب اعتقاد؛ ذلك لأنه ~~كما أن للإنسان عوائد في نظامه الجسمي جاءته نتيجة تأثير العالم الخارجي عليه كذلك، ~~فله عوائد في نظامه العقلي جاءته أيضا نتيجة تأثير العالم الخارجي عليه، وانسبكت ~~هذه الآثار بالنسبة لأمة معينة في قالب واحد، وصارت عوائد الأمة العقلية التي ~~يسميها الناس بالعقائد، وهي كعوائدهم الأخرى فيما يختص بالنظام الجسمي أو المادي إن ~~شئت، وأما إن كنت تريد بالأديان ما يراد بها عادة مما جاء به الأنبياء عن طريق ~~السماء؛ فإن ما وصل إليه البحث التاريخي لا يمكن أن يهدينا إلى شيء أكثر من أن ~~الفكر والتدين صنوان توأمان، ولا أحسبك تستشهد علي بما جاء في الكتب السماوية ~~لأنها هي موضع البحث ولا يمكن أن يقوم الشيء المتنازع فيه دليلا للاقتناع بصحة ~~ذاته. # 2 سبتمبر # من عطية # عزيزي محمد: # ما أعز أخبارك يا أخي! أنسيتنا ونسيت قريتنا؟ أنسيت مزارعنا الواسعة وغدرانها ~~الصغيرة الجميلة وشمس بلدنا، إن كنت نسيتها فإن هذه الأشياء لا تزال تذكرك، ولا ~~أزال كلما جلست إلى جانب سريرك أو مكتبك أو مكتبتك أحس بها مكتئبة ~~لغيابك. # عمتي ر. تنوي السفر إلى الحجاز هذا العام، وبالرغم من أن الوقت لا يزال ms042 ~~طويلا فهي تعد معدات هجرتها، وقد كلفتني حين علمت أني سأكتب إليك أن أسألك إن ~~كنت تستطيع أن تشتري لها «زمزمية» من باريس وألحت في ذلك، ولا أفهم سببا ~~لهذه الفكرة الغريبة. # ويصحبها في سفرها أبويا خليل وعمي الشيخ ف. وقافلة تبلغ العشرين من بلدنا ~~ومجاوراتها، وقد أقوم معهم حتى السويس إن لم يمنع مانع يومئذ. # أختي تهديك السلام وقد سرها ما بعثت لها به من الكرت بوستال، وأهل البلد ~~يذكرونك بخير ويسلمون عليك، واقبل تحياتي. # عطية # 3 سبتمبر # لقد ظل كلام المسيو ه.ج. يردد نفسه في أذني مذ سمعته، وأعاد أمام ذاكرتي ما ~~قرأته في كتب كارليل (الأبطال) حين وصف الأدوار التي مرت بها الإنسانية في ~~اعتبارها العظماء حيث كانت تجلهم كآلهة أولا ثم كأنبياء وكشعراء وملوكا وكتابا، ~~وفكرت في ذلك كثيرا ولحقني ألم حين رأيت معنى الوحل الجميل على ما كنت أتصوره في ~~هبوط ملك ذي أجنحة بيضاء عظيمة تغطي الكون وهي نورانية فتزيده نورا، يتقلص ليحل ~~محله معنى آخر هو النتيجة اللازمة لأقوالهم ولطول التفكير وللإحساس ساعات الوحدة ~~العميقة بخلوص النفس من الجسم المادي الذي يثقلها ووصولها مجردة تجتلي الحقيقة تطلع ~~على هذا العالم وما حواه وما أحاط به، وهذا المعنى هو الوحي، وصول النفس الكبيرة ~~وقد تجردت عن المادة إلى ما يستكن في جوف العالم الحاضر بجميع أجزائه من الحقائق ~~مما يبعد عليها أن تراه وهي لابسة جسمها محاطة بضجة الكون وعوامل النقص، ومن هنا ~~يدخل إليها أحيانا اعتقاد جازم أن هذا الذي وصلت إليه جاءها من قوة فوقية كبيرة ~~مصرفة للعالم وما فيه، أي جاءها من الله. # لكن هناك مسألة عرضت أمامي جعلتني أتردد أمام فكرتي، تلك هي أنه لو فرضنا صحة ما ~~تقدم فهل من مصلحة الإنسانية إذاعته؟ وهلا يحسن إبقاء الناس في سكونهم النفسي ~~والسكينة أساس السعادة! أم أنا نخرجهم إلى تيهاء الحيرة التي يضرب فيها الأكثرون ~~ممن يذرون العقيدة الدينية جانبا، وما دامت الحقيقة المجردة غير ممكنة في العالم ~~والوصول إليها مستحيل، ms043 فالحالة الموجودة خير من غيرها، وترك الناس كما هم أفضل ما ~~يمكننا عمله لهم. # غير أن ذلك يخالف الطبيعة البشرية من الميل إلى الحركة، وقديما قام العظماء ~~نبيا بعد نبي وعالما بعد عالم وفيلسوفا بعد فيلسوف، ولكل آراؤه، ويعتقد أنها ~~أقدر على إيجاد أكبر حظ من الخير على الأرض، ولما انقضى عصر النبوات لم ين ~~المفسرون عن الاختلاف وإظهار آراء شخصية لهم، وإذن فمحال أمام سير العالم الدائم أن ~~نبقى وقوفا، فواجب علينا إذن أن نسدد خطى السائرين ما أمكن ونرشدهم إلى أقوم سبيل ~~وأقربه إلى المصلحة. # وما هو هذا السبيل إذن في الوقت الحاضر ، ذلك هو السؤال الذي يجيء أمامي والذي ~~يسبب الحيرة عندي، وأراني أميل لرأي القائلين بوجوب الإصلاح فيما عندنا خصوصا أمام ~~هذه المدنية الأوربية المادية التي تكتسح العالم من أقصاه إلى أقصاه، ولكنى لا ~~أستطيع إلى الآن أن أرسم بشكل أعده طيبا الطريق الذي يجب أن نسلك للوصول إلى هذا ~~الإصلاح. # 5 سبتمبر # جمعتني صدفة لم أكن أتوقعها بصديقي ع. واتفقنا على أن نمضي النهار في روبنصن، ~~ولقد قابلنا ب. في الطريق ونحن ذاهبان إلى محطة اللكسمبور ولكن أشغالا خاصة عنده ~~منعته عن أن يجيء معنا. # أخذنا القطار الذي كان خاليا إلا من قليل، وما كاد يخرج بنا من سردابه بين أراضي ~~باريس حتى تميزت السماء الصافية وبعثت الشمس بنورها من النوافذ، وكلما تقدمنا في ~~الطريق زادت المحيطات بنا تميزا وقامت أشجار قليلة الارتفاع وحشائش وشجيرات ذات ~~أزهار تحيط بالطريق المرتفع وعن الجانبين منخفضات، وهنا تمتد المزارع الواسعة ~~تغطيها أنواع الغلال. # عمدنا من محطة روبنصن إلى مطعم أخذنا فيه غذاءنا، ثم قمنا فاستأجرنا عربة وخرجنا ~~بها، فلما خلالنا الجو واعتدلنا على الطريق رحنا بها عدوا تخترق بنا منا بين ~~الاشجار والغابات مرة ثم بين الغيطان أخرى، وأحسسنا بأننا قد ابتعدنا وأن قد ضاع من ~~زماننا أكثره فقفلنا مسرعين نكاد نطير، وفيما نحن كذلك لحقنا سيدة وفتاة على ~~دراجاتهما فلما بصرتا بنا أسرعت الفتاة أمامنا وتخلفت السيدة ms044 عنا فلم نزد إلا ~~إسراعا، وكلما ألهبنا جوادنا بذلت الفتاة من جهدها حتى لا نلحقها، وبقينا في ~~مطاردتنا هذه حتى أحسسنا بالسيدة تنفذ هي الأخرى كالسهم وتنضم للفتاة وتنجوان في ~~طريق ضيق لا قبل لعربتنا به، ثم يشيران لنا برأسيهما تحية الوداع. # ظللنا بعد ذلك في سيرنا والطريق ينحدر أمامنا حتى إذا كان في منتهى انحداره ~~تجلت لنا روبنصن تتدرج مرتفعة قليلا كأنها سفح أخضر من سفوح الفردوس، ويقابلنا ~~ما بين آونة وأخرى فتيات من الريفيات سكان البلد وقد أعطتهن الطبيعة إزاء ما حرمتهن ~~منه من اجتماع المدن ولذائذها صحة ونشاطا. # بعد أن فرغنا من العربة أخذنا حصانين على عزم أن نستبق، ولكن لم نبتعد حتى نزل ~~مطر شديد احتمينا منه تحت الأشجار ورجعنا لأول ارتفاعه أدراجنا وقبعاتنا وملابسنا ~~تتصبب، وصعدنا إلى قهوة أقيم فيها مرقص آملين أن نجد فيها موئلا حتى يزول ولو بعض ~~الشيء أثر الماء الذي بللنا، والموسيقى تصدح بنغمات قوية فتقوم الأوانس ويخلعن ~~أرديتهن ويدرن راقصات فيعطين المكان سرورا يعوضه عن قتوم السماء وعبوس ~~الجو. # انتظرنا مدة وقوفا على الباب نرقب الراقصين والراقصات، ومن بينهن نحيفة القوام ~~يونانية الأنف زرقاوية العينين متوردة الخد هي زهرة الجمع، وكأن قد كبر عليها أن ~~تراقص أي شاب، فأمسكت بيديها فتاة صغيرة وأخذت ترقص معها، وإلى جانب الحيطان قد ~~وضعت طاولات يبقى أكثرها خاليا مدة الرقص ثم يرجع إليها أصحابها آخر كل دور، ~~وأنصاص البيرة موزعة عليها جميعا وكثيرة منها ما كان يحمل نصين وثلاثة. # أخيرا تسنى لنا أن نجلس، وجاء الجرسون يسألنا عما نريد، ولم يكن أمام ما ~~ابتدأنا نشعر به من البرد الذي وصل إلى أعضائنا محل للاختيار. # فطلبنا شايان من غير تردد والتهمناهما قبل تمام الدور الذي كانوا فيه. فلما انتهى ~~وأخذ الكل مجالسهم جلس إلى مقابلنا فتاتان لم تنتظرا حتى كلمتانا وعلمت من خلال ~~الحديث أن اسم إحداهما ل. واسم الأخرى ل. أيضا، وإذا صدق ظني فهن من الكثيرات ~~اللائي يردن من أي شاب صديقا. # أطالت ms045 صغراهما الحديث معي، هي حمراء الوجه ذهبية الشعر متقدة النظرات، تلبس ~~فستانا فستقيا تنم دنتلة الصدر منه عن عنقها وجسمها الأحمر اللون هو الآخر، ~~وزادت حركة الرقص دورة دمها فزاد احمرار وجهها وارتعدت شفتاها حتى لكادتا تحاكيان ~~في حركاتهما الشفاه الشهوانية المولعة، فلما دقت الموسيقى من جدير تركتنا وأختها ~~وقمنا نحن راجعين إلى باريس، وقد أحببنا من ذلك اليوم كل شيء حتى مطره الذي كاد ~~يجيء على قبعاتنا من غير أن يسأل عن الثمن الغالي الذي دفعناه فيها. # 7 سبتمبر # في الكوميدي فرنسير (التياترو الفرنساوي) لحضور تمثيل رواية (اندروماك) # 12 # واندروماك هي زوجة (هكتور) قد أخذها (بيروس) أسيرة هي وولدها في حرب (التروا) # 13 # بعد أن قتل زوجها، فلما حلت عنده أحبها بالرغم من وجد (هرميون) ~~الموعودة بزواجه التي تحبه من كل قلبها، ويحب هرميون (أورست) سفير الأثينيين إلى ~~ملكهم بيروس، وقد جاهد هذا الأخير ليصل إلى قلب أندروماك بالتزلف مرة وبالتهديد ~~أخرى، وهي صلدة أمامه ترى في خيانة ذكرى هكتور المقتول ما يهيج ضد محبها كل عاطفة ~~في قلبها، ولكنها تقع في أشد الحيرة حين يخبرها بأنه سيقتل ابنها ويرضي الأثينيين ~~ما دامت هي مصرة على عنادها، وتبكي وتستنجد قوات السماء أمام هذه المصائب النازلة ~~بها، أخيرا تصمم على أن تقبل يد بيروس حتى تأخذ من الأمان لولدها لتقتل نفسها بعد ~~ذلك فتنجو هي من الخيانة وينجو ابنها من الموت. ولكن أورست لا يكاد يسمع بهذه ~~الحادثة حتى يجري لمحبوبته ليرى حالها، فتطلب منه أن يقتل بيروس، ولا يكاد ينتهي ~~عقد زواج بيروس حتى يقتله أورست فتقتل هرميون وتبقى اندروماك ويبقى ولدها على رأس ~~الأثينيين. # وجدت قدرة راسين في هذه الحوادث البسيطة مجالها، ووجد المؤلف من الممثلين نعم ~~المفسرين، وقد استعبرت مرارا أمام جزع اندروماك التي قامت بتمثيل دورها مدام سلفن، ~~هي أرملة وأسيرة وأم سيقتل ولدها إن لم تخن عهد زوجها، كل ذلك في آن واحد، تريد أن ~~تبقى على عهد زوجها فيروعها أن تتصور ابنها يساق للقتل ms046 ويهزها إشفاق الأم وحنانها، ~~وهكذا تتقلب تحت مؤثرات عواطفها وتبكي أمام الملك القاسي فتستبكي الحاضرين. # هذا الصنف من الروايات التي ظهرت في القرن السابع عشر قرن راسين ومليير وكورني هي ~~ما يسمى (بالكلاسيك)، وتصف إحساسات النفس بلغة دقيقة سهلة مكتوبة في شعر رقيق، ولم ~~يأت فيها بعد وصف الطبيعة، ولا الإحساسات المختلطة التي تجيء مع المدنية المختلطة ~~مما قام به الدرام، والرومانتيك ولا شك في أن سبق شكسبير لهذه المعاني ولتلك ~~الأنواع ما يشهد بعظمته. # 16 سبتمبر # زرت متحف اللكسمبور هذا الصباح وهو على صغره خفيف الروح، وقد حوى من الصور ~~والتماثيل أبدعها وأكثرها إتقانا، وكل ما فيه من ذلك حديث وأكثره من عمل ~~الفرنساويين، هنا حقيقة يحس الإنسان أنه محوط بالأحجار الصامتة كأنه بين عالم ~~ناطق بليغ اللسان، وهذا الرخام الأبيض قد حوى فيه خيال المثال الذي نحته وصورة ~~تتلألأ على سطحه كل المعاني التي أراد، فإذا ما سرت بينها خيل لك أن كلا منها ~~يرمقك بنظرة أرادها صانعه أو هو لاه عنك بمحبوبه الذي يحدق به أو بأحلامه التائه ~~في لذاتها الخالدة لا يلفته عنها أكبر ما في الكون ولا أقواه. # وما أنسى لا أنسى صورة للعذراء في يدها زهرة هي قائمة، وتنم ثيابها الرومانية عن ~~أثداء شابة ناهدة وعن قوام دقيق جميل، عيونها المسبلة الجفون ناعسة عن العالم وما ~~فيه، وكلها مثال الجمال التقي الخالد، وصورة سلامبو التف حول جسمها العاري ثعبان ~~تنظر إليه بعيونها الرخامية الخالية كل نظرتها العشق الهوى، وذراعها ملفوفان يحكيان ~~عن خصب ونعمة، وصدرها المزدان بثدييها الناهدين ينساب دقيقا إلى خصرها ثم يسلم ~~نفسه إلى أردافها البارزة من غير مبالغة ليرتد ثانيا مع فخذيها، ولينسحب ساقاها ~~جميلين حتى ينتهيا عند القاعدة بأصابع هي الأخرى مثال الجمال والدقة ... أمام هذا ~~التمثال الناطق من الرخام الأخرس وقفت مأخوذا به تائه بالفكر فيه غير ذاكر شيئا ~~عن سلامبو التي يمثلها، وأعجبت بتركيب جسم الفتاة وهذا الانحناء الدقيق بين صدرها ~~وردفها إلى حد جعلني حين نظرت عن ms047 يميني وبصرت بتمثال أخر يحكي غير هذا النوع من ~~الجمال أن أرد الطرف وأرجع لتقديس سلامبو البديعة القوام الساحرة النظرات. ~~... وأخيرا التفت إلى اليسار، فإذ تمثال آخر يسترعي النظر قد نقشه المصور ليمثل ~~به السحر، والفتاة الشابة ترفع بيديها غطاءها وتنظر بعيون وسنى من تحته، إنها هي ~~الأخرى لتحوي من الجمال في جسمها ومن الدقة في قوامها ومن الإتقان في صنعها ما يأخذ ~~باللب، ولو أني لأذكر كل ما في المتحف وسعني الوقت، ولكني لا أقدر على نسيان تمثال ~~(كرو) عن الشباب والحب، ولا تلك النظرات العاشقة التي تنظر بها بنت العشرين ~~(لكيوبد) ملاك الحب، كذلك لست أنسى طهارة هذا الصغير في نظراته ومقابلته ابتسامه ~~الفتاة التي تكن كل معنى سنها وكل ما يدور في مخيلتها وكأنه لا يفهم ما تريد ... ~~لا ولا صورة أبن الطريق البائس قد وضع يده على كتف ولده وسار الأعمى والصغير يطلبان ~~الإحسان، وعلى صدر الأب مكتوب فيه «رحمة بي» ... ووجه الولد ينم حقيقة عن بؤس وألم ~~شديد. # هذا في التمثيل، أما في التصوير فلا أنسى صورة (جيوفروا) عن عيادة المريض في ~~المستشفى وقد جلس أب إلى جانب سرير ابنه يحدثه، والابن شاحب والأب مكتئب، وعلى ~~مقربة منهما سرير آخر يودع فيه شخصان بعضهما ويقبل الواحد صاحبه، صورة تجسم فيها ~~الأسى والحزن والحنان والحب. # صور غير هذه متقنة للغاية تدل على مهارة القوم في الفن، وتشهد بأن الغرب ابن ~~اليوم كما تدل آثار الشرق على هرمه ومشيبه، صور وتماثيل لم تترك حالة من حالات ~~الإنسان النفسية إلا مثلتها، ولا علامة من علامات جماله الجسمي إلا أظهرتها كما أخذ ~~الخيال فيها دوره هو الآخر، وتدل هذه الصور بتنوعها وإطلاق اليد والحرية فيها على ~~تحلل الغربيين من قيود كثيرة لا تزال مقيدة بها النفس الشرقية، مما يأخذ اسم ~~الفضيلة والحياء، وكأن هؤلاء الناس يريدون أن يستغلوا كل ذرة مادية نفسية وأخلاقية ~~من ذرات الوجود وما يدخل فيه من إنسان وحيوان وأشياء وأرض ونبت وشجر وماء وسماء، ~~وكل ms048 ما يمكن أن يجول بالخاطر أو يسرح إليه الخيال. # ويظهر أن على مثال هذه الحرية في الفن ينسج الغرب في كل شيء، والنفس المحاطة من ~~كل جانب مظاهر الحرية تنشأ وتحيا وتموت حرة، والنفس الحرة قديرة على كل شيء، قديرة ~~على المعجزات. # 17 سبتمبر # صديقي عطية: # لا أجد عذرا أقدمه عن تأخري عن الكتابة إليك إلا أن أقول إني كنت أبحث عن ~~زمزمية لعمتك ر. وللأسف قد قصر باع باريس دون طلبي، بالرغم من أنه قد عود الناس ~~أن لا يقصر دون طلب. # ابتدأ الجو تداخله البرودة، وصرنا وها نحن على باب الخريف نمتع من غروب الشمس ~~بأبهج منظر، ولقد كنت في اللكسمبور من ساعة مضت أرقب القرص الأحمر القاني وقد ~~انسابت أشعته مستسلمة تنطرح فوق هام الشجر الذابل وتتوج منه مشيبه، وتلك الفروع ~~تغادرها أوراقها لتسلمها جرداء إلى قسوة الشتاء تفتح أذرعها لوداع الشمس ولوداع ~~النهار. # وأحاطت بالقرص سحب تطوقت منه بطوق من الذهب وانبعث على السماء الشديدة الزرقة ~~سكون مهيب يشع بما دخل نفس الموجودات حين أحست أنها ستستقبل الليل، وبقي النهار ~~يسقط رويدا رويدا مع الشمس وراء الشجر وانعكس على الشرق من النور ما ذكر ~~بالصباح، وأخيرا أفل ذلك كله وأعلن الليل حكمه وسلطانه. # هذا ما عندنا، أما أنتم فمن غير شك لا تزالون تحت سماء صافية لا تشوب زرقتها ~~سحابة وتأتيكم ساعات الغروب بنسيمها العذب. # بالرغم من إني أحسدكم على هذا فأني راض بما عندي قانع بما يحيط بي، ولعلكم ~~أنتم جميعا على ما تحبون. # محمد # حاشية: صديقي ب. يهديك السلام ويطلب إليك متى ذهبت إلى القاهرة أن تهدي السلام ~~إلى جميع إخوانه ممن معك. # 18 سبتمبر # لست أستطيع أن أصف تماما حال المسيو ه.ج. النفسية، وإن اختلاف مظاهرها وتلك ~~الحيرة الدائمة التي هي فيها والانتقال من التسليم بشيء إلى الشك فيه إلى التسليم ~~بضده بسرعة غريبة ليدعو للدهشة، ويحس الإنسان حين محادثته أن نفسه في سياحة مستمرة، ~~وتقع من حين لآخر على رأي من آراء ms049 العلماء أو الكتاب، وتحسب أنها سكنت إليه ثم لا ~~تلبث أن يعتريها الشك من جديد، وتظل كالنحلة تنتقل من زهرة لتقع على زهرة، وأغرب من ~~هذا شديد تعلقه بالنظر فيما يخص المسائل الدينية وبالبحث عن مقدار ما تقدم من ~~السعادة للعالم، وبالرغم من شديد اقتناعه بأن الديانات كلها إنما هي من وضع ~~الأنبياء، فإن الإنسان ليقرأ في عيونه التائهة النظرات وعلى جبهته الهادئة من معنى ~~السروح شيئا كثيرا. # كان يحدثنا اليوم في هذا الموضوع، ولقد عزا الديانات إلى أصل قديم هو ما ركب في ~~النفس الإنسانية من الضعف وحاجتها أن تلجأ ساعات الشدة لسند ولو موهوم يعزيها عن ~~حالها، قال: # وأي منا في هاته الساعات حين يرى العالم تخلى عنه والصدف جاءت على عكس ~~مقصوده، وجلس هو مهموما يريد مناجاة ما أمامه، فإذا وجه الوجود عابس، وإذا ~~الحوادث كلها مقطبة الجبين، أي منا في هاته الساعات لا يحس بالضعف المركب ~~في نفسه يريد أن يستولي عليه ويخرجه من طوقه ويسوق إلى أعماق قلبه اليأس في ~~من الحياة يأسا قاتلا، فليجأ إلى صدر حنون يوجده ولو من مجرد خياله، ~~ويسميه بالاسم الذي يحلو له ويروق في عينه، يسميه الطبيعة إن كان من ~~عشاقها، ويسميه نجمه إن كان من عشاق النجوم، ويسميه شيطانه إن كان من ~~الشعراء، ويسميه إلهه إن كان من المتدينين أو من عامة الناس. فإذا ما التجأ ~~إليه وجد منه ما يبعث إلى قلبه قوة ويقينا يعوضانه عن الضعف ويعزيانه عن ~~المصائب التي وقع فيها ويعطيانه أملا طويلا عريضا في هذه الحياة، بل وفي ~~حياة أخرى يصورها لنفسه خالدة بعد موته هذا الخيال العزيز المحبوب، هذا ~~الإله الذي يمد في آمالنا ويخفف من الآمنا. هذا الموجود الذي وضعناه نحن ~~على ما أردنا، والذي أعطيناه من الصفات ما يكفي لسد عظيم أطماعنا إنما ~~يستمد أصله من ضعفنا وصغرنا أمام الطبيعة العظيمة الهائلة. # إني لأحسب الناس قد نجحوا كثيرا في عملهم هذا، وقدموا حقيقة عزاء ذا ~~قيمة للنفوس البسيطة والممتلئة باليقين، ms050 ولست أشك لحظة في أن كثيرين من ~~الذين يعانون شقاء العيش وبؤس الحياة إنما يخفف عنهم هذا الويل القاتل ما ~~يعزيهم به الدين عن آلامهم وما يسوقهم إليه الطمع الإنساني من الاعتقاد ~~بحياة أخرى، وإن امرأتي الشديدة اليقين في عقيدتها الواثقة تمام الثقة من ~~إيمانها لتحمل في صورها قوة لا تجدها كثيرات بل ويضعف دونها رجال كثيرون، ~~ولقد شاهدتها مرارا ساهرة إلى جانب ابنتنا الصغيرة في بعض أيام مرضها وهي ~~أقل مني جزعا لأنها أكبر مني يقينا. # لكن، أسائل نفسي دائما: هل يحسن بالناس أن يجعلوا عزاءهم في أوهام ~~وأضاليل؟ وألا يكفي للقيام بمأمورية الدين الذي يجعلنا نطمع بالخلود أن ~~يهزأ الناس بحياتهم القصيرة، ثم أرجع عن هذا حين أرى أن الحياة أوهام ~~وأضاليل، فليس حمقا أن نتعزى عنها بأوهام وأضاليل ... # وفي مثل هذا القول استمر المسيو ه.ج. وخرج أخيرا بنتيجته المعتادة، أي بأن لا ~~نتيجة، وأن هذه الحيرة التي تخالط نفسه لتجعله محببا وخفيف الروح مهما كان في قوله ~~مما يصادم أرسخ العقائد، وقد علمت أن حاله هذه سبب مستمر لمناقشات طويلة ذات ذيول ~~تحدث بينه بين زوجته التي ربيت بين آباء من القسيسين ونشأت نشأة دينية، ومن غير ~~أن أسمع هذه المناقشات فإني شديد الاعتقاد بأن المسيو ه.ج. المحبوب من زوجته يسلم ~~لها أحيانا كثيرة - ربما أغلب الأحيان - لكنه يترك دائما وفي آخر لحظة كلمة شك ~~تثير نفس مدام ه.ج. وتترك له مجالا ليستعيد المناقشة من جديد لأقل سبب. # على كل حال فإن كلامه وحيرته مملوءان بالمعنى، ويستدعيان تفكيرا عميقا بالرغم ~~من شديد معارضتنا له أحيانا في نظرياته. # 19 سبتمبر # أسفر النهار عن شمس جميلة تملأ بنورها الجو الصافي وتبعث إلى الطقس الباريسي ~~الحزين ابتسامة تنعشه، وأسفر أيضا عن الكثيرين الذي سيتركون باريس ممن امتلأت ~~بهم عربات الأمنيبوس التي كنت أرقبها من شباكي تمر محملة قاصدة محطات سكك حديد ~~الضواحي، وأسفر عني أنا جالسا في مقعدي أتثاءب من حين لآخر، وأحول نظراتي التي بقي ~~بها أثر النوم ساعة ms051 من الزمان جهة الشارع القليل الحركة والذهاب والجيئة إلا ساعات ~~مرور عربات الأمنيبوس. # أخيرا طلبت طعام الإفطار، وفيما أنا أتناوله دق الباب ودخل ب. يدل شكله ~~ونظراته والاستغراب الذي علاه حين رآني في مقعدي على أنه ينوي بنا أن نمضي الأحد ~~بعيدين عن المدينة، وأجبت أنا على كل هذا النشاط من صديقي بتثاؤب طويل ثم رجعت إلى ~~طعامي من غير أن نتبادل أثناء ذلك كله كلمة، وأخيرا قال: أما أمرك غريب! أتريد أن ~~تقضي نهارك كله في غرفتك والشمس أشد ما تكون إغراء على النشاط والحركة. ~~- نهارك سعيد، ماذا أعددت لنا؟ ~~- وأنا عارف. # واتفقنا بعد مناقشة قصيرة على أن نذهب إلى انجان لي بن (انجان الحمامات). # نزلنا متأخرين طبعا - لأنا لم ننزل إلا بعد أن لبست أنا هدومي - وكنا في انجان ~~بعد منتصف النهار بقليل، فأخذنا سمتنا من المحطة نريد أن نبحث عن مطعم نتناول فيه ~~غذاءنا، فقابلتنا البلد لأول ما نزلنا بشوارعها المتسعة تقوم الأشجار الباسقة عن ~~جانبيها وقد فرشت أرضها ببساط ذهبي من أوراق الخريف التي ابتدأت تتساقط بالرغم من ~~بقاء الأشجار بخضرتها القائمة بعض الشيء، يصفر الريح في ورقها من حين لآخر منذرا ~~بفصل الموت القريب أجله، وامتدت عن يميننا بحيرة أنجان تتلاعب أمواجها الخفيفة بنور ~~الشمس تقلبه على وجوهه، وبعض المنازل تعلق بحديد أسوارها شجر العليق وامتدت على ~~جدرانها ست الحسن فكستها خضرة عابسة، يشتمل ذلك كله سكون خافت لا يقطعه أحيانا إلا ~~دوي الريح أو صدى عصفور ينط فوق قمة الشجر. # سرنا جنبا لجنب ونحن سكوت مأخوذان بهذه المناظر البديعة المتنوعة إلا عن كلمة ~~إعجاب ينطق بها الواحد منا حين لا تستطيع نفسه إلا أن تفيض بذلك الإحساس الذي ~~ملأها، وما أسرع ما تجد من صاحبتها ما يردد صداها! صدى يضيع تحت قباب الأشجار ووسط ~~الهواء العظيم. # ثم وصلنا إلى مطعم فندق دخلناه وأخذنا فيه طعامنا، ثم ملنا إلى صالون الفندق حيث ~~أخذنا قهوتنا وحيث بقينا حتى الساعة الثالثة من بعد الظهر. # خرجنا والشمس لا ms052 تزال تحكم البسيطة بنورها وتتوج هامات الأشجار بشعاعها، وينطرح ~~ضوؤها على صفحة البحيرة، فأخذنا قاربا وأمسك كل منا مجدافين وسرنا حتى بعدنا عن ~~الشاطئ. # ب. يريد أن يذهب يمينا وأريد أنا أن نذهب يسارا، هنا احتدم جدال وكل الفصل فيه ~~لقوة الأذرع وجعل كل يجر إلى الناحية التي يريد بعزم ما معه، والقارب المسكين يرقص ~~فوق الماء مرة يمينا وأخرى شمالا ولا يتقدم خطوة إلى الأمام، ثم تركت مجدافي مرة ~~واحدة فإذا القارب يدور حول نفسه، ثم يشرد بنا إلى الشاطئ، وكم لزمنا معا من الجهد ~~- القليل طبعا لأنا كنا نضحك - لنرد هذا الشارد إلى طريقه، وبهذه الحركة التي ~~جاءها القارب بعد أن أخذ بخناقه الضيق من وقوفه انفكت عقدة عنادنا وسرنا إلى ~~الأمام ودخلنا مع جماعة المجدفين. # وفيما نحن في حديثنا تسرب القارب عن غير علم منا بأمره إلى جهة الشاطئ ... ومرة ~~واحدة ... إذا هو ممسوك في سنار ألقاه صاحبه ليصيد به سمكا فلم يجد أضخم من هذا ~~السائر على غير هدى، ولولا أنا قطعنا الخيوط ونفذنا لدفعنا غرامة خمس فرنكات ~~وربما أكثر ثمن السنار الذي أتلفنا. # ثم لم نكد نتوسط البحيرة من جديد حتى إذا سحاب يموج به الجو ويحجب الشمس، ومطر ~~رفيع يناغش سطح الماء ويناغش رؤوسنا العارية، وإذانا من غير مطريات يلفنا الماء من ~~فوقنا ومن أسفل منا وسقتنا السماء من نعمتها ما ابتلت له هدومنا. # وأسرعنا بالقارب إلى منزله ولكنا لم نبلغه حيت اخترق الماء ثيابنا وارتعدت لبرده ~~عظامنا، واضطررنا لأن نكن هناك في الكازينو ونأخذ من الشاي ما يرد عنا قسوة ~~البرد. # ولولا هذا المطر الذي عاكسنا اليوم كما عاكسنا يوم روبنصون لما خرجت بالقارب قبل ~~المغيب، لكن! # 22 سبتمبر # تحيط بي أشياء كثيرة تحوي الجمال والنضارة وتتمتع بها كل حواسي ويصل صداها للنفس ~~فيهزها طربا، فأشجار البساتين وحفيف أوراقها وما يحيط بها من الزهر الحسن التنسيق ~~وما تظلل من الحشائش الخضراء ومن الأزواج المتحابة، وما حول ذلك كله من الحركة ~~الدائمة التي تذهل ms053 النفس عن كثير مما يقع إلى جانبها، لكن هناك شيئا يصل صداه ~~للنفس بلا واسطة ويقع عليها فيترك فيها أثرا شديدا، ذلك هو بؤس الإنسانية. # حيث تسير ترى وجوها تنم عما يقع بها من الظلم، عمالا وعاملات لا يجدن ما ~~يكفيهم ضروريات الحياة، مصابين بتلك الوخزات التي لا تهدأ يد الحوادث عن إيصالها ~~لبني الإنسان، مشردين لا يجدون مأوى وينتظرون من حين لآخر أن يقعوا في يد العادلة ~~القاسية، مرضى وعجزة يدعو بؤسهم لشديد الألم من أجلهم، فتيات تاه عنهن طريق الكد ~~وأوقعهن سوء التدبير فأرقن عرضهن وجعلنه متجرا، كثيرون غير هؤلاء سقطوا في سعيهم ~~وخابت آمالهم فيهب عليهم من نسيم البؤس ما تعبس له وجوههم وتتقطب جباههم وتندى ~~عيونهم فتهون عليهم العبرة وقد خنقتهم زمنا ليس بالقصير. # هل يستطاع تخفيف ذلك الشقاء عن الناس؟ هل يمكن أن يطرد البؤس من الأرض؟ هذا ما ~~جاهد له كثيرون ولم يبلغوا كثيرا مما أرادوا، وأحسب أنه ما دامت المدنية الحاضرة ~~مدنية الطمع والشره للمال حاكمة فوق الأرض فمحال إخراج الناس من بؤسهم وعبث مطاردة ~~الشقاء فإنه كامن في تركيب هذه المدنية ولا يفارقها. # 25 سبتمبر # كنا نتناول طعام الغذاء في المطعم وكانت معي «الجريدة» فأمسكت بها الخادمة التي ~~اعتدنا أن نأكل عندها وجالت بصرها فيها وقالت إنها لا تعرف كتابتها، فقلت مازحا: ~~تلك كتابة الإله الرحيم. ~~(Le Bon Dieu) ~~. # أجابت: أنا لا أعرفه ولذلك لا أعرف كتابته ... ثم قالت متهكمة: إنني ما رأيته قط، ~~ولقد أردت فأوصدت في وجهي أبواب، أفرأيته أنت؟ ~~- نعم رأيته. ~~- إذن فهل تتكرم بأن تحدث معرفة بيني وبينه ... إلخ. # ليست هذه الحكاية بذات الأهمية في نفسها، ولكنها جاءت عقب حكايات أخرى من مثلها ~~وتدل على روح عامة في البلد، كان المسيو ك. وهو شاب في الثانية أو الثالثة والعشرين ~~ليسانسييه في الحقوق يقول حين سألته عن دينه: «لقد ولدت لا أعرف إلها»، وإن أباه ~~وأمه على هذا، وإنهم يعتقدون أن حبائل الكنيسة كلها شراك ممدوة للكسب، ولعله يبالغ ms054 ~~في ذلك خصوصا بعد الذي علمته من الأعمال الطيبة التي يقوم بها رجال الدين على ما ~~أخبرتني مدام ه.ج. # مسألة أخرى من هذا النوع، أنا كنا أول الأمس في قهوة فجلست إلى جانبنا امرأة ~~وحادثتنا، وما أسرع ما وقع الحديث على الدين وسألها أحد الحاضرين عن الإله # Le Bon Dieu # فقالت إنها لا تعرفه، وسألت سؤال ~~خادمة المطعم: هل رأيته؟. ثم قالت: «تعرف ما هو مكتوب على إطار القطعة ذات الخمس ~~فرنكات؟» أجابها صاحبنا: نعم «يحفظ الله الجمهورية الفرنساوية»، فقالت: هاته القطعة ~~هي الله الذي يطلب منه أن يحفظ الجمهورية وكل فرد من الأفراد، أترى لو أنك لا درهم ~~معك وذهبت إلى الأوتيل هل أنت إلا ملاق من يطردك. # الأكثرون غير هؤلاء ينطقون بهذا المعنى، تلقن لهم هذه العقيدة المادية كما يلقن ~~الدين عندنا للعامة، ويبقى مغروسا في نفوسهم محتلا لها محال زحزحتها عنه. # أسائل نفسي: ولم لا يتركون هذه الفكرة على الإطلاق ولا يتعبون بها أنفسهم ~~وقواهم على غير جدوى ولا طائل؟ لم هذا التعلق بعقيدة إلى حد إجهاد النفس من أجل ~~إثباتها وإقامتها مع أنها لا تصل إلى نتيجة عملية مطلقا؟ إن وجدت الإله كما يقول ~~الدينيون أو لم يوجد كما يقول الملحدون فما هي نتيجة وجوده أو عدم وجوده في عالمنا ~~الحاضر المحكوم بالقوانين والذي لا يعتدي فيه الواحد على الآخر لا طيبة منا ~~وإحسانا، ولكن حتى ينال من الآخر أن لا يعتدي عليه في نفسه وملكه. # أحسب أن لذلك سببا؛ ذلك أن النفس الإنسانية التي ترى أمامها خيالا من الماضي ~~والمستقبل يرجع بها إلى تصور لا نهايات الأزل والأبد تحس كأنها في الساعة الحاضرة ~~على سفينة في بحر لا حدود له، وتحس أنها هالكة لا محالة إذا هي لم تتبع خط سير ~~تعتقده يصل بها إلى غاية معينة ذات حدود هي الخلود الذي ترجو بعد الموت والجزاء ~~الذي تنتظر عما قدمت، هذا البقاء المتضامن من الأزل إلى الأبد وهذا الخلود الدائم ~~تمثله النفس الإنسانية بصورة هي ms055 ما يسميه المتدينون «الله»، ومتى وجد إثباته على ~~هذا الشكل لم يكن من محيص أن يقوم على الجانب الآخر جماعة ينفون هذه الصورة، إما ~~لقصر في خيالهم وإما لأنهم أكثر إحساسا بالواقع ويفضلون العيش في الحاضر والمتاع ~~به على هذا الخلود المأمول. # هذا هو السبب في انتقال الإنسانية من جيل لجيل تتسلل فيها مرة فكرة الإله القديم ~~الخالدة، وأخرى بقاء الروح بقاء أبديا، وفي الوقت عينه في قيام ملحدين على أشكال ~~وأنواع هم الآخرين، ومن هؤلاء ومن أولئك صورت الأفكار التي دخلت مع الإنسانية في ~~تركيبها العام، وأصبح ضروريا في النفس الإنسانية أن تكون ذات اعتقاد ولو في لا ~~شيء، ومهما كان من الناس من يقول لا أدري فإنه يعتقد بلا أدريته اعتقاد المؤمن ~~بإيمانه ويمرح من هذه اللا أدرية في خيال ليس أقل امتدادا من الخيال الذي يمرح فيه ~~المتدين وإن كان من نوع آخر. # 28 سبتمبر # في عالم القبور ... # دخلنا البانتيون مقبرة العظماء مرة أخرى، وهبطنا من سطحه إلى بطن الأرض حيث ~~القبور تضم رفات الأموات، مكان مظلم يقابلك لأول ما تدخله ريح رطبة وهدأة المكان ~~وضيق مساربه فتشعر كأن شيئا يضغطك وكأنك انتقلت إلى العالم الآخر حقيقة، وأول ما ~~يقابلك من القبور قبر جان جاك روسو أبي الحرية وصاحب قرآن الثورة الفرنساوية، وعن ~~يمينه قبر فولتير شيخ كتاب القرن الثامن عشر، ثم تأتي بعد ذلك قبور فكتور هيجو ~~والآخرين، وعند نهايتها تصعد من هذا العالم الآخر على درج ضيق يخرجك إلى حيث حركة ~~الوجود الدائمة. # الأحد الماضى - أول الأمس - كنا في ضاحية سان دنيس ودخلنا مقبرتها، سرنا في طريق ~~تحيط به قبور العائلات وكتب على بعضها: هنا دفن فلان فلندع الله له، وقد كان يدخل ~~المقبرة من حين لحين رجال ونساء يحملون باقات الزهر ليضعوها فوق القبور، بين هؤلاء ~~الداخلين شباب وفتيات حملتهم الذكرى إلى هذا المكان الخالي الهادئ يريدون أن يناجوا ~~تلك الأرواح التي سعدوا بقربها زمنا ليس بالقصير، يستعيدون خيال تلك الساعات ~~اللذيذة فيحزنون لفنائها ms056 وتظهر على وجوههم أمارات الألم لما لعزرائيل من السلطان ~~الجائز القاسي في التفريق بينهم وبين من يحبون، ومن بينهم عجائز لا يدرون متى ~~يلحقون بأهل ذلك المكان، وهم يهرولون إليه أو يكادون وكأنهم ضجروا ذلك الانتظار ~~الطويل بين ضجة العالم وضوضائه، فهم يطلبون المقابر ويستعجلون إليها السبيل. # كم بين أولئك العظماء سكان البانتيون وهؤلاء المقبورين في مقبرة سان دنيس من ~~الفرق، كلهم يرقدون في هدأتهم على بساط مساواة، وإنما خلف الأولون من الذكر ما يظل ~~رنينه في أذن الدهر ما كانت له أذن واعية ومن الأثر ما يحيط بالعالم كله فالعالم ~~كله يزورهم، وخلف الآخرون وراءهم قلوبا من أهلهم وأصدقائهم تحزن عليهم ما بقيت ~~حتى تشاركهم مصيرهم . # 29 سبتمبر # لو أن كل الليالي تمضي كما مضت ليلتنا هذه لما شعرنا بالحياة من شدة السرور ... ~~كلا، لا أستطيع أن أعبر عما أريد، وحسبي أن أقول إنه يزيد على كل ما يمكن تصويره ~~به، هذا المكان المملوء بالدخان وبالموسيقى وبالضحك وبالناس وبالمشروبات والذي يطفح ~~سرورا، هؤلاء الجالسين أزواجا وجماعات من الشبان والبنات وكلهم يضحكون، وهاتيك ~~الراقصات رقصا غير مرتب ولا منتظم، هذه الضجة التي أنستنا كل شيء وأنستنا وجوه ~~البنات العكرة وأشكالهن البائسة. # هذا كله كان في تافرن البانتيون. # بعد أن تناولنا طعام العشاء ذهبنا إلى قهوة البانتيون لنأخذ قهوتنا، وجلسنا أربعا ~~على مقاعد قريبة من محل الموسيقى، وقضينا في مكاننا نتحدث ونسمع وننظر لما حولنا ~~حتى الساعة الحادية عشرة، ولقد كان بجوارنا رجل وامرأته تبين لنا من حديثهما أنهما ~~أغراب من بولونيا، وأنهما قضيا في باريس أسبوعين سرا بهما كل السرور، وأمامنا صف ~~من البنات وقد جلسن كأنهن التماثيل لا يتحركن إلا أن يمر بهن شاب ينظر نحوهن ويبسم ~~إليهن فتطوق شافهن الحمراء بالرغم منها ابتسامة معناها «تفضل يا سيدي»، فإذا مالت ~~به نفسه إلى ناحيتهن واختصته واحدة منهن رجع إلى الباقيات شكلهن القديم في حين ~~تجاهد هذه لتحادث صاحبها، وفي الغالب يضحك هو منها ويضطرها سكوته لأن تسكت وتكاد ~~تكون ms057 كصاحباتها، ووراء هذا الصف من البنات قامت أعمدة تقوست فوقها أقبية تحمل ~~رسوما، ولون الكل يبين عليه القدم ويزيده انتشار الدخان قدما. # لما جاءت الساعة عشرة نزلنا إلى التافرن. # مكان ضيق ومزدحم، أول ما تدخل تقابلك صالة يشغل أكثر من ثلاثة أرباعها منضدة ~~طويلة عليها رخامة وقد وقفت وراءها عمال المكان ووقف أمامها الشبان والبنات بأشكال ~~مختلفة، فعاري الرأس وعابسة الجبين والضاحكة بأعلى صوتها والهامس في أذن صاحبته كأن ~~يناجي ملاك الحب والمطوق خصر الثانية يجذبها إليه والضاحك في ذقن ثالثة، وأمام ذلك ~~مناضد صغيرة يجلس عليها أحيانا أشخاص أكثر أمرهم أن يظهروا بشيء من الجد والسكينة، ~~فإذا انعطفت عن يمينك وجدت ذراعا آخر من ذراعي المكان وقد قامت المناضد أمام جميع ~~نواحي جدرانه، وهو ممتلئ شبانا أمامهم مشروبات مختلفة، ومع كثيرين منهم بنات يشربن ~~هن الآخريات ولكنهن قليلات الكلام، وفي وسط هؤلاء جميعا يرقص بعض البنات على نغمات ~~موسيقى يقوم باللعب عليها أشخاص في أردية حمراء وهم يلعبون أدوارا جهنمية مزعجة، ~~أما الرقص فأكثرهم البنات منه استثاره الرغبة في نفوس الشبان، ولكن التعيسات الحظ ~~قل أن يفلحن من رقصهن بشيء. # غير أن هذه الضجة العظيمة التي تثيرها في المكان الموسيقى والضحك والصريخ وجري ~~واحد وراء الآخر، ومنظر هذه الكؤوس المختلفة الأحجام والمحتويات، كل ذلك يبعث للنفس ~~سرورا غير مرتب ولا منتظم هو الآخر، فيحس الإنسان بهزة غريبة لا يقدر أن يحبس نفسه ~~عن المشاركة ولو بقليل في الفرخ العام المحيط بها، ويروح مأخوذا بنشوة الطرب وبهذه ~~المناظر المتعددة مما أمامه ويمر الوقت وهو غير محس به. # بقينا إلى الساعة الثانية بعد منتصف الليل، وهنا خبت حركة المكان وغادره كثيرون ~~ولم يبق معنا إلا ثلاثة شبان أخذوا منضدة وحدهم وبعض بنات بقين مشتتات في التافرن، ~~وأخيرا «عزل» القوم ولم يبق لنا إلا أن نخرج بعد أن قضينا ليلة بين دخان السجاير ~~وضجة الشباب فرحين بها أكبر الفرح. # 5 أكتوبر # وصلتني أول الأمس دعوة من صديقي المسيو أ.ك. لأتناول الشاي معه ms058 اليوم، ولقد كانت ~~جماعتنا مؤلفة من اثنين من الفرنساويين غير مسيوا أ.ك. ومصري أخر معي هو صديقي ~~ع. ف. فلما تم جمعنا سألني مسيو ر.د. عما لو كنت اقتنعت في مسألته فأجبته أني لا ~~أزال على رأيي الأول وأعتقده الحقيقة، فقال: هذا ممكن ولكني أظن أن ما أقول أنا ~~أيضا هو الحقيقة. إما أن يكون الحق معك أو معي ... # هنا قطع الميسو أ.ك. كلامي قائلا: ممكن أن يكون الحق بيدكما معا. # فأجبته: كلا إذ ما دام الحق واحدا فهو إما معه أو معي. # هنا دارت مناقشة خرجت بنا عن موضوعنا الأول أساسها ما لو كان الحق واحدا أو ~~متعددا، وقد آثرت أن أنقل منها ما يأتي: # ع. ف ~~: # لا شك في أن الحق واحد، ولا يعقل مطلقا أن يكون متعددا ~~خصوصا متى تعلق هذا التعدد برأيين متضادين، بل هو دائما وفي كل مسألة ~~الكلمة العليا الخالدة ابتدأت من الأزل وتنتهي في الأبد. # أ.ك ~~: # هذا الكلام جميل وبقي مصدقا عصورا طويلة من الزمان، ولكن ~~هذه العصور نفسها هي التي أظهرت لنا أن الحق يتغير من جيل لجيل ويظهر كل ~~وقت في ثوب جديد، واختلاف الأمكنة أيضا يبرهن على ما أقول بمقدار ما يبرهن ~~عليه تعاقب الأزمنة، أنتم مصريون مسلمون ونحن فرنساويون مسيحيون، هذا ~~الاختلاف بيننا في المكان والجنس جعلنا نختلف في حقائق وقائع تاريخية ~~محسوسة كمسألة صلب المسيح، كما أن بعض الأعمال الحسنة عندنا تستهجن عندكم ~~لآخر درجة، فهل هي حقيقة تستحق الاستهجان أو الاستحسان، وفي بلدنا قوم ~~أصحاب مذاهب متضادة وهم لا شك يقيمون مذاهبهم على أسس علمية معقولة، أفتقدر ~~أن تحكم حتما بأن أحدهم مخطئ وأن الآخر مصيب. ~~... لكل منا نظر للحوادث مخصوص، فهو يتأثر بإحدى جهاتها أكثر مما يتأثر بجهة ~~أخرى في حين يقوم دليل الثاني على إثر تأثر مختلف في جهاته، كما أن كثيرا من ~~الحوادث غير المحددة تماما يدخل في تقدير ما نسميه نحن بالحقائق، ويجيء من ذلك من ~~غير شك الاختلاف في النتيجة في حين ms059 أن الواحد من الشخصين نظر للوقائع بعينه كما نظر ~~لها الثاني بعينه، وإذن فغاية ما يمكن أن نقوله أن الصواب المحض والخطأ المحض ~~مستحيلان على الأراضي. ~~... ممكن أن تكون هناك حقيقة كبيرة أزلية خالدة، ولكن هذه هي ما لم يصل إليه بنو ~~آدم وما لن يصلوا إليه فيما أعتقد؛ لأنها إن كانت فهي ناتجة عن ملاحظة كل ما في ~~الكون من عوالم وحوادث وقوى ظاهرة وكامنة وعن كل ذرة من الذرات التي وجدت، ~~والموجودة في العالم أيا كان شكلها وماهيتها، ولقد صرف الناس همهم من أول التاريخ ~~إلى يومنا هذا يريدون الوصول إلى هذه الحقيقة العظيمة، وظنوا، ويظنون أنهم وصلوا ~~إليها، ولكنهم لا يكادون يقيمون على ما حسبوه الحقيقة يوما حتى يأتيهم الغد بشكوك ~~فيها تقيمهم من جديد على قدم، ومهما نكن قد اكتشفنا من الوقائع ومهما ظهر لنا من ~~ملاحظة الحوادث فإنا لا نستطيع أن نجزم بأنا اقتربنا من هذه الحقيقة الكبرى؛ إذ ~~كثيرا ما يضلك الطريق فيبعدك عن غايتك وأنت تحسب في كل لحظة أنك تقترب منها، وكهذه ~~الحقيقة الكبرى كل حقيقة دونها؛ لأنها جميعا نتيجة لأسباب شتى، يكفي الاختلاف في ~~التقدير لقيمة أقل واحد من مكوناتها للاختلاف في ماهيتها هي، ومن المستحيل الوصول ~~إلى تقدير يكون هو التقدير الذي لا يشك في أنه المكون؛ لأن ذلك التقدير هو حقيقة ~~بذاته ويحتمل أجزاء شتى وخطأ في كلها أو بعضها. ~~... هذا كله إذا كانت هناك حقيقة كبرى أو حقائق صغرى، وأنا شخصيا أميل للظن بأن ~~هذه التي نسميها حقائق ليست إلا خيالات للواقع بالشكل الذي يعكسه به خيال كل جيل أو ~~كل طائفة من الناس، فباختلاف تقدير هذا الجيل أو تلك الطائفة في النظر لوقائع معينة ~~يكون اختلافهم في النتيجة التي تجيء عن مجموعها أي في الحقيقة التي تنتج ~~عنها. # أمام هذه الأفكار الغريبة والواضحة معا والتي بقيت محدقا مبهوتا ساعة سماعها ~~لم أستطع إلا أن أتلفت لأرى مبلغ أثرها على ع. ف. فإذا به هو الآخر مبهوت يكاد ms060 يذهل ~~عن نفسه، لكنه استجمع قواه بعد لحظة وقال: ~~- كل هذا ممكن أن يكون صحيحا، ولكني أرى حقيقة اخترقت العصور وتسللت مع الزمان ~~إلى يومنا هذا، تلك هي اعتراف الناس بخالق لهذا الكون ... وحول هذه الحقيقة الكبرى ~~دارت كل الأبحاث وكانت دائما لجميع الباحثين المرجع والمآب، ومهما يكن منهم من ~~أراد أن يخرج عنها فإنه يرجع في معنى قوله إليها، فسواء سموه الخالق أو الإله أو ~~الطبيعة أو ما شاءوا من الأسماء فهم دائما من بحثهم عن هاته النتيجة، والغريب أنهم ~~لهذا الاختلاف في التسمية يقيمون بينهم خلافات بل وعدوات ويؤلفون مذاهب وأحزابا، ~~والواقع أن الحقيقة قريبة منهم جميعا وهم جميعا يرونها، ولكن كأنهم حسبوا أن ~~حياتهم لا يمكن أن تقوم إلا على الخلاف والجدال فوجدوا من الاختلاف في التسمية ~~وسيلة لإقامة خلافات اعتبروها عميقة مع أنها غير موجودة على الإطلاق وكهذه الحقيقة ~~الكبيرة الحقائق الصغرى ... # هنا دخل المسيو ر.د. قاطعا حديث المتكلم قائلا: أستسمحك! إذا تجاوزنا عن هذه ~~التي تسمونها الحقيقة الكبرى لأنها كانت وستبقى دائما موضع الشكوك والأوهام، فلا ~~أقدر أن أستطرد معك لاعتبار الحقائق الصغرى على هذا المثال؛ لأننا أنت وأنا لا ~~نستطيع أن نتفق على حقيقة تاريخية كصلب المسيح أو عدم صلبه، وإذا سلمنا هنا بان ~~لهذه الواقعة حقيقة لأنها واقعة أي أن التاريخ يعرف إن كانت حصلت أو لم تحصل فإن ~~الخلاف في المسائل النظرية كمسألة تقدير الجمال ومسألة مسؤولية الجاني ومسائل كثيرة ~~جدا سوى هذه لا شك في وجودها، ولا شك في أن محالا أن نجد الحكم العدل الذي ~~يستطيع أن يأخذ على ضميره مسؤولية الحكم على إحدى النظريتين بأنها حق وبأن الأخرى ~~باطل. # ثم إن نظريات كثيرة كانت فوق الشك في بعض العصور وصارت موضع شك كبير، وأعطيك ~~العائلة مثلا، فقد كانت فكرتها موضع القداسة مدة من الزمان ولم يكن يجرؤ أحد ولو ~~أمام نفسه على القول بعدمها، ثم جاء عصرنا وجاء مع كثيرون يرون في معنى العائلة ~~شرورا كثيرة، ويرون فيه أكبر ms061 منم للأنانية والطمع وحب الظلم. ~~... وكل هذه النظريات نتائج لازمة لملاحظة الوقائع ملاحظة مخصوصة، وإنا لنزداد كل ~~يوم توسعا في معرفة الأشياء والحوادث والوقائع لذلك فإنا لا شك نزداد سعة نظر فيما ~~يتعلق بالنتائج، وبهذا كان سير العالم وتقدمه من قبل التاريخ إلى اليوم. ~~... وإذا صح لى أن أرجع للحقيقة التي سميناها الحقيقة الكبرى، والتي أخذت تفكير ~~العالم من أول وجوده، وهي باقية لا تبلى جدتها، فأحسبنا نتفق في أنه كلما تقدم ~~العالم كلما زادت هذه النظرية تعقيدا في حلها؛ لأن العقل الساذج قريب التسليم قريب ~~الإيمان قوي اليقين، فهو يذعن لأول ما نقول له أن الوجود يدل على الموجود وأن من ~~صفات هذا الموجد كذا وكذا، ولكن الواحد كلما دق نظره وأحاط بمسائل شتى واتسعت ~~دائرة ملاحظاته، خامره الشك فيما كان قد سلم به من قبل، ويصل أخيرا إلى القول مع ~~فلاسفة العصر الحاضر بأن إله الزمن القديم إنما هو خيال خلقه رجل يومئذ على ~~صورته وأعطاه صفاته. ~~... ولست أدري كيف يستطيع صديقنا المسيو ع. ف. أن يقول بأن اختلاف المذاهب فيما ~~يتعلق بهذه الحقيقة الكبرى ليس إلا اختلافا في التسمية، وهل يقدر على التوفيق بين ~~المعترف بوجود هذا الخالق وبين المنكر له، بين عيسى أو محمد وملحدي العصر الحاضر، ~~وهل يصح أن نقول إن الذين يعزون الخلق إلى كلمة أمر من الخالق ليس بينهم وبين الذين ~~يقولون بالتسلسل إلا خلاف لفظي ... # إني أظن هناك حقيقة واحدة لا يزال الناس إلى يومنا متفقين عليها، هي أن في العالم ~~المحيط بهم كثير يغيب علمه عنهم، هناك الغيب العجيب الذي تقصر دون أفهامهم ~~وخيالاتهم، هناك ما يستكن في جوف الأرض وتحت موج البحر وفي أعالي الجو، ولكني لست ~~على يقين من أن هذه الحقيقة تبقى دائما، بل إنه لا يستحيل أن يأتي يوم يظن فيه ولو ~~بعض الناس أنهم وصلوا إلى الغيب ولم يبق في العالم ذرة إلا ولهم بها علم. # هذا الغيب، غير المعروف هذا هو كل ما يمكن أن ms062 أؤمن أنا به. # في هذه المدة التي تكلم فيها (ع. ف.) و(ر.د.) كان المسيو أ.ك. في شيء من شبه ~~الذهول تائه عما يدور حوله، فلما سكت ر.د. ولم يجد أحد ما يقوله إلا الصمت ~~المهيب، أمام فكرة هذا الغيب غير المعروف الذي نشره أمامنا صديقنا، ابتدأ هو يتكلم ~~من جديد، ولكنه بقي تائه النظرات صافي الجبين على وجهه معنى السكينة، قال: من ~~المناظر التي كانت تأخذ بعيني منظر الأفق على سطح البحر، ماذا بعده؟ هناك السماء ~~والماء، والبحر والجو، ماذا فوق السماء وماذا تحت الماء؟ باخرة آتية من بعيد أو ~~أسماك يأكل بعضها بعضا أو أمواج تتلاطم؟ عالم خفي عني علمه على قربه مني وعلى ~~سهولة كشفه، إذا أخذت أنا قاربا واقتربت منه، ومع ذلك فأجده عجيبا مهوبا، ولو ~~صرت عنده لزال عجبي ولم تبق له هيبته، كذلك الحقائق، كل ما غاب عنا ولم تصل إليه ~~معرفتنا ظهر مهوبا في حين يظهر غيره مما نصل إليه بسيطا بل مبتذلا، والحقيقة ~~الكبرى كغيرها، لو أمكن اقترابنا منها وإخضاعها لحواسنا لما سميناها كبرى، ولكن ذلك ~~الغطاء الذي كان ولا يزال عليها والذي ربما انكشف ظاهرا وربما بقي خالدا هو الذي ~~يعطيها هاته العظمة ويلبسها جلالها، ولعمري ما أدري سبب تعلق الناس بها وجريهم ~~وراءها على قلة ما تعطي وعدم استفادتهم من ذلك إلا ضئيلا. # ذكرت أنا حين قال ذلك ما قاله المسيو ه.ج. مرة من أن الأديان تستند في وجودها ~~للضعف الإنساني، وذكرت مثله عن زوجته وما يعطيه لها إيمانها من القوة والجلد، ~~فتداخلت معترضا وقلت: هذه الحقيقة الكبرى لا أصل لها، وإنها مجرد وهم وخيال على ما ~~قلت أنت في حديثك الأول، وهي من أجل ذلك ستبقى تحت غطاء خالد يعطيها الجلال، وهب ~~التفكير فيها عديم النتيجة على الإطلاق، إذا فرضنا ذلك كله فأحسب من المجازفة أن ~~تقول إنها لم تفد العالم إلا ضئيلا، فإنا نرى السواد الأعظم من الناس يعيش ~~ويعمل ويجاهد ويجتاز وعث الحياة بقلب ثابت ويقدم الخير لإخوانه ms063 بنفس طيبة، وهذه ~~الفكرة وحدها سنده في عمله والباعث له على فعل الخير، وهي كذلك المانع الوحيد ~~لكثيرين جدا من الفقراء وحياتهم سلسلة ألم متصلة عن العبث بحرية الآخرين ~~والاعتداء عليهم، ولا يعد مبالغا من يقول إنها هي التي تعطي القانون الموضوع قوته ~~من هذه الجهة، ففكرة عظيمة كهذه تخدم العالم من الأزل إلى يومنا هذا أكبر وأجل ~~خدمة تستحق المهابة والتقديس، كما أن محالا أن يسير العالم هذا السير العجيب على ~~باطل، فهي من غير شك حقيقة ثابتة. # لم أكد أنتهي من كلامي هذا حتى رأيت أ.ك. قطب حاجبه وعاود تنبهه الأول واندفع ~~يقول: غريب جدا تعليلك هذا، ألأن الناس ظلوا حتى زمن جاليلي يعتقدون أن الأرض ~~ساكنة تكون هذه حقيقة ثابتة؟ ألأن الناس اعتقدوا أجيالا طويلة أن العائلة لازمة ~~تكون هذه حقيقة لا نزاع فيها؟ وهل الخرافات التي بقيت تحيط بالإنسانية العصور ~~الطوال والتي تساقطت بملامسة العلم كانت هي الأخرى حقائق ثابتة؟ إني أكرر ما قدمت ~~من أن هذه الأجيال السابقة كانت ترى الوقائع بعين غير التي نراها بها، فيعكس خيالهم ~~من شكلها ما كانوا يسمونه حقيقة، وما نضحك نحن من اليوم هازئين يعكس إلها على شكل ~~الإنسان وله كل صفات الإنسان، يعكس جنونا وهزأ أمام النظر النقاد الحديث. # وأما أنها أفادت العالم فذلك موضع مناقشة يحتمل الشك، الأفكار الدينية قد احتلت ~~العالم زمنا طويلا، وكانت قاعدة تفكير الناس قرونا من الزمان: هذه حقيقة تاريخية ~~لا ريب فيها، ولكن أنها هي التي رتبت أعمالهم فذلك ما لا أصل إلى تصديقه؛ لأن ~~الواحد منا تستثير نفسه المناظر المؤلمة ويدعوه شكل الرجل الفقير المريض في أطماره ~~البالية إلى الإحسان عليه، ولا يفكر في ثواب الإله له إلا بعد أن يكون قد انتهى من ~~عمله، كما أن المجرم يفكر حين ارتكابه جريمته في أن لا يراه أحد أي في أن لا يقع ~~تحت طائلة القانون، ثم إذا أتم عمله وراجعه حساب ضميره فربما افتكر في حساب الله ~~له، وبالجملة فإن الناس ms064 جميعا يسيرون في أعمالهم مدفوعين بداعي المصلحة أو بدافع ~~الإحساس، في حين يجيء حب إرضاء الله أو الخوف من سخطه في درجة متأخرة، وعندي أن ~~تقوية إحساس الفرد بشخصيته والعمل لإحياء ضميره وحفيظته وجعله يشعر شعورا دائما ~~بوجود مستقل لذاته أحسن بكثير وأدعى لتنمية الفضيلة الاجتماعية في نفسه من فكرة ~~الرقابة الدائمة عليه من قوة متسلطة لا يحس بسلطانها ولا يمسه شيء من ~~آثارها. # فوق هذا فإن تلك الفكرة بنفسها كانت مثار حروب وحشية وسببا في وقوف الفكرة ~~الإنسانية وجمود أصحابها وتعصبهم إلى حد فظيع، ولا حاجة بي لأن أضرب الأمثال، فكلنا ~~يعلم عن ديانته ما يكفيه مؤونة البحث عما أثارت الديانات الأخرى من المذابح ~~والفظائع، كما أن الحروب الصليبية لم تكن مما تفرح له الإنسانية التي تريد يوما ~~ما أخوة عامة. # وإن أكبر ما أرجو أن يصل الناس للتسليم بأن الحقيقة على ما نعرفها به غير ~~موجودة، ويسرني جدا أن أي هذه الفكرة متسعة الانتشار في طبقات كثيرة من طبقات ~~الجمعية، وإن أول آثارها أن يحتمل الناس بعضهم بعضا وتقل من بينهم البغضاء ~~والأحقاد التي يثيرها التعصب الفكري ضد فكرة أخرى. # كان الوقت قد أمسى وحان أن نقوم، وكأن إخواننا جميعا صاروا من رأي المسيو أ.ك. ~~أو أنهم تعبوا من المناقشة، فقمنا وما كدنا نصل باب المكان حتى تهادينا السلام ~~وتركتهم إلى بيتي خيفة أن يفوتني وقت الطعام. # 7 أكتوبر # الجمال النادر ... # كلمتان اقترنت الواحدة بالأخرى يقولهما القائل كلما جاء أمامه معنى من معاني ~~الجمال، وتسمعها الأذن كل يوم حتى لم يبق لهما في النفس من أثر معين محدود، كم جاء ~~أمامي هذا التركيب فلم يكن ليثير مني اهتماما خاصا، بل كم كتبته غير مبال بما ~~يحويه من معنى دقيق؛ ذلك لأني كنت أعتقد أن المحيطات بنا تحوي من الجمال النادر ~~كثيرا وأنه لو أتيح لي أن أي جماعة من النساء لحارت عيني بينهن ولأخذ بلبي جمالهن، ~~بل ولكان لكثيرات منهن تقدير كبير في نفسي، وكنت أعزو قلة من ms065 أرى من الجميلات لضيق ~~دائرة من أعرف من النساء، وآسف أني لست حسن الحظ في معرفتي، لكن هذا الخيال عندي لم ~~يكن له موضع بل ولا خيال من الحقيقة. # ذهبت اليوم بعد الظهر إلى التياترو الفرنساوي أحضر تمثيل رواية بايزيد، وخرجت ~~فيما بين الفصلين حين ترك الحضور مقاعدهم في أوكار الألواج الضيقة، وفضلت على ~~الخروج إلى هواء المدينة أن أبقى في صالون التياترو، كان الصالون مزدحما جدا ~~بالرغم من سعته، والرجال فيه يكادون يعدون، وسائر الحضور سيدات، ويظهر أنهن من ~~طبقات البلد الناعمة الممتعة بما يحفظ عليها الصحة والجمال، فأجلت عيني في كل ~~الأنحاء وتصفحت إلا قليلا كل الوجوه، وكلما وقع نظري على قوام ينم عن الشباب ~~والنضرة انتظرت وجها حسنا، فإذا استقبلتني صاحبته قضي على أملي وإن كنت لا ~~أعدم في ثوبها ومشيتها وترتيبها العام جمالا، وكم كان يسعدنى أن أرى بوارق ما أملت ~~يتحقق، ولكني على كل حال خرجت مقتنعا بأن كلمتي الجمال النادر لهما في الواقع قيمة ~~حقيقية وإنما قالهما خبير بعد بحث جدي. # 22 أكتوبر # في هذه الأيام الأخيرة رأيت شيئا جديدا في اللكسمبور، غير ذلك التاج الذهبي ~~الذي جاءها به الخريف وتلك الأوراق الكثيرة التي تسقط إلى الارض بعد ذبولها، رأيت ~~ما استلفتني من كثرة الوافدين إليها والأطفال الذين يمرحون في طرقاتها ويلعبون ~~ويجرون ويصيحون ... هذه الحركة الجديدة أراها في باريس بأجمعها بعد أن هجرتها الضوضاء ~~مدة الصيف ... وكأن الباريسيون كانوا ينتظرون هاته الأيام ذات الطقس الجميل من ~~أكتوبر ليعطوا لأنفسهم ولأولادهم أوفر حظ من الرياضة. # في حدائق التويلري ترى هذا المنظر الذي يقابلك في اللكسمبور، كذلك ترى في غابة ~~بولونيا وفي الطريق الكبيرة الموصلة إليها خلقا كثيرين يطلبون النزهة، ويريدون ~~التمتع بهذه المناظر الخارجية قبل أن يدهمهم فصل الشتاء. # هؤلاء الناس الذين يجيئون إلى هاته الحدائق أو الذين يبعثون بأطفالهم إليها، ~~ويثيرون بذلك في النفس الاعتقاد أنهم ذوو يسار ليسوا في الغالب كذلك؛ فإن هاته ~~الحدائق العامة المفتوحة لكل إنسان من غير تمييز لواحد ms066 على آخر تدعو إليها ~~المتوسطين أكثر مما تدعو الاغنياء الذين يأنفون معاشرة غيرهم من الطبقات والذين ~~يرون في هذه المساواة اعتداء على ميزتهم. # أما الأغنياء فالمدى أمامهم فسيح خصوصا في هذه البلاد التي خلقت من دواعي النعيم ~~والترف ما يقصر دونه الذهن. # وفي هاته الحدائق العامة يجد سكان باريس متاعا حسنا، يجدون الراحة حين يثقلهم ~~العمل ويجدون السعة التي تمكنهم من ترويض حواسهم وجسمهم ... وكثيرا ما ترى في نواحي ~~اللكسمبور المختلفة مراسح ألعاب متعددة للأشخاص في كل أدوار حياتهم وعلى أشكال ~~مختلفة، ولا شك في وجوب مثل هاته الرياضات سواء للأطفال أو الشبان أو الكبار، ~~لتساعد على نمو الأولين وتعطيهم الصحة، ولتزيل هم الآخرين وتسري عنهم تعبهم ~~ولتعزي العجائز عن الوقت وتمضيته. # 25 أكتوبر # كنت أخبرت المسيو ه.ج. عن حيرتي فيما يتعلق بمسألة المسكن، وشديد حاجتي للوجود ~~في وسط فرنساوي أتمكن معه من معاشرة الفرنساويين، ولقد عرضت أمامي مرارا فكرة البحث ~~عن عائلة أقيم معها، وبحثت مرارا عن ذلك ولكني لم أكن لأعثر على شيء يفي تماما ~~بغرضي، فكنت أحيانا أقع على عائلة مؤلفة من عجوز وامرأته يريدان معهما ثالثا ~~يسليهما عن تشابه أيام الحياة، وأخرى على عائلة عديدة ولكن لا تتوفر فيها الرفاهة ~~اللازمة، ومرة ثالثة على كل ما أريد ولكنهم يطالبون بأجر فاحش ... وبعد أن رجعت ~~مرارا على غير نتيجة من بحثي سألت المسيو ه.ج.آملا أن يدلني هو على شيء ~~حسن. # أخبرني هو أن مدام ل.ج. سيدة طيبة وتقبل عندها قليلين من السكان، وطلبت إليه بعد ~~ذلك أن يكون واسطة بيني وبينها، وقبل أن ننتهي على شيء دعتنا أمس لنمضي المساء ~~عندها. # كان مدعوا معنا مسيو ه.ج. وزوجته وأخته وسيدة لم أرها قبل، فلما جلسنا قامت ~~سيدة الدار إلى البيانو بعد رجاء من الحاضرين الذين يعرفونها وقامت هاته السيد ~~الأخرى، وبالرغم من استحسان الجميع لغنائها فلم يك ليثير من نفسي، ولا شك أن سبب ~~ذلك أني لم أعتد أن أسمع هذا الغناء من قبل. # تناولنا الشاي بعد ذلك، ms067 وبقينا نتكلم في مسائل وفي أخرى إلى الساعة الحادية عشرة ~~مساء، وما كان الحديث ليحتاج عناء ولا تفكيرا، بل حديث سهل بسيط أدعى لأن يريح ~~الذهن وتبتهج له النفس، وأحسب هذه الطريقة في تمضية المساء أوفق ما يكون ليقوم ~~الإنسان إلى نومه مستريح البال، ثم ليقوم في الصباح وقد أخذ أكمل حظ من سكون النفس ~~والجسم، فاستعد بذلك لعمل النهار. هي من أجل ذلك أفضل بكثير من طريقتنا الشرقية حين ~~نقتل سهراتنا إما على القهوة وإما في مناقشات متعبة لا طائل تحتها. # 29 أكتوبر # اليوم ودعنا ب. مسافرا إلى جنوب فرنسا ليمضي أيامه هناك. # ودعته بعد أن بقينا معا ثلاثة أشهر لا نكاد نفترق، ودعت منه صديقا أغناني عن ~~كل صديق ونسيت إلى جانبه ما كان يجيئني به الاغتراب من الهم. # كنا خمسا لوداعه، فلما سار القطار إذ أني بين الجماعتين وحيد، وكأني وأنا أعرفهم ~~جميعا لا أعرف منهم أحدا! هل تستطيع الصداقة أن تصل من النفس الإنسانية لهذا ~~الحد؟ # أمضينا ثلاثة أشهر معا وكأن قد انطبقت صحيفة نفس كل منا على صحيفة نفس صاحبه، ~~وإني لأعجب لنفسي كيف وأنا أحب الناس للوحدة يبلغ مني الأسف لفراق صديق هذا ~~المبلغ! الآن انكماشي عن الناس يجعلني لا أجد خلا، فلما وقعت على واحد من بينهم ~~وأعطيته كل ثقتي وكل حبي عز علي بعد ذلك أن أرجع إلى وحدتي الأولى؟ # كم كنت أجد من السرور ساعة أقابله في الصباح، وكم كانت تهز نفسي هزة كل واحد ~~منا يد صاحبة ساعة نريد أن نفترق لوقت قليل، وها نحن نفترق لأجل من ذا يدري ~~أجله. # في باريس، في هذه المدينة الهائلة كثيرة الضجة وحيث أنت محاط بالجلبة من كل جانب ~~وعزيز أن تجد ركنا هادئا إلا إذا أخرجت عنها أنت أشد الناس احتياجا لصاحب يعزيك ~~عما يلقيك فيه انفرادك من الوحدة القابضة للنفس، وجدت هذا الصديق في ب. من أوائل ~~أيام وجودي بها إلى اليوم فلم أكن لأحس بعد الأيام الأولى بمثل هذه الوحدة ms068 المخيفة، ~~وها هو اليوم مسافر وها أصبح من الغد فلا أجده، أصبح وحيدا لا صاحب لي في ~~باريس. # وإذا كنت الآن ولم يمض على سفره إلا ساعات معدودة أشعر بهذة الوحدة فماذا عساه ~~يكون حالي إذا تطاول أجلها؟ من يدري؟ # 1 نوفمبر # في تياترو الأوديون... # أمضينا مساء الأمس نحضر تمثيل رواية (الميزانتروب) # 14 # من قلم موليير. # يقع تياترو الأوديون في الحي اللاتيني حي الطلبة، وعلى مقربة من كل المدارس؛ لذلك ~~ترى حول جدرانه مكتبة كبيرة (لفلامريون)، وهو أقل بكثير في العظمة من التياترو ~~الفرنساوي، فبدل أن تقابلك أول ما تدخل الصالة الفخيمة قامت في جوانبها تماثيل ~~الكتاب والشعراء، وعن يمينك يصعد سلم يشعر بالعظمة والأبهة، ترى صالة صغيرة رشيقة ~~يحتل قسما منها شبابيك التذاكر وعن اليمين تصعد سلالم متسعة، ولكن من غير عظمة ولا ~~أبهة، ونفس المكان من الداخل أكثر تواضعا في كل شيء، في سقفه وفي ستار المرسح وفي ~~منظر ألواجه وكراسيه، يبين ذلك أيضا في قاصديه ومظهرهم. # رفعت الستار ومثلث الرواية، وقد أظهر فيها مليير شخصين صديقين يمثل كل خلقا ~~معينا، فواجدهما (فيلنت) يداري الناس ويلاطفهم ويلوم صاحبه (ألسست) على تشدده معهم ~~وحبه أن لا يقول لهم إلا ما في نفسه، وأظهر الكاتب هذا الأخير في مراكز حرجة ما كان ~~أحوجه فيها لأن يأخذ الناس كما هم لا كما يريدهم هو أن يكونوا، وقاسى من جزاء شدته ~~هذه أن انقطع عنه أصدقاؤه وقاطع محبوبته. # في كل المدة التي كانت تمثل فيها الرواية كان يسود على الناس سكون عام يقطعه ~~التصفيق آخر الفصل أو في بعض مواضع معينة، سكون تتمكن معه النفس من أن تتذوق طعم ما ~~أمامها من غير أن تضايقها حركات الجار الكثير الحديث أو السريع التأثر تتوتر أعصابه ~~لغير سبب فيتشدق من وقت لآخر يريد أن يظهر للناس إحساسه. # أما عن الرواية وتمثيلها فقد أعجباني كثيرا خصوصا ما ظهر به الممثلون من إتقان ~~أدوارهم بإرسالها على طبيعتها وعدم التكلف فيها. # 4 نوفمبر # من يوم سافر ب. ms069 وأنا أحس بالوحدة تفيض عني، أدخل غرفتي وأجلس على الكنبة، ثم أجيل ~~طرفي في المكان فأرى من آثار صديقي العزيز ما جعل فراقه أشد مضاضة وأقسى على نفسي، ~~كم من مرة كنا نجلس معا في هذه الغرفة ونتحادث حتى بعد منتصف الليل من غير أن ~~نحس بالوقت يمر سريعا، وكم من مرة كنت أجلس كما أنا الآن وحيدا ثم إذا هو دق ~~على الباب ودخل باسم الثغر طلق المحيا، والآن لا أمل في مثل تلك اللحظة الحلوة التي ~~كانت تمر ولا أشعر بها. # أقضي معظم وقتي في القراءة، وقد قرأت في هذه المدة شيئا غير قليل، ولكني كثيرا ~~ما أذهل عما بيدي وأتوه عن نفسي ويسرح خاطري بعيدا في تيهاء لا تميز فيها شيئا، ~~وأضطر إذ ذاك أن أعيد قراءة صحفية وأحيانا صحيفتين ليتصل المعنى، ثم لا أكاد آتي ~~على أخرهما حتى يراجعني هذا الذهول، وتستمر هذه الحال أحيانا ساعة متواصلة، وأحس ~~في أحيان أخرى بحدة في خاطري وتنبه في أعصابي فأقرأ وأقرأ وأقرأ وكأني ألتهم ما يقع ~~تحت نظري، فلا أشعر إلا وقد جئت على مبلغ عظيم في وقت غير طويل، فإذا ما مللت ~~الكتاب وملت أستريح وذكرى الماضي راجعني الحزن وأخذ بخناقي الهم. # ابتدأت اليوم أقرأ في اعترافات جان جاك روسو وجئت إلى الآن على عشرين صحيفة منها، ~~وهو يحكي حياته يوما بيوم ويقص تاريخه وتاريخ عائلته، يشعر الإنسان أمام جمال هذا ~~الأسلوب وترتيبه وتوازيه بهزة سرور غريبة، فكأن نفسه تسري مع موجات موسيقى الكاتب ~~ويحس من لحظة لأخرى بحاجة تدفعه لأن يقرأ بصوت عال حتى تتلذذ أذنه بالنغمات ~~المرتلة التي تسمع، وتراه حينذاك يندفع في قراءته أو هو يتوانى ويتباطأ مجبورا على ~~ذلك بظروف الحادثة التي يشاهد تحت نظره، وبترتيب الأسلوب ومواضع الكلمات، فكأن ~~الكاتب ممسك بزمامك يصرفك على هواه، وأنت مسرور أن تجد نفسك مطيعا سائرا من غير ~~انقطاع. # لكن الشيء الذي يستوقفك دائما عظيم فخر الكاتب بنفسه، فمن أول سطور الكتاب تراه ~~يقول ما معناه: ms070 هذا اعترافي أكتبه مستعدا لأن أقدمه أمام الخلق يوم الحساب، وما ~~أظن مخلوقا يجرؤ أن يجيء يوما فيقول: «إني عملت ما عمل هذا الرجل»، وسوى ذلك من ~~هذا النوع كثير، والواقع أن جان جاك الذي ولد فقيرا أو قضى شبابه في شبه التشرد لا ~~يمكنه أن يرى نفسه وقد وصل بمجهوداته إلى الدرجة التي وصل إليها من غير أن يأخذه ~~الإحساس بتفوقه على الناس وبأنه أحسن منهم. # 6 نوفمبر # انتقلت بالأمس إلى هذه اللوكاندة، وبعد أن انتهيت من ترتيب المكان استمررت أقرأ ~~روسو، ولا أستطيع حقيقة أن أتصور كيف تنتج شبيبته مثل هذا الكاتب والمفكر الذي قلب ~~كثيرا من العوائد السارية في أيامه، بل إني أتساءل كيف لم تكن نتيجتها مجرما ~~سفاكا أو لصا أو متشردا من أي نوع كان، فتى مهمل ملقى حبله على غاربه تتقاذفه ~~الصدفة وتتلاعب به الأيام، لا يقر له قرار ولا يعرف كيف يثبت على حال، حيث حل لم ~~يقم وكلما وجد في مكان تركه بعد مسألة أو حادثة، ويكتب هو كل ذلك بنفسه يسجله ~~على نفس، لا بدع بعد ذلك أن يكون على حق القائلون بجنونه، ولا بدع أن يكون العظماء ~~من بين المجانين. # وظاهر ولع الكاتب بالطبيعة إلى حد الهيام، ولم يكف جان جاك أن ينقل حوادث حياته ~~في اعترافاته بل هو يستمد من ذكر الماضي خيالات يصف بها الطبيعة التي كانت محيطة به ~~مدة شبيبته وقسما كبيرا من أيام رجولته. # ويصل الكاتب في بعض الأماكن إلى منتهى حدود الإبداع في الوصف، وهو دائما الشاعر ~~الذي يهيم بكل ما يصوره له خياله من الزمان والمكان، وكأن الماضي وما في الطبع ~~الإنساني من الحنين إليه يثير حولنا رياضا وجنات، ويجعلنا نتخيل ألوانه كأزهى ما ~~تكون، وروائحه كأعطر ما شممنا، ويصل إلى آذاننا تغريد عصافيره وأطياره كأنها أبدع ~~الموسيقى وأتقنها، فإذا كان ذلك شأن الماضي إذا لامس خيال أفراد الناس، فماذا يكون ~~من شأنه إذا لامس خيالا ملتهبا كخيال جان جاك. # 12 نوفمبر # البرد شديد ms071 والضباب يملأ الجو والشارع مهجور أو يكاد، وقد أوقدت النار في مدفئتي ~~وبقيت إلى جانبها أقرأ في اعترافات روسو إلى ما قبيل الظهر، ثم مر بي ج.ا. ~~فذهبنا وتناولنا طعام الغذاء معا، ثم اتفقنا على أن نذهب فنسمع أسطوانات عربية على ~~الفونوغراف، وركبنا (الأومنوبيس) من ميدان سان ميشيل، وبعد أن نزلنا منه وسرنا مدة ~~على أقدامنا دخلنا دكان (فونوتيك) وسمعنا أسطوانات من سلامة حجازي وعبد الحي ~~وغيرها، وكم كان لهذه النغمات المصرية من أثر على قلوبنا المصرية في هذا الوسط ~~الباريسي، كم كان لها وهي تخرج من أعماق الدكان وسط أنبوبات لتخص السامع دون غيره ~~بلذتها، ولا يتمتع بها ولا أقرب جيرانه إليه ما يجعل الواحد وهو ممسك بيديه سماعتي ~~الفونوغراف (وهو من الجنس القديم الحريص على ما فيه من الأصوات فلا يسمعه إلا من ~~وضع السماعة على أذنه) ما يجعله يخيل نفسه بعيدا بعيدا عن ضجة المدينة الهائلة، ~~في هذه اللحظات ينسى الإنسان نفسه والمحيطات به ويعيش في مصر بمقدار ما تسمح له ~~آذانه. # 4 ديسمبر # عرضت اليوم في مدرسة العلوم الاجتماعية صورا من ريشة رفائيل، وقد كان أكثر الحديث ~~والتفسير الذي قام المعلم به فيها متعلقا بالصورة التي تمثل العذراء والطفل (مريم ~~وابنها)، وذكر في شرحه تاريخ هذه الصورة حين رسمها رفائيل وتحت أي أثر كان عمله ~~فيها، والفرق بينه وبين أساتذته في النظر في ما يختص بها ومواضع الدقة منها، ولقد ~~كانت الصالة التي فيها السامعون مزدحمة على تناهي سعتها، والعجيب أن قد كان أمامي ~~ومن خلفي وعن يميني وعن يساري فتيات وسيدات وكلهن يسمعن منصتات، والسيدات على ~~العموم يشغلن على الأقل نصف مقاعد المكان، وليس هذا التهافت من جانبهن بغريب في ~~دروس الفنون الجميلة. # وحوالي آخر الدرس أجلت نظري في المكان جولات وتركت لخيالي أن يسرح كما يشاء، بعد ~~أن كد فكرى طول الإنصات، ورجعت البصر وتخيلت إلى جانب هاتيك السامعات نساءنا ~~وفتياتنا المصريات. # ثم ذكرت أني كنت من ساعات معدودة أسمع في السوربون درس المسيو ms072 لانسون عن الروح ~~الفلسفية في أدب القرن الثامن عشر، ليتدرج من ذلك للكلام على مونتسكييه، وإني رأيت ~~كذلك الفتيات والسيدات لا يحصى لهن عدد وهن مصغيات بكلهن أو منكبات على كراساتهن ~~يكتبن بأسرع ما يستطعن كل ما يمكنهن كتابته من كلمات المعلم. # عرتني لهذا النظر ولذكرى مواطناتي حسرة بلغ ألمها أعماق النفس، أليس في هاتيك ~~اللاتي رأيت اليوم من تضارع في جهتها الخلقية نساءنا وفتياتنا! لا شك أن الكثيرات ~~جدا منهن أحسن وأرقى بكثير من نسائنا لأن لهن فضائل خاصة بهن في حين كل فضائل ~~نسائنا سلبية وإنهن في الأغلب يسرن على قاعدة أن من العفة أن لا تجد. # هاتيك الفتيات اللائي رأيت اليوم يخرجن من دور العلم وقد سمعن من طيباته ويخالطن ~~الناس، فيستفدن بذلك حنكة وتجربة، فإذا حادثت إحداهن حدثت إنسانا يعقل ويفهم، بل ~~لقد رأيت منهن كثيرات يخجل الكثيرون من شبابنا إذا أجلسوا إلى جانبهن، اللهم إلا أن ~~يمنعهم ما في نفسهم من الانتفاخ الكاذب عن أن يروا حقيقة قيمتهم، تحادث هاته الفتاة ~~فتجدها واسعة العقل تكلمك بما يدل على قوة حكم ونفاذ بصيرة لا يمثل ذلك التعصب ~~والضيق العقلي الذي يصل أحيانا إلى حد الحماقة مما نشاهده عند بعض ~~إخواننا. # لذلك كان أسفي عن المصريات أشد، وإني أعتقد أنهن لو خرجن إلى الوجود الحي واختلطن ~~بالرجال وخبرن بذلك كل ما في الحياة لوصلن لخلق شخصية لأنفسهن، وفي الوقت عينه هذبن ~~الشبان وبعثن إلى قلوبهم إحساسا بمعنى الحياة الإنسانية التي تحوي غير الشهوات ~~الضيقة التي لا يفهم شبابنا غيرها. # 8 ديسمبر # كان عندنا الليلة خمسة من أصدقاء ربة البيت دعتهم للعشاء، ثلاث سيدات وسيدان، ~~ولقد جاءوا جميعا قبيل الموعد المضروب للطعام إلا واحدا منهم تأخر عنه عشرة ~~دقائق، فلما دخل اعتذر وقمنا بذلك لغرفة الأكل وأخذ كل مكانه حول المائدة. # وقد كان بجواري فتاة في العشرين من عمرها لم أعرفها من قبل، وإنما قدمت إليها ~~ساعة حضورها، وهي وسيمة الطلعة معتدلة القوام نحيفة، لكن أجمل ما فيها ms073 إتقانها ~~لهندامها، فنرى ما تلبس على بساطته يكسبها رونقا بديعا، فثوب سماوي اللون ينساب ~~دقيقا من كتفها إلى قدمها، وينم في انسداله عن خطوط الجسم الذي تحته، وكماها ~~القصيرين يظهر من تحتهما ذراعان جميلان حقيقة، وكل ما عليها بسيط وغاية في ~~الجمال. # وجلست تحادثني عن الشرق وعن مصر، ولقد أخبرتني أنها ذهبت إلى تركيا ودخلت الحريم ~~التركي، وجعلت كالكثيرين من ابناء جنسها تمتدح هذه السعة الشرقية وهاتيك النساء ~~المكسالات، وكم وصفت لي ما رأت من بسط ذات قيمة وأستار وأقمشة، ثم لما جاء دور مصر ~~سألتني ما لو كانت الحياة هناك كما في تركيا، ولكن ما أسرع ما تركنا هذا الموضوع ~~لنتكلم عن مخلفات المصريين القدماء، عن الاهرامات وعن الكرنك وعن الموميات القديمة، ~~وكأنا نحن المصريين لا نجد في الحاضر ما يستحق أن يذكر فيسرنا أن نبقى نتمدح ~~بالأيام الخالية وآثارها، فتركت لنفسي العنان أذكر كل ما أعرف عن بقايا أجدادي ~~الفراعنة وأظهر ما تحويه معلوماتي الضيقة عن عظمتهم التي كانت. # وانتهى العشاء في هذا وسواه من بعض الحديث مع بقية من على المائدة، فانتقلنا إلى ~~الصالون، وجعلنا نتحدث ويحكي كل بعض ما يعرف، وقد انفصل عن الجمعية إلى ركن ~~منفرد المسيو ج. ب. ومدام ه.ج. وبقيا هناك يتحدثان وحدهما، ولقد شغل ما ظهر من ~~الروايات الجديدة القسم المهم، وأثنت ربه المنزل على كتاب (بواليف) «الفتاة الحسنة التربية» # La jeune fille bien elvée # وعطفت ~~بكلمة على المؤلف نفسه قائلة إنها قابلته، وإنه رجل ظريف ولطيف، فلاحظ أحد الحاضرين ~~مبتسما: لعل ظرفه ولطفه دخل في تقدير السيدة لكتابه. # ثم انتقلوا إلى الحديث على التياترات وما يمثل فيها، وأخيرا قامت إحدى السيدات ~~إلى البيانو وعزفت عليه جملة قطع منها، وربما كانت أحسنها قطعة (سويبه) الشاعر والفلاح Poete et pay san # ونحو الساعة العاشرة ونصف ~~استأذن بعض الحاضرات وانصرفن، وبعد أن انتهت ضجة انصرافهن سألني المسيو ل. ب. وهو ~~شخص لم أعرفه من قبل عن بعض ما يخص الديانة الإسلامية، ولما انتهيت من ms074 جوابي أخذ ~~يتكلم بعدي المسيو ج. ب. فقال: ما أقرب الأديان جميعا من بعضها؛ لذلك أحسبني أتنبأ ~~لها جميعا بمصير واحد، وهو أنها ستضطر يوما ما لأن تطأطأ أمام العلم وما يثبت من ~~الحقائق المبنية على الملاحظة والنظر، وأحسب أن الدين قد قام إلى اليوم بأكبر ما ~~يجب عليه فآن له أن يتنحى لما هو أصلح منه للبقاء. # فأجابه آخر من الجماعة: أظنك تغالي بعض الشيء؛ فإنه لا يزال في الإنسانية جماعة ~~يحتاجون التعاليم الدينية ليسيروا على مقتضاها، كما أنهم يحتاجون عقائد الدين لتكون ~~لهم عزاء عند الشدائد، أرأيت لو أن الواحد من جماعة السذج ترك الاعتقاد ألا ~~تراه ينغمس في الشهوات ويرتكب الجرائم، وإذا أصابته مصيبة أسرع إلى الانتحار، أو ~~أنك تريد أن تقول لي كما يقول بعضهم: وماذا لو انتحر ثم ماذا لو انغمس في شهواته؟ ~~أظنك تقدر مبلغ ضرر ذلك على الجمعية. # المسيو ج. ب: لا لا، أنا لا أقول لك: وماذا لو انتحر ثم ماذا لو أجرم، ولكني أقول ~~لك إن الرجل مهما تجرد عن عقيدته فإن غريزة حب الحياة المراكبة فيه تمنعه منعا ~~مطلقا عن الانتحار، وما كفت العقيدة الدينية يوما لتصد مجرما عن إجرامه، ولكنما ~~تصده الأنانية الطبيعية في النفس، والتي تدفع الواحد إلى الاحتفاظ بما في يده، فهو ~~يريد أن لا يعتدي عليه غيره، ولهذا السبب هو لا يعتدي على غيره، وإنما جعلك وجعل ~~بعض الناس والكتاب يقولون: إنها العقيدة الدينية وتعاليم المسيحية هي التي تدفع ~~لهذه الأمانة ولتلك الشجاعة؛ لأننا ربينا جميعا من الصغر على أن نقول ذلك، ويقف ~~عقلنا عند هذه العقيدة فلا يستطيع أن يفكر بحرية في إيجاد طريق منتج لإصلاح المجرم ~~أو لتطهير الجمعية من الفساد. # ولقد أدخلت هذه التربية الدين في تركيب الناس بالزمان، حتى أصبح مع أنه بنيان خاص ~~أمام البنيان العام الذي هو الأخلاق # La morale # مغتصبا لحقوق هذا البنيان العام، وصار يكفي أن يقال في بعض البلاد إن فلانا لا ~~دين له ليحكم عليه بأنه ms075 لا أخلاق له، ولا شك في أن هذا خلط غريب؛ لأن القواعد التي ~~يتفق فيها الدين والأخلاق هي قواعد الأخلاق، ولم يكن أمر الدين فيها إلا تقريريا، ~~فالفضائل القديمة الموجودة قبل أن يوجد أي دين معروف هي من الأخلاق، وإنما أخذها ~~الدين عنها؛ وإذن فتطبيقها هو من تطبيق قواعد الأخلاق، وبما أن تلك من خلق بني آدم ~~ألجأتهم إليها ضرورة الاجتماع فيجب أن يكون لهم حرية التصرف فيها كما تقضي به ~~مصلحتهم. # لهذا السبب أحسب أن من أصدق النظريات وأمتنها في التطبيق رأي علماء التربية ~~الاستقلالية، القائل بأن لا يلقن الصغير من أوليات أيامه حتى الثامنة عشرة من عمره ~~شيئا من الدين مطلقا، وأن يترك حر الفكر إلى آخر درجات الحرية ، يتصور كما يحلو له ~~ويثبت النظريات وينقضها بما توحي له به نفسه ويشهد به أمامه الواقع، ولم أر أقتل ~~لحرية الفكر ولا أشد إيقافا للقوى العاقلة أكثر من موانع الدين والاعتقاد، ليكن ~~الدين حرا مهما يكون، وليسوغ للإنسان النظر والتفكير كيفما يسوغ فإن قيوده ~~الحديدية التي توضع في رجل الإنسان من يوم ميلاده قيود ثقال ما أصعب التحلل منها ~~وما أمره على النفس، بل إنا لنجعل غايتنا دائما حين نفكر وحين نتناقش وحين ~~نكتب أن نصل للنتيجة التي قررها الدين من قبل لا إلى التي تنتجها العلل والأسباب ~~التي تقع تحت حسنا، وقليل منا الرجل أو الكاتب الحر الذي يبتدئ من المقدمات ~~ليصل إلى النتائج لا أن يضع ثم يرجع لخلق مقدماتها. # واستمر الرجل كذلك مدة كأنه قسيس حرية الفكر أو إن شئت قسيس اللادينية، والقوم ~~أمامه كلهم آذان يستمعون وعليهم سيما التسليم والاحترام لا ينبسون، والسيدات منهم ~~أصخن كما يصغين لواعظ في الكنيسة، أما خصمه فقد تأثر بسكينة القوم وأصبح هو الآخر ~~منصتا سميعا. # ولما أتم كلامه كانت الخادمة قد أحضرت زيزفونا # Tilleul # قامت ربة الدار بتحضيره، وانتقل الموجودون إلى أحاديث ~~أخرى وانتهت الليلة كأحسن ما يكون. # 31 ديسمبر # الساعة الحادية عشر مساء فلم يبق من العام إلا ms076 ساعة واحدة وها أنا أسأل نفسى إلى ~~أين يذهب العام الماضي وبم يجيء العام الجديد، وبكلمة أخرى من أجل ماذا يعيش ~~الإنسان. # مسألة المسائل وكبرى المعضلات، هي المسألة التي حار فيها الناس جميعا ولم يجدوا ~~لها جوابا شافيا، يجيلون بصرهم لما هم فيه فلا يجدون إلا جدا ولغوبا وقليل من ~~ساعات السرور التي تفرض نفسها فتأخذهم الحيرة في معنى الوجود، وساعات السرور هذه هي ~~الساعات التي ينسون فيها أنفسهم فكأنما هم أشقياء ما ذكروها، ومع ذلك هم على ~~الحياة دائبون، فلماذا يعيشون؟ # قال قوم إنما يعيشون ليعبدوا الله، أفإن كان ذلك فما كان أغنى الله عن أن يخلقهم، ~~وقال آخرون إنما خلقوا ليسعوا في الأرض وليأكلوا من ثمرها، وربما كان هؤلاء ~~أعقل. # وما أشبه الإنسان يحيى ويعمل ويموت ثم يخلفه غيره، ما أشبه حياته وعمله ومماته ~~بلفة الطنبور في المعرض الزراعي، يأخذ الماء من الحوض ثم يصبه ثانية فيه وما عمل ~~شيئا، يوم يهدم الحوض يذهب عمل الطنبور، وأغرب ما في الإنسان جنونه بالذكر الخالد، ~~أليس هذا الذكر أشبه شيء برنة المعدن إذا دققته، والحياة بما فيها من الأعمال هي ~~تلك الدقة، فها هو المثل المحسوس أمامنا، أي شيء تستفيد الدقة من الرنين مهما طال ~~أمده. # 9 يناير 1910 # لعل أصدق ما قيل عن مصر أنها بلد العجائب، ليس ذلك فقط لأنها أرض الأهرامات ~~القديمة، بل هي كذلك أيضا في شكلها الجديد الحاضر، ويظهر لك سواء أخذتها من جهتها ~~الفردية أو الاجتماعية أو العلمية أو العلمية، هي عجيبة في كل أمر من أمورها، إن ~~تبصرها بعين سطحية يأتك على الفور خيال مما فيها من المدنية والحضارة وإن تقرأ ما ~~في بعض صحفها من النقد تظن أن بين أبنائها أحرار الفكر حقيقة، فإن أنت وصلت إلى شيء ~~من حقائق هذه المسائل لم تجدها كما رأيتها، أما مدنية البلد فليست لأهلها بل هي ~~للأجانب عنها كذلك ما فيها من علم وتفكير، ولو رفعت المدنية الأجنبية بجذورها من ~~مصر وتصورت البلد وطنية لرجعت ms077 بها إلى الوراء القرون الطوال، ذلك حق عام يصدق حتى ~~فيما يختص بالحكومة، ارفع منها الأجانب تصبح نظارا وموظفين عالين جدا وموظفين ~~واطين، وينتج عن ذلك أن تكون حكومة استبدادية كحكومة المماليك، ارفع المعلمين ~~الأجانب من المدارس الثانوية والعالية يبق معك الشيوخ وقليل ممن أدخلوا جديدا من ~~بعض المدرسين، فترجع بذلك إلى عهد الجوامع القديمة وحلقات الدروس التي اندرس أثرها، ~~ارفعهم من الأمة جميعا ترج بالبلد إلى فقر مدقع وأسفا على مصر. # فلاحها اليوم هو فلاح الفراعنة! علماؤها هم علماء جوهر الصقلي! حكامها نسخة من ~~المماليك! وتريد مع كل هذا أن ترجع إلى الوراء فتتخذ مثل حياتها من القديم! اللهم ~~قد جعلتنا الأعجوبة التي يتفرج عليها الناس كل هذا الزمان الطويل فهل تجعلهم يوما ~~يحدقون بنا إجلالا وإعجابا. # 10 يناير 1910 # روميو وجوليت. يقدم الأوديون كل سنة من الروايات القديمة ما يحوز أكبر الثناء، ~~وكان مما قدم في هذه السنة رواية شكسبير: روميو وجولييت، ذهبت إليها وأنا شيق ~~لمرأى الرواية ولسماع موسيقاها، وكلي أمل أن أجد في الاوديون ما أعهد، وأن مرسحا ~~كبيرا يديره ماهر كأنطوان ويمثل فيه جماعة من مهرة الممثلين لجدير أن ينال ثقة ~~الزائر قبل أن يدخله، ولقد حقق هذه الثقة اليوم كما حققها مرات من قبل. # ذهبت أسمع أشخاص شكسبير يناجون الطبيعة المحيطة بهم والحب المالئ قلوبهم ويرتفعون ~~إلى عوالم شعرية عظيمة يقصر دونها خيال جماعة بني آدم، أسمع مدموازيل فنتورا في دور ~~جولييت تخطب لباريس، ثم ترى روميو ويعجب كل منهما بصاحبه فيتناجيا تحت ستار الليل ~~الممتد على الوجود، ومن شرفة دارها تخاطب الصب المتيم وكل منهما يجد في تلك ~~المحيطات العذبة والنجوم الطالعة والكواكب اللامعة بشير خير لهما، ثم يأتي الصباح ~~ويطارد الفجر الظلمة ويفترقان ولا يلتقيان إلا بعد أن يقتل روميو ابن عم محبوبته ~~آخذا بالثأر عن صاحبه، ويبلغ الخبر جولييت فيقيمها اليأس ويقعدها، ويزيدها يأسا ~~أن تعلم أن روميو سينفى. # هيه جولييت، مات ابن عمك وسيلقى إلى القضاء محبوبك، ها ظل سعادتك ms078 يتقلص، وها حياتك ~~تأتي عليها العاديات، أيا ظلم السماء هلا لقيت لينزل عليهم غضبك إلا المحبين، ~~وهلا فجعت غير جوليت وروميو ... ما أحر بكاء الفتاة وما أكبر يأسها، إن قلبها ~~الشاب وصدرها لا يزالان صغيرين لتأكلهما نار الحزن ويروح بحياتها الأسى المبرح، ~~وروميو يترامى على أقدام القسيس ويكاد يموت جزعا حتى تأخذه مربية جولييت إليها ~~ليقابلها للوداع وليذر على ثغرها القبلة الأخيرة ذكرا لحب آخذ بالفؤاد. # وبعد الإقصاء والنفي وانفراد الوالهة حسرى جازعة، يدهمها أبواها بنبأ زواجها ~~بباريس، ويقف أبوها وقفة العنيد قد انتزعت من قلبه كل رحمة يخيرها بين الخضوع أو أن ~~تذره إلى حيث تشاء، تتكفف أو تختنق أو تفعل ما تريد، وأمها لا تكلمها من بعد ذلك ~~بكلمة، ومربيتها تقول لها أن تقبل باريس زوجا لها وتصبح وحيدة كل عزائها حبها وكل ~~أملها أن تبقى لمحبوبها أو أن تموت. # في تلك الساعة المذكورة حين يستولي على الفتاة البالغة اليأس والأسى تظهر الممثلة ~~في أبدع ثوب، وتستدر العين رحمة، ويهتز معها القلب وتهون الدمعة أن يرى الإنسان غض ~~الشباب الزاهر يتوجه الحب الطاهر مهدورا حتى من آبائه وأقرب الناس إليه، ولم يبق ~~من ينجد جولييت من موقفها إلا القس مستودع أسرار السماء والمالك بيده مفاتيح ~~العزاء. # يعطيها رجل الله مخدرا يميتها أربعين ساعة، ويعمل جهده أن يبعث لروميو من يأتي ~~به، ولكن الخبر بلغ روميو قبل ذلك، ويصل ويقتل باريس ويشرب السم ويموت قبل أن تقوم ~~هي، ثم يأتي الشيخ فيوقظها فترى صاحبها مبتسما فتنطرح عليه وتأخذ بيدها زجاجة السم ~~فتجدها فارغة ولم يبق روميو لها فيها نصيبها، فتقبله عل ما على شفتيه يصل بها ~~إلى الأبدية حيث تراه، وأخيرا تقتل نفسها بالخنجر الذي قتل هو به باريس. # وبين أحجار المقابر المخوفة وتحت غطاء الليل العظيم، انطرحت ميتة إلى جانبه وماتا ~~هكذا شهداء الغرام. # رحمة بهاته الأرواح يا الله إن كانت ستصعد إلى سمائك، وإن كان للفناء مصيرها فما ~~أقسى الوجود # 12 يناير 1910 # من أهم ما ينقصنا ms079 نحن المصريين في مصر الشعور بوجوب التجديد # L’esprit de nouveauté # ينقصنا في كل مسألة من المسائل وعند كل ~~طبقات الجمعية، فلا ترى في البلد إلا طالب للرجوع، واتخاذ المثل من العصور القديمة، ~~ويجاهد قدر المستطاع للتوفيق بين رغبته هذه، وما يسميه هو مصلحة البلد. # تسري تلك الروح الرجعية في نفوس طبقات الأمة المختلفة، ويجهرون بها على رؤوس ~~الأشهاد، وينادون في الوقت عينه بأنهم يرجون التقدم إلى الأمام، تعبث بكل موجود من ~~الموجودات، إن بالعائلة أو الحكومة أو الفرد في ذاته، كما تعبث بالتعليم والتجارة ~~والصناعة والزراعة، تعبث بالأجسام كما تعبث بالعقول والأرواح ولا تقف عند حد رغم ~~أنف أحسن المفكرين والكتاب المعتبرين عندنا، فإن دفعهم تفكيرهم وأظهروا للناس ~~جديدا أنها عليهم الآخرون، وما أسرع ما ينسحب ذلك المفكر هاجرا وراءه ~~رأيه! # كنت عند صديق من أيام، ودار الحديث حول العائلة، هو وأنا وكل مصري مقتنع بفساد ~~نظامها الحاضر، وهو والكثيرون من أمثاله لا يجدون حين يريدون الإصلاح إلا الرجوع ~~لبناء عائلته على نظام العائلة العربية التي كانت موجودة في صدر الإسلام، وماذا كان ~~نظام هذه العائلة؟ هو لا يعلم والأكثرون من أمثاله لا يعلمون؛ لذلك أجد صعوبة في ~~إقناعه بالإقلاع عن هذا الرأي وبأن الإصلاح يجب لينجح أن يكون أساسه الحاضر وما ~~يحيط بالحاضر من مؤثرات الوسط والمدنية، والواقع أنه لو تدبر هذا الأفندي وغيره ~~أمر العائلة القديمة العربية ونظامها النصف بدوي عند طائفة، والترف الفاسد عند ~~طائفة أخرى لما تاقت نفوسهم لها، ولكنهم يسمعون أن بعض النساء عند العرب كن ~~متفوقات في الشعر وبعضهن كن يواسين الجرحى في الحروب فيجيء إلى نفوسهم خيال غريب ~~من هؤلاء النسوة، ويريدون أن تكون العائلة المصرية كالعائلة العربية، وكأن حياة ~~العائلة يدخل في نظامها قول الشعر أو مواساة الجرحى. # غير مسألة المرأة مما تحتله الأفكار الرجعية احتلالا ظاهرا مسألة اللغة، يريد ~~الرجعيون فوق أن تبقى قواعد النحو والصرف على ما وضعها أبو الأسود من ثلاثة عشر ~~قرنا مضت أن يحفظوا صيغة اللغة كما ms080 كانت أيام العصر القديم، ويريدون أن تبقى ~~قواميسنا قاصرة على ما كان في العهد الأول، وكأنهم ما علموا أن اللغة نفثة من روح ~~الأمة تظهر فيها أفكارها وإحساساتها، ولباس من ملابسها يضيق ويتسع بمقدار ضيق أو ~~اتساع حاجيات الأمة وكمالياتها، ويعلم الله لولا أن كلمات تدخل اللغة رغم أنف هؤلاء ~~الرجعيين وتندمج فيها لمطلق حاجة الناس إليها لكنا أشد فقرا مما نحن اليوم، ~~ولو أن عندنا روحا كريمة تحس بحقيقة حاجاتنا لكانت هذه الكلمات الجديدة التي نجيء ~~بها من لغات أخرى أو التي نشتقها من لغتنا أضعاف ما هي عليه اليوم، غير مسائل اللغة ~~والمرأة مسائل كثيرة، وما رأيت مسألة عندنا أصبحنا ندعو فيها للتقدم إلا ما أرغمنا ~~عليها منافسة الأجنبي لنا في أمور معيشتنا، وما أظن الحياة القائمة على مثل هذا ~~الدافع الواقفة دونه حياة تبعث للنفس الأمل أو للقلب السرور. # 23 يناير 1910 # تلك الأرض في كفنها أم هي الطبيعة تهيئ نفسها وتلبس لعرسها، وذلك الشيب يصيب ~~الأشجار من قدمها إلى رأسها أم تلك الحياة الجديدة تتمشى في عروقها. # أثلجت السماء وبعثت على البسيطة وما فوقها جلبابا أبيض يغطي كل سطح من سطوحها، ~~ولقد كنت إذ ذاك أعبر الطريق وكأن لم ترض علي بردائي الأسود أو كأنها غارت فيه ~~من لون الشباب وقد أكهلتها القرون فعملت لصبغة بياضا، وتلك أول مرة سمح لعيني فيها ~~أن ترى الجو ممتلئا كله بأجرام بيضاء صغيرة لو لم يكن فيها لين الملمس لقلت شهب ~~تساقط على أرض مجرمة أو ملائك تهبط لإسعاد الأشقياء، أو كأن الشتاء في قوته لم يرض ~~أن يكون أقحل مجدبا فجاء من الزينة بما يضاهي به جمال الربيع وإن كانت زينة ~~مستعارة لا تلبث أن تسقط وتظهر الطبيعة ثانية جرداء كشراء كالمرأة القبيحة تجمل ~~وجهها وما هي إلا أن تسقط عاريتها ويظهر للناس قبحها، ولكن الخير أن يجني الإنسان ~~من كل شيء أحسنه؛ لذلك ذهبت بعد غذائي إلى حديقة اللكسمبور أرى فيها زخرف الشتاء ~~وقد تمتعت العين فيها ms081 بزخرف الربيع. # دخلتها فكأنما دخلت معبدا أصبح بين الآثار لا نسمع فيه رنة ولا طنينا، أو ~~مقبرة مهيبة تجددها السماء، وسلكت طريقي فوق ثلج منسوج على بساط الحديقة لين تحت ~~القدم وتماثيل الرجال أعطتها الطبيعة من الشيب ما ضنت به يد الإنسان، وغزال نسج ~~الثلج غرة في جبينه وأشجار الزهر وهبتها السماء من نرجسها ما ضنت به الأكمام، وبعث ~~الله من فوق علامة المساواة على أرض فرق الناس بينها فأصبحت تراها ولا تميز فيها ~~بين طريق دقته الأرجل ولا مفارش الحشيش، بل كلها مسطوح ناصع البياض كأنه قلب ~~الطفل لم يدنسه عالم الناس والمادة. # وبقيت في الحديقة زمنا وأميل أحيانا فآخذ الثلج بيدي وهو في لينه كأنه القطن ~~الأبيض فإذا ما ضغطته تجمد حتى يتحجر ثم قذفت به فروع الأشجار وهي بيضاء من ~~جانب سوداء من آخر. # وما كان السماء العادلة لتفرد مكانا دون آخر بجودها، بل حيث قصدت من سهول ~~المدينة وسطوحها ترى المنظر متكررا أمامك لولا ما يذيبه الملح في الشوارع وما تقضي ~~عليه أقدام السائرين. # 29 يناير 1910 # أسطر اليوم حادثة من آلم الحوادث التي أصابت هذا البلد العظيم والتي لم تجد لها ~~مثلا في التاريخ من سنة 1802، ارتفع نهر السين فجأة وعلى غير انتظار، وظل يعلو من ~~ساعة لساعة حتى أصبحت الملاحة فيه غير ممكنة لعدم استطاعة القوارب أن تعبر من تحت ~~القناطر، وتعطل بذلك عمال الملاحة عن العمل، وظل النهر بعد ذلك يتزايد ويرتفع ماؤه ~~من غير هدأة ولا انقطاع. # استمر يتزايد فاتصل ماؤه أولا بالشوارع المنخفضة ومنعت البلدية الناس عن المرور ~~فيها، ولما كان عددها قليلا بادئ الأمر لم يكن شأنها من الأهمية بحيث تقلق له ~~النفوس أو تتهيج الخواطر، لكن السرعة المتزايدة التي كان يعلو بها النهر جعلت تزيد ~~في عدد هذه الشوارع المسدودة يوما بعد يوم، حتى إذا هي بالأمس شيء كثير، ولقد بلغت ~~المياه أن وصلت إلى ما فوق ركب الخيل التي كانت تسحب عربات النقل فتنقل من يريدون ~~الخروج من ms082 منازلهم، وحبس الناس عن بيوتهم وحبس عنهم طعامهم وكأنهم وما أجرموا فريسة ~~هاته الطبيعة الهائجة، ولاح لي رابع يوم من هياج النهر أن أسير على جوانبه فاصطحبت ~~صديقا وخرجنا حتى وصلنا الشاطئ، هناك رأينا الجموع الحاشدة ترمق بعيون ملأى بالغيظ ~~والاسترحام ذلك الذي أزعجها عن سكينتها. # جعلنا نسير مع الشاطئ وفي اتجاه التيار تزحمنا أكتاف الجمع ونزحمهم حتى وصلنا ~~(الكي دورساي # Quai d’Orsay ~~) ومحطته، ولقد كنا ~~في طريقنا نرى الشوارع المسدودة والطرق علا فيها الماء فيأخذنا الهول، لكن ذلك لم ~~يكن شيئا إلى جانب هذه المحطة ارتفع فيها الماء فلم يبق ظاهرا منها سماء ولا أرض ~~إلا سلك التلغراف يمر من فوق الماء... # وعند ذلك المنور الذي يطل منه الإنسان على الوهدة الأرضية موضع الحركة الدائمة ~~ومسير القطارات التي تخرق أرض المدينة يقوم فنار السكة الحديد ولا يزال منيرا، ~~وكأنه بلونه الأحمر يبكي دما على هاته الأماكن التي أغار عليها الطوفان فأخرس ~~صوتها، وقد شاهدها هو من قبل مكان العمل وموضع ضجة النازحين والقافلين من أهل باريس ~~وفرنسا، كم كانت تزعجه بالأمس صيحات العمال أو تستبكيه دمعات المودعين، فإذا به ~~اليوم ينعي ذلك الصمت المطلق بعد أن خان المكان صوته واختنق بعبرته! # استمررنا في طريقنا والضجة هي الضجة والزحام هو الزحام، وعلى طول الشاطئ يرى ~~الإنسان المستطلعين خبر النهر، ومن بينهم العمال لم يبق لهم من عمل ينظرون بحنق وأسى ~~وغيظ وحزن وتهيج واستسلام إلى ذلك الذي ربط أيديهم عن العمل وتركهم وكأنهم كسالى، ~~وهم ما عرفوا للكسل اسما ولا وجدوا إليه يوما طريقا، وظللنا في مسيرنا حتى وصلنا ~~برج إيفل، ولم يكن الماء ولكن امتلاء الشارع بالماء حجزنا عن إتمام ما نريد واضطررنا ~~لنتخذ طريقا آخر، فصعدنا سلما عاليا جدا أنهكنا، وبعد سير طويل رجعنا إلى ~~الشاطئ ثانية. # ولقد جعلت أتردد من يوم لآخر بعد ذلك لأرى من شأن النهر، وما أحدث وجدد، ولقد ~~ألحق بالبلد أضرارا جمة، فقضى انقطاع الشوارع بانقطاع المواصلات فبطل عمل ~~المتروبوليتان (سكة حديد تحت ms083 الأرض) وتعطلت التراموايات والأمنوبيسات والأوتوبيسات، ~~وعزت العربات فلا يسهل وجودها، كذلك انقطع عمل بعض التياترات بانقطاع الكهرباء ~~عنها، وهبط عدد الزوار في التياترات العاملة، كما هبط وارد البلد من ~~المطعومات. # 30 يناير 1910 # ومن أعظم الأضرار التي حدثت دخول المياه إلى (بدرونات) المخازن الكبيرة كاللوفر ~~والبرانتن، ولقد رأينا طولمبة ترفع من مخازن اللوفر مياها غزيرة كثيرة لا شك أنها ~~أتلفت قسما كبيرا من البضائع. # ولم تختص باريس بأذى النهر، فقد حصل في الضواحي ضرر أكبر هز من إحساس الناس، ودفع ~~رئيس الجمهورية أن يزورها ليرى المنكوبين يرتعدون في البرد ويطلبون المعونة، فيمد ~~إليهم يد مساعدة تعينهم على كبير نكبتهم بعد أن انهدمت بيوتهم وانتبذوا ~~بالعراء. # هذه هي المصائب التي أصابت باريس هذا العام، مصائب تألمت لها نفوس بني الإنسان ~~فساعدوا المنكوب وخففوا بذلك من عظيم ألمه لوقع المصاب. # 10 فبراير # الحمد لله، الحمد لله ألف مرة ... ما أشنع الحال حين تكون باريس خالية من الكهرباء ~~والغاز، حقيقة باريس مدينة النور وهي من غير النور كالحة، انقطعت الكهرباء والغاز ~~على أثر فيضان السين فدخلت البلد - بلد الليل - في حزن ولبست الحداد، فكنت تمر أمام ~~قهوة فترى المصابيح والشموع بلونها الأحمر الدامي كأنها تبكي على أيام العز التي ~~ابتعلها النهر في جوفه، وكنت تذهب في الشوارع الكبيرة عند الأوبرا فيخيل لك أنك ~~تسير في مقبرة بعد إذ كنت لا تراها خالية لحظة من الحركة، والحمد لله عادت الكهرباء ~~وعاد الغاز وعاد إلى باريس نورها. # بالله ما أحلى آية النور! ولئن سرت في حلكة الليل نجوى الغرام وتدثرت الموجودات ~~بدثره فإنما على موجات الضوء مسبح السرور والجمال والجلال. # وما أصدق قولهم إن للنهار عيونا! وما دام الضوء فالنهار قائم، فكم من إنسان ~~اعتاد أن يرى بعينيه في ضوء الكهرباء ما لا مجال معه لغش أو تدليس، ثم إذا هو حلف ~~بعد أول ليله من ليالي الشموع في باريس أن لا يدخل قهوة حتى تدخلها الكهرباء واكتفى ~~أن غش أول ليلة. # واليوم عاد النور ms084 وعدنا نسير فيه ومعنا عيوننا فنبصر ما أمامنا. # 11 فبراير # أخذت من عطية اليوم هذا الكتاب # عزيزي محمد: # رأيت اليوم الكتاب الذي أرسلته لأبيك، وإني أحمد الله الذي أنجاك من ~~الطوفان من غير أن تلجأ إلى سفينة نوح، لو علمت كم أثارت هذه الحادثة هنا ~~من الوساوس وكم بعثت من الأسى إلى قلوب ومن الشمات لآخرين لما استخففت بها ~~كما استخففت في كتابك الذي أرسلت إلينا، ولكنك في شبابك وسط مدينة الشباب ~~قد نسيت ما تحويه هذه القلوب العجوز التي تحيط بنا. # أظنك تذكر تعلق أخينا ... بقريبته وسعيه للاقتران بها، وهو الآن أشد ما ~~يكون بها تعلقا بل جنونا، تراه يقرأ رواية من الروايات التي تظهر عندنا ~~أو يذهب إلى التياترو فيريد أن يمثل مع (فلانة) كل الفصول التي قرأ أو رأى، ~~ولولا أن الفتاة بعيدة عن يديه لكان قد اختطفها وهرب بها ليمثل بذلك فصلا ~~قرأه في إحدى روايات مسامرات الشعب (على ما أظن) التي ظهرت أخيرا. # الحال السياسية هنا تتموج، والجرائد تصيح لمناسبة ما تقرر من عرض مسألة ~~قنال السويس (فيما يختص بمد أجل الشركة) على الجمعية العمومية، وكل صحفنا ~~إلا القليل مما تعرف تحض على رفض المشروع، ويظهر أن بعضها قد درسه درسا ~~مدققا مسهبا، ويتكلم عن علم (شيء غير عادي في الصحف المصرية) # هذا ولعل الأمور عندك على ما تحب والسلام. # عطية # 18 فبراير # عزيزي عطية: # لعل خطابي هذا يصلك بعد انفضاض الجمعية العمومية، وتكون بذلك قادرا على أن ~~تصور لي في كلمة إحساس الناس نحوها وسلوك الأعضاء والوزارة فيما بينهم، كما أني ~~آمل أن يكون قرار الجمعية صادرا عن بحث ودرس وتقدير لمصلحة مصر لا عن مجرد ~~إحساس تدفعهم إليه كتابات الجرائد أو رغبة في إرضاء الحكومة طمعا في رتبها ~~ونياشينها. # والحال عندنا في باريس فيما يتعلق بهذه المسألة غريب أيضا، فإن أخواننا ~~المصريين هنا عقدوا اجتماعا لجمعيتهم وكلهم الحماس، ولا أنكرك أن قد سرت لي ~~العدوى أنا الآخر، ولكن مصيبتي أني أرجع بعد كل ms085 مسألة لنفسي أسألها عن حقيقة ~~عملها، وأخيرا جمعوا جمعية ثانية ولم أرهم أكثر حماسا في اجتماع منهم في هذا ~~الاجتماع، ولقد قررنا إرسال تلغراف للبرنس رئيس الجمعية، أظنك قرأت خبره في ~~الصحف. # أما عن أعمال أخينا ... فلا غرابة فيها ما دمت تذكر أطواره السابقة وأحواله، هو ~~من جماعة الذين يريدون أن يعملوا كل ما يسمعون أن الآخرين يعملونه؛ لذلك لا ~~أعجب إذا علمت أنه اختطف مخطوبته وطار بها في الجو بعد أن اخترعت الطيارات ~~والبالونات. # لقد رجع إلى باريس كل بهائها وإن كانت بعض المواصلات لا تزال معطلة، وسأذهب ~~الليلة إلى التياترو آمل أن أجد فيه رواية طيبة وممثلين كالذين نراهم دائما ~~هناك. # وأهديك عظيم تحياتي والسلام. # محمد # 21 فبراير # بينما أنا جالس اليوم على المائدة أتناول طعام الغداء إذا المسيو ج. ب. يسألني إن ~~كنت قد علمت بمقتل رئيس الوزارة المصرية. رئيس الوزارة ؟ بطرس غالي! نعم هو، قتله ~~شاب من المصريين الذين كانوا يتعلمون في جنيف واسمه إبراهيم ناصف الورداني ... من هذا ~~الورداني؟ لا أعلم؟ ولماذا لم يجئ عن ذلك خبر بعد. # ترى ماذا ستعمل الحكومة إزاء هذه الحادثة؟ لا بد ستتخذ أشد الإجراءات وستظهر من ~~رهبتها في مظهر المنتقم فتثير الأرض والسماء وتقلب البلد من أولها إلى آخرها غيظا ~~وغضبا. # واستفسرت ربة البيت عن سبب الحادثة فلم يكن بأسرع من أن أخبرها المسيو ه.ج. ~~إنما أثارها التعصب الديني؛ الوزير المقتول مسيحي والشاب القاتل مسلم، وإذن فليس ~~هناك شبهه في أن الدافع للقتل هو دافع الدين، ذلك ما فسرها هو به وما فسرتها به ~~أيضا بعض الجرائد، ولقد جاهدت كثيرا لأنزل هؤلاء الناس عن رأيهم حتى أظهروا لي ~~أنهم مقتنعون بما أقول، وإني لأعجب جدا كيف يحسب المسيو ج. ب. وأمثاله من جماعة ~~الذين نزلوا عن رأيهم أن لا صلة بين المسيحي والمسلم إلا صلة الدين مهما عاشا على ~~أرض واحدة، إنهم لا شك يحسون في أعماق نفوسهم أن للدين عليهم سلطانا وأنهم ينساقون ~~إليه في كثير من معاملتهم ms086 لغيرهم؛ لذلك هم يدعون على الغير في كل صغيرة وكبيرة ~~دعوى التعصب. # 28 فبراير # وردت الأخبار بتفصيل حادث مقتل بطرس باشا، ولم أكد أقرأ تقرير القاتل عن الأسباب ~~التي حملته على ارتكاب جريمته، واعتباره رئيس الوزارة خائنا لوطنه حتى بادرت ~~أبلغها لربة البيت وللمسيو ج. ب. وأعدت الكرة لأقنعهم أن في النفس الشرقية ~~شيئا غير هذا الخيال الذي يتصوره الغربيون فظيعا مريعا آخذا بها مستوليا عليها ~~خيال الدين الحاض على التعصب وسفك دم كل كافر كما يزعم الأفرنج، أسرعت فأخبرتهم ~~بذلك فكان جواب المسيو ج. ب: ممكن جدا أن يكون هذا صحيحا ما دام هذا الشاب قد ~~تعلم في أوربا ... # فقط لأن هذا الشاب تعلم في أوربا لا تكون جريمته مبنية على أساس من التعصب الديني ~~الشنيع! والآلاف والملايين الأخرى التي تسكن الشرق ولم يساعدها حظها أن تتعلم في ~~أوربا كلها مسوقة بهذا الدافع في معاملاتها مع الغربي! ... ذلك ما يعتقده ويقنع به ~~عدد كبير من الأوربيين، وقد يكون في اعتقادهم شيء من الصحة؛ فإن الشرقي المسلم أو ~~غير المسيحي الذي يرى هذا الأجنبي عنه في الوطن واللغة والعقيدة آتيا يستعبده ~~ويبتز منه ماله ونفسه يرجع دائما لتكبير كل الفروق التي بينه وبين ظالمه، والدين ~~أحد هذه الفروق ولا يستهان به؟ ولكن ليس معنى ذلك أن الإحساس الديني هو كل شيء في ~~النفس الشرقية، بل معناه أنه سبب من أسباب الثورة ضد استعباد الغرب للشرق وصيحة ~~داخلية في كل نفس حية ضد هذا الظلم الصارخ الذي ترمي به أوربا الشرقيين. # ماذا سيكون نتيجة قتل بطرس؟ وردتني كلمات في هذا المعنى مختلفة في لهجتها ~~ومعناها، وعندي أنه رجل مات سيخلفه رجل! ما كان خيرا منه أو شرا منه، ودرجات ~~الخير والشر لا نهاية لها. # 6 مارس # كنا في عزومة كبيرة هذه الليلة، وكان على المائدة اثنا عشر شخصا: ستة من السيدات، ~~منهن ثلاث فتيات وسيدة في الخامسة والثلاثين ونصف وعجوز، وكان معي من سني شخص آخر، ~~والباقون بين الثلاثين والأربعين إلا ms087 واحدا فوق هذا السن، وكان قائدا في الجيوش ~~الفرنساوية، وهو زوج السيدة النصف وأبو إحدى الفتيات، وزوجة تمتاز خلقتها ~~بالوقار ولها نظرة ثابتة، أما ابنتهما فهي أجمل الموجودات وأعذبهن حديثا ونظرة، ~~ولقد يأخذ الإنسان العجب كيف ينبت هذا الجندي الجاف مثل تلك الزهرة ~~اليانعة. # ولقد أخذت هذه الفتاة مكانها بيني وبين صديقي الشاب، وجلست عن يميني السيدة ~~النصف وأحاطت هي وإحدى الفتيات بالمسيو ج. ب. أما الجنرال فقد جلس بين ربة البيت ~~العجوز وبين بنت الخمس والثلاثين. # أعجبني من عشاء الليلة ما دار فيه من المحادثة، وقد امتازت بكثرة وسرعة تنقلها من ~~موضوع إلى آخر، وفي الوقت عينه بنوع من الدقة استلزمه الموقف في أحيان كثيرة، وإني ~~الآن أجاهد لأستعيد هذا الحديث مقدار ما أستطيع: # الجنرال ~~: # حقيقة أن الإنسان ليتمتع بالطعام الذي يطهي في بيت مدام ~~ج. # زوجته ~~: # ولا تتمتع بالطعام الذي يطهى في بيتنا ... يا ... # الجنرال ~~: ~~... طيب! ... نسأل مارجريت. # ابنتهما ~~: # أنا ما ليش دعوة. # مدام ج ~~: # سيدي الجنرال لطيف للغاية، ولكني أشهد أنا لمدام لاجنرال أن ~~ما يطهى في بيتها من أشهى ما طعمته في حياتي. # مسيو ج. ب ~~: # هذا صحيح، ولا أنسى في عزومتنا الأخيرة طبق الحلوى الذي قدم ~~لنا، فقد كان حقيقة مما يسيل له اللعاب. # مدام ل. ~~(وهي السيدة ذات الخمس وثلاثين سنة) ~~: # إنا لا نزال في الشربة فأرجوك أن لا تذكرنا بالحلوى من ~~الآن، أو أنك من الذين يحبون أن يجمعوا بين الأول والآخر في لحظة... # مس هارتمان ~~(وهي فتاة أيقوسية الأصل حمراء اللون لعوب) ~~لجارها ~~: # صحيح أنك تفضل جبال أيقوسيا على سويسرا! كم أنا مسرورة، بل ~~سعيدة أن أعلم أن معي أجانب يحبون جمال بلادي. # مسيو ج. ب. ~~(يشاركهما في الحديث) ~~: # يظهر حقيقة أن إيقوسيا جميلة للغاية، فإني وإن لم أذهب ~~إليها قد أخذت عدة كروت بوستال منها، وكلها لمناظر بديعة للغاية، وقد أخبرني ~~أحد أصدقائي الذين كانوا هناك الصيف الماضي رأى أنه في (الهيلاندز) جمالا ~~رائعا، ولولا أنه كان يشكو الوحدة بعض الشيء ms088 لأمضي فيها شهورا أكثر من ~~التي أمضاها بها. # مارجريت ~~: # أظن أن الوحدة في مثل هذه الأماكن الجميلة أشد ما يكون ~~غضاضة على النفس؛ إذ نصف المتاع بالجمال أن نجد إلى جانبنا صديقا ~~يشاركنا في النظر إليه والإعجاب به، وإذا صح ما يقولون من أن الوحدة تدع ~~للإنسان الحرية ليرسل بخيالاته وأحلامه إلى عوالم السعادة؛ فإن صديقا ~~طيبا هو أحسن ألف مرة من هذه الوحدة. # مدام لاجنرال ~~(أمها) ~~: # أنت تتكلمين كفيلسوف كبير ياعزيزتي. # فألقت الفتاة بنظرها إلى الصحن أمامها ولم تجب، وأخذت الكلمة عنها مدام ل. ~~فقالت: صحيح ما تقوله مدموازل؛ فكثير ممن عرفت من الرجال والنساء يخبرني عن هذه ~~الوحدة التي يحسون بها حين يكونون في سويسرا أو في السافوا، فإذا احتمل الواحد منهم ~~يوما أو يومين مسرورا بالجمال المحيط به يجيئه اليوم الثالث برغبة شديدة في أن ~~يكون إلى جواره صاحب يفضي إليه بما يفيض عن نفسه من الإحساس بالجمال الذي حوله ~~... # مسيو ج. ب ~~: # والرجال دائما يحبون أن يكون هذا الصاحب سيدة رقيقة تزيد ~~في الجمال الذي حولهم جمالا ورقة. # مدام ل ~~: # مش كده؟! # الجنرال ~~: # أما أنا فأسعد أوقاتي التي أمضيها منفردا حيث أكون. # مدام لاجنرال ~~: # بالله أليس زوجي غاية في اللطف والرقة! # مسيو د. ~~(وهو أحد الرجال أصدقاء المسيو ج. ب.) ~~: # يظهر حقيقة أن هناك جاذبية دائمة بين الرجل والمرأة، وأن ~~الأماكن الجميلة تزيدها قوة ونشاطا؛ فلقد كنت أحس قبل زواجي حين أجد نفسي ~~إلى جانب البحر أو على شواطئ البحيرات شيئا ينادي دائما يريد أن يجد ~~شخصا آخر إلى جانبي، أما الآن فقد ضعف هذا الإحساس لأني قليلا ما أكون ~~وحدي فإذا جاءت هذه الفرصة عددتها غنيمة لا تعوض. # مدام ج ~~: # انتهيت قريبا من قراءة (دومنيك) للمرة الثالثة، وإني لأجد ~~فيها ما يعبر عن إحساس الشباب أحسن تعبير، حقيقة أنها رواية ظهر فيها قلم ~~(فرومنتن) بقوته ورقته، رواية من أجمل ما يكون. # مدام ل ~~: # آه دومنيك! كم أنا أحب هذه الرواية، وأحسبني لو قرأتها عشر ~~مرات، ms089 بل عشرين، بل مائة مرة لا أشبع منها، وما أنسى فيها هذه المسكينة ~~مادلين ومبلغ ما عانت، كم يعاني الإنسان في الحب. # الجنرال ~~(وقد جاء طبق الحلوى) ~~: # بالله هل طعمت في حياتك حلوى أحسن من هذه! وهل ما أكلناه في ~~بيتنا المرة الأخيرة يوازي شيئا إلى جانبها. # مسيو ج. ب. ~~(لمدام ل) ~~: # وهلا تعجبك أيضا في دومنيك أخت مادلين. # مدام ل ~~: # لا أستطيع أن أقول لك تماما ما إحساسي نحوها؛ لأني لم أكن ~~يوما ممن يحببن هاتيك اللاتي يمرضن أو يمتن في الحب، وزادني ثقة بعقيدتي ~~ما علمته من أن الحب قلب سريع الانتقال. # وأخيرا انتهى الطعام، وانتهى بذلك القسم الأكثر لذة من الليلة، ولقد بقي بعض ~~الزائرين إلى ما بعد منتصف الليل ثم انصرفوا. # الفصل الثالث # | في الرفييرا # 16 مارس # من يومين صممت على مغادرة باريس إلى شواطئ المتوسط؛ طلبا للراحة والرياضة، وحبا ~~في زيارة هاته البقاع التي يتحدث الناس بجمالها، فأعددت معداتي وأخذت بالأمس القطار ~~القائم من باريس الساعة التاسعة والدقيقة خمسين مساء قاصدا كلرمنت فراند # Clermont Ferrand ~~، وكنت آمل حين رأيت القمر ~~في السماء أن أجد الفرصة لأمتع النظر بالأقطار التي نمر بها، لكن سواد الليل غطى ~~على ضوء القمر وساعده البرد فغطى على زجاج النوافذ بثوب من البياض الذي جعل يتزايد ~~كلما تقدم الليل؛ لذلك فضلت أن أنام، غير أن النوم في السفر وتحيط بالإنسان ضجة ~~الوابور واهتزازه الدائم ليس بالأمر السهل؛ لذلك قمت أكثر من مرة وسط نومي حتى إذا ~~اقتربت الساعة السادسة واقترب معها مقصدنا قمت أتميز ~~الوجود، ولما أكد أرفع ستار الباب حتى إذا النور يسقط فوق الليل فيمحو آيته، وبعد ~~سويعة تميز قرص الشمس الأحمر، ما أبعد عهدي به! ظهر فإذا البسيطة نائمة تحته يكسوها ~~ثوب أبيض من الظل الثليج، والقرص هادئ باسم يحيي الكائنات كلها ويرجو لها صباحا ~~سعيدا بعد غيبته، ثم هي كلها حيرى بعد أن ضربت في تيهاء نومها طول الليل تضرع ~~للشمس أن ترفع عنها الغطاء، فتبعث الشمس ms090 بأشعتها على هاته المسطوحات الواسعة المرسلة ~~أمام العين إلى الأفق متموجة تعلو وتهبط وقد غطت وجهها الشجيرات الصغيرة. # ووصلت كلرمنت بعيد الساعة السادسة فذهبت من محطتها إلى الفندق فأخذت فيه طعام ~~الصباح، ثم خرجت أبغي التفرج على ما في البلد. # خرجت فقابلني أمام الفندق تمثال الجنرال ديزاي # Desaix # وتمثال آخر لقائد لم أعرفه وقد كتب تحته: «إنما حملت السلاح من أجل ~~حرية الجميع # J’ai portié les armes pour la iberté de tous ~~» ثم قصدت الكتدرال نتردام، وهي متسعة حسنة التوازن ~~كل أعمدتها منقوشة ملأى بالتماثيل وأبدع ما فيها بابها الكبير الدقيق الصنع. # وانحدرت منها فزرت تمثال بسكال، وهو رفيع يحكم المدينة من أعلاها وينظر بعيونه ~~الجامدة إلى مسقط رأسه، خرج منها في القرن السابع عشر، وظهر تفوقه وهو ابن ثمانية، ~~ومات في التاسعة والعشرين، وقد خلف وراءه أثرا لا يمحوه الزمان، أثرا فكريا يمثل ~~فكر الزمان ما بقي الزمان. # من عند ميدان بسكال يمكنك أن تأخذ فكرة عن وضع البلد الطبيعي العجيب، البلد واقعة ~~على مدخل (الأوفرن) # Auvergne # الجميلة تحيط بها من ~~كل النواحي الجبال والبراكين الباردة، وهي بالذات مبنية فوق سفح فشوارعها تصعد ~~واحدها فوق الآخر بنظام غريب حتى لترى فيها ثلاث شوارع لا يفرق بينها إلا تفاوتها ~~في الارتفاع: شارع مونلوزييه، وميدان الأسبانيول القائم عليه تمثال بسكال، وشارع ~~أرفع لم أصعد إليه. ويهبط منحدرا متدرجا إلى ما تحت شارع مونلوزييه حوار هابطة ~~ضيقة سرت فيها على أمل أن أصل منها إلى الجبل فاستوقفني # la ~~fontainie Petrifiante # حيث يتحجر كل ما ينزل عليه ماء هذا ~~النبع على ما أخبرني مديره؛ إذ قال إن الحيوانات الطبيعية أو الأشجار أو ما سواها ~~تبقى ينزل عليها الماء حتى تصير حجرا. # الأماكن التي تستلفت نظر الزائر قبل غيرها في بلاد فرنسا هي الكنائس والتماثيل ~~والمتاحف، وهاته الأخيرة أكثرها استلفاتا للنظر فإنها تحوي من بدائع الفن ومن ~~الأدلة الناطقة على ذوق أهل البلاد ومن الآثار التاريخية ما يأخذ بالفؤاد؛ لذلك ~~أسرعت إلى متحف كلرمنت، ms091 وهو وإن بات صغيرا فإنه حيوي كثيرا، ويحوي من كل شيء ومن ~~كل ما يخص مقاطعة كلرمون، يحوي التماثيل والملابس والأحجار والنقوش والصور وكل هذه ~~الأشياء الفنية التي يعشقها الفرنساويون، والتي تربي إلى حد كبير الذوق والعقل ~~والإحساس، ومن الصور التي أخذت بنظري من القليل الذي رأيت صورة لغروب الشمس على ~~شواطئ النرمندي والليل يسقط فوق النهار وتنساب ظلماته وسط الضوء المتضائل والشفق ~~الأحمر يتفانى هو الآخر تحت قوة الظلام، كذلك صورة مثل فيها الشباب في صورة فتى غض ~~جميل يلمح الإنسان على وجهه ذلك الأثر الذي تخلفه سن القوة القوة والجمال، وفي ~~نظراته معنى الحياة والرغبة، وفي شفاهه القبلة الحائرة لا تدري أين تقع. # على مقربة من كلرمون تقع روايا ويصل الترام ما بينهما، فلما نزلت منه صعدت أريد ~~قمه الجبل ولكن بلغ بي الملال حين رأيتني بعد أن أجهدت نفسي أرى القمة لا تزال على ~~بعدها الأول، وإنما أمسك علي قوتي أن رأيت الماء يتخدد الجبل وينزل فيدير معامل ~~غسيل أقيمت عند منتهى السفح، أمسك ذلك علي قوتي لأني أردت أن أتبع الماء إلى ~~منبعه، فتركت الطريق العام وما يحيط به من الصخر عن جانب ومن الوهاد المبنية فيها ~~المعامل على الآخر، وسرت فوق العشب على عكس تيار الماء، ثم وصلت إلى مرتفع من الجبل ~~قد قام فوقه الشجر وهو لا يزال من أثر الشتاء أجرد فقيرا، فهالني أن أجاهد لارتقاء ~~هذا المرتفع وقد أخذ مني الجهد وكدني السير، فجلست مستظلا بجزع شجرة يداري عني ~~قرص الشمس، وبقيت حول الساعة أرقب ذلك الماء المتدفق ينساب بقوة هائلة مدفوعا بقوة ~~الانحدار، وهو لا يقدر من أمره على شيء، ويرغي ويزبد لضعفه أمام الطبيعة فلا ينفعه ~~إرغاؤه، ويظل في انحداره حتى يتلقاه عند أسفل السفح عفريت السموات والأرض - الإنسان ~~- فيستخدمه لأغراضه، ويحسب أنه مختار في ذلك في حين أنه ليس أقل من هذا الماء ~~خضوعا لقانون الطبيعة العاتية. # وانحدرت مع الطريق المعتدل راجعا فأدت بي إلى منازل روايا، وهي عندي ms092 أحسن ~~نظاما من كلرمون، وسرت إلى محطة الترام فقابلني في الطريق ما يسمونه الكوبري ~~الكبير، وهو من غير شك حقيق بهذا الاسم، إن لم يكن بأفخم منه، فهو قائم فوق بطن ~~من الأرض منخفض يرتفع عن سطحها خمسين مترا بالأقل، ويبلغ طوله أكثر من مائتي متر، ~~وتمر من فوقه ومن تحته الطرق، وهو من الحجر قائم فوق عمد من الحجر يبلغ من خمسة عشر ~~إلى عشرين مترا في السعة، ويضاهي بعظمته الآثار الكبيرة الخالدة. # ورجعت إلى كلرمون بعد أن قضيت النهار سيرا. # 18 مارس ~~(في الطريق من كلرمون إلى نيم)، قمت من كلرمون بقطار الساعة السابعة صباحا، وأنا ~~أعلم أني سأصل إلى نيم حوالي الساعة السادسة من المساء ... إحدى عشرة ساعة في السكة ~~الحديد! كيف يمكنني أن أمضيها وأنا وحيد؟ ... اصطحبت كتابا من حكايات موباسان، ~~وابتدأت أقرأه لأول ما تحرك القطار، الحكايات ألذ ما يكون، ولا بد سأتي عليها في ~~سويعات، فما عسى أنا صانع بعد ذلك؟ # وبعد محطة من كلرمون ركب القطار معي شيخ فرنسي، وجعلنا نتحادث ويسألني عن مصر، ~~وينصح لي كما ينصح كل أوربي أن أطمئن للحكم الإنجليزي الذي ملأ بلد الفراعنة خيرا ~~ونعمة ... وله ولكل أوربي العذر فيما يقول؛ فعلى الشكل الذي يفهمون به الحوادث ~~والأشياء من بعيد لا نعمة تعدل نعمة الحكم الإنجليزي عندنا، أمن سائد حيث لا تقوم ~~مذابح يقتل فيها الأوربيون تقتيلا، ووفرة ونعمة لأن لمصر تجارة تزيد على أربعين ~~مليونا وإن كان القسم الأكبر منها لا يتعلق بثروة مصر، وتعليم راق لأن هناك أسماء ~~مدارس كأسماء المدارس العالية في أوربا ... فماذا يريد المصريون فوق هذا؟ # المصريون يريدون أن تكون مصر للمصريين. # وتركني الشيخ بعد قليل ورجعت إلى كتابي، ولكني لم أبق طويلا حتى إذا بالقطار ~~دخل فجأة من ذلك السهل الذي كان يرمح فيه لتحيط به جبال عالية يبقى بينها يخرقها ~~لحظة ويتهاوى على سفوحها أخرى، تظله أشجارها من ناحية ويطربه خرير نبوعها من ناحية ~~حتى يتخلص منها إلى نيم، ويكون بذلك ms093 قطع طريق وسط جنة منيعة ملأى بآمال الربيع ~~وثلوج الشتاء. # تلك هي الأوفرن البديعة. # سار القطار بين جبالها يظهر مرة فتظهر أمامه حزون وبطون، وفوق الحزن تقوم الأشجار ~~قاتمة اللون لا تزال في مأتم الشتاء، وتصعد على السفح حتى تختلط هي والجبل بالسحاب ~~الرفيع، وتتدفق في البطون مياه المنبع متلاطمة مرغية مزبدة، ما دامت في مبدأ نزولها ~~من موضع رفعتها فإذا هي استوطأت مهادها الوضيع الغائر في الأرض هدأت ورقصت فوق ~~سطحها موجات لطيفة دائمة الابتسام، كأنما هي حلم ذلك الماء المستسلم بعد ~~ثورته. # ويبقى ذلك المنظر لحظة، ثم إذا الجبل انفتح بطنه وابتلع القطار في جوفه فأحاطت ~~بنا ظلمة تبددها المصابيح ... وبعد لحظة إذانا تحت السماء من جديد، وإذا الخرير ~~مستمر دائم، وإذا هناك بين الصخور والأشجار سكة ضيقة يسير عليها أحد هؤلاء ~~الجبليين وتتبعه بقرته، وهو في وحدته ساكن العقل والنفس ينظر بعيون كلها الاستسلام ~~وعدم الاهتمام لذلك المنظر الذي يرى كل يوم. # ويتكرر المنظر الجبلي المستوحش أمام العين، ولكن في أشكال مختلفة جذابة كلها تأخذ ~~بالقلب والفؤاد وتستهوي اللب، ويظل الإنسان محدقا بها مأخوذا بنشوة جمالها حتى ~~يصل إلى غايته وقد سحرته الطبيعة وتمنى لو أن له كل يوم سفرة من كلرمون إلى ~~نيم. # 19 مارس # الآن ابتدأت جولاتي بين المدن القديمة التي شهدت الرومان في أيام دولتهم، وإذا لم ~~يكن لمصري مثلي أجداده الفراعنة أجداد التاريخ أن يهوله قدم؛ فإن لهذه الأماكن ذات ~~التاريخ البعيد لجاذبية لا أستطيع أن أتخلص منها، فتراني متى وقفت أمام بناء قديم ~~احتلتني لمرآه هيبته وأخذ بنظري وسمعي وحواسي ومثل، أمامي ذلك الأجل الطويل الذي ~~يصل مبتدأه بأيامنا، وذكرني بأولئك الذين استحالوا إلى الأرض ثم انتقلوا معها ومع ~~الزمان وجاءت آثارهم ناطقة بالخبر الصحيح عنهم. # أنا اليوم في نيم هذا البلد القديم المملوء آثارا، لا يكاد الإنسان ينزل من ~~القطار ويتدرك السلم النازل إلى الأرض ويسير في الطرقات حتى تقابله الآثار وتصل إلى ~~نفسه ريح التاريخ، يحس مع أنه غريب عن ms094 البلد نازح إليه بجاذبية تدفعه إلى هاته ~~الأماكن التي شادها الرومان بعضها للهوهم وبعضها لمنفعتهم، وكلما مر أمام أحدها ~~وقف يحدق به مطيلا التحديق مستعيدا إلى رأسه المشاهد والأشخاص والأعمال والوقائع ~~التي يعرفها عنهم. # أكبر هذه الآثار في نيم (الأرينا)، والأرينا بناء هائل بيضاوي الشكل (طوله مائة ~~متر وثلاثين، وعرضه مائة، ويرتفع عن الأرض عشرين مترا)، بني في القرن الأول أو ~~الثاني من الميلاد، وعشقت أحجاره بعضها ببعض من غير أن تصل بينها أي «مونة» شأن كل ~~الأبنية الرومانية الكبيرة، وقد أعده الرومان للهو فكان يقوم عندهم مقام المراسح ~~عندنا، فنرى في وسطه دائرة بيضاوية ترتفع حولها المقاعد بشكل (امفيتياتر) خمس ~~وثلاثون صفا كانت مقسمة أربعة أقسام: أولها لذوي المقام، والثاني للشجعان، ~~والثالث للناس، والرابع للعبيد. ويدخل إليها ببوابات كبيرة اتخذت فوقها أماكن لذوي ~~المكانة والعظمة. # سوى الأرينا ترى في نيم البيت المربوع، وهو كذلك أثر روماني من أبدع الآثار ~~وأجملها، وعني به أكثر العناية، وقد قامت حوله عمد تزيده جمالا، واتخذ في هذه ~~الأيام متحفا يحوي آثارا قديمة وأشياء حديثة، وفيه مجموعة من النقود يرى الإنسان ~~فيها نقود أغلب الأمم الحاضرة والقديمة. # هناك كذلك حديقة النبع # Jardin de la fontaine # وفيها معبد ديانا وهناك آثار أخرى كلها تبعث إلى النفس ذلك المعنى المهوب الغريب ~~معنى القدم والفناء. # ولقد جاء صديقي ب. من مونبلييه إلى نيم لمقابلتي، وزرنا بعض هذه الأماكن معا، ~~وآخر النهار سافرت إلى مونبلييه. # 22 مارس # ليس لي أن أكتب شيئا عن مونبلييه، فإني وإن كنت قد بقيت فيها يومين وشهدت بعض ~~الشيء من آثارها فلقد كنت مشغولا بصديقي ب. الذي أخذ كل وقتي ونفسي، ولم يسمح لي ~~المقام معه أن أعرف عن بلده أكثر من أنه بلد ريفي ككل بلاد الريف التي رأيت: ~~ككلرمنت ونيم أو أقل من هذه الأخيرة بعض الشيء. # أما اليوم بين جدران آرل فإني أحس بأقوى مما أحسست به في نيم، تصورت أمام عيني ~~كل معاني القدم والفناء ظاهرة واضحة في هذه ms095 الآثار القديمة والأطلال الدراسة، وليست ~~الأرينا وحدها التي هي أعرق في البناء بكثير من أرينا نيم هي التي تدفع لهذا ~~الإحساس، بل إلى جانب الأرينا تقوم بقايا التياترو الروماني ولم يبق منها أحجار ~~إلا منشورة، واثنين من العمد الكثيرة التي كانت ونقلت إلى الكنائس والهياكل، ~~والمنظر كله يشعر بالقدم البعيد وتحس وأنت واقف في هذه الوحدة والصمت المطلق كأنما ~~تناجيك من تحت الأحجار بصوت خافت تلك الأرواح البالية الفانية التي عمرت يوما ما ~~هذه الأماكن. # أين ذهب هؤلاء الرومان الأقدمون؟ من يدري، ابتلعهم الفناء في جوفه الهائل ثم قذف ~~بهم بعد ذلك أشجارا وحيوانات وجسوما انتقلت هي الأخرى مرات إلى الظلمة ثم ردت في ~~أشكال مختلفة إلى نور الشمس الذي شهدها في غيرها من غير أن يحس لها من أجل ذلك بفرح ~~أو ألم. # وهذا المرسح الدارس الصامت كان مكان الضحكات العالية والسرور الجم؟ وهذه العمد ~~البالية كانت موضع الإعجاب بجمالها، وهذه الأحجار الضخمة موضع الهيبة وسط البناء، ~~نعم كلها كانت كذلك، ثم ها هي اليوم ولا صوت لها ولا حياة فيها إلا حياة القدم ~~المهيب. # والرومان الأقدمون كانوا سكان هذه الأماكن هؤلاء الناس الذين عمروا الأرض وانتشر ~~عليها سلطانهم ولم يك لهم من منافس هم أشد صمتا من هذه الأحجار التي أرى. # وعلى مقربة من هذه الآثار ينصب نهر الرون قوي التيار، وقد شهد هو الآخر كل هذه ~~التقلبات، وربما قذف مرات مع مياهه دماء وأشلاء وأشياء في الماضي، وهو مستعد لأن ~~يقذف بالدماء والأشلاء في الحاضر والمستقبل إلى البحر، والماضي والحاضر والمستقبل ~~كلها عنده سواء. # ترى في آرل متاحف تحوي الأشياء القديمة، وترى فيها سكانها المشهورين بجمالهم ~~يروحون ويجيئون ويقضون حاجات الحياة من غير أن يفكروا في هذه الآثار المطروحة تحت ~~أقدامهم، ولا في الجمال المتوجة به رؤوسهم. # أقمت في هذا البلد ليلة واحدة ونهارا، وكنت في كليهما ممتلئا سرورا وإعجابا ~~ومهابة وأحلاما. # 23 مارس # من آرل إلى طولون ... لا شيء يستدعي النظر غير البحر الأبيض الجميل الزرقة ms096 الخفيف ~~الأمواج. # من طولون إلى نيس ... أخذت قطار شركة صغيرة من طولون إلى (هيير)، وأخذته لأنه يحاذي ~~البحر فسار بنا من الصباح حتى الزوال بين البحر والجبل، والشمس تنكسر أشعتها على ~~الأمواج زاهية تنسي الإنسان قتوم الشتاء العابس في باريس، ومن (هيير) إلى نيس رجعت ~~إلى قطار ال ~~(P.L.M) ~~، وبعد أن كنت في أرل ونيم بين ~~الآثار القديمة تنبئ عن البائدين من بني الإنسان، أصبحت اليوم أسير بين آثار ~~الطبيعة الهائلة الغريبة، بين جبال شامخة بعضها من الحجر الأحمر يقده الوابور ~~كأنما يقد اللهيب وبعضا، من حجر متعدد الألوان غريب الشكل، ووصلت نيس حوالي ~~العصر. # 25 مارس # وصلتني هذا الصباح البوستة المحولة من باريس وبينها هذا الخطاب. # أخي محمد: # أكتب إليك والبلد تموج من أثر حادثة مقتل بطرس غالي، والحكومة تشدد النكير ~~على كل من يظن صاحب أثر فيها، والبوليس السري يدور هنا وهناك وفي كل أنحاء ~~العاصمة، والناس جميعا في انتظار نتيجة هذه الحالة الفردية الغريبة ~~الكبيرة. # إما أنا فهادئ بين هؤلاء جميعا، وأنظر لما يدور بعين عودت أن لا ترى في ~~الوجود خيرا ولا شرا، وأن لا تعتبر أكبر الحوادث التي يهتز لها الناس ~~والحكام والعالم بأكثر مما تعتبر الحوادث الصغيرة التي تقع كل يوم؛ لأنها لا ~~ترى في ندرة وقوع الأولى وخروجها عن المألوف من العظمة أو الغرابة ما يريد ~~الناس أن يحبوه لها، ولا في كثرة وقوع الثانية وصغرها ما يضعف من أهميتها أو ~~يقلل من قيمتها. # وأنت فما رأيك فيما يقع هنا؟ وماذا عساك وأنت بعيد عن التأثر بالحوادث تقول ~~عنها؟ لعلك تخبرني بكلمة تذهب بكثير من الآراء التي تشعبت وانتشرت في البلد، ~~وتجعلني أطمئن لرأي في هذه الحادثة التي يقولون ستكون ذات أكبر الأثر على ~~مستقبل البلد. # هذا وأما عن خصوصياتنا فلا شيء جديد، غاية الأمر أني كنت أفتش بالأمس في ~~دولابي فوقعت يدي على سبحة بلح مما كانت أحضرته عمتي ر. من الحجاز، فصممت على ~~أن أرسلها لك وأنتظر أن أفعل، ويعدل هذه ms097 المسألة في الأهمية أن كتاب صديقي... ~~كتب من أيام وهو أشد ما يكون جزلا، كما أنه بلغني من أخبار البلد أن خالتي ~~سعدة مريضة، وأن ما أحرق من البخور من أجلها وما دفع لقياس (أطرها) ذهب أدراج ~~الرياح. # ولك مني تحيات لا يحصيها العد. والسلام. # عطية # 26 مارس # أخي عطية: # كنت أريد أن أكتب لك بالأمس ردا على خطابك وعلى ما جاء فيه، فلما خرجت بعد ~~الظهر ورجعت عدلت عن ذلك؛ لأني رأيت شيئا أحسن ويستحق حقيقة أن أكتب لك ~~عنه. # أنا هنا في نيس - مشتى ذوي اليسار ونزهة المنعومين أيام الأجازة - لي أيام، ~~وغرفتي تطل على البحر إلى حد ما، ولكني لا أكتفي بالمكوث فيها، بل أخرج كل صباح ~~إلى سوق الأزهار، وأمر من وسطه أتمتع بشذاه وبهيج مناظره وألوانه، وأرتقي ~~أحيانا بعض المرتفعات الغريبة من البلد لأسرح النظر فوق سطح البحر المكسو ~~بلجين ضوء الشمس، أما ما بعد الظهر فأمضيه غالبا في نزهات خارج البلد. # كانت نزهتي اليوم إلى مونتكارل، وفي طريقي إليها أخذت الترام الذي جاز بي ~~ڤل فرانش # Ville Franche # وبل ڤي # Belle Vue # وحتى مناكو، هناك نزلت من العربة ~~وارتقيت مرتفعا ثم سلما حتى وصلت إلى قصر حكومة الإمارة (إمارة مناكو ~~المستقلة)، هناك وجدت ساعة تطل على البحر المتوسط من ناحية، ويحيطها المباني ~~الممنوع الدخول إليها من أخرى، ومدافع صغيرة كالتي ترى في ساحة عابدين مصوبة ~~إلى البحر لا أدري لم، ربما كان لإطلاقها عند المواسم والأعياد؛ إذ لا أظن أن ~~قد جال برأس أهل مناكو أن يدفعوا مهاجما لمملكتهم لأنه لا يجول في رأس أحد أن ~~يهاجمها. # وتركت مناكو وذهبت بترام آخر إلى منتكارل، ولقد كان أشد دافع لي على زيارة ~~هذا البلد حبي الفرجة على كازينو القمار فيها، ولكني للأسف لم أقدر، فلقد طلبوا ~~مني جواز سفري، ولما رأوني على ما سطر فيه لم أبلغ الثالثة والعشرين أبدوا ~~أسفهم أن قوانين الكازينو لا تسمح بدخوله إلا لمن كان فوق هذا السن، وبذلك خرجت ms098 ~~مضطرا أن أقنع بمنظر البناء الفخيم من الخارج ثم أن أجلس على قهوة قامت ~~أمامه، وأمامها قامت حديقة مستديرة تقف حولها العربات القليلة والأوتومبيلات ~~الكثيرة وكلها تشعر بالثروة الوافرة، هناك نسيتك يا أخي - ولا مؤاخذة - ونسيت ~~ما تسأل عنه، ثم التفت إلى أمامي فإذا ألماني لا يحسن إلا كلمات من ~~الفرنساوية، استطعنا على كل حال أن نتفاهم بها ونمضي سويعة معا، وهو لا يدخل ~~الكازينو لأنه يخاف أن ينقاد إلى اللعب فيضيع ما بقي معه بعد أن أضاع الشطر ~~الأوفر، وأنا لا أدخله حتى لأتفرج عليه لأن سني لا تبلغ الثالثة ولعشرين فلا ~~أستطيع. # هذه الجهات، نيس ومنتكارل والريفييرا كلها ملأى بالألمان وبالإنجلو ساكسون من ~~الإنكليز والأمريكيين؛ لذلك كنت لا أكاد أسمع كلمة فرنساوية فيما حولي وأنا على ~~القهوة، بل كله دردشة ألمانية لا أفهمها، وإنكليزية لا تكاد تخرج من أفواه ~~أصحابها المقفلة فلا أتميزها. # وأخذت الترام الراجع توا إلى نيس، هنا كان موضع إعجابي إلى حد الذهول، في ~~هذه المدة التي استغرقت نحو ساعة أنسيت خلالها كل شيء سوى ما كنت فيه، وهذا ~~المنظر البديع الذي جادت علينا به الشمس في غروبها جعلني أتوه على الفكر في أي ~~شيء غيره، ودفعني حين أردت أن اكتب لك إلى ترك السياسة وما سوى السياسة لأتلذذ ~~بتسطير هذه المناظر المتعاقبة التي رأيت والتي احتلت من نفسي أكبر مكان. # ولكن هل أستطيع أن أعبر لك عما رأيت، هل يستطيع قلمي أن ينقل إلى هاته ~~الصحيفة أمامي الجمال البارع المهيب، كلا يا صديقي إنه لعاجز. # في هذه الساعة التي أكتب لك تمر أمام مخيلتي الجبال والبحر والزهور وقرص ~~الشمس كما رأيت من ساعات، وأريد أن أطبع لك صورة لنفسي فهل أنا على ذلك قدير؟ ... ~~لأجاهد على كل حال. # أخذت الترام من منتكارل وأنا كما قدمت بين جماعة من الألمان والإنكليز، وسار ~~بنا يحاذي الشاطئ فإلى شمالنا يذهب البحر المتوسط بزرقته البديعة تتكسر على ~~سطحه موجات خفيفة، وينحدر الشاطئ من حين لحين مغروسا بالزهور تبعث ms099 للهواء ~~بريحها العطر فتملأه رقة وشبابا، وعن اليمين الجيل قائم محدد الوجه أحيانا ~~حتى ليكون قاسيا ومغطى بالزهر أخرى فيصبح ساحرا. # والترام يشق بنا هذه الجنات ونحن بها مسرورون، فلما اجتزنا فل فرانش إذا ضجة ~~في العربة تلاها سكون عميق، وامتدت الأبصار إلى الغرب ذاهلة وفتحت الأفواه وعلا ~~الموجودين الذهول، وتهت أنا عنهم وعن نفسي وجعلت أحدق بعيون ثابتة لهذه الشمس ~~البديعة، هذه الشمس التي أرى الآن أمامي وهي مرتكزة بأسفل قرصها على الجبل ~~كأنها منهوكة من أثر النهار، وقد ارتفع الدم واللهب إلى هذا الوجه الذي ظل ~~سائرا حتى هده اللغوب، والجبل لفه شيء من ضباب تلك الساعة مهوب هائل يحمل ~~القرص البديع وكأنه أشد ما يكون بذلك سرورا ونشوة. # والقرص الملتهب قد بعث إلى ما حوله بلون وردي بديع، وطوق السحب المشتقة في ~~السماء بأطواق من لونه فصارت كأنها في حلقة من نار أو سوار من ذهب، وكلما ~~ابتعدت تغير لون سوارها مائلا إلى البياض. # والشمس في تلك اللحظة أبدع من كل ما نتصور، ألا ليت تلك الساعة دامت إلى ~~الأبد، لا نهار ولكن شمس متوردة ترنو للناس بعينها الفائرة ذاهبة إلى خدرها، ~~وهواء يموج بالعطر ويبعث للنفس تخدرا وسكرة، وجبل نما فوقه الزهر وهو قريب ~~تكاد اليد تلامسه، وبحر هائل تضيع العين دون آفاقه. # والقرص المتورد يخطو فوق الجبل ويختفي رويدا رويدا. # هذا عطية ما رأيت اليوم، وما رأيت أن أسطره لك، ولعلك تجد مثلي فيه من اللذة ~~أضعاف ما تجده في السياسة والكياسة. # محمد # 30 مارس # ها أنا مرة أخرى في أحد بلاد الآثار، في أفنيون # Avignon # نزلتها ليلة الأمس فأتممت بها قراءة (مادام بوفاري ~~لفلوبير) التي ابتدأت في نيس، وزرت هذا الصباح قصر الباباوات وهو أحد الآثار ~~الرومانية التي تقلبت على الزمن في أيدي الحكام فاستعملوه لأغراضهم، فمنهم من ~~اتخذه مقاما، وآخرون جعلوه قشلاقا للعساكر، وها هو اليوم تصلح الحكومة الحاضرة من ~~أمره وتريد أن ترده إلى مثل ما كان. # هل هنا موضع لنقل صحيفة ms100 من رواية أناتل فرانس (الزهرة الحمراء # le Lys rouge ~~) حيث يقول: «إن من الآراء عند بعض المعماريين في ~~إصلاح القديم أن يعيدوا إلى أحجاره شكلها الذي وضعت به أول بنائها، في حين يقول ~~آخرون إن من الواجب احترام ما صنع الزمن بها، وهؤلاء أفضل رأيا»، ولكن تفضيل أناتل ~~فرانس لهذا الرأي لم يجعله إلى اليوم متبعا في تعمير الآثار التي ترد إلى شكلها ~~الأول. # يقع قصر الباباوات في ناحية من البلد مرتفعة، ويقوم قريبا منه بستان أو ما يشبهه ~~فوق هضبة تجتلي منها أفنيون ونهر الرون، وتتسلى فيها بمنظر المياه المنحدرة تتسرب ~~هونا ما إلى المنخفض. # فإن أنت نزلت من هذه الأماكن الأثرية والطبيعية، ودخلت إلى قلب البلد، وكان ذلك ~~بيوم ماطر كاليوم الذي ساقني فيه الحظ، لشعرت بأكبر السرور حين تدخل من باب دار ~~الصور (المتحف) وتجتاز صحنها إلى البناء، فإذا صرت في صالات هذه الدار المتواضعة ~~الشكل القديمة البنيان المكسرة الأحجار نسيت البلد والمطر والدار وشكلها ورحت بكلك ~~مسحورا بجمال ما ترى من الصور فيها. # رأيت أبدع ما يكون من النقوش في الدور الأول بعد أن استوقفني مدة تماثيل الدور ~~الأرضي، رأيت غروب الشمس في نرمندي، ورأيت مراتع الشاه ومسارح الصيد وكلها من ريشة ~~نقاشين من أهل أفنيون، ولكن الرسم البديع الذي استوقفني أكثر من كل رسم آخر. والذي ~~أخذ مني وقتا أكثر من غروب الشمس ومن الأشجار والمزارع تلك هي القديسة العذراء ~~جاث أمامها مستتيب. # لا أستطيع مهما جاهدت تصوير ما عليه هاته العذراء من الإبداع، هي الخيال، هي ~~الأحلام، هي الجمال، هي الحب، هي السعادة، هي كل ما تشاء من جميل، فتاة دقيقة ~~القوام حادة الأنف ساحرة العينين قد انسدل فوق جسمها الخصب ثوب فياض، ثم لفتها ~~سحابة فستقية اللون، أو هي سماوية وتشف عن ذلك الجمال البديع ... كنت كلما تركتها ~~خيفه انتهاء الوقت وطمعا أن أرى ما سواها رجعت إليها غير مستطيع أن أفارقها الفراق ~~الأخير، وحدقت منها بتلك الصورة الملائكية الناطقة، وذلك المستتيب جاث ms101 أمامها ضارع ~~يعبدها، وهل هي إلا المعبود الأكبر. # لقد جال بنفسي أن أجثو أنا الآخر أمامها، أن أضرع إليها إلا سمحت لي بنظرة من سحر ~~عينيها، ثم أرى أمامي حارس الدار فيعلوني ارتباك ويقف هو عنيدا دون ما أشاء، وكل ~~واجبه أن ينبهني إلى فراغ الوقت. # حقا لو أن هذا الجمال على الأرض لعبد، ولكنه على حيطان متحف أفنيون. # الفصل الرابع # | في باريس من جديد # 4 أبريل # عدت إلى باريس، الآن أتنفس. # كم تضايقت هذه المدة الأخيرة، وكم شاقتني حقيقة باريس، الآن أتنفس بعد الضيق، لقد ~~أمضيت بليون ثلاثة أيام لم أذق لشيء فيها طعما، ووجدتني مدفوعا من كل جانب ~~لأرجع إلى باريس. # نعم رجعت الآن إلى باريس، ودخلتها بطقس ماطر وسماء عبوس، وقصدت الدار، ولا يعلم ~~أحد ممن فيها بعودتي، ووجدت غرفتي غير مرتبة، وكل شيء على غير ما أحب، ولكني أحس ~~بابتهاج وسرور عظيم، أحس بهزة داخلية كلها الفرح، يخيل لي أني رجعت إلى دار النعيم ~~... لماذا؟ لأني رجعت إلى باريس. # حقيقة لقد قلت بعد أيام ليون: # وقد طوفت في الآفاق حتى # رضيت من الغنيمة بالإياب # وإن كنت لا أنكر قد سرني في ليون خبزها. # رجعت فوجدت أهل البيت يستقبلون ضيوفا من معارفنا إلا واحدا من أصدقاء المسيو ~~ج. ب. وهو مدرس في كلية ديجون، ولقد سرني كثيرا معرفته لأنه فوق لطفه المتناهي واسع ~~العلم دقيق الحكم، ولقد تكلم مع صاحبه في مواضيع كثيرة؛ فدل ذلك على ذكاء واطلاع ~~نادرين. # تكلمت معه بعد ذلك في مسائل شتى، ويعجبني من هؤلاء الناس أنهم مهما اختلفوا معك ~~في الرأي فإنهم دائما يتمسكون بالحجة العلمية أو الاستنتاج المنطقي أو استقراء ~~الحوادث، وإذا لم يك بعد ذلك سبيل إلى الاتفاق ترك كل واحد صاحبه ولكل عقيدته ~~من غير أن يثور بينهما العجاج، ومن غير أن يصل إلى أن يسفه كل رأي صاحبه، والواقع ~~أن ليس على البسيطة رأي خال من الخطأ أو خال من الصواب، بل كل يحوي قسما من ~~الحقيقة يظنه ms102 صاحبه أشد غلبة عليه حتى تظهر الأيام فساد ظنه. # 10 أبريل # ألقيت الليلة في الجمعية المصرية كلمة عن الحجاب وفساده. # وكان خصما لي في النظرية التي أقيمها نظرية السفور ط. أفندي، وحكما بيننا ش. ب. ~~أفندي، لا يهمني ما قلت وما قال خصمي ولا حكم الحكم، ولكنما سرني كثيرا ما دار في ~~هذه الجلسة، كان إخواننا جميعا، وكلهم من الشبان شديدي الإحساس بما لنظرية السفور ~~من القوة، ولكنهم مصريون، والحجاب وما اقترن به من ذيوله المزعومة كالعفة وطهارة ~~الذيل لا يزال يجول في صدور البعض منهم، فإذا قام أحدهم تلعثم ولم يدر ماذا يقول، ~~إن قال معي فلتسفر فتياتنا عرته هزة تدفعها الوراثة إلى نفسه، وإن قال فليحتجبن ~~ذكر أنه كان مرة عزم على أن يتزوج فوقفت هذه العادة المشؤومة في وجهة لأنه لا ~~يستطيع أن يجعل شريكة حياته فتاة لم يرها ولم يعرف منها ولا من آرائها وميولها ~~شيئا، وأخيرا قام ع. أفندي الفيلسوف وقرر نظرية الحجاب، ولكنه رأى وجوب الدواء ~~لمسألة الخطبة، فاقترح أن ينظر الشاب الخاطب من ثقب قفل الباب إلى مخطوبته (هتاف ~~وضحك). # وتتالى الخطباء بعد ذلك بحماس وحدة، ويسرني أن أقول إنهم جميعا طلبوا تحسين ~~الحال، والواقع أن هذا الموقف الموجودة فيه المرأة اليوم، موقف حيوان المتاع والشهوة، ~~أخس من أن يجد نصيرا يريد الإبقاء عليه، بل لا أشك لحظة في أن فتياتنا اليوم يخجلن ~~أن يرين أنفسهن موضع اعتبار كهذا ... يعلم الله لو سمعت أن أحدا وجه إلي مثل هذه ~~التهمة الشنعاء لما ونيت لحظة عن طلب دمه ليغسل به ما نسب إلي من العار. # ولكن فتياتنا مسكينات ومعذورات، نعم إني أعذرهن وأتألم لهن، ليس ذلك ذنبهن، ولم ~~يك ليدهن في هذه الجناية عليهن من نصيب، وهن يحتملنها ميراثا أليما عن أمهاتهن ~~وجداتهن ... ولا يرحم الزمن شبابهن، بل هو كعادته يريد المصاب مصائبا وذا الألم ~~آلاما، ويرمي على رؤوسهن أثقالا جديدة من الحجب أخشى أن ينؤن بحملها. # يونيه 1910 # أنا الساعة عائد من جمعية ms103 الطلبة # l’association génrale des ~~etudiants de paris # حيث كنا نستقبل كبير مشايخ كتاب فرنسا ~~الحاضرة: أناتل فرانس. # ازدحمت الصالة بالطلبة وبعض الطالبات ساعة قبل الموعد المضروب لحضور الكاتب ~~الكبير، فكنت لا تجد مكانا خاليا، بل لقد وقف من لم يجد مقعدا في الممرات حتى ~~غصت بهم، فلما وافت الساعة جاء الرجل يحوطه جماعة من كبار العلماء والكتاب في ~~البلد: بول هرفييه والفرد كروازيه إلخ ... وتكلموا، ثم قام هو من بعدهم طويلا نحيفا ~~ناحل الوجه أشيب ضعيف الصوت؛ لذلك فإذا كان لا ينازع في عظمته الكتابية فهو بعيد ~~عن أن يكون متكلما محسنا، وكان أول ما نصح به الشبان أن يفكروا، أن يفكروا ~~كثيرا، أن يفكروا دائما، فمحال أن يفكر إنسان ثم لا يصل إلى نتيجة أيا تكون من ~~تفكيره، والنتيجة الموزونة التي امتحنها الفكر ذات أثر في حياة العالم ~~دائما. # انتقل بعد ذلك إلى الحذر فعده أخس الفضائل وأنقصها؛ ذلك أن الحذر يلازمه الخوف ~~والرعدة والتقهقر، في حين يصل الإنسان بالإقدام إلى كل ما يريد، ومهما يكن في ~~الإقدام من الخطر فإن خطره أقل كثيرا من خطر الحذر. # ونصيحته الثالثة للشبان أن يكونوا كثيري الخيالات والأحلام والأماني، وتلك عندي ~~أغلى نصائحه وأعلاها، تلك هي اللب واللباب من كل قوله. # بالمنى يصل الفرد وتصل الإنسانية إلى أعظم مراتب السعادة، هو الحلم والخيال الذي ~~دفع العالم من حيث كان في درك الهمجية إلى حيث هو من التقدم والعظمة. # وختم كلمته بأن أشار إلى نص القانون الذي يحرم على رجل التعرض لحكم صادر، وذلك ~~بمناسبة الحكم على هرفييه لتصديه في جريدته للتعريض بنص القانون، والحكم على أحد ~~مجرمي باريس لأنه ضرب جنديا فقتله، اعتبر فرانس كل قانون يحد من حرية إبداء الرأي ~~قانونا مجرما، وقرر أنه مهما حوت الكتابة مما يضاد عاداتنا ومعتقداتنا فالواجب ~~أن تبقى حرة إلى أقصى درجات الحرية. # اختتم الرجل بذلك كلامه، وأراني أوافقه على آرائه كلها بنفس السرور الذي أجده في ~~قراءة كتبه. # 8 يونيه # أخي عطية: # انتهيت اليوم ms104 من امتحاني الأول للدكتوراه، ورجعت بذلك إلي حريتي، وملكت ~~وقتي بعد أن ملكته علي المراجعة والمذاكرة مدة من الزمن، ولقد دخلته وأنا ~~أخلى الناس بالا وأقلهم بنتيجته اهتماما، ولم أحسب حسابا لشيء أكثر من أني ~~مسافر غدا للندرة فالأحسن أن أذهب إليها مسرورا. # في هذه المدة التي كنت أحضر فيها لامتحاني كنت أبعد الناس عن أن أفكر في ~~الخارج وما فيه من اللذة، وأنت تعلم شديد حاجة الإنسان إلى ما يروضه حين ينهال ~~عليه العمل فيثقل كاهله، ولقد كان ذلك أشد على نفسي حين كنت أرى من نافذتي ~~أشجار حديقة صغيرة إلى جانب بيتنا تورق وتينع، فإذا نزلت قابلتني اللكسمبور في ~~أبهى أيام عرسها زاهرة ناضرة، كل شيء فيها باسم وضاح الجبين، وعلى رأس كل شجرة ~~تاج من الزهر أبهى من تاج العروس، ولكني تعزيت هذه المدة بحادثة بسيطة لذيذة ~~عوضتني ذكراها عن الرياضة والنزهة، وصرفتني لعملي عن كل شيء. # أحسبني أخبرتك قبل اليوم أن بيتنا مؤلف من أربعة أشخاص، ربة البيت والمسيو ~~ج. ب. وشاب فرنساوي في التاسعة عشرة من عمره وأنا، ولقد بقينا كذلك طوال عامنا ~~إلا العشرة أو الاثني عشر يوما الأولى من مايو، حيث جاءت فيها إلى الجمع غادة ~~كندية بنت سبعة عشر، كاملة التكوين، فأضافت إلى نضرة الربيع القادم وبعثت إلى ~~وحدتنا نحن الأربع روحا جديدة شابة فياضة ربما كنت أنا أكثر الناس إحساسا ~~بوجودها. # هذه الغادة هي مس بياتركس. # حضرت مس بياتركس إلينا أوائل أيام الربيع ذات ليلة ونحن جميعا صمت مشتتون في ~~الصالون، ودخلت مع أمها حوالي الساعة العاشرة وعلى رأسها قبعة إنكليزية غطت بعض ~~الشيء عيونها، وظهر من تحتها خدودها المتوردة الزاهرة. # فلما جلستا استأذنت وصاحبي الشاب وذهبنا إلى مضاجعنا، ولم ينس أن يغمزني في ~~الطريق: أليست جميلة صاحبتنا القادمة؟ # وأقامت معنا عشرة أيام أو اثني عشر يوما، ثم سافرت مع أمها إلى ألمانيا ~~وتركت لي ذكرا جمع بين اللذة والشوق المر، كان هو سندي أيام مراجعتي للامتحان، ~~والعزاء الوحيد عن عرس ms105 الطبيعة الذي كان لا يفتر يجذبني إليه ببديع ~~جماله. # كم من لحظات كنا نقضيها في الحديث وحيدين جنبا لجنب، سويعات بعد الغذاء ~~قصيرة الأمد، كان يدور حديثنا عن مصر أو عن كندا أو عن مسائل من مثلها لا قيمة ~~لها في الواقع، ولكنها كانت عندي الشهد المصفى، وتركت ذكرا يحييه في نفسي ~~الربيع البديع. # وتعددت هاته السويعات، وأحسست مع ذلك كأن نفسي تتفتح وقلبي يأخذه الخفقان ~~بإحساس لا أقدر على تسميته لأني لا أعرف، وشعرت كأن الوجود الذي حرمني طول هذا ~~العام كل متاع بمعنى الشباب جاد ففاض ببياتركس وبالربيع. # وأجدر هاته السويعات بالذكر سويعة آخر أيامها معنا، وتكلمني عن مصر وشأنها، ~~وتريد مني أن أكتب تاريخ أمتي في قالب روائي، ثم تطلب ضاحكة أن أقدم باسمها ~~رواية من هاته الروايات، نعم بياتركس، من أجل هذا الإهداء الذي تطلبين سأكتب ~~تاريخ مصر مهما كلفني، وليكون ذكرا لأسبوعين سعيدين في أيام الحياة. # آه يا عطية، ما أحلى الحياة حين يسمح لها الخيال بالدخول إلى جناته! ولكن ~~الخيال ضنين. # ولكم كانت بديعة هذه البياتركس، لقد كان في خلقها البريء وفي تلك السذاجة ~~التي كانت مظهرها العام ما يجعلها حلما على الوجود، هي حقا الآتية من كندا ، ~~من بين الغابات الهائلة والسهول الفسيحة والطبيعة البكر، هي بنت ذلك العالم ~~المملوء بالطير والشجر والماء والزهر، وليست بنت عالمنا العتيق الأفن. # كنت يا عطية ولا أزل كلما ذكرتها ذكرت فتيات الأحلام، واللاتي يقال إنهن ~~سيكن في العالم الآخر. # تقضي أسبوعين وهي عندنا، ونمضي كل ليلة في لعب الضامة أو الشطرنج أو ما ~~سواهما، وكل ليلة تضيء الفوانيس الكهربائية بنورها على مجموع ساكن هادئ ولكنه ~~سعيد قانع ... على الأقل كنت أنا في أحسن درجات الرضى، ولكن تلك الليالي الجميلة ~~المحبوبة لم تكن شيئا إلى جانب الليلة الأخيرة. # جاءت أمها تلك الليلة لتبيت عندنا ثم يصبحان إلى ميوينخ، وجاء يقضي سهرته ~~معنا أحد معارفها كما جاء بعض معارفنا، وجلس الكل وصديقي الشاب وأنا في ~~الصالون، وفوانيسه الكهربائية ms106 لم تزد عددا ولكنما تضاعف نورها أمام هذا ~~المجموع المبتهج، ولم تكد بياتركس تجد الفرصة لتنسحب من بين أمها وربة الدار ~~حتى جاءت إلى جانبنا لتحدثنا ونحدثها أحاديث الوداع، ونسينا إلى جانب ذلك ما ~~كان من الضجة والسرور والضحك بين سائر الحاضرين. # ولما تقدم الوقت دخل إلى الحاضرين شيء من السكون، ورأيت الضجة تغادر المكان ~~رويدا رويدا حتى كاد يكون أخرسا. # واستأذن أصحابنا وبقينا جماعة «الحلية» حتى منتصف الليل، هناك أرادت الأم ~~الذهاب إلى مرقدها و«مست علينا». # فباستفهام جذاب بديع ونظرة ملئت حنانا وعطفا، وبصوت رخيم عذب تساءلت ~~بياتركس: وأنا الأخرى، أنا أيضا سأذهب. # ما كان ألذ هذه الكلمة على مسمعي! هل كانت كذلك على مسمع كل الحاضرين؟ # لعلك يا صاح تجد في صورة هذه الفتاة الملائكية بعض ما وجدت أنا من اللذة، ألا ~~ليت أيامها دامت! ألا ليتك لا تزالين هنا يا بياتركس! ها أنا فرغت من العمل ~~وأتمنى ساعة معك من جديد ... # معها في باريس؟ وسط ضجة الناس وجلبتهم؟ ويرانا الناس، وربما اطلعوا على مكنون ~~ما في صدورنا؟ ... كلا، كلا لا أريد ... لكن الحياة الحلوة عيش مع مثلها على ~~أرض ككندا، واسعة ذات دوح وشجر، ولا ضجة ولا جلبة ولا صياح ، عيش هادئ ساكن بين ~~الغياض وأغاريد الطير ... عيش متشابه خالد مملوء بالحب والسعادة. # هذه حقا هي الحياة الحلوة، لا في باريس ولا في مصر، لكني مع الأسف موقن أني ~~لن أعيشها. # هذه هي الفتاة التي ملأت وقتي بالذكر، وعوضتني بذلك عن النزهة والرياضة، ~~ووفرت علي كثيرا من الساعات ما كان أحوجني لها. # الساعة الآن السادسة ونصف، ويجب أن أسرع فأكمل ترتيب إهابي؛ وإذن فسلام ~~عليكم. # أخوك محمد # 10 يونية # الساعة السادسة صباحا. # كان مساء الأمس مساء مشهودا. # أمضيت شطرا من الليل مع أهل بيتنا، ثم جاءني أحد أصحابي المصريين، فلما انتصفت ~~الساعة الحادية عشرة استأذنا وخرجنا، ولم نسر إلا قليلا حتى قابلنا صديق ثالث ~~اتخذ طريقة هو الآخر معنا، وذهبنا جميعا إلى القهوة، وبعد نصف ساعة أردت ms107 أن أعتذر ~~لأذهب لأنام فأستريح استعدادا للسفر ... فقال صديقي ع. ف: يا شيخ دي آخر لياليك في ~~باريس، خليك معانا. # وبقيت معهم. فلما اقترب منتصف الليل نزلنا إلى التافرن فوجدناها هائصة بالشبان ~~والبنات والموسيقى والدخان والطرب وأنصاص البيرة وكاسات الكنياك والوسكي وكل ما شئت ~~من الكحول، وبعد أن درنا في المكان دورة وجدنا مكانا منزويا هادئا، فجلسنا فيه ~~جميعا، ولما نكد حتى مرت بنا إحدى البنات فسلمت على ع. ف. وجلست، وبعد لحظة ~~جاءت أخرى وجاءت بعدها ثالثة، وهكذا كنا حول المنضدة دستة، ثلاثة شبان متجاورين أنا ~~في وسطهم وثلاث بنات متجاورات كذلك، فلما مضت اللحظة الأولى وما يخالطها عادة من ~~السكون الصامت قالت إحداهن وهي الوسطي: إن ترتيبا هكذا ليس بشيك، بل يجب أن تجلس كل ~~واحدة إلى جانب شاب، فقم أنت (وأشارت إلي) فبادلني مكانك وبذلك يتم ~~الترتيب. # وعقبت الأخرى: وهكذا تبقيان مقابل بعضكما تتبادلان النظرات كما تشاءان # أليست خبيثة هذه المرجريت؟ هي تكسب من وراء انتقالها أن تلصق فخذها بفخذ شاب، ~~وتبقى تتبادل النظرات مع الآخر. # مارجريت ~~: # وأنت ماذا يضرك من وراء ذلك؟ ألا يعجبك الشاب الذي تتبادلين ~~النظرات معه؟ وهلا يسرك أن تلصقي فخذيك بشابين، بدل أن أكون أنا أحد ~~جيرانك! # وجاء الجرسون بالمشروبات، ولما انتهت استأذنت ثانية أريد أن أقوم. # فأمسك بي ع. ف. من جديد، وبينما أنا أتردد قامت مارجريت فتركتنا ولم تعد، وجلست ~~أنا ثانية وخيم علينا السكوت برهة، فقامت ثالثة الفتيات وبقيت جارة ع. ف. فتوثقت منه ~~أن سيكون بغرفته غدا الساعة الرابعة ثم انصرفت هي الأخرى، وبقينا نحن الثلاثة في ~~ركننا الحريز، وقد علتنا دهشة غريبة وكأن قيام هاتيك الفتيات قطع علينا تيار ~~خيالاتنا وأفكارنا، فبقينا صامتين جامدين لا نقول كلمة ولا نفوه بحرف، وأخيرا نادى ~~ع. ف. بالجرسون وطلب منه شرابا جديدا، وتجددت بذلك النشوة وانقضت السويعة الصامتة ~~وابتدأنا من جديد حديثنا. # ع. ف ~~: # إذن ستتركنا غدا يا عم هيكل، يا بختك، وتذهب إلى لندرة ~~وترى بلاد الإنكليز، هذه البلاد ms108 الغاشمة الظالمة، لو أنك من صديقنا ع.س. ~~عمدة المصريين في باريس لما دخلت لندن إلا غازيا. # ل. م ~~: # البلاد الغاشمة الظالمة! ما أكرمك يا أخي بالألقاب! لماذا ~~تعد إنكلترا غاشمة ظالمة؟ لأنها محتلة بلادنا؟ وإذا استطعنا نحن أن نحتل ~~إنكلترا أفلا تفعل؟ ويومذاك نكون نحن الغاشمين؟ في نظر من؟ ليس أمام أنفسنا ~~بالطبع ولكن في نظر الإنكليز، وأما نحن فنكون يومئذ أولياء الله على الأرض ~~والموكلون من قبله بحكم الشعوب الضعيفة، كلا يا صاح، إنكلترا ليست ظالمة، ~~إنكلترا تستغل بلادنا وتنهبنا كما تنهب أنت جارك الضعيف، وإذا كانت الصدفة ~~تمن أحيانا على جارك بأن يجد فضاء يرد عليه ضائع حقه فلا يزال القضاء ~~الفصل بين الأمم هو السيف، وصاحبة السيف الأحد والمدفع الأقوى صاحبه ~~الحق من غير نزاع. # ربما كنت معك في الأسف على أن الأمم لا تزال في هذه ~~البربرية، ولكن ذلك لا يمنعني من أن أنظر للأمم الحاكمة بعين الإعجاب، وإذا ~~كان ذلك في نظرك ونظر الكثيرين يعد من قبيل إعجاب الجهلاء بأعمال ~~البطولة؛ فإني راض أن أكون من بين هؤلاء البله والجهلاء، غاية الأمر أني ~~أسمح لنفسي بالدفاع عن نفسي وعن هذه الطائفة، إن الكثيرين ممن تسمونهم ~~العقلاء يعجبون بفيلسوف دقيق يدعو إلى إنسانية أرقى من الإنسانية الحاضرة، ~~ويريد حين يقول أرقى أنها تكون أبعد عن الوحشية وعن الظلم، وأن ترتفع إلى ~~جو العدل والرحمة، وجو العدل والرحمة لم يوجد بعد على الأرض بالرغم من أن ~~الإنسانية تريد أن تصل إليه من آلاف سنين مضت، لماذا؟ لأن جو العدل ~~والرحمة بالنسبة للإنسانية هو جو العدم، جو الفناء ... والإنسانية أظهرت لنا ~~دائما ولا تزال أنها أحرص ما تكون على البقاء والاستمرار، وبكلمة أخرى ~~حريصة على أن لا تصعد إلى جو العدل والرحمة؛ إذن فدفعها إلى هذا الطريق دفعا ~~إلى ما يستحيل أن تسير فيه، وبالتالي تعب ضائع. # يقول الذين يعللون أنفسهم بعلالات التقدم إن الإنسانية قد ~~قطعت شوطا كبيرا في هذا الطريق، حيث ألغت الرق، وألغت كثيرا من ms109 أنواع ~~التعذيب، وخففت وطأة البؤس، وأحلت مكان ذلك كله التحاب والرفاهة، متى كان ~~هذا؟ وهل ألغت شيئا مما تفتخر بأنها ألغته، إن كان أنصارها يريدون أن ~~يتمسكوا بالألفاظ ومعناها الموجود في القاموس فأنا أوافقهم على أن كثيرا ~~من الألفاظ دخل دولة التاريخ ولم يبق له أثر بين أظهرنا، لكن ألم تظهر ~~مقابل ذلك ألفاظ أخرى ذات معان ليست بأقل فظاعة من معاني الألفاظ الذاهبة؟ ~~وهل لم تظهر أشكال من البؤس تجعل ما عندنا منه يوازي على الأقل ما كان عند ~~أجدادنا؟ وهاتيك البنات التعيسات اللاتي كن جالسات معنا من لحظة مضت ألسن ~~خلق مدنية هذا الغرب المغرور المجرم؟ ومجاميع العمال التي تصبح تشكو الفاقة ~~والبؤس أليست شقاء جديدا دخل إلى الإنسانية الحاضرة؟ ولكن الناس ينظرون ~~لما كان في الماضي بعين تعظمه وكأن هاته الأشعة الزمنية التي تسري منا لم ~~تمر أولا بمنظار مكبر فترى كل صغيرة من شروره كأنها عذاب الجحيم في حين لا ~~يصل إلى آذان ابن ابن هاته الإنسانية المتألمة التي تحيط بنا. # لا أنكر أن من الناس من يكبر الخير الماضي، بل هؤلاء كثيرون، ~~ومن بينهم قام جماعة الذين يرون في الرجل القديم مثال السعادة والكمال؛ ~~لذلك فالإنسانية الحاضرة شقاء كلها أمام عيونهم، وخطأ هؤلاء وخطأ أولئك ~~متساويان، والواقع أن الإنسانية كانت ولا تزال ولن تزال خليطا من الحسن ~~والقبيح والشر والخير والنقص والكمال، كما لا يزال الناس كما كانوا يقتل ~~ويأكل بعضهم بعضا، وكل جيل بما لديهم فرحون أو هم عليه ساخطون. # إنك يا صاحبي ~~(مشيرا ~~إلي) # ذاهب غدا إلى مدينة جديدة وقوم يقدرون الخير والشر ~~بمقياس غير المقياس الذي عهدت إلى اليوم، فلاحظهم لعلك تجد في ذلك لذة أو ~~فائدة. # ع. ف. ~~(الذي لم يكن ينتظر كل هذه الفلسفة خصوصا وقد ابتدأت ~~رأسه تدور بعض الشيء) ~~: # الساعة واحدة وربع، مش نقوم! # أنا ~~: # ما أظرفك يا سي فلان! أتمنعني عن أن أقوم حتى إذا جاءت ~~اللحظة الجميلة حيث يحلو السهر ويطير النوم تريد بنا أن نقوم؟ ms110 أو أن غرضك ~~أن نسير في الشارع، وإن كان ذلك فإلى أين؟ # ع. ف ~~: # إلى حيث تريدون. # ل. م ~~: # أما أنا فيسرني المكث هنا، خصوصا وقد ابتدأ المكان يخلو ~~والدخان الذي فيه يلازم السقف ويبقى منه ريحه المنعش المخدر، على أنه إن ~~رأيتم أن نقوم فلا مانع، وربما كان بقاؤنا نصف ساعة أخرى غير مانع لنا عن ~~أن نسير بعد ذلك حتى ميدان الأوبرا. # ع. ف ~~: # ليكن، ولنرجع إلى الحديث الذي ابتدأته، ثم لتسمح لي أن أنكر ~~هذا التشاؤم الذي ظهر من كلامك، وأن أقول أنا مع الجانب الذي لست أنت منه، ~~إن الإنسانية تقدمت كثيرا ومن كل جانب، وتقدم أمام عيوننا اليوم مناظر ~~أبهى وأجلب للسعادة مما كانت لأسلافنا، وهذه المسائل التي تراها أنت ~~صغيرة مسائل إلغاء الرق وتخفيف وطأة البؤس هي كبيرة وتفتخر بها الإنسانية، ~~تمثل أمامك صورة من النظام القديم حين كان بنو آدم العمال يذهبون قطعانا ~~يملكهم سيد يتصرف في رقابهم وأعمالهم كما يشاء، ويسومهم الخسف وأنواع ~~العذاب إرضاء لبعض شهواته أو لبغي من محظياته، وقل لي إذا لم تكن الخطى ~~التي خطتها الإنسانية تعد تقدما، ثم تصور إزاء التقدم الاقتصادي الهائل ~~الذي يتمتع بنو الإنسان جميعا بنتائجه من أغنانا إلى أفقرنا، ذلك الفقر ~~المدقع الذي كان عليه آباؤنا، وهذا الشكل الوحشي من الحياة الذي كانوا ~~يعيشون، لا يا صاح لا ننكر التقدم العظيم الذي أكملته الإنسانية على مر ~~القرون، فذلك إنكار المحسوس، إذا اعتبرت بلادنا مثال مدنية قديمة بعض الشيء ~~كما هو الواقع وقارنتها بالمدنية الغربية: أتستطيع إنكار أنا أقل سعادة ~~من الغربي وأقل رفاهة؟ بل أتنكر أن حياتنا في مصر إلى جانب الحياة الأوربية ~~تسمى وحشية فظيعة؟ خذ أي جهة من جهات هذه الحياة سواء الجهة المادية أو ~~الأدبية أو العقلية واحكم من غير تحيز إن كان من نحن إلا مدنية مختلفة ~~قيمتها إلى جانب المدنية الغربية كقيمة درهمين متكافئين من معدنين ~~مختلفين. # ل. م ~~: # لا من معدنين مختلفين، بل من معدن واحد، غاية ms111 الأمر أن ~~واحدة الكميتين أكثر بريقا من الأخرى وموضوعة في فترينة دكان أغنى وأنظف ~~أو يلبسها على صدره رجل أغنى وأرقى؛ لهذا تظهر أمام العامة ذات قيمة أكبر ~~وإن كانت لا تزيد في الواقع شيئا. # وإن هذا الذي نسميه تقدما اقتصاديا ليس في الواقع إلا ~~نتيجة لازمة لحال الجمعية الحاضرة حال اشتباك المصالح لزيادة عدد السكان في ~~العالم؛ وإذن فلا يمكن أن تعده تقدما إلا إذا عددت تقدما حاجة الأعشى إلى ~~نظارة أو الأكتع إلى عكازه، ولست أدري كيف تريد أن تناصر قولهم إن السعادة ~~أعم اليوم على الأرض مما كانت من قبل. # لئن كان في الدعوى الأولى دعوى التقدم المادي شيء من شبه ~~الحقيقة؛ فإن هذه الثانية أظهر ما يكون فسادا ... لا أريد أن أقول العكس، ~~وإن الشقاء قد مد رواقه اليوم بعد أن كان مطويا في الماضي، ولكني أقول ~~إنه تحول وسار مع العالم في دور النشء والتسلسل، وأخذ أشكالا تطابق كل وسط ~~من الأوساط لكي يعيش في هذا الوسط، وسيبقى إلى الأبد يتسلسل مع الزمان إلى ~~لا نهايات الزمان. # وليس أدل على ما أقول من العالم الحاضر، هل سودان خط ~~الاستواء أقل سعادة من أهل أوربا؟ هم لا شك أقل ترفا باعتبار المدنية ~~الغالبة، ولكن الترف شيء والسعادة شيء آخر، ولقد أخبرني الكثيرون أنهم ~~كانوا أسعد كثيرا أيام فقرهم واكتفائهم بالقليل منهم أيام غناهم وترفهم، ~~غاية الأمر أنا نحن وأهل أوربا نقرن السعادة بالترف لأنهما مقترنان في ~~مدينتنا ثم نقول: كيف يمكن لهؤلاء العراة الحفاة الجياع غير الممتعين بشيء ~~من نعم العالم أن يكونوا سعداء، في حين أنا جماعة المترفين نرى في الوجود ~~من المرارة والألم ما يجعل السعادة أمامنا حلما مستحيل التحقيق؟ # وخطأ هذا التقدير واضح؛ فليس ما يلزم لسعادة كل واحد ضروري ~~لسعادة الآخر، والعاشق يختلف عن محب المال في النظر إلى السعادة، وعن ~~كليهما يختلف العالم، وعنهم يختلف الفلاح البسيط، وكذلك السودان يختلفون ~~عنا وعن أهل أوربا ... # ع. ف ~~: # التعليل ظاهر ولكن فيه بعض ms112 المغالطة، ويدلك على ذلك أنك لا ~~تقبل أن يرجع العالم إلى الحال القديم من البربرية أو إلى الحال الذي فيه ~~السودان اليوم. # ل. م ~~: # وكيف علمت أني لا أقبل؟ أنا لا أرفض مطلقا، بل أقول: ولم ~~لا وماذا يضر؟ أنا سأكون في العالم القديم البربري الذي نقول عنه بعقل أهل ~~ذلك العالم وأكون سعيدا، لم حسبت أن سيكون مثلي فيه مثل الشابة التي غاب ~~زوجها فقابلتها الصدفة مرة وأعطتها خاتما يجيب ثلاث مرات نداء من يحك فصه، ~~فحكت هي كي تصل إلى المشيب فلما رأت نفسها قبيحة حكته ثانيا لترجع إلى ~~الشباب، ثم صور لها عقلها أن الطفولة خير من هذين فحكت الفص فصارت طفلة ~~بعقل الشابة التي كانت وبقيت كذلك موضع ضحك الناس وألم النفس بقية الحياة ... ~~لا يا صاح، إن رجع العالم إلى بربريته رجعنا معه من غير أسف، وإن بقي كما ~~هو بقينا من غير سرور، وإن جاء عليه الهرم هرمنا معه ضاحكين منه. # سكت ع. ف. ولم اشارك أنا بكلمة، فدفعنا للجرسون ما علينا ثم قمنا نسير فإذا ~~الشوارع خالية والجو هادئ جميل ويدعو للمشي الكثير. # لكن ع. ف. لم ير نفسه قادرا على السير فتركنا وذهب، وسرنا نحن الاثنان قليلا ~~ثم افترقنا ... ~~... ها هو ع. ف. ولا شك أنه يريد أن يذهب معي إلى المحطة ... # الفصل الخامس # | في إنكلترا # 11 يونية # قمت من باريس بقطار الساعة العاشرة وثلث من محطة سان لازار. # قطار ربيد # 1 # لا يقف قبل دييب إلا في روان، وراح يقطع الطريق ويخرق الصخور مما ~~يجده الإنسان في كل نواحي فرنسا حتى كنا على مقربة من روان، فتجلت البلد بطرقها ~~تضيع وسط المزروعات أو ترتقي الجبل، وظهرت كنيسة البلد الجميلة وأوصلنا القطار إلى ~~الباخرة فعلوتها وكلي الخوف من المانش ومن مرض البحر بعد أن عانيت منه الصعاب في ~~البحر المتوسط، وأقول في نفسي ماذا رباه سيكون من أمري على ما يصفون به هذا المضيق ~~من الشدة والحمق والهياج، وارتقيت سطح المركب وجعلت ms113 أدخن من حين لحين سجارات سجارات ~~متتابعة مع أني لم آخذ غذائي في ذلك النهار خوفا من هذا المرض المشؤوم، فإذا وقفت ~~على قدمي خيل لي أني أدوخ فأجلس من جديد، وأخذ مكانه إلى جانبي فتى يظهر أنه ~~أسباني وفتاة فرنساوية جاء بها كرفيقة له، وطفشا معا من باريس إلى لندرة، وهو ~~يحدثها بلهجة عبيطة تكاد تكون أشد بلاهة من اللهجة الشرقية، ويرتب لها جملا ثقيلة ~~فتجيبه بما عندها ويغتبط هو بجوابها، حتى لقد نسيته أو لم ترض بالدخول إلى رأسه ~~فكرة أنه سيمرض، ولما كانت الساعة الرابعة قلت في نفسي وقد بدأت أحس بالجوع: اللهم ~~إن تكن ساعة مرض فما هي بالكثير، والبحر في كل تلك المدة مصقول الصحيفة أصفى من ~~المرآة لا يهيجه من شيء إلا ما تطرده المركب حولها من الماء والزبد، والهواء بارد ~~يتشرب وسط الضباب إلى الرؤوس والقلوب والصدور، والشمس لا تتميز إلا دقائق ثم تختفي ~~عن الناظرين، والماء يكاد يكون سهلا يضيع في الآفاق القريبة دون أن يظهر فيه حراك ~~... لما كانت الساعة الرابعة هبطت إلى قاعة المطعم وطلبت شيئا من الشاي وتوست، ~~وتناولت هذا بهذا ثم ارتكنت في مكاني لا أتحرك، وأنا خائف لا أزال من المرض، وأقول ~~متى تنتهي السويعة الباقية، ثم سألت الخادم فقال لي أن لم يبق إلا خمس دقائق ~~فهرولت إلى إهابي وبدت أمامي أول مينا إنكليزية في تلك الجزيرة النادرة، وانتقلت ~~بإهابي إلى القطار الصاعد توا إلى لندرة بعد أن مررت بالجمرك، وانتظرت الجبال ~~والمفاوز والمخافات يقدها الوابور ويفتح صدرها خط الحديد، ولكن عجبي كان شديدا أن ~~رأيت هاته البلاد أشبه ببلادنا المصرية مسطوحة حتى ليرى الإنسان الأفق مما لا ~~يوجد في فرنسا، وقام فوقها الشجر وامتدت المراعي ورتعت الابل وتموج الهواء وأطلت ~~سماء صافية تتهاوى فيها قلائل من السحب وينتشر حولنا الظلام رويدا رويدا. # والأرض الخضراء تروح إلى مرامي النظر وتمتع فيها العين بما تحب، ويمتلئ القلب ~~سرورا والفؤاد نعشة، وتطير الروح في جو خال كبير تجد ms114 فيه الراحة والطمأنينة، ~~وبقينا هكذا بين تلك المروج الممرعة حتى وصلنا أول المدينة، ووقف القطار ثم عاود ~~السير حتى محطة فكتوريا، ومنها هبطت وأخذت عربة إلى الأوتيل الذي يقيم فيه صديقي ~~م.ص. قطعت بي طرقا وشوارع تختلف كل الاختلاف عن شوارع باريس؛ فلا شجر فيها ولا ~~قهوات بها على سعتها وعظمها، بل لكأن العربة ترمح بي بين آثار مدينة قديمة من مدن ~~العصور السالفة، أهذه لندرة التي يحكون عنها، أأنا الآن في عاصمة بلاد الإنكليز؟ ~~وهؤلاء القلائل، وأكثرهم من الفقراء الذين يسيرون في الشوارع، هم أبناء هاته الأمة ~~المتكبرة المتجبرة، وتلك الأبنية المنخفضة في ارتفاعها إلى جانب العاصمة الفرنساوية ~~هل تكن في جوفها إنكليزا، كل ذلك صحيح وكله غريب. # 12 يونية # كنت أظن أني ساعة أنزل إنكلترا سأجد سحابة سوداء من الحزن تثقل سماء هاته البلاد ~~الثاكلة ملكها من أيام، وأن شيئا من الأسى يحوم في كل النواحي ويظهر أثره على جميع ~~الوجوه، وتضيع كل بهجة أو رواء تحت مهابة السواد وجلاله ... غير أن هاته الأحلام لم ~~يصدق منها شيء مطلقا حتى ولا خيالها، اللهم إلا فيما يضعه الإنكليز الآن من ~~مناديلهم السوداء. إذ ما نزلت العاصمة وقابلت م.ص. وأخذنا عشاءنا ورتبت مبيتي حتى ~~خرجنا ومعنا مصري ثالث نمشي في شوارع المدينة الزاهية في مساء السبت ليلة الأحد، ~~وبقينا نقطع الطرق الكبيرة حتى كنا في بيكاديلي المزدانة بالنور العامرة ~~بالمارة، يمرح فيها الغيد خرجن في ليلة الراحة أزواجا، وبلغت بهن الكثرة مبلغا ~~عظيما، وهن صغيرات الأحجام خفيفات الأرواح جميلات النفوس، يتتابعن بسرعة مدهشة حتى ~~ليكن أسرابا ويتقاطعن سائرات في كل النواحي كأنهن عصافير الجنة تحت قبعاتهن ~~الكبيرة غالبا حتى لتغطي عيونهن ولا يظهر من تحتها إلا ابتسامات ثغورهن تفتر عن ~~أسنان ليست حسنة الحظ من الجمال دائما، ودخلنا قهوة من القلائل الموجودة بلندرة ~~وفيها بنات أكثرهن - إن لم يكن كلهن - بغيات، وجاء مجلسنا إلى جانب فتاتين ليستا ~~على كثير من الجمال وإن كانتا ظريفتين، وإحداهما أشبه الناس بالفرنساويات، ومكثنا ~~قليلا ms115 ثم قمنا راجعين إلى منازلنا من الطريق بعينه، ولا يزال مملوءا بالناس ~~والنساء المتحركات ببطء وهدوء، أو المسرعات حتى كأن عندهن ما يدعوهن إليه، وبعد أن ~~اتفقنا مع صاحبنا الثالث أن نذهب إلى رتشمند عنده في الغد تركنا إلى ما تحت الأرض ~~وسرنا نحن حتى وصلنا منازلنا. # 13 يونية # يقول جماعة المحافظين - ويوافقهم عليه كثيرون من غير المهتمين بشيء - إن وظيفة ~~المرأة تنحصر في البيت وما يخص البيت، ترقى المدنيات وتتنوع الأعمال وتظهر في ~~العالم أصناف شتى من ضروب المهن، ومع ذلك تبقى وظيفة المرأة محصورة في البيت، يجد ~~الناس من الحرف الجديدة ما أعدته الطبيعة للمرأة، وتظهر المجهودات العلمية من كل ~~جديد ما لا معنى مطلقا لوجود الرجل فيه، ومع ذلك لا تخرج المرأة في أذهانهم عن ~~دائرة البيت، من ذا عساه يكون صاحب تلك الميزة الكبرى فيستغل لمنفعته كل جديد، ~~ويقوم بكل الأعمال ويأخذ لنفسه كل المكاسب؟ من ذا يشغل كل الوظائف ...! # هذا قولهم وتلك نظريتهم، فلنرجع للواقع. # في المصالح والمعامل نجد النساء مشتغلات كعاملات مع الرجال، تساعد المرأة زوجها ~~في زرعة، وتجد معه وتتعب مقدار ما يتعب، تشتغل بكثير تضارع فيه الرجال وتفوقهم ~~أحيانا، وكل ذلك كل ليس في دائرة البيت، فلم لا يصرخ الرجال في وجوههن قائلين قد ~~تركتن واترتكن ... فارجعن إليها، لم لا يمنعونهن عن مزاولة هاته المهن ومنها الشاق ~~الأليم. # هؤلاء الناس الذين يصيحون عند كل كلمة يسمعونها من نصير الحرية للمرأة، لم هم ~~ساكتون أمام هذه الأعمال التي تخرج بها عن دائرة وظيفتها الطبيعية، عن دائرة ~~البيت؟ # لذلك سببان: الأول أنهم محافظون فكل ما يدور تحت أعينهم وما يعودونه لا يقف ~~أمامهم موضع غرابة ولا يريدون تغييره، والثاني أنهم ذوو طباع مستبدة ينادون بالحرية ~~ليداروا بذلك أغراضهم المخبوءة، ولكنهم يريدون أن يجدوا من كل ضعيف عنهم عبدا ~~يستغلون ثمرات أعماله ويبقونه تحت سلطانهم لا يسمح له أن يشتكي، كلا، بل ولا يسمح ~~لغيره من محبي الإنسانية أن يشتكي عنه، يريدون أن يحفظوا المرأة ms116 في البيت ليكون لهم ~~منها خادم، وفي الوقت عينه ليخرجوها عنه متى وجدوا سبيلا لاستغلالها. # الاثنين 13 يونية # أخذت اليوم خطفة عين من المعرض الياباني، رتب في ذلك البناء الكبير الهائل سموه ~~بحق المدينة البيضاء، يمتد إلى حيث لا يجيء النظر على آخره، ويحوي في صالاته ~~العديدة هنا وهناك مصنوعات اليابان وإنكلترا، وفي أول مدخله قسم تاريخي يمثل هؤلاء ~~الصفر في القرون السابقة في القرن الثاني عشر وما بعده وعليهم لباسهم الشرقي ~~الجميل، وإنهم لأقرب في ذلك للوحشية والجمال منهم في هذا العصر الجديد، بل لأرى ~~الأزياء الحاضرة التي يرتدون على ما تدل به الفترينات الأخرى لا تلائمهم في شيء ~~مطلقا، وإن نساءهم ليظهرن فيها قبيحات إلى حد غير معقول في حين أنهن لسن كذلك في ~~زيهن القديم؛ ذلك إن هذا كان يابانيا حقا يسير مع خلقة القوم وخلقهم ونما ~~بوجودهم وحياتهم، والآخر مستعار وقل أن يكون للمستعار بهاء. # حفلة المطالبات بحق الانتخاب # كان في عزم المطالبات بحق الانتخاب أن يقمن بمظاهرة عامة لهن من شهرين مضيا، ~~ولكن وفاة الملك إدوارد السابع وحداد الأمة عليه حال دون ذلك، فأجلن مظاهرتهن إلى ~~الوقت الذي يكون الحداد الكبير قد انتهى فيه، ولما تم ذلك رجعن إلى فكرتهن الأولى ، ~~وأعلنت الجرائد عزمهن على القيام بمظاهرة كبرى، وقمن بها هذه الأيام الأخيرة، ~~وتكلمت كل الجرائد على مختلف لهجاتها وآرائها عنها، وما بالك بمظاهرة جمعت أكثر من ~~عشرة آلاف امرأة كلهن عن رأي واحد في مسألة تمسهن جميعا عن قرب؛ لذلك لم يك موضع ~~لصحيفة أن تتوانى في الكتابة طويلا عن الحفلة التي جمعت إلى مظهر القوة والعظمة ~~معاني الجمال والنظام. # شهدت هذه المظاهرة وهي من أكبر وأبهى المظاهرات التي شهدت في حياتي، فذهبت وجماعة ~~من أصدقائي إلى (هيد بارك كرز) وانتظرنا عنده في الصفوف الأولى حتى مرت المظاهرة ~~كلها، مرت يحوطها صمت مهيب وهي تحمل شارات كثيرة تدل بعضها على أسماء الطوائف التي ~~تحملها، وعلى أخرى كلمات وأمثال، وأنسب هذه ما كتب على إحداها: ms117 «إنما ينصر الحظ ~~الشجاع ... نعم إنما ينصر الحظ الشجاع، والموت أنفى ما يكون للموت، والناس من خوف ~~الذل في الذل، واليوم الذي يريد الإنسان فيه أن يعيش شريفا أو أن يموت هو اليوم ~~الذي يحيى فيه شريفا عظيما». # وأسعد هاته المظاهرة طقس جميل وشمس لألاءة وريح طيبة تنعش النفس، واستقبلها الناس ~~بالإجلال والإعظام الذي تستحق. # وفي أول الصفوف تقدمت موسيقى كانت غاية في الرقة قام بها جماعة من الفتيات لبسن ~~لبوس الجنود الإيقوسية، فظهرت من تحت أرديتهن القصيرة سيقانهن الممتلئة، وهن جميعا ~~يصدحن بنغم شجي بديع، وشارك في المظاهرة كثير من الرجال ذوي الدرجات ~~الرفيعة. # لم أقيمت هذه المظاهرة؟ ولم يريد هؤلاء النسوة مشاركة الرجال في الحكم؟ ولم ~~يعارضهم الرجال بقوة قاسية فيما يطلبن؟ # ليس من السهل البت في أمر مطالبهن ولا فيما يقيمه الرجال في وجوهن من المقاومات، ~~ولكني أراني أميل للاعتقاد بأن دخولهن في الانتخاب يجعله أقرب للنظام والعدل ~~والحرية وأبعد عن تأثير النساء. # ربما كان هذا التعبير الأخير غريبا، ولكنه صحيح، إن النساء أكثر أثرا اليوم في ~~الانتخاب مما لو كن منتخبات، ومن أجل امرأة غير كاتب كبير من كتاب فرنسا ~~رأيه فأصبح ملكيا بعد أن كان جمهوريا، فإذا ظهرت النساء في عالم السياسة لم يكن ~~هناك موضع لأن ينخدع أحد في مظاهرهن أو يدخل في تقدير جماعة الرجال لهن ومبلغ عقلهن ~~ورأيهن في السياسة. # كما أن العدالة لا تأبى عليهن المشاركة في الانتخاب، وما يقال تهكما بهن مما ~~يلازم حالهن الطبيعية من الموانع لا يزيد قوة عما قد يقال مما يلازم أحد الرجال ~~من الأمراض، ويظهر مبلغ ذلك من الصحة حين ترى أن المنتخبات اللائي يجلسن بين النواب ~~سيكن دائما من اللائي ارتفعن عن صف الولادات، مع هذا فإني أفهم كثيرا معارضة ~~الرجال لهن في مطالبهن، هذه المعارضة تجيء من حب الأثرة الطبيعي في نفس كل منا، ~~والذي يسير على مقتضى ما توصي به طبيعته غير ملوم. # ولو كان لى مطمع في الانتخابات الإنكليزية، وكنت أرى ms118 مما يعرقلني أن يدخل ~~النساء في الانتخاب لكنت أول متهكم بمطالبهن منا وضدها. # هيد بارك ... هيد بارك! كم كان لهذا الاسهم من معنى غريب في نفسي، وكم بهت حين رأيت ~~بعيني هيد بارك: هيد بارك هو موضع المتناقضات ومكان العجائب أمام المصري، هو بؤرة ~~الفساد ومستقر الفحش وموضع الفسق ومستنزل غضب الله، فيه تهتك الحرمات ويفتك ~~بالأعراض وتقع النساء في حبالات الشياطين، فيه الشر كله ... هو كذلك مرسح الخطباء ~~تظهر فيه بلاغات المتكلمين ويرتقي منابره عظماء الرجال كل آن وحين، وينشر على ~~الملأ المستمتعين فيه كل وزير خطته، وكل طالب انتخاب ما ينوي عمله، ذلك هو هيد بارك ~~أمام عين المصري أو على الأقل من تلقى علمه من جرائدنا وأصحابنا. # مكان كهذا يشتاق لزيارته! ... ولكنى لم أذهب إليه إلا بعد ثمانية أيام من مقامي ~~بلندرة، ذهبت إليه قبيل المغرب مع أصدقاء يوم أحد: اليوم الذي يموج فيه المكان ~~بالمتنزهين فإذا فيه فتيات لا يعلم عددهن أحد ... كثيرات جدا، وقل أن تجد من بينهن ~~عجوز، فإذا ما تصفحت الوجوه والملابس وكنت على علم بعض الشيء بالقوم وجدتهن جميعا ~~خادمات. # قلت في نفسي هل المساء أحسن من هذا وأضمن لبيان حقيقة المكان كما أملت أن يحوي ~~وجوها أصبح مما أرى، أصبح من تلك الأشكال أطل منها الفقر وقضى على بهجتها نحس ~~الطالع، فرجعت في المساء فإذا هن أكثر عددا ويزحمن كل ما حول مكان الموسيقى، ويسرن ~~عديدات في الطرقات ولكن أشكالهن هي هي لم تتغير. # ولكن ما لي أنا وهذا، هل هاتيك القبيحات لا يقعن فيما تقع فيه غيرهن، وعلى حد ~~قولنا لكل قوتة كيال، والمكان واسع فسر فيه فإنك لا شك راء ما رأى غير ما دام ~~الكيل هنا من غير حساب ... ولكنى لم أكن ذا حظ ولم أر شيئا ولما سألت إخواني ~~من بعد قالوا إن أحد المصريين رأى هذا الأمر مرة بعينه. # أما رتشمند بارك فسعته الهائلة تسمح له أن يكون مكانا لشيء من هذا. # ثم قصدته من بعد ms119 أكثر من مرة لأسمع الخطباء، فإذا هم حقا كثيرون ولكن ما هم؟ ~~عدد كبير أكثرهم داعين للدين وبأشكال مضحكة حقيقة، بلغ من تعصبهم حتى فيما بين ~~مختلف طوائفهم أن يتشاتم المتكلم مع أحد السامعين على مسمع من البوليس: داع ديني ~~بروتستانتي يدعو الناس لاتباع تعاليم السيد المسيح، وقد وزع على عدد منهم - العجائز ~~والأطفال - كتبا فيها الصلوات، وقبل أن يبدأ جعل يقدم فضل المسيح وفض البروتستانية ~~ثم مال بكله على البابا قائلا: والبابا يدعي أن في يده تغيير كلمة المسيح، إنه ~~لمدع كذاب. # فقام إليه فتى من بين المحيطين به يبلغ الثالثة والعشرين وناداه خائفا: اسكت ~~هناك، لا تقل عن البابا شيئا. ~~- ها ها، فتى دخل الشيطان لنفسه ويعتقد بقدرة البابا. ~~- إنما دخل الشيطان لنفسك أنت فأصبحت ضالا. ~~- كان الشيطان يوسوس لي من خمس وعشرين سنة مضت، ثم عرفت كلمة المسيح، الكلمة الحق ~~كلمة الله لا كلمة البابا ... البابا الكذاب. ~~- لا تتكلم، سفيه وقح. # واستمروا في مثل هذا والبوليس إلى جانبهم ينتظر أن يقتتلا، ولكن الله سلم ~~وابتدأ الداعي صلواته يرتلها مع المحيطين به بصوت حزين عال تحت سماء رائقة وجو فرح ~~وخضرة ناضرة وكون ضاحك من أوله إلى آخره. # قلت في نفسي إذ ذاك، لو علم القوم أني أنا الواقف بينهم لا أدين بدينهم، وأن اسمي ~~محمد لمال علي الكاثوليكي والبروتستانتي معا، وقضموني بأسنانهم قضما ثم لقالوا ~~إنني متعصب، والتعصب يلمع بين عيونهم وينادون به بأعلى أصواتهم. أيام وجودي بلندرة ~~ذهبت إلى ضاحية رتشمند مرتين: الأولى لثاني يوم من نزولي والثانية بعد مقامي مدة ~~ليست بالقصيرة، ولقد وجدت لهاته الضاحية من البهاء والبهجة شيئا كثيرا، فهناك ~~ساعات العصر وقبيل الغروب إذا وقفت فوق الرصيف # terrace # المفروش بالأشجار والنامية إلى جانبه الأعشاب الصغيرة، ثم ~~التفت إلى جهة التاميز رأيت الأرض تنحدر مع النظر رويدا رويدا، وقد قامت عليها ~~الزهور وفرشتها الحشائش ببساط سميك، وأرسلت عليها الشمس من الأشعة ما تلألأ على ~~أوراق بعض النباتات الجميلة المنثورة في كل مكان من ms120 ذلك المنحدر البديع، وفي نهايته ~~يسيل النهر هادئا تتهادى موجاته واحدة بعد واحدة وقد ركبه الكثيرون رجالا ونساء ~~وفتيات، وكلهم ينسابون مع الماء راضين مسرورين. # وإذا ما أخذت قاربا على النهر رأيت الأرض ترتفع مع بصرك حتى تضيع بما لبسته من ~~حلة خضراء قريبا من السحاب، وعلى الجانب الثاني تقوم أشجار عالية تطوق جيد النهر ~~الساكن المستسلم ترسل عليه الشمس النازلة أشعتها وينطرح في ظل الأشجار فوقه وهو على ~~ما هو عليه، وكما كان من لا نهايات الزمان القديم ذاهب في طريقه ليضيع في البحر ~~القريب، وفي وسطه وواصلا للشاطئ مكان يسمونه الجزيرة يحيط به من الزلط الصغير ما ~~يسمح لكثيرين أن يتركوا قواربهم وينزلوا فوقه ليشاهدوا من مكانهم وهم وقوف الرصيف ~~الرفيع إلى الجهة الثانية من النهر، ويمتعوا النظر بمرأى عدة أشياء جميلة متتابعة، ~~الماء ثم الشاطئ الضيق ثم المنحدر الأخضر وما به من زهر ثم الرصيف تتوجه أشجار، ~~وليروا عن شمالهم القنطرة التي تعبر النهر والقوارب تمر من تحتها ومن فيها حذرون ~~يسيرون متمهلين ترقبهم عيون من على الشاطئ أو الجلوس في محلات الشاي الممتدة إلى ~~جانب النهر. # 20 يولية # أقمت بلندرة أربعين يوما لأحبها وآسف على تركها، وما من بلد كبير إلا له من ~~الجمال والهيبة ما يجذب النفس ويأخذ بالفؤاد، ما بالك بذلك البلد لا تعرف له أول ~~ولا آخر، هو العالم تتوه فيه ولا تحلم بالخروج منه، أنت في الضواحي وفي لحظة إذ بك ~~تشعر برهبة المدينة الهائلة حولك، وتنظر إلى ما يحيط بك فتراك أبعد ما يكون عن أن ~~تتصور آخرها، هي بحر لا شاطئ له يتوه فيه الإنسان المسكين. # مع تلك العظمة تحوي لندرة بها ورواء ومهابه وجلالا، وأي شيء أبهى وأبدع من ~~منتزهاتها الكبيرة لا عدد لها أو أجمل من دور الآثار العديدة تحوي أدق ما أبدعت رأس ~~الإنسان، وما أنس لا أنس آخر أيامي بها وأنا في متحف الهند وأعمالهم في العاج ~~ونقشهم عليه يأخذ النفس إلى أرقى مواطن الإعجاب، وإني ms121 لأشهد أن ذلك أجمل ما رأيت ~~إلى اليوم من مثله، ثم المدينة كذلك مهد علم وعمل وحركة كبيرة، مهد الجامعات ~~العظيمة والكليات الهائلة، ومهد تلك المصانع الكثيرة والمعامل والمخازن، ولا أظن ~~شيئا مما في الوجود ينقص هاته البلاد إلا ما استحال عليها أن تضمه بين ~~جدرانها. # متى يكون لنا في الشرق مدينة كلندرة أو كباريس؟ ... متى بلغنا من هاته المدنية ~~الحاضرة القليلة الطعم ما بلغ القوم، وإني لأدعو كل محب لبلاده أن يعمل لإبلاغها ~~أكثر ما يقدر من مدنية القوم لا حبا فيها، ولكن لأنها الوسيلة الوحيدة والأمل ~~الضئيل الباقي لنا جماعة الشرقيين في العظمة والحرية، ليصبغوا المدنية بصبغة شرقية ~~ثم لينقلوها إلى الشرق ينتفع بها أهلهم ومواطنوهم ويكونون لم يخسروا شيئا وأفادوا ~~أممهم أكبر الفائدة. # بريتين 21 يولية # الساعة العاشرة ونصف مساء، ساعة من الليل أحرى بالهدأة والهدوء والنوم، ساعة لا ~~يتحرك معها في الجو الأسود بالظلام شيء، لكن البحر الهائج عالي الصوت يزأر كأنه ~~الأسد الحبيس، نحن في بريتن، وأطل من النافذة على الجو يذهب مع البصر إلى أفق كان ~~كل مدة هذا النهار ملفوفا في رداء من الضباب حتى لم يتميز لحظة واحدة، فلما جاء ~~الليل تسربت إليه رسله من شياطين العبيد، ونكشت شعرها فاسود الهواء ولم يك إلا ~~حين، فإذا الكهرباء هي التي تدمي ذلك الجسد الهائل صاحب الخوار العظيم، نحن في ~~برتين، هواء طلق ومناظر بديعة، نزهة لمن حملت نفسه بهموم المدن، فضاء واسع لمن حدق ~~نظره حيطان لندرة وأمواج تتهادى اليوم كما كانت تتهادى أيام نوح وقبل التاريخ، وكما ~~كانت حين كان العالم ماء لا أرض فيه، وستبقى كذلك إلى الأبد، هي بنت الطبيعة ولا ~~حكم للإنسان عليها، يستخدمها لغاياته إن شاء ولكنه لا يصرف حركاتها على ~~هواه. # الساعة العاشرة ونصف مساء، موعد نوم المكدود من أسفاره، وموعد نومي أنا الآخر، ~~والوقت يجري إلى الغد ولا ينتظرني حتى أتم كلماتي وأذهب إلى سريري حينذاك يتحرك هو ~~لا ينتظر أحدا، هو يجري فيمتع به النائم ms122 المستريح أو اللاهي عنه بمسراته، ويحمله ~~عله المتضايق المهموم، لست أنا من أي من هؤلاء، ولكني في دقائق سأكون في ~~سريري. # بريتن 1 أغسطس # بعد العشاء نزلت وقد ولت موليات النهار، وانسدل على البحر الهائل ظلمات جعلته ~~أكثر هيبة ومخافة، والناس ليسوا كثيرين على الرصيف ~~(terrace) # في ذلك الوقت، فلم يكن ضجيجهم ليزعج سكون الوجود، ولم ~~أبتعد عن مقامي كثيرا حتى إذا متكلم يخطب بعض عجائز أمامه لا يجاوزون الخمس أو ~~الست، وهو محتد كأنما يكلم جمعا كبيرا، فوقفت أزيد عدد السامعين واحدا وأمتع ~~الأذن بصراخ الخطيب فإذا هو يكرر القصة بعينها التي يخطبون لها في هيد بارك وفي ~~أماكن شتى ... مسائل الدين، قال: ... ولأدلكم ببرهان بسيط على قوة المسيح وسلطانه، أضرب ~~لكم عن ذلك مثلا أعرفه أنا شخصيا، وإنكم بعد ذلك لتحكمون من غير تردد كم تصيب ~~النفس التي تخدمه من الهدوء والتي لا تخدمه من الأسى والألم. # كانت بنت تقرأ في الكتاب المقدس - في الإنجيل - ولما أمسى الوقت وأرادت أن تذهب ~~إلى سريرها وضعته على حرف مكتبها، وقامت فذهبت إلى النور وأطفأته وراحت لتنام، غير ~~أنها في طريقها لمست الكتاب المقدس بطرف فستانها فسقط إلى الأرض ولم تأخذ هي بالها، ~~وتمطت في مضجعها، ولكن كيف يسمح المسيح لمثلها أن تنام! ليست كلمة المسيح للأرض، ~~فلا بد أن ترفع على الأرض؛ لذلك بقيت البنت في قلقها، ولا يقفل عينها النوم أبدا، ~~وكلما طال بها الوقت ازدادت تألما وقلقا. # إن هاته الكسلانة التي لا تحفظ كلمة المسيح لا تستحق النوم، وأخيرا لما تولاها ~~الضجر قامت وفتحت النور من جديد فرأت الكتاب المقدس على الأرض، فبادرت لرفعه وبعد ~~ذلك أقفلت النور وراحت إلى سريرها، فلم تك إلا لحظة حتى كانت في نوم عميق. # ومن بعد ذلك تركته وقد اكتفيت بحكايته. # 2 أغسطس # أردت أن أذهب من برايتن إلى ورذنج لأسباب شتى، منها مجرد الرياضة والسير على شاطئ ~~المانش كل هذه المسافة الطويلة، ثم أن آخذ صورة الپير ~~(worthing) # فبدل أن آخذ ms123 الأتوبيس إلى هناك ~~استأجرت دراجة من برايتن حسبتها تصل بي وتردني سريعا. # كنا إذ ذاك نحو الساعة الثالثة بعد الظهر، وشمس أغسطس ممتدة على الوجود، وقد ~~انطرح نورها يملأ الجو بعظيم لجته ويغطي صحيفة البحر فتتقلب تحته الأمواج وتلعب به ~~وتتفاذفه، والناس لا يزالون في بيوتهم منتظرين ساعات النسيم فالسكة خالية أو تكاد؛ ~~لذلك لم أجد عقبة في سبيل أن أسرع في السير، وعلى هذا تركت للعجلة أن تذهب بأسرع ما ~~تطيقه، ولكن سرعان ما انحرف بنا الطريق عن شاطئ البحر وأحاطت بي بيوت عن الجانبين ~~بينهما طريق واسع مفروش بالأسفلت قد امتد على نصفه الظل، وبعد بضع دقائق ظهر البحر ~~من جديد تفصل بيني وبينه مستنقعات واسعة أولا ثم تضيق شيئا فشيئا، وعن يسار ~~الذاهب يقوم حانوت صغير فقير تباع فيه البيرة والمشروبات الأخرى القليلة الثمن، ~~وصحيفة المانش مجلوة بشعاع الشمس تبين هادئة مصقولة لا يحركها نسيم ولا تهيجها ~~الأمواج. # رأيتني بعد ذلك دخلت بين جدران قرية لم أعرف اسمها، وأردت تعرف الطريق فملت إلى ~~غلام يبلغ العاشرة أو الثانية عشرة من عمره أسأله، فأشار بيده إلى أذنه إشارة لم ~~أفهمها، وأخيرا ناداني: «إنني أصم فلا أستطيع أن أسمعك»، ولم أجد بعده بين جدران ~~هذه القرية إنسا. # بدأت أحس كأن همه دراجتى تفتر، فشجعت نفسي ودفعت جهد طاقتي، ونفذت إلى طريق معتدل ~~بقيت فيه أمدا غير قصير، ووصلت منه إلى شاطئ البحر من جديد، وبقيت الدراجة تتلوى ~~مع الطريق حتى بلغت ورذنج، وهي لا تزال هي الأخرى في صمت الظهيرة، والقليلون ~~الواقفون على الشاطئ مبعثرون هنا وهناك وفي كل مكان، ولما كنت على مقربة من الپير ~~أخذت صورته ورجعت أمشي الهوينا ودراجتي بيدي أتفرج على ما حولي وأرفع نظري فأرى ~~الأبنية القائمة ينظر أصحابها من نوافذها، فإذا ما تعدت عينهم ما أمامهم من الأرض ~~والأشجار والناس إلى البحر راحت معه حتى ينطبق الماء والسماء، ويرسم الأفق خطه ~~يحد به القليل الذي نرى والعظيم الهائل الذي يغيب عنا علمه. # ثم ms124 رجعت أدراجي والطريق لا يزال خلاء لا يمر به إلا قليلون ... وصلت مرة أخرى إلى ~~القنطرة التي تفصل القرية التي قابلت فيها الغلام الأصم عن البحر، واستوقفني مرة ~~أخرى خادم القنطرة ليعطيني تذكرة أدفع له قيمتها بنسا. # في إنكلترا يجعلون الناس يدفعون بنسا أجر جواز القنطرة في حين يمن علينا ~~الإنجليز في مصر بأنهم رفعوا ضرائب جواز القناطر، ويعدون ذلك مفخرة من عظيم أعمالهم ~~عندنا. # وصلت بريتن الساعة الخامسة ونصف مساء، فرددت دراجتي وملت إلى محل شاي أخذت فيه ~~الشاي ثم رحت إلى المصور الذي أعرف، فاستظهرنا الصورة التي أخذت، ولكني لم أجد ~~وقتا كافيا أطبعها فيه على الورق، وعلى هذا وضعتها مع الأشياء والألواح الأخرى في ~~صندوق منتظرا يوما أستقر فيه، وسافرت من بريتن عند ذلك اليوم، فلما كنت في باريس، ~~وفتشت عن صورة ورذنج إذا اللوح مكسور ولا ينتفع به. # المتحف الوطني # The National Gallery ~~: زرت هذا ~~المكان في لندرة مرتين، وها مر على ذلك زمن طويل ولا تزال ذكراه حاضرة عندي وإحدى ~~غرفه مرسومة أمام ذهني لا تغيب، وأعرف مواضع الكثير من صورها وأشكال تلك الصور، تلك ~~هي الغرفة التي فيها صور جماعة الكتاب والشعراء والفلاسفة، الغرفة التي تجد على ~~جدرانها بيرن وشلي وكلردج ودارون وسبنسر، الغرفة الفنية إذا دخلتها أحسست كأنك ~~وسط العظمة والعظماء وتجسمت في نفسك هيبة للمكان، ورضيت أمامهم بأن تكون التلميذ ~~الصامت تسمع ما توحي به نفوسهم، ثم يذهب بك خيالك في هذا العالم فتذكر لكل منهم اسم ~~بعض الشيء مما تعرف: لبيرن شعره الرقيق ورقته، ولشلي وصفه الناطق وقصائده العذبة، ~~وتذكر لدارون مذهبه الكبير وسياحاته، ولسنبسر كتبه وفلسفته الهائلة، ولكأن شكل كل ~~منهم يوحي بمعنى ما كتب، فترى في وجه بيرن وفي لباسه ما ينطق رقة ولطفا، وفي شكل ~~شلي وعيونه البراقة وصدره المفتوح ما ينم عما تحويه روحه من الشعر، كما أن على ~~الآخرين معنى التفكير العميق والتدقيق الشديد. # ثم إذا صعدت إلى أعلى المكان ودخلت إلى آخر غرفه - الغرفة القائم ms125 على جدارها صورة ~~وليم بت - رأيت هناك صورة مدام هملتن، صورة بديعة وجمال ناطق وسيدة أبدع ما ترى من ~~السيدات. # الفصل السادس # | في سويسرا # بعد إذا قضيت حوالي الشهرين في إنكلترا سافرت منها قاصدا جنيف. # ولكن وجود صديقي ب. بباريس جعلني أعرج عليها وأقضي بها أربعة أيام ذكرتني أيامنا ~~القديمة حين كنا لا نفترق. # وأخيرا تركته آخذا القطار إلى لوزان، فوصلتها عند مقتبل الصبح ... ومن محطتها أخذت ~~(الفنكيلير) الصاعد إلى أوشي ضاحيتها الجميلة وهناك نزلت في (أوتيل دنجلتير) التي نزل ~~فيها (بيرن) وكتب بعد قصيدته الكبيرة (تشيلد هارلد)، وأوشي ضاحية بديعة تطل على بحيرة ~~ليمان، وتقابلها (أفيان) على الشاطئ الثاني، ولقد كان معي في الفندق شرقيون لم أعرف ~~أمصريون كانوا أم سوريون، وهم عائلة مركبة من أب وأم وابن وبنت، ولقد تحادثت مع الأب ~~مرة وعرفت أنهم يقيمون بالأسكندرية، أما الأبن فيظهر أنه يدرس في فرنسا إذ سمعتهم ~~يلومونه على تقصيره في امتحانه الأخير، والأم سيدة هرم تبلغ الخمسين أو ما فوق، والبنت ~~فتاة ممتلئة الجسم وافية القامة ربما سرت محبي (البياض والسمنة). # وإني أضع للقارئ المذكرات التي كتبتها يومئذ كما هي؛ ليقف على حال نفسية أجدها اليوم ~~غريبة لأنها ملأى بالخيال والشعر، وأحترمها وأحب ذكرها وأتمنى لو تعود. # ولست أدري إذا كان كل من تحويه سويسرا تكون هذه حاله، بل لأظنها حالا خاصة لأني لم ~~أعرف حين زرت سويسرا بعد هذه الزيارة بعام. # وإذا وافق القارئ على غرابتها فأرجوه أن يحسن الظن بها ويكون حليما في الحكم ~~عليها. # 11 أغسطس # في ذلك اليوم وقد جاءت علي القدرة الخفية بما لا أعرف من الوحي، تطلعت نفسي إلى ~~زيارة أفيان، فأخذت القارب إليها وقطعت البحيرة تنقلب أمواجها هادئة ساكنة مستسلمة، ~~وينبسط فوقها نور الشمس يجلل مياهها الزرقاء، تميز أمام العين وتنقلب فضية عن بعد، ~~والجبال قد قامت تحيط بنا كساها الضوء، وأخذت طريقي أرتقي المرتفعات جللتها الأشجار ~~حينا وحينا أمتد فوقها بساط أخضر لا يتناهى حتى ينساب مع قممها العالية في ms126 فضاء ~~الجو يهبط عليه السحاب يعانقه عناق مشتاق، وبين هاته الطبيعة الواسعة أحلام دائمة ~~تتسرب في جوفها بين الحجر وبين العشب والشجر، تسمعها فتسوقك نفسك إلى استجلاء أمرها ~~فإذا خرير الماء بين هاته الصخور جاءت من عليين، خرير دائم بديع يحيي ذلك الصمت ~~الهائل جاء من المراقي هابطا حتى يضيع وقد أدى مهمته في المنحدرات إلى ~~البحيرة. # شيء بديع لا أقدر على وصفه، وجمال لتحار أمامه النفس. # وفي السماء أخذت قاربا والشمس تطوح نحو المغيب تحجب بالسحب، ثم تقر وقد ظللت ~~القمم البعيدة غمامات، وانطرح عليها من النور ما بقيت معه في رفعتها شفاقة تبين ~~قلبها صافيا إلا من كلوم جاء بها الزمان العتيق، والبيوت عن الجانب القريب تصعد ~~متسلسلة بينها العشب الناضر ... والسحب ما أحلى السحب كيف كانت؟ ذلك ما يذكره ناظري ~~ويعجز دونه قلمي. # في تلك الساعة لم أستطيع إلا أن أشكر الله وأنا على ظهر الماء آمن مطمئن، وتجلى ~~لي أن ليس من تجديف في العالم هو أشد من هاته الصلوات التي يعملها الناس وقلوبهم ~~مقفلة، في حين يفتح الله أمامهم قلب الطبيعة الهائل، تجلى لي كفر مدعي الصلاح ~~والزهد ولؤمهم. # 16 أغسطس # في القارب على سطح الماء والليل مفرود على الوجود. # ليس فيما حولي من حسيس، بل كان شيء ساكت ساكن وتجري إلى جانب قاربي القمر والنجوم ~~النائمة على الأمواج الخفيفة، ثم تحجبها السحب وهي تطلب من بينها منفذا كأنها تحس ~~بعظيم شوقي لها، وما تكاد ترى أضيق سم في تلك الحجب حتى تبعث لي منه ~~قبلاتها. # والبحيرة البديعة تحوطها الجبال والشجر، ناعسة تحت ستار الظلمة، كل شيء في تلك ~~المملكة الصغيرة ذاهب في أحلامه وأنا والقمر متناجيان: وهناك هناك من أعلى الجبل ~~عين ترقبنا جميعا، وتطلع على خفايا ما يدور في نفوسنا، نور ضئيل معلق في ~~السماوات. # تلك بحيرة ليمان، هي ليمان الجبال وسجن الأحلام اللذيذة، هي المرآة تضم على سطحها ~~كل ما في الوجود من إبداع وتبعث به للناظرين. # ثم يقف قاربي وإلى جانبه ms127 مجدافاه، وأنظر أنا للقمر الهائم، كم ناجى ذلك الوجه ~~الشاحب محبيه، وكم سهر الليل صاحبه من أجلهم. # مغرور الإنسان أن يحسب أن جنسه وحده القدير على الحب، كل شيء للحب أطوع من يده ~~إلا هو، هو أقسى الموجودات وأضلها في طريقه، وهاته العوالم الكثيرة والكواكب ~~العديدة أليست هي الأخرى هائم بعضها ببعض. # لم تتطلع هاته النجوم البعيدة للأرض بنظرات عاشقة؟ ولم لا تكون مصلتة النظرات ~~إن كانت صلدة جامدة كما يقولون؟ كل شيء يحب ويجن هدى إلا الكافر لا قلب به. # 20 أغسطس # في أيامنا على الأرض لذائذ شتى، نتذوقها وننهل من كل منها حين يحلو لنا، ولكن ألذ ~~هاته اللذائذ، اللذة التي تجعل الحياة سعيدة كلها خالية من الآلام والأفكار ~~السوداء، هي في حياة بسيطة متشابهة يجلس فيها الإنسان لابسا أبسط ما عنده وأكثره ~~ضمانا لحريته، تاركا كل، يدخن سجارته ويفكر في أحلام مختلفة، يتنقل من واحدها إلى ~~الآخر، كلما حلا ذلك له سواء كان بينها مناسبة أو لم يكن، يجلس من غير ما تكلف، ~~وينسى كل ما سواه والماضي والحاضر، لا يفكر في شيء غير هاته الأحلام. # ألذ من هذه حياة أخرى مستوحشة حياة بين جنات الطبيعة وغدرانها إلى جانب محبوب ~~جميل بريء النظرات عذبها، يتكلم ويسكت من غير انتظار المناسبات أو تحين الفرص، بل ~~لأن كلاما جاء في باله أو لأنه سارح في حلو أحلامه، والسكوت حولنا ترق على ~~أوتاره أغاريد ما يحيط بنا من الطير، فيزيد عالم أحلامنا حلاوة ولذة، والغدير ينساب ~~إلى جانبنا هادئا يلعب الهواء على سطحه أحيانا فيبعث فوقه موجات خفيفة لامعة، لا ~~أدري إن كان في الإمكان تحقيق واحدة من هاتين الحياتين أو الأخرى، الناس مشغولون ~~دائما بآمال وأفكار يقطعون بها وقتهم، لا يهمهم أن يكون ذلك لذيذا فيضطرون غيرهم ~~ممن لا يدين برأيهم، ولا يعتنق مذهبهم لشيء من الكد والسعي، ويفسدون عليه كثيرا ~~وينغصون أحلى ساعاته. # ليتني كنت قديرا على ثانية الحياتين، ألا ما أحلى هذا العيش! وما أشد شوقي له! ms128 ~~لو أن عندي ما يجعلني أحققه لما ونيت عن ذلك لحظة ... ولكن ليس عندي، ويل للوجود يعطي ~~غير محتاج من جماعة الذين لا يرون لذة إلا أن يكنزوا عندهم مالا في حين يحرم ~~الآخرين الذين يريدون إرسال هذا المال في الطريق الذي له خلق، الذين يريدون إنفاقه، ~~يا أرواح العشاق والمحبين، يا عوالم الأرض والسماء، هاته الجمالات المحيطة بي، هل ~~لك أن تسعدي إنسانا لو لا ما يجد فيك اليوم من العزاء لما عدل عن الموت ~~بديلا؟ # 22 أغسطس # أي إحساس ذلك الذي يصيبنا ساعة ننظر إلى فتاة جميلة، ما تلك الهزة التي تداخل ~~النفس وتحتل القلب وتملأ الفؤاد وتمتد إلى الجوانح ثم تعم وجودنا كله، أي سحر يكنه ~~جمالها حتى ليذهلنا عن كل ما سواها. # ما أخذ جمال فتاة ببصري إلا أحسست بضعف أمامه يسهل معه أن أركع إلى قدميها، ~~وأحسست في الوقت عينه بقوة كبيرة ترفع عندي الأمل في الحياة إلى ما لم أتصور من ~~قبل، كلما تخيلت الدنيا وما بها من شقاء وألم، وهاته المساءات التي لا يفتر الإنسان ~~يرمي بها أخاه الإنسان، خيم علي يأس شديد يكاد يقتلني، ورأيت العيش على الأرض ~~شقاء من الجنون البقاء معه، فإذا ما خرجت إلى الناس ولاحظت منهم اهتمامهم بالحياه ~~حتى ليرتكبون من أجلها أفظع الأعمال، زدت برأي اعتقادا وهمت أفكر بتنفيذه، ثم إذا ~~ما خرجت لي جميلة حلوة النظرات وحدثتها بكلمة أو تبادلنا ابتسامتين أو رنت إلي ~~زال أثر ذلك كله، واحتل مكانه مخدر لذيذ أتوه بسكراته وأنسى معه كل أفكاري ~~السابقة. # كم لهاته النظرات البريئة من القوة على القلوب الحساسة، لو أنك امتحنت نفس إنسان ~~ساعة تتركه جميلة أعجب بها، لوجدتها تجمع بين الهناء والعذاب والسرور والألم والأسى ~~والأمل، وكل ذلك ذو لذة منعشة مخدرة تصور أمامنا عالما كبيرا لا تغيب عنا ~~دقائقه ولا جلائله، عالم الجمال العظيم. # هذا الضعف الإنساني أمام الجمال، هذا الذهول عن عالم المحسوسات وعن كل شيء إلا ~~المحبوب الجميل، هذا التخدير الذي يصيبنا ms129 وتلك السكرة التي تحكم على كل حواسنا هذا ~~كله منتهى السعادة. # لو أن هذا المحبوب خرج عن المدن وضجتها وصياحها وجدرانها المتشابهة الثقيلة الظل ~~وشوارعها المملوءة ضوضاء وجلبة إلى فسيح من الأرض طلق الهواء يغطيه الشجر والزهر ~~وينعشه الطير بحلو نغمته، بالله ألا يضيف إلى تلك الجنة الزاهية روحا تزيد في ~~حياتها ومبلغ السعادة فيها؟ # 25 أغسطس # أسأل عن جنسيتي حيثما ذهبت، وأقول إني مصري فأحس أن مخاطبي يرمقني مستغربا، ~~يرمقني بنظرة تذهب إلى سواد قلبي فتؤلمني، لم ذلك؟ لم هذا الإحساس المشوب ~~بالغرابة عنده وبالألم عندي؟ # أما عنه فلا أدري؟ # وأما أنا فأحس أن هاته النظرة تحوي معنى كأنه السم، تحوي احتقارا ناطقا، فكأنه ~~يقول: أهوه، من أمة محكومة. أقول في نفسي إذ ذاك: ويلي لهاته الإنسانية الكافرة ~~الجاحدة، ألسنا نحن آباء مدنيتها، ألسنا الذين علمناها الطريق إلى سعادتها الحاضرة، ~~وأجدادنا أما كانوا الحاكمين ذوي السلطان والسطوة، إن لنا على الأمم جميعا من ~~الفخر ما نرفع به رؤوسنا نساوي بها أكبر الرؤوس. # ولكن العنيد لا تزال نظرة الازدراء ظاهرة في عينه وكأنه يجيبني: بالله ذر الماضي ~~فالتاريخ لم يترك أمه من غير مجد، إنما لك الساعة التي أنت فيها، الحاضر فخر أصحابه ~~وعزهم أو هو صغارهم وذلهم، كنتم الملوك ... كنتم الآلهة ... ولكن ما أنتم اليوم؟ أمة ~~مستصغرة مسكينة! أمة راضية بضعفها وذلها! أمة تقبل الحياة ولو كانت حياة خسة ونذالة ~~... ها أنتم اليوم ... ~~... من أجل ذلك أنظر لك تلك النظرة، أعذرني عنها! إنما دفعتني لها الفطرة التي ~~تدفعك لمثلها لو كنت في موقفي ... وإنها يا صاح لتكن غير ما قدرته أنت شيئا من ~~الرحمة والأسى من أجلكم! # 26 أغسطس # وأنا راجع اليوم من فيفي # vevey # لمونتريه كان معي ~~في الترام غلام ألماني يبلغ السادسة له رأس كبير وجهه عريض ونظره حديد، ولكنه مما ~~تدل عليه هيئته وهيئة الذين معه ليس من عائلة غنية. # حدقت بهذا الغلام مرارا، وأردت أن أجتلي شيئا من غامض أمره، أردت أن أعرف ما ~~تحت ms130 هذه الرأس الصغيرة من بذور تنتجها الأيام وما عسى تكون أزهارها ... فبهت ولم ~~أجب نفسي بكلمة. # من ذا يدري هل سيكون ذلك الغلام برأسه الكبير شيخ الفلاسفة أو رئيس طائفة، أو ~~يكون هو كآحاد والناس يقضي حياة متشابهة بليدة، من ذا يعلم إذا كان سيقلب العالم ~~كعبا على عقب، أو هو سحر غير منظور بعين ولا معروفا، ويبقى أيامه القصيرة ثم ~~يقلبه العالم مرة ثانية إلى ترابه. # ماذا في هاته الرأس الصغيرة السن الكبيرة الحجم؟ هي تلك الأشياء العادية المبتذلة ~~التي في كل الرؤوس، أم تخبئ مكنونا ستظهره الأيام لعيون الوجود كله؟ وهل خير ذلك ~~المكنون فيه يسعد به الناس، أم شر يسخطون له ويشكون ويصيحون ... من يدري؟ # على كل حال هو سيخطو على الأيام خطواته حتى يصل للغاية الكبرى ... للموت وسواء عمل ~~كثيرا أو قليلا ومرت تحت ستر الأيام أو هو هتكه فأمامه ذلك الآخر الذي ينتظر ~~الناس جميعا ليريحهم من العناء والويل ... أمامه الأبدية حيث الراحة الكاملة ~~الدائمة. # 27 أغسطس انترلاكن 1910 # أنني لا أخشى الفقر فذلك أهون ما أتوقع، وإنما أخاف شيئا واحدا أن يضيع - أخاف ~~عليه أكثر من حياتي - ذلك هو الصحة. # لقد طعمت من صنوف الحياة ضروبا، ومن السرور والحزن والشقاء والسعادة وجنات ~~الأحلام ومخاوف الحقائق كثيرا، فما رأيت بينها فرقا هالني، ولكني الذي يؤلمني ~~وينغص علي عيشي ... الذي يجعل أمامي كل شيء أسود مخوفا. الذي أفضل عليه الموت ... ذلك ~~هو المرض. # نمت تحت السقوف والتحفت السماء، تدثرت فوق سرير ناعم، ناعم بنعم الدثر، واتخذت ~~مهادي الحلفاء الناشفة وغطائي الصوف الخشن، فما عرفت بينهما من الفرق ما أفرق ~~منه، كلا بل إني لتراجعني ذكرى تلك الليالي المستوحشة وأنا في أنعم حالي، ولأحن ~~إليها وأنا في عيش ناعم أحرى به الناعمات ... هناك أرى الفضاء الحر العظيم أنا ساربه، ~~ويلعب النسيم العطر بشعري وأنا في خيالاتي تائه سعيد. # هناك يناجيني القمر وأناجيه: هناك تخاطبني الطبيعة الصامتة وأفهمها، هناك تتجلى ~~أمامي الآفاق تخبر عما وراءها من السر الخفي ms131 في حين بين حوائط أربع أنا فريسة ~~الأفكار الفظيعة والخيالات المخيفة والأحلام المقلقة. # إذن ليس من الفقر خوفي، كل شيء قدير أن يحويني لو كنت فقيرا، ولكني أخشى أن ~~يتغير علي الزمان فيأخذ مني أكبر ما أنا ممتع به اليوم، تلك الصحة الطيبة أشكر ~~الوجود عليها على نفس خالصة، إذ بها حريتي ومتاعي. # اليوم الذي تألمت فيه حقيقة هو حين مرضت أو ضويقت في حريتي. # 29 أغسطس 1910 # بين برينز وانترلاكن سماء صافية إلا من بعض سحب خفيفة بيضاء هنا وهناك، بعثت ~~شمس أغسطس بالنور العظيم على الموجودات، في تلك الساعة أخذت عربة الأتوبيس من ~~أنترلاكن حتى بحيرة برنيز، وانتظرت هناك ولا غاية لي أقصدها، فلما رأيت القارب وصل ~~المينا نزلت فيه قاصدا أن أجيء على هاته البحيرة من طرفها إلى طرفها؛ لأرى أي شيء ~~تكن من الجمال حتى لتفضل على ليمان، فلم تك إلا لحظة بعد أن تحرك القارب حتى إذ ~~أنا تحوطنا الجبال من كل جانب وقد ارتفعت عالية حتى تلامس السحاب ثم تنزل دفعة ~~واحدة إلى البحيرة، وقد غطى ذلك السد الهائل من الصخر نبات وأشجار خضراء نامية ~~تكسوه، وتكاثرت الجبال حتى لكنا ننفذ من بين مضيق منها، وأمام العين ثماني قمم ~~شاهقة محددة تخرق الجو الساكن لا حراك به، وكلما رسونا على بلد رأيت محطته صغيرة ~~مختفية وسط الشواهق مما حولها، يهبط إليها الناس ثم يتخذون طريقهم صعدا، وسرعان ~~ما يختفون عن العين وسط الغابات المحيطة بهم، وإلى الجانب الثاني تقوم الجبال كذلك، ~~ولكنها أقسى أشكالا وأقل شجرا، وما بين الجبلين تنصقل صحيفة الماء وهي أكثر من كل ~~ما حولها سكونا واستسلاما. # وسط هذا الصمت الهائل من كل الطبيعة المحيطة بنا يموج جوف المركب بالسائحين، وقد ~~ملأوا بيتهم السائر ضوضاء لا يتميز فيها شيء لكثرة المتكلمين، وتعدد اللغات التي ~~يتكلمون بها؛ فبينا ترى عن يمينك جماعة الألمان بجسومهم الضخمة وأشكالهم الكبيرة، ~~إذا أمامك الإنجليز والأمريكيون، وعن يسارك طليانيون، وهناك عند مقدمة المركب جماعة ~~يتكلمون العربية ويظهر ms132 عليهم أنهم من الشوام المتمصرين. # دخل إلى هذه الضجة سكون كان يتخلل أجزاءها رويدا رويدا، حتى إذا ما تم وقاربت ~~المركب إحدى المحطات إذا صوت الماء المنحدر جاء من هناك من أعلى القمم، ثم انساب ~~بين الصخور والنبات والشجر فاندفق بصوت عال دائم متشابه في البحيرة الساكنة، وكلما ~~اقتربنا منه تميز طريقه ورأيناه يظهر تارات بين المرتفعات لامعا تحت النور الساطع ~~مندفعا بقوة ثم يختفي بين الأشجار والصخور. # وأخيرا وصلنا برينز، فهبط إليها وأخذت الشاي بمكان صغير هناك، وحيث أرسلت بنظري ~~فالجبال الشماء الرائعة تعلوها الأشجار العالية ويموج فوق سطحها النور المتدفق، ~~ثم تهبط هي وما عليها والنور والشجر ساقطة إلى قاع الماء السجين وسط ذلك الحصن ~~القوي. # ولما كانت الساعة السادسة أو نحوها وآن أن نرجع، كانت الشمس قد ابتدأت تسلك ~~طريقها إلى الغابات البعيدة، وتسقط من جوها الرفيع والهواء يتحرك والأشياء كلها ~~تلبس حياة غير تلك الحياة النائمة التي كانت تلبس ساعة مجيئنا، وأخذ مقعده إلى ~~أمامي في القارب ثلاث شبان أقوياء، وقد انتعلوا أحذيتهم الجبلية الكبيرة، ولبسوا ~~بعض ملابس بسيطة تنبئ عن ضعف حالهم، ثم من بينهم فتاة يظهر أن لها باثنين منهم صلة ~~قرابة، جلسوا وكلهم الرضى والقناعة، يضحكون عن نفس طيبة ومن حولهم سكوت أو يهمسون، ~~والماء تموج بموجات صغيرة صغيرة تتابع منسابة فوق سطحه الذي أخذ لون الجبال الخضراء ~~قد انطرحت بظلها فوقه، ومن بين قمتين بعيدتين تتهادى الشمس النازلة وتبعث على ~~البحيرة وموجاتها بعقد ذهبي يتبع قاربنا في مسيره، وهناك وعن يميننا جهة الغرب منظر ~~أبدع ما ترى العين، جبال تغطي سطحها أعشاب صغيرة تنقشها هنا وهناك خطوط بيضاء، ثم ~~دخل كل ذلك في شيء من الظلمة، فإذا ما تجلى للنظر سحره عن كل ما حوله ولم يستطع ~~إلا أن يبقى محدقا به. # ثم رأيت الذين اخذوا مقعدهم أمامي قاموا فنظروا إلى جزيرة نمر بها، ولكنا لا ~~نقف عندها، ثم أخرجوا من جيوبهم مناديل أمسكوا بها من طرفها، ورأيتهم يشيرون إلى ~~بعض الواقفين ms133 على هاته الجزيرة، وينادونهم نداء الوداع، والآخرين يشيرون هم كذلك ~~بمناديلهم حتى غاب القارب عن أنظارهم، فجلس أصحابي وعلى ثغورهم ابتسامة ~~تطوقها. # وأخيرا وصلنا إلى القمم الثمان، وقد اختبأت وراءها الشمس، وصرنا ننظر من ذلك ~~المضيق الذي نحن فيه، فتجلت أمامنا البحيرة وما حولها، ويأخذ بالعين ذلك المنظر ~~الحلو حتى لنود لو يبقى القارب في مكانه حتى حين، ولكن القارب يسير غير وان ~~إلى غايته بنا سريعا إلى انترلاكن. # 15 سبتمبر 1910 # كنا مع صديق يحكي لنا وقائع سكره وفتكه بالنساء، وكم كان - جازاه الله - حلوا ~~في حكاية وتنسيق وقائعه، كما كان كثيرها إلى حد ما تصورته من قبل أبدا، وقال لنا ~~كذلك سبب تركه الصلاة التي كان يحافظ عليها محافظة الناسك؛ ذلك أن دخل مرة سكران ~~والساعة الثالثة بعد نصف الليل، ولم يكد يضع رأسه فوق مخدته حتى جاءه أبوه يناديه ~~لصلاة الفجر، فقام وأخذ دشا يطهر به وصلاها، فانتابته حمى ظل في أثرها شهورا، ~~فحلف من بعدها أن لا يصلي؛ إذ إنها الصلاة جاءته بها ... ثم انتقلنا بعد ذلك لحديث ~~آخر جاء في خلاله أن تلوت آية من القرآن، فنظر هو إلي وقال: أولا ... أنت ~~طاهر؟ # ذكرني في ذلك بنادرة حلوة من مثل هذه ... كنت في إنجلترا وصديق يترافع عن الدين ~~الإسلامي أمامي مرافعته أمام من لا يدين بذلك الدين، يدافع بكل قواه وينصر المبادئ ~~التي قررها ، وأنا أوافقه أغلب الأحيان فلا يزداد إلا حدة واندفاعا. # هو الدين الإسلامي أطلق للناس العنان، وحلهم من قيود كثيرة كانوا يرزحون تحتها، ~~وجعلهم أحرار الفكر يعملون بما يهديهم عقلهم، كما ضمن لهم في تعاليمه السعادة ووضع ~~لهم قواعد محكمة ... إلخ ... إلخ ... # فلما أنهكه التعب وجاء عليه اللغوب التفت إلي قائلا: الواحد تعب ... تعال يا شيخ ~~نأخذ كاس وسكي. # من أيام قام في الرايخستاج الألماني جدال جاء على أثر الخطبة التي كان ألقاها ~~الإمبراطور مشيرا فيها إلى حقه الإلهي في الحكم مستمدذا معونة موكله العظيم، وفي ~~هاته المناقشات قال قائد الاشتراكيين لأول ms134 مرة: بصراحة إنما نسعى لغايتنا وهي ~~الجمهورية، يجب ألا تكون الجمهورية غاية الاشتراكيين وحدهم بل غاية كل محب للسلام ~~العام؛ فإن وجود الحكومات الجمهورية على البسيطة هو الضمان الأكبر للحرية، وإن ~~الجمهوريات الحاضرة - على أن بعضها عظيم جدا - لتدلنا عليها، ولو أنا لنصدق ما ~~يقال من أن فرنسا اليوم في تقهقر، فما أحسب أحدا يقول إن الجمهورية الأمريكية ~~الكبيرة جمهورية الولايات المتحدة في شيء من ذلك، كما أن الجمهوريات الكثيرة الأخرى ~~قوية، ومع ذلك فليس في طبعها حب الحرية ومناوشة الآخرين العداء. # لكنها الملكيات هي دائما حبيسة هذا المرض الإنساني الفظيع، هي السبب في بقائه ~~على الأرض، ولو أنك أخذت التاريخ لما وجدت التوسع في الاستعمار إلا في العصور ~~الملكية، اللهم إلا قليلا أيام الرومان حين كانت الجمهورية في يد شبه ملك، والسبب ~~في ذلك على ما أعتقد هو أن هؤلاء الملوك من الشره والطمع والأنانية حتى ليعتقدون أن ~~الأمة وما فيها هي في شخصهم، فكلما اتسع نطاقها اتسع مجدهم وعظمتهم؛ وعلى هذا فهم ~~مدفعون بما يخالط الطبيعة الإنسانية من الشرة الفظيع الجشع، هم يدفعون من يؤمنون ~~بحقهم في الحكم إلى الغزو، وأقام الحكومة حبا في السعادة الشخصية؛ لذلك تدخل في ~~أخلاق الناس وفي الفكرة العامة أن الوجود موضع سعادة للمجموع، في حين تكون الفكرة ~~عند الملكيين أن الحاة قائمة على إرضاء لأطماع شره ملوكهم. # 19 سبتمبر # ترى الأوربي هنا عمره فوق الثلاثين وفوق الأربعين، ورجل ذو مكانة في الوجود وقيمة ~~في نفسه، وهو مع ذلك مثال السرور والنشاط وشديد التعلق باللذائذ وبالرياضة، يعطي ~~قسما كبيرا لها، ويجد موفورا عنده الوقت الذي يعمل فيه كل عمله مما تطالبه به ~~الحياة. # يفوق الخمسين ويفوق الستين ويبقى ذلك شأنه. # ترى الشاب يحس في نفسه بشبابه ويعلم أنه غير مسؤول بعد إلا عن عمل شخصه: عند ~~دروسه ومدرسته، كما أنه يفهم أن هاته الأيام ربيع الحياة، وفي غد يأتى الصيف فيدخل ~~إلى عالم مسؤولية وجد، ثم الخريف تعرى فيه رأسه عن شعرها فيكسب ms135 ذلك الربيع ويأتي ~~فيه بكل ما تحبه نفسه ويجول بخاطره. # عندنا متى بلغ الفتى الرابعة عشرة من عمره أو السادسة عشرة إن كان ساكنا بعض ~~الشيء خاض غمار السياسة، وأخذ على عاتقه من الأعمال، وتعهد أمام نفسه وغيره بأشياء، ~~فتراه أصبح ذا العمل الضخم الكبير: وهو نعم الكفء لعمله؛ إذ تراه ما حل مكانا إلا ~~صاح ونادى وصرخ واستصرخ، فإذا ما وصل العشرين كان الرجل الناضج يمشي وعليه وقار ~~الكمال وهيبة الرجولية، وعند الخامسة والعشرين ينتظره المشيب فيتمهل في مشيته ويهز ~~رأسه إن تحكي له مسألة أو حادثة كما يهزها من عرك الحوادث وعركته، وإن رأيته رأيته ~~ذاهب الفكر سارحا يحدد عينيه لحظة ثم يسبل عليها حاجبيه ... ويكون بالجملة الشيخ ~~الذي فرغت منه الأيام ولم يبق فيه من خير، تلك حالهم النفسية وما أدري إذا كانت ~~الجهة الأخرى جهة اللذائذ الجسمية هي على هذا النظام، ولكنما يخيل لي أن الأمر ~~بالعكس؛ لأنهم كلما كبروا سنا كلما اندفعوا وراء شهواتهم وتماوتوا في طلبها ~~وزادوا إلى حد فظيع ... كل ذلك نتيجة تربيتنا الأولى وفساد العائلة. # سبتمبر/أكتوبر # عرفت أحد الموظفين بالحكومة قد قضى بها أكثر من اثني عشر عاما، وعمره اليوم لا ~~يزيد على الثلاثين كثيرا؛ لذلك كان أمامي خير مثل للتربية إلي تعطيها الوظيفة ~~لمن يشغلها، والأثر الذي يصيب نفس المستخدم، وإذا لم يكن هذا الشخص مثلا في قوة ~~الإرادة أو توقد الذكاء أو حدة الخاطر أو نحو ذلك فليس هو بالعكس، ليس بالغبي ~~الأبله، بل هو الشخص العادي الموجود عندنا، هو المصري الوسط عرفته فأظهر لي من ~~أفكاره ما وافقني، كنت كلما قررت أمامه قاعدة وجدته لم يخالفني في صغيرة ولا كبيرة ~~من أصلها أو حواشيها، وإذا أعطيت رأيي عن شخص قواه هو بالحوادث الكثيرة لا عدد لها ~~يحفظها عن ظاهر قلبه، وإذا تكلمنا في السياسة والحال في مصر كنا دائما من رأي ~~واحد. # شخص كهذا يكون صديقا حميما في أيام قلائل، ولاحظ هو أن هكذا كنا، ثم قابلته ~~ليلة ومعه ms136 منتم للحزب الوطني مناصر لأفكاره، وهو الآخر صديق ذلك الموظف، كنا نحن ~~الثلاثة معا، ماذا يعمل صاحبنا، اجتهد بكل ما استطاع أن يوافقنا نحن الاثنين، كلا ~~بل كان مع عضو الحزب الوطني أكثر مما هو معي، ادعى فعلا أنه منتم لهذا الحزب؛ ~~إذ كل فرد يعمل لصالح مصر هو من الحزب الوطني، فلما لم أقبل أنا هذا التعريف جعل ~~يحور فيه حتى يرضي صاحبه ويرضيني. # قام الشخص الآخر قبلي، بقينا من جديد وجها لوجه ومنفردين أنا والموظف المحترم؛ ~~فإذا به يقول عن الحزب الوطني كله (دول جماعة مجانين) بالطبع لم يرقني ذلك الانقلاب ~~السريع، فلم أجب وأغضيت بنظري أن يقع عليه وبذا سكت ولم يستمر في كلامه. # طلب إلي أن يمضي معي عريضة كنت أتكلم بمناسبتها عن تقديم مشروع في مسائل الطلاق ~~لناظر الحقانية، ووجدنا من بعد مع صديق آخر قال إن ذلك المشروع سابق لأوانه فوافقه ~~الموظف، ولما شرحت رأيي للصديق الآخر كما كنت شرحته للموظف وافقني فوافقنا ~~الموظف. # حوادث أخرى كثيرة من هذا الصنف وقعت معه. # ألست محقا أن أقول إن الوظيفة في مثل حكومتنا لها على النفس من الأثر ما يفسده ~~ويضيع أخلاقها. # مسائل الاعتقاد ليست نظريات تبنى على قواعد طبيعية وثابتة كالمصلحة، ولكنها ~~مضاربات نظرية تختلف من فرد لفرد باختلاف فطرة كل واستعداده والمحيطات به وأثر ~~ماضيه عليه؛ لذلك من الصعب محاولة إرغام مفكر على أن يعتقد شيئا لأن الأغلبية تدين ~~به، كما أن من الظلم الفاحش أن يمنع صاحب رأى عن نصرة رأيه مهما خالف الجماعة فيه ~~لأن تكوين العقيدة أو الرأي في رأس المفكر لا يجيء إلا بعد أن يعمل مخه ويتعب ~~أعصابه ويكابد أهوالا، فمن العدل أن يترك له من الحرية ما يجعله يكسب حوله أنصارا ~~أو معززين أو على الأقل أن يتعزى بإظهار ما في نفسه للوجود. ~~••• # يولد كل شيء عندنا قبل أوانه، ها صحافتنا ولدت ونمت في الحين الذي تضر فيه ~~أكثر مما تنفع؛ فهي تصد الكتاب عن التأليف، وترجع المفكرين ms137 عن إتمام فكرتههم ~~وتنميتها وتكبيرها حتى تبلغ أشدها بأن تنشر لهم كلمات قد تحوي مبادئ الفكرة، فتبعث ~~بذلك النشر الغرور إلى نفوسهم وتقفهم عند تفكيرهم المبدئي، ولو أنا أرجعنا ~~الصحافة إلى وظيفتها من الخوض فيما يخص الحوادث الحاضرة لرأيت الكثير من صحف مصر ~~تقفل أبوابها؛ لأنها لا تعرف كيف تقوم بواجبها. ~~••• # يعاب علينا جماعة المصريين - وبحق- أن لا ثقة لنا ببعضنا ولا بنفسنا، فيبحث الناس ~~عن أسباب ذلك فيعتقدونها أحيانا في نقص التعليم وأخرى ضعف النفوس، والذي أعتقده ~~أنا سبب ذلك أنا لا نعرف في الواقع طعم المساواة. # 1 يناير 1911 # اليوم أول يناير، اليوم دخلت سنة 1910 في الفناء وحلت محلها سنة جديدة، انقضت كما ~~انقضى من قبلها غيرها، والزمن يسير دائما يفني عمر الناس ويهرم العالم ~~العجوز. # في مثل هذا اليوم من العام الماضي كنت أسائل نفسي لم الحياة؟ وها أنا أسائلها ~~الآن لم نستعجل الموت وهو منا قريب؟ وهل بين العام القديم والعام الجديد إلا ~~غمضة العين، إلا أنه ليخيل لي أني أستطيع الساعة، وقد انتقلت إلى سنة 1911، أن أقبض ~~بيدي على عام 1909 كأنه إلى جانبي، أو كأنه لم يدخل مع الأموات في حفرهم. # يخيل لنا أن الحياة تمشي على مهل، وأن أعمالنا فيها كثيرة لا يحصيها عد، ألسنا ~~في ذلك كالحالم الذي يطوف الخافقين ويقف على حوادث الأولين والآخرين، ويسر ويحزن ~~ويموت ويحيا ويفعل كل شيء سواء كان ممكنا أو مستحيلا في ساعة أثناء نومه، ويظن ~~أنه قد استغرق ذلك الشهور والسنين. # من يدري إذا لم نكن نحن في عملنا على الأرض خيالات مسخرة تعمل ما تريده القوة ~~الخفية في الكون، وإن أحست أن لها وجودا مستقلا، أليس من الممكن أن يكون حقا ~~ما يقال من أن الله خلقنا على صورته، أي أنا خيالات هاته القدرة الهائلة، فنعمل ما ~~تعمل ونتحرك بحركاتها ونسكن بسكونها ونظن خطأ أنا نريد ما نعمل. # خيالات نحن ثم نئن من الحياة، ماذا في الحياة حتى نئن منها أو نسر بها أو ms138 ~~يبلغ بنا اليأس أمامها، إنها فارغة فاضية وكل ما نملأها به إنما هو لا شيء. عملنا ~~وسعينا وسرورنا وحزننا وشقاؤنا وسعادتنا عقائدنا وأفكارنا حربنا وسلمنا، كل ذلك ~~راجع إلى لا شيء. # 11 يناير # ها أنا اليوم لا أعبأ بأمر ولا أحفل بشيء، ضميري صامت ساكت أمام الحوادث، ونفسي ~~لا تناجيني بخير ولا بشر، كل ما أمامي من الأشياء والناس والحوادث لا يستلفت مني ~~نظرة ولا يعيرني التفاتة، وشخصي كله هادئ بل جامد لا يستفزه أسف أو ألم لماض أو ~~لحاضر. # كنت في العام الأخير ريشة تلعب بي الحوادث وتغيرني الأيام، وكل خبر يصلني من مصر ~~أو مسألة تجد هنا تجد مني قلبا حساسا حتى كان يبلغ بها اليأس أحيانا أقصى ~~غاياته، وكنت أجلس مكتئبا حزينا ترى عيني الوجود أمامها داعية آلام فتغلبها ~~الدمعة، ويحيط بي وبخيالي وجودي الآسي، وآسف أن تركت أهلي وبلدي، أما الآن فلا شيء ~~من ذلك. بل إن من الحوادث التي كانت ذات أثر كبير من قبل ما يمر أمامي فأتفرج عليه ~~غير آس ولا أسف. # كذلك كل ما أعمل لا يترك في نفسي أقل أثر من فرح أو حزن أو سرور أو ألم أو أسف، ~~على العموم أصبحت جامدا أمام الكون صلدا. # ومهما جاهدت فلا أستطيع معرفة أسباب ذلك كله، وغاية ما أفهم أنه نتيجة لازمة لنوع ~~الحياة الذي أنا فيه، وللتطور الفكري عندي ولفطرتي الساكنة بطبعها، كل هذه العوامل ~~تفاعلت وعملت واحدتها في الأخرى فأوصلتني معا لحالي الحاضرة، وهل بقاء الإنسان ~~بعيدا عن كل قلب يحبه وعن نظرات يخالطها الحنان والعطف ثم عن الأصدقاء القديمين ~~أصدقاء الطفولية حيث كل شيء فيهم يحيي أثرا قديما وعن مصر موضع الآمال ومستقر ~~الرغائب، وعيشة بين من لا يهتم له ولا يتأثر به ولا يعرف من أمره من شيء، هل ذلك ~~إلا يطبع النفس بعد أن تصيبها الأحزان وتتوالى عليها الحوادث، على الجمود أمام كل ~~شيء والنظر لكل شيء بالعين الباردة التي ينظر هو بها إلينا. # ولكن الشر الأكبر ms139 هو أن الجمود بلغ عندي أن أصبحت جامدا أمام نفسي وأمام ما ~~أعمل، ولست أدري إن كان ذلك ليضرني أو لينفعني، وكل ما أحس به أن هذه الحياة ~~الحاضرة هي حياة لذيذة طيبة ليس من السهل الاستعاضة عنها بخير منها ولا بمثلها، ~~ووددت لو أبقى كذلك غير مسؤول من أحد بقية أيامي التي أرجو أن تكون طويلة أطول ما ~~يمكن. # طويلة أطول ما يمكن، ولماذا؟ لتكن طويلة أو قصيرة، مسرعة أو بطيئة؛ فما ذلك ليغير ~~مني أنا شيئا ولا ليزيد أو لينقص من حظي كثيرا ولا قليلا، الحياة هنا، الحياة ~~الجامدة الباردة، الحياة التي لا تشوبها أغراض ولا أطماع، هي لا شك خير أنواع ~~الحياة أو أقربها للعقل، ولكنها كذلك أشبهها بالموت. # أيامنا على الأرض قصيرة جدا تمر وتجري بغير قرار، ثم تأتي علينا لتسلم نفسها ~~لمن بعدنا، هي كالبغي تريد أن تأخذ من كل شخص أكبر حظ تستطيع منه، وأعقلنا من أخذ ~~منها ولم يعطها إلا ما تجود به نفسه إشفاقا عليها أن تفنى وتذبل تلك الزهرة ~~الجميلة، ولكن لا لنلقي بأنفسنا بين يديها تصرفنا كما تشتهي، أو نعطي حظنا إليها ~~فتلعب بنا كما يحلو لها، بل يجب أن نجلس إلى جانبها ونريها ما عندنا، فإن أعطت ~~أعطينا وإلا فأمرها بيدها. # ولكن لم تكون هذه الحياة الخامدة خير أنواع الحياة؟ لم يكون هذا الجامد خيرا ~~ممن يترك نفسه لحظوظها تستوفي من الأيام كل ما تقدر على استيفائه، وتفنى هي في ~~الأيام من غير ما حذر؟ ولم يكون خيرا من أي إنسان آخر؟ كل الناس يعيشون تتوازن ~~آمالهم وآلامهم مسرورين بأنفسهم حانقين على الآخرين، ويقضون كذلك أيامهم في الفروق ~~بينهم، لا فرق إلا الخيال الذي يدور برؤوسهم ويجعلهم يعتقدون أن غيرهم أسعد منهم، ~~والواقع أن لا أحد أسعد من صاحبه بل كل الحياة مشاغل كاذبة لا حقيقة تحتها. # 19 يناير # للباقين على عهد الحجاب ممن يحضرون إلى أوربا حجة يحاجون بها كل من كلمهم، تلك ~~هي الكثرة لعدد البغيات ومن ms140 يبعن عرضهن من فتيات هذه البلاد، ولو أن هؤلاء ~~كانوا أبعد نظرا لما أحوج الحال أن نقول لهم أن في كثرة الحاجيات وغلاءها هنا ما ~~يدفع هاتيك البائسات لعملهن. كما أن التربية التي يربين عليها والحظ من ~~التعليم الذي نلنه والقراءة والمطالعة التي تفتح نفوسهن وقلوبهن، وتجعلهن يطلبن ~~الجمال من كل وجه ممكن، هذا كله يدفعهن رغم إرادتهن إلى ذل نفوسهن لمن يمسك بيده ~~الذهب ويعمل لقضاء أغراضهن، والحقيقة التي لا شك عندي فيها أن هاته المدنية الغربية ~~بما خلقت من كثرة الحاجيات وغلاء المعيشة، وتفننت فيه من أمور الزينة والجمال، وبما ~~أودعت في الأشياء من السر وفي الحياة من السحر تجرف بسيلها كل من جاء في طريقها ولا ~~تدع لأحد من أهلها ما يريد من تقشف أو زهد. # هذه المدنية القوية على ما فيها من فساد وشر تكتسح العالم من أقصاه إلى أقصاه، ~~وتعطي لأصحابها من الغلب على غيرهم ما لا يستطيع معه ذلك الغير إلا أن يندمج فيهم ~~ويأخد مأخذهم، ورغما عن أملي أن توجد أمة تأخذ من مدنيتهم بأسباب القوة والدفاع عن ~~نفسها وأفرادها وتذر مجالب الشقاء من مواد الترف المتناهية في الكثرة، فإني ناصح ~~كل أمة لا تستطيع هذا أن تصبغ المدنية الغربية بصبغتها ثم تأخذها إليها. ~~••• # حبس فريد بك: قرظ كتاب الغاياتي «وطنيتي» كل من الشيخ شاويش وفريد بك، فأخذ ~~الأول وزج به في السجن ثلاثة أشهر في حين كان الثاني يتجول في عواصم أوربا ~~المختلفة، فلما رجع إلى مصر وطلب للمحاكمة كان حسابنا جميعا أن سيحكم عليه بحكم ~~موقوف التفيذ مدة بين ثلاثة أشهر وأربع، ولكن حسابنا خرم وحكم عليه بستة أشهر ~~معجلة التنفيذ. # مرت هذه الحادثة كغيرها من الحوادث التي تمر، وصاحت جرائدنا في وجه الحكومة ~~صيحاتها المعتادة، وطلب بعضها العفو عن السجين وآخرون لم يطلبوه، ثم دخلت جراب ~~الماضي وجاء عليها النسيان، ولكني أرى فيها من جانبي الحكومة والأمة أكثر مما ~~رأوا، أرى فيها فساد نية الرؤساء وضعف إرادة المرؤوسين، ولو أن ms141 البلد لتلقي كل هذه ~~الحوادث وكل ما تعمله أن تعلن الصياح والشكوى فيا طول ذلتها ويا عظيم ما ~~ستلاقي! # إنني أنظر إلى الحوادث هنا وأنا بعيد عنها وبعيد عن تأثيرها الوقتي الذي تهيج له ~~الأعصاب، فأراها أكبر بكثير مما يقدرها به أهل مصر؛ لأنني أراهم هم أيضا معها ~~يصرخون ويصيحون، وذلك يدل على أن الألم لم يبلغ بعد أن يكون الألم المميت، الألم ~~الذي تتوتر معه الأعصاب وتقف دقات القلب وتثبت العين ويتصلب الجسم، ثم يقذف صاحبه ~~بنفسه على ظالمه قذفة اليائس الذي يريد الحياة الطيبة أو الموت الأخير. # في هذا اليوم فقط حين لا يكون من أثر الحوادث إلا بريق العيون وازدياد الجسوم ~~تصلبا، يمكن لأي بلد مظلوم أن ينال حريته واستقلاله وحلاوة الذكر. ~~••• # نرى منظرا أو نعرف شخصا أو تروقنا فتاة لأول مرة وقعت عليها عيننا، ويبقى لذلك ~~من الأثر في النفس، ثم تكر الأيام ويدخل ما أعجبنا تحت ستار الماضي، ولكنا لا ننساه، ~~بل يبقى عندنا في عالم الخيال والذكر، هاته الأيام التي مرت عليه لم تمر عبثا، بل ~~هو يتجلى لنا في عالم الجديد وقد لبس جمالا غير جماله الأول، وإن أصبح غير هذه ~~المزرعة أو الفتاة التي كنا نرى محسنين أمام أعيننا قائمة بين الأشياء الأخرى ~~المبتذلة، بل يكون هو ومحيطاته والعالم الذي يعيش فيه مكسوا بقميص شفاف يستر ~~العيوب وتبين المحاسن من ورائه مضاعفة، كأنما أنماها الزمان، فالوردة التي كنا نرى ~~محاطه بالشوك وقد ذبلت بعض أوراقها تظهر في أكمل ما تكون وردة صابحة عذبة، والمرأة ~~التي عمل الكورسيه في جسمها نتصورها تمثالا أملس من الرخام النقي، والكلمات ~~البسيطة تأخذ أمامنا روحا جديدة، وتحسبها تساقط من فم الحسناء التي تحب كأنها ~~أشجى الأنغام، وكل شيء في هذا العالم يظهر كأحسن ما يمكن أن يكون. # في هذا العالم نحس حقيقة بالسعادة، نسير وسط هاته الأشياء البالغة منا أقصى درجات ~~الإعجاب، وإلى جانبنا المحبوب الذي صورناه على ما نشاء، ونقول الكلمات ونعمل ~~الأعمال التي تعجبنا، والسماء ms142 فوقنا ضاحكة الثغر دائما، وعن يميننا غروب الشمس ~~البديع على ترعة صغيرة أو على النهر، أو هي تسقط لتبتلعها أمواج البحر العظيم، وعن ~~يسارنا البدر المتكامل يحبو متهاديا ويتخطر ثملا، والجو كله تعطر بالطيب وتنعشه ~~الطير بأحلى صفيرها. # فإذا ما خرجنا من هذا العالم الطيب إلى الحقيقة، إذا ما قابلتنا الحسناء التي ~~أعجبتنا من قبل أو نحن زرنا الأماكن التي أخذت بأبصارنا مرة من المرات، كم يكون ~~شقاؤنا كبيرا أن نرى كل ما تصورنا كاذبا! وكم نتمنى أن لا نخرج ولا مرة واحدة ~~لنلمس الواقع. # 26 مارس 1911 سان كلو # تعرف غادة وتسمح لكما معرفتكما بشيء من رفع التكلف والتكلم في مواضيع وفي أخرى، ~~وتطرقان أبواب الحديث في كل شيء، وتمضي الأيام وتزيد المعرفة بينكما، وتطلعك أكثر ~~على ما في نفسها وكل يوم تحادثها وكأنها تقول جديدا؛ ذلك لأنها إنما تحكي عن ~~آمالها وتلك كلها لا حدود لها تمتد في كل الجهات وتميل إلى الشعر أكثر منها إلى ~~الحقيقة وتنزع دائما لأن تجد جديدا. # وتعرف سيدة قد قضت من حياتها شطرا فإذا ما تكلمتما وقصت لك ما في نفسها ثم ~~أعادته وجدتها دائما تقول الشيء بعينه لأنها بقية الماضي، وتحكي الأشياء الفائتة. ~~الأولى نفس جديدة تريد أن تأخذ إليها كل ما تجد ولا شيء يكفيها، فهي تعبر في كل ما ~~تقول عن هذه المطامع الغير المحدودة، ثم هي لم تدخل الحياة بعد ولا رأت مضايقاتها ~~وتلك الأشياء السافلة التي تتكاثر في أنحائها؛ فكل ما تقول إنما هو عما في حلمها، ~~وكل ما في حلم الشباب جميل، والثانية قد قضت وعرفت وعركت الدنيا وعلمت ما فيها؛ فهي ~~لا تريد منها جديدا إلا لقضاء غرض حاضر أو لنوال مطلوب معين. # الأولى شعر الوجود البديع ممزوج بالأمل الحلو، والثانية الحياة الحقيقية الباردة ~~ممزوجة بالألم المر. # الأولى ترنو للآتي فتحملنا معها إلى المستقبل ويظهر بذلك شباب الحاضر، والثانية ~~تردنا إلى الماضي فتجعلنا نرى ما أمامنا وكله شعور بيضاء أو أكفان أو قيود كهذا ~~الماضي ms143 المرجو. # من أجل هذا كله كان الشباب أوان الجمال، ومتى ولى الشباب ولى الجمال على ~~أثره، كهاته الفتاة وهاته السيدة أمم الأرض، منها عجوز جاء عليها الضعف وذهب جمالها ~~فكل ما تتعزى به عن أليم وقع الحاضر أن تفتخر كل يوم بماضيها وتعيده أمام الناس ~~في أشكال إن اختلفت فهي دائما أشكال الماضي، في حين الأمم القوية الشابة دائما ~~تنظر للمستقبل وتعنى به، الأولى مسكينة مخذولة والثانية قوية مهيبة. # 28 مارس 1911 # لم نكره الآخرين؟ ألأنهم أوصلوا إلينا ضررا؟ ألأن نفوسهم باقية لا تزال في ~~الظلمة ولا تستطيع أن تتصور فعل الخير دائما؟ لعل واجبنا حين نرى هاته النفوس أن ~~نتألم من أجلها ونعطف عليها، ويسوقنا هذا الألم والعطف لحبها، بل أليس الواجب أن ~~يزداد حبنا لها كلما هي أوغلت في الشر أكثر، وكانت بذلك في ظلمة أدكن، كلنا نحب ~~الطفل الصغير لأن نفسه لا تزال خالية من الخير والشر، فهل نحن نزداد له حبا وعليه ~~عطفا إذا هو أسعده الخظ فوجد من ملأ بالخير نفسه واستغنى بذلك إلى حد كبير عن ~~عطفنا، أو إن هو كان تعيسا فذهب به تعسه لأن يكون شريرا، الشخص الذي يسيء إلينا ~~شخص مريض النفس، فإذا نحن حكمنا على من يتقزز من مريض الجسم أو مهدود القوى بأنه ~~جاف خليط إلى حد أن يكون خبيثا ألا يكون من العدل أن نحكم الحكم عينه على أنفسنا ~~إن نحن تقززنا من مريض النفس، واجبنا أن نداوي المريض ونعنى به، ولا يمكن أن يكون ~~ذلك مع رفضه وتحقيره، ترى لو أنك نظرت إلى إنسان مقترب من الموت بنظرة يشك فيها ~~ألا يتألم ويبكي كما بكى عبد الله الصياد حين أردنا أن نتركه بعد أن مكثنا نعوده ~~سويعة من الزمان، كذلك ألا أكون قاسيا إذا نظرت النظرة عينها إلى مريض النفس، أليس ~~من واجبي أن أحابيه مقدار ما أستطيع لعله يشفة ولا أبعده وأحرمه من عطفي حتى يموت ~~موتا نفسيا مثلما أبقى مع الآخر حتى تفارق روحه بدنه، ms144 حقيقة في ذلك اليوم أدفنه ~~لأنه لا فائدة منه بعد، ولكني أتألم من أجله بل وأزاداد له حبا، هذا واجب كل ~~إنسان نحو كل إنسان. # سان كلو في 31 مارس # نزلت بالأمس إلى باريس وبقيت بها حتى منتصف الليل. # بعد أن تناولت طعامي الساعة السابعة سألت نفسي أين أذهب؟ # إلى التياترو أم إلى بعض الملاهي أم أين؟ وأخيرا قر قراري على أن أقضي ليلتي ~~في سماع الموسيقى، وانتهى بي الاختيار على (كونسيروج) حيث بقيت حتى الساعة الثانية ~~عشرة إلا ربع. # هل أستطيع أن أحدد الأثر الذي تتركه الموسيقى في نفسي؟ إن هذا الأثر غير محدود من ~~طبعه فأظن عبثا محاولة تحديده، وكيف نجد حدودا له في قطعة مثل (بير جنت) من تأليف ~~جريج، حيث ينتقل الإنسان من السرور إلى الحزن ومن المرقص إلى النغمات الحزينة من ~~أجل موت صاحب جريج، ثم إلى أن تهتز النفس مع دفات الرقص أو يبهجها الطرب لرجوع جنت ~~إلى بلاده، كيف يمكن ذلك في قطعة أخرى، في قطعة بتهوفن المهداة إلى الطبيعة ~~وجمالها، في قطعة كورساكوف عن شهرزاد، في أي قطعة أخرى، بل كيف يمكن تحديد الأثر ~~الذي تحدثه النغمة الحزينة في النفس حين تجرها معها رويدا رويدا ثم تروح بها في ~~عالم لا حدود له. # إن فيما تخلقه الموسيقى أمام النفس من العوالم المترامية إلى لا نهايات الإحساس ~~لما يسحر اللب ويأخذنا جميعا من وجودنا الأرضي المملوء بالغابات والأطماع إلى جو ~~جميل تسكنه الإحساسات ولا محل للأجسام منه. # في اليوم الذي تأخذ فيه الموسيقى مكانها في مصر، في اليوم الذي يكون فيه عندنا ~~مؤلفون مهرة في هذا الفن ويعتبرهم الناس والعالم أساتذة فيه، في ذلك اليوم نكون ~~بلغنا شيئا كثيرا، نكون خلقنا لأفراد الأمة سعادة لا نظير لها، وللمجموع إلى جانب ~~هذه السعادة عظمة تبنى فوقها الأجيال المتعاقبة. # 2 مايو # بالأمس مساء إلى ساعة متأخرة جدا من الليل، إلى الساعة الثانية من الصباح، كنا ~~نتحادث مدام سنيار وأنا، ولا أستطيع بسهولة أن أعلل # son ms145 ~~attitude # 1 # في الساعة الحاضرة إذ تغيرت إلى شكل آخر من يوم أخبرتها أني سأترك ~~سان كلو، هي دائما رقيقة فوق ما يتصور، ولكنها أشد حيطة من قبل في كلامها، ولقد ~~سمح لنا هذا أن نتكلم مساء الأمس في مواضيع أكثر جدا مما نتكلم فيه عادة، ذلك ~~هو ما دعاني لأكتب مذكراتي اليوم. # كنا نتكلم فيما لو كان الفرد يستطيع ملاحظة الآخرين والحكم على أخلاقهم من وراء ~~أقوالهم وأعمالهم، ولقد كنت ولا أزال شديد الاقتناع بأن ذلك ممكن إلى حد كبير، ~~لكنها وضعتني موضع الحذر من عقيدتي، وأظهرت لي أن الناس ليسوا من السهولة بمقدار ما ~~يتصورهم الإنسان، وأن أقوالهم وأعمالهم التي نرى ونسمع ليست كافية لنحكم من طريقها ~~عليهم؛ لأنها دائما غطاء غير شفاف عما يجول بقلوبهم وضمائرهم، كم من كلمة يقولها ~~الإنسان وهو لا يعتقد منها بحرف ولكن قالها لأن الكلام اقتضاها، كم نوافق على ~~أشياء لولا أنا نريد أن تمر من غير أهمية وفي الوقت عينه من غير حرج لمحادثنا ~~لكنا أشد الناس قياما ضدها. # قضينا وقتا طويلا في مثل هذا الحديث، وقت كان يسرني جدا أن أقضيه مع أهلي من ~~السيدات المصريات، ننتقل من مسألة لأخرى ومن كلام لكلام ويسير الوقت ولا نحس بسيره ~~ونود لو نبقى حتى الصباح لولا أن النوم من الواجبات المحتوم القيام بها. # مثل هذا الحديث وغيره مما تتجلى فيه رقة مدام سنيار ودقتها يجعلني أحترمها كل ~~الاحترام. # 28 مايو # كنا بالأمس نتحدث على الطعام عن سكك حديد أمريكا، فبمناسبتها أخبرتني السيدة ~~جارتي أن المسافة بين واشنطن وسان فرنسسكو تستغرق ستة أيام، وأنها حسنة النظام ~~والترتيب إلى حد عجيب، وصفت لي بعد ذلك أن ابنتها - وهي أرق ما يكون من الفتيات ~~وتنم نظراتها السارحة وأنفها الأقنى الحاد وهدوؤها المطلق عن جمال في النفس كبير - ~~أخبرتني أن ابنتها أخذت هذا الطريق وكان معها في العربة من أولها إلى آخرها أحد ~~الضباط، وبقيا طول المدة يتناولان الطعام في قاعة الطعام ثلاث مرات كل يوم، ms146 ثم يرجع ~~كل إلى مكانه ولم يدر بينهما حديث، ويعد أن وصلت سان فرنسيسكو أخذت الباخرة إلى ~~جزر الفيلبين لترى أخاها، وكانت كذلك وحدها. # كم لهاته الفتاة من الثقة بنفسها! وكم لأهلها من الثقة بها! أذكر لمناسبة هذه ~~الحادثة حوادث أخرى لا عدد لها، ولكني أدون منها حادثة مس ب.ك. التي ذهبت وحدها إلى ~~مالطة وأقامت بها ثلاثة أشهر وساحت بعد ذلك في بلاد متعددة، ورجعت وهي أشد الناس ~~ثقة بنفسها وأهلها أوثق ما يكونون بها. # كذلك مس ا.ت. التي ذهبت لأسبانيا مع أختها، ثم كانت تسافر وحدها إلى أبعاد من ~~الأرض أغرب ما يتصور. # لهؤلاء الناس ثقة بنفسهم وبصفتهم لا تطرأ لمصرية - بل ولا لمصري - على بال، ألا ~~نأسف على حالنا بعد ذلك! # اجتمعنا عصر هذا اليوم خمسة من الشباب عند خروجنا من درس السوربون، واتفقنا على ~~أن نأخذ الشاي معا، وكان بيننا فرنسي صديق أحدنا، فصحبنا هو الآخر وذهبنا فأخذنا ~~ركنا في القهوة بعيدا عن الضجة والذهاب والجيئة، ويسمع الإنسان منه دقات الموسيقى ~~تصل إليه رائقة من التشويش والجلبة، وجيء بالشاي وبقينا نتناقش في نقط مما ~~ألقيت في هذا الدرس الذي ألقاه رئيس أساتذة كلية الآداب: ~~- مهما يكن من الأمر فليس من السهل الاعتقاد بأن هذا الوجود العظيم الذي نحن ~~فيه يسير على غير نظام ومن غير رقيب، وكما إنا لا نحس بالدورة الدموية فينا، ~~ولولا الطب لما عرفناها كذلك، فما دمنا نرى أنا نسير في الحياة بنظام عجيب ~~فليس جهلنا بالقوة المصرفة للكون بمثبت عدم وجودها؛ وعليه فأرى أقرب للعقل التصديق ~~بما دار في خلد الناس من القدم وما جاءوا به تقريرا لوجود خالق منظم للكون وما ~~فيه. ~~- أعجبني ما صنعت من المقارنة بين الدورة الدموية ونظام الكون، ولكني أرى ~~استنتاجك معتلا وإليك البيان. ~~- نحن إنما صدقنا بالدورة الدموية يوم وجد من يثبت وجودها أمام حسنا ولا يدع ~~عندنا موضع شك فيها، أما ما قيل عن نظام الكون وأصله وعلته فلم يخرج عن المضاربات ~~النظرية المجردة المبنية ms147 على الخيال والوهم، جاء أقوام من الأقدمين فضربوا ~~بخيالاتهم في كل صوب، وجاءونا بفكرة عن خالق الأرض ومبدع الكائنات، وجاء من بعدهم ~~نبي بني إسرائيل فأخذ فكرتهم ونقحها كما أوحى له طبعه فأخرج للناس إلها قاهرا ~~قادرا عظيم الجبروت والسلطان، وانتقل الأمر من بعده لعيسى وهنا نحن في أوربا نتبع ~~إلى اليوم تعاليمه وتخرج منها المبادئ والمذاهب والآراء حتى ولو استحال عليها أن ~~نخرجها، ويستند بعض المفكرين على كلمة جاءت عرضا في الإنجيل ليقيموا عليها نظرية ~~اجتماعية عويصة أو مبدأ اقتصاديا هاما، بل ويبلغ ببعضهم أن يبني عليها مسألة ~~علمية لا دخل للدين فيها، وجاء من بعد عيسى نبيكم محمد فصبغ الإله بروحه القوية ~~الهائجة الطالبة العظمة والمجد، الظمأى إلى فضائل التقشف والزهد وإلى لذائذ الحياة ~~جميعا، وجاء من بعد أولئك أنبياء كثيرون، ولكن العالم كان قد انتقل إلى حال فكرية ~~لا تسمح له بتصديقهم. ~~- في هذه السنين الأخيرة تضاربت الأقوال واختلفت المذاهب في أمر الخلق والخالق، ~~وقام كل يعلل مبدأ وينصر رأيا، ولقد كان من همي زمنا ما أن أبحث في هذه الآراء ~~والمبادئ وأقربها للتصديق لأنه أقربها للحس المبدأ المادي وكلكم تعرفونه، ولو لم ~~يكن من خطأ الناس في فهمه والنظر إليه لما نفروا منه كما ينفرون، فإنا جميعا نرى ~~بأعيننا ونسمع بآذاننا، ويصل إلى كل حواسنا أثر القواعد التي بني عليها هذا المبدأ، ~~نحس جميعا بأن ما نسميه الحياة لا يمكن في الجماد لأن من علائم الحياة الحركة ~~والنمو ، والجماد لا يتحرك ولا ينمو، لكنا نعترف إلى جنب ذلك بأن من الجماد ما ~~ينمو وما يتوالد، مثال ذلك مناجم الحجر يأتي عليها أصحابها ثم يتركونها تمتلئ ~~بطبعها من جديد؛ إذن فهذه درجة وإن تك دنيئة جدا من درجات الحياة، ويجيء أرقى ~~منها النبات فإنه أظهر نموا وبعضه يصل في درجات النمو بحيث يكفيه أن يعيش في ~~الماء، وذلك شأن بعض الحيوان لا يعيش إلا في الماء فهو في ذلك قريب جدا من درجة ~~هذا النبات الراقي في ms148 درجة الحياة؛ لأن هذا الحيوان يتحرك، وترتقي درجات الحياة حتى ~~تصل إلى الإنسان، وهي تختلف كذلك في الناس، من هذا كله يظهر أن الحياة كمينة في ~~المادة أو هي صفة من صفاتها ~~“une FONCTION de la ~~matiére” # واختلاف درجاتها إنما يجيء نتيجة اختلاف تفاعل ~~العناصر الموجودة في المادة، ولهذا السبب عينه فإن المادة لا تفنى ولا تزيد وإنما ~~تتحول، هذا هو أقرب المذاهب إلى العقل وأحقها بالتصديق في رأيي. ~~- ترقيك يا صاح في التعليل المنطقي يعجبني، لكنك تظهر استخفافا غريبا في كلامك ~~بسر الحياة، هذا السر العجيب الغامض الذي حار فية الفلاسفة وعجز دون كنهه العلماء، ~~تحكيه أنت بتعليل بسيط ظاهر كما تقول، ولكنك لم تبين كيف يمكن لمذهبك المادي مذهب ~~تفاعل العناصر أن يفسر حوادث الكون كلها ودورات الفلك وتتابع الليل والنهار واختلاف ~~الفصول وتعاقب الدوران، فهل ذلك كله يسير على مقتضى تفاعل العناصر، وإذا صح ذلك ~~فلم لا يزيد عنصر على عنصر قوة في وقت ما فيختل هذا التوزان العجيب الذي نرى في ~~الكون؟ بل كيف تفسر حياتنا نحن على الأرض؟ كيف يمكن أن يكون الناس في وقت واحد ~~متضامنين ومتباغضين، متضافرين ومتحاسدين، وهم دائما معا وقلوبهم شتى؟ كيف يمكن ~~تفسير هذا إلا إذا افترضنا قوة قادرة مصرفة للكون خارجة عنه موجودة فيه وضعت له ~~نظاما يسير عليه وكفلت هي بوجودها حفظ ذلك النظام. ~~- لقد فكرت أنا الآخر في الكون كثيرا، فكانت أصغر معضلة من كبير أسراره كافية ~~لتوقفني مبهوتا دونها عاجزا عن حلها معترفا بوجود قوة لا أستطيع فهمها، ولكني ~~أحس في أعماق قلبي بوجودها، قوة أخضع لها لأني أؤمن بها وأعتقد أن في يدها إسعاد ~~الخلق وشقاوتهم، في يدها النعيم والجحيم، مطلعة على الغيب عالمة بما كان وما يكون، ~~بها وحدها أومن وفيها أجد السند الذي أستند إليه عند عجزي وضعفي، لا إله إلا ~~الله. ~~- اعتراف متدين في قهوة لأنه مسلم، ربما كان هذا أحسن من اعترافي أنا يوم الأحد ~~الماضي أمام القسيس في الكنيسة، حين ms149 أخبرته أني أعتقد أنه محترف فقال لي: «إنك ~~ارتكبت خطيئة لا يمحوها إلا التوبة والتكفير عنها» ومع قوله هذا فآسف (إني لم ~~أتب). ~~- كل هذه المسائل التي أردت تفسيرها يفسرها تفاعل العناصر، سل علماء الاقتصاد ~~ينبئوك أن الحياة مبنية على المناقشة، وهل المناقشة إلا تفاعل المصالح، سل ~~الاجتماعيين يخبرونك أن كل شخص متضامن مع الآخرين لأنه مكلف بطبعه الاجتماعي أن ~~يخدمهم، فهل معنى ذلك إلا التفاعل؟ ودورات الفلك وتتابع الليل والنهار إنما هي ~~نتيجة تفاعل المادة الموجودة في الكون كله أي في السماء والأرض، أولو وقفت الأرض ~~لحظة عن الدوران أما يختل العالم بأسره سماؤه وشمسه ونجومه! # ولكنها لا تقف لأن كل هذه القوى الأخرى تدفعها لإتمام دورتها، هي كالساعة ~~الكهربائية كامن فيها كهرباؤها فهو يحركها وهي نتيجة له. # صديق آخر: أيكما الآن أدخل في باب المضاربة النظرية من صاحبه، كلاكما يتكلم في ~~المتافزيقا ربما كنتما محقان جميعا ... ~~- كلا يا صاح، صديقي المسلم وحده هو الذي يتكلم في الميتافزيقا، وأما أن فأعترف ~~بأن كل شيء لم يثبته النظر الحسي بنفسه أو بمعونة العلم لا أقدر على تصديقه ... هل ~~يجهل أحدنا تزايد الحجر أو نمو النبات والحيوان؟ هلا نعلم جميعا قوانين الجاذبية ~~في العالم؟ هلا ترى تفاعل المواد وامتزاجها كيماويا، هلا تستطيع أن تضعف حياة ~~إنسان بألم أي بإفساد تفاعل العناصر، كلنا يعلم أن الأجهزة الحية في الحيوان أشبه ~~شيء بالأجهزة في الآلات الميكانيكة أو إن شئتم فاعكسوا الشبه، لم تفسد الماكينة إذا ~~فسد تفاعل أحد أعضائها وبطل أو انحط عمله، أليس ذلك لانعدام التفاعل. # وقد أثبت العلم أن القوانين التي تسير عليها الجماعات هي بعينها التي تحكم المواد ~~والتي تحكم الأفراد، وأثبت كذلك وجوها شتى لشبه بين أجرام الأرض وأجرام السماء، ~~وأن هناك جاذبية وتفاعلا بين هذه وتلك، فأي متافزيقا بعد ذلك اتهم بها. # لا أنكر أن جوهر المادة في ذاته والسبب الأصلي في وجود قوي في هذا الجوهر لم يظهر ~~بعد بوضوح كاف أمام العلم، ولكن ذلك لا يحملنا ms150 على الرجوع إلى الوراء آلاف السنين، ~~واعتقاد أن هناك قوة خارجة عن الكون داخلة فيها منخرطة معه بعيدة الشبه عنه تصرفه ~~ولا تتأثر به، جامعة كل ما شئت من أضداد الصفات وقادرة على كل شيء. # هذا رأيي وهو معتقدي. # وطال بعد ذلك جدال جعل المسألة تنتهي بضحك وضجة أن مر بالجالسين فتيات من ~~معتادات القهوة، وجلسن على مقربة منهم وجعلوا يشاغلنهن. # أول يونية # كلنا يحني رأسه أمام ما عمله هو شخصيا، ولا يجرؤ على القيام ضده، ليكن ذلك ~~جالبا عليه ما يجلب فهو خاضع لنتائجه، عامل على احتمالها بأي شكل ممكن، تلك عقيدة ~~عامة قد تكون لا معنى لها ولكنها على كل حال لازمة لبقاء الجنس وسعادته، فالصغير ~~الذي يضر بنفسه أنواع الضرر لا يصيح ولا يبكي؛ لأنه يحس أنه هو الذي جلب الضرر على ~~نفسه، كذلك إذا تزوج شاب بفتاة عن معرفة وشيء من الحب سابق لم يكن لأيهما إذا ~~صادفه ألم من هذه الرابطة أن يعزو بسبب هذا الألم لغيره أو أن يكبر شأن مصابه، بل ~~هو يسعى لتخفيفه لأنه يعلم أنه وحده المتحمل لهذه المسؤولية الثقيلة؛ من أجل هذا ~~واجب أن يترك للفرد في كل شيء أوسع ميدان ممكن للعمل؛ ليكون أقل حنقا على غيره ~~وعلى الإنسانية، وأكثر بعد نظر وتدبر حين يريد احتمال المسؤولية. # الزواج عندنا حاجة من الحاجيات، كلما اشتد إحساس الشاب بها كان أكثر مؤانسة في ~~قضائها، هو يبقى عزيز النفس أبيا عن أن يقع في زواج لا يكون على غرضه ما دامت ~~الحاجة لا تصرخ في وجهه منادية قضاءها، فإذا ما صرخت ضعف دونها وترك نفسه تذهب لأول ~~ما تلاقي، هو في ذلك كمثله في الحاجة للطعام، ما دام شابعا لا يقبل علي شىء إلا إن ~~وجد فيه من شديد اللذة ما يجلبه نحوه، وإذا ما تكون أمعاؤه وصاحت في بطنه أحشاؤه ~~قبل بنفس مفتوحة كل طعام يقدم إليه، أخشى أن يكون أمره في الحال الأولى كأمره في ~~الحالة الثانية، متى راجع أحشاءه ms151 هدوؤها ونظر إلى ما أمامه بعين هادئة تقزز منه وقد ~~يرفسه برجله، فكرة سائدة عند معظم الشبان إن لم يكن عند كل الناس أنهم هم وحدات ~~ممتازة عن الآخرين، وتعيش غير حياة هؤلاء الآخرين، فواحدهم يعتقد أنه أكثر من كل من ~~سواه، لا يمكنه أن يعيش من غير أن يحب، وأن اليوم الذي يمر عليه من غير أن يكون ~~مملوكا لهاته العاطفة يوم تعس، ثم يقول في الوقت عينه: «ولا أحسب في ذلك مثلي ~~أحد»، آخرون يعتقدون أنهم أكثر من كل الناس لا يستطيعون العيش من غير أن يفكروا، ~~ويعجبون كيف يتسنى للآخرين أن يبقوا ساعات سكوتا من غير تفكير، غير هؤلاء يخيل لهم ~~أنهم لا يستطيعون أن يقولوا غير ما يعتقدون، ويندهشون جدا كيف يمكن لإنسان بدعوى ~~التأدب أن يقول أو يعمل غير ما في فكره، هؤلاء جميعا بين جاهل نفسه وجاهل الناس ~~أو جاهلهما معا، فجاهل نفسه الذي يصل إلى التهويل في كل شأن من شؤونه، وجاهل الناس ~~الذي يعتقد أن لا أحد مثله، وهم جميعا يذكرونني ببعض أيام كنت فيها شديد الاعتقاد ~~بأن تركيب أعضائي ليس كتركيب أعضاء الآخرين، وأنه إذا تشابهنا ظاهرا وكان لي فم ~~وأنف ويدين وساقين فإن سوى ذلك يخالف عندي ما عندهم كل المخالفة، وأحسبهم إذا فكروا ~~يعودون مثلي إلى الاعتقاد بأن الناس متشابهون جدا وفي كل شيء وإذا رأينا منهم غير ~~ما نحسه لأنفسنا فذلك لأننا ننظر لهم بغير العين التي ننظر بها لأنفسنا، كما أن ~~ندرس ظاهرهم السطحي إن جسما وإن خلقا، ولو أنا نقرأ ما يكتبه بعض الأشخاص عن ~~أنفسهم أو ما نجده في الروايات من الأبحاث، تعلمنا كم بين الناس من الشبه وأنهم ~~أقرب جميعا للصغر منهم للفظة. # 30 يونية # تركت باريس يوم الثلاثاء 27 يونية بقطار الساعة العاشرة مساء، كنت أتناول طعام ~~العشاء ذلك اليوم مع صديقي ع. ف. في (بولان)، وبعد برهة جاء جماعة من المصريين ~~النازلين باريس فجلسوا على المائدة التي أمامنا، جلسوا ثلاثة وفتاة معهم ms152 وكلهم ~~يتكلمون وهي ساكتة، فتاة جذابة أكثر منها جميلة، دقيقة القوام بسيطة الملبس، ابتدءوا ~~حديثهم عن مسائل وأشخاص وجعلوا يبدون ملاحظاتهم على العادة المصرية من رفع الصوت، ~~ولكن كلامهم كان دائما محصورا في حدود الأدب لا يتعداها، مع أن ذلك ليس شأن الأ ~~كثرين ممن يحضرون، ولم يبدوا ملاحظة إلى الخادمة ولا هم غمزوها بكلمة كما هي ~~عادتهم وعادة أمثالهم. # أخيرا تكلمت الفتاة على ذكر واحد من معارفهم، تكلمت بصوت رقيق، رنان ولكنه لا ~~يكاد يبين، ويتخلل عباراتها المصرية من حين لآخر كلمات بالفرنساوية، والواقع أني ~~دهشت أن سمعت مصرية، مصرية اللهجة، تتكلم على هذا النحو وبتلك الرقة ~~المتناهية. # حين عرفت أنها مصرية عرفت سر تأدب الجماعة في القول وتأدبهم في العمل، وأنا على ~~يقين من أنهم لو كانوا يختلطون بمثلها كثيرا لزال عنهم كثير مما يزال عالقا بهم ~~من رفع الصوت دائما والحدة فيه أحيانا. # كذلك أدهشني أن تكون مصرية بدقة قوام هاته الفتاة، رأيت في العام الماضي بلوزان ~~وفي باريس مصريات ولكنهن جميعا يحملن علم الجمال المصري (بيضة وسمينة)، ولا شك أن ~~أهلهن فرحن بهن لأنهم يعملون أن سوقهن في مصر لا في فرنسا، لكني أحسب الذوق مهما ~~كان مقلوبا عندنا على اليوم فإن خروج أمثال هاته الفتاة أمام نظر أصحاب الذوق لا ~~بد يردهم عن هذا العمى القديم. # بقي معي حتى ودعني على المحطة صديقي حمدي، وافترقنا حين سار القطار الساعة ~~العاشرة. # كان معي في ديوان واحد ستة غيري، بينهم أربعة تجمعهم صلة تبين من خلال ما عملوا، ~~فما كدنا نبتعد بعض الشيء حتى جلس الأربعة كل اثنين مقابل بعضهما: أمريكية (أو ~~ألمانية لا أدري) مع أسبانيولي، جلسوا بطوق كل صاحبته بذراعيه، ذكروني بصاحبي ~~الأسبانيولي على الباخرة من دييپ إلى نيو هيڤن في العام الماضي، ولكن هذين كانا ~~جالسين بحكمة ووقار ... بعد برهة أخرى انتقل جاري وصاحبته إلى الجهة المقابلة ثم ~~جعلوا ينظرون لنا نحن المنفردين بعيون حيرى، وننظر لهم بعين جمعت مع الاشمئزاز ~~الريبة والشك، ولكنهم ms153 لا يرجعون عما هم فيه. # طمست على النور حتى لا أراهم، وحاولت أن أنام فما لبثت الظلمة أن شدتهم حتى ~~تعاقبت القبلات من جانب وآخر ترن متوالية من غير انقطاع، ثم رحت في سنة لم أتميز ~~معها ما يعملون. # بعد منتصف الليل، أقلقوا راحتي إذ جاءوا فجلسوا إلى جانبي، ولكنهم هذه المرة ~~حاولوا أن يناموا وحاولت أنا الآخر ولكن عبثا، وبقيت حتى وصلنا بازل وآن أن نغير ~~القطار، فنزلت وتناولت طعام إفطاري في بوفيه المحطة، طعام نظيف وحلو، ثم قمت مع ~~قطار الساعة السابعة إلى لوسرن. # لم يكن هينا أن نميز الأراضي التي نمر بها، لقد بقي النوم يلعب برأسي حتى وصلنا، ~~ولم أكد أبلغ المكان الذي أنا فيه اليوم وأختار مكانا أحسب للتعب في اختياره ~~نصيبا حتى نمت لأستيقظ الساعة الثالثة إلى محل كوك لبعض ما أريد. # أردت بعد طعام العشاء أن أخرج من جديد، معتقدا أن نوم النهار يفسد علي نوم ~~الليل، ولكني شعرت الساعة العاشرة بما يجذبني إلى سريري وقضيت فيه إلى الثامنة ~~صباحا. # الفصل السابع # | في لوسرن # لسويسرا نشوة غريبة فيها ينسى الإنسان نفسه وسط الجمال المحيط به، ولوسرن من أجمل ~~بلاد سويسرا؛ فلا بدع اذا سحرت الإنسان عن الفكر وعن الكتابة وعن كل شيء. # أقمت بلوسرن ثلاثة أسابيع لم أكتب فيها مذكرات مطلقا، هذا الذي أكتب اليوم إنما هو ~~ذكر لما كان يومئذ لساعة لذيذة من ساعات الحياة، ساعة نسيت فيها الحياة وتهت عن كل ~~همومها ومشاغلها لأمتع بما كان يحيط بي من جمال ومن أحاديث عذبة ومن رياضات ونزه لا عدد ~~لها. # تحيط بلوسرن جبال شامخة تكتنف بحيرتها البديعة وتقدم هي والجبال والماء والسماء ~~الرائعة، والناس المختلفي الجنسيات والملل، والمناظر المتباينة على جمالها جميعا صورة ~~تملأ الذهن ولا يبقى للخيال معها مجال، بل ترى الإنسان مكتفيا بهذا الذي حوله ينتقل ~~فيه كما يحلو له، ويسبح منه على لجة تبهر النظر والفؤاد ويصبح شاعرا من غير جهاد ولا ~~تكلف ويبقى كذلك نهاره. # فإذا ما أقبل ms154 الليل رأى المدينة الصغيرة دخلت في جوفه الهائل، وقامت الجبال على مرمى ~~النظر أشباحا هائلة مخوفة، واشتد الماء بالسواد وحكم الصمت على الوجود، ثم تألق في ~~الجو البدر البديع يحبو أولا من هناك فوق المرتفعات الهائلة، ويتسلق الأفق، ثم يبعث ~~على لجة البحيرة أشعته الهادئة فتبسم لها الموجات الصغيرة يحركها النسيم ويخرج الوجود ~~من حلكته، ويترنح كل ما في الجو كأنه ثمل بهذه الأشعة الفضية، وعلى شاطئ البحيرة قام ~~الكرسال رشيقا بأنواره والضجة داخله والقمار والموسيقى والتياترو والمتفرجون ودخان ~~السجائر، وإذا ما دخلت صالة اللعب رأيت جماعة المقامرين وكلهم ثابت النظرات قلق البال ~~تلعب نفسه مع دورات كرة الملعب وينتظر العدد الذي تريد أن تقف فوقه بفارغ الصبر ونافد ~~الانتظار، وفي صالة الموسيقى ترن أصوات بديعة أوحت بها نفوس كبار الموسيقيين فتملأ ~~الآذان سرورا والنفوس بهجة، أو هي تحملنا وإياها على جناح الفكر أو الأتراح أو الهموم، ~~وتطير بنا في جو خافت لا تكاد تسمع فيه الأصوات إلا همسا، ومن وقت لآخر تمر من أمامك ~~سيدة أو شابة حسنة اللباس سليمة الذوق معتدلة القوام دقيقته، فتبعث للنفس مع لذة السمع ~~لذة أخرى لا يمكن تكييفها لأنها تمثل جميع الحواس وتصل إلى أعماق القلب، فإذا ما اختفت ~~السيدة وما تلبس تركت لك منها خيالا سرعان ما يطير وترجع مصغيا بقلبك إلى نداء ~~الموسيقى، أنت تتوه بأفكارك وأحلامك في عالم تنسى معه كل الوجود، وعلى الجانب الثاني من ~~البحيرة وعلى مقربة من محطة السكة الحديد يقوم مكان كبير (للباتناج)، ولقد دخلته مرة ~~واحدة مدة مقامي بلوسرن، وجاهدت لأتعلم فأخفقت ولم يجد جهادي فتيلا، في هذا المكان ترى ~~حركات الشبان والفتيات وهن ينزلقن على عجل، والأولون يقابلونهم أو يسيرون معهن ~~ويتحادثون ويتضاحكون حتى اذا أحسوا بالنصب رجعوا إلى مقاعدهم يستريحون. # أعلى الجبال التي تحيط بلوسرن وأصعبها مرتقى جبل البيلات، ولقد أعد فوقه فندق ينزل ~~فيه الصاعدون فيمضون ليلهم ويوقظهم الخدم قبل مطلع الشمس ليمتعوا النظر بمشرقها، ولقد ~~استغرق بنا مسير القارب من عند ms155 لوسرن ليصل إلى محطة (الفنكيلير) الصاعد فوق الجبل أكثر ~~من ساعة قضيناها متفرجين على ما يحيط بالشواطئ البديعة الرفيعة من المنازل والقرى ومن ~~الأشجار والخضرة، ووصلنا حوالي الظهر وشمس يولية قد اعتلت السماء وإن هدأ من حرها ~~رذاذ تساقط سويعة، فأرسل إلى الجو بردا وسكينة، وصعدنا قليلا فوصلنا عربة (الفنكيلير) ~~وتحركت صاعدة تجاه القمة ببطء كأنها السلحفاء، والمرتفع عنيف شاق يكاد يكون قائما ثم ~~اخترقت صخرا هائلا بقيت تحته زمنا نفذت منه وجعلت تحبو فوق ظهر الجبل العنيد، ~~وأخيرا اختطت طريقها على سكة ضيقة يرتفع عن يمينها الصخر وتنحدر عن يسارها وهدة ~~عميقة مخوفة، رأينا راجلا يسير على بعض طرقها الضيقة وبعد ساعة ونصف من هذا الحبو ~~العنيف وصلنا إلى قمة البيلات وذهبنا إلى الفندق. # جعلت أدور في الجوانب فوجدت قطعة جسيمة من الثلج مستترة في ظل بعض الصخور، فتلهيت بأن ~~أنكش فيها بعصاي مدة ثم تركتها ودخلت في ممر ضيق مظلم منحوت في الصخر، وخرجت بعد ذلك ~~أبغي أعلى قمة في الجبل وهي على ارتفاع نحو مائتي متر من محطة (الفنكيلير)، وصعدت إليها ~~فانكشفت أمامي قمم لا عدد لها من جبال سويسرا وتبينت على البعد صغيرة حقيرة لوسرن ~~الجميلة، والبحيرة مسطوحة متواضعة يتعالى النظر عن الإعجاب بشيء منها، والمنخفضات كأنها ~~رسوم الأطلس مسطوحة بطولها ووهادها لا تفترق أمام العين إلا في لونها، وحولي وقف جماعة ~~يحدقون مثل ما أحدق للوسرن وللمنخفضات وللجبال وما عليها من ثلوج. # والجو رطب عذب والنسيم بليل، وكل شيء جميل وأقام أصحاب الفندق في هذه الليلة نيرانا ~~من النقط إعلانا عن فندقهم، بقينا نتفرج عليها حتى ادلهم الليل، وذهبنا إلى مضاجعنا ~~مبكرين لنرى شمس الصباح عند مشرقها. # أيقظونا والليل لا يزال ضاربا على الوجود أطنابه، وقمنا جميعا فأخذنا عدتنا من برد ~~الصباح فوق قمة الجبل، وارتقينا إلى حيث كنا بالأمس، وكنت أنا من السابقين فإذا أمامي ~~جماعة من السويسريين الجبليين الفقراء قد حمل كل منهم حقيبة على كتفه فيها طعام، وأمسك ~~بيده عصى يحميها من ms156 طرفها السفلي غطاء من الحديد، وجاء هو الآخر يرى مشرق الشمس، وهم ~~يتوافدون ويغنون غناءهم الجبلي المنخفض المرتفع تردد أصداءه الصخور من كل جانب، ~~وبقينا كذلك حتى إذا النور ابتدأ يلمع على السماء ويبدد من دكنة الليل تجلت على مرمى ~~النظر الثلوج الناصعة وكأنها في رداء من الليل لا تزال، وتزايد النور وتبدت الجبال تطوق ~~الآفاق من كل جانب، وهي كلما ابتعدت كلما ظهرت سطوحها العليا كأنها خط أبيض من الثلج، ~~وبزغ القرص يهدي الكون القائم من أحلامه تحية وابتسامة، وتجلى على الوجود وملأه بنوره ~~ورجعنا غير راضين عنه لأنه لم يحقق في مطلعه أحلامنا وما كنا نريد أن يكون عليه من ~~الجمال. # قبل زيارتي للبيلات زرت جيل الريجي، وهو أقل من الأول ارتفاعا ولكنه أنضر منه وأبهج، ~~وقضيت في الصعود والانحدار يوما كاملا لم أكن فيه سعيد الحظ فقد تدلى الغمام حتى ~~لكانت تلمسه اليد. # هذه كلمة مجملة عن لوسرن، وإني لم أذكر شيئا عن آثارها الطبيعية ولا عن شعبها ~~المتمدن ولا عن مصنوعاتها؛ فليس في الذاكرة ما نستطيع معه التدقيق في شيء من هذا، غير ~~أن الذي لا ينساه إنسان ممن زاروا سويسرا هو تعدد الجنسيات في هاته البلاد، فبينا تجد ~~الإنكليزي والأمريكاني إذاك تخالط الفرنسي والطلياني والألماني والنمساوي ونسمع بعض ~~الأوقات من يتكلم العربية. # وفي ذلك ما يسمح للنفس برياضة ونزهة طويلة، ولقد كان يسرني أن أحدث شخصين مجاورين لي ~~بلغتين مختلفتين؛ فإن ذلك بالرغم من أنه يسمح لي بأن أكون ترجمانا لهما يجعلني أكثر ~~صلة بهما . # يذكر في ذلك يوما كنت عائدا فيه من إنكلترا ومعي ألماني يتكلم الفرنساوية وأمريكي ~~يتكلم الألمانية، فكنا يتكلم كل اثنين منا ولا نستطيع أن نتكلم معا جميعا أبدا، ~~وتركت سويسرا قاصدا إيطاليا ونزلت في طريقي بلوجانو، ولا شك أن أبدع أسفاري كان ذلك ~~الطريق ما بين لوسرن ولوجانو حين مررنا بنفق سانت سنس فلقد كان الطريق كله جنة يانعة لا ~~يحويها الوصف مهما أبدع فيه، وأي شيء يقدر على تصوير ms157 جبال سويسرا وما عليها من شجر وزهر ~~وهي تكتنف البحيرات في وسطها صاغرة أسيرة تحوطها الجدران العظيمة والسفوح الهائلة وينهب ~~القطار الأرض فيود الإنسان لو يمسكه عن سيره ليتمتع بتلك المناظر البالغة في الإبداع ~~أقصى حدود الجمال. # ودخلنا النفق فمكثنا تحته نصف ساعة ثم إذا به تخلى عنا ليتركنا على شاطئ من شواطئ ~~عدن أو هو أبدع، وصفحة الماء مصقولة أذابت الشمس فيها فضتها وقد ابتدأ يتخللها ذهب ~~الأصيل. # ووصلنا إلى لوجانو حيث بقينا يومين وحيث كانت الصلة بين سويسرا وإيطاليا. # لوسرن في 9 يولية # تذكرة عام # في منتصف شهر سبتمبر الماضي نشرت إعلانا في الجرنال أسأل فيه عن عائلة أسكن ~~معها، وجاءتني الردود بعد ذلك تترى لا عدد لها ... ومر بالبيت سيدات يردن مخاطبتي في ~~الأمر وجها لوجه، وكل تسعى لتجذبني إليها بكل طريق ممكن، فوحيدة عجوز تصف مقدار ما ~~سأجده من الراحة والحرية معها، وأم بنين تمدح لي في لطف أبنائها، وصاحبة بيت تخبرني ~~عما يلاقيه السكان عندها من الهناء والسعادة، وخطاب تخبرني فيه صاحبته بأن عندها ~~أبناء وبنت في العشرين وصفتها بأنها # une charmante jeune fille # مررت بكثيرين ممن ~~كتبوا إلي ومررت ببيت هاته السيدة، فلما تحادثنا أخبرتني أنها يقيم معها ابناها ~~وبنتها وزوجها، ولكن هذا الأخير كثير التغيب وعلى ذلك فهو لا يضايق في شيء، ولما ~~كان البيت الذي يسكنون جديدا نظيفا جعلني ذلك أفكر في أن أكون معهم. # عرضت مسألة مؤتمر باريس المصري في هذه الأيام والصعوبات التي أقامتها الحكومة ~~الفرنساوية في وجهه، والتصميم على عقده في بروكسل، وبعد تردد طويل قبلت أن أذهب ~~إليه، على هذا لم أقطع في أمر السكنى بشيء. # التردد مرض من أمراضي، لا أجزم بشيء ولا أبت في مسألة إلا بعد إحجام عنها طويل، ~~ولو كان ذلك من باب التحرز أو إعمال الفكر لهنأت نفسي ببعد النظر ولكني أقبل ~~الأمر أخيرا أو أرفض بغير سبب جدي، وكثيرا ما تؤثر علي مطالبة الغير وضراعته، ~~ذلك نتيجة ضعف طبيعي عندي يظهر أحيانا ms158 في مسائل تستحق الشدة، ولولا أن الصدف إلى ~~اليوم لم تقدم أمامي مسألة ذات بال ونتائج كبيرة لكنت قاسيت من وراء هذا الضعف ~~كثيرا، ومهما كنت قد جاهدت للقيام في وجهه ونجحت في أحيان متعددة فلم أصل حتى ~~اليوم إلى الغاية التي ترضيني، كما أن هذا الجهاد ألجأني في موضع لأن أظهر شدة لا ~~لزوم لها. # ذهبت إلى بروكسل وحضرت جلسات المؤتمر مع المصريين الكثيرين والأجانب القليليين ~~الذين حضروها. # وكتبت عنه بعد ذلك بكل ما استطعت أن أجيء به في جانبه وملاحظاتي الشخصية عن بعض ~~مسائل اجتماعية إلا أن ما لاحظته ولم أكتبه كان كثيرا، ولا شيء يؤسف عليه أكثر من ~~الروح التي عملت بها خطب المؤتمر، روح خفيفة لا تعرف الثبات تمر على الأشياء ~~والحوادث فتظهر منها جهتها الشعرية غير ذاهبة بعد ذلك إلى أعماق ما تتكلم عنه، ولا ~~مقتضية بأن تؤيد قولها بحجة ثابتة، كان من أكثر الذين نالوا الاستحسان العام فؤاد ~~أفندي حسيب، ولا أنكر عليه أن خطبته كانت مثال بلاغة في اللغة يقتدى به، ولا أنكر ~~عليه تحمسه حين ذكر يوم 14 سبتمبر، ولكن الخطبة كلها خالية من دليل علمي أو تاريخي ~~يؤيد الخطيب به مطلبه العام وهو حرية مصر، قام الخطباء الكثيرون من بعده وكلهم ~~كرروا ما يقال وما يعاد كل يوم على ألسنة العامة، دنشواي ومسألة السودان وقانون ~~الصحافة والنهب والسلب الحاصلين في البلد، كرروا هذه الحوادث وقرروا هذه الأشياء من ~~غير دليل جدي يؤيدونها به حتى يقتنع كل سامعيهم. # بروكسل هي كما سماها بعضهم باريس الصغيرة، بلد خفيف الروح لطيف النفس، تأخذ ~~ترموايه الذي هو أشبه الأشياء بتراموي مصر فيؤدي بك إلى أطراف البلد المختلفة ويصل ~~بك إلى المعرض العام، في المعرض قضيت ساعات كثيرة طيبة، فيه رأيت مظهر كل بلد من ~~البلاد، فألمانيا بوابوراتها ومدافعها وفرنسا بحرائرها الجميلة ومصر ~~بقلعتها. ~~••• # رجعت من بروكسل واهتممت من جديد بمسألة السكن، ولكني لم أصل منها لشيء، وأخيرا ~~تركت لوكاندة شارع (جاليلي) وذهبت إلى لوكاندة # Avenve ms159 ~~Carnot # لأقيم بها نحو الثلاثة أسابيع جهة (الأتوال) هي منزل ~~الإنكليز في باريس، ففي كل لوكانداتها تجد إنكليزا، وفي الشارع تسمع الإنكليزية ~~بمقدار ما تسمع الفرنساوية وأحيانا أكثر، ثم إذا خرجت في الصباح جهة غابة بولونيا ~~رأيت الإنكليز يكادون يختصونها لأنفسهم لولا جماعة من الفرنساويين ذوي اليسار ~~يزاحمونهم فيها. # والأطفال هناك أو في طريق الغابة # Avenue du Bois # يتكلمون كلهم تقريبا هاته اللغة ليس هؤلاء الأولاد من الإنجليز بل هم فرنساويون ~~مربياتهم إنكليزيات، وهن يرتدين لباسهن على شكل الحرملة وقبعتهن الصغيرة فيظهرن ~~بذلك في شكل جميل وقد اتخذهن الآباء من الفرنساويين مربيات لأبنائهم ليتعلم هؤلاء ~~الإنجليزية ويتقنونها من صغرهم، ثم لما عند الأمة الفرنساوية اليوم من الولع بكل ما ~~هو إنكليزي والإعجاب إعجابا يفوق الحد أحيانا، فالفرنساوي يعجب من الإنكليزي ~~بخلقه وبلباسه وبسياسته وبحالته وبكل ما عنده، وإذا حدث عنه حدث بشيء غير المعروف ~~عنه من السخرية # Raillerie # وكثيرا ما يطنب في ~~مدحه، ولست أدري إذا كان الإنجليز يستحقون كل هذا عدلا، بل ولا أفهم كيف أن هذه ~~الأمة الفرنساوية تصل إلى هذا الحد مع أن الإنكليز من أشد الذين يستخفون ~~بالفرنساويين ويستخفون عقولهم، بل وليبلغ بهم التطرف حتى يستخفون بأدبهم وهو التاج ~~الذي تفخر به الأمة الفرنساوية، ثم لا بدع إن وجدنا هؤلاء الأطفال متى كبروا أشد من ~~آبائهم إعجابا بهذا الجنس السكسوني بعد ان ربتهم بنات أمته. # الإنكليز مهما كان عندهم من الادعاء لطاف النفوس خفاف الأرواح يجذبونك بلطفهم ~~إليهم ويعاملونك بأحسن المجاملة، لكنهم في الوقت عينه محبون لأنفسهم إلى حد فظيع ~~إذ يطلبون منك إزاء هذه المجاملة مثلها أو أكثر منها، ومهما سامحتهم أنت في هفواتهم ~~بأي هفوة تبدر منك نحوهم تقيمهم وتقعدهم وتظهر من شراستهم ما يمحو كل حسنة سابقة ~~لهم، ولا يرجعون إليك إلا إذا رأوك عاملتهم المثل بالمثل وقابلت شدتهم بالشدة... ~~يظهر ذلك لمن يعرفهم وتصل معرفته بهم إلى شيء من رفع التكلف في القول والعمل أو لمن ~~تلجئه الحوادث إلى صلات جدية بينه ms160 وبينهم. # كان معي في اللوكاندة عدد من الإنكليز، ومقابلي على المائدة أختان إنكليزيتان، ~~وإلى جانبهما كندية فرنساوية وبجوارها أحد أقاربها، أما جارتي أنا فكانت فرنساوية ~~عجوزا. # وافق أول نزولي باللوكاندة أيام اجتماع البرلمان الفرنسوي ونظره في اعتصام عمال ~~السكة الحديد، في ذلك اليوم خطب رئيس الوزارة برين # Aristi de ~~Briqnd # وظهر في تلك المسألة كمظهره في غيرها الرجل الثبت ~~القوي، لكنه لم يسلم من لسان الجرائد الاشتراكية رغما عن انتصاره في مجلس ~~النواب. # كانت جارتي العجوز متحمسة لبرين إلى حد مضحك، نزلت للغداء ولأجل أن أتكلم سألت ~~عما إذا كان الاعتصام لا يزال كما هو، فلم تكد تسمع كلمتي حتى بدأت حديثا ~~دفاعيا استغرق كل مدة الطعام. # في المساء كانت ساكتة ودار الحديث بين الإنكليزيتين والكندية، هذه السيدة زوج ~~كندي إنكليزي، ولهما ابن كان موضع كلامها هذه الليلة، قالت: يطلب أبوه أن أكسوه ~~وأربيه على النظام الإنكليزي، أنا لا أكره البساطة في لباس الأطفال ولا أكره أن ~~أعوده الرجولية والإقدام من طفولته، ولكن مهما طالبني به أبوه فإني أربي نفسه على ~~أن تكون كندية لا إنكليزية على أن يكون ابن كندا وصاحبها لا ابن مستعمرة إنجليزية ~~خاضعة. عجبت أنا لهذا الحديث بعد أن أخبرتني في العام الماضي كندية إنكليزية أنهم ~~لا يهتمون بأمر استقلالهم لأنهم الآن حكام البلد وذلك يكفيهم، خصوصا وأن كندا بلاد ~~واسعة موحشة قليلة السكان كما أن الإنكليز لا يضايقونهم في شيء ما. # انتهت هذه السيدة من طعامها وقامت، ولما أخبرت الإنجليزيتين بشديد عجبي أخبراني ~~أن لا عجب أنهم في إنكلترا يفرقون بين الكنديين الإنجليز والكنديين الفرنساويين في ~~الاعتبار والمعاملة، ويأخذون الحيطة من هؤلاء الآخرين في حين هما الأولون إخوة، أي ~~أثر يكون لهذا الاختلاف على مصير كندا؛ لا أدري. ~~••• # مضى علي إلى ذلك اليوم أكثر من عام في باريس، ومع ذلك لم أذهب مرة إلى جهة ~~مونمارتر مهما تكن جهة الأتوال جهة الأغنياء وذات نظام وجمال؛ فإن كل شاب اعتاد ~~الحي اللاتيني حيث الشبيبة وحيث سرورها ms161 يفيض في كل مكان وفي كل مظهر من مظاهر هذه ~~الجهة العلمية من البلد يجد من نفسه دافعا يدفعها تجاه ذلك الحي، والواقع أن ~~العربات الجميلة والملابس المترفة والشوارع المتسعة المنظمة وأبهة المباني الفاخرة ~~وبهاء المنظر الذي يقابل العين حين تقف عند قوس الأتوال وتنظر إلى أي جهة من جهات ~~الدائرة الكبيرة المحيطة به، الواقع أن ذلك كله لا ينسى، حديقة اللكسمبور ولا ~~البانتيون ولا الشبيبة الناضرة التي تروح وتجيء في كل نواحي تلك الجهات؛ لذلك كنت ~~كثيرا ما أترك مستقري وأخذ المترو لأنزل في محطة الأديون مركز الدائرة من الحي ~~اللاتيني ... ذات ليلة وقد كنت في (تافرن البانتيون) جلس إلى جانبي شاب أحمر الوجه ~~أصفر الشعر لا يتكلم الفرنساوية إلا قليلا، فسألته إن كان إنكليزيا. # أخبرني أنه نرويجي ولكنه يتكلم الإنكليزية أحسن من الفرنساوية لأنهم يتعلمون هاته ~~اللغة في بلادهم من الصغر، ولا يكاد يوجد واحد من أهل بلده إلا يعرفها إلى درجة ما، ~~وذهب بنا الحديث مذاهبه وعلمت أن له أسبوعا في باريس وأنه كان بالأمس في (كباريه ~~جرلوت) بمونمارتر، وامتدحها أمامي. # من النفوس ما يبقى زمنا مقفلا أمام الواقع وحوادث الوجود مكتفيا بعيشه في عالم ~~الخيال والمضاربات النظرية والمسائل العلمية، فإذا جاء عليها يوم تطلعت فيه لترى ~~العالم كما هو ثم لتأخذ مما فيه بنصيب ظهر عليها التورط وجاهدت بكل وسعها لإخفاء ~~ما تنويه، تريد أن تأخذ حظا من كل شيء وحدها؛ لأنها تحسب كل شيء كالكتاب يفيدك ~~أكثر كلما أفرغت إليه نفسك، كما أن الخجل الذي يحيط دائما بالذين عاشوا عيش الوحدة ~~يبعدهم عن مشاركة غيرهم في كل ما يخيل لهم أن عمله يجر إلى شيء من الريبة ~~فيهم. # وإن أقدموا أخيرا على هذا العمل أقدموا خائفين وجلين، لذلك هم لا يرون من ~~الحقيقة لأول الأمر شيئا. # كان ذلك شأني في أمر مونمارتر، أردت بعد تلك الليلة أن أذهب إليها واكتفيت من كل ~~الاستعلامات عنها بأن عرفت اسم جرلو، وبعد تخبط طويل في البحث عنها وصلتها ms162 الساعة ~~العاشرة ونصف مساء فإذ اني مبدر أكثر من اللزوم. # في مثل هذه الساعة يوجد في تلك الجهة من باريس، كما يوجد في غيرها، عائلات تريد أن ~~تفرج الكرب عن نفسها، فإذا ما انتصف الليل وخلا الجو لأصحاب السهر ابتدأ يحل محل ~~هؤلاء من الشبان وبنات مونمارتر ويدخل السرور على المكان بشكل فظيع، سرور غير مرتب ~~ويملأ وجه كل إنسان، فتدور البنات بين الترابيزات ويلبسن برنيطة هذا ويرتدين رداء ~~ذاك ويصحن ويدخن ويجذبهن الشبان نحوهن، والموسيقى تدق بنغمات شديدة ويتتابع المغنون ~~والملحنون أشكالا وألوانا، ومن لحظة لأخرى ترن في المكان ضحكة من بعض النواحي ~~التي أخذها جماعة معا من الشبان، وكأن في ذلك الجو - المملوء بالدخان حتى ليختنق - ~~مخدرات تذهل كل من فيه عن همومهم ولا تدع مكانا إلا للضحك والسرور ... وسط هذه الضجة ~~الفرحة بقيت أنا وحدي ساكتا حتى الساعة الثالثة بعد نصف الليل. # كنا تلك الأيام في أواخر أكتوبر، والسنة المكتبية الداخلة تناديني أن أرجع إلى ~~الحي اللاتيني، إلى جوار المدرسة، ولما يئست من الوقوع على عائلة توافقني أخذت ~~الطرف الثاني من أنواع الحياة، أخذت سكنى اللوكاندة. # حجزت لنفس غرفة في اكسلسير، ولما وثقت منها وارتاح بالي من هذه الجهة رتبت عفشي ~~قبل تعزيلي بثلاثة أيام على ما أذكر. # سهرت ليلة أول نوفمبر حتى الساعة الرابعة صباحا، رغما عن ذلك فقد أيقظني صديقي ~~حمدي الساعة الثامنة ولا أزال في أشد الحاجة للنوم، لكن سروري بحضوره من مصر أنساني ~~تعبي، وفي اليوم عينه انتقلت إلى اكسلسير وأخذ هو الآخر غرفة فيها. # ساكن اللوكاندة حر إلى أقصى حدود الحرية، ولكنه كذلك وحيد إلى أفظع درجات الوحدة؛ ~~لذلك هو يميل بكله لاتخاذ أصدقاء إخوانا ويكثر منهم ما استطاع، ومهما يكن محبا ~~للانفراد ولطعم ذلك السكون اللذيذ حين يجلس في غرفته، إن شاء يدخن متى أراد، ويتثاءب ~~حين يحلو له، ويفكر الساعات الطوال على غرضه، فإن تشابه تلك الحياة الميتة وعدم ~~وجوده حتى ولا ساعات الطعام مع أشخاص يقتادهم ويقتادونه يجعله سؤوما ms163 ملولا، ويجئ ~~الشيء طبيعيا إلى حد غريب، هو يذهب ساعة الظهر للمطعم فيقابل شخصا يعرفه ويكون ~~مسرورا أن وجد مكانا إلى جانبه، وفي أكلة أو أكلتين ترتبط المودة بينهما ... يذهب ~~بعد المطعم إلى القهوة فيجد آخر وثالث وهكذا يجد جيشا عرما من المعارف، ثم يغريه ~~حب استدامة اللذة إلى أن يجد من يبقى معه أطول زمن ممكن، وفي اللوكاندة كل حر يعمل ~~ما يريد، وهكذا تسير الحياة على هذا الشكل الفاتر اللذيذ ... ولكنها في الوقت عينه ~~تسمح لمن عنده شيء من التفكير فيما يرى ويعمل، ومن القوة على إمساك نفسه عند الحاجة ~~أن يلاحظ أشياء كثيرة ويستفيد من مخالطة الأشخاص والنظر في الحوادث أضعاف ما كانت ~~تفيده من قبل الكتب والروايات، وإذا رجع إلى هذه بعد أن طعم الحياة التي وصفنا رجع ~~إليها وعنده من التجربة ما يجعله يصل منها إلى أعماق فكر صاحبها ويفهم كل ملاحظة عن ~~حادثة يقص الكاتب خبرها. # كنت أذهب إلى المطعم أنا و(ع. ف.) فنجد هناك جماعة من المصريين، وقد اختصوا مائدة ~~كادت تكون محجوزة لاسمهم؛ ففي الظهر وفي المساء تراهم يحضرون الواحد بعد الآخر حتى ~~تمتلئ بهم، ويدور الحديث في مواضيع مختلفة كانوا فيها دائما موضع حضور الذهن ووضع ~~النكتة في أحسن محلها، وكثيرا ما كنت أمضي كل ساعة الطعام من أولها إلى آخرها ~~ضاحكا مسرورا، ولكن متى دخل إلى كلامهم شيء عن السياسة والأحزاب علت إذ ذاك ~~ضجتهم، وإن انتهت في الغالب بالتنكيت والضحك. # في تلك اللحظات كان أحدهم (م. د.) يجلس صامتا لا ينطق وتلك عادته حتى غيرها، ~~ثم إذا امتلأت نفسه جاء مرة واحدة بكل ما عنده من سب بعض الكتاب ورميهم بالنفاق ~~والخيانة والجبن، وأنهم يبيعون البلد بيعا ... سمعت عن هذا الشخص بعد شهور من هذا ~~أنه في حيرة لا يجد ما يأكل به. # ت. س. شخص ثابت رزين حلو الحديث، ولكن رزانته تذهب أحيانا إلى حدود أكثر من ~~اللازم ويعتقدها آخرون كبرياء فارغة. # م. م. يظهر من الظروف ما ms164 لا تكاد تتصوره، ولكن ظرفه ينحصر في غيبة الآخرين والطعن ~~عليهم وإن أظهر لكل الناس أنه صديقهم الحميم. # م. ر. شخص ضعيف الإرادة ضعيف العقل أحمق من دجاجة، ويعتقد نفسه شيئا ذا قيمة بين ~~الناس، بل وفي وجود مصر. # أ. ن. فلاح صعيدي جاء إلى باريس، تصور أثقل فلاح صعيدي يريد أن يصبغ نفسه بصبغة ~~ابن باريس. # م. ز. شاب في الحادية والعشرين، عقل طفل في جسم رجل. # ع. س. ينافق حبا في النفاق، ويكذب حبا في الكذب، ويعمل كل نقيصة ليقال عنه حر ~~الفكر أو أنه ذو ذكاء. # هؤلاء جماعة من بين الذين عرفت في المطعم يومذاك، وأولهم أحبهم إلي لأنه إنسان ~~جميل العشرة يفهمك إن حدثته، واسع الاطلاع. # في هذه اللوكاندة قضيت شهرين، ولسبب لا أدريه كنت أجد نفسي دائما مشتغلا بدروس ~~غير دروس الاقتصاد التي أعددت أن أمتحن فيها لأول ما أتم تحضيرها، بالرغم من ذلك ~~كنت حياتي مرتبة إلى حد كبير. # جاءت النتيجة الطبيعية لسكنى اللوكاندة، اعتدت القهوة وصرت أصرف فيها وقتا ~~طويلا، كنت أحيانا أذهب لآخذ طعام الغذاء في (هولانديا) ولا أكاد أتمه حتى يحضر ~~بعض إخواني المصريين فنبقى نتحدث ونلعب البليار أو الطاولة حتى موعد العشاء، ومن ~~بعده نجد موضعا لقضاء الوقت هو وقت راحتي. # لكن ليالي كانت منتظمة إلى حد كبير، من الساعة العاشرة في غرفتي، وأشتغل حتى ~~نحو منتصف الليل ثم أنام لأقوم الثامنة صباحا وإن كان عندي درس أسرع إليه وإلا ~~بقيت أشتغل حتى الظهر، وفي مدة الشهرين أذكر أني لم أبق إلى الصباح إلا مرتين، ~~إحداهما كنت مع جماعة في مونمارتر، وقد وضعت حديث هذه الليلة في غير هذا المكان من ~~مذكراتي. # اشتركت في محاضرات العلوم الجنائية، وواظبت على حضورها وعلى سماع دروس المسيو ~~جرسون في صبيحتي الثلاث والخميس. # في أواخر العام سئمت هذه اللوكاندة، وانتقلت مع العام الجديد إلى (سلكت)، سلكت ~~معمورة بالمصريين، ولكن منهم من لا تراه إلا كما ترى آخر ساكنا في الحي اللاتيني ~~ولا صلة بينكما، ms165 ومنهم من تتوثق بينكما الرابطة حتى لتصبح صداقة جامدة، كان ذلك ~~شأني مع السيد مرعي. # أكثر من المطعم تسمح لك هذه اللوكاندة بملاحظة المصريين والدخول إلى باطن من ~~أمرهم لا تقف عليه من غيرها، ولكنها كذلك تعرضك لأن تكون إلى جانبهم دائما وبالحق ~~الذي يعطوه لأنفسهم بصفتهم مصريين، وإذن أصدقاؤك يدخلون عليك غرفتك في أي لحظة ولأي ~~سبب. # عشت هنا عيشة الطلبة أكثر من أي لحظة عشتها قبل ذلك، هنا عرفت مواعيد العصر لأبقى ~~بها إلى الصباح، هنا طعمت العيشة المكسال لا يغيرها أمر ولا نهتم فيها لشيء، وننسي ~~أنفسنا تتوه حيث تشاء من علام الهمود ونتمتع من كل ما في الحياة ولا رقيب علينا، ~~حقا أن النفس التي عاشت بعيدة عن لذائذ الحياة متى وجدت أنها بينها غرقت فيها ~~وأرادت أن تأخذ منها بأكبر حظ تستطيع، وكثير من هاته النفوس تروح في عرقها إلى ~~الموت، إلى موت لذيذ هو الآخر لا تحس به إلا حين تحرمها الظروف من غرضها أو يجعلها ~~السن المتقدم قليلة الإحساس بما حولها، لكن إن قدر لها أن تنجو انتفعت من تجربتها ~~أكبر النفع. # لم أكد أسكن سلكت وأجد نفسي محاطا بإخوان السرور، وتمد الحياة إلي يدها ممسكة ~~بها حتى تهت عن صوابي مبهورا، وأردت أن آخذ من ذلك كله أعطته لي الصدفة ولم تمنع ~~عني شيئا أردته، كل ما أرغب ما علي إلا أن أمد يدي فأتناوله. # قضيت كذلك شهرين من حياتي، شهرين جاءا في لحظة ما كان أحوجني إليهما، شهري لذة ~~وسرور. # وإذا كنت أنظر لهما اليوم بشيء من الأسف فإن لهما كذلك شفيعا من أنفسهما كما أن ~~الحياة التي تلتهما كفرت عنهما. # وكأن النفس التي ربيت بين الكتب والمطالعات والكتابة مهما وجدت في هذا العيش من ~~اللذة تسأمه أخيرا، تسأم تلك الساعات الفارغة والليالي الساهرة لغير فائدة ~~والأوقات الطويلة الضائعة بين جدران القهاوي أو حول ترابيزات البليار؛ لذلك أحسست ~~في النصف الأول من فبراير بقلق أخذ بخناقي وأنذرت (ويكث) أني تارك اللوكاندة ms166 لآخر ~~الشهر، وكل يوم يمر يزيدني قلقا، حتى إذا كنا حوالي الأيام الأخيرة ذهبت وأخذت ~~لنفسي مكانا في سان كلو. # في سان كلو كان معي عائلة من رجل وزوجه وابن صغير، ثم سيدة أخرى، وكل جماعة في ~~ناحية من قاعة الطعام، ولم يمض علي بها ثلاثة أيام حتى سافر هؤلاء وأصبحت الغرفة ~~الواسعة لا أحد بها إلا أنا ... وأحسست في تلك الوحدة المطلقة بعد الذي كنت فيه من ~~الضجة الدائمة براحة كبيرة، لكن ما أسرع ما وجد الضيق سبيله لنفسي، فكنت أهاجر ~~لباريس ثلاث مرات وأكثر في الأسبوع الواحد، وبقيت في تلك الوحدة أياما. # جاءت عند صاحبة الدار ليلة عجوز كانت ساكنة عندها، وسألتها أن تذهب معها ~~للكنيسة، وسألاني أن أصحبهما ففعلت، وجاءت العجوز عندنا تتناول طعام الغذاء، وكانت ~~غرفة الطعام قد صار فيها غيري شخصان رجل وسيدة، سيدة مريضة يكاد المرض يجيء عليها ~~ذاهبة اللون مسؤومة الوجه غائرة العينين، فلما انتهينا من الطعام وذهبت إلى الصالون ~~وقد شيعتني إليه هذه السيدة الرومانية العجوز جاءت صاحبة الدار تحادثنا، وسألتنا أن ~~ننادي بهذه السيدة المريضة من غرفتها فنزلت، وقضيت معهن حتى الساعة الثالثة بعد ~~الظهر. # كنت في هذه الأيام قد أخذت في العمل من جديد، الشهر مارس والسنة اقترب آخرها ولم ~~يبق من التحضير للامتحان محيص، وكأن تلك العادة المكسوبة بالزمان من تأدية امتحان ~~والنجاح فيه كل عام من سنين عديدة مضت جعلتني أحس بمسؤولية مضاعفة؛ لذلك فرغما ~~مما كنت أجده من لطف السيدتين لم أكن أعطيهما من وقتي أكثر مما يلزم. # غير أن رقة المرأة لها من القوة على قلب الرجل ما يسحره عن نفسه، كم من رجال ~~أمناء أضعفتهم النساء! وكم من ضعاف أعطتهم النساء قوة، وأقوياء أورثنهم ضعفا! ولا ~~أظن أن هناك ضرورة لدخول الحب في قلب الرجل من أجل أن يصرفه عن طريقه، بل يكفيه ~~قليل من الإحساس بالميل نحو امرأة لتأخذة عن نفسه إلى حد كبير، لذلك صدتني رقة ~~صاحباتي وخصوصا رقة مدام س. عن عملي ms167 إلى حد ما. # وكل يوم كانت تحكي لي فيه عن مركزها كانت تزيدني رحمة بها وعطفا عليها وبالتالي ~~عملا لإرضائها ... أول ما عرفت عنها أنها زوجت في السابعة عشرة من عمرها ثم طلقت ~~زوجها بعد سنتين بعد أن رزقت منه ولدا، وبعد أن ذاقت من زواجها الذي خلفت بعده أن ~~لا تجعل لرجل عليها سبيلا، ثم تعلق بها المسيو س. وجعل يجاهد سنتين حتى قبلت يده ~~وهي في الثالثة والعشرين، وبقيا زمنا وهو أطوع لها من يدها، ثم انصرف عنها بعد أن ~~رزقت منه صغيرا، وهو اليوم يدور مع أخرى وهي تقاسي في الوحدة آلامها. # جاهدت بعد ذلك أريد أن أقف على كثير من أمرها، وزادني ذلك تحريضا على صرف بعض ~~وقتي معها، وهي دائما تلك السيدة الرقيقة الطيبة القلب الواقعة تحت حكم ~~الألم. # كنا إذ ذاك في أوائل أبريل، ورأيت أني أكاد أنصرف عن القسم الأكبر من عملي، فلم ~~أكد آخذ كلمة من صديقي (ش. ب.) يدعوني فيها للسفر معه إلى التورين حتى فكرت في ~~قبولها جديا، وفعلا قبلتها وسافرنا الخامس من هذا الشهر. # بلاد التورين بلاد سهلة لا جبل فيها، وتحوي جمال البلاد السهلة كما تمتاز ببديع ~~غروب الشمس، وفيها القصور الفخمة القديمة يحكي بعضها ببهائه عن ذوق حلو والآخر ~~بقدمه وقوته عن عظمة ذات أصل في التاريخ. # في بعض هذه القصور سجون تحت الأرض لا يدخلها الضوء ولا الهواء إلا رغما، ويحكي ~~الحراس من قصص المسجونين فيها ما يحفظ القلب على ملوك كان كل همهم السلطان ~~المطلق على رعيتهم. # الفصل الثامن # | في إيطاليا # لوجانو في 20 يوليو # كنت على القارب الذي يقوم من هنا الساعة الثامنة ونصف صباحا قاصدا بونتي تريزا، ~~وهو قارب صغير الحجم أو دونه. # سار القارب حتى وصلنا إلى الحدود الإيطالية، هنالك مر عمال الجمرك، وما أثقلهم، ~~فجعلوا يفتحون أصغر حقائب السفر ثم يختمونها ولم يتركوا من غير تفتيش إلا الجيوب ~~وحقائب السيدات، ولقد حدق بي أحدهم وأنا أخرج صندوق السجائر من جيبي، وهز ms168 رأسه كأنه ~~يأسف أن ليس عنده من الإقدام ما يجعله يضبطه، وكان هؤلاء العمال بشائر إيطاليا، فإن ~~يك هذا فويلي من الطليان ما أقبحهم! # إذا رأيت أشخاصا بالغات في القبح فاحكم بأنهن أمريكيات وربما كن إنكليزيات، ولقد ~~صادفت خارجتين من القارب عند (پورتو سريزو) تشمئز لمرآها العين، ولم يكد يرتد إلي ~~طرفي حتى صدقتا حكمي عليهما أنهما أمريكيتان بأن تراطنتا بالإنكليزية ~~الأمريكية. # صباحنا اليوم كثير الغيوم؛ فلقد اشتمل الجبال المحيطة بالبحيرة ضباب كثيف جعلها ~~تظهر كلما ابتعد القارب ولو قليلا عنها كأنها أشباح مخوفة هائلة، أما سطح البحيرة ~~فقد كان يعكس خضرة الجبل ويتموج قليلا، والمسافرون قد هدهم الضباب وضايقهم عمال ~~الجمرك يسود عليهم سكون حزين. # ثم حملنا قطار صغير من (بورتو سريزو) إلى (لونيو) على شاطئ بحيرة (ماجبوري)، ومن ~~لونيو سافر بنا قارب أحسن بكثير من القارب الأول قاصدا (ايزولا بلا - الجزيرة ~~الجميلة). # كان إلى جانبي على القارب سيدة فرنساوية ومعها ابنها، وهو طفل عمره ثلاث سنوات، ~~وبينما هو يلعب نادته: أندريا، أندريا تعال هنا! فذكرني ذلك قول أخرى لابنها ذي ~~الخمس عشرة سنة: «ألبير، ألبير لا تعمل هذا» وتقول ذلك بنفس اللهجة التي تخاطب بها ~~أم أندريا طفلها؛ ذلك أن الفرنساوية متشابهة دائما في معاملة ابنها، فهي دائما ~~شديدة في الأمر لينة في التنفيذ، وتصحبه دائما قبلة لطيفة ... لست أحكم ... وربما كانت ~~هذه التربية أضمن لتخريج جمهوريين. # ايزولا بلا ... قصر وحديقة جمالها أبدع ما يرى، وينبئان عن ترف ممتع مكسال، وهذه ~~الجبيلات وهذه الحديقة القائمة على عشر درجات ترتفع كل عن الأخرى عشرة أمتار! ... عن ~~أي شيء تنبئ؟ ... وايزولا ماورا وحديقتها الغريبة ... إلا أن الإنسان ليجمل الطبيعة ~~ويعطيها من الإبداع ما يفوق كل خيال. قفلنا راجعين من لونيو إلى بونتي تيريزا وكان ~~إلى جانبي إيطالي ومعه بنتاه، وكبراهما جميلة، وهي فوق ذلك بديعة محبوبة، وإنها ~~لتحمل في ناظرها من الحب والعطف مبلغ ما ينم عنه من الرغبة ثدياها الناهدين. # تورينو 22 يوليو # قمت بالأمس من لوجانو بقطار الساعة ms169 واحدة وأربع وعشرين، وكان معي اثنين من ~~الأمريكيين، فابتدأنا الحديث، وعرفت أنهما آتيان من لوسرن قاصدان فنيسيا (البندقية)، ~~ويريدان أن يزورا مونيخ وهولاندة ولوندرة وايقوسيا ثم يرجعان من أرلندا إلى ~~بلادهما، وقد اختارا هذه البلاد لأن لكل ميزة لا يشاركها فيها غيرها. # هما من غير شك مخطوب وخطيبته أو هما في شهر العسل، وإنها لفكرة جميلة أن يزورا ~~العالم معا ثم يرجعان إلى بيتهما وقد خلقا لنفسيهما في ذلك عالما عظيما من ~~الخيال والذكر. دخلنا بعد كومو في سهل اللومباردي فتجلى أمامنا ناطقا جميلا ~~الاختلاف المهول بين الألب والسهل، وظهر بعيدا الأفق يترنح ثملا تحت النور ~~المبياض. # نحن الآن في إيطاليا الإيطالية، فمنازل من الطوب وإلى جانبها بيوت ترابية اللون ~~كأنها من اللبن، وكلها وإيانا ينهكها الحر المفرط. # ميلانو # المحطة عظيمة، وأمامها ميدان كبير، والسماء تعكس من بياضها نورا يعمي الأبصار، ~~وقام القطار إلى تورينو فإذا عربات الدرجة الثانية قذرة دنيئة، أما عربات الدرجة ~~الأولى فأحسن كثيرا مع حفظ الفارق، وكان إلى جانبي إيطالي يحكي لي عن إيطاليا: هذه ~~البلاد البديعة حسن قوله المبالغ فيه لا شك ولو بعض الشيء، فتلك عادة كل أوربي ~~فرنساويا كان أو سويسريا أو طليانيا أو ... حيث يظهرون وطنيتهم في هذا الشكل ~~النافع والذي ربما كان أحسن الأشكال. # تورينو ... ما أقربها في الشكل للقاهرة، القهوات، وبائعو الشربات في الشارع، ~~والتراب، والذباب ... غير أن الناس يظهرون أقل تعسا وأكثر فرحا وبهجة. # 23 يوليو # إيطاليا مهد الفن كما يقولون، فحيث تكون ترى تماثيل بديعة في الميادين وفي المعرض ~~وفي كل مكان، ولقد ذهبت صباح الأمس أزور (الأكاديمية دلاسيانزا) فمررت بميدانين ما ~~أحلى شكل تماثيلها . # وابتدأت في الأكاديمية بأن زرت القسم المصري، فماذا رأيت؟ رأيت ما أرى دائما عن ~~مصر القديمة: موميات مكشوفة الوجه سوداء مفزعة، وإن هذه الرؤوس المؤلفة لتعطي ~~بشكلها المخيف منظرا جذابا غريبا. # على الحيطان أوراق قديمة تنزل فيها الكتابة أحيانا من الأعلى إلى الأسفل، وتكون ~~أحيانا بشكل قطع شعرية أو في شكل النثر المعتاد ms170 وتصحبها الرسوم دائما والتشبيه ~~أظهر صفات هذه الرسوم، وكأن هؤلاء القدماء كانوا لا يستطيعون تخيل الإنسان إلا في ~~حالة غضب مفرط أو سكون مفرط، وإن تماثيلهم تظهر ذلك أكثر مما تظهره الرسوم، ولكن ~~هذه الأخيرة تدل عليه كذلك دلالة واضحة، فيجب أن يكون للرجل الهائج المغتاظ رأس ~~هائل حتى يكون مغتاظا، رأس بعض الحيوانات الآلهة، أما الإنسان الباقي برأس إنسان ~~فإنما يكون في حالي سكون أو استسلام وضعف بعض الأحيان؛ وإذن تكون الأيدي المرفوعة ~~علامة الخوف أو ادراء لغضب إله، له رأس طير مفترس وفي يده عصاه. # في الدور الثاني صالة صور تحوي نحو الستمائة، من بينها قليل من ريشة مشايخ ~~التصوير، وأهم ما يفيد هذا الدور الفكرة التي يعطيها من نشوء الفن وارتقائه ~~وتسلسله، كما أن الفكرة التي نسمعها أحيانا من أنه لا فن مما يحوي الإبداع ~~والعظم بعد المشايخ القدماء، وأن كل شيء ينحط يبين هنا فسادها، فإني وإن لم أكن ~~عرافا في الفن ولا درست شيئا ذا قيمة منه أراني استنتج مما أمامي أن الانتقاد ~~غربل الفن القديم، فأظهر لنا منه الصور ذات القيمة ومبلغ جمالها، أما الصور الحديثة ~~فلم تنل هذا الحظ بعد، وكثيرا ما يغطي رديئها الحسن، ويضل حكمنا عليها إننا ~~عائشين معها في جيل واحد فلا تقدر على الحكم بخلودها. # وإن الثورات في الفن الحاصلة اليوم والتي يناصرها جماعات شتى (والمستقلون بعضها) ~~لتجعل الإنسان يتردد في اتباع المذاهب الجديدة، ويبقى عند إعجابه بالقديم، وهذا ~~هو السبب الذي يحملنا على حب الماضي وتفضليه. # وذهبت بعد الظهر إلى المعرض، ما أعظمه! ... وما أجمل تماثيله وأحلى بيوته، من ~~الأشياء التي أخذت بنظري آلات النسيج وهي تشتغل يخدمها بنات ونساء يعملون في هذا ~~الشغل المذهل ... فهل يملكون عقولهم آخر النهار؟ ... وأعجبني في القسم الإنكليزي أعمال ~~ودجوود الفنية الجميلة. # وكما تمثل الممالك الكبرى نفسها بالأعمال الهائلة تمثل الهند وسيام وتركيا نفسها ~~بما يثير في النفس الرحمة عليها والأسف من أجلها، لم يظهر الإنسان نفسه في مثل هذا ~~الموقف الذي ms171 يجد به فيه أن يختبئ! # وألمانيا العظيمة تشتغل منازلها من ناحية، ومن الناحية الأخرى يرى الناظر النتائج ~~التي جاءت بها ضمانات العمال فيها. # غريب كيف يظهر على معروضات كل أمة طابعها ... فألمانيا بلد الرحمة والعواطف الجميلة ~~هي كذلك بلد الضجة وحب الظهور، وفرنسا بلد العلم الصحيح بالجمال وأسراره علما جاء ~~عن طريق النقد أكثر مما جاء بالوحي والجبلة، وإنكلترا وهي بلد الهدوء ومواصلة ~~العمل تصل إلى نتائج مدهشة. # 27 يوليو # فلورنسا، الجميلة كما يسميها الطليان، هي حقيقة جميلة تحيط الإنسان فيها الآثار ~~القديمة من ناحية وأجمل ما خلد الفن من الأخرى، ولكن الإيطاليين هم دائما ~~الإيطاليون، بل يظهر أنه كلما أوغل الإنسان جنوبا كانوا أقل مدنية، ولقد رأيت هنا ~~مشاحنات أكثر مما رأيت في تورينو؛ إذ قابلني في يومين خمس أوست، ولم أكن أخرج إلا ~~نادرا ... أو أن ذلك إنما كان نتيجة الصدقة! ... # ومما يأخذ بالعين حقيقة الكاتدرال والكمبانيلي والباتستير وكلها مجتمعة في ~~ميدان القبر (الكاتدرال) مظهرة بذلك نظاما فنيا معماريا بديعا، وقد اتخذت ~~جميعا من الرخام، ويبين عليها توازن دقيق غير أن الكاتدرال فقيرة من الداخل ومظلمة، ~~لا ككتدرال بيزا التي زرت هذا الصباح، والتي هي ذات مظهر أغنى بما فيها من التماثيل ~~وما على جدرانها من النقوش وما في سقفها من الذهب. # أما كمبانيل بيزا فهو إحدى عجائب الدنيا، البرج المائل المشهور، وهو أقل جمالا ~~من كمبانيل فلورنس المربع البديع النقش. # وما أكثر المتاحف في إيطاليا! فقد زرت أربعا منها في فلورنسا مع أني لم أبق بها ~~غير يومين، وإن متاحف الأوفيزي والبني لبدائع يقصر دونها الوصف، قد حوت من نقوش ~~أساتذة التصوير أبدعها، فيها من رفائيل وروبنس ودشي وبوتيشلي وريني ولبرن وكثير ~~غيرهم من الكبراء، من ميشيل أنجلو وتسيانو البديع، كم من الدقة في عذارى رفائيل، ~~وفي الصورة التي يخلد بها معشوقته، وكم من القوة في باباواته ... ثم كم هن مكسالات ~~عريانات تسيانو، وكم هي ناطقة صورة سوزانا لريني وصور دلشي ... ورزايا الحرب لروبنس، ~~كم هي متكلمة ms172 شاكية، فيها يحس الإنسان كأنما يسمع صرخة اليتم تشق قلوب النساء ~~والأطفال ممثلي الإنسانية اللطيفة الهادئة المسالمة صرخة بأس وجزع ... # وحدائق فلورنس، تلك الحدائق الهائلة العظيمة ما أبدعها! # ولقد زرت بعد الظهر فيزولي وهي الضاحية التي أحب أناتل فرانس من كل قلبه ... ومن ~~شرفاتها تتجلى فلورنسا تحت النظر وبين الضاحية والمدينة غرقت منازل صغيرة في خضرة ~~السفح اليانعة. # لكن ضيقها والمرسى الروماني البالي الفقير وكنيستها العريانة التي تذكر بماض ~~ضئيل، شحاذوها الكثر ومظهرها البائس أو يكاد، كل ذلك يحمل العين بعيدا عنها إلى هذه ~~الشرفة البديعة حيث تتجلى جنة الأرض، دونها روما المهيبة العظيمة سيدة الزمن الماضي ~~وروما الكبيرة بنت الزمن الحاضر، بين بعض ربوعها يحس الإنسان كأنه انتقل إلى بلد ~~عظيم ميت يبعث النفس المهابة والوقار؛ فإذا انتقل فاختلط بالناس وجد دائما من ~~هؤلاء الطليان بعض القذرين، بل إنه ليجد بين الآثار القديمة الوقت بعد الوقت شيخ ~~بائس من الشحاذين تنم هيئته التعسة عن أنه انتقل هو الآخر إلى ملكوت الموت، ولقد ~~كنت عند (الكولوسيوم) أزوره وأزور الآثار إلى جانبه فصادفت عيني مرارا أشباحا في ~~أطمار تخرجها الأحجار المؤلفة ملقاة على الأرض وهي أنشف من الموميات العتيقة، وبين ~~الآثار والأحجار والأشباح تسمع صرير الحشرات الساكنة في شجيرات سوداء، وامتد على ~~الأرض عامود ينسب إلى (ديوكليسيان) وهو مكسور ثلاث قطع في حين قامت عمد كثيرة أخرى ~~تدل على مكان (الفورو رومانو)، ودعيت بعد ذلك لأزور أماكن أخرى، ولكن الحر أرهقني فلم ~~أذهب، وقابلت بالصدفة عند ميدان إسبانيا عربيا عرفني وطلب إلي أن يكون دليلي، ~~وألجأتني الحاجة أن أقبله، ولو رأى لومبروزو هذا الشكل لما تعب في أي وصف يضعه، ~~ولقد ساعدني كثيرا في تعريفي الطرق ومخازن البيع والشراء، أخذتني به الرحمة ومسني ~~الإحساس ببؤسه. # تظهر روما بالليل في شكل القدم، خصوصا في الأماكن الكثيرة الميادين الملأى ~~بالعمد، القائم عليها تماثيل تراجان وقيصر وغيرهم ممن يستثيرون معهم ماضي عظمة ~~الدولة، أما الميادين الجديدة فهي قليلة الطعم، ربما أحسست أنا بذلك لأنا ms173 نحمل ~~للماضي احتراما يحتل أعماق نفوسنا، أو لأن هذه الصبغة التي يعطيها للأشياء هذه ~~الصبغة الترابية القديمة تجعلنا ننحني أمامه. # من روما إلى برنديزي ... ما أقذر هؤلاء! هؤلاء الخنازير لا أنسى أني في الأربع ~~المرات التي ركبت فيها سكة الحديد كانت مراتب الدواوين مقلوبة على وجهها، وأقل ~~احتكاك بها يثير ترابا عجاجا، وتلك هي عربات الدرجة الأولى ... # والطليان أنفسهم! يا حفيظ! ... أول أيامي في إيطاليا حدثني أحدهم وجاء في الحديث أن ~~وصف بلاده وعظيم ما فيها من جمال ... وكانت كلمته الختامية: ... إيطاليا جميلة ولكن يجب ~~تغيير الطليان! ... إنه لمحق وايم الله. # إنهم حقيقة لخنازير، يجيء ركاب الدرجة الثانية إلى الأولى فإذا اراد الكمسارى أن ~~يأخذ منهم الفرق سبوه وصاحوا في وجهه، ثم يرضونه أخيرا بجرعة «كيانتي» فيقبلها ~~مسرورا وينصرف. # ومكتوب في العربات: «البصق على الأرض ممنوع»؛ ذلك أن الشركة تعرف مواطنيها ومبلغ ~~نظافتهم، والمحطات الصغيرة يظهر فيها من حين لحين جماعة من الفلاحين الفقراء والبؤس ~~يبين على وجوههم وفي ملابسهم، وتكاد تلمسه في هواء هذه البلاد الجنوبية، وأخيرا ها ~~أنا ذا وصلت إلى مصر هذه الليلة. # الفصل التاسع # | في مصر # كانت الساعة الثالثة من صباح يوم الأربعاء 2 أغسطس سنة 1911، حين استيقظت أنا وصاحبي ~~الذي معي في غرفة الباخرة، وبعد أن تبادلنا كلمات قليلة قمنا فصعدنا معا فوق ظهر ~~المركب على أمل أن نرى تباشير شواطئ بورسعيد عند الأفق، ولقد وجدنا بعض أشخاص من الركاب ~~سبقونا ولا يزالون لابسين (بيجاماتهم)، وكلهم قد حدد نظره إلى الجهة التي تسير نحوها ~~المركب، ولكنا لم نر بعد إلا نورا بعيدا ضئيلا لا يكاد يتميز، وكلما تقدم الوقت ~~بهت لون السماء وابتدأ يتسرب وسط ظلمتها خيوط من ضوء الصباح فتمحو نجومها والأفق هناك ~~لا يزال قائما. # صاحبي في الغرفة إيطالي من مستخدمي الحكومة المصرية، وهو على ما أخبرني رئيس مصلحة ~~الطب البيطري في بعض الجهات ويتقاضى مرتبا أربعين جنيها. # وأكبر آماله أن يجيء يوم يكون قد وفر فيه مبلغا طائلا من المال ليرجع فيعيش ms174 في ~~إيطاليا بلده ومسقط رأسه، ولقد قال لي: وبالرغم من أني أحب مصر كثيرا فلا أستطيع أن ~~أوطن نفسي على فكرة العيش فيها دائما، بل أحس بشيء يدفعني لأن أرجع لميلانو متى توفرت ~~عندي أسباب الرفاهية واستطعت أن أعيش من دخل ممتلكاتي، وأرجو أن لا يكون ذلك ~~بعيدا. # ابتدأ الشاطئ يتميز قليلا، امتلأ ظهر الباخرة بالركاب الذين تناولوا لقمة الصباح ~~وجهزوا أنفسهم للنزول، فلما دخلنا المينا هبطت حركة الآلات في الباخرة حين اقترب منا ~~قارب (السائق # le Pilote ~~) وحوالي الساعة السادسة ~~رسونا. # بعد أن مكثت برهة بالباخرة نزلت إلى الشاطئ ومررت بالجمرك، ثم أخذت عربة وضعت فيها ما ~~معي وركب شيال إلى جانب السائق واخترقت المدينة وسط شوارع ضيقة مملوءة بالتراب يمر بها ~~رجال ونساء عليهم جميعا مظاهر البؤس والفاقة، والحوذي على مقعده على مقعده لا يفتر ~~ينادي: «يمينك. شمالك. اوعى رجلك. أنت يا شيخ هناك. يا واد يا ابن ال ... يا ست. أنت ~~يمينك. أنت يا أطرش»، ويفرقع بكرباجه، وخيوله الضئيلة ظاهرة ضلوعها باهت لون شعرها تجري ~~ساعة وتمشي أخرى، وأخيرا انتهينا إلى الشارع الخارجي وبعد لحظة كنا عند البيت الذي ~~أقصد. # هذه أول مرة رأيت فيها بورسعيد، ولا أدري إن كان مظهر البلد حقيقة مظهر غير نظيف أو ~~أن مقابلتي إياها بالمدن الأوروبية التي عشت فيها سنتين هي التي جعلتني أحكم عليها هذا ~~الحكم؛ إذ بالرغم مما كنت أسمعه من أهلها من مدح تنظيم مدينتهم وجمال ترتيبها ~~والمشروعات التي نفذت، والمنوي تنفيذها، فيها فلم تكن هاته المنازل القليلة الارتفاع ~~الترابية اللون على الأغلب لتبعث لنفسي الثقة بقولهم، وقد أثارت المدينة في نفسي ذكر ~~بعض القرى التي زرتها حين سياحاتي في فرنسا، وإن كان بعض الشوارع مما رأيت يدل على ~~ترتيب جديد يدعو إلى الأمل بتنظيم هذه المدينة. # جلست على قهوة في الحي الإفرنجي - وهو الحي المنتظم - من البلد، ولقد كان من أغرب ~~الأشياء على أذني سماع جماعة إلى جانبنا يتكلمون بصوت عال في مسائل تهمهم، وكأنهم ~~جميعا يحسون ms175 كأن القهوة دار لهم فهم يعطون لأنفسهم الحرية التي لا يسمح الإنسان لنفسه ~~بها في مكان عمومي، وكلما مر بهم أحد معارفهم مال إليهم وسلم عليهم، وإذا ما أراد أن ~~يبتعد لم يسكت واحد منهم أن يصيح: «اتفضل قهوة والله تيجي» ويعتذر الآخر بصوت أعلى وهو ~~مستمر في طريقه سائر في الشارع. # تناولت طعام الغذاء عند أحد أصدقائي، ولقد أحسست بسرور كبير أن رجعت إلى هذه الحرية ~~البدوية، وجعلت أرقب صديقي صاحب الدار وهو يكسر بأيد قوية أضلاع الديك الرومي الموضوع ~~فوق طبق الأرز، من زمان وأنا لا أرى هذا اللطف المصري حين يقدم لك صديقك كل ما أستطيبه ~~مما أمامه، وكلما رآك انتهيت قدم لك من جديد، وإذا أنت أردت أن تتنازل عما يقدمه ~~تظاهر بالغضب وأراد إرغامك على تناول ما يعطيك غير حاسب حساب ما تخافه أنت من عسر هضم ~~أو تلبك معدة، ركبت القطار بعد الغذاء فسار يقطع بنا الطريق بين رمال المنزلة من جهة ~~وشاطئ القنال من الجهة الأخرى، وإلى مرمى النظر عن الجهتين تمتد الأرض حتى تلتقي ~~بالسماء عند الأفق، وعلى ظهر القنال تسير بعض الكراكات ببطء فنجوز نحن بها مسرعين، ~~وانعطفنا عند الإسماعيلية وانتقلنا من مركبتنا في الزقازيق، هنالك أحسست حقيقة كأني ~~رجعت من سياحتي الطويلة وابتدأت عيني تتعرف المحطات والمزارع والأشياء التي رأت مرارا، ~~فلما نزلنا بأبي الشقوق وسلم علي الخادم وركبت جوادي وسرت على الطريق الذي سرت عليه ~~قبل اليوم ألف مرة أحسست بالرغم من جمود رأس مطيتي وعدم سكونها، بسكينة تراجعني ورضى ~~يحتل قلبي وشعرت بأني صرت حقيقة في بيتي. # ما أعجب الإنسان، أي شيء هذه المحيطات بي والتي بعثت بالسرور إلى نفسي وما مبلغ ما ~~لها إلى جانب ما رأيت في سياحاتي، لكني بالرغم من ذلك أحس لمرآها بانشراح في صدري ~~وخفقان في القلب وكأن هذه الأشياء التي غابت عن عيني سنتين توحي إلي بطفولتي ~~وشبابي. # بعد أيام قضيتها بين أهلي ذهبت إلى القاهرة وأقمت بها يومين، ولقد زرت في ms176 خلالهما ~~جماعة أصحابي، كما ذهبت إلى أماكن شتى من مواضع النزهة فيها، كم تغيرت مصر الجديدة ~~وأصبحت مدينة جميلة تستحب سكناها وترتاح لها النفس! ودخلت لونا بارك آملا أن أجد فيه ~~الضجة والسرور الذي كنت أجده في لونا بارك بباريس، ولكني أصبحت بعد أن جزت بابه وكأني ~~بين آثار قديمة لا يقطع صمتها إلا رج الالآت وحركة الأرجوحات فيه، ومع جمال الهواء ~~ونقائه فقد كان الزوار قليلون لدرجة يحس معها بالدهشة والانفراد؛ لذلك فبدل ما كنت أعده ~~في نفسي من الضحك والسرور وامتطاء الأرجوحات والمراكب شعرت بكل ذلك ينهال ويحل محله جد ~~حزين دعاني وصاحبي الذي كان معي لنأخذ بأطراف الحديث في مسائل ذات قيمة، ولما خرجنا ~~سألت عن السبب الذي دعا لهجر هذا المكان مع جمال موقعه ومع الأشياء المفرحة التي يحوي، ~~فعلمت أن الجرائد حملت عليه لأول افتتاحه وعدته مكان سخرية وفساد فجعلت بذلك زيارته سبة ~~وحولت عنه أنظار الناس. # إنني أشد الناس حيرة حين أنظر في أخلاق أمتنا، يخيل لي أن الفرد لا فضيلة له في ذاته ~~وأنه مستعد للوقوع في كل نقيصة - إن صح تسمية أكثر الأشياء نقائص - ما دامت تعرض له، أي ~~أن المصريين جميعا يسيرون على مبدأ «أن من العفة أن لا تجد» وإلا فلم نرى الحكومة ~~والكتاب والآباء والرأي العام كلهم يخيفون الناس - لا من الوقوع في الرذيلة - ولكن من ~~النظر ولو من بعيد لما قد يشك في أنه رذيلة؛ إذ لو أن لهم أقل الثقة بقوة نفس إخوانهم ~~أو أبنائهم لما كانوا بهذا الحرص، ولكنهم في ذلك ينسون أن التجربة خير دروس الحياة وأن ~~الوقوع في الشر مرة يدعو لتوقيه دائما ويخلق للفرد نفسا تفهم وتريد. # ماذا كان في لونا بارك حتى دعا للتخويف منه والحملة عليه، شبان يغازلون فتيات على ما ~~أتصور؟ وأي شيء هذا، ألا يوجد غير اللونا بارك ألف مكان ومكان يغازل فيه الشبان ~~الفتيات؟ ألا ترتكب أعمال مخجلة من هذا النوع بين جدران دور كبيرة؟ ألا يجد الإنسان ms177 في ~~الأماكن العمومية بل وفي الشوارع أمثال ما قد كان يمكن وقوعه في لونا بارك؟ لقد قص ~~علي أحد شبابنا حكايات عما يقع في الأماكن الخاصة، ورأيت بعيني مما يحصل في الأماكن ~~العامة ما لا نزاع في أنه يعدل ما يصح وقوعه في مثل اللونا بارك إن لم يكن أفظع منه ~~بكثير، وغاية ما في الأمر أن هذا المكان معرض للأنظار أكثر من غيره، والمصري لا يني عن ~~أن يرتكب أكبر عار في الخفاء إذا أمكن بعد ذلك أن يحفظ أمام الناس حسن مظهره، بل لقد ~~حكى لي صاحبي الذي كان معي في البارك حكاية إن صحت كانت نعم الدرس؛ ذلك أن شابا كان ~~راكبا عربات السكة الجبلية وراء إحدى الفتيات، فانتظر حتى دخلت العربة تحت النفق ثم مد ~~يده فأمسكها من يديها فلما خرج القطار من الظلمة أدارت الفتاة وجهها ولطمت الشاب بيدها ~~على وجهه من غير أن تقول كلمة واحدة، وخرس الشاب وأعتقد أنه قرر في نفسه أن لا يعود إلى ~~مثل ما فعل. # الحكايات التي يقصها إخواننا المصريين عن أنفسهم وعن مواطنيهم تدل على أن الواحد منهم ~~لا يكاد يرى امرأة حتى يساوره نوع من الجنون يضيع معه عقله، وتملكه حواسه فتدفعه إلى ~~الحيوانية المجردة وتقوده - لولا ما ركب في طبعه المصري من الحياء - لأن ينقض على هاته ~~التي أمامه فيأخذها بين يديه ويضمها إلى أحضانه وينهال عليها تقبيلا وعضا، ولو أن ~~المساكين عرفوا النساء وأنهن لا يحوين كل الخزائن التي تدفع شهوة الواحد منهم إياه ~~لتقديرها في مخيلته لهدأت ثائرتهم وكانوا أبعد كثيرا عن الوقوع في هذا الجنون الذي هم ~~معرضون له في لحظة، ولكنهم يعيشون أغلب الأحيان في مجرد الخيال من هذه الجهة، والخيال ~~تلسكوب يكبر كل ما يقع أمامه فيبهر صاحبه ويستدعي كل انتباهه ولا يزال يزداد حتى تصل به ~~الدهشة فتجعله يرتمي على موضع خياله بكل جسمه وقواه، ومهما ظهر له غير مرة كذب ما تخيل ~~فإنه دائم الأمل أن يصدق الحلم مرة ms178 ويصل إلى ما يظنه موجودا. # والغريب أن هذه الحالة النفسية التي أهم مظاهرها التهيج والدهشة والجنون تبين عند ~~هؤلاء حتى في أماكن لا موضع لظهورها فيها، فقد ذهبت لثاني ليلة من وجودي بالقاهرة إلى ~~الالدواردو، وتلك هي أول مرة أذكر أني رأيت فيها هذا المكان، وكان من حسن حظي أني لم ~~أقع على أحد من معارفي (القليلين جدا) بل بقيت وحدي أتمتع بالمنظر الذي سيعرضه أمامي ~~الفن المصري. # ولقد حسبت حين دخولي أنني متأخر لأن الساعة كانت تجاوزت التاسعة ولأني وجدت الستار ~~مرفوعا، ولكني انتظرت بعد ذلك كثيرا من غير أن أرى شيئا، فعلمت إن القاعدة أن يبقى ~~الستار مرفوعا إلا عند الضرورة. # جاء الخادم وسألني عما أريد، وطلبت قهوة وسألته أن يجيئني معها بورقة أردت أن أكتب ~~فيها ما أرى علي أضيع بذلك الوقت الباقي ومنتظرا أن أجد شيئا لذيذا أكتب عنه، وغاب ~~الخادم ورجع بالقهوة من غير ورقة ثم وقف إلى جانبي يحدثني، وأخيرا تركني ولم يعد حتى ~~تركت أنا المكان بعد منتصف الليل. # الساعة العاشرة وربع ابتدأ (الآلاتية) يأخذون مقاعدهم، ولقد جلس على يمين المرسح ~~أحدهم رجل ذو عمامة وجلابية سوداء والباقون بين لابس طربوش وجاكيته ولابس جلابية بيضاء ~~وعمامة على طاقية ولابس بلطو، وبين الأسمر والقمحي ومنهم عبد أسود، ثم ابتدأوا يدندنون ~~بغير انتظام مدة حتى خرجت راقصة، امرأة وافية الجسم غليظة البطن عريضة الأكتاف غير جميلة ~~الوجه وغير قبيحته كذلك، وهي تلبس ثيابا كثيرة ورفيعة ينم بعضها عن بطنها وقد تدلت إلى ~~جوانبها كثير من الزينة البراقة ما بين لامع أصفر وذهبي وفضي، وابتدأت رقصتها بحركات ~~مدهشة غاية في الخفة والسرعة يهتز معها كل جسمها: بطنها وثدياها وأصابعها اهتزازا ~~سريعا، وتجيء بحركات غريبة شهوانية أكثر الأحيان يهيج معها الحضور ويصيحون صيحات ~~المتشنج الأعصاب غير المالك زمام نفسه، ويقوم من وقت لآخر واحد منهم صارخا من أم رأسه ~~كأنه الثور الراتع أهاجته أوليات الربيع. # وتبع الراقصة مغنية وجاء وراء هذه وأخرى قمر الليلة تغني سائرة على ms179 المرسح بخطوات ~~بطيئة مرتبة جميلة تتهادى ويهتز ببطء قوامها الدقيق، وأغنياتها تطير في جو المكان فتبعث ~~للدخان الذي ملأه أشباحا من ملائكة السرور، وجاء بعدها غيرها فلم أطق دون القيام ~~راجعا إلى مرقدي. # بعد ذلك رجعت إلى الريف ثانية فقضيت أياما طوالا بين أهلي أبتدأ يفارقها الملال ~~لأني ابتدأت أعتادها، وكلما اعتدتها رجعت إلى ذهني خيالات الماضي فجعلتني أحتمل بصبر ~~هذا العيش المتشابه الفارغ، وبقيت حتى الأيام الأولى من سبتمبر. # في سبتمبر رجعت إلى القاهرة وابتدأت أشتغل بالمحاماة واتخذت لذلك مكتب الأستاذ أحمد ~~بك مصطفى، وكل همي من ذلك أن أتعدى المحاكم الجزئية لما بعدها. # رأيت في المحاماة ما يبغضها إلى نفسي، هذه الغرف التي يسمونها «أود» الجلسات يقعد في ~~الصف الأول منها على مقاعد خشبية خشنة قذرة أحيانا جماعة المحامين عشرات مكدسة يزحم ~~بعضهم بعضا ويتبادلون أحاديث ساقطة الوقت بعد الوقت، ويضحكون بصوت عال مرتفع كلما غاب ~~عنهم القاضي حافظ نظام الجلسة، ويجلس وراءهم الناس أكداسا أكداسا ينظرون إلى العدل ~~كما ينظر المتفرج إلى الممثل، وتفوح من أبدانهم وثيابهم روائح كريهة، ويدخل القاضي فيصيح ~~الحاجب: محكمة. ويتلو ذلك هرج ومرج وضجة يعقبها الصمت، وعن يمين القاضي عضو النيابة ~~جالس منتفخ الأوداج مغمض العين تائه الخيال مسرور بكرسيه الخضم وشريطه الوظيفي، وعن ~~شماله الكاتب تائه بنظرة وسط أوراقه، والكاتب يصيح بصوت فظيع يكرره وراءه الحاجب بصوت ~~أفظع وأشد إزعاجا ينادي أسماء أرباب القضايا، والمحامون يقوم كل واحد بدوره فيمثل فصله ~~ثم ينسحب من المرسح بعد أن يسمع غالبا كلمات لا تسر من جانب الرئيس. # قضيت في المحاماة أشهرا رأيت فيها كثيرا، رأيت قضاة غاية في الذكاء ويستعملون ~~ذكاءهم في التنكيت طوال الجلسة، ورأيت آخرين يبلغ بهم الإخلاص لكرسيهم فيعدون أنفسهم ~~فوق بني آدم، وقلال غير هؤلاء وأولئك يفهمون القضاء والتقاضي. # وها ما رأيته ذات يوم بين قاض ومحام وأنا بالجلسة. # خلق كثير ومحامون كذلك والقاضي جالس بعظمة في كرسيه كأنه ملك على عرشه، والقضايا تتابع ~~مسرعة لكل دقيقة أو ما ms180 يكاد. # وجاء دور محام عجوز مبيض الشعر مجعد الوجه ليس معه بنشه (رداء) لأن كاتبه لم يحضر ~~معه. # فلما رآه القاضي كذلك إذ المحكمة اهتزت وظهر في عين الرئيس الغضب، فصاح في وجه المحامي ~~وأرغى وأزبد وزايله كل أدب أو احترام لحرفة الرجل أو لسنه وكاد يسبه جهارا، والمحامي ~~العجوز مبيض الشعور مجعد الوجه محترم الهيئة يرتجف هو الآخر ولكن خوفا وجبنا، وأخيرا ~~استعار رداء زميل له وبصوت واجف ضئيل نطق بكليمات مرافعته، وانتهى ذلك كله والمحامون ~~جميعا لا يبدون حراكا كأن لم يحدث شيء، وكأن من أهين واحتقر لم يكن زميلا وإهانته ~~إهانة لهم جميعا. # مثل هذا الإرغاء والإزباد من المحكمة سمعته حين تهيج القاضي ضد شاهد ظنه يكذب في ~~شهادته، وكان في هذا اليوم مضاعفا فظيعا مصحوبا بتقلب في عيون القاضي الذي كان يصيح ~~بأعلى صوته ويخبط بيده على المنضدة أمامه فتدوي أركان قاعة الجلسة دويا مخيفا، وبلغ ~~بالشاهد الخوف فلما أمره القاضي بالجلوس إذا هو وقع إلى الأرض يرتعش، وبعد كل ذلك قضت ~~المحكمة بما يوافق الأقوال الأولى التي فاه بها هذا الشاهد. # رأيت حوادث أخرى اجتمعت في ذهني وذكرني بعضها بقول قاسم أمين: أعرف قضاة حكموا بالظلم ~~ليشتهروا بين الناس بالعدل. # وفي تلك المدة التي قضيت في المحاماة ثارت الحرب بين تركيا وإيطاليا في طرابلس، ~~واختلطت بسبب هذه الحرب بالصحافة والصحافيين، وعرفت كثيرا عن هذه المهنة وأهلها ومبادئ ~~الأكثرين منهم، وعرفت حقيقة كيف أن منهم «قروشيون» كما قال أحدهم بنفسه «قروشيون» لا ~~مبدأ لهم وهم نصراء كل المبادئ. # ولا أدخل في تفصيلات هذه الحرفة، وكل ما أقول أن حكمي عليها ربما كان أقسى بعض الشيء ~~من حكمي على القضاء والمحاماة. # كان من شأن ذلك كله أن يرهقني ويخرجني من طوقي، فأظهرت شديد رغبتي في مغادرة مصر ~~لأوربا، واشتدت في نفسي هذه الرغبة وجاء يوم أصبحت فيه ضعيفا أمامها مستسلما لها ~~عاجزا عن مقاومتها تصرفني هي كما تشاء، وهي التي دفعتني لأغادر مصر يوم الأربعاء 6 ~~ديسمبر ms181 سنة 1911 على ظهر المركب الألمانية: برنس لويتبلد. # 18 يونية سنة 1912 # سأسافر بعد غد قاصدا مرسيليا فبورسعيد فكفر غنام، وأكون قد قضيت بذلك ستة أشهر ~~في باريس ولندرة، فماذا عملت فيها؟ # كتبت التيز # 1 # الذي أخذ مني مائة يوم بالضبط، ابتدأته في آخر ديسمبر وفرغت منه في ~~عاشر أو حادي عشر أبريل، ولم أتفرغ إليه كل الوقت بل بقيت على عادتي أقرأ من حين ~~لآخر كتبا خارجة عنه كبعض كتب تين وموباسنت وأناتل فرانس وراجعها (وسيل) بورجيه ~~إلخ، وأودعت التيز في سكرتارية المدرسة يوم 17 أبريل وقمت بطبعه بعد ذلك، وتحدد له ~~موعد النظر # Soutenance # يوم 14 يونية؛ لذلك ~~غادرت باريس يوم 6 مايو قاصدا لندرة حيث بقيت ثلاث ليال ثم انتقلت لاستبورن فبقيت ~~بها أسبوعين ورجعت للندرة ليلتين ثم طفشت منها ثلاثة أيام، وبعد يومين آخرين بلندرة ~~رجعت إلى باريس يوم الخميس 30 مايو، حيث قابلت صديقي بهي الدين وحيث نزلت معه، ثم ~~قمت بنظر التيز يوم 14 يونية، وكان حاضرا معي بهي الدين وحمدي وعبد الحميد سعيد ~~وزكي كوهين، وظهرت النتيجة بعد ساعة من الانتظار فكانت # Trés ~~bien ~~. # نفعني تحضير التيز وكتابته كثيرا، من هذه الأبحاث عرفت سلسلة حياة مصر في نصف ~~القرن الأخير، واطلعت على أسرار مركزنا الحاضر، ولكن ما كنت فيه من العجلة ~~المتناهية جعلني لا أصل عند الكتابة للأعماق التي كنت أود أن أصل إليها، بل ~~مررت ببعض نقط كان من الواجب الوقوف عندها والنظر فيها وتحليلها والبحث الطويل عن ~~أسبابها ونتائجها من غير خروج عن الموضوع بل مع البقاء في لبه. # أما ما عدا ذلك من الأعمال فقد استفدت كثيرا من ملاحظة إخواني وأصدقائي ~~القديمين، استفدت معرفتهم بهذا الضحك من كل شيء الذي أدى بي إليه النظر للأشياء ~~والناس والبحث عن دقيق نفوسهم، فإذا هي جميعا تضحك ضحكا كالبكاء، ولكن الحياة ~~أقصر من أن نقضيها في اليأس؛ لذلك خير أن نسخر منها. # القسم الثاني # | ما بعد المذكرات # مقالات معاصرة للمذكرات # الفصل الأول # | أدب ms182 اللغة الفرنساوية # ربما كان من الصعب علي، ولم أعن بدرس أدب اللغة عناية خاصة، أن أكتب شيئا عن هذا ~~الموضوع، ولكن ميلي الشخصي له وقراءتي كتبه ودرسي إياه درسا عاما، وحرصي على أن أعطي ~~لقارئ مذكراتي فكرة من الأدب ومنزلته عند قوم عشت بين أظهرهم ما يقرب من الثلاثة أعوام، ~~كل ذلك يجعلني أقدم على أن أكتب كلمة عامة في الموضوع أستسمح القارئ إن وجد فيها ~~شيئا من التقصير أو عدم الدقة. # وإنما يدفعني أكثر مما تقدم لكتابتها ما أعتقد من أن الأدب في كل أمة من الأمم هو ~~روح هذه الأمة، هو النفس المثالية الخالدة التي تمثل أخلاق الناس وميولهم وأهواءهم، ~~وتظهر لنا الصفات العامة المشتركة بينهم وبين غيرهم من الأمم، والمميزات الخاصة بهم ~~المقصورة عليهم. # كما أن مقام الأدب عند الفرنساويين، هذا المقام الرفيع الذي يجعله التاج على رأس هذه ~~الأمة القديمة يجذب النظر إليه ويجعل كل إنسان أيا كان حظه من العلم أو التربية ~~مرغما أن ينظر إلى حياة البلد نظرا خاصا من هذه الجهة؛ فإنك حيث سرت في شوارع ~~باريس، وأي صحيفة من جرائدها قرأت، وفي أي مكان جلست، تجد آثار الأدب ظاهرة واضحة، تجد ~~مراسح التمثيل وتجد الروايات في زجاج باعة الكتب، وتجد النقد الأدبي على صفحات الجرائد ~~وتسمع الناس في القهوات والأندية والمنازل والبارات، وحيث كنت يتكلمون عما ظهر ويظهر ~~من القصص والروايات التمثيلية، ويتكلمون بلهجة المهتم بها المتتبع حركتها، فلا يسعك ~~أمام ذلك كله إلا أن تأخذ بحظ قل أو كثر من هذا الميل العام، وتمد بنظرك وتلقي بسمعك ~~إلى ما يكتب ويقال، وتذهب إلى التياترات لترى التمثيل وطريقته والآراء التي ينطق بها ~~الممثلون، على العموم لا يسعك إلا أن تشارك في الحركة الأدبية. # من أول ذهابي إلى فرنسا وابتدأت أتعلم اللغة الفرنساوية أطالع في قصص وكتب أدبية، ~~وأزور التياترات طلبا للنطق العذب واللسان الفصيح، بين هذه الروايات والقصص وجدت ما ~~كتبته أقلام كتاب معروفين لنا ممن لهم مكانة خاصة في نفسي مثل ms183 جان جاك روسو وفلتير، ~~فقرأت مما كتبوا ومما كتب عنهم، وتدرجت منهم إلى قراءة العصريين حتى جاء وقت كنت لا ~~أقرأ فيه كتابا لمؤلف قديم. # وقرأت كثيرا، قرأت مما كتبه شعراء القرن السابع عشر وكتابه وما ألف فلاسفة القرن ~~الثامن عشر حتى وصلت إلى آخر الكتب التي ظهرت حديثا، وفي أثناء قراءاتي كنت آتي على ~~كتب مترجمة عن الروسية والألمانية، وكنت أقرأ بعض الكتب الإنكليزية كما أني اهتممت إلى ~~حد ما بقراءة كتب النقد من قلم (تين) و(لمتر) و(فاجيه) و(أناتل فرانس) وغيرهم. # وما أكتب اليوم للقارئ عن أدب اللغة الفرنساوية إنما جاء نتيجة هذه القراءة فليس ~~بحثا خاصا مرتبا مدققا. # لما حصلت الحركة الدينية الإصلاحية التي قام بها (لوثر وكلفن وكست) في القرن السادس ~~عشر قام إزاءها حركة أدبية أحدثها في فرنسا من الكتاب (رابليه) # Rabelais # و(منتيني) # Montaigne ~~، ~~وكما أن الحركة الأولى كانت حركة ضد الوقوف والجمود الديني وضد الخرافات والخزعبلات ~~التي كانت سائدة يومئذ من بيع عقود العفو ونحوها كذلك، كانت الحركة الثانية ترمي إلى ~~تحرير العقول والأفهام من القيود القديمة قيود العادات الدينية الصارمة التي لم يك في ~~وسع أحد مخالفتها من غير أن يعرض نفسه لأشد الخطر، ولما وافق قيام هذه الحركة انتشار ~~العلماء الذين هجروا القسطنطينية بعد سقوطها في يد الأتراك انتشرت في النفوس روح ~~الأخذ عن اليونان والرومان ما خلفوا وإظهاره وتوضيحه؛ لذلك لما هدأت الحركة التي كانت ~~تهز أوربا أيام رابليه وكلفن ظهرت الآثار والأسماء اليونانية والرومانية في روايات ~~الشعراء وأخبارهم وأخذ تاريخهم وفلسفتهم حظا كبيرا من الانتشار. # رابليه ومنتيني كاتبان مختلفان في الطينة كل الاختلاف، أولهما مضحاك عالي الصوت ترن ~~قهقهته في الفضاء ويقهقه من كل شيء، يرى الوجود والحياة والعقل والسلطة وكل ما في الكون ~~موضعا لأن يضحك منه، وإذا مثل شيئا مما في الحياة مثله غليظا قبيحا، ويكتفي ~~بذلك ليجعله مضحكا، والحقيقة أنه يضحك لأن كل شيء بلغ الغاية في الغلظة والقبح يثير ~~استهزاءنا به وضحكنا منه، أما الثاني فرجل يأخذ ms184 الحياة كما هي ويجاهد لينال خيرها ويتقي ~~شرها، وقد اتفق أن حل البلاء والطاعون ببلد كان هو رئيسا عليها، فبدل أن يظهر للناس من ~~الشهامة ما يجعلهم يحتملون مصائبهم بالصبر، كان هو أول فار من الوباء مبتعد عنه، غير ~~أن ذلك لا يمنعه أن يكون كثير الاستخفاف في كتابته. # الاستخفاف بالحياة وما فيها طبع من الطباع الفرنساوية، ومهما حار به بعض الكتاب فإنك ~~تجده ظاهرا من حين لآخر عند هذا الكاتب بشكل لا يحتمل الشك، يستخف بالحياة لأنه يرى ~~المضحك منها كثيرا أكثر مما يجده أي إنسان آخر سواه. # ظهرت الأسماء والآثار اليونانية والرومانية بشكل واضح عند أدباء القرن السابع عشر كما ~~قدمنا، وتصدوا لإحياء ذكر هذه الأمم مهد الفلسفة والشعر والفن الجميل، وأكبر من كان في ~~هذا القرن السابع عشر راسين وكورني ومليير، والأول محيي ذكر اليونان، والتالي معيد ~~تاريخ الرومان، والثالث شاعر فرنسا الضاحك، وظهر مع هؤلاء الفحول الثلاثة شاعر فرنساوي ~~آخر نظم حكايات وما شاكلها في شكل جديد، هذا الشاعر هو لافونتين، وظهر من الكتاب مدام ~~لافايت مؤلفة البرنسيس دي كليف، ولابريير صاحب «الأخلاق»، ظهر إلى جانب هؤلاء عدد كبير ~~جدا من الكتاب والشعراء ولكن هؤلاء هم أظهر أدباء عصرهم. # للقرن السابع عشر أو القرن الأعظم كما يسميه الفرنساويون ميزة على غيره من العصور، ~~تلك هي عظمته، هو عظيم في كل ما فيه، ملكته عظيمة، وملكه عظيم، وشعراؤه عظماء، وكتابه ~~كذلك، وكل ما فيه وفرنسا نفسها ... هذه الصفة أبرزها (تين) غير مرة في كتبه عن كتاب ~~يومئذ وعن تاريخ ذلك العصر، فوضع أمامنا لويس الرابع عشر ومظهره وعظمته وما كان يدور ~~في بلاطه وهيبته هو وإحساسه بتلك الهيبة ومحافظته عليها في كل وقت وفي جميع الظروف، ~~«كان يمسك عصا البلياردو كما يجب أن يمسكها لويس الرابع عشر»، وكان يسير عالي الرأس في ~~لباسه الفخيم تزينه الدنتلات من كل جانب وعلى هامته شعره المستعار يزيده فخامة وهيبة، ~~والناس من حوله متأثرون بذلك الوسط الذي يعيشون فيه، يجيء الرجل ms185 الشريف منهم فينتظر على ~~باب غرفة الملك من الصباح حتى المساء لا ضجر ولا ملال، ويفرح أكبر الفرح إن هو وصل ~~لمحادثة خادم الملك، فإذا انتهى من هذه المقابلة ذهب بعدها ليقابل مدام دمنتنون ويمر ~~بالرسميات عينها ليصل إليها ... وهذا الترتيب المراعى فيه كسوة كل شيء بثوب العظمة كان ~~يتصل إلى من حول الملك في معاملتهم لمن دونهم وللرعية بعد ذلك بما يشبهه. # هذه الميزة البارزة لهذا العصر وما كان يتبع بلاط الملك من مقتضيات الأدب والذوق ~~واللياقة، وما كان يستلزمه الوجود فيه من رشاقة العبارة ودقة اللفظ ... كل ذلك ظهر بوجه ~~عام في كتابات يومئذ حتى لابريير وموليير مع أن أحدهما نقادة مر والآخر ضحاك من كل ~~شيء، أما لافونتين فكان ذا طبع مستخف جوال يكره حياة البلاط وكل حياة مرتبة، كما أنه ~~عالي الأصل فهو لا يهتم بشيء؛ لذلك لم يكن يأنف أن يدخل في شعره عبارات كانت تمجها ~~الأذن في تلك الأيام. # لكن أظهر من ظهرت آثار العصر في كتاباتهما وأخذتهما إليها واستحوذت على نفوسهما ~~وجعلتهما يراعيان في الشعر ما كانا يراعيان أمام الملك، هذين هما راسين وكورني، فكلاهما ~~مهوب في شعره جد في القول لا يبتسم إلا نادرا، وإذا أراد أن يضحك ضحك عاليا، وما أندر ~~ذلك إذ ما أقل ما كتبه من الهزليات، وهذه ليست أحسن ما عملوا، وقد تصديا كما قدمنا ~~لإحياء ذكر اليونان والرومان، لكنهما بالرغم من هذا القصد عندهما لم يكونا ليرجعا إلى ~~هذه العصور السالفة فيحللان النفس اليونانية أو النفس الرومانية ويظهرانها أمامنا، بل ~~كانا إنما يستعيران الأسماء والحوادث اليونانية أو الرومانية، ثم يكسوان ذلك من ~~شخصيتهما؛ فإن أندروماك وهوراس والسيد وكل ما في هاته الروايات من الأشخاص لا يحيي ~~أمامنا نفسا رومانية واحدة، كلا بل ولا نفسا معينة ولكنه يظهر الأفكار التي كانت تجول ~~برأس راسين أو كورني، والعواطف التي كانت تهز قلب أيهما، وموجات الإحساس التي كانت تمر ~~بخيال الواحد أو الآخر منهما؛ لذلك نقول إنهما لم يظهرا على ms186 المرسح شخصا واحدا أيا ~~كان معين الصفات، محدد تموجات النفس يقول ما يدفعه إليه مركزه وعواطفه، بل أظهرا ~~أصواتا تنادي بما كان يجول بصدر هذين الشاعرين العظيمين. # حين نقرأ شكسبير نرى أمامنا أشخاصا ذوي حياة يسيرون يروحون ويجيئون، ويتكلم كل كما ~~يتكلم في الحياة، ذلك أيضا ما نجده في موليير، وهو كذلك إحدى الصفات المميزة ~~للافونتين، ولكنك لا تجده مطلقا في أشخاص راسين وكورني، وإنما تلمح أفكارا أو عواطف ~~تمشي على المرسح وكلها المنطق الدقيق التحليل النفساني الذي لا يمكن وجوده في الحياة ~~وإنما يوجد في رأس المفكر أو الشاعر ساعة يجلس في غرفته مسندا جبهته بيده مستعدا ~~للكتابة. # ولكنهم جاءوا بهذه الأفكار والعواطف في لغة وقالب من أجمل ما يكون؛ لذلك فما كتبوا ~~خالد يقرأه ابن اليوم ويقرأه أبناء المستقبل بنفس اللذة التي كان يقرأه ويسمعه بها أهل ~~القرن السابع عشر وما بعده، لغة جمعت مع السهولة موسيقى شعرية تصل إلى النفس وتأخذ ~~بالقلب وتهز الجوانح، تقرأها فتسحرك عن نفسك وتبقى مأخوذا بها كما يأخذك إليها فلسفة ~~أفلاطون أو نقوش رفائيل. # هذه اللغة البديعة يحس الإنسان فيها بعظمة العصر كله وتترك في الذهن هذا الأثر الباقي ~~الذي يخلده في نفوسنا منظر وحيد الجمال، ومهما اعتبر الإنسان أفكار كتابها وبأي عين نظر ~~لها؛ فإنه لا يستطيع دون الاعتراف بأنها لبست أحلى الكلمات وأغناها، لا تجد لفظا ~~معقدا ولا لفظا مبتذلا، وتراكيب منسجمة تسري إلى الفؤاد وتسبق إلى الذهن وتسيل في ~~أجزاء النفس. # اقرأ أندوماك، اقرأ برنيس، اقرأ هوراس، اقرأ ما شئت من هذه الكتب (الكلاسيك) آيات ~~الجمال في الكتابة وأنا الضمين أنك ستخرج منها بهذا الإحساس الذي قدمت لك. # يختلف راسين عن كورني في طريقة كتابته، فأولهما إنسان دقيق الإحساس ضعيف القلب يعجز ~~أمام العواطف القوية فلا يستطيع مصادمتها ولا مقاومتها، بل هي تحتله وتسلبه إرادته ~~وتتصرف فيه بما تشاء وتدفعه إلى أقصى درجات الجنون واليأس، وتصل به أغلب الأحيان إلى ~~الموت، هذه هي صفته الظاهرة في كتاباته، كلما وضع ms187 القلب في كفة والعقل في أخرى رجحت كفة ~~القلب وغلبت الثانية بشكل عجيب. # أما الثاني فهو رجل الواجب، ومهما كانت العواطف تهيج صدور أبطاله فإنهم دائما يخمدون ~~نارها ويتغلبون عليها ويعملون الواجب الذي يعمله شخص لا حرب في نفسه بين الإحساس ~~والواجب. # يختلف عن هذين الشاعرين الخياليين الروائي الهزلي موليير؛ فإنه يضع في رواياته ~~أشخاصا مما نرى في الحياة إلى حد كبير وإن كان يبالغ في تصويرهم، وتراه دائما يعارض ~~شخصا بآخر وعاطفة بأخرى في شخصين مختلفين، ولا ينسى الحياة وما فيها من صغائر الأمور، ~~ويذكر ذلك كله بلغة سهلة ضاحكة جميلة أجذب ما يكون للنفس، وهو في ذلك أعرق في فرنساويته ~~أو بالأحرى في باريسيته من كل شاعر آخر من شعراء عصره يستخف بالحياة ويتلاعب في ~~روايته بأبطاله ويضحك معهم ومنهم، ويظهر لنا من وقت لآخر بواطن أنفسهم، ويأتي وسط ذلك ~~كله بعض الأحيان بحكمة خالدة باقية على الدهر بقاء الدهر، ورواية (الميزانترب # Le Misanthrope # أو الطيرة) من أبدع رواياته، لكنه ~~كان يصل أحيانا بالهزل والضحك إلى حد من المبالغة يكاد يكون سخيفا، فلقد مثل لنا في ~~رواية (بورجوا جنتيم) # Le Bourgeois Gentilhomme # قنصل ~~تركيا تمثيلا وصل في الإفراط إلى حد الفظاعة، وليس من شخص يرى الفصل الأخير من هذه ~~الرواية وما حواه من السخافات إلا ويضحك ساخرا منه، وإذا كان يعتذر عنه أحيانا بأنه ~~إنما فعل ذلك لغرض فليس العذر إلا بأقبح من الذنب، وهذه المبالغة نفسها في التمثيل لا ~~تدعو للطمأنينة للمؤلف. # ولو لم يكن هذا العيب عند موليير لكان الشاعر المجلي بين شعراء فرنسا أجمع، بل وربما ~~كان من أشعر شعراء العالم، وإن له أغلب الأحيان لدقة في ملاحظة الناس والأشياء حتى ~~ليكاد يخترق بواطن ما تخفي نفوسهم ليظهره لنا على الورق، ثم هو يضحك مما يرى لأنه لا ~~يرى في العالم شيئا يستحق الإعجاب به أو التعصب له، أو بكلمة أخرى إن هذه الحياة التي ~~يهتم الناس بها ويعنون بها إنما هي مجموعة سخرية من ms188 كل إنسان بالآخرين يأتيها أحيانا ~~من غير إحساس منه بها ويستحق من أجل ذلك أن يسخر منه. # إلى جانب مليير يجيء لافنتين، وإلى جانبهما يجيء الكاتب الثائر لابريير، ولكن هذين لم ~~يكونوا في مركز الأولين الذين كانوا من حاشية الملك المقربين، ولا بريير أعرق في البعد ~~عن البلاط من صاحبه ولكنه لاحظ كل ما يدور ويجري فيه، ولقد رأى صغار نفس هؤلاء المدعين ~~العظمة المرتدين بلباس الشرف الذين يهفون ويرفون بدنتلاتهم تيها ودلا وهم مع ذلك ~~المنافقون معدن الصغر والخسة، وبلغ به الاعتقاد بخستهم وعلو نفسه عليهم حتى انقلب ذلك ~~إلى المضاضة المرة؛ لذلك كان كتابه (الأخلاق) مجموعة ملاحظات صادرة من قلم كاتب شديد ~~القسوة صعب اللسان عظيم الاحتقار للناس، بل ربما بلغ به ذلك أحيانا إلى الحسد، ~~والحقيقة أن هذه بذرة ثورة يبذرها هذا الكاتب الذي عاش في عصر الملكية وهي في عنفوان ~~قوتها وعظمتها يريد أن يظهر للناس أن هناك شيئا آخر حقيق بالاحترام غير شرف المولد ~~وكثرة المال، هناك العظمة النفسية والقوة العقلية، بل هذه أرقى مقاما من الأولى، وهذه ~~شخصية لصاحبها في حين الأخرى غير متعلقة به ولا فضل له في كسبها. # ولقد ابتدأت هذه الفكرة تظهر واضحة قوية عند كتاب القرن الثامن عشر، وأصبح رجاله ~~يقولونها ناصعة لا تحتاج شكا ولا تأويلا، ويكادون جميعا على كثرتهم يضربون على هذه ~~النغمة التي دخلت في الذوق العام يومئذ، وأصبح يتمدح بها في صالونات الإشراف والأمراء، ~~كذلك انتقل إلى هذا العصر مما قبله عادة الصالونات تقليدا لصالون الملك، فكل سيدة ~~شريفة تجاهد لتجمع حولها نخبة من الأدباء والفلاسفة ذوي الفضل والشعراء والعلماء؛ لتكون ~~في ذلك كمدام دمانتنون في القرن السابع عشر، ومن شأن هذا الاحتكاك أن يزيد الفكر الثائر ~~ثورة وأن يدعو أشد الناس هدوءا للتفكير والنظر؛ لهذا سرت في البلد حركة عنيفة هزتها ~~قامت على أقلام الكتاب وألسنة المتكلمين، وزاد عدد هؤلاء ودخل من بينهم جمع كبير من ~~النساء الكاتبات وصرن يعددن في ميدان الأدب مئات كثيرة. ms189 # أظهر كتاب هذا العصر والمبرزين منهم ثلاثة، فولتير وروسو ومونتسكيو، وهم جميعا ~~يتحدون في اعتبار أيامهم أيام ضعة وفوضى ولكنهم يختلفون اختلافا كليا في طريق ~~تفسير ذلك، ولا بدع في اختلافهم؛ فإن هذا الهياج الفكري العام الذي كان موجودا يومئذ ~~كان من شأنه أن يخرج رؤوسا تختلف اختلافا كليا في طريق البحث والنظر، كما أن طبائع ~~الكتاب الثلاث الشخصية وأخلاقهم تختلف، وكذلك حالهم ومولدهم والوسط الذي عاشوا فيه، ~~فأحدهم باريسي خفيف الروح ميال لأن يسخر من كل شيء، وثانيهم سويسري الأصل وضيعه عاش في ~~شبه التشرد طول شبيبته ولكنه رأى الترف والرفاه الذي يعيش فيه الأغنياء فحمله ذلك على ~~النفرة منهم، والثالث يمت بنسبه إلى الإشراف ورجال الحكومة فهو دائم الفكر في أمور ~~الحكومة. # هذه الحركة الشديدة التي يتصف بها هذا العصر من عصور تاريخ فرنسا تجعلنا غير قادرين ~~على أن نحكم عليه حكما عاما مثل حكمنا على القرن السابع عشر؛ فإنا نرى أنفسنا أمام ~~أدب يتشعب إلى نواح شتى وأفكار تختلف اختلافا ظاهرا وعواطف غريبة متضاربة تجمع بين ~~حب العظمة الملوكية والميل إلى الحرية والديمقراطية، وفي صالونات السيدات العظيمات ~~يجتمع أقوام من أطراف متنائية في المولد، يجتمع أشراف أبناء أشراف ومعهم روسو ومن هم في ~~طبقة ميلاد توازي طبقته، ويجلس الجميع وبينهم شبه مساواة تمكنهم من التفاهم والتعارف، ~~لكن ذلك لم يمنع بعض الأشراف من الاعتصام بحصونهم والبقاء فيها والبعد عن العاصمة وعن ~~الحركة الأدبية والبقاء على العقائد القديمة والاستمساك بعوائد عائلاتهم والإيمان ~~بالفرق الذي بينهم وبين باقي الخليقة. # في هذا العصر، عصر الصالونات، حيث كان يجتمع الرجال المعروفون والسيدات النبيلات ظهرت ~~العواطف في شكل جديد، فأصبحت في أحيان كثيرة مجرد لذة يتذوقها الرجل أو المرأة فإذا ~~سئمها تركها حتى إذا شاقته عاد لها وإن هو وجد شيئا ألذ انتقل إليه؛ لهذا كنت ترى لكل ~~رجل عددا من المعجبات به المحبات له ولكل جميلة ذيلا من المملقين المحبين، أما هذه ~~العاطفة القوية المتينة التي تأخذ بالقلب والنفس وتستولي على ms190 الوجدان وتصرف على ما تشاء ~~الحياة، هذا الحب الذي ينسينا وجودنا وأحزاننا ومخاوفنا ويجعلنا نفنى في ذكر المحبوب ~~ونهيم به ولا نعرف سواه، ونهزأ بالحياة إذا فقدناه، فلم يك موجودا في الأخلاق يومئذ ~~ولا في العقائد، لذلك خلت كتب الأدب منه إلى حد كبير وصار لا يجول إلا بخيال نفر لا ~~يعدون. # أشد الكتاب الثلاثة الذين أخذناهم عنوانا للعصر والمبرزين فيه، أشدهم ميلا للعواطف ~~وتقديسا للإحساس وإعلاء لشأنه إلى حد أن يعده المصرف لنا في الحياة هو جان جاك روسو، ~~وهو مع ذلك أكثرهم ميلا مع الأهواء وتقلبا أمام رياح الحب وانتقالا للمحبوبات ~~الجديدات، ولو شئنا أن نذكر جميع من أحبهم وتعلق بهم ولزمهم لذكرنا كثيرات، فمنهن ~~مدام دفارنس ومدام دبناي وماداموازيل جرنفريد وغير أولئك ممن ورد ذكرهن في اعترافاته، ~~وفي كل مرة كان يظهر نفسه الوامق المأخوذ التائه الرشد من شدة الحب، وفي كل مرة ينعقد ~~لسانه ويعتريه الحصر أمام محبوبه فلا يقدر من عظيم ما به أن يبوح بمكنون صدره، ثم إذا ~~هو بعد ذلك انتقل أن رأى سيدة أخرى أعجبته فمثل معها الدور عينه، هذا مع الاعتراف له ~~بأنه كان أيام شبابه كلما أضناه التنقل رجع إلى دفارانس أول محبوباته وأسهلهن فقضى ~~معها أياما يتمتع بمالها وبها بقدر ما يسمح له طبعه الحي وعلته الملازمة. فإذا شبع ~~منها انتقل لباريس يبحث عن محبوبة أخرى. # وإنما نفسر هذا الطبع عند جان جاك بالنشأة التي نشأها وبما عنده من الخيال المتسع إلى ~~حد الجنون وبميله إلى الترحل والبداوة. # ولد جان جاك من أب ساعاتي، وماتت أمه ساعة منحته الحياة فنشأ يتيما، وكان له أخ لم ~~يكد يبلغ سن الإدراك حتى فارق أهله وبلده ولم يسمع به أحد بعد، وعني بروسو عم له، فلما ~~بلغ الصغير سن التعليم أراد وصيه أن يلقنه صنعة وأودعه عند نجار فأبت عليه نفسه أن ~~يتعلم وجاءت حوادث فارق من أجلها بيت معلمه وهام على وجهه، ثم ألقى عصاه بعد ذلك عند ~~عجوز عرفه بمدام ms191 دفارنس فعنيت هذه به وردته عن كاثوليكيته إلى البروتستانتية، وتركها ~~بعد ذلك تدفعه نفسه الرحالة إلى أن يضرب في الأرض فاشتغل خادما على مائدة بعض الإشراف، ~~ثم طرد فالتجأ إلى دير ولم يبق به إلا قليلا حتى أراد أرباب الدير به السوء وأراد ~~أحدهم ارتكاب المنكر معه، هنالك فر الشاب هاربا وجعل يتعيش من بعض حرف يدوية فكان ~~ينقل كتب الموسيقى بأجر زهيد ويشغل وقته بقراءات شتى، ولقد كان ولوعا من أول أيامه ~~بالقراءة، فلما أينع ذلك وظهر عنده أثره ابتدأ يكتب فأظهر أول الأمر أقاصيص لم تحز ~~رواجا، ثم حماه جماعة من السيدات الأشراف واهتموا له وبذلك ظهر فضله، وكتب بعد أن استقر ~~به الأمر كتابه في التربية (اميل) وأراد نشره فصودر طبعه في هولاندة، فأمرته السلطة ~~بالخروج من فرنسا، ثم كتب النوفل هلويز، وانقطع في أخريات أيامه بعد أن قضى شبيبة ~~مضطربة وتزوج بابنة غسالة شنعاء، وكتب اعترافاته ثم «أحلام المتنزه المنفرد» التي نشرت ~~بعد وفاته، وفي هذه الاعترافات والأحلام يرى الإنسان علائم الجنون بادية ظاهرة حيث يرى ~~روسو شديد الاعتقاد أن الناس يريدون الفتك به وأنهم جميعا يطلبون هلاكه لأنهم يحسدونه ~~ويكرهونه، وأول كلمة في الأحلام «ها أنا وحيد في العالم هجرني الناس». # وألف غير الكتب المتقدمة كتاب «العقد الاجتماعي»، وقد كون فكرة هذا الكتاب عنده وجوده ~~قنصلا لفرنسا بالبندقية، كذلك كتب خطابه لدالمبرت عن الفنون، وكتب كثيرا سوى هذا ~~مما هو أقل منه تداولا وقيمة. # ولقد وضع في اعترافاته تاريخا مطولا لحياته كما قوى بها أساس (الرومانتيسم) فنقل ~~الأدب بذلك خطوة إلى الأمام، وجعل الكتاب يرجعون عن مجرد قص الحوادث إلى التحليل ~~النفساني لإبطالهم تحليلا مأخوذا من الواقع بوصف حالاتهم وعواطفهم وما يحيط بهم، كما ~~أنه في «أميله» وضع مذهب الحرية المطلقة في التربية فقرر وجوب جعل الطفل معلم نفسه إلى ~~أقصى الحدود، أما عقده الاجتماعي فمع أنه أقصد في الأدب من الاعترافات ومن الأميل فقد ~~حاز شهرة أكثر منهما، ومبناه أن الناس أول ما ألفوا ms192 الجمعية تعاقدوا على ذلك، وقد ~~أظهر النقاد فساد هذه الفكرة وخطأها، أما النوفل هلويز فهي الرواية التي ظهر فيها ~~رومانتيسم جان جاك في أجلى مظاهره، رواية عواطف وإحساسات وهي كذلك مملوءة بالأفكار ~~والآراء. # والفكرة الأصيلة في أفكار روسو هي أن الرجل طيب في أصله، وأنها المدنية هي التي أفسدت ~~حاله وغيرت طيبة طبعه، لذلك كان دائم الدعوة للرجوع إلى ما يسميه «الحالة الطبيعية» ~~شديد الانتقاد لكل ما يعده من مبتدعات المدنية، وربما كانت هذه الفكرة هي التي ساقته ~~إلى الانتقاد المر للفنون الجميلة واعتبارها مفاسد للأخلاق وإن كان رأيه في ذلك جاء ~~سابقا إلى تقريره حسن «الحالة الطبيعية» بزمان. # ومع دعوته للرجوع إلى الحالة الطبيعية دعا كذلك للمساواة بين الناس وطلبها، ولا شك في ~~أن الأسباب التي حملت لابريير في «الأخلاق» على انتقاد الأشراف كانت أقوى عند روسو ~~وأدعى لتحمله على الثورة ضد كل شرف نسبي. # هذه أفكار روسو التي سادت زمنا غير قليل والتي بنيت عليها مبادئ شتى، ثم التي ابتدأت ~~تتقهقر بظهور النقد العلمي والنهضة الحاضرة. # ولقد كان روسو متحمسا لها إلى حد مدهش، كان يناصرها كما يناصر نبي رسالته، ويتحمل من ~~أجلها الضرر والهول، ويقاسي النفي والفقر، ويصيبه الويل من كل جانب، وهو مع ذلك لا يفتأ ~~ينادي بها، كان من هؤلاء الذين تستولي عليهم الفكرة فتأخذهم عن نفسهم وتحقر الحياة أمام ~~عيونهم وتجعلهم يعيشون لها ولإبدائها ولنصرتها، وهؤلاء يبقى ذكرهم في العالم عظيما ~~لأنهم عاشوا للعالم لا لأنفسهم؛ لذلك كان روسو يستحق الإعجاب. # أعرق في الفرنساوية وأرق وأدق من روسو وأكثر كتابة وأرقى في أيام حياته مقاما كان ~~فولتير، فقد ولد في باريس بالذات من عائلة باريسية قديمة سنة 1694 وأعده والده لأعمال ~~الكسب في الحياة فأبت عليه نفسه ذلك وأراد من أول أيامه أن يكون بين الأدباء، ولست في ~~حاجة لأعرف فولتير فكل من يعرف أقل طرف من الأدب الفرنسي يعرف اسمه، ولكني أنقل هنا ~~حكم (برنتير) عليه حكما صادرا من رجل من كبار نقاد ms193 الأدب والذين درسوا تاريخه قال: ~~«ليس بين رجال الأدب الفرنسي إلا ثلاثة أسماء أو أربعة أكثر عظمة من فولتير، وإذا كانت ~~ثمت من هم أشرف منه وأكثر بحق احتراما فلا أجد أعرق منه فرنسية، ويعكس لنا صورة ~~صادقة من أنفسنا ولا أحد أظهر منه في أوربا بل أقول في العالم أجمع». # هذا هو حكم عالم أديب على فولتير، وربما لم أكن في حاجة لنقله فلا أحد يشك في عظمة ~~هذا الكاتب الشاعر الفيلسوف الذي أخذ بيده رئاسة رجال الأدب والعلم في عصره، وكتب في كل ~~المواضيع بنفس دقيقة لطيفة وذكاء نادر وسعة اطلاع مدهشة، ولقد كان ولوعا بالعظمة ~~متطلعا إليها يعمل كل ما استطاع للوصول إلى غايته ولا يقف شيء أو اعتقاد في سبيله، ~~وسافر وصحب كثيرا من الأشراف وذوي الإمارة، وكان صديقا للمعجب به أمير بروسيا ~~الفيلسوف فرنند الثاني. # فولتير أحد الذين لقبوا من بين أدباء العالم «بملك الضحك»؛ ذلك أنه لم يترك شيئا إلا ~~وتهكم به وأظهره في أشد أشكاله سماجة وقلب كل ما يثير عاطفة الأسف أو الحنان أو العطف ~~عليه لشهوة الضحك منه والسخرية به؛ فالمذاهب والآراء والأديان والآلهة كلها لم تسلم من ~~قلمه المر الساخر، قال مجيبا للدعاة إلى «الحالة الطبيعية» المنادين بعظيم ما فيها من ~~جمال وسعادة: «ربما كانت أكبر أمنية هؤلاء أن يكونوا على أربع» ورد عليهم بقصته المسماة ~~«كانديد أو الساذج # Candide ~~» فلم يترك سخرية إلا نالهم ~~بها، من ذلك يحكم القارئ على ما كان بينه وبين روسو من العلاقات. # وهو من ملوك الكتابة كما أنه من ملوك الضحك، قلمه سيال لطيف عذب وتصويره حلو وروحه ~~خفيفة، كتابته دائمة الابتسام لا تقطب حاجبيها ولا تصيح ولا تغضب، تحس وأنت تقرأه ~~بابتسامة دائمة تطوق ثغرك حتى وأنت تقرأ قصص أشد الحوادث إثارة للألم، ولا تغضب أنت منه ~~مهما كان كلامه يناقض اعتقادك، بل تكون أمامه كمتدين أمام مجوسية بارعة مهما حوى قلبها ~~من العقائد لا يفتأ ينظر إليها ويستعيد نظرها ويود لو تكلمه، ms194 فإذا كلمته لم يفارقها وإن ~~لم يعتنق عقيدتها. # هذا هو الأثر الذي يجده قارئ فولتير، وهو لا يخرج منه بمذهب جديد ولا بعقيدة معينة، ~~كما أنه هو لا يدعو القارئ لمذهب ولا لعقيدة، ليس كروسو الذي يحسب ما يقول الحق من عند ~~الله بل هو كرابليه ولافونتين يأخذ الحياة ضاحكا منها لاهيا بها عاملا ليكسب من ~~وجوده فيها قدر ما تستطيع هي أن تعطيه. # ثالث كتاب هذا العصر هو مونتسكيو، وهو أقل كتابة من سابقيه بكثير وأشهر ما كتب ~~«الخطابات الفارسية # Les letters persannes ~~» ~~«وكتاب روح الشرائع # L’esprit des lois ~~»، والكتاب ~~الأول نقد للعادات والأخلاق الفرنساوية جاء به على لسان الفرس حتى لا يمسك ذلك عليه ~~أحد. # هؤلاء الكتاب جميعا ساعدوا الظروف الاجتماعية والسياسية التي كانت موجودة تهز جوف ~~فرنسا يومئذ، وكانوا معها من العوامل التي جاءت على إثرها الثورة الفرنساوية، ولقد كان ~~كتاب العقد الاجتماعي لروسو قرآن هذه الثورة يعرفه الناس جميعا ويطالبون بحكومة على ~~المثال الذي يريد، كذلك كان كتاب روح الشرائع من الكتب التي لقيت حظا، ونسج على منوال ~~هذه الكتب غير قليل من الكتاب، وشاع في الأدب هذا النوع من الكتابة الذي أبدعه قلم ~~روسو، وظهر في القرن التاسع عشر جماعة كثيرون نشأوا على منواله، وأهم هؤلاء شاتوبريان # Chateubriand ~~، فلقد كان ذلك الكاتب الشعري ~~المتحمس المملوء بالخيال على مثال جان جاك، وأظهر كتبا نسج أسلوبها على منوال جان جاك ~~وإن كانت آثار العصبية أشد وضوحا فيها لأن كاتبها كان أكثر تعسا، كان من أصل شريف ثم ~~قذفت به الأنواء فرمته في أمريكا حتى إذا عاد بعد أن قاسى أهوالا عاد بمخيلة قوية ~~وأظهر كل ما رأى بقلم ترعشه أعصاب الكاتب المتوترة، وأخيرا كتب «مذكرات إلى ما بعد ~~القبر» قص فيها تاريخ أيامه وحكى حكم نابليون ووضع الإمبراطور الكبير موضع ~~النقد. # ولقد كان شاتوبريان أشبه في حملته وكبريائه بروسو منه بأي شخص آخر، فكما كان روسو ~~يقول «إني أحسن الناس» كذلك كان شاتوبريان لا يفتأ يضع نفسه ms195 في كفة تقابل الكفة التي ~~يضع فيها نابليون. # في هذا القرن التاسع عشر ظهر شعراء فحول بزوا من قبلهم ومهدوا الطريق لنوع من ~~الشعر جديد، أولئك هم لامرتين وفكتور هوجو والفرد دموسيه، وكلهم حقا فريد لا يشق لهم ~~غبار، جاءوا بالخيالات القدسية العالية فوضعها في أجمل لباس من اللفظ وأرقه ~~وأقواه. # ولكنهم يختلفون جميعا في النزعة والخيال الشعري، فبينا لامارتين شاعرا لطبيعة يتسمع ~~على أصواتها ويجد في هزيم العواصف وحفيف الريح وفي الموج والجبال وصفحة الماء النقية ~~وفي القمم العالية وقيعان البحور العميقة وفي الغدران والبحيرات والأشجار والزهر ~~والسماء والأرض، بينما هو يجد في كل ذلك جمالا يثير من نفسه ويهيج عواطفه ويبعث إليه ~~أعذب الشعر، إذا دي موسيه في تعشقه وغزله تتغلب العواطف على أوتار قلبه فترسل إلينا ~~منها رنينا لذيذا يخالطه اليأس والألم، وإذا هو يناجي الليالي في وحدتها فتجيبه ~~أصداؤها بكلمات وآيات، ثم إذا هوجو العالي الصوت القوي الفؤاد رافعا عقيرته يتغنى ~~مرة فيطرب الخليقة ويأسى أخرى فيستبكيها ثم إذا هو أخذته رعشة غريبة فطار في الجو وملأه ~~بندائه ناصرا الحرية طاعنا على الاستبداد ومستثيرا من كل الناس إعجابهم ~~وتصفيقهم. # هؤلاء هم الشعراء المعروفون في القرن التاسع عشر، أما الكتاب فكثيرون وأظهروا مبادئ ~~في الكتابة جديدة انفصلوا بها عن روسو وعن الرومانتيسم الذي بقي معشوقا في ~~ألمانيا. # من أكبر هؤلاء الكتاب جوستاف فلوبير وأميل زولا وأناتل فرانس وبيير لوتي وبول بورجيه ~~وكل أولئك قصصيون، ورنان وتين وفاجيه ولمتر وهؤلاء نقاد مؤرخون، أما الفلاسفة فقد ~~انفصلوا مدرسة وحدهم وأكبرهم في العصر الحاضر ريبو وبرجسون ودركيم. # نترك جماعة الفلاسفة فليس هذا موضع الكلام عنهم، كما أنا نأخذ من النقاد والمؤرخين ~~الجانب الذي يمس الأدب عن قرب، ونذكر كلمة عن كل من الآخرين بقدر ما يسمح به ~~المقام. # قلنا إن كتاب النصف الثاني من القرن التاسع عشر أظهروا مبادئ أو بالأحرى مبدأ ~~جديدا في الكتابة، ذلك هو الناتوراليسم # Naturalisme # وهو يقصد وصف الحياة كما هي من غير تحسين ولا تجميل، ms196 وذكر كل ما يقع فيها كما يقع من ~~غير أن يكون للكاتب شخصية ظاهرة أبدا ومن غير إهمال شيء دق أو جل مما يحصل في ~~الظروف وفي الأشخاص الذين يرسم الكاتب بقلمه، وكان أشد أنصار هذا المبدأ جوستاف فلوبير ~~وأميل زولا، والرواية التي وضعها فلوبير تحقيقا لهذا المبدأ - مادام بوفاري - آية من ~~آيات الأدب الفرنسوي، يحس الإنسان حين يقرأها أنه يسير بين الناس ويرى باطن نفس أشخاص ~~الرواية منشورا أمامه ظاهرا ما يحويه عن خير وشر، وأحسن ما قيل في وصف مادام بوفاري ~~أن كل قارئة تقرأها تحس بنفسها بطلة الرواية وكل قارئ فيها الحياة كما هي، هذا فوق أن ~~قلمها من أبدع وأدق ما يكون، نقول أدق ولسنا مغالين؛ فلقد كان فولبير يمضي ساعات يبحث عن ~~الكلمة المضبوطة التي يضعها صفة لشخص أو لحادثة معينة لتطابق الواقع كل المطابقة ... وكان ~~يتفق له أن يبقى أياما كاملة قبل أن يجد هذه الكلمة. # وأحب ما في فلوبير تشيعه إلى أقصى درجات التعصب للفن ~~(l’art) # فقد كان يعد كل ما سواه وكل ما في الحياة العملية سافلا ~~خسيسا، وأخذ عليه ذلك ناقد معاصر هو المسيو هنري لوجل حين تساءل عن أفضلية الرجل الذي ~~يكسر رأس نفسه وراء صفة من الصفات على ذلك العامل في مكتبه يقضي وقته في العمل النافع ~~المفيد، ولا شك أن كليهما متطرف ولكن فلوبير أقرب إلى الحق، ويعجبني حكم أناتل فرانس ~~فيما بينهما حيث قال: «ولا شك أن الرجل الذي يقضي حياته لمصلحة الجميع يفضل ذلك الأناني ~~الذي لا يفكر إلا في نفسه». # أما زولا # Emile Zola # وقد كان (ناتورالست) متطرفا ~~وإلى الجهة السوداء، وقسم كبير مما كتب يتعلق بعائلة من عمال المناجم، ولقد وصف هذه ~~الحياة وما فيها بصراحة تبلغ أحيانا الخروج على معتاد الأدب، فهو لا يعبأ بذكر ما يقع ~~بين الرجل والمرأة بأوضح ألفاظه، ولا يخجل أن يصف أي جزء من أجزاء الجسم، لكنه مع ذلك ~~عظيم المقدرة إلى حد غريب، إذا وصف خيل لك ms197 أن الموصوف موجود أمامك تنظره بعينك وتلمسه ~~بيدك. # ربما كان من مستلزمات ذكر فلوبير وزولا أن نذكر جي دموباسان وهو تلميذ فلوبير المفضل، ~~وأحد الكتاب الذين كانوا يأخذون الحياة كما هي، لا يجاهدون أن يجدوا فيها جمالا ساحرا ~~يأخذ باللب، كما أنه في بعض الأحيان يظهرها لنا لذيذة براقة أشد ما يكون استيلاء على ~~النفس، لكنه كان مع ذلك دائم الميل إلى الحزن والشجن، ورواية «حياة» # Une vie # من أدل ما يكون على إحساسه، هو يرى الألم ~~والمصيبة آخر كل شيء، ومهما كان لنا على الأيام من ساعات السعادة فغايتنا أبدا الحزن ~~الأليم. # لكن ميزة دموباسان هي حكاياته القصيرة، فلقد كتب من ذلك عددا كبيرا ضمنه أوصافا ~~وآراء وأخلاقا شتى، وهو يمتاز في كل ما كتب بسهولة الأسلوب واللفظ بحيث تسري معه ~~مأخوذا بطلاوته غير شاعر بضجر ولا بملال، لكنه بعيد عن أن يدخل من جهة المعنى إلى باب ~~العويص من الأفكار، بعيد عن ذلك لسبب أو لغير سبب، فربما كان الدافع له إلى ذلك إحساسه ~~بالفناء الذي ينتظر كل موجود فهو لا يرى في العالم ما يستحق الفكر أو ربما كان بعيدا ~~بقواه وطبعه عن عويص الأفكار والمسائل. # من اللفظيين الوصافين المبدعين من كتاب العصر الحاضر كذلك بيير لوتي Pierre Loti ~~، هذا الكاتب لا يعنى بفكرة عميقة ولا ~~يهتم بالتقليب في نفس الإنسان ولكنه يجول في نفسه أفكار شعرية هائمة لا قرار لها أهمها ~~إحساسه بالعدم المطلق الذي ينتظر كل شيء وهذا العدم يرعبه ويخيفه؛ لذلك فهو يريد أن ~~يأخذ من الحياة كل ما يمكن من اللذائذ والمسرات، وينال منها كل متاع تصل إليه يده، يمتع ~~عينه بمناظرها وأذنه بأصواتها وحواسه أجمع وشهواته بكل ما يقع في قبضته، ورواياته ~~مجموعة إحساسات شخصية له وأكثرها غريبة عن فرنسا يصف فيها البلاد والأراضي والبحار التي ~~جاب وقطع في أسفاره مما ساعدته عليه وظيفته كضابط في البحرية الفرنساوية. # وهو أميل ما يكون للشرق، ويظهر أن سبب هذا الميل عنده حبه للشرقيات واعتباره ms198 لهن ~~موضعا للمتاع، ويصل الإنسان معهن للذة لا يحلم بها مع غربية أيا تكون، وكتاباه عن ~~تركيا «أزيادي # Aziyadé # والدزانشانتيه # Les Desenchantés ~~» مملؤان باعتبارت شهوية بحتة ~~وبالأخص أولهما؛ فإنك ترى فيه هذه الأزيادي وهي الفتاة التركية في خيال لوتي مرة في ~~قميص نومها لابسة شبشب البيت وتظهر من تحت القميص وفوق الشبشب ساقها الممتلئتين، وأخرى ~~أقل من ذلك لباسا وهي تميل على لوتي بفن ودل ودلع وثالثة ... كذلك رواية «زواج لوتي» حيث ~~يصف نساء تاهيتي وعوائد أهلها، وكذلك القسم الأكبر من رواياته. # لكن له أيضا «رامنتشو وصياد أسلانده» وفيهما يظهر رجل عواطف وإحساسات وإن كانت صفته ~~الغالبة في هذين الكتابين كصفته في غيرهما هي وصف كل ما تقع عينه عليه وصفا مسهبا ~~جميلا يبعث إلى الذهن خيالا لطيفا غير محدود مما يصفه. # ولقد ساقه خوف العدم والمتاع بكل ما على الأرض واستباحة كل شيء إلى نفي الدين والإله ~~والأخلاق، واعتبار ذلك كله أكاذيب وحديث خرافة لا صحة له ولا فائدة، ونصحه بوجوب الأخذ ~~من هذه الحياة الفارة منا أحلى ما فيها. # على النقيض من لوتي وموباسان وجماعة اللفظيين يجيء بول بورجيه Paul Bourget # فهو قبل كل شيء كاتب تحليلي يمسك بطل روايته ويفتش في ~~زوايا نفسه ويرسم أمامنا ما يدور بها من الأفكار والأحلام والأوهام، ولا ينسى أن يوقفنا ~~على الوسط الذي يعيش فيه البطل والأسباب الاجتماعية والوراثية التي أنتجت هذه الأفكار ~~والأحلام عنده، والنتائج التي ساقته إليها أفكاره وأحلامه، ثم يتركها أخيرا وقد بين ~~لنا أن هذه الحال الفكرية الحاضرة في فرنسا حال سيئة لأن نتيجتها عقيمة وتدفع إلى شقاء ~~الأفراد وتعسهم وأن الخير كل الخير في الرجوع إلى الماضي والتأسي به والأخذ عنه، فهو في ~~ذلك ما يسميه الفرنساويون # Traditionaliste ~~. # وأهم ما كتب تعزيزا لمبدأه روايتان: (الدسيل أو التابعي # Le ~~Docile # والأتاب أو الخطوة # L’Etape # وأول الروايتين فلسفية دقيقة في التحليل وصف في أولها حياة فيلسوف هو (أدرين سكست) ~~وطريقه في البحث والفكر، ثم مذكرة من أحد أتباعه ms199 إليه وهو في السجن متهم بقتل فتاة ~~بالسم، وفي هذه المذكرة أو الاعتراف كما سماه المؤلف قص الشاب تاريخ حياته والوسط ~~الذي عاش فيه ومطالعاته وتشيعه لفلسفة سكست، ثم تجريبه وتطبيق ما جاء فيها في الحياة ~~العملية، فوصل بذلك أن أوقع في شباك حبه ابنة سيد شريف كان هو مربيا لوالده، وبلغ الحب ~~من قلب الفتاة حين هددها الشاب بأنه سينتحر إن أعطت نفسها إليه على شريطة أن ينتحرا ~~معا، فلما تم لها منها ما أراد راجعه حب الحياة واقترح عليها أن يتزوجها وأن ينجوا ~~معا، فغلت في عروقها دماؤها وثارت في رأسها عقائدها وموروثاتها، وهذا التاريخ الطويل ~~الذي لها فانتحرت وحدها بالسم الذي كان استحضره هو ليهددها به، وأوقعت بذلك التهمة ~~عليه، ولكنه نجا من القضاء باعتراف أخي الفتاة أن أخته انتحرت، لكن هذا الأخ لم يلبث أن ~~قتله وانتقم بذلك لأخته ولشرفه ... وكل هذه المقاتل نتيجة تعاليم هذا الفيلسوف الحديث ~~(الناتورالست). # ولمثل هذه النتيجة يريد أن يصل كاتب (الإتاب)؛ إذ بعد أن حلل أمامنا عائلة من ~~العائلات الوسط التي وصلت بعض الشيء إلى مكانة في الجمعية بسعي ومثابرة رب العائلة ~~أرانا هذه العائلة وهي تنهار ويحل بها الخراب والتعس يقبض على أكبر أبنائها بتهمة النصب ~~طلبا للمال، ويضيع شرف ابنتها الوحيدة لاختلاطها بوسط غير وسط آبائها، ويبلغ اليأس من ~~نفس الأب ويحل الشقاء بالجميع حتى تنتشلهم يد بارة، يد رجل عريق الأصل متمسك جد التمسك ~~بدينه لأنه يرى في ذلك الصلاح والخير. # أما في روايته عن الطلاق # Un divorce # فقد جاهد بورجيه ~~ليظهر عدم فائدة القانون الجديد الذي يبيح للمرأة وللرجل أن يتزوجا زواجا ثانيا بعد ~~الطلاق وفي حياة الزوج المطلق. # وفي (أكاذيب # Mensonges ~~) يكرر الفكرة دائما من أن ~~الأشخاص الذين وصلوا بعملهم تدفعهم أطماعهم دائما لمراكز تأبها الفضيلة. # ففي كل ما كتب بورجيه يرى الإنسان الفكرة الملازمة من أن الخروج على القديم والجهاد ~~لمساعدة محدثي النعمة وصفهم مصاف الأشراف والاعتداد بالقوة المالية، كل ذلك داع لتقويض ~~دعائم ms200 المدنية دافع بالأفراد إلى التعس وبالمجموع إلى التلاشي. # ولا شك أن هناك شبهة من الحق فيما يكتب الفيلسوف الكاتب، ولكنه يتغالى ويصل في تغاليه ~~إلى حدود بعيدة تجعل الغاية التي يرمي إليها تجيء بمنطق فاسد بعض الأحيان، وإنا ~~لنتساءل إن كانت هذه النتائج التي أظهرها لنا كنتائج حتمية للأفكار والوسط الحاضر هي ~~حقيقة نتائج حتمية، وهلا يوجد إلى جانب هذه الشرور التي تنجم عن الجهاد للمساواة بين ~~الناس خيرات أخرى يساعد الوسط على نموها وتقوى بالزمان، ليس هناك شك في ذلك أيضا ولكن ~~بورجيه مذهبي حزبي. # فكرة الوسط وتأثيره ظهرت وقويت ودخلت العالم الفكري بفضل الفيلسوف النقادة ~~(هيبوليت تين) # Hipolite Taine ~~، فلقد كان هو أول ~~من قررها كمبدأ عام مستقل وأكبر من ساعد على نشرها وجاهد لتطبيق كل الحوادث والموجودات ~~عليها، وكلمته الخالدة في ذلك هي: «المرء خلق وسطه»، ولقد كتب مؤلفات عديدة كان همه ~~الأكبر في معظمها أن يفسر الحوادث والأخلاق والأدب والفلسفة بالوسط الطبيعي والزمني ~~والوراثي الذي عاشت تحت تأثيره هذه الأشياء، فكتابه عن فلسفة الفن الجميل ليس كما ربما ~~يفهم القارئ من عنوانه مجموعة أفكار مطلقة عن الفن على العموم، ولكن تطبيق الفن ~~الإيطالي على هذا المبدأ وتفسيره بالوسط الزمني والوراثي والطبيعي الذي عاش فيه، كذلك ~~كتابه عن (لافونتين)، وكذلك مجموع مقالاته في التاريخ والنقد وما كتب عن تاريخ أدب ~~الإنكليز ومؤلفه الأكبر عن «أصول فرنسا الحاضرة» هو نزعة كبرى إلى جهة هذا المبدأ الذي ~~احتل من نفسه محل العقيدة. # لكن فكرة الوسط هذه لم تنتج عنده ما أنتجت عند بورجيه من (الترادسيناليسم) بل لقد كان ~~على العكس من ذلك أكبر دعاة التقدم والمنادين والمعتقدين بأن العلم سيصل بالإنسانية إلى ~~درجة عليا. # ويمتاز على بورجيه برشاقة تعبيره وطلاوته؛ فإن أسلوبه أشبه شيء في سلاسته بالماء ~~الجاري فوق أحجار ثمينة يظهر من خلاله ألوانها وينم في صفائه عن قيمتها، أسلوب عذب ~~ويكاد في رقته ينسيك اللفظ ليتركك تهيم بالمعنى كما تشاء وتحب، وأسلوب يستحيل أن يعتريك ~~الملال لقراءته، ms201 فهذا الكاتب الفيلسوف الكبير قد جمع إلى جزل المعنى حلو اللفظ، وإلى ~~رشيق التعبير بديع الفكر، وهو في ذلك يصل إلى درجات من السحر لا يمكنك معها أن تمنع ~~نفسك من الإعجاب به إلى حد عبادته، ولا تكون في ذلك مغاليا. # ولقد كتب فيما كتب (مذكرات عن باريس) ملأها بملاحظات ومشاهدات مما في العاصمة ~~الكبيرة، وإني لأجد هذه المذكرات من أبدع ما كتب؛ ففيها من دقة الملاحظة وحسن العبارة ~~وبديع التهكم ما يندر أن يجده الإنسان في كتاب آخر، ومع هذا فالقارئ ينتقل دائما في ~~روض مختلف ألوانه كلما انتقل إلى صحيفة جديدة من الكتاب. # أما ملاحظاته عن إنكلترا فهي أكثر جدا؛ لأن له فيها غرضا يرمي إليه هو مناصرة ~~الأرستقراطية الحرة على الديمقراطية المطلقة؛ لذلك هو هنا أقل ابتساما وخفة منه في ~~باريس. # ولقد سلك في النقد طريقة أعدها أحمد الطرق، هو يعرض أمامك دائما صورة من العصر ~~والوسط الذي عاش فيه الكاتب الذي ينتقد، والأفكار السائدة يومئذ وآداب الحديث ~~والمقابلة، وكل ما يمكن أن يكون ذا أثر في ذوق الإنسان أو في رأيه، ثم هو بعد ذلك يشرح ~~الظروف الخاصة بالكاتب الذي أمامه وعلاقة هذه الظروف بالأمور العامة التي قدم، وأثر هذه ~~وتلك عليه كمفكر وكاتب، وينتقل متى انتهى من ذلك إلى ما هو أخص منه فيأخذ الكتاب الذي ~~يريد الكلام عنه أو الفكرة التي يريد نقدها أو تمحيصها. # هنالك تتكون أماك فكرة معينة محددة عن الكاتب وعصره وكتابه، ويمكنك أن تشارك تين في ~~الحكم عليه حكما مدققا. # من الذين عاصروا تين وكانوا ذا أثر كبير في الأدب الفرنساوي إرنست رنان # Ernest Renan ~~، ولكن الميزة الكبرى لرنان هي أنه ~~مؤرخ أظهر في شكل حديث صورة دقيقة من أيام بني إسرائيل ومن حياة عيسى، ولقد كان عنده من ~~الاحترام للدين ما مكنه من أن يقضي عليه قضاء قاسيا بما كتب وأظهر، واتبعه كثيرون ~~وتشيع له جماعة أحرار الفكر، في حين عجز خصومه الدينيون عن الحط منه عجزا ~~عظيما. # ظهر ms202 غير تين نقاد كثيرون في هذا العصر الأخير، فبرنتيير وسانت بيف وغيرهما، ومن ~~معاصرينا الحاضرين ظهر إميل فاجيه وجول لمتر، وهذان من كبار الكتاب كذلك، والمجموعة ~~التي ألفها الأول عن القرون الأربعة للأدب الفرنسي وما كتبه الثاني عن الكتاب المعاصرين # Les Contemporains # كلها كتب لا تنسى، كما أن ~~لهما غير ذلك شيء كثير. # ها نحن استعرضنا أمام أنظارنا أسماء كثيرة من كتاب وأدباء فرنسا في العصر الحاضر ~~فلوبير وزولا ولوتي وبورجيه وتين وغيرهم، ولكن أحب اسم بين القصصيين المعاصرين إلى ~~نفسي، الاسم الذي أضعه إلى جانب اسم تين، وأعجب به إلى حد العبادة إعجابي بتين، ذلك هو ~~أناتل فرانس، وإني لأختتم بكلمة موجزة عنه هذه الكلمة المقتضبة عن تاريخ الأدب ~~الفرنسي. # أناتل فرانس هو أكبر كاتب في العصر الحاضر يمثل فرنسا، يرى القارئ في كتابته صورة ~~صحيحة من هذه الأمة وحركتها الفكرية والروح السارية في نفوس الطبقات المختلفة من أهلها ~~روح التهكم والاستهزاء، كما يقع في كل صحيفة على الأفكار العصرية في العلم والفن ~~والنظرة المجردة، ويرى ذلك كله بلغة أصفى وأرشق ما يمكن. # ولقد كتب عدة مؤلفات أحدها يقع في أربعة أجزاء، وجمع فيه المؤلف ما كتب في نقد ~~الأدباء والشعراء وسماه (الحياة الأدبية)، ومؤلف آخر يقع في أربعة أجزاء كذلك قص فيه ~~تاريخ العصر الحاضر بشكل روائي جميل، ومؤلف عن جان دارك، ثم عدة روايات كان آخر ما ظهر ~~منها روايته عن الثورة الفرنساوية بعنوان (الآلهة ظماء)، ومن بين هاته الروايات والكتب ~~يجد الإنسان عددا كبيرا بالغا أقصى غايات الإبداع، أخص هذه الزهرة الحمراء # Le lys rouge # وعلى الحجر الأبيض # Sur la Pierre blanche # وجزيرة البنجوان # I’ile des Pingouins # وجريمة سلفسربونار وتاييس ~~وكتاب صديقي إلخ. # والفكرة القائدة في كل هذه الكتب، أو بالأحرى الخلق الذي تنم عنه جميعا هو ~~(السبتسزم) # scepticisme # أي عدم إقرار رأي من ~~الآراء ولا الاعتقاد بشيء أيا كان ولا دحضه، بل الشك في صحته أو بطلانه؛ فالكاتب ينقل ~~صورا متناقضة مما في الحياة وأفكارا ms203 متضاربة مما أظهرت العقول، ويناصرها جميعا ~~وينتقدها جميعا، وكثيرون لا يتذوقون هذا الصنف من الكتابة لأن الأكثرين من الناس ~~يريدون دائما أن يجدوا أمامهم حكاية مرتبة ملأى بالوقائع والإحساسات تتخللها الأفكار ~~من حين لحين؛ حتى لا تكون عارية منها بل لتخدم فيها خدمة الملح في الطعام فقط، غير أن ~~هذه الأفكار الشكية (السبتيك) عند أناتل فرانس تميل دائما إلى الجهة السوداء من ~~الحياة، وترى في هذا الترتيب الاجتماعي الذي يعيش الناس على نظامه موضع الشقاء والظلم ~~الصارخ، والذي يقرأ قصته (كرنكبي # Crainquebille ~~) يخرج ~~منها مقتنعا بأن القضاء والبوليس والناس جميعا بلغوا من الظلم أقصى درجاته، وبأن ~~السجون ونظامها والأخلاق العامة واعتباراتها كلها فاسدة ظالمة، والحقيقة أن حال أوربا ~~الاجتماعية ونظاماتها أصبحت لا تلائم الحال الفكرية السائدة فيه، وإني لأوافق ماكس ~~نوردو في الاعتقاد بأن هذا القلق الظاهر في أعمال وأخلاق وأفكار الأوربيين وهذا ~~الاضطراب الذي يبين على كل نظاماتهم لا بد سينتج ثورة كبيرة أكبر بكثير من الثورة ~~الفرنساوية. # والذي يدفع أناتل فرانس للابتسام والتهكم بكل شيء ذلك هو أنه يرى العالم يسير على ~~قواعد طبيعية خالدة ليس في طاقة البشر تغييرها، فنداؤهم ضدها وصراخهم طلبا لتغييرها ~~وتبديلها واقتناعهم أنهم قادرون عليها يجعلهم أمامه كالطفل الضعيف يجاهد ليدفع بيده ~~صخرة عظيمة، هو لن يصل لذلك ولكن جهاده وتوتر يديه الضعيفتين واحتقان وجهه وصياحه يسبها ~~من وقت لآخر، كل ذلك يجعلنا نبتسم منه. # إلى جانب إحاطة فرانس بالأفكار العلمية الحاضرة وبالمضاربات النظرية القديمة، نجد ~~دقته في الذوق والفن؛ فكل وصف من أوصافه يدل على نفس متشبعة بمعنى الجمال وقوانينه، يصف ~~لك امرأة فتراها حية متحركة تسير وتبتسم وتدل وتغضب، وهي في ذلك كله جميلة أدق الجمال، ~~وترى في (الزهرة الحمراء) مما يثبت ذلك شيئا كثيرا، ترى بطلة الرواية (تريز مارتان) ~~في كل حركاتها وسكناتها، تراها واقفة أمامك تنظر في المرآة وتقدر في نفسها جمال نفسها، ~~وتراها في سريرها يسترها قميص نومها، وتبين من تحته خطوط جسمها النقية، وتراها في يد ~~حبيبها ms204 تائهة في عالم الرغبة والشهوة، وتتسمع أثناء ذلك كله على نفسها وما يدور بباطن ~~إحساساتها وفي أعماق قلبها. # في هذه الرواية البديعة ترى أفكارا شتى عن الفن والمعمار والتماثيل وكل ما تريد أن ~~ترى في العالم الجميل. # أما كتابه (على الحجر الأبيض) فهو كتاب فلسفي في نصفه الأول، يأخذ أبطاله بأطراف ~~المناقشة في مواضيع نظرية كالحقيقة وتعددها والناس وحياتهم، وهو في نصفه الثاني عبارة ~~عن حكاية المبدأ الاشتراكي المنتظر، وينتهي هذا النصف بتهكم على ما في الاشتراكية مما ~~ينافي الطبيعة البشرية. # وكتابه عن جزيرة البانجوان، حيث يحكي تاريخ فرنسا قد خصص منه قسما كبيرا لقضية ~~دريفوس... # لو شئت أن أكتب عن جميع كتبه، اضطررت أن اجتزئ على قليل جدا ما فيها؛ ولذلك أكتفي ~~بما أوردت عن الأفكار العامة لهذا الكاتب المبدع الذي أكتفي في القول عنه بأنه أحسن ~~كتاب العصر الحاضر. # انتهيت الآن من كلمتي الموجزة التي أردت أن أضع عن الأدب الفرنسي، وأعيد للقارئ أني ~~إنما وضعتها كتكملة بسيطة لمذكراتي عن أوربا، وربما جاء وقت يتسنى لي فيه أن أكتب ~~طويلا عن فرنسا وأدبها. # الفصل الثاني # | تطور فكرة المسؤولية في العصور المختلفة # يجمل بنا قبل أن ننظر في التاريخ - نستفسره عن الطريق الذي اتبعته فكرة المسؤولية في ~~سيره وأين هي اليوم من هذا الطريق - أن نلخص هنا في بضعة أسطر ما ذكرناه في الكلمة ~~السابقة عن هذه الفكرة وكيفية تكونها في النفس؛ وذلك لأن هذه الكلمة التي نكتبها اليوم ~~ليست إلا بيانا تاريخيا واجتماعيا لكلمتنا السابقة يقصد به توضيح تلك الكلمة ~~وإقامة الدليل على صحة الأساس الذي قامت عليه. # فقد ذكرنا أن فكرة المسؤولية تدخل إلى ضمير كل فرد من الأفراد على الصورة التي تنعكس ~~بها فيه وحدات الإيمان اللازمة لحياة الجمعية التي يعيش فيها ذلك الفرد، وإن وحدات ~~الإيمان هذه هي القواعد والعقائد التي تستلزمها ضرورات الاجتماع على اعتبار أن الإخلال ~~بها يضر بحياة الجمعية أو يفسد عليها طمأنينتها، وقررنا أن انعكاس هذه الصورة في ~~الضمائر الفردية يكون ms205 تاما في الجمعيات الساذجة التي لا تزال على الفطرة أو تكاد، وفي ~~الجمعيات الثابتة أركان العقائد فيها على نحو لا يحتمل الشكل، ولكن لما كانت ~~الإنسانية قد قطعت أجيالا طويلة من مراحل حياتها فقد اعترى هذه الصورة شيء من الإبهام ~~في الجمعيات التي امتدت إلى نظامها الفوضى العقلية والخلقية، كما أن أكثرية الأفراد إن ~~لم نقل كلهم في كل الأمم قد تأثرت نفوسهم بمؤثرات الوراثة وطوارئ الحوادث وتضارب ~~العقائد القائمة في الوسط الزماني والمكاني الذي هم فيه، وأدى ذلك إلى أن انعكاس صورة ~~الجمعية جعل يختلف ولو اختلافا جزئيا في نفس فرد عنه في نفس الفرد الآخر، وقد بلغ ~~هذا الخلاف عند أفراد قلائل حدودا غطت على صورة الجمعية أو كادت، وهؤلاء الأفراد هم ~~المجرمون بالخلق والمجانين العظماء، والأكثرين من هؤلاء الآخرين ومعهم طائفة المفكرين ~~الذين لا يكتفون بقبول فكرة المسؤولية كما تصلهم من طريق الجمعية، بل يحللونها ويبحثون ~~هل تضعف في نفسهم صورة الجمعية وما تلقيه في نفس كل منهم من بذرة فكرة المسؤولية، ~~فتتقوى عند الأولين الملكة العملية التي تدفع بعضهم لجذب الجمعية إلى إيمانه الجديد ~~الذي أفاده من مضطرب العقائد التي تبعث بها الفوضى إلى مختلف أركان الاجتماع، وتقوي عند ~~الأخيرين الحال الفكرية إلى حد يضعفهم دون العمل ويجعل منهم أساطير إيمان المستقبل ~~يكتفون بالنظر إليه وتقرير ما يجب أن يكون فيه، وهؤلاء وأولئك يسعون بالجمعية إلى ~~التقدم؛ لأن النزعة الفردية ليست إلا صيحة الجنس إلى الكمال، وأما المجرمون الذين ~~يعملون على تدهور الجمعية فلا يبقى لعملهم أثر بعدهم، بل يموتون وتتخطى الجماعة ذكرهم ~~دون الوقوف عند ما يحملون إلا وقوفا وقتيا يقاس مبلغ زمنه بمقدار ما كان لهم في وسط ~~الجماعة التي عاشوا فيها من سلطان وبطش. # هذه هي النظرية التي قررنا في كلمتنا السابقة، وظاهر أنها ترتكز على قانون اجتماعي لن ~~تجد له تبديلا، ذلك هو سلطة الجمعية المطلقة على الفرد وتحكمها في أمره تحكما، لا ~~يجعل له من التصرف إلا بمقدار ما لا يتعلق ms206 مباشرة بحياتها. # ولقد رأيت في بعض كلمات اطلعت عليها أخيرا كتابا ينكرون هذا القانون ، فناقشناهم ~~فيه، فتبين لنا أن اعتراضاتهم مبنية على عدم دقتهم في الإحاطة به وفي تصوره، وكما أن ~~سوء وضع حجر من أحجار الزاوية في بناء من الأبنية مهما كان ضخما يجر إلى تداعي هذا ~~البناء وسقوطه على الرغم من زخرفه وروائه، كذلك فقد بنوا على تصورهم هذا نظريات طويلة ~~عريضة ضربوا لها الأمثال وحسبوا أنهم أقاموا عليها الأدلة مع أن هذه الأمثال والأدلة هي ~~إما بعيدة عن أن تكون متعلقة بنظريتهم أو هي فاسدة الأساس المنطقي فلا يمكن أن ~~تبقى. # وبلغ من غلوهم في تصورهم أن قرروا أن الجمعيات الأولى هي في سلطة فرد من الأفراد هو ~~رئيسها يصرفها كما توحي له بذلك شهواته. # هذا الأب كان هو ذاته أثرا من الجماعة التي يرأسها، أي أن كل مكونات شخصيته من عقائد ~~وأخلاق ونظام تفكير وطرائق معيشه كانت مرتبة على النحو الذي كونته هذه الجمعية قبل ~~وجوده بأجيال الأجيال، وفرد هذا شأنه لا يمكن أن يسير في الحياة إلا السيرة التي تملي ~~عليه بها هذه المكونات، اللهم إلا أن يصيبه خبل في عقله يخرجه عن متعارف الناس، أما لم ~~يصب بهذا الخبل فهو متأثر قطعا بهذه المؤثرات التي كونته هو في جميع وجوه حياته، ~~فإذا أصيب بالجنون احتمله الناس زمنا وقد يتأثرون به ولكن تأثرا وقتيا ينتهي بقيام ~~أحد تملأ صورة الجمعية نفسه فيقود الباقين ضد هذا الآخر المجنون ثم يحل غيره ~~محله. # هذا هو ما شوهد دائما في الجمعية القديمة، ولا يرد عليه أن الشعب في اتباعه الصائح ~~الجديد كان متأثرا بفرد من الأفراد، ولأن هذا الفرد لم يكن إلا الصيحة الخارجة من ~~أعماق قلب الجمعية لا تلبث الجمعية كلها أن تجيب نداءها وتنضم إليها كما تنضم قطرات ~~الماء المتباعدة واحدة للأخرى لمجرد وجود قطرة أقوى وأكبر من سواها ولكنها متحدة في ~~الخواص مع سائرها. # والمصلحون أنفسهم الذين يحدثون التغييرات في نظام الجماعات لا يحدثون من ms207 ذلك في ~~الواقع إلا تغييرات في الشكل لا في الجوهر، أو هم - بكلمة أدق - ينظمون شيئا موجودا ~~في قلب الجمعية ولكن في حالة التبعثر، ولا يخلقون شيئا جديدا ولا غير موجود، ولسنا ~~نريد بذلك التصغير من شأن هذه المهمة، بل هي في نظرنا أكبر وأعظم ما يستطيع الفرد عمله ~~في الحياة، كلا بل إن قيام رجل واحد بها دليل على أنه يستطيع أن ينتج بمجهوده الفردي ما ~~قد تعجز مجهودات مجتمعه عن إنتاجه، ولكنا نريد أن نقول إن المبادئ والنظريات ووحدات ~~العقائد والأديان وقوانين الظواهر الطبيعية والاجتماعية هي كلها أحياء من أنواع مختلفة ~~موجودة في الجمعية وجود الخلايا المختلفة في جسم الفرد، ولكنها لا تشعر بها إلا عرضا ~~أو لمس الحاجة إليها كما لا يشعر الواحد بما يحويه جسمه من الخلايا، بل وكما يجهل ~~الأكثرون بعض أعضاء مهمة ذات عمل حيوي من أعضائهم، ثم يحصل أن يقع أحد أفراد صدفة على ~~أحد هذه الأعضاء أو يستلفت نظره أمر كما استلفت سقوط التفاحة نظر العالم الكبير نيوتين، ~~ولكن الموفقين في الاستنتاج توفيق نيوتن قليلون، فيترك الأكثرون مشاهداتهم حتى يجتمع ~~عدد منها تحت نظر أحد المفكرين أو المصلحين، يرتبها وينسقها حسب ما توحي له به ملكاته ~~التي أفادها إياه الاجتماع والوراثة، فإذا تم له ذلك نادى بها فيشعر الناس جميعا ~~وقد تم في نفوسهم من قبل ذلك إحساس بملاحظات الأفراد السابقين ما تحويه هذه الصيحة ~~من اتفاق مع مشاعرهم، وهنالك يسمون هذه الصيحة الجديدة حقيقة يأخذون بها وتصبح آية ~~ظاهرة من أي إيمانهم، ويعتقدونها مذهبا جديدا مع أنها ليست في الواقع إلا هاتيك ~~الأحياء المبعثرة المحسوس بعضها إحساسا تاما، والمحسوس بالبعض الآخر عن طريق الحواس ~~والوهم اجتمعت معا وكونت موجودا جديدا، كما تكون العناصر المختلفة عند اختلاطها ~~الكيماوي عنصرا جديدا هو جماعها وإن اختلف عن كل منها منفردا. # على أن هذا الموجود الحي الجديد لا تبقى حياته ولا يضمن استمراره إلا يوم تتفق ~~الجماعة على التسليم به كائنا بينها، فإن هي لم ms208 تسلم به فإما أن تشهر عليه حربا ~~عوانا تنتهي دائما بانتصارها واستئصاله، وإما أن تهمله وتتركه فيبقى ضعيفا ضئيلا ~~يتطلع للحياة ولا يصل إليه من شعاعها إلا مقدار ما يستمهله في الحياة حتى يموت أو حتى ~~ينشر عظيما قويا، وإما تطول الحرب بينه وبين الجماعة بإسعاد بعض قوى تعارض الجماعة ~~وتناضلها وتشغلها بعض الشيء عن إماتة هذا الخلق الجديد وإفنائه. # وهذا الحال الأخير هو شأن المبادئ والمدنيات التي يدخلها متحكم أجنبي في بلاد محكومة، ~~تبقى روح الجماعة تناضل هذه المبادئ والمدنيات إلا ما كان منها متفقا مع أي إيمانها ~~الخاصة، أو مرتبا لأحياء موجودة فيها ومستعدة للظهور، هذه الأجزاء من المدنية الجديد ~~تبقى وتندمج في نظام الجمعية المحكومة، ولكن ما سوى ذلك لا يمكن أن يألفه الناس أو أن ~~يدخلوه في أي إيمانهم؛ لتتحكم مدنية الغرب ما شاءت في أقطار الشرق، فلكل أمة من أمم ~~الشرق عقائد وآي إيمان ومبادئ وأنظمة حيوية مهما قسرتها القوة فهي تبقى تناضل ولا يمكن ~~أن تموت أبدا؛ فإن طبيعة الأرض والجو وآلاف الأجيال التي مرت بالناس تضمن حياة هذه ~~المبادئ. بلى، ولئن استئصل السكان الأولون وأحل محلهم سكان آخرون فإن بقايا مهما قلت من ~~المبادئ القديمة تبقى وتقوى، ولكن إذا لم يتم الاستئصال فإن النواة لا يمكن تغييرها؛ ~~ولهذا نرى الشرقي إلى اليوم مهما كان متورطا في الربا أو في الخمر أو في بعض ما لا ~~تشمئز منه المدنية الأوروبية، ولكنه محرم بقواعد اجتماعنا نحن يشعر دائما في أعماق ~~قلبه كأن صوتا يناديه: تعسا لك أيها الشقي، أفما ترجع عن غوايتك! هذا الصوت هو الضمير ~~المنطبعة فيه آي الاجتماع ويتوارثه الأجيال خلف عن سلف حتى آخر الدهر. # ولو أن المدنية التي تحمل الحرب الحاضرة بين جنبيها وهي تتمخض اليوم عنها ضمنت ما ~~يقوله أنصار التقدم من حرية الشعوب؛ لقامت هذه المبادئ المضغوطة في الأمم المحكومة ~~تستعيد نفسها وتضمن معها الأمم صاحبتها تقدما مبنيا على قانون التطور ~~المعقول. # من ذلك كله يظهر أن احتجاجات بعض ms209 الذين يتقدمون للكتابة في مسائل الاجتماع، ويتعرضون ~~لقانون سلطة الجمعية على الفرد منكرين هذه السلطة وحكمها العام ليست إلا صيحات شعرية ~~مبنية على ملاحظات مبعثرة، لم يستطيعوا خلق الصلة بينها وبين غيرها فأخطأ استنتاجهم ~~منها وفسد الأساس الذي أقاموا عليه رأيهم. # والآن نرجع بعض الشيء إلى إثبات نظريتنا المتعلقة بالمسؤولية من طريق النظر والتاريخ، ~~وغرضنا من ذلك أن نصل إلى موقف فكرة المسؤولية الحاضرة في مصر وفي أوروبا، حتى إذا ~~درسناه من طريق الفلسفتين الاجتماعية والجنائية تبين لنا أن حقيقة هذه الفكرة هي دفاع ~~الاجتماع عن نفسه بالطرق التي يراها منتجة ومفيدة. # وخير ما يبين لنا الطريق الذي تطورت فيه فكرة المسؤولية تاريخ المبادئ الفلسفية وتطور ~~قانون العقوبات؛ فالأول يدلنا على الاتجاه النظرى للفكرة العليا في الجمعيات المختلفة ~~والثاني يبين لنا الطرائق العملية التي كانت تتخذها الجمعيات للدفاع عن نفسها ضد ~~الأفراد الذين يخرجون عليها، وتصور هذه الجمعيات لمسئولية أولئك الأفراد. # ولسنا نرمي لوضع بحث مستوفي في كل من هذين السبيلين؛ فإن ذلك - فوق أنه ليس الغرض من ~~أبحاثنا الحاضرة - هو ينزع بنا منازع تبعدنا عن الفكرة الأصلية فكرة المسؤولية، وإنما ~~الذي نرمي إليه بيان بسيط للاتجاهات العقلية والعملية التي كانت تعد في الماضي، والتي ~~تعد اليوم أساء بناء الاجتماع، وبكلمة أخرى الاتجاهات في هذين الوجهين التي كانت تحدد ~~الصلة ما بين الفرد والمجموع. # الفصل الثالث # | كتاب مفتوح إلى لجنة تنقيح قانون الأحوال الشخصية # صديقي مدير جريدة السفور: # كانت عرضت لي أفكار من سنين مضت متعلقة بمسألة العلاقات القانونية بين المرء ~~وزوجته، لكن ظروفا خاصة منعت من نشر تلك الأفكار فبقيت في طي أوراقي إلى اليوم، ~~والآن يقال إن لجنة تنقيح قانون الأحوال الشخصية تشتغل في المسألة بجد وتكاد ~~تكون أتمت قسما غير قليل منها، فقد رأيت أن أبعث لكم بهذه الكلمات علكم ~~تنشرونها على صفحات جريدتكم، فإذا حازت قبولا لدى أعضاء اللجنة كنت سعيدا أن خدمت ~~قومي في مسألة تهم كل واحد منا وإن رأوا غير رأيي فالأيام كفيلة ms210 أن تظهر النافع، ~~وأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض . # وفي هذه الكلمة الأولى أقدم مشروعي، وفي الكلمات التالية أعززه وأشرحه، وإني ~~أتقدم لأعضاء اللجنة بهذا المشروع ولي بهم كل الثقة أن سيمحصوا كل فكرة تكون نافعة ~~للبلاد ومتمشية مع روح الشرع الشريف. # إن ما تحس به الأمة من الحاجة الشديدة للإصلاح في هذه الجهة من جهات حياتها، ~~ليدعونا للتفكير فيها ويجعلنا نطالب بتشريع تراعى فيه أحوال البلد الحاضرة، ويكون ~~الغرض منه تقويم عوج اجتماعنا وإصلاح شأنه. # كتاب مفتوح إلى الوزير الجليل ناظر الحقانية # يا سعادة الوزير: # وليت نظارة المعارف فعملت فيها نعم العمل وتركت الأثر الجليل، وأسفت الأمة كلها ~~حين انتقلت منها لنظارة الحقانية، وحق لها أن تأسف إذ كنت عمدتها في إصلاح أبنائها ~~وتربيتهم، على أنا لا نعدم أن نجد في الحقانية مواضع إصلاح كبير يخلد لصاحبه ذكرا ~~باقيا، ويقدم للأمة الأساس الذي تبنى عليه سعادتها. # من القوانين ما يرتب صلات الحكومة مع الحكومية، وهاته أغلب الأحيان، وفي مثل ~~بلادنا قوانين تخلقها ظروف وتقضي عليها ظروف، وتغيرها متى شاءت السلطة القادرة، ~~هاته القوانين نكلها للزمان والحوادث وننتظر بمعوجها أن تعد له الأيام. # ولكن أخرى تنظم صلات الأفراد فيما بينهم، وتدخل إلى بيوتهم وفي غرفهم، وتشكلهم ~~إلى حد كبير يشكلها وتكون عاداتهم وكثير من معتقداتهم، ولا تتغير إلا كل ردح من ~~الزمن، هي التي نطلب إلى الوزير اليوم أن يدخل الإصلاح عليها، تلك هي قوانين الأحوال ~~الشخصية. # نسمع من زمان أن نظارة الحقانية تعد للمحاكم الشرعية قانونا موحدا تسير عليه... ~~لذلك فلا فرصة أنسب من الساعة الحاضرة نطلب فيها تعديل القديم وإصدار تشريع تراعى ~~فيه أحوال البلد الحاضرة، ويكون الغرض منه تقويم عوج اجتماعنا وإصلاح شأنه. # ضج الناس ويضجون من تعدد الزوجات عندنا، يأتون ويشكون من الطلاق ونتائجه... ~~يتألمون من حال العائلة الحاضرة، والكثير منهم يقدر لهذه الأشياء قيمة كبيرة، ويرى ~~في صلاحها الأمل في خير الأمة كما أنها بفسادها اليوم مجلبة شر كبير. # كتب ms211 الكاتبون يصفون فظاعة الموقف الحاضر ويطلبون عنه بدلا، رفعوا أصواتهم إلى ~~المشرع يريدون تداخله وإلى الأمة يحثونها على العمل من نفسها ... ولم يمض بعد ~~الوقت الذي ييأس فيه من أن يمد المشرع يد معونته، وأن تنتبه الأمة لحالها فتجاهد ~~لنجاة نفسها، بل لا يزال باب الأمل واسعا في كليهما، في المشرع وفي الأمة. # فتش كثيرون عن الدواء لهاته العلل الاجتماعية عندنا، ومنهم من وصل إلى نتيجة ~~من بحثه، ولكنما يخيل لي أن ما يراد من إدخال حدود قانونية على قوى الزوجين وتداخل ~~القاضي فيما بينهما لا يسير مع شرعنا الحنيف ولا مع عوائدنا القومية ... كلا بل ولا ~~يجيزه الذوق. # يقول أقوام إن أهل أوربا يجعلون الفصل في الطلاق لأمر القاضي؛ فلم لا نجعله ~~نحن؟ لأن أهل أوربا انتقلوا من المنع المطلق وعدم الفرقة بين الزوجين إلا بالموت ~~إلى الدرجة التي بعد ذلك، ولكنا نكون إذا عملنا عملهم هادمين لحرية كبيرة نتمتع ~~بها، وإذا كان الأفراد قد أساءوا استعمالها من قبل فلا يكون جزاؤهم أن يحرموها، ~~ولكن أن يجدوا من أنفسهم ما يقمع غيرهم ويردهم إلى الحد المعقول حين يريدون الخروج ~~عنه. # من أجل الوصول إلى هذه الغاية أضع أمام أنظار اللجنة المحترمة اقتراحي الذي ~~أعتقده خير دواء للحاضر وخير قانون يبقى أجيالا إلى أن يقضي تغير الزمان والحال ~~الاجتماعية تغيرا ظاهرا بتعديله أو استبداله. # ذلك أن تضاف المواد الآتية لقانون الأحوال الشخصية ويلغى ما يخالفها. ~~(1) # يعطي القانون للمرأة حق تطليق نفسها في الأحوال الآتية: # أولا: # إذا تزوج عليها الرجل بزوجة ثانية. # ثانيا: # إذا ثبت زنا الرجل وطلبت هي الطلاق في ظرف ثلاثة ~~أشهر من تاريخ ثبوت الزنا. # ثالثا: # إذا ارتكب الرجل أمرا ثبت ويثبت به أن وجودها معه ~~يمس شرفها ويخدش كرامتها، وطلبت الطلاق في ظرف ثلاثة ~~أشهر من ذلك الثبوت. ~~(2) # طلاق المرأة نفسها طلاق بائن بينونة صغرى، إلا أنه يصح للزوجين أن ~~يتراضيا على الرجعة من غير مهر. ~~(3) # لا يقع الطلاق إلا إذا كان المطلق يريده وينويه، وأن يعلم ms212 الزوجان ~~به، وكل طلاق ينقصه أحد هذين الشرطين لا يقع. ~~(4) # تبتدئ أيام العدة من بعد توفر الشرطين المذكورين في المادة ~~السابقة. # أعتقد أن إضافة المواد السابقة إلى باب الطلاق وإلغاء كل ما يخالفها يداوي ما ~~عندنا، كما أنها كلها تتمشى مع روح الشرع أكثر بكثير من التفسير القديم حين اشتغل ~~الفقهاء بتحديد ألفاظ الطلاق والكنايات عنه، وبما لو وقع الطلاق بائنا بقوله طلقة ~~شديدة أو ثلاثا بقوله أكثر الطلاق، وتركوا لب ما جاء به الكتاب والسنة، كما أحسب ~~أنه يوفر علينا إلى حد كبير تداخل المحاكم في المسائل العائلية الصرفة. # بهذه المواد نحسم مشكلا من أكبر المشكلات الحاضرة في حياة مصر الاجتماعية، بها ~~نعطي الناس معنى جديدا من تقدير حرية الفرد واحترامه، بها نقضي القضاء الكبير على ~~مسألة تعدد الزوجات التي يرتكبها الأزواج أحيانا كثيرة انتقاما من زوجاتهم، بها ~~نقيم للعائلة قائمة تجعلها أساس بنيان الأمة المقبلة. # أفضل دائما أن يترك للفرد من الحرية ما يتمكن معه من تنمية قواه والحصول على ~~أغراضه، لكن لا ليضير بذلك غيره، وأرى واجبا أن ينحصر القانون في أضيق دارة ممكن ~~حصره فيها، وليس ما يضمن هذين في باب الطلاق مثل إدخال المواد التي أشرنا إليها بين ~~مواده. # والشرع الشريف الذي تأخذ عنه أحكام أحوالنا الشخصية يحض عليها ويساعد على إيجادها ~~في قانوننا، فإذا ما نحن تركنا قليلا تفاسير العصور المختلفة التي أدخلناها على ما ~~بها من الغريب في قوانينا، ورجعنا إلى الكتاب والسنة وجدناهما نعم السند ~~لنا. # قال تعالى: # لا جناح عليكم إن طلقتم ~~النساء # وقال جل شأنه: # وإن خفتم شقاق ~~بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن ~~يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما ~~خبيرا ~~، # وإن يتفرقا يغن الله كلا ~~من سعته # فلم يدع للقاضي أن يتداخل في مسالة خاصة كمسألة الطلاق، ~~بل ما يتعلق بهاتين الآيتين يكلها للرجل أو للأهل من الطرفين، وعلى هذا يكون إدخال ~~القانون والمحكمة مع ما فيه من المساس بروابط دقيقة أحرى بها، ms213 وأوجب أن يبقى أمرها ~~مجهولا لغير صاحبيها غير متمشي تماما مع قواعد الشرع. # وقال تعالى: # ولهن مثل الذي عليهن ~~بالمعروف وللرجال عليهن درجة # وفسرت هذه الدرجة ~~في موضع آخر بقوله تعالى: # الرجال قوامون على ~~النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا ~~من أموالهم # فإذا حددنا مسالة القيام في الزواج بما يجب له ~~عليها من طاعة ما دامت الزوجة قائمة وتوليه أمرها والإنفاق عليها وتحقق هنا معنى ~~الدرجة، كان لها في غير ذلك ما عليها وكان لها بالطبع حق الطلاق. # ويؤيد ذلك أن الآية التي ذكرنا قبلا: # وإن خفتم ~~شقاق بينهما ~~... إلخ، لم تجعل غضب الرجل وتألمه وحده هي الداعية ~~لهذا الخوف، بل أي الزوجين غضب يقيم خوف الشقاق على قدم، فإذا كان ذلك آتيا من جهة ~~المرأة ولم يريدا إصلاحا كانت النتيجة أن يتفرقا، وجاءت الفرقة هنا على غرض ~~المرأة. # ثم غير هذا قد نص الفقهاء على أن للمرأة حق طلاق نفسها إن اشترطت ذلك في العقد، ~~نصوا على ذلك أيام كانوا يوسعون للرجل في السلطان على المرأة، حتى ليقع طلاقه عليها ~~ولو لم ينوه، أي حين كانوا يجعلون حق المرأة في البقاء مع الرجل معلقا على ~~الحوادث والصدف، ولم يبق اليوم من قائل إن عملا لم ينوه صاحبه يقيده، بل إن ~~أصل الشريعة الغراء مبني على هذا فإن من متواتر الحديث المشهور قوله # صلى الله عليه وسلم ~~«إنما الأعمال بالنيات» فإذا كنا لنأخذ بهذا الحديث ونقيم من عقولنا ما يجعلنا نصل ~~إلى البديهي من أن لا عمل يقيد العامل إلا ما نواه، ثم نرى أن هؤلاء السلف كانوا ~~يجيزون للمرأة اشتراط طلاق نفسها في العقد، أظن من المعقول جدا أن سير الفكرة ~~ونموها يصل بنا كذلك إلى الاعتراف بالحق الذي أعطاه الله للمرأة من استطاعتها تسبيب ~~الفرقة ولو لم تشترط شيئا في العقد. # لهذه الأسباب الشرعية وغيرها، ولأسباب اجتماعية أخرى كثيرة، أرفع إلى اللجنة طلبي ~~أن تكون هذه المواد من بين مواد قانون المحاكم الشرعية الجديد، وأن ms214 يلغى كل ما ~~يخالفها. # وأعتقد في ذلك للأمة أكبر الخير والصلاح. # الطلاق وتعدد الزوجات # 1 # يميل الناس للاعتقاد بأن ما هو حاصل اليوم كان موجودا من قبل دائما، ~~ويعطيهم هذا الاعتقاد من معنى التقديس للشيء وتقدير أنه حق من غير شك، ما يصعب ~~معه مناقشتهم في قيمة ما أمامهم، ويظلون على رأيهم حتى تأتيهم الحوادث بقوة لا ~~قبل لهم بها تغير الحاضر، فإذا انتقلوا إلى الجديد وبقوا فيه ثم اعتادوه ~~دافعوا عنه بنفس القوة التي دافعوا بها عما قبله، وبحثوا له في الماضي عن أصول ~~يزداد سرورهم بها كلما وجدوها أكثر ابتعادا في غياباته وذهابا في ~~أعماقه. # والواقع أن الحاضر في مثل بلدنا كما هو في كل مكان لم يعن أهله بالتفكير في ~~إصلاح شأنه، إنما يحوي مجموع أغلاط الماضي الطويل وخطأه، ويندر فيه وجود حسنات ~~الأقدمين وطيباتهم؛ ذلك أن الباطل أهون رواجا في السوق العامة من الحق، وأسهل ~~انتشارا بين المجموع وتداولا على الألسنة، هو كالعملة المنقوصة يريد كل أن ~~يدفع به لغيره حبا في التخلص منه أولا، ولكن متى راجت سوقه وتكلم به الناس ~~تراه اعتنقه واعتقده. # ليس ما عندنا في قانون الأحوال الشخصية مأخوذا عن عصر النبي # صلى الله عليه وسلم # وحده ~~ولا من تفسير الإمام أبي حنيفة ولا واحد أو اثنين ممن تبعه من أصحابه، ولكنه ~~يتناول شيئا من كل عصر، ويضم بين مواده أقوال الرسول وأحكام الخلفاء وتفاسير ~~الشراح وقضاء الولاة على مختلف القرون، ولما كانت هذه الأحكام والتفاسير وهي ~~صادرة من بني آدم يخطئون بالطبع ويصيبون، لم تجد نقادة من العلماء في كل جيل ~~يضعها موضع البحث، وتسلل منها إلى عصرنا زيف أكثر مما تسلل إليه من الحق، ~~ودخلت إلى الشريعة التي نستمسك بها أقوال ليس من السهل أن يقبلها العقل ولا أن ~~تسير مع قواعد الدين وأصوله. # من ذلك الزيف الذي دخل إلى قانوننا مواد كثيرة جدا نذكر منها المادة ~~(218) من قانون الأحوال الشخصية التي نصها (يقع طلاق السكران الذي سكر بمحظور ~~طائعا ms215 مختارا لا مكرها ولا مضطربا)، ولا أدري أي ذنب على المرأة يوجب ~~انفصالها وأولادها الضعاف عن الرجل ولم يقصد هو من ذلك شيئا، ولقد رأى ذلك ~~أستاذنا الشيخ محمد زيد الأبياني فقال في كتابه (شرح الأحوال الشخصية) صحيفة ~~(297) ما نصه: # والظاهر عدم وقوع طلاق السكران ولو سكر بمحظور؛ لأن الطلاق ليس ~~عقابا له فقط، بل يترتب عليه قطع الزواج المترتبة عليه المصالح ~~الدينية والدنيوية والإضرار بالزوجة وبأولادها منها وبأهلها، فلو ~~أوقعنا طلاق السكران لعاقبنا غير المذنب ممن ذكر وهو غير جائز، فلا ~~يعاقب إلا السكران وعقابه يكون بالحد لينزجر عن مثل هذا ويعتبر ~~غيره. # وقوله هذا موافق لما قال به جمع من الصحابة ووافقهم عليه بعض الحنفية. # لذلك يجب أن لا نجعل أبعد نظرنا ما سطر في قانون الأحوال الشخصية أو بعض كتب ~~الفقه وإن كانت كبيرة؛ لأن مقصد الإنسان الأسمى في الوجود أن يصل إلى الحق حيث ~~يكون وأن يعضده وينصره. # كل الآيات التي وردت في باب الطلاق لم تفرق بين الرجل والمرأة، بل جاءت به ~~على معنى أن لكل منهما حقا فيه، فمن ذلك قوله تعالى: # الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح ~~بإحسان ~~، فلم يجعل هنا شيئا من حصر معنى الطلاق في أيهما، بل ~~جعله على صيغة المصدر حتى لا يكون من معنى الحصر ما يمنعه عن المرأة، ثم لما ~~كانت قوة الرجل على زوجته قد تبلغ الاستبداد أحيانا ويفرط صاحبه فيه، نزلت ~~بقية الآية نصيحة للرجل أن يعامل المرأة بالمعروف إن بقيت معه أو يتركها ~~بالإحسان ومن غير إجحاف إن هي فارقته، وأما الآيات التي نزلت خطابا للرجل وحده ~~كقوله تعالى: # فطلقوهن لعدتهن # فإنما خوطب بها الزوج دون الزوجة لما لحقها من التخصيص بمسألة العدة التي تلزم ~~المرأة وحدها، وليس من المعقول طبعا أن يقول للنساء: (وطلقوا الرجال لعدتهم) ~~إذ لا عدة على الرجل، كذلك قوله تعالى: # لا جناح ~~عليكم إن طلقتم النساء # جاء في وقائع مخصوصة وجه ~~فيها الكلام للرجال وحدهم. # والشريعة الغراء في عدالتها لم ms216 تكن لتفرق في الحق بين الرجل والمرأة لتعطي ~~واحدا كل شيء والآخر لا شيء، والله تعالى يقول: # ولهن ~~مثل الذي عليهن بالمعروف # وإنما المرأة بطبعها ~~لا تحب ترك زوجها متى كان لها منه أبناء، كما أن سلطانه عليها الكبير كان ~~يجعلها تخضع لأمره من غير مناقشة ولا حساب، فظن بعضهم أن ذلك لأنها محرومة من ~~كل حق، ولو كان هذا صحيحا لما كان معنى ل«لهن مثل الذي عليهن» وحاش الله ~~تعالى وكبر كلامه عن أن يكون خلوا من المعنى. # بمثل هذه التفاسير يفتح الشراح علينا بابا من القول يرمينا منه مخالفونا بكل ~~نقيصة، والله الذي لم يفرط في الكتاب من شيء أكمل لنا الدين، ولو اهتدينا بهديه ~~وسرنا على معقول معناه لكنا اليوم في مقدمة الأمم رقيا وحضارة، أرأيت لو ~~لم يفتح المشرعون هذا الباب بأن يجعلوا الطلاق في يد الرجل وحده، ثم أن يقع ~~منه متى نطق بكلمته هل كان الطاعنون إلا وراءنا بكثير، ولكن لا حول ولا قوة إلا ~~بالله قد دخلت على الدين أشياء هو منها براء، وأضيفت إليه شروح ومطولات تحوي ~~كثيرا يتمسك به غير المسلمين ويسموننا مرة متأخرين وأخرى رجعيين، ولو فهمنا ~~روح ديننا الحق وأفهمناها لهم لسكتوا أمام كمالها مبهوتين. # عن الدين الحنيف أخذت الأمم الطلاق، ولو بحثت فيما تعمله اليوم من القوانين ~~لوجدته يسير تماما مع تلك الروح العالية، ولكنا لا نريد أن نتعب أنفسنا ~~بالبحث عما عندنا من الجواهر المكنونة في كتاب الله الكريم. # ولو أن الناس من المسلمين لم يقفوا وقفتهم التي وقفوا، بل جعلوا وجهتهم ~~التقدم وترقية المبادئ التي عندهم؛ لما وجدوا من شرعهم إلا مساعدا لهم على ~~عملهم، الذنب - يعلم الله - على المسلمين لا على الإسلام، في كل هذه الوقفة ~~الطويلة من غير سبب. # إن الحنيفية الغراء شريعتنا شريعة سير إلى الأمام، هي الشريعة التي تساعد ~~الكون على التقدم والارتقاء وتوافق العقل على أن يكون حرا في تفكيره، فلم ~~نحرم نفسنا هذه المزايا العظيمة التي تهبها إيانا. # لسنا في ms217 الحقيقة نتبع الإسلام في مركزنا الذي سكنا إليه وتمادينا عليه، ~~ولكنا نتبع مجموع عوائد الأمم الإسلامية حين ابتدأ تقهقر الأحوال واختلال ~~الأمور وفساد الزمان، ننصر أيام الظلمات ونساعدها على البقاء حتى أمام النور ~~الساطع الذي تبعثه علينا مجاوراتنا من الأمم بعد أن ساعدنا أمام نور ديننا ~~وهديه. # أعطى الإسلام المرأة ما أعطى للرجل إلا فيما نص عليه القرآن من مسائل ~~الشهادة والميراث وأشياء أخرى معدودة، فلم نعتدي نحن على القرآن باعتدائنا ~~على المرأة؟ لم نسيء معاملة من أوصانا صاحب الشريعة السمحة بحسن معاملته؟ هل ~~بعد ذلك نحن لديننا حقيقة متبعون. # الآيات التي قدمنا تعطي المرأة حق الطلاق من غير ما قيد، فهلا نعطيها نحن ~~ذلك الحق ولو بألف قيد وقيد، هلا نعطيها إياه في أحوال مخصوصة ومعدودة، إننا ~~إن فعلنا ذلك نكن وافقنا العقل والشرع وخدمنا مصر خدمة الصادق الأمين. # 2 # من الناس من لهم غرام مخصوص بالشكوى والتألم، فإذا ما أردت أن تزيل سبب ~~شكواهم وقفوا في وجهك وحاربوك جهدهم وطعنوا عليك، ثم لا تلبث أن تتركهم حتى ~~يرجعوا إلى ما كانوا فيه من الضجيج والتأوه، ويستغيثون بمن لا يغيث بعد الذي ~~رأى منهم! ذلك لأنهم يحسون بالألم ولا يفكرون في موضعه ولا أي شيء هو، إنهم لا ~~يقدرون على تشخيصه لذلك هم لا يقدرون على مداواته. # في الإنسانية أدواء كثيرة يعوق عن مداواتها هذا الصنف من الناس، ومحال أن ~~يخلو الوجود منهم، ويساعدهم آخرون ليسوا مثلهم صرعى بتمجيد الماضي بحق ومن غير ~~حق، ولكنهم يريدون أن يكسبوا لأنفسهم مركزا ذا قيمة في الوجود، وأن يجدوا ~~حولهم أتباعا وأنصارا هم أكثر فرحا بعدتهم منهم بقيمتهم. # هؤلاء لا تدفعهم لعملهم الفكرة الممحصة، وإنما تدفع الأولين منهم حمية تشغل ~~كل وجودهم، وينساقون بها إلى مواقف ما كانوا يقدرون مطلقا أنهم واصلون إليها، ~~ويدفع الآخرين غرضهم من حب الظهور بأي وسيلة ممكنة، هم يحصرون تفكيرهم في البحث ~~عن هذه الوسيلة مدفوعين بهذا الغرض، ولا يهمهم من بعد ذلك خرب الكون أو عمر، ms218 ~~وإن ادعوا بالطبع أنهم للإصلاح عاملون، ودعواهم مقبولة على العين والرأس من ~~الأكثرين. # الآلام التي تضج لها بلدنا كثيرة جدا، أحدها الصلات العائلية فيما بين ~~الزوجين - يدخل في ذلك الزواج والمعاملة وتعدد الزوجات والطلاق إلخ - وسببها لا ~~يختلف في كثير عن أسباب العلل الأخرى، ولكنه أشد استعصاء في المداواة؛ لأننا ~~فيه محافظون أكثر منا في غيره، كلا بل نبلغ بمحافظتنا حد الجامدين ~~المتقهقرين. # علة العلل وسببها الأول في كل شيء نقص الحرية، وكلما تقدم الناس إلى جهة ~~الكمال منها وتمتعوا بها زالت عللهم؛ ذلك هو السبب أيضا فيما نراه مما يخص ~~العائلة. # للرجل ما يسميه البعض حرية أكثر مما يلزم، وما أسميه أنا حرية ناقصة، إن كل ~~خطوة يزيد بها الفرد عن حقه في الحرية ترجع عليه فتنقص من حظه بمقدارها؛ لذلك ~~رجع كل ما عند الرجل من زيادة فأفسد عليه وعلى المجموع طعم العيش كما ترك ~~المرأة في بؤس قد تحس وقد لا تحس به. # يشكو الناس عندنا ولا يجدون دواء لسهر الرجال المفرد ونساؤهن جالسات في ~~الدور، يلعب النوم برؤوسهن فيغالبنه، ويأخذ الضيق بخناقهن فيتنهدن، ولا ينفذ ~~صبرهن في انتظاره، ويضرع الكتاب إلى الرجال مرة ويؤنبونهم على عملهم أخرى لعلهم ~~يرجعون، فيذهب تأنيبهم وضراعتهم سدى، ويبقى الرجال على ما هم عليه يقضون قسما ~~كبيرا من أوقاتهم في القهاوي. # وإذا غضبت المرأة عليه ساعة رجوعه، أو أظهرت أمامه الألم أعطاها ظهره إن لم ~~ينتقم منها بأنواع الانتقام. # يشكون كذلك مر الشكوى من تعدد الزوجات، ويصورون العائلات المصابة بهذا المرض ~~بأشكالها الفظيعة المؤلمة، ومع ذلك فتعدد الزوجات لا يزال شائعا في معظم ~~الطبقات وخصوصا في الأرياف شيوعه من قبل، ويأتيه الرجال لسبب ومن غير ما سبب، ~~بل في أحيان كثيرة جدا انتقاما من زوجتهم الأولى، والأمة تنتظر لصلاح هذا ~~الحال قضاء السماء. # والشكوى من الطلاق أمر وأدهى، ذلك فظيعة الفظائع ورأس الآلام، وإن أكثر ~~الناس نكاية منه من أصيبوا به من غير أن يريدوه، ولكنهم في ساعة حدة لفظوا كلمة ms219 ~~الطلاق الكبير طلاق الثلاث فبانت زوجهم، وهم مكلفون لاسترجاعها أن يلجأوا لما ~~تشمئز منه نفوسهم . # وإذا كنتم يا قوم تروم كل هذا موضع شكاية وألم، فلم لا تفكرون في العمل ~~لتخفيفه إن لم يكن في الإمكان القضاء عليه! من ذا يمسك أيديكم عن العمل إن ~~شئتموه؟ إنني على يقين من أن المشرع لا يبخل على الأمة بما يصلح أمرها؛ إذ ~~تلك هي وظيفته ومن غيرها لا معنى لوجوده، وإنما يغل يده أحيانا عن تنفيذ ما ~~يراه هو الخير ما يتوقع من السخط العام وما يتخوف من ألسنة المتكلمين وأقلام ~~الكاتبين، ولكن اليوم الذي يجد فيه لعمله نصراء ومعززين هو اليوم الذي يضع فيه ~~القانون المعقول ويعمل لتنفيذه. # وعهدنا بحكومتنا أن تنظر في مثل مسائل الأحوال الشخصية بعين خالصة كل غرضها ~~خير الأمة، وما أحسب قانونا يضمن لنا زوال القسم الأكبر مما نشكو منه، ويقيم ~~لنا أساسا نبني عليه سعادتنا العائلية وطمأنينتنا مثل ما اقترح وضعه. # يقوم هذا القانون حدا لغي الرجل في معاملة زوجته؛ إذ ما دام يعلم أن هناك ~~شيئا من شبه المساواة بينهما فهو يعاملها كصاحب لا كمتاع، وما دام يعلم أن مس ~~شرفها وكرامتها ليعطيها حق التخلص من الرابطة بينهما فهو لا شك عامل للمحافظة ~~على ما له من الميزة بتحسين خطة سيره. # يقوم كذلك في وجه تعدد الزوجات؛ لأن الرجل يخشى أن يغضب بذلك زوجته الأولى ~~فتتركه، كما أن هذه الميزة لها على الزوجة الثانية تعطيها - وخصوصا فيما لو ~~كان لها أولاد - سلاحا وقوة تتدبر معه كثير من النساء حين يراد أن يأتي بهن ~~زوجات ثانيات. # يقلل كذلك من الطلاق إلى حد كبير؛ إذ أنه سيبقى كما هو في يد الرجل وحده ما ~~دام حسن السير مكتفيا بزوجته، ولا يكفي للتفريق بينهما أن تخرج من فم الرجل ~~كلمة الطلاق، بل لا بد أن يكون مريدا له وناويا، وأن يبلغ علم الزوجة، وإنا ~~لنرى أكثر الأحوال من يتألم ساعة لفظ الطلاق أشد الألم لا لأنه طلق زوجته ms220 فقط، ~~ولكن لأن في الدار الآن من هي فرحة مسرورة يلعب حولها أبناؤها ناعمين بجوار ~~أمهم وينتظرون بفارغ الصبر عودة أبيهم يقبلهم ساعة دخوله؛ فإذا هو يحمل لهم معه ~~الشر ويأتي منذرا بالسوء، وما أراد أن يكون ذلك النذير الكريه. # كما فلاح من طبقة العمال - أولئك الذين لا يقرأون الجرائد ولا يفهمون كتابة ~~الكتاب - كان يأتي متألما، ويكاد المسكين يبكي وينفطر قلبه لأنه حلف على زوجته ~~بالطلاق من غير ما سبب، وكم كانت تنشب العداوة بين رجلين لأن واحدهما طلب إلى ~~الآخر أن يأخذ معه (فنجال قهوة) وإلا فامرأته طالق، ومصلحة الآخر تناديه ألا ~~يضيع من وقته؛ وبذلك تطلق زوجة الرجل. # يعلل المنتصرون للحاضر وقوع الطلاق في هذه الأحوال بأنه عقاب للرجل على ~~تسرعه، وإذا سلمنا أن الرجل أخطأ فما ذنب المرأة وما ذنب الأولاد وما ذنب ~~أهلها؟! أي عدالة توقع العقاب على رأس بريء إلا عدالة مجرمة؟ ألا إن ربنا أكبر ~~عفوا وأوسع حلما من هذا ولكن الناس إلى الظلم أميل. # وقوع الطلاق على هذا الشكل لا شك بقية من بقايا الفكرة العتيقة الخاطئة، فكرة ~~أن المرأة لا روح لها، تلك الفكرة التي يدعي عليها كثير من الغربيين أنها من ~~ديننا وهو منها بريء، جاءت أيام الجهل حين كانت تدخل الأفكار الزائفة فتجد في ~~الوجود مجالا، ثم بنيت عليها أحكام ليست أقل منها فسادا. # لنرجع في أحكامنا وتشريعنا إلى أصل الدين وهدى العقل ونوره؛ نبلغ كثيرا من ~~السعادة التي يطلبها الناس من وراء قوانينهم، وإلا فما دمنا نرى الجرح الدامي ~~ولا نستطيع أن نضع يدنا عليه فسيبقى الدم ينزف حتى يبلغ بنا الحال إلى ضعف ~~كبير، أخشى أن يكون إلى الموت. # 3 ~~(يجوز للحر أن يتزوج أربع نسوة في عقد واحد أو عقود متفرقة.) # تلك هي المادة (19) من قانون الأحوال الشخصية الذي اعتمد عليه، لا لأنه ~~القانون المتبع عندنا، ولكنه خلاصة بحث في مذهب الإمام أبي حنيفة. # رأى الأستاذ الشيخ محمد زيد الأبياني في شرحه هذا الكتاب أن زواج ms221 أربعة في ~~عقد واحد ليس من الأمور السهلة التصور على الشكل المعتاد؛ إذ لا يعقل أن يقبل ~~أربع نسوة أن يكن معا زوجات رجل واحد، فضرب مثلا أقرب للعقل وأسهل في ~~التصديق، قال في صحيفة (38) من الجزء الأول ما نصه: ~~(بل يقتصر على أربع نسوة في عصمته سواء كان تزوجهن في عقود متفرقة، ~~كما إذا تزوج كل شهر مثلا واحدة أو في عقد واحد بأن وكل أربع نسوة ~~رجلا في أن يزوجهن لفلان فقال هذا الوكيل للرجل زوجتك موكلاتي فلانة ~~وفلانة ... إلخ، فقبل الرجل صح هذا العقد بالنسبة إلى الجميع إذا لم ~~يكن متزوجا غيرهن.) # والأستاذ طبعا يريد أن كلا وكلنه وهي لا تعلم توكيل ~~الأخريات. # ما أظن في القوانين الشرعية شيئا يقف في وجه القرآن أكثر من هذه المادة، هي ~~ضد روح الآيات التي نزلت في تعدد الزوجات وضد لفظها أيضا، وما أدري كيف تكون ~~من الشرع في شيء بعد ذلك. # حدد القرآن مسألة التعدد بحدود شديدة ولم يبحها إلا عند الضرورة، ~~فقوله تعالى: # فانكحوا ما طاب لكم من النساء ~~مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا ~~فواحدة # ثم أتبع ذلك بقوله: # ولن ~~تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا ~~تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة # ليس ~~مما يحرض على تعديد الزوجات مطلقا، بل يكاد يحرمها قطعا إلا لضرورة ~~ملجئة، وليس التحليل للضرورة إباحة مطلقة كما يفيده نص المادة. # أو أن أسيادنا الشرعيين يعتبرون أحكام القرآن الشريف تضعف هي الأخرى بالزمان، ~~فيصبح ما كان محظورا من المباحات؟ حاشا كلام الله الكريم أن يكون ككلام البشر، ~~وما دمنا معتقدين به آخذين بنصوصه فالواجب أن نسير على مقتضى ما تقرره، وإذا ~~كان الزمان الفائت قبلنا قد جاء فيه بعض الخطأ فعلينا أن نصلحه. # لم يكن تعدد الزوجات من الفضائل الممدوحة في زمن من الأزمان، وإنما هو ~~كالأمراض اللازمة التي تعتري الجسم أو العقل، نحن مجبورون على احتمالها ما دام ~~تركيبنا يستلزمها، كذلك الأمم التي يضعف فيها معنى العدالة ويتمشى إلى نفوس ms222 ~~أهلها شيء من فساد الاستبداد، وتفقد بين أفرادها المساواة، تميل إلى صنوف من ~~الترف توافق هذه الحال فيستكثر أغنياؤها من شراء الموالي واتخاذ الزوجات ~~واقتناء كل شيء من شأنه أن يشبع منهم ذلك الإحساس الذي يملأ كل وجودهم من حب ~~السلطة والسلطان والاستبداد بشأن غيرهم، ولولا أن ألغي الرقيق من العالم لكنا ~~نرى مصداق ذلك في بلاد كثيرة محرومة منه اليوم، بل إن تركيا ظلت إلى عهد ~~دستورها متجر رقيق هائل، ولم تزل إلى حد كبير رائجة السوق في العبيد والإماء ~~خصوصا على شواطئ البحر الأحمر، والفقراء تقليدا للأغنياء يعددون ~~زوجاتهم. # هذا المرض قديم في بلادنا، وحالنا اليوم تبشرنا بأنا نسير نحو الشفاء منه، ~~ولكنه سير بطيء يكاد يكون غير محسوس، ولازم أن نستحث السائرين بل أن ندفعهم ~~بعض الشيء حتى لا تكون حركتهم ذنب كل الحركات الأخرى، وعلمنا في هذا ليس بأقل ~~أهمية منه في غيره؛ لذلك ليس من العقل أن نغضي عنه قائلين هذا ثانوي ~~فاتركوه. # صحيح أن تعدد الزوجات نتيجة لا سبب في أصل وجوده، ولكنه أصبح اليوم سبب مفاسد ~~شتى وخراب للعائلات كبير، وأصبح من المحتوم العمل للقضاء عليه حتى يقضى على ~~نتائجه. # كم من عائلة تفرقت أيدي سبأ من وراء تعدد الزوجات، كما من إخوة تنازعوا ~~واقتتلوا وتباغضوا لأنهم من زوجات مختلفة، كم نسوة بائسات يذرين الدمع على ~~شبابهن وعلى حياتهن لأن أزواجهن قد تركوهن وتأبى عليهن عفتهن أن يخاللن. # ويعلم الله أن الحال الحاضرة عندنا، وظلم الرجال الفاحش، يجعل للمرأة عذرا إن ~~اتخذت رفيقا. # للمرأة شرف تحافظ عليه، عفافها يجب أن يبقى مكرما، يجب أن تبقى طاهرة الذيل ~~نقية العرض، كل هذا صحيح ولكن المرأة لا تزال ولن تزال بنت آدم وحواء، ولها ~~نفس تحس وتتألم، وحق إن اهتضم أثار من كامن ما بين جوانحها ما قد يدفعها ~~إلى غير ما تحب هي وترضى. # لم يميل الناس على المسالم ويريدون نهبه وغصب كل حقوقه؟ ثم إن أراد ~~الانتقام منهم رموه شر الرميات وسموه أقبح ms223 الأسماء. # وإني لأعتقد أن كل خطوة تخطوها الأمة نحو استقلالها وحريتها تضيف حتما إلى ~~إحساس المرأة دقة كما تضيف إلى إحساس الرجل، وتجعلها كما تجعله أقل احتمالا ~~للضيم، وإذا كنا جميعا نعمل جهدنا وبكل وسيلة لننال حريتنا فمن العقل أن لا ~~ننسى النتائج اللازمة عن هذه الحرية. # إننا في سعينا وجهادنا لا نعمل للحاضر وحده، ولكنا نعمل لكل الأجيال القادمة، ~~نعمل لأزمان لا تدري أشكال الناس الذين سيكونون فيها ويكون أثرنا عليهم قويا ~~بمقدار أثر من قبلنا علينا؛ إذن فلنكن أبعد نظرا من أن يحد الحاضر عيوننا فلا ~~نرى إلا أنفسنا. # وكل يوم نكسبه للتشريع الذي نريد إدخاله على قانوننا يوم كبير النفع؛ لأن ~~القوانين لا تنتج أثرها بمجرد إصدارها، بل هي تأخذ زمنا طويلا لتدخل في أخلاق ~~الأمة وتمتزج بعادتها. # ولو أنا لنعطي المرأة حق طلاق نفسها بالشروط المذكورة في المواد؛ أي على أن ~~تخبر به زوجها وهي تريده وتنويه، لوفرنا على الزوج أن يكون في موقف قد لا يرضاه ~~أحيانا، كما أنا نكون أعطينا المرأة قوة كافية تحارب كل فساد يأتي على العائلة ~~من جهة زوجها، أو يريد أن يأتي عليها نتيجة ما عندها من الضعف الطبيعي المركب ~~في النفس الإنسانية، كما أنا نحميها كذلك من شقاء كبير معلق على رأسها تتوقعه ~~كل آن وحين، ونضمن للرابطة التي بين الزوجين أن تبقى الرابطة الحرة الشريفة ~~المبنية على اختيارهما. # إذا كان ملاك الأراضي في هذه الأيام يطبعون إيجاراتهم ويضعون فيها ألف قيد ~~وشرط على المستأجر، وتنفذ هذه الشروط عليه متى أمضاها، فلم لا يحتوي عقد ~~الزواج، وهو أهم ألف مرة من الإجارة، الشروط اللازمة مطبوعة عليه؟ وبكلمة أخرى: ~~حيث إن ورقة العقد ورقة رسمية وهي الحكومة التي تطبع هذا العقد، لم لا يدخل ~~حق الطلاق للمرأة في مواد القانون ولو في هاته المسائل المحدودة القليلة ~~جدا التي ذكرنا. # ولا يجب أن ننسى أن فتح باب الحرية في هذه المسألة يسمح لعقد الزواج أن يسير ~~سيره الطبيعي، ويعطي النتائج المطلوبة ms224 منه، وينتفي عنه هذا الشكل القبيح من أنه ~~عقد استرقاق للمرأة يملك به الرجل كل شيء من أمرها، ويصرف بيده حياتها ~~وحريتها. # جاء في قانوننا المدني أن إجارة الأشخاص مدة الحياة غير ممكنة، وتعليل ذلك أن ~~فيه عودة للرق القديم، أليس عقد الزواج على ما عندنا أكثر من إجارة شخص، بل هو ~~شراء شخص يبقى في حيازة الشاري ويرده له القانون بقوة البوليس إن نشز مهما أساء ~~المالك معاملته ومهما اشترى إلى جانبه زوجات أخريات؟ فمن العدالة إذن أن ننفي ~~ولو إلى حد محدود هذه الصفة الدنيئة عن هذا العقد الشريف، ونعطي للمرأة حق ~~الطلاق متى ارتكب الرجل الجرم الفظيع المخيف جرم تعدد الزوجات. # 4 # نص ثالثة المواد التي نريد إدخالها إلى قانون الأحوال الشخصية هو: # لا يقع الطلاق إلا إذا كان المطلق يريده وينويه وأن يعلم الزوجان ~~به. # وكل طلاق ينقصه أحد هذين الشرطين لا يقع. # قسم الفقهاء العقود إلى عقود يبطلها الهزل وعقود لا يبطلها، وهاته الأخيرة هي ~~النكاح والطلاق والعتاق، فلو فرض أن فتاة خفيفة الروح جلست إلى جانب صديق لها ~~أو ابن عمها يتقاصان الأحاديث ويضحكان، فقالت في ضحكها: (بدي أجوزك يا ابن ~~عمي) وقبل هو، أصبحت زوجته وملك عليها كل ما يملك الرجل على امرأته، كذلك لو في ~~هزل الرجل مع زوجته جرى على لسانه الطلاق طلقت زوجته أو أكره على ذلك وقع ~~طلاقه، وكالطلاق العتق وهو ما لم يبق له أثر بعد زوال رق الأفراد؛ لذلك جاء ~~في المادة (217) فقرة ثانية من قانون الأحوال الشخصية ما نصه: ~~(ويقع طلاق كل زوج بالغ عاقل ولو كان ... مكرها أو هازلا.) # وأضاف الأستاذ الشيخ محمد زيد الأبياني في شرح هذه المادة قوله: ~~(وكما يقع طلاق المكره عند أبي حنيفة يقع طلاق المخطئ والناسي ~~فالمخطئ هو الذي يريد أن يتكلم بغير الطلاق فيجري على لسانه الطلاق، ~~والنسيان لا يتصور إلا في فعل الشرط المعلق عليه الطلاق ... إلخ.) # وفي كل هذه الأحوال يقع الطلاق بلا نية. # لما أسند الفقهاء ms225 الطلاق للرجل دون المرأة عللوا ذلك تعليلات شتى أكثرها ~~تداولا أن النساء يجزعن غالبا فيتأثرون بأقل مؤثر فيقدمن على الطلاق كثيرا، ~~ولما كان مبنى عقد الزواج الاستمرار طول الحياة أو أكبر زمن ممكن، جعل سبب ~~التخلص منه بيد الرجل؛ لأنه أقدر على نفسه وأكثر كبحا لجماحها، ولا يندفع ~~بالسرعة التي تندفع بها المرأة. # كل هذا كلام حسن ونتائج مبنية على أسباب ما داموا يعتقدونها صحيحة فالنتيجة ~~قوية جدا، ولكن أليس يعد مناقضة نفسهم بنفسهم أن يأتوا بعد ذلك فيقولون يقع ~~الطلاق ولو لم ينوه الرجل أو لو أكره عليه، يقع مادامت تجري حروفه على ~~لسانه، وكان في شخصه قديرا على إيقاع الطلاق، ما أظن أحدا ينكر ذلك مهما أراد ~~الانتصار للمذهب القائم اليوم. # والذي أعتقده أن الذين قالوا الكلام الأول وعللوا ذلك التعليل المعقول، هم ~~غير الذين أصدروا الحكم الثاني، وقليل من البحث يكشف الغطاء عن هذه الحقيقة، ~~ويبدر إلى ذهني أن القائلين بوقوع طلاق المكره والسكران ومن لم ينو الطلاق ~~هم جماعة من يعتقدون أن المرأة لا روح لها وبالتالي فلا قيمة لها، ومن لا روح ~~له ولا قيمة له بقاؤه وعدمه سيان، خصوصا وأن الرجل يستطيع أن يضم إلى بيته ~~من النسوة أربعا ومن الموالي ما شاء. # هل بقي من أحد يقول بهذا الرأي اليوم ويعد نفسه إنسانا عاقلا؟ هل في بلادنا ~~من يرى هذا الرأي فيظهره لنا ويجهر به ويقيم على قوله أدلته؟ أحسب الناس أصبحوا ~~أعقل بكثير من هذا، والزمان الذي يبين كل يوم عن جديد كشف عن أن المرأة إنسان ~~مثل الرجل تحس وتتألم وتفكر وتعيش. # من أجل أن يتم الإنسان أصغر الأعمال قيمة نراه يطيل التفكير والتقدير، ~~ويستشير معارفه وذوي الخبرة فيما يريد عمله، وينتظر اليوم وغدا وإلى شهر حتى ~~يقلب الموضوع في رأسه على مختلف وجوهه، ويقدم ويحجم ويكاد يكون انتهى ~~من كل شيء، ثم إذا هو أعاد الكرة وبحث من جديد، فإذا ما وثق من عمله أتمه ~~بكل تحرز وتحفظ، وإن تعلق ms226 هذا العمل بغيره دارت بينهما مكاتبات ومناقشات وجرى ~~بينهما رسل ومتكلمون، أفنجعل نحن الطلاق مستهانا بأمره بحيث يقع لشيء وللا ~~شيء، وسواء فكر الرجل فيه أو لم يفكر وأراده أو لم يرده وعلمت به زوجته أو لم ~~تعلم نجعله ألعوبة وأضحوكة. # يقال إن العرب قبل الإسلام كانوا إذا أرادوا الطلاق أدارت المرأة وجهة بيتها ~~فجعلت الباب بدل أن يكون شرقيا غربيا مثلا (وهذا سهل بالطبع في بيوت ~~الشعر) فمتى رجع الرجل ورأى ذلك علم أن قد انتهت العلاقة بينه وبين زوجته، ~~وما أحسبها كان تأخذ هذا العناء قبل أن تفكر في الأمر وتصمم عليه، وإذا ~~اتفق أن ساقها طيشها إلى البدء فيه فإنها في أثناء العمل تتروى في المسألة ~~وترجع إلى صوابها، وإن أحوج الأمر ردت البيت إلى أصله، والتشريع في كل الدنيا ~~يسير إلى الإمام لا إلى الوراء ويزيد في حرية الناس ولا ينقص منها. # وليت التشريع الذي عندنا وقف عند الحد الذي ذكرنا، بل إن فيه سوى هذا مضحكات ~~مبكيات فيما يختص بالطلاق والزواج، يقف عليها من كلف نفسه عناء مراجعة أي ~~كتاب من كتب الفقه ولو أصغرها حجما، أو ما كتبه أقلام مفكرين اضطروا بحكم ~~الوسط والحال التي وجدوا أنفسهم فيها لتسطير أشياء لو أنهم جلسوا بعيدا عن ~~بلدهم وعن التفكير العام فيها لخجلوا من تسطيرها. # وإني موقن أن ليس في بلدنا مفكر إلا هو آس آسف على كثير مما في قوانيننا، ~~كما لا أحسب أحدا يظن مجرد ظن في الدفاع عن فكرة وقوع الطلاق من غير نية، وأن ~~أعمالنا اليومية من أكبرها إلى أصغرها لدرس غير صغير يعلمنا أنما الأعمال ~~بالنيات وأن لكل امرئ ما نوى. # بل الذي أعتقده أن كثيرين عندنا ممن خصصوا أنفسهم لدرس شيء غير القانون ~~لا يعرفون أن الطلاق يقع بلا نية، وكيف يدور ذلك بخلدهم وأن القانون إلا تقرير ~~ما يفهمه العقل، وتوحي به المنفعة وكل قانون لم يتوفر فيه هذان الشرطان قانون ~~فاسد، وإنهم ليدهشون متى علموا ذلك، ويزيد دهشتهم ms227 إذا رأوا أن من الناس من لا ~~يزال يجول بخاطره أن يدافع عن أمر غير معقول. # هذا الشيء الخطير - الطلاق - يكاد يكون الشيء الوحيد الذي ينفذ على الإنسان ~~ولو لم ينوه، ولو قاله مخطئا أو ناسيا، وما سواه يستلزم النية، أشياء ~~كثيرة جدا في قانون العقوبات متى فقدت شرط النية سقط العقاب عن مرتكبها، فإذا ~~فرضنا فرضا غير معقول من أن الطلاق عقوبة نصبها على رأس الرجل، فما أصل جريمته ~~التي تعاقبه من أجلها؟ ثم أي شيء يوجب اشتراك المرأة فيها حتى تقع هي الأخرى ~~تحت طائلة العقاب؟ والأبناء - إن كان ثمت أبناء - ما ذنبهم؟ # قلبت ما استطعت أمام نظري علي أجد مبررا لوقوع الطلاق من غير نية، فرجعت ~~من تعبي بخفي حنين، رجعت خجلا أن نبقى السنين الطوال - إن لم يكن القرون - تحت ~~حكم قانون غير معقول ونحن به راضون ولأحكامه خاضعون، وعدنا من الشراح من يعلق ~~عليه الشروح الطوال وينتحل لبقائه أعذارا هو أعلم مني أنها واهية، رجعت وقد ~~علمت أن لا سبيل لإصلاح خطأ الماضي إلا القضاء عليه وإصدار تشريع جديد يسير مع ~~روح الشرع ويقبله العقل. # 5 # يجوز للزوج شرعا أن يؤدب زوجته، فإذا أحوج الأمر أن يضربها أبيح له ذلك على ~~أن يكون الضرب خفيفا، فإذا ما اشتد الخصام بينهما أو رفع الأمر إلى الحاكم فله ~~أن يعين عدلين ويجعلهما حكمين، والأولى أن يكون أحدهما من أهله والآخر من ~~أهلها ليستمعا شكواهما وينظرا بينهما ويسعيا في إصلاح أمرهما، أما إذا اشتكت ~~المرأة نشوز زوجها وضربه إياها ضربا فاحشا ولو بحق وثبت عليه ذلك بالبينة ~~يعذر (راجع المواد 209 و210 و211 من قانون الأحوال الشخصية). # هذا هو الشرع على ما فسره فقهاؤنا، أي أن ليس للمرأة على الرجل من شيء فيما ~~يختص بمعاملته إياها إلا أن لا يضربها ضربا فاحشا، وتقدير فحش الضرب بالطبع ~~يختلف على حسب القضاة، فمنهم من يعتبره كذلك لمجرد ظهور أثر الكرباج على جسمها، ~~وآخرون لا يقتنعون إلا إذا كان من نتيجته ms228 كسر ذراعها أو ساقها أو أحد أعضائها، ~~وفيما سوى هذا فلا حق لها في الشكوى. # يحكون عندنا حكاية تفسر ذلك الرأي تفسيرا ظاهرا؛ ذلك أن امرأة اشتكت زوجها ~~للقاضي مدعية عليه سوء معاملتها، فلما سئل الزوج عن ذلك أجاب: اسألها يا سيدنا ~~القاضي: هي جعانة؟ # أجابت المرأة: لأ. ~~- والهدوم اللي هي لابساها: مين شاريها؟ ~~- جوزي. ~~- الولد اللي في بطنها من مين؟ ~~- من جوزي. كان ذلك جواب المرأة في حياء. ~~- اسألها يا سيدنا القاضي عايزة إيه لسه؟ # فاقتنع القاضى بأن المرأة لا حق لها في شيء وطردها من مجلسه. # هذا مبلغ ما تفسره به العلاقات الزوجية عندنا، والزوجة مهما كانت رقيقة حساسة ~~كان زوجها شرس الطبع قبيح الخلق ثقيل الدم، مهما عاملها أقبح المعاملة فهي لا ~~تجد ما يدفع عنها شراسة طبعه ولا ما يحميها من رذائله، وبمقدار ما أهملها ~~القانون وتشكلت طبعا بشكله العادات فساعدته أن يضيف إلى هذه الأخلاق من ~~الزوج قوة، وبالزمان تتحول نفس المرأة من نفس صافية بكر لم تلطخ بسوء إلى نفس ~~شريرة دنيئة خبيثة، وبعد ذلك نقول: النساء شياطين. # قص علي بعض من أعرف الحادثة الآتية قال: كنت في بيت مأذون البلد وعنده ~~رجل وامرأته يريد أن يصلح بينهما ويرضي الزوج عنها أو أن يطلقها، فلم يكد يذكر ~~لفظ الطلاق حتى بدت على البنت علائم التأثر، وانهالت الدمعة من عينها ومانعت في ~~ذلك جهدها، وكلما استنكر المأذون سلوكها وسألها إن لم تكن كارهة زوجها حلفت ~~أنها لا تكرهه وكل مناها رضاه عنها، ولكن الزوج العنيد لا يريد أن يرضى ولا ~~يريد أن يطلق، وأخيرا ساعدت المأذون عليه حتى قبل أن يطلق بشرط أن تعطيه خمسا ~~وثلاثين مجرا عدد ما على برقعها، واشتد المأذون مع الصبية حتى قبلت أن تأتي ~~بها، وغابت ثم رجعت ومعها الذهب، فنقدناه فإذا أكثر من نصفه ذهب كذاب، فلما ~~أعلمناها الخبر ارتعدت مستغربة كيف يكون ذلك! وأخيرا جاءت بها ثلاثا وعشرين ~~مجرا صادقة ووقع الطلاق، وكتب المأذون ورقته وختمها الزوج، فما ms229 علمت أن أخذتها ~~بيدها حتى إذا الدار ترن بزغروتة طويلة، وإذاها تميل على يدي ويد المأذون ~~تقبلها ثم خرجت مستبشرة ضاحكة كأن قد حصلت على أكبر أمانيها، ثم أضاف إلى ذلك ~~ملحوظته: فانظر صاحبي مكر النسوان وخبثهن، ولتعلم أن من تحت رؤوسهن تأتي كل ~~الدواهي. # رواية مرتبة قامت الزوجة فيها بتمثيل فصلها أحسن قيام، حقيقة أنها خبيثة ~~ماكرة وعرفت كيف تصل إلى أن تطلق من زوجها، ولكن الذي علمها ذلك المكر كله ليس ~~أنها امرأة ولكن أنها مستضعفة أمام القانون والعادة، مهضومة الحق يداس كل ما ~~يخصها بالأقدام. # يوصف اليهود في نواح كثيرة من الأرض بالخبث والدهاء، ليس ذلك لأن خلقهم مركب ~~فيه الدهاء، وإن هم إلا ناس من دم ولحم ويأكلون ويشربون، ولكن الضغط عليهم ~~وتحميلهم الأذى والضيم والميل ضدهم يضطرهم للتهاون في حقهم، ثم يرسل إلى نفوسهم ~~الخديعة والختل والمكر؛ ذلك شأن كل المستضعفين في العالم، وذلك الحكم يحكم به ~~كل الأقوياء. # القضية العامة المسلم بها من الأكثرين أن المرأة ضعيفة، ولا نستطيع مع الأسف ~~أن نطبق عليها قانون بقاء الأقوى؛ لأنا في حاجة مطلقة لها، فإذا كانت ضعيفة ~~يكون من المعقول أن يأتي القانون لمساعدتها وتقوية عضدها، ويكون لها منه ظهرا ~~تستند إليه عند الحاجة، أو أن يزيدها على ضعفها ضعفا حتى يضطرها لأن تتحول من ~~المخلوق الوديع الصافي إلى المرأة الخبيثة الماكرة. # يضرب الرجل زوجته تأديبا لها إن أذنبت، ومن ذا الذي يؤدب الرجل في عظيم خطئه ~~وكبير اعتدائه كل يوم وكل ساعة؟ ليس من العدل أن يترك هكذا مطلقا يعمل ما ~~يريد ولا يجد من يرده عند حده، وليس من الإنسانية ولا من الرحمة أن تترك ~~المرأة الضعيفة من غير سلاح تدافع به عن نفسها. # إنا لا نريد لها أن تعتدي عليه يوما ما، هي أودع من أن تبلغ هذا الحد من ~~الوحشية، ولكنا نريد لها درعا تحتمي فيه وتدفع به عن نفسها أن أحوج الموقف ~~دفاعا وأن وجود درع لها ليكون من شأنه أن ms230 يرد الرجل إلى صوابه ويحفظ عليه غيظه ~~أغلب الأحيان، فلا يغضب لكل شيء بل ومن غير ما شيء، ولا يضايقها بزوجة ثانية ~~انتقاما منها، ولا هو يسيء معاملتها حتى يضطرها إن شاءت الخلاص أن تدفع له ~~جزية فادحة. # وما نطالب بكثير ولا نقول اجعلوا لها من الحقوق مبلغ ما للرجل؛ فإنا نعتقد ~~أن الرجال قوامون على النساء، ولكنا نريد أن تكون في مأمن من أن يتزوج بزوجة ~~ثانية إلا إذا كان الموقف يقتضيه بأن تكون الزوجة لا تصلح لشيء أو أن تكون سيئة ~~العشرة بحيث لا تحتمل، وفي كل حال أخرى تكون صلات الزوجية قد أصبحت معها غير ~~ممكنة، وفي كل هذه الأحوال ليس من السهل تصور المرأة تطلق نفسها لأنها تعلم ~~أنها تقضي بذلك على كل أمل لها في الحياة الهنية، أما أن نجبرها وهي زوجة صالحة ~~قائمة بواجبها على البقاء مع رجل قلبه صادف عنها إلى غيرها طامع في مطامع صغيرة ~~فذلك الظلم عين الظلم، وغير هذا من الأحوال التي ذكرنا في المواد المقترحة من ~~أسباب طلاق المرأة نفسها فأحسبه من الوضوح بحيث لا يحتاج كلمة عنه، وكيف نجبر ~~امرأة على بقائها مع زوج زان لنطالبها في الوقت عينه أن تكون عفيفة، أو مع زوج ~~ارتكب ما يمس شرفها وكرامتها، اللهم إن طالبناها بذلك فإنا نكون من الظلم بحيث ~~لا يحتملنا إنسان. # 6 # قيل إن امرأة كان لها صاحب تجلس إليه ويتقاصان الأحاديث، فأراد يوما أن يضحك ~~منها فحكى لها أن السلطان أمر بأن الزوجة يمكنها أن تطلق زوجها، فما لبثت أن ~~سمعت الخبر حتى قامت مسرعة وأخبرت به جماعة من صاحباتها، وما غربت شمس اليوم ~~حتى قررن جميعا تطليق أزواجهن. # سمعت هذه الأحدوثة مرات من رجال ومن سيدات، ويريد كل من قصها البرهان على أن ~~وضع الطلاق في يد المرأة يدعو إلى جعلها تسيء استعماله إلى حد فظيع، فلا يكون ~~أقرب على لسانها من لفظه عند كل صغيرة أو كبيرة تحدث بينها وبين زوجها. # إذا صح هذا ms231 فهو لا يمس المشروع الذي نريد أن يكون في قانوننا بشيء، فإنا ~~لم نعط المرأة الحرية في الطلاق إلى آخر درجاتها، كلا بل ولا إلى قليل منها، بل ~~حددنا هذا الحق لها وحصرناه ووضعنا له الضمانات بحيث لا يكون ألعوبة في يد ~~المرأة، وفي الوقت عينه يكون المؤدب الذي يتقي الرجل شره، على هذا فليس لأحد أن ~~يجعل موضع مناقشة للمواد أن المرأة سريعة الغضب أو أنها خفيفة العقل، فإنا لم ~~ندع لها أن تجعل من غضبها سببا في فساد. # هذا من جهة المواد في ذاتها، وأما من جهة تقرير الواقع فلست أرى من السهل ~~الحكم في المسألة بحيث نعطي عنها حكما عاما، وأخيرا كالذي تفيدنا إياه هذه ~~الأحدوثة، وكما يفتكر كثيرون فإنا لم نخبر المرأة بعد في هذا الموضوع، ~~والنظريات كثيرا ما يبين الواقع فسادها إلى حد كبير، كما أن بعضهم يرى العكس ~~من ذلك ويريد أن يكون الطلاق بمجرد إرادة أحد الزوجين في يد المرأة دون الرجل، ~~قال ذلك الكاتب: «الطلاق بإرادة أحد الزوجين تريدون؟ إذن فليكن طلاق المرأة ~~زوجها لا الرجل زوجه؛ إذ أن الطلاق بعض ما يسر به الرجل نفسه في حين أنه للمرأة ~~دواء محزن مؤلم لا تلجأ إليه إلا للضرورة المطلقة» على أنه لا ضرورة للتمسك ~~بشيء من هذا ما دام كل طلبنا ينحصر في نقطة محدودة وبسيطة وظاهرة. # يفكر آخرون ويظهر أن هؤلاء أكثر عددا من الأولين في إخراج الطلاق من يد كل ~~من الرجل والمرأة ووضعه في يد القاضي، فإذا ما اختلفا تخاصما إليه في خلافهما، ~~وله هو إذ ذاك الحكم ببقائهما أو بالتفريق بينهما بمقدار ما تثبت له الأدلة ~~الموضوعة أمامه من كلا الطرفين، وحكمه ككل الأحكام نافذ عليهما. # هذا كلام قد يتفق مع ظاهر القانون، ومن الممكن جدا لأصحابه أن يقولوا إنه ~~يضمن بقاء رابطة الزوجية، ويعطي للعائلة القوة اللازمة لحفظ كيانها؛ وبالتالي ~~لحفظ كيان الأمة، وإن الطلاق يكون معه نادرا مما يجعل الصلة بين المرء وزوجه ~~تصبح على ما ms232 يقصد منها شركة الحياة. # كل هذا حسن إذا صح ولكنا مع الأسف نراه غير صحيح؛ فإنه أولا لا يتمشى ~~بقليل ولا بكثير مع روح القانون؛ إذ القاعدة العامة حرية التعاقد وأن كل شخص ~~مكلف بالقيام بما تعهد به، فإذا لم يقم به كان للقاضي أن يقدر مبلغ الضرر ~~الذي ينتج عن هذا الامتناع في شكل غرامة مالية، وليس في طوقه أن يجبره على سوى ~~هذا؛ وإذن فإعطاؤه حق إرغام المرأة على بقائها مع زوجها أو الرجل على بقائه من ~~امرأته منافاة لروح القانون وللحرية الشخصية. # على هذا فإن ما يظهر على هذه الدعوى لأول نظرة من اتفاقها مع القانون غير ~~صحيح، ولا وجه للاحتجاج بما عند أوروبا؛ فإنهم كما ذكرت قبلا منتقلون من أن ~~عقد الزواج عقد فيه يد الله ولا يمكن حله، في حين أن عندنا حق الطلاق مطلق بيد ~~الرجل يصرفه كما يشاء، وإما أن هذا الرأي يعطي للعائلة قوة فهو تزويق ينجلي ~~لأقل تدقيق؛ إذ لو فرضنا تنفيذ قانون كهذا وحكم قاض ببقاء زوجة كارهة في عصمة ~~زوجها كان ذلك مما يدعوها لإدخال أبناء في العائلة لا حق لهم أن يكونوا فيها، ~~ويفسد بذلك أمرها وينقلب بنيانها وتضعف الروابط فيها بين الزوجين وبين الرجل ~~والأولاد، ويصبح حالها مزريا يستحق الرحمة. # وإن الشكوى التي عمت أنحاء أوربا اليوم من فساد العائلة هي في الواقع نتيجة ~~هذا الحجر على الحرية عندهم؛ فإن المرأة التي لا تجد وسيلة للخلاص من زوجها ~~بالقانون وتسد في وجهها أبواب الفرج، تلجأ إلى حمى غيره حتى تستريح من ~~عنائه، وما أدري إذا كان الحال على هذا عندنا غير أني أعرف أن كثيرات من طبقة ~~العمال والأوساط في الريف يركن إلى شيء يشبهه، فتجد الواحدة منهن من اللذة في ~~خيانة زوجها الذي تكره ما يحرضها على ارتكاب أشياء لم تكن ترضاها من قبل؛ وذلك ~~لتحمله على تطليقها. # إذن فليس بصحيح أن هذا القانون المرجو الذي يسمح للقاضي بالتداخل في أمر ~~الطلاق يكون سببا في احترام ms233 رابطة الزواج ولا في حفظ كيان العائلة، ولا في شيء ~~من هذا، بل إنه يكون اعتداء على حرية مقدسة هي حرية الإحساس ، ويضطر كثيرين ~~وكثيرات لإذاعة أشياء لا يودون إطلاع أحد عليها من أسرار العائلة، وهل من ~~العدل أو الذوق أو من المعقول أن يجعل الإنسان يسرد الحوادث الدخيلة التي تغير ~~من أجلها شعوره ليحكم فيها محكمون. # إذا كان هذا الرأي لا يسير مع القانون ولا يتفق مع المصلحة ولا ينصح به ~~العقل، فأي سبب دعا أصحابه للقول به ومنهم عقلاء مفكرون ليس من السهل الحكم ~~بأنهم قالوه جزافا؟ السبب بين واضح: أنهم رأوا كثرة الطلاق عندنا إلى حد مريع ~~وقفوا إزاءه مبهوتين، وأرادوا في الوقت عينه أن يجدوا ما يداووا به الحال، وأول ~~ما يطرأ بالبال أن يضع الإنسان في الطريق مانعا يقف في وجه الشر الذي يرونه، ~~وكأنما يغيب عنه أن وضع المانع يضيف إلى قوة هذا الشر المحجوز، فيدفع بناره كل ~~ما أمامه، ويسير بقوة أكثر من ذي قبل، في حين إن استطاع أن يجد له منفذا ينصرف ~~منه هدأ ذلك من حدته رويدا رويدا حتى يزول، كذلك لنقوم نحن في وجه الطلاق ~~بحزم وحكمة يلزم أن نضع مانعا في الطريق مسألة الإرادة والنية وعلم بالزواج ~~الثاني، ثم نفتح منفذا بإعطاء المرأة حق الطلاق ولو في المسائل القليلة التي ~~ذكرنا. # وإنه ليخيل لي أن هؤلاء المفكرين لم يرد ببالهم هذا الحل، ولو أنه ورد لما ~~استعاضوا عنه بديلا ولا عدلوا به آخر يقص أطراف حرية نملكها اليوم ويجعلنا بدل ~~أن نتقدم مع الزمان إلى أوسع نطاق ممكن من الحرية نتقهقر يوما بعد يوم، كما ~~أنه يظهر لي كذلك أن الحال في أوربا بلاد المدنية أثر عليهم فقالوا: وما لنا ~~لا نكون مثلهم فنبلغ مبلغهم وترقى العائلة عندنا رقيها عندهم! ولكن العادات ~~والأخلاق والآداب في الأمم لا تجيء مسألة نقل عن آخرين، ولكنها نتيجة عمل أزمان ~~وأجيال تنقلت فيها الأمة من حال لحال، وتدرجت من يوم إلى ما ms234 بعده، وتنمو فيها ~~عادة وتستيقظ أخرى، ويقوم قانون ويلغى آخر مع دورة الزمان؛ لذلك من الخطأ ~~الواضح أن تريد أمة إقامة بنيانها بمجموع أخلاق غيرها وقوانينهم وآدابهم؛ فإنها ~~إن عملت ذلك فقدت شخصيتها ونسي أبناؤها أنهم أبناؤها؛ إذ لا يجدون قلوبهم ملأى ~~باحترام ماضي أمتهم الطويل، وإن وجهوا أنظارهم لشيء وجهوها لمن أخذوا عنهم، ~~فتموت فيها صفات الأمة وتسقط عنهم كل معانيها. # حسبنا ما أخذنا في الماضي عن أوربا إرضاء لأطماع ملوكنا وحكامنا؛ فإنا لا ~~نزال ننوء بأحماله إلى اليوم، ولنجعل مستقبلنا دائما نتيجة من نتائج الماضي ~~تنقلها الأيام وتضيف لها قليلا قليلا من أجزاء الحرية التي نفقد، وإنا بعد ~~ذلك على يقين من أن الغاية التي نصل لها تكون أرسخ قدما ألف مرة مما لو ~~كنا لنستمر في التقليد البحت كما أنها تكون أقرب منالا. # 7 # من الأشياء التي تشغل فكر كل باحث في شأن العلائق بين الرجل والمرأة مسألة ~~العائلة، فهي دائما الغاية التي ترمي بفكره وأكبر آماله أن يصل من بحثه إلى ~~جعلها متماسكة وسعيدة؛ ذلك لأن العائلة هي الأمة المصغرة، فإذا ما سعدت هي ~~وتماسكت كان ذلك سعد الأمة وتماسكها، هي كذلك موضع فزع أنصار الحاضر المتخوفين ~~من كل تغيير المعتقدين أن كل خطوة إلى الأمام دخول إلى عالم الشرور، وهؤلاء ~~يخيل لهم أن الموجود مهما كان به من فساد وعوج خير من غير الموجود ولو تحقق عنه ~~النفع والخير. # لا حاجة لي أن أذكر هنا فساد هذا المبدأ، فلو تحقق يوما ما لكان الضربة ~~القاضية على العالم، ولو عمل به جديا لكنا اليوم لا نزال في عهد آدم ~~وحواء، هذا رغما عن أنه من المحال أن يعمل به إذ ما دام للناس في رؤوسهم عقول ~~يفقهون بها وأعين يبصرون بها فهم دائما سائرون أرادوا ذلك السير أو ~~أبوه. # مسألة العائلة مسألة كبيرة عويصة الحل، ومن أجل أن نصل إلى إسعادها يجب أن ~~نضع أمامنا فروضا كثيرة لنرى أيها يصل بنا إلى ما نشاء، وكما هو ms235 الحال في كل ~~أمور العالم يلزم أن نطلب دائما ما هو أحسن من الحاضر، ونوجه كل سعينا هذه ~~الوجهة غير متخوفين ولا مزعزعي العقيدة في ما نعمل أو الثقة بأنفسنا، يجب أن ~~نطلب ذلك مهما كان الحاضر حسنا؛ فإن الكمال لم تطأ قدمه أرضنا بعد، وكل عمل ~~الإنسانية إنما هو السعي نحو الكمال. # فرضت أمامي أشكالا من العائلة متعددة فلم يكن ما عندنا اليوم بخيرها، كلا بل ~~ولا هو بالحسن منها، وما بالك بعلاقة منغصة العرى ورابطة مفصومة، وأفراد كل يحس ~~من ناحيته غير التي يحس منها صاحبه، ويفهم بشكل غير الذي يفهم به الآخر، ويعيش ~~بعيدا عنه أغلب الأحيان، ويهتم بأمور لا تعني الثاني ولا يعلق عليها شيئا من ~~الأهمية، فإذا ما جمعتهم الصدفة أو الحاجة رأيت مجموعا مفكك الأجزاء يحكم عليه ~~أغلب الأحيان سكوت أخرس، وإذا ما تكلموا ظهر على كلامهم من أثر التكلف، ~~وينادي كل منهم صاحبه إما بألقاب التفخيم والتبجيل والإجلال أو الإصغار ~~والاستهانة، ما بالك بقوم ينحصر كل ما بينهم من الصلة في إنتاج الأبناء. # ولقد وجد من يهتمون بزيادة الأمة ضعفا عن ذلك المكان ما يبلغون به غرضهم، ~~فزادوا الهوة بين المتفرقين سعة وخرجوا الابن على غير شكل آبائه، وأعطوه من ~~التعليم ما لا يبقي له سبيلا لمشاركتهم في الإحساس، ولما كنا لا نهتم بشأن ~~الرابطة بيننا وبين أبنائنا وأزواجنا بما نفثه هذا الشكل من الحياة في قلوبنا، ~~لم نشعر بعملهم ورحنا نتخبط في البحث عن أذاهم وننسب لهم أشياء كثيرة صغيرة في ~~حين نسينا هذا الداء الكبير. # أصل هذا الضعف في البناء العائلى عندنا يرجع إلى أسباب متعددة، من أقواها ما ~~نعاني اليوم من تعدد الزوجات والطلاق، وما أحسب إنسانا يتردد مطلقا في القول ~~بأن وجود زوجتين لرجل واحد كلاهما أم تحب أبناءها يخلق بين الأبناء وآبائهم ~~أو بين الإخوة فيما بينهم من خير مطلقا، وإني أؤكد للقارئ أني أعرف أشخاصا هم ~~أكبر إخوانهم أعطتهم الصدفة من الحظ أن وجدوا بعيدا عن عائلاتهم ms236 هم ومن أصغر ~~منهم، وأوحى لهم عقلهم أن يجاهدوا ما استطاعوا لمحو كل ما من شأنه أن يعد فرقا ~~بين إخوتهم الأشقاء وبين الآخرين، وعملوا لذلك كثيرا، ومع ذلك وبعد أن حسبوا ~~أنهم أفلحوا إذا حوادث صغيرة أثارت خلافا ظهر لهم من خلاله مبلغ خطئهم، وأنه ~~لا تزال الفروق توجد، ويعد الصغير أحد أخوته أحب إليه لا لشيء آخر إلا لأنه ~~أخوه شقيقه. # هذه نتيجة مؤلمة ولكنها الواقع، وأكثر منها إيلاما ما أعرف كذلك عن كثيرين ~~شكوا إلي مر الشكوى مما تثيره زوج أبيهم بينهم وبين هذا الأب من الخلاف حتى ~~لتحمله أحيانا على إرسالهم على وجههم يبتغون رزقهم من غير ما رحمة ولا ~~حنان. # وأشد إيلاما وأوقع في النفس حال أبناء المطلقة، يا لشقائهم! لا يجدون في ~~الشتاء القارس مبيتا عند أحد، والزوجة الجديدة أو الزوجات الأخريات مع أبنائهن ~~في الكن والدفء، يسير ابن المطلقة البائس وسط صحن الدار يقرسه البرد، حتى إذا ~~ما كده الألم غلبه النوم فيلجأ إلى جانب من جوانب الدار يتخذ مخدة تحت رأسه ~~عتبة قاعة من القاعات أو قالبا من الطوب، أو يلجأون إلى غرفة الخدم، هذا في ~~الأرياف وما أدري ما شأن البائس المشرد تحت سماء القاهرة. # وليس أحسن حظا من ابن المطلقة الباقي مع أبيه ابن المرأة المكروهة من زوجها ~~التي تثير في نفسه لكل مقابلة لها معه من القسوة والحقد ما يجعله الأسد الضاري ~~المفترس. # يجب من أجل سعادة العائلة أن يكون بين الرجل وزوجته شيء من الحب، أو على ~~الأقل شبه الحب، وهل يتيسر ذلك مع تعدد الزوجات، كذلك لا بد أن يشعر الابن في ~~أعماق نفسه بالصلة الكبيرة بينه وبين آبائه، يجب أن يحس أن هناك بينهم شيء آخر ~~سوى أنهم ينفقون عليه ويقدمون له أسباب معيشته، إن هناك رابطة قوية بين أبويه ~~وإخوته وبنيه، وإن هؤلاء الذين يعيشون معه تحت سماء واحدة أيام صغره ليسوا ~~أفرادا أوجدتهم الصدفة، فهم كغيرهم بالنسبة له، ولا هم مضايقات أرسلت بها ~~الطبيعة ms237 لتفسد عليه حياته، ولكنهم أهله الذين يحبونه ويسرون معه ويتألمون ~~لألمه، وهل ذلك ممكن مع حالنا التي وصفنا؟ # إذا كانت السعادة غير ممكنة مع هذه الحال فأي لذة ترانا نجد في بقائها، أو أي ~~قوة ترغمنا على هذا البقاء؟ لم نتمسك بها ولا نبحث عما هو خير منها؟ هل ذلك ~~تعلق منا بالحاضر؟ # يقول أقوام: بالله لقد جربت علينا أشياء كثيرة في مسائل الحكومة والإدارة ~~ولم تنجح فلنقنع بما عندنا فيها وفي غيرها. ويقول آخرون: إن المساواة بين الرجل ~~والمرأة لم تجرب بعد في أمة من الأمم فلا نجربها نحن. ويتبع هؤلاء من يقول: ~~كذلك كل شيء لم يجرب عند غيرنا أحرى بنا أن ننتظر فيه الغير. وعار على الأمة كل ~~ما يقولون، هل قضي علينا قضاء أخيرا أن نكون أذنابا لكل الأمم؟ أم نحن من قصر ~~النظر وضعف النفس بحيث لا نستطيع سوى تقليد غيرنا. # أكرر أن لنا ماضيا يجب أن نحتفظ به ونبني عليه حتى يكون سيرنا أكيدا ~~ومعقولا، وأن نستمر في البناء مقدمين غير متهيبين؛ فإن الأمم مجموع أجيال على ~~قرون من الزمان عديدة، ونسيان الحاضر الماضي جريا وراء أقوام غيرنا قتل لقوى ~~وملكات، وفصم للسلسلة المتتابعة بين الأجيال، كما أن الرضى بالحاضر والتماوت ~~عليه وقوف في حين يمشي العالم وجمود غير مغتفر، فإذا صدق ما نطلب من التقدم ~~وإذا كنا ككل الناس مدفوعين بطبيعتنا للسير إلى الأمام فلنسر من غير ما ~~تخوف ولا وجل. # وإذا كنا نسارع إلى إصلاح الممكن إصلاحه فها هي العائلة تئن وتضج، ومظهرها ~~وحده يستدعي الرحمة فلنسارع لإصلاحها، وإصلاحها إن لم يكن بالأمر السهل فما هو ~~كذلك بمستحيل. # 8 # مصاب العائلة نتيجة من نتائج التشريع الحاضر وما تركه من الأثر في النفوس ~~بالزمان الطويل، واعتقاد الناس أن هذا التشريع قضاء من الله نازل بهم، فواجبهم ~~أن يشكلوا أنفسهم بشكله حتى يقدروا على احتماله، ومع أن هذا الاعتقاد غير صحيح؛ ~~إذ القوانين التي تحكمنا اليوم هي قضاء أبي حنيفة وأصحابه ومن تبعه وأحكام ms238 ~~الولاة وذوي السلطة، فقد بقي راسخا في نفس الكثيرين، ولا يزال من الناس من ~~يؤمن بأن تغييره تغيير لما أنزل الله، وإن تغييره إلا تغيير ما قال أبو حنيفة ~~أو أحد أصحابه ممن عاصره أو جاء من بعده. # أما التشريع الذي نقترح وضعه فمع تمشيه مع أصول الشريعة ومع موافقته لأقوال ~~جماعة من الفقهاء، فهو رغما عن أنه خطوة ضيقة جدا في طريق سيرنا يفتح لنا ~~بابا نسير منه بالفرد وبالعائلة إلى السعادة التي ننشدها، ويقف حائلا دون ~~أضرار شتى وفساد كبير مما هو ناتج عن التشريع الحاضر، كما أن له فضيلة أنه ~~نتيجة قريبة عن هذا التشريع الحاضر، ماذا عملنا نحن؟ شيئا بسيطا جدا، حددنا ~~وقوع الطلاق بالحد المعقول من النية والإرادة وعلم الشخص الثاني به، وكل تلك ~~الحدود توجد في العقود كلها وفي التصرفات من أي نوع كانت؛ فإنه إن فرضنا وتم ~~عقد بيع مثلا، ثم أراد المتعاقدان فسخه أو الرجوع فيه، لم يصح رجوع من أيهما ~~إلا إذا نواه وأخبر به الآخر، وغاية ما في الأمر أن لم نجعل رضى أيهما هنا ~~واجبا؛ لأن هذا الرجوع يتعلق بالحرية الشخصية، وكل ما تعلق بها لا يكون فيه ~~إلزام أو جبر، إلا أن يحكم القاضي بالتعويض على الراجع، وأقرب العقود شبها ~~بعقد الزواج ويعطينا معنى منه كاملا عقد إجارة الأشخاص وكل العقود الشخصية، ~~فلو حصل واتفقت مع آخر أن يبني بيتا ثم امتنع، لم يكن في طوق أحد ولا القاضي ~~ولا غيره أن يجبره عليه، وإنما ينفذ على ماله التعويض الذي يحكم لي به. # وأعطينا المرأة حق طلاق نفسها في أحوال شتى، لم تتقدم بكثير عن القانون ~~الموجود اليوم، إنه يسمح لها أن تشترط لنفسها حق الطلاق في العقد، فنقلنا نحن ~~أحوالا محددة وجعلناها بدل أن نشترطها في العقد تكون لها من غير شرط؛ على هذا ~~فعملنا الذي نريد اليوم ليس هدم الحاضر ولكن تعديله تعديلا بسيطا. # مع بساطة هذا التعديل فإنه سيفتح لنا بابا تسير منه العائلة للسعادة؛ ms239 ذلك أن ~~يخرج الزوجية من أن تكون الحياة المملوءة بالأنانية، والكبرياء من جهة الرجل ~~والتذلل والخضوع من جهة المرأة إلى حياة يخالطها شيء من الحب المتبادل والشرف ~~والمساواة إلى حد ما، ويرفع بذلك حتما من نفوس الجميع إلى شيء من العزة، ~~ويعطيها من الحرية ما تعرف معه كيف تطعم العيش السعيد. # محال أن يكون لحياة العائلة قيمة ما دامت المرأة تحس من جانبها بالضعف ~~المطلق؛ لأنها تصرف وقتها إذ ذاك لا في تربية أبنائها تربية حسنة حرة ولا في ~~تنظيم بيتها تنظيما اقتصاديا وجميلا معا، ولا في العمل لعزاء زوجها عما ~~قد يصيبه، ولكنها تصرفه في الجهاد للوصول إلى الطريق التي تملك منها على الرجل ~~كل وجوده، ويكون لها عليه من السلطة مقدار ما له عليها، وتصبح الحياة المتبادلة ~~بينهما لا حياة هناء مشترك يتذوقان لذتها معا مسرورين بوجودها، ولكن حياة جهاد ~~من جانب المرأة أن تجمع في يدها قوة تعدل ما وضع القانون في يد الرجل وحياة، ~~تخبط من جهة الرجل في أمر زوجه وحياة شر وفساد من جانبهما معا. # لكن إذا حققنا لهما شيئا من المساواة مهما كانت جزئية، وجعلنا الزوج يشعر ~~بوجوب احترام زوجته، وجعلناها تشعر هي من جانبها أنها عزيزة الجانب؛ لم يبق ~~هناك من حاجة لما ترمي به اليوم، وبحق أغلب الأحيان، من المكر بزوجها وقياده ~~إلى حيث تريد هي بطرق شيطانية لا يعرفها هو ولا يعرفها أمثاله، ولكنما يقف على ~~دقاقها من عليه من الضغط الشديد مبلغ ما هو واقع على رأس المرأة. # والواقع أنه كلما تساوت حقوقهما أمام القانون كلما كانا أقرب للسعادة، ~~ولكنا لا نطلب ذلك اليوم، لا نطلب للمرأة أن تطلق الرجل متى شاءت لأن ~~الاجتماع الحاضر عندنا لا يساعد عليه ولا ينصح به، وليته كان ممكنا فكنا ~~طلبناه ولكنه غير ممكن. # يقول أقوام إن هذه المساواة غير معقولة مطلقا؛ لأن طبيعة المرأة غير طبيعته، ~~وإن بينها وبينه من الفروق في الوظائف الاجتماعية ما يجعلنا نجزم بوجوب ~~التفريق، وأن نزيد في ms240 حقوقه على حقوقها، ولا أناقش مطلقا في أن بين الجنسين ~~فرقا، ولكني أقول إنه مهما يكن الفرق فلا يدعو للتفرقة بينهما في التشريع ... هل ~~نفرق نحن بين الغني والفقير أو بين القوي والضعيف أو بين العامل والكسلان أو ~~بين العالم والجاهل، أو أنا نقول إن الناس جميعا متساوون أمام القانون، ~~وتخالفهم في الطبقات والدرجات والأشكال لا يبرر مطلقا إيجاد تفاوت بينهم من ~~الوجهة القانونية. # أو أنه يخلق فروقا؛ لأن الطبيعة وضعت الرجل في مركز غير الذي وضعت فيه ~~المرأة؟ ما أشبهه إذ ذاك بالرومان والأقدمين ممن كانوا يحكمون العامة بقوانين ~~غير التي تحكم الخاصة، وإذا كان اليوم الذي تساوى فيه جميع الرجال جاء قبل ~~اليوم الذي يتساوى فيه جميع الناس؛ فليس ذلك لأن هذا اليوم الثاني غير آت، ~~ولكن لأن اليوم الأول وجد أنصارا قبله. # كل ذلك نقوله مع اعتقادنا أن الزمان الآتي هو الذي سيحققه، وأما طلبنا اليوم ~~فهو محصور في المواد التي قدمنا ذكرها والتي نظن أنها أقوى الضمانات في الحاضر ~~لسعادة الفرد والعائلة، وبالتالي لسعادة المجموع. # الفصل الرابع # | الاقتصاد السياسي وقواعد الأخلاق # لما جاء عصر الإصلاح وبدأ عهد التفكير الحر في أوروبا، وأصبح لمن سوى رجال الكهنوت حق ~~النظر والبحث في الأمور، قام عدد كبير من العلماء يضعون قواعد العلوم المختلفة وفروع ~~تلك العلوم، فانقطع جماعة للفلسفة النظرية، وألف آخرون في مسائل الأخلاق، وكتب غيرهم ~~في السياسة، ووضع جماعة القواعد لعلم الاقتصاد السياسي، ومع تقارب هذه العلوم واتصالها ~~فقد أطلق كل كاتب لنفسه العنان في السبيل الذي اختط طريقه غير مهتم بما يقال في العلوم ~~الأخرى، ولا يتعارض نظرياتها مع النظريات التي يضعها هو في علمه أو فنه، وأصبح كل منهم ~~معتمدا على دقته في المنطق الاعتماد كله، مؤمنا بالنتائج التي يصل إليها، معتبرا ~~إياها القواعد والقوانين التي لا سبيل لنقضها والتي تعبر عن حقيقة الواقع في الحياة، ~~فإذا اعترضت سبيله بنظرية أخرى في علم غير الذي يبحثه قال لك إن الوجود العام لا يستحيل ~~معه التناقض، ms241 بل هو بعض مشتملاته، وإنه لذلك لا يعبأ باعتراضك، ويطلب منك إذا أردت ~~مناقشته أن تأخذ نظريته كلها بناء واحدا، فإذا وجدت فيما بين أجزائها تناقضا كان لك ~~أن تؤاخذه به، وكان ذلك الشأن يتبع أيضا فيما بين علماء الاقتصاد السياسي وعلماء ~~الأخلاق، فالأولون يقولون إن نظريات علمهم ترمي لغرض خاص هو استفادة الإنسان بالحظ ~~الأكبر من المال، أو بعبارتهم الخاصة أن علمهم هو العلم الذي يستظهر القوانين التي تضبط ~~حاجات الإنسان في علاقاته بالمادة المقومة التي هي المال، وسواء لديهم أكانت هذه ~~القوانين متفقة مع قواعد الخلق أو متعارضة معها؛ فإنهم لا يحجمون عن تقريرها، والعالم ~~الأخلاقي بعد ذلك وشأنه في علمه الخاص ببيان أكمل الروابط التي تضمن بقاء الاجتماع ~~الإنساني سعيدا بالخير والحق، وكان ذلك الشأن أيضا شأن علماء الأخلاق الذين كانوا ~~يهتمون ببحث الصورة الأخلاقية الكاملة للإنسانية، ولو أدى وجودها على هذه الصورة لأن ~~تكون مفلسة اقتصاديا تمام الإفلاس. # وقد وجه الاقتصاديون الأولون أكبر همهم إلى إقامة البناء الاقتصادي على أساس من فكرة ~~المصلحة الذاتية التي يجب تركها وشأنها، تتكون وتنمو وتنتج كل ثمرها من غير أن يقف في ~~وجهها مانع من قانون أو عائق من أي نوع كان، فتحكم المصلحة الذاتية في الأعمال ~~والعلاقات الإنسانية هو، عند آدم سمث ومن تقدمه ومن سار على سنته، الضمان الوحيد لوصول ~~الأفراد والأمم إلى الأوج من الحياة الاقتصادية، وكل شيء يقف في وجه هذه المصلحة ~~الذاتية وحركتها لا يمكن أن يكون خيرا اقتصاديا، ولو استطاعت الجماعات والأمم أن تصل ~~لتلغي كل القوانين وتعيش مضمونة السلم من غير حكومة، لكان إلغاء القوانين وانهيار ~~الحكومات أكبر تقدم اقتصادي في نظر الفرديين يمكن للإنسانية تحقيقه. # ولا يحسبن أحد أن في تحكيم المصلحة الذاتية للأفراد ما يضر بحال الجماعة الاقتصادية؛ ~~لأن المصالح الفردية تتقابل آخر الأمر وتكون مصلحة الأمة، وما دام الفرديون قد جعلوا ~~المصلحة الذاتية أساسا فهم بذلك قد حرضوا كل فرد على أن يعمل أكثر ما يمكن، وبذلك تجني ~~الجماعة أكبر ms242 مجموع ممكن من الجهود. # لكن تحكيم المصلحة الفردية يضعف الحال الأخلاقية حيث يجعل المبدأ السائد مبدأ تبرير ~~الغاية للواسطة، وما دمتم يا سادتنا الفرديين تريدون تحديد القانون والحكومة وجعلهما ~~مجرد شرطة لمنع الاعتداء الظاهر؛ فإنكم ستجعلون الغلبة في الحياة للماكرين والمخادعين ~~والسفلة والمنافقين، كما أن ما يترتب على نظريتكم من مناصرة الملكية الفردية إلى أقصى ~~الحدود سيحقق ظلم طائفة الملاك والرأسماليين لطائفة العمال والمفكرين ظلما فادحا، ~~وستدسون بذلك في الروح العامة معنى الانقسام والنضال بدل تحقيق فكرة التعاون والتضامن، ~~وستجنون بذلك على الإنسانية وأنتم لا تشعرون. # قال الانفراديون أول ما وجهت لهم هذه الاعتراضات: ما تلك إلا أوهام أخلاقي ينظر ~~للنجوم ولا يقدر للقوانين الطبيعية حسابها، إنا يا سيدي الأخلاقي علماء نستنبط قوانين ~~الطبيعة ونطبقها، ولا يهمنا ما تقول لأنه ليس من شأننا، وهذه القوانين تدلنا على أن ~~المصلحة الذاتية هي الدافع الأول والأخير للعمل في الحياة، وكل منا مسوق للتقاعس فلا ~~ينفق إلا أقل مجهود تستلزمه أحوال المعيشة، وما لم يكن هناك دافع داخلي يحرض على العمل ~~هو دافع المنافسة قلت المجهودات التي تنفق وتدهورت أحوال الأمة الاقتصادية، وكل ~~مداخلة خارجية يمكنها أن تحدد المجهود الفردي هي لذلك ضرر يجب استئصاله ~~ومقاومته. # وما دمنا قد سلمنا بهذا الأساس فيجب أن نرتب عليه جميع نتائجه: الملكية الخاصة، وربح ~~رأس المال، وإيجار الأرض، وكذلك أجرة العامل، وحرية التعاقد الفردي بشأن ذلك كله، ~~والميراث عند عدم الوصية. # المال # كل ما في الوجود من تعس وشقوة، وكل ما يرتكب من جرائم وفظائع، وكل ما تتلوث به ~~النفوس من رذائل ودناءات سببه المال، ليس ذلك لأن المال شر لذاته، لكنه وسيلة الخير ~~والشر معا، فلما اختص به قوم دون آخرين سولت لهم نفوسهم أن يرتفعوا به عن ~~مصاف من حرموا منه، فكان النضال وكان التنافس على أتعس صوره وأدناها. # ولو أن المال كان كالهواء والماء يتمتع الناس به جميعا كل حسب حاجته، وإلى مدى ~~هذه الحاجة فقط؛ إذن لرأيتهم يعنون بطهارة المال عنايتهم بنقاوة ms243 الهواء، ثم ~~يعود ذلك عليهم بالخير والبركة، ولكان لهم جميعا من بحبوحة العيش متسع. # بعض إصلاحات 22 إبريل سنة 1919 # يجب السعي وراء استئصال داء بدأ يستفحل هو سوء تقسيم الملكية؛ فقد أصبحنا نرى في ~~كل جهات القطر صاحب آلاف الأفدنة من ناحية والعمال البسطاء جدا من ناحية أخرى، ~~والعهد الماضي الذي وجه عناية كبرى إلى ما يسمى تحسين الحال المادية، والذي خلق ~~أسلحة شتى لأرباب الأموال لم يعن مطلقا لا بتربية الروح العامة ولا بمعرفة ~~الأعمال النافعة من الوجهة الفعلية أو الأدبية ولا بتربية الفلاح، ولما كانت البلاد ~~لا تحتمل تغييرا فاحشا في نظامها بسبب الجمود الذي أوصلها إليه العهد الماضي وجب ~~إجراء بعض تغييرات للإسراع بالسير في سبيل الإصلاح، من هذه التغييرات ما يأتي: # أولا: # حل جميع الأوقاف الأهلية وجعلها مملوكة لمستحقيها حالا، كل على ~~نسبة الاستحقاق الذي له، عدا إبقاء الخمس منها ينصرف ريعه حالا ~~إلى جهة البر المحددة في حجة الوقف، مع مراعاة الضوابط الآتية فيما ~~يتعلق بذلك. # ثانيا: # ينظر في جهة البر الموجهة إليها الأوقاف الخيرية، فإذا كانت خارج ~~القطر وجب تحويلها إلى جهة في داخل القطر عدا أوقاف الحرمين، أما ~~إن كانت داخل القطر فينظر في فائدة الجهة ومقدار مصلحتها، فإن تبين ~~أن هناك فائدة منها ومصلحة عامة فيها بقي الريع موجها لها، وإن ~~تبين أن لا فائدة منها يعين من الوقف ما يفي بحاجتها، ثم يحول ~~الباقي إلى جهة ذات فائدة ومهمة للمصلحة العامة، مثال ذلك الأوقاف ~~الموجهة إلى بعض المساجد؛ فإن هذه يعين منها على مقدار حاجة ~~المسجد، والباقي يوجه ريعه إلى جهة أخرى كالأزهر أو كالجامعة ~~المصرية أو كتعميم التعليم الابتدائي أو كأن تخلق حلقات علم في هذا ~~المسجد نفسه. # ثالثا: # تتبع في الضريبة العقارية الطريقة النسبية، فالعشرون فدانا ~~الأولى يؤخذ عنها عشرة في المائة من الريع، وما زاد على ذلك إلى ~~مائة فدان يؤخذ منه خمسة عشر في المائة، وما زاد إلى ثلاثمائة ~~عشرون في الماية، وما زاد إلى ستمائة ms244 خمس وعشرون في المائة، وما ~~زاد إلى ألف ثلاثون في المائة، وإلى ألف وسبعمائة وخمسين أربعون في ~~المائة، وإلى ثلاثة آلاف خمسين في المائة، وإلى خمسة آلاف خمس ~~وستون في المائة، وما زاد عن ذلك خمس وسبعون في المائة. # رابعا: # تؤخذ الضريبة العقارية على المنازل في المدن على النسبة المقومة ~~بالنسبة لقيمة المنزل على اعتبار أن كل مائة جنيه توازي ~~فدانا. # خامسا: # تؤخذ ضرائب على الإيرادات بالنسبة للمشتغلين بالمهن وللمحلات ~~التجارية أيا كان نوعها على اعتبار إيراد الفدان عشرة ~~جنيهات. # سادسا: # يسار في طريقة الضرائب الجمركية على مبدأ المساواة بين جميع ~~الأمم وحماية المصنوعات المصرية. # سابعا: # التعليم الأولي مجاني إجباري إلا لمن أثبت أن أبناءه ذكورا أو ~~إناثا يتعلمون بمصاريف في إحدى المدارس، ومدة التعليم ست سنوات ~~ابتداء من السادسة إلى الثانية عشرة: السنتين الأوليين يكون ~~التعليم فيهما أربع ساعات كل يوم وساعتين رياضة، والسنين الباقية ~~يكون التعليم فيها أربع ساعات وأربع ساعات عمل يدرس في الزراعة أو ~~في أجدر الصنائع. # ثامنا: # تسري الضرائب على الأجانب إذا كان لها مثيل في الأمة التي ينتمون ~~إليها بمجرد صدور قانون على الأهالي بها، أما إن لم يكن لها مثيل ~~فتمر بالهيئة التشريعية الخاصة بنفاذ القوانين المصرية على ~~الأجانب. # القسم الثالث # | ما بعد المذكرات # بعد عشر سنوات # الرحلة إلى فلسطين ولبنان 1924 # | وأخيرا # استطعت أن أغادر مصر في يوم الثلاثاء 29 يوليو سنة 1924 بقطار الساعة الحادية عشرة ~~صباحا قاصدا بورسعيد لأبحر منها إلى لبنان على الباخرة الإيطالية كارينوليا من بواخر ~~اللويد تريستينو، وغادرتها ومعي زوجي وابني، وسافر معنا والدي ليودعنا على ظهر الباخرة، ~~وودعنا على المحطة رؤوف زكي وعزمي وأحمد الشيخ والغمراوي. # أذكرتني سفرتي هذه بسفرتي سنة 1914، في سنة 1914 غادرت المنصورة في يوم 2 أغسطس بقطار ~~الساعة التاسعة صباحا قاصدا بورسعيد لأبحر منها إلى لبنان على ظهر الباخرة برنس عباس ~~من بواخر الشركة الخديوية في رفقة صديقي عبد الرحمن بك الرافعي، وكنا يومئذ وحيدين لأن ~~كلا منا كان شابا لم يضطلع ms245 بعد من أعباء الحياة إلا بشؤون نفسه؛ لذلك لم يسافر ~~معنا أحد ولم يودعنا على المحطة أحد. # 2 أغسطس سنة 1914! ... 29 يوليو 1924! # عشر سنوات كاملة! عشر سنوات لم يشهد العالم مثلها في تاريخه من يوم كان العالم: ~~تغير وجه الأرض أمام نظر الإنسان؛ إن تغيرت نفس الإنسان تغير وجه الأرض وإن لم ~~يتغير في الوجود شيء! فالأرض أرض والسماء سماء والشمس تشرق وضاحة الجبين والقمر ~~يحبو في سماواته فتتعلق بطلعته أحداق العاشقين. # عشر سنوات ما بين رحلتي الأولى ورحلتي الثانية إلى لبنان، وتاريخ الرحلة الأولى ~~هو تاريخ إعلان الحرب الكبرى، أما تاريخ هذه الرحلة الثانية فلا يذكر بشيء لأن ~~الحرب الكبرى الحقيقية لما تضع أوزارها، وكيف تضع أوزارها والدوافع إليها تزال ~~قائمة! كيف تضع أوزارها ولا يزال الضيق مستحكما، ولا تزال الطوائف يرهق بعضها بعضا، ~~ولا يزال بين الناس سيد ومسود وعابد ومعبود، ولا تزال الأمم تتحكم في الأمم، ولا يزال ~~الإنسان لا يروى له ظمأ ولا تنقع له غلة إلا إذا ولغ في دم أخيه الإنسان. # في 2 أغسطس سنة 1914 كان العاقم قد أترع سلاما وعظمة فكان يتيه كبرا وغرورا، ~~وكانت الحروب التي سبقت تلك السنة ما بين تركيا ودول البلقان، وبين تركيا وإيطاليا، ~~وبين الروسيا واليابان، وبين إنكلترا والترنسفال، كانت هذه الحروب تافهة ضئيلة لم ~~تتجاوز في نظر العالم أن كانت معارك فردية تنشب بين أمة وأمة، ثم تمر من غير أن ~~يصيب العالم منها ألم يحرك قلبه أو يهز ضميره، كانت أشبه شيء بالجرح البسيط يصيب ~~قدم الرجل والرجل سائر فلا يعبأ به ولا يهتم له ولا يفكر في الجرح الدامي الذي يهز ~~قلبه ويرسل الرعب إلى فؤاده، ويهدد بالخطر حياته والذي ينتظره وراء الأكمة القريبة ~~منه والتي يقصد هو إليها مطمئنا يريد أن يأخذ في أدغالها الأسد والوحش على غرة ~~منها جميعا. # أترع العالم سلاما فتاه غرورا فاندفع إلى الحرب بكل قوته، فطال به مداها فابتلعت ~~كل ما توفر له من شباب ومال وسلام، وها ms246 نحن في سنة 1924 نرجو السلام فإذا السلام ~~سراب، ونطلب المال فإذا المال وعود تضطرب، ونطلب الشباب فإذا الشباب خلو من خير ما ~~في الشباب، وإذا الشباب خلو من الإيمان بالحياة والأمل فيها والميل لغورها، إذا ~~الشباب يرى الحياة قشورا ويأسا ولهوا. # تغير العالم بين سنة 1914 وسنة 1924 وتغيرت مصر كذلك، كانت مصر قبل الحرب وادعة ~~تعمل في جد، وتعالج فروع الحياة المختلفة، وتسعى للإصلاح جهدها، حاسبة دائما حساب ~~الإنكليز ووقوفهم في وجه كل حركة وكل نزعة استقلالية، أما مصر في سنة 1924 فلا تزال ~~في اندفاعها الذي بدأته سنة 1918، ونسيت فروع الحياة وعلاجها وقامت تطلب استقلالها ~~التام، وقد أتيح لها بفضل جهود أبنائها جميعا أن تزحزح الإنكليز عن موقفهم موقف ~~العنت في وجه كل إصلاح، لكنها مع الأسف لم تفد من ذلك كثيرا؛ لأن الطوائف الصاخبة ~~رفعت إلى منصة الحكم قوما لا يعرفون الإصلاح ولا يقدرون ما يصلح حياة ~~المجموع. # وتغيرت أنا أيضا ... ومن ذا الذي لا يتغير؟ انتقلت من حياة إلى حياة فإلى حياة ثم ~~إلى حياة أخرى، كنت في سنة 1914 الدكتور هيكل المحامي بالمنصورة، وكنت سعيدا تفيض ~~بي المسرة، معافى من المرض، وحيدا لا أسأل عما أفعل، وكنت أجد فراغا من الوقت ~~وطمأنينة إلى النفس يسمحان لي أن آخذ بنصيب فيما يحلو لي من ملذات الحياة، وكانت ~~القراءة وكان التفكير الحر أحب هذه الملذات لنفسي وأحلاها عندي، وكنت ولا أزال في ~~بدء الصبا وميعة الشباب لا أجد في الحياة إلا بسمات تفتر أحيانا عن ضحكات وعن ~~قهقهات، وكان جو الوجود صفوا تجاوب فيه الضحكة الضحكة ويلتقي فيه الابتسام ~~بالابتسام، فلما ارتحلنا إلى لبنان ثم حمي وطيس الحرب واضطرب نظام سير البواخر ~~استشارني رفيقي الرافعي في أمر العودة حتى لا تؤخذ علينا المسالك ونحبس في دار ~~الحرب، فكان جوابي في ابتسام: إن خانتنا الباخرة فلن يخوننا ظهر الجمل. # ولم يكن أيسر من رحلتنا إلى لبنان يومئذ، لم نفكر في جواز السفر لحظة؛ لأنا لم ~~نكن بحاجة ms247 إلى جواز سفر، ولم نفكر في الالتجاء إلى الحكومة، ولا في أمر الجمرك؛ لأن ~~الأفراد كانوا أحرارا تحمي الحكومات حريتهم ولا تعتدي عليها، ولم يجل بخاطرنا ~~أنا نجد في طريقنا إلا ما نريد ما دمنا لا نريد شرا ولا نكرا . # عدت ورفيقي من لبنان بعد ثلاثة أسابيع قضيناها في ربوعها بعيدين عن ضجة ~~السياسة، جاهلين ميول الناس في مصر، مكتفين بالأخبار تنقلها إلينا صحف بيروت في ~~الصباح لتكذبها صحف بيروت في المساء، عدنا على نفس الباخرة برنس عباس، وكانت يومئذ ~~مكتظة بالعائدين الذين قنعوا بالقليل من الوقت قضوه في أحضان الطبيعة مخافة أن يمتد ~~لهيب الحرب إلى تركيا فتصبح العودة إلى مصر محفوفة بالخطر، وتصبح الطبيعة الناضرة ~~الباسمة كالحة عبوسا، ولم يكن للعائدين جميعا حديث غير حديث الحرب، ولم يكن لهم ~~أمل إلا أن ينتصر فريق على فريق؛ ذلك بأنهم وهم جميعا من أمم محكومة كانوا يرجون ~~في انتصار فريق على الآخر السبيل لحرية بلادهم وسعادتهم. # أما أنا فعدت إلى مصر أبعد ما يكون عن الميل لأي من الفريقين، فلما رأيت الناس ~~تتعسهم الأهواء وتتنازعهم الشهوات أبديت رأيي في وجوب وقوف المصريين موقف الحياد، ~~وأردت أن آخذ في الحركة السياسية الجديدة بمثل النصيب الذي كان لي قبلها، لكن الحرب ~~وما ترتب عليها من إعلان الأحكام العرفية الإنكليزية، والمراقبة الصحفية وما أعقبها ~~من إعلان إنكلترا حمايتها على مصر، وتطور الظروف بعد ذلك تطورا جعل كل تكهن ~~بانتهاء الحرب عقيما، ذلك كله جعلني أميل عن السياسة لآخذ بأسباب البحث العلمي، ~~فاستقصيت ما استطعت نظرية الجبر والاختيار وفكرة المسؤولية، وكتبت ما استقر عنده ~~رأيي ونشرته في المقتطف، على أن هذا البحث لم يكف لسداد ميولي، فاشتغلت بالتدريس في ~~قسم العلوم الجنائية بالجامعة المصرية سنة 1917، وبالتدريس في هذا القسم وفي قسم ~~الحقوق سنة 1918 وسنة 1919 وسنة 1920 وسنة 1921 وسنة 1922، وقد استغرق التدريس ~~أوقات قراءتي وبحثي، وكنت قد تزوجت سنة 1918، وكانت الحركة السياسية قد قامت سنة ~~1919 فأخذت فيها بنصيب جدي، واشتركت مع ms248 إخواني الذين ألفوا الحزب الديمقراطي كما ~~اشتركت مع العاملين من الشبان في مختلف نواحي الحركة، ورزقت ممدوح والحركة الوطنية ~~في أشدها. # وفي سنة 1921 نشب الخلاف بين عدلي باشا وسعد باشا، وكنت واقفا على مقدماته ~~وأسبابه وكنت عليما بخفاياه ومخبآته، وكان سعد باشا قد بدأ يفكر تفكيرا جديا في ~~أن يكون وحده وكيل الأمة ورمز أمانيها وعنوان استقلالها، والكل الذي تنبعث منه في ~~البلاد كل حياة وكل فكرة وكل حركة، فلم يكن بد من الوقوف في وجه هذا التيار الذي ~~أودى بحياة الحركات الوطنية في كل أمة قام فيها، وقد صادفت فكرتي هذه قبولا لدى ~~إخواني أعضاء الحزب الديمقراطي الذين رأوا معي ما في الدكتاتورية من قضاء محتوم على ~~الفكرة الديمقراطية، فوقفنا في صف الأقلية، وقفنا نحن أعضاء الحزب الديمقراطي ~~العاملين بعيدين عن الاتصال بأية هيئة سياسية حريصين كل الحرص على حريتنا محتفظين ~~بما تقضي أنفة الشباب الاحتفاظ به، لكن موقفنا هذا كان دقيقا محفوفا بالأخطار ~~والمصاعب. # فقد كان من بيننا أعضاء قضت عليهم ميولهم الطائفية بالانضمام علانية إلى سعد ~~باشا، وكان من بيننا آخرون أغراهم حب المظهر والولع بالهتاف إلى السير في طريق ~~الأولين، وكان من بيننا كذلك أعضاء رأوا في التقرب من عدلي باشا ومن الحكومة سدادا ~~لشهوات تقابل شهوات الأولين، وكان هؤلاء أشد إضرارا بالحزب لأنهم أظهروه في نظر ~~السواد بمظهر المنتمي للحكومة، والله يعلم وعدلي باشا وسعد باشا يعلمان أنه كان ~~حزبا بعيدا عن الانتماء لأية هيئة أو سلطة بعيدا عن الخضوع إلا لما تملي به ~~ضمائر المتقدمين من أعضائه وذممهم. # وكان من أثر هذا الانفراج في الميول بين أعضاء الحزب والبعض الآخر وابتعاد عدد ~~غير قليل من الفريقين عن مركز قيادة الحزب أن ضعف سلطانه بعض الضعف، لكنا ~~استمسكنا بموقفنا، فلما انقطعت المفاوضات الرسمية في سنة 1921 كان الحزب أول من ~~أعلن فكرة عدم التعاون مع الإنكليز في ظل مذكرة 3 ديسمبر، ولما نفي سعد باشا كان ~~الحزب أشد هيئات الأمة حرصا على التمسك بفكرة ms249 عدم التعاون؛ لذلك ليس من الغلو في ~~شيء أن يقال إن الحزب كان له أثر كبير في اقتناع الإنكليز بضرورة الاعتراف باستقلال ~~مصر، بل إن من الحق أن يقال إن الحزب الديمقراطي كان هو الهيئة الوحيدة التي أثبتت ~~في تقريرها عن مشروع لورد ملنر ضرورة إعلان إنكلترا إلغاء الحماية والاعتراف ~~بالاستقلال بصك منفرد كالصك الذي أعلنت به الحماية؛ لأن الاستقلال حق طبيعي لا يجوز ~~التعاقد عليه. # أعلنت إنكلترا إنهاء الحماية واعترفت باستقلال مصر، فتألفت على أثر ذلك وزارة ~~ثروت باشا، وفكرت في تأليف لجنة لوضع الدستور من الأحزاب والهيئات المختلفة، ولما ~~خاطبت ثروت باشا في أمر تمثيل الحزب الديمقراطي في اللجنة أخبرني أنه لا يرى مانعا ~~على أن يبدي الحزب له في الأمر رأيا بالقبول، وليس هنا محل لذكر الأسباب التي منعت ~~من قبول هذه الفكرة عند زملائي، فالتحقت بإخواني أحمد بك أمين أستاذ القانون ~~الجنائي بمدرسة الحقوق ومحمد بك متولي السكرتير العام المساعد لمجلس النواب حالا ~~ومحمود بك صادق القاضي بالمحاكم الأهلية والشيخ عبد العزيز البشري القاضي بالمحاكم ~~الشرعية في سكرتارية لجنة الدستور؛ حرصا على تحقيق بعض مبادئ كنت حريصا على أن ~~تحقق. # ولما قاربت لجنة الدستور الانتهاء من عملها فكر عدلي باشا وأصحابه ومن بينهم ~~أعضاء لجنة الدستور في تأليف حزب الأحرار الدستوريين وفي إنشاء جريدة السياسة، وكان ~~الدفاع عن الدستور قبل صدوره وبعد صدوره هو الفكرة الأساسية التي تألف الحزب من ~~أجلها، ودعيت يومئذ لرئاسة تحرير السياسة فلم أتردد في القبول لأني رأيت هذه ~~الفكرة الجليلة من أشرف ما يدافع الإنسان عنه. # وكذلك انتقلت في هذه السنوات العشر من الدكتور هيكل المحامي بالمنصورة غير ~~المسؤول إلا عن نفسه وعن عمله إلى الدكتور هيكل المحامي بمصر والمسؤول عن أهله ~~وولده والأستاذ بالجامعة المصرية، وإلى الدكتور هيكل رئيس تحرير السياسة، وإذا صح ~~ما قاله أناتل فرانس من أن الإنسان إذ ينتقل من حياة إلى حياة يموت حياة ليحيى حياة ~~أخرى فقد ماتت لي في هذه السنوات العشر حيوات عدة ms250 واستبدلت بها حيوات عدة كذلك، ~~ولست أدري أي هذه الحيوات خير، وقد تكون كلها متعادلة إن كانت تطورات نفسي واحدة في ~~أطوار مختلفة. # بعد سنتين انقضتا في رئاسة تحرير السياسة شعرت بإجهاد شديد؛ لأنني شعرت لهذا العمل ~~منذ توليته بمحبة شديدة، وليس أشد إجهادا للنفس من حب العمل الذي يقوم الإنسان به، ~~ينسى الإنسان نفسه فيه فلا يفكر في صحته ولا في طعامه ولا في نعمة الحياة ومسرتها؛ ~~لأن الحب يحتل من النفس محل الصحة والطعام والنعمة والمسرة جميعا، شعرت بالإجهاد ~~وجاء على أثر الإجهاد المرض، ثم عقب المرض نزال السياسة والحكومة في ساحة القضاء حين ~~رفعت الدعوى الأولى التي اتهمت الحكومة فيها السياسة بإهانة هيئة مجلسي النواب ~~والشيوخ، وفيما كانت هذه القضية منظورة كان التحقيق جاريا في قضية جديدة، تلك دعوى ~~النيابة أن السياسة قذفت رئيس الوزراء وأهانت هيئة الوزارة وحضت الناس على ~~كراهية نظام الحكم إلى غير ذلك من الادعاء، ولما انقضت الدعوى أمام القضاء جرت ~~النيابة في تحقيق جديد هو نشر السياسة محضر تحقيق القضية الأولى، وجرت كذلك في ~~التحقيق مع سعادة حلمي عيسى باشا عن مقالاته التي نشرها في السياسة، وباشرت تحقيقات ~~جديدة مع صحف أخرى، وخيل للناس جميعا أن النيابة قد أعدت عدتها ليكون محرر السياسة ~~معها في كل يوم للتحقيق معه. # وكنت قد اعتزمت السفر إلى لبنان للاستراحة من جهد العمل قبل أن تبدأ النيابة ~~هجومها، فلما امتد خط ذلك الهجوم تمهلت حتى فرغت النيابة من تحقيقاتها، ثم خشيت أن ~~أطلب جواز سفري وأن أحدد موعده فتطلبني النيابة للتحقيق في عشيته. # فوسطت من كلم النائب العمومي فعلمت من وسيطي أنه خاطب سعد باشا زغلول رئيس ~~الحكومة مباشرة، وأن الأخير رأى أن ليس لي أن أسافر وضد السياسة قضيتان وأبدى - كما ~~علمت - أنه على استعداد لحفظ القضيتين إن أنا اعتذرت عما نشرته السياسة من أن سعد ~~باشا تداخل في الانتخابات التكميلية لمجلس النواب، وصرحت بأن الخبر مكذوب، ولما كنت ~~أعلم صحة الخبر الذي نشرته السياسة ms251 لم أقبل التكذيب وعمدت إلى طلب جواز السفر وحددت ~~موعده، وأعددت نفسي لنزال جديد مع الحكومة، لكن الحكومة لم تتعرض لي، ولست أدري ~~أكان عدم تعرضها لأنها لم تعلم بسفري أم كان منها حرصا على الدستور والقانون أم ~~أنها خشيت أن تظهر بمظهر المتعنت من غير أي مبرر للعنت؟. # وكذلك استطعت أخيرا أن أغادر مصر في يوم الثلاثاء في 29 يوليو سنة 1924 بقطار ~~الساعة الحادية عشرة صباحا قاصدا بورسعيد لأبحر منها إلى لبنان على الباخرة ~~الإيطالية كارينوليا من بواخر اللويد تريستينو. # وصلنا بورسعيد الساعة الثالثة بعد الظهر، وكان في انتظارنا أصدقاؤنا المقيمين ~~بها، وعلى الرغم من أن الباخرة لا تقوم قبل الساعة الثامنة مساء فضلنا الذهاب ~~توا إليها هربا من حر المدينة وطلبا لهواء البحر نستنشقه بضع ساعات قبل السفر، ~~ولم يكن على ظهرها حين وصولنا إلا سيدة وابنتها وخادم. # كارينوليا باخرة صغيرة تبلغ حمولتها مائتين وخمسين ألف طن، وهي من البواخر التي ~~تجوب شواطئ الشرق الأدنى على مهل؛ لأنها كما تنقل المسافرين تنقل المتاجر وتتسع لها ~~أكثر من اتساعها لهم، وغرف الدرجة الأولى فيها قديمة النظام تسع كل واحدة منها ~~ثلاثة من المسافرين، وصالونها الذي وضع به البيانو لا يمكن لأكثر من أربعة أشخاص أو ~~خمسة الجلوس فيه، وغرفة المائدة المجاورة للصالون متسعة فوق سطح الباخرة وقد مدت ~~فيها ثلاث مناضد طويلة حول كل منها أربع وعشرون مقعدا، فأما المنضدة الوسطى فكان ~~يجلس إليها قبطان الباخرة والمتقدمون من رجالها، وأما اليمنى عند اتجاهك لحيزوم ~~الباخرة فكان يجلس إليها العائلات، وكان يجلس باقي المسافرين إلى المائدة ~~الثالثة. # وكنا نجلس إلى المائدة اليمنى، وكان معنا عائلات من السوريين واللبنانيين ~~المقيمين بمصر، وكان لهذه المائدة مظهر ظرف؛ أن كان أكثر الذين يجلسون إليها من ~~الأطفال ومن الشبان الذين لم يتجاوزوا سن الحلم، ولم يكن عليها من الرجال إلا ~~ثلاث، المسيو عطا الله والدكتور سامي كمال وأنا. # وقد اخترنا المكان المجاور للدرج الهابط إلى (الكابين) حتى إذا أصيب أحدنا بدوار ~~البحر كان ms252 على مقربة من مرقده، لكن اختيارنا لم يكن ذا فائدة لأن الباخرة كانت تسير ~~كل يوم في المساء بعد أن يفرغ الناس من طعامهم، وكانت تقف في الصباح وتظل واقفة ~~يومها ولا تعود للسير إلا مساء، وبذلك لم يكن أحد يشعر بأنا على سفر، بل كنا ~~جميعا نرى أنها أشبه (بالكازينو) أو (بالبير) في عرف الإنجليز، ولو أن صالونها أو ~~غرفة التدخين بها كانا أكثر سعة، ثم لو أن السطح لم يكن ضيقا بمقدار لا يتسع لمقعد ~~طويل لكان شعورنا هذا معبرا عن حقيقة لا مجرد خيال ووهم. # كانت عائلة عطا الله بجوارنا على المائدة، ومسيو ميشيل عطا الله موظف بالبنك ~~العقاري، وزوجه - مدام أديل عطا الله - أعرق منه في اللبنانية، ولهما ولدان وبنتان، ~~فأما البنتان فطفلتان لم تبلغ إحداهما العامين وأما الأخرى فلم تبلغ الثالثة من ~~عمرها، وهذه الأخرى واسمها جاكلين غاية في لطف الطفولة البريئة الباسمة. # لمدام عطا الله ميزة إحياء المجلس الذي تكون فيه، وهي تبالغ أحيانا في هذه ~~الميزة، التي تعتبر من أجل ميزات الرجال والنساء إذا عرف صاحبها سبيل القصد ~~فيها؛ لذلك لم نكد نأخذ مكاننا إلى جانبهم على المائدة حتى اتصل ما بيننا ~~وبينهم، وسرعان ما توثقت رابطتهم بنا حتى كانت أساس تزاور بعد وصولنا جميعا إلى ~~لبنان. # واتصل ما بيننا وبين باقي المسافرين شيئا فشيئا، وكان من بينهم جماعة من ~~المصريين عرفناهم رجال كياسة وأدب ولطف، وصارت المركب أشبه بمنزل تقيم فيه عائلة ~~واحدة، فارتفعت الكلفة إلى حد كبير ما بين الأشخاص، وأمضينا ثلاث ليال ويومين ~~ناعمين مطمئنة نفوسنا بعيدين عن ضوضاء الناس وضجتهم، قانعين بدارنا المطمئنة فوق ~~ظهر الماء، سعداء بالبحر المستسلم الهادئ، نتبادل أتفه الأحاديث لأنها أكثرها لذة ~~فيروي بعضنا ما لاقى من قبل في لبنان، ويروي آخرون ما رأوا في غير لبنان، ثم يترك ~~الأطفال أمهاتهم ليجيئوا إلينا، فيشعر كل منا بعطف على كل طفل ويأخذ معه في ~~الحديث، وكذلك انقضى الوقت ولم نشعر بانقضائه، ومرت الأيام والليالي ولم يشك ms253 أحد ~~سأم الفراغ. # تحركت كارينوليا في الساعة الثامنة مساء من بورسعيد، ولما تكد تتخطى أحجار ~~المرفأ حتى هب نسيم البحر قويا رقيقا ينساب إلى نفوس متعبة وصدور مفعمة فينعش ~~النفوس ويخفف أثقال الصدور، وابتعدت السفينة عن الشاطئ رويدا رويدا حتى غرقت ~~أنوار المدينة المصرية في لجة الليل المدلهم، واستردتنا ظلمة ملأت ما بين ~~السماء والماء، واختفى في ثناياها الأفق فجعلنا نلتمسه خلالها، وأرسل كل خيوط ~~أحلامه وآماله تنادي حائرة في هذه المملكة الداجية لولا ما يتخللها من بريق النجوم ~~في السماء ولمع الموج في استحياء، على أن لظلمة الدجى بين السماء والماء جمالا ~~وجلالا لا مثال له في ظلمة جونا نحن أهل الأرض، ظلمة الأرض مملوءة بالأشباح ~~وبالجرائم وبالشهوات وبالمخاوف، فيها الذئاب الضارية من وحش ومن بشر، وفيها هوس ~~الشهوات وهواها وفيها الشر الحلو البريق، وفيها السوء يدبر وينظم، وينفذ أيضا، فهي ~~ظلمة ثقيلة الظل كالحة عبوس الخير في اجتنابها والحذر منها، أما ظلمة ما بين السماء ~~والمساء فمسرى الأرواح المنيرة تشعر بها وتكاد تلمسها، وتجد فيها دائما عزاء للنفس ~~وسكينة للفؤاد وطمأنينة للقلب، هي أجنحة الملائكة حجبت الشمس لراحة ساكني الماء، ~~وتركت أجنحة الشياطين تحجب الشمس لشقاء أهل الأرض. # غرقت أنوار بورسعيد في لجة الليل، وسرت السفينة تخترق أحشاء الليل، وبقي ~~أهلها زمنا يمتعون بهواء الساعة العذب، ثم تسللوا إلى مضاجعهم واحدا بعد واحد، ~~وطلع عليهم النهار والباخرة تسير وقد بدت تباشير الشاطئ فاتجهت الأنظار تجتلي طلائع ~~يافا خلال ضوء النهار. # وكان على السفينة عدد جم من اليهود قضوا ليلهم في عنبر الدرجة الثالثة، لا يفكرون ~~في أنوار بورسعيد ولا في أجنحة الملائكة وأجنحة الشياطين، ولا يطرق الكرى جفونهم ~~إلا غرارا، وتخفق قلوبهم خفقة الطرب وهم في انتظار الصباح على جمر؛ لأنهم وحدهم ~~أشد المسافرين حرصا على بلوغ يافا. # يافا، المرفأ السعيد، مدخل الوطن القومي، باب أرض الميعاد، إنك لن تقدر فلسطين في ~~نظر اليهود كما تقدرها في هذه الساعة التي تنجلي فيها طلائع يافا، انظر إليهم! ... ~~انظر إلى ms254 هؤلاء الفقراء في أسمالهم البالية وأطمارهم الرثة وقد طالت لحاهم وأرسلت ~~شعورهم غدائر وغارت منهم الصدوغ والخدود، انظر إليهم يحدقون بعيونهم الحادة يفصل ~~بينها أنفهم الطويل المصفر إلى ذلك الشاطئ المحبوب، انظر إليهم ترهم في نشوة وحشية ~~وجذل مضطرب يصعدون معا فوق سطح المركب ويقفون في انتظار الشاطئ، فإذا بدا الشاطئ ~~انفرجت شفاههم جميعا عن أغنية عبرية هي أغنية السلام لأرض الميعاد فرتلوها ~~وأعادوها، ثم التمس كل واحد منهم إهابه وانتظر عند درج الباخرة لتقله (الشختورة) مع ~~أصحابه فترده إلى التربة المقدسة وتعيده ليطأ في رفق رفات الأجداد، ولينبت من تراث ~~هذه الرفات حياة ناضرة تتجلى فيما تراه إذا نزلت إلى يافا من كروم وبساتين. # رست كارينوليا ثم لم تكن إلا برهة حتى علمنا أن بين أحد اليهود في يافا وبين ~~اللويد تريستينو تقاض حكم فيه ابتدائيا لمصلحة ذلك اليهودي، وقد انتهز مرسى ~~الكارينوليا فأوقع عليها حجزا تحفظيا لم تكن لتستطيع معه أن تغادر مياه فلسطين ~~لولا أن تداخل قنصل إيطاليا وأن قدم الضمان الكافي. # وقضينا يومنا على سطح السفينة ولم ينزل إلى الشاطئ إلا قليلون؛ لأن مينا يافا ~~مشهورة باضطراب موجها مما يجعل العبور إلى الشاطئ فوق الفلائك غير ميسور. # وعاودت السفينة السير في الماء، ورست بنا في حيفا عندما بدت تباشير الصبح. # نزلت حيفا سنة 1914 وزرت دير الكرمل، وكانت حيفا في سنة 1914 من البلاد العثمانية ~~التي تطلعت ألمانيا لبسط نفوذها في الشرق من طريقها؛ لذلك كانت مملوءة بالألمان ~~وواقعة تحت نفوذهم. # وكأن الذكرى تدعو الإنسان للعود إلى الأمكنة التي سار من قبل فيها ليشهد ما صنع ~~الزمان بها، وليرى إن كانت قد تغيرت بمقدار ما تغير، فنزل الأكثرون من ركاب السفينة ~~ونزلنا معهم، ما أكبر الفرق بين الأمس واليوم! نزلت ورفيقي في سنة 1914 فلم ~~يسألنا أحد من أنتم ولا فيم تنزلون، أما اليوم فيجب أن تودع جواز سفرك لدى عامل ~~الجمرك الذي جاء إلى السفينة خصيصا لهذا، ومقابل إيداعك الجواز يناولك العامل ورقة ~~تسمح لك ms255 بالمرور، فإذا عدت رد العامل جوازك إليك وضمن بذلك مغادرتك الديار، وهذا ~~الفرق في المعاملة سببه ما دفعت الحرب إلى نفوس السواد من الثورة على كل نظام قائم، ~~فرجال الحكم يريدون أن يطمئنوا إلى أن النازلين لا يقصدون إلى الإقامة في بلادهم، ~~وإلى أن من قصد منهم إلى الإقامة ليس من محركي الثورات ولا من المهيجين، وهم يحرصون ~~اليوم على ما لم يكونوا بالأمس يحرصون عليه لأسباب شتى، فنفوس أهل الأمم المختلفة لا ~~تزال تملأها عوامل البغضاء منذ الحرب، لا يزال الإنكليزي ينظر إلى الألماني بعين ~~الحذر، ولا يزال الفرنسي ينظر إلى الألمان بعين المقت، ولا يزال الألماني ينظر ~~إليهما جميعا بعين الكراهية، وليست الأمم التي كانت متحالفة أيام الحرب لتخلو من ~~النظر إلى بعضها البعض الآخر بعين الحقد، ففرنسا وإنكلترا تتنافسان النفوذ في الشرق ~~وتخشى كل واحدة منهما أن تدس الأخرى لها الدسائس وأن تضع في سبيلها العقبات ~~والعراقيل، وليس هذا كل السبب في مراقبة المهاجرين، بل ليس هو معظم السبب، فقد كانت ~~الأمم تتنافس قبل الحرب وكانت تدس الدسائس، ولكن الهيئات الحاكمة كانت مطمئنة ~~إلى أن قوة نفسية الأهلين وحرصهم على استتباب النظام واستمساكهم ببقائه كل ذلك كفيل ~~بضياع آثار الدسائس سدى وببقاء الأمن والسكينة في البلاد، أما اليوم فالنظام ~~القائم موضع النقد من كل إنسان، لا يرضاه الذين أصيبوا أثناء الحرب في ثورتهم ~~وجاههم وصاروا فقراء بعد أن كان لهم الأمر والنهي، ولا الذين رفعتهم الحرب من أماكن ~~الضعة إلى حظ من الثروة أحلهم محل الاحترام وجعلهم يرون ما أوتوا قليلا إلى ~~جانب ما قاسوا من قبل، هؤلاء تدفعهم غلظة طبعهم للانتقام من ذوي الحسب والأصل ~~القديم وممن لا يزالون بحكم الطبيعة سادة الوقت وإن لم يكونوا في منصة الحكم، ~~كذلك ترى الدول لا يطمئن بعضها إلى بعض، وترى الأفراد لا يطمئنون إلى نظام الحكم، ~~وترى الحكومات لا تطمئن إلى سكينة الأفراد؛ ولذلك كانت الرقابة وكان الحرص على ~~مضايقة الحرية. # نزلنا حيفا وسلكنا السبيل إلى دير الكرمل، ms256 والدير يقع على ارتفاع عشرة ومائة متر ~~فوق سطح البحر فيما أخبرنا أحد قساوسته، والطريق إليه اليوم هو الطريق الذي كان سنة ~~1914 ولم يغيرونه، وكان أثناء الحرب يتسع للأوتموبيل المدرع ولما هو أكبر من ~~الأوتموبيل المدرع، تسير فوقه العربة صاعدة إلى الدير فإذا الجبل من يمينك والوادي ~~عن يسارك وكأن الجبل والوادي هذه السنة أقل بهاء منهما في سنة 1914، ولعل أكبر ~~السبب لذلك أنا صعدنا إلى الكرمل سنة 1914 والشمس منحدرة إلى المغيب يلذ ضوؤها ~~العيون وتدع أشعتها نسمات الهواء تحرك أغصان الشجر وتتلاعب بأوراق النبات وتبعث إلى ~~النفس مسرة تزيدنا حبا للحياة ولما فيها، أما اليوم فقد ذهبنا إلى الكرمل ~~والشمس صاعدة إلى عرش الزوال والضوء حاد والأشعة قاسية والهواء ساكن ... ذلك في ظني ~~أكبر السبب، وهو ليس بالعجيب، فالجبل والوادي صورة أمام العين، والصورة يزداد لدينا ~~جمالها وينقص بمقدار ما ينبعث عليها من ضوء وعلى قدر ما في نفوسنا من استعداد ~~للمتاع بالجمال. # جبال حيفا جرداء لا ترى عليها من النبت ولا من الشجر إلا القليل، وسفوحها فيما ~~دون الطريق إلى الكرمل أكثر خضرة وبهاء، تنمو عليها بعض أشجار التوت والزيتون، وبطن ~~الوادي سهل منحدر إلى الشاطئ تقوم فوقه أنواع من الزرع متجاور مختلف ألوانه. # تعبر في طريقك إلى الدير بابا كبيرا، تقف بك العربة عنده حتى تدفع رسم مرور ~~العربة قرشين ونصف القرش يتقاضاها رجال الدير لينفقوا على الدير ومجاوراته منها، ~~فإذا بلغت الدير وجدت تلقاءه نصبا أقيم فوق رفات قتلى الحرب من الحلفاء ذكرى لمجد ~~الحرب ومجازرها، ووجدت إلى جانب الدير كنيسة وإلى جانب الكنيسة منزلا يأوي إليه ~~الرهبان، وإلى جانب المنزل فندقا ينزل فيه حجاج من ذوي الورع والتقى. # دخلنا الكنيسة مع راهب نيف على الستين ممتلئ صحة أحمر الوجنات أبيض الشعر ~~خاشع الطرف رضي النفس لين الكلام، وكنيسة الكرمل صغيرة رشيقة فيها من الضوء أكثر ~~مما اعتادت الكنائس، وينحدر إليها النور من نوافذ ركبت في أعلى الجدار، وزانتها ~~صور قدسية نقشت الزجاج تحكي ms257 أساطير المسيح المنجى والعذراء المضحية، وأنت إذ تتخطى ~~باب الكنيسة المقابل لنصب شهداء الحرب تجد نفسك في فناء يبلغ ستة أمتار في خمسة، ~~وترى إلى يسارك في هذا الفناء بابا هو باب منزل الرهبان، ثم تعدو درجة فإذا بك وسط ~~الكنيسة، وإذا أمامك صورة العذراء وصورة المسيح تحف بهما الشموع وهما في بريقهما ~~الذهبي مثال الخشوع والخضوع، وليس هذان النقشان كل ما في مذبح الكنيسة من إبداع، بل ~~لقد نظمت حولهما من الأوعية والآثار المقدسة ما يكل الطرف عن الإحاطة به لأن قداسة ~~مكان مقدس تحول دون تحديقك بدقائقه وبخاصة إذا كان عليك من راهب أو قسيس رقيب، ولأن ~~قداسة الأماكن المقدسة تشتملها دائما ظلمة لا تبدد منها الشموع إلا بمقدار يزيدها ~~قداسة، وليس من شأن الظلمة أن تجلو ما اشتملت، بل يكل النظر خلالها كلاله عند ~~التحديق بنور الشمس الساطع الوهاج. # وليس مذبح كنيسة الكرمل قائما فوق سطح الأرض، بل هو يعلو كهف شعيب! وكهف شعيب ~~نقر في جبل الكرمل لأكثر من تسعمائة سنة خلت، وقد بنيت الكنيسة وبني إلى جانبها ~~الدير لتحل بهما بركات ذلك الكهف وساكنه. # ولست تستطيع إذ تنحدر إلى ما تحت المذبح على ثلاث درجات غير منتظمة أن تميز في ~~ظلمة الكهف شيئا، وليس بك من حاجة لاختراق حجب تلك الظلمة، فهي ظلمة منيرة ~~للمؤمنين وإن كانت داجية، وهي لغير المؤمنين قتام لا يحوي غير صخر ينطوي خلاله ~~القبر القديم. # وخرجنا من الكنيسة بعد إذ تفضل الراهب الهرم فقص علينا طرفا من تاريخها، وسرنا ~~فإذا حول الدير والكنيسة والمنزل والفندق وحشة الجبل يؤنسها إيمان أولئك الرهبان، ~~ويعمرها بعض أشجار الجوز والخروب والصنوبر انتشرت متباعدة بعضها عن بعض، وأردنا أن ~~نوغل في الجبل فخيل لنا أنه موحش كله، لكنني علمت بعد إذ أقمت بلبنان زمنا أن عند ~~قمته مدفعا ضخما، وأن لهذا المدفع قصة، فقد استولى الحلفاء أيام الحرب على حيفا، ~~وتراجع الأتراك وضباطهم من الألمان خلا الجندي القائم على هذا المدفع الذي أبى أن ~~يتراجع ms258 وظل يصب الموت على المهاجمين حتى صمت صوته وصوت مدفعه. # وشققنا طريقنا وسط المدينة عائدين إلى الباخرة، ومررنا بحانوت ألماني يتكلم لغة ~~أهل البلاد كأنه منهم؛ ذلك بأنه ولد في حيفا وكان يأمل مع الألمانيين أن تكون حيفا ~~مصدر النفوذ على الشرق الأدنى والمتسلطة على سكة حديد بغداد والمهددة للهند وللهند ~~الصينية. # وأمضينا بقية يومنا فوق ظهر الماء، وتحركت الباخرة في المساء، ثم تنفس صبح الجمعة ~~عن شواطئ بيروت، وعند الساعة العاشرة كانت السيارة تقطع بنا الطريق من بيروت إلى ~~برمانا. # بيروت عاصمة لبنان الكبير، ولم يدع لبنان كبيرا إلا بعد أن ضم الانتداب الفرنسي ~~بيروت إليه وجعلها عاصمته، أما قبل ذلك فكان لبنان لبنان فقط، وكان وسط بلاد الدولة ~~العلية إيالة تمتعت بالاستقلال الذاتي منذ سنة 1868. # ومن بيروت تتفرع الطرق إلى ربوع لبنان، فينبعث أحدها شمالا إلى طرابلس وإلى شمال ~~لبنان، ويسير الآخر جنوبا إلى عاليه وصوفر والشام، ويتوسط هذين طريق يمر ببرمانا ~~وبكفيا إلى ظهور الشوير، وتتفرع من هذه الطرق الثلاث الرئيسية الصاعدة من الشاطئ ~~إلى قمم سلاسل لبنان طرق كثيرة أخرى بعضها يحاذي الأولى ويهبط البعض الآخر إلى بطن ~~الوادي، يسير عليه من يريد أن ينتقل من إحدى سلاسل لبنان إلى سلسلة أخرى. # وليس في لبنان طريق لسكة حديد إلا ذلك الطريق القديم الصاعد من بيروت إلى صوفر ~~فزحلة والمعلقة ورياق حيث يتفرع فيذهب فرع إلى الشام ويذهب آخر إلى سوريا، وهذا ~~الطريق ممل بطيء يحتاج المسافر عليه من بيروت إلى دمشق لأكثر من ثمان ساعات، وقد ~~كان الناس به راضين فرحين يوم لم يكن له منافس إلا العربات تجرها الجياد، أما اليوم ~~لوى الناس عنه وجوههم وكادوا ينسونه لأن الأوتموبيلات قد قصرت الوقت وأذهبت الملال، ~~والأتومبيلات في لبنان كثيرة يزيد عددها على الألفين، ونفقتها يسيرة إلى جانب سائر ~~نفقات المصطاف، فلست تجد ما يدفعك إلى ركوب عربات سكة الحديد ولو كانت البلدة التي ~~تقصد إليها واقعة عليها. # وأكثر الأوتموبيلات في لبنان من الطراز الأمريكي، والفورد عظيم ms259 الرواج، كذلك تجد ~~الدودج والبويك والهدسن، أما الطراز الأوروبي كالفيات والرينو فنادر جدا؛ لأن طرق ~~الجبل عسيرة، ولأن السيارات الأوربية عالية الثمن والبلاد ليست غنية وأهلها أحوج إلى ~~النافع منهم إلى الجميل. # وتصعد الأوتموبيلات من الشاطئ على مستوى سطح البحر إلى صوفر أو إلى ظهور الشوير ~~أو إلى أهدن، أي إلى أماكن ترتفع ما يناهز ألفا وخمسمائة متر فوق سطح البحر، وتصل ~~إلى هذا الصعود في زمن وجيز لا يتجاوز الساعة ونصف الساعة، وتلك معجزة لمن لم يرها، ~~كيف تتسلق السيارات الجبال الصاعدة إلى السماء؟ كيف يفكر إنسان في زيارة أرز لبنان ~~وهو مطمئن إلى مقاعده الوثيرة في سيارته حتى يصل إلى بلدة بشرى المرتفعة فوق سطح ~~البحر بمقدار 1550 مترا، وكيف يفكر أهل الجبل في تمهيد باقي الطريق إلى الأرز ~~لتتسلق عليه الأوتموبيلات مرتفعة أربعمائة متر أخرى فوق مستوى بشرى؟ ليس تصور هذا ~~الأمر يسيرا # لكنك تتصوره وتطمئن له وتسر به متى رأيته، فليست سلاسل لبنان ذاهبة في ~~ارتفاعها إلى السماء توا من عند سطح البحر، ولست تجد هذا المنظر البديع الذي تجده ~~حين تمر في الرفييرا بفرنسا وبإيطاليا فترى الجبال الشامخة تقوم على شاطئ البحر ~~المتوسط لا يفصل بينهما إلا طريق تمر به العجلات ويجري فوقه الترام، فإذا نظرت عن ~~جانب رأيت الأفق الأزرق الدائم الصفاء، ورأيت فيما بينك وبين الأفق الأمواج ~~المتتالية تتدافع نحو الشاطئ لتنكسر عليه في دوي ورغاء وزبد، وإذا نظرت عن الجانب ~~الآخر حال الجبل دون امتداد النظر فإذا رفعت طرفك كان الجبل دائما هو الذي يلقاه ~~حتى يلقى الجبل السماء ... لست تجد هذا المنظر البديع في سلاسل لبنان إلا في بعض ~~الطريق ما بين بيروت وطرابلس، فأنت في هذا البعض من الطريق ترى سيارتك تطير بين ~~الماء والصخر على طريق لا تزيد سعته على ثمانية أمتار، ويقابلك أثناءه نفقان يلتقي ~~عندهما البحر والجبر من غير واسطة، على أن بين جبال الرفييرا وهذا القسم من جبال ~~لبنان فرق كبير، جبال الرفييرا رفيعة معطرة بالزهر ms260 مختلفة الوجوه ونباتية الصور، ~~أما هذا القسم من جبال لبنان فلا تأخذ رفعته ولا يأخذ عبيره بالنظر، وإنما يأخذ ~~بالنظر منه وجوم واستجمام وتقشف، وقد يكون للوجوم وللتقشف أثر على النفوس لا يقل ~~عما لروعة البهاء والعطر من أثر. # أما سائر سلاسل لبنان فتنبت عند الشاطئ وترتفع رويدا رويدا حتى تبلغ غاية ~~ارتفاعها بعد عدة كيلو مترات، فإذا أنت وقفت عند ملتقى الطرق بظاهره بيروت ومددت ~~ببصرك رأيت القرى والضياع منثورة بعضها فوق بعض، ويتسنم بعضها الجبل ويحتمي البعض ~~الآخر بالسفح، فإذا كان موقفك في إحدى ساعات الليل رأيت هذه القرى والضياع أنوارا ~~يبدو لالأؤها إلى أن تنتهي عند القمم بلقيا نجوم السماء، وكأنها لولا لونها المحمار ~~صورة هذه النجوم انطبعت على الأرض انطباعها على الماء، وكأن القمم هي الأفق الذي ~~تلتقي عنده الصورة بالخيال. # تدرج الجبال في ارتفاعها من الشاطئ إلى القمة هو الذي جعل سير الأوتمبيلات فوق ~~ظهرها ممكنا. لكن ... لا تحسب هذا التدرج هينا ترتقي وإياه في طريق مطمئن مستقيم ~~يصل بين البدء والغاية كسيرك من شاطئ النيل إلى سفح الهرم، وإنما يتحايل الأوتموبيل ~~على تسلق هذه السفوح تحايلا، فقد اختط الناس الطرق عليها في صورة شبه حلزونية عجب ~~شكلها، تسير بك السيارة في طريق صاعد وتستمر في سيرتها خمسون مترا ثم يقابلها ~~الوادي فتدور متسلقة في دورانها كوعا يمتد بعده طريق يحاذي الطريق الذي كانت تسير ~~من قبل عليه، ولكنه يرتفع عنه ويظل صاعدا حتى لترى الطريق الأول أسفل منك بمقدار ~~يبلغ في بعض الأحايين خمسة أمتار أو يزيد، ثم لا تمر بك دقيقة أو دقيقتان حتى إذا ~~كوع آخر وإذا الأوتموبيل يتسلق، والويل له إن لم يكن قويا، فقد تراه في بعض هذه ~~المواقف (متعسرا) يرسل البنزين إرسالا ويفحر في الأرض بعجلاته، ويدور كأنما يدور ~~حول نفسه، ويحدث من الضجة ما يحدثه اللاهث المستغيث، وبينما يدور الأوتموبيل دوراته ~~مسرعا مرة مبطئا أخرى تنجلي أمامك السفوح هابطة إلى الوادي مغطاة بأشجار الصنوبر ~~تبدو خضرتها زاهية تحت ms261 ضوء الشمس أو قتاما إذا كانت على السفح المقابل، ويمتد ~~الصنوبر في غاباته جليلا جميلا وتتموج هاماته تحت الضوء ويحدث فيها الهواء ~~اهتزازات لطيفة تزيد موجها جلالا وجمالا. # اختط بنا الأوتموبيل الطريق من بيروت إلى برمانا، قد أذكرتنا بيروت ساعة نزلناها ~~بحر القاهرة بعدما نسيناه ثلاثة أيام تباعا فوق سطح البحر، وسار يتعرج في هذه ~~الطرق ويتسلق السفح مسرعا آنا مبطئا آونة، فلما علا فوق منازل بيروت وانكشف ~~البحر وبدت السفوح الخضراء، هب نسيم رقيق كان يزداد رقة كلما ازددنا ارتفاعا، ~~وبعد مسيرة نصف الساعة وقف بنا عند نبع ماء تقابله قهوة تدعى الخروبة؛ لأنها واقعة ~~تحت شجرة خروب تظلها، وهناك وجدنا أوتومبيلات سبقتنا تستقي من هذا النبع؛ ذلك أن ~~صعود السيارات يحوجها للماء كي تهدئ ما بجوفها من حرارة تكاد تحرقها. # ونبع الخروبة واحد من ألوف النبوع الموجودة في لبنان، فهذه البلاد لا تعرف ماء ~~النهر، وإنما تتسرب مياه المطر فيها خلال الجبال وتظل تنساب في ثناياها ثم تنبع ~~صافية باردة يشرب منها الناس والدواب وتستقي منها الأوتموبيلات وتدار بها ~~الطواحين. # ومرت بنا السيارة في عين سعادة وبيت مري قبل أن تصل بنا إلى برامانا، وتلك قرى ~~لبنان مثلها مثل سائر القرى، بنيت بيوتها من حجر الجبل، وغطيت سطوحها بالقرميد يسيل ~~من فوقه المطر أثناء فصل الشتاء، وإنك لتدهش لما بين هذه القرى وقرانا في مصر من ~~فرق، حجر بدل اللبن، وقرميد بدل الأحطاب، وتحيط بقرية لبنان سفوح الجبل بأشجارها ~~وينابيعها، وتحيط بقرية مصر المزارع إلا أن تفصل بينهما حاجة الزرع من سماد وبقايا ~~مياه الترع من مستنقعات، وترى في أكثر قرى لبنان من مظاهر المدنية، نور الكهرباء ~~يضيئها في المساء، أما قرى مصر فتحترم ظلمة الليل أشد احترام. # ومعظم الفرق بين القريتين يرجع إلى أن لبنان جبل فالأحجار في متناول أهله، ولبنان ~~مصيف فكل قرية من قراه تسعى لتتجمل كي تجذب إليها أنظار النازحين من مختلف جهات ~~الشرق الأدنى يبتغون الراحة ويبتغون معها ما اعتادوا من ترف الحياة ms262 ونعيمها؛ لذلك ~~كانت الكهرباء وكانت الفنادق في القرى ... ولذلك كانت ظاهر المنازل جذابا، وكان في ~~أهل لبنان حفاوة وإسراع إلى النازل بين أظهرهم، فأما مصر فواد يجري النيل خلاله ~~فيدر على أهله من أخلاف الرزق خيرا وبركة، من طينته المباركة يتخذ أهل القرى ~~منازلهم، وفي تربته المباركة ينفقون مجهودهم، فقريتهم لهم لا لغيرهم، ورزقهم من ~~سعيهم لا من متاع غيرهم؛ ولذلك لم يعنوا بظاهر المنازل ولم يكن الفلاح المصري ~~حفيا وإن كان شهما كريما. # لبنان مصيف الشرق الأدنى، حبته الطبيعة مناخا معتدلا ونسيما رقيقا ومنظرا ~~بديعا، فاجتمع لديه البحر والجبل وما في البحر والجبل من جمال، يهب عليك الهواء ~~نديا غير رطب ورقيقا غير قارس، وتسرح طرفك حيث شئت فيأخذ به جمال الشجر الباسق ~~تارة وجلال الجبل الجدب طورا، فإذا كان المشرق أو المغرب أخذت الشمس زينتها لتحية ~~الاستقبال أو لتحية الوداع، وهي تودع لبنان لتغيب في لجة البحر تاركة وراءها ~~السحب في سوار من نار وفي قلائد من عقيق وذهب، ولن تراها تضن يوما بمغيب بديع، ~~فإذا كانت أيام تكامل القمر اشتملت الوديان والسفوح والجبال لجة النور الرقيق ~~الشفاف وامتدت هذه اللجة فانطرحت على سطح البحر وكست موجه حياة ونورا. # ومن خلال الأشجار وفي قمم الجبال ينبع الماء تارة وينحدر أخرى، وهو في نبعه وفي ~~انحداره نمير رقيق تنبع الحياة حوله ويزيدها بهاء وجمالا، وهو في رقته وفي تبعثره ~~يشعرك حقا أن لا حياة إلا حيث الماء، وأن بلدا يغيض ماؤه يقضى عليه لا محالة ~~بالجدب وبالموت. # لبنان مصيف الشرق الأدنى ... وسويسرا مصيف أوربا ... ولبنان يمتاز على سويسرا بالبحر ~~تغرب فيه شمسه، وتمتاز سويسرا على لبنان بالبحيرات تحتفظ بمياه الجبال لتتغذى منها ~~أكبر أنهار أوربا ... وبين لبنان وسويسرا فرق آخر هو الفرق بين الشرق والغرب، فحيث ~~سرت في سويسرا رأيت الإنسان سعيدا للطبيعة ورأيت الطبيعة خاضعة لحكم الإنسان، وحيث ~~سرت في لبنان رأيت الإنسان عبدا للطبيعة خاضعا لحكمها، في سويسرا ترتفع إلى قمة ~~الجبل بقوة جذب البخار أو الكهرباء ms263 لعربات (الفنيكولير)، وفي لبنان تدور حول السفوح ~~وتسير حيث تأمرك تعاريج الجبل، ثم لا تبلغ بعد ذلك من عليا القمم إلا يسيرا، في ~~سويسرا تتخطى من سفح إلى سفح وتخترق الجبال أميالا في جوف النفق، وفي لبنان تدور ~~مع السفح لتهبط إلى الوادي وتعتلي الجبل لتدور حول سفحه كي تهبط إلى واد جديد، في ~~سويسرا ما شئت من شجر وزهر، وفي لبنان أشجار قضت الطبيعة من الأبد أن تكون أشجار ~~لبنان ... ترى أي شيء أحب لنفس أهل الشرق: الرضا بالقضاء أم السعي ليمسكوا بيدهم صرف ~~القضاء! هم إلى اليوم بالقضاء راضون، فهل يكون القضاء في غد بهم راضيا؟ # قد يحتاج إخضاع الطبيعة المترامية الأطراف إلى جهد وزمن، وقد يكون الشرقيون في ~~كفاء بما حبت الطبيعة به لبنان من بهاء وجمال، لكن المصطاف يحتاج إلى جانب جمال ~~الطبيعة عيشا رضيا، وذلك أول ما يدور حوله بحثه حين يصل إلى المصيف فيبحث في ~~فنادقه وفي منازله عما يكفي حاجته ويضمن طمأنينته، وهو واجد في لبنان شيئا غير ~~قليل من هذا، وهو بعد في حاجة منه إلى شيء غير قليل. # 22 أغسطس سنة 1924 # برمانا - بكفيا - اهدن: # في يوم الاثنين الماضي - 18 أغسطس - مر بي في برمانا عبد المنعم بك رسلان وعبد ~~العزيز بك رضوان وشمس الدين بك عبد الغفار ومعهم الخواجه أمين عقل ولم أكن أعرفه من ~~قبل، وقد علمت منهم أن إسماعيل باشا أباظة مصيف ببيت مري وأنهم ذاهبون لزيارته، ~~فذهبت معهم وقابلناه ومن معه بلوكاندة العجيل، والرجل اليوم في العقد الثامن من ~~عمره قد بلغ به الضعف كثيرا، وتحدث زائروه في الانتقال من بكفيا حيث يقيمون، ~~فدعاهم إلى بيت مري حيث المنظر جميل والهواء رقيق والاجتماع يحبب في الإقامة، وعرض ~~عليهم صاحب الفندق غرف الفندق، لكنهم رأوا تأجيل البت في الأمر لأنهم كانوا قد ~~اعتزموا السفر إلى اهدن، وعرض علي شمس الدين أن أكون في جماعتهم فترددت ثم ذكرت ~~له أن صديقنا الدكتور سامي كمال كان معتزما هذه السفرة، وإنني ms264 أسر إذا كان ~~معنا، وكان الدكتور سامي مقيما في ظهور الشوير، فتم الاتفاق على أن نكون جميعا ~~معا، وفي يوم الأربعاء وصلني ببرمانا تلغراف من عبد المنعم بك رسلان يخبرني فيه ~~بأن أوتموبيلا سيكون عندي في الساعة الخامسة من صباح الخميس، واستيقظت قبيل هذه ~~الساعة، ووصل الأوتوموبيل وذهبت قاصدا بكفيا في الساعة الخامسة والثلث، وكانت الشمس ~~قد انجلى عنها غشاء المشرق المتورد وسطع نورها، وكان الهواء رقيقا صفرا، فجعلت ~~السيارة تتسلل فوق طرق الجبل مختفية مرة وراء أكمة ثم مرتفعة فوق أكمة أخرى، وشجر ~~الصنوبر يتكاثف في بعض الأماكن فيقع النظر منه على غابة تبدو جزوعها ملتفة قوية ~~باسقة إلى السماء حتى تظلها رؤوس الصنوبر تتقارب فتبدو للعين كأنها قمة واحدة، ثم ~~تصعد السيارة حتى إذا غابة الصنوبر التي كانت رفيعة أمامك قد صارت إلى جانبك، وإذا ~~بك قد درت حولها في طرق الجبل المتعرجة المثنية الصاعدة وأختها فوق الأخرى تراها ~~كأنها رقاب الجمال في لونها واستدارتها، أو كأنها سرب من الأفاعي انسابت هائمة من ~~عند شاطئ البحر، فجعلت تتسلق الجبال وكأنها يطاردها مطارد، ولا تلبث إلا دقائق ثم ~~إذا غابة الصنوبر قد بدت خاضعة رؤوسها مختفية جزوعها، وهذه الرؤوس الخضراء المتموجة ~~تبدو تحت نور الشمس مطمئنة، وتبعث إلى الصدور شذا رقيقا لا تكاد تحسه، ولكنك ~~تشعر للقياه بسرور، فتفتح له كل صدرك وتستنشقه ملء رئتيك، وكذلك ظللت أتسلق الجبل ~~تطير بي السيارة فوق هذه الرقاب الملتفة على كتف الجبل، والتي تذرك دائما بين ~~الجبل قائما من ناحية يحدثك بخضرته ونضارته وبسموه ورفعته حديث الوحدة الساكنة إلى ~~نفسها، وبين الوادي هابطا في بطن مطمئن تنحدر إليه سفوح خضراء نضرة كلها شجر ~~الصنوبر وكروم العنب والتين، وبلغت بكفيا في الساعة السادسة وأنا موقن أن أصحابي في ~~انتظاري وأنا سنقوم توا إلى اهدن، لكن أصحابي كانوا لا يزالون نياما أو ~~يكادون. # لبنان مصيف الشرق الأدنى، هو كذلك بطبيعة موقعه، فهو وسط بين تركيا والعراق ~~وفلسطين والحجاز ومصر، والمواصلات إليه من هذه البلاد ms265 ميسورة سهلة، وأهله يتكلمون ~~العربية التي يفهمها أهل هذه الأمم، وهواؤه معتدل، ومناظره جميلة، والتقاء البحر ~~والجبل عنده يسمح لكل إنسان أن يختار المناخ الذي يناسب مزاجه، تجتمع فيه الفصول ~~الأربع على ما قال أحد اللبنانيين، فهو يحمل الشتاء على رأسه، والربيع فوق أكتافه، ~~والخريف على ذراعيه، والصيف تحت قدميه ... # لكن أهل الشرق لم يتجهوا للاصطياف بلبنان قبل الحرب لأن طرقه لم تكن مطروقة، ولأن ~~الحاكمين فيه لم يعنوا بتمهيد وسائل الانتقال، فكان المصطاف الذاهب إلى ظهور ~~الشوير يقضي سبع ساعات في العربة التي تنقله من بيروت، ومتى بلغ غايته فقد قضي عليه ~~أن يبقى بها وبالقرى المجاورة مباشرة لها حتى يفكر في العودة من حيث أتى، وتلك حال ~~لا تشجع المصطافين، وإذا كان طلب الاصطياف قليلا كان عرض حاجات المصطاف بالطبع ~~قليلا كذلك؛ لذلك كان نادرا في الأزمان الماضية أن تجد فنادق في غير البلاد التي ~~تمر بها سكة الحديد أو القريبة من بيروت، وكان العثور على منزل به من الأثاث ما ~~يكفي حاجات المصطاف أندر كثيرا. # أما اليوم قد قربت الأوتومبيلات ما بين ربوع لبنان، وشعر اللبنانيون بأن ما حبت ~~به الطبيعة بلادهم الجبلية يجعل الاصطياف ثروتهم الأساسية، وتيسر الطريق فأصبح ~~الوصول إلى لبنان من كل الدول المجاورة لا يحتاج لأكثر من أربع وعشرين ساعة، فقد ~~قصد المصطافون هذه الربوع الجميلة فكثرت الفنادق فيها، وفكر الأهالي في الاستعداد ~~لمقابلتهم، ورأت الحكومة من جانبها تيسير الوسائل لزيادة الإيراد وزيادة ~~الضرائب. # المقام بالفنادق حتم على كل مصطاف، فأنت بها قبل اختيار المنزل الذي تريده ~~لمصيفك، وتنزل بها إذا لم تكن تريد المقام في بلد واحد، والمصطاف يطلب في الفنادق ~~حظا من الراحة والمتاع، ويطمع في غذاء جيد وفرش نظيف والأدوات الصحية للراحة ~~والنظافة، وهو يجد في أكثر الفنادق الكبيرة فرشا نظيفا ومقابلة حسنة، أما الغذاء ~~فكان موضع شكوى النازلين بأكثر الفنادق هذا الصيف، ولعل ذلك يرجع إلى الفرق في ~~الذوق بين تصور المصري والسوري نفس الطعام، ولعله يرجع أيضا إلى ms266 حرص كثيرين من ~~أصحاب الفنادق على أن يكون لديهم أكبر حظ من الربح في هذا الصيف. # على أن من الناس من لا يكبر شأن الطعام، فما أكثر الممعودين، وما أكثر من ~~تمتلئ غرفهم بألوان الحلوى وأصناف الفاكهة! ومنهم من أظهروا الرضى عن طعام الفنادق ~~التي نزلوا فيها، لكنهم جميعا سخطوا على ما هو عام في فنادق لبنان ومنازلها من عدم ~~وجود الأدوات الصحية بها، فقل أن تجد بفندق أو بمنزل حماما منتظما كامل الآلة، ~~وقل أن تجد الماء الجاري في المنازل سواء للشرب أو (للقضيان) كما يقول اللبنانيون، ~~وهم يعزون ذلك إلى قلة الماء في الجبل، ولست أرى صحة قولهم وهذه العيون والينابيع ~~تجري طول العام وقليل من عناية الحكومة ومن تضامن الأهالي وتضافرهم كفيل بتوفير ~~الماء لكل الغايات. # واللبنانيون أنفسهم يقدرون الحاجة إلى الماء وإلى الأدوات الصحية ويعملون ~~لسدادها، فقد حضرت حينما كنت في بلدة اهدن اجتماعا أقامه الأهالي للنظر في إجراء ~~الماء للمنازل من نبع سركيس أو من نبع غيره، وأهالي لبنان إذا تضامنوا نفذوا، وإنك ~~لتعجب إذ ترى في كثير من قراهم التي لا يزيد عدد سكانها على الألفين أو على الثلاثة ~~آلاف نور الكهرباء أجرته بلدية القرية في شوارعها وأدخلته إلى منازلها، وترى عربات ~~الرش تسير في هذه القرى الصغيرة تخفف مما تثيره الأوتومبيلات من الغبار، وهي تقوم ~~بالإنارة وبالرش وبما إليهما من وسائل الراحة بأقل ما يمكن من النفقات لأنها لا ~~تريد أن يضيع مال الأهالي إلا فيما يجر عليهم أكبر حظ من الفائدة. # ويزيد الأمل في تقدم لبنان ليكون مصيفا مختارا ما تبديه الحكومة من العناية في ~~هذا الشأن، فقد فكرت في عقد مؤتمر طبي يحضره عدد كبير من أطباء مصر ولبنان وسوريا ~~وغيرها ليطوفوا البلاد وليبدوا رأيهم في مبلغ صلاح كل جهة من الجهات المعروفة وغير ~~المعروفة للاصطياف، ولوجود الجراح المصري الكبير الدكتور علي بك إبراهيم بمصيفه في ~~برمانا رأت حكومة الجبل الاستعانة برأيه، فأبدى لهم أن عقد المؤتمر من غير وجود ~~المعلومات ms267 الكافية لدى الأطباء الذين يحضرونه لا ينتج الفائدة المطلوبة، فليس ~~يستطيع طبيب أن ينصح لمريض بالذهاب إلى جهة معينة إلا إذا عرف على وجه الضبط مبلغ ~~ارتفاع الجهة عن سطح البحر وتفاوت درجة الحرارة فيها خلال فصول السنة المختلفة ~~وتفاوت درجة الرطوبة كذلك، ثم إن بلبنان ينابيع شتى يقال إن لمياه بعضها فائدة ~~شفائية خاصة، وليس يمكن الاعتماد على هذا القول إلا إذا حللت مياه الينابيع في ~~معامل كيمائية حائزة تمام الثقة، فلكي يكون للمؤتمر فائدته يجب أن توجد لدى أطبائه ~~مقادير ارتفاع جهات الجبل المختلفة ودرجات الحرارة والرطوبة فيها، كما يجب أن توجد ~~تحاليل المياه لتعرف فائدتها الشفائية معرفة صحيحة، وقد اقتنع أولو الأمر برأي ~~الطبيب المصري الكبير واستبدلوا فكرة المؤتمر في هذا العام بنزهة طبية يقوم بها عدد ~~من الأطباء لمشاهدة أماكن الاصطياف المختلفة مشاهدة أولية، فإذا كان العام القادم ~~وتوفرت المعلومات الكافية على طريقة علمية دقيقة انعقد المؤتمر فكان لديه من نزهة ~~هذا العام ومن المعلومات التي جمعت له ما يجعل نتائج اجتماعه موثوقا بها، وما يسمح ~~للطبيب أن يرسل بمريضه إلى الجهة التي تناسبه لا لأن هذه الجهة ناسبت شخصا آخر من ~~قبل، ولكن لأن ارتفاع هذه الجهة ومناخها وهواءها وماءها صالح له صلاحية علمية ~~مقطوعا بها. # اقتنع أولو الأمر في حكومة لبنان برأي الطبيب المصري الكبير في أمر المؤتمر كما ~~اقتنعوا برأيه فيما يجب على الحكومة لتوفير راحة المصطاف، ولضمان صحة الأهالي، ~~فأصبح متوقعا أن تقرر مراقبة غذاء الفنادق والأدوات الصحية بها جعل مجاري وآبار ~~الفنادق والمنازل صماء حتى لا تلوث مياه العيون التي يشرب منها الناس والدواب، فإذا ~~توفر ذلك كله وتوفرت للمؤتمر المعلومات الطبية الصحيحة، وأسفر تحليل مياه بعض ~~العيون عن فائدة شفائية كان مصيف الشرق الأدنى بديعا حقا، وكان إقبال الناس عليه ~~كفيلا بسعي أهله لإخضاع الطبيعة لهم بدل خضوعهم للطبيعة وفي اجتهادهم للاستفادة من ~~القوى الموفورة لديهم والتي يمكن تذليلها واستخدامها لفائدة السكان ولراحة المصيفين ~~جميعا. # في لبنان قوى موفورة من ms268 انحدار المياه، يقدرون بعضها بما يزيد على عشرين ألف ~~حصان، ولو ضمت القوى المختلفة بعضها إلى بعض لزادت على ما يحتاجه لبنان كله للنور ~~ولسير عربات الكهرباء ... أخبرني المحترم الخوري أنطونيوس خوري قصبة بشرى وأرز لبنان ~~أن نبع قاديشا الواقع على مقربة من الأرز ينحدر ماؤه بقوة قدرها في أقل أوقات ~~اندفاعها بستة عشر ألف حصان، وأن شركة تألفت لاستغلال هذه القوة وإنارة سلاسل لبنان ~~الشمالية كلها بالكهرباء من أرفع نقطها عند الأرز إلى مرفأ طرابلس، وأن ما توفر بعد ~~ذلك من القوة يوجه إلى أعمال أخرى، فلو تم هذا المشروع في شمال لبنان وتمت ~~مشروعات من مثله في سائر جهات الجبل وعاونت الكهرباء الأوتوموبيلات في قطع نواحي ~~الجبل نجمت على أثر ذلك حاجة للكمال، وقامت أعمال التجديد واستطاع أهل الجبل أن ~~ينفقوا ما لديهم من النشاط المحبوس اليوم على صناعات قليلة وزروع نادرة الثمر، ~~فجعلوا من لبنان جنة الشرق، ووجد المصطاف كل حاجاته وكل ما يطمع فيه من كمال ~~المتاع. # بل لو اتجهت العناية أكثر من هذا كله إلى حجز كمية من المياه الغزيرة التي تتدفق ~~إلى الجبل طول الشتاء لتنمية الأشجار على السفوح الجرداء، ولتنويع ما هو موجود ~~ولإدخال أشجار وأزهار جديدة إذن لفاقت سويسرا ولفاقت التيرول هذه النواحي البديعة ~~التي أغدقت عليها الطبيعة من نعمها، والتي ظلت على حال أليمة من الفقر جعلها باقية ~~اليوم كما كانت منذ القدم، وجعل الأكثرين من أهلها يضطرون للنزوح والهجرة إلى مصر، ~~وإلى أمريكا، وإلى أستراليا طلبا للعيش وسعيا وراء الثروة. ms269