######OpenITI# #META# URI: 1375MuhammadHusaynHaykal.QisasMisriyya.Hindawi30731627 #META# Tags: novels #META# ID: 30731627 #META# Title: قصص مصرية #META# AuthorID: 73037206 #META# Author: محمد حسين هيكل #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الإهداء‏ # كفارة الحب‏ # ميراث‏ # يد القدر‏ # الحب أعمى‏ # وفاء‏ # شاهد الملك‏ # لله في خلقه شئون‏ # بأعمالكم تؤجرون‏ # الأسرة الثانية‏ # الدين والوطن‏ # آباء وأبناء‏ # الإهداء‏ # كفارة الحب‏ # ميراث‏ # يد القدر‏ # الحب أعمى‏ # وفاء‏ # شاهد الملك‏ # لله في خلقه شئون‏ # بأعمالكم تؤجرون‏ # الأسرة الثانية‏ # الدين والوطن‏ # آباء وأبناء‏ # | قصص مصرية # | قصص مصرية # تأليف # محمد حسين هيكل # | الإهداء # إلى مصر ... # وإلى «مصرية». # إليكما كان إهداء «زينب» في البدء. # ولعل من الحق أن يكون إليكما إهداء هذه المجموعة في الختام. # | كفارة الحب # كانت تناهز الخامسة والثلاثين، صبوح الوجه، حلوة الابتسامة، ذكية النظرة، أدنى إلى ~~القصر، غير بادنة وغير نحيفة. وكانت شفتاها المقدتين تزيدان ذكاء نظرتها وحيا بالكثير من ~~المعاني. وكان أصدقاؤها لا يعرفون من أمرها إلا القليل الذي ينقله إليهم صديقنا وقريبها ~~حمزة ... لكنهم كانوا يعنون بأنبائها لما تناقلت الألسن وتناهبت الأسماع من حديثها في الشهور ~~الأخيرة. فالقاهرة مدينة شديدة التسامح مع عبث الهوى، شديدة الإغضاء عمن يسلمون عنانهم ~~لدوافع تياره، لكنها شديدة الدهشة لصادق الحب، ترهف الآذان إذا حدث أحد في حي من أحيائها ~~عن غرام صادق وعاطفة تستعذب الصحبة وتستهين بالموت. لذلك أثارت قصة زهيرة دهشة القاهريين ~~وطلعتهم، وزاد ما في نفوس ظرفائهم من شك أصيل في صدق عاطفة الحب أو في استطاعة امرأة أن ترى ~~في الحب خطيئة تستأهل التكفير عنها. # وكان صديقنا وقريبها حمزة يخطو إلى الأربعين بقلب مطمئن ونفس باسمة للحياة سخرا من ~~الحياة. وكان مع ذلك شديد العناية بشئون يعتبرها كثيرون من أصحابه تافهة ويراها هو جليلة ~~الخطر ما دامت لا تعنيه وحده، بل تعني آخرين معه. من ذلك أنه كان شديد الدقة في مواعيده حتى ~~لكنا نضبط ساعاتنا ساعة يدق الجرس ويدخل هو علينا، ولكنا نتهمه بأنه إذا ألفى نفسه ~~تقدم عن موعده دقيقة أو دقيقتين وقف بالباب ممسكا ساعته بيده حتى تكون الثانية ~~المضبوطة التي يدق الجرس فيها. وكنا يومئذ ننتظره في الساعة الخامسة تماما، وقبيل هذا ~~الموعد ببرهة دق الجرس، فأمسكنا ساعاتنا بأيدينا وتلاقت نظراتنا ms001 تتهم الساعات جميعا بتقديم ~~بضع ثوان عن الموعد الدقيق، لكن الداخل لم يكن حمزة، وانقضت بعد الخامسة دقائق وانقضى ربع ~~الساعة وانقضى نصف الساعة ولم يجئ. هنالك بدأ يساورنا القلق عليه وجعل كل منا يلقي ما ~~يجول بظنه أنه سبب تأخره، قال أحدنا: لا بد أصابه مرض مفاجئ، وقال آخر: بل تعلق بأذياله ~~في اللحظة الأخيرة صديق لحوح، وقال ثالث: ما أكثر ما يصيب الناس من حركة المرور في هذه ~~الأيام. وبدأ كل يقص ما حمله على ظنته. وفيما نحن كذلك دق الجرس ودخل حمزة فحيا وجلس ~~مطرقا، وخلع طربوشه ووضعه إلى جانبه، ثم طلب فنجالا من القهوة، وسألنا عما كنا نتحدث ~~فيه. فلما ذكرنا له ما كان من مخاوفنا بسبب تأخيره، بدت على وجهه أمارات تردد حاول ~~بعدها أن يعدل بالحديث إلى غير هذا الموضوع. لكن أحدنا ألح به يسأله عن علة تأخره. ~~ورأينا نحن على قسمات حمزة ما دلنا على أن في الأمر سرا لا يأبى هو أن يبوح به، ولنا في ~~الاستماع إليه لذة أي لذة. فشاركنا صاحبنا في إلحاحه، وبدرت من أحدنا هذه الكلمة: لعل شيئا ~~يتصل بزهيرة كان سبب تأخرك. فاندفع حمزة قائلا: نعم. نعم بسبب زهيرة تأخرت، لقد قضيت ~~عندها هذا النهار منذ صباحه، ولقد رأيتها اليوم غيرها في سابق أيامها. لقد كانت دائما ~~ساكنة سكون أبي الهول برغم ما تعرف من تناول الناس حديثها، بل لقد كانت تبتسم إشفاقا على ~~هؤلاء الذين يتهمونها بأخس التهم، ازدراء إياهم وعبثا بحمقهم وجهلهم الحياة وإسراعهم ~~إلى القضاء في أدق شئونها، شئون العواطف. أما اليوم فكانت ساكنة سكون أبي الهول، كانت ساكنة ~~سكون القبر. فلما اطمأن مقامي عندها وبدأت أبادلها الحديث، قالت إنها فكرت طويلا فيما ~~يقول الناس عنها، وخشيت أن يعلق بذهني منه شيء أقسو به في الحكم عليها، وأنها تريد لذلك أن ~~تقص علي قصتها. وفي قصصها قضيت الوقت كله، وما أدري أكانت قصتها اعترافا أو وصية أم ~~دفاعا، لكنها ختمت قصتها بقولها: أما تراني ms002 وقد قصصت عليك حديثي، كفارة الحب. # ثم إنها اعتذرت قائلة إنها تشعر بصداع، وطلبت إلى خادمتها أن تجيئها بكوب ماء صبت فيه ~~مسحوقا أبيض من ورقة أخرجتها من حقيبتها، ثم أشارت إلي أنها بحاجة إلى الاستراحة، ~~فاستأذنتها وجئت إلى مودعكم. ولئن كنتم قد لاحظتم علي شيئا من اضطراب النفس، فهو من أثر ~~هذه القصة التي روت والتي جعلتني أشعر حقا بأنها كفارة لذنوب لا تقع عليها أثقل ~~تبعاتها. # قال أحدنا: هات الوصية. # وقال الآخر: هات الدفاع. # وقال ثالث في صوت محزون: ارو ياصاح حديث كفارة الحب. # اعتدل حمزة في مقعده وإن بقي ملقيا بنظره إلى الأرض في إطراقة المهموم، وأمسك جبينه ~~بيده كأنما يحاول أن يستحضر الألفاظ التي سمعها، ثم قال: أخشى أن تخونني الذاكرة، فأقع فيما ~~يقع فيه غيري من الناس من سوء تصوير العواطف وما تجري به الأقدار في شأنها، فأسيء إلى ~~زهيرة حين أريد أن أقف من الأمر عند رواية حديثها. على أني سأحاول جهدي رجاء أن لا أضيع ~~شيئا من ألفاظها حين جلست في مقعدها الطويل جلسة المطمئن، وقالت في سكينة الحازم الذي ~~اعتزم أمره: تذكر يا صاح زواجي بعد وفاة أمي ونوالي إجازاتي المدرسية. كنت قد بلغت الثالثة ~~والعشرين، وقد رفضت أكثر من خاطب وأمللت بهذا الرفض المتكرر أبي. ثم انقضى عام بتمامه ~~وما يذكرني خاطب حتى خيل لأبي أنني قد قضيت بزائف كبريائي على حظي، وأنني سأبقى من بعد ~~عانسا ما حييت، وكم دفع عمتي لتحدثني في هذا الأمر ولترد إلى رأسي عقلي كما كانت تقول. ~~وبلغ من إلحاحها إجابة لأمره أنني شعرت بنفسي عالة في البيت وعبئا على كواهل أبي، وفكرت أن ~~أشتغل بالتعليم وأمتهن أي عمل يريح أهلي مني، وأفضيت إلى عمتي بذات نفسي. ولا تسل عن ~~الثورة التي ثارها أبي وعن اتهامه إياي بالعقوق وبمخالفة إرادته وهو لا يريد إلا الخير. ~~وهل خير عنده لامرأة في غير الزواج وتدبير مملكة المنزل وإنجاب البنين وتربيتهم ليكونوا ~~لنا في الحياة عونا وبعد الحياة ms003 ذكرا وللعالم عمرانا؟! أما هذا الاقتحام لميادين العمل ~~مما تلجأ إليه بنات اليوم فلم يكن عنده إلا ضلالا عن طريق الطبيعة والحق وثورة على أمر ~~الله وما خلقنا له. وانقضت الأيام وعدلت عما كنت فكرت فيه وهدأت ثورة أبي ونالني من عطفه ~~ما لم يحرمني منه قط. ثم جاء يخطبني ذلك الذي أصبحت من بعد له زوجا، وأبلغتني عمتي ~~النبأ مصحوبا برغبة أبي في أن يتم الزواج. ماذا عساي أصنع؟ أأرفض فأثير ثائرة جديدة وأصبح ~~البنت العاقة الثائرة على أمر الله الضالة عن طريق الطبيعة والحق؟ أأقبل وأنا أعرف أن هذا ~~الرجل قليل البضاعة من العلم وإن يكن ذا سعة من المال، وأعرف أنه يكبرني بعشرين سنة، وهو ~~إلى ذلك ليس بالجميل ولا هو ذا وفرة من الذكاء أو خفة الروح؟ ورأت عمتي ترددي، فامتعضت ~~ونبهتني إلى ما في ذلك من إغضاب أبي الذي يريد لي الخير والذي يعرف من شئون الحياة في رأيها ~~ما لا أعرف. ونادى أبي أخته باسمها بصوت ممتلئ قوة وعزيمة، ففت ذلك في قواي وأضعف ترددي ~~ولم أجد ما أقول لعمتي إلا أنني أسلمت الأمر إليهم والتبعة في سعادتي وشقائي من بعد ~~عليهم. وقبلتني عمتي فرحة متهللة وخرجت تهرول ملبية النداء. أما أنا فانهملت من ~~عيني دمعة يأس واستسلام وتوجهت بقلبي لله أشكو إليه غدر القدر. # وزففت إلى زوجي فلم يك إلا أيام حتى رأيته يبدي لي من صنوف المودة ويغدق علي من ~~نفيس الحلي والثياب ما جعلني كلما أقبل علي أبي أقبل يده قبلة شكر وأعترف بسابغ ~~جميله. ومضت الأشهر وبدأت الحلي والثياب تكثر، وبدأت أمل هذا النوع من مظاهر الحب ~~وأطمع من زوجي في شيء آخر. أطمع منه في جمال نفسه يغمرني فيزيد في حياتي، وأطمع منه في أن ~~يبادلني النظرة للوجود وما فيه من حسن واتساق فني، وأطمع منه فيه هو لا في هداياه ولا في ~~ماله. أطمع فيه جديدا كل يوم، مختلفا كل يوم جماله عن اليوم الذي قبله، مبدعا في ms004 وجوده ~~ووجودي ما يزيد الحياة أمامنا فسحة وانبساطا ورقة وجمالا. ولم أقف بمطمعي هذا عند الرجاء، ~~بل حاولت أن أبعث إلى نفسه من وجودي ومن حياتي ومن قلبي ومن عاطفتي ومن هواي ومن عقلي، ما ~~يحركه إلى ما أحب. وكأنما شعر المسكين بما تصبو إليه نفسي، فحاول ولكن هيهات. فما كنا نكاد ~~نبدأ تبادل عاطفة حتى ينقلب في لحظة حيوانا، فإذا أجبته إلى حيوانيته رأيته بعدها هامدا ~~باردا منطفئ النظرة لا تلمع عيناه بمعنى ولا يحس لي وجودا. وما كنا نكاد نتبادل حديثا ~~غير حديث مزارعه وأمواله حتى يتثاءب ويعجز عن كتم ملاله. وإذا رآني يوما أعجب بجمال فني: ~~في صورة أتأمل، أو في كتاب أقرؤه، أو في منظر الطبيعة يوحي إلي بجمال الحياة الدائم ~~الجدة؛ وقف مبهوتا، وشعرت أنا به بعيدا وكأن بيني وبينه عوالم وعوالم. فإذا تعلق ~~الأمر بشخصه أو بأمواله أو بشيء يهواه، لمعت حدقتاه، وتحركت في نفسه أثرة قوية لا تعرف ~~حدودا. # بدأ الضجر من أنانيته وضعة نفسه يدس إلى نفسي سمومه. ولست أدري ما كان يصل بي الضجر إليه ~~لولا ما شعرت به من تحرك الأمومة في أحشائي. هنالك ذكرت قول أبي عن واجب المرأة وتناسيت ~~ما كنت أطمع فيه من زوجي، وتناسيت زوجي هو الآخر. # وانصرفت إلى أحلامي بهذه الأمومة التي كنت أزداد بها كل يوم شعورا، وأزداد بسببها ~~نسيانا لما عداها. وأنجبت حساما وجعلت كل همي إلى العناية به. واغتبط زوجي بولده وجعل ~~يغدق عليه بمثل ما كان يغدق علي، فتبتهج نفسي لهذه الملابس الطفلة ولهذه الألاعيب يعبث ~~حسام بها ويحبها حبي أنا إياه. وبدأ الولد يخطو ويتكلم، وبدأت أرجو أن يناله أبوه بالعطف ~~الأبوي الصادق، وأن يفيض عليه من ذلك الحب نورا يشب الولد في أرجاء ضيائه سعيدا بالحياة ~~محبا إياها حبا ذكيا قوي الإدراك سريعه؛ ليكون لي من بعد الرجل الذي أرجو. لكن خيبة ~~رجائي فيما طمعت فيه لنفسي لم تكن دون خيبة هذا الرجاء فيما طمعت فيه لطفلي. لقد كان ms005 أبوه ~~يحبه حبا شديدا، لكنه كان حبا حيوانيا؛ هو حب الفطرة التي تدفع الدجاجة لتحنو على ~~فراخها وتدافع عنهم. وكان حبا أنانيا لا شيء من الذكاء فيه. كان يحبه كما يحب عزبته ~~وحصانه وأتومبيله. وليت أنانيته في حب ولده أو فيما يبدي من ميل إليه كانت أنانية مستنيرة ~~تعرف كيف توحي إلى ما تعتقد أنه في ملكها بشيء من معنى الحياة الإنسانية يسمو به إلى ذوق ~~جمال الحياة وإلى السمو في إدراكها، بل كانت على العكس من ذلك أنانية ضيقة الأفق كأنانية ~~الطفل وكأنانية الدجاجة فيها كثير من الحماقة عند الغضب والسخط ومن العطف عند الرضى ~~والانبساط. # دفعت أحوال زوجي هذه إلى نفسي شيئا من الثورة، لكني ألفيته يهز أكتافه لثورتي يحاول ~~تهدئتها بمثل ما يحاول تهدئة طفله إذا صاح: بثوب لي، أو لعبة لطفلي، أو نزهة خلوية يخرج ~~وإيانا إليها علها تهدئ أعصابي على حد تعبيره. والأيام والشهور تمضي ولا أجد وسلية أتغلب ~~بها على طبع زوجي. هنالك بدأت ثورتي تسكن بالرغم مني، ورأيتني أميل إلى ناحية من الأنانية ~~أنا الأخرى، هي ناحية التسلي عن هذه الثورة بما حولي مما أطلق الناس عليه أنه أسباب الرياضة ~~والمتاع. فأكثرت من غشيان دور السينما والمسارح، واستكثرت من الصديقات أبادلهن الزيارات، ~~ونزلت بآمالي ومثلي العليا إلى مستوى البيئة القاهرية، وصدفت عما كنت أصبو إليه من جمال ~~في الحياة لا وجود له فيما حولي، ورضيت كذلك بالحاضر دون أن يغير ذلك من نظرتي إلى ~~زوجي ومن شعوري بأن كل واحد منا بعيد عن صاحبه كل البعد وإن تسايرنا لنقطع طريق الحياة ~~جنبا إلى جنب. وما جوار الأجسام إذا تباعدت الأرواح ولم تهتز القلوب بنبأة من تعاطف أو ~~تفاهم. # في ذلك الحين سكن في أحد المنازل المجاورة لنا قاض كان بالأرياف، ونقل منها إلى القاهرة. ~~ولم يمض على مجاورته إيانا زمن طويل حتى ربط التعارف بينه وبين زوجي، وحتى دعاه زوجي لتناول ~~القهوة عندنا. وأتيح لي غير مرة أن أستمع إلى حديثه وأن أراه ms006 ، يا له من حديث كانت تفيض ~~نبراته بالحرارة وكانت تموج عباراته بصور الحياة. كان يقص على زوجي كثيرا مما وقف عليه في ~~مختلف بلاد الريف، فكان يفيض عطفا على أهله وتغنيا بجماله وإشفاقا على بؤس بنيه وأملا ~~في أن ترتفع بهم الأقدار إلى حظ من الإدراك لما حولهم من حسن نادر ومن بهاء وروعة. كنت ~~أسائل نفسي: لم لا يشتغل صاحب هذا الصوت الساحر والبيان العذب بالمحاماة؟ ولم لا يكون ~~خطيبا ولم لا يقول الشعر؟ وتكررت زياراته وتوثقت الصداقة بينه وبين زوجي، فأذن لي ~~بمقابلته: أية رجولة تفيض عنه؟! رجولة فيها طموح وفيها فيض دائم التجدد، رجولة إنسانية ~~مضيئة تدرك من أسرار الحياة ما لا يدركه إلا الإنسان المهذب، تدرك جمال الوجود وما فيه من ~~فن تستخلصه الأجيال الإنسانية وتصوره فتزيد الحياة جمالا، بل تخلق الجمال فيها خلقا. ~~وتحدث إلى زوجي عن الموسيقى، فإذا هو يفهم من دقائقها حظا غير قليل، وجاء معه ببعض كتب ~~في الأدب اطلعت عليها فتحركت نفسي الأولى التي خبت وخمدت تحت سجف الأنانية الجامدة ~~الباردة التي أعداني بها زوجي. هنالك تفتحت أمامي في الحياة فرجة من أمل: لو استطعت ~~أن أصل بولدي ليكون على مثال هذا القاضي، لكانت لي به في الحياة سعادة تنقذني مما صبوت ~~إليه من الإمعان في التسلي بأسباب الرياضة والمتاع التافهة السخيفة التي تحيط بنا في ~~القاهرة وتردني إلى حسن المتاع بأسمى ما في الحياة من صور الحياة. # وأفضيت يوما بذات نفسي إلى زوجي، لعله يشاركني في رجائي ويعاونني على تحقيقه. لكنه لم ~~يلبث أن سمع ما أقول حتى حملق بي وحتى امتقع لونه. ثم عدل عن الموضوع إلى حديث آخر ~~انصرف بعد كلمات قليلة منه: ماذا؟ أي شيء دار بخاطره. ولم أحتج إلى كبير عناء لأفهم، ولم ~~يكتم هو ما في نفسه طويلا، فقد رأيت زيارات جارنا بدأ يتباعد ما بينها، ورأيت زوجي يعمل ~~على زيادة تباعدها بعدم ردها. وسألته يوما وقد انقضت على آخر هذه الزيارات أيام كثيرة أن ms007 ~~يرد إلى القاضي كتابا كان قد تركه كي أقرأه، فلم يتمالك زوجي أن انفجر قائلا: وهل يعنيك ~~كثيرا أن يصله هذا الكتاب سريعا؟ أم تريدين بذلك أن أرد له زياراته كي أفتح له بذلك باب ~~زيارته إيانا؟ # وصمت، وامتقع لوني حين لفظت شفتا زوجي هذه الكلمات بصوت متهدج. ولم تك إلا برهة ~~حتى انصرف مخافة أن يفيض عنه ما هو شر منها. وخلوت إلى نفسي أفكر: أي وحي مضيء هبط على ~~زوجي. نعم أنا أحب هذا الرجل، أحب جارنا القاضي؛ فهو قريب مني بمقدار بعد زوجي عني. ولكن ~~أي شيء في هذا وأنا زوج وفية كما تريد الزوجية أن أكون؟ ماذا على زوجي إذا أحب قلبي ~~رجلا غيره ما دام جسمي في ملكه وما دمت أسايره في الحياة جنبا إلى جنب، وإن تنافر قلبي ~~وقلبه وبعد ما بين فؤادي وفؤاده؟ ماذا يغضبه أو يثير أنانيته لتعبث الغيرة به كل هذا ~~العبث؟ نعم. أنا أحب هذا القاضي وكنت أتمنى أن أكون زوجا له، لا لهذا الرجل الأجنبي عني، ~~وإن خلط عقد الزواج بين جسمه وجسمي، وإن كان بيننا هذا الولد الذي أحب من أعماق قلبي ويحبه ~~هو من أعماق أنانيته. # وارتسمت صورة جارنا أمامي فثار جسمي كله. ومرت الأيام والبعد يزداد بيني وبين زوجي، وإن ~~لم تتغير معاملتي إياه ولا معاملته إياي. وخرجت يوما لأشتري من أحد الحوانيت بعض حاجتي، ~~فإذا جارنا هو الآخر بالحانوت يشتري بعض حاجته. وما وقعت عيني عليه حتى اهتز كل جسمي ~~وخلتني سأقع من طولي، لكني تمالكت نفسي وأهديته التحية، فتقدم إلي ومد يده وسلم ~~علي. ولما آن أن أخرج عرض علي عربته توصلني إلى حيث أشاء، فترددت برهة ثم رأيتني ~~بالرغم مني أدعوه ليصحبني ... إلى أين! لا أدري. ولكن الأنانية التي أنماها زوجي عندي أرخت ~~العنان لعاطفتي فجعلتها تغلب وفائي من غير أن يزعجني لذلك ألم أو يلذعني وخز ~~الضمير. ومن يومئذ ترعرع بنعمة الحب الصادق وجودي، وتضاعف ضياء الحياة أمام نظري، وصرت ~~أسلس قيادا ms008 لزوجي، وشعرت في نفسي بشيء من الإشفاق عليه لم أكن أشعر به من قبل. # ونقل جارنا بعد سنة من القاهرة، فأهداني قبيل سفره صورته. ورأى زوجي هذه الصورة يوما ~~فكاد يثور ثائره لولا ما ظهر على وجهي من غضب مفترس أرانيه مستعدة أن أنشب أظفاري فيه إذا ~~هو حاول أن يمزقها أو يعبث بها أي عبث. وأقسمت لأضعها في إطار ولأجعلنها في غرفة خلوتي. ~~هنالك بدا له أن يأخذني باللين لعلي أثوب إلى صوابي. وأدى به إلى ذلك أني كنت حينئذ في ~~فترة حمل، فكنت مضطربة الأعصاب، وكان يخاف على الإجهاض إن هو أخذني بالعنف. ومن يومئذ ~~طغت أنانيتي على رقته وعلى ملاطفته إياي وإن بقي جسمي في ملكه بمقدار ما بقي روحي جاهلا ~~روحه. # وأنجبت ثلاثة أبناء غير ابني الأول، وانقضت سنون وكبر الأولاد وذهبوا إلى المدرسة، ~~وعلاقتي بصاحبي القاضي لم تنقطع، وأنانيتي وأنانية زوجي متجاوران يتسايران في طريق الحياة. ~~وفي هذه السنوات كانت أنانية زوجي تثور ما بين حين وحين: شكا أمري يوما إلى أبي، لكني كنت ~~أخضع أنانيته دائما بما يعبد؛ بجسمي أسلس له قياده. أما أبي فلم أزد يوما حين جاء يعنفني ~~على أن قلت له: رفضت الزواج غير مرة، ثم اخترت لي أنت على أنك أخبر مني بالحياة. وهذا ~~الاختيار قد زج بي فيما أنا فيه. فعليك حظ من التهمة غير قليل. # ولعنني أبي فلم أحفل بلعنته. لقد بلغت بي الأنانية حد التبجح، وقد انتهى زوجي المسكين ~~بالإذعان لحكم القدر، وظل لرحمة الله مذعنا حتى اختاره الله إلى جواره، وكان يخيل إلي ~~طوال هذه السنين أنه انتهى كذلك إلى السعادة بإذعانه. ولقد قمت من ناحيتي بالإذعان لكل ما ~~يشبع شهوات حيوانيته، ولكن كشفت لي الأقدار بعد وفاته عن جانب من شعوره جعلني أذرف الدمع ~~سخينا عليه، وإن استعصى علي أن أوفق بين هذا الجانب وما كان من حرصه على كل ما في نفسه ~~من أنانية وضيعة مفترسة. فقد عثرت بين أوراقه على مذكرات قرأت في ms009 إحداها ما يأتي: ~~... اليوم قابلت صديقي ... بك ... ناظر المدرسة بمكتبه لأدفع مصاريف الأولاد، وقد أبدى ~~لي إعجابه بنجابة أصغرهم، فترقرقت في عيني عبرة بالرغم مني لم أملك معها أن أقول: ~~أنا واثق بأن أكبر الأولاد ابني، أما الآخرون فلست من بنوتهم لي على ثقة ... ورأيت ~~في عين ... بك نظرة إنكار كأنما يقول: «وما يكرهك على أن تمسك عليك زوجك؟» وسارعت ~~أنا فأجبت على نظرته بقولي: «ما كان تسريحي زوجي ليخفف من بلائي وشقوتي، ولكنه ~~كان إعلان الفضيحة والعار لها ولأبنائها ولعائلتها. لذلك آثرت أن أشقى وحدي على أن ~~أنشر حولي كل هذا الجو من الشقاوة، ثم لا أكون بذلك أقل تعسا ولا أقل ~~شقاء.» # تركت هذه العبارة التي عثرت عليها في أوراق زوجي بعد وفاته أثرا بالغا ~~جعلتني أذرف الدمع عليه سخينا. وجاء صاحبي القاضي في مأتمه يعزيني، فأطلعته عليها ثم قلت ~~له: والآن وقد أصبحت حرة لك فما عساك فاعلا؟! فنظر إلي كأنما هو دهش من سؤالي، فقلت ~~له: ألا نتزوج متى انقضت عدتي. إن ما بيننا من حب لم تعد عليه عادية السنين جدير بأن يتوج ~~برابطة الزواج. وكم تمنينا لو كنا ارتبطنا بها قبل أن أتزوج. # واستمهلني ليفكر، فأثار ذلك دهشتي. لكني لم أر أن ألح وما يزال في الوقت متسع. ولم ~~يدر قط بخاطري أنه منته إلى غير ما دعوته إليه. فما تبادلنا خلال هذه السنين من عواطف ~~وما عرف من صدق وفائي له لا يجعله يختار علي أحدا. وما تغنى به طوال هذه السنين من ~~الإعجاب بي بل من عبادتي، كفيل بأن يزيل من نفسه أي أثر للتردد، ولو كان الدافع للتردد ~~رغبته إطلاقا عن الزواج. واقتنعت أنا بهذه الحجج، فخفف ذلك من الحزن الذي يدسه إلى نفوسنا ~~موت يقع بأعيننا ولو نزل بشخص ضعيفة رابطته بنا. وإني يوما لأنظر لمستقبلي خيرا إذ دق ~~التليفون وتحدث صاحبي إلي يدعوني لأوافيه إلى السكن الذي ألفنا كل سنوات حبنا، ~~فأجبته على الفور: كيف تدعوني الآن إلى هناك ms010 ؟ ولم لا تحضر أنت إلى هنا؟ ~~- خير أن نكون بمنجاة من الأعين. ~~- ومم تخاف الآن وقد أصبحت مالك نفسي إلى أن أدخل في ملكك؟ # لكنه ألح وبالغ في الإلحاح، فلم أر بدا من إجابته إلى ما طلب. وذهبت فألفيته قد نثر ~~ما أحب من أطايب الزهر في كل أرجاء المكان وهيأه كعادته ليكون قدسا للحب. فلما جلست جاء ~~إلي وجثا على قدمي وبدأ ينشر من شعر الحب ما كان يسكرني من قبل ساعة. لكني نظرت إليه في ~~دهش وقلت له: أحسب هذا الدور قد انتهى وأحسبنا سنصبح زوجين نتبادل حبا من نوع آخر، ولعل ~~سعد الطالع هو الذي هيأ لنا فرصة هذا التغيير ليكون حبنا دائما جديدا. ~~- إن هيامي بهذا الحب في ذلك الوكر يجعلني لا أرضى به بديلا، فلنكن دائما كما كنا ~~من قبل. ~~- ولكن لنخدع من يا صديقي وقد مات زوجي؟ ~~- تزوجي من شئت. لقد فكرت طويلا فآثرت أن أستمر في هذا الدور. ~~- هذا الدور! ولم لا تتزوجني أنت؟ أفكنت هذه السنين كلها تلعب دورا، فأنت تخشى إذا ~~تزوجتني أن يلعبه غيرك على حسابك؟ # أطرق إلى الأرض إطراقة تبينت فيها هاتين الكلمتين الصغيرتين البشعتين: ولم لا؟! فصعد ~~الدم إلى رأسي وكررت السؤال، فلم يزد على إطراقته. ثم شعرت كأنما حاول أن يمس قدمي أو ~~يخلع حذائي، لا أدري. هنالك انتفضت واقفة وقلت له كرة أخرى: وهل يعجبك كثيرا أن تلعب ~~دور الخائن لأصدقائه في أزواجهم؟! # ووقف هو بدوره وحاول أن يحملق في. كلا! ليس هذا قاضيا، بل ليس هذا رجلا، بل ليس ~~هذا مخلوقا إنسانيا. هذا وغد دنيء أبى على امرأة شريفة أضلتها الأقدار فأحبته - حين لم ~~تكن تستطيع أكثر من أن تحبه - أن تكون زوجه وأن تحمل اسمه. وهذا الفن الذي يعرف، وهذه ~~الموسيقى التي لها يطرب، وهذه الثقافة التي بها يزدان، ليست إلا حبالات لغرض حيواني خسيس، ~~وليست إلا قشورا تخفي أنانية «أحط صنفا» من أنانية زوجي الذي خدع. # أمام ثورتي الجامحة بدأ يتوسل إلي لأجلس ms011 كيما نتفاهم، لكن قلبي كان قد تحطم من ساعة ~~دخلت الوكر ورأيت إلام يريد أن يستدرجني، وتحطم أضعاف ذلك حين أعلن إلي في نذالة أنه لا ~~يرضاني أنا التي استهنت بأقدس الواجبات، واستهنت بنظرات الناس وبأحاديثهم وبما كانت تسلقني ~~ألسنتهم في سبيل حبي إياه حبا صادقا، أنا التي وهبته نفسي وذكائي وسعادتي وقلبي ووهبته ~~حياتي لأني أحببته! وحدقت فيه فإذا بي أراه وكأنه مسخ خلقا آخر؛ مسخ قردا أو خنزيرا ~~أو ما دون ذلك من أخس الحيوانات وأدناها. وحاول غير مرة أن يتكلم، لكنني في كل مرة كنت أهجم ~~عليه بالأوصاف التي كنت أراها مرتسمة على وجهه، فينكص على عقبيه متراجعا هزيما ... وأخيرا ~~انتهز فترة كنت لا أتمالك فيها أن أتحدث لشدة انفعالي وقال: ألا ينهض لي عذرا أن لا ~~أقدم على التزوج من أم ذات أربعة أبناء؟! # وا ولداه! يا للوغد! أم ذات أربعة أبناء! لم أتمالك نفسي لدى سماع هاته الكلمة، وصحت ~~به في صوت ارتعد له: وأنت الذي تقولها؟! ألا تعرف أن لك أكثر من ابن؟ ألم تقرأ تلك ~~الكلمة التي تركها البائس المسكين زوجي؟ أقسم لو أنك تراميت على أقدامي اليوم لأكون لك ~~زوجا، لرفستك كما أرفس أخس الحيوانات. وكيف أرضى أن تكون مثالا لأبنائي ينسجون نسجك ~~فيكونون مثلك غدرا وخيانة ونذالة؟! # أجهدتني هذه الثورة فشعرت برأسي يدور، وخشيت أن يصيبني الإغماء. ومخلوق هذه نفسه قدير ~~في أثناء إغمائي أن يرتكب أخس الجرائم؛ لذلك تمالكت نفسي وارتميت إلى مقعد وأشرت إليه ~~بيدي قائلة: ابتعد عني ودعني وحدي، أنا بحاجة إلى لحظة سكون لا سبيل إليها وأنت أمامي، ~~انصرف فما لي بك حاجة ... قلت هذه الكلمات في لهجة أمر وحزم لم يستطع معها دون أن يخرج ~~وأن يتركني وإن بقي في غرفة قريبة. وقمت مجهودة حتى بلغت الباب فأوثقت رتاجه، ثم عدت ~~إلى مقعدي، وما كدت أجلس حتى رأيتني انهملت دموعي وانخرطت في بكاء خشيت أن يسمع ~~النذل نشيجي به فيتشفى. وانقضت برهة أعادت إلي شيئا من ms012 هدوئي، فأجلت بصري في جوانب ~~الغرفة حولي، لقد كان كل شيء في هذه الغرف يحدثني حديث الحب وأقدس صوره في آخر مرة ~~احتوتني، فما لها الساعة وكل شيء فيها بغيض كريه يحدثني عن جرائم وجرائم توالت سنين ~~طويلة وأنا بها مغتبطة، وعلى النهل من وردها الأثيم حريصة، وأية جرائم؟! أحط الجرائم ~~وأدناها؟ إهدار طهارة العفة على مذبح الشهوة البهيمية الدنيئة، وخيانة قدس الزوجية في أحضان ~~دنسة قذرة. أينا أكبر جريمة؟ هذا الرجل الذي طردت من حضرتي، أم أنا؟ هذا الوغد الذي لا ~~أراني الآن دونه سفالة وحطة. ألا إن لهذا الرجل عذره أن لا يتزوجني، وكيف يفعل وقد ~~امتهن كلانا ...! حرمة الزواج، وامتهنها لا في زلة لحظة، ولكن في جرائم سنين. كلا ... ليس هو ~~أكبر مني جرما ولا أكثر مني انحطاطا. # كم أقمت كذلك؟! خمس دقائق! عشر! ساعة كاملة! لا أدري، ثم قمت فتقدمت إلى الباب ففتحته ~~معتزمة أن أنحدر مسرعة إلى الخارج ... لكني وجدته أمامي كأنه ينتظرني، فلما رآني حدق بوجهي ~~وقال: أتبكين؟! # فأشرت إليه بيدي وقلت: وداعا. ثم تركته ونزلت فناديت عربة حملتني إلى بيتي. # دخلت إلى البيت والشمس موشكة أن تنحدر إلى مغيبها، فإذا أبنائي يلقونني وما يزال في نفس ~~أكبرهم من الحزن لفقد أبيه ما أذهب عنه شيئا من مرح الطفولة المتقدمة إلى الصبا. ~~ونظرت إليهم جميعا فازددت هما على همي. أيهم ابن لمن يعرف الناس أنه أبوه؟ وأيهم ~~ابن الجريمة التي اشتركت مع ذلك الوغد في ارتكابها؟ عرتني هزة تناولت كل جسمي من ~~مفرقي إلى أخمصي، وأحسست كأن الحمى تلبسني، فجلست على مقعد وأخبرتهم أني متعبة وأني ~~لذلك غير قادرة على تناول طعام العشاء معهم. وذهبت ما تكاد تحملني رجلاي من فرط الإعياء ~~إلى غرفة زينتي، ألقيت بها ملابسي. والحمى في أثناء ذلك تزداد وأشعر بدوار يكاد يغمى ~~علي معه. وجاءت الخادم تعاونني على خلع ملابسي وتسألني ما بي؟ وماذا كان بي. حمى دوار، ~~اضطراب في الأعصاب؟ ربما كان بي هذا كله. وبينما ألبس قميص ms013 نومي ارتميت على صدر الخادم ~~مغشيا علي، ولم أفق حتى كنت ممدة في سريري. # تذكر يا صاح ذلك المرض الذي أصابني وألزمني الفراش أسابيع عدة، والذي كنت ترعاني في ~~أثنائه بزيارتك وجميل عطفك، هو هذا الذي أعقب ما رويت لك، وقضيت الأيام الطوال ما يكاد ~~يعرف النوم إلى جفني سبيلا؛ لأنني كنت كلما أغمضت عيني ارتسمت أمام بصيرتي أشباح مزعجة ~~لجرائم مروعة تقع كلها بين جدران ذلك الوكر الذي قضيت فيه لبانات حبي سنوات متعاقبة، ~~والذي أصبح من بعد مقابلة الوغد الأخيرة فيه مملوءا أفاعي وعقارب تنفث سموما قاتلة. لقد ~~كانت هذه الأفاعي والعقارب تنفث سمومها منذ اليوم الأول الذي عرفت فيه هذا الوكر، لكني كنت ~~في ضلال العماية فلم أرها، بل حسبتها بدائع فن منثورة في المكان، وحسبت فحيحها أناشيد ~~الحب ونجوى الغرام. ويدخل الحين بعد الحين أحد أبنائي يرمقني في عيونه البريئة الطاهرة ~~بعين العطف، فتغمد نظرته في صدري خنجرا ... إذ تجعلني أسأل نفسي: أي الرجلين أبوه؟ ~~وتجعل الطعنة أشد وقعا إذا رأيته ثمرة غرام غير مشروع. كانت هذه الآلام النفسية أشد ~~قسوة من كل آلام المرض، وكنت أحسبها تنتهي بمعاونة المرض على البلوغ بي إلى خاتمة ما كان ~~أشهاها إلى نفسي: إلى الموت. لكنني أحسست بنفسي أتماثل إلى الشفاء، فأيقنت أن الله يريد ~~أن أذوق من عذاب الضمير ما أكفر به عن ثورتي عليه وخيانتي لأقدس الروابط. ابتهلت وأطلت ~~الابتهال، دعوت الله أن يغفر لامرأة ضعيفة خاطئة كي تقوم على تربية أبنائها بكل ما ~~وهبها الله القادر من ذكاء وحسن رعاية، لكن هؤلاء الأبناء أنفسهم كانوا بعض العذاب الذي ~~أعد الله لي، فرجوت أن أنقطع إلى خلوة أديم فيها العبادة أكفر بها عن ذنبي، لكني ~~سمعت من أعماق نفسي صوتا يناديني: إن ذنبك لا كفارة عنه إلى أن يفني الألم هذا الجسم ~~الذي استعذب حلاوة القبلات الآثمة حين نسيت أنت أن لله عينا لا تنام. وفيما أنا في هذا ~~العذاب أقاسي أهواله اتصل بي ما يقول الناس ms014 عني فابتسمت إشفاقا: أي شيء من كل ما ~~يستطيعون أن يقولوا يوازي برهة مما أعاني؟! وأسأل نفسي: أيشعر الوغد بشيء مما أشعر به؟ أم ~~هو فخور بما جنى مغتبط بأن يلبس وسامه ويجلس ليقضي بين الناس زاعما أنه يقيم العدل على ~~الأرض وقد كان معي أفحش الظالمين؟ ولكني ما لي وشعوره، إنه رجل ... وأنانيته لا تعرف مثل ~~عذابي لأنه لا يرى آثار جريمته تلاحقه أينما ذهب كما تلاحقني. ثم أنظر إليهم بعطف ومحبة ~~وإعزاز، لا يرى هؤلاء الأبناء الذين لا يقول أحد إنهم أبناؤه، ولكن الناس جميعا يعرفون ~~أنهم أبنائي. # وبرئت من سقمي وعادت إلي قوتي، فحاولت أن أشغل نفسي لعل ذلك يقوم حجابا بيني وبين هذا ~~الماضي الذي يجثم على صدري. وبرغم محاولاتي لم أنجح ولم يسكت صوت ضميري، وكان ما أتظاهر به ~~أمام الناس من سكينة أرد بها عني نظرات الشامتين أشد إلحاحا في تعذيبي من كل شماتة بي. ~~وما أزال حتى اليوم أفكر، وما أزال أضرع إلى الله أن يخفف عني العذاب بعد أن قضيت الشهور ~~تلو الشهور أكفر عن خطيئتي، ثم أراها بعد ذلك كله ماثلة أمامي في صورة هذه الأفاعي ~~والعقارب التي تملأ الوكر وتنفث سمومها فيه وتملأ بفحيحها جوه. # سكتت زهيرة عن هذا الحديث برهة أمسكت على أثرها برأسها ثم قالت: أشعر بصداع. ودقت ~~الجرس لخادمها وطلبت إليها كوب ماء. # فلما خرجت الخادم لتلبي طلبها نظرت إلي وقالت: ألا تراني وذلك شأني، كفارة ~~الحب؟! # ووضعت في الماء المسحوق الأبيض الذي أخرجته من حقيبتها، ثم اعتذرت بحاجتها إلى الراحة، ~~فاستأذنتها وجئت إليكم. وهأنذا الآن قد قصصت حديثها عليكم. ~~••• # أصاح الأصدقاء لحديث زهيرة وكلهم آذان، فلما فرغ حمزة من قصصه جعلنا - وكلنا مأخوذ حزين - ~~نتبادل العبارات في غدر القدر وضعف الإنسان وباطل كبريائه. وقضينا في ذلك وقتا غير قليل ~~قص بعضنا في أثنائه قصصا، وتحدث البعض بأحاديث. وإنا لفي سمرنا إذ دق التليفون ~~وسأل المتكلم فيه عن حمزة، وتناول حمزة السماعة وأجاب ~~السائل ... ثم سمع له ms015 وأساريره تنقبض شيئا ووجهه يتجهم من الهم أضعاف ما رأينا عليه ساعة ~~جاء إلينا. فلما أعاد السماعة إلى مكانها سألناه: ماذا؟ وأي أمر عساه؟ فترقرقت في عينه ~~دمعة لم تبد ولم تنحدر، ثم أجاب: انتهى! ماتت كفارة الحب! # ووجم برهة سادنا جميعا في أثنائها صمت مجاملة، أو صمت وجل من ~~الموت وذكره ... وعاد حمزة إلى ملك نفسه، ثم قال: مسكينة ~~هي البائسة التي قضت نحبها بإرادتها كفارة لذنوب لم تكن عليها أثقل تبعتها. لقد ~~كان هذا المسحوق الأبيض الذي وضعته في الماء سما. وهذه خادمتها تخبرني أنها لم تلبث ~~طويلا بعد أن غادرتها لموعدكم هنا حتى بدأت تتلوى من فرط الألم وترفض مع ذلك استدعاء ~~طبيب بدعوى أنه مغص سرعان ما يزول! ولما لم يبق لها باحتمال الألم طاقة نودي الطبيب من ~~غير علمها، فلما بصرت به داخلا عليها يسألها عن حالها، قالت له في لهجة المنتصر: لا ~~فائدة يا سيدي الطبيب، لم يبق بي إلى علاج من حاجة. إنني أرى الخاتمة تدنو، وإذا استغرق ما ~~بقي علي أن أعاني من ألم سويعة أو بعضها حتى يتم السم الذي تناولت واجبه، فهجرة ~~الناس جميعا هي الراحة الكبرى، وهي أكبر انتصار لي عليهم وعلى الحياة. # وأمسك حمزة طربوشة بيده وأردف: والآن أستاذنكم لأداء الواجبات الأخيرة لهذه الضحية ~~التعسة. لقد انتصرت حقا على الناس وعلى الحياة، لكنها لم تنتصر على أبنائها. # وغادرنا منصرفا إلى واجبه المقدس ونحن نرمقه بعيون ذاهلة ملأها حديث زهيرة وما ~~أعقبه من موتها هما وألما. # | ميراث # كان مشرع ذلك العهد في مصر يجيز الوقف الأهلي، وكان فقهاؤه يقررون أن شرط الواقف كنص ~~الشارع. فكان كثيرون يتخذون من نظام هذا الوقف وسيلة للتخلص من أحكام الميراث الثابتة في ~~القرآن الكريم. يحرمون به ورثتهم من يريدون حرمانه، ويتخطون به أحكام الوصية؛ إذ كانت ~~لا تجيزها لوارث إلا إذا أقرها سائر الورثة، ولا تجيز الوصية لغير وارث في أكثر من الثلث، ~~لقوله عليه السلام: «الثلث، والثلث كثير؛ لأن تترك أولادك أغنياء ms016 خير من أن ~~تتركهم عالة يتكففون الناس.» # وشاعت في ذلك العهد عند ذوي اليسار، وعند المتوسطين كذلك، فكرة حرمان البنات من ~~التركة، أو جعلهن تبعا لإخوتهن الذكور، ينلن منهم نفقة تكفيهن العيش ~~المتواضع. ذلك أنهم كانوا يعتبرون أن البنات يخرجن من الأسرة يتزوجن، والملك ملك الأسرة، ~~فلا يجوز أن يأخذ أزواج البنات. أما والشرع يجيز حرمان البنات بالوقف، فلا وزر عليهم في ~~حرمانهن. وأزواجهن ملزمون شرعا بالإنفاق عليهن، فإن لم يتزوجن، فلهن على إخوتهن الذكور ~~نفقة تكفل الكفاف! # وكان عاكف بك من المؤمنين بحرمان البنات إيمانا عميقا؛ لذلك رأى أن يقف أملاكه الواسعة ~~على الذكور من ذريته. فلما كان في المحكمة الشرعية لتحرير وقفيته، مس قلبه شيء من الرحمة، ~~فنص فيها على أن يكون للإناث من الذرية نفقة يدفعها لهن إخوتهن الذكور. ولم يرد بخاطره أن ~~يورد نصا على ما يجري إذا كان الورثة كلهم إناثا، اقتناعا منه بأن ذلك لا يمكن أن يحدث ~~في أسرته، أو نسيانا منه لهذا الاحتمال! # وتوراث ذريته هذا الوقف جيلا بعد جيل، ولم يحدث بالفعل أن خلا الورثة في الأجيال الأولى ~~من واحد أو أكثر من الأولاد الذكور يعيش أخواته البنات في كنفهم، ويتمتعن برعايتهم وعطفهم. ~~وتكاثرت فروع الأسرة على الأجيال، وحدث أن مات الذكور جميعا قبل الإناث في أحد فروعها، ~~فاختصم الذكور - من فرع آخر - هاتيك الإناث، يطلبون الانفراد بريع الوقف كله، نزولا على ~~شرط الواقف. وأقر القضاء وجهة نظر هؤلاء الذكور، ولم ينل الإناث الباقيات من الفرع الذي مات ~~ذكوره كبير ضرر؛ فقد كن في عصمة رجال ذوي يسار، فلم يزعجهن هذا الحكم، وإن أزعج أزواجهن ~~بعض الإزعاج. ~~••• # وتعاقبت الأجيال كرة أخرى، ثم أخذت تنقرض شيئا فشيئا، حتى آل معظم الوقف إلى الشاب ~~المهذب الرقيق «عبده عاكف». وكان طبيعيا أن يعيش هذا الشاب عن سعة، وألا يعني نفسه بأمر ~~غده، وله من إيراد الوقف ما يغنيه عن عمل وكل عناء. وطمعت كثيرات من بنات طبقته في الزواج ~~منه، ثم وقع اختياره على ms017 «هيفاء»، مما دل على حسن ذوقه وتقديره. فقد كانت هيفاء - إلى ~~جمالها - تعدله في كرم النسب، وإن لم تكن تعدله في سعة الثراء. صحيح أنها ورثت عن أبيها ما ~~يكفل لها عيشا كريما، لكن ما ورثت لم يكن يكفل أكثر من هذا العيش الكريم. # وقبل أن تدور السنة أنجب الزوجان طفلة بارعة الجمال، اغتبطا بها أشد الاغتباط. ولم يدر ~~بخاطر أيهما ذكر لوقف عاكف بك وشروطه، فهما لا يزالان في إقبال الشباب: وهما يذكران ما ~~يجري على ألسنة النساء: «خيركن من بشرت بأنثى.» لذلك خلعت الأم على طفلتها من ألوان ~~العناية والرعاية ما زاد الأب تعلقا بها وحبا لأمها. وأخذت الصغيرة تنمو وتكبر، وتملأ ~~البيت على أبويها بضحكاتها ولعبها وعبثها، فتزيدهما تعلقا بها، ورعاية لها. # وبعد سنتين وضعت الأم الشابة بنتا ثانية، فلم يغير ذلك من مرح الأسرة وغبطتها. ~~فالشباب لا يسهل أن تشوب الهموم أجواءه. إن أمامه في الحياة أملا طويلا عريضا، فما ~~يفوته اليوم يمكن تحصيله غدا. ولم تبلغ «هيفاء» بعد الثالثة والعشرين من عمرها، ليدور ~~بخاطرها ما قد يخبئ الغد بعد عشرين سنة أو ثلاثين سنة من أيام زوجيتها السعيدة ~~الهنيئة. أما أمها فلم تلبث حين رأت الوليدة الثانية، أن ذكرت وقف عاكف بك وشروطه، وهي ~~تستعجل الغلام الذي تطمئن به إلى أن ابنتها وحفدتها، سيكونون في رخاء من العيش، يستمتعون ~~من رغد الحياة بخير أنعمها. ولقد جاوزت هذه الجدة الشباب إلى الكهولة، فهي حريصة على أن ~~تطمئن في حياتها على مستقبل هؤلاء الحفدة الأعزاء! # ولم تذكر لابنتها ما دار بخاطرها، لكن ما ارتسم على محياها ساعة تنفست هذه الطفلة الثانية ~~ريح الوجود، لم يعبر عن شيء من الغبطة، وإن دفعها حنانها الطبيعي للعناية بالطفلة أشد ~~العناية! # وبعد سنتين كذلك، أنجبت هيفاء طفلة ثالثة، روع مولدها قلب جدتها، حتى تمنت لو لم ~~تولد. وبلغ روع الجدة حد الثورة حين أنجبت هيفاء بنتا رابعة بعد سنتين أخريين، فأنحت ~~باللائمة على ابنتها، وألقت عليها وزر ما حدث، وكأن للأم ms018 الخيار في إنجاب البنت أو ~~الولد. # وبكت هيفاء، ثم قالت تعاتب أمها: «هذه خيرة الله يا أماه، وأنا لم أبلغ بعد الثلاثين، ~~ورحمة الله واسعة ...» # وحملت هيفاء للمرة الخامسة، وإنها لتعاني سقم الحمل؛ إذ مرض زوجها مرضا لم يمهله أياما ~~حتى اختطفه الموت من بين أحضانها. وحزنت الشابة عليه أشد الحزن، وذكرت يتم بناتها، ونظرت ~~إلى مستقبلها ومستقبلهن، بعين لا ترقأ لها دمعة. أما أمها فأفزعتها هذه الوفاة، لا حزنا ~~على الزوج الذي مات، بل إشفاقا أن تلد ابنتها بنتا خامسة، فلا يكون لهاتيك الصغيرات من ~~وقف عاكف بك نصيب، ولا يكاد ما ورثته أمهن عن أبيها يكفيهن عيش الكفاف. # وزاد في فزعها وانزعاجها ما ترامى إلى سمعها من أن سلائف ابنتها يبذلن النذور لأولياء ~~الله الصالحين أن تلد هيفاء بنتا ليعود الوقف إلى أزواجهن، وليستمتعوا بإيراده ~~الوفير! # ماذا عسى أن يكون مصير هيفاء وبناتها إذا استجاب الأولياء لنذور هؤلاء الأقارب؟ وهل ~~تدع هذه الجدة الأمور للأقدار والرزاق هو الله؟ أم أن عليها لهيفاء وبناتها واجبا أن ~~تنقذهن من مصير مظلم بأية وسيلة ممكنة؟! # والوسيلة لإنقاذهن أن تلد هيفاء ولدا يحفظ الوقف له ولها ولأخواته البنات. لا بد إذن من ~~أن تلد هيفاء ولدا. والعلم لم يصل بعد إلى تعيين النسل، فالأمر لا يزال في يد القدر. ~~أولا تستطيع هذه الجدة أن تكفل لابنتها ما لا يكفله العلم، فيكون مولودها ذكرا بأية ~~حال؟ هنالك تنازعها عاملان: الوازع الديني، الذي يجعل معاندة القدر ذنبا يجزى مجترحه ~~في الحياة الآخرة، وقد ينال عنه جزاء قاسيا في الدنيا. ووازع المحافظة على نعمة الحياة ~~لهاتيك القوارير الناعمات، اللاتي لم يعرفن خشونة العيش قط. وانتهى هذا التنازع إلى غلبة ~~الوازع الدنيوي، فلا بد أن تلد هيفاء ولدا ذكرا بأية حال! ~~••• # وولدت هيفاء ولدا ذكرا، فتصايح أقارب زوجها بأن أمها دست في فراش الوضع غلاما، ~~وذهب بعضهم إلى أن الأم الشابة لم تلد، بل لم تحمل، وأن هذا الطفل الغلام دسته أمها في ~~فراشها للاستيلاء على ms019 الوقف وريعه! # ورفع هؤلاء الأقارب الأمر إلى القضاء ليحكم بأن الطفل ليس ابنا لعبده عاكف، فلا حق ~~لبناته في وقف جدهن؛ إذ ليس لهن أخ يعصبهن ويعصمهن من فقر مدقع! # وسمع القضاء الدعوى، فلم يأذن بما طلبه أقارب الزوج المتوفى، من تحليل دم الغلام الطفل، ~~وتحليل دم أخواته البنات، والمقارنة بين هذه التحاليل. وسبب رفضه هذا الطلب بأن تكوين الدم ~~قد تتغير طبيعته على السنين بتغير أحوال الصحة والمرض، وبتقدم السن. وعلى ذلك قضى بأن الولد ~~للفراش، وأن «عمر» - فكذلك سمت هيفاء ابنها - ابن شرعي لعبده عاكف! # وقال أقارب الزوج يومئذ: إن القضاة غلبهم برهم ورحمتهم بتلك الصغيرات المحتاجات إلى ~~الأخ العاصب؛ ليظل إيراد الوقف لهن ولأمهن. # وكذلك ثبت للبنات حقهن في العيش الرخي الكريم. # واغتبطت هيفاء، واغتبطت أمها، لهذا الحكم، وصار «عمر» موضع إعزازهما الذي لا حد له، ~~وموضع إشفاقهما كذلك أن يصيبه مكروه يضيع على البنات الأربع مورد رزقهن. لذلك كانتا ~~تتناوبان العناية به والسهر عليه، ولا ترضيان أن تدعاه إلى مرضع أو مربية، خشية الأقارب ~~الذين طمعوا في الوقف، وقاضوا الأم للاستيلاء عليه ... أن يعملوا على اختفاء الطفل، أو على ~~موته! # وبالغت هيفاء في إعزاز عمر، مبالغة تجاوزت حتى جنون الأمومة، ودهش لهذه العناية من كانوا ~~يقسمون إنه ليس ابنها، وإن أمها دسته في فراش وضعها، وكأنما نسوا أنه لم يكن ابن أحشائها ~~حقا، فإنه الروح والحياة لهاتيك البنات الأربع، اللاتي يصبحن لولاه في حكم المعدومات، ~~فيعشن عيشا خشنا، لم تألفه هيفاء حياتها، ولم يدر بخاطرها في يوم من الأيام أن يكون نصيب ~~ذريتها! # وهل تراها، لولا الرجاء في رغد الحياة ونعمائها، كانت ترضى أن تتزوج عبده عاكف؟ # صحيح أنها كانت تحبه، لأنه كان مهذبا ورقيقا، لكنها تحبه كذلك ليساره، فلا تخشى خشونة ~~عيش لها ولا لذريتها في كنفه. ~~••• # وبدأ الغلام يكبر بعين أمه، وأكبر همها أن تجعل منه، وهو الذي يشتبه بعضهم في نسبه، رجلا ~~جديرا باسم زوجها وبها. بل لقد طمعت حين توسمت في عينيه ms020 بريق الذكاء، في أن تراه يوما ~~عظيما يشار إليه بالبنان؛ لذلك لم تضن لحسن تربيته بشيء: كانت تلبسه منذ صباه الباكر ~~أحسن ملبس، فلما آن له أن يذهب إلى المدرسة اختارت له أحسن مدرسة في العاصمة، واختارت له ~~كذلك مربية تشرف على تعليمه وتنشئته، ثم إنها عودت أخواته البنات على أن ينظرن إليه ~~نظرة إكرام وإعزاز، طامعة أن يزيد ذلك في نفسه محبتهن، وفي نفوسهن محبته، وأن تجعل منه ~~ومنهن أكرم أسرة تعتز بها كهولتها، ويخلد بها اسم الرجل الذي أحبته، والذي غاله الموت وهو ~~في عنفوانه! # وكان الغلام في بوادر نشأته رقيقا؛ لأنه كان الذكر الوحيد بين إناث ست: أخواته الأربع ~~وأمه وجدته، لكنه ما لبث حين اختلط بالتلاميذ في المدرسة أن زايلته هذه النعومة، وأن حلت ~~محلها خشونة لا تخلو من عنف. ولم تكن أمه عنيفة ولم يكن أبوه عنيفا، وبلغ من عنفه حين بدأ ~~يحس بقوة عضلاته أن تبدلت معاملته لأخواته، وإن لم تتغير معاملتهن له، فكان يقسو بهن، وكان ~~يرفع يده أحيانا عليهن، وكان يضطر الأم للتدخل أحيانا بينه وبينهن. # ولم تكن هيفاء تضيق بعنف عمر، أو تزيد في تدخلها بينه وبين أخواته، على مألوف ما تبذله ~~الأم من نصح يشوبه العطف والحنان. # وكانت تلتمس له من العذر أن يتخطى الصبا إلى الشباب إيذانا بإقبال الرجولة، فكانت تنسب ~~إلى طيش الشباب كل ما يقع منه، وكان لها عذرها عن هذا التسامح معه. فلو أنه لم يكن ابنها ~~الذي أنجبته من لحمها ودمها فهو ابنها الذي ضمته إلى صدرها رضيعا، ثم أنشأته من يومئذ ~~إنشاء ربط بينه وبينها بمثل رابطة البنوة والأمومة! # ونحن نحب كل ما نربيه من أعماق نفوسنا وحبات قلوبنا. وعمر - إلى ذلك - هو وارث عبده عاكف، ~~وهو الذي عصمها وعصم بناتها الأربع من متربة ما كان أفظع شبحها يوم توفي زوجها، ويوم ~~خيل إليها أن الغد يخبئ لها عيلة إن تحققت ناءت بها، وأفسدت عليها كل حياتها! # ولم يقف عنف عمر وطيش شبابه عند ms021 القسوة بأخواته، بل بدأ هذا الطيش يصرفه عن دراسته، فيؤدي ~~ذلك إلى رسوبه في امتحاناته، ويضيع على هيفاء أملها في أن تراه رجلا عظيما. لكنها بقيت ~~مع ذلك شديدة البر والعطف عليه، ترى فيه رب البيت، والوارث لاسم أبيه، ولوقف عاكف ~~بك. # وأخذت نزوات عمر تزداد، وتدفعه إلى ألوان من الطيش، كانت هيفاء تحتملها في صبر وسكون، ~~وتدعو الله أن يكفي ابنها شر أولاد الحرام من الجنسين. لكنها ضاقت ذرعا بهذا الطيش، حين ~~علمت أن عمر يجتمع بطائفة من أقارب زوجها، ويلهو معهم. ولم يكن ضيقها بما ينفقه في هذه ~~الاجتماعات، بل كانت تخشى أن يتخذ أقارب زوجها من اجتماعهم بعمر وسيلة لإفساده عليها وعلى ~~بناتها. # وبناتها في سن الزواج، وهن في حاجة ليتزوجن إلى عطف أخيهن ورعايته وحسن سمعته! # وفكرت هيفاء في الأمر طويلا، كما فكرت في انصراف ابنها عن دراسته، فرأت أن تبعث به إلى ~~أوروبا، ليتم الدراسة بعيدا عن أقارب زوجها، ولتزوج هي بناتها في أثناء غيابه، ~~وتجهزهن الجهاز الواجب لمثيلاتهن! # واغتبط الفتى بهذا السفر، لا حرصا على النجاح في دراسته، بل لما تخيله في أوروبا من ~~ألوان المتاع التي ترضي نزق شبابه، بعيدا عن رقابة أمه. وكان أكبر همه منذ استقر في ~~أوروبا، بالمدينة التي قبلته مدرستها، أن يحصل من أمه على أكبر قسط من المال، يرضي نزوات ~~طيشه. أما المدرسة فكانت عنده أمرا ثانويا، كل غايته منه أنه حجة لبقائه بعيدا عن كل ~~رقابة. # وأرخى الفتى العنان لنزغ الشيطان، وجعل ينفق عن سعة في ألوان من اللهو الظاهر والخفي، ~~ليبدو أمام زملائه وصديقاته في مظهر الغني المترف المطمئن إلى غده، المستغني عن كل ~~عمل يحصل منه على رزقه! # وما حاجته أن يعني نفسه، للحصول على درجة علمية، وقد أنبأه أقارب أبيه بأن الوقف يكفل ~~له عيش الترف الذي يطمع فيه. وأنه متى بلغ رشده أصبح المتصرف في هذا الوقف بما يهوى، يعطي ~~أخواته البنات كفافهن، ويبعثر الذي يبقى بغير حسيب ولا رقيب! # ولم يبق بينه ms022 وبين سن الرشد غير سنة وبعض السنة، ثم يكون بعد ذلك السيد الذي لا يراقبه ~~أحد، ولا يحاسبه أحد! # وإنه لسادر في ملاذه وأهوائه، إذ جاءته من مصر رسالة أزعجته عما هو فيه؛ فقد جاء فيها ~~أن أمه تستدين على إيراد الوقف استدانة تكاد تستغرق هذا الإيراد لسنوات عدة مقبلة، وأن ~~مستقبله يقتضيه أن يعود إلى مصر محافظة على ماله، فإن فعل وبدا له بعد ذلك أن يرجع إلى ~~أوروبا، فالشأن شأنه. أما أن يغفل الأمر فسيجد نفسه عما قليل مستغرقا في الدين. وذكر صاحب ~~الرسالة أنه على استعداد لمعاونته في إنقاذ الوقف جهد المستطاع! # وكان صاحب الرسالة أحد الأقارب الذين قاضوا هيفاء حين مولد عمر، منكرين نسبه لأمه، فلا حق ~~له من ثم في الوقف. ولم يفطن عمر إلى ما لعل صاحب الرسالة يريده من انتقام من هيفاء؛ ~~لأن جزع الفتى على ألا يجد المال الذي يرضي أهواء شبابه، أنساه التفكير في كل شيء، غير ~~المال وما يتجه له من متاع! # وكتب إلى أمه يريد العودة إلى مصر، فلم تلبث حين تلقت خطابه أن بعثت إليه بنفقة العودة، ~~مغتبطة بها، ظنا منها أن عمر سئم أوروبا لأنه لم ينجح في دارسته، واقتناعا منها بأنه متى ~~عاد استطاعت توجيهه في الحياة، توجيها ينفعه وينفع الأسرة كلها! ~~••• # لم يلبث عمر - حين بلغ القاهرة - أن ذكر لأمه أنه يريد أن يتولى إدارة الوقف بنفسه، وأن ~~يعرف حساب الوقف وما له وما عليه. ودهشت الأم لما طلب، وخيل إليها أنها تستطيع برقتها ~~وحنانها أن ترده إلى حمى البنوة المطواع. وأغدقت عليه من هذا الحنان وهذه الرقة ما يمتلئ ~~به صدرها الذي لا ينضب معين عطفه. لكنه أصر على أنها إن لم تجبه إلى طلبه استعان عليها ~~بأقارب أبيه، وذكرها بأنه قارب سن الرشد، وبأنه صاحب الوقف والمتصرف المطلق في إيراده، ~~فإن لم تنزل على إرادته اليوم، فستنزل عليها بحكم القانون عما قليل، ويومئذ يفقد أخواته ~~البنات عطفه عليهن بسببها، ويحاسبها الحساب العسير عن ms023 إدارة الوقف كل هذه السنين. # سمعت الأم المسكينة هذا الكلام فأفزعها، وعادت بذاكرتها إلى يوم زهوها بأنها أنجبت هذا ~~الغلام، وكفلت بمولده مستقبل بناتها، ونشرت أمام بصيرتها ما احتملت عشرين عاما حسوما، منذ ~~مولده إلى اليوم الذي وجه فيه هذا الإنذار! ذكرت مقاضاة أقارب أبيه إياها وهو ما يزال في ~~قماطه، وما كانت نفسها تضطرب به إذ ذاك من مخاوف لم تكن خسارة الدعوى أيسرها. فلو أن القضاء ~~لم يحكم ببنوة عمر لعبده عاكف، لتعرضت من قالة الناس لأضعاف ما تعرضت له، ولتعرضت أكثر من ~~ذلك لبأس قانون العقوبات وصرامته. ثم ذكرت حدبها عليه، ورعايتها إياه طفلا، بأكثر مما ترعى ~~أي أم ابنها؛ لأنها كانت ترعى فيه أخواته البنات كذلك. وذكرت ليالي سهرها إلى جانب ~~سريره مريضا، وهي في حيرة وقلق تأخذ المخاوف بخناقها، إشفاقا عليه وعلى أخواته. وذكرت من ~~دقائق ما احتملت في سبيل تربيته وتعليمه طوال هذه السنوات العشرين، ما أثار دهشتها! # كيف سولت له نفسه، بعد هذا كله أن يخاطبها باللهجة التي خاطبها بها؟ ولو أن وقف عاكف بك ~~لم يضع في يده كل هذا السلطان، لرعى في حقها حرمة الأمومة، أو حرمة التربية على ~~الأقل! ~~••• # استدار العام وبلغ عمر رشده، فلم يبطئ أن رفع الدعوى على أمه يطلب تسلم الوقف، ~~وتقديمها الحساب عن سني إدارتها. وتسلمت هيفاء إعلان الدعوى، فتولتها الحيرة أي موقف تقفه ~~منها: أتستسلم وتسلم الوقف لابنها مقابل إقراره حسابها؟ ولكن هبه رفض بتأثير أقارب أبيه، ~~وذكر في المحكمة ما عرضته عليه، أفلا يضعف ذلك مركزها أمام القضاء؟ وهبه قبل ~~وتسلم الوقف، واستولى على إيراده، ثم لم يعطها ولم يعط أخواته ما يكفل لهن العيش ~~الكريم، أفتقاضيه يومئذ؟ # وأدت بها هذه الحيرة إلى ثورة نفسية، قالت على أثرها فيما بينها وبين نفسها: وما لي لا ~~أقف منه اليوم ما وقفت من أقارب أبيه بالأمس ... فأناضل عن بناتي، وهن أشد اليوم حاجة إلى ~~نضالي عنهن بالأمس، والقدر الذي أنصفني بالأمس سينصفني إلى شاء الله غدا ms024 ، وسينصرني على هذا ~~العاق، الذي جحد كل حق للحنان، وللعطف وللتربية، وللأمومة؟ # واستشارت محاميها، فأقرها على رأيها. فلما كان موعد نظر الدعوى، طلب إلى المحكمة أن تأمر ~~بضم دعوى النسب التي رفعت على هيفاء، فأنكر بعضهم فيها نسب عمر إلى أبيه. وأجاب القضاء ~~هذا الطلب، وقدمت هيفاء الحساب عما أنفقت على عمر وعلى أخواته طوال هذه السنين. ودهش القضاة ~~حينما اطلعوا على ملف دعوى النسب، وتساءلوا فيما بينهم: أكان عمر يقف من هيفاء هذا الموقف ~~لو أنه كان ابنها حقا؟ لكن القضاء حكم من قبل بثبوت نسبه لأبيه حكما لا سبيل إلى إعادة ~~النظر فيه. وهيفاء قد بذلت من حنانها وروحها، لهذا الذي جحد فضلها، وكفر بنعمتها، ~~ما يجعلها جديرة بكل عطف. لكن لعمر في الوقف حقا لا يستطيع أحد إنكاره، والقضاة يستطيعون ~~اعتماد الحساب الذي قدمته أمه، فأما إن تسلم الوقف وأساء معاملة أخواته، فماذا يكون ~~مآلهن؟ # ازداد القضاة حيرة حين علموا أن عمر هجر بيت أمه، من يوم أن بلغ رشده، ووقف منها موقف ~~خصومة عنيفة، أعانه عليها أقارب أبيه، الذين أنكروا من قبل بنوته. # فماذا يفعل هؤلاء القضاة ليكون حكمهم عدلا بين الجميع، محققا مصلحة الجميع؟ # وتحدث الناس وقتئذ إلى أن المشرع يعتزم إلغاء الوقف الأهلي، ليمنع عبث العابثين ~~بأحكام الشرع في الميراث والوصية. ورأى القضاة فيما سمعوا متنفسا لهم، فأجلوا دعوى عمر ~~ثم أجلوها، حتى صدر قانون بإلغاء الوقف الأهلي. وعند ذلك أصدروا حكمهم، باعتبار ما آل من ~~الوقوف إلى عبده عاكف تركة تقسم بين أولاده جميعا، وترثه فيها زوجته. أصدروا هذا ~~الحكم وكانوا يودون لو استطاعوا حرمان هذا العاق أمه من كل التركة، لكن الحكم الأول بثبوت ~~نسبه جعل ذلك مستحيلا. # واغتبطت هيفاء بهذا الحكم، واطمأنت به على مستقبل بناتها، لكنها بقيت حاقدة على هذا ~~الابن، الذي نسي كل برها وحنانها، وحاول أن يستأثر دون أخواته بوقف حرم ما أحل الله، ~~ونقض ما أثبت كتاب الله! # ولم تكن هيفاء تأبى حين يجري حديث حياتها مع ms025 عمر أن تقول: «إني أكرهه، ولكن العرق ~~دساس!» # عرق من؟! وهل كرهت أم ابنها من أجل بناتها؟! أم «إن من ... وأولادكم عدوا لكم ~~فاحذروهم.» # | يد القدر # كانت هند في العشرين من سنها، حين زوجها أبوها من موظف صغير في الدرجة السابعة الكتابية، ~~ولم تعرف هند زوجها عباس فضل، حتى اجتمعت معه تحت سقف واحد، ومع ذلك اغتبطت بهذا الزواج ~~وفاضت بها المسرة؛ لأن الزواج في نظرها غاية كل فتاة، كما أن الموت غاية كل حي، ولأن أمها ~~توفيت، قبل عدة سنوات، فتزوج أبوها وأنجب من زوجته الثانية بنين وبنات، اختصهم بكل عطفه ... ~~ولم يأب على زوجته أن تتخذ هند معاونة لها في خدمة البيت، تطهو طعامه، وتتولى نظافته، وترعى ~~أخواتها الأطفال، وتنفق ليلها ونهارها في تنفيذ أوامر زوج أبيها. # وكم تمنت اليوم الذي تهب فيه نفسها لخدمة بيتها هي، لا لخدمة زوج أبيها وعيالها؛ لذا رأت ~~في زواجها منقذا لها من هذه الحياة الشاقة التي كانت تحياها، دون أن تجد من العطف والحنان، ~~ما يعوضها عن قسوتها وشدتها. # وأعطت هند زوجها كل قلبها، منذ اليوم الأول، ولم يكن ذلك لأنه وقع من نفسها ساعة رأته ~~فعشقته لأول نظرة، بل لأنها رأت فيه يد القدر، التي انتشلتها من بأسائها، وفتحت به أمامها ~~باب الأمل فيما يسمونه السعادة. # ولم يزعجها أن كان عباس موظفا صغيرا، وأن مرتبه الضئيل كان لا يكاد يكفيها العيش ~~الخشن؛ فالصغير يكبر، وضيق العيش طارئ يزول بالجد والاجتهاد. فإذا هي جعلت من نفسها ومن ~~بيتها جنة نعيم لهذا الموظف الصغير، فسيمكنه هذا من الجد في عمله، ومن إرضاء رؤسائه، ~~ومن الترقي درجة بعد درجة. ويومئذ ينفرج الضيق وتعيش في بيتها أكثر رخاء مما كانت في بيت ~~أبيها، بل إن هذا الرخاء المادي، الذي تعتقده اليوم فلا تجده، لأيسر شأنا عندها من ~~طمأنينتها في قلب زوجها. # وبادلها زوجها منذ اشتركا في الحياة، حبا بحب، وإخلاصا بإخلاص، وكيف لا يفعل وقد أتاحت ~~له بمرتبه الضئيل ألوانا من النعمة لم يكن ms026 يحلم بمثلها قبل زواجه، وجعلت من بيته سكنا ~~هانئا، يغنيه بعد الفراغ من عمله عن كل ما سواه؟ # ومكنه بطبيعة الحال من التوفر على عمله في وظيفته، بما أرضى رؤساءه، وجعله بعد عام، أو ~~أقل من عام، يطمع في الترقية إلى الدرجة السادسة! ~~••• # وتتابعت الشهور، وهند تزداد كل يوم متاعا بهذه الحياة الراضية المتواضعة، على أن سحابة ~~من القلق بدأت تندس إلى نفسها حين قارب العام أن يستدير، ثم لم يتحقق رجاء أنوثتها! فقد ~~كانت تتوقع أن يبشرها شهر من أشهر هذا العام بأمومة يطمئن لها زوجها، وتشعر معها بأن هذا ~~البيت الصغير ستضيئه أنوار الطفولة البريئة، وتجعل منه مقر أسرة، وتسعد هي، ويسعد زوجها. ~~فلما خذل تعاقب الشهور رجاءها، بدأ مرحها يخبو ضياؤه، وبدأ يرتسم على جبينها الجميل أثر ~~القلق الذي ساورها. # ولاحظ زوجها همها وحدس سببه، فلما أفضى به إليها، انحدرت من عينها دمعة، تولاه الألم ~~لمسيلها، فربت على كتفها بيد كلها الحنان والحب، وقال لها: فيم تستعجلين يا عزيزتي؟ إنك ~~تعلمين أن مرتبي لا يكاد يكفينا لولا حسن تدبيرك وما تبذلين من جهد لتبعثي إلى حياتنا ~~ما نشعر به من نعمة ورضا، ولعل رحمة الله بنا هي التي أرادت ما أثار قلقك، وإني لأطمع في ~~ترقية قريبة، تعاوننا إذا رزقنا الله الخلف الذي ترتقبين، على العناية به وحسن تربيته، ~~وأنت لا تزالين بعد في شبابك الباكر، فلا تجزعي واصبري، إن الله مع الصابرين. # وازداد عباس بعد هذا اليوم عطفا على زوجته، مما أنساها قلق أنوثتها. وجاءت الترقية التي ~~كان يطمع فيها، وأتاحت للزوجين شيئا من سعة العيش، جعلت بيتهما الصغير أكثر ابتساما، ~~وجعلت عباسا أكثر حرصا على أن يؤنس وحدة هند فيه، ودفعته إلى مزيد من العناية بعمله في ~~ديوانه، مما ضاعف رضا رؤسائه عنه، وتقريبهم إياه، ومما زادهم ثقة به، وزاده ثقة ~~بنفسه. # وكان عباس يشعر في أعماقه شعورا قويا، بأن هندا صاحبة الفضل في هذا، ومما طوع له ~~تكريس كل وقته لعمله، وللبلوغ من إتقانه ms027 مبلغا غبطه عليه كل زملائه. ~~••• # وانقضت على ترقية عباس سنوات أربع، يئست فيها هند من أن تحمل وتلد، فاكتفت بما بينها وبين ~~زوجها من حب لم تكن الأيام تزيده إلا عمقا وإخلاصا، وفي ختام السنوات الأربع رقي عباس ~~إلى الدرجة الخامسة، ونقل من الكادر الكتابي إلى الكادر الفني، وأصبح منظورا إليه نظرة ~~تقدير خاص. فلما صدر قانون إنصاف الموظفين، وزيدت لهم علاوة غلاء المعيشة، قفز مرتبه قفزة ~~واسعة، مكنته من الانتقال إلى بيت أحسن من البيت الذي تزوج فيه، ومكنت هندا من تأثيث ~~البيت الجديد أثاثا زاد الزوجين طمأنينة إلى الحياة ومتاعا بها! # وخيل إلى هند، وقد أصبحت في هذا الحال، أن من حقها لنفسها، ومن حق زوجها عليها، أن تعود ~~إلى التفكير في أمر عقمها؛ فقد عرفت من زميلاتها من بقيت مثلها سنوات عدة لم تحمل، ثم ~~رزقها الله قرة عين بل قرة أعين، وفي مقدورها اليوم ما لم يكن في مقدورها بالأمس، في ~~مقدورها أن تعرض نفسها على طبيب، وأن تنفق على العلاج، أفلا يجمل بها والحالة هذه أن تفاتح ~~زوجها في الأمر، وهو لا ريب سيقرها، بل سيشجعها عليه! # وبعد تردد طال أمده، أفضت إلى عباس بخوالج نفسها، فكان جوابه: ربما كان العيب مني، ولست ~~أريد أن أعرض نفسي على طبيب لمثل هذا الأمر المخجل، فلنترك أنفسنا لمشيئة الله، وهو - ~~جلت قدرته - قد وسع علينا في الرزق من حيث لم نكن نحتسب، وقد يكون في علمه أن يرزقنا ~~من بعد ذلك البنين، فإن يكن ذلك فالشكر له والثناء عليه، وإلا يكن فالشكر له مرة أخرى، أن ~~رفعني في أعين الناس إلى ما وصلت إليه، وأن جعلك بين النساء محمودة على ما أنت فيه من ~~رخاء ونعمته! # أمسكت هند بعد هذا الجواب عن مفاتحة زوجها في الموضوع كرة أخرى، لكن عبارته «أن أي عيب قد ~~يكون من جانبه» جعلت تتردد في نفسها الحين بعد الحين، أولو كان هذا صحيحا، أفلا يجب عليه ~~- لنفسه ولها - أن يعالج نفسه؟ أم ms028 تراه عالج نفسه في سر منها فلم ينجح معه علاج؟! # وهبه لم يكن قد عرض نفسه على طبيب، أو أنه عرض نفسه على طبيب فتبين أن العيب لم يكن من ~~جانبه، أفلا ينبغي أن تفكر هي في أمرها؟! # لكنها لا تستطيع أن تفعل شيئا في سر منه، فما لها لا تعيد الكرة عليه وقد تنتهي إلى ~~إقناعه بما تريد؟ # وأعادت الكرة، وألحت مستعطفة مستشفعة إياه بحبها وإخلاصها، إلى أن قال لها: «استئذني ~~أباك، فإن أذن كنت عند ما تريدين!» # وذهبت هند إلى بيت أبيها تستأذنه، فألفت لدى بابه إخوتها الأطفال يمرحون، هنالك رفعت ~~رأسها إلى السماء تشكو إليها قسوة القدر، فلما دخلت ورأتها زوجة أبيها، سألتها في دهشة عما ~~جاء بها! # ثم نادت أطفالها وأدارت عليهم البخور من خوف حسدها! فلما رأت هند ما فعلت، ترددت دون ~~المضي فيما جاءت فيه، وأرادت أن تعود أدراجها إلى منزلها، لكن أباها حضر قبل أن تنفذ ~~عزمها، فذكرت له أن زوجها يريد أن يحدثه في شأن لم يفض به إليها، ورغبت إليه أن يحضر ~~عندها غداة ذلك اليوم! # وخيل إلى زوج أبيها أن خلافا دب بين هند وعباس، فابتسمت عن رضا، ثم أومأت إلى ~~زوجها قائلة: اذهب إليها لعل الله أن يهديهما وإلا فبيتك بيتها، ونحن جميعا في ~~خدمتها! ~~••• # وذهب الأب في الغداة إلى بيت ابنته، قبل حضور زوجها من عمله، فلما رأته أفضت إليه بما دار ~~بينها وبين زوجها في شأن حملها، فأجابها في حزم: وما لي أنا وذاك؟ ذلك شأنكما، تصرفا ~~فيه بما تشاءان. # وأدركت هند أنه لا يريد أن يصرح بالإذن لها، مخافة أن يطالبه زوجها بالاشتراك في نفقة ~~علاجها، فأخذت تداوره، تريد أن تستدرجه إلى إذن صريح، وإنها لكذلك إذ أقبل زوجها، فبادره ~~أبوها بعد التحية بقوله: ما حرصك على إذن مني في أمر هو من شأنكما وحدكما؟ قال عباس: «ذلك ~~أنني اليوم راض بإرادة الله فينا، سواء كان العيب منها أو مني، وأخشى إن قرر الطب العيب ~~مني ms029 أن تتنازعني نفسي إلى من يخلفني، برغم محبتي هندا أصدق الحب، ووفائي لها أصدق الوفاء، ~~واعترافي الصريح بفضلها فيما بلغناه من رخاء ومكانة.» # وأسرعت هند حين سمعت هذا الكلام، فقالت: أشكر لك يا عزيزي رقة عواطفك، وأعدك صادقة أنه ~~إن كان العيب منك فلن أتحول عن التفاني في محبتك، والعيش ما حييت سعيدة بعطفك وحمايتك، وإن ~~كان العيب مني فأنت وما تشاء، ولا تثريب عليك إن هفت نفسك إلى من يخلد اسمك! # قال عباس: «أنت إذن وما تشائين، ولن أضن عليك في سبيل ما تريدين بما أطيق من ~~نفقة!» # وانصرف الأب مطمئنا إلى أنه لن يحمل في هذا الأمر عبئا ما أحوج صغاره إليه! # وأثبت الطب أن عباسا لا عيب من جانبه، وأن هندا تحتاج إلى طويل الأمد. وأذعنت هند لهذا ~~القضاء، وأخذت تتردد على الطبيب فإذا انقضى شهر بعد شهر ولم تحمل، تولاها الضيق، وكاد ~~يتولاها اليأس، برغم ما كان عباس يبذله من لطف بها، وتهوين للأمر على نفسها! # وكان عباس من جانبه يرجو أن ينجح العلاج، وأن يرزقه الله من يرثه، بعد أن أثبت الطب أن لا ~~عيب من جانبه. وانقضى عامان كان تعاقب شهورهما يزيد عباسا شعورا بعبء ما ينفق في هذا ~~السبيل، فكانت نفسه تهفو إلى نهاية هذه النفقة نهاية سعيدة، بحمل يطمئنه ويطمئن هندا معه. ~~فلما لم يحقق الطب رجاءه، بعد أن تولاه الحرص على عقب يخلفه، دعا إليه حماه وقال له وهند ~~حاضرة: أنت تذكر يا عماه حديثنا منذ أكثر من عامين في أمر الخلف، وتذكر ما قلته وما قالته ~~هند، ومن يومئذ نزلت على إرادتها، وبذلت كل ما وسعته طاقتي لتحقيق رجائها، لكن الطب ~~عجز؛ لأن الله لم يشأ أن يكون لي عقب منها، ونحن الآن متزوجان من أكثر من عشر سنين، وأنا ~~أحس - مع تقدم السن - بشدة الحاجة إلى من يعينني في ~~شيخوختي، ومن يرثني يوم يختارني الله إليه ... وأنا ما أزال أحب هندا من أعماق نفسي، وقد ~~صبرت هذه السنين الأخيرة ms030 ، وأنفقت ما أنفقت، طمعا في أن يكون لي منها غلام، تقر به عينها، ~~وتقر به عيني، أما ولم يحقق الله رجائي، فقد رأيت أن تشير علي في هذا الأمر بحضرة ~~هند! # ولم تنتظر هند جواب أبيها، بل قالت في صوت تخنقه عبرة تحاول المسكينة التغلب عليها: ألم ~~أقل لك منذ سنتين إنه لا تثريب عليك إن هفت نفسك إلى من يخلد به اسمك؟ لقد كنت أطمع أن ~~أكون أما لهذا الغلام، أما وقد أبت مشيئة الله علي هذه السعادة فأنت وما بدا لك! ولن ~~أتحول من التفاني في محبتك، والعيش ما حييت في كنف عطفك وحمايتك، والآن أدعك مع أبي، ~~والرأي ما تريان! # وانصرفت الشابة إلى مخدعها، كي تترك العنان لدموعها تخفف عنها هم يأسها، وأي يأس وأي حزن؟ ~~فهذا زوجها يريد أن يتزوج فتكون لها ضرة مرجوة الخلف، إذ هي عاقر عقيم! هذا هو الستار ~~الأسود الذي يحجب عن ناظرها، وعن أملها، كل رجاء في النعيم! # وماذا يريد عباس أن يقول لأبيها؟ أبلغ من أمره أنه يريد تطليقها؟! تلك إذن الطامة ~~الكبرى، والنازلة القاضية على حياتها قضاء مبرما، أوليس معنى هذا أن تعود إلى بيت أبيها ~~أمة رق لزوجته، تسومها الخسف، وتذيقها الهوان ألوانا؟ # ذلك أمر لا شبهة عندها فيه، أما إن بقيت مع زوجها على ضرة فقد تكون ضرتها عاقرا مثلها، ~~فيجمع الهم المشترك بينهما، وقد لا تستطيع - وإن ولدت - أن تكسب قلب عباس كما كسبته هي، ~~فيظل لها من المكانة عنده ما يقيها السعير المحتوم في بيت أبيها. # ألم تدر زوجة أبيها البخور على رأس أبنائها لتفسد حسد هند إياهم؟! فإن يكن ذلك رأيها ~~فيها، ولها زوج يحميها وبيت يقيها المذلة، أفتتحرج عن اتهامها بكل منقصة يوم لا يكون لها ~~رجاء إلا في عطف أبيها، وقد أخذت هذه الزوج عليه مسالك قلبه وأمسكت بيدها خلجات ~~فؤاده؟! # وإن ذلك كله ليدور بخاطرها، إذ ناداها أبوها وقال لها: لقد أقررت عباسا على أن يتزوج، ~~وقد ترك لك الخيار، إن ms031 شئت بقيت على ذمته، أو شئت سرحك سراحا جميلا! # وقالت هند في غير تردد: الأمر في ذلك له، فإن سرحني بقيت على الوفاء له ما حييت، ولن ~~أحب رجلا غيره، وإن أمسكني شكرت له نبيل عاطفته وسمو نفسه، فهو يعلم أن الذنب ليس ذنبي، ~~وأن عواطفي معه من كل قلبي! # قال عباس: «وأنت يا هند على عيني ورأسي! وعصمتك من اليوم في يدك وليست في يدي ... ولن أنسى ~~ما حييت أنك سبب هنائي ومفتاح فضل الله علي وعنايته بي!» # وانصرف الأب، وتزوج عباس زوجته الثانية بعد أيام، ولم تبطئ هذه الزوجة الجديدة أن حملت، ~~وفي الأشهر من حملها، شاءت ثقة الرؤساء بعباس ندبه إلى بلد ناء ليعالج أمرا عجز غيره ~~عن علاجه. # وخشيت الزوجة الجديدة على نفسها وعلى حملها أن تصحبه في سفره، فاصطحب هندا وقضيا في هذا ~~الندب عدة أشهر. فلما عادا إلى منزلهما، كانت الزوجة الجديدة وشيكة الوضع، وكان أكبر ما ~~يرجوه عباس أن تضع غلاما يعينه في شيخوخته ويرثه حين وفاته. فلما علمت هند أن ضرتها وضعت ~~بنتا، رفعت كفيها إلى السماء، شكرا لله أن لم يبلغ خذلان القدر إياها مداه فيمتع عباسا ~~من غيرها بما يحقق له أملا أبى القدر عليها هي أن تكون مصدره. ~~••• # وبعد أشهر، حملت الزوجة الثانية مرة أخرى! ثم ذكرت لعباس أن البيت أصبح لا يتسع له ولها ~~ولأبنائها ... ولهند معهم! فإما أن ينتقل بها، وإما أن ينتقل بهند، إلى بيت جديد. ولا يستطيع ~~عباس أن يعتذر عن عدم إجابة طلبها بضيق ذات اليد، فهو اليوم في الدرجة الرابعة، وهو مرشح ~~للدرجة الثالثة، وقد استطاع أن يشتري مما اقتصده بعض أفدنة زادت إيراده! # دعا إليه هندا، وأفضى إليها برغبة أم ولده، وقال لها: الرأي الآن لك، وأنت تقدرين ~~أنني مطالب اليوم، وقد أصبحت أبا، بأن أقتصد احتياطا لمستقبل أولادي. # وبكت هند لما سمعت، ولم تحر جوابا، فاستطرد عباس يقول: أدعو أباك وأدع له الحكم بعد ~~أن أشرح له موقفي، وسأنفذ حكمه على ms032 أية حال! # وجاء أبوها، وشرح له عباس ما تحتمه زوجه الجديدة، وأنه لا مفر من النزول على إرادتها، ~~فنظر الرجل إلى ابنته مغضبا وقال لها: كيف ترضين هذا الحكم أيتها الحمقاء؟ إن بيت أبيك ~~يسعك ويسع عشرات معك، وقد ترك عباس أمرك إليك، وهو لا يأبى أن يسرحك إن شئت، فما بقاؤك ~~في بيت لم يبق لك مكان فيه؟! # وانخرطت الشابة في البكاء، وقالت وكأنها لا تعي ما تقول: كلا يا أبي، فنار عباس ولا جنة ~~زوجتك! # واستشاط الأب غضبا حين سمع عبارتها، ورفع يده يريد أن يضربها، فحال عباس بينه وبينها، ~~وخرج الأب الغاضب يلعن ابنته وقلة أدبها، وينسب ذلك إلى ما ورثته من أمها ويقسم إنه لن يرى ~~من بعد وجهها! # وأشفق عباس على هذه المسكينة، التي ظلمها القدر، وظلمها أبوها، وأخذ يتلطف بها، ويطيب ~~خاطرها، حتى هدأت ثائرتها. ثم قال لها: ماذا عليك أن تقيمي في بيت بعيد عن ضرتك وأن تنسي ~~وجودها، إنني لن أنسى أنك كنت عتبة سعد لي، ولن أكون معك إلا على ما يرضيك. # وانتقلت هند إلى بيت آخر متواضع، وكان زوجها يمر بها بين الحين والحين، وكان انتظارها ~~إياه يطول أحيانا، فتأخذ بخناقها الوساوس، وكان أشد ما يفزعها إشفاقها من أن تضع ضرتها ~~ولدا يحقق رجاء أبيه، فلا يبقى لها مكان من نفسه، ولا مكان من بيته، فينتهي إلى تطليقها، ~~وتضطر إلى الرجوع إلى بيت أبيها، والخضوع لتحكم زوجته فيها، وذلك عندها هو الجحيم ~~والعذاب المقيم! # كانت هذه الفكرة تتحكم في أعصابها أحيانا، فتذرف الدمع سخينا، وترفع عينيها النجلاوين ~~إلى السماء تناجيها: أي ذنب جنت ليكون ذلك جزاءها؟ وتذكر وهي في همها وجزعها قريبات وزميلات ~~لسن أجمل منها ... بسم لهن الحظ بعد عبوس، ورضي عنهن القدر بعد قسوة! # تلك ابنة خالتها ... تزوجت من كهل يكبرها ثلاثين سنة، ومع ذلك أنجبت منه، وهي سعيدة كل ~~السعادة! وتلك زميلتها في المدرسة، التي تزوجت كهلا هي الأخرى، وبقيت معه أكثر من عشر ~~سنوات، توفي بعدها ms033 فورثته، وتزوجت شابا أنجبت منه البنات والبنين، فهي في رخاء وطمأنينة ~~ورضا، وثالثة، ورابعة، وخامسة ... كلهن يعشن ناعمات راضيات، وليس فيهن من تفوقها جمالا ~~وذكاء. أما كفاها موت أمها وهي لا تزال في نعومة صباها، وزواج أبيها للمرة الثانية، وقسوة ~~زوجة أبيها بها؟! أما كان عدلا أن تجزى عن ذلك كله بشيء من السكينة إلى الحياة ... سكينة ~~تعوضها عن أحزانها وآلامها، لكل هذا الذي أصابها؟! أم أن عدالة السماء لا تعبأ ~~بمثيلاتها، وإن لم يجترحن ذنبا ولم تكن لهن في الحياة جريرة؟! # إنها اليوم بين نارين: نار ضرتها، ونار زوج أبيها، وزوجها وأبوها لا يستطيعان شيئا، ~~وقد استبد حب الخلف بالأول، واستبدت كثرة الخلف بالثاني، وبذلك تمكنت ضرتها وزوج أبيها من ~~الرجلين تتحكمان في تصرفاتهما بما تشاءان، ثم يحسب كل رجل منهما أنه صاحب اليد العليا ~~والكلمة النافذة في بيته! # وألح هذا التفكير على هند، وجعل يساورها ليلها ونهارها، كلما أخذت الوحدة بخناقها، ~~فأظلمت الدنيا في وجهها، وفيما كانت أشهر الحمل تتقدم بضرتها، كان هذا التفكير يحطم صحتها ~~ويذبل نضرتها، فإذا تصورت أن ضرتها ولدت غلاما، ركبت القشعريرة كل جسدها واضطرب قلبها ~~وحنانها، وبلغت من ذلك أن ركبتها حمى، حار الأطباء في تشخيصها، وحاروا لذلك في تصوير ~~علاجها، وكانت هذه الحمى تزداد على الأيام شدة، حتى لقد خشي الطبيب المعالج على حياة هند، ~~بعد كل الذي بذله من عناية فائقة بها! ~~••• # وإنها لتعاني بأساء المرض وضراءه، إذ دخل عليها يوما متجهما والدمع يكاد يطفر من ~~عينيه، وسألته عما به، فلما لم يجب قالت: لعل الله رزقك بنتا ثانية؟! # وتنهد عباس، وهز رأسه في حسرة ثم قال: «نعم!» # هنالك أشرقت أسارير هند، وإن لم تتفوه بكلمة، ومن يومئذ بدأ الطبيب يطمئن شيئا فشيئا ~~إلى تقدمها نحو العافية! # وبرئت المسكينة، ثم تعافت واستردت كل صحتها! # وأعجب من مرضها، ومن إشرافها على الموت، ومن برئها ... أن هذا المرض كان علاجا لها ~~فيما عجز الأطباء عن علاجه، فقبل أن تقضي ضرتها أسابيع نفاسها، كانت ms034 هند قد حملت، فلما ~~اطمأنت إلى حملها، أشرق وجهها، وعادت إليها نضارتها، وفرح عباس من كل قلبه لحملها، وأخذ ~~يعودها كل يوم يسأل عن صحتها، فلما تمت أشهرها وضعت غلاما، طار عباس فرحا به وفاضت المسرة ~~بهند منذ وضعته وأنستها ابتسامته كل عتابها للقدر وكل شكواها إلى السماء! # وجلس عباس يوما إلى جانبها وهي جالسة ترضع طفلها، فنظرت إليه بعينين ملئتا حبا وقالت: ~~ترى لو أنك لم تتزوج ضرتي، ولم يبلغ الحرص مني أن أوقفني على حافة الموت، أفكان الله يهب ~~لي هذا الغلام الجميل؟ # وابتسم عباس لهذه العبارة، ثم قال: إن لله في خلقه شئونا، وهو وحده الذي يعلم الغيب، وهو ~~أعدل العادلين وأرحم الراحمين! # وبعد هنيهة، التقت شفاههما على يد الغلام البريء الطفل تقبلانه، وقد أضاء قلبيهما نور ~~البشر والسعادة! # | الحب أعمى # كان عارف مرحا بطبعه، لا تفارق الابتسامة ثغره، ولا تفوته فرصة مسرة إلا ألقى بنفسه ~~بين أحضانها. كذلك عرفه أصحابه قبل زواجه، وكذلك عرفوه منذ تزوج. وكان جيرانه أكثر ~~اغتباطا بمرحه؛ فقد كان إذا دخل عليهم بيتهم ملأه حبورا وبهجة، فكانوا يقضون الساعات معه ~~يضحكون ملء أشداقهم، فإذا آن له أن يتركهم تعلقوا به يستبقونه، إبقاء على متاعهم بالمسرة ~~التي يفيضها وجوده على كل من حوله! # وكثيرا ما كان يبقى في مجالسه هذه إلى منتصف الليل وما بعده، فإذا غادرها قام الحاضرون ~~جميعا يودعونه إلى باب المنزل، ثم لا تغيب الابتسامة عن ثغورهم حتى يغيب هو عن ~~أنظارهم! # لكنه انقلب منذ أسابيع شخصا غير الذي ألفوا، علته سحابة من الكآبة، فلم يعد ثغره ~~يعرف الابتسام، ولم تعد ضحكته تجلجل في المجالس فتعدي سامعيها فلا يملك أحدهم أن يمسك نفسه ~~فلا يضحك. وفي أثناء هذه الأسابيع انقطع عن زيارة جيرانه حتى حسبوه أول الأمر مريضا، فلما ~~سألوا عنه وقيل لهم إن به هما يشجيه، أشفقوا لما أصابه، وتمنوا لو استطاعوا تسلية ~~همه! # وفيما هم جلوس يوما، وعندهم صديقتهم «طيبة» إذ دخل عارف عليهم ساهما، تكاد الكآبة ~~تقتله ms035 . فلما جلس إليهم سألوه عما به في رفق وتلطف. وكأنما كان الشاب يريد أن ينفض ما في ~~نفسه، لعله يتخفف منه، فأخذ يقص عليهم قصته، وفيما هو يروي وقائع هذه القصة، كانت «طيبة» ~~تلقي إليه بكل سمعها، بل بكل وجودها، وكان وجهها الباش تغادره بشاشته شيئا فشيئا. فلما ~~أتم عارف قصته انفجرت باكية، وكأنما طعنها حديثه بخنجر في قلبها! # أشفق الحاضرون لبكائها، وأشفق عارف معهم، وأخذ يعتذر لطيبة أن أثارت قصته أساها إلى هذا ~~الحد. # قالت طيبة: «لا تعجب يا سيدي، فقصتك قصتي، وما أشبه ما أصابك بما أصابني. وأنا لست مرحة ~~بطبعي كما كنت أنت مرحا، لذلك أثارت قصتك شجوني، وجسمت أمامي فجيعتي، فلم أملك ~~دموعي، فاعذرني يا سيدي، وليعذرني أصحابنا جميعا!» # والواقع أن قصة عارف كانت تثير العجب بقدر ما تثير الشجن. وروايته لها كانت أشد فعلا في ~~نفوس سامعيها، وأعمق أثرا عندهم مما لو قصها إنسان سواه. # قال عارف: كان عمي يزوج ابنته، منذ سبعة عشر عاما، وقد أقام أهل العروس أكثر من شهر، ~~يحيون لهذه المناسبة ليالي تفريح وأنس، لم تكن إحداها تفوتني، وكانت تشترك في إحياء هذه ~~الليالي فتاة عرفها أصدقاؤنا من بعد بأنها زوجتي. وكانت هذه الفتاة بارعة الجمال، رشيقة ~~القد، حلوة النظرات، تتقن الرقص كأحسن ما تتقنه راقصة صناع محترفة، وقد جذبتني نظراتها ~~إليها، كما جذبني هذا الجسم اللدن، الذي يميس حين رقصها، في خفة حركة ودقة نظام، حتى يكاد ~~يذهب باللب. وكنت إذ ذاك طالبا بالجامعة، وكان أهلي يعلقون على نجاحي وحصولي على درجاتها ~~أعظم الأماني. وكنت أقدر هذا، وأطمع في إرضائهم، فكنت شديد الإكباب على دارستي، حريصا على ~~اتصال نجاحي، فلما عرفت هذه الفتاة، وكانت تحضر مع أمها، بدأت أشعر بأن في الحياة شيئا غير ~~الدراسة، وغير الجامعة، وغير الدرجات العلمية، شيئا يمس القلب، بل يعبث به. وشجعني ذلك على ~~الاتصال بالفتاة، ثم على رفع الكلفة معها، كما شجعني عليه ما كان أهلي يذكرونه عن أصلها ~~وأنها من منبت وضيع. لذلك ms036 كنت ألقاها كل مساء قبيل حضورها إلى حفلة عمي، ثم كنت أحرص على أن ~~أصحبها وأمها إلى منزلهما المتواضع إذا انتهت الحفلة بعد منتصف الليل. # وكانت الفتاة تصب في قلبي من نظراتها، ومن ابتساماتها، ومن حديثها، ما يزيدني إعجابا ~~بها، وبحركات جسمها حين ترقص، وبرشاقتها في مشيتها، حتى لقد كنت أتصور هذه الحركات وهذه ~~المشية أنغاما كأنغام الموسيقى، أو أكثر حلاوة وحياة من أنغام الموسيقى، لذلك وقع حبها في ~~قلبي، فأنستني كل ما سواها، وخيل إلي من نظراتها ومن حديثها يومئذ، أن لي مكانا في قلبها ~~كالمكان الذي لها في قلبي. # وكيف أشك في ذلك، وهي تبدي لي من صادق الحب ما أشعر به في أعماق وجودي، وما يهتز له كل ~~عصب من أعصاب فؤادي؟! # ولم يزعزع هذا الإيمان بحبها في نفسي ما كنت ألاحظه عليها أحيانا من التلطف مع قريب لي، ~~كان حريصا على حضور هذه الليالي في بيت عمي، مثل حرصي على حضورها، بل لم أصدق ما روته لي ~~أختي من أنها سمعتها تقول لقريبي هذا: لو كان عندك من المال ما عنده لأصفيتك ودي دونه، ~~فأنت أحب إلي منه، لكنك لا تستطيع الإنفاق كما ينفق، فلا تزعجني بإلحاحك، ولا فائدة لي ~~منك! # صدق هذا الكلام، وحسبت أن أختي تذكره بإيعاز من والدتها، بعد أن لاحظت انصرافي عن دروسي، ~~ولاحظت تأخري في العودة إلى المنزل إلى ما بعد منتصف الليل في كثير من الأحيان. # واطمأنت الفتاة إلى هيامي بها، فجعلت تسكب من عواطفها في قلبي ما يزيد حبي لها ضراما، ~~لكنني لاحظت بعد حين، أنها بدأت تتحفظ معي حين انفرادنا، فإذا حاولت أن أقبلها، أبت وقالت: ~~أنت تعلم أن أهلك لن يقبلوا أن نتزوج، فأنتم تنظرون إلينا على أننا من طبقة دون طبقتكم، ولا ~~تتصورون أن الحب يزيل الفوارق بين الطبقات، إنني أحبك، بل أعبدك، وأعتقد أنك تبادلني مثل ~~هذه العاطفة، وأنت لا ترضى لمن تحبها أن تفقد شرفها، والقبلة مقدمة للزواج أو للضياع. ~~فهبني قبلتك وقبلتني فماذا ms037 يكون بعد ذلك؟ إنني فتاة شريفة، وأنا لا أحيي حفلات للرقص كما ~~قد تتوهم، ولولا مودتنا مع بيت عمك، ولطفهم ورقتهم معنا، ما رأيتني قط أرقص. فلنقف بحبنا ~~عند نهاية هذه الحفلات، وأرجو الله لك ما يرجوه لك أهلك من التوفيق والنجاح! # زادني تحفظها هياما بها، وألهب عواطفي نحوها، فأخذت أسأل نفسي: «ولم لا أتزوجها؟» لقد ~~أبدع الله في تكوينها، فوهبها بذلك هبة لا تقل قدرا عن المال وعن الجاه، وحباها من ~~الرشاقة والرقة وخفة الروح ما يرفعها إلى أكرم الطبقات. إنها قطعة فنية، لا تقوم بمال، ~~ولا تدانيها في الاعتبار هبة يهبها الله للناس. إن النظرة إليها تدفع صاحب المال ليلقي ~~بماله تحت قدميها، وصاحب الجاه ليضع جاهه تحت تصرفها. فلم لا أتزوجها وهي تحبني وأنا ~~أحبها، هذا الحب الذي سما بنا كلينا فوق المال والجاه، وفوق كل اعتبار؟! # فلما خلوت إليها الغداة، قبيل ذهابها إلى الحفلة في بيت عمي، قلت لها: اسمعي، إنني لم يبق ~~لي بتحفظك طاقة، وقد فكرت في كلامك معي أمس، فصممت على أن نتزوج، فأنت منذ الآن ~~خطيبتي، وإن شئت فأنت منذ الآن زوجتي. ولن أخبر أهلي بشيء من ذلك حتى يصبح أمرا واقعا. ~~وتحقيق هذا الأمر بيدك أنت ورهن مشيئتك. فأنا منذ الساعة ملكك، تتصرفين بي كما تشائين. ~~هذا كلام شرف، أقوله لك عهدا مقطوعا أمام الله ... فما تقولين؟ # لم أقل هذا الكلام بلساني وكفى، بل كان كل وجودي يعبر عنه أدق تعبير وأعمقه. كانت عيناي ~~تنطقان به، وكان قلبي يخفق لكل لفظ منه، وكان وجهي ينم عن كل معانيه، ولاحظت الفتاة ذلك ~~فألقت بنفسها بين ذارعي، وقالت: الآن ... أنا لك، فتصرف أنت كما تشاء، على أن يكون زواجنا، ~~بعد أن تتزوج ابنة عمك! # من تلك الساعة، لم يبق للزمن وجود أمامي، بل لم يبق في الوجود كله إلا فتاتي البارعة ~~المعبودة. لم تكن عيني ترى سواها، ولم تكن أذني تسمع غير حديثها، ولم يكن في الجو المحيط بي ~~شيء إلا هي، كان ms038 هذا الجو معطرا بريحها وروحها وريحانها. وضممت الفتاة تلك اللحظة إلى ~~قلبي، وقبلت جبينها وصدغها وثغرها، وشعرت بها أصبحت بضعة مني، وأن وجودها غاب في وجودي، ~~وأننا كما يقولون: روح في جسدين. فلما أفقت من هذا الحلم السعيد الجميل، نظرت في ساعتي، ~~فإذا هي قد تأخرت عن الموعد الذي ألف الناس في بيت عمي أن يروها تدخل عليهم فيه. لذا ~~أسرعت بها إلى هناك، ولم أدخل البيت معها اتقاء المظنة. وبعد برهة دخلت، فألفيت القوم بدءوا ~~ليلتهم، وبدءوا مرحهم، وألفيتها انسحبت من بينهم تستعد للرقص وتظاهرت بالسؤال عنها، وعن ~~سبب تأخرها، فقيل لي: إنها سترقص بعد هنيهة! # ورقصت، فإذا هي شخص آخر غير الذي رأيناه في كل ما سبق من ليالينا ... لم تكن ترقص لنا، بل ~~كانت ترقص لنفسها، كانت كل حركة من حركات جسمها، اللدن اللين، الذي يطاوعها إلى كل ما تريد، ~~يجاوب ما تنطق به نظراتها من عواطف بالغة غاية السمو، ولم يكن في هذه الحركات أي معنى من ~~معاني رغبة الحس، بل انتقلت بصاحبتها وبنا إلى عالم علوي، تتناجى الأرواح في أثيره، وترفع ~~الأجسام معها إلى سماواته. لذلك سكن المرح الصاخب، الذي ألفناه في ليالينا السابقة، وبدت ~~على وجوه الحاضرين جميعا، أحلام الهناء المطمئن، التي كانت الفتاة تشعر بها في أعماق ~~نفسها، وتعبر عنها في بليغ حركاتها. أما أنا فذهبت من سعادتي في تيهاء مبهمة، وشعرت وكأنني ~~ما أزال ممسكا بالفتاة بين يدي، أضمها إلى قلبي، وأشعر بالحب يربطنا في وثاق ~~متين. # وانتهت السهرة وصحبتها وأمها إلى بيتهما المتواضع! ثم عدت أدراجي أفكر في هذا الزواج ~~الذي سنعقده عما قريب، والذي حسبته الكفيل بسعادة أيامي ما حييت. # لا بد لي من مال أواجه به هذه الحياة الجديدة التي أنا مقبل عليها، ولا أريد أن يعرف ~~أبواي شيئا من أمرها؛ لذا تحايلت على هذين الأبوين الكريمين، وعلى الآخرين من أهلي، فجمعت ~~من المال كل ما استطعت جمعه، ولم يزد مع ذلك على مائة جنيه، تعدل قيمتها اليوم أربعمائة ms039 أو ~~خمسمائة. # ولم ألبث حين تم زفاف ابنة عمي أن قلت لفتاتي: الآن حق لنا أن نصنع ما صنعوا وأن ~~نتزوج. # ودعت الفتاة الأقربين من أهلها ودعونا المأذون وعقدنا زواجنا وأصبحت زوجا ممتعا ~~سعيدا! # وبعد شهر علمت أن زوجي حامل، وفي أثناء هذا الشهر، لاحظ أهلي كثرة سهري، وتأخري عن كل ~~مواعيدي، ولاحظ والدي انصرافي عن الدارسة، وجاءت إلي والدتي ذات صباح، وأخذت تحدثني في ~~رفق وحنان، وتذكر لي ما لاحظه والدي على سلوكي، وتعيد على مسمعي أنشودتهم القديمة، ورجاءهم ~~في حصولي على درجة جامعية، أسافر بها إلى أوروبا لأحصل على درجة أعلى. وذكرت أن والدي ~~مستعد للإنفاق علي هناك عن سعة ... إلى آخر ما هناك من أماني صورتها، وحسبت أنها تستطيع ~~بها أن تتغلب على ما ظنته طيشا شبابيا، فلما أتمت حديثها، قلت: ولكني لا أستطيع السفر ~~إلى أوروبا، ولا أستطيع إتمام دراستي! # فوجئت الأم المسكينة بهذا الجواب، فقالت في فزع: «ولماذا؟!» # قلت: «لأنني تزوجت، ولأن زوجي حامل!» # وقصصت عليها كل قصتي ... وأيقنت والدتي من لهجة حديثي أن الأمر جد كل الجد، وأني أحب ~~زوجتي حبا دونه العبادة، وأني مقدر كل الاحتمالات ومنها أن يخرجني والدي من بيته، وأنني ~~مستعد لأن أعمل فأكسب حياتي وحياة أسرتي الصغيرة الجديدة! # وعدت إلى زوجتي، فحدثتها بما دار بيني وبين والدتي، فابتسمت وقالت: ما أظن الأمر يبلغ ~~بوالدك إلى حد إخراجك من بيته، فقد لاحظت في أثناء حفلات ابنة عمك أنه يميل إلي كل ~~الميل، ويعطف علي أشد العطف ويعنى بأمري أشد العناية، فإذا صادف أن تحدث إليك في هذا ~~الموضوع فقل له إنني أكدت لك أنه لن يغضب من زواجنا! # ولم يخرجني أبي من بيته، ولم يمنع زوجتي من التردد عليه، ولم ينقطع عن التردد علينا، لكنه ~~أبى أن تقيم معه في بيته، ورتب لنا مبلغا شهريا نعيش منه عيشا متواضعا. # وصرفتني عبادة زوجتي عن كل شيء سواها، صرفتني عن أصدقائي، وعن أهلي، فلم يبق أمام ناظري ~~غير هذه المرأة التي صورها ms040 بارئها تصويرا فنيا يرضي ذوق كل مثال، بل يرضي خياله، ~~ورأيت أن المبلغ الذي فرضه والدي لا يكفل الحياة التي أطمع فيها، فرحت أبحث عن عمل، ~~ووفقت في بحثي، وبذلت في هذا العمل جهدي وانقطعت بذلك عن الجامعة غير آسف ~~عليها. # ورزقنا ابنة، ثم رزقنا بعد عامين ابنة أخرى، وقد ضاعف مولد الطفلتين تعلقي بأمهما، فلم ~~تنل عاطفة الأبوة من عبادتي إياها، وكيف تنال منها وصاحبتها قد سكنت قلبي فلم تترك فيه ~~مكانا لغيرها؟ # وكم تمنيت لو أنها أنجبت أطفالا آخرين، يزيدونني غراما بها وسعادة بهم. لكنني رأيتها ~~تخالفني عن هذا الرأي كلما حدثتها فيه، وتذكر ما عانت في الحمل والوضع والرضاعة، من مشقة ~~تريد أن تستريح منها في إجازة طويلة. وانقضى على مولد الطفلة الثانية سنوات ثلاث بدأت زوجتي ~~تشعر بعدها بشيء من الاستقلال، وبدأت تحس بالحاجة إلى المتاع بالحياة، متاعا ذاتيا، لا ~~تشغله الأمومة، وإن لم يصرفها ذلك عن العناية بالمنزل وبنفسها. # وشعرت أنا بأن ذلك من حقها، وأن امرأة جميلة جمالها، لا يجوز أن تحبس حياتها على أن تحمل ~~وتلد وترضع، لذلك لم أر بأسا بأن تدعو بعض أصدقائها لزيارتها بالمنزل، ما دام حضورهم يدخل ~~المسرة إلى نفسها، ولم أر بأسا بأن تخرج معي ومع واحد أو أكثر من هؤلاء الأصدقاء إلى مقهى ~~من المقاهي، فإذا أغدقت على صديق من وقتها ولطفها وعطفها ما شاءت أن تغدقه لم يثر ذلك ~~غيرتي؛ لأن عبادتي إياها كانت تجعلني أتمنى متاعها ورضاها. ولم يزعجني أن يكون بين هؤلاء ~~الأصدقاء الذين يتمتعون بعطفها من ينتمون إلى الطبقة التي كانت تنتمي إليها يوم عرفتها. ~~فقد كنت أنظر إلى كل ما تصنعه بعين الرضا؛ لأنها هي التي تصنعه، ولأنه يرضيها، ويبعث الهناء ~~والغبطة إلى نفسها. ولست أبالغ حين أقول: إنني كنت أرى منها ما لا يطيق رجل أن يراه من ~~زوجه، وكنت أرى ذلك في المنزل وخارج المنزل، فلا يغير ذلك من حبي لها، وعبادتي إياها؛ ~~لأنها كانت كل حياتي، ولأنني كنت أشعر ms041 في أعماق نفسي بأن الحياة تكون جحيما إذا لم تكن هي ~~راضية عني، أما وسعادتي متعلقة برضاها فيجب أن أكون سعيدا بكل ما ترضى هي عنه. # ورأيتها يوما تطرز صديرية أعجبني لون صوفها، فجلست إلى جانبها وقلت لها في حنان: كم أنا ~~شاكر لعنايتك، منتظر بفارغ الصبر، أن ألبس هذه الصديرية من صنع يديك الجميلتين ... # عند ذلك تململت في ضجر، وقالت: إنما أتسلى بتطريزها، وهي على كل حال ليست لك، وأرجو ألا ~~تنسى أننا متزوجان الآن منذ خمس عشرة سنة، وأنت تتعبني بمبالغتك في إظهار محبتك لي. وقد ~~كبرت بنتانا، وليس من حسن التربية أن تريا منك ما لا تمتنع عن إظهاره أمامهما. ولم أعد أنا ~~أطيق هذا الحب الجارف، الذي تحاول به أن تقنعني بأنك ما تزال اليوم كما كنت من قبل أن ~~نتزوج. # قالت هذا الكلام وقد تخلصت بعنف من ذراعي، ومن قبلاتي! # لم تزعجني هذه الحركة من زوجتي، ولم تغير رأيي فيما كان يلمح به بعض أصحابي عن علاقتها ~~بأصدقائها. فقد اعتقدت أنها حركة عصبية طارئة، لا تلبث أن تزول، وبقيت لذلك على عبادتها، ~~التي أملاها ما سمته هي ... الحب الجارف! # لم أر بعد هذا اليوم تلك الصديرية التي كانت تطرزها، وخيل إلي أنها أهملتها، وأنها ~~تلتمس التسلية في شيء آخر. # وبعد أسابيع عدت إلى البيت فلم أجدها، فخرجت أضرب في الطرقات مما حولنا، في انتظار ~~عودتها. وإنني لأمر بدكان جزار قريب منا، إذ رأيتها داخلة، ورأيت الجزار يرتدي ~~الصديرية التي كانت تطرزها، فدخلت أسألها: ما الذي جاء بها إلى هناك؟ فأجابت: جئت أشتري ~~لحما اشتهته نفسي! # قلت: «ولكن الخادم تشتري لنا كل صباح ما نحتاج إليه!» # قالت مغضبة: «وهل هناك ما يمنعني إذا لم يعجبني ما اشترته الخادم أن أخرج إلى السوق وأن ~~أبتاع ما يعجبني؟» # وخرجت على أثر هذه العبارة وقد صبغ الغضب وجناتها فزادها جمالا، ووقفت أنظر إلى الجزار ~~وإلى الصديرية التي يلبسها، ثم سألته: بكم ابتعت هذه الصديرية! # قال: «إنني لم أبتعها، بل ms042 صنعتها لي أختي.» # كان هذا الجزار شابا فارها، جميل الصورة، مفتول العضل، لا تزيد سنه على الخامسة ~~والعشرين، وقد خيل إلي حين رأيت عليه الصديرية أن زوجي هي التي أعطته إياها، ثم راجعت ~~نفسي، ولمتها على شبهة لا أستطيع تصديقها. فقد يكون حقا أن أخته هي التي صنعتها له، ~~فالصوف من هذا اللون كثير في السوق ولن تتعلق زوجي بشاب جزار، تكبره بعشر سنوات أو نحوها. ~~لذلك صرفت الوهم عني، وعدت إلى منزلي، فألفيت زوجي متجهمة، فأردت ملاطفتها كشأني معها، ~~فقالت في حدة: اسمع. أنا لم أعد أطيق الحياة معك، لم أعد أستطيع أن أراك، ولم تعد أعصابي ~~تحتمل نظرتك إلي، ولم يعد جسمي يحتمل مسك إياه، وقبلاتك تثير انزعاجي، وقد يكون هذا كله ~~طارئا يزيله الزمن، وعلاجه عندي أن تطلقني فأشعر بأنني حرة في نفسي، وفي جسدي وفي وجودي ... ~~ولعلي بعد زمن، أشعر بأننا نستطيع أن نعيد سابق مودتنا، بل سابق حبنا. فادع المأذون وطلقني، ~~فلا أرى علاجا لموقفنا غير الطلاق! # طاش صوابي حين سمعت هذه الكلمات: أنا أطلقها؟! وماذا يبقى لي في الحياة! بل لماذا أبقى ~~أنا في الحياة؟ # وعبثا حاولت صرفها عن هذه الفكرة، فقد تشبثت بها كل التشبث: استعطفت، بكيت، ألقيت ~~بنفسي على قدميها، جثوت أمامها، ونظرت إليها بعينين ملأهما الدمع، وفيهما كل معاني ~~العبادة. لم يقنعها شيء من ذلك كله، بل كان آخر ما قالته: خير لك ولسمعة بناتنا أن تطلقني ... ~~وأن تطلقني الساعة، وإلا هجرت بيتك وخرجت هائمة على وجهي! # لم يكن لي بد من النزول على إرادتها، فلم أتعود طيلة السنوات التي عشناها معا أن ~~أعترض هذه الإرادة. وخرجت لساعتي، فجئت بالمأذون، ورجوته ونحن في الطريق أن يحاول تسكين ~~غضبها، وردها عن عزمها ... وحاول الرجل، ولكنه لم ينجح، فطلقتها طلاقا بائنا! # وكنت أطمع في أن نتفاهم في أثناء عدتها، وأن تتراجع. لكنها تركت منزلي، وذهبت إلى أمها ~~وحرمت علي أن أزورها. # وقضيت شهورا ثلاثة في هم ونكد لا هم ولا نكد مثلهما، كنت ms043 أبكي إذا أصبحت، وأبكي إذا ~~أمسيت. كنت أشعر بأنني فقدت كل مسوغ لحياتي، ولولا ابنتاي لفكرت في الانتحار! # وإنني لفي همي وفي كمدي، إذ بلغني أن مطلقتي تزوجت ذلك الجزار الذي رأيته وعليه ~~الصديرية التي طرزتها يداها. وتتبعت أخبارها، فعلمت أن هذا الشاب الجزار يضربها ويهينها، ~~فلا يزيدها ضربه ولا تزيدها إهانته إلا تعلقا به وعبادة له. ولا يزيدني ما أعلمه من ذلك ~~إلا حسرة وندما، وبكاء على حب وهبته كل قلبي، فحطمته حبيبتي تحت قدميها بغير شفقة ولا ~~رحمة، من أجل شاب جزار جميل! # أتم عارف قصته، فبكت «طيبة» وأمعنت في البكاء، فلما سألها ما يبكيها؟ قالت: إن قصتك مثل ~~قصتي يا سيدي ... لقد تزوجت، وأحببت زوجي حب العبادة ... أحببته هذا الحب الذي قصصت علينا ~~الآن نبأه، أحببته واحتملت في سبيل حبي له كل شيء ... كنت أراه مع صديقاتي فلا يزعجني ذلك، ~~إذ كنت موقنة بأنه عائد إلي لا محالة. وكان لا يستحي من أن يجيء ببعض صديقاته معه إلى ~~منزلنا، فأدعه لهم وأخرج، حتى لا يشعر أبناؤنا الثلاثة بأنني أطيق ذلك وأسكت عليه. وكان ~~من هاتيك المستهترات بنات بلد بارعات الجمال، لا أدري إن كن قد بلغن من هذه البراعة ما ~~بلغت زوجتك أم لا ... وكنت أعاتب زوجي أحيانا، فيهينني ويضربني، فأحتمل منه ذلك، لأنني ~~أحبه وأعبده، ولم يكفه ضعفي أمامه ومحبتي له، بل تزوج إحدى هاتيك النسوة من بنات البلد. ~~عند ذلك نفد صبري. ولقد كنت مستعدة لأن أطاوله، لعل رشاده يعاوده، لكن هذه المرأة اللعوب ~~التي تزوجها خشيت هذه المطاولة، وخشيت أن تنتهي عبادتي لزوجي بالتغلب عليها، فالتمست ~~عنده كل أوجه الحيلة ومنها المغاضبة، ثم الاسترضاء، حتى نزل على إرادتها، فطلقني. ومبالغة ~~في النكاية بي، أخذت وثيقة الطلاق، وجاءت بنفسها ودفعتها إلي، ثم انصرفت وعلى فمها ~~ابتسامة الظافر. وتركتني كما تركتك زوجتك، وقد تقلص كل أمل لي في الحياة، لولا حرصي على ~~مصير أولادي، وخشيتي أن يحطم هذا الجاحد الخئون مستقبلهم! # كان الحاضرون عند جيران عارف ms044 يصغون إلى قصته وإلى قصة «طيبة»، وكلهم الدهشة والعجب، فلما ~~فرغت طيبة من حديثها، قالت سيدة من الحاضرات: أما وأنتما ضحيتان لحوادث متشابهة كل التشابه، ~~فلماذا لا تتزوجان؟ # وقال الحاضرون جميعا: «نعم الاقتراح، وكلنا نؤيده.» # أمسكت «طيبة» بطبيعة الحال فلم تقل شيئا ولم تعترض، واستمهل عارف أصحاب الاقتراح، ليشاور ~~في هذا الأمر أهله. # قالت «طيبة»: «أما أنا فلست في حاجة إلى مشاورة، فإذا خاطبتني في الموضوع يوما، فكرت فيه ~~بنفسي.» # وإنما أراد عارف أن يشاور قلبه، فهو لا يزال مقيما على حب مطلقته رغم ما صنعته، لكنه ~~أشفق على طيبة إشفاقه على نفسه. # ثم إنه أفضى بالقصة كلها إلى أخته وإلى زوجها فقال له هذا الزوج: أنا أؤيد الذين اقترحوا ~~أن تتزوج من هذه السيدة، وسيربط بينكما ما أصابكما، ويكفل لكما حياة سعيدة مطمئنة! # فلما انصرف عارف، سألت أخته زوجها عما دفعه لإبداء هذا الرأي، فذكر له أنه يخشى أن يطلق ~~الجزار مطلقة أخيها، فيعود عارف إليها، يعبدها من جديد، بعد أن خانته ولوثت سمعته. # وبحث عارف هذه النصيحة، وانتهى إلى قبولها، ثم إنه خطب «طيبة» إلى نفسها فلم تتردد في ~~قبول خطبته، وتزوجا. # وجمعت المأساة التي حطمت قلب كل منهما بينهما، وأخذت تضمد جراح هذين القلبين الكسيرين، ~~وتأسو كلومهما، فلما رزقهما الله أول أطفالهما مرت ابتسامة هذا الطفل وبراءته على ما بقي من ~~هذه الكلوم، فاندملت. # وهما الآن يعيشان متمتعين بخير ما يتمتع به الأزواج السعداء! # | وفاء # كانت لخاله بنتان! ربط الحب بينه وبين صغراهما بأوثق رباط، فتعاهدا على أن يتوجا هذا ~~الحب بالزواج، واغتبطت «عزة» بهذا العهد، رغم ما كانت تعلمه من رقة حال ابن عمتها، لأنها ~~كانت تلمح في بريق عينيه ذكاء، وفي نبرة صوته حزما، وفي حلو حديثه سحرا ومنطقا، فكانت ~~تؤمن بأنه سيرتفع إلى مراكز سامية، ويرفعها معه إلى هذه المراكز. # وكان «فريد» من جانبه شديد الثقة بنفسه، وكانت نظرة عزة إليه تضاعف هذه الثقة عنده، ~~وتضاعف من طموحه ليكون أهلا لها، جديرا بها. فلما ms045 بلغت الفتاة الثامنة عشرة من سنها، ~~خاطب زوجة خاله في خطبة «عزة» إلى أبيها فقالت له: لا أحسب خالك يضن عليك بابنته، لكنه لا ~~يرضى أن تحدثه في هذه الخطبة، قبل أن تخطب أختها، فهي أكبر منها، ولا يجوز في عرف الناس أن ~~تخطب الصغرى قبل أختها التي تكبرها! # وقبل فريد هذا الكلام على مضض، وإن طمأنه أن الأم ترحب بزواجه من ابنتها. ففي هذا ~~الترحيب أمارة خير، ولا ضير عليه أن يصبر، وأن يرجو الله أن تخطب الأخت الكبيرة في زمن ~~وجيز! # وتعاقبت الأسابيع والشهور، وفريد في انتظاره على لظى. وإنه لكذلك، إذ علم أن «أسعد بك» ~~ذهب إلى خاله يخطب ابنتيه لولديه! # وكان أسعد بك رجلا وجيها من علية القوم، واسع الثراء، وكان ابناه شابين مهذبين حصلا ~~على مؤهلات علمية أعلى من مؤهلات فريد! # واضطرب فريد إذ بلغه هذا النبأ، وذهب لفوره إلى زوجة خاله، يسألها عن هذه الخطبة ورأي ~~خاله فيها. # قالت الزوجة: أنت تعلم أننا معشر الأمهات قل أن يكون لنا في مثل هذا الأمر رأي، فأما ~~الرأي كله فللآباء، وقد ذكرت لخالك حين أنبأني أمس بحديث أسعد بك كلامك معي منذ أشهر في ~~شأن عزة. فقال: أوتريدين أن تميلي بخت ابنتك لعبارة طارئة كالتي أفضى بها إليك ~~فريد؟ وهل تطمعين في أن يخطب بناتنا خير من أولاد أسعد بك، وهم من هم ثراء وتربية ~~وعلما؟! # وماذا تريدينني أن أقول للرجل؟ أأقول له: إنني أقبل خطبة كبرى البنتين ولا أقبل خطبة ~~أختها؛ لأن عزة تحب ابن عمتها؟ أوتحسبينه يرضى بعد ذلك أن يصاهرنا؟ أم ترينه يحسب ~~أن تربية بناتنا سيئة لأنهما يعرفان الحب؟ وعند ذلك ينصرف عنا، تاركا للناس أن يقولوا فينا ~~ما يشاءون. كلا! لن أقبل هذا الوضع لنفسي ولا لبناتي، وسأزوجهما من هذين الخطيبين الكريمين، ~~فأنا المسئول عنهما وعن مستقبلهما، وأرجو منك ألا تخاطبيني في هذا الأمر مرة أخرى! # وأضافت أم عزة، في لهجة رقيقة تواسي بها فريدا: وأنت يا بني، لا ريب تفرح ms046 لما يناله ~~أختاك من خير، وأنا أعرف لك عروسا أجمل من عزة، ستحبها ساعة تراها، فلا تبتئس، ولا يأخذ ~~الضيق عليك مسالك نفسك! # وانصرف فريد كاسف البال آسفا، وخيل إليه أن باب هذا البيت يوشك أن يوصد دونه، فهو يعلم ~~أن خاله رجل عنيف، وأنه إن خاطبه في أمر عزة، بعد أن خطبها أسعد بك لابنه، رده أقبح رد ~~فأدى ذلك إلى القطيعة بينهما، وقد يؤدي إلى ألا يرى عزة بعد ذلك ما عاش! ~~••• # ودعا الأب ابنتيه، وقبلهما، وبارك لهما على خطبتهما لابني أسعد بك ... أما الكبرى ~~فقبلت أباها كما قبلها، وافتر ثغرها عن ابتسامة المسرة والرضا. فأما عزة، فانهملت ~~من عينيها دمعة حارة لدى سماعها هذا النبأ. وبعد برهة انسحبت من البهو الذي يجلسون فيه إلى ~~غرفتها وأسلمت نفسها للبكاء، وخيل إليها أن أباها يبيعها، كما كانت تباع الإماء في سوق ~~الرقيق، وأن القدر كتب عليها أن تكون بائسة طوال حياتها، لكنها كانت موقنة أنها لن تستطيع ~~لقرار أبيها نقضا، ولن تستطيع عليه ثورة. فأبوها لا يقبل أن تعارضه زوجه، أو تعارضه إحدى ~~ابنتيه، بل يرى في أية معارضة له عقوقا وخروجا على ما أدب أسرته به من أنه السيد المطاع، ~~وأنهن جميعا له تبع! # ودخلت عليها أمها وهي في بكائها وحزنها، وحاولت أن تقنعها بأن أباها أعلى منهن رأيا، ~~وأبعد نظرا، وأنه أحرص على مستقبلهن من أنفسهن، فلا مفر لهن من قبول قضائه بالتسليم ~~والرضا! # ولم تجب عزة بكلمة، ولم تنبس ببنت شفة. فلم يكن في مقدورها أن تتكلم والعبرات تخنقها، ~~والهم قد جفف حلقها وأعجزها عن النطق! # وخرجت أمها بعد زمن حيرى، وكل الذي دار بخاطرها أن حزن ابنتها طارئ لن يلبث عطفها أن ~~يغرقه، ثم تغرقه هدايا خطيبها، ويغرقه بعد ذلك جهازها وفرح زواجها، وانتقالها إلى حياتها ~~الجديدة! # لكن هذا الرجاء الذي خالج نفس الأم، وهون عليها حيرتها، لم يتحقق. فقد تشبث الهم بنفس ~~عزة، وركبها حزن محا عن ثغرها ابتسامته، ولم يخفف منه ما كان ms047 خطيبها يبعث به إليها الحين ~~بعد الحين من نفيس الهدايا. لقد شعرت بأنها كم مهمل، وبأن عواطفها ووجودها وحياتها لا رأي ~~لها فيها، ولا قيمة لها عند أبيها. ورأت إلى ذلك أنها لا تستطيع أن تعترض أو تثور، فاحتقرت ~~الحياة وما فيها، وانصرفت عن كل نعمائها، مكتفية بأن تلوك شجاها وهمها وليلها ونهارها! وأدى ~~ذلك إلى فقد شهيتها للطعام، وإلى ذبول نضارتها، وإلى تسرب المرض إلى نفسها ثم إلى ~~جسمها، من غير أن يشعر بذلك المرض أحد! ~~••• # كانت الأسرة كلها في شغل بالمصاهرة الجديدة، وبالهدايا الثمينة المتعاقبة، وبالحديث عن ~~يوم الزفاف وما يكون فيه، وبهذا الجهاز القيم الذي كان الأب ينفق في اختياره ساعات من كل ~~يوم، ولا يفكر مع ذلك في اصطحاب ابنتيه ليرياه أو يريا منه شيئا. إنه مطمئن إلى حسن ذوقه، ~~ودقيق اختياره، وإلى أنه لا يجوز أن يكون وراء رأيه معقب! # وبدأت علامات المرض تظهر على عزة، فقد بدأ ينتابها سعال خفيف، ظنه أبوها أول الأمر من أثر ~~البرد، فلما طال بها، واستدعى الطبيب لعلاجها، ودقق في فحصها، أسر إلى أبيها أن الأمر ~~أخطر مما يدور بخاطره، وأن فتاته مصدورة، وأن الخير في نقلها إلى مصحة تعنى بها! # ووجم الأب لما سمع، وطال تفكيره فيه، فقد أوشك الجهاز أن يتم، وأسعد بك يطلب ملحا في ~~تحديد يوم الزفاف. فماذا تراه يصنع وعزة مريضة، ولا يمكن أن تزف إلى خطيبها قبل ~~برئها؟ # ولم يجد حلا لهذا الموقف إلا أن يذكر لأسعد بك مرض عزة، وإن لم يذكر له نوع المرض، ووجم ~~أسعد بك طويلا ثم قال: «هذا قضاء الله لا سلطان لنا عليه، والرأي عندي أن نتم زفاف ابنتك ~~الكبرى إلى خطيبها، فهو أكثر إلحاحا من أخيه في الإسراع بالزفاف. فإذا برئت عزة من بعد، ~~زفت هي الأخرى إلى خطيبها!» # واغتبط الأب بهذا الرأي، وتم زفاف كبرى البنتين، وانتقلت إلى بيتها. أما عزة فنقلت بعد ~~أسابيع من فرح أختها إلى مصحة تعالج فيها من مرضها! ~~••• # وكان خطيبها ms048 ، وكان فريد، يترددان عليها في المصحة، يواسيانها، ويسألان عن حالها. وكانت ~~عزة تشعر كلما زارها خطيبها كابوسا يجثم على صدرها يكاد يمزقه! فلم يكن منها غير أنات ~~وسعال يخالط الكلمات القليلة المتقطعة التي تشكره بها على زيارته! فإذا جاء فريد عندها ~~تراءى لها فيض من نور الأمل في الحياة، فابتسمت وتحدثت إليه مغتبطة بزيارته وسألته عن ~~الكثير من أمره! # فإذا تصورت بعد ذلك مجيء خطيبها ذوى في نفسها كل أمل، وخيل إليها أن شبحين أسودين ~~يحيطان بها: شبح الموت عن يسارها، وشبح هذا الخطيب عن يمينها! # وبعد أشهر، رأى الخطيب أثناءها أنها لا تتقدم إلى الشفاء، ذهب إلى طبيب المصحة يسأله ~~رأيه في حالها، ومتى يتم في تقديره شفاؤها؟ وهز الطبيب كتفه وقال: لا أستطيع أن أجيب عن ~~هذا السؤال يا سيدي! فهذه المريضة عصبية الطبع، ولأعصابها تأثير بالغ في صحتها، فأنا أراها ~~أحيانا تتقدم ولو في بطء إلى ناحية الشفاء، ثم أراها فجأة انتكست، حتى أكاد أيأس من ~~شفائها. وقد حاولت أن أستدرجها لأعرف شيئا من قصة حياتها، لعلي أستطيع إن وقفت على سرها أن ~~أنجح في علاجها، فكانت تأبى كل الإباء أن تفضي إلي بشيء. هذا على الرغم من حرصي الشديد ~~على العناية بها، لرقتها وحلو طبعها ودماثة خلقها وسحر حديثها في الساعات التي يبتسم لها ~~الأمل فيها. أما وذلك شأنها فمن العسير علي أن أقول لك شيئا عن سير مرضها، أو مبلغ ~~تقدمها نحو الشفاء والعافية! # وعجب خطيبها لما سمع ... هي إذن تبتسم، لكنه لم ير قط هذه الابتسامة على ثغرها، وهي إذن ~~تتحدث وفي حديثها رقة وحلاوة، لكنه لم يسمع غير كلماتها المتقطعة بين تأوهاتها ونوبات ~~السعال التي تعتريها. والطبيب لا يستطيع أن يذكر شيئا عن شفائها؛ أي إنها إن عاشت، فقد ~~تبقى بالمصحة عاما أو أعواما. أليس خيرا أن يفصم العقدة التي تربطه بها، فتتاح له ~~الفرصة في الزواج من غيرها، وقد يتيح لها ذلك فرصة البرء والعود إلى الحياة من ~~جديد؟! # وتحدث إلى أبيه ms049 وأبيها في الأمر، فلم يجدا ما يعترضان به عليه، وزارها أبوها يوما، وقال ~~لها متكلفا اللطف والرقة: لقد فهمت يا ابنتي أن خطيبك يريد أن يتزوج، ولا أحسبك ترضين ~~أن يخطب غيرك وأنت لا تزالين خطيبته؛ لذا أرى - إن كان مصمما على ~~هذا الأمر - أن نحل خطبتك له، وقد رأيت أن أعرف رأيك قبل ~~أن أصرح لأبيه برأيي! # قالت عزة: «الرأي لك يا أبت، فاصنع ما بدا لك.» ولمح أبوها على وجهها إشراق المسرة وهي ~~تقول هذا الكلام. فلما خرج من عندها، أخذ يسأل نفسه: أفكان قبوله خطبتها على غير رغبتها هو ~~الذي أدى إلى مرضها هذا المرض العضال! وأخذ يحاسب نفسه ويستغفر ربه، ويرجو لها البرء بعد ~~فصم خطبتها حتى لا يعذبه ضميره بقية حياته إن أصابها مكروه! ~~••• # بعد أيام من هذا الحديث، أقبل فريد إلى المصحة، ودخل عند عزة، وعيناه تفيضان سرورا. فلما ~~رأته أيقنت أن خطبتها تم فصمها، فغلبها الفرح الذي غلب محبها، ونطقت بذلك أساريرها. ~~لكنها أرادت أن تداعب فريدا، فقالت: أراك اليوم مسرورا بحل خطبتي شماتة! أوذلك هو الحب ~~الذي كنت تحدثني من قبل عنه؟! # وأخذ فريد حين سمع هذا الكلام، فنظر إليها وكله الإشفاق والمحبة، وقال: أوترضى ~~شفتاك أن تنطقا بمثل هذا الكلام ولو على سبيل الدعابة؟ أنا يا عزة أشمت بك أنت، وأنت حياتي ~~وأعز من حياتي؟! إنما سررت لحل خطبتك لأجدد لك عهدا قطعناه أن يتوج الزواج حبنا، وإنني ~~لعلى ثقة اليوم بأن الشفاء قريب منا، وأن الله أراد أن يبلو حالي بما أصابنا، ليعلم أن للحب ~~قدسية واجبة الاحترام. وهأنذا أقطع لك العهد من جديد، على أن نتزوج، أفتقطعين لي أنت مثل ~~هذا العهد صادقة؟ # وارتبكت الفتاة لما سمعت، وتولتها الحيرة دون الجواب. أفمن حقها أن تقطع مثل هذا العهد، ~~والمرض العضال يعبث بصدرها، وفريد في صحة وفتوة شبابه؟ وبدا عليها من الوجوم ما أدهش ~~فريدا، فقال: ما كنت أحسب عواطفك نحوي تغيرت بهذا القدر، بل حسبتك اغتبطت بحل خطبتك ~~اغتباطي ms050 أنا بذلك، لنعود إلى عهدنا الأول. # ونظرت إليه عزة بعينين ترقرقت فيهما دمعة لم تنحدر، وقالت: أفمن حق مثلي أن يقطع اليوم ~~مثل هذا العهد؟ أنت لا تعلم، وأنا لا أعلم، كم يطول مقامي هنا، وما يكون مصيري بعد هذا ~~المقام، فكيف تطلب إلي أن أقطع عهدا قد أعجز عن الوفاء به؟ ولولا هذا الشعور، لكنت أسرع ~~منك إلى قطع هذا العهد. وكل ما أستطيع أن أقوله: «إنني أحببتك، وإنني أحبك، وإنني سأحبك ما ~~بقيت في هذه الدنيا، وستحبك روحي حتى نلتقي في رحاب الآخرة، وفي رحمة الغفور ~~الرحيم!» # وصاح فريد: «حسبي منك ذلك العهد. والغفور الرحيم رءوف بعباده، وأنا موقن بأنه سيشفيك ~~لي، فيتوج الزواج عهدنا غدا، كما كنا نرجو أن يتوجه بالأمس. لقد عاهدني قلبي يوم ~~خطبتك لابن أسعد بك ألا يحب غيرك، وألا تشركني في حياتي امرأة سواك. وقد وفى قلبي ~~بعهده، وفتح الله أمامنا اليوم صفحة جديدة من صفحات الأمل في دوام الوفاء!» # وانصرف فريد من زيارته سعيدا بها كل السعادة. ولم تلبث عزة حين خرج أن قامت إلى نضد ~~زينتها، ونظرت إلى وجهها في المرآة، فاطمأنت إلى أن المرض لم يعبث بملامحها، وأن نظراتها ~~أشد جاذبية مما كانت. فلما جن الليل، استراحت إلى أحلام لم تعرف مثلها حلاوة منذ أشهر. ~~ودخل الطبيب حجرتها صبح الغد، فألفاها تغني، وألفى خديها قد خالطهما تورد كأنه ~~تورد العافية. ورأى على ثغرها ابتسامة ناضرة، فكأنما عاودتها صحتها كاملة. وسر بذلك ~~وأخذ يحادثها. ولم تستطع هذه المرة أن تكتمه سرها، بل قالت له إن خطبتها حلت، وأشارت ~~في خفر إلى حديث فريد معها أمس! # وخرج الطبيب من عندها يتردد بين الأمل في شفائها واليأس منه، فهو يعلم أن لا شيء أخطر على ~~حياة المصدور من الانفعالات العنيفة، سواء أكان الحزن أم كان السرور مبعثها؟! # وكان الطبيب يرى انفعالها بالسرور يزداد عنفا كلما جاء فريد لزيارتها، وفكر في منعه ~~اتقاء الخطر، ثم لم يفعل مخافة أن يؤدي انقطاعه عنها إلى نكسة ms051 تصيبها، تكون أسوأ في ~~صحتها! # لكن انفعال عزة بالسرور كان يزداد على الأيام عنفا، ذلك أنها لم تكن تفكر في أمر صحتها، ~~بل كان ابتهاجها بالعهد الذي قطعه فريد لها أجل قدرا عندها من شفائها، بل من ~~حياتها. # وأصبحت يوما فإذا صدرها يدفق دما، فيلزمها الطبيب سريرها، ويبالغ في العناية ~~بعلاجها، لكن الأمر كان قد خرج من يده، فلم ينجح العلاج. وفي الغد من ذلك اليوم أسلمت عزة ~~روحها، في حضرة أبيها وأمها، وفي حضرة فريد الذي سبقهما إليها لأول ما بلغه نبأ ما أصابها، ~~وقبل أن يحم قضاء الله فيها! # وقد رأته مقبلا وهي في نزعها، فقالت في صوت لا يكاد يبين: وداعا يا فريد! أنا على ~~عهدي، ولكني أحلك من عهدك لي، فلا عهد على الأحياء للذين يفارقون الحياة! # وبكى فريد لوفاتها أحر بكاء، وسار في جنازتها إلى قبرها، فلما رأى جثمانها ينزل إلى ~~مثواه الأخير، قال والدموع تخنقه: وداعا يا عزة، وأنا على عهدي لك حتى ألقاك! # وأقام فريد سنين متعاقبة، يذهب إلى قبرها صباح الجمعة من كل أسبوع، يضع عليه الورد ~~والريحان، ويتلو عنده الفاتحة. ويعود بعد ذلك إلى بيته، وقد تحطم قلبه، وتحطمت ~~أعصابه. # بعد سنوات، كانت وفاء، قريبة عزة، قد أصابها القدر في أمها ثم أبيها. وكان فريد يعرف هذه ~~الفتاة الرقيقة، وإن لم يكن يزورها أو يتردد على أهلها. وكان يعلم أنها، بموت أبويها، قد ~~أصبحت وحيدة ليس لها من يكفلها من أخ أو قريب. لذلك واساها في مصابها وفاء لعزة ~~قريبتها، وأخذ يتردد عليها، لعله يستطيع أن يؤدي لها أية خدمة تطلبها! # وكانت وفاء محدثة بارعة. وقد أدهش فريدا ما كان من صوتها وصوت عزة من شبه عجيب، ~~حتى لكان يغمض عينيه أحيانا، فيخيل إليه أنه يسمع صوت تلك التي ووريت التراب من سنين. ~~وكان تكوين وفاء كله الإغراء: فقوامها، وصدرها، وخطواتها، وبشرتها، وشعرها المرسل من رأسها ~~إلى قدميها ... كل ذلك كانت تتضوع منه أنوثة شابة تسحر العين، وينشق ريحها الأنف، في ms052 إعجاب ~~يعادل إعجاب الأذن بصوتها، وإعجاب الروح برقتها ... رغم عصبية لا تخلو من عنف، كان فريد ~~يلتمس عذرها في تلك الوحدة التي ضربت نطاقها حول هذه الفتاة البديعة التكوين! # وتوسمت وفاء في هذا الرجل - الذي واساها في مصابها، ثم عكف على زيارتها وخدمتها - ~~طيبة قلب، وسمو نفس، حبباه إليها، وجعلاها تشعر بالسعادة كلما رأته مقبلا ~~لزيارتها. وسألت نفسها يوما: «ترى لو أنه خطبني ليتزوجني، وبيني وبينه من فارق السن ما ~~بيننا، أتراني أسعد بخطبته؟» # وكان الجواب الذي سمعته أذناها ردا على سؤالها: «وهل يمنعه فارق السن من أن ~~يؤنس وحدتك ما عاش؟ إنه يتخطى الشباب إلى الكهولة، لكنك تعيشين الآن وكأنك في صومعة أو ~~في دير. فإذا تزوجك خرجت إلى الدنيا ونعمت بالحياة.» # وتردد هذا الخاطر في نفسها غير مرة، فتمنت لو أنه خطبها. وهي لم تكن تستطيع مفاتحته في ~~الأمر وإن كانت تتمناه. وكانت تظن فريدا لا يأبى التزوج منها إذا نبه إلى خطبتها. فهو ~~يعيش مثلها وحيدا لا مؤنس له. ترى لو أنها ذكرت ما يدور بخاطرها لأحد معارفها، وطلبت ~~إليها أن تحدث فريدا فيه فما عسى أن يكون جوابه؟ # وخاطبت وفاء سيدة تعرفها وتعرف فريدا فيما دار بخاطرها، ولقيت السيدة فريدا وقالت له: ~~إنك رجل تتخطى الشباب الآن إلى الكهولة، وأنت تتردد على وفاء ترددا أثار لغط الناس، رغم ~~اطمئنانهم إلى رجحان عقلك، وحسن سيرتك. وهي شابة رقيقة مهذبة، وأحسبها تغتبط بزيارتك إياها. ~~أفلا ترى أن تقطع الألسن عنك وعنها، بأن تخطبها إلى نفسها، فلا تجد هذه الألسن ما تتقول به ~~عليك وعليها؟ وأكبر ظني أنها ترحب بك زوجا لها. فإن شئت حدثتها ونقلت إليك ~~جوابها. # وجم فريد لما سمع، فلم يدر بخاطره قط أن يتزوج وفاء وبينهما فارق السن ما بينهما، ~~وهو بعد قد جاوز سن الزواج ولا يفكر فيه. وبعد برهة قال ولا تزال الحيرة تعلو وجهه: ~~أنا أخطب وفاء؟! أترينني يا سيدتي كفؤا لها، أو قديرا وأنا في هذه السن على إسعادها؟ إن ~~لها ms053 من الاحترام في قلبي، ومن المكانة في نفسي، ما أخشى أن تجني عليه رابطة الزواج. هي مني ~~بمثابة الأخت الكريمة وأنا لذلك في خدمتها. أما أن أتزوجها فذلك ما لم يرد إلى خاطري، وما ~~لم أفكر فيه! # وأجابت السيدة: «ليست وفاء بالطفلة الغريرة التي لا تعرف ما تريد، فإن هي وافقت على ~~الزواج منك، لم يكن لوساوسك موضع، وأكبر ظني أن يسعد الله كلا منكما بصاحبه، وفارق ~~السن بينكما لا يحول دون سعادتكما زوجين كريمين عزيزين. أما ولم تفكر أنت في الأمر من قبل، ~~فإني أدعك الآن لأعود إليك بعد غد فأسمع كلمتك، وأرجو الله أن يكلل مسعاي ~~بالنجاح!» # وغادرت السيدة فريدا وتركته لنفسه. وأخذ هو يفكر في هذا الأمر، الذي لم يفكر في مثله، ~~منذ اختارت عزة جوار ربها، وحين عاهد جثمانها ساعة نزلت إلى قبرها أن يظل على عهده ~~لها حتى يلقاها، ولم يمنعه هذا العهد من التفكير فيما حدثته السيدة عنه من أمر وفاء ~~وخطبتها، وكأنما تنسي السنون العهود، إذا لم يذكر بها من قطعت لهم، حتى لا يبتلعها ~~النسيان في لجته! # وفيما هو يفكر، ارتسمت وفاء أمام بصره وبصيرته، وداعب صوتها سمعه، وبدت وكلها الإغراء ~~الذي لا يقاوم. فلما أرخى الليل سدوله، قضى فريد ليلة نابغية، ساورت غفواته في أثنائها ~~أحلام مضطربة، كان يبدو خلالها أحيانا قبر عزة، ثم تبدو خلالها وفاء، في رقتها وإغرائها. ~~وفي واحد من هذه الأحايين، اختلط عليه الأمر، فبدا لوهمه قبر عزة وقد نقشت عليه كلمة ~~«وفاء». فلما أصبح وكان ذلك يوم جمعة، مر ببائع الأزهار فابتاع منه وردا وريحانا، ذهب ~~بهما إلى المقابر، فوضعهما على قبر عزة، وقرأ الفاتحة عنده. # وفيما هو يتأهب للخروج، وكأنما يودع القبر الوداع الأخير، سمع القارئ يتلو: # وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا ~~. عند ~~ذلك ارتد إلى ناحية القبر وهو يقول: «صدق الله العظيم ... لقد عاهدتك يا عزة، ولن أنكث العهد، ~~ولن أخونك من أجل وفاء!» # ومرت السيدة الغداة لتسمع جوابه عما اقترحت عليه، فقال ms054 لها: إن الرجل الجدير بأن يتزوج ~~وفاء لم يخلق بعد! # وبعد الظهر من ذلك اليوم، ذهب فريد إلى دار وفاء، وقال لها: إني مسافر سفرا أخشى أن ~~يطول، وقد جئت أستودعك الله، فوداعا! # وودعته وانصرف عنها، ومن يومئذ انقطع عن زيارتها! # تركت قصة فريد هذه مع وفاء أثرا أقنع الرجل بأن صحبة الناس وصحبة النساء خاصة لا تخلو من ~~خطر، وأن الوحدة عبادة حقا. فاختار سكنا على حافة الصحراء به حديقة، واتخذ من الدواجن، ~~ومن الحيوانات الصغيرة الأليفة أصدقاء عمروا هذه الحديقة، واستمتعوا بكل عواطفه ورعايته. ~~واختار لخدمته وخدمة دواجنه وحيواناته طاهية متقدمة في السن، لها ابنة لم تبلغ العاشرة من ~~سنها. وتوثقت الصلة بينه وبين هذه الدواجن والحيوانات الأليفة، واعتبر البنت واحدة منها، ~~فأسبغ عليها من العطف ما كان يسبغه على زميلاتها العجماوات! # وانقضت سنوات أخرى وهو سعيد بوحدته وحيواناته، وإنه لفي منزله يوما، إذ نعى الناعي ~~«وفاء» إليه، وأنها ستدفن بعد ظهر ذلك اليوم عذراء بتولا. وسار في جنازتها، فلما بلغ ~~المقابر، وجد عند قبرها سيدة واحدة تودع المتوفاة الوداع الأخير، تلك هي السيدة التي خاطبته ~~يوما في التزوج من وفاء، فلما ذهب نحوها يحمل إليها عزاءه، نظرت إليه في عتاب، وقالت: إن ~~المرأة الجديرة بأن تتزوج فريدا لم تخلق بعد! # وأجابها فريد: بل خلقت واختارها الله إلى جواره من زمن طويل. # رحم الله عزة، ويرحم الله وفاء! # | شاهد الملك # كانت المحكمة العسكرية البريطانية تعقد جلساتها لمحاكمة الذين اعتدوا على القوات ~~البريطانية المسلحة في أثناء الثورة المصرية في سنة 1919. وكانت بعض الاعتداءات شديدة إلى ~~حد أثار نفوس البريطانيين، وجعلهم يرون قمعها بغاية الشدة. فقد قتل من الضباط والجنود ~~البريطانيين عدة أفراد، ومثل ببعضهم. وقد بلغ في بعض الأحايين حدا لم تحتمله دولتهم، ~~ولم يحتمله زملاؤهم من رجال الجيش، ولهذا اتجه التفكير إلى توقيع عقوبات صارمة، لا تحقيقا ~~للعدالة وكفى، بل ردعا كذلك لكل من تحدثه نفسه بارتكاب مثل هذه الحوادث. # وكان نظام «شاهد الملك» متبعا أمام المحاكم العسكرية ms055 البريطانية. وشاهد الملك هو ~~الشريك في الحوادث، الذي يتبرع بالشهادة على كل من اشتركوا معه فيها، أو يسهل للقضاء ~~العسكري الوقوف على الحقيقة كاملة في أمرها. # وكان شاهد الملك يعفى من كل عقاب، بل كان لا يقدم للمحاكمة. وذلك خلافا للمبادئ ~~المقررة أمام القضاء المصري، والقضاء الفرنسي، من أن اعتراف متهم على متهم لا يؤخذ به إلا ~~إذا أيدته أدلة وقرائن أخرى تقنع القاضي بصحة هذا الاعتراف. # وكان الناس يتطلعون مشفقين إلى القضية التي يجري تحقيقها، والتي قبض فيها على أكثر من ~~ثلاثين بتهمة الاعتداء على القوات البريطانية، اعتداء أدى إلى قتل بعض أفرادها، والتمثيل ~~ببعض من قتلوا. وكان بين المقبوض عليهم جماعة من الأعيان، وآخرون من المثقفين الحاصلين على ~~شهادات عليا، من مصر ومن أوروبا، ومن إنجلترا نفسها. وكان أكبر ما يرجوه المشفقون ألا ~~يكون في هذه القضية شاهد ملك، وألا يعترف أحد من المقبوض عليهم فيها، فلم يكن متوقعا أن ~~يتبرع أحد غير المقبوض عليهم بالشهادة؛ لأن الناس كانوا إذ ذاك يؤمنون بأن هذه الحوادث لم ~~يدفع إليها دافع إجرامي، وأنها نوع من الحرب بين دولتين، تريد إحداهما تحقيق استقلالها وقد ~~اعتدت عليه الأخرى. ولا عقاب على ما يقع في الحرب من مثل هذه الحوادث. # وكان بين المقبوض عليهم في القضية، رجل من الأثرياء ذوي الوجاهة، اتهم بالتحريض على ~~قتل من قتلوا. فلما دخل السجن مع رفاقه، دخله رافعا رأسه، فخورا بأنه اشترك في عمل ~~مجيد، لحرية وطنه واستقلاله. ولم يدر بخاطر أحد من الذين اعتقلوا معه، ولا من غيرهم، ~~أنه عرضة للضعف أو التخاذل؛ فثروته الطائلة تسمح له بأن يوكل عنه أقدر المحامين، وأن ~~يوكل محاميا إنجليزيا كبيرا، يحضر من لندن خصيصا للدفاع عنه. فلما وضع بالسجن ~~الانفرادي، في إحدى الزنازين، وقضى به أياما، لا يسأله أحد عن التهمة الموجهة إليه، ~~بدأت الحيرة تدب إلى نفسه، وبخاصة لأنه كان يرى في بعض الأحايين جماعة من المفتشين ~~الإنجليز - مفتشي الداخلية، ومفتشي النيابات - يمرون بالسجن، وينظرون إليه وإلى زملائه ms056 نظرة ~~حقد وكراهية! # وكان يخشى في كل ساعة أن يدخل عليه في زنزانته من يسأله ويحرجه، ولم يخطئ حدسه؛ فقد دخل ~~عليه يوما مفتش إنجليزي يعرفه، ويتكلم العربية، وخاطبه باسمه، وقال له: أتعلم أن بعض ~~الشهود قرروا أنك حرضت على قتل الجنود البريطانيين؟ # وجمع الرجل كل شجاعته حين سمع هذا الكلام، وقال: ما أظن أن أحدا يوجه إلي مثل هذه ~~التهمة الكاذبة، فأنا لا أعلم عن هذه القضية شيئا قط، وليس لي أعداء يريدون لي السوء ~~فيلفقون ضدي وقائع لا أصل لها، بعد أن أقسموا اليمين على أن يقولوا الحق. # وتركه المفتش الإنجليزي، وانصرف ولم يناقشه في شيء. فلما انفرد الرجل بعد ذلك في زنزانته ~~وأقفل عليه بابها، بدأ يضطرب، وأخذ يسأل نفسه: من هم أولئك الشهود الذين أدلوا بشهادتهم ~~ضدي؟! ثم خشي أن يكون المفتش قد أراد استدراجه لعله يعترف بشيء، وظل في هذا الاضطراب طول ~~ليله، يذكر أحيانا ما أصدرته المحاكم العسكرية البريطانية من أحكام بالإعدام، أو بالأشغال ~~الشاقة المؤبدة، وكيف نفذت هذه الأحكام لفورها؟! # ترى لو صح ما يقوله المفتش الإنجليزي، وكان بعضهم قد شهد ضده، فأي عقوبة توقع عليه: ~~الإعدام، أم الأشغال الشاقة؟ # واقشعر جسمه، وجعل يتصور نفسه معلقا في حبل المشنقة، أو راسفا في الأغلال، يجره قيد ~~الحديد في رجليه، والسجان من ورائه يدفعه ليقطع الحجر. واستعاد أمام ذاكرته ما حدث منه، ~~فتصور أن حماسته لحرية وطنه قد كانت حماسة حمقاء، وأن ما كان يدبره مع بعضهم لارتكاب هذه ~~الجرائم، التي ذهب بعض الضباط الإنجليز ضحيتها، ليس من شأنه أن يؤدي إلى استقلال كما كانوا ~~يظنون، وأنهم إنما ألقوا بأنفسهم إلى التهلكة جريا وراء خيالات لا تتحقق ... ترى: أيستطيع ~~المحامون ببلاغتهم إنقاذه؟ لو أن ذلك كان في الإمكان، لأنفق فيه كل ماله. فهو الذي كسب بجده ~~معظم هذا المال، وهو قدير على أن يكسب مثله إذا كفلت له الحياة من جديد ... وهل تراه إذا دافع ~~عنه أكبر محام إنجليزي في العاصمة البريطانية، أكفل ببراءته، أو ms057 بحكم مخفف ينجيه من الموت، ~~ومن عذاب الأشغال الشاقة؟ # لكن هذه أمان قل أن تصدق، فقد ترافع محام إنجليزي كبير، جاء خصيصا من لندن، فلم ~~ينج ذلك موكله من الحكم عليه بأشد العقوبة ... أوليس الأفضل أن يعترف بإجرامه، وأن يطلب ~~من المحكمة الرأفة؟ فهؤلاء الضباط الإنجليز، الذين تتألف منهم المحكمة، يقدرون ذلك، ~~ويدخلونه في حسابهم حين يحكمون ... وهب المحكمة سألته عن شركائه، فماذا يقول؟ أيعترف ~~عليهم فيعتبره الناس نذلا خائنا حقيرا فاقد المروءة، فيحتقرونه ولا يضع أحد منهم يده في ~~يده ما عاش؟! # لكن المروءة والكرامة والشهامة، واحترام الناس ... لها قيمتها عند الأحياء فيما بينهم، فأما ~~المعرض للشنق أو الأشغال الشاقة فلا ينبغي أن يكون لهذه الاعتبارات قيمة عنده. فأين ~~مروءته، وأين احترام الناس إياه يوم يشنق؟! وأين شهامته، وأين كرامته، حين يضربه السجان ~~الغليظ القاسي ليقطع الحجر، فلا يستطيع أن ينظر إليه معاتبا، أو لائما، مخافة ما هو ~~شر من الضرب ... مخافة الإذلال والازدراء؟! # وجعلت هذه التصورات المتناقضة تعبث بالثري الوجيه أياما وليالي، وهو منفرد في ~~زنزانته، لا يستطيع أن يقضي بشيء منها لأحد. وبعد أسبوع أو نحوه من عبثها به، مر به ~~المفتش الإنجليزي الذي يعرفه، فلما رآه الرجل خيل إليه أنه ملاك بعثته السماء لإنقاذه. ~~ولم يطل بين الرجلين الحديث؛ إذ قال الثري الوجيه لزائره: وماذا فعل شاهد الملك في القضية ~~المنظورة الآن بالقاهرة؟ # وأجابه المفتش الإنجليزي، وعلى شفتيه ابتسامة صفراء: «إنه يتمتع بحريته كاملة، فقد نقل ~~أول أمره من السجن إلى المستشفى، ثم لم يقدم للمحاكمة، وعين له بعد انتهاء القضية ~~حارسان يتبعانه كأنهما ظله، احتياطا له من أن يعتدي عليه أحد.» # وسكت الثري الوجيه طويلا ثم قال: «هل أستطيع أنا كذلك أن أكون شاهد ملك؟» # وأجابه المفتش الإنجليزي: «ذلك يتعلق بقيمة المعلومات التي تدلي بها، فإن كشفت للمحققين ~~عن الحقيقة الكاملة، ودلتهم على الذين ارتكبوا هذه الجرائم، كنت شاهد ملك. أما إن لم ~~تكشف شهادتك عن الحقيقة كاملة، فقد تؤدي إلى تشديد العقوبة عليك!» # وانصرف ms058 المفتش الإنجليزي، مطمئنا إلى أن صاحبه هذا يوشك أن تنهار أعصابه، فلا يخفي على ~~المحققين ولا على المحكمة شيئا. # وصدق ظنه، فقد انهارت أعصاب هذا الثري الوجيه، ولم يبق أمامه شيء يفكر فيه إلا أن ~~ينجو برقبته من حبل المشنقة، أو ينجو من عذاب الأشغال الشاقة. فلما كان الغد، توسل إلى ~~سجانه، ودفع إليه ورقة، طلب إليه أن يوصلها إلى المفتش الإنجليزي الذي زاره أمس. # ولم يكن في الورقة أكثر من أنه يريد هذا المفتش، فلما جاء إليه قال له: أريد أن أكون شاهد ~~ملك، وأن أعترف بكل شيء! # وسرعان ما صدر الأمر بنقله من زنزانته إلى مستشفى السجن. وفي اليوم نفسه، بدأ المحققون ~~يسألونه، فاعترف بكل شيء على نفسه، وعلى زملائه، وأفضى بالتفاصيل كلها. وكان المفتش ~~الإنجليزي حاضرا هذا التحقيق، وكان ثغره يفتر عن ابتسامة الرضا كلما رأى الرجل يمعن ~~في اعترافاته، ويدلي من التفاصيل بما لم يذكره أحد غيره من قبل! # ولما أتم المحقق استجواب الرجل، وآن له أن يغادر غرفة التحقيق، هز المفتش يده وقال: ~~أهنئك، فستكون بهذه الاعترافات «شاهد ملك». # وصدق المفتش، فبعد أن قدمت القضية للمحكمة، وأعلن المتهمون فيها، لم يكن بينهم الثري ~~الوجيه، بل أعلن «شاهد ملك» ثم بقي في مستشفى السجن حتى لا يتصل به أحد! # ونظرت القضية، وكان الثري الوجيه «شاهد ملك» شاهدها الأول، وشاهدها الرئيسي. أما ~~المتهمون جميعا فقد أنكروا ما نسب إليهم، وذكر غير واحد أن بينه وبين شاهد الملك ~~ضغائن قديمة، استشهد عليها بمن أيدوها. وترافع المحامون بعد أن ناقشوا الشهود مناقشة دقيقة، ~~ثم حكمت المحكمة على بعض المتهمين بالإعدام، وعلى بعضهم بالأشغال الشاقة. # وأخلي سبيل من برأتهما المحكمة، كما أخلي سبيل شاهد الملك، وعين له حارسان ~~يتبعانه كظله حتى لا يعتدي عليه أحد! # وسأل بعضهم شاهد الملك يوما عما دفعه إلى ما صنع، فكان جوابه: لأتخلص من الذين ينافسونني ~~في الوجاهة. # احتفل الناس بمن برأتهما المحكمة، احتفالهم بأبطال منتصرين عائدين من ميدان ~~الشرف، دعاهما أهلهما وأصدقاؤهما إلى ولائم ms059 أقيمت في قريتهما، وفي القرى المجاورة لها، ~~واشترك فيها من المحتفلين عدد عظيم. لقد كانا قاب قوسين أو أدنى من الموت فأنجاهما الله، ~~وكان كثيرون يؤمنون بأن لهما في الحوادث التي وقعت ضلعا، وأنهما أقدما على ما أقدما ~~عليه، من أجل وطنهما وحريته، لا يبغيان جزاء ولا شكورا، ولا يطمعان في ثروة، ولا في جاه ~~أو منصب، فهما من الفلاحين أصحاب الجلابيب الزرقاء، وهما من الفقراء الذين يعيشون من ~~كدحهم وعرق جبينهم! # أما الثري الوجيه شاهد الملك، فذهب إلى بلدته يتبعه حارساه. ذهب إليها بليل، في موعد ~~لم يعرفه أحد، فلما دخل على أهله، تلقوه في صمت، وفهم منهم أن أكبر رجائهم أن يسدل ~~النسيان ستارا كثيفا على ما فعل، فالناس كلهم له منكرون، وكلهم يعتبرونه القاتل لمن ~~حكم عليهم بالإعدام، والآثم في حق من حكم عليهم بأحكام أخرى! # وعرف الناس بعد ثلاثة أيام من صدور الأحكام، أن المحكوم عليهم بالأشغال الشاقة رحلوا إلى ~~الليمان، وأن المحكوم عليهم بالإعدام شنقوا. ولم يرتفع في القرى ولا في المدن التي منها ~~هؤلاء المحكوم عليهم، صوت بالبكاء على من شنق، أو بالحسرة على من أرسل إلى الليمان. بل ~~خيمت على البلاد كلها سحابة داكنة من الكآبة، ثم أمسك الناس عن الكلام في هذه القضية ~~وما صدر من الأحكام فيها. # وأيقن الثري الوجيه أن أرواح المشنوقين لم تذهب هدرا، وأن حارسيه لن يغنيا عنه شيئا، ~~إذا لم يتخذ لنفسه من الحيطة ما يحفظ حياته، فقد رأى الناس ألا يمد إليه أحد منهم يده، ولا ~~يحييه أحد منهم بأحسن من تحيته، ولا بمثلها. ورأى كثيرين من العمال الذين كانوا يعملون في ~~مزارعه قد انتقلوا إلى مزارع غيره، ورأى في عيون الناس إذ ينظرون إليه حقدا وبغضاء، إن ~~يكونا صامتين، فهما لذلك أشد تفكيرا في الثأر والانتقام. والثأر في هذه البلاد التي يعيش ~~الرجل فيها عقيدة مقدسة، لا يفهم أهلها عدالة القضاء، ولا تطمئن نفوسهم إلا إذا أخذوا ~~بثأرهم، ممن اعتدى عليهم! # والثري الوجيه أحد هؤلاء ms060 الناس، ومن أعرفهم بدخيلة نفوسهم، فلا بد أن يكون منهم على حذر، ~~ولا بد أن يحتاط لنفسه أشد الاحتياط، فلن يكون عجبا أن يكون في غرفة نومه فيترصده من بعيد ~~من يطلق عليه الأعيرة النارية فيرديه قتيلا، ويومئذ لا ينفعه المال الذي كنزه من ~~الربا وغير الربا، ولو أن ذلك حدث لكان شرا من حكم المحكمة العسكرية عليه بالإعدام؛ لأنه ~~يكون ثأرا لما اعتبره الناس خيانة منه ونذالة! # لهذا، أقام حول بيته، من جهاته الأربع، سورا رفيعا منيعا، ليس فيه نافذة واحدة ~~... وبذلك اطمأن إلى حياته ليله، واطمأن بحارسيه إلى حياته ~~نهاره، فهما مسلحان، والناس يعرفون ذلك عنهما، فلن يجرؤ أحد على الاعتداء وهما من حوله. ~~ومن يوم طمأنينته إلى سور داره، جعل يدخل بيته قبل مغيب الشمس من كل يوم، ولا يبرحه إلا بعد ~~مطلعها، مقتنعا بأن الزمن سينسي الكثيرين ما فعل، وأن الذين هجروا مزارعه من العمال ~~والمستأجرين سيعودون إليها، فلا يبقى له خصم إلا أهل من حكمت المحكمة العسكرية البريطانية ~~عليهم بالعقوبة! # وكان الحارسان يبيتان في البيت معه، فقد أعد لهما حجرة بالطابق الأول، وإلى جوار مدخل ~~البيت، مطمئنا إلى أن باب السور المنيع حصين لا يستطيع أحد فتحه إذا أقفل، وإلى أن ~~وجود الحارسين داخل البيت أدعى إلى طمأنينة أهله جميعا. وقد أثث حجرة الحارسين أثاثا ~~حسنا، وعني بهما أكبر العناية، أوصى خادمه الخاص بهما خيرا، يريد بذلك كله أن يحتاط حتى ~~لا يصرفهما أهل القرية عن شدة العناية بحراسته! # وتعاقبت الشهور ثم أقبل شهر رمضان، ومن عادة الناس في هذه القرى أن يمدوا أمام دورهم ~~موائد، كل على حسب قدرته، حتى إذا مر بهم صائم ساعة المغيب، مال إليهم وتناول إفطاره ~~معهم، سواء أكانوا يعرفونه أم لا يعرفونه! # ورأى الرجل بعد أن أقام السور حول بيته أن تكون مائدته داخل السور، وإن أيقن أن أحدا من ~~الناس لن يجلس إلى مائدته أو يتناول طعامه، سواء في ذلك أبناء قريته وأبناء غيرها من القرى ~~المجاورة. وقد ms061 كان يجلس بعد العصر خارج السور على «مصطبة» بناها لهذا الغرض، فإذا جاءه موعد ~~الإفطار، دخل داره ليتناول الطعام مع حارسيه المسلحين. # وإنه لجالس يوما قبيل الغروب على «مصطبته» إذ مر به رجل من معارفه، وجلس إلى جانبه ~~يحدثه، فلما دنت ساعة الغروب، دخل الحارسان إلى الدار، يستعدان لتناول طعامهما، ~~وينتظران الثري الوجيه ليتناول الطعام معهما. ودعا الثري «شاهد الملك» محدثه ليتناول معه، ~~فاعتذر بأن قوما ينتظرونه في بيته، وأنه حريص مع ذلك على أن يتم الحديث الذي بدأه، وكل ~~الذي يطلبه أن يأمر الثري خادمه ليجيء بالماء وببعض بلحات «يفك بها صيامه». # ولم يجد الثري بدا من أن يفعل، فدعا خادمه فجاء بالماء والبلح، ودخل ينتظر أذان المغرب ~~ليفطر هو الآخر. وفي هذه الساعة التي تسبق المغيب من رمضان، كان فلاحو القرية يعودون ~~زرافات من الحقول ومعهم ماشيتهم، وهم في هرج ومرج، وكل يريد أن يبلغ داره قبل الأذان. ~~وإنهم لكذلك إذ اندفع من بينهم أربعة ملثمون إلى ناحية الثري الوجيه شاهد الملك، وهو ~~جالس إلى جانب صاحبه يحدثه: فأفرغوا فيه أعيرتهم النارية، فأردوه قتيلا! # وخشي حارساه إن هما خرجا أن يصيبهما ما أصابه على غير جدوى، فبقيا حول المائدة، وكأنهما ~~لم يسمعا شيئا، ولم يريا أحدا! # وفي ساعة الأذان، انتشر النبأ في القرية، فإذا الزغاريد تنطلق من كل جوانبها، ثم إذا ~~بامرأة تهجم على جثة القتيل تعضها بأسنانها ولا يمنعها أحد. تلك زوج أحد الذين حكم عليهم ~~بالإعدام وشنقوا. وشفت المرأة غليلها، ورجعت إلى دارها، وكأن لم يرها أحد، وكأنما احتفظت ~~بتقاليد أسرتها وتقاليد القرية، فلم تخرج من دارها وكأن حادثا لم يقع، وكأن قتيلا لم ~~ترو دماؤه الأرض! # وفي منتصف، الليل، وبعد الحادث بساعات معدودة، تولت النيابة تحقيقه. # وفي البكرة من صبح الغد، جاء المفتش الإنجليزي، الذي زار الثري الوجيه في السجن، فأدت ~~زيارته بالرجل إلى أن يكون شاهد ملك، جاء يحضر التحقيق، ويبدي من العناية بوصوله إلى نتيجة ~~ما يدل على أن البريطانيين لا ينسون من ms062 يخدمونهم. لكن أهل القرية كلهم، كانوا - على لسان ~~رجل واحد - يقررون أنهم لا يعرفون عن هذا الحادث شيئا، ولا يعرفون كيف وقع! # وسئل الحارسان، فقررا أنهما كانا في حجرتهما داخل الدار، اقتناعا منهما بأن الثري ~~الوجيه لا يبقى خارجها في مثل هذه الساعة، وأنهما خرجا حين سمعا إطلاق الأعيرة النارية، فلم ~~يريا غير الماشية، ومن ورائها أصحابها في عودتهم إلى مساكنهم، وأنهما سألا الفلاحين ~~العائدين من عملهم، فذكروا أنهم لا يعرفون الفاعلين، لأنهم كانوا ملثمين، ولأنهم ~~فروا وأسلحتهم في أيديهم، فلم يكن في مقدور أحد أن يتعقبهم فيفقد حياته! # واستمر التحقيق أسابيع، وأوقف عمدة البلدة، لاقتناع المحقق بأنه يعرف الفاعلين، لكن ~~المحقق كان يعلم كذلك أن هذا الإيقاف لن يؤدي إلى نتيجة. فلو أن العمدة أرشد إلى أحد، ~~لتعرض لما تعرض له الثري الوجيه شاهد الملك، ولكان مصيره المحتوم أن يلحق به، ~~وكذلك انتهى التحقيق إلى غير نتيجة! # وشعر أبناء شاهد الملك وأهله بأن الناس ينظرون إليهم شذرا، ويصمونهم بما كانوا يصمون به ~~أباهم ... بأنهم خانوا وطنهم، وخانوا أبناء بلدتهم، ومديريتهم، وشعروا لذلك بأنهم سيجدون غاية ~~المشقة في أن يتعاملوا مع هؤلاء الناس، فرأوا الانتقال من المديرية كلها إلى مديرية غيرها، ~~مطمئنين إلى أن ما ورثوه يكفل لهم العيش الحر، في بيئة لا تنظر إليهم بعين العداوة التي ~~ينظر بها إليهم أهل القرية التي ولدوا وولد آباؤهم بها، وعاشوا وعاش آباؤهم ~~فيها! # وأشار عليهم أحد معارفهم بأن الخير في أن يتركوا المديريات كلها إلى العاصمة، فالمدن ~~الكبيرة كالبحر الزاخر لا يعرف بعض أهلها بعضا، إلا أن تكون بينهم معاملة، ولا يعرف بعضهم ~~بعضا إلا في حدود هذه المعاملة! # واطمأن أهل شاهد الملك إلى هذه المشورة، وانتقلوا إلى العاصمة، فلما استقر مقامهم، ~~فكروا في أن يبيعوا أملاكهم بالقرية التي نزحوا منها، وأن يقطعوا كل صلتهم بها. ولم يكن ~~بيع هذه الأملاك يسيرا، فقد تظاهر أهل القرية بمقاطعة هؤلاء الذين ورثوا شاهد الملك، حتى ~~اضطروهم إلى التسامح في البيع، والنزول عما يكاد ms063 يعدل ربع الثمن. هنالك ابتاعوا الأرض وما ~~عليها، واتجه المهاجرون من أصحابها، بعد أن قبضوا ثمنها، إلى ناحية أخرى من نواحي الكسب في ~~العاصمة! # والآن وقد انقضى على هذه القضية ما يزيد على خمس وثلاثين سنة، فقد تناسى أهل القرية حديث ~~شاهد الملك؛ لأنهم اعتبروا هذا الحديث وصمة عار لقريتهم، فلم يعد أحد يذكره! # وابتلعت العاصمة العظيمة هذه الأسرة في لجتها، وأبدل أفرادها أسماءهم حتى لا يعيرهم ~~أحد بأن أباهم كان شاهد ملك أمام محكمة أجنبية، وفي قضية كان الجناة مدفوعين فيها بعاطفة ~~سامية وطنية! # قص علي هذا القصص صديق كريم، كان حاضرا لتلك المحاكمة، وهو لا يزال يذكرها، وفي ~~نبرات صوته أسى على الذين أعدموا بشهادة الثري الوجيه شاهد الملك، وإن كان يرى أن ما ~~أصابه وأصاب أبناءه، كان من عدل الله! # | لله في خلقه شئون # كان الدكتور مروزق جراحا ماهرا، ولم يكن ذلك عجبا. وقد كان واسع الاطلاع على كل ما ~~يظهر في فنه، حريصا حين اصطيافه في أوروبا على أن يحضر «عمليات» كبار الجراحين فيها، برغم ~~أنه قضى في مهنته أكثر من عشر سنوات، بعد أن حصل على درجة الزمالة من كلية الجراحين الملكية ~~بإنجلترا. # وبلغ من نجاحه أن استأجر مستشفى خاصا، جهزه بأحدث المعدات، وهيأ فيه لمرضاه أدق ~~العناية، وجعل منه مستشفى نموذجيا، وإن لم يكن مستشفى كبيرا. # وكان ارتياد الحفلات الخيرية بعض هوايته في أوقات فراغه، فإذا ذهب إلى حفلة منها أنفق في ~~ابتياع الأزهار التي تقدمها بعض الفتيات، والمعروضات التي تقف عندها بعض الشابات، قدرا ~~غير قليل من ماله. واستبدت به هذه الهواية حين بدأ يفكر في الزواج، فهو يعلم أن كثيرا من ~~بنات البيوتات الكريمة، يتبرعن ببيع الأزهار أو المعروضات، وأن اختيار إحداهن يجعل الزواج ~~منها عن بينة؛ إذ يتيح له فرصة محادثتها، والتعرف إليها، ومعرفة ذوقها ومزاجها. وهو مع ذلك ~~لم يكن متعجلا، لأنه كان حريصا على أن تطمئن له الفتاة التي يختارها، حرصه على اطمئنانه ~~إليها. # وفي حفلة من هذه الحفلات ms064 ، وقف عند شابة تعرض أعمال الجمعية التي أقامت الحفل، وأخذ ~~يقلب ما تعرض، ويتحدث إليها. # وقد علم أنها ابنة طبيب للأمراض الباطنية، توفي منذ سنين، وأنها تعيش مع أمها وأخيها الذي ~~يكبرها سنوات قليلة. # وقد أعجبه حديثها، وأعجبته رزانتها، وثقافتها، وإتقانها اللغتين الفرنسية والإنجليزية. ~~كما أعجبه منها أنها فارعة القوام، يبدو في نظراتها الحزم، وصلابة الرأي، مع حلاوة في ~~الابتسام، تخفف من شدة هذه الصلابة وهذا الحزم. # وعاد الدكتور مرزوق في الغداة إلى هذه الحفلة، ووقف يحادث الشابة يريد أن يقف على اتجاه ~~تفكيرها وميولها، حتى يحكم فيما بينه وبين نفسه: أتصلح له ويصلح هو زوجا لها؟ ولم تفطن ~~الفتاة بطبيعة الحال إلى شيء من هذا، ولذلك كانت تحدثه على سجيتها في غير احتياط ولا حذر. ~~وكان هو يسترسل في الحديث معها، ثم يقلب بين حين وحين ما تعرضه، حتى لا يلحظ أحد طول حديثه ~~معها. # وكانت «سوسن» في الثامنة عشرة من سنها، وإن بدا عليها - لوفاء جسمها - أنها تخطت العشرين. ~~وكانت لذلك تخاطب الدكتور مرزوق وكأنها تخاطب أباها، فلا يدور قط بخاطرها أنه يفكر في ~~خطبتها أو التزوج منها. أليس يذكر أن أباها كان صديقه، ويبدو على ملامحه أنه في سن كسن ~~أبيها يوم توفي من سنين وهو في عنفوان فتوته؟ لذلك كانت تطيل الحديث، وتبتسم في براءة كأنها ~~براءة الطفولة. وكانت تغتبط حين يبتاع محدثها شيئا من المعروضات التي عهد إليها في ~~تصريفها، اقتناعا منها بأن ذلك يزيدها قدرا في نظر رئيسة الجمعية، صاحبة الحفلة. # واغتبط الدكتور مرزوق بما بدا من عدم تحفظ محدثته، كما اغتبط بتربيتها وثقافتها، وخيل ~~إليه أنها توافق مطلبه، وتكون خير زوج له. وكذلك فكر في خطبتها إلى أهلها، مؤمنا بأنهم ~~لن يترددوا في قبوله. وهل يتردد أحد في قبول جراح ناجح خطيبا لابنته؟ # وخاطب الدكتور مرزوق أخا الفتاة بالتليفون، ثم التقى به وحدثه في خطبة أخته لنفسه، ~~فأجابه الفتى بأن الأمر في ذلك لأمه، وأنه سيفضي إليها بما ذكره الدكتور له. # وكانت «جنان ms065 » - أم سوسن - سيدة حصيفة عاقلة، لا تزيد سنها على الأربعين إلا قليلا. وكانت ~~تفوق ابنتها جمالا ورقة، وإن لم تخف ملامحها سنها، رغم رشاقة جسمها، واعتدال ~~قوامها. # فلما سمعت حديث ابنها عن خطبة أخته، افتر ثغرها عن ابتسامة الرضا. وقد كان زواج سوسن ~~أهم ما يشغلها، وكانت تدعو لها دائما بالخير والتوفيق، ثم كانت تعلم أن الدكتور مرزوق من ~~الأطباء اللامعين في مصر، وأن الله أراد بخطبته ابنتها لنفسه أن يعوض الأسرة كلها خير عوض ~~عن فقد زوجها في عز فتوته. # وتحدثت «جنان» إلى ابنتها في هذا الأمر فيما بينهما، وتذكرت سوسن هذا الطبيب الذي كان يقف ~~عندها، ويتحدث إليها، ويبتاع معروضاتها. فقالت لأمها: لكنه يا أماه من زملاء أبي، ومن ~~أصدقائه. وأنا أريد إذا غادرتك وتركت هذا البيت أن أتركه إلى بيت زوجي، لا إلى بيت ~~عمي! # وقالت أمها: لقد كان زميلا لأبيك حقا، لأنهما من مهنة الطب معا، لكنه يصغر أباك في ~~سنه. وفارق السن يا ابنتي تعوضه أمور كثيرة: يعوضه المركز الاجتماعي، والمكانة في المهنة، ~~وتعوضه الثروة. وأنا لا أعرف الدكتور مرزوق شخصيا، ولكني أسمع عنه كل ثناء. ولا أحسبك ~~ترفضين خطيبا كهذا، لأنك رأيته في حفلة خيرية، فلم يترك في نفسك من الأثر ما يحببه إليك. ~~فكثيرون نراهم فلا يعجبوننا لأول نظرة، فإذا عرفناهم على حقيقتهم، تغير رأينا فيهم. وأنا ~~سأطلب إلى أخيك أن يدعو الدكتور ليحضر إلينا، فإذا لقيته وتحدثت معه على أنه خاطبك، نظرت ~~إليه بعين غير العين التي نظرت بها إليه حين كنت تريدين أن تبيعيه معروضات الجمعية. ولا بأس ~~بعد ذلك بأن يكون لك رأي، فأنا لا أكرهك، ولن أكرهك على غير ما تحبين. # وجاء الدكتور مرزوق للموعد الذي ضربته «جنان»، فألفاها وابنها في انتظاره. فلما تناول ~~القهوة، قال إنه جاء خاطبا. وكانت جنان منذ حضر تنظر إليه من رأسه إلى قدمه بعين فاحصة ~~مدققة، وتستمع إلى كلماته، وتزنها كلمة كلمة، والحق أنه أعجبها قواما وهنداما وكلاما. ~~فلما خطب إليها ابنتها، قالت ms066 له: مرحبا بك يا دكتور، أنا أعلم أنك كنت من أصفياء المرحوم ~~زوجي، ولن أعز عليك ابنته، على أنك تعلم أن للفيتات اليوم رأيهن، وستحضر سوسن عما قليل ~~وتتحدثان. وقد ذكرت لي أنك رأيتها في حفلة خيرية، وأنكما تحدثتما، لكنها قالت إنك لست ~~الوحيد الذي حدثها، وإنها لم تفطن قط إلى أن حديثك يمكن أن ينتهي بخطبتها. فإذا جاءت ~~أتحت لكما فرصة الحديث فيما بينكما. والله يهديكما ويوفقكما. فكل ما أرجوه لك ولها الخير ~~والسعادة. ~~••• # لم يكن مرزوق يحسب «جنانا» لها من الثقافة مثل حظ ابنتها، فلما تحدثت إليه، وأخذت وأعطت ~~معه، شعر بأن البنت سر أمها، وأن ما أعجبه من سوسن إنما ورثته من هذه الأم، التي لا تزال ~~تتمتع بحظ من الشباب غير قليل. # وجاءت سوسن بعد برهة، فانسحب أخوها من المجلس، ثم انسحبت أمها، بعد أن تبادلت وإياها بعض ~~الحديث، على أن تعود إليهما بعد قليل. فلما عادت، استأذن مرزرق وانصرف. وسألت الأم ابنتها ~~رأيها فيه، فقالت: لا أستطيع أن أبدي رأيا بعد، فلقد كنت أشعر طول الوقت بأني أحدث رجلا ~~في مقام أبي. هو ولا ريب عاقل رزين، لكن فارق السن بيني وبينه يجعلني أتردد أشد التردد. ~~فإذا لم يكن بد من أن أبدي رأيا الآن، فالرأي أن تعتذري إليه بأن فارق السن يحول دون ~~امتزاجنا، وأن تقفلي هذا الباب. # قالت أمها: «أتحسبين يا صغيرتي أن أمرا خطيرا كالزواج يبت فيه الإنسان بمثل هذه ~~الخفة؟! إن هذا الدكتور هو أول بختك، ومن رفضت أول بختها فقلما يكون من بعده خيرا منه. ~~فأنصح لك يا حبيبتي ألا تقضي في الأمر بهذه السرعة، وسأدعو الدكتور لزيارتنا مرة أخرى. فهو ~~في نظري خاطب لا يرفض، والخاطبون من طرازه قليل.» # والحق أن جنان أعجبت بالدكتور مرزوق غاية الإعجاب، وكانت تتمنى أن تقبله سوسن زوجا لها. ~~ولهذا كانت تنتهز كل فرصة لتقنع ابنتها بقبوله، وكانت تلتمس كل وسيلة لهذا الإقناع. فسيارته ~~«البويك» البديعة، ومستشفاه الذي يتحدث الجميع عنه، وسفره كل صيف ms067 إلى أوروبا، وسيجاره الضخم ~~الفخم الذي لا يكاد يفارق يده، وسمعته الطنانة الرنانة، وثروته التي يتحدث الناس عنها، حتى ~~ليقولون إنه يريد أن يبني لنفسه مستشفى خاصا، ورزانته ورقته وظرفه ... ألا يعدل ذلك كله ~~فارق السن الذي تتحدث عنه سوسن؟ وهل الأعمال بالسنين؟ ألا يموت الشبان ويبقى غيرهم أطول ~~العمر؟ ألم يمت أبوها وهو في عز فتوته، وفي قمة مجده؟! # ذلك كله كانت جنان تكرره لابنتها، تحاول أن تحملها على تغيير رأيها. كما كانت تنصح لها أن ~~تكون الظرف والرقة في حديثها مع مرزوق، أيا كانت النتيجة التي ينتهيان إليها. # وجاء الدكتور مرزوق لموعد آخر ضربته جنان، فألفاها وحدها، وسأل عن سوسن فقالت أمها إنها ~~ستكون معها عما قليل. وأخذ الخاطب والأم يتحدثان في أمور شتى، أشار الدكتور في أثنائها إلى ~~عمله ونجاحه فيه. وذكرت جنان إعجابها بمقدرته، وعظيم أملها في أن يوفق الله ابنتها إلى ~~الرأي الذي تريده، حتى تفرح بهما عروسين يشرحان قلبها. # وطالت غيبة سوسن، فبعثت أمها في طلبها. وجاءت الخادم تذكر أن سيدتها الصغيرة شعرت في ~~اللحظة الأخيرة بمغص، فهي تعتذر من عدم النزول! # قالت جنان: «اسمح لي يا دكتور أن أراها هنيهة ثم أعود إليك.» # وصعدت تسأل ابنتها ما لها. قالت سوسن: لا طاقة لي بالنزول، فتصرفي بما تشائين. # وعادت جنان، فاعتذرت إلى مرزوق، وقالت: لعلك تستطيع أن تراها من بعد، وسأدعوك إلى الموعد ~~الذي تلقاها فيه عما قريب! # وانصرف مرزوق وهو يسائل نفسه: ما هذا المغص المفاجئ الذي ألم بالفتاة؟ # ويذكر أن ما جرى بينه وبينها من حديث، حين تركتهما أمها المرة الأولى، لم يكن يدل على ~~اغتباطها بخطبته إياها. ثم يذكر ما في نظراتها من دلالة على الحزم وصلابة الرأي. وقال فيما ~~بينه وبين نفسه: «لو أن هذه الفتاة ورثت من أمها ظرفها ورقتها، كما ورثت منها ذكاءها ~~وثقافتها، لكمل لها كل ما أطمع أن يكون في الزوجة التي أبحث عنها. ولما أبدت هذا الجفاء ~~من جانبها نحوي، على أية حال يجب أن ms068 أحسم الأمر، إذا دعتني أمها إلى مقابلة أخرى، فلست ~~أريد أن يطول أكثر مما طال!» # وتحدثت جنان إلى ابنتها بعد انصراف الدكتور، تعاتبها على عدم النزول إليهما. قالت الفتاة: ~~لقد انتهى رأيي أن لا أقبل الزواج منه، فما فائدة مقابلتي إياه؟! لقد قلت لك منذ حدثتني في ~~الموضوع لأول مرة إنني أشعر حين يخاطبني بأنه أبي أو عمي، فلا بأس عليك أن تذكري له أن فارق ~~السن بيننا لا يسمح بزواجنا! # وتولت الأم الحيرة كيف تتصرف؟ لقد كان جل مناها أن تقبل ابنتها هذا الخاطب لتطمئن على ~~مستقبل حياتها. ولأنه رجل اجتمعت فيه كل معاني الرجولة، وكل صفاتها، فرفضه يمكن أن يساء ~~بين الناس تأويله. لكنها لا تملك إكراه ابنتها على أمر لا تريده، مخافة أن يؤنبها ضميرها ~~بقية حياتها، إذا لم تكن هذه الزوجية موفقة! ~~••• # انتهى التفكير بجنان إلى أن ضربت للدكتور مرزوق موعدا، لقيته فيه وحدها، وقالت له: أنت ~~يا دكتور رجل كامل الصفات، ولولا ما بينك وبين سوسن من فارق السن، لما ترددت في قبول خطبتك. ~~لكنها تشعر وأنت تحادثها بأنك أبوها، فلا يشجعها ذلك على أن تكون زوجا لك. وقد حاولت أن ~~أقنعها بأن هذا الشعور طارئ يزول بالعشرة، فأصرت على رأيها ... وإنني لآسفة أشد الأسف أن ~~أبلغك ذلك، فقد كنت شديدة الرغبة في مصاهرتك، لنسعد بأن تكون من أسرتنا. # أطرق الدكتور مرزوق طويلا حين سمع هذا الكلام، ثم رفع رأسه وحدق بجنان، وفي عينيه بريق، ~~لم تلحظه من قبل. وقال: وأنا حريص على أن أكون من أسرتكم، وأن أكون من سوسن مكان أبيها. فهل ~~تقبلين أنت أن تكوني زوجتي؟ هذه يدي أمدها إليك؟ فهل تقبلينها؟ # لم تكن جنان تتوقع هذه المفاجأة، ولكنها سرت بها، وألقت ببصرها إلى الأرض طويلا، ثم ~~قالت: وماذا يقول الناس عند ذلك عني؟ إنني غصبت خطيب ابنتي، لأنه أعجبني، أو لأنني أعجبته؟ ~~لا أستطيع أن أجيبك الآن، فاترك لي على الأقل فرصة تفكير. # قال مرزوق: «أنت وما تشائين. فكري في الأمر ms069 ، وأنا في انتظار كلمة منك ألبيها ~~لساعتي.» # والواقع أن جنانا كانت تتمنى أن يخطبها الدكتور مرزوق، منذ رفضته ابنتها، هذا الرفض ~~الأحمق. أفكان ذلك لأنها أحبته، أم كان رد فعل من جانبها لتصرف ابنتها تصرفا لم ~~يعجبها؟ # وهل خطبها مرزوق إلى نفسه، لأنه أحبها بعد الأحاديث التي دارت بينهما، أم لأنه رأى في ~~الزواج منها ردا لاعتباره إزاء رفض سوسن خطبته؟ # أيا كان الأمر، لقد عرضت جنان خطبة الدكتور إياها على ابنها، بمحضر من ابنتها، وقالت: ~~لا يزال في الوقت متسع، فإن أصرت أختك على رفض هذا الخاطب الذي لا يرفض، فسأقبل أنا ~~خطبته. # وأصرت الفتاة في عنادها على موقفها، وانتفضت منصرفة من مجلس أمها، كاسفة تبكي. # ودعت جنان مرزوقا، وأعلنت إليه أنها سعيدة بخطبته. وفي الغد من ذلك اليوم عقد قرانهما، ~~وانتقلت جنان إلى منزله، تاركة ولديها مع حاشية من الخدم، ومع المربية التي كفلتهما منذ ~~مولدهما، فكانت منهما بمثابة والدتهما. ~~••• # كان أكبر هم «جنان» بعد أن انتقلت إلى بيت زوجها، أن تنجب طفلا، يكون آية شبابها ~~وحيويتها، ومحبتها زوجها، ومحبته إياها. ولكن أشهرا انقضت ولم تحمل، ورأت أن تستشير ~~الأطباء في الأمر، وشجعها زوجها على ذلك، لكن أشهرا أخرى انقضت ولم تحمل. وبدأت تساورها ~~المخاوف، وخيل إليها أن قوة خارقة، قوة فوق الطب والأطباء، يجب أن تتدخل لتحقيق بغيتها. ~~وتذكرت صديقات لها، تعوقن عن الحمل في شبابهن، ولم ينجح الطب في إرضاء أمومتهن، فذهبن إلى ~~مراغة سيدي المغاوري في المقطم، وإلى كنيسة ماري جرجس وبه دير البنات بمصر القديمة. وتمرغن ~~بالمراغة أمام الشيخ المسلم، وتمسحن بأعتاب القديسة المسيحية، فأنعم الله عليهن بالحمل ... ~~فما ضرها لو صنعت صنيعهن، لعل الله يرزقها هذا الطفل، الذي تصبو إليه من كل قلبها، لتزداد ~~قدرا عند زوجها، فيزداد حبا لها وإعزازا؟ # ولكن ... أتراها تستطيع أن تفعل ذلك ولا تذكره لمرزوق؟! # وهبها ذكرته له، فأبى عليه إيمانه بالطب أن يقرها على رأيها ... ولكن ... هل يغلب هذا ~~الإيمان بالطب رغبته الملحة في أن يكون أبا ms070 لطفل منها؟ وماذا عليها إذا صنعت ما تريد من ~~تلقاء نفسها واستمرت في العلاج الطبي، فإذا حملت أظهرت زوجها على كل ما صنعت! # واستقر عزمها عند هذا الرأي، واختارت الأوقات التي يشغل العمل فيها زوجها عن منزله، وذهبت ~~إلى المغاوري في مراغته. وذهبت إلى ماري جرجس فأتمت عندها مراسم الحمل. ومن عجب أنها حملت ~~بعد ذلك بشهرين اثنين. فأفضت إلى زوجها بكل ما صنعت، فعاتبها عليه زوجها عتابا لا يبلغ ~~اللوم؛ لأن غبطته بحملها لم تسمح بلومها أو بالتثريب عليها. # وفي أثناء حملها، تقدم يخطب ابنتها شاب كريم المحتد، من أسرة عريقة، ويشغل وظيفة في ~~الدولة لا بأس بها. ولكنه ضيق الثراء، لا يحتمل مرتبه وإيراده مجتمعين ما تعودت سوسن من ~~عيش السعة ... وقابلته سوسن مرة واحدة بحضرة أمها، ثم قالت إنها تقبله زوجا لها. واحتجت ~~لقبوله بشبابه وبأسرته، وبمؤهلاته، وبأنها تستطيع أن تتعاون معه على الحياة، فإن ضاق بهما ~~الرزق في أول الأمر، فسيكون لهما فيه سعة من بعد. # وابتسمت أمها لقولها، إذ أيقنت أن ما أغراها بقبوله وسامته، وحلو حديثه، ورقة نظراته، ~~أكثر مما أغرتها أسرته العريقة، وحسبه الكريم! # لكن ابتسام جنان لم يمنعها من الترحيب بالشاب، وعقد خطبة ابنتها عليه، وانتظار الجهاز ~~والزفاف. # ثم أنجبت جنان غلاما طار أبوه بمولده فرحا، وأقام له حفل سبوع عوضه عن حفل الزفاف، ~~الذي كان يزمع أن يقيمه لنفسه لو أنه تزوج عذراء، وزاده مولد الطفل غراما بجنان، فجعل كلما ~~دخل عليها، يقبلها ويقبل الطفل معها، ويشعر بأن هذا الطفل هو امتداد حياته بالفعل، وأنه ~~سيكون جراحا مثله. ألم يكن المصريون القدماء يحرصون على أن يحترف الولد حرفة أبيه، لتبقى ~~الحرفة متوارثة في الأسرة، وليكون الأبناء ورثة الآباء في عملهم، كما أنهم ورثتهم في ~~مالهم، وليبقى اسم الأسرة عنوان سعيها وجهدها! فليكن هذا المرزوق الطفل جراحا، وليكن ~~أبناؤه وحفدته جميعا جراحين، ليظل اسم الدكتور مرزوق باقيا على مر الزمان. # ووقف مرزوق في حفلة السبوع يحدث سوسن، ويذكر لها أن مولد أخيها ms071 الطفل يذكره بقولها القديم ~~إنها تشعر حين تحدثه أنها تحدث أباها. ويذكر أنه سعيد بذلك، لأنه اليوم رب لأسرة لا تقف عند ~~الطفل الوليد وأمه، بل تتناول سوسن وأخاها كذلك، وأنه ينتظر بفارغ الصبر أن يصبح جدا يوم ~~ترزق سوسن طفلا عما قريب إن شاء الله. # وبعد أسابيع، زفت سوسن إلى خطيبها، وانتقلت إلى الطابق الظريف الذي فرش فيه جهازها. ~~وحملت عبء بيتها وتولت إدارته. وأقيمت لها في هذه المناسبة حفلة دعا الدكتور مرزوق إليها كل ~~أصدقائه مع من دعوا من قبل العروسين وأهلهما! # واستدار العام، منذ ولد ابن مرزوق، فإذا حفلة أخرى تقام لابن سوسن، وإذا جنان تصبح جدة ~~بالفعل، ومرزوق يصبح جدا بالتبعية. ثم لا يمنع ذلك جنانا من أن تشعر وهي ترضع ابنها، ~~بأنها لا تزال في حيوية الشباب ونضارته. # وفي السنوات الخمس التالية، رزقت سوسن بنتا وابنا، وأصبحت بذلك أما لثلاثة أولاد، ولم ~~ترزق جنان غير ذلك الغلام الذي استعانت على حمله وولادته بسيدي المغاوري وبالقديسة ماري ~~جرجس! # وفتح الله باب الرزق لسوسن وزوجها، وابتسم لها الدهر، فنثر الورد والرياحين في طريق ~~حياتهما. وبدأ أطفالهما يملئون البيت عليهما غبطة ومرحا ويشعرونهما بسعادة لا تعدلها ~~سعادة. وأخذت سوسن تظهر مع زوجها في المجتمعات الأنيقة، وتقص على أمها الحين بعد الحين ما ~~ترى فيها ... # ومالت أمها إلى مثل هذا اللون من الحياة، فأفضت إلى مرزوق برغبتها، فأقاما في دارهما حفلة ~~جمعا فيها نخبة من أهل العاصمة، مصريين وأجانب. وأتاح ذلك لهما أن توجه إليهما الدعوة لكل ~~حفلة يقيمها المصريون أو يقيمها الأجانب بالقاهرة. # وكانت سوسن تبتسم أحيانا، حين ترى أمها في هذه الحفلات معتمدة على ذراع الدكتور مرزوق، ~~والبشر والسعادة يفيضان من ملامحها، وتزداد سوسن ابتساما يوم ترى أمها في هذه الحفلات وقد ~~أتقنت صبغة شعرها، وبدت وكأنها لا تزال في الثلاثين من سنها، رغم خطوط مست بها الكهولة ~~جبينها، وكادت تتخطاه إلى وجناتها! # وكلما رأت سوسن أمها بالغت في العناية بزينتها، حرصت على أن تجعل من شبابها ms072 تاج كل زينة، ~~وأن تبدو في بساطة، تتألق بحكم سنها بهجة ونورا ... # وكثيرا ما تندر بعضهم بهذه المنافسة بين الأم وابنتها، وقد ذكروا في أثناء تندرهم ~~كيف أخذت الأم خطيب ابنتها، وأولعت به غراما! وكان بعض هذا التندر يبلغ سوسن فلا تعبأ به. ~~لقد بسم الزمان لها ولزوجها وبنيها، فليقل من شاء ما شاء، فلن يجني قول على سعادتهما ولن ~~ينقص ما أسبغه الله عليها، وعلى زوجها وبنيها، من نعمة وعافية! ~~••• # وإن سوسن لفي متاعها بهذه النعمة السابغة، وفي سعادتها بمحبة زوجها إياها، محبة كلها ~~الشعر بأعذب ألحانه وأنغامه، وفي طمأنينتها إلى هؤلاء البنين، يتخطون متن الحياة على هون، ~~ناجحين في دراستهم، فخورين بأبويهم؛ إذ مرض هذا الأب العزيز والزوج الوفي، مرضا حار ~~الأطباء في تشخيصه، وانقطعت سوسن لتمريضه، فلم يعد أحد يراها في المجتمعات والحفلات، ولم ~~تعد دارها مضيئة كعهد الناس بها، منذ أفاء الله على أصحابها الثراء والنعيم. بل خيمت عليها ~~سحابة من كآبة كانت ترتسم على وجوه الأطفال أبنائها، وتحول بينهم وبين ما ألفوه من مرح ~~ومسرة! # وطال بالرجل الشاب المرض، فنقل إلى المستشفى، وأقامت سوسن إلى جواره، وكانت أمها تزورها ~~الحين بعد الحين، تسأل عن صحته، وترجو له الشفاء والعافية. # وكان الدكتور مرزوق يزور المستشفى كل يوم لهذا الغرض. # وجلس يوما بجوار المريض على سريره يطمئنه، فنظرت إليه سوسن نظرة، فيها الأسى والألم، ~~وكأنما تقول في نفسها: أيكون هذا الرجل الذي يكبر زوجي ويكاد يكون في سن والدي ممتلئا صحة ~~ونشاطا، وتذبل نضارة هذا الزوج الشاب العزيز، فما يدري أحد ما مصيره؟! لشد ما يخفى ~~الغيب علينا، فلم يدر قط بخلدي يوم خطبني مرزوق فرفضت خطبته لفارق السن بيني وبينه، ~~أن أرى المنظر الذي أراه الساعة، والذي يفتت قلبي لوعة وهما. # وبعد أشهر قضاها المريض بالمستشفى، أدركت سوسن من نظرات الأطباء الذين كانوا يعودونه، أنه ~~موف على أجله. وفي منتصف الليل من ذلك اليوم، اختاره الله إلى جواره. # وحزنت سوسن عليه أشد الحزن، وانقطعت من يومئذ ms073 عن كل مجتمع وكل حفلة، وهي لا تزال تلبس ~~السواد عليه إلى اليوم. أما الدكتور مرزوق، فلا يزال متمتعا بصحته ونشاطه، ولا تزال جنان ~~حريصة على أن تصبغ شعرها، وتستعين بكل وسائل الطب والتجميل لتحتفظ ببقية من جمال يوشك أن ~~يولي، ولتحتفظ بالدكتور مرزوق، وبحيويته ونشاطه. # ولله في خلقه شئون! # | بأعمالكم تؤجرون # كان رب الأسرة من أعيان قرية في مصر الوسطى، وقد أنجب ست بنات، ولم ينجب لهن أخا، ثم ~~توفي في بواكير كهولته تاركا لأرملته وبناته ثروة معقولة. وكان ثلاث من بناته قد تزوجن في ~~حياته وبقي ثلاث ينتظرن الزواج. # وكانت «زهرة» صغراهن أرقهن طبعا، وأكثرهن خفرا، وأملحهن وجها، وهي بعد في الثالثة ~~عشرة. وطبيعي ألا يدور بخاطرها تفكير في الزواج قبل أن تتزوج أختاها اللتان ~~تكبرانها. # وكانت أمهن من بنات الأعيان في القرية، ولم تكن تفكر في الزواج بعد زوجها، فإذا ألمحت ~~إحدى صاحباتها إلى شيء، قالت: الخير أن نتحدث عن زواج بناتي الثلاث! # وكان لهذه السيدة الأرمل، قريب يقيم بالإسكندرية، في شيء من سعة الرزق يستمتع به مع زوجته ~~وبنيه. وبعد زمن جاء هذا القريب إلى القرية، ليحضر زفاف الكبرى من البنات الثلاث اللاتي لم ~~يتزوجن في حياة أبيهن. فلما أزمع العود إلى الإسكندرية، قال لقريبته: إن زهرة لا تزال في ~~بواكير صباها، فماذا عليك لو أخذتها إلى الإسكندرية، تعيش معنا، وتجد في حياة المدينة هناك ~~ما يرفه عنها، وما يصقلها؟ إنها فتاة رقيقة حسنة الاستعداد، فحياتها في الإسكندرية تخلق ~~منها شخصا آخر، تطمئنين له وتسعدين به. # وترددت الأم الأرمل، فألح عليها قريبها حتى قبلت، وسافرت الفتاة مع خالها إلى الثغر، ~~وانضمت إلى أسرته فيه. ولم تضق بها زوجه، بل وجدت فيها معوانا على خدمة البيت، ووجدت فيها ~~رغم حيائها ذكاء ومرحا يتفقان مع ذكائها هي ومرحها. فأبدلتها من ثوبها الريفي ثيابا ~~حضرية أنيقة، وجعلت تصطحبها معها إلى الأسواق، لترى وتسمع وتتعلم حياة الحضر. # وفرحت الفتاة بهذه الحياة الجديدة، فلما انقضى على مقامها بالإسكندرية عدة أشهر، كانت ms074 قد ~~كسبت ثقة خالها وزوجته وأبنائه، فكانت الزوجة تعهد إليها في شراء ما لا يتسع وقتها ~~لشرائه. # وبعد عام وبعض العام، أصبحت زهرة فتاة سكندرية، صقلتها حياة المدينة، وجعلت منها في ~~هندامها وحركاتها وحديثها، فتاة حضرية بالمعنى الكامل، وجعلت من ملاحة وجهها، واعتدال ~~قوامها، وشديد خفرها، ورقة حديثها، مسرحا لعين كل شاب يراها ويرى ابتسامة ثغرها ~~الجميل! # وكان لامرأة خالها قريب قليل التردد عليها، فلما رأى زهرة أول حضورها من الريف، وسمع ~~حديثها الصعيدي سخر منها، وإن أعجبته ملاحة وجهها. وكان شابا ماجنا، ولكنه كان ظريفا ~~ذكيا. وكان «أسعد» هذا ربعة في الرجال، عريض المنكبين، مفتول العضل، أشربت بشرته حمرة ~~جعلت زرقة عينيه أكثر وضوحا، وشعره الذهبي أكثر جمالا. وكان كلما رأى زهرة عابثها ~~بصعيديتها وإن أعجب فيما بينه وبين نفسه بما كان يطرأ على تكوينها من تغيير، وفي سلوكها من ~~اندماج في حياة هذه المدينة، التي ولد بها وتربى فيها، فهي عنده الكمال. # فلما تجاوزت زهرة السابعة عشرة، وكملت أنوثتها فأصبحت فتنة للأعين، أخذ أسعد ينتهز الفرصة ~~لمغازلتها كلما خلا له الجو من حولها. لكن الفتاة كانت تصده، وبلغ صدها إياه أحيانا مبلغ ~~العنف، وتشعره بأنها ليست من هاتيك اللواتي يسهل استهواؤهن من بنات المدينة، بل هي صعيدية، ~~النار عندها ولا العار، والمغازلة هي أول العار. # وجرح مسلكها هذا كبرياء أسعد، واعتزازه برجولته وجمال صورته، فرأى أن لا بد له من أن ~~يملك هذه الفتاة التي تتحداه وتتعالى بجمالها عليه. وأول ما صنع من ذلك أن بدل سلوكه معها ~~كل التبديل. فكان إذا انفرد بها، أظهر لها من الاحترام ما يكاد يعدل عدم الاكتراث لجمالها ~~ورقتها. وإذا لقيها في الطريق تحمل مشترياتها، أسرع إليها في أدب جم، وحمل هذه المشتريات ~~عنها. وإذا جاء إلى بنات قريبته ببعض الهدايا حرص على تنويعها ليجيء لزهرة بهدية أنفس ~~وأجمل. وكثيرا ما كان مجونه يضيق بتكلفه هذا السلوك المخالف لطبعه، لكنه قدر أنه لن يبلغ ~~غايته إلا إذا كسب ثقتها. ولا رجاء في ms075 كسب هذه الثقة إلا أن يعاند فطرته، ويجري مع زهرة على ~~غير سجيته، وإن كلفه ذلك عناء. # وانتهى إلى كسب ثقتها، بعد أشهر من المجهود الذي كان ينوء به، فلان له حديثها، وراحت تصغي ~~في ارتياح إلى حديثه، فشجعه ذلك على المضي في خطته، فكسب قلبها كما كسب ثقتها وبخاصة حين ~~أخذ يدخل في روعها أن أسعد الناس من تصبح هي زوجته! # وسعدت هي بتلميحه، وتمنت لو يصبح هو هذا الزوج، فحياة الإسكندرية غير حياة قريتها. وأسعد ~~ظريف رقيق رغم مجونه. ترى أترضى أمها عنه؟ # واغتبط أسعد حين رآها أسلس قيادا، ثم ازداد غبطة حين شعر بأنها تزداد ضعفا أمامه يوما ~~بعد يوم، فلا تأبى عليه أن تلقاه خارج بيت خالها، وأن تسير معه إلى حيث يريد، ثم لا تأبى ~~عليه أن يقبلها إذا كانا بعيدين عن الأعين. # ودعاها فذهبت معه يوما إلى بيته، سعيدة بأن تتعرف إلى الدار التي ترجو أن تصبح يوما دار ~~الزوجية. وأعجبت بموقع الدار وأثاثها، وفرح قلبها بما أغدقه عليها أسعد من كرم، ومن تدليل ~~وإعجاب، ولم يبق في ظنها أي ريب بعد هذا كله في أنها ستصبح له. # وزارت دار أسعد بعد ذلك غير مرة، وفي كل مرة تزداد الكلفة بينها وبينه ارتفاعا، فلما ~~أصبحا من رفعها على مقربة من النهاية، لم يأب أسعد أن يحدثها عن زواجه منها. عند ذلك آمنت ~~أنها أصبحت في حكمه وأنه أصبح وله من السلطان عليها ما للزوج على زوجه ... فأسلمته كل نفسها، ~~في انتظار اليوم القريب، الذي يعقد فيه زواجهما! # ووعدها أسعد أن يخاطب خالها في تحديد يوم العقد عند أول فرصة تسنح لذلك، لكنه أخذ يبتدع ~~المعاذير عند تردد خالها، ثم ذكر لها أن خالها رضي بالزواج وأنه سيكتب إلى أمها لتحضر ~~العقد! # وفي أثناء ذلك أيقنت زهرة أنها حامل فزفت النبأ إلى أسعد، وألحت عليه أن يعقد القران ولا ~~ينتظر حضور أمها! # وكان أسعد كاذبا في كل ما قال ... فهو لم يخاطب خالها في شيء ms076 ، ولم يكتب خالها بطبيعة الحال ~~إلى أمها لتحضر عقدا لا يعلم أيهما عنه شيئا! # وكان أسعد كاذبا كذلك يوم ذكر لها أنه سيتزوجها! فهو إنما أراد أن ينتقم لغروره من ~~كبريائها يوم صدته بعنف أول ما غازلها. فلما طلبت إليه أن يعجل بعقد قرانهما ولو لم تحضر ~~أمها، عاد يختلق المعاذير، ثم أخذ ينقطع عنها. ثم علمت أنه خطب فتاة غنية من بنات ~~الإسكندرية. عند ذلك سقط في يدها، وأيقنت أنها سقطت في مهواة، تبيح لأهلها أن يقتلوها ~~تخلصا من عارها! # وماذا تفعل؟! لقد ذرفت الدمع سخينا ليالي طوالا، لكن الدمع لن يرد أسعد إليها، ولن ~~يرفعها من الوهدة التي تردت فيها. # ليس أمامها إلا أحد طريقين: إما أن تنتقم من أسعد، وإما أن تنتحر! ولكن كيف تنتقم منه؟ ~~أوليس خيرا لو أنها سعت إليه، لعله يعدل عن الزواج الذي سمعت به فيعود إليها؟ ذلك أمر ~~بعيد الاحتمال، ولكن ما لها لا تجربه؟ # واستقر في نفسها ذلك العزم، فاختارت ساعة من النهار، حسبت أنها تلقاه في أثنائها في بيته. ~~وذهبت إلى هناك، ودخلت إليه. فلما رآها أقبل عليها إقبال العاشق على معشوقته، فاتحا ذراعيه ~~ليعانقها ويقبلها. وما إن رأت ذلك منه حتى أجفلت وتراجعت وقالت: جئتك أستنجزك وعدك ~~بزواجنا، فأنت تعلم أن أهلي في الصعيد يقتلونني لا محالة إذا لم نتزوج بعد الذي كان! # وأجابها أسعد بابتسامة ساخرة: ليتني أستطيع! فأنت لا ريب تعلمين أنني خطبت، ولا أقدر أن ~~أتزوج اثنتين. # قالت: «لكنك وعدتني بالزواج قبل أن تخطب.» # وأجابها: «وهل يصح للفتاة الشريفة المتعالية، المعتزة بكبريائها، أن تسلم نفسها قبل أن ~~يعقد زواجها؟ ذلك يا فتاتي هو ما حملني على أن أخطب بعد الذي كان، فإن من تبيح عرضها بكرا ~~لا تؤمن عليه ثيبا. ومن لي وقد دنست طهر بكارتك ألا تدنسي فراش الزوجية؟!» # فزعت زهرة حين سمعت هذا الكلام، فاضطربت وكادت أن تلقي بنفسها على قدميه باكية مسترحمة. ~~لكنها سرعان ما ردها اليأس منه إلى صوابها، فجمعت قواها، ونظرت ms077 إليه في ازدراء، وقالت: ~~تبا لك من وغد مخادع! ألي أنا تقول هذا الكلام؟ # بل قل إنك أغراك المال فهزأت بالشرف! لقد رأيتني بلغ حبي إياك شغاف نفسي وحبة قلبي، فنصبت ~~لي كل شباكك، واستدرجتني باسم الزواج فكان ما كان. لقد كنت أحسبك إنسانا، فإذا أنت حيوان ~~وفيك كل بهيمية الحيوان. وفيك خسة يسمو عليها كثير من الحيوان. أما وأنت كذلك، فليس لى إلا ~~أن أبصق في وجهك، وأدعو الله أن ينتقم لي منك! # وبصقت في وجهه، ثم ارتدت على عقبيها مسرعة خارج الدار! # أما هو، فمسح وجهه، وابتسم وكأن لم يكن شيء. وقال فيما بينه وبين نفسه: مسكينة! لكني ~~انتقمت لنفسي منها، لقد أذللت كبرياءها التي واجهتني بها أول ما ملقت جمالها. ثم أذللتها هي ~~حتى تعلم أن الرجال لا يعاملون كذلك. # وبلغت زهرة الكورنيش مضطربة، يهتز كل جسمها من شعر رأسها إلى أخمص قدمها. ثم إنها ركبت ~~الأتوبيس إلى سيدي بشر، معتزمة أن تلقي بنفسها في لجة البحر الخضم. # فلما بلغت غايتها، نزلت على الدرج إلى رمال الشاطئ، وتقدمت إلى ناحية البحر، حتى صارت عند ~~ملتقى الموج بالرمل، وهنالك جلست منهدة في إعياء، وقد أنهكتها الانفعالات التي مرت بها طول ~~يومها. فلما أنعشها هواء البحر وتلفتت حولها فلم تر أحدا، انخرطت في بكاء كأنما تودع هذه ~~الدنيا! ثم إنها نظرت إلى البحر وموجه نظر المحتضر إلى قبر، فانزعجت. ورمى البحر إلى ~~الشاطئ خشبة قذفتها الأمواج، فتصورت زهرة جثتها يقذف بها البحر كهذه الخشبة، وخيل إليها أن ~~أسعد مر بها وعرفها، فافتر ثغره عن بسمة الرضا، لأن موتها ستر لعاره! # وساورتها هواجس شتى من هذا القبيل، فقامت مترددة: أتغامر فتخوض موج البحر إلى لجته فتنتحر ~~فيه؟! أم ترتد أدراجها تعاود التفكير في أمرها؟ # ودفعها الحرص على الحياة فارتدت إلى الطريق، وعادت إلى خالها، مشتتة الذهن، سقيمة ~~الوجدان! # وإنها لتعاني قلق النفس واضطراب الخاطر، إذ تناول خالها رسالة من أمها تذكر فيها أن ~~أختها الثانية خطبت، وأنها ستزف بعد أسبوع ms078 ، وكان طبيعيا أن تعود مع خالها إلى قريتها ~~لتحضر هذا الزفاف، وأن تبقى بعد ذلك مع أمها، تؤنس وحدتها، وتقوم بخدمتها. # ورحبت بها أمها، ورحب بها أهلها، وأكبروا رشاقة هندامها، وجمال ثيابها وحديثها حديث ~~الحضر. وانخرطت هي في زحمة الفرح الشامل الذي يسبق ليلة الزفاف، فإذا جن عليها الليل، وآوت ~~إلى مخدعها، عاودها قلقها واضطرابها وأخذت تفكر في المصير المظلم الذي ينتظرها. # وزفت أختها، وانتقلت إلى بيت زوجها وعاد خالها إلى الإسكندرية وبقيت هي مع أمها، وقد أحاط ~~بها سكون الريف. # ولاحظت الأم وجومها، وطول تفكيرها، بما لا يتفق مع شبابها، وما عرفته عنها في صباها من ~~دوام ابتسامها وحلو مرحها. فلم تعر ما لاحظته من ذلك أول الأمر بالا، إذ خيل إليها أن ~~انتقال الفتاة من المدينة إلى الريف، ومن حياة الإسكندرية الصاخبة إلى حياتهم الرتيبة ~~المتشابهة هو سبب وجومها، ولكن هذا الظن أخذ يتبدد حين رأت زهرة تنخرط في البكاء كلما خلت ~~إلى نفسها. فإذا رأتها مقبلة عليها حاولت تجفيف دمعها. # فلما طال بالأم ما ترى من ذلك، نازعتها الوساوس. # وأخيرا ذهبت إلى ابنتها، وجلست إلى جوارها، وقالت لها في حنان وعطف: خبريني يا ابنتي ... ~~ما بك؟ إنني أراك منذ جئت من الإسكندرية مهمومة كثيرة البكاء، وأرى ذلك كله يعبث بنضرة ~~شبابك، أفتضيقين بحياة القرية معي إلى هذا الحد؟ ألست أنا أمك التي تحبك حتى لتؤثرك على ~~نفسها؟ وهل تخفي بنت سرها على أمها؟! # لم تجد زهرة ما تجيب به على أسئلة أمها إلا أن انخرطت في بكاء مرير يمس قلب الأم إلى ~~شغافه، وكأنما كشف عن بصيرتها في هذه اللحظة، فنظرت إلى ابنتها وجلة وقالت: هل خدعك يا ~~ابنتي في الإسكندرية أحد؟ قولي ... لا تخافي! إن سرك من صدر أمك في بئر سحيقة فلن يطلع عليه ~~أحد! أنت ابنتي وضناي، فما يسوؤك يسوؤني، وما يحزنك يحزنني. فقولي ... ولا تخافي! # وبعد تردد طويل، وبكاء مر، قصت زهرة على أمها قصتها مع أسعد، وكيف وعدها بالزواج، وكيف ~~خانها بعد ms079 أن عرف حملها، وجرى وراء فتاة غنية من بنات الإسكندرية! # وارتاعت الأم لما سمعت، وتمنت لو انشقت الأرض فابتلعتها وابتلعت ابنتها معها، فطوت سر ~~الآثمة المسكينة في جوفها! فلما أفاقت من روعها، أخذت تفكر في الأمر، وكيف السبيل إلى ~~الخلاص منه؟ # لو أن لزهرة أبا أو أخا، لكان مصيرها أغلب الأمر أن تقتل وتدفن ليدفن معها ~~عارها. # لكنها أم، ولا يطيق قلبها أن تتصور فتاتها مقتولة أمامها. وهي إلى ذلك امرأة شريفة من ~~بنات الأعيان، فلا تستطيع أن تتصور العار يلطخ اسم أسرتها. لا بد إذن من أن يدفن السر فلا ~~يقف عليه أحد، ولا يتحدث عنه أحد. والجنين المستكن في بطن ابنتها هو آية هذا السر، فإذا ~~أمكن التخلص منه، من غير أن يعرف أحد أمره، رضيت أمومتها ~~ورضيت - إلى حد ما - كرامتها، وأمكن أن تعيش هي، وأن تعيش ~~ابنتها وكأن شيئا لم يكن، لأن أحدا لم يعرف السر! # وكانت تعرف قابلة في قرية قريبة، لها بمثل هذه الأمور خبرة. وكانت تعلم منها أن الوسيلة ~~لإجهاض الحامل، أن توضع الرحى على بطنها، وأن تدار حتى ينزل الجنين. تلك طريقة قاسية، بل ~~وحشية. وقد تودي بحياة الحامل قبل أن تتخلص من جنينها ... ولكن؟! # لا مفر من الالتجاء إليها في سر من الناس تخلصا من عار لا سبيل إلى التخلص منه إلا ~~بها ... أو بالموت! # وفي الهزيع الأخير من الليل، دعت الأم زهرة، وجاءت بالرحى، ولا تكاد تحمل كل شق من شقيها ~~من غير أن تنوء به. ثم وضعتها على بطن الفتاة، وأخذت تديرها والفتاة تتحمل ذلك، تكظم كل ~~صيحة تتردد في صدرها، حتى انفرجت أحشاؤها عن الجنين ما يزال علقة. فلما رأت الأم دم ابنتها، ~~والعلقة التي كادت تتكون إنسانا، رفعت رأسها إلى السماء، حمدا لله أن ستر على ابنتها، ثم ~~أزاحت الرحى على الأرض، وأسندت زهرة حتى ذهبت إلى فراشها! # وتنفس الصبح وقد انزاحت الغمة عن صدرها، مؤمنة بأن أحدا من أهل القرية لم يقف على السر ~~الرهيب، وأن ms080 بنتها عادت، وكأنها عذراء تهوي إليها القلوب. # وقضت زهرة أسبوعين في فراشها، ثم ردت إليها الحياة، وعاودتها كل نضارتها، وقد آمنت برحمة ~~الله بها، وبأن ما صنعته بها أمها في إجهاضها - على قسوته ووحشيته - قد كان الشفقة كل ~~الشفقة، بل كان أروع مثل لحنان الأم في أسمى مظاهره. # وأقامت هي، وأقامت أمها، تنتظران أن يتم الله رحمته بهما، فتخطب زهرة وتتزوج، ويصبح ما ~~مضى من وزرها وخطيئتها نسيا منسيا. # وتعاقبت الشهور، ولم يظهر من يخطبها، هنالك عاودت الأم الوساوس، ثم فكرت آخر الأمر في ~~قريب لها رقيق الحال، ولكنه طيب القلب، فأدنته منها، وأوحت إلى زهرة أن تظهر اللطف به، وأن ~~تدفعه إلى أن يخطبها إلى أمها، فلما فعل اشترطت الأم أن يقيم معها في بيتها، فهي لا تسطيع ~~البقاء به وحدها بعد أن تزوجت كل بناتها. وفرح الشاب بهذا الشرط، وأصبح زوجا لزهرة، وربا ~~للبيت ومديرا لشئون الأسرة! # وأنجبت زهرة منه ثلاثة بنين في بضع سنوات، ثم اختاره الله إلى جواره، ووهبت زهرة نفسها ~~بعده لعبادة ربها، ولتربية أبنائها. وقد زادها مقامها بالمدينة صدر شبابها دقة في العناية ~~بأبنائها وحسن توجيهها لهم. فكان أبناؤها يتابعون دراساتهم ناجحين؛ دخل أكبرهم الجامعة في ~~السادسة عشرة من سنه، ومال أصغرهم إلى السينما وشغل بها. وشعرت أمه بأن الخير في أن تقيم ~~معهم بالعاصمة، فاقترحت على أمها أن تأجر أمينا يباشر شئونهم، وتباشر هي تصرفاته في أثناء ~~الصيف، فإذا انتهوا من جمع الإيرادات، وبدأت السنة الدراسية، سافرت مع أولادها إلى مصر ~~تراقبهم وتخدمهم! # وتابع أبناء زهرة دراستهم بنجاح، وحصلوا على مؤهلاتهم العليا، وانخرطوا في سلك الحياة، ~~وفتح الله عليهم فيها. # وكان أصغرهم الذي اشتغل بالسينما أكثرهم من الناحية المادية حظا. فقد أصبح بعد سنين ~~مديرا لإحدى شركات السينما الكبرى التي تدير منشآتها العديدة في القاهرة ~~والإسكندرية. # وفيما هو يوما بالثغر، جاء إلى مكتبه رجل محطم، تبدو عليه آثار الفاقة، ولا تنم كهولته ~~عن سن متقدمة، وطلب إليه في رجاء ملح أن يسند إليه ms081 عملا عنده يرزقه ويرزق أولاده. وأثار ~~منظر هذا الشيخ المهدم شفقة الشاب المدير، وتمنى لو استطاع أن يجيبه إلى ما طلب، وإن تبين ~~من حديثه أنه لم يزاول من قبل عملا يؤهله في الشركة لوظيفة ذات قيمة. وأشار عليه بأن يقدم ~~طلبه، ليعرضه على مجلس الإدارة، وأن يمر عليه في الساعة العاشرة بعد أسبوعين من ذلك اليوم، ~~فإن لم يجده بالمكتب وجده في استراحة المكتب، بالطابق الذي يعلو المكتب مباشرة. # هذا الكهل المهدم هو «أسعد»، الذي تزوج من الفتاة الغنية بالإسكندرية، بعد قصته مع زهرة، ~~وقد سلك بعد زواجه من تلك الغنية مسلك المترفين، فكان يبعثر أموالها، ويحسب أن هذه الأموال ~~لا نهاية لها. ورزق منها بنين وبنات كانت تربيتهم تستنفد مالا غير قليل. مع ذلك ظل أبوهم ~~على إسرافه وبعثرته. ونبهته زوجته إلى ذلك غير مرة، فلم يرعو. ثم اختلفا، وانتهى ~~خلافهما بالطلاق. وأخذت عليه زوجته أحكاما بنفقة لأولاده منها، وحبس مرة لعدم تنفيذها. ثم ~~إنه دار يلتمس عملا يعوله ويعول أبناءه، فذهب إلى مدير الشركة السينمائية لهذا الغرض. وأنس ~~في المدير الشاب شفقة عليه، فمر عليه في الموعد الذي ضربه له، فلما رآه الشاب قال له: لقد ~~عرضت أمرك على إدارة الشركة بالقاهرة، واستطعت أن أستخلص لك وظيفة تنال منها 15 جنيها في ~~الشهر! # وحدد له العمل الذي يقوم به، فشكره «أسعد» على صنيعه، وهو لا يعلم من هو، لأنه لم يره قبل ~~ذلك قط. # وبعد شهر، جاء الشاب المدير إلى الإسكندرية، ومعه والدته، ونزل وإياها استراحة الشركة. ~~وأراد «أسعد» أن يقابله لبعض عمله، فقيل له: إنه في الاستراحة. وأبلغ المدير، فأمر بأن يصعد ~~«أسعد» إليه، فلما دخل الاستراحة تراجع مبهوتا مبهور الأنفاس، إذ رأى مع الشاب سيدة تتحدث ~~إليه، ورأى الشاب يخاطب زهرة خطاب الابن إلى والدته، واستدار الشاب إلى «أسعد» وقال له: ~~انتظرني هنا حتى أعود، ولن أغيب أكثر من دقائق، ثم أراك وأنظر ما جئت فيه! # فلما هبط الشاب الدرج، وغاب عن نظر أسعد وزهرة، ms082 ألقى أسعد بنفسه أمامها وقال: الحمد لله ~~الذي لم يحوجني إلى غير ولدك! وأرجو منك أن توصيه بي خيرا، ولا أحسبك تأبين علي هذه ~~الكرامة، جزاء ما كان بيننا من مودة! # ونظرت إليه زهرة في كبرياء وقالت: سأفعل! وحسبي جزاء لك عن سوء ماضيك، أنك أصبحت اليوم في ~~خدمة ولدي، بعد أن أبيت صدر شبابك أن أكون أنا في خدمتك. لقد أردت يومئذ أن تحطم كبريائي، ~~فحطم الله كبرياءك، وهذا عدل جزاك الله به، وهو أعدل الحاكمين! # وطأطأ أسعد رأسه في صغار وهوان وقال: فاغفري لي يا زهرة ما كان من خستي ونذالتي، فأنا ~~أشد ما أكون اليوم حاجة إلى عفوك ومغفرتك! # وتابعت زهرة نظرتها المتعالية وقالت: إن الله هو الذي يغفر، أما الناس فلا يغفرون. وهو ~~يغفر للتائب الصادق الندم، وأحسبه غفر لي ما دام قد رزقني هؤلاء البنين، لكنني ما أزال ~~أشعر بالذلة كلما ذكرت أنني وقعت فريسة لخستك، فكأن الضمير لا يغفر، كما أن الناس لا ~~يغفرون! فتستطيع أنت أن تكفر عن ماضي آثامك بالتوبة والندم لعل الله يرحمك. # وخفض الرجل رأسه، ودخلت هي مخدعها، وأقبل المدير الشاب يسأل أسعد ما يريد. # | الأسرة الثانية # توفي في الخمسين من سنه، وهو في ذروة مجده، فقد كان عالما فاضلا وكاتبا بارعا، ~~وأستاذا يحيطه تلاميذه ومريدوه وزملاؤه بكل تجلة واحترام، ويعجب به قراؤه غاية الإعجاب. ~~وقد انتخب عميدا لكلية الآداب غير مرة. لذلك كان الذين شيعوا جثمانه لا يحصون عددا، وكان ~~ما كتبته الصحف في رثائه فخرا باقيا لذرية أنجبها. # مع هذا كله، لم يخلف تركة تذكر! # وقد توفي عن زوجة وثلاثة بنين. أما زوجته «رجاء»، فكانت سنها تدور حول الأربعين، ولكنها ~~كانت تبدو وكأنها لم تجاوز الثلاثين إلا قليلا. وكانت على حظ عظيم من الجاذبية، كان في ~~عينها بريق يمسك إذا نظرت إليها، فلا تزال محدقا بها، مأخوذا بما ترى من حلو ملامحها، ~~وما تسمع من سحر حديثها. وكانت لنبرة صوتها موسيقى، قل أن وهبت واحدة من بنات حواء ms083 ~~مثلها ، طلاوة واستهواء لسامعها. وكانت معتدلة القوام، ممتلئة في غير سمنة. وكانت تحب زوجها ~~كل حياته أعمق الحب، وترى مجده تاجا لها، تزدان به، وإن لم تتزين بحلية ثمينة تباهي بها ~~غيرها من النساء المتزينات. # وكان أكبر ولدها، شاب في الثانية والعشرين من سنه، وقد أتم دراسته الجامعية، وحصل على ~~إجازة الآداب بتفوق. على أنه كان أشد اعتزازا بمجد أبيه، منه بتفوقه. وكان يرجو أن يسير ~~على نهج هذا الوالد الكريم، فيبدأ معيدا بكلية الآداب لينتهي عميدا لها، كما كان أبوه ~~عميدا. # وكان لعزيز أخت تصغره خمس سنوات، وأخ يصغر هذه الأخت خمس سنوات كذلك. # وقد لبست الأسرة كلها الحداد على ربها، وتولاها حزن عميق على هذا المصاب الفادح. وكانت ~~رجاء أشد من أبنائها شعورا بالكارثة؛ فتركة أبيهم ومعاشه لا يكادان يكفيانهم العيش الكريم ~~الذي تعودوه طول حياته. صحيح أن عزيزا يوشك أن يعين معيدا بالكلية، فيعينهم ~~مرتبه بعض الشيء، لكن هذا العون لم يكن شيئا مذكورا إلى جانب ما كان الأب يكسبه من قلمه، ~~ومن كتبه، ومن المرتب الذي كان يزيد على ضعف معاشه. ~~••• # وبعد زمن، انقضت في أثنائه المواسم المألوفة للحزن على الذين يتوفاهم ربهم، تقدم لخطبة ~~رجاء تاجر واسع الثراء، توفيت زوجته منذ أشهر، تاركة له ولدا وحيدا. ونمى إلى عزيز نبأ ~~هذه الخطبة فذهب إلى أمه يسألها: أحق ما سمع؟ وأجابته رجاء: هو حق يا بني، وأنت شاب عاقل، ~~تقدر الأمور حق قدرها. أنت تعلم كم كنت أحب أباك، وكم كنت فخورة به، وكم كنت أتمنى - لو ~~استطعت - أن أظل على الوفاء لذكراه بعد موته، كما وفيت له في حياته. لكنك تعلم كذلك أنه ~~تركنا، ولا تكاد تكون له تركة تقيم الأولاد. ولا أريد أن تعيش أختك، ويعيش أخوك، في ضيق بعد ~~أن تعودوا رفه الحياة وسعتها. هذا إلى أنني امرأة لم تتخط الشباب، ولا أريد أن يتحدث ~~الناس عني بكلمة تؤذيك، أو تؤذي أختك وأخاك. # كان عزيز يسمع هذا الكلام من أمه، ولا يكاد يصدق ms084 أنها هي التي تتكلم. فمعنى ما تقول أنها ~~قبلت خطبة هذا التاجر لثروته، وأنها تريد أن تعيش أخته، وأن يعيش أخوه، من هذه الثروة التي ~~لم يكسبها أبوهم. فكأنما تريد أن تبيع نفسها من أجل ولديها! # وصمت الشاب طويلا، بعد أن أتمت أمه حديثها، ثم قال: أتعرفين سمعة هذا التاجر، الذي ~~تريدين أن يحل منك مكان أبي؟! أولم تسمعي ما يقوله الناس عن «شحاتة» هذا، وكيف كنز ماله ~~وجمع ثروته؟ أما سمعتك فأمرها بيدك لا بيد الناس، وما كنت أحسبك تتزوجين بعد أبي، لأي ~~سبب أو لأي اعتبار. وأنا لم أحضر اليوم لأناقشك، بل لأنهي إليك أنه إذا تم هذا الزواج فلن ~~تري لي وجها ما حييت! # قال عبارته هذه في غضب، وانتفض واقفا وانصرف. # لكن السيف كان قد سبق العذل، فقد كان بعد الظهر من ذلك اليوم محددا لعقد الزواج، ولم ~~يكن في مقدور رجاء أن تتراجع ومكان العقد بيتها، والسيد «شحاتة» سيحضر للموعد لا محالة. ثم ~~إنها لم تجد لثورة عزيز عذرا يسوغها: إنها تريد الخير لنفسها ولأبنائها، وتريده حلالا ~~طيبا، فإذا صح أن يغضب ولدها لذكرى أبيه، فمن الواجب عليه أن يقدر ظروفها وظروف إخوته، وأن ~~يقدر ظروفه هو كذلك. فهو لم يتول بعد عملا يرزقه. وهبه تولى هذا العمل غدا، واستطاع ~~أن يعيش منه عيشا متواضعا، فليس من حقه أن يفرض على أمه وعلى أخويه حرمانا لم يألفوه في ~~حياة أبيه، أو أن يتهم أمه بعدم الوفاء لأبيه، لأنها أرادت أن تكفل لأبنائه العيش ~~الكريم! ~~••• # تم العقد في الموعد المضروب، وانتقلت رجاء وولداها في مساء اليوم نفسه إلى منزل السيد ~~شحاتة بالزمالك. أما عزيز، فقضى ليله في بيت قريب لأبيه، ومن حسن حظه أن قرار تعيينه معيدا ~~في كلية الآداب أبلغ إليه بعد أيام قلائل. وزاده الحظ مواتاة، أن بعثت حكومة العراق تطلب ~~إلى مصر أساتذة ومدرسين، فسعى عزيز سعيه، فانتدب بإحدى هذه الوظائف. وبعد أسابيع، سافر إلى ~~بغداد، من غير أن يرى أمه، ليتولى عمله ms085 في عاصمة الرشيد. وبذلك بر بإنذار أمه أنه لن ~~يراها إذا تزوجت بعد أبيه! # انتقلت رجاء إلى منزلها الجديد، وكان هذا المنزل أشبه بالقصر في بنائه، وإن لم يكن شبيها ~~بالقصر في فسحة أرجائه. وقد شاده شحاتة من سنين قليلة، بعد أن قضى عمره في الكفاح والحرمان، ~~يسكن بيتا قديما بحي السكاكيني، ويخرج منه كل صباح مبكرا إلى محل تجارته، يقضي فيه ~~النهار بطوله، فإذا أمسى عاد إلى بيته، وقلما يخرج منه إلا لعمله. فلما قارب الستين، وكان ~~الله قد وسع بفضل الحظ في رزقه، رأى من حق نفسه وزوجه وولده، أن يعيش ما بقي من سني ~~حياته، في سعة تتفق مع ثرائه، وتعوض عليه كفاحه وحرمانه، وتسمو به فوق ما كان الناس يلصقونه ~~به من شح وتلاعب. # وقد أثار موقف عزيز من أمه في ذلك اليوم غضبها منه، وإن لم يغير قلبها عليه. وأدى ذلك، ~~منذ انتقلت إلى بيتها الجديد، إلى أن تهب زوجها كل نفسها، وأن تطمع في أن يكون له منها بعد ~~تسعة أشهر ولد، فقد مست كلمات عزيز صميم كرامتها، فأثارتها بكبرياء هذا الشاب الذي ظن نفسه ~~رجلا، ونسي أنها أمه، وأنها أكثر منه تجربة وحكمة، وأبعد منه نظرا، وأدق منه للأمور ~~تقديرا. لذلك لم تحجب عن شحاتة شيئا عن نفسها، غضبا من هذا الشاب، الذي لم يرع حق ~~أمومتها، وما أوصى الله به الأبناء إحسانا بالوالدين! # وانقضت أيام وأسابيع، وبدأت رجاء تحس الفرق الشاسع بين زوجها الأول وزوجها الثاني. ما ~~أجمل المنزل الذي تعيش اليوم فيه بالقياس إلى الطابق الذي كان سكنها مع زوجها الأول! وهذه ~~السيارة الفخمة، التي تنتظرها كل صباح، لتخرج بها إلى حيث شاءت، لم يكن لها سيارة من طرازها ~~في تلك الأيام، وحساباتها المفتوحة في المتاجر تسمح لها بما تشاء من بذخ وترف. لكنها لا ~~تشعر مع ذلك بالسعادة النفسية التي كانت تشعر بها من قبل، لقد كان غذاؤها المادي يومذاك أقل ~~دسامة من الغذاء المطروح اليوم أمامها وتحت قدميها ... لكنه ms086 كان غذاء كافيا، يجعلها تقف مع ~~ذوات البذخ والترف على مستوى واحد. ثم كان لها غذاء آخر، وليس لذوات البذخ والترف حظ منه: ~~كان لها زوجها الذي يفيض عليها من عقله وقلبه نورا ومحبة يرتفعان بها إلى سماء العاطفة، ~~وكان لها من مجد هذا الزوج ما يحيطها بجلال، ينطفئ دون لألائه بريق الماس وتألق الجواهر؛ ~~لأنها كانت ترى في أعين الذين ينظرون إليها، أنها شريكة في هذا المجد، وصاحبة فضل ~~فيه! # أما زوجها الثاني، فكانت تشعر إلى جواره، بأنه تاجر في عواطفه، كما أنه تاجر في مهنته. ~~كان يريدها دائما أن تشعر بأنه يبيعها شيئا مقابل شيء ... يبيعها رخاءها ورخاء ولديها، ~~لتبيعه حبها ووجودها. كانت الحياة في نظره أخذا وعطاء، لا يهب فيها أحد لأحد شيئا من نفسه ~~ولا من قلبه دون مقابل! # لكن الأيام أقنعتها بعد قليل أنها يجب أن تذعن لحظها، فهي حامل، وبعد أشهر ستكون شريكة ~~شحاتة في الطفل الذي يرزقانه. # والطفل قيد، إن يكن من ذهب، فهو على كل حال، قيد يربط أبويه يدا إلى يد، وقلبا إلى قلب، ~~لتنصب كل عواطفهما على هذا الصغير البريء. والأم أحرص على هذا القيد الذهبي، تسخر ~~به الأب لولدها. والجنين الذي تحمله رجاء في أحشائها يناديها من كنه، لتسكت كل حفيظة على ~~زوجها، من أجل هذه العلقة التي تتكون إنسانا. # لذلك كانت تبدي لزوجها التاجر ما لم تكن تبطن، في انتظار اليوم الذي يصبح فيه هذا الرجل ~~المعتز بماله خادما لطفلها، يوم تعتز هي بمولده. # وكانت رجاء من زوجها في موقف أشد حرجا من موقف أي حامل غيرها. فمنذ عرفت أن عزيزا سافر ~~إلى العراق، بدأت الهواجس تساورها بشأنه. إنه هجر وطنه غضبا منها، لأنها تزوجت بعد أبيه. ~~ترى ما عسى تكون حاله هناك في هذه الغربة التي فرضها على نفسه بسببها؟ أهو مطمئن لأنه ~~يتناول ببغداد مرتبا مضاعفا؟ أم يعذبه الحنين إلى وطنه والشوق لإخوته؟ أم أنه نسي الوطن ~~والإخوة والأم، وأغرق همه في بحر من اللهو والشراب، ms087 أو في أحضان فاجرة تعبث به، ولا ترعى في ~~شبابه إلا ولا ذمة؟ وهل تراه يجيبها إذا كتبت له حتى تطمئن على أحواله؟ ألا فليله ~~ما شاء، وليعبث ما طاب له العبث، على أن يكون في صحة وطمأنينة! # وتعاقبت الأشهر، وأنجبت رجاء بنتا، ظريفة ظرفها، رقيقة رقتها. فملكت بها قلب شحاتة، ~~أكثر مما ملكته بنفسها وحواسها. فقد كان الرجل مشوقا إلى بنت تكون أختا لابنه من زوجه ~~الأولى، تؤنس رقتها ويؤنس شبابها شيخوخته وكهولة أمها! # واغتبطت رجاء بهذه البنت، وإن لم يعزها مولدها عن إصرار عزيز على ألا يبعث إليها بكلمة، ~~ردا على الخطابات التي بعثت بها إليه. وقد ظل عزيز على إصراره، حتى يئست رجاء منه، فأمسكت ~~عن الكتابة إليه، مكتفية بأن تسأل من يقدم من بغداد عن أخباره وأحواله! # وتعاقبت السنون، وأتم أخو عزيز الأصغر دراسته الثانوية، وآن له أن يلتحق بالجامعة، وكان ~~يود أن يسلك طريق أبيه وأخيه، وأن يدرس الآداب، حتى لا تنسى الكلية ذلك الأب الذي افتخر بها ~~وافتخرت به. # لكن شحاتة كان له رأي آخر، كان يرى أن يقف الفتى عند المرحلة التي بلغها، وأن يعمل معه في ~~التجارة. وكانت حجته أن الحياة العملية أقوى أثرا في تكوين الشخصية من الدراسة ~~النظرية. # لكن رجاء أبت رأي زوجها كل الإباء، فألح شحاتة في أن يلتحق الفتى بكلية التجارة؛ لأن ~~التجارة تنبت الذهب من الحجارة، كسبها وفير، ورزقها حلال. وما قيمة المجد وقد فارق الدنيا ~~والد الفتى وليست له تركة تذكر؟ لقد كانت مأساة وشحاتة حريص على ألا تكرر هذه ~~المأساة! # ولم تستطع رجاء معارضة زوجها في هذا الرأي، وهي تعيش مع ولديها في كنفه. لهذا التحق الفتى ~~بكلية التجارة. ومكنه ذكاؤه من التفوق فيها. # وكما فكر شحاتة في أن يتجه أخو عزيز الأصغر إلى التجارة، احتياطا للمستقبل، كذلك فكر في ~~تزوج ابنه من زوجته الأولى، ابنة رجاء، ليكفل للأسرة كلها مستقبل رفاهية ورخاء. # وبعد سنوات انتهت مدة الانتداب التي سمح بها لعزيز في العراق، فدعته ms088 جامعة القاهرة ليعود ~~إلى منصبه فيها. وكان عزيز مشوقا للعودة إلى مصر، مصرا مع ذلك على ألا يرى أمه ما عاش. ~~لقد رقي في وظيفته، واقتصد من مرتبه المضاعف في العراق ما يسمح له بالعيش الكريم في ~~القاهرة. ثم إنه كان مصرا على أن يحصل على الدرجات العلمية التي حصل عليها أبوه من قبل، ~~والتي تؤهل صاحبها إلى منصب الأستاذية والعمادة. ولا يتأتى له ذلك مع بقائه في ~~العراق. # عاد إلى القاهرة، ونزل بها فندقا، لا يكلفه نفقة طائلة، وبدأ يضطلع بعمله في كلية ~~الآداب. وعرفت أمه عودته، فبعثت إليه أخاه يدعوه لمقابلتها. وتلطف أخوه في الحديث معه، وذكر ~~له تقدمه في كلية التجارة، وأفضى إليه برسالة أمه، وبشدة شوقها للقياه. # قال عزيز متهكما: «أتراها تريدني أن أذهب إليها في بيت السيد شحاتة؟! كلا يا أخي! عد ~~إليها فأبلغها أنني ما أزال عند رأيي الذي أنهيته إليها يوم رأتني لآخر مرة.» # قال أخوه: «لقد قدرت والدتي أنك لا ترضى أن تجيء إلى بيتنا، وهي لذلك حريصة على أن ~~تلقاك حيث شئت. ولا بأس بأن تجيء إليك في هذا الفندق.» # قال عزيز: «أبلغها يا أخي، أن هذا المكان لا يليق باستقبالها واستقبال سيارتها الفخمة، ~~وأنا - على أية حال - على العهد الذي قطعته لها ألا أراها وقد تزوجت بعد أبي!» # وعبثا حاول الفتى أن يحمل أخاه على العدول عن رأيه، فهو مصر عليه كل الإصرار، ولا ~~سبيل إلى تحويله عنه. فلما يئس منه أخوه، وهم بالانصراف، أمسكه عزيز من ذراعه وسأله: كيف ~~حال أختك؟ ألم يتقدم لها خاطب ليتزوجها؟ # وتلعثم الفتى حين سمع هذا السؤال، وبدا عليه الاضطراب، ثم لم يجد بدا من أن يفضي لعزيز ~~بأنهم يتكلمون في زواج أخته من ابن السيد شحاتة. عند ذلك ثار ثائر عزيز، وصاح بأخيه: تتزوج ~~من ابن السيد شحاتة، ولا تبدي أنت اعتراضا؟! # أكذلك أصبحت أنت كما أصبحت أمك منهم، ولم تبق ابن أبيك؟ ألا أبلغ أمك أن هذا ~~الزواج لن يكون، فأنا ولي ms089 أختي شرعا، ولن تتزوج بغير موافقتي! # وعاد الفتى إلى أمه وقص عليها ما دار بينه وبين أخيه، فاضطربت، بل كادت تصعق. إنها ~~كانت ترجو أن تضم الأسرتين وتجعل منهما أسرة واحدة. فإذا اختاره الله إليه كانت أما لهذه ~~الأسرة كلها، وعاشت ما بقي من حياتها في طمأنينة ونعمة. وهذا عزيز يريد أن يفسد عليها كل ~~تدبيرها، وكانت تحسبه بالغا غاية الإحكام. فما عساها أن تفعل؟ وأي موقف تقفه من ابنها ~~الأكبر، وقد وضعها بينه وبين زوجها وضعا لا تحسد عليه؟ # وقضت الليل بطوله تقلب الأمر على وجوهه، فلما أصبحت ذكرت لشحاتة أن قلبها لا يطاوعها على ~~ألا ترى عزيزا. # قال زوجها: «ذلك شأنك فاصنعي ما تشائين، ولا اعتراض لي على أن تلاقيه حيث شئت أو حيث شاء، ~~إذا هو سمح بلقائك. أما أنا فلا سلطان لي عليه.» # هنالك انفجرت رجاء باكية وقالت: «ولكنه بعث يهدد بالوقوف في سبيل تزويج ابنتي من ابنك، ~~بحجة أنه وليها الشرعي، ولا بد من موافقته على هذا الزواج.» # وصدمت هذه العبارة شحاتة فقال: «هذا كلام أطفال، ويجب أن نتم عقد القران بأسرع ما ~~نستطيع.» # وازدادت رجاء اضطرابا لما سمعت، وانصرف شحاتة إلى عمله. وإنهم لفي صبح الغد من ذلك ~~اليوم؛ إذ حمل المحضر إليها إنذارا من عزيز، بأنه يعارض تزويج أخته من ابن شحاتة بوصفه ~~وليها الشرعي، ويبني اعتراضه على عدم الكفاءة بين الفتاة وخطيبها. فالجاهل ابن الجاهل لا ~~يكون كفؤا لابنة عالم عظيم! ~~••• # لم يكن ذلك الإنذار ورقة تهمل، بل كان إيذانا بحرب شعواء، بين عزيز وأمه وزوجها. وعرف ~~شحاتة هذا الإنذار، حين رجع لموعد الغداء، فاستشاط غضبا وقال: لا بد أن يتم عقد القران هذا ~~الأسبوع. # فلما رجع إلى عمله، بعد أن استراح من غذائه، لم تطق رجاء صبرا، فأخذت سيارة أجرة، وذهبت ~~إلى مسكن ولدها، ودخلت عليه غرفته، فلما رآها تراجع مأخوذا بلقاء لم يكن يتوقعه. وأسرعت ~~إليه أمه، فألقت بنفسها عليه، وأخذت تقبله، وقد كست دموعها وجهها، وهي تقول: وترفض أن ms090 ~~تراني أنا ياعزيز؟! ترفض أن ترى أمك؟! إن أكن قد أخطأت فإني أستميحك العفو والمغفرة. ~~نعم يا ولدي، هبني عفوك ومغفرتك. إنك لا تعلم كم تألمت لسكوتك عن الرد على خطاباتي ~~إليك بالعراق، وكنت أرجو يوم تعود أن ألقاك، وأن نتفاهم. أما وأنت مصر على موقفك مني، ~~فأنا عند ما تريد. ألقيت إليك مقاليد أمري، ووضعت بين يديك مصيرنا جميعا. فاحكم فينا، فأنت ~~منا مكان أبيك! # سمع عزيز هذا الكلام، فبلغ منه التأثر غاية مداه، فأقبل على أمه يقبل يديها، ويقول لها: ~~بل أنا الذي أستغفرك يا أماه! ولكني لن أرضى أن تتزوج شقيقتي من هذا الشاب طمعا في ثروة ~~أبيه، فاسم أبينا أكرم من كل ثروة، وأنا لا أطيق أن أسمع اسم السيد شحاتة، وهو الذي غصبك ~~مني، فأدى ذلك بي إلى أن نفيت نفسي من وطني كل هذه السنين! # وألقت رجاء ببصرها إلى الأرض حين سمعت هذا الكلام، ثم قالت: «ولكن لي منه بنتا هي ~~أختك!» # قال عزيز: «ذلك ما يزيدني ضغنا عليه، وكراهية له!» # لم ترد رجاء أن تتابع هذا الحديث، بعد أن شعرت بأن عزيزا أخذ يعود إليها، ويصغي قلبه ~~إلى أمومتها. فجعلت تسأله عن العراق، وعن حياته فيه. وطال حديثهما، وسرقهما الوقت، فإذا ~~المساء يقبل، وإذا رجاء لا تستطيع مع ذلك أن تغادر مجلسها بجانب ولدها. وإنهما لكذلك، إذ ~~فتح الباب ودخل شحاتة، وعيناه تقدحان الشرر. # لقد أذن لزوجته أن ترى ابنها قبل أن يوجه إليهم هذا الإنذار المهين له. أما وقد وجهه، ~~فزيارتها إياه اشتراك منها مع ابنها في إهانته. فإن رأت أن ترجع إلى بيته، فلتقم معه ~~لفورها، على ألا ترى عزيزا من بعد أبدا! # وقع هذا الكلام على الأم وقع الصاعقة، فاضطربت نظراتها بين زوجها وابنها، ثم ارتمت ~~بينهما وهي تقول: رحمة بي أنا الأم البائسة المسكينة! عزيز ابني، وابنتك الطفلة البريئة ~~الصغيرة ابنتي ... أنا أمهما جميعا. رفقا بي! حرام عليكما تعذيبي! # لكن غضب شحاتة لم يكن يعرف حدا. لقد بدأ هذا ms091 الغضب في نفسه منذ عاد إلى بيته فلم يجد به ~~زوجته، وأيقن أنها ذهبت إلى ابنها في مسكنه. ثم استمر هذا الغضب ينمو ويزداد ويتفاقم حتى ~~ملك عليه كل صوابه. لذلك صاح برجاء: اختاري بيني وبين ابنك هذا؟! # قالت رجاء بصوت خنقه البكاء: لا خيار لي! والموت أحب إلي من هذا الخيار! # ازداد بشحاتة الغضب حين سمع منها هذا القول، فتقدم نحوها يصيح: انهضي أيتها الحمقاء! ~~أتعقدين بيني وبين هذا الشاب أية مقارنة؟! # أتحسبينه قديرا على أن يطعمك ويكسوك، إذا لم تكوني في كنفي؟! قومي. اختاري: أنا؟ أم ~~هو؟ # ونظر عزيز إليه محنقا وقد صعد الدم إلى رأسه، ثم اندفع نحوه ملوحا بقبضة يده، ~~وكأنما يريد أن يضربه وهو يقول: «أتحسب أنك اشتريتها بمالك الدنس؟!» # وامتقع لون شحاتة لصنيع عزيز، وبلغ منه الانفعال غايته، فوقف هنيهة، ثم ارتد على عقبيه، ~~وهو يهمهم بين أسنانه: اللهم اخز الشيطان! # فلما بلغ الباب، ارتد ببصره إلى زوجته وقال: قومي الآن إلى بيتك، وإلا فهو عليك ~~حرام! # ونظرت رجاء إلى عزيز متخاذلة، وقامت تتبع زوجها وهى تقول: «إلى اللقاء يا بني!» # وأجابها عزيز: «وداعا يا أماه!» # وأردفت هي تقول: «بل إلى اللقاء!» # وقضى شحاتة ليلة نابغية، هده التفكير أثناءها، ولم يهده إلى شيء يواجه به ما حدث. ~~وأصبح متعبا غير قادر على الذهاب إلى متجره. فلما أمسى كانت الحمى قد ركبته، ثم شعر ~~بألم جاء في الناحية اليسرى من صدره ومن كتفه، واستدعى طبيبهم الخاص، ففحص هذا الشيخ ~~الهرم، وأدى به الفحص إلى تشخيص نوبة قلبية مفاجئة، قد لا تبلغ حد الخطر على حياة المريض ~~إذا لزم الراحة التامة المطلقة، وإذا لم يتأثر المخ بالانفعالات العنيفة التي مر الرجل ~~بها. # واستدعت رجاء أطباء القلب لمعاونة طبيبهم الخاص، فأبدوا من العناية بالمريض ما لا مزيد ~~عليه، وكانوا يترددون عليه كل يوم غير مرة لعيادته. # لكن لكل أجل كتابا، فإذا جاء أجلهم لا يستقدمون ساعة ولا يستأخرون. وبعد أربعة أيام ~~من الحديث العنيف، الذي جرى بين ms092 عزيز وأمه وزوجها، أسلم شحاتة روحه، برغم عناية الطب، ~~وعناية زوجه وابنه. وشيعت جنازته، وأقيم مأتمه بما يتفق مع واسع ثروته. # وحسم موته ما فرضه على رجاء من الاختيار بينه وبين ابنها، فالتقيا على قبره وكفل نصيبها ~~ونصيب ابنتها الصغرى في الميراث، للأسرة كلها، عيشا كريما. # وتولى ابن شحاتة إدارة التجارة لحسابهم جميعا، وإن أصر عزيز على ألا يزوجه ~~شقيقته! # | الدين والوطن # كانت رقيقة غاية الرقة، ذكية غاية الذكاء، أكثر اعتزازا بذكائها منها بجمال يلفت النظر. ~~ورثت من أمها الشركسية بياضا وصفاء لبشرتها، ومن أبيها الصريح في مصريته جاذبية قوية في ~~نظراتها باسمة الثغر، معتدلة القوام، لولا ذكاؤها النفاذ، الذي يسمو بها فوق كل اعتبار ~~سواه، لكان لها أن تتيه ما شاءت بجمالها. # وقد تفوقت «سمية» على زميلاتها في الجامعة، تفوقا أدى إلى اختيارها حين حصلت على درجتها ~~الجامعية، لتتم علومها بباريس. وذهبت إلى العاصمة الفرنسية، والتحقت بالسوربون لتحصل على ~~الدكتوراه. وقد أتاح لها ذكاؤها أن تتابع في معاهد الدراسات العليا العديدة، التي يفخر بها ~~حي باريس اللاتيني، محاضرات مختلفة في الفن والأدب، جعلت من ثقافتها العامة عالما فسيحا، ~~وصقلت منطقها وتفكيرها، فإذا تحدثت سعد المستمعون إليها بأعذب متاع وأدسمه. # وكانت الجمعية الإسلامية في باريس تجتمع مساء الجمعة من كل أسبوع، في بهو من أبهاء ~~الجمعية العامة للطلاب، وكان يحضر هذه الاجتماعات شبان مسلمون من كل الجنسيات. كان يحضرها ~~أبناء البلاد العربية، ويحضرها التركي والإيراني والروسي والهندي والصيني وغيرهم من شبان ~~العالم الإسلامي، المنتشرين في أرجاء الأرض المختلفة. ولم يكن يحضر هذه الاجتماعات من ~~الفتيات إلا قليلات، كن يترددن عليها أحيانا وينقطعن عنها أحيانا، خلا «سمية» فقد كانت ~~حريصة على أن تشهد الاجتماعات كلها، وكانت - على خلاف ~~زميلاتها - لا تأبى أن تشترك في مناقشات الجمعية، مؤمنة بأن هؤلاء الشبان الذين يحضرون ~~جلساتها سيكون لهم في نهضة العالم الإسلامي عما قليل أبلغ الأثر. # وكان من هؤلاء الشبان متحمسون بالفعل للعالم الإسلامي ونهضته أشد التحمس، فكانوا يثيرون ~~في مناقشاتهم أحداثه، ويعلقون على ms093 هذه الأحداث، ويتخذون في بعض الأحيان قرارات يبلغونها ~~لدولة أو أكثر من دولة، أو يحتفظون بها لأنفسهم، ويعتبرونها عهدا مقطوعا على كل واحد منهم ~~أن يحققه في المستقبل. # كان «سليم سولوكوف» من أكثر أعضاء الجمعية الإسلامية تبريزا بين إخوانه، وكان شابا ~~روسيا، من «جورجيا»، وسيم الطلعة، أسود الشعر، نحيفا، قوي الصوت في اتزان، رضي الخلق ~~محببا بذلك إلى كل إخوانه، وقد اختاره زملاؤه رئيسا للجمعية، فاعتذر لهم شاكرا حسن ~~ثقتهم؛ لأن مشاغله في دراساته تحول دون قيامه بأعباء الرياسة على الوجه الذي يطمئن له ~~ضميره. وقد كان إذا تكلم عن الإسلام والمسلمين سما بتفكيره فوق المألوف من كلام سائر ~~الأعضاء، فأصغى الكل له في إعجاب وإكبار، وأفضى بعضهم إلى بعض بأن هذا الشاب النابه سيكون ~~له في المستقبل شأن عظيم. # وكانت «سمية» من أشد المعجبين بسليم، وكان هو شديد الإعجاب بها، وأدى تبادلهما الإعجاب ~~إلى تقاربهما، ثم إلى صداقتهما، وكانا كثيرا ما يتحدثان عن العالم الإسلامي، الناهض في ذلك ~~الحين إلى الحرية وإلى الكرامة، لينسى ما فرضه السلطان الأجنبي عليه من مذلة قرونا عدة، ~~فكانت آراؤهما تلتقي عند آمال يسعد بها هذا العالم، ويطمئن لها الدين القيم. # ومرض «سليم» فانقطعت «سمية» لتمريضه. تركت محاضراتها في السوربون، وفي المعاهد الأخرى ~~التي كانت تتردد عليها، وجعلت تقضي نهارها إلى جانبه، فإذا أظلم الليل، تركته إلى عناية ~~صاحبة «البنسيون» الذي يقيم به، بعد أن توصيها في لهجة كلها الحنان والإشفاق، أن ترعاه إلى ~~حين عودتها في الصباح. فلما أبل الشاب من مرضه، كانت عنايتها به قد وثقت ما بينهما من ~~مودة، ونقلت هذه المودة خطوات إلى ناحية العاطفة الإنسانية السامية ... عاطفة الحب! # وإنهما ليسيران يوما في حديقة «اللوكسمبورج» إذ قال لها: اسمعي يا سمية. إنني أشعر بعد ~~عنايتك بي أثناء مرضي أنني مدين لك بحياتي، فهل ترين ما يمنع من أن أجعل هذه الحياة في ~~خدمتك إلى نهايتها، وذلك بأن نتزوج؟ # وألقت الفتاة ببصرها إلى الأرض ولم تجب، فأردف: أرجو أن تفكري في ms094 الأمر ، وسأعود إلى ~~الحديث معك عنه. # كان ذلك في آخر السنة الأولى، من سني الحرب العالمية الثانية، وكانت باريس قد أصبحت في ~~سلطان الألمان، فكانت المراسلة بين مصر وفرنسا المحتلة منقطعة أو تكاد. فلم يكن يسيرا أن ~~تراسل «سمية» أهلها لتستشيرهم فيما يعرضه «سليم» عليها. وأبى عليها ذكاؤها وكبرياؤها أن ~~تخاطب أحدا من زملائها أو زميلاتها المصريين في أمر يعنيها ولا يعني غيرها. فقضت ليلها ~~تفكر في عبارة سليم، الوجيزة، ثم ذكرت أول ما ذكرت، عهدا قطعته لأمها عشية سفرها من مصر: ~~ألا تتزوج من أجنبي. # أوتستطيع وقد قطعت هذا العهد على نفسها أن تقبل خطبة سليم إياها؟ إنها تحبه كما يحبها، ~~وتشعر بأنها ستنعم في هذا الزواج بسعادة لا ترجوها في زواج غيره ... لكنها حريصة على الوفاء ~~بعهد قطعته لأعز الناس عليها وأحبهم إليها ... لأمها. فهل من سبيل إلى التحلل من هذا العهد؟ ~~ألا لو أنها وجدت الوسيلة لذلك لما ترددت في الزواج من سليم! # وإنها لحيرى أمام هذا العهد المقدس؛ إذ سمعت صوت نفسها يناديها: لكن سليما ليس أجنبيا، ~~إنه مسلم وأنا مسلمة، والدين يربط بيننا بوثاق لا يقل عن وثاق الوطن قوة. بل الدين هو وطننا ~~الأكبر، وطننا الأقدس، وهو الرابطة السامية فوق كل رابطة. أليس يجيز الشرع أن أتزوج ~~مسلما، أيا كان البلد الذي يعيش فيه، ويحرم علي أن أتزوج غير مسلم من أبناء الوطن الذي ~~ترتسم حوله حدود أرض! فإذا أنا تزوجت سليما فلن أكون قد نقضت العهد الذي قطعته لأمي أو ~~نكثت به، ولذلك لن تغضب هي يوم تعلم بهذا الزواج! # وتردد صوت نفسها في أعماق وجودها واستجابت له روحها، لكن ذكاءها المتوقد حرص على أن يقيم ~~لهذا الصوت منطقا عقليا، حتى لا تتهم بأن تيار العاطفة جرفها، فالتمست في نداء نفسها ~~وسيلة تحلها من عهدها! # ولم يعي ذكاؤها عن الاستجابة إلى نداء عاطفتها، فأرسى منطق هذا النداء على قواعد اطمأن ~~لها وجدانها. # لقد كانت تشعر، إذ كانت بمصر، أنها أقرب إلى أهل دينها ms095 منها إلى غيرهم من أبناء وطنها، ~~إلا ما ندر. وقد زارت الشام سنة مع أبيها، فشعرت نحو أهله المسلمين بالمودة والقربى؛ لأن ~~دينهم دينها ولغتهم لغتها. # ودين سليم دينها، وهو يتكلم الفرنسية كما تتكلمها، فلهما لغة مشتركة ودين واحد. ولا ريب ~~أن سليما يشعر نحو المسلمين الروس بما تشعر هي به نحو المسلمين المصريين، ويشعر نحو ~~المسلمين غير الروس بمثل ما شعرت به نحو أهل الشام، فله إذن وطن أكبر، كما أن لها وطنا ~~أكبر. وهذا الوطن مشترك بينهما، فليس أيهما إذن أجنبيا عن صاحبه، ولن تكون بقبولها الزواج ~~منه قد نكثت بعهدها أو أخلت به! # جعلت سمية تقلب هذه الحجج في دخيلة نفسها طول ليلها، فجفاها النوم إلى مطلع الفجر. وفي ~~الظهيرة التقى بها سليم في المطعم الذي يتناولان الغداء فيه، فنظر إليها بعين فيها ~~الاستفهام، كأنما يريد أن يعرف رأيها فيما عرضه عليها. وأمسكت هي عن الجواب، فصرف الحديث ~~إلى موضوع آخر. # وتحدث إليها صبح الغد بالتليفون، ليلتقيا في حديقة اللوكسمورج. فلما تقابلا وبادلته ~~التحية، لم يمهلها أن قال لها: لقد قضيت الليلتين الماضيتين لا أذوق طعم النوم في انتظار ~~جوابك، فهل أطمع في أن أسمعه اليوم؟ # وأجابته: «لقد كان شأني مع النوم شأنك ... والآن أنت وما تريد. ولندع الله أن يسعدنا ~~بهذا الزواج!» # وتزوجا. وبعد سنتين أنجبا غلاما، ولم يمنع ذلك سمية من متابعة دراستها والحصول على ~~الدكتوراه التي التحقت بالسوربون لتحصل عليها. ووضعت الحرب بعد ذلك أوزارها، واستعادت فرنسا ~~حريتها، وعادت المراسلات بين مصر وباريس، وكتبت سمية إلى أمها تزف إليها البشرى بنجاحها، ~~وتخبرها كذلك بزواجها، وبالغلام الذي رزقها الله ثمرة لهذا الزواج. # وكررت سمية في خطابها مرات عدة أن زوجها مسلم من آباء وأجداد مسلمين، وأن الإسلام وطن ~~للمؤمنين به جميعا، وأن ذلك هو الذي أقنعها بالزواج منه، بعد الذي رأته من كمال صفاته، ~~واستيقنته من كريم حسبه! # مع ذلك ريع أبواها لنبأ زواجها، فلم ينبئا به أحدا، وبلغ من روع أمها أن ~~قدرت أنها ms096 فقدت سمية إلى الأبد، ولولا مخافتها أن يفتضح الأمر - وهي حريصة على إخفائه ~~- للبست السواد على هذه البنت، كما لبسته على أخت لها ماتت من قبل ودفنت في صحراء ~~القاهرة! # وكتبت الأم إلى سمية كتابا قاسيا، ذكرتها فيه بالعهد الذي نكثته، وبالعار الذي ~~جلبته على أهلها، وذكرت لها أنها لم تعد ابنتها، وأنها لا تريد قط أن تراها، وأن قلبها، قلب ~~الأم، ساخط عليها وعلى فعلتها النكراء. # ولم تخف سمية عن زوجها غضب أمها، فقال سليم: «فلنذهب إلى روسيا، وستجدين في بلادي وبين ~~أهلي ما يهون عليك غضب أهلك.» # قالت: «أوتراك تريد أن نترك ما نستمتع به من حرية في باريس، لنعيش في جو الإرهاب ~~الشيوعي، لا يعرف الإنسان فيه ما مصيره إذا أبدى رأيا لا يعجب الحاكمين! كلا يا صديقي! إن ~~شئت أنت فاذهب إلى أهلك، ودعني هنا مع ولدي، فإني أوثر الحرية ولا أرضى بها بديلا! وكيف ~~تحسب أهلك يستطيعون أن يهونوا علي غضب أهلي، وهم لا يعرفون لغتي، وأنا لا أعرف لغتهم، ولا ~~أخالني قادرة في هذا السن على أن أتعلمها؟!» # والحق أن سليما لم يكن يؤمن بالشيوعية، وكان يرى فيها الكثير مما يخالف الإسلام دينا ~~ونظاما. وهو لم ينس أن ابن عم له حوكم منذ بضع سنوات وحكم عليه بالنفي، لغير شيء إلا ~~اتهامه بأنه لا يتلاءم مع العهد. لكن مرتب سمية المدرسي كان قد قطع لأول ما انتهت الحرب ~~وعرفت الحكومة أنها تزوجت من غير مصري. وهي لم تكن تطمع في معونة من أهلها، وقد أغضبهم ~~تصرفها، ولم يكن ما يتناوله سليم من أهله، يكفيهم للعيش في باريس، عيشا معقولا. وليس من ~~السهل أن يجد هو، أو تجد هي، عملا كريما في فرنسا، برغم درجاتها العلمية العليا؛ لأن ~~أبناء فرنسا كانوا بحاجة - بعد السنوات الخمس التي احتل الألمان وطنهم في أثنائها - إلى كل ~~عمل فيها، وكل وظيفة من وظائف الشركات أو الأعمال الحرة، التي بدأت نشاطها أو عادت إليه. ~~فكيف السبيل مع ذلك كله إلى ms097 البقاء في باريس، ومواجهة هذه الظروف جميعا؟ # تحدث سليم مع زوجه في هذا الوضع، وذكر لها أنها بين أن يذهبا إلى روسيا، أو أن يعيشا في ~~باريس عيش الشظف. فإذا ذهبا إلى روسيا، فيسير أن يجد عملا يرزقهما. ولعلها متى تعلمت ~~الروسية أن تجد عملا كذلك بعد أن أصبحت روسية الجنسية بحكم زواجها. صحيح أن العيش في روسيا ~~لا يجعلهما أنعم بالا من الفرنسيين في فرنسا بسبب ما أدت إليه الحرب من حرمان. لكنهما، ~~وهما من الأجانب في فرنسا، سيلقيان فيها عنتا أشد العنت ومشقة أية مشقة! # واستمهلته سمية إلى الغد لتفكر في الأمر، فلما أصبحت خرجت لبعض شأنها. وفي المساء قصت ~~عليه أنها بحثت فوفقت إلى عمل على الآلة الكاتبة، متواضع الأجر، ولكنه يعينهما على ~~تحمل أعباء المعيشة. عند ذلك رأى أن لا مناص له من أن يبحث كذلك عن عمل يضم أجره إلى ما ~~يتناوله من أهله. ولعل مجموع ما يصل إليهما، ينجيهما من الضيق، وإن لم يسمح لهما بأية ~~رفاهية. وحسبهما عزاء أن أهل باريس جميعا يعانون الحرمان في تلك الأيام التي أعقبت الحرب، ~~فلن يكون مظهرهما أسوأ من مظهر الفرنسيين أنفسهم. # واهتدى سليم، كما اهتدت سمية، إلى عمل. فاستطاعا أن يعيشا في شظف، وتحيط بهما مع ذلك ~~سعادة الطمأنينة إلى الحرية. ~~••• # كانا يذهبان في الصباح إلى عملهما بعد أن تستودع الأم طفلها مؤسسة ترعاه مع أمثاله. فإذا ~~كان المساء، وعادا من عملهما، وعادت هي بالطفل معها، وجاءا بطعام عشائهما، آوى الجميع إلى ~~غرفتهم حتى ينام الغلام، ثم خرج الزوجان يقضيان وقتا ناعما سعيدا يستمعان إلى الموسيقى ~~في أحد المقاهي، أو في ملهى من الملاهي التي تعزف الموسيقى فيها أبدع الألحان لأكبر أساتذة ~~الفن. أو يذهبان إلى المسرح في أعلى التياترو، أو يسيران في شوارع باريس الكبرى، ينعمان ~~بمناظر المعروضات في واجهاتها. فإذا انتصف الليل أو كاد، ارتدا إلى غرفتهما سعيدين بأن ~~يريا فيها الطفل مستغرقا في نوم هادئ. ثم يأويان إلى فراشهما ينعمان فيه بسكينة ~~النوم. ms098 # وكانت هذه الغرفة هي وطنهما الصغير المحبب. كانت سمية تغمض عينيها فترى فيها مصر كلها؛ ~~لأنها كانت تجمع حولها كل ما في الحياة من حب وإعزاز كحبها سليما وحب سليم إياها؟! وهل ~~إعزاز كإعزازها هذا الطفل البريء الجميل؟ هو - لها - بسمة الحياة، وهو الذي يهون عليها كل ~~مشقة. وإذا كانت أمها قد غضبت منها، فتنكرت مصر لها، فلن يجعلها ذلك أقل لهذا الوطن ~~الكريم إعزازا أو محبة. ولن يؤنسها ذلك من أن ترضى عنها أمها، يوم تؤمن بأنها لم تجن ~~ذنبا، ولم تنكث عهدا، حين آمنت بأن الدين هو الوطن الأكبر، وأن الأرض التي ولدت فيها هي ~~الوطن الأصغر! # وكانت سمية تنتهز صبح يوم الأحد من كل أسبوع لتكتب إلى أبويها قبل أن تخرج مع زوجها ~~وابنها لقضاء النهار في نزهة خارج المدينة. ولم تكن تنتظر من أبويها ردا على كتبها، ~~ولكنها كانت ترجو أن تلين هذه الكتب قلبيهما فيصفحا آخر الأمر عنها. # والعجيب أن أباها كانت تنازعه نفسه إلى هذا الصفح، وأن أمها هي التي كانت تأبى أن تقرأ ~~كتب ابنتها، أو أن تجاري زوجها فيما كانت تسميه تساهله وضعفه. ولو أن الأم قرأت كتب سمية، ~~أو سمعت إلى ما فيها، لتأثرت بها كما تأثر الأب، ولانت كما لان، لكن إباءها كان يشوبه عناد ~~عنيف، يبعثه إلى نفسها خوفها من أن تضعف هي الأخرى أو أن تلين! # وإنها لتجلس ذات صباح في غرفتها، إذ دخل عليها زوجها، ودفع إليها صورة فوتوغرافية، نظرت ~~فيها فإذا هي صورة طفل، كل نظراته البراءة والذكاء، وفيه منها شبه، حتى لكأنها هي التي ~~ولدته. ونظرت طويلا إلى الصورة وأدركت أن الطفل هو ابن سمية، فترقرقت في عينيها دمعة لم ~~تستطع حبسها، ثم قالت: وما ذنب هذا الطفل البريء الجميل؟ إنني أشعر له في أعماق قلبي بمحبة ~~تعدل غضبي من أمه. ألا ليتني أراه! # وسكت زوجها برهة ثم قال: «وليتني أنا كذلك أراه.» ولم يزد على ذلك، ولم يخاطبها في ~~الموضوع طول ذلك النهار. # فلما ms099 أمسيا ، قالت له: «ألا تريني خطاب سمية الذي أرفقت به صورة طفلها؟» # وأعطاها زوجها الخطاب، وقد اطمأن إلى أن أمومتها بدأت تتغلب على كبريائها. فلما كان بعد ~~ذلك بأيام، قالت له: ما رأيك في أن نذهب إلى باريس نقضي بها أياما، نرى فيها حفيدنا، ونغير ~~هذا الجو المحيط بنا؟ # وأجابها: «وما رأيك أنت في أن نبعث إليهم بتذاكر السفر ليحضروا إلينا؟ ولعلنا نستطيع أن ~~نستبقيهم بمصر، فيظل الطفل في أحضان عطفك وحنانك؟» # ولم تجد الأم ما تعترض به هذه الفكرة، فأرسل الأب إلى ابنته يقول لها إنه وضع تحت تصرفها ~~وتصرف زوجها تذكرتي سفر من باريس إلى مصر، وإنه ترك لهما تحديد الموعد الذي يحضران ~~فيه. # وعرضت سمية ما كتبه أبوها على سليم، واتفقا على أن يطلب كل منهما إجازة من عمله، ليذهبا ~~مع طفلهما إلى مصر. وكان كل منهما قد اطمأن إلى ثقة أرباب العمل فيه، ثقة أتاحت لهما أن ~~ينالا إجازة شهر بمرتب. # وسافرا إلى مصر، وتلقاهما أبوها على الميناء، إلى منزلهم. فلما رأت أمها ألقت بنفسها ~~بين أحضانها والدمع في عينها، وكأنها طفلة في سن ولدها. وبكت الأم كما بكت ابنتها، وعانقتها ~~عناقا طويلا. ووقف الطفل ينظر إليهما دهشا. فلما فرغا من عناقهما ومن قبلاتهما، أخذت ~~الجدة حفيدها إلى صدرها، وأخذت تقبل جبينه وخديه، ثم تضمه من جديد إلى صدرها. # وقد نسيت غضبها، وغلبت عاطفة الأمومة فيها كل عاطفة سواها، وشعرت بسعادة لا سعادة مثلها ~~للقاء ابنتها وحفيدها. # وأقبل الأب ومعه سليم، فقدمته سمية إلى أمها. وعاش الزوجان وطفلهما في بيت جديه أكرم ~~عيش وأهنأه. وكان الطفل أوفرهم من المحبة والإعزاز نصيبا. كانت جدته لا تلبث كلما رأته أن ~~تأخذه إلى صدرها، وأن توسعه تقبيلا، وكأنما تكاد أن تأكله! وكان جده يصطحبه إلى حوانيت ~~لعب الأطفال يبتاع له منها كل ما تشتهيه نفسه. # وكان الأبوان الشابان يريان ذلك كله فيغتبطان به، ويبدو عليهما - مع ذلك - وكأنما ~~يتساءلان: فيم إذن كان غضبكما؟ # ويجيء الأهل والأصدقاء، فيقدم سليم إليهم ms100 على أنه العريق بآبائه في الإسلام، وأنه زوج ~~ابنتهما العزيز الحبيب! # وبعد أسبوعين من مقام سمية وزوجها بالقاهرة، فكر الأب في أن يجد لسليم عملا يسمح ~~ببقائهما بمصر. فأخذ يمر به على أصدقائه أرباب الأعمال، ممن تحتاج أعمالهم إلى كفاية ~~الشباب، وتطمئن إلى لغته الفرنسية، وكان أرباب الأعمال يسمعون ذلك، فينظرون إلى الشاب نظرة ~~فيها مظهر الحذر، ثم يعدون بالنظر في الأمر بعين الرعاية. وكان سليم يضيق بما يرى ويسمع من ~~ذلك، ولا يكاد يطيقه. وزاده ضيقا به، عدم إلفه جو الحياة في مصر! # وخلا إلى زوجه ذات يوم وقال لها: اسمعي يا سمية. إن إجازتنا قاربت نهايتها، ويخيل إلي ~~أن أباك لن يجد لي عملا بمصر، لتظلي أنت معه ومع أمك بها. وإني لشاكر له عنايته بي، لكنني ~~أشعر بأنني لا طاقة لي بالمقام هنا؛ لأنني أحسب أن ما سأناله من أجر عن عملي، سيعطى إلي ~~وكأنه صدقة إكراما لخاطر أبيك. كما أنني سأحس دائما بالوحشة التي أحسست أنت بها يوم دعوتك ~~لنذهب إلى روسيا. فإذا رأيت أنت المقام بين أهلك هنا زمنا أطول مما قضينا، فلا اعتراض لي. ~~أما أنا فأريد العود إلى باريس، لاستئناف عملي بها، بعد الذي كسبت من ثقة أرباب العمل بي، ~~ثقة أطمع معها في مركز خير من مركزي الحاضر. ويوم تهفو نفسك للحضور إلى عشنا، ألفيتني في ~~انتظارك على لظى الجمر! # ونظرت إليه سمية بعينين ملئتا عتابا، وقالت: أوتظنني أوثر عليك أحدا، أو أوثر ~~في الدنيا مكانا لست أنت فيه؟ أنت يا سليم أهلي ووطني، وإذا استطعت أنت أن تبتعد عني، فلا ~~طاقة لي بالبعد عنك. أوحسبت رخاء العيش هنا يغريني إذا لم تكن أنت في هذا الرخاء شريكي؟ ~~إن كسرة خبز نأكلها معا في عشنا الصغير بباريس، أحب إلي وأشهى عندي من أشهى الأطعمة ~~وأفخر الموائد إذا جلست عليها من غيرك، ولن أناقشك فيما تحدثني الآن فيه. وسأذكر لوالدي ~~أننا عائدان لتسلم عملنا بباريس بانتهاء الإجازة التي سمح لنا بها! # وامتلأت عينا ms101 سليم بالدمع، فقبلها وقال لها: شكرا لك ألف شكر يا عزيزتي! لقد رددت الآن ~~إلي روحي، وقد أوشكت أن تبلغ التراقي. وقد جمع الله قلبينا فلن يفرق بيننا شيء في ~~الحياة! # وعاد الزوجان وطفلهما إلى باريس، واستأنفا عملهما بها. وبعد أشهر دعا رب العمل سليما، ~~وقال له: إن لشركتنا بالأرجنتين أعمالا واسعة، وقد رأيت أن أجزيك عن أمانتك وكفايتك، بنقلك ~~إلى هناك ومضاعفة مرتبك، وأنا أعلم أن زوجتك تعمل في مؤسسة على مقربة منا، وطبيعي أن تصحبك، ~~وستتقاضى هناك من شركتنا ضعف مرتبها كذلك. وللشركة مدرسة يتعلم فيها أبناء موظفيها، فإن ~~راقك ما أعرضه الآن عليك، فأبلغني موافقتك وموافقة زوجك غدا، لأنفذه من أول الشهر! # وحدث سليم سمية فيما عرضه مدير الشركة عليه، وهو يخشى عدم ارتياحها له، لما يعرف من شدة ~~حبها لباريس. وأدهشه أنها لم تتردد، بل قالت له: نعم. هيا بنا إلى أمريكا الجنوبية، إن بها ~~أبوابا واسعة للثراء، وليس يعنيني ذلك من أجلنا، بل من أجل ولدنا، ضمانا لمستقبله! # وسافر ثلاثتهم أول الشهر، وبعد أن أقاموا بالأرجنتين عاما وبعض العام، تعرفت سمية إلى ~~لبناني عرض عليها الاشتراك معه في عمل يدر أرباحا ضخمة، مع بقائهما بالشركة التي ~~يعملان فيها. وقبل مدير الشركة أن تظل سمية في عملها وأن ينقطع سليم لمزاولة العمل ~~الجديد. # وكذلك استطاعا في أعوام معدودة أن يصبحا من أصحاب الثروة والإيراد الضخم! # وكبر ولدهما، فعهدا إليه في عملهما الخاص بوظيفة يجني منها ربحا لنفسه. # وإن سمية لتعود من عملها ذات مساء، إذ ألفت في بيتها برقية تنبئها بأن أباها مريض ~~اشتدت به العلة، وأنه يريد أن يراها، فطارت إلى مصر وبقيت إلى جانبه حتى قضى نحبه، ثم عادت ~~إلى زوجها وولدها واستأنفت نشاطها في عملها، وكانت بلغت به مقاما محمودا. # وتعاقبت السنون، ومرضت سمية يوما مرضا طال بها، وأشفق منه زوجها على حياتها. وفيما هو ~~جالس ذات مساء إلى جانبها يواسيها قالت له: إن لي يا سليم مشيئة أخيرة، أحسبك لا تأباها ~~علي، ms102 إنني أشعر بدنو الأجل، وقد هفت نفسي إلى ثرى الوطن أستقر فيه إلى جانب أبي وأمي، ~~فإذا اختارني ربي فانقلني إلى هناك، أرقد في صحراء القاهرة رقدة الأبد! # واغرورقت عين سليم بالدمع وقال لها: بل سيشفيك الله يا حبيبتي، وسأجعل الطب كله في خدمة ~~حياتك العزيزة! # وشفى الله سمية، وعاد سليم معها إلى باريس يقضيان بها أيام نقاهتها ويستعيدان فيها أحلى ~~ذكرياتهما، تاركين ولدهما بالأرجنتين يشرف على ثروتهما. # وأعادت باريس العافية كاملة إلى سمية، وإنهما ليسيران يوما على مقربة من مقابر «بير ~~لاشيز» إذ قال سليم لزوجته: ما رأيك في أن أشتري بين هذه المقابر قبرا فسيحا يضم رفاتنا ~~بعد عمر طويل؟ # فباريس وطن حبنا ومستقره. # وألقت سمية ببصرها إلى الأرض، وبعد تفكير طويل قالت: إن الأرض لله يورثها من يشاء. وأنت ~~يا سليم وطني وروحي، فاصنع ما بدا لك! # | آباء وأبناء # أعرفها من ثلاثين سنة أو تزيد، وقد تخطت الآن الخمسين، ولم أكن أعرف أن لها قصة، ولم ~~تفكر هي يوما في أن تروي لي قصتها. فلما قرأت قصة «هكذا خلقت»، أقبلت علي يوما تقول: ~~إذا كان مثل هذا القصص يعنيك، فما لك لا تسمع قصتي، فإن راقتك، فدونها. إنني لا أستطيع ~~أن أكتب بنفسي كما كتبت بطلة قصتك الأخيرة، وأتمنى أن ترى ما أذكره لك جديرا ~~بالتدوين! # قلت لها: «هاتي ما عندك، وأنا أعدك بتدوينه على لسانك.» # قالت: كانت لي أخت من أبي تكبرني بضعة أشهر، وكان خالها شابا رقيقا جميل الطلعة، يصغر ~~أمها خمسة عشر عاما أو نحوها، وكان له وقف تشركه فيه أخته ما دام حيا، فإذا توفي عن ورثة ~~ذكور انتقل الوقف إلى هؤلاء الورثة وحرمت أخته من ريعه. # وأحبت أختي قريبا لأبينا، وطمعت في أن تتزوجه. وكان قريبنا هذا يحبها، ويتمنى أن ~~يتزوجها، لكنه كان شابا رقيق الحال، قليل الموارد، فلما خطبها إلى أبيها، استمهله محتجا ~~بأن البنت لا تزال صغيرة السن، ولكنه ذكر لأمها أن رقة حال قريبه هي التي تجعله يطمع في ms103 ~~يدها طمعا في مالها! # ليس بين البنت وأمها سر كما يقولون، فلما عرفت أختي سبب رفض أبيها خطبتها، أحزنها ذلك ~~حزنا بدا أثره في صحتها؛ لأنها كانت معتزة بما تناله أمها من ريع الوقف، مقتنعة بأنها ~~تستطيع أن تعيش منه مع قريبها عيش سعة، جاهلة أن هذا الوقف مآله إلى غير أمها وغيرها، وأنها ~~ستكون عبئا على أبيها إذا أصبح لخالها وارث يحرم أمها من الاستحقاق. فإن لم يعنها أبوها ~~يومئذ اضطرت لعيش ضنك مع قريبنا. وهذا ما لم يرضه أبوها فلم يقبل الخطبة! # وأدى تردد خال أختي علينا منذ طفولتي إلى انفصال المودة بيني وبينه، فلما انتقلت من الصبا ~~إلى الشباب، بدأت أشعر نحوه بعاطفة جديدة وبدأت أرى في عينيه وهجا دلني على أنه يحبني كما ~~أحبه! # وأخذت هذه العاطفة تقوى في نفسينا حتى صارت غراما عارما، وحتى كنت أود، حين أرى الشاب ~~مقبلا علينا، لو أطير إليه وأتعلق بعنقه وأوسعه تقبيلا، لولا الحياء الذي كان يمسكني ~~مكاني، ويدفع حمرة الخجل إلى وجناتي! # وتسامع من في البيت جميعا، بأن هذا الشاب الغني الرقيق الجميل، يريد أن يخطبني إلى أبي، ~~فكانوا يهنئونني سلفا، ويرجون لي في هذا الزواج سعادة وارفة الظل، وبنين يضاعفون هذه ~~السعادة! # وكانت أختي لأبي كثيرة التوعك في هذه الفترة، وكثيرا ما كانت تلزم سريرها، فكان والدي ~~يكثر التردد عليها، والتودد إليها، ومعاملتها أرق المعاملة. أليسوا يقولون: «أحب ولدك إليك ~~الصغير حتى يكبر، والغائب حتى يحضر، والمريض حتى يشفى»؟! # وكانت لي غرفة تجاور غرفة أختى، وإني لجالسة في غرفتي هذه يوما، وأختي معتكفة في سريرها، ~~إذ سمعتها تقول لأبينا: أصحيح أن خالي سيتزوج أختي، فإذا أنجبت منه غلاما انتقل الوقف له، ~~فأصبحنا نحن فقراء، وأصبحوا هم الأغنياء؟ # وسكتت برهة ثم قالت: «أوترضى أنت عن هذا يا أبي؟» وأجابها أبوها: «اطمئني يا عزيزتي، لم ~~يحصل شيء من هذا، ولن يحصل!» # لم أكن إلى تلك اللحظة، أفهم شيئا عن موضوع هذا الوقف، وشروطه، وكل الذي كنت أفهمه أن ~~أبي ms104 يريد أملاكا واسعة، وأن امرأة أبي تنفق عن سعة، لا تعرف أمي، ولا نعرف نحن أبناءها، ~~شيئا من مثلها. وأن هذا الخال الذي يحبني من كل قلبه، كما أحبه من كل قلبي، كان يستمتع من ~~إيراد هذه الأملاك بالنصيب الأوفى! # فلما سمعت ما قالته أختي، وما أجابها به أبي، أسرعت إلى والدتي، فقصصت عليها ما سمعت. ~~فلما فرغت من حديثي رأيتها اضطربت، وتولاها الانزعاج، وقالت: تعسا لامرأة أبيك! فما كانت ~~أختك تعرف شيئا مما قالته لأبيها، وما كانت لتجرؤ على ذكره له لولا أن أمها دفعتها إلى ~~ذلك وحرضتها عليه. وهذه هي الطيبة التي تتظاهر بها، والسذاجة التي تريد أن يفهمها ~~الناس عنها. أولو تزوج أخوها غيرك، ولم يتزوجك، أيسرها ويسر أباك أن نتساوى ~~نحن وإياهم في الفقر؟ ومع ذلك فإن هذا الخال يحبك فلا تخشي شيئا! # وأقسم صادقة، إنني لم أكن أفكر في هذا المال الذي يتحدثون عنه، ولم أفكر فيه بعد الكلام ~~الذي سمعته من أمي، بل كان كل تفكيري في هذا الشاب الوسيم الحبيب، الذي ملك كل عواطفي، وكل ~~حياتي، فكنت إذا رأيته، تحركت بعنف في فؤادي كل الإحساسات الرقيقة القاسية التي تعبر ~~عنها كلمة الحب. ثم تزداد هذه الإحساسات عنفا حين أرى في عينيه وهج الغرام، وفي كلماته ~~العذبة التي يبادلني إياها، ما يملأ نفسه من هيام بي، يسمو بنا كلينا إلى أرق أجواء الهوى ~~والنعيم! # ولست أدري ما الذي دار بين أبوي من حديث، بعد الذي أفضيت به إلى أمي. ولست أدري كذلك ما ~~الذي فعله خال أختي من تلقاء نفسه، أو بمشورة من أمي. ولكن الذي أدريه أني دعيت بعد أيام ~~من ذلك للذهاب إلى بيت خالي أنا، وأني كلفت حين أسأل عمن أوكل في عقد قراني أن أقول ~~إني وكلت أبي. وكذلك فعلت، وقبلتني أمي بعد سويعة من هذا التوكيل، وأخبرتني أن ما ~~حدث سر لا يجوز لي أن أبوح به لأحد؛ لأن أبي وعد أختي ألا يعقد قراني على خالها! ~~••• # وكانت أختي ms105 إذ ذاك طريحة الفراش، اشتدت بها العلة، ولم يكن الأطباء الذين يعودونها يبدون ~~الكثير من التفاؤل بشفائها. # كيف عقد أبي قراني على خال أختي وقد وعدها ألا يفعل؟ # أخبرتني أمي من بعد أن هذا الخال العزيز ذهب إلى أبي، وأقسم له أغلظ الأيمان إنه إن لم ~~يتزوجني تزوج امرأة من طبقات الشعب الدنيا، فورث أبناؤها الوقف، وحرمت أسرتنا كلها ~~منه. أو انتظر حتى أبلغ رشدي، وعقد قراني به على كره من أبي! # وخشي أبي أن ينفذ الشاب تهديده الأول، فيخرج الوقف من يده بأن يعزله خال أختي من ~~إدارته، وأن تحرم زوج أبي، ويحرم أبي، مما ينالانه من هذا الإيراد الوفير. ونزل أبي على ~~إرادة الخال العزيز، على شريطة ألا تعلم امرأة أبي، أو تعلم ابنتها، بما يتم من ذلك، خوفا ~~على حياة هذه الابنة العزيزة المريضة! # وتوالت الأيام، وازدادت علة أختي تبريحا بها. وإنها لفي الأيام الأخيرة من علتها، إذ ~~سمعتها تقول لأبيها: لقد وعدتني ألا يتزوج خالي أختي. # وأجابها: «نعم يا حبيبتي، ولن يكون ذلك!» # ولم أحفل بما سمعت وقد عقد قراني ... وبعد أسبوع توفيت أختي، فحزنا كلنا، لجمالها وشبابها ~~ورقتها وظرفها، وقد ووري ذلك كله التراب! # وبعد أربعين يوما من وفاتها، لاحظت أن أبي كان كلما رآني تبدو عليه سيما التفكير ~~العميق، وأنه كلما خلا إلى أمي، دار بينهما حديث لا يخلو من حدة ... وسبب ذلك فيما أخبرتني به ~~أمي، أنه كان يعتبر الكلمات الأخيرة التي قالتها أختي عن زواجي من خالها، والوعد الذي قطعه ~~لها بأن ذلك لن يكون، وصية مقدسة لا بد من نفاذها. وأنه كان يفكر في عقد قراني، وفي ضرورة ~~التخلص منه بتطليقي من حبيبي. # وعبثا حاولت أمي أن تقنعه بأن ما يريد من ذلك لا يمليه عقل ولا منطق، فالحي أولى من ~~الميت، وليست له ولا لأحد فائدة من تنفيذ ما يسميه وصية المتوفاة، على كره مني، وممن عقد ~~عليه زواجي. فقد أصر على أنه وعد ابنته ساعة انتقالها إلى العالم الآخر، ms106 وعدا لن يستريح ~~ضميره إلا إذا نفذه! # وقد ملك هذا الخاطر على أبي نفسه ووجدانه، بصورة لم يكن لخيالي الشاب إذ ذاك أن يتصورها. ~~كنت أستيقظ جوف الليل أحيانا لبعض شأني، فأراه في البهو الذي تفتح عليه غرف نومنا، يسير ~~ذهابا وجيئة، ويكلم نفسه أحيانا، بعبارات لا أتبينها، وأسمعه يذكر اسمي واسم أختي ~~المتوفاة. وكنت إذ ذاك أتسلل من غرفتي على أطراف أصابعي لقضاء ما أيقظني، ثم أعود متسللة ~~كذلك حتى لا يشعر بي. # وكنت أذكر ما أرى من ذلك لأمي، فأشعر بأنها ترتاع له، وتشفق منه. وأفضت إلي في هذه ~~الآونة بأن أبي يريد تطليقي، وأوصتني بأن أبذل كل جهد للاحتفاظ بزوجي العزيز. ولم أكن بحاجة ~~إلى أي جهد أبذله، وقد ربط الحب بين قلبي وقلب زوجي بأوثق رباط وأمتنه. # وقد تكرر أمامي منظر أبي، وهو يذرع البهو ذهابا وجيئة، ويكلم نفسه في جوف الليل، حتى كدت ~~أشفق عليه. وبلغ مني الإشفاق غايته، حين رأيته ذات ليلة، وقد اعترته هزة عصبية، فبكى وبللت ~~الدموع وجهه. عند ذلك لم أستطع أن أتسلل لأختفي منه، بل ذهبت إليه أسأله ما به؟ # وأجابني: «لا شيء! إنني أشعر بمغص خفيف أقلقني، فعودي أنت إلى سريرك ونامي هادئة ~~مطمئنة.» # وفي الصباح من ذلك اليوم دعاني أبي وقال لي: أنت تعلمين يا ابنتي كم أحبك وقد ازددت حبا ~~لك منذ وفاة المرحومة أختك، ولست أبتغي لك في الحياة إلا السعادة. وخال أختك الذي عقدت ~~قرانك عليه سكير مدمن، وإنما رضيت عقد القران نزولا على إلحاح أمك الطامعة في ماله، والتي ~~تحسب أن السعادة كل السعادة في المال. أنا أعلم يا ابنتي أنك تحبينه، وأنه يحبك، لكن الحب ~~عاطفة شباب، إن لم يعصمها خلق متين تعرضت للزوال، بل تعرضت للانقلاب إلى نقيضها. والأمر ~~كذلك مع السكيرين المدمنين، أكثر منه مع غيرهم. لهذا فكرت في أن أحمل خال أختك على ~~تطليقك قبل أن يطلب أن تزفي إليه. فأعينيني على ذلك بأن تظهري له النفور منه، وعدم ~~الاطمئنان ms107 إلى الحياة الزوجية معه. فلو أنك فعلت ليسر ذلك ما أريد، وفتح أمامك باب ~~السعادة. وأعدك بأن أزوجك من رجل أقوم منه خلقا ولا يقل عنه ثروة! # استمعت إلى هذا الكلام، فأيقنت أن تفكيره الطويل فيه هو الذي أرقه وأبكاه جوف الليل، ~~وذكرت وأنا أسمعه ما كانت أختي تقول له عن زواج خالها مني، ووعده بأن ذلك لن ~~يكون. # وقد كنت أرى أبي يتناول في بعض الأحيان شيئا من الشراب مع خال أختي، فخيل إلي أنه ~~يبالغ فيما يذكره من إدمان هذا الشاب للشراب وتوفره عليه. وتواردت هذه الخواطر على ~~نفسي في مثل لمح البصر. فلما أتم أبي كلامه، أطرقت وقد احمر وجهي خجلا أو غيظا. وبعد ~~فترة قلت: ليس لي من هذا الأمر شيء يا أبي، فالطلاق بيد زوجي لا بيدي. وقد عودتني منذ ~~طفولتي أن أكون معه اللطف والأدب، فلا أستطيع الخروج على ما أدبتني به. والأمر لك على كل ~~حال! # وقمت من مجلس أبي موقنة أن ما وعد به أختي قبيل وفاتها من أن زواجي بخالها لن يتم هو ~~الذي دفعه إلى حديثه معي. # وقصصت ما حدث على أمي، فقالت: إياك أن تغيري مسلكك مع خال أختك، فهو اليوم زوجك، أنت ~~حل له، وهو حل لك، ولا يجوز لك بأي اعتبار أن تخرجي عن طاعته! ~~••• # أصبحت بين أبي وأمي وقلبي، في موقف لا أحسد عليه، موقف تتجاذبني فيه العواطف المتضاربة ~~أشد التجاذب. فأنا أحب أبي وأحترمه، وأحب أمي وأقدسها، وأحب زوجي الذي عقد أبي قراني عليه ~~حب العبادة! وكان هذا الزوج كلما رآني أظهر من غرامه بي ما يزيدني حبا له، وما يجعل ~~الاستجابة إلى ما طلبه أبي أمرا مستحيلا! # وكانت أمي تؤكد لي أن ما ذكره أبي عن إدمان زوجي الشراب غير صحيح، فهو يشرب كما أن الشبان ~~جميعا يشربون، وأبي نفسه كان في شبابه يشرب كما يشرب زوجي اليوم، ثم قلل من الشراب لأن ~~صحته قضت عليه بالإقلال منه! # وكانت عبارات أبي وحرصه على سعادتي، ms108 تتردد في نفسي فلا أستطيع تكذيبها، وإن لم يسهل على ~~نفسي تصديقه! # كانت هذه العوامل كلها تتنازعني، فأصبح بينها كالريشة في مهب الريح، لكني كنت أنتهي ~~بالإذعان لعامل أقوى منها جميعا، ذلك حبي المشبوب الذي ملأ كل قلبي وكل جوانحي، والذي كان ~~يهزني هزا عنيفا كلما رأيت زوجي وكلما ذكرته وهو غائب! # لم يكن حرص أبي على فصم عقدة الزواج، بأشد من حرص أمي على أن تتم الخطوة الأخيرة في هذا ~~الزواج، فيصبح أمرا مقضيا واقعا. # وقد علمت من بعد أن أبي كان يتهم أمي بأنها تريد أن يتم الزواج ليصبح الوقف لأولاد بنتها. ~~وكانت أمي تجيبه بأن ذلك خير من أن ينتقل الوقف إلى أجانب، لا تربطهم بأسرتنا كلها أي صلة. ~~ثم تضيف: هذا إلى أن ابنتي وزوجها يحب كلاهما الآخر، فحرام أن تفصل بينهما لأوهام تدور ~~برأسك ولا يقرك عليها أحد! # وأدى هذا الخلاف العنيف بين أبي وأمي، إلى ما يشبه الانفصال. # فنقلت أمي سريري إلى غرفتها، وكأنما خشيت إن أنا بقيت وحدي في غرفتي الصغيرة، أن يحملني ~~أبي على ما يريده من تيسير أمر طلاقي. # وبعد ذلك بأسابيع، حدث ما لا أدري كيف أصوره! ~~••• # أمسكت محدثتي عن الكلام برهة غير قصيرة، وكانت تبحث عن الألفاظ التي تصور بها حادثا ~~تضطرب له. بل لقد بدا عليها ما يشبه الاضطراب بالفعل وهي تتأهب لاستئناف قصتها، برغم انقضاء ~~عشرات السنين على هذا الحادث! # فلما ملكت نفسها، استطردت تقول: كان أبي غائبا ذلك اليوم عن المدينة، وكان زوج أمي في ~~طابق غير الذي كنت مع أمي فيه، وكنت وأمي قد ارتدينا كلتانا ثياب النوم ودخلت كل منا ~~سريرها. وإننا لكذلك إذ فتح باب الغرفة، ودخل منه خال أختي وعليه ثياب النوم، وأوصد الباب ~~بالمفتاح وراءه، ثم اتجه قاصدا سريري. # فلما رأيت ذلك منه، جلست أنتظر ما عساه يريد أن يقول. # لكنه لم يقل شيئا، بل أزاح الغطاء إلى جانبي! عند ذلك قفزت من السرير، وقلت في صيحة ~~مكظومة: ما هذا؟! # ونظرت ms109 إلي أمي وقد وضعت إصبعها على فمها، وقالت: هس! # ثم قالت بصوت خافت: ارجعي إلى مكانك من سريرك، إنه زوجك وأنت حل له وواجب عليك طاعته فيما ~~يريد! # وقام زوجي فربت على كتفي بلطف وقال: ما يفزعك؟ أليس ذلك مآلنا؟ أم تعنيك زفة العروس كل ~~هذه العناية؟ أنت تعلمين أن ذلك غير ممكن بسبب الحزن على أختك، وأنك يوم تنتقلين إلى بيتي ~~فسيكون ذلك في صمت كصمت هذه الليلة. فما الفارق بين اليوم وغد، أو بين اليوم وبعد أسبوع أو ~~شهر؟ إن حولنا يا حبيبتي مؤامرات يجب أن نفسدها، بأن نضع المتآمرين أمام الأمر الواقع. ولا ~~أظنك تعتقدين أن أمك أقل حرصا على كرامتك وعلى مستقبلك منك أنت: لقد انعقد زواجنا على شرع ~~الله وسنة رسوله، فلا تدعي هذه الفرصة تمر، دون أن نفسد كيد الكائدين وتآمر ~~المتآمرين! # وانضمت إليه أمي، وجعلت تذكرني بأنني زوجة تحب زوجها، وتجب عليها طاعته. وأنها اتفقت ~~مع زوجي على ما حدث، فلا لوم عليه فيه. وأنني يجب أن أكون عونا على نجاح خطة يريدان بها ~~خيري وسعادتي! # وتظاهرت بالاقتناع بحججهما، واستأذنت زوجي في أن أذهب لبعض شأني ثم أعود فأكون على ما ~~يريد. # وفتح زوجي الباب الذي كان قد أوصده، فذهبت إلى الحمام. ولم أكد أدخله وأوصد رتاجه، ~~حتى شعرت بالقشعريرة تهز جسمي كله، وانهملت الدموع من عيني. وعجبت كيف تدفعني أمي إلى أمر ~~أخجل منه أمام أبي، مهما يكن حلالا، ومهما يجزه الشرع! # وفي لحظة، ثبت عزمي على أن أقضي ليلي في الحمام لا أبرحه حتى الصباح. فلما طال بزوجي ~~انتظاري، جاء زوجي فدق الباب في رفق، فقلت له: ناشدتك الله أن تدعني، ولن أخرج من هنا إلا ~~في الصباح! # قال: «أنت إذن لا تحبينني؟» # قلت: «بل أعبدك. وأنا في طاعتك ما أمسكتني. لكني لن تأتي معي أمرا أخجل منه أمام أبي، ~~وإن كان حلالا لي!» # وعبثا حاول أن يصرفني عن عزمي، فلما بدا له اليأس مني، تركني وانصرف، ولم أره إلا ~~الغداة! ms110 ~~••• # لم أدر ماذا حدث بعد ذلك بين أبي وأمي، ويبدو أنها بالغت في الإلحاح عليه بضرورة انتقالي ~~إلى بيت زوجي وأنه كان أشد منها إلحاحا في ضرورة تطليقي. وبلغ الجدال بينهما في هذا الأمر ~~أشده، حتى لقد اتهمته أمي بأنه يكرهني ويكره إخوتي منها، وأنها لم يبق لها طاقة بالمقام في ~~بيتها لهذا السبب! # وأقسمت إنها ستغادر هذا البيت إلى بيت أخيها بعد ظهر اليوم نفسه، وأقسم أبي يمينا إن هي ~~فعلت كانت طالقا ثلاثا. # ومست هذه اليمين صميم الكرامة من نفس أمي، فجمعت متاعها، وغادرت البيت، وأوقعت بذلك يمين ~~الطلاق الثلاث! # لست أدري كيف غامرت أمي بإيقاع هذه اليمين، وهي تعلم أنها لا إيراد لها، وأن أخاها كثير ~~العيال فلا يستطيع النفقة عليها؟ # وانقضت أسابيع بعد ذلك، وأبي في حيرة من أمره. يريد أن يطلقني ولا يهتدي إلى الوسيلة التي ~~يقنع بها زوجي ليطلقني! # وأخيرا، صارح أبي هذا الخال العزيز بأن ابنة أخته المتوفاة هي التي كانت تعارض في زواجي ~~من خالها، وأنه وعدها - وهي على سرير موتها - بأن هذا الزواج لن يتم، وأنه يرغب إليه، بل ~~يرجوه بل يتوسل إليه، أن يطلقني احتراما لوصية ابنة أخته! # ومس هذا الكلام قلب زوجي، لكنه لم ير أن يفصم عروة الزواج من تلقاء نفسه، بل قال: أنا لا ~~أطلقها إلا إذا قالت إنها لا تريد البقاء على ذمتي! # ولم يرد والدي أن يخاطبني في هذا الأمر، بل رغب إلى خالي في أن يخاطبني فيه. وقلت لخالي ~~إنه يطلب إلي المستحيل، فأنا لا أستطيع أن أكذب على الله فأزعم أنني لا أريد البقاء على ذمة ~~زوجي. فلما ألح خالي، قلت في غضب وعصبية: إنني أوثر أن أنتحر على أن أجيبك إلى ما يريده ~~والدي. # عند ذلك تركني وانصرف! # وأقسم والدي جهد أيمانه إن لم أنزل على إرادته ليحرمن إخوتي من ميراثه، وليحرمن أمي ~~من كل نفقة. وأبلغ خالي ذلك إلى أمي فاضطربت له أشد الاضطراب، وطلبت إلى أخيها أن يسكن روع ~~أبي ms111 حتى ترى رأيها في الأمر. # وبعد أيام، أقبلت أمي، وخلت إلي، وأخذت تعظني أن أنزل على رأي أبي، شفقة عليها وعلى ~~إخوتي! # ولأول مرة في حياتي، ثرت بها، واتهمتها والدموع تنهل من عيني، بأنها تريد أن تحطم سعادة ~~حياتي حرصا على ميراث أبي! # وأقبل المساء وقد يئست أمي، كما يئس أخوها من قبل. وإنا لننظر من النافذة، إذ رأيت خالي ~~يقبل متأبطا ذراع زوجي، وهو يتمايل وقد بدا عليه أثر الشراب. ورأيت من ورائهما أبي ~~والمأذون يسير إلى جانبه! # وأسرعت أمي حين رأتهم مقبلين، فهبطت الدرج إلى الطابق الأول، وأيقنت أنا أن في الأمر ~~تدبيرا، وأنهم أبلغوا زوجي أنني لم أعد أريد البقاء على ذمته. فصعد الدم إلى رأسي، وقلت في ~~نفسي: «لأفسدن تدبيرهم!» # وانسبت إلى غرفتي، وأوثقت رتاجها، ووضعت وراء الباب كل أثاثها، واستنفد ذلك مني ~~جهدا شاقا. فلما أتممته، ارتميت في سريري منهكة القوى محطمة الأعصاب، أبكي بكاء الطفل، ~~وأسأل نفسي: كيف يتآمر أبواي علي ... أبي تنفيذا لما يسميه وصية ابنته المتوفاة، وأمي ~~إشفاقا على عيشها أو على ميراث أبنائها؟! # ثم إني رحت في غيبوبة لا أعي شيئا مما حولي! # وعلمت من بعد، أنه لما اكتمل جمع القوم الذين حضروا للقضاء على حياتي وحبي، كرر زوجي أنه ~~يريد أن يسمع مني أنني لا أريد البقاء على ذمته، فوقفت أمي على باب الغرفة التي اجتمعوا ~~فيها ملثمة الوجه، وقالت في صوت متهدج، وكأنني أنا التي أتكلم: «أنا لا أريد البقاء على ذمة ~~زوجي.» # وقال الشاب وهو في نشوة شرابه: «ليس هذا صوتها فإن كانت هي التي قالت فهي طالق!» # وحرر المأذون وثيقة الطلاق، وانتهت المؤامرة، إلى النتيجة التي أرادها أبي! # ذلك ما أخبرتني به أمي من بعد، فلما انصرف الجمع صعد أخي إلى غرفتي ورآها موصدة، فتسلق ~~نافذتها وانحدر من شراعتها، وفتح بابها. # وخيل إلى أمي حين رأتني في غيبوبتي أنني فارقت الحياة، فأرادت أن تصيح فأسكتها أبي، ودعا ~~الطبيب لساعته، وقرر الطبيب أن ما بي انهيار عصبي امتد ms112 أثره إلى القلب، وأنه خطير على ~~حياتي! # وأفقت في الصباح، ثم أقمت في سرير مرضي أسابيع عدة، عوفيت بعدها وعادت إلي ~~الحياة! # ولا حظت من يومئذ أن أبي ازداد عطفا علي ولطفا بي، أكان ذلك لأنه ظفر بتطليقي تنفيذا ~~لوصية أختي! أم لأنه رآني أشرفت على الموت فخشي أن يفقدني كما فقد أختي؟! # الواقع أنه أغدق علي بعد شفائي أضعاف ما كان يغدقه من قبل من رعاية وعطف، وأنه انتهى ~~إلى تزويجي من شاب من الأعيان، له من الثراء ما حسب أبي أنه يغنيني عن التفكير في الوقف ~~الذي كان مآله إلى أبنائي. # وأقمت مع زوجي بضع سنوات، وأنجبت في أثنائها بنين وبنات، ولما علم خال أختي أنني تزوجت، ~~وأنه لم يبق له إلى الاتصال بي سبيل، تزوج من إحدى نساء الشعب، بعد أن أغرى زوجها بالمال ~~فطلقها، ورزقت هذه المرأة منه بنين أصبحوا هم المستحقين في الوقف دون إخوتي وأمهم. # بعد بضع سنين، ماتت زوجة حبيبي، الذي طلقني بخديعة أمي، وإصرار أبي، وساءت حال زوجي ~~المالية لسوء إدارته ثروته، فركبه الدين، وأخذ يبيع أملاكه شيئا فشيئا، وجاءتني والدتي ~~تذكر أن خال أختي مستعد لأن يدفع ديون زوجي، على أن يطلقني، فأعود زوجا له كما كنت من ~~قبل! ms113