######OpenITI# #META# URI: 1375MuhammadHusaynHaykal.SiddiqAbuBakr.Hindawi42908302 #META# Tags: history #META# ID: 42908302 #META# Title: الصديق أبو بكر #META# AuthorID: 73037206 #META# Author: محمد حسين هيكل #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # 1 - أبو بكر في حياة النبي‏ # 2 - بيعة أبي بكر‏ # 3 - العرب حين وفاة النبي‏ # 4 - بعث أسامة‏ # 5 - قتال من منعوا الزكاة‏ # 6 - التهيؤ لحروب الردة‏ # 7 - طليحة وغزوة البزاخة‏ # 8 - سجاح ومالك بن نويرة‏ # 9 - غزوة اليمامة‏ # 10 - بقية حروب الردة‏ # 11 - التمهيد للفتح وللإمبراطورية‏ # 12 - فتح العراق‏ # 13 - بين العراق والشام‏ # 14 - فتح الشام‏ # 15 - المثنى في العراق‏ # 16 - جمع القرآن‏ # 17 - حكومة أبي بكر‏ # 18 - مرض أبو بكر ووفاته‏ # خاتمة‏ # تقدير وشكر‏ ~~سجل المراجع‏ # 1 - أبو بكر في حياة النبي‏ # 2 - بيعة أبي بكر‏ # 3 - العرب حين وفاة النبي‏ # 4 - بعث أسامة‏ # 5 - قتال من منعوا الزكاة‏ # 6 - التهيؤ لحروب الردة‏ # 7 - طليحة وغزوة البزاخة‏ # 8 - سجاح ومالك بن نويرة‏ # 9 - غزوة اليمامة‏ # 10 - بقية حروب الردة‏ # 11 - التمهيد للفتح وللإمبراطورية‏ # 12 - فتح العراق‏ # 13 - بين العراق والشام‏ # 14 - فتح الشام‏ # 15 - المثنى في العراق‏ # 16 - جمع القرآن‏ # 17 - حكومة أبي بكر‏ # 18 - مرض أبو بكر ووفاته‏ # خاتمة‏ # تقدير وشكر‏ ~~سجل المراجع‏ # | الصديق أبو بكر # | الصديق أبو بكر # تأليف # محمد حسين هيكل # «لو كنت متخذا من العباد خليلا لاتخذت أبا بكر ~~خليلا.» # حديث شريف # بسم الله الرحمن الرحيم * الحمد لله ~~رب العالمين * الرحمن الرحيم * مالك ~~يوم الدين * إياك نعبد وإياك نستعين * اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين ~~أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا ~~الضالين # | تقديم # بقلم محمد حسين هيكل # يؤرخ العالم الإسلامي كله بهجرة النبي العربي # صلى الله عليه وسلم # من مكة إلى المدينة، والسر في ~~اختيار هذا الحادث العظيم مبدأ للتاريخ الإسلامي أنه مبدأ نصر الله رسوله على الذين حاربوا ~~دعوته في البلد الحرام ثم مكروا به ليقتلوه، وكان الصديق أبو بكر هو وحده صاحب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # في هذه الهجرة، ولما مرض رسول الله # صلى الله عليه وسلم # مرضه الأخير، فلم يقو على الصلاة ~~بالمسلمين، أمر أبا بكر أن يقوم في الصلاة بهم مقامه، ولم يرض أن يقوم عمر بن الخطاب هذا ms001 ~~المقام. # وإنما اختار النبي أبا بكر ليصحبه في الهجرة، وليصلي بالمسلمين مكانه؛ لأن أبا بكر كان ~~أول المسلمين إيمانا بالله ورسوله، وأكثرهم في سبيل إيمانه تضحية، ولأنه حرص منذ أسلم على ~~معاونة النبي # صلى الله عليه وسلم # في الدعوة لدين الله وفي الدفاع عن المسلمين، ولأنه كان يؤثر النبي ~~على نفسه، ويقف إلى جانبه في كل موقف؛ ثم إنه كان، إلى قوة إيمانه، من أدنى الناس إلى كمال ~~الخلق، ومن أحب الناس إلى الناس وأكثرهم إلفا لهم ومودة. # لا عجب، وذلك بعض شأنه، أن يبايعه المسلمون خليفة لرسول الله، ولا عجب، وتلك مواقفه، أن ~~ينصر الإسلام وينشر ظل الله في الأرض، فيكون التأريخ له مبدأ التأريخ للإمبراطورية ~~الإسلامية التي امتدت من بعد في الشرق وفي الغرب، إلى الهند والصين في آسيا، وإلى مراكش ~~والأندلس في إفريقية وأوربا، والتي وجهت الحضارة الإنسانية وجهة لا يزال العالم متأثرا بها ~~إلى اليوم. # ولقد جال بخاطري، منذ فرغت من كتابي «حياة محمد» # صلى الله عليه وسلم # و«في منزل الوحي»، أن أقوم ~~بدراسات في تاريخ هذه الإمبراطورية الإسلامية، وفي أسباب عظمتها وانحلالها، وإنما أغراني ~~بالتفكير في هذا الأمر أن الإمبراطورية الإسلامية كانت أثرا لتعاليم النبي العربي وسنته، ~~أما وقد درست حياته # صلى الله عليه وسلم ~~، ورأيت نتائج هذه الدراسة جديرة بأن تهدي الإنسانية طريقها إلى ~~الحضارة التي تنشدها، فإن دراسة هذه الإمبراطورية وأطوارها ما يزيدنا قدرا للتأسي بالرسول ~~وتعاليمه، وما ييسر لنا حظا جديدا من العلم بهذه الحياة الباهرة الجلال يزيد العلماء ~~اقتناعا بما دعوت إليه من إمعان البحث فيما تنطوي عليه من حقائق نفسية، وأخرى روحية، ما ~~يزال العلم يقف بوسائله حائرا دونها، لا يستطيع أن يثبتها بأدلته، ولا يستطيع مع ذلك أن ~~ينفيها، وهي من بعد قوام سعادة الإنسان في الحياة ومقوم سلوكه فيها. # وأغراني بهذا التفكير كذلك ما أعتقده من أن معرفة الماضي هي وحدها التي تطوع لنا تطوير ~~المستقبل وتوجيه جهودنا أثناءه إلى الغاية الجديرة بالإنسانية؛ فالماضي والحاضر والمستقبل ~~وحده لا ms002 سبيل إلى انفصامها، ومعرفة الماضي هي وسيلتنا لتشخيص الحاضر، ولتنظيم المستقبل؛ كما ~~أن معرفة الطبيب ماضي مريضه خير وسائل التشخيص والعلاج. # والحاضر الذي تمخضت عنه الإمبراطورية الإسلامية يتناول بنوع خاص كل الشعوب التي تتكلم ~~العربية ، وتؤمن لذلك بأنها تمت لأهل شبه الجزيرة بصلة ونسب، ومصر مركز الدائرة من هذه ~~الشعوب؛ تمتد حولها فلسطين وسوريا والعراق إلى الشرق، وطرابلس وتونس والجزائر ومراكش إلى ~~الغرب، ويتناول هذا الحاضر بنوع عام جميع الشعوب التي تدين بالإسلام في آسيا وإفريقية ~~وأوربا، لا جرم وماضي الإمبراطورية الإسلامية يربط على الزمان هذه الأمم والشعوب كافة أن ~~تكون دراسته موضع عنايتها جميعا، وأن يرى كل منها صورته إلى أربعمائة وألف سنة خلت ماثلة ~~في هذه الدراسة، وأن يتعرف من طريقها الأسباب التي أدت إلى ما أصاب هذه الصورة من شوه أو ~~فساد، وأن يلتمس الوسيلة من طريق هذا التعرف لرد الصورة إلى جلالها الأول وبهائها ~~المضيء. # وإني لأفكر في هذه الأمور وفيما يتصل بها إذ رغب إلي جماعة ممن أبدوا الرضا عن «حياة ~~محمد» أن أتناول حياة خلفائه الأولين بالبحث، وأن أفرد لطائفة من أبطال المسلمين في العهد ~~الأول تراجم مستفيضة، أسجل في كل واحدة منها سيرة واحد من هؤلاء الأبطال، ولئن أرضى مطلب ~~هؤلاء الأصحاب نفسي وتملق رضاي عنها لقد أشفقت عليها مما طلبوا؛ فهو أمر يقصر دون إتمامه ~~الجهد، وتنوء بإحسانه جماعة متضافرة. # وكانت الترجمة لعمر بن الخطاب مما أكثر الحديث فيه قوم رأوا سيرة الفاروق غرة في جبين ~~التاريخ الإسلامي، قلت عند ذلك في نفسي: وما لي لا أبدأ بسيرة الصديق فأدرسها وأعرضها على ~~النحو الذي عرضت به «حياة محمد»! لقد كان أبو بكر صفي محمد # صلى الله عليه وسلم # وخليله، وكان أكثر ~~أصحابه اتصالا به، وكان لذلك أكثرهم تتبعا لتعاليمه وامتثالا إياها، وهو بعد رجل رقيق ~~الخلق، رضي النفس، وإليه ينتسب عشرات الألوف ومئاتها من المسلمين المنتشرين في أنحاء الأرض، ~~ثم إنه، إلى رفقه ورقته، هو الخليفة الأول، وهو الذي أقر الإسلام حين ms003 حاول المرتدون من ~~العرب أن يقوضوا ركنه أو يثلموا متنه، كما أنه هو الذي مهد للفتح وللإمبراطورية، فلعلي، إذا ~~وفقت لتدوين سيرته على النحو الذي أرجو أكون قد عبدت الطريق لكتابة تاريخ هذه الإمبراطورية ~~كله أو بعضه، فأبلغ بذلك ما يريد الله أن أبلغه من هذا الغرض العظيم، وأمهد السبيل لمن شاء ~~أن يتمه أو يأخذ فيه من جديد على نحو أدنى إلى الكمال. # ولو أني قر بي الجهد عند سيرة أبي بكر لكفاني ذلك ولاغتبطت به، وحسبك أن تتلو ما حدث في ~~عهد الخليفة الأول لتسكن إليه وتستقر عنده، إن فيما رواه المؤرخون من وقائع هذا العهد لما ~~ينطوي على عظمة نفسية تثير الدهشة، بل الإعجاب، بل الإكبار والإجلال، وأخشى أن أقول إنها ~~تدعو إلى التقديس، أنت لا ترى هذه المعاني مصورة في أي من الكتب الأولى؛ لكن روايتها ~~للحوادث تبرزها وإن لم تنطق بها، وتجلوها بينة واضحة وإن لم تذكرها ولم تحدث عنها. # فهذا الرجل الوديع السمح الأسيف، السريع إلى التأثر وإلى المشاركة، البائس في بؤسه، ~~والضعيف في ضعفه، تنطوي نفسه على قوة هائلة لا تعرف التردد ولا الإحجام، وعلى قدرة ممتازة ~~في بناء الرجال، وفي إبراز ملكاتهم ومواهبهم، وفي دفعهم إلى ميادين الخير العام ينفقون فيها ~~كل ما آتاهم الله من قوة ومقدرة. # أين كانت هذه العبقرية التي انطوت عليها نفس أبي بكر أثناء حياة الرسول؟ # عدت بالذاكرة إلى سيرة أبي بكر قبل خلافته، واستحضرت مواقفه من رسول الله، فبدت لي في ثوب ~~جديد من الجلال تحيط بها هالة من عظمة تواضعت إلى جانب عظمة الرسول وجلاله؛ لكنها برزت ~~أمامي بكل بهائها وجلالها حين قرنت صاحبها إلى سائر أصحاب رسول الله ومن اتبعه من المسلمين، ~~فأين مواقفهم، على جلالها وعظمتها، من مواقفه أول الرسالة، وحين كانت قريش تنال رسول الله ~~بالإساءة والأذى، وحين كان حديث الإسراء، وأول الهجرة، وفي مكافحة دسائس اليهود بيثرب؟!! إن ~~كل موقف من هذه المواقف لكفيل وحده بأن يؤرخ لرجل وأن يثبت اسمه ms004 في كتاب الخلود، وعظمة أبي ~~بكر مع ذلك هي العظمة الصامتة التي تأبى أن تتحدث عن نفسها؛ لأنها عظمة الروح وعظمة الإيمان ~~الحق بالله وبما أوحى إلى رسوله # صلى الله عليه وسلم ~~. # ثم ماذا؟ ثم إن رواية الحوادث في عهد أبي بكر تشهد له بحسن الرأي وبعد النظر، فهو حين فكر ~~في غزو الفرس وفي غزو الروم لأول ما اطمأن إلى موقف المسلمين من حروب الردة في بلاد العرب، ~~قد رأى في مبدأ المساواة الذي جاء الإسلام به قوة جديدة لا تستطيع فارس ولا تستطيع بزنطية ~~أن تواجهها، فهذا المبدأ جدير بأن تهوي إليه نفوس الناس جميعا في هاتين الإمبراطوريتين ~~اللتين قامتا على حكم الفرد وعلى نظام الطوائف وعلى التفاوت بين الناس، ليكن لكل من ~~الإمبراطوريتين ما تشاء من عدد وعدة؛ فإن فكرة المساواة والعدل أقوى من كل قوة، والحكم ~~القائم على أساس هذه الفكرة جدير بأن يكسب الناس إليه ما كان الإنصاف أساسه، لذلك لم يصد ~~أبا بكر عن غزو العراق وغزو الشام ما كان من اختلاف طائفة من كبار الصحابة معه في الرأي، بل ~~أمر بهذا الغزو مطمئنا إلى أن الله معينه وناصره، ولذلك نصح إلى من بعثهم على رأس هذا ~~الغزو أن يتمسكوا بالمساواة وبالإنصاف والعدل لا يحيدون عنها قيد أنملة. # تتجلى هذه المعاني واضحة كل الوضوح من خلال الحوادث التي رواها المؤرخون الأولون عن هذا ~~العهد القصير العظيم الذي تولى الصديق فيه أمر المسلمين؛ ويزيد ما كتبه المستشرقون بعض هذه ~~المعاني وضوحا بما أوردته كتبهم من ملاحظات، وما حاولت أن تفسر به بعض الحوادث. # وهذه المعاني هي التي تجعل هذا العهد القصير خليقا أن يفرد له سفر مستقل يصور ذاتيته ~~الخاصة وتكوينه التام. # وأنا أقصد ما أقول حين أذكر أن عهد الصديق له ذاتيته الخاصة وتكوينه التام، فهو على ~~اتصاله بعهد الرسول قبله وبعهد عمر بعده، يمتاز بطابع يشخصه، فعهد الرسول كان عهد وحي من ~~عند الله، أكمل الله به للناس دينهم، وأتم عليهم نعمته، ورضي ms005 لهم الإسلام دينا، وعهد عمر ~~كان عهد تنظيم للحكم الذي استقرت قواعده، وللإمبراطورية التي تفتحت أبوابها، أما عهد أبي ~~بكر فكان فترة الانتقال العصيبة الدقيقة التي تربط بين هذين العهدين، وتتميز مع ذلك عن كل ~~منهما، بل تتميز عن كل عهد عرفه الناس في تاريخ الحكم واستقراره، وفي تاريخ الأديان ~~وانتشارها. # في هذه الفترة الدقيقة صادفت أبا بكر صعاب بلغت من الشدة أن أثارت مخاوف المسلمين جميعا ~~في أول عهده، فلما تغلب بفضل إيمانه عليها، وأمده الله بالتوفيق والنصر فيما تلاها، تولى ~~عمر بن الخطاب سياسة المسلمين، فدبر أمورهم، وأقام بينهم عدلا وطد قواعد ملكهم، وجعل دول ~~العالم تدين طائعة لسلطانهم. # أثارت الصعاب التي صادفت أبا بكر مخاوف المسلمين؛ ذلك لأن الوحدة العربية التي تمت في عهد ~~الرسول لم تلبث أن اضطربت حين وفاته، بل لقد بدأت نذر هذا الاضطراب قبل أن يختار الله رسوله ~~إليه، تنبأ مسيلمة بن حبيب باليمامة وبعث رسله إلى النبي بالمدينة يقولون له: إن مسيلمة نبي ~~مثله، «وإن لنا نصف الأرض ولقريش نصف الأرض، ولكن قريشا قوم لا يعدلون»، وتنبأ الأسود ~~العنسي باليمن وادعى السحر، وجعل يدعو الناس إليه خفية، حتى إذا عظم أمره سار من الجنوب ~~وطرد عمال محمد، وتقدم إلى نجران ونشر في ذلك الأصقاع سلطانه، وبعث محمد إلى أعماله باليمن ~~كي يحيطوا بالأسود أو يقتلوه، هذا إلى أن العرب الذين آمنوا بالتوحيد ونبذوا عبادة الأوثان ~~لم يدر بخاطر أحدهم أن تعقب وحدتهم الدينية وحدة سياسية؛ بل إن كثيرا منهم راجعهم الحنين ~~إلى عقائدهم الأولى، فلم يلبثوا حين علموا بوفاة رسول الله أن ارتدوا عن دين الله، وأن أعلن ~~أكثر القبائل عدم الإذعان لسلطان المدينة، وعدوا الزكاة إتاوة مفروضة فامتنعوا من ~~أدائها. # استطارت هذه الثورة عقب وفاة الرسول في بلاد العرب جميعا بسرعة مروعة كما تستطير النار ~~في الهشيم، وبلغت أنباؤها أهل المدينة ممن حول أبي بكر بعد أن بايعوه، فتولاهم الدهش ~~واختلفوا ما يصنعون، وكان رأي قوم، بينهم عمر بن الخطاب، ألا ms006 يقاتلوا الذين منعوا الزكاة ما ~~داموا يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ولعلهم أرادوا بذلك ألا يزيدوا عدد ~~عدوهم فيتغلب عليهم، ولم يعدهم الله ما وعد رسوله من النصر، وليس ينزل الوحي على أحد منهم ~~بعد أن اختار الله إليه خاتم الأنبياء والمرسلين، لكن أبا بكر أصر على قتال من منعوا الزكاة ~~كما أصر على قتال من ارتدوا، فكانت حروب الردة التي استطالت عاما وبعض عام. # ولم تكن حروب الردة غزوات اشتبك فيها بضع مئين من جيش الخليفة وبضع مئين من خصومه، بل ~~كانت بعضها طاحنة اشترك فيها عشرات الألوف من كل جانب، وقتل فيها المئات بل الألوف من هؤلاء ~~ومن أولئك، ثم كان لها في تاريخ الإسلام أثر حاسم، ولو أن أبا بكر نزل على رأي من لم يريدوا ~~هذه الحروب لساد الاضطراب بلاد العرب، ولما قامت الإمبراطورية الإسلامية، ولو أن جيوش أبي ~~بكر لم تنتصر في هذه الحروب لكانت العاقبة أدهى وأمر، ولتغير في الحالين مجرى التاريخ في ~~العالم كله، لذلك لا يكون غاليا من يقول: إن أبا بكر، بموقفه من ردة العرب وبانتصاره فيها، ~~قد وجه تاريخ العالم، وكان يد الله في بعث الحضارة الإنسانية خلقا جديدا. # فلولا انتصار أبي بكر في حروب الردة لما بدأ غزو العراق وغزو الشام، ولما سارت جيوش ~~المسلمين مظفرة تفتح الإمبراطوريتين الرومية والفارسية لتقيم الإمبراطورية الإسلامية على ~~أنقاضهما، ولتحل الحضارة الإسلامية محل حضارتهما، ولولا حروب الردة، واستشهاد من استشهد من ~~الصحابة لإحراز النصر فيها، لخيف ألا يسارع عمر فيشير على أبي بكر بجمع القرآن، وهذا الجمع ~~هو الذي أدى إلى توحيد القراءة بلغة مضر في عهد عثمان، فظل كتاب الله الكريم أساسا ثابتا ~~لكلمة الحق، ودعامة متينة للحضارة الإسلامية، ولولا نصر الله المسلمين في حروب الردة لخيف ~~ألا يقر أبو بكر نظام الحكم في المدينة ليقيمه عمر من بعده على أساس من الشورى، سداه العدل ~~والرحمة، ولحمته البر والتقوى. # هذه أحداث جليلة تمت في فترة قصيرة لم ms007 تعد سبعة وعشرين شهرا، ولعل قصر هذه الفترة هو ~~الذي دعا بعضهم أن يتخطاها إلى عهد عمر، ظنا منهم أن أشهرا معدودات لا تتسع لعظائم تغير ~~وجه العالم، ولو أن هؤلاء ذكروا أن الثورات التي نقلت الإنسانية أطوارا تمت كلها في مثل ~~هذه الفترة، وأن العالم جعل يمتثل مبادئ هذه الثورات بعد ذلك شيئا فشيئا ويفيد منها لرقي ~~الإنسانية في توجهها إلى الكمال، لما سارعوا إلى الانتقال من عهد الثورة الروحية التي ~~أعلنها رسول الله في العالم كله إلى الإمبراطورية المترامية الأطراف التي دانت لهذه الثورة، ~~دون أن يقفوا مليا عند هذه الفترة التي يحاول العرب فيها أن يقوموا برد الفعل في وجه ما ~~جاء محمد به، شأنهم في ذلك شأن الناس في كل زمان ومكان؛ إذ يحاربون المبادئ الجديدة يحاولون ~~إطفاء نورها، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون. # كيف استطاع أبو بكر أن يواجه الصعاب التي استفتحت عهده، وأن يثبت لها ويتغلب عليها، وأن ~~يبدأ التمهيد للفتح وللإمبراطورية وهذه الصعاب قائمة؟ لقد كانت لصفاته الذاتية أثر كبير في ~~ذلك لا ريب، لكن هذه الصفات وحدها ما كانت لتبلغ به ما بلغ لولا صحبته الرسول عشرين سنة ~~كاملة؛ ولذا يجمع المؤرخون على أن عظمة الصديق في خلافته تتصل بعظمته في صحبة الرسول أوثق ~~اتصال، فهو قد أشرب أثناء الصحبة روح الدين الذي جاء به محمد، وأدرك مقاصده وأغراضه كاملة ~~إدراك إلهام لا يتطرق إليه الخطأ ولا الريب، ومما أشربه وأدركه بإلهامه أن الإيمان قوة لا ~~يغلبها غالب ما تنزه المؤمن عن كل غرض إلا ابتغاء الحق لوجه الحق وحده، هذه حقيقة روحية ~~أدركها كثيرون من عصور شتى، لكنهم أدركوها بعقولهم، أما أبو بكر فأدركها بقلبه، ورآها بعينه ~~ماثلة في رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وفي عمله. # وهذا الإيمان الصادق بالحق هو الذي دفعه ليخالف أصحابه في أمر المرتدين، ويصر على قتالهم ~~وإن خرج إليهم وحده، وما له لا يفعل وقد رأى النبي يقف وحيدا يدعو إلى ms008 الله بمكة فيخالفه ~~أهل مكة جميعا، ثم يغرونه بالمال والملك وعظمة الجاه، ثم يحاربونه يبتغون بذلك أن يصدوه عن ~~الحق الذي يدعو إليه، فلا يفتر عن أن يقول: «والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في ~~يساري، على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه، ما تركته!» # وما له لا يفعل وقد رأى النبي في أعقاب أحد، وبعد أن انتصرت قريش على جيوش المسلمين ممن ~~شهدا أحدا، ويتعقب قريشا، وينزل حمراء الأسد ويقيم بها ثلاثة أيام، يوقد النار طول ليله، ~~حتى تزعزعت همة قريش وانصرفت إلى مكة، وقد استرد المسلمون من مكانتهم ما زعزعته أحد! # ثم ما له لا يفعل وقد رأى النبي يقف صبح حنين في عدد قليل من أصحابه ينادي في جيش ~~المسلمين إذ يولون الأدبار: «أين أيها الناس، أين!» وهذه الألوف المؤلفة تفر تولاها الفزع، ~~فلما عرف الناس موقف النبي وسمعوا نداء العباس: «يا معشر الأنصار الذين آووا ونصروا، يا ~~معشر المهاجرين الذين بايعوا تحت الشجرة، إن محمدا حي فهلموا.» تصايحوا من كل جانب: «لبيك، ~~لبيك»، وارتدوا إلى المعركة مستبسلين! # أي تأس كهذا التأسي يلهم المرء أن الإيمان قوة لا يغلبها غالب ما تنزه المؤمن عن كل غرض ~~إلا ابتغاء الحق لوجه الحق وحده!! وأي رجل له من الإيمان ما لأبي بكر لا يضاعف تأسيه ~~بالرسول قوة نفسه فيجعله من عناصر الوجود الحاسمة القاهرة! هذه هي القوة الروحية التي لا ~~سلطان لشيء في الحياة عليها، والتي لا تعرف الضعف ولا التردد، ولا يغلبها لذلك غالب! # وهذه الأسوة الروحية التي التمسها أبو بكر في رسول الله، والتي جعلت للمسلمين الغلب على ~~المرتدين من سائر العرب، قد دفعت إلى نفوس المسلمين جميعا حمية سمت بهم إلى إيمان بأنهم لا ~~غالب لهم من دون الله، وحببت إليهم الاستشهاد في سبيل الحق، وجعلتهم يرون هذا الاستشهاد ~~نصرا دونه كل نصر، وأنت ستقرأ في هذا الكتاب من آيات ذلك ما قل في التاريخ نظيره، لقد كان ~~المسلمون في عهد ms009 رسول الله مطمئنين إلى النصر؛ لأن الله وعد به رسوله، فكان يمده بالملائكة، ~~وكان يوحي إليه ما يحقق وعده جل ثناؤه، أما في عهد أبي بكر، وقد انتهى الوحي باختيار الله ~~إليه رسوله، فقد أصبح الإيمان وحده، وأصبح التأسي برسول الله وبخليفته في السمو بهذا ~~الإيمان إلى ما فوق كل اعتبار في هذه الحياة الدنيا، وأصبح الاستشهاد في سبيل هذا الإيمان، ~~سر القوة، وسر النصر، وسر الرقي بما تنطوي عليه نفوسنا من معان إنسانية رفيعة إلى غاية ~~الكمال الإنساني. # هذه حقيقة روحية استلهمها الصديق من تأسيه بالنبي، فجلتها لنا أعمال المسلمين في خلافته ~~وبتوجيهه على نحو من الوضوح يجعلنا نلمسها وكأنها أمر مادي تقع عليه الحواس بمقدار ما ~~تمتثله الروح، ونحن نلمس هذه الحقيقة الروحية في حروب الردة كما نلمسها في فتح العراق وفي ~~فتح الشام، فلولا هذا الإيمان ما استطاع المسلمون، على قلتهم، أن يتموا في عهد الخليفة ~~الأول ما تم من جلائل الأعمال، وما مهد للإمبراطورية الإسلامية العظيمة. # وقد استلهم أبو بكر من تأسيه بالرسول، إلى جانب هذه الحقيقة الروحية، حقيقة اجتماعية ~~بعيدة الأثر في حياة الأمم، فكل أمة تعتز بنفسها، وتطمئن إلى قوتها، وتشعر بأن عليها رسالة ~~واجبة الأداء للعالم، وبأن العالم يجب أن يسمع لهذا الرسالة - مثل هذه الأمة التي لا يقف في ~~سبيلها سلطان وإن عظم، ولا تصدها عن أداء رسالتها قوة من القوى. # وتضافر هاتين الحقيقتين، الروحية والاجتماعية، قد كان في كل العصور والأمم أساسا لفوز ~~الشعوب التي تندفع متأثرة بسلطانهما ولنجاح الرسالة التي تدعو هذه الشعوب لها. # والأمر كذلك بخاصة إذا قامت هذه الرسالة على أساس من الدعوة إلى نبذ العلم، والحرص على ~~عدل قوامه المساواة الصحيحة بين الناس، ولطالما قامت إمبراطوريات على هذه الأساس في مختلف ~~حقب التاريخ، ولطالما تداعت إمبراطوريات بعد قيامها؛ لأنها حادت عن هذه الطريق، فاتخذ ~~خصومها انحرافا عنها وسيلة لمناوأتها ومقاومتها. # والمساواة سدى الإسلام، وهو لذلك إمبراطوري اللحمة، هذه حقيقة ندركها اليوم بعقولنا كما ~~أدركها كثير ممن سبقونا ms010 بعقولهم، ثم لم يستطيعوا ولم نستطع أن نحتفظ بالإمبراطورية ~~الإسلامية في العالم لظروف خاصة بنا أو خارجة عن إرادتنا، أما أبو بكر فأدركها بإلهامه وآمن ~~بها عن يقين، فدفع المسلمين لتنفيذها، فأقروها في العالم فاستقرت أجيالا وقرونا. # أدرك أبو بكر بإلهامه أن الإسلام في صفاء جوهره دين مساواة بين الناس جميعا، فالدعوة به ~~لم توجه إلى قوم بعينهم، وإنما وجهت إلى الناس كافة، وقد اصطفى رسول الله في حياته موالي ~~رفعهن إلى أعز مكانة وأسماها، كما أقر جماعة من العجم على حكم العرب، فسلمان الفارسي كان من ~~خاصته المقربين، وزيد بن ثابت، مولاه الذي اشترته خديجة ثم وهبته له فأعتقه وتبناه، كان ~~القائد في غزوة مؤتة، كما كان على رأس أعمال كثيرة قبلها، وأسامة ابنه هو الذي عقد له ~~الرسول قبل مرضه الأخير لواء جيش يضم جلة المهاجرين والأنصار، ومن بينهم أبو بكر؛ وقد أقر # صلى الله عليه وسلم # بازان الفارسي على حكم اليمن، ولم يكن الناس يتفاوتون عند رسول الله لعروبتهم ولا ~~لمكانة قبائلهم، وإنما كانوا يتفاوتون بأعمالهم، وكان من أصحاب مشورة رسول الله ومن أولي ~~الرأي بين المسلمين شبان أبرزهم إلى الصف الأول حسن إيمانهم وجميل بلائهم في سبيل الله، ~~وكانت سيرة رسول الله هذه بعض ما أمر الله به في كتابه؛ إذ فاضل بين الناس بالتقوى، وإذ جعل ~~جزاءهم رهنا بعملهم، وإذ رفع بعضهم فوق بعض درجات بهذا العمل وهذه التقوى، لا جرم، وتلك ~~سنة رسول الله، أن يخفف العرب من غلواء نعرتهم الجنسية، وإن أقاموا على اعتزازهم بها، وإن ~~جعلوا اصطفاء الله نبيه من بينهم حجتهم على سمو مكانتها، ولا جرم أن يتخذ أبو بكر من هذه ~~المساواة الإسلامية بين الناس وبين الأجناس سنته، فتكون القوة التي تنهزم أمامها جيوش الفرس ~~وجيوش الروم. # وأدرك أبو بكر بإلهامه أن الإسلام إمبراطوري في جوهره، فالدعوة إليه لم تنحصر في العرب، ~~بل هي دعوة إلى الحق موجهة إلى الناس كافة في مشارق الأرض ومغاربها، أما وذلك مداها، وقد ~~وجه ms011 النبي رسله إلى الملوك والأمراء يدعوهم إلى دين الله، فحق على كل من آمن بهذا الدين أن ~~يدعو إليه، وأن ينشر كلمته هدى للناس ورحمة، ولكل مسلم في رسول الله أسوة حسنة، لقد أذاع ~~رسول الله الدعوة في الناس على اختلاف أجناسهم، فلينشر خلفاؤه هذه الدعوة في أنحاء الأرض ~~جميعا، وليجاهدوا في سبيل حريتها، لا يستكرهون أحدا ولا يقبلون من أحد أن يصدهم عن الحق ~~الذي اهتدوا إليه، وليجعلوا العالم كله ميدان دعوته إلى هذا الحق وإن أصابهم في سبيل الله ~~ما أصابهم؛ فإن استشهدوا فلهم عند الله جزاء الشهداء. # هذه المبادئ الجوهرية التي قامت دعوة النبي العربي على أساسها، والتي أدركها أبو بكر أدق ~~الإدراك بإلهامه لما كان من صحبته رسول الله وتشبعه بتعاليمه، هي التي طوعت للصديق أن يذلل ~~ما استفتح عهده من صعاب وأن يتغلب عليها، وهي التي أسرعت بالإمبراطورية الإسلامية إلى أنحاء ~~العالم وأظلت أمما كثيرة منه بلوائها، ولقد ظلت هذه الأمم أجيالا متعاقبة ناهضة بعبء ~~الحضارة في العالم، ثم أدركها الهرم الذي يدرك الأمم والإمبراطوريات، ثم تولتها السنة ~~الطويلة التي تقابل موت الأفراد. # أفيرجع هذا الهرم ثم هذه السنة الطويلة إلى أن المبادئ الجوهرية تبين فسادها، أم يرجعان ~~إلى أن الأمم التي انحلت عن الإمبراطورية الإسلامية جحدت هذه المبادئ وأخذت بنقيضها فأصابها ~~الهرم والاضمحلال بصنيعها؟! ذلك كل تاريخ الإمبراطورية الإسلامية في قيامها وعظمتها ~~وتدهورها، وهو تاريخ جدير بأن يدور على طريقة من البحث العلمي الوثيق الذي لا يعرف التعصيب ~~ولا يرضاه، والذي يرمي إلى تحليل الحوادث وردها إلى أسبابها تحليلا يقره العقل ويتفق لذلك ~~وما ركب في الطبيعة الإنسانية من نزوع روحي إلى الكمال، ومن تشبث مع ذلك بأهداب هذه الحياة ~~الدنيا تدعونا إليه أهواؤنا وشهواتنا، فتحول بيننا وبين إدراك الغاية التي نبغي من هذا ~~الكمال. # لا أراني في حاجة إلى أن أقول إن هذا الهرم وهذه السنة يرجعان إلى جحود الأمم التي ~~انحلت عن الإمبراطورية الإسلامية للمبادئ الجوهرية التي قامت هذه الإمبراطورية على أساسها، ms012 ~~مبادئ الإسلام في صفاء جوهره، ذلك أمر يلمسه المحقق المنصف لتاريخ هذه الإمبراطورية، ويراه ~~في أطواره المتصلة منذ بدأ الخلاف بين المسلمين من أهل شبه الجزيرة إلى أن جسمت الفرقة بين ~~العرب والعجم شقة هذا الخلاف، وفتحت به الأبواب واسعة للتدهور والانحلال. # ليس يتسع هذا التقديم لتفصيل هذا الأمر ولا لإجماله، فحسبي هذه الإشارة إليه، ولأقف هنا ~~في حدود العهد القصير العظيم، عهد الصديق أبي بكر، ولأسجل ما كنت أشعر به من فيض المسرة حين ~~تأريخي له، وأكبر رجائي أن أكون فيما كتبت عنه قد أرضيت في نفسي حب الحق، وبلغت بعض ما أردت ~~من رسم الصورة التي حاولتها دقيقة، فيها من الحياة ما يبعث الماضي مجلوا على صفحة الحاضر، ~~وأقول بعض ما أردت؛ لأنني كنت أحس دائما أن هذه الصورة ينقصها شيء غير قليل من الكمال لم ~~يتسن لي أن أصل إليه لأسباب مختلفة. # وإنني لتضاعف غبطتي لو أن كتابي هذا نقل إلى نفس قارئه صورة واضحة من عهد الصديق خليل ~~النبي العربي وصفيه، قد يشوب مطمعي هذا بعض الغلو، فلعهد الصديق - كما قدمت - صورة خاصة ~~تامة التكوين يستشفها الإنسان من خلال ما كتب عنه ويتصورها في كمال بهائها، لكن البلوغ ~~بصورة ما حد الكمال محتاج إلى جهد متصل يتعاقب على الأجيال، ويتناوله التمحيص من نواحيه ~~المختلفة، ولم يبذل من الجهد في أمر الصديق وعهده ما يدني من هذا الكمال؛ فهو لا يزال ~~مفتقرا إلى جهود جديدة يتضافر فيها البحث والتمحيص مع الموازنة بالعصر الذي عاش الصديق ~~فيه، وبحياة الأمم صاحبة الأثر في هذا العصر، ولست في ريب من أن هذه الجهود ستبذل عما قريب، ~~وستعاون على تمام الصورة التي تظهر هذا العهد واضحا، مجلوة بينة تفاصيله. # وعهد الصديق أحوج إلى هذا الجهد من غيره من العهود، فالمراجع العربية القديمة التي تتحدث ~~عنه يشوبها اضطراب يجعل تتبع الحوادث المروية فيها عسيرا في بعض الأحيان كل العسر، ثم إنها ~~كثيرا ما تثبت روايات هي أدنى إلى الخرافة منها إلى التاريخ، ms013 وقد يجد الإنسان في موازنة ~~بعض هذه المراجع ببعض ما يعينه على تمحيص الحوادث، لكنها تتواتر روايتها أحيانا لحوادث يقف ~~الإنسان منها موقف الحيرة، فلا يسعه أن يثبتها مع الإشارة إلى ما يخالجه من الريبة ~~فيها. # وإني لأجد للمؤرخين الأولين أبلغ العذر عما شاب رواياتهم من اضطراب كان له أثره في جهود ~~من بعدهم إلى عصرنا الحاضر، فهذه الفترة التي تولى الصديق فيها أمر المسلمين كانت فترة جهاد ~~أي جهاد، حمل فيها كل من آمن بالله ورسوله عبئا عظيما لتأييد الدعوة إلى دين الله وما جاء ~~به رسوله من عنده، اندفع هؤلاء جميعا إلى ميادين النضال، يجاهدون في سبيل الله، يقتلون ~~ويقتلون، مستهينين بالحياة ونعمائها، مؤثرين البأساء، صابرين على الضراء، واهبين أنفسهم ~~لله، لا يبتغون عن جهادهم أجرا إلا مثوبته جل شأنه، لم يكن يوم من أيامهم ينقضي في طمأنينة ~~أو أمن، ولم يكن أحد منهم يفكر في أمسه؛ لأن غده يطالبه بأكثر مما عمل في ذلك الأمس، لذلك ~~لم يفرغ أحد لتدوين ما حوته هذه الفترة من جسام الحوادث تدوينا منظما؛ وإنما تناقل الناس ~~من بعد أنباءها يرويها بعضهم لبعض، ويتناقلها عن بعض، ثم لا يروونها ويتناقلونها بمثل ما ~~يروون به ما حدث في عهد الرسول من تقديس وإجلال، وكيف يفعلون وقد كانوا في شغل متصل بالفتح ~~وتنظيم الإمبراطورية التي تزداد كل يوم فسحة وسعة!! لذلك كان لا بد لمؤرخ هذا العهد من ~~تقليب الروايات وموازنتها واقتناص الحقيقة من خلالها، وهذا جهد شاق حاوله الأقدمون على ~~طريقتهم، ومع تقديرنا لجهدهم وإكبارنا لشأنهم، فإنهم لم يبرزوا عهد الصديق وحكمه في صورة ~~يجلو وضوحها ما انطوى عليه من قوة تقف النظر وتبهر اللب وتثير في النفس غاية ~~الإعجاب. # وحسبك أن ترجع إلى سجل المراجع التي أخذنا عنها هذا الكتاب، وأن تتلو فصوله لتقدر مبلغ ~~الدقة فيما نقوله عن المتقدم منها، فبعض هذه المراجع لا يتعرض - إلا لماما - لأمور جليلة ~~الخطر ترويها المراجع الأخرى مفصلة أدق التفصيل، فالطبري وابن الأثير والبلاذري لا ms014 يكادون ~~يتعرضون لجمع القرآن؛ وجمع القرآن من جلائل الأعمال التي ازدان بها عهد الصديق إن لم يكن ~~أجلها، وما يتعرض له هؤلاء المؤرخون من رواية الحوادث عن حروب الردة وعن فتح العراق ثم فتح ~~الشام يقع عليه الخلاف بينهم، بل ترد الروايات المختلفة في أمره في الكتاب الواحد من كتبهم، ~~حتى ليحار الإنسان أي الروايات يأخذ وأيها يدع، والخلاف على الزمن الذي حدثت فيه الوقائع لا ~~يقل عن الخلاف في تصوير الوقائع جسامة، وكثيرا ما يكون تحديد التاريخ لبعض هذه الوقائع ~~مغامرة لا تستند إلى أساس يمكن الاعتماد عليه في شيء من الدقة، ونسبة بعض الحوادث إلى بعض ~~محير كذلك، فالطبري يروي أن حروب الردة وقعت في السنة الحادية عشرة للهجرة، وأن فتح العراق ~~تم في السنة الثانية عشرة، وأن فتح الشام تم في السنة الثالثة عشرة، وأنت تكاد تظن إذ تقرأ ~~هذا التعاقب الزمني أن فتح العراق لم يبدأ إلا بعد الفراغ من حروب الردة، وأن فتح الشام لم ~~يبدأ إلا بعد أن استقر الأمر في العراق، لكن شيئا من التدقيق في مراجعة الحوادث ووقوعها لا ~~يلبث أن يحملك على الريبة في هذا التعاقب، فإذا زدت في التدقيق تبينت أن فتح العراق بدأ ~~وحروب الردة لا تزال قائمة، وأن فتح الشام بدأ في أعقاب حروب الردة وجيوش خالد بن الوليد لا ~~تزال تعالج إقرار السكينة في العراق وتتوقع غزوات فيه جديدة. # ولا يقف مثار الحيرة عند هذا، فكثيرا ما يتعذر تتبع الحوادث في تسلسلها الجغرافي، بل إن ~~بعض الروايات ليتنافى مع هذا التسلسل، دع عنك تغير أسماء الأماكن وما في تشابه بعضها من ~~مثار جديد للحيرة، ولقد طبع بعض المستشرقين خرائط الإدريسي القديمة كما رسمها، وشفعوها ~~بخرائط رسموها على النحو المألوف لنا، فسهل ذلك علينا معرفة الأماكن ومواقع بعضها من بعض، ~~ولئن يسر ذلك لنا أن نحقق ما كان عسيرا تحقيقه فيما مضى، لقد أثار الريب في بعض الروايات ~~حتى ليتعذر تصديقها، لذلك وقف بعض المؤرخين لعهد أبي بكر ms015 مترددين لا يكادون يصدقون ما ~~يقرءون، وكأنما صرف ذلك كله غير واحد ممن أرادوا التأريخ للإسلام عن التصدي لهذه الأمور، ~~فاكتفوا من عهد أبي بكر بإلمامات لا تصوره صورة كاملة تبرز كل ما لهذا العهد من جلال، وما ~~له من تاريخ الإسلام وفي قيام الإمبراطورية الإسلامية من أثر حاسم. # أضف إلى هذا الاضطراب في المراجع أنها لا تتحدث عن الصديق أيام خلافته ما تتحدث عن خالد ~~بن الوليد وعن القواد الذين دخلوا الشام وأقاموا به حتى جاءهم خالد من العراق ففتح وإياهم ~~دمشق وهدم بعبقريته الحربية كل قوة معنوية للروم، وأنت إذ تقرأ هذه المراجع يكاد يخيل إليك ~~أن أبا بكر قد أقام بالمدينة لا يشغله أمر عن العبادة، وهذا خطأ فاحش، فكل ما تم في عهد ~~الصديق كان الصديق روحه ومصدره. أشرنا إلى ما كان بينه وبين عمر وطائفة من المسلمين من خلاف ~~على قتال المرتدين ومن منعوا الزكاة، وإلى أنه تشبث بقتالهم ولو خرج إلى هذا القتال وحده، ~~وسترى حين تتلو فصول هذا الكتاب أنه هو الذي دفع خالد بن الوليد ليسير إلى العراق يعزز قوات ~~المثنى بن حارثة الشيباني، وأنه هو الذي دعا العرب في أنحاء شبه الجزيرة إلى فتح الشام، ~~فلما أبطأ أبو عبيدة ومن معه من القواد عن التقدم فيه أمدهم هو بخالد بن الوليد، وفي أثناء ~~ذلك كان هو الذي ينظم بيت المال، ويقسم الفيء بين المسلمين، ويولي العمال ويهيمن على ~~أعمالهم، وقد بلغ به هذا التفرغ لشئون الدولة أن انقطع عن التفكير في كل شيء سواها من أموره ~~الخاصة ومن أمور أهله وعياله، وهذا التفرغ التام لشئون الدولة، دقيقها وجليلها، هو الذي طوع ~~له أن يتم في فترة وجيزة ما لا يتمه غيره في سنوات، بل ما قل أن يتمه غيره، ولعل سببا آخر ~~كان ذا أثر فيما قدمنا عن موقف الرواة والمؤرخين من أبي بكر وعهده؛ فهم قد حسبوا أن صحبته ~~الرسول عشرين سنة كاملة، واصطفاءه # صلى الله عليه وسلم # إياه حتى ms016 ليقول: «لو كنت متخذا من العباد ~~خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا.» - حسبوا أن هذا وذاك أجل من كل ما تم في خلافته، ولا مرية ~~في أن مكان الصديق من رسول الله لها في تقديرنا جميعا أجل أثر وأعظم مقام، لكن خلافة ~~الصديق كانت حلقة أتمت هذا الأثر الجليل وتوجته. # لم يكن عمل الصديق في خلافته أقل جلالا من صحبته رسول الله، بل إنه كان في عهد الرسول ~~ثاني اثنين، أولهما صفي الله لنبوته ومن خصه الله برسالته وأوحى إليه كتابه بينات من الهدى ~~والفرقان، فالعبء الذي حمله أبو بكر أيام الرسالة كان عبء التابع المؤمن الذي لم تتلجلج قوة ~~إيمانه بالله ورسوله، أما العبء الذي حمله بعد أن اختار الله رسوله إليه فحمله على أنه أول ~~رجل في المسلمين وخليفة رسول الله بينهم، لم يكن فيه تابعا يدلي بالمشورة، بل كان متبوعا ~~يشير أصحابه عليه، كما كان يشير هو ومن معه على رسول الله، وقد حمل هذا العبء بإيمان وأمانة ~~وصدق، جزاه الله وجزى المسلمين عنه أحسن الجزاء، فإذا كان صدق أبي بكر في صحبة رسول الله من ~~أسمى مظاهر العظمة الإنسانية القائمة على دعامة متينة من الإيمان السليم، فتجرد أبي بكر في ~~خلافته للدفاع عن دين الله وللدعوة إليه ولإقامة الإمبراطورية الإسلامية لا يقل في جلال ~~سموه عن صحبته الرسول وإيمانه الصادق به وبكل ما أوحاه الله إليه، وتاريخ خلافته جدير لذلك ~~بأن يفصل أدق التفصيل. # هذا الاضطراب في المراجع، وهذا التأثر في تصوير عهد الخليفة الأول بعوامل لا يقر النقد ~~التاريخي الكثير منها، قد كان له ما رأيت من أثر في كتب المتقدمين، ثم كان له أثره فيما ~~تلاه ذلك من جهود من أخذوا عنهم وحاولوا أن يستنبطوا صورة الحقيقة كاملة من كتبهم، ولقد بلغ ~~هذا التأثر ببعض المتأخرين أن جعلهم لا يقفون عند عهد أبي بكر إلا لماما ثم يتخطونه إلى ~~عهد عمر فيطيلون الوقوف عنده، بل لقد بلغ الأمر ببعضهم أن يوازن بين عهد أبي بكر ms017 وعهد عمر ~~ليفاضل بينهما، وهذه مفاضلة لا موضع لها بين رجلين بلغ كل منهما من مراتب العظمة ما قل أن ~~يبلغه سياسي أو حاكم لأمة في تاريخ العالم كله، ولقد كان عهد عمر من أعظم عهود الإسلام لا ~~ريب، فيه استقرت قواعد الإمبراطورية، واستتب نظام الحكم، ورف لواء الإسلام على مصر وغير مصر ~~من البلاد التي اعتز بها الروم واعتز بها الفرس، لكن هذا العهد الفاروقي العظيم مدين لعهد ~~الصديق ومتم له كدين خلافة الصديق لعهد الرسول وإتمامها له. # على أن الدراسات التي تمت والكتب التي وضعت عن أبي بكر وعهده في العصور الأخيرة كانت أدنى ~~إلى الدقة والإنصاف، ومن الحق علي أن أشيد بما كان للمستشرقين من فضل السبق إلى هذه الدقة ~~وإلى هذا الإنصاف، على تحيز بعضهم تحيزا دفعت إليه العاطفة الدينية، فقد صنف «الأب ماريني» ~~كتابه عن «خلفاء محمد» في القرن الثامن عشر؛ وصنف «كوسان دبرسفال» مؤلفه «رسالة في تاريخ ~~العرب» في أوائل القرن التاسع عشر؛ وكتاب «السير وليم ميور» عن «الخلافة الأولى» يرجع إلى ~~سنة 1883، وفي أثناء ذلك، وإلى وقتنا الحاضر، لم يبرح المستشرقون في ألمانيا وإنجلترا ~~وإيطاليا وفرنسا وغيرها من الدول يمحصون العهود الإسلامية المختلفة تمحيصهم غيرها من عصور ~~التاريخ في مختلف أنحاء العالم. # أما وقد ذكرت جهود المستشرقين، فمن الحق علي أيضا أن أذكر جهود المؤرخين المسلمين ~~والعرب، وما كان من إنصافهم عهد الصديق ومحاولتهم الدقة في أمره. # أرخ السيد رفيق العظم لهذا العهد منذ بضع عشرات من السنين في الجزء الأول من كتابه «أشهر ~~مشاهير الإسلام»: وكان متأثرا بطريقة الأقدمين في كثير من مواقفه، وتحدث المرحوم «الشيخ ~~محمد الخضري بك» فقال في ختام محاضرته له: «إنا نقول في ذلك قولا صريحا: لولا أبو بكر ~~وعزيمته القوية، بعد معونة الله وتأييده، ما كان تاريخ المسلمين يسير سيره الذي عرف، حصل ~~ذلك في وقت استولى فيه الذهول على أفئدة المسلمين كافة حتى أقواهم شكيمة وأشدهم ~~قلبا.» # وأفرد الأستاذ «عمر أبو النصر» الجزء الأول من كتابه ms018 «خلفاء محمد» للصديق وعهده، كذلك ~~تحدث المرحوم «الشيخ عبد الوهاب النجار» وغيره من المؤرخين عن هذا العهد حديثا جديرا ~~بالتقدير. # والآن، وقد وفقني الله لوضع هذا الكتاب، فهل تتيح لي الأقدار أن أردفه بآخر عن عهد عمر، ~~وبثالث وبرابع حتى أتم ما دار بخاطري أن أقوم به من دراسات في تاريخ الإمبراطورية ~~الإسلامية؟ ذلك أمر علمه عند ربي، لقد استقر مني العزم أن أدون لعهد عمر، لكن بين العزم ~~والتنفيذ مدى أرجو الله أن ييسره لي، مع صدق يقيني بقوله تعالى: # ولا ~~تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا * إلا أن يشاء ~~الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربي ~~لأقرب من هذا رشدا ~~(الكهف: 23، 24). # وأختم هذا التقديم بالضراعة إلى الله أن يوفق العلماء والباحثين لمتابعة البحث في حياة ~~الصديق وفي عهد خلافته، حتى تتم ببحوثهم الصورة التي حاولت أن أجلوها في هذا الكتاب، وأحمد ~~الله لما صادفني من التوفيق فيما حاولت. من الله الهدى، وبه التوفيق، وإليه يرجع الأمر ~~كله. # الفصل الأول # | أبو بكر في حياة النبي # ليس فيما انحدر إلينا من الروايات عن نشأة أبي بكر الأولى ما يعاون على تعرف شخصيته في ~~هذا الطور من حياته، فما يروى عن طفولته وعن صباه لا غناء فيه، وما يروى عن أبيه وعن أمه لا ~~يعدو ذكر اسميهما، وذكر ما كان من أبيه بعد أن أصبح أبو بكر رجلا من كبار المسلمين له في ~~حياة أبيه أثر، ولا أثر لأبيه في حياته، وإنما يعنى المؤرخون من أمره بذكر قبيلته ~~ومكانتها من قريش، شأنهم في ذلك كشأنهم في غيره مما يتصل بتاريخ العرب؛ إذ يرون في نسبتهم ~~إلى قبيلة من القبائل ما يفسر بعض طباعهم وأخلاقهم، وقد يكون ذلك حسنا، وقد يراه المؤمنون ~~بمبدأ الوراثة صالحا لتحقيق مذهبهم، وإن رأى غيرهم من المبالغة في تقديره ما يصرفهم عن ~~الدقة في تمحيصه. # وأبو بكر من قبيلة تيم بن مرة بن كعب؛ فهو يلتقي في نسبه بالنبي # صلى الله عليه وسلم # ويرتفع ms019 إلى ~~عدنان، وكان لكل من القبائل المقيمة بمكة اختصاص بأمر يتصل أو لا يتصل بمناصب الكعبة، فكان ~~لبني عبد مناف السقاية والرفادة، ولبني عبد الدار اللواء والحجابة والندوة، وذلك قبل أن ~~يولد هاشم جد النبي ، أما قيادة الجيوش فكانت لبني مخزوم أجداد خالد بن الوليد، وكانت الديات ~~والمغارم لتيم بن مرة، وقد آل أمر الديات في الجاهلية إلى أبي بكر حين استدعاه فتولى ~~الزعامة في قبيلته؛ لذلك كان إذا احتمل شيئا منها فسأل قريشا صدقوه وأمضوا حمالة من نهض ~~معه، وإن احتملها غيره خذلوه. # وقد رويت في الإشادة بذكر تيم ومكانتها من قبائل العرب روايات تقصها كتب المتأخرين، ~~ذكروا أن المنذر بن ماء السماء طلب امرأ القيس بن حجر ~~الكندي فأجاره المعلى التيمي؛ فقال امرؤ القيس في ذلك: # أقر حشا امرئ القيس بن حجر # بنو تيم، مصابيح الظلام # ولهذا البيت سمي بنو تيم «مصابيح الظلام». # على أن ما تنسبه الروايات المختلفة لبني تيم من الصفات لا يختلف عما ينسب لغيرها من ~~القبائل، ولا يميزها لذلك بطابع خاص يفيد المؤرخ أو يدل على صفة بذاتها فيمن ينسب إليها، ~~فهذه الروايات تنسب إلى تيم من صفات الشجاعة والكرم والمروءة والنجدة وحماية الجار وما ~~إليها ما تشترك القبائل العربية التي تعيش تحت سماء شبه الجزيرة في التمدح به والانتساب ~~إليه. # لهذا لم يقف مؤرخو أبي بكر عند قبيلته أكثر مما ذكرت؛ وإنما بدءوا روايتهم بذكره وذكر ~~أبويه، ثم تخطوا طفولته وصباه إلى شبابه وإلى ما كان يزاوله فيه من عمل، ذكروا أن اسمه عبد ~~الله بن أبي قحافة، وأن أبا قحافة أبوه، واسمه عثمان بن عامر، وأن أم الخير أمه، واسمها ~~سلمى بنت صخر بن عامر، وروي أنه كان يدعى قبل الإسلام عبد الكعبة، فلما أسلم دعاه رسول الله ~~عبد الله، وقيل إنه كان يسمى عتيقا؛ لأنه لم يكن يعيش لأمه ولد، فنذرت أمه إن ولد لها ولد ~~أن تسميه عبد الكعبة، وتتصدق به عليها، فلما عاش أبو بكر وشب سمي عتيقا، كأنه ms020 أعتق من ~~الموت، على أن الرواة يذهبون إلى أن عتيقا لم يكن اسمه وإنما كان لقبا غلب عليه لبياض ~~لونه، وتذهب رواية أخرى إلى أن عائشة ابنته سئلت: لم سمي أبو بكر عتيقا؟ فقالت: نظر ~~إليه رسول الله فقال: هذا عتيق الله من النار، أو لأن أبا بكر أقبل يوما ومعه طائفة من ~~أصحابه فقال رسول الله: «من سره أن ينظر إلى عتيق من النار فلينظر إلى هذا.» أما كنية أبي ~~بكر التي لزمته حياته فلم تذكر الروايات سببها، وإن ذكر بعض المتأخرين استنباطا أنه كني ~~بها؛ لأنه بكر بالإسلام قبل غيره. # وقد عاش أبو بكر في طفولته وصباه عيش أمثاله بمكة، فلما تخطى الصبا إلى الشباب عمل في ~~التجارة بزازا يبيع الثياب، فوفق كل التوفيق، وقد تزوج صدر شبابه من قتيلة بنت عبد العزى، ~~فولدت له عبد الله وأسماء، وأسماء هي التي لقبت من بعد ذات النطاقين، وتزوج بعد قتيلة أم ~~رومان بنت عامر بن عويمر، فاستولدها عبد الرحمن وعائشة، ثم تزوج بالمدينة من حبيبة بنت ~~خارجة، ثم من أسماء بنت عميس فولدت له محمدا، وكانت تجارته أثناء ذلك تزداد سعة وتزيده ~~ربحا وثراء. # ولعل شخصه وخلقه كانا من أسباب نجاحه في هذه التجارة، فقد كان أبيض اللون، نحيفا، خفيف ~~العارضين، معروق الوجه، غائر العينين، ناتئ الجبهة، عاري الأشاجع، كذلك وصفته ابنته عائشة ~~أم المؤمنين، وكان رجلا رضي الخلق، رقيق الطبع، رزينا، لا يغلبه الهوى ولا تملكه الشهوة، ~~وكان، لرزانته وحسن رأيه ورجاحه عقله، لا يشارك قومه في كثير من عقائدهم وعاداتهم، ذكرت ~~عائشة أنه لم يشرب خمرا في جاهلية ولا إسلام، هذا على ما كان من حب أهل مكة الخمر وإدمانهم ~~لها، وكان نسابة، حسن الحديث، لطيف المعاشرة، وصفه ابن هشام صاحب السيرة فقال: «كان أبو بكر ~~رجلا مألفا لقومه، محببا سهلا، وكان أنسب قريش لقريش، وأعلم قريش بها وبما كان فيها من ~~خير وشر، وكان رجلا تاجرا ذا خلق ومعروف، وكان رجال قومه يؤتونه ويألفونه لغير واحد ms021 من ~~الأمر: لعلمه، وتجارته، وحسن مجالسته.» # وكان يعيش بمكة في الحي الذي تعيش فيه خديجة بنت خويلد، ويعيش فيه التجار النابهون الذين ~~تذهب تجارتهم في رحلتي الشتاء والصيف إلى الشام وإلى اليمن، ومقامه بهذا الحي هو الذي ربط ~~بينه وبين محمد بروابط الألفة بعد أن تزوج محمد من خديجة وانتقل إلى دارها، وكان أبو بكر ~~يصغر محمدا بسنتين وأشهر، وأكبر الظن أن التقارب في السن والاشتباك في العمل والاتفاق في ~~سكينة النفس ورضا الخلق، وفي الرغبة عما تزاول قريش من عادات وعقائد - أكبر الظن أن هذا كله ~~كان ذا أثر في مودة محمد وأبي بكر مودة يختلف الرواة إلى أي حد توثقت عراها قبل أن يبعث ~~محمد رسولا، فقد ذكر بعضهم أنها كانت وثيقة العرى قبل البعث، وأن توثق عراها ذو أثر في سبق ~~أبي بكر إلى الإسلام، أما غير هؤلاء فيذكرون أن صلة الرجلين لم تتوثق إلا من بعد، وأن ~~مودتهما الأولى كانت مودة جوار وتوافق في الميول ليس غير، ولعل أصحاب هذا الرأي يؤيدونه بما ~~عرف من حب محمد العزلة والانقطاع عن الناس سنوات طويلة قبل بعثته، فلما بعثه الله واختاره ~~لرسالته ذكر أبا بكر ورجاحة عقله، فتحدث إليه ودعاه إلى الواحد الأحد؛ ولم يتردد أبو بكر أن ~~أجاب داعي الله، ومن يومئذ توثقت الصلة بين الرجلين، ثم زادها صدق أبي بكر في الإيمان بمحمد ~~ورسالته متانة وقوة، كانت عائشة تقول: «ما عقلت أبوي إلا وهما يدينان الدين، وما مر علينا ~~يوم قط إلا ورسول الله يأتينا فيه بكرة وعشية.» # ومنذ اليوم الأول شارك أبو بكر محمدا في الدعوة لدين الله، وكان إلف قومه إياه وحبهم ~~الجلوس إليه والاستماع لحديثه، ذا أثر في استجابة المسلمين الأولين لهذه الدعوة، فقد تابع ~~أبا بكر على الإسلام عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي ~~وقاص، والزبير بن العوام، كما أسلم من بعدهم، بدعوة أبي بكر، أبو عبيدة بن الجراح وكثيرون ~~من أهل مكة. # وقد ms022 يعجب الإنسان كيف لا يتردد أبو بكر في قبول الدعوة إلى الإسلام أول ما وجهها محمد ~~إليه، وكيف بلغ من عدم تردده أن يقول عنه رسول الله من بعد: «ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا ~~كانت عنده فيه كبوة، ونظر وتردد، إلا ما كان من أبي بكر بن أبي قحافة، ما عكم # 1 # حين ذكرته له وما تردد فيه.» وليس كل العجب أن محمدا ذكر له التوحيد ودعاه ~~إليه فاستجاب له، بل أكبر العجب أن محمدا قص عليه حديث حراء والوحي الذي نزل عليه، فلم ~~يتردد في تصديقه، وإنما يزيل عجبنا، أو يخفف منه، أن أبا بكر كان من حكماء مكة الذين يرون ~~عبادة الأصنام حمقا ومينا، وأنه كان يعرف من أمر محمد وأمانته وصدقه ورجحان عقله ما لم ~~يدع في نفسه موضعا للريبة فيما قص عليه مما رأى وسمع، وبخاصة لأنه رأى في هذا الذي قصه ~~الرسول عليه ما يتفق وموجب الحكمة وما لا يتردد العقل في تصديقه والأخذ به، على أن ما يزول ~~من عجبنا لا يغير من تقديرنا جرأة أبي بكر في إقدامه ومجاوزته المعروف للناس في موقف دعا ~~غيره ممن وجهت الدعوة إليهم للنظر والتردد والتماس الأناة والروية، وجرأة أبي بكر وإقدامه ~~أجدر بالتقدير؛ لأنه كان تاجرا تقتضيه تجارته الحساب لصلاته بالناس وعدم مواجهتهم بما ~~يخالف مألوف آرائهم وعقائدهم خشية ما يجره ذلك على معاملاته من سيئ الأثر، فما أكثر الذين ~~لا يؤمنون بالكثير من آراء الناس ويرونها مينا باطلا وحديث خرافة، ثم يكتمون ذلك أو ~~يتظاهرون بنقيضه التماسا للعافية، وجرا للمنفعة، وحرصا على ما بينهم وبين الناس من ~~تجارة، وأنت لا تجد هذا النفاق في سواد الناس وعامتهم ما تجده في الخاصة والمثقفين منهم، بل ~~إنك لتجده فيمن نصبوا أنفسهم لزعامة الناس والإبانة لهم عن وجه الحق في الحياة، لا جرم، وقد ~~كان موقف أبي بكر منذ اللحظة الأولى ما ذكره رسول الله، أن يكون موضع التقدير غاية التقدير، ~~والإعجاب غاية الإعجاب. # وقيام أبي بكر ms023 بالدعوة إلى الإسلام أدعى إلى العجب، فلعل تاجرا مثله يقتنع بصدق محمد كان ~~يقنع بتصديقه سرا ولا يظهر الناس على شيء من أمره حتى تظل تجارته متصلة، ولعل محمدا كان ~~يقنع منه بذلك ويحمده له، فأما أن يظهر أبو بكر إسلامه، وأن يدعو إلى الله ورسوله، وأن يصل ~~من دعوته إلى إقناع المسلمين الأولين بتصديق محمد ومتابعته على دينه، فذلك ما لا عهد للناس ~~به إلا فيمن سمت أنفسهم إلى حيث تقدر الحق لذاته، وترتفع به فوق منافع الحياة، وترى في ~~تأييده والدعوة إليه ما يصغر من شأن الدنيا وعرضها وإن عظم، ولقد كان ذلك شأن أبي بكر في ~~صحبته محمدا منذ أسلم إلى أن اختار الله محمدا، وإلى أن توفي أبو بكر من بعده. # وإني لأذكر ما كان لإسلام حمزة بن عبد المطلب وعمر بن الخطاب من أثر في توطيد كلمة ~~الإسلام، وكيف أيد الله بهما دين الحق، لما عرف عنهما من قوة بأس، ومضاء عزم، وصلابة تخيف ~~من يناوئها، ثم أذكر الصديق وإسلامه فلا أتردد في القول بأنه أول من أيد الله به دينه، فهذا ~~الرجل الرضي النفس، الوديع الخلق، الرقيق الطبع، حتى لتسرع الدمعة إلى عينه لمرأى الألم ~~يصيب غيره، قد بلغت قوة إيمانه بالدين الجديد، وبالرسول الذي جاء به من عند الله، مبلغا لا ~~تدانيه قوة ولا يتغلب عليه سلطان، وهل كقوة الإيمان في الحياة شيء! وهل كسلطانه في الحياة ~~سلطان! والذين يحسبون أن قوة البطش وسلطان البأس لهما في الحياة الأثر البالغ يتورطون في ~~أفحش الخطأ، فالنفس الراضية المطمئنة إلى إيمانها بالحق، الداعية إليه بالحكمة والموعظة ~~الحسنة، المتخذة من وداعة الخلق، ورقة الطبع، ومشاركة الضعيف والبائس في ألم البؤس والضعف ~~في غيرها من النفوس فتطبعها بطابعها وتصوغها على غرارها، ولقد كان ذلك أثره (رضي الله عنه) ~~في السنوات الأولى من الدعوة المحمدية، وبقي ذلك أثره إلى أن تولى الخلافة وإلى أن ~~مات. # فهو لم يقف من تأييد الدعوة عند التحدث إلى أصحابه وإقناعهم بها، ولم ms024 يكفه أن يبذل ~~للضعفاء والبائسين من رضا نفسه ووداعة خلقه ما يعزيهم عما كان خصوم الدعوة يرهقونهم به من ~~أذى وتعذيب، بل كان ينفق من ماله، وكان يصطفي بهذه النفقة أولئك الضعفاء والبائسين ممن ~~هداهم الله إلى الحق فأذاقهم أعداء الحق الضر وابتلوهم بألوان البأساء، وحسبك أن تعلم أنه ~~كان له يوم أسلم أربعون ألف درهم مدخرة من ربح تجارته، وأنه أقام بعد إسلامه يتجر فيجني ~~وارف الربح، فلما هاجر إلى المدينة بعد عشر سنوات لم يكن له من ذلك كله غير خمسة آلاف درهم، ~~أما سائر ما كان عنده وما ادخر من بعد، فقد ذهب في سبيل الدعوة إلى الله والدعوة لدينه ~~ولرسوله، وأيسر ذلك ما افتدى به الضعفاء والأرقاء الذين أسلموا، فعذبهم سادتهم بإسلامهم، ~~وأذاقوهم الهون ألوانا. # رأى أبو بكر يوما بلالا الحبشي قد ألقاه سيده على الرمل في لظى الشمس، ووضع حجرا على ~~صدره وتركه ليموت؛ لأنه أسلم، ولم يزد بلال وهو في هذه الحال على أن يكرر «أحد أحد»، عند ~~ذلك اشتراه أبو بكر وأعتقه، وعذب عامر بن فهيرة، فاصطفاه أبو بكر راعيا لأغنامه، واشترى ~~كثيرا كذلك من الموالي الذين يعذبون، رجالا ونساء، وأعتقهم. # على أن أبا بكر لم يسلم من أذى قريش، كما لم يسلم محمد من هذا الأذى، على رغم مكانته من ~~قومه ومنع بني هاشم له، ولم ير أبو بكر قريشا تؤذي محمدا إلا وقف دونه وعرض حياته للذود ~~عنه، روى ابن هشام أن شر ما نال قريش من رسول الله قد كان بعد أن عاب دينهم وسب آلهتهم، فقد ~~اجتمعوا في الحجر يوما «فقال بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغ منكم، وما بلغكم عنه، حتى إذا ~~باداكم بما تكرهون تركتموه، فبينما هم في ذلك طلع عليهم رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~؛ فوثبوا إليه ~~وثبة رجل واحد وأحاطوا به يقولون: أنت الذي تقول كذا وكذا؟ لما كان يقول من عيب آلهتهم ~~ودينهم، فيقول رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: نعم! أنا الذي أقول ms025 ذلك، فلقد رأيت رجلا منهم أخذ بمجمع ~~ردائه، فقام أبو بكر (رضي الله عنه) دونه وهو يبكي ويقول: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله! ~~ثم انصرفوا عنه، فإن ذلك لأشد ما رأيت قريشا نالوا منه قط .» # وليس هذا الموقف شيئا إلى جانب غيره من المواقف التي تجلى فيها إيمان أبي بكر بمحمد ~~وبرسالته إيمانا لا يلين ولا يتزعزع، وهذا الإيمان هو الذي جعل غير واحد من المستشرقين ~~يتراجع دون اتهام النبي بما يتهمه به غلاتهم، فما كان أبو بكر في رزانته ورجاحة عقله ليصل ~~إلى هذا الإيمان لو لم يتنزه كل عمل من أعمال الرسول عن كل شبهة، وبخاصة في ذلك الوقت الذي ~~كان الرسول فيه موضع الاضطهاد من قومه، وهذا الإيمان الذي امتلأت به نفس أبي بكر هو الذي ~~وقى الإسلام أن ينصرف الناس عنه عندما حدثهم رسول الله بحديث الإسراء. # فقد تحدث محمد إلى أهل مكة بأن الله أسرى به ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ~~وأنه صلى هناك، وسخر المشركون من هذا الحديث، وساور الريب فيه طائفة ممن أسلموا، وقال يومئذ ~~غير واحد: هذا والله الأمر البين! والله إن العير لتطرد شهرا من مكة إلى الشام مدبرة ~~وشهرا مقبلة، أيذهب محمد ذلك في ليلة واحدة ويرجع إلى مكة!! وارتد كثير ممن أسلموا، وتردد ~~كثيرون وذهبوا إلى أبي بكر لما يعلمونه من إيمانه وصحبته محمدا، فذكروا له ما يقوله عن ~~الإسراء، قال أبو بكر وقد تولاه الدهش لما سمع: «إنكم تكذبون عليه.» قالوا: «بلى، ها هو ذاك ~~في المسجد يحدث الناس.» قال أبو بكر: «والله لئن كان قد قاله لقد صدق! إنه ليخبرني أن الخبر ~~ليأتيه من الله من السماء إلى الأرض في ساعة من ليل أو نهار فأصدقه، فهذا أبعد مما تعجبون ~~منه.» وجاء أبو بكر إلى المسجد واستمع إلى النبي يصف بيت المقدس، وكان أبو بكر قد جاءه، ~~فلما أتم النبي صفة المسجد الأقصى قال أبو بكر: «صدقت يا رسول الله.» ومن يومئذ دعا محمد ms026 ~~أبا بكر بالصديق. # أفخطر ببالك يوما أن تسأل: ترى لو أن أبا بكر ارتاب كما ارتاب غيره في حديث الرسول عن ~~الإسراء، فما عسى أن يحدث من أثر هذه الريبة في حياة الدين الناشئ؟ وهل قدرت ما قد يؤدي ~~ذلك إليه من تضاعف عدد المرتدين، ومن بلبلة العقيدة في نفس غيرهم من المسلمين؟ وهل ذكرت كيف ~~ثبتت إجابة أبي بكر عقائد الكثيرين، وكيف حفظت للإسلام يومئذ مكانته؟ إن كنت قد سألت ~~وقدرت وذكرت فلا ريب أنك لم تتردد من بعد في الحكم بأن الإيمان الصادق أقوى سلطانا في ~~الحياة من قوى البطش والبأس جميعا، وأن كلمة أبي بكر هذه كانت عناية الله بدينه الحق، ~~وأنها نصرته وأيدته أكثر مما أيدته قوة حمزة وعمر من قبل، وهي لذلك حقيقة بأن تجعل لأبي بكر ~~في تاريخ الإسلام المكان الذي جعله الرسول له حين قال: «لو كنت متخذا من العباد خليلا ~~لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن صحبة وإخاء وإيمان حتى يجمع الله بيننا عنده.» # وكلمة أبي بكر في الإسراء تدل على إدراك تام للوحي والرسالة لا يؤتاه كثيرون، وتريك حكمة ~~الله في أن يختاره الرسول صفيه يوم اصطفى الله رسوله ليبلغ الناس رسالته، وهي كذلك الحجة ~~البالغة على أن الكلمة الطيبة كالشجرة الطيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، يخلد أثرها على ~~الزمان بفضل الله، فلا سلطان للزمان عليه ولا يأتي عليه النسيان. # أقام أبو بكر من بعد حديث الإسراء يرعى تجارته في حدود ما تحتاج إليه من جهد العارف ~~بمداخلها ومخارجها، وينفق وقته في صحبة الرسول، وفي حماية الضعفاء الذين أسلموا، وفي دفع ~~أذى قريش عنهم، وفي دعوة من تلين قلوبهم للإسلام، هذا وقريش تشتد في أذى النبي وفي أذى أبي ~~بكر وسائر المسلمين، ولم يدر بخاطر الصديق أن يهاجر مع المسلمين الذين هاجروا إلى الحبشة ~~فرارا إلى الله بدينهم، # 2 # بل ظل مع محمد بمكة يجاهد معه في سبيل الدعوة إلى دين الله، ويتلقى عنه ما يوحي ~~الله إليه ليذيعه في الناس، ms027 ويبذل من رضا نفسه ومن طيبة خلقه ومن حر ماله كل ما يستطيع ~~بذله، لخير من أسلم، ولهداية من لم يسلم. # وما كان أحوج المسلمين بمكة يومئذ إلى هذ الجهد وإلى هذه الرعاية من أبي بكر! فقد كان ~~محمد يتلقى وحي ربه، وكان قد يئس من استجابة أهل مكة لدعوته، فوجه همه إلى القبائل يعرض ~~نفسه عليها ويدعوها إلى الله، وقد ذهب إلى الطائف يستنصر أهلها فردوه ردا غير جميل، وكان ~~في اتصاله بربه دائم التفكير في رسالته والدعوة إليها وفي الوسيلة لنجاح هذه الدعوة، هذا ~~إلى أن قريشا لم تسكت قط عنه ولم تنقطع عن مناوأته، إزاء ذلك كله أخذ أبو بكر نفسه ~~بالتفكير في أمر المسلمين المقيمين بمكة، وفي تنظيم الوسائل للسهر على طمأنينتهم. # ولئن لم تذكر كتب السيرة ولم يذكر من أرخو لأبي بكر من عمله في ذلك ما فيه غناء، إنني ~~مع هذا لترتسم في نفسي صورة واضحة من عنايته ومن اتصاله الدائم بحمزة وبعمر وبعثمان وبكل ذي ~~رأي في المسلمين أو سلطان لدفع أذى قريش عن الضعفاء الذين أسلموا، بل إنني لأتصور ما كان من ~~اتصاله بغير المسلمين ممن أقاموا على دينهم ثم كانوا لا يرون إنه من الحق لقريش أن تناوئ من ~~لا يقرها على عقيدتها في الأصنام وعبادتها، ولقد رأينا في سيرة الرسول كثيرين من هؤلاء ~~قاموا يدفعون عن المسلمين أذى قريش؛ ورأينا الذين قاموا في نقض الصحيفة إذ تعاهدت قريش على ~~مقاطعة محمد وأصحابه وعلى محاصرتهم حتى احتموا ثلاث سنوات تباعا في شعب من شعاب الجبل ~~بظاهر مكة، لا يتصلون بالناس ولا يستحدثون إليهم إلا في الأشهر الحرم، ويقيني أن أبا بكر قد ~~كان له في تحريك هؤلاء الذين لم يتابعوا محمدا على دينه، والذين غضبوا مع ذلك لما يصيبه من ~~أذى قريش، أثر بالغ أدركه برفقه وحسن حديثه وجميل عشرته. # وما قام به أبو بكر من حماية المسلمين إبان نشأة الدين هو الذي زاده من محمد قربا، وهو ~~الذي ربط بين ms028 الرجلين برابطة إخاء في الإيمان جعلت محمدا يصطفيه خليلا، فلما أذن الله ~~لدينه أن ينتصر بقوة أهل يثرب بعد بيعتي العقبة، أذن محمد لأصحابه في أن يهاجروا إليها، كما ~~أذن لهم من قبل في أن يهاجروا إلى الحبشة، ولم تعرف قريش أيهاجر محمد مع أصحابه إلى يثرب، ~~أم يظل كما ظل بها حين هجرة المسلمين إلى الحبشة؟ أعرف أبو بكر من مقصد محمد ما لم تعرف ~~قريش؟ كل ما يروى عن ذلك أن أبا بكر استأذن محمدا في الهجرة فقال له: «لا تعجل لعل الله ~~يجعل لك صاحبا.» ولم يزد على ذلك. # ها هنا تبدأ صفحة أخرى من صحف الإيمان القوي الراسخ بالله ورسوله، فقد كان أبو بكر يعلم ~~أن قريشا قامت، منذ عرفت بهجرة المسلمين إلى يثرب، ترد كل ما استطاعت رده منهم إلى مكة ~~لتفتنه عن دينه، أو تعذبه وتنكل به، ثم إنه علم أن المشركين اجتمعوا بدار الندوة يأتمرون ~~بمحمد ليقتلوه، فإن هو صحب محمدا في هجرته فأقدمت قريش على قتل الرسول قتلت أبا بكر لا ~~محالة معه، مع ذلك لم يتردد حين استمهله محمد، بل شاعت الغبطة في أنحاء نفسه وأيقن أنه إن ~~يهاجر مع الرسول يجعل الله له بذلك من الفضل والفخر ما لا يعدله فضل ولا فخر، وإن يقتل ~~معه فإنما هو الاستشهاد الذي يجزى صاحبه جنة الخلد. # ومن يومئذ أعد أبو بكر راحلتين وأقام ينتظر مصيره ومصير صاحبه، وإنه لفي بيته ذات مساء إذ ~~أقبل محمد كدأبه كل مساء، وأخبره أن الله أذن له في الهجرة إلى يثرب، ورغب الصديق إلى رسول ~~الله أن يكون رفيقه في الهجرة، فأجابه إلى ما طلب، وعاد محمد إلى بيته وفتيان قريش يحاصرونه ~~مخافة أن يفر، وأسر محمد إلى علي بن أبي طالب أن يتسجى برده الحضرمي الأخضر وأن ينام في ~~فراشه، ففعل، فلما كان الثلث الأخير من الليل خرج في غفلة من فتية قريش إلى دار أبي بكر، ~~فإذا هو يقظ ينتظره، وخرج الرجلان من خوخة ms029 في ظهر الدار وانطلقا جنوبا إلى غار ثور فاختبآ ~~فيه. # وأطلقت قريش فتيانها في كل واد وفي كل جبل، يبحثون عن محمد ليقتلوه، فلما بلغوا ثورا ~~تسلقه أحدهم إلى الغار، لعله أن يعثر به، وتصبب أبو بكر عرقا حين سمع تناديهم، وأمسك ~~أنفاسه وبقي بلا حراك به وأسلم لله أمره، أما محمد فظل فيما كان فيه من ذكر الله والصلاة ~~له، واقترب أبو بكر من صاحبه وألصق به نفسه، فهمس محمد في أذنه: «لا تحزن، إن الله ~~معنا.» # وأدار الفتى القرشي بصره فيما حول الغار فرأى العنكبوت نسجت على فوهته، فانصرف يقول ~~لأصحابه الذين سألوه ما له لم يذهب إليه: «إن عليه العنكبوت من قبل أن يولد محمد.» وانصرف ~~الفتية قافلين يعضون البنان ندما، فلما بعدوا نادى محمد: «الحمد لله، الله أكبر!» وازداد ~~أبو بكر بما رأى إيمانا وتثبيتا. # أفكان فزع أبي بكر حتى ليتصبب منه العرق ويمسك أنفاسه ويلتصق برسول الله بعض ما دعا إليه ~~حب الحياة والحرص عليها، فهو يخشى على نفسه أن يصيبه المكروه؟ أم إنه لم يفكر في نفسه ما ~~فكر في رسول الله، وإنه كان يود لو يفتدي رسول الله بنفسه إن استطاع؟ روى ابن هشام عن الحسن ~~بن أبي الحسن البصري قال: «انتهى رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وأبو بكر إلى الغار ليلا، فدخل أبو ~~بكر (رضي الله عنه) قبل رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، فلمس الغار لينظر فيه سبعا أو حية، يقي رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم # بنفسه.» وذلك كان شأنه في تلك اللحظة الدقيقة من حياته حين كان يسمع إلى ~~فتيان قريش، فيهمس في أذن النبي: «لو بصر أحدهم تحت قدميه لأبصرنا.» لم يكن يفكر فيما قد ~~يصيبه، وإنما كان يفكر في رسول الله وفي مصير الدين الذي يدعو إليه بأمر ربه لو أن هؤلاء ~~الفتية ظفروا به فقتلوه، بل لعله لم يفكر في شيء بذاته تلك اللحظة، وإنما كان شأنه شأن الأم ~~تخشى الخطر على ابنها، فهي ترتجف ms030 وتفزع ويتولاها الهلع ثم لا يساعفها عقلها برأي أو تفكير، ~~فإذا دنا الخطر منها ألقت بنفسها في وجهه تريد أن تصده أو تموت دونه، أم إن أبا بكر كان أشد ~~من هذه الأم هلعا وأكثر منها استهانة بالخطر إذا أقبل؛ لأن إيمانه بالله ورسوله كان أقوى ~~من حب الحياة ومن فطرة الأمومة ومن كل ما تحسه نفوسنا أو يدور بخواطرنا، وما بالك بإيمان ~~تجسم أمامه في رسول الله فتجسمت معه كل المعاني المقدسة في أعظم صورها قدسية وأسماها ~~روحانية! أتصور الساعة أبا بكر في مجلسه ورسول الله إلى جانبه، وأتصور الخطر محدقا بهما ~~مقبلا عليهما، فلا يسعفني خيالي بمثال يبرز كل ما في هذه الصورة الفذة من حياة لا نظير لها ~~في كل صور الحياة. # قص التاريخ نبأ أشخاص وهبوا أنفسهم فداء زعيم من الزعماء أو ملك من الملوك، وفي عصرنا ~~اليوم زعماء يقدسهم الناس، فهم أحب إليهم من أنفسهم، لكن موقف أبي بكر بالغار يختلف عن ذلك ~~كل الاختلاف، وهو لذلك جدير بالتحليل يقوم به أشد علماء النفس دقة، وأكثرهم في التصوير ~~براعة، فأين إيمان الناس بالزعماء أو الملوك من إيمان الصديق بالرسول الذي اصطفاه الله ~~فأوحى إليه دينه الحق!! وأين لذلك افتداء الناس ملوكهم وزعماءهم مما جال بخاطر الصديق في ~~هذه اللحظة التي خشي فيها الخطر على حياة الرسول، ثم كان أشد خشية ألا يدفع الخطر دافع؟!! ~~هذا مقام من السمو لا سبيل للرقي إلى تصويره؛ ولذا أمسك كتاب السيرة عن الحديث فيه أو ~~كادوا. # وسكن الناس عن الرجلين وتولاهم اليأس من العثور عليهما، فخرجا من مخبئهما وارتحلا، ~~يواجهان ما في الطريق من أخطار لا تقل عما تعرضا له بالغار، وحمل أبو بكر ما بقي له من ربح ~~تجارته خمسة آلاف درهم، فلما بلغا المدينة وتلقى الناس رسول الله ببشر دونه كل بشر، بدأ أبو ~~بكر حياته فيها كأي رجل من المهاجرين، وإن ظلت له مكانته من رسول الله، مكانة الخليل ~~والصديق والوزير المشير. # ونزل أبو بكر بالسنح ms031 من ضواحي المدينة على خارجة بن زيد من بني الحارث من الخزرج، فلما ~~آخى النبي بين المهاجرين والأنصار كان أبو بكر وخارجة أخوين، وأدرك أبا بكر أهله وأبناؤه ~~الذين كانوا بمكة فاستعان بهم على الحياة، فقد عملت أسرته - كما عملت أسرة عمر بن الخطاب ~~وعلي بن أبي طالب - في الزراعة في أراضي الأنصار، مزارعة مع ملاكها، ولعل خارجة بن زيد ~~كان في هؤلاء الملاك؛ فقد توثقت الصلة بينه وبين أبي بكر من بعد، فتزوج ابنته حبيبة وجاءت ~~منه بأم كلثوم، وكانت حبيبة حاملا بها حين وفاته. # ولم تقم أسرة أبي بكر معه بدار خارجة بن زيد بالسنح، بل أقامت أم رومان وابنتها عائشة ~~وسائر أبناء أبي بكر بالمدينة، بدار تجاور دار أبي أيوب الأنصاري حيث نزل النبي، وكان هو ~~يتردد عليهم، جاعلا معظم إقامته بالسنح مع زوجه الجديدة. # وبعد قليل من مقامه بالمدينة أصابته الحمى التي أصابت أكثر الذين هاجروا إليها من أهل ~~مكة، بسبب ما بين موطنهم ومهجرهم من تفاوت في الهواء؛ فهواء مكة صحراوي جاف، وهواء المدينة ~~رطب لكثرة ما فيها من مياه وزروع، يروى عن عائشة أن أباها أصابه من هذه الحمى رهق حتى لكان ~~يهذي لشدة ما نزل به منها. # فلما اطمأن إلى موطنه الجديد، وإلى كدح أهله كدحا أغناه عن الأنصار، وجه كل همه إلى ~~معاونة الرسول في تثبيت دعوته وتوطيد مركز المسلمين، لا يألو في ذلك جهدا ولا يضن ~~بتضحية. # ولقد كان الغضب لا يعرف إلى هذا الرجل الوادع سبيلا إلا حين يرى خصوم الدعوى من اليهود ~~والمنافقين يسخرون منها أو يكيدون لها، كان رسول الله قد عقد بين اليهود والمسلمين عهدا أن ~~يكون لكل حرية الدعوة إلى دينه، وأن يباشر من شعائره ما يشاء، وكانت اليهود قد حسبت أول ~~الأمر أنها قادرة على أن تكسب المسلمين من أهل مكة ليكونوا عونا لهم على الأوس والخزرج، ~~فلما سقط في أيديهم وعجزوا عن التفريق بين المهاجرين والأنصار، بدءوا يكيدون للمسلمين ~~ويسخرون من دينهم، اجتمع رهط ms032 من يهود على رجل منهم يقال له فنحاص، وكان من علمائهم ~~وأحبارهم، ودخل عليهم أبو بكر فرآهم كذلك، فقال لفنحاص: «ويحك يا فنحاص! اتق الله وأسلم! ~~إنك لتعلم أن محمدا لرسول الله، قد جاءكم بالحق من عنده ، تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة ~~والإنجيل.» قال فنحاص وعلى شفتيه ابتسامة السخر والتهكم: «والله، يا أبا بكر، ما بنا إلى ~~الله من فقر، وإنه إلينا لفقير، وما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا، وإنا عنه لأغنياء، وما هو ~~عنا بغني، ولو كان عنا غنيا ما استقرضنا أموالنا، كما يزعم صاحبكم، ينهاكم عن الربا ~~ويعطيناه، ولو كان غنيا عنا ما أعطانا!» وإنما يشير فنحاص بعبارته هذه إلى قوله تعالى: # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه ~~له أضعافا كثيرة ~~(البقرة: 245)، فلما رأى أبو بكر أن الرجل يستهزئ ~~بقول الله ووحيه إلى نبيه، لم يملك نفسه أن ضرب وجه فنحاص ضربا شديدا وقال: «والذي نفسي ~~بيده لولا العهد الذي بيننا وبينكم لضربت رأسك أي عدو الله!» # أليس عجبا أن تكون في أبي بكر هذه الحدة وهو من هو؛ لين طبع ورقة خلق ووداعة نفس، وأن ~~تكون فيه وقد جاوز الخمسين! # وهذه الغضبة على فنحاص تذكرنا بغضبة مثلها، كانت له قبلها بأكثر من عشر سنين، ذلك حين ~~غلبت الفرس الروم؛ والفرس مجوس، والروم أهل كتاب، فقد حزن المسلمون لتهكم المشركين بهم ~~وزعمهم أن الروم غلبت؛ لأنهم أهل كتاب مثلهم، وتحدث مشرك في الأمر أمام أبي بكر وألح في ~~الحديث فاغتاظ أبو بكر وراهنه عشرة جمال على أن تغلب الروم المجوس قبل عام، ذلك يدل على أنه ~~لم يكن شيء في الحياة يثير ثائرة أبي بكر أو يهيج غضبه إلا ما اتصل بعقيدته وبإيمانه الصادق ~~بالله ورسوله، كان هذا دأبه وهو في الأربعين، وظل هذا دأبه حين جاوز الخمسين، وحين تولى ~~الخلافة من بعد ودبر أمر المسلمين. # وهذا الإيمان الصادق قد ملك على أبي بكر كل مشاعره في كل أطوار حياته منذ اتبع الرسول، ~~وأنت تستطيع أن ms033 تفسر كل أحواله وكل أعماله وتصرفاته إذا نظرت إليها من هذه الناحية ~~المعنوية، أما ما خلاها فقد كان ضعيف الأثر عنده؛ فلا تجارته، ولا أسرته، ولا أهواؤه، ولا ~~شيء مما يتأثر به الناس في الحياة ومما كان يتأثر به كثير من المسلمين في ذلك العهد، قد كان ~~ذا سلطان عليه، بل كان قلبه، وكان عقله، وكانت روحه، خالصة كلها لله ورسوله، وكانت كلها ~~الإيمان الذي بلغ من مراتب الإيمان عليها، مراتب الصديقين، وحسن ذلك مقاما! # انظر إليه بعد ذلك في غزوة بدر: عدل المكيون صفوفهم، وعدل النبي صفوف المسلمين ~~للقتال، وبنى المسلمون عريشا للنبي في المؤخرة، بإشارة سعد بن معاذ، حتى إذا لم يكن النصر ~~في جانبهم لحق رسول الله بالمدينة، وأقام أبو بكر مع النبي في العريش يرقب معه سير المعركة، ~~فلما ابتدأت، ورأى محمد كثرة عدوه وقلة رجاله، استقبل القبلة واتجه: فاتجه إلى ربه، وجعل ~~ينشده ما وعده، ويهتف به أن يتم له النصر ويقول: «اللهم هذه قريش قد أتت بخيلائها تحاول أن ~~تكذب رسولك! اللهم فنصرك الذي وعدتني! اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد!» # وما زال يهتف بربه مادا يديه مستقبلا القبلة حتى سقط رداؤه، ولم يطمئن حتى خفق خفقة من ~~نعاس رأى خلالها نصر الله، وانتبه من بعدها مستبشرا، وخرج إلى الناس يحرضهم ويقول لهم: ~~«والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر إلا أدخله ~~الله الجنة.» # هذا موقف الرسول: لم يطمئن إلى انتصار رجاله القليلين على أعدائه الكثيرين، حتى اتصلت ~~روحه بسر من ربه أراه النصر، وكشف أمامه حجب هذا اليوم الحاسم في حياة الإسلام، أما أبو بكر ~~فظل إلى جانب الرسول ممتلئا إيمانا بأن الله لا ريب ناصر دينه، ممتلئا مع إيمانه بالنصر ~~إعجابا بالرسول في مناجاة ربه، وإشفاقا على الرسول لشدة خوفه من مصير ذلك اليوم، وهذا ما ~~دعاه، والرسول ينادي ويناشد ويستنجز ربه ما وعده، ويكرر ذلك ويعيده حتى سقط رداؤه، أن يهيب ~~به ms034 وهو يرد الرداء على منكبيه: يا نبي الله، بعض مناشدتك ربك، فإن الله منجز لك ما ~~وعدك!» # ألف الناس في كثير من المؤمنين بعقيدة لا يمارون فيها ولا يداجون، أن يبلغ منهم التعصب ~~لعقيدتهم مبلغا يجعلهم أشداء لا يهنون، غلاظا لا يلينون، بل إن منهم لكثيرين لا يطيقون ~~النظر إلى وجوه من يخالفونهم في هذه العقيدة، هؤلاء يرون أن الإيمان الحق يقتضيهم هذا ~~التعصب وهذه الشدة والغلظة، أما الصديق فكان، على جلال إيمانه وعظم تعصبه لهذا الإيمان ~~وشدته فيه شدة لا تهن ولا تتردد، بعيدا عن الغلظة، قريبا إلى اللين، عفوا عند القدرة، ~~محسنا متى تم لإيمانه النصر، بذلك جمع في قلبه بين مبدأين من أسمى المبادئ الإنسانية: حب ~~الحق، والرحمة، ففي سبيل الحق كان يستهين بكل شيء، وبالحياة قبل كل شيء، فإذا علت كلمة ~~الحق، غلب فيها جانب الرحمة، وانقلب مؤمنا بها إيمانه من قبل بالحق، ضعيفا لها حتى لتذرف ~~عينه الدمع ترسله مدرارا. # تم النصر للمسلمين في بدر، فرجعوا إلى المدينة ومعهم أسرى قريش، وكان هؤلاء يطمعون في ~~الحياة، وفي العود إلى مكة، وإن أغلوا الفداء، لكنهم كانوا يخشون شدة محمد وبطشه بهم بعد ~~الذي أذاقوه وأصحابه سنوات مقامه بينهم، قال بعضهم لبعض: «لو بعثنا إلى أبي بكر فإنه أوصل ~~قريش لأرحامنا، وأكثرهم رحمة وعطفا، ولا نعلم أحدا آثر عند محمد منه.» وبعثوا إلى أبي بكر ~~فقالوا له: «يا أبا بكر، إن فينا الآباء، والإخوان، والعمومة، وبني العمومة؛ وأبعدنا قريب، ~~كلم صاحبك يمن علينا أو يفادنا.» فوعدهم خيرا، وخافوا أن يفسد ابن الخطاب عليهم أمرهم، ~~فتحدثوا إليه بمثل حديثهم لأبي بكر، فنظر إليهم شزرا ولم يجب، وأقام أبو بكر نفسه شفيع ~~هؤلاء القرشيين المشركين عند رسول الله، فجعل يستعطفه عليهم ويلين قلبه لهم، ويدفع حجج عمر ~~في الشدة بهم، ويذكر ما بينهم وبين النبي من قرابة، وهو إنما صنع ما صنع من ذلك لما فطر ~~عليه من طيب القلب والإيمان بالرحمة كإيمانه بالحق والعدل، ولعله كان يرى بعين ms035 بصيرته أن ~~لسلطان الرحمة الغلب آخر الأمر، وأن الناس ينزلون على حكم صاحبها وعلى عقيدته ما رأوها رحمة ~~إنسانية سامية، مبرأة من الضعف، منزهة عن الهوى، لا تحركها في النفس إلا القوة والقدرة، ~~وإلا سلطان الإنسان على نفسه سلطانا يكبح من بطش القوة ويلين من عسف القدرة. # كانت غزوة بدر مبدأ حياة جديدة للمسلمين، وكانت كذلك مبدأ اتجاه جديد في حياة أبي بكر، ~~بدأ المسلمون ينظمون سياستهم إزاء قريش وإزاء من ناوأهم من القبائل المحيطة بهم، وبدأ أبو ~~بكر يشتغل مع النبي بهذا التنظيم أضعاف شغله بحماية المسلمين أيام مقامه بمكة، فقد كان ~~المسلمون جميعا يعلمون أن قريشا لن يهدأ لها بال حتى تأخذ بثأرها من بدر؛ وكانوا يعلمون ~~أنهم في حاجة إلى حماية دعوتهم الناشئة، وإلى دفع كل معتد عليهم، فلا بد من التقدير لذلك ~~كله، وتدبير الأمر له، وما كان لأبي بكر، وموقفه من رسول الله ما رأيت، أن يشغل نفسه من بعد ~~بغير هذا التقدير والتدبير، حتى لا تكون فتنة داخلية في المدينة بتحريض اليهود والمنافقين، ~~وحتى لا يغزو المدينة غاز من الخارج. # والحق أن نصر المسلمين ببدر قد أعز كلمتهم، فحرك في نفوس منافسيهم حقدا عليهم أي حقد، ~~حرك في نفوس اليهود حفائظ كانت ساكنة، وحرك في قلوب القبائل المجاورة للمدينة مخاوف كانت ~~مطمئنة، ولم يكن بد، لاتقاء ما ينجم عن هذا وذاك، من سياسة حكيمة، وتقدير دقيق، ومشاورة ~~متصلة بين النبي وأصحابه، وقد اتخذ النبي من أبي بكر وعمر وزيرين يمحص على ضوء ما بينهما من ~~تباين في الطبع مع صدق المشورة، ما ينظم به سياسته الناشئة، هذا مع مشاورته غيرهما من سائر ~~المسلمين، مشاورة كان لها أثرها الكبير في جمع الكلمة، وفي توزيع التبعة على الجميع، ~~توزيعا يشعر كل واحد بأن عليه منها قسطا ونصيبا. # وكان من أثر ما تحرك من حفائظ اليهود أن حاصر المسلمون منهم بني قينقاع وأجلوهم عن ~~المدينة، وكان من أثر ما تحرك من مخاوف القبائل أن جعل المحيطون بالمدينة ms036 يجتمعون للاعتداء ~~عليها، فإذا سمعوا بخروج محمد إليهم ولوا فرارا وملئت قلوبهم رعبا. # وكانت هذه الأنباء تصل مكة، فلا تصد قريشا عن التفكير في الثأر لبدر، ولقد ذهبت تلتمس ~~هذا الثأر، فالتقت بالمسلمين عند أحد، فدارت الدائرة وجه النهار عليها لكن مصير اليوم تغير ~~حين خالف رماة المسلمين أمر النبي، وتركوا مواقفهم وانطلقوا يغنمون مع الغانمين، فقد اهتبل ~~خالد بن الوليد الفرصة؛ فأوقعت قريش بالمسلمين فاضطربوا؛ وأصيب النبي بحجارة كان المشركون ~~يقذفونها، فوقع لشقه، وأصيب في وجهه، وتنادت قريش أنه مات، ولولا أن أحاط به من أبطال ~~المسلمين من افتدوه بأنفسهم وأرواحهم، لكان لله في خلقه من يومئذ شأن غير الشأن، ومن يومئذ ~~صار أبو بكر أكثر ملازمة للنبي في غزواته وحين مقامه بالمدينة، وأنت تذكر أن حياة المسلمين، ~~إلى أن استقر لهم الأمر بعد فتح مكة وإسلام ثقيف بالطائف، قد كانت حياة غزو، ودفع للغزو، أو ~~استعداد لدفعه، دع عنك الغزوات الصغرى التي كانت أدنى إلى المناوشات، فقد كان اليهود، وعلى ~~رأسهم حيي بن أخطب، لا يفتئون يؤلبون على المسلمين، وكانت قريش تبذل جهد الطاقة ~~لإضعافهم والقضاء على سلطانهم، فكانت غزوات بني النضير والخندق وبني قريظة وما تخللها من ~~الغزوات الصغرى، أثر سياسة اليهود وحقد قريش. # صار أبو بكر أكثر ملازمة للنبي في هذه المواقف والمواقع جميعا، وهو أشد ما يكون برسالته ~~إيمانا وتصديقا، فلما اطمأن رسول الله إلى منعة المدينة وآن له أن يوجه خطته توجيها ~~جديدا يمهد الله به لإكمال دينه، كان لأبي بكر مواقف زادت المسلمين اقتناعا بأنه الرجل ~~الذي يلي رسول الله مكانة من نفوسهم، وسموا في تقديرهم. # بعد ست سنوات من هجرة المسلمين إلى المدينة أذن محمد في الناس بالحج إلى البيت العتيق، ~~وبلغ قريشا مسيرة القوم، فأقسموا لا يدخل محمد مكة عليهم عنوة، وأقام محمد وأصحابه ~~بالحديبية بظاهر مكة، وهو مستمسك بالسلام، رافض كل دعوة إلى منازلة قريش، معلن أنه جاء ~~حاجا ولم يجئ غازيا، وتبادل مع قريش الرسل، وانتهى الأمر بينه وبينهم ms037 إلى عهد رضي به أن ~~يرجع عنه عامه وأن يعود إليهم العام الذي يليه. # غضب كثير من المسلمين، بينهم عمر بن الخطاب، لتراجعهم ورجوعهم، ورأوا في هذا العهد إعطاء ~~للدنية في دينهم، أما أبو بكر فآمن وصدق بحكمة رسول الله، فلما نزلت سورة الفتح آمن الناس ~~جميعا بأن عهد الحديبية كان فتحا مبينا، وبأن أبا بكر كان الصديق في هذه، كما كان في ~~غيرها من مواقفه. # كانت الدعوة الإسلامية تزداد على الأيام كمالا؛ وكان المسلمون بالمدينة يزدادون بذلك ~~بأسا وقوة، وكان من مظاهر قوتهم أن حاصروا اليهود في خيبر وفدك وتيماء، وأخضعوهم لسلطانهم، ~~تمهيدا لإجلائهم عن بلاد العرب، ثم كان من مظاهر قوتهم وكمال الدعوة أن أرسل محمد إلى ~~الملوك والأمراء بفارس، وبزنطية، ومصر، والحيرة، واليمن، وما جاور بلاد العرب أو دخل فيها ~~من الإمارات، يدعوهم إلى الإسلام، فأما المظهر الأسنى لهذا الكمال وهذه القوة، فذلك فتح ~~مكة، وحصار الطائف، بهذا كله تألق نور الدين الجديد في شبه الجزيرة، وجاوزها إلى ~~الإمبراطوريتين العظيمتين اللتين كانتا قابضتين على ناصية العالم في ذلك العصر: الروم، ~~وفارس، وبذلك اطمأن الرسول والمسلمون إلى نصر الله، وإن استمسكوا بخطة الحذر، حتى لا يدهمهم ~~من أية ناحية من يحاول أن يغشى على هذا النور أو أن يضعف سلطانه. # وحين رأت العرب هذه القوة جاءت وفودهم تترى من أنحاء شبه الجزيرة، تعلن إيمانها بالدين ~~الجديد، أليس هذا الداعي إليه قد كان وحيدا فريدا، وها هو ذا قد انتصر على اليهود، وعلى ~~النصارى، وعلى المجوس، وعلى المشركين!! وهل ينتصر إلا الحق! وهل آية أدل على أن دعوته هي ~~الحق الخالص من انتصاره على هؤلاء جميعا، وهو لا يبتغي عليهم سلطانا، ولا يطلب إليهم إلا ~~أن يؤمنوا بالله، وأن يعملوا الصالحات!! هذا منطق إنساني أقره الناس في كل زمن وآمنوا به ~~أينما وجدوا وهو منطق يقره العقل ما أثبتت السنون قوة حجته فلم يغلبه غالب. # وأذن الله أن يتم المسلمون فروض دينه، والحج تمام هذه الفروض، لكن تتابع الوفود ms038 لم يتح ~~لرسول الله أن يغادر المدينة إلى بيت الله الحرام، لذلك أمر أبا بكر أن يحج بالناس، فخرج في ~~ثلاثمائة من المسلمين، حجوا وطافوا وسعوا، وفي هذا الحج أعلن علي بن أبي طالب إلى الناس - ~~أو أعلن أبو بكر في رواية أخرى - أن لا يحج بعد ذلك العام مشرك، ثم أجل الناس أربعة أشهر، ~~ليرجع كل قوم إلى مأمنهم وبلادهم، ومن يومئذ إلى اليوم، وإلى ما يشاء الله، لم يحج إلى ~~البيت الحرام مشرك، ولن يحج إليه مشرك. # وفي السنة العاشرة من الهجرة، حج رسول الله حجة الوداع، وحج أبو بكر معه، وسار # صلى الله عليه وسلم ~~، ~~وصحبه نساؤه جميعا، وتبعه من العرب مائة ألف أو يزيدون، ولم يطل مقام النبي بالمدينة بعد ~~عوده من الحج، حتى أمر بتجهيز جيش لجب إلى الشام، جعل فيه المهاجرين الأولين، ومنهم أبو ~~بكر وعمر، وعسكر هذا الجيش بالجرف، ثم ترامى إليه أن رسول الله مرض، فلم يتحرك إلى غرضه؛ ~~لأن المرض اشتد بالنبي شدة أثارت مخاوف الناس عليه. # ولما ثقل عليه المرض أمر أن يصلي أبو بكر بالناس. روي عن عائشة أنها قالت: «لما ثقل رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم ~~، جاء بلال يؤذنه بالصلاة، فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس، قلت: يا رسول ~~الله، إن أبا بكر رجل أسيف وإنه متى يقم مقامك لا يسمع الناس، فلو أمرت عمر! قال: مروا أبا ~~بكر يصلي بالناس، فقلت لحفصة: قولي له إن أبا بكر رجل أسيف، وإنه متى يقم مقامك لا يسمع ~~الناس، فلو أمرت عمر! ... فقالت له حفصة، فقال: إنكن لأنتن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل ~~بالناس! فقالت حفصة لعائشة: ما كنت لأصيب منك خيرا.» # وصلى أبو بكر بالناس كأمر النبي، وإنه لغائب يوما إذ دعا بلال إلى الصلاة ونادى عمر أن ~~يصلي بالناس، وكان عمر جهير الصوت، فلما كبر في المسجد سمعه محمد من بيت عائشة، فقال: «فأين ~~أبو بكر؟ يأبى الله ذلك والمسلمون!» ولقد ظن بعضهم أن النبي استخلف ms039 أبا بكر من بعده بما أنه ~~قد أمره بالصلاة مكانه؛ فالصلاة بالناس أول مظهر للقيام مقام رسول الله. # وفي أثناء هذا المرض خرج محمد إلى المسلمين يوما بالمسجد، وقال فيما قال لهم: «إن عبدا ~~من عباد الله خيره الله بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عند الله.» ثم أمسك، وقد أدرك ~~أبو بكر أن النبي إنما يعني نفسه، فأجهش بالبكاء وقال: «نحن نفديك بأنفسنا وأبنائنا.» وأمر ~~محمد أن تقفل أبواب المسجد إلا باب أبي بكر، ثم قال مشيرا إلى الصديق: «إني لا أعلم أحدا ~~كان أفضل خليل رسول الله في الصحبة عندي يدا منه، وإني لو كنت متخذا من العباد خليلا ~~لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن صحبة وإخاء وإيمان حتى يجمع الله بيننا عنده.» # وفي اليوم الذي قبض فيه النبي خرج ساعة الصبح إلى المسجد، معتمدا على علي بن أبي طالب ~~والفضل بن العباس، وكان أبو بكر يصلي ساعتئذ بالناس، فلما رأى الناس النبي فرحوا وتفرجوا، ~~فأشار إليهم أن اثبتوا على صلاتكم، وأحس أبو بكر أنهم لم يصنعوا ذلك إلا لرسول الله، فتأخر ~~عن مكانه، فأومأ إليه النبي: أن كما أنت، وجلس رسول الله عن يسار أبي بكر فصلى ~~قاعدا. # وعاد النبي بعد هذه الصلاة إلى دار عائشة، لكنه ما لبث أن عادته الحمى، فدعا بإناء فيه ~~ماء بارد جعل يده فيه ويمسح بمائه وجهه، وبعد سويعة من ذلك اختار الرفيق الأعلى، واختار ما ~~عند الله. # وترك رسول الله هذه الحياة الدنيا، وقد أكمل الله للناس دينهم، وأتم عليهم نعمته، فماذا ~~يصنع العرب من بعده؟ إنه لم يستخلف خليفة، ولم يضع للحكم نظاما مفصلا، فليجتهدوا، ولكل ~~مجتهد نصيب. # الفصل الثاني # | بيعة أبي بكر # اختار الله رسوله إلى جواره في الثاني عشر من ربيع الأول عام 11 للهجرة (الثالث من شهر ~~يونيو سنة 632 للميلاد)، وكان # صلى الله عليه وسلم # صبح ذلك اليوم قد شعر بشيء من العافية من مرضه، فخرج ~~من بيت عائشة إلى المسجد وتحدث إلى المسلمين، ودعا ms040 لأسامة بن زيد بالخير، وأمره أن يسير ~~بجيشه لغزو الروم، فلما تطاير إلى الناس أن رسول الله قد مات بعد سويعات من جلوسه بينهم ~~وحديثه إليهم تولاهم الذهول، وقام عمر بن الخطاب فيهم خطيبا ينفي الخبر، ويذكر أن رسول ~~الله ما مات، ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران؛ فقد غاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع ~~إليهم بعد أن قيل قد مات، وانطلق عمر يهدد القائلين بوفاة الرسول ويذكر أنه # صلى الله عليه وسلم # سيرجع ~~إليهم فيقطع أيديهم وأرجلهم. # وكان أبو بكر قد ذهب إلى داره بالسنح من ضواحي المدينة بعد أن عاد النبي (عليه السلام) من ~~المسجد إلى دار عائشة، فلما نما في الناس نبأ وفاته ذهب في أثر الصديق من أبلغه إياه فكر ~~راجعا، فبصر بالمسلمين وبعمر يخطبهم، فلم يقف بل قصد إلى بيت عائشة حيث ألفى النبي # صلى الله عليه وسلم # مسجى في ناحية من البيت، فكشف عن وجهه وجعل يقبله ويقول: «ما أطيبك حيا وما ~~أطيبك ميتا!» وخرج إلى الناس فقام فيهم فقال: «أيها الناس، من كان يعبد محمدا فإن محمدا ~~قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت.» ثم تلا قوله تعالى: # وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات ~~أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه ~~فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين ~~(آل عمران: ~~144) فلما سمع عمر هذه الآية خر إلى الأرض ما تحمله رجلاه، وأيقن أن رسول الله قد مات، ~~ووجم الناس لما سمعوا ولما رأوا، وأقاموا في ذهولهم لا يدرون ما يصنعون. # نقف هنيهة ها هنا لنصور ناحية من نفسية أبي بكر يدل عليها موقفه هذا أبلغ الدلالة، فلو أن ~~رجلا من المسلمين جاز أن يبلغ منه الجزع لوفاة الرسول ما بلغ من عمر، لكان ذلك الرجل أبا ~~بكر؛ فهو صفي النبي وخليله، ومن آثره في كل موقف على نفسه، وهو الذي أجهش بالبكاء لقول رسول ~~الله: «إن عبدا من ms041 عباد الله خيره الله بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عند الله.» ~~وهو الذي قال حين سمع هذه الكلمة والعبرة تخنقه: «نحن نفديك بأنفسنا وأرواحنا!» لكن جزعه ~~لوفاة الرسول لم يذهله ما أذهل عمر، وهو لم يلبث، حين أيقن أن الله اختار رسوله إليه، أن ~~خرج إلى الناس وخطبهم بما قرأت. # وهذه الكلمات التي ألقاها عليهم، وهذه الآية التي تلاها من القرآن لإقناعهم، تدل على قوة ~~في مواجهة الحقائق تنأى بصاحبها عن أن يذهله نبأ فاجع كموت رسول الله، وقد اقترنت هذه القوة ~~النفسية بصفة أخرى زادتها جلالا ومهابة، وهي بعد النظر إلى المستقبل، وهاتان الصفتان ~~تثيران العجب من رجل كله الرفق والرقة، وكله التقديس لمحمد ومحبته أكثر من حبه الحياة وما ~~فيها. # وهذه القوة النفسية البالغة التي كانت سند أبي بكر في هذه الساعة العصيبة الرهيبة، ساعة ~~فجيعة المسلمين لفقد نبي الله ورسوله، هي التي كانت سنده في الساعات الكثيرة العصيبة التي ~~مرت من بعد به وبالمسلمين، وهي التي وقت المسلمين ووقت الإسلام فتنة لولاها لتعرضوا لمحن لا ~~يعلم إلا الله ما كان يصيبهم ويصيب النشأة الجديدة من جرائها. # لم يكن عمر والمسلمون الذين أحاطوا به واستراحوا إلى قوله إن النبي لم يمت، إلا الذين ~~أذهلهم النبأ عن التفكير فيما وراءه، أما الذين أيقنوا بحقيقة هذا النبأ أول ما عرفوا به، ~~فلم يثنهم الحزن عن هذا التفكير، فقد آل أمر المدينة إلى الرسول بعد أن استقر بها، وبعد أن ~~تم لدينه السلطان فيها، فلمن عسى أن ينتقل هذا الأمر من بعده، وقد امتد سلطان الرسول على ~~سائر العرب بعد أن دانوا بالإسلام، وبعد أن ارتضى الكتابيون الذين أقاموا على دينهم أن ~~يدفعوا الجزية؟ ترى أيظل للمدينة هذا السلطان؟ وإن ظل لها فلمن من أهلها يئول؟ # لقد كان الأنصار من أهل المدينة يجدون على المهاجرين أنهم آووهم ونصروهم أول ما جاءوا ~~إليهم ضيوفا مع الرسول، فلما اطمأنوا أرادوا أن يستأثروا بالأمر دونهم، كانت هذه روحهم في ~~عهد النبي، فكان ms042 من الطبيعي أن تظهر واضحة حين وفاته؛ بل لقد ظهرت في حياة الرسول بعد فتح ~~مكة وغزاة حنين والطائف، فقد أجزل محمد العطاء من فيء هذه الغزاة إلى المؤلفة قلوبهم من أهل ~~مكة، فلما رأى الأنصار ذلك تحدث فيه بعضهم إلى بعض وقال قائل منهم: لقي والله رسول الله ~~قومه. فلما بلغت هذه المقالة النبي طلب إلى سعد بن عبادة سيد الخزرج أن يجمعهم إليه؛ فلما ~~اجتمعوا قال لهم: «يا معشر الأنصار، مقالة بلغتني عنكم، وجدة وجدتموها في أنفسكم! ألم آتكم ~~ضلالا فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله، وأعداء فألف بين قلوبكم؟» وأطرق الأنصار لما ~~سمعوا، وكان كل جوابهم: «بلى! الله ورسوله أمن وأفضل.» وسألهم النبي: «ألا تجيبوني يا ~~معشر الأنصار!» فظلوا مطرقين ولم يزيدوا على أن قالوا: «بماذا نجيبك يا رسول الله؟ لله ~~ورسوله المن والفضل.» # هنالك تولى محمد الجواب عنهم فقال: «أما والله لو شئتم لقلتم فلصدقتم ولصدقتم: ~~أتيتنا مكذبا فصدقناك، ومخذولا فنصرناك، وطريدا فآويناك، وعائلا فآسيناك.» قال هذه ~~العبارة والتأثر باد عليه، ثم أردف: «أوجدتم يا معشر الأنصار، في لعاعة من الدنيا تألفت بها ~~قوما ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم!! ألا ترضون، يا معشر الأنصار، أن يذهب الناس بالشاة ~~والبعير، وترجعون برسول الله إلى رحالكم!! فوالذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت امرأ من ~~الأنصار، ولو سلك الناس شعبا وسلك الأنصار شعبا، لسلكت شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار ~~وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار.» ولقد بلغ من تأثر الأنصار بهذه العبارة التي صدرت من ~~أعماق قلب النبي، فقالها وكله العطف والمحبة لأولئك الذين بايعوه ونصروه وأعزوه، أن بكوا ~~وقالوا: «رضينا برسول الله قسما وحظا.» # ولم يكن فيء حنين وعطاء المؤلفة قلوبهم أول ما أثار المخاوف في نفوس الأنصار، بل ثارت ~~مخاوفهم قبل ذلك وعلى أثر فتح مكة، حين رأوا النبي يقوم على الصفا ويدعو، وحين رأوه يحطم ~~الأصنام ويتم في يوم واحد ما دعا إليه منذ عشرين سنة، فقد خيل إليهم أنه تارك المدينة فعائد ~~إلى وطنه الأول، وقال بعضهم ms043 لبعض: «أترون رسول الله إذ فتح الله عليه أرضه وبلده لمقيم ~~بها؟» فلما اتصل بمحمد نبأ مخافتهم قال: «معاذ الله، المحيا محياكم، والممات ~~مماتكم.» # طبيعي، وذلك كان شعور الأنصار، أن يسرعوا إلى التفكير في أمر مدينتهم أول ما عرفوا أن ~~النبي مات، ترى أيظل أمر هذه المدينة وأمر العرب إلى ~~المهاجرين الذين أقاموا ضعافا بمكة لا مأوى لهم ولا نصير حتى أعزتهم المدينة، أم يكون ~~الأمر لأهل المدينة الذين قال فيهم الرسول إنه أتاهم مكذبا فصدقوه، ومخذولا فنصروه، ~~وطريدا فآووه، وعائلا فآسوه؟ تحدث بعض الأنصار إلى بعض في هذا، وتداعوا إلى سقيفة بني ~~ساعدة، وكان سعد بن عبادة مريضا في داره فأخرجوه إليهم ليكون صاحب الرأي فيهم، وأصغى سعد ~~إلى حديثهم، ثم قال لابنه أو لبعض بني عمه: «إني لا أقدر لشكواي أن أسمع القوم كلهم كلامي، ~~ولكن تلق مني قولي فأسمعهموه.» ثم جعل يتكلم فينقل الرجل إلى الحاضرين كلامه، قال بعد أن ~~حمد الله وأثنى عليه: «يا معشر الأنصار، إن لكم لسابقة في الدين، وفضيلة في الإسلام ليست ~~لقبيلة من العرب. إن محمدا (عليه السلام) لبث بضع عشرة سنة في قومه يدعوهم إلى عبادة ~~الرحمن، وخلع الأنداد والأوثان، فما آمن به من قومه إلا رجال قليل: وما كانوا يقدرون على أن ~~يمنعوا رسول الله ولا أن يعزوا دينه، ولا أن يدافعوا عن أنفسهم ضيما عموا به، فلما أراد ~~لكم ربكم الفضيلة ساق إليكم الكرامة وخصكم بالنعمة، فرزقكم الله الإيمان به وبرسوله، والمنع ~~له ولأصحابه، والإعزاز له ولدينه، والجهاد لأعدائه، فكنتم أشد الناس على عدوه منكم، وأثقله ~~على عدوه من غيركم، حتى استقامت العرب لأمر الله طوعا وكرها، وأعطى البعيد المقادة صاغرا ~~داحرا، وحتى أثخن الله (عز وجل) لرسوله بكم الأرض، ودانت بأسيافكم له العرب، وتوفاه الله ~~وهو عنكم راض، وبكم قرير عين؛ فاستبدوا بهذا الأمر دون الناس، فإنه لكم دون الناس.» # سمع الحاضرون مقالة سعد ثم أجابوه بأجمعهم: «وفقت في الرأي، وأصبت في القول، ولن نعدو ~~ما رأيت، نوليك ms044 هذا الأمر؛ فإنك فينا مقنع، ولصالح المؤمنين رضا.» # أفكان هذا الإجماع صريحا قويا صادرا عن عزيمة لا تهن ولا تكبو؟ لو أنه كان كذلك لأسرع ~~القوم إلى بيعة سعد بن عبادة، ولدعوا الناس إلى متابعتهم على بيعته، لكن القوم ما لبثوا أن ~~ترادوا الكلام بينهم قبل أن يقبل أحد على بيعة سعد: قال قائل منهم: «فإن أبت مهاجرة قريش ~~فقالوا: نحن المهاجرون، وصحابة رسول الله الأولون، ونحن عشيرته وأولياؤه، فعلام تنازعوننا ~~هذا الأمر بعده؟» وأنصت الحاضرون إلى هذا القول، ورأوا فيه من الحق ما حسبه بعضهم لا يدفع، ~~هنالك قالت طائفة منهم: «فإنا نقول إذن منا أمير ومنكم أمير ولن نرضى بدون هذا الأمر ~~أبدا.» # ولم يخف على ابن عبادة ما تنطوي عليه هذه المقالة من تردد يقعد بصاحبه دون غايته؛ لذلك ~~قال حين سمعها: «هذا أول الوهن!» ولعله إنما رآها أول الوهن أن رأى الذين يقولونها من بني ~~الأوس، فما كان بنو الخزرج ليقولوا مثلها وهو رئيسهم الذي يرشحونه لولاية الأمر من بعد ~~الرسول، والأوس والخزرج كانوا دائما على خلاف بينهم، منذ نزل أجدادهم الأولون المدينة ~~قادمين من اليمن حين هجرة الأزد إلى الشمال، فقد ألفى هؤلاء الأجداد اليهود بالمدينة فخضعوا ~~لسلطانهم زمنا، ثم ثاروا بهم وأنزلوهم عن مكان السلطان منهم، ومن يومئذ نشبت بين القبيلتين ~~خصومة طالما ردت السلطان لليهود، ورأى الفريقان ما يجره ذلك عليهم من ضعف، فهموا أن يولوا ~~عليهم أحدهم عبد الله بن محمد من الخزرج، بعد أن أفنت وقعة بعاث الكثيرين منهم، وأعلت كلمة ~~إسرائيل بينهم، وإنهم لكذلك إذ قدم منهم جماعة مكة حاجين، فتعرض لهم النبي يدعوهم إلى الله، ~~وقال بعضهم لبعض: «والله إنه للنبي الذي تواعدكم به يهود، فلا يسبقنكم إليه.» ثم أجابوا ~~دعوته، وأسلموا وقالوا له: «إنا تركنا قومنا - أي الأوس والخزرج - ولا قوم بينهم من العداوة ~~والشر ما بينهم، فعسى أن يجمعك الله بهم، وإن يجمعهم عليك فلا رجل أعز منك.» وعاد هؤلاء إلى ~~المدينة، فأنبئوا قومهم بما رأوا، فكان ms045 ذلك مقدمة بيعة العقبة الكبرى، ومقدمة هجرة الرسول ~~إلى المدينة، وبدء انتشار الإسلام فيها. # جمع الدين الجديد كلمة المؤمنين به، ثم زادهم التفافهم حول النبي إخاء ومودة بذلك ضعف ~~سلطان اليهود ضعفا مهد لجلائهم من بعد عن المدينة وعن بلاد العرب جميعا، على أنه بقيت مع ~~ذلك في نفوس الأوس والخزرج آثار من خصومتهم الأولى، كانت تبدو كلما حركها من اليهود أو ~~المنافقين من ادعى الإسلام باطلا ليفرق بين أهله، وذلك ما يدعو إلى الظن بأن سعد بن عبادة ~~لم يقل حين نظر إلى القوم في السقيفة يستمعون إلى من يقول: منا أمير ومن قريش أمير: «هذا ~~أول الوهن» إلا لأن أصحاب هذه المقالة كانوا من بني الأوس. # بينما كان الأنصار في سقيفة بني ساعدة يتداولون أمرهم بينهم يريدون أن ينفردوا بالسلطان ~~على العرب، كان عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بين الجراح وطائفة من كبار المسلمين ومن سوادهم ~~يتحدثون بالمسجد عن وفاة الرسول، وكان أبو بكر وعلي بن أبي طالب وأهل بيت النبي يحيطون ~~بجثمانه ويعدون العدة لتجهيزه ودفنه، وبدأ ابن الخطاب مذ أيقن بوفاة النبي يفكر فيما عسى أن ~~يكون الأمر من بعده، ولم يدر بخلده أن الأنصار سبقوه إلى هذا التفكير، أو أنهم يريدون أن ~~يستبدوا بالأمر دون الناس، فقال ابن سعد في الطبقات: «أتى عمر أبا عبيدة بن الجراح فقال: ~~ابسط يدك فلأبايعك، فأنت أمين هذه الأمة على لسان رسول الله. فقال أبو عبيدة لعمر: ما رأيت ~~لك فهة # 1 # قبلها منذ أسلمت، أتبايعني وفيكم الصديق وثاني اثنين!» وإنهم لفي هذا الحديث إذ ~~جاءهم نبأ الأنصار واجتماعهم في سقيفة بني ساعدة، فأرسل عمر إلى أبي بكر في بيت عائشة أن ~~اخرج إلينا، فأجاب أبو بكر الرسول: «إني مشتغل.» فرد عمر رسوله يقول لأبي بكر: «إنه قد حدث ~~أمر لا بد لك من حضوره.» # وخرج أبو بكر إلى عمر وقد تولاه العجب؛ أي أمر يمكن أن يدعى إليه فيصرفه عن جهاز رسول ~~الله! قال عمر: «أما علمت أن ms046 الأنصار قد اجتمعت في سقيفة بني ساعدة يريدون أن يولوا هذا ~~الأمر سعد بن عبادة، وأحسنهم مقالة من يقول منا أمير ومن قريش أمير!» ولم يتردد أبو بكر حين ~~سمع ذلك أن مضى مع عمر مسرعين إلى السقيفة ومعهما أبو عبيدة بن الجراح، وكيف يتردد والأمر ~~أمر المسلمين ومصيرهم، بل أمر هذا الدين الذي أوحي إلى محمد ومصيره! إن حول جثمان الرسول ~~أهله يقومون بما يجب لجهازه ودفنه، فلينطلق مع صاحبيه إلى السقيفة، فذلك واجب عليه لله ~~ورسوله لا يستطيع غيره أن ينهض به، وهو لم يتخل يوما عن أداء الواجب والنهوض بأجسم ~~التبعات وإن اقتضاه ذلك بذل ماله ونفسه. # مضى ثلاثة الرجال لم يثنهم أن لقيهم عاصم بن عدي وعويم بن ساعدة فقالا لهم: ارجعوا فإنه ~~لا يكون ما تريدون، فلما قالا: «يا معشر المهاجرين، لا تأتوهم واقضوا أمركم.» قال عمر: ~~«والله لنأتينهم.» # وبلغ الثلاثة السقيفة والأنصار لا يزالون في حوارهم لم يبايعوا سعدا ولم يقطعوا في ولاية ~~الأمر برأي، ودهش الأنصار حين رأوهم فأمسكوا عن القول، وكأنما سقط في أيديهم، وسأل عمر بن ~~الخطاب عن رجل مزمل بين ظهرانيهم من هو، فأجابوا: هذا سعد بن عبادة به وجع، وجلس أبو بكر ~~وصاحباه بين القوم وكل تتمشى في نفسه الهواجس يسأل نفسه: عم يسفر هذا الاجتماع؟ # والحق أنه كان اجتماعا جليل الخطر في حياة الإسلام الناشئ، ولولا ما أبدى أبو بكر في هذا ~~الاجتماع من قوة الحزم وصلابة الإرادة لأوشك هذا الدين الجديد أن يثور الخلاف عليه في موطنه ~~كما ثار في مواطن أخرى من بلاد العرب، وأن يثور وجثمان صاحب الرسالة ما يزال في بيته لم يثو ~~في قبره. # أرأيت لو أن الأنصار أصروا على أن يستبدوا بالأمر دون الناس استجابة لدعاء سعد بن عبادة ~~ولم ترض قريش أن يكون لغيرها الأمر، فأي مسرح للثورة كانت تصبح مدينة الرسول! ولأية ثورة ~~جائحة مسلحة وجيش أسامة في أحشائها فيه المهاجرون وفيه الأنصار وكلهم مدجج بسلاحه قد لبس ~~درعه واتخذ ms047 للقتال عدته!! ولو أن المهاجرين الذين ذهبوا إلى السقيفة كانوا غير أبي بكر وعمر ~~وأبي عبيدة ممن ليس لهم في نفوس المسلمين جميعا ما لوزيري رسول الله ولأمين الأمة من ~~مكانة، لشجر الخلاف بينهم وبين الأنصار، ولخيف على جماعة المسلمين من الاختلاف وما يجر ~~إليه، ولكان لذلك أثره الذي لا يفكر اليوم فيه مؤرخ، ولما وقف الأكثرون من اجتماع السقيفة ~~عند رواية الحوادث وذكر الخطب التي تبودلت وما تم على أثرها من بيعة أبي بكر، أما الذين ~~يقدرون الحوادث قدرها، فيرون لهذا الاجتماع التاريخي من الأثر في حياة الإسلام ما كان لبيعة ~~العقبة الكبرى، وما كان لهجرة الرسول من مكة إلى المدينة، ويرون فيما كان من أبي بكر وحسن ~~تصرفه في الموقف عمل الرجل السياسي، بل رجل الدولة البعيد مرمى النظر، والذي يقدر النتائج ~~ويرتب للاحتمالات، ويوجه كل جهده إلى الغرض الذي يريد أن يحقق به أعظم الخير ويتقي به كل ضر ~~أو أذى. # ألفنا في حياتنا الحاضرة عبارات يصور بها الساسة أحوالا أو أعمالا يحسبونها بدعا لم ~~يسبقهم إليه في التاريخ أحد، ومن مألوف ما نسمع في هذا الزمن عبارة «الهجوم السلمي»، وهذا ~~الهجوم السلمي لم يكن مجهولا في العصور الماضية، بل هذا الهجوم هو ما لجأ إليه أبو بكر ~~وأتمه صاحباه في ذلك الاجتماع التاريخي الجليل الخطر. # لما اطمأن بالمهاجرين الثلاثة المجلس خرج الأنصار من صمتهم وزايلتهم دهشتهم، ولم يخف ~~أشدهم حماسة حرصهم على أن يكون الأمر من بعد الرسول لهم، قال عمر: «وكنت قد زويت # 2 # كلاما أردت أن أقوم به فيهم، فلما أن دفعت إليهم ذهبت لأبتدئ المنطق، فقال لي ~~أبو بكر: «رويدا حتى أتكلم ثم انطق بعد بما أحببت».» وإنما خشي أبو بكر شدة عمر في القول، ~~وليس الموقف موقف شدة أو عنف، بل موقف سياسة وحسن مدخل، ونهض أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه ~~وذكر رسول الله وما جاء به من رسالة التوحيد ثم قال: ~~« ... عظم على العرب أن يتركوا دين آبائهم، فخص الله ms048 المهاجرين الأولين من قومه ~~بتصديقه، والإيمان به، والمؤاساة له، والصبر معه، على شدة أذى قومهم لهم، وتكذيبهم ~~إياهم، وكل الناس مخالف لهم زار عليهم، فلم يستوحشوا لقلة عددهم، وشنف # 3 # الناس لهم، وإجماع قومهم عليهم، فهم أول من عبد الله في الأرض ، وآمن ~~بالله وبالرسول، وهم أولياؤه وعشيرته، وأحق الناس بهذا الأمر من بعده، ولا ينازعهم ~~ذلك إلا ظالم. # وأنتم يا معشر الأنصار، من لا ينكر فضلهم في الدين، ولا سابقتهم العظيمة في ~~الإسلام، رضيكم الله أنصارا لدينه ورسوله، وجعل إليكم هجرته، وفيكم جلة أزواجه ~~وأصحابه، فليس بعد المهاجرين الأولين عندنا بمنزلتكم، فنحن الأمراء وأنتم الوزراء، ~~لا تفتاتون بمشورة، ولا تقضى دونكم الأمور.» # نحن الأمراء وأنتم الوزراء، لا تفتاتون بمشورة، ولا تقضى دونكم الأمور، ما أقرب هذا القول ~~من رأي الأنصار الذين قالوا: منا أمير ومن المهاجرين أمير، وهذا القول أدخل في باب النظام ~~وأدنى إلى أن تسير الأمور سيرة صلاح وإصلاح. هذا حق، ولعل أبا بكر قصد إليه فكان قصده حسن ~~السياسة وبعد النظر، ولعل الأوس الذين كانوا ينفسون على الخزرج قد استراحوا إليه، ولعل ~~كثيرين من بني الخزرج أنفسهم لم ينفروا منه، فهذا أبو بكر لم يرد للمهاجرين أن يستبدوا ~~بالأمر دون الناس كما فعل سعد بن عبادة، بل جعل الأنصار وزراء فأشركهم في الأمر ولم يشرك ~~غيرهم، وإن كان من غيرهم في بعض أنحاء شبه الجزيرة من هم أكثر قوة وأعز نفرا. وهو إنما ~~أشركهم على الأساس الذي جعل به الإمارة للمهاجرين: مقامهم في السبق إلى نصر الرسول وتأييده. ~~لا جرم إذن أن يستريح الجميع إلى هذا القول، فهو عدل كل العدل، وأساسه الحق كل الحق. # ورأى الذين أخذت منهم الحماسة للأنصار مأخذها ما ترك كلام أبي بكر في نفوس أهل السقيفة، ~~وخشوا أن ينفض إجماعهم الأول وأن يغصبهم المهاجرون الأمر ويستأثروا بالسلطان دونهم، هنالك ~~قام أحدهم فقال: «أما بعد، فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام، وأنتم يا معشر المهاجرين رهط ~~منا وقد دفت دافة من قوامكم وإذا ms049 هم يريدون أن يختزلونا # 4 # من أصلنا ويغصبونا الأمر.» ولم يرض أبو بكر أن يذر مقامه بعد هذا الذي سمع، ~~فتوجه كرة أخرى للأنصار فقال: «يا أيها الناس! نحن المهاجرين أول الناس إسلاما، وأكرمهم ~~أحسابا، وأوسطهم دارا، وأحسنهم وجوها، وأكثرهم ولادة في العرب ، وأمسهم رحما برسول الله، ~~أسلمنا قبلكم، وقدمنا في القرآن عليكم، فقال تبارك وتعالى: # والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين ~~اتبعوهم بإحسان ~~(التوبة: 100) فنحن المهاجرون وأنتم الأنصار إخواننا ~~في الدين، وشركاؤنا في الفيء، وأنصارنا على العدو، أما ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، ~~وأنتم أجدر بالثناء من أهل الأرض جميعا؛ فأما العرب فلن تعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من ~~قريش، فمنا الأمراء ومنكم الوزراء.» # كرر أبو بكر هذه الكلمة الأخيرة التي تركت من الأثر في النفوس أول ما قيلت ما توجس غلاة ~~الأنصار معه خيفة، فقام الحباب بن المنذر بن الجموح فقال: «يا معشر الأنصار! املكوا عليكم ~~أمركم، فإن الناس في فيئكم، ولن يجترئ مجترئ على خلافكم، ولم يصدر الناس إلا عن رأيكم، أنتم ~~أهل العز والثروة، وأولو العدة والمنعة والتجربة، وذوو البأس والنجدة، وإنما ينظر الناس إلى ~~ما تصنعون، فلا تختلفوا فيفسد عليكم رأيكم، وينتقض عليكم أمركم، أبى هؤلاء إلا ما سمعتم، ~~فمنا أمير ومنكم أمير.» # لم يكد الحباب يفرغ من حديثه حتى نهض عمر بن الخطاب، وكان قد أمسك قبل ذلك عن الكلام ~~طوعا لأبي بكر، فقال: «هيهات لا يجتمع اثنان في قرن، والله لا ترض العرب أن يؤمروكم ونبيها ~~من غيركم، ولكن العرب لا تمتنع أن تولي أمرها من كانت النبوة فيهم وولي أمورهم منهم، ولنا ~~بذلك على من أبى من العرب الحجة الظاهرة والسلطان المبين، من ذا ينازعنا سلطان محمد وإمارته ~~ونحن أولياؤه وعشيرته، إلا مدل بباطل، أو متجانف لإثم، أو متورط في هلكه!» # وأجاب الحباب عمر: «يا معشر الأنصار! املكوا على أيديكم ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه ~~فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر، فإن أبوا عليكم ما سألتموه فأجلوهم عن هذه ms050 البلاد، وتولوا ~~عليهم هذه الأمور، فأنتم والله أحق بهذا الأمر منهم، فإنه بأسيافكم دان لهذا الدين من دان ~~ممن لم يكن يدين، أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب! أما والله إن شئتم لنعيدنها ~~جذعة!» # قال عمر وقد سمع لهذا النذير: «إذن يقتلك الله!» وأجاب الحباب: «بل إياك يقتل!» # هاتان العبارتان الأخيرتان نذير شر، ولو أن الحباب كانت في جانبه كثرة الأنصار لكان أيسر ~~ما ينشأ عنها أن يضجوا وأن يسرعوا إلى نصرته بالإقبال على مبايعة سعد بن عبادة، وليفعل ~~المهاجرون بعد ذلك ما يشاءون، ولعل طائفة منهم قد تغامزت بذلك أو بشيء يشبهه يكون جوابا ~~لهذا الحوار العنيف بين عمر والحباب، بل لقد ذكر الطبري أن الحباب انتضى سيفه وهو يتكلم، ~~فضرب عمر يده فسقط السيف، فأخذه عمر ثم وثب على سعد بن عبادة، على أن أبا عبيدة بن الجراح ~~تدخل في الأمر وكان قد لزم الصمت إلى تلك اللحظة، فقال موجها حديثه إلى أهل المدينة: «يا ~~معشر الأنصار! كنتم أول من نصر وآزر، فلا تكونوا أول من بدل وغير.» # وانتهز بشير بن سعد أبو النعمان بن بشير من زعماء الخزرج هذه الكلمة الحكيمة من أبي عبيدة ~~فقام بين قومه وقال: «إنا والله وإن كنا أولي فضيلة في جهاد المشركين وسابقة في هذا الدين، ~~ما أردنا به إلا رضا ربنا، وطاعة نبينا، والكدح لأنفسنا، فما ينبغي لنا أن نستطيل على الناس ~~بذلك ولا نبتغي من الدنيا عرضا؛ فإن الله ولي النعمة علينا بذلك، ألا إن محمدا # صلى الله عليه وسلم # من قريش وقومه أحق به وأولى، وايم الله لا يراني الله أنازعهم في هذا الأمر أبدا، فاتقوا ~~الله ولا تخافوهم ولا تنازعوهم.» # وأجال أبو بكر بصره في الأنصار ليرى ما تركت مقالة بشير من الأثر فيهم، فألفى الأوس ~~وكأنما يهمس بعضهم في أذن بعض، وألفى بني الخزرج يبدو على الكثير منهم أن قول بشير أقنعهم، ~~فأيقن أن الأمر قد استوى وأن اللحظة لحظة الفصل فلا ينبغي أن تترك، وإذ كان جالسا ms051 بين عمر ~~وأبي عبيدة فقد أخذ بيد كل منهما، وقال يدعو الأنصار إلى الجماعة ويحذرهم الفرقة ثم أردف: ~~«هذا عمر وهذا أبو عبيدة، فأيهما شئتم فبايعوا.» # هنالك كثر اللغط وخيف الاختلاف، أيبايعون عمر وهو على ما هو عليه من شدة، وهو مع ذلك وزير ~~النبي وأبو حفصة أم المؤمنين! أم يبايعون أبا عبيدة ولم يكن له إلى يومئذ في المسلمين ما ~~كان لعمر من كلمة ومقام! لكن عمر لم يدع لهذا الخلاف أن تنبت شجرته؛ فقد نادى بصوته ~~الجهوري: «ابسط يدك يا أبا بكر.» وبسط أبو بكر يده فبايعه عمر وهو يقول: «ألم يأمر النبي ~~بأن تصلي أنت يا أبا بكر بالمسلمين! فأنت خليفة الله، فنحن نبايعك لنبايع خير من أحب رسول ~~الله منا جميعا.» # وبايع أبو عبيدة وهو يقول: «إنك أفضل المهاجرين، وثاني اثنين إذ هما في الغار، وخليفة ~~رسول الله على الصلاة أفضل دين المسلمين، فمن ذا ينبغي له أن يتقدمك أو يتولى هذا الأمر ~~عليك!» وإن عمر وأبا عبيدة يبايعان أبا بكر إذ أسرع بشير بن سعد فبايعه. # عند ذلك ناداه الحباب بن المنذر: يا بشير بن سعد، عققت، ما أحوجك إلى ما صنعت! أنفست ~~الإمارة على ابن عمك! (يقصد ابن عبادة). # قال بشير: لا والله! ولكني كرهت أن أنازع قوما حقا جعله الله لهم. # والتفت أسيد بن حضير زعيم الأوس إلى قومه وهم ينظرون إلى ما صنع بشير بن سعد وقال لهم: ~~«والله لئن وليتها الخزرج عليكم مرة لا زالت لهم عليكم بذلك الفضيلة ولا جعلوا لكم معهم ~~فيها نصيبا أبدا، قوموا فبايعوا أبا بكر!» وقام الأوس فبايعوا أبا بكر، ثم قام من الخزرج ~~من اطمأنوا إلى كلام بشير يبايعون مسرعين، حتى ضاق بهم المكان من السقيفة، وكاد الناس في ~~تكاثرهم على البيعة يطئون سعد بن عبادة، فقال ناس من أصحابه: اتقوا سعد لا تطئوه. قال عمر: ~~اقتلوه قتله الله! ووجه إلى سعد كلاما عنيفا، فقال له أبو بكر: «مهلا يا عمر! الرفق ~~هاهنا أبلغ.» وحمل ms052 سعدا أصحابه فأدخلوه داره حيث بقي أياما ثم قيل له: «أقبل فبايع فقد ~~بايع الناس وبايع قومك.» وأبى سعد أن يبايع وقال: «وأما والله حتى أرميكم بما في كنانتي من ~~نبل، وأخضب سنان رمحي، وأضربكم بسيفي ما ملكته يدي، وأقاتلكم بأهل بيتي ومن أطاعني من قومي، ~~فلا أفعل!» فلما اتصل هذا الحديث بأبي بكر قال له عمر: «لا تدعه حتى يبايع.» وخالف بشير رأي ~~عمر فقال: «إنه قد لج وأبى، وليس بمبايعكم حتى يقتل، وليس بمقتول حتى يقتل ولده وأهل بيته ~~وطائفة من عشيرته، فاتركوه؛ فليس تركه بضاركم، إنما هو رجل واحد.» # وسمع أبو بكر إلى رأي بشير وأجازه، وتركوا سعدا؛ فكان لا يصلي بصلاتهم، ويحج ولا يفيض ~~بإفاضتهم، وأقام على ذلك حتى مات أبو بكر. # تمت بيعة أبي بكر بالسقيفة وجثمان النبي لا يزال في بيته من حوله أهله: علي بن أبي طالب ~~والعباس بن عبد المطلب ومن اشترك معهم في جهازه، وعلى مقربة منهم في المسجد طائفة من ~~المهاجرين، وتمت هذه البيعة كما رأيت في أحوال جعلت بعض الرواة ينسب إلى عمر بن الخطاب أنه ~~قال: إنها كانت فلتة. فأما غير هؤلاء الرواة فيرى أن أبا بكر وعمر وأبا عبيدة ذهبوا على ~~اتفاق بينهم أن يكون الأمر لأبي بكر، وأيما هاتين الروايتين صحت فالذي لا مرية فيه أن ما تم ~~في السقيفة قد وقى الإسلام الناشئ فتنة ليس يعلم إلا الله ما كان يحدث فيها، وقد مهد للقضاء ~~على كل خلاف بين المسلمين، كما مهد للسياسة التي رسمها الرسول أن تنجح النجاح الذي مهد ~~للإمبراطورية الإسلامية من بعد، والذي أذاع دين الله بفضل منه جل شأنه في مشارق الأرض ~~ومغاربها. # ومن يوم السقيفة لم يبق للأنصار في ولاية أمر المسلمين مطمع أو مأرب، فقد كانت بيعة عمر ~~بن الخطاب ثم بيعة عثمان بن عفان، ثم كان الخلاف بين علي ومعاوية، ولم يكن للأنصار من ذلك ~~كله إلا نصيب سائر العرب، وكأنما آمنوا بما قال أبو بكر من أن ms053 العرب لن تعرف هذا الأمر إلا ~~لهذا الحي من قريش، بل كفاهم من بعد ذلك أن عاشوا في كنف المهاجرين مطمئنين إلى وصية رسول ~~الله في مرضه الأخير حين قال: «يا معشر المهاجرين، استوصوا بالأنصار خيرا، فإن الناس ~~يزيدون والأنصار على هيئتها لا تزيد؛ وإنهم كانوا عيبتي التي أويت إليها، فأحسنوا إلى ~~محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم.» ~~••• # لم يلبث أبو بكر وسائر من كانوا بالسقيفة حين تمت البيعة أن عادوا إلى المسجد والوقت مساء ~~والمسلمون مع ذلك يتلقفون الأنباء من بيت عائشة عن جهاز الرسول، وفي الغد من بعد ذلك اليوم ~~جلس أبو بكر في المسجد، فقام عمر يعتذر عما تحدث به إلى المسلمين بالأمس من أن النبي لم يمت ~~فقال: «إني قلت لكم بالأمس مقالة ما كانت مما وجدت في كتاب الله، ولا كانت عهدا عهده إلي ~~رسول الله، ولكني قد كنت أرى أن رسول الله سيدبر أمرنا ويبقى ليكون آخرنا، إن الله قد أبقى ~~فيكم كتابه الذي هدى به رسوله، فإن اعتصمتم به هداكم الله كما هداه به، وإن الله قد جمع ~~أمركم على خيركم صاحب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وثاني اثنين إذ هما في الغار، فقوموا فبايعوا.» ~~فبايع الناس جميعا بيعة العامة بعد بيعة الخاصة بالسقيفة. # وقام أبو بكر بعد أن تمت البيعة وألقى في الناس خطابا كان أول حديث له في خلافته، ثم كان ~~آية من آيات الحكمة وفصل الخطاب، قال (رضي الله عنه) بعد أن حمد الله وأثنى عليه: «أما بعد، ~~أيها الناس! فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق ~~أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله، والقوي فيكم ~~ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله ~~بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإن ~~عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم، ms054 قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.» # أفكانت بيعة العامة هذه بيعة إجماع من المسلمين لم يتخلف عنها أحد ما تخلف سعد بن عبادة ~~عن بيعة الخاصة بالسقيفة؟ المشهور أن طائفة من كبار المهاجرين تخلفوا عنها، وأن علي بن أبي ~~طالب والعباس بن عبد المطلب من بني هاشم كانا من المتخلفين، ذكر اليعقوبي أنه قد «تخلف عن ~~بيعة أبي بكر قوم من المهاجرين والأنصار ومالوا مع علي بن أبي طالب، منهم العباس بن عبد ~~المطلب، والفضل بن العباس، والزبير بن العوام بن العاص، وخالد بن سعيد، والمقداد بن عمرو، ~~وسلمان الفارسي، وأبو ذر الغفاري، وعمار بن ياسر، والبراء بن عازب، وأبي بن كعب»، وأن أبا ~~بكر شاور عمر بن الخطاب وأبا عبيدة بن الجراح والمغيرة بن شعبة في أمرهم، فأشاروا عليه أن ~~يلقى العباس بن عبد المطلب وأن يجعل له في الأمر نصيبا يكون له ولعقبه من بعده، فيقع ~~الخلاف بذلك بينه وبين ابن أخيه علي بن أبي طالب، فيكون ذلك حجة لأبي بكر وأصحابه به على ~~علي، وقد فعل أبو بكر ما أشاروا به، وقال للعباس في حديث طويل: «ولقد جئناكم ونحن نريد أن ~~يكون لك في هذا الأمر نصيب يكون لك ويكون لمن بعدك من عقبك إذ كنت عم رسول الله.» ورد ~~العباس هذا العرض بعد حديث أورده اليعقوبي كذلك: «إن كان هذا الأمر لنا فلا نرضى ببعضه دون ~~بعض.» # وفي رواية ذكرها اليعقوبي، وذكرها غيره من المؤرخين، ولا يزال لها الشهرة، أن جماعة من ~~المهاجرين والأنصار اجتمعوا مع علي بن أبي طالب في دار فاطمة بنت رسول الله يدعون إلى ~~مبايعته، وبينهم خالد بن سعيد يقول: «فوالله ما في الناس أحد أولى بمقام محمد منك!» وبلغ ~~أبا بكر وعمر اجتماعهم بدار فاطمة، فأتيا في جماعة حتى هجموا الدار، وخرج علي ومعه السيف، ~~فلقيه عمر فصارعه فصرعه وكسر سيفه ودخلوا الدار، فخرجت فاطمة وقالت: «والله لتخرجن أو ~~لأكشفن شعري ولأعجن إلى الله.» فخرجوا وخرج من كان في الدار، وأقام القوم ms055 أياما ثم جعل ~~الواحد بعد الواحد يبايع، ولم يبايع علي إلا بعد وفاة فاطمة، أي بعد ستة أشهر، وقيل في ~~رواية: إنه بايع بعد أربعين يوما، ويروى أن عمر بن الخطاب جمع الحطب حول دار فاطمة وأراد ~~أن يحرقها أو يبايع علي أبا بكر. # وأشهر الروايات في تخلف علي وبني هاشم وأكثرها ذيوعا ما أورده ابن قتيبة في الإمامة ~~والسياسة وما شاكله من روايات من عاصره أو تأخر عنه، وهي تجري بأن عمر بن الخطاب ذهب في ~~عصابة إلى بني هاشم بعد أن تمت البيعة لأبي بكر، وطلب إليهم أن يخرجوا فيبايعوا كما بايع ~~الناس، وكان بنو هاشم في بيت علي، وقد أبوا وأبى من كان معهم أن يجيبوا دعوة عمر، بل خرج ~~الزبير بن العوام إلى عمر وأصحابه بالسيف، فقال عمر لأصحابه: عليكم بالرجل فخذوه، فأخذوا ~~السيف من يده، فانطلق فبايع، وقيل لعلي بن أبي طالب: بايع أبا بكر، فقال: «لا أبايعكم وأنا ~~أحق بهذا الأمر منكم وأنتم أولى بالبيعة لي، أخذتم هذا الأمر من الأنصار واحتججتم عليهم ~~بالقرابة من النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وتأخذونه منا أهل البيت غصبا، ألستم زعمتم للأنصار أنكم أولى ~~بهذا الأمر منهم لما كان محمد منكم، فأعطوكم المقادة وسلموا إليكم الإمارة! فإذن أحتج عليكم ~~بمثل ما احتججتم على الأنصار، نحن أولى برسول الله حيا وميتا، فأنصفونا إن كنتم تؤمنون، ~~وإلا فبوءوا بالظلم وأنتم تعلمون.» # قال عمر: «إنك لست متروكا حتى تبايع!» # وأجاب علي في حرارة وقوة: «احلب حلبا بك شطره، وشد له اليوم يردده عليك غدا، والله يا ~~عمر لا أقبل قولك ولا أبايعه.» # وخشي أبو بكر أن يبلغ الحوار بهما إلى العنف، فتدخل بين الرجلين وقال: «فإن لم تبايع فلا ~~أكرهك.» # وتوجه أبو عبيدة بن الجراح إلى علي متلطفا فقال: «يا بن عم، إنك حديث السن، وهؤلاء مشيخة ~~قومك، ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالأمور، ولا أرى أبا بكر إلا أقوى على هذا الأمر منك ~~وأشد احتمالا واستطلاعا، فسلم لأبي بكر هذا ms056 الأمر؛ فإنك إن تعش ويطل بك بقاء فأنت لهذا ~~الأمر خليق وحقيق في فضلك ودينك وعلمك وفهمك وسابقتك ونسبك وصهرك.» # هنا ثار ثائر علي وقال: «الله الله يا معشر المهاجرين! لا تخرجوا سلطان محمد في العرب من ~~داره وقعر بيته إلى دوركم وقعور بيوتكم وتدفعوا أهله عن مقامه في الناس وحقه، فوالله، يا ~~معشر المهاجرين، لنحن أحق الناس به لأننا أهل البيت، ونحن أحق بهذا الأمر منكم ما كان فينا ~~القارئ لكتاب الله، الفقيه في دين الله، العالم بسنن رسول الله، المضطلع بأمر الرعية، ~~الدافع عنهم الأمور السيئة، القاسم بينهم بالسوية، والله إنه لفينا، فلا تتبعوا الهوى ~~فتضلوا عن سبيل الله فتزدادوا من الحق بعدا.» # وكان بشير بن سعد حاضرا هذا القول فيما يروي رواته، فلما سمعه قال: «لو كان هذا الكلام ~~سمعته الأنصار منك يا علي قبل بيعتها لأبي بكر ما اختلفت عليك.» # خرج علي محنقا غاضبا، فذهب إلى فاطمة فخرج بها من دارها فحملها على دابة ليلا فأخذ ~~يطوف بها مجالس الأنصار تسألهم النصرة، فكانوا يقولون: «يا بنت رسول الله، قد مضت بيعتنا ~~لهذا الرجل، ولو أن زوجك وابن عمك سبق إلينا قبل أبي بكر ما عدلنا به.» # ويجيبهم علي وقد زاده هذا الجواب غضبا: «أفكنت أدع رسول الله # صلى الله عليه وسلم # في بيته لم أدفنه ~~وأخرج أنازع الناس سلطانه!» وتردف فاطمة: «ما صنع أبو الحسن إلا ما كان ينبغي له، ولقد ~~صنعوا ما الله حسيبهم عليه وطالبهم.» # هذا هو المشهور عن موقف علي بن أبي طالب وأصحابه من بيعة أبي بكر، وينكر بعض المؤرخين هذا ~~المشهور من تخلف بني هاشم أو غيرهم من المهاجرين إنكارا صريحا، ويذكرون أن أبا بكر بويع ~~بعد السقيفة بإجماع لم يتوقعه أحد. # روى الطبري حديثا بإسناده أن سعيد بن زيد سئل: أشهدت وفاة رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~؟ قال: نعم، ~~قيل: فمتى بويع أبو بكر؟ قال: يوم مات رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، كرهوا أن يبقوا بعض يوم وليسوا ms057 ~~في جماعة، قيل: أخالف عليه أحد؟ قال: لا، إلا مرتد أو من قد كاد أن يرتد لولا أن الله عز ~~وجل ينقذهم من الأنصار، قيل: فهل قعد أحد من المهاجرين؟ قال: لا، تتابع المهاجرون على بيعته ~~من غير أن يدعوهم. وفي رواية أن علي بن أبي طالب كان في بيته إذ جاءه من أنبأه أن أبا بكر ~~قد جلس للبيعة، فخرج في قميص له ما عليه إزار ولا رداء عجلا كراهية أن يبطئ عنها حتى ~~بايعه، ثم جلس إليه وبعث إلى ثوبه فأتاه فتجلله ولزم مجلسه. # وتجري بعض الروايات في أمر علي وبيعته مجرى وسطا بين ما قدمناه، من ذلك ما قيل من أن أبا ~~بكر صعد المنبر عقب البيعة فنظر في وجوه القوم فلم ير الزبير، فدعا به فجاء فقال له: ابن ~~عمة رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وحواريه، أردت أن تشق عصا المسلمين! فقال: لا تثريب يا خليفة رسول ~~الله، فقام فبايعه، ثم نظر في وجوه القوم فلم ير عليا، فدعا به فجاء فقال له: ابن عم رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم # وختنه على ابنته، أردت أن تشق عصا المسلمين! فقال: لا تثريب يا خليفة رسول ~~الله، فقام فبايعه. # وتذهب طائفة من الروايات إلى أن بني أمية هم الذين أرادوا أن يثيروا الثائرة بين بني هاشم ~~وأبي بكر، قيل لما اجتمع الناس على بيعة أبي بكر أقبل أبو سفيان وهو يقول: والله إني أرى ~~عجاجة لا يطفئها إلا دم، يا آل عبد مناف، فيم أبو بكر من أموركم؟! أين المستضعفان! أين ~~الأذلان علي والعباس! وأنشد يتمثل: # ولا يقيم على ضيم يراد به # إلا الأذلان عير الحي والوتد # هذا على الخسف محبوس برمته # وذا يشج فلا يبكي له أحد # على أن الروايات التي ذكرها هذا الحديث لأبي سفيان تكاد تجمع على أن عليا أبى أن ~~يتابعه، وأنه قال له: «إنك والله ما أردت بهذا إلا الفتنة، وإنك والله طالما بغيت الإسلام ~~شرا!» أو قال له: «يا أبا ms058 سفيان، طالما عاديت الإسلام وأهله فلم تضره بذلك شيئا، إني ~~وجدت أبا بكر لها أهلا.» ~~••• # والذين ينفون تخلف علي عن البيعة يذهبون إلى أن روايات تخلفه قد وضعت من بعد، ويرجحون ~~أنها وضعت في عهد العباسيين لغايات سياسية، ويقولون إنها استندت إلى واقعة متفق على صحتها، ~~ولكنها لا تتصل بالبيعة في قليل ولا كثير، هذه الواقعة أن فاطمة ابنة النبي والعباس عمه ~~أتيا أبا بكر بعد استخلافه يطلبان ميراثيهما من رسول الله في أرض فدك وفي سهمه من خيبر، ~~فقال لهما أبو بكر: «أما إني سمعت رسول الله يقول: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه ~~صدقة.» إنما يأكل أهل محمد في هذا المال، وإني والله لا أدع أمرا رأيت رسول الله يصنعه إلا ~~صنعته.» فغضبت فاطمة لذلك وهجرت أبا بكر فلم تكلمه في ذلك حتى ماتت، فدفنها علي ليلا ولم ~~يؤذن بها أبا بكر، وقد مكثت فاطمة ستة أشهر بعد وفاة أبيها، وكان علي يغاضب أبا بكر غضبا ~~لها، فلما ماتت مال إلى مصالحته وصالحه. # هذا حديث فاطمة وعلي ومقاطعتهما أبا بكر بعد بيعته، أما ما يضاف إلى هذا الحديث من أن ~~عليا امتنع من البيعة إلى أن ماتت فاطمة، وأن أبا بكر ذهب بعد ذلك إليه في منزله فألفاه ~~في بيت بني هاشم، وأن عليا قام حين ذاك وقال: إنه لم يمنعنا من أن نبايعك إلا أنا كنا نرى ~~لنا في هذا الأمر حقا فاستبددتم به علينا. وأن أبا بكر ذكر في جوابه: «والله ما ألوت في ~~هذه الأموال التي كانت بيني وبينكم غير الخير.» أما ما يضاف من ذلك كله فيرده من ينفون تخلف ~~علي عن البيعة بأن الحديث لم يتخط هذه الأموال، وأن فاطمة والعباس ما كانا ليطالبا أبا بكر ~~بها قبل أن يبايعه المسلمون جميعا بالخلافة؛ لأنه لم يكن له قبل ذلك في أمرها رأي. # يرجح أكثر الذين ينفون التخلف عن البيعة أن روايات هذا التخلف وضعت في عهد العباسيين ~~لغايات سياسية؛ أما سائرهم فيرجحون ms059 أنها وضعت قبل ذلك، ومنذ اختلف بنو هاشم وبنو أمية على ~~الأمر إبان حروب علي ومعاوية. # وهؤلاء يقولون: إن امتداد الفتح إلى العراق وفارس أدى بجماعة من الفرس لابتداع هذه ~~الأقاويل، وقد استجمت هذه الجماعة من الفرس بعد انتصار الأمويين وأقامت في استجمامها تتحين ~~الفرص حتى تهيأت لأبي مسلم الخراساني، فكان من أمره وأمر العباسيين ما كان. # فأما الذين يقولون بتخلف علي وبني هاشم عن البيعة أربعين يوما أو ستة أشهر، وقولهم هو ~~المشهور كما قدمنا، فيستندون إلى ما سبق من الروايات، وإلى أن عليا والذين تخلفوا معه لم ~~يشتركوا في جيش أسامة، مع ما كان لعلي من شجاعة وبأس في القتال اشتهر بهما في غزوات النبي، ~~واشتهر بهما من بعد في جميع أدوار حياته، وهم يردون قول الذين ينفون التخلف عن البيعة بأن ~~حجة المهاجرين على الأنصار في ولاية الأمر كانت أنهم أدنى صلة بالنبي، وأن العرب لا تعرف ~~إلا قريشا؛ لأنهم سدنة الكعبة والذين تشخص إليهم أبصار الناس جميعا من أهل شبه الجزيرة، ~~وهذه الحجة هي بذاتها سند بني هاشم في التقدم على غيرهم لخلافة رسول الله؛ فلا غرو أن ~~يستمسكوا بها وأن يؤدي ذلك إلى تخلفهم عن بيعة أبي بكر، وذلك ما فعل علي، وتلك كانت حجته ~~وحجة أصحابه، فإذا هم رضوا البيعة من بعد فإنما فعلوا حتى لا تكون فتنة تفسد إجماع ~~المسلمين، وبخاصة بعد أن ظهرت في العرب الردة، وبعد أن انتفض العرب على سلطان المدينة ~~انتفاضا أوشك أن يهدد انتشار الدين الذي جاء به محمد من عند الله. # على رغم هذا الخلاف بين الرواة في أمر البيعة واشتراك بني هاشم وسائر المهاجرين فيها أو ~~تخلف جماعة منهم عنها، فالاتفاق تام على أن أبا بكر ولي الأمر بعد الرسول غير منازع منذ ~~اليوم الأول، ولم يذكر أحد من القائلين بالتخلف عن بيعته أن واحدا من بني هاشم أو من غيرهم ~~حاول أن يثير ثائرة مسلحة أو هم بمناهضة الخليفة الأول، أفكان ذلك لمكانة أبي بكر ms060 من رسول ~~الله، حتى قال: لو كنت متخذا من العباد خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، أم كان لصحبته رسول ~~الله في الهجرة ولما تحلى به من فضائل وما كان له في نصر الرسول من مواقف، أم كان لأن رسول ~~الله أنابه عنه في الصلاة أثناء مرضه الأخير؟ أيا كان السبب الذي دعا المسلمين لبيعة أبي ~~بكر بالخلافة ويوم وفاة النبي، فالثابت أنه لم يناهضه أحد ولم ينضم إلى من تخلف عن بيعته ~~أحد، وذلك ينهض دليلا على أن المسلمين الأولين تصوروا الخلافة بغير ما تصورها خلفهم من بعد ~~منذ الدولة الأموية، وأنهم كانوا أدنى في تصورها إلى معاني الحياة العربية البحتة القريبة ~~منهم، والتي كانت معروفة في أنحاء شبه الجزيرة قبل مبعث النبي (عليه السلام)، فلما اتسعت ~~رقعة الفتح الإسلامي واختلط العرب بغيرهم من أهل الأمم التي فتحوا، تغير تصور المسلمين ~~لفكرة الخلافة تبعا لهذا الاختلاط ولهذه السعة في المملكة الإسلامية. # تصور المسلمون الخلافة تصورا عربيا بحتا، فالمتفق عليه أن النبي # صلى الله عليه وسلم # لم يوص ~~بالخلافة لأحد، وما حدث يوم الوفاة من تنازع الأنصار والمهاجرين في سقيفة بني ساعدة، وما ~~لعله حدث من خلاف بين بني هاشم وسائر المهاجرين بعد بيعة العامة، لا يذر محلا للشبهة في ~~أن أهل المدينة اجتهدوا في أمر الخلافة عند اختيار الخليفة الأول، وأنه لم يكن لذلك سند في ~~كتاب ولا سنة؛ فاختار المقيمون بالمدينة من رأوه أصلح المسلمين لتولي أمورهم، ولو أن الأمر ~~امتد إلى ما وراء المدينة من قبائل العرب لكان الشأن غير ما كان، ولما كانت بيعة أبي بكر ~~فلتة موفقة، على حد تعبير عمر بن الخطاب. # ولم تكن السنة التي اتبعت في اختيار أبي بكر هي التي اتبعت في اختيار الخليفتين من ~~بعده: عمر وعثمان، فقد أوصى أبو بكر قبل وفاته باختيار عمر بن الخطاب، ثم جعل عمر الخلافة ~~من بعده في ستة ذكرهم بأسمائهم وترك لهم أمر اختيار أحدهم، فلما كان مقتل عثمان وما حدث على ~~أثره من ms061 خلاف بين علي ومعاوية، استتب الأمر للأمويين يتوارثه الأبناء عن الآباء، أما وتلك ~~رواية الحوادث فلا محل للقول بأن لولاية الأمر في الإسلام نظاما مقررا، وإنما هو اجتهاد ~~أملته الأحداث في أحوال الجماعة الإسلامية المتغيرة، وأملته على صور مختلفة تلائم تغير هذه ~~الأحوال . # وكان النظام الذي سار عليه أبو بكر عربيا بحتا كذلك، وكان لاتصاله الزمني الوثيق بعهد ~~النبي، ولاتصال الصديق نفسه بالرسول وتأثره به على النحو الذي سبق تصويره، أثر فيه لم يلبث ~~أن تغير من بعد بحكم الأحوال وبحكم امتداد الفتح الإسلامي، وقد ظل هذا التغير في نظام الحكم ~~يجاري البيئة التي يقوم فيها، حتى لم يكن ثمة وجه للشبه بين العهد العباسي في أوج مجده وعهد ~~الخليفة الأول أبي بكر، ولا بينه وبين عهود عمر وعثمان وعلي. # وعهد أبي بكر يكاد يكون فريدا في نوعه؛ فهو الاتصال الطبيعي لعهد الرسول في السياسة ~~الدينية، وفي السياسة الزمنية، صحيح أن الدين كان قد كمل، ولم يبق لأحد أن يغير فيه أو ينسخ ~~منه، لكن العرب ما لبثت حين مات النبي أن فكرت في الردة، وأن ارتد الكثير من قبائلها؛ فلم ~~يكن لأبي بكر بد من أن يضع لتلافي هذا الأمر الخطير خطة ينفذها، وكان النبي قد بدأ مع الدول ~~التي تجاوره سياسة تتصل بدعوته؛ فلم يكن لأبي بكر مفر من متابعتها. # كيف فعل في هذه وفي تلك؟ ذلك ما سنفصله من بعد. # الفصل الثالث # | العرب حين وفاة النبي # بينما يختلف أهل المدينة ثم يتفقون على بيعة أبي بكر إذا النعاة يسرعون إلى القبائل ~~يحملون إليها النبأ بوفاة النبي، والواقع أنه لم يسر نبأ في بلاد العرب بسرعة البرق ما سار ~~النبأ بوفاة رسول الله، ولم يلبث العرب حين ذاع النبأ فيهم أن اشرأبت أعناقهم من كل صوب ~~يريدون أن يلقوا عن عواتقهم سلطان المدينة، وأن يعودوا إلى ما كانوا عليه قبل مبعث محمد ~~إليهم وانتشار أمره فيهم، لذلك ارتد العرب في كل قبيلة، ونجم النفاق، واشرأبت اليهودية ~~والنصرانية، وكثر ms062 أعداء المسلمين؛ فأصبح هؤلاء لفقد نبيهم كالغنم في الليلة المطيرة ~~الشاتية. # لقد رأيت ما نجم بالمدينة بين المهاجرين والأنصار من نزاع على خلافة الرسول، ولولا حكمة ~~أبي بكر وعمر وما أراده الله لدينه من النصر لما انحسم النزاع كما انحسم، ولما انتهى إلى ~~النتيجة الموفقة التي انتهى إليها. # ولم يكن ما حدث بالمدينة بالشيء المذكور إذا قيس بما حدث بغيرها؛ فقد هم أهل مكة أنفسهم ~~بالردة عن الإسلام حتى خافهم عتاب بن أسيد عامل رسول الله على أم القرى فتوارى منهم، ولولا ~~أن قام فيهم سهيل بن عمرو فقال لهم بعد أن ذكر وفاة النبي: «إن ذلك لم يزد الإسلام إلا قوة، ~~فمن رابنا ضربنا عنقه.» لترددوا في موقفهم، على أن سهيلا أضاف إلى هذا الإرهاب ترغيبا كان ~~له أثره، أضاف: «والله ليتمن الله عليكم هذا الأمر كما قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~.»، ولعل هذه ~~الكلمة كانت أقوى أثرا في نفوسهم من التهديد، وكانت لذلك سبب رجوعهم عن ردتهم، فقد رأوا ~~الأمر بالمدينة آل إلى أبي بكر وإلى أبناء مكة من قريش، فاطمأنوا إلى ما ذكره سهيل من حديث ~~رسول الله، واستمسكهم بالإسلام وأقاموا عليه. # وهمت ثقيف بالطائف أن ترتد، فقام عثمان بن أبي العاص عامل النبي عليهم فقال: «يا أبناء ~~ثقيف! كنتم آخر من أسلم، فلا تكونوا أول من ارتد.» وذكرت ثقيف موقف النبي منها بعد حنين، ~~وذكرت ما بينها وبين مكة من أواصر النسب والقربى، فاستمسكت بالإسلام، ولعل قيام أبي بكر ~~بالخلافة ونهوض أهل مكة إلى جانبه في أمرها، قد كان له من الأثر في ثقيف مثل ما كان له في ~~أم القرى. # كذلك ثبتت القبائل المقيمة بين مكة والمدينة والطائف على إسلامها، ثبتت عليه مزينة وغفار ~~وجهينة وبلي وأشجع وأسلم وخزاعة، أما سائر العرب فاضطرب أمرهم، فارتد منهم من كان عهدهم ~~بالإسلام قريبا، ومن لم تكن نفوسهم قد أشربت تعاليمه، وتبلبلت عقائد سائرهم، ثم كان خيرهم ~~من بقي على الإسلام ولم يرض مع ذلك عن ms063 بقاء السلطان لأهل المدينة مهاجريهم والأنصار، هؤلاء ~~رأوا في أداء الزكاة جزية تفرضها المدينة عليهم، وتأباها نفوسهم التي ألفت الاستقلال عن كل ~~سلطان، وهم إنما أدوها منذ أسلموا إلى الرسول الذي يوحى إليه، والذي اصطفاه الله من بين ~~عباده نبيا، أما وقد اختار النبي جوار ربه، فأهل المدينة جميعا لا يفضلونهم في شيء، وليس ~~لهم ما كان للنبي من حق في المطالبة بها. # كانت القبائل التي أبت إيتاء الزكاة هي القبائل القريبة من المدينة من عبس وذبيان ومن ~~انضم إليهم من بني كنانة ومن غطفان وفزارة، أما الذين قصت ديارهم عن المدينة فكانوا أكثر ~~إلحاحا في ردتهم، وكان أكثرهم يتابعون رجالا منها ادعوا النبوة، كطليحة في بني أسد، وسجاح ~~في بني تميم، ومسيلمة في اليمامة وذي التاج لقيط بن مالك في عمان، هذا إلى ما كان من أتباع ~~طائفة كبيرة من أهل اليمن للأسود العنسي، ومتابعتهم إياه إلى حين مقتله، ثم إمعانهم بعد ذلك ~~في الفتنة والانتقاض إلى آخر حروب الردة. # وليست ترجع هذه الصورة في انتقاض الحواضر والبوادي على سلطان قريش وفي ردتها عن الإسلام ~~إلى موقعها الجغرافي من المدينة وكفى، بل ترجع كذلك إلى عوامل عربية وأخرى أجنبية، بدت ~~آثارها وبرزت في الفترة الأخيرة من حياة الرسول. # فالإسلام لم ينتشر ولم يستقر في الأصقاع النائية عن مكة والمدينة من شبه الجزيرة إلا بعد ~~فتح مكة وغزاة حنين وحصار الطائف، أما إلى ذلك العهد فقد ظل نشاط رسول الله محصورا في ~~المنطقة المحيطة بالمدينتين المقدستين، لم يخرج الإسلام عن حدود مكة إلا قبيل الهجرة إلى ~~يثرب، ومن بعد الهجرة ظلت جهود النبي سنوات متعاقبة موجهة إلى كفالة الحرية للدعوة ~~الإسلامية في موطنها الجديد، فلما قضى المسلمون على سلطان اليهود بيثرب، ثم لما فتحوا مكة، ~~بدأ العرب يدينون بدين الحق، وأقبلت الوفود تترى من أنحاء شبه الجزيرة تعلن إسلامها، وجعل ~~النبي يبعث إليهم عماله يفقهونهم في الدين ويجبون منهم الصدقات. # طبيعي ألا يتأصل الدين في نفوس هذه القبائل ما تأصل ms064 في نفوس أهل مكة والمدينة، وفي نفوس ~~العرب القريبين منهما، لقد اقتضى استقرار الإسلام في منبته عشرين سنة كاملة، جاهده خصومه ~~أثناءها أشد الجهاد، وناصبوه عداوة اتصلت على السنين، ثم كان من أثرها أن انتصر على خصومه، ~~وأن ثبتت تعاليمه في نفوس العرب الذين اتصلوا برسول الله وبأصحابه من أهل مكة والطائف ~~والمدينة وما جاورها من البلاد والقبائل، أما من نأى عن هذه البقعة التي شهدت نشاط محمد ~~سنوات تباعا، داعيا إلى الله وإلى دين الله، فلم يتأثر بتعاليم هذا الدين الجديد ما ~~تأثرت؛ ولذلك انتفض على الدين وعلى أهله، وحاول الرجوع إلى استقلاله السياسي وإلى استقلاله ~~الديني. # ولم تكن العوامل الأجنبية أقل أثرا في هذا الانتقاض من العامل الجغرافي، لقد كانت مكة ~~والمدينة وما جاورهما من القبائل بعيدة عن الإذعان لنير الفرس والروم المتحكمين يومذاك في ~~شئون العالم، أما شمال شبه الجزيرة المتصل بالشام، وجنوب شبه الجزيرة المتصل بالفرس والقريب ~~من الحبشة، فكانا متأثرين بسلطان هاتين الإمبراطوريتين، بل كانت فيهما مناطق نفوذ لهما، ~~وإمارات تابعة لحكمهما، فلا عجب إذن أن يحاول أصحاب هذا النفوذ وهذا حكم مناوأة الدين ~~الجديد بشتى الأساليب؛ بالدعاية السياسية للاستقلال الذاتي، وبالدعاية الدينية للمسيحية ~~تارة، ولليهودية ثانية، وللوثنية العربية تارة ثالثة. # كان نشاط هذه العوامل كلها واضح الأثر لأول ما انتشر الخبر بوفاة النبي؛ وكان هذا النشاط ~~باديا في شيء من الحذر قبل وفاته، وسترى من أثر ذلك في غضون هذا الكتاب ما لا يدع لديك ~~مجالا للشك فيه، وقد أقامت هذه العوامل الجغرافية والأجنبية لنفسها منطقا يغري بالتصديق ~~بها والانضواء تحت لوائها، وهذا المنطق الذي أذاعه الدعاة بين مختلف القبائل هو الذي دعاهم ~~للانتقاض وللفتنة. # قال الذين أبوا أداء الزكاة فيما بينهم: إذا كان المهاجرون والأنصار قد اختلفوا في ولاية ~~الأمر، وكان رسول الله قد قبض ولم يوص بمن يخلفه، فخليق بنا أن نحتفظ باستقلالنا احتفاظنا ~~بالإسلام دينا، وأن يكون لنا ما جعله المهاجرون والأنصار لأنفسهم من حق في اختيار من يقوم ~~مقام رسول ms065 الله فينا، أما أن نذعن لأبي بكر أو لغير أبي بكر فليس ذلك من الدين ولا من كتاب ~~الله في شيء، وإنما تجب الطاعة علينا لمن نوليه نحن أمورنا. # ولعل الذين حدثتهم أنفسهم بمثل ذلك أن يكون لهم من العذر عنه أن رسول الله أقر لمدن العرب ~~ولقبائلها حظا من الاستقلال الذاتي طوع لأهلها أن يفكروا في استرداد هذا الاستقلال كاملا ~~بعد وفاته، فهو قد أبقى بدهان عامل الفرس على أرض اليمن في ملكه حين أعلن بدهان إسلامه ~~وألقى نير المجوس، وهو قد ترك لسائر الأمراء، في البحرين وفي حضرموت وفي غيرهما، ما كان لهم ~~من سلطان بعد أن آمنوا بالله ورسوله، وكان أمره أن توزع الزكاة التي تجبى من بعض هذه ~~الأنحاء على الفقراء من أهلها، ولم يفرض الإسلام الجزية إلا على أهل الكتاب، والعرب مسلمون ~~كأهل المدينة، فما لهم يؤدون الزكاة لصاحب السلطان في المدينة!! وما لهم لا تبقى صلتهم ~~بالمدينة صلة وحدة في الدين لا شأن لها بسياسة الحكم!! وإذا كان لأهل المدينة من السابقة في ~~الإسلام ما يجعلهم أدرى بفروضه وتعاليمه، فحسبهم أن يبعثوا إلى سائر البلاد والقبائل من ~~يفقههم في الدين على ما كان يصنع رسول الله، وأن يكونوا وإياهم أشبه شيء بعصبة أمم إسلامية، ~~لا تبغي إحداها على الأخرى، ولا تلتمس الوسيلة للاعتداء على استقلالها. # دار هذا التفكير بخواطر بعض القبائل القريبة من المدينة ومكة والطائف، أما أهل اليمن وما ~~حاذاها من جنوب شبه الجزيرة، وأما سائر الأصقاع البعيدة عن منزل الإسلام، فإنما أسلم الكثير ~~من أهلها إكبارا لسلطان محمد الذي امتد في سنوات قليلة حتى جاور الروم والفرس في ملكيهما، ~~فكان امتداده السريع معجزة بهرت الأنظار، وأخذت بالألباب، وجعلت الوفود من كل القبائل تقبل ~~إلى المدينة تترى معلنة إلى النبي إسلامها وإسلام القبائل التي تنتمي إليها، أما وقد ذاع ~~فيها النبأ بوفاة النبي فلا عجب أن يتزلزل إيمانها وأن ترتد عن دين طرأ عليها، بل لا عجب أن ~~تثور بهذا الدين وأن تتابع ms066 الذين يذكون فيها نار الفتنة باسم العصبية والنعرة ~~العربية. # ولقد خدع هؤلاء أول ما قام فيهم من يدعي النبوة منهم ويزعم أنه يوحى إليه كما يوحى إلى ~~محمد، خدعوا عن الإسلام بعد قليل من إقبالهم عليه؛ بل خدع بعضهم عنه والنبي ما يزال بين ~~أظهر العرب لم يختر جوار ربه. سمع كثير من بني أسد لطليحة حين ادعى النبوة، وأيد زعمه ~~بالتنبؤ بموقع الماء في يوم كان قومه فيه يسيرون ويكاد الظمأ يقتلهم. وسمع كثير من بني ~~حنيفة لمسيلمة حين بعث اثنين من رجاله إلى محمد يبلغانه أن مسيلمة نبي مثله، وأنه له نصف ~~الأرض ولقريش نصف الأرض ولكن قريشا لا يعدلون، وسمع أهل اليمن للأسود العنسي ذي الخمار حين ~~تولى أمر اليمن وطرد منها عمال النبي، على أن رسول الله لم يعر هؤلاء المدعين كثيرا من ~~عنايته، ثقة منه بأن قوة الحق في دين الله كفيلة بإظهار كذبهم، وبأن إيمان المؤمنين بالله ~~كفيل بالقضاء عليهم. # وكان هؤلاء المدعون للنبوة يشعرون بموقفهم ذاك من رسول الله، فلم يثر به أحد منهم ثورة ~~الأسود العنسي ذي الخمار، فقد قيل إنه تنبأ وظهر أمره وقتل في عهد الرسول، على أن جماعة من ~~المؤرخين يذكرون أنه سلك مسلك زميليه فصبر حتى قبض النبي، ثم قام بالثورة على الإسلام، يقول ~~اليعقوبي في تاريخه: «أما الأسود بن عنزة العنسي فقد كان تنبأ على عهد رسول الله، فلما بويع ~~أبو بكر ظهر أمره واتبعه على ذلك قوم، فقتله قيس بن مكشوح المرادي وفيروز الديلمي، دخلا ~~عليه منزله وهو سكران فقتلاه.» ويقول الطبري في إحدى الروايات: «فأول حرب كانت في الردة بعد ~~وفاة النبي # صلى الله عليه وسلم # كانت حرب العنسي، وكانت حرب العنسي باليمن.» # لم تكن شبه الجزيرة إذن هادئة مطمئنة في العهد الأخير من حياة الرسول، ولم تكن كلها قد ~~سكنت واستقرت تحت لواء واحد ودين واحد، بل كانت أسباب الفتنة تضطرم تحت ثراها، ونذر الثورة ~~تتبدى في جوها؛ وكانت بوادر الانتقاض في الشمال الشرقي ms067 وفي الجنوب كله تأجج نارا لا يسكن ~~من انتشارها إلا القوة الروحية التي أمد الله بها رسوله، وإلا النصر الذي كان يلازم أعلامه، ~~بل إن هذا النصر لم يسكت مسيلمة ولا أسكت الأسود العنسي عن القيام في قومهما يزعمان ~~النبوة، ليكون لبني حنيفة ولليمن ولغيرهم من العرب أن يدعوا لأنفسهم ما تدعيه قريش ~~لنفسها، ولولا حكمة رسول الله وحسن رأيه وبعد نظره وفضل الله عليه وعلى الإسلام لخيف أن ~~تتلظى الفتنة وأن يصلى العرب جميعا نارها في حياته. # وأغلب الظن أن فتنة العنسي قامت في آخر عهد الرسول، وسواء أصح ذلك أم صح أنها قامت في عهد ~~أبي بكر، فإن لقصة هذه الثورة على ما يرويها المؤرخون طرافة تستوقف النظر وتكشف عن جوانب من ~~النفس الإنسانية تدعو إلى التفكير. # فقد بعث رسول الله بين رسله إلى الملوك رسولا إلى كسرى عاهل الفرس يدعوه إلى الإسلام، ~~فلما ترجم له كتاب النبي استشاط غيظا وأرسل إلى بازان # 1 # عامله على اليمن يأمره بأن يبعث إليه برأس هذا الرجل الذي بالحجاز، وكانت الروم ~~في ذلك الوقت قد غلبت كسرى ووهنت من أمره، فلما تناول بازان رسالة سيده بعث بها إلى محمد، ~~فرد محمد عليه ينبئه بأن شيرويه خلف أباه كسرى، ويدعوه إلى الإسلام وأن يبقى عاملا على ~~اليمن، وكانت أنباء الفتنة في فارس واعتلاء شيرويه عرشها وانتصار الروم عليها قد اتصلت ~~ببازان؛ لذلك أسرع إلى تلبية دعوة محمد، وأقام هذا الفارسي عاملا للنبي العربي على أهل ~~اليمن، بعد أن كان عامل الفرس عليها. # ومات بازان، فقسم رسول الله سلطانه بين أشخاص عدة، منهم شهر بن بازان تولى أمر صنعاء وما ~~جاورها، ومنهم أشخاص من أهل اليمن، وآخرون من رجاله # صلى الله عليه وسلم # بالمدينة، وإن هؤلاء الولاة ~~لينظم كل منهم أمر ولايته إذ جاءتهم كتب من الأسود العنسي ينذرهم فيها أن يردوا ما بأيديهم ~~فهو أولى به، وكانت تلك أول ظاهرة لفتنته. # وكان للأسود كاهنا يقيم بجنوب اليمن، وكان مشعبذا يصطنع فنونا من ms068 الحيل ويستهوي ~~الجماهير بعباراته، ولقد تنبأ ولقب نفسه رحمان اليمن، أي الذي ينطق باسم الرحمان، كما لقب ~~مسيلمة نفسه رحمان اليمامة. # 2 # وكان يزعم أن له شيطانا يظهره على كل شيء، ويظهره على خطط أعدائه، وكان يقيم ~~بكهف خبان من بلاد مذحج، وقد هوت إليه جماعة كبيرة من العوام سحرت بحديثه، وفتنت بما يزعم ~~من حديث شيطانه. # نهض الأسود على رأس هذه الجماعة بعد أن أعلن الفتنة، وسار إلى نجران فأجلى عنها خالد بن ~~سعيد وعمرو بن حزم أميري المسلمين عليها، وانضم من أهل نجران إلى الأسود من بهرهم انتصاره، ~~وساروا معه إلى صنعاء حيث لقي شهر بن بازان فقتله وهزم جنده، عند ذلك فر المسلمون المقيمون ~~بصنعاء وفي مقدمتهم معاذ بن جبل؛ ولحق خالد بن سعيد وعمرو بن حزم بالمدينة، وتم للأسود ~~الغلب، وصار إليه ملك اليمن، وأسلم الناس لأمره ورأيه، ودانت له البوادي والحواضر ما بين ~~مفازة حضرموت إلى الطائف إلى البحرين والأحساء إلى عدن. # ولقد تعجب إذ تعلم أن الأسود لقي شهر بن بازان بصنعاء وليس معه إلا سبعمائة فارس، منهم من ~~خرج معه من مذحج ومنهم من انضم إليه من نجران، وبهذا العدد القليل انتصر هذا الكاهن المشعبذ ~~على أهل هذه الأصقاع واستطار أمره بينهم كالحريق، ولم تجد قوة منهم إلى مقاومته سبيلا، ~~ولعلك إن تلتمس لذلك تأويلا تجده في أن هذه البلاد كانت خاضعة لفارس، ثم خضعت من بعدهم ~~للمسلمين من أهل الحجاز، وأنت تعرف ما كان بين اليمن والحجاز من خصومة ترجع إلى أقدم الحقب، ~~فلما قام هذا العنسي يسترد اليمن لأهل اليمن لم يجد من يقاومه، ولم يجد الفرس أنصار شهر ~~وأبيه ولا وجد المسلمون أبناء الحجاز نصيرا من أهل البلاد يدفع عنهم كيد الأسود وشعبذته، ~~ولعلك واجد هذا التأويل كذلك في أن هذه البلاد كانت مسرحا لأديان مختلفة: كانت فيها ~~اليهودية، والنصرانية، والمجوسية؛ وكانت هذه الأديان تجاور فيها أصنام العرب وعبادتها، ثم ~~كان الإسلام الحديث بين هؤلاء اليمنيين لما تقو في نفوسهم ms069 أصوله، فلما قام ذلك المتنبئ فيهم ~~يدعوهم إليه ويهيب بقوميتهم ويزعم أنه يطرد الأجانب من بلادهم، أسرعوا إليه ملبين دعوته؛ ~~فلم يكن أمام المسلمين إلا الفرار، ولم يكن أمام البقية الباقية من الفرس إلا الإذعان أو ~~الموت. # بلغت هذه الأنباء محمدا بالمدينة وهو يعد العدة لغزو الروم، وللانتقام من مؤتة، تعزيزا ~~لهذا الجانب المحفوف بالخطر من جوانب شبه جزيرة العرب؛ وكان لذلك يجهز جيش أسامة، أفيصرف ~~هذا الجيش إلى اليمن يسكن ثائرتها، ويرد على المسلمين هيبتهم؟! أم يستعين على هذا الأسود ~~بمن كان باليمن من المسلمين، فإن قدروا عليه فذاك، وإلا كان انتصار جيوش المسلمين على ~~الروم، والروم قد غلبوا الفرس من زمن غير بعيد، جديرا بأن يعيد الأمر في شبه الجزيرة إلى ~~نصابه؛ فإن لم يعد وجه محمد جيشه ليقمع الأسود وغير الأسود من الخارجين عليه؟! هذا الرأي ~~الأخير هو ما اطمأن محمد إليه، لذلك بعث رسوله وبر بن يحنس بكتاب إلى زعماء المسلمين إلى ~~اليمن يأمرهم فيه بالقيام على دينهم والنهوض في الحرب، والقضاء على الأسود إما غيلة وإما ~~مصادمة، وأن يستعينوا على ذلك بمن يرون عنده نجدة ودينا، واكتفى محمد من أمر اليمن بهذا، ~~وجعل كل همه لتنظيم جيش أسامة والتغلب على الروم. # ومرض رسول الله من بعد ذلك مرضا وقف بسببه جيش أسامة عن المسير، أما الأسود العنسي فأخذ ~~يستمتع بنصره وينظم ملكه، يقيم القواد على الجيوش والعمال على الإمارات؛ بذلك ثبت ملكه، ~~واستغلظ أمره، ودانت له سواحل اليمن إلى عدن، كما دانت له الجبال والبوادي من صنعاء إلى ~~الطائف. # واستعمل الأسود على جنده قيس بن عبد يغوث، وجعل وزيريه فيروز وداذويه الفارسيين، ثم إنه ~~تزوج آزاد امرأة شهر بن بازان، وكانت ابنة عم فيروز، بهذا وبذاك انضم العرب والفرس إلى ~~لوائه، فلما رأى من تعاظم شأنه ما رأى خيل إليه أنه دانت له الأرض، فلم يبق له إلا أن يأمر ~~فيطاع. # على أن العوامل التي أدت إلى انتصاره قد تضافرت من بعد على الائتمار به، ms070 ذلك أنه لما ~~استغلظ أمره وأثخن في الأرض استخف بقيس وبفيروز وداذويه، وجعل يرى في الأخيرين وفي سائر ~~الفرس من تنطوي أضالعهم على المكر به. # وعرفت امرأته الفارسية ذلك منه، فثار في عروقها دم قومها، وتحركت في نفسها عوامل الحقد ~~على الكاهن القبيح، قاتل زوجها الشاب الفارسي الذي كانت تحبه من أعماق قلبها، ولقد استطاعت ~~بسجيتها النسوية أن تخفي ذلك عنه، وأن تسخو في البذل له من أنوثتها سخاء جعله يركن إليها ~~ويطمع في وفائها له، لكنه شعر بأن الرجال الذين حوله، وزيريه وقائد جيشه، لا يضمرون له من ~~الولاء ما يراه حقا عليهم لولي نعمتهم، وإذا كان الجيش أشد ما يحذر ويخاف فقد دعا إليه ~~قيس بن عبد يغوث وأنبأه أن شيطانه أوحى إليه يقول: «عمدت إلى قيس فأكرمته حتى إذا دخل منك ~~كل مدخل، وصار في العز مثلك، مال ميل عدوك، وحاول ملكك، وأضمر على الغدر.» وأجاب قيس: «كذب ~~وذي الخمار؛ لأنت أعظم في نفسي وأجل عندي من أن أحدث بك نفسي.» وأجال الأسود في قيس نظره من ~~مفرق رأسه إلى أخمصه، وقال له: «ما أجفاك! أتكذب الملك! قد صدق الملك وعرفت الآن إنك تائب ~~مما اطلع عليه منك.» # وخرج قيس من عنده وكله الريبة فيما يضمر له، ولقي فيروز وداذويه فذكر لهما ما جرى بينه ~~وبين الأسود وسألهما رأيهما، فقالا: نحن في حذر، وإنهم لفي ذلك إذا أرسل الأسود إليهما ~~يحذرهما مما يأتمران مع أصحابهما به، وخرجا من عنده ولقيا قيسا وهم جميعا في ارتياب وعلى ~~خطر عظيم. # واتصل نبأ ما يجري ببلاط ذي الخمار بمن بقي من المسلمين باليمن أو على مقربة منها، وذكروا ~~رسالة النبي لهم، فأرسلوا إلى قيس وأصحابه أنهم وإياهم على رأي واحد في أمر الأسود، وعرف ~~المسلمون الذين أقاموا بنجران وبغيرها من تلك الأنحاء سرا من هذه الأنباء، فكتبوا إلى ~~زملائهم القريبين من الأسود أنهم ورجالهم طوع أمرهم في قتاله، واستمهلهم زملاؤهم وطلبوا ~~إليهم أن يلزموا أماكنهم، وألا يقوموا بأمر يدعو لريبة ms071 فيهم أو ينبه أصحاب الأسود ~~لهم. # وإنما كان ذلك رأي المقيمين على مقربة من الأسود؛ لأنهم رأوا أخذه غيلة أدنى إلى النجاح ~~من محاربته، فقد دخلت آزاد زوجه في مؤامرتهم وإن تظاهرت له بالحب أعظم الحب، وطوع لها ~~اتصالها بفيروز وداذويه وقيس أن تدبر وإياهم أمر اغتياله، دلتهم على حجرة نومه، وأظهرتهم ~~على أن القصر الذي تقيم به معه حوله الحرس من كل ناحية إلا من خلف هذه الحجرة؛ فلينقبوها ~~إذا كان الليل، وليدخلوا من النقب، وليقتلوا غريمهم؛ فإن يفعلوا فقد تخلصوا وخلصوها ~~منه. # وقد فعلوا، فلما كان الفجر تنادوا بشعارهم الذي اتفقوا مع أصحابهم عليه، ثم نادوا بأذان ~~الإسلام وقالوا: نشهد أن محمدا رسول الله، وأن عبهلة - وهو اسم الأسود العنسي - كذاب، ~~وألقوا إليهم رأسه، وأحاط بهم حرس القصر، وتنادى الناس في المدينة فخرجوا في عماية الصبح، ~~واضطرب الأمر، ثم استقر على أن يتولاه قيس وفيروز وداذويه، وكان لآزاد في استقراره كما كان ~~لها في اضطرابه من قبل أكبر الأثر. # أفقتل العنسي قبل موت الرسول أم بعده؟ ذلك ما اختلف فيه، وقد ذكرنا رواية اليعقوبي من ~~قبل، أما الطبري وابن الأثير فيذكران أنه مات قبل أن اختار رسول الله الرفيق الأعلى، وأنه # صلى الله عليه وسلم # أوحي ذلك إليه ليلة حدوثه فقال: «قتل العنسي، قتله رجل مبارك من أهل بيت مباركين.» ~~قيل من قتله؟ قال: «قتله فيروز.» # والرواية الأخرى تذهب إلى أن موت العنسي لم يصل النبأ به إلى المدينة إلا بعد أن قبض رسول ~~الله، وأنه كان أول بشارة أتت أبا بكر وهو بالمدينة، وتجري الرواية بأن فيروز قال: «لما ~~قتلنا الأسود عاد أمرنا كما كان، وأرسلنا إلى معاذ بن جبل فصلى بنا ونحن راجون مؤملون لم ~~يبق شيء نكرهه إلا تلك الخيول من أصحاب الأسود، ثم جاء موت النبي فانتقضت الأمور واضطربت ~~الأرض.» # كيف اضطربت، ولماذا اضطربت؟ تفصيل ذلك لا يدخل في نطاق هذا الفصل، وحسبنا ما أجملنا عنه ~~في أوله، وسنتناول حوادثه في موضعها من جهاد ms072 أبي بكر أهل الردة. # وإنما أفضنا في حديث عبهلة وثورته بالمسلمين في اليمن لتواتر الروايات بأنه قام بهذه ~~الثورة في عهد الرسول، فأما ما كان من أمر اليمن على عهد أبي بكر فيتخطى العنسي وثورته ~~ومقتله، ويتناول ما تم بعد ذلك من أحداث نفصلها في موضعها. # كانت ثورة اليمن هذه أعنف مظاهر الانتقاض على الدين الجديد في بلاد العرب حين وفاة النبي، ~~لكن اليمامة وما حاذى الخليج الفارسي من القبائل قد كان يتلظى بنذر الثورة في هذا العهد ~~كذلك، فكان المسلمون فيه على حذر، يلجئون إلى المصانعة حينا وإلى البطش حينا آخر، ليظل ~~سلطانهم قائما وكلمتهم مسموعة، ولا عجب أن يكون ذلك أمر حواضر واد تبعد عن منزل الوحي بمكة ~~والمدينة، وتتصل بالفرس وتبادلهم التجارة وتقر لهم بتفوق الحضارة، بل لا عجب أن تكون للفرس ~~يد خفية في تحريك هذه الحواضر والبوادي لتنتقض على الدين الجديد والسلطان الناشئ. # أشرنا إلى بعث مسيلمة بن حبيب من بني حنيفة رسولين إلى محمد بالمدينة يحملان رسالة جاء ~~فيها: «من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، سلام عليك، أما بعد فإني قد أشركت في الأمر ~~معك، وإن لنا لنصف الأرض ولقريش نصف الأرض، ولكن قريشا قوم لا يعدلون.» وسأل النبي ~~الرسولين حين سمع الكتاب: فما تقولان؟ قالا: نقول كما قال، فنظر إليهما مغضبا وقال: أما ~~والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما! ثم كتب إلى مسيلمة: «بسم الله الرحمن الرحيم، ~~من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، أما بعد فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده ~~المتقين.» # لم يغفل رسول الله عما تنطوي عليه رسالة مسيلمة من نذير، لذلك بعث من المسلمين نهارا ~~الرحال، وكان قد فقه الدين، ليشغب على مسيلمة، وليفقه المسلمين من أهل اليمامة في الإسلام، ~~وسنرى من بعد كيف انضم نهار إلى مسيلمة، وكيف شهد بأنه شريك محمد في الرسالة، بذلك ازداد ~~مسيلمة نفوذا وازداد ادعاؤه انتشارا، وتجاوبت باليمامة أصداء انتصار العنسي في اليمن ~~فقوى تجاوبها ساعد مسيلمة ms073 وفت في أعضاد المسلمين، لكن رسول الله لم يتجه بسياسته إلى ~~قمع هذه الفتنة قبل استفحالها، موقنا أن الله ناصره على الروم في الشمال، وأن انتصاره ~~عليهم سيكون له الأثر الحاسم في القضاء على أسباب الانتقاض والثورة الداخلية في أنحاء بلاد ~~العرب. # فقد كانت سياسته # صلى الله عليه وسلم # متجهة إلى حماية التخوم العربية في الشمال من عدوان هرقل ورجاله ~~عليها، فهرقل هو الذي دحر الإمبراطورية الفارسية، وهو الذي رد الصليب الأعظم إلى بيت ~~المقدس، وهو لذلك الذي تخشى صولته، وقد ارتد جيش المسلمين في مؤتة فلم يقو على قتال الروم ~~وإن لم ينهزم أمامهم، وكانت تبوك غزوة موفقة، لكنها لم تبعد المخاوف من انحدار الروم إلى ~~بلاد العرب، فإذا استطاعت قوات المسلمين أن تظهر على الروم في غزاة حاسمة قوى ذلك من عزم ~~المنتشرين منهم في قبائل العرب، فلا يلبث كل منتقض عليهم أن يرجع عن انتقاضه، وأن يسلم ~~المقادة إليهم طائعا أو كارها، وكيف لا يفعل وقد تغلغل المسلمون في أنحاء شبه الجزيرة من ~~الشمال إلى الجنوب، وصاروا قوة يحسب حسابها، فلم يقو مسيلمة في اليمامة، ولا لقيط في عمان، ~~ولا طليحة في بني أسد، أن يناصبوها العداوة في جهر وإعلان. # لكن لقيطا وطليحة كانا كمسيلمة يتربصان لإعلان عصيانهما أن تدور الدوائر على المسلمين، ~~وأقام هؤلاء الثلاثة كل في ناحيته ينشر دعوته في غير ضجة أو جلبة، ودون أن يطعن على النبي ~~الهاشمي أو ينتقص من رسالته، وإنما كانت دعواهم أنه نبي، وأنهم أنبياء مثله، بعث في قومه، ~~وبعث كل منهم في قومه، وأنهم يريدون لأقوامهم الهدى كما يريد هو لقومه الهدى، وبوسائل ~~تنقصها جرأة الأسود العنسي وإن لم ينقصها دهاؤه هيئوا حول المسلمين المقيمين بين أظهرهم جو ~~قلق وتربص تتلظى نيران الفتنة تحت رماده ريثما تتقد فيه. # ولم يكد النبأ بوفاة الرسول ينتشر في بلاد العرب حتى بدأت نذر هذه الفتنة تتحرك في كل ~~أنحاء شبه الجزيرة، وقد تحركت في صور مختلفة وألوان متباينة تباين العوامل التي ms074 أثارتها، ~~وسنفصل ذلك من بعد في وضوح وجلاء، لكنا نقف من حديث هؤلاء المتنبئين وتربصهم بالإسلام عند ~~أمور لها بالعرب حين وفاة النبي أوثق اتصال. # أول هذه الأمور أن رسول الله قبض وبوادر الفتنة تجري نذرها في جو شبه الجزيرة، بل يوشك ~~قسم كبير منها أن يضطرب أشد اضطراب، فقد رأيت كيف استغلظ أمر الأسود وامتد ملكه من أقصى ~~الجنوب عند حضرموت إلى مكة والطائف، ثم رأيت كيف تربص مسيلمة وطليحة بالمسلمين، وهذه الربوع ~~التي أعلنت العصيان على دين محمد وسلطانه كانت أكثر بلاد شبه الجزيرة حضارة وأضخمها ثروة ~~كما كانت أكثرها ببلاد الفرس اتصالا، فلا عجب وذلك شأنها أن يلفت انتفاضها نظر الخليفة ~~الأول، وأن يطيل تفكيره في تدبير سياستها، ليعيدها إلى حظيرة الإسلام، وليقر فيها الأمن ~~والسلام. # الأمر الثاني الذي تدل عليه فتنة الأسود وتربص مسيلمة وطليحة أن الاضطراب الديني بلغ بين ~~القوم في ذلك العصر أن استهل تحريك النفوس باسمه، ولم يكن ذلك يرجع إلى تعصب الناس لدين من ~~الأديان، بل كان يرجع على العكس إلى عدم استقرار العقيدة في النفوس استقرار طمأنينة وسكينة، ~~فالنصرانية واليهودية والمجوسية والأصنام كانت كلها تتجاور، وكان لكل منها أنصار ظاهرون أو ~~مستترون؛ لكنها كانت جميعا موضع الجدل: أيها الحق، وأيها أدنى إلى تحقيق الخير والسعادة ~~للناس، وهذا هو ما سهل على الذين ادعوا النبوة أن يطالعوا الناس بمزاعمهم، وأن يخدعوهم ~~بألوان من المظاهر يتخذونها آيات صدقهم، وبهذه الوسيلة استطاع المتنبئون أن يجمعوا حولهم من ~~الأتباع ما جمعوا، وأن يحرزوا أول أمرهم من النجاح ما أحرزوا. # ولم يكن ادعاء النبوة وتصديق الناس هذا الادعاء هو العنصر الجوهري في نجاح هؤلاء المدعين، ~~فقد رأيت أن الأسود اعتمد على عوامل أخرى، في مقدمتها برم أهل اليمن بالفرس كبرمهم بأهل ~~الحجاز، وسترى من ذلك في أمر مسيلمة وطليحة ما يؤيد قولنا كل التأييد. ولو أن الإسلام كان ~~قد استقر في النفوس وبلغ منها مبلغ العقيدة والإيمان لما قامت لواحد من هؤلاء المدعين ~~قائمة، فللعقيدة المتأصلة ms075 سلطان على النفوس قل أن يغلبه سلطان، لكن أهل هذه الأصقاع لم ~~يكونوا قد آمنوا وإن كانوا قد أسلموا؛ فلما أتيح لهم أن يخلعوا إسلامهم باسم القومية أو ~~باسم غيره لم يصدهم عن ذلك إيمان حق، فاندفعوا وراء الأسود وغير الأسود من ~~المتنبئين. # ويزيد رأينا هذا تأييدا ما كان من بقاء مكة والطائف على الإسلام، صحيح أن أهل اليمن بدأ ~~فيهم الإسلام واطمأن إلى سلطان الحاكم منذ دان بازان بدين الحق، وكان ذلك قبل أن يطمئن ~~الإسلام إلى سلطان الحاكم بمكة والطائف، لكن قيام رسول الله بمكة سنوات الدعوة الأولى، وهي ~~تزيد على عشر، واتصاله بالطائف وأهلها أثناء ذلك، ترك من الأثر الديني في نفوس المكيين ~~والثقفيين ما لم يتركه إسلام بازان والفرس المحيطين به في اليمن، وتعاليم رسول الله كانت ~~أبقى أثرا في مكة والطائف، حتى مع ثورتهما عليه، من تعاليم معاذ بن جبل باليمن وإن تمتع من ~~حماية بازان بما تمتع به. # الأمر الثالث الذي نستخلصه، أن فتنة اليمن شجعت اليمامة وشجعت بني أسد على القيام بفتنتهم ~~إثر وفاة النبي، فقد كان طليحة ومسيلمة يخشيان قوة المسلمين ويريان أن لا قبل لهما ~~بمقاومتها، ولذلك لم يثورا بها ولم يخرجا عليها، فلما اجترأ الأسود على رفع لواء العصيان ~~ولقي من النجاح ما لقي وأثار مخاوف المسلمين، امتدت عدوى الجرأة منه إلى طليحة وإلى مسيلمة، ~~ثم زادها جرأة أن اختار النبي الرفيق الأعلى، ولو أن الأسود لم يقم قومته ولم يعلن فتنته ~~لبقي الآخران على استحياء في إعلان فتنتهما، ولما جرؤ واحد منهما على مواجهة سلطان ~~المسلمين. # ولم يقض موت الأسود على أسباب الفتنة التي كانت تتلظى يومئذ في أنحاء شبه الجزيرة، بل ~~بقيت أسباب هذه الفتنة تضطرم ويزداد اضطرامها حتى اندلعت وفاة الرسول. # ويعلل بعض المستشرقين هذه الظاهرة في بلاد العرب لذلك العهد بما كان بين أهلها من تباين ~~في نوع الحياة قل أن يجد الإنسان له في غير هذه البلاد نظيرا، وبما أدى هذا التباين إليه ~~على حقب ms076 التاريخ من خصومات لم تهدأ، فحياة الحضر وحياة البدو تتجاوران في هذا المحيط ~~تجاورا عجيبا، وبين البداوة والحضارة من التباين ما يجعل الوحدة القومية لبلاد ذلك شأنها ~~أمرا غير ميسور، ثم إن حياة البداوة تجعل الإذعان لحاكم على النحو الذي يفهمه أهل الحضر ~~مستحيلا أو يشبه المستحيل، فالبدوي لا يعدل باستقلاله الفردي شيئا، والقبيلة البادية ترى ~~في استقلالها حياتها، وترى كل تحيف من هذا الاستقلال عدوانا عليها لا بد من دفعه، وقد كان ~~هذا وما يتصل به سبب الخصومة التي تأصلت على الزمان بين اليمن وأهل الشمال. # والمستشرقون الذين يبدون هذا الرأي يذهبون إلى أن هذا التباين في طباع أهل البادية وأهل ~~الحضر، وما جر إليه من خصومة بين الشمال والجنوب، كان له أثر بالغ في اضطراب العرب قبيل ~~وفاة النبي وفي السنة الأولى من خلافة أبي بكر، فالإسلام دين توحيد في العقيدة، وبذلك قضى ~~على عبادة الأصنام، فامتد الإيمان بالله الواحد الأحد إلى أنحاء بلاد العرب جميعا، أولا ~~يخشى العرب أن يمتد الأمر من وحدة الإيمان بالله إلى وحدة سياسية تجني على استقلال أهل ~~البادية وتثير الخصومات القديمة؟! ذلك ما دار بخواطرهم فيما يرى هؤلاء المستشرقون، ذلك ما ~~أدى إلى انتقاض اليمن وغير اليمن في ذلك العهد. # وسواء أصح هذا التعليل أم لم يصح، فلسنا نستطيع أن نتجاهل العامل الأجنبي في تحريك ~~البواعث التي أدت إلى انتقاض العرب وردتهم، لقد رأى عاهل الفرس وإمبراطور الروم في رسالة ~~محمد إليهما وإلى غيرهما من الملوك والأمراء ليدينوا بالإسلام ما جعلهما يعملان على إيقاظ ~~نار الفتنة في بلاد ليس بها من أسباب الوحدة غير الدين الجديد يجمع كلمتها ويضاعف قوتها، ~~ولا شيء كالفتنة يضعضع العزائم ويفتت في أعضاد الأمم. # وأيا كانت الأسباب التي أدت إلى فتنة العنسي، ثم إلى فتنة طليحة وفتنة مسيلمة، وإلى ~~انتقاض العرب على سلطان المسلمين حتى فيما جاور المدينة، فإن الأمر الثابت أن وفاة النبي ~~بعثت كل أسباب الفتنة من مرقدها. # كيف دبر أبو بكر لمواجهة هذه الفتنة ms077 والقضاء عليها؟ وكيف استطاع أن يتغلب على عوامل ~~الفتنة وأن يجمع كلمة العرب؟ وكيف مهد للإمبراطورية الإسلامية كي يقيمها خلفاؤه على أقوى ~~دعامة وأمتن أساس؟ # ذلك كل عهده، وفي هذا الكتاب حديثه. # الفصل الرابع # | بعث أسامة # لم تكن نذر الانتقاض في بلاد العرب لتخفى على أبي بكر وأصحابه من المهاجرين والأنصار ~~بالمدينة، وكيف تخفى عليهم وقد كان ما شجر بينهم في سقيفة بني ساعدة جديرا بأن ينبئهم إلى ~~خطرها!! أفيلقي خليفة رسول الله كل باله إليها، ويعدل عن سياسة رسول الله في شأنها؟ أم تراه ~~يجري على خطة الرسول في تأمين التخوم بين العرب والروم، تاركا أمر هذه الفتنة الداخلية إلى ~~تطور الحوادث؟ # لقد كان أول أمر أصدره بعد أن تمت له البيعة بالخلافة أن قال: «ليتم بعث أسامة.» # وأسامة هو قائد الجيش الذي أمر النبي بتجهيزه من جلة المسلمين مهاجريهم والأنصار لغزو ~~الروم، بعد الذي كان بينهم وبين المسلمين في مؤتة وفي تبوك، ذلك أنه (عليه السلام) كان يخشى ~~دائما أن يدهم الروم المسلمين، متأثرين بما بين الدين الناشئ ودينهم المسيحي من خلاف، ~~متأثرين أكثر من ذلك بتحريض اليهود الذين نزحوا إلى فلسطين بعد أن أجلاهم النبي عن المدينة ~~وعن تيماء وفدك وعن أكثر المواطن التي كانوا يقيمون بها، ولعل ما حدث بمؤتة وتبوك جعله ~~يضاعف العناية بحماية التخوم العربية الرومية، فقد سار جيش المسلمين إلى مؤتة فاستشهد من ~~قواده زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة، ثم داور خالد بن الوليد بالجيش ~~حتى عاد به إلى المدينة سليما وإن لم ينتصر، وقد سار (عليه السلام) على رأس المسلمين إلى ~~تبوك، فكانت مسيرته نذيرا حمل خصومه على التراجع إلى ما وراء حدودهم دون قتال، لا عجب وقد ~~أثارت هاتان الغزوتان الثارات بين المسلمين والروم أن يجهز النبي جيش أسامة بن زيد بن ~~حارثة، وأن يكون تجهيز هذا الجيش بعض سياسته في تأمين تخوم شبه الجزيرة من الروم ذوي البأس ~~في ذلك العهد. # وكان أسامة حدثا ms078 لما يبلغ العشرين، وإنما ولاه رسول الله على الجيش ليجعل له من فخار ~~النصر ما يجزي به استشهاد أبيه بمؤتة، وما يعود الشباب الاضطلاع بجسام التبعات، ولقد أمره ~~أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين، وأن ينزل على أعداء الله وأعدائه في ~~عماية الصبح، وأن يمعن فيهم قتلا، وأن يحرقهم بالنار، وأن يتم دراكا حتى لا تسبق إلى ~~أعدائه أنباؤه فإذا تم له النصر فليسرع بالعودة غانما مظفرا. # تذمر كثيرون منذ اليوم الأول من تعيين حدث كأسامة على رأس جيش يضم جلة المهاجرين ~~والأنصار وتحدثوا في ذلك، صحيح أن أسامة كان موضع عطف النبي منذ طفولته، وأنه لقب لذلك «حب ~~النبي وابن حبه»، ولقد بلغ من إعزاز النبي إياه أن أردفه وراءه عند ذهابه إلى مكة في العام ~~الثامن للهجرة وأدخله معه الكعبة، وصحيح أن أسامة كان الشجاعة والإقدام منذ نشأته، حتى لقد ~~انضم إلى جيش المسلمين في طريقهم إلى أحد، وإنما أعيد إلى المدينة قبل الموقعة لصغر سنه، ثم ~~إنه أبلى من بعد في حنين أحسن البلاء وثبت فيها ثبات الأبطال الصناديد، لكن المتذمرين كانوا ~~يرون ذلك شيئا، وتولي إمارة جيش فيه أبو بكر وعمر وكبار المسلمين شيئا آخر، ولقد بلغ ~~تذمرهم النبي وهو في مرضه الأخير، وجيش أسامة مقيم بالجرف يتأهب للمسير، فأمر نساءه فأراقوا ~~عليه سبع قرب من ماء حتى تنزل عنه الحمى، ثم خرج إلى المسجد وقال بعد أن حمد الله وصلى على ~~أصحاب أحد: «أيها الناس، أنفذوا بعث أسامة، فلعمري لئن قلتم في إمارته لقد قلتم في إمارة ~~أبيه من قبله، وإنه لخليق للإمارة وإن كان أبوه لخليقا لها.» # ولما اشتد المرض بالرسول لم يتحرك جيش أسامة من الجرف، روي عن أسامة أنه قال: «لما ثقل ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # هبطت وهبط الناس معي إلى المدينة، فدخلت على رسول الله وقد أصمت فلا ~~يتكلم، فجعل يرفع يده إلى السماء ثم يضعها علي، فأعرف أنه يدعو لي.» وفي ساعة الصحو الذي ~~سبق ms079 وفاة الرسول صبح يوم الوفاة استأذنه أسامة في السير بالجيش فأذن له، لكن حدوث الوفاة ~~بعد سويعات رد أسامة والجيش إلى المدينة كرة أخرى، ثم كان أسامة مع أهل البيت الذين تولوا ~~جهاز الدفن، فكان هو وشقران مولى النبي يصبان الماء على جثمانه وعلي يغسله وعليه ~~قميصه. # فلما أمر أبو بكر بإنفاذ بعث أسامة بعد أن تمت بيعته عاد المسلمون إلى تذمرهم وأخذوا ~~يلتمسون الوسيلة للخلاص من موقف لم يرضوا عنه، ورأى بعضهم ما كان من خلاف بين المهاجرين ~~والأنصار على الخلافة، وما ترامى إلى المدينة من أنباء العرب واليهود والنصارى وتحفزهم بعد ~~موت النبي للوثبة بالمسلمين وبدينهم، فقالوا يوجهون الكلام إلى أبي بكر: «إن هؤلاء جل ~~المسلمين، والعرب على ما ترى قد انتفضت بك، فليس ينبغي أن تفرق عنك جماعة المسلمين.» قال ~~أبو بكر: «والذي نفس أبي بكر بيده، لو ظننت أن السباع تخطفني لأنفذت بعث أسامة كما أمر رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم ~~، ولو لم يبق في القرى غيري لأنفذته.» # وقيل إن أسامة لما رأى ما عليه الناس طلب إلى عمر بن الخطاب أن يرجع إلى أبي بكر فيستأذنه ~~في أن يعود بالجيش ليكون عونه على المشركين فلا يتخطفون المسلمين، وقالت الأنصار لعمر: «فإن ~~أبى إلا أن نمضي، فأبلغه عنا واطلب إليه أن يولي أمرنا رجلا أقدم سنا من أسامة.» وأبلغ ~~ابن الخطاب أبا بكر رسالة أسامة، فلم يلبث حين سمعها أن ثار ثائره وقال: «لو خطفتني الكلاب ~~والذئاب لم أرد قضاء قضى به رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~.» أما رسالة الأنصار أن يولي عليهم رجلا ~~أقدم سنا من أسامة فقد وثب لها أبو بكر وكان جالسا فأخذ بلحية عمر وقال مغضبا: «ثكلتك ~~أمك وعدمتك يا بن الخطاب! استعمله رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وتأمرني أن أنزعه!» ورجع عمر إلى ~~الناس فسألوه عما صنع فقال: «امضوا، ثكلتكم أمهاتكم ما لقيت في سبيلكم من خليفة رسول ~~الله.» # هذا الحديث في رواياته المختلفة يصور لنا سياسة أبي ms080 بكر أول ما تولى الخلافة، وهذه ~~السياسة تتلخص في قوله لفاطمة ابنة رسول الله حين طالبته بميراثها عن أبيها: «إني والله ما ~~أدع أمرا رأيت رسول الله يصنعه إلا صنعته.» وهو قد أعلنها إلى الناس ساعة قال لهم: «ليتم ~~بعث أسامة، ألا لا يبقين بالمدينة أحد من جند أسامة إلا خرج إلى عسكره بالجرف.» فقد وقف ~~بينهم خطيبا بعد أن رد المعترضين منهم وقال: «يا أيها الناس، إنما أنا مثلكم، وإني لا أدري ~~لعلكم ستكلفوني ما كان رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يطيق، إن الله اصطفى محمدا على العالمين وعصمه ~~من الآفات، وإنما أنا متبع ولست بمبتدع، فإن استقمت فتابعوني، وإن زغت فقوموني، وإن رسول ~~الله قبض وليس أحد من هذه الأمة يطلبه بمظلمة ضربة سوط فما دونها، ألا وإن لي شيطانا ~~يعتريني، فإذا أتاني فاجتنبوني ...» ثم حثهم على العمل الصالح قبل أن يجيء أجلهم، وأن يعتبروا ~~بالآباء، والأبناء والإخوان، وألا يغبطوا الأحياء إلا بما يغبطون به الأموات. # إنما أنا متبع ولست بمبتدع، ولن أدع أمرا رأيت رسول الله يصنعه إلا صنعته؛ هذه سياسة ~~الخليفة الأول، ولأبي بكر أكثر من كل إنسان أن يتخذها سياسته، فهو قد صحب رسول الله على ما ~~رأيت منذ بعثه إلى أن اختاره الله إليه، ثم إنه كان يؤمن بالله ورسوله إيمانا لا يكبو ولا ~~يتزعزع، وكان لاتصاله القلبي والروحي برسول الله يعرف من أمره ما لا يعرفه غيره، وهو وحده ~~الذي قال فيه رسول الله قبل يومين اثنين من وفاته: «إني لا أعلم أحدا كان أفضل في الصحبة ~~عندي يدا منه، وإني لو كنت متخذا من العباد خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن صحبة ~~وإخاء وإيمان حتى يجمع الله بيننا عنده.» وأنت قد رأيت من صحبته وإخائه وإيمانه في حياة ~~النبي ما لم يبلغه عمر ولا علي ولا أحد غيرهما من أمس المسلمين به # صلى الله عليه وسلم # ثلة وقربى، فلا ~~جرم كان اتباعه النبي اتباعا صحيحا صادرا عن إيمان وبينة: إيمان يجعله ms081 مطمئنا إلى أنه ~~لن يخطئ ما اتبع الرسول، وبينة تجعله يسلك الطريق التي يرى أن الرسول كان لا ريب ~~يسلكها. # سمع الناس مقالة عمر بعد عوده إليهم بالجرف يبلغهم رسالة أبي بكر، فلم يكن لهم إلا ~~الإذعان لأمر الخليفة طوعا أو كرها، وخرج أبو بكر بعد ذلك حتى جاء المعسكر، فأشخصهم ~~وشيعهم وهو ماش وأسامة راكب ليزيدهم لإمارة أسامة إذعانا وتسليما، وكأنما غلب أسامة ~~الحياء أن يرى هذا الشيخ الوقور صاحب رسول الله وخليفته على المسلمين يسير إلى جانبه، ~~ودابته من ورائه يقودها عبد الرحمن بن عوف، فقال: «يا خليفة رسول الله، والله لتركبن أو ~~لأنزلن.» قال أبو بكر: «والله لا تنزل ووالله لا أركب، وما علي أن أغبر قدمي في سبيل الله ~~ساعة!» فلما آن له أن يودع الجيش قال لأسامة: «إني رأيت أن تعينني بعمر فافعل.» فأذن أسامة ~~لعمر أن يدع الجيش وأن يرجع مع أبي بكر. # لعمرك ما عسى أن يقول المتذمرون بعد هذا الصنيع وقد بايعوا أبا بكر بالأمس ليلي أمر ~~المسلمين جليله ودقيقه! ... والذين أذعنوا من قبل كرها لم يسعهم بعد هذا التصرف الحكيم إلا ~~أن يرضوا أو يتعرضوا للقالة ويتهموا بالأثرة، وكثيرا ما كان للخوف من رأي الغير فينا وحكمه ~~علينا سلطان على تصرفاتنا وأعمالنا يعدل سلطان اقتناعنا الذاتي، وإن اختلفت البواعث وتباينت ~~النيات. # وآن لأبي بكر أن يودع الجيش، فوقف في رجاله خطيبا وقال: «أيها الناس، قفوا أوصكم بعشر ~~فأحفظوها عني: لا تخونوا، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا ولا تقتلوا طفلا صغيرا ولا ~~شيخا كبيرا ولا امرأة، ولا تعقروا نخلا ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا ~~شاة ولا بقرة ولا بعيرا إلا لمأكلة، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم ~~وما فرغوا أنفسهم له، وسوف تقدمون على قوم يأتونكم بآنية فيها ألوان الطعام، فإذا أكلتم ~~منها شيئا بعد شيء فاذكروا اسم الله عليه، وتلقون أقواما قد فحصوا أوساط رءوسهم وتركوا ~~حولها مثل العصائب فاخفقوهم بالسيف خفقا، اندفعوا باسم ms082 الله، أقناكم الله بالطعن ~~والطاعون.» # وقال لأسامة وهو يوشك أن يتحرك بالجيش: «اصنع ما أمرك به نبي الله # صلى الله عليه وسلم ~~، ابدأ ببلاد ~~قضاعة، ثم ائت آبل، ولا تقصرن في شيء من أمر رسول الله، ولا تعجلن لما خلفت عن ~~عهده.» # وسار الجيش وعاد أبو بكر وعمر بن الخطاب إلى المدينة، سار هذا الجيش وقائده الشاب على ~~رأسه يقطع البيد ويتخطى المفاوز في هذه الأيام الشديدة القيظ من شهر يونية، وبعد عشرين ~~يوما من مسيرته بلغ البلقاء حيث تقع مؤتة، وحيث استشهد زيد بن حارثة وصاحبه جعفر بن أبي ~~طالب وعبد الله بن رواحة. # هناك نزل أسامة بعسكره فأغار على آبل، وبث خيوله في قبائل قضاعة، وقضى على كل من وقف في ~~وجهه من أعداء الله وأعداء رسوله قضاء لا يعرف هوادة ولا رحمة، وكان شعار المسلمين وصيحتهم ~~في الحرب ذلك اليوم: «يا منصور أمت.» # قتل المسلمون أثناء هذه الغزاة، وأسروا، وأحرقوا القرى التي قاومتهم، وغنموا ما شاء الله ~~أن يغنموا. بذلك انتقم أسامة لأبيه وللمسلمين في مؤتة، وبذلك نفذ أمر رسول الله أن يوطئ ~~الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين، وأن ينزل على أعداء الله وأعدائه في عماية ~~الصبح، وأن يمعن فيهم قتلا، وأن يحرقهم بالنار، وقد أتم ذلك دراكا فلم تسبق إلى أعدائه ~~أنباؤه، فلما أتمه عاد بالجيش مظفرا إلى المدينة ممتطيا الجواد الذي مات أبوه ~~عليه. # عاد بالجيش الظافر إلى المدينة، لم يغره النصر باقتفاء أثر أعدائه أو باقتحام تخوم الروم ~~والتوغل في ديارهم، وعاد وقد زادت حداثة سنه في جلال انتصاره، وجعلت المهاجرين والأنصار ~~الذين تذمروا من قبل لإمارته يحدثون مفاخرين بحسن بلائه وعظيم إقدامه، ويرددون مؤمنين قوله # صلى الله عليه وسلم ~~: «إنه لخليق للإمارة، وإن كان أبوه لخليقا لها.» # ولم يدر بخاطر أحد من أمراء الجيش الظافر أن يدفع أسامة لاقتفاء أثر عدوه، ذلك أن السياسة ~~التي جرى عليها رسول الله والتي كانت ماثلة في نفوس المسلمين جميعا، كانت تقف عند تأمين ~~التخوم ms083 بين العرب والروم، فلا يحدث الروم أنفسهم بغزو العرب انتقاما لليهود أو غير اليهود ~~ممن كانوا يأتمرون بالمسلمين. # وكان ذلك طبيعيا؛ إذ كان الروم لا يزال اسمهم يزلزل الشعوب بمنعة إمبراطوريتهم ونفوذ ~~سلطانهم؛ لم يغير من ذلك ما كان بينهم وبين العرب من نزاع كانوا فيه أصحاب الكلمة العليا ~~إلى السنوات الأخيرة من حياة النبي، ألم يذهب دحية الكلبي بكتاب رسول الله إلى هرقل، وهرقل ~~في أوج نصره، في السنة السابعة من الهجرة، أي قبل وفاة النبي بسنوات ثلاث، فرأى من قوة ~~الروم وبأسهم ما رأى! ألم يذهب اليهود في هذه السنة السابعة إلى فلسطين بعد هزيمتهم في خيبر ~~وفي فدك وتيماء، وقلوبهم كلها الحفيظة على محمد وعلى من اتبعه، يأتمرون لتأليب الروم عليهم ~~كيما يقاتلوهم ويظفروا بهم كما قاتلوا الفرس وظفروا بها! لا جرم إذن أن يقف المسلمون من ~~سياستهم عند حماية تخومهم من اعتداء الروم، وأن يكر أسامة، بعد أن تم له النصر على أعدائه، ~~راجعا إلى المدينة ليقف إلى جانب أبي بكر والمسلمون معه، دون أن يدور غزو الروم بخاطره أو ~~خواطرهم، ودون أن يتوقع أحد منهم أن هذا الغزو سيبدأ بعد سنتين اثنتين، يبدؤه أبو بكر بحكم ~~الحوادث ثم يتمه خلفاؤه، فيكون فيه القضاء على هذه الإمبراطورية الرومية التي ظلت قرونا ~~مرهوبة الجانب تعنو لكلمتها الجباه، وتتصدع من هول بأسها العروش. # عاد أسامة إذن بالجيش الظافر، وبلغ ظاهر المدينة، فتلقاه أبو بكر، وكان قد خرج في جماعة ~~من كبار المهاجرين والأنصار للقائه وكلهم فرح وتهلل؛ وتلقاه أهل المدينة الذين خفوا في أثر ~~أبي بكر وأصحابه بصيحات السرور والإعجاب والتقدير لبسالته وبسالة جيشه، ودخل أسامة المدينة ~~تحيط به هالة من فخار النصر، فقصد من فوره إلى المسجد حيث صلى شكرا لله على ما أنعم عليه ~~وعلى المسلمين، وكانت عودة الجيش إلى المدينة بعد أربعين، وقيل سبعين، يوما من مغادرته ~~إياها. # يحاول بعض المستشرقين أن يهونوا من أمر هذه الغزوة وأن يصغروا من شأنها، مع ما كان من ms084 ~~اعتباط المسلمين بها وإكبارهم للذين تم لهم النصر فيها، يقول المستشرق «فكا» محرر فصل أسامة ~~في دائرة المعارف الإسلامية: «وقد بعث انتصار أسامة البشر في نفوس أهل المدينة بعد أن ~~أحزنتهم حروب الردة، وأصبح لانتصاره من الخطر ما لا يتفق مع قيمته الحقة، بل عد فيما بعد ~~فاتحة للحملة التي وجهت لغزو الشام.» وصحيح أن هذه الغزوة ليست جسيمة بالقياس إلى ما نعرف ~~من غزوات اليوم، وليست جسيمة بالقياس إلى بعض الغزوات التي تمت في ذلك الحين، فقد اكتفى ~~أسامة منها بأن دهم القبائل التي فجأها وأن غنم منها دون أن يلقى جيش الروم، لكن الأمر الذي ~~لا ريب فيه أنها كانت بعيدة الأثر في حياة المسلمين، وفي حياة العرب الذين تمتد بلادهم على ~~حدودهم، قال أعداؤهم من العرب الذين تسامعوا بهذه الغزوة: «لو لم يكن للقوم قوة ما أرسلوا ~~جيوشهم تغير على من بعد عنهم من القبائل القوية.» وانزعج هرقل حين بلغته أنباء هذه الغزوة، ~~فبعث جيشا قويا عسكر بالبلقاء، وتلك الحجة البالغة على أن الروم والعرب جميعا حسبوا ~~حساب المسلمين بعد هذه الغزاة التي جعلت عرب الشمال، فيما خلا دومة الجندل، لا يلحون في ~~التحرش بالمدينة والانتقاض عليها. # على أن الأمر لم يكن كذلك فيما سوى الشمال من أنحاء شبه الجزيرة، رأيت من قبل أن قبائل في ~~سائر أنحائها نزعت إلى العصيان في السنوات الأخيرة من حياة النبي، ورأيت أن جماعة من أهل ~~هذه القبائل ادعوا النبوة، ولولا الفزع الذي كان يتولى هذه القبائل ويتولى المتنبئين فيها ~~بسبب ما كان النبي يأخذهم به من حزم وما كان المسلمون يبدونه من بأس وقوة إيمان، إذن لسرت ~~روح الانتفاض في أنحاء كثيرة، فلما اختار محمد جوار ربه ارتدت العرب إما عامة وإما خاصة في ~~كل قبيلة، ونجم النفاق، واشرأبت اليهود والنصارى، واضطرب المسلمون لفقد نبيهم ولقلتهم وكثرة ~~عدوهم، فلم يكن بد من سياسة حكيمة حازمة ترد الأمر إلى نصابه، وتنصر دين الله في إبان ~~نشأته. # وهذا ما صنع أبو بكر ms085 حين جرد أبطال المسلمين لحروب الردة، وللقضاء على الثائرين بدين الله ~~وبخليفة رسوله. # الفصل الخامس # | قتال من منعوا الزكاة # بينما كان أسامة في طريقه إلى تخوم الروم، كان النبأ بوفاة النبي يدفع العرب إلى الثورة ~~بسلطان المدينة. زادت ثورة اليمن ضراما على من قتل العنسي . وبدأ مسليمة في بني حنيفة ~~وطليحة في بني أسد يدعوان الناس إلى التصديق بنبوتهما ويلقيان من النجاح ما جعل عيينة بن ~~حصن يقول عن طليحة: «نبي من الحليفين - يعني أسدا وغطفان - أحب إلينا من نبي من قريش، وقد ~~مات محمد وطليحة حي.» # جاءت الرسل بهذه الأنباء وبما هو شر منها لأبي بكر أول ما استخلف، فلما بسطوا أمامه الأمر ~~قال لهم: «لا تبرحوا حتى تجيء رسل أمرائكم وغيرهم بأدهى مما وصفتم وأمر من انتقاض الأمور.» ~~ولم يلبثوا أن قدمت كتب أمراء النبي في الأنحاء المختلفة من شبه الجزيرة بانتقاض عام أو ~~بانتقاض خاص، ولم تخف هذه الكتب ما كان من اعتداء المنتقضين على من بقي على إسلامه بين ~~أظهرهم، وكذلك تضرمت الأرض حول أبي بكر نارا؛ فكان لا بد له من معالجة هذه الحال التي لم ~~ير المسلمون مثلها مذ فتحت مكة وأسلمت ثقيف. # وكان هذا الاضطراب الذي أصاب العرب قد انتهى بقوم إلى أن يرتدوا عن الإسلام، في حين بقي ~~آخرون على إسلامهم ثم أبوا أداء الزكاة لأبي بكر، وسواء أكان إباؤهم أداءها راجعا إلى حرص ~~الناس على المال وتحايلهم على التحلل من بذله كتحايلهم على اقتناصه وإمساكه، وذهابهم في هذا ~~وفي ذاك إلى حد التضحية بالحياة في سبيله، أم كان راجعا إلى عدهم إياها إتاوة لم يبق بعد ~~وفاة رسول الله ما يسوغ دفعها لمن اختاره أهل المدينة أميرا عليهم، فإنهم أضربوا عن أدائها ~~وأعلنوا أنهم لن ينزلوا على حكم أبي بكر في أمرها. # كان ذلك شأن القريبين من المدينة من قبائل عبس وذبيان بنوع خاص، فماذا عسى أن يصنع ~~المسلمون معهم؟ ليس من اليسير مقاتلتهم بعد أن أنفذ أبو بكر بعث أسامة ms086 فلم يبق بالمدينة جيش ~~يدفع عنها، أيرضون منهم أن يمنعوا الزكاة، وبذلك يستميلونهم إليهم لعلهم يجدون منهم عونا ~~على الذين نكثوا أيمانهم وارتدوا عن إسلامهم؟ أم يحاربونهم فيزيدون بذلك عدد عدوهم، وقد لا ~~يكون لهم في غيبة الجيش بحربهم قبل؟ # جمع أبو بكر كبار الصحابة يستشيرهم في قتال الذين منعوا الزكاة، وكان رأي عمر بن الخطاب ~~وطائفة من المسلمين معه ألا يقاتلوا قوما يؤمنون بالله ورسوله، وأن يستعينوا بهم على ~~عدوهم، ولعل أصحاب هذا الرأي كانوا كثرة الحاضرين في حين كان الذين أشاروا بالقتال هم ~~القلة، وأغلب الظن أن المجادلة بين القوم في هذا الأمر البالغ الخطر طالت واحتدمت أيما ~~احتدام، فقد اضطر أبو بكر أن يتدخل بنفسه فيها يؤيد القلة؛ ولقد اشتد في تأييد رأيه في ذلك ~~المقام، يدل على ذلك قوله: «والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله # صلى الله عليه وسلم # لقاتلتهم على منعه.» ولم يثن هذا المقال عمر عن أن يرى ما في القتال من تعريض المسلمين لخطر ~~تخشى مغبته، فقال في شيء من الحدة: «كيف نقاتل الناس وقد قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «أمرت أن ~~أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فمن قالها عصم مني ماله ودمه ~~إلا بحقها وحسابهم على الله».» # لم يتريث أبو بكر ولم يتردد في إجابة عمر فقال: «والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة ~~والزكاة، فإن الزكاة حق المال، وقد قال: «إلا بحقها».» ويتم الرواة هذا الحديث بأن عمر قال ~~من بعد: «فوالله ما هو إلا أن رأيت الله شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق.» # يذكرنا هذا الحديث بما دار بين رسول الله ووفد ثقيف حين أقبلوا من الطائف يعلنون ~~استعدادهم للإسلام ويطلبون إليه أن يعفيهم من الصلاة؛ فقد أبى محمد يومئذ أن يجيبهم إلى ما ~~طلبوا من ذلك وقال: «إنه لا خير في دين لا صلاة فيه.» ولعل أبا بكر قصد إلى مثل ذلك حين ~~قال: «والله لأقاتلن ms087 من فرق بين الصلاة والزكاة.» # بعثت عبس وذبيان ومن انضم إليهم من بني كنانة ومن غطفان وفزارة جموعا منهم أقامت على ~~مقربة من المدينة، ثم إن هذه الجموع انشطرت فرقتين، أقامت إحداهما بالأبرق من الربذة، ~~وسارت الأخرى إلى ذي القصة أقرب محلة من المدينة على طريق نجد، وأرسل رؤساء هذه الجموع ~~وفودا منهم إلى المدينة نزلوا على وجوه الناس وتحملوا بهم على أبي بكر على أن يقيموا ~~الصلاة وألا يؤتوا الزكاة، فكان جواب أبي بكر ما رأيت: «والله لو منعوني عقالا لجاهدتهم ~~عليه.» # ورجعت هذه الوفود إلى من بعثوهم بعدما اطلعوا على عورة المدينة وعرفوا أنها مكشوفة ليس ~~بها من يدافع عنها، وأدرك أبو بكر منهم ذلك، فجمع الناس وقال لهم: «إن الأرض كافرة، وقد رأى ~~وفدهم منكم قلة، وإنكم لا تدرون أليلا تؤتون أو نهارا، وأدناهم منكم على بريد، وقد كان ~~القوم يأملون أن نقبل منهم ونوادعهم، وقد أبينا عليهم ونبذنا عهدهم، فاستعدوا وأعدوا.» ثم ~~إنه دعا إليه عليا والزبير وطلحة وعبد الله بن مسعود وجعلهم على مداخل المدينة، وأمر سائر ~~الناس أن يكونوا بالمسجد في عدة القتال. # ولم يخطئ أبا بكر حدسه، فلم يلبث أهل المدينة إلا ثلاثا، حتى زحف عليهم مانعو الزكاة ~~يريدون أن يضعضعوا من عزيمتهم للقتال، فيتجاوز الخليفة عن هذا الفرض من فروض الإسلام، وأحس ~~العسس المقيمون على مداخل المدينة مأتى القوم، فنبهوا عليا والزبير وطلحة وابن مسعود ومن ~~معهم من الرجال، وأرسل هؤلاء إلى أبي بكر بالخبر، فأجابهم أن الزموا أماكنكم، وخرج في أهل ~~المسجد على الإبل حتى بلغهم، ثم خرجوا جميعا يواجهون هؤلاء يريدون أن يلبسوا الليل للغدر ~~بهم، ولم يكن يدور بخواطر أهل هذه القبائل أن سيقاومهم أحد بعد الذي عرفوا من أمر المدينة ~~وأهلها، فلما فاجأهم أبو بكر ومن معه أخذوا فولوا الأدبار، فاتبعهم المسلمون حتى ذا حسا؛ ~~وكانت القبائل قد تركت في هذه المحلة مددا من الرجال لعلهم يحتاجون إليهم، وشعر هذا المدد ~~بمجيء القوم منهزمين وباتباع المسلمين إياهم، فوقف ms088 دون هؤلاء وأولئك، ودار بين الفريقين في ~~غسق الليل قتال لم يتكشف لأحد منهم أثره، وكان الذين أقاموا بذي حسا من أهل القبائل قد ~~جاءوا بأنحاء # 1 # نفخوها وربطوها بالحبال وضربوها بأرجلهم في وجوه الإبل التي امتطاها رجال ~~المدينة، ولم تكن هذه الإبل إبل حرب ألفت مكايد القتال؛ ولذلك نفرت براكبيها مرتدة حتى دخلت ~~بهم المدينة. # فرحت عبس وذبيان ومن ناصرهم بفرار المسلمين وظنوا بهم الوهن، وبعثوا إلى من بذي القصة ~~ينبئونهم بما حدث، وأقبل أهل ذي القصة عليهم وتبادلوا وإياهم الرأي ألا يذروا المدينة حتى ~~يوادعهم أبو بكر على ما أرادوا، أما أبو بكر والمسلمون معه فلم يغمض لهم تلك الليلة جفن، بل ~~بات يتهيأ ويعبئهم، فلما كان الثلث الأخير من الليل خرج يمشي على رأسهم، وقد جعل لهم ميمنة ~~وميسرة وساقة، وأغذوا جميعا السير، فما طلع الفجر حتى كانوا مع العدو في صعيد واحد، دون أن ~~يسمع العدو لهم همسا ولا حسا، وكيف يسمع وقد اطمأن إلى انتصاره وبات ناعم الجفن بنوم ~~هانئ، ووضع المسلمون السيوف في القوم، فهبوا فزعين يقاتلون، ولكن هيهات! لقد أمعن رجال أبي ~~بكر فيهم قتلا وهم في عماية الصبح يضطرب حابلهم بنابلهم، وذر قرن الشمس وهم يولون الأدبار ~~منهزمين لا يلوون على شيء، واتبعهم أبو بكر حتى نزل بذي القصة وهم يفرون أمامه فرار النعام، ~~عند ذلك تركهم ونزل بعسكره في منازلهم من هذه المحلة، ثم جعل بها النعمان بن مقرن صاحب ~~ميمنته وجعل معه عددا يدفع الذين أرادوا على الصديق نصرا فخذلوا، وعزا فذلوا. # هنا يقف الإنسان خاشعا ملكه الإعجاب بأبي بكر وبإيمانه وثباته وحزمه فذلك موقف يذكرنا ~~بمواقف الرسول (عليه السلام)، وإن لهذه الغزوة الأولى من غزوات أبي بكر لجلالا ما أشبهه ~~بجلال غزوة بدر، وقف المسلمون يوم بدر ومحمد على رأسهم وعددهم لا يزيد على ثلاثمائة يقاتلون ~~المشركين من أهل مكة وعددهم يزيد على ألف، وهنا وقف أهل المدينة، ومنهم المقاتل ومنهم غير ~~المقاتل، وأبو بكر على رأسهم، وهم قلة ms089 أمام هذه الجموع الغفيرة من عبس وذبيان وغطفان وغيرهم ~~من القبائل، ويومئذ تحصن محمد بإيمانه وإيمان أصحابه، وبنصر الله إياهم على المشركين، وهنا ~~تحصن أبو بكر بإيمانه وإيمان أصحابه، فانتصر كما انتصر الرسول، ثم كان لنصره الأثر البالغ ~~في حياة المسلمين. # على أن ما يملك الإنسان من الإعجاب بأبي بكر في هذا الموقف لا يشوبه من العجب شيء، فقد ~~آلى الصديق على نفسه منذ اللحظة الأولى ألا يدع شيئا كان يصنعه رسول الله إلا صنعه، أما ~~وذلك عزمه الذي لا يحيد عنه، فلا عجب أن يأبى المساومة في أمر يتصل بما فرض الله في كتابه، ~~وأن يذكر كلما طلب إليه أحد أن ينزل عن شيء لم يكن رسول الله ليرضى أن ينزل عنه، هذه الكلمة ~~الخالدة على الزمن من كلمات رسول الله: «والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على ~~أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته.» هذا ما صنع أبو بكر حين تحدث إليه ~~أصحابه في العدول عن بعث أسامة، وهذا كان موقفه حين تحدثوا إليه فيما يطلب العرب من منع ~~الزكاة، وذلك الإيمان الصادق الذي لا يغلبه في الحياة غالب؛ لأنه يستهين بالموت ويسمو لذلك ~~على كل ما في الحياة. # وهذا الإيمان الصادق الذي لا يغلبه الموت ولا يغلبه زخرف هذه الحياة الدنيا، هو الذي حفظ ~~الإسلام في صفائه وكماله في ذلك الوقت الدقيق الذي كان يومئذ يتخطاه. # وإنك لفي حل أن تسأل نفسك: ترى ما كان عسى أن يئول إليه أمر المسلمين لو أن أبا بكر قبل ~~مشورة عمر وأصحابه في شأن الذين طلبوا منع الزكاة، ووادع هؤلاء الطالبين على ذلك؟ ولا ~~إخالني في حاجة إلى أن أدلك على الجواب، فأنت تعرفه كما أعرفه، كانت قبائل كثيرة من العرب ~~إلى ذلك الوقت ما تزال قريبة عهد بالجاهلية وبالوثنية، فلو أن أبا بكر رضي النزول عن فرض من ~~فروض الدين لاتصلت المساومات، ولوجد طليحة ومسيلمة وغيرهما من المتنبئين الوسيلة للتشكيك ~~فيما ms090 جاء محمد به من عند ربه، ثم لوجدوا من هذه القبائل القريبة العهد بالجاهلية مصدقا لهم ~~ومطيعا، بل مؤمنا بهم يموت في سبيلهم وينصرهم على دين الحق. # وأنت تستطيع أن تقدر ما كان لحزم أبي بكر ثم لانتصاره بذي القصة من أثر حين تعلم أن ~~المشركين من بني ذبيان وعبس وثبوا على من فيهم من المسلمين فقتلوهم كل قتلة، هذه الظاهرة ~~التي دفع إليها الغضب والشعور بالذلة والانتقام الوضيع قد زادت انتصار المسلمين جلالا ~~وزادت المسلمين ثباتا على دينهم في كل قبيلة، وجعلتهم يهرعون بالزكاة يؤدونها إلى خليفة ~~رسول الله، لقد رأوا أبا بكر يغلب هؤلاء المرتدين بقوة إيمانه، في حين كان جيشه مع أسامة ~~على تخوم الروم، فأيقنوا أن الغلب لدين الحق والإيمان به، وأن الانتقام الوضيع الذي لجأت ~~القبائل إليه لن يمحو عنها عار هزيمتها، وأنها ستدفع ثمن هذا الانتقام غاليا. # وكيف لهم أن يرتابوا وقد حلف أبو بكر ليقتلن في كل قبيلة من المشركين بمن قتلوا من ~~المسلمين وزيادة، وهو لا محالة فاعل متى عاد أسامة وآن لجيش المسلمين أن يأخذ هؤلاء الآثمين ~~بذنوبهم. # هرع المسلمون من كل قبيلة يؤدون الزكاة إلى خليفة رسول الله على أثر انتصاره بذي القصة، ~~وكان أول الذين يؤدون الزكاة صفوان والزبرقان من رؤساء بني تميم، وعدي بن حاتم الطائي عن ~~قومه من طيء، واستقبل الناس هؤلاء السفراء عن عشائرهم في بشر أي بشر، وكان الناس يقول بعضهم ~~لبعض إذا طلع أحدهم: هذا نذير، فيقول أبو بكر: «بل هو بشير، وهو حام ليس بوان.» ويجيب ~~الناس أبا بكر يقولون: «طالما بشرت بالخير!» # لم يكن أبو بكر غالبا إذ دعا هؤلاء حماة ومبشرين بالخير، فقد كان المسلمون بالمدينة ~~وفيما جاورها في حاجة يومئذ إلى سند يشد أزرهم بعد الذي رأوا من خطر يوشك أن يهدد كيانهم، ~~روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: «لقد قمنا بعد رسول الله # صلى الله عليه وسلم # مقاما كدنا نهلك فيه ~~لولا أن الله من علينا بأبي ms091 بكر أجمعنا على ألا نقاتل على ابنة مخاض وابنة لبون، وأن ~~نعبد الله حتى يأتينا اليقين، فعزم الله لأبي بكر على قتالهم، فوالله ما رضي منهم إلا ~~بالخطة المخزية أو الحرب المجلية، فأما الخطة المخزية فأن يقروا بأن من قتل منهم في النار ~~ومن قتل منا في الجنة، وأن يدوا قتلانا، وأن نغنم ما أخذنا منهم، وأن ما أخذوا منا مردود ~~علينا، وأما الحرب المجلية فأن يخرجوا من ديارهم.» # وإن الناس لفي طمأنينتهم بالمدينة إلى نصر الله أبا بكر، وقد جاء إليهم المسلمون من مختلف ~~القبائل بالزكاة؛ إذ أقبل أسامة عائدا من أرض الروم غانما مظفرا يسوق أمامه غنائمه ويلحق ~~به جيشه، ويستقبلهم أبو بكر وكبار الصحابة بالجرف، ويحف الناس بهم في أثر الصديق وأصحابه ~~ينشدون من حولهم أغاني العزة والنصر، وذهب أسامة من فوره إلى المسجد، فركز اللواء الذي عقده ~~له رسول الله، وصلى شكرا لله على ما نصره وأعز بجيش المسلمين كلمة الحق ودين الهدى. # ما هذا كله؟ أليست هي المعجزة أراد الله أن يتم بها لدينه! وهل تتضافر الأقدار بمحض ~~المصادفة هذا التضافر الذي دوى في أنحاء شبه الجزيرة، فشد من عزائم المسلمين في كل قبيلة، ~~ورفع من رءوسهم في وجه عدوهم فما يدري مرتد ما يقول لهم!! # ورأى أبو بكر في حصافته ودقة تقديره الأمور ألا يريح أعداءه وأن يضاعف ذلتهم، فقال لأسامة ~~وجنده: استريحوا وأريحوا ظهوركم. ثم استخلف أسامة على المدينة، ونادى في رجاله الأولين ~~بالخروج معه إلى ذي القصة، وناشده المسلمون قائلين: «ننشدك الله يا خليفة رسول الله أن ~~تعرض نفسك؛ فإنك إن تصب لم يكن للناس نظام، ومقامك أشد على العدو، فابعث رجلا، فإن ~~أصيب أمرت آخر.» لكن أبا بكر كان إذا اعتزم أمرا لم يرجع عنه؛ لذلك قال لهم: «لا! والله لا ~~أفعل، ولأواسينكم بنفسي.» وخرج ومن حوله الميمنة والميسرة والساقة، كما خرج من قبل، حتى نزل ~~على أهل الربذة بالأبرق فيما وراء ذي القصة، هناك قاتل عبسا وبني ذبيان وبني بكر ms092 فغلبهم ~~وأجلاهم عن مواقعهم، وكانت الأبرق في ملك بني ذبيان، فلما جلوا عنها أعلن أبو بكر أنها ~~أصبحت في ملكه وملك أصحابه، وقال: «حرام على بني ذبيان أن يتملكوا هذه البلاد وقد ~~غنمناها الله.» وبقيت هذه الأماكن من بعد يحتلها المسلمون، فلم يرض أبو بكر أن يردها ~~إلى بني ثعلبة حين جاءوا إليه بعد أن استقرت الأمور يريدون العود فيها إلى منازلهم. # تمت هزيمة الثائرين الذين أرادوا أن يمنعوا الزكاة، وتمت هذه المرة والمدينة في منعة أي ~~منعة بجيش أسامة، وفي رخاء بما جاء به من الغنائم، وبما حمل إليها من زكاة المسلمين الذين ~~آتوا الزكاة منذ انتصر خليفة رسول الله. # أفما آن لبني ذبيان وعبس وغطفان وبني بكر وغيرهم من القبائل القريبة من المدينة أن ترجع ~~عن انتقاضها، وأن تذعن لأبي بكر وتعلن الإسلام لأمر الله ولخليفة رسول الله؟ لقد تحطمت ~~الثورة التي قام بها العنسي في اليمن، ولقد انتصر المسلمون على تخوم الروم، ولقد بدا أبو ~~بكر في ثوب من قوة الإيمان لا غالب له، وهذه القبائل كانت إلى أن اختار الله إليه رسوله ~~مسلمة صادقة في دينها، فخير لها أن تعود إلى حظيرة الإسلام وأن تمد يدها إلى الصديق ~~بالطاعة، وأن تكون معه على عدو الله وعدوه، ذلك ما يوجبه العقل وما يقضي به منطق الحوادث، ~~فأولئك المسلمون من المهاجرين والأنصار هم الذين تغلبوا على أهل شبه الجزيرة جميعا بقوة ~~إيمانهم؛ وهم اليوم في قوة لم تكن لهم أيام بدر والغزوات الأولى في عهد الرسول، فمكة معهم، ~~والطائف معهم، وسلطانهم معترف به في مختلف البقاع، ثم إن من أهل هذه القبائل الثائرة بأبي ~~بكر مسلمين إن استطاعت القبائل أن تفتن بعضهم فلا سلطان لها على الأعزة منهم، مخافة الثارات ~~والفتن التي تنجم عن تعصب البطون والأفخاذ لذوي المكانة فيها، فأذعنت لحكم العقل وسمعت لحجة ~~المنطق. # كلا! بل أخذتها العزة بالإثم، غرها بالله الغرور، وصدق عليها المثل: العناد يورث الكفر، ~~لذلك جلت عن مواطنها وانحازت إلى طليحة بن ms093 خويلد المتنبئ في بني أسد وكفرت بنعمة الله عليها ~~بالإسلام، ولم يستطع المؤمنون الذين أقاموا على دين الله بينها أن يقاوموا عنادها وكفرها، ~~فنزح منهم من نزح معها كارها برما لا يملك من أمر نفسه شيئا، وقوى انحيازها بأس طليحة ~~ومسيلمة وقوى روح التمرد في اليمن ، لذلك بقي أبو بكر في موقفه الأول من العزم على مقاتلتهم ~~حتى يتم أمر ربك، ولو أن هذه القبائل أذعنت لحكم العقل وأصاخت لإملاء المنطق لضعضع أمرها من ~~عزم طليحة وأشباهه، ولأسرعت شبه الجزيرة إلى حمى الإسلام والسلام. # ولست تجد تعليلا لهذا العناد ولهذا الانقلاب عن الإسلام إلا ما قدمنا من تعصب القبائل ~~وحرصها البدوي على سلطانها، ومن المغالاة في ذلك إلى حد لا يكبح من جماحه غير البأس، فإذا ~~كانت قد ردت على أعقابها حين حاولت مهاجمة المدينة، أو كانت قد أجليت عن بعض منازلها من ~~بعد، فطبيعتها البدوية تدعوها إلى الثأر لنفسها، ولتثأر لنفسها انضمت إلى بني أسد وإلى ~~طليحة، لعلها تجد في عونهما ما يرفع عنها عار الذلة، وما يرد إليها شيئا من ~~الكرامة. # فأما أبو بكر فكان قد سما فوق الاعتبارات القبلية وما يتصل بها، وتوجه بكل قلبه ورأيه ~~وعزيمته إلى تنفيذ الخطة التي رسمها رسول الله، تلك سياسته التي أعلنها يوم بويع، والتي سار ~~عليها إلى أن لقي ربه. # الفصل السادس # | التهيؤ لحروب الردة # هزم أبو بكر عبسا وذبيان وبني بكر ومن انضم إليهم وأجلاهم عن مواقعهم بالأبرق، فانحازوا ~~إلى طليحة بن خويلد الأسدي ببزاخة، وقد أعلن أبو بكر أن الله غنمه هذه البلاد فلن يردها ~~إلى أصحابها، وأنه جعل الأبرق لخيول المسلمين، وأرعى سائر بلاد الربذة الناس وجعلها صدقات ~~للذين آمنوا، ورجع الصديق إلى المدينة وهو يفكر في الوسيلة التي يقضي بها على الذين ارتدوا ~~عن الإسلام القضاء المبرم، فما كان ليذرهم في شتى الأنحاء من شبه الجزيرة يثورون به وبدين ~~الله، وما كان ليصالحهم أو يوادعهم قبل أن يثوبوا إلى الله وأن يرجعوا مسلمين. # وأقام بالمدينة، حتى ms094 إذا اطمأن إلى أن جيش أسامة جم خرج به إلى ذي القصة فوزع الجند ~~أحد عشر لواء، جعل على كل لواء منها أميرا، ثم أصدر إلى كل منهم أمره أن يستنفر من يمر به ~~من المسلمين أولي القوة وأن يسير لقتال المرتدين. # 1 # احتفظ أبو بكر للمدينة بقوة تحميها كانت دون كل الألوية عددا، ذلك أن المدينة كانت ~~يومذاك بمأمن من غارة المغير، وكانت في رخاء زاد أهلها اطمئنانا للحياة، وكيف لقبيلة أن ~~تغير عليها والغارات توجه منه إلى كل صوب، وقد تداول سمع الناس من أنباء جندها المظفر وما ~~له من الأيد والبسالة ما جعل دفع هذ الجند غاية ما يطمع فيه الثائرون بها! # ومن يومئذ أقام أبو بكر بالمدينة لم يبرحها، ولم يكن ذلك رغبة منه عن مشاركة المسلمين في ~~مواقعهم، بل لأن المدينة أصبحت مكان القيادة العامة للجند كله، والمرجع الذي تصدر منه ~~الأوامر بالتحرك من مكان إلى آخر، فقد كان مما أمر به أبو بكر قواده ألا ينتقل أحدهم من حرب ~~جماعة تغلب عليها إلى مواجهة أخرى لمقاتلتها حتى يستأذنه؛ وذلك إيمانا منه بأن وحدة ~~القيادة في الحرب بعض ما تقضي به السياسة الحكيمة، وما يكفل الغلب والفوز. # وقد لاحظ جماعة من الأنصار أن أبا بكر جعل الأولوية للمهاجرين ولم يجعل لهم منها نصيبا، ~~وهو إنما فعل هذا ليبقي أهل المدينة على قوات الدفاع عنها؛ فهم أعلم بأمرها، وأحرص من غيرهم ~~على الزود عن حياضها، أما ما ظنه بعضهم من أنه استبقاهم حذرا منهم بعد الذي أبدوه في سقيفة ~~بني ساعدة فلا مسوغ له. # فهذه الألوية إنما عقدت لقتال المرتدين، ولم يكن الأنصار دون المهاجرين إيمانا بالله ~~ورسوله، فالحذر من ناحيتهم في هذا القتال لا مسوغ له، ولو مثل هذا التأويل ساغ في شأن ~~الأنصار لساغ كذلك في شأن كبار المهاجرين أمثال علي، وطلحة، والزبير، ممن أقاموا كما كما ~~أقام عمر بن الخطاب بالمدينة ليشيروا على أبي بكر، فيكون مركز القيادة العامة قويا بهم ~~وبما يضعون ms095 من خطط ويدبرون من أمور. # ومم كان أبو بكر يحذر أو يخشى؟ إنه لم يتول الخلافة رغبة منه فيها، بل لأن أولي الرأي ~~بالمدينة رأوه أصلحهم لها، ولقد أبدى منذ تولاها من التقدير لأعبائها ما يشهد بأنه قبلها ~~مضحيا في سبيل الله، كان مما قاله وهو يخطب الناس بعد قليل من تمام بيعته: «أما بعد، فإني ~~وليت هذا الأمر وأنا له كاره ووالله لوددت أن بعضكم كفانيه!» وخطب مرة فقال بعد أن حمد الله ~~وأثنى عليه: «إن أشقى الناس في الدنيا والآخرة الملوك.» فرفع الناس رءوسهم دهشا فقال: «ما ~~لكم أيها الناس! إنكم لطعانون عجلون، إن من الملوك من إذا ملك زهده الله فيما بيده، ~~ورغبه فيما بيد غيره ... فهو كالسراب الخداع، جذل الظاهر، حزين الباطن.» وكان منزل أبي ~~بكر بالسنح عند زوجته حبيبة بنت خارجة منزلا بدويا صغيرا لم يغير منه ولا غير من منزله ~~بالمدينة بعد ما بويع، بل أقام به ستة أشهر يغدو على رجليه من السنح إلى المدينة، وربما ركب ~~فرسا له، وكان يتجر في الثياب، فلما رأى أعباء الدولة أشق من أن تتفق والتجارة قال: «لا ~~والله ما يصلح أمر الناس والتجارة! وما يصلح لهم إلا التفرغ والنظر في شأنهم، ولا بد لعيالي ~~ما يصلحهم.» وترك التجارة ووظف له من بيت مال المسلمين ما يصلحه ويصلح عياله، فلما حضرته ~~الوفاة قال: «ردوا ما عندنا من مال المسلمين فإني لا أصيب من هذا المال شيئا، وإن أرضي ~~بمكان كذا للمسلمين بما أصبت من أموالهم.» قال عمر بن الخطاب وهو يستولي على هذه الأرض بعد ~~ما استخلف: «لقد أتعب أبو بكر من بعده.» # رجل ذلك شأنه مم يحذر؟! وما كان عسى أن يحذر يوم عقد الألوية الأحد عشر وكانت مكانته ~~قد توطدت بين المسلمين، بل بين العرب جميعا، بما أبدى من حزم وحسن رأي وصدق إيمان وحرص على ~~التضحية كانت كلها بعض صفاته في جميع أدوار حياته، ثم بلغت أوج قوتها وصفائها في هذه الآونة ~~التي جلل ms096 الشيب فيها رأسه بعد أن تخطى الستين وتولى خلافة رسول الله، لذلك لم يخامر أحدا ~~الريب في مقاصده، ولم يتردد أحد في تنفيذ ما أمر به. # ولقد كان اللواء الذي عقده لخالد بن الوليد أمنع الألوية الأحد عشر وأقواها، وكان به خيرة ~~المقاتلة من المهاجرين والأنصار، ولعل خالدا هو الذي اختارهم، وسترى من بعد أنهم أبلوا في ~~حروب الردة خير بلاء، ثم كان لهم في حروب العراق والشام بلاء لا تبليه الأيام، ولا يجني ~~عليه النسيان. # ولا عجب أن يكون ذلك شأن لواء على رأسه خالد بن الوليد، فقد كان خالد عبقريا في الحرب ~~لا يغلب، آتاه الله موهبتها، كما آتى هذه الموهبة الإسكندر الأكبر، وجنكيز خان، ويوليوس ~~قيصر، وهانيبال، ونابليون، كان بطلا مقداما وفارسا مغامرا، ثم كان له من سلامة الحكم ~~وسرعته ما يجنبه كل خطر للمغامرة أو الإقدام، وكان مداورا في الحرب ألهم سرها وتجلى له ما ~~جل ودق من أمرها، وكان الناس جميعا يشهدون له بهذا، وقد سماه رسول الله «سيف الله» حين ~~تولى أمر الجيش «بمؤتة» بعد مقتل زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة، ~~فداور به في وجه الروم ثم ارتد به سالما ينتصر ولم يلحقه عار الهزيمة، وبقي خالد سيف الله ~~في كل وقائعه إلى أن مات. # وكان خالد قبل إسلامه بطل قريش المغوار وفارسها المعلم، لذلك كان في وقائع بدر وأحد ~~والخندق على جيش المشركين، وكان له من صفات الجندي خشونة في الطبع، وميل إلى الشدة والبطش ~~وتسرع لولا سلامة حكمه لأضر به، من ثم كان لا يهاب الأقران ولا يخشى أحدا، لما ذهب رسول ~~الله إلى مكة في عمرة القضاء بعد عهد الحديبية ثم عاد إلى المدينة، وقف خالد بن الوليد في ~~جمع من قريش يقول: «لقد استبان لكل ذي عقل أن محمدا ليس بساحر ولا شاعر، وأن كلامه من كلام ~~رب العالمين، فحق على كل ذي لب أن يتبعه.» ودار لذلك بينه وبين عكرمة بن أبي جهل ms097 حوار لم ~~يبلغ العنف فيه مبلغا تخشى مغبته، ولم يكن أبو سفيان حاضرا هذا الاجتماع، فلما بلغه إسلام ~~خالد بعث في طلبه وسأله أحق ما بلغه عنه، أجابه خالد إنه حق، وإنه أسلم، وشهد برسالة محمد؛ ~~فغضب أبو سفيان وقال: «واللات والعزى لو أعلم أن الذي تقول حق لبدأت بك قبل محمد.» وكان ~~جواب خالد في حدة المعتز بنفسه: «فوالله إنه لحق على رغم من رغم.» # ولحق خالد بالمدينة، فلم يلبث أن سمت مكانته بين المسلمين بوصفه محاربا، فلما كانت مؤتة ~~كان سيف الله فيها، ثم كان سيف الله من بعد؛ فتح الله به العراق والشام وأذل به فارس والروم ~~الإمبراطوريتين العظيمتين صاحبتي الأمر والنهي في شئون العالم يومئذ، فلا عجب أن يختاره أبو ~~بكر أميرا على لوائه الأمنع، ولا عجب أن يكون لخالد في حروب الردة وما تلاها ما سنقص عليك ~~نبأه من بعد. # هل سير أبو بكر هذه الألوية الأحد عشر للقتال أول ما تم تجهيزها؟ وهل سيرها كلها دفعة ~~واحدة؟ ذلك ما يذكره بعض الرواة وإن دلت الوقائع على خلافه، لكنه على كل حال لم يسير ~~أولها حتى بدأ بهجوم سلمي مهد به لها خير تمهيد، فقد أذاع في الناس من أهل شبه الجزيرة ~~جميعا كتابا تحدث فيه إلى من بلغه هذا الكتاب من عامة أو خاصة، أقام على الإسلام أو رجع ~~عنه، وقد بدأ هذا الكتاب بحمد الله والثناء عليه، وذكر بعثه محمدا بالحق من عنده بشيرا ~~ونذيرا، ثم أشار إلى وفاة رسول الله بعد أن بلغ ما أمره الله أن يبلغه للناس، وأن الله قد ~~بين ذلك لأهل الإسلام فقال: # إنك ميت وإنهم ~~ميتون # وقال: # وما جعلنا لبشر من قبلك ~~الخلد أفإن مت فهم الخالدون # وقال للمؤمنين: # وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ~~أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب ~~على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله ~~الشاكرين ~~(آل عمران: 144) وإنما أراد الصديق بذكر هذه الآيات أن يدفع بها ms098 ~~ما ثار من الفتنة بقول الذين قالوا: لو أن محمدا كان رسولا حقا ما مات، وبعد أن فرغ من ~~ذلك ومن الإيصاء بتقوى الله والاعتصام بدينه قال: «وقد بلغني رجوع من رجع منكم عن دينه بعد ~~أن أقر بالإسلام وعمل به، اغترارا بالله (عز وجل)، وجهالة لأمره ، وإجابة للشيطان ... وإني قد ~~أنفذت إليكم فلانا في جيش من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان، وأمرته ألا يقاتل أحدا ~~ولا يقتله حتى يدعوه إلى داعية الله، فمن استجاب وأقر وكف وعمل صالحا قبل منه وأعانه عليه، ~~ومن أبى أن يقاتله على ذلك، ولا يبقي على أحد منهم قدر عليه، وأن يحرقهم بالنيران ويقتلهم ~~كل قتلة، ويسبي النساء، والذراري، ولا يقبل من أحد إلا الإسلام، فمن آمن فهو خير له، ومن ~~تركه فلن يعجز الله، وقد أمرت رسولي أن يقرأ كتابي في كل مجمع لكم، والداعية الأذان.» لذلك ~~كان المسلمون إذا أذنوا فأذن الناس كفوا عنهم، وإن لم يؤذنوا سألوهم ما هم عليه، فإن أبوا ~~عاجلوهم. # أذاع أبو بكر هذه الرسالة في مختلف الأنحاء من شبه الجزيرة، وإنما ابتغى بها أن يدع ~~للمترددين فرصة للتفكير؛ فإنه قد انساق كثيرون وراء الدعاء مخافة ما يصيبهم إذا أقاموا على ~~إسلامهم، أو أمسكوا على الأقل عن نصرة زعماء الردة، بذلك تحقن دماء، وبه يتضعضع عزم كثيرين ~~فلا يقاومون، وسترى أن هذا الأثر الذي قصد إليه أبو بكر من هجومه السلمي قد تحقق منه حظ ~~عظيم. # على أن أبا بكر لم يقصد من هجومه ذاك مداورة يقف عندها، فإن أنتجت أثرها فذاك، وإن لم ~~تنتجه التمس وسيلة غيرها لهجوم سلمي آخر، كلا! بل لقد كان جادا كل الجد في كل كلمة من ~~كلمات كتابه، وفي كل صورة من صور التهديد التي ذكرها فيه، فهو لم يلبث حين أتم هذا الكتاب ~~يعذر فيه للمرتدين وينذرهم أن كتب إلى أمراء الألوية عهدا لقتال من رجع عن الإسلام أن ~~يجاهدوهم بعد أن يعذروا إليهم فيدعوهم بدعاية الإسلام، فإن أجابوا الأمير على جند ms099 المسلمين ~~أمسك عنهم، وإن لم يجيبوه شن غارته عليهم حتى يقروا له، ثم ينبئهم بالذي عليهم والذي لهم، ~~فيأخذ ما عليهم، ويعطيهم ما لهم، لا ينظرهم، ومن يجب الدعوة لم يكن لأحد عليه سبيل، وكان ~~الله حسيبه بعد فيما استسر به، أما من لم يجب داعي الله فليقتل وليقاتل حيث كان، ~~ولا يقبل منه إلا الإسلام، وليقتل بالسلاح والنيران. # بهذين الكتابين وبالألوية التي عقدها أبو بكر تم التجهيز لحروب الردة، وأنت ترى في هذا ~~كله صورة صحيحة للسياسة الحازمة التي اتبعها أبو بكر في خلافته، وقد يحسبها البعض عجبا من ~~أبي بكر مع ما عرف عنه من لين الطبع ودماثة الخلق والحرص على تألف القلوب بالحسنى، لكنها ~~ليست عجيبة البتة وإيمان الصديق بالله ورسوله لم يعرف التردد إليه سبيلا، والطبائع الرقيقة ~~تأبى العنف ولا تميل إلى الشدة في مألوف ما بين الناس من تجارة الحياة، فأما إن اتصل الأمر ~~بشيء يؤمن أصحاب هذه الطبائع به، فلن تقاس بشدتهم شدة ولا بقوتهم قوة، وكأنما ركب في الفطرة ~~الإنسانية مقدار من الشدة واللين يتقارب قدره في كل فرد من الناس جميعا، ثم يتفاوتون في ~~تقدير الأوقات والمناسبات التي تجب فيها الشدة أو يجب فيها اللين، فمنهم من تغلب الشدة طبعه ~~أكثر الوقت، فإذا رأيته حسبته لا يلين أبدا، ومنهم من تغلب الرقة طبعه أكثر الوقت، فإذا ~~رأيته حسبته لا يشتد أبدا، والواقع أنك ترى من تغلب الشدة طبعه يلين أحيانا، فإذا به يبلغ ~~في رقته وفي لينه حدا لا يجده الإنسان فيمن ألف منهم لين الجانب ورقة الطبع، والذين ~~تغلبهم الرقة معظم الوقت وتبلغ منهم حد التألم للغير والبكاء لشقائه، يصلون من البأس والبطش ~~أحيانا إلى حد لا يجده الإنسان فيمن كانت الشدة بعض طبعهم. # أفكان يظن أحد أن يقف أبو بكر من بعث أسامة ذلك الموقف الحاسم مخالفا كبار المسلمين، ~~مهاجريهم والأنصار؛ أو أن يشتد في أمر الذين منعوا الزكاة لا يصده عن قتالهم غياب جيش ~~المسلمين عن المدينة؟! وسترى له ms100 من بعد مواقف كهذه تثير عجبك وإعجابك لبأس رجل كله الرقة ~~والرفق ولين الجانب. # وقد بينا تأويل ذلك من قبل حين تحدثنا عن إيمان الصديق بالله ورسوله، كان هذا ~~الإيمان عنده هو الحق لا حق غيره، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وكان حقا ~~كله، فصله الله في كتابه الذي أوحاه إلى محمد عبده ورسوله، فإذا جاز أن يساوم الناس بعضهم ~~بعضا على أمر في الحياة، فلن تتناول المساومة هذا الحق المتصل بالله جل شأنه، والذي لا ~~يملك أحد من أمره إلا التسليم به والإذعان له، فمن حدثته نفسه بالخروج عليه فلا شأن لأبي ~~بكر معه إلا أن يقاتله حتى يرده إلى الحق أو يقتله، وهو يقاتله ولو كان الصديق وحده، ولو لم ~~يبق في القرى غيره، كذلك كان في أمر من منعوا الزكاة، فأحر به أن يكونه في أمر من تمت ~~ردتهم أو حدثتهم أنفسهم أن يؤمنوا برسول غير محمد رسول الله. # آن لأبي بكر بعد أن تم التهيؤ لقتال المرتدين أن يبدأ هذه الحرب الحاسمة في حياة ~~الإسلام، فلقد كانت حربا حاسمة لا ريب، ولئن لم ينتصر المسلمون فيها ليكونن ذلك النذير ~~بعود العرب إلى جاهليتهم الأولى، لكن الله جل ثناؤه قدر أن يظهر دينه على الدين كله، ~~وجعل أبا بكر أول آية له تطالع الناس بما أراد وقدر؛ لذلك لم يعرف تاريخ الإسلام ولن يعرف ~~حروب ردة كالتي واجهها أبو بكر فتغلب بإيمانه عليها، ثم كانت طليعة انتشار الإسلام في ~~الخافقين. # الفصل السابع # | طليحة وغزوة البزاخة # باءت عبس وذبيان وبنو بكر ومن آزرهم في مهاجمة المدينة بعار الهزيمة، فانحازت إلى طليحة ~~بن خويلد الأسدي، وانضم إلى هؤلاء قبائل طيء وغطفان وسليم وما جاورها من أهل البادية ~~الواقعة شرق المدينة وإلى شمالها الشرقي، وكانوا جميعا يقولون ما يقوله عيينة بن حصن ومن ~~معه من بني فزارة: «نبي من الحليفين - يعنون أسدا وغطفان - أحب إلينا من نبي من قريش، وقد ~~مات محمد وطليحة حي.» # ولم يكن ms101 هؤلاء في ريب من أن أبا بكر سيتجهز لهم ويحاربهم، لكنهم أصروا على مناهضته، وعلى ~~متابعة طليحة، تمردا على سلطان المدينة، وحرصا على استقلالهم، واستكبارا أن يؤتوا ~~الزكاة؛ إذ هم يرونها إتاوة يؤديها التابع للمتبوع، وكان طليحة يقيم بسميراء، ثم انتقل منها ~~إلى بزاخة يحسبها أمنع موقعا وخيرا في الحرب مكانا. # وطليحة لم يتنبأ بعد موت رسول الله، بل تنبأ في العهد الأخير من حياته، شأنه في ذلك شأن ~~الأسود العنسي ومسيلمة، وهو لم يدع العرب إلى العودة لعبادة الأصنام، كما لم يدعهم غيره من ~~المتنبئين إلى العودة لعبادتها، لقد قضى محمد على هذه الوثنية في بلاد العرب قضاء مبرما، ~~فامتدت دعوة التوحيد إلى أنحاء شبه الجزيرة جميعا، واستقرت في النفوس استقرارا جعل ~~التفكير في الأصنام ضربا من الهذيان يستحيي منه كل إنسان، وإنما زعم أولئك المتنبئون أنهم ~~يوحى إليهم كما يوحى إلى محمد، وأن الملك يأتيهم من السماء كما يأتي محمدا، وقد حاول ~~بعضهم محاكاة القرآن فيما أوهم أنه يوحى إليه، وحفظت الروايات لنا صورا لما زعموا من ذلك ~~يصعب القطع بصحة نسبتها، فهو من السخف بحيث يتعذر على أي إنسان أن يتصور كيف يرضى متنبئ ~~إذاعتها باسمه في الناس، وكيف يقبل الناس عليه أو يتبعونه حين يرونه ينسب هذا الهذر إلى ~~الوحي ويدعي أنه من كلام رب العالمين، وحسبك أن تتلو ما قيل إن طليحة زعم أنه أوحي إليه ~~لترتاب في أن يدعيه رجل تجتمع العرب حوله، ثم يكون له من بعد في الإسلام مواقف لا يزال ~~يحفظها التاريخ عن وقائع الفتح في إبان عهد عمر بن الخطاب، ومما تذكر الروايات عما زعم ~~طليحة أنه أوحي إليه قوله: «والحمام واليمام، والصرد الصوام، قد صمن قبلكم بأعوام، ليبلغن ~~ملكنا العراق والشام.» # لقد طالما قرأنا عن سجع الكهان في الجاهلية، وكلنا نذكر أن قريشا حاربت محمدا بأنه ~~كاهن، وبأن ما يوحى إليه هو بعض هذا السجع، ولقد استبان لمن عاصروا النبي أن هذه الدعاية ~~هراء حين توجه إلى القرآن، ثم ms102 استبان للعرب وللناس جميعا أن القرآن معجزة محمد، لن يستطيع ~~الإنس والجن أن يأتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا، ولقد كان طليحة كاهنا، كما كان ~~الأسود العنسي كاهنا، أفهذا السجع الذي ادعوه وحيا كان من سجع الكهان؟! لئن صح ذلك لقد ~~كان الكهان طرازا من المشعبذين أعجب طراز، ولقد كان ما ينسب إليهم من الحكمة مما يزري ~~بالحكمة. # وسواء أصحت نسبة هذه الأقوال إلى طليحة أم لم تصح فإنه قام يدعو إلى آراء لم يحفظ لنا ~~التاريخ منها شيئا يذكر، وكل ما يحدثنا به أنه أنكر الركوع والسجود في الصلاة، وقال: إن ~~الله لم يأمر أن تمرغوا وجوهكم في التراب، أو أن تقوسوا ظهوركم في الصلاة، فإن يكن ما نسب ~~إليه من ذلك صحيحا فلعله نقله عن الصلاة عند المسيحيين، وإنما ترجع قلة ما بقي لنا من آثار ~~طليحة ومسيلمة وأضرابهما إلى مثل السبب الذي ترجع إليه قلة ما لدينا عن الأصنام؛ فقد عفى ~~المسلمون الأولون على ذلك كله، ولم يفكر أحد منهم في تدوينه أو روايته، ولم يدون من بعد إلا ~~ما عد تدوينه تأييدا للدين القيم، وأنت تعرف أن المسلمين لم يدونوا في الصدر الأول شيئا ~~إلا ما كان من جمع أبي بكر كتاب الله، فأما جمع السنة والحديث فقد حدث بعد القرن الأول، وقد ~~اقتضى العاملين عليه من المشقة ما لم يهونه إلا عظيم الرجاء في مثوبة الله عنه، فلا عجب ~~وذلك هو الشأن أن تخامرنا الريبة في كثير من الروايات عن طليحة وغيره من المتنبئين، وبخاصة ~~إذا لم تتفق هذه الروايات والمعروف من حياة العرب في حضرهم وبدوهم، ولم تتسق مع ما يتصل بها ~~من الأحداث والشئون. # تنبأ طليحة في بني أسد، كما تنبأ الأسود في اليمن ومسيلمة في اليمامة، في حياة النبي، ~~هنالك وجه محمد ضرار بن الأزور إلى عماله على بني أسد يأمرهم بالقيام على كل من ارتد، ونزل ~~المسلمون واردات، ونزل طليحة ومن معه سميراء، وكان عدد المسلمين يزداد، وعدد المرتدين ينقص، ms103 ~~لتواتر الأنباء عن نصر المسلمين في شتى الميادين، حتى هم ضرار بالسير إلى طليحة لمقاتلته، ~~ولقد سبقه أحد المسلمين يريد أن يريح من هذا المتنبئ فضربه بالسلاح فنبا عنه ولم يصبه، ~~وأسرع المحيطون بطليحة فأذاعوا هذا الأمر في الناس وجعلوا يقولون: إن السلاح لا يجوز في ~~نبيهم ، وإن المسلمين ليتجهزن لمواجهة هذا الموقف إذ جاءهم النبأ بوفاة رسول الله، فاضطربوا ~~وتناقص عددهم، وهرع الكثيرون منهم إلى طليحة يتابعونه ويؤيدونه، فلما انحازت إليه عبس ~~وذبيان بعد أن هزمهم أبو بكر بذي القصة استغلظ أمره وظن أن لن يغلب. # اجتمع إلى عبس وذبيان من القبائل ما زاد طليحة قوة، ذلك أن أسدا وغطفان وطيئا كان ~~بينهما حلف في الجاهلية من قبل أن يبعث رسول الله، ثم إن أسدا وغطفان اجتمعتا على طيء ~~فأجلوها عن ديارها، وانقطع بذلك ما بينها وبينهما، فلما مات رسول الله قام عيينة بن حصن ~~الفزاري في غطفان فقال: «ما أعرف حدود غطفان منذ انقطع ما بيننا وبين بني أسد، وإني لمجدد ~~الحلف الذي كان بيننا في القديم ومتابع طليحة، والله لأن نتبع نبيا من الحليفين أحب إلينا ~~من أن نتبع نبيا من قريش، وقد مات محمد وبقي طليحة.» وتابع عيينة قومه على رأيه، فاشتدت ~~بهم شوكة المرتدين حتى فر من كان بينهم من المسلمين إلى المدينة. # اجتمعت هذه القبائل في بزاخة معلنة ردتها وخروجها على سلطان المدينة، وتهيأ أبو بكر فعقد ~~الألوية لقتالهم، وبعث إليهم، كما بعث إلى غيرهم من أهل شبه الجزيرة، بكتابه يهددهم فيه ~~بالقتال والقتل إن لم يعودوا إلى حظيرة الإسلام، وكان خالد بن الوليد هو الموكل بطليحة ~~وبمالك بن نويرة من بعد، فهل أسرع بالسير إليه ليناجزه ويناجز معه كل هذه القبائل؟ كلا! بل ~~أذاع أبو بكر أنه خارج بنفسه على رأس جيش إلى خيبر حتى يلاقي خالدا فيعينه على جموع ~~المرتدين ثم إنه طلب إلى عدي بن حاتم، وكان قد جاء بالزكاة إلى المدينة كما أسلفنا، أن يذهب ~~إلى قومه طيء يخوفهم عاقبة ms104 أمرهم إذا أصروا على ردتهم، ولم يقصد خالد إلى البزاخة من فوره، ~~بل جنح إلى أجأ وأظهر أنه خارج إلى خيبر لينضم إلى جيش الخليفة ثم ينصب الجيشان على ~~البزاخة، وبلغ عدي قومه وقد ذاعت هذه الأنباء في الناس. # وتحدث عدي إلى بني طيء يدعوهم ليرجعوا إلى الإسلام، وليكونوا مع أبي بكر صفا، قالوا: ~~«لا نتابع أبا الفصيل أبدا.» وأبو الفصيل كنية أراد خصوم الصديق أن يسخروا بها من كنيته ~~أبي بكر، هنالك قال عدي: «لقد أتاكم قوم ليبيحن حريمكم، ولتكننه بالفحل الأكبر، فشأنكم به.» ~~وذكر لهم من عدة المسلمين وعددهم ما روعهم وأفزعهم وأراهم الفصيل فحلا حقا، وأنى لهم أن ~~يرتابوا في حديث عدي وقد هزم أبو بكر عبسا وذبيان ومن ناصرهما حين كانت جيوشه بعيدة عنه ~~على تخوم الروم؟! وفيم يقاتلون أبا بكر وعدي لا يطلب إليهم إلا أن يقيموا على ما كانوا عليه ~~في عهد الرسول؟! وهل تراهم يعرضون أنفسهم وأبناءهم ونساءهم لما عرف عن خالد بن الوليد من ~~شدة وقسوة لغير شيء إلا أن يستبدلوا طليحة بأبي بكر؟! # تحدث بعضهم إلى بعض في هذا، فرأوا أن عديا على الحق، وأنه يخلص لهم الرأي ويصدقهم ~~النصيحة، عند ذلك توجهوا إليه بالقول: «إذن فاستقبل الجيش فنهنهه عنا حتى نستخرج من لحق ~~بالبزاخة منا؛ فإنا إن خالفنا طليحة وهم في يديه قتلهم وارتهنهم.» وفرح عدي بما بلغ من ~~إقناعهم، وكر راجعا إلى السنح فاستقبل خالدا وقال له: «يا خالد! أمسك عني ثلاثا يجتمع لك ~~خمسمائة مقاتل لتضرب بهم عدوك، وذلك خير لك من أن تعجلهم إلى النار وتشاغل بهم.» ولم يكن ~~خالد ليخفى عليه، وهو الخبير النابغة في الحرب، أن انسلاخ طيء عن طليحة يضعفه ويفت في عضده، ~~لذلك أمسك ثلاثة أيام عن السير، في حين عاد عدي إلى قومه فألفاهم أرسلوا إلى إخوانهم ~~بالبزاخة أن يأتوهم مددا يعاونهم على جند المسلمين قبل أن يهاجموا طليحة، وراقت هذه الحجة ~~طليحة، فتركهم ينصرفون إلى طيء، فلما تحدثوا إلى قومهم وتحدث ms105 إليهم قومهم برأي عدي اقتنعوا ~~وعاد عدي بإسلامهم إلى خالد. # وارتحل خالد نحو الأنسر يريد جديلة، وتعرض له عدي كرة أخرى فقال له: «إن طيئا كالطائر، ~~وإن جديلة أحد جناحي طيء، فأجلني أياما لعل الله أن ينتقذ جديلة كما انتقذ الغوث.» ولم ~~يتردد خالد في إجابته إلى ما طلب، فذهب إلى جديلة، فلم يزل بهم حتى بايعوه، فجاء خالدا ~~بإسلامهم، ولحق بالمسلمين منهم ألف راكب، يقول المؤرخون: فكان عدي خير مولود ولد في أرض طيء ~~وأعظمه عليهم بركة. # بلغت أنباء طيء وجديلة طليحة وهو فيمن بقي معه بالبزاخة، ولست في حاجة إلى أن أذكر ما ~~وهنت هذه الأنباء من عزمه وأضعفت من قوته، لكنه أصر مع ذلك على موقف المقاومة إذا هوجم، وما ~~كان له أن يفعل غير ذلك وإلى جانبه عيينة بن حصن على رأس سبعمائة من فزارة، وهو أشد الناس ~~حنقا على أبي بكر وحرصا على توهين سلطان المسلمين، فعيينة هو الذي كان على رأس فزارة في ~~غزوة الأحزاب: وكان صاحب كتيبة من الكتائب الثلاث التي حاولت مهاجمة المدينة بعد اتفاق ~~الأحزاب مع بني قريظة، ثم إنه هو الذي أراد الإغارة على المدينة بعد قليل من هزيمة الأحزاب ~~فصده رسول الله، وحمله على الفرار في غزاة ذي قرد، فإن يكن قد أسلم بعد مواقفه تلك، فإنما ~~أسلم مذعنا للقوة التي لا تغلب، أما وقد قبض الله رسوله إليه فلن يرضى عن سلطان أبي بكر. ~~لن يستطيع طليحة إذن أن يرجع عن نبوته بعد أن غادرته طيء وجديلة وهو يعلم أن رجوعه يقلب ~~عليه عيينة ويثير عليه كل من حوله، ويعرض حياته للخطر، فليقم حيث هو، ولينتظر خالد بن ~~الوليد ومن معه، ثم ليكن الأمر بعد ذلك ما يكون. # وآن لخالد أن يتحرك لمقاتلة المرتدين، فأرسل طليعة له عكاشة بن محصن وثابت بن أقرم ~~الأنصاري، وكانا من سادات العرب وأبطالها ذوي الشوكة، ولقي عكاشة وثابت جبالا أخا طليحة # 1 # فقتلاه، فلما بلغ مقتله طليحة خرج مع أخيه الآخر سلمة ms106 ينظران ويسألان، ولم يمهل ~~سلمة ثابتا حين رآه أن قتله، وثبت عكاشة لطليحة، فاستعان بأخيه سلمة وقتلا عكاشة ثم رجعا ~~أدراجهما. # وأقبل خالد بن الوليد بالناس، فلما رأوا صاحبيهم قتيلين جزعوا وقالوا: سيدان من سادات ~~المسلمين وفارسان من فرسانهم! ورأى خالد ما بأصحابه من الجزع فآثر ألا يواجه بهم عدوهم حتى ~~تطمئن نفوسهم، لذلك انحرف إلى طيء، واستنفر بمعونة عدي كل من استطاع أن يستنفره من رجالها، ~~ورأى المسلمون عددهم يزداد وقوتهم تتضاعف بهذا العدد، فطابت بالحرب نفوسهم، فسار بهم خالد ~~إلى بزاخة ليقضي على طليحة غير وان ولا متردد. # وكانت قيس وبنو أسد متجهزين حول طليحة للقتال، قال قوم من الطائيين الذين انضموا إلى جنود ~~خالد: سألنا خالدا أن نكفيه قيسا فإن بني أسد حلفاؤنا، فقال: والله ما قيس بأوهن ~~الشوكتين، اصمدوا إلى أي القبيلتين أحببتم، فقال عدي: لو ترك هذا الدين أسرتي الأدنى ~~فالأدنى من قومي لجاهدتهم عليه، أفأنا أمتنع عن جهاد بني أسد لحلفهم! لا لعمر الله لا أفعل! ~~فقال له خالد: إن جهاد الفريقين جميعا جهاد، لا تخالف رأي أصحابك، امض إلى أحد الفريقين، ~~وامض بهم إلى القوم الذين هم لقتالهم أنشط، وكذلك قاتلت طيء قيسا، وقاتل سائر المسلمين بني ~~أسد. # وكان عيينة بن حصن هو الذي يقود المعركة في جانب طليحة في حين كان طليحة يقيم في بيت من ~~الشعر ملتفا في كساء له يتنبأ للناس، فلما حمي وطيس الحرب ورأي عيينة قوة خالد والمسلمين ~~كر على طليحة يسأله: هل جاءك جبريل بعد؟ قال: لا. فرجع عيينة فقاتل، حتى إذا ازداد وطيس ~~الحرب ضراما كر راجعا إلى طليحة يقول: لا أبا لك! أجاءك جبريل بعد؟ قال: لا والله، قال ~~عيينة: حتى متى! والله لقد بلغ منا، ثم إنه رجع إلى الوطيس فرأى خيل خالد تكاد تحيط به ~~وبأصحابه، فرجع إلى طليحة فزعا يكرر: هل جاءك جبريل بعد؟ قال: نعم. قال: فماذا قال لك؟ قال ~~طليحة: إنه قال لي: «إن لك رحا كرحاه، وحديثا لا تنساه.» ms107 ولم يتمالك عيينة حين سمع الهذر ~~أن صاح: قد علم الله أن سيكون حديث لا تنساه. ثم نادى في قومه: انصرفوا يا بني فزارة فإنه ~~كذاب! # وانصرف الناس يولون الأدبار، ومر قوم بطليحة ينادونه: ماذا تأمرنا؟ وكان طليحة قد أعد ~~فرسه عنده وهيأ بعيرا لامرأته النوار، فلما بصر بالناس يغشونه وينادونه قام فوثب على فرسه ~~ثم حمل امرأته ونجابها، وهو يقول: «من استطاع أن يفعل منكم مثل ما فعلت وينجو بأهله ~~فليفعل.» # كانت هذه خاتمة المقاومة التي حاول هذا المتنبئ أن يثبت بها لأبي يكر، بل كانت هذه خاتمة ~~نبوته؛ فقد لحق بالشام وكذبه من قالوا من قبل بنبوته. # واستقر المقام بطليحة في كلب فنزل بها، وعاد إلى الإسلام حين بلغه أن القبائل التي تابعته ~~قد عادت إلى الدين القيم، وخرج بعد ذلك إلى مكة معتمرا في خلافة أبي بكر، فمر بجنبات ~~المدينة، فذكر بعضهم لأبي بكر مكانه؛ فقال: «ما أصنع به! خلوا عنه فقد هداه الله ~~للإسلام.» # ولما استخلف عمر بن الخطاب أتى طليحة يبايعه؛ فقال له عمر: أنت قاتل عكاشة وثابت! والله ~~لا أحبك أبدا! قال: يا أمير المؤمنين، ما يهمك من رجلين أكرمهما الله بيدي ولم يهني ~~بأيديهما. فرضي عمر بيعته، ثم قال له: يا خدع، ما بقي من كهانتك؟ قال: نفخة أو نفختان، ثم ~~رجع إلى قومه فأقام بينهم، حتى خرج إلى العراق فأبلى بها مع المسلمين أحسن بلاء. # انصرف عيينة بن حصن في قومه من بني فزارة وأعلن على ملأ من الناس أن طليحة كذاب، وفر ~~طليحة على فرسه واصطحب امرأته النوار ونصح للناس أن يفروا، أفكان ذلك آخر النضال بين خالد ~~بن الوليد والقبائل التي وقفت في صف طليحة، وبينه وبين القبائل المرتدة في الشمال الشرقي من ~~شبه الجزيرة؟! قد يتبادر ذلك إلى الذهن، وبخاصة إذا عرفت أن بني أسد قوم طليحة عادوا إلى ~~الإسلام ولم يكن قد أصيب في القتال منهم أحد، لكن الواقع أن خالدا بقي في عسكره بالبزاخة ~~شهرا كاملا، وأنه ms108 قاتل من فلول القبائل من بقي على ردته، ومن اجتمع حول أم زمل يمالئها ~~على عصيان أبي بكر وعلى الردة؛ كما قتل من اعتدى على المسلمين بالقتل، وبعث إلى المدينة بمن ~~خرجوا على خليفة الرسول أمثال قرة بن هبيرة، والفجاءة السلمي، وأبو شجرة بن عبد العزى ~~السلمي، فدخلوها أسرى حتى أنفذ أبو بكر فيهم أمره. # يجمل بنا قبل أن نقص نبأ أم زمل وسائر المرتدين فلول جيش طليحة، أن نقف هنيهة وأن نسأل: ~~ما بال هؤلاء القوم لم يرجعوا إلى الإسلام كما رجع بنو أسد قوم طليحة وأعرف الناس به؟! أفلا ~~يقتضيهم العقل بعد ما تبينوا كذبه أن يكونوا مع المؤمنين بنبوة محمد ورسالته؟ لقد أسلفنا ~~جوابا على مثل هذا السؤال، فأكثر هؤلاء العرب إنما أذعنوا لنبوة محمد ولو يؤمنوا بها، ~~وكثير منهم من رأى من عبادة الأصنام هزؤا فعدل عنها إلى عبادة الواحد الأحد، لكنهم رأوا ~~فيما فرضه عليهم محمد من التكاليف بحكم هذه العبادة ما لا تطمئن إليه طبائعهم، فرأوا أن من ~~الحق لهم أن يتحللوا منه، وقد صارحوا أبا بكر بهذا في أمر الزكاة؛ لأن حب الناس المال أقوى ~~في نفوسهم من كل شيء غيره، لكنهم كانوا يودون لو تحللوا من الصلاة ومن سائر التكاليف التي ~~فرضها الإسلام عليهم، وهم إنما اتبعوا طليحة، واتبعوا مسيلمة، واتبعوا غير هذين، ليحطوا عن ~~عواتقهم ما فرضه الإسلام عليهم، فإذا ثبتوا بعد فرار طليحة وأرادوا مواجهة خالد فذلك لأنهم ~~يأملون في نصر يجعل أبا بكر يصالحهم على النزول عن بعض هذه التكاليف، ويحقق لهم ما كانوا ~~يرجونه من مصانعة طليحة. # وثم سبب آخر يتصل بنفسية البدو والأعراب ومن إليهم جعلهم لا ينفضون بفرار طليحة، فقد كانت ~~بينهم وبين المهاجرين والأنصار ثارات قديمة من عهد الرسول تناسوها حين تغلب عليهم فأذعنوا ~~لسلطانه وأظهروا الرضا بأمره، وإنما كان شأنهم في ذلك شأن المغلوب يرضى كارها، فإذا أتيحت ~~له فرصة للثأر اقتنصها ولم يفتها، وهذه فرصة تهيأت تعيد للأذهان يوم الأحزاب وغزوة الخندق، ~~ولقد ms109 كانت المدينة موشكة أن تفتح أبوابها للأحزاب لولا الريح الصرصر العاتية التي جعلتهم ~~يولون منها فرارا ويمتلئون رعبا، فليهتبلوا هذه الفرصة التي أتاحتها المقادير لمواجهة ~~خالد وليثبتوا له، لعلهم يكونون أحسن حظا مما كانوا على عهد محمد، وعلهم يستعيدون لقبائل ~~البادية ذلك الاستقلال العزيز عليها بعد أن تقلص ظله أو كاد. # ولو أن القبائل كلها حركتها هذه العواطف البدوية لدق موقف خالد والذين معه، لكنك قد رأيت ~~طيئا تنحاز مع من انحاز إلى طليحة، ثم لا تلبث حين يخاطبها عدي بن حاتم أن تعود إلى ~~الإسلام، وأن تنضم إلى خالد وأن تحارب في صفه، وأن تدخل على طليحة من الفزع ما كان بين ~~الأثر في هزيمته، ولقد حدث مثل ذلك بعد أن فر طليحة وانخذل عيينة في بني فزارة. كانت بنو ~~عامر تقدم للردة رجلا وتؤخر أخرى، تنتظر ما يصير إليه أمر قيس وبني أسد، فلما هزمهم خالد ~~ودارت عليهم دائرة السوء، أقبلت بنو عامر يقولون: ندخل فيما خرجنا منه، وبايعهم خالد على ما ~~بايع عليه أهل البزاخة من أسد وغطفان وطيء قبلهم؛ فكان لعودهم إلى الإسلام أثره فيمن سواهم ~~من القبائل، كما كان لعود طيء إلى الإسلام أثره في طليحة ومن انحازوا إليه. # ثم إن خالدا أخذ الذين قتلوا المسلمين من مختلف القبائل بشدة أورثت القلوب الرعب، فهو لم ~~يقبل من غطفان وهوازن وسليم وطيء حين وادعهم إلا أن يجيئوه بالذين قتلوا وحرقوا ومثلوا ~~وعدوا على المسلمين الذين كانوا بينهم حين ردتهم، فلما جيء بهم صفح عن الأذناب، وأخذ ~~الزعماء منهم، وبينهم قرة بن هبيرة، فأوثقهم؛ ومثل بالذين عدوا على المسلمين، فأحرقهم ~~بالنيران، ورمى بهم من الجبال، ونكسهم في الآبار، ورضخهم بالحجارة، وجعلهم عبرة لمن يعتبر، ~~أما قرة بن هبيرة وعيينة بن حصن فبعث بهما مع طائفة من الأسرى إلى أبي بكر، وكتب إليه يقول: ~~«إن بني عامر أقبلت بعد إعراض، ودخلت في الإسلام بعد تربص، وإني لم أقبل من أحد قاتلني أو ~~سالمني شيئا حتى يجيئوني بمن عدا ms110 على المسلمين، وقد قتلت المعتدين كل قتلة، وبعثت إليك ~~بقرة وأصحابه.» # ولم تأخذ أبا بكر في الذين قتلهم خالد شفقة أو رحمة، بل رأى فيهم أعداء الله وأعداء رسوله ~~وأعداء دينه الحق، فكتب إلى خالد يقول: «ليزدك ما أنعم الله به عليك خيرا، واتق الله في ~~أمرك؛ فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، جد في أمر الله ولا تنثنين، ولا تظفرن ~~بأحد قتل المسلمين إلا قتلته ونكلت به جهرة، ومن أصبت ممن حاد الله أو صاده ممن ترى في قتله ~~صلاحا فاقتله.» ذلك ما كتبه أبو بكر رقيق القلب لين الطبع إلا فيما يغضب الله ورسوله، فلما ~~بلغ كتابه خالدا أمعن في سياسة الإرهاب التي بدأها، وطال مقامه على البزاخة شهرا يصعد ~~عنها ويصوب إليها في طلب المعتدين على الإسلام والمسلمين، فمنهم من أحرق، ومنهم من رمي به ~~من رءوس الجبال، ومنهم من رجم بالحجارة. # على أن أبا بكر اتخذ في معاملة الأسرى الذين جاءوا إلى المدينة سياسة ليست كسياسة خالد ~~بأسا وشدة، فقد رأيت ما كان من عيينة بن حصن ومحالفته طليحة وقتاله المسلمين، وقد جاء مع ~~قرة إلى المدينة في الأسرى ويداه مجموعتان بحبل إلى عنقه، وكان غلمان المدينة ينخسونه ~~بالجريد ويقولون له: أي عدو الله، أكفرت بعد إيمانك! فيقول: والله ما كنت آمنت بالله قط، ~~ومع ذلك تجاوز عنه أبو بكر وحقن له دمه، فاتقى بذلك شر بني فزارة معه. # أما قرة بن هبيرة فكان في بني عامر، وقد مر به عمرو بن العاص عائدا من عمان إلى المدينة ~~فنزل عليه، وقومه يقدمون للردة رجلا ويؤخرون أخرى، فلما أراد عمرو الرحلة خلا به قرة فقال: ~~«يا هذا، إن العرب لا تطيب لكم نفسا بالإتاوة، فإن أنتم أعفيتموها من أخذ أموالها فستسمع ~~لكم وتطيع، وإن أبيتم فلا أرى أن تجتمع عليكم.» وأجابه عمرو: «أكفرت يا قرة؟ أتواعدنا ~~بالعرب وتخوفنا بها!» فلما أرسل خالد قرة أسيرا إلى المدينة وجيء به إلى أبي بكر، وقال: ~~«يا خليفة رسول ms111 الله، إني قد كنت امرأ مسلما، ولي من ذلك على إسلامي عند عمرو بن العاص ~~شهادة، قد مر بي فأكرمته وقربته ومنعته.» فدعا أبو بكر عمرا وسأله عن قرة وأمره، فقص عليه ~~الخبر، حتى إذا انتهى إلى أمر الصدقة وما قال عنها اعترضه قرة قائلا: حسبك يرحمك الله ! قال ~~عمرو: لا والله، حتى أبلغ له كل ما قلت، فلما أتم عمرو كلامه ابتسم أبو بكر وتجاوز عن قرة ~~وحقن دمه. # لم تكن سياسة الصفح سياسة هوادة أو تردد من أبي بكر، بل كان المقصود منها تسكين الثارات ~~ما كان في تسكينها للإسلام والمسلمين خير، أما فيما خلا ذلك فلم يكن اللين يعرف إلى قلب أبي ~~بكر سبيلا ما اتصل الأمر برسالة محمد. كان علقمة بن علاثة من بني كلب قد أسلم ثم ارتد في ~~زمن الرسول ولحق بالشام، فلما توفي محمد أقبل مسرعا حتى عسكر في بني كلب، وبلغ ذلك أبا ~~بكر، فبعث إليه القعقاع بن عمرو وأمره أن يسير حتى يغير عليه لعله أن يأخذه أو يقتله، وقال ~~له: «واعلم أن شفاء النفس الخوض فاصنع ما عندك.» وخرج القعقاع في رجاله، فلم يثبت له علقمة ~~وفر راكضا، وأسلمت امرأته وبناته ومن أقام من الرجال، وجحدوا أن يكونوا مالئوه، ورجع علقمة ~~إلى أبي بكر تائبا، فقبل منه وحقن دمه؛ لأنه لم يقاتل المسلمين ولم يقتل منهم. # لكنه لم يقبل من الفجاءة إياس بن عبد ياليل ولم يحقن دمه، فقد قدم الفجاءة هذا على أبي ~~بكر فقال له: أعني بسلاح ومرني بمن شئت من أهل الردة، فأعطاه سلاحا وأمره بما شاء أن يأمره ~~به، لكن الفجاءة شنها غارة في سليم وعامر وهوازن على المسلمين والمرتدين على سواء، وقتل من ~~المسلمين من قتل، عند ذلك أرسل أبو بكر طريفة بن حاجز في رجال قاتلوا الفجاءة ومن معه ~~وجاءوا به أسيرا، فأمر أبو بكر فأوقدت له نار في مصلى البقيع على حطب كثير، ثم رمي به فيها ~~فمات حرقا، ولو لم يقتل الفجاءة ms112 من المسلمين من قتل لما أصابته هذه الميتة القاسية التي ~~أسف أبو بكر لقسوتها من بعد وتمنى لو لم تكن كذلك. # قبل أن نختم هذا الفصل بحديث أم زمل نورد قصة أبي شجرة بن عبد العزى؛ فهو بحديث عيينة ~~وقرة وعلقمة أشبه، كان أبو شجرة هذا ابن الخنساء الشاعرة صاحبة المراثي الفياضة في أخيها ~~صخر، وكان شاعرا مثلها، وقد لحق بأهل الردة وجعل يقول الشعر في تحريضهم على المسلمين ~~وقتالهم، وكان مما قاله في ذلك قصيدة جاء فيها: # فزويت رمحي من كتيبة خالد # وإني لأرجو بعدها أن أعمرا # فلما رأى تحريضه على خالد لم يثمر ورأى الناس يرجعون إلى الإسلام رجع إليه، وقد قبل منه ~~أبو بكر وعفا عنه فيمن عفا عنهم، فلما كانت خلافة عمر جاءه أبو شجرة وهو يعطي المساكين من ~~الصدقة يقسمها بين الفقراء، فقال: يا أمير المؤمنين أعطني فإني ذو حاجة، قال عمر: من أنت؟ ~~فلما عرفه قال: أي عدو الله! ألست الذي يقول: # فزويت رمحي من كتيبة خالد # وإني لأرجو بعدها أن أعمرا # ثم جعل يعلوه بالدرة في رأسه حتى طار عدوا إلى ناقته فارتحلها عائدا إلى قومه من بني ~~سليم. # تداول الناس أنباء أبي بكر وعفوه عمن رجع إلى الإسلام بعد ردته، فسكنت حدة القبائل التي ~~ناصرت طليحة ثم عادت إلى الإسلام حين هزمه خالد بن الوليد، لكن فلولا من غطفان وطيء وسليم ~~وهوازن وغيرها تجمعت واجتمعت إلى أم زمل سلمى بنت مالك وعاهدتها أن تقف وإياها في وجهه حتى ~~الموت، ولا شك أن قد كان لهذه الفلول ثارات عند المسلمين، لم تسكن منها الهزيمة ولا سكن ~~منها عفو أبي بكر، هي التي حفزتها إلى التجمع والتعاهد على قتال المستيئس، وما بقاؤها بعد ~~فرار طليحة وانكشاف كذبه لولا هذه الثارات وتحركها في نفسها! وكان لأم زمل عند المسلمين ثأر ~~لم يندمل جرحه رغم مر السنين، فكان من الطبيعي أن تجتمع هذه الفلول حولها وأن تتخذ من ثأرها ~~علما ولواء لثاراتهم جميعا. # وأم زمل هذه ms113 هي بنت أم قرفة التي قتلت أيام النبي أشنع قتلة، فقد خرج زيد بن حارثة يوم ~~ذاك إلى بني فزارة فلقيهم بوادي القرى فأصابوا رجاله، وأصيب هو بجرح مميت حمل على أثره إلى ~~المدينة، فلما برئ رده رسول الله إلى بني فزارة في جيش فقتلهم وأصاب فيهم وأسر منهم، وكانت ~~أم قرفة فاطمة بنت بدر بين الأسرى، وكانت هي التي تحرض قومها في الموقعة الأولى التي أصيب ~~فيها زيد؛ فلما ظفر بها أمر بقتلها فقتلت قتلا عنيفا، قيل: إن كل ساق من ساقيها شد إلى ~~بعير ثم دفع كل بعير إلى ناحية فتمزقت، وسبيت ابنتها أم زمل، فوقعت لعائشة أم المؤمنين ~~فأعتقتها، فأقامت عندها زمنا ثم رجعت إلى قومها، وقد بقي مقتل أمها ماثلا أمام عينيها يقض ~~مضجعها ألا تجد إلى الثأر له الوسيلة، فلما كانت الردة ارتدت ووجدت من فلول هذه القبائل ~~عونها على أن تأخذ بثأرها لتهدأ ثائرتها وتسكن حفيظتها. # وكانت أمها أم قرفة في عزة ومكانة من قومها، كانت عمة عيينة بن حصن، وكانت زوج مالك بن ~~حذيفة، وكان لها منه أبناء تعتز بهم في بني فزارة، وكان لها جمل تخرج عليه في طليعة قومها ~~إذا خرجوا ليغنموا من قبيلة أخرى، فلما ماتت بقي هذا الجمل لابنتها أم زمل، وكانت ابنتها في ~~مثل عزها، وكان لها من المكانة في قومها ما كان لأمها، فلما اجتمعت حولها فلول القبائل التي ~~قاتلت أبا بكر وخالدا ركبت جملها وسارت بينهم وجعلت تدعوهم لحرب خالد وتشجعهم؛ واجتمع مع ~~هذه الفلول كل شريد وكل مضيق عليه، حتى استغلظ أمرها وعظم شأنها. # فلما بلغ ذلك خالدا وهو فيما هو فيه من تتبع الثائرين وأخذ الزكاة ودعوة الناس وتسكينهم، ~~سار إليها يقاتلها. # والتقى الجمعان وحمي وطيس القتال واشتدت الحرب، وأم زمل على جملها تحرض رجالها وتدفعهم ~~إلى المعركة فيندفعون مستبسلين لا يبالون الموت، حتى لقد أبيدت منهم بيوت بأسرها، ورأى خالد ~~بأس هذه المرأة وشدتها واستماتتها في محاربته فجعل مائة من الإبل لمن ينخس ms114 جملها، واندفع ~~فوارس المسلمين نحوها، فإذا من حولها الرجال الأشداء يدافعون عنها ويموتون دونها، ولقد مات ~~حول جملها مائة رجل قبل أن يستطيع فرسان المسلمين الوصول إليه، فلما وصلوا إليه عقروه ~~وقتلوها وقضوا بذلك على فتنتها، فقد فتنت الرجال حقا بقوتها وعزها وشجاعتها وشدة تحريضها ~~لهم، ولم تلبث هذه الفلول حين رأوا جملها يعقر ورأوها تقتل أن فترت عزيمتهم وتشتت جمعهم، ~~ففروا مولين الأدبار لا يعقبون، بذلك خبت نار الفتنة وقضي على الردة في الشمال الشرقي من ~~شبه الجزيرة، وما عسى أن يبقى منها وقد فر رءوسها أو طاحت رءوسهم فلم تبق منهم ~~باقية! # أولم يكن هذا المثل الذي ضربه أبو بكر يكفي العرب كي يرجعوا في سائر الأنحاء من شبه ~~الجزيرة إلى الإسلام؟! لقد رأوا جنوده تسير إليهم من كل صوب، بقصد كل لواء منها إلى حيث ~~أمره خليفة رسول الله، وقد ترامت إليهم أنباء خالد بن الوليد وعرفوا مصير طليحة؛ لكنهم أبوا ~~مع ذلك أن يذعنوا، إنهم رأوا نبي قريش ينشر في العرب لواءه، ويمد عليهم سلطانه، فلم لا يكون ~~لكل قبيلة نبي يرد عنها قريشا إن لم ينشر في مختلف القبائل لواءها؟! ونسيت القبائل ونسي ~~الذين ادعوا النبوة فيها أن محمدا قام في قريش يدعوها إلى الله لا يريد فيها سلطانا ولا ~~يبتغي منها جزاء ولا شكورا، وأنه قام بأمر ربه فقضى عشر سنوات في جهاد أي جهاد، يؤذيه أهله ~~وتناصبه مكة كلها العداوة، وتتعرض حياته وحياة من اتبعوه للخطر، ويأتمر به خصومه ليقتلوه، ~~ويخرجه من دياره مهاجرا إلى المدينة، حتى أذن الله لدينه الحق أن ينتشر بين العرب، وجاءت ~~الوفود من كل صوب تعلن إلى النبي إسلامها، نسي الذين ادعوا النبوة هذا كله، وخيل إليهم أن ~~بلوغ الغاية التي بلغها محمد أمر يسير، كما نسوا أن محمدا إنما بالدعوة إلى الحق، وأنهم ~~يدعون النبوة زورا وبهتانا، لذلك لم يكفهم أن أخذت أهل الجنوب العزة بالإثم، وادكروا ما ~~كان بينهم وبين الحجاز من قديم الخصومة، وما كان ms115 لآبائهم فيه من غزوات توجتها أكاليل النصر، ~~أما وقد أصروا على العناد في ردتهم، فلم يكن بد من أن يردوا عنها إلى الإسلام أو يبوءوا ~~بخزيها ويؤدوا حياتهم ثمنا لها. # فلينتقل خالد إذن من البزاخة إلى البطاح، ثم لينتقل بعد البطاح إلى اليمامة، فقد خط القدر ~~في لوحه أن يرد سيفه المرتدين إلى الحق، وما خط في لوح القدر لا محالة نافذ. # الفصل الثامن # | سجاح ومالك بن نويرة # تقع منازل بني تميم على مقربة من بني عامر إلى الجنوب؛ وهي تحاذي المدينة من الشرق ممتدة ~~نحو الخليج الفارسي، وتتصل من ناحية الشمال الشرقي بمصب الفرات، وكان لبني تميم بين قبائل ~~العرب في الجاهلية وفي عهد الرسول مقام، لما ظهر فيها من خصال الشجاعة والكرم، ولما نبغ بين ~~رجالها من الأبطال والشعراء، ولا يزال التاريخ يذكر لفروعها بني حنظلة ودارم وبني مالك وبني ~~يربوع مواقف ترويها كتب التراجم كما يرويها كبار المؤرخين. # ولقد أدى اتصال هذه القبائل بمصب الفرات وبالخليج الفارسي إلى تنقل أبنائها بين شبه ~~الجزيرة وأرض العراق، كما أدى إلى اتصالهم بفارس، وكان من أثر ذلك أن دان كثيرون منهم ~~بالنصرانية وإن بقي أكثرهم يعبدون الأصنام، فلما انتشر الإسلام بينهم احتفظوا باستقلالهم، ~~ولم ينزلوا عنه راضية نفوسهم، لذلك كانوا في مقدمة القبائل التي أبت أداء الزكاة حين بعث ~~رسول الله جباته يقتضونها من الناس، ولقد أسرع بنو العنبر من تميم إلى نبالهم وسيوفهم حين ~~جاء العاشر يطلب إليهم أداءها، فلما ذهب إليهم عيينة بن حصن بأمر الرسول فقتل وسبى منهم، ~~ذهب وفد من أشرافهم إلى المدينة ودخلوا المسجد ونادوا النبي من وراء حجراته أن يرد إليهم ~~أسراهم، وذكروه بمواقفهم معه في حنين، وبما لقومهم من مكانة بين العرب، وخرج إليهم حين ~~الصلاة، فذكروا له أنهم جاءوا يفاخرونه، فلما رأوا خطيبه أبلغ من خطيبهم، وشاعره أشعر من ~~شاعرهم، وصوته أعلى من أصواتهم، أسلموا؛ فأعتق النبي أسراهم وردهم إلى قومهم راضية ~~نفوسهم. # وقبض رسول الله وله في تميم عمال، بينهم مالك ms116 بن نويرة على رأس بني يربوع، وقد اختلف ~~العمال حين بلغتهم وفاة النبي ما يصنعون: أيؤدون الزكاة لأبي بكر أم يقسمونها بين الناس؟ ~~وكان لما بينهم من تنافس أثر بين في اختلافهم ذاك، بل لقد أدى هذا التنافس إلى أن يقاتل ~~بعضهم بعضا، وأن يقيم فريق منهم على الولاء لسلطان المدينة، وأن يتنكر الآخرون لهذا ~~السلطان. # وكان مالك بن نويرة فيمن ردوا الزكاة لأصحابها ولم يروا لأبي بكر حقا في اقتضائها، بذلك ~~أصبح عدوا للمسلمين معرضا لإغارتهم عليه. # وبينما القوم في اختلافهم فجأتهم سجاح بنت الحارث مقبلة من أرض الجزيرة بالعراق يحيط بها ~~رهطها من تغلب، وتقود معها جندا من ربيعة والنمر وإياد وشيبان، وكانت سجاح تميمية من بني ~~يربوع، وكان أخوالها من تغلب بالعراق، وقد تزوجت فيهم، وأقامت بينهم، وتنصرت فيمن تنصر ~~منهم، وكانت تنقم من محمد ومن اتبعه ما ينقمه منهم اليهود والنصارى، وما ينقمه منهم الفرس ~~والروم، وكانت امرأة ذكية، تدعي الكهانة، وتعرف كيف تقود الرجال، فلما ترامى إليها أن ~~محمدا أدركته الوفاة، جاءت في رهطها وفي القبائل المحيطة بها تريد أن تغزو المدينة وأن ~~تقاتل أبا بكر. # يرى بعض المؤرخين، وقد يكونون على حق فيما يرون، أن سجاح لم تنحدر من شمال العراق إلى شبه ~~جزيرة العرب يتبعها رهطها والقبائل المحيطة بها لكهانتها ومطامعها الذاتية، وإنما انحدرت ~~مدفوعة بتحريض الفرس وعمالهم في العراق كي يزيدوا الثورة في بلاد العرب ضراما، ليستعيدوا ~~ما كان لهم في كثير من أرجائها من سلطان بدأ يأفل منذ أقام محمد بدهان عاملا له على اليمن، ~~بعد أن كان بدهان عامل كسرى عليها. # وقد يرجح رواية هؤلاء المؤرخين أن سجاح كانت الأنثى الوحيدة التي ادعت النبوة، وأن ~~مثيلاتها اتخذن في كل العصور أداة للتجسس والرعاية، وأنها لم تلبث في بلاد العرب إلا ريثما ~~بثت دعوة الانتقاض، ثم عادت إلى العراق فسكنت إلى حياتها به. # وليس عجبا أن يتخذها الفرس أداة لإذكاء الثورة في بلاد العرب وقد كانوا يرون هذه البلاد ~~أهون من ms117 أن يجرد لها جيش فارسي يقاتلها، وإن كانت مع ذلك جديرة بأن ترد إلى عزلتها الأولى ~~قبل قيام محمد بها وانتشار الإسلام فيها، ولا شيء أدنى إلى تحقيق هذه الغاية من القضاء على ~~الدين الجديد الذي جعل أبناءها يعتدون بأنفسهم، وإن لم يعتد الفرس بهم. # جاءت سجاح إلى شبه الجزيرة متأثرة بهذه العوامل، وكان طبيعيا أن تجعل وجهتها أول نزولها ~~بلاد العرب إلى قومها بني تميم، وقد فجأتهم وهم مختلفون فيما بينهم: يقول قوم بإيتاء الزكاة ~~واتباع خليفة رسول الله، وينكر آخرون هذا وذاك، ويتردد أقوام فهم في حيرة؛ ثم ينشأ عن هذا ~~الاختلاف قتال بينهم يشتد حينا ويهدأ حينا، ورأت هذه البطون من بني تميم مقدم سجاح وعرفوا ~~عزمها على قتال أبي بكر، فازدادوا بين الإسلام والردة اضطرابا، وشهد من بقي على إسلامه ~~منهم ما هو أدهى وأمر مما هم فيه؛ فها هي ذي في جيشها اللجب بالقياس إلى جموعهم المتنافرة ~~تأخذهم على حين غفلة منهم وتعلن فيهم نبوتها وتدعوهم إلى الإيمان بها، أفيقولون عنها ما قال ~~عيينة بن حصن عن طليحة: «نبية من بني يربوع خير من نبي من قريش، وقد مات محمد وسجاح حية.» ~~وعلى ذلك يتبعونها ويقومون معها في وجه أبي بكر والمسلمين، أم ينصرفون عنها ويدعونها تسير ~~في طريقها تواجه أبا بكر، فإما قضى عليها فانقضت فتنتها، وإما تم لها الغلب فكان لهم، وهم ~~قومها الأدنون، فخار نصرها وفخار نبوتها؟ # وقفت سجاح في جندها على حدود بني يربوع، وأرسلت إلى زعيمهم مالك بن نويرة ودعته إلى ~~الموادعة، وأنبأته بعزمها على غزو المدينة، وأجابها مالك إلى الموادعة، لكنه صرفها عن عزمها ~~عن لقاء أبي بكر وحرضها على قتال من اختلف معه من أحياء بني تميم، واقتنعت سجاح برأيه ~~وقالت: «نعم! فشأنك بمن رأيت، فإنما أنا امرأة من بني يربوع، وإن كان ملك فهو ~~ملككم.» # كيف أسرعت سجاح إلى الرجوع عن عزمها وموافقة مالك على رأيه؟ ليس فيما تذكره الروايات التي ~~انتهت إلينا ما يبين عن السر ms118 في هذا الانقلاب، لكن الروايات تذكر أن مالكا كان شريفا ~~فارسا شاعرا، وكانت فيه خيلاء كقومه، وكان ذا لمة كبيرة، وكان حلو الحديث حسن المحاضرة، ~~قص أخوه متمم بن نويرة، وكان أسمى من مالك مكانة في الشعر، لكنه كان أعور قبيح الصورة، أن ~~حيا من العرب أسروه فشدوا وثاقه وألقوه بفنائهم، وبلغ مالكا خبره، فأقبل على راحلته حتى ~~انتهى إلى القوم وسلم عليهم وحادثهم وضاحكهم وأنشدهم، فوالله إن زال كذلك حتى ملأهم سرورا؛ ~~وبلغ من ارتياح القوم إليه أن أطلقوا متمما بغير فداء، وأسرت بنو تغلب متمما في الجاهلية، ~~فجاء مالك ليفديه، فلما رآه القوم أعجبهم جماله، وحدثهم فأعجبهم حديثه، فلم يقبلوا منه ~~فداء، وأطلقوا له الأسير فعاد به إلى قومه. # هل اقتنعت سجاح بحديث مالك وجماله، واقتنع بهما أخوالها بنو تغلب وسائر أنصارها؟ إنما ~~نذكر ذلك لعله يفسر ما كان بين سجاح ومسيلمة من بعد، وسواء أصح ذلك أم لم يصح فقد دعت سجاح ~~أمراء بني تميم لموادعتها فلم يوادعها منهم مع مالك إلا وكيع، وأغارت سجاح في جندها وجند ~~مالك ووكيع على السريات فاقتتلوا ومات من الجانبين خلق كثير وأسر بعضهم من بعض، ثم إنهم ~~تصالحوا وترادوا الأسرى، وعاد السلام إلى بني تميم. # وخرجت سجاح في جنود الجزيرة وقد راجعها العزم أن تلقى أبا بكر، أما مالك ووكيع فقد صالحا ~~قومهما بعد أن رأيا سخطهم على اتباعهما هذه المتنبئة، وبلغت سجاح قوية النباج، فلقيها أوس ~~بن خزيمة فهزمها، ثم ترادا الأسرى وصالحها على ألا تجتاز دياره إلى المدينة، هنالك اجتمع ~~رؤساء أهل الجزيرة وقالوا لها: ما تأمريننا، فقد صالح مالك ووكيع قومهما فلا ينصروننا ولا ~~يريدوننا أن نجوز أرضهم، وقد عاهدنا هؤلاء القوم؟ قالت: اليمامة، فقالوا: إن شوكة أهل ~~اليمامة شديدة وقد غلظ أمر مسيلمة، وهنا تجري الرواية بأنها قالت: «عليكم باليمامة، ودفوا ~~دفيف الحمامة، فإنها غزوة صرامة، لا يلحقكم بعدها ندامة.» ولم يبق لهم بعد هذا السجع الذي ~~زعموه وحيا إلا أن يمتثلوا أمرها! # فيم كان انقلابها ms119 إلى اليمامة وقد خانها الحظ بين قومها بني تميم، وخانها في مسيرتها إلى ~~أبي بكر؟ أولم يكن حولها من رجالها من يشيرون عليها؟! أم إنهم تم إيمانهم بنبوتها وبهذا ~~السخف الذي تزعم أنه يوحى إليها فلم يترددوا في اتباعها؟ الحق أن قصة سجاح كلها عجب، وما ~~روي عنها إلى فن القصص أقرب، فقد ذكروا أنها لما بلغت اليمامة في رجالها هابها مسيلمة وخاف ~~إن هو شغل بها أن يغلبه جند المسلمين أو تغلبه القبائل التي حوله، فأهدى لها، ثم أرسل إليها ~~يستأمنها على نفسه حتى يجيء إليها، ونزلت في جندها على الماء وأذنت له، فجاء في أربعين من ~~بني حنيفة، ثم خلا إليها يحدثها ويذكر لها أنه كان يرى أن لقريش نصف الأرض فظلموا، فليكن ~~نصف الأرض لها، وسجع لها سجعا أعجبها، فردت عليه بمثل سجعه، ثم إنهما تناظرا وتحادثا وطال ~~بهما الحديث، وأعجبت سجاح بمسيلمة وبحلو حديثه وما شرع لقومه وانتهت إلى الإيمان بتفوقه، ~~فلما عرض عليها أن تجمع نبوته إلى نبوتها وأن يتزوجا كان قلبها قد لان له فلم ترفض طلبه، ~~وانتقلت إلى خيامه وأقامت معه ثلاثة أيام رجعت بعدها إلى قومها، وذكرت لهم أنها وجدته على ~~الحق فتزوجته. # وعرف قومها أنه لم يجعل لها صداقا فقالوا لها: «ارجعي إليه؛ فقبيح بمثلك أن تتزوج بغير ~~صداق.» فلما رجعت إليه أغلق حصنه دونها وبعث يسألها ما طلبها، ثم نزل للناس عن صلاتين: صلاة ~~العشاء وصلاة الفجر، إكراما لها، وانتهى الأمر به وبها على أن يحمل لها النصف من غلات ~~اليمامة، حمل إليها النصف مما اتفقا عليه فاحتملته وانصرفت به إلى الجزيرة، وخلفت وراءها من ~~رجالها من يحمل لها النصف الآخر، لكن هؤلاء الرجال لم يقيموا إلا ريثما أقبلت جيوش المسلمين ~~فهاجمت مسيلمة وقتلته، ولم تزل سجاح في تغلب حتى نقلهم معاوية عام المجاعة إلى بني تميم حيث ~~أقامت مسلمة حسنة الإسلام إلى أن ماتت. # هذه قصة سجاح بنت الحارث، وهي - كما قدمت - عجب كل العجب، وهل عجب كمغامرتها بالسير ms120 من ~~الجزيرة للقاء أبي بكر وقتاله، ثم إسراعها إلى العدول عن عزمها حين تحدث مالك بن نويرة ~~إليها، ثم انقلابها إلى اليمامة ولقائها مسيلمة وزواجها منه وعودها من عنده إلى أرضها، ~~وبقائها بعد ذلك مع ذويها كأنها لم تخرج من بينهم ولم تتزوج من غيرهم! # وأمر مسيلمة معها أعجب العجب، ولئن صح أنه تزوجها ليكونن ذلك برهانا على دهائه في ~~السياسة وعلمه بمداخل القلوب، فهو قد أراد أن يتخلص منها ليفرغ لقتال من حوله من القبائل ~~ومن أوفدهم أبو بكر لقتاله من المسلمين، ورآها لينة فاستهوى أنوثتها، فلما لانت له ودانت ~~أعرض عنها وتخلص منها، والحق أن حديث هذه المرأة مع مالك بن نويرة ثم مع هذا الزميل من مدعي ~~النبوة شهد بأنها إن تكن حسنة السجع في كهانتها فقد كانت لينة العريكة في أنوثتها، فأما ~~مسيلمة فكان رجلا قزما لا جمال فيه إلا حسن حديثه؛ وكان قليل الافتنان بالمرأة ومحاسنها، ~~ولذلك كان مما شرعه لقومه أن من ولد له ولد لم يجز له أن يقرب امرأة إلا أن يموت ذلك ~~الولد؛ فإذا مات جاز له أن يبتغي ولدا غيره فيقرب امرأته، أما من كان له ولد ذكر فالنساء ~~عليه حرام!! ~~••• # بينا يجري ذلك في اليمامة بين مسيلمة وسجاح كان خالد بن الوليد يصعد في البزاخة ويصوب، ~~يستعيد إلى الإسلام من تاب وأناب، ويعاقب بأشد العقوبة من قتل مسلما أو عدا عليه، وينتهي ~~بمقاتلة أم زمل حتى يقتلها ويشتت جمعها بعد أن شتت جمع طليحة وحمله على الفرار، وتداول ~~الناس أنباء خالد، فبلغت مالك بن نويرة بالبطاح فردته إلى الاضطراب والحيرة، لقد منع الزكاة ~~وقام مع سجاح في وجه المسلمين من بني تميم، وأصبح بذلك عدوا للمسلمين معرضا لإغارتهم ~~عليه، فماذا عساه يصنع بعد أن باءت جنوده وجنود سجاح معها بالفشل والهزيمة؟ أما صاحبه وكيع ~~فقد رأى قبح ما صنع، فعاد إلى الإسلام وأخرج الزكاة، وأما مالك فبقي متحيرا: أينكر أمسه ~~ويعود مسلما مع أبي بكر كما كان مع محمد ms121 يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة، أم يصر على مثل موقفه ~~مع سجاح والأمر لله من قبل ومن بعد؟! # وفرغ خالد من أسد وغطفان ومن معهما بعد أن عاد كل من بقي من هذه القبائل إلى الإسلام ~~وأذعن لسلطان المدينة، ثم إنه أزمع السير إلى البطاح يلقى فيها مالك بن نويرة ومن كان معه ~~في مثل تردده، وعرف الأنصار هذا العزم منه فترددوا وقالوا: «ما هذا بعهد الخليفة إلينا؛ ~~إنما عهده إن نحن فرغنا من البزاخة واستبرأنا بلاد القوم أن نقيم حتى يكتب إلينا.» وأجابهم ~~خالد: «إن يكن عهد إليكم هذا فقد عهد إلي أن أمضي، وأنا الأمير وإلي تنتهي الأخبار، ولو ~~أنه لم يأتني ولا أمر ثم رأيت فرصة إن أعلنته بها فاتني ثم أعلمه حتى أنتهزها، وكذلك إذا ~~ابتلينا بأمر لم يعهد لنا فيه لم ندع أن نرى أفضل ما يحضرنا ثم نعمل به: وهذا مالك بن نويرة ~~بحيالنا، وأنا قاصد له بمن معي من المهاجرين والتابعين لهم بإحسان، ولست أكرهكم.» وسار ومن ~~معه، خلا الأنصار، يقصد البطاح. # وبرم الأنصار بالأمر وتشاوروا فيما بينهم فاستقر رأيهم على أن يلحقوا به، ذلك أنهم قالوا: ~~لئن أصاب خالد اليوم خيرا إنه لخير حرمتموه، ولئن أصابته ورجاله مصيبة ليجتنبنكم الناس، ~~وجردوا إلى خالد رسولا استمهله حتى لحقوا به وساروا معه، فلما بلغوا البطاح لم يجدوا بها ~~أحدا؛ فقد فرق مالك بن نويرة قومه في ديارهم ونهاهم عن الاجتماع، وقال لهم: «يا بني يربوع، ~~إنا كنا قد عصينا أمراءنا إذ دعونا إلى هذا الأمر وبطأنا الناس عنهم فلم نفلح ولم ننجح، ~~وإني قد نظرت فرأيت الأمر يتأتى للقوم بغير سياسة، وإذا الأمر لا يسوسه الناس، فإياكم ~~ومناوأة قوم قد صنع لهم.» ونصح لهم بالرجوع إلى الإسلام والتفرق في الديار، ورجع هو إلى ~~منزله. # لم يجد خالد بالبطاح أحدا، فبث الجنود وأمرهم أن يأتوه بكل من لم يجب داعية الإسلام، فإن ~~امتنع فليقتلوه، وكانت وصية أبي بكر أن يؤذن جند المسلمين إذا نزلوا منزلا، فإن ms122 أذن القوم ~~كفوا عنهم، وإن لم يؤذنوا قتلوا منهم ونهبوهم، فإن أجابوا بعد ذلك إلى داعية الإسلام سألوهم ~~عن الزكاة، فإن أقروا قبلوا منهم، وإن أبوا قاتلوهم. # جاء الجند بمالك بن نويرة في نفر من بني يربوع إلى خالد، وكان المنطق يقضي بعد الذي رأيت ~~بأنه إن أقر مالك وأصحابه بالإسلام، أن يعاملهم خالد معاملة من تاب وأناب، لكن الذي حدث أن ~~خالدا أمر بمالك بن نويرة فقتل، وأن هذا القتل أثار بالمدينة ثائرة ظلت زمنا قبل أن تهدأ، ~~وأنه كان ذا أثر في تصرف عمر بن الخطاب مع خالد بن الوليد بعد أن ولي الخلاقة، لهذا تفصل ~~الروايات مقتل مالك بن نويرة في شيء من الإسهاب وتختلف فيه. # قيل: إن رؤساء الجند الذين جاءوا بمالك ومن معه اختلفوا فيما بينهم: أأقر مالك ومن معه ~~بالإسلام وأجابوا داعية الأذان، أم أنكروا وتنكروا؟ روى الطبري عن ابن قتادة الأنصاري، وكان ~~من رؤساء هذا الجند، أنه «كان يحدث أنهم لما غشوا القوم راعوهم تحت الليل فأخذ القوم ~~السلاح، فقلنا: إنا المسلمون. قالوا: ونحن المسلمون. فقلنا: ما بال السلاح معكم؟! قالوا ~~لنا: فما بال السلاح معكم؟ فقلنا: فإن كنتم كما تقولون فضعوا السلاح، فوضعوا السلاح ثم ~~صلينا وصلوا.» # إلى هنا تتفق الروايات، ومن هنا يبدأ اختلافها، قال أبو قتادة: إن القوم أقروا بالزكاة ~~وإيتائها، وقال غيره: بل أنكروها وأصروا على منعها، ماذا يصنع خالد إزاء هذا الاختلاف بين ~~شهود العيان، وكيف يقضي فيه؟ # تجري رواية بأنه أمر بحبس مالك وأصحابه حتى ينظر في أمرهم، وحبسوا في ليلة باردة جعلت ~~تزداد بتقدم الليل بردا، وأخذت خالدا الشفقة بالقوم فأمر فنادى: دافئوا أسراكم، وكانت هذه ~~العبارة في لغة كنانة معناها القتل، وكان الحراس من بني كنانة، فما لبثوا حين سمعوها أن ~~ظنوا أن خالدا أراد قتلهم فقتلوهم، وسمع خالد الضجة فخرج، وقد فرغوا منهم، فقال: إذا أراد ~~الله أمرا أصابه. # وتجري رواية ثانية بأن خالدا دعا إليه مالكا يناظره ليعرف أي الشهادتين حق: الشهادة ~~بإسلامه، ms123 أم الشهادة بإصراره على الردة أو على منع الزكاة، وفيما هما يتناظران راجع مالك ~~خالدا وقال: «ما إخال صاحبكم إلا وقد كان يقول كذا وكذا.» قال خالد: «أوما تعده لك ~~صاحبا؟!» ثم قدمه فضرب عنقه وأعناق أصحابه. # ويقول أبو الفرج في الأغاني تفسيرا لهذا الحوار بين خالد ومالك ما نصه: «قال ابن سلام: ~~من لا يعذر خالدا يقول إن مالكا قال لخالد: أوبهذا أمرك صاحبك - يعني النبي # صلى الله عليه وسلم ~~- ~~إنه أراد بهذه الفروسية، ومن يعذر خالدا يقول: إنه أراد انتفاء أمر النبوة، ويحتج بقول ~~مالك: # وقلت خذوا أموالكم غير خائف # ولا ناظر فيما يجيء من الغد # فإن قام بالأمر المخوف قائم # منعنا وقلنا: الدين دين محمد # أي إنه منع الزكاة وقال لقومه: خذوا أموالكم فالدين دين محمد لا دين أبي بكر. # وقد روى ابن خلكان ما ذكر أنه الحديث الذي دار بين الرجلين، وأورد ما يأتي: «فقال مالك: ~~إني آتي الصلاة دون الزكاة، فقال له خالد: أما علمت أن الصلاة والزكاة معا لا تقبل واحدة ~~دون أخرى؟! فقال مالك: قد كان صاحبك يقول ذلك. قال خالد: أوما تراه لك صاحبا؟! والله لقد ~~هممت أن أضرب عنقك. ثم تجادلا بالكلام طويلا، فقال له خالد: إني قاتلك. قال: أوبذلك أمرك ~~صاحبك؟ قال خالد: والله لأقتلنك.» وأمر به فقتل. # يرجح بعضهم هذه الرواية الثانية على الرواية الأولى، على أن هؤلاء الذين يجرحونها يرونها ~~ناقصة، ويرون أنها إن لم تكمل ناقضت تصرف ابن الوليد في أمر قرة بن هبيرة والفجاءة السلمي ~~وأبو شجرة وأمثالهم ممن قصصنا حديثهم، فهو قد بعث بهؤلاء إلى أبي بكر ليرى فيهم رأيه، ولم ~~يكن مالك بن نويرة أعظم من أيهم إثما ولا أكبر جريرة؛ فما باله يقتله ولا يبعث به إلى ~~الخليفة ومكانه من بني تميم لم يكن دون مكان أي أولئك من قومه! # وتتمة القصة في رأيهم أن خالدا تزوج أم تميم زوجة مالك في يوم مقتله، وقبل أن يجفف ~~التراب دمه، مخالفا بذلك كل تقاليد ms124 العرب، وهم يريدون أن يربطوا بين مقتل مالك وزواج خالد ~~من امرأته، وأن يجعلوا هذا الزواج سبب ذلك القتل. ولعلهم في ذلك على حق، ولعلهم ~~مخطئون. # ذكر اليعقوبي في تاريخه: «فأتاه مالك بن نويرة يناظره واتبعته امرأته؛ فلما رآها خالد ~~أعجبته فقال: «والله لا نلت ما في مثابتك حتى أقتلك.» فنظر مالكا فضرب عنقه وتزوج امرأته.» ~~وذكر أبو الفرج في الأغاني: «لما تنبأت سجاح اتبعها مالك ثم أظهر أنه مسلم، فضرب خالد عنقه، ~~فطعن عليه في ذلك جماعة من الصحابة؛ لأنه تزوج امرأة مالك بعده، وقد كان يقال إنه يهواها في ~~الجاهلية، واتهم لذلك أنه قتل مسلما ليتزوج امرأته بعد.» وروى أبو الفرج كذلك قال: «قال ~~محمد بن سلام: وسمعني يوما يونس وأنا أراد التميمية في خالد وأعذره فقال لي: يا أبا عبد ~~الله، أما سمعت بساقي أم تميم؟! فكان يقال إنه لم ير أحسن من ساقيها.» # وقد نسجت الروايات لهذا الحادث من بعد صورا أدنى إلى فنون الأدب منها إلى وقائع التاريخ، ~~فقد قيل: إن ليلى كانت مع زوجها وهو يناظر خالدا، فلما سمعته يقول له: إني قاتلك، ووالله ~~لأقتلنك، ألقت بنفسها على قدمي الفاتح تلتمس منه العفو وقد انسدل شعرها على كتفيها وبلل ~~الدمع منها عينين زانهما الحور فزادهما سحرا، ونظر خالد إلى وجهها البارع، وهي ترنو إليه ~~مستعطفة مسترحمة، نظرة هوى وإعجاب، فصاح مالك: إني مقتول لا محالة! وأجاب خالد: ما لهذا ~~والله، وإنما قضى عليك كفرك، وأمر بضرب عنقه. # لسنا نقف عند ما نسجته فنون الأدب من هذه التفاصيل، لكن الثابت الذي لا ريب فيه أن ليلى ~~أعجبت خالدا، وأنه لذلك أمسكها من بعد ولم يسرحها مع ما جره زواجها عليه من متاعب. # وحسبك لتقدر هذه المتاعب أن تعلم أن أبا قتادة الأنصاري غضب لفعلة خالد إذ قتل مالكا ~~وتزوج امرأته أشد الغضب، فتركه منصرفا إلى المدينة، مقسما ألا يكون أبدا في لواء عليه ~~خالد، روينا ما قيل من أن الجند الذين سجنوا مالك بن نويرة ms125 وأصحابه هم الذين قتلوهم حين ~~سمعوا خالدا يقول: دافئوا أسراكم، وأن خالدا غضب لذلك ثم قال: إذا أراد الله أمرا أصابه، ~~ويضيف أصحاب هذه الرواية أن أبا قتادة ظن ما حدث حيلة من حيل خالد، وأنه ذهب إليه يقول: هذا ~~عملك، وأن خالدا زجره فغضب وذهب إلى المدينة . # ويذكر آخرون أن قتادة ذهب إلى المدينة بعد أن تزوج خالد أم تميم، وأن متمم بن نويرة أخا ~~مالك ذهب معه، فلما بلغا المدينة ذهب أبو قتادة ولا يزال الغضب آخذا منه مأخذه، فلقي أبا ~~بكر فقص أمر خالد وقتله مالكا وزواجه من ليلى، وأضاف أنه أقسم ألا يكون أبدا في لواء عليه ~~خالد، لكن أبا بكر كان معجبا بخالد وانتصاراته، فلم يعجبه أبو قتادة، بل أنكر منه أن يقول ~~في سيف الإسلام ما قال. # أترى الأنصاري هاله غضب الخليفة فأسكته؟ كلا! فقد كانت ثورته على خالد عنيفة كل العنف، ~~لذلك ذهب إلى عمر بن الخطاب فقص عليه القصة وصور له خالدا في صورة الرجل الذي يغلب هواه ~~على واجبه، ويستهين بأمر الله إرضاء لنفسه، وأقره عمر على رأيه وشاركه في الطعن على خالد ~~والنيل منه، وذهب عمر إلى أبي بكر وقد أثارته فعلة خالد أيما ثورة، وطلب إليه أن يعزله؛ ~~وقال: «إن في سيف خالد رهقا # 1 # وحق عليه أن يقيده.» ولم يكن أبو بكر يقيد من عماله، لذلك قال حين ألح عمر عليه ~~غير مرة: «هبه يا عمر تأول فأخطأ، فارفع لسانك عن خالد.» ولم يكتف عمر بهذا الجواب ولم يكف ~~عن المطالبة بتنفيذ رأيه، فلما ضاق أبو بكر ذرعا بإلحاحه قال: «لا يا عمر! ما كنت لأشيم # 2 # سيفا سله الله على الكافرين.» # لكن عمر كان يرى صنيع خالد نكرا، فلم تطب نفسه ولم يسترح ضميره، كيف إذن يسكت، وكيف يذر ~~خالدا في طمأنينته يشعر كأنه لم يأثم ولم يجن ذنبا! لا بد أن يعيد القول على أبي بكر وأن ~~يذكر له في صراحة أن عدو الله عدا على ms126 امرئ مسلم فقتله ونزا على امرأته، فليس من الإنصاف في ~~شيء ألا يؤاخذ بصنيعه، ولم يسع أبا بكر إزاء ثورة عمر إلا أن يستقدم خالدا ليسأله ما صنع، ~~وأقبل خالد من الميدان إلى المدينة، ودخل المسجد في عدة الحرب مرتديا قباء له عليه صدأ ~~الحديد وقد غرز في عمامته أسهما ، وقام إليه عمر إذ رآه يخطو في المسجد فنزع الأسهم من رأسه ~~وحطمها وهو يقول: قتلت امرأ مسلما ثم نزوت على امرأته! والله لأرجمنك بالأحجار. وأمسك خالد ~~فلم يعترض ولم يقل شيئا، ولا يظن إلا أن رأي أبي بكر مثل رأي عمر فيه، ودخل على أبي بكر ~~وقص عليه قصة مالك ومناصرته سجاح وتردده بعد ذلك، وجعل يلتمس المعاذير عن قتله، وعذره أبو ~~بكر، وتجاوز عما كان منه في الحرب؛ لكنه عنفه على التزويج من امرأة لم يجف دم زوجها، وكانت ~~العرب تكره النساء في الحرب، وترى الاتصال بهن أثناءها عارا أي عار. # وخرج خالد من عند الخليفة ناجيا بإمارته على الجند، متأهبا للعود إليهم وقيادتهم إلى ~~اليمامة، ومر بعمر - وكان ما زال في المسجد - فالتفت إليه وقال: هلم إلي يا بن أم سلمة! ~~قال هذه العبارة وفي عينيه نظرة الساخر، وفي صوته نبرة المنتصر، وكأنه يقول: استبق أحجارك ~~فارجم بها غيري، وأيقن عمر أن أبا بكر عذره وغفر له وأظهر الرضا عنه، فأمسك بدوره. انقضى ~~ذلك اليوم بينهما عند مبادلة هذه العبارات. # على أن عمر لم يتزحزح عن رأيه فيما صنع خالد، فلما توفي أبو بكر، وبويع عمر خليفة له، كان ~~أول ما صنع أن أرسل إلى الشام ينعي أبا بكر، وبعث مع البريد الذي حمل النعي رسالة يعزل بها ~~خالدا عن إمارة الجيش، وقد عاتبه خالد على ذلك حين رجع إلى المدينة، فكان جواب عمر: «ما ~~عزلتك لريبة فيك، ولكن افتتن بك الناس فخشيت أن تفتتن بالناس.» وهذه حجة لها قيمتها، لكن ~~إجماع المؤرخين منعقد على أن عمر بقي متأثرا برأيه في موقف خالد من مقتل مالك بن ms127 نويرة ~~وزواجه امرأته، وأن هذا الرأي كان له أثره من بعد في عزل خالد. # لم يكن نشاط متمم بن نويرة بأقل من نشاط أبي قتادة منذ قدم معه المدينة، فقد طلب إلى أبي ~~بكر دية مالك فوداه، وتحدث إليه في سبيهم فكتب إليه برد السبي، وأقام متمم بالمدينة زمنا ~~طال إلى ما بعد غزوة اليمامة، ثم كان موضع العطف الشديد من عمر لإصرار عمر على رأيه في ~~خالد، وكان متمم قد قال في أخيه مراثي كثيرة لا تزال تعد من عيون الشعر العربي. ذكروا عن ~~السبب في اتصال المعرفة بين متمم وعمر أن ابن الخطاب كان يصلي الصبح يوما، فلما انفتل من ~~صلاته إذا هو برجل قصير أعور متنكبا قوسا وبيده هراوة، فسأل من هذا، وعرف أنه متمم بن ~~نويرة؛ فاستنشده قوله في أخيه، فأنشد إحدى قصائده حتى بلغ قوله: # وكنا كندماني جذيمة حقبة # من الدهر حتى قيل لن يتصدعا # فلما تفرقنا كأني ومالكا # لطول اجتماع، لم نبت ليلة معا # فقال عمر: «هذا والله التأبين، ولوددت أني أحسن الشعر فأرثي أخي زيدا بمثل ما رثيت به ~~أخاك.» قال متمم: «لو أن أخي مات على ما مات عليه أخوك ما رثيته.» وكان زيد قتل باليمامة ~~شهيدا تحت لواء خالد بن الوليد، قال عمر حين سمع قول متمم: «ما عزاني أحد عن أخي بمثل ما ~~عزاني به متمم.» # بلغ اختلاف الرأي بين أبي بكر وعمر في حادث مالك بن نويرة ما رأيت وكلا الرجلين كان يريد ~~للإسلام والمسلمين الخير لا ريب، أفكان اختلافهما مع ذلك راجعا إلى خلاف في تقدير ما صنع ~~خالد، أم كان اختلافا على السياسة التي يجب أن تتبع في هذا الموقف الدقيق من حياة ~~المسلمين، موقف الردة وقيام الثورة بها في أنحاء شبه الجزيرة؟! # الرأي عندي في هذا الخلاف أنه كان اختلافا في السياسة التي يجب أن تتبع في هذا الموقف، ~~وهو اختلاف يتفق وطبائع الرجلين، أما عمر، وكان مثال العدل الصارم، فكان يرى أن خالدا عدا ~~على ms128 امرئ مسلم ونزا على امرأته قبل انقضاء عدتها، فلا يصح بقاؤه في قيادة الجيش حتى لا يعود ~~لمثلها فيفسد أمر المسلمين، ويسيء إلى مكانتهم بين العرب، ولا يصح أن يترك بغير عقاب على ما ~~أثم مع ليلى، ولو صح أنه تأول فأخطأ في أمر مالك، وهذا ما لا يجيزه عمر ، فحسبه ما صنع مع ~~زوجته ليقام عليه الحد، وليس ينهض عذرا له أنه سيف الله، وأنه القائد الذي يسير النصر في ~~ركابه، فلو أن مثل هذا العذر نهض لأبيحت لخالد وأمثاله المحارم، ولكان ذلك أسوأ مثل يضرب ~~للمسلمين في احترام كتاب الله، لذلك لم يفتأ عمر يعيد على أبي بكر ويلح حتى استدعى خالدا ~~وعنفه على فعلته. # أما أبو بكر فكان يرى الموقف أخطر من أن يقام فيه لمثل هذه الأمور وزن، وما قتل رجل أو ~~طائفة من الرجال لخطأ في التأويل أو لغير خطأ، والخطر محيط بالدولة كلها، والثورة ناشبة في ~~بلاد العرب من أقصاها إلى أقصاها، وهذا القائد الذي يتهم بأنه أخطأ من أعظم القوى التي يدفع ~~بها البلاء ويتقى بها الخطر! وما التزوج من امرأة على خلاف تقاليد العرب، بل ما الدخول بها ~~قبل أن يتم طهرها، إذا وقع ذلك من فاتح غزا فحق له بحكم الغزو أن تكون له سبايا يصبحن ملك ~~يمينه!! إن التزمت في تطبيق التشريع لا يجب أن يتناول النوابغ والعظماء من أمثال خالد، ~~وبخاصة إذا كان ذلك يضر بالدولة أو يعرضها للخطر، ولقد كان المسلمون في حاجة إلى سيف خالد، ~~وكانوا في حاجة إليه يوم استدعاه أبو بكر وعنفه أكثر من حاجتهم إليه من قبل، فقد كان مسيلمة ~~باليمامة على مقربة من البطاح في أربعين ألفا من بني حنيفة، وكانت ثورته بالإسلام ~~والمسلمين أعنف ثورة، وكان قد تغلب على عكرمة بن أبي جهل من قواد المسلمين، وكان أكبر ~~الرجاء معلقا بسيف خالد في الانتصار عليه، أفمن أجل مقتل مالك بن نويرة، أم من أجل ليلى ~~الجميلة التي فتنت خالد، يعزل خالد وتتعرض ms129 جيوش المسلمين لتغلب مسيلمة عليها، ويتعرض دين ~~الله لما يمكن أن يتعرض له؟! إن خالدا آية الله، وسيفه سيف الله. فلتكن سياسة أبي بكر حين ~~استدعاه إليه أن يكتفي بتعنيفه، وأن يأمره في الوقت نفسه بالسير إلى اليمامة ولقاء ~~مسيلمة. # هذا في رأيي هو التصوير الصحيح لما كان بين أبي بكر وعمر بن الخطاب في هذا الحادث، ولعل ~~أبا بكر إنما أصدر أمره إلى خالد يومئذ بالسير للقاء مسيلمة بعد أن تغلب متنبئ بني حنيفة ~~على عكرمة، ليرى أهل المدينة ومن كان على رأي عمر منهم خاصة، أن خالدا رجل الملمات، وأنه ~~قد قذف به حين أصدر إليه هذا الأمر إلى جحيم، إما ابتلعه وقضى عليه فكان ذلك خير عقاب له ~~على ما صنع بأم تميم وزوجها، وإما صهره النصر فيه وطهره فخرج مظفرا غانما قد سكن من ~~المسلمين روعا لا تعد فعلته بالبطاح شيئا مذكورا إلى جانبه. # وقد صهرت اليمامة خالدا وطهرته وإن تزوج في أعقابها بنتا بكرا عقد عليها كما فعل مع ~~ليلى، ولما تجف دماء المسلمين ولا دماء أتباع مسيلمة، ولقد عنفه أبو بكر على فعلته هذه بأشد ~~مما عنفه على فعلته مع ليلى، لكنه لم يزد على التعنيف ولم يزد خالد على سماعه. وما أرى أبا ~~بكر في تعنيفه إلا أراد أن يسكن من ثائرة الثائرين أمثال أبي قتادة، وإن أعجب فليس عجبي ~~للكتاب والمؤرخين الذين حاولوا أن يسيئوا بهذا الحادث إلى تاريخ خالد بأعظم من عجبي ~~لأمثالهم ممن حاولوا أن يبرئوه أو يلتمسوا له الأعذار، فما مالك، وما ليلى، وما بنت ~~مجاعة إلى جانب المئات والألوف من الرءوس التي طاحت بسيف خالد أو بأمره! وهذه المئات ~~والألوف من الرءوس الطائرة عن أجسادها هي فخر خالد وهي التي جعلته سيف الله، فإن أصاب سيفه ~~رهق في لحظة من اللحظات، فقد أصاب هذا السيف النصر والفخار في سنوات وسنوات. # عاد خالد من المدينة إلى البطاح بعد أن أصدر أبو بكر إليه أمره أن يسير لقتال مسيلمة ~~باليمامة؛ ms130 وعاد إليها وقد برئت من الردة وآثارها، فأقام بها على رأس جنده، ينتظر من أبي بكر ~~مددا كان يجهزه لمؤازرته، فلما جاءه المدد سار على رأس الجيش كله، يقصد أبلغ المتنبئين في ~~شبه الجزيرة مكرا، وأشدهم خطرا، سار ممتلئا ثقة بنفسه، وإيمانا بالله، وطمأنينة إلى أنه ~~جل شأنه مؤيده وناصره . # وإن ينصركم الله فلا غالب لكم. # الفصل التاسع # | غزوة اليمامة # سار خالد بن الوليد من البطاح على رأس عسكره ومعه المدد الذي أمده أبو بكر به، ومقصدهم ~~جميعا اليمامة، يلقون بها مسيلمة بن حبيب متنبئ بني حنيفة، ولم يكن هذا المدد الذي بعث به ~~الصديق دون جيش خالد أيدا أو قوة، فقد تألف من رجال من المهاجرين والأنصار أصحاب رسول الله ~~الذين شهدوا الحرب فشهدت لهم الحرب، ومن القبائل التي عرفت في القتال بالبأس والبطش، ولقد ~~كان ثابت بن قيس والبراء بن مالك على رأس الأنصار، وأبو حذيفة وزيد بن الخطاب على رأس ~~المهاجرين؛ أما القبائل فكان على كل قبيلة زعيمها. وهل كان لأبي بكر أن يضن على قائد عسكره ~~للقاء مسيلمة بمدد؟! لقد كان يعلم أن أربعين ألفا يقفون إلى جانب هذا المتنبئ في عدة ~~القتال، وأنهم يؤمنون به ويلاقون الموت في سبيله، فإذا هو لم يرمهم بخيرة المسلمين في ~~القيادة، وفي البطولة، وفي خوض المعامع تعرضت سياسته في قتال أهل الردة جميعا للفساد، وأبو ~~بكر أحصف وأعلى رأيا وأبعد نظرا وأقوى إيمانا من أن يعرض الإسلام الناشئ لمثل هذا ~~المصير. # وكان بين هؤلاء الذين أمد بهم أبو بكر خالدا جماعة من القراء حفاظ كتاب الله، كما كان ~~بينهم جماعة ممن شهدوا بدرا، هذا مع أن أبا بكر كان يضن بأهل بدر ويقول: «لا أستعمل أهل ~~بدر، أدعهم حتى يلقوا الله بصالح أعمالهم؛ فإن الله يدفع بهم وبالصالحين أكثر مما ينتصر ~~بهم.» وإنما خرج الصديق على رأيه ذاك فأمد خالدا بالبدريين وبمن شهدوا المواقع في عهد ~~الرسول؛ لأن مسيلمة كان قد استغلظ أمره في اليمامة؛ فكل تضحية في سبيل ms131 القضاء عليه دفع عن ~~دين الله، وكل تعاون معه يزيد الثورة في بلاد العرب ضراما، ويزيد موقف المسلم ~~حرجا. # والحق أن ما أدركه المسلمون إلى ما قبل اليمامة من النصر قد كان بالقياس إليها هينا ~~يسيرا، كانت القبائل القريبة من المدينة والتي أرادت محاصرتها غداة بيعة الصديق، لا يدعي ~~أحد فيها النبوة، ولا تطمع في شيء إلا أن تعفى من الزكاة، وقد نجح عدي بن حاتم في صرف ~~القبائل عن طليحة الأسدي، فهان أمره فلم يقو على المقاومة، ولم تكن أم زمل لتقوى عليها بمن ~~اجتمع حولها من فلول تلك القبائل، وكان بنو تميم على خلاف بينهم، وكانت سجاح قد وهنت من عزم ~~مالك بن نويرة، فلم يكن بينه وبين خالد بن الوليد قتال، أما مسيلمة ومن اجتمع حوله باليمامة ~~فكانوا ينكرون أن يكون محمد رسول الله إليهم، وكانوا يرون لأنفسهم ما لقريش من حق، فلهم نبي ~~ورسول، كما لقريش نبي ورسول؛ ولهم في العرب مكانة تضارع مكانة قريش، وبينهم من الجند ~~البواسل أضعاف جند قريش عددا، وهم إلى ذلك كتلة واحدة، لا يفت في عضدهم خلاف ولا يضعضع من ~~عزمهم تنافس، ليس بينهم من التفاوت في العقيدة والجنس ما بين أهل اليمن، لا جرم، وذلك ~~شأنهم، أن يكونوا أولي بأس وقوة يجب أن يحسب الصديق لها الحساب. # ولم تكن هذه العوامل وحدها هي التي لفتت نظر أبي بكر لتقوية غزاة اليمامة ما استطاع ~~تقويتهم، فهو حين عقد ألويته الأحد عشر لحرب أهل الردة لم يكن يقيم لمسيلمة كل هذا الوزن، ~~أو يحسب لبني حنيفة كل هذا الحساب، لذلك وجه إليهم عكرمة بن أبي جهل، ثم وجه في أثره شرحبيل ~~بن حسنة يعاونه، وسار عكرمة إلى اليمامة ولم ير أن ينتظر شرحبيل، بل بادر بلقاء مسيلمة ~~ليكون له فخار النصر عليه، وكان عكرمة بطلا مجربا وفارسا مغوارا، وقد اجتمع في لوائه ~~أبطال صناديد طالما أبلوا في الحرب أحسن البلاء، مع ذلك لم يثبت عكرمة ولا ثبت لواؤه ~~لمسيلمة، بل نكبهم ms132 بنو حنيفة فانهزموا، وبلغ من نكر هزيمتهم أن أقام شرحبيل بالطريق حيث ~~أدركه الخبر على حقيقته الفاجعة، وكتب عكرمة لأبي بكر بالذي أصابه وأصاب جنده، فملك أبا بكر ~~الغضب وكتب إليه: «يا بن أم عكرمة! لا أرينك ولا ترني، لا ترجعن فتوهن الناس، امض إلى حذيفة ~~وعرفجة فقاتل أهل عمان ومهرة، ثم تسير أنت وجندك تستبرئون الناس حتى تلقى المهاجر بن أبي ~~أمية باليمن وحضرموت.» ولا أراني في حاجة إلى بيان ما في هذا الكتاب من مظهر الغضب، وحسبك ~~بدؤه بقوله: «يا بن أم عكرمة»، ففي هذه العبارة ما فيها من زراية واستخفاف. # كيف استغلظ أمر مسيلمة حتى بلغ هذا المبلغ؟ لقد كان على تعبير مؤرخي العرب، «رويجلا، ~~أصيفر، أخينس» لا يدعو مظهره إلى تقدير أو احترام، ولقد ذهب مع وفد بني حنيفة إلى النبي عام ~~الوفود، فلما بلغ الوفد المدينة لم يأخذه قومه ليلقى النبي معهم، بل خلفوه على رحالهم، ولما ~~أسلم القوم بذل لهم النبي العطاء، فذكروا له مسيلمة، فأمر له بمثل ما أمر به لكل منهم، وقال ~~يجامله: «أما إنه ليس بشركم مكانا.» وذلك لحفظه رحال أصحابه. أفيكون ذلك هو الذي يدعي ~~النبوة من قومه! لذلك لم يصدقه منهم أول الأمر إلا نفر قليل. # أفمعجزة تلك التي جمعت الألوف وعشرات الألوف حوله فيما دون السنتين؟ كلا! وإنما هي شعبذة ~~المشعبذين، وحيل المحتالين، وانقياد الجماعات لهؤلاء وأولئك، فقد كان من أهل هذه الأرجاء ~~رجل يدعى «نهارا الرجال، أو الرحال، ابن عنفوة»، وكان قد هاجر إلى رسول الله بالمدينة، ~~فقرأ القرآن وفقه الدين، وعرف تعاليم الإسلام؛ وكان ذكيا ذا بصيرة، أرسله رسول الله ~~معلما لأهل اليمامة يفقههم في الدين، ويرد من اتبع منهم مسيلمة، ويشد من عزائم المسلمين ~~ويشغب معهم على المتنبئ الكاذب، لكن «نهارا» كان أعظم فتنة على بني حنيفة من مسيلمة نفسه، ~~فهو لم يلبث، حين رأى السواد يتبعه، أن أقر بنبوته وأن شهد بأن محمدا يقول: إن مسيلمة قد ~~أشرك في الرسالة معه. ما عسى أن ms133 يقول أهل اليمامة عن هذا! لقد شهد شاهد من أهل محمد ~~لمسيلمة، وهذا الشاهد رجل فقيه عالم، يتلو عليهم قرآن محمد، ويقص عليهم تعاليمه، ويفقههم في ~~دينه، وهو يشهد لمسيلمة بالنبوة، ما إلى نفي ذلك أو الطعن في صحته بعدئذ من سبيل، لذلك أقبل ~~الناس على مسيلمة أفواجا يؤمنون به رسولا لله إلى بني حنيفة؛ وبذلك أقبلت عليه الدنيا ~~وأصبح في متناول يده كل ما يشاء ويهوى. # ووضع مسيلمة كل ثقته في «نهار الرجال»، وصار ينتهي إلى أمره في كل ما يريد أن يقلد محمدا ~~فيه، وجعل نهار، لقاء ذلك، يعب من نعيم الحياة الدنيا ويستمتع بكل ما لذ له أن يستمتع به ~~منها، وإذا الفقهاء والعلماء أسلموا لمتاع الدنيا أنفسهم، وأخضعوا لمن يملكون هذا المتاع ~~علمهم، فويل للعلم والفقه، وويل للحقيقة أي ويل!! # ولسنا نقف عند ما يروى من محاولة مسيلمة إتيان المعجزات، ولا عند ما أوحي إليه في زعمه، ~~فذلك كله سخف لا يثبت للتاريخ ونقده، وحسبنا ما تقدم بيانا للأسباب التي أدت إلى متابعة ~~الناس مسيلمة وإلى استفحال أمره، حتى لم يستطع عكرمة حين لقيه إلا أن يعود منكوبا مهيض ~~الجناح. # ولا تسل كيف اتبع مسيلمة عقلاء قومه، وأنت تعرف العصبية العربية وتعصب القبائل ~~لاستقلالها وحريتها، ذكروا أن طليحة النمري جاء اليمامة فقال: أين مسيلمة؟ قالوا: مه! ~~رسول الله، قال: لا، حتى أراه، فلما جاء قال له: من يأتيك؟ قال: رحمان، قال: أفي نور أم في ~~ظلمة؟ قال مسيلمة: في ظلمة، فرد طليحة: أشهد أنك كذاب وأن محمدا صادق، لكن كذاب ربيعة أحب ~~إلينا من صادق مضر. وفي رواية ذكرها الطبري أن طليحة قال: كذاب ربيعة أحب إلينا من صادق ~~مضر، واتبع الرجل مع ذلك مسيلمة وقاتل وقتل معه. # أما وذلك شأن مسيلمة وما أصاب عكرمة في قتاله، فلم يكن بين قواد العرب من ينازله غير ~~داهية الحرب وعبقريتها خالد بن الوليد، ولم يكن عجبا أن يعزز أبو بكر خالدا بالمدد، ثم إن ~~الصديق كتب إلى شرحبيل ms134 بن حسنة أن يقيم حيث هو حتى يجيء خالد إليه، فإذا فرغوا من مسيلمة ~~لحق شرحبيل بعمرو بن العاص يعينه على قضاعة في شمال شبه الجزيرة ... # وفيما خالد يسير إلى اليمامة التقت جيوش مسيلمة بلواء شرحبيل واضطرته إلى الارتداد، يقول ~~بعض المؤرخين إن شرحبيل صنع ما صنع عكرمة، وأراد أن يفوز بفخار النصر فأصابه ما أصاب سلفه، ~~ولعل الأمر لم يكن كذلك، وإنما تقدمت جند من اليمامة فلاقوا شرحبيل فارتد عنهم حتى يجيئه ~~خالد، وأي ذلك كان فقد بقي شرحبيل حيث تراجع حتى بلغته جيوش المسلمين، فلما عرف خالد ما ~~أصابه لامه أشد اللوم على صنيعه، ولعله كان يؤثر أن يتراجع من غير أن يشتبك مع خصمه حتى لا ~~يقوي الظفر روحهم المعنوية. # وإن جيوش خالد لتتلاحق إلى أرض اليمامة وتبلغ أنباؤها مسيلمة إذ خرج مجاعة بن مرارة في ~~سرية يطلب ثأرا له في بني عامر وبني تميم، وقد خاف أن يفوته إذا شغل بلقاء المسلمين ~~وقتالهم، وأدرك مجاعة ثأره وكر راجعا مع أصحابه، حتى إذا بلغوا ثنية اليمامة كان التعب قد ~~أخذ منهم فناموا، وأدركهم جيش خالد فتنبهوا؛ وعرف خالد أنهم من بني حنيفة، وظن أنهم خفوا ~~لقتاله فأمر بقتلهم، لم يغن عنهم قولهم إنهم خرجوا لثأرهم، فقد سألهم عن رأيهم في الإسلام، ~~فكان جوابهم: نقول منا نبي ومنكم نبي. وقال أحدهم، سارية بن عامر، وهو يعرض على السيف يخاطب ~~خالدا: «أيها الرجل! إن كنت تريد بهذه القرية غدا خيرا أو شرا فاستبق هذا الرجل.» ~~وأشار إلى مجاعة، واستبقى خالد مجاعة لم يقتله، وجعله كالرهينة؛ لأنه كان من أشراف بني ~~حنيفة، وكان له عندهم مقام كريم، ولأن خالدا كان يطمع في معاونته إياه بالرأي. ولقد قيده ~~بالحديد، وجعله في قبته، وجعل زوجه الجديدة ليلى أم تميم على حراسته. # كان مسيلمة قد جمع جنده بعقرباء في طرف اليمامة، وجعل الأموال وراء ظهورهم، وكان هذا ~~الجند أربعين ألفا، وقيل ستين ألفا، وهذه أعداد قلما سمع العرب بمثلها في الجيوش من قبل، ms135 ~~وأقبل خالد غداة اليوم الذي ارتهن فيه مجاعة فصف جنده في وجه مسيلمة صف القتال، ووقف ~~الجيشان ينظران أمر الصدام، وكل يقدر أن مصيره معلق بمصير ذلك اليوم، ولم يبالغ أيهما في ~~تقدير هذا الأمر؛ فيوم اليمامة من الأيام الحاسمة في تاريخ الإسلام، وفي تاريخ ~~العرب. # كانت قوة مسيلمة قوة الردة الملحة والإنكار الصريح أن تكون نبوة محمد لغير قريش، وأن تكون ~~للناس كافة، وكانت هذه القوة هي المركز التي تتطلع إليه الأعين من اليمن وعمان ومهرة ~~والبحرين وحضرموت والجنوب كله من شبه الجزيرة منحدرا من مكة والطائف إلى خليج عدن، وتتطلع ~~إليه الأعين كذلك من بلاط فارس، وكانت جيوش مسيلمة تؤمن به وتتفانى في سبيله، ثم تزيدها ~~الخصومة القديمة بين الحجاز وجنوب الجزيرة إيمانا وتفانيا، وكانت جيوش المسلمين زهرة ~~قوتهم والملاذ والحمى لدين الله وكلمته؛ عليها خالد أعظم قائد عرفه التاريخ في عصره، وبينها ~~حفاظ كلام الله قراء القرآن، وقد جاءوا جميعا يملأ الإيمان قلوبهم بأن الجهاد في سبيل الله ~~والدفع عن دينه الحق أول فرض على المؤمن، وأنه فرض عين على كل ذي علم وبينة، لا محيص إذن أن ~~تكون المعركة حامية، وأن تكون مثلا لما لقوة الإيمان من بأس وسلطان. # وتقدم شرحبيل بن مسيلمة يحرض جيش بني حنيفة بعبارات تهتز لها النفس العربية الدقيقة الحس ~~بكل ما يتصل بالعرض والحسب أشد اهتزاز، صاح فيهم: ~~«يا بني حنيفة! اليوم يوم الغيرة، إن هزمتهم تستردف النساء سبيات، وينكحن غير ~~حظيات، فقاتلوا عن أحسابكم، وامنعوا نساءكم.» وأمرهم أن يشدوا، والتقى الجمعان ~~والمسلمون لما تحتدم حميتهم؛ يقول المهاجرون لسالم مولى أبي حذيفة: تخشى علينا من ~~نفسك شيئا؟ فيجيبهم بئس حامل القرآن أنا إذا، بل لقد تنابزوا بشر من هذا الحديث ~~وأسوأ منه أثرا، جعل المهاجرون والأنصار يرمون بالجبن أهل البوادي، ويرميهم أهل ~~البوادي بمثل ما يرمونهم به، يقول أهل القرى: «نحن أعلم بقتال أهل القرى يا معشر ~~أهل البادية منكم.» ويقول أهل البادية: «إن أهل القرى لا يحسنون القتال ولا يدرون ms136 ~~ما الحرب.» # لذلك لم يثبتوا لجموع بني حنيفة، مع ما كان بين الفريقين من قتال شديد؛ فانثنى صف ~~المسلمين هزيما، وزال خالد عن فسطاطه، فدخله بنو حنيفة فرأوا فيه مجاعة مقيدا بالحديد، ~~ورأوا على مقربة منه أم تميم، وحمل رجل منهم بالسيف على ليلى يريد أن يقتلها، فصاح به ~~مجاعة : «أنا لها جار، فنعمت الحرة؛ عليكم بالرجال!» وقطع الجند حبال الفسطاط ومزقوه بسيوفهم ~~تاركين مجاعة وليلى ينظران ما الله صانع بالقوم جميعا. # على أن المسلمين لم يتراجعوا حتى قتلوا من بني حنيفة خلقا كثيرا، وكان في الأولين الذين ~~قتلوا نهار الرجال القارئ الفقيه الخائن الخادع، خرج في طليعة بني حنيفة، فلقيه زيد بن ~~الخطاب فقتله، فأزال بقتله من الوجود روح الإثم التي طوعت لمسيلمة أن يبلغ ما بلغ، وأن يقف ~~وجنده يهدد المسلمين ويرسل الروع في نفس كل حريص على دين الله. # لم تزايل خالد بن الوليد رباطة جأشه حين زال عن فسطاطه، ولم يداخله ريب في مصير اليوم، ~~لقد رأى أنما انهزم من جند المسلمين من انهزم لتنابز الناس وتواكلهم، فلو لم يتواكلوا ~~انتصروا، لذلك لم يلبث، حين لاحت له فترة تهادن بين الفريقين أن صاح في الجند صيحة بطش ~~وغضب: «امتازوا أيها الناس لنعلم بلاء كل حي، ولنعلم من أين نؤتى.» ودوت هذه الصيحة تداولها ~~سمع الجيش كله فنبهته إلى حقيقة أمره، واطمأن خالد، حين رأى الناس امتازوا، إلى أنه قطع ~~بأمره كل مظنة للتواكل، وأنه هيأ للنصر طريقه. # أثارت صيحة خالد ما ركب في الفطرة العربية من قوة العصبية، ورأى زعماء المسلمين ما حل ~~بهم، فثارت في قلوبهم الحمية لدين الله، وسما الإيمان بنفوسهم إلى ما فوق مراتب الحياة، ~~وتجلى الاستشهاد أمامهم باسما مضيئا يفتح لهم أبواب الجنة خالدين فيها، وأظلتهم نسمة من ~~روح الله أرتهم الحياة لهوا ولعبا وغرورا باطلا، فانقلبوا من الهزيمة يطلبون النصر أو ~~الشهادة، قال ثابت بن قيس، وكان على رأس الأنصار: «بئسما عودتم أنفسكم يا معشر المسلمين! ~~اللهم إني أبرأ إليك مما ms137 يعبد هؤلاء (وأشار إلى أهل اليمامة) وأبرأ إليك مما يصنع هؤلاء ~~(وأشار إلى المسلمين).» ثم اندفع في الوطيس يقاتل ويقتل، وينادي: «هكذا عني حتى أريكم ~~الجلاد.» وأبلى بلاء أذهب عن الأنفس الروع، وظل يجاهد حتى خلصت إليه الجراح من كل جانب فمات ~~وقد رزق الشهادة. وكان البراء بن مالك من الصناديد الذين لا يعرفهم الفرار، فلما رأى ما صنع ~~الناس وثب وقال: «أين يا معشر المسلمين! أنا البراء بن مالك، هلم إلي!» وسمعه المسلمون ~~وكلهم يعرفون بأسه، ففاء إليه منه فئة قاتلت القوم وقتلت منهم حتى أجلتهم عن مواقفهم، وهبت ~~ريح أثارت الرمال في وجوه المسلمين، فذهب قوم يتحدثون إلى زيد بن الخطاب ما يصنعون، فكان ~~جوابه: «لا والله لا أتكلم اليوم حتى نهزمهم، أو ألقى الله فأكلمه بحجتي، غضوا أبصاركم ~~وعضوا على أضراسكم أيها الناس، واضربوا في عدوكم وامضوا قدما.» واندفع في صدر القوم يقاتل ~~ويقتل، وجنده من ورائه، حتى لقي الله يكلمه بحجته، وصاح أبو حذيفة بمن حوله: «يا أهل ~~القرآن، زينوا القرآن بالفعال.» وألقى بنفسه في الغمار يقاتل وقومه حتى ضمه الله إليه، وأخذ ~~سالم مولى أبي حذيفة الراية وقال: «بئس حامل القرآن أنا إن لم أثبت.» وقاتل حتى قتل. بهذه ~~الصيحات الصادرة من قلوب ملأها الإيمان قوة وبأسا، سرت روح الاستشهاد في جند المسلمين ~~جميعا، فهانت أمامهم الحياة واستحبوا الشهادة عليها، فاندفعوا يطلبونها صادقين، فردوا جيوش ~~مسيلمة إلى ما وراء خطوطها الأولى. # وكانت جيوش مسيلمة تقاتل قتال المستيئس هي كذلك، كانت تقاتل عن وطنها وتقاتل عن أحسابها، ~~وتقاتل عن عقيدة مريضة هي عندها دون الوطن، ودون الحسب مقاما: لذلك ثبتت للمسلمين وجعلت ~~ترد منهم من تستطيع رده، وتحارب عن كل شبر من الأرض لا تتزحزح عنه حتى يعود وتحاول ~~استرداده. # لم يرع خالد لاستبسال بني حنيفة، بل أيقن حين سمع صيحات المسلمين، ورأى إقدامهم على ~~الموت مستبشرين، أنه ملك زمام اليوم، وأن النصر صار منه قريبا. # لكنه حرص مع ذلك على أن يرى المسلمون هذا النصر ms138 قريبا كما يراه هو، لذلك خرج على رأس ~~رجاله وقال لحماته: «لا أوتين من خلفي.» ثم صاح صيحة المعركة: «يا محمداه!» وهو لم يكن ~~يريد بخروجه وبصيحته أن يشدد العزائم فحسب، بل كان يريد كذلك أن يسلك إلى النصر أسرع طرقه، ~~وأن يستله من مكمنه، فقد رأى بني حنيفة يسقطون حول مسيلمة قتلى لا يبالون الموت، فأيقن أن ~~أقرب الطرق إلى النصر قتل مسيلمة نفسه، لذلك داور برجاله حتى كان حياله، ثم جعل يستدرجه ~~ليخرج إليهم، وأقبل المحيطون بمسيلمة يخرجون إلى لقاء خالد فيلقاهم الموت من سيفه قبل أن ~~يبلغوه، وكثر في هؤلاء القتل، وشعر مسيلمة بالخزي يركبه لشدة جبنه، فساورته أن يخرج كما ~~خرجوا، لكنه أيقن أنه مقتول إن خرج لا محالة؛ فتردد واضطرب، وإنه لفي اضطرابه وتردده إذ شد ~~خالد بن الوليد برجاله عليه وعلى من حوله وركبوهم يعملون فيهم السلاح، هنالك صاح أصحاب ~~مسيلمة به: «أين ما كنت تعدنا؟!» فأجابهم وقد ولى مدبرا: «قاتلوا عن أحسابكم.» وكيف ~~يقاتلون وقد أسرع هو إلى الفرار! أوليس المنطق أن يتبعوه فارا كما اتبعوه نبيا؟! # ورأى محكم بن الطفيل فرار القوم، ورأى المسلمين يتعقبونهم، فصاح بهم: «يا بني حنيفة! ~~الحديقة.» يريد منهم أن يحتموا بها، وكانت هذه الحديقة على مقربة منهم، وكانت لمسيلمة وتدعى ~~حديقة الرحمان، وكانت فسيحة الأرجاء منيعة الجدران كأنها الحصن، وقد فروا إليها وتحصنوا بها ~~من هزيمتهم بعد أن خر الألوف منهم صرعى مجدلين في الميدان بسيوف المسلمين، ووقف المحكم ~~برجاله يحمي ظهورهم أثناء فرارهم، وإنه لكذلك يحاول صد المسلمين ويحرض رجاله على دفعهم، ~~ويقاتل وإياهم أشد قتال حتى يتحصن قومه؛ إذ رماه عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق بسهم وقع في ~~نحره فقتله. # تحصن مسيلمة وقومه بالحديقة، أفيحاصرهم المسلمون وإن طال حصارهم؟! كلا! إن هذا الجيش ~~الثمل بنشوة الظفر يريد النصر كاملا، ويريده سريعا، لذلك أحاط بالحديقة يلتمس فيها فرجة ~~تغنيه عن فتح بابها الوثيق الرتاج فلم يجد، قال البراء بن مالك: «يا معشر المسلمين، ألقوني ~~عليهم ms139 في الحديقة.» قال الناس: «لا تفعل يا براء.» وماذا عسى أن يصنع البراء وحده بين هذه ~~الألوف التي تكدست في الحديقة لاجئة من الموت! لكن البراء أصر على قوله وزاد: «والله ~~لتطرحنني عليهم فيها.» ورفعه المسلمون إلى أعلى الجدار، فلما رأى القوم وكثرتهم تردد ~~وتراجع وقال: أنزلوني. لكنه ما لبث أن عاد يقول: احملوني. وتكرر ذلك منه، ثم إنه وقف على ~~الجدار تحدثه نفسه: إنه البراء البطل الذي يتحدث في شبه الجزيرة كلها بفعاله، ألا لئن عاد ~~أدراجه ليقولن الناس: هم ولم يفعل، وليذهبن ذلك بشهرته في البطولة، وليتندرن الناس ~~بإحجامه بعد الإقدام، وإن حدث ذلك فماذا يبقى له، وأي وجه يطالع الناس به؟! لذلك نضا عنه ~~تردده وألقى بنفسه على بني حنيفة أمام باب الحديقة، فقاتلهم وقتل منهم يمنة ويسرة، حتى فتح ~~الباب للمسلمين، ودخلوا منه زمرا تلمع في أيديهم سيوفهم، ويطل الموت من حدق عيونهم؛ فما ~~لبث بنو حنيفة حين رأوهم أن فروا أمامهم يتراكضون في الحديقة التي انقلبت سجنا تراكض ~~الأغنام رأت الذابح يدخل عليها بسكينه. # هذه رواية، ورواية أخرى أن المسلمين تسوروا الحديقة من الجدران وحاولوا اقتحام الباب، ~~ولعل البراء كان بين الذين تسوروا الجدران أقربهم مكانا من الباب، وأنه ألقى بنفسه في ~~الحديقة ففتحه للمسلمين بعد أن قاتل من وجده من القوم دونه: وذلك حين كان اللاجئون إلى ~~الحديقة في شغل عنه بمن شدوا عليهم يرمونهم بالنبل من أعلى. # اقتحم المسلمون الحديقة والتحموا بأعدائهم فيها، وما عسى أن تجدي سيوف بني حنيفة والأشجار ~~من حولهم تعوقهم! مع ذلك استحر القتال وكثر القتل بين الفريقين، وإن زاد قتلى بني حنيفة على ~~قتلى المسلمين أضعافا مضاعفة، وكان وحشي الحبشي قد أسلم بعد أحد، وبعد أن قتل حمزة سيد ~~الشهداء فيها، وكان حاضرا اليمامة، ولقد رأى مسيلمة في الحديقة فهز حربته، حتى إذا رضي ~~عنها دفعها عليه فأصابته، وقد اشترك معه رجل من الأنصار ضرب مسيلمة بسيفه، فكان وحشي يقول: ~~ربك أعلم أينا قتله. وصاح رجل يقول: قتله ms140 العبد الأسود. # انهدت عزائم بني حنيفة حين سمعوا الصيحة بموت مسيلمة وأسلموا أنفسهم لا يقاومون، وأمعن ~~المسلمون فيهم قتلا، فلم تعرف بلاد العرب في تلك العصور موقعة كان فيها ما كان في موقعة ~~اليمامة من دماء، لذلك أطلق على حديقة الرحمان اسم حديقة الموت، ولا يزال هذا اسمها في كتب ~~التاريخ جميعا. # ولما انتهت الموقعة أمر خالد فجيء بمجاعة من فسطاطه، فطلب إليه أن يدله على مسيلمة، وجعل ~~القوم يكشفون عن القتلى حتى مروا بمحكم اليمامة، وكان المحكم وسيما، فلما رآه خالد سأل ~~مجاعة: هذا صاحبكم؟ وأجاب مجاعة: لا! هذا والله خير منه وأكرم؛ هذا محكم اليمامة. ودخل خالد ~~ومجاعة حديقة الموت فمروا بجثة ذلك الرويجل الأصيفر الأخينس، فقال مجاعة: هذا صاحبكم قد ~~فرغتم منه. وقال خالد: هذا الذي فعل بكم ما فعل. # الآن وقد انتهت فتنة مسيلمة، واجتث أصلها، وقد قضي على جيشه هذا القضاء المبرم، أفما آن ~~لخالد أن يطمئن ولجنده أن يستريح؟ # كلا! ليس هذا من طبع خالد، وليست هذه السياسة سياسته في الحرب إنما سياسته أن يبلغ النصر ~~مداه حتى لا يترك وراءه ما قد تخشى عواقبه، لم يكفه من حرب بني أسد ومن والاهم فرار طليحة، ~~بل بقي حتى استبرأ الأرض، وحتى قضى على أم زمل وفلولها، وهو لم يدع بني تميم حتى قضى في ~~ديارهم على كل نافخ في نار للفتنة أو في رماد، وكذلك فعل ها هنا، قال له عبد الله بن عمرو ~~وعبد الرحمن بن أبي بكر وقد فرغ ممن لجئوا إلى حديقة الموت: «ارتحل بنا وبالناس فانزل على ~~الحصون.» يريدان حصون اليمامة، فكان جواب خالد: دعاني أبث الخيول فألقط من ليس بالحصون، ثم ~~أرى رأيي. وبث الخيول فجاءوا بما وجدوا من مال ونساء وصبيان، فضمه إلى العسكر، ثم نادى ~~بالرحيل لينزل على الحصون فيفتضها على من بها، ويفرغ بذلك من بني حنيفة فلا تقوم لهم من بعد ~~قائمة أبدا. # كان خالد قد وثق بمجاعة بعد الذي كان من جواره أم تميم ms141 ومن إخلاصه القول له في مسيلمة ومن ~~معه، وجاء مجاعة هذا إليه وقال: والله ما جاءك إلا سرعان الناس، وإن الحصون لمملوءة رجالا؛ ~~فهل لك إلى الصلح على ما ورائي؟ ونظر خالد إلى جيشه فرأى قوما نهكتهم الحرب وقد أصيب من ~~أشراف الناس فيهم خلق كثير، وهم إلى ذلك حراص على أن يعودوا متوجين بفخار النصر، أما وقد ~~يكون مجاعة صادقا فقد رأى خالد من الخير أن يصالحه، وتصالحا على أن يحتفظ المسلمون بما ~~غنموا إلا نصف السبي، واستطرد مجاعة يقول: الآن آتي قومي فأعرض عليهم ما قد صنعت. وانطلق ~~فقال للنساء: البسن الحديد ثم أشرفن على الحصون. وقد فعلن، ورآهن خالد فأيقن أن مجاعة لم ~~يكذبه، وعاد مجاعة يزعم أنهم أبوا أن يجيزوا ما صنع، وإنما أشرف على رءوس الحصون منهم من ~~أشرف حتى يرجع إليهم فيروا رأيهم، ونزل خالد عن النصف مما كان قد تصالح عليه من السبي، فلما ~~فتحت الحصون لم يجد إلا النساء والصبيان ومشيخة فانية ورجالا ضعفى، عند ذلك نظر إلى مجاعة ~~مغضبا وقال: ويحك! خدعتني! وأجاب مجاعة مطمئنا: هم قومي، ولم أستطع إلا ما صنعت. وأكبر ~~منه خالد صدق وطنيته فأجاز الصلح وسرح صاحبه. # ويروى أن مجاعة ذهب إلى قومه قبل كتابة عهد الصلح، وقبل أن يرى خالد من بالحصون، فعرضه ~~عليهم، فاعترضه سلمة بن عمير الحنفي وقال: «لا والله لا نقبل حتى نبعث إلى أهل القرى العبيد ~~فنقاتل ولا نصالح خالدا؛ فإن الحصون منيعة والطعام كثير والشتاء قد حضر.» وأجابه مجاعة: ~~«إنك امرؤ غر مشئوم، غرك أني خدعت القوم حتى أجابوني إلى الصلح، فهل بقي أحد فيه خير أو به ~~دفع! وإنما بادرتكم قبل أن يصيبكم ما قال شرحبيل بن مسيلمة: قبل أن تستردف النساء سبيات، ~~وينكحن غير حظيات.» وسمع إليه القوم فأجازوا صلحه ولم يحفلوا بقول سلمة بن عمير. # وجاء خالدا رسول من أبي بكر ومعه أمر أن يقتل كل قادر على القتال من بني حنيفة، لكن ~~خالدا كان قد صالحهم؛ وهو ms142 رجل متى عهد وفى، وحشر بنو حنيفة للبيعة والبراءة مما كانوا ~~عليه؛ وجيء بهم إلى خالد في عسكره، فبايعوا وأعلنوا براءتهم من الردة ورجوعهم إلى الإسلام، ~~وبعث خالد بوفد منهم إلى أبي بكر بالمدينة، فلما قدموا عليه قال لهم: ما هذا الذي استذل ~~منكم ما استذل؟ قالوا: يا خليفة رسول الله، قد كان الذي بلغك مما أصابنا، وقد كان امرأ لم ~~يبارك الله له ولا لعشيرته فيه. # ولعلك تسأل: كيف رضي خالد عن مجاعة بعد أن خدعه، وخالد من نعرف بأسا وشدة! لكن نصر ~~المسلمين المؤزر جعل خالدا أدنى إلى التسامح؛ وقد بلغ قتلى بني حنيفة مبلغا زاده تسامحا ~~... قيل: إن الذين قتلوا في حديقة الموت بلغوا سبعة آلاف، وإن مثل هذا العدد قتل منهم في ~~الميدان، وإن سبعة آلاف أخرى قتلوا حيث بث خالد جنوده تطارد الفارين، هذا إلى أن الصلح الذي ~~عقده مجاعة قد ترك للمسلمين كل ما غنموا من ذهب وفضة وسلاح، وجعل لهم ربع السبي، وجعل لهم ~~في كل قرية من قرى بني حنيفة حديقة ومزرعة يختارهما خالد، فإن يكن مجاعة قد أنجى بعد ذلك من ~~بقي من قومه فلم يقتل منهم كل قادر على القتال، فإن قومه جميعا قد رجعوا إلى الإسلام ~~وأقروا بسلطان أبي بكر، أما وقد بلغ خالد ذلك كله فليس له أن يغضب من مجاعة لخدعته أو ينقم ~~منه بسببها. # وكما بلغ قتلى بني حنيفة ذلك العدد لم يكن يدور بخلد أحد من أهل ذلك العصر في بلاد العرب، ~~بلغ عدد القتلى من المسلمين مبلغا جاوز كل ما كان يجري في تقديرهم، قتل فيها من المهاجرين ~~ثلاثمائة وستون، ومن الأنصار ثلاثمائة، وذلك خلا من قتلوا من أهل القبائل، وبلغ مجموع قتلى ~~المسلمون مائتين وألفا. # ولقد عير المهاجرون والأنصار أهل القبائل وفاخروهم بعدد قتلاهم، ولم يكن تفوق المهاجرين ~~والأنصار مقصورا على زيادة العدد في القتلى، بل كان بين هؤلاء تسعة وثلاثون من كبار ~~الصحابة ومن حفاظ القرآن، وأنت تعرف ما لهؤلاء وأولئك من ms143 قدر ومقام بين المسلمين، ولكن! رب ~~ضارة نافعة؛ فقد كان مقتل هؤلاء الحفاظ سبب جمع القرآن في خلافة أبي بكر مخافة أن يستحر ~~القتل في سائرهم من بعد، كما استحر فيمن حضر منهم غزوة اليمامة. # ولم يكن يعدل حزن المسلمين بمكة والمدينة على هؤلاء القتلى إلا فرحهم بما آتاهم الله من ~~النصر، عاد عبد الله بن عمر بن الخطاب بعد أن أبلى في اليمامة أحسن البلاء، فلما لقيه أبوه ~~قال له: «ما جاء بك وقد هلك زيد! ألا واريت وجهك عني!» وأجاب عبد الله: «قد حرصت على ذلك أن ~~يكون، ولكن نفسي تأخرت فأكرمه الله بالشهادة.» وفي رواية أنه قال: «سأل الله الشهادة ~~فأعطيها، وجهدت أن تساق إلي فلم أعطها.» وليس حزن عمر لمقتل أخيه زيد إلا مثلا لما عم ~~مكة والمدينة من أسى على الأبطال الذين استشهدوا في قتال مسيلمة. # أفحزن خالد بن الوليد كما حزنوا؟ أفأزعجه منظر القتلى وروعه مسيل الدماء؟! كلا! ولو أن ~~ذلك كان لما جاز له يوما أن يتولى القيادة، وأن يكون فاتح العراق والشام، وموطد الأساس ~~الأول للإمبراطورية الإسلامية، وأين القائد القادر الذي لا يهتز طربا حين يرى الألوف من ~~الأعداء يخرون صرعى أمام جيوشه! لم يرع خالد إذن ولم ينزعج؛ بل إنه لم يلبث حين اطمأن إلى ~~النصر وأتم الصلح وتسلم زمام الأمر أن دعا مجاعة إليه وقال له: «زوجني ابنتك.» وكان مجاعة ~~قد سمع بحديث ليلى أم تميم وباستدعاء أبي بكر خالدا وتعنيفه إياه على ما فعل مما يخالف ~~تقاليد العرب، فقال: «مهلا! إنك قاطع ظهري وظهرك معي عند صاحبك.» ولم يعجب خالدا هذا ~~الكلام فلم يعره أية عناية، بل حدق إلى الرجل وقال: «أيها الرجل زوجني.» ومن ذا يستطيع أن ~~يعصي له إثر نصره في اليمامة أمرا! وزوجه مجاعة ابنته، فدخل بها في بيت أبيها، ثم جعل لها ~~فسطاطا يجاور فسطاط أم تميم. # وبلغ أبا بكر ما صنع خالد، فتولته الدهشة أول ما عرفه، ثم استحالت الدهشة غضبا، فاستحال ~~الغضب ثورة، ms144 لقد كان كل دفاعه عنه في حادث أم تميم أنه لم يقتل زوجها ليتزوجها، وأنه إن يكن ~~أخطأ فإنما خطؤه أنه خالف تقاليد العرب وصنع ما يعيبونه من مثل هذا التزوج والدماء تقطر ~~والمآتم قائمة، فكيف به يكرر فعلته في اليمامة وقد قتل بها من المسلمين مائتان وألف، ولم ~~يكن قتل منهم أحد في حادث مالك بن نويرة! لذلك لم يملك أبو بكر وهو الحليم غضبه، بل دفعته ~~ثورته فكتب إليه كتابا «يقطر بالدم» على حد تعبير الطبري، جاء فيه: «لعمري يا بن أم خالد ~~إنك لفارغ! تنكح النساء وبفناء بيتك دم ألف ومائتي رجل من المسلمين لم يجفف بعد!» وتناول ~~خالد الكتاب ونظر فيه فتألم لغضب أبي بكر وهز رأسه وجعل يقول: هذا عمل الأعيسر. يعني عمر بن ~~الخطاب، لكن الأمر لم يجاوز الأسف لغضب أبي بكر من جانب خالد، ولم يجاوز هذه الثورة على ~~خالد وهذا الكتاب إليه من جانب أبي بكر. # ومن تكون بنت مجاعة في أعياد النصر التي يجب أن تقام لخالد؟! إنها لن تزيد على قربان ~~يطرح على قدمي هذا العبقري الفاتح الذي روى أرض اليمامة بالدماء لعلها تطهر من رجسها، بل ~~إنها لن تزيد على جارية من الجواري اللائي يضربن بالدفوف في هذه الأعياد ويتغنين مطربات، أن ~~عاد مهد الإسلام كاملا إلى حمى الإسلام. لكن تبارك اسمك اللهم، إن الإسلام لا يعرف هذه ~~الأعياد، وإنما يعرف أن النصر من عند الله يؤتيه من يشاء، وقد آتاه خالدا، فأعز به دينه ~~الحق، ومحق به الردة والمرتدين. # محا خالد الردة والمرتدين بغزوة اليمامة ومحقهم، بذلك آن لبلاد العرب أن تطمئن وتدين بدين ~~الله، فأما ما بقي من أنباء حروب الردة بمهرة وعمان واليمن مما تلا اليمامة فلم يكن في مثل ~~خطرها، من ثم آن لأبي بكر بعد اليمامة أن تسكن نفسه، وآن لخالد بعدها أن يستريح. # وتحول خالد إلى واد من أودية اليمامة يقال له الوبر، وكان له به منزل جمع فيه بنت مجاعة ~~وأم تميم. ms145 # أفطال هناك مقامه وكملت هناك راحته؟ ذلك شأن لم تحدثنا به كتب التاريخ، لكن سياسة أبي بكر ~~وسياسة الإسلام كانت لا تزال في حاجة إلى سيف خالد، وسنلقاه لذلك عما قريب، فإلى الملتقى ~~عبقري الحرب وسيف الله! إلى الملتقى على شواطئ الفرات! # الفصل العاشر # | بقية حروب الردة # البحرين، عمان ومهرة ، اليمن، كندة وحضرموت # قضى خالد بن الوليد على المرتدين في بني أسد وبني تميم وفي ربوع اليمامة، وأعاد من بقي ~~حيا من هذه القبائل إلى حمى الدين القيم، ومنازل هذه القبائل تمتد من الشمال الشرقي لبلاد ~~العرب حتى تتاخم خليج فارس في شرقها، وهي تقع لذلك إلى شمال المدينة من الشرق، ثم تنحدر حتى ~~الجنوب الشرقي من مكة، وقد فسح عودها إلى الإسلام رقعة الدولة التي تدين بالولاء لأبي بكر، ~~والتي كانت حين الردة مقصورة على مثلث من الأرض رأسه المدينة وقاعدته بين مكة ~~والطائف. # ولم تكن ثورة القبائل النازلة إلى شمال المدينة بذات خطر تخشى آثاره، فلم يتحدث المؤرخون ~~عن إصرار أهلها على الردة وقتالهم بسببها ما تحدثوا عن بني أسد أو عن اليمامة، ليس يستثنى ~~من ذلك إلا دومة الجندل وعلى رأسها أكيدر الكندي؛ فقد أصرت دومة وقاتلت حتى أخضعها ابن ~~الوليد وأسر أكيدر وفرغ منه؛ وكان إخضاعه إياها أثناء فتحه العراق، أما في الجنوب فقد بقيت ~~الثورة على أبي بكر والردة عن الإسلام مشبوبتين، وبقي القتال ناشبا بسببها بين جيوش ~~المسلمين وأهل هذا الجنوب زمنا غير مديد، وإذا قلت الجنوب قلت النصف من بلاد العرب، والنصف ~~الذي لا يستهان به، وهذا النصف بشاطئ خليج فارس فخليج عدن فالبحر الأحمر إلى شمال اليمن، ~~وتقع فيه ممالك البحرين فعمان فمهرة فحضرموت فكندة فاليمن، وأنت لا تستطيع أن تتخطى هذه ~~الممالك من الشرق إلى الغرب أو من الغرب إلى الشرق إلا أن تخترقها جميعا، فكلها تقع تباعا ~~على شاطئ الخليجين والبحر الأحمر، وكلها فيما خلا اليمن قليلة العرض، فما بين حدودها ~~والشاطئ أميال معدودة، أما سائر الجنوب من شبه الجزيرة ms146 مما تحيط به هذه الممالك وتفصله عن ~~الماء فبادية الدهناء، هذه الصحراء المخوفة يوم ذاك، والمخوفة إلى يومنا الحاضر، والتي يطلق ~~عليها اسم الربع الخالي. # أما وذلك موقع هذه البلاد فمن اليسير أن تدرك ما كان بينها وبين فارس من اتصال، وما كان ~~بينها وبين الشمال من بلاد العرب من شقة لا يسهل قطعها، فاجتياز الدهناء لم يكن ممكنا، ~~والمجيء من الحجاز إلى عمان أو كندة أو حضرموت كان يقتضي السير إليها من بلاد البحرين شرقا ~~أو من اليمن غربا، هذا الموقع الجغرافي لتلك البلاد جعل لبلاط كسرى من الصلة بها، بل من ~~السلطان فيها، ما لم يكن له بغيرها من بلاد العرب. # أشرنا في غير موضع إلى أن اليمن ظلت في سلطان فارس إلى أن دخل بدهان في الإسلام وصار عامل ~~النبي (عليه السلام) على اليمن بعد أن كان عامل كسرى عليها، وكان سلطان فارس أكثر وضوحا في ~~البحرين وعمان، وكان من أبناء فارس عدد عظيم استوطن البحرين وعمان وعلت كلمته بين أهليهما، ~~وكانت فارس تمد أبناءها هؤلاء بنفوذها وبقواتها كلما خشيت ثورة العرب الخلص بهم، أو محاولة ~~هؤلاء العرب القضاء على سلطانهم في ربوعهم، ليس عجيبا إذن أن تكون هذه البلاد آخر من دان ~~بالإسلام على عهد رسول الله في عام الوفود، وأن تكون أول من ارتد حين قبض، ثم تكون آخر من ~~يعود إلى الإسلام بعد حروب طاحنة تختم حروب الردة تعيد إلى البلاد العربية وحدتها الدينية ~~وتقيم فيها الوحدة السياسية. # وقد اختلفت الروايات متى كانت حروب الردة في هذه الأنحاء: أكانت في السنة الحادية عشرة ~~للهجرة كما كان ما سبقها من تلك الحروب، أم كانت في السنة الثانية عشرة، ولا غناء في الوقوف ~~عند هذا الخلاف؛ فالثابت أن حروب الردة اتصلت منذ بيعة أبي بكر إلى أن انتهت بلاد العرب ~~كلها بالإذعان، وأن بلاد الجنوب شاركت من بعد في تنفيذ سياسة أبي بكر، قوية الإيمان صادقة ~~العزم في الجهاد، حريصة على الظفر والاستشهاد حرص السابقين الأولين ms147 من أصحاب رسول ~~الله. # لا مفر، وموقع البلاد الجغرافي ما رأيت، أن يبدأ المسلمون للقضاء على الردة فيها بالسير ~~من البحرين إلى عمان فمهرة حتى اليمن، أو من اليمن إلى كندة فحضرموت حتى البحرين، وقد آثروا ~~أن يبدءوا بالبحرين؛ لأنها كانت تجاور اليمامة، فكان انتصارهم في موقعة عقرباء ذا أثر فيها، ~~ثم إنها كانت أيسر من اليمن أمرا، فكان البدء بها أدنى إلى فوز يجر وراءه فوزا مثله في ~~جميع البلاد التي تجاورها. ~~••• # مع ذلك لم يكن المجهود الذي بذله المسلمون للقضاء على الردة بالبحرين يسيرا. # والبحرين شقة ضيقة من الأرض تشاطئ مع هجر خليج فارس، وتمتد من القطيف إلى عمان، والصحراء ~~في بعض أنحائها تكاد تتصل بماء الخليج، وهي تتصل باليمامة في جزئها الأعلى، لا يفصل بينهما ~~إلا سلسلة من التلال يهون انخفاضها اجتيازها، وكان بنو بكر وبنو عبد القيس من قبائل ربيعة ~~يقيمون بالبحرين وهجر، وكان يقيم بهما معهم جماعة من التجار جاءوا من الهند وفارس وتوطنوا ~~الثغور من مصب الفرات إلى عدن، وقد تزاوج هؤلاء مع أبناء البلاد فاستولدوا بها طائفة دعيت ~~الأبناء، وكان ملك هذه الأنحاء، المنذر بن ساوى العبدي، نصرانيا دان بالإسلام حين دعاه ~~إليه العلاء بن الحضرمي رسول النبي إلى أهل البحرين في السنة التاسعة من الهجرة، وقد ظل ~~المنذر ملكا على قومه بعد إسلامه، فكان يدعوهم إلى دين الله كما كان يدعوهم إليه الجارود ~~بن المعلى العبدي، وكان الجارود قدم على النبي بالمدينة فأسلم وفقه الدين، وعاد إلى قومه ~~يدعوهم إلى دين الحق ويفقههم فيه. # مات المنذر بن ساوى في الشهر الذي مات فيه النبي، فارتد أهل البحرين جميعا عن الإسلام، ~~كما ارتد غيرهم من سائر أنحاء شبه الجزيرة، وأدت ردتهم إلى فرار العلاء بن الحضرمي من ~~البحرين، كما فر غيره من رسل النبي في البلاد التي ارتدت، لكن الجارود العبدي أصر على ~~إسلامه، وقام في قومه بني عبد القيس يسألهم عن سبب ردتهم، قالوا: لو كان محمد نبيا لما ~~مات، فقال لهم: ms148 تعلمون أنه كان لله أنبياء فيما مضى، فما فعلوا؟ قالوا: ماتوا، قال الجارود: ~~إن محمدا # صلى الله عليه وسلم # مات كما ماتوا، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، ~~فشهد قومه كشهادته وعادوا إلى إسلامهم وثبتوا عليه. # لم يثن رجوع بني عبد القيس إلى الإسلام سائر أهل البحرين عن ردتهم، بل اجتمع الذين أصروا ~~على الردة بزعامة الحطم بن ضبيعة أخي بني قيس بن ثعلبة، فردوا الملك في آل المنذر بن ~~النعمان بن المنذر، وكان يسمى الغرور، ثم إنهم حاولوا أن يصرفوا الجارود والذين معه عن ~~إسلامهم، فذهبت محاولتهم سدى، عند ذلك خرج الحطم حتى نزل القطيف وهجر واستغوى من بهما من ~~الأبناء، كما ضم إليه من لم يكن دخل في الإسلام من قبل، وحاصر الجارود ومن معه في ناحية ~~جواثي، مؤيدا من فارس وبلاطها، ولقد ألح عليهم في الحصار حتى اشتد عليهم الجوع وكادوا ~~يهلكون، مع هذا لم يرجع عن إسلامه منهم أحد، وهانت عليهم الحياة في سبيل دينهم الحق. # وفيما هم كذلك كان أبو بكر قد رد العلاء بن الحضرمي إلى البحرين على رأس لواء من الولاية ~~الإحدى عشرة لقتال المرتدين فيها، ولم يذهب العلاء إليها حتى كان خالد بن الوليد قد قضى على ~~مسيلمة وأتباعه، لذلك أسرع من عاد إلى الإسلام من بني حنيفة ينضمون إلى العلاء حين مر ~~باليمامة، لحق به ثمامة بن أثال في المسلمين من قومه، وقيس بن عاصم المنقري كذلك، كما جاء ~~كثير من أهل اليمن ومن سائر القبائل التي شعرت بقوة المسلمين وبأن سلطانهم لا محالة عائد ~~كما كان، ولا عجب! فذلك شأن الناس في كل أمة وعصر، يتبعون القوة؛ لأنهم يحسبون أن الحق ~~يدعمها كما تدعمه، ويرون أنها لا تستطيع أن تقوم وحدها إذا كان أساسها الجور والظلم، ولقد ~~كان قيس بن عاصم قبل أن ينضم مع قومه إلى العلاء، فيمن منعوا الزكاة وردوا الصدقات إلى ~~الناس، فلما مر العلاء باليمامة بعد انتصار خالد، عاد قيس فجمع ms149 الصدقات وساقها إليه، ونزع ~~عن الأمر الذي كان هم به وخرج معه إلى قتال أهل البحرين. # وانحدر العلاء بمن معه من الجند، وسلك بهم مفاوز الدهناء إلى غايته، فلما جن الليل أمر ~~الناس بالنزول حتى لا يضلوا في تيه الصحراء، فلما نزلوا نفرت إبلهم وتفرقت في الصحراء بما ~~عليها من الزاد والماء، ولم يجد الجند ما يقتاتون منه أو يطفئون به ظمأهم، هنالك ركبهم من ~~الهم ما ركبهم، وأيقنوا الموت فأوصى بعضهم إلى بعض، وتحدث إليهم العلاء فقال: «ما هذا الذي ~~ظهر فيكم وغلب عليكم؟!» وأجاب الناس: «كيف نلام ونحن إن بلغنا غدا لم تحم شمسه حتى نصير ~~حديثا.» ورد عليهم العلاء ممتلئ القلب إيمانا يقول: «أيها الناس لا تراعوا! ألستم ~~مسلمين؟! ألستم في سبيل الله؟! ألستم أنصار الله؟!» قالوا: «بلى!» قال: «فأبشروا، فوالله لا ~~يخذل الله من كان في مثل حالكم.» # وهنا تجري الرواية بأنهم بعد أن صلوا الفجر نصبوا في الدعاء، حتى إذا بزغت الشمس لمع لهم ~~سراب ثم آخر ثم ثالث، قال رائدهم: إنه الماء، فمشوا حتى نزلوا عليه فشربوا واغتسلوا ونالوا ~~منه ما شاءوا، وتعالى النهار، فإذا إبلهم تعود إليهم من كل صوب وتبرك؛ فقام كل رجل إلى رحله ~~فركبه، ثم إن أبا هريرة وصاحبا له من أهدى العرب بهذه البلاد كرا راجعين إلى المكان الذي ~~كان به الماء فإذا هو لا غدير به ولا أثر للماء فيه، وقال الذي له علم بهذه الأنحاء إنه ~~يعرف هذا المكان وإنه لم ير به ماء ناقعا قبل اليوم، ومن ثم قيل: إنما كان ذلك من آيات ~~الله، وإن الماء إنما كان منا من الله. # ويبدي بعض المستشرقين الشك في هذه الرواية، وسواء أكان لهذا الشك موضع أم لم يكن، فقد ~~ارتحل العلاء وجيشه إبلهم وتابعوا السير حتى بلغوا البحرين، وأرسل العلاء إلى الجارود يشد ~~من عزيمته وعزيمة من معه، ووقف هو من الحطم موقف المتأهب للقتال، لكنه رأى المرتدين في عدد ~~وعدة يجعلان المواجهة والهجوم عسيرين؛ لذلك خندق ms150 المسلمون وخندق المرتدون، وجعلوا يتراوحون ~~القتال ثم يرجعون إلى خنادقهم، وأقاموا كذلك شهرا لا يدري أيهم ما يكون المصير، وإنهم ~~لكذلك إذ لاحت للمسلمين ذات ليلة فرصة غنموها، فكانت القاضية على خصومهم قضاء ~~حاسما. # ذلك أنهم سمعوا في عسكر المشركين ضوضاء، شديدة كأنها ضوضاء هزيمة أو قتال، فبعث العلاء من ~~قص له الخبر، وعرف أن القوم أمعنوا تلك الليلة في الشراب، وأنهم سكارى لا يملك أحدهم دفعا ~~عن نفسه، عند ذلك خرج المسلمون من خنادقهم واقتحموا عليهم عسكرهم ووضعوا السيوف فيهم، ~~وجعلوا يقتلون منهم كل من أصابوا، وفر المرتدون هربا، فإذا هم بين مترد في الخندق، ودهش ~~مقتول، ومأسور، وناج لا يعرف لنفسه مستقرا، ومر قيس بن عاصم على الحطم ملقى على الأرض ~~فقتله، وأسر عفيف بن المنذر الغرور، فقال له العلاء: أنت غررت هؤلاء! فأسلم الغرور وهو ~~يقول: إني لست بالغرور، ولكني المغرور! وعفا العلاء عنه. # وفر الذين نجوا من الموت أو الأسر، وركبوا الشراع إلى جزيرة دارين، فتركهم العلاء بها ~~ريثما جاءته الكتب تنبئه بأن من بقي بالبحرين من القبائل قد فاءوا إلى أمر الله، وكان جيشه ~~قد ازداد عدده بمن انضم إليه من أهل البلاد ومن الأبناء الذين بها، عند ذلك أمر الناس ~~بالذهاب إلى دارين حتى لا يبقى لمرتد في الأرض ملجأ. # ودارين جزيرة من جزر الخليج الفارسي، تواجه البحرين، كان بها أديار خمسة لخمس شعب من ~~النصارى، وتجري الرواية بأن العلاء لما أمر المسلمين بالذهاب إليها لم تكن لديهم سفن يركبون ~~البحر عليها، فنهض فيهم فقال: «قد أراكم الله من آياته في البر لتعتبروا بها في البحر؛ ~~فانهضوا إلى عدوكم ثم استعرضوا البحر إليهم فإن الله قد جمعهم.» وأجاب قومه: «نفعل ولا نهاب ~~بعد الدهناء والله هولا ما بقينا!» وارتحلوا، حتى إذا أتوا ساحل البحر اقتحموا على الخيل ~~والبغال والحمير والجمال ودعوا الله، فاجتازوا البوغاز يمشون على مثل رمله ميثاء فوقها ماء ~~يغمر أخفاف الإبل، أفكان ذلك ساعة جزر الخليج الفارسي، أم في الرواية مبالغة ms151 وأن الأبناء ~~الذين انضموا إلى المسلمين أعاروهم سفنا عبروا البحر عليها؟ لم تجر الرواية بهذا التصوير ~~الأخير وإن كان في رأي بعض المؤرخين محتملا، وأيا ما يكن الأمر، فقد بلغ المسلمون دارين ~~والتقوا فيها بالفارين فقاتلوهم أشد القتال، حتى أتوا عليهم لم يتركوا منهم مخبرا، وسبوا ~~الذراري وساقوا الأموال التي بلغت كثرتها حدا جعل نفل الفارس ستة آلاف والراجل ألفين. # 1 # وعاد العلاء بن الحضرمي إلى البحرين، وعاد الناس معه إلا من أحب المقام، وكتب العلاء إلى ~~أبي بكر بنصره، وأقام بالبحرين وقد قضى على الردة فيها، من ثم لم يكن يخشى شيئا إلا غارة ~~قبائل البادية التي ألفت الغزو للسلب، ودسائس الفرس الذين تقلص نفوذهم في جنوب شبه الجزيرة، ~~على أنه كان مطمئنا من هذه الناحية؛ إذ انضم إليه قبل ذهابه إلى دارين من قبائل البحرين ~~ومن الأبناء من كفوه مئونة ما يخشى. وكان عتيبة بن النهاس والمثنى بن حارثة الشيباني على ~~رأس المنضمين إليه، وقد قعدوا بكل طريق للمنهزمين والذين يعيثون في الأرض فسادا، بل لقد ~~تابع المثنى السير على شاطئ الخليج الفارسي يقاوم دسائس الفرس ويقضي على أنصارهم من القبائل ~~ومن الأبناء حتى بلغ مصب الفرات، فكان لبلوغه هذا المصب ولاتصاله بأرض العراق ولدعوته إلى ~~الإسلام هناك أثر لعلنا لا نبالغ إذا قلنا إنه كان المقدمة لفتح العراق. ~~••• # لسنا نسبق الحوادث بالكلام عن هذا الفتح، وما لنا نفعل وعمان تجاور البحرين، وشأن الردة ~~فيها ليس أقل استغلاظا منه في غيرها! فلنتابع جيوش المسلمين إليها حتى تثوب وتنيب هي ~~كذلك. # كانت عمان على عهد النبي تابعة لفارس، وكان جيفر أميرا عليها، وقد بعث النبي عمرو بن ~~العاص يدعوه إلى الإسلام، ولما أبدى جيفر مخافته أن يتمرد قومه على الزكاة يدفعونها إلى ~~المدينة، اتفق عمرو معه على أن تقسم بين فقراء بلاده، وأقام عمرو بين القوم، حتى إذ ارتدوا ~~إثر وفاة النبي فر عائدا إلى المدينة، وفر جيفر إلى الجبال فاعتصم بها. # وكان قائد الثورة بالردة في عمان ذو ms152 التاج لقيط بن مالك الأزدي، وقد ادعى من النبوة ما ~~ادعى غيره، وكان أبو بكر قد وجه حذيفة بن محصن الغلفاني من حمير إلى عمان ووجه عرفجة بن ~~هرثمة البارقي من الأزد إلى مهرة، وأمرهما أن يسيرا معا وأن يبدآ بعمان فتكون القيادة فيها ~~لحذيفة، وأن يثنيا بمهرة فتكون القيادة فيها لعرفجة، وأنت تذكر أن عكرمة بن أبي جهل كانت ~~وجهته اليمامة، وأنه لم ينتظر شرحبيل بن حسنة يعاونه، بل أسرع بلقاء مسيلمة ليعود بفخار ~~النصر فرده مسيلمة هزيما، وأنت تذكر كذلك أن أبا بكر أبى على عكرمة أن يعود إلى المدينة، ~~وأمره أن يلحق بعمان يعين حذيفة وعرفجة على أهلها ... وقد أبلغ أبو بكر هذا الأمر إلى هذين ~~القائدين، وعهدا إليهما أن ينتهيا إلى رأي عكرمة، وأسرع عكرمة فأدرك القائدين قبل أن يبلغا ~~عمان، وتشاور وإياهما، فراسلوا جيفرا وأخاه عبادا # 2 # حيث كان معتصمين، وطلبوا إليهما أن ينضما مع أصحابهما إليهم. # وبلغ لقيطا مجيء فجمع جموعه وعسكر بدبا، وخرج جيفر وعباد ومن معهما إلى صحار وبعثا إلى ~~عكرمة وصاحبيه فقدموا عليهم بها، والتقى الجيشان بدبا في معركة حامية الوطيس كاد الظفر يتوج ~~فيها لقيطا وأصحابه، وإنهم لكذلك، وإن المسلمين ليضطربون ويتمشى الخلل في صفوفهم؛ إذ أقبل ~~عليهم مدد عظيم من بني عبد القيس ومن غيرهم من قبائل البحرين حمى ظهرهم وشد أزرهم وضاعف ~~قوتهم ودفعهم يهاجمون لقيطا ومن معه ويركبونهم ويقتلون منهم عشرة آلاف، ويسبون نساءهم ~~وأبناءهم، ويقتسمون بينهم أموالهم، بذلك تمت كلمة ربك في عمان، واستقر للمسلمين فيها ~~الأمر. # وأقام حذيفة بعمان يوطئ الأمور ويسكن الناس، وسار عرفجة إلى المدينة يسوق خمس الغنائم إلى ~~أبي بكر، أما عكرمة فمضى في جيشه إلى مهرة ليرد الأمر فيها إلى نصابه، وليعيد إليها كلمة ~~الإسلام. ~~••• # ترك عكرمة حذيفة بعمان، أقصى الشرق من جنوب شبه الجزيرة، وسار غربا إلى مهرة حيث ارتد ~~الناس، سار في جيش لجب تضاعف عدده بانضمام رجال القبائل التي عادت إلى الإسلام بعد أن بهرهم ~~نصره، وبلغ مهرة ms153 فألفى جمعين مختلفين يدعو كل منهما الآخر أن يذعن لرياسته، وقد اختار عكرمة ~~أضعف الجمعين وأقلهما عددا، فدعاهم الرجوع إلى الإسلام فأسرعوا إلى دعوته، وخرج عكرمة في ~~جيشه وفيمن رجع إلى الحق من أهل مهرة، فلقوا الجمع الآخر واقتتلوا أشد من قتال دبا، وانتصر ~~المسلمون فقتلوا وأسروا وغنموا، وكان فيما غنموا ألفا نجيبة. # وبعث عكرمة الخمس إلى أبي بكر مع رئيس الجمع الذي حالفه، ثم أقام زمنا لتسكين الناس، ~~فلما سكنوا واطمأن الأمن وعاد النظام، خرج في جيشه الذي ازداد كرة أخرى أضعافا مضاعفة بمن ~~انضم إليه من أهل مهرة، وسار يلقى المهاجر بن أبي أمية المخزومي تنفيذا لأمر الخليفة حتى ~~يتعاون معه على رد الأمر إلى الإسلام في اليمن وفي حضرموت. ~~••• # ترى أيسير عكرمة من مهرة إلى حضرموت وكندة؟ ذلك أدنى إلى التصور، فحضرموت تجاور مهرة ~~وتتاخمها، لكن المهاجر بن أبي أمية كان ينحدر من الشمال إلى اليمن؛ فلم يكن لعكرمة بد من أن ~~يسرع ليلقاه بها. هذا إلى ثورة اليمن كان قد طال مداها واستفحل أمرها، فالإسراع بالقضاء ~~عليها يهون القضاء على من بقي بكندة وحضرموت من المرتدين. # وقد تحدثنا فيما سلف عن ثورة الأسود العنسي في اليمن، وعن ادعائه النبوة وخروجه إلى ~~صنعاء، وعن انتشار أمره كالحريق حتى بلغ مكة والطائف، ثم عن قتله غيلة في مؤامرة اشتركت ~~فيها زوجه آزاد التي كانت قبله تحت شهر بن بازان ملك صنعاء، وقد جرت الروايات بأن قتل ~~الأسود انتهى إلى المدينة يوم مات النبي، فأقام أبو بكر فيروز حاكما لليمن، لكن ذيوع النبأ ~~بموت النبي بعد قليل أعاد الثورة فيها أشد مما كانت، وتضافرت عوامل كثيرة زادت هذه الثورة ~~ضراما واستعارا. # أول هذه العوامل تفرق السلطة في هذه الأنحاء تفرقا أضعفها، فمذ مات بازان ووزعت السلطة ~~في اليمن بين ابنه شهر بصنعاء، وجماعة من المسلمين بنجران وهمدان وغيرهما، فكان ذلك مما شجع ~~العنسي على الانتقاض والثورة، وكان الأمر في شمال اليمن إلى مكة والطائف كأمر اليمن في تفرق ~~السلطة، ms154 فكان لتهامة مما يحاذي البحر حاكم، وللداخل في مختلف القبائل حكام متفرقون، وكان ~~طبيعيا بعد أن أخفقت ثورة الأسود أن يحاول كل واحد من هؤلاء الحكام العود إلى إمارته ~~واسترداد السلطان فيها، وأن يقاتل في سبيل ذلك ما أطلق القتال، وكان طبيعيا كذلك ألا يهدأ ~~أنصار الأسود العنسي وأن يعملوا جهدهم ليثيروا الأرض، لعل الأمر يعود إليهم كما كان للأسود، ~~أما وقد مات النبي وانتشرت في بلاد العرب كلها فكرة الردة، وصح لكل قبيلة ولكل فخذ من قبيلة ~~أن يطمع في استقلاله القديم، فقد بلغ الاضطراب غايته في اليمن وما حولها من البلاد التي ~~كانت مسرحا لنشاط العنسي وأنصاره. # والذي حدث أن هؤلاء الأنصار لم تهدأ بموت العنسي ثائرتهم، بل جعل فرسانهم يجوبون البلاد ~~فيما بين نجران وصنعاء، لا يأوون إلى أحد، ولا يأوي إليهم أحد، وكان عمرو بن معدي كرب البطل ~~الشاعر صاحب الصمصامة ممن انتهزوا هذه الفرصة، فحاول اقتناص السلطان من طريق الثورة، كما ~~حاول اقتناصه أيام العنسي بالانضمام إليه، وقام قيس بن عبد يغوث من ناحيته، وكان على رأس من ~~ائتمروا بقتل العنسي، فطرد فيروز عن الملك وطرد معه داذويه، بذلك عم الاضطراب، وتعذر رد ~~السكينة والأمن إلى هذه الأرجاء. # كيف السبيل إلى معالجة هذه الحال؟! إن أول ما يجب عمله تأمين الطريق بين المدينة واليمن، ~~وقد قامت قبائل عك وبعض الأشعريين على هذا الطريق الذي بساحل البحر فقطعوه مستعينين بمن ~~انضم إليهم من الأوزاع، وأقرب مدن المسلمين إلى هذا الطريق الطائف، لذلك كتب حاكمها الطاهر ~~بن أبي هالة إلى أبي بكر، وسار إليهم في جند قوي، واصطحب معه مسروقا الكلبي؛ فلما لقيهم ~~أكثر القتل فيهم، حتى قيل: إن الطريق تعطل بجثثهم، وكتب أبو بكر إلى الطاهر قبل أن يأتيه ~~هذا الفتح يشجعه ومن معه على القتال، ويأمرهم أن يقيموا بالأعلاب، # 3 # حتى يأمن طريق الأخابث، ومن يومئذ سميت جموع عك هذه جموع الأخابث، وظل هذا ~~الطريق يسمى طريق الأخابث زمنا طويلا. # أما العامل الثاني الذي زاد ms155 الثورة في اليمن استعارا فالخلاف في الجنس، فقد أقام أبو بكر ~~فيروز على صنعاء مقام شهر حين قتل ذو الخمار، وكان شركاء فيروز في المؤامرة بقتل الأسود ~~داذويه الذي كان وزيرا معه لشهر، وجشنس صاحبهما، وقيس بن عبد يغوث قائد الجند، وكان فيروز ~~وداذويه وجشنس من الفرس، وكان قيس عربيا من حمير اليمن ، لذلك نفس قيس على فيروز أن أسند ~~أبو بكر إليه الأمر من دونه وعزم قتله ... # لكنه رأى حين أمعن النظر أن قتل فيروز قمين أن يجر إلى فتنة يقاومه فيها الأبناء جميعا، ~~والأبناء هم طائفة الفرس التي استقرت باليمن منذ حكمها الأكاسرة، وقد كبرت هذه الطائفة وعلت ~~مكانها أن كان الحكام منها، فإذا لم يستنفر قيس عرب اليمن جميعا للقضاء على الفرس جميعا ~~كان حريا أن يصيبه ما أصاب الأسود من الإخفاق، وأن يفقد حياته كما فقد الأسود ~~حياته. # لذلك كتب إلى ذي الكلاع الحميري وأضرابه من زعماء العرب باليمن يقول: «إن الأبناء نزاع في ~~بلادكم، فضلاء فيكم، وإن تتركوهم لن يزالوا عليكم، وقد أرى من الرأي أن أقتل رءوسهم وأن ~~أخرجهم من بلادنا فتبرءوا.» لكن ذا الكلاع وأصحابه لم يمالئوه ولم ينصروا الأبناء، بل ~~اعتزلوا وأبلغوا قيسا يقولون: «لسنا من هذا في شيء، أنت صاحبهم وهم أصحابك.» ولعلهم كانوا ~~يمالئون قيسا وينصرونه على الأبناء لولا أنهم رأوا أبا بكر والمسلمين يمالئون هؤلاء ويكلون ~~الأمر إليهم، ورأوا الأبناء يحتفظون بإسلامهم وبالولاء لأبي بكر وسلطان المدينة، ما لهم إذن ~~ولخلاف لا يدري أحد ما تكون نتائجه، وبخاصة بعد أن سرت الردة في اليمن فأصبحت معرضة لجيوش ~~المسلمين، وبعد أن تجاوبت أرجاء شبه الجزيرة جميعا بنبأ هذه الجيوش ويسير النصر في ~~ركابها! # لم يثن قيسا عن عزمه قعود ذي الكلاع وأصحابه عن نصرته، بل كاتب العصابات التي كانت مع ~~الأسود سرا، والتي كانت تصعد في البلاد وتصوب محاربة جميع من خالفهم، وطلب إليهم أن ~~ينضموا إليه ليكون أمره وأمرهم واحدا، وليجتمعوا على نفي الأبناء من بلاد اليمن، ولم يكن ms156 ~~في ريب من إجابة هذه العصابات طلبته، أولم تكن طلبة الأسود وعلى أساسها انتصر؟! وكتبت ~~العصابات بالاستجابة إليه وأخبروه أنهم إليه سراع، ولما كان ذلك كله قد حدث سرا فقد فجأ ~~صنعاء خبر دنو هذه العصابات منها، فاجتمع أهلها يتشاورون ماذا يصنعون. # وأسرع قيس إلى فيروز، وكأنما فجأة الخبر فأزعجه واستشاره واستشار داذويه ليخدعهما ولئلا ~~يتهماه، ودعاهما في الغد ودعا جشنس معهما إلى طعام الغداء، وأقبل داذويه قبل صاحبيه، فلم ~~يلبث حين دخل على قيس أن عاجله فقتله، أما فيروز فجاء بعد صاحبه فسمع الهمس بأصحابه ففر ~~يركض، ولقيه جشنس في طريقه فركض معه يطلبان النجاة، وركضت خيل قيس تلاحقهما فلم تدركهما، ~~فعادت أدراجها تستنزل غضب قيس عليها، وبلغ الفارسان جبل خولان منزل أخوال فيروز، ولا يكاد ~~يصدقان أنهما صارا من الهلاك بمنجاة. # وثار قيس بصنعاء فدانت واطمأن له الأمر فيها، كما اطمأن الأسود من قبل ولم يدر بخاطره أن ~~أحدا سيقدر عليه فينزل عن عرشه، بلغه أن فيروز يزعم أنه سيستعين أبا بكر ويهاجم قيسا بقوة ~~من بني خولان، فسخر وقال: «وما خولان! وما فيروز! وما قرار أووا إليه!» وانضم إليه عوام ~~القبائل من عرب حمير وإن بقي الرؤساء في عزلتهم، وإذا أنس في نفسه القوة عمد إلى الأبناء ~~ففرقهم ثلاث فرق. # فأما من أقام ولم يظهر الميل إلى فيروز فأقرهم وأقر عيالهم، وأما من فر إلى فيروز فقسم ~~عيالهم فرقتين، وجه إحداهما إلى عدن ليحملوا في البحر، ووجه الأخرى في البر إلى مصب الفرات ~~وأمر بهم أن ينفوا إلى بلادهم وألا يقيم باليمن منهم أحد. # وعرف فيروز ما أصاب بني وطنه، فاستنهض القبائل التي بقيت على إسلامها لينصروه، وإنما فعل ~~ذلك ليصد بعصبية الدين نعرة الوطن، وأجابه بنو عقيل بن ربيعة كما أجابته عك، وساروا ~~يستنقذون عيال الأبناء الذين قرر قيس نفيهم، وخرج فيروز على رأسهم، فرد أبناء فارس، والتقى ~~بقيس دون صنعاء فأجلاه عنها، وعاد أميرا عليها من قبل خليفة المسلمين، وخرج قيس هاربا في ~~جنده، وعاد ms157 إلى المكان الذي كانوا به حين مقتل العنسي، فقضى بفراره على الفكرة القومية التي ~~كانت أساس دعوته، وقد عزز أبو بكر مكانة فيروز إذ بعث إليه طاهر بن أبي هالة في جيشه فأقام ~~إلى جواره. # لكن انتصار فيروز ودفعه عن الإمارة لم يوطد السلم ولم يعد الأمن فيما وراء صنعاء من ربوع ~~اليمن ؛ فقد بقي المرتدون بها أشد ما يكونون تحمسا لردتهم، وهنا موضع الكلام عن العامل ~~الثالث من العوامل التي زادت الثورة في هذه الأرجاء استعارا، فلم تنس اليمن يوما ما كان ~~بينها وبين الحجاز من تنافس جعل لها أغلب الأمر الكلمة العليا، ولم تقم بين اليمن والحجاز ~~في عهد الرسول حروب تنكس نتائجها رءوس بني حمير، ولئن دوى في أنحاء اليمن نصر خالد وعكرمة ~~على قبائل العرب وملوكهم، لقد كان في عشائر اليمن من الأبطال والقواد من تفاخر هذين البطلين ~~الحجازيين، ومن تهتز لسماع أسمائهم صناديد العرب فرقا، وحسبك من هؤلاء عمرو بن معدي كرب ~~صاحب الصمصامة، لقد كان فارس بني زيد وحاميهم، إذا ذكر اسمه فزع الأبطال وهابوا لقاءه؛ وكان ~~له من بعد في وقائع الفتح الإسلامي على عهد عمر بن الخطاب مواقف لا يزال التاريخ يذكرها، ~~ولم يغير تقدم سنه يومذاك من شدة بأسه، شهد غزوة القادسية وقد جاوز حد المائة فكان له فيها ~~بلاء أحسن البلاء. # قام عمرو بالثورة مع من تابعه وانضم إليه قيس بن عبد يغوث، وتضافر الرجلان يعيثان في ~~أنحاء البلاد فسادا، ويجدان من أهلها عونا ومددا، لم يند منها غير نجران التي تثبت بمن ~~فيها من النصارى على عهدها لمحمد، ثم أكدت نياتها بتجديد هذا العهد مع أبي بكر. # أفيذر المسلمون اليمن وذلك شأنها يعيث بها هذان الثائران ومن سار سيرتهم، حتى يأكل بعضها ~~بعضا وتأكل الثورة أبناءها؟ كلا! بل سار عكرمة بن أبي جهل من مهرة إلى اليمن حتى ورد أبين ~~في جيشه اللجب زاده المنضمون من مهرة عددا وعدة، وسار المهاجر بن أبي أمية منحدرا من ~~المدينة إلى الجنوب ms158 مارا بمكة والطائف، وفي اللواء الذي عقده أبو بكر له، والذي تأخر عن ~~السير بضعة أشهر لمرضه، وقد اتبعه من مكة والطائف ونجران رجال لهم في الحرب دربة وشهرة، ~~فلما سمع أهل اليمن بمقدم هذين القائدين، عكرمة والمهاجر، وبأن المهاجر قتل قوما حاولوا ~~مقاومته، أيقنوا أن ثورتهم مقضي عليها لا محالة، وأنهم إن قاتلوا قتلوا وأسروا ولم تغن عنهم ~~المقاومة شيئا، ولقد بلغ بهم الأمر أن اختلف قيس وعمرو بن معدي كرب وتهاجيا وأضمر كل ~~لصاحبه الغدر، وذلك بعد أن كانا متحالفين على لقاء المهاجر وقتاله، وأراد عمرو أن ينجو ~~بنفسه، فهاجم قيسا ذات ليلة وأخذه إلى المهاجر أسيرا، عند ذلك قبض المهاجر عليهما جميعا ~~وبعث بهما إلى أبي بكر ليرى فيهما رأيه. # وهم أبو بكر بقتل قيس قصاصا لداذويه وقال له: «يا قيس، أعدوت على عباد الله تقتلهم وتتخذ ~~المرتدين والمشركين وليجة من دون المؤمنين؟!» وأنكر قيس قتل داذويه، ولم تكن عليه بينة، أن ~~تم هذا القتل في سر من الناس، لذلك تجافى أبو بكر عن دمه ولم يقتله، ونظر الصديق إلى عمرو ~~بن معدي كرب وقال له: «أما تخزى أنك كل يوم مهزوم أو مأسور؟! لو نصرت هذا الدين لرفعك ~~الله!» # قال عمرو: «لا جرم، لأفعلن ولن أعود.» وأخلى أبو بكر سبيلهما وردهما إلى عشائرهما. # وسار المهاجر من نجران حتى نزل صنعاء، وأمر جنده أن يتعقبوا العصابات المتمردة التي أثارت ~~الفساد في الأرض من عهد الأسود، وأن يقتلوا من ثقفوه منهم لا يقبلون منه توبة ولا إنابة، ~~وإنما قبل توبة من أناب من غير المتمردة، أما عكرمة فقد بقي في جنوب اليمن بعد أن استبرأ ~~النخع وحمير، وبذلك عادت اليمن كلها آمنة مطمئنة، ورجع أهلها إلى دين الله الحق؛ وبذلك لم ~~يبق من المرتدين في شبه الجزيرة كلها إلا أهل حضرموت وكندة. # وقبل أن نسير مع عكرمة والمهاجر للقاء المرتدين فيهما ندفع شبهة قد ترد إلى بعض النفوس ~~حين يذكرون ما حدث باليمن، فكيف نصر أبو بكر الفرس ms159 على العرب فيها؟ وكيف ناصر فيروز ومن معه ~~على قيس ومن اتبعه؟ ودفع هذه الشبهة يسير؛ فأنت تعلم أن الإسلام لا يرى فرقا بين عربي ~~وعجمي إلا بالتقوى، وأن أكرم الناس عند الله أتقاهم، على أن ذلك لم يكن وحده الذي دعا أبا ~~بكر لنصرة فيروز، بل دعاه لنصرته كذلك أن الفرس أول من أسلم باليمن، والسابقة في الإسلام ~~لها قدرها، ثم إن العرب من أهل تلك البلاد هم الذين قاموا بالثورة على الدين الجديد، قام ~~بها الأسود العنسي مدعيا النبوة في عهد الرسول، وقام بها أنصار الأسود من بعده، وفي جملتهم ~~عمرو بن معدي كرب ثم قيس بن عبد يغوث. # وبازان وشهر وفيروز والفرس من حولهم هم الذين قاموا بالدعوة للإسلام في هذه الربوع، وهم ~~الذين استمسكوا به وقاوموا خصومه، وهم الذين أقاموا على الولاء لسلطان المدينة والخليفة ~~رسول الله حين ارتدت العرب كلها وتضرمت الأرض في شبه الجزيرة نارا، فلا عجب إذن أن يؤيد ~~أبو بكر فيروز بسلطانه، وأن يمده بجنده وقواده، وأن يقيمه أميرا على صنعاء، كما أقامه ~~النبي شهرا أميرا عليها، وكما أقام أباه بازان أميرا على اليمن كلها من قبله. ~~••• # والآن فلنخط الخطوة الأخيرة في حروب الردة، ولننتقل مع المهاجر وعكرمة إلى كندة وإلى ~~حضرموت. # ونذكر تمهيدا لذلك أن رسول الله قبض وعماله على هذه البلاد زياد بن لبيد على حضرموت، ~~وعكاشة بن محصن على السكاسك والسكون، والمهاجر بن أبي أمية على كندة، وقد رأيت أن المهاجر ~~كان مريضا بالمدينة فلم يخرج إلى عمله بكندة ولا خرج في لوائه إلى المرتدين باليمن إلا بعد ~~أشهر من وفاة الرسول. # لذلك أناب عنه زياد بن لبيد في عمله منذ استعمله الرسول على كندة إلى أن خرج في جيشه إلى ~~اليمن. # وقصة تولية المهاجر أمر كندة طريفة، فقد كان أخا أم سلمة زوج رسول الله أم المؤمنين، وقد ~~تخلف مع ذلك عن الخروج مع النبي # صلى الله عليه وسلم # إلى غزوة تبوك، وغضب رسول الله لتخلفه وأقام زمنا ms160 ~~عاتبا عليه، وحز في نفس أم سلمة أنها لم تفلح في استرضاء زوجها عنه، وإنها يوما لتغسل ~~للنبي رأسه وتحدثه ويتلطف بها إذ قالت له: كيف ينفعني شيء وأنت عاتب على أخي! ورأت منه رقة ~~فدعت أخاها، فلم يزل برسول الله ينشر عذره حتى رضي عنه وأمره على كندة وقام زياد في ~~الإمارة مقامه حتى ذهب إليه في خلافة أبي بكر. # وكانت كندة لمجاورتها اليمن قد استجابت لدعوة الأسود العنسي أول ما قام بها، لذلك أمر ~~رسول الله أن توزع بعض صدقات كندة في حضرموت، وبعض صدقات حضرموت في كندة، واشتد زياد في ~~اقتضاء هذه الصدقات شدة أثارت الخواطر، ولقد استطاع أن يتغلب على المتذمرين في كندة بمن ~~ناصره من رجال السكون الذين حافظوا على إسلامهم وعلى ولائهم فلم يخرج عليه منهم أحد، فلما ~~مات النبي وفشت الردة في العرب، أراد زياد قمعها قبل أن يستفحل في إمارته أمرها، وشجعه على ~~ما أراد أن التقت حوله القبائل التي بقيت على إسلامها ودفعوه لمقاتلة المتمردين عليه، وهاجم ~~زياد بني عمرو بن معاوية في غفلة منهم فقتل رجالهم وسبى نساءهم، وسار بهن وبالأموال في طريق ~~يفضي إلى عسكر الأشعث بن قيس زعيم كندة، وكان بين أولئك النسوة ذوات مكانة في قومهن لم ~~يعرفن قبل ذلك اليوم إلا العزة والكرامة، فلما مررن بالأشعث نادين منتحبات: «يا أشعث، يا ~~أشعث! خالاتك، خالاتك!» هنالك ثار في عروق الأشعث دمه، وأقسم لينقذهن أو يموت دونهن. # وكان الأشعث زعيما قويا محبوبا من قومه عظيم المكانة فيهم، ولعلك تذكر أنه ذهب عام ~~الوفود إلى المدينة، فلقي رسول الله بها على رأس ثمانين رجلا من كندة قد لبسوا كلهم ~~الحرير، وأنه أسلم وخطب إلى أبي بكر أخته أم فروة، فعقد أبو بكر الزواج ثم تأجل تنفيذه حتى ~~يطمئن أهل العروس إلى فراقها، لا عجب وهذه مكانته أن يغضب قومه لغضبه، وأن يخرجوا مقاتلين ~~معه، وقد خرجوا وقاتلوا زيادا واستردوا السبي وردوا إليهن عزتهن وكرامتهن. # من يومئذ أثارها الأشعث في ms161 كندة وحضرموت ضروسا شعواء، حتى خاف زياد مغبتها، فكتب إلى ~~المهاجر بن أبي أمية يستنصره، وكان المهاجر قد انحدر من اليمن، كما انحدر منها عكرمة، ~~للقضاء على ما بقي من الردة في شبه الجزيرة، وسار المهاجر من صنعاء، وسار عكرمة من اليمن ~~وعدن، والتقيا بمأرب، وقطعا معا مفازة صيهد، وعرف المهاجر ما أصاب زيادا، فاستخلف عكرمة ~~على الجيش، وتعجل في كتيبة سريعة، حتى إذا التقى بجيش زياد هاجم الأشعث فهزمه وقتل رجاله، ~~وفر الأشعث والناجون معه فالتجئوا إلى حصن النجير. # كانت النجير مدينة منيعة ليس من اليسير أخذها عنوة، وكان لها ثلاثة سبل تتصل عن طريقها ~~بما وراء الحصن، فجاء زياد فنزل على أحدها، ونزل المهاجر على الثاني، وظل الثالث مفتوحا ~~لأهل الحصن يجيء إليهم منه المدد، على أن عكرمة قدم في جيشه فنزل على ذلك الطريق فقطع عنهم ~~الميرة ورد الرجال. # ولم يكتف بهذا، بل بعث فرقا من الفرسان تفرقت في كندة إلى الساحل، وجعلت تمعن في الناس ~~قتلا، ورأى المتحصنون بالنجير ما لقي قومهم، فقال بعضهم لبعض: «الموت خير مما أنتم فيه، ~~جزوا نواصيكم حتى كأنكم قوم قد وهبتم لله أنفسكم فأنعم عليكم فبؤتم بنعمته، لعله أن ينصركم ~~على هؤلاء الظلمة.» وجز القوم نواصيهم وتواثقوا ألا يفر بعضهم عن بعض، وخرجوا حين تنفس ~~الصبح فاقتتلوا في الطرق الثلاثة المؤدية إلى الحصن مستميتين. ما تجدي الاستماتة وجيوش ~~المهاجر وعكرمة لا تغلب عددا وبأسا؟! وأيقن أهل النجير حين رأوا المدد لا ينقطع عن ~~المسلمين أن القضاء نازل بهم لا محالة، فتولاهم اليأس فخشعت نفوسهم وخافوا الموت، وخاف ~~الرؤساء على أنفسهم فهانت عليهم نخوتهم، فخرج الأشعث إلى عكرمة ليستأمن له المهاجر على نفسه ~~وعلى تسعة معه على أن يفتح للمسلمين الحصن ويخلي بينهم وبين من فيه، وأجابه المهاجر إلى ما ~~طلب على أن يكتب كتابا تكون فيه أسماء التسعة الذين يطلب أمانهم، وكتب الأشعث أسماء أخيه ~~وبني عمه وأهليهم، ونسي أن يكتب اسمه معهم، ثم جاء بالكتاب فختمه وتسلمه المهاجر، وسرب ms162 ~~الأشعث التسعة من الحصن وفتح أبوابه للمسلمين، فاقتحموه فلم يدعوا فيه مقاتلا إلا ضربوا ~~عنقه، وسبى المسلمون النساء ممن في النجير، فكانت عدتهن ألف امرأة، ووضع المهاجر الحرس على ~~الأسرى وعلى الأموال حتى يحصيهم ويبعث بالخمس إلى المدينة. # يا عجبا للحياة وتصاريفها! فهذا الأشعث الذي ارتكب هذه الخيانة النكراء، والذي أسلم قومه ~~للقتل وأسلم ألف امرأة للسبي، هو هو الأشعث الذي لم يطق أن يسمع نداء خالاته نساء بني عمرو ~~بن معاوية: «يا أشعث، يا أشعث، خالاتك، خالاتك!» فخف للثأر لهن وأنقذهن من أسر زياد، ~~والأشعث الذي ذهب إلى النبي فيما عرفت من كرامة فأكرمه المسلمون، هو هو الأشعث الذي تدلى ~~إلى هذا الحضض فلعنه المسلمون ولعنه سبايا قومه وسمينه: «عرف النار» وهي كلمة معناها في ~~لغة اليمن: الغادر. لكنه التعلق بالحياة والخوف من الموت إذا ركبا نفسا أذلاها فهانت فسقطت ~~فيما هو شر من الموت. # ودعا المهاجر النفر الذين ذكرهم الأشعث في كتابه فأطلق سراحهم، ولما لم يكن اسم الأشعث في ~~الكتاب الذي ختمه أمر به فشد وثاقه وهم بقتله وقال له: «الحمد لله خطأك فاك يا أشعث! قد كنت ~~أشتهي أن يخزيك الله.» على أن عكرمة بن أبي جهل تدخل في الأمر وقال: «أخره وأبلغه أبا بكر ~~فهو أعلم بالحكم في هذا، وإن كان رجلا نسي اسمه أن يكتبه هو ولي المخاطبة أفذاك يبطل ~~ذاك!» # وأخره المهاجر لا عن رضا، وبعث به إلى أبي بكر مع السبي، فجعلوا يلعنونه ويلعنه ~~المسلمون طول الطريق. # وتحدث أبو بكر إلى الأشعث فأنبه على ما صنع، وسأله: «ما تراني صانعا بك؟» وأجاب الأشعث: ~~«إنه لا علم لي برأيك وأنت أعلم به.» قال أبو بكر: «فإني أرى قتلك.» قال الأشعث: «فإني أنا ~~الذي راوضت القوم فما يحل دمي.» وخشي الأشعث حين طال الحوار بينه وبين أبي بكر أن يقتل ~~فقال: «أوتحتسب في خيرا فتطلق أساري وتقيلن عثرتي وتقبل إسلامي وتفعل بي مثل ما فعلته ~~بأمثالي وترد علي زوجتي؟» وزوجته التي يتحدث عنها هي ms163 أم فروة أخت الصديق، وتردد أبو بكر ~~هنيهة في الإجابة، فأردف الأشعث: «افعل تجدني خير أهل بلادي لدين الله.» وبعد أن فكر أبو ~~بكر في الأمر غفر له وقبل منه ورد عليه أهله وقال: «انطلق فليبلغني عنك خير.» وأقام الأشعث ~~مع أم فروة بالمدينة لم يبرحها إلا في عهد عمر لفتح العراق والشام ، ثم كان له في حروب ذلك ~~الفتح من البلاء ما أعاد إليه اعتباره في أعين الناس. # وأقام المهاجر وعكرمة بحضرموت وكندة حتى اطمأنت واستقر الأمن، فكان ذلك آخر حروب الردة، ~~وكان القضاء على الثورة في بلاد العرب، ثم كان التوطيد لوحدتها السياسية، وحدة استمرت بعد ~~ذلك زمنا ثم شابتها الشوائب، ولم يكن عمل المهاجر في القضاء على أسباب التمرد في هذه ~~الأرجاء بأقل شدة منه في اليمن؛ فقد قطع دابر المتمردين، وأنزل أشد العقاب بالثائرين، ~~ويكفيك مثلا يدل على أمثاله أن مغنيتين تغنت إحداهما بشتم رسول الله، وتغنت الأخرى بهجاء ~~المسلمين، فقطع المهاجر يديهما ونزع ثناياهما، وقد كتب إليه أبو بكر يكشف له عن خطئه فيما ~~صنع، ويذكر أنه كان الأولى به أن يقتل الأولى؛ لأن حد الأنبياء ليس يشبه الحدود، وأن يصفح ~~عن الثانية إن كانت ذمية، «فلعمري لما صفحت عنه من الشرك أعظم، فاقبل الدعة، وإياك والمثلة ~~في الناس فإنها مأثم ومنفرة إلا في قصاص.» وقس على ما صنع المهاجر بالمغنيتين ما صنع ~~بالمتمردين والمرتدين. # وبعث أبو بكر إلى المهاجر يخيره بين إمارة حضرموت وإمارة اليمن، فاختار اليمن وذهب إلى ~~صنعاء فأقام بها مع فيروز، وبقي زياد بن لبيد على حضرموت. # أما عكرمة فقد أعد للعود إلى المدينة، لكنه لم يرجع إليها كما خرج منها، بل عاد وقد تزوج ~~ابنة النعمان بن الجون، لم يصده عن ذلك ما كان من تعنيف أبي بكر لخالد بن الوليد حين تزوج ~~أم تميم وحين تزوج ابنة مجاعة فخالف بذلك تقاليد العرب، على أن زواج عكرمة بهذه الفتاة قد ~~أثار مشكلة من نوع آخر أدت إلى تذمر الجند وإلى ms164 عرض الأمر على أبي بكر ليفصل فيه ~~برأيه. # فقد تزوج عكرمة بابنة النعمان هذه وهو بعدن ثم حملها معه إلى مأرب، واختلف الجند في ~~أمرها. يقول بعضهم: دعها فإنها ليست بأهل أن يرغب فيها، ويقول آخرون: لا تدعها. ورويت القصة ~~للمهاجر فكتب إلى أبي بكر يسأله فيها، ورأى أبو بكر أن لا حرج على عكرمة فيما صنع؛ فقد كان ~~النعمان بن الجون جاء إلى رسول الله وطمع في أن يزوجه ابنته هذه فزينها له ثم جاء بها، وزاد ~~في زينتها أنها لم تشك وجعا قط؛ ورغب رسول الله عنها وعاد بها أبوها إلى عدن، لذلك ظن ~~جماعة من الجند أن عكرمة يجمل به أن يرغب عنها كما رغب عنها رسول الله، ليكون له فيه # صلى الله عليه وسلم # أسوة حسنة، أما أبو بكر فلم يرض هذا الرأي، ولم ير في زواج عكرمة منها بأسا، ~~واستقر عكرمة مع زوجه هذه بالمدينة، كما اجتمع بها الجند الذين فصلوا عنها أول حروب ~~الردة. # وأجال أبو بكر نظره في شبه الجزيرة كلها حوله، وتذكر يوم بيعته، ففاضت بالدمع عينه شكرا ~~لأنعم ربه أن آتاه النصر وعزز بعزمه وحزمه دين الحق، وأين المدينة يوم ذاك، المدينة الظافرة ~~المنتصرة صاحبة السلطان على ربوع العرب كلها، من تلك المدينة التي انتفض عليها العرب وثاروا ~~بها وحاولوا محاصرتها إثر وفاة الرسول؟! وما كان لأبي بكر مع ذلك أن يفخر أو يستكبر وهو ~~يذكر قول الله لرسوله: # وما رميت إذ رميت ولكن الله ~~رمى ~~(الأنفال: 17). # ما عسى أن يكون الغد؟ وكيف تزداد وحدة الدين قوة ويزداد دين الله علوا وانتشارا؟ إلى ~~هذه الناحية اتجهت سياسة أبي بكر، وفي هذا كان يفكر منذ اطمأن إلى النصر، وقد طال تفكيره ~~فيه حين كان قواده وجنوده لا يزالون في الجنوب يقضون على البقية الباقية من الردة وآثارها، ~~وإذا أراد الله أن يتم أمره فقد كانت الإمبراطورية الإسلامية ثمرة هذا التفكر وهذا ~~الاتجاه. # الفصل الحادي عشر # | التمهيد للفتح وللإمبراطورية # ألف الناس من أقدم ms165 الحقب في التاريخ أن يروا الحد الشمالي لبلاد العرب ممتدا من أعلى ~~الخليج الفارسي في شماليهما، وليس هذا الحد ممتدا في خط مستقيم، بل هو يتبع سلسلة الجبال ~~التي تفصل بين صحراء النفود # 1 # وبادية الشام، وقد كانت دومة الجندل بالجوف أعلى المدائن التي تتاخم هذا الخط، ~~وذلك فيما خلا العصور التي كانت الشام والعراق منضمتين فيها إلى الدولة العربية. # وأهل الشام الأصليون من الفينيقيين، وأهل العراق الأولون من الآشوريين، ولقد كانت الصحراء ~~التي تترامى بينهما، وهي بادية الشام تحول في العصور الأولى دون التقائهما وامتزاجهما، ~~فاجتياز الصحاري ليس أمرا محببا إلى أهل الحضر، وفيم يجتازونها ويتعرضون لأخطارها وليس ~~فيها من أسباب الحياة ما يجذب النفس إليها! وإن كثيرين ليفرون حتى اليوم من اجتياز هذه ~~البادية بالسيارة، ويؤثرون النقلة بين الشام والعراق على متن الهواء. # على أن هذه الصحراء التي لم يهو إليها الفينيقيون من أهل الشام ولا الآشوريون من أهل ~~العراق في العصور القديمة، قد استهوت العرب أهل البادية ممن يرون الصحراء الطليقة سحرا ~~ووحيا وحرية وجمالا، ويرون الحضر قيدا بل سجنا وإن لبست فيه الشفوف، والمؤرخون يذكرون ~~هجرة العرب إلى الشمال لانهيار سد مأرب، ونزوح قبائل الأزد التي جرفها السيل إلى الحجاز ~~وإلى الشام؛ أو لاتخاذ الروم البحر طريقا للتجارة بدلا من البادية، وهم يذكرون أن هذه ~~الهجرة حدثت في القرن الثاني المسيحي، ومع التسليم بهذه الرواية، فلا ريب في أن قبائل من ~~العرب استقرت ببادية الشام قرونا طويلة من قبل، متخلفة عن القوافل التي كانت تنزل العراق ~~أو الشام للغزو أو للتجارة. # وقد أقام العرب الذين نزحوا إلى الشام وإلى العراق على حدود الحضر في كل من الدولتين، ولم ~~يكن مقامهم على هذه الحدود مما اضطرتهم إليه سياسة الدولة التي نزلوا بها، وإنما جذبتهم ~~البادية إليها فلم يستطيعوا مقاومة سحرها، واستهواهم الحضر ليكونوا على مقربة منه كي ينالوا ~~رزقهم دون مشقة أو عناء، وذلك شأن أهل البادية في كل عصر، وأنت إذا التمست منازلهم اليوم ~~بمصر أو ms166 بالشام أو بالعراق أو بأي بلد يتصل فيه الزرع برمال الصحراء، رأيتها على شفا ~~الصحراء بين الحضر والبادية، ورأيت أهلها يولون شطر البادية وجوههم ويمنعون فيها بقوافلهم ~~حينا بعد حين وكأن الوراثة البدوية المتغلغلة في نفوسهم والجارية مع الدماء في عروقهم، ~~تأبى عليهم أن يستقروا وأن يسكنوا إلى ما يسكن أهل الحضر إليه من نظم الجماعة، وطبيعتهم هذه ~~تفرض عليهم ألوانا من الشظف ما كان أغناهم عنها لولا ما يجدونه في فسحة البادية من حرية ~~مطلقة، ومن اتصال بالوجود غير المحدود، ينهض عندهم عوضا عن كل شظف، ويهون عليهم كل ~~مشقة. # ولم تلبث بادية الشام حين انتشرت فيها قبائل العرب الذين هاجروا إليها أن صارت كأنها قطعة ~~من شبه الجزيرة، وكان الغسانيون أقوى هذه القبائل عنصرا، وأكثرهم على الحياة صبرا وجلدا، ~~لذلك أقاموا مملكة بني غسان على حدود الشام، كما أقام اللخميون ملك الحيرة على شواطئ ~~الفرات، ولقد كان دأب هؤلاء العرب يومئذ كدأب بني وطنهم دائما، يشاركون الأمة التي يقيمون ~~على حدودها في مصيرها ويشاطرونها آمالها، من ثم سلموا في الشام بحكم الروم، وفي العراق بحكم ~~الفرس، وإنما كان ذلك منهم تسليما بالأمر الواقع أكثر مما كان إذعانا لغلب المنتصر؛ لذلك ~~كانت الأوضاع السياسية تتغير في أمرهم تبعا لقوتهم وضعفهم، وكان لهم أكثر الأمر استقلال ~~ذاتي حرصوا عليه ودافعوا عنه. # ومن العجب في أمر البدوي أنه، على تعلقه بالبادية وحبه إياها وانجذابه إليها كلما بعد ~~عنها، شديد الإعجاب بالحضر وما يحيط به من زروع نضرة، وما يبدو على أهله من نعمة ورفاه عيش، ~~ولقد كان حديث الشام وجناتها وأعنابها وحورها العين مما لا يفتأ أهل مكة والمدينة وسائر ~~بلاد الحجاز يتذاكرونه بعد رحلة الصيف، يقص نبأه من اشترك في الرحلة، ويرويه الرواة عنهم ~~بعد ذلك، فإذا شفاه السامعين تنفرج، وحدق عيونهم يتسع، وريقهم يتحلب، شوقا لهذه الخضرة ~~النضرة، والمياه الجارية، والأيدي الناعمة، والخدود الملساء، أن يكون لهم مثلها في بلادهم، ~~وكأنما غاب عنهم أن بارئ النسم قسم الرزق بين ms167 الناس بالعدل، فجعل لأهل البادية الحرية ~~الشاملة وإباء الضيم، يقابلهما شظف لا يصد عنهما ولا يقلل من الرغبة فيها والحرص عليهما؛ ~~وجعل لأهل الحضر الرفاهية والنعمة والنظام والأمن، يقابل ذلك قيود للحرية في كل مظاهرها، ثم ~~لا ينزع الناس إلى تحطم هذه القيود حرصا على النعمة وعلى الأمن. # كان ذلك شأن القبائل التي هاجرت إلى العراق وإلى الشام على تفاوت بينها في التعلق ~~بالبادية، ومع أن أكثرها نعم بالحضر وترفه، لقد ظل حرصها جميعا على حياتها العربية شديدا، ~~كما ظلت العلاقات بينها وبين شبه الجزيرة متصلة على القرون، وليس من غرضي أن أفصل ذلك في ~~هذا الكتاب، فنطاق البحث لا يتسع له ولا يقتضيه، وإنما أثبت منه هنا ما يجلو لنا في بعض ~~السر في تمهيد هاتين الإمارتين العربيتين، إمارة اللخميين وإمارة الغسانيين، للفتح العربي ~~وللإمبراطورية الإسلامية في عهد أبي بكر. # أشرنا إلى أن هجرة العرب من الجنوب إلى الشمال ترجع إلى ما قبل انهيار سد مأرب، وقبل ~~تحويل الروم طريق التجارة من البر إلى البحر، والواقع أن هذه الهجرة أقدم بكثير من هذين ~~الحادثين، على ما كان لهما من جليل الخطر في حياة بلاد العرب، فالنسابون يذكرون أن التنقل ~~بين القبائل كان كثير الوقوع من قبل الإسلام، وهو لا شك كان كثير الوقوع منذ أقدم العصور، ~~فقد كان العرب يتعاملون مع البلاد التي تجاورهم؛ إذ كانوا ينقلون تجارة الشرق الأقصى إلى ~~بلاد الشام ومصر والروم، وكانوا ينقلون تجارة الشام ومصر والروم إلى الشرق الأقصى، وكانت ~~هذه التجارة تسير مخترقة شبه جزيرة العرب في أحد طريقين: طريق حضرموت إلى البحرين على ~~الخليج الفارسي ثم إلى الشام، وطريق حضرموت إلى اليمن فالحجاز إلى الشام، وكانت مكة تتوسط ~~هذا الطريق الثاني، وكان أهل الجنوب من الحضارمة واليمنيين وأهل عمان والبحرين هم السابقين ~~الأولين للقيام بهذه التجارة، ذلك بأنهم كانوا أكثر من أهل الشمال حضارة؛ لخصب أرضهم، ~~ولاتصالهم بالفرس اتصال جوار مباشر، لذلك كانت أكثر القبائل التي هاجرت إلى العراق وإلى ~~الشام واستقرت ms168 بهما من قبائل الجنوب، فالغساسنة الذين أسسوا مملكتهم شرقي الشام كانوا من ~~الأزد إحدى قبائل عمان التي تنسب إلى شعب كهلان اليمني، كذلك تنسب قبائل قضاعة وتنوخ وكلب ~~التي استقرت على حدود الشام إلى شعب حمير اليمني، وطبيعي أن تستقر قبائل الجنوب بالعراق؛ ~~فإن العراق يجاور حضرموت وما اتصل بها من قبائل بني حنيفة وتغلب ومن إليهم. # هاجرت بطون من هذه القبائل منذ العصور الأولى إلى بادية الشام، واستقرت بها مستقلة عن ~~سلطان أولي السلطان في حضر العراق وفي حضر الشام، فلما انهار سد مأرب ثم انقسمت التجارة بين ~~طريق البادية وطريق البحر، هاجرت بطون أخرى وقبائل أخرى إلى الحجاز، ثم هاجرت بعض هذه ~~البطون منه إلى الشام، التماسا لرزق وحضارة أكثر وأرفه من حضارة البادية. # وكان السلطان في العراق وفي الشام متداولا بين الإمبراطوريتين الفارسية والرومية، فكانت ~~فارس تنتزع الشام من الروم أحيانا وتضمه إلى العراق التابع لها، وكان الروم ينتزعون العراق ~~من فارس أحيانا ويضمونه إلى الشام التابع لهم، وكان العرب الذين نزحوا إلى بادية الشام ~~ينضمون في كثير من الأحيان إلى جيش الفرس أو جيش الروم، متأثرين بما في طبيعتهم من ميل إلى ~~الغزو والسلب، وأدى ذلك إلى أن فكرت الدولتان في اتخاذ هؤلاء الذين نزلوا البادية الممتدة ~~بينهما سدا يحول دون اعتداء إحداهما على الأخرى، لتبقى الشام خالصة للروم، والعراق خالص ~~لفارس. # على أن هذه القبائل العربية انحازت بحكم منازلها في البادية إلى أقرب حضر لها؛ فانحاز ~~المقيمون على حدود الشام إلى الروم، وانحاز المقيمون على حدود العراق إلى فارس، مع احتفاظهم ~~باستقلالهم الذاتي، ومعيشتهم البدوية، وحياتهم العربية الخالصة. # لم يحل احتفاظهم بهذه الخصائص دون تأثرهم بحياة الحضر القريب منهم، وسياسة الدولة التي ~~يخضع هذا الحضر لها، بل لقد تغلغل في هذا الحضر من أنس منهم في نفسه الكفاية لامتثال حياة ~~الحضر والاضطلاع بأعبائها، وبلغ من ذلك أن امتد سلطانه وعظم في المملكة نفوذه، وإن المؤرخين ~~ليذكرون أن الإمبراطور الروماني فيليب كان عربيا من بني السميذع ms169 أول من عرف التاريخ من ~~العرب الذين هاجروا إلى الشام، وأنه كان قبل ارتقائه عرش الإمبراطورية رئيس عصابة في تعبير ~~الغربيين، ورئيس قبائل تغير وتغزو في تعبير العرب، وأعلى ذلك من مكانة العرب المقيمين ~~بالشام، وإن لم يصرفهم عن البادية ولم يدمجهم في حضارة الروم. # أما العرب الذين أقاموا على حدود العراق، فلزموا البادية ولم يجازفوا بالدخول إلى حوض ~~الفرات كي لا يخضعوا لسلطان الفرس فيه، وظل ذلك دأبهم حتى كانت الفرس مسرحا لثورات وحروب ~~داخلية اتصلت بين ملوكها وزعماء الطوائف فيها، وقد تغلب زعماء الطوائف واستقلوا بأمر الفرس، ~~كل منهم في ناحيته، وأتاح ذلك للعرب أن دخلوا حوض الفرات وأنشئوا على شاطئه مدينة الأنبار، ~~ثم أنشئوا الحيرة. # ولعل قبائل من هؤلاء العرب كانوا من الأسرى الذين جاء بهم الفرس حين غزواتهم الأولى لجنوب ~~شبه الجزيرة، فقد ذهب بعض المؤرخين إلى أن الملك بختنصر الثاني غزا شبه الجزيرة وعاد منها ~~بالأسرى، وأنزلهم على شاطئ الفرات، فأقاموا الأنبار؛ ثم إنه نقلهم من الأنبار جنوبا ~~فأنشئوا مدينة الحيرة. # 2 # وأيا كانت الرواية الصحيحة فالثابت أن العرب بدأ سلطانهم يستقر في العراق من ذلك الحين، ~~وأنهم استقلوا بالأمر غرب الفرات بين الأنبار والحيرة حين تولى أمرهم جذيمة الأبرش أو ~~الوضاح بين سنة 215 وسنة 268 ميلادية، وقد جمع جذيمة كلمتهم وامتد سلطانه فيهم من الحيرة ~~إلى الأنبار إلى عين التمر؛ وبذلك اشتمل غرب الفرات كله إلى بادية الشام، بل لقد امتد ~~سلطانه على العرب المقيمين بهذه البادية حين غزا مضر المقيمين بها، وضم إليه منهم عدي بن ~~ربيعة وشرفه وأكرمه. # وعدي هذا هو الذي تزوج الرقاش أخت جذيمة، فتناولت كتب الأدب نبأهما بآثار روائية شائقة، ~~وهو الذي أولدها عمرو بن عدي صاحب قصة الزباء التي انتحرت قائلة: «بيدي لا بيد ~~عمرو.» # بينما كان جذيمة الوضاح على ملك العرب بالعراق، كان أذينة بن السميذع على رأس العرب ~~بالشام، وكان سابور عاهل فارس، وفيليب إمبراطور الروم، وقد ثار أهل الشام بسلطان فيليب ~~لقسوة حكمه، وانتهز ms170 سابور الفرصة فسار إلى الشام وهزم جند الروم، عند ذلك نقض أذينة عهد ~~ولائه للروم وانضم للفرس، وطمع في أن يكون له في ظل سابور من المكانة بالشام ما لجذيمة ~~بالعراق، على أن ڨالريان تولى إمبراطورية الروم مكان فيليب، وسار بنفسه إلى الشام وهزم ~~سابور ورده إلى فارس، عند ذلك عاد أذينة مواليا للروم، غير أن الدوائر ما لبثت أن دارت على ~~ڨالريان، وأراد أذينة أن ينضم إلى سابور كرة أخرى، فرفض سابور ولاءه بعد الذي رآه منه، ولم ~~يجد أذينة بدا في محافظته على سلطانه وعلى حياته من أن ينهض بنفسه على رأس عرب الشام ~~لمحاربة فارس، وبسم له الحظ فغلبها وطارد جيوشها إلى المدائن، بذلك سمت مكانته عند الروم، ~~وصار صاحب القدح المعلى في محاربة الفرس، حتى لقد تغلب عليهم من بعد ذلك كرة أخرى. # وحكم بعد أذينة أبناؤه، ومنهم الزباء، وقد استهوت إليها جذيمة ودعته ليتزوجها ثم قتلته، ~~فكان جزاؤها أن ذهب إليها عمرو بن عدي ومعه قصير بن عمرو فانتحرت حتى لا يقتلها، وبوفاتها ~~انقضى عهد بني السميذع بالشام. # وخلف الغسانيون من أبناء جفنة بني السميذع على ملك الشام، بعد فترة قصيرة حاول جماعة من ~~بني نصر القائمين بأمر العراق أن يتولوا أثناءها أمر الشام، فلم يستقر لهم فيه أمر. # نقف هنيهة ها هنا، في منتصف القرن الثالث الميلادي، لنرى كيف صار الأمر في شرق الشام وغرب ~~العراق إلى العرب، فهؤلاء الذين نزلوا البادية أول ما نزلوها قبائل مهاجرة أو أسرى جاء بهم ~~ملوك فارس من شبه الجزيرة، قد صاروا إلى حيث يعتد بهم الروم وتعتد بهم فارس، وتحرص كلتا ~~الدولتين على ولائهم لها ومناصرتهم إياها، وتعترف كلتاهما لهم بالاستقلال الذاتي، تقديرا ~~لشجاعتهم وإقدامهم في الحروب، والحق أنهم لم يكونوا في صلتهم بهاتين الإمبراطوريتين ~~العظيمتين دون اليمن أو حضرموت أو غيرهما من بلاد شبه الجزيرة التابعة لنفوذ فارس، بل لعلهم ~~كانوا أكثر منها استقلالا، وأنت لذلك تستطيع أن تقول: إن بلاد العرب امتدت من خليج فارس ms171 ~~وخليج عدن جنوبا إلى الموصل وأرمينية شمالا، وإن تأثر عرب العراق وعرب الشام بحضارة الفرس ~~وحضارة الروم أكثر مما تأثر بهما سائر بقاع شبه الجزيرة. # ألسنا في حل، وذلك هو الشأن، من أن نقول: إن هؤلاء العرب في العراق والشام كانوا الطلائع ~~الأولى في التمهيد للفتح العربي وللإمبراطورية الإسلامية؟ لم يدر ذلك بخلد أحد منهم بطبيعة ~~الحال، فلم يكن أحد منهم يتصور بعث محمد ورسالته، وما أدى إليه البعث وأدت إليه الرسالة من ~~وحدة بلاد العرب ومن سمو النفس العربية إلى حيث سمت، لكن مقامهم بين الفرات وأودية الشام، ~~واحتفاظهم بخصائص حياتهم العربية، واتصالهم بأهليهم وبمن يحيطون بهم في شبه الجزيرة، كل ذلك ~~كان مقدمة لما تلاه بعد أربعة قرون من زحف عرب الجزيرة إليهم محاربين لتحل الإمبراطورية ~~الإسلامية محل الإمبراطوريتين الفارسية والرومية. # تولى عمرو بن عدي ملك العراق بعد جذيمة الأبرش من قبل سابور، فانتقم لجذيمة من ~~الزباء، كما قدمنا، وقد جعل عمرو الحيرة عاصمته؛ ومن يومئذ صارت عاصمة اللخميين إلى أن ~~انحل الملك عنهم. # وكان تبعية عمرو بن عدي ومن جاء بعده من ملوك الحيرة لبلاط فارس محدودة، فكان صاحب الحيرة ~~مطلق السلطان على غرب الفرات إلى بادية الشام، وكان ولاؤه لعاهل الفرس مقيدا بدفع العرب من ~~شبه الجزيرة أو عرب الشام التابعين لإمبراطور الروم على أرض فارس، وبحماية التجارة التي ~~تسير من فارس إلى الشام أو إلى بلاد العرب. # على أن هذا الولاء لم يحل دون اقتحام العرب أرض فارس، وبخاصة ما جاور منها الخليج ~~الفارسي، وقد صدهم الفرس غير مرة، ثم اضطر سابور ذو الأكتاف إلى حفر خندق سابور على حدود ~~بلاده ليصد عنها العدوان. # وتوالى الملوك من بني نصر على عرش الحيرة، حتى تولاه النعمان الأكبر في أواخر القرن ~~الرابع وأوائل القرن الخامس المسيحي، وقد تولاه من قبل يزدجرد، والنعمان الأكبر هو الذي بنى ~~قصري الخورنق والسدير، وهو صاحب قصة سنمار. # ويروى أن النصرانية بدأت تنتشر بالعراق في عهده، وأنه لان لها وعطف عليها، فأنشئت ms172 فيها ~~برضاه أديار وبيع، بل إن بعضهم ليذهب إلى أنه تدين بالنصرانية ثم تقشف ونزل على ملكه ~~لابنه المنذر الأكبر، # 3 # وذلك حين رأى يزدجرد يضطهد النصرانية ويحارب الذين يدينون بها. # وكان يزدجرد قد بعث بابنه بهرام جور إلى الحيرة لينشأ فيها، وحذق بهرام العربية ~~واليونانية وأحاط بشئون العرب والروم خبرا، فلما مات يزدجرد أثر الفرس أن يولوا عليهم كسرى ~~بن أردشير بن سابور ذي الأكتاف؛ لأنه نشأ بينهم حين كان بهرام غريبا عنهم، وسار بهرام ~~يسترد عرشه وأعانه المنذر، فلما اعتلى العرش نصح له المنذر أن يعفو عن خصومه؛ بذلك كسب ~~بهرام قلب الخاصة، ثم كسب قلب الشعب بأعطياته وبتخفيفه من أعباء الضرائب. # وبالغ بهرام جور فيما بدأه من محاربة النصرانية؛ فكان ذلك سببا في نشوب الحرب بين فارس ~~والروم، وأعان المنذر بهرام في هذه الحروب التي انتهت إلى صلح بين الفريقين طال ~~أمده. # كان ملوك العرب من بني غسان بالشام يناصرون الروم في محاربتهم الفرس، كما كان اللخميون ~~يقاتلون الروم حلفاء لجيش فارس، ولعل الحروب اشتدت في هذه الفترة الأخيرة بين ~~الإمبراطوريتين بعد أن زاد العامل الديني أوارها، فمنذ تولى قسطنطين إمبراطورية الروم في ~~أوائل القرن الرابع الميلادي بدأت المسيحية تزدهر، وبدأ أباطرة الروم يعلون من شأنها في كل ~~مكان، وبدأ المبشرون بها ينتشرون في مختلف البلاد، وانتقالهم من الشام إلى العراق وإلى بلاد ~~فارس هو الذي هاج يزدجرد لمناهضة هذا الدين الجديد، وهو الذي جعل بهرام يغلو في محاربته، ~~حتى ينتهي الأمر إلى ذلك الصلح الذي أشرنا إليه. # ماذا كان موقف العرب في العراق وفي الشام من دين الفرس، ومن دين الروم؟ أتأثرت قبائل ~~العراق بالمجوسية فأقبلت عليها، وتأثرت قبائل الشام بالمسيحية فأقبلت عليها؟ أم أعرض هؤلاء ~~وأولئك عن المجوسية والمسيحية جميعا، واحتفظوا بوثنيتهم العربية، وبأصنامهم يعبدونها ~~لتقربهم إلى الله زلفى؟ # للجواب على هذا السؤال قيمة كبرى في البحث الذي نتناوله الآن، فهو يكشف عن اتجاه العقلية ~~العربية وعن ميول العرب الروحية، ويجلو لنا كيف مهدت هذه ms173 العقلية وهذه الميول للفتح العربي ~~في ظل الإسلام. # ذكرنا أن العرب تأثروا في العراق وفي الشام بحضارة الفرس وحضارة الروم، فمن عرب العراق من ~~أجادوا الفارسية، وفقهوا تيارات التفكير الفارسي في الفن والأدب والدين، وتبينوا مثنوية ~~ماني وتعاليم زردشت وزندقة مزدك، ولم يكن ذلك عجيبا وقد أتاح لهم رغد العيش وترفه أن ~~يتثقفوا، وأن تبلغ بهم ثقافتهم علم هذا كله وعلم ما اتصل بهم من تفكير اليونان وفلسفتهم، ~~ولذلك علم أهل الحيرة قريشا الزندقة في الجاهلية والكتابة في صدر الإسلام. # 4 # وكان ذلك شأن عرب الشام في اتصالهم بثقافة الروم وأدبهم ودينهم، بل لعلهم كانوا أرقى ~~عقلية من عرب الحيرة؛ لأنهم أقرب اتصالا بالثقافة اليونانية والمدنية الرومانية. # لم يأخذ عرب العراق بمجوسية الفرس مع اتصالهم بهم وإعجابهم بحضارتهم ولم يأخذ عرب الشام ~~بوثنية الروم أو اليونان ولم يعبدوا آلهتهم، فلما استقرت المسيحية في الإمبراطورية الرومية ~~هوت إليها النفس العربية في الشام والعراق جميعا، فلماذا؟ # يذكر بعض المؤرخين أن أول ملك تنصر من بني غسان إنما تنصر لأن إمبراطور الروم لم يكن يرضى ~~عن ولاية غير نصراني في أنحاء الإمبراطورية، وإذا فسر هذا تنصر أمراء العرب فإنه لا يفسر ~~تنصر القبائل، فإن قيل: إن قبائل الشام تنصرت مجاراة لملوكها، فالناس على دين ملوكهم، فقد ~~تنصر من قبائل العراق كثيرون يدينون بالولاء لملك الحيرة، وكان يحارب النصرانية حليفا ~~لفارس، لا بد إذن من دافع آخر أدى بهذه القبائل العربية في العراق لتدين بالنصرانية وأن ~~يكون هذا الدافع متصلا بالعقلية العربية وميولها الروحية. # والعقلية العربية بفطرتها بدوية مستقيمة، تريد الحقيقة في بساطة، وتقصد إليها في غير ~~التواء ولا تعقيد، فزندقة مزدك ومثنوية ماني قد تستهوي من يعجبهم الحوار ويغريهم الجدل، ~~وكذلك الأمر في فلسفة اليونان، ولا تميل العقلية العربية إلى هذا التعقيد الجدلي، لهذا هوت ~~إلى النصرانية وأخذت بها واطمأنت إليها، ولم يدن بالمجوسية من العرب إلا قليل. # والنصرانية دين سماوي أصحابه أهل كتاب أقر الإسلام صفاءه الأول؛ فلا عجب أن يكون أخذ ms174 ~~العرب بها في العراق وفي الشام من طلائع التمهيد للفتح العربي وللإمبراطورية ~~الإسلامية. # على أن سبق العرب للنصرانية في العراق والشام لم يغير من خصائصهم، ولم يصرفهم عن ~~استقلالهم وعن تعلقهم بحياتهم العربية، تولت الأميرة ماوية بنت الأرقم بن الحارث الثاني أمر ~~العرب بالشام في أواخر القرن الرابع المسيحي، فطمع الروم في ملكها، فحاربتهم حتى اضطرتهم ~~لمصالحتها، ثم أمدتهم بفوارس لمحاربة القوط الطامعين فيهم، وقد دافع هؤلاء الفرسان العرب عن ~~القسطنطينية دفاعا مجيدا. # ولم يكن حرص الغساسنة على استقلالهم الذاتي إزاء الروم، وحرص اللخميين على استقلالهم ~~الذاتي إزاء فارس، ليجمع بين هؤلاء العرب وأولئك؛ ولم يجمع بينهم اشتراكهم في الميل ~~للمسيحية؛ بل كانت الحروب تتصل بين اللخميين والغسانيين اتصالها بين فارس والروم، أليست ~~القبيلة أساس العمران العربي! فكما كان عرب شبه الجزيرة قبائل يقاتل بعضهم بعضا، كان عرب ~~بادية الشام قبائل يقاتل بعضهم بعضا. # في الثلث الأول من القرن السادس المسيحي بلغ اللخميون ذروة المجد في العراق، وبلغ ~~الغساسنة ذروته في الشام، وكان ذلك في عهد المنذر الثالث اللخمي والحارث بين جيله الغساني، ~~تولى المنذر الثالث ابن ماء السماء ملك الحيرة بين سنة 513 وسنة 562 ميلادية في عهد قباذ ثم ~~كسرى أنوشروان وتولى الحارث بن جبلة زوج مارية ذات القرطين ملك الغساسنة بين سنة 529 وسنة ~~572 ميلادية، في عهد جستنيان ثم في عهد جستين الثاني، وكان هذا الحارث يدعى الحارث الأعرج، ~~كما كان يدعى الحارث الوهاب. # في هذا العهد ظلت الحروب متصلة بين الفرس يحالفهم المنذر، والروم يحالفهم الحارث، وكان ~~المنذر في هذه الحروب شديد البأس قوي الشكيمة، بلغ من ذلك أن فرض الصلح الذي تم بين الفرس ~~والروم جعلا سنويا يدفعه الروم للمنذر. # استمر هذا الصلح زمنا قوي فيه الروم واشتد ساعدهم وخشيهم كسرى، فدفع حليفه المنذر فحارب ~~الحارث وتغلب عليه، ثم عادت الحرب فشبت بين الروم والفرس كرة أخرى إلى سنة 562م، وكان ~~المنذر في هذه الأثناء لا يهدأ عن الحرب، يحارب خصومه، ويحارب خصوم فارس، ms175 ويوغل في ممتلكات ~~الروم حتى يبلغ حدود مصر. # لم تخفض قوة المنذر من قدر الحارث عند الروم؛ فقد ظل في نظرهم القوة التي يواجهون بها عرب ~~العراق، ولذلك ولاه الإمبراطور جستنيان سنة 529م ملكا على جميع قبائل العرب في سوريا، وجعل ~~له لقب فيلارك وبطريق Phylarque et Patrice # وهو اللقب الذي ~~يلي لقب الحاكم الروماني في الشام. # فكر الحارث في التخلص من المنذر، أما وهو لا يستطيع ذلك في ميادين القتال، فليجعل الغدر ~~سلاحه، فبينما كانت الحرب ناشبة بينهما يوما أوفد مائة من رجاله عطرتهم ابنته حليمة ليلقوا ~~ملك الحيرة ويبلغوه أن ملك الغسانيين يذعن له، وانتهز أحدهم فرصة غال فيها المنذر وقتله، ~~عند ذلك اضطرب جند العراق، فهاجم الحارث وشتت شملهم؛ وذلك يوم حليمة. # 5 # بلغ مجد العرب المقيمين ببادية الشام وما جاورها من أرض العراق وأرض الشام غاية ذروته في ~~هذا العهد، وقد أبرز الأدب الجاهلي هذا المجد في كل جلاله. # فالمنذر هو صاحب يوم النعيم ويوم البؤس، وهو الذي قتل عبيدا الأبرص في يوم بؤسه، وهو ~~صاحب قصة شريك بن عمرو؛ وكان كثيرون من شعراء شبه الجزيرة يؤمونه، وقد عاصر الحارث الوهاب ~~النابغة الذبياني وعلقمة الفحل. # تولى عمرو بن هند ملك العراق بعد أبيه المنذر الثالث؛ وفي السنة التاسعة من حكمه ولد رسول ~~الله، ومن بعد عمرو توالى بنو المنذر على ملك الحيرة حتى تولاه أبو قابوس النعمان بن المنذر ~~الرابع صاحب الشاعر الأعشى ميمون بن قيس بين سنة 583 وسنة 605م، وقد امتد ملك النعمان في ~~بلاد فارس حتى بلغ دجلة حيث بنى النعمانية على مقربة من المدائن عاصمة كسرى، وكان النعمان ~~على قبح صورته مترفا ولوعا بمتع الحياة ولينها، تزوج امرأة أبيه المتجردة ذات الجمال ~~البارع، فأحبت المنخل اليشكري فقتله النعمان، وأنشأ النعمان الحدائق الغناء وجلب إليها أبهج ~~الزهر، فشقائق النعمان تنسب إليه. # لم يرض كسرى أبرويز عما بلغ النعمان من سلطان وما يرفل فيه من نعمة فحبسه وقتله، ثم قضى ~~على سلطان اللخميين جميعا، ms176 ولقد أقام مقامه على ملك الحيرة إياس بن قبيصة، وأقام معه ~~مرزبانا فارسيا يدعى بهرجان وفي عهد إياس بعث النبي، وفي عهده كان يوم ذي قار، ثم كان ~~إياس آخر ملوك الحيرة من العرب، فقد قام داذويه الفارسي من بعده مرزبانا على العراق من قبل ~~كسرى، ويوم ذي قار من أيام العرب المأثورة، ذكروا أن النعمان بن المنذر أودع أمواله وحريمه ~~هانئ بن قبيصة حين عرف غضب كسرى عليه، فلما قتل النعمان طالب كسرى هانئا بودائعه فأبى ~~هانئ. ثم إن بني بكر بن وائل غضبوا لقتل النعمان فأغاروا على سواد العراق فنهبوا منه، وأراد ~~كسرى معاقبتهم، فالتقت جيوشه بهم في ذي قار، ففاز العرب على الفرس فوزا عظيما، يروى عن ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # أنه قال في يوم ذي قار: «هذا أول يوم انتصفت فيه العرب من العجم ونصرت عليهم بي.» # 6 # ذلك أن النبي (عليه السلام) بعث عام ذي قار. # ذلك كان مصير اللخميين بالعراق، أما الغسانيون بالشام فظلوا يتولى الأمر منهم أمير بعد ~~أمير، حتى كان جبلة بن الأيهم حاكم عرب الشام عندما فتحه عمر بن الخطاب، تولى منهم عمرو ~~الأصغر في سنة 587م، فلجأ إليه النابغة الذبياني هربا من النعمان بن المنذر صاحب الحيرة؛ ~~وتولى بعده أبو كرب النعمان السادس ابن الحارث الأصغر، ففاز من النابغة بخير مدائحه، ثم ~~توالى عدد من الأمراء تدل كثرتهم على اقتسامهم ملك الغساسنة بالشام، حتى انتهى أمرهم إلى ~~الأيهم الثاني ثم إلى ابنه جبلة بن الأيهم. # ولعل تقسيم السلطان في الشام بين عدة أمراء من العرب كان بعض سياسة الروم في عهود كثيرة، ~~حتى لا يناوئ العرب الإمبراطورية بوحدتهم، يرجع ذلك إلى أن الغسانيين لم تك لهم عاصمة ~~بالشام كما كانت الحيرة عاصمة اللخميين بالعراق؛ بل كانت الجابية عاصمة، وكانت تدمر عاصمة، ~~وكانت جولان عاصمة، وكانت جلق على مقربة من دمشق عاصمة، وهذا يتفق مع السياسة المركزية التي ~~جرت عليها إمبراطورية الروم، كما تتفق سعة السلطان لصاحب الحيرة مع سياسة ms177 اللامركزية التي ~~جرت عليها الإمبراطورية الفارسية. # ذكرنا فيما سلف أن عرب العراق وعرب الشام استمسكوا باستقلالهم الذاتي وبحياتهم العربية، ~~لذلك ظلت لغة أهل شبه الجزيرة لغتهم؛ فلم تمحها الفارسية في العراق؛ ولم تمحها اليونانية أو ~~اللاتينية في الشام، وكان من أثر هذا أن ظلت صلات ملوك الحيرة وصلات بني غسان بشبه الجزيرة ~~وثيقة، وظل الذين يشيدون بذكر هؤلاء الملوك وينالون جوائزهم هم شعراء شبه الجزيرة، وكتب ~~الأدب ودواوين الشعراء تروي للنابغة الذبياني ولأعشى قيس ولعلقمة الفحل ولغيرهم كثيرا مما ~~قيل في هؤلاء الملوك وكرمهم وما بلغوا من حضارة وترف، وحسان بن ثابت شاعر النبي كان وثيق ~~الصلة بجبلة بن الأيهم قبل إسلامه. # كان احتفاظ هؤلاء العرب الذين هاجروا من شبه الجزيرة إلى بادية الشام بخصائصهم وبحياتهم ~~ولغتهم العربية، من الطلائع التي مهدت للفتح العربي والإمبراطورية الإسلامية، وسنرى من بعد ~~كيف انضم هؤلاء العرب في كثير من الأحيان لجيوش المسلمين، وكيف حاربوا في صفوفهم من كانوا ~~حلفاءهم من الروم والفرس. # هل تأثرت علاقات فارس والروم بالقضاء على ملك الحيرة؟ كلا! ظلت الحروب متصلة بينهما بعد ~~ذلك، كما كانت متصلة بينهما سبعة قرون متوالية من قبل، كانت إمبراطورية الروم لذلك العهد ~~مسرح قلق واضطراب شجع الفرس على غزو الشام، وكان فوكاس إمبراطور الروم يومئذ في شغل بثورة ~~هرقل عليه، لذلك أوغل الفرس في بلاد الشام، فاستولوا على إنطاكية وانحدروا منها إلى ناحية ~~بيت المقدس يحاصرون المدن ثم يأخذونها عنوة، وتولى هرقل حين كان الفرس في مسيرتهم إلى القدس ~~فلم يستطع ردهم أو منعهم من تخريب آثار المسيحية واليهودية بالمدينة المقدسة، ثم إن اليهود ~~انضموا إلى المجوس وأعانوهم على النصارى، فلما استقر الأمر لكسرى بالشام، فتح مصر وحل ~~بسلطانه محل الروم فيها، وفي هذه الانتصارات المتوالية للفرس على الروم نزل قوله تعالى: # الم * غلبت الروم * في ~~أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون * في ~~بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح ~~المؤمنون * بنصر الله ... ~~(الروم: 1 : 5). # وصدق الله العظيم ففي ms178 بضع سنين عاد هرقل فحارب الفرس وأخرجهم من مصر ومن الشام، وطاردهم ~~إلى المدائن، واسترد منهم الصليب الأعظم ثم رده إلى بيت المقدس في حفل حافل، لذا تضعضع ~~سلطان الفرس وإن استنفد ذلك من قوة الروم ما كان بالغ الأثر في التمهيد للفتح العربي ~~والإمبراطورية الإسلامية. # لم يغب علم ما نزل بالروم ثم بالفرس عن أهل مكة والمدينة، ولم يغب عنهم كذلك أمر بني ~~عمومتهم من العرب ببادية الشام وما جاورها من العراق وبلاد الشام، وقد هون ذلك من أمر ~~الإمبراطوريتين العظيمتين في نظرهم، وزاد في تهوين أمرهما قيام النبي العربي وانضواء بلاد ~~العرب كلها تحت لواء الإسلام، لكن ما هان من أمر الإمبراطوريتين لم يبلغ بالعرب حد التحرش ~~بهما أو التفكير في غزوهما، وإن بلغ بهم حد اليقين باستقلال شبه الجزيرة عنها والذود عن هذا ~~الاستقلال في وجهيهما، لذلك ألقت اليمن وألقت بلاد الجنوب كلها بنير فارس، ثم اتجه جل غرض ~~الرسول (عليه السلام) إلى تأمين التخوم العربية في الشمال من جنود قيصر، ولم يدر بخواطر ~~المسلمين أن يغيروا على الشام، أو أن يتخذوا من دعوة النبي هرقل إلى الإسلام سببا للإيغال ~~فيه، ترى أيقيم أبو بكر على هذه السياسة لا يتعداها، وله في رسول الله أسوة حسنة، أم يغامر ~~بحرب قيصر، والنصر بيد الله يؤتيه من يشاء؟ # كان هذا الخاطر يدور بنفس أبي بكر حينما كان النصر يحالف أعلامه في حروب الردة، فمذ قضى ~~خالد بن الوليد على مسيلمة باليمامة، ومنذ نشر المهاجر بن أبي أمية وعكرمة بن أبي جهل لواء ~~الإسلام في أرجاء اليمن وما جاورها، أيقنت شبه الجزيرة كلها أن الأمر فيها صائر بإذن الله ~~إلى خليفة رسول الله، لكن أبا بكر كان أحصف من أن يستنيم لهذا النصر فينسى به ما تنطوي عليه ~~صدور العرب من حفيظة قد تضطرم فتضرم الثورة كرة أخرى، وليس من الخير أن تتجه أنظار العرب ~~إلى ما وراء الحدود من شبه الجزيرة فتنسى بذلك حفائظها وتنسى أحقادها! وبادية الشام تنتشر ms179 ~~فيها القبائل من العرب، فجدير بها أن تسمع الدعوة إلى الدين الجديد كما سمعها العرب في شبه ~~الجزيرة، ولعل هذه القبائل إذ تتصل بأصولها، وتسمع الحديث عن أجدادها، تعود بها الذكرى إلى ~~الماضي، فتسرع لتشارك بني عمومتها فيما هداهم الله إليه من الحق، وتشهد معهم أن لا إله إلا ~~الله، وأن محمدا رسول الله. # كان هذا الخاطر يدور بنفس أبي بكر وهو في داره المتواضعة بالمدينة، وكان يدور بنفسه وهو ~~في مجلسه بالمسجد، ثم كان يدور بنفسه وهو يجوب الأنحاء الفقيرة آناء الليل في سر من الناس، ~~يعين المحتاج، ويأسو كلوم الجريح، ويسكن أنات البائس والمسكين، ولم يستأثر هذا الخاطر ~~بتفكير أبي بكر؛ لأنه يحب السلطان لنفسه أو يطمع في التوسع فيه، بل؛ لأنه كان يريد أن يطمئن ~~المسلمون إلى دينهم وحرية الدعوة إليه، وإنما تتم للمسلمين الطمأنينة ما قام الحكم فيهم على ~~أساس من العدل المجرد من الهوى، والحكم على هذا الأساس يقتضي الحاكم أن يسمو به فوق كل ~~اعتبار شخصي، وأن يكون العدل والرحمة مجتمعين، وقد كانت نظرية أبي بكر في تولي أمور الدولة ~~قائمة على إنكار الذات والتجرد لله تجردا مطلقا، جعله يشعر بضعف الضعيف وحاجة المحتاج، ~~ويسمو بعدله على كل هوى، وينسى في سبيل ذلك نفسه وأبناءه وأهله، ثم هو مع ذلك يتتبع أمور ~~الدولة جليلها ودقيقها بكل ما آتاه الله من يقظة وحذر. # وكان حكم أبي بكر في العام الأول من خلافته يكاد ينحصر في القضاء على الردة والقائمين ~~بها، وهل كان للمسلمين المقيمين بالمدينة ما يختلفون فيه وأهلوهم جميعا قد ذهبوا مجندين ~~يقمعون الثورة ويقضون على أسباب الفتنة، وهم أثناء ذلك يتتبعون أخبارهم ويقيمون الصلوات ~~لنصرهم؟! ولى أبو بكر عمر بن الخطاب القضاء في المدينة، فأقام عاما كاملا لم يختلف إليه ~~متقاضيان، وكان أبو عبيدة بن الجراج قائما بأمر المال، يتلقاه من الزكاة، وينظر في توزيعه ~~على حاجات المسلمين، وكان عثمان بن عفان يكتب الأخبار للخليفة، ويكتب زيد بن ثابت ما عداها، ~~وقد كفاه ms180 عماله على البلاد والقبائل مئونة إدارتها بما كان لهم من أمانة وحسن بصر بالأمور، ~~ثم كانوا على اتصال دائم به في توجيه سياستهم، وقد رأيت الشيء الكثير من ذلك فيما كان بينه ~~وبينهم من مكاتبات أثناء حروب الردة، وإذ كان أبو بكر في شغل بهذه الحروب طيلة العام الأول ~~من خلافته، فقد أقام مقامه عتاب بن أسيد عامله على مكة في الحج بالناس ذلك العام. # لم يشغل أبا بكر عن حروب الردة شاغل إلا ما اتصل بها مما قصصنا نبأه حين الحديث عنها، أما ~~وقد هان أمر المرتدين ولم يبق لأحد من أهل الحواضر والبوادي أن يأبه لهم أو يخشى خطرهم، ~~أفلا يجمل بأبي بكر أن يغامر بحرب قيصر؟ إنه إن يفعل يصرف أذهان العرب في شبه الجزيرة كلها ~~عن ثاراتهم، ويجعل لهم من الفخار ما ينسيهم ضغنهم على يثرب وأهلها، ويمهد الطريق لانتشار ~~كلمة الله في الإمبراطورية الرومية المترامية الأطراف. # لكن غزو الروم مغامرة إن لم يحالف النصر فيها أعلام المسلمين تعرضت شبه الجزيرة لشر من ~~الثورة التي أخمدتها حروب الردة: تعرضت للروم وحكمهم، وتعرضت بذلك لكارثة تجتث حكم المدينة، ~~وقد تفتن المسلمين عن دينهم، ومنازلة الروم ليست هينة، إنما انتصر أبو بكر على المرتدين في ~~شبه الجزيرة؛ لأن الإسلام قضى على الوثنية فيها، ولأن البواعث التي أدت بطليحة ومسيلمة ~~والعنسي إلى الثورة وجدت من قبائل هؤلاء المتنبئين من رأى في ردتهم نقضا لعهد عقدوه مع ~~رسول الله، حين ذهبت وفودهم إليه بالمدينة تعلن الإسلام وتنضوي تحت لوائه، أما الروم فكانوا ~~نصارى أهل كتاب كالمسلمين، ثم كانوا إلى ذلك أصحاب الكلمة العليا في توجيه سياسة العالم ~~لذلك العصر. # صحيح أنه قامت بينهم وبين فارس حروب استطالت على السنين، كتب النصر في بداءتها للفرس، ثم ~~انتهى الغلب فيها للروم، وقد استنفدت هذه الحروب من قوى الدولتين الكبيرتين ما يحتاج إلى ~~الجهد الضخم والسنين الكثيرة لتعويضه، لكن للفوز في الحروب بريقا يكلل هام المنتصر بأكاليل ~~تبهر أنظار الناس، وتصدهم عن محاربة ms181 من كان النصر حليفه، ولم تكن الأمة العربية قد جربت ~~حظها في مثل هذه الحروب من بعد لتقدم على مغامرة لها من الخطر ما يصد عنها، بل ما يخيف ~~منها. # ولم يرد التفكير في محاربة الفرس بخاطر أبي بكر، فالحجاز لا يتصل بفارس، والبلاد العربية ~~التي تتاخم الفرس هي البلاد التي فشت فيها الردة، ويتعذر لذلك أن يعتمد أبو بكر عليها أو ~~يأمن أهلها في غزو دولة لا يزال لها مع ظفر الروم بها، جيوش جرارة وموارد كثيرة، أفلا يجمل ~~بالخليفة أن يوجه همه إلى توطيد الأمن في مختلف الأرجاء من شبه الجزيرة، لتنضم كلها في وحدة ~~تزيدها قوة وتزيد سياستها اتساقا! # وإن أبا بكر ليفكر في هذا وفي مثله إذ ترامت إليه الأنباء بأن المثنى بن حارثة الشيباني ~~قد سار بقواته شمالا في البحرين، حتى وضع يده على القطيف وهجر، وحتى بلغ مصب دجلة والفرات، ~~وأنه قضى في مسيرته هذه على الفرس وعمالهم ممن عاونوا المرتدين بالبحرين، وسأل أبو بكر عن ~~هذا المثنى من هو، وإلى أي قبيلة ينتسب، وعلم أنه من البحرين من بني بكر بن وائل، وأنه انضم ~~إلى العلاء بن الحضرمي في مقاتلة المرتدين على رأس من بقي على الإسلام من أهل هذه النواحي، ~~وأنه تابع مسيره مساحلا الخليج الفارسي إلى الشمال، حتى نزل في قبائل العرب الذين يقيمون ~~بدلتا النهرين فتحدث إليهم وتعاهد معهم، وعلم أكثر من ذلك أنه رجل جليل المكانة يعتمد عليه، ~~قال عنه قيس بن عاصم المنقري: «هذا رجل غير خامل الذكر، ولا مجهول النسب، ولا ذليل العماد، ~~هذا المثنى بن حارثة الشيباني.» # جعل أبو بكر يفكر فيما سمعه من ذلك وفيما يمكن أن ينشأ عنه، وأدى ذلك به إلى معاودة ~~التفكير في دفع المسلمين إلى خارج شبه الجزيرة كيما ينصرفوا عن ثاراتهم الأولى وثورتهم ~~بسلطان المدينة، ألا يستطيع هذا المثنى أن يتوغل في العراق وأن يفتح للمسلمين أبوابه ما ~~دامت أبواب الشام مستعصية! فقبائل العرب في العراق من بني لخم وتغلب ms182 وإياد والنمر وشيبان ~~تهوي نفوسهم إلى منابتهم في شبه الجزيرة، ومن العراق انحدرت سجاح تعلن نبوتها في بني تميم، ~~وتعتمد على أبناء هذه القبائل العربية التي نزحت إلى شواطئ الفرات، لعل البدء بتوجيه سياسة ~~المسلمين إلى هذه الناحية يكون أجدى من كل توجيه آخر! ولعل هذا المثنى الشيباني يكون خير ~~طليعة لتنفيذ هذه السياسة! # وشجع أبا بكر على العود إلى هذا التفكير ما يعلمه من أمر فارس صاحبة السلطان في العراق، ~~فقد انتصر هرقل على الفرس قبيل وفاة النبي وحطم جيوشهم في نينوى ودستجرد، وسار حتى صار على ~~أبواب المدائن عاصمة ملكهم، وقد بلغ من ضعف سلطانهم أن تخلصت اليمن من نيرهم وأن انضم بازان ~~إلى رسول الله، هم لم يحركوا لاستردادها ساكنا، ومن بعد ذلك تقلص سلطانهم من البحرين ومن ~~جميع الإمارات الواقعة على الخليج الفارسي وعلى خليج عدن، ولم يفكر أحد من ملوكهم في ~~استرداد شيء من هذا السلطان قل أو كثر، وكيف يفكرون والاضطراب ضارب بجرانه في بلاطهم، يسعى ~~كل أمير ليقتل الجالس على العرش فيأخذ مكانه؛ حتى لقد ادعى هذا العرش في أربع سنين تسعة من ~~الأمراء كانوا يقتتلون عليه فيقتل بعضهم بعضا، جهرة حينا وغيلة حينا، لا عجب إذن أن يصح ~~ما تحدث الناس به إلى أبي بكر عن المثنى وفعاله، ثم لا عجب أن ينشط تفكير أبي بكر في العراق ~~وفتحه. # وبينما يتأمل الخليفة الأمر ويطيل التفكير فيه؛ إذ أقبل المثنى إلى المدينة، وتلقاه أبو ~~بكر وسمع منه وعرف من أنبائه ما زاده اطمئنانا إلى البدء بفتح العراق العربي أدنى إلى ~~النجاح، ولن يلقى من المقاومة ما يلقاه التقدم في الشام وليس العراق على شواطئ النهرين دجلة ~~والفرات وفي الجزيرة الواقعة بينهما بأقل من الشام جمالا ونضرة، وإذا لم يكن أهل الحجاز قد ~~تحدثوا عنه ما تحدثوا عن الشام لقرب الشام منهم، ولأن الطريق إليه طريقهم في رحلة الصيف، ~~فغدا يتحدثون عن العراق وتتجه إليه أنظارهم ما اتجهت إلى الشام، فليعزم الصديق إذن أمره، ms183 ~~وليتوكل على الله. # وكيف له أن يتردد وقد ذكره المثنى بأن قبائل العرب التي استقرت بدلتا النهرين الغنية ~~بألوان الزرع والفاكهة وبالطير والحيوان، مالت إلى الحضر والإقامة وعمل أبناؤها فلاحين في ~~الأرض، وأن دهاقين الفرس يستولون على غلتها، ولا ينال أولئك العرب منها إلا القليل الذي ~~يجود الدهاقين عليهم به، أي مرعى أخصب من هذا المرعى لبث الدعوة العربية، ولتأمين شبه ~~الجزيرة من دسائس الفرس ومن عدوانهم، فهؤلاء العرب وإن استقروا بأرض العراق يستجيبون لا ريب ~~لكل دعوة عربية، ومعاملة الدهاقين لهم تعدهم للثورة بهم، أما وقد أحسنوا السماع لحديث ~~المثنى فالفرصة من ذهب، يجب ألا تضيع، بل يجب أن تتخذ خطوة لما بعدها. # ولئن حالف النجاح المسلمين في هذه الخطوة لتكونن البشير بخطوات واسعة: فليست دلتا النهرين ~~على خصبها وحسن ثمرها أخصب العراق أو أجمله أو أحسنه ثمرا؛ بل إن دجلة والفرات ليجريان ~~متوازيين قرابة ثلاثمائة ميل قبل أن يتصلا، ولا يقف أمر المناطق التي يتوازيان فيها عند ~~الخصب الممرع الذي يجعل منها جنة دونها جنات الشام التي بهرت أنظار أهل الحجاز وسحرت ~~قلوبهم، بل إن بها من ذكريات التاريخ ما يثير الإعجاب في نفس من يسمع بها من أهل شبه ~~الجزيرة، بل من أهل الأرض جميعا، وحسبك أن مدينة «أور» التي تكشفت في عصرنا الحديث عن آثار ~~يقرنها بعض الناس إلى آثار الفراعنة، تقع في هذه المنطقة، فإذا أنت سرت شمالا لقيك بعد ~~قليل من توازي النهرين آثار بابل القديمة، ولقيك على شواطئ الفرات برج بابل قائما يحدث عن ~~عظمة الآشوريين ويروي تاريخ مجدهم، ونحن نتحدث إلى اليوم عن هذا البرج فيثير حديثه في ~~نفوسنا العجب، ما بالك به من أربعمائة وألف سنة مضت، وبما كان يثيره في النفوس حين كان ~~العرب يسمعون حديثه! # فإذا أنت تابعت السير على الفرات قابلتك المدائن عاصمة الفرس ومهد الترف والنعمة لذلك ~~العهد في العالم كله، فقد بلغ الفرس يومئذ من الترف ما تبلغه الأمم حين تنحدر إلى ناحية ~~التدهور والانحلال. # لعل ms184 الأسماء التي ذكرنا قد أثارت في نفسك صورة من العظمة التاريخية لهذه البقعة التي تقع ~~شمالي دلتا النهرين، وأثارت كذلك فيها ذكر ما كان حول هذه المدن من حدائق وكروم وزروع تمتد ~~إلى الأفق زاهية الخضرة، يبعث أريج زهرها أروح العطر إلى الهواء الذي تتنفسه. # أما وذلك بعض ما في هذه البقاع من خصب جعل الناس يطلقون عليها اسم «جنة الأرض» لكثرة ~~غلالها ووفرة خيراتها وبعض ما فيها من جمال يعدل ما في الشام أو يزيد عليه، فقد رأى أبو بكر ~~صدق ما يذكره المثنى الشيباني، ورأى أن من الواجب على المسلمين أن يقوموا بتأمين العرب من ~~أهلها، فإذا استجاب هؤلاء العرب من بعد للدعوة الإسلامية ولم يصرفهم الفرس عنها فذاك، وإلا ~~قاتل المسلمون الفرس ليكون الميدان لحرية الرأي فسيحا، وكلمة الحق منتصرة لا محالة بالحجة ~~والموعظة الحسنة. # واستشار أبو بكر أصحابه وعرض عليهم ما جاء به المثنى من الأنباء، وقوله له: «أمرني على من ~~قبلي من قومي أقاتل من يليني من أهل فارس وأكفيك ناحيتي.» # وتداول القوم المشورة بينهم، فرأوا أن الأمر في حاجة إلى رأي خالد بن الوليد يكشف لهم عما ~~يجب إذا قاوم أهل فارس المسلمين، وكان خالد باليمامة مقيما مع زوجتيه أم تميم وبنت مجاعة، ~~يستجم بعد غزوة عقرباء، ويطمئن إلى العيش بينهما، وقد استدعاه أبو بكر على عجل فحضر، ولم ~~يتردد خالد حين عرف ما جاء المثنى فيه عن الإشارة إلى ما قد يترتب من النتائج على مقاومة ~~الفرس لجيش بن حارثة، فقد يدعوهم انتصارهم إلى التفكير في استرداد نفوذهم في البحرين وما ~~جاورها، فأما إن أعد الخليفة للحرب عدتها، وجعل ما قام به المثنى من قبل طليعة فتح يلقي إلى ~~المسلمون بفلذ أكبادهم فلا ريب عنده في أن العراق سيفتح أبوابه، وفي أن العرب المقيمين به ~~عاملين في الزراعة سيكونون من عوامل النصر لبني جنسهم. # وأتم أولو الرأي المداولة فيما بينهم، وأقروا أبا بكر على تأمير المثنى، عند ذلك أمره أن ~~يتابع ما بدأ ms185 بين العرب من عهد ودعوة إلى الحق، فكان أمره هذا الخطوة الأولى في فتح العراق، ~~فأما الخطوة الحاسمة فكانت توجيه خالد بن الوليد على القيادة العامة لجيوش الفتح، وفعال ~~خالد في العراق وانتصاراته على الفرس موضع حديثنا في الفصل التالي. ~~••• # هذه الرواية في التمهيد لفتح العراق هي الراجحة في رأينا، على أن طائفة من المؤرخين ~~يذهبون إلى أن المثنى لم يذهب إلى المدينة ولم يقابل أبا بكر، وأنه أمعن في السير بجيشه في ~~دلتا الفرات، فلقيه هرمز، فكانت بينهما وقعات نمى خبرها إلى أبي بكر فلما سأل عن المثنى ~~وعرف من هو وماذا كانت فعاله في البحرين أثناء حروب الردة، أصدر أمره إلى خالد بن الوليد كي ~~يخف إليه، ويعينه على هرمز، وينصره والعرب الذين آزروه ليريحهم من هذا الطاغية الفارسي، ~~وهذه الرواية مرجوحة عندنا وإن كنا لا نقطع بعدم صحتها، فقد انتصر المثنى على الفرس ولم يكن ~~في حاجة إلى مدد، وشجع انتصاره أبا بكر على التفكير في غزو العراق، فأمر خالدا أن يذهب إلى ~~دلتا الفرات يعزز المثنى، ثم يسير حتى يفتح الحيرة عاصمة العرب اللخميين، وأمر عياض بن غنم ~~أن يسير إلى دومة الجندل يخضع أهلها الذين تمردوا وارتدوا ثم يسير من هناك إلى الحيرة، وأي ~~القائدين سبق صاحبه فله القيادة العليا وله الأمر في تلك البلاد. # وإنما ذكرنا أن الرواية الثانية مرجوحة، ولم نقل إنها غير صحيحة، لما في الروايات التي ~~انتهت إلينا عن ذلك العهد من الاضطراب، ولقد بلغ من اضطرابها حين الحديث عن فتح العراق ~~ومقدماته أن تردد الطبري وابن الأثير وغيرهما فلم يرجحوا رواية على أخرى. # ويرى بعض المتأخرين من المؤرخين أن خالدا حين ذهب إلى دلتا الفرات لم تكن أمامه خطة ~~مرسومة ولا غاية معينة، وإنما ذهب مددا للمثنى ينقذه وينقذ جيشه، فلما انتصر على الفرس ~~وتقدم إلى الشمال وبعث إلى الخليفة بالأخماس وبأنبائه كان هو الذي صور الفتح كيف يكون، وهو ~~الذي اتجه إلى الحيرة فما شمالها، ولقد يضعف من هذه ms186 الرواية أن أوامر أبي بكر إلى قواده ~~كانت صريحة دائما في ألا ينتقل أحدهم من غزاة إلى ما بعدها إلا بإذنه، ذلك ما رأيناه في ~~حروب الردة، وذلك ما كان من بعد في فتح العراق والشام فليس من الممكن مع هذا أن يكون فتح ~~العراق فلته، أو أن يسير خالد بن الوليد مستقلا عن أوامر أبي بكر. # والآن فلنسر مع المثنى إلى دلتا النهرين، وعما قريب يلحقنا خالد هناك ليضرب الفرس في ~~العراق، ولينتقل منه إلى الشام فيمهد للقضاء على دولة الروم في آسيا القضاء الأخير. # الفصل الثاني عشر # | فتح العراق # أجاب أبو بكر طلب المثنى بن حارثة الشيباني، فأمره على من معه من قومه ليقاتل أهل فارس، ~~فلما بلغته أنباء نصره بدلتا النهرين رأى أن يمده ليتابع غزواته لذلك أمر خالد بن الوليد أن ~~يجمع بقية جنده وأن يسير إليه، وأن تكون القيادة العليا لخالد بطبيعة الحال، ولقد أمر عياض ~~بن غنم أن يسير إلى دومة الجندل يخضع أهلها المتمردين ثم يسير منها شرقا إلى الحيرة، فإن ~~بلغها قبل خالد فالأمر فيها له، وخالد فيها من قواده، وإن سبقه خالد إليها فالأمر والقيادة ~~لخالد وعياض من قواده. # وكان العرب في العراق يعملون فلاحين في أرضه، ثم ينالهم القليل من خيره أما وافر الخير ~~فيذهب إلى الدهاقين الفرس الذين كانوا يسومون العرب الخسف والظلم، وقد أصدر أبو بكر أوامره ~~إلى قواده بالعراق ألا ينالوا هؤلاء العرب الفلاحين بسوء؛ لا يقتلون منهم أحدا، ولا يأخذون ~~منهم أسرى، ولا يسيئون إليهم في أمر يتصل بهم؛ فهم عرب مثلهم، وهم يشعرون بالظلم تحت نير ~~فارس، فيجب أن يشعروا بزوال هذا الظلم حين مقدم العرب، ويجب أن يعمهم العدل على أيدي بني ~~عمومتهم، ذلك واجب على المسلمين يأمرهم الله به، وهو بعد السياسة الحكيمة التي تكفل ~~للمسلمين النصر، وألا يؤتوا بعد نصرهم من خلفهم. # وكان جنود خالد قد قل عددهم، إذ قتل منهم باليمامة ما سبق أن ذكرنا، وعاد منهم مسرحا إلى ~~قومه من ms187 رغب في الرجوع إليهم، وما كان لخالد أن يستعدي هؤلاء وقد أمره أبو بكر أن يأذن لمن ~~شاء بالرجوع، وألا يستفتح بمتكاره، وألا يكون معه في الغزو أحد ممن ارتد حتى يرى الخليفة ~~رأيه فيه، وطلب خالد إلى أبي بكر المدد فأمده بالقعقاع بن عمرو التميمي، وعجب قوم وقالوا: ~~أتمد رجلا قد ارفض عنه جنوده برجل؟! وأجابهم أبو بكر: لا يهزم جيش فيهم مثل هذا! وكذلك ~~كان جوابه حين أمد عياضا بعبد بن عوف # 1 # الحميري، على أنه كتب إلى خالد حين بعث إليه القعقاع يقول: «استنفر من قاتل أهل ~~الردة ومن ثبت على الإسلام بعد رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~.» # 2 # ولم يلبث خالد حين عاد ينظم جيشه أن حشد ثمانية آلاف من ربيعة ومضر إلى ألفين ~~كانا معه، ثم سار إلى العراق على رأس عشرة آلاف، قدم بهم على ثماني آلاف كانوا مع أمراء ~~الجند المسلمين الذين سبقوه إليه، والمثنى في مقدمتهم. # وكان أمر أبي بكر إلى خالد إذا دخل العراق أن يبدأ بالأبلة على الخليج الفارسي، وكانت ~~الأبلة الثغر الذي تسير التجارة منه إلى الهند والسند وترد إليه منهما للعراق، وقد اختلف ~~الرواة: أفتح المسلمون الأبلة في هذه الحرب ثم عادوا فاستردوها من الفرس أيام عمر بن ~~الخطاب، أم إنهم لم يفتحوها إلا في عهد عمر؟ أما إجماع الرواة فعلى أن أول غزاة بالعراق ~~كانت غزاة الحفير. # 3 # والحفير تقع قريبا من خليج فارس على حدود الصحراء وعلى مقربة من ثغر كاظمة، وكان هرمز ~~أمير هذه المنطقة كلها من قبل فارس، وممن تم شرفهم بين أمرائها، وكان أهل فارس يجعلون ~~قلانسهم على قدر أحسابهم في عشائرهم؛ فمن تم شرفه فقيمة قلنسوته مئة ألف، وتلك كانت قيمة ~~هرمز وكان هرمز من أسوأ أمراء الثغور معاملة للعرب؛ حتى لقد بلغ من حقدهم عليه أن جعلوه ~~مضرب المثل في الخبث؛ فكانوا يقولون: «أخبث من هرمز»، و«أكفر من هرمز»، وترجع كراهيته للعرب ~~إلى أن أبناء عمومتهم في شبه الجزيرة كانوا ms188 لا يفتئون يشنون الغارات للنهب والسطو على ~~البلاد الواقعة في إماراته، فكان يحاربهم في البر. أما الهنود، وكانت تجيء سفنهم إلى تلك ~~الثغور فتقوم فيها بأعمال تشبه القرصنة، فكان يحاربهم في البحر؛ وكان بهذه الحرب في البر ~~والبحر يعد نفسه حامي البلاد التي تعد مفاتح فارس. # سار خالد من اليمامة إلى العراق على رأس عشرة آلاف من الجند، فلما بلغ حدوده ألفى المثنى ~~ومن معه ينتظرونه، هنالك قسم الجند كله ثلاث فرق، وجه كل واحدة منها في طريق على أن ~~يلتقوا جميعا بالحفير، فأما الفرقة الأولى وعلى رأسها المثنى بن حارثة الشيباني فسارت قبل ~~خالد بيومين، وأما الفرقة الثانية وعلى رأسها عدي بن حاتم الطائي فسارت قبله بيوم، وسار ~~خالد في المؤخرة، وكان خالد قد بعث قبل ذلك إلى هرمز كتابا يقول فيه: «أما بعد، فأسلم ~~تسلم، أو اعتقد لنفسك وقومك الذمة وأقرر بالجزية، وإلا فلا تلومن إلا نفسك، فقد جئتك بقوم ~~يحبون الموت كما تحبون الحياة.» # تناول هرمز هذا الكتاب وترامت إليه أنباء المسلمين ومسيرة جندهم، فكتب إلى أردشير الملك ~~بالخبر، وجمع جموعه وسار إلى الكواظم يلقى خالدا بها، فلما علم أن خالدا أمر أصحابه ~~بالسير إلى الحفير أسرع بجنده إليها ونزل على الماء فيها. # وقدم خالد عليهم وأمر بالنداء في الجند لينزلوا ويحطوا أثقالهم، وتحدث إليه قوم من رجاله ~~أنهم على غير ماء، فقال لهم: «ألا انزلوا وحطوا أثقالكم ثم جالدوهم على الماء، فلعمري ~~ليصبرن الماء لأصبر الفريقين وأكرم الجندين!» # ووقف هرمز في جيشه، وعلى ميمنته وعلى ميسرته أميران من بيت الملك في فارس، هما قباذ، ~~وأنوشجان؛ ونادى هرمز: أين خالد؟ يريد أن يخرج ابن الوليد إليه يبارزه، فلقد كان يعرف من ~~بطولة خالد وفعاله في بلاد العرب ما آمن معه بأنه إن يقتل خالدا يضمن لفارس نصف النصر إن ~~لم يضمن لها النصر كله. # ولكن كيف سولت له نفسه أن يقتله وخالد البطل الذي لا يغلب؟! الأمر يسير؛ فالخيانة تمهد ~~له درك غرضه، لهذا عهد إلى جماعة ms189 من فرسانه إذا رأوا خالدا خرج إليه أن ينقضوا عليه ~~ويقتلوه. # وسمع خالد نداء هرمز فنزل عن جواده ومشى إليه فالتقيا فاختلفا ضربتين، وشد فرسان فارس ~~يريدون قتل خالد واستخلاص هرمز من يده، لكن القعقاع بن عمرو لم يمهلهم أن حمل عليهم حين كان ~~خالد قد قبض على ناصية هرمز يستل روحه من بين جنبيه، وشد المسلمون فانهزم أهل فارس أمامهم، ~~فطاردوهم وركبوا أكتافهم إلى الليل، وبلغ المسلمون الجسر الأعظم من الفرات حيث تقع البصرة ~~اليوم في حين فر قباذ وأنوشجان فيمن بقي من جيش الفرس لا يلوون على شيء. # تم النصر للمسلمين، فأمر خالد معقل بن مقرن المزني بالسير إلى الأبلة ليجمع مالها وسبيل ففعل، # 4 # وأمر المثنى بن حارثة أن يلاحق المنهزمين من جيش الفرس فطار في أثرهم وكأنما ~~يريد ألا يفوتهم قبل أن يبلغ المدائن. # ومر المثنى أثناء مطاردته جيش الفرس بحصن تقيم فيه أميرة فارسية يطلق مؤرخو العرب عليه ~~اسم حصن المرأة، وقد ترك أخاه المعنى بن حارثة على حصار هذا الحصن، وسار وهو فحاصر زوجها في ~~حصنه، ففض الحصن على من فيه وقتلهم، واستفاء أموالهم، ثم استمر يطارد بقية الجيش، وعلمت ~~المرأة بما أصاب زوجها فصالحت المعنى وأسلمت وتزوجته. # أطلق على هذه الغزاة الأولى الخالدة بالعراق اسم «ذات السلاسل» وعلة هذه التسمية، فيما ~~يقولون، أن الفرس اقترنوا في السلاسل حتى لا يفروا، ويروى أن خالدا جمع ما خلف القوم ~~وراءهم من هذه السلاسل فكانت وقر بعير ألف رطل ويرتاب بعضهم في هذه الرواية فيسمي هذه غزاة ~~كاظمة، نسبة إلى أقرب قرية من المكان الذي وقعت فيه. # كان لهذه الغزوة الأولى أثر عظيم ألهب حمية المسلمين، فقد رأوا الفرس لا يثبتون أمامهم ~~أكثر ما كان يثبت العرب في حروب الردة، ولقد قتل هرمز من يد خالد، فكان مقتله مرضاة للعرب ~~جميعا أي مرضاة، هذا إلى جسامة ما غنموه فيها مما لم يكن لهم بمثله عهد؛ فقد بلغ نفل ~~الفارس ألف درهم خلا السلاح. # وزاد نصر المسلمين ms190 في هذه المعركة جلال تنفيذ خالد للسياسة التي رسمها أبو بكر مع العرب ~~الفلاحين بالعراق أدق تنفيذ فقد سبى أبناء المقاتلة الذين كانوا يقومون بأمور الأعاجم، أما ~~الفلاحون فتركهم لم يحركهم، وأقر من لم ينهض منهم وجعل له الذمة. # وبعث خالد خمس الغنائم إلى أبي بكر بالمدينة، وبعث معها قلنسوة هرمز وفيلا أخذه المسلمون ~~في الموقعة، ولم يكن أهل المدينة قد رأوا فيلا في حياتهم، بل لم تر بلاد العرب كلها فيلا ~~قبل ذلك إلا فيل أبرهة حين حاول هدم الكعبة، فلما طاف قائد الفيل به في المدينة عجب أهلها ~~لمنظر الحيوان الضخم وتولى بعضهم الريب في أمره، بل لقد جعلت ضعيفات النساء يقلن: أمن خلق ~~الله هذا؟! وخيل إلى بعضهم أنه من صناعة فارس! ورأى أبو بكر أنه لا نفع فيه فرده إلى العراق ~~مع قائده. # ألهبت هذه الغزاة حمية المسلمين، حتى لقد استمر المثنى الشيباني يطارد الفرس المنهزمين ~~وكأنما يريد ألا يفوتهم قبل أن يبلغ المدائن، وفيما يتعقبهم جاءته الأنباء بأن جيشا عظيما ~~من الفرس أقبل من المدائن لملاقاة خالد وجنوده، ذلك أن الملك أردشير ما لبث حين جاءته رسالة ~~هرمز أن دعا إليه قارن بن قريانس أحد الأمراء الذين تم شرفهم، وجعلهم على رأس قوة سارت ~~مددا لجيش الثغور، ولقي قارون في طريقه إلى الجنوب قباذ وأنوشجان على رأس الفلال ~~المنهزمين، فاستوقفهم وتحدث إليهم وبعث السكينة إلى نفوسهم وضمهم إلى جيشه وعسكر بهم في ~~المذار على ضفاف قناة تصل دجلة بالفرات، وأيقن المثنى أن انفراد جيشه بلقاء هذه القوة ~~العظيمة قد يجر عليه الهزيمة، فاختار مكانا قريبا من المذار أنزل جنده فيه، وكتب إلى ابن ~~الوليد بتفصيل ما عنده، وخشي خالد أول ما بلغه النبأ أن يلقى قارن بن حارثة فيهزمه فيفت ذلك ~~في أعضاد المسلمين، فطار بجيشه وبلغ المذار، وقارن يعد للقاء المثنى عدته، وجنود المثنى لا ~~يعلمون ما الله صانع بهم. # كان للمثنى ولجنوده العذر أن تثور مخاوفهم، فقد بعثت هزيمة هرمز الحقد والحفيظة إلى ms191 نفوس ~~الفرس، فأقبلوا وكلهم حب الانتقام، وحسبوا أنهم بالغون منه غايتهم بهزيمة المثنى وجنوده وهم ~~بعيدون عن مركز القيادة، فلما بلغ خالد المذار أخاف الفرس وإن لم يخفف وصوله غلواء قارن ولم ~~يضعف من عزمه، ورأى قباذ وأنوشجان فرصة الثأر لهزيمة الحفير سانحة، وأرادا أن يغسلا ~~بفعالهما ما تجللاه ثم من ثياب الخزي والعار فاستنهضاهم الجند الذين كانوا معهما ودفعاهم ~~إلى الميدان يغلي في عروقهم حرص على الثأر لا تهدأ ناره، وخيل إليهما وإلى قارن أنهم إن ~~هاجموا خالدا قبل أن يتخذ للموقف عدته لم يفتهم الظفر بالمسلمين وأن يردوهم على أعقابهم ~~إلى شبه الجزيرة منكسة رءوسهم، صريعا في أذهانهم كل أمل في قتال كسرى أو منازلة ~~رجاله. # ورأى خالد تأهب جيوش الفرس فبقي على تعبئته التي جاء بها من الجسر الأعظم وشد بقواته ~~عليهم، ورأى المثنى في مقدم خالد عليهم معجزة أمدهم الله بها لينصرهم، فانقلبوا من الخوف ~~إلى اليقين بالنصر أسودا كاسرة لا تهاب الموت بل تلقاه باسمة، وهنا حقت كلمة خالد لهرمز: ~~«إني جئتكم برجال يحبون الموت كما تحبون الحياة.» والتحم الجمعان، فإذا قارن وقباذ وأنوشجان ~~يذبحون بأعين رجالهم، وإذا سيوف المسلمين تطيخ برءوس الفرس من كل جانب، وإذا الجيش الذي خيل ~~إليه أن النصر بين يديه يفر أمام خالد وجنده إلى السفن يتخذونها مطاياهم للنجاة، وإذا ~~المسلمون يغنمون مما تركوا ما شاء الله أن يغنموا، وحال الماء بين المسلمين وتعقبهم، فأقام ~~خالد بالمذار وسلم الأسلاب لمن سلبها بالغة ما بلغت، وقسم الفيء ونفل من الأخماس من أحسنوا ~~البلاء. # أقام خالد بالمذار، فسبى أبناء المقاتلة ومن أعانهم، وأقر الفلاحين ومن أجاب إلى الخراج ~~من جميع الناس، وكان أبو الحسن البصري بين الأسرى في هذه الموقعة، وحرص خالد بعد أن اطمأن ~~له الأمر على تأمين مواصلاته إلى الخليج الفارسي، فأمر القواد على الجند الذين استبقاهم ~~بالحفير وعلى الجسر الأعظم، وولى العمال على الجباية، وأقام مكانه يتنطس أخبار عدوه. # وما كان ليحسب أنه، وهو لا يزال على مقربة من ms192 خليج فارس، قد قضى على قوات كسرى بالعراق؛ ~~فهو بعد من الحيرة على آماد غير قليلة؛ والحيرة تكاد تنتصف الطريق بين الخليج والمدائن، ~~وإلى شمال المدائن من أرض الفرس ما يعج بالجند عجيجا، ولا يأمن المسلمون أن يستعين الفرس ~~قبائل العرب بالعراق عليهم، وهذه القبائل منتشرة على تخوم العراق إلى البادية، منتشرة في ~~جزيرة العراق بين النهرين، وأكثرها على النصرانية لم تزعجها فارس المجوسية عنها، فإذا جاء ~~هؤلاء المسلمون فدعوها إلى الإسلام أو الجزية رأت أن الخير لها في أن تبقى كما هي متمتعة ~~بحريتها، لا جرم إن رأت ذلك أن تنضم إلى الفرس وأن تعينهم، هذه كلها احتمالات دارت بخلد ~~القائد العبقري، فقدرها، وحسب لها حسابها. # ولم يخطئ خالد فيما قدر؛ فإن الفرس ما لبثوا، حين رأوا ما أصابهم بالحفير والمذار، أن ~~اتجه تفكيرهم إلى الاستعانة على العرب بالعرب، فإنه لا يفل الحديد إلا الحديد، وكان كسرى ~~يطمئن إلى ولاء قبائل عربية كثيرة بينها جماعات عظيمة من بني بكر بن وائل، لذلك دعاهم وجعل ~~عليهم قائدا منهم ووجههم إلى الولجة ولكي لا يكون لهم كل فخار النصر أقام قائدا من أقدار ~~قواده، هو بهمن جاذويه، على جيش من الفرس ووجهه في أثرهم، ولقد ازداد جيش القبائل العربية ~~بمن انضم إليهم بين الحيرة والولجة من العرب والدهاقين الذين عسكروا إلى جانبهم، وبلغهم ~~بهمن على رأس الجنود الفارسية وأعد معهم لقتال المسلمين عدته. # بلغت هذه الأنباء خالد بن الوليد وهو بالمذار، فأمر من خلف من قواده وجنوده على الحفير ~~وكاظمة وسائر ما اطمأن له من أرض العراق أن يكونوا على حذر، وألا يغتروا بما فتح الله عليهم ~~من النصر، وخرج في جنده إلى الولجة يقاتل جنود كسرى، وكان الفريقان في الغاية من قوة البأس ~~والعزم، حتى لقد تردد النصر بينهما زمنا أي الفريقين يصاحب، وكان خالد في عبقرية قيادته قد ~~أمر اثنين من أمراء جنده أن ينفصلوا أثناء السير عنه وأن يكمنوا وراء العدو فيأخذوه أثناء ~~القتال على غرة، لكن هذا ms193 الكمين تأخر فلم يظهر على حين كانت صفوف المقاتلين من المسلمين ومن ~~عدوهم تترجح متقدمة طورا متراجعة طورا آخر ... وظن الفريقان أن الصبر قد نفد وأن المعركة لن ~~تنتهي إلى غاية. وإنهم لكذلك إذ خرج كمين من المسلمين في ناحيتين من وراء جيش كسرى في حين ~~كان خالد يشتد في الضغط عليهم من أمامهم، هنالك انهزمت صفوف الأعاجم فولوا وقد أخذهم خالد ~~من بين أيديهم والكمين من خلفهم، فلم ير رجل منهم مقتل صاحبه، ولى الأعاجم وولى العرب ~~الموالون لهم وسيوف المسلمين آخذه برقابهم، وجنود المسلمين يأسرون منهم من لم يترد ~~قتيلا؛ وسبى خالد ذراري المقاتلة ومن أعانهم. # بلغت المغانم يومئذ مبلغا جعل خالدا يقوم في الجيش مشيرا إلى ثراء الأرض التي يقاتلون ~~فيها ويقول: «ألا ترون إلى الطعام كرفع التراب! # 5 # وبالله لو لم يلزمنا الجهاد في الله والدعاء إلى الله (عز وجل) ولم يكن إلا ~~المعاش لكان الرأي أن نقارع على هذا الريف حتى نكون أولى به، ونولي الجوع والإقلال من تولاه ~~ممن اثاقل عما أنتم عليه.» أفيضن مسلم بعد هذا الكلام بروحه؟! إنه ها هنا يجاهد في سبيل ~~الله، وينفل المغانم، وتصبح السبايا ملك يمينه، أليس هذا نعيم الدنيا والآخرة؟! من ذا يزهد ~~فيه؟! ومن ذا لا يسارع إلى لقاء الله عليه؟! # كان هذا شأن العرب؛ فماذا كان شأن فارس حامية الحضارة في عالم يومئذ، ومهد الترف والنعمة ~~والعلم والفن؟ إن تعجب لأمر بعد الولجة فلأن الذين غلى الدم في عروقهم للهزيمة التي نزلت ~~بهم لم يكونوا الفرس، بل كانوا بني بكر بن وائل من العرب، هؤلاء شق عليهم أن يغلبهم بنو ~~عمومتهم من شبه الجزيرة، فغضبوا وغضب لهم نصارى قومهم، فكاتبوا الأعاجم وكاتبهم الأعاجم، ~~فاجتمعوا جميعا بأليس على صلب الفرات في منتصف الطريق بين الحيرة والأبلة، وكتب كسرى ~~أردشير إلى بهمن جاذويه أن سر حتى تقدم أليس بجيشك إلى من اجتمع بها من فارس ونصارى العرب، ~~ورأى بهمن أن يسير إلى أردشير ليحدث به عهدا وليتلقى ms194 أوامره، فقدم جابان أحد القواد وأمره ~~أن يحث السير إلى أليس وقال له: «كفكف نفسك وجندك عن قتال القوم حتى ألحق بك إلا أن ~~يعجلوك.» وألفى بهمن أردشير مريضا فأقام إلى جانبه، وترك الأمر إلى جابان ولم يبعث له عن ~~مقامه بنبأ ولم يحدث له منه ذكرا، وبلغ جابان أليس، فوقف إلى جانب عبد الأسود العجلي أمير ~~الجند على بني بكر بن وائل ومن نفر من نصارى العرب، وجعل يدبر وإياه أمر القتال. # لم يقف خالد بن الوليد على نبأ من مسيرة جابان وجنود فارس، وإنما بلغه ما كان من تجمع ~~العرب النصارى بأليس، فخرج في جيشه ومن انضم إليه من عرب العراق وكر راجعا إلى الحفير يؤمن ~~مؤخرته، واطمأن إلى ما أراد، ثم انقلب مسرعا يلقى العدو حيث عسكر، ولم ينظر القوم حين بلغ ~~أليس، بل دعاهم إلى القتال، وأسرع العرب إلى لقائه، فلم يمهلهم أن قتل قائدهم مالك بن قيس، ~~ولما رأى جابان صفوفهم تضطرب تقدم بجنود فارس يعززهم، وهو وجنوده أشد ما يكونون بالفوز ثقة، ~~أليس بهمن قد وعدهم أنه آت إليهم! فليصبروا للمسلمين وليصابروا حتى يجيئهم المدد، ~~وليستميتوا في الدفاع عن مواقفهم، ورأى خالد صبرهم وقوة تجلدهم لبأسه، وإن لم يعرف باعثهم ~~على هذا وذاك، وترجحت الموقعة حينا حار له خالد فتوجه إلى ربه يستنصره ويقول: «اللهم إن لك ~~علي إن منحتنا أكتافهم ألا أستبقي منهم أحدا قدرنا عليه حتى أجري نهرهم بدمائهم.» وأنت ~~تعرف معنى هذه الكلمة صادرة من أعماق سيف الله ومن صميم قلبه، هذا القلب الذي لا يعرف الخوف ~~ولا يهاب الموت ولا يفزع لمرأى الدماء، وطال بالفرس وأنصارهم الصبر وبهمن لا يقبل، ولم يذر ~~خالد أثناء ذلك لونا من ألوان المداورة التي تفيض بها عبقريته في القيادة إلا ضيق به ~~الخناق على أعدائه، فلما عيل صبرهم وتداعت قوتهم ولم يبق لهم من الهزيمة مفر، تحطمت صفوفهم ~~وانقبلوا على أعقابهم يسارعون إلى الهرب ولا مأرب لهم إلا النجاة، ورأى خالد فرارهم فمر ~~مناديه ms195 فنادى في رجاله: «الأسر! الأسر! لا تقتلوا إلا من امتنع.» ولحق فوارس المسلمين ~~بالفرس وأنصارهم من العرب، وجاءوا بهم أفواجا أسارى يساقون سوق النعم. # وكان الفرس قد أعدوا قبل المعركة طعام غدائهم فأعجلهم خالد عنه، فلما انهزموا وقف خالد ~~على الطعام وقال لرجاله: «قد نفلتكموه فهو لكم.» وجلس المسلمون إلى الموائد يتناولون عشاء ~~شهيا رأى الكثيرون منهم فيه عجبا، رأوا الرقاق ولم يكونوا يعرفونه، فجعلوا يقولون: ما ~~هذه الرقاع البيض! وجعل من عرفها يجيبهم مازحا: هل سمعتم برقيق العيش؟! فهذا هو، ولذلك سمي ~~الرقاق، أما العرب فكانت تسميه القرى. # ودعا خالد بالأسرى يستعرضهم لتبر يمينه أن يجري نهرهم بدمائهم، ووكل بهم رجالا يضربون ~~أعناقهم في النهر بعد أن صد الماء عنه، وأقام الموكلون يضربون يوما وليلة والنهر لا يجري ~~دما، وقال قوم من أصحاب خالد يخاطبونه: «لو أنك قتلت أهل الأرض لم تجر دماؤهم، إن الدماء ~~لا تزيد على ترقرق، فأرسل عليها الماء تبر يمينك.» وأمر خالد فأعيد الماء إلى النهر فجرى ~~دما عبطا ومن يومئذ سمي هذا النهر «نهر الدم»، روى الطبري أنه كانت على النهر أرحاء طحنت ~~في ثلاثة أيام قوت ثمانية عشر ألفا من الجند والماء من تحتها يتدفق أحمر قانيا. # لم يكف خالدا أن يجري النهر دما، بل قصد إلى بلد قريب من أليس يسمى أمغيشيا أو منيشيا ~~كان مصرا كالحيرة، وكان يقع عند ملتقى الفرات بنهير باديقلي، وكان أهله قد اشتركوا في ~~الحرب بضاحية أليس فأمر جنده فهدموه وجعلوا عاليه سافله، وأصابوا كل ما كان فيه وعدوه ~~مغنما فكان نصيب الفارس منه ألفا وخمسمائة سوى ما منحه خالد من أحسنوا البلاء في ~~أليس. # وبعث خالد بالأنباء وبخمس الفيء والسبي إلى أبي بكر مع رجل يدعى جندلا من بني عجل، فلما ~~قص عليه ما حدث وأخبره بفتح أليس وبعدد الفيء وبعدة السبي وبأهل البلاء من الناس وبفعال ابن ~~الوليد، لم يملك أبو بكر نفسه أن صاح: «عقمت النساء أن يلدن مثل خالد!» وأمر لجندل بجارية ~~من ms196 أليس ولدت من بعد له، وأمر فأذيعت أنباء النصر في المدينة وفي غير المدينة من بلاد ~~العرب، واطمأن إلى نصر الله وجنوده في العراق، وإلى أن سيف الله لا غالب له. # 6 # يقف بعض المؤرخين عندما قصصنا من حوادث أليس وأمغيشيا يبدون الأسف أن تقع من قائد عبقري ~~كخالد فعال ذلك مبلغها من الوحشية، ويودون لو أن ما روي عنها غير صحيح، وإن رجحوا صحته ~~لتضافر رواة المسلمين على ذكره ولست أقف عند ترجيح ما روي أو عدم ترجيحه، لكني لا أملك نفسي ~~دون الابتسام حين أرى هذه الفعال تنعت بأنها وحشية، ولست أبتسم إنكارا لهذا النعت أو ~~استنكارا له، وإنما أبتسم لأنني أرى أن كل حرب وحشية، والحرب مع ذلك مسوغة في نظر الأمم ~~المتحضرة، فإذا كان الالتجاء إلى الحرب مع وحشيتها تسوغه قضية نعتقدها عادلة، فتصوير ما ~~يترتب على الحرب الوحشية في أصلها وصميمها بأنه وحشي يدعو إلى الابتسام وإلى أكثر من ~~الابتسام. # والحق أن الحضارة الإنسانية لما تصل إلى المدينة السامية التي تنزهها عن الوحشية وتسمو ~~بها عليها، فهذه الوحشية لا تزال تعد من مقومات الحضارة، ولا يزال الاستعداد للحرب يعد ~~جوهريا في حياة الأمم، بل جوهريا لحفظ كيانها حتى تكسب المناعة من أسباب الانحلال، فما ~~يلجأ إليه قائد من القواد في أثناء الحرب، مما يزيد في وحشيتها بعض الزيادة أو ينقص منها ~~بعض النقص، ليس أمرا ذا بال في حياة هذه الإنسانية، وقد اعتاد الناس في مختلف العصور أن ~~يعدوا النصر عذرا عن كل ما سبقه، وقد حالف النصر خالدا في كل مواقعه، فليكن له من انتصاره ~~العذر، إن لم يكن من التماس العذر بد. # وحسبك لتطمئن إلى هذا العذر أن تعلم أن انتصار خالد وفعاله قد حطمت الروح المعنوية في ~~قلوب الفرس ومن والاهم من العرب، فانكمشوا ولم يفكر أحد منهم في الثأر بعد أليس، كما أرادوا ~~من قبل أن يثأروا للمذار وللحفير، بل لقد بلغت هزائم الفرس من نفس كسرى أردشير فلم يطق أن ms197 ~~يقاوم المرض الذي أصابه واستبقى بهمن إلى جواره فمات غما وكمدا، وكيف للفرس أو لأوليائهم ~~من العرب أن يفكروا في الثأر وقد رأوا قائدهم وكأنه إله الحرب استحال رجلا! أليس خيرا ~~لهم، وذلك ما تراه أعينهم، أن يلقوا سلاحهم وأن يسلموا لحكم القدر؟! # وذلك ما فعلوا، تشاغل الفرس بموت مليكهم، وتشتت العرب في البادية وفي جزيرة بين النهرين، ~~وانقطع كل نبأ عن التهيؤ للحرب أو لإجلاء المسلمين عن البلاد، لكن خالدا كان أحصف من أن ~~يلهيه سكوتهم أو يبطره الظفر فلا يرى ما يطوي الغد في ضميره، وقبائل العرب هي التي حرضت ~~الفرس على القتال في أليس، وهذه القبائل إن سكنت يوما فلتغدر في غده، فإن لم يقض خالد على ~~كل أمل لهم في الثورة أو في الغدر، وإن لم يؤمن كل طريق يؤدي إلى شبه الجزيرة، فلا يلومن إن ~~أصابه المكروه إلا نفسه، والحساب لكل صغيرة وكبيرة لم يفته في يوم من الأيام، لهذا حسب ~~للموقف حسابه وأحكم تدبيره، وأيسر هذا الحساب أن يحتل الحيرة عاصمة العرب، وأن يضع يده على ~~منازلهم غرب الفرات إلى حدود شبه الجزيرة. # وكان حاكم الحيرة مرزبانا فارسيا يدعى آزاذيه، وكانت عاصمة العراق العربي قد تقلص ~~سلطانها في ذلك العهد بعد أن كان قبل خمس وعشرين سنة منه قوي الجانب مسموع الكلمة، ذلك أن ~~اللخميين الذين أنشأوا الملك في الحيرة منذ القرن الثاني للمسيح وقاموا به قرونا متوالية، ~~اختلفوا مع الطائيين اختلافا أنشب الحرب بينهم، وانتهز كسرى فرصة خلافهم فنصر الطائيين على ~~النعمان بن المنذر ثم قبض عليه فحبسه وقتله، وأقام إياس بن قبيصة الطائي حاكما للحيرة وما ~~يقع في سلطانها، وبعد سنوات من ولايته هزم بنو بكر بن وائل جيشا من الفرس يؤيده أنصار إياس ~~بذي قار هزيمة أطاحت إياسا عن عرشه وطوعت لكسرى أن يقيم مرزبانا من لدنه حاكما للحيرة، ~~بذلك زال نفوذها وانحل سلطانها، لكن مكانتها في نفوس العرب جعلتهم مع ذلك يرمقونها بعضهم ~~وينالونها برعايتهم، ولهذا خشي خالد حين رأى ms198 حقدهم عليه أن يتضافر بنو بكر بن وائل مع ~~الطائيين وسائر العرب المقيمين بالحيرة وفيما حولها لمقاومته أو قطع الطريق عليه، فعزم ~~مهاجمتها والاستيلاء عليها واتخاذها مقر قيادته ومصدر نشاطه. # ولم يكن أهل الحيرة في شك من مقدمه عليهم وحصاره إياهم بعد أن استفاضت بينهم أخبار أليس ~~وأمغيشيا وانتصاره عندهما وفعاله فيهما، وقدر حاكم الحيرة أنه سيركب إليه النهر متخذا من ~~سفن أمغيشيا مطيئته، لذلك نهض آزاذيه في عسكره إلى خارج الحيرة، وأمر ابنه فسد قناطر الفرات ~~ليحول دون مسيل الماء فيما وراءها، وليعوق بذلك سير السفن إليه. # ولم يخطئ آزاذيه في تقديره؛ فقد استقل خالد وجيشه سفن أمغيشيا ودفعوها شمالا إلى ناحية ~~الحيرة، وإنهم لكذلك إذ جنحت السفن وارتطمت بقاع النهر وريع المسلمون لجنوحها وارتطامها، ~~وأخذ الغضب من خالد مأخذه وسأل عن علة ما حدث، فأجابه الملاحون بأن أهل فارس سدوا القناطر ~~وحولوا الماء فلم يبق منه بالنهر ما يحمل سفنهم، فخرج في كتيبة من فرسانه فلقي ابن آزاذيه ~~على فم العقيق، ففاجأه ورجاله وهم في مأمنهم، وأعاد الماء يجري في النهر وأقام مع فرسانه ~~يحرسه، وعادت السفن إلى المسير وحملت إليه جيشه فسار به إلى الخورنق أنزله ليعد لفتح الحيرة ~~عدته. # ووضع خالد يده على قصري الخورنق والنجف، وكانا مصيف أمراء الحيرة، في حين عسكر جيشه أمام ~~أسوار المدينة، أما آزاذيه ففر هاربا من غير قتال، متأثرا بما أصاب ابنه، وبموت أردشير، ~~ولم يثن فراره أهل الحيرة عن التحصن بقلاع المدينة الأربعة وبأسوارها، وعن اتخاذ العدة ~~للدفاع عنها ما وجدوا إلى الدفاع سبيلا. # لكن عدتهم لم تكن لتجديهم فتيلا، فقد أثار الخورنق وأثارت الحيرة خيال الجند المسلمين ~~وبعثت إلى نفوسهم ذكرى النعمان الأكبر ابن المنذر، وذكرى سنمار وما أصابه لبناء هذا القصر ~~المنيف وما قيل من الشعر فيه، فزادهم ذلك قوة على قوتهم وعزما على عزمهم، والقائد النابغة، ~~ابن الوليد، سيف الله وسيف دينه الحق، ما غناء عدة وإن عظمت أمام عبقريته وبأس لقائه؟! لقد ~~أبى أهل الحيرة ms199 أن يسلموا وألحوا في إبائهم، فعهد خالد إلى أمرائه أن يبدءوهم بالدعوة إلى ~~التسليم، فإن أجابوا إليه قبلوا منهم، وإن أصروا على الإباء أجلوهم يوما ثم قاتلوهم ~~وقتلوهم، ودعا أمراء المسلمين زعماء الحيرة إلى إحدى ثلاث: الإسلام، أو الجزية، أو ~~المنابذة، واختار الزعماء المنابذة، ففض الجند عليهم قصورهم وأكثروا القتل فيهم، وكان ~~بأديار الحيرة عدد عظيم من القسيسين والرهبان مالوا حين رأوا المذبحة تصيبهم وتصيب غيرهم أن ~~نادوا: «يا أهل القصور ما يقتلنا غيركم!» ورأى أهل القصور المقاومة عبثا فنادوا: «يا معشر ~~العرب! قد قبلنا واحدة من ثلاث، فكفوا عنا حتى تبلغونا خالدا.» # وخلا خالد بأهل كل قصر دون الآخر، وقال لهم: «ويحكم! أأنتم عرب، فما تنقمون من العرب؟ أو ~~عجم فما تنقمون من الإنصاف والعدل؟» وكان جوابهم: «بل عرب عاربة وأخرى متعربة.» قال خالد: ~~«لو كنتم كما تقولون لم تحادونا وتكرهوا أمرنا؟» وأجابوا: «ليدلك على ما نقول أنه ليس لنا ~~لسان إلا العربية.» قال خالد: «فاختاروا واحدة من ثلاث: أن تدخلوا في ديننا فلكم ما لنا ~~وعليكم ما علينا، إن نهضتم وهاجرتم وإن أقمتم في دياركم، أو الجزية، أو المنابذة والمناجزة، ~~فقد والله أتيتكم بقوم هم على الموت أحرص منكم على الحياة.» وأجابوا: «بل نعطيك ~~الجزية.» # وعجب خالد منهم لإلحاحهم في نصرانيتهم، وقال لهم: «تبا لكم! ويحكم؛ إن الكفر فلاة مضلة، ~~فأحمق العرب من سلكها فلقيه دليلان أحدهما عربي فتركه واستدل الأعجمي.» ولم يغير هذا الكلام ~~من إصرار القوم على دينهم ولعلهم إنما فعلوا متأثرة نفوسهم باعتبار الكرامة الإنسانية التي ~~تحول بين المرء والرجوع عن عقيدة يؤمن بها؛ لأنه غلب على أمره وأكره على تبديل دينه؛ متأثرة ~~كذلك بأن المسلمين لا يزالون في أول عهدهم بالعراق، وليس يدري أحد أيطمئن لهم الأمر فيه أم ~~تجليهم الحوادث عنه. # وصالح خالد القوم على الجزية تسعين ومئة ألف درهم، وكتب بينه وبين نقبائهم عدي وعمرو بن ~~عبد السميح وإياس بن قبيصة وحيري بن أكال كتابا عاهدهم فيه برضا أهل الحيرة وأمرهم على ms200 هذه ~~الجزية، تقبل في كل سنة على أن يمنعهم، فإن لم يمنعهم فلا جزية عليهم، أما إن غدروا بفعل أو ~~قول فذمته منهم بريئة. # وأهدى القوم إلى خالد هدايا بعث بها وبنبأ الفتح والمعاهدة إلى أبي بكر، فأجاز المعاهدة ~~وقبل الهدايا، لكنه احتسبها من الجزية وكتب بذلك إلى خالد. # 7 # ويروي المؤرخون عند ذكرهم نبأ الصلح قصة طريفة وإن ران الريب على حوادثها، ذلك أن خالدا ~~أبى أن يكتب مع القوم عهدا إلا أن تسلم كرامة بنت عبد المسيح أخت عمرو إلى شويل. # 8 # وهو إنما أصر على ذلك لما قيل من أن شويلا هذا سمع رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يذكر ~~فتح الحيرة فسأله كرامة، فقال له: «هي لك، إذا فتحت عنوة.» وكانت كرامة بارعة الجمال في ~~صباها، وكان شويل قد رآها في شبابه فجن بها وأقام يهرف بها دهره، أما وقد طالب بها فما كان ~~لخالد إلا أن ينفذ وعد رسول الله. # وشق هذا الأمر على أهلها وأعظموا الخطر؛ فقالت لهم: «هونوا عليكم وأسلموني فإني سأفتدى، ~~وما تخافون على امرأة بلغت ثمانين سنة! إنما هذا رجل أحمق رآني في شبيبتي فظن أن الشباب ~~يدوم!» ودفعت إلى شويل، فقالت له: «ما أربك إلى عجوز كما ترى؟ فادني.» قال: «لا، إلا على ~~حكمي.» قالت: «فلك حكمك مرسلا.» قال: «لست لأم شويل إن نقصتك من ألف درهم.» وتظاهرت كرامة ~~باستكثار المبلغ لتخدعه، ثم أتته به ورجعت إلى أهلها وسمع أصحاب شويل بما صنع فسخروا منه ~~لقلة الفداء وعنفه بعضهم؛ فكان اعتذاره: «ما كنت أرى أن عددا يزيد على ألف.» وشكا أمره إلى ~~خالد، وقال: «كانت نيتي غاية العدد.» قال خالد «أردت أمرا وأراد الله غيره، نأخذ بما يظهر ~~وندعك ونيتك كاذبا كنت أو صادقا.» # ولما تم لخالد فتح الحيرة صلى صلاة الفتح ثماني ركعات لا يسلم فيها، فلما أتمهن انفتل إلى ~~أصحابه يقول: «لقد قاتلت يوم مؤتة فتقطع في يدي تسعة أسياف، وما لقيت قوما كمن لقيتهم من ~~أهل فارس، ms201 وما لقيت من أهل فارس قوما كأهل أليس.» # وأقام خالد بالحيرة وجعلها مركز قيادته، فكانت أول عاصمة إسلامية خارج بلاد العرب، على ~~أنه ترك أمر إدارتها للزعماء من أبنائها، لذلك اطمأنوا إلى حكمه، ونشروا حولهم جوا من ~~السكينة إليه، ورأى أهل البلاد القريبة من الحيرة عدلا شاملا، ورأوا بلاط فارس مشتغلا ~~عنهم، ففكروا في مصالحة خالد والانضواء للوائه، أليس قد ترك الفلاحين يعملون في الأرض لم ~~يتعرض لهم، بل رفع عنهم ما كان نازلا بهم من ظلم دهاقين الفرس، وحفظ عليهم كل حقوقهم ؟ وكان ~~أول من صالحه صلوبا بن نسطونا صاحب قس الناطف على بانقيا وبسما، وكتب معه عهدا على الجزية ~~والمنعة لقاء عشرة آلاف دينار في كل سنة، القوي على قدر قوته، والمقل على قدر إقلاله، وختم ~~هذا العهد بالعبارة الآتية وجه فيها الحديث إلى صلوبا: «وإنك قد نقبت على قومك وإن قومك قد ~~رضوا بك، وقد قبلت ومن معي من المسلمين.» # وأسرع غير صلوبا من الدهاقين إلى مصالحة خالد على ما بين الفلاليج إلى هرمز جرد على ألفي ~~ألف، بذلك بلغ سلطان خالد إلى شاطئ دجلة، وجعل عماله يقتضون الجزية في هذه البلاد جميعا ما ~~بين الخليج الفارسي جنوبا إلى الحيرة شمالا، ومن حدود بلاد العرب غربا إلى دجلة ~~شرقا. # وأقام خالد فيالق من جيشه في أماكن حصينة ليمنعوا من أجارهم من عدوان غيرهم عليهم، وليكون ~~مقامهم في مختلف المواطن مظهر السلطان الإسلامي بين أهل البلاد، ولقد كان لتوزيع هذه القوات ~~في مواطن حصينة أثره الحاسم في القضاء على كل تفكير في الفتنة، وفي توطيد الأمر للمسلمين لا ~~ينازعهم فيه منازع. # وإنما خشي خالد ثورة الفتنة من ناحية القبائل العربية، أما الفرس فكفاهم أن بقيت المدائن ~~بعيدة عن غزو المسلمين، ثم كفاهم ما كانوا فيه من اضطراب حال بينهم وبين التفكير فيما عداه، ~~فقد قتل شيري بن كسرى وخلفاؤه كالوارث للعرش من أبناء كسرى وبهرام جور، فلم يجد الفرس من ~~يملكونه عليهم وتجتمع الكلمة حوله، وتعاقبت على العرش ms202 أميرات زدنه ضعفا على ضعف، لهذا قنع ~~الأعاجم بأن تظل عاصمتهم آمنة بما أقاموا حولها من قوات اتخذت نهر شير الذي يصل بين دجلة ~~والفرات معقلا لها، في حين قد ظل ملكهم فيما هو فيه من فساد واضطراب. # وما كانت هذه القوات الفارسية لتصد خالدا عن مهاجمتهم لولا أوامر أبي بكر إليه ألا يبرح ~~الحيرة أو يوغل في الفتح حتى يدركه عياض بن غنم ليحمي ظهره، وقد بقي عياض بدومة لم يستطع ~~التغلب على أهلها من يوم خرج إليهم، لذلك أقام خالد سنة كاملة بعاصمته الجديدة، ويكاد بعده ~~عن ميادين القتال يقتله، ولطالما قال لأصحابه: «لولا ما عهد إلي الخليفة لم أتنقذ عياضا، ~~وما كان دون فتح فارس شيء إنها لسنة كأنها سنة نساء!» ثم إنه غلبه السأم، فدعا إليه من أهل ~~الحيرة رجالا دفع إليهم كتابين، أحدهم إلى ملوك فارس، والآخر إلى مرازبتها، في أولهما: ~~«الحمد لله الذي حل نظامكم، ووهن كيدكم، وفرق كلمتكم، ولو لم يفعل ذلك بكم كان شرا لكم، ~~فادخلوا في أمرنا ندعكم وأرضكم، ونجوزكم إلى غيركم، وإلا كان ذلك وأنتم كارهون، على أيدي ~~قوم يحبون الموت كما تحبون الحياة.» وجاء في الثاني: «أسلموا تسلموا، وإلا فاعتقدوا مني ~~الذمة وأدوا الجزية، وإلا فقد جئتكم بقوم يحبون الموت كما تحبون شرب الخمر.» # ماذا عساه يفعل بعد هذين الكتابين وأوامر أبي بكر إليه صريحة «ورأي الخليفة - في تعبير ~~خالد - يعدل نجدة الأمة»؟! لقد حرم أبو بكر عليه المدائن قبل أن يدركه عياض، أولا يجد ~~فيما سوى المدائن رياضة لنشاطه الحربي تتفق وأوامر الخليفة؟! نعم! فهؤلاء هم الفرس قد ~~أقاموا كتائب في الأنبار وعين التمر على مقربة من الحيرة، وقد تسول لهذه الكتائب أنفسها أن ~~تهدد المسلمين في مستقرهم الجديد، فليتحرك خالد إليهم وليقض عليهم، وليجعل لنفسه من ذلك ~~رياضة عن سنة النساء التي قضاها قاعدا لا يقاتل ولا يقتل، وترك القعقاع على الحيرة، وجعل ~~على مقدمته الأقرع بن حابس وسار على شاطئ الفرات يبدأ بالأنبار. # ونزل خالد فحاصر ms203 المدينة، وأمر جنده فرشقوا رجالها بالنبل، لكنها ظلت متحصنة بأسوارها ~~وبالخندق العميق الذي حفر حولها، وخالد قائد لا صبر له دون النصر، لذلك طاف بالخندق، حتى ~~إذا كان عند أضيق مكان منه أمر بالإبل الضعاف فنحرت وألقيت في أعماقه فطمته، واقتحم الجند ~~من فوقها إلى الأسوار فحطموا أبوابها؛ وكانوا على أهبة الدخول إلى المدينة يمعنون فيها ~~قتلا وسبيا؛ لكن قائدها الفارسي شيرزاد أرسل إلى خالد أنه قبل مطالبه في الصلح على أن ~~يلحقه بمأمنه في كتيبة من خيل ليس معهم من المتاع والأموال شيء، وقبل خالد وسرح شيرزاد، ~~ودخل الأنبار واستقر بها وصالح من حولها، واستتب له الأمر وتم له بعض ما أراد من رياضة ~~عبقريته على القيادة. # اطمأن الأمر لخالد في الأنبار وما حولها، فاستخلف عليها الزبرقان بن بدر، وقام في جنوده ~~يقصد عين التمر على شفا الصحراء بين العراق وبادية الشام فبلغها في ثلاثة أيام، وكان مهران ~~بن بهرام جوبين حاكم عين التمر من قبل فارس وكان حوله فيها جمع عظيم من العجم، وإلى جانب ~~هؤلاء الأعاجم أقام عشير عظيم من قبائل البادية، بني تغلب والتمر وإياد يرأسهم عقة بن أبي ~~عقة والهذيل ومن كانوا معهم على قيادة الجنود التي نفرت مع سجاح لتغزو المسلمين بالمدينة، ~~ورأى أهل عين التمر مقدم خالد عليهم، فقال عقة لمهران: «إن العرب أعلم بقتال العرب، فدعنا ~~وخالد!» وابتسم مهران وقال: «صدقت! لعمري لأنتم أعلم بقتال العرب وإنكم لمثلنا في قتال ~~العجم؛ دونكموهم! وإن احتجتم إلينا أعناكم.» ولم يفطن بعض الفرس لخدعة مهران وخالوا كلامه ~~عجزا فلاموه عليه، فأجابهم: «دعوني، فإني لم أرد إلا ما هو خير لكم وشر لهم، إنه قد جاءكم ~~من قتل ملوككم وفل حدكم، فاتقيته بهم، فإن كانت لهم على خالد فهي لكم، وإن كانت الأخرى لم ~~يبلغوا منهم حتى يهنوا فنقاتلهم ونحن أقوى وهم مضعفون.» # ونزل عقة لخالد على الطريق وحمل بجنده على جيش المسلمين، فأسرع خالد إليه فاحتضنه فأخذه ~~أسيرا، فولى البدو منهزمين من غير قتال، وتعقبهم ms204 المسلمون فأكثروا الأسر فيهم في حين نجا ~~الهذيل ومن معه من أمرائهم، ولم يلبث مهران حين رأى من الحصن ما حدث أن فر في جنده وترك ~~الحصن تحميه الكتائب التي امتنعت فيه، وتحميه فلول البدو التي عادت هزيمة إليه، ورأى من ~~بالحصن أن لا طاقة لهم بخالد، فسألوه الأمان فأبى إلا أن ينزلوا على حكمه، وأجابوه إلى ما ~~طلب وفتحوا له أبواب الحصن، فاعتقلهم وأمر بعقة فضرب عنقه، ثم ضرب أعناق المقاتلة بالحصن ~~وسبى نساءهم وغنم أموالهم. # ويفسر الرواة شدة خالد في هذا الموقف بأن أعداءه قتلوا عميرا الصحابي كما قتلوا أحد ~~الأنصار غدرا؛ ويرى بعضهم أن هذه القسوة أورثت عرب العراق حقدا على خالد كان ذا أثر في ~~الانتقاض الذي حدث بعد ذهابه لفتح الشام. # وكان بالحصن بيعة يتعلم الإنجيل فيها أربعون غلاما عليهم باب مغلق، وقد كسر خالد الباب ~~عليهم وسألهم: ما أنتم؟ قالوا: رهن، فقسمهم فيمن أحسنوا البلاء، وأكبر الظن أن ما كانوا ~~يتعلمونه في هذه البيعة كان عظيم الجدوى؛ فقد نشأ منهم سيرين أبو محمد بن سيرين فقيه ~~البصرة، ونصير أبو البطل الفاتح موسى بن نصير فاتح الأندلس. # ولما أتم خالد فتح الأنبار وعين التمر بعث إلى أبي بكر بالأخماس والأنباء مع الوليد بن ~~عقبة، وقص الوليد على الخليفة ما حدث، ولعله قص عليه سأم خالد سنة مقامه بالحيرة وقوله ~~للمسلمين: «لولا ما عهد إلي الخليفة لم أتنقذ عياضا، وما كان دون فتح فارس شيء! إنها ~~لسنة كأنها سنة نساء!» وكان أبو بكر من جانبه قد بدأ يسأم موقف عياض ويرى فيه ما يضعف الروح ~~المعنوية للمسلمين، ولولا فعال خالد بالعراق لأزرى هذا الموقف بهم، ولأغرى خصومهم بالانتقاض ~~عليهم ومحاولة النيل منهم، فلما سمع قصص الوليد عن خالد وسأمه أمر الوليد أن يتوجه مددا ~~لعياض بدومة الجندل، وألفى الوليد عياضا يحاصر القوم ويحاصرونه وقد أخذوا عليه الطريق، ولم ~~يجد بعد مداولة الرأي معه وسيلة تنقذه من هذا الموقف، هنالك قال له: «الرأي في بعض الحالات ~~خير ms205 من جند كثيف، ابعث إلى خالد فاستعده.» # وما كان لعياض أن يتردد في قبول المشورة وقد بقي سنة كاملة لا يقوى على خصومه ولا يبلغ ~~منهم، وبعث إلى خالد رسولا أدركه غداة فراغه من عين التمر، فلما فض خالد كتاب عياض ورأى ما ~~فيه تهلل وأخذ منه الطرب ورد الرسول لساعته يحمل كتابا منه إلى عياض يقول فيه: # إياك أريد: # لبث قليلا تأتك الحلائب # يحملن آسادا عليها القاشب # 9 # كتائب تتبعها كتائب # وخفة خالد لنجدة عياض وهذه الشطرات من الرجز تقطع في الدلالة على ما قدمنا من أن سأمه سنة ~~النساء وبعده عن ميادين القتال كادا يقتلانه، كما تدل على أن الأنبار وعين التمر لم تشفيا ~~غلته، ولم تكفيا رياضة لعبقريته الجبارة. # وخلف خالد عويم بن الكاهل الأسلمي على عين التمر وخرج في جنده يسرع السير إلى دومة جهده، ~~وكان بين دومة الجندل وعين التمر ثلاثمائة ميل قطعها خالد في أقل من عشرة أيام، اجتاز ~~خلالها بادية الشام وصحراء النفود، منحدرا من الشمال إلى الجنوب، مستعرضا خطر الصحراء ~~ورمالها السافية بعزم لا يعرف الخطر، فلما كان قريبا من دومة وتسامعت القبائل بمقدمه بهتت ~~ثم اختلف زعماؤها بينهم ما يصنعون. # وكانت القبائل المعسكرة بدومة في ذلك الحين أضعاف عددها يوم جاءها عياض قبل عام، ذلك أن ~~بني كلب وبهراء وغسان نفروا من العراق ونفر معهم غيرهم منحدرين إلى دومة يريدون أن يثأروا ~~من عياض لهزائمهم أمام خالد، وكان مجيئهم مما زاد موقف عياض حرجا، وكان أكيدر بن عبد الملك ~~الكندي صاحب دومة هو الذي انتقض على سلطان المدينة، وهو الذي دفع أبا بكر ليبعث إليه عياضا ~~يرده بالسيف عن انتقاضه، ولم يكن أحد من أهل هذه القبائل أعرف بخالد من أكيدر؛ فهو لم ينس ~~عام تبوك ورجوع رسول الله منها إلى المدينة، وانقلاب خالد بن الوليد بأمر الرسول إلى دومة ~~في خمسمائة فارس، وانقضاضه عليه وأخذه إياه أسيرا، وتهديده إياه بالقتل إن لم تفتح دومة ~~أبوابها، وهو لم ينس كيف فتحت ms206 دومة الأبواب فداء لأميرها، وكيف ساق خالد منها ألفي بعير ~~وثمانمائة شاه وأربعمائة وسق من بر وأربعمائة درع، ولم ينس أخذه إياه إلى المدينة حيث أسلم ~~وحالف رسول الله، لم ينس أكيدر هذا كله، لذلك لم يلبث حين عرف مقدم صاحبه أن توجه بالقول ~~إلى الجودي بن ربيعة أمير القبائل التي انحدرت تنصر دومة وتثأر من عياض ينصحه أن يصلح خالد، ~~قال: «أنا أعلم الناس بخالد! لا أحد أيمن طائرا منه ولا أحد في حرب، ولا يرى وجه خالد ~~قوم أبدا كثروا أو قلوا إلا انهزموا عنه، فأطيعوني وصالحوا القوم.» # أبت القبائل رأي أكيدر فقال لهم: «لن أمالئكم على حرب خالد، فشأنكم.» وخرج لطيته يلقاه، ~~وتختلف الرواية فيما أصابه حين أدخل على خالد: يقول بعضهم أمر به خالد فضرب عنقه، ويقول ~~آخرون: بل أسر وأرسل إلى المدينة ثم سرحه عمر في خلافته، فذهب إلى العراق وأقام على مقربة ~~من عين التمر بمكان أسماه دومة. # ومضى خالد فجعل دومة بين عسكره وعسكر عياض بن غنم، وكان الجودي بن ربيعة قد بقي على أهل ~~دومة، في حين ترأس كل قبيلة من القبائل التي أمدت دومة زعيمها، وقد ضاق حصن دومة بهذا ~~العدد، فأقام سائر القوم حوله يحيطون به، واستفتح الفريقان القتال، فلم يلبث الجودي أمام ~~خالد إلا قليلا ثم أخذه خالد أخذا؛ وأخذ الأقرع بن حابس زميله على أهل دومة، وهزم عياض من ~~يليه من جند القبائل، عند ذلك أسرع القوم جميعا إلى الفرار يريدون دخول الحصن والاحتماء ~~به، فلما امتلأ أغلق من فيه أبوابه دون أصحابهم وتركوهم عرضة للمسلمين يقتلونهم ويأسرون ~~منهم من يشاءون. # وأقبل خالد فقتل الذين ظلوا خارج الحصن حتى سد بهم بابه، ودعا بالجودي فضرب عنقه، ودعا ~~بالأسرى فضرب أعناقهم، إلا أسرى كلب فإنه أطلقهم على كره منه أن أجارهم الأقرع وعاصم، قال ~~هذان لخالد: «قد أمناهم.» فأطلقهم وهو يقول: «ما لي ولكم! أتحفظون أمر الجاهلية وتضيعون ~~أمر الإسلام!» # وطوف خالد بالحصن، حتى إذا كان عند بابه أمر ms207 به فاقتلع، واقتحم المسلمون على من فيه ~~فقتلوا المقاتلة وسبوا النساء وباعوهن خير المشترين، واشترى خالد أجمل فتاة فيهن ابنة ربيعة ~~وأقام معها بدومة، ورد الأقرع بن حابس إلى الأنبار. # ما عناية المسلمين بدومة الجندل كل هذه العناية؟ وما حرصهم على الاستيلاء عليها كل هذا ~~الحرص؟! لقد رأيتهم على عهد الرسول تتجه أنظارهم إليها، ثم يحالفونها ويضمونها إليهم، وها ~~هم أولاء في عهد أبي بكر يقضون سنة أمام حصونها، ثم لا ينفكون عنها حتى تدين لهم وتعود إلى ~~سلطانهم، ولعلك عرفت الجواب من خلال هذا القصص؛ فدومة كانت تقع على رأس الطريق الذي يؤدي ~~إلى الحيرة وإلى العراق، وعلى أبواب وادي سرحان الذي يؤدي إلى الشام، فطبيعي أن تنال من ~~عناية رسول الله ما نالت حين كان أكبر همه إلى تأمين الحدود ما بين الشام وشبه الجزيرة ~~وطبيعي أن تنال مثل هذه العناية من أبي بكر وجنوده تقاتل بالعراق، تقف على تخوم الشام، وتلك ~~هي العلة في أن عياضا لم يبرحها على طول ما أقام أمامها، وفي أن خالدا خف إليها أول ما ~~استشير في الوسيلة للتغلب عليها، ولو أن دومة لم تذعن للمسلمين ولم تخضع لسلطانهم لبقي ~~أمرهم في العراق تحت رحمة المقادير، ولما استطاعوا فتح الشام. # ولنقف الآن هنيهة مع خالد بدومة نسأله: ما سر هذه الموهبة التي جعلت النصر طوع يده، بل ~~جسمت النصر في شخصه وجعلته مثاله، فلو أنه عاش بين اليونان الأقدمين لأسموا إله النصر ~~خالدا؟! أتراه يجيبنا؟ ما أظن! وهو لا يضن بالجواب استكبارا، بل لأنه لا يعرف هذا السر ~~أكثر مما نعرف، فهذا السر يتصل بالروح، والروح من أمر ربي، وخالد مثلنا لم يؤت من العلم إلا ~~قليلا، ومتى عرف صاحب موهبة مكانها من نفسه ومصدر نبعها من روحه! إنما هي فيض من فضل الله ~~يتجلى به على من يشاء من عباده، فإذا هذا خالد بن الوليد، وذلك عمر بن الخطاب، وغيرهما ابن ~~سينا، وابن رشد، ورفايل، وبتهوفن، وشكسبير، والمعري، وشوقي، وهذا الفيض ms208 الإلهي الذي يتصل ~~بروح عبد من خلق الله هو الذي يسمو به وبالأمة التي ينشأ فيها إلى حيث يريد الله، فإذا ~~التقت تيارات الفيض في زمن واحد وفي أمة واحدة ما التقت في أبي بكر وعمر بن الخطاب وخالد بن ~~الوليد ومن عاصرهم وعمل معهم، سمت في فترة وجيرة من الزمن إلى حيث سمت الأمة الإسلامية في ~~سنوات معدودة، فانتقلت في أقل من جيل من بداوة شبه الجزيرة إلى هذه الإمبراطورية المترامية ~~الأطراف المتغلغلة بسلطانها الروحي في أعماق النفوس، والتي حملت عبء الحضارة عن العالم كله ~~عشرة قرون اتباعا حتى احتملته أوربا ولا تزال تنهض بعبئه إلى اليوم. # والناس يشعرون بسلطان هذه المواهب فتعنو لها وجوههم، فإذا ارتحل عنهم صاحبها خلا لهم الجو ~~فرفعوا رءوسهم وحاولوا الظفر بحريتهم، وكذلك صنع أهل الحيرة وغيرهم من أهل العراق في غيبة ~~خالد بدومة، ظن الأعاجم ومن ناصرهم من العرب أن الحظ موات والفرصة سانحة، وخيل إلى بني تغلب ~~أن الثأر لمقتل عقة قد حان، ولم يكن في طاقة القعقاع إلا أن يحمي ما كسب المسلمون فلا يدع ~~ما وراء حدودهم يتقدم إلى غزوهم، وبلغت خالدا هذه الأنباء فلم يطق البقاء بدومة بل خرج ~~وعلى مقدمته الأقرع بن حابس ومعه عياض بن غنم، وما لبث حين بلغ الحيرة أن جعل عليها عياضا، ~~ووجه القعقاع إلى الحصيد حيث تواعد الثائرون من العرب والفرس، أما هو فأقسم ليبغتن في ~~دارها. # ولقد كفى أن علم أهل العراق بمقدمه فأسقط في أيديهم وتنكر وجه الحظ لهم، وخاب ما ظنوا أن ~~هؤلاء الغزاة من شبه الجزيرة سيرحلون عنهم كما رحل من قبل أمثالهم، وبدا ذلك كله واضحا في ~~وجوههم حين خرج القعقاع إلى استقبال خالد بظاهر الحيرة، فقد وقف في طرقاتها رجال من أهلها ~~يرون جيش المسلمين يمر بهم فيقولون لأصحابهم إذا رأوهم: مروا بنا فهذا فرح الشر. # وسار القعقاع إلى حصيد وقد أمده خالد من روحه بقوة على قوته، فلم يلبث له العجم بل قتل ~~قائدهم، وفر جيشهم، ms209 وغنم المسلمون ما شاء الله أن يغنموا، وخيل إلى الفارين أنهم يستطيعون ~~التحصن ببلدة الخنافس مع من بها من العجم، لكن قائدها فر أول ما سمع بمقدم جيش المسلمين، ~~فلم يلق هذا الجيش من يحاربه، وانتهى خبر ذلك كله إلى خالد، فكتب إلى قواده فواعدهم ليلة ~~وساعة يجتمعون فيها ببلدة المصيح منازل هذيل الثائرة بهم، واجتمعوا ليلة موعدهم وأغاروا على ~~هذه القبائل وهم نائمون، فملأوا الفضاء بقتلاهم، حتى كأنهم غنم مصرعة. # وقتل بالمضيح رجلان من المسلمين معهما من أبي بكر كتاب بإسلامهما فلما بلغ مقتلهما أبا ~~بكر وداهما، ولكن عمر أخذها على خالد وأضافها إلى قتل مالك بن نويرة، وكما دافع الصديق عن ~~ابن الوليد في الأولى دافع عنه في هذه بقوله عن الرجلين: «كذلك يلقى من ساكن أهل ~~الحرب». # وآن لخالد بعد المضيح أن تبر يمينه ليبغتن تغلب في دارها، لذلك تقدم إلى قائديه القعقاع ~~وأبي ليلى أن يرتحلا أمامه، وواعدهما الغارة على التغلبيين في ليلة عينها، واجتمع القواد ~~الثلاثة من ثلاثة أوجه فجردوا السيوف، فلم يفلت من جيش بني تغلب مخبر، وأخذ خالد السبي ~~والمغانم، فبعث بالخمس إلى أبي بكر مع النعمان بن عوف الشيباني، وقد اشترى علي بن أبي طالب ~~من السبي صابحة بنت ربيعة بن بجير التغلبي فولدت له عمر ورقية. # ذاعت أنباء خالد وشنه الغارة على القبائل ليلا في منازلها، وأخذه النساء والبنات سبيات ~~منها، وقسمته المغانم والسبي بين عسكره، وعجز القبائل جميعا عن مقاومته، ففت ذلك في أعضاد ~~رجال البادية بالعراق، فألقوا سلاحهم وطلبوا الأمان، وجعل خالد يسير شمالا على شاطئ الفرات ~~وفيما حوله، فلا يلقى إلا الإذعان له والإيمان بعبقريته، فلما بلغ الفراض، وهي تخوم العراق ~~والشام، نزلها بجيشه وأفطر بها رمضان في تلك السفرة التي اتصلت له فيها الغزوات والأيام ~~ونظمت نظما. # ولننزل مع خالد الفراض نستجم قليلا، فالفراض هذا أدنى إلى شمال العراق وشمال الشام، فلو ~~أن عياض بن غنم ساعفه الحظ فأخضع دومة أول ما ذهب إليها لما كان هذا ms210 الشمال الذي بلغه خالد ~~هو الذي عناه أبو بكر حين أمر عياضا أن ينزل العراق من شمال، إنما كان مقصد الصديق إلى ~~شمال الحيرة، أما أن تبلغ جنوده تخوم الشام من أعلاه فتلك معجزة لم يفكر الخليفة فيها، وهي ~~معجزة لم يؤتها إلا الذي عقمت النساء أن يلدن مثله، وأية معجزة كمواجهة الروم من تخوم فارس! ~~وأية جرأة كمقام خالد بالفراض شهرا كاملا وليس بينه وبين جيوش الروم المعسكرة بالشام غير ~~مجرى الفرات! أولا يخشى أن تضيق هذه الجيوش صبرا بمرآه فتنازله فيتضاعف بذلك عدوه؟ وأي ~~عدو! فارس من الشرق، والروم من الغرب، وقبائل البدو الحاقدة المحنقة من كل جانب، أليس خيرا ~~له وقد قضى على ثورة العراق أن ينسحب إلى الحيرة وأن يقيم بها فيوطد ملك المسلمين ~~فيها!! # كلا! لئن فعل ليكونن السياسي الذي يريد أن يجعل الزمن من جنده، والصبر من أعوانه، وخالد ~~ضيق صدرا بالزمن وأكثر ازدراء للصبر وأشد مقتا للسياسة المحاولة المطالة من أن يمر شيء من ~~ذلك بخاطره، وما الفرس وما الروم وما رجال البادية وما جموعهم وإن زخرت أمام نظرته القوية ~~الصارمة التي تلقي الرعب في القلوب فتهز الميادين وتبطش بالدول أسرع البطش! إنه مقيم ها هنا ~~بالفراض، وللروم رأيهم إن شاءوا مصاولته. # ولما تكن الروم قد ذاقت بأس خالد، لذلك غاظهم أن يقيم جيش المسلمين في وجوههم وأن يطيل ~~المقام، وثارت في عروقهم حمية أذكاها الفرس والعرب الذين ذاقوا من نكال خالد أهوالا، فقد ~~كان للفرس كتائب قريبة من الفراض، وأهل البادية من تغلب والتمر وإياد منتشرون في كان مكان؛ ~~هؤلاء وأولئك انضموا للروم وحرضوهم وأمدوهم، فساروا حتى إذا لم يبق إلا الماء بينهم وبين ~~خالد بعثوا إليه يقولون: إما أن تعبروا إلينا، وإما أن نعبر إليكم، قال خالد: بل اعبروا ~~إلينا وفيما يعبرون صف صفوفه ودبر خطته، وقالت الروم لحلفائهم: امتازوا حتى نعرف اليوم ما ~~يكون من حسن أو قبيح من أينا يجيء، والتقى الجمعان وقد أمر خالد رجاله أن يلحوا عليهم ms211 ولا ~~يرفهوا عنهم؛ فكان صاحب الخيل يحشر منهم الزمر برماح أصحابه، فإذا جمعوهم قتلوهم، على أن ~~قوات الروم وحلفائهم تؤذن بالمعركة أن تطول؛ لذا أبدع خالد ألوانا من المداورة في القيادة ~~لم يعهدها أعداؤه من قبل فلم يثبتوا لها، وانكشف الروم وحلفاؤهم مدبرين والمسلمون من ورائهم ~~يمعنون فيهم قتلا، وبلغ من ذلك أن قتل بالفراض في المعركة وفي الطلب مائة ألف في رواية ~~جميع المؤرخين. # أقام خالد على الفراض بعد الموقعة عشرة أيام، ثم أذن في الناس بالرجوع إلى الحيرة، وكان ~~أذانه ذاك لخمس بقين من ذي القعدة من السنة الثانية عشرة للهجرة. # ترى أيعود خالد مع الجيش يستقر بالعاصمة الجديدة؟! # إن عليه لله دينا يجب قبل كل شيء أداؤه، وهو قد شعر بعد الفراض بجلال هذا الدين وبأنه لم ~~يعد في وسعه إرجاؤه، لقد فتح الله عليه اليمامة، ثم فتح عليه العراق، وأدال له من دولة ~~كسرى، وبشره في الفراض بإدالة الروم ودولتهم، فلله الحمد على ذلك كله ألف حمد، جل ثناؤه، ~~وتباركت أسماؤه! ترى أويكفي الحمد ويجزئ الثناء عما أنعم الله به عليه؟ أوليس فرضا لله ~~عليه أن يحج بيته، يزيده تبارك وتعالى حمدا وشكرا، ويستغفره عما فرط منه، إنه هو الغفور ~~الرحيم!! # وتجسم الشعور بهذا الواجب في نفس خالد بعد موقعة الفراض، وجعل يزداد في العشرة الأيام ~~التي قضاها بها، ثم صار قوة قاهرة لا فكاك له منها ولا سلطان له عليها، بل صار أمامها أضعف ~~من جيش الروم ومن جيش الفرس أمامه، لم يغب عنه ما يهيئ بعده عن العراق من فرص للفرس يحركون ~~أثناءها أسباب الفتنة ويشجعون بها عوامل الانتفاض والثورة، ذلك أمر يجب لا ريب اتقاؤه لكنه ~~لن يرده بحال عن عزمه، ولن يصرف عن أن يؤدي لله دينه، ولا سبيل إلى اتقاء هذا الأمر إلى أن ~~يحج خالد وأن يعود إلى العراق، ثم لا يعلم بذلك أحد إلا أصفياؤه الذين يخرجون معه، لكن! ~~أليس واجبا عليه أن يبلغ الخليفة وأن يتلقى أوامره! فإن ms212 أبى عليه الخروج كان له عند الله ~~عذره، وهبه أجازه ثم حدث ما يخشى وانتفض العراق فأي خير للإسلام في أن يعود بعد حجه يجاهد ~~كما جاهد بعد دومة! وإن لم يجزه الخليفة لم يسترح ضميره لنكوله، ليس له إذن إلا أن يمضي في ~~عزمه وأن يتم حجه في سر من أبي بكر ومن الناس جميعا وإنه لواثق أن الصديق سيلتمس له عن ~~صنيعه عذرا، وأن الله سيكتب له بحجه أجرا. # أمر خالد الجيش إذن أن يعود إلى الحيرة متمهلا وأظهر أنه في الساقة ، وخرج في نفر من ~~أصحابه ينهب الأرض إلى مكة، متخذا أكثر الطرق استقامة وإن كان أشدها وعورة، ومتى صده الوعر ~~عن شيء؟ ولم يحتج في سلوك هذا الطريق إلى دليل يهديه، وما حاجته إلى دليل وهو من أبناء مكة ~~يعرف ما يعرفون من طرق بلاد العرب لتجارتهم، وهو قائد جاب أرجاء البادية جميعا وعرف ~~أوديتها وكثبانها، سهولها ونجودها! وبلغ مكة وأتم فرائض الحج وأدى لله دينه؛ ثم عاد أدراجه ~~لم يعلم بمقدمه إلى مكة أحد من الألوف الذين قدموا إليها، ولم يعلم به أبو بكر، وفي رواية ~~أنه كان بمكة على الحج في ذلك العام. # عاد أدراجه ينهب الأرض إلى الحيرة في ذلك الطريق الوعر، كما نهبها من قبل إلى مكة، ودخل ~~الحيرة حين دخول ساقة الجيش من الفراض إليها، بذلك لم يفطن إلى رحلته لأداء الفريضة أحد من ~~فرس العراق ولا من عربه، ولم يترتب على غيبته هذه الفترة عن العراق أثر. # وأقام خالد بالحيرة مطمئنا، وكأنما خيل إليه أنه أدى كل ما عليه لله ولدين الحق من واجب، ~~وأنه يستطيع بذلك أن يجم، ثم لعله من بعد أن يذهب إلى المدائن يفتض على كسرى عاصمته لكن ~~للأقدار أحكاما يعجز الناس عليها وإن أوتوا من قوة الحكم وسرعته ما أوتي سيف الله، ولقد ~~شاءت الأقدار أن يتابع خالد ما فتح الله به عليه في الفراض، وأن يغزوا الروم في صميم ملكها، ~~كما غزا فارس في ms213 صميم ملكها. # 10 # قيل: إن عمر هو الذي كان على الحج حين ذهب خالد إلى مكة، وإن أبا بكر لم يرأس الحج في ~~خلافته، والمؤرخون يرجحون أن أبا بكر هو الذي كان على حج ذلك العام وأيما الروايتين صحت فإن ~~أبا بكر لم يعرف بحج قائده الأكبر إلا بعد أن رجع الناس جميعا من الفريضة وبعد أن استقر ~~خالد بالحيرة، أفغضب الخليفة لخروج خالد من غير إذنه؟ وهل ترك هذا الغضب موجدة في نفس ~~الصديق عليه؟ ذلك ما سنراه بعد حين. # الفصل الثالث عشر # | بين العراق والشام # تحدث الناس في مختلف الأقطار بفعال خالد بن الوليد في العراق العربي، وبانتصار المسلمين ~~على الفرس في جميع المواقع التي التحموا فيها، وكان لهذه الأنباء من الصدى في الشام وفي ~~باديته ما نبه عاهل الإمبراطورية الرومية الشرقية في مستقره بيزنطية وما أثار تفكيره، ~~فالغساسنة الذين يقيمون تحت كنفه بالشام عرب كاللخميين وبني تغلب وإياد والنمر وغيرهم ممن ~~يقيمون على حدود العراق ويتغلغلون بين النهرين فيه، وقبائل بني بكر وبني عذرة وبني عدوان ~~وبني بحرة تقع منازلهم على تخوم الغساسنة وبادية الشام، أليس طبيعيا أن يفكر المسلمون في ~~غزو الشام العربي كما فكروا في غزو العراق العربي؟! هذا أمر يجب الاحتياط له والحذر منه ~~ويجب لذلك تحصين التخوم بين الشام وبلاد العرب وجعلها من المنعة بحيث تصد المسلمين عن ~~التفكير في العدوان على أية ناحية من الإمبراطورية الرومية. # إلى هذا الاتجاه انصرفت سياسة الروم، فانقلبت من الطمأنينة إلى الحذر لقد كان هم المسلمين ~~في عهد الرسول أن يحصنوا تخوم العرب في الشمال مخافة عدوان الروم عليهم بتحريض اليهود ~~والنصارى الذين أجلاهم الدين الجديد عن شبه الجزيرة، أما اليوم فالروم هم الذين يعنون ~~بتحصين تخومهم في الجنوب مخافة عدوان المسلمين عليهم بقوة إيمانهم وبما كفل لهم هذا الإيمان ~~من نصر وفتح ولم يكن هذا الخاطر الذي أثار هواجس هرقل بعيد عن تفكير أبي بكر، بل كان يتردد ~~في نفسه مذ بدأت طلائع النصر تساير أعلام ms214 المسلمين في حروب قبل الفراغ من هذه الحروب، خشية ~~انتفاض العرب عليه وثورتهم به كرة أخرى، فلما هون المثنى بن حارثة الشيباني أمر العراق، ~~ولما انطلق خالد بن الوليد يكتسح أمامه الفرس وأهل البادية ويضع يده على الحيرة ويجعلها ~~عاصمته، ازداد أبو بكر تفكيرا في أمر الشام، إن به من قبائل العرب مثل ما بالعراق، وقد ~~انضمت بعض قبائل العراق إلى جيوش المسلمين وحاربت في صفوفهم جيوش كسرى مع بقائها على ~~نصرانيتها، لا جرم أن تفعل قبائل الشام فعلها، فالروم حكام على الشام، وبينهم وبين قبائل ~~البادية المقيمة به من اختلاف الجنس واللغة ما بين الفرس والعرب على شواطئ دجلة والفرات، ~~فإذا تقدم العرب في الشام وتغلبوا على جنود الروم تنضم عرب الشام إلى أبناء عمومتهم من أهل ~~شبه الجزيرة، ومن شأن هذا الانضمام أن يزيد المسلمين طمأنينة إلى النصر على عدوهم، وأن ~~ينتهي بهم إلى الاستقرار في هذه البلاد الممرعة الخصب مع بني عمومتهم، فإن أسلم هؤلاء يوما ~~كان لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم. # وزال كل تردد في نفس أبي بكر حين سلمت دومة الجندل وفتحت أبوابها للمسلمين، لكن انشغال ~~قوات المسلمين بالعراق وبقتال المرتدين في الجنوب من شبه الجزيرة جعله يؤثر أن يقف من الروم ~~موقف المدافع، فلا يبدؤهم بقتال إلا أن يبدءوه به، ولقد كانت أوامره إلى قواده على تخوم ~~الشام صريحة في هذا المعنى كل الصراحة، ولم تكن الروم من جانبها لتجازف باجتياز تلك التخوم ~~وهم يرون المسلمين ينتصرون في كل مكان، بذلك ظل الفريقان على حذر بعضهم من بعض، وأكبر هم ~~هؤلاء وأولئك ألا يشتبكوا في قتال. # وزاد الروم إيثارا لهذا الموقف أن القوات التي أوفدها أبو بكر عقب بيعته إلى شمال شبه ~~الجزيرة لقتال من ارتد ولحماية التخوم بقيت سليمة لم يصبها أذى فقد عادت القبائل هناك إلى ~~سلطان المدينة دون أن يستحر قتال، اللهم إلا دومة الجندل، إذ أصرت على انتفاضها فقاومت ~~عياضا وظلت متحصنة منه حتى فض ابن الوليد حصونها، وكانت ms215 قوات الروم من أهل فلسطين ومن عرب ~~البادية المقيمين على حدود الحضر؛ فلم يكن يدفعها إلى مقاتلة العرب وازع نفساني يحبب إليها ~~الموت انتصارا لحق تعلى كلمته، أو لمثل أعلى تحرص على تحقيقه. # كان قائد المسلمين على هذه التخوم خالد بن سعيد بن العاص قيل: إن أبا بكر لما عقد الألوية ~~لقتال أهل الردة عقد لخالد فيمن عقد، فنهاه عمر بن الخطاب عن تأميره، وقال له: «إنه لمخذول، ~~وإنه لضعيف التروئة؛ وما زال يحرضه على عزله حتى جعله أبو بكر ردءا بتيماء على تخوم الشام ، ~~ولم يجعله على من يقاتلون المرتدين. # ونزل خالد تيماء وقد أمره أبو بكر ألا يبرحها، وأن يدعو القبائل التي حولها إلى الانضمام ~~إليه إلا من ارتد منهم، وألا يقاتل إلا من قاتله حتى يأتيه أمره ونفذ خالد أمر الخليفة، ~~فاجتمعت إليه جموع كثيرة جعلت عسكره عظيما وترامت إلى الروم أنباء هذه الجموع على تخومهم، ~~فلم يبق لدى هرقل ريب في وجوب دفعهم؛ ولهذا الأمر اتخذ عدته وترامت إلى خالد بن سعيد من ذلك ~~أنباء سارع فبعث بها إلى المدينة مشفوعة برأيه أن يأذن الخليفة له في منازلة الروم ومن انضم ~~إليهم من قبائل العرب بالشام، مخافة أن يأخذوه ومن معه على غرة. # فكر أبو بكر في رسالة خالد بن سعيد وطال تفكيره، إن الأنباء الواردة من جنوب شبه الجزيرة ~~حسنة كلها، لقد قضى عكرمة بن أبي جهل والمهاجر بن أبي أمية على المرتدين هناك، وعما قريب ~~يرجع عكرمة بجيوشه ويظل المهاجر أميرا على اليمن ومتى عادت جنود المسلمين كان إرسال المدد ~~إلى الشام يسيرا، لكن أوتكفي هذه الجنود لقتال الروم ولغزو الشام وعند الروم من العدد ~~والعدة ما لا يجهله أبو بكر، وما تغلب هرقل به من قبل على فارس؟ أوليس من الخير أن يستعين ~~بمن بقي على إسلامه من أهل الجنوب ليبعثهم إلى الشام! فإذا ذهبوا فلن يقاوم الروم أكثر مما ~~قاوم الفرس في العراق العربي. # وأصبح يوما دعا إليه عمر وعثمان وعليا وطلحة ms216 والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي ~~وقاص وأبا عبيدة بين الجراح ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وجلة المهاجرين والأنصار ~~من أهل بدر وغيرهم، فدخلوا عليه، فتحدث إليهم وذكر لهم أن رسول الله كان عول أن يصرف همته ~~إلى الشام فقبضه الله إليه، واختار له ما لديه «والعرب بنو أم وأب وقد أردت أن استنفرهم إلى ~~الروم بالشام، فمن هلك منهم هلك شهيدا، وما عند الله خير للأبرار، ومن عاش منهم عاش ~~مدافعا عن الدين، مستوجبا على الله (عز وجل ) ثواب المجاهدين» ثم طلب إليهم رأيهم؛ فقال ~~عمر: «والله ما استبقنا إلى شيء من الخير قط إلا سبقتنا إليه، قد والله أردت لقاءك بهذا ~~الرأي الذي ذكرت، فما قضى الله أن يكون ذلك حتى ذكرته الآن، فقد أصاب الله بك سبل الرشاد ~~سرب إليهم الخيل في إثر الخيل، وابعث الرجال تتبعها الرجال والجنود تتبعها الجنود؛ فإن الله ~~عز وجل ناصر دينه ومقر الإسلام وأهله ومنجز ما وعد رسوله». # على أن عبد الرحمن بن عوف كان أدنى إلى الحذر وأشد اتقاء للمغامرة. # قام فقال: «يا خليفة رسول الله، إنها الروم وبنو الأصفر! حد حديد، وركن شديد! والله ما ~~أرى أن تقحم الخيل عليهم إقحاما، ولكن تبعث الخيل فتغير في أداني أرضهم، ثم تبعثها فتغير ~~فترجع إليك ثم تبعثها فتغير ثم ترجع إليك، فإذا فعلوا ذلك مرارا أضر بعدوهم وغنموا من أدنى ~~أرضهم فقووا بذلك على قتالهم ثم تبعث إلى أقاصي أهل اليمن وإلى أقاصي ربيعة ومضر فتجمعهم ~~إليك جميعا فإن شئت بعد ذلك غزوتهم بنفسك، وإن شئت بعثت على غزوهم غيرك». # جلس ابن عوف بعد هذا الكلام فسكت الناس وسادت هنيهة صمت اتجه بعدها أبو بكر إلى الحاضرين ~~يسألهم: «ماذا ترون رحمكم الله؟» وتكلم عثمان بن عفان فقال: «أرى أنك ناصح لأهل هذا الدين، ~~شفيق عليهم فإن رأيت رأيا فيه لهم رشد وصلاح وخير فاعزم على إمضائه، فإنك غير ضنين ولا ~~متهم عليهم»، وأقر الحاضرون جميعا ms217 رأي عثمان وقالوا: «ما رأيت من رأي فأمضه، فإنا سامعون ~~لك مطيعون، لا نخالف أمرك ولا نتهم رأيك، ولا نتخلف عن دعوتك وإجابتك» فقام أبو بكر يدعو ~~القوم للتجهز إلى غزو الروم بالشام، ويقول: «فإني مؤمر عليكم أمراء وعاقد لهم عليكم، ~~فأطيعوا ربكم ولا تخالفوا أمراءكم، ولتحسن نيتكم وسيرتكم؛ فإن الله مع الذين اتقوا والذين ~~هم محسنون». # ترى أتحمس الناس لهذه الدعوة؟ أأجاب الخليفة منهم أحد يطلب الجهاد؟! لقد أخذتهم هيبة ~~الروم فسكتوا، عند ذلك صاح فيهم عمر: «ما لكم يا معشر المسلمين لا تجيبون خليفة رسول الله ~~إذ دعاكم لما يحييكم؟» ونبهت القوم هذه الصيحة فرضوا الجهاد وإن آثروا أن يستعين الخليفة ~~على عدوه بأهل اليمن وأهل شبه الجزيرة جميعا. # 1 # لا عجب وذلك موقف المسلمين أن يطول تفكير الصديق فيه، وأن يشغل به عن كل ما سواه كان جرير ~~بن عبد الله ممن خرج مع خالد بن سعيد إلى الشام، فاستأذن خالدا إلى أبي بكر ليكلمه في قومه ~~وليتخلصهم وليجمعهم له، وكانوا أوزاعا في العرب وأذن له خالد، فقدم على أبي بكر فذكر له ~~عدة من النبي وأتاه على العدة بشهود وسأله إنجازها، فلما سمع أبو بكر حديثه غضب وقال له: ~~«ترى شغلنا، وما نحن فيه بغوث المسلمين ممن بإزائهم من الأسدين فارس والروم، ثم أنت تكلفني ~~التشاغل بما لا يغني عما هو أرضى لله ورسوله؛ دعني وسر نحو خالد بن الوليد حتى أنظر ما يحكم ~~الله في هذين الوجهين» وسار جرير حتى قدم على خالد بالحيرة. # ولا عجب كذلك إذا انصرف تفكير الصديق إلى هذه الحرب التي نشبت منذ بويع؛ فقد جعلت تزداد ~~على الأيام دقة وخطرا، وتقتضي العناية بها والسهر عليها فهذه الجيوش المنتشرة بالعراق، ~~والقائمة على تخوم الشام، أفي حاجة هي إلى المدد؟ وأيها أشد إلى المدد حاجة؟ وهؤلاء ~~المقيمون بالمدينة ومكة والطائف ممن ذهب أهلوهم إلى صفوف القتال، أيعوزهم شيء؟! وقبائل ~~العرب من الشمال إلى الجنوب ما شأنها؟ وما عواطفها إزاء المدينة وإزاء الخليفة؟ ms218 والأنباء ~~الواردة من ميادين القتال بالنصر تارة، وبالعجز طورا كشأن عياض بن غنم بدومة، بأي شيء ~~تقابل، وعلى أي نحو تذاع في الناس؟! كان أبو بكر في شغل بهذا كله وبما يتصل به ولئن كان أهل ~~الرأي حوله موضع ثقته واطمئنانه، لقد كان هو المرجع الأخير وصاحب الرأي النافذ في هذه ~~الأمور جميعا تلك أيام حرب إذا لم يوحد فيها التوجيه خيف الاضطراب وسوء الأثر والخليفة هو ~~المسئول الأول أمام الذين بايعوه عن كل ما يقع، فعليه التبعة العظمى أمام الله وأمام ضميره ~~وأمام الناس. # وكان شعور أبي بكر بجسامة هذه التبعة عظيما، وذلك ما دعاه للمقام بالمدينة منذ اشتدت ~~حروب الردة، كي يفرغ لشئون الدولة لا يشغله شيء عنها، أما وقد تضاعفت هذه الشئون وامتدت ~~الحرب إلى فارس وأوشكت أن تمتد إلى الروم، فقد نسي الرجل ما عداها ليتم له التفرغ لها وإن ~~فاته كل ما يرفه عنه؛ بذلك يكفل للمسلمين النجاح، ولدين الله النصر، سائرا دائما في ~~الطريق الذي رسمه رسول الله، لا يتنكبه ولا يحيد عنه. # كانت سياسة أبي بكر خير كفيل بالنصر والنجاح فقد كان في حكمه مثال العدل والرحمة مجتمعين، ~~كما كان العزم الذي لا تفل منه قوة، ولا يعرف الوهن إلى ناحية من نواحيه مأتى لم يلبث حين ~~عادت بلاد العرب إلى دين الله أن ترك لكل منها من الاستقلال ما ترك لها رسول الله من قبل، ~~فلم يطلب إليها إلا الزكاة التي كانت تؤديها أيام النبي وكانت الزكاة ينفق جانب عظيم منها ~~في شئون هذه البلاد وعلى فقرائها بإشراف عماله الذين ولاهم أمورها، والذين كانوا على مثاله ~~عدلا ونصفة بذلك اطمأنت العرب جميعا إلى عيشهم، وزال كل خوف من انتفاضهم. # ولم يكن أبو بكر يستبقي لنفسه من الزكاة أو من أخماس الفيء إلا ما فرضه المسلمون له، ثم ~~ينفق أكثرها في تجهيز الجيوش للجهاد، ويوزع ما بقي على الفقراء وأبناء السبيل وكل من له حق ~~في بيت مال المسلمين وكان بيت المال في ms219 دار أبي بكر بالسنح، فلما انتقل إلى المدينة نقله ~~إلى داره بها ورأى بعضهم ما يجيء من مغانم فارس، فقال له: ألا تجعل على بيت المال من ~~يحرسه!! قال: لا! ذلك أنه كان ينفق كل ما فيه فلا يبقى به ما يحتاج إلى حارس ولم يقف أمر ~~ذلك عند الزكاة وأخماس الفيء فقد فتح أثناء خلافته منجما للذهب في بني سليم على مقربة من ~~المدينة، هو عرق الذهب الذي يستغل في عصرنا الحاضر، فكان أبو بكر يسوي في قسمه بين السابقين ~~الأولين والمتأخرين في الإسلام، وبين الحر والعبد والذكر والأنثى وقيل له: «ألا تقدم أهل ~~السبق على قدر منازلهم؟»؛ فقال: «إنما أسلموا لله ووجب أجرهم عليه، يوفيهم ذلك في الآخرة؛ ~~وإنما هذه الدنيا بلاغ». # أدى هذا العدل بين الناس جميعا إلى اطمئنانهم جميعا وأدى حزم أبي بكر وحمله تبعة الأمر ~~كاملة إلى مهابتهم إياه وإكبارهم له كان عمر بن الخطاب أقرب المشيرين إلى قلبه وأرجحهم ~~رأيا عنده، وكان عثمان وعلي وطلحة والزبير وغيرهم موضع تقديره واحترامه، لا يقطع في أمر ~~برأي مشورتهم لكنه لم يكن مع ذلك يلقي على أحد منهم تبعة، ولم يكن يتوارى وراء مشورتهم ~~ليدفع عن نفسه لوما، ولقد رأيته كيف خالف الجماعة في بعث أسامة، وكيف أبدى من الحزم وقوة ~~العزم في محاربة المرتدين ما جعل مشيريه كلهم يقرون من بعد بسداد رأيه وبعد نظره؛ ثم رأيته ~~كيف خالف ابن الخطاب في خالد بن الوليد حين مقتل مالك بن نويرة وكيف كان يستخير الله في كل ~~شيء، فإذا خار له في أمر لم يرجع عنه ولم يتراجع لأي اعتبار دونه. # ولم يغير تزايد تبعاته من شظف عيشه، بل زاده انصرافا عن كل ما يرفه به عن نفسه كان حين ~~مقامه بالسنح لا يأبى على نفسه ألوانا من الرفه تعينه على الحياة والجهد فيها؛ فكان يغدو ~~إلى المدينة وربما ركب فرسه وعليه إزار ورداء ممشق فيصلي بالناس؛ وكان يستريح بالسنح ~~أحيانا فيصلي عمر بهم وكان يقيم بداره ms220 صدر النهار يوم الجمعة يصبغ رأسه ولحيته، ثم يذهب ~~إلى المدينة يخطب الناس ويؤمهم للصلاة أما مذ أقام بالمدينة لتزايد أعباء الدولة فقد تم ~~تفرغه لشئون المسلمين وإن فاته ما يرفه عنه وأقام مع تزايد هذه الأعباء لا يتخذ لنفسه ~~خادما في داره ولا في أعمال الدولة ثم كان يجلس في المسجد حيث كان يجلس رسول الله، يسمع ~~للناس ويحدثهم، ويستشيرهم ويشير عليهم، ويقضي فيما يعرض عليه من شتى الشئون. # وكان على إيثاره الشظف شديد البر بالفقراء والضعفاء كان يشتري الأكسية ويفرقها على ~~الأرامل في الشتاء ، وكان يرعى الفقراء والمساكين بنفسه في سر من الناس كان عمر بن الخطاب ~~يتعهد امرأة عمياء بالمدينة ويقوم بأمرها، فكان إذا جاءها ألفاها قد قضيت حاجاتها وترصد عمر ~~يوما، فإذا أبو بكر هو الذي يكفيها مئوتها، لم تصرفه عن ذلك الخلافة وجسامة تبعاتها وقال ~~عمر حين رآه: «أنت هو لعمري!» ولا حاجة إلى القول بأن مثال أبي بكر كان أسوة عماله في سائر ~~بلاد شبه الجزيرة، وأن طمأنينة العرب إلى عدل الخليفة وإنصافه، وإلى بره ورحمته، وإلى حكمته ~~وحسن سياسته، كانت من العوامل ذات الخطر في نجاح سياسته. # وكان أبو بكر مطمئنا من جانبه إلى النجاح كل الاطمئنان لقد وعد الله ورسوله لينصرن دينه، ~~ووعد الله حق وقد نصر الله المسلمين في حروب الردة، وها هي ذي جيوشهم بالعراق يسايرها النصر ~~حيث سارت، ويفيء النصر عليها من المغانم ما جعل قبائل العرب أشد على الحرب إقبالا وقد رأيت ~~ما استفاء المسلمون بالعراق ولم يكن يرسل للخليفة من هذا الفيء إلا خمسه، أما أربعة الأخماس ~~فكانت توزع بين الجند في ميادين القتال وكان لأهل الجند في مختلف القبائل من حظ رجالهم نصيب ~~يغري من تخلف على أن يخف إلى الميدان ليكون له ولأهله مثله هذا إلى ما غرسه الإسلام في ~~النفوس من حب الاستشهاد لذلك كان أبو بكر مطمئنا إلى إقبال القبائل على الحرب إذا دعيت ~~إليها، لا تضن عليها بتضحية، بل تخف إليها سراعا ms221 يجذبها حب الاستشهاد، وتغريها مغانم ~~النصر. # وكان أبو بكر يعلم ما للحرص على الاستشهاد في نفس الأكثرين من أثر لا يقاس إليه إغراء ~~الفيء وهل نسيت صيحات الأبطال الذين اندفعوا إلى الوطيس في معركة اليمامة، لا يشك أحدهم في ~~أنه ملاق ربه، وهو بهذا اللقاء سعيد كل السعادة! وحب الاستشهاد هو الذي أملى على خالد بن ~~الوليد ما كتبه إلى هرمز وإلى غيره من الفرس يقول لهم: «لقد جئنكم بقوم يحبون الموت كما ~~تحبون الحياة» وهم يقبلون على الاستشهاد؛ لأنه طريق الجنة؛ إذ يغفر الله للمجاهد في سبيله ~~كل ذنوبه وقد كان أحدهم يرى صاحبه يتخطفه الموت من صفوف القتال فيرى في استشهاده آية الرضا ~~من الله عنه، ويتمنى لنفسه مثل هذا الحظ من رضا ربه قوم ذلك حرصهم على الموت طبيعي أن توهب ~~لهم الحياة في أسمى مكان من العز والسؤدد، وأن يطمئن خليفة رسول الله إلى نصرهم، وأن يبعثهم ~~إلى الشام يفتحونه كما فتح إخوانهم العراق. # على أن إغراء الفيء لم يكن بالأمر الذي يستهان به فهو في فطرة البدوي منذ خلقه، ولن يزال ~~في فطرته أبد الدهر، وقد رأيت خالد بن الوليد حين وقف بعد غزاة أليس بالعراق يقول لجنده: ~~«إنه إذا لم يكن في العراق إلا هذا الثراء الضخم وهذا الفيء الذي يعد في بلاد العرب حلما ~~لكفى مغريا بالحرب» ولقد كانت القبائل التي ارتدت تعض أصابعها ندما على ما فعلت مما حرمها ~~الاشتراك في حروب العراق والذين أقاموا على إسلامهم في أنحاء شبه الجزيرة كثيرون ولن يتردد ~~هؤلاء في إجابة الدعوة إلى الجهاد متى وجهها الخليفة إليهم، ولن يكونوا إذا غزوا الشام إلا ~~أبطالا فاتحين. # لذلك كله لم يتغير عزم أبي بكر على غزو الشام حين دعا القوم إلى التجهز إليه فسكتوا ~~متأثرين بقول عبد الرحمن بن عوف: «إنها الروم وبنو الأصفر، حد حديد وركن شديد!» بل بدأ ~~يستنفر الناس، وكتب إلى أهل اليمن يقول لهم: «أما بعد، فإن الله كتب على المؤمنين الجهاد ~~وأمرهم ms222 أن ينفروا خفاقا وثقالا؛ قال: «وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله» فالجهاد ~~فريضة مفروضة، وثوابه عند الله عظيم وقد استنفرنا من قبلنا من المسلمين إلى جهاد الروم ~~بالشام، فسارعوا إلى ذلك وعسكروا وخرجوا وحسنت في ذلك نيتهم وعظمت في الخير حسبتهم، فسارعوا ~~عباد الله إلى فريضة ربكم». # لقيت هذه الدعوة أذنا سميعة فما كاد رسول الخليفة يتلوها حتى خف ذو الكلاع الحميري إلى ~~فرسه وسلاحه ونهض في قومه ومن عسكر معه من جموع اليمن وسار يطلب المدينة كذلك خف قيس بن ~~هبيرة المرادي في مذحج وجندب بن عمرو الدوسي في الأزد، وحابس بن سعد الطائي في طيء، بينما ~~كان رسول أبي بكر إلى اليمن قد بلغها وأقام يتحدث إلى أهلها، وبينما كان أهل اليمن في ~~استعدادهم ومسيرتهم، كان أبو بكر يستنفر إليه من حوله من المهاجرين والأنصار وأهل مكة ~~وغيرهم يجمعهم ليوفدهم إلى الشام. # وقد اختلفت الروايات: متى بدأ أبو بكر يسير هذه الجيوش، وأي جيش كان أولها، ومن هم ~~الأمراء الذين اجتمعوا إليه، ومن من الأمراء أقام حيث هو ثم توجه إلى الشام طوعا لأمر ~~الخليفة، واضطراب الروايات في أمر الشام يزيد على اضطرابها في فتح العراق وفي حروب الردة. # 2 # والكثير من هذه الروايات يذهب إلى أن أول جيش سار إلى الشام إنما سار بعد أن عاد أبو بكر ~~من حجه في آخر السنة الثانية عشرة وأول السنة الثالثة عشرة من الهجرة وتذهب روايات أخرى إلى ~~أن أبا بكر سير خالد بين سعيد بن العاص إلى حدود الشام حين سير خالد بن الوليد ذهب إلى ~~العراق في أول السنة الثانية عشرة، والراجح عندي أن خالد بن الوليد ذهب إلى العراق فتولى ~~القيادة العامة فيه على المثنى ومن معه قبل أن يفرغ المسلمون من حروب الردة في اليمن وكندة ~~وحضرموت، وأن خالد بن سعيد، إن كان قد ذهب في هذا الوقت أو ذهب قبله، فإنما ذهب لحماية ~~التخوم لا للغزو، والراجح عندي كذلك أن أبا بكر لم يفكر في ms223 غزو الشام إلا بعد أن تم النصر ~~للمسلمين في حروب الردة باليمن وما حولها، وبعد أن دخل ابن الوليد الحيرة واطمأن بها، وبعد ~~أن فتحت دومة أبوابها فصار طريق وادي سرحان إلى الشام آمنا بفتحها. # يؤيد هذا الرأي ما سبق أن ذكرناه من استنفار أبي بكر قبائل اليمن، وما كان ليستنفرها قبل ~~القضاء على الردة فيها، ثم إن عكرمة بن أبي جهل وذا الكلاع الحميري لم يقيما باليمن إلا بعد ~~أن اطمأن الأمر في ربوعها، بل ذهبا مع المهاجر بن أبي أمية للقضاء على الردة بكندة وحضرموت ، ~~فلما اطمأن أمر الجنوب كله وآن لعكرمة أن يعود إلى المدينة سرح الجند الذين جاهدوا معه، ثم ~~تولى قيادة جيش آخر تألف بديلا من جيشه، ومن اليسير عليك أن تقدر ما يستغرقه العود من ~~اليمن إلى المدينة، ثم السفر من المدينة إلى الشام، وأنت تعلم أن الطريق بين مكة والمدينة ~~تقطع على ظهور الإبل في أكثر من عشرة أيام، وأن العير كانت تطرد في ذلك الزمن إلى الشام ~~شهرا مقبلة وشهرا مدبرة. # ولقد اختلفت الروايات كذلك؛ أي أمراء الجند ذهب إلى الشام أول ما فكر أبو بكر في غزو ~~الروم؟ قيل: إن خالد بن سعيد بن العاص الأموي كان هذا الأمير وقد ذكرنا فيما سلف أن خالدا ~~إنما ذهب أول حروب الردة ردءا بتيماء على تخوم الشام وتجري رواية غير هاتين بأن خالدا كان ~~باليمن من قبل رسول الله، وأنه قدم إلى المدينة بعد شهر من وفاة النبي، فلما رأي علي بن أبي ~~طالب وعثمان بن عفان قال لهما: «يا بني عبد مناف لقد طبتم نفسا عن أمر يليه غيركم!» فلما ~~وجه أبو بكر الجنود إلى الشام جعل خالد بن سعيد عليها؛ فقال له عمر: «أتؤمره وقد صنع ما صنع ~~وقال ما قال!» ولم يزل به حتى عزل خالدا وأمر يزيد بن أبي سفيان، وفي رواية أن عمر قال ~~لأبي بكر في شأن خالد: «إنه رجل فخور يحمل أمره على المغالبة والتعصب» وقيل: ms224 إن خالدا لم ~~يذهب أميرا وإنما ذهب في جيش أبي عبيدة بن الجراح ونحن نرجح، رغم هذا الاضطراب في ~~الروايات، أن خالدا ذهب ردءا بتيماء، وأنه أقام بها، وأنه لم يكن بالمدينة حين استنفر أبو ~~بكر الناس لقتال الروم، وأن أبا بكر إنما استنفر الناس تلبية لنداء خالد حيث بعث إليه ~~يستمده ويذكر له من أنباء الروم وتحركهم ما حرك الخليفة لغزو الشام. # ولقد كان للروم كل العذر في أن يتحركوا وأن تزداد حركتهم نشاطا فالأنباء كانت تصل إليهم ~~تترى بانتصار المسلمين في العراق وبانقضاء الثورة التي كانت قائمة في بلاد العرب وهم لم ~~ينسوا مجازفة محمد وأصحابه بالغارة عليهم والانتقاص من أطرافهم وموادعة القبائل المقيمة على ~~تخومهم وها هم أولاء أتباعه يقيمون اليوم على تلك التخوم، وقد تحدثهم أنفسهم باجتيازها لذلك ~~دعا الروم الغسانيين وغيرهم من القبائل المقيمة ببادية الشام ليقفوا سدا منيعا في وجه ~~المسلمين واجتمع من هذه القبائل عدد عظيم لا يقل عمن اجتمع حول خالد بن سعيد ووقف الجمعان، ~~هذا في أرض العرب وذاك في أرض الشام، وكل يتربص بصاحبه الدوائر، وفيما هم كذلك كانت أنباء ~~خالد بن الوليد تدوي في جو الفرس والروم والعرب كله فالأنبار تفتح أبوابها، وعين التمر يقتل ~~مقاتلتها وتسبى نساؤها، وجنود المسلمين يغنمون ما شاء الله أن يغنموا أفيبقى إخوانهم في ~~الدين بمنزلتهم من تيماء لا يقتحمون الشام كما اقتحم ابن الوليد وجيوشه العراق!! # وكتب خالد بن سعيد إلى الخليفة كرة أخرى كتب إليه باجتماع الروم ومن نفر إليهم من بهراء ~~وكلب وتنوخ ولخم وجذام وغسان، واستأذنه في منازلتهم وكان أبو بكر يعد إذ ذاك جيوشه لغزو ~~الروم؛ لذلك كتب إلى خالد بن سعيد يقول: «أقدم ولا تحجم واستنصر الله!» # وكانت هذه الكلمات أول فتح الشام. # الفصل الرابع عشر # | فتح الشام # قام خالد بن سعيد بتيماء في جيشه وفيمن نفر معه من قبائل البادية على تخوم الشام وأقام ~~جيش الروم مضاعف العدد بمن انضم إليه من القبائل على الناحية الأخرى من ms225 هذه التخوم، ولقد ~~أثار تقابل الجيشين على هذا النحو حمية المسلمين وحركهم لقتال خصومهم، فلما قرأ خالد في ~~كتاب أبي بكر: «أقدم ولا تحجم واستنصر الله» أسرع بكل قواته فتخطى الحدود لمنازلة القوم، ~~ولم يلبث الروم وأنصارهم حين رأوه دنا منهم أن تفرقوا وتركوا منازلهم، فدخل معسكرهم وغنم ما ~~فيه، وكتب إلى أبي بكر بالنبأ؛ فأجابه: «تقدم ولا تقتحم حتى لا تؤتى من خلفك.» وتقدم خالد ~~حتى بلغ القسطل في طريق البحر الميت، فهزم جيشا من الروم على الشاطئ الشرقي لذلك البحر ثم ~~تابع مسيرته هنالك ثارت حمية الروم وثارت حمية أهل الشام معهم، فتجمعوا في قوات تزيد على ما ~~اجتمع قبالة تيماء أضعافا مضاعفة. # ورأى خالد بن سعيد تجمعهم، فكتب إلى أبي بكر يستمده ليتابع مسيرته المظفرة، وكانت جيوش ~~المسلمين قد بدأت السير من المدينة إلى الشام لغزو الروم، وأبو بكر متفائل بمسيرتها، مملوء ~~أملا بنصر الله إياها؛ فالروم ليسوا خيرا من الفرس حالا، وهم مذ غلبوا الفرس قد استغرقوا ~~في سباتهم، وجعلوا كل اعتمادهم في حماية تخومهم على أبناء البادية. ولأبناء البادية في ~~مواقف كثيرة آيات بأس وشجاعة ميزتهم، لكن روابط الجنس واللغة لم تكن قائمة بينهم وبين الروم ~~كقيامها بينهم وبين بني عمومتهم العرب المسلمين، ولم تكن نصرانية عرب الشام كنصرانية هرقل؛ ~~إذ كانوا من الأرثوذكس، وكان قيصر من الكاثوليك ولعلهم رأوا في ضن هرقل بالروم على القتال ~~دليلا على خوفه أن يهزم أبناء وطنه أو يقتلوا، لذلك تراخوا في القتال، وتركوا خالد بن سعيد ~~يتقدم دون أن يثبتوا له. # أي جيوش المسلمين كان أسرع إلى إمداد خالد بن سعيد؟ اختلف الرواة في هذا الأمر كما ~~اختلفوا في بدء خالد بغزو الشام كما قدمنا؛ أما والطبري يجعل لخالد هذا السبق ويوافقه ابن ~~الأثير وابن خلدون ومن إليهما على هذا الرأي، فإننا نساير الطبري وأصحابه الآن في روايتهم، ~~لنعود إلى رواية الواقدي والأزدي والبلاذري من بعد. # كان عكرمة بن أبي جهل قافلا من كندة وحضرموت عن طريق اليمن ms226 ومكة، فلما بلغ المدينة أمره ~~أبو بكر أن يسير مددا لخالد بن سعيد، وكان عكرمة قد سرح الجند الذين قاتلوا معه في جنوب ~~شبه الجزيرة، فاستبدل الخليفة بهم غيرهم، وأمرهم أن يسيروا تحت لواء عكرمة إلى الشام ولذلك ~~سمي هذا الجيش جيش البدال، وسار ذو الكلاع على رأس الجند الذين صحبوه من اليمن مسرعا مع ~~عكرمة إلى الشام، حتى يطمئن خالد بن سعيد ويتابع مسيرته. # وكان عمرو بن العاص مقيما بقضاعة مذ قضى على الردة فيها، فبعث إليه أبو بكر يخيره أن ~~يبقى حيث هو أو أن يسير إلى الشام، وكتب له: «وقد أردت أبا عبد الله أن أفرغك لما هو خير لك ~~في حياتك ومعادك، إلا أن يكون الذي أنت فيه أحب إليك.» وكان جواب عمرو: «إني سهم من سهام ~~الإسلام، وأنت بعد الله الرامي بها والجامع لها، فانظر أشدها وأخشاها وأفضلها فارم بها ~~شيئا إن جاءك من ناحية من النواحي.» وكتب الصديق إلى الوليد بن عقبة بمثل ما كتب إلى ابن ~~العاص، فكان جوابه إيثار الجهاد، عند ذلك أمر الخليفة عمرا على فلسطين، وكتب إلى الوليد ~~فأمره بالأردن. # سارت هذه الجيوش متجهة إلى الشام، ولا يشك أبو بكر في أن الله قد فتحه عليه وكان الوليد ~~بن عقبة أول من أدرك خالد بن سعيد، وقص عليه أنباء المدد وحماسة أبي بكر لفتح الشام، وغبطة ~~أهل المدينة بانتصار إخوانهم على بني الأصفر، وفاضت نفس خالد بالمسرة، فأمر جيشه أن يتهيأ ~~للسير حين يكون له من فخار النصر ما يجعله في قتال الروم ندا لابن الوليد في قتال الفرس ~~وتقدم بالمسلمين ومعه الوليد بن عقبة يقابل جيشا للروم على رأسه قائدهم الأكبر باهان، ~~ونفسه تحدثه بأن ينقض على هذا القائد كما انقض ابن الوليد على هرمز، وأن يورده حتفا كحتفه، ~~وكيف لا يفعل وقد أدركه عكرمة وذو الكلاع فصار في قوة لا تثبت أمامها قوة! # ولم يكن جيش الروم قريبا منه، مع ذلك تراجع باهان به متجها نحو دمشق وسار ms227 خالد في أثره ~~يريد مرج الصفر بين واقوصة ودمشق، ليتخذ هناك معسكره ومكان قيادته العامة، ولم يكن تراجع ~~باهان إلا خدعة لاستدراج خصمه حتى يعري ظهره فيتمكن من حصره ويجيئه من خلفه، وذلك ما حذر ~~أبو بكر خالدا منه لكن نشوة الظفر وحب الفخار أنسياه الحذر ودفعاه يغذ السير، حتى إذا كان ~~على مقربة من مرج الصفر إلى الشرق من بحيرة طبرية ارتد باهان بجنوده وأحاط به وقطع عليه خط ~~رجعته، وصادف باهان سعيد بن خالد بن سعيد في فرقة من العسكر منعزلة عن المسلمين فقتلهم وقتل ~~سعيدا في مقدمتهم، وبلغ خالدا مقتل ابنه، ورأى نفسه قد أحيط به، فخرج هاربا في كتيبة من ~~أصحابه على ظهور الخيل والإبل، تاركا وراءه جيش المسلمين يقوده عكرمة متقهقرا. # ولم يقف خالد بن سعيد من فراره دون ذي المروة على مقربة من المدينة، وعرف أبو بكر فراره ~~هزيما يريد مدينة الرسول، فأبى ذلك عليه وبعث له بكتاب لقيه بذي المروة جاء فيه: «أقم ~~مكانك؛ فلعمري إنك مقدام محجام نجاء من الغمرات، لا تخوضها إلى حق ولا تصبر عليه.» وأقام ~~خالد بذي المروة في فلول الفارين معه حسيرا حزينا لمقتل ابنه وللهزيمة التي حلت به، أما ~~أبو بكر فكان يقول: «كان عمر وعلي أعلم بخالد مني، ولو أطعتهما فيه اتقيته.» # أأضعف فرار خالد بن سعيد من عزم أبي بكر فتح الشام ومن حماسته لهذا العزم؟ كلا! فقد جاءته ~~الأنباء بأن عكرمة بن أبي جهل داور بجيوش المسلمين، وداور معه ذو الكلاع، فتراجع بهم إلى ~~حدود الشام، وهناك تحصن ينتظر المدد فليمده، وليكن هذا المدد من القوة بما يزيل كل أثر ~~لهزيمة ابن سعيد، وما يرد إلى المسلمين الإيمان بالنصر، وما ينزل في قلوب الروم الخوف ~~والهلع. # كان شرحبيل بن حسنة مع خالد بن الوليد بالعراق، وقد جاء في هذه الآونة إلى المدينة بأنباء ~~النصر وبالسبي والأخماس، فأمره أبو بكر أن يذهب إلى الشام مكان الوليد بن عقبة الذي باء مع ~~خالد بن سعيد بما ms228 باء به، وجمع شرحبيل قوة من جيش ابن سعيد وابن عقبة وسار بها إلى عكرمة، ~~ودعا أبو بكر يزيد بن أبي سفيان فأمره على جند عظيم جلهم من أهل مكة، ثم أردفه بأخيه ~~معاوية، وجعله على بقية الجيش الذي استدرجه خالد بن سعيد للغزو معه، وندب الخليفة جيشا ~~عظيما جعل عليه أبا عبيدة بن الجراح وأمره على حمص، وكانت هذه الجيوش تعسكر بالجرف، فإذا ~~آن لأحدهما أن يسير خرج إليه الخليفة وودعه على النحو الذي ودع به جيش أسامة غداة بيعته، ~~وانطلقت هذه الجيوش جميعا في طريقها إلى الشام مجاهدة في سبيل الله. # وأنت تذكر أن أبا بكر أوصى أسامة حين ودعه وصية تسجل له في تاريخ الحروب بحروف من نور، ~~كذلك فعل مع هذه الجيوش، قال وهو يودعهم: «ألا إن لكل أمر جوامع، فمن بلغها فهي حسبه ومن ~~عمل كفاه الله عليكم، بالجد والقصد فإن القصد أبلغ، إلا أنه لا دين لأحد لا إيمان له، ولا ~~أجر لمن لا حسبة له، ولا عمل لمن لا نية له ألا وإن في كتاب الله من الثواب على الجهاد في ~~سبيل الله لما ينبغي للمسلم أن يحب أن يخص به هذه التجارة التي دل الله عليها ونجى بها من ~~الخزي، وألحق بها الكرامة في الدنيا والآخرة.» # وكان مما قاله ليزيد بن أبي سفيان: «إذا قدمت على جندك فأحسن صحبتهم وابدأهم بالخير وعدهم ~~إياه، وإذا وعظتهم فأوجز؛ فإن كثير الكلام ينسي بعضه بعضا ... وإذا قدم عليك رسل عدوك ~~فأكرمهم، وأقلل لبثهم حتى يخرجوا من عسكرك وهم جاهلون به ... وامنع من قبلك من محادثتهم، وكن ~~أنت المتولي لكلامهم ... واسمر بالليل في أصحابك تأتك الأخبار وتنكشف عندك الأستار ... واصدق ~~اللقاء، ولا تجبن فيجبن الناس.» # واطمأن أبو بكر حين ودع هذه الجيوش جميعا ورأى نصر الله منه قريبا، وكيف لا يطمئن وفي ~~هذه الجيوش زهرة المسلمين مهاجريهم والأنصار، وفيها ما يزيد على ألف من أصحاب رسول الله ~~الذين سمعوا له وجاهدوا معه، وفيها أهل بدر الذين ms229 قال فيهم رسول الله يناجي ربه: «اللهم إن ~~تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد.» والذين أمدهم الله بالملائكة ونزل فيهم قوله تعالى: # كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن ~~الله والله مع الصابرين # أين من هؤلاء جيش خالد بن الوليد الذي غزا ~~العراق ومزق الفرس! لقد تألف هذا الجيش من بقية قليلة من جيش اليمامة، ثم كان أكثره ممن ~~استنفرهم خالد من أهل البحرين وعمان وممن قاتل أهل الردة وثبت على الإسلام في هذه النواحي، ~~أفيقاس أولئك إلى الذين شهدوا بدرا وأحدا وحنينا، والذين أمدهم رسول الله في حياته بنفحة ~~منه؟! وهل يقاسون إلى الأبطال أمجاد مكة والمدينة والطائف ممن عركوا الحرب وعركتهم الحرب؟! ~~فإن يكن خالد قد غلب الفرس بعرب الجنوب، فما أحرى عكرمة وأبا عبيدة وابن العاص ويزيد أن ~~يقضوا بجيوش مكة والمدينة على الروم القضاء الحاسم! وأبو بكر لم يبالغ حين بعث هذه الجيوش ~~كلها إلى الشام بعد أن انتصر عسكره بالعراق، فلو أن أمر المسلمين هناك وقف عند هزيمة خالد ~~بن سعيد لذهب نصرهم بالعراق بددا، ولاقتحم الروم عليهم شبه الجزيرة، ولوقف الإسلام من ~~الأسدين فارس والروم موقفا لا يرضاه الحق جل شأنه، وما كان ذلك ليحدث وأبو بكر في خلافة ~~رسول الله، وما كان ليحدث ولو لم يبق في القرى غيره، على حد تعبيره رضي الله عنه عند اختلاف ~~أصحابه معه عشية حروب الردة. # وظل أمراء الجند في مسيرتهم حتى نزلوا الشام، أما عمرو بن العاص فلم يتحرك جيشه من العربة ~~حيث كان منذ أوفده أبو بكر، وأما أبو عبيدة فتخطى البلقاء إلى الجابية بعد أن أخضع من قاومه ~~من عرب مآب وصالحهم، ولقد نزل شرحبيل الأردن، ونزل يزيد بن أبي سفيان البلقاء؛ وفي رواية ~~أنه لقي قوة من الروم والبدو في دائن فتغلب عليها. ولقد اختلفت الروايات: ألقي جنود ~~المسلمين حربا في جنوب فلسطين، أم تقدموا فيها فلم يجدوا من يواجههم؟ والراجح أنهم تقدموا ~~حتى صاروا على مقربة من جيش عكرمة، وأن الروم ms230 لم يواجهوهم بقواتهم، بل تركوا أمرهم لرجال ~~البادية، وأن ما حدث من وقائع بين العرب والروم في جنوب فلسطين قد حدث من بعد في عهد عمر بن ~~الخطاب. # على أن اضطراب الروايات ينتهي حين تتصل جيوش المسلمين بجيش عكرمة؛ إذ يعسكر أبو عبيدة على ~~طريق دمشق ويعسكر شرحبيل في مرتفع بأعلى الغور فوق طبرية ونهر الأردن، ويظل يزيد بالبلقاء ~~مهددا بصرى، ويبقى عمرو بالعربة مهددا حبرون، وفي هذه المواقع وقفت الجيوش يتداول أمراؤها ~~الرأي ما يصنعون. # ذلك أن الروم لم يكترثوا أول الأمر لهم، بل خيل إليهم أن هؤلاء العرب لن يتقدموا إلى أكثر ~~مما تقدم محمد من قبل في غزوة تبوك، وأنهم عائدون أدراجهم لا محالة، فلما هزم خالد بن سعيد ~~وفر من الميدان ازدادوا طمأنينة إلى ما توهموا، وظنوا أن ما يترامى إليهم من أنباء المسلمين ~~وتجهيزهم مددا لعكرمة على حدود الشام لن يزعجهم، ولن يكون مصيره إلا كمصير خالد بن سعيد، ~~فلما رأوهم تقدموا إلى المواقع التي ذكرنا أفاقوا من سباتهم ورأوا الأمر أجل خطرا من أن ~~يستهينوا به، وأدركوا أنهم إن لم يواجهوه بكل قوتهم أصابهم ما أصاب فارس، وفتح هؤلاء الغزاة ~~المسلمون الشام كما فتحوا العراق؛ لذلك سير هرقل إليهم قوات عظيمة، وقفت كل واحدة منها إزاء ~~كل جيش من جيوش المسلمين، حتى يشتغل بعضهم عن بعض فيسهل التغلب عليهم وطردهم من ~~البلاد. # وتجري الرواية في أمر الجيوش من الجانبين بأن عدد المسلمين كان ثلاثين ألفا أو نحوها، ~~وأن جيوش الروم بلغت عدتها أربعين ومئتي ألف؛ قيل: إن جيش عكرمة كان ستة ألاف، وإن الجيوش ~~الثلاثة الأخرى بإمارة أبي عبيدة ويزيد وعمرو بن العاص كانت تترجح بين سبعة آلاف وثمانية ~~آلاف لكل منها، أما جيوش الروم فكان أكبرها عددا بإمارة تذارق (تيودوريك) أخي هرقل لأبيه ~~وأمه، وكانت عدته تسعين ألفا، وقد عسكر بإزاء عمرو بن العاص، ووقف جيش عدته ستون ألفا ~~بإمارة الفيقار بن نسطوس بإزاء أبي عبيدة، أما شرحبيل بن حسنة فاستقبل الدراقص على ms231 قوة من ~~الروم عدتها أربعون ألفا، واستقبل چرچة بن تدرا جيش يزيد بن أبي سفيان. # رأى المسلمون هذه الجيوش فهابوها وتداولوا في موقفهم منها؛ فهم لم يكونوا يتوقعون مقاومة ~~منظمة هذا التنظيم، ثم إنهم علموا أن هرقل تحصن بحمص، وأنه يتتبع أنباء الغزاة بعناية ~~بالغة، وأنه منذ علم بقدوم الجموع العربية إلى أراضي الإمبراطورية قد جعل كل همه إلى ~~الاحتفاظ بالسلطان الذي كفله النصر على فارس له، أما وقد كان أخوه تذارق قائد الجيوش التي ~~غلبت الأعاجم وعادت تتقدمها أعلام النصر، فليكن قائد الحملة على العرب ليطهر أرض المعاد ~~منهم، وليلقي عليهم درسا لا ينسونه أبد الدهر. # هاب المسلمون جيوش الروم حين رأوها يخطئها العد، ففزعوا بالكتب وبالرسل إلى عمرو بن العاص ~~يلتمسون عنده الرأي، ورأى عمرو أنهم لا يستطيعون لقاء الروم متفرقين، فكاتبهم يقول: «إن ~~الرأي الاجتماع؛ وذلك أن مثلنا إذا اجتمع لم يغلب من قلة، فأما إن تفرقنا لم تقم كل فرقة ~~لمن استقبلها لكثرة عدونا.» وجاءهم كتاب من أبي بكر بمثل رأي عمرو، وفيه: «اجتمعوا عسكرا ~~واحدا، وألقوا زحف المشركين بزحفكم، فأنتم أعوان الله، والله ناصر من نصره، وخاذل من كفره ~~ولن يؤتى مثلكم من قلة، وإنما يؤتى العشرة الآلاف والزيادة عليها بذنوبها فاحترسوا من ~~الذنوب، والله ناصركم.» واتعد المسلمون اليرموك على طريق دمشق، واجتمعت قواتهم كلها على ~~شاطئه الأيسر فلما رأى الروم ذلك جمعوا قواتهم على الشاطئ الأيمن للنهر وتولى تذارق ~~قيادتها. # ونهر اليرموك ينبع من جبال حوران وينحدر سريع التيار بين آكام مختلفة الارتفاع إلى غور ~~الأردن وإلى البحر الميت، وعلى ثلاثين أو أربعين ميلا من ملتقى اليرموك بنهر الأردن تقع ~~واقوصة في منبطح فسيح من الأرض تحيط به من ثلاث نواح جبال بالغة الارتفاع، وقد اختار الروم ~~هذا المنبطح معسكرا لهم حين رأوه يتسع لجموعهم العظيمة، فلما قدموا إليه واستقروا به تخطى ~~المسلمون النهر إلى شفته اليمنى واختاروا منبطحا آخر على الطريق المفتوح لجيش الروم، فلم ~~يبق للروم طريق إلا عليهم، ورأى عمرو بن ms232 العاص هذا الموقف، ورأى الروم حصرت بين الجبال، ~~فقال: «أيها الناس أبشروا! حصرت والله الروم، وقلما جاء محصور بخير!» # عن أي شيء أسفر الموقف الجديد؟ أفهاجم المسلمون الروم في بطيحهم فحصروهم فيه فقضوا عليهم؟ ~~أفخرج الروم فلاقوا المسلمين فأتاح لهم تفوقهم في العدد الظفر بهم؟ لا هذا ولا ذاك؛ بل أقام ~~المسلمون على طريق الروم ومخرجهم لا يقدرون منهم على شيء، ولا يقدر الروم منهم على شيء إذا ~~خرج الروم على الطريق ردهم المسلمون إلى بطيحهم، وإذا غامر المسلمون بالهجوم لم يلبثوا ان ~~يتراجعوا مخافة أن يحصرهم الروم بينهم وأن يقضوا عليهم، وأقام هؤلاء وأولئك على هذه الحال ~~شهرين كاملين أيقن المسلمون خلالهما أن لا بد لهم من مدد يعينهم فكتبوا إلى أبي بكر يصفون ~~له الحال ويستمدونه، حتى لا يظلوا الشهور، فيسأم الجند ويضعف إيمانهم بالنصر وتذهب ~~ريحهم. # وكان أبو بكر أشد من أمراء الجند بالشام ضجرا؛ فلم يدر قط بخلده أن يقف أبو عبيدة ~~وزملاؤه هذا الموقف، ولم يحسب أن البدريين الذين غلبوا على قلتهم أهل مكة من المشركين ~~يطيقون هذا المقام بإزاء الروم لا يقتلون ولا يقتلون، طال تفكير الخليفة في هذا الأمر، ~~وجعل يشاور ابن الخطاب وعلي بن أبي طالب وسائر أولي الرأي المقيمين بالمدينة، وبينما هو ~~يفكر انكشفت له الحقيقة جلية واضحة، إن المسلمين لم ينتصروا يوما بكثرة عددهم، وإنما ~~انتصروا دائما بمهارة القيادة، وبقوة الإيمان، والإيمان لا ينقص جيوش الشام وفيها السابقون ~~الأولون من أصحاب رسول الله مهاجريهم والأنصار، وفيها أهل بدر الذين فتحوا مكة ومن انتصروا ~~على أهل الردة. لا بد أن تكون العلة إذن في القيادة، فهذا الموقف يحتاج إلى القائد الجسور ~~الذي لا يعرف الهوادة ولا الإحجام، ولا يهاب الموت وأبو عبيدة على مقدرته رجل رقيق القلب، ~~وابن العاص على دهائه في السياسة هياب غير مقدام، وعكرمة مداور مقدام إلا أنه تعوزه دقة ~~التقدير، وسائر القواد لم يخوضوا بعد المعارك الكبرى؛ ثم إن هؤلاء الأمراء جميعا لا يقرون ~~لواحد منهم بالتفوق ms233 على سائرهم تفوقا يكفل بسلطانه وحدة القيادة. تكشفت هذه الحقيقة لأبي ~~بكر جلية واضحة، فقال لأصحابه: «والله لأنسين الروم وساوس الشيطان بخالد بن الوليد.» # لم يعترض أحد رأي الخليفة هذا؛ فقد بلغ الموقف في الشام من الحرج أن ترددوا جميعا في ~~احتمال تبعته، ولعل منهم من رأى في تعريض خالد لهذا الموقف الدقيق ما ينهنه من كبريائه بعد ~~نصره المتصل في حروب الردة، وبلوغه قمة النصر في العراق، وكتب أبو بكر إلى خالد بالحيرة ~~يقول: «سر حتى تأتي جموع المسلمين باليرموك؛ فإنهم قد شجوا وأشجوا، # 1 # وإياك أن تعود لمثل ما فعلت، فإنه لم يشج الجموع من الناس # 2 # بعون الله شجاك، ولم ينزع الشجا من الناس # 3 # نزعك، فليهنئك أبا سليمان النية والحظوة، فأتمم يتمم الله لك، ولا يدخلنك عجب ~~فتخسر وتخذل، وإياك أن تدل بعمل؛ فإن الله (عز وجل) له المن وهو ولي الجزاء.» # أي أثر ترك هذا الخطاب في نفس خالد! إنه كان يرجو أن يظل بالعراق حتى يفتح المدائن عاصمة ~~الفرس ويتربع فيها على عرش كسرى وخلفائه، ولم يخالجه في بلوغ هذا الغرض ريب؛ فقد سبر غور ~~الفرس وعرف قوتهم وفتح المدائن فخار لا فخار بعده، فما اليمامة وما الحيرة وما هرمز وقواد ~~فارس جميعا بالقياس إلى العاصمة التي يتطلع إليها قيصر الروم ويتطلع إليها العالم من كل ~~نواحيه، وبالقياس إلى كسرى وإيوانه وأبهة ملكه؟ لا مرية إذن في أن يكون خالد قد برم بكتاب ~~أبي بكر وضاق به صدره، ولعله رأى فيه كيد عمر بن الخطاب له. روى الطبري أنه قال بعد تلاوته: ~~«هذا عمل الأعيسر ابن أم سخلة - يعني عمر بن الخطاب - حسدني أن يكون فتح العراق على يدي.» ~~بل لعله ظن أن عمر طمع في أن يجيء إلى العراق مكانه، وإن يكن هذا الظن قد دار بخاطره فلعله ~~لم يكن مخطئا ولا آثما فيه؛ فقد روي عن أبي بكر أنه قال وهو في مرضه الأخير: «وددت أني ~~كنت إذ وجهت خالد بن الوليد ms234 إلى الشام كنت وجهت عمر بن الخطاب إلى العراق، فكنت قد بسطت يدي ~~كلتيهما في سبيل الله.» # ولقد توقع أبو بكر أن تدور مثل هذه الخواطر بنفس خالد فيكون لها أثر في تصرفه، ولذلك قال ~~له: «إياك أن تعود لمثل ما فعلت.» يشير إلى حجه بغير استئذان، وينبهه إلى أن واجبه الأول أن ~~ينفذ أمر الخليفة إليه، وألا يقوم بعمل لا يرضاه، وأكبر الظن أن ما توقعه الخليفة من برم ~~خالد بترك العراق هو الذي جعله يفرغ كتابه في هذه الصيغة وفيها ما فيها من تمليق خالد ~~وكبريائه، وفيها ما فيها من تخويفه الخسارة والخذلان إن دخله العجب أو دل بعمل؛ «فإن الله ~~(عز وجل) له المن وهو ولي الجزاء». # بل لقد أراد أبو بكر أن يزيل من نفس خالد كل مظنة، فأمره أن يستخلف المثنى بن حارثة على ~~العراق في نصف الناس وأن يأخذ معه النصف، ثم أضاف في ختام كتابه: «فإذا فتح الله عليكم ~~فارددهم إلى العراق وأنت معهم، ثم أنت على عملك.» # 4 # لا خوف إذن من أن يجيء إلى العراق عمر أو غير عمر؛ فالمثنى هو الذي سيخلفه، ~~فإذا فتح الله الشام على خالد عاد إلى العراق. # ولم يك خالد في ريب من أن الله سيفتحه عليه ولئن بلغه من أنباء المسلمين هناك ما بلغه، ~~لقد كان مطمئنا إلى أنه سيف الله وأنه لن يغلب، فليمتثل أمر أبي بكر وليذهب للقاء الروم ~~و # إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين ~~ وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا ~~، ~~ذلك قوله تعالى في المؤمنين، وليس كإيمان خالد إيمان، وليس كسيف الله سيف مؤمن. # ويوم يهزم خالد الروم فذلك يوم الفصل الأكبر، ويومئذ لا يقول ابن الخطاب ولا غير ابن ~~الخطاب مثل الذي قالوا في أعقاب مقتل مالك بن نويرة، وفي أعقاب غزوة اليمامة، ويومئذ لا ~~يكون لطامع في العراق مطمع، بل يرجع هو إلى الحيرة فيتأهب لفتح المدائن وفض إيوان كسرى على ~~من فيه، ثم يسير ms235 غازيا أرض العجم ما شاء الله أن يسير. # على أن خالدا قدر ما سيواجهه بأرض الروم، فأحضر أصحاب رسول الله الذين كانوا معه بالعراق ~~واستأثر بهم لنفسه، وترك للمثنى مثل عددهم ممن لم يكن له مع الرسول صحبة، ونظر بعد ذلك فيمن ~~بقي، فاختار من كان قدم على النبي وافدا أو غير وافد وترك للمثنى مثل عددهم من أهل ~~القناعة، ثم قسم سائر الجند قسمين، فلما رأى المثنى صنيعه غضب وقال: «والله لا أقيم إلا على ~~إنفاذ أمر أبي بكر كله في استصحاب نصف الصحابة أو بعض النصف وكيف تعريني منهم ! ووالله ما ~~أرجو النصر إلا بهم!» فلما رأى خالد ذلك منه تلكأ عليه بعض الشيء، ثم عذره وأرضاه وأعاضه من ~~الصحابة أبطالا مجربين. # مع هذا خشي خالد أن يصيب المسلمين بالعراق شر بعد مغادرته إياهم، فرد الضعفاء والنساء ~~منهم إلى المدينة، حتى لا يشغل المثنى بهم إذا أراد الفرس مناجزته، ولما اطمأن إلى مسيرتهم ~~تجهز فيمن معه من الجند للسفر إلى الشام وخرج المثنى في كتيبة من الجند فشيعه إلى تخوم ~~الصحراء. # أي طريق يسلك لينسي الروم وساوس الشيطان؟ إن بينه وبين الشام صحراء جرداء لا تطرقها قافلة ~~ويضل في مفاوزها الدليل الخريت! أيتخطى البادية من الشمال بين عين التمر وما حاذاها من بلاد ~~الشام؟ ذلك أقصر الطرق خلال البادية لكن قبائل العرب النازلة منه على تخوم الشام موالية ~~كلها للروم ولقيصر، ثم جند مقيمون قد يلقونه فيقطعون عليه طريقه. أفينحدر إلى بلاد العرب ثم ~~يأخذ الطريق التي سلكها عكرمة وأبو عبيدة وسائر الأمراء قبله؟ إنه إن يفعل فلن يبلغ جيوش ~~المسلمين إلا بعد أمد طويل. ماذا يصنع إذن حتى يتقي مقاومة العدو ويقهر طول الأمد؟! إلى هذا ~~انصرف تفكير القائد العبقري. وتفكير العباقرة لا يوجهه المنطق وإنما يهديه الإلهام؛ فليس ~~لنا معشر هذا الناس إلا أن نسير وراء القائد الملهم لا نراجع منطقه ولا نسأله عما يفعل. وما ~~لنا نسأله أو نراجعه! ألم يسر بنا من ظفر إلى ms236 ظفر! لقد سحر ألبابنا وملك أفئدتنا من قبل حين ~~وقفنا معه مواقف أرتنا الموت رأي العين، ثم خرجنا وإياه من المعمعة متوجين بأكاليل النصر، ~~فلنلق إليه قيادنا مطمئنين؛ فهو سيف الله، والله ناصره لا محاله. # والواقع أن مسيرة خالد من العراق إلى الشام أدنى إلى القصص الروائي منها إلى الحقيقة ~~الواقعة، ذلك أيسر ما يقال عن أشهر الروايات فيها وأكثرها قصدا، ولذلك يمر بعض المؤرخين ~~بها لا يقفون عندها، ويكتفي بعضهم بالإشارة إليها، ويقدمها ابن خلدون لقارئه بكلمة «ويقال» ~~ولم يفصلها أحد ما فصلها ابن قتيبة في بعض كتبه، ونقاد ابن قتيبة يذكرون عنه أنه مؤرخ أديب ~~شديد الولع بالقصص، على أن الوقائع الأساسية في هذه الرواية مذكورة في تاريخ الطبري وفي ابن ~~الأثير وفي أكثر الكتب، وقد يكون فيها ما يحير اللب ويذهل الذهن، لكن أعمال خالد، عبقري ~~الحرب وأكبر قائد عرفه العالم في عصره، لا تخضع كلها للمقاييس المطردة في أمر غيره من ~~القواد، فإذا أضفنا إلى ذلك ما ذكرنا غير مرة من اضطراب الروايات عن عهد أبي بكر، قام هذا ~~وذاك عذرا للمؤرخين جميعا، سواء منهم من يثبت هذه الرواية المشهورة ومن يتخطاها أو يبدي ~~الريبة فيها. # وتذهب هذه الرواية إلى أن خالدا لم ير اجتياز الصحراء من عين التمر إلى شمال الشام، مع ~~قصر هذا الطريق، مخافة القبائل الموالية للروم والجيوش الجاثمة في هذا الجانب من إمبراطورية ~~قيصر، لذلك انحدر بجيشه إلى دومة الجندل في الطريق الذي سلكه حين ذهب من الحيرة مددا لعياض ~~بن غنم، # 5 # ومن دومة، سلك خالد طريق وادي سرحان حتى إذا بلغ قراقر أغار على أهلها من بني ~~كلب، ولو أنه تابع مسيرته في طريق الوادي لبلغ بصرى في أيام، ولاتصل بجيش أبي عبيدة وسائر ~~جيوش المسلمين على اليرموك، لكنه قدر أنه ربما لقي من جيوش الروم قبل بصرى من يصده عن غايته ~~أو يطيل مكثه دونها، لذلك قال لأصحابه: «كيف لي بطريق أخرج فيه وراء جموع الروم؛ فإني إن ~~استقبلتها ms237 حبستني عن غياث المسلمين.» وأجابوه كلهم: «لا نعرف إلا طريقا لا يحمل الجيوش ~~وإنما يأخذه الفذ الراكب فإياك أن تغرر بالمسلمين.» لكن خالدا كان قد عزم سلوك هذا الطريق، ~~فقام إلى أصحابه فقال لهم: «لا يختلفن هديكم، ولا يضعفن يقينكم، واعلموا أن المعونة تأتي ~~على قدر النية، والأجر على قدر الحسبة، وأن المسلم لا ينبغي له أن يكترث لشيء يقع فيه مع ~~معونة الله له.» وتحمس أصحابه حين سمعوا قوله هذا، فكان ردهم عليه: «أنت رجل قد جمع الله لك ~~الخير، فشأنك.» # والتمس خالد دليلا يسلك به هذه الطريق، فجيء برافع بن عميرة الطائي، فقال له: «انطلق ~~بالناس.» قال رافع: «إنك لن تطيق ذلك بالخيل والأنفال، والله إن الراكب المفرد يخشى فيها ~~على نفسه، إنها لخمس ليال لا يصاب فيها ماء.» وحدق إليه خالد وقال: «لا بد والله من ذلك، ~~فمر بأمرك.» وكان رافع قد سمع حديث خالد لأصحابه ورأى إقرارهم إياه، وأيقن أن لا مفر من ~~نفاذ أمره، فقال: «استكثروا إذن من الماء، من استطاع منكم أن يصر أذن ناقته على ماء فليفعل، ~~فإنها المهالك إلا ما دفع الله.» وطلب إلى خالد أن يجيئوه بما استطاعوا من إبل سمان، فلما ~~جاءوه بها عمد إليها فظمأها، حتى إذا أجهدها عطشا أوردها الماء عللا بعد نهل، # 6 # فلما امتلأت صر آذانها وشد شافرها لئلا تجتر، وانطلق خالد بن الوليد بالجيش ~~يتقدمه رافع، وقضوا خمسة أيام يسيرون في وحشة الصحراء ووحدتها وكل اعتمادهم بعد الله على ~~دليلهم؛ ينزلون في كل يوم فيأكل الرجال ويشربون مما معهم من الماء، ثم يشقون بطون عدد من ~~هذه الإبل التي اتخذوها صهاريج، ويخرجون الماء منها ويسقونه الخيل، فلما كان اليوم الخامس ~~نادى خالد دليله: «ويحك يا رافع! ما عندك؟» قال رافع: «خير ... أدركتم الري إن شاء الله، ~~وأنتم على الماء.» وكان رافع أرمد فأدار رأسه يمنة ويسرة ثم قال: «أيها الناس، انظروا علمين ~~كأنهما ثديان.» فلما آتوهما وقف عليهما وقال: «انظروا، هل ترون شجيرة من عوسج ms238 كقعدة الرجل؟» ~~قالوا: ما نراها قال: «إنا لله وإنا إليه راجعون، هلكتم إذن والله وهلكت لا أبا لكم! اضربوا ~~يمنة ويسرة.» فنظروا فوجدوا الشجرة قد قطعت وبقيت منها بقية، فلما رآها المسلمون كبروا وكبر ~~رافع، ثم قال: «احفروا في أصلها.» فحفروا فنبع الماء من عين، فشرب الناس حتى رووا، فلما ~~اطمأنوا إلى السلامة قال رافع: «والله ما وردت هذا الماء قط إلا مرة واحدة مع أبي وأنا ~~غلام.» # أدرك خالد وجيشه الري حين بلغوا هذا المكان، وأدركوا عنده مفاتح الشام ودخل خالد سوى قبيل ~~الصبح فأغار على أهلها من بهراء، وفزع الناس حين رأوا المسلمين ولم يطيقوا مقاومتهم، ~~فأذعنوا طوعا أو كرها وسلم أهل تدمر بعد مقاومة يسيرة، ولم ير خالد أن يهاجم دمشق وهو ~~إنما جاء مددا لجيوش المسلمين المقيمة على اليرموك، فسلك غير بعيد طريق حوارين، حتى إذا ~~أتى قصم صالح أهلها قضاعة، ومنها انحدر إلى أذرعات، وأغار على غسان بمرج راهط، ثم سار حتى ~~نزل على قناة بصرى وعليها أبو عبيدة بن الجراح وشرحبيل بن حسنة ويزيد بن أبي سفيان، وتقدمهم ~~خالد فاقتحموا بصرى وفتحها الله عليهم، ثم ساروا جميعا إلى فلسطين مددا لعمرو بن العاص ~~بالعربات عند الغور، وعسكر خالد بجنوده إلى جوار زملائه، وبذلك اكتمل جمع المسلمين على ~~اليرموك. # هذه هي الرواية المشهورة عن سير خالد من العراق إلى الشام، وأنت ترى أنها أقرب إلى القصص ~~الروائي وإن تضافرت روايات المؤرخين عليها، واجتياز المفازة بدلالة رافع بن عميرة أعجب ما ~~فيها، على أن هذا العجب لم يمنع من تصديقها، أن كان لخالد ما هو أعجب منها؛ فانحداره من عين ~~التمر لغياث غياض بن غنم أمام دومة بعض هذا العجب، وحجة خالد في سر من الناس عجب أيضا، ~~وحروب خالد باليمامة وفتحه العراق عجب كل العجب، وهو إنما كان يختار أقرب الطرق إلى الظفر ~~وأدناها إلى بلوغ النصر، وهذه المفازة التي اجتازها قد بعدت به عن مخاطر أراد اتقاءها، ~~وأدنته من لقاء جيش المسلمين، فلا عجب ms239 أن تصدق الرواية عنها، ولا عجب أن يتخذ خالد هذا ~~الطريق طريقه، وإن حير ذلك ألبابنا وأذهل أذهاننا. # أراد بعض المؤلفين الذين أقروا هذه الرواية أن ينفوا عنها كل ما يبعد بها عن مقتضى العقل. ~~اختلف في عدد الجيش الذي سار به خالد من العراق، فقيل: كان تسعة آلاف وقيل: ستة آلاف، وذهب ~~بعضهم إلى أنه ثمانمائة، أو ستمائة، أو خمسمائة، وأصحاب الرواية الأولى يذكرون أن خالدا ~~سار بنصف الجيش الذي كان بالعراق تنفيذا لأمر أبي بكر، وكان هذا الجيش ثمانية عشر ألفا أو ~~نحوها، أما الذين يذكرون أن هذا الجيش كان دون الألف فيؤيدون رأيهم بأن القصد من مسيرة خالد ~~إلى الشام إنما كان لعبقريته في القيادة؛ أما الجيوش التي كانت تواجه الروم فلم تكن قليلة ~~العدد، وكان المدد يجيء لها من المدينة متصلا؛ فمسيرة خالد في عدد قليل مقصودة حتى لا تحول ~~ضخامة العدد بينه وبين السرعة في نجدة من رآهم الخليفة في حاجة إلى نجدته. # ويتوسط بعضهم فيذهب إلى أن خالدا فصل من العراق في النصف من جيشه، فلما بلغ قراقر وعزم ~~اجتياز المفازة سار خلالها في بضع مئات، وتابع سائر الجيش مسيرته بوادي سرحان حتى اتصل ~~بجيوش المسلمين عند بصرى، وليس هذا الرأي بالمستحيل وإن اعترض عليه بأن مخافة خالد أن ~~تستقبله جموع الروم فتحبسه عن غياث المسلمين تطعن على خالد أنه عرض القسم الأكبر من جيشه ~~لأمر لم يرد أن يتعرض له هو ومن اختارهم للسير معه. # وأيا كان الرأي في مسيرة خالد وفي الجيش الذي صحبه من العراق فإنه أدرك المسلمين ~~باليرموك وقام معهم لقتال الروم، ولقد صادف مجيئه أن عزز هرقل جيشه بباهان القائد القادر ~~الذي هزم خالد بن سعيد، واغتبط الروم بباهان اغتباط المسلمين بخالد بن الوليد، وأقام ~~الجيشان يتحين كل منهما فرصة النزال يريدها مواتية ليتم له بها النصر على عدوه. # والحق أنه كان موقفا بالغا غاية الدقة، ولم تكن كل دقته في فرق ما بين الجيشين في ~~العدد؛ إذ كان ms240 المسلمون لا يزيدون على أربعين ألفا، في حين كان الروم أربعين ومائتي ألف؛ ~~بل كانت دقته كذلك في تفوق عدة الروم على عدة المسلمين، لم يكن هذا التفوق مما نعهده بين ~~الجيوش في عصرنا الحاضر، فلم يكن الروم بأعلم من العرب بأساليب الحرب؛ لكنه كان تفوقا يضاف ~~إلى العدد فيزيده بأسا وإن لم يظهر له أثر طيلة الشهرين اللذين انقضيا منذ جمع المسلمون ~~وجمع الروم قواتهم على اليرموك، وعلة ذلك أن المسلمين كانوا يتفوقون على الروم بقوتهم ~~المعنوية، كانت جموع الروم خليطا من البدو المقيمين بالشام ومن جيوش هرقل التي غزت الفرس ~~من قبل، ولم تكن بين هؤلاء وأولئك رابطة تجمعهم، ولم يكن لهم مثل أعلى يجاهدون في سبيله، ~~أما المسلمون فكانوا جميعا من العرب، وكانوا جميعا يؤمنون بأنهم في غزوهم الروم يجاهدون ~~في سبيل الله حق جهاده، فمن استشهد منهم فله الجنة فيها نعيم مقيم ومغفرة من الله ورضوان، ~~ومن لم يؤت الشهادة كتب له جهاده عند الله، ثم كان له من مغانم الحرب ما يزيده حبا فيها ~~وإقبالا عليها. # ترى لأي القوتين في هذا الموقف يكون الغلب: قوة العدد أم قوة الإيمان؟ قوة المادة أم قوة ~~الروح؟! # وتعاقبت الأيام وانقضى أسبوع وأسبوعان وثلاثة أسابيع والجيشان في موقفهما لا تحين لأيهما ~~فرصة النزال. كيف أطاق خالد بن الوليد هذا الموقف وما صبر قط لمثله من قبل؟ أفراعته كثرة ~~جيوش الروم فهابها كما هابها زملاؤه؟ أم كان يدرس الموقف ويفكر في أسباب النصر؟! أم إن ~~عوامل أخرى كان لها في نفسه من الأثر ما قعد به كل هذا الزمن عن القيام بهجوم؟ كل ما تذكره ~~الروايات أن جيش المسلمين لم يكن موحد القيادة، وأن خالدا جاء من العراق مددا لزملائه ولم ~~يجئ أميرا عليهم، بل لقد كان الأذان للصلاة ينادى به في كل معسكر على حدة، وكان كل أمير من ~~أمراء الجند ينظم خطته بما يكفل عدم تراجعه، لذلك لم يستطع خالد أن يقوم بهجوم وحده، وليس ~~في إمرته على ms241 أكثر تقدير غير تسعة الآلاف الذين جاءوا معه مع العراق، وقد أدى هذا التفرق في ~~القيادة إلى هجمات من جانب الروم ردها المسلمون ثم قعد بهم تفرق القيادة عن القيام ~~بمثلها. # ماذا يستطيع خالد أن يفعل في مثل هذا الموقف؟ إن أبا بكر لم يوله إمارة الجيش حين كتب ~~إليه بالسير من العراق إلى الشام، فلو أنه طلب أن يتولاها لأوغر صدر زملائه ولأقام بالمدينة ~~قيامة خصومة، وعلى رأسهم عمر بن الخطاب، لكن البقاء في هذا الموقف على ضفة اليرموك يزري به ~~ويذهب عزم المسلمين، والروم ينشطون كل يوم وينظمون صفوفهم، وتدل أنباؤهم على أنهم يتجهزون ~~لموقعة حاسمة، وقد عرف أمراء الجند من زملاء خالد هذه الأنباء، أفلا يستطيع أن يقنعهم برأيه ~~في وحدة القيادة؟! لكنه لا يثق بأحد منهم ما يثق بنفسه، وهو إن دعا إلى أبي عبيدة أو إلى ~~عمرو مثلا أغضب سائر الأمراء، فماذا عساه يصنع؟! # تواترت الأنباء بتجهيز الروم وحماستهم لقتال المسلمين بعد أن جاءهم باهان بعدد كبير من ~~القسيسين أقاموا شهرا يحرضونهم وينعون لهم النصرانية إذا لم يقض على هؤلاء العرب البغاة ~~القضاء الأخير، بل لقد ترامى إلى أمراء الجند على المسلمين أن الروم سينازلوهم في غدهم، وأن ~~باهان صفهم للقتال صفا لم يسمع أحد من قبل بمثله، عند ذلك ريعوا واجتمعوا يتشاورون ما ~~يصنعون. # وبدءوا الحديث عن كل أمير منهم ووجهته للقاء العدو، أما تعبئة الجيش فلم يتناولها البحث ~~إذا كان كل أمير صاحب الرأي في صف جنوده، فلما آن لابن الوليد أن يتكلم حمد الله وأثنى عليه ~~وقال: «إن هذا يوم من أيام الله لا ينبغي فيه الفخر ولا البغي، أخلصوا جهادكم وأريدوا الله ~~بعملكم، فهذا يوم له ما بعده، ولا تقاتلوا قوما على نظام وتعبئة وأنتم على تساند وانتشار، ~~فإن ذلك لا يحل ولا ينبغي، وإن من وراءكم لو يعلم علمكم حال بينكم وبين هذا، فاعملوا فيما ~~لم تؤمروا به بالذي ترون أنه الرأي من واليكم ومحبته.» أمسك الأمراء عن القول هنيهة ms242 بعد ~~الذي سمعوا من خالد. إنه على حق؛ وآية ذلك بقاؤهم شهرين قبل مجيئه وشهرا بعده وهم لا ~~يقدرون من أمر الروم على شيء وقد تجهز الروم فعبئوا، ترى لو أنهم ظفروا بالمسلمين وردوهم، ~~فلمن تكون الإمارات التي وعد أبو بكر بها هؤلاء الأمراء؟ لمن تكون حمص إذا لم يدركها أبو ~~عبيدة؟ ولمن تكون البلقاء إذا لم يقم بها يزيد؟ ولمن تكون الأردن إذا جلا عنها شرحبيل، ~~والعربة إذا أخلاها ابن العاص؟ وإذا ظفر الروم بالمسلمين فكيف يرجع هؤلاء الأمراء إلى ~~المدينة وقد فصلوا عنها مددا لعكرمة بعد أن أصاب خالد بن سعيد من خزي الهزيمة ما ~~أصابه؟! # مر ذلك كله بخاطر الأمراء حين سمعوا خالدا، فقالوا له بعد هنيهة: «هات! فما الرأي؟» قال: ~~«إن أبا بكر لم يبعثنا إلا وهو يرى أنا سنتياسر، ولو علم بالذي كان ويكون لقد صحبكم، إن ~~الذي أنتم فيه أشد على المسلمين مما قد غشيهم، وأنفع للمشركين من أمدادهم، ولقد علمت أن ~~الدنيا فرقت بينكم، فالله الله! فقد أفرد كل رجل منكم ببلد لا ينتقصه منه إن دان لغيره من ~~الأمراء، ولا يزيده عليه إن دانوا له، إن تأمير بعضكم لا ينقصكم عند الله ولا عند خليفة ~~رسول الله. هلموا! فإن هؤلاء قد تهيئوا، وإن هذا يوم له ما بعده؛ إن رددناهم إلى خندقهم ~~اليوم لم نزل نردهم، وإن هزمونا لم نفلح بعدها. هلموا فلنتعاور الإمارة، فليكن بعضنا اليوم، ~~والآخر غدا، والآخر بعد غد، حتى تتأمروا كلكم، ودعوني أتأمر اليوم.» # ولم يتردد القوم في إجابة خالد إلى ما طلب بعد أن سمعوا كلامه؛ وما لهم لا يؤمرونه اليوم ~~الأول وهذه المعركة لا ريب تطول، وإن هي إلا واحدة من المعارك التي تطاولت ثلاثة أشهر، ~~والتي توشك أن تمتد حتى يتداول كل واحد منهم إمارة الجيش مرات! وهون عليهم ما بلغهم من تجهز ~~الروم أن يدعوا خالدا يتلقى الصدمة الأولى؛ لأنه قد عرض نفسه لها، وما كان لأحدهم أن ينكر ~~مقدرته عليها وهو غازي اليمامة ms243 وفاتح العراق. # وكان خالد أثناء هذا الشهر الذي أقامه بالشام قد عرف من أسرار قيادة الروم ما طوع ~~لعبقريته أن ترسم الخطة لملاقاتهم والظفر بهم، لذلك عبأ الجيش فرقا، أو كراديس على تعبير ~~المؤرخين، كل كردوس منها ألف رجل، وجعل على كراديس القلب أبا عبيدة، وعلى كراديس الميمنة ~~عمرو بن العاص ومعه شرحبيل بن حسنة، وعلى كراديس الميسرة يزيد بن أبي سفيان، وجعل على كل ~~كردوس رجلا من القادة الشجعان أمثال القعقاع وعكرمة وصفوان بن أمية ومن إليهم، وهذه تعبئة ~~لم تعبئها العرب من قبل؛ وإنما سوغها خالد بقوله لأصحابه: «إن عدوكم قد كثر وطغى، وليس أكثر ~~في رأى العين من الكراديس.» # وعهد خالد إلى أبي سفيان في مهمة القاص، فكان ينتقل بين الكراديس فيقول: «الله، الله! ~~إنكم ذادة العرب وأنصار الإسلام، وإنهم ذادة الروم وأنصار الشرك، اللهم إن هذا اليوم من ~~أيامك! أنزل نصرك على عبادك!» # وسمع خالد رجلا يقول: «ما أكثر الروم وأقل المسلمين!» فغضب حين سمعها وصاح: «بل ما أقل ~~الروم وأكثر المسلمين! إنما تكثر الجنود بالنصر وتقل بالخذلان لا بعدد الرجال، والله لوددت ~~أن الأشقر بريء من توجيه وأنهم أضعفوا في العدد.» والأشقر فرسه، وكان حفي في مسيره ~~بالمفازة. # وانتشرت عبارات خالد هذه في العسكر وجعل الجند يتناقلونها من كردوس إلى كردوس، فتلهب ~~النفوس حمية وتوقظ في القلوب الشوق إلى الاستشهاد، بل لقد تكررت على كل الألسنة كلمته: ~~«إنما تكثر الجنود بالنصر وتقل بالخذلان.» وذكروا جميعا غزواته، وذكروا قبلها غزوات ~~الرسول، وكيف لا يذكرونها وبينهم ألف رجل من أصحاب رسول الله، منهم مائة من أهل بدر! وخالد ~~بن الوليد هذا، أليس هو الذي دوخ الفرس وحطم جيوشهم، وكانوا بالنسبة لجيشه بالعراق كجيوش ~~الروم بالنسبة لهم عددا! النصر إذن آت لا محالة وإن تنصروا الله ينصركم ويثبت ~~أقدامكم. # وسرت إلى قلوب المسلمين قوة لم يكن لهم بمثلها عهد منذ نزلوا الشام، فقد أيقنوا أن خالدا ~~أراد لهذا اليوم أن يكون يوم الفصل، وهم يعلمون أن خالدا إذا ms244 أراد لم ترده قوة عن عزمه، ثم ~~إنهم رأوا الروم تهيئوا من جانبهم إلى موقعة حاسمة فليس إلى اتقائها سبيل، صدق إذن والله ~~خالد: هذا يوم من أيام الله، يستحب فيه الاستشهاد، وتفتح فيه أبواب الجنة، وتوهب فيه الحياة ~~لمن حرص على الموت، لذلك تقدم القادة صفوفهم، هذا يرتجز، وذاك يرتجل، والثالث يتمثل، وكلهم ~~ينتظر الأمر بالهجوم بصبر نافد وعزم ثابت على النصر أو الموت. # اتصلت بالروم أنباء عن تجهز المسلمين كما اتصل بالمسلمين نبأ تجهزهم، أن كان بعض البدو من ~~تلك الأصقاع ينقلون الأنباء متجسسين بين العسكرين، وقد عرف خالد من هؤلاء البدو أسرار قيادة ~~الروم، كما عرف فزع بعض أمرائهم حين علموا بمقدمه من العراق، وكان چرچة أكثر هؤلاء الأمراء ~~فزعا، ولعل چرچة هذا كان عربيا أو روميا أقام بالشام السنين الطوال، فعرف العربية وسمع ~~بأبناء المسلمين، ولقد مال قلبه إلى خالد حين نقل له المتجسسون أنباء نصره، وعرف خالد ذلك ~~عنه فلما صدرت أوامر باهان إلى جيوش الروم بالزحف على المسلمين كان چرچة بجيشه في الطليعة، ~~فتلقاه خالد وفسح له ولعسكره طريقا، وظن فيلق من الروم أن چرچة في حاجة إلى المدد فانقضوا ~~على المسلمين فأزاحوهم عن مواقفهم وحملوهم على التراجع. # كان عكرمة بن أبي جهل على كردوسه أمام فسطاط خالد بن الوليد، وقد رأى تسليم چرچة وجنوده ~~فاستراح له، فلما رأى هجمة فيلق الروم وتراجع المسلمين أمامهم ثار في عروقه دمه وصاح في وجه ~~الروم: «قاتلت رسول الله في كل موطن وأفر منكم اليوم!» ثم انقلب إلى أصحابه ينادي: «من ~~يبايع على الموت؟!» وبايعه ضرار بن الأزور والحارث بن هشام في أربعمائة من وجوه المسلمين ~~وفرسانهم بينهم عمرو بن عكرمة ولده، واندفع هؤلاء أربع المائة الذين بايعوا على الموت على ~~فيلق الروم هجمة رجل واحد، مستميتين في سبيل ربهم، وقد تجلى لهم وجهه الأكرم، وقد أضاء لهم ~~بنوره سبيل الاستشهاد والجنة، وزلزلت الهجمة الروم وزادهم زلزالا أن انضم چرچة وجنوده ~~للمسلمين في مهاجمتهم، مما ثبت في ms245 نفوسهم اليقين بغدر بني وطنهم وانضمامهم لأعدائهم. # ورأى خالد فيلق الروم يرتد فأمر الجيش كله بالتقدم، فإذا الروم يلقونه بهجوم ليس دون ~~هجومه عنفا، هنالك أيقن المسلمون أن لا مفر لهم من الفناء إلا بالنصر، فازدادوا بالله ~~إيمانا، وزاد الإيمان هجومهم قوة، اندفع ابن الوليد في مقدمتهم يهوي بسيفه على عدوه فيخطف ~~أرواحهم خطفا، وبلغت الحماسة بالمسلمين حتى شارك النساء الرجال، فكانت لجويرية ابنة أبي ~~سفيان مواقف تعيد إلى الذاكرة موقف أمها هند في غزوة أحد. # وقاتل الروم مستميتين، واندفعوا يقتلون من المسلمين كل من وقع في يدهم، ولذا ترجحت ~~المعركة واستمر ترجحها طيلة النهار، ووقف عكرمة والذين بايعوه على الموت لا يتراجع أحد منهم ~~قيد أنملة بعد أن وهب كل منهم لله نفسه، وبذلك حملوا وطيس المعركة من بداءتها إلى منتهاها، ~~فلما كانت الشمس في المغيب بدأت قوات الروم تهن، وبدا الإعياء على وجوه فرسانهم، ورأى خالد ~~أنهم يلتمسون إلى الهرب الوسيلة، أما والهاوية من ورائهم والمسلمون من أمامهم، فليس لهم إلى ~~مهرب من سبيل. # وقدر خالد أن فرارهم يزيد أصحابهم ضعفا، فأمر رجاله ففسحوا طريقا يؤدي بهم إلى الوادي، ~~ولم يلبث هؤلاء الفرسان حين رأوا وسيلة النجاة تهيأت لهم أن فروا هاربين وتفرقوا في البلاد، ~~عند ذلك انقض خالد بفرسانه ومشاته على مشاة الروم فاقتحموا عليه خندقهم فتراجعوا؛ وكانت ~~وراءهم هاوية الواقوصة فتردوا فيها وكأنهم جدار دك من أساسه، وشدد المسلمون الضغط عليهم ~~فجعلوا يتراجعون فيتردى في الهاوية منهم فريق بعد فريق، وظلوا كذلك يتلاحقون، حتى قيل: إنه ~~قتل منهم يومئذ مائة ألف، وقيل: مائة وعشرون ألفا. # وقتل يومئذ تذارق أخو هرقل، كما قتل عدد كبير من أمراء الجيش على الروم، وكان الفيقار ~~وطائفة معه من أشراف الروم قد نجوا من الموت، فلما رأوا ما حل بأصحابهم تجللوا برانسهم ~~ونكسوا رءوسهم وجلسوا حيث كانوا فقتلوا، وكان الموت منجاتهم من العار، أما باهان ففر ونجا ~~ليقف أمام المسلمين من بعد في مواقع لا يكون حظه فيها خيرا من حظه ms246 في اليرموك. # تمت هزيمة الروم، فدخل المسلمون عسكرهم، واستقر خالد في رواق تذارق، وغنم المسلمون كل ما ~~في عسكر الروم، فكان نفل الفارس منه ألفا وخمسة دراهم، ومن الرواق الذي أقام به شقيق قيصر ~~خلال ثلاثة الأشهر التي انقضت مذ وقف المسلمون والروم وجها لوجه، مد خالد بصره إلى الميدان ~~الذي فر منه الروم فأصبح خلاء ليس لهم فيه نبأة ولا هسيس، ثم رفعه إلى السماء شكرا لله على ~~نعمائه. # ولم يكن عدد القتلى من المسلمين في وقعة اليرموك قليلا؛ إذ بلغ ثلاثة الآلاف، من بينهم ~~عدد من كبار الصحابة والفرسان ذوي المكانة والبلاء، وكان عكرمة بن أبي جهل وابنه عمرو قد ~~أصابتهما الجراح من كل جانب أثناء المعركة، فلما أصبح القوم جيء بهما إلى خالد برواق تذارق، ~~فوضع رأس عكرمة على فخذه ورأس عمرو بن عكرمة على ساقه وجعل يمسح عن وجهيهما ويقطر في ~~حلقيهما الماء حتى استشهدا، وأصيبت عين أبي سفيان بسهم أخرجه منها أبو جثمة. # قضت موقعة اليرموك على كل أمل للروم في استبقاء الشام، فلم يكد هرقل يسمع بهزيمة جيشه حتى ~~جلا عن معسكره بحمص وجعلها بينه وبين المسلمين، وأقام عليها أميرا كما أقام من قبل على ~~دمشق أميرا، أما المسلمون فما لبثوا حين فرغوا من أمر اليرموك أن ساروا إلى أرض الأردن ~~فطهروها من رافضة الروم، ثم لاحقوهم إلى دمشق وحاصروهم بها. # وحصار دمشق وتغلب المسلمين عليها وما تلا ذلك إلى أن تم فتح الشام قد حدث في خلافة عمر، ~~على رواية الطبري ومن إليه. # لم نقف من قصصنا أنباء اليرموك عند نبأ تواترت روايته واختلف مع ذلك فيه، ذلك النبأ أن ~~محمية بن زنيم قدم بريدا من المدينة بعدما بدأت الموقعة، فأخذه الفرسان وسألوه ما وراءه، ~~فأخبرهم بأن الأمداد في طريقها إليهم؛ فجاءوا به إلى خالد فأسر إليه أن أبا بكر قبض، ودفع ~~إليه كتابا أخذه خالد فجعله في كنانته مخافة أن ينتشر الخبر في الجند، وكان هذا الكتاب ~~يحوي استخلاف عمر بن الخطاب ms247 وأمرا بعزل خالد عن إمارة الجيش وبتأمير أبي عبيدة بن الجراح، ~~فلما أتم خالد واجبه وظفر بالروم تنحى عن القيادة وتولاها أبو عبيدة مكانه. # هذا نبأ تختلف الروايات فيه مع تواتره، وليس يقع الخلاف على عزل خالد، فهذا أمر مسلم به؛ ~~إنما يقع على تصويره في هذه الصورة التي روينا، فالأكثرون يؤيدونها وبعضهم يذكر أن الأمر ~~بعزل خالد لم يسلم إليه، وإنما أخذه أبو عبيدة فأخفاه حتى تمت المعركة؛ ولم يطالع به خالدا ~~حتى حاصروا دمشق، ويذهب غير هؤلاء إلى أن أبا عبيدة أمسك عن ذكره حتى فتحت دمشق، فلما تم ~~فتحها أظهر إمارته وعزل خالد. # وعزل ابن الخطاب خالدا عن إمارة الجند بالشام على النحو الذي رواه الطبري ومن إليه يثير ~~الدهشة؛ فلم يكن خالد أميرا على جيش بالشام غير جيشه الذي جاء معه من العراق، ولم يكن أبو ~~عبيدة في هذه الرواية أميرا إلا على جيشه، شأنه في ذلك شأن عمرو بن العاص ويزيد بن أبي ~~سفيان وشرحبيل بن حسنة، وإنما قام خالد على إمارة الجيش عامة يوم اليرموك بالاتفاق بينه ~~وبين سائر القواد، ولو أن النصر لم يتم له في اليوم الأول لكانت القيادة لغيره في اليوم ~~الثاني، ولغيرهما في اليوم الذي يليه، والدهشة لعزل ابن الخطاب خالدا تدعونا أن نتلمس في ~~غير رواية الطبري وأصحابه ما يزيلها. # وسترى أن الأزدي والواقدي والبلاذري يخالفون الطبري كذلك في الترتيب التاريخي لوقائع ~~الفتح في الشام، ويختلفون على هذا الترتيب فيما بينهم، فقد قيل: إن أجنادين ودمشق وغيرهما ~~كانت قبل اليرموك، وقيل: إن اليرموك كانت آخر الوقائع، وسنقص هذه الروايات في إيجاز لا يجني ~~عليها ويصور ما تنطوي عليه وما تتفق أو تختلف مع الطبري فيه. # وهذه الروايات تذهب إلى أن الله عزم لأبي بكر فتح الشام بعد أن تمت حروب الردة ولم يكن ~~على تخومه من المسلمين أحد، ثم إنه أصبح يوما ودعا أهل الرأي بالمدينة وأفضى إليهم بما ~~استقر عليه رأيه، فلما اطمأنوا إليه على ما ذكرنا في ms248 الفصل السابق، بعث إلى أهل اليمن وإلى ~~غيرهم من المسلمين يستنفرهم لغزو الروم بالشام، وفي انتظار مجيئهم جعل يعد جيوشه من أهل ~~المدينة ومكة والطائف وما جاورها، وقد عين من هؤلاء أربعة ألوية جعل عليها يزيد بن أبي ~~سفيان وأبا عبيدة بين الجراح ومعاذ بن جبل وشرحبيل بن حسنة، وفي رواية أنه عين لكل أمير من ~~هؤلاء منطقة في فلسطين أو الشام، ثم تكون القيادة العامة على الجيوش لمن يقع القتال في ~~منطقته، وفي رواية أخرى أنه جعل أبا عبيدة أميرا على هذه الجيوش جميعا، وجعل يزيد بن أبي ~~سفيان خلفه في الإمارة ، # 7 # وتم تجهيز هذه الجيوش للسير حين أقبل ذو الكلاع الحميري وسائر أمراء اليمن على ~~قبائلهم من مذحج وطيء وأسد وغيرهم، هنالك ودع أبو بكر يزيد بن أبي سفيان وجيشه إلى الشام ~~وأردفه بزمعة بن الأسود وأوصاه بما سبق أن ذكرناه. # وضاقت المدينة بالقادمين من أرجاء شبه الجزيرة، فخرج أبو بكر إلى ثنية الوداع فوجه الجيوش ~~منها إلى الشام، وقد انضم خالد بن سعيد بن العاص إلى جيش أبي عبيدة بن الجراح مفضلا إياه ~~على ابن عمه يزيد بن أبي سفيان؛ لأنه أسبق في الإسلام، ولأنه أمين الأمة على لسان رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وخرجت جيوش اليمن ومعها نساؤها وأبناؤها تسير مع المهاجرين والأنصار فيمتلئ بهم ~~فضاء الصحراء، وجاء إلى المدينة بعد مسيرهم جند من اليمن ومن سائر العرب بعثهم الخليفة في ~~إثر من تقدموهم لينضموا إلى أي الأمراء شاءوا. # وكان هرقل بفلسطين حين بلغته أنباء المسلمين ومسيرتهم لغزو بلاده، عند ذلك جمع رءوس المدن ~~وحرضهم على قتال هؤلاء «الحفاة العراة الجياع» الذين خرجوا إلى بلادهم، وقال لهم: «وأنا ~~شاخص عنكم وممدكم بالخيول والرجال، وقد أمرت عليكم أمراء فاسمعوا لهم وأطيعوا.» ثم إنه خرج ~~من فلسطين إلى دمشق فإلى إنطاكية، وجعل يحرض الناس ويقول لهم مثل ما قال لأهل فلسطين، وأقام ~~بإنطاكية يتخذ لمواجهة المسلمين عدته. # وبلغ أبو عبيدة أرض الشام مارا بوادي القرى وبالحجر، ms249 فلما دخل مآب قاومه جند من الروم ~~لم يلبث أن شتتهم، ولما بلغ أبو عبيدة الجابية جاءته أنباء هرقل تصف تجهز الروم للقاء ~~المسلمين بجيش لم يسمع بمثله عددا وعدة، عند ذلك كتب إلى أبي بكر يستشيره ويستمده، وكتب ~~يزيد بن أبي سفيان كذلك يذكر أن انسحاب هرقل إلى إنطاكية آية خوفه وانزعاجه، ورضي أبو بكر ~~عن كتاب يزيد وأجابه يشجعه، أما جوابه إلى أبي عبيدة فلم يخل من بعض اللوم، وفي الكتابين ~~ذكر أبو بكر أنه ممد المسلمين بأضعاف ما يمد هرقل به أمراء جنده. # وكتب الخليفة إلى أهل مكة يشاورهم، فغضب عمر ورأى في استشارتهم تسوية لهم بالسابقين ~~الأولين من المسلمين، وعتب أهل مكة على ابن الخطاب، وكان مما قاله عكرمة بن أبي جهل: «أما ~~إنكم إن كنتم تجدون قبل اليوم في عداوتنا عقالا فلستم اليوم بأشد علي من ترك هذا الدين ~~وعادى المسلمين منا.» # كانت العرب في هذه الأثناء تنسل من كل صوب وحدب إلى المدينة تريد أن يكون لها في غزو ~~الشام نصيب، وجمعهم أبو بكر، وجعل عمرو بن العاص عليهم وعلى من جاء من أهل مكة، وسأل عمرو: ~~«ألست أنا الوالي على الناس؟» وأجابه الخليفة: «أنت الوالي على من معك من ها هنا، فإن ~~جمعتكم حرب فأميركم أبو عبيدة بن الجراح.» ولما آن لعمرو أن يسير توجه إلى عمر بن الخطاب ~~فسأله أن يكلم أبا بكر ليجعله أميرا على المسلمين بالشام، قال عمر: «لا أكذبك، ما كنت ~~لأكلمه في ذلك أبدا وأبو عبيدة أفضل منزلة عندنا منك.» وألح ابن العاص يقول: «إنه لا ينقص ~~أبا عبيدة شيئا من فضله أن ألي عليه.» ولم يغير هذا الكلام من رأي ابن الخطاب، بل أجابه: ~~«ويحك يا عمرو! إنك لتحب الإمارة، والله ما تطلب بهذه الرياسة إلا شرف الدنيا، فاتق الله يا ~~عمرو ولا تطلب بشيء من سعيك إلا وجه الله، فاخرج إلى هذا الجيش؛ فإنك إن لم تكن أميرا هذه ~~المرة فما أسرع ما تكون إن شاء ms250 الله أميرا ليس فوقك أحد.» ورضي عمرو وسار بجيشه إلى الشام ~~بعد أن ودعه أبو بكر ونصح إليه. # وكتب أبو بكر إلى أبي عبيدة يستحثه على الغزو، لكن تقدم المسلمين بالشام كان بطيئا لم ~~يغير من بطئه وصول الأمداد ثم وصول عمرو بن العاص إليهم، بل لقد ظل أبو عبيدة يكتب إلى ~~الخليفة يذكر له: «إن الروم وأهل البلد ومن كان على دينهم من العرب قد اجتمعوا على حرب ~~المسلمين.» ويطلب إليه رأيه، عند ذلك ضاق أبو بكر ذرعا، فرأى أن ينسي الروم وساوس الشيطان ~~بخالد بن الوليد، فكتب إليه بالعراق يقول: «إذا جاءك كتابي هذا فدع العراق وخلف فيه أهله ~~الذين قدمت عليهم وهم فيه، وامض متخففا في أهل القوة من أصحابك الذين قدموا العراق معك من ~~اليمامة وصحبوك من الطريق وقدموا عليك من الحجاز حتى تأتي الشام فتلقى أبا عبيدة بن الجراح ~~ومن معه من المسلمين، فإذا التقيتم فأنت أمير الجماعة والسلام عليك.» # غضب خالد حين بلغه الخبر، فقال قبل أن يقرأ كتاب الخليفة: «هذا عمل عمر، نفس علي أن ~~يفتح الله العراق على يدي.» فلما قرأ كتاب الخليفة ورآه قد ولاه على أبي عبيدة وعلى الشام ~~كله اطمأن وقال: «أما إذ ولاني فإن في الشام خلفا من العراق.» # يذهب المؤرخون الذين يروون الحوادث على هذا النحو إلى أن خالدا كان بالحيرة ولم يكن قد ~~فتح الأنبار ولا عين التمر حين جاءه كتاب أبي بكر، فلما تجهز للخروج إلى الشام سار إليهما ~~ففتحهما وانحدر منهما إلى قراقر، ومن هناك اجتاز المفازة ودليله رافع بن عميرة الطائي حتى ~~بلغ سوى من أرض الشام. # وفي هذه الأثناء كان أبو بكر قد كتب إلى أبي عبيدة يقول له: «أما بعد فإني قد وليت خالد ~~بن الوليد قتال الروم في الشام فلا تخالفه، واسمع له وأطع أمره: فإني وليته عليك وأنا أعلم ~~أنك خير منه، ولكن ظننت أن له فطنة في الحرب ليست لك، أراد الله بنا وبك سبيل الرشاد.» وكتب ~~خالد ms251 إلى أبي عبيدة يقول له: «أما بعد، فإني أسأل الله لنا ولك الأمن يوم الخوف، والعصمة في ~~دار الدنيا، فقد أتاني كتاب خليفة رسول الله يأمرني بالمسير إلى الشام وبالمقام على جندها ~~والتولي لأمرها، والله ما طلبت ذلك ولا أردته ولا كتبت إليه فيه، وأنت - رحمك الله - على ~~حالك التي كنت بها لا يعصى أمرك، ولا يخالف رأيك، ولا يقطع أمر دونك؛ فإنك سيد من سادات ~~المسلمين، لا ينكر فضلك، ولا يستغنى عن رأيك، تمم الله ما بنا وبك من نعمة الإحسان، ورحمنا ~~وإياك من عذاب النار والسلام عليك ورحمة الله.» # وسار خالد من سوى إلى اللوى ثم إلى قصم حيث صالح بني مشجعة، ومن هناك انحدر إلى الغوير ~~وذات الصنمين حتى بلغ غوطة دمشق بعد أن بث الفزع والرعب حيث سار، وبعد أن دانت له تدمر وصالحه # 8 # أهلها. # ومن الغوطة سار خالد إلى ثنية العقاب يريد دمشق، وإنما سميت هذه الثنية «ثنية العقاب» بعد ~~غارة خالد؛ لأنه نشر بها العقاب راية رسول الله، وعلى ميل من الباب الشرقي لدمشق نزل ديرا ~~عرف بعده باسم دير خالد، ويروى أن أبا عبيدة أدركه هناك، وأن أول حصار لدمشق بدأ ~~يومئذ. # والراجح في الروايات جميعا أن خالدا لم يقم أمام دمشق، بل تخطاها إلى قناة بصرى حيث ~~اجتمعت قوات المسلمين، وأيما الروايتين صحت فقد نمى إلى المسلمين أن هرقل جمع جيشا عظيما ~~بأجنادين ليهاجمهم، فساروا لقتاله من بصرى، أو إنهم فكوا حصار دمشق وساروا لقتاله منها # 9 # والتقى الروم والمسلمون بأجنادين قبل أربعة وعشرين يوما من وفاة ~~الصديق. # وبأجنادين اجتمع المسلمون جميعا إجابة لكتاب وجهه خالد إلى أمراء الجند: يزيد بن أبي ~~سفيان، وشرحبيل بن حسنة، وعمرو بن العاص، وعبأ خالد هذه الجنود فجعل أبا عبيدة على المشاة، ~~ومعاذ بن جبل على الميمنة، وسعيد بن عامر بن حزيم الجمحي على الميسرة، وسعيد بن زيد بن عمرو ~~على الفرسان، وطفق هو يحرض الناس متنقلا بين الصفوف لا يستقر في مكان. # وبادر الروم ms252 المسلمين بالقتال، وكان خالد قد أمر رجاله أن يؤخروه إلى صلاة الظهر، ورأى ~~سعيد بن زيد كثرة القتلى من المسلمين فنادى يستعجل المعركة، هنالك تقدم خالد الفرسان وأمرهم ~~أن يحملوا معه، ثم حمل الناس بأجمعهم، فانهزم الروم وأنصارهم وقتلهم المسلمون كيف شاءوا ~~وأصابوا عسكرهم وما فيه. # وارتد خالد بالمسلمين فحاصروا دمشق، فنزل هو دير خالد مما يلي الباب الشرقي، ونزل أبو ~~عبيدة على باب الجابية، ونزل عمرو بن العاص على باب توماء، ونزل شرحبيل على باب الفراديس، ~~ونزل يزيد على الباب الصغير الذي يعرف بكيسان، وأحاط المسلمون بالمدينة وضيقوا عليها ~~الحصار، ولا يخامرهم الريب في أنها ستفتح لهم أبوابها وتسلمهم مفاتحها. # وكتب أهل دمشق إلى هرقل يستنصرونه ويذكرون له تضييق المسلمين عليهم وشدتهم في محاصرتهم، ~~فأرسل هرقل إليهم جيشا لقيه خالد والمسلمون بمرج الصفر فهزموه فارتد مدبرا، وعادوا إلى ~~حصار دمشق. # ودافع أهل دمشق عن مدينتهم ما استطاعوا، تحصنوا بأسوارهم، ورموا المسلمين بالنبل من ~~أعلاها، وبالغوا في تحصين أبوابها؛ لكن ذلك كله لم يصد المسلمين عن الشدة في الحصار، وعاد ~~أمراء دمشق فكتبوا إلى هرقل يذكرون أنه إن لم ينجدهم فلا سبيل لهم إلا مصالحة عدوه وعدوهم، ~~وكتب هرقل إليهم يحرضهم ويشجعهم ويذكر لهم أنه مرسل المدد وراء رسوله إليهم، لكن المدد طال ~~غيابه عنهم، فلم يكن لهم بد من التسليم. # وصالح أهل دمشق المسلمين. تجري بعض الروايات بأن أبا عبيدة صالح أهل دمشق القريبين من باب ~~الجابية، فلما دخل المدينة بعد توقيع الصلح كان خالد قد فتح الباب الشرقي عنوة، والتقى ~~الأميران، هذا يقول إنه صالح أهل المدينة، وهذا يقول إنه فتحها بقوة الجند، ثم أجيز الصلح، ~~وتجري بعض الروايات بأن خالدا هو الذي صالح أهل دمشق القريبين من الباب الشرقي، وأن أبا ~~عبيدة دخل من باب الجابية عنوة، والمتفق عليه أن الأمر انتهى بالصلح بين الفريقين. # والروايات تجري كذلك بأن أبا بكر قبض وتولى عمر بن الخطاب أمر المسلمين وجيوشهم لا تزال ~~على حصار دمشق، وأن ابن الخطاب ms253 بعث إلى أبي عبيدة بوفاة أبي بكر وبولايته وبعزل خالد بن ~~الوليد، فلم يفض أبو عبيدة إلى خالد بعزله حتى فتحت دمشق أبوابها، وقيل: بل أفضى إليه بأمر ~~العزل فلم يغير ذلك من نشاط خالد، وأن خالدا صالح أهل دمشق حين دخل أبو عبيدة من باب ~~الجابية عنوة، فلما قيل لأبي عبيدة: والله ما خالد بأمير فكيف يجوز صلحه، قال: إنه يجيز على ~~المسلمين أدناهم، وأجاز صلحه. # هذه رواية الأزدي والبلاذري والواقدي عن فتح الشام، أوجزنا تفاصيلها ولم نطل الوقوف عند ~~اختلاف الروايات فيها، وهي تختلف كما رأيت عن رواية الطبري في الترتيب التاريخي للوقائع، ~~وتختلف كذلك معه في أمر خالد بن الوليد وإمارته على الجند وعزله عن هذه الإمارة. # على أن أمرين أساسيين لا يقع عليهما خلاف؛ أولهما أن أبا بكر هو الذي قرر غزو الشام كما ~~قرر غزو العراق، وهو الذي جيش الجيوش وسير الأمداد إليهما، وأن ما تم للمسلمين من نصر على ~~الروم وعلى الفرس في عهده كان أساس الإمبراطورية الإسلامية. والثاني أن سيف الله خالد بن ~~الوليد كان القائد المظفر في فتح الشام، كما كان القائد المظفر في فتح العراق، وأن عزل عمر ~~إياه عن إمارة الجند لم يغض من مكانته ولا من عبقريته في الحرب، هذه العبقرية التي عرفها ~~رسول الله فيه فسماه سيف الله، وأقرها له أبو بكر فقال: «ما كنت لأشيم سيفا سله الله على ~~الكافرين.» # أما اختلاف المؤرخين في ترتيب الوقائع فليس يسيرا تحقيقه، لقد رأيت من رواية الطبري ومن ~~إليه أن خالد بن سعيد ما لبث حين أمره أبو بكر بالتقدم في الشام أن اجتاز حدوده فانسحب ~~الروم وأنصارهم من العرب أمامه دون قتال، وأن باهان قائد الروم جعل يتراجع بجيوشه نحو دمشق ~~فيتبعه خالد حتى كانا على مقربة من مرج الصفر؛ هنالك ارتد باهان فأحاط به وقطع عليه خط ~~رجعته وقتل فرقة من عسكره فيها ابنه سعيد بن خالد بن سعيد، عند ذلك فر خالد في كتيبة من ~~أصحابه حتى ms254 بلغ ذا المروة على مقربة من المدينة، أما سائر قوات المسلمين فتقهقر بها عكرمة ~~بن أبي جهل إلى حدود الشام، وهناك أقام حتى أمده أبو بكر بالأمراء والجيوش الذين تقدموا معه ~~إلى اليرموك دون أن يلقوا الروم، وعسكر الروم على ضفة اليرموك الأخرى، ولم يقع بين القوتين ~~قتال طيلة شهرين سئم الخليفة جمود الموقف أثناءهما فأمد المسلمين بخالد بن الوليد، وأقام ~~خالد مع القوم حتى هزم جيوش هرقل هزيمة نكراء، ويوم تم لخالد هذا النصر قدم محمية بن زنيم ~~بريدا من المدينة يحمل النبأ بأن أبا بكر قبض وأن عمر استخلف، وأنه عزل خالدا عن إمارة ~~الجيش. # هذه رواية الطبري ومن إليه أما البلاذري ومن شاكله فيذكرون أن اليرموك حدثت في عهد عمر، ~~وهي في رأي بعضهم آخر الوقائع في فتح الشام، كما يذكرون أن أبا بكر جعل أبا عبيدة أميرا ~~على المسلمين لفتح الشام، وأنه أمده بجيوش كان خالد بن سعيد في بعضها وقد فتح أبو عبيدة ~~الجابية ثم أبطأ في تقدمه وألح على الخليفة بالكتب يستمده ويذكر له من بأس الروم وقوتهم ما ~~جعل أبا بكر يوفد خالد بن الوليد من العراق أميرا على جيوش المسلمين بالشام، ويعزل أبا ~~عبيدة عن هذه الإمارة، وسار ابن الوليد حتى انضم إلى قوات المسلمين على قناة بصرى، ومن هناك ~~التقى المسلمون بقوات الروم العظيمة التي اجتمعت بأجنادين فغلبوها، ثم إنهم حاصروا دمشق ~~وطال حصارهم إياها قبل أن تفتح أبوابها، ويوم فتحت هذه الأبواب جاء بريد بوفاة أبي بكر ~~واستخلاف عمر وعزل خالد. # أكانت اليرموك في عهد أبي بكر كرواية الطبري ومن إليه، أم في عهد عمر كرواية البلاذري ومن ~~شاكله؟! ربما أيد رأي الطبري أن واقوصة الواقعة على اليرموك والتي حدثت المعركة عندها، ~~قريبة من بادية الشام، ومن تخوم العرب، ومن طريق وادي سرحان، وأنها كانت لذلك أدنى الأرض ~~إلى جيوش المسلمين حين التقائها بعد أن جاءت من المدينة تغزو هرقل وإمبراطوريته، وربما أيد ~~رواية البلاذري ومن شاكله ما ذكره الطبري ms255 نفسه من أن الروم تراجعوا منذ بدأت الحرب نحو ~~دمشق، مطمئنين إلى حصونها وإلى قوة المدن الحصينة المحيطة بها، وأنهم أرادوا بتراجعهم أن ~~يستدرجوا العرب إلى المواقع القوية ليوقعوا بهم ويردوهم منهزمين إلى بلادهم فلا تحدثهم ~~أنفسهم بالعود إلى غزو الشام كرة أخرى. # من العسير، والأمر ما ترى، أن نقطع كيف كان ترتيب الوقائع في فتح الشام أما عزل ابن ~~الخطاب خالدا عن إمارة الجيش فالأمر فيه يسير فالطبري والبلاذري والمؤرخون جميعا متفقون ~~على أن أبا بكر بعث خالدا من العراق إلى الشام لينسي الروم وساوس الشيطان، وذلك بعد أن سئم ~~جمود قوات المسلمين هناك، وإنما يقع الخلاف على مكان خالد من زملائه الأمراء: أذهب أميرا ~~عليهم جميعا، أم ذهب أميرا على القوة التي فصل بها من العراق دون سواها فإذا انحسم هذا ~~الخلاف تيسر لنا أن نفهم أمر ابن الخطاب بعزل خالد. # يذهب الطبري ومن إليه إلى أن ابن الوليد ذهب إلى الشام أميرا على القوة التي فصل بها من ~~العراق، وأنه لم يتول الإمارة العامة إلا يوم اليرموك، وذلك حين اتفق مع زملائه أن يتعاوروا ~~الإمارة بينهم، وأن يتأمر هو اليوم الأول، أما البلاذري ومن شاكله فيذكرون أن أبا بكر بعثه ~~أميرا على قوات المسلمين كلها بالشام، ويثبتون نص الكتابين اللذين بعث بهما الخليفة إلى ~~خالد وإلى أبي عبيدة متضمنين أمره هذا، ولسنا نتردد في الأخذ برواية البلاذري؛ فليس ~~طبيعيا أن تقف جيوش دولة بعضها إلى جانب بعض ولا تسند القيادة العامة على القوات كلها إلى ~~أحد أمراء هذه الجيوش، والطبري نفسه يثبت أن أبا بكر بعث إلى أمراء الجند بالشام أن يجتمعوا ~~عسكرا واحدا وأن يلقوا زحف المشركين بزحفهم، وهذا أمر لا سبيل إلى نفاذه إذا تفرقت ~~القيادة، وقد أصدر الخليفة هذا الأمر قبل أن يبعث ابن الوليد إلى الشام فلا بد أن إمارة ~~الجيش العامة كانت لأبي عبيدة أو ليزيد بن أبي سفيان أو لغيرهما من سائر الأمراء، والراجح ~~أنها كانت لأبي عبيدة وإن ذكر بعضهم ms256 أنه استعفى أبا بكر منها، أما وذلك ما لا نتردد في ~~القطع به فلا شبهة في أن أبا بكر أوفد خالدا من العراق إلى الشام أميرا على جيوش المسلمين ~~كلها على نحو ما رواه البلاذري ومن شاكله. # ولولا أن خالدا كان الأمير على جيوش المسلمين لما عزله عمر بن الخطاب عن هذه الإمارة أول ~~ما استخلف، فالثابت في كتاب الطبري وغيره من المؤرخين أن خالدا ظل بعد عزله هذا أميرا على ~~القوات التي كان يباشر قيادتها، وأنه ظل كذلك حتى عزله عمر عن إمارة قنسرين وعن عمله في ~~الجيش، وذلك في السنة السابعة عشرة من الهجرة ، وهي السنة الخامسة من خلافه عمر؛ فالعزل ~~الأول كان إذن عن القيادة العامة، أما العزل الذي حدث بعد ذلك بما يزيد على أربع سنوات فكان ~~عن عمله كله. # هذا ما نقطع به، وما لا شبهة عندنا فيه، وهو وحده الذي يفسر تصرف عمر أول ما استخلف، فلو ~~أن خالدا كان أميرا على القوات التي فصل بها من العراق دون سواها لما احتاج عزله إلى أمر ~~من الخليفة، ولاسترد أبو عبيدة إمارته على جيوش المسلمين بعد يوم اليرموك في رواية الطبري، ~~أو بعد دمشق في رواية البلاذري. # وهذا اليوم الذي عزل ابن الخطاب فيه خالدا عن إمارة الجيش العامة إثر معركة من أكبر ~~المعارك في فتح الشام هو في حياة خالد من أمجد أيامه، وليس يقف مجده في ذلك اليوم عند ~~انتصاره على عدوه، فقد كان هذا النصر واحدا من عشرات، إنما أكبر مجده يومذاك أنه انتصر على ~~نفسه، فلم يضعف عزل الخليفة إياه من حماسته لله ولدين الله، ولم ينهنه من قوة بأسه وعظيم ~~شعوره بواجبه؛ فقد رضي إمارة أبي عبيدة وسلم بها طائعا، وسار على رأس لوائه يخوض المعارك ~~واحدة بعد أخرى فإذا هو هو، وإذا النصر يسير في ركابه، وإذا المسلمون والروم يتحدثون ~~بفعاله، وكأنه القائد الأول، وكأنه النصر تجسم رجلا، وكيف لا يكونه وهو سيف الله فلا غالب ~~له! # لا جناح ms257 علينا ونحن نختتم الآن حديث خالد في عهد أبي بكر أن نقص رواية أثبتها الطبري ~~وأثبتها ابن الأثير، وإنما نقصها على علاتها لا نحمل تبعتها ولا نطلب إلى القارئ تصديقها ~~فقد ذكرا أن چرچة القائد الرومي خرج صبح يوم اليرموك حتى كان بين الجيشين ونادى: ليخرج ~~إلي خالد، فخرج خالد حتى اختلفت أعناق دابتيهما وقد أمن كل منهما صاحبه، عند ذلك قال ~~چرچة: يا خالد اصدقني ولا تكذبني، فإن الحر لا يكذب، ولا تخادعني فإن الكريم لا يخادع، هل ~~أنزل الله على نبيكم سيفا من السماء فأعطاكه فلا تسله على قوم إلا هزمتهم؟ وأجابه خالد ~~بالنفي ، فقال: فيم سميت سيف الله؟ وأجابه خالد فحدثه عن بعث الله رسوله، وأن الله هداه ~~للإيمان به والذود عن دينه، ولذلك قال رسول الله له: «أنت سيف من سيوف الله سله الله على ~~المشركين.» ودعا له بالنصر، فسمي «سيف الله» بذلك، ثم دار بين الرجلين حوار حول رسالة محمد ~~انتهى بإسلام چرچة وصلاته ركعتين وإلى قتاله في صف خالد ومقتله مع المسلمين الذين قتلوا في ~~الموقعة. # قصصت هذه الرواية على علاتها؛ لأنها تصور ما لخالد وعبقريته في النفوس من أثر جعل الطبري ~~وابن الأثير وغيرهما من المؤرخين لا يرون بأسا في تصديق كل ما يتصل بهذا القائد النابغة ~~البطل صاحب المعجزات في الحرب، وهو في الحق جدير أن يبلغ إعجابنا به غاية ما نعجب ببطل من ~~أبطال العالم في تاريخ العالم كله، وإن لم يسوغ لنا الإعجاب أن نقبل إلا ما يثبت أمام النقد ~~وما يقره المنطق السليم. # والآن، وداعا خالد! وداعا فاتح العراق وسورية، وموطد القواعد من الإمبراطورية ~~الإسلامية! وداعا سيف الله البتار! ولعل الأقدار تجمعنا يوما في عهد الفاروق عمر! # الفصل الخامس عشر # | المثنى في العراق # ودع المثنى خالد بن الوليد حين سفره من العراق إلى الشام حتى تخوم البادية فلما رجع إلى ~~الحيرة بدأ ينظم الدفاع عن البلاد التي فتحها المسلمون بما بقي له من قوات بعد الذين ~~ارتحلوا مع خالد، ms258 ولم يكن المثنى في ريب من أن الفرس سيتحرشون به متى علموا بسفر خالد، ~~وأنهم سيحاولون طرده وطرد المسلمين من الحيرة ومن أرض العراق جميعا. # والحق أنه كان في موقف بالغ غاية الدقة؛ فقد بطش خالد بالبدو المقيمين بجزيرة العراق ~~بطشا جعلهم جميعا خصوما للمسلمين، يتربصون بهم الدوائر ويحرصون على مناصرة أعدائهم، وقد ~~تنبه الفرس إلى أن دولتهم مؤذنة بالزوال إذا ظل لهؤلاء العرب الغزاة في العراق سلطان، وشعور ~~خالد بن الوليد بدقة الموقف هو الذي دفعه فبعث بالنساء والصبيان والضعفاء من الرجال إلى ~~المدينة قبل سفره إلى الشام. طبيعي أن يفكر المثنى في هذا كله ، وأن يطول تفكيره فيه فهو ~~الذي دفع أبا بكر إلى غزو العراق، وهو الذي تقدم خالدا والمسلمين جميعا إلى مفاتحه بالسير ~~إلى دلتا النهرين، فليس من الهين على نفسه أن يهزم في بلد كان الطليعة في غزوه، وأشد من ذلك ~~عليه أن تبلغ به الهزيمة حتى يجلو عن هذا البلد بعد فتحه. # وزاد الموقف دقة أن هدأ الاضطراب الذي ساد بلاط فارس سنوات متتالية؛ فقد اتفق أهل فارس ~~فملكوا عليهم شهريران # 1 # بن أردشير بن سابور، فلما اطمأن له الأمر كان إجلاء المسلمين عن العراق أول ما ~~استقر عليه عزمه، وما له ينتظر والفرصة سانحة وخالد بن الوليد غائب بالنصف من جيش هؤلاء ~~الغزاة! لذلك وجه هرمز جاذويه في عشرة آلاف لمحاربة المثنى، وجعل هرمز في مقدمة جيشه ~~فيلا من فيلة الحرب يخوف به المسلمين ويشتت صفوفهم. # وبلغت المثنى أنباء هذا التجهز، ثم بلغته أنباء تحرك هرمز وجيشه. أتراه ينتظر حتى يجيء ~~إليه بالحيرة متخطيا حدود البلاد التي فتحها المسلمون؟! كلا! بل خرج هو كذلك بجنوده، وجعل ~~أخويه المعنى ومسعودا على ميمنته وميسرته، وسار حتى بلغ أطلال بابل. وإنه لفي مسيرته إذ ~~جاءته رسالة من شهريران يقول فيها: «إني قد بعثت إليك جندا من أهل فارس، وإنما هم رعاة ~~الدجاج والخنازير، ولست أقاتلك إلا بهم.» وتناول المثنى الرسالة وتلاها، فلم يلبث أن رد ~~عليها ms259 مع الرسول الذي جاء بها برسالة يقول فيها: «من المثنى إلى شهريران: إنما أنت أحد ~~رجلين، إما باغ، فذلك شر لك وخير لنا؛ وإما كاذب، فأعظم الكذابين عقوبة وفضيحة عند الله ~~وفي الناس الملوك، وأما الذي يدلنا عليه الرأي فإنكم إنما اضطررتم إليهم، فالحمد لله الذي ~~رد كيدكم إلى رعاة الدجاج والخنازير.» # بهت أهل فارس حينما عرفوا رسالة المثنى وعرفوا مسيرته، فلم يكن أحد منهم يتوقع أن تكون في ~~المسلمين هذه القوة بعد انصراف خالد عنهم؛ بل لقد آخذ بعضهم ملكهم أن يخاطب قائد جيش ~~باللهجة التي أفرغ فيها رسالته، وقالوا له: «جرأت علينا عدونا بالذي كتبت به إليهم؛ فإذا ~~كاتبت أحدا فاستشر.» # عسكر المثنى بجيشه على مرتفع من أطلال بابل على خمسين ميلا من المدائن، وأقام بين شبكة ~~من جداول تتصل بدجلة ينتظر هرمز جاذويه وهجومه عليه، وأقبل هرمز بجيشه يتقدمه الفيل وكله ~~الاطمئنان إلى أنه مشتت شمل المسلمين لا محالة، وسار الفيل يضرب بخرطومه يمنة ويسرة، ويفرق ~~صفوف المثنى ويوقع الرعب فيهم. # وأيقن المثنى أن انتصاره رهن بالقضاء على الفيل، فخرج في جماعة من رجاله، فهاجموه فأصابوا ~~منه مقتلا فهوى جسمه إلى الأرض صريعا، هنالك التأمت صفوف المسلمين وقويت روحهم، فهاجموا ~~الفرس فهزموهم شر هزيمة، واحتل فريق من رجال المثنى معاقل الفرس، وتعقب سائرهم المنهزمين ~~حتى انتهوا بهم إلى أبواب المدائن. # ونزلت أنباء الهزيمة بشهريران نزول الصاعقة، فحم فمات، وأراد الفرس أن يملكوا ~~عليهم ابنة كسرى ليفرغوا إلى تنظيم شئونهم كرة أخرى، ولم ينفذ لها أمر فخلعت، وخلفها على ~~العرش سابور بن شهريران، واستوزر سابور الفرخزاد، وأراد أن يزوجه آزرميدخت ابنة كسرى، فغضبت ~~ألا يكون زوجها من بيت الملك، وقالت لسابور: «يا بن عم، أتزوجني عبدي؟!» لكن سابور لم يسمع ~~لقولها وأغلظ لها في الخطاب، فاستعانت بسياوخش الرازي أحد فتاك الأعاجم، فلما كانت ليلة ~~العرس ودخل الفرخزاد مخدع آزرميدخت ثار به الفاتك فقتله ومن معه، ثم سار بابنة كسرى ~~وأعوانها إلى سابور فحاصروه ودخلوا عليه فقتلوه، وجلست آزرميدخت ms260 على العرش مكانه. # ترامت هذه الأنباء إلى المثنى فاطمأن. وما خوفه من بلاط عاد إليه الاضطراب والغدر ~~واختلاف الجالسين على العرش؟! لكنه إن أمن يومه فالحذر يقتضيه الحساب لغده. وسار بجيشه ~~يطارد الفرس حتى بلغ أبواب المدائن، فهو يطمع في أن يفتحها، ولا بد له ليفتحها من مدد يقوي ~~جيشه، وما كان أبو بكر ليمده وجيوش المسلمين كلها بالشام؛ لذلك كتب المثنى يخبر الصديق ~~بانتصاره على الفرس ويستأذنه في الاستعانة بمن ظهرت توبتهم من أهل الردة. وإذ كان يعلم أن ~~أبا بكر لا يطيب نفسا بهذا الرأي فقد أيده بأن التائبين من أهل الردة يطمعون في مغانم ~~الغزو، وأنه لا يرى أحدا أنشط إلى معاونته في محاربة فارس منهم. وفي انتظار المدد أقام ~~يدبر خطته ويحكم تدبيره، لكن انتظاره طال وأبطأ عليه رد الخليفة، هنالك انسحب في الجيش إلى ~~أدنى أرض العراق من حدود البادية، واستخلف بشير بن الخصاصية على من بالعراق من المسلمين، ~~وذهب بنفسه إلى المدينة يدافع عن رأيه، وألفى أبا بكر اشتد به المرض حتى أشفى على الموت، مع ~~ذلك استقبله الخليفة وسمع إليه واقتنع برأيه وقال: علي بعمر، وكان قد استخلفه؛ فلما جاء ~~قال له: «اسمع يا عمر ما أقول لك، ثم اعمل به، إني لأرجو أن أموت من يومي هذا، فإن أنا مت ~~فلا تمسين حتى تندب الناس مع المثنى، وإن تأخرت إلى الليل فلا تصبحن حتى تندب الناس مع ~~المثنى، ولا يشغلنكم مصيبة وإن عظمت عن أمر دينكم ووصية ربكم، وقد رأيتني متوفى رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وما صنعت، ولم يصب الخلق بمثله، وبالله لو أني أني عن أمر الله وأمر رسوله ~~لخذلنا، ولعاقبنا فاضطرمت المدينة نارا، وإن فتح الله على أمراء الشام فاردد أصحاب خالد ~~إلى العراق، فإنهم أهله وولاة أمره وحده، وهم أهل الضراوة بهم والجرأة عليهم.» # ووعد عمر أن ينفذ أمر أبي بكر، وكان يقول من بعد: «قد علم أبو بكر أنه يسوءني أن أؤمر ~~خالدا، فلهذا أمرني أن ms261 أرد أصحاب خالد وترك ذكره معهم.» # وعاد المثنى إلى العراق أول ما استخلف عمر، ورفع عمر الحظر عمن عادوا إلى الإسلام من ~~المرتدين لينهضوا إلى حرب فارس، وما لهم لا يفعلون وقد فتح الله على المسلمين؟! ثم ما لهم ~~لا يسارعون إلى الخيرات يتطهرون بجهادهم من حوبة ردتهم، فإن استشهدوا فلهم الجنة، وإن ~~أقاموا بعد النصر فلهم من الفيء ما يجعل الحياة جنة أمامهم؟! # ولقد استفتح عمر عهده بمتابعة حروب فارس؛ فكان لهؤلاء الذين عادوا إلى الإسلام من حسن ~~البلاء ما أرجو أن أقص نبأه في خلافة الفاروق. # الفصل السادس عشر # | جمع القرآن # يقتضينا الحديث عن جمع القرآن أن نعود بالذاكرة إلى غزوة اليمامة، فعلى أثرها بدأت فكرة ~~هذا الجمع، ثم نفذت، واستغرق التنفيذ ما بقي بعد اليمامة من خلافة الصديق، وفي رواية أنه ~~استغرق زمنا من عهد عمر، وإنما أرجأنا الحديث في هذا الموضوع لئلا نقطع حديث الحرب والفتح، ~~وليكون حديثنا عن جمع القرآن متصلا حتى وفاة أبي بكر. # كانت غزوة اليمامة أعظم الغزوات في حروب الردة، كما كانت أجلها خطرا وأبعدها أثرا، ~~قضى مقتل مسيلمة بن حبيب قضاء حاسما على المتنبئين في بلاد العرب، وآذن عود بني حنيفة إلى ~~الإسلام بالقضاء على الردة بالبحرين، والقضاء على ردة البحرين هو الذي طوع للمثنى بن ~~حارثة الشيباني أن يسير إلى مصب دجلة والفرات، وأن يكون الطليعة الميمونة لفتح العراق ~~ولإقامة بناء الإمبراطورية الإسلامية. غزاة ذلك شأنها لم يخطئ خالد بن الوليد حين دفع إليها ~~جيوش المسلمين يقتلون ويقتلون ويقضون على مسيلمة وأصحابه عند احتمائهم بحديقة الموت، ولم ~~يبالغ المهاجرون والأنصار حين اندفعوا إلى وطيسها مستميتين يبتغون الشهادة. استشهد من ~~المسلمين يومئذ مئتان وألف، بينهم تسعة وثلاثون من كبار الصحابة ومن حفاظ القرآن. # وقد جزع أهل المدينة لمن استشهد من المسلمين باليمامة، واشتد حزنهم، وإن اختلفت البواعث ~~لهذا الحزن والجزع؛ فأواصر القربى وروابط الود والصداقة وتقدير ما كان لكبار الصحابة وحفاظ ~~القرآن الذين استشهدوا من مكانة سامية عند الرسول (عليه السلام)، ms262 كل هذه دوافع تحز في ~~النفوس. لقي عمر بن الخطاب ابنه عبد الله بعد أن أبلى في اليمامة أحسن البلاء، وكان عمر ~~شديد الجزع لمقتل أخيه زيد بها، فكان أول ما واجه به ابنه ما أسلفنا ذكره من قوله: «ما جاء ~~بك وقد هلك زيد! ألا واريت وجهك عني!» وكان جواب عبد الله: «سأل الله الشهادة فأعطيها، ~~وجهدت أن تساق إلي فلم أعطها.» # على أن جزع ابن الخطاب لمقتل أخيه زيد وأصحابه الذين استشهدوا باليمامة لم يثنه عن ~~التفكير في أمر خطير، هو لا ريب أجل الأمور في حياة الإسلام والمسلمين خطرا، لقد استشهد ~~من حفاظ القرآن في هذه الغزاة من استشهد، واليمامة ليست إلا واحدة من الغزوات التي واجهت ~~المسلمين بعد وفاة الرسول، فما عسى أن يكون الأمر إذا تلاحقت الغزوات فقتل فيها من الحفاظ ~~مثل من قتل باليمامة؟! فكر عمر في هذا وطال تفكيره، فلما استقر به الرأي ذهب إلى أبي بكر ~~وهو بمجلسه من المسجد فقال له: «إن القتل قد استحر يوم اليمامة بالناس، وإني أخشى أن ~~يستحر القتل بالقراء في المواطن فيذهب كثير من القرآن إلا أن تجمعوه، وإني لأرى أن تجمع القرآن.» # 1 # لم يكن أبو بكر قد فكر في هذا الأمر، لذلك لم يلبث حين سمعه أن قال: «كيف أفعل شيئا لم ~~يفعله رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~!» عند ذلك دار بين الرجلين حوار طويل لم يورد المؤرخون تفصيله، ~~واقتنع أبو بكر بعد هذا الحوار برأي عمر، فدعا زيد بن ثابت. جاء في البخاري عن زيد بن ثابت ~~أنه قال: ~~«أرسل إلي أبو بكر مقتل أهل اليمامة وعنده عمر، فقال أبو بكر: إن عمر أتاني ~~فقال: إن القتل استحر يوم اليمامة بالناس، وإني لأخشى أن يستحر القتل بالقراء في ~~المواطن فيذهب كثير من القرآن إلا أن تجمعوه، وإني لأرى أن تجمع القرآن. قال أبو ~~بكر فقلت لعمر: كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله؟! فقال: هو والله خير، فلم يزل ~~يراجعني حتى شرح ms263 الله لذلك صدري ورأيت الذي رأى عمر. قال زيد: وعنده عمر جالس لا ~~يتكلم، فقال لي أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل ولا نتهمك، كنت تكتب الوحي لرسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، فتتبع القرآن فاجمعه، فوالله لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل ~~علي مما أمرني به من جمع القرآن. قلت: كيف تفعلان شيئا لم يفعله رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~؟ فقال أبو بكر: هو والله خير، فلم أزل أراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرح ~~له صدر أبي بكر وعمر، فقمت فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب. # 2 # وصدور الرجال، حتى وجدت من سورة التوبة آيتين مع خزيمة الأنصاري لم ~~أجدهما مع غيره: # لقد جاءكم رسول من أنفسكم ~~عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف ~~رحيم * فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله ~~إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش ~~العظيم ~~، فلما نسخنا الصحف في المصاحف فقدت آية من سورة الأحزاب، ~~كنت أسمع رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يقرؤها، لم أجدها مع أحد إلا مع خزيمة الأنصاري الذي ~~جعل رسول الله شهادته بشهادة رجلين: # من المؤمنين ~~رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى ~~نحبه ومنهم من ينتظر # فألحقتها في سورتها، فكانت الصحف ~~التي جمع فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حتى توفاه الله، ثم ~~عند حفصة بنت عمر.» # هذا حديث زيد بن ثابت فيما رواه البخاري، وقد أجمعت الروايات على صحته، وذكر القرطبي أن ~~زيدا جمع القرآن غير مرتب السور بعد تعب شديد، وأن الصحف حفظت بعد جمعها عند أبي بكر، ثم ~~عند عمر، ثم عند حفصة أم المؤمنين. # وتذهب رواية إلى أن عمر بن الخطاب أول من جمع القرآن في المصحف. # 3 # ذلك أنه سأل يوما عن آية من كتاب الله، فقيل كانت مع فلان فقتل يوم اليمامة، ~~فقال: إنا لله! وأمر بالقرآن فجمع. وأصحاب الرواية المتواترة يردون هذا القول بأن عمر كان ~~أول ms264 من رأى جمع القرآن؛ لأنه أشار على أبي بكر بذلك وأقنعه به، أما الجمع فتم في عهد ~~الصديق، وهذا الرأي هو الصحيح، يؤيد ذلك ما روي عن علي بن أبي طالب أنه قال: «رحمة الله على ~~أبي بكر! كان أعظم الناس أجرا في جمع المصاحف، وهو أول من جمع المصاحف، وهو أول من جمع بين ~~اللوحين.» وقد تواترت بذلك شهادة عدد كبير من أصحاب رسول الله. # والذين قالوا إن عمر أول من جمع القرآن يذكرون أنه حين أراد أن يجمعه قام في الناس فقال: ~~«من كان تلقى من رسول الله # صلى الله عليه وسلم # شيئا فيأتينا به.» وكانوا كتبوا ما تلقوه من ذلك في ~~الصحف والألواح والعسب، وكان عمر لا يقبل من أحد شيئا حتى يشهد عليه شاهدان، وقتل وهو ~~يجمع ذلك إليه؛ فقام عثمان بن عفان فقال ما قال عمر وصنع صنيعه، وعهد إلى زيد بن ثابت بجمع ~~القرآن، وضم إليه نفرا من الحفاظ وقال لهم: «إذا اختلفتم فاكتبوا لغة مضر؛ فإن القرآن نزل ~~على رجل من مضر.» # أما والثابت المقطوع به أن أبا بكر هو الذي أمر بجمع القرآن بعد حواره مع ابن الخطاب، ~~فيجمل بي قبل أن أفصل كيف كان هذا الجمع أن أقف عند قول الصديق: «كيف أفعل شيئا لم يفعله ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~!» فقد نزل الوحي بالقرآن على رسول الله خلال ثلاث وعشرين سنة، منذ بعثه ~~الله نبيا وهو بمكة إلى أن قبضه إليه وهو بالمدينة. وكان الوحي ينزل ببعض الآيات أحيانا، ~~وبالسورة كاملة أحيانا أخرى، ولقد كان أول ما نزل من الوحي قوله تعالى: # اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق ~~الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم ~~يعلم ~~، أما بقية هذه السورة على ما نتلوها اليوم في المصاحف فنزلت بعد ذلك، ~~وبعد أن نزل غيرها من الوحي قبل نزولها. أفيعني قول أبي بكر وقول زيد بن ثابت من بعده: «كيف ~~أفعل شيئا لم يفعله رسول ms265 الله!» أن القرآن بقي إلى وفاة الرسول لم يجمع سورا، ولم ينتظم ~~كتابا، فبقيت الآيات التي نزلت فرادى لم تضم إلى غيرها على الصورة التي نراها اليوم بها، ~~فلما كان الجمع رتبت السور ونظمت في كتاب؟ # هذا ما يقول به بعض المؤرخين، وترجحه طائفة من المستشرقين، بل لقد نسب إلى زيد بن ثابت ~~أنه قال: «قبض النبي ولم يكن القرآن جمع في شيء.» والمستشرق الإنجليزي سير وليم ميور يسوق ~~هذا القول في مقدمة كتابه عن سيرة الرسول حجة من الحجج على الدقة والصدق في جمع القرآن، ~~فيقول: «إن القرآن بمحتوياته ونظامه ينطق في قوة بدقة جمعه؛ فقد ضمت الأجزاء المختلفة ~~بعضها إلى بعض ببساطة تامة، لا تعمل ولا تكلف فيها، وهذا الجمع لا أثر فيه ليد تحاول ~~المهارة أو التنسيق، وهو يشهد بإيمان الجامع وإخلاصه لما يجمع؛ فهو لم يجرؤ على أكثر من ~~تناول هذه الآيات المقدسة ووضع بعضها إلى جانب بعض.» والمستشرقون المؤيدون لهذا الرأي ~~يؤاخذون زيد بن ثابت والذين عاونوه في جمع القرآن بأنهم لم يراعوا في ترتيب القرآن أوقات ~~نزوله، ولم يقدموا ما نزل منه بمكة على ما نزل منه بالمدينة، بل وضعوا آيات مدنية خلال ~~السور المكية دون أن يقتضيهم المقام هذا الصنيع، ولو أنهم راعوا الدقة التاريخية في الترتيب ~~لكان ذلك أدنى في نظر هؤلاء المستشرقين إلى التحقيق العلمي، وأجدى في كتابة السيرة وفي تتبع ~~أحوال النبي العربي من يوم بعثه إلى يوم وفاته. # ويزيد المستشرقون أن جامعي القرآن لم يعنوا كذلك بتأليف آياته حسب موضوعاتها، فأنت ترى في ~~السورة الواحدة شئونا مختلفة من القصص والتاريخ، ومن الإيمان والعبادات، ومن الأحكام ~~التشريعية، ومن قواعد الخلق، وأنت ترى الموضوع الواحد من هذه الشئون جميعا مذكورا في سورة ~~مختلفة على صور تتقارب أو تتفاوت في اللفظ وفي قوة العبارة، أما وقد كان الجامعون أحرارا ~~في ترتيب الآيات في السور فهم جديرون، في رأي هؤلاء المستشرقون، بالتثريب عليهم من الناحية ~~العلمية؛ لأنهم لم يراعوا الموضوعات، وكان حقا عليهم ms266 أن يراعوها، وبخاصة؛ لأنهم لم ~~يتقيدوا بمواقيت الوحي ونزوله. # هذه ملاحظات يبديها المستشرقون على جمع القرآن مستندين فيها إلى قول أبي بكر: «كيف أفعل ~~شيئا لم يفعله رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~!» وهم مخطئون في تحميل عبارة أبي بكر هذا المعنى، وفي ~~ظنهم أن الآيات ظلت مبعثرة منذ نزولها إلى أن جمعت في عهد الخليفة الأول، ثم في عهد عثمان، ~~فالأمر الذي لا ريبة فيه أن الآيات قد جمعت سورا في عهد رسول الله وبتوقيفه، ولقد كان مالك ~~يقول: «إنما ألف القرآن على ما كانوا يسمعونه من رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~»، وكان عبد الله بن ~~مسعود يقول : «قرأت من في رسول الله # صلى الله عليه وسلم # بضعا وسبعين سورة، وقرأت عليه من البقرة إلى ~~قوله تعالى: # إن الله يحب التوابين ويحب ~~المتطهرين ~~. ولقد قرأ زيد بن ثابت القرآن كله على رسول الله. # وفي مسلم والبخاري عن أنس بن مالك أنه قال: «جمع القرآن على عهد النبي # صلى الله عليه وسلم # أربعة ~~كلهم من الأنصار: أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد.» وقول أنس لا يراد به ~~أن هؤلاء الأربعة هم الذين حفظوا القرآن في عهد النبي دون سواهم، يقول القرطبي: «فقد ثبت ~~بالطرق المتواترة أنه جمع القرآن عثمان، وعلي، وتميم الداري، وعبادة بن الصامت، وعبد الله ~~بن عمرو بن العاص، فقول أنس: لم يجمع القرآن غير أربعة، يحتمل أنه لم يجمع القرآن وأخذه ~~تلقينا من رسول الله # صلى الله عليه وسلم # غير تلك الجماعة؛ فإن أكثرهم أخذ بعضه عنه وبعضه عن غيره، ~~وقد تظاهرت الروايات بأن الأئمة الأربعة جمعوا القرآن على عهد النبي # صلى الله عليه وسلم # لأجل سبقهم ~~إلى الإسلام، وإعظام الرسول # صلى الله عليه وسلم # لهم.» # وروايات السلف متواترة على أن رسول الله كان يعرض القرآن على جبريل في كل عام مرة، فلما ~~كان العام الذي قبض فيه عرضه عليه مرتين، ومن هذا العرض في عام الوفاة عرف عبد الله بن ms267 عباس ~~ما نسخ من القرآن وما بدل. # وما ورد في سيرة النبي يؤيد الروايات التي قدمنا، من ذلك ما روي عن إسلام عمر بن الخطاب ~~بعد عشر سنين أو نحوها من بعث محمد، فقد هال عمر ما أحدثه الدين الجديد من فرقة بين أهل مكة ~~اضطرت كثيرين منهم أن يهاجروا إلى الحبشة، فرأى أن يقتل محمدا لتعود إلى قريش وحدتها، فلما ~~ذكر له نعيم بن عبد الله أن فاطمة أخت عمر وزوجها سعيد بن زيد أسلما ذهب إليهما ودخل البيت ~~عليهما، فسمع عندهما من يقرأ القرآن، فبطش بهما حتى شج أخته، وندم لما صنع، وطلب إليها أن ~~تعطيه الصحيفة التي كانوا يقرءون، فإذا بها سورة طه، فلما قرأها أخذه إعجازها وجلالها وسمو ~~الدعوة التي تدعو إليها، فذهب إلى محمد فأسلم بين يديه. # لم تكن الصحيفة التي سجلت سورة إلا واحدة من صحف كثيرة كانت متداولة بين أيدي الذين ~~أسلموا من أهل مكة سجلت سورا أخرى من القرآن، ولقد ظل رسول الله بين المسلمين بمكة ~~وبالمدينة ثلاث عشرة سنة بعد إسلام عمر، كان يقول خلالها لأصحابه: «لا تكتبوا عني شيئا سوى ~~القرآن، فمن كتب عني شيئا سوى القرآن فليمحه.» وكان طبيعيا أن يكتب الصحابة كل ما ~~يستطيعون كتابته من القرآن لتلاوته في الصلاة، ولمعرفة أحكام الدين الذين يؤمنون به، وكان ~~يكتبه الذين يوفدهم النبي إلى القبائل لتعليم أهلها القرآن وتفقيههم في الدين، وهم لم ~~يكونوا يكتبونه آيات متقطعة، بل سورا متصلة يمليها رسول الله. # ونصوص القرآن تؤيد ما سبق؛ من ذلك قوله تعالى: # يا أيها ~~المزمل * قم الليل إلا قليلا * ~~نصفه أو انقص منه قليلا * أو زد عليه ورتل ~~القرآن ترتيلا ~~، وآيات المزمل هذه نزلت في الفترة الأولى من بعث الرسول، ~~فمطالبة النبي فيها أن يقوم الليل يرتل القرآن ترجح أن الآيات لم تكن مبعثرة من غير ترتيب، ~~وتؤكد ما قدمنا من أن ما كان يوحى إلى النبي متصلا بوحي سبق إليه كان الوحي يلحقه به، وذلك ~~قولهم إن جبريل قال ms268 للنبي حين أوحى إليه قوله تعالى # واتقوا يوما ~~ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم ~~لا يظلمون ~~: «يا محمد، ضعها في رأس ثمانين ومائتين من البقرة.» # ولقد تكرر في القرآن نعته بأنه الكتاب، وسورة البقرة أولى سور القرآن بعد الفاتحة تبدأ ~~بقوله تعالى: # الم * ذلك الكتاب لا ريب ~~فيه هدى للمتقين ~~، وهذا المعنى وارد في مواضع كثيرة من سور ~~مختلفة، والكتاب هو ما كتب منسقا، وقد كتب القرآن في عهد النبي كما أسلفنا من قول أنس بن ~~مالك وقول غيره من أصحاب رسول الله، بل إن زيد بن ثابت نفسه، وهو الذي قال كما قدمنا: «قبض ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # ولم يكن القرآن جمع في شيء» قد قال: «كنا عند رسول الله # صلى الله عليه وسلم # نؤلف ~~القرآن من الرقاع.» يريد بذلك تأليف ما نزل من الآيات المتفرقة في سورها وجمعها فيها بإشارة ~~رسول الله، وكثيرا ما كان رسول الله يتلو في الصلاة وفي غير الصلاة سورا كاملة؛ منها ~~البقرة وآل عمران والنساء والأعراف والجن والنجم والرحمن والقمر وغيرها، وهذا كله صريح في ~~الدلالة على أن ترتيب الآيات في السور قد تم بتوقيف النبي، وأنه قبض وهذا الجمع معروف ~~للمسلمين، ثابت في صدور القراء والحفاظ. # ولقد رأيت كثيرين من الصحابة جمعوا القرآن على عهد النبي، منهم أربعة جمعوه بإملائه، ~~واتفاق المؤرخين منعقد على أن ترتيب الآيات في السور كان واحدا في كل المصاحف التي جمعت ~~قبل وفاة الرسول، وفي المصاحف التي جمعت عقب وفاته وقبل أن يأمر أبو بكر بجمع القرآن، أما ~~ترتيب السور والابتداء بالفاتحة فالبقرة فآل عمران فالنساء فالمائدة والانتهاء بالمعوذتين، ~~فذلك ما اختلف فيه، وما قيل إن رسول الله تركه كله أو بعضه لأمته. # ماذا أراد أبو بكر إذن بقوله ردا على عمر حين أشار عليه أن يجمع القرآن: «كيف أفعل ~~شيئا لم يفعله رسول الله!» وما هي الحجج التي شرحت صدر أبي بكر ثم صدر زيد بن ثابت لجمع ~~القرآن والأخذ ms269 برأي ابن الخطاب؟ # لما تمت البيعة لأبي بكر لزم علي بن أبي طالب بيته، وتحدث الناس إلى أبي بكر في أمره، ~~فأرسل إليه يقول: «أكرهت بيعتي فقعدت عني؟!» فكان جواب علي: «لا والله، ولكن رأيت كتاب ~~الله يزاد فيه، فحدثت نفسي ألا ألبس ردائي إلا لصلاة حتى أجمعه.» # 4 # ولم يكن علي وحده هو الذي دأب على جمع القرآن بعد وفاة الرسول، بل دأب على ذلك كثيرون ~~جعلوا يتلقونه عمن يطمئنون إليهم من أصحاب رسول الله، وكما حمد أبو بكر لعلي بن أبي طالب ~~حديثه عن جمع القرآن حمد لغيره من المسلمين سعيهم في جمعه، ورأى في عملهم تأسيا بالسابقين ~~الأولين الذين جمعوه في عهد رسول الله، ولم يدر بخاطره أن يصد أحدا دون هذا العمل ~~الجليل، مطمئنا إلى أن الله نزل الذكر وهو حافظه، وإلى أن المسلمين لن تحدث أحدا ~~منهم نفسه بأن يدخل عليه ما ليس منه، فإذا أقدم أحد على ما قاله علي بن أبي طالب من زيادة ~~على القرآن رد الله كيده في نحره، ورد الصالحون من المسلمين كلام الله إلى مواضعه، وذلك كان ~~سبب تردده حين عرض عليه عمر أن يجمع القرآن، فقد كانت سنته ألا يصنع إلا ما كان يصنع رسول ~~الله، وألا يدع شيئا كان رسول الله يصنعه، أما وقد ترك رسول الله كتابة القرآن للمسلمين، ~~وقد كتب بعضهم القرآن بإملائه (عليه السلام)، ونقل آخرون عن هؤلاء الكاتبين وعمن وعت ~~ذاكرتهم القرآن، فليجر الأمر في خلافته كما جرى في عهد الرسول، وليمسك خليفته فلا يقدم على ~~ما لم يقم هو به. # كانت هذه حجة أبي بكر وحجة زيد بن ثابت، فلما راجع عمر الخليفة عدل عن رأيه، ولئن لم يورد ~~المؤرخون تفصيل ما دار بين الرجلين من حوار، فإن فيما أورده الرواة عن تاريخ القرآن لما ~~يفصح لنا عن حجة عمر وما يؤيدها ويجلو لنا اقتناع أبي بكر وزيد بن ثابت بها. # روى الترمذي قال: «لقي رسول # صلى الله عليه وسلم # جبريل فقال: ms270 يا جبريل، إني بعثت إلى أمة أمية؛ منهم ~~العجوز والشيخ الكبير والغلام والجارية والرجل الذي لا يقرأ كتابا قط. فقال لي: يا محمد، ~~إن القرآن أنزل على سبعة أحرف.» # 5 # وقد اختلف العلماء في المراد بالأحرف السبعة، وأوردوا فيها خمسة وثلاثين قولا؛ ~~من هذه الأقوال أنه رخص للمسلمين أول العهد بالإسلام أن يحلوا المترادف محل بعضه إلا أن ~~يخلطوا آية رحمة بآية عذاب، أو آية عذاب بآية رحمة، وذلك في نحو هلم وتعال وأقبل ~~وأسرع وعجل. وعن أبي بن كعب أنه كان يقرأ «للذين آمنوا انظرونا»: «للذين آمنوا ~~أمهلونا»، «للذين آمنوا أخرونا»، «للذين آمنوا ارقبونا». وكان يقرأ «كلما أضاء لهم مشوا ~~فيه »: «مروا فيه»، «سعوا فيه»، ذلك أن أهل القبائل كان يعجزهم أن يأخذوا القرآن على غير ~~لغاتهم، ولو راموا ذلك لم يتهيأ لهم إلا بمشقة عظيمة، فوسع لهم في اختلاف الألفاظ إذا كان ~~المعنى متفقا، فلما كثر اتصالهم برسول الله حفظوا القرآن بألفاظه ولم يسعهم أن يقرءوا ~~بخلافها، وفي رأي أن الإباحة في هذا كانت مطلقة أول العهد ثم نسخت. # صحيح أن بعض الأقوال في تأويل نزول القرآن على سبعة أحرف تخالف هذا القول، فيذهب بعضها ~~إلى أن في القرآن سبع لغات العرب كلها، وأن هذه اللغات متفرقة فيه، أو أن هذه اللغات السبع ~~في مضر، ويذهب بعض آخر إلى أن سبعة الأحرف تتصل بوجوه الاختلاف في القراءة، أو تتصل بمعاني ~~كتاب الله، لكن هذه الأقوال لا تنفي القول الأول على الأقل أول ما بدأ الإسلام ينتشر في ~~القبائل، ويذكر بعضهم أن الأمر ظل كذلك سنين متعاقبة، أو إلى أن قبض النبي؛ لكنهم يقيدونه ~~بأن ذلك كان بالوحي لا بالاختيار، يقول القرطبي: «إنما وقعت الإباحة في الحروف السبعة للنبي # صلى الله عليه وسلم # ليوسع بها على أمته، فأقرأ مرة لأبي بما عارضه به جبريل، ومرة لابن مسعود بما ~~عارضه به أيضا ... وعلى هذا يحمل قول أنس حين قرأ: «إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأصوب ~~قيلا»، فقيل له إنما ms271 نقرأ «وأقوم قيلا»، فقال أنس: «وأصوب قيلا وأقوم قيلا وأهيأ ~~واحد.» فإنما معنى هذا أنها مروية عن النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وإلا فلو كان هذا لأحد من الناس أن ~~يضعه لبطل معنى قوله تعالى: # إنا نحن نزلنا الذكر ~~وإنا له لحافظون ~~(الحجر: 9)، روى البخاري ومسلم وغيرهما عن عمر بن ~~الخطاب أنه قال: «سمعت هشام بن حكيم يقرأ الفرقان على غير ما أقرؤها، وكان رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أقرأنيها، فكدت أن أعجل عليه ثم أمهلته حتى انصرف ثم لببته بردائه، فجئت به رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم # فقلت: يا رسول الله، إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأتنيها. ~~فقال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: أرسله، اقرأ. فقرأ القراءة التي سمعته يقرأ؛ فقال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: هكذا أنزلت. ثم قال لي: اقرأ. فقرأت، فقال: هكذا أنزلت، إن هذا القرآن أنزل على ~~سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه.» # وأضاف القرطبي قصة أبي بن كعب إذ سمع رجلين بالمسجد يقرآن آيات بعينها في الصلاة، كل ~~يقرأ غير قراءة صاحبه وغير قراءة أبي، فذهب بهما إلى رسول الله فحسن النبي قراءتهم ~~جميعا. قال أبي: «فسقط في نفسي من التكذيب ولا إذ كنت في الجاهلية، فلما رأى النبي # صلى الله عليه وسلم # ما قد غشيني، ضرب في صدري ففضت عرقا، وكأنما أنظر إلى الله تعالى فرقا، فقال: ~~يا أبي، أرسل إلي أن اقرأ القرآن على حرف، فرددت إليه أن هون على أمتي، فرد إلي ~~الثانية اقرأه على حرفين، فرددت إليه أن هون على أمتي، فرد إلي الثالثة اقرأه على سبعة ~~أحرف.» # نشأ عن ذلك خلاف في بعض الألفاظ مما دون أو حفظ في عهد رسول الله؛ روى ابن أبي داود في ~~كتاب المصاحف أن عمر بن الخطاب كان يقرأ: «صراط من أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم وغير ~~الضالين.» في حين يقرأ غيره: # صراط الذين أنعمت عليهم ~~غير المغضوب عليهم ولا الضالين ~~، وأنه (رضي الله عنه) ms272 قرأ: ~~«الم، الله لا إله إلا هو الحي القيام» بدل «القيوم». وكان علي بن أبي طالب يقرأ: «آمن ~~الرسول بما أنزل إليه وآمن المؤمنون كل آمن بالله» بدل # آمن ~~الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن ~~بالله ~~. # 6 # وكان أبي بن كعب يقرأ: «فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فأتوهن أجورهن ~~فريضة» بدل # فما استمتعتم به منهن فآتوهن ~~أجورهن فريضة ~~، # 7 # وأثبت أبي بن كعب في جمعه القرآن نصوصا تخالف في بعض لفظها مصحف عثمان، من ~~ذلك: «فصيام ثلاثة أيام متتابعات» في كفارة اليمين بدل # فصيام ~~ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم ~~. # 8 # وشأن عبد الله بن مسعود كشأن أبي بن كعب في قراءته وفي مصحفه؛ فقد روي أنه كان يقرأ: ~~«والعصر، إن الإنسان لفي خسر، وإنه فيه إلى آخر الدهر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~وتواصوا بالصبر» فيضيف «وإنه فيه لآخر الدهر» ويحذف «وتواصوا بالحق» كما ثبت في مصحف عثمان. ~~وكان يقرأ: «إن الله لا يظلم مثقال نملة» بدل # إن الله لا يظلم ~~مثقال ذرة # 9 # وكان يقرأ: «وتزودوا وخير الزاد التقوى» بدل # وتزودوا ~~فإن خير الزاد التقوى # 10 # وقد أورد ابن أبي داود تفصيل هذا الخلاف في الألفاظ ونسبه إلى أصحابه؛ ومنهم ~~عائشة أم المؤمنين، فقد روى أنه كان مكتوبا في مصحفها «حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ~~وصلاة العصر» إلى ما في مصحف عثمان، وذكر عن ابن يونس مولى عائشة أنه قال: كتبت لعائشة ~~مصحفا فقالت: إذا مررت بآية الصلاة فلا تكتبها حتى أمليها عليك، فأملتها علي «حافظوا على ~~الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر»، وقد وردت مثل هذه الرواية عن هذه الآية في مصحف حفصة ~~وفي مصحف أم سلمة زوجي النبي، وقيل: بل أملت أم سلمة «حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ~~صلاة العصر». # أنت لا ريب قد رأيت أن الاختلاف في القراءات وفي مصاحف الصحابة لم يتعد الألفاظ، وأنه لم ~~يجعل من نهي أمرا، ولا من أمر نهيا، ولا من آية رحمة آية عذاب، ولا من ms273 آية عذاب آية ~~رحمة، والشأن كذلك في كل ما روي عن قراءات الصحابة وعن مصاحفهم ومصاحف التابعين، ولقد قدم ~~المستشرق «أرثر جفري» لكتاب المصاحف لابن أبي داود، وأورد كل ما روي عن هذا الاختلاف في ~~القراءات والمصاحف، فلم يزد الأمر على ما قدمت من الأمثلة، وعلة ذلك راجعة إلى ما ذكرنا عن ~~الحديث: «أنزل القرآن على سبعة أحرف.» # وما كان الخلاف ليزيد على هذا في حياة الذين تلقوا القرآن عن رسول الله فكتبوه أو وعته ~~صدورهم في تقديس لكلام الله وإيمان به يحولان دون الزيادة فيه أو النقص منه أو تحريفه، لكن ~~هؤلاء القراء رجال كتب عليهم الموت كما كتب على الذين من قبلهم، ولقد استحر القتل في طائفة ~~منهم في حياة النبي ببئر معونة، ثم استحر القتل فيهم في اليمامة، فإذا ذهب أكثرهم أو ذهبوا ~~جميعا لم يكن عجبا أن يقوم من يزيد في القرآن أو ينقص منه، ومن يحرف كلام الله عن مواضعه، ~~ثم لا عجب أن يختلف الناس على هذا، وأن ينتهي اختلافهم إلى الثورة يصلى المسلمون نارها ~~ويصيب الإسلام منها ضر كبير. # كان لعمر ولأبي بكر ولزيد بن ثابت مما حدث في بلاد العرب نذير يعظهم أن يتقوا هذا اليوم، ~~فقد ارتد في حياة الرسول بعض الذين أسلموا وكانوا يكتبون الوحي، ثم زعموا أنهم كانوا يزيفون ~~ما يكتبون ويلقونه على المسلمين زائفا، وروايات المنافقين وما كانوا يصنعون من ذلك ومن ~~مثله واردة في كتب السيرة، وفي قصة مسيلمة بعض هذا النذير، فهو إنما استغلظ أمره بعد أن ذهب ~~نهار الرحال بن عنفوة من قبل رسول الله # صلى الله عليه وسلم # إلى اليمامة يقرئ أهلها القرآن ويفقههم في ~~الدين، فلم يلبث حين رأى السواد من أهل اليمامة يتبع مسيلمة أن أقر بنبوته، وشهد بأن محمدا ~~يقول: إن مسيلمة قد أشرك في الرسالة معه، وكان نهار فقيها يتلو على الملأ القرآن الذي أوحي ~~إلى محمد ويقص عليهم تعاليمه ويفقههم في دينه، هذا وما حدث من مثله إثر وفاة ms274 الرسول إذ نجم ~~النفاق واشرأبت الأعناق يشهد بما لحجة عمر في جمع القرآن بعد اليمامة من قوة تذهب بكل ~~تردد. # وماذا بعد في جمع القرآن مما لم يصنعه رسول الله حتى يتردد أبو بكر أو يتردد زيد بن ثابت ~~بسببه؟! لقد أمر (عليه السلام) أن يكتب الوحي وأن تكتب الآيات مرتبة في السور، وما منعه أن ~~يأمر بجمع القرآن قبل أن يختاره الله إليه إلا أن الوحي كان يتتابع، وأن بعض الآيات كانت ~~تنسخ، أما وقد قبض فانتهى نزول الوحي وتم كتاب الله وكمل دينه، فالخير في أن يجمع القرآن ~~حتى لا يتعرض لما خشي علي بن أبي طالب أن يتعرض له من زيادة فيه أو نقص منه، وبخاصة بعد أن ~~قتل من القراء باليمامة من قتل؛ ويخشى أن يقتل منهم آخرون في مواطن غير اليمامة. # أحسب هذه وأمثالها من الحجج هي ما ساقه عمر حين ناقش أبا بكر في جمع القرآن، وهي كما ترى ~~حجج تحسم كل ريبة وتقطع بما في الجمع من خير للإسلام والمسلمين، لهذا اقتنع أبو بكر برأي ~~عمر، ثم اقتنع به زيد بن ثابت. # 11 # ويجمل بي قبل أن أفصل ما حدث بعد اجتماع الصديق والفاروق وكاتب الوحي لرسول الله، أن أذكر ~~أن ما حدث في عهد عثمان قد أيد ما رآه عمر من جمع القرآن، ودل على صدق نظره فيه، فقد ~~اتسعت رقعة الفتح في عهد عمر وعثمان، وكان أصحاب رسول الله يقرءون القرآن ويعلمونه من أسلم ~~من أهل البلاد المفتوحة؛ فاختلف الناس في القراءة وعظم اختلافهم وتشتتهم؛ حتى إن الرجل ~~ليقول لصاحبه: إن قراءتي خير من قراءتك، وأفضل من قراءتك. وبلغ الأمر من ذلك حتى كاد يكون ~~فتنة؛ اختلفوا وتنازعوا، وأظهر بعضهم إكفار بعض والبراءة منه، وتلاعنوا، ورأى حذيفة بن ~~اليمان خلافهم إذ كان يقاتل مع المسلمين على إرمينية وأذربيجان، ففزع وكر راجعا إلى ~~المدينة ودخل على عثمان قبل أن يدخل إلى بيته، فقال له: أدرك هذه الأمة قبل أن تهلك. قال ~~عثمان: ms275 فيماذا؟ قال: في كتاب الله، إني حضرت هذه الغزوة وقد جمعت ناسا من العراق والشام ~~والحجاز، ثم وصف له ما تقدم من اختلافهم في القراءة، وأردف: وإني أخشى عليهم أن يختلفوا في ~~كتابهم كما اختلف اليهود والنصارى. # 12 # ورأى عثمان الخطر، فجمع الناس فعرض عليهم الأمر، فسألوه رأيه فقال: الرأي عندي ~~أن يجتمع الناس على قراءة؛ فإنكم إذا اختلفتم اليوم كان من بعدكم أشد اختلافا. وأقره أهل ~~الرأي، فأرسل إلى حفصة يسألها أن ترسل إليه مصحف أبي بكر لنسخه في المصاحف، وكان ذلك أول ما ~~حدث في جمع مصاحف عثمان وتوحيد قراءة القرآن. # هذا الخلاف في عهد عثمان بالغ الدلالة على أن عمر كان صادق النظر حين أشار على أبي بكر ~~بجمع القرآن، وقد اتخذ عثمان مصحف أبي بكر إماما لهم في توحيد القراءة، فلو أن أبا بكر لم ~~يجمع القرآن لتفاقم الخلاف، ولأصاب المسلمين من ذلك شر أنجاهم عمل الصديق منه، من ثم لم ~~يغل علي بن أبي طالب حين قال: ~~«أعظم الناس أجرا في المصاحف أبو بكر، رحمة الله على أبي بكر، هو أول من جمع بين ~~اللوحين.» # شرح الله صدر أبي بكر لجمع القرآن بعد حواره مع عمر، فعهد إلى زيد بن ثابت أن يتتبعه ~~فيجمعه، روي أن عبد الله بن مسعود غضب لذلك وقال: يا معشر المسلمين! أعزل عن نسخ المصاحف ~~ويتولاه رجل؟ والله لقد أسلمت وإنه لفي صلب رجل كافر! يريد زيد بن ثابت. وقد نسب هذا القول ~~إلى ابن مسعود حين أمر عثمان زيدا بجمع القرآن وأردفه بمن أردفه بهم من الصحابة، ولعل عبد ~~الله غضب في المرتين لما ذكره القرطبي حين قال: «قال أبو بكر الأنباري: ولم يكن الاختيار ~~لزيد من جهة أبي بكر وعثمان على عبد الله بن مسعود في جمع القرآن، وعبد الله أفضل من زيد ~~وأقدم في الإسلام وأكثر سوابق وأعظم فضائل، إلا لأن زيدا كان أحفظ للقرآن من عبد الله.» ~~وهذه العبارة ترجح غضب ابن مسعود في المرتين. # وقد ms276 بلغ غضب ابن مسعود لهذا الأمر أمدا بعيدا، حتى كان يقول: «لقد قرأت من في رسول الله # صلى الله عليه وسلم # سبعين سورة، وإن لزيد بن ثابت ذؤابتين يلعب مع الصبيان.» بل لقد حرض أهل العراق في ~~عهد عثمان على ألا يعاونوا في هذا العمل، وكان يقول لهم: «إني غال مصحفي، فمن استطاع منكم ~~أن يغل مصحفا فليفعل؛ فإن الله يقول: # ومن يغلل يأت بما ~~غل يوم القيامة ~~(آل عمران: 161)»، وخطب الناس يوما فقال: # ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة # غلوا ~~مصاحفكم، وكيف تأمروني أن أقرأ على قراءة زيد بن ثابت وقد قرأت من في رسول الله # صلى الله عليه وسلم # بضعا وسبعين سورة وإن زيد بن ثابت ليأتي مع الغلمان له ذؤبتان، والله ما نزل القرآن إلا ~~وأنا أعلم متى وفي أي شيء نزل، ما أحد أعلم بكتاب الله مني، وما أنا بخيركم، ولو أعلم أحدا ~~أعلم بكتاب الله مني تبلغنيه الإبل لأتيته.» كره رجال أفاضل من أصحاب النبي مقالة ابن ~~مسعود، ورأوا فيها تحريضا على الفتنة لا مسوغ له. روي عن أبي الدرداء أنه قال: «كنا نعد ~~عبد الله حنانا فما باله يواثب الأمراء!» صحيح أن عبد الله بن مسعود بدري وزيد بن ثابت ~~ليس بدريا، ولعبد الله سابقة في الإسلام على زيد وعلى أبيه ثابت بن زيد، وهو قد تلقى عن ~~رسول الله نيفا وسبعين سورة من القرآن، لكن زيدا كان كاتب رسول الله، وقد تلقى عنه القرآن ~~كله إلى وفاته، يقول القرطبي: «الشائع الذائع المتعالم عند أهل الرواية والنقل أن عبد الله ~~بن مسعود تعلم بقية القرآن بعد وفاة رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وقد قال بعض الأئمة: مات عبد الله ~~بن مسعود قبل أن يختم القرآن.» وقد جاء مصحف ابن مسعود خلوا من المعوذتين. # سقنا حديث عبد الله بن مسعود وغضبه حجة على حسن اختيار أبي بكر زيد بن ثابت لجمع القرآن، ~~وذلك قول الصديق لزيد بعد أن أقنعه برأي عمر: «إنك رجل ms277 شاب عاقل ولا نتهمك، كنت تكتب الوحي ~~لرسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، فتتبع القرآن فاجمعه.» ويضيف القرطبي على العبارة التي نقلناها في ~~تفضيل زيد على عبد الله قول أبي بكر الأنباري: «إن زيدا كان أحفظ للقرآن من عبد الله؛ إذ ~~وعاه كله ورسول الله حي، والذي حفظ منه عبد الله في حياة رسول الله # صلى الله عليه وسلم # نيف وسبعون ~~سورة، ثم تعلم الباقي بعد وفاة رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، فالذي ختم القرآن وحفظه ورسول الله # صلى الله عليه وسلم # حي أولى بجمع المصحف وأحق بالإيثار والاختيار.» # ولعل أبا بكر قد اختار زيدا وآثره على غيره من أصحاب رسول الله لأنه شاب، فهو أقدر على ~~العمل منهم، وهو لشبابه أقل تعصبا لرأيه واعتزازا بعلمه، وذلك يدعوه إلى الاستماع لكبار ~~الصحابة من القراء والحفاظ، والتدقيق في الجمع دون إيثار لما حفظه هو، وإن كان المتواتر أنه ~~حضر العرضة الأخيرة للقرآن حين عرضه رسول الله على جبريل للمرة الثانية في السنة التي كانت ~~فيها وفاته. # شعر زيد بجسامة التبعة التي ألقاها الخليفة على عاتقه وقدرها قدرها؛ وذلك قوله: «فوالله ~~لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن.» وكيف لا يشعر ~~بجسامة التبعة وهو يعلم أن أبا بكر يحفظ القرآن، وعمر يحفظه، وعلي يحفظه، وعثمان يحفظه، ~~وكبار الصحابة يحفظونه أو يحفظون منه أجزاء كثيرة، بل إن أربعة قد تلقوا القرآن عن رسول ~~الله وكتبوه مرتب الآيات في السور، وكتب غيرهم، ومنهم عبد الله بن مسعود، مصاحف بعضها كامل ~~وبعضها غير كامل، وهؤلاء جميعا رقباء عليه يحاسبونه أدق الحساب. # والرقابة الكبرى! رقابة صاحب القرآن من أوحاه إلى رسوله، أعظم من كل رقابة، وهي التي ~~جعلت زيدا يشعر بأن نقل جبل من الجبال أيسر مما كلفه الخليفة إياه، وإيمان زيد بن ثابت ~~بأن الله رقيب عليه في جمع كلامه جل شأنه هو الذي سما به ليقدر ما لهذا الأمر من جلال، ~~وليبذل فيه كل ms278 جهد ويستهين بكل مشقة، وألا يدخر وسعا في جمع كل ما سطر القرآن فيه من ~~الرقاع والأكتاف واللخاف # 13 # والعسب ومن صدور الرجال، وفي موازنة ذلك كله بعضه ببعض، وموازنته بما حفظ هو ~~عن رسول الله في السنة الأخيرة من حياته، والوصول من الجمع إلى الغاية التي يبتغيها خليفة ~~رسول الله والتي ترضي الله ورسوله، بذلك صار هذا المصحف المجموع إماما استراح إليه ~~المسلمون، فلما أراد عثمان توحيد القراءات جعله إمامه. # ولست في حاجة إلى القول بأن زيدا لم يثبت القرآن في مصحفه على تاريخ نزوله بعد أن رتبت ~~الآيات في السور بأمر رسول الله، فوضع ما نزل منها بالمدينة في السور المكية، إنما تتبع زيد ~~السور كما رتبها رسول الله، ثم نسخها في الورق أو في الأديم، فلما تم له نسخها كانت عند أبي ~~بكر، ثم عند عمر، ثم عند حفصة. # أية طريقة اتبع زيد في الجمع؟ تستطيع أن تقول في غير تردد إنه اتبع طريقة التحقيق ~~العلمي المألوفة في عهدنا الحاضر، وقد اتبع هذه الطريقة بدقة دونها كل دقة، فقد طلب أبو بكر ~~إلى كل من عنده من القرآن شيء مكتوب أن يجيء به إلى زيد، وإلى كل من يحفظ القرآن أن يدلي ~~إليه بما يحفظه، واجتمع لزيد من الرقاع والعظام وجريد النخل ورقيق الحجارة وكل ما كتب أصحاب ~~رسول الله القرآن عليه الشيء الكثير، عند ذلك جعل يرتبه ويوازنه ويستشهد عليه، ولا يثبت آية ~~إلا إذا اطمأن إلى إثباتها كما أوحيت إلى رسول الله، روي أن عمر بن الخطاب قرأ: «والسابقون ~~الأولون من المهاجرين والأنصار الذين اتبعوهم بإحسان»، برفع كلمة «الأنصار» ومن غير واو ~~العطف بينها وبين «الذين»، فقال له زيد بن ثابت: «والذين اتبعوهم بإحسان»، واختلفا، فدعا ~~عمر أبي بن كعب وسأله عن ذلك، فأقر قراءة زيد، وليزيل كل ريبة من نفس عمر قال: «والله، ~~أقرأنيها رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وأنت تبيع الحنطة.» فادكر عمر وقال: نعم! وتابع أبيا وأقر ~~قراءة زيد، وكذلك كان ms279 يصنع زيد كلما خالفه من الصحابة أحد، وكلما وجد في المكتوب في الرقاع ~~والعظام وغيرها خلافا، يستشهد ويستقصي، ولا يمنعه من ذلك أنه يحفظ القرآن، وأنه حضر قراءة ~~رسول الله إياه قبيل وفاته، وهذا الخلاف على حرف الواو في الآية السابقة يدلك على مبلغ هذه ~~الدقة، ويشهد بأن زيدا لم يضن بمجهود في القيام بالعمل العظيم الذي عهد فيه أبو بكر ~~إليه. # وقد كانت هذه الدقة في جمع القرآن متصلة بإيمان زيد بالله، فالقرآن كلام الله جل شأنه، ~~فكل تهاون في أمره أو إغفال للدقة في جمعه وزر ما كان أحرص زيدا في حسن إسلامه وجميل صحبته ~~لرسول الله أن يتنزه عنه، ولقد شهد المنصفون من المستشرقين جميعا بهذه الدقة ، حتى ليقول ~~سير وليم ميور: «الأرجح أن العالم كله ليس فيه كتاب غير القرآن ظل اثني عشر قرنا كاملا ~~بنص هذا مبلغ صفائه ودقته.» # 14 # على أن زيدا لم يأخذ مع الدقة في جمع السور مرتبة الآيات بتنسيق السور في المصحف واحدة ~~تلو الأخرى، وإنما كان التنسيق على النحو الذي نعرفه اليوم في عهد عثمان، وقد اختلف فيما ~~كان منه في عهد النبي؛ قال بعضهم: إنه # صلى الله عليه وسلم # تركه لأمته، وقال بعض: بل ذكر الرسول نظام ~~التتابع لبعض السور وترك بعضها، وقال غيرهم: بل ذكر نظامها جميعا، ذكر ابن وهب في جامعه ~~قال: سمعت سليمان بن بلال يقول: سمعت ربيعة يسأل: لم قدمت البقرة وآل عمران وقد نزل ~~قبلهما بضع وثمانون سورة، وإنما نزلتا بالمدينة؟ فقال ربيعة: «قد قدمتا وألف القرآن على ~~علم ممن ألفه، وقد اجتمعوا على العلم بذلك، فهذا مما ننتهي إليه، ولا نسأل عنه.» وقال قوم ~~من أهل العلم: إن تأليف سور القرآن على ما هو عليه في مصحفنا كان عن توقيف من النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وأما ما روي من اختلاف مصحف أبي وعلي وعبد الله، فإنما كان قبل العرض الأخير، ~~وأن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # رتب لهم تأليف السور بعد ms280 أن لم يكن فعل ذلك. # 15 # يخالف بعضهم هذا الرأي، ويرى أن ترتيب السور لم يكن بتوقيف من رسول الله، ويحتج ~~بأن علي بن أبي طالب لم يجمع مصحفه إلا بعد وفاته # صلى الله عليه وسلم ~~، وكذلك فعل عبد الله بن عباس، ~~فلو أن رسول الله قد رتب السور لكان علي وابن عباس أجدر بأن يصنعا ذلك وأن يرتباها كما أمر ~~رسول الله، ولم يرتب زيد بن ثابت السور حين جمع القرآن في عهد أبي بكر، فترتيب السور قد كان ~~كله أو بعضه اجتهادا من الصحابة ولم يكن مما أمر به رسول الله. # 16 # والرأي بأنه # صلى الله عليه وسلم # لم يرتب السور كلها أو بعضها، ووكل أمر ذلك إلى الأمة بعده يأخذ به كثيرون. # 17 # روى ابن عباس أنه قال: «قلت لعثمان: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من ~~المثاني وإلى براءة وهي من المئين، فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن ~~الرحيم، ووضعتموهما في السبع الطوال؟ فقال عثمان: كان رسول الله # صلى الله عليه وسلم # تنزل عليه السورة ~~ذات العدد، فكان إذا نزل عليه شيء دعا بعض من كان يكتب فيقول: ضعوا هذه الآيات في السورة ~~التي يذكر فيها كذا وكذا، وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة، وكانت براءة من آخر ~~القرآن نزولا، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، فظننت أنها منها؛ فقبض رسول الله # صلى الله عليه وسلم # ولم ~~يبين لنا أنها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم، ~~ووضعتهما في السبع الطوال.» # لم يكن القول في ترتيب السور في المصحف مما يدخل في نطاق هذا الفصل، وإنما أدى إليه ~~الاستطراد إيضاحا لقول القرطبي عن زيد بن ثابت وجمعه القرآن في عهد أبي بكر: «جمعه غير ~~مرتب السور، بعد تعب شديد، رضي الله عنه.» أأتم زيد جمع القرآن في عهد أبي بكر أم استغرق ~~عمله هذا زمنا من عهد عمر؟ ذلك أمر اختلف فيه، وقد رأينا في ms281 رواية البخاري أن الصحف التي ~~جمع زيد فيها القرآن كانت عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حتى توفاه الله، ثم عند ~~حفصة بنت عمر أم المؤمنين. وهذا القول يؤدي إلى أن الجمع تم في عهد أبي بكر، ويذهب بعض ~~الرواة إلى أن الجمع استغرق زمنا في عهد عمر، وليس يتيسر القطع بأي الروايتين أصح، وإن ~~أمكن التوفيق بينهما بأن زيدا أتم جانبا كبيرا من الجمع في عهد أبي بكر، وجعل صحف هذا ~~الجانب عند الخليفة؛ وقبض الصديق فأخذ عمر ما كان عنده من هذه الصحف، فلما أتم زيد جمع ما ~~بقي من القرآن وأضيفت صحفه إلى الصحف الأولى ثم كانت كلها عند عمر، وهذه الصحف هي التي كانت ~~المصحف الإمام في عهد عثمان، وهي التي نتلوها اليوم، وسيتلوها من بعدنا من المسلمين وغير ~~المسلمين حتى يوم الدين. ~~«رحمة الله على أبي بكر! كان أعظم الناس أجرا في جمع المصاحف.» كذلك قال علي بن أبي ~~طالب، وذلك ما يقوله كل مسلم. ولقد طالما سألت نفسي وأنا أكتب هذا الكتاب: أي أعمال الصديق ~~أعظم: قضاؤه على الردة والمرتدين في بلاد العرب، أم فتحه العراق والشام وتمهيده بذلك ~~للإمبراطورية الإسلامية العظيمة التي حملت عبء الحضارة الإنسانية قرونا متعاقبة، أم جمعه ~~القرآن كتاب الله إلى رسوله محمد النبي الأمي هدى ورحمة للعالمين؟ طالما سألت نفسي وفكرت ~~أتلمس الجواب، ولم أتردد قط في الإجابة، فجمع القرآن أعظم أعمال أبي بكر لا ريب، وأكثرها ~~بركة على الإسلام والمسلمين والناس أجمعين، لقد اضمحلت جزيرة العرب وتقلصت منها أسباب القوة ~~والحياة بعد عهد بني أمية، وقد تداعت الإمبراطورية الإسلامية وخضع المسلمون في أرجاء الأرض ~~لغير المسلمين ولسلطان حكمهم، ولقد نسي الناس هذه الإمبراطورية وكادوا ينسون بلاد العرب، ~~ولولا مناسك الحج لضمت شبه الجزيرة إلى مجاهل الأرض فلا يصل إليها إلا المستكشفون، أما كتاب ~~الله الكريم فإنه خالد باق على الدهر، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من ~~عزيز حكيم. # ولا يحسبن ms282 أحد أني بما أذكر من ذلك أهون من أمر حروب الردة أو من أمر الإمبراطورية ~~الإسلامية، فكل من هذين الأمرين عظيم، وكل عمل منها كاف وحده ليخلد حياة من يقوم به، ولو ~~أن أبا بكر وقف من خلافته عند القضاء على الردة لشهد الناس جميعا له بعظمة ما قام به ~~وبجلاله، ولو أنه لم يصنع أكثر من وضع القواعد للإمبراطورية الإسلامية لأقروا كلهم له ~~بالعظمة وخلود الذكر على صفحات الدهر، فإذا حفل عهده بهذين الأمرين البالغين كل هذا الجلال ~~وكل هذه العظمة، ثم كان فيه جمع القرآن، وهو أبقى منهما جميعا وأعظم، فذلك الخلد الذي لا ~~خلد بعده، والرضا من الله لا يؤتاه إلا الصديقون الذين سما إيمانهم فيسر الله لهم كل عظيم ~~وهيأ لهم من أمرهم رشدا. # رحم الله أبا بكر، وأجزل له الأجر، إنه كان من عباده المخلصين. # الفصل السابع عشر # | حكومة أبي بكر # لما بويع أبو بكر خاطبه رجل من المسلمين بقوله: «يا خليفة الله»، فلم يدعه أبو بكر يمضي ~~في حديثه، بل قال له: «لست بخليفة الله ولكني خليفة رسول الله.» # هذه عبارة أوردها المؤرخون حجة على تواضع أبي بكر وصدق تقديره، وهي في رأيي تستوقف النظر ~~لمعنى أعمق في دلالته من هذا المعنى المتصل بشخص أبي بكر وخلقه؛ ذلك ما فيها من قوة الإبانة ~~عن تصور المسلمين الأولين لفكرة الحكم، فقد خلت قرون قبل عهد رسول الله، وتعاقبت قرون بعده، ~~قام أثناءها في كثير من الأمم ملوك وحكام زعم دعاتهم وزعموا لأنفسهم أنهم خلفاء الله على ~~الأرض، وأن لهم بذلك قدسية ليست لغيرهم من الناس، كذلك كان الأمر في مصر أيام الفراعنة ~~الأولين، ومن هؤلاء الفراعنة من كان يقول لقومه: «أنا ربكم الأعلى.» وكان سواد المصريين في ~~ذلك العهد يؤمنون بما لملوكهم من صفات الربوبية، ثم تزيدهم دعايات الكهنة إيمانا بهذه ~~الصفات، وكذلك كان الأمر في آشور وإيران والهند وغيرها من الأمم التي عاصرت الفراعنة، وكان ~~أكثر الملوك تواضعا في ذلك العهد أولئك الذين يرون ms283 أنفسهم خلفاء الله على الأرض. # ولقد قام في عصور أوربا الوسطى دعاة من العلماء زعموا للملوك حقا مقدسا مستمدا من ~~الله يجعل لهم على الناس سلطانا لا يعرف حدا، وعدوهم لذلك خلفاءه جل شأنه، فكانت كلمتهم ~~منزلة كالوحي، وكان حكمهم كحكم الله لا مرد له، وظلت هذه الآراء مقبولة في أوربا إلى القرن ~~الخامس عشر الميلادي، وإلى القرن السابع عشر في بعض الأمم، ولم تستطع الشعوب أن تتغلب ~~عليها، مع انتشار العلم وتقدم الحضارة، إلا بالثورات العنيفة، ذهبت فيها الألوف وعشرات ~~الألوف من الأرواح ضحايا للمبادئ التي ثارت لها، مبادئ الحرية والإخاء والمساواة بين ~~الناس. # هذه المبادئ التي سادت العالم دهرا طويلا، والتي كانت تسود أوربا إلى عهد قريب منا، هي ~~التي أنكرها أبو بكر بقوله: «لست خليفة الله ولكني خليفة رسول الله.» # ولم يرد أبو بكر بأنه خليفة رسول الله إلا أنه خلفه # صلى الله عليه وسلم # قيادة المسلمين وسياسة ~~أمورهم في حدود ما أمر الله به وما نهى عنه، أما ما اختص الله به رسوله فيما وراء ذلك فلم ~~يدر بخاطر الصديق أنه خليفته فيه، وكيف يدور ذلك بخاطره ورسول الله خاتم الأنبياء ~~والمرسلين، لا يخلفه في نبوته أحد، ولا في رسالته أحد!! اصطفاه الله وأنزل عليه الكتاب ~~بالحق فأكمل للمؤمنين دينهم وأتم عليهم نعمته، وهذا ما خطب به أبو بكر إثر بيعته إذ قال: ~~«إني وليت هذا الأمر وأنا له كاره، ووالله لوددت أن بعضهم كفانيه، ألا وإنكم إن كلفتموني أن ~~أعمل فيكم بمثل عمل رسول الله # صلى الله عليه وسلم # لم أقم به، كان رسول الله # صلى الله عليه وسلم # عبدا أكرمه الله ~~بالوحي وعصمه به، ألا وإنما أنا بشر ولست بخير من أحد منكم، فراعوني، فإن رأيتموني استقمت ~~فاتبعوني، وإن رأيتموني زغت فقوموني.» وقد رأيت أبا بكر كيف قاتل الذين ادعوا النبوة، ~~والذين ارتدوا عن دين الله وعن الإيمان به وبرسوله، وكيف كان صلبا في حرب هؤلاء جميعا، ~~حتى ردهم إلى الهدى ودين الحق. # ولقد ms284 تولى أبو بكر قيادة المسلمين وسياسة أمورهم بعد رسول الله باختيار المسلمين ورضاهم، ~~لم يبعثه الله خليفة عليهم كما بعث محمدا رسولا إليهم، ولم يجعل له فضلا على أحد منهم ~~إلا بالتقوى، وهو لم يكن يرى لنفسه حقا في حكم المسلمين إلا في حدود كتاب الله وسنة ~~رسوله، وذلك قوله (رضي الله عنه) حين خطب الناس يوم بيعته: «أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن ~~عصيته فلا طاعة لي عليكم.» # ولقد خلف عمر بن الخطاب أبا بكر، فلم يتخذ لنفسه لقب خليفة رسول الله، بل طلب إلى الناس ~~فلقبوه: أمير المؤمنين، ذلك أنه أراد اتقاء التكرار في تلقيبه خليفة رسول الله، وهو تكرار ~~يطول إلى غير حد بتعاقب الخلفاء، فلو أنه لقب خليفة خليفة رسول الله للقب عثمان من بعده ~~خليفة خليفة خليفة رسول الله، ولكان علي بن أبي طالب خليفة خليفة خليفة خليفة رسول ~~الله. # واتخاذ عمر لقب أمير المؤمنين اتقاء لهذا التكرار يجعل عبارة أبي بكر: لست خليفة الله ~~ولكني خليفة رسول الله، أكثر قوة في دلالتها وإبانة عن المعنى الذي قصده الصديق منها، ويشهد ~~بأنه قصد معناها اللغوي من حيث تعاقب الزمن، فهو الرجل الذي خلف رسول الله على سياسة ~~المسلمين بعد وفاته، ولو أن لقب الخليفة أريد به يومئذ غير هذا المعنى اللغوي للقب عمر ~~كما لقب أبو بكر خليفة رسول الله، ولما اقتضى الأمر تغيير هذا اللقب بلقب أمير ~~المؤمنين. # ولعل سببا آخر دعا عمر ليتخذ إمارة المؤمنين لقبا له، ذلك أنه رأى نظام الحكم تطور في ~~بلاد العرب وفي البلاد التي تم فتحها في عهد أبي بكر، مع بقاء هذا الحكم في حدود ما أمر ~~الله به وما نهى عنه، وكان هذا التطور سريعا في شبه الجزيرة وفيما وراءها سرعة أذهلت ~~العالم وأدهشت المؤرخين، ولم يكن في كتاب الله ولا في سنة رسوله تفصيل لنظام الحكم كيف ~~يكون، وإن جعل الكتاب الشورى أساس الحكم، فقال تعالى مخاطبا نبيه: # وشاورهم في الأمر # وقال: # وأمرهم شورى ~~بينهم ms285 ~~، فلم يكن لعمر بد من أن ينظر في تفصيل هذا النظام بما يتفق واتساع ~~رقعة الفتح، وما يكفل طمأنينة المحكومين، شأنه في ذلك شأن أمير الجيوش إذ يصفها وينظم ~~تعبئتها بما يقضي به تطور المعارك وما يقتضيه موقف جنوده وموقف خصومه، غير مقيد برأي سلف ما ~~دام في طاعة الله متأسيا برسوله. # وأنت إذا رجعت البصر إلى هذا التطور السريع ازددت إعجابا بأبي بكر وبمقدرته على مواجهته ~~في لين ومرونة كانا مصدر قوته والسبب في نجاح سياسته، كانت بلاد العرب إلى عهد الرسول موزعة ~~بين حياة الحضر وحياة البادية، مقسمة بين شتى الأديان، يكاد شمالها وجنوبها لا يتعارفان، ~~كانت اليمن خاضعة لسلطان فارس، تتجاور فيها المسيحية واليهودية وعبادة الأصنام، وتتكلم لغة ~~حمير التي تختلف في لهجتها عن لغة قريش كافة، وعن لغة مضر خاصة، ثم إن اليمن كانت مستقر ~~حضارة تعاقبت على الأجيال، أما الحجاز فكان أدنى إلى البداوة، وكانت مدنه، مكة ويثرب ~~والطائف، تستقل كل واحدة بنفسها وبنظامها، كاستقلال كل قبيلة بنفسها وبنظامها، ولا يحول هذا ~~الاستقلال دون تجاور اليهودية والوثنية بيثرب، ولا دون تجاور النصرانية والوثنية بمكة، فلما ~~انتشرت دعوة النبي العربي إلى التوحيد في أرجاء شبه الجزيرة، وأذن الله لدينه القيم أن يعم ~~ربوعها، خلعت اليمن نير الفرس، وبقيت مستقلة بنفسها وبنظامها كما كانت من قبل؛ وكذلك بقيت ~~سائر مدن الحجاز وقبائله مع إسلامها لله وللدين الذي أوحاه إلى رسوله، بذلك أصبحت بلاد ~~العرب أشبه بعصبة أمم عربية تجمع بينها عقيدة واحدة، تدين كلها برسالة محمد وتؤمن بتعاليمه، ~~ثم لا تنزل من استقلالها عن شيء إلا إيتاء الزكاة أداء لفرض الله وقياما بركن من أركان ~~دينه الذي آمنت به. # على أن هذه الوحدة الدينية كانت بدء تطور في نظام البلاد السياسي لم يلق العرب بالهم ~~إليه، لقد تحالفت القبائل والمدن على أن تدفع عن حرية العقيدة وتقاتل المشركين الذين يصدون ~~عن سبيل الله، فلما سار جيش المدينة تحت راية الرسول ليغزو مكة بعثت القبائل من سليم ومزينة ms286 ~~وغطفان وغيرها من انضم إلى المهاجرين والأنصار لفتح البلد الحرام، وفتحت مكة أبوابها وأسلم ~~أهلها، فسار أبناؤها مع جيش الرسول إلى حنين والطائف. ثم إن رسول الله كان يبعث عماله إلى ~~البلاد التي تدين بالإسلام ليعلموا الناس القرآن ويفقهوهم في الدين، وهؤلاء العمال هم ~~الذين كانوا ينظمون الزكاة وتحصيلها فيرسلونها إلى المدينة أو يوزعونها بين الفقراء من أهل ~~البلاد التي دخلت في دين الله، طبيعي أن يحدث ما صحب الانقلاب الديني من هذه الأحداث تطورا ~~في النظام السياسي يميل ببلاد العرب إلى وحدة لم تألفها من قبل، لكن أهل هذه البلاد في ~~اليمن وفي غير اليمن لم يقدروا لهذا التطور، ولم يدر بخلد أحد منهم أن يكون له بعد رسول ~~الله أثر، بل كان ظنهم أن هذه التعاليم التي يذيعها رسول الله بينهم ستصبح أصيلة فيهم، ثم ~~يعودون إلى حالهم السياسية الأولى، وتظل كل أمة وكل قبيلة منهم مستقلة بنفسها وبنظامها كما ~~كانت من قبل. # وهذا هو السبب في ثورة تلك البلاد إثر وفاة الرسول، وفيما ترتب على ذلك من حروب الردة، ~~فقد أراد أبو بكر أن تظل هذه البلاد كما كانت في عهد الرسول، وأرادت هذه البلاد أن تسترد ~~حريتها السياسية كاملة، وكان لأبي بكر من إيمانه بالله ورسوله أبلغ العذر عن الإصرار على أن ~~يؤدي من أسلم كل ما فرض الله مما كان يؤدي لرسول الله، وكانت هذه البلاد ترى لنفسها ~~حقا في الاستقلال وتقرير المصير كحق أهل المدينة، وتأبى لذلك أن يفرض المهاجرون والأنصار ~~رأيهم عليها بعد أن لم يبق بينهم رسول الله يوحى إليه فيؤمن الناس بكلمته؛ لأنها كلمة الله ~~جل شأنه. # وما حدث من بيعة أبي بكر بالمدينة جدير بأن يقف نظرنا كما وقف نظر العرب في ذلك العهد، ~~فما بال المهاجرين والأنصار قد استأثروا باختيار الخليفة دون سائر العرب؟! وما دلالة ذلك في ~~تطور النظام السياسي يومئذ؟ أتراهم استأثروا باختيار أبي بكر؛ لأنهم رأوا في سبقهم إلى ~~الإسلام وفي تقدمهم الصفوف للدفاع عنه ما ms287 يجعلهم أصحاب الأمر في شئون العرب، وما يقدمهم في ~~ولاية السلطان عليهم؟! لعلك تذكر اعتراض عمر بن الخطاب على أبي بكر حين أرسل أهل مكة ~~يشاورهم في فتح الشام ويستمدهم إليه، بعد أن قاتل أهل مكة المرتدين كما قاتلهم المهاجرون ~~والأنصار، ثم لعلك تذكر كلمة سهيل بن عمرو لعمر في هذا المقام وإجابة عمر إياه، فقد قال ~~سهيل: «ألسنا إخوانكم في الإسلام وبني أبيكم في النسب! أفئنكم أن كان الله قدم لكم في هذا ~~الأمر قدما صالحا لم نؤت مثله قاطعو أرحامنا ومستهينون بحقنا!» وكان جواب عمر: «إني ~~والله ما قلت ما بلغكم إلا نصيحة لمن سبقكم بالإسلام وتحريا للعدل فيما بينكم وبين من هو ~~أفضل منكم من المسلمين.» فإن يكن ذلك رأي عمر ومن وافقه في أمر مكة وأهلها فما أحراه أن ~~يكون رأيهم في أمر سائر العرب! أما كلمة سهيل فصريحة في إنكار رأي عمر، وفي تمسك أهل مكة ~~بما لهم من حق في المشورة يعدل ما لأهل المدينة فيها. # هذا الحوار واضح الدلالة في تصوير العوامل التي كانت تتجاذب لتكيف النظام السياسي في ~~الدولة الناشئة، فلئن قضت ضرورة المحافظة على كيان الدولة أن يسارع المهاجرون والأنصار ~~بالمدينة إلى اختيار الخليفة ومبايعته، لقد انقضت هذه الضرورة أول ما تمت بيعة أبي بكر ~~واطمأن المسلمون لها، ولقد أقامت مكة والطائف على الإسلام وشاركتا في حروب الردة، وصار لهما ~~بذلك من حق الرأي في الحكم ما لأهل المدينة، أفيكون سبق المهاجرين والأنصار إلى الإسلام ~~سببا في تقدمهم على جميع المسلمين ومسوغا لاستئثارهم بالأمر على العرب كلهم؟ ذلك ما رآه ~~ابن الخطاب، مستندا إلى ما دار في سقيفة بني ساعدة من حوار بين المهاجرين والأنصار، أما ~~أهل مكة فبرموا به، وأنكره باسمهم عكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو. # لم يذهب أبو بكر في هذا الأمر إلى المدى الذي ذهب إليه عمر، مع أنه في سقيفة بني ساعدة، ~~هو الذي أيد بحجته البالغة حق المهاجرين في الإمارة لسبقهم الأنصار إلى الإسلام ms288 واحتمالهم ~~الأذى في سبيله، ذلك أنه رأى سائر الذين أقاموا على إسلامهم من غير أهل المدينة قد شاركوا ~~في حروب الردة، وذهب منهم من ذهب لغزو العراق؛ فمن العدل أن يكون لهم ما لأهل المدينة من حق ~~في الرأي والمشورة، لهذا دعا أهل مكة يشاورهم في غزو الشام ويستمدهم إليه، كما أنه سوى في ~~قيمة الذهب الذي كان يجيء من المنجم الذي فتح على مقربة من المدينة في عهده بين المسلمين، ~~فلما قيل له في تفضيل السابقين إلى الإسلام كان جوابه: «إنما أسلموا لله ووجب أجرهم عليه، ~~يوفيهم ذلك في الآخرة؛ وإنما هذه الدنيا بلاغ.» وبهذا التصرف الحكيم مهد للتطور السياسي في ~~البلاد في لين ومرونة. # وقد تجدد الخلاف على هذا الرأي في عهد عمر فأصر على رأيه الأول فيه، مخالفا مذهب الصديق ~~وسياسته، ثم إنه حاول في آخر عهده أن يعود إلى رأي سلفه فعاجلته المنية دون أن يتم ما ~~عزم. # أدت سياسة الصديق إلى تطور العرب نحو الوحدة السياسية، وجعلتهم ينظرون إلى المدينة على ~~أنها عاصمة دولتهم ومصدر سياستهم، لذلك اتجهت أنظارهم إليها فانضووا تحت سلطانها واستظلوا ~~برايتها. # ما لون هذا السلطان؟ أكان ثيقراطيا (دينيا)، أم أرستقراطيا (حكم الخاصة)، أم ~~ديمقراطيا (حكم الشعب)؟ # 1 # لقد رأينا أنه لم يكن من نوع السلطان الديني الذي عرفته مصر الفراعنة، ولا الذي عرفته ~~عصور أوربا الوسطى، لم يكن أبو بكر يستمد سلطة الحكم من الله، بل من الذين بايعوه، وقد ~~انقضى نزول الوحي منذ اختار الله رسوله إليه، وبقي كتاب الله بين المسلمين هدى لهم جميعا، ~~وحجة عليهم جميعا؛ فهو ميثاقهم الذي آمنوا به وارتضوه، وهو دستور الحكم، يسير الحاكم في ~~حدوده لا يتعداه، فإن فعل وجبت طاعته، وإلا فلا طاعة له على مسلم. # هذه الصورة الدقيقة للحكم الإسلامي تنأى به عن الفكرة الثيقراطية، فهو كما ترى حكم مقيد ~~لا سبيل للقائم به إلى السلطان المطلق، وفي طبيعة الحكم الثيقراطي أن يكون مطلقا لا يعرف ~~قيدا إلا هوى الحاكم وحرصه على ms289 الاحتفاظ بسلطانه، وهذا الحرص هو مصدر الزعم بأن إرادة هذا ~~الحاكم الثيقراطي من إرادة الله، وأنها لذلك هي القانون، بل هي فوق القانون؛ بيد صاحبها كل ~~شيء: بيده العذاب والرحمة، والشقاء والنعمة، والحياة والموت، شتان ما بين هذا وبين تقيد ~~الحاكم بمشاورة، وبما أنزل الله في كتابه. # ويذهب قوم إلى أن التقيد بما أنزل الله في كتابه يهدر إرادة الشعب ويقضي عليها، ويحول دون ~~تطور التشريع مع تطورها، وأنه يجعل الحكومة الإسلامية ثيقراطية في أسها وجوهرها، وهذا ~~اعتراض لا مسوغ له، فما ورد في القرآن من التشريع لا يعدو المبادئ العامة التي تقررها قواعد ~~العدل مصورة في مثلها الأعلى، أما ما جاء فيه من تفصيل لبعض هذه المبادئ العامة فإنما ~~يتناول أمورا بذاتها محصورة العدد ، والمبادئ العامة التي قررها القرآن ضرورية لحياة ~~الجماعة الحرة، فالخروج عليها يفسد هذه الحياة، وقد ثبت على التاريخ أن ما يخالف هذه ~~المبادئ قد استحال قيامه في البلاد التي تلائم بين حرية الفرد ونظام الجماعة، والتي تقر ~~لذلك نظام الأسرة والملك والميراث، ثم تفرض قدرا من الاشتراكية يقتضيه تضامن الجماعة، ~~وتدعو إليه مبادئ الرحمة الإنسانية التي تعد في الإسلام قاعدة مقررة لا كمالا نفسيا ~~وكفى. # ولو أن تحديد ما جاء في كتاب الله ترك لطائفة خصت به، كما خصت طائفة الكهنة في بعض ~~الأديان بإعلان إرادة الله، لكان للخوف من إهدار إرادة الشعب موضع، أما والإسلام يأبى هذا ~~التخصيص ويجعل الناس سواء في الحرص على إدراك ما أمر الله به وما نهى عنه، وفي محاسبة ~~الحاكم على تصرفاته، فالفكرة الثيقراطية في الحكم الإسلامي منتفية لا وجود لها على ~~الإطلاق. # وهذا الحكم الإسلامي المقيد خاضع لرقابة المسلمين جميعا، لكل فرد منهم أن يحاسب القائم ~~به، وليس لطائفة أن تستأثر لنفسها من أمور الحكم بما تمتاز به على غيرها من الطوائف، وقد ~~رأيت في تصرف أبي بكر شدة الحرص على التقيد بكتاب الله والتأسي برسوله في التنزه عن كل ~~مطامع الدنيا، ثقة منه بأن من ساس أمور ms290 الناس فأفاد لنفسه منها، كان ظالما لنفسه ~~وللناس. # ولقد بلغ أبو بكر من هذا التنزه حدا يحسبه أهل جيلنا ممعنا في المبالغة، لم تغير ~~الخلافة ولا غيرت الإمارة على المؤمنين من حياته، ولم تنتقل به من داره إلى دار غيرها، ~~وقد نسي منذ تولي أمور المسلمين نفسه ونسي أهله وأبناءه، وتجرد لله تجردا مطلقا، وأوجب ~~على نفسه أن يشعر بضعف الضعيف وحاجة المحتاج، تحقيقا لمعنى الإخاء في أسمى صوره، وإيذانا ~~بأنه ليس له في الحياة هوى، وأنه يقدر لذلك على أن يقيم بين الناس عدلا منزها لا يعرف ~~محاباة، وإنما يعرف حدود الله في أن يعيش الناس جميعا في ظل عدله، جل شأنه، آمنين ~~مطمئنين. # حكومة ذلك شأنها، لم تعرف السلطان المطلق ولم يكن للكهنة وجود فيها، لا يمكن أن تكون ~~ثيقراطية اللون، وهي لم تكن أرستقراطية، ولم يكن استئثار المهاجرين والأنصار باختيار ~~الخليفة من الأرستقراطية في شيء، فقد كان هؤلاء رجالا من طبقات شتى، وهم إنما استأثروا ~~بالأمر صونا للنظام القائم ودفاعا عنه، ثم إنهم كانوا طبقة مؤقتة تزول بزوال أفرادها، لا ~~يرثها أحد، ولا تقوم مقامها طبقة أخرى، بل لقد نازعهم أهل مكة السبق كما رأيت، وولاية بني ~~أمية ثم بني العباس أمر المسلمين من بعد شاهد قوي على أن الفكرة الأرستقراطية لم يكن لها ~~بين المسلمين الأولين وجود. # وإنما كانت حكومة أبي بكر حكومة شورى في منشئها وفي نزعتها، بويع الصديق بالانتخاب العام، ~~وبويع لصفاته الذاتية ولمكانته من رسول الله، لا لأسرته ولا لعصبية قبيلته، ولم يطلب أبو ~~بكر البيعة لنفسه، بل كان يرشح عمر بن الخطاب وأبا عبيدة بن الجراح ليبايع المسلمون أيهما ~~شاءوا، وكان يرشحهما والأنصار ينازعون المهاجرين الأمر ويتهمونهم بأنهم يريدون غصبه منهم، ~~ولقد تم ذلك كله في اجتماع عام، هو اجتماع السقيفة، ألقيت فيه الخطب، وكانت فيه المداورات ~~الانتخابية أبرع ما تكون، فلما أقبل الناس على البيعة لم يكن المهاجرون أسبق إليها من ~~الأنصار، وكان عمر وأبو عبيدة أول من مهد لها ثم ms291 أتمها. # هذه بيعة أنشأها الشورى؛ فليس انتخاب رئيس الجمهورية في فرنسا، بل في أمريكا، بأكثر حرية ~~منها، فلما تولى أبو بكر الحكم كانت أول خطبة له موطدة أسس الشورى مثبتة قواعدها، ألم يقل ~~للناس إثر بيعته العامة: «لقد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت ~~فقوموني»؟ أولم يقل لهم: «أطيعوني ما أطعت الله ورسول فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي ~~عليكم»؟ هذا إقرار صريح بحق الرأي العام في مراقبته وإرشاده، وبحق الناس في العصيان إذا عصى ~~الخليفة الله وصدف عن أمره، والنتيجة المنطقية لتقرير مبدأ العصيان هي الإقرار للعصاة بحقهم ~~في عزل من عصوه، ولا نحسب معنى أبلغ في تقرير مبادئ الشورى من هذا المعنى. # ومع أن الحرب امتدت طيلة عهد أبي بكر كما رأيت، لقد قام حكمه على الشورى في الجليل ~~والصغير من شئونه، فهو لم يكن يبت في أمر قبل أن يشاور الناس فيه، ولم يكن يميز طائفة من ~~الناس على طائفة في القضاء أو في العطاء، وهو لم يعرف من أبهة الملك ومن جاه السلطان ما عرف ~~أهل الملك والسلطان في أمم العالم جميعها، وكان المسلمون أمامه سواء، وللذين يدخلون في ~~الإسلام من غير أهله ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، وإنما أبى الصديق على الذين ارتدوا ثم ~~عادوا إلى الإسلام أن يشتركوا في قتال الفرس؛ لأنه حرص على أمن الدولة وسلامتها؛ فلما زالت ~~مخاوفه أوصى عمر أن يمد المثنى بهم في حروب العراق. # بذلك مهد أبو بكر للتطور الذي أشرنا إليه في نظام الحكم، وهيأ الأسباب لوحدة بلاد العرب ~~السياسية بعد أن تمت لها وحدتها الدينية، وكانت مرونة أبي بكر وكان حكمه من أقوى العوامل في ~~التمهيد لهذه الوحدة السياسية، وقد رأيته كيف عفا عن زعماء الثائرين باليمن وغير اليمن من ~~البلاد التي ارتدت في سبيل استقلالها؛ عفا عن قرة بين هبيرة، وعن عمرو بن معدي كرب، وعن ~~الأشعث بن قيس، وعن غيرهم من سادات العرب، فكان عفوه عنهم بعد الذي أبداه من الحزم ms292 والشدة ~~مع غيرهم داعيا لهم ولأقوامهم أن يرتبطوا بالمدينة في وحدة لا تنفصم عراها، وزادت الشورى ~~التي أقام عليها أبو بكر حكمه هذه الوحدة قوة، وزاد فتح العراق وفتح الشام جميع العرب عليها ~~حرصا. # وكان طبيعيا أن يقوم الحكم في ذلك العهد على أساس الشورى، فقد نشأ الإسلام في بلاد ~~العرب، وكان كتابه عربيا، وكان رسول الله به عربيا، وكانت بلاد العرب تعيش يومئذ في ~~نظام بلغت الحرية فيه أقصى مداها، ذلك أن الحرية كانت أعز شيء على العربي، بدويا كان أو ~~حضريا، وفكرة المساواة متأصلة في النفس البدوية، كذلك كانت ولن تزال، وقد زادت تعاليم ~~الإسلام هذه الفكرة قوة إذ سمت بها إلى المساواة التامة أمام الخالق البارئ المعز المذل، لا ~~يتفاضل الناس أمامه جل شأنه إلا بأعمالهم، ولا فضل لعربي على أعجمي منهم إلا بالتقوى، فأما ~~الإخاء الذي يتم مع الحرية والمساواة شعار الحكم الشعبي في عصرنا، فقد بلغ به الإسلام ~~مبلغا ما أشده وضوحا في قول رسول الله: «لا يكمل إيمان أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب ~~لنفسه.» لا غرو، وهذه تعاليم الإسلام التي نشرها رسول الله بين الناس والتي تتفق مع أكرم ما ~~في النفس العربية من سجايا، أن تتوطد الوحدة العربية حول هذا النظام الذي ثبت أبو بكر ~~قواعده، وأن تؤدي سرعة التطور إلى تماسك هذه الوحدة وإلى استقرارها. # وقد امتدت حكومة أبي بكر إلى ما وراء بلاد العرب، ومهدت للإمبراطورية الإسلامية المترامية ~~الأطراف، أفكان ذلك مصادفة محضة تضافرت العوامل على نجاحها، أم إن التطور الذي صورناه وأدى ~~الإسلام الناشئ إليه قد حتم هذا الفتح، وبلغ به مداه حين بلغت الإمبراطورية الإسلامية ~~مداها؟ # لا أتردد في القول بأن هذا التطور كان محتوما؛ لأن تعاليم الإسلام تنطوي بطبيعتها عليه، ~~فالإسلام في جوهره إمبراطوري، كما أنه في جوهره شعبي، وإن اختلفت الفكرة الإمبراطورية فيه ~~عن الفكرة الإمبراطورية في عهدنا الحاضر في أسسها وفي غاياتها. # ويرجع الخلاف إلى أن الإسلام يدعو إلى حرية العقيدة، ويفرض على المؤمنين به ms293 أن يدافعوا ~~عنها بأموالهم وأنفسهم، وهو إذ يدعو إلى هذه الحرية في العقيدة لا يفرض على الناس أن يدينوا ~~به على كره منهم، فلا إكراه في الدين، وإنما يريد لكل إنسان حرية النظر والتقدير حتى يستمع ~~إلى القول فيتبع أحسنه، وهو مطمئن إلى أن الناس متى عرفوا تعاليمه اتبعوه؛ لأنه يدعو إلى ما ~~يرضاه العقل وما يتفق مع الفطرة السليمة في الإنسان. # وحرية العقيدة كانت ولا تزال في حاجة إلى الدفاع عنها وإلى الاستشهاد في سبيلها، ~~فالظالمون لا يطيقونها، بل يمقتونها أشد المقت، والذين يريدون أن يستغلوا الشعوب يزينون ~~للشعوب أسوأ ما في عقائدهم وأشده فسادا؛ وهم لذلك لد في خصومة الأحرار المصلحين، أما ~~والإسلام يريد الإصلاح ما استطاع، يقيمه على أساس من الرأي الحر يقتنع به صاحبه فيؤمن به، ~~وللناس بعد ذلك أن يكيفوا مصالحهم في هذه الحياة كما يرون؛ لأنهم أعلم بأمور دنياهم، ~~فالفكرة الإمبراطورية في الإسلام إنسانية روحية، غايتها الأولى تحرير العقل إلى حيث يسمو ~~على كل ضغط وكل اضطهاد. # والحجة القاطعة على ذلك أن المسلمين لم يفرضوا دينهم على البلاد التي فتحوها، ولم يكرهوا ~~الناس يوما حتى يكونوا مؤمنين، بل إنهم كانوا إذا فتحوا بلادا أباحوا لأهلها حرية ~~العقيدة، فمن أسلم فله ما للمسلمين وعليه ما عليهم، ومن آثر دينا غير الإسلام أدى الجزية، ~~ولم تكن الجزية مغرما يفرض أية ذلة أو خضوع، وإنما كانت تقابل الزكاة المفروضة بحكم الدين ~~على المسلمين، لإقامة نظام الدولة وللدفاع عن كيانها، ولقد رأيت فيما عقده المسلمون من ~~معاهدات الصلح مع أهل العراق وأهل الشام أن الجزية كانت تؤدى لقاء دفاع المسلمين عن أموال ~~من لم يسلموا، وعن حريتهم في عقيدتهم وإقامة شعائر دينهم، ولذلك كانت هذه المعاهدات تنص على ~~حماية بيعهم، وكنائسهم، ومعابدهم، وأحبارهم، ورهبانهم، فإذا لم يقم المسلمون بالتزاماتهم ~~المفروضة في الصلح أعفي غير المسلمين من دفع الجزية بحكم العهود وبنصها الصريح. # إمبراطورية تقوم على هذه الأسس تختلف أغراضها عن الأغراض الإمبراطورية كما فهمها الرومان، ~~وكما نفهمها في ms294 العصر الحاضر، اختلافا جوهريا، فهي لا تجعل خضوع الناس للعرب أو لشعب ~~بذاته غايتها، وإنما غايتها الأولى أن يعيش الناس أحرارا، وأن تربط بينهم أواصر الرحمة ~~والمودة والعدل، وأن يكون للأمم المفتوحة من ذلك ما للأمة الفاتحة، وكما يقوم الحكم في مهد ~~الإسلام على أساس الشورى، يجب أن يقوم في كل أمة فتحها المسلمون على أساس الشورى، وأهل هذه ~~الأمم يتمتعون بالحقوق التي يتمتع بها العرب؛ من أسلم فله ما للعرب المسلمين وعليه ما ~~عليهم، ومن لم يسلم فله ما للعرب غير المسلمين؛ وعليه ما عليهم، فالذين احتفظوا بنصرانيتهم ~~من أهل العراق أو من أهل الشام، مثلهم كمثل الذين احتفظوا بنصرانيتهم في نجران وفي غير ~~نجران من بلاد العرب، وإنما يربط بين هذه البلاد التي تدين بالإسلام رباط واحد، ذلك رباط ~~التوحيد والدعوة إليه والدفاع عن حرية هذه الدعوة، أما فيما وراء ذلك فأمر البلاد التي تؤلف ~~الإمبراطورية الإسلامية كأمر بلاد العرب في عهد الرسول؛ عصبة أمم تسعى لغرض إنساني بالغ ~~غاية السمو، تجاهد في سبيله، وتعمل لإعلاء كلمته، وسبيلها إلى هذه الغاية الحكمة والموعظة ~~الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، # فمن اهتدى فإنما ~~يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا ~~عليكم بوكيل ~~(يونس: 108). # لم ينفسح الأمد لأبي بكر كي يقيم على هذا الأساس نظاما للحكم في البلاد التي فتحها ~~المسلمون في عهده، وقد ترك خالد بن الوليد لأهل المدن المفتوحة في العراق أن يتولوا ~~إدارتها، في حين احتفظ المسلمون بسياسة الدولة وتوجيه شئونها العامة، ولم يكن ذلك تنظيما ~~للحكم، وإنما كان ضرورة قضت بها الخطط الحربية في وقت كان القتال ناشبا فيه بين المسلمين ~~والفرس، فكان الأمر فيه للقيادة العسكرية. # وكان شأن الشام حين الفتح كشأن العراق، ولقد كان الحكم على أساس الشورى جديدا بين الشعوب ~~التي فتحها المسلمون، كما كان الإسلام جديدا بين الأديان التي أحاطت بشبه الجزيرة من كل ~~جانب، وإنما كان حكم الفرد مطلقا في هذا العهد، وكان الرهبان والكهنة وسائر رجال الدين ~~يؤيدون هذا ms295 الحكم المطلق، ويخلعون على أصحابه قدسية رهيبة تنخلع القلوب من هيبتها، ويخر ~~الناس سجدا أمامها، لذلك لم يلبث الناس حين رأوا هذا الحكم الجديد قائما على الإنصاف ~~والعدل، متحريا إرادة الشعب في حدود ما أمر الله به وما نهى عنه، أن أقبلوا عليه ورحبوا ~~بأهله؛ فكان إقبالهم سببا من أسباب النصر الذي أفاءه الله على المسلمين، فمد إمبراطوريتهم ~~في سنوات محدودة لتحل محل الإمبراطوريتين الرومية والفارسية، ولتتخطى حدودهما إلى الهند ~~شرقا وإلى شمال إفريقية غربا، فتنشر حيثما ذهبت لواء الحق والعدل والإيمان الصادق، وتقر ~~مبادئ الحرية والإخاء والمساواة في أسمى صورها وأجدرها بالإنسانية الطامحة إلى ~~الكمال. # لم ينفسح الأمد لأبي بكر كي يقيم نظاما للحكم في البلاد التي فتحها المسلمون لعهده، ولم ~~ينفسح له الأمد كذلك كي يقيم نظاما ثابتا للحكم في بلاد العرب نفسها، وكل ما تلوته في هذا ~~الكتاب من خطب الخليفة الأول، ومن تصرفاته في إقامة عمر بن الخطاب على القضاء، وعثمان بن ~~عفان وزيد بن ثابت على الرسائل، يشهد بأن الفكرة الإسلامية في نظام الحكم كانت إلى يومئذ في ~~طور الاستجنان، واضحة الأساس في كتاب الله وفي سنة رسوله، مبهمة التفاصيل فلا يستطيع أحد أن ~~يذكر عنها ما يستطيع أن يذكره عن الحكومة الإسلامية في العهد الأموي أو في العهد العباسي، ~~بل في عهد عمر وفي عهد عثمان، وذلك طبيعي في حكومة ألقت الأقدار عليها أن تكون حكومة انتقال ~~من عهد إلى عهد جديد يختلف عن سابقه كل الاختلاف في لون الحضارة، وفي العقيدة، وفي طرائق ~~التفكير وفي كل ما يتصل بنظم الحياة. # وهو طبيعي كذلك في عهد نضال وحرب، حكومته أدنى إلى الحكومة العسكرية منها إلى الحكومة ~~المدنية، فالنظم المدنية تتقلص حين الحرب وتكاد تتفانى أمام النظم العسكرية، وذلك في البلاد ~~التي استوت النظم المدنية فيها أمدا طويلا وأجيالا متعاقبة، ما بالك وبلاد العرب لم ~~يستقر فيها نظام مدني ثابت موحد قبل الإسلام! لا جرم في هذه الحال أن تطغى نظم الحرب ~~والجهاد متسلطة على ms296 كل النظم، وأن تتأثر الحياة المدنية بتطورات الحرب أبلغ التأثر. # فإذا ذكرت أن هذه الحرب كانت حربا أهلية في العام الأول من حكم أبي بكر، وأنها كانت ~~قائمة من أجل الحكم ونظامه، ثم ذكرت أن مواجهة الفرس في العراق بدأت والحرب الأهلية ما تزال ~~قائمة، وأن مواجهة الروم في الشام كانت وحرب العراق في أدق أدوراها، أيقنت أن التفكير في ~~تنظيم حكم مستقر واضح التفاصيل لم يكن أمرا ميسورا، وأن أبا بكر كان في شغل بمواجهة ~~الأسدين فارس والروم عن كل أمر سوى ما يحقق للمسلمين اجتماع الكلمة فيما بينهم والظفر بعدو ~~الله وعدوهم. # وكان نظام هذه الحكومة العسكرية أدنى إلى البداوة التي سادت بلاد العرب وقبائلها من قبل ~~عهد الرسول. لم يكن هناك جيش نظامي، بل كانت الفروسية تجعل من كل عربي جنديا، فإذا دقت ~~طبول الحرب، ونادى المنادي للقتال خرجت القبائل والقرى وعلى رأس كل جماعة زعيمها، وقد رأيت ~~كيف خرج العرب من أهل الجنوب حين دعوا لقتال الروم في الشام ومعهم نساؤهم وأبناؤهم، ومعهم ~~ميرتهم وذخيرتهم، لا يكلفون الحكومة المركزية شيئا، ويعتمدون في معاشهم على ما يغنمون في ~~الحرب. # فقد كانوا ينفلون أربعة أخماس الغنائم حين الحرب، ويرسل الخمس إلى الخليفة ليرده على بيت ~~المال، ولينظم به الشئون العامة القليلة التي يتولاها بصورة مباشرة، وكانت رعاية الفقراء من ~~أهل المدينة ومن الوافدين عليها في مقدمة ما ينفق الخليفة هذا الخمس فيه، وكان أبو بكر ~~حريصا على أن يوزع الغنائم على هؤلاء وعلى كل ذي حق في بيت المال أول ما ترد إليه، لذلك ~~كان بيت مال المسلمين في بيته بالسنح، فلما انتقل إلى المدينة نقله معه، وقيل له في ذلك ~~وطلب بعضهم إليه أن يجعل عليه حراسا وخزنة فأبى؛ لأنه لم يكن يحتفظ فيه بما يستوجب ~~الحراسة، ولم يكن يختزن ما يخشى عليه عدوان المعتدين. # فهذه الصورة من حكومة أبي بكر تشهد بأنها كانت أدنى إلى بساطة البداوة، وأنها كانت عربية ~~صرفة، لم تتأثر في قليل ولا ms297 كثير بالنظم التي كانت قائمة ذلك العصر في بلاد الروم أو في ~~بلاد فارس، وهي مع هذه البساطة الحلقة القوية التي ربطت بين عهد الرسالة وعهد الإمبراطورية، ~~واتصالها الزمني الوثيق بعهد الرسالة جعلها به أشبه، فلم يكن أبو بكر يصنع شيئا كان رسول ~~الله يدعه، ولم يكن يدع شيئا كان رسول الله يصنعه، لكنه لم يجمد مع ذلك جمود المقلدين، بل ~~فتح له تأسيه برسول الله باب الاجتهاد في سياسة المسلمين واسعا، فهداه اجتهاده إلى أن فتح ~~الله له العراق والشام، ثم مهد لحكومة العرب الموحدة أن تقوم من بعده على أساس من الشورى في ~~حدود ما أمر الله به وما نهى عنه، لم يتزمت في أمر ولم يفرط، وإنما اهتدى بنور الله لمصلحة ~~عباد الله، فكان أكثر ما هداه الصراط المستقيم إيمانه بأنه محاسب أمام الله، كما أنه محاسب ~~أمام عباده، والله شديد الحساب. # مرت الحكومة الإسلامية من بعد أبي بكر في أطوار شتى، فقد بدأ ابن الخطاب ينشئ الديوان في ~~عهده متخذا من نظام الحكم في فارس وفي الروم مثالا ينسج عليه مع اعتصامه بكتاب الله ~~وحدوده، ثم دنا عهد عثمان من الحكم المطلق دنوا لا يتفق وتقاليد العرب؛ فكان ذلك مقدمة ~~الثورة التي انتهت إلى مقتله، وانقلبت إمارة المؤمنين في عهد الأمويين ملكا عضودا، ~~يتوارثه أهل البيت المالك، وكذلك كان الأمر في عهد العباسيين، وفي أثناء هذه الأطوار كانت ~~ليد الأعاجم من الفرس والروم أثر، لعله كان خفيا في عهد عمر وعثمان، ثم بدأ يظهر واضحا ~~بعض الشيء في عهد الأمويين، ليتجلى من بعد ذلك صريحا كل الصراحة في عهد بني العباس. # وفي هذه الأثناء كان علماء المسلمين، وجلهم من الأعاجم، يضعون لنظام الحكم القواعد ~~والتفاصيل يردونها إلى كتاب الله وسنة رسوله، وكان الخلاف يقع بين هؤلاء العلماء على هذا ~~النظام، فتقوم الثورات بسببه فتطيح بالحاكم حينا، وتقمع بيد البأس والبطش فيستقر الأمر ~~لصاحب السلطان حينا آخر، ما أعظم الفرق بين حكومة أبي بكر في بساطتها العربية ms298 المتأثرة ~~بحياة البادية، وبين هذه الحكومات الأموية والعباسية التي وجدت من العلماء والفقهاء من شرع ~~لها النظم المفصلة، والقواعد المترامية الأطراف! # كان إيمان أبي بكر بأنه محاسب أمام الله وأمام الناس هو الذي هداه سبيله، وخشية هذا ~~الحساب جعلته لا يقدم على أمر ولا يحجم عنه، حتى يشاور ويروئ في المشورة ويستخير الله، فإذا ~~خار له صح عزمه، فكان الحزم الذي لا يعرف التردد ولا الهوادة، لا يعرض عليه أمر المسلمين ~~حتى يحسمه برأي قاطع. # وقد رأيت ما كان من ذلك طيلة عهده، ثم رأيته كيف استمع في مرضه للمثنى الشيباني حين جاء ~~إليه من العراق يشير باستعمال الذين عادوا إلى الإسلام بعد ردتهم في حرب فارس، وكيف أوصى ~~عمر أن يمد المثنى بهؤلاء ليسيروا إلى الميدان معه، وفي هذا المرض كان الصديق أكثر ما يكون ~~في أمور المسلمين تفكيرا، وأشد ما يكون على وحدتهم حرصا، وأعظم ما يكون من خلافهم ~~إشفاقا، لذلك أوصى، فكانت وصيته آخر عمل له في الحكم لخير الإسلام ولخير المسلمين. # الفصل الثامن عشر # | مرض أبو بكر ووفاته # قضى أبو بكر على ردة العرب وعلى الثورة التي اندلعت إثر وفاة الرسول بسبب هذه الردة ~~فأشعلت شبه الجزيرة نارا، ثم إنه فتح العراق وأوشكت جيوشه أن تدخل المدائن عاصمة فارس، كما ~~تقدم في فتح الشام وساير النصر أعلامه فيها إلى دمشق، وبينما تبهر هذه الانتصارات أنظار ~~العالم إذا أبو بكر يقيم الحكم في البلاد العربية المتحدة على أساس الشورى، وإذا هو يجمع ~~كتاب الله، فيقر له الجميع بأنه أعظم المسلمين أجرا في جمعه بين اللوحين، هذه الأعمال ضخمة ~~عظيمة أقرت الدين الحنيف في منزل الوحي، ومهدت لإقامة الإمبراطورية الإسلامية ولانتشار هذا ~~الدين الحنيف فيها، وليقام الحكم بين أهلها على أساس متين من الإنصاف والعدل، وكان ذلك كله ~~في سنتين وثلاثة أشهر. # أليست هذه بعض معجزات التاريخ؟! في سنتين وثلاثة أشهر تطمئن أمم ثائرة وتصبح أمة متحدة ~~قوية مرهوبة الكلمة عزيزة الجانب، حتى لتغزو الإمبراطوريتين العظيمتين اللتين تحكمان ms299 العالم ~~وتوجهان حضارته، لتنهض بعبء الحضارة في العالم قرونا بعد ذلك، هذا أمر لم يسجل التاريخ ~~مثله، فلا عجب أن يقتضي من أبي بكر مجهودا تنوء به العصبة أولو القوة، أما وقد تخطى أبو ~~بكر الستين يوم بويع، فطبيعي أن يهيض هذا المجهود قوته وأن يعجل به إلى لقاء ربه. # ولعلك بعد الذي تلوته من تفصيل هذه الأعمال الجسام أن تقدر هذا المجهود وما كان له من ~~أثر، بل لعلك قد رأيت أن هذا المجهود لا يمكن أن ينهض به رجل إلا إذا أوتي من توفيق الله ~~ومعونته ما لا يؤتاه إلا الصديقون، هذا ما آمن به أبو بكر، ولهذا نقش على خاتمه: «نعم ~~القادر الله.» # عجلت عظمة المجهود وتقدم السن وفاة الخليفة الأول، وإن جرت رواية في تعليل وفاته بأن ~~اليهود دسوا له السم في طعام تناول منه عتاب بن أسيد معه، كما تناول منه الحارث بن كلدة ~~لقيمات ثم كف، وأن هذا السم كان بطيء الأثر يقتل بعد عام من تناوله، ولذلك مات عتاب بمكة في ~~اليوم الذي قبض فيه أبو بكر بالمدينة، وهذه الرواية لم تؤيد بسند جدير بالثقة. ومما يزيد من ~~تهافتها أن أبا بكر لم يكن بينه وبين اليهود في خلافته نزاع، وأن اليهود جلوا منذ عهد رسول ~~الله عن المدينة. # والرواية الراجحة في مرض أبي بكر ووفاته تسند إلى ابنته أم المؤمنين عائشة وإلى ابنه عبد ~~الرحمن، قالا: كان أول ما بدأ مرض أبي بكر أنه اغتسل في يوم بارد فحم خمسة عشر يوما لا ~~يخرج إلى الصلاة؛ وكان يأمر عمر بن الخطاب أن يصلي بالناس. # على أن أبا بكر لم يفتأ في الأسبوعين اللذين قضاهما في مرضه إلى وفاته دائم التفكير في ~~شئون المسلمين، دائم الحساب لنفسه عما قدم مذ تولى أمرهم، فقد كان قوي الشعور منذ مرض بأن ~~أجله جاء، وأنه ملاق ربه، وقد كان مغتبطا لذلك مطمئنا له؛ لأنه كان في السن التي اختار ~~فيها رسول الله الرفيق الأعلى، ولأنه كان ms300 يشعر بأنه أدى لله حقه، قيل له يوما: لو أرسلت ~~إلى الطبيب! فكان جوابه: قد رآني. قيل: فما قال لك؟ قال: إني أفعل ما أشاء. يشير إلى أنه ~~وكل الأمر لله، وأنه سعيد بقضاء الله، وأن أكبر همه أن يضمه الله إليه. # وأكثر ما شغل به أبو بكر أثناء مرضه إشفاقه من مصير المسلمين بعده، لقد ذكر اختلاف ~~المهاجرين والأنصار بسقيفة بني ساعدة حين مات النبي، وذكر ما كان يوشك أن يحدث بين القوم ~~لولا أن جمع الله كلمتهم على بيعته، ولئن اختلفوا حين وفاته ليكونن اختلافهم أجسم خطرا، ~~فلم يبق الأمر دائرا بين المهاجرين والأنصار دون سائر العرب، بل لقد جاهد العرب جميعا ~~ولا يزالون يجاهدون في العراق والشام، يواجهون فارس والروم، فإذا قبض واختلفوا لم يقف ~~خلافهم في حدود سقيفة بني ساعدة، بل يتخطاها إلى مكة والطائف، وقد ينتقل إلى اليمن، وعند ~~ذلك تعود الثورة تتلظى في بلاد العرب، وهي إن عادت لم يكن مدارها ركنا من أركان الدين، بل ~~السلطان وولاية الأمر. واختلاف الناس على أمور الدنيا أشد إثارة للشر وإطارة لنار الفتنة، ~~وما أجسم الخطر من ذلك على الإسلام والمسلمين في وقت يواجهون فيه الأسدين فارس والروم! فكيف ~~يتلافى أبو بكر هذا الخطر، وكيف يجنب المسلمين ما ينشأ عن الفتنة من شر مستطير؟ # فكر في هذا أثناء مرضه وطال فيه تفكيره، وألهمه الله الرأي وعزم له فلم يتردد، لا سبيل ~~إلى ملافاة ما يشفق منه إلا أن يستخلف من يقوم بالأمر من بعده، وأن يجمع كلمة المسلمين ~~عليه، هذا أمر لم يصنعه رسول الله؛ فقد قبض ولم يستخلف، لكن ذلك كانت فيه لله حكمة، وحكمته ~~ألا يظن الناس أن من استخلفه رسول الله قد استمد الأمر على المسلمين من عند الله، فأصبح ~~خليفة الله، وقد أراد الله من فضله أن يجمع كلمة المسلمين من بعد على أبي بكر وأن يهيئ له ~~من التوفيق ما رأيت، فأما إن استخلف أبو بكر فإنما يستخلف برأيه، وبإرادة المسلمين، ولن ms301 ~~يكون لخليفته على المسلمين إلا ما كان لأبي بكر، ولن تكون حكومته إلا كما كانت حكومة أبي ~~بكر. # من ذا تراه يستخلف؟ لقد عجم عيدان من حوله من أولي الرأي جميعا في عهد النبي، ولقد عجم ~~عيدانهم مدة خلافته، وهو اليوم أشد ثقة بأن عمر بن الخطاب خير من يخلفه، لكنه إن فرض ذلك ~~على المسلمين فقد يثقل أمره عليهم، وقد يبرمون به، لذلك دعا عبد الرحمن بن عوف وقال له: ~~أخبرني عن عمر بن الخطاب. قال عبد الرحمن: ما تسألني عن أمر إلا وأنت أعلمنا به. قال أبو ~~بكر: وإن. قال عبد الرحمن: يا خليفة رسول الله، هو والله أفضل من رأيك فيه من رجل، ولكن فيه ~~غلظة. قال أبو بكر: ذلك لأنه يراني رقيقا، ولو أفضى الأمر إليه لترك كثيرا مما هو عليه، ~~ويا أبا محمد، قد رمقته فرأيته إذا غضبت على الرجل في الشيء أراني الرضا عنه، وإذا لنت له ~~أراني الشدة عليه. وسكت هنية ثم قال: لا تذكر يا أبا محمد مما قلت لك شيئا. # ودعا الصديق عثمان بن عفان بعد عبد الرحمن بن عوف، وقال له: يا أبا عبد الله، أخبرني عن ~~عمر. قال عثمان: أنت أخبر به. فقال: على ذلك يا أبا عبد الله! قال عثمان: اللهم علمي به أن ~~سريرته خير من علانيته، وأنه ليس فينا مثله. قال أبو بكر: يرحمك الله يا أبا عبد الله! ~~والله لو تركته ما عدوتك! لا تذكرن مما قلت لك ولا مما دعوتك له شيئا. # ولم يكتف أبو بكر بمشاورة عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان، بل شاور كذلك سعيد بن زيد ~~وأسيد بن حضير وغيرهما من المهاجرين والأنصار، وسمع بعض أصحاب النبي بمشاورات أبي بكر وأنه ~~يريد استخلاف عمر، فأشفقوا من شدة ابن الخطاب وغلظته أن يفرق ذلك كلمة المسلمين، فاجتمع ~~رأيهم على أن يهيبوا بأبي بكر ليرجع عن عزمه، واستأذنوا فدخلوا عليه، فقال طلحة بن عبيد ~~الله: «ما أنت قائل لربك إذا سألك عن ms302 استخلافك عمر علينا، وقد رأيت ما يلقى الناس منه وأنت ~~معه، فكيف به إذا خلا بهم بعد لقائك ربك؟!» هنالك غضب أبو بكر وصاح بقوة والمرض يهزه: ~~أجلسوني! فلما أجلسوه وجه الحديث إلى القوم الذين دخلوا عليه فقال: «أبالله تخوفونني! خاب ~~من تزود من أمركم بظلم! أقول: اللهم استخلفت على أهلك خير أهلك.» ثم اتجه إلى طلحة فقال له: ~~«أبلغ عني ما قلت لك من وراءك.» # واضطجع أبو بكر وقد هده هذا الحوار، فانصرف عنه القوم لم يبق منهم إلا عبد الرحمن بن ~~عوف، وقيل: بل خرج عبد الرحمن معهم ثم عاد إليه صبح اليوم التالي، وقال يحييه وقد جلس إلى ~~جانب سريره: «أصبحت والحمد لله بارئا.» قال أبو بكر: «أتراه؟» قال: «نعم!» فسكت أبو بكر ~~وسكت عبد الرحمن هنيهة ثم تحدث الصديق وكأنما عناه ما حدث بالأمس: «إني وليت أمركم ~~خيركم في نفسي، فكلكم ورم أنفه من ذلك يريد أن يكون الأمر له دونه.» واستطرد في حديث أحس ~~معه عبد الرحمن بما يغص نفس الخليفة من ألم لحديث القوم، فقال له: «خفض عليك رحمك الله! فإن ~~هذا يهيضك، إنما الناس في أمرك بين رجلين؛ إما رجل رأى ما رأيت فهو معك، وإما رجل خالفك فهو ~~مشير عليك، وصاحبك كما تحب، ولا نعلمك أردت إلا خيرا، ولم تزل صالحا مصلحا.» # واطمأن أبو بكر إلى استخلاف عمر، فدعا عثمان بن عفان، وكان يكتب له فقال له: اكتب، ~~وأملاه: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة في آخر عهده بالدنيا ~~خارجا منها وعند أول عهده بالآخرة داخلا فيها، حيث يؤمن الكافر، ويوقن الفاجر، ويصدق ~~الكاذب، إني استخلفت عليكم بعدي عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا، وإني لم آل الله ورسوله ~~ودينه ونفسي وإياكم خيرا، فإن عدل فذلك ظني به وعلمي فيه، وإن بدل فلكل امرئ ما اكتسب من ~~الإثم، والخير أردت، ولا أعلم الغيب، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، والسلام عليكم ~~ورحمة الله.» ثم ختم الكتاب. ms303 # وتذهب بعض الروايات إلى أن أبا بكر أملى عثمان حتى إذا بلغ «إني استخلفت عليكم» أغمي عليه ~~قبل أن يملي اسم عمر بن الخطاب، فكتب عثمان في غيبوبة أبي بكر «إني استخلفت عليكم عمر بن ~~الخطاب ولم آلكم خيرا»، ثم أفاق أبو بكر فقال: اقرأ علي، فقرأ عليه فكبر أبو بكر وقال: ~~«أراك خفت أن يختلف الناس إن افتلتت نفسي في غشيتي؟» قال عثمان: «نعم!» وأقر الصديق ما كتب، ~~وقال له: «جزاك الله خيرا عن الإسلام وأهله.» # خشي أبو بكر مع ذلك كله أن يختلف الناس من بعده، فأشرف من حجرة بداره على الناس بالمسجد ~~وامرأته أسماء بنت عميس ممسكته موشومة اليدين، وقال يخاطب من بالمسجد جميعا: «أترضون بمن ~~أستخلف عليكم؟ فإني والله ما ألوت من جهد الرأي ولا وليت ذا قرابة، وإني قد استخلفت عمر بن ~~الخطاب، فاسمعوا له وأطيعوا.» قالوا: «سمعنا وأطعنا.» # وفي بعض الروايات أن عثمان خرج إلى الناس بعد أن أملى عليه أبو بكر وصيته وختمها، فأبرز ~~لهم الكتاب مختوما وقال لهم: أتبايعون لمن في هذا الكتاب؟ قالوا: نعم. وبايعوا ابن الخطاب، ~~فلما بايع الناس دعا أبو بكر عمر فأوصاه بما أوصاه به، على تعبير ابن سعد في الطبقات. # 1 # وإذ فرغ أبو بكر من استخلاف عمر واطمأنت نفسه على مصير المسلمين من بعده جعل يحاسب نفسه ~~على ما قدم. روي عن عبد الرحمن بن عوف أنه كان يهون على أبي بكر علته وما يدور من أمر ~~المسلمين، ويذكر له أنه لا يأسى على شيء من الدنيا، فقال أبو بكر: «أجل إني لا آسي على شيء ~~من الدنيا إلا على ثلاث فعلتهن وددت أني تركتهن، وثلاث تركتهن وددت أني فعلتهن، وثلاث وددت ~~أني سألت رسول الله # صلى الله عليه وسلم # عنهن. فأما الثلاث اللاتي وودت أني تركتهن، فوددت أني لم أكشف ~~بيت فاطمة عن شيء وإن كانوا قد غلقوه على الحرب. # 2 # وددت أني لم أكن حرقت الفجاءة السلمي وأني كنت قتلته سريحا # 3 # أو خليته ms304 نجيحا. وددت أني يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت الأمر في عنق أحد ~~الرجلين - يريد عمر وأبا عبيدة - فكان أحدهما أميرا وكنت وزيرا. وأما اللاتي تركتهن، ~~فوددت أني يوم أفتيت بالأشعث بن قيس أسيرا كنت ضربت عنقه؛ فإنه تخيل إلي أنه لا يرى ~~شرا إلا أعان عليه. وددت أني حين سيرت خالد بن الوليد إلى أهل الردة كنت أقمت بذي القصة، ~~فإن ظفر المسلمون ظفروا، وإن هزموا كنت بصدد لقاء أو مدد. وددت أني كنت إذا وجهت خالد بن ~~الوليد إلى الشام كنت وجهت عمر بن الخطاب إلى العراق، فكنت قد بسطت يدي كلتيهما في سبيل ~~الله - ومد يديه. وددت أني كنت سألت رسول الله # صلى الله عليه وسلم # لمن هذا الأمر فلا ينازعه أحد. وددت ~~أني كنت سألته هل للأنصار في هذا الأمر نصيب؟ وددت أني كنت سألته عن ميراث ابنة الأخ والعمة ~~فإن في نفسي منهما شيئا.» # لم يكن ذلك كل ما اختلجت به نفس أبي بكر وما دار بخاطره أثناء مرضه، فأنت تذكر أنه قد ترك ~~التجارة ليفرغ لما يصلح شئون المسلمين، وأن أصحابه جعلوا له من بيت المال ما يصلح به نفسه ~~وعياله، فلما رأى أنه مشف على الموت لم تطب نفسه بما أخذ من بيت المال، بل قال: «ردوا ما ~~عندنا من مال المسلمين فإني لم أصب من هذا المال شيئا، وإن أرضي التي بمكان كذا وكذا ~~للمسلمين بما أصبت من أموالهم.» واستخلص عمر ثمن هذه الأرض ورده على بيت المال تنفيذا لأمر ~~أبي بكر، وجعل يقول: «يرحم الله أبا بكر! لقد أحب ألا يدع لأحد بعده مقالا!» # وفي رواية أن عمر قال هذه العبارة لأهل أبي بكر حين أبلغوه مشيئته في هذا الأمر ثم أردفها ~~بقوله: «وأنا والي الأمر من بعده، وقد رددتها عليكم.» # وتجري رواية ثالثة بأن أبا بكر توفي وليس عنده دينار ولا درهم، وإنما ترك عبدا كان يحمل ~~صبيانه، وناضحا يسقي # 4 # بستانا له، وقطيفة قيمتها خمسة دراهم، وقد أمر بحملها ms305 إلى عمر بعد أن يفرغ ~~منه، فلما حملت إلى عمر بكى وقال: «لقد أتعب أبو بكر من بعده تعبا شديدا.» # ولسنا نثق بصحة هذه الراوية وإن كانت البينات قائمة على أن أبا بكر إن كان قد ترك شيئا ~~بعده فإنما ترك غير كثير، فقد أوصى بخمس ماله وقال: «آخذ من مالي ما أخذ الله من فيء ~~المسلمين.» أو قال: «لي من مالي ما رضي ربي من الغنيمة.» ولعل بعضهن ود لو أن أبا بكر أوصى ~~بأكثر من الخمس، فأجابه: «لأن أوصي بالخمس أحب إلي من أن أوصي بالربع، ولأن أوصي بالربع ~~أحب إلي من أن أوصي بالثلث، ومن أوصى بالثلث فلم يترك شيئا.» فلو أن أبا بكر لم تكن له ~~تركة وصح ما روي عن عائشة أنها قالت: «ما ترك أبو بكر دينارا ولا درهما ضرب الله سكته» ~~لما أوصى بالخمس؛ ولا بما دون الخمس، فإنما يوصي من يملك شيئا وإن قل. # وكان أبو بكر قد وهب لعائشة أرضا بالعالية، كان النبي أعطاه إياها، فأصلحها وغرس فيها ثم ~~جعلها لابنته أم المؤمنين، فلما حضر وعائشة تمرضه جلس فتشهد ثم قال: «يا بنية، إن أحب الناس ~~غنى إلي بعدي أنت، وإن أعز الناس فقرا علي بعدي أنت، وإني كنت نحلتك أرضي التي تعلمين، ~~وأنا أحب أن ترديها علي فيكون ذلك قسمة بين ولدي على كتاب الله؛ فإنما هو مال الوارث، ~~وهما أخواك وأختاك.» ولم يكن لعائشة غير أخت واحدة، فسألت أباها في ذلك فقال: «ذو بطن ابنة ~~خارجة فإني أظنها جارية.» # فكر أبو بكر أثناء مرضه فيمن يخلفه على المسلمين، وفكر في رد المال الذي جعلوه له حين ~~خلافته، وفكر فيما يوصي به من تركته، وفكر فيما كان نحله ابنته عائشة ليرده على ورثته، فكر ~~في هذا كله شديد الحرص على أن يدع هذه الدنيا بريئا، وعلى أن يلقى الله وقد ألقى عن نفسه ~~كل ما يخشى أن يؤاخذه الله به، فلما اطمأن إلى ذلك بدأ يفكر في الموت وفي الأهبة ms306 له، فأوصى ~~أن يكفن في ثوبين له كان يلبسهما وقال: «كفنوني فيهما فإن الحي أحوج للجديد من الميت.» # 5 # وأوصى أن تغسله امرأته أسماء بنت عميس، فإن لم تستطع استعانت بعبد الرحمن ابنه، ~~وإنه لفي شغل بهذه الأمور إذ أقبل المثنى من العراق فأذن الصديق له، فلما طلب منه أن يمده ~~بمن عاد إلى الإسلام من أهل الردة أوصى عمر أن يفعل وألا يشغل بوفاته عن أمور ~~المسلمين. # وبدأ أبو بكر يعالج سكرات الموت، وعائشة ابنته إلى جانبه، فلما رأته كذلك تمثلت بهذا ~~البيت من قول حاتم: # لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى # إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر # فنظر الصديق إليها كالغضبان ثم قال: ليس كذلك يا أم المؤمنين، ولكن # وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد ~~(ق: 19). # ولما ثقل جلست عند رأسه وتمثلت: # وكل ذي إبل موروث # وكل ذي سلب مسلوب # وكل ذي غيبة يئوب # وغائب الموت لا يئوب # وقيل: إن أبا بكر هو الذي تمثل بهذه البيتين، وإن آخر ما تكلم به: «رب توفني ~~مسلما وألحقني بالصالحين». # وقبض أبو بكر يوم الاثنين لإحدى وعشرين ليلة خلت من شهر جمادى الآخرة للسنة الثالثة عشرة ~~للهجرة (22 أغسطس سنة 634)، وهو في الثالثة والستين من عمره توفي مساء بعدما غابت الشمس، ~~ودفن ليلا، وتولت زوجه أسماء بنت عميس غسله وعاونها ابنه عبد الرحمن إذ كان يصب الماء، ثم ~~إنه حمل على السرير الذي حمل عليه رسول الله إلى المسجد ليدفن كما أوصى إلى جواره # صلى الله عليه وسلم # في بيت عائشة. # ووضع الجثمان في المسجد بين القبر والمنبر، وتولى عمر صلاة الجنازة فكبر أربعا، ثم نقل ~~الجثمان ودخل معه عمر وعثمان وطلحة وعبد الرحمن بن أبي بكر، وأراد عبد الله بن أبي بكر أن ~~يدخل فقال له عمر: «كفيت.» ودفن أبو بكر في حفرة حفرت له إلى جنب النبي، وجعل رأسه إلى كتف ~~رسول الله، وألصق اللحد باللحد، فلما أهالوا عليه التراب خرجوا وقد ودعوا خليل رسول الله ms307 ~~وصفيه بعد أن جمع بينهما الموت، فودعوا أقرب الناس إلى قلب رسول الله وأحبهم إليه وآثرهم ~~عنده، وأشدهم إيمانا بالله ورسوله. # وقد ارتجت المدينة لوفاة أبي بكر، وتولى الناس دهش كدهشهم يوم قبض رسول الله، وأقبل علي ~~بن أبي طالب مسرعا باكيا حتى وقف بالباب فقال: «رحمك الله يا أبا بكر! كنت والله أول ~~القوم إسلاما، وأخلصهم إيمانا، وأشدهم يقينا، وأعظمهم غنى، وأحفظهم على رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وأحدبهم على الإسلام، وأحماهم عن أهله، وأنسبهم برسول الله خلقا وفضلا وهديا ~~وسمتا، فجزاك الله عن الإسلام وعن رسول الله وعن المسلمين خيرا، صدقت رسول الله حين ~~كذبه الناس، وواسيته حين بخلوا، وقمت معه حين قعدوا، وسماك الله في كتابه صديقا ~~فقال: # والذي جاء بالصدق وصدق به ~~، يريد ~~محمدا ويريدك. كنت والله للإسلام حصنا، وللكافرين ناكبا، لم تضلل حجتك، ولم تضعف ~~بصيرتك، ولم تجبن نفسك، كالجبل لا تحركه العواصف، ولا تزيله القواصف. كنت كما قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم # ضعيفا في بدنك، قويا في دينك، متواضعا في نفسك، عظيما عند الله، جليلا في ~~الأرض، كبيرا عند المؤمنين، لم يكن لأحد عندك مطمع ولا هوى؛ فالضعيف عندك قوي، والقوي عندك ~~ضعيف، حتى تأخذ الحق من القوي، وتأخذه للضعيف، فلا حرمنا الله أجرك، ولا أضلنا ~~بعدك!» # وأبنته عائشة أم المؤمنين فقالت: «نضر الله يا أبت وجهك، وشكر لك صالح سعيك؛ فقد كنت ~~للدنيا مذلا بإدبارك عنها، وللأخرة معزا بإقبالك عليها، ولئن كان أعظم المصائب بعد رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم # رزءك، وأكبر الأحداث بعده فقدك. إن كتاب الله (عز وجل) ليعدنا بالصبر عنك حسن ~~العوض، وأنا متنجزة من الله موعده فيك بالصبر عنك، ومستعينة كثرة الاستغفار لك، فسلم الله ~~عليك، توديع غير قالية لحياتك، ولا زارية على القضاء فيك.» # وكان عمر بن الخطاب أوجز في القول، وكأنما عقد الرزء لسانه، قال حين دخل على أبي بكر بعد ~~موته: «يا خليفة رسول الله! لقد كلفت القوم بعدك تعبا ووليتهم نصبا، ms308 فهيهات من شق غبارك، ~~فكيف اللحاق بك.» # وتداولت أنباء الوفاة حواضر العرب وبواديها، فهزت كل نفس وأسبلت الدمع من كل عين؛ واضطرب ~~أهل مكة لسماعها، وبلغ اضطرابهم سمع أبي قحافة فسأل: ما هذا؟ قيل: توفي ابنك. قال: رزء ~~جليل! من قام بالأمر بعده؟ قالوا: عمر. فقال: صاحبه. ولم يزد، وأرادوا أن يردوا عليه حقه ~~مما ترك أبو بكر فأبى وقال: بنوه أحق به، وما كان لهذا الشيخ الفاني بعد هذا الرزء الجسيم ~~إلا أن يلحق ابنه في جوار الله. فتوفي بعد ستة أشهر من وفاته. # أفتدل هذه الكلمات الوجيزة التي نطق بها أبو قحافة على أنه كان أجمل العرب صبرا لقضاء ~~الله في خليفة رسول الله؟! أم إن جزعه لوفاة ابنه هو الذي أسكته، كما أنه هو الذي عجل به ~~إلى لقاء ربه؟! ما نحسب أبا يتجلد للمصاب في ابنه إلا تجملا، وإن تقدمت به السن وأدركه ~~الهرم، لذلك كان حزن أبي قحافة غير حزن سائر العرب، لقد حزن العرب إشفاقا مما يخبئه الغيب، ~~بعد أن غيبوا في التراب رجلا كان البر بهم، والعطف عليهم، وإنكار الذات في سبيلهم، وكان ~~إلى ذلك موفقا كل التوفيق في ولاية أمرهم وسياسة دولتهم، أما أبو قحافة فحزن لأن أعز أجزاء ~~نفسه عليه ذهب، فانهد ركنه وتداعت حياته. # وفدح الخطب أم المؤمنين عائشة، فأقامت النوح على أبيها وشاركتها أخته أم فروة وزوجتاه ~~أسماء بنت عميس وحبيبة بنة خارجة ومن اجتمعن إليهن من نساء المدينة، فلما بلغ عمر ما يصنعن ~~جاء إلى بيت عائشة ونهاهن عن النوح، فلم ينتهين، فقال لهشام بن الوليد: ادخل عليهن فأخرج ~~إلي أم فروة بنة أبي قحافة أخت أبي بكر، وسمعت عائشة قول عمر فقالت لهشام: إني أحرج ~~عليك بيتي. قال عمر: ادخل فقد أذنت لك. ودخل هشام فأخرج أم فروة إلى عمر، فعلاها بالدرة ~~فضربها ضربات وهو يقول: تردن أن يعذب أبو بكر ببكائكن! إن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قال: «إن ~~الميت يعذب ببكاء أهله عليه.» وتفرق ms309 النوائح حين رأين ما أصاب أم فروة، ولم تستطع عائشة أن ~~تحول بين عمر وما أراد. # ولعل عمر قد أزعجه هذا النوح لشدة جزعه على أبي بكر، فليس أوجع لنفوسنا من نوح النسوة على ~~ميت نحبه ويحز الألم في قلوبنا لفراقه، وحق لعمر ولكل مسلم أن يشتد يومئذ جزعه، بل إننا ~~اليوم لنشاركهم في حزنهم وفيما كان من مخاوفهم، مع علمنا بما أفاء الله على المسلمين في عهد ~~عمر من نصر، وما أراد من فضله أن يتوج به سياسة أبي بكر من نجاح وفوز، فلم يمر الإسلام منذ ~~هاجر النبي إلى المدينة بمثل ما مر به في عهد الصديق من محنة، ولم تسم نفوس المسلمين فوق ~~البأساء والضراء وحين البأس سموها بفضل إيمانه وعزمه، لقد امتحن الله المؤمنين في خلافته ~~فأحسنوا البلاء، واجتاز الدين الناشئ بفضل إيمان الخليفة وعزمه مناطق الأعراف، صلبا قوي ~~الحياة، كفيلا بأن يظل العالم بلواء التقدم والحرية، وأن يرفعه إلى حضارة سامية هي وحدها ~~الجديرة بالإنسانية، وقد كانت روح أبي بكر من مصادر هذه القوة، أفكان الإسلام لا يزال في ~~حاجة إلى فيضها؟ أم إنه قد تخطى خلال هاتين السنتين وثلاثة الأشهر مناطق الخطر، فآن له أن ~~يمتد في طمأنينة وأمن، وأن يمد إلى الإنسانية المضطربة يوم ذاك يد النجاة ليقر بينها الإخاء ~~والسلام؟! # لعلنا لا ندري ماذا كان يحدث لو لم يستخلف أبو بكر عمر، ولو لم يخرج على ما أخذ به نفسه، ~~ولم يصنع ما لم يصنعه رسول الله، فقد كان هذا العمل الأخير في حياة الصديق حلقة قوية في ~~السلسلة التي رفعت الإسلام مكانا عليا، والتي أراد الله أن يتم بها كلمته وينصر دينه، ~~ترى لو أن أبا بكر اختار عثمان أو غير عثمان، أفكان الإسلام ينتشر ما انتشر في عهد عمر، ثم ~~يزداد في عهد خليفته انتشاره؟! أم إن اختيار عمر كان توفيقا من الله للصديق، فكان الفاروق ~~بطل الموقف ورجل الساعة؟! لا غناء اليوم في أن نعرض لهذا الأمر بحكم، لكن ms310 الذي لا مرية فيه ~~أن أبا بكر وعمر كانا يتفقان في جوهر النفس على تباين مظاهرهما لينا وشدة، صفى الإيمان ~~بالله نفسيهما فتنزهتا وطهرتا وسمتا فوق خبائث الدنيا، وتجردتا لله، فكانتا العدل والرحمة ~~والإيثار والحرص على أن ينتصر الحق وتعلو كلمة الله، بذلك كان استخلاف عمر عملا صالحا ~~أراد الله به أن يعز دينه، وأن يقر به في الأرض كلمة الحق، وأن يعلي به منار البر ~~والتقوى. # رحم الله أبا بكر ورضي عنه وألحقه بالصالحين. # | خاتمة # ذكرت في تقديم هذا الكتاب أن عهد أبي بكر له ذاتيته الخاصة وتكوينه التام، وأنه ينطوي على ~~عظمة نفسية تثير الدهشة، بل الإعجاب والإجلال، ولعل القارئ الذي بلغ من تلاوة الكتاب هذه ~~الخاتمة، ووقف على ما تم خلال هذا العصر القصير من جليل الأعمال، يرى رأيي فيما ذكرت، ويقف ~~لذلك معي مليا يستخلص من هذا العهد عبرته البالغة، ليرى كيف تنتقل حضارة الأمم من حال إلى ~~حال بتفاعل عناصر الاجتماع خلال الأجيال والعصور، فإذا جاء الأجل الذي خطه القدر في لوحه لم ~~يكن من هذا الانتقال بد، ولم تستطع قوة في العالم أن تقف في سبيله أو تحول دونه. # إمبراطوريتان عظيمتان تمثل إحداهما حضارة الغرب ومقوماتها من عقائد ونظم ومن فن وعلم ~~وتفكير، وتمثل الأخرى حضارة الشرق ومقوماتها من عقائد ونظم ومن فن وعلم وتفكير، يمثل الروم ~~حضارة اللاتين واليونان والفينيقيين والفراعنة، وتمثل فارس حضارة إيران والهند ومذاهب الشرق ~~الأقصى مجتمعة، تمتد الأولى من أواسط أوربا بل من غربها الأقصى إلى شرق بحر الروم، ثم ~~تتخطاه لتقف عند بادية الشام، وتمتد الأخرى من أواسط آسيا، بل من شرقها الأقصى إلى حوض دجلة ~~والفرات، ثم تتخطاه لتقف عند بادية الشام، وهذه البادية التي تلتقي عندها الحضارتان تمتد ~~بينهما جدباء إلا من قبائل نزحت من شبه جزيرة العرب، تنتقل في أرجائها ثم تأوي إلى الروم أو ~~إلى الفرس حيثما يطيب لها المرعى. والإمبراطوريتان تقتتلان فتبهران الأنظار بقوتهما ~~وعظمتهما، لا يسكن تعاقب القرون من حدتهما، ولا تجدان ms311 في غير الحروب وسيلة لإرواء ظمئهما ~~إلى المجد، واستكمال حظهما من الترف والنعيم. # أفأعوزت إحداهما أسباب العيش فكان ذلك سبب ما اتصل بينهما من حروب أفنت كلتاهما فيها على ~~القرون ما لا يحصى من مهج، وبيعت فيها الأرواح بيع السماح؟ كلا! بل كانت الإمبراطوريتان ~~مترعتين بخيرات البلاد التي تحكمانها، كانت الروم تنعم بما تغل مصر وسائر ممتلكات قيصر من ~~زراعة وما تنتج من صناعة، ومما كان لمصر وسائر بلاد الإمبراطورية من تراث ضخم في العلم ~~والأدب والفن، وكانت فارس تنعم بخيرات البلاد الخاضعة لكسرى، والتي كانت تمدها بكل ثمراته، ~~لكن كل واحدة من الدولتين كانت تزعم لنفسها حقا في المتاع من نعم الحياة بما لا ينعم به ~~غيرها، ولا ترى لذلك بأسا بأن تغصب غيرها ما في يده من أسباب هذا المتاع، أليست لها القوة ~~وفي متناولها أسباب البطش؟! وحق القوة بعض ما آمنت وتؤمن به الإنسانية أمما وأفرادا، ألا ~~يرى أحدنا مواد الترف حاجات ماسة لا غنى له عنها، ثم لا يغير من رأيه هذا ألا يجد جاره ~~الكفاف لنفسه ولذويه! والقوانين تشرع دفاعا عن حق القوة، ذلك بأن القوة هي قوام القانون ~~تنفذه وتلزم الناس احترامه، فباسم القانون ينال القوي ما يراه حاجة ماسة لحياته، وباسم ~~القانون وباسم الحضارة تثير الدول الحروب لتبلغ من أسباب الترف ما يكفل المستوى الذي تراه ~~لائقا لمكانتها بين سائر الأمم. # لهذا ظلت الإمبراطوريتان تقتتلان سبعة قرون متوالية، فتبهران العالم بقوة بأسهما وسمو ~~حضارتهما، يحالف النصر إحداهما تارة، ويحالف الثانية تارة أخرى، فلا تنهنه الهزيمة من هيبة ~~أيهما؛ لأن الأمم الصغيرة من حولها كانت ترى دورة الدوائر بينهما، وترى مغلوب اليوم منهما ~~غالبا غدا، فتحسب أن القدر فرضهما على الوجود فرضا، وأنها من القوى الثابتة في دورة ~~الكون كالشمس والقمر والكواكب سواء. # وبينما لا تعرف الأمم إلا اسميهما، ولا تتحدث إلا بفعالهما، إذا أمة تنهض من حيث لم يكن ~~أحد يتوقع أن تنهض، وأنى لشبه جزيرة العرب ببواديها الماحلة وصحاريها الجرداء أن تبعث ms312 أمة ~~أو تنشئ دولة! وأنى لقبائل هذه البادية، وكل ما تعتمد عليه في حياتها الغزو والسلب، أن ~~تفكر في حضارة، بله أن تقيمها؟! لقد كان كسرى فارس يسميهم رعاة الإبل والغنم، وكان قيصر ~~الروم يصفهم بالحفاة العراة الجياع، أفمن هؤلاء الرعاة الحفاة تنهض أمة يعبأ بها الروم أو ~~يهتم لها الفرس؟! # مع ذلك نهضت هذه الأمة، فواجهت الأسدين فارس والروم، وحاربتهما وتغلبت عليهما، وقد رأيت ~~من خلال هذا الكتاب أن العرب لم يتغلبوا على الأسدين بتفوق في العدة أو في العدد، وإنما ~~تغلبوا بالعقيدة الثابتة والإيمان الذي لا يتزعزع، وبهذا الغلب نشأت الإمبراطورية الإسلامية ~~التي حملت عبء الحضارة في العالم عشرة قرون تباعا، والتي نشرت الإسلام في أنحاء ~~الإمبراطوريتين وفيما وراءهما: في الهند والصين والتركستان وغيرها من ممالك آسيا، وفي مصر ~~وما وراءها إلى المحيط الأطلنطي من بلاد إفريقية، وفي عاصمة قسطنطين، وفي روسيا وإسبانيا ~~وغيرها من أمم أوربا. # كيف حدثت هذه المعجزة؟! كيف تغلب العرب مع قلة عددهم، وضعف حضارتهم، وتأخر علومهم ~~وفنونهم، على الفرس وعلى الروم ولهم من العدد ومن الحضارة ومن العلوم والفنون ما لا يزال ~~التاريخ يحدث عنه في إكبار أي إكبار؟! أهي المصادفة التي لا تفسير لها من سنن الكون؟! ~~كلا! فلو أن ما حدث في عهد أبي بكر أثمرته المصادفة لما كتب له أن يبقى وأن يتصل على ~~الزمان، ولوقف الفرس والروم في وجه العرب فردوهم على أعقابهم، لكن ما حدث في عهد عمر وعثمان ~~من توغل العرب في أراضي الإمبراطوريتين العظيمتين والقضاء عليهما، لا يدع مجالا للريب في ~~أن ما حدث كان حتما قضت به سنن الكون، ولذلك اطرد فكانت الحضارة الإسلامية ثمرته، وما كانت ~~المصادفة لتتمخض عن مثل هذه الحضارة التي ازدهرت في ظل لوائها كل مقومات الحضارة، فقد اجتمع ~~للحضارة الإسلامية من العلم والأدب والفن وسائر ألوان الثقافة ما حل في العالم محل الثقافة ~~اليونانية بعلمها وأدبها وفنها وتفكيرها، وذلك بعد أن كانت اليونان وارثة مصر وآشور ~~والحضارة الإنسانية الأولى جميعا. ms313 لا مفر لنا إذن من أن نلتمس لهذه الظاهرة الكونية ~~العظيمة تفسيرا من سنن الكون يكشف لنا عن السر في قيام هذه الحضارة، وامتداد سلطانها في ~~العالم، واستقرارها فيه دهرا طويلا. # ومن سنن الكون أن الأمم والحضارات يصيبها الهرم على نحو ما يصيب الأفراد، فإذا هرمت وشاخت ~~دب الفساد إلى كيانها، فأدى إلى انحلالها، وإلى قيام أمة شابة وحضارة شابة مقامها. # أشرت غير مرة في غضون هذا الكتاب إلى عوامل الفساد والاضطراب التي كانت تظهر الحين بعد ~~الحين في فارس وفي الروم، وقد استفحلت هذه العوامل في القرن السادس المسيحي واشتد خطرها، ~~فكان من أثرها في فارس أن اضطرب بلاطها، وانتشرت الدسائس في جوها، وتنازع الطاعون في عرشها، ~~واتخذ بعضهم الغدر سلاحه لتولي أمورها، بذلك فسد الرأس، فامتد الفساد منه إلى ما دونه، ~~فكثرت مذاهبها وأحزابها، وتبلبلت عقائد الناس فيها، فانكمشوا يتوفرون على رزقهم يكثرونه، ~~ويلتمسون النيل والجاه عن طريقه، هذا إلى أن الطوائف في فارس كانت كثيرة العدد كثيرة ~~المطامع؛ تريد الحكم تستذل به رقاب السواد، وتبلغ باستغلاله كل ما تصبو إليه من أسباب ~~النعمة والمتاع، لذلك انحلت العصبية القومية في الفرس، وانهارت القوة المعنوية في نفوسهم، ~~وتدهور مثلهم الأعلى إلى حيث لا يعدو متع الحياة ولينها، طبيعي وذلك شأنها أن يتداعى ركنها، ~~وأن تضعف مقاومتها، وبخاصة إذا واجهتها قوة تسمو على الحياة وتتخذ المثل الأعلى ~~شعارها. # ولم يكن أثر هذه العوامل في الإمبراطورية الرومية دونه في فارس، فقد نجمت الثورات فيها ~~لأسباب تتصل بالنزاع بين الفرق المسيحية حينا، وبالنزاع على العرش حينا آخر، فكان ذلك سبب ~~تدهورها وانحلالها، ومع أن جستنيان استطاع أن يرد إليهم أعظم الاعتبار في نظر العالم ~~يومئذ، بجلال حكمته ونزاهة عدله وقوة بأسه، لقد كانت عوامل الانحلال أعمق أثرا من أن ~~يتلافاها خلفاؤه ولم يكونوا في مثل حكمته وبأسه، فلما كان أول القرن السابع المسيحي تولى ~~فوكاس عرش الإمبراطورية وساسها بيد من حديد، عند ذلك قام هرقل حاكم إفريقية الرومية بالثورة ~~عليه، ثم انتهى ms314 به الأمر إلى الظفر به وقتله واعتلاء العرش مكانه، وكان الفرس قد غلبوا ~~الروم في نهاية عهد فوكاس وبدء عهد هرقل، فلما حانت الفرصة أخذ هرقل بالثأر منهم، فحاربهم ~~وغلبهم ووطد بذلك سلطانه في الإمبراطورية، حتى لقد خيل إلى الناس جميعا أن عهد جستنيان ~~عائد لا محالة، ثم إنه حاول أن يزيد سلطانه تثبيتا بالقضاء على أسباب الضعف الناشئة عن ~~اختلاف الفرق الدينية في أرجاء ملكه، وذلك بتوحيد المذهب المسيحي وفرضه على الناس في جميع ~~أنحاء الإمبراطورية، وليتم غرضه بطش بخصوم المذهب الرسمي في مصر وفي غير مصر؛ فكان ذلك ~~سببا في قيام الثورات واندلاع لهيبها، ثم كان سببا في ازدياد الضعيف الذي حاول هرقل أن ~~يخلص الإمبراطورية منه. # 1 # كانت هذه العوامل تنخر في عظام الإمبراطوريتين العظيمتين وتنحدر بهما سراعا إلى مهاوي ~~الشيخوخة، فكان من مقتضيات سنن الكون أن تقوم أمة شابة مقامهما، توجه العالم وتكيف ~~مصايره، والنجاح مكفول لهذه الأمة ما حملت إلى العالم رسالة يشوق الناس سماعها، ويرون فيها ~~ما ينقذهم من شرور طالما ناءوا بها ورزحوا تحت أعبائها. # لم يكن عالم يومئذ يشقى بأسباب الحياة المادية؛ فلم يكن همه الأول رفع مستوى العيش، إنما ~~كانت تعوزه الطمأنينة إلى الحياة والمتاع بالحرية فيها، فقد كان الناس لا يتحركون ولا ~~يسكنون أحرارا في حركتهم وفي سكونهم، بل كانت العقائد والقوانين السائدة يومئذ تكبلهم ~~بقيود شلت حركتهم وأهدرت حريتهم، لم تقف هذه العقائد والقوانين عند المبادئ العامة التي ~~تكفل للفرد حريته في ظل النظام، وتكفل بذلك للجماعة أن تطور إلى ناحية الكمال بجهود ~~أفرادها الأحرار وجماعاتها الطليقة، بل دخلت القيود مع الفرد داره ومخدعه، وآذته في يقظته ~~وفي نومه، فشلت نشاطه وتفكيره، وجعلت التحايل وسيلته إلى اتقاء الأذى والفرار من البطش، ~~وإلى اهتبال الرزق من كل طريق، والتوسل بسعته وبسطته إلى مكان النبل والجاه، نبل البطش وجاه ~~الجبروت، وحيثما قضي على النشاط الحر للعقل الإنساني، فذلك النذير بانحلال الأمة وتدهورها،، ~~وبدبيب الشيخوخة إلى كيانها. # فالحرية العقلية هي التي طوعت ms315 للإنسان منذ أقدم العصور أن ينظر، وأن يلاحظ، وأن يعلم، ~~وأن يبتكر. أسلافنا الأولون الذين عاشوا في الغابات وحاربوا الحيوان، إنما استطاعوا محاربته ~~يوم هدتهم حرية الغريزة إلى ابتكار الأدوات التي استعملوها في حروبهم في العصر الحجري ~~والعصور التي تلته، فلما أقامت الجماعة الإنسانية الأولى على ضفاف النيل وعرفت الزراعة، ثم ~~عرفت حياة الاستقرار والحضارة، أدركت بفطرتها أن لا مفر لها من نظام يكفل لها الأمن وحرية ~~العمل، وأن لا مفر لنظامها من قواعد ثابتة يقرها الجميع ويحترمونها، وقد هدتهم فطرة ~~الاجتماع الغريزية في الإنسان إلى تجسيد هذه القواعد، وتقديس ما ظنوه آلهتهم التي ترعاها ~~وتحميها، ثم ما لبثت هذه الجماعة الأولى، حين سما تفكير الموهوبين من أبنائها إلى ما فوق ~~الغريزة الفطرية، أن قدرت معاني العدل والحرية والكرامة الإنسانية، بذلك استيقظ الضمير، ~~فتفتحت للإنسان أبواب التفكير، فاهتدى من سبيلها إلى العلم وإلى الأدب والفن، كشف له ~~أستارها من اختارتهم الأقدار لمعالجتها ووهبت لهم هبتها. # 2 # وظل التطور الإنساني يتقدم في هذه الناحية حينا ويتراجع حينا آخر في جزر ومد، ~~وفي كل حين كانت حرية العقل آية تقدم الإنسان، وجموده آية تراجعه، فإذا تحرر العقل استطاع ~~بقوة تفكيره أن يتحكم ولو بقدر في قوى الطبيعة، وأن يسخرها لأغراض الإنسان، وأن يفيد بذلك ~~من هذا التحكم جديدا لرقيه، وإذا جمد العقل وقف تقدم الإنسانية، فاكتفت بغريزة حفظ النوع ~~تستجن في كنفها حتى تبتعثها الحرية العقلية إلى التقدم كرة أخرى. # لم يكن بد، وقد جمدت الإمبراطوريتان فارس والروم فدب الفساد في كيانهما، من أمة جديدة ~~تنهض فتدفع العالم إلى الأمام، ترى في أية أمة تستكن هذه القوى الدافعة، ومتى يتاح لها أن ~~تظفر؟! ذلك أمر كتبه القدر في لوحه، أو هو، على تعبيرنا العلمي في هذا العصر، أمر ثابت في ~~دورة الزمان والمكان للجماعة الإنسانية ثبوت كسوف الشمس وخسوف القمر وظهور المذنبات في دورة ~~الفلك، وقد شاءت الأقدار فألقت على الأمة العربية في شبه الجزيرة عبء النهوض بالحضارة ~~المتداعية، وبعث الحياة في ms316 شتى نواحيها، ولهذا اصطفى الله نبيه محمدا # صلى الله عليه وسلم ~~، فأوحى إليه ~~دين الحق يبلغه للناس ويدعو إليه بالحجة والموعظة الحسنة، عن طريق النظر في الكون، نظرا ~~حرا من قيود الوثنية والمجوسية ومن الجدل العقيم الذي هوت إليه المذاهب المتضاربة في بلاد ~~الروم، وقد حوربت هذه الدعوة في منبتها حربا اتصلت على السنين، فلم تعرف هوادة ولا صلحا، ~~حتى نصر الله دينه وأتم كلمته، إنما أراد الله لهذه الدعوى أن تنتصر ببساطتها وصفائها ~~وسموها بالكرامة الإنسانية وبالعقل الإنساني إلى المكان اللائق بهما، وبانتصارها قضي على ~~الوثنية في شبه الجزيرة كلها قبل أن يختار رسول الله من عند الله. # أما وقد قضت الدعوة إلى التوحيد وإلى مبادئ العدل وسمو الخلق على كل ما يخالفها، فلم يكن ~~لزعماء الردة في بلاد العرب أن يحاولوا إعادة الوثنية، وإنما حاول هؤلاء الزعماء استغلال ~~التوحيد والمبادئ المترتبة عليه لينتشر سلطانهم، وتعظم فائدتهم في تجارة الحياة، ولهم من ~~العذر عن ذلك أننا معشر الناس لما بلغ من سمو الإدراك ما يجعلنا نقيم الحد الفاصل بين الحق ~~لذاته، والمنافع المادية التي نجنيها من استغلال اسمه والتذرع لخداع الناس بسلطانه، والناس ~~يرون الحق فيبهرهم لألاؤه، ويعشون دون استجلائه في جلال كماله؛ لأن الضمير الإنساني لا يزال ~~في طفولته، والنفس الإنسانية لا يزال جوهرها العلوي يختلط بجواهر النقص التي تغشى عليه ~~وتفسد حكمه. # لذلك يؤذي الناس من يدعونهم إلى الحق، ويحتمل الدعاة الصادقون هذا الأذى راضية نفوسهم ما ~~أدى احتماله إلى ذيوع الحق وانتشار كلمته، وكلما علا صوت الحق اشتد في حربه من يخشونه على ~~بسطة رزقهم وسلطان بأسهم، ذلك هو النزاع الذي اتصل على الزمان بين المنافع العاجلة والمبادئ ~~الخالدة، والذي جعل الحرب مسوغة للقضاء على الباطل ورد كيده إلى نحره. # والضمير الإنساني لا يزال قريبا من طوره الذي كان عليه في القرن السادس المسيحي، فهو لم ~~يشب بعد عن الطوق، لذلك لا تفتأ الحرب تشب لأغراض دون ما قامت حروب الردة وحروب الفتح في ~~العراق والشام ms317 لتحقيقه، ترتفع الصيحة للحرية وللعدل وللإخاء، فيلقي الناس بكل سمعهم ~~للمنادي بها، ويبذلون حياتهم فداء لها، وتدوي آلات الدمار لنصرتها، فإذا وضعت الحرب ~~أوزارها، توقع الناس أن تظلهم المبادئ التي قاتلوا في سبيلها، لكن ما تحقق من هذه المبادئ ~~لم يزد يوما على طيف تتبدى وراءه حقيقة نحيفة، هي على نحافتها مبهمة غير واضحة المعالم. من ~~ثم بقيت الشرور التي شكا الناس منها تثقل حتى اليوم كواهلهم، ولم تفد مبادئ الحرية والعدل ~~والإخاء من تضحيات الإنسانية إلا قليلا، أما الثمرة الكبرى للحروب الطاحنة فقد آل معظمها ~~إلى الذين يؤمنون بحق الجسد في النعمة والمتاع، والذين يبتغون الجاه والمال ويكنزون الذهب ~~والفضة، ولا يرون بأسا في أن يرووا غلتهم للمتاع وظمأهم للمال بما أريق من دماء الإنسانية، ~~وما بذل من مهج وأرواح فداء للعدل والإخاء والحرية. # وسبب ذلك ما قدمنا من أن الضمير الإنساني لا يزال أدنى إلى الطفولة، والطفولة كثيرة ~~العثرات، لكن عثرات الطفل لم تصده يوما عن أن يعود فيمشي ليعثر من جديد. # وهذه العثرات هي التي تعلمه كيف يحفظ توازنه حتى تصل به إلى أن يسير مستقيما سوي ~~القامة، يسرع الخطا إلى فتوة الشباب ثم إلى حكمة الرجولة، ولعل عثرة قاسية تكب الناشئ على ~~وجهه تكون أجدى عليه وأقوى أثرا في تقويم سيرته، ولقد كانت كبوة فارس والروم من العثرات ~~القاسية التي صادفت الإنسانية؛ لذلك كان قيام الإسلام ونهوض الإمبراطورية الإسلامية من أقوى ~~البواعث على تقدم الضمير الإنساني إلى ناحية نضجه. # وآية ذلك أن الإسلام إنما استرعى سمع الناس فدانوا به؛ لأنه يصور مثل الإنسانية الأعلى، ~~ويسمو بالحرية وبالكرامة الإنسانية إلى أرفع الذرا، فهو لا يجعل للناس إلها غير الله، هم ~~عباده وحده جل شانه، لا يملك لهم أحد غيره نفعا ولا ضرا، ولا مثوبة ولا عقابا، وما ~~يصيبهم في هذه الحياة أو يصيبون فيها يجزيهم الله عنه الجزاء الأوفى، فليعملوا إذن مطمئنين ~~إلى حريتهم، لا يريدون إلا وجهه، فإذا أصابهم ظالم بمكروه فالويل لظالمهم من ربه، وإذا ms318 رأوا ~~منكرا فليزيلوه، وليعلموا أن الله من ورائهم محيط. # لماذا كتب القدر الحكيم منذ الأزل في لوحه، فاصطفى الله نبيه الكريم من شبه جزيرة العرب ~~دون غيره من أرجاء العالم؟! # ليس في مقدورنا، ولا في مقدور غيرنا، أن نقطع برأي حاسم في الجواب عن هذا السؤال، فنحن ~~جميعا لم نؤت من العلم إلا قليلا، لكن ذلك لا يمنعنا من تلمس سنن الكون والاجتهاد ~~لإدراك ما يقع بمشيئة الله فيه، وما يقع في حياة الإنسانية وجماعاتها يخضع لهذه السنن ~~الثابتة كما يخضع لها سائر ما في الكون مما برأ الله، فمن الحق علينا أن نحاول تفسير ~~الظاهرات الاجتماعية على ضوء هذه السنن، وإن كنا لا نطمع اليوم، وعلمنا الإنساني كما هو، في ~~أن نعرف ما يطويه غيب المستقبل للجماعات الإنسانية على النحو الذي نستطيع أن نعرف به ما ~~سيكون من أمر الأفلاك ودوراتها. # والذي يهدينا إليه الاجتهاد جوابا عن هذا السؤال أن حضارة العالم استقرت في الأجيال ~~الأولى من حياة الإنسانية، وإلى القرن السادس المسيحي، في مصر وآشور واليونان ورومية، ثم ~~امتدت منها إلى ما وراءها؛ وأن العقل الإنساني بلغ من النضج في هذه المناطق ما لم يبلغه في ~~غيرها، مما يسر الضمير الإنساني أن يستقيظ فيها ويبزغ فجره، ولذلك وجهت الإمبراطوريتان فارس ~~والروم مصاير العالم في ذلك العهد، ونهضتا بعبء الحضارة فيه، فلما آن لهاتين الإمبراطوريتين ~~أن تهرما كانت شبه جزيرة العرب هي المنطقة المستقلة عنهما، المتصلة مع ذلك بهما، المتداخلة ~~فيهما، ومهما يكن من أمر هذا الهرم الذي أصابهما فالدعوة إلى المثل الأعلى أدنى إلى أن ~~تستجاب فيهما، وأن تمتد منهما إلى ما وراءهما، هذه كلها أحداث كتبت منذ الأزل في لوحد ~~القدر، فلا غرو أن يكتب معها منذ الأزل أن يقوم الداعي إلى المثل الأعلى في أدنى الأرض من ~~الإمبراطوريتين وأكثرها مع ذلك استقلالا عنهما، فالاستقلال هو الكفيل بحرية العقل، وبأن ~~يستجيب الناس آخر الأمر للدعوة إلى الحق. # وكذلك اصطفى الله للقيام بهذه الدعوة نبيه من أهل شبه ms319 الجزيرة، ومن بلد هو أكثر بلاد شبه ~~الجزيرة استقلالا، وأوفر هذه البلاد لذلك العهد عزة وكرامة. # ودعا محمد قومه إلى التوحيد وإلى المبادئ التي يتحقق بها مثل الإنسانية الأعلى، ثم بلغ ~~دعوته إلى عاهلي الإمبراطوريتين فارس والروم ودعاهما إلى ما جاء به من الحق، بذلك أقام الحد ~~الفاصل بين الحق والباطل، وحذر الناس حين دعاهم إلى الحق ممن يخادعون الناس باسمه، ثم ترك ~~من بعده أصحابه الذين عزروه في حياته ونصروه، والذين أدركوا ما جاء به وامتثلوه. # وأنت قد رأيت كيف بلغ أبو بكر من سمو الإدراك لهذه المبادئ ما مكنه من أن يقيم في نفسه ~~الحد بين الحق لذاته والمنافع العاجلة التي يسعى إليها من يخادعون الناس باسم الحق؛ ورأيته ~~كيف أصر على أن ينصر الحق لذاته ولو قام لنصرته وحده، وإذا بلغ سمو الإدراك من نفس هذا ~~المبلغ، فذلك الدليل على نضج الضمير غاية النضج، ولو أن الإنسانية كلها بلغت يوما هذا ~~النضج لما شبت الحرب بين بنيها، ولاستجاب الله دعوة الذين يدعونه عند بيته المحرم: «ربنا ~~أنت السلام ومنك السلام، أحينا ربنا بالسلام!» # لا يزال الأمد بعيدا بيننا وبين اليوم الذي تستجاب فيه هذه الدعوة، فالناس لا يزالون إذا ~~دعوا بالحكمة والموعظة الحسنة إلى غير ما وجدوا عليه آباءهم جعلوا أصابعهم في آذانهم، ~~وأخذتهم العزة بالإثم، وأبوا أن يجادلوا بالتي هي أحسن، وحسبوا أن القوة الغاشمة تخفت صوت ~~الحق، ذلك أن ضميرهم لا يزال في طفولته، والطفل يحسب أنه كلما ضج وعلا ضجيجه خضع أبواه ~~لرغائبه وأهوائه، فإذا رأى أبويه يهذبانه ولا يزعجهما ضجيجه أذعن وسكن، وذلك ما صنع أبو بكر ~~مع أهل الردة حين ضجوا وحاولوا المقاومة، أخذهم بما يجب أن يؤخذوا به، فقضى على مقاومتهم ~~وعلى ضجيجهم. # وشاءت الأقدار أن تمهد لانتشار الإسلام في فارس والروم بانتشار العرب في بادية الشام؛ فقد ~~يسروا لأهل الجزيرة أن ينفذوا إليهم، وأن يتخطوهم لغزو الفرس على شاطئ دجلة والفرات وما ~~وراءهما، ولغزو الروم في الشام وفي مصر إلى ms320 السودان. # أنت ترى من ذلك كله أن المعجزة التي حدثت في عهد أبي بكر لم تكن ثمرة المصادفة، وإنما ~~كانت أمرا محتوما قضت به سنن الكون التي لا تبديل لها، فلو أن شبه الجزيرة لم تكن تجاور ~~الشام والعراق، ولو أن اللغة العربية لم تكن لغة القبائل التي استقرت ببادية الشام منذ ~~قرون، ولو أن الله لم يصطف نبيه في ذلك العهد الذي اشتد فيه ظمأ العالم لسماع كلمة الحق ~~والاهتداء بنوره، لو أن ذلك كله لم يكن، لجرت المقادير بغير ما جرت، ولكان تاريخ الإنسانية ~~غير ما نعرف اليوم، ولما حلت الحضارة الإسلامية محل حضارة فارس والروم، بل لاتخذت الحضارة ~~أطوارا أخرى غير التي عرفنا من يومئذ إلى عصرنا الحاضر. # وإذا شاءت الأقدار أن تتم على الأرض مثل هذه المعجزة مهدت لها بما رأيت، وهيأت لها أسباب ~~الفوز، فأبرزت من ملكات الرجال ومواهبهم ما يخطون به في صحف الكون مشيئة القدير الحكيم. لقد ~~رأيت ما صنعه أبو بكر وخالد بن الوليد وعمر بن الخطاب وأمراء الجند المسلمين، ورأيت كيف ~~اضطلعوا بمثلها لولا أن أراد ربك لهذه المعجزة أن تتم وفاقا لسنته. فلولا هذه المشيئة لظل ~~أبو بكر تاجرا ينمو ربحه ويكثر ماله، ثم تنطوي صفحته ولم تزد مكانته في قومه على زعامة ~~قبيلة تيم بن مرة، وعلى احتمال الديات والمغارم، ولولا هذه المشيئة لظل خالد بن الوليد فارس ~~بني مخزوم وفارس قريش، ولما سما اسمه فاقترن على التاريخ بأسماء الإسكندر الأكبر، ويوليوس ~~قيصر، وهانيبال، وجنكيز خان، ونابليون، ولولاها لما أصبح اسم الفاروق عمر بن الخطاب علما ~~للعدل والرحمة والبأس مجتمعة، فإذا نحن أرخنا اليوم لهم وأشدنا بفعالهم، وقرنا سمو ~~الدعوة للحق إلى اسم القائد العبقري وجعلنا منهما وحدة على الزمان، لم نعد بذلك أن نرسم ~~صورة من مشيئة القدر والعوامل التي تهيأت لتنفيذها، والتي أدت إلى انتقال الحضارة هذا ~~الانتقال الذي مهد لعهد جديد في حياة العالم. # أما وقد ذكرت القائد العبقري خالد بن الوليد، فلأقف الآن وقفة قصيرة ms321 أتناول مسألة ~~تناولتها في «حياة محمد»، لكني أتناولها هنا من غير الناحية التي تناولتها هناك. لقد طالما ~~تحدث من شاء عن انتشار الإسلام بالسيف، وقد بينت في «حياة محمد» أن القرآن ينكر حرب ~~الاعتداء في مواضع كثيرة منه، يقول تعالى: # وقاتلوا في سبيل ~~الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب ~~المعتدين ~~(البقرة: 190) ويقول: # فمن اعتدى ~~عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله ~~واعلموا أن الله مع المتقين ~~(البقرة: 194)، وهو يدعو إلى الصلح ~~والصفح والتسامح دعوته لحرية الرأي ولدفاع المؤمن عن عقيدته إن حاول غيره أن يفتنه ~~عنها. # هذه مبادئ ثابتة في الإسلام يصور بها المثل الأعلى ويدعو الناس إليه، فما بال أبي بكر دفع ~~المسلمين لحروب الردة ولفتح العراق والشام؟ وما بال أمراء المؤمنين بعده نهجوا في هذا الأمر ~~نهجه وساروا فيه سيرته؟ لقد كان الصديق أكثر المسلمين اتصالا بالنبي وامتثالا لما أمر ~~الله به ونهى عنه، أفلا ينهض ذلك دليلا على أن الإسلام، وإن أقر مبادئ الرحمة والتسامح ~~والصفح، لم ينكر على الدعاة إليه أن ينشروه ببطش القوة! ولذلك غزوا البلاد وحكموها ودعوا ~~أهلها إلى دينهم؟ # لا شك في أن الصديق قد نفذ في حروب الردة ما جاء في كتاب الله من قوله تعالى في سورة ~~براء: # فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~فإخوانكم في الدين ونفصل الآيات لقوم يعلمون * وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في ~~دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم ~~لعلهم ينتهون ~~(التوبة: 12)، وهم لم يعد ما أمر الله به حين وافق على ~~غزو العراق وغزو الشام، وليس معنى ذلك أن هذا الغزو هو المثل الأعلى الذي دعا الإسلام إليه ~~وجعل السلام غايته، وإنما معناه أن ما حدث منه هو بعض إملاء الغرائز الإنسانية في ذلك الطور ~~من طفولة الضمير الإنساني، كما أنه بعض إملاء هذه الغرائز في عصرنا الحاضر حيث الضمير ~~الإنساني لا يزال يتدرج إلى الصبا، فله من الصبا طيشه ونزواته. # وإملاء الغرائز كثيرا ما أدى إلى ms322 عثرات كعثرات الطفل في سيره، ترهقه وتؤلمه، ثم تنتهي به ~~ليسير مستقيما سوي القامة يسرع الخطا إلى فتوة الشباب وحكمة الرجولة. # والإسلام لم يغفل، حين صور المثل الأعلى للإنسانية، أن بلوغ الغاية من هذا المثل إنما ~~يكون حين يبلغ الضمير الإنساني نضجه، وذلك لا يتم إلا أن تتعاقب عشرات الأجيال ومئاتها ~~حثيثة السعي إليه كيما تدركه، لذلك قدر الإسلام الواقع من أمر الإنسانية وما تمليه عليها ~~غرائزها، ورسم السبيل التي تسلكها لتقترب رويدا رويدا من غايتها، وكما أنك إذ تربي ولدك ~~ليبلغ ما تريده من كمال الجسم والعقل لا تحمله على أن يسير سيرة الرجال، بل ترضي أهواء ~~طفولته وصباه حينا وتكبح هذه الأهواء حينا آخر، وكما أنك تصادف أثناء ذلك من صلابة ~~الطفولة والصبا ما قد يقف تقدم ولدك تارة، وتصادف من مرونته وذكائه ما يسرع بتقدمه تارة ~~أخرى؛ فإذا رأيته صلبا لم تكسره، بل لنت له لتلين صلابته، وإذا رأيته متقدما أغريته ~~ليتابع تقدمه ويزداد إسراعه فيه، وربما دعاه هذا الإسراع إلى وقفات تجني عليه وتؤذيه؛ كذلك ~~رأى الإسلام أن يساير الضمير الإنساني في تدرجه من الطفولة إلى الصبا، وجعل تهذيب هذا ~~الضمير غايته الأولى، كما جعلت أنت تهذيب طفلك غايتك الأولى، وهو لذلك يساير الغرائز ~~ليقومها، يلين لها حينا ويقسو بها حينا، جاعلا همه دائما أن يتجه بها إلى الناحية التي ~~تدنيها من الغاية التي أرادها، والمثل الأعلى الذي صوره لها. # والضمير الإنساني يجمد أحيانا حتى نخاله ارتد عن تقدمه، ويسرع السير أحيانا أخرى ~~إسراعا يخشى منه العثار، وسيره قد يقف وقد يتغير اتجاهه، فإذا القوى التي تدفعه إلى التقدم ~~تضطرب بين أرجاء العالم المختلفة، وذلك ما حدث حين جمدت الأمم الإسلامية وجمدت المبادئ التي ~~دعا الإسلام إليها، لكن الجمود والوقفة ليسا في طبيعة الحياة، لذلك يخفيان دائما عوامل ~~الدفاع تستكن دونهما، ثم لا تلبث أن تظهر فإذا الإنسانية تستأنف تقدمها، وهذا التقدم هو ~~الذي يجعلنا نؤمن بأن الضمير الإنساني لا بد له يوما من أن يبلغ ms323 الغاية من النضج، وإن ~~اقتضى ذلك أن تتعاقب عليه مئات الأجيال، فإذا بلغ هذه الغاية بلغ المثل الأعلى كما صوره ~~الإسلام، عند ذلك يظل الأرض سلام الله، ويستجيب الله دعاء من يدعونه عند بيته المحرم: ~~«ربنا منك السلام وإليك السلام، أحينا ربنا بالسلام.» # يجب أن يسمع الناس جميعا دعوة الحق في مختلف أرجاء الأرض خلال تعاقب الأجيال ليتقدم ~~الضمير الإنساني رويدا رويدا إلى النضج، ولن يبلغ النضج مداه حتى يعم الإنسانية كلها، ~~فأما إن نضج الضمير في ناحية من العالم ثم ظلت غرائز الطفولة ونزوات الصبا تحركه في سائر ~~الأرجاء، فسيبقى لسلطان هذه الغرائز والنزوات من الحكم ما يديم النزاع ويديم الحرب، وما ~~يقتضي قوادا عباقرة من أمثال خالد بن الوليد أن يكونوا الأداة لتهذيب الشذوذ في كل ناحية ~~لم ينضج فيها الضمير ؛ شأنهم في ذلك شأن المربي إذ يهذب شذوذ تلاميذه. # وإنا لنسجل في كثير من الغبطة والرضا خطوات تقدمها ضمير الإنسانية من الطفولة إلى الصبا، ~~لا يصدنا عن ذلك ضيق هذه الخطوات واضطرابها، لقد كان للإسلام في هذا التقدم أعظم الأثر، ~~وسيكون له مثل هذا الأثر من بعد حتى تتم كلمة ربك ويؤمن الناس بالمثل الأعلى في مشارق الأرض ~~ومغاربها. # ويسرني وأنا بصدد هذا التسجيل أن أثبت هنا كلمة للكاتب الإنجليزي الكبير برنارد شو تؤيد ~~رأيي، قال: ~~«لقد كان دين محمد موضع تقديري السامي دائما لما ينطوي عليه من حيوية مدهشة؛ ~~لأنه، على ما يلوح لي، هو الدين الوحيد الذي له ملكة الهضم لأطوار الحياة المختلفة، ~~والذي يستطيع لذلك أن يجذب إليه كل جيل من الناس. # لا مرية في أن العالم يعلق على نبوءات كبار الرجال قيمة كبيرة، وقد تنبأت بأن ~~دين محمد سيكون مقبولا لدى أوربا غدا، وهو قد بدأ يكون مقبولا لديها ~~اليوم. # لقد عمد رجال الإكليروس في العصور الوسطى إلى تصوير الإسلام في أحلك الألوان؛ ~~وذلك بسبب الجهل أو بسبب التعصب الذميم، والواقع أنهم كانوا يسرفون في كراهية محمد ~~وكراهية دينه ويعدونه خصما للمسيح، أما ms324 أنا فأرى واجبا أن يدعى محمد منقذ ~~الإنسانية، وأعتقد أن رجلا مثله إذا تولى زعامة العالم الحديث، نجح في حل مشكلاته، ~~وأحل في العالم الإسلامي السلام والسعادة، وما أشد حاجة العالم اليوم ~~إليهما! # لقد أدرك مفكرون منصفون قاموا في القرن التاسع عشر ما لدين محمد من قيمة ذاتية، ~~من هؤلاء كارليل، وجوته، وجيبون، بذلك حدث تحول صالح في موقف أوربا من الإسلام، وقد ~~تقدمت أوربا تقدما كبيرا في هذا القرن المتم العشرين، فبدأت تحب عقيدة محمد، ~~ولعلها تذهب في القرن التالي إلى أبعد من ذلك فتعترف بجدوى هذه العقيدة لحل ~~مشاكلها. # وقد دان كثيرون من قومي ومن أهل أوربا بدين محمد في الوقت الحاضر، وهذا يجعلنا ~~قادرين على أن نقول إن تحول أوربا إلى الإسلام قد بدأ.» # 3 # هذه الكلمات التي نقلت إلى العربية من عشر سنوات خلت تؤيد ما قدمت، وها نحن أولاء نسمع ~~اليوم من زعماء العالم عبارات تردد مثل الإسلام الأعلى وتدعو إليه وتستهين بالحرب في سبيله، ~~ولا تزال الإنسانية تضطرب في هذه السبيل خلال طوفان جارف من الآلام والتضحيات والدموع، وهي ~~تبذل اليوم منها أضعاف ما بذلت مجتمعا على القرون التي خلت، أفقدر لها أن تبلغ ما طالما ~~أملت بلوغه، وأن تعيش في ظلال الحرية والمحبة والسلام؟ أفيكون النظام الجديد الذي يتحدث ~~زعماء العالم اليوم عنه محققا حرية الشعوب، كما حققت الثورات فيما مضى حرية الأفراد؟ وهل ~~يؤدي ذلك إلى أن يتحرر الجميع صدقا من قيود الخوف والفاقة، وأن يتعاونوا تعاونا خالصا ~~لوجه الله يسعد به الناس في مختلف أرجاء العالم؟ هذا أمل عذب ما أحبه إلى كل نفس، وأقربه ~~من كل قلب! وما أشد الناس حرصا على أن يتم فتتم به على الأرض كلمة الحق والسلام! # وتحقيق هذا الأمل رهن أن يبلغ الضمير الإنساني نضجه، ترى هل كتب القدر الرحيم في لوحه أن ~~تتمخض الآلام والضحايا التي احتملها العالم في هذا القرن المتم للعشرين عن هذا النضج؟! لا ~~ريب عندي في أن الإنسانية ستخطو في ms325 هذه السبيل خطوة إن لم نستطع اليوم أن نقدر مداها فمن ~~حقنا على كل حال أن نغتبط بها، وأن نرجو بعدها خطوات أفسح منها، فالعالم اليوم تتقارب ~~أجزاؤه، وتتزايد وسائل الاتصال بين أبنائه، كانت الصحافة تعد في القرن الماضي أعظم قوة ~~لتيسير التفاهم بين الناس، ثم كانت صحافة أمريكا لا تصل إلى هذا الشرق العربي قبل أسابيع من ~~ظهورها، أما ما يجري اليوم في العالم فيتلقاه الناس في مختلف أرجائه بسرعة البرق على موج ~~الأثير عن طريق الإذاعة، وهذه الإذاعة المشغولة اليوم بأنباء الحرب وأهوالها ودعايتها ستشغل ~~غدا بالدعوة إلى السلم وإلى السمو الإنساني وتصور الوسيلة التي تهيئ أسبابهما، وقد تهذب ~~هذه الدعوة الضمير وتقربه من النضج، وتجعله الحكم العدل المنزه عن الهوى، والذي يستطيع لذلك ~~أن يجنب الإنسانية الحرب، فيجنبها الضحايا والآلام والدماء والدموع. # متى يبزغ فجر هذا اليوم ومتى تشرق شمسه؟ إنا نراه بعيدا، ويراه الله قريبا، فيوم عند ~~ربك كألف سنة مما تعدون، وذلك اليوم الذي تشرق فيه الشمس على الإنسانية وقد نضج ضميرها، هو ~~الذي تبلغ فيه الكمال ويصبح فيه المثل الأعلى حقيقة واقعة، ويومئذ يصفو جوهر النفس من كل ما ~~يخالطه من شوائب النقص، فتسمو على إملاء الغرائز الدنيا، وتمتثل مبادئ قائمة بها، بل تصبح ~~سر حياتها، فإذا مر بها طيف يخالفها لفظته وعدته دخيلا عليها ومرضا يؤذيها ويتلفها، عند ~~ذلك يكمل إيمان الناس جميعا، فيحب كل منهم لأخيه ما يحب لنفسه، وينظر كل منهم نظرة الإشفاق ~~والتألم لكل من تبدو في نياته أو أعماله شائبة من أثرة أو نزوة من هوى، ويرون واجبا عليهم ~~أن يلتمسوا له الطب وأن يسعفوه بالدواء؛ فإن برئ فذاك، وإلا عزلوه عنهم اتقاء عدواه، ورجاء ~~أن يسمع أثناء العزلة صوت الحكمة، فإذا سمعه برئ وعاد إلى الناس وقد صار مثلهم، وأصبح ضميره ~~قاضيه الذي يحاسبه وينصفه منه من ترد بخاطره خصومتهم، وأصبحت نفسه التي برأت فلم تعد أمارة ~~بالسوء هي التي تجعل الناس جميعا أحب إليه من نفسه، وآثر ms326 عنده منها. # ويومئذ يصبح ضمير الإنسانية ميزان العدل بالقسطاس المستقيم، فلا تكون أمة خيرا من أمة، ~~ولا جنس خيرا من جنس، ولا لون خيرا من لون، بل تكون الأمم كالأفراد إخوة يربط بينها العدل ~~والرحمة ويدعوانها للتعاون على البر والتقوى، ويجعلان الأمم الصغيرة آثر عند الأمم الكبيرة ~~من نفسها، والأمم الضعيفة والأمم القوية سواء في السعي إلى الخير ابتغاء وجه الله ~~وحده. # ويومئذ ينظر أبناؤنا مطمئنين من عالمهم السعيد إلى عالمنا الذي انطوى في صحف الماضي ~~وطوانا معه، أتراهم يتحدثون بينهم مشفقين مما احتمل هؤلاء الآباء بحكم غرائزهم وشهواتهم، ~~باسمين سخرا من هذه الشهوات والغرائز، ومن إذعان الناس لها وإسلامهم لحكمها؟! أم تراهم ~~ينصفوننا، والضمير الناضج منصف بطبعه، فيقدرون أن غرائزنا وشهواتنا وآلامنا وضحايانا هي ~~التي أدت بهم إلى ما ينعمون به من سلام وسعادة؟! ما نراهم إلا منصفين، وما نراهم، إذا قر ~~نظرهم خلال هذا الماضي عند عهد أبي بكر ورأوا ما تم في خلافته القصيرة الأمد من خلال جلائل ~~الأعمال إلا يقولون: رحم الله الصديق صفي النبي وخليله! لقد كان ضعيفا في بدنه، قويا في ~~إيمانه، وقد دفع العالم بقوة هذا الإيمان دفعة نشرت فيه لواء الحق وأقرت كلمته، والكلمة ~~الطيبة كالشجرة الطيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، والذين ~~جاهدوا مؤمنين لإقرار كلمة الحق لهم عند ربهم جزاء الصديقين، وحسن أولئك رفيقا. # ستكون هذه كلمتهم، فهي كلمة التاريخ المنصف، ونحن نقولها اليوم وسيقولها من بعدنا أبد ~~الدهر، ومن أحسن قولا ممن جعل الله حجته، والإنصاف غايته! # | تقدير وشكر # بقلم محمد حسين هيكل # الآن وقد أراد الله للطبعة الأولى من هذا الكتاب أن تتم، فمن الحق علي أن أقدر معاونة ~~الذين عاونوني أثناء كتابته، وأثناء طبعه، وأن أشكر لهم هذه المعاونة أصدق الشكر. # لقد كتبت فصول هذا الكتاب بين شهر سبتمبر سنة 1939 وشهر يونيو سنة 1940، في الفترة التي ~~انقضت بين وزارتي المغفور لهما محمد محمود باشا، وحسن صبري باشا، وكنت إذا فرغت ms327 من كتابة ~~بعض فصوله دفعتها إلى الأستاذ سيد نوفل فأملاها على لبيب أفندي فكري إبراهيم فكتبها على ~~الآلة الكاتبة. # ثم إن الأحوال حالت دون مراجعة الكتاب وتهذيبه إلى شهر مارس سنة 1942، فلما تيسر لي من ~~الفراغ ما مكنني من إعادة النظر فيه جعلت أراجع ما كتبت، وفي منتصف يوليو دفعت ما أتممت ~~مراجعته إلى مطبعة مصر، وطلبت إليها أن تتخذ من كتابي «حياة محمد» نموذجا للطبع في القطع ~~والطريقة، ونقحت الفصول التي رأيتها في حاجة إلى التنقيح، ثم دفعتها من جديد إلى الأستاذ ~~سيد نوفل فأملاها على الآلة الكاتبة. # وقد عاونني الأستاذ سيد كذلك في تصحيح تجارب الطبع، وأبدى لي أثناءها، كما أبدي لي أثناء ~~إملاء الكتاب، ملاحظات ذات قيمة، فله عن ملاحظاته ومعاونته وإخلاصه فيهما أجزل الشكر ~~وأصدقه. # ومنذ بدأت أطبع الكتاب تولى الأستاذ عبد الرحيم محمود من أمره مثل ما تولاه من أمر «حياة ~~محمد» و«منزل الوحي» من قبل، فجعل همه مع دقة التصحيح إلى الدقة اللغوية والتدقيق في ضبط ~~النصوص والأعلام والألفاظ التي تحتاج إلى الضبط، والأستاذ عبد الرحيم حجة ثقة يعتمد عليه، ~~وقد بذل من الجهد فيما تولاه ما أشكره اليوم له، كما شكرته من قبل، مقدرا صدق مودته ~~وإخلاصه لعمله. # وما دمت بصدد التصحيح فلست أنسى جهد الأستاذ الشاعر محمود أبو الوفا، والأستاذ علي فودة، ~~فهو جهد جدير بالثناء. # أما الفهارس فوضعها الأستاذان الشيخ محمد البرهامي منصور والشيخ أحمد عبد العليم ~~البردوني، فلهما خالص الشكر. # ولست في حاجة إلى التنويه بعناية مطبعة مصر بدقة الطبع وجماله، فالكتاب بين يدي القارئ ~~شهيد عليهما، وأحسب القارئ يشاركني في شكرها على ما بذلت من عناية دونها كل عناية. # والحمد الأكبر والثناء الأجل لله جل شأنه، منه الهدى، وبه التوفيق، وإليه يرجع الأمر ~~كله. # | سجل المراجع # المراجع العربية # الجامع لأحكام القرآن: لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي. # جامع البيان في تفسير القرآن: لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري. # تاريخ الرسل والملوك: لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري. ms328 # تاريخ اليعقوبي: أحمد بن يعقوب بن جعفر بن وهب بن واضح الكاتب ~~العباسي. # سيرة سيدنا محمد رسول الله: لأبي محمد بن عبد الملك بن هشام. # الطبقات الكبرى: لمحمد بن سعد كاتب الواقدي. # تاريخ ابن خلدون: لعبد الرحمن بن محمد بن خلدون. # الكامل في التاريخ: لعز الدين أبي الحسين علي محمد بن أبي الكرم الشيباني ~~المعروف بابن الأثير. # وفيات الأعيان: لابن خلكان، شمس الدين أبي العباس أحمد بن إبراهيم بن علي بن ~~أبي بكر الشافعي. # فتوح البلدان: لأحمد بن يحيى جابر البلاذري. # فتوح الشام: لمحمد بن عمر الواقدي. # فتوح الشام: لأبي إسماعيل محمد بن عبد الله الأزدي البصري. # الفتوحات الإسلامية بعد مضي الفتوحات النبوية: للسيد أحمد بن السيد زيني ~~دحلان. # الأغاني: لأبي الفرج الأصفهاني علي بن الحسين القرشي الأموي. # الإمامة والسياسة/عيون الأخبار/المعارف: لأبي محمد بن عبد الله بن مسلم بن ~~قتيبة الدينوري. # الإعلام بأعلام بيت الله الحرام: لقطب الدين محمد بن أحمد المكي الحنفي ~~المعروف بالنهرواني. # مروج الذهب ومعادن الجوهر: لأبي الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي. # الإتقان في علوم القرآن: لعبد الرحمن بن أبي بكر جمال الدين السيوطي. # كتاب المصاحف: لأبي داود الحافظ أبي بكر عبد الله بن أبي داود سليمان بن ~~الأشعث السجستاني. # تاريخ القرآن: لأبي عبد الله الزنجاني. # أشهر مشاهير الإسلام: للسيد رفيق العظم بك. # بيت الصديق: للسيد محمد توفيق البكري. # فجر الإسلام: للأستاذ أحمد أمين بك # خلفاء محمد: للأستاذ عمر أبي النصر. # عمرو بن العاص: للأستاذ حسن إبراهيم حسن. # دائرة المعارف الإسلامية. # دائرة معارف القرن العشرين: للسيد فريد وجدي. ~~المراجع الأجنبية # Annals of the Early Caliphate, by Sir Wolliam ~~Muir. # Successors of Mahomet, by Washinoton ~~Irvino. # The Early Caliphate, by Maulana Mohammed ~~Ali. # Mohammedanism, by C. Smouk ~~Huroronje. # History of the Arabians, by ABBE DE ~~Mariony. # The Arab Conquest of Egypt, by ALFRED J. ~~Butler. # The Early Development of Mohammedanism, by D. S, Mar ~~Goliouth. # Essai sur I’histoire des Arabes, par CAUSSIN DE PERCEVAL. # Le Mondo ms329 Musulman et Bysantin, par ~~GAUDERON-DEMOMBYNER. # Historians History of the World. # Eneyclopedia Britannice. # Dictionnaire Larousse. ms330