######OpenITI# #META# URI: 1375MuhammadHusaynHaykal.TarajimMisriyyaWaGharbiyya.Hindawi83520394 #META# Tags: biographies :: history #META# ID: 83520394 #META# Title: تراجم مصرية وغربية #META# AuthorID: 73037206 #META# Author: محمد حسين هيكل #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إهداء‏ # مقدمة‏ # القسم الأول: تراجم مصرية‏ # كليوباترة‏ # الخديو الأول إسماعيل باشا‏ # الخديو توفيق باشا‏ # محمد قدري باشا‏ # بطرس باشا غالي‏ # مصطفى كامل باشا‏ # قاسم بك أمين‏ # إسماعيل باشا صبري‏ # محمود باشا سليمان‏ # عبد الخالق ثروت باشا‏ # القسم الثاني: تراجم غربية‏ # بتهوفن‏ # هبوليت أدولف تين‏ # وليم شكسبير‏ # برسي بيش شلي‏ # إهداء‏ # مقدمة‏ # القسم الأول: تراجم مصرية‏ # كليوباترة‏ # الخديو الأول إسماعيل باشا‏ # الخديو توفيق باشا‏ # محمد قدري باشا‏ # بطرس باشا غالي‏ # مصطفى كامل باشا‏ # قاسم بك أمين‏ # إسماعيل باشا صبري‏ # محمود باشا سليمان‏ # عبد الخالق ثروت باشا‏ # القسم الثاني: تراجم غربية‏ # بتهوفن‏ # هبوليت أدولف تين‏ # وليم شكسبير‏ # برسي بيش شلي‏ # | تراجم مصرية وغربية # | تراجم مصرية وغربية # تأليف # محمد حسين هيكل # | إهداء # إلى صديقي # الدكتور حافظ عفيفي باشا # تقديرا لما كان لصداقته من فضل في إقدامي على كتابة كثير من فصول هذا الكتاب. # هيكل # | مقدمة # يحتوي هذا الكتاب على نوعين من التراجم؛ فأما أولهما فيتناول تراجم مصرية لرجال هذا العصر ~~الأخير منذ ولاية الخديو إسماعيل باشا الحكم إلى وقتنا الحاضر، خلا ترجمة لكليوباترة كتبت ~~قبل أن تكتب هذه التراجم جميعا، أما سائر التراجم المصرية فنشرت في «السياسة الأسبوعية» ~~حين كانت تنشر فيها فصول رجال التاريخ الحديث في مصر، اللهم إلا ترجمة محمود سليمان باشا ~~فقد كتبت لمناسبة وفاته، وترجمة عبد الخالق ثروت باشا فقد كتبت ولم تنشر في غير هذا الكتاب، ~~وربما كانت الترجمة لرجل كثروت باشا عاش بين أظهرنا وكان له دور في حياة مصر في أثناء ~~وجودنا، مما يتعذر أداؤه بما تقضي به الدقة التاريخية وما توجبه من تمحيص ونقد، وكنت أنا ~~شاعرا كل الشعور بهذه الدقة في أثناء كتابتي هذه الترجمة، لكني إنما تخطيت هذه الاعتبارات ~~لأني أردت أن أضع أمام القارئ صورة - ولو تقريبية - لحياة مصر السياسية في هذا العصر ~~الأخير، وما دمت قد بدأت هذه الصورة منذ عصر إسماعيل باشا الخديو فقد رأيت واجبا إتمامها ~~إلى آخر عصرنا الحاضر، ثم ما دمت بدأتها بترجمة بعض من كان لهم ms001 في حياة مصر السياسية أثر ~~ظاهر فمن حق ثروت باشا أن يكون ختام هذه السلسلة من عظماء الرجال الذين تناولت، على أني ~~رأيت أن أقف في ترجمته عند الوقائع الثابتة وأن أتجنب المغامرة في الفروض والظنون، حتى لا ~~يتعرض ما أكتب عنه لنقد يفسده وإن أمكن أن يظهر فيه نقص كثير. # فأما النوع الثاني فيتناول ترجمة بتهوفن، وتين، وشكسبير، وشلي، من كبار رجال الغرب، ~~وهؤلاء إنما ترجمت لهم لمناسبات خاصة، ولأني أحببتهم منذ زمان طويل حبا جما، فلما كانت ~~مناسبات كمرور مائة عام على موت بتهوفن أو على مولد تين أو نحوهما من المناسبات، رأيت ~~واجبا علي لهذا الحب الذي أضمر لأولئك الرجال حبا يعادل ما أفدت من آثارهم وما حققت لي ~~من معاني السرور بها والطرب لها - أن أثبت صورة هذا الحب بإثبات صورة من حياتهم هي الصورة ~~الممتلئة بها نفسي منهم. # ولم يكن الاسم الذي وضعته للكتاب هو الذي دار من أول الأمر بخاطري، فإن كلمة «تراجم» ~~تقتضي تناول جوانب حياة المترجم له بتدقيق وتوسع أكثر مما عالجت أنا في هذه الرسائل، فأنا ~~لم أتناول - أغلب الأمر - إلا ما اعتقدته الناحية الغالبة في حياة الشخص، والتي كان لها فيه ~~الأثر البالغ، وأنا قد تناولت هذه الناحية في إيجاز جعلني أختار في نفسي اسما للكتاب تؤديه ~~الكلمتان الإنجليزيتان ~~(Biographical Sketches) ~~، على أني ~~بعد البحث مع أصحابي لم أهتد لعبارة عربية سائغة لأن تكون عنوانا للكتاب تؤدي هاتين ~~الكلمتين أداء دقيقا، وفكرت وقتا في أن أجعل عنوانه (من صحف التاريخ)، وأشار علي صديق ~~بأن أجعل العنوان (ملامح)، ثم انتهيت إلى هذا العنوان الذي ظهر الكتاب به، فإذا كان فيه شيء ~~من الادعاء فليس الذنب في ذلك ذنبي، وإنما هو العجز عن أن أجد المقابل الصالح للصورة ~~المضبوطة التي تعبر تعبيرا صادقا عما في الكتاب. # وكم وددت لو أني استطعت أن أجعل الكتاب كله تراجم مصرية صرفة، بل لو استطعت أن أظهره في ~~عدة أجزاء تصل التراجم فيها بين عصور مصر ms002 المختلفة منذ عهد الفراعنة إلى وقتنا الحاضر، فما ~~أشك في أن كتابا كهذا يمكن أن يكشف من تاريخ مصر عن صلة عصورها بعضها ببعض وعن جهود ~~المصريين المتصلة منذ أول التاريخ إلى عصرنا الحاضر في سبيل الحق والحرية والعرفان، على أني ~~أعترف بأن عملا كهذا مما لا يطيقه شخص وحده، ومما لا أطيق أنا بنوع خاص، فإنني لم أتخصص في ~~التاريخ ولم تمل بي حياتي العملية نحوه إلا بمقدار، ثم إن تاريخ مصر في مختلف عصورها ما ~~يزال مبعثرا في أطواء الكتب القديمة، لم يعن أحد، ولم تعن الجامعة المصرية نفسها، ~~بالكشف عنه كشفا علميا صحيحا وبتدوينه على طريقة تجعله عذبا سائغ المورد لمن يشاء أن ~~يصل إلى الحقائق فيه من غير أن تصده الطريقة السيئة أو اللغة المضطربة أو القصد السيئ، وإذا ~~كنت قد وقفت على تاريخ مصر بشيء من الدقة في العصور الأخيرة فذلك حين كتابة رسالتي ~~للدكتوراه في القانون عن «دين مصر العام»، فقد اضطرني ذلك إلى الانقطاع لدراسة التاريخ ~~الحديث منذ عهد والي مصر سعيد باشا والإكباب على هذه الدراسة شهورا متوالية وتدوين ~~الملاحظات، والوقوف عند الأشخاص الذين كان لهم في حياة مصر السياسية في أثناء هذا العصر ~~الأخير دور خاص، ولا يزال كثير مما وقفت عليه في أثناء مطالعاتي ثم لم تقتض حاجة رسالتي ~~تدوينه بها عالقا بذهني ممثلا أمام خيالي صورة مصر منذ أيام محمد علي، وصور الكثيرين ممن ~~لعبوا دورا خاصا في حياتها، فأما قاسم أمين فقد عنيت بقراءة كتبه وكل ما كتب عنه مذ كنت ~~في مدرسة الحقوق بمصر، فتكونت في نفسي منه فكرة أحسبها دقيقة غاية الدقة، وأتاح لي اشتغالي ~~بشئون مصر السياسية في السنوات الأخيرة أن أضبط صور من ترجمت لهم من هؤلاء جهد ما واتتني به ~~الطاقة. # وإن كتابا كالذي أشرت إليه حاويا تراجم أكابر رجال مصر في عصورها المختلفة منذ ~~الفراعنة إلى اليوم، يكون لا ريب جليل الأثر في تكوين صورة تاريخية لهذا الوادي الجميل الذي ~~نعيش فيه، ms003 صورة تظهر اتصال الحياة على ضفاف نهره المبارك منذ أقدم الأزمان إلى وقتنا ~~الحاضر، ثم إن مثل هذا الكتاب ليدل دلالة كبرى على بطلان الصورة الزائفة التي يضعها مؤرخو ~~الغرب لتاريخ مصر، فالواقع أن تاريخ بلادنا لم يصغه حتى اليوم مؤرخ منصف على طريقة علمية ~~صحيحة، اللهم إلا ما تعلق ببعض جوانب العصر الفرعوني من عصوره، فأما ما بعد ذلك من عصور فقد ~~شوهه الساسة الأجانب لمآربهم الخاصة منذ القدم: شوهه العرب الذين خلفوا الرومان في مصر، كما ~~شوهه نابليون حين قدومه بالحملة الفرنسية في آخر القرن الثامن عشر، ثم كان لكتاب الإنجليز ~~بعد ذلك النصيب الأوفى من تشويهه تشويها قائما على ذلك الأساس الاستعماري من أن شعب مصر ~~قد ظل محكوما منذ انتهى عهد الفراعنة بأمم أجنبية عن مصر، بالفرس، ثم اليونان، ثم الرومان، ~~ثم العرب، ثم الترك، ثم الإنجليز، وشعب هذا شأنه - فيما يدعون - لا يعرف لنفسه عليه كرامة ~~يضحي في سبيلها ولا يقدر للعزة القومية معنى يثور من أجل تحقيقه، وما يزال هذا التاريخ هو - ~~مع الكثير من الأسف - التاريخ الرسمي الذي درس لنا ويدرس اليوم لأبنائنا، هذا، على أن ~~التاريخ الصحيح والتراجم الحقة تنادي بكذب هذه الصورة من حياة مصر على تعاقب الأزمان ~~وببطلانها. # ولست واثقا من أن تمكنني الفرص من الرجوع إلى تواريخ هذه العصور القديمة وإلى تراجم ~~الرجال الذين عاشوا فيها لأثبت حينئذ في شيء من التفصيل أن تاريخ مصر جدير بأن يفخر ~~المصريون به أكثر مما يفخر غيرهم من أبناء أية أمة أخرى بتاريخها؛ لذلك أسارع فأنتهز فرصة ~~نشر هذا الكتاب المشتمل على تراجم بعض رجال مصر في العصر الأخير، وعلى ترجمة كيلوباترة ~~خاتمة عهد البطالسة في مصر، لأبين زيف الصورة التي يصورها الساسة الاستعماريون، ولأظهر ~~للقارئ في كلمات موجزة كيف دل ما تداول على مصر من ألوان الحكم على أن شعبها أعرق الشعوب ~~حرصا على قوميته وأكثرها تضحية في سبيل الحق والحرية والعرفان. # على أني قبل أن أعالج هذا البيان أود أن ms004 أثبت للحقيقة أن بعض الذين أرخوا مصر من أهل ~~الأمم المختلفة كانوا حسني النية، ولكنهم خدعوا بتمويه الساسة، وما أشك في أنهم متى اطلعوا ~~على هذه المقدمة الوجيزة سيعودون إلى الحق يقررونه وسيعترفون لمصر بمكانتها التاريخية ~~السامية. # ولعل ما خدع به هؤلاء المؤرخون الحسنو النية هو ما تواضع عليه الكتاب من تبويب تاريخ مصر ~~عصورا أطلقت عليها أسماء أمم غير مصرية، فمن بعد العصر الفرعوني يذكرون عصر الفرس، ثم ~~العصر اليوناني، ثم العصر الروماني، ثم العصر الإسلامي أو عصر العرب، ثم عصر الترك، ثم ~~العصر الأخير عصر الاحتلال الإنجليزي، وتبويب التاريخ على هذه الصورة من شأنه أن يدعو إلى ~~الخطأ وسوء التقدير من جانب من لا يكلفون أنفسهم مؤونة البحث في التفاصيل بشيء من الدقة، ~~والواقع أن هذا التبويب خاطئ في أكثر مناحيه، وإذا كان صحيحا أن الحكام الذين تولوا أمر ~~مصر في عصور مختلفة لم يكونوا من أصل مصري صميم فلن يغير ذلك من خطأ المؤرخين وادعائهم خضوع ~~مصر لأمم أجنبية عنها، إلا إذا اعتبرنا قيام ملك كملك الإنجليز على رأس أكبر إمبراطورية في ~~الوقت الحاضر - مع أنه من أصل غير إنجليزي - دليلا على أن إنجلترا والإمبراطورية ~~البريطانية كلها خاضعة للأمة التي يرجع إليها دم مليكها، وهذا لغو من القول، كما أن ادعاء ~~خضوع مصر لأمم أجنبية عنها هي التي يرجع إليها أصل حكامها لغو مثله، وليس هذا المثل الذي ~~ضربنا بالمثل الفرد، فنابليون إمبراطور فرنسا كان من كورسيكا، أي كان أقرب للإيطالية منه ~~للفرنسية، وأكثر الملوك الباقين على عروش أوربا اليوم من دماء غير دماء الشعوب التي ~~ملكتهم عليها، وليست هذه الشعوب لذلك أقل حرية واستقلالا وعظمة مما كانت مصر في أكثر ~~العصور التي تعاقبت عليها. # ولنعد الآن إلى تاريخ مصر نفسه، فالكل يعترف لمصر الفراعنة بأنها كانت أمة عزيزة الجانب ~~مضيئة الحضارة على نحو لا يمكن أن تتسرب إليه الشبهة مع قيام الآثار القديمة شاهدة به محدثة ~~عنه بأقوى عبارة وأفصح لهجة، مع هذا فقد منيت مصر ms005 الفراعنة بغزو الرعاة الهكسوس إياها مدة ~~استمرت نحو تسعين سنة، حتى استرد المصريون تاج بلادهم سنة 1580 قبل الميلاد، وظلت مصر من ~~بعد ذلك متحكمة في البلاد المجاورة لها ممتدة السلطان على حوض البحر الأبيض المتوسط، وفيه ~~روما واليونان، إلى أوائل القرن السابع قبل الميلاد، هنالك كانت الحضارة الإنسانية على ضفتي ~~النيل قد بلغت من الرقي والترف ما تشهد به الآثار التي ترى أعيننا شيئا منه. # وهنالك بدأت آشور، ومن بعدها فارس، تفكر في غزو مصر، ومع غلبهم إياها ودخولهم عاصمة ملكها ~~غير مرة فإنهم لم يستطيعوا الاستقرار بها وتولي الحكم فيها إلا فترات قصيرة انتهت في سنة ~~332 قبل الميلاد. # قبيل هذا التاريخ نشأ في شمال اليونان فليب المقدوني وخلفه من بعده الإسكندر الأكبر، ~~وكانت الطبيعة قد وهبتهما - ووهبت الابن بنوع خاص - من المقدرة في القيادة الحربية ما يدخل ~~في باب المعجزات، وحيث يظهر في الناس نصف إله في الحرب أو في الدين أو في السياسة ترى ~~العالم كله يتطلع معجبا مسحورا، وقد دوخ الإسكندر روما وآشور والفرس ووصل إلى الهند، ولم ~~تكن أمة من الأمم تستطيع مقاومته، أما أمم أوربا الغربية والشمالية فكانت في تلك الأيام في ~~حال من الهمجية أشبه بحال أواسط أفريقيا اليوم مما يجعلها نكرة على التاريخ، ولا يجعل لأية ~~مقارنة بينها وبين غيرها محل، وجاء الإسكندر إلى الشام ففتحت أمامه مصر أبوابها في سنة 332 ~~التي أشرنا إليها؛ لأنها رأت فيه مدوخ الفرس، وكانت بينها وبين الفرس عداوة أشد العداوة، ~~وبقيت مصر في حكم الإسكندر، وإن شئت في حكم اليونان تسع سنوات، إذ مات الإسكندر في سنة ~~323ق.م ثم اختلف قواده من بعده فيما بينهم، وكان بطليموس بن لاجوس من أقدرهم ومن أعرفهم ~~بمصر وأشدهم حبا لها. # وإذا كانت مصر بحاجة إلى رجل ذي مواهب حربية ممتازة يستطيع أن يصد بقواها عدوان من يحاول ~~الاعتداء عليها، فقد اطمأنت إلى بقاء بطليموس مستقلا بها مستقلة هي به، وحدث ما أراد ~~المصريون من ذلك، فإن هذا ms006 البطل من قواد الإسكندر جعل الإسكندرية قاعدة له ومنها حارب ~~الآشوريين والفرس وحارب اليونان أنفسهم، ووطد لمصر سلطانا أعاد لها ولحضارتها عز الفراعنة ~~الذي اضطرب وتزعزع خلال القرون الثلاثة التي سبقت ولايته عرش إيزيس وأوزوريس. # ومع أن بطليموس الأول هذا كان أشد حرصا على طقوس الديانة اليونانية التي نشأ فيها فإن ~~ابنه بطليموس الثاني كان مصريا في دينه مصريا في عاداته مصريا في دمه، ولا عجب، فمصر ~~- بعزلتها عن العالم لما يحيط بها من البحر في شمالها والصحارى في سائر جهاتها - هي عالم ~~وحده تخلق الناس فيها خلقا وتسكب في عروقهم دماء تجري فيها روح النيل وقوة سلطانه؛ ولذلك ~~كان كل الذين أقاموا بمصر إما تمثلتهم مصر فأصبحوا مصريين، أو لفظتهم فلم يطيقوا ولم يطق ~~أخلافهم من بعدهم بها مقاما. # وبلغ من حب بطليموس الثاني مصر وحب مصر إياه أن أصبحت الإسكندرية عاصمة العالم كله حضارة ~~وعلما وإيمانا، وإن اجتمعت فيها فلسفة اليونان المادية بفلسفة مصر الروحية، ثم نشأت منهما ~~فلسفة مصرية خاصة هي فلسفة مدرسة الإسكندرية، وكانت مصر هي سيدة البحار في ذلك العصر، فكانت ~~سياستها موضع النظر والتأويل في روما واليونان وآشور والفرس وسائر بلاد العالم المعروف ~~حينئذ، وتعاقب البطالسة حتى كليوباترة في حكم مصر ثلاثة قرون متوالية، تعاقب البطالسة على ~~عرش مصر بإرادة شعب مصر مستقلين به مستقلا هو بهم قائمين باسمه ناشرين على ربوع العالم ~~المعروف يومئذ لواءه، فهل يكون نعت هذا العصر من تاريخ مصر بالعصر اليوناني معناه خضوع ~~الشعب المصري لأمة أخرى؟ أو يكون ذلك التصوير باطلا البطلان كله لأن شعوب العالم ومنها ~~الشعب اليوناني هو الذي خضع لمصر في كل تلك القرون الثلاثة، وكان يرى في الإسكندرية عاصمة ~~الدنيا كلها؟ # وفي أواخر عهد البطالسة بدأ نجم روما يعلو في سماء السياسة العالمية، وبدأت روما تطمع في ~~التغلب على مصر بعد أن كانت تخطب ودها وتخشى غضبها، وكما وهبت الأقدار الإسكندر المقدوني ~~المقدرة الحربية التي استطاع بها أن يتغلب على كل شعوب العالم المعروف ms007 يومئذ، كذلك وهبت ~~هذه الأقدار مثل تلك المقدرة يوليوس قيصر صاحب عرش روما، فلقد ظفرت جيوش قيصر بالشعوب كلها ~~ورفت راية روما على اليونان والشام، وامتدت غزواتها إلى ناحية آشور، ثم سارت شمالا وغربا ~~فأخضعت السكسون في ألمانيا والفرنسيين في بلاد (الجول) وأخضعت أهل الجزيرة البريطانية لحكم ~~قيصر، فإذا كانت هذه الأقدار قد عصفت بمصر فلم تكن مصر لذلك متفردة بالخضوع دون غيرها من ~~أمم العالم، وصحيح أن حكم روما لمصر عن طريق حاكم تبعث به إليها ظل متتابعا قرونا عدة، ~~لكن الصحيح كذلك أن هذا الحاكم كان يجد أكثر الأمر أشد العنت في حكم البلاد، وكان يتعرض ~~للثورات المتوالية تقوم عليه وتضطر روما معها للاحتماء بالإسكندرية أحيانا تاركة داخلية ~~البلاد يحكمها أهلها، وتتمكن أحيانا أخرى من قمع هذه الثورات والتغلب عليها وإخضاع مصر ~~لنير روما قهرا عنها. # والمؤرخون جميعا متفقون تمام الاتفاق على أن السكينة والأمن لم يسودا مصر طول هذا الذي ~~يسمونه العهد الروماني، فإن روما كانت - كما كانت بيزانس من بعدها - دائمة الوجل من ناحية ~~مصر من خشية أن ينقطع عنها مدد الغلال التي كانت مصر تبعث بها غذاء لأهل عاصمة العالم في ~~ذلك الحين، ولم تكن أسباب الاضطراب يومئذ مقصورة على الناحية السياسية، بل خلق المصريون ~~منها في سائر النواحي ما ارتبكت روما معه وما اضطرت بسببه لارتكاب الفظائع التي لا يزال ~~تاريخها ملطخا بها، من هذه الأسباب السبب الديني؛ فقد كان الدين المصري القديم بعد اختلاطه ~~بالتعاليم اليونانية قد قصر عن أن يلهم الشعب ما يلهم كل دين من طمأنينة النفس وسعة الأمل، ~~وكانت المسيحية الوليدة في روما قد بدأت تنتقل إلى مصر رويدا رويدا، وكان الطبيعي أن يلقى ~~الدين الجديد في مصر قبولا حسنا، فقد كان اليهود في مصر كثيري العدد جدا، وكانت الديانة ~~اليهودية تتصل في كثير بالديانة الفرعونية القديمة أن كان موسى مصريا تلقى الطقوس أيام ~~شبابه على كهنة إيزيس، وكان الاضطهاد الروماني مما جعل الناس أشد إقبالا على دين يدعو إلى ms008 ~~الإخاء والسلام والتسامح، ويعد الجنة المحروم والبائس والمظلوم، على أن خلافا في الرأي ~~الديني ما لبث أن نشأ في مصر بين المتشبعين من قبل بتعاليم الفلسفة اليونانية والآخذين ~~بروحية الديانة المصرية القديمة، وكم أثار هذا الانقسام الديني من خلاف! وكم اتخذ سببا ~~خفيا للثورة على روما ومحاربتها والتغلب في بعض الأحايين على ولاتها وحكامها واستقلال أهل ~~مصر بالحكم في مختلف ولاياتها. # وكذلك نرى أن مصر قد تمثلت البطالسة وهضمتهم طبيعتها فأصبحوا مصريين كسائر المصريين وإن ~~كانوا من أصل يوناني، فأما الرومانيون الذين أرادوا الاحتفاظ برومانيتهم وحكم مصر على غير ~~إرادة أهلها، فقد ظلوا تناهضهم عناصر الحياة في مصر حتى انجلوا عنها كارهين، وكذلك كانت ~~دورات التاريخ في مصر دائما؛ فمن خضع لحكم الطبيعة المصرية القوية في تمثلها من ينزل ~~ربوعها كان له أن يطمع في نعيمها وأن يستريح إلى خيرها ورخائها، ومن حاول محاربة هذه ~~الطبيعة المصرية كانت عليه حربا عوانا، لكنها لا تلجأ في حربها إلى العواصف الاجتماعية ~~التي تثور فجأة مرة بعد أخرى، كلا! بل هي تلجأ في الناحية السياسية والاجتماعية إلى مثل ما ~~تلجأ إليه الطبيعة المصرية من شمس وهواء ونهر وأرض ورمال، هذه الطبيعة لا تعصف بشيء أجنبي ~~عنها ولكنها تظل حتى تبليه وتفنيه. # وانتهى حكم الرومان وعقبه العصر الإسلامي لتكتب مصر خلاله صحف مجد في تاريخها كأمة مستقلة ~~ناهضة بأعباء الحضارة في العالم على نحو ما كانت مصر الفراعنة، تاركة من آثار ذلك مثل ما ~~تركوا مما لا يزال شهيدا على العظمة والجلال وتقدم المدنية وارتقاء آثارها من علم وفن ~~إلى أبعد حدود الارتقاء، فقد نهض العرب منذ أوائل القرن السابع الميلادي نهضة روحية بفضل ~~الإسلام أعقبتها نهضة حربية قوية متأثرة بها لا تقل في اندفاعها اكتساحا لغيرها من الأمم ~~عن نهضة الإسكندر في اليونان وقيصر في روما. # ولم تقف مصر في وجه تيار هذه النهضة أن شامت في الدين الجديد جدة روحية كانت تشعر بالحاجة ~~إليها شعورا عميقا، فإن المسيحية - على أنها دين فضل ms009 وجمال - قد خالطت طقوسها صور من ~~الزهد والتقشف والانقطاع بما لا يتفق مع طبيعة وادي النيل الدائم الصفو الدائم الابتسام، ~~وهذا التنافر بين ابتسام الوادي وعبوس التقشف، جعل دعاة المسيحية في مصر يبالغون في ميلهم ~~إلى جانب الانقطاع والزهد، ويفضلون العيش في صوامع خشنة فوق رمال الصحراء المحرقة، وذلك ~~لفرط خوفهم من زخرف الوادي وغضارة نعيمه، وبالرغم من قيام طائفة من المصريين المسيحيين ~~تحاول التوفيق بين تعاليم دين عيسى وفيض النيل ببركاته فإن دعاة الزهد والتقشف كانوا أصحاب ~~الغلب. # فلما أذن مؤذن المسلمين بأن التقرب إلى الله لا يصد عن المتاع بالدنيا ونعيمها، دخل ~~المصريون في دين الله أفواجا، وآوت مصر من العرب حملة هذا الدين وحماته كل من تستطيع أن ~~تؤويه، ولم يكن ذلك عجبا في أرض الأنبياء، ولا هو كان عجبا في عصر لم تكن الفكرة القومية ~~فيه قد نمت النمو الذي نعرف اليوم، فالأماكن المقدسة في مكة والمدينة كانت معتبرة في نظر ~~المسلمين جميعا عاصمة المملكة الإسلامية كما كان الخلفاء الراشدون، ثم أمراء المؤمنين من ~~بعد، معتبرين كلمة الله على الأرض تجب لهم على كل مسلم الطاعة المطلقة. # لكن غريزة القومية كانت قوية في مصر بسبب عزلة مصر عما جاورها، يفصل بينها وبين كل جار من ~~البحار أو الصحارى ما لا يسهل اجتيازه؛ لذلك لم تلبث خلافة الراشدين أن انتهت وأن قام يزيد ~~بن معاوية أميرا للمؤمنين خلفا لأبيه حتى بدأت نذر الانتقاض على السلطة المركزية تبدو في ~~مصر برغم أنها كانت حلقة وسطى في سلسلة الفتوحات الإسلامية المستمرة المتوالية ذاهبة إلى ~~الغرب حتى تصل إلى مراكش كي يغزو موسى بن نصير الأندلس منها متخطيا جبل طارق، ولم يكد حكم ~~بغداد وسلطان الدولة العباسية يستقر ويطمئن حتى بدأت مصر تقوم مستقلة استقلالا ناجزا ~~صحيحا: استقلت أول أمرها حين قامت الأسرة الطولونية بالحكم فيها، ونازع الإخشيديون ~~الطولونيين وغلبوهم واستقلوا بعرش مصر، ثم جاء الفاطميون من ناحية المغرب فأجلوا الإخشيديين ~~وأسسوا بمصر دولتهم بفضل قائدهم جوهر الصقلي الذي أنشأ ms010 القاهرة، واعتلى الأيوبيون العرش من ~~بعد الفاطميين. # وفي هذه القرون المتوالية كانت مصر مستقلة بشئونها بالغة في أحيان كثيرة المكانة الأولى ~~بين الأمم الإسلامية صاحبة الغلب على أمم العالم جميعا، ولن ينسى أحد من ذلك فضلها العظيم ~~في الناحية العلمية والأدبية، فقد كان الجامع الأزهر منذ أنشأه الفاطميون الجامعة الإسلامية ~~الأولى، سواء كان ذلك في أول عهد الفاطميين حين كانت التعاليم الشيعية تلقى من فوق منابره، ~~أو كان في العهد السني الذي جعل له حتى عصرنا الحاضر المقام الأول بين الجامعات الدينية ~~الإسلامية. # ثم لن ينسى أحد كذلك ما كان لمصر من مجد وفخار في الحروب الصليبية حين تألبت أوربا تريد ~~أن تغلب المسلمين على أمرهم في الأماكن المقدسة بفلسطين، وتضع يدها عليها باسم الصليب؛ فقد ~~كانت الجيوش المصرية المظفرة هي التي صدت أكبر الغارات وأشدها هولا. واسم صلاح الدين ~~الأيوبي باق على الزمان بقاء الزمان كلما ذكرت تلك الحروب، وهزيمة لويس التاسع في المنصورة ~~وسجنه بها باق كذلك شهيد على مجيد فعال مصر في صد الغارة الصليبية. # وكان هذا كله والدولة العباسية ببغداد لا تزال باقية ولا يزال لها اسم دولة الخلافة مما ~~أدى بطائفة من المؤرخين للوقوع في الخطأ واعتبارهم هذه القرون المتوالية على مصر، وهى ~~متمتعة باستقلالها مقيمة من صروح الحضارة والعلم ما فاق كل ما عرفت بغداد، بعض ما توالى على ~~مصر من ظلم وما ناء به أهلها من مهانة وذل. # وليس بي حاجة إلى العود للقول بأن قيام أفراد من دم غير مصري على عرش مصر لا يدل على أن ~~مصر كانت تابعة لأمة أخرى؛ فالملوك في أكثر الأمم وفي مختلف عصور التاريخ لم يكونوا أكثر ~~الأمر من أهل تلك الأمم إذا أنت تقصيت أصل مولدهم، لكنهم وقد عظموا بها كما عظم بمصر ملوك ~~مصر فقد نسبوا إليها على حين يصر المؤرخون على نسبة ملوك مصر لبلاد غير مصر، والغلو في ذلك ~~إلى حد القول بأن مصر وملوكها كانوا تابعين لدولة أخرى، وهم يقولون: ألم ms011 يتول أحمد بن ~~طولون أمر مصر من قبل العباسيين وإن استقل من بعد بها؟ إذا فمصر ولاية عباسية، والحقيقة أن ~~الخلافة الإسلامية في تلك العصور كانت قد انحلت عنها الصبغة الزمنية وبقيت لها السلطة ~~الروحية وحدها، فكانت تبعية كثير من الدول الإسلامية لها شبيهة كل الشبه بتبعية الدول ~~المسيحية لبابا روما، واستقلال الأمم وسيادتها لا شأن لها بالسلطان الروحي، وإنما مرجع ~~أمرهما إلى السلطان الزمني، فما دام في عاصمة مملكة من الممالك كل أمر هذه المملكة الزمني ~~فليكن لها من الاتصال الروحي بمكة أو بدمشق أو ببغداد أو بروما ما تشاء، فلن يغير ذلك ~~قليلا ولا كثيرا من أنها أمة كاملة الاستقلال، والأمر الذي لا ريبة فيه أن الخلافة ~~الإسلامية انحلت عنها السلطة الزمنية انحلالا فعليا من بعد خلافة المأمون ومنذ بدأ ~~المعتصم يضطرب في حكم الدولة العربية وحدها، هذا إلى أن أولئك الذين حكموا مصر من طولونيين ~~وإخشيديين وفاطميين وأيوبيين كان شأنهم شأن طوائف تماثلهم في أكثر بلاد أوربا حضارة ~~ورقيا، طوائف جاءت إلى إنجلترا وفرنسا وألمانيا وغير هذه من الدول من بلاد أخرى في بعض ~~الغزوات، وكانت في ركاب الغازي ثم اندمجت من بعد ذلك في الشعب، وظل لها مع ذلك من تاريخها ~~ما يحفظ لها في نظام الطوائف أقرب مكان من العرش، فهي أبدا تتطلع إلى مقامه وكثيرا ما تصل ~~إلى ارتقائه. # واستمر حكم الدول الطولونية والإخشيدية والفاطمية والأيوبية بمصر من سنة 868 إلى سنة ~~1250، ومن بعد هذا التاريخ ازداد انحلال السلطان الروحي للخلافة وزالت الدولة العباسية ~~نفسها من بغداد، واستولى التتار على أكثر ممتلكاتها الآسيوية، أما مصر فقد استمرت تخطو إلى ~~الأمام خطوات واسعة في سبيل التقدم والحضارة، وكان المماليك هم الذين حلوا محل الدولة ~~الأيوبية في الحكم، والمماليك هم بعض هذه الطوائف التي أشرنا إليها والتي تجيء في ركاب ~~الغزاة، ثم تصل في كثير من الأحيان إلى عرش البلاد بإقرار أهل البلاد أنفسهم، وهؤلاء ~~المماليك كانوا قد جاءوا إلى مصر في بلاط حكامها الذين سبقوهم ms012 والأيوبيين منهم بنوع ~~خاص. # اشتراهم هؤلاء الحكام ليكونوا في حاشيتهم وفي جيوشهم وليكون لهم من نسائهم الجميلات سراري ~~وموالي، ومن شأن هؤلاء أن يكونوا أكثر من كل الناس وقوفا على أسرار ذوي العرش ومعرفة ~~ببواطن أمورهم وأسباب قوتهم وضعفهم، فكان طبيعيا بعد إذ كثروا في مصر كثرة جعلت منهم ~~جيشا جرارا أن يخلفوا الأيوبيين في ملكهم، لكنهم - كالأيوبيين وأكثر من الأيوبيين - كانوا ~~مستقلين بمصر وكانت مصر مستقلة بهم تمام الاستقلال غير خاضعة لحكم أية دولة أخرى، بل لقد ~~كانت في عهدهم عزيزة الجناب مرهوبة الجانب من كل دول البحر المتوسط التي كانت وحدها ~~المعتبرة ذات حضارة معترف بها في العالم كله، وبلغت من ذلك أن أصبحت القاهرة مقر الخلافة ~~الإسلامية ممثلة في العباسيين الذين انقرضوا ملوكا، فلم يبق للخلافة منهم إلا شبح ذابل ~~أراد الظاهر بيبرس أن يخلع عليه رواء من قوة مصر ومجدها بأن يسكن الخليفة العباسي في عاصمة ~~ملكه، ولم يكن الظاهر في هذا دعيا ولا مغرورا، فقد بلغت مصر في عهد المماليك البحرية ~~والبرجية من الرفعة شأوا عظيما حتى كانت صاحبة الإملاء على السياسة الدولية في ذلك العصر، ~~ولم يقف أمرها في عظمتها عند السلطان الحربي، بل كان لها أكثر من سلطان علمي وأدبي معترف ~~به، كما كانت مركز الدائرة من حركة التجارة العالمية، وكمثل من سلطان مصر الأدبي أضع تحت ~~نظر القارئ الفقرة الآتية من كتاب الأستاذ عبد الرحمن بك الرافعي «تاريخ الحركة القومية ~~وتطور نظام الحكم في مصر» قال: # ظلت الآداب العربية إلى عهد السلاطين البحرية والبرجية الشراكسة حافظة مكانتها ~~التي كانت لها من قبل، وإليهم يرجع الفضل في إنقاذ آداب العربية من غزوات المغول ~~التي كادت تقضي على العلوم والآداب العربية في الشرق، فكانت مصر ملجأ للناطقين ~~بالضاد ممن فروا أمام التتار في العراق وفارس وسوريا وخراسان، وبقيت لغة حكومتها ~~عربية في عهد تينك الدولتين، واستظلت العلوم والآداب العربية بحماية الملوك ~~والسلاطين في مصر، ونبغ فيها طائفة من فطاحل الشعراء والأدباء والعلماء، كالبوصيري ~~صاحب ms013 البردة، والسراج الوراق، وابن نباتة المصري ، والقلقشندي صاحب صبح الأعشى، ~~والأبشيهي صاحب المستطرف، وابن منظور صاحب لسان العرب، وابن هشام النحوي العظيم ~~الذي يقال فيه إنه أنحى من سيبويه، وابن عبد الظاهر، والنواجي - نسبة إلى نواج إحدى ~~قرى مديرية الغربية - صاحب حلبة الكميت، والقسطلاني المحدث المشهور، وشمس الدين ~~السخاوي صاحب الضوء اللامع، وابن خلكان المؤرخ المشهور صاحب وفيات الأعيان، والصفدي ~~صاحب الوافي، وابن حجر المؤرخ إمام الحفاظ والمحدثين في زمانه، والعيني المؤرخ ~~والمحدث، وابن وصيف شاه، وابن دقماق، والمقريزي صاحب الخطط، والمكين بن العميد، ~~وأبو الفداء المؤرخ الجغرافي المشهور صاحب تقويم البلدان، والذهبي، والنويري صاحب ~~نهاية الأرب في فنون الأدب، وابن فضل الله العمري صاحب مسالك الأبصار في ممالك ~~الأمصار، وابن عقيل، وابن تغري بردي صاحب النجوم الزاهرة، وجلال الدين السيوطي صاحب ~~التآليف الشهيرة في التفسير والعلوم الشرعية والتاريخ والأدب واللغة وهو آخر من ظهر ~~في ذلك العصر من كبار العلماء بمصر، والدميري صاحب حياة الحيوان، وابن إياس المؤرخ ~~الذي أدرك الفتح العثماني، وقد استضافت مصر في ذلك العصر جماعة من أئمة العلوم ~~والفلسفة في الشرق، كالإمام ابن تيمية وابن القيم الجوزية، وفيلسوف المؤرخين ابن ~~خلدون. # ونضع كذلك تحت نظر القارئ هذه العبارة من كتاب «صفحات في تاريخ مصر» للأستاذ توفيق حامد ~~المرعشلي، ليرى منها مبلغ ما وصلت إليه مصر أيام المماليك من عظمة في نواحي حياتها ~~الاقتصادية والسياسية، قال: «إن عصر المماليك ~~يعد من عصور الرخاء والنشاط التجاري والاقتصادي بمصر، فكانت الصلة بين مصر ودول أوربا موطدة ~~الدعائم، عقدت المعاهدات مع فرنسا وجمهوريات إيطاليا لحماية التجار الأجانب وترغيبهم في ~~الإقامة بمصر، فراجت الأسواق التجارية وصارت مصر الملتقى التجاري بين الشرق والغرب سواء ~~أكان بمرور التجارة من مصر فالبحر الأحمر إلى الهند، أم من الشام إلى العراق فالخليج ~~الفارسي إلى بلاد العجم والهند وبالعكس من الطريقين، بما عاد على المماليك وخزانتهم وعلى ~~المصريين ضمنا بالأموال الطائلة التي كانت تجبى من المكوس والحركة التجارية.» فأما رقي ~~الفنون، وفن العمارة منها بنوع ms014 خاص، فتشهد به الآثار الكثيرة الموجودة بمصر ومنها المساجد ~~والمنازل الأثرية بمشربياتها وأبهائها البديعة التنسيق الرائعة الجمال. # وليس إنسان يقرأ هذا الذي بلغت إليه مصر في عصر المماليك من سؤدد وعلم وحضارة إلا يقف ~~ذاهلا: ألم يكن الأثر الباقي في نفوسنا لما تعلمنا عن تاريخ مصر في هذه الفترة أنها تعتبر ~~عصرا مظلما في تاريخ مصر؟ فكيف يذر العصر المظلم كل هذه الآثار المضيئة؟! قد نفهم القول ~~بأن حكومات مصر في ذلك الزمن كانت حكومات استبدادية وأن الفكرة الديمقراطية كانت معدومة ~~يومئذ، وإنما كان يقوم نظام الطوائف مقامها، لكن هذا لا يعني شيئا ولا يخفى ما لتاريخ مصر ~~في أثناء عصر المماليك من سناء ساطع، هو لا يعني شيئا لأن أمم العالم كله كانت يومئذ ~~محكومة على نظام استبدادي تؤيده الطوائف المعزوة رياستها إلى مقام الحاكم بما يجعلها ذات ~~مشورة، إن لم تكن ذات رأي في تصريف الشئون العامة، وما دام هذا النظام قد أنبت كل تلك ~~الثمرات اليانعة التي تفخر بها مصر وتضعها في الغرة من تاريخها، فذلك الدليل على أنه كان ~~النظام الصالح في العصر الذي قام فيه، فليس نظام للحكم يحمد لذاته أو يذم لذاته، ولكنه يحمد ~~أو يذم بقدر ما يؤتي من صالح الثمرات أو من سيئها، وبقي هذا العصر الزاهر في تاريخ مصر من ~~سنة 1250 إلى سنة 1517. # وكما اكتسح الإسكندر الأكبر العالم فعنت له أممه ثم فتحت مصر له آخر الأمر أبوابها، وكما ~~أتاحت الأقدار ليوليوس قيصر أن يصنع بالعالم صنيع الإسكندر من قبل، مما جعل مصر تذعن لسلطان ~~روما مع مداومتها الثورة عليه، كذلك اكتسح الأتراك العالم في القرن الخامس عشر وقضوا على ~~الدولة البيزنطية باستيلائهم على القسطنطينية في سنة 1453 وأوغلوا بعد ذلك في أوربا حتى ~~وصلوا إلى أسوار فيينا، وقد بقيت مصر مرهوبة مهوبة الجناب عندهم برغم ما كان من كل تلك ~~القوة لهم حتى سنة 1517 حين نزلها السلطان العثماني سليم بعد حرب تم له فيها النصر على ~~السلطان الغوري ms015 في موقعة بالشام على مقربة من حلب وعلى طومان باي الذي كان قائما مقامه ~~بالقاهرة. # وحكم الأتراك مصر على الطريقة التي حكمتها بها روما، وكان أول ما صنعوا أن أخذوا الخليفة ~~العباسي إلى الأستانة حيث جعله السلطان سليم يتنازل عن الخلافة التي أصبحت من يومئذ في آل ~~عثمان حتى قضى مصطفى كمال عليها في سنة 1923، ثم جعلوا يوفدون إلى مصر واليا حرصوا على ألا ~~تطول مدته بمصر من خشية أن ينظم جيشها ثم يقهر الأتراك به ويعيد إلى مصر استقلالها على نحو ~~ما حدث في عهد البطالسة، وأوقفوا ما كان بمصر من مظاهر الحضارة بأن أخذوا إلى عاصمتهم كل ~~رجال العلم والفن والصناعة في مصر، ولم يعوضوها شيئا، وظل الحال على ذلك إلى أواخر القرن ~~السابع عشر حين بدأت نذر الانحلال يدب دبيبها إلى تركيا، حينذاك بدأ المماليك، الذين ظلوا ~~طوال مدة ولاية تركيا حكام الأقاليم، يفكرون في استعادة السلطة والاستقلال بمصر، وكان هؤلاء ~~المماليك قد أصبحوا - كما أصبح اليونان والعرب من قبل - مصريين، فكانوا يقفون متكاتفين مع ~~شعب مصر في وجه الوالي الذي تبعثه الأستانة كما كان أسلافهم من قبل يقفون في وجه الحاكم ~~العسكري الذي تبعثه روما، وكان هذا الوالي التركي الذي لم يندمج في مصر ولم يتمثل روحها يظل ~~سجينا في قلعة القاهرة لا سلطان له على أحد ولا على شيء فيها، وكان المماليك والشيوخ الذين ~~يمثلون الطبقة المتعلمة إذا رأوه على غير ما يريدون بعثوا إليه رسولا يطلق عليه اسم ~~(الأوده باشي) يدخل عليه ويطأطئ الرأس احتراما له ثم يلمس طرف السجادة ويطويها ويقول ~~مناديا للوالي: «انزل يا باشا»، ويكون هذا أمرا للوالي صادرا له من المصريين لا يستطيع ~~له مقاومة ولا تستطيع تركيا له نقضا، وبلغ الضعف بالوالي التركي أن كان طوال القرن الثامن ~~عشر واليا بالاسم لا سلطة له ولا عمل أكثر من إرسال الخراج إلى تركيا، ودفع هذا الضعف علي ~~بك الكبير إلى التفكير في الاستقلال بمصر وتم له من ذلك ما أراد، ms016 وظل ثلاث سنوات تلقب فيها ~~بسلطان مصر وخاقان البحرين ، على أن سوء سياسة الحكم في تركيا وما كان من تدميرها كل أسباب ~~الحضارة في مصر في أثناء القرن الأول من استبدادها بها، نضح على هؤلاء المماليك فجعلهم ~~يسيرون مع الشعب أسوأ ما يسير مستبد جائر، مما شوه اسم أسلافهم المماليك الذين ارتفع اسم ~~مصر في عهدهم على مكان من العزة لا ينال. # وجاءت الحملة الفرنسية إلى مصر سنة 1798 فقاومها المصريون أشد المقاومة حتى انتهت بالجلاء ~~عن البلاد بعد ما نقلت إليها أفكار الثورة الفرنسية وأسباب الحضارة الغربية، وبعد أن فتحت ~~عيون المصريين على حياة جديدة هي التي يدأبون اليوم لتوطيدها واتخاذها وسيلة لعود مصر إلى ~~مجدها وقوتها. # وجاء محمد علي باشا واليا من قبل تركيا على مصر فقضى على المماليك، ثم استمال إليه علماء ~~مصر وأعيانها ووجهاءها، وفكر طوعا لإرادتهم في الاستقلال بها، وأعلن ذلك بالفعل وغزا ~~الدولة العثمانية في الشام وفي الأناضول ووصل حتى صار على ثلاث ساعات من الأستانة، وكان ~~مخضعا سلطان تركيا لولا أن تحالفت معها عليه دول أوربا جمعاء، ووقفت في وجهه برا وبحرا، ~~وقضت على الأسطول المصري في معركة نافارين، وهذا الوقوف من جانب الدول الأوربية في وجه ~~الجيوش المصرية الظافرة لم يكن القصد منه المحافظة على تركيا الضعيفة مخافة أن يهدد وجود ~~حاكم قوي في الأستانة التوازن الدولي كما اعتاد المؤرخون أن يقولوا، فلو أن ذلك وحده كان ~~السبب لكان أقل ما تجزى به مصر على انتصاراتها بقيادة محمد علي أن تقوم بنفسها دولة ~~مستقلة غير خاضعة لأحد، لكن الدول أبت على مصر هذا الاستقلال وأصرت على أن تظل ولاية تابعة ~~لتركيا، وإن كانت ولاية ممتازة مستقلة استقلالا داخليا كاملا، إنما كان السبب الصحيح ~~تخوف أوربا من أن تستعيد مصر قوتها التاريخية المعروفة، وأن تنضم إليها فلسطين وسوريا كما ~~كانتا منضمتين لها في أكثر حقب التاريخ، وأن تتحكم لذلك في حوض البحرين: الأبيض والأحمر، ~~وأن يصبح سلطانها بالفعل خاقان البحرين كما كان علي ms017 بك الكبير يدعو نفسه في الفترة القصيرة ~~التي استقل فيها بأمر مصر، ومهما يكن من أثر ذلك في تقوية الحضارة ورفع منار السلام فإن ~~الفكرة الاستعمارية كانت قوية يومئذ في نفوس الساسة الأوربيين إلى حد جعلهم يضعون أساسا ~~لسياستهم القضاء على قيام دولة في مصر لها هاته القوة والسلطان، وهذا وحده هو السر في ~~إبائهم على مصر أن تستقل بإزاء تركيا التي ضعفت كل الضعف عن مقاومة جيوشها، والتي كانت ~~معرضة لأن تقع هي وعاصمتها تحت سلطانها. # على أن هذا العسف من جانب أوربا لم يوهن عزيمة مصر، وقد ظل شعبها طوال القرن التاسع عشر ~~كله متوثبا يريد تحقيق استقلاله على النحو الذي يستشفه القارئ من تراجم من ترجمنا لهم في ~~هذا الكتاب، وهو هو ذا اليوم قد بلغ من مجهوداته في هذه السبيل مقاما محمودا، وهو لا ريب ~~سيكون في المستقبل كما كان في الماضي عاملا من أقوى عوامل العرفان والحضارة ~~والسلام. # القسم الأول # | تراجم مصرية # | كليوباترة # صورة تمثال لها في متحف الفن الحديث بروما. # كليوباترة اسم ساحر خلع عليه التاريخ وخلعت عليه الأساطير من ألوان الفتنة بهاء ~~باهرا تضاءلت إلى جانبه أسماء الزهرة وأفروديت وسميراميس وسائر آلهة الجمال، وهاتاسو ~~ونيفرت وسائر الملكات، بل تضاءلت إلى جانبه أسماء الملوك، والشعراء، والكتاب؛ فهي ليست ~~جميلة وكفى، وليست مليكة وكفى، وليست ساحرة الحديث وكفى، وليست ذكية وكفى، وليست أديبة ~~وكفى، بل هي ذلك كله وهي أكثر من ذلك كله، هي الفتنة والسحر والذكاء والأدب والنشاط ~~وقوة الإرادة في أسمى ما تصوره معاني هذه العبارات، وهي مع ذلك آخر البطالسة الذين ~~حكموا مصر عصورا طويلة كانت مصر فيها مهبط وحي الحكمة والشعر والجمال؛ لذلك لم يفت ~~مؤرخ ولا قصاص ولا شاعر أن يتحدث عن كليوباترة وأن يتغنى بحياتها، وأن يصور هذه الحياة ~~على النحو الذي يجب أن تكون؛ ولذلك كان ما أريق من مداد وما سود من صحف في الكلام عن ~~هذه الملكة أكثر من مثله مما يمكن لأية إلهة أو ملكة ms018 أخرى أن تفخر به. # وكان حظ كليوباترة أن ولدت بالإسكندرية في عصر بلغ فيه نجم روما غاية سموه، وبدأت مصر ~~فيه دور الترف الذي يسبق الانحلال، وكانت الإسكندرية في ذلك الحين عاصمة الدنيا ومستقر ~~كل ما في الحياة من متاع ونعمة، فكان الناس يتكلمون فيها كل اللغات المعروفة، كما كانت ~~الفلسفة فيها ناضرة مستقرة بكل نظرياتها المتضاربة استقرار جوار حسن ليس فيه شيء من ~~الكفاح أو القسوة، فإلى جانب الأبيقورية الناظرة للحياة نظرة سرور بها وحرص عليها ~~واستمتاع بكل ما فيها، المبتسمة سخرا منها وازدراء لها وإشفاقا على أهلها، كان ~~الرواقيون ينادون بالزهد في الحياة والأخذ بأسباب التقشف واحتقار عرض الدنيا الزائل، ~~وبلغ بعضهم من ذلك حد الدعوة إلى تعذيب الجسد لطهارة الروح، وإلى جانب مكتبة الإسكندرية ~~العامرة الحاوية ثمانمائة ألف مجلد فيها ما شئت من ألوان الحكمة والعلم والتفكير والفن، ~~كانت تقوم المراقص والملاهي، يهرع الناس إليها لينسوا أنفسهم في لهوها ولينهمكوا في ~~ملذاتها وليمتعوا أبصارهم بجمال ساحراتها الراقصات والمغنيات. # وكانت هذه الحياة المتفجرة بينابيع الحكمة واللهو جميعا تموج في محيط بلغ كمال ~~العمارة التي قامت خلال ثلاثمائة سنة كانت منذ أنشأ الإسكندر الأكبر المدينة عام ثلاثين ~~وثلاثمائة قبل الميلاد سني نشاط وعظمة لمصر وفلسفتها وعمارتها، فقد اتصل ما بين هذا ~~الثغر البديع الموقع في امتداده على شاطئ بحر الروم وجزيرة فاروس القائمة وسط البحر ~~ترقب غدواته وروحاته بجسر هفتا البالغ غاية العظمة والجمال، والذي انتهى بالجزيرة إلى ~~أن أصبحت جزءا من المدينة، واتصل بالنيل بقناة كانوب (ترعة المحمودية الحاضرة) التي لم ~~تكن مجرد مجرى للماء والتجارة، بل كانت كذلك مجرى للمسرة والنعيم بما أحاط بها على مدى ~~طولها من حدائق وأعناب ونخيل قامت في أثنائها منازل اللهو ودور المتاع تحيط بها جنات ~~فيحاء جمعت كل أسباب النعمة من زهر عطر وفاكهة نضرة، فأما أهل هذه المدينة فكانوا أهل ~~ذكاء وظرف، وكانوا حريصين على المتاع بكل ما في حياة مدينتهم الزاهرة متاعا عريضا، ~~يتهالكون في ذلك على اللهو وعلى ms019 المسرة في مختلف صورهما وألوانهما، فكما كانت فراعنتها ~~تفتن في الترف بما يعجز خيال كل مترف في عصرنا الحاضر، كان الشعب - رجالا ونساء - ~~منغمسا في حمأة اللذائذ الدنيا مسلما نفسه إليها ما استطاع إلى ذلك سبيلا، لكنهم ~~كانوا مع ذلك أميل للاستخفاف بالحياة وما فيها ولو بلغوا من الحياة أعظم مكان، وأي ~~استخفاف أشد من استخفافهم بالفراعنة الآلهة حتى لقد دعوا جد كليوباترة البطين ودعوا ~~أباها بطليموس أوليتا أي العازف بالناي. # وكانت كليوباترة شديدة الولع منذ صباها بالتجول في أنحاء الإسكندرية والوقوف على كل ~~ما في هذا العالم العامر بكل ما في العالم من حياة وحضارة، وفي تجوالها هذا عرفت وتعلمت ~~كثيرا، عرفت كل ما وقعت عليه عيناها الواسعتان الجذاب دعجهما الساحر، وكل ما أحاط به ~~ذهنها الحاد، وتعلمت اللغات والآداب وطرائق التعبير العزيزة على مدرسة الإسكندرية ~~يومئذ، والتي تمتاز بالتورية والرقة والقوة، وكان لها بالكتب ولع وغرام ليس مثلهما ولع ~~ولا غرام، وكانت أميل للشعر وأشد لذلك تفضيلا للأوديسي على التوراة وعلى كثير من كتب ~~الحكمة. # وفي هذا الصبا الناعم عرفت وارثة عرش بطليموس الثاني عشر من ألوان الترف وتذوقت من ~~صوره ما لم يعرفه ولم يتذوقه غيرها ممن لم يؤت ذكاءها ولا علمها باللغات والآداب، فقد ~~كان أبوها الفرعون العازف بالناي المستغرق في ملاذ الحياة بما استحق معه لقب إله ~~الخمر ديونيزوس يدللها بكل ما يلهمه ملك مترف معجب بابنة ليس لها في بنات حواء مثيل، ~~فكان يطوف وإياها مدائن مصر ويركب وإياها النيل من الإسكندرية إلى طيبة ذات الأبواب ~~المائة، يقفان عند ما يحلو لهما الوقوف عنده من المدائن العامرة بآثار مصر القديمة، ~~فإذا تركا طيبة إلى أنس الوجود أقاما فيه من الحفلات ما يجل عن الوصف، وما ليس له مثال ~~إلا فيما أقامته كليوباترة من المآدب لأنطونيو حين غرامه بها ودلها عليه. # على أن الصبية لم تبق في هذا النعيم الملكي طويلا، وإن كانت لم تحرم منه إلا لتعود ~~إليه فتكون به أكثر متاعا، ذلك أن ms020 أباها طرد من مصر فالتجأ إلى سوريا حتى عاد مع جند ~~الرومان الذين أوفدهم بومبي، وكان أنطونيو على رأس فرقة من هذا الجند تحت قيادة جاليوس، ~~فذهب مع بطليموس الطريد حتى دخل وإياه الإسكندرية دخول الظافر. # وكانت كليوباترة يومئذ في الرابعة عشرة من عمرها، فلما أيقنت بانتصار أبيها وبعودته ~~إلى مدينة النعيم اجترأت على اختلاس شارة الملك من برنيس زوج أركايلوس خصم أبيها، وجلست ~~مع خديناتها في شرفة القصر وقد ارتدت ثوبا رقيقا أبيض بدا فيه جمالها الساحر أشد ~~سحرا برغم أنه كان في بدء ترعرعه، ولما أقبل أبوها بعد دخول أنطونيو على رأس الجند إلى ~~القصر أمامه شقت هي وسط الجمع طريقا واندفعت تعانق أباها باكية من شدة التأثر، وكانت ~~هذه أول مرة رأت فيها عين الروماني الفاتح الطويل القامة العريض الأكتاف الشره إلى كل ~~لهو ومسرة، تلك الفتاة الطفلة ما تزال، والتي برعت برغم ذلك كل قريناتها من فتيات القصر ~~ونسائه، ولم تنس كليوباترة في دلها وتيهها أن توجه إليه نظرة حلوة فيها أكثر من معنى ~~الاعتراف بالجميل لرده أباها إليها وإلى ملكه. # وعاد أنطونيو إلى روما وعاد بطليموس إلى الحكم وإلى اللهو يستمرئ مرعاه ويمعن فيه ~~بعدما حرم زمنا منه، وكانت ابنته تطوف وإياه أنحاء البلاد ينزلان في المدائن العامرة ~~ويقيمان فيها من أسباب اللذة ما لا يباح لفتاة أن تعرفه، وظلا على ذلك ثلاث سنوات ~~تباعا انتهت بموت الأب بعدما أوصى بالملك لكليوباترة ولأخيها بطليموس الطفل الذي لم ~~يكن يزيد يومئذ على اثنتي عشرة سنة على شريطة أن يتزوج من أخته، وكان زواج الأخ من ~~أخته متعارفا في الأسرات الملكية يومئذ لحرصها على ألا يختلط دمها الفرعوني المستمد ~~من الشمس كبيرة الآلهة بدم الرعايا، وإذ كان هذا الأخ قاصرا عين له قوام ثلاثة اشتركت ~~الملكة معهم في الحكم وإن استأثرت به دونهم إلى حد عظيم. # وقد ملكت قلب المصريين في الفترة الأولى من فترات حكمها بما كانت تغدقه عليهم من صنوف ~~المتاع وبسحرها إياهم بفتنة جمالها، ms021 حتى دعيت إذ ذاك حبيبة الشعب وملكة كل نعيم، لكن ~~عهدها بذلك لم يطل، فقد بعث منيلوس يطلب إليها إرجاع الجند الرومانيين الذين ظلوا ~~عندها، وإذ كان هؤلاء الجند قد استوطنوا الإسكندرية وتزوجوا فيها ومتعوا بنعيمها فقد ~~أبوا مغادرة مصر واستغاثوا بالشعب، ثم جاء من بعد ذلك ابن بومبي لنفس القصد، وكان لأبيه ~~على أبيها فضل إعادته إلى ملكه مما أجلسها هي على العرش بعده؛ لذلك رأت واجبا عليها أن ~~تحسن وفادته، وقابلته فرأت فيه غير أخيها الطفل الذي فرضه الملك زوجا لها، فقبلته ~~ضيفا في قصرها وأجابته إلى ما طلب أن كان أبوه يومئذ في حرب مع قيصر، وقد غاظ ذلك ~~أخاها منها فانضم إلى المؤتمرين بها وعاون على انتقاض الشعب عليها ومحاولته قتلها، وإذ ~~كانت لا تملك الفرار من طريق البحر فرت في ذهبية إلى الصعيد كسيرة القلب أن لم يفعل ~~جمالها في أولئك السكندريين فعله، ونزلت طيبة على صورة لم تعهدها أيام زيارتها المدينة ~~الخالدة مع أبيها المترف المتلاف، وبدلا من أن تجعل مقامها في طيبة الأحياء جعلت مقابر ~~الملوك موضع نجواها كأنما كانت تريد أن ترقد بينهم تنتظر البعث وإياهم آملة في الآخرة ~~ملكا أكثر من ملك مصر ثباتا، لكن أصواتا انبعثت إليها من جوف مقابر هؤلاء الفراعنة ~~العظام تناجيها: أن لا ملك بغير إقدام ولا جلالة من غير كبرياء ولا حكم لمن لم تملك ~~نفسه شهوة الفتح، وأيأستها دعة المصريين من أن تجد منهم أي عون أو مدد، ففرت إلى سوريا ~~وهي في مقدرتها على سحر أهلها أكبر أملا وفي فتنتهم بجمالها أشد ثقة ولم يخنها حدسها، ~~فما كادت تستقر في ربوع الشام حتى سحرت أهلها بجمالها وبلاغتها وإقدامها فالتفوا حولها ~~واجتمع منهم جيش سارت هي على رأسه ممتطية جوادها، لكن المصريين بعثوا هم الآخرين ~~بجيوشهم ورابطوا على حدود ما بين مصر والشام، ووقف الجيشان وجها لوجه لا ~~يلتقيان. # وفي هذه الأثناء هزم قيصر بومبي في موقعة فرسالا وفر المنهزم إلى مصر عله يجد ~~موئلا ms022 في بلد له عليه وعلى القائم على عرشه فضل سابق ، لكن أوصياء بطليموس الطفل علموا ~~أن قيصر يطارد غريمه، وخشوا إن هم حموا هذا الغريم أو ألجأوه أن يصب عليهم قيصر جام ~~غضبه، فقتلوا اللائذ بهم، فلما نزل قيصر عليهم وعلم ما فعلوا ركبه الهم وحزن غاية الحزن ~~وأمر أن تقام لبومبي أفخر طقوس الجنازة. # وعرفت كليوباترة أمر ذلك كله، وعرفت أكثر منه أن قيصر لما علم بما بينها وبين أخيها ~~من حرب نصب نفسه حكما بينهما عملا بوصية أبيها أن تحمي روما ملك أبنائه من الشتات ~~والدمار، هنالك فكرت في أن تلجأ إلى هذا الحكم ترفع إليه ظلامتها غير جاهلة ما قد يحمله ~~لها من ضغن أن حمت ابن خصمه وأن مدت بومبي بالرجال والذخيرة، لكنها كانت واثقة من سحرها ~~مطمئنة إلى مقدرتها وفتنتها مؤمنة بأن لا نجاح من غير إقدام، وزادها طمأنينة ما كان من ~~بكاء قيصر حين علم بقتل بومبي، فتركت الجند واستصحبت مؤدبها الأمين أبولو دور، واجتازا ~~طريق البحر حتى وصلا أمام الإسكندرية، بقي أن تدبر الوسيلة للمثول في حضرة قيصر، ~~وكليوباترة نحيفة القوام بضة لينة الملمس، فليس يعجز أبولو دور أن يحملها وأن يزعم أنها ~~بعض المتاع وأنه من رجال روما يريد إيصال ما يحمله لقيصر، فالتفت الصبية الفاتنة في ~~بعض أسمال وأردية من غير أن تبدل شيئا من زينتها الملكية وعطرها، وحملها مؤدبها على ~~كتفه، وزعم حين سأله الحراس عن غايته أنه موصل ما يحمل إلى بعض ضباط قيصر، واجتاز معسكر ~~الرومان حتى أنزل حمله في رفق أمام الظافر على عاهل روما، الباكي عليه حين ~~وفاته. # وكانت هذه هي الساعة التاريخية التي اتجه فيها الزمن غير وجهته، الساعة التي وقف ~~إزاءها القصاص والمؤرخون، أذهلهم البهر وسحرتهم الفتنة كما أذهلا قيصر وسحراه، نضت ~~الملكة الصبية ما التفت به من أطمار وأسمال وبدت في زينة الملكة وعطرها وجلالها، أكانت ~~طويلة أم قصيرة؟ أكان أنفها كبيرا أم صغيرا؟ لم يعرف قيصر في هذه اللحظة من ذلك ~~شيئا، ms023 واختلف المؤرخون فيه خلافا كبيرا، وكأنما كان لجمال هذه الفاتنة من الروعة ما ~~لأشعة الشمس من قوة تحول دون التحديق بها، وكأنما بقي هذا الجمال في قوة سحره بعدما مر ~~على صاحبته من عصور وقرون، فكل يختلف في صورته وفي قسماته، على أن كليوباترة لم تحاول ~~فتنة قيصر بجمالها، بل ارتمت عند قدميه ضارعة مستغفرة، وجعلت تتكلم وتشكو وتستعطف، وكان ~~صوتها أفعل سحرا من جمالها، وكانت عبارتها أنفذ إلى القلب من صوتها إلى شغاف الفؤاد، ~~ومن جمالها الذاهب باللب. # جعلت تتكلم وتشكو وجعل قيصر ينصت ويصغي، ثم صار لا يسمع دفاعا ولا شكوى بل أنغاما ~~دونها صوت البلبل وعزف الناي وانتهى بكليوباترة وبه الأمر أن وقفت وجثا هو على قدميها ~~ضارعا مستغفرا، ثم حملها على كتفه كما حملها إليه أبولو دور وذهب بها إلى ~~مضجعه. # وكان قيصر برغم تجاوزه الخامسة والخمسين محبا للنساء، كما كان مثار إعجابهن بقوامه ~~ونظرته وبروحه المذهب الرقيق وعزمته الصادقة القوية؛ لذلك اتصل بينه وبين كليوباترة منذ ~~هذه المقابلة الأولى بما سحره عن كثير مما كان اعتزم لمجده ومجد روما، وجلست هي إلى ~~جانبه في قصرها المنيف تعجب به وتثير إعجابه، وملكته حتى لم تبق في شك من حكومته بينها ~~وبين أخيها، ودعا هو أخاها الطفل ليصلح بينهما، فلما دخل عليهما قرأ في عيونهما ما هاج ~~الدم في عروقه الضعيفة، وما دعاه ليلقي التاج عن رأسه، وليخرج صائحا في الشعب وفي جند ~~روما داعيا إلى الثورة على أخته وعلى قيصر لعهر كليوباترة ولخيانة صاحبها، ولم يرد ~~قيصر أن يقاتل لقلة جنده ولحرصه على استبقاء هذا الطفل مغمضا عينه على ما يفعل ~~الحبيبان، فاسترضاه وصالحه على تنفيذ وصية أبيه بإشراف روما، ورضي الغلام آملا أن ~~يطمئن له الأمر فيصير ملكا وفرعونا وإلها، وظل هو وكليوباترة يرتشفان من كأس الحب ~~وينهلان أعذب موارد الهوى بما يتفق وروحيهما المهذبين، ولقد كانا بذلك سعيدين كل ~~السعادة، ولم يكن ورد سعادتهما مقصورا على اتصال الغرام بين ابنة الملك العازف اللدنة ~~القوام، ms024 الموسيقية الصوت والنفس، الرطبة الخلق، الندية النظرة الرشيقة رشاقة الراقصة ، ~~وبين قيصر الساحر الحلو الحديث، بل كان ورد سعادتهما الحق هو الحب، كبل كل واحد منهما ~~صاحبه بأغلال هذه العاطفة القاسية السامية في قسوتها فسعد كل بأغلاله، وكانت كليوباترة ~~أكثر سعادة لأنها استردت مع هذا الحب ملك مصر، ووضعت يدها على تاج روما وصرفت قاهر ~~السكسون والجرمان وسائر دول أوربا عن حروبه في سبيل الجمهورية ليحارب في سبيلها وليقهر ~~أوصياء أخيها، وليثبت لها أركان عرشها بعدما ثبتت في قلبه، وظل كذلك ستة أشهر لا يعرف ~~من أمر روما شيئا ولا يبعث إلى روما بخبر، وإن عرفت روما من أمره مع ملكة مصر كثيرا، ~~وزادت به ارتباطا وازداد لها عبادة حين حملت منه، إذ ذاك لجا في أسباب المسرة ~~يلتمسانها في كل مكان ويرتجيان النعمة من كل الآلهة، فأقاما أعيادا عند الأهرام وأبي ~~الهول، وفي أبيدوس عند قبر إيزيس وأوزوريس، وفي دندرة حيث معبد هاتور إلهة النسل الخصب ~~وفي طيبة ذات الأبواب المائة، وفي أنس الوجود، وفي كل معبد وعند كل إله. # ووضعت كليوباترة غلاما دعته قيصرون وخلعت عليه كل ألقاب الفراعنة آلهة مصر وعواهل ~~روما وحكامها، ثم أبحر قيصر إلى روما ولحقت هي به في أبهة الملك وجلاله، وفي حاشية ليس ~~للرومان بها عهد، وقيصر ظافر والشعوب عباد من ظفر، وقد أقام لمناسبة عودته أعيادا أسرف ~~خلالها فيما خلعه على الشعب من أعطيات ونعم زادت الشعب له عبادة وأنسته ما كان من ~~انصراف قيصر عنه إلى كليوباترة عاما كاملا، لكن هذا الشعب لم يعجب من كليوباترة ~~بجمالها الرائع المترفع، لأن زعماءه وقادته جعلوا يستعطفونه على كالبورينا زوجة ~~قيصر. # ولم يعن قيصر من ذلك بشيء، بل أقام لابنة بطليموس قصرا على نهر التبر جمع فيه من ~~ألوان النعيم ما أبدعه خيال الملكة، وجعل يزورها فيه فتقيم له من المراقص وصنوف اللهو ~~ما ينسيه كل هموم الحكم ومتاعبه، ثم جعل يستقبل أصحابه في قصر التبر ولا يخفي عليهم من ~~صلته بكليوباترة شيئا، ms025 وبالغ في الحفاوة بها حتى أقام لها هيكلا نصب فيه تمثالها على ~~صورة الزهرة إلهة الجمال والحب، ودار في خاطره أن يتزوج منها برغم وجود كالبورينا زوجته ~~وبطليموس الطفل زوجها، ومع أن مجلس الشيوخ لم يكن ينظر إلى هذا الزواج بعين الرضا فقد ~~فكر في أن يعدل قوانين روما بما يبيح للرجل أن يعدد زوجاته ما دام لا عقب له، ولقد كان ~~فاعلا وكان قيصرون يصبح يومئذ وارثه على عرش روما ويتغير وجه التاريخ وتبقى مصر ~~مقرا للحضارة كما كانت لولا أن دبرت المؤامرة لقيصر وأن قتله أصحابه يوم أعياد المريخ ~~في العام الرابع والأربعين قبل الميلاد. # بكته كليوباترة ثم عادت إلى مصر مع حاشيتها وأبنائها، وتركت أخاها الملك زوجها فنسيه ~~التاريخ ولم يعرف أحد عنه بعد ذلك خبرا، وأقامت بالإسكندرية متوجسة خيفة أن يوقع بها ~~خصوم قيصر وقتلته، لكن الحروب التي قامت بين أصدقائه وقتلته انتهت بانتصار أنطونيو ~~وأصحابه في موقعة فيليب، ولم يزل ذلك وجلها وظلت في خشية من أن ينزل أكتاف ابن أخت قيصر ~~مصر وهو لابنها من قيصر ألد عدو، لكن نجمها كان ما يزال نجم سعادة، فتقاسم المنتصرون ~~ملك روما ووقع الشرق لأنطونيو، وأنطونيو صديق قيصر ومحبه، وأنطونيو رجل شهوة لا صبر له ~~أمام امرأة، وأنطونيو معجب بجمال كليوباترة منذ سنين، عابد إياها مذ كان يزور قيصر في ~~قصر التبر، مع ذلك لم تر كليوباترة أن تبعث إليه وفودا تهنئه بالملك كما بعثت سائر ~~ممالك الشرق التي وقعت في حكمه، وهي لم تمده في حروبه مع قتلة قيصر بمدد من مال أو ~~رجال، فغاظ ذلك أنطونيو وبعث إليها رسولا أن تحضر بنفسها لتدافع عن ذنوبها، وظل الرسول ~~في قصرها أياما عاد بعدها مسحورا بها آخذا نفسه بالدفاع عنها حتى تحضر إجابة لطلب ~~سيده، وبقيت هي زمنا تعتذر عن عدم مسارعتها لاجتياز البحر بشتى الأعذار، وبقي رسول ~~أنطونيو خلال ذلك يحدثه عن فتنتها بما أذهب صبره، ثم بعثت هي أنها آتية إليه في تارسيس ~~وذكرت موعد ms026 وصولها فخف الحاكم إلى المدينة ينتظرها، وأقبل أسطولها يشق عباب البحر حول ~~سفينها السابح تدفعه أشرعة من خز، ويحمل مقدمه الرفيع تمثال آلهة البحر، وتبدو في وسطه ~~مقاصير زينت بأفخر الرياش، وقد ذهب بالشعب لما رأى كل هذا الجمال والجلال فصاح: «هذه ~~أفروديت بل هذه الزهرة أتت تزور إله لهونا المحبوب.» # وبعث أنطونيو برسوله يدعوها للعشاء عنده، فاعتذرت بأنها متعبة ودعته إلى سفينها، فلم ~~يغضب ولم يتردد بل طار إليها وقضى شطرا من الليل في حضرتها نسي فيه الذنوب ونسي العقاب ~~ونسي كل شيء غيرها، ثم دعته في الليلة التالية إلى وليمة عشاء في قصرها ودعت معه جمعا ~~من الأمراء وأرباب الدولة، وما كان أشد بهرهم حينما رأوا الليل ينقلب في ذلك القصر ~~نهارا ورأوا فيه من التماثيل والآنية والطنافس والخدم وألوان الطعام يتناولونها ~~وتطربهم أنغام الموسيقى تطير في الجو مع ريح العطر والزهر، وتمتزج مع أنغام أجسام ~~الراقصات اللدنة بما لم يحط به خيال أحد منهم من قبل، وكليوباترة وسط هذا الجمال الساحر ~~أروع فتنة وأشد سحرا، وأبدى أنطونيو دهشته متى نظمت الملكة هذا القصر وما فيه، فابتسمت ~~قائلة: إنه رسولها الذي بعثت به من أسابيع ثلاثة هو الذي صنع هذا بأمرها. # ودعاها أنطونيو إلى قصره ودعا معها الأمراء وحاول أن يجاريها في البذخ والنعمة ثم ~~ابتسم آخر الوليمة أن رأى محاولته عبثا، ودعته وأمراءه إلى وليمة ثانية قالت إنها ~~تكلفها ثلاثة ملايين درهم فأنكر أنطونيو ذلك عليها، وراهنته إنها فاعلة، وكلف هو أحد ~~الأمراء أن يحصي التكاليف، ولما رأى أن لم تزد الملكة شيئا على ما فعلت في الوليمة ~~الأولى أبدا لها أنه قمرها، فاستمهلته وخلعت من أذنها قرطا فيه جوهرة منقطعة النظير ~~كان الإسكندر أهداها لبعض أسلافها وألقت بها في كوب به خل، فذابت وشربت هي الكوب وما ~~فيه وقمرت أنطونيو، وظلت فعلتها هذه يقصها المؤرخون على أنها بعض العجائب. # وأسرع أنطونيو بالنظر فيما لديه من شئون الملك وعاد وكليوباترة إلى مصر واندفعا في ~~سبيل الغرام تهيج ms027 سماء مصر في نفسيهما ما انطوتا عليه من حب اللذات واستباحة كل ألوانها ~~والافتنان فيها، على أن أنطونيو لم يكن مهذبا كقيصر، بل كان جنديا خشنا فج الذهن لا ~~يعرف الرقة ولا يحيط من الأدب أو اللغات بشيء، وإنما حببه إلى الجند ورفعه إلى مقام ~~قيصر سهولة في العبارة التي كان يخطبهم بها ونزول منه إلى مشاركتهم في تذوق اللذات ~~الدنيئة السافلة التي كانوا يتذوقونها، فلم يكن حي من أحياء الدعارة في روما أو بغي من ~~بغاياها لا يعرفه، وكان من أسباب فخره أن أعقب من الأولاد حيثما ذهب ما لا عدد له، ~~فألفت فيه حياة بهيمية قوية لم تكن في قيصر، ولكنها لم تجد فيه حياة العاطفة الإنسانية ~~التي تغذي القلب، وإن قصرت عن إلهاب الدماء، على أن هذا الخلاف بينهما اضطر أنطونيو إلى ~~أن يتعلم ويحضر من الدروس ما يخفف من شعوره بأنه دون كليوباترة، ودفعها هي لتنزل عن ~~التفنن في رقة المتاع إلى هذه البهيمية الثائرة، وقد أنفت ذلك في بادئ الأمر حين كان ~~حرصها على أنطونيو راجعا إلى حاجتها السياسية له، لكنها تذوقته بعد ذلك وبلغت من تذوقه ~~أن لم تكن تطيق مفارقة صاحبها حين جولاته في أحياء الدعارة واللهو، ولم تأنف أن تدفع ~~بكتفيها أيا من رجال تلك الأحياء ونسائها على طريقتهم، وبقيا غارقين في نعمتهما حتى ~~حملت، وخيل إليها أن سيربط الحمل بينها وبين صاحبها كما ربط بينها وبين يوليوس من قبل، ~~لكنه رآها ثقلت حركتها وخمد شعاع روحها، فعاد يفكر فيما كان غافلا عنه من شئون الدولة، ~~ورأى أن لا مفر له من العودة إلى روما ليصالح أكتاف بعدما حزبت عليه فلفيا زوج أنطونيو ~~وهبت لمحاربته، وليستعديه على أهل فينيقيا والشام الذين انتقضوا على روما وخلعوا نيرها، ~~ولم تجد توسلات كليوباترة إليه كي يبقى ولو إلى حين وضعها، فلما قابل فلفيا في ~~اليونان أنزل عليها من سخطه ما كسر قلبها، وغادرها إلى روما فماتت قبل وصوله إليها، ~~وأصلح موتها بينه وبين أكتاف وتزوج ms028 من أخته أكتافيا برضا مجلس الشيوخ، وكانت أكتافيا ~~عدل كليوباترة في سنها وجمالها، وكانت أم طفلين من زوجها الأول، محبة لحياة العائلة ~~ونظامها بما يسر لها أن تسير زوجها وفق رأيها، فأنطونيو ككل رجل له مثل هذه الطبيعة ~~الحيوانية يهون على كل امرأة أن تقوده، ولقد ذهبت معه إلى اليونان وظلت معه زهاء ثلاثة ~~أعوام أعقبت له في أثنائها ابنين شغلت بهما وبأولادها الآخرين وبأولاد أنطونيو من ~~فلفيا، فأحرج ذلك صدر أنطونيو منها وجعل يراها أما لا يعنيها منه إلا أبوته لأبنائها، ~~من غير أن تعير مجده ولا عظمته اهتماما كالذي كانت تبديه كليوباترة، إذ كانت تدعوه ~~أنطونيو الأكبر، وبلغ من حرج صدره أن اتهمها بأنها أحن على أخوتها لأكتاف منها على ~~زوجيتها له، ثم بعث بها إلى روما وانطلق هو إلى سوريا يجني ثمار النصر الذي أحرزه ~~بعض قواده. # في هذه السنوات الثلاث كانت كليوباترة تعاني من الهم والألم أشدهما تبرما ولذعا، ~~علمت بما كان من زواج أنطونيو وأكتافيا على أثر وضعها توءمين دعت أحدهما الشمس والأخرى ~~القمر، فاضطربت للخبر وما كانت من قبل تضطرب من خشية امرأة، وزاد في مخاوفها ما قد يؤدي ~~هذا الزواج إليه من القضاء على آمالها في قيام قيصرون مقام أبيه، هنالك غادرت ~~الإسكندرية إلى دندرة وشغلت نفسها بأن أقامت لهاتور معبدا ثم انقبضت نفسها لهذه الوحدة ~~التي أحاطت بها فعادت إلى عاصمتها وشغلت نفسها من جديد ببناء قبرها، وكان أكبر جهادها ~~أن تنسى أنطونيو باستدامة العود إلى تذكر قيصر، ونجحت في ذلك نجاحا سرها، لكن هذه ~~الذكرى وذلك الاشتغال بما بعد الموت لم يكونا ليتفقا مع ما يتحرك به الشباب في جسد ~~اعتاد ملذات النعيم ثم قسر على عفة قاسية، فعادت إلى مثل ما عودها أنطونيو من المرح ~~في الأنحاء التي يلهو الشعب فيها، لكن ذلك لم يطفئ من رغباتها ما كان كامنا. # ولما عاد أنطونيو إلى الشام بعث إليها رسولا يستقدمها إليه بأنطاكية، ويل له من ~~جريء! أيظن أن ملكة الملوك تطير ms029 إليه بعد أن نسيته، بل بعد أن أبغضته وبعد أن هجرها إلى ~~أحضان امرأة غيرها قضى معها أكثر مما قضى مع كليوباترة؟ لكن لا! تضاءل ذلك كله أمام ~~دعوته إياها فطارت تعد عدتها للسفر واجتازت البحر إليه لائمة عاتبة، وكفاها أن أقسم لها ~~أن قلبه لم يعرف غيرها ولم يتعلق بسواها لتعود وإياه سيرتها الأولى، وأنطاكية كانت ~~ثالثة مدائن بحر الروم بعد روما والإسكندرية، فكان لهما فيها من مسارح اللهو ما يسد كل ~~شهواتهما، ولكي تؤمن بحبه إياها عقد عليها زواجه منها وخلع عليها ثلاث ولايات بدل ثلاث ~~السنوات التي غابها عنها. # وبعد زمن نهلا فيه ما طاب لهما من ورد النعيم جهز لمحاربة خصوم روما فيما وراء ~~الفرات، ورفض مشيئتها أن تصحبه لما في ذلك عليها من مشقة، لكنه عاد إلى سوريا محطما ~~جيشه، فجاءت إليه من خير مصر مالا ورجالا بما أنساه هزيمته، وأقامت معه فأنسته فتنتها ~~كل متاعبه، ثم تلقى رسالة من زوجه أكتافيا أنها آتية من روما في عدة وعديد، فتأثر حين ~~رآها تقابل صده لها وجفوته إياها بهذا الكرم والإخلاص والحب، لكن كليوباترة وقفت في ~~سبيل ما أتت أكتافيا فيه، ورفض أنطونيو أن يرى أخت عاهل روما أو أن يقبل منها مددا، ~~فعادت إلى المدينة الخالدة ذات التلال السبعة مقهورة آسفة. # وعد الرومانيون هذه الفعلة على أنطونيو، فلما استرد قواه عاد فحارب خصوم روما وانتصر ~~عليهم، لكنه بدلا من أن يحتفل بانتصاره في روما ذهب يحتفل به في الإسكندرية ويعتبرها ~~عاصمة تعادل روما، وذلك ما لا طاقة للرومانيين باحتماله، فأثار أكتاف الرومان عليه، ~~وابتهجت كليوباترة لذلك وجهزت أسطول مصر الضخم، وسارت وأنطونيو إلى أثينا في انتظار ما ~~ستتمخض عنه الحوادث راجية الانتصار على أكتاف حتى تجلس قيصرون على عرش أبيه، لكن نجمها ~~كان قد بدأ ينحدر نحو المغيب، فقد التقى الأسطولان في (أكسيم) وكانت الملكة في سفينتها ~~«الأنطونياد» في مؤخرة الأسطول المصري ترقبه، وبدأت المعركة يحمى وطيسها وشعرت الملكة ~~بأن حلمها أن تحكم روما وأن ms030 تقيم ابن قيصر مقام أبيه على عرش الغاصب أكتاف يتلاشى ، عند ~~ذلك طار صوابها وتولاها الذهول، فلما أفاقت ألفت الريح تهب نحو مصر فأمرت رجالها ~~بالعودة، وما يزال الأمل في النصر مضطربا بين العسكريين، والتقطت أنطونيو من سفينته ~~وأخذته معها في «الأنطونياد» وعادا إلى مصر وقد تولاه الأسى أن رأى نجمه يأفل وعظمته ~~تذوي وتذبل. # فأما كليوباترة فلم تفل الهزيمة من غرب عزمتها، بل نقلت أسطولها برا من البحر ~~الأبيض إلى البحر الأحمر راجية أن تغزو الهند على نحو ما كانت تفكر مع قيصر، لكن هيرود ~~عدوها في سوريا لم يمهلها أن قتل رجالها وأحرق سفنها، هنالك تحطمت كل آمالها ~~الإمبراطورية واضطرت أن تقف كل حياتها ونشاطها على الدفاع عن مصر. # أسلم أنطونيو نفسه للشراب ليله ونهاره آملا أن ينسيه الشراب هم انكساره، وظل في ~~شرابه حتى علم أن أكتاف آت من طريق سوريا لغزو مصر وأكبر همه أن يطفئ حياة ابن قيصر ~~وكانت مشابهته لأبيه أكبر شهيد على اغتصاب ابن عمه عرش روما، وأخذ أنطونيو قيادة جيوش ~~مصر لكن الحظ إذا عثر لج به العثار، فانهزم أنطونيو فعاد إلى قصر كليوباترة وأمر أحد ~~عبيده أن يقتله، فأمسك العبد الخنجر وتظاهر بطعن سيده ثم طعن نفسه فهوى فأصغر ذلك ~~أنطونيو في عين نفسه فقضى عليها بأن ألقى بنفسه على النصل وذهب يعالج آلام الاحتضار ~~يسلكها سبيلا لراحة الموت، وقضى بين ذراعي محبوبته الفاتنة، فبكته أحر بكاء ثم دفنته ~~في القبر الذي شادته حين هجرها، وبالغت في الحزن عليه لما أحست من سوء ما أعد لها القدر ~~من مصير بعده. # ودخل أكتاف الإسكندرية ظافرا وكل همه أن يقضي على ابن عمه الذي فر من وجهه وحاولت ~~كليوباترة أن تلعب به كما لعبت من قبله بقيصر وبأنطونيو، وفي سبيل أبنائها وفي سبيل ملك ~~قيصرون لم تكن لتعنى بشيء أو تتورع عن شيء، وبرغم حزنها على أنطونيو وجزعها على مصيرها ~~ومصير أبنائها ولزومها القبر تقضي فيه وقتها باكية مكتئبة فقد ظفر أكتاف منها ms031 بساعات ~~حديث شهي، وكان كل همه أن يأخذها إلى روما وأن تسير في حفلات نصره ليرضي بذلك شهوة ~~انتقامه وانتقام أخته منها، وليقدم للشعب الروماني منظرا تبتهج له قلوب الشعوب، منظر ~~ذل العزيز، وعرفت هي هذا فثارت في عروقها كل دماء البطالسة فراعنة مصر الأعظمين، لكنها ~~لم تكن قادرة إلا على نفسها، وكانت قدرت هذا المصير ووطنت عليه نفسها وأوصت خادما من ~~أتباعها أن يحضر لها ثعبانا في فاكهة طعامها يوم تشير له إلى جبينها، وأشارت على هذا ~~الجبين المصقول يوم أيقنت أن أكتاف غريمها يريد أن يذلها، ونزعت التين واحدة بعد واحدة ~~ثم أمسكت الثعبان فوضعت فمه في ثديها ليبعث إليها الموت من خلاله، وكم بعث هذا الثدي ~~الحياة إلى أبنائها وإلى الذين أنعمت عليهم الآلهة بالمتاع بها. # وكان معها خادمتاها إيراس وشارميون فشاركتاها مصيرها بعدما حلتاها بكل حلي ملكها ~~الذي تحطم، والذي حاربت حتى المقادير في سبيل عزه ورفعته منذ مولدها إلى مماتها (من سنة ~~69 إلى سنة 30 قبل الميلاد). # ويومئذ ذهبت إلى بارئها أرواح كثيرين من عشاق فاتنة التاريخ، ويومئذ انطفأ نجم كان ~~منيرا في سماء الجمال والذكاء والقوة والنشاط، وانطفأ معه سراج أسرة البطالسة كما ~~انطفأ من مجد مصر حظ عظيم. # | الخديو الأول إسماعيل باشا # لئن صح أن كان لولاية محمد علي حكم مصر أثر مباشر في تاريخها الحديث، وصح أن كان لشق ~~قناة السويس أثر مباشر كذلك في توجيه هذا التاريخ وجهة خاصة، فالذي لا ريب فيه أن أكبر ~~الأثر الذي خضعت وما تزال تخضع له مصر حتى الآن إنما ترتب على حكم إسماعيل باشا، فأكبر ~~مظاهر الحضارة التي تراها اليوم في مصر يرجع إليه: إليه يرجع فضل إنشاء السكك الحديدية ~~وتنظيم البريد، وله الفضل الأول في النظام القضائي القائم في مصر حتى اليوم، وله أكثر ~~من ذلك كله الفضل الأكبر في شعور الأمة المصرية بقوميتها وبكيانها، ثم إن عليه تبعة ~~الارتباك السياسي الذي لا تزال مصر تجاهد بكل قواها للخروج منه، وتبعة الاضطراب ms032 المالي ~~الذي شل حركة البلاد سنوات طويلة وهو ما يزال إلى اليوم باقي الأثر، وعليه أكثر من ذلك ~~كله تبعة تسليم البلاد ماليا واقتصاديا وسياسيا إلى أيدي الأجانب. # فهذه الستة عشر عاما التي رأته على عرش مصر (من سنة 1863 إلى سنة 1879) والتي شهدت ~~من مظاهر النشاط المعمر، ومن فضائح الظلم المخرب، ومن البذخ والإسراف اللذين لا يعرف ~~التاريخ ولا تعرف الأقاصيص لهما نظيرا، والتي انتهت بسقوط عاهل مصر العظيم بعد أن جاهد ~~أمته فأجهدها، وبعد أن جاهد أوربا فأخضعته لها، وبعد أن جاهد القدر فهوى به عن عرشه ~~وأخرجه من مصر حسيرا ينظر إلى شواطئها تبتعد عنه بعين دامعة وقلب كسير، هذه الستة عشر ~~عاما هي التي جرت إلى مصر مظاهر الحضارة الأوربية، وهي التي جرت على مصر الخراب، ~~وهي التي أيقظت في شعب مصر الروح الاستقلالية التي لم ينسها يوما من الأيام، وهي التي ~~أججت في نفوس المصريين نيران كراهية الاستعباد والظلم والحرص على الحرية ~~والعدل. # ولم يكن عجيبا أن تترك هذه الأعوام الستة عشر في مصر كل هذا الأثر وإسماعيل باشا كان ~~حاكم مصر المطلق، فقد كان بشخصه بطلا من أبطال الأقاصيص، وكانت أيام حكمه أسطورة لا ~~يسلم العقل بها لو رواها التاريخ عن عصر قديم، كان إسماعيل ساحرا أعظم السحر، ~~ذكيا أشد الذكاء، وسيم الطلعة حاد النظرة ماضي العزيمة جذابا لكل من اتصل به، وكان ~~مع ذلك قصير النظر شرها في كل مطامعه وشهواته مغامرا في سبيلها مجازفا لا يهون منها ~~أي حذر، وكان فيه من دم محمد علي إقدام لا يعرف التردد، وبطش لا هوادة فيه، وقسوة لا ~~يتسرب إليها أمل في رحمة، وكانت هذه الصفات كلها بالغة منه فوق ما تبلغه من أذكياء ~~الناس والباطشين منهم، ثم إنه كان مولعا أشد ولع بالمظاهر الاجتماعية للحضارة ~~الأوربية، وإن غاب عنه الجانب المعنوي منها، وهو الجانب الذي يحركها ويمدها بكل ما فيها ~~من قوة؛ لذلك سخر ذكاءه وإقدامه ليجعل لعرش مصر مظاهر العروش الأوربية، وليكون قصره ms033 ~~كقصر لويس الرابع عشر إن لم يكن أبهى منه وأزهر، وليقول عن مصر إنها أصبحت قطعة من ~~أوربا، وفي سبيل ذلك أنشأ كثيرا وخرب كثيرا وأثقل كاهل مصر بدين ما تزال تنوء إلى ~~اليوم به، وما تزال تحتمل بسببه نقصا في سيادتها وذبولا في استقلالها وعزتها. # ولد إسماعيل بن إبراهيم بن محمد علي بمصر في 31 ديسمبر سنة 1830 وتربى في المدرسة ~~التي أنشأها جده محمد علي باشا بالقصر العالي، ثم أوفده جده لما بلغ السادسة عشرة من ~~عمره مع طائفة من الشبان إلى باريس حيث التحق فيها بمدرسة أركان حرب # L’ecole de l’etat major # ثم عاد إلى مصر بعد ~~أن أتم بها دراسته. # وكان عباس الأول والي مصر يومئذ، وقد حدث خلاف بينه وبين أفراد العائلة ومن بينهم ~~سعيد باشا على اقتسام التركة، فذهبوا إلى الأستانة يحتكمون إلى جلالة السلطان، وفض ~~السلطان النزاع بأن أوفد اثنين من رجاله إلى مصر سويا الخلاف، وعاد أفراد العائلة ~~العلوية خلا إسماعيل الذي ظل بالأستانة وعين فيها عضوا بمجلس أحكام الدولة ~~العلية. # وفي سنة 1854 تولى سعيد باشا أريكة مصر خلفا لعباس الأول، فاستقدم إسماعيل وجعله على ~~رئاسة مجلس أحكام مصر في مثل وظيفته التي كان يشغلها بالأستانة، ولم يكن إسماعيل يومئذ ~~وليا للعهد، بل كان أخوه أحمد أكبر رجال العائلة، وكان بذلك صاحب عرشها بعد سعيد، لكن ~~أحمد توفي وآلت ولاية العهد لإسماعيل، من يومئذ جعل سعيد يخشى وجوده على مقربة منه ~~فجعل يوفده في مهمات خاصة إلى البابا وإلى نابليون الثالث وإلى الباب العالي بالأستانة، ~~وفي سنة 1861 نشبت فتنة بالسودان فبعث به على رأس أربعة عشر ألف مقاتل لقمعها، ونجح ~~إسماعيل في ذلك وعاد وله في أعين الشعب مقام كريم، ولما توفي أخوه أحمد وآلت إليه ولاية ~~العهد ساءت العلاقة بينه وبين عمه الوالي إلى حد أنه لما توفي سعيد باشا في 18 يناير ~~سنة 1863 ونودي به واليا مكانه حدد للتشريفات بالقاهرة نفس الساعة التي كانت محددة ~~لسير جنازة ms034 سعيد بالإسكندرية، فلم يحتفل بالدفن احتفالا رسميا ولم يحفل بالمشهد ~~أحد. # وقد انتعشت النفوس بأكبر الآمال لأول ولاية إسماعيل باشا الحكم، أن كان الناس في سعة ~~بسبب انتظام جباية الضرائب أيام سعيد وارتفاع أسعار القطن ارتفاعا عظيما ترتب على ~~حروب الانفصال بين شمال الولايات المتحدة وجنوبها، وأن أبدى إسماعيل من الحرص على حضارة ~~مصر وإصلاحها ما جعل الرجاء في المستقبل عظيما، وكان أول ما صنعه إسماعيل مما استراحت ~~له النفوس أن نشر في الناس على أثر ارتقائه العرش برنامجا خلابا كله المبادئ الحرة ~~والوعود المغرية بخير الأمل والإصلاحات الواسعة على أحدث النظم الأوربية، وفي هذا ~~البرنامج وعد بإلغاء السخرة والرقيق والاتجار به، وبإصدار قوانين خاصة بالتعليم وبتحديد ~~مخصصات والي مصر، وتوقع الناس أن ينفذ هذا البرنامج وأن تخطو مصر الخطى الواسعة التي ~~تترتب حتما على تنفيذه لما بدا على إسماعيل بعد عودته من دراسته بأوربا ومن سياحاته ~~الكثيرة فيها من الحرص على تنمية ثروته الخاصة، وزاد الناس رجاء في ذلك ما كانت عليه ~~حال البلاد إجمالا من الانتظام والطمأنينة. # لكن إسماعيل حرص - إلى جانب نشر هذا البرنامج - على نشر حالة الخزانة المالية وبخاصة ~~فيما يتعلق بالديون التي خلفها سلفه سعيد باشا، ومع أن هذه الديون لم تكن تزيد في ~~التقديرات الرسمية التي عرفت إلى حين موت سعيد على أربعة ملايين من الجنيهات، فقد ظهرت ~~في البيان الذي نشرته حكومة إسماعيل باشا أحد عشر مليونا ومائة وستين ألفا من ~~الجنيهات، والسبب في نشر هذا البيان ليس مجرد الحرص على تحديد ما للدولة وما عليها، ~~فمثل هذا الحرص لم يكن معروفا في ذلك الوقت، وإنما السبب أن إسماعيل باشا كان يرى ما ~~يقتضيه تنفيذ برنامجه العظيم من طائل النفقات مما لا سبيل إلى الحصول عليه من غير طريق ~~الاقتراض؛ لذلك أراد أن يبين للناس وللأوربيين خاصة أن سلفه الذي لم يصنع شيئا لحضارة ~~مصر أكثر من هذا الجيش الذي اختاره من طوال القامات، والذي كان يصحبه أنى ذهب، هو الذي ~~بدأ سنة ms035 الاقتراض وهو الذي اقترض هذا المبلغ العظيم من غير فائدة للبلاد. # والواقع أن مطامع إسماعيل كانت عظيمة تنوء بها موارد مصر، فقد أراد أن يصل إلى ما رمى ~~إليه جده محمد علي من استقلال البلاد، لكنه كان يعلم أن تحقيق ذلك بالسيف غير ميسور، ~~وأنه على كل حال عرضة لأن يصطدم من معارضة أوربا بما اصطدمت به انتصارات مصر أيام جده، ~~وكان يعلم كذلك ما للرشوة من أثر في وزراء الباب العالي، فإذا هو سخا بيده استطاع أن ~~يحصل على هذا الاستقلال شيئا فشيئا، ثم إنه رأى من جهة ثالثة أن لا سبيل للحصول على ~~المال اللازم لهذه الغاية ولسداد أطماعه وشهواته إلا أن يظهر أمام أوربا حاكما غربيا ~~يريد الإصلاح بالفعل، فنشر البرنامج المشار إليه ونشر قائمة بديون سعيد، وأبدى من مظاهر ~~العطف الإنساني على رعاياه ما جلب إليه أنظار أوربا، من ذلك أنه لم يوافق على الاستمرار ~~في تنفيذ اتفاقية قناة السويس التي عقدت في عهد سلفه سعيد باشا بينه وبين المسيو ~~فردينان دلسبس، لأنه رأى شروطها قاسية بالنسبة لمصر وبالنسبة للعمال المصريين الذين ~~كانوا يرهقون في حفر القناة أشد إرهاق، يسامون الخسف ويضربون بالكرابيج ويطعمون الزقوم، ~~ويكادون لا يقتضون عن عملهم أجرا، ولما استحر الخلاف بين إسماعيل وشركة القنال ارتضى ~~الطرفان تحكيم نابليون الثالث. # ولسنا نستطيع أن نفهم هذا التحكيم إلا على أنه نوع من الكبرياء والغرور، فنابليون ~~الثالث إمبراطور فرنسا، وشركة القنال على صفتها الدولية كانت ما تزال في كل مظاهرها ~~شركة فرنسية تعني إمبراطور فرنسا حمايتها، فتحكيمه مع ذلك نوع من الكبرياء والغرور ~~معناه أنه لا يجوز لغير رأس من أكبر الرءوس المتوجة أن تنظر في خلاف بين إسماعيل ~~والشركة الدولية العالمية، وانتهى التحكيم بإلزام مصر بأن تدفع للشركة تعويضا عن عدم ~~تنفيذ شروط الاتفاق أربعة وثمانين مليونا من الفرنكات، أي ثلاثة ملايين وثلاثمائة ~~وستين ألفا من الجنيهات، فإذا أضيفت نفقات الدعوى وما قامت به الحكومة المصرية من ~~أعمال النشر والإذاعة وما كان يتقاضاه القائمون ms036 بهذه الأعمال من باهظ النفقات لم يكن ~~غلوا تقدير ما خسرته مصر في هذه الحركة بأربعة ملايين من الجنيهات. # وبعد زمن وجيز من ولايته الحكم جاء جلالة السلطان عبد العزيز إلى مصر ومعه الصدر ~~الأعظم فؤاد باشا، فكانت هذه أول فرصة عرضت لإسماعيل كي ينفذ ما جال بخاطره كوسيلة ~~لبلوغ الغاية التي صبا إليها من قبل جده محمد علي، ولم يكفه ما أقامه لجلالة السلطان من ~~أعياد فاقت في الفخامة كل ما يتصوره خيال السلطان الشرقي، بل نفح الصدر الأعظم بمبلغ ~~زهيد مقابل الخدم التي أداها أو يمكن أن يؤديها لبقاء علاقات المودة والصفاء بين والي ~~مصر وجلالة السلطان، هذا المبلغ الزهيد هو ستون ألفا من الجنيهات. # على أن تباشير الخير التي جعلت المصريين يستقبلون ارتقاء إسماعيل العرش بالبشر ~~والتهليل لم تدم طويلا، فقد انتهت حرب الانفصال بين شمال الولايات المتحدة وجنوبها ~~وعادت أسعار القطن فانحدرت من ستة عشر جنيها للقنطار إلى ثلاثة جنيهات أو ثلاثة جنيهات ~~ونصف الجنيه، وفتكت بالزراعة المصرية آفات أنقصت من دخل الضريبة العقارية واضطرت ~~الحكومة معها لشراء الماشية والغلال لتموين الأهالي، مما خسرت معه ما يزيد على مائة ~~وعشرين ألفا من الجنيهات، ثم إن إسماعيل كان مغرما أشد الغرام بتملك الأطيان حتى لقد ~~بلغت مساحة «دوائر» العائلة المالكة في سنة 1865 ما يزيد على خمس الأطيان المنزرعة في ~~مصر الوسطى وفي الوجه البحري. # ذلك كله مضافا إلى حاجات الميزانية العادية، وما احتاجت إليه الإصلاحات العامة التي ~~بدأ إسماعيل بالقيام بها تنفيذا لبرنامجه، جعل الالتجاء إلى الاقتراض أمرا لا مفر ~~منه، وقد بدأ إسماعيل فعلا بالاقتراض منذ ولي الحكم، فلما انقضت على ولايته سنة وبعض ~~السنة كان الالتجاء إلى المرابين في مصر غير كاف لحاجاته، وكان لا بد من الاقتراض من ~~بيوتات مالية كبيرة في أوربا، ولم يجد إسماعيل عنتا في استصدار تصريح بالاقتراض من ~~الأستانة، وبذلك استطاع في 8 سبتمبر سنة 1864 عقد أول قروضه وقدره 5704000 جنيه. # كيف صور إسماعيل لنفسه برنامج الإصلاحات العامة؟ ms037 وما هي الطريقة التي أراد أن ينقل ~~بها مصر من بلد شرقي بعيد عن مظاهر الحضارة الأوربية إلا القليل الذي جاء مع نابليون ~~والبعثة الفرنسية، والذي دخل إلى مصر سدا لحاجات محمد علي الحربية؟ هي صورة غاية في ~~البساطة، يجب أن نقيم مدنا أوربية النظام في طرقها وفي عمارتها وفي بساتينها، فما يلبث ~~المقيمون بها أن يصطبغوا بالحضارة الأوربية. # ويجب أن ندخل أحدث المخترعات والنظم كالسكك الحديدية والبريد والتلغراف، فما يلبث ~~الناس أن يفهموا هذه الاختراعات والنظم وأن يصيروا كأصحابها، ويجب أن نعلم جماعة من ~~النشء ليكونوا واسطة احتفاظ بمظاهر الحضارة هذه، أما الشعب فلم يكن إسماعيل يأبه له ~~كثيرا لأنه كان كغيره من الحكام الشرقيين إلى يومئذ، وككثير من الحكام الغربيين إلى ~~زمن غير بعيد قبله، يعتبر مصر كما اعتبرها جده من قبل مزرعة له، مركز الشعب فيها مركز ~~العبد أو الخادم، وقد أراد إسماعيل أن يصل لتحقيق فكرته من الحضارة والإصلاح في سنوات ~~مما لم تصل أوربا لتحقيقه إلا في قرون، فبدأ تنظيم القاهرة على نظام باريس وغير باريس ~~من مدائن أوربا الكبرى يخطط فيها الشوارع ويقيم القصور وينشئ الدواوين ودور الحكومة ~~ويغرس البساتين، وجعل من جانبه يعيش عيشة بذخ لم يتهيأ لخيال شاعر ولا قصاص من قبل، ~~وطبيعي أن اقتضى القيام بذلك كله من النفقات ما تلاشى معه قرض سنة 1864 أسرع التلاشي ~~وما كثرت معه الديون السائرة التي كان يقترضها من المرابين الأجانب المقيمين بمصر كثرة ~~اضطرته للتفكير من جديد في الالتجاء إلى أوربا كي يعقد قرضا آخر. # ولم يكفه قرض واحد، بل كان وزيره نوبار باشا يتفاوض له مع كل البيوتات المالية وعقد ~~له في ثلاث سنوات ثلاثة قروض: قرض سنة 1865 وقدره 3387000 جنيه، وقرض سنة 1866 وقدره ~~ثلاثة ملايين من الجنيهات، وقرض سنة 1867 وقدره 2080000 جنيه، لكن هذه الملايين كلها لم ~~تكن شيئا مذكورا إلى جانب النفقات الباهظة التي كان يقوم بها إسماعيل باشا. # وماذا تريد من رجل أقل أطماعه أن يصل ms038 ليكون ملكا على بلاد مستقلة استقلالا داخليا ~~على الأقل؟! وكم كلفه ذلك من باهظ الرشوة يدفعها للكثيرين من رجال الباب العالي ~~بالأستانة! ولقد كانت أول خطوة خطاها في هذا السبيل أن حصل في سنة 1866 على فرمان من ~~جلالة السلطان بجعل الوراثة في أبنائه بدلا من جعلها في أكبر العائلة كما كانت من قبل، ~~ثم حصل كذلك على ضم سواكن ومصوع لمصر بعدما سلخا عنها من بعد حكم محمد علي. # ثم إنه من بعد أن حكم نابليون الثالث إمبراطور فرنسا في الخلاف بينه وبين شركة ~~قناة السويس أصبح صديقا حميما للشركة، وأصبح ينتظر اليوم الذي يعلن فيه افتتاح ~~القناة، ليدعو العالم كله كي يشهد هذا التحوير البديع لنظام الطبيعة تحويرا من شأنه أن ~~يغير سير الوجود الاقتصادي والتجاري تغييرا خطيرا، وكانت سنة 1869 هي السنة التي حددت ~~لهذا الافتتاح، وكانت قروض السنوات الثلاث السالفة الذكر قد نفدت كلها، وتزايد الدين ~~السائر مع ذلك تزايدا جعل إسماعيل يفكر في الحصول على المال للظهور بالمظهر اللازم في ~~حفلة الافتتاح تفكيرا جديا استغرق كل مواهبه وكل ذكائه. # وفي هذا السبيل سافر في سنة 1867 إلى أوربا وزار باريس ولندره واستضافه نابليون ~~الثالث والملكة فكتوريا، وكان معه في هذه السياحة وزيره نوبار باشا المطلع على دخائل ~~مفاوضات البيوتات المالية والقدير بدهائه وخبثه على القيام بأعمال في السياسة جسام، وفي ~~هذه الزيارة بدئ الحديث في مسألة تعديل نظام الامتيازات الأجنبية، فقد كان إلى يومئذ ~~كما كان إلى يوم إلغائه في تركيا قائما على القاعدة القانونية التي تقرر أن المدعي ~~يقاضي المدعى عليه أمام قضاته، وكان من أثر ذلك أن شعر الأجانب أنفسهم بالارتباك في ~~مقاضاة بعضهم بعضا، فاستقر رأي إسماعيل ووزيره على إقامة نظام المحاكم المختلطة في ~~مصر، على أن يشمل اختصاص هذه المحاكم الشئون الجنائية كذلك، ومنذ هذه الزيارة التي قام ~~بها إسماعيل لأوربا في سنة 1867 فتحت مسألة تعديل النظام القضائي في شأن الأجانب، وظلت ~~المفاوضات فيها مستمرة بعد ذلك ثماني سنوات حتى ms039 كللت بالنجاح في سنة 1875، لكن هذه ~~المسألة لم تكن الجوهرية يومئذ، إنما المسألة الجوهرية كانت الحصول على المال لسداد ~~الديون السائرة فيما أعلنه إسماعيل باشا المفتش وزير مالية إسماعيل، ولتحضير حفلة ~~افتتاح القناة في رأي المستر كيف الذي حقق أسباب ديون إسماعيل في سنة 1870 كما سنرى، ~~وقد نجح إسماعيل في عقد قرض تم توقيعه سنة 1868 قيمته الاسمية مبلغ 11890000 جنيه ~~والمتحصل الحقيقي منه مبلغ 7193334 جنيه، وقد قبل إسماعيل ضمن شروط هذا القرض أن يمتنع ~~عن الاستدانة لمدة خمس سنوات مقبلة، مما يدل على أنه كان في أشد الحاجة إلى المال، وكان ~~افتتاح القناة في ذلك الظرف هو شاغل إسماعيل الأكبر. # فلقد حرص على أن يدعو إلى هذه الحفلة كل الرءوس المتوجة في أوربا وأكبر عدد من ذوي ~~المقام والمكانة في العالم، وكان أكبر همه من هذا أن يشهد هؤلاء جميعا كيف نقل مصر من ~~بلاد شرقية أفريقية فجعل منها بلادا غربية متحضرة، وفي الحق أنه أعد لهذا المظهر خير ~~عدته، فقد بنى في القاهرة قصورا تضارع أفخم قصور المدائن الأوربية العظمى: بنى قصر ~~الجيزة الذي انقلب في العهد الأخير حديقة للحيوانات، ووصل بينه وبين القاهرة بكوبري قصر ~~النيل، وبنى قصر الجزيرة الذي آل أخيرا إلى الأمراء آل لطف الله، وبنى غير هذين من ~~القصور الشاهقة ومن دواوين الحكومة ما تعتز بمثله مدائن أوربا، ثم أعد مسرح الأوبرا ~~وكلف الموسيقي الإيطالي الكبير فردي فوضع أوبرا عايدة لتمثل في أثناء حفلات الافتتاح، ~~وأنشأ حديقة الأزبكية في وسط القاهرة أسوة بالحدائق العامة في العواصم الكبرى. # وليتيسر للزائرين وبخاصة الإمبراطورة أوجيني زوج نابليون الثالث زيارة آثار الفراعنة ~~اختط طريق الأهرام في أشهر معدودة، هذا إلى ما مد من خطوط السكة الحديدية، وإلى ما شيد ~~من مدينة الإسماعيلية على ضفة القناة، كما أنه كان قد أنشأ في مختلف أنحاء القاهرة ~~كثيرا من المدارس الجديدة، كما أعاد المدارس التي كانت قد أنشئت في عهد جده محمد علي ~~باشا واضمحلت من بعده: فأنشأ مدارس ms040 المبتديان والتجهيزية والمهندسخانة والمساحة والألسن ~~والعمليات والإدارة واللسان القديم والتجارة ومدرسة للبنات ومدارس كثيرة أخرى في ~~القاهرة والإسكندرية والأرياف، وكذلك كان من حقه أن يفخر بهذه المنشآت العظيمة وأن ~~يريها لملوك أوربا ليعلموا أنه أكثر حضارة من متبوعه الأعظم سلطان تركيا ، وأنه إذا طلب ~~يوما أن يستقل بحكم مصر فطلبه لا شيء من المبالغة فيه. # وسافر من جديد إلى أوربا سنة 1869 وعاد بعد ما دعا كل الرءوس المتوجة إلى حضور ~~الاحتفال بافتتاح القناة، وقد أجاب الدعوة منهم عدد غير قليل، ثم تم افتتاح القناة في ~~خمسة أيام، ففي 16 نوفمبر سنة 1869 ركب المدعوون بواخرهم وعددها ثمان وستون ترفرف ~~فوقها أعلام مختلفة ويتقدمها (النسر) سفين الإمبراطورة أوجيني زوج نابليون الثالث التي ~~جاءت بالنيابة عن زوجها، وقطعوا المسافة من بورسعيد إلى الإسماعيلية في ذلك اليوم، وبعد ~~أن أقيمت في الإسماعيلية أعياد استمرت يومي 17 و18 نوفمبر ركب المدعوون من جديد بواخرهم ~~يوم 19 وبلغوا السويس يوم 20 نوفمبر، ولم يكتف إسماعيل بهذا بل طاف بضيوفه العظام ~~أنحاء مصر يظهرهم على ما جدد فيها من حضارة تضارع حضارة أوربا، وقد كلفته هذه الأعياد ~~الباهرة - حسب التقديرات الرسمية - أربعة ملايين من الجنيهات. # وانتهت الأعياد وأضواؤها الباهرة وابتساماتها الخلابة وأجال إسماعيل بصره يريد متابعة ~~أعماله فإذا خزانة الدولة قفر، وإذا هو في أشد الحاجة إلى المال، ولم يكن يستطيع أن ~~يقترض وهو مقيد في عقد سنة 1868 بألا يعقد قرضا جديدا قبل مضي سنوات خمس، فلجأ إلى ~~المرابين من جديد ولجأ إلى وسيلة تشبه ما يسميه الفلاحون اليوم (البيع على الوجه)، فكان ~~يبيع آلاف الأرادب من الغلال قبل زرعها ويقبض ثمنها، فإذا جاء موعد التسليم أعطى ما ~~يجبى من الضرائب غلالا ثم اشترى الباقي بأسعار أعلى بكثير من الأسعار التي باع بها، ~~ولجأ إلى غير ذلك من الوسائل المخربة حتى اضطر جلالة سلطان تركيا برغم ما أصاب وزراؤه ~~من أموال إسماعيل أن يبعث له يحظر عليه الاقتراض بغير تصريح سابق منه. # لكن ذلك ms041 كله لم يوهن من عزيمة إسماعيل الصلب ولم يثن من إرادته، يجب أن يوجد المال ~~للقيام بمشروعاته ولمضاعفة هذا البذخ الذي كان يعيش فيه، والذي اضطره لنثر الذهب من ~~الأبواب والنوافذ نثرا، وهل تراه يرضى أن يقول لرجل من أتباعه الذين يتولون تسليته أو ~~لجارية من مئات الجواري اللاتي كانت تترنم بأصواتهن قصوره: إن سيدكم قد عرف أخيرا كلمة ~~المستحيل، كلا، ليس هذا من خلق إسماعيل، فليعقد إذا قرضا ترهن أملاكه الخاصة لسداده، ~~وعقد بالفعل قرضا خاصا في سنة 1870 قيمته الاسمية 7142860 جنيه والمبلغ المتحصل منه ~~بالفعل خمسة ملايين جنيه. # من سنة 1870 بدأ يرمي بنظره إلى التوسع الاستعماري، ولقد أصاب من ذلك حظا من النجاح ~~غير قليل، ففيما بين هذه السنة وسنة 1875 استصفى لمصر كل الشواطئ الشرقية من السويس إلى ~~رأس غردفوي وحاصر بربر وزيلع، وفي سنة 1874 ضم دارفور إلى مصر واحتل هرر، وقد أدى ~~احتلال هرر إلى حروب مع الحبشة قتل فيها ابنه، ولم يكن النصر فيها حليف جيوشه، على أن ~~ذلك لم يصدها عن التوغل جنوبا إلى حدود الأوغندة، وكان من أكبر رجال إسماعيل المسئولين ~~في السودان صمويل بيكر والكولونيل جوردون، ولعل ذلك كان أول ما دعا إنجلترا لتفكر في ~~هذا القطر النائي، وكان السبب في السياسة التي رسمتها لنفسها فيه والتي أدت إلى مركز ~~السودان الحاضر. # 1 # وكانت هذه الأعمال، وكان إسراف الحكومة في مصر، وكانت نفقات إسماعيل ومن حوله، تجعل ~~كل مبلغ ضئيلا لا يقوى على سدادها، لكن إسماعيل باشا بدأ يرى هول الديون التي استدانها ~~وبدأ يشعر بأن من الواجب التفكير في السعي للتخلص منها، ولعله كان مخلصا في سعيه، وإن ~~كانت كل الوسائل التي ابتدعت لجلب المال لم تنجح في أكثر من أن زادت الخديو مطامع ~~وسرفا، وأول ما أبدع من الوسائل قانون المقابلة، وخلاصته: أن ديون مصر إلى يومئذ كانت ~~تبلغ ستة أمثال الضريبة العقارية، فإذا دفع الملاك ضعف الضريبة المضاعفة يعفى الملاك ~~أبدا من نصف الضريبة التي عليهم، ms042 وقد دفع كثير من كبار الملاك والباشوات الضريبة ~~المضاعفة بطلب ولي الأمر، وبدأت الحكومة فعلا تسدد الدين السائر، لكنها لم تمض عليها ~~سنة واحدة حتى كانت قد استدانت من جديد بسندات أصدرتها مكفولة بضريبة المقابلة ما قيمته ~~اثنا عشر مليونا من الجنيهات. # ولما كان موعد الخمس السنوات المحدد في عقد قرض سنة 1868 قارب الانتهاء رأى إسماعيل ~~أن يستأذن الباب العالي في قرض جديد يوحد به ديونه، واتفق فعلا مع بيت أوبنهيم الذي ~~أصدر قرض سنة 1868 على أن يصدر قرضا جديدا قيمته اثنان وثلاثون مليونا من الجنيهات ~~لهذا التوحيد، على أن كل ما حصلته الحكومة المصرية من هذا المبلغ كان 20840077 جنيه، ~~وكان الدين السائر وحده قد بلغ يومئذ ثمانية وعشرين مليونا. # ثم إن الخديو كان قد اضطر إلى إنفاق مبلغ ضخم في الأستانة للحصول على فرمان سنة 1873 ~~الذي وطد الوراثة في بكر الأبناء على نحو ما صدر به فرمان سنة 1866، والذي أتم لمصر ~~استقلالها الداخلي حتى لم يبق لتركيا إلا أن تسك العملة باسم سلطانها وتتقاضى الجزية ~~آخر كل سنة، وزاد هذا المبلغ في مقدار الديون السائرة زيادة جعلتها تجاوز مقدار القرض ~~الجديد بما يوازي نصفه؛ لذلك لم يفلح القرض في سداد الدين السائر، واستمر إسماعيل على ~~طريقته يصدر سندات جديدة أسماها في هذه المرة سندات الرزنامة، وقد حصلت الحكومة من هذه ~~السندات 3337210 جنيه فلم تكف هي الأخرى مضافة إلى الدين الجديد لسداد الديون السائرة، ~~ولم يبق أمام إسماعيل إلا بيع أسهم الحكومة في قنال السويس، ولقد عرضها للبيع في السوق ~~العالمي، لكن إنجلترا جعلت المسألة ماسة بسياستها ووقفت في وجه فرنسا واشترت الأسهم من ~~إسماعيل بمبلغ أربعة ملايين من الجنيهات وتمت الصفقة في عام 1875. # وفي هذا العام الذي أطل فيه الخراب محدقا بعينيه البشعتين في وجه إسماعيل تم تنظيم ~~المحاكم المختلطة بعد معارضة غير قليلة من جانب فرنسا، وافتتحها إسماعيل وهو ما يزال ~~يأمل في أن أعمال الحضارة التي قام ويقوم بها في مصر تسمح ms043 له أبدا بأن يجد من الدائنين ~~من يثق به، ناسيا أنه كان قد رهن كل إيرادات الدولة وكل أملاكه الخاصة، وأن الثقة به ~~تزعزعت في كل مكان؛ لذلك ما بزغت شمس سنة 1876 حتى كان وقت الحساب قد آن، وحتى أطفئت ~~أنوار هذه الأعياد الدائمة وهذا النشاط العجيب الذي نشره إسماعيل لا في مصر وحدها بل في ~~أرجاء كثيرة قريبة من مصر ونائية عنها: في السودان وفي تركيا وفي فرنسا وفي إنجلترا وفي ~~كل بلد حلت به رحاله أو كان له دائنون فيه. # سنة 1876، نعم هي السنة العصيبة في حياة إسماعيل لأنها السنة التي بدأ فيها الصراع ~~العنيف بينه وبين أوربا مجتمعة، والعجيب أنه واصل هذا الصراع وما يزال واثقا من نفسه ~~ومن حيلته؛ لذلك كان إذا اضطر إلى الإذعان يوما لم يكن ذلك منه حرصا على الوفاء ولكن ~~انتظارا لفرصة النكث والأخذ بالثأر، لكن خصومه كانوا أقوى منه أضعافا برغم أنه كان في ~~داره، وعلى الرغم من كل الوسائل التي لجأ إليها فقد انتهى آخر الأمر فأسلم نفسه ~~للمقادير التي قضت بخلعه وإبعاده عن بلاده بقية حياته. # ومن عجيب سخر القدر من الناس أن إسماعيل هو الذي ألقى لأوربا بأول فكرة للتدخل في ~~شئونه وشئون مصر تدخلا ينتهي في أمره هو إلى الخلع، وفي أمر مصر إلى الخضوع لنير أوربا ~~أولا وإنجلترا أخيرا، ذلك بأنه لما ثقل حمله وأيقن أن لا وسيلة إلى الاقتراض من جديد ~~إلا أن تثق به أوربا أجال نظره صوب صديقته الصدوق فرنسا فألفاها ما تزال مهيضة الجناح ~~من أثر هزيمتها سنة 1870، عند ذلك فكر في مصادقة إنجلترا وانتهز فرصة مرور ولي عهدها ~~بمصر فطلب إليه أن يعين إنجليزيا مستشارا للمالية المصرية، وكان جواب ولي العهد أن ~~ذلك من شأن القنصل الإنجليزي، فبعث القنصل بخطاب إلى حكومته كطلب إسماعيل، وأهملت ~~إنجلترا الخطاب حتى اشترت أسهم القناة، يومئذ ذكرت الخطاب من جديد فأرسلت إلى مصر ~~ببعثة لفحص شئونها المالية وعلى رأسها المستر ستيفن كيف. # ولم يترك ms044 إسماعيل باشا وسيلة لاسترضاء المستر كيف ولجنته إلا بذلها، وقدمت اللجنة ~~تقريرها إلى الحكومة الإنجليزية فامتنعت عن نشره بحجة أن النشر يزيد مركز الخديو حرجا، ~~ولقد نشر التقرير من بعد فتبين أنه لا يزيد المركز سوءا، وأنه على العكس من ذلك يبين ~~للناس أن ما اقترضته مصر إنما أنفق أكثره في أعمال مثمرة إن لم تظهر نتائجها بعد، فهي ~~على كل حال ضمان يمكن أن يعتمد الدائنون عليه، على أن التقرير استظهر دقة حال مصر وأشار ~~بأن لا بد من توحيد ديونها على قاعدة جعل الفائدة لها جميعا 7 في المائة، ولم يعجب ~~إسماعيل هذا الرأي وأراد المقاومة بتأجيل الدفع ولو كان من نتيجة ذلك إشهار إفلاسه أسوة ~~بمتبوعه الأعظم سلطان تركيا، لكن سرعان ما أدرك خطر ما اندفع إليه فتلافاه بأن أصدر ~~قانونا في 2 و7 مايو سنة 1876 بتوحيد الدين وبإنشاء صندوق خاص بعملياته، وصندوق الدين ~~تعين الحكومة المصرية أعضاءه من الأجانب بالاتفاق مع دولهم، وهذه أول خطوة من خطى ~~التسليم والخضوع لأوربا ولتدخلها في شئون مصر الداخلية. # على أن الدائنين لم يرتضوا القواعد التي بني عليها توحيد الديون فضجوا بالشكوى ~~وطلبوا تعيين لجنة جديدة لفحص حالة مصر المالية، فذهب المستر جوشن والمسيو جوبير ~~مندوبين عن الدائنين لإجراء هذا الفحص، وكان من أثر فحصهم أن صدر دكريتو 18 نوفمبر سنة ~~1876 يفرق بين ديون الحكومة المصرية وديون إسماعيل الخاصة، ويزيد في اختصاص صندوق ~~الدين، وينشئ منصبي المراقبين العامين: أحدهما إنجليزي والآخر فرنسي، يراقب أحدهما كل ~~إيرادات الدولة، ويراقب الآخر كل مصروفاتها، وينشئ كذلك إدارة للسكة الحديدية مكونة من ~~إنجليزيين ومصريين وفرنسي واحد، على أن يكون الرئيس إنجليزيا، وبهذا الدكريتو أصبحت ~~الحكومة المصرية في يد صندوق الدين والمراقبين الأجانب، وأصبح إسماعيل صورة لا يطلب ~~منها إلا أن تكف عن الأذى، وبدأت هذه النظم الجديدة بالعمل وبدأ إسماعيل يشعر بتلاشيه ~~وانحدار سلطانه المطلق إلى هاوية الفناء. # أين كان الشعب المصري في أثناء ذلك كله؟ لم يكن في نظر إسماعيل شيئا ms045 إلا أنه العبد ~~المطيع الذي يفعل ما يؤمر به والبقرة الحلوب التي تدر الضرائب لإقامة الميزانية، ولم ~~تكن للحكومة ميزانية معروفة، وإنما كانت ميزانيتها ما تتطلبه شهوات عاهلها الذكي ~~القاسي، ولتحصيل هذه الميزانية غير المحدودة كان يكفي أن يقول إسماعيل: «أريد» لتتحرك ~~كل الحكومة كي تنفذ إرادته، والناس على دين ملوكهم، فكان كل موظف في الحكومة كإسماعيل ~~شهوة وقسوة، وكان ما يطلبه إسماعيل يجبى من الناس أضعافا مضاعفة سدا لشهواته ~~وشهوات هؤلاء الجباة الجناة، والناس يجب أن يدفعوا أو يكوي الكرباج والسوط جلودهم ويدمغ ~~جباههم، ويجب أن يدفعوا أو يلقى بهم في غيابات السجن يذوقون فيها أشد العذاب، ولم لا؟! ~~أليس عزيز مصر وولي أمرها يريد، و # أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول وأولي الأمر منكم ~~، فمن عصى فعليه اللعنة وله العذاب، ~~وأي عذاب وأية لعنة! كان رجال الحكم يومئذ من غير المصريين إلا قليلا، فلم تكن بينهم ~~وبين مصر وشيجة رحم أو عاطفة مودة أو قربى تحرك في نفوسهم بإزاء المصريين المساكين معنى ~~من الرحمة أو الإنسانية، بل كانوا من الأكراد والجركس والأرمن والألبانيين، وكانوا قساة ~~القلوب غلاظ الأكباد، على عقولهم أقفالها، لا يعصون إسماعيل ما أمرهم ويفعلون ما ~~يؤمرون. # لذلك كان طبيعيا ألا يتحرك الشعب لتدخل الأجنبي في شئونه، ولماذا يتحرك؟ أليس حكامه ~~هؤلاء أجانب عنه كالذين تدخلوا في شأن الحكم سواء بسواء؟ واختلاف العقيدة لا يكفي ليقوم ~~شعب هده الظلم وأضعف نفسه لينصر ظالمه على مخالفه في العقيدة، وبخاصة إذا انتظر من ~~هذا المخالف رفع الحيف ووقف الظلم والأذى. # وبدأ إسماعيل يشعر بهذا ويحسه في أعماق نفسه، جلس حسيرا في قصره مغلولة يده يشهد ~~بعيني رأسه ما جر إليه بذخه وإسرافه من خراب، وسمح لأذنه أن تسمع لأول مرة ما يضج به ~~الناس من ألم وشكوى، وماذا يعني الناس من قصور تشاد وحدائق تغرس وجسور تمد فوق النهر ~~وألحان تعزفها الحسان، إذا كان ذلك كله يشاد من دمائهم ويمد على أكتافهم؟! وزاد إسماعيل ~~شعورا بالكارثة أن استنفدت أقساط الدين ms046 كل الضرائب التي جمعت على النحو الذي كانت تجمع ~~به من قبل من وسائل الإرهاق، ولم يبق منها شيء يدفع للموظفين ولا للجيش. # ورأى الدائنون بأعينهم هذه الحال البشعة فاتفق الرأي على تعيين لجنة جديدة لفحص جديد، ~~وفي سنة 1878 تعينت لجنة الفحص العليا أنشأها دكريتو 27 يناير من تلك السنة، وفي 30 ~~مارس صدر دكريتو آخر يجعل للجنة أوسع السلطة، وتشكلت من مسيو دلسبس رئيسا ومن مستر ~~ريفرس ولسن نائب رئيس، ومن أعضاء صندوق الدين الأربعة، وبدأت اللجنة فحصها تحركها فكرة ~~أساسية هي وضع قرار اتهام إسماعيل، وبعد انتهائها من الفحص قدمت تقريرا مبدئيا كانت ~~الفكرة السائدة فيه وجوب تحديد سلطة الخديو واعتباره مسئولا عن حرج مركز مصر، واقترحت ~~لذلك إجراء إصلاحات في التشريع المالي بالنسبة للضرائب، وأن تخصص إيرادات أملاك الخديو ~~كلها ومساحتها 917000 فدان لسداد ما يكون من عجز في الميزانية. # تردد إسماعيل بادئ الرأي في قبول هذه المطالبة، لكنه رأى تردده لا يفيد شيئا بعد أن ~~أصبح الأمر كله للمراقبين ولصندوق الدين، وأنه إذا قبل ما اقترح عليه فقد يفتح ذلك ~~أمامه بابا جديدا للاقتراض من جهة، ويترك له الوقت من الجهة الأخرى في تدبير وسيلة ~~للخلاص من هذه المراقبة التي غلت يده، وتحت ضغط نوبار باشا أعلن إلى المستر ريفرس ولسن ~~في يوم 23 أغسطس سنة 1878 قبوله اقتراحات اللجنة، وفي 28 أغسطس أصدر الأمر العالي ~~المشهور بإنشاء وزارة (يحكم هو معها وبواسطتها وتكون متضامنة في مسئوليتها) وشكل نوبار ~~باشا هذه الوزارة واستعان فيها بالمستر ريفرس ولسن. # ومنذ طلب نوبار باشا إلى المستر ريفرس ولسن معاونته في الوزارة قام الأخير بالمفاوضة ~~لعقد قرض جديد تسد منه الديون السائرة ويسد عجز الميزانية، وقبل أن يوقع عقد القرض أصدر ~~إسماعيل دكريتو 26 أكتوبر سنة 1878 ينزل ~~أعضاء العائلة الخديوية للحكومة بموجبه عن أملاكهم العقارية وقدرها 425729 فدانا خلا ~~العقارات، واعتبرت هذه الأملاك ضامنة للقرض الجديد الذي دعي باسم قرض الدومين أو قرض ~~روتشيلد. # وفي شهر أكتوبر أصبح ms047 المستر ولسن وزيرا للمالية والمسيو دبلنيير وزيرا للأشغال ~~العمومية، وألغيت بذلك المراقبة الثنائية على إيرادات الدولة ومصروفاتها على أن تعود ~~إذا عزل هذان الوزيران الأوربيان من منصبيهما من غير موافقة إنجلترا وفرنسا، وجعلت هذه ~~الوزارة المختلطة جل همها أن تسدد الديون وأن تتلافى عجز الميزانية، والواقع أن الديون ~~السائرة بلغت مبلغا ضاق دونه القرض الجديد على الرغم من أنه بلغ ثمانية ملايين، وكذلك ~~وقفت الوزارة المختلطة بعد ثلاث سنوات من المراقبة المالية موقف الحكومات التي سبقتها، ~~وعجزت أن تواجه حرج المركز بخير مما واجهته غيرها من قبل، ولجأت إلى الضغط والاضطهاد ~~اللذين لجأت إليهما أشد الحكومات عسفا واستبدادا، وزاد الموقف حرجا أن رأى وزير ~~المالية الإنجليزي الاستغناء عن ألفين وخمسمائة ضابط من غير أن يدفع لهم متأخرات ~~رواتبهم لأكثر من سنة كاملة، هنالك هاجوا وقاموا ومن بينهم أحمد عرابي في 18 فبراير سنة ~~1879 بمظاهرة خطيرة وأحاطوا بنوبار وولسن وأهانوهما وأوسعوهما ضربا، ولما نمى الخبر ~~إلى إسماعيل جاء بنفسه، فلما رآه الضباط وأمرهم بالانصراف لم يعص أمره منهم أحد، مما ~~دل على أن له في تدبير هذه الفتنة يدا، وقد ثبت بعد ذلك أنه كان المدبر لها بالفعل بأن ~~أوعز إلى أكثر الضباط إقداما وجرأة بالقيام بها. # وكان من الضباط الذين قاموا بهذه المظاهرة ومن الذين استغنى عنهم ريفرس ولسون عدد غير ~~قليل من المصريين الصميمين، ولعل ذلك هو الذي أدى إلى استمرار الحركة في المستقبل والذي ~~كان نواة الثورة العرابية، فإن الموظفين والضباط من الشركس والأتراك والأرمن وغيرهم - ~~ممن كان بيدهم الأمر فكانوا يسومون المصريين الخسف وسوء العذاب - شعروا بفشلهم وبعجزهم ~~إذا بقيت الخصومة بينهم وبين المصريين قائمة، ثم إن ريفرس ولسن تقدم بسبب آخر أدى إلى ~~تحرك العناصر القومية الصميمة في البلاد، فقد طلب إلى الحكومة أن تعلن أن مصر مفلسة كي ~~تعامل معاملة المفلس في شأن ديونها، هنالك اجتمع نواب البلاد وأعيانها وكبراؤها ~~وموظفوها الدينيون والمدنيون والحربيون وقدموا للخديو برنامجا ماليا يخالف برنامج ~~ولسن محتجين على القول ms048 بإفلاس مصر، ولم تكن يد إسماعيل بعيدة عن وضع هذا البرنامج، ثم ~~لم يكتف النواب ببرنامجهم الذي تقدموا به، بل تقدموا كذلك بعرض للخديو يبينون فيه ~~استياءهم من الوزارة لعدم اكتراثها بآرائهم، وانضم الخديو لهذه الحركة وعضدها؛ لأنه رأى ~~فيها الوسيلة الوحيدة لعود بعض سلطته إليه بعد أن تقلص ظلها وانتقلت إلى أيدي الأجانب، ~~وبلغ من تعضيده إياها أن رفض النواب الارفضاض لما جاء رياض باشا وزير الداخلية يعلن ~~إليهم انتهاء الدورة، وكذلك أصبح هذا المجلس الذي خلقه إسماعيل في سنة 1886 صورة يوهم ~~بها الدول الأوربية أن مصر أصبحت بالفعل جزءا من أوربا وقد شعر بوجوده وقدر مكانته، ~~فقد احتج في 29 مارس سنة 1875 على الوزارة المختلطة لأنها لم تكن تعترف بوجوده ~~وبمسئوليتها أمامه، وفي 5 أبريل طلب إلى الخديو تعديل قانون الانتخاب وإعلان مسئولية ~~الحكومة أمام مجلس النواب، ولم يقف عند ذلك بل احتج على بقاء الوزارة المختلطة وبالتالي ~~على وجود ولسن ودبلنيير فيها، ولم يلبث إسماعيل أن أبلغ هذا الاحتجاج حتى عزل الوزارة ~~وعهد إلى شريف باشا بتأليف الوزارة الجديدة، وفي الشهور الثلاثة التي انقضت بين توليها ~~وخلع إسماعيل بدأت بوضع قانون للانتخاب، كما نشرت في 4 يونية لائحة مجلس شورى النواب ~~الأساسية، وفيها تقرر الحصانة البرلمانية وتحدد عدد النواب وتنص على المسئولية ~~الوزارية، ومع أن هذه الوزارة كانت جادة في عملها، ومع أنها سبقت هذا التشريع النيابي ~~بتشريع مالي صدر به دكريتو بتاريخ 22 أبريل سنة 1879 يكفل للأجانب حقوقهم ويقر المراقبة ~~الثنائية وصندوق الدين في اختصاصهما الواسع، فإن أوربا بدأت تشعر بأن مصر على وشك ~~انتقال خطير ليس من العسير تقدير مدى نتائجه، وإن خيرا للمصالح الأوربية الوقوف في ~~سبيله، فبدأت ألمانيا والنمسا بالاحتجاج في 18 مايو على دكريتو 22 أبريل بدعوى أنه ~~مخالف لتعهدات مصر الدولية، وألقتا مسئولية هذه المخالفة على الخديو، وفي 18 يونيو ~~احتذت وزارتا باريس ولندرة مثال ألمانيا والنمسا، وقد حاول إسماعيل القضاء على هذه ~~الحركة الدولية فطلب موافقة الدول ms049 على الدكريتو، لكن حركته هذه لم تنجح. # وكانت الدول قد سئمت هذا الصراع الطويل مع إسماعيل، ولعلها كذلك خشيت بعد انضمامه ~~للأمة وإظهاره العطف كل العطف على مطالبها أن تقوى الحركة القومية المصرية وأن يصبح ~~إسماعيل مثلما كان جده محمد علي مكانة وقوة سلطان؛ لذلك رأت أفضل السياسات أن ينزل عن ~~العرش، لكن إسماعيل لم ينظر إلى المسألة هذه النظرة، وأراد أن يلجأ إلى جلالة سلطان ~~تركيا آملا أن يكون لما قدمه له من طائل الأموال وعظيم التضحيات بعض الأثر، وهنا خاب ~~فأله، فقد بعث الباب العالي في 26 يونيو تلغرافا بعزل إسماعيل عن العرش وبرفع ولده ~~توفيق مكانه، وعلى أثر ذلك أقلع إسماعيل من الإسكندرية قاصدا إيطاليا وقلبه خافق ~~وعيونه هامية بالدمع، وأقام في إيطاليا زمنا ثم انتقل إلى الأستانة إذ أقام بها في قصر ~~«أمر جيان» على شواطئ البوسفور حتى جاء أجله في 2 مارس سنة 1895. ~~••• # وكم دار بخاطره في هذه السنوات الأربع عشرة التي انقضت بين عزله وأجله أن يعود إلى ~~نضال يسترد به عرشه، وكان أول ما صنع من ذلك أن بعث إلى السلطان بالأستانة على أثر ~~وصوله إلى نابولي رسالة حارة يذكر له فيها ما أجرى من عظيم الإصلاح في وادي النيل، وما ~~قام به من فتح السودان إلى خط الاستواء حيث خفقت الراية العثمانية من تلك الأنحاء في ~~ربوع لم تخفق من قبل قط عليها، لكن السلطان لم يعبأ بخطابه ولا أجابه عنه، بل نسي كل ~~ماضي إسماعيل وما أغدقه على الأستانة ورجالها من مال وأنعم، وما باله يعبأ به وقد أصبح ~~لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ولا يملك لمتبوعه العظيم رشوة ولا هدية، وأصحاب العروش ~~لا يعنون إلا بصاحب القوة ما داموا يهابون قوته ويطمعون في خيره ومعونته، ونال ذلك من ~~نفس إسماعيل، ولكنه حملها على الصبر حتى كانت الثورة العرابية في مصر، هنالك حز الألم ~~في نفسه واذكر أنه لم يفكر في مقاومة كالتي قاومها اليوم هؤلاء المصريون الأبطال، ولو ~~أنه ms050 قاوم فربما كان له من الأقدار عون يستبقي نجمه عاليا، أما ولم يفعل فليس له أن ~~يرجو من الأقدار مددا وهي لا تمد الضعيف أو الخائف، وإنما تحارب في صف الشجاع ~~المقدام. # ومنذ دخل الإنجليز مصر محتلين خيم اليأس على كل آماله في استعادة ملكه، فظل في ~~إيطاليا حتى انتقل إلى الأستانة ليلقى فيها منيته، وليكون فيها أسير عطف الأتراك الذين ~~طالما تمتعوا بما أغدقه عليهم من مدد ومال أيام ولايته. # | هوامش # | الخديو توفيق باشا # ثلاثة عشر عاما تولى فيها توفيق أمر مصر كان خلالها في زهرة شبابه بين السابعة ~~والعشرين والأربعين، لكنه كان فيها كذلك بين عوامل لا يستطيع مدافعتها والتغلب عليها ~~إلا نابغة محنك، كان فيها بين تركيا الناقمة لضعف سلطانها في مصر، وإنجلترا الطامحة إلى ~~بسط نفوذها نهائيا على وادي النيل، وفرنسا المكتئبة لتقلص مكانتها رويدا رويدا من ~~أرض الفراعنة، والأمة المصرية المثقلة بديون إسماعيل باشا وظلم حكامها والمتأججة نفوس ~~أهلها بالثورة طمعا في الاستقلال والدستور، وهو بين هذه العوامل رجل يشعر بضعة أمومته ~~وبحقد أهله عليه، ويود لو أنه كان في مكانة أبيه بطشا وسلطانا، ويخضع للأقدار التي لم ~~تهبه من سعة الذكاء ما وهبت غيره، ولتربيته الشرقية البحتة التي اقتضت ألا يغادر مصر ~~وألا يتصل بالمدينة الأوربية اتصال إخوته، وللظروف التي جعلت تتقاذفه منذ ارتقى عرش ~~أبيه فتصدمه بكل واحد من العوامل المحيطة به، لينتهي به الأمر إلى أن يكون في تاريخ مصر ~~صورة غير محبوبة، ولا ممقوتة، صورة مرت في هذا التاريخ فكان أثرها فيه سلبيا هو أثر ~~العاجز عن أن يقوم لبلاده أو لنفسه بخير، وليودع العالم في الأربعين من عمره فيلقي ~~بمصائر مصر بين يدي ولي عهده الفتى عباس وما يزال في الثامنة عشرة من عمره. ~~••• # ولد توفيق باشا في 15 نوفمبر سنة 1852 ثمرة لبرهة هوى من إسماعيل مع إحدى جواريه التي ~~لم تنل منه إلا حظوة قصيرة ولم تكن له زوجا، ولم يكن إسماعيل يومئذ وارثا لعرش سعيد ~~أن كان ms051 أحمد أكبر العائلة ما يزال حيا؛ لذلك لم يلفت مولد توفيق نظر أحد إلا ما كان ~~من زراية أميرات العائلة المالكة لأمه، فلما حصل إسماعيل على فرمان وراثة العرش للولد ~~الأكبر انقلبت الزراية للأم حقدا على الابن، وشارك إسماعيل أهله في عدم عطفهم على ~~توفيق وإن لم يبلغ ذلك من نفسه مبلغ حقده على حليم باشا وارث عرشه على النظام القديم، ~~وثبت عدم عطفه على توفيق وعدم رعايته إياه في عزمه على أن يكون عرشه لحسين من بعده، وقد ~~كان يستطيع ذلك اعتمادا على أمومة توفيق أو بالتخلص منه كما كان يفعل ملوك ذلك العصر ~~في تركيا، لكنه لم يكن يتعجل النظر في أمر لم يكن في حسبانه وقوعه قبل زمان طويل، وكفاه ~~وجود توفيق بمعزل عنه في قصر له مقتصرا على إدارة أراضيه. # على أن عزلة توفيق وعدم إغداق أبيه أسباب الرضا عليه جعله ينظر إلى ما صنع أبوه من ~~استدانة ومن إرهاق للمزارعين والفلاحين ومن بطش بالناس جميعا نظرة مصري لا نظرة ولي ~~عهد؛ لذلك اتصل بطائفة من الناقمين على الحال التي آلت مصر إليها، أمثال السيد جمال ~~الدين الأفغاني واللقاني والشيخ محمد عبده ومن كان يلوذ بهم من أمثال عرابي، وانخرط في ~~سلك الماسونية الذي انخرطوا فيه، فلما اضطر إسماعيل تحت ضغط الدائنين إلى أن يعين نوبار ~~باشا رئيسا للوزارة المسئولة الأولى وأن يضم إليه مستر ريفرس ولسن ومسيو دبلنيير، ~~الأول وزيرا للمالية والثاني وزيرا للأشغال، ثم لما رأى أن الحال المالية في البلاد ~~تزداد كل يوم سوءا برغم ما تنزل عنه من سلطته ومن أملاكه، ورأى الشعور العام ضد التدخل ~~الأجنبي يزداد في البلاد كلها، خلع نوبار من الوزارة واتفق مع فرنسا وإنجلترا على تعيين ~~ولي عهده توفيق باشا رئيسا للحكومة، على أن ولي العهد كان يعلم دقة الموقف كما يعلم ~~بنوع خاص تهيج الشعور العام بإزاء ما كان يعتزمه السير ريفرس ولسن كعضو في لجنة التحقيق ~~الدولية من إعلان إفلاس مصر؛ لذلك لم يجد الوزيران ms052 الأوربيان من رئيس الوزارة الجديدة ~~مؤيدا قويا لهما، وعلى أثر إعلان وزير المالية تأجيل دفع الفوائد المستحقة للدائنين ~~في شهر أبريل تقدمت عريضة من العلماء والوجهاء والنواب ورجال الجيش يحتج فيها مقدموها ~~على هذا التصرف ويطلبون إلى الخديو أن يلجأ إلى نوابه للخروج من المأزق، وعلى ذلك ~~استقالت وزارة توفيق من غير أن تفعل شيئا، وكلف إسماعيل شريف باشا بتأليف وزارة تكون ~~مسئولة حقيقة أمام برلمان تنظم حقوقه وطرق الانتخاب له بحيث يستطيع أن يقوم بما تقتضيه ~~الأحوال وأن يحقق الأماني القومية. # وكان ذلك هو الانقلاب الحكومي الذي أريد به القضاء على سلطة المراقبين وعلى تدخل ~~الأجانب في الإدارة المصرية، والذي انتهى بتركيا إلى عزل إسماعيل باشا في 26 يونيو سنة ~~1879 وإلى إرسال برقية في اليوم نفسه إلى توفيق باشا تعلن فيها إسناد منصب الخديوية ~~المصرية إلى جنابه ويختتمها وزير تركيا بقوله: «والأمر والفرمان في كل حال لمن له الأمر ~~أفندم.» # كانت هذه الضربة الحاسمة غير المنتظرة من جانب تركيا منبهة لكل من يعنيهم أمر مصر وكل ~~من لهم مصالح فيها لكي يقفوا على حذر، ومع أن توفيق باشا فوجئ بالخبر وفزع له حتى لقد ~~قابل موظف قصره الذي أبلغه إليه أسوأ مقابلة بأن صفعه، فإنه شعر من ذلك الحين بأن ~~التركة التي آلت إليه أعباؤها تركة مبهظة مخوفة، ترى ماذا عساه يصنع بإزاء أبيه، وبإزاء ~~تركيا، وبإزاء الدول وتدخلها في شئون مصر، وبإزاء الأمة المصرية المتوثبة للحركة بل ~~للثورة؟ # أما إسماعيل فأيقن أن لا مفر له من الانحناء لعاصفة لم يكن يستطيع مواجهتها، وإن لم ~~ينقطع رجاؤه في العود يوما ما إلى هذا العرش الذي انتزع منه اغتصابا؛ لذلك قابل ~~الصدمة بكل ما يستطيع رجل في عظمته وفي قوته أن يواجهها به، وأظهر من العطف على ولي ~~عهده ما لم يكن له من قبل به عهد، وفي الأيام التي انقضت ما بين تبوؤ توفيق عرش أبيه ~~وسفر إسماعيل من بلاد عزيزة عليه كانت عواطف الأبوة والبنوة بينهما كخير ms053 ما يمكن أن ~~تكون في مثل هذا الظرف العصيب. # اطمأن توفيق إذا من هذه الناحية، ولقد أظهر من عواطف البنوة ما دفعه للتنازل عن ~~عشرين ألف جنيه من مرتباته السنوية لأبيه كي تبلغ مرتباته خمسين ألف جنيه، ولمناسبة رفع ~~مرتبات البيت الخديو إليه أراد في نفس الوقت أن يظهر للأمة حرصه على مصلحتها ومشاركته ~~إياها في متاعبها المالية، فأمر بإلغاء الراتب المعين لوالدته وحرمه وقدرهما خمسة ~~وخمسون ألف جنيه. # بعد ارتقاء توفيق العرش جعلت تركيا تفكر في الاستفادة من الانقلاب بأن تسترد ما كسبته ~~مصر بفرمان سنة 1873 الذي جعلها مستقلة استقلالا داخليا تاما فيما عدا سك العملة ~~ودفع الجزية، وقد أثار هذا الخبر في مصر قلقا غير قليل، على أن فرنسا وإنجلترا عارضتا ~~الباب العالي فيما أظهره من عزمه وأنبأتا ممثليهما في مصر بأنهما معتزمتان فيما إذا لم ~~يكرر السلطان أحكام فرمان سنة 1873 في الفرمان الذي يوجهه إلى الخديو توفيق أن تطلبا ~~الاستقلال التام لمصر، وقد اختلف في الأسباب التي دعت تركيا إلى هذا التصرف: أهي كانت ~~تريد بالفعل إلغاء الحقوق والامتيازات التي حصلت عليها مصر في أثناء ولاية إسماعيل ~~باشا؟ أم هي كانت تتذرع بالمطل والتسويف للحصول على مبلغ من المال بدليل أنها قطعت في ~~ذلك الوقت حوالة على مصر أبت الحكومة المصرية قبولها بسبب ارتباكها المالي، على أن هذا ~~التسويف طوع لفرنسا ولإنجلترا أن تتدخلا وأن تطالبا الباب العالي بإبلاغهما فرمان تولية ~~الخديو كوثيقة دولية، وأن تثبتا بذلك حقوقهما في التدخل في شئون مصر للمحافظة على ~~حقوقها بإزاء تركيا استنادا على ما كان من تدخلهما للمحافظة على مصالح رعاياهما ~~الدائنين للحكومة المصرية، وكان من أثر ذلك أن شعر توفيق بما للدولتين من فضل عليه بسبب ~~محافظتهما على حقوقه وحقوق البلاد التي ولي عرشها. # ولم يصل الفرمان بتولية الخديو الجديد إلا بعد شهرين من ارتقائه عرش أبيه، أي في 14 ~~أغسطس سنة 1879. # خلال هذين الشهرين كانت خطة توفيق غامضة ما تزال، فهو حين ارتقى العرش كان في ms054 زمرة ~~الماسون الذين يناصرون الحرية والعدالة؛ لذلك وجه خطابه إلى شريف باشا لتشكيل الوزارة ~~الأولى في عهده مقدرا للأمة معتمدا عليها ذاكرا «إني عظيم الميل لبلادي، شديد الرغبة ~~في تحقيق آمال الأمة التي أظهرت السرور بولايتي، عازم عزما أكيدا على التماس أحسن ~~الوسائل لإزالة الاختلال المفسد لكثير من المصالح، إلا أن إدراكي لهذه الغاية التي هي ~~موضوع آمالي يتوقف على مساعدة الأمة بجملتها.» # وتحقيقا لهذه السياسة تألفت لجان من الأوربيين غايتها تقديم العرائض إلى قناصلهم ~~يلتمسون بها من دولهم منع تدخل الأجانب في أحوال مصر وقصر النظر فيها على الوطنيين، ثم ~~إن توفيق باشا تحدث في ذلك الظرف إلى مكاتب التيمس، فأشار بادئ ذي بدء إلى أنه لا يبرح ~~مقيد اليد في العمل حتى يرد الفرمان بتعيينه، لكنه مع ذلك صرح للمكاتب بأنه لا يريد ~~الرجوع إلى تعيين وزراء أوربيين، بل ينبغي أن تكون الوزارة مصرية وطنية يصح أن يعاونها ~~رجال من الأوربيين في الإدارات على أن يكونوا موظفين مصريين لا أكثر، أما سير ريفرس ~~ولسن ومسيو دبلنيير شخصيا فقد صرح توفيق بأنه يعارض أشد المعارضة في رجوعهما أيا ~~كانت صفتهما؛ لأن رجوعهما يكون مخالفا لمصلحة مصر على خط مستقيم، وطلب الخديو إلى ~~الدول في حديثه هذا أن تمهله بضعة أعوام «فنحن في مقام الامتحان فلا يحسن بأوربا أن ~~تمسك علي وعلى مصر طريق النجاح». # وكان من أثر هذه الخطة وتلك التصريحات أن هدأت أعصاب المصريين التي كانت متوترة في ~~الأيام الأخيرة من عهد إسماعيل، فعلى الرغم من عزل الحكومة عشرة آلاف من الجند ~~المجتمعين تحت السلاح وإنقاص الجيش العامل إلى اثني عشر ألفا وتأخير صرف مرتبات ~~الكثيرين، أمسك الرجاء بالناس عن أن يلجأوا للهياج، لكن نيات توفيق باشا الديموقراطية ~~لم تلبث إلى أكثر من وصول الفرمان بتثبيته على عرشه، ففي مساء اليوم الذي عاد فيه مندوب ~~السلطان الذي كان يحمل هذا الفرمان قافلا إلى تركيا بعد حفلة تلاوته أقيلت وزارة شريف ~~باشا وألف توفيق باشا وزارة تحت رئاسته مباشرة، ms055 والحجة التي روجت تبريرا لهذا التصرف ~~إنما هي إرادة الخديو تعجيل الإصلاح، أما الحقيقة فعدم رضا توفيق عن ميول شريف باشا ~~الدستورية، ففي الخطاب الذي أرسل به الخديو إلى كل من وزرائه الجدد معنى قصده العودة ~~إلى حكومة الفرد، فيه تكليف لكل من النظار أن يحضر أوراق شئون وزارته ومعلوماتها عند ~~حضوره إلى المجلس لعرضها، على أن توفيق كان يشعر بأن الأمة لا يمكن أن ترضى عن هذه ~~الحال؛ لذلك بعث بتلغراف إلى رياض باشا الذي كان متغيبا هو ونوبار باشا، أو قل منفيين ~~في أوربا، يستقدمه إليه لعلمه بعدم ميل هذا الوزير إلى حياة الشورى، فلما حضر في أوائل ~~سبتمبر عهد إليه بتشكيل الوزارة وقطع على نفسه العهد باحترام إرادة 28 أغسطس سنة 1879 ~~التي قررت مبدأ مسئولية الوزارة وتضامنها، وبعد ثلاثة أشهر من استقرار هذه الوزارة في ~~مناصبها زار توفيق - جريا على سنة أسلافه - أنحاء ملكه في الوجهين القبلي والبحري وقضى ~~فيهما أشهرا وعاد منهما في أوائل مايو سنة 1880. # وكان الهدوء شاملا أنحاء مصر في هذه الفترة، لكنه كان هدوء تربص وانتظار، ذلك بأن ~~المسألة الشائكة التي انتهت بعزل إسماعيل كانت تحت البحث منذ أول ولاية توفيق، وكانت لا ~~تؤذن بخير كثير، فعلى الرغم مما أعلنه الخديو لمكاتب التيمس من المعارضة في عودة ولسن ~~ودبلنيير بعد فشل سياستهما المالية في مصر لم تر الحكومة الفرنسية بعد اتفاقها مع حكومة ~~مصر على إعادة المراقبين أن يعين أحد غير مسيو دبلنيير، أما الحكومة البريطانية فأشارت ~~بتعيين السير بارنج (لورد كرومر) وتم تعيين المراقبين في 4 سبتمبر سنة 1879 وباشرا ~~عمليهما، وانتهيا بتقديم تقرير إلى الخديو في أواخر عام تعيينهما يقترحان فيه تعيين ~~لجنة تصفية للدين المصري كله، وبعد محادثات بين الدول صاحبات الشأن تعينت اللجنة في 31 ~~مارس برئاسة السير ريفرس ولسن وتعهدت الدول بقبول قراراتها، وإذا فقد رأى توفيق نفسه ~~بإزاء حالة كان يراها أول جلوسه على العرش مخالفة لمصلحة مصر على خط مستقيم من غير أن ~~يستطيع لها ms056 نقضا. # وقدمت لجنة التصفية تقريرها في 17 يوليو سنة 1880 فأصدره الخديو فورا وأطلق عليه اسم ~~قانون التصفية، وعلى موجب هذا القانون بلغ دين مصر 98748930 جنيها، وقد روعيت في هذا ~~القانون، كما روعيت في كل تصرفات ممثلي الدول الأجنبية، مصالح الدائنين الأجانب على ~~حساب نظام الحكم في مصر، وبالرغم مما كان يعلمه المراقبون وغير المراقبين من أن أكثر من ~~نصف هذا الدين لم يدفع إلى مصر لم يفكر أحد في إلزام الدائنين بالتنزل عن شيء من الديون ~~الاسمية التي كانوا يقتضونها من مال المصريين ومن دمائهم، ولما كان تدخل الأجانب مثيرا ~~لعواطف المصريين في عهد إسماعيل فقد بدأت هذه العواطف تثور من جديد بعد هدأة التربص، ~~وبدأت العاصفة تتكور في الجو لتؤذن بالانفجار عما قريب. # وبدأت نذر الانفجار بما كان من تبرم رجال الجيش تبرما سببه امتهان العنصر المصري فيه ~~لمصلحة الأجانب من الأتراك والجراكسة، فلما سرح إسماعيل باشا في أواخر أيامه ألفين ~~وخمسمائة من الضباط أكثرهم مصريون كان إخوانهم يشعرون بالألم من أجلهم ويخشون أن يصيبهم ~~مثل نصيبهم، على أن ارتقاء توفيق إلى العرش واستيزاره شريف باشا هدأ الحالة زمنا، فقد ~~ظن الناس أنهم حاصلون على هيئة نيابية خير من شورى النواب القديم تراقب الحكومة وتمنع ~~تدخل الأجانب وتعيد العدل إلى نصابه، فلما عين رياض باشا وعين معه في وزارة ~~الحربية شركسي قح هو عثمان رفقي، يمقت المصريين ويمتهنهم، ولما تكشفت نيات الخديو ~~ووزارته عن العدول عن الحكم النيابي بل عن شورى النواب نفسه، ثم لما بدئ بتنفيذ قانون ~~التصفية وتبين أن حال مصر المالية لم تفد منه خيرا - لما حدث ذلك كله كان المدنيون ~~وكان رجال الجيش تغلي في صدورهم مراجل الحقد وتأجج نفوسهم بنيران الثورة. # وعجيب أن يحدث ذلك كله بأعين توفيق فلا يراه ولا يقدر مداه، بل يندفع في التيار ~~العجيب الذي اندفع فيه مخالفا بذلك كل ما أظهره من الميول أول جلوسه على عرش أبيه، ~~فهذا الميل الشديد لتحقيق آمال الأمة وهذا الاعتماد على ms057 معاونتها قد انقلب فجأة عقب ~~وصول الفرمان إلى إعادة حكومة الفرد، ثم إلى إسناد الوزارة لنصير قوي من أنصار النظام ~~المطلق، وهذا الحرص على معارضة عودة ولسن ودبلنيير وعلى أن تكون الوزارة مصرية وطنية، ~~وهذه الدعوة لانتظار أوربا نجاح السياسة الوطنية الجديدة قد انقلب فجأة إلى قبول هذين ~~الشخصين وغيرهما من الأشخاص، وإلى ترك التدخل الأجنبي يتوغل في إدارة البلاد، وهذه ~~السياسة المالية التي فشلت على يد ولسن قد انقلبت فجأة سياسة الحكومة المصرية ليصدر على ~~موجبها قانون التصفية، وهذه الانقلابات كلها قبلها توفيق راضي النفس مطمئنا. # على أن لهذا العجيب في نظرنا تفسيره الواضح: فتوفيق الضعيف قد رأى ما حل بأبيه حين ~~عارض إنجلترا وفرنسا فيجب ألا يعارضهما، وإنجلترا وفرنسا تريدان هذا النظام فيجب أن ~~يريده ليتمخض ذلك كله عن انفجار أو عن ثورة أو عما يمكن أن يتمخض عنه، فليس توفيق ~~الضعيف هو الذي يطالب بالتفكير في هذا، ويكفيه أن يعتمد في بقائه في عرشه على سند ~~الدولتين اللتين استخلصتا له من تركيا فرمان توليته. # وكان يسيرا أن يرى توفيق نذر الانفجار آتية من ناحية رجال الجيش، ذلك بأنه فضلا عن ~~تسريح ألوف من الجند ومئات من الضباط في آخر عهد إسماعيل وبالرغم من تسريح عشرة آلاف ~~جندي أول ولايته، فإن تنفيذ قانون التصفية أسفر عن عجز الميزانية اللازمة لنفقات الدولة ~~في سنة 1881 عجزا بلغ مقداره 1610000 جنيه، بينما كان متوافرا في صندوق الدين بعد دفع ~~الفوائد مبلغ 813000 جنيه أنفقت في استهلاك السندات بدلا من أن يسدد منها ذلك العجز، ~~وقد ترتب على هذا أن بقي كثيرون من الموظفين - ومن بينهم رجال الجيش - لا يتقاضون ~~مرتباتهم، أضف إلى هذا أن رفقي باشا ناظر الحربية أصدر لائحة مقتضاها عدم ترقية ~~المصريين إلى الدرجات التي يستحقونها، بيمنا يرقى الجراكسة إلى أكثر مما يستحقون، ولما ~~كان للضباط المصريين جماعة سرية بين أعضائها أحمد عرابي وعلي فهمي وعبد العال حلمي ~~وكانوا قد قدموا لرياض باشا طلبات بالإصلاح منذ شهر مايو ms058 سنة 1881 لم تنظر الحكومة ~~فيها، فقد قرر هؤلاء دفع ألايات الجيش للاحتجاج على تصرفات رفقي باشا وعلى المطالبة ~~بعزله، ورفعت بالفعل عريضة للخديو متضمنة هذا الاحتجاج. # وكان محمود باشا سامي البارودي وزير الأوقاف في وزارة رياض على اتصال بهؤلاء الضباط؛ ~~لذلك تيسر لهم أن علموا بعد احتجاج الجيش أن الحكومة تريد محاكمة الثلاثة الذين ذكرنا ~~أسماءهم، وأنها أمرتهم بالذهاب إلى قشلاقات قصر النيل في أول فبراير سنة 1881 لتقبض بعد ~~ذلك عليهم، فما كادوا يذهبون وما كاد يقبض عليهم ويجردون من رتبهم ويسجنون حتى كانت ~~ألاياتهم قد حضرت وأنقذتهم من سجنهم بقوة السلاح. # وسار الضباط الثلاثة على رأس ألاياتهم من قصر النيل إلى عابدين وهناك وقف عرابي بين ~~الجند خطيبا فشكرهم على إخلاصهم له وإنقاذهم إياه، ثم تقدم إلى الخديو يطلب العفو عنه ~~وعن زملائه، وخلع عثمان رفقي من نظارة الحربية، وأردف عبارته هذه بقوله: «إنهم لا ~~يبرحون إلا بنيل بغيتهم.» ولما كان توفيق قد رأى كل الأوامر التي أصدرها إلى ضباط الجند ~~لا تنفذ، ورأى نفسه في مأزق لا يعرف سبيلا إلى النجاة منه سارع إلى إجابة طلب العصاة ~~وأقال عثمان رفقي من الحربية وعين مكانه صديق الضباط المنتقضين محمود سامي ~~البارودي. # لو أن توفيقا كانت له سياسة معينة يومئذ لما وقع حادث قصر النيل، لكنه كان مضطرب ~~الرأي والسياسة جميعا لأنه كان يشعر - كما قدمنا - بأن سنده الأخير ليس تركيا وليس ~~الأمة المصرية ما دام حليم باشا وارث العرش على النظام القديم مقيما في الأستانة يدس ~~لإلغاء وراثة الابن ويعاونه أنصار من الساسة والأميرات، وما دام هو لا يريد أن يعتمد ~~على الأمة أو ينيلها شيئا من الحقوق التي تشعرها بكيانها، على أن حادث قصر النيل لم ~~يكف توفيقا درسا في وجوب تحديد سياسة يسير عليها لكيلا يكون دائما معرضا للتصادم مع ~~القوى المختلفة المحيطة به، فمع شعوره بأن أباه اضطر للاستعانة بالأمة ولو استعانة ~~صورية ممثلة في مجلس شورى النواب، فقد ظل حفيظا على مبدأ الحكومة ms059 المطلقة ثم إنه إلى ~~جانب هذا كان قد بدأ يتخوف رياضا لقوته وشدة سلطانه على الرغم من مشاركة رياض إياه في ~~تأييد النظام المطلق؛ لذلك بدأت الوزارة تضعف شيئا فشيئا على حين بدأ المتمردون من ~~رجال الجيش يزدادون قوة على أثر انتصار يوم قصر النيل، وينضم إليهم كثيرون من غير ~~العسكريين ويجاهرون جميعا بضرورة تشكيل مجلس النواب، وكان سامي البارودي من أصحاب هذا ~~الرأي ومن أقوى المحركين لعرابي ومن معه، بل كان هو روح الحركة ومحورها. # وبرغم ضعف الوزارة وشعور الخديو بمعارضة عنصر قوي في البلاد لها فإنه أراد أن يقاوم ~~هذه المعارضة بالشدة؛ لذلك عمد إلى عزل سامي البارودي من وزارة الحربية وإلى تعيين صهره ~~داود باشا يكن مكانه، وأراد داود باشا قمع الحركة، فأمر بمنع اجتماع الضباط وبث عليهم ~~الأرصاد والعيون، ولما عاد الخديو من الإسكندرية أمر الوزير الجديد بإجراء تنقلات بين ~~الألايات شعر معها عرابي وأصحابه بأن المراد تشتيتهم للتنكيل بهم بعد ذلك، فرفضوا تنفيذ ~~الأمر وأبلغوا الخديو بأن الجيش سيحضر بتمامه إلى عابدين لإبداء اقتراحات تتعلق بنظام ~~الحكم في البلاد وبشئون الجيش وتحسين حاله. # ترى ماذا يفعل توفيق بإزاء هذه الحركة وهي حركة تمرد عسكري صريح؟! أتراه يترك الأمر ~~لوزارته فيصرح أن عليها حفظ النظام والأمن؟ أتراه يدعو إليه كبار رجال الدولة وأعيانها ~~في مجلس عام لينظر في الأمر؟ أتراه يأمر بتجريد المتمردين من رتبهم وألقابهم لكيلا يكون ~~لوزارته ولا لغيرها من رجال البلاد عليه فضل ويقف صلبا ينتظر النتائج كائنة ما تكون؟ ~~كلا، فهذه كلها حلول تحتاج إلى عزيمة وإلى قوة جنان وإلى شعور بالمسئولية واستعداد ~~لمجابهة الخطر وجها لوجه، وتوفيق الضعيف لا يملك شيئا من هذا؛ لذلك عمد إلى وسيلة ~~عجيبة لا يعمد إليها سياسي، أخذ وزراءه وتوجه بهم إلى حيث تعسكر الألايات المتمردة يحقق ~~معهم ويستعطفهم، ثم ذهب بنفسه إلى القلعة حيث ألاي عرابي ليرجوه ألا يفعل ما اعتزم ~~فعله، لكنه وجد عرابي قد سبقه إلى عابدين فعاد هو الآخر أدراجه إليها. # وهناك ms060 في 9 سبتمبر سنة 1881 قام عرابي على رأس الجيش ممتطيا جواده مستلا سيفه ووقف ~~توفيق في شرفة عابدين يحيط به وزراؤه وقناصل الدول. # وبأمر توفيق أغمد عرابي سيفه وتقدم بمطالبه، وهي إسقاط الوزارة وتشكيل مجلس النواب ~~وزيادة عدد الجيش والتصديق على قانون العسكرية الجديد وعزل شيخ الإسلام، وربما كان ~~التصديق على قانون العسكرية أهم مطالب الجند، وربما اكتفوا به لو أن الخديو أجابهم ~~فورا إليه وأمرهم بالانصراف لكي تنظر حكومته فيما عدا ذلك من المطالب، لكن الخديو ~~اضطرب لساعته ورفض الطلبات جميعا مواجها خطر النداء بعزله وإعلان الجمهورية في مصر ~~على نحو ما كان يدور برأس عرابي وأصحابه، لكن وزراءه وقناصل الدول أشاروا على الخديو ~~بالعود إلى داخل السراي خشية أن تعجل مواجهة ما بين الرجلين الحوادث، وصار مستر كولفن ~~القائم بعمل المراقب الإنجليزي وقنصلا إنجلترا والنمسا رسلا بين الخديو وعرابي، وتصلب ~~عرابي التصلب كله وأشار بعض الحاضرين على الخديو - ومن بينهم مستر كلفن - أن يتشبث ~~بالرفض مؤكدين أن لن يصل رجال الجيش إلى أكثر من المظاهرة التي قاموا بها، لكن الخديو ~~أوصله ضعفه وعدم احتياطه إلى التسليم فسقطت وزارة رياض لساعتها ووعد الخديو بتنفيذ باقي ~~المطالب بالتدريج، ودعا إليه شريف باشا كي يشكل الوزارة الجديدة، ورفض شريف بسبب ما ~~أمامه من المصاعب وأخصها تمرد الجيش وعدم طاعته الأوامر، فلما أظهر عرابي استعداده ~~ورجاله للامتثال وللطاعة، ولما جاء عمد البلاد فكفلوا عرابي فيما قاله، ثم لما استشار ~~شريف حكومة تركيا وحكومات إنجلترا وفرنسا وكفل معاونتهم جميعا، بعد كل هذا شكل الوزارة ~~وأمر الضباط الثلاثة بأن يتفرقوا في أنحاء مختلفة من القطر، وبعث بعرابي إلى رأس الوادي ~~وباشر الحكم في حزم وأناة كانت البلاد يومئذ بحاجة أشد الحاجة إليهما. # وآنس توفيق نفسه في عزلة بعدما أذعن إلى الاستعانة بشريف الذي كان قد أقصاه عن الحكم ~~يوم طمع في الحكم المطلق على أثر وصول الفرمان بتثبيته في عرشه، وأحسبه هذه المرة كان ~~يود أن تطول عزلته وأن تظل الحكومة عاملة والأمن ms061 مستتبا وأن تجري الأشياء في نصابها، ~~فلا تزعجه العسكرية ولا غير العسكرية مرة أخرى، لكنه لم يلبث إلا قليلا حتى علم أن ~~الباب العالي أرسل وفدا برياسة علي نظامي باشا، ترى ما هي مهمة الوفد؟ الخديو لا يعلم، ~~وفرنسا وإنجلترا لا تعلمان، والوزارة العثمانية نفسها لا تعلم، لقد أرسله أمير المؤمنين ~~بإرادة شاهانية، فماذا عسى أن تكون هذه الإرادة؟ ونزل الوفد مصر في 10 أكتوبر سنة 1881 ~~بعدما احتجت إنجلترا وفرنسا على تركيا لإرسالها إياه من غير اتفاق معهما ولا مجرد إخطار ~~لهما، وجاء الوفد واحتفل الخديو به وأقام بمصر سبعة عشر يوما وعاد أدراجه، وكان كل ما ~~فعل أن أكد للخديو ثقة المتبوع الأعظم به، وإن أكد للجيش المصري في حديث دار بين نظامي ~~باشا وطلبة عصمت بمسمع من الجند أن حكومة الباب العالي لا تلوم الجند على ما فعلوا ~~وأنها ترى مصر في طمأنينة وسكينة. # بإزاء تصرف الوفد شعر توفيق كأن الدسائس التي كانت تحاك له خيوطها على ضفاف البسفور ~~بمعرفة حليم باشا تعاونه الأميرات قد آتت ثمراتها، وأنه لولا تأييد إنجلترا وفرنسا إياه ~~لكان معرضا لمثل ما تعرض له أبوه من قبل، ومن يدري؟ فقد يكون حليم باشا قبل أن تسترد ~~تركيا في فرمان توليته ما شاءت أن تسترده من الحقوق المكسوبة لمصر، فليزدد توفيق إذا ~~اعتمادا على فرنسا وعلى إنجلترا، وليخش في نفس الوقت تدخلهما، وليضطرب لذلك بين مختلف ~~العوامل، وليترك وزارته تجاهد وحدها للخلاص من حرج الموقف. # ودعت الوزارة لانتخاب مجلس شورى النواب كي تعرض عليه القانون النظامي لمجلس النواب، ~~وافتتحه توفيق بخطاب عرش ألقي في 26 ديسمبر سنة 1881 ورد عليه سلطان باشا رئيس المجلس، ~~وعرضت الوزارة القانون النظامي، فاختلف المجلس معها في أمر نظر الميزانية، ذلك أن ~~الحكومة كانت ترى احتراما للاتفاقات التي تمت بين الحكومة المصرية والدول الأجنبية أن ~~يكون الأمر الأخير في الميزانية للوزارة مع مراعاة إرادة النواب قدر المستطاع في حدود ~~هذه الاتفاقات، أما النواب فكانوا يريدون أن يكون رأيهم ms062 الأخير أو يسار على القاعدة ~~الدستورية من حل المجلس أو سقوط الوزارة، ولم يمكن التوفيق بين الرأيين، فكان ذلك سببا ~~في استقالة وزارة شريف باشا بتاريخ 4 فبراير سنة 1882 وحلول وزارة محمود باشا سامي ~~البارودي محلها مع تعيين عرابي باشا وزيرا للحربية فيها. # وفي أثناء قيام الخلاف بين وزارة شريف باشا ومجلس شورى النواب أرسلت الحكومتان ~~الفرنسية والإنجليزية مذكرة مشتركة إلى الخديو توفيق باشا تؤيدانه فيها في الخديوية ~~وفقا للفرمانات، وتعدان سكينة مصر مما يعنيهما لمصلحة رعاياهما، وتعلنان استعدادهما ~~لدفع ما يطرأ على الحكومة الخديوية من الأخطار، وكان منتظرا أن تحدث هذه المذكرة من ~~الأثر ما يضعف تمرد المتمردين، على أن تركيا احتجت على الدولتين لتخطيهما إياها ~~ومخاطبتهما الخديو مباشرة، كما علم العرابيون أن إنجلترا أبلغت فرنسا أنها برغم هذه ~~المذكرة تعتبر نفسها حرة في الخطة التي تتخذها تنفيذا لمقاصدها، وقوى ذلك من ساعدهم ~~وجعلهم أقل اكتراثا للحوادث وتقديرا لنتائجها، والواقع أن فكرة الثورة التي بدأها ~~الجيش كانت قد انتشرت في أنحاء البلاد جميعا وأن قمع تيار هذه الروح كان قد أصبح ~~متعذرا، وبخاصة مع وجود رئيس للدولة ضعيف ضعف توفيق. # واستمر مجلس النواب ينعقد إلى 26 مارس سنة 1882 حين صدر الأمر بانفضاض دوره ~~العادي. # وفي أعقاب انفضاض المجلس نظر عرابي إلى ما حوله موجسا خيفة مما يدبر خصومه له، ولم ~~تك إلا أيام حتى صدرت أوامر الحكومة بالقبض على عشرات الجراكسة ومن بينهم عثمان باشا ~~رفقي بتهمة ائتمارهم به وبزملائه وبالنظام الذي أقاموه، ومحاكمتهم أمام مجلس حربي ~~والحكم عليهم بالنفي إلى أقاصي السودان، وكان عرابي ومن معه مقتنعين بأن الخديو هو ~~المحرض على هذه المؤامرة، وزادهم اقتناعا رفض الخديو التصديق على حكم المجلس الحربي، ~~وعلى ذلك استعر الخلاف بين الخديو والوزارة، يصر الوزراء على تنفيذ حكم المجلس ويعترضه ~~رئيس الدولة، وأدى ذلك إلى تخوف فرنسا وإنجلترا على الرعايا الأجانب في مصر، فقرروا ~~إرسال بوارج إلى المياه المصرية للمحافظة على حياتهم ومصالحهم، وأعلنت فرنسا وإنجلترا ~~جميعا حرصهما على ms063 تأييد الخديو في مركزه، وفي ذلك إشارة إلى ما كانتا تتوقعانه من وصول ~~عرابي وأصحابه إلى استصدار قرار من النواب بعزله. # ولما اشتد الخلاف بين الوزارة والخديو دعت الوزارة الهيئة النيابية للاجتماع وتوسط ~~سلطان باشا رئيس المجلس وجماعة من كبار النواب معه يريدون الوصول إلى حل لهذا الخلاف، ~~وكان من الحلول التي قبلها الخديو أن يقال سامي البارودي من رياسة الوزارة وأن يحل محله ~~مصطفى باشا فهمي، لكن مصطفى باشا أبى، وبينما المحادثات دائرة بين النواب والخديو ~~والوزارة كانت البوارج الإنجليزية والفرنسية قد وصلت إلى المياه المصرية، وأعقبتها ~~الدولتان ببلاغ وجهه قنصلاهما في 25 مايو إلى الخديو يطلبان فيه سقوط الوزارة بتمامها، ~~وخروج عرابي من القطر المصري مع ضمان الدولتين رتبه ومرتباته ونياشينه، وإقامة علي فهمي ~~وعبد العال حلمي في الأرياف وإصدار الخديو بعد ذلك عفوا عاما عن جميع من كانت لهم يد ~~في المسألة. # وأبلغ الخديو وزراءه هذا الإنذار، فرفضوه بحجة أن ليس للدول شأن في مخابرة مصر إلا عن ~~طريق الأستانة، على أن الخديو أظهر رضاه عن الإنذار، فاستقالت الوزارة محتجة وقبل ~~الخديو استقالتها، ودعا شريف باشا لتشكيل وزارة جديدة، لكن شريف باشا رأى الموقف لا ~~يطاق فاعتذر كما اعتذر عمر باشا لطفي، وفي هذه الأثناء أوفد الباب العالي درويش باشا ~~معتمدا سلطانيا لينظر في الخلاف بين الخديو ووزرائه بل العرابيين جميعا، فإن هؤلاء ~~كانوا قد انتهوا إلى ضرورة خلع الخديو وتولية البرنس حليم مكانه، وكانوا يطمعون في نجاح ~~هذه السياسة لعلمهم أن تركيا تؤيدها. # وفي انتظار حل المشاكل وتعيين وزارة جديدة وطنية تفاقم الخطب واضطرب حبل الأمن، فاضطر ~~الخديو إلى أن يعين عرابي وحده ناظرا للحربية ليتولى أمر الأمن في البلاد. # ولم يشر الخديو من جانب المعتمد السلطاني بما يدل على استعداد تركيا إذا اقتضت الحال ~~للتدخل المسلح ولتأييده في مركزه برغم العرابيين؛ لذلك قبل الموقف كما هو وعين وزارة ~~إسماعيل راغب باشا على أن يظل عرابي وزيرا للحربية، وظل توفيق ووزراؤه في العاصمة، ~~وظلت أساطيل الدول ms064 في مياه الإسكندرية، وظل الناس يتحدثون فيما يمكن أن تؤول إليه ~~الأمور في زمن قريب، وكان أعجب المواقف يومئذ موقف تركيا، فقد اقترحت إنجلترا وفرنسا ~~أن ينعقد بالأستانة مؤتمر دولي للنظر في حالة مصر وإقرارها على صورة من الصور، لكن ~~تركيا رفضت رفضا باتا بدعوى أن الحالة في مصر عادية وأن النظام القائم لا خوف عليه، ~~وفيما الحديث بين الدول في أمر المؤتمر وانعقاده دائر وقعت فتنة الإسكندرية في ~~11 يونيو سنة 1882. # وليس يسيرا معرفة الأسباب الحقيقية ~~التي أدت إلى هذه الفتنة، أهي كانت حركة فجائية نتيجة تكدس هذا الثغر بالسكان وتزايد ~~الوافدين عليه بسبب الحال غير الطبيعية التي نشأت عن وجود البوارج في مياهه؟ أم هي كانت ~~بتدبير سابق من عرابي وأنصاره كما يزعم بعض الكتاب الإنجليز مؤيدين زعمهم بأن الحكومة ~~تباطأت في قمع الذين أثاروا الفتنة وبكثرة عدد قتلى الأجانب على قتلى المصريين زيادة ~~محسوسة؟ أم هي كانت على العكس من ذلك مدبرة من جانب الإنجليز على ما يذهب إليه عرابي ~~وأنصاره مؤيدين رأيهم بأن أمير الأسطول الإنجليزي كان مأمورا بالمحافظة على أرواح ~~الرعايا البريطانيين ومصالحهم، على خلاف أمير الأسطول الفرنسي الذي كان مكلفا ~~بالمظاهرة البحرية لتأييد سلطة الخديو؟ ومهما يكن من هذه الفروض فقد وقعت مذابح 11 ~~يونيو وحكومة الخديو بالقاهرة، فخف توفيق وعرابي والوزراء في اليوم نفسه وعقدوا مجلسا ~~عسكريا لتحقيق أسباب الفتنة وجعلوا على رأسه عمر باشا لطفي محافظ الإسكندرية الذي ~~اتهمه الإنجليز بالتهاون في قمعها، وبلغوا من اتهامه أن انسحب المحامي الإنجليزي الذي ~~حضر تحقيق المجلس العسكري بأمر القنصلية البريطانية. # وبقي الخديو وحكومته بالإسكندرية ~~يريدون إعادة الأمن إلى نصابه، وكان توفيق يومئذ في مركز لا يحسد عليه، فهو لم يكن ~~يأمن جانب تركيا، وكان يعتقد اعتقادا جازما أنها تعارضه وتؤيد المتمردين عليه رجاء ~~الوصول يوما من الأيام إلى خلعه وإقامة حليم باشا مكانه، وهو لم يكن يأمن العرابيين ~~لما كان يعتقده من بغضهم إياه واتفاقهم مع السياسة التركية في التخلص منه، وهو مع ~~اعتماده ms065 على تأييد فرنسا وإنجلترا كان يخشى ألا يتخطى أمرهما التأييد المعنوي، فإذا ~~فوجئا بالأمر الواقع من عزله لم يقوما بعمل لتثبيته في عرشه، ثم هو لم يكن يثق حتى ~~بالجراكسة من وزرائه؛ لأنه شعر بالقوة المصرية تتغلب على كل شيء في البلاد ~~وتبتلعه. # وتجسم الشعور بهذه القوة القومية في رأس عرابي وأعوانه حتى دفعهم إلى تقوية حصون ~~الإسكندرية استعدادا لدفع الغارة البحرية عليها، ومع أن الدول كانت قد تخطت معارضة ~~تركيا في عقد مؤتمر الأستانة لحل المسألة المصرية وانعقد المؤتمر في العاصمة التركية ~~فعلا برئاسة لورد دفرين سفير إنجلترا لدى الباب العالي، وكان طبيعيا أن يكف الجميع ~~عن تعقيد المسائل في مصر حتى يصدر المؤتمر قراره، فإن تحصين قلاع الإسكندرية استمر، كما ~~أن الأميرال سيمور الإنجليزي أبلغ الخديو بأنه مضطر إذا لم تقف التحصينات إلى ضرب قلاع ~~الإسكندرية بالمدافع، وعلى الرغم من احتجاج ممثلي الدول على بلاغ الأميرال ومن إنكار ~~طلبة عصمت الاستمرار في التحصينات ومن أن تسوية المسألة كانت ممكنة لو أن فرنسا شاركت ~~في الضغط المعنوي على الحكومة المصرية كي تنتظر قرار مؤتمر الأستانة فإن الأميرال سيمور ~~أصر على قراره، وقررت وزارة فريسنيه انسحاب الأسطول الفرنسي إلى بورسعيد. # ماذا يفعل توفيق ومقامه بسراي رأس التين يجعله معرضا لقنابل مدافع البوارج؟ لقد طلب ~~إليه المستر كلفن أن ينتقل إلى بارجة أمير البحر الإنجليزي لأن غرض الأسطول الإنجليزي ~~تأييد ملكه، لكن توفيق كان يعلم أن التجاءه وهو أمير هذه البلاد التي تطلق النار عليها ~~إلى أساطيل مهاجميها يعرضه لعزل تنفرد إنجلترا بالاعتراض عليه بينا تشترك فرنسا والدول ~~الأخرى مع تركيا في تأييده لما كان لفرنسا من ضلع ظاهر مع العرابيين ومع حليم باشا؛ ~~لذلك رأى الاستسلام للمقادير وقال لمستر كلفن ما مؤداه: # إني لا أبرح مكاني ولو وقعت الواقعة وأطلقت المدافع على الإسكندرية، فإن لي ~~من رعيتي قوما أمناء لم يخونوني بل خدموني بأمانة وصداقة، فلا يصح أن أتركهم ~~أوان الشدة لأنجو بنفسي، ولا يليق بي كذلك أن أترك البلاد ms066 في وقت الحرب فإن في ~~ذلك عارا عظيما. # واكتفى بالانتقال هو ودرويش باشا إلى قصر الرمل بعيدا عن مرمى المدافع. # وفي صباح 11 يوليو سنة 1882 أطلقت البوارج الإنجليزية مدافعها على حصون الإسكندرية ~~فجاوبت الحصون بإطلاق مدافعها، على أن الموقعة لم تدم لأكثر من الساعة الحادية عشرة قبل ~~الظهر، إذ صمتت نيران الحصون ودك بعضها دكا وشعر العرابيون بأن ما توهموه من قوتهم ~~على مقاومة البوارج الإنجليزية لم يكن إلا وهما، على أن ذلك لم يفت في عضدهم ولم ~~يوهن من عزيمتهم إذ اعتقدوا أنهم يستطيعون أن يعسكروا في كفر الدوار ليعودوا بعد زمن ~~إلى مهاجمة الإسكندرية. # وعلى ذلك قرر عرابي ومن معه الانسحاب من الثغر بعد أن أيقنوا من أن الخديو الذي رفض ~~الالتجاء إلى بوارج الإنجليز قد سر لانتصارهم، وأنه لذلك قد صار خصما ظاهرا للثائرين ~~عليهم، وفيما كانت المدينة تحترق بفعل الجماهير الثائرة والعساكر المقيمة مع عرابي عاد ~~الخديو من سراي الرمل حيث كان سجينا تحت أمر رجال عرابي إلى سراي رأس التين حيث ~~استقبله الجند الإنجليز على بابها وحيث استقبله الأميرال سيمور وعدد من رجاله ~~داخلها. # وكان في الوقت متسع ما يزال لإخماد نار الفتنة في مصر لو أن تركيا لم تكن متأثرة ~~بسياسة فرنسا حريصة على تأييد الثائرين، فقد طلب إليها لورد دفرين - بناء على تعليمات ~~حكومته - أن تعلن أن عرابي عاص وتؤيد سلطة الخديو واستعدادها لإرسال قوة لقمع العصيان ~~وإعادة النظام، لكن تركيا أبت أن تخطو هذه الخطوة، وطلبت إنجلترا إلى فرنسا أن تشترك ~~معها في الدفاع عن قناة السويس، فأعلن الساسة الفرنسيون أن قنال السويس بمأمن من أن ~~يهدده مهدد، والواقع أن عرابي ومن معه لم يفكر أحد منهم في تحصين بناحية القنال ~~اعتمادا منهم على حيدته وعلى تأكيد المسيو دلسبس بأن أية قوة محاربة لن تستطيع خرق ~~حياده، ورأت إنجلترا بإزاء ذلك كله أن الفرصة سانحة لأن تخطو خطوة جديدة في وادي النيل ~~بعد خطوتها الأولى التي أتمها دزرائيلي في سنة 1875 ms067 بمشترى أسهم القناة التي كانت ~~مملوكة لإسماعيل، فقررت التدخل المسلح منفردة، ولم تعبأ بحيدة القناة بل ذهبت أساطيلها ~~المقلة للجيش الذاهب إلى مصر قاصدة بورسعيد والإسماعيلية فاحتلتهما من غير أية مقاومة ~~ولا أي احتجاج، وعسكرت القوة الإنجليزية يوم 22 أغسطس في الإسماعيلية، وفي هذا الظرف ~~وبعد فوات الفرصة أعلنت تركيا عصيان عرابي وأيدت توفيقا في عرشه، لكن توفيقا كان قد ~~انضم إلى السياسة الإنجليزية وعزل عرابي من نظارة الحربية واعتبره ثائرا، وقامت في مصر ~~إذ ذاك حكومتان: حكومة توفيق يؤيدها فريق من المصريين وتؤيدها إنجلترا، وحكومة الثورة ~~تخضع لها البلاد كلها، لكن هذه الحكومة الثانية لم يطل أمرها؛ فقد انهزم عرابي وجنده في ~~موقعة التل الكبير يوم 12 سبتمبر ودخل الإنجليز القاهرة في الخامس عشر من هذا الشهر ~~نفسه. # وعاد توفيق إلى عاصمة ملكه في 25 سبتمبر سنة 1882 يصحبه الدوق أوف كنوت والجنرال ~~ولسلي والسير إدورت مالت، وكان توفيق يظن أن قضاء إنجلترا على الثورة باسم تأييد مركزه ~~معناه عوده للحكم وتولي أمور البلاد على ما تجيزه الفرمانات، ولعله لم يخطر بباله أن ~~انتصار إنجلترا في التل الكبير ودخول الجيوش الإنجليزية إلى عاصمة ملكه قد قدر له أن ~~يكون معناه القضاء على سلطته بنقلها من يده إلى يد هؤلاء الذين ثبتوه في عرشه، ولعله لم ~~يخطر بباله أن عودته إلى مقر سلطانه محاطا بالأمير وبالقائد وبقنصل إنجلترا سينتهي لا ~~ريب إلى أن تكون الحوادث العرابية آخر ما خبأ القدر لتوفيق من نشاط، ولئن كان عرابي ~~سيحاكم وسينفى إلى سيلان فإن ولي عرش مصر لن يكون أعظم من عرابي سلطانا برغم مقامه في ~~قصوره وسط عاصمة ملكه. # فبرغم تبليغ اللورد دوفرين الباب العالي عقب موقعة التل الكبير أن الحكومة البريطانية ~~تفكر في سحب جنودها من مصر ما دام النظام قد استتب فيها فإن حكومة جلالة الملكة رأت عقب ~~انتصارها على الثوار أن يكون مصير الثوار بيدها لا بيد حكومة الخديو، أليست هي التي ~~تغلبت عليهم وقهرتهم؟ وإذا كان الخديو وأنصاره ms068 يرون طبيعيا أن يقضى على عرابي وكل ~~من معه بالإعدام جزاء فشلهم في ثورتهم، فإن إنجلترا تنظر للأمر نظرة أخرى؛ ولذلك أبلغ ~~القنصل الإنجليزي الخديو ألا يتصرف في أمر الثائرين قبل حضور اللورد دوفرين إلى مصر، ~~وكانت حكومته قد انتدبته «لينصح إلى حكومة الخديو بالوسائل الواجب اتباعها لإعادة سلطة ~~سموه»، وكان أول ما صنعه لورد دوفرين أن طلب الإفراج عن المئات الذين اكتظت بهم السجون ~~باعتبارهم ثائرين عدا خمسة هم: عرابي وطلبة ومحمود سامي ومحمود فهمي وعلي فهمي، ومع أن ~~القوانين التركية للمجالس العسكرية لم تكن تبيح حضور محام عن المتهمين فقد جاء محاميان ~~إنجليزيان هما مستر نابير ومستر برودلي، وبعد صدور الحكم بالإعدام استبدله الخديو عملا ~~بنصيحة قنصل إنجلترا - ونصيحته عند توفيق أمر محترم - بالنفي المؤبد. # وكان لا بد لانسحاب الجنود الإنجليزية من أن تستريح إنجلترا إلى انتظام الجيش المصري ~~انتظاما تطمئن معه إلى عدم تهديد الأمن مرة أخرى، وأن تطمئن إلى شيء آخر هو ألا تتعرض ~~مصر لغزو دولة أخرى إياها غزوا يعرض قناة السويس إلى الخطر، وغير مرة أعلنت إنجلترا ~~استعدادها للجلاء عن مصر وسحب جنودها منها متى اطمأنت إلى هذه الغايات، وهذه ثمان ~~وأربعون سنة مضت منذ الاحتلال ولما تهتد الحكومة البريطانية - على الأقل - إلى ما ~~يطمئنها على ألا تغزو مصر دولة أخرى أو أن تتعرض قناة السويس الدولية للخطر! # على أنها رأت في ذلك التاريخ وبعد مشورة اللورد دفرين أن تنظيم الحكم في البلاد على ~~قاعدة العدل هو أقرب الوسائل لتحقيق الأغراض التي تريد أن تتحقق لتجلو عن وادي النيل، ~~فأمرت، أستغفر الله، فنصحت أن يلغي توفيق قانون مجلس النواب ويستبدل به قانون مجلس ~~الشورى والجمعية العمومية، وأخذت بيدها مقاليد مالية البلاد، ونحت فرنسا قدر المستطاع ~~عنها، ودعت إلى عقد مؤتمر لاستبدال نظام التصفية بنظام آخر، وجعلت تتغلغل في شئون الحكم ~~شيئا فشيئا حتى وضعت يدها على كل شيء وعلى توفيق من بين ما وضعت يدها عليه. # وسر توفيق بهذه الحال الجديدة واطمأن أشد الاطمئنان ms069 لها، بل لقد بلغ من إخلاصه ~~لإنجلترا أن كان لا يكتم على ممثلها سرا من أسرار وزارته، روى أحد الذين حضروا ذلك ~~العصر أن رياض باشا اتفق مع زملائه مرة على أن يعقدوا مجلس وزارة لا يحضره المراقب ~~الإنجليزي كلما أرادوا النظر في شئون تعني مصر وحدها، وأبلغ رئيس الوزارة توفيقا هذا ~~الخبر، ثم لم يكن بأكثر من دهشة رياض حين نبهه قنصل إنجلترا العام إلى أنه كان يعتقد ~~فيه الصراحة، وروى له ما أخبر هو به الخديو من قبل. # ولم يكن يدور بخاطر توفيق شيء من أمر جلاء الجنود البريطانية عن مصر برغم إلحاح ~~السياسة الفرنسية فيه بعد إذ رأت نفوذها في وادي النيل يتقلص، وكيف تريد توفيقا أن ~~يؤيد السياسة الفرنسية وقد كانت منضمة للعرابيين ضده في ظروف كثيرة، وكانت تعطف على ~~فكرة تعيين حليم باشا في منصب الخديوية ؟! وإذا فليصنع الإنجليز لتنظيم أمر البلاد ما ~~يشاءون، ليقرروا ثلاثة ملايين من الجنيهات تعويضا لمن أصابهم ضرر من جراء فتنة ~~الإسكندرية، وليوطدوا نظام الحكم الذي يرون توطيده في مصر، وليوفدوا إلى السودان ما ~~يشاءون من الجيوش لقمع ثورة المهدي، وليقرروا الانسحاب من السودان وإخلاءه فيأبى رئيس ~~وزارته شريف باشا ويقبل نوبار الوزارة والانسحاب - ليصنعوا بمصر ما شاءوا وليعينوا من ~~الوزراء من شاءوا، فلن ينسى توفيق لهم فضل تثبيته على عرشه ولن يكون لهم إلا أخلص ~~المخلصين. # ولعل ما كتبه لورد كرومر عن توفيق وخلقه خير ما يوضح لنا مبلغ اطمئنان توفيق للحالة ~~الجديدة، حالة الاحتلال الإنجليزي، قال جنابه ما مؤداه: # ما أحسب خير أصدقاء توفيق يذهبون إلى أنه كان رجلا عظيما أو خديويا ~~مثاليا، فالواقع أنه لم يكن من العظمة في شيء، ولقد كان مكتفيا بزوج واحدة ~~فضرب بذلك مثلا صالحا لأهل بلاده، وكان أبا صالحا نشيطا معنيا بحسن ~~تربية أولاده، وقد اشتهر بالتقوى ولكنه كان خلوا من أية ظاهرة للتعصب مما ~~يصطبغ به أتقياء «المسلمين» ووصلت تقواه بينه وبين رعاياه المسلمين وكانت لذلك ~~عاملا سياسيا له بعض الخطر، ms070 وكان بالقياس إلى من حوله مستقيما وفيا، وكان ~~كأكثر أهل بلاده يخاف المسئولية ويجتهد ما استطاع ليلقي كل ما يقدر على إلقائه ~~منها على أكتاف الآخرين، فكان يشكو من كثرة عدد الأوربيين في الحكومة المصرية، ~~فإذا قصد إليه أوربي يلتمس منصبا أجابه بأنه يكون سعيدا لإجابة الطلب، ولكن ~~سلطة بريطانيا تمنعه من السير بما يمليه عليه قلبه، وكان عديم النشاط يعوزه ~~الابتكار، ولكنه كان إذا اضطر إلى أن يقر قرارا أبدى في غير قليل من الأحيان ~~ما يدل على الكرامة وحسن التقدير وبعد النظر، وكان طيب القلب حتى يكاد في بعض ~~الأحايين يبدي من الاعتراف بالجميل عما قدم إليه من خدمة ما يندر أن يكون من ~~صفات حاكم شرقي، وكان يظهر أعمق المقت لكل أنواع التحكم والإرهاق والقسوة، ولم ~~يكن أبدا مسئولا شخصيا عن عمل من هذه الأعمال، وإن كان تباطؤه وإهماله قد ~~اتاح ارتكاب كثير من الظلامات باسمه، ولم يكن متعلما تعليما عاليا، وقل أن ~~قرأ كتابا، ولكنه كان يطلع على الصحف ويتحدث مع رجال من كل طراز ومكانة، وكان ~~متوسطا في إدراك الحوادث التي تلقى إليه وفي تتبع المناقشة التي تحدث أمامه، ~~أما من حيث حدة الذكاء فربما كان فوق متوسط أهل بلاده. # وإذا لم يكن عظيما في الرجال فهو لم يكن خديويا مثلا، فلو أنه كان رجلا ~~قوي الإرادة سامي الخلق حاد الذكاء لوضع نفسه على رأس حركة الإصلاح في مصر، ~~ولظهرت سلطته، ولما توقدت غيرة الإنجليز الذين كانوا موظفين في حكومته، على أنه ~~مع ذلك كانت له الفضيلة السلبية أنه لم يكن ملوثا برذائل الحاكم الشرقي، وهو ~~إذا لم يكن قد قام بالفعل بشيء في حركة إصلاح فكفاه أنه كان مغتبطا لقيام ~~آخرين بدله بهذه الحركة، وهو إذا لم يكن قد ساق غيره في سبيل الخير فكفاه أنه ~~اتبع الغير في هذا السبيل، وأشهد أني اقتنعت برأيه في أحيان أكثر من التي اقتنع ~~هو فيها برأيي عند وجود خلاف بيننا. # وهذا الحكم يبين للقارئ السبب في ms071 أنا لم نقف بعد حوادث الثورة العرابية عند شيء من ~~حياة توفيق، فقد كانت حياة عادية لا تتخللها الحوادث لأنه لم يكن له في الحوادث يد ولا ~~تصريف، وبقي كذلك إلى أن توفي في سنة 1892 غير محمود ولا مذموم. ~~••• # والآن فهل على توفيق تبعة في الحوادث الجسام التي حدثت أول أيام حكمه والتي أدت بمصر ~~إلى موقفها الحاضر؟ هذا ما لا يصعب الجواب عليه، فعلى توفيق التبعة إذا كانت على إنسان ~~تبعة ضعف نفسه واضطرابه بين قوى لا سلطان له عليها، وإنما التبعة أكبر التبعة على ~~الحوادث التي أحاطت بتوفيق فكان لضعفه لا يملك تحويرها بما يتفق ومصلحة بلده، إنما ~~التبعة على تركيا، وعلى فرنسا، وعلى إنجلترا، وعلى عرابي، وماذا يستطيع ضعيف قصير النظر ~~كتوفيق أن يصنع بين هذه القوى جميعا إلا أن يترك نفسه يتقاذفه موج الحوادث ليصل بملكه ~~وبلاده إلى ما وصلا إليه! # | محمد قدري باشا # نقلت هذه الصورة عن مجلة المقتطف الغراء. # من الكتب ما ينبه ذكره ويعظم أثره بمقدار يجني على ذكر المؤلف حتى ليكاد يعفي ~~خبره، من هذا الطراز كتب ثلاثة ما يغيب اسم واحد منها عن ذاكرة محام ولا قاض ولا طالب ~~حقوق ولا رجل من رجال الشرع الإسلامي، هذه الكتب الثلاثة هي: «مرشد الحيران إلى معرفة ~~أحوال الإنسان في المعاملات الشرعية على مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان»، وكتاب ~~«الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية»، وكتاب «قانون العدل والإنصاف للقضاء في مشكلات ~~الأوقاف»، بل إن معرفة هذه الكتب لا تقف عند رجال القانون والشرع، بل تمتد كذلك إلى عدد ~~عظيم من سواد الناس، فقد نظمت ثلاثتها أحكام الشريعة على مذهب أبي حنيفة في تقنين ذي ~~مواد يفي بحاجة كل من يهمه الوقوف على هذه الأحكام، إذ يجدها مبوبة مرتبة مدققا في ~~اختيار ألفاظها حتى تعني مدلولاتها على صورة من التحديد الدقيق الذي يقضي به فن الفقه ~~القانوني، وهذه الكتب الثلاثة هي الأولى والأخيرة في بابها؛ ولذلك نبه ذكرها وعظم أثرها ~~وتناول الناس ما ms072 فيها بالدراسة، فإذا سألت أكثرهم عن واضعها قيل لك هو قدري باشا، لكن ~~أكثر الناس لا يعلمون من أمر قدري باشا إلا اسمه، وإلا أنه واضع هذه الكتب الثلاثة، وقد ~~يكون ذلك كافيا لتاريخه، فهذه الكتب الثلاثة هي في الحق أثر كاف لتخليد واضعه، وإذا ~~كان نابليون قد جعل من قانونه المدني عنوان مجده واعتبر ما إلى جانب ذلك من مجد النصر ~~والظفر وحكمه العالم ثانويا، فكتب قدري باشا في تقنين أحكام الشرع في المعاملات ~~والأوقاف والأحوال الشخصية عنوان مجد باق على الزمان. # لكن، من كان قدري باشا؟ وماذا كان تاريخ حياته؟ لا بد أنه كان فقيها عظيما من علماء ~~الأزهر معهد دراسة الشريعة الإسلامية وموضع العناية بها، فالرجل الفذ الذي يقنن شريعة ~~من الشرائع يجب أن يكون من أساطين رجال هذه الشريعة، فليس طبيعيا أن يخرج هذا المعهد ~~الألوف من العلماء والفقهاء ثم يكون من يقنن الشرع غيرهم! غير أن الواقع أن قدري باشا ~~لم يكن منهم ولم ينخرط في سلكهم، ولم ينضم إلى زمرتهم، وكتبه الفقهية هذه ليست كل ~~تواليفه وإن كانت أبقاها وأخلدها، فقد كانت تربيته ودراسته مدنية بحتة، وكانت الوظائف ~~التي تقلدها بعيدة عن أن تمس الأزهر الشريف أي مساس. # وقد ولد بملوي حوالي سنة 1821 من أب أناضولي هو قدري أغا الذي كان من أعيان بلد وزير ~~كوبرلي، وحين جاء إلى مصر أقطعه والي مصر بعض العزب بمركز ملوي على طريقة الالتزام التي ~~كانت معروفة يومئذ، فتزوج من مصرية أولدها ولده محمدا وأدخله مدرسة صغيرة بملوي، حتى ~~إذا أتم الدراسة بها بعث به إلى القاهرة في مدرسة الألسن حيث أتم بها دراسته وعين فيها ~~مترجما مساعدا. # وكانت مدرسة الألسن هي المعهد الذي أسس لبث الثقافة الحديثة في مصر، فقد أدرك أهل ذلك ~~العصر إدراكا تاما أن المدنية الغربية قوية التيار جارفته، وأن الحضارة الإسلامية ~~التي يمثلها الأزهر أصبحت غير قادرة على الوقوف في وجه هذا التيار، كما أنها كانت قد ~~جمدت على تعاليم لا تقبل ms073 أن تطعم بالتعاليم الحديثة، فلا يمكن معالجة التوفيق بين ~~المذهبين، وكانت اللغات - أو الألسن على ما كانوا يسمونها يومئذ - هي موضع عناية مدرسة ~~الألسن الكبرى، فكانت تدرس فيها اللغات التركية والفارسية والفرنسية والإيطالية ~~والإنجليزية، وكانت العناية فيها باللغة العربية عناية فائقة يدل عليها ما وضعه الذين ~~تخرجوا منها وما ترجموه من كتب ومؤلفات كثيرة، قال قدري باشا صاحب هذه الترجمة في كتابه ~~(معلومات جغرافية) الذي نشر في سنة 1869: «وقد ترجم تلاميذ هذه المدرسة أكثر من ألفي ~~مجلد.» وأتى بأسماء كثير ممن ترجموا والفنون التي ترجموا كتبها الغربية، وكان القصد من ~~تعليم هذه (الألسن) والقيام من بعد ذلك بترجمة الكتب في مختلف الفنون نقل الحضارة ~~الغالبة إلى مصر ليتمكن أهلها من السير سيرة أهل أوربا، ولعل أكثر ما ترجم إنما ترجم عن ~~اللغة الفرنسية، فقد تأثرت مصر بالثورة الفرنسية الكبرى، كما تأثرت بها دول أوربا ~~المختلفة، وكان من أثر ذلك أن قام محمد علي باشا فيما بعد بحركة تشبه الحركة التي قام ~~بها نابليون في فرنسا، وكان مرجوا أن تؤتي خير الثمرات لولا أن تألبت أوربا على مصر ~~وحرمتها يومئذ ثمرات الظفر، كما وقفت بعد ذلك عائقا في سبيل تقدمها تقدما يرفعها إلى ~~الصف الذي يجب أن تشغله بين أرقى أمم الأرض وأقواها. # عين قدري باشا إذا مترجما مساعدا بمدرسة الألسن على أثر تمام دراسته بها، وكان ~~له ميل خاص لدراسة علوم الفقه ولمقارنة الشريعة الإسلامية بالقوانين الأوربية، فكان ~~لذلك يحضر بعض دروس الفقه بالأزهر، وكان مكبا على مطالعة كتب الشرع منذ حداثة سنه، ~~لكن آثاره في ذلك لم تظهر إلا بعد سنين طويلة، وبقيت الترجمة عمله الرسمي الذي كان ~~يتقنه أيما إتقان؛ ولذلك نقل من مدرسة الألسن إلى نظارة المالية مترجما لا مساعد ~~مترجم. # ولما احتل إبراهيم باشا الشام عين شريف باشا واليا لها، فأخذ هذا الأخير قدري باشا ~~(وكان ما يزال قدري أفندي) سكرتيرا له، ثم سافرا إلى الأستانة وعادا بعد ذلك إلى مصر ~~وظلا متلازمين حتى عين قدري ms074 باشا أستاذا للغتين العربية والتركية في مدرسة الأمير ~~مصطفى فاضل باشا، ثم اختاره الخديو مربيا لولي العهد، ثم عين بالمعية فالمعارف فمجلس ~~التجار بالإسكندرية فرئيسا لقلم ترجمة الخارجية. # وفي أثناء اشتغاله بالتدريس وضع عدة كتب في مواضيع مختلفة، لكن أكثرها كان في اللغة ~~العربية وأجروميتها ومفرداتها، وكان معاجم عربية-فرنسية، من ذلك (الدر النفيس في لغتي ~~العرب والفرنسيس) ويقع في سبعمائة صفحة، و(الدر المنتخب من لغات الفرنسيس والعثمانيين ~~والعرب)، و(أجرومية في اللغة العربية)، و(مختصر الأجرومية الفرنساوية) مترجمة إلى ~~العربية، و(المترادفات باللغة العربية والفرنساوية)، هذا عدا بعض كتب في التاريخ ~~والجغرافيا ككتاب (معلومات جغرافية مصحوبة ببعض نبذ تاريخية لأهم مدن مصر جمعت وترجمت ~~بالعربية لفائدة الشبيبة المصرية)، وهذا الكتاب ثم طبعه في سنة 1869. # يدل كثير من هذه الكتب على مبلغ تضلع قدري باشا في اللغتين العربية والفرنسية وعلى ~~مقدرته الفائقة في الترجمة؛ لذلك كان طبيعيا أن يدعى للاشتراك في التمهيد للعمل ~~التشريعي العظيم الذي كانت الحكومة المصرية تفكر فيه والذي كان مقدمة لانتشار المحاكم ~~المختلطة والمحاكم الأهلية، فقد كان القضاء المصري في ذلك العهد منوطا بالمجالس ~~الملغاة التي كانت تحكم بالعرف، وكانت تجمع من الرجال من قلت درايتهم بقواعد العدالة، ~~وإذ كانت مبادئ الثورة الفرنسية قد تسربت إلى مصر من طريق الحملة الفرنسية في سنة 1798 ~~ومن طريق الشبان المصريين الذين أوفدوا إلى فرنسا ثم عادوا إلى مصر، فقد اتجهت الفكرة ~~إلى تعريب القوانين الفرنسية التي وضعت أيام نابليون، وعهدت الحكومة إلى جماعة من أفاضل ~~المترجمين المصريين بهذه المهمة، فعرب القانون المدني الفرنسي رفاعة بك رافع وعبد ~~الله بك رئيس قلم الترجمة وأحمد أفندي حلمي وعبد السلام أفندي أحمد، أما قانون ~~المرافعات فعربه أبو السعود أفندي وحسن أفندي فهمي أحد مترجمي وزارة الخارجية، وعرب ~~قدري باشا قانون العقوبات، وعرب صالح مجدي بك قانون تحقيق الجنايات، وجمعت هذه القوانين ~~كلها وطبعت بالمطبعة الأميرية في سنة 1283ه. # وإذ كان ميل قدري باشا للفقه والتشريع يرجع إلى أيام الدراسة - على ما قدمنا - فقد ~~صادف ذلك ms075 العمل هذا الميل ودفع بصاحبه إلى التفكير في تقنين أحكام الشريعة الإسلامية، ~~وزاده إمعانا في هذا التفكير أن عهد إليه بالاشتراك في ترجمة قوانين المحاكم المختلطة ~~إلى اللغة العربية مع اللجنة التي أنشئت في وزارة الحقانية للقيام بهذا العمل تمهيدا ~~لوضع تشريع جديد للمحاكم الأهلية التي أزمع إنشاؤها من يومئذ، ولما كان التشريع ~~للمصرين يقتضي التوفيق بين أحكام القانون المختلط الجديد الذي أخذ عن القانون الفرنسي ~~وبين أحكام الشريعة الإسلامية التي كان عليها القضاء إلى يومئذ، فقد اشتغل قدري باشا ~~بهذه المقارنات، فوضع كتابا لم ينشر بعد وما تزال نسخته المخطوطة في دار الكتب المصرية ~~عن (تطبيق ما وجد في القانون المدني - الفرنسي - موافقا لمذهب أبي حنيفة)، وجاء في ~~مقدمته أنه «بيان المسائل الشرعية التي وجدت في القانون المدني مناسبة وموافقة لمذهب ~~الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان». # هذه الترجمة لقانون العقوبات الفرنسي ولقوانين المحاكم المختلطة وهذه البحوث المتصلة ~~في المقارنات بين أحكام الشرع والقانون المدني الفرنسي مضافة إلى ميله الأصيل؛ جعل من ~~قدري باشا فقيها في القانون، ولقد نقل من رياسة قلم ترجمة الخارجية مستشارا بمحكمة ~~الاستئناف المختلطة، وظل في منصبه هذا إلى أن عين وزيرا للحقانية في أول عهد المغفور ~~له محمد توفيق باشا، ثم استقال مع الوزارة وعاد بعد ذلك وزيرا للمعارف، ثم انتقل ~~وزيرا للحقانية من جديد، وعمل في منصبه هذا على وضع القوانين للمحاكم الأهلية التي ~~أريد إنشاؤها، واشترك بنفسه في وضع القانون المدني وقانون تحقيق الجنايات والقانون ~~التجاري، وفيما كان لا يزال ناظرا للحقانية صدرت لائحة ترتيب المحاكم الأهلية، ثم أحيل ~~إلى المعاش، وصدرت القوانين التي اشتغل في وضعها أيام كان فخري باشا ناظرا ~~للحقانية. # كان طبيعيا إذا أن ينصرف قدري باشا في الشطر التالي من حياته عن الاشتغال بما شغل ~~به في الشطر الأول - من ترجمة ونحو وصرف - إلى العمل في القانون والتشريع، وكان قدري ~~باشا من طراز الذين يتوافرون بكل قوتهم على العمل ولا يملونه؛ ولذلك وجه كل همه إلى ~~تقنين مذهب أبي ms076 حنيفة بوضع الكتب الثلاثة التي ما يزال اسمه مقرونا بها: (مرشد ~~الحيران) في المعاملات، و(الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية)، و(قانون العدل والإنصاف ~~في القضاء على مشكلات الأوقاف)، وقد ظلت هذه الكتب كلها مخطوطة إلى حين وفاته في 20 ~~نوفمبر سنة 1886 ولم تطبع إلا بعد الوفاة بسنوات طويلة، وهي مع ذلك التي خلدت ذكره وما ~~تزال سبب مجده، هي هذا الجهد العظيم الذي لم يضطلع به من رجال الشرع الإسلامي أحد، ~~فاضطلع هو به وأداه على خير وجوهه، واقتران اسمه بها دليل على أنها أثر خالد ~~حقا. # فلقد كان في أعماله الأخرى ما يكفي ليجعل منه واحدا من رجالات مصر وفي مقدمتهم، كان ~~يكفي اقتران اسمه بلائحة ترتيب المحاكم الأهلية وصدورها، وكان يكفي أنه تقلد الوزارة ~~ثلاث مرات في حياته، وكانت تكفي كتبه الأخرى، لكن مناصب الحكومة واقتران الذكر بقانون ~~من القوانين أو عمل عام ناب فيه صاحب الذكر عن الحكومة لا يخلد اسم صاحب المنصب إلا على ~~أنه اسم لا أكثر، اسم من هذه الأسماء التي قد تصل إلى المناصب بالرياء أو الخديعة أو ~~غير هذين من الأسباب الكثيرة الوضيعة التي يعتبرها بعض الناس حلية لهم وسلما يرتقون به ~~درجات الحياة، اسم مكون من حروف هجائية لا من أعمال جليلة، اسم جف على نقائص الحياة ~~يلاشيها الموت ولا نصيب له من خير يبقى على الحياة أثره، فأما هذه الكتب الثلاثة التي ~~لم تظهر إلا بموت مصنفها فقد أعادت اسمه إلى الحياة متألقا شديد الإشراق سقطت من حوله ~~حياة المادة وضعفها وبقيت له حياة الروح المتصلة بالكون من أزله إلى أبده. # ويقول الذين عرفوا قدري باشا أيام حياته إنه مع إكبابه على العمل أشد الإكباب لم يكن ~~من المتجهمين للحياة العابسين في وجهها، بل كان ظريفا غاية الظرف، وكان يتقن الضرب ~~على العود، وكان لا يأبى أن يجلس مع إخوانه خريجي مدرسة الألسن في حفلة طرب يسمعهم من ~~أنغام عوده ما يهون على النفس أعباء العمل، وإنك لتجد أولئك الذين ms077 وهبتهم الطبيعة من ~~قدرتها ما يجعلهم قوة عاملة ذات أثر خالد في العالم أحرص الناس على أن ينالوا من جوانب ~~الطبيعة الباسمة حظا يعينهم على أداء الواجب العظيم الذي فرض الوجود عليهم أداءه، ~~والذي يقتضيهم من الجهد ما ينوءون به لولا هذا الحظ القليل، وما كان لأحد أن يأخذهم ~~بذلك، وهو - أيا كان لونه - ليس إلا رياضة لنفوسهم وأعصابهم أن يبهظها الجهد أو يأتي ~~عليها الملال، وإذا أبهظ الجهد قوى الأفذاذ الذين يقيمون العالم وحضارته فقد آن ~~للملايين الذين يعيشون في كنف مواهب هؤلاء وينعمون بعلمهم أن تتحطم سعادتهم وأن تهدم ~~حضارتهم. # وكان من قسوة القدر على قدري باشا أن كف بصره وأن انطفأ نور عينيه، وكانتا قبل ذلك ~~ذواتي جمال وحدة، وقد سافر إلى النمسا أملا في معالجة نفسه من هذا المرض، ولم يمنعه ~~عدم نجاحه في هذا من متابعة عمله الذي أخرج للناس في تقنين الفقه الشرعي كتبه ~~الثلاثة. # وتوفي فأحدثت وفاته فراغا في عالم النهضة القومية، ولكن هذه النهضة كانت حين وفاته ~~في منحدر أدى بها إلى وقوف تيار النشاط العظيم الذي قام به هو وزملاؤه، فمن قبل سنة ~~1886 كانت مصر قد أصيبت في مطامعها في الحرية بضربة لا تقل قسوة عما أصيبت به على أثر ~~انتصارات محمد علي باشا على تركيا، وكانت أوربا هي صاحبة الضربة الأولى وصاحبة الضربة ~~الثانية. # ولن تزال كتب قدري باشا الثلاثة عنوان مجد لا يقل عظمة عن قانون نابليون، ولئن ينس ~~الناس من حياة قدري باشا كل شيء فلن ينسوا هذه الكتب الثلاثة، وهي كافية لتقيم مجد رجال ~~لا مجد رجل واحد. # | بطرس باشا غالي # لعلك إن طلبت مثلا أعلى بين بلاد العالم لشعب وديع هادئ لا ترى خيرا من مصر محققة ~~لهذا المثل، ثم لعلك إن طلبت مثلا أعلى لشعب طموح لا تفتأ أحشاؤه تضطرب بأسباب الثورة ~~على الحاضر تطلعا إلى الكمال وإلى العظمة والمجد؛ لا ترى خيرا من شعب مصر محققا لهذا ~~المثل، فقل أن عرفت مصر وسائل ms078 العنف في السعي إلى أغراضها، ولم يقع أن ذلت مصر ~~واستكانت ويئست من تحقيق هذه الأغراض، ولهذا الظاهر من التناقض في صورة الحياة المصرية ~~أثر كبير في قدر رجال مصر والآخذين بها لتحقيق مطامعها، فهي أبدا في نضال مع أمم غيرها ~~تريد قهرها وإذلالها، وهي أبدا لا تذل لقاهر وإن كانت ظروفها وكان تاريخها قد ألجأها ~~إلى ستر ثورتها الدائمة تحت ظاهر من الهدوء والسكينة؛ ولذلك كان حتما بحكم هذه الظروف ~~أن ينشأ فيها الرجل المحرك للعواطف يستنهضها وللهمم يحفزها، ولنشاط الجماهير يدفعه إلى ~~الغاية السامية التي تطمع مصر بحق فيها، وأن ينشأ إلى جانب هذا الرجل رجل آخر هو ~~السياسي الذي يعمل لتلافي الاصطدام بين اندفاعات الشعب وبين القوى الغالبة في مصر ~~اصطداما عجز الكل حتى اليوم عن تقدير نتائجه: أهو ينتهي إلى تحطيم قوة الغالبين وقيام ~~مصر إلى جانبهم قوية اليد كما أنها قوية النفس؟ أم هو ينتهي إلى تحطيم أمل النفس ~~المصرية في بلوغ المكانة التي تطمع فيها؟ وإذا تحطم أمل أمة فترت أجيالا بعد أجيال عن ~~بعثه واستعادته، حتى يكون ظرف جديد يعين على هذا البعث ويدفع إلى نفس الأمة الأمل ~~حارا قويا ينبض به قلبها ثم يتدفق ثورة قوية تخلع النير وتحطم القيود. # وكان هذان الرجلان - رجل الدعوة إلى المثل الأعلى ورجل السياسة والسلم - خصمين في ~~أكثر الظروف، وكانت الجماهير بطبيعتها نصيرة أبدا للمثل الأعلى لأنه غذاؤها في الحياة ~~بل هو ذاته حياتها، أما السياسي الذي يزن القوى ويفاضلها ويعمل للوصول إلى خير ما يمكن ~~أن تصل إليه بلاده فالحوادث اللاحقة هي التي تحكم عليه أو له، ولقد كان بطرس باشا غالي ~~سياسيا، وكان من أكثر المصريين اتصالا بحوادث عصره من ناحيتها السياسية، فلنجعل ~~للحوادث وحدها الحكم عليه، ولتكن كلمة التاريخ كلمة حق وإنصاف. ~~••• # ولد بطرس غالي بالقاهرة في 12 مايو سنة 1846 وتلقى دراسته الأولى في مدرسة حارة ~~السقايين التي أنشأها الأنبا كيرلس الرابع الملقب عند الأقباط بأبي الإصلاح، وبعد ثماني ~~سنوات أمضاها في ms079 هذه المدرسة انتقل إلى مدرسة مصطفى فاضل باشا، وكان له من الصلة بها أن ~~والده غالي بك نيروز كان يشتغل في دائرة مصطفى فاضل، فلما تخرج منها اشتغل مدرسا ~~بمدرسة حارة السقايين وظل مع ذلك يتلقى علوم الترجمة في مدرسة الترجمة التي أنشأها ~~المرحوم رفاعة باشا. # وكان في أثناء دراسته مثلا للذكاء ولقوة الذاكرة المنقطعة النظير، كان يكفيه أن يقرأ ~~ما يدرس له مرتين أو ثلاث مرات ليستظهره استظهارا تاما، ويسرت له قوة ذاكرته ~~العلم باللغات المختلفة، فقد أتقن العربية والفرنسية والتركية والفارسية، وهاتان ~~اللغتان الأخيرتان أتقنهما على أحد تجار خان الخليلي، إذ كان يتلقى عليه مقابل دفع ~~(شبرقته) له، ثم إنه تعلم اللغة القبطية بعد الثلاثين من سنه لمناسبة تدل - إلى جانب ~~قوة الذاكرة - على قوة في الإرادة امتاز بها، ذلك أنه سافر إلى إنجلترا فقابله أحد ~~العلماء العارفين باللغة القبطية، ولما علم أنه قبطي كلمه بها فلم يجبه، ولكنه لم يلبث ~~بعد أن عاد إلى مصر أن أكب على دراستها، فلم تمض ستة أشهر حتى كتب لصاحبه العالم ~~الإنجليزي خطابا بها. # وأعانه في الحياة إلى جانب ذكائه وقوة ذاكرته ومضاء إرادته صحة متينة كان يدل عليها ~~طول قامته وعضله المفتول، كما كان بريق عينيه بريقا عجيبا يدل على ذكائه وحيلته؛ لذلك ~~لم يكد يتخطى أوليات الشباب حتى عرفه أولو الأمر يومئذ وعهدوا إليه بأعمال ذات خطر ~~ومسئولية، فقد دخل في مسابقة حين كان مدرسا بمدرسة حارة السقايين انتقل بها إلى وظيفة ~~كاتب بمجلس تجار الإسكندرية الذي حلت المحكمة المختلطة بعد ذلك محله، وجعل يرتقي من ~~وظيفته هذه حتى صار رئيس كتاب المجلس الذي حكم سنة 1873 في قضية ضد مصلحة أحد المحسوبين ~~على إسماعيل باشا المفتش، وإذ كان مجلس التجار تابعا لنظارة الداخلية؛ فقد أوصل المفتش ~~الأمر إلى ناظرها شريف باشا وأبلغه أن بطرس غالي كان صاحب اليد في إصدار ذلك الحكم ~~الجائر، فدعا الناظر بطرس إليه فأعجبته مناقشته كما أعجب بمعرفته للغات؛ ولذلك نقله من ~~عمله وعينه ms080 رئيسا لكتاب نظارة الحقانية التي كلف شريف بإنشائها استعدادا لتطبيق نظام ~~الإصلاح القضائي الجديد. # وكانت سنة 1874 سنة نشاط كبير في الحقانية بسبب التحضير لإنشاء المحاكم المختلطة، ~~وكان المغفور له محمد قدري باشا مشتغلا بترجمة قوانين هذه المحاكم إلى اللغة العربية، ~~فانضم إليه بطرس وعني وإياه بتعريب التشريع الذي ما يزال أكثره ساريا في مصر إلى الوقت ~~الحاضر. # وأتاح له الاشتغال في التحضير للمحاكم المختلطة التعرف إلى رئيس النظار نوبار باشا، ~~فكان اتصاله به ذا أثر كبير في تكوينه السياسي، وما فتئ هذا الاتصال بينهما وثيقا ~~مستمرا داعيا إلى ثقة نوبار بباشكاتب الحقانية، حتى كان هو أول من اختاره ليكون ~~ناظرا للخارجية في وزارته التي ألفها سنة 1895 بعد أن اختاره رياض باشا قبل ذلك ومنذ ~~سنة 1893 ليكون ناظرا للمالية. # ويرجع اختيار رياض باشا إياه لوزارة المالية إلى سبب خاص، ذلك أنه لما انتهت الحكومة ~~المصرية من إنشاء المحاكم المختلطة في سنة 1875 كانت على أبواب الضائقة المالية التي ~~جرتها إليها الاستدانة الفادحة منذ أول حكم إسماعيل باشا في سنة 1863، ففي سنة 1876 صدر ~~القانون بتأليف صندوق الدين وبتعيين المراقبين الماليين، لكن هذا القانون لم يخفف من ~~وطأة الديون شيئا ولم يرفع من الضغط على دافعي الضرائب وإرهاقهم بأقسى وسائل الإرهاق ~~وأبعدها عن كل معاني الإنسانية، ثم استيلاء صندوق الدين على كل ما كان يحصل، حتى اضطرت ~~الحكومة إلى عدم دفع مرتبات الموظفين بما جعل أحد الإنجليز الموظفين فيها يومئذ يكتب ~~في مذكراته أنه قضى يومين لم يدخل فمه فيهما طعام لإعوازه إلى كل ما يسد به رمقه، وإذا ~~كان الدائنون الأجانب مع ذلك مصرين على اقتضاء مصر كل تعهدات ولي نعمتها، فقد انتهوا ~~إلى الاتفاق على تشكيل لجنة للفحص ثم لتصفية ديون مصر، وعين رياض باشا نائبا عن ~~الحكومة المصرية في اللجنة المذكورة وعين بطرس بك غالي السكرتير العام لنظارة الحقانية ~~مساعدا له، ثم عين رياض رئيسا للجنة، وعهد إلى بطرس بالنيابة عن الحكومة، وفي ذلك ~~الظرف الدقيق ms081 اضطر إلى أن يدرس من مباحث اللجنة ومن الشئون المالية ما مكنه من أن يضع ~~تقريرا عن نظام الضرائب في مصر كان بعد ذلك مرجعا ينقل عنه وحجة يعتمد عليها. # ولما انتهت الحوادث التي تلت تقرير لجنة المالية إلى إقصاء إسماعيل باشا عن العرش ~~فخلفه توفيق فيه كانت الحكومة قد بدأت تفكر في إلغاء المجالس القضائية القديمة وفي ~~إنشاء نظام قضائي جديد هو النظام القائم الآن، وإذ كان بطرس ممن عملوا في التشريع ~~للقضاء المختلط فكان طبيعيا أن يكون على رأس الذين يعملون للتشريع للقضاء الأهلي؛ ~~لذلك عين في سنة 1881 وكيلا للحقانية وألقي عليه عبء تنفيذ النظام القضائي ~~الجديد. # وإلى يومئذ كانت مناصب الحكم في أعمال الدولة لا يليها إلا المسلمون، فأما الأقباط ~~فكانوا يلون وظائف إنجاز أعمال الحكومة، فكانت المناصب الكتابية وما إليها مفتوحة وحدها ~~أمامهم، فأما القضاء وإدارة الأعمال فكانت وقفا على أبناء الأغلبية الدينية في البلاد ، ~~ويسير تفسير هذا التقسيم في ذلك الظرف الذي كان الحكم فيه للأتراك والذي كان الحاكم فيه ~~تابعا لدولة الخلافة الإسلامية، على أن بطرس غالي رأى في ذلك منافاة لروح الزمن، ~~وبخاصة في عصر بدأت مصر تنقل فيه النظم الأوربية بإنشاء المحاكم المختلطة وبخضوع ~~المصريين لقضاء جماعة لا يختلفون عنهم في الدين فقط، بل في الجنسية وفي اللغة أيضا؛ ~~لهذا عين حين وجوده في الحقانية عددا من الأقباط في وظائف القضاء، ولعل هذا التصرف وما ~~إليه من مثله هو ما دعا جماعة من الذين خاصموه في أثناء حياته لاتهامه بالتحيز لأهل ~~طائفته. # وبقي في وكالة الحقانية حتى عين ناظرا للمالية في سنة 1893، على أن أحوال مصر ~~السياسية تغيرت في هذه الفترة تغيرا كبيرا كان لبطرس بك غالي رأي فيه معروف، ذلك أنه ~~لما حدثت الثورة العرابية وانتهت إلى تدخل الإنجليز وهزيمة العرابيين في التل الكبير ~~وتشاورهم في الأمر كان من رأي بطرس أن يلتمسوا عفو الخديو وأن يركنوا إليه، وقد أوفده ~~القوم يومئذ بعريضة إلى الخديو توفيق فيها هذا المعنى، ومع ms082 أنه لم يظهر له عمل مباشر ~~في الثورة، مما يدل على أنه لم يكن من المطمئنين إليها، فإن التجاء العرابيين إليه يدل ~~على أنه كان موضع عناية الخديو توفيق وعطفه كما يدل من جهة أخرى على أن ذكاءه وفطنته ~~السياسية كانا موضع تقدير الذين التجأوا إليه ورأوا فيه خير واسطة للتفاهم بينهم وبين ~~الحاكم الذي ثاروا عليه. # وحياة بطرس باشا كانت كلها بعد ذلك حياة وساطة سياسية لم تكن الحاجة إليها ماسة أيام ~~حكم توفيق لما كان بينه وبين الإنجليز من تمام التفاهم، ولكنها كانت ضرورية وكانت منتجة ~~أيام حكم الخديو عباس الذي كان يثق به ويطمئن إليه في حل الخلاف الكثير الحدوث بينه ~~وبين لورد كرومر قنصل إنجلترا العام في مصر. # ولعل الحوادث التي مرت بمصر وشهدها بطرس باشا قبل أن يصل إلى منصب الوزارة كانت ذات ~~أثر كبير في توجيه سياسته وزيرا، فقد حضر نائبا عن الحكومة المصرية في لجنة التصفية ~~ووقف على ميول الأجانب وعلى أطماعهم، ثم رأى جهود إسماعيل للوقوف في وجه تدخلهم باسم ~~مصلحة الدائنين تنتهي إلى إقصائه عن العرش، ثم إنه حضر وشهد تطورات الثورة العرابية وما ~~آلت إليه من تشتيت الثوار والحكم على زعمائهم بالإعدام واستبدال ذلك الحكم بالنفي، وكان ~~بعد ذلك على اتصال بالمؤتمرات والمحادثات التي حصلت بقصد جلاء الجيوش الإنجليزية عن ~~مصر، وما كان من وعود الإنجليز في ذلك وتدخلهم برغم هذه الوعود في الشئون المصرية ~~ووضعهم يدهم على الإدارة المصرية، ثم كانت بعد ذلك حادثة فرمان الخديو عباس ووقوف ~~إنجلترا في وجه تركيا باسم الدفاع عن حقوق مصر، كما كانت حادثة الحدود واعتذار الخديو ~~عباس برغم اعتزازه بملكه الشاب للقائد كتشنر. # وبطرس باشا كان على ذكائه وقوة إرادته وسعة حيلته رجل سلم وعمل مطمئن؛ مما جعله ~~بعيدا عن الحركة العرابية إلى أن جاء دور السلم والوساطة، كما كان من طائفة الأقلية ~~الدينية في وقت كانت النعرة الدينية فيه متغلبة على كل نعرة أخرى، أضف إلى هذا كله ~~اتصاله بنوبار وتكوين ms083 عقله تكوينا سياسيا لا تكوين زعامة شعبية مقصور غرضها على ~~الدعوة للمثل الأعلى، هذه الظروف كلها تفسر لك سياسته من بعد ارتقائه إلى منصب وزارة ~~المالية في سنة 1893 وانتقاله إلى وزارة الخارجية بعد ذلك وبقائه فيها حتى مع تقلده ~~رياسة الوزارة في سنة 1908 برغم ما جرت به سنة الوزارات المصرية من تقلد رئيس الوزراء ~~لوزارة الداخلية. # وتشهد ظروف تقلده الوزارة بأنه كان - برغم ما قدمنا من ميله للسلم وللحيلة - موضع ثقة ~~الخديو الشاب عباس؛ فلقد كانت أول وزارة اختير بطرس لها وزارة فخري باشا التي أحلها ~~عباس محل وزارة مصطفى فهمي في سنة 1893 برغم لورد كرومر، والتي لم تبق لذلك في مناصب ~~الحكم غير يوم واحد، ثم إنه حل بعد ذلك محل ثقته أن رأى فيه خير وسيط يحل المشكلات التي ~~كانت كثيرة الحدوث بينه وبين لورد كرومر، على أن عمله في وزارة المالية وفي وزارة ~~الخارجية ظل عمل موظف أمين كفء حريص على بقاء المساواة في المعاملة بين المصريين جميعا ~~من غير تمييز بينهم بسبب الجنس أو الدين من غير أن يبرز ليكون محلا لحكم التاريخ، حتى ~~كانت سنة 1899 إذ وقع مع إنجلترا في 19 يناير اتفاقية السودان التي كانت بعض ما حاربه ~~به خصومه في حياته وبعض ما اتخذه قاتله إبراهيم ناصف الورداني حجة له في إقدامه على ~~ارتكاب جريمة القتل السياسي، والتي ما تزال موضع حنق المصريين عليها ونظر كثيرين منهم ~~لها على أنها عمل من أعمال خيانة الوطن. # وقد نعجب إذ نرى بطرس غالي ولم يكن في سنة 1899 إلا ناظرا للخارجية متضامنا مع سائر ~~زملائه النظار في سياسة الدولة العامة يحمل وحده وزر هذه الاتفاقية، فإخلاء السودان في ~~سنة 1884 بأمر إنجلترا واستعادة فتحه بعد ذلك بأمر إنجلترا أيضا لم يكن من عمل نظارة ~~الخارجية وحدها، بل كان من عمل مجلس النظار كله، وقد كان بطرس وزيرا للمالية في سنة ~~1893 مع فخري ثم مع رياض باشا الذي ألف الوزارة حلا ms084 للإشكال بين الخديو ولورد كرومر، ~~ثم انتقل وزيرا للخارجية لما شكل نوبار الوزارة في سنة 1894، وظل في منصبه بعد ~~استقالة نوبار وحين شكل مصطفى باشا فهمي الوزارة من جديد، وفي هذه الأثناء كانت الأعمال ~~لاستعادة السودان جارية حتى سقطت الخرطوم وأم درمان وتمت استعادة السودان في سنة 1898، ~~فهل يسأل وزير الخارجية وحده إذا هو وقع بعد ذلك اتفاقا باسم حكومته؟! # كان خصومه يقولون: ولكنه المسئول الأول والمباشر، فهو الذي وقع باسمه وبيده، ثم إنه ~~فضلا عن ذلك كان أكثر من كل الوزراء الذين معه مسئولية لأنه كان أقواهم وأذكاهم ~~وأقدرهم، بل لعله هو الذي أقنعهم بالقبول، وماذا تريد من مصطفى فهمي والذين كانوا معه ~~وهم كانوا مثل الاستماتة والضعف، لقد كان بطرس هو العنصر القوي الوحيد فيهم، فهو لذلك ~~مسئول دونهم، ثم لنقل الحق أيضا: إن بطرس قبطي وكان للأقباط زعيما، والأقباط كانوا ~~يومئذ وفي نظر دعاة الحركة الوطنية المصرية متهمين بممالأة الإنجليز على بلادهم، فبطرس ~~إذا قد وقع اتفاقية السودان ممالأة للإنجليز وتفريطا في حقوق بلاده. # كذلك كان يقول خصوم بطرس، وكذلك ما يزال البعض يحسب، ولو في دخيلة نفسه، حرصا على ~~وحدة الأمة المقدسة في الأيام الحاضرة، لكن للتاريخ حكما آخر تجب المجاهرة به ~~إحقاقا للحق، فمصر يوم اتفاقية السودان كانت تابعة لتركيا وكانت لا تستطيع أن تمضي ~~اتفاقا تنقص به من سلطتها أو سيادتها على أي جزء من الأجزاء التابعة لها، أو التي كانت ~~تابعة لها وعادت إليها، وقد أبلغت الحكومة المصرية حكومة الباب العالي أن إنجلترا تريد ~~أن تتفق مع مصر اتفاقا مقصورا على إدارة السودان؛ لتتمكن بذلك من إلغاء الامتيازات ~~الأجنبية فيه، ولتستطيع بما تبيحه لها الشركة في الإدارة أن تسهر على أملاكها الأفريقية ~~من غير أن يضر ذلك حقوق مصر في السودان باعتباره ولاية منها تابعة لحكم الخديو، وبالرغم ~~من تكرار الكتابة في هذا الأمر إلى الحكومة التركية فإنها لم تحرك ساكنا ولم تشر ~~بنصيحة ولم تظهر مجرد استعدادها لتعضيد مصر إذا هي وقفت ms085 بإزاء إنجلترا موقفا خاصا، ~~وعلى ذلك ألفت مصر نفسها وحيدة بإزاء إنجلترا مضطرة أن تحل معها هذه العقدة بعد أن كانت ~~فرنسا قد ضربت قبيل ذلك في حادثة فاشودة بما قطع كل رجاء في مداخلتها كما انقطع الرجاء ~~في مداخلة غيرها من الدول، مع هذا لم يخرج اتفاق يناير سنة 1899 السودان من ولاية ~~صاحب عرش مصر ولم يجعل إنجلترا شريكة فيه، بل هو اتفاق مقصور على إدارة السودان بنصه ~~وبتفسير لورد كرومر وغير لورد كرومر من كتاب الإنجليز وساستهم إياه وبتنفيذه في ~~المدة التي تلت عقده، فقد كان حاكم السودان العام - برغم أنه حاكم عسكري في بلاد خاضعة ~~للحكم العرفي - لا ينفذ أمرا ولا ينشر قانونا إلا بعد أن يبعث به إلى مجلس النظار في ~~القاهرة، وبعد أن يرد المجلس إليه الأمر أو القانون أو الإرادة السنية كما هي أو منقحة ~~بما تراه الوزارة المصرية، فإذا كان قد حدث بعد ذلك أن استفادت السلطة الإنجليزية من ~~ضعف الوزارات التي وليت الحكم في مصر وأن مدت ادعاءاتها إلى أكثر مما يبيحه اتفاق سنة ~~1899، فليس الذي وقع الاتفاق المذكور في الظروف التي أشرنا إليها مسئولا عن شيء ~~منها. # هذا هو حكم التاريخ، وهو الحق في أمر اتفاقية السودان وموقف بطرس باشا غالي منها، على ~~أن ما تلاها من نشاط الحركة الوطنية بزعامة المغفور له مصطفى باشا كامل ومن طعنها على ~~المعاهدة واتخاذها ذريعة للهجوم والمقاومة؛ جعل الوزارة المصرية أشد ميلا للتفاهم مع ~~الإنجليز تفاهما يخفف من حدة هذه الحركة إن كان ذلك مستطاعا، ويقف في وجه طغيانها على ~~النظام وعلى الأمن إذا خشي منها عليهما، ويعطي لاتفاقية السودان معنى غير معناها الأول ~~يخول إنجلترا فيه سلطانا لم يقصد الاتفاق تخويلها إياه. # وكانت الحركة الوطنية في ذلك الحين متجهة إلى الاستفادة من خلاف الدول، معتمدة على ما ~~يمكن أن يكون لتدخل فرنسا من قيمة في تحرير مصر، وبرغم فشل مرشان عند فاشودة وانسحابه ~~وتضعضع سلطان فرنسا لهذا السبب، فقد ظلت أنظار مصطفى ms086 كامل ورجال الحزب الوطني متجهة صوب ~~باريس حتى سنة 1904 حين عقد الاتفاق الودي الذي التزمت به فرنسا ألا تعترض إنجلترا في ~~مصر، فلما تم هذا الاتفاق شعر المصريون جميعا بازدياد مركز إنجلترا في مصر قوة، وكان ~~النظار المصريون المتصلون بالسلطة الإنجليزية في مصر بسبب مراكزهم أكثر من غيرهم شعورا ~~بهذه القوة، بل إيمانا بها واستعدادا لتقديم القرابين لتهدئة ثوائر غضبها. # وفي هذه الظروف بلغ سلطان إنجلترا في مصر أوج قوته، فلم يكن أمر ما - بالغة ما بلغت ~~تفاهته - يبرم أو ينقض من غير إقرارهم عن طريق موظفيهم الذين احتلوا كل مناصب ~~الدولة الرئيسية والذين كانت لهم الكلمة النافذة على الموظفين المصريين مهما يكن منصب ~~الموظف الإنجليزي صغيرا ومنصب الموظف المصري كبيرا، كان تلغراف جرانفل - الذي يقرر أن ~~مشورة إنجلترا واجبة الاتباع في مصر - لا يقف عند ما تبديه الدولة المحتلة عن طريق ~~عميدها من رأي، بل يمتد إلى المستشار الإنجليزي وإلى مفتش الداخلية وإلى ملاحظ الطرق ~~وإلى كل إنجليزي أيا كانت مكانته، وبإزاء هذا السلطان الإنجليزي النافذ في مصر كانت ~~الحركة الوطنية المصرية تنمو وتقوى، وكانت الثورة النفسية لشعب مصر الوادع الذي لا يقبل ~~مذلة ولا خضوعا قد ملأت النفوس حتى كادت تفيض عنها، وكمظهر لهذا التنافر بين السلطة ~~الحاكمة من ناحية والشعب المصري من ناحية أخرى، وقعت حادثة دنشواي باصطدام جماعة من ~~الضباط الإنجليز الذين كانوا يصيدون الحمام في أثناء ذهابهم من القاهرة على الإسكندرية ~~مع أهل قرية دنشواي في يونيو سنة 1906 اصطداما انتهى إلى موت الكابتن بول الإنجليزي، ~~وإلى تأليف المحكمة المخصوصة برئاسة بطرس باشا غالي الذي كان وزيرا للحقانية بالنيابة ~~لغياب وزير الحقانية بالإجازة، وإلى صدور وتنفيذ ذلك الحكم الجائر الذي يعتبر مثلا من ~~أمثلة البربرية والوحشية في أشد عصور الإنسانية ظلاما، والذي أعدم بموجبه أربعة وجلد ~~ثمانية أمام أنظار أهل دنشواي المفجوعين في أهلهم وعائليهم، عدا الذين زجوا منهم في ~~غيابات السجون. # وكانت رياسة بطرس باشا للمحكمة المخصوصة التي أصدرت الحكم مما أخذ به ms087 وليم عليه، ولكن ~~دون لومه ومؤاخذته على اتفاقية السودان، ويقول المدافعون عن بطرس باشا في هذه المسألة: ~~إن حكم دنشواي كان حكما سياسيا أملته السلطة الإنجليزية التي أمرت بإرسال المشانق ~~قبل أن يصدر، إذ أرادت أن تضرب بكل صرامة وحزم، وإنه كان صادرا من أغلبية إنجليزية ~~لأعضاء المحكمة، فلم يكن للأقلية الموجودة فيها - بحكم القانون - بد من إقراره ~~وتوقيعه، وبطرس باشا كان رئيسا للمحكمة المخصوصة بحكم القانون الذي ألقى بهذه الرئاسة ~~إلى ناظر الحقانية، فكان لا مفر له من الخضوع لرأي أغلبية الهيئة التي يرأسها والتي ~~أصدرت ذلك الحكم الجائر. # وهذا الدفاع على ظاهره من الوجاهة لا ينهض حجة لتبرير عمل بطرس باشا إلا إذا كان هو ~~معتقدا عدالة الحكم الذي أصدره وإنسانية تنفيذه مما لا يصدق على رجل كان له من عواطف ~~الخير والإنسانية ما كان لبطرس، ذلك بأن الرجل الذي يجلس رئيسا لهيئة قضائية يعهد ~~إليها بتطبيق العدل يجب ألا يخضع لصوت غير صوت الضمير ولاعتبار غير اعتبار العدل المجرد ~~من كل هوى، فأما أن كانت المحكمة المخصوصة ليست هيئة قضائية وكانت صورة هزلية لعدل لا ~~وجود له وإنما تملي السياسة أحكامه، فكان حريا برجل له ما كان لبطرس من دهاء ومقدرة ~~أن يصل من تخفيف الجور إلى أقل حدوده وألا يرضى هذا التنفيذ الذي بعث إلى قلب الإنسانية ~~جمعاء رعشة اشمئزاز وتقزز واستفز في نفسها أشد المقت لعمل لا يمكن أن يكون من الإنسانية ~~المهذبة ولا من الإنسانية المتوحشة في شيء. # وكان حكم دنشواي خاتمة سيئة لحياة سياسي ماهر هو لورد كرومر، فعلى أثر صدوره وتنفيذه ~~بدأت مكانة إنجلترا - كأمة مدنية ونظام - تتزعزع في نفوس المصريين على اختلاف ~~طبقاتهم، وبعد أن كانت الوكالة البريطانية معتبرة ملجأ العدالة في مصر، وكانت ألوف ~~العرائض والشكاوى ترفع إليها طلبا للنصفة من ظلم الحكام بل من حيف القضاء؛ تراجع ~~المتظلمون مذعورين أن فتحت أشباح المشانق والمشنوقين والمجالد والمجلودين عيونهم على ~~منظر بشع يتردد الإنسان في التحديق به، بل يولي منه فرارا ms088 ويمتلئ منه رعبا؛ لذلك لم ~~تطق الوزارة الإنجليزية أن تؤيد عميدها في مصر فاضطر إلى الاستقالة في مارس سنة 1907 ~~كما اضطرت الحكومة البريطانية إلى الموافقة على العفو - بفضل جهاد مصطفى كامل - عن ~~مسجوني الدنشويين. # وخلف السير الدون غورست لورد كرومر كعميد لإنجلترا في مصر، وأراد أن يسلك فيها سياسة ~~أخرى هي التقرب إلى الخديو الذي كان مؤيدا حتى يومئذ لمصطفى كامل وللحركة الوطنية، ~~وربما خيل إلى السير غورست يومئذ أن الخديو كان قديرا على توجيه حركة مصطفى كامل وجهة ~~أخرى ما دام هو الذي خلق هذه الحركة وغذاها، متناسيا أن الزعيم الشعبي مرتبط دائما ~~بالمبادئ والمثل العليا التي نادى بها ولو اعتقد عدم إمكان تنفيذها، أو لعله قصد بسياسة ~~الاتفاق مع الخديو إلى ما حدث بعدها من انفصال الحزب الوطني عن عباس الثاني ووقوفه منه ~~موقف العداوة الصريحة في بعض الظروف، على كل حال فقد خلقت سياسة غورست في مصر جوا ~~جديدا ووجهت الأنظار إلى نواح لم تكن تتجه إليها طويلا من قبل. # ومما اتجهت إليه الأنظار يومئذ اتجاها خاصا المطالبة بالدستور وتقرير سيادة ~~الأمة، فقد تألف حزب الأمة وجعلت «الجريدة» - وعلى رأسها الأستاذ لطفي بك السيد - يدعون ~~إلى الدستور بكل ما لديهم من قوة، ويدللون على فساد نظام مجلس الشورى فسادا بينا، وإذ ~~كان حزب الأمة يعبر عن الرأي المعتدل في مصر فلم يكن في مقدور الحكومة ألا تستمع له في ~~هذا الشأن، لكن وزارة مصطفى فهمي كانت قد سلخت في دست الأحكام ثلاث عشرة سنة منفذة ~~لسياسة خاصة لا تتفق مع السياسة الجديدة التي جاء بها السير غورست ولا تتفق مع تطور ~~المطامع المصرية؛ لذلك استقالت في سنة 1908 وعهد الخديو إلى بطرس باشا بتشكيل الوزارة ~~الجديدة فشكلها، وكانت فاتحة أعماله فيها أن قررت الحكومة علنية جلسات مجلس الشورى ~~وحضور الوزارة المجلس لمناقشة أعماله وللإجابة عما يوجه إليها من الأسئلة، وأن عينت ~~البرنس حسين كامل (السلطان حسين) رئيسا للمجلس زيادة لهيبته واحترامه، لكن هذه الخطوة ~~الأولى كانت ms089 دون ما تطلب الأمة بمراحل، فلم تخفف لذلك من المطالبة بالدستور بل زادتها ~~قوة واندفاعا، وإذ كان بطرس يميل إلى تحقيق هذا المطلب فقد سعى سعيه لدى معتمد إنجلترا ~~كي يضع نظاما يقرب مصر من الحكم الذاتي. # وكان السير غورست لما يصل أمام الرأي العام البريطاني إلى شيء من مثل مكانة لورد ~~كرومر؛ لذلك رأى أن حركة الصحافة حركة عنيفة في مصر قد تحول بينه وبين موافقة الحكومة ~~البريطانية على طلب الحكومة المصرية، كما رأى أن حالة الأمن ليست كذلك مما يؤيده عند ~~وزارة خارجيته؛ لذلك طلب أن يبعث قانون الصحافة الذي سن في سنة 1882 مبيحا للإدارة حق ~~إنذار الصحف وتعطيلها، وأن يوضع قانون النفي الإداري لإرهاب الجناة، والظاهر أن حرص ~~بطرس باشا على تحقيق خطوة جديدة في سبيل الحكم الذاتي كان شديدا، وكثيرا ما يلجأ ~~السياسي الشديد الحرص على تحقيق غاية معينة يراها ذات خطر في حياة أمته إلى قبول أشياء ~~لا يقبلها غيره ما دام يعتقدها أشياء مؤقتة قليلا ضررها إلى جانب الغاية العظيمة ~~المرجوة؛ لذلك لجأ بطرس بإزاء رفض زميليه سعد زغلول ومحمد سعيد لطلب المعتمد البريطاني ~~بعث قانون الصحافة وإصدار قانون النفي الإداري إلى وساطة الخديو عندهما، فأوفد سموه من ~~رجاله من أقنعوهما، فصدر القانونان في سنة 1909 فأحدث صدورهما في البلاد دويا هائلا ~~ووقفت الصحافة ووقف الرأي العام يندبان الحرية المضاعة بغير ثمن إلا إرضاء المطامع ~~الإنجليزية في حرصها على قهر مصر وإذلالها. # وامتدت هذه الضجة إلى تناول مسألة كانت تتناول الوقت بعد الوقت في الصحف، ولكنها ~~تنوولت هذه المرة بحدة لم يسبق لها نظير؛ ذلك أن الصحافة القبطية في مصر كانت تدافع ~~دائما عن بطرس باشا وكانت تتهم الصحافة الإسلامية بالتعصب الديني في مهاجمتها إياه، ~~وكانت النعرة الدينية قوية في ذلك الحين كما قدمنا؛ لذلك كانت العصبية الدينية تدفع ~~الكتاب إلى حدود غير معقولة ولكن لها نظائرها حتى في أشد الأمم تحضرا، وأقرب هذه ~~النظائر ما لا يزال يبدو الوقت بعد الوقت في ms090 صحافة الأمم المسيحية خاصا باليهود، ~~وكانت بعض الصحف الإسلامية من جانبها لا تني عن مجاراة الصحف القبطية في هذا المضمار ~~وسبقها، على أن ما وقفنا عليه من مصادر مختلفة أكثرها إسلامي يقنعنا بأن بطرس باشا لم ~~يكن متعصبا لأبناء طائفته تعصب عداوة لأغلبية البلاد الدينية، يؤيد ذلك أنه لما أنشأ ~~الجمعية الخيرية القبطية في سنة 1881 كان من بين الخطباء يوم افتتاحها الأستاذ الشيخ ~~محمد عبده والشيخ محمد النجار وعبد الله نديم وغيرهم، وأنه كان بعد ذلك عظيم الوفاء ~~لكثير من أصدقائه المسلمين متصل البر بكثير من العائلات الإسلامية. # من ذلك أنه كان أول من ذهب إلى المغفور له الشيخ سليم البشري على أثر إقالة الخديو ~~إياه من مشيخة الأزهر يسأله ما يستطيع أن يقدمه له من خدمة، وكان كثيرا ما يقضي حاجات ~~أفراد من المسلمين من غير أن تكون له بهم كبير معرفة، كما كان يصلهم صلة أبناء طائفته، ~~على أن بره بأبناء طائفته أمر طبيعي، وخير ما سمعنا عنه في هذا أنه كان يتوافى للأقباط ~~جميعا كما كان يتوافى لأفراد من المسلمين، وأنه هو الذي صنع الطائفة القبطية فرفعها من ~~مستواها الضعيف الذي كانت فيه إلى مستوى أسمى منه بكثير، فالجمعيات القبطية والمدارس ~~القبطية والمنشآت الخيرية القبطية يرجع الفضل في أكثرها له هو أكثر مما يرجع لأي شخص ~~آخر، كما يرجع الفضل له في فتح أبواب الوظائف العامة للأقباط أسوة بالمسلمين. # واستمر يتابع - بالاتفاق مع المعتمد الإنجليزي - وضع النظام الجديد للهيئة النيابية ~~المصرية، وقبل أن يتمه كي يصدر القانون به طلبت شركة قناة السويس من الحكومة المصرية مد ~~امتيازها أربعين سنة أخرى بعد سنة 1969، وكانت الحكومة المصرية يومئذ مستعدة لقبول ~~الطلب، لكن حركة الرأي العام المصري في هذا الشأن كانت قوية اضطر أولو الأمر معها أن ~~يعرضوا المشروع على الجمعية العمومية المصرية وأن يعدوا بأن يكون رأيها فيه قطعيا، ~~وفي أثناء نظر هذا المشروع بالجمعية وفي فرصة هياج الرأي العام وتوتر أعصابه، فكر ~~إبراهيم ناصف الورداني في قتل ms091 بطرس معتبرا إياه خائنا لوطنه بسبب توقيعه اتفاقية ~~السودان ورياسته محكمة دنشواي، روت «الجريدة» الصادرة في 21 فبراير سنة 1910 وصفا ~~للحادث ما نصه: «بقي - الباشا - كذلك حتى كان يوم أمس نزل كعادته في جماعة من الموظفين، ~~وعند باب نظارة الحقانية صافحهم وانصرف ومعه النائب العمومي، فما كاد يضع رجله على سلم ~~عربته حتى أصابه الرصاص المتعاقب من غدارة شاب لعب الشباب برأسه وتصور ما تصور وتجسمت ~~في نفسه الخيالات، فلم ترعه هيبة الوزير ولا وقار الشيخ ولا خوف العقاب ... أصابه ~~الرصاص في العنق والكتف والبطن فخر صريعا، فحمل إلى أودة ناظر الحقانية ثم إلى ~~مستشفى الدكتور ملتون، وهناك زاره سمو الخديو وجميع الوزراء والسير غورست والأمراء ~~وأعيان الأمة وكلهم يرجون له الشفاء العاجل، فلما كانت الساعة السادسة عملت له عملية ~~جراحية لإخراج الرصاصة الباقية، ولكن كانت - مع الأسف - قد نسفت الأمعاء ونفذت في صدر ~~المعدة.» # وقضى - رحمه الله - في الساعة الثامنة والربع من صبيحة يوم ~~21 فبراير سنة 1910 ودفن في اليوم التالي ~~في مشهد مهيب، واليوم ترقد رفاته في كنيسته القائمة على جانب شارع الملكة نازلي الذي ~~كان من قبل شارع عباس. # 1 ~~••• # هذه حياة بطرس غالي، والقارئ يرى كيف كانت حياة سياسي عظيم ومحسن كبير، ولئن كان قد ~~أخطأ التقدير في بعض مواقفه فهو لم يقصد يوما إلى غير خدمة بلاده؛ ولذلك كانت آخر كلمة ~~فاه بها حين احتضاره «يعلم الله أني ما أردت غير الخير لبلادي.» وكانت كلمة حق. # | هوامش # | مصطفى كامل باشا # في عصر يوم 10 فبراير سنة 1908 بينما أنا جالس مع أحد زملائي طلبة مدرسة الحقوق ~~الخديوية إذ ذاك على باب داره، جاز الطريق أمامنا رجل ممتط جوادا، فلما كان بإزائنا ~~وقف برهة فحيانا وقال: «أبقى الله حياتكم، الباشا توفي.» وكان زميلي من المتشيعين للحزب ~~الوطني المتطرفين في تشيعهم، فلما سمع قول الناعي سأله في لهفة: مصطفى باشا كامل؟ ~~فأجابه الرجل منطلقا جواده: نعم، ولكم طول البقاء، وتركنا أنا وصاحبي واجمين من هول ms092 ~~الخبر وإن كان حديث الباشا ومرضه والخوف على حياته بعض ما تواتر في ذلك الحين، وبعد زمن ~~قصير تركت صاحبي عائدا إلى بيتي فألفيت على الناس في الشوارع والحوانيت من أثر الذهول ~~ما يدل على أن نعي الباشا إليهم مس من قلوبهم أدق أوتار الحزن والألم، ولم يستقر بي ~~المقام في البيت دقائق حتى جاء زميل يبلغني الخبر، ويعلن إلي ما قررته المدارس كلها ~~من الاشتراك في تشييع جنازة الزعيم العظيم، وكان يوم ~~11 فبراير يوم حداد عام في العاصمة، وفي ~~مصر كلها لم يشغل الناس شيء فيه غير جنازة الزعيم الشاب، فالمدارس والهيئات الوطنية ~~كلها كانت تفكر في تنظيم الجنازة، وأهل الريف كانوا يفدون من أطراف البلاد للاشتراك ~~فيها، والحكومة كانت تعد وسائل الأمن والنظام، والأجانب الذين رأوا العاصمة جللت ~~بالسواد ورأوا أهلها اتشحوا بأسباب الحداد كانوا يفكرون في العمق الذي تغلغل إليه الروح ~~الوطني من سويداء نفس هذه الأمة، فلما سار النعش يحمله على أعناقهم أهل دنشواي الذين ~~حكمت المحكمة المخصوصة عليهم، ثم كان لسعي مصطفى كامل أكبر الأثر في العفو عنهم ؛ صمت كل ~~ما في المدينة ولم يبق بها أثر لحياة إلا في مشهد وداع هذا الراحل رحلة الأبد، قال ~~المرحوم قاسم أمين في كلماته التي نشرت بعد موته، أي بعد شهرين اثنين من وفاة مصطفى كامل: # 11 فبراير سنة 1908 يوم الاحتفال بجنازة مصطفى كامل هي المرة الثانية التي ~~رأيت فيها قلب مصر يخفق، المرة الأولى كانت يوم تنفيذ حكم دنشواي. # رأيت عند كل شخص تقابلت معه قلبا مجروحا وزورا مخنوقا ودهشة عصبية بادية ~~في الأيدي وفي الأصوات، كان الحزن على جميع الوجوه، حزن ساكن مستسلم للقوة، ~~مختلط بشيء من الدهشة والذهول، ترى الناس يتكلمون بصوت خافت وعبارات متقطعة ~~وهيئة بائسة، منظرهم يشبه منظر قوم مجتمعين في دار ميت كأنما كانت أرواح ~~المشنوقين تطوف في كل مكان من المدينة. # ولكن هذا الإخاء في الشعور بقي مكتوما في النفوس لم يجد سبيلا يخرج منه فلم ~~يبرز بروزا ms093 واضحا حتى يراه كل إنسان. # أما في يوم الاحتفال بجنازة صاحب (اللواء) فقد ظهر ذلك الشعور ساطعا في قوة ~~جماله وانفجر بفرقعة هائلة سمع دويها في العاصمة ووصل صدى دويها إلى جميع أنحاء ~~القطر. # هذا الإحساس الجديد، هذا المولود الحديث الذي خرج من أحشاء الأمة، من دمها ~~وأعصابها، هو الأمل الذي يبتسم في وجوهنا البائسة، هو الشعاع الذي يرسل حرارته ~~إلى قلوبنا الجامدة الباردة، هو المستقبل. # ولم يكن عجيبا أن يكتب قاسم أمين على هدوء نفسه وحسن تقديره هذا الذي كتب، ولم يكن ~~عجيبا أن يحرك مصر من أقصاها إلى أقصاها الحزن لوفاة الزعيم الشاب، فقد جاء به القدر ~~في فترة من فترات حياة هذا الوطن حين بدأت الأمة تنسى مظالم الماضي أيام حكم إسماعيل ~~وتشعر بشدة وطأة الحكم البريطاني الذي قام على أساس من المصالح المادية وحدها، فلم ~~يعن إلا بتخفيف الأعباء المالية ناسيا كل اعتبار غير تخفيض الضرائب؛ ليخيم على ~~البلاد الجهل، وليكن الغرض الأسمى من التعليم خلق الموظفين، وليشعر المصريون بافتقارهم ~~للحاكم البريطاني وبضعفهم أمامه، فذلك كله هين ويسير ما دامت الضرائب المرهقة وما دامت ~~السخرة والكرباج قد ألغيت، في هذه الفترة التي شعرت فيها الأمة بالحاجة المعنوية للعزة ~~القومية وللكرامة الإنسانية، بعث القدر مصطفى بشيرا بهذه الحاجات السامية رفيع الصوت، ~~عالي الكلمة، طلق اللسان، قوي الجنان، حلو الأسلوب، يتغنى لقومه بما تشعر به نفوسهم في ~~غور أعماقها، فكان طبيعيا أن يلتف الظمأى حول هذا الورد من الكلام السائغ يسمعون عنده ~~الأناشيد التي تطرب لها نفوسهم وتهتز لها قلوبهم ويجد فيها شعورهم الحبيس منفذا ~~ومتنفسا، ليكن ذلك الكلام غير ذي غناء، ولتبق القوة الغاشمة قديرة على أن تسير في ~~طريقها، ترفع من شأن المصالح المادية على حساب حاجات النفس المعنوية، فلن يغير ذلك من ~~قيمة هذا الذي يشدو باسم الوطن ومن محبة الناس له شيئا، ألست ترى إلى الجمع الحافل من ~~العمال يسد جوعه على مائدة ذي المال جزاء كدحه طول نهاره، ثم ما يلبث أن يذهب ms094 لسماع ~~الشاعر أو المغني يروي عنده ظمأ روحه؟ وهو لهذا المغني أشد حبا منه لمن يمسك عليه ~~حياته المادية؛ لأنه يحس في الشاعر معنى إنسانيا، في حين أن سعيه لدى المالك وجزاءه ~~من سعيه لا يجزيه إلا الإبقاء على حياته الحيوانية البحتة. # لذلك كان جزاء وفاقا أن تحزن مصر على شاعر الوطنية العظيم مصطفى كامل، وكان حقا أن ~~يرى قاسم أمين في وحدة هذا الشعور بفقد الزعيم الشاب الذي كرس حياته ليتغنى باسم مصر ~~وليعلن أنه وهبها حياته، وحدة في الأمل الكبير بمستقبل زاهر. ~~••• # ولد مصطفى كامل في سنة 1874، أي في السنة التي ولد فيها الخديو عباس حلمي الثاني، وقد ~~بعث به أبوه علي أفندي محمد - وكان مهندسا - إلى مدرسة أم عباس، فمدرسة القربية ~~الابتدائيتين حيث تلقى دراسته الأولى، وفي أواخر أيامه بهما توفي أبوه وكفله أخوه حسين ~~واصف باشا وزير الأشغال السابق، وبعد الدراسة الابتدائية التحق بالمدرسة التجهيزية - ~~الخديوية الآن - لتلقي دراسته الثانوية، وفيها ظهر جريئا أكثر من زملائه جميعا، ~~وجرأته هي التي جعلته دون سائر إخوانه يذهب بنفسه فيقابل ناظر المعارف إذ ذاك علي باشا ~~مبارك يشكو له حيف نظام الامتحان حيث أدى إلى رسوبه ورسوب زملائه، وإعجاب ناظر المعارف ~~بهذه الجرأة هو الذي جعله يعدل عن هذا النظام فيؤدي ذلك إلى نجاح مصطفى وكثيرين من ~~زملائه، فلما أتم دراسته الثانوية التحق بمدرسة الحقوق الخديوية في العام المدرسي ~~1891-1892، ومن ذلك التاريخ بدأ ينشر رسائل ومقالات في الصحف، كما أنه - على ما يذكر ~~مؤرخوه ومن بينهم مدام جوليت آدم - ارتبط بالخديو السابق عباس حلمي الثاني برابطة كانت ~~ذات أثر مباشر في حياته كلها بعد ذلك. # ولم يكن مصطفى كامل هو وحده الشاب الذي اصطفاه عباس الثاني، ولا كان هو وحده الذي أثر ~~ارتباطه به في حياته، بل لقد اصطفى كثيرين من الشبان يومئذ ممن توسم فيهم الذكاء ~~والإقدام فعاونهم في دراساتهم وعاونهم بعد الدراسة، وأوفدهم إلى أوربا لمهمات سياسية ~~يؤيد بها سلطته ومركزه كحاكم مصر الشرعي، وسياسة عباس ms095 الثاني كانت معارضة تمام المعارضة ~~لسياسة الإنجليز، فإنه ما لبث أن تبوأ عرش أبيه وجده حتى وجد ندا له في قصر الدوبارة، ~~لورد كرومر معتمد بريطانيا صاحبة السلطان الفعلي في البلاد بقوتها وبجيش احتلالها ~~وباستئثارها بكل المناصب الرئيسية في الحكومة، وهو ما لبث أن تبوأ عرش أبيه وجده وأراد ~~- مدفوعا بحماس الشباب - أن يظهر للناس حقه وسلطانه حتى صدمته حادثة الحدود التي اضطر ~~معها إلى الاعتذار عن ملاحظته التي أبداها للقائد كتشنر حين استعراضه الجيش المصري ~~بالسودان، وكان المتقدمون في السن من المصريين الذين شهدوا عهد إسماعيل ومظالم حكومته ~~والذين رأوا حركة عرابي واشتركوا أو لم يشتركوا فيها وشهدوا فشلها وتغلب سلطان الإنجليز ~~عليها وعلى فرنسا وانفرادهم دونها بأمر مصر - كان هؤلاء المتقدمون في السن أشد الناس ~~ترددا في مشاركة الأمير الشاب الذي اعتلى العرش في الثامنة عشرة من عمره مطامعه ~~ومطامحه، فلم يكن يستطيع الاعتماد إلا على الذين لم يهون عليهم ظلم إسماعيل استبداد ~~الإنجليز والذين لم يضعف الجهل أو البله في نفوسهم معنى الحرية، وكان مصطفى كامل بين ~~هؤلاء بل كان في مقدمتهم، فقد جمع إلى الشباب إقداما جاوز حدود الإقدام مع نشاط عصبي ~~لا يهدأ إلا أن يهد المرض صاحبه ويقعده عن حركته الدائمة، وهو لذلك لم يقنع بدراسة ~~الحقوق وبكتابة المقالات في الصحف بل أنشأ - وما يزال في أول سني طلب الحقوق - مجلة ~~أسماها «المدرسة»، صدر أول أعدادها في 18 فبراير سنة 1892 وجعل نفسه بها زعيما لزملائه ~~في الدرس يلقي عليهم النصائح ويرشدهم إلى الواجب ويقدم لهم مختلف المعلومات التي يرشده ~~إليها اختباره الشاب في بطون الكتب والنشرات الدورية. # وفي يونية سنة 1892 سافر لأول مرة إلى فرنسا ليؤدي امتحان الحقوق الأول بباريس، وكان ~~طبيعيا أن تأخذ بلبه الغض حضارة الغرب وأن تؤثر في أعصابه الحساسة مظاهر الحياة ~~الناشطة والحرية المنظمة، وكانت فرنسا يومئذ قد أفاقت من كبوة سنة 1870 حين قهرتها ~~ألمانيا، وجعلت تذكر في حسرة تدليها من الصف الأول في تصريف سياسة العالم، ms096 والشعور ~~بالألم يحفز الإحساس ويفيض على اللسان الشكوى والطموح والأمل، وقد تأثر مصطفى كامل بهذا ~~أيضا كما تأثر بالحضارة وبالحرية، وزاده تأثرا معاودته الحضور للامتحان في سنة 1894 ~~بباريس، وفي أواخر هذه السنة بتولوز حيث نال إجازة الحقوق، ومن ذلك اليوم انفتحت أمام ~~خياله الشاب آفاق الحياة وآمالها، ولعل مما وجه هذه الآمال وجهتها ما وقع له مصادفة من ~~مقابلة الكولونيل بارنج شقيق لورد كرومر وما دار بينهما من حديث كان له في العالم ~~السياسي قيمة وترتبت عليه حملة صحفية اشترك هو فيها فحالفه الفوز، فاتجهت إليه الأنظار، ~~فرسم له القدر بذلك طريق حياته، فقد نشرت جريدة الأهرام الصادرة في 28 يناير سنة 1895 ~~مقالا عنوانه (حديث ذو شأن) موقعا بإمضاء مصطفى كامل حاويا لما دار بين المصري الشاب ~~وبين الضابط الإنجليزي من مناقشة أفضى فيها الضابط بكل سياسة إنجلترا في مصر مؤيدة ~~بالدليل القاطع الذي لا يعرف حجة ولا جدلا: دليل قوة السيف والمدفع، وأفضى فيها المصري ~~الشاب بحجة مصر وحقها وباعتمادها لنيل هذا الحق على قوته في ذاته وعلى أوربا التي لا ~~تنظر إلى إنجلترا في وادي النيل بعين مطمئنة، ولعل هذه الفقرة من أقوال مصطفى كامل تفسر ~~نشاطه في المستقبل وتفسر السياسة التي اتبعها إلى سنة 1904 حين تم الاتفاق الودي بين ~~فرنسا وإنجلترا اتفاقا انضمت إليه ألمانيا والنمسا، قال مصطفى: «إن لمصر أن تأمل من ~~أوربا نجاتها وخلاصها، ولنا أوربا بأسرها التي تناديها صوالحها العدة بأن تنصرنا نصرة ~~لتلك الصوالح التي سعيتم من يوم احتلالكم البلاد في تقويض أركانها.» # وربما كان للخديو ومصطفى كامل ولكثير من المصريين يومئذ العذر في اعتمادهم على أوربا ~~والتجائهم إلى بعض دولها لمناوأة البعض الآخر، فلم تكن سياسة أوربا الاستعمارية قد ~~استقرت يومئذ على أساس ارتضته دولها الكبرى، واطمأنت معه كل واحدة منها إلى أنها نالت ~~من الغنيمة الحظ الذي يكفيها، والتي تكفي قواها للدفاع عنه ولاستغلاله وامتصاص دمه، بل ~~كانت المنافسات ما تزال على أشدها بين إنجلترا وفرنسا، وكانت ألمانيا ms097 الناشئة متطلعة ~~إلى مثل الإمبراطورية البريطانية، وكانت النمسا تنظر إلى ماضيها بعين الوجل إذ تراه ~~يرتجف، وكانت سياسة الباب العالي في الأستانة قائمة على الاستفادة من هذه المنافسات ~~الدولية، فلم لا تقوم سياسة مصر على الاستفادة من هذه المنافسات الدولية، فلم لا تقوم ~~سياسة مصر على هذه القاعدة أيضا؟ ولم لا تستفيد مصر من تطلع هذه الدول جميعا إليها ~~لتتخلص منها جميعا ولتصل إلى نوع من الحيدة يكفل لها ولو الاستقلال الداخلي الواسع ~~النطاق الذي وصل إليه إسماعيل باشا؟ # والواقع أن فرنسا كانت ما تزال دامية الجرح لفشل سياستها بمصر بعد إحجامها عن ~~الاشتراك مع إنجلترا في التدخل المسلح سنة 1882، وكان ألمها أشد لأن هذه الضربة كانت في ~~حكم القاضية على ما نالته في وادي النيل من نفوذ منذ حملة نابليون في سنة 1798، ومنذ ~~اصطفائها محمد علي وسعيد من بعده، ومنذ قيامها بحفر قناة السويس ونشر الثقافة الفرنسية ~~في بلاد الفراعنة، وزاد الجرح إيلاما أن الفشل لم يقف عند مصر، بل تناول نفوذ فرنسا في ~~الشرق الأقصى بسبب تغلب إنجلترا عليها في الهند وفي غير الهند من الممتلكات. # وقد أراد الخديو مستترا وأراد مصطفى كامل أن يستفيد من هذه السياسة غاية الاستفادة، ~~وكانت القاعدة التي رسمت أن تطالب الدول الأوربية إنجلترا بتنفيذ وعدها بالجلاء عن مصر، ~~وأن تدفع الدول الأوربية إلى هذه المطالبة ببيان ما تقوم به إنجلترا في وادي النيل من ~~أعمال تدل على قصدها البقاء فيه، وكان حديث مصطفى كامل مع الكولونيل بارنج خطوة أولى ~~وخطوة قوية في هذا السبيل، ولم تمض على هذه الخطوة أسابيع حتى استصدرت إنجلترا من ~~الحكومة المصرية دكريتو بتأليف محكمة مخصومة تحاكم المصريين الذين يعتدون على جنود جيش ~~الاحتلال أو ضباطه، وانتهز مصطفى كامل الفرصة للاستفادة من هذا الحادث أيضا، ثم كان أن ~~جاء مسيو دلونكل عضو مجلس النواب الفرنسي إلى مصر في 21 مارس سنة 1895، ولعله وحده، بل ~~لعل الحكومة الفرنسية وحدها لم يكونا كل السبب في حضوره، وقد استقبله مصطفى كامل ms098 ~~بالإسكندرية وظل معه يصل بينه وبين المصريين من الطبقات المختلفة حتى غادر مصر عائدا ~~إلى بلاده في 13 أبريل من ذلك العام، وفي ~~يوم 11 أبريل أولم دلنكل للصحفيين بالإسكندرية وخطبهم فرد عليه مصطفى كامل شاكرا إياه ~~وشاكرا فرنسا منتظرا منها معونة مصر وتأييدها. # ويذكر المرحوم علي بك فهمي كامل في السيرة التي وضعها لأخيه أنه بعد أيام من ذلك ~~وساعة سفر علي مع الأورطة البيادة الأولى أسر إليه مصطفى بأنه مسافر إلى باريس، وقد ~~دهش علي لهذا السفر المفاجئ على غير ميعاد وبلا سبب، وربما دهش له لسبب آخر حين ذكر له ~~أخوه أن سفره إنما تدعو إليه «المسألة المصرية» لما يقتضيه هذا السفر وهذه المسألة ~~والدعوة لها من طائل النفقة. # وسافر مصطفى إلى باريس، والحق أنه قام بالدعوة فيها بطريقة تدل على مهارة لا تتاح ~~لفرد، بل تدبرها جماعة، وعلى نشاط لا يؤتاه كثيرون، فذكر بداءة أنه موفد من قبل الحزب ~~الوطني المصري، والحزب الوطني على ما نعرفه نحن اليوم وعلى ما خلفه مصطفى كامل في سنة ~~1908 لم يكن له وجود في سنة 1895، لكن الحزب الوطني هو الاسم الذي كان يطلق على ~~العرابيين، وإذا فهو يذكر الفرنسيين بهذا الحزب الذي تغلب عليه الإنجليز وحدهم حين ~~تنحى الفرنسيون عن وادي النيل. # ثم إنه جعل أساس دعوته فضلا عن ذلاقة لسانه لوحة فنية بديعة لم يذكر لنا مؤرخوه من ~~الذي نقشها ومن الذي أمر بنقشها، وتمثل هذه اللوحة فرنسا واقفة في قوس نصر قام على نصب ~~رفيع يجري النيل من تحته، وقد قامت مصر على شاطئه مقيدة يحرسها جندي بريطاني، وتقدم ~~جماعة من المصريين إلى فرنسا يستنجدونها لتفك إسار وطنهم، ونقش على اللوحة بالعربية ~~وبالفرنسية هذه الأبيات: # أفرنسا يا من رفعت البلايا # عن شعوب تهزها ذكراك # انصري مصر إن مصر بسوء # واحفظي النيل من مهاوي الهلاك # وانشري في الورى الحقائق حتى # تجتلي الخير أمة تهواك # ومن هذه اللوحة طبعت ألوف وزعت في أنحاء العالم ونشرت في كل صحيفة بعد ms099 أن قدمها ~~مصطفى كامل بعريضة إلى رئيس مجلس النواب الفرنسي نيابة عن المجلس، ومما جاء في هذه ~~العريضة قوله: # جاءت الأمة المصرية تستغيث بهذه الأمة الكريمة - فرنسا - ~~التي حررت عدة من الأمم، فهل تجاب ~~إلى استغاثتها وتضرعها؟ وهل لفرنسا أن تؤيد بهذا العمل الجليل مكانتها في ~~العالم الإسلامي الواثق بها؟ على أن ذكر اسم مصر عندما تكون حرة مستقلة بجانب ~~الأمم العديدة التي حررتها فرنسا ليس بالفخار القليل لها، فلتحيا فرنسا محررة ~~الأمم. # كان لهذا العمل الذي قام به مصطفى كامل نيابة عما سماه الحزب الوطني ضجة كبيرة في ~~العالم لفتت إليه الأنظار من كل صوب وجعلت الصحف في مختلف الدول تهتف باسمه، خلا الصحف ~~الإنجليزية التي تناولت هذا العمل بالتقريع وعزته إلى مقامات خاصة في مصر، وشد هذا ~~النجاح الأول من عزيمة مصطفى كامل، ومكن له من الاتصال بكبار الساسة وما يزال في مقتبل ~~شبابه، وزاده جرأة وإقداما فجعل يطوف عواصم أوربا يتحدث فيها إلى الصحفيين والساسة ~~مذكرا إياهم بوعود إنجلترا بالجلاء عن مصر وبمصالح دولهم في أن يتم هذا الجلاء، ثم عاد ~~إلى باريس فنشر فيها رسالة عن أخطار الاحتلال الإنجليزي لمصر، وفي 13 نوفمبر سنة 1895 ~~كتب إلى لورد سالسبري ردا على خطاب كان الوزير الإنجليزي قد ألقاه في جلد هول عن ~~سياسة أوربا نحو تركيا، وفي خطابه دافع مصطفى كامل عن المسلمين وعن دولة الخلافة، وفي 3 ~~يناير سنة 1896 كتب إلى المستر جلادستون يطلب إليه - برغم وجوده بعيدا عن الحكم - ~~تصريحا في شأن مصر؛ فأجابه جلادستون بخطاب وردت فيه العبارة المأثورة: «وافى زمن ~~الجلاء فيما أعلم منذ سنين.» وعاد بعد ذلك إلى مصر حيث أقام بها حتى أغسطس إذ شد رحاله ~~إلى أوربا من جديد، وفي أثناء مقامه بمصر ألقى خطابه الأول بالإسكندرية كما كثر ~~المتصلون به من المصريين، وفي هذه الفترة أيضا نشرت له جريدة الإكلير الفرنسية التي ~~تصدر بباريس حديثا عن الحملة المصرية الإنجليزية إلى السودان معتبرا إياها وسيلة إلى ~~إطالة أمد الاحتلال ms100 الإنجليزي إطالة لا نهاية لها، وفي هذه الفترة أيضا اتصل علنا ~~بالخديو اتصالا زاد العلاقات بين لورد كرومر وعباس توترا، ثم سافر في أول أغسطس إلى ~~باريس حيث استمر هناك في نشر الدعوة لمصر على أمل أن يحمل فرنسا وغيرها من دول أوربا ~~على التدخل لمصلحتها، وفي هذه المرة كان يذكر الخديو عباس ويموله نحو مصر وأن «خطته هي ~~انتظار الظروف ليستعد أحسن استعداد للوثوب والنزال لاسترداد حقوق البلاد المهضومة»، ولم ~~يغفل ذكر المسلمين والخليفة، وبعد أن قام بنشر الدعوة في باريس سافر إلى برلين ومنها ~~إلى فيينا فالأستانة حيث وصلها في أواخر أكتوبر وقابل فيها جلالة السلطان، قال في كتاب ~~له إلى أخيه علي فهمي كامل: «وكان جلالته - كما أبلغني الباشكاتب - يود الإنعام علي ~~برتبة أو نيشان ولكني أظهرت عدم رغبتي في شيء من ذلك حتى لا تروج بضاعة الأعداء ضدي ~~ويتهمني أبناء الوطن العزيز بالعمل حبا في الظهور وفي مثل هذه الألقاب ~~الكاذبة.» # وكذلك جعل من أوربا ميدان نشاطه السياسي فكان يقضي فيها معظم شهور السنة متنقلا بين ~~عواصمها متحدثا إلى رجال الصحافة والسياسة فيها داعيا إياهم ليستوفوا إنجلترا وعودها ~~بالجلاء عن مصر متحدثا عن المصريين تارة وعن المسلمين طورا، كل ذلك في لهجة أدنى إلى ~~الاعتدال وإن وصفها الإنجليز بالتطرف، وقد بقيت من أساليبه في الدعاية السياسية إذ ذاك ~~تلغرافات الاحتجاج على ضرب الإسكندرية وغير ضرب الإسكندرية من الحوادث التي أدت إلى ~~الاحتلال البريطاني لمصر، لكن السياسة الإنجليزية من جانبها كانت جادة في السعي لتحقيق ~~ما أفضى به الكولونيل بارنج إلى مصطفى كامل مما نشره في يناير سنة 1895. # فكانت الحملة لاسترداد السودان واسترداده بالفعل وعقد اتفاقية ~~19 يناير سنة 1899 وفتور الدول وفي مقدمتها ~~فرنسا عن القيام بأي سعي جدي لمناوأة إنجلترا في مصر، ولكن ذلك لم يفت في عضد مصطفى ~~كامل، ولم يضعف من نشاطه وإقدامه، وإن يكن قد دعاه أو دعا الذين يعمل معهم للتفكير في ~~وسائل أخرى، وكان الالتجاء إلى الباب العالي بعض هذه ms101 الوسائل. # ولعل التفكير في هذا الالتجاء كان من أثر انتصار الدولة العلية في الحرب البلقانية، ~~وفي هذه الأثناء كثر تردد مصطفى كامل على الأستانة وازداد إعجاب السلطان عبد الحميد به، ~~فأنعم عليه في سنة 1899 برتبة المتمايز ثم بالرتبة الأولى، وذلك في ظرف شهرين اثنين كما ~~أنعم عليه برتبة الباشوية بعد ذلك بسنين قلائل. # ولم يكن في مقدور تركيا أن تقاوم إنجلترا في مصر أكثر مما تقاومها أية دولة من الدول ~~الأوربية، وهذه الظروف مجتمعة دعت مصطفى كامل والذين يعمل معهم ليروا عقم سياسة ~~الاقتصار على نشر الدعوة في أوربا وحدها والاعتماد على الدول لإجلاء إنجلترا عن مصر، ~~وليفكروا في استنهاض الشعب المصري نفسه بالتعليم وبدعوته لتقدير عزته القومية وكرامته ~~الوطنية، وبهذه الفكرة تأسست مدرسة مصطفى كامل في سنة 1899 وصدرت جريدة اللواء في 2 ~~يناير سنة 1900، ومن ذلك الحين قامت سياسة مصطفى على أساس من توثيق عرى روابط مصر ~~بتركيا باعتبارها الدولة المتبوعة من جهة والدولة الإسلامية القوية التي يمكن أن تتجه ~~الشعوب الإسلامية لها بالرجاء من جهة أخرى، أما فيما يتعلق بسائر الدول الأوربية فقد ~~ضعف رجاؤه فيها، وإن ظل مستمسكا منه بخيوط لعلها كانت بقية ذلك الأمل القوي القديم ~~الذي جعله يرفع صوته عاليا خمس سنوات تباعا في عواصم أوربا، أو لعلها الحرص الطبيعي ~~في الإنسان على ألا ينكر شيئا من ماضيه، أما سياسته في استنهاض الشعب المصري فكانت ~~تقوم على غرس الكراهية في نفوس المصريين للإنجليز وحكمهم مصر وملء النفس المصرية ~~بالإيمان بحق الوطن وبالتفاني في محبته والإخلاص له وبالأمل دائما في ثمرة السعي ~~الصالح لفائدته. # وعجيب مع ذلك كله، ومع أن مصطفى كامل كان ذكيا جريئا، ومع أنه أمضى ما أمضى من ~~السنين في أوربا، ومع إعجابه بالمدنية الأوربية إعجابا تكرر ذكره في كتبه ورسائله؛ ~~عجيب مع ذلك أنه كان رجعيا في دعوته الاجتماعية، فلقد ظهر كتاب المرحوم قاسم أمين عن ~~تحرير المرأة في سنة 1899، وكان منطقيا أن يلقى التأييد الحار من جريدة الزعيم الشاب ms102 ~~أول ظهورها في يناير سنة 1900، لكن الأمر كان على نقيض ذلك، فقد كان اللواء خصما ~~لدودا لقاسم أمين ولأفكاره وكان ميدانا لأشد المطاعن عليه، وظل اللواء كذلك في شأن ~~الإصلاحات الاجتماعية كلها محافظا بل رجعيا مستمسكا بالقديم أشد الاستمساك، ولئن ~~جاز لنا أن نعلل خصومته لقاسم أمين بما لقيه قاسم من تجهم الخديو له تجهما حرم عليه ~~وهو مستشار بمحكمة الاستئناف أن يدخل القصر، فإن تعليل رجعية اللواء في الشئون ~~الاجتماعية قد يبدو عسيرا إلا إذا كانت العلة هي بعينها التي دعت الأمير ورجاله للوقوف ~~في وجه قاسم وأفكاره، هذه العلة في رأينا هي تمليق الشعب فيما هو عزيز عليه من عادات ~~وأوهام لاستغلاله في الغايات السياسة التي يريد الأمراء والملوك استغلاله فيها، وتلك هي ~~علة تمليق الأمراء والملوك والدعاة السياسيين لرجال الدين لأنهم حفظة هذه العادات ~~والأوهام، فلو أن عباسا أو لو أن مصطفى كامل عضد قاسما في رأيه في تحرير المرأة لأدى ~~ذلك لفتور الشعب عنهم وتردده في اتباعهم، ولو أن عباسا أو لو أن مصطفى كامل أراد أن ~~يهز أوهام السواد في الناحية التي تعرض الشيخ محمد عبده لهزها لفتر الشعب كذلك وتردد، ~~والداعية السياسي تاجر يزن الأمور والحقائق بنتائجها لا بقيمتها الصحيحة ولا بما ~~تحتويه، وما دام غرس كراهية الاحتلال البريطاني في نفوس المصريين وملء قلوبهم بالإيمان ~~الوطني يعوق سبيل الدعوة للإصلاح الاجتماعي فليكن الداعية السياسي، وليكن الأمير ~~محافظا بل رجعيا بل عدوا ظاهرا محاربا لكل فكرة حرة. # ونجحت دعوة مصطفى كامل أعظم نجاح، ذلك بأن نفوس الشباب في مصر كانت متعطشة إلى نغمة ~~جديدة تحيي فيها الأمل بحياة عزيزة، وكانت هذه النغمة قد اختفت منذ الحوادث العرابية ~~إلى أن جاء مصطفى كامل، وبرغم وجود كثيرين ذوي مقدرة لا تقل عن مقدرته وذوي تفكير أنضج ~~من تفكيره، فلم يكن أحد منهم في إقدامه ولم تكن حمية الشباب ملتهبة في نفس هؤلاء ~~التهابها في نفسه، وعاون على نجاحه أسلوب جديد في الخطابة لم يكن مألوفا من قبل، ms103 هو ~~الأسلوب الوجداني الذي امتازت به خطابات الثورة الفرنسية، هذا الأسلوب المعتمد على ~~الجمل الضخمة التي تندفع بها المجاميع من غير روية عادة إلى الغاية التي يريدها ~~الزعماء، «لا معنى للحياة مع اليأس، ولا معنى لليأس مع الحياة»، «بلادي بلادي، لك حبي ~~وفؤادي، لك حياتي ووجودي، لك دمي ونفسي، لك عقلي ولساني، لك لبي وجناني، فأنت أنت ~~الحياة، ولا حياة إلا بك يا مصر»، «لو انتقل قلبي من الشمال إلى اليمين ... إلخ»، بهذا ~~الأسلوب الوجداني وبقوته الخطابية النادرة المثال وبمخاطبته شعور الشبيبة وباستنهاضه ~~همتها وبأناشيده عن الوطن ومحبته وارتقائه، بذلك كله استطاع الزعيم الشاب أن ينهض ~~بأعباء دعوته مؤيدا من الخديو عباس وأصدقائه بادئ الأمر، شاعرا بقوته بعد ذلك، ممليا ~~إرادته على الذين كانوا يملون من قبل عليه إرادتهم، مستأثرا بكل أمر وبكل رأي، مطاعا ~~من كل أنصاره وأتباعه الذين لم يتسام واحد منهم ليتطلع إلى مثل مكانته، متقدما دائما ~~إلى الأمام يتبعه شباب الأمة كلها، رافعا بذلك علم النهضة مرددا نشيد الأمل في المجد ~~والعظمة بصوت تهتز له الأفئدة وتخفق له الجوانح فلا تعرف الخطر ولا تأبه له ولا تشعر ~~باقترابه بل بوقوعه. # بإزاء هذه الحركة الوطنية المتدفقة حرارة وإيمانا لم يكن لإنجلترا إلا أن تضاعف ~~المجهود لبلوغ غاياتها السياسية في مصر، ولم يكن لورد كرومر ممثلها في مصر يومئذ ~~بالرجل الذي يستهان به، فحارب هذه الحركة وطعنها من جانبين: اتهمها بالتعصب الإسلامي ~~ليستثير أوربا المسيحية، واتهمها بالعداوة للأجانب ليؤلب الدول في صف إنجلترا، وما أيسر ~~ما تصدق الأذن الأوربية كلمة التعصب الإسلامي وعداوة المصريين المسلمين للأجانب ~~المسيحيين؛ لذلك أنفق مصطفى كامل كثيرا من جهوده في مصر وفي أوربا لنفي التهمتين، وكان ~~من ذلك أن أنشأ جريدتين في مصر إحداهما فرنسية والأخرى إنجليزية، على أن إنجلترا لم تقف ~~من مجهوداتها عند هذا الحد، بل واصلت المسعى السياسي حتى عقدت الاتفاق الودي مع فرنسا ~~في 8 يناير سنة 1904 وبه حصلت على إطلاق يدها في مصر على ألا تغير نظام ms104 مصر السياسي، ~~وأقرت ألمانيا والنمسا هذا الاتفاق، فأقرت الدول الثلاث بذلك معاهدة السودان التي عقدت ~~في سنة 1899، وبهذا الاتفاق الودي انهار ركن من أهم أركان سياسة مصطفى كامل، بل انهار ~~مجهوده منذ سنة 1895 إلى سنة 1900 حين كان كل عمله التجوال في عواصم أوربا لاستفزاز ~~دولها كي يقتضوا إنجلترا تنفيذ وعودها بالجلاء عن وادي النيل. # والواقع أن هذا الحادث صدم المصريين يومئذ صدمة قوية، فرنسا هذه التي طالما علقت مصر ~~عليها الآمال، فرنسا التي رفعت البلايا عن شعوب تهزها ذاكراها، فرنسا محررة الأمم ~~ومعلنة حقوق الإنسان والمنادية بالحرية والإخاء والمساواة، هي التي تمضي الاتفاق الودي ~~تؤيد به سياسة الاستعمار، فتترك إنجلترا تطلق يدها في مصر مقابل ترك إنجلترا إياها تطلق ~~يدها في مراكش! يا لخيبة الأمل! وأين إذا محل الرجاء؟! # لكن «لا معنى للحياة مع اليأس، ولا معنى لليأس مع الحياة» فلنجاهد، واستمر مصطفى كامل ~~في جهاده، وما يزال له في دولة الخلافة بعض الرجاء وما تزال دعوة الشعوب الإسلامية ~~للالتفاف حول دولة الخلافة كوسيلة لتحررها محور دعوته، فلما كانت أوائل سنة 1906 حدث ما ~~زعزع من رجاء مصر في الدولة العلية هي الأخرى، ذلك أن أعادت تركيا الخلاف الذي أحدثته ~~حين تبوأ عباس عرش أبيه في سنة 1892 بأن أرادت أن تخرج شبه جزيرة سينا من الأراضي ~~المصرية، فوقفت إنجلترا وأصرت على أن تكون حدود مصر هي المبينة في الفرمان الذي أصدره ~~السلطان لإسماعيل باشا في سنة 1873، وقد قبلت تركيا ذلك في تلغراف أرسله الباب العالي ~~في 8 يناير سنة 1895، لكنها أرادت أن تفسر هذا التلغراف في سنة 1906 تفسيرا خاصا ~~فتجعل حدود مصر تنحدر من رفح إلى السويس فإلى العقبة، فوقفت إنجلترا مرة أخرى، ولما ~~احتلت القوة التركية طابة، وهي قرية على مقربة من العقبة داخلة ضمن الحدود المصرية، ~~خاطب السير إدوارد جراي وزير الخارجية البريطانية إذ ذاك سفير تركيا في لندرة بما ~~معناه: أن قوات الإمبراطورية على استعداد لتأييد مركز إنجلترا في مصر. وقد استمرت ~~المشادة ms105 في هذا الموضوع بين تركيا وإنجلترا زمنا وقف في أثنائه مصطفى كامل بجانب تركيا ~~يدافع عن مطالب دولة الخلافة جهد طاقته، على أن تركيا انتهت آخر الأمر بالتسليم بمطالب ~~إنجلترا، فكانت هزيمة مسقطة لكل أمل في معونة تركيا، وكذلك تداعى الركن الثاني من أركان ~~الدعوة التي كان مصطفى كامل قائما بها. # ولقد كان من شأن تداعي هذه الأركان واحدا بعد واحد أن يكشف عما تستره هذه السياسة من ~~الخيال، على أن حادثا جديدا وقف فيه مصطفى كامل موقف المدافع عن العدالة والإنسانية ~~بمعناها الصحيح ستر ما انكشف من فساد الاعتماد على أوربا وعلى الباب العالي، ذلك هو ~~حادث دنشواي، فقد خرج جماعة من الضباط والعساكر الإنجليز من القاهرة قاصدين الإسكندرية ~~فمروا في طريقهم بقرية دنشواي فنزلوا لصيد الحمام بأجرانها، واعترضهم الأهالي وحدث ~~تصادم انتهى بجرح أربعة من المصريين بينهم امرأة وبإصابة بعض الضباط الإنجليز إصابة فر ~~من جرائها أحدهم الكابتن بول فأصابته ضربة شمس مات متأثرا بها. # وعلى أثر هذا الحادث عقدت المحكمة المخصوصة التي شكلت بديكريتو سنة 1895 لتنظر في ~~هذه القضية وحكمت على أربعة من الأهالي بالإعدام وثمانية بالجلد وآخرين بالأشغال ~~الشاقة، ونفذ هذا الحكم بطريقة همجية لا عهد للإنسانية بها منذ عصورها المظلمة، فقد ~~نصبت المشانق التي أرسلت إلى قرية دنشواي قبل صدور حكم المحكمة أمام منازل الأهالي ~~مباشرة ونصبت إلى جانبها آلات الجلد، وغداة صدور الحكم نفذ على صورة يقشعر من هولها ~~البدن، فكان كل محكوم عليه بالإعدام يعلق في المشنقة ويبقى معلقا أمام أنظار أهله ~~وأبنائه إلى أن يجلدوا اثنين من المحكوم عليهم بالجلد، وكان هؤلاء يجلدون بكرابيج ذات ~~ثمانية ألسن معقود طرف كل لسان منها بقطعة من الرصاص، ومن حول المشانق والمجالد وفوق ~~أسطح المنازل وقف الناس من أهل هؤلاء التعساء وذويهم يشهدون جلودهم تشوى بالكرابيج ~~وجثثهم فارقتها أرواحها معلقة في المشانق، ومستشار الداخلية الإنجليزي واقف يحافظ على ~~النظام لهذا المشهد الذي أبدعته إنجلترا في مطلع القرن العشرين، ما أشدها وحشية! وما ~~أتعسها حضارة! ms106 # هنا يجب أن يرتفع الصوت عاليا دفاعا عن الرحمة وعن الإنسانية وعن العدالة وعن كل ~~المعاني التي جاهدت الإنسانية أجيالا وقرونا لتثبيتها في النفوس، وأي صوت أرفع من صوت ~~مصطفى كامل، وأي أسلوب وجداني كأسلوبه! وهذه الدعاية السياسية التي فشلت بإزاء قوة ~~إنجلترا في أوربا وفي مصر لا بد أن تنجح إذا استغلت لكشف هذا الظلم وللاستفادة منه ~~لتحريك النفوس، وقد نجح مصطفى كامل في هذا أكبر نجاح، والحق أنه لم يرتكب في التاريخ ~~الحديث فظاعة تعدل فظاعة تنفيذ حكم دنشواي، ولم تثر حادثة من الحوادث الشعور القومي ~~في مصر ما أثارته هذه الحادثة، ولقد صدق مصطفى كامل إذ قال: إن عشرات السنين كانت أقصر ~~من أن تحيي شعور الشعب كما أحياه هذا الحادث؛ لذلك ظل يكتب ويخطب في مصر وفي إنجلترا ~~بيانا لبشاعة هذا الظلم الذي بلغ من بشاعته أن اضطر لورد كرومر إلى اعتزال منصبه في ~~مصر مع اعتراف الكل له بأنه من أقدر الساسة البريطانيين وأعظمهم أثرا في حياة ~~الإمبراطورية. # على أن المصريين كانوا قد رأوا فشل السياسة الأولى التي جروا عليها: سياسة الاعتماد ~~على فرنسا ثم على أوربا ثم على الباب العالي، وقدر جماعة منهم أن لا بد من الأخذ بسياسة ~~أخرى هي إعداد الأمة بأدوات الاستقلال من علم وخلق وغرس الإيمان بنفسها في نفسها لا ~~لمجرد كراهية الإنجليز ولا حبا في الباب العالي ومقام الخلافة السامي، ولكن حبا في ~~الاستقلال والحرية لذاتها، وكان لطفي بك السيد وزير المعارف السابق لسان الذين فكروا ~~هذا التفكير والذين اعتزموا لبث دعوتهم إصدار جريدة «الجريدة»، على أن نفس مصطفى كامل ~~لم تطاوعه ليرى في ميدان الخدمة السياسية العامة من يرى غير رأيه؛ لذلك هاجم «الجريدة» ~~قبل صدورها وهو من أعرف الناس بصديقه لطفي السيد وبالذين كانوا على رأيه، ولعل هذا ~~الخلق في الزعيم الشاب هو الذي دعاه أن يبعث من أوربا على أثر إعلان المرحومين سعد ~~زغلول باشا وقاسم بك أمين تشكيل لجنة لتأسيس جامعة مصرية أهلية محتجا على ms107 عملهم بأنه ~~سبقهم إلى الفكرة فيجب أن يكون تنفيذها تحت رعايته. # وخلف سير الدون غورست لورد كرومر كمعتمد لإنجلترا في مصر، فجرى مع الخديو على سياسة ~~غير سياسة المشادة والنزاع التي كانت سائدة بين عابدين وقصر الدوبارة إلى ذلك التاريخ، ~~وطمع الخديو في أن ينال من وراء هذا الاتفاق مع معتمد بريطانيا سلطة لعل السعي لها هو ~~الذي دفع به لاصطفائه من اصطفى من الشبان ليعلموا باسم مصر كي يخليها الإنجليز فتبقى ~~السلطة فيها محصورة في يد حفيد إسماعيل، وغير ذلك من الخديو على مصطفى كامل، وذلك شأن ~~الملوك، يصطفون من يصطفون ما دام لهم في ذلك مأرب خاص، فإذا انقضى المأرب انصرفوا عنه ~~وأنكروه، ثم إن مصطفى رأى دعوة لطفي السيد إلى الاستقلال التام أبعد مدى من الدعوة إلى ~~جلاء إنجلترا وبقاء مصر تابعة لتركيا؛ لذلك قال في الخطبة البديعة التي ألف بها الحزب ~~الوطني وألقاها في تياترو زيزينيا بالإسكندرية ما نصه: «فليعلم أعداء مصر أننا نطلب لها ~~الاستقلال، ونطلب لها ذلك الاستقلال بأعلى أصواتنا وعلى مسمع من أمم الأرض كلها، وأننا ~~إذا خطبنا الود لأمة أو لدولة فإنما نعمل كغيرنا ونتبع ناموس الطبيعة القاضي بأن من ~~اتفقت مصالحهم يجتمعون ويتناصرون.» ومع هذه الكلمة الصريحة في المطالبة بالاستقلال ~~والحرص عليه كانت الفقرة الأولى من برنامج الحزب الوطني هي استقلال مصر الداخلي وفاقا ~~لمعاهدة لندرة في سنة 1840، ولعل ذلك إنما نص عليه تفاديا من معارضة القانون والتعرض ~~لتهمة التآمر لقلب النظام الذي كان موجودا. # ولم يوهن فتور العلاقات بين مصطفى كامل والخديو ولا الخلاف بينه وبين الأحزاب المصرية ~~الأخرى من همته العالية في الدفاع عن منكوبي دنشواي، وقد كلل مسعاه بالنجاح فصدر الأمر ~~العالي بالعفو عنهم في عيد جلوس الخديو الذي تلا هذه الحوادث أي في 8 يناير سنة ~~1908. ~~••• # بعد ذلك بشهر واحد كان مصطفى كامل على سرير المرض ينتظر الموت في ثبات وصبر، والأمة ~~من حوله يخفق قلبها فرقا على هذا الابن البار الذي أذكى ضرام الوطنية في شبيبتها، ms108 فلما ~~كان يوم 10 فبراير أطبق الموت جفني الزعيم الشاب وما يزال في مقتبل عمره، ولما يبلغ ~~الخامسة والثلاثين، لكن هذه السنوات الثلاث عشرة التي جاهد فيها مصطفى (من 1895-1908) ~~هي في الواقع حياة طويلة؛ لأنها حياة جليلة بنشاطها وبأعمالها، جليلة بإيمانها وسعيها، ~~وفي عصر ذلك اليوم بينا أنا جالس مع زميل لي من طلبة الحقوق مر بنا من نعى الزعيم لنا، ~~وفي اليوم التالي خفق قلب مصر من أقصاها إلى أقصاها حزنا عليه وجزعا ألا يخلفه من ~~يكون مثله ذكاء ومقدرة وقوة إيمان. # وودع مصطفى هذا العالم وقد عمل لوطنه في عشر سنوات ما لم يعمله غيره في عشرات السنين، ~~بل ما لم تعمله أجيال بأسرها؛ لذلك بقيت ذكراه تحييها مصر كل عام، ومن حيت ذكراهم ~~فأولئك لهم الخلد في ضمير الدهر وكفى بذلك جزاء موفورا. # | قاسم بك أمين # كلما ذكر اسم قاسم أمين # 1 # ذكر معه تحرير المرأة في مصر، فأول صيحة ارتفعت لهذا التحرير هي صيحة قاسم ~~في كتابيه «تحرير المرأة» و«المرأة الجديدة»، وعلى أثر هذه الصيحة قام جدل عظيم في ~~الموضوع ما تزال حواشيه باقية إلى يومنا هذا، مع ذلك، ومع أن قاسما لم يمت إلا من ~~عشرين سنة، فلو أنه بعث اليوم ورأى من آثار دعوته هذا التعليم الإجباري للبنين والبنات، ~~وهذه النهضة النسوية العظيمة في مختلف جوانب الحياة، وهذه الحرية النسبية التي تتمتع ~~بها المرأة، وهذا الإصلاح في التشريع للأحوال الشخصية ما تم منه وما يوشك أن يتم، إذا ~~لأخذته الدهشة، ثم لانقلبت دهشته اغتباطا أي اغتباط بهذه الآثار، ثم لعقب سروره أسف ~~على ما اضطر إليه في كتبه من محافظة ألزمه إياها روح عصره الجامد، ثم لترك ميدان المرأة ~~وتحريرها يسير في طريقه الطبيعي، ولفكر في ميدان آخر من ميادين الإصلاح الاجتماعي ~~الخطير الذي تحتاج مصر اليوم إليه أشد الحاجة، ولعل الأدب القومي وخلقه وتوطيده ~~والارتفاع به إلى سماوات الإنتاج الذاتي الخصيب يكون بعض الميادين التي يصرف إليها بطل ~~الجامعة المصرية منذ تأسيسها ms109 وأحد واضعي أسس هذا الأدب القومي في كتبه الثلاثة كل ما ~~يكون لديه بعد بعثه من نشاط وجهد. # ذلك بأن روح قاسم كانت روح أديب، كانت الروح العصبية الحساسة الثائرة التي لا تعرف ~~الطمأنينة ولا تستريح إلى السكون، وكانت الروح المشوقة التي لا تعرف الانزواء في كن ~~للبحث والتنقيب حيث تنسى نفسها وتستبدل بكنها ما في حياة الكون وحركته من نشاط وجمال، ~~بل كانت عيونه الواسعة تريد أن ترى جدة الوجود الدائمة تتكرر مناظرها فتطبع على صفحات ~~نفسه وحيا وإلهاما أكثر مما تؤدي إليهما المباحث الجافة منطقا وجدلا، وكانت هذه ~~المناظر تذكي شعوره الحساس بجمال الحياة، وتدعوه إلى الحرص على متاعه بها وعلى دعوته ~~غيره لهذا المتاع، وذلك لا يؤتاه إلا رجل فن جميل لا يقف عند التلذذ لنفسه بنعم الحياة، ~~بل يعبر لغيره عن معاني هذه النعم، وكما يعبر الموسيقي بالنغم والمصور بالنقش ~~والمثال بالنحت والشاعر بالوزن، كذلك الكاتب الأديب يجد في وصف ما في الحياة من ~~مختلف ألوان الجمال ما يعبر عن شعوره به وما يدعو غيره إليه، وحياة قاسم كانت كلها ~~متجهة إلى هذه الدعوة، وكانت متجهة إليها بقوة آخذة بنفسه متغلبة عليه حالة منه محل ~~الإيمان بها إيمانا صادقا. # ولد قاسم مصريا يجري في عروقه دم كردي، أورثه إياه جده الأمير الكردي، وولد في أسرة ~~متوسطة اليسار لم يفسدها ترف الإكثار ولم تجن عليها آثار الحاجة، وتربى منذ نشأته ~~تربية أمثاله، ثم سافر إلى فرنسا حيث درس الحقوق وعاد في سنة 1885، وليس في ظروف صباه ~~شيء غير عادي إلا أنه كان جم الحظ من الحياء مما ألزمه العكوف على نفسه وعلى درسه، وليس ~~في حياته بعد ذلك شيء من المجازفات التي تجذب لأصحابها أنظار الجماهير، بل ظل منذ أتم ~~دراسته إلى أن عاجلته منيته سنة 1908 وهو في ريعان قوته قاضيا ثم مستشارا بمحكمة ~~الاستئناف. # لكنه كان مع حيائه الجم عيوفا يحترم نفسه وكرامته كما يحترم الغير وحريته، فلم يجرب ~~عليه أحد ضعة ولا ضعفا، ولعل ms110 أقدس ما كان يجله من مظاهر الحرية حرية الرأي، وتلك ظاهرة ~~كثيرا ما تلقاها في ذوي الحياء، فهم مع احترامهم لغيرهم ولحريته ومع مبالغتهم في هذا ~~الاحترام إلى حد يهون معه عليهم أحيانا أن يتحملوا سوء استعمال الغير لهذه الحرية إلى ~~حد يضايقهم، تراهم إذا أراد مريد حبس رأيهم أو محاربته توترت كل أعصابهم وانتفضوا ~~انتفاضة الليث تبدو أنيابه ومخالبه ووقفوا مستميتين يذودون عن رأيهم ويستهينون في سبيل ~~ذلك بالمال والجاه وبالحرية والحياة وذلك سر نجاحهم دائما، على أنهم لذلك لا يصدرون عن ~~الرأي إلا بعد تمحيصه وتقليبه على مختلف وجوهه والاقتناع به اقتناعا يحل منهم مكان ~~الإيمان، وهذا ما عبر عنه قاسم في مقدمة كتابه «تحرير المرأة» حين قال: «هذه الحقيقة ~~التي أنشرها اليوم شغلت فكري مدة طويلة كنت في خلالها أقلبها وأمتحنها وأحللها، حتى إذا ~~تجردت من كل ما كان يختلط بها من الخطأ استولت على مكان عظيم من موضع الفكر مني، وصارت ~~تشغلني بورودها وتنبهني إلى مزاياها وتنبهني بالحاجة إليها، فرأيت أن لا مناص من ~~إبرازها من مكان الفكر إلى فضاء الدعوة والذكر.» # وهذا الخلق فيه هو الذي جعله منذ عودته من دراسة الحقوق بفرنسا إلى خاتمة حياته ~~قاضيا ممتازا، فهو لم يقض يوما لينال حظوة عند أحد أو ليصفق الجمهور له، ولم يكن من ~~بين القضاة الذين قال عنهم: «أعرف قضاة حكموا بالظلم ليشتهروا بين الناس بالعدل.» ولم ~~يتقيد في قضائه بآراء الفقهاء أو أحكام المحاكم مما يعتبره أكثر القضاة حجة لا محيد ~~عنها، بل لم يتقيد بنص القانون إذا لم يصادف هذا النص مكان الاقتناع منه، وهذا هو ما ~~جعله ميالا للرأفة في قضائه نافرا أشد النفور من حكم الإعدام، فقد كان يرى «أن العفو ~~هو الوسيلة الوحيدة التي ربما تنفع لإصلاح الذنب»، وأن «معاقبة الشر بالشر إضافة شر إلى ~~شر»، وأن «التسامح والعفو عن كل شيء وعن كل شخص هما أحسن ما يعالج به السوء ويفيد في ~~إصلاح فاعله»، وأن «الخطيئة هي الشيء المعتاد ms111 الذي لا محل للاستغراب منه، والحال ~~الطبيعية الملازمة لغريزة الإنسان»، فإذا كانت الجماعة لم توفق بعد لإدراك هذه الأفكار ~~وكانت قوانينها التي وكل إليه تطبيقها كقاض ما تزال تجري على سنة القصاص والانتقام ~~وما تزال دموية متوحشة، فلا أقل من أن يتحاشى الإعدام وهو أشد ما فيها وحشية، وهو ~~العقوبة الوحيدة التي لا سبيل لعلاجها إذا ظهر خطأ القاضي أو ثابت الجماعة إلى رشدها ~~ورأت تعديل أساس عقوباتها بجعل العقوبة للإصلاح لا للقصاص أو أخذت بمذهب العفو ~~والتسامح. # وكذلك كان رأيه في قضائه المدني، لم يكن يتقيد بالإجراءات إذا رأى العدالة توشك أن ~~تهدر لأن واحدا من هذه الإجراءات لم يراع المراعاة الواجبة، ثم كان أشد القضاة ميلا ~~لمصالحة المتخاصمين ولإحلال التسامح محل النضال والحسنى مكان الشر والسوء، وهو في هذا ~~ككثير من القضاة والمفكرين الذين أحدثوا بأحكامهم جديدا في العدالة وفي التشريع، ~~والذين خطوا بنصوص القوانين إلى معان تتفق مع الرقي الإنساني الذي يصبون إليه ويودون ~~لو يتحقق، وأنت إذ تقرأ أحكامه تشعر فيها بهذه المعاني التي ربما خيل إلى رجال القضاء ~~بالمهنة أنها إلى الأدب والخيال أقرب منها إلى النصوص المقدسة، والتي كانت مع ذلك وسيلة ~~التطور التشريعي في سبيل بلوغ العدالة منازل الكمال. # وهذه الآراء المتقدمة التي اعتنقها قاسم في نظره إلى الإنسان وفي تحليله نفسيته، وهذه ~~الأعصاب الثائرة التي تهتز لكل ما في الحياة من جمال وترجو لو يستمتع الناس به، وتربية ~~قاسم في وسط فرنسا الحر الذي كان متأثرا بالثورة الكبرى وبثورات سنة 1830 وسنة 1848 ~~وسنة 1870، ذلك كله هو الذي دفعه ليعلن رأيه في تحرير المرأة مع علمه بما يثيره إعلان ~~هذا الرأي عليه من حملات شعواء، فقد شعر قاسم بما شعر به كثيرون من الشبان الذين درسوا ~~في أوربا من ألم لما يرونه حين مقارنة الوسط الذي كانوا فيه بالوسط الذي عادوا إليه، بل ~~لعل هذه الحال على حد تعبير الأستاذ لطفي السيد «اعترته على نوع أشد مناسب لمقدار ~~أطماعه الواسعة ومداركه القوية ms112 ومشاعره الرقيقة، وربما استحالت هذه الحال بمساعدة ما به ~~من الوقار الجنسي إلى ملكة ينم عنها سكونه وإطراقه ويفسرها كثير من كلماته إلى حد يجعل ~~المرء يراه متطيرا أكثر منه متفائلا»، وكثيرون ممن تعتريهم هذه الحال يثورون ثم ما ~~يلبثون أن يهدءوا إذ يرون أنفسهم عاجزين عن أن يهزوا الوسط الذي هم فيه أو يبدعوا فيه ~~جديدا، ولعل قاسما حدثته نفسه غير مرة بالسكوت والاكتفاء بجاهه العريض وبمنصبه ~~العظيم، ولعله كان يصف نفسه أيضا حين كان يقول عن الشيخ محمد عبده: «كم من مرة سمعته ~~يؤكد أنه صمم على ألا يتداخل في شيء من هذا القبيل، ثم رأيته في الغد منغمسا فيه أكثر ~~مما كان، ذلك لأنه - بعكس ما يراه عموم المصريين في أنفسهم - كان عنده أمل لا يزعزعه ~~شيء في إصلاح أمته، كان عنده اعتقاد متين بأن البذرة الطيبة متى ألقيت في أرض بلادنا ~~الخصبة نبتت وأزهرت وأثمرت كما نبتت وأزهرت وأثمرت بذور الفساد فيها؛ لهذا كان يلقي ~~بملء يديه كل ما جمعه في حياته من الأفكار الصالحة والعواطف الشريفة والتعاليم المفيدة، ~~كأنه كان يشعر أن حياته ليست طويلة فكان يعجل ببذل جميع ما كان عنده.» # 2 # وكذلك لم يستطع هو أن يسمع لداعي الطمأنينة إلى منصبه وجاهه بعدما رأى أن ~~لا مناص من إبراز دعوته من مكان الفكر إلى فضاء الدعوة والذكر . # وفي ظننا أن الدعوة إلى تحرير المرأة من رق الجهل ورق الحجاب لم تكن كل برنامج قاسم ~~الاجتماعي، وإنما كانت حلقة منه هي أعسر حلقاته وأعقدها، ذلك بأنه لم يقصر عليها كل جهد ~~حياته، بل اشتغل منذ سنة 1906 بالدعوة لإنشاء الجامعة مع صديقه سعد زغلول وشغل بهذه ~~الجامعة وبتوطيد أركانها إلى أن وافته منيته بعدما أعد كل العدة لافتتاحها وقبيل هذا ~~الافتتاح بأشهر معدودة، وتدل كلماته على أن برنامجه كان أوسع من مجرد تأسيس الجامعة ~~وتركها تسير حسب ما توجهها الرياح، وعلى أنه كان يريد أن يجعل من الجامعة خطوة لبرنامج ~~أوسع نطاقا يتناول ثورة ms113 في اللغة والأدب كالثورة التي أحدثها كتاباه في تعليم المرأة ~~وفي رفع الحجاب. # ومن نافلة القول تكرار الكلام عن برنامجه في تحرير المرأة، فقد تناول الكتاب هذا ~~البرنامج بالشرح والتحليل منذ أكثر من عشرين سنة، وكل ما يمكن لقارئ كتابيه «تحرير ~~المرأة» و«المرأة الجديدة» أن يقف عنده اليوم في شأن برنامجه ما اضطر إليه من تحفظ يجعل ~~أهل هذا الجيل يرون صيحة قاسم التي كانت يوم ظهرت قوية مرعبة أن هزت أركان عادات أهل ~~عصره لا تزيد اليوم على أنها صورة للآراء والعادات المتداولة، ونسخة من آلاف ما يكتب من ~~نوعها وما يزيد أكثر الأحيان في تقدمها وسبقها. # ومعنى هذا أن دعوة قاسم آتت كل ثمرها فصارت بعض عقائد الناس وآرائهم، وإذا كان شيء ~~مما دعا إليه كتنظيم تعدد الأزواج وكجعل الطلاق بإذن القاضي ما يزال موضع النظر، فإن ~~الرجاء منعقد بتمامه عما قريب، كما أنه لم يبق من يعترضه إلا الجامدون والذين في قلوبهم ~~مرض. # على أن كتابي «تحرير المرأة» و«المرأة الجديدة» ليسا مقصورين على الدعوة إلى تعليم ~~المرأة وإزالة الحجاب، بل فيهما مذهب جديد في التفكير والكتابة لم يكن معروفا من قبل ~~قاسم ولم يسبقه إليه أحد، فيهما شيء من «الرومانتسم» الغربي ومن تحليل الطبيعة ~~الإنسانية في أرق عواطفها وأدق وجداناتها، فقد كان قاسم ينظر إلى عاطفة الحب نظرة عبادة ~~وتقديس ، وكان يقول: «إن العارف يعتبر العثور على الحب الشريف أكبر السعادات في هذه ~~الدنيا، وإذا كان المال زينة الحياة فالحب هو الحياة بعينها.» # 3 # وكان يراه غذاء روحيا لا غنى لنفس عنه في جميع أدوار حياته، وعنده أن: ~~«كل عشق شريف، فإن كان بين شريفين زاد في قيمتهما ورفع من قدرهما، وإن كان بين وضيعين ~~أكسبهما شرفا وقتيا حتى إذا زال العشق سقطت قيمتهما وانحطت مرتبتهما ورجعا إلى ~~أصلهما»، ورجل ذلك نظره للحياة أدنى إلى تغليب حكم العاطفة وإلى اعتبارها الهادي ~~والمرشد الأول في الحياة. # وإنك إذ تقرأ في كتابيه ما كان صادرا عنه هو غير متأثر ms114 بجدله مع غيره أو ببحوثه ~~الفقهية التي التجأ إليها لتبرير مذهبه بإزاء الشريعة الإسلامية، إذ ذاك ترى العاطفة ~~الحية الحساسة، عاطفة المحبة والرحمة والتسامح والسلام هي السائدة في كل نواحي الكتاب، ~~وهي مقدمة كل أسبابه ونتائجه، وهل الحياة إلا محبة ورحمة وتسامح وسلام؟! وهل في الحياة ~~أجمل من المحبة والرحمة والتسامح والسلام؟! # وقاسم يريد بالناس أن يستمتعوا بجمال الحياة وبالحياة كلها استمتاعا كاملا، وهو لا ~~يريد هذا على أنه مجرد دعوة لمثل أسمى قد تصل الإنسانية إليه وقد لا تصل، ولكنه يريده ~~حقيقة تتم، وهو يريده لنفسه بمقدار ما يريده للناس، وأكثر مما يريده للناس، وأنت ترى ~~هذا في كلماته التي لم تنشر للناس إلا بعد موته والتي كان يرصد فيها أفكاره الخاصة ~~لنفسه، ترى في هذه الكلمات مبلغ إيمانه بالجمال وبالحب وبالفن الجميل، وترى مبلغ ألمه ~~لعدم تقدير بني وطنه بدائع الطبيعة وتصوير رجال الفن لهذه البدائع، قال: «وصلنا قصر ~~اللوفر وكنا أربعة من المصريين لنمتع النظر بأبدع ما جادت به قرائح أعاظم الرجال في ~~العالم، فبعد أن تجولنا في غرفتين جلس أحدنا على أحد الكراسي قائلا: أنا اكتفيت بما ~~رأيت وها أنا ذا منتظركم هنا، وقال الثاني: أتبعكما لأني أحب المشي وأعتبر هذه الزيارة ~~رياضة لجسمي، وسار معنا شاخصا أمامه لا يلتفت إلى اليمين ولا إلى اليسار وما زال كذلك ~~حتى وصلنا قاعة المصاغ والحلي، وحينئذ تنبهت حواسه وصار ينظر إلى الذهب ثم صاح: «هذا ~~ألطف ما في هذه الدار»، ووصلنا إلى تمثال إلهة الجمال الفريدة في العالم أجمع فسألت ~~دليلنا: ماذا تساوي هذه الصورة إذا بيعت؟ فقال إنها تساوي ثروة أغني رجل في العالم، ~~تساوي كل ما يملكه الإنسان، تساوي ما يقدره لها حائزها ويطلبه ثمنا لها إذ لا حد ~~لقيمتها.» ~~••• # ومثال الجمال عند قاسم مجسم في المرأة، وإذا كانت الموسيقى وكان التصوير وكان التمثيل ~~وكان كل مظهر من مظاهر الفنون الجميلة محببا إليه فإن مصدر الوحي الذي تصدر عنه هذه ~~الآثار جميعا هو المرأة، هي التي ms115 تجعل للطبيعة وما فيها جمالا لأن عيونها تقع عليها، ~~وهي تلهم الرجل هذا الجمال لأنها تحب الزهر وعطره والنسيم وأرجه والقمري وشدوه ولأنها ~~تحب كل جميل. # وقد لا ترى ذلك واضحا صريحا في كتب قاسم، ولكنك تراه واضحا في عباراته الملتهبة عن ~~العشق والحب، وفيما قدمنا من عباراته في تحرير المرأة وفي الكلمات ما ينهض دليلا على ~~رأينا، وأكثر منه في الدلالة قوله: «كلما أردت أن أتخيل السعادة تمثلت أمامي في صورة ~~امرأة حائزة لجمال المرأة وعقل الرجل.» وقوله: «الحب إحساس عميق يستولي على النفس كلها ~~ويجعلها محتاجة إلى الاختلاط بنفس أخرى احتياجا ضروريا كاحتياج العليل إلى الشمس ~~والغريق إلى الهواء، نار تلهب القلب لا يطفئها البعد ولا يبردها القرب بل يزيدها ~~اشتعالا، نظرة في عيون محبوبته تملأ قلبه فرحا وتجعله يتخيل أنه ماش في طريق مفروش ~~بالورد أو راكب سحابة وطائر في المرتفعات العالية، فوق فوق قريب السماء.» # وهو - وذلك إيمانه الصحيح - قد رأى أن المرأة التي تستطيع أن تلهم الرجل كل هذه ~~المعاني السامية وأن تفيض على الفنان بالوحي وعلى غير الفنان بأسباب السعادة التي تحبب ~~إليه الحياة والعمل فيها ليست هي المرأة الجاهلة المحجوبة؛ لذلك دعا دعوته لتحرير ~~المرأة من رق الجهل ورق الحجاب لتكون مبعث السعادة للناس جميعا. ~~••• # لكن هذا الوحي والإلهام لا يكون إلا إذا استعد الرجال لتلقيه، وإذا كان لدعوة قاسم أن ~~تنجح في ميدان تحرير المرأة وأن تجعل من المصرية مثلما كانت أخت رينان أو زوجة جون ~~ستوارت ميل أو شبيهاتهما من النساء اللواتي أوحين إلى النوابغ ما غير وجه التاريخ، فلا ~~بد من إعداد الرجال لتلقي هذا الإلهام السامي ولإبرازه فيما يجب أن يبرز فيه من قوة، ~~وذلك لم يكن ممكنا والتعليم العالي - كما كان يومئذ - مقصور على أن يعد موظفين ~~للحكومة وللأعمال الحرة ممن لا يرون العلم إلا وسيلة للكسب «ويعملون على مبدأ (اكسب ~~كثيرا واتعب قليلا) وليس فيهم العامل المحب لعمله أو فنه والعاشق الذي تحتل شهوة ~~العمل كل قلبه ms116 وتتمدد فيه وتملؤه برمته»، أمثال هؤلاء لا يوحي إليهم جمال العالم فكرة ~~جديدة ولا يرتجون من الحياة إلا اعتزازا بمنصب أو بمال طائل يحصلونه، وهؤلاء لا يمكن ~~أن تنهض أمة بهم لترقى إلى سبيل الكمال، فأما الفئة التي «تطلب العلم حبا للحقيقة ~~وشوقا إلى اكتشاف المجهول، الفئة التي يكون مبدؤها التعليم للتعلم» والتي تحس جمال ~~الحياة في مختلف مظاهره، الفئة التي ترى في المرأة الجميلة المهذبة معوانا على النهوض ~~بالجماعة، هذه الفئة لا تكون إلا حين توجد الجامعة وحين يوجد التعليم الجامعي، وهذه ~~الفكرة هي الأساس الذي دعا قاسما للتعاون مع صديقه سعد زغلول ومع أركان نهضة مصر ~~ليؤسسوا الجامعة المصرية التي استظلت لجنتها برياسة سعد باشا زغلول حتى ترك منصبه ~~كمستشار في الاستئناف وعين وزيرا للمعارف فحل محله قاسم أمين في رياسة اللجنة إلى أن ~~عاجلته المنية. # وقد ظل قاسم عاملا مع أصحابه مجدا يستنهض الهمم ويجمع الأموال ويهيئ كل أسباب نجاح ~~الجامعة، وقد بين فكرته عنها في خطاب ألقاه بمنزل المغفور له حسن باشا زايد بالمنوفية ~~لمناسبة وقفه خمسين فدانا للجامعة قال فيه: «إن الوطنية الصحيحة لا تتكلم كثيرا ولا ~~تعلن عن نفسها، عاش آباؤنا وعملوا على قدر طاقاتهم وخدموا بلادهم وحاربوا الأمم وفتحوا ~~البلاد ولم نسمع أنهم كانوا يفتخرون بحب وطنهم، فيحسن بنا أن نقتدي بهم فنهجر القول ~~ونعتمد على العمل . # نحن لا يمكننا أن نكتفي الآن بأن يكون طلب العلم في مصر وسيلة لمزاولة صناعة أو ~~الالتحاق بوظيفة، بل نطمع في أن نرى بين أبناء وطننا طائفة تطلب العلم حبا للحقيقة ~~وشوقا إلى اكتشاف المجهول، فئة يكون مبدؤها التعلم للتعلم، نود أن نرى من أبناء مصر - ~~كما نرى في البلاد الأخرى - عالما يحيط بكل العلم الإنساني واختصاصيا أتقن فرعا ~~مخصوصا من العلم ووقف نفسه على الإلمام بجميع ما يتعلق به، وفيلسوفا اكتسب شهرة عامة، ~~وكاتبا ذاع صيته في العالم، وعالما يرجع إليه في حل المشكلات ويحتج برأيه، أمثال ~~هؤلاء هم قادة الرأي العام عند الأمم الأخرى ms117 والمرشدون إلى طرق نجاحها والمدبرون لحركة ~~تقدمها، فإذا عدمتهم أمة حل محلهم الناصحون الجاهلون والمرشدون الدجالون. # إن عدم استعداد طلبة العلم لحب العلم ذاته هو عيب عظيم فينا يجب أن نفكر في إزالته، ~~وهو نتيجة من نتائج التربية المنزلية التي غفلت عن تربية إحساسنا وأهملت تربية قلوبنا ~~فأصبحنا ماديين لا نهتم إلا بالنتائج في جميع أمورنا، حتى في الأشياء التي يجب بطبيعتها ~~أن تكون بعيدة عن الفوائد كعلاقات الأقارب والأصحاب. # إن الارتقاء في الإنسان تابع على الخصوص لإحساسه، وإن أكثر الناس استعدادا للكمال هم ~~أصحاب الإحساس الذين تهتز أعصابهم المتوترة بملامسة الحوادث وتبلغ منهم الانفعالات ~~النفسية مبلغا عظيما فيظهر أثرها فيهم بكثرة وشدة، أولئك هم السعداء الأشقياء الذين ~~يتمتعون ويتألمون، أولئك هم السابقون في ميدان الحياة، تراهم في الصف الأول مخاطرين ~~بأنفسهم يتنافسون في مصادمة كل صعوبة، من بينهم تنتخب القدرة الحكيمة خيرهم وتوحي ~~إليه أسرارها فيصير شاعرا بليغا أو عالما حكيما أو وليا طاهرا أو نبيا ~~كريما. # ولي أمل عظيم أن يكون إنشاء الجامعة المصرية سببا في ظهور شبيبة هذا الجيل وما يليه ~~على أحسن مثال.» # كان أول أمل لقاسم من إنشاء الجامعة إذا هو الأمل العلمي البحت، هو تكوين فئة للبحث ~~وراء الحقيقة شوقا إليها وحرصا على كشف ما يحيط بهذا العالم من الأسرار، وهذه الحقيقة ~~لا يصل إليها أولئك المشغولون بأسباب الرزق العاكفون على السعي لها والدأب في سبيلها، ~~وإنما تصل إليها بيئة علمية يتصل الطالب فيها بالأستاذ اتصال دراسة واتصال بحث، اتصال ~~تعليم واتصال تضامن في زيادة ثروة الإنسانية العلمية، هذه الثروة النورانية التي تضيء ~~ما حولها لتهتك حجب الجهل وما يجره وراءه من جمود وتعصب ونفاق، والتي تهدي الإنسانية ~~سبيل السعادة بما تكشف لها من جمال الوجود، ولعل أكبر رجاء قاسم كان أن يتناول هذا ~~البحث آداب مصر بغية الوصول إلى تركيز أدب قومي صالح يجدد الأدب العربي الذي كان ~~متداولا إلى عصره، وقد كانت لقاسم في تجديد اللغة والأدب آراء لا تقل تقدما عن ms118 آرائه ~~في مسألة المرأة وتحريرها، وكان يرى «أن اللغة العربية مرت عليها القرون الطويلة وهي ~~واقفة في مكانها لا تتقدم خطوة إلى الأمام، بينا أخذت اللغات الأوربية تتحول وترتقي ~~كلما تقدم أهلها في الآداب والعلوم حتى أصبحت النموذج المطلوب في السهولة والإيضاح ~~والدقة والحركة والرشاقة، وصارت أنفس جوهرة في تاج التمدن الحديث»، وفي كلماته كثير عما ~~كان يراه من أوجه النقص في اللغة ووسائل علاج هذا النقص قال: «لم أر بين جميع من عرفتهم ~~شخصا يقرأ كل ما يقع تحت نظره من غير لحن، أليس هذا برهانا كافيا على وجوب إصلاح ~~اللغة العربية، لي رأي في الإعراب أذكره هنا بوجه الإجمال وهو أن تبقى أواخر الكلمات ~~ساكنة لا تتحرك بأي عامل من العوامل، بهذه الطريقة - وهي طريقة جميع اللغات الإفرنجية ~~واللغة التركية أيضا - يمكن حذف قواعد النواصب والجوازم والحال والاشتغال ... إلخ، بدون ~~أن يترتب عليه إخلال باللغة إذ تبقى مفرداتها كما هي.» # ولم يكن جزعه على الأدب بأقل من نفوره من جمود اللغة، فكم نعى على الكتاب والشعراء ~~اقتصارهم على «تكرار أفكار الغير التي حفظوها كما يحفظ الأطفال القرآن»، وكم أسف على ~~الفتور العقلي الذي يجعلك «إذا اجتمعت في اليوم بعشرين رجلا من معارفك تسمع من التسعة ~~عشر الآخرين ما سمعته من الأول، ولا تجد في الجريدة التي تقرؤها أو تسمع من الصاحب الذي ~~تقابله فكرة غريبة أو تعبيرا جديدا أو أسلوبا مبتدعا، لا تجد النابغة الذي يدهشك ~~ويجذبك بعجائب جنونه»، وكم استهجن الأساليب التي تقتصر على المحسنات اللفظية ودعا إلى ~~جدة تخرج بالكاتبين من ذلك النوع البالي الذي لا يعرف البحث والتحليل والتسمع على النفس ~~والمشاعر ووصف بدائع الطبيعة مكتفيا بالعبارات المحفوظة التي توارثوها عن كتاب ~~العرب أيام مجدهم، وإنك لتجد فيما خلف قاسم صورة من هذا الأدب الجديد الذي يدعو هو ~~إليه والذي غزا ميدان التحرير والكتابة فأصبح أدب هذا العصر الحاضر، ولئن كنا ما نزال ~~نرجو للأساليب الجديدة ثروة وقوة فإن فضلا كبيرا يرجع لقاسم في هذه ms119 الجدة التي دعا ~~إليها، والتي كان يرجو أن تبدع فيها الجامعة التي جاهد في إنشائها، والتي قامت بعد موته ~~قوة تقربها من المثل الأعلى الذي يرجوه. # واختطف الموت فجأة قاسما وما يزال في ربيع قوته، مات بالسكتة القلبية بعد أمسية قدم ~~فيها طالبات رومانيات في نادي المدارس العليا، مات وهو في ميدان هذا الجهاد الشاق الذي ~~خاض غماره وحمل أعباءه بقوة وعزيمة لم يتطرق إليهما كلال، فقد وقف الرأي العام في وجهه ~~على أثر نشر كتاب تحرير المرأة، ولم يكن هذا الرأي العام مقصورا على السواد ولا على ~~الجامدين، بل ساير هؤلاء كثيرون ممن يزعمون أنهم يفهمون الرأي واحترامه والحرية ~~وقداستها، بل ممن كانوا مقتنعين بصواب رأي قاسم، وبلغ الأمر أن حرم قصر عابدين عليه، ~~ولم يثبطه شيء من هذا ولم يبال بذم الناس «بل وجد فيه نوعا من حماسة الغضب منبها ~~لأعصابه منشطا لقواه مغريا إياه بالاستمرار والثبات»، ورد على خصومه بكتاب «المرأة ~~الجديدة» ثم قام بالمجهود العظيم الذي قام به في إنشاء الجامعة، وكان في إبان ذلك كله ~~ساكن النفس مطمئن الضمير محبا للحياة وجمالها غير بخيل على نفسه بحظ من ذلك يناله في ~~رفق ما كان بعيدا عن مصر، فإذا عاد إليها اقتصر على أصدقائه القليلين الذين كانوا ~~«يخففون عليه حمل الحياة ويرغبونه في بقائها». # مات فجأة في ليل 23 أبريل سنة 1908 فأثار خبر وفاته في نفوس الناس جميعا، أصدقائه ~~وخصومه، رنة حزن وأسى، واجتمع لتشييع رفاته كل ذوي الرأي في مصر، وكانت جنازته مظهرا ~~صامتا لإجلال الوطن وتقديره العاملين من رجاله، وغادر هذا العالم تاركا وراءه ذكرا ~~باقيا هو ذكر الصدق والإخلاص لبلاده لم يبتغ عليهما في حياته أجرا من جاه أو نشب، ~~فكان أجره عليهما الخلود بعد موته في ضمير الأجيال المتعاقبة، ذلك بأنه رفع لواء الحرية ~~الصحيحة والعدل في أسمى معانيه، وبعث إلى الروح المصرية حياة جديدة تكفل لها بلوغ ما ~~ترجوه بين جماعة الأمم المتحضرة. # وفي يقيننا أن مجهود قاسم من أبقى ms120 المجهودات على الحياة، وأن الصحائف المعدودة التي ~~كتبها ستظل أبدا موضع إجلال العصور واحترامها. # | هوامش # | إسماعيل باشا صبري # لم تمض على وفاة المغفور له إسماعيل صبري باشا غير سنوات قليلة ومع ذلك فقد بدأ ~~الناس لا يذكرون عنه إلا أنه كان شاعرا مجيدا، فأما أنه كان وكيلا للحقانية في آخر ~~أيامه، وأنه درج قبل ذلك في وظائف الحكومة المختلفة حتى بلغ هذا المنصب، فهذا ما يسحب ~~النسيان عليه ذيله رويدا رويدا، وهذا ما يعتبر الجانب القليل الخطر من حياته، ولا عجب ~~في ذلك؛ فلقد كان الشعر هو الجانب المنير من روح إسماعيل صبري والذي يجعله أحد رجال ~~التاريخ الحديث، والناس لا يذكرون من الكبراء إلا مواضع عظمتهم الحقة، المواضع التي ~~تتصل فيها نفوسهم بنفس الإنسانية كلها اتصالا تتأثر به النفس الإنسانية تأثرا باقيا ~~على الأجيال في تعاقبها، فأما هذا العمل اليومي الذي يقوم به كل منا ويستطيع غيره أن ~~يحل محله فيه، فأما هذا الجانب من الحياة الذي يتكرر فيه الفرد من غير أن تظهر له شخصية ~~خاصة ممتازة، فأما النيابة والقضاء ووكالة محكمة الاستئناف ومنصب النائب العمومي ووكالة ~~الحقانية مما تقلب فيه إسماعيل صبري؛ فتلك المراكز على خطرها وجلالها وما تخلعه على ~~صاحبها في حياته من جاه ومقام عظيم، إنما يتصل صاحبها بالجيل الذي يعيش فيه، إلا أن ~~يمتاز في أعمال هذه المناصب امتيازا يترك أثرا تتناقله الأجيال، ولم يترك إسماعيل ~~صبري في هذه الناحية من حياته ذلك الأثر؛ لذلك كان له من جاهها مدى حياته ما يكون ~~لغيره، فأما ما بقي له فذلك الضياء النفساني الذي يتجلى في شعره القليل، والذي يعتبر ~~على قلته آية في الجمال تهتز لها نفوس كل الأجيال، والذي يبقى من أجله اسم إسماعيل صبري ~~على الزمان؛ لأنه - على حد قول الأستاذ علي الجارم في مرثيته إياه: # لم يمت من يزول من عالم الحس # وتأبى آثاره أن يزولا # ولد المرحوم إسماعيل صبري في 16 فبراير سنة 1854 ودخل مدرسة المبتديان التجهيزية ~~فمدرسة الإدارة، وفي ms121 سنة 1873 التحق بالإرسالية المصرية لفرنسا فنال إجازة الحقوق في ~~سنة 1878، وهذه الإجازة هي التي فتحت أمامه أبواب السلك القضائي من مساعد نيابة لدى ~~المحاكم المختلطة إلى وكيل وزارة الحقانية، على أن الجانب النفسي الأقوى منه لم يكن ~~الجانب التشريعي أو الجانب القضائي، بل كان جانب تجاوب الأوزان والأنغام والشعر، ~~وكثيرا ما رأيت رجالا يكونون دون غيرهم من أهل حرفهم في الكفاية والمقدرة، ولكنهم ~~يمتازون بجانب آخر لهم فيه نبوغ، هؤلاء يحجب فيهم جانب النبوغ الجانب الآخر ويجعله يبدو ~~ضعيفا، بل كثيرا ما يجني جانب النبوغ على الجانب العملي للحياة، لما يكره النبوغ عليه ~~من وهبته الطبيعة إياه من مجهود مستمر وحياة خاصة، فإذا الجانب العملي يكاد ينسى إلا ~~ما تمليه عليه الملكات الممتازة من قوة واقتدار. # ولم يكن لجانب النبوغ الشعري في إسماعيل صبري تاريخ قديم معروف، وقد عبر شوقي في ~~رثائه إياه عن ذلك بقوله: # إن فاته نسب الرضى فربما # جريا لغاية سؤدد وطراف # شرف العصاميين صنع نفوسهم # من ذا يقيس بهم بني الأشراف # قل للمشير إلى أبيه وجده # أعلمت للقمرين من أسلاف # وكثيرا ما كانت المواهب الممتازة لا ترجع إلى تاريخ قديم معروف، بل كثيرا ما رأيت ~~هذه المواهب الممتازة تتجلى في أشخاص لا تلمح في تاريخهم أية مقدمة لها، وهي قد تجلت في ~~نفس إسماعيل صبري مذ كان في السادسة عشرة من عمره، وقبل أن يختط طريقه إلى السلك ~~القضائي، فقد نشرت له مجلة روضة المدارس وما يزال في هذه السن مقاطيع شعرية تلمح خلالها ~~روح الشاعر، وإن كانت في تلك الحين قد كانت متأثرة أشد التأثر بأغراض الشعر في عصر ~~إسماعيل من مدح الأمراء وذوي السلطان، وروضة المدارس كانت يومئذ مجلة أدبية تعمل ~~لإحياء اللغة العربية والشعر العربي. # ولما سافر في الإرسالية وأقام بمدينة اكس أتيح له الاطلاع على الأدب والشعر الفرنسي، ~~ويدل شعره في السنوات الأخيرة على أنه تأثر بهذا الشعر كثيرا وأنه انطبع منه في نفسه ~~حظ غير قليل، على أنه لم يستطع ms122 في أول أمره أن ينقل إلى الشعر العربي روحا غربية مثلما ~~فعل شوقي مثلا، فأنت ترى في شعر صبا شوقي الشيء الكثير المتأثر تأثرا باديا بحياة ~~شوقي في أوربا، أما إسماعيل فكان منذ أول حياته شاعرا مقلا، وكان - على ما يظهر من ~~شعره - لا يتأثر سريعا، ولكن ما يؤثر فيه يبقى عالقا بنفسه حتى يكون له مظهره ولو بعد ~~حين. # والظاهر أن التقاء الحياتين الشرقية والغربية والشعرين الشرقي والغربي في نفس إسماعيل ~~صبري أحدث أثرا عميقا امتزج مع غريزة حياته، فقد كان رجلا رقيقا كل الرقة دمث ~~الأخلاق حاضر البديهة، اجتمع له كل ما يعرف من صفات «ابن البلد» وظرفه، وإنك لتسمع ما ~~يرويه عنه أصحابه من ذلك الشيء الكثير، فكان إذا سئم إنسانا من الناس ولم تطاوعه نفسه ~~الرقيقة على الإغلاظ له في القول؛ طلب إلى صديقه حافظ إبراهيم أن يوقع بينه وبين هذا ~~الثقيل حتى لا يضطر لمقابلته أو التحدث إليه، وكان كثير التندر، حتى لقد تحكم عليه ~~النكتة فلا يرى بأسا من أن يقول إنه لو نزل كتاب مقدس في القطب الشمالي لوعد الله ~~عباده النار أعدها للمتقين، وكان ظرفه وخفة روحه وسرعة بديهته يلهمانه في كثير من ~~المواقف ما لا يلهم المنطق، اعترف أمامه متهم بجريمة القتل فلما خلا مع زملائه للمداولة ~~ورأى أن العقوبة هي الإعدام؛ ذكر لهم أنه يشك في اعتراف هذا الرجل لأنه لا يرى في سيماه ~~معنى شجاعة يمتاز به على سواه من أمثاله، وجيء بالرجل إلى غرفة المداولة وقال هو له: ~~أتدري أن اعترافك هذا يجعلنا نحكم عليك بالإعدام، فكان جواب الرجل: لكن العمدة لم يقل ~~هذا، بل قال لي حين دفع لي الجنيهين: إني سيعفى عني لأني كنت في السجن حين ارتكاب ~~الحادثة، وتبين فعلا أن الرجل كان في السجن فلم يكن له في الحادثة يد، وقضى ~~ببراءته. # إلى جانب هذه الصفات التي يمتاز بها «ابن البلد» المصري مما تأثرت به نفس إسماعيل ~~صبري الشاعرة بمخالطتها الوسط المصري، كان رجل ms123 اجتماع بالمعنى الإفرنجي الصرف، أي رجل ~~دنيا إذا أردت ترجمة العبارة الفرنسية # Homme du monde # ترجمة حرفية، وكان له أصدقاء كثيرون جدا من الجاليات الأوربية المقيمة بالقاهرة، وكان ~~يغشى اجتماعات من يختارهم من أهل هذه الجاليات بمقدار ما يغشى اجتماعات الظرفاء وأولاد ~~البلد. # على أنه مع كل هذه الوداعة والظرف ومع ما كان يسيل به خلقه من رقة، كان أبيا لا ~~يقيم على ضيم، ذكر لي أصدقاؤه الذين عرفوه طوال حياته أنه برغم ما تقلب فيه من كبرى ~~مناصب الحكومة كان المصري الوحيد الذي لم يقابل لورد كرومر ولم يدخل الوكالة البريطانية ~~في مصر، وأنه حدث بينه وبين رياض باشا - وكان رئيس النظار - جفاء لحكم أصدره ماسا ~~ببعض المحسوبين على رياض باشا، فلما جاء في أحد المواسم إلى عابدين ومثل بين يدي الخديو ~~توفيق ثم خرج من لدنه إلى رياض باشا مهنئا إياه كرئيس حكومة أوقفه رياض باشا ولم يأذن ~~له بالجلوس، وكان ابن رياض باشا واقفا عند باب الحجرة التي يجلس فيها أبوه، فقال ~~إسماعيل صبري مخاطبا الابن بمسمع من الأب: قل لأبيك يحترم الناس كي يحترموه، وروى ~~عثمان باشا مرتضى في حفلة تأبين إسماعيل صبري أن أحد قناصل الدول الأجنبية طلب إليه - ~~وكان محافظا للإسكندرية - أن يشيع جنازة غني من أهل جاليته ترك ثروة طائلة كسبها في ~~مصر وأوصى بها كلها لبلاده، فكان جواب المحافظ أن اعتذر؛ لأن المحتفل بجنازته لم يفكر ~~في مصر التي أثرى فيها، فليس يطلب من مصري أن يفكر في مجاملته حيا أو ميتا. # دعة وظرف ورقة وحسن معاشرة وإباء، ~~اجتمعت كلها في نفس شاعر التقت فيه الحياتان الشرقية والغربية وألهمتها الطبيعة ذوق ~~الجمال، وبخاصة ما كان منه متعلقا بالنغم الشعري، فماذا ترى يكون أثر ذلك كله في شعره؟ ~~فأما الرقة فقد تنفست في شعر صبري غزلا بالمرأة وهياما بجمالها أيا كانت هذا ~~المرأة، وأنت ترى من ذلك شيئا غير قليل حين تذهب إلى مراجعة شعر صبري الغنائي، لكنك ~~تراه ماثلا بصورة حلوة جميلة ms124 آخذة باللب في قصيدته البديعة (تمثال جمال) وبخاصة في هذه ~~الأبيات منها يخاطب المرأة الجميلة أو كما سماها «لواء الحسن»: # إن هذا الحسن كالماء الذي # فيه للأنفس ري وشفاء # لا تردي بعضنا عن ورده # دون بعض، واعدلي بين الظماء # ساعفي آمال أنضاء الهوى # بقبول من سجاياك رخاء # وتجلي واجعلي قوم الهوى # تحت عرش الشمس بالحكم سواء # أقبلي نستقبل الدنيا وما # ضمنته من معدات الهناء # واسفري تلك حلى ما خلقت # لتوارى بلثام أو خباء # واخطري بين الندامى يحلفوا # أن روضا راح في النادي وجاء # وانطقي ينثر إذا حدثتنا # ناثر الدر علينا ما نشاء # وابسمي، روحانية لا تدعي # أن هذا الحسن من طين وماء # وانزعي عن جسمك الثوب يبن # للملا تكوين سكان السماء # وأري الدنيا جناحي ملك # خلف تمثال مصوغ من سناء # وتراه كذلك في هذه الأبيات يخاطب بها امرأة لا تدري أية واحدة هي من ألوية الحسن ~~التي تزدحم عادة في نفس ذوي الظرف والرقة ممن لا تحتمل نفوسهم طغيان الحب المستبد يذعن ~~له الفؤاد والقلب والنفس والجوارح جميعا إذعان خضوع وإيمان واستسلام، وهو مع ذلك ~~بإذعانه راض وبذله سعيد: # زيني الندي وسيلي في جوانبه # لطفا يعم رعايا اللطف رياه # ريحانة أنت في صحراء مجدبة # من الرياحين حيانا بها الله # إن غاب ساقي الطلا أو صد لا حرج # هذا جمالك يغنينا محياه # لعلك تلمح فيما نقلنا من هاتين ~~القصيدتين - أو المقطوعتين إن شئت - شيئا غير الغزل بجمال المرأة من غير تقيد بامرأة ~~معينة، ولعلك تلمح فيها من الموسيقى أكثر مما اعتدت أن تلمح فيما تستمع إليه من شعر غير ~~إسماعيل صبري، وإنك لواجد هذه النغمة الموسيقية الحلوة الرقيقة في أكثر شعره وإن لم يكن ~~في شعره جميعا، بل إنك لواجدها حتى في القصائد التي يكلف الشاعر نفسه أن يكون حماسيا ~~فيها كقصيدة فرعون وقومه، بل إنك لواجدها حتى فيما يتكلف فيه الحكمة كقصيدة الساعة وما ~~نظمه عن نجم هالي، وذلك طبيعي وقد كان إسماعيل صبري مشغوفا بالغناء طول حياته إلى غير ms125 ~~حد حتى كانت الحياة عنده قطعة من الموسيقى، أو قل كان خير ما في الحياة عنده قطعة من ~~الموسيقى، وكان سمعه أكرم حواسه عليه، أليس في رثائه يقول حافظ إبراهيم: # لقد كنت أغشاه في داره # وناديه فيها زها وازدهر # وأعرض شعري على مسمع # لطيف يحس نبو الوتر # والحق أن إسماعيل صبري لم يولع في ~~حياته بشيء ولعه بالغناء، ولم يجاهد وهو في مناصب القضاء لترقية شيء في مصر أكثر من ~~جهاده لترقية الغناء، كان ذلك شأنه منذ عهد الخديو إسماعيل باشا، أي منذ أن نشأ يقول ~~الشعر إلى أن مات، وكان لا يقف من شعره الغنائي عند الشعر العربي بل كان يختلط بالمغنين ~~ورجال الموسيقى وكان يضع لهم أدوارا باللغة المصرية، وكان لذلك موضع محبة رجال الفن ~~الموسيقيين والمغنين واحترامهم. # ولقد كان له في هذا الباب فضل كبير: رفع الأدوار الغنائية من درك كانت فيه، فجعلها ~~ذات معان رقيقة تمثل عواطف طاهرة وميولا سامية، وأدواره (قدك أمير الأغصان) و(الفجر ~~لاح قوموا يا تجار النوم) وغيرهما لا تزال من أفضل الأدوار المصرية التي تغنى إلى ~~وقتنا الحاضر، وقد عرفه الناس جميعا بذلك حتى كان حجة يرجع إليه، روى لي أحمد شوقي بك ~~حادثة غاية في اللطف، تلك أنه كان عنده وهو يشغل منصب النائب العمومي يوما وكانت مصر ~~تموج أفكار أهلها بحادث سياسي وقع فيها، وفيما هما جالسان يتحدثان دخل حاجب ومعه مظروف ~~حكومي كبير فقطع ذلك حديثهما وانتظرا أن يجدا فيه إشارة إلى الحادث السياسي وما يجب ~~اتخاذه من الإجراءات بإزائه، فلما فض إسماعيل باشا المظروف وقرأ ما بداخله هز رأسه ~~مبتسما، ذلك أن علي باشا شريف رئيس مجلس الشورى يومئذ قد بعث في هذا المظروف بدور ~~غنائي وهو يطلب إلى النائب العمومي إصلاحه، ولهذه المناسبة قص إسماعيل باشا صبري حادثا ~~وقع في قرطبة حين كانت الدولة الإسلامية على وشك الزوال منها، وكانت طرقها تجري دما ~~لاقتتال الناس فيها؛ ذلك أن فتاة أطلت من نافذتها منادية صديقة لها في نافذة ms126 مقابلة ~~تطلب إليها وترا تصلح به عودها، وكذلك يطلب رئيس مجلس الشورى إلى النائب العام أن يصلح ~~له دورا غنائيا بينما تموج البلاد بحادث سياسي لا تعرف نتائجه. # ولهذا الولع بالنغمة وبالغناء ترى الكثير من شعر إسماعيل صبري صالحا لأن يكون صوتا ~~يغنى فيه، اسمع إلى قوله يخاطب سيدة تدعى ألكسندرا: # انثري الدر يا سمية إسكن # در لا فض عقده من فيك # وأميطي عن الحقيقة ما يح # جب عنا جمالها من شكوك # وقوله: # أقصر فؤادي فما الذكرى بنافعة # ولا بشافعة في رد ما كانا # سلا الفؤاد الذي شاطرته زمنا # حمل الصبابة فاخفق وحدك الآنا # هلا أخذت لهذا اليوم أهبته # من قبل أن تصبح الأشواق أشجانا # لهفي عليك قضيت العمر مقتحما # في الوصل نارا وفي الهجران نيرانا # وغير ذلك مما يغنى فيه من شعر إسماعيل صبري كثير. # أنت لا تستطيع أن تطلب إلى شاعر بلغ من الرقة ما بلغ إسماعيل صبري وشغف بالغناء شغفه ~~أن يكون ممن يجاهدون الحياة ويحاولون إخضاعها لرأيهم أو أن يكون قوي الإيمان مما في ~~الحياة بشيء، فالمرأة وجمالها والغناء وألحانه والموسيقى وأنغامها صور يطرب لها الحس ~~وينطبع طربه في النفس فيدعوها إلى الطمأنينة للحياة والاستهتار بما يشغل الناس أنفسهم ~~فيها من شئون، والتوافر على المتاع بهذا الطرب والحرص على استدامته والفزع لذلك من ~~الموت، ويذكر الذين عرفوا إسماعيل صبري معرفة صحيحة أنه كان كذلك، لكنك مع ذلك ترى في ~~شعره نزعات تكاد تكون صوفية، وترى إلى جانب ذلك شيئا من التبرم بالحياة ومن إيثار ~~الموت واستعجاله، أليس يذكر بتغزل عمر بن الفارض شيخ الصوفية في الذات الإلهية قول ~~إسماعيل صبري: # يا رب أهلني بفضلك واكفني # شطط العقول وفتنة الأفكار # ومر الوجود يشف عنك لكي أرى # غضب اللطيف ورحمة الجبار # يا عالم الأسرار حسبي محنة # علمي بأنك عالم الأسرار # أخلق برحمتك التي تسع الورى # ألا تضيق بأعظم الأوزار # أو ليست الحكمة كل الحكمة في قوله: # أواه لو عقل الشباب # وآه لو قدر المشيب # أو لم يقل الفلكيون ms127 إن نجم هالي المذنب الذي مر بالأرض في سنة 1910 كان سيحرق الأرض ~~ويقيم القيامة فابتهج إسماعيل لذلك وقال: # أنت نعم النذير يا نجم هالي # زلزل السهل والرواسي ذعرا # إن يكن في يمينك الموت فاقذف # ه شواظا على الخلائق طرا # أغدا تستوي الأنوف فلا ين # ظر قوم قوما على الأرض شزرا # أغدا يصبح الصراع عناقا # في الهيولي ويصبح العبد حرا # إن يكن كل ما يقولون فاصدع # بالذي قد أمرت حييت عشرا # بل ألم يدع صبري الموت كما دعاه فوست مستعجلا إياه كي ينقذه من عذاب الدنيا حين ~~قال: # يا موت خذ ما أبقت ال # أيام والساعات مني # بيني وبينك خطوة # إن تخطها فرجت عني # فكيف مع هذا كله يكون بشا للحياة طروبا بما فيها فزعا من الموت ومن العدم؟! وكيف ~~مع هذه الحكم التي نراها في شعره يكون كل شغله بجمال المحسوسات من منظور ومسموع؟! هذا ~~اعتراض يرد للذهن لأول وهلة، لكن الشاعر لا يكون شاعر حكمة ولا شاعرا نفسانيا لمجرد ~~ذكره خواطر فلسفية وعتها ذاكرته أكثر مما اهتزت لها نفسه، ثم هو لا يكون برما بالحياة ~~مؤثرا الموت لبعض أبيات قد تدفعه إلى قولها شئون خاصة، فالبيتان الأخيران اللذان ~~رويناهما لإسماعيل صبري - في رواية بعض من عرفوه - لما كان يلقى في حياته العائلية من ~~أسباب الشكوى، وأما ذلك التصوف الذي نراه في الأبيات الأولى فليس إلا مظهرا لما وعت ~~الذاكرة راجع نفس الشاعر في ساعات تغص فيهما النفس بنعيم الحياة حين يفيض عنها فيضا ~~يجعلها تستغفر وتتوب برهة لتعود إلى نعيم الحياة وفيضه بعد ذلك مباشرة، فأما الشاعر ~~النفساني فهو الذي يحس في أعماق نفسه بمعان قوية تظهر في شعره، ولو تحدث عن ظواهر ~~تعدها أنت وأعدها أنا تافهة في الحياة، من ذلك كثير من شعر أبي العلاء المعري، ومنه ~~كثير من شعر الإفرنج، كنت أعيد منذ بضعة أيام قراءة قصيدة (موت الذئب) لألفرد دفيني ~~وأستعيد منها المعاني القوية التي تجيش في نفس الشاعر الفرنسي وتتجلى في كل قصائده، ms128 مثل ~~هذا الشاعر النفساني إن كان دينيا يرى في جمال المرأة وفي تجاوب الموسيقى وفي ألحان ~~الغناء معاني دينية، وهو يرى هذه المعاني الدينية في موت طفل وفي موت ذئب كما يراه في ~~الحب وفي كل صورة من صور الحياة ولون من ألوانها، وإن كان شاعر عاطفة أو شاعر فلسفة ~~تجلت العاطفة والفلسفة في شعره كله، فإذا رأيت له شعرا لا يعمره الجانب النفسي القوي ~~من جوانب حسه أو شعوره أو تفكيره كان لك أن تحكم بأن ما اختزنته الذاكرة مما لم يؤثر في ~~النفس أثرا عميقا هو مبعث هذا الشعر، وما تختزنه الذاكرة مما ينظمه الشاعر ليس هو ~~المعبر عن نظرته للحياة وتقديره لما فيها. # كان إسماعيل صبري إذا متأثرا بما تتأثر به العين والأذن من صور الحياة وألوانها، ~~وكان هذا هو الذي يوقع على وتر عاطفته أنغام شعره، وكان شعره لذلك جميل اللفظ غاية ~~الجمال، وكان تأثره هذا يجعله معنيا بالجمال اللفظي أكثر من كل شاعر سواه، وإنك لتجد ~~أمامك فيما نقلنا لك هنا من شعره مظهر ذلك واضحا جليا، فرب فكرة عادية أو صورة تمر ~~أمامك كل يوم تجدها في هذا الشعر فإذا بها قد اكتست رونقا وبهاء ما كان لها أن ~~تكتسيهما لو أن شاعرا آخر هو الذي صاغها، والظاهر أن هذه النزعة القوية عند إسماعيل ~~صبري كانت ذات أثر كبير في الشعر العربي في هذا العصر، فحافظ إبراهيم لا يأبى أن يدعو ~~إسماعيل صبري أستاذه وأستاذ شوقي، وشوقي لا يأبى أن يعترف بأن هذه النظرة التي كان ينظر ~~بها إسماعيل إلى الشعر أثرت فيه هو تأثيرا غير قليل، ولم ينشأ من الشعراء في العهد ~~الأخير من كانت له في الشعر نفسية خاصة تخالف نفسية إسماعيل صبري لتطبع الجيل الجديد ~~كما طبع هو جيله بطابعه. # ولا أستطيع أن أختم هذا البحث العجل عن إسماعيل صبري من غير أن أضع أمام القارئ ~~أبياتا ارتجلها تسيل رقة وتعبر أرق تعبير عن هذه النفسية التي كانت ترى العاطفة كما ms129 ~~كانت ترى كل ما في الحياة حسا منظورا أو مسموعا، ارتجلها يوم دفن ابن صغير للمرحوم ~~الشيخ علي يوسف فقال: # يا مالئ العين نورا والفؤاد هوى # والبيت أنسا تمهل أيها القمر # لا تخل أفقك يخلفك الظلام به # والزم مكانك لا يحلل به الكدر # في الحي قلبان باتا يا نعيمهما # وفيهما إذ قضيت النار تستعر # وأعين أربع تبكي عليك أسى # ومن بكاء الثكالى السيل والمطر # قد كنت ريحانة في البيت واحدة # يروح فيه ويغدو نفحها العطر # ما كان عيشك في الأحياء مختصرا # إلا كما عاش في أكمامه الزهر # فارحل تشيعك الأرواح جازعة # في ذمة الله بعد القبر يا عمر # لعلك وقد رأيت من إسماعيل صبري وشعره هذه النفسية المشغوفة بالألوان تشعر - إلى جانب ~~هذا - بما يشعر به كل من يقرأ شعر إسماعيل صبري من أنه كان شاعرا مصريا حقا، ومن ~~أن النزعة البدوية كانت لا تعرف سبيلا إلى نفسه، وأن الرقة التي تسيل بها جوانب وادي ~~النيل والصفو الذي يظل سماءه والخضرة النضرة التي تزين جنباته وأغاريد الطير في هوائه ~~الرقيق، كل ذلك كان ينعكس في نفس إسماعيل صبري بقوة لا تراها في كثيرين غيره من ~~الشعراء، ولعلك لذلك تقر له باللقب الذي لقبه به معاصروه: لقب شيخ الشعراء. # وقضى حياته مغتبطا بالحياة، حتى إذا كان في أخريات أيامه أصابته ذبحة صدرية قعدت به ~~عن أن ينعم بشيء من الحياة خمس سنوات تباعا ، ولعل بيته يخاطب الموت: # بيني وبينك خطوة # إن تخطها فرجت عني # كان يصدق عليه خلال هذه السنوات الخمس الصدق كله. # وقد خطا إليه الموت هذه الخطوة في منتصب ليل 20 مارس سنة 1923، وقضى يومئذ متحملا ~~معه مدرسة حافلة من مدارس الشعر ومذهبا جليلا من مذاهب تقدير الجمال، قضى وخلف بعده ~~من أثره مجموعة أشعار لم تطبع بعد لأنه كان يقول إنه وهب شعره للنسيان، وتلك هبة لن ~~تتم، فالنسيان لا يتطرق إلى الكمال ولا يعدو على الجمال؛ لذلك نشر من شعره الشيء الكثير ~~وحفظ أصحابه ما لم ينشر، ms130 ولعلنا نسعد برؤية مجموعة شعره مطبوعة عما قريب. # | محمود باشا سليمان # ... وهذا أيضا محمود سليمان باشا قد مات، فأضاف حلقة إلى سلسلة عظماء مصر الذين ودعوا ~~عالمنا في السنتين الماضيتين. # 1 # لكنه ودعه على صورة غير تلك التي ودعوه عليها، هم كانوا بين مجاهد تحفزه ~~قوى الشباب للجهاد، وآخر بعض طبعه الكفاح، وثالث اضطر لاعتزال الناس اضطرارا، أما هو ~~فجاهد لخير وطنه في شبابه، ثم جاهد له في كهولته، ثم جاهد له وقد نيف على التسعين، وبعد ~~اعتزامه الانقطاع إلى الله وعبادته، فلما دب الخلاف بين المصريين واندلع لهيب الفتنة في ~~البلاد نأى عن الفتنة مختارا وعكف على ما اعتاد من عبادة وتقوى، وظل في تقواه وفي ~~عبادته ينتظر بقلب مطمئن ونفس هادئة اليوم الذي يختاره الله فيه إلى جواره، فلما كان ~~عصر يوم الثلاثاء الماضي أغمض عينه عن عالمنا هذا ليفتحها هناك في العالم الذي قضى سنيه ~~الطويلة يرجوه، عالم أجر وسعادة لا يعرفان الزمان ولا المكان لأنهما يسموان على كل زمان ~~ومكان. # وليس كثيرين من أبناء هذا الجيل من يذكرون شخص محمود باشا سليمان، وإن كانت أجيال ~~مصر المتعاقبة، وكان تاريخ مصر يذكره أطيب الذكر، وليس كثيرون من يذكرون هذا الرجل ~~المهيب في وقاره النحيف في جسمه الطويل القامة في اعتدال، الحاد النظرات الأسمر اللون ~~الجليل المشيب، ولئن كانت قد مضت سنوات لم أره فيها، فإني ما أزال أذكر أول مرة رأيته ، ~~وكنت ما أزال طالبا بالحقوق، وكنت أتردد على دار «الجريدة» عند أستاذنا لطفي بك السيد، ~~فبينا أنا هناك في أحد أيام ربيع سنة 1908 دخل محمود باشا سليمان فحياه الحاضرون في ~~إجلال واحترام وقدمني له لطفي بك، وأشهد لقد جلست وفي نفسي شيء من الرهبة أمام هذا ~~الشيخ الذي يحمل طي تجاعيد وجهه صحفا مجيدة من تاريخ مصر، جلست وجعلت أحاول أن أختلس - ~~في نظرات يداخلها الحياء والخوف - صورة رئيس حزب الأمة آتيا يتحدث إلى كاتب حزب الأمة، ~~وانتظرت أن يتكلم، فمضت لحظات خلتها طويلة وخلت ms131 معها أن وجودي قد يحول دون الشيخ ~~والكلام، فاستأذنت وانصرفت، ولم أره بعد ذلك غير مرات قليلة كانت الأخيرة منها حين كان ~~رئيسا للجنة الوفد المركزية وحين كانت تتعلق باسمه آمال الوفد المصري في أوربا، وآمال ~~المصريين في مصر. # هذا الرجل قد غادرنا بعد أن طوى رحلة الحياة في أناة وتؤدة ووقار، وانتقل منها في مثل ~~هذه التؤدة والأناة والوقار إلى جوار ربه وما يرجو من حسن ثوابه، غادرنا بعد إذ خلف ~~وراءه تاريخا حافلا جليلا وذكرا لا تشوب سواطع نوره شارة من ظلام؛ فلقد وهب هذا ~~الرجل حياته كلها لله ولوطنه ولأبنائه، كان في عهد إسماعيل باشا الخديو رجلا كاملا ~~مسموع الرأي نافذ الكلمة، ترك عمدية بلده ساحل سليم ونظارة القسم التي تتبعه إلى وظائف ~~وكيل مديرية في جرجا وفي أسيوط، فلما صدر القانون النظامي بعقد مجلس النواب في عهد ~~توفيق باشا تقدم للنيابة عن الأمة وانتخب عضوا بمجلس النواب وألقي عليه أن يلقي خطاب ~~العرش، وكان له في هذا المجلس مواقف يذكرها له التاريخ. # فلما شبت نار الثورة العرابية كان من بعيدي النظر الذين قدروا ما يمكن أن يصيب البلاد ~~من جرائها، فتنحى عن الاشتراك فيها كما تنحى بعد ذلك عن الاشتراك في النظام الذي ~~أعقبها، فمع هذه المكانة الكبيرة التي كانت له، ومع ما أظهر من مقدرة في مجلس النواب ~~الذي سبق الثورة، ومع أنه لم يكن من أنصار الثورة وأعوانها، فإنه لم ير بعد فشل الثورة ~~واحتلال الإنجليز مصر أن يتقدم للعمل العام تحت النظام الجديد الذي سنه الإنجليز لمصر ~~حين استصدروا من الخديو قانون مجلس الشورى والجمعية العمومية، بل تنحى عن العمل العام ~~وترك القاهرة إلى الصعيد، وعكف على عمله الخاص وعلى البر بالفقراء، وظل كذلك من سنة ~~1882 إلى سنة 1895 حين أخرجه ظرف محلي خاص من هذه العزلة وجعله يتقدم لعضوية مجلس ~~الشورى، وما لبث أن عاد إلى القاهرة وإلى العمل العام حتى انتخب وكيلا للمجلس وحتى ~~كانت له فيه مواقف مشهودة. # وإذا ms132 كان للتاريخ أن يذكر السابقين إلى مطالبة الإنجليز بأن يخلوا بين مصر ووضع نظام ~~الحكم فيها؛ فلقد كان المغفور له محمود باشا في مقدمة هؤلاء، كان في مقدمتهم منذ كان ~~عضوا في مجلس الشورى وحين ترأس بعد ذلك حزب الأمة. # وإذا كان للتاريخ أن يذكر السابقين إلى الأحزاب المنظمة، فإن محمود سليمان باشا هو ~~أول من ترأس حزبا ذا برنامج ونظام في مصر؛ فلقد كانت الأحزاب المصرية إلى يوم تشكيل ~~حزب الأمة تقوم على فكرة الدعوة لعمل واحد معين، فالحزب الوطني أيام عرابي باشا كانت ~~مطالبه محصورة في الدستور وفي التسوية بين المصريين والأتراك من رجال الجيش، والأحزاب ~~والهيئات التي جاءت بعد ذلك كانت تطلب مطلبا واحدا كجلاء إنجلترا عن مصر أو ما هو من ~~ذلك بسبيل، أما حزب الأمة فكان أول الأحزاب التي وضعت لها برنامجا مفصلا يتناول مرافق ~~البلاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية جميعا، وعلى نهجه سلكت الأحزاب الأخرى بعد ~~ذلك. # ولقد تألف حزب الأمة على هذه الصورة في أخريات سنة 1907 وسبقته الجريدة التي كانت بعد ~~ذلك لسان حاله بشهور، وكان رئيس شركة الجريدة ورئيس حزب الأمة هو المغفور له محمود باشا ~~سليمان، فلما حدثت بعد ذلك بسنوات أسباب للخلاف بين المسلمين والأقباط وكان من أثرها أن ~~عقد الأخيرون مؤتمر أسيوط يتهمون فيه حكومات ذلك العصر بأنها تنئي الأقباط عن مناصب ~~الحكم ولا تعطيهم حظهم الكامل منها، وكانت هذه الحركة خطيرة النتائج، كان محمود سليمان ~~باشا من الذين تقدموا للقضاء عليها ولإعادة الألفة بين العنصرين؛ ولذلك تألف المؤتمر ~~المصري بهليوبوليس واختار رياض باشا رئيسا له ومحمود سليمان باشا وكيلا له، وفند ~~مزاعم الأقباط يومئذ وأظهر الناس على أن لهم من مناصب الحكم أكثر من نسبتهم العددية ~~بكثير، ودعاهم إلى أن يكونوا في وحدة الأمة صفا. # وجاءت الحرب الكبرى وكان محمود باشا قد جاوز الثمانين وحق له أن يستريح من عناء العمل ~~وأن يخلص كل نفسه لله في انتظار لقائه إياه، والحق أن صفحات الجهاد التي كانت له في ms133 ~~ماضيه وما قام به كأب من حسن العناية وجميل البر بأبنائه كان كافيا وفوق الكفاية ليكتب ~~لهذا الرجل صحيفة مجد باقية، وصحت عزيمته على الاعتزال والانقطاع لله حتى لقد خرج من ~~ماله لأبنائه في سنة 1916 واعتزم عيش الزهادة والنسك وتمام الانقطاع لله، وما أجمل هذه ~~الشيخوخة الطاهرة المنزهة عن شوائب الهوى، والتي قامت فيما سبق لها من سني الحياة بما ~~يطلب إلى الرجل من جد وبر وتقوى، تقضي في حساب النفس والقربى إلى الله ورجاء مغفرته ~~وثوابه، ما أجمل الشيخ يصل إلى قمة الحكمة بعد أن يطوف من الحياة بشهواتها وأهوائها ~~ومطامعها ومالها ومجدها فتدعوه الحكمة إلى أن ينظر إلى الأهواء والمطامع والشهوات ~~جميعا نظرة إصغار أن كانت لا بقاء لها ولا متاع للنفس بها، وإنما المتاع بإمعان النظر ~~في الكون واستكناه ما فيه من خير وحق وجمال. # على أن الأقدار كانت قد احتفظت لمصر بصفحة أخرى من صفحات المجد يخطها محمود سليمان ~~باشا، ليكن لشيخوخته عليه حق، ولتكن خير خاتمة المرء أياما تقضى في العبادة ~~والتقوى، وليكن محمود سليمان قد خرج من دنياه تاركا إياها إلى أولاده وانقطع لنفسه ~~ولربه، ليكن ذلك كله فإن للوطن مع ذلك عليه حقا، وهو لم ينس يوما حق الوطن عليه؛ ~~لذلك ما كادت الحرب العامة تضع أوزارها، ثم ما كادت الحركة الوطنية المصرية تبدأ، حتى ~~إذا هذا الشيخ خرج مرة أخرى من عزلته وجاء ينضم إلى صفوف المجاهدين لإعلاء شأن الوطن ~~ورفع مناره وتقديس كلمته، ولئن كان قد نيف على الثمانين فلن تزيده سنه ولن يزيده ~~مجده ومقامه وعظمته إلا حرصا على الوقوف في الصف الأول من صفوف المجاهدين، وأن يكون في ~~مقدمة من يتعرض لما يصاب به من يتعرض للدفاع عن عظمة هذا الوطن واستقلاله، وكان منظرا ~~يبهر النفس ما فيه من مهابة وإجلال، فقد جلس محمود باشا في رياسة لجنة الوفد المركزية ~~يوم كانت البلاد تضطرب أحشاؤها من أقصاها إلى أقصاها ويوم كانت الأحكام العرفية بالغة ~~قسوتها أعظم مبلغ، جلس ms134 في رئاسة لجنة الوفد المركزية وجعل من داره كعبة قصاد خدمة الوطن ~~وأقسم لا يتزحزح إلا أن تزحزحه القوة، وأرادت القوة يوما أن تبتلي ثباته وعزمه فأصدرت ~~له الأمر أن يبرح القاهرة، فإذا به لا يبرحها حتى ذهبوا إلى ذهبيته وأبعدوها عن ميدان ~~العمل السياسي على كره منه، ولقد كان في ذلك - كما كان في غيره - سباقا إلى مثل ~~التضحية والمكانة العلية، وكان في هذا مثلا عاليا من النزاهة والتضحية لخير ~~الوطن. # ولما آن للبلاد أن ينقسم بعضها على بعض وأن تقوم بين أهلها الفتنة، اعتزل الميدان ~~نهائيا وإن لم ينس قديم صلاته بأصدقائه سواء منهم من كان في فريقه السياسي أو من كان ~~في فريق مخاصم له، وعلى اشتداد الخصومة في وقت من الأوقات بين الأحرار الدستوريين وسعد ~~زغلول باشا فإن محمود باشا سليمان كان أسبق من أرسل إلى سعد باشا على أثر عودته من جبل ~~طارق يهنئه بسلامة مقدمه، وكذلك كان في هذه كما كان في غيرها عظيما ساميا فوق شهوات ~~الساعة، كبيرا عن أن يتأثر بالأهواء الطارئة. # ومن يوم اختلفت الأحزاب في مصر عكف هو على ما كان قد اعتزم منذ سنوات من الانقطاع لله ~~ولعبادته، وظل كذلك حتى ارتضاه الله إلى جواره يوم الثلاثاء 22 يناير سنة 1929، ارتضاه ~~إلى جواره فخلف هذه الدنيا في أناة وتؤدة وحكمة كما عاش فيها في أناة وتؤدة ~~وحكمة. # | هوامش # | عبد الخالق ثروت باشا # ما أحسب فجيعة من الفجائع التي منيت بها الأمم كانت أشد وقعا على النفوس من فجيعة ~~مصر في المغفور له عبد الخالق ثروت باشا، وما أحسب رجلا وجل خصومه كما وجل أصدقاؤه ~~لفقده، كما اشترك أصدقاء هذا الفقيد العظيم وخصومه في وجلهم لرحلته رحلة الأبد، ثم ما ~~أحسب العقل والعاطفة والحواس جميعا اهتزت بالحسرة وبالأسى اهتزازها لهذا الحادث الذي ~~رج نفوس الناس رجا بل دكها دكا، ولن أنسى ما حييت تلك اللحظة الأسيفة التي عرفت ~~فيها الخبر إثر الوفاة بسويعات حين دخلت إلى صالون السيدة المحترمة هدى ms135 هانم شعراوي ~~بباريس، فألفيتها وألفيت الأستاذ الكبير هلباوي بك وألفيت زائريهما وكلهم باكو العين ~~والفؤاد، وكلهم في شبه ذهول لما أصاب مصر في مصرع هذا الرجل الذي كانت تعتبره مصر كلها ~~ملاذها إذا حزب الخطب وضلت بساسة مصر وساسة إنجلترا السبل، ثم لن أنسى ما حييت إسراع ~~المصريين وأصدقاء مصر الأجانب إلى سكنه في باريس بشارع أناتل دلافرج # Anatole de la Forge # وليس منهم من يقف فزعه لوفاة ~~رجل كان له بعد في الحياة سعة، بل كلهم أشد فزعا لمصر وما أصابها بفقد هذا الربان الذي ~~اختاره القدر ليسير بدفة سفينتها حين الزعازع الهوجاء فينقذها من أدق المواقف، لن أنسى ~~هذا، ولن أنسى صاحب الدولة عدلي باشا يكن في منزل الفقيد وفي مشهد جنازته بباريس وهو ~~يتساءل عن الوفاة وكيف كانت في جزع دونه جزع الأخ لفقد أعز أخ له عليه، وهو يحاول حبس ~~عبرته فتخونه كما تخون جميع الذين شهدوا صندوق جثمان الفقيد ينقل من عربة الجنازة إلى ~~عربة السكة الحديدية، وكيف ينسى إنسان هذا وما أحاط بالفاجعة ولكل إنسان من هذه الفاجعة ~~الأليمة نصيب لأنها فاجعة مصر وفاجعة السلام؟! # ويأبى القدر إلا أن يحيط هذه الفاجعة بما يزيدها هولا، إذ يختطف الرجل في بلاد نائية ~~عن وطنه ويختطفه على عجل، كأن للقدر عند مصر ثأرا لا تهدأ ثائرته إلا إذا أشعرها ألما ~~موجعا ينقض الضلوع بعضها على بعض؛ فلقد كان ثروت في صحته حين جاء إلى باريس من سان ~~مورتز يوم الاثنين السابع عشر من شهر سبتمبر سنة 1928، أي قبل وفاته بخمسة أيام، فلما ~~كان يوم الجمعة الحادي والعشرين من سبتمبر خرج في الصباح كعادته وعاد بعد الظهر بقليل ~~يشكو ألما في الكتف وفي الظهر، واستدعى طبيب الحي ففحص الحالة ورأى أنها بسيطة لا تزيد ~~على روماتزم يزول في زمن قصير، لكن الآلام تزايدت في أثناء الليل، فلما جاء محمد علي ~~دولار بك في الصباح ليعود صديقه رأى معه ضرورة استدعاء أستاذ أخصائي أجابهم أنه سيكون ~~هناك في ms136 الساعة الواحدة والنصف بعد الظهر؛ لأنه لا يستطيع ترك المستشفى الذي يعمل فيه ~~قبل هذا الموعد، وحضر الأستاذ الطبيب في الموعد، فلما فحص المريض في سريره وخرج إلى ~~قاعة الاستقبال خرج دولار بك في أثره يسأله رأيه، وكان رأيا مروعا، فالباشا اعترته ~~ذبحة صدرية إن استطاع احتمالها ساعتين كان في نجاة حياته شيء من الأمل، لكن الطبيب في ~~شك من استطاعة احتماله إياها وهو ما كاد يغادر غرفة الاستقبال إلى سلم الدار حتى إذا ~~ثروت باشا قد شعر بالتنفس يضيق ثم يضيق ثم يضيق، فيؤلمه ذلك ويوجعه، ولكي تخفف من هذا ~~الألم رفعت السيدة المحترمة زوجته إياه إلى صدرها، ثم لم تك إلا لحظة حتى شعر الباشا ~~بشيء أنطقه في دهشة وعجب بلفظ «الله» وكانت هي آخر كلمة قالها، فإن شريانا متصلا ~~بالقلب انفجر في هذه اللحظة أشعره الخطر حين لم يك إلى دفع الخطر سبيل ولا إلى اتقاء ~~الكارثة التي تفجر لها فؤاد مصر وسيلة، ونودي بالطبيب فعاد فإذا به أمام جلال الموت ~~وكان من برهة أمام رجل ألبسته الحياة وألبسها كل حلل الجلال. # وكأنما أراد القدر إذ كتب لوح أجل ثروت في باريس بعيدا عن بلاده وكتب على زوجه أن ~~تكون في هذه الساعة العصيبة إلى جانبه، أن يحيط الفجيعة المفزعة بما يخفف من هول وقعها، ~~فجمع بباريس في هذه الفترة جماعة من أخصاء ثروت وأصدقائه ومحبيه وعارفي فضله في خدمة ~~بلاده، جمعهم ليكونوا إلى جانب جثمانه وليحاولوا عزاء زوجته وولده مصطفى المقيمين معه، ~~وقام المصريون المقيمون في باريس وطائفة كبيرة من الفرنسيين وغير الفرنسيين في اليومين ~~اللذين انقضيا بين الوفاة وتشييع الرفات في سفرها لتستقر في ثرى الوطن بكل ما يجب لثروت ~~من إكرام وإجلال. # وفي هذين اليومين اللذين انقضيا بين الوفاة والتشييع إلى ثرى الوطن كنت تسمع من ~~المصريين جميعا عبارة ملكت عليهم ألبابهم: من ذا يحل عقد المشاكل إذا انعقدت بعد ~~ثروت؟! كنت تسمع هذه العبارة تصدر منهم جميعا على اختلاف نحلهم وأحزابهم، أولم يكن ms137 ~~هو دائما الموئل الذي يلجأ إليه المصريون مهما علت أقدارهم، والذي يلجأ إليه الإنجليز ~~حين يحزب الأمر ولا يكاد إنسان من الناس يرى له من طريق السلام فرجا ولا حلا؟! لذلك ~~كان الكل ينظرون إليه كأنه الربان الذي ينقذ السفينة كلما ارتطمت على الصخر وخيف عليها ~~أن تتحطم، فطبيعي أن يتساءل الكل عمن يحل عقد المشاكل إذا تعقدت بعد موته. # ولعل أحدا لم يذكر في وفاة ثروت مصاب زوجه وأبنائه فيه؛ لأن الناس نسوا في هذه ~~الوفاة كل مصاب غير مصاب الوطن، مع هذا فمصاب بني ثروت ومصاب أصدقائه فيه كأب وكصديق ~~فادح فاجع كمصاب الوطن سواء بسواء؛ فلقد كان أبر أب بأبنائه وأوفى صديق لأصدقائه، بل إن ~~الذين عرفوه أبا ليذكرون كم كان بره عظيما وكم كان حنانه أعظم من بره، وكم كان صديقا ~~لأبنائه بمقدار ما كان أبا لهم، وكم كان يجد في صداقتهم له ما يزيد في عواطف الأبوة ~~والبنوة سموا ورقة، وإن الذين عرفوه صديقا ليعرفون له من الوفاء لهم ما قل أن يكون ~~له في صديق مثال، ثم هو إلى جانب ذلك كان حصافة الرأي ونبل الشمائل والشهامة والذكاء ~~صورت كلها رجلا. ~~••• # ولد محمد عبد الخالق ثروت سنة 1873 وفي بيت جاه ونعمة، كان أبوه المغفور له إسماعيل ~~عبد الخالق باشا ابن المرحوم عبد الخالق أفندي من أصل أناضولي، وكان من كبار الحكام في ~~عهد محمد علي الكبير، وكانت أمه من بيت تركي هي الأخرى، وقد أرسل به أبوه إلى مدرسة ~~عابدين وهو في الثامنة من عمره، ثم تابع دراسته في مدرسة النورمال حتى إذا نال شهادة ~~الدراسة الثانوية التحق بمدرسة الحقوق ثم كان أول الناجحين في إجازة الليسانس سنة ~~1893. # وكان ثروت الطالب - على ما ذكر الأستاذ لطفي بك السيد زميله في مدرسة الحقوق - شابا ~~حسن الطلعة، تعلوه سيما الجد في غير عبوس، مترفعا في غير كبر، سهل الأخلاق دون فناء في ~~الأغيار، وكان في ألمه وفرحه معتدلا محتفظا في كل حال بكرامته، نافذ الرأي ms138 في بيئته، ~~ودودا من غير إلحاح، ومتحفظا من غير انقباض، محبب العشرة في رقته، وكان في جاذبيته ~~وحلاوة حديثه متفوقا كما كان في ذكائه واجتهاده، نعم، فقد كان ذكيا حاد الذكاء مواتي ~~البديهة كثير الاشتغال - فوق درس الحقوق - بمناحي الثقافة يلتمسها في الآداب الفرنسية ~~والعربية، وأكثر ميله في هذا الباب إلى التاريخ على العموم والتراجم على الخصوص، ميل ~~كبر معه حتى صار في السنين الأخيرة من حياته نوعا من الشغف، وكان لشغفه هذا مظهر عرفه ~~عنه كل أصحابه وعرفه عنه باعة الكتب في مصر وفي باريس بنوع خاص، فقد كان كثير التردد ~~عليهم والبحث في مخازنهم عن كتب قديمة نفدت طبعاتها، وكان لا يأبى أن ينفق في هذا البحث ~~أياما متتالية حتى يقع على طلبته، فإذا وقع عليها أمعن فيها بحثا وتقليبا حتى يقف ~~منها على غاية البحث الذي يدور بخاطره. # ولما نال إجازة الحقوق التحق موظفا بوزارة الحقانية سكرتيرا للمستشار القضائي بها، ~~وكان المستشار القضائي يومئذ جون سكوت من أحسن من عرفت الحكومة المصرية مقدرة ونزاهة، ~~وسرعان ما قدر مواهب ثروت حتى اختصه بكل ثقته وحتى وضع في يده كل نفوذه، ونفوذ المستشار ~~الإنجليزي يومئذ كان أقوى من نفوذ الوزير المصري، بل كان نفوذ أي موظف إنجليزي أقوى من ~~نفوذ أكبر كبير من ولاة الحكم في مصر؛ لذلك كان ما استولى عليه ثروت من نفوذ ومن ثقة ~~بحيث طوع له أن يقوم في وزارة الحقانية مقام صاحب الأمر والنهي فيها وما يزال شابا لم ~~يبلغ الخامسة والعشرين من سنه، وعاونت هذه الحرية في السلطة ما وهب من مقدرة وذكاء، فلم ~~يلبث إلا قليلا حتى تقدم في وظائف القضاء وحتى عين مستشارا بمحكمة الاستئناف ثم نقل ~~مديرا لأسيوط ثم عاد إلى الحقانية نائبا عاما واختير وزيرا لها في سنة ~~1914. # على أنه لم يقصر نشاطه في هذه الفترة من حياته على المناصب التي تولاها والتي أسرع به ~~الزمن فيها إلى حد لم يعرفه غيره، ثم كان بثقافته وذكائه واقتداره مثلا عاليا ms139 للموظف ~~الكفء القدير، بل لقد أسلس من نشاطه على أعمال عامة لا اتصال لها بالحكومة، بل كانت ~~الحكومة تنظر إليها في كثير من الأحيان بشيء من الريبة والحذر، انتخب عضوا في إدارة ~~الجمعية الخيرية الإسلامية، وعضوا في إدارة الجامعة المصرية، وكان يومئذ ما يزال يشغل ~~منصب النائب العام، وكانت له في الجامعة وفي الجمعية سلطة نافذة وإرادة قوية، ثم كان ~~لنفوذه بعد أن علا في العالم السياسي نجمه ما زاد الهيئتين قوة واقتدارا على القيام ~~بالأعمال الجليلة في البر وفي الثقافة مما أنشئتا من أجله. # وقد ظل اقتداره وظل نفوذه معروفا في الدوائر الخاصة بالقضاء وعند المسئولين عن شئون ~~مصر العامة، حتى عين في منصب النائب العام، وكان المسئولون وكانت دائرة القضاء تقدر فيه ~~إلى جانب فضله حرصه على تنشئة من يتوسم فيهم الكفاية والمقدرة من الشبان وممن يطمع في ~~أن يقوموا لبلادهم بمثل الدور الذي قام به هو لبلاده، فلما كان صاحب الدعوى العمومية ~~أتاح له حادث خطير أن يتصل بالجمهور اتصالا مباشرا، فقد اعتدى إبراهيم ناصف الورداني ~~على حياة المرحوم بطرس باشا غالي في سنة 1910 بأن أطلق عليه الرصاص ساعة خروجه مع ثروت ~~باشا النائب العام من وزارة الحقانية وتولى ثروت بنفسه تحقيق هذا الاعتداء والمرافعة في ~~الدعوى، هنالك اطلع الجمهور منه على اقتدار خاص، وهنالك بدأ الجانب السياسي من حياة ~~الرجل تظهر نواته وتكاد تتحدد سياسته، فالعبارة التي ننقلها من تلك المرافعة تلخص إلى ~~حد كبير ما جرى عليه ثروت كوزير وكرجل سياسي بقية حياته، قال: # نحن أول من يجل الاشتغال بالمسائل العامة ويرى أن السعي بالطرق المشروعة فيما ~~ترقى به البلاد وأهلها من فروض العين على المصري، وأن كل مصري مطالب بتضحية شيء ~~من وقته وماله وهمته في خدمة بلاده، نحن أول من يرحب بتنمية الوطنية ورياضة ~~النفوس على احتمال أشق المشقات في إعلاء اسم مصر وزيادة شرفها ورفعتها، كذلك ~~نرى أن من مرقيات الأمم الدارجة في رقيها النظر في أعمال القابضين على أزمة ~~الأمور ms140 فيها ونقدها، ولكنا لا نسلم بحال من الأحوال أن يتطلع إلى مقام ناقد ~~الحكام إلا رجل جمع إلى العلم الغزير والحكمة البالغة الاتزان في القول والفعل ~~حتى يقدر الأعمال قدرها وينظر في الأمور بفكر صحيح، فلا يتعدى حد المشروعية ~~وإلا انقلبت الخدمة وبالا وإرادة الخير شرا. # هذه العبارة من مرافعة ثروت تنم من حياته السياسية المستقبلة عن جانبين: الأول تقديره ~~السعي لتقدم البلاد واستقلالها على أنه فرض من فروض العين على كل مصري، والثاني أن يكون ~~ذلك السعي بالطرق المشروعة لا بالفوضى ولا بالاعتداء، ولئن كان هذا التعبير - بالطرق ~~المشروعة - هو الذي اتخذته مصر من بعد شعارا لها في المطالبة بحقوق كان ثروت بطل تحقيق ~~النصيب الأوفى منها؛ فإن هذا التعبير بالذات قد جعل ثروت كنائب عام يقف من كثرة شباب ~~مصر يومئذ موقف الريبة، فالشاب - وإن قدر بعقله ما للحق في ذاته من قوة تتغلب على كل ~~قوة سواها - متعجل يريد أن يرى الحق في قبضة يده أو هو يصفق وإن في أطواء قلبه لمن ~~يعتدي على من يحسبه الحائل دون هذا الحق؛ لذلك كان الورداني موضع عطف الكثيرين من ~~الشباب وإن لم يكن موضع عطف الذين يقدرون الأشياء بنتائجها من المسئولين، ولذلك كان ~~ثروت بمرافعته موضع إعجاب المسئولين وتقديرهم وموضع حنق الشباب عليه مع إعجابهم بمقدرته ~~كالمسئولين سواء بسواء. # ولم يحرك حنق الجمهور ولا متابعته الشباب في غضبة أي عصب من أعصاب ثروت؛ ذلك بأن ~~جانبا ثالثا من جوانب حياته السياسية كان الاعتداد برأيه هو وبعقيدته لا برأي الجمهور ~~وعقيدته فيه، فهو ما اطمأن ضميره ورضيت نفسه مقدم على عمله غير عابئ برأي الناس في ~~إقدامه، وهو مقدم في جرأة عجيبة لا يسهل تصديقها إلا على الذين عرفوا قدر دماثة الخلق ~~ووداعة الطبع وحب الخير والميل العظيم إلى البر والرحمة. # وحرك الحكم بالإعدام على قاتل بطرس غالي النفوس بشيء من مثل ما تحركت له على أثر ~~الحكم في قضية دنشواي، وكان بطرس رئيسا لمحكمتها المخصوصة، تحركت النفوس ذاكرة ms141 دنشواي ~~واتفاقية السودان، ملتهبة غيرة بما سمعت في الدعوى من مرافعات الدفاع عن الورداني ~~مرافعات حارة تفيض تقديرا لوطنيته التي دفعته إلى جريمة ارتكبها مدفوعا بعوامل لا قبل ~~له بمقاومتها، والحق أن هذا الحادث الذي عقب حكم دنشواي في سنة 1906 ثم صدور العفو عن ~~المحكوم عليهم من الدنشوائيين في سنة 1908 ثم وفاة مصطفى كامل، الذي جاهد حتى استصدر ~~العفو، بعد صدوره بشهر واحد - نقول إن هذا الحادث حرك النفوس في مصر إلى المزيد من ~~السعي في المطالبة بحرية كان الشعور ما يفتأ متزايدا بأن الاحتلال الإنجليزي القابض ~~على أزمة الأمور في مصر يحاول القضاء عليها قضاء أخيرا، وكان من أثر هذا الشعور الذي ~~ازداد التهابا حين أحس بتخلي أوربا عنه بالاتفاق الودي الذي عقد بين فرنسا وإنجلترا في ~~سنة 1904 وبعجز الباب العالي الذي انهزم أمام إنجلترا في حادث طابه في سنة 1906، أن ~~بدأت في البلاد حركة اعتماد على النفس وتقدير لما يجب من جهود المصريين لوطنهم بما جعل ~~الحكومة المصرية التي تقوم لتستر الحكومة الفعلية - حكومة المستشارين الإنجليز - تحس ~~بغضاضة على نفسها وحرج في مركزها، وكان ذلك شأن حكومة محمد سعيد باشا التي تولت مناصبها ~~بعد وفاة بطرس، على أنها حرصت على أن تظهر في مظهر الحكومة الوطنية فيما كان يقع من ~~مناقشات في مجلس الشورى، ثم ظهرت كذلك في مظهر الحكومة الوطنية حين استصدرت - بموافقة ~~إنجلترا وعميدها في مصر لورد كتشنر الذي خلف سيرالدون غورست بعد وفاته - قانونا جديدا ~~لنظام الحكومة المصرية، هو قانون الجمعية التشريعية. # وتمت الانتخابات لهذه الجمعية في أواخر سنة 1913، وبدأت عقد جلساتها منذ أوائل سنة ~~1914 بعدما انتخب فيها من أقوياء الحجة في مصر وذوي المكانة منها ما جعل الحكومة لا ~~تستطيع متابعة طول مناقشة الجمعية إياها، فاستقالت وإن لم يكن من ثم نص في القانون ~~النظامي بمسئوليتها أمام هذه الهيئة النيابية، وشكل حسين رشدي باشا الوزارة الجديدة ~~واختار ثروت باشا وزيرا للحقانية فيها. # على أن الحرب العظمى لم تلبث أن أعلنت ms142 في أغسطس سنة 1914 فلم يكن بد من إرجاء عقد ~~جلسات الجمعية التشريعية حتى انتهائها، ويذكر الذين عاشوا هذا الظرف الدقيق من حياة مصر ~~والحكومة المصرية كم كان مركز مصر حرجا، وكم كان مركز الحكومة المصرية أشد حرجا، فمصر ~~كانت ولاية عثمانية ممتازة تدين بالولاء لتركيا، وخديو مصر عباس حلمي الثاني كان غائبا ~~عن مصر مقيما بالأستانة متهما في نظر الإنجليز بالتآمر مع تركيا ومع ألمانيا على ~~إنجلترا وعلى الحلفاء، ورشدي باشا رئيس الحكومة والقائم مقام الخديو مدين هو وحكومته ~~لتركيا وللخديو بالإخلاص والولاء، وإنجلترا صاحبة اليد العليا في مصر والجيوش الجرارة ~~على أرضها تملك بكلمة أن تضمها إلى أملاكها من غير أن يستطيع الخديو أو تستطيع تركيا ~~دفاعا عنها، وهيهات إذا ضمت مصر إلى أملاك إنجلترا أول الحرب أن يكون أمل في أن تخرج ~~من هذا المركز بعد الحرب إذا انتهت هذه الحرب بانتصار إنجلترا وحلفائها، أو أن يكون أمل ~~حتى في مركزها كولاية عثمانية ممتازة إذا انتهت الحرب بانكسار إنجلترا وانتصار الألمان ~~عليها، فما عسى تصنع حكومة حسين رشدي في هذا المركز الدقيق؟! # وزاد مركز تلك الحكومة دقة وحرجا أن الشعور العام في مصر كان ميالا إلى جانب ~~ألمانيا آملا في فوزها طامعا في أن تحرر من نير إنجلترا، وكأنما تجددت يومئذ في نفوس ~~المصريين الذين كانوا يعتمدون من قبل على فرنسا لتجلي لهم جنود إنجلترا عن أرضهم - آمال ~~في الاعتماد على ألمانيا لتحقق لهم هذه الغاية، وكان هؤلاء المصريون الموالون لألمانيا ~~بعواطفهم يدورون في الأندية والأماكن العامة وفي قطارات السكة الحديد وبيدهم خرائط ~~الحرب مؤشرا عليها بمواقع القتال وبما كسب الألمان واندحر الحلفاء، ودعاية كهذه من ~~شأنها أن تعد البلاد للثورة إذا لم تكن حكومتها مستعدة لقمع كل حركة من الحركات الطائشة ~~فيها، لكن هذا الاستعداد من جانب حكومة رشدي باشا لم يكن له تأويل إلا الدفع بمصر إلى ~~أحضان إنجلترا والخروج بذلك على ما كان معروفا يومئذ من ميول تركيا ميولا انتهت ~~بخوضها غمار الحرب إلى ms143 جانب ألمانيا، فوقفت تلك الحكومة محاولة أن تصل إلى خير الوعود ~~من إنجلترا بالنسبة لمصر يوم تنتهي الحرب لمصلحة الحلفاء، عاملة على أن يصيب مصر أقل ~~ضير ممكن من جراء الحرب، نافضة يدها بعد ذلك من شئون الدفاع عن مصر بعدما أعلنت إنجلترا ~~الأحكام العرفية فيها وأخذت هذه المهمة على عاتقها، منتظرة تطور الحوادث وما يمكن أن ~~يجيء القدر به. # وأعلنت تركيا الحرب منضمة إلى ألمانيا، فألفت إنجلترا الفرصة سانحة لتغيير موقف مصر ~~السياسي، وقد دار بخاطر أولي الأمر في لندن - على ما ذكر لورد جراي وزير الخارجية ~~الإنجليزية في ذلك الحين - أن يعلنوا ضم مصر إلى أملاك التاج، لكن اعتراضات قامت في هذا ~~الصدد: أولها وأقواها أن الحلفاء الذين تحارب إنجلترا وإياهم كتفا لكتف يؤولون هذا ~~التصرف من جانبها بأنها أرادت أن تقرر لنفسها غنائم الحرب قبل أن تضع الحرب أوزارها ~~وقبل أن تتفق وإياهم على شيء في هذا الصدد، ثم إن إعلان الضم ربما كان من شأنه أن يهيج ~~الشعور في مصر إلى حد ربما كانت عواقبه غير مأمونة، على ذلك فكرت حكومة لندن في إعلان ~~الحماية على مصر، وانتهت - بعد شيء من التردد - إلى اختيار السلطان حسين كامل سلطانا ~~في القاهرة بدل ابن أخيه عباس الذي قررت إنجلترا أنه انضم انضماما ظاهرا إلى أعدائها، ~~فلا يمكن أن يعتلي عرشا تحت حمايتها، ودارت محادثات طويلة في هذا الشأن بين الوكالة ~~البريطانية والحكومة المصرية انتهت إلى قبول رشدي باشا وزملائه الأمر الواقع والبقاء في ~~مناصبهم كوزراء تحت نظام الحماية آملين متى انتهت الحرب أن تجد إنجلترا في تصرفهم ما ~~يجعلهم منها بمكان يستطيعون معه الوصول إلى خير نظام سياسي لبلاد ألقت المقادير على ~~عواتقهم أعباء مصيرها في ظرف دقيق لم يكونوا يتوقعونه، وظلت حكومة رشدي باشا - وفيها ~~ثروت باشا وزيرا للحقانية - حتى وضعت الحرب أوزارها وأعلنت الهدنة في 11 نوفمبر سنة ~~1918، قائمة بكل ما أخذت به نفسها من ولاء للحلفاء وحرص على مصالح مصر ورجاء في ألا ~~يسوء مركزها ms144 بسبب ظروف احتملوها ولم تكن لهم يد فيها. # ولما كانت الشروط الأربعة عشر التي وضعها الرئيس ولسن رئيس جمهورية الولايات المتحدة ~~معتبرا إياها أسسا للهدنة والصلح قد أعلنت قبل الهدنة بأشهر مشتملة على شرط يجعل ~~للشعوب حق تقرير مصيرها، فقد انتهز جماعة من أعضاء حزب الأمة - نذكر من بينهم علي باشا ~~شعراوي، ولطفي بك السيد، ومحمد باشا محمود، وعبد العزيز باشا فهمي - هذه الفرصة، ففكروا ~~في تكوين هيئة تطالب لمصر بحقها في تقرير مصيرها، وأفضى هؤلاء بفكرتهم إلى حكومة رشدي ~~باشا فوجدوا منها ارتياحا لها، ففاتحوا سعد زغلول باشا على أن يكون رئيسا لهيئتهم ~~باعتباره وكيل الجمعية التشريعية المنتخب كما فاتحوا عبد اللطيف المكباتي بك ومحمد علي ~~باشا من أعضاء الحزب الوطني، وعلى ذلك تألفت هيئة أطلقت على نفسها اسم الوفد المصري، ~~ووضعت صيغة توكيل من الأمة لها بالسعي لاستقلال مصر أينما وجدت إليه سبيلا، ووزعت هذه ~~التوكيلات في طول مصر وعرضها بعلم حكومة رشدي باشا، وكان من رأي السير رجنالد ونجت ~~مندوب إنجلترا السامي في مصر يومئذ أن يترك لهذا الوفد حرية السفر إلى إنجلترا أو إلى ~~حيث شاء من ممالك أوربا، وأن يسافر حسين رشدي باشا وعدلي يكن باشا ليعبرا في لندن عن ~~مطالب المصريين، ولو أن نصيحة السير ونجت نجحت يومئذ لتغير على الأغلب وجه المسألة ~~المصرية ولسارت في طريق غير التي سارت فيها بسبب رفض إنجلترا للوفد وللوزيرين المصريين ~~بالسفر. # ورفضت حكومة لندن سفر أحد من الوزراء المصريين وسفر رجال الوفد إلى إنجلترا أو إلى ~~مؤتمر السلام، ولم تنجح محاولات الحكومة المصرية والمندوب السامي البريطاني في تحويل ~~الحكومة الإنجليزية عن رأيها، هنالك استقال رشدي باشا وعدلي باشا واستقالت وزارتهما في ~~6 فبراير سنة 1919، ولقد خيل إلى المراجع العليا يومئذ أنهم واجدون في ثروت باشا - وله ~~من الكفاية والمقدرة ما له - الرجل الذي يستطيع التغلب على الموقف بإقناع رجال الوفد كي ~~يعدلوا عن خطتهم، كما خيل إليهم أن ثروت باشا لن يرفض رياسة الوزارة حين تعرض عليه، ms145 وما ~~يزال يومئذ في الخامسة والأربعين من عمره، لكن تقديرهم أخطأ، فقد كان ثروت باشا ~~مشتركا بقلبه وبعقله مع الحركة الوطنية ومع زميليه عدلي ورشدي، ثم هو كان يقدر التبعة ~~الكبرى التي احتملها مع زميليه بقبول البقاء في الوزارة بعد إعلان إنجلترا حمايتها على ~~مصر، فإذا كانت المقادير قد أتاحت النصر لإنجلترا، وكانت مصر - والحكومة المصرية بنوع ~~خاص - عاملا من عوامل هذا النصر اعترف به الفيكونت مارشال اللنبي قائد جيوش الحلفاء في ~~الشرق، فإن من خطل الرأي وسوء التدبير الذي لا يليق بسياسي حنكته تجارب الحرب ما حنكت ~~ثروت باشا أن يرضى العاجلة من رياسة الوزارة بديلا لما كان يرى حقا لأمته أن تبلغه ~~من نظام يتفق مع مكانتها ويعادل بعض الجهود التي بذلتها أثناء الحرب الكبرى، وإذا كانت ~~بعض دول أوربا التي خاضت غمار الحرب إلى جانب الحلفاء قد حصلت على وعود بالتوسع وضمان ~~الاستقلال، وإذا كانت بلاد العرب قد اعتبر لها استقلالها، فلن يكون ثروت هو الذي يقبل ~~وزارة يعتبر قبولها حيلولة دون مصر وما تطمع فيه من استقلال وعزة مكان بين دول ~~العالم. # ورفض أن يشكل الوزارة في هذا الظرف الدقيق مقدرا أن سيحسب عليه رفضه عند ذوي الكلمة ~~والمراجع العليا في مصر، بل لقد أبلغ يومئذ أن رفضه هذا يحول بينه وبين الوزارة بقية ~~حياته، فلم يعبأ بما أبلغ إليه وأصر على الوقوف إلى جانب أمته إصرارا دعا الوفد - وعلى ~~رأسه سعد زغلول باشا - كي يسعى بكامل هيئته إلى دار ثروت باشا مقدما إليه التهنئة على ~~إبائه الوطني وآيات الشكر على تضامنه مع الوفد في حركته القومية، وكانت كلمات سعد باشا ~~له أن تضامنه مع الحركة القومية العامة يكسب الوفد قوة والبلاد أملا في النجاح، وترتب ~~على هذه الزيارة لبيت ثروت باشا أن أنذرت السلطة العسكرية الوفد بأنهم بحركاتهم يعرقلون ~~سير الحكومة، على أن هذا الإنذار لم يزد على أن ثبت ثروت باشا في إصراره على رفض تشكيل ~~الوزارة وعلى وضع حجر الأساس برفضه هذا لنجاح ms146 القضية القومية. # من ذلك التاريخ بدأ ثروت باشا نشاطه السياسي في السعي لاستقلال بلاده بالطرق المشروعة ~~التي أشار إليها في مرافعته في قضية قاتل بطرس باشا غالي، ومن ذلك التاريخ أخلص لغايته ~~كل نفسه وكل جهده وازدرى إلى جانبها كل ما يطمع فيه غيره، على أن ثقته المطلقة بنفسه ~~كانت تدعوه إلى أن يتبع في سياسته خطة غير التي يتبعها كثيرون من الساسة غيره، فهو لم ~~يكن يبدأ بأن يعلن للناس مطالبه مستعينا في تحقيقها بالقوة أو بالواقعية أو بالمساومة، ~~بل كان يحدد في نفسه غاياته ويعتمد قبل كل شيء على البحث المقترن بالحكمة والمنطق وحكم ~~العقل، وقوته ومهارته وصبره كانت تكفل له النجاح دائما في بلوغ ما يريده، وكان يكفل له ~~هذا النجاح كذلك ما تعوده من الاضطلاع بالتبعات وحمل المسئوليات منذ أول شبابه وحين كان ~~سكرتيرا لمستشار الحقانية الذي ألقى بين يديه بواسع سلطته، بهذه القوى عنده استعان حين ~~جاءت لجنة ملنر سنة 1920 لتنظر في وضع نظام لمصر تحت الحماية البريطانية فاشترك مع ~~أصدقائه السياسيين - رشدي باشا وعدلي باشا وإسماعيل صدقي باشا - في إقناع اللجنة بضرورة ~~التفاهم مع هيئة الوفد المصري في أمر القضية المصرية، وكان ثروت باشا من بين زملائه هو ~~الذي ينقل آراء اللجنة ووجهات نظرها إلى رجال الوفد بباريس كي يمهد لهم الوقوف على ~~آرائها وخططها، حتى إذا اتصلوا بها كان اتصالهم مثمرا، فلما انتهت اللجنة من محادثاتها ~~مع الوفد وأعلن مشروع ملنر في صيف 1920 ثم قدمت اللجنة تقريرها وأعلنت الحكومة ~~البريطانية اعترافها بأن الحماية علاقة غير مرضية بين مصر وإنجلترا وطلبت إلى عظمة ~~سلطان مصر إيفاد هيئة تتفاوض مع الحكومة البريطانية في استبدالها بعلاقة أوجب للرضا، ~~شكل عدلي باشا وزارته الأولى في مارس سنة 1920 وكان ثروت باشا وزير الداخلية ~~فيها. # وعاد سعد زغلول باشا من باريس في أوائل أبريل ودارت محادثات بينه وبين الوزارة انتهت ~~إلى اختلافه وإياها في طريقة تشكيل الوفد الذي يقوم بالمفاوضة وإعلانه الحرب عليها في ~~خطبة ألقاها ms147 في 28 أبريل بحي شبرا، ثم سافر عدلي باشا على رأس الوفد الرسمي الذي تألف ~~بأمر عظمة السلطان ليقوم بالمفاوضة، واستصحب معه من أعضاء وزارته حسين رشدي باشا ~~وإسماعيل صدقي باشا ومحمد شفيق باشا، كما استصحب غيرهم مفاوضين ومستشارين، وقام ثروت ~~باشا في مصر رئيسا للوزارة بالنيابة، وكوزير للداخلية مسئول عن حفظ الأمن والنظام ~~اللذين كانا مهددين بحركات أنصار سعد باشا زغلول لم يتردد في احتمال التبعات التي رآها ~~واجبة في هذا الظرف، دالا بذلك على جرأة وحزم لا يعرفان ترددا ولا هوادة، وبرغم ~~الجهود التي بذلها عدلي باشا والوفد الذي كان معه في سبيل إقناع الإنجليز بوجهة نظر ~~مصر، وبرغم تناولهم كل مسألة من المسائل الخلافية بين الدولتين ابتغاء الوصول إلى حلها ~~حلا يقنعهما، فقد جنى الخلاف بين سعد باشا والحكومة على هذه المفاوضات فلم تؤت ~~الثمرة التي كانت مرجوة منها؛ ولذلك قطع عدلي باشا المفاوضة بعد أن أعلن إليه لورد ~~كرزون وزير الخارجية البريطانية مشروع حكومته، واستقال عدلي باشا على أثر وصوله، ونشرت ~~السلطات البريطانية المشروع المذكور مرفقا بمذكرة مهينة لمصر أشد الإهانة. # تحرج الموقف السياسي بين مصر وإنجلترا على أثر هذه الاستقالة، ثم زاده حرجا أن قبضت ~~السلطة العسكرية البريطانية على سعد زغلول باشا وخمسة من أنصاره وقررت نفيهم عن مصر، ~~هنالك عادت البلاد كلها كلمة واحدة تنادي بعدم التعاون مع إنجلترا وتدعو كل مصري ألا ~~يقبل تأليف وزارة تضطلع بمسئولية الأمر في مصر حتى تظل إنجلترا وأحكامها العرفية مسئولة ~~مباشرة عن كل ما يقع فيها. # في هذا الظرف ظهرت مهارة ثروت باشا السياسية وظهر اقتداره، إن المشروع الذي أعلنته ~~إنجلترا ولم تقبله مصر يقضي باعتراف إنجلترا باستقلال مصر استقلالا مقيدا في مسائل ~~معينة، وهذه القيود هي التي لا ترضاها مصر، فإذا أرجأنا النظر في هذه القيود إلى ظرف ~~مقبل أكثر ملاءمة من ظرف المفاوضات وما كان يشوبه من خلاف بين سعد باشا زغلول والحكومة ~~المصرية وأعلنت إنجلترا من جانبها التخلي لمصر عما ارتضت أن تتخلى عنه ms148 في أثناء ~~مفاوضات عدلي باشا ووفده، كانت هذه خطوة جديدة من جانب إنجلترا تدل بها على حسن نيتها ~~بإزاء مصر وتزيل الحرج الذي أدى إليه كتابها المرفق به المشروع، ثم لا تكون قد خسرت ~~شيئا لأنها إنما تتنزل عما كانت معتزمة من قبل التنزل عنه، على أنه حين بدأ محادثاته ~~مع معتمد إنجلترا للوصول إلى هذه الغاية لم يبدأها بطلب إلغاء الحماية والاعتراف ~~باستقلال مصر؛ لما كان يعلمه من أن هذا الطلب يلاقى من جانب حكومة لندن بالرفض، بل ~~تقدم بطلبات لا يبدو أول الأمر أن لها بوجود الحماية البريطانية لمصر أو برفعها ~~اتصالا، ولم يكن بد أمام العقل من قبول إنجلترا هذه الطلبات، وبعد قبولها وتحديد ~~المسائل التي تعلق لمفاوضات حرة مستقبلة بين مصر وإنجلترا؛ وصل ثروت باشا من بحثه ~~إلى نقطة تبين معها لممثل إنجلترا نفسه أن بقاء الحماية الإنجليزية مفروضة على مصر لم ~~يبق له أية فائدة لإنجلترا نفسها، وحكم العقل يقضي بأن التشبث بأمر لا فائدة من ورائه ~~سخف لا يليق بذوي الفطنة السياسية، وقد بلغ من اقتناع لورد اللنبي معتمد إنجلترا ~~واقتناع المستشارين الإنجليز في الوزارات المصرية برأي ثروت باشا أن هددوا جميعا ~~بالاستقالة إذا وقفت لندن فلم تجب مطالبهم، وعجبت حكومة لندن لهذا الموقف فاستدعت ~~معتمدها ومستشاريه فذهبوا إليها، ولم يكن إلا أيام حتى أقنعت حجج ثروت الحكومة ~~الإنجليزية أيضا، وعاد لورد اللنبي في يوم 28 فبراير سنة 1922 فأعلن في مصر تصريحا من ~~جانب إنجلترا بأنها تعترف بمصر دولة مستقلة ذات سيادة، وتنهي لذلك حمايتها عليها محتفظة ~~لمفاوضات مستقبلة بمسائل أربع: الدفاع عن مصر، وحماية مواصلات الإمبراطورية، وحماية ~~الأجانب والأقليات، ومسألة السودان، وعلى أثر ذلك أجاب ثروت باشا دعوة جلالة الملك فشكل ~~وزارته الأول في أول مارس سنة 1922. # على أن هذا العمل العظيم الذي قام به ثروت باشا من حمل إنجلترا على الاعتراف باستقلال ~~مصر كان سببا لأن تدبر ضده في الخفاء مؤامرة لاغتيال حياته، وقد دبر هذا الاغتيال قبل ~~إعلان التصريح بيومين، ms149 على أن إدارة الأمن العام علمت بالمؤامرة وأحبطتها بأن أبلغت ~~ثروت باشا الخبر وتفاصيله، وأن المؤتمرين يكمنون له عند كوبري الأعمى حتى إذا مر في ~~(أوتموبيله) ذاهبا إلى نادي محمد علي فتكوا به، وقد طلب ذلك اليوم إلى مقابلة عظمة ~~السلطان في عابدين في الوقت الذي كانت المؤامرة فيه تريد إتمام جريمتها، فدعا إليه ~~صديقه وزميله في محادثات الإنجليز بشأن الاعتراف باستقلال مصر حضرة صاحب المعالي ~~إسماعيل صدقي باشا وطلب إليه أن ينوب عنه في مقابلة جلالة الملك على أن يركب سيارة ~~بالأجرة، وكذلك نجا ثروت وقبض على المتآمرين، ومن يدري ماذا كان يصيب مصر لو أن الجناية ~~تمت على ما يشتهي المدبرون؟! # وإعلان إنجلترا اعترافها بمصر دولة ذات سيادة بفضل مجهودات ثروت باشا السلمية ومقدرته ~~على الاستفادة من الظروف بتقديره قوة بلاده ومطالب إنجلترا - هذا الإعلان رفع مقامه ~~فجعله سياسيا فذا في نظر العالم بأسره، وجعل أبناء أمته يتطلعون إليه معجبين به ~~وبمهارته، على أنهم انقسموا مرة أخرى، لا في تقديرهم المجهود لذاته، ولكن في الخطة ~~السياسية، أو بالأحرى في الخطة الحزبية التي يسلكونها بإزاء التصريح بالاستقلال وبإزاء ~~الرجل الذي فاز به، أما الطوائف الحكيمة التي تقدر الأشياء بقيمتها الحقيقية فاعتبرت ~~التصريح خطوة جدية في سبيل استكمال الاستقلال وعاهدت ثروت باشا على مؤازرته في خطته، ~~ووقفت طوائف أخرى حريصة من ناحية على ألا يمس التصريح أذى، عاملة في نفس الوقت على ~~مناوأة ثروت باشا وحكومته مناوأة دفعتهم للطعن على التصريح والانتقاص من قيمته، وقد كان ~~من مظاهر هذا الموقف أن أمسك هؤلاء عن إبداء رأيهم في التصريح حين أعلن البرلمان ~~الإنجليزي أنه يريد بحثه في جلسة حدد لها يوم 14 مارس سنة 1922، وظلوا في وجل أي وجل ~~ألا تنال حكومة لويد جورج ثقة البرلمان بسبب إعلانها إياه، فلما فازت هذه الحكومة ~~البريطانية بالثقة وأعلن جلالة ملك مصر استقلالها في 15 مارس واطمأن هؤلاء المتحفزون ~~إلى أنه أصبح حقا لمصر لا ينازعها فيه أحد؛ بدءوا حملتهم عليه حملة منظمة غايتها ms150 ~~الحملة على حكومة ثروت باشا، على أن ثروت لم يتردد في هذا الظرف لحظة، بل ظهر بكل ما ~~يجب من قوة وحزم وبدأ ينفذ ما ينطوي عليه التصريح من حقوق مصر بإنشاء وزارة الخارجية ~~التي كانت ألغيت منذ أعلنت الحماية البريطانية على مصر في 18 ديسمبر سنة 1914، وبإقالة ~~المستشارين البريطانيين من مختلف الوزارات عدا وزارتي الحقانية والمالية، وبتشكيل لجنة ~~من خيرة رجال مصر لتضع للبلاد نظاما دستوريا على أحدث المبادئ العصرية، وبالضرب على ~~يد الفوضى في كل صورها ومظاهرها، وإظهار الحكومة المصرية الأهلية بمظهر الاحترام الواجب ~~لها. # وليوطد في النفوس الإيمان بحق مصر دعا في 26 مارس سنة 1922 - لمناسبة عيد ميلاد جلالة ~~الملك - إلى حفلة كبيرة بفندق الكونتننتال حيث ألقى خطابا يبين فيه مزايا العمل الجليل ~~الذي قام به ويرسم فيه الخطة الواجب اتباعها لاستكمال الاستقلال، وقد يبدو عجيبا أن ~~تكون الفكرة السائدة في هذا الخطاب هي بعينها الفكرة التي وردت في مرافعة عبد الخالق ~~ثروت النائب العام في قضية الورداني، والتي أوردت نصها من قبل، فقد جاء في هذا الخطاب ~~السياسي ما نصه: # لم يبق علينا إلا أن نقنع إنجلترا أن ليس بها حاجة إلى التمسك بالضمانات ~~التي تريد الاحتفاظ بها فتخطو بريطانيا العظمى خطوة أخرى بالاكتفاء بما لا ~~يتنافى منها مع استقلالنا الشرعي، وليس لدينا وسيلة لتأييد ما نذهب إليه أكثر ~~من تعلقنا بأهداب السكينة والتزامنا الهدوء وأخذنا بأسباب النظام، فإن حجتهم ~~الكبرى فيما يبدونه من رغبة في الضمانات هي شدة حذرهم على مصالحهم وخوفهم عليها ~~وعدم اطمئنانهم إلى تركها لعهدتنا، فإذا قضينا على عوامل الفتنة والاضطراب ~~وجعلنا التزام السكينة رائدنا فإننا نثلم هذا السلاح بأيديهم وندفع حججهم ~~علينا، ولا مشاحة في أن كل من يعمل على تعكير السلام أو إثارة الاضطراب مجرم في ~~حق وطنه عامل على هدم كيانه. # ثم جاء فيه أيضا: # إنني لا أكره المعارضة، بل إذا انعدمت هذه المعارضة فإنني أعمل على خلقها لما ~~لها من نفع وفائدة في الوصول إلى الحقيقة وتمحيص ms151 كل أمر على أكمل وجه، ولكني ~~أريد المعارضة الشريفة التي تترفع عن الاعتبارات الشخصية ولا تنزل إلى اختلاق ~~الأكاذيب، إنني أريد الخصومة الشريفة التي لا تنظر إلا لمصلحة الوطن وخير البلد ~~وتدرس كل أمر لذاته مجردا عن كل اعتبار شخصي. # وهذه الخطة التي رسمها ثروت باشا في خطاب يوم عيد ميلاد جلالة الملك هي التي كررها من ~~بعد في خطب ألقاها في افتتاح لجنة الدستور ولوفود ذهبت إليه في شئون سياسية مختلفة، ~~ولقد كان لهذه الخطة الحكيمة أن تؤتي ثمرها كاملا بفضل مهارة ثروت وحنكته وقوة منطقه ~~لو أن مناوأته لم تنتقل من الميدان الوطني الصحيح إلى ميادين أخرى، فبينا هو يعمل ~~جادا في تطبيق مزايا الاستقلال التي حصلت عليه مصر مقيدا بالتحفظات التي أشرنا ~~إليها؛ وقعت على جماعة من البريطانيين - ضباطا وجنودا ومدنيين - سلسلة اعتداءات شنيعة ~~أودت بحياة ثمانية عشر منهم على التعاقب، على أن هذه الاعتداءات وحدها ما كانت لتجني ~~على خطته لو لم يقترن بها ما جعل مركز وزارته حرجا غاية الحرج بعد زمن وجيز من بدء ~~لجنة الدستور عملها، فقد عمدت هذه اللجنة إلى وضع مبادئ تتفق مع المبادئ العصرية التي ~~كلفت بوضع الدستور المصري على أساسها، وشاركها ثروت باشا الرأي في مبادئها، وفي رأي ~~البعض أن مصر بلاد شرقية يجب أن تسود فيها وسائل السياسة الشرقية وخططها؛ لذلك ألفى ~~ثروت باشا نفسه في موقف لا يستطيع معه القيام بأعباء الحكم على الوجه الذي يرضاه ضميره. ~~وبرغم المحاولات الكثيرة التي بذلها لتهدئة العواصف الكمينة في ثورتها حوله، فإنه شعر ~~بدقة المركز فجعل يستعجل لجنة الدستور حتى وضعت مشروعه وتعجلت بعد ذلك في وضع مشروع ~~لقانون الانتخاب، ورفعت اللجنة مشروعها إليه في جلسة تاريخية ألقى فيها كلمة ذكر في ~~أثنائها أنه سيعمل على صدور الدستور كما وضع مشروعه، وكان ذلك في 18 أكتوبر سنة 1922، ~~ولما كان جماعة أصدقائه السياسيين يؤلفون في هذا الوقت حزب الأحرار الدستوريين؛ انتظر ~~من معونتهم ما يكفل اقتداره على السير بسياسته خطوة أو ms152 خطوات أخرى، لكن الحزب ما كاد ~~يتألف في 30 أكتوبر ثم ما كاد يمضي أسبوعان على تأليفه حتى أطلق جماعة من الشبان الرصاص ~~على باب داره دار جريدة «السياسة» فأصابوا حسن باشا عبد الرازق وإسماعيل بك زهدي من ~~أعضاء مجلس إدارته، وأبدت الصحف المناوئة لهذا الحزب أن الرجلين ذهبا ضحية خطأ يؤسف ~~عليه لأنهما لم يكونا مقصودين بالذات. # وكثرت الأقاويل حول المصادر الحقيقية التي تشجع هذه الجرائم، ورأت وزارة ثروت باشا ~~بعد أن رفعت الدستور إلى جلالة الملك أنها خطت بالبلاد خطوات يمكن الوقوف عندها فترة ~~ريثما تطمئن النفوس وتهدأ أسباب الجريمة، وعلى ذلك رفع ثروت باشا استقالته في يوم 30 ~~نوفمبر منوها فيها بما أتمت وزارته وبما مهدت له من صدور الدستور وغير الدستور مما نص ~~في تصريح 28 فبراير على وجوب صدوره. # واعتكف ثروت منتظرا ظرفا خيرا من الظرف الذي كان فيه في الحكم ليعود إلى الميدان ~~فيعمل لإتمام ما بدأه بتصريح الاستقلال، على أنه في اعتكافه لم يتوان يوما عن بذل كل ~~ما لديه من نفوذ كي يصدر الدستور، فلما صدر في 19 أبريل سنة 1923 أيام قيام وزارة يحيى ~~باشا إبراهيم وانتظرت البلاد الانتخابات؛ أخذ يتوقع في ظروفها ما يطوع له العود لتنفيذ ~~سياسته، وسياسته - كما رأيت - تقوم على الإخلاص الصحيح والعزم الوطيد على إتمام اتفاق ~~بين إنجلترا ومصر تحل به المسائل المعلقة في التصريح، وعسير الوصول إلى هذا وفي البلد ~~من آثار الانقسام ما يخشى أن يجني على أية مفاوضات جديدة جناية الانقسام على المفاوضات ~~التي تولاها عدلي باشا يكن سنة 1921. # فلما عاد سعد زغلول باشا من منفاه فكر ثروت في إمكان التفاهم معه اجتنابا لكل انقسام ~~مستقبل، لكن علاقات الرجلين كانت متوترة منذ سنة 1921 أشد التوتر، وقد ألقى المحيطون ~~بسعد في روعه أن ثروت هو الذي نصح بنفيه، ثم إن سعدا كان قد طعن على ثروت أشد المطاعن ~~وأقساها، بل لقد ذهب في الطعن عليه إلى اتهامه في إخلاصه لوطنه، فكيف يستطيع ثروت ms153 أن ~~ينسى هذا كله وأن يتقدم إلى ناحية سعد خطوة من الخطى؟! على أنه رأى كرامة الوطن فوق ~~كرامة أي فرد من أبنائه، فبعث إلى سعد بخطاب يذكر له فيه أنه في حرصه على مصلحة الوطن ~~يريد أن يحتكم وإياه في أسباب الخلاف بينهما إلى الأمراء وذوي الرأي والمكانة في ~~البلاد. # وكان يرجو من احتكامه أن تزول أسباب الانقسام وأن تعود وحدة الأمة ليعود هو - معتمدا ~~على هذه الوحدة - إلى استكمال استقلال بلاده بإتمام الاتفاق بين مصر وإنجلترا، لكن ~~مسعاه هذا لم ينجح أن رفض سعد باشا التحكيم، وبقي ثروت باشا بعد ذلك بين كتبه ومكتبته ~~وفي عمله المتصل بالجمعية الخيرية الإسلامية وبالجامعة المصرية وبغيرهما من الهيئات ~~التي كانت أبدا في حاجة إلى ثاقب رأيه. # فلما كانت سنة 1925 أدت الظروف السياسية إلى التفاهم والائتلاف بين سعد زغلول باشا ~~وخصومه السياسيين، ذلك أن سعد باشا حصل حزبه على الأغلبية الكبرى في انتخابات سنة 1924 ~~فتولى الوزارة وظل فيها حتى اعتدت جماعة ينسب بعضهم إلى حزبه على حياة السيرلي ستاك ~~باشا حاكم السودان العام، فأبلغت إنجلترا حكومته إنذارا قاسيا اضطرت بعده إلى التخلي ~~عن المناصب، وخلفه أحمد زيور باشا في رياسة الحكومة، فاستعان بالأحرار الدستوريين بعد ~~أن حل مجلس النواب وأجرى انتخابات أسفرت عن أغلبية لحزب سعد باشا كذلك، فحل المجلس ~~الجديد أيضا وأجلت الانتخابات إلى أجل غير مسمى. # على أن الحل الأول وهذا التأجيل الثاني خلق في البلاد حزبا جديدا كان أعضاؤه كثيري ~~التردد على القصر الملكي، وكانت رغبتهم عن الدستور والحياة النيابية أكثر من رغبتهم ~~فيهما، وخيل لأعضاء هذا الحزب يوما أنهم يستطيعون القيام وحدهم فأقيل رئيس حزب الأحرار ~~الدستوريين من الوزارة واستقال زميلاه الوزيران اللذان كانا من أعضاء حزبه تضامنا ~~وإياه، وسنحت بذلك فرصة التفاهم والائتلاف مع حزب سعد زغلول باشا ضد الخصم المشترك ~~والعمل معا لعود الحياة النيابية، وكذلك قربت الظروف بين ثروت باشا وسعد باشا، وكان ~~يخيل للكثيرين أنهما لن يلتقيا. # وجرت الانتخابات وألف عدلي باشا ms154 يكن الوزارة الائتلافية الأولى وجلس سعد باشا في ~~رياسة مجلس النواب، وفي أوائل أبريل سنة 1927 استقال عدلي باشا فألف ثروت باشا وزارته ~~الثانية، وبقي سعد باشا في منصبه رئيسا للنواب، وكانت إنجلترا يومئذ قد أرادت - ~~متأثرة بآراء مندوبها السامي اللورد جورج لويد - التحرش بالحكومة المصرية؛ فخلقت ما سمي ~~أزمة الجيش، وبعثت بأساطيلها إلى الإسكندرية ولم يعرف أحد قط مطالبها على وجه التحديد، ~~فاستطاع ثروت باشا بمهارته وكياسته أن يقضي على هذه الأزمة من غير أن تصل إنجلترا من ~~مطالبها إلى أكثر من منح أحد الموظفين الإنجليز بوزارة الحربية المصرية رتبة ~~الباشوية. # حدث بعد ذلك أن سافر جلالة الملك فؤاد إلى أوربا مدعوا إلى زيارات رسمية بإنجلترا ~~وإيطاليا وفرنسا وبلجيكا، وبعد شيء من التردد استصحب جلالته رئيس وزارته ثروت باشا في ~~رحلته، فانتهز ثروت فرصة وجوده بإنجلترا وفاتح وزير خارجيتها السير أوستن تشمبرلن في ~~أمر أزمة الجيش وتحدث إليه فيما إذا كان مستطاعا الوصول إلى حل المسائل المعلقة بين ~~الدولتين اتقاء أزمات أخرى. # وقد انتهت هذه المحادثات إلى مشروع لم يقبل في مصر ولكنه مهد السبيل الصحيح إلى ~~الاتفاق النهائي، وربما كان ممكنا تعديله بما يمهد لقبوله لو أن سعد باشا زغلول بقي ~~حيا إلى حين انتهاء ثروت من محادثاته، لكنه توفي في أثنائها في 23 أغسطس سنة 1927، ~~ولم يخلفه من حنكته التجارب السياسية ما حنكت هذا الزعيم، وطلب إلى ثروت باشا أن يحل ~~مجلس النواب وأن يجري انتخابات يعرض فيها المشروع الذي وصل إليه على البلاد، فأبى لأنه ~~رأى أحزاب مصر كلها لا تقبل المشروع، ولأنه من ناحية أخرى خشي إذا حل المجلس ألا يعود، ~~واستقال من الوزارة ونشر يوم استقالته كتابا أخضر عن مفاوضاته. # ويدل هذا الكتاب والمذكرات التي اشتمل عليها على ضخامة المجهود الذي بذله ثروت في ~~أثناء قيامه بالمفاوضات منفردا ضخامة لم يعرف لها حتى اليوم في حياة سياسي مصري نظير، ~~ويدل كذلك على مقدرة وذكاء وكفاية وتضلع بالسياسة العالمية قل أن يكون لها مثيل، ثم ms155 يدل ~~على صحة ما رواه عنه السير أوستن تشمبرلن لأحد أصدقائه إذ قال: «أتاح لي اتصالي في ~~جمعية الأمم بأكثر وزراء الخارجية في الدول المختلفة أن أقدرهم جميعا، وما أحسب واحدا ~~منهم يفوق ثروت مهارة وقوة حجة وحسن بيان.» # وفي الكتاب الأخضر المذكور - إلى جانب هذا كله - اتجاه جديد في سياسة ثروت يرمي إلى ~~ربط الاتفاق بين مصر وإنجلترا بقضية السلام في العالم، ويجعل لذلك من الرجل سياسيا ~~عالميا لا سياسيا قوميا وكفى، فقد أبدى وزير الخارجية البريطانية من التشدد في ~~بعض الأمور ما رأى ثروت باشا معه أن المناقشة أصبحت غير مجدية، وأن مقامه في لندرة ~~للوصول إلى الغاية التي ينشدها لم يبق له محل. # وكان أمامه إذ ذاك أن يعلن ذلك إلى قومه في عبارة قوية أخاذة، وأن يعود محاطا بهالة ~~من الجلال والإعجاب، لكن ذلك ليس يتفق مع طريقته في التفكير ولا هو يقرب الغاية التي ~~ينشدها ولا يؤيد السلام الذي يسعى لتأييده؛ لذلك لجأ إلى الحكمة ينادي داعيها في نفس ~~الوزير الإنجليزي، حتى إذا لم يجب هذا الداعي وأصر على تشدده كان مسئولا أمام العالم ~~كله وكان مخالفا في خطته مع مصر كمفتاح بلاد الشرق الخطة التي اتبعتها الدول الأوربية ~~فيما بينها لتأييد السلام، فبعث بخطاب فيه من البراعة السياسية، ومن الحرص على كرامته ~~وكرامة بلاده، ومن تحميل مناظره تبعة عدم النجاح، ما يشهد به نصه إذ قال: # عزيزي صاحب السعادة # من أطيب الأشياء إلى نفسي أن أعرب لسعادتكم قبل مغادرتي لندرة عن عظيم شكري ~~لما لقيته لديكم من حسن الاستقبال، وإن أنس لا أنس نزعة الود التي ما برحتم ~~تصدرون عنها في محادثاتنا ولا ما أبديتموه على الدوام من صادق الرغبة في التماس ~~أسباب التوفيق بين البلدين. # ولقد كان يسعدني أن أرى مساعيكم المجيدة في تثبيت أركان الصداقة بين القطرين ~~تكلل بالنجاح، كما أنه يؤلمني أن يخفق كل ما بذل من الجهود في هذا السبيل، تلك ~~الجهود التي لم تجعل - حتى اللحظة الأخيرة - مجالا للشك ms156 في حسن ختام محادثاتنا ~~في هذا الشأن. # ولا أزال أرجو - إذ أنادي منكم داعي الحكمة وألتجئ إلى صادق شعوركم وصحيح ~~إنصافكم - أن تدركوا الغاية التي تعملون لها، وأن تضموا إلى إكليل «لوكارنو» ~~إكليل الاتفاق بين إنجلترا ومصر. # ولم تضعف استقالته من الوزارة من إيمانه بإمكان الاتفاق بين مصر وإنجلترا، بل كان ~~يرجو في ظروف سياسية جديدة ما يمكنه من العود لمعالجة المفاوضات من جديد مع عظيم الرجاء ~~في نجاحها، لكن المجهود العظيم الذي أنفقه والمقابلة السيئة المنطوية على إنكار الجميل ~~التي قوبل بها، ومحاولته نسيان ذلك بالإكباب على العمل في مجلس الشيوخ كعضو من أعضائه، ~~كل ذلك هز أعصابه وأضعف قوته؛ فسافر مستشفيا في صيف سنة 1928 وذهب إلى سان مورتز ثم ~~عاد منها إلى باريس في 18 سبتمبر، ولم يكن ~~يدري أن أجله يتربص به فيها ليختم كتاب حياته في الساعة الثانية من بعد ظهر 22 سبتمبر، ~~أي بعد وصوله إليها بخمسة أيام. # وبكت مصر ثروت، وتقدمت دول العالم كلها تعزيها فيه، وتناولت الصحافة في مختلف الأمم ~~أعماله فشادت بها ورفعتها إلى المكان الجديرة به، بكته مصر مقدرة جميل صنيعه، وعظيم ~~نزاهته، وعلو همته، آسفة على ما فرط منها أيام حياته في حقه، مؤمنة بأن سيبقى اسم ثروت ~~علما في تاريخ مصر على الاقتدار السياسي المنقطع النظير. # القسم الثاني # | تراجم غربية # | بتهوفن # اليوم - 26 مارس سنة 1927 - يحتفل العالم بمرور مائة عام على وفاة بتهوفن، إجلالا ~~لتلك الألحان القدسية التي أورثها إياه هذا النابغة الشقي، والتي ما تزال برغم ما أحدث ~~كبار رجال الموسيقى آيات خالدة في عالم النغم، فما يزال لحن الريف وألحان بتهوفن التسعة ~~الأخرى وسائر أناشيده الغنائية تموج في جو الوجود فتزيده بالحياة نعمة، وتشدو في أغوار ~~نفوس عارفيها والمعجبين بها كلما أعوزهم اللحن العذب ليرفع من هممهم وليقوي عزائمهم، ~~وما يزال اسم بتهوفن ولن يزال مقترنا بكل لحن من هذه الألحان، بل بكل نغمة من نغماتها، ~~وذكر العالم اليوم له لمرور مائة عام على وفاته ms157 ليس إلا أداء لدين الشكر الواجب على ~~العالم لكل من زاد حياته جمالا وفضلا وقوة. # يذكر العالم كله اليوم بتهوفن فيذكر ذلك الألماني المولد، الفلمنكي الأصل، المتقارب ~~أجزاء الجسم في قصر يكاد يجعله قزما، الحاد النظرة، العبوس، المتجهم للحياة بعدما ~~تجهمت الحياة له، فأورثته المرض وانتهت به إلى الصمم، الجاعل مع ذلك من الألم سبيل ~~المسرة، المفني نفسه في سبيل فنه، المؤمن برسالته وبقوته، يذكر العالم هذا الرجل الذي ~~لم يجد في غير العمل سبيلا للسعادة، أو بالأحرى لحسن احتمال الشقاء، والذي توافر على ~~عمله في الموسيقى توافرا جعله ينتج هذه الثروة الفنية، والذي لم يعرف غير الموسيقى ولم ~~يؤمن بشيء إيمانه بها أن كانت أعصابه أوتارا تهتز بالنغم لكل ما في الحياة. # فقد كان كل ما في الحياة عنده نغما، كان الجمال نغما والعواطف نغما والأفكار نغما ~~والنور والظلمة والحزن والمسرة والزهر والشجر والسحاب والجبل وكل ما في الطبيعة وما في ~~الحياة أنغاما تشدو بها أوتار هذه النفس العصبية الحساسة الشديدة التأثر بكل ما ~~يلامسها. # بهذه الأنغام وبما تعبر عنه من جليل المعاني وبذكرى واضعها يحتفل العالم إذا ~~اليوم. # وعجيب أن كانت حياة واضع هذه الأنغام السماوية نشازا كلها؛ فلم ينشأ بتهوفن نشأة ~~غيره ولم تتسق حياته مع نبوغه، ولم يذق من الهناء ما يذوقه أمثاله، بل كان - وهو على حد ~~قوله: «باكوس الذي يستصفي للإنسانية الرحيق العذب ويجلي على الناس أقدس ما في الروح من ~~جلال» - معذبا في نشأته، معذبا جل حياته، معذبا كذلك في موته، ولعل ما متعت به ذكراه ~~بعدما استراح من عناء الحياة ونشازها الدائم معه قد أفاء على روحه من الطمأنينة ما لم ~~يسترح إليه يوما طوال عيشه. ~~••• # ولد لدفج فان بتهوفن بمدينة بون على مقربة من كولونيا في 16 ديسمبر سنة 1770، وكان ~~أبوه مغنيا سكيرا، وكانت أمه خادما وابنة طباخ وأرمل فراش، وهذه بداية في الحياة لا ~~تبشر بخير ولا بنعمة، بل هي نذير صراع للوجود قاس قتال، ولم يمهله أبوه إلى أكثر ms158 من ~~الرابعة من عمره حتى تبين منه ميلا للموسيقى، فأراد أن يستغله بعرضه على الناس وحبسه ~~ومعه كمنجا صغيرة، وأرهقه بالعمل حتى كاد يكره إليه فنا خلق له، لكن كسب الأب كان ~~تافها، فكان لا بد للطفل أن يجني من عمله عيشه، فما بلغ الحادية عشرة حتى كان عازفا ~~في أوركسترا أحد المسارح، وفقد أمه وهو في السابعة عشرة من عمره فحزن لفقدها أشد الحزن ~~أن ألقى ذلك عليه أعباء العناية بأمر أسرته وتربية أخويه بسبب ما انحط من قوى ~~أبيه. # وفي نوفمبر سنة 1792 ارتحل الموسيقي إلى فيينا عاصمة ألمانيا الموسيقية على أثر موت ~~أبيه، وكان يومئذ كما كان طوال حياته ميالا للعزلة محبا للعمل حبا جما، وكان ~~لذلك قد جعل من البيانة # 1 # خير أصدقائه، فإليها كان يبث شجنه حين اضطر لهجرة دار أهله وقد جعلتها ~~عربدة أبيه جحيما، وإياها كان يستودع الأفكار الطريفة التي يفيض بها قلبه، وعليها كان ~~يرتجل هذه الأفكار ارتجالا، ومعها كان يتناجى بما يجول في نفسه من خلجات وما يجيش به ~~صدره من عواطف، وبها كان يعبر للنساء اللواتي أحب عما يغمر قلبه من هيام وما يحز فيه ~~من غيرة، بل لقد كان يتحدث بها إلى أصدقائه، ولم يكن أكثر منها بلاغة للتعبير عما في ~~نفسه، فقدت سيدة من معارفه ولدها وجزعت لفقده أي جزع، فلما ذهب بتهوفن يواسيها أمسك ~~بيدها ووضعها على قلبه وقال لها: «إن ما أشعر به هنا لا سبيل إلى بيانه، لكن البيانة ~~ستقوله عني.» ثم جلس إلى الآلة الموسيقية وارتجل قطعة يحكي في صدرها ألمه، ثم كانت ~~للسيدة نعم العزاء، وكذلك كانت البيانة صديقته كما كانت موضع قوته في الموسيقى وسلطانه ~~في الارتجال، بلغ من السلطان عليها حتى قال عنه موزار - الذي ملأت ألحانه آذان ذلك ~~العصر وما تزال إلى اليوم من مفاخر الموسيقى - وقد سمعه وهو في السابعة عشرة من عمره ~~يرتجل وحده في غرفة مجاورة للغرفة التي كان فيها موزار وجماعة من أصدقائه: «تنبهوا إلى ~~هذا ms159 الشاب فسيكون موضع حديث الناس يوما من الأيام.» # ذهب إلى فيينا على أثر وفاة أبيه بدعوة من أعضاده وفي مقدمتهم الكونت دوالشتين، وكان ~~أكبر همه من ذهابه إليها أن يدرس على هايدن أكبر المؤلفين الموسيقيين الألمان يومئذ، ~~لكن هايدن كان مشغولا بتواليفه جد الاشتغال، فلم يجد الشاب من وقته ما يفيده، فتركه بل ~~قاطعه وعمد ليدرس على البرختبرجيه، وكانت أخلاق هذا الأستاذ على علمه يشوبها كثير من ~~الغرور والجفوة بما لا يتفق وأخلاق بتهوفن الحرة الثائرة، وعلى ذلك أكمل دراساته ~~الموسيقية وحده فظل فيها من آثار النبو عن متعارف القواعد ما لم يعبأ به نبوغه الخالق ~~وقوته الخارقة للعادة وسلطانه الذي حلق في السماء فخضعت له كل القواعد. # وعضده يومئذ البرنس لخنفسكي وآواه في داره وفرض له ستمائة فلورين سنويا، وألفت ~~بينهما صداقة متينة لم تكن تخلو من أسباب لسوء التفاهم قضت دائما عليها الأميرة ~~لخنفسكي التي كانت موسيقية تقدر فضل النابغة الذي يقيم معهم حق قدره. # ويومئذ كانت الثورة الفرنسية تغزو العالم كله بمبادئها، وكان بتهوفن خصما لها أول ~~أمره، لكن مداومته قراءة هوميروس وأفلاطون وفرجيل وتاسيت وتبينه المبادئ الجمهورية التي ~~قامت عليها الثورة؛ جعل منه نصيرا من أكبر أنصارها، ولذلك لم يتردد حين جاء إليه ~~الجنرال الفرنسي برنادوت يطلب إليه أن يضع لحنا # symphonie # لمجد قنصل الثورة بونابارت، وأتم بتهوفن اللحن وكان على أهبة ~~إرساله إلى باريس إذ علم أن نابليون توج نفسه إمبراطورا، فما لبث أن عاد إلى بيته ~~ساخطا ومزق لحنه وقال: «هذا رجل مطامع كغيره من الرجال.» ولم يرد أن يسمع بعد ذلك ~~عنه خبرا، ثم ألح عليه أصدقاؤه بعد سنوات من ذلك كي يعيد هذا اللحن إلى الحياة فغير ~~فيه القطعة الثانية وكانت نشيد النصر ووضع بدلها نشيد الأسى، كأنما ينعى ما كان من ~~انهيار آماله، وسمى اللحن لحن البطولة، وأضاف إلى عنوانه هذه العبارة: «إحياء لذكرى رجل ~~عظيم». # ومن يومئذ بدأت تواليفه ومصنفاته ~~تفيض فيضا، فكتب عدة ألحان من خير ألحانه كما كتب ms160 أوبرا فدليو، ويومئذ أحس بسلطانه ~~وآمن بقوته وفاض عنه الرضا بالحياة والسكينة لها، وتدل الصور التي صورته في ذلك العصر ~~على مبلغ طمأنينته وعظيم أمله في المستقبل، ففي سنة 1796 كتب في مذكراته الخاصة يقول: ~~«إقداما! وبرغم أسباب ضعف الجسد فالنصر لعبقريتي ها أنذا بلغت الخامسة والعشرين، فيجب ~~في هذا العام أن يظهر الرجل كاملا.» وذلك على أنه كان ما يزال في بداية حياته العامة، ~~فأول حفلة عامة له كبياني وقعت في 30 مارس سنة 1795، لكنه لم يبق لديه ريب في قوته ولم ~~يخف ذلك على أحد من أصحابه، بل كان يباهي به على صورة قد لا يرضاها من لم يكن له مثل ~~مولده، كتب إلى الدكتور وجلر - صديق صباه في مسقط رأسه - يخبره بنجاحه العظيم، فكانت ~~الفكرة الأولى عنده ظاهرة في قوله: «أرى مثلا صديقا محتاجا فإذا لم يسمح لي جيبي ~~بالإسراع إلى معونته لم يكن علي إلا أن أجلس إلى منضدة العمل فإذا بي في وقت قصير قد ~~سددت حاجته، ألست ترى هذا غاية في الجمال ... ويجب أن أقف فني على معونة الفقراء.» # لكن يا لقسوة القدر! فما كاد هذا النابغة القوي يتربع على دست عظمته حتى بدأت مقدمات ~~الهم واليأس تسلك إليه مساربها، بدأت هذه الآفة التي نغصت عليه عيشه بقية أيامه منذ سنة ~~1796، فلما تمض على هذه السكينة للقوة العظيمة شهور حتى بدأ وجه الحياة يتجهم وبدأت ~~نذر الشقاء تتقدم، وبدأت مقدمات الصمم بطنين الآذان ليل نهار طنينا مزعجا، وقد ظل ~~سنوات يخفي مرضه حتى على أعز أصدقائه، وكيف تريد موسيقيا على أن يقول للناس إنه أصم؟! ~~لكن ذلك لم يقعد به عن مداومة العمل، ولئن ظهرت بعض آثار الحزن الناشئة عن آلامه في عدد ~~من الألحان التي وضعها في ذلك الحين فقد بقي أكثرها بساما طروبا، غير أنه لم يطق ~~كتمان علته بعد أن احتملها خمس سنوات تباعا، فكتب في سنة 1801 يشكو هذه العلة إلى كثير ~~من أصدقائه ومن بينهم صديقه أمندا إذ كتب ms161 يقول له: # عزيزي الطيب الرفيق أمندا # كم كنت أرجوك بجانبي، فصديقك بتهوفن بائس غاية البؤس، ذلك أن سمعي وهو أكرم ~~أجزاء نفسي علي، قد ضعف كثيرا، وكنت أشعر منذ كنا معا بأعراض المرض وكنت ~~أخفيه، لكنه اطرد سوءه من بعد، فهل أشفى؟ أرجو ذلك بالطبع، ولكن رجائي فيه ~~قليل، فمثل هذا المرض أشد مما سواه استعصاء على البرء، وسأضطر لقضاء العيش في ~~بؤس فأتجنب كل ما أحب وكل ما هو عزيز علي، وذلك بين عالم شقوة وأنانية، يا ~~لشقاء الاستسلام الذي يجب أن ألجأ إليه، لا ريب أني فرضت على نفسي السمو فوق كل ~~هذه الآلام، فهل ترى أستطيع تحقيق ما فرضت؟ # هل من سبيل إلى عزاء لبتهوفن عن هذا الألم؟ هل من وسيلة لتخفيف مضضه ومرارته؟ الوسيلة ~~الممكنة هي المرأة والسبيل هو الحب، فلو أن بتهوفن وجد يومئذ من يتعلق بها قلبه ويؤمن ~~به وبعظمته قلبها؛ لكان له من ذلك ما يهون عليه بعض همه، ولقد كان منذ نشأته طيب ~~القلب عطوفا، لكن حبه كان قاسيا كالفضيلة التي امتلأ بها قلبه، وكان لذلك يرى عارا ~~أن تتدلى الموسيقى للتعبير عن حب تشويه الشهوة؛ ولذلك عاب على موزار قطعته «دون جوان»، ~~على أن فضيلته القاسية هذه هي التي كانت سبب فشل علائقه الغرامية جميعا، ففي سنة 1801 ~~تعلق بجوليتا جوكشياردي وأهداها لحنه المعروف «ضوء القمر»، وكتب إلى صديقه وجلر يقول ~~له: «الآن أعيش أكثر سكينة وأختلط بالناس أكثر من ذي قبل، ولقد أبدع هذا التطور في ~~حياتي سحر فتاة عزيزة تحبني وأحبها، وهذه هي اللحظات السعيدة الأولى التي تذوقت منذ ~~عامين.» لكن هذا الحب زاده شعورا بمرضه كما أن جوليتا كانت لعوبا شديدة الأنانية لا ~~تعبأ بآلام بتهوفن، ولم تعف في سنة 1802 - أي بعد سنة واحدة من حبها - عن أن تتزوج ~~من الكونت جالنبرج، وكان حب بتهوفن إياها طاهرا مخلصا، فكانت خيانتها طعنة قاسية ~~أصابت بها شغاف قلبه، على أنها لم تكتف بما فعلت بل جعلت تستغله لفائدة زوجها ms162 وجعل ~~بتهوفن يذعن باسم الطيبة ويقول: «إنه عدوي، وذلك هو السبب في إسدائي إياه كل خير أستطيع ~~إسداءه.» # وأدى به الصمم والمرض والانقطاع عن الناس وخيانة جوليتا إلى اليأس من الحياة وإلى ~~اليقين باقتراب ختامها، وزاد به اليأس حين ذهب إلى «هيلجنستات» إحدى ضاحيات فيينا ~~مستشفيا، ومكث بها ستة أشهر لم يفد لسمعه خلالها شيئا، هنالك كتب وصيته التي نثبتها ~~هنا، وإن كان قد عاش بعدها خمسا وعشرين سنة، لأنها تدل على عظيم ألم هذا الرجل العظيم ~~كما تدل على عظيم نبوغه وعظيم إيمانه بفنه وعلى طهارة نفسه وطيبة قلبه وحبه الناس، وتدل ~~على أن هذه العواطف كانت في هياجة ثائرة كهذه الموسيقى القوية الثائرة التي نسمعها له ~~في كثير من ألحانه وحتى في ألحانه الرقيقة اللحمة والسدا، قال: # يا أيها الذين ينظرون إلي أو يحسبونني حقودا أو برما بالناس أو متطيرا ~~بالحياة، لشد ما تظلمونني، إنكم لا تعرفون السبب الخفي الذي يظهرني بهذا ~~المظهر، فقد كان عقلي وقلبي متجهين منذ طفولتي إلى عاطفة رقيقة هي الطيبة، وكنت ~~دائما مستعدا لأقوم حتى بعظائم الأعمال، لكن صوروا لأنفسكم بؤس حالي منذ ست ~~سنين، هذه الحال التي زادها الأطباء الأغرار سوءا والتي ما أزال أخدع في أمرها ~~عاما بعد عام آملا في تحسنها، ثم أضطر آخر الأمر لأحسبها حالا مزمنة يقتضي ~~البرء منها - إن كان فيه أمل - سنين عدة، وقد يكون هذا البراء محالا. # لقد ولدت ذا مزاج حاد نشيط مستعد لذوق مسرات الاجتماع ثم اضطررت وما أزال في ~~أول عمري إلى عيش العزلة، وحاولت التغلب على ذلك فصدمتني التجربة الأليمة ~~القاسية غير مرة وجددت عندي الإحساس بمرضي، ثم إني كنت مستطيعا أن أقول للناس: ~~ارفعوا الصوت وصيحوا فإني أصم، وكيف أستطيع أن أذيع ضعف حاسة كان يجب أن تكون ~~عندي أدنى إلى الكمال منها عند الآخرين، حاسة كانت في الماضي بالغة من الكمال ~~حدا لم يتح لقليل من أبناء فني أن يبلغوه، كلا! لا أستطيع، فاعذروني إذا ~~إن رأيتموني أعيش عيش ms163 العزلة بينما أريد أن أكون معكم وفي صحبتكم وشقائي مضاعف ~~له ألمي أن كان سببا للحكم علي حكما قاسيا، ولقد منعت من أن أجد الراحة ~~والطمأنينة في الاجتماع بالناس وفي المحادثات الظريفة وفي العطف المتبادل، فأنا ~~وحيد منقطع، لا أستطيع أن أجازف بنفسي في الجماعة، وما لم تكرهني على ذلك حاجة ~~فيجب أن أعيش منفيا، فإذا اقتربت من جماعة ملك على الاضطراب مجموع حواسي ~~من خشية أن أتعرض لوقوف الناس على بينة أمري. # ومن ثم أمضيت هذه الستة الأشهر في الريف، وقد طلب إلي طبيبي الفاضل أن ~~يعنى بسمعي جهد الطاقة، وبلغ من ذلك أكثر مما كنت أرجو، ولقد شعرت غير مرة ~~بالميل للاجتماع بالناس وتركت نفسي تنال مناها، ولكن أي مذلة أن أرى رجلا على ~~مقربة مني يسمع قيثارة من بعيد ولا أسمع أنا شيئا، أو يسمع غناء الراعي ولا ~~أسمع أنا شيئا؟! ولقد قربت هذه التجارب بيني وبين اليأس حتى كدت أقضي بيدي على ~~حياتي، لكنه الفن - نعم هو الفن وحده الذي استبقاني - أواه! لقد بدا لي أن من ~~المحال أن أترك هذا العالم قبل أن أتم كل ما أحسست أني مطالب بأدائه، وكذلك ~~أطلت في هذه الحياة البائسة، والبائسة حقا، لجسد سريع التهيج حتى لينقله أقل ~~تغيير من خير الحالات إلى أسوئها ... صبرا، كذلك يقولون! وهو الصبر الذي يجب أن ~~أختاره الآن مرشدا وقد اخترته، وإني لأرجو أن تظل عزيمتي على المقاومة ثابتة ~~حتى ترضى الآلهة بالقضاء على بقية حياتي، وإن يصلح الحال أو يسوء فإني لصابر، ~~ألا ليس يسيرا أن يكره الإنسان - وما يزال في الثامنة والعشرين من العمر - ~~على أن يكون فيلسوفا، وذلك أشد قسوة برجل الفن منه بأي رجل آخر. # اللهم إنك لتستشف من سمائك حجب قلبي وتعرفه وتعلم أنه عامر بحب الناس والرغبة ~~في عمل الخير، وأنتم أيها الناس إذا قرأتم يوما هذا الذي أكتب فاذكروا كم كنتم ~~ظالمين إياي، وإن الشقي ليتعزى إذا رأى شقيا مثله قام برغم كل ما ألقت ~~الطبيعة ms164 في سبيله من عقبات بكل ما في جهده أن يقوم به كي يكون في صف رجال الفن ~~والصفوة المختارين. # هيلجنستات في 10 أكتوبر سنه 1802 - والآن وداعا، وداعا أسيفا - إن الأمل ~~العزيز الذي جئت به إلى هنا، هذا الأمل في أن أشفى ولو إلى حد يجب أن أيأس منه ~~كل اليأس، وكما تتناثر أوراق الخريف وتذوي، كذلك هذا الأمل جف في نفسي وذوى، ~~كما جئت إلى هنا أعود وقد فقدت حتى الهمة التي كثيرا ما استندت إليها أيام ~~الصيف الجميلة، أواه أيها القدر! هب لي أن أرى مرة واحدة يوم مسرة صفو، فما ~~أطول الزمن الذي حبس عني فيه رنين المسرة الصادقة العميق! أواه متى يا رب؟ متى ~~أستطيع أن أحس بها في معبد الطبيعة والناس ... أبدا، كلا، فذلك يكون أبلغ ~~القسوة. # هيلجنستات في 6 أكتوبر سنة 1802 # لدفج فان بتهوفن # لم تنشر هذه الوصية إلا بعد وفاة بتهوفن، لكنها تدل على مبلغ ما كانت تضطرب به نفسه ~~حين كتبها من الآلام، وعلى شديد إيمانه مع ذلك بالفن، هذا الإيمان الذي جعله يستأخر ~~الموت وإن كان في الموت راحة من شقوته وأوصابه، ويستأخره ليتم رسالته وإن عانى في سبيل ~~إتمامها من الآلام ما لا قبل لغيره باحتماله، وكذلك ترى النوابغ حقا يستهينون في ~~سبيل إبراز مواهبهم بكل ما يحرص الناس عليه وبكل ما يجزعون منه ويفرون، فبينا كان ~~بتهوفن يكتم هذه الصيحات الفاجعة مكتفيا بترجيعها في صدره بينه وبين نفسه، وبإثباتها ~~على القرطاس لتكون سبيلا إلى سلامه بعد موته، كان أخواه يستغلان ألحانه استغلالا ~~ماديا ما كان بتهوفن ليعنى به لولا حبه لأخويه حبا يتفق مع عظمة الفضيلة التي تفيض ~~بها نفسه أناشيد وألحانا قدسية سامية، وكثيرا ما خاطبه أصحابه فيما يجني عليه أخواه ~~من مساءات، فكان جوابه وهو يبكي: «لكنهما أخواي»، وما لأخويه وبكائه؟ إنه لهما مزرعة ~~تستغل ومورد رزق فياض، كتب أحد أخويه لناشر طلب بعض قطع أصلية من ألحان بتهوفن ~~وأناشيده: «ليس لدينا من ذلك الآن إلا ms165 لحن وعزيف كبير للبيانة وثمن كل ثلاثمائة ~~فلورين، أفتريد ثلاث سونات للبيانة؟ نحن لا نستطيع أن نقبل فيها أقل من تسعمائة فلورين، ~~على أن تسلم بعد خمسة أسابيع أو ستة؛ لأن أخي أصبح لا يعنى الآن بأمثال هذه التفاهات ~~ولدينا ...» وذكر بقية «البضائع»، وبتهوفن لا يفيد من ذلك المال كله إلا ما يقيم حياته ~~المليئة بالآلام، فأما هذه الحياة التي يحتفظ هو بها للفن فليست في ملكه، لأنها هبة ~~القدر للوجود كله في حاضره ومستقبله، هي قيثارة قدسية بعثتها يد العناية إلى هذا العالم ~~لتنشد الناس كل ما أبدعت العناية في الخلق من نغمات، وإلى أن تتم هذه الرسالة ~~الواجبة عليها يجب أن يبقى صاحبها معذبا شقيا، ويجب أن يستريح لعذابه ولشقوته، أو ~~على الأقل يجب أن ينسيه إيمانه برسالته وانصرافه بكل وجوده لإبلاغها هذا الشقاء وهذا ~~العذاب. # لكن المرأة هي البلسم والشفاء لعذابه أو لتسكينه، وقد عبثت جوليتا ببتهوفن عبثا ~~قاسيا برغم ما كان من شديد تعلقه بها، فهل جفاه الحب بعدما جفته هذه اللعوب الأثرة ~~المحبة لترف الحياة التافه أكثر من حبها لمجد العظمة الخالد؟ كلا! فما تزال لبتهوفن ~~ساعات سعادة في الحياة ينعم بها برغم همه، وملاك هذه الساعات المخلص الطاهر هي تريز ~~برنسويك. # وكان بتهوفن قد عرف تريز منذ أيامه الأولى في فيينا أن كان يعلمها البيانة، لكنه لم ~~يتعلق بها يومئذ ولم يسر إلى قلبه خاطر الحب منها وإن اتصل بأخيها الكونت فرنسوا ~~بصداقة متينة، فلما كانت سنة 1806 وكانت جوليتا قد تزوجت منذ ثلاث سنين زار بتهوفن ~~صديقه القديم في مارتنفاسار بالمجر، قالت تريز: «وبعد العشاء ذات مساء أحد جلس بتهوفن ~~في ضوء القمر إلى البيانة ومر بيده على ملامسها، وكنت أعرف أنا وأخي ذلك منه، فكذلك كان ~~يبدأ دائما، ولعب بعض تقاسيم على طبقات القرار، ثم انتقل من ذلك إلى لعب أغنية ~~سباستيان باخ: إن شئت أن تهبيني قلبك فليكن ذلك أول الأمر في خفية حتى لا يستطيع أحد أن ~~يحس مسارح أفكارنا ms166 المشتركة، ولعب هذا اللحن في وقار وهيبة، وكانت أمي وكان القسيس قد ~~ناما، ونظر أخي إلى ما أمامه ذاهلا، أما أنا فأخذتني نظرته وأخذني غناؤه وأحسست ~~بالحياة كاملة، وفي صباح الغد تقابلنا في الحديقة فقال لي: أكتب الآن أوبرا أرى بطلتها ~~في دخيلة نفسي وأراها أمامي حيثما ذهبت وأينما أقمت، وما أحسبني سموت يوما هذا السمو، ~~فكل ما أمامي ضياء وطهر ونور، وفي شهر مايو أصبحت مخطوبته بإقرار أخي فرنسوا وحده.» ~~وظلت هذه الخطبة حتى سنة 1810 حين انفصمت عروتها وإن لم تنفصم عروة الحب بين الخطيبين ~~اللذين عاشا به سعيدين حتى مات هو في سنة 1827 وماتت هي وما تزال على عهده في سنة ~~1861. # وكان لهذا الحب في نفس بتهوفن وفي حياته الموسيقية أثر أي أثر، فاللحن الرابع الذي ~~كتب في أول أعوام الخطبة زهرة تتضوع بشذا السكينة والخلود إلى صفو العيش مع الناس، ~~وكذلك كانت الألحان التي كتبت في هذه السنوات أقل ثورة وأكثر ترنما بنعمة الحب ~~والحياة، ومنها لحن الريف بأغاريد بلابله وأطياره وأغنيات شبانه وعذاراه، ولم يقف أثر ~~الحب عند موسيقى بتهوفن بل تعدى إلى حياته فجعله محبا للتأنق في ملبسه ميالا ~~للاختلاط بالناس والتحدث إليهم حاضر النكتة ظريفا، وبلغ من ذلك أن الناس نسوا صممه ولم ~~يلاحظوا عليه إلا ضعف بصره الحاد النظرة، ومن ذلك العهد السعيد في حياة بتهوفن يحفظ ~~التاريخ خطابا يبث فيه لتريز ما يبعثه الحب المضطرم في النفس الثائرة من عواطف مضطربة ~~متلاطمة، قال فيه: # يا ملاكي وكلي ونفسي، انظري في بدائع الطبيعة واطمئني إلى ما هو محتوم، فالحب ~~يلح عدلا في أن يكون له كل شيء، ذلك شأنه معي في أمرك، وهو شأنه معك في أمري، ~~إن قلبي لمفعم بما أريد أن أبثك إياه، أينما كنت فأنت معي، إني لأبكي حين أذكر ~~أنك لن تقفي على أول أخباري قبل يوم الأحد على الغالب، إني أحبك كما تحبينني بل ~~أقوى وأشد، إلهى، أية حياة هذه من غيرك! فأنت قريبة بعيدة، وأفكاري ms167 تتدافع نحوك ~~يا محبوبتي الخالدة وهي سعيدة طورا حزينة تارة تسائل القدر هل هو ~~سيرعانا؟ # أنا لا أستطيع العيش إلا معك وإلا فلا عيش لي، ولن ينال غيرك قلبي أبدا، ~~أبدا! لم يجب يا رب أن يبتعد متحابان كل عن صاحبه، على أن حياتي إنما هي الآن ~~حياة أحزان، ولقد جعلني حبك في نفس الوقت أسعد الناس وأشقاهم، اطمئني، اطمئني، ~~وأحبيني اليوم وبالأمس، ما أعظم تطلعي إليك! وما أكثر دموعي من أجلك أنت! أنت ~~أنت يا حياتي، يا كلي وداعا، وأقيمي على حبي ولا تنسي أبدا قلب حبيبك بتهوفن، ~~لك إلى الأبد، لي إلى الأبد، لنا إلى الأبد. # وهذا الخطاب كوصيته وجد في أوراقه بعد موته، ولعله كتبه في آخر سنوات خطبة تريز له، ~~ففيه من اليأس أكثر مما فيه من الرجاء، وهذه العبارة التي يسائل فيها القدر هل هو ~~سيرعاهما تنبئ عن بداية انحلال الخطبة، على أن قلبه وقلبها ظلا عامرين بهذا الحب إلى ~~آخر حياتهما، فمن كلمات بتهوفن في سنة 1816: «يدق قلبي كلما ذكرتها بنفس القوة التي دق ~~بها حين رأيتها لأول مرة.» # وفي هذه السنة عينها، سنة 1816، وضع الأنغام الأربع البديعة: «إلى العزيزة المحبوبة ~~النائية» وكتب في مذكراته: «يفيض قلبي لمشهد هذه الطبيعة البديعة وهي مع ذلك ليست هنا ~~إلى جانبي.» وكانت تريز قد أهدت إليه صورتها وكتبت عليها هذا الإهداء: «إلى النابغة ~~الفذ والفنان العظيم والرجل الطيب.» وقد دخل صديق على بتهوفن في آخر سنة من سني حياته ~~فألفاه يقبل الصورة ويبكي ويناجي نفسه بصوت رفيع: «لقد كنت جميلة، وكنت عظيمة، وكنت ~~كالملائكة الأطهار.» وبلغ من شدة تأثره لفراق تريز أن كتب يوما إلى أحد أصدقائه: «أيها ~~المسكين بتهوفن - محدثا عن نفسه - ليس لك في هذا العالم حظ من السعادة، إنما حظك منها ~~في رحاب المثل الأعلى، فلك فيه أصدقاء.» وكتب في مذكراته «إسلاما! وإسلاما تاما ~~لحظك، أنت لم تعد تستطيع أن تعيش لنفسك وإنما تعيش لغيرك، ولم يبق لك من نعيم في غير ~~فنك، اللهم ms168 هبني قوة الانتصار على نفسي.» هذا ولم تفتأ تريز تذكر بتهوفن إلى آخر ~~حياتها، فكيف انفصمت الخطبة ولم يجمع بينهما الزواج؟ ذلك ما لم يقف عليه أحد، ولعله كان ~~لفقر بتهوفن واختلاف مكانته مع مكانة تريز الاجتماعية، ولعله كان لطبع بتهوفن الحاد ~~القاسي السريع إلى التطير والذي لا تهون الحياة البيتية معه. # على أنه كان قد وصل في سنة 1810 إلى أوج قوته وجلس على عرش مجده، وكان يحس هذه القوة ~~ولا يتواضع بسببها، رأته بتينا برنتانو المغرمة بمعرفة عظماء الألمان في سنة 1812 لأول ~~مرة، ولم تكن في حاجة إلى أكثر من مرآه وسماع حديثه حتى سحرت به وقالت: «ليس في العالم ~~ملك ولا إمبراطور له مثل هذا الشعور بقوته.» ثم كتبت إلى جيتي تقول: «لما رأيته لأول ~~مرة انمحى الوجود كله من أمامي، ولقد أنساني بتهوفن العالم وأنساني إياك يا جيتي، وما ~~أظنني مخطئة أن أؤكد أن هذا الرجل يسبق المدنية الحديثة بمراحل.» وأراد جيتي أن يعرف ~~بتهوفن فتقابلا في حمامات بوهميا بتوبلتز في ذلك العام نفسه لكنهما لم يتفاهما، فخلق ~~بتهوفن العنيف الحر لا يتفق مع خلق جيتي الرقيق الوادع، ذكر بتهوفن نزهة لهما كان فيها ~~قاسيا كل القسوة مع دوق فيمار، قال في خطاب بعث به إلى بتينافون أرنم: # يستطيع الملوك والأمراء أن يخلقوا الأساتذة والمستشارين وأن يغرقوهم في الرتب ~~والألقاب، لكنهم لا يستطيعون أن يخلقوا الرجال والأذهان التي تسمو على ~~المجاميع، فإذا اجتمع رجلان مثلي أنا وجيتي وجب على هؤلاء السادة أن يحسوا ~~بعظمتنا، ولقد تقابلنا أمس حين عودتنا في الطريق مع العائلة المالكة كلها، وكنا ~~قد رأيناهم من بعيد فانتزع جيتي نفسه من ذراعي ليقف على حافة الطريق، وعبثا ~~قلت له كل ما أردت أن أقوله فلم يزحزحه ذلك خطوة واحدة عن موقفه، عند ذلك كبست ~~قبعتي في رأسي وزررت ردنجوتي وسرت وذراعي وراء ظهري وسط الجموع الكثيفة، وأفسح ~~الأمراء والحاشية لي طريقا ورفع لي الدوق رودلف قبعته، وكانت الإمبراطورة أول ~~من حياني، فالعظماء ms169 يعرفونني، أما جيتي فمر أمامه الجمع وهو في مكانه على حافة ~~الطريق منحن أشد الانحناء وقبعته في يده، وقد لمته أشد اللوم بعد ذلك، لم ~~أغتفر له قط تصرفه. # ولم ينس جيتي له هذه المساءة وظل بينه وبينه ما كان بين فولتير وروسو في آخر ~~حياتهما، قال جيتي لزلتر: «بتهوفن شخصية لا سبيل مع الأسف إلى تألفها، وقد لا يكون ~~مخطئا إذ يرى العالم كريها، لكن خلته في الحياة ليست هي الوسيلة التي تجعل العالم ~~حلوا له ولغيره، على أن من الواجب أن نعذره وأن نشفق عليه، فهو أصم.» على أن كراهية ~~جيتي لم تمنعه من الإعجاب ببتهوفن ومن تقديسه وإن جاهد لإخفاء ذلك طاقته، ذكر مندلسن أن ~~جيتي سمع أحد ألحان بتهوفن فحاول إخفاء إعجابه قائلا: «هذا لا يمس القلب ولكنه يثير ~~الدهشة.» ثم لم تمض لحظات حتى غلبه اللحن وجماله، فلم يتمالك أن قال: «هذا بديع وعظيم ~~وفوق العقل، إني لأحس كأن البيت سينطبق علي.» وبعد أن كان لا يريد أن يسمع اسم بتهوفن ~~جعل يسأل عن أمره. # وكان الدوق رودلف الذي أشار إليه بتهوفن أحد التلاميذ القليلين ممن رضي هو أن يكون ~~أستاذا لهم، وبرغم إعفاء الدوق إياه من تكاليف البلاط ونظامه فقد كان يشكو مما بقي ~~مضطرا له بداعي المجاملة من هذه التكاليف، ومن طريق الدوق رودلف عرف كثيرين من ~~الأمراء وأعضاء البيت المالك الذين لم يكونوا يأبهون للعظماء، أمثال هايدن وموزار، وإن ~~بقي لديهم شيء من العطف على البائس بتهوفن، وزادوا عليه عطفا حين بدأ نجم نابليون ~~يأفل، فإن بتهوفن لم ينس خيانة هذا الجمهوري الذي اتخذ الشعب سلما للإمبراطورية، فلما ~~انتصر الإنجليز عليه في موقعة واترلو وضع بتهوفن لحنا لانتصار ولنجتون مجده فيه كما ~~مجد حروب الاستقلال التي أقامتها أمم أوربا ضد فرنسا، وفي أوائل سنة 1814 وضع لحنا ~~حربيا عن «بعث ألمانيا » فلما انعقد مؤتمر فيينا على أثر هزائم نابليون كان بتهوفن في ~~ذروة عظمته وقوته، فشارك في أعياد المؤتمر على أنه عنوان ms170 من عناوين مجد أوربا، ورأس في ~~29 نوفمبر سنة 1814 الأوركسترا التي لعبت أمام ملوك العصر نشيده عن «ساعة المجد» فلما ~~سقطت باريس في سنة 1815 وضع نشيدا جعل عنوانه «انتهى كل شيء»، وكذلك ظهرت قوته ومقدرته ~~وظهر خلقه المثابر وبطشه وجبروته، هذا الجبروت الذي أباح له بعد موقعة يينا - إحدى ~~مفاخر نابليون - أن يقول: «من سوء الحظ أني لا أعرف الحرب كما أعرف الموسيقى، إذا ~~لهزمته.» # وكان حظ بتهوفن مذبذبا، فما تكاد آونة طمأنينته تطول به زمنا حتى تعقبها آونة شقاء ~~أطول منها وتعدل مرارتها أضعاف حلاوة تلك الآونة، فكما تخلى عنه الحب مرتين تخلت عنه ~~فيينا بعد هذا المجد والسلطان لمجرد انتهاء أعياد النصر، وبلغ أن فكر في هجرتها برغم ما ~~كان من اتفاق الدوق رودلف تلميذه والبرنس لوبكرفتز والبرنس كنسكي منذ سنة 1809 إذ رتبوا ~~له معاشا أربعة آلاف فلورين على أن يظل في النمسا ليظل فخرا لها، وبرغم ما كان من عدم ~~وفائهم كل الوفاء فإنه سر بهذا الاعتراف بمجده، فلما مرت أعياد النصر عكف من جديد ~~على العمل، لكن الصمم كان يزداد حتى كان تاما في سنة 1816، وبذلك أصبح بتهوفن لا يسمع ~~موسيقى ولا يسمع لحنا ولا نشيدا إلا في دخيلة قلبه. # وكم لاقى بسبب ذلك من عناء وهم، فقد أراد أن يدير أوبرا فدليو في سنة 1822، وكان ~~جليا منذ الفصل الأول أنه عاجز عن هذه الإدارة كل العجز، فقد كانت عصاه بطيئة، فكانت ~~الآلات الموسيقية بطيئة معها، لكن المغنين لم يكونوا يستطيعون اتباع هذه الموسيقى ~~فكانوا يسرعون، وحصل اضطراب اضطر معه مدير الجوق العامل إلى إيقاف التمثيل، ثم عاد ~~بتهوفن إلى الإدارة وعاد التمثيل إلى الاضطراب، قال صديقه الدكتور شندلر: «ولم يقو قلب ~~أحد على أن يدفعه ليقول لبتهوفن: تنح أيها البائس فأنت عاجز عن الإدارة، ووقف التمثيل ~~للمرة الثانية فوقف بتهوفن ينظر في كل ناحية يريد أن يعرف سبب الاضطراب، ولما لم يفهم ~~شيئا ناداني إليه ومد إلي كراسته لأكتب له، فكتبت: أرجوك ms171 ألا تستمر وسأفسر لك في ~~البيت سبب ذلك، فما هو إلا أن قفز صائحا بي: فلنعجل بالخروج، وجرى إلى بيته بكل ما ~~مكنته قواه وهناك ارتمى على مقعد وسند بيديه وجهه وجلس حتى ساعة الطعام لا ينطق بكلمة، ~~وساعة الطعام ظل صامتا وعلى وجهه أثر الألم الفاجع والانحلال الأليم، فلما كان بعد ~~العشاء وأردت أن أتركه رجاني أن أصحبه إلى طبيب كان معروفا بأنه من خير أطباء الآذان ... ~~وفي كل ما تلا ذلك من صلاتي ببتهوفن لم أر يوما اليوم القاسي من أيام نوفمبر، وقد بقي ~~هذا المشهد الأليم طعنة في قلبه حتى فاجأته منيته.» # وفي سنة 1824 كان حاضرا تمثيل رواية على موسيقاه، ولما انتهت الموسيقى صفق الناس أشد ~~التصفيق فلم يسمع شيئا ولم يعرف من أمر إجلال الناس لقطعته إلا بعد ما أمسكت مغنية ~~بيده وأدارت وجهه إلى ناحية الجمهور ليرى الأيدي المصفقة والقبعات التي تهتز في الأيدي ~~علامة الإعجاب والثناء. # وعاون بؤس الصمم وألم المرض ما وقع فيه من حاجة وإعواز، فهذا الذي كان يفرض أخوه ~~أثمان ألحانه على الناشرين فرضا وصل في أخريات أيامه ليكتب هذه العبارة لأحد تلاميذه: ~~«أكتب هذه (السونات) في ظروف شاقة، فمن المحزن أن يضطر الإنسان للكتابة كي يحصل على ~~الخبز، وهذا هو حالي اليوم.» وكتب في مذكراته الخاصة: «لقد صرت حتى أكاد أتكفف الناس.» ~~وقال عنه أحد معاصريه وأصحابه إنه كان لا يستطيع الخروج من بيته في بعض الأحيان بسبب ~~ثقوب حذائه. # وفي هذه الأيام الأخيرة كان لا يأنس إلى الناس ولا يعرف غير الطبيعة، فكان يرى ~~هائما في الغابات والأحراش، وليس له هم إلا تدوين الأنغام والألحان لا يحول بينه وبين ~~ذلك حر ولا قر ولا مطر ولا ثلج، قالت تريزدي برنسويك: «كانت الطبيعة صديقه الوحيد.» ~~وكانت كل مذكراته تفيض هياما بهذا الوجود المطلق الحر تمام الحرية، والذي تتجلى فيه ~~عظمة الخالق وقوته؛ ولذلك كانت موسيقاه تفيض بمعاني الطبيعة فيضا حتى لكأنما بلغ من ~~شدة هيامه بها أن صار قوة ms172 من قواها أو أنه «ملك روحها» على حد تعبير صديقه شندلر، كتب ~~الموسيقى الكبير شومان يصف أثر أحد ألحان بتهوفن في نفسه: «مهما يتكرر سماع الإنسان ~~لهذا اللحن فإنه مؤثر فينا بنفس القوة التي أثر بها من قبل، فهو كالظواهر الطبيعية التي ~~تملؤنا دائما خوفا ودهشة مهما تكرر حدوثها.» # ولعل بتهوفن كان محبا للطبيعة، لأنه من روحها لا لأنه ملك هذا الروح، ولذلك كانت ~~حياته - ككل ما في الطبيعة - حياة نضال لا يعرف اليأس، وعمل لا يعرف الكلال، وتجدد لا ~~يعرف الجمود، فما كان المرض ولا الصمم ولا خيبة الحب ولا الفقر الذي بلغ الإعواز بمانع ~~له من أن يتم في عالم النغم رسالته، أوتدري ما هذه الرسالة التي كان يجاهد في سبيلها ~~خلال ما أثقل حياته من كوارث وأحزان؟ كانت رسالته بعث المسرة على الأرض، فكأنما كان ~~القيثارة العتيقة المحطم كثير من أجزائها والتي بالغ الصانع في إتقانها، فما تزال مبعث ~~أحلى الأنغام وأبدعها، ولقد كان بتهوفن يؤمن برسالته هذه كل الإيمان، ومنذ ظهرت بوادر ~~نبوغه في الموسيقى فكر في تبليغها للناس عن طريق الألحان ففكر فيها وما يزال في يونيو ~~سنه 1793، وكانت نهاية أمله أن يتوج أحد أعماله الموسيقية الكبرى بلحن المسرة، وكان ذلك ~~دأبه وهو في أشد حالات العذاب والألم، لكنه كان يتردد دائما أن لم يكن شيء مما وضعه ~~ليكفي مقنعا لصورة المسرة عنده، وظل ذلك شأنه حتى السنوات الأخيرة من حياته حين وضع ~~اللحن التاسع، حينئذ وفق لهذا النشيد الذي يرجوه، ولكن أي توفيق وأية عظمة! # قال أحد الكتاب يصف هذا النشيد البديع الذي يختم اللحن التاسع: «ساعة تبدأ آية المسرة ~~تبدو يقف الأوركسترا فجأة ويسود المسرح سكون تام يخلع على مطلع النشيد معنى قدسيا ~~رهيبا، وذلك حق، فهذا النشيد إله وحده، ثم تهبط المسرة من السماء تحيط بها طمأنينة ~~الخلد فتسكن الآلام بريحها الناعم تجري إلى القلب جريان البرء في فؤاد المريض، ثم تسمو ~~بعد ذلك في صور من الجد المهيب رويدا رويدا حتى ms173 تملك المسرة النفس وتغزوها وتعلن فيها ~~حربا على الألم عوانا، ثم إذا الألحان تحرك في النفس جنود السرور تحسها فوق هذه الصحف ~~المرتعشة فكأنما ترى نبض بتهوفن القوي وشدة تنفسه وصيحاته الملهمة حين كان يجوب المزارع ~~ويضع لحنه وكأنما ملكته قوة الشياطين، وتعقب مسرة الحرب مسرة الروح مسرة بالإيمان، ثم ~~تجيش بالنفس مسرة مقدسة هي مسرة الحب، ثم ترى إنسانية مرتعشة تمد أذرعها للسماء صائحة ~~صيحات قوية مندفعة إلى المسرة تضمها إلى قلبها.» # هذه القوة العجيبة التي تبدو في أكثر ألحان بتهوفن والتي بدت في لحن المسرة مضاعفة، ~~جعلت كثيرين يذهبون إلى أن ملكه في الموسيقى يقف عند الضخم منها والأليم، قال هيبوليت ~~تين ردا على هذا وتحليلا لموسيقى بتهوفن عامة: «نعم إنه صاحب هذا الملك من أراض ~~جرداء تهب فيها الأعاصير وتعصف فيها العواصف بأصواتها الصاخبة القوية، وهذه المملكة لم ~~يتح لغيره من الموسيقيين أن يدخلها، لكنه يعيش كذلك في ملك آخر، فأفخر ما في الريف ~~الناضر وأكثره رواء وبهجة، وأعذب ما في الوديان الظليلة وأكثره ابتساما، وأشد ما في ~~ضياء الفجر أول مطلعه رقة وبكورة - هذا كله كذلك في ملكه، لكنه لا ينال من ذلك كله ما ~~يناله مطمئن النفس، بل تهز المسرة كل وجوده كما يهزه الألم! وشعوره باللذة بالغ غاية ~~القوة، فهو ليس سعيدا، ولكنه في بهر، فمثله مثل رجل قضى ليلة نابغية وخرج منها مضطربا ~~كليما متوقعا يوما شرا منها، فإذا به يرى فجأة مشهد صباح سعيد، إذ ذاك تضطرب يده ~~ويتنفس الصعداء من أعماق صدره وتعود كل قواه الجسمية المنحلة فتسترد سلطانها، ويصبح في ~~نهله من النعيم أشد اندفاعا مما كان حين استسلامه لليأس.» # ولما اطمأن له نشيد المسرة واطمأن هو إلى نجاحه فيه، هانت عليه أحزانه وآلامه وهان ~~عليه فقره وإن ظل يعاني من بأسائه شر ما يعانيه إنسان، ولعل لهذا الفقر صلة بتلك الثروة ~~التي كان أخواه يقتضيانها من الناشرين، فقد مات أحدهما تاركا من ورائه ولدا أحبه ~~بتهوفن بهذه القوة التي ms174 كان يندفع بها إلى كل شيء، وسار الفتى سيرة سيئة لم يصلح منها ~~حب عمه إياه ولا مداومته نصيحته، وكان هذا الفتى كثير الاستدانة، فكان بتهوفن في فرط ~~حبه له يعمل جهد طاقته لسداد ديونه، وسافر بتهوفن في خريف سنة 1826 يبحث عن وسيلة يوطد ~~بها مستقبل ابن أخيه هذا، فلما عاد في أواخر نوفمبر سنة 1826 أصابه برد أمرضه، ولم يكن ~~أحد من أصدقائه حاضرا ليعنى به، فكلف الفتى أن يبحث له عن طبيب، فنسي مدى يومين ثم جاء ~~الطبيب وعالج بتهوفن علاجا سيئا، وقد استطاع بقوة بنيته أن يقاوم المرض ثلاثة شهور ~~تباعا، لكنه ضعف بعدها ضعفا أضاع الأمل في شفائه، ولولا كرم بعض الإنجليز من أصدقائه ~~لقضى آخر أيامه في بؤس وشقوة ليس كمثلها بؤس ولا شقوة. # ثم جعل ينتظر في صبر وسكينة «ختام ~~المهزلة» حتى يوم 26 مارس سنة 1827، إذ عصفت عاصفة وهطلت ثلوج وأرعدت السماء وهاجت من ~~الطبيعة أصوات موسيقاها المهوبة المخيفة، وعلى موج هذه الأصوات طارت روح بتهوفن إلى ~~عالم الخلد، وكان عمر بتهوفن يومئذ ستا وخمسين سنة وثلاثة أشهر وتسعة أيام، فلما آن ~~لجثمانه أن ينقل إلى مقره الأخير شيعه ثلاثون ألفا ولبست فيينا عليه الحداد، ودفن في ~~مقبرة وارنج، وما يزال قبره إلى اليوم فيها وعليه هذا الكلمة الوحيدة الخالدة: ~~بتهوفن. # وكذلك قضى من كان يرى الموسيقى إلهاما أسمى من الحكمة ومن الفلسفة ويتمثل أفكاره في ~~عزف الآلات أكثر مما يتمثلها في ألفاظ الناس. وكذلك قضى «باكوس يستصفي للإنسانية الرحيق ~~العذب ويجلي عليها أقدس ما في الروح من جلال»، قضى ونقل إلى قبره حيث خط اسمه، لكن روحه ~~الماثل في ألحانه وأناشيده وعزفاته ما يزال باقيا ولن يزال، وهل الروح الخالد إلا ~~العمل يترك به صاحب في العالم أثرا خالدا؟! وهل أثر أخلد من موسيقى بتهوفن؟! أو هل ~~أكثر منها سحرا وقداسة؟! # واليوم يحتفل العالم بمرور مائة عام إجلالا لألحانه القدسية السامية، فيؤدي بعض دين ~~الشكر الواجب على العالم لكل من زاد ms175 حياته جمالا وفضلا وقوة. ~~(كتبت في 26 مارس سنة 1927 لمناسبة مرور مائة عام على وفاة بتهوفن). # | هوامش # | هبوليت أدولف تين # احتفلت فرنسا منذ أيام بمرور مائة عام على مولد الفيلسوف الكاتب الفرنسي الكبير ~~هبوليت أدولف تين، فقد ولد بفوزييه في الحادي والعشرين من أبريل سنة 1828 أي منذ مائة ~~سنة مضت، وإذا لم يكن قد مضى على موته إلا خمس وثلاثون سنة - إذ مات بباريس في الخامس ~~من مارس سنة 1893 - فإن الآثار التاريخية والأدبية والفلسفية التي خلفها تجعله حقيقا ~~منذ اليوم بأن يسجل في ثبت الخالدين، وتجعل حقا له وواجبا على وطنه فرنسا أن يشيد ~~بذكره بين من يشيد بذكرهم من عظماء تلك البلاد، بل إن هذه الآثار لتجعله حقيقا منذ ~~اليوم بأن يذكره العالم كله بين الرجال الذين كانوا قوة عاملة ذات أثر خالد في العالم، ~~نقله ونقل تفكيره خطوة جديدة وفتح أمامه من أسباب البحث سبلا إن يكن غيره قد ترسمها من ~~قبل فإن أحدا سواه لم يرسمها ولم يخططها بالقوة والدقة والمهارة التي رسمها وخططها بها ~~تين، ويكفي ليقدر القارئ مدى هذا الأثر العميق الذي تركه تين في تفكير العالم أن يسمع ~~من كثير، حتى من الذين تناولوا تين وتفكيره بالنقد، أنه كان أكبر أثرا في نشر الفلسفة ~~الواقعية (البوزتفزم) من صاحبها أوجست كومت نفسه، وإنه إلى جانب تثبيته قواعد هذه ~~الفلسفة الوضعية في ذهن أهل عصره والعصور التي خلفته قد فتح لها ميادين جديدة في الفن ~~وفي الأدب وفي الشعر وفي كل نشاط العقل الإنساني والنفس الإنسانية بما جعل للعلم الوضعي ~~وللفلسفة الوضعية من متانة الأركان ما لا يزال حتى اليوم وطيدا قويا غاية القوة برغم ~~موجات الروحية والتيوزوفية وغيرها مما سبق الحرب وشجعته الحرب، ومما لا يستطيع أن يقاوم ~~- حتى في ميادين الفلسفة البحتة - تيار العلم الجارف الذي يدل الناس كل يوم على أن ~~العلم إذا أخطأ في تقرير نتائج معينة لأن الاستقراء أو الملاحظة أو التجارب لم تكن ~~كاملة حين تقرير هذه ms176 النتائج، فالعلم وحده هو القدير على إصلاح هذا الخطأ من طريق ~~الاستقراء والملاحظة والتجارب وما يترتب على هذه من تبويب ينتهي إلى استنباط القوانين ~~العلمية الصحيحة التي يمكن أن تكون أساسا لارتكاز الفلسفة الواقعية الصحيحة. # رجل هذا أثره في التفكير الإنساني لا يمكن لوطنه إلا أن يعترف له بالمجد وأن يذكره ~~لكل مناسبة، ولا يمكن للعالم أن ينسى له فضله على التفكير الإنساني وتوجيهه فلسفته في ~~فترة خاصة من حياة هذا التفكير. # على أن لتين إلى جانب هذا الفضل العلمي العظيم فضلا آخر لا يقل عنه، بل يريد بعضهم ~~أن يذهب إلى أنه يفوقه، ذلك هو فضله ككاتب، فهذا الرجل الذي حاول ونجح في محاولته هدم ~~الفلسفة الكلامية التي كان الأستاذ فكتور كوزن عميدها في عصره، والذي حاول ونجح في أن ~~يقر إلى جانب التفكير الواقعي Postive # المذهب ~~الجبري ~~“determinisme” # وأن يطلق هذا المذهب على ~~الإنسان ويخضعه له بمقدار ما تخضع له الأفلاك والموجودات كلها، هذا الرجل كان صاحب ~~أسلوب في الكتابة له من البهر ما يسحرك كما تسحرك قطعة من الموسيقى أو لحن من الغناء، ~~حتى ليدعوك إلى أن تعود إلى قراءة الصفحة مرات، وحتى ليترك في ذاكرتك صحفا معينة تود ~~الوقت بعد الوقت أن تعود إلى قراءتها وترديدها بصوت عال لتسمع إلى ألحانها كما تسمع ~~إلى ألحان أوركسترا بتهوفن، وإني لأذكر الآن على ذكر اسم بتهوفن فصلا له في كتابه ~~(مذكرات عن باريس # Notes Sur Paris ~~)، فصلا عنوانه ~~(خلوة # Une tete à tete ~~) وصف فيه إيقاع ألحان بتهوفن ~~وصفا ما أزال ولن أزال ألذ لقراءته ولترديده لذتي سماع ألحان هذا الموسيقي في سمفونية ~~الريف التي أحبها ولا أشبع من سماعها، وليس هذا الفصل الذي ذكرت إلا واحدا من كثير من ~~الفصول ومن الكتب ومن المطولات التي كتبها تين والتي لا تفتأ ترد إلى الخاطر وتتردد في ~~خلايا الذاكرة كلما ذكر الإنسان النغم الحلو الساحر في تعبير الكتاب في أية لغة من ~~اللغات. # ولعل أروع ما كتبه تين في ms177 هذه الناحية الأدبية هو ما كتبه في الوصف والسياحة، فكتابه ~~الذي ذكرت لك عن باريس، وكتابه «مذكرات عن إنجلترا» وكتابه عن جبال البرانس، وكتابه عن ~~رحلته في إيطاليا، هذه كلها كتب بلغت فيها براعة الوصف مبلغا قل أن يجاريه فيه كاتب، ~~ولقد ذكرت لك هذه القطعة عن موسيقى بتهوفن، وأنت تعلم أن الكاتب إذ يكتب مثل هذه القطعة ~~إنما يعتمد على ذاكرته، وذاكرة السمع هي التي كانت تحرك قلم تين حين وصف الموسيقى، مع ~~ذلك فلم تكن ذاكرة السمع أقوى ذاكرات تين، بل لقد ذكر لنا هو نفسه في كتابه # De l’Intelligence # أن أقوى ذاكراته ذاكرة الألوان، ~~وأن المنظر الذي تقع عليه عينه تختزنه ذاكرته أكثر مما تختزن أية صورة تتصل بإحدى ~~الحواس الأخرى، فإذا كان ما ذكرت لك عن سونات بتهوفن هو بعض ما وعت ذاكرة السمع عند ~~تين، فلك أن تقدر بعد ذلك كيف كان وصفه لما وعته ذاكرة المرئيات وألوانها عنده، وكيف ~~استطاع بأسلوبه المتموج الزاهي الشديد الحركة والحياة أن يثبت الألوان المختلفة التي ~~اختزنتها ذاكرته في سياحاته الكثيرة. # وليس فضل تين مقصورا على فلسفته وعلى أدبه، فهو إلى جانب ذلك مؤرخ من أكبر المؤرخين ~~الفرنسيين، أقول المؤرخين الفرنسيين ولا أقول مؤرخي فرنسا؛ لأنه لم يقتصر على كتابة ~~تاريخ بلاده، وإذا كان كتابه «أصول فرنسا الحديثة» الواقع في اثني عشر جزءا هو من ~~أمهات كتب التاريخ الفرنسي، وكان يتناول عصر ما قبل الثورة كما يتناول عصر الثورة ~~والعصور التي بعدها، فإنه قد تناول إلى جانب هذا التاريخ بحوثا أخرى في التاريخ القديم ~~وفي التاريخ الحديث، وتناولها كما تناول كل مباحثه على طريقته الخاصة التي سنعرض فيما ~~بعدها لها، وتناولها بدقة في البحث وبدقة في العبارة وقوة في الأسلوب جعلت له كل هذه ~~المكانة التي كانت له في عصره، وكل هذا المجد الذي يشهد له به اليوم حتى ألد خصوم ~~نظرياته، ويكفي أن يطلع الإنسان على كتابه «تاريخ الآداب الإنجليزية» ليقدر مدى ما ~~لهذا الكاتب من سعة اطلاع ms178 ودقة بحث وعمق تفكير شهدت كلها له بأن قليلين من الإنجليز ~~أنفسهم هم الذين تناولوا بحث آداب لغتهم بهذه السعة والدقة والعمق، فأما مباحثه ~~التاريخية الأخرى، ومباحثه التي مزج فيها التاريخ بالأدب فتزيدك بهرا ودهشة، اقرأ «تيت ~~ليف» وعصره من عصور التاريخ الروماني، اقرأ «لافونتين وأقاصيصه»، اقرأ كتبه الثلاثة ~~«رسائل في النقد وفي التاريخ»، ثم سائل نفسك كيف كان يصنع هذا الرجل ليحيط بكل هذه ~~الأشياء خبرا؟ وكيف كان يصنع ليمحصها كل هذا التمحيص؟ كان يصنع ليكتب، وكيف كان يصنع ~~ليؤدي كل هذه الأعمال، وليؤديها بهذا الجمال وبهذه الدقة وبهذه القوة؟! # ورسائله في النقد والتاريخ قد جعلت منه نقادة معترفا بفضله وبسلطانه، وقد أقامت له ~~مذهبا في النقد يتسق مع مذهبه في الأدب وفي التاريخ وفي الفلسفة وفي كل ما تناول من ~~مباحث، وعندي أن مذهبه في النقد أقرب إلى الدقة من كل مذهب سواه، فهو أشد المذاهب ~~إمعانا في «الموضوعية»، هو إذا عرض لكتاب أو لمؤلف لم يعرض له من جهة تقديره الشخصي ~~للكتاب أو لصاحبه، ولكن بعد تحليل كل ما أحاط بالمؤلف ومؤلفه من ظروف، وبعد مقارنة هذا ~~المؤلف بكل ما يستطيع مقارنته به ممن عاصره ورمى إلى مثل غرضه، ولست أدرى إذ أقول إن ~~مذهبه أقرب إلى الدقة من كل مذهب سواه، أأنا متأثر بتقدير ذاتي أم بذكريات خاصة، فلقد ~~قرأت كتبه في النقد والتاريخ منذ أكثر من اثنتي عشرة سنة وتركت في نفسي من الأثر ما لم ~~تتركه كتب أناتل فرانس «الحياة الأدبية» وما لم تتركه كتب أستاذ النقد الكبير سنت بيف ~~نفسه، ولست أشك في أن كثيرين قد يتذوقون نقد جول لمتر أو فاجيه أو بورجيه أو بول سوداي ~~أكثر من تذوقهم نقد تين، وربما كان حكمي أنا أيضا يتغير لو أن الظروف التي أحاطت ~~بقراءتي تغيرت، لكني ما أزال أسير حتى اليوم حين أعرض لقراءة كتاب وحين أفكر في نقده - ~~ولو لنفسي ومن غير أي فكرة في الكتابة عنه - على الطريقة التي أحبتها نفسي ms179 منذ قراءة ~~كتب تين. # لتين إلى جانب هذه الميادين الكثيرة ميدان آخر لم يقتصر على التأليف فيه، بل كان فيه ~~- كما كان في بعض الميادين الأخرى - مدرسا أيضا، ذلك ميدان الفن الجميل، ولقد كان تين ~~موسيقيا، فلا عجب إذا هو تحدث أو كتب عن الفن الجميل، لكنك إذ تقرأ كتابه «فلسفة ~~الفن» تراه يحلل الفن وصوره وتماثيله بالطريقة عينها التي يحلل بها المسائل النفسية ~~والمسائل المادية ويخضع الصور والأنغام لقواعد الجبرية التي يخضع لها كل ما في الوجود ~~من سماوات وأفلاك وكائنات، أليست الفنون بعض ثمرات الإنسان، «والإنسان ثمرة وسطه» على ~~ما يقرر تين غير مرة وفي غير موضع؟ والوسط الذي يعيش فيه الإنسان ليس خاضعا له ولكنه ~~خاضع لعوامل طبيعية وتاريخية لا قبل له بها ولا سلطان له عليها، إذا فالفن ثمرة محتومة ~~لهذه العوامل، ويمكنك أن تفسره وأن تفهمه بشرح هذه العوامل، كما يمكنك ببسطها أن تفسر ~~وأن تفهم أي عمل من أعمال الإنسان. # ولكن ليس معنى أن «المرء ثمرة وسطه، أو بيئته إن شئت» أن الناس يتساوون فيما بينهم ~~كما يتساوى ثمر الشجرة الواحدة، بل إن ثمر الشجرة الواحدة لا يتساوى، فمنه الكبير ~~والصغير ومنه الصالح والفاسد، والناس كذلك منهم الصغير والكبير والصالح والفاسد، وأنت ~~تستطيع أن تعرف الفرق بين ثمر الشجرة بأن تشقه وأن تصل إلى دخيلته، فكيف تستطيع أن تصل ~~إلى دخيلة الرجل لترى مبلغ ما يختلف أولئك المتشابهون من ثمر الوسط الواحد تشابه ثمرات ~~الشجرة الواحدة واختلافها؟ الأمر هين يدلك عليه تين في مختلف من مواضع كتبه، ويدلك عليه ~~بنوع خاص في كتابه عن «الذكاء» ويفرد له مقدمة الطبعة الأخيرة من تاريخ الأدب الإنجليزي ~~التي طبعت سنة 1891. # فكل مظاهر الرجل وكل أعماله وكل مطامعه ومشاعره هي المسالك إلى دخيلة نفسه، فإذا أنت ~~أردت على هذه الطريقة نفسها أن تعرف تين حق المعرفة فيجب أن تعرف كل مظاهره وكل أعماله، ~~وكم كنا نود لو استطعنا القيام بهذا البحث في هذه العجالة القصيرة عن حياة ذلك ms180 الرجل ~~العظيم ، لكنا مع ذلك نكتفي بالقليل الذي أتاحت لنا الظروف أن نعرف عنه عن الكثير الذي ~~لا سبيل إلى معرفته غير الانقطاع لدراسة تين وحياته وكل كتبه دراسة ذاتية لا تتسنى إلا ~~لأستاذ في الفلسفة أو في الأدب الفرنسي، ولعلنا في هذا الاكتفاء بالقليل الذي نعرف لا ~~نغمط تين حقه، ثم لعلنا لا نعدو بعض مباحثه التاريخية في النقد، فأمامنا بعض الشيء عن ~~حياته، وأمامنا مؤلفاته الكثيرة، وهي صورة نفسه وخلاصة حياته، وأمامنا إلى جانب هذا ~~أسلوبه، والأسلوب - على ما قال تين - هو الإنسان. ~~••• # ولد هبوليت تين إذا بفوزييه بمقاطعة الأردن في فرنسا في 21 أبريل سنة 1828 من عائلة ~~رقيقة الحال، وكان لأبيه جان باتيسيت تين اتصال بالقضاء؛ لذلك استطاع تين أن يتلقى عليه ~~تعاليمه إلى جانب دراساته بمدرسة مسيو بيرسن الصغيرة حتى بلغ الحادية عشرة من عمره، وإذ ~~ذاك مرض أبوه فأرسل به في سنة 1839 إلى مدرسة دينية في (رتل) أقام بها ثمانية عشر شهرا ~~توفي أبوه خلالها تاركا ثروة بسيطة لأرملته وابنه وابنتيه، وبعد وفاة أبيه سافر إلى ~~باريس فالتحق بمعهد ماتيه، وكان تلاميذ هذا المعهد يدرسون بمدرسة بوربون # College Borbon ~~، وفيها ظهرت بوادر كفاياته ~~النادرة كما اتصل فيها بأصدقاء كان لهم أبلغ الأثر في مستقبل أيامه من أمثال ~~برفوبارادول، وبلانا، وكرنوليس، وفث وغيرهم. # ولقد امتاز تين لأول دخوله المدرسة بمقدرة على العمل مدهشة وبإكباب عليه لا يقل إثارة ~~للدهشة، فلقد كان يكتفي لرياضة نفسه بعشرين دقيقة يقضيها لعبا بعد العشاء وبساعة يلعب ~~في أثنائها الموسيقى بعد الغذاء، أما فيما سوى هذا وفيما سوى أوقات الطعام والنوم فكان ~~لا يصرفه عن العمل صارف، وكان لذلك كثير التحصيل كثير التعليق على ما يحصل كثير التفكير ~~فيه مما جعل له على أصدقائه جميعا نفوذا معترفا به منهم اعترافهم بفضله وبمقدرته في ~~الكتابة نظما ونثرا في اللغتين الفرنسية واللاتينية. # وبعد انتهاء دراساته الثانوية انتقل إلى مدرسة ~~المعلمين # L’Ecole Normale # وفيها ازداد إكبابه على الدرس فقرأ أفلاطون وأرسطو وآباء ms181 ~~الكنيسة كما استمر يدرس الإنجليزية التي أتقنها ليدرس آداب اللغة الإنجليزية، وإذا كان ~~تين قد ظهر تفوقه في أثناء دراساته الثانوية وفي أثناء مقامه بمدرسة المعلمين حتى لقد ~~كانت الجوائز الأولى كلها من نصيبه، فإن الروح العلمية المنطقية التي امتاز بها بعد ذلك ~~والتي وضع على قواعدها مذهبه في البحث، قد تبينت في أثناء وجوده في مدرسة المعلمين بنوع ~~خاص، فقد لاحظ عليه أساتذته جميعا مبالغته في دقة الحرص على المنطق والسلوك به مسلكا ~~رياضيا والوصول به دائما إلى قاعدة على نحو ما يصل الرياضيون في مسائل الحساب ~~والهندسة والجبر، أثبت أستاذه فاشرو في مذاكراته عن تين - وما يزال تين طالبا بمدرسة ~~المعلمين - ما يأتي: «أكثر تلميذ عرفت في المدرسة جدا ورقي نفس، علم مدهش بالنسبة ~~لسنه، تحمس وشره للعرفان لم أر له مثالا، ذهن يلفت النظر بسرعة التصور والدقة والمرونة ~~وقوة التفكير، لكنه يدرك ويتصور ويحكم ويقرر بغاية السرعة، مولع بالقواعد والتعاريف حتى ~~لكثيرا ما يضحي بالحقيقة من أجلها، ومع ذلك لا يظن أنه يضحي بالحقيقة لأنه كان مخلصا ~~لها أشد إخلاص، وسيكون تين أستاذا ممتازا، لكنه سيكون أكثر من ذلك وفوق ذلك عالما من ~~الطراز الأول إذا أتاحت له صحته الاشتغال بالعلم زمنا طويلا، ومع ما له من دماثة في ~~الخلق عظيمة ومن طباع غاية في الطيبة؛ فلذهنه قوة لا تلين حتى لن يستطيع أن يكون لأحد ~~على تفكيره أي تأثير، وهو على كل حال ليس من أهله هذا العالم، فسيكون شعاره شعار سبنوزا ~~(يعيش ليفكر) أما خلقه وأما طبيعته فيمتازان بمناعة لا يستهويه معهما إغراء.» # على أن هذا التفوق الذي كان للطالب تين لم يكن ليعترف الناس به من غير أن يجني على ~~صاحبه جنايته، ومتى كان تفوق رجل من الناس تفوقا عقليا ألا يجني عليه في نظر السلطان ~~والذين يمسكون بيدهم مصير الجماعات؟! صحيح أن هذا التفوق يقدر عند المخلصين والذين لا ~~مصلحة لهم في سؤدد آراء ومبادئ معينة، وهذا التقدير هو الذي يكفل انتصار الحق ms182 ولو بعد ~~حين، لكن تين الذي كان يقضي كل وقته قراءة وبحثا، والذي أوتي هبة النقد والتمحيص منذ ~~شبابه، والذي لا يستطيع أن يسلم بغير ما يعتقده الحق، تين هذا - وهو طالب - لم يكن ليقر ~~كثيرا من المبادئ الفلسفية التي كانت تدرس يومئذ وغايتها إما تأييد ناحية دينية تجعل ~~التفكير خاضعا للمبادئ المسيحية التي تريد للكنيسة أن تسود، أو تأييد ناحية علمية خاصة ~~هي ناحية المنطق المطلق، أو المنطق المجرد مما كان يدرسه كوزن وغير كوزن من فلاسفة ذلك ~~العصر، وقد خرج تين - وما زال طالبا - على هاتين الطريقتين من طرائق التفكير، ورأى ~~فيهما وسائل غير صالحة للكشف عما في العالم من حقيقة، ووضع تين - وما يزال طالبا - ~~قواعد تفكيره هو، هذه القواعد التي سار عليها في مستقبل أيامه مجاهدا لإكمالها ما ~~استطاع، ولكن من غير أن يرى في كل دراساته وبحوثه ما يطعن عليها أو ينقضها، وإذا فهو ~~ثائر على التعاليم المقررة، وإذا فيجب ألا ينجح في إجازة الفلسفة التي تقدم لها مع ~~زميليه أوبيه وسوكو في سنة 1851، وليكن عدم نجاحه هذا وهو المشهود له بالفضل والتفوق ~~عزاء لغيره من الذين تقدموا للإجازة نفسها فرسبوا وهم دونه تفوقا وفضلا. # ولم يغير عدم نجاحه في إجازة الفلسفة من رأيه ولا من عزمه، واستمر في عمله وبحوثه وإن ~~اشتغل بالتدريس في المدارس المختلفة أن عينه وزير المعارف مدرسا بمدرسة (نفير) في ~~مفتتح عام 1851 الدراسي، لكنه لم يبق في هذه المدرسة إلا شهورا نقل بعدها إلى مدرسة ~~دونها في الدرجة، ذلك أن اضطرابا سياسيا وقع في فرنسا واتهم المعلمون بأنهم سببه ~~وطلب إليهم أن يعتذروا وأن يشكروا رئيس الجمهورية على التعديلات التي أدخلها على ~~نظام الحكم، فكان تين هو الوحيد الذي رفض الاعتذار والشكر، وعلى ذلك أنذر ونقل إلى ~~بواتييه ومنها نقل مساعد مدرس إلى بزانسون سبتمبر سنة 1852. # ومع تنقلاته الكثيرة وعدم رضا السلطات عنه فإن نشاط تين لم يفتر ودراساته وتحصيله لم ~~يهنا وإيمانه بمذهبه في البحث لم يضطرب، فقد ms183 وضع رسالة عن المشاعر # Les Sansations # أو رسالة لاتينية تقدم بها إلى ~~السوربون لنيل إجازة الفلسفة، ولما كانت هذه الإجازة قد ألغيت فقد أراد أن ينال بهما ~~إجازة الآداب # Agregation-es-lettres # لكن طريقته في ~~التفكير جنت عليه هذه المرة كذلك فلم تقبل رسالته، فوضع رسالة أخرى عن لافونتين هي التي ~~نال بها دكتوراه الآداب في 30 مايو سنة 1853. # ومن بعد حصوله على الدكتوراه عرضت الأكاديمية الفرنسية موضوعا لجائزة تمنح في سنة ~~1855 رسالة تكتب عن تيت ليف الكاتب والمؤرخ الروماني الكبير، فتقدم لها تين وكتب فيها ~~رسالة كانت هي الأولى بين كل الرسائل التي قدمت. # بعد هذه المجهودات المضنية ست سنوات تباعا شعر تين بالحاجة حاجة ماسة مطلقة إلى ~~الراحة ونصح له بأن يذهب إلى جبال البرانس، وطلب إليه الناشر هاشت أن يكتب له دليلا ~~عنها فوضع كتابه «سياحة في البرانس» وصف فيه هذه الطبيعة الجميلة العجيبة وعادات أهلها ~~وقصصهم وصفا دقيقا، ناقدا ما رأى موضعا لنقده مازجا ذلك كله بفلسفته، متبعا حتى ~~في هذا الكتاب طريقته الجديدة التي جنت عليه من قبل. # ما هي هذه الطريقة الجديدة؟ وكيف يمكن أن تجني على كاتب في عصر كالعصر الذي عاش فيه ~~تين والذي تقررت فيه حرية الرأي والنشر على أنها مكفولة مقدسة؟! # أما طريقة تين في رسائله التي تقدم بها للامتحانات وفي كتاب تيت ليف وفي غير ذلك من ~~الكتب التي ظهرت والتي ستظهر حتى آخر أيام حياته، فتقوم على فكرة أساسية هي تطبيق ~~الطريقة الواقعية - أو الوضعية - التي قررها أوجست كومت على الأحياء بنفس الدقة التي ~~تطبق بها على غير الأحياء، وتطبيقها على الإنسان وعلى النفس والروح بنفس الدقة التي ~~تطبق بها على الأحياء الأخرى غير الإنسان وعلى غير الأحياء، فكما أن طريقة البحث العلمي ~~في شأن غير الأحياء هي الملاحظة والتجربة واستنباط القوانين على قواعد هذه الملاحظة ~~والتجربة، فيجب اتباع هذه الطريقة بعينها في شأن الحيوان والإنسان على السواء. # وأنت لكي تدرس غير الأحياء فأنت تحلل الشيء، وأنت ترجعه إلى ms184 نظائره وأشباهه، وأنت ~~تلاحظ تأثره بالبيئة المحيطة به وتأثيره فيها ثم تستنبط القوانين الخاصة به بعد إذ تنظم ~~ملاحظاتك وتجاريبك وتبوبها وترتبها، ثم أنت تعمد لتقف على حياة الحيوان إلى تأثره عن ~~طريق حواسه بالأشياء المحيطة به، كما أنك إذا أردت أن تعرف تاريخه عمدت إلى ما قد يكون ~~باقيا في الأحجار من آثاره، هذا فضلا عن التجائك في تجاريبك عليه إلى كل الوسائل ~~المختلفة التي يلجأ إليها الكيميائيون والأطباء وغيرهم في معاملهم. # ذلك كذلك يجب أن يكون شأنك مع الإنسان، يجب ألا ترى فيه عالما مستقلا وسط هذا ~~العالم الذي تعيش فيه، إنما هو جزء من هذا العالم خاضع لقوانينه وأحكامه متأثر به مؤثر ~~فيه تجري عليه السنن التي تجري على غيره من الخلائق، فإذا أردت أن تبحث في أي شأن من ~~الشئون يتعلق به وجب عليك أن تلجأ إلى الطرائق العلمية التي تلجأ إليها في الظروف ~~الأخرى، وأن ترى في أعماله ومشاعره وإحساسه وتصوراته وسائل الوصول إلى دخيلة نفسه، هذه ~~دون سواها هي الطريقة الأكيدة التي تصل بك إلى شيء يقرب من الحقيقة، وهذه يجب أن تكون ~~أساس البسيكولوجيا وأساس التاريخ وأساس الاجتماع وأساس العلوم المتصلة بالإنسان جميعا، ~~فأما الطريقة التي تقيم هذه العلوم على قواعد المنطق المجردة التي تجعل من استجمام ~~الشخص في طوايا نفسه وسيلة رسمه للعالم ما يستلهمه من صورته، فليست من الطرائق العلمية ~~في شيء ولا يمكن الاعتماد عليها إذا نحن أردنا أن نقيم علما إنسانيا أو فلسفة ~~إنسانية على قواعد علمية صحيحة. # هذه هي الطريقة الجديدة التي امتاز بها تين والتي جنت عليه في كثير، وهي قد أصبحت ~~اليوم قديمة وقد أصبح يرد عليها نقد كثير أساسه ما فيها من تطرف وغلو، ولكنها كانت ~~جديدة يوم نادى بها تين، وكانت عمادا قويا للمذهب المادي، فهي لا تقر للروح ولا ~~للنفس ولا لأمثال هذه الألفاظ بمدلولات مستقلة قائمة بذاتها بعيدة عن مادة الجسم، بل هي ~~ترى كل ما في الجسم بعض مادته كما أن ms185 ما في أي موجود من الموجودات بعض مادة هذا ~~الموجود، وإذا كانت هذه المادة ذات إرادة وذات خلق وذات تصور وتفكير، فإن هذه المظاهر ~~ليست إلا صور القوة الكمينة في المادة، أو إن شئت التعبير الدقيق، فهي بعض صور المادة ~~متحولة إلى قوة؛ لأن المادة والقوة شيء واحد بدليل تحول كل منهما إلى الآخر حين تفاعله ~~مع غيره من القوى أو المواد، وما دام ذلك هو الشأن وكانت القوة والمادة تخضعان لقوانين ~~ثابتة لن تجد لها تبديلا، فمن الخلط الذي لا يبرره مبرر أن تختلف طريقة البحث في ~~الإنسان عنها في غير الإنسان، ومن الخطأ المبني على العقائد الرائجة انتهاج سبيل في بحث ~~شئون النفس غير السبيل العلمية المقررة في سائر الشئون. # كانت هذه الطريقة جديدة يوم نادى بها تين، لكنه نادى بها منذ كتبه الأولى على صورة ~~واضحة وبأسلوب قوي لفتا الأنظار له، وبخاصة أنظار مفكري ذلك العصر ومن كانت بيدهم ~~مقاليد الجماعة في التفكير وفي الحكم، وإذا التفتت أنظار هؤلاء فلا تفكر في حرية مكفولة ~~ولا في حرية مقدسة، إنهم - إن كانوا مخلصين حقا - يعتبرون أنفسهم حماة الجمعية ~~ونظامها، ويرون في محاربة الأفكار التي تخالف أفكارهم محافظة على هذا النظام، وكثيرون ~~منهم يشعرون - وإن لم يقولوا - بأن المحافظة على نظام الجماعة جديرة بأن تهدر من أجلها ~~كل حرية؛ لأن الحرية لا توجد إلا حيث يوجد النظام. # ونشر كتابه «سياحة في البرانس»، وصف فيه هذه الجبال الفاصلة بين فرنسا وإسبانيا ~~وأخلاق أهلها وطبق في وصفه وفي تحليله نظرياته التي أشرنا إليها، على أنه لم يكتف من ~~سياحته بالرياضة وبوضع هذا الكتاب، بل هو ظل يستمع لقارئ استصحبه في جولاته وظل يفكر ~~فيما يسمع ويعلق عليه، أليس شعاره أنه يعيش ليفكر، فإذا هو كان في رياضة قضت بها صحته، ~~أو هو كان في مكتبه، فليس أمامه ما يمنعه عن التفكير كما أنه ليس أمامه ما يمنعه عن ~~التنفس، ولقد كان فكره بحاجة إلى العمل حاجة رئتيه إلى الهواء، حتى لقد ms186 يخيل إلى من ~~يقرأ تاريخ حياته أن هذه الحياة تتعرض للخطر إذا هو انقطع عن التفكير العلمي الجدي ~~يوما من الأيام. # ولقد أفاد من سياحاته في البرانس لصحته، وأفاد من قراءته وتفكيره وأفاد شيئا جديدا ~~لم يكن له من قبل به عهد، ذلك اتصاله بالحياة الخارجية ولو اتصالا محدودا، فلقد عاش ~~منذ أيام تلمذته وليس يعرف غير كتبه ومكتبته وغير البيانو يوقع عليه الألحان التي يحبها ~~والتي يجد فيها سلوة عن كل تعبه، وكان من أثر ذلك عليه أن جعله - على ما قال فاشرو - ~~يدرك ويتصور ويحكم ويقرر بغاية السرعة، ويولع بالقواعد والتعاريف حتى لكثيرا ما يضحي ~~بالحقيقة من أجلها، أليس ما في الكتب منطقا مجردا؟! أوليست كتب ذلك العصر - حتى كتب ~~الفلاسفة الواقعيين - قليلة التحليل للوقائع الصغيرة؟! فلتين عذره إذا هو سارع إلى ~~تقرير النتائج ووضع التعاريف والقواعد ما دام يسير على الطريقة التي رسمها لنفسه على ~~أنها سبيل الحقيقة، وما دام لم يتصل بالعالم الخارجي اتصالا يجعله أكثر ميلا لتحليل ~~الحوادث الصغرى واستقرائها وترتيب النتائج عليها، فلما أتاحت له زيارة البرانس الاتصال ~~بالحياة أتاحت له مع هذا الاتصال شيئا من التؤدة في منطقه الرياضي السريع وجعلته أكثر ~~عناية باستيعاب أكثر ما يستطيع استيعابه من الوقائع الصالحة لإقامة ما يريد أن يقيمه ~~عليها من نظريات وقواعد. # وعاد من البرانس فعاش مع أمه في جزيرة (سان لوي) ثم اختلط من جديد بأصدقائه بلانا ~~وبريفو برادول وأبو وتعرف إلى رينان، ومن طريقه عرف سانت بيف وجدد علاقاته مع مسيو ~~هافيه الذي كان أستاذا بمدرسة المعلمين مدى ثلاثة أشهر، وكما عاد إلى أصدقائه عاد إلى ~~جده وإنتاجه حتى لتعتبر السنتان 1855 و1856 من أكثر حسنى حياته نشاطا وأغناها إنتاجا، ~~فلقد نشر عشرات المقالات في مجلة ( # L’Instruction Pubique ~~) كما نشر مقالا في مجلة «العالمين»، وفي سنة 1857 بدأ ~~يكاتب جريدة «الديبا» واستمر بعد ذلك على مكاتبتها طويلا. # والذي يقرأ كتبه الثلاثة «رسائل في النقد وفي التاريخ» وكتابه «الفلاسفة الإنشائيون ~~في القرن التاسع عشر» ms187 يرى اتجاه مجهوده العقلي في تلك السنوات الخصبة من حياته، ويرى ~~مبلغ هذا المجهود الضخم الذي تناول بحث اليونانيين القدماء وكتاب فرنسا وفلاسفتها ~~وكتاب إنجلترا ومفكريها، وتناول ذلك في دقة وإحاطة قل نظيرهما، وماذا تريد أن تكون ~~الدقة والإحاطة أكثر من أن يعرض تين أمام نظرك فكرة كل كاتب وفلسفته وأسلوبه، وأن يحلل ~~ذلك وأن يرده للبيئة وللجنس اللذين نشأ الكاتب فيهما، وأن يدلك على ما يراه النقاد غيره ~~وما يراه هو في الكاتب وفكرته من قوة وضعف وكمال ونقص ودقة في بلوغ الغاية التي قصد ~~إليها الكاتب أو اضطراب في نهج السبيل إلى تلك الغاية، وهذه هي طريقته التي سار عليها ~~منذ تلك الأيام في النقد، وهي الطريقة العلمية الصريحة التي لا تعرف المواربة ولا ~~المداجاة، ولا تعرف مذاهب الشك والتردد، والتي تقفك من كل كاتب ومن كل موضوع على خلاصة ~~الموضوع وعلى صورة واضحة من الكاتب على نحو ما رآه تين. # وقد طبع تين مباحثه عن الفلاسفة الإنشائيين ونشرها في أوائل سنة 1857، أي في التاسعة ~~والعشرين من عمره، ومع أنه إلى ما قبل ذلك التاريخ قد لقي من رجال الجامعة ومن وزارة ~~المعارف عنتا، فإن رسائله المختلفة التي نشرت لم تثر من النقد إلا ما كتبه أصدقاؤه عن ~~سياحة البرانس وما كتبه الأستاذ الكبير جيزو عن تيت ليف، لكنه ما لبث أن نشر «الفلاسفة ~~الإنشائيون في القرن التاسع عشر» حتى تكلم عنه كثير من كبار نقاد عصره أمثال سانت بيف ~~وشرر ويلانش وغيرهم مما زاد في ذيوع رفعته ككاتب وكمفكر وكفيلسوف مجدد في الطريقة وفي ~~الأسلوب. # ولم يكن عجبا أن ينال هذا الكتاب من كتب تين تلك المكانة، فهو قد قصد به إلى هدم ~~الفلسفة الكلامية التي كان يدرسها ويقررها في ذلك الوقت لارمجييه ومين دبيران والمسيو ~~فكتور كوزان، وكان فكتور كوزان صاحب مقام كبير في ذلك الظرف، وكان القائم بتدريس ~~الفلسفة في كلية فرنسا، وكان درسه مقصد المئات من المستمعين؛ لذلك كانت حملة تين عليه ~~أشد من ms188 حملته على صاحبيه، فكان يقول عنه إنه بحاثة غير فيلسوف، وكان يرى في هذه الفلسفة ~~الكلامية أو الإنشائية شذوذا معيبا على قواعد العلم التي تقررت منذ أوائل ذلك القرن، ~~وعودة إلى قواعد قديمة عقيمة تخلط بين طريقة ديكارت التي تبدأ بالشك، والنظريات ~~الألمانية التجريدية الصرفة، وهو قد سلك في هدمه لتلك النظريات مسلكا جمع بين المنطق ~~الدقيق الذي امتاز به وبين التهكم بتلك الطرائق العتيقة البالية من طرق البحث عن ~~الحقيقة تهكما ظهرت فيه مقدرة تين ككاتب إلى جانب تفوقه كمفكر وكفيلسوف، ثم هو قد أيد ~~ما قررته مباحث عصره الحديثة مما جاء به أوجست كومت وداروين وغيرهما من الذين وضعوا ~~قواعد العلم الواقعي وأسس نظريات التطور، ثم هو قد أضاف إلى ذلك نظريته الخاصة بتطبيق ~~هذه القواعد تطبيقا لا هوادة فيه على الإنسان كتطبيقه على غير الإنسان وعلى الجماد، ~~وإذا كانت هذه النظرية قد لقيت في بادئ الأمر شيئا من معارضة الهيئات الجامعية، فإن ~~المباحث العالية التي نشرها تين مشبعة بها والمقام الذي كان يرتفع إليه يوما بعد يوم ~~وعاما بعد عام، جعل نجاح كتابه عن الفلاسفة الإنشائيين نجاحا حاسما ودعا الكثيرين ~~إلى أن يعيدوا النظر فيما يقرره هؤلاء الفلاسفة من قواعد، وجعل ما وجهه كارو وغيره إلى ~~تين وإلى رينان من نقد أساسه رميهم بالإلحاد، لا يلقى من المفكرين والعقلاء وذوي الرأي ~~أي التفات له بأكثر من الإشفاق على كاتبيه والرثاء لحالهم. # وكما جمع مقالاته عن الفلاسفة في كتابه هذا فقد جمع رسائله في النقد وأظهر الجزء ~~الأول من «رسائل في النقد وفي التاريخ» سنة 1858، على أن كتابة هذه الرسائل وجمعها ~~ونشرها لم يشغله عن متابعة بحوث تاريخية في الأدب الإنجليزي شغف بها منذ أيامه الأولى ~~وشغل بها منذ مطالعاته بعد ترك مدرسة المعلمين، ولقد نشر الأجزاء الأولى حتى بيرون في ~~سنة 1861 واستمر يكمل هذا الكتاب الذي يعتبر ككتابه عن (الذكاء) وكتاب (أصول فرنسا ~~الحديثة) أما من أمهات كتب تين وأثرا باقيا من آثار تفكيره، وقد أتم ms189 هذا الكتاب ~~ونشره كاملا في سنة 1863 ووضع له المقدمة التي أشرنا من قبل إليها، والتي حلل فيها صلة ~~الإنسان بالبيئة وبالجنس وبالعصر الذي يولد فيه تحليلا انتهى منه إلى أن المرء ثمرة ~~هذه العوامل الثلاثة، وإنك إذا استطعت أن تعرف كل الدقائق المحيطة بهذه العوامل الثلاثة ~~استطعت أن تضع للإنسانية من القوانين الثابتة ما لا سبيل إلى تبديله إلا أن يكون لتبديل ~~سنن الكون العامة سبيل. # والحقيقة أن هذا الكتاب الذي وضعه تين عن آداب اللغة الإنجليزية قد أضاف إلى مجده ~~كفيلسوف وكمؤرخ مجده ككاتب، ولئن كانت رسالته عن «سياحة في جبال البرانس» قد دلت من ذلك ~~على شيء كثير، فإن وصفه للعصور المختلفة التي مرت بها إنجلترا وأثرت في أدبها قد دل على ~~خصب في الخيال لا يقل عما كان لتين من دقة في المنطق، وأنت تقرأ صحف هذا الكتاب ~~المتتالية فتنتقل من تحليل نفساني دقيق لكاتب من الكتاب أو شاعر من الشعراء أو عصر من ~~العصور، إلى وصف جمع بين الدقة المنطقية والخيال الشعري لحياة ذلك الكاتب أو الشاعر ~~ولحياة جماعة أهل ذلك العصر، وهذا التداول بين دقة المنطق وخصب الخيال هو الذي طوع ~~لكثيرين من نقاد تين أن يقولوا عنه إنه منطيق شاعر أو خيالي فيلسوف، وربما وجدت لهذا ~~النقد في بعض كتب تين مسوغا، لكنك تقع دائما على ما يدلك على أن تين كان يشعر تمام ~~الشعور بهذا التداول، وكان يحرص على ألا يجني أحد جانبي نفسه على الجانب الآخر، فما يقع ~~تحت قلمه عبارات تتردد آنا بعد آن يذكر فيها أنه جاوز الحد مضطرا في استعمال المجاز ~~وفي الالتجاء إلى الخيال ويعود بعدها إلى منطقه المحكم وتحليله الدقيق، فيشرح البيئة ~~الطبيعية والعصر ومميزاته والجنس وخصائصه، ويطبق ما يستنتج من ذلك كله على الكتاب ~~والشعراء الذين يحللهم ويرسم بذلك صورة مضبوطة من هذا الأدب الإنجليزي الذي استغرق ~~تاريخه أربعة أجزاء من كتب تين. # وكان تين قد رشح نفسه سنة 1862 ليقوم بتدريس الأدب في مدرسة ms190 الهندسة، لكن مسيو دي ~~لموني انتخب بدلا منه، على أن وزير الحربية عينه في مارس في السنة التالية ممتحنا في ~~التاريخ واللغة الألمانية بمدرسة سان سير الحربية، وفي سنة 1864 شغل مقعد تدريس تاريخ ~~الفن والجمال في كلية الفنون الجميلة، فكان تعاقبه في وظائف الدولة سببا لإثارة الخوف ~~في نفس رجال الدين مما دفع المونسنيير لوبانلو ليكتب منشورا يوجه به إلى الشبيبة وإلى ~~الآباء يطعن فيه طعنا جارحا على تين ورينان وليتري ويشهر فيه بنزعاتهم الإلحادية ~~مما كاد يودي بمركز تين لولا تدخل البرنسيس ماتيلدا لحمايته. # وفي سنة 1864 وجه بكتبه إلى الأكاديمية ليحصل على جائزة بوردان، فانبرى له مونسنيير ~~لوبانلو من جديد واشترك معه آخرون ليحولوا بينه وبين الجائزة، على أن مسيو جيزو دافع ~~عنه بكل إخلاص واستمرت المناقشة أمام الأكاديمية فيمن يستحق الجائزة ثلاثة أيام متتالية ~~استقر الرأي بعدها على أن الجائزة لا تمنح لأحد ما دامت لا تمنح لتين، ومن ذلك التاريخ ~~فتر اهتمام تين بالأكاديمية وتعضيدها أو عدم تعضيدها له. # على أن هذه الخصومات المتتابعة وهذا التجني على ذلك الكاتب الفيلسوف الكبير لم يحل ~~دون حصوله على وسام اللجيون دونير في سنة 1866 وعلى شهادة # E.C.L. # من جامعة أكسفورد بعد محاضرات ألقاها بها عن ~~راسين وكورني في سنة 1871. # ومنذ عين تين أستاذا لتاريخ الفن والجمال في كلية الفنون الجميلة اتسع له زمن البحث ~~وميدانه ووجد من الوقت ما يسمح له بالسفر إلى بلاد مختلفة وبخاصة في إيطاليا مهد الفن ~~ومنبت أجمل ما أبدع المثالون والمصورون من آثار. # على الطريقة التي كتب بها تاريخ آداب اللغة الإنجليزية كتب في سنة 1865 كتابه فلسفة ~~الفن وفي سنة 1867 نشر رسائل عن المثل الأعلى في الفن أتبعها بمقالات عن فلسفة الفن ~~الفلمنكي والفن اليوناني ضمت كلها بعد ذلك إلى كتاب فلسفة الفن. # كتب هذا الكتاب على طريقته في كتاب آداب اللغة الإنجليزية، فإلى جانب وصفه الممتع ~~للآثار الفنية المختلفة ترى نظريته الثابتة التي تخضع الفن كما تخضع كل مظاهر ms191 الحياة ~~الإنسانية - وكما تخضع الإنسان نفسه - إلى الطريقة العلمية في البحث، طريقة التحليل ~~والمقارنة والاستنباط وإرجاع كل أثر من هذه الآثار إلى البيئة والجنس والعصر التي نشأ ~~فيها صاحب الأثر، وهذا في نظره هو السبب الأساسي لاختلاف كل مدرسة من مدارس الفن عن ~~سواها، فالفن الإيطالي غير الفن الفرنسي وغير الفن الفلمنكي وغير الفن الإنجليزي؛ لأن ~~البيئة الإيطالية تختلف عن كل واحدة من هذه البيئات الأخرى، وإن أمكن أن يوجد شيء من ~~الشبه بين منتجات هذه المدارس المختلفة إذا هي كانت معاصرة بعضها لبعض لما في هذه ~~المعاصرة نفسها من داع لوجود مشابهة قليلة أو كثيرة في التفكير والتصور والنظر بين ~~الفنون المختلفة، وذلك هو سبب الاختلاف بين المذاهب المختلفة في الأمة الواحدة إذا هي ~~اختلفت عصورها، وإن كان في اتفاق البيئة والجنس ما يبعث إليها شبها قويا يصل بينها ~~في الروح والحياة. # وفي أوائل سنة 1870 نشر كتابا ثانيا من أمهات كتبه، ذلك كتابه «في الذكاء»، ولقد ~~ذكر هو في مقدمة هذا الكتاب أنه ثمرة بحث وتفكير عشرين سنة كاملة، والواقع أن بين هذا ~~الكتاب وبين رسالة «المشاعر» التي قدمها ليحوز بها جائزة الفلسفة في سنة 1851 صلة كبرى، ~~ذلك بأنه يرد الذكاء في الإنسان إلى إحساسه ومشاعره، وأن كل حس يؤثر بمحسوساته في مراكز ~~الذكاء في الإنسان تأثيرا هو صاحب الأثر الأكبر في تكوين هذا الذكاء، وفي هذا الكتاب ~~أيضا شرح تين نظرياته، بل لعله في هذا الكتاب وحده قد قرر هذه النظريات على صورة كاملة ~~ظهر فيها مذهبه الجبري بكل قوته ووضوحه. # ظهر لتين كثير غير الكتب التي ذكرنا منها كتابه (مذكرات عن إنجلترا) وكتابه الآخر ~~(مذكرات عن باريس)، وإذا هو كان في الكتاب الأول كاتبا ومحللا على طريقته فهو قد ~~امتاز في الكتاب الثاني بالنكتة المقذعة وبرقة في العبارة مع دقة في الملاحظة ومرارة في ~~التهكم بالناس وبالحياة جعلت كثيرين يتمنون لو أنه وجه نصيبا كبيرا من عنايته إلى هذا ~~النوع من الكتابة. # وتزوج تين في ms192 سنة 1868 فلم يغير زواجه شيئا من حياة الجد والعمل التي كان يحياها، ~~على أنه منذ سنة 1870، وعلى أثر الحرب الفرنسية الألمانية، حز في نفسه ألم هزيمة بلاده ~~وتوجه بكله يريد أن يقف على أسباب ضعفها، وكان هذا هو الدافع له إلى وضع كتابه الأكبر ~~(أصول فرنسا الحديثة) الذي عمل فيه منذ سنة 1870 إلى أن مات في 1893 والذي اضطر من أجله ~~أن يتخلى عن مهنة التدريس منذ سنة 1884 لينقطع له انقطاعا تاما، ويبدأ هذا الكتاب ~~بجزأين عن العصر القديم، أي العصر السابق لما قبل الثورة الفرنسية، أما تاريخ الثورة ~~فيتناول ستة أجزاء، ويتناول التاريخ الحديث ثلاثة أجزاء يعقبها جزء واحد وضعه تين كفهرس ~~للكتاب كله، ولقد كان في عزمه أن يضع - في الجزء الذي لم يمهله القدر ليتمه - الصورة ~~الصالحة لنظام العائلة ونظام الجمعية في فرنسا كما يريد العلم لهذا النظام أن يكون، ~~لكنه توفي في الخامس من شهر مارس سنة 1893 وما يزال في الخامسة والستين من عمره. # وكتابه «أصول فرنسا الحديثة» هو عمله الخالد على التاريخ، ولقد سار فيه على نفس ~~الطريقة التي سار عليها في سائر كتبه، وإن يكن الدافع الذي دفعه لكتابته، ألا وهو حب ~~وطنه حبا أذكته هزيمة حرب السبعين وزادته ضراما، قد جعله في كثير من الأحيان يناصر ~~حزبا على حزب وطائفة على طائفة من الأحزاب والطوائف المختلفة التي حكمت فرنسا منذ ذلك ~~العصر القديم الذي كتب هو عنه. # وهو على كراهيته للاستبداد في كل مظاهره وعلى تقديسه للحرية في مختلف صورها، لم يكن ~~يؤمن بالديمقراطية ولا بالمساواة المطلقة التي تترتب عليها، بل كان يحسب فيها هي أيضا ~~لونا من استبداد الجماهير الحمقاء بحكم البلاد لا تقل سوءا عن استبداد الملوك الظلمة ~~الغاشمين، فكلا الاستبدادين قائم على الشهوة العمياء التي تبتغي المصالح الذاتية في شره ~~وسخف والتي لا تفهم المعاني العليا التي يتطلع إليها العلم ولا السنن الثابتة والتي ~~تستنبطها الفلسفة القائمة على هذا العلم. # ويذكر كثيرون أنه كان في هذا ms193 كما كان في فلسفته متأثرا بالفلسفة الإنجليزية وبالحياة ~~السياسية الإنجليزية، ولعله كان يميل إلى شيء من الإرستقراطية بطبيعة تفكيره، ولذلك كان ~~كتاب عصره جميعا إنما يذكرونه باسم (مسيو تين)، وذلك امتياز لم يعرف إلا له ولاثنين أو ~~ثلاثة من كبار الكتاب معه، وربما كان صدقا ما يقوله مسيو هريو وزير معارف فرنسا في ~~خطابه عن تين من أنه لو كان إنجليزيا وعاش في إنجلترا لكان حتما أن يلقب وأن يكون ~~(السير هيبوليت)، وهذه النزعة هي التي أدت به ليكتب رسالة مطولة عن الانتخاب المباشر ~~يطعن فيها مر الطعن على هذا النظام، ويرى من السخرية أمر السخرية أن يتساوى في الرأي ~~عن طريقة حكم البلاد ماسح الأحذية وعميدو الكليات ومديرو الجامعات، كما يرى حماقة أن ~~يحكم نصف الأمة زائدا واحدا نصفها الآخر ناقصا واحدا، أو أن يحكم سوادها الطائش ~~المخدوع بترهات المغررين والمضللين صفوة أبنائها وخلاصة ذوي الرأي والعلم فيها حكما ~~أقل أثره أن يبعث التقزز إلى نفوس الصفوة ويضعف من حب كثير منهم للعمل ويضيع بذلك ~~جهودا أقلها خير ألف مرة من جهود السواد وقادته. ~~••• # وعاش تين ومات ومنطقه منطقه ورأيه لم يتغير، وكأنما كان مصداقا حيا لهذه الكلمة: ~~«النبوغ فكرة في الصبا تنفذ في الرجولة»، فمنذ كان تين في مدرسة المعلمين إلى أن مات، ~~كانت غايته في الحياة واحدة وطريقته إلى هذه الغاية واحدة، كانت غايته الحقيقة وكانت ~~طريقه إلى الحقيقة العلم، حقيقة لا هوادة فيها وعلم كذلك لا هوادة فيه، ولهذا كان ~~جديرا حقا بالخلود، وإذا كان كثير من نظرياته قد نقض بعد حياته، فهو في ذلك ليس إلا ~~إنسانا عظيما، هو قد خطا بالعالم في عصره الخطوة التي كان يجب أن يخطوها العالم، ~~فكأنما كان رسولا لتمام هذه الخطوة، أما وقد أتم رسالته وآن للعالم أن يخطو خطوة أخرى، ~~فإن ذلك لن يغض من فضله ولن يغمطه شيئا من حقه، بل هو على العكس من ذلك يزيدنا قدرا ~~له وإعجابا به، وكفى أن يسأل إنسان نفسه: ماذا ms194 يكون العلم وماذا تكون الفلسفة لو أن ~~تين لم يوجد؟ ولن يستطيع إنسان أن يجيب على هذا إلا بالاعتراف لتين بفضل عظيم، وهذا ~~الفضل هو الذي جعل فرنسا تحتفل بعيده، وجعل الفرنسيين يفكرون في إقامة تمثال له في ~~باريس وتمثال آخر نصفي في مدرسة المعلمين. # | وليم شكسبير # ما حاجة شكسبير إلى أحجار فوق أحجار يقيمها الناس مدى قرن كامل لتأوي إليها ~~رفاته المجيدة؟ ما حاجته أن تدفن بقاياه المقدسة تحت هرم يصعد حتى يصل إلى عنان ~~السماء؟ يا ابن الذكرى العزيز ووارث المجد العظيم، ماذا يعنيك من هذا الاعتراف ~~الضئيل بفضل اسمك وقد أقمت لنفسك من إعجابنا وعجبنا تمثالا لا يبلى؟! # ملتن # تمثالا لشكسبير! ولماذا؟! إن التمثال الذي أقامه لنفسه على عماد هو إنجلترا ~~كلها لخير له من كل تمثال، ليس شكسبير بحاجة إلى هرم وله مؤلفاته، وماذا يمكن ~~أن يخلد الرخام منه؟ وماذا يستطيع البرنز أن يقيم حيث يقيم المجد؟ إن الأحجار ~~كلها والفنانين الذين ينحتونها يضيعون جهدهم عبثا، فالعبقرية هي العبقرية من ~~غير حاجة إليهم، ولو اجتمعت الأحجار كلها، أفتراها تكبر هذا الرجل إصبعا؟ وأي ~~قوس أبقى من هذا القوس: قصة الشتاء، العاصفة، زوجات وندسور المرحات، يوليوس ~~قيصر، كريولان، وأي أثر أعظم من لير، وأشد تجهما من تاجر البندقية، وأبهر من ~~روميو وجوليت، وأبهى من ريكاردوس الثالث، وأي بدر يلقي على هذا البناء ضياء ~~أعجب من حلم ليلة الشتاء؟ وأي عاصمة ولو كانت لندرة تثير حوله ضجة هائلة كما ~~تثير روح مكبث الهائلة الضجيج؟ وأي حلية من خشب الزان أو البلوط تبقى بقاء ~~أوتللو؟ وأي نحاس أصلب من نحاس هملت؟ كلا، لن يوازي بناء من الحجر أو الصخر أو ~~الحديد هذا الروح، روح العبقرية العميق، روح الله يتجلى به على لسان الإنسان، ~~ورأس فيه فكرة هو القمة، أما أكداس الأحجار فجهود ضائعة، وأي بناء يساوي ~~فكرة؟ إن بابل لدون إيزاس، وخوفو لأصغر من هوميروس، والكوليزيم لأقل من ~~جوفنال، وقصر إشبيلية قزم إلى جانب سرفانتس، وكنيسة القديس بطرس في ms195 روما لا ~~توازي كعب دانت، فكيف تستطيعون - وإن جهدتم - أن تقيموا برجا في رفعة هذا ~~الاسم: شكسبير. # فكتور هوجو # وصدق ملتون، وصدق فكتور هوجو، فأنت لا تعني إذ تذكر شكسبير، أأقيمت له ~~تماثيل أم رفعت له نصب وأهرام، وأنت لا تذكر إلى جانب اسمه ما تذكره إلى جانب اسم ~~نابليون من عماد فندوم أو قبر الأنڨاليد، بل أنت إذ تذكر شكسبير تنسى كل ما في العالم ~~غير ما خلف شكسبير، غير هذه التركة الخالدة من الشعر السامي فوق كل مراتب الشعر، ~~والذي يزداد سموا كلما ازددت فيه إمعانا، حتى لتنسى إلى جانبه كل شعر وكل موسيقى وكل ~~فن؛ لأنك ترى فيه عالما كاملا من الأشياء والناس والآلهة خلقه خيال يندمج فيه كل ~~خيال، وفن يتلاشى أمامه كل فن، ولتنسى إلى جانبه الإعجاب في الحياة بأي شيء سواه، هذا ~~وشكسبير لم يكن ملكا ولم يكن غازيا ولم يكن عظيما في قومه، بل كان ككل نابغة وكل ~~عبقري رسولا تؤذيه رسالته حتى لتحرقه، ومن هذا الأذى ومن هذا الاحتراق تتعطر الحياة ~~بأريج تلك الرسالة وتزداد بهذا الأريج شعورا كلما ازداد عطر الاحتراق والأذى ذيوعا ~~وانتشارا. # نعم، لم يكن شكسبير ملكا ولا غازيا ولا عظيما في قومه، بل كان مؤلف روايات وكان ~~مهرجا، كان عمله في الحياة أن يبعث السرور والنشوة إلى نفس الجمهور ثم لا يناله أكثر ~~الأحيان من هذا الجمهور الذي أضحكه غير السخط والازدراء، ومات شكسبير وانطوى دور المهرج ~~فظل أهل عصره ينكرون عليه مقامه كمؤلف وينعتونه بأنه لم يحدث جديدا، وبأنه غراب اكتسى ~~بريش الطيور الجميلة فلم يصنع أكثر من أن سرق ما كتب غيره، لكن الزمن الدائم الكر والذي ~~يصهر تراث الماضي فيستخلص جوهره من خبثه، لم يجد في شكسبير إلا جوهرا يشع في المستقبل ~~إلى قرون وقرون بعده، فلا تزداد إلا تطلعا إليه وإعجابا به، وهذا الزمن وجد في إلهام ~~شكسبير الشعري علما وحكمة، فنفى عنه حسد أهل عصره وأقام له من المجد ما عبر عن بعضه ms196 ~~ملتن شاعر إنجلترا الأول بعد شكسبير، وهوجو مقدم شعراء فرنسا ومترجم شكسبير إلى ~~الفرنسية. # وإذا لم يكن شكسبير عظيما في قومه فليس في تاريخ حياته ما يقف النظر عنده إلا أن ~~يكون خلقه الثائر ونفسه المتمردة على الخلق وعلى الفضيلة. # ولد في ستراتفورد-أن-أيفن في 23 أبريل سنة 1564 أي في عصر الملكة إليصابات أحد عصور ~~إنجلترا الزاهرة، وفي القرن السادس عشر عقب الانقلاب الديني العظيم الذي قام به مارتن ~~لوثر وتأثرت به إنجلترا أكثر مما تأثرت به أية أمة غيرها، وكان أبوه جون شكسبير محترما ~~في قومه لأنه كان يملك ثروة تغنيه عن غيره، جاءه بعضها من كده وبعضها من زوجه، وقد ~~اختلف الرواة في الصناعة التي كان يزاولها جون بين أنه كان تاجرا أو مزارعا أو ~~جزارا، ويذهب كثيرون إلى أنه كان يزاول هذه المهن جميعا كما كان يفعل الكثيرون من أهل ~~القرى والبلاد الصغيرة، ولمكانته من قومه انتخب في مجلس بلدته القروي ونيطت به أعمال ~~قاضي المصالحات، وفي سنة 1577 ساءت حال جون شكسبير المالية حين كان ابنه وليم ما يزال - ~~وهو في الثالثة عشرة من عمره - في بداءة تعليمه، فاضطر للاستعانة به في كدح الحياة، ~~وجعل الفتى - على قول بعض مترجميه - «يذبح العجول لأبيه ويلقي أثناء قيامه بعمله خطبا ~~رائعة الأسلوب على سامعيه»، وكذلك انقطع عن الدرس وشغل بهم الحياة حتى تزوج في ~~الثامنة عشرة من عمره من أنا هثواي ورزق منها في 26 مايو سنة 1582 فتاة أسماها سوزان ~~وتوءمين غلامين في فبراير سنة 1585. # على أن هموم الحياة ومشاغل الأسرة لم تغير شيئا من خلقه المضطرب الثائر، فقد أولع ~~منذ صباه بالشراب حتى كان فيه مفخرة قريته، كما أنه كان لا يتعفف عن سرقة الصيد من ~~أملاك كبار الملاك وبخاصة من أملاك السير توماس لوس كبير قضاة قصبته، وكم خضع من أجل ~~ذلك لهوان الضرب ومذلة العقوبة، وفيما هو يوما يجاري أهل قرية مجاورة في الشراب سكر ~~حتى لم يستطع العود إلى أهله، فلما أصبح ذكر ms197 حاله وما آل إليه أبوه الذي أدخل السجن ~~بسبب ديونه ففضل هجرة بلد أصبح لا احترام له بين أهله برغم ما كان يشعر به في نفسه من ~~تفوق على أقرانه أن كان قد بدأ يتغنى بشعر ينظمه، فهجر ستراتفورد إلى لندن وهو لا يدري ~~ما يستطيع أن يفعل فيها. # ودخل العاصمة العظيمة خالي الوفاض يضنيه الضنك والعوز فأسرع إلى حرفة من أحقر الحرف، ~~ذلك أنه كان ينتظر بخيول المتفرجين على أبواب المسارح، فإذا انقضت ساعات التمثيل نفحوا ~~هذا الخادم بما تجود به أنفسهم، ولعل لهذه الحرفة الوضيعة حظا غير قليل فيما يدين به ~~العالم اليوم لشكسبير من رواياته الخالدة، فمن سبيل هذه الحرفة استطاع شكسبير أن يعرف ~~بعض الممثلين وأن يكسب عطفهم وأن يلتحق بعد ذلك بإحدى الفرق في أدوار تافهة، لكنها كانت ~~سلمه إلى أدوار خير منها، ومع أنه لم يكن يوما ممثلا بارعا ولم يصل إلى النبوغ في ~~التمثيل إلا ما كان من نبوغه في دور طيف والد هملت، فإن خشبة المسرح هي التي دفعته إلى ~~كتابة روايات تشهد الأجيال المتعاقبة تمثيلها معجبة مقدسة. # وكما تدهشك أن تكون حرفة شكسبير الحقيرة سبب هذا المجد العالمي، فقد يدهشك كذلك أن ~~تعلم أن ظرفا آخر لا يد له فيه قد عاون الشاعر في عمله، ذلك أن اضطرابات العاصمة ~~الإنجليزية أدت إلى إقفال مسارحها ما بين 1592 و1594، وإذ كان شكسبير قد بدأ يولع ~~بالنظم والتأليف ووجد من معونة بعض ذوي النفوذ ما أغناه عن اتباع الفرق التمثيلية في ~~تجولها، فقد ظل مدى هاتين السنتين مكبا على دراسة اللغات الفرنسية والإيطالية ~~والإسبانية، مكبا على النظم والتأليف، وخلالهما استشف مظاهر نبوغه وعبقريته وميوله ~~التمثيلية، فكتب في أبريل سنة 1593 قصيدة فينس ~~وأدونيس # Venus and Adonis # كما كتب في مايو سنة 1594 رواية لوكريس وأهداها إلى لورد ~~سوذامبتون، ويقال إن اللورد شجعه على الاستمرار في عمله وأعانه بألف جنيه دفعها له، ~~فمكنه من زيارة شمال إيطاليا وإتقان لغتها التي كان قد بدأ يدرسها ms198 في لندن، والوقوف على ~~كثير من الأساطير الإيطالية التي استعان بها في رواياته، وفي أثناء زيارة إيطاليا بدأ ~~يكتب مقطوعاته التي نشرت بعد ذيوع اسمه، والتي أهدى أكثرها إلى لورد سوذامبتون كما جعل ~~يؤلف للمسرح روايات أمل في تمثيلها بعد انقضاء الاضطرابات وعود الحياة الهادئة إلى ~~عاصمة بلاده. # وفي صيف سنة 1594 فتحت دار التمثيل أبوابها وعاد شكسبير إلى المسرح وبدأ يقدم رواياته ~~للتمثيل، ولم تكن قوة هذه الروايات لتخفى على أحد خصوصا أنها كانت تمثل حياة ذلك العصر ~~وأخلاقه أدق تمثيل؛ لذلك لم يلبث شكسبير أن حاز من ذيوع الصوت ما خلع عليه اسم الممثل ~~البارع، وإن كانت براعته الحقة في تواليفه، وكان من أثر ذلك أن شارك شكسبير بنصيب في ~~أرباح مسرح (الجلوب) الذي كان يشتغل فيه، فاستطاع بذلك أن يشتري في بلدة ستراتفورد ~~دورا وضياعا وأن يعيش في رغد ونعمة وأن يعيد أباه وأهله إلى حب الحياة، وكما يسرت ~~شهرة شكسبير له سبل العيش فقد فتحت أمامه أبواب العظماء وأنالته عطف الأسرة المالكة، ~~ورفعت بذلك من مقام التمثيل والممثلين الذين كانوا قبل ذلك بمكان من الضعة والحقارة، ~~يشعر الإنسان به حين يقرأ من مقطوعات شكسبير ما كتبه في أثناء مقامه بإيطاليا وما فيه ~~من برم بالحياة وألم لازدراء الناس مهنة لم يكن له كي يكسب العيش مفر من احترافها، وزاد ~~المهنة رفعة أن مثل شكسبير في حضرة الملكة إليزابث وأن نال من عطفها، وإن يك قد تنكر ~~بعد ذلك لها حتى لم تذرف عليها عينه دمعة عند موتها ولم تتحرك شاعريته بعبارة ألم ~~لرثائها. # وبقي شكسبير يؤلف في السنة الواحدة الرواية والروايتين ويمثلها مع زملائه الذين كانوا ~~وإياه على خير وفاق، وقد أثار تاريخ تأليفه كل رواية من رواياته مباحث شتى حتى وضع ~~(أومندمالوني) كتابا سماه «محاولة لتحقيق الترتيب الذي كتبت به روايات شكسبير». ~~(An attempt to ascertain the order in which the plays of Shakespeare ~~were written.) # كذلك أنكر بعض النقاد نسبة بعض الروايات له كما ms199 أنكر بعضهم وجوده. # وفي سنة 1610 اعتزل المسرح وترك لندن إلى ستراتفورد حيث عاش عيشا هادئا مكتفيا بما ~~جمعه من مال مستمرا مع ذلك في كتابة رواياته، ويذهب بعض مؤرخيه إلى أنه كان مع ذلك ~~يعود إلى لندن الحين بعد الحين ويشترك في تمثيل بعض الروايات حتى احترق مسرح الجلوب في ~~29 يونيو سنة 1613 في أثناء تمثيل رواية هنري الثامن، هنالك انسحب شكسبير إلى قريته ولم ~~تبق له عناية بغير رفاهته، فعاش عيش ذوي اليسار وطلق التمثيل والتأليف جميعا، وجعل ~~يقرض الناس بالفائدة مما أدهش كثيرين ممن كتبوا عنه، قال تين: «خاتمة غريبة تبدو لأول ~~نظرة خاتمة تاجر لا خاتمة شاعر، أفنعزوها إلى هذه الغريزة الإنجليزية التي ترى السعادة ~~في حياة رجل الريف صاحب الملك حسن الإيراد كريم الأصل الحاصل على أسباب الرغد المطمئن ~~بين الناس إلى مكانته واحترامه وإلى سلطته العائلية ومكانته من قومه؟ أم أن شكسبير كان ~~كفولتير رجلا موزونا وإن يك خيالي الذهن يحتفظ بقوة حكمه خلال نشاط شاعريته، حذرا ~~لتشككه مقتصدا لحاجته إلى الاستقلال عن الناس، قديرا - بعد أن يحيط بكل ما مر بخاطر ~~الإنسان - أن يرى مع كانديد أن الخير كل الخير في أن يزرع حديقته؟ أما أنا فأميل ~~لافتراض يدل عليه رأسه المليء المتين، ذلك أنه لكثرة ما أنتج خياله المتموج قد نجا كما ~~نجا جيتي من مخاطر الخيال المتموج، وأنه في تصويره الشهوات قد بلغ ما بلغه جيتي من ~~تخفيف حكم الشهوات إياه، وإن الاندفاع لم يحدث في سلوكه انفجارا لأنه كان يجد في الشعر ~~مصرفا لاندفاعه، وإن رواياته حفظت عليه حياته لأنه ألم من خلالها بكل ما في الحياة ~~الإنسانية من هوس وتعس، فاستطاع أن يجلس بينها وعلى ثغره ابتسامة مطمئنة مكتئبة، وأن ~~يسمع ليسري عن نفسه هذه الموسيقى الأثيرية التي أبدعها في رواياته، وأريد أن أفترض ~~أخيرا أنه كان في جسمه مثله في سائر تكوينه، أحد رجال جيله العظيم وعصره العظيم، وأن ~~متانة العضل كانت عنده مثلها عند رابليه وتسيان ms200 وميكلنج وروبنز توازي حساسية الأعصاب، ~~وإن الماكينة الإنسانية كانت يومئذ أقوى بناء وأحسن بلاء، فكانت تستطيع أن تقاوم عصف ~~الشهوات واندفاعات الهوى، وإن النفس والجسم كانا ما يزالان متوازنين، فكان النبوغ ~~يومئذ زهرا وثمرة، ولم يكن مثلما هو اليوم مرضا.» ~~••• # قد يكون هذا التصوير الذي فرضه تين لحياة شكسبير صحيحا، لكنه لا يزيد على أنه فرض في ~~رأي تين نفسه، على أنك إذا أردت أن تقف على أسرار شعر شكسبير ورواياته فقد وجبت دراسة ~~ذلك كله دراسة لا يتسع المقام هنا لأكثر من الإلمام بشيء منها إلماما بسيطا. # نشأ شكسبير - كما قدمنا - في العصر الذي عقب الانقلاب الديني الذي قام به مارتن لوثر، ~~وتأثرت به إنجلترا أكثر مما تأثرت به أية أمة غيرها، وكان الذين أخذوا بالمذهب الجديد ~~ما يزالون متأثرين قبل كل شيء بأساسه وهو حرية التفكير، وكان انهيار قيود الكثلكة هو ~~البادي أمام الأنظار، ولم تكن بعد قد تركزت في النفوس قواعد المذهب الجديد تركزا ثبت ~~الإيمان بها تثبيتا يحول دون تحطمها، كما لم تكن خلقت حول المذهب الجديد هذه الأوهام ~~المحسنة التي تهون على الناس عبء الحياة فيخضعون لها طائعين؛ لذلك كله كانت جماعة ذلك ~~العصر في إنجلترا تسيغ الإلحاد ولا تنزعج لإعلانه ولا تضطرب أمام ما يرتبه أصحابه عليه ~~من تقشف أحيانا واستهتار وإباحة أخرى وشك ثالثة، واعتدال في الحياة وفي المتاع بها ~~اعتدالا يبقي عليها ويطيل. # ولعل هذه الظاهرة كانت ذات أثر فيما رأينا من سلوك شكسبير ومن استباحته سرقة الصيد، ~~وهي لا ريب كانت قوية الأثر في رواياته، فأنت ترى فيها من التجديف ومن الغواية، مصبوبين ~~في أجمل قالب وأبهاه، ما لا يحتمله عصر غير عصره الذي كان مجاورا للعصور الوسطى، والذي ~~لم يتخلص من خرافاتها، وإن أباح لنفسه هدم هذه الخرافات. # وكما أثر العصر في شكسبير من ناحية حرية تفكيره فقد أثرت فيه هذه الخرافات من إيمان ~~بالسحرة وبالجن حتى لنرى كثيرا منها في رواياته، ثم إن هذا العصر الطليق المجاور ~~للعصور الوسطى ms201 كان عصر اضطرابات ومجازر، وكان القتل أمرا شائعا فيه حتى لترى الرجل ~~تقطع عنقه لغير سبب إلا أنه أنكر على الملك سلطانه الديني أو أنه أغضب رجلا ذا ~~سلطان بإشارة أو بكلمة، أضف إلى ذلك ذيوع عادة المبارزة وانتهاءها في أحيان كثيرة إلى ~~قتل أحد المبارزين، وهذا الاستهتار بالحياة الإنسانية هو سر ما نرى في أكثر روايات ~~شكسبير من مجازر فظيعة تنتهي أغلب الأمر إلى موت أشخاص الرواية جميعا. # ثم إن التمثيل على النحو الذي نعرفه اليوم كان في ذلك العصر ما يزال في دور نشأته حتى ~~لم يكن معروفا في كثير من البلاد ومن بينها فرنسا، فلم تكن قد تقررت له قواعد كالتي ~~تقررت بعد ذلك من وحدة الزمن والمكان والحادث، ولذلك أنت ترى في شكسبير مناظر مختلفة في ~~الفصل الواحد قد لا يكون بينها أية صلة، وقد يفصل بين المنظر والمنظر مئات الأميال، ثم ~~إنك ترى كذلك في هذه الروايات خلطا عجيبا من أحط ما تنزل إليه الجماعة في حياتها ~~العادية التافهة، ورفعة لا تدانيها رفعة في سمو الحيال وتصوير فعل الشهوات في ~~النفوس. # وهذه الظواهر التي تجدها سائدة في دول أوربا كلها في ذلك العصر، بانت أكثر وضوحا في ~~إنجلترا، ومرجع ذلك أن الخلق الإنجليزي بطبيعته خلق ثائر طموح للحرية يفتديها بالدماء، ~~وكان كذلك في تلك العصور الماضية أكثر مما هو اليوم، ولذلك كانت إنجلترا أسرع من غيرها ~~إلى الأخذ بالمذهب الديني الجديد، ولذلك كانت مظاهر القسوة وما تلده من قتل وتعذيب أكثر ~~تفشيا بين هؤلاء السكسونيين، وكان من شأن السحرة عندهم ما لا تعجب بعده لطيف هملت ولا ~~لساحرات مكبث، ثم كان من استهتار الناس بالحياة ما ترى آثاره في شعر شكسبير مما يجعل ~~المتقشفة والمتصوفة أشد على الحياة حرصا من أهل هذا الزمن، فليس عجيبا إذا هذا الذي ~~نرى في شعر شكسبير من مجازر وخرافات وإن خيل لبعضهم بادئ الأمر أن فيه شيئا من العجب ~~يدعو إلى عدم تصديقه. # وإذ كان علم شكسبير راجعا إلى ms202 ملاحظة الطبيعة أكثر من رجوعه إلى دراسة الكتب وكانت ~~معلوماته التي استند إليها في تأليف رواياته لا تزيد على معارف سطحية في التاريخ ~~والفلسفة والاجتماع، فإن كثيرا من رواياته لا تعتمد على أكثر من أساطير سمعها أو قرأها ~~في الكتب التي يتناولها الناس جميعا، وفي مقدمتها تاريخ العظماء لبلوتارك، فرواية هملت ~~تعتمد على أسطورة دانمركية ينكرها أكثر المؤرخين، ورواية روميو وجولييت أحدوثة إيطالية ~~يغلب أن يكون شكسبير قد سمعها في أثناء سياحاته في شمال إيطاليا أو قرأها ولم يستتمها ~~في بعض الكتب، ذلك أن هذه الأحدوثة تنتهي بأن روميو لما بلغه موت جولييت حضر إلى قبرها ~~وبلغ من ألمه أن طعن نفسه بالخنجر، ولما كانت جولييت لم تتناول السم بل تناولت مخدرا ~~فقد استيقظت وروميو ما يزال في النزع، فبث كل منهما لصاحبه لاعج غرامه، وطعنت الفتاة ~~نفسها بالخنجر الذي زج به محبها أعماق قلبه، ولم يشر شكسبير إلى هذه الواقعة الجديرة ~~بأن تجري على أوتار ربة شعره بأرق أنغام الحب والألم، فدل بذلك على أنه لم ~~يعرفها. # هذا التحليل للمحيطات التي وجد فيها شكسبير قد يفسر طريقة وضعه رواياته، وقد يهدي إلى ~~أسرار ما ترى فيها اليوم مما نعتبره عند عدم وقوفنا على هذه المحيطات خرافة غير لائقة ~~بعبقرية فذة كعبقرية شكسبير، لكنه مع ذلك لا يدلنا على شيء من سر عظمته ولا يهدينا إلى ~~كثير من سر شعره، والحق أن البيئة والزمن وحدهما لا يفسران نبوغ النابغة ولا عبقرية ~~الشاعر وإن بينا مراميه وكشفا عن أغراضه، فأما العبقرية فلازمة ذاتية وهبة قدسية ~~تنفح بها الطبيعة شخصا من الناس على حساب مواهب أخرى، وعبقرية شكسبير كانت في ملاحظته ~~وفي خياله وفي شاعريته، وكانت في ثاقب نظره إلى حد يستطيع معه أن يرى دخيلة النفس ~~الإنسانية وأن يصفها وصفا حسبه الناس بادئ الأمر غواية شاعر، ثم أثبت العلم أنه ~~الحقيقة العلمية التي لا تقبل نزاعا ولا جدلا. # وكانت مظاهر الطبيعة في أرق صورها وأجملها أول ما فاجأ خيال شكسبير، فأنت ms203 لا تقرأ له ~~رواية ولا مقطوعة إلا وجدت من وصف هذه المظاهر وصفا وديعا يدلك على مبلغ تأثيرها في ~~أعصاب هذا الشاعر الدقيق الحس تأثيرا يجعله يندفع إلى الإعجاب بالجمال وتقديسه إلى ~~أقصى حدود الإعجاب والتقديس، فيظهر أثر ذلك في شعره، ويظهر في رعشة موسيقية قوية رقيقة ~~في قوتها، متجاوبة ثائرة في تجاوبها، تهز نفسك هزا وتسحرك عما حولك وتصل بك حتى ترى ~~أمام خيالك ما رسمه خيال شكسبير ماثلا واضحا، وقد بلغ من تأثير هذه الصور في نفس ~~الشاعر العظيم أن حلت منه محل التفكير حتى في شأن الحياة الإنسانية، فالرجل الغاضب ~~كالطبيعة الثائرة، وما يترتب على ثورة الطبيعة من آثار هو بعينه عند شكسبير ما يترتب ~~على غضب الإنسان من آثار، والطبيعة في سيرتها العادية تافهة حتى إذا ملكتها الثورة ~~أبرقت وأرعدت وعصفت وأهلكت الحرث والنسل، كذلك الإنسان في سيرته العادية تافه حتى إذا ~~ملكته الشهوة أسرف في الحب أو في البغض أو في الإيثار أو في التشفي والانتقام، والطبيعة ~~خاضعة لظروف لا سلطان لها عليها، والإنسان خاضع مثلها لظروف لا سلطان له عليها، وكما ~~تسير الغرائز الطبيعية تسير غرائز الإنسان، فكل صورة للطبيعة لها مثلها في الإنسان، ~~ولذلك كان أسلوب شكسبير وكان خياله خيالا تصويريا في وصفه وفي إحساسه وفي شهواته وفي ~~تفكيره، اقرأ مكبث حين يصف آثار جريمته وكيف لا تستطيع البحار أن تمحو ما خلفت من دم ~~على يديه، واقرأ هملت في ثورته على أمه وفي سائر هذياناته الحكيمة، بل اقرأ قيصر واقرأ ~~في قيصر خطاب أنطوني، اقرأ ما شئت من شكسبير تر هذا التقديس لصور الطبيعة وهذا التفكير ~~المصوغ في قالب تلك الصور. # وكما يندفع شكسبير إلى تقديس مظاهر الطبيعة ويتخذ من صورها صور تفكيره، فهو لا يرى في ~~غرائز الحياة غير الاندفاع لا يقوم على أساس من روية ولا تفكير، وإنما يقوم على الغرائز ~~الإنسانية البسيطة هي التي توجهه وتصرفه؛ فالحب عنده لا يحتاج إلى تحضير ولا سعي من ~~جانب الرجل لكسب المرأة، ms204 بل هو اندفاع من جانب شابين كل منهما نحو صاحبه، اندفاع رقيق ~~كل الرقة قوي كل القوة، اندفاع شعري عذب يتغنى فيه كل من المحبين بأهازيج الهوى على ~~نغمة موسيقية حلوة كأنما كوبيدون إذ رمى عن قوسه فأوصد القلب رمى مع القوس الوتر، فأخرج ~~هذا الوتر من أعصاب كل من المحبين أنات وآمالا وأحلاما لذيذة ويأسا فاجعا لا يعرف ~~الشعر في كل الأمم شيئا منه مثل ما عرف على لسان شكسبير، استمع إلى أنغام أوفليا في ~~حبها هملت وتوجعاتها حين اليأس الذي أدى بها إلى الموت، واسمع هذا التجاوب الحلو بين ~~روميو وجولييت يجعل من الحب جنة نعيم ليس بعدها جنة نعيم، ثم اقرأ ثوران الغيرة وضجيجها ~~والتهابها في نفس أوتللو مما لا مثيل له في أقوى ما تصل إليه موسيقى فاجنر، وخيال ~~شكسبير يصل من ذلك في بعض الأحايين إلى حدود يعجز أقوى خيال عن تصورها. # وكما تحرك الغرائز المحبين تحرك الناس جميعا في كل تجارة الحياة، فليس الملك على ~~خلاف الناس جميعا لأنه ملك، بل هو يحب أهله وأبناءه ويدللهم ما دام بعيدا عن مباشرة ~~شئون الدولة، وهو في هذه الشئون يتأثر بغرائز الإنسان وشهواته كما يتأثر أي إنسان سواه، ~~والرجل السيئ الذي خلقه شكسبير في شخص ياجو وفي شخص شيلوك تاجر البندقية ينقاد للغرائز ~~الإنسانية انقياد الوحش أوتللو، والناقم هملت، وإن كانت صورة هذه الغرائز تختلف من شخص ~~إلى شخص حسب مزاجه، وهذا الاختلاف هو الذي جعل من أبطال شكسبير أشخاصا ذوي حياة ~~إنسانية صحيحة تشعر وإياها إذ ترى تمثيل الروايات على المسرح، في حين أنك إذ ترى روايات ~~راسين وكورني مثلا - وهما من أكابر كتاب فرنسا في القرن السابع عشر - تحس المؤلف هو ~~الذي يتكلم وترى أفكارا تروح وتجيء على المسرح، وكل وظيفة الممثل أن يقوم بإلقاء ~~الألفاظ التي تؤديها من غير أن تظهر له شخصية حية تنسيك أنه ممثل وتنسيك أنه يقوم بدور ~~تمثيلي. # ولقد أقر النقاد جميعا لشكسبير بهذه الميزة وإن رأى بعضهم أنه ms205 يسرف في تصوير أشخاصه ~~إسرافا يجاوز المعقول، ناسيا أن هؤلاء الأشخاص هم من عصر شكسبير، وأنهم من أبناء ~~خياله الشعري المتوقد، وكما اتهم بالإسراف ظلما في هذا فقد اتهم بتهمة أخرى أثبت ~~العلم خطأ اتهامه بها، فقد ذهب بعضهم في وقت من الأوقات إلى القول بأن شكسبير يخالف ~~الطبيعة والمعقول فيما يقرره لبعض أشخاص من تصرفات، من ذلك مثلا أنك ترى مكبث يرتكب ~~جريمة القتل فتتلوث يداه بالدماء، ثم هو مع ذلك يظهر في أماكن لا يأمن أن يراه الناس ~~فيها ويصيح بأن مياه البحار لا تغسل جريمته، وعلى الرغم من إلحاح لادي مكبث فإنه يظل ~~يتحدث عن جريمته ولا يداري شيئا من آثارها، فهذا في رأي النقاد الذين أشرنا إليهم تصرف ~~غير معقول، أليس أول ما يصنع المجرم أن يعمل ليداري جريمته؟ لكن العلم الجنائي أثبت أن ~~شكسبير على حق وأن الطبيعة الإنسانية تدفع بالمجرم إلى مكان جريمته وتكرهه أكثر ~~الأحايين على الاعتراف بها. # وليس مثل مكبث إلا واحدا من أمثال كثيرة في ثقوب نظر شكسبير واستشفافه حقيقة الغريزة ~~الإنسانية. ~~••• # هذا بعض ما تأثر به شكسبير في شعره، وهو قليل من كثير يستحق العناية به وبحثه، والآن ~~أخشى أن أكون أطلت في حديث لم أكن أقصد إلى الإطالة فيه، وإن يكن القول في شكسبير ~~قصيرا وإن طال، فلنجتزئ بما تقدم، وبأن شكسبير بعد أن أقام في ستراتفورد مكتفيا من ~~العيش بطمأنينته ونعمته، ظل حتى سنة 1616 ثم مرض فكتب وصيته بما يملك إلى ابنته سوزان ~~غير تارك لزوجه إلا قليلا، وفي هذه السنة مات ودفن من غير كبير احتفال، إلى أن اضطر ~~العالم بعد أجيال ليقيم له من المجد ما يبقى على الأجيال حتى آخر الزمان. # | برسي بيش شلي # (1) نشأته الأولى # ظهر السادس عشر من شهر أغسطس سنة 1822، في صحو جو جميل، كان لورد بيرون والشاعر ~~لي هنت والبحار ترلوني وقوفا فوق رمال الشاطئ الإيطالي على مقربة من ليفورنو يحيط ~~بهم عدد من أهل تلك المنطقة، ويقف إلى جانبهم ms206 جماعة من الضباط والعساكر الإيطاليين، ~~وكلهم محدق ببصره إلى نار تضطرم قد بوركت بالنبيذ صب عليها وبالملح ألقي فيها ويفوح ~~منها ريح اللحم الإنساني، وكلهم واجم مخلوع القلب ذاهب في تيهاء الهلع والذهول، وظل ~~هذا المنظر المروع أمامهم ثلاث ساعات تباعا يهز نفوسهم هزا فلا يزدادون إزاءه ~~إلا وجوما وذهولا، وتندى عين بعضهم بالدمع ثم تذرفه لا تستطيع حبسه، ويبلغ الهلع ~~والروع في أثناء ذلك من لورد بيرون مبلغهما فيلقي بملابسه على الرمل وبنفسه في ~~الموج يسبح خلاله حتى يصل إلى زورقه «البوليفار»، ويحدق ترلوني بالعظام تحترق ~~وباللحم تذيبه النار، ثم يرى القلب مع ذلك كبيرا كبيرا، فما يزال منه قلب كامل لم ~~يذب ولم يحترق، فيجذب هذه البقية المقدسة بيده، وتبدأ النار بعد ذلك تخبو رويدا ~~رويدا تاركة وراءها حفنة من تراب هي كل ما بقي من رفات قيثارة الشعر الإنجليزي ~~شلي، ويحمل ترلوني الحفنة إلى الأرملة البائسة ماري شلي لتتولى ويتولى هو ولي هنت ~~معها حملها إلى مقابر البروتستانت في روما كي تستقر هناك في أرض غريبة عن ثرى ~~الوطن، ولكن لتسعد مع ذلك باستقرارها إلى جانب رفات عزيزة محبوبة هي رفات وليم شلي ~~ابن الشاعر البكر من زوجه ماري، ويقع هذا المنظر المروع وتنقل تلك الرفات القدسية ~~إلى روما، ولم يكن شلي قد بلغ إلى يوم وفاته في الثامن من أغسطس تمام الثلاثين من ~~عمره، وإن كان قد خلف من شعره على الحياة ما لا يزال فخر الشعر الإنجليزي عذوبة ~~وموسيقى يأخذان بالنفس ويملكان على المرء حسه ولبه، ويبعثان إلى كل ما ينشدانه ~~ويترنمان به الحياة والخلد، سواء أكان ما ينشدانه ويترنمان به إنسانا أم طيرا أم ~~حيوانا أم جمادا أم مجرد خيال لا وجود في الحياة له، ذلك بأن الحياة كانت تسري في ~~كل ما لامس نفس شلي لتبقى قائمة به قرونا ودهورا بعد موت باعثها، وكذلك كانت ~~فجيعة الشعر في هذا الشاب الذي خلف الحياة مذ كان على أعتاب الحياة مما يزيد ذكراه ~~قوة وجلالا، ms207 وإن كانت هذه الذكرى في غير حاجة إلى مزيد من قوة أو جلال، فلقد كتب ~~لكل بيت من شعر برسي بيش شلي منذ ترنم هو به الخلود وكتب له الجلال. # ولم يكن لورد بيرون لينسى ساعة فراره أمام المنظر المروع ما كان عليه زميله ~~وصديقه من خلق عظيم ونفس بلغت من السمو أرقى سماواته، فهذا الشاعر الشاب، الذي ولد ~~في الرابع من أغسطس سنة 1792 وتوفي في الثامن من أغسطس سنة 1822، قد حلق به جمال ~~الخلق في سماء الشعر إلى ما لم يرتفع إليه معاصر له، وإلى ما لم يسبقه إليه أحد في ~~رأي كثيرين، وما لم يسبقه إليه غير شكسبير في رأي آخرين، وكان ارتفاعه هذا ليس ~~قائما على خياله الملتهب وشاعريته الفياضة وكفى، بل كان قائما، فوق ذلك وقبل ذلك، ~~على قوة في النفس قل أن يكون لها نظير، قوة بدأت مظاهرها منذ الطفولة وتجلت في ~~أثناء الصبا وازدادت وضوحا في صدر الشباب الذي كان - وهو صدر شباب الشاعر - خاتمة ~~حياته، وكانت أجلى مظاهر هذه القوة واضحة في إيمان الرجل برأيه وصراحته فيه وإعلانه ~~إياه وسلوكه سبيل الحياة على موجبه، وإن أدى لذلك ثمنا فاحشا أن عده الناس ~~مجنونا، وأن نفرت منه الجمعية الإنجليزية أشد النفور حتى اضطرته ليهجرها منذ أول ~~شبابه، وليعيش السنوات الخمس الأخيرة من حياته تحت سماء إيطاليا الدائمة الصفو ~~والابتسام، والتي تظل من صور الجمال وبدائع الفن ما يزيد في إلهام الشاعر، هذه ~~الشجاعة وهذا الإيمان اللذان اعتبرا جنونا هما أساس شاعرية شلي وهما مصدر إلهامه، ~~لكنهما لم يكونا كذلك عند لورد بيرون الأبيقوري المستسلم لسلطان الزهرة الناهل من ~~ورد بناتها جميعا، الحائز لذلك غاية الإعجاب من أهل عصره وأكبر تقديرهم إياه؛ لذلك ~~كان طبيعيا أن يرى فضائل زميله وأن يقدرها، وكان طبيعيا أن يفر من منظر النار ~~تحرق مثوى هذه الفضائل وتذره رمادا. # وكثيرون ممن عرفوا شلي كانت تأخذهم الدهشة لفضائله، ومن كانت تزيد دهشتهم لشجاعته ~~وصراحته، ذلك أن صورته وتكوينه لم يكونا ms208 ينمان عن هذه الفضائل فيه، وإن كانا ينبئان ~~بشاعريته وقوة خياله، فقد كانت في نظرته وفي تقاطيع وجهه وفي جمال شعر رأسه أنوثة ~~عذبة تحدث عن رقة ولين لا عن صلابة وشدة، وكان يضوع منه شذا المحبة والعطف بما لا ~~يلتئم مع القوة على النضال والقسوة فيه، وكان جسمه الطويل النحيل كأنه قصبة هذه ~~القيثارة التي شدت بأجمل الأنغام وتغنت بأحلى الأهازيج، كذلك لم يكن مولده ولا كانت ~~مكانة أهله في الجمعية مما يزيل دهشة من بلغت الدهشة منهم بشجاعة شلي وصراحته في ~~إعلان إيمانه حتى حكموا عليه بالجنون، فقد ولد في أسرة نبيلة جمعت إلى النبل المال، ~~وكانت بطبيعة هذين العاملين محافظة، لتظل من طريق محافظتها ناعمة بمالها ونبلها، ~~كان جده السير بيش شلي بارونا وكان غنيا، وكان لا يفتأ يدأب لزيادة ثروته، وكان ~~أبوه تيموذي شلي قاضيا وعضوا في البرلمان، وكان قصرهم بفيلد بليس على مقربة من ~~هورشام أحد أعمال سسكس محاطا بحدائق وأحراش تدعو إلى المتاع بها والطمأنينة لها، ~~وكان جده السير بيش قد جعله بالوصية وارثه مما يدر عليه إيرادا سنويا ستة آلاف ~~جنيه في ذلك الزمان، سبحان من يدري كم ألف تعادلها في زماننا اليوم! وتلك كلها ~~أسباب دعة وبلهنية وليست أسباب نضال صلب وصراع للجمعية وللحياة فيها لا يعرف الهدوء ~~إليه سبيلا، لو أن صاحبها أوتي من هبة الشعر ما أوتيه شلي لكان طبيعيا أن يسلك ~~الطريق التي سلكها بيرون من الإنجليز وعمر بن أبي ربيعة من العرب، لكن شلي ضرب ~~بالمال والجاه والدعة عرض الأفق وترك بيت أبيه وترك أهله جميعا ولم يقتض من وصية ~~جده إلا بمقدار ما يكفيه حاجة العيش، وانطلق في الحياة هائما يجلي بهاء الفضيلة ~~ويؤدي رسالة الجمال، ولم يكن له من أدائها بد، في أنغام قدسية من موسيقى السماء، ~~ويؤديها ذاهلا عما أحاط بحياته من أحزان ومتاعب متجها بكله إلى هذا الوجود المحيط ~~به، مفنيا نفسه فيه كي يفنى الوجود كله في نفسه فترده إلى العالم وحيا سماويا ms209 ~~يختلط بالنفوس جميعا، ويتنقل على الأجيال إلى ما شاء الخلد أن تكون للإنسانية ~~أجيال تتعاقب. # وكان لجماله ولرقته أثر بالغ في حياته وفي تفكيره وفي شعره، جعله هذا الجمال ~~المزدان بخواتم شعره وعيونه العميقة الزرقة ولونه الناصع النظيف ويديه ورجليه ~~الجميلة التكوين، وما اتصل بذلك من حسن تحسده عليه كل فتاة في مثل سن الطفولة التي ~~كان فيها يوم ذهب به أبواه إلى مدرسة (سيون هوس) في برنتفورد، بالغا في رقته وظرفه ~~وحلو طبعه، ونبأت هذه الصفات إلى جانب جماله عن نفس حية حساسة تأنف القسوة وتتنزه ~~عنها، وترى في عدم النظام وسوء الاتساق ما يؤذيها ويثيرها. # على أن هذه الصفات جعلت منه في المدرسة سخرية زملائه وموضع عبثهم ولهوهم، مما بعث ~~إلى نفسه غضاضة ومضضا، فلما انتقل به أهله إلى مدرسة «أيتون» حيث يتعلم أبناء ~~النبلاء وذوي المكانة لم يزدد لنظامها إلا بغضا ولمعاملة زملائه التلاميذ فيها إلا ~~مقتا، فقد كان وما يزال من نظام التربية في هذه المدرسة أن يخدم الصغار فيها من هم ~~أكبر منهم سنا وأقدم في المدرسة عهدا، وكان الصغير الخادم عرضة لكل أنواع الأذى ~~والإهانة من كبيره، كان يمسح له أحذيته ويأتمر بأمره في كل حاجة يحلو له أن يأمره ~~بها، ثم كان هذا النظام يقتضي مع ذلك ألا يصبر أحد على إهانة زميل له إياه وأن يدفع ~~القوة بالقوة والعدوان بالعدوان، ولذلك كانوا جميعا يتقنون لعبة (البوكس) ليدفعوا ~~عن أنفسهم وليردوا اعتداء المعتدي عليهم. # لكن هذا كله لم يرق الصبي شلي فلم يذعن له، لم يرض أن يكون خادما ولم يرض أن ~~يجعل حق القوة أساس خلقه، ليكن هو نظام المدرسة الذي تابعته وتتابعه منذ أجيال، فهو ~~لا يؤمن بصلاحه ولا باتفاقه مع الخلق الفاضل والكرامة الإنسانية، فلا يمكن أن يرضى ~~عنه وأن يخضع له، لا يمكن أن يكون خادما ولا أن يخالط أولئك الذين يقضون سحابة ~~نهارهم في ملاكمة ومصارعة تقوى بها عضلاتهم وأبدانهم على حساب عقولهم وأرواحهم؛ ~~لذلك اعتزلهم ولجأ إلى ms210 وحدة لم تزدهم له إلا احتقارا، ولم تنجه من سخريتهم وأذاهم ~~ولطمهم ولكمهم. # لكن رقته لم تؤد به إلى ضعف إبائه وأنفته ولم تجعل منه ذلك الطفل المستذل الذي ~~يخضع لسلطان الأقوى ويأتمر بأمره، بل كان يقارضهم سخرية بسخرية واحتقارا باحتقار، ~~وكان يدفع عدوان أيديهم عليه بعدوان مثله، وإن يك عدوانا متفقا مع هذه الأنوثة في ~~تكوينه، عدوان عض بالأسنان وهبش بالأظافر بدل اللكم بقبضة اليد مما كان يتورم له ~~وجهه أحيانا، وهو لذلك لم يكن يباديهم العدوان ولا يتحكك بهم، بل كان يتركهم في ~~ألعابهم ورياضتهم العنيفة ليأخذ هو كتبا محببة إليه مما وضع كتاب الثورة في ~~فرنسا وأنصارهم في إنجلترا ومما وضع جماعة اليونان الأقدمين، ثم ينطلق بها بين ~~الأحراش والغياض حتى يصل إلى حافة النهر حيث يجلس فينسى نفسه في المتاع بما في كتبه ~~وبمشهد هذه الطبيعة الساحرة حوله وبتأمله إياها والتفكير فيها، ولعل أشد ما تأثر به ~~من قراءاته كتاب وليم جدوين (العدل السياسي). # وكان وليم جدوين من أشد كتاب ذلك العصر تأثرا بمبادئ الثورة الفرنسية ودعوتها ~~إلى الحرية المطلقة في التفكير، وما ترتب على هذه الدعوة من خروج على طائفة رجال ~~الدين وتعاليمهم ومن المبالغة في ذلك إلى إنكار الدين نفسه، على أن جدوين يختلف ~~مع كتاب الثورة الفرنسية ورجالها أشد الاختلاف فيما يتعلق بوسائل تحقيق الإصلاح ~~الذي يريد إدخاله على النظم وعلى قواعد الجمعية، فكان يرى العقل والمنطق وحدهما ~~وسيلة الإصلاح، وكان ينفر أشد النفور ويطعن مر الطعن على الالتجاء للعنف ولوسائل ~~القوة وضروب القسوة، ودفعه تفكيره الحر هذا إلى إنكار أكثر القواعد التي تقوم عليها ~~جمعية عصره، دفعه إلى إنكار الملك الخاص إلا بمقدار حاجة الشخص له والطعن لذلك على ~~الثروات الواسعة، ودفعه إلى إنكار الزواج على أنه نظام، لأنه مناط فكرة الملك ~~الخاص، وانتهى من تفكيره إلى وجوب إقامة الجمعية على أساس من العقل وحده، وإلى ~~القول بأن هذه الأسس لو وضعت على صورة صحيحة زال ما يشكو منه الناس من بؤس ms211 وشقاء ~~وجريمة، وأضحت العقوبة وصمة في جبين الإنسانية، ولذلك كان لا يكفيه أن يطلب إلغاء ~~عقوبة الإعدام، بل كان يطلب إلغاء العقوبات جميعا. # في هذه المبادئ التي وضعها جدوين كثير سبقه إليه روسو وتأثر به أهل فرنسا ~~ورجال الثورة فيها، على أن المبالغة هي التي أدت بهم لينكروا حتى الدين الطبيعي ~~الذي دعا روسو إليه وليجعلوا الإلحاد وسيلتهم إلى حرية الفكر، ولعلك إن التمست ~~تفسيرا لهذا وجدته في تشبث رجال الدين يومئذ بسلطانهم تشبثا كان يزداد كلما ~~شعروا بسلطتهم معرضة للنقص ثم الاضمحلال، على أن واحدا من هؤلاء الذين دفعهم تعصب ~~رجال الدين للمجاهرة بالإلحاد لم يلبث أن عاد إلى نوع من الإيمان فيه جمال وله ~~جلال، ودعا إليه عن يقين واقتناع لم يكن لرجال الدين حظ منهما، ولقد تأثر شلي في ~~الأيام الأولى من شبابه إلى أبعد مدى بكتاب جدوين ورأى في نظم الجمعية السياسية ~~والاجتماعية والدينية ما لا يتفق مع حكم العقل، واقتنع بأن مرجع هذا كله إلى تشبث ~~رجال الدين بأن يخلعوا على كل دقيقة وجليلة من نظام الجمعية ثوبا من القداسة يحول ~~دون التفكير في معالجته أو إدخال أي إصلاح عليه، أليس نظام الزواج قد طبع بميسم ~~الدين؟ أليست عروش الملوك قد أحيطت بسياج من القداسة الدينية؟ أليس التملك والتوارث ~~وكل ما هو من شئون هذا العالم الدائم التغير والتطور قد سبك في قوالب الدين التي ~~يقولون إنها لا تقبل التغير ولا التطور؟ لذلك مال شلي إلى ناحية الإنكار على أنه ~~الوسيلة لكل إصلاح ما دام الإنكار هو الوسيلة الوحيدة للحرية في التفكير والشعور ~~والإلهام والإيمان. # إلى جانب هاته المطالعات التي كانت تثير سخرية أبناء أيتون من شلي كانت طبيعته ~~الحساسة الفياضة بالشعر وبما يلهم الشعر من تعلق بما وراء الطبيعة تدفعه إلى دراسات ~~أخرى جعلت زملاءه في المدرسة يطلقون عليه لقب (المجنون شلي)، فقد كان يعنى بالسحر ~~والسيمياء ويعتقد في الجن والأطياف ويرى في الهواء والماء شياطين وآلهة كانت تحيا ~~في خياله وتصبح ذات كيان ms212 ووجود؛ لكثرة مطالعاته في أساطير اليونان وتاريخهم، واتجه ~~عقله متأثرا بهذه الناحية من نواحي طبيعته يلتمس أسرار العلم ويريد أن يكشف عن ~~مخبوء قوى الكهرباء والضوء، ولذلك كان شديد الولع بأن يكون لديه معمل كيميائي صغير ~~يرضي طلعته العلمية والسحرية، على أنه كان كلما ازدادت في هذا الباب بحوثه ثبت لدى ~~زملائه جنونه، فلم يستمع له أحد قولا ولم يرض أحد عن نظرياته الجريئة في الحياة ~~وفي الحب وفي الإصلاح الذي أولع هو به بعد الذي أفاد من مطالعاته، بل كانت كل ~~محاولة من جانبه لإقناعهم برأيه مثار احتكاك بينهم وبينه وسببا للكمه ~~ولطمه. # وزاده تحديهم إيمانا بضرورة إصلاح الجماعة وتغيير أسس نظامها ومقومات حياتها، ~~لكنهم لم يكونوا يسمعون لما يريد أن يقوله لهم في هذا برغم أنه لم يفكر في كراهيتهم ~~بسبب ما يصل إليه من أذاهم، وإن كان دائم التفكير في إصلاحهم برا بالإنسانية ~~وعطفا عليها، فلما لم يجد منهم سميعا جعل من أخواته البنات ومن ابنة عمه هاريت ~~جروف تلميذاته في إجازاته المدرسية يلقي عليهن تعاليمه ويطالعهن برسالته، ولقد كن ~~بطبيعة الحال ألين من زملاء المدرسة عريكة وأسلس قيادا، وكانت إليزابث كبرى أخواته ~~أشدهن إيمانا به وتقديسا له وإعجابا بكل ما يقوله. # هو يرى الشر في الملوك والأغنياء والقسس، ويرى الخير عند البؤساء والفلاسفة، ~~إذا فالخير عند هؤلاء والشر في أولئك، وهو يرى الزواج نظاما تعسا، وإنما يجب أن ~~تقوم صلات الرجل والمرأة على أساس من الحب المقدس، فالزواج إذا نظام تعس، وكم كانت ~~شاعريته الوليدة تخلع على صور الحب التي يقصها أمام الفتاتين من باهر الألوان ما ~~يسحرهما عن كل ما سوى الحب مما يقوله ويجعلهما تؤمنان به من غير بحث فيه، أليستا ~~يافعتين تتقدمان إلى الصبا ويبدأ في دمهما مسرى رغباته؟ والحب عنوان هذه الرغبات ~~وطليعتها، وشلي شاب جميل حلو الحديث عذب النفس، له من نوازع الصبا ما لهما ويطير ~~على أجنحة الحب مطارهما. # ولئن كانت ابنة عمه هاريت ترى في حديثه عن الزواج واعتراضه ms213 عليه تجديفا لا تميل ~~إليه نفس الأنثى الحريصة على أن تجد من الجمعية كل حماية وعناية، فلعل الحب الوليد ~~الذي ينشأ بينها وبين شلي يكفل من بعد اعتداله ويدفعه ليعدل عن أوهام الإصلاح في ~~نظام الأسرة المقدس على الزمان، وإن هو لم يعدل من بعد فهي ما تزال بعيدة عن ~~التفكير في الزواج وفي الارتباط به أو بغيره، يكفيها اليوم أن تخرج معه ومع أخته ~~وأن تسمع لعذب حديثه وحلو ترنمه، وأن ترى في نظراته وابتساماته لها ما يسليها عن ~~نظريات يجمل بها أن تعتنقها لتزيده بها تعلقا ولها ابتساما، وكانت إليزابث تشعر ~~في بعض الأحايين أن قد طال بها المقام وأن قد سمعت من نظريات أخيها واستمتعت من ~~عطفه بما يكفيها بقية يومها فتذره وابنة عمها وحيدين يتبادلان نجوى الهوى وحلو حديث ~~الغرام، ثم يعودان متخاصرين يسري إلى جسم كل منهما دفء جسم صاحبه. # وكانت أيام إجازته المدرسية تنقضي في هذه السعادة الكاملة، فهو يدعو إلى مذهبه ~~فتاتين بديعتي التكوين، والفتاتان تؤمنان به وتبادلانه حبا خالصا؛ حب أخت ترى في ~~أخيها نبوغا تفخر به ويزيدها حبا له، وحب فتاة تصبو إلى ما يدفع الحب إليه كل ~~فتاة وفتى من تخليد الحياة في أجيال وأجيال، على أن يكون تخليدا ترضاه الجماعة ~~وترعاه، فإذا انقضت الإجازة عاد إلى أيتون مترفعا عن الساخرين منه مكبا على ~~قراءاته وبحوثه العلمية والسيمية منتظرا يوما يعود فيه إلى تلميذتيه يحدثهما من ~~جديد عن مذهب جدوين، ويتحدث إليهما عما نكب به رجال الدين الجماعة من أسس ~~فاسدة. # وأتم دراساته بأيتون وذهب به أبوه في أكتوبر سنة 1810 فألحقه بأكسفورد، وفيها ~~تعرف إلى شاب من أمثاله اسمه جفرسون هوج دهش بعد قليل من تعارفهما لكثرة مطالعات ~~صاحبه ولعنايته عناية خاصة بالعلوم والميكانيكا، وقد زادته هذه العناية دهشة حين ~~رأى في غرفة شلي من الأنابيب والزجاجات ومولدات الكهرباء ما جعلها معملا عجيبا. ~~لكن هذه العناية لم تكن لتصرفه عن مراجعة هيوم ولوك وفولتير وهولباخ وعن مداومة ~~الدراسة في ms214 كتاب جدوين. وكان من دواعي عجب هوج أن يكون لهؤلاء المتشككة كل ما ~~كان لهم من سلطان على ذهن صاحبه المتجه بطبعه إلى ناحية التأملات الروحية، لكن عجبه ~~هذا لم يمنع إعجابه بشلي الذي كان يخرج معه كل صباح يجوبان الأحراش فينطلق شلي ~~مرحا يجري وينط ويلقي بنفسه مقتحما الماء إذا هو صادفته بحيرة من البحيرات ليعود ~~بعد رياضته هذه إلى علمه وإلى تأملاته، ويعود كذلك إلى كتابة القصص والنشرات، فلقد ~~بدأ مع ابنة عمه ومع أخته قصة زاستروزي، وهذا هو يكتب قصة أخرى يجعل عنوانا لها ~~(القديسة أرفيني) يروي فيها شيئا من تفكيراته، ثم هذا هو كذلك يضع نشرة يجعل ~~عنوانها (الحاجة إلى الإلحاد) ويوقعها باسم جروميا ستكلي ويعمل لنشرها في كل مكان ~~لينتهي بسبب ذلك إلى طرده من أكسفورد وإلى هجرة بيت أبيه وإلى ما كان بعد ذلك من ~~حياته المشردة. # وكان في وسعه أن يتوقع ما ترتب على هذه النشرة من نتائج، بل لعله توقعها ولم يحفل ~~بها، أو لعل الدافع الذي أدى به لكتابة هذه النشرة لم يكن مما يمكن دفعه أو ~~مقاومته، فقد بعث الناشر ستكديل إلى مستر تموذي شلي خطابا يخبره فيه بأن ابنه بعث ~~له بقصة القديسة أرفيني وأن فيها من الآراء ما لا يسيغه الجمهور وما يبعث الناس على ~~القيامة ضده، فكتب مستر تموذي للناشر بأنه غير مستعد أن يدفع له شيئا من نفقات ~~الطبع والنشر، وانتظر حضور ابنه في إجازة عيد الميلاد، فلما حضر ألفى الجو حوله ~~متجهما وألفى الناس من أهل هذه البلاد يتهامسون بإلحاده ويزورون عنه وينأون ~~بجانبهم، وتحدث إليه أبوه ساعيا أن يقنعه من طريق المناقشة، فإذا برسي أقوى منه ~~حجة وأسطع برهانا، وإذا الأب يقنع آخر الأمر بأن يقول له في غضب: إني أؤمن لأني ~~أؤمن، على أن غضب مستر تموذي وتهامس الناس وانصرافهم عن شلي لم يؤثر في نفسه ولا ~~دعاه إلى التفكير في أمرهم، لكنما أثر في نفسه وبلغ منها وأثار حزنها ما كان من ms215 ~~ابنة عمه هاريت، فهو لم يكن يشك في عمق ما بينهما من حب عمقا وصل إلى شغاف القلب، ~~فليس يستطيع أمر من أمور الحياة أن يغير أحدهما على صاحبه أو أن يعدل بهما عما ~~تفاهمت نظراتهما عليه من تقاسم الحياة والاشتراك في ورد ما فيها من جمال وسعادة، ~~لكنه ما لبث بعد عودته أن تحدث إلى أخته إليزابث التي ظلت وحدها صادقة الود له، ~~وسألها عن هاريت وشأنها حتى تولاه الجزع حين سمع منها أنها انصرفت عنه كما انصرف ~~عنه غيرها، وأن حبها تطايرت جذوته حين علمت أن أهلها والمحيطين بها لا يرون زواجها ~~من هذا الذي جنت من قبل به وجن بها، وعبثا ذهب شلي وقابل هاريت وحاول ~~إقناعها، فقد ألفاها أشد حرصا على المتاع بنعيم الجمعية من ملبس وحلي ورقص منها ~~على الأفكار التي يسبح هو في سماواتها متوهما أنه يسعد العالم بإقناعه بها، ~~وألفاها أشد حرصا على علاقاتها بأبويها علاقة اطمأنت لها منذ مولدها منها على ~~صلتها بشاب لا تدري ما عسى أن يكون المستقبل معه. # تولى شلي الجزع، فكتب باكيا ثائرا إلى صديقه هوج خطابا يذكر له فيه أنها لم ~~تبق له وأنها انقلبت تكرهه لأنه متشكك بعد أن كانت هي من قبل متأثرة بتعاليمه، ~~ويعلن ثورته على التعصب ويقسم أنه لن يعفو عنه، ويعلن أنه، وإن لم يكن يقر الانتقام ~~فهو يرى الانتقام من التعصب عدلا بل واجبا، وأنه سيكرس كل لحظة من حياته ~~لمحاربته؛ لأن التعصب هو الذي يهدم الجمعية ويشجع العقائد الفاسدة التي تحطم أقدس ~~الصلات وأرقها وأعزها، وله عن ثورته هذه العذر أنه لم يكن يتوقع أن تحطم تعاليم ~~الدين أشرف عاطفة وأسماها، وأن تستل من بين الجوانح حبا قائما على التفاهم وحسن ~~إدراك الحياة والتوجه إلى ما فيها من جمال لعبادته والتسبيح بحمده، وكيف كان له أن ~~يتوقع هذا، وقد كان يرى في الحب عاطفة قدسية تسمو بالنفس إلى ما فوق منافع الحياة ~~ومطامعها، وتحلق بها في أجواء أثيرية تشهد منها ms216 بدائع هذا الخلق جميعا متجليا ~~فيما يقع عليه الحس من صور جماله، والحق أن الحب عند شلي كان له معنى أسمى بكثير من ~~معناه عند غيره، هو لم يكن يرى فيه مجرد رابطة نفعية وشركة للتعاون على حمل عبء ~~الحياة، بل كان يريده امتزاجا روحيا لاستشفاف ما حولنا من جمال هو مصدر الحياة، ~~وشركة في حب هذا الجمال في متباين صوره ومختلف ألوانه، ولعل أجمل ما يستطيع إنسان ~~أن يعبر به عن هذا المعنى ما عبر هو به في قصيدته (أببسيشديون) حيث يقول ما ترجمته: ~~«لم أتصل قط يوما بهذه الطائفة الكبيرة التي يوجب مذهبها على الفرد أن يختار من ~~بين الجماعة كلها رفيقة أو صديقة وأن يلقي بالباقين، وإن يك لهم ما لهم من جمال ~~وحكمة، في جمود النسيان ... فالحب الصادق يختلف عن الذهب والتراب في أنك كلما ~~شاطرتهما أخذت منهما وأنقصتهما، على حين هو يشترك مع الفهم الذي يزداد بريقا كلما ~~ازدادت الحقائق التي ينبعث نظره إليها، وهو كالخيال يستمد نوره من الأرض والسماء ~~ومن أعماق أهواء الإنسان ومن ألف مرآة وألف ضلع، ثم يملأ الوجود بالأشعة الباهرة ~~يقتل بها جرثومة الخطأ بما يسلط عليها ضياؤه من سهام كأنها أشعة الشمس، ويا ضيق قلب ~~ينحصر حبه، وعقل يقف تفكيره، وحياة تنتهي غايتها، وذهن يقف خلقه عند شيء واحد، ~~وصورة واحدة، يبني لذلك بها قبر خلده.» # إذا فالدين والعقيدة الاجتماعية والنظام الذي يحصرنا في دائرة هذا الحب الواحد ~~والتفكير الواحد والغاية الواحدة والخلق الواحد، يبني لنا قبر خلدنا، وهو لذلك يفسد ~~أمر الجماعة ويقضي على خير ما فيها من عواطف وأسمى ما فيها من إلهام، فعلى الذين ~~أوتوا ما أوتي شلي من هبة أن يقوموا في وجه هذا الضيق في القلب والعقل والذهن وأن ~~يصلوها من حربهم نارا حامية. # وعاد شلي إلى أكسفورد كئيب النفس حزين الفؤاد ثائر القلب والعقل معتزما أن يشن ~~الغارة على التعصب وأن يفسح الطريق للتسامح والحب والمغفرة والجمال، وكان أول ما ~~صنع من هذا ms217 أن أذاع نشرته (الحاجة إلى الإلحاد) موقعا إياها باسم غير اسمه ~~وموزعا لها على كل من ضيق التعصب دائرة قلبه وعقله، فقد بعث بها إلى رجال الدين ~~وإلى المعلمين وإلى المشتغلين بالسياسة، ثم عرضها في مكتبة بأكسفورد لم تلبث أن ~~اعتذرت عن عرضها لأول ما احتج أحد رجال الدين عليها، وقد افتتح هذه الرسالة بقوله ~~«الحس أساس كل معرفة»، وسار فيها بلهجة ملتهبة يطعن كل قيود الدين ويحطمها ، وأبلغت ~~الجامعة أن شلي هو ناشرها، فسألته فأبى أن يجيب فقررت فصله، واحتج صديقه هوج على ~~هذا التصرف من إدارة أكسفورد، فتقرر فصله هو أيضا، وترك الصديقان الجامعة عائدين ~~إلى لندن منتظرين فيها تطور الحوادث وتصاريف الزمن، مكتفين فيها بغرفة اعتبرها شلي ~~مأواهما الأخير. # ولما علم مستر تموذي شلي بفصل ابنه من أكسفورد ثار ثائره واستشاط غيظا وبعث له ~~برسالة يخبره فيها أنه لن يمده بمعونة أو مدد إلا إذا هو رجع إلى فيلدبليس وتلقى ~~فيها الدروس على من يختارهم هو له من الأستاذة، فرد شلي على أبيه يرفض في أدب ~~شروطه، ولم يقنع الأب بهذا الرفض فذهب إلى لندن وقابل برسي وصاحبه هوج وحاول ~~إقناعهما بالحجة ليعدل شلي عما كتب في رسالته عن الإلحاد، ومع ما سلكه من طرق ~~التلطف والمجاملة فقد لقي من ابنه صخرة لا تتزحزح وألفى فيه إباء وقوة عزيمة لم ~~يستطع التغلب عليهما، فتركه عائدا إلى فيلدبليس من غير أن يعطيه درهما، ولعله كان ~~يرجو أن تضطر الحاجة الابن إلى أبيه فينتهي إلى الإذعان، أو لعله كان أشد حرصا على ~~سمعته منه على فتاه، وعلى أي الحالين فقد ظل شلي مصرا على رأيه مرتفعا عن أن ~~ينزل عنه مستخفا بما يتهدده من ضيق ذات اليد، فما كان المال ليوازي عنده يوما ~~شيئا إذا هو تعارض مع إيمانه برأيه، وبقي معه هوج أياما في لندن ثم غادرها إطاعة ~~لأبيه الذي ألحقه بمكتب محام يتعلم الحقوق فيه، وأقام شلي من بعده في العاصمة ~~الإنجليزية وحيدا ليواجه الحياة وزعازعها وليستعد ms218 لنضال الجمعية التي اضطرته إلى ~~عزلته، مؤمنا بأنه سينتهي إلى الظفر بها والتغلب عليها. ~~(2) هاريت وستبروك # أقام شلي في العاصمة الإنجليزية وهو أقل تألما لاختلافه مع أبيه ولمغادرته ~~الجامعة وانقطاعه عن الدراسة المنتظمة منه لتنكر ابنة عمه هاريت جروف له وازدرائها ~~حبه وانفصالها عنه؛ لذلك كان أكثر تفكيرا في هذا الحب المحطم منه فيما يقيم به أود ~~حياته، وفيم عسى يفكر من شئون العيش وقد كان قانعا بما دون الكفاف حتى لتكفيه ~~بضعة بنسات طعام يومه؟! فأما هاته التي عقت الحب وعقت آراء جدوين وعقت المبادئ ~~السامية جميعا، فهي اللغز الذي يوجب العناية، وهي الداء الذي يتطلب للبرء منه ~~علاجا حاسما. # وأكب يقلب هذه المسألة على مختلف وجوهها حتى خيل إليه يوما أنه عثر في حجة ~~منطقية على الدواء الناجع لها والحل الصريح للغزها، هو لم يكن يحب من هاريت جسمها ~~ولا كان يقف إعجابه عند جمالها، بل لئن أعجب بحسنها على أنه بعض صور الجمال الذي ~~زينت به الطبيعة الوجود، فإنما كان حبه منصبا كله على سمو ذهنها لإدراك نظرياته ~~ونظريات جدوين في الحياة ونظامها والتسامح وضرورته والحرية وتقديسها والجمال ~~وعبادته، وهذا هو ذهنها قد فتر عن إدراك ذلك كله وهبط إلى مستوى الأذهان العامة ~~وأصبح شيئا آخر غير جدير بأي حب أو تقدير. # فماذا بقي بعد ذلك منها جديرا بالحب أو دافعا للتشبث بها والحرص عليها؟ أو لو ~~عشق إنسان في فتاة جمالها تراه عاشقا الدود الذي يحول إليه جسمها بعد انتقالها إلى ~~قبرها! وقد دفن من هاريت ذلك الذهن الوضاء المرتفع إلى مراقي ذروة التفكير والذي ~~اتصل من قبل بذهن شلي وروحه، وقد اندست إلى قبره ديدان الأوهام والأباطيل، فلينس ~~شلي هذه العاقة إذا، وليسلكها في سلك البائسات الحقيقات بعطفه ورحمته، لكن، لكن ~~هذه الحجة القاطعة التي أرضت عقل شلي لم تطفئ في قلبه جذوة زادها عقوق البائسة ~~ضراما، ولعل مرجع السبب في هذا إلى غدر هاريت لما كان يرجو في صحبتها من تعاون على ~~محاربة الأوهام ms219 المفسدة المندسة إلى نفس الجماعة أكثر مما يرجع إلى شيء آخر، ~~فالصحيح أنه لم تكن بينه وبينها صلة حب على نحو ما يفهم هو الحب؛ ولذلك لم يطل في ~~قلبه لاعج الهم ولا ظلت جذوته مستعرة إلا ريثما وجد في هاريت أخرى، لا تقل عن ~~الأولى جمالا ولا ذكاء، ذلك الاستعداد للسمو معه في سماوات الجمال والإلحاد ~~والتسامح وكل ما دعا كتاب الثورة الفرنسية وتابعهم جدوين في الدعوة إليه. # فلقد كانت أخواته البنات يتعلمن في مدرسة للبنات بحي كلابهام، وكانت رشيدتهن هلن ~~شلي تتناول من أختها الكبرى إليزابث رسائل تبعث فيها بما لديها من نقد كي تعطيه هلن ~~لبرسي لتعوضه بعض الشيء عن إهمال أبيه إياه، وكان برسي يذهب إلى مدرسة البنات هذه ~~يحمل بعض الهدايا لأخواته لأنه كان يأبى أن يستأثر بما تبعث به إليه أخته، وما لبث ~~أن تعرف إلى بنات المدرسة حتى بدأ يفكر في إقناعهن برأيه وحملهن على اعتناق نظرياته ~~ومبادئه، وكانت هاريت وستبروك من أكثر أولئك الفتيات رقة وأحلاهن ابتسامة وأغردهن ~~صوتا، وكان جمالها يضيء مزدانا بشعرها الذهبي وخدودها المتوردة وشبابها الضاحك ~~إلى ورود ربيعه، وكانت - على أنها في السادسة عشرة من عمرها - صغيرة القد طفلة ~~النظرة يفيض المرح من وجودها كله ويضوع منها سرور طرب يجعل كل ما حولها طروبا ~~ضحوكا، وقد أتقنت القراءة والإلقاء فزادت عذوبة صوتها وتغريده حياة وروحا، وعني ~~أبوها مستر وليم وستبروك بأن يجعل منها ضريبة لبنات النبلاء ليجزي الحظ بذلك عما ~~كان هو مفتتح حياته حين كان يعمل في الفنادق؛ لذلك كانت شديدة الحرص على الاتصال ~~ببنات النبلاء زميلاتها في المدرسة، وكانت أشد بأخوات شلي اتصالا، فلما رأت الشاب ~~النبيل الجميل برسي يتردد على أخواته وقع من نفسها وتوددت إليه وأظهرت أساها ~~لإلحاده وحاولت أن تصده عنه وأن تقنعه بمثل إيمانها وإيمان الجمعية كلها، لكنها ما ~~لبثت أن اتصلت به حتى تأثرت بروحه وحتى رأت فيما يدعو إليه بهاء وجمالا لا شيء ~~مثلهما أو يقاربهما في تعاليم الكنيسة ورجال ms220 الدين، فالحرية الأثيرية الأجنحة ~~الطائرة في فضاء طلق تسبح منه في جمال الوجود ناهلة ورد كل ما فيه من صور هذا ~~الجمال الذي يحمل إليها شذى الحب وعبقه، فيملأ بهما قلب المستمتع بنعيمها من غير أن ~~يثقله بقيد من زواج أو من تملك أو توارث، ومن غير أن يرهقه بالقوانين أو التكاليف، ~~هذه صورة جذابة ليس لها فيما حفظت من تعاليم الدين نظير، إلا أن يكون ذلك في العالم ~~الآخر وبعد انتقالنا من هاته الحياة التي نحسها ونلمسها، ولو أننا تابعنا شلي ~~لاستطعنا أن ننعم بها في الحياة نعيم المؤمنين بها بعد الموت، فما لهذا العصفور ~~الجميل هاريت والتفكير في الموت، وما لها وإكراه خيالها على اقتحام صورة الموت ~~المرعبة إلى ما بعدها لترى ما يخيلون لها من نعيم وهناء وجمال؟! ما لهذا العصفور ~~وهذا الإجهاد ما دام رسول الجمال والحب شلي يضع له الجنة في يديه، جنة لا تقف ~~حدودها عندما يزين من تعاليم ويصقل من صور وآراء، بل تبدو حقيقة ملموسة في جمال ~~صورته، وفي نبله وثروته الواسعة وعذوبة نفسه وطيبة قلبه وحبه الإنسانية كلها حبا ~~جما؟ أوليس خيرا لها أن ترفعها هذه الأيدي الرقيقة الحنون - أيدي شلي - إلى جنات ~~النعيم؛ لذلك ما لبثت أن آمنت بكل ما يقول وأن أصبحت مثله تلميذة لجدوين ولمن ~~أخذ عنهم جدوين حتى أفلاطون، وأصبحت لا تجد سعادة في لحظة أكثر من تلك التي ترى ~~فيها شلي في المدرسة أو التي تذهب له فيها ببيته في شارع بولونيا تحمل إليه ما ~~تعطيها أخته هلن من مال، فقد كانت هلن تبيت بالمدرسة ولا تستطيع الخروج منها في حين ~~كانت هاريت تذهب كل يوم إلى بيت أبيها فتجد الفرصة للمرور بصديقها ووليها وأستاذها ~~ومحبوبها. # وكان لهاريت أخت متقدمة في السن إلى ما فوق الثلاثين اسمها إليزا تقوم منها مقام ~~أمها المتوفاة، وقد سرها ما عرفت من صلة هاريت بشلي، كما سر بذلك أبوها واعتبره ~~خطوة أولى يرقى بها إلى مصاف النبلاء؛ لذلك لم يسؤه ms221 يوما مرضت فيه هاريت أن دعت ~~إليزا بشلي إلى مخدع نوم أختها وأن جلس عند أقدامها إلى ما بعد منتصف الليل، وكان ~~من أثر جلوسه إليها أن برئت من مرضها وأن عادت اليوم التالي إلى صحتها وإلى ~~تغريدها، وأن تزايد من بعد ذلك وجدها به حتى صار هياما وتدلها، لكن شلي لم يكن ~~ينظر إليها نظرتها إليه، بل كان يرى فيها حياة الروح وسمو الذهن إلى الاقتناع ~~بآرائه ومبادئه مما يعزيه عن روح ابنة عمه هاريت جروف التي دفنت في قبر الأباطيل ~~ونخر فيها سوس الأوهام، كان يرى فيها ضياء جديدا غير هذا النور الذي خبا، وشريكة ~~فيما يسميه هو الإلحاد في حين هو الإيمان بالعدل والحق والجمال، وإذا هي لم تكن من ~~طائفة النبلاء فلعل في تحررها من قيود هذه الطائفة ما يكفل بقاءها على عقيدتها ~~الجديدة وثباتها في إيمانها الذي أوحاه هو إليها، وما أجمله إيمانا يتحلى به رأس ~~جميل كله الحياة وكله المحبة وكله العواطف المتأججة. # واطمأنت نفس شلي إلى تلميذته وإلى الحياة وعاوده الرجاء في صلاح الإنسانية كلها، ~~وإن كانت هذه الصلة قد أدت إلى فصلها من المدرسة كما فصل هو من أكسفورد من قبل، ~~وزادته طمأنينته هذه شوقا إلى أخته إليزابث أشد من عرف من تلاميذه إيمانا به ~~وحبا له، وفيما كان يفكر في الطريقة التي يعود بها إلى فيلد بليس مر خاله الكبتن ~~بلفولد بلندن وتقابل وإياه، وكان الكبتن رجلا كثير التجوال في مختلف أنحاء العالم، ~~فكان لذلك واسع الصدر متسامحا لا يطيق أن يفهم كيف يؤدي اختلاف أب وابنه في الرأي ~~إلى تعصب الأب وتصميمه على أن يميت ابنه جوعا، فأخذ شلي معه إلى داره بككفلد ليعيد ~~الصلة المقطوعة وليكفل للابن عيشه، وكانت في ككفلد مربية هي مس هتشنر رومانية ~~الجمال تتخطى في طمأنينة إلى الثلاثين من عمرها وتدين بالمبادئ الحرة ولكنها تؤمن ~~بالله، فأخذ الشاب نفسه بأن يشفيها مما سماه «هذا المرض» وقبلت هي أن تتلمذ له، ~~مدفوعة أغلب الأمر بسحر جماله ms222 وعذوبة روحه أكثر من اقتناعها بآرائه ومبادئه، ~~واستعان الكبتن بلفولد الدوق نورفلك على التوفيق بين شلي وأبيه، فلم يحتج المستر ~~تموذي لأكثر من كلمة الدوق كي يعود برسي إلى أهله وكي يرى أخته إليزابث، وارتضى ~~الأب أن يرتب لابنه مائتي جنيه سنويا لا يقيدها شرط ولا يؤثر ترتيبها في حرية شلي ~~بأية صورة من الصور. # ولقد فاضت السعادة بشلي في أثناء سيره من بيت خاله لبيت أبيه لغير شيء إلا إطفاء ~~شوقه لإليزابث، لكنه لم يلبث إلا قليلا بعدما رآها حتى بهت وعلاه الذهول، هل هذه ~~هي إليزابث التي يعرفها؟ لقد كانت تؤمن بإيمانه وتدين بمبادئه، وكانت عونه على ~~هاريت جروف حين تنكرت له وعقت مبادئه وعادت إلى مثل أوهام العامة وعقائدها، فكيف ~~بها هي الأخرى تفعل فعلة هاريت وتثور به وبمبادئه وتجعل كل همها أن تجيل الطرف فيمن ~~حولها من الشبان وأكبر رجائها أن تجد منهم زوجا صالحا؟ أفترى أولئك الفتيات وبنات ~~جنسهن جميعا ضعيفات غاية الضعف متى تحركت الأمومة في أحشائهن حتى ينزلن خاضعات ~~لسلطانها عن كل شخصيتهن، ويتجهن بوجودهن كله تلبية لرغبات هذه الغريزة فيهن باحثات ~~في أقرب ما يجاورهن عن مستقبل وادع مطمئن للنسل الذي تحمل أرحامهن؟ وهل ينسين ساعة ~~بحثهن هذا كل ما يسمو إليه الحب من معان وما يطمئن المحب إليه راضيا من تضحيات في ~~سبيل تحقيق هذه المعاني؟ ألا تعسا لنظام الجمعية الزائف القائم على الكذب والوهم ~~المدعم بالقسوة والدماء! فهو الذي يقضي على أذهان بنات حواء هذا القضاء ~~القاسي. # وعبثا حاول شلي أن يعيد إليزابث إلى حظيرته العليا وأن يردها كي تفسر النفس على ~~صور من السمو لا يطيقها إلا الموهوبون الذين أرسلتهم الأقدار للرقي بالإنسانية ~~درجات جديدة في سبيل الكمال، وجعلت من جهادهم في سبيل رسالتهم لذة عيشهم وسعادة ~~حياتهم، لقد ذاقت الفتاة ما تقدمه الجمعية من صنوف المتاع وما تقتضي ثمنه إذعان ~~بنيها للنطاق الذي ترى فيه الحفيظ على كيانها، لقد ذاقت هذا المتاع المادي القريب ~~إلى متناول اليد، وها ms223 هي ذي ترى في الأمومة صورا أخرى من المتاع لا سبيل لها إلى ~~نيلها إلا بالاندماج في قطيع الجماعة وتقديس أوهامه وترهاته، أفتنأى بجانبها عن ~~هذا المتاع لتقف من الجماعة موقف أخيها وتنظر إليها العيون شزرا وليسمي القانون ~~متابعتها عواطف قلبها عهرا؟ كلا، ولئن كان شلي أخا صادق الأخوة، فأول واجبه أن ~~يبحث لأخته عن زوج نبيل غني جميل تستكمل به كل ما في مادة الحياة من متاع وتؤدي به ~~للأمومة واجبها. # ويئس شلي من أخته كما يئس من قبل من ابنة عمه، فلم تبق له لذة في مقامه بين أهله، ~~وجاءته دعوة من هوج كي يذهب إليه في يورك، وأخرى من فتاتي وستبروك وثالثة من خاله ~~الكبتن بلفولد، ولكنه تردد في قبولها جميعا ثم فضل عليها دعوة أحد أقاربه إلى بلاد ~~الغال على شاطئ البحر آملا أن يجد من جمال طبيعة تلك البلاد ومن تلاطم الموج ~~والصغر ما يسكن ثورة نفسه وما يبعث إلى قلبه السلوان عن مصابه في ذهن أخته، وفي ~~مقره الجديد نصب نفسه رسولا يدعو إلى الحرية والحق والتسامح في رسائل كانت تستنفد ~~أكثر وقته يكتبها إلى هاريت وستبروك وإلى مس هتشنر وإلى هوج وإلى غير هؤلاء ممن ~~يأنس فيهم ميلا إلى الرقي نحو الكمال، ولم يطل به المقام في عزلته الجميلة حتى ~~تسلم رسالة من هاريت تذكر له فيها أن أباها يريد أن يعود بها إلى المدرسة التي فصلت ~~منها، ويطلب إليها أن تنكر تعاليم شلي كي ترضى ناظرة المدرسة عن رجوعها، وأنها ~~اعتزمت أن تنتحر كي لا تلبي ما يريدونها عليه، فرد شلي عليها يسكن من روعها وبعث ~~إلى أبيها يلومه لما يحاول من إكراه الفتاة عليه، وغضب أبوها لتصرف هذا الشاب الذي ~~كان راضيا من قبل عنه مغضيا عن تعاليمه حين كان يحسب أنه سيتزوج ابنته، ثم إذا به ~~كغيره من أبناء النبلاء يغرون الجميلات من بنات الطبقات الأخرى ثم ينأون عنهن ~~ازدراء لمنبتهن، ولم تطاوع هاريت أباها على أن يكون ذلك شأن ms224 شلي، فكتبت إليه من ~~جديد تشكو، وذكرت له أنها متأثرة بخطابه، عدلت عن فكرة الانتحار، ولكنها تريد ~~الفرار معه، فترك الغال حين تسلم رسالتها وذهب إلى لندن كي يحاول إقناع أبيها بأن ~~لا حق له في إكراه ابنته على غير ما تريد آملا أن تبقى الفتاة في رعاية مستر ~~وستبروك مع بقائها مؤمنة بالحياة الجديدة التي اختار هو لها سبيلها، فلما رأته ~~الفتاة تعلقت به وألحت عليه كي يفرا معا ليقيما حيث يشاء، وحاول هو أن يردها عن ~~رأيها فكان جوابها: لكني أحبك ولا صبر لي على بعدك. # هنا وجم شلي، وزاده وجوما اللهجة الصادقة القوية الملتهبة التي اعترفت الفتاة ~~فيها بحبها إياه، لكنه هو لم يحبب منها عذوبة صوتها ولا جمال تكوينها وإنما أحب ~~منها سمو ذهنها وجمال روحها! على أنه اهتز مع هذا لاعترافها، وشعر معه بسموها على ~~ابنة عمه وعلى أخته، إنها تحبه وتريد الفرار معه مزدرية أوهام الجماعة وعقائدها ~~مستعدة للاشتراك معه في نضالها لهدايتها وإصلاحها، فلم يستطع في تداول نفسه بين ~~اهتزازها إعجابا بهذا الاعتراف وشعورها بأن ليس يشغلها هذا الحب الذي تريد الفتاة ~~أن يبادلها مثله، إلا أن يملس على شعرها وأن يسكن من روعها وأن يعدها بصدق إخلاصه ~~لها وأنه سيكون إلى جوارها عند أول نداء يصله منها، وكفى الفتاة أن تسمع منه هذه ~~الكلمة ليزول عن وجهها شحوب جاءته به أيمان أقسمها أبوها بأن شلي ضلل بها وأنه لا ~~يحبها، وليعود إلى لونها تورده وإلى وجودها شبابه وفرحه. # وكتب شلي يقص على هوج ما حدث، فأجابه صديقه ناصحا إياه ألا يفر بالفتاة إلا أن ~~يتزوجها، وإذا كان لا يؤمن بالزواج ويرى فيه نظاما تعسا، فليس من حقه لذلك أن ~~يشقي فتاة تحبه، فلن تصيبه هو من هذا الفرار خسارة ولن يناله منه أذى، أما هي ~~فستكون إن لم تتزوجه منظورا إليها بعين الازدراء حيث سارت، مغضوبا عليها من ~~أبيها، محرومة من عطفه ومعونته، شاعرة لذلك بألم قد يجني في نفسها الطفلة على ms225 حبها ~~إياه، فإذا كان شلي لينفذ مبادئه وتعاليمه ولينفصل حين ذلك عنها، فماذا يكون أمرها ~~وأيان يكون مصيرها؟ أفلا يكون بهذا مسلما إياها للتعس والشقاء، وتكون التعاليم ~~التي يريد بها سعادة الإنسانية مؤدية بالفتاة إلى البؤس والسقوط لغير ذنب إلا أنها ~~أحبته؟ # وصدمت شلي قوة حجج صاحبه فتراجع أمامها وتردد في وعده الفتاة أن يكون إلى جانبها ~~لأول ما تدعوه إليها، لكن الفتاة لم تمهله في تردده بل بعثت إليه بعد أسبوع من تركه ~~إياها تدعوه إليها، ولم تطل في نفسه المعركة بين المبدأ والواجب، فذهب إليها مذعنا ~~للواجب معتزما أن يفر بها وأن يتزوجها تاركا بين يدي القدر ما يؤول إليه أمرهما ~~من بعد. # وغادرا عاصمة إنجلترا قاصدين عاصمة إيقوسيا وقضيا في سياحتهما أياما شعر شلي ~~خلالها بحياة جديدة تسري إلى قلبه وعاطفة حلوة تتحرك بين جوانحه، لقد فر عصفوره معه ~~طائرا عن العش الأبوي حبا له وغراما به، فلم يك حديثها معه عن الحب هذا الحديث ~~القديم يسموان فيه إلى التفكير في المعاني التي يريد هو أن يحيط الحب بها، بل أصبح ~~حديث غرامها هي وتدلهها، وأصبح حديثا دلالة الألفاظ فيه دون دلالة النظرات ~~والبسمات والقبلات، ها هي ذي تستيقظ إلى جانبه فإذا عيونها إليه معسولة ندية النظرة ~~كلها الشوق والهوى، وإذا أذرعها تطوق عنقه وأصابعها تعبث بشعره وقدها الصغير يجتمع ~~كل ما فيه من حياة صاعدا إلى قلبها كي يبعث بها إلى فمها فتطبعها على فمه قبلة ~~فيها كل قلبها وكل حياتها وكل حبها، وها هي ذي النهار كله تشدو إليه بأغاريد حبها ~~وهواها، ثم ها هي ذي الليل تطوق ثغرها ابتسامة السعادة ويهفو إلى أذنه تردادها ~~لاسمه حين أحلامها بهنائها ونعيمها؛ لذلك لم يكادا يصلان إلى إدنبرة ويختاران فيها ~~مسكنا حتى أتم زواجه منها وملكه إياها، وكذلك قضيا أياما نسي فيها شلي نفسه ~~ورسالته واستسلم فيها بكله إلى المتاع بحب هاريت حبا بعث إلى كل ما يحيط بهما من ~~بحر وشجر وجبل وزهر شذى جعلها تضوع ms226 بريح الحب هي الأخرى وتزداد على جمالها جمالا ~~وسحرا. # ثم آن لشلي أن يعود إلى تأملاته وتفكيره، فإذا هاريت في شغل عنها بحبها له ~~وعبادتها إياه، فإن هي شاركت فيها كانت صدى له يرد إليه تأملاته هو في صوت عذب ~~وحديث حلو؛ لذلك ود شلي - مع اطمئنانه لعزلتهما وسعادته بحبهما - لو أن صديقه هوج ~~كان معهما، وكأنما كانت الأقدار في هذا طوع رجائه، فلم تك إلا أسابيع بعد عودته إلى ~~التأمل والتفكير حتى جاء هوج في إجازة له يقضيها عند صديقه، وقد بهرته روعة جمال ~~هاريت إلى حد كاد معه يمل حديث شلي وبحوثه ونظرياته، وسر شلي بأن أتاحت له ضيافة ~~هوج خروج هاريت معه للنزهة وتركه هو لقراءته وتأملاته، فلما آن لهوج أن يعود إلى ~~يورك اقترح عليهما أن يذهبا وإياه لها، وسافر ثلاثتهم فلم يجد شلي في يورك جمالا ~~يغذي روحه الدائمة الظمأ للجمال، وزاده هما أن لم يصله من أبيه المال الذي اتفق ~~على أن يبعث له به فسافر إلى ككفلد ليرى خاله الكبتن بلفولد وترك زوجه في حماية ~~صديقه إلى أن يبعث إليها بأختها، ولم يملك هوج نفسه من أن يذكر لهاريت أنه يحبها، ~~فصدته الفتاة عنها وقاومت هجوم هواه يوما واحدا أن حضرت أختها في اليوم الثاني ~~فحالت بينهما، ولما جاء شلي وأخبرته بخبر هوج لم يزد على أن لام صديقه على سوء ~~صنيعه، ثم غادر المنزل مسافرا ومعه زوجه وأختها اللتان رأتا في صنيع هوج ما لا ~~يمكن معه احتمال مرآه، وعاد هوج من مكتب المحامي الذي يشتغل في رعايته فألفى المنزل ~~خلاء وإن لم يخبره بالسفر أحد. # واختار شلي الذهاب إلى منطقة البحيرات إذ كان يقطنها الشاعران الكبيران سوذي ~~وكولردج، وكان شلي قد بدأ يقرض الشعر، فهو يطمع في مثل عظمتهما ويرجو أن يكون من ~~شعراء منطقتهما، ولما كان دوق نورفلك يقيم كذلك في هذه المنطقة، وعلم بمجيء شلي ~~إليها، فقد كتب يدعوه وزوجته إلى قصره، وهناك عرف صديقا لسوذي ذهب به إلى ms227 بيت ~~الشاعر الذي كان يحل من نفس شلي أسمى مكانة وأرفعها، لكن شلي لم يلبث أن تولته ~~الدهشة حين ألفى زوجة سوذي أبعد ما تكون عن إلهام الشعر وإن كانت ربة دار مضربا ~~للمثل، ولما دار بينه وبين سوذي الحديث بهت مما سمع، فسوذي، هذا الشاعر الفحل، يقول ~~إنه متدين وإنه مسيحي! وهو يحب المال ويطمع في كسبه! وهو يعيش كما يعيش الناس ويفكر ~~تفكيرهم! أليس هذا عجبا ؟! ثم ماذا؟ ثم عثر في مجلة على مقال لسوذي يصف فيه ملك ~~إنجلترا بأنه خير ملك جلس على عرش، وعلم أن سوذي يقصد من هذا إلى أن يخلع عليه ~~الملك ألقابه، إذا فهو رجل يسخر ضميره لمطامعه ولا يرجو من الحياة إلا ما يطفئ ~~ظمأه لنعيم المادة، إذا هو لا يستحق احتراما ولا تقديرا، ليكن له من ملكة الشعر ~~ماله، فلن توحي ملكة أيا تكون باحترام صاحبها إذا نزل بأخلاقه وبعمله في الحياة ~~إلى المستوى الوضيع الذي لا يطمع الناس منه إلا في كاذب الجاه وفي اكتناز ~~المال. # أما سوذي فعجب لأمر شلي وصلابته في رأيه وإن لم ير في ثورته بالدين إلا مرحلة من ~~مراحل التفكير يمر بها الشباب الذكي جميعا ثم يعودون إلى نوع من الإيمان له روعته ~~وجلاله، بل لقد كان شديد الاقتناع بأن سيكون ذلك شأن شلي؛ لأن نفسه نفس شاعر، ونفس ~~الشاعر لا تطيق الإلحاد وما يصور الإلحاد من عدم، ولأن نفس الشاعر تخلق فلا تستطيع ~~أن تنكر الخلق، ولأنها جميلة فلا معدى لها عن الإيمان بالجمال، ومن يدري أي مصير ~~كان قد أعده القدر لإيمان شلي لو أن منيته لم تعاجله فامتد به العمر حتى رأى من عبث ~~الأقدار بالناس والحياة أكثر مما رأى!! # وكان من حظ شلي ألا يفجعه القدر حتى يسرع إلى أن يعوض عليه فجيعته، فكما عوضه عن ~~هاريت جروف بهاريت وستبروك، كذلك عوضه عن سوذي بمن يؤمن به ألف مرة أكثر من إيمانه ~~بسوذي، فقد عرف إذ ذاك أن وليم جدوين حي ms228 يرزق وأنه يقيم بلندن، وأنه يستطيع أن ~~يراه؛ لذلك سارع فكتب إلى مؤلف (العدل السياسي) رسالة كلها الإعجاب به والرجاء في ~~الاستماع له، على أن شلي كان يومئذ في شغل بمشروع كبير لم يدع له الفرصة كي يسرع ~~إلى لندن للحاق بأستاذه الروحي العظيم، ذلك أن الكاثوليك من أهل أرلندا كانوا ~~يعاملون معاملة شاذة، سببها أنهم على غير البروتستانية دين المملكة ودين الغالبية، ~~فكانوا محرومين من مناصب الدولة غير معترف لهم بكثير من الحقوق المدنية المقررة ~~للإنسان. # وقد رأى شلي في هذا فرصة سانحة ليعلن حربه على الظلم ولينادي بالمساواة بين الناس ~~جميعا لا يفرق الدين بين أحد منهم ولا يجعل له فضلا على غيره، وليشن الغارة على ~~رجال الدين وما يدعون إليه من تعصب، وعلى الملوك وما يحيطون به رجال الدين من رعاية ~~يردها رجال الدين إليهم بدعوة الناس إلى تقديس عروشهم والإذعان لظلمهم واعتباره بعض ~~ما أراد الله لخيرهم، ولهذه الغاية وضع نداء مطولا دعا فيه إلى مبادئه، وفي ~~مقدمتها التسامح، وإلى هذه الأفكار التي خلفتها الثورة الفرنسية وراءها. # لكن الثورة كانت قد أخفقت في نظر الناس من أهل ذلك العصر؛ لأنها بعدما قامت فداء ~~للحرية والمساواة، وبعدما قدمت من تضحيات، وبعدما قضت عليه من رءوس أطاحتها وثروات ~~عصفت بها؛ لم تبلغ من غايتها أكثر من أن قدمت أبناء فرنسا كلهم طعاما لشهوات ~~نابليون الحربية وأن أجلسته إمبراطورا على عرش الجمهورية، وسر إخفاقها في نظر شلي ~~وجدوين وكثيرين من كتاب العصر ومفكريه أنها اعتمدت لتحقيق غاياتها على القسوة ~~والعنف، فمهدت السبيل لنفور الناس منها وتنفسهم الصعداء لانقضاء عهدها، ولو أنها ~~جعلت الرحمة والتسامح وبر الإنسان بالإنسان وتفاهم الأخ مع أخيه أساسا لها، لحققت ~~على الأرض كل غاياتها وإن احتاجت إلى زمن أطول مما كان يقدر رجالها لنجاحها. # ولهذا دعا شلي إلى مساواة الكاثوليك بسائر الإنجليز في الحقوق والتكاليف طالبا ~~إلى الكاثوليك أن يتمسكوا بحقهم في هذا من غير أن يلجأوا إلى عنف أو دماء، واتخذ ~~مقرا لدعوته في ms229 دبلن بيتا أقام فيه مع هاريت وإليزا، وجعل يوزع على الناس نداءه ~~الحار الملتهب لهذه المبادئ السامية، وقد خيل إلى بعض أصدقائه أن البوليس لا بد أن ~~سيقبض عليه وأن أهل أرلندا سيلتفون حوله، لكن هؤلاء خسروا من رسول حريتهم الذي لم ~~يبلغ بعد العشرين من عمره، ووجدوا فيه وفي زوجه الطفلة الرقيقة موضع دعابة وعطف مما ~~جعل البوليس لا يهتم لهما ولا يعبأ بهما. # والحق أن شلي كان مخطئا كالذين رأوا معه أن إخفاق مبادئ الثورة الفرنسية يرجع ~~إلى التجائها للعنف والقسوة، فالثورة الفرنسية - ككل ثورة غيرها في العالم - لم ~~تبدأ لتحقيق المبادئ التي أعلن أهلها أنهم يريدون تحقيقها، بل هي بدأت أول أمرها ~~لأسباب اقتصادية بحتة، وكان الذين سبقوها من أمثال روسو وفولتير وديدرو قد نادوا ~~بأن سعادة الناس تتم إذا تحققت المبادئ التي أعلنوها، فلما دكت قوائم عرش فرنسا ~~وأزيح كابوس الجوع وبدأ الذين ألقت إليهم ظروف ذلك العصر مقاليد الأمر يفكرون في ~~الطريقة التي يسعد الناس بها؛ تناولوا المبادئ التي كان الناس من قبل يقرءونها ~~فتلذهم قراءتها من غير أن يؤمنوا بها. # وكان كثير من حكام المصادفة أولئك أقل الناس إيمانا بفائدة المبادئ التي أعلنوا ~~أنهم يريدون تطبيقها ويحاربون من يقف في سبيلها، لكنهم كانوا يفعلون ما يفعلون من ~~ذلك استبقاء للسلطة في أيديهم وتخلصا ممن قد ينازعهم إياها، فهم إذا متعصبون ~~لمصالحهم كرجال الدين ممن يحاربهم شلي سواء بسواء، لكنهم وحدهم هم الذين يوصلون هذه ~~المبادئ السامية إلى ذهن الجماهير؛ لأن الجماهير لا تفهم إلا اللغة الدموية ~~الوضيعة، لغة القسوة والإرهاب والبطش، ولو أن شلي استطاع أن ينزل من سمائه العليا ~~إلى هذه المرتبة لأحاط الجمهور به ولهتف له ولتابعه ولولغ وإياه في الدم ولابتهج ~~لهذا المنظر الذي يحرك فيه حيوانيته الأولى، ثم لثبت قليل أو كثير من هذه المبادئ ~~في ذاكرته يستظهرها بعد رجوعه إلى وعيه، أما وشلي يخاطبه بلغة السماء ويتحدث له عن ~~حب الإنسان للإنسان وتسامح الإنسان مع الإنسان، فلا مطمع له ms230 في أكثر من سخرية ~~الجمهور به سخرية شابها العطف على شبابه وعلى جمال زوجته. # وعبر شلي وصاحبته البحر من جديد إلى بلاد الغال يائسا من أولئك الكاثوليك الذين ~~لا يفهمون، وظل يتنقل في مختلف بلاد الشواطئ البحرية زمنا لم يهتد فيه إلى مسكن ~~يسر به، فغادرها متجولا في نواح مختلفة حتى اهتدى في لنموث إلى منزل أعجبه فأقام ~~به؛ أعجبه لما يحيط به من مناظر شعرية جميلة يزيدها عنده جمالا عزلتها وقلة اختلاف ~~الناس إليها، وفي هذا المنزل قبلت مس هتشنر دعوته فجاءت لتقيم معه، والحق أنه كان ~~بحاجة إلى صديق روحي يبادله الرأي ويدرك وإياه صور الحياة، فلقد ظلت هاريت طفلة، ~~ولم تزد على ما كانت عليه تلميذة، وكان هو يومئذ في بدء نشاطه الشعري يضع أولى ~~قصائده الكبرى المعروفة في ديوانه (بالملكة ماب) أودعها ما وصل إليه من فلسفة، وكان ~~يريد من يردد شعوره ويقدر آراءه، فلما حاول، يريد أن يجد من هاريت ذلك الشخص؛ تبدى ~~له أنها لا تتذوق الشعر ولا تفهم الفلسفة؛ لذلك طار سرورا من مجيء مس هتشنر وطلب ~~إليها أن تزيد في تهذيب زوجته، ولعل هذه كانت طلائع التباين فيما بينهما تباينا ~~ينتهي إلى الافتراق وإلى انتحار هاريت غرقا ويدس إلى حياة شلي هما ناصبا يظهر ~~أثره من بعد في كثير من شعره. ~~(3) بعض نثره وشعره # أقام شلي بالمنزل الذي اختاره في لنموث ومعه زوجه هاريت وستبروك وأختها إليزا ومس ~~هتشنر حتى أوائل خريف سنة 1812، ومن لنموث وجه شلي إلى القاضي لورد اللنبرا خطابا ~~كان أعظم أثرا وأشد وقعا من كل ما حاوله في أرلندا، وكان وما يزال ينبئ عن قوة ~~شلي في النثر بما لا يقل عن قوته في الشعر، فقد حكم هذا القاضي على مستر إيتون ~~بالسجن والتعذيب، لأنه نشر كتابا يطعن على المسيحية وينكر فيه المعجزات والبعث، ~~ويرى في التثليث نظرية لا يقبلها العقل، ولم يدر بخلد أحد أن يجعل من هذا الحكم ~~موضع طعن أن كانت للأحكام في كل أمة ms231 قداستها، على أن كتابا في فرنسا وفي غير ~~فرنسا ممن يعجب بهم شلي لم يترددوا حين رأوا في الحكم ظلما عن أن يكرسوا الكثير من ~~جهودهم لرفع الظلم بالعمل لإعادة النظر في الدعوى، وهذا فولتير جعل من قضية كالا ~~الذي حكم عليه بالإعدام وبتجريد أبنائه من ثروتهم موضعا لحملة انتهت بإعادة ~~النظر في الحكم، وبإعادة شرف كالا إليه بعد إعدامه، وإزالة ما ترتب على الحكم الأول ~~من نتائج بالنسبة لأبنائه ووارثيه، والحكم على مستر إيتون أجل في نظر شلي خطرا، ~~فهو لا يقتصر على إدانة إنسان من الناس بل يدين حرية الفكر والتعبير عنه، ويقيد ~~العقل بقيود تضطر حر الرأي إلى النفاق للجماعة مخافة ما ينزل به من عقاب، وتحول بين ~~الجماعة والاستفادة من تفكير ذوي المواهب الذين تبعثهم الأقدار ليداوموا السير ~~بالإنسانية إلى ناحية الكمال؛ لذلك وجه إلى اللورد اللنبرا خطابه القوي مفتتحا ~~إياه بقوله: «مولاي، أما وللمركز الذي دعتك بلادك لتقوم فيه ما له من أهمية، ~~فالتبعة المترتبة عليه هي لذلك أعظم خطرا، ويجب لذلك عليك مداومة النظر في أنك لم ~~تحكم خطأ بالعقاب على فاضل أو بالمكافأة لناقص، وصحيح أن القوانين القائمة تحميك من ~~محاسبة أية سلطة دستورية إياك بسبب الحكم الذي أصدرته على مستر إيتون، لكن ليس ثمة ~~أي قانون يستطيع حمايتك من سخط الأمة عليك وعدم موافقتها على حكمك، وليس ثمة قانون ~~يحول بينك وبين حكم الإعقاب عليك إذا كان للإعقاب أن تعنى بذكر شأنك.» ثم ينطلق شلي ~~مندفعا: «لكن بأي حق تعاقب مستر إيتون؟! ليس هناك إلا سوابق عتيقة من أيام تحكم ~~الكهنوت وظلمهم هي التي يمكن التذرع بها لإهانة الإنسانية والعدالة هذه الإهانة ~~المزرية. # فأي رجل أضر به مستر إيتون؟ وأي جريمة ارتكب؟ ولم لا يسير حيث يشاء كما يفعل سائر ~~الناس، ثم لم لا يعيش كما اعتاد أن يعيش؟ وأية غاية ترجى من حبس هذا الرجل الذي ~~اتهم بأنه لم يرتكب ما يشين شرف إنسان؟» ويسوق شلي الحجج بعد ذلك يأخذ بعضها ms232 برقاب ~~بعض يدلل بها على أن التسامح ملاك سعادة العالم وإخاء الإنسان للإنسان والوسيلة ~~الوحيدة لاستعلاء الحق والفضل، وأن التعصب والاضطهاد لم يجرا على الإنسانية إلا ~~ويلات كانت أداتها أمثال لورد اللنبرا، ويسوق هذه الحجج في لهجة قوية تظهر في مثل قوله: # إن نظام الاضطهاد لا يضارع عجزه ولؤمه إلا اضطراب المنطق فيه، فالمطابع ~~مثقلة بما يسمى (تهكما فيما أظن) الأدلة المثبتة للمسيحية، وهي كتب حافلة ~~بالمطاعن والأكاذيب على منكريها، وقوامها أن كل من يرفض المسيحية مجرد من ~~الإدراك والشعور، وسبيلها أن تقرر ما لا دليل عليه، وأن تتخذ من الأباطيل ~~الشائعة المنفرة، مبادئ أولية صحيحة، ومن النتائج المستخلصة من هذه ~~المقدمات المفترضة، بنى شاهقة المنطق، ولكن إذا كان الأساس واهيا فما ~~الحاجة إلى مهندس ينبئنا بتداعي البناء؟ وإذا كانت حقيقة المسيحية لا نزاع ~~فيها فلماذا توضع هذه الكتب؟ وإذا كان الموجود من الكتب كافيا لإثباتها ~~فما وجه الحاجة إلى جدل جديد؟ وإذا كان الله قد تكلم فلماذا لم يقتنع ~~العالم؟ وإذا كانت المسيحية ينقصها علم أعمق وبحث أشق لإثبات حقيقتها ففيم ~~اللجوء إلى القهر فيما لا يسع سوى العقل الإنساني أن يؤديه على وجه ~~يرضيه؟ # وهو يعود بمثل هذه اللهجة، ناعيا على التعصب داعيا إلى التسامح، محاولا ~~التدليل على أن الاضطهاد لن يخفت صوت الحق ولن يكون من أثره إلا دفع الجماعة لتقديس ~~ذكرى من حل الاضطهاد به، على نحو تقديس المسيحيين لعيسى لغير شيء إلا تعذيب اليهود ~~إياه، وذلك حين يقول: # من الحقائق التي لا سبيل إلى نقضها أنه لو لم يكن اليهود هجما متعصبين، ~~أو لو أن عزيمة بونتياس بيليت كانت كصراحته، لما استطاع الدين المسيحي أن ~~يستفيض، بل لما أمكن أن يوجد، فيا من أعز آرائه عليه رهن بمثل هذا ~~الخيط الضعيف، وأعلق عواطفه بقلبه مصدرها يعتوره الشك، تعلم على الأقل ~~التواضع، واعترف بأن من الجائز أن تكون تربيتك وظروفك قد سولت لك التسليم ~~بقواعد لا ينهض عليها دليل ولم تثبت صحتها على وجه مقنع مرض، ms233 واعترف كذلك ~~على الأقل بأن فساد رأي أخيك ليس بالسبب الكافي الذي يجعله أهلا لكرهك، ~~أمن أجل أن إنسانا مثلك ينكر أن عقيدتك معقولة، يكون حقيقا بعقاب التعذيب ~~والسجن؟ وإذا سلمنا بجواز الاضطهاد الديني فما أوسع الباب الذي يفتح ويقتحم ~~منه المتعصبون من كل لون على سلم المجتمع وسلامه! وأي وحشية وفظيعة دموية ~~لا تنقلب مباحة؟ ولكني أسأل: أليس ذلك الرجل الذي ينكر صحة عقيدة شائعة أحق ~~بتعظيم المجتمع منه بسخطه وغضبه؟ لأنه إما أن يثبت زيفها وعمقها (وبذلك ~~يقضي على ما هو زائف ولا طائل تحته) وإما أن يتيح لأنصارها الفرصة لإثبات ~~صدقها وجمالها، وهذا - على التحقيق - لا يمكن أن يكون جريمة، فإن من يهب ~~وقته للبحث الحر والتحقيق الجريء في كبرى المسائل التي ترجع في مرد أمرها ~~إلى طبيعتنا الأخلاقية، يكون أجدر بتشجيع المشترعين المتنورين منه بأن يحيق ~~به انتقامهم، وأحب أن تعلم يا سيدي اللورد أن أغلال الحديد لا تقيد ولا ~~تخضع روح الفضيلة، وأنها تسمو فوق وحشية المحابس وقسوتها، وترتفع حرة جريئة ~~إلى حيث لا تقدر روحك أن تحلق وراءها من مقعدك الفخم في القضاء، ولست أدعوك ~~لتحذر أن تنسيك مسيحيتك أنك إنسان، ولكني أعظك أن تستعجل ذلك العصر الذي ~~يقبل علينا مسرعا في ظل نظام القهر الحاضر، والذي تكون فيه مجالس القضاء ~~حقيرة مأجورة، وتكون السجون منازل لكل ما هو شريف وصادق. # ويصل إلى القمة من حججه حين يستشهد التاريخ على أن الظلم لم يخفت صوت الحق بل قضى ~~على الظالمين، وذلك في عبارة بالغة غاية الإبداع، حين يقول: # سقي سقراط السم لأنه اجترأ أن يكافح الخرافات التي كان مواطنوه يلقنونها ~~وينشأون عليها، ثم ما عتمت أثينا بعد موته بقليل أن تبين لها ما في حكمها ~~عليه من الظلم فانتصفت له من متهمه «مليتاس» ورفعت سقراط إلى قريب من مراتب ~~الأرباب. # وصلب المسيح لأنه حاول أن يهذب طقوس موسى ويستبدل بها ما هو أدنى إلى ~~الإنسانية وأشبه بالخير، ولقد أعلن قاضيه على الملأ اعترافه ببراءة ms234 ساحته، ~~لكن الشعب الجاهل المتعصب أبى إلا الفعلة الشنعاء، فسرح براباس القاتل ~~الخائن وقدم المسيح الوديع المصلح قربانا لإله اليهود الدموي، ثم مضى ~~الزمن وتبدلت الأحوال وتغيرت معها آراء الناس وراح الغوغاء على عادتهم من ~~التطرف يرون في صلب المسيح خارقة، ولم تعوزهم شواهد المعجزات وآياتها - وما ~~أكثرها في عصور الجهالة! - ليثبتوا بها أنه كان من الله، ودارت هذه العقيدة ~~في النفوس مع العصور والتقت بأحلام أفلاطون ومنطق أرسططاليس، واكتسبت القوة ~~والسعة والامتداد حتى تقررت ألوهية المسيح وصارت المنازعة فيها مجلبة ~~للموت، والشك في صحتها جريمة وعارا. # والمسيحية الآن هي الديانة المقررة، فمن أراد أن ينازع في ذلك فعليه أن ~~يوطن نفسه على أن يرى السفاكين والخونة يتقدمونه في اعتبار الرأي العام، ~~إلا إذا كانت عبقريته كفاء شجاعته وآزره من ظروف الأحوال ما يكفل له أن ~~ترفعه الأجيال المقبلة إلى مصاف الآلهة، وأن تضطهد الناس باسمه وفي سبيله ~~كما اضطهد هو باسم من كانوا أسبق منه إلى الفوز بعبادة العالم. # ثم يختتم خطابه بقوله: # إن الزمن ليقترب مسرعا حين يعيش المسلم واليهودي والمسيحي والمؤمن ~~والملحد معا في جمعية واحدة يتقاسمون متساوين ما ينشأ عن اجتماعهم من ~~فوائد ويتحدون مرتبطين بروابط الإحسان والحب الأخوي، وأرجو لمولاي اللورد ~~أن يرى ذلك اليوم. # ولما أتم شلي خطابه هذا حاول العود لإتمام قصيدته «الملكة ماب»، لكن حياة لنموث ~~بدأت تثقله وتدفع الملال إلى نفسه، ذلك أن الغيرة دبت إلى نفس زوجته من مس هتشنر ~~فرأت فيها منافسا لها دس الهم إلى حياتها، وربما وجد شلي الوسيلة إلى الدفاع عن ~~ضيفه لو أنه وجد منها ما كان يرجو من مشاركته في تفكيره وإلهامه بما يزيده تحليقا ~~في سماء الشعر ينهل فيها كل ما يريد من صور ومعان وألوان، وزاد في همه أن رأى ~~هاريت لا تتابعه في جولات خياله وذهنه بما يزيده قوة على قوته وسموا على سموه، بل ~~وقفت تتلفت إلى ما حولها تبتغي من متاع الحياة مثل ما ابتغت من قبلها أخته وابنة ms235 ~~عمه، حينذاك أيقن شلي أن لا سبيل للبقاء في وحدة الريف واعتزم العود إلى لندن عله ~~يجد في الجماعة مسليا عن هذه العواطف الوضيعة التي بدأ المحيطون به يشغلون بها ~~ذهنه، وفي مقابلة جدوين منشطا لروحه في توثبها للعمل على سعادة بني الإنسان ~~إخوته، واختار في العاصمة فندقا صغيرا أقام وصحبه فيه، ثم ذهب مع زوجته في يوم من ~~أكتوبر يزور أستاذه في موعد حدده، وكان جدوين يقيم بمنزل صغير يتصل بمكتبة يطبع ~~هو فيها كتبا للأطفال ويبيعها، ذلك أن مكانته التي بلغها بعد نشره كتاب (العدل ~~السياسي) والتي دعا فيها إلى هدم نظم الزواج والأسرة والنزوع إلى صورة مخففة من ~~الشيوعية كانت قد ضعفت بمقدار عظيم، فلقد كان يوم كتب هذا الكتاب قسيسا خرج على ~~زمرته وأطلق العنان لفكره، لكنه ما لبث بعد ذلك أن تزوج من ماري ولستنكرافت التي ~~ماتت تاركة له ابنة دعتها باسمها ماري وابنة أخرى من زواجها الأول هي فاني أملاي، ~~ولم يمض على موتها حين حتى تزوج مرة أخرى من جارة له كانت تبدي إعجابها به، وكانت ~~ذات ابنة من زواج أول هي جين كليرمون، وقد اجتمعت الأسرة في انتظار زيارة شلي ~~وزوجته لم يتخلف منها إلا ماري التي تزوجها شلي من بعد، لأنها كانت على سفر في ~~إيقوسيا، وقد ربطت هذه المقابلة الأولى بين شلي وزوجته وجدوين وأسرته بأقوى ~~الروابط، على أن فاني وجين - وكانتا فتاتين ذواتي جمال وعلم - ما لبثتا أن رأتا شلي ~~واستمعتا إليه حتى أظهرتا غاية الإعجاب بجمال نفسه وسمو ذهنه ومتوقد خياله، وحتى ~~شعرت كل واحدة منهما في أعماق نفسها بميل نحوه دفعها إلى التقرب منه والعمل ~~لاجتذابه، وشعر هو من ناحيته بأنهما أكثر من هاريت معرفة وأقدر على تتبع البحوث ~~الفلسفية وتذوق جمال الشعر. # ومن طريق أسرة جدوين تعرف إلى نيوتن، وكانت أسرة متأثرة بتعاليم الثورة ~~الفرنسية وبالثقافة الفرنسية إلى حد ملك لب شلي، وكيف لا تملك لبه ولم تقف عند ~~التهذيب تأخذ منه بأعظم نصيب، بل ذهبت ms236 إلى أبعد من ذلك فطبقت في كثير من نظم حياتها ~~مبادئ الإنسانية التي أعلنتها الثورة، لم يكن أحد من أفرادها يأكل اللحم وكانوا ~~جميعا يميلون إلى ناحية الحياة الطبيعية التي دعا روسو إليها بقدر ما تسمح به ظروف ~~الحياة، ومن ذلك أن كانوا يتركون أطفالهم عراة ما داموا في الدار، وقد قارضوا شلي ~~إعجابا بإعجاب وتقديرا بتقدير، وشاركتهم في ذلك أخت لمسز نيوتن تدعى مدام ~~دبوانفيل، تربت هي وابنتها في فرنسا ونشأت على تعاليمها، وكذلك استطاع أن يجد في ~~المدينة منجاة من تلك الوحدة التي أثقلت كاهله في لنموث والتي اضطرته إلى هجر تلك ~~البقاع الجميلة المحبوبة التي ألهمته خطابه إلى لورد اللنبرا والتي كان يتمنى لو ~~أتم فيها قصيدته (الملكة ماب). # وزاده أنسا إلى المدينة وحياتها أن استطاعت زوجته - أو أختها إليزا على وجه أصح ~~- أن تجعل عيش مسز هتشنر معهم محالا حتى لتطلب هي مغادرتهم شاكية ما أصابها بسبب ~~دعوة شلي إياها من انقطاعها عن المدرسة التي كانت تعمل فيها ومن سوء سمعة زعمت أنها ~~علقت بها لاتصالها برجل هو من الجمعية موضع الريبة. # ولقد اقتطع لها شلي من أربعمائة الجنيه التي كان يعيش عليها مائة كاملة ورتبها ~~لها لتعيش منها برا بها وتقديرا لتبعته في دعوتها، وعلى أثر سفرها عاد إلى جو ~~الأسرة طمأنينته وعاودت هاريت ابتسامتها وعادت هي إلى تغريدها، ومع ما كانت تلمع ~~إليه بعض فتيات جدوين من ميلها إلى التجمل بما لا يتفق مع بساطة الحياة ~~الطبيعية، ومع ما كن يتهامسن به مشفقات على شلي من أنه لم يتزوج الشابة التي تسعده ~~وتلهمه، فقد ابتهج هو بعودها إليه وفتح لها من جديد كل قلبه، ثم زاده بها شغفا ~~أنها حملت، فود أن يستعيد وإياها ألوان متاعهما السابق؛ لذلك هجر العاصمة ومعهما ~~إليزا وسافرا إلى إرلندة وإلى الغال لا يبتغيان من رحلتهما هداية أحد ولا الدعوة ~~إلى جديد، وإنما يرجوان أن تحدثهما أماكن شهدت غرامهما بأهازيج هذا الغرام لتزيد في ~~أنغامه الثائرة من حنايا جوانحهما ms237 ما يزيدهما صبابة وهوى، وكانا سعيدين طوال ~~رحيلهما مطمئنين إلى حبهما، على أن ما دعا في الحقيقة إلى هذه السفرة ثورة قامت ~~بنفس شلي جعلته يحس في أعماق نفسه من غير أن يستظهر أمام بصيرته أن شيئا قد اندس ~~بينه وبين هاريت يوشك أن يفصل بين قلبيهما وأن يبتر صلة حبهما، وكان رجاؤه أن يعود ~~إلى ملك عصفوره إذا أزال من نفس عصفوره الوهم أن أحدا ينازعه فيه ، وكان رجاء هاريت ~~أن تعود إلى ملك صاحبها وأن تنزل به إلى مستوى الناس الذين يعرفون للحياة المادية ~~قيمتها ويعملون على الاستمتاع بكل مظاهرها على نحو ما يستمتع غيرهم بها. # وتقدم بهاريت الحمل، فلم يك بد من عودهم إلى العاصمة مرة أخرى، ووضعت بنتا ~~أسموها (يانت) جعلت أمها أشد حرصا على صلاتها بالجمعية وعلى محاكاتها إياها، وفيم ~~كان زواجها من حفيد البارون شلي صاحب الثروة الضخمة والضياع الواسعة إذا كانت لا ~~تطمع في حياة ضريباتها النبيلات، بل في حياة العامة من الناس؟ ولعلها كانت لا تغلو ~~في هذا الميل لو أن أختها إليزا لم تكن دائبة التحدث لها عنه والعود بها إلى أن ذاك ~~كان كل رجائها ورجاء أبيها من صلتها بشلي. # واضطر هو آخر الأمر إلى الإذعان لمشيئتها، فاقتنى لها عربة ولم يرفض أن يصحبها ~~مرة إلى بائع الحرائر وأخرى إلى صانعة القبعات، ثم ألحت عليه، وعاونتها إليزا في ~~إلحاحها، أن يعمل على استعادة صلته بأبيه، واضطرته، فكتب له يرجو زوال ما بينهما من ~~قطيعة، لكن هذا السعي أخفق بعد أن أصر مستر تموذي على أن يعلن ابنه النزول عن آرائه ~~والعود إلى حمى الجمعية ونظامها، وأحفظ رفض شلي شروط أبيه قلب إليزا وقلب هاريت ~~وزاد فيما بين الرجل وزوجته من شقة خلف كان لا يزيدها تعاقب الأيام إلا انفراجا، ~~وكان من أثر ذلك أن جعل شلي يجد المسرة في مقامه بين أسرتي جدوين ونيوتن وفي ~~السفر وحده إلى حيث تقيم مدام دبوانفيل مع ابنتها كورنليا ترنر يقضي في ضيافتهما ~~أياما ms238 وأسابيع، بل لقد أقام عندهما في إحدى الضيافات شهرين متتابعين تاركا هاريت ~~وأختها ينعمان بما تشاء أهواؤهما التي هوت إلى مستوى أهواء الجماعة الإنسانية، وكان ~~إعجابه بكورنليا يزداد يوما فيوما حتى انقلب حبا وحتى فكر في اختيارها رفيقة ~~حياته. # لكن أسرة نيوتن كانت - برغم حريتها في التفكير وتطبيقها صور تفكيرها في طعامها ~~وفي حدود المنزل - أسرة أرستقراطية النزاعات في علاقتها المدنية، فلم يرقها هذا ~~التفكير من جانب شلي في مخالطة كورنليا، وأدرك هو هذا فاكتفى بسعادته بين أولئك ~~السيدات الرشيقات البالغات من عذوبة النفس وسمو الإدراك ما لم يكن يجده إلا في ~~جماعة جدوين، على أنه أدرك وجوب الانقطاع ولو إلى حد عن تكرار زياراته لهؤلاء ~~وأولئك، وأكب حتى فرغ من (الملكة ماب) وقد أودعها كل ما دار في نفسه عن الحياة من ~~خواطر وما وقع عليه في أثناء مطالعاته من معارف وأفكار وجعلها كأنها كتاب الرسالة ~~التي ظن أن القدر ألقى عليه إبلاغها للناس، وكم كان غضبه لتدهور عقلية الجماعة ~~شديدا حين قابلت (الملكة ماب) بفتور لم تتخلص من أثره بعد أن علا في الشعر نجم ~~شلي، بل لقد ظلت حتى اليوم منظورا إليها على أنها دون ما أبدع بعد ذلك من معجزات ~~الشعر بكثير. # ولقد كان واجدا عن فتور الجمهور بإزاء قصيدته عزاء لو أنه وجد في هاريت أو في ~~غيرها عطفا عليه يقوي عزمه ويشد قلبه، لكن هاريت كانت على العكس من ذلك قد أمعنت ~~في إهماله حتى لم تأب الظهور في الجمعية مستندة إلى ذراع الضابط رايان الذي جعل ~~يتردد عليها بحجة أن له بأختها إليزا معرفة قديمة، وقد حاول شلي أن يسترد قلبها وأن ~~يحول بينها وبين الانحدار إلى أعمق مما انحدرت إليه، لكنه ألفى هذا القلب تحجر فلم ~~تعد تهزه بإزائه عاطفة ولا يحركه نحوه ذكر للماضي ولا رجاء في المستقبل. # وإنه لفي يأسه من هذه الناحية إذ أقبل عليه جدوين يستعينه في متاعب مالية ~~أعانه شلي من قبل في مثلها، وطار شلي إلى ms239 داره راجيا أن يجد في صحبة جين وفاني بعض ~~السلوى عن عقوق هاريت وجحودها قداسة حبهما، ولم يخنه القدر ولا نبا به حظه هذه ~~المرة، فقد طالما تحدث إليه جدوين عن ابنته ماري وذكائها ونشاطها وحبها المعرفة ~~ومثابرتها على النهل من موارد العلم، ولطالما وصفتها له جين وفاني على أن ذكاءها ~~يعدل جمالها، وما كانت أشد حاجة شلي ليجد الملاك الذي يجمع إلى الجمال الذكاء وإلى ~~عذوبة الروح سمو النفس وإلى طهارة الضمير عظمة القلب، والذي يضيء جمال وجهه بما في ~~الوجود من قوى الفضل والخير الكمينة مبعثرة في ثناياه! ما كان أشد حاجته إلى أن يهب ~~كل ما في قلبه من حب للوجود لتلك الجميلة التي تضيء وجهها بكل جمال الوجود! وألفى ~~ماري ساعة وصل إلى بيت أبيها قد عادت من إيقوسيا وجلست بين جين وفاني اللتين قدمتاه ~~إليها وذكرتاه بحديثهما عنها كما ذكرتا له أنهما حدثتا أختهما عنه، ولم تك إلا ~~سويعة تحدثت ماري إليه فيها حتى سحرته عن نفسه، فجعلته يرى في جمالها وشبابها ~~ورقتها تلك الرشاقة النسوية مجتمعة إلى النشاط والطلعة الذهنية التي تميز الشبان ~~اجتماعا كان يراه دائما صورة الكمال الإنساني في خير ما يستطيع الفن أن يكون، ~~والحق أن ماري كانت ذكية الجمال تنطق قسمات وجهها الرقيقة غاية الرقة بما تنطوي ~~عليه جوانحها من أنفة، وتنم عيونها الكستنائية اللون عن شيء من الألم لم يعرف شلي ~~مصدره إلا بعدما علم أنها تزور كل يوم قبر أمها تقرأ عنده كتبها وتستودعه همها ~~وشجنها، وقد أجابت طلبته أن يصحبها كل يوم إلى هذا القدس تنطوي صفائحه على أقدس حب ~~امتلأ قلبها به منذ طفولتها، وأمام هذا القدس ارتبط القلبان اللذان جعلا كل يوم ~~دأبهما الصلاة له، ارتبطا وتعاهدا على أن يكون كل منهما لصاحبه حتى آخر دهر. # ولما علم جدوين بما بين ابنته وشلي حال بينهما ومنعه عن بيته، فأجج بذلك نيران ~~قلبه وجعله يعتزم اصطحابها والفرار وإياها، وأيقن أن لن يؤنبه ضميره من ناحية هاريت ms240 ~~بعدما ظهر منها أنها لا تعني بغير ماله، فدعا بها من الريف إلى لندن وأخبرها بعزمه ~~وبأنه جعل لها راتبا يكفيها عيشها، لكن العصفور رقيق التكوين فلم يحتمل الصدمة ~~فمرض، ثم حاول أن يسترد صاحبه إليه فلم يفلح أن كان قلب صاحبه قد أصبح في ملك ~~غيره. ~~(4) ماري جدوين # كانت أبواب أوربا قد فتحت أمام الإنجليز بعد ذهاب نابليون إلى إلبا، فلما أبلت ~~هاريت من مرضها اتفق شلي وماري وصحبتهما جين، أن كانت تشعر بميل نحو شلي، فسافروا ~~إلى سويسرا وجاسوا خلالها حتى لوسرن، على أن مقامهم بين جبالها وعلى شواطئ بحيراتها ~~لم يطل أكثر من ستة أسابيع عادوا بعدها إلى بيت صغير على شواطئ التمس أقام ثلاثتهم ~~فيه، ولقد أدى هذا الفرار ومعاشرة شلي لماري من غير زواج بينهما لمقاطعة جدوين ~~إياه وتحريمه بيته وعلى اللتين فرتا معه، وذلك برغم ما كان لشلي على جدوين من ~~فضل إمداده بالمال في ظروف كان هو وزوجه هاريت في أشد الحاجة إليه، بل لعل هذا ~~الإسراف من جانب شلي كان أهم ما غير قلب عصفوره عليه ودفعها إلى الحرص على أن تمتع ~~من الحياة بما يمتع به غيرها من مثيلاتها مما كان يراه زوجها سخفا غير لائق ~~بالنفوس السامية، ولم يكن جدوين وحده هو الذي قاطعه، بل قاطعته كذلك أسرة نيوتن ~~ومدام دبوانفيل، وانقطع عليه كل سبيل لرؤية كورنليا ترنر، ولم يبق له من أصدقاء ~~يزورونه غير صديقه القديم هوج وصديق استحدثه في الزمن الأخير يدعى بيكوك. # على أن عزلة شلي مع خليلته وجين لم تحل دون التهاب قلبين بحبه التهابا دفعهما ~~إلى ما يشبه الجنون، فقد شعرت زوجته هاريت وستبروك من يوم أعلن إليها عزمه على ~~الاتصال بماري جدوين أن ضرام الحب الذي كان قد خبا في قلبها حتى صارت لا ترى ~~عليها من بأس في التحبب إلى أمثال الضابط رايان، تلهبه الغيرة من جديد، وأي شيء ~~أفتك بقلب امرأة من رؤيتها امرأة أخرى تسلبها رجلها وتسلبها معه هناءها ومجدها؟ ~~إنها ms241 لترى حقا لها أن تعذب من تحب وأن تصد عنه وأن تلاطف غيره، ولترى واجبا على ~~محبها أن يرى في صدها من علائم الدلال ما يقتضيه مضاعفة التودد لها والإذعان لكل ~~أمرها والتماس الصفح عما دعا إلى هجرها، وإن لم يك شيء قد حدث يوجب التماس الصفح ~~عنه، بل لترى واجبا كذلك عليه ألا يقتضيها إسعاده أو تهوين الحياة عليه، فإن فعل ~~فهو أثر لا قلب له والأنانية ملء نفسه، أما إن رأى في امرأة أخرى ملاك سعادته ~~فأحبها فتلك الجريمة والطامة الكبرى، وتلك المرأة الغادرة هي أحط من حملت أرض أو ~~أظلت سماء، وكذلك كانت ماري في رأي هاريت، وقد ازدادت لها بغضا وعن شلي إعراضا ~~حين بعث إليها يستضيفها عنده في بيت ماري، أف لهما من منافقين! وأف لهذه ~~اللعينة ماري التي لا تراها هاريت تعدلها رشاقة ولا جمالا ولا عذوبة صوت ولا حلاوة ~~روح، بل التي لم تؤت أي حظ من الجمال، بل التي تستحق أن تسحق وأن تعض بالأسنان ~~وتقطع بالأظافر، ولئن كان شلي قد ضعف أمامها كل هذا الضعف فلتنتقمن منه هاريت شر ~~انتقام. # كان ذلك شأن هاريت، أما فاني أملاي فقد جعلت تحس في بيت جدوين وحدة ممضة ~~مؤذية، وتشعر بنفسها غريبة ليس لها في البيت أم ولا أب ولا صديق، ويلذعها قلبها ~~بذكر ما كان يفيض به إزاء شلي من حب وإخلاص، فها هو ذا شلي قد اختار ماري عليها، ~~وهذه جين قد وجدت في نفسها الجرأة لتصحبهما، أما هي فلم يبق لها في الحياة إلا أن ~~تنظر إلى أشباح اليأس يحيط بها، وأن تتمنى لشلي في نفس الوقت الهناء والسعادة، وكيف ~~تراها تحمل له أي ضغن ولم يكن تفضيله ماري جدوين عليها إلا حلقة من سلسلة سوء ~~الحظ الذي أحاط بها منذ مولدها حتى لجعلها تؤمن بأنها ولدت تحت طالع من النحس لا ~~سبيل لمغالبته، ألم يمت أبوها فتزوجت أمها من جدوين ثم ماتت هي الأخرى تاركة ~~إياها يتيمة الأبوين لا معين ms242 لها في الحياة إلا بر هذا الرجل الذي استبقاها عنده ~~رأفة بها وإشفاقا عليها؟! فإذا فضل عليها شلي أختها لأمها فليس ذلك أقسى ما أصابها ~~به القدر، وبحسبها أن تظل على إخلاصها له ورثائها لما وصل إليه من فقر اضطره ليعيش ~~وامرأتين معه عيش كفاف ودون الكفاف، بل لقد أثقلته الديون حتى اضطر دائنوه إلى أن ~~يلجأوا للقضاء فجعل رجاله يتعقبون شلي يريدون إلقاء القبض عليه كي يفي بديونه أو ~~يسجن، ولولا يقظة فاني وإخطارها شلي بالأمر وفراره من متعقبيه لذهبوا به إلى السجن، ~~ثم لما تحرك قلب أبيه لاستخلاصه بعد الذي كان بينهما من قطيعة وجفاء. # وناء شلي بهذه الوحدة وثقل عليه حملها وأنهكه إلى جانبها هذا العيش الضنك الذي لم ~~يتعود في نعومة أظفاره، فانهدت قواه واندس المرض إلى صدره وأظلمت الدنيا في عينيه ~~ورأى شبح الموت مقبلا يبتلعه، كم كان من قبل سعيدا مع هاريت! وكم كان سعيدا ~~بحديث صديقاته والمعجبات بنبله وجماله وذكائه وسمو روحه! ثم كم كانت السعادة تفيض ~~عنه منبعثة إليه من قلب الرفيقة الجميلة العطوف ماري! وهذا هو يرى نفسه معها ~~منفردا يتحاشاه الناس ويفرون منه فرارا ثم لا يكون له عنهم من بديل إلا مرض قاتل. ~~يا لليأس! أيتها الآلهة، آلهة الخير والنعمة والسعادة، أحق أنك جميعا قد تخليت عن ~~هذا الرجل لغير شيء إلا أنه صديق الفضيلة المخلص ونصير الحرية الصادق! أوحق أنك ~~حكمت عليه بالموت لأن جمعية النفاق والوهم والباطل قد ابتعدت عنه، خشية أن يفضح ~~نوره ما في ظلماتها من رجس وشقاء وجريمة؟! ليكن، فهذه ماري ما تزال تحنو عليه وتبعث ~~إليه من دفء قلبها المملوء حبا ما يستبقي خيط الرجاء معلقا فوق هاوية ~~اليأس. # لكن خيط الرجاء هذا لم يمنعه من أن يرى الهاوية وكل ما حوته، بل لم يمنعه من أن ~~يحدق فيها ببصره ويستمد من مناظرها المؤسية إلهاما ساميا أوحى إليه أولى قصائده ~~الوجدانية الكبرى: «الاستور أو روح الوحدة»، وبطل هذه القصيدة شاعر شاب طوف في ms243 ~~الآفاق وجاب أقطار العالم أن رأى الوسط الذي يعيش فيه والجو المحيط به لا مهبط فيه ~~لوحي الهدى ولا مبعث لسمو الإلهام، «وأدت به خطاه طائعة مسبح أفكاره السامية إلى ~~زيارة ما خلفت الأيام الخالية من خرائب الآثار، فزار أثينا وصور وبعلبك والبطيح ~~الذي كان مقاما لبيت المقدس وأبراج بابل المهدمة والأهرام الخالدة ومنفيس وطيبة، ~~وكل ما تخفيه تلال الحبشة السوداء الصحراوية من عجائب النقوش على المسلات والمقابر ~~وآباء الهول المحطمة، وهناك خلال المعابد الخربة حيث تقوم العمد والصور العجيبة لما ~~هو أعظم من الإنسان، وحيث ترقب شياطين الرخام أسرار نيران الزوال، وحيث يعلق السلف ~~أفكارهم الصامتة على صمت الجدران المشتملة إياه هناك، أمهل الخطا مستذكرا العالم ~~في صباه محدقا طوال النهار المحرق بهذه الصور الصامتة، وما كان القمر إذ يملأ ~~الصالات العجيبة بظلاله المتموجة ليقفه دون متابعة استذكاره، بل ظل يحدق ويحدق حتى ~~أضاء خلاء عقله نور كأنما هو الإلهام القوي جعله يرى من خفايا الزمن يوم ولد ما ~~يهز النفس»، وهناك جاءت له صبية من بنات العرب بطعامه فكبلها غراما، لكنه ما لبث ~~أن عاود تسياره خلال بلاد العرب والعجم والهند، جوابا ربوع الأرض وأقطارها ~~باحثا عن الحقيقة، حتى إذا كان يوما مستلقيا خلال غابة تظله رأى في أثناء نومه ~~«صبية مبرقعة تجلس إلى جانبه وتتحدث في أنغام مهوبة خفيضة بصوت كأنه صوت روحه حين ~~يستمع إليه في هدأة تفكيره، وكانت المعرفة والحق والفضيلة مدار حديثها، كذلك كانت ~~الآمال الكبرى في الحرية المقدسة وما إلى هذه الآمال من أفكار هي أعز الأفكار عليه، ~~ثم كان الشعر أن كان هو شاعرا»، وتجلت الصبية له في خلال هذه الآمال والأفكار ~~والمنى فإذا جمال شخصها عدل جمال نفسها، واندفع محاولا ضمها إليه والإمساك بها، ~~لكنها تراجعت ثم ابتلعها ظلم النوم، ولم تجده محاولته إعادتها إلا أن أيقظته الهزة ~~فإذا القمر ينحدر إلى المغيب وتباشير الضياء ترتفع خلال سجوف الليل، «إذا ضاعت هذه ~~الصورة الجميلة، وضاعت إلى الأبد في تلك الصحراء الواسعة ms244 لا طرق فيها، صحراء النوم ~~الكالح! أفيؤدي باب الموت الأسود إلى جنتك العجيبة أيها النوم؟» وينطلق الشاعر ~~مفكرا في أثناء تطوافه مستذكرا صورة النوم الجميلة ملفيا جمالها في كل ما ~~تخلع الطبيعة على الوجود من جمال، وفيما كان عند اليونان بصر بزورق لا مالك له ~~فألقى بنفسه فيه ودفعه إلى لج الموج يتقاذفه رجاء أن يجد إلى الموت سبيله، وتدافع ~~الموج والزورق حتى دفع به إلى جبال القوقاز في نهر تحيط به أحراش وغابات، وهو خلال ~~ذلك كله ما يكاد ينجو من خطر حتى يفجأه خطر جديد يقرب له الأمل في النجاة بالموت ~~والعود إلى صورته الجميلة التي أراه النوم إياها، وفي هذه السياحة يشدو شلي متغنيا ~~ببهاء الطبيعة وحلو حديثها العذب إلى نفس بطله الشاعر المشوق للموت حتى يصل ببطله ~~إلى غايته، وفي سياحة الزورق هذه بين موج البحر وفوق لجة النهر يصف شلي في النهر ~~الذي أبدعه خياله ما نقل بصره إلى حسه من آثار حين عوده من سويسرا راكبا نهير ~~الميز ونهر الرين وما على شواطئهما من بدائع الجمال، ويصف منابع التمس التي زارها ~~بعد عوده إلى إنجلترا وحين هده المرض، ويصف تلك المناظر الساحرة التي تهز القلب ~~والفؤاد، مناظر شواطئ التمس كانت وما تزال مثال جمال قل في الجمال نظيره. # قال شلي مقدما قصيدته هذه لقرائه: «والصورة ليست خالية من العظة لأبناء ~~الحياة الحقيقيين، ذلك أن الشاعر في عزلته وانحصار خواطره في نفسه تثأر منه شياطين ~~عاطفة قاهرة ما تزال تطارده وتخب به لتبلغ وإياه إلى الدمار السريع، على أن الذين ~~لا يخدعهم خطأ سخي ولا يدفعهم ظمأ قدسي إلى شك المعرفة، ولا تضللهم خرافة باهرة، ~~ولا يحبون شيئا على هذه الأرض ولا يتعلقون بأمل وراءها، ويقفون بمنأى عن التعاطف ~~مع أبناء جنسهم، لا يسرون بأفراح الإنسان ولا يأسون لأحزانه؛ هؤلاء وأمثالهم يبوءون ~~بلعنة عادلة، يذوون لأنه ما من أحد يشاطرهم الإحساس بطبيعتهم، فهم أموات الأحياء لا ~~هم أصدقاء ولا عشاق ولا آباء ولا هم من ms245 أبناء الدنيا ولا المحسنين إلى بلادهم، ~~وأخلق بالذين لا يحبون بني جنسهم أن تكون حياتهم عقيمة وأن يهيئوا لأرواحهم في ~~كهولتهم قبرا موحشا.» # وإنك لترى كل تلك المعاني التي أوردتها المقدمة متجلية في أبهى صورها وأعظمها ~~جلالا وروعة في هذه القصيدة التي لا تزيد على سبعمائة وعشرين بيتا، والتي تمثل ~~حياة النفس لعباد الوحدة عشاق الطبيعة، مصورة في ألحان سماوية الموسيقى إلى حد ~~يحملك معه على موج أنغامها حتى لينسيك فيها جمال الأنغام بديع الصور، ولينسيك ~~إبداع الصور روائع التفكير، ولتنسيك روعة الفكرة جمال النغم، ثم تتزاوج الأنغام ~~والصور والأفكار فيلد تزواجها صورة الشاعر الشاب شلي في وحدته المنقطعة وأمله ~~المتهدم في الحياة ومواجهته الموت في رعدة تتغلب عليها قوة نفسه، وانتصاره بعد ذلك ~~على الألم وعلى المرض وعلى الوحدة وعلى الموت بهذه القطعة الخالدة من موسيقى شعر ~~الآلهة. # وفيما كان شلي في هذه الحال توفي جده السير بيش وآل إليه بالوصية إيراد سنوي يبلغ ~~ستة آلاف من الجنيهات، ولو أنه لم يكن في شغل بتفكيره وبشعره، ولم يكن ينظر إلى ~~مزيد المال على أنه جريمة تدفع إلى النقص وتزري بالفضيلة؛ لناصب أباه الخصومة حتى ~~يصل إلى كل ما أوصى به جده، لكنه لم يرد الانقطاع لعرض الدنيا إذا وجد ما يسد حاجته ~~ويكفيه شر دائنيه؛ لذلك قبل أن يرتب له أبوه من ذلك الميراث كله ألف جنيه في السنة ~~تكفيه وتكفي ماري، وتكفي من يلوذون به من صحبه، وردت إليه هذه الطمأنينة المادية ~~شيئا من سكينة النفس كان في أشد الحاجة إليه ليتغلب على مرضه، وتغلب بالفعل عليه، ~~وبدأ في سماء المجد يتألق له نجم إن لم يكن ساطعا سطوع نجم بيرون، فقد كان موضع ~~التقدير من بيرون نفسه، على أن الأقدار لم تكتب لنفسه طول سكينة يوما من الأيام، ~~فقد بدأت ماري على جمال حكمتها ورجاحة عقلها تحس الغيرة لوجود جين معهما في البيت، ~~وزاد لهيب هذه الغيرة ضراما حين حملت فلم تستطع ملازمة شلي مما جعل جين ms246 تصحبه في ~~جولاته وتعود وإياه متوردة الخد فياضة القلب بما يبعثه شلي إلى كل ما يتصل به ومن ~~يتصل به من جمال الوجود، وما عسى أن يصنع شلي بإزاء غيرة ماري إلا أن يطأطئ ~~لإرادتها ويخضع لمشيئتها، وبخاصة أن جعلها الحمل في حال عصبية تثير معها كل مناقشة ~~إياها لمشيئة تعلنها دموعا تذرف وأنات ألم تقطع النياط الحساسة لقلب محبها الصادق ~~الإخلاص، والذي لا يرى مع ذلك في الحب معنى الأثرة الذي يذكي الغيرة، بل معنى ~~التسامح التام والاشتراك مع كل من في الوجود في الإحساس والعاطفة، واضطرت جين ~~لمغادرة المنزل وفي نفسها من الحب لشلي ما بغض ماري إليها ودفعها للتفكير في ~~الانتقام لأنفتها الجريحة، ولم يعوزها طول بحث لتدبير الانتقام، فإذا كانت ماري ~~تعتز بخليلها شلي وما له من نبل ومجد ومال فلتتخذ هي خليلا لها أعرق من شلي نبلا ~~وأعظم مجدا وأكثر مالا، وليكن هذا الخليل لورد بيرون نفسه، ولم تلق في تحقيق ~~غايتها عنتا؛ فلم يكن بيرون ينظر للحب نظرة شلي ولا كان يعبأ بالعفة ولا بطهر ~~القلب، على أن ماري استراحت حين علمت بنجاح صاحبتها ولم يبق بعد عندها موضع للغيرة ~~منها. # وظلت ماري في سكينتها حتى وضعت طفلا لثمانية أشهر من الحمل فلم تقدر له الحياة، ~~ولم يطل بها الحزن عليه أن حملت مرة أخرى وأن وضعت غلاما أسمته باسم أبيها وليم، ~~ولكنها برغم سعادتها بهذا الطفل الثاني وبرغم شعورها بكل ما في الأمومة من مزيد في ~~الحياة، جعلت تحس وحدتهما وسط الجمعية الإنجليزية تزداد وطأتها ثقلا عليها وعلى ~~برسي، وأكثر من الشعور بالوحدة كان شعور آخر يهيج غيرتها بمقدار ما يهيج آلام زوجها ~~ويبعث إلى نفسه نوعا من لذع الضمير طالما حاول إخفات صوته، ثم ظل مع ذلك دائبا ~~على تعذيبه، فقد أصبح هجره هاريت موضع حديث الناس وموضع لغو أصدقائه، وكان إجماعهم ~~منعقدا على أن البائسة لم تأت إثما ولم تجن ذنبا، وإنما الذنب والإثم على شلي ~~الذي هجرها وتبدل بها غيرها، ms247 وظن أن لم تبق له جريرة عندها ما دام قد ضمن لها ~~ولأبنائها منه رزقها، وألح بالزوجين هذا الشعور فانتهيا إلى استحالة المقام ~~بإنجلترا وضرورة هجرها إلى حيث لا يعلم قصتهما أحد، وإذ كانت هواجس ماري قد هدأت من ~~ناحية جين وكانت هذه وحدها هي شريكة حبهما وصلتهما منذ نشأتهما، فقد سمعا إليها حين ~~اقترحت عليهما السفر إلى سويسرا للمقام عند ضفاف الليمان على مقربة من جنيف، وزاد ~~ماري اطمئنانا إلى اقتراح صاحبة سرها أن علمت أنما حملها عليه اعتزام بيرون أن ~~يسافر إلى تلك الناحية فرارا من اتهام الجمعية الإنجليزية إياه بمعاشرة أخته ~~أوجستا، فلن تعود بين جين وشلي إذا أية صلة ما دام بيرون سيقوم منها مقام شلي من ~~ماري، وإذا فليسافر ثلاثتهم إلى ضاحية جنيف ولينتظروا هناك مقدم النبيل ~~العظيم. # ووصل الجوار ثم وصلت الصداقة ما بين بيرون وشلي، وزاد الصلة بينهما أن ظلت جين ~~مقيمة عند شلي مترددة آناء الليل وأطراف النهار على بيرون، على أن أمتن ما قوى ~~صلتهما كان الوسط الذي يعيشان فيه، وسط سويسرا الشعري البديع الذي يوحي إلى النفس ~~والقلب والفؤاد ما يملؤها شعرا ويزيدها للجمال قدرا، وكان هذا الوسط، أول ~~تعارفهما، في أجمل فصوله، فقد نزلا جنيف إبان بشائر الربيع في مختتم أبريل ومفتتح ~~مايو حين تبدأ حياة الطبيعة يقظتها من سنة الشتاء، وحين تبدو أوراق الشجر في خضرتها ~~الجديدة ما يزال لها كل صباها وكل ما للصبا من بهاء وروعة، وحين الثلوج ما تزال ~~تغطي قمم الجبال وتكسو عوالي سفوحها كساء يتباين ضياؤه في أثناء النهار ويكسوه شفق ~~المغيب كما يكسوه مطلع الشمس، من الأحمر القاني إلى الأحمر المتورد، بما يملأ خيال ~~الشاعر بأجمل الصور، وحين تنعكس سفوح الجبال وقممها الرفيعة على سطح مياه البحيرات ~~حين يكون هذا السطح هادئا، فإذا دفعت الريح الموج متلاطما فوقه رأيت السفوح ~~وأشجارها والقمم وثلوجها تموج متلاطمة هي الأخرى، قوى هذا الوسط صلة الشاعرين أن ~~وجدا فيه خير مسرح لخيالهما المتوقد، وإن شعرا في ms248 شغاف قلبيهما بحب له يزداد ~~استعارا كلما ازدادا من هذا الجمال الساحر نهلا، وذلك فرق ما بين حب الطبيعة وحب ~~المرأة، بل هو فرق ما بين حب المرأة وحب كل جمال غيرها في العالم، حب المرأة أناني ~~أثر غايته الحيازة والملك والمذلة والاسترقاق، فكل شركة فيه تنتهي إلى الجريمة، ~~عهرا كانت الجريمة أو غيرة، وتنتهي إلى القتل وما هو شر منه، أما حب الجمال في غير ~~المرأة فهو الحب الذي يفهمه شلي وينادي به ويدعو إلى الشركة فيه، هو تقديس الجمال ~~في كل مظاهره والاشتراك في هذا التقديس ليزداد بالاشتراك سموا وجلالا، وكم كان ~~لجمال سويسرا واشتراك شلي وبيرون في تقديسه من أثر في شعرهما، على أنه مع ذلك لم ~~يقرب بين روحيهما؛ لأن كل واحد منهما كان يختلف عن الآخر في نظرته إلى الحياة تمام ~~الاختلاف، فقد كان عقل شلي وقلبه وشخصه وكل وجوده شعرا خالصا، كان لا يعرف شهوات ~~الإنسانية، ولا يخلط بنفسه وضيع عواطفها، وكان لذلك يرى جمال الكمال ملموسا ~~محسوسا، وكان يصور كل ما يقع عليه حسه وكل ما يجيش بقلبه في أنغام من الشعر والنثر ~~لا أثر لغير روح الجمال وعبادته فيها. # وإنك لتعجب حين رجوعك إلى ديوان شعره وإلى رسائله وكتبه إذ ترى كل سانحة من ~~السوانح وكل منظر من المناظر وكل ما اتصل بشلي في يقظته وفي نومه، قد اكتسى ثوب ~~الجمال، وإذ ترى هذا الجمال مصورا أنغاما قدسية يختلط عليك حين تقرؤها أشعر هي أم ~~موسيقى أم رسم وتصوير! أما بيرون فكان شاعرا، ولكنه كان إنسانا له كل شهوات ~~الإنسان قوية غالبة عليه متحكمة فيه، وكان يرى الجمال من خلال هذه الشهوات فيشدو به ~~في شعره ساميا بهذه الشهوات نفسها إلى سماء الشعر ملبسا إياها شفوف الجمال، ~~وكان بيرون مشغوفا بالمجد تتسلط عليه شهوته إلى حد أشفق معه عليه شلي كما أشفق ~~عليه لضعف روحه ونزوله إلى مراتب الإنسانية الوضيعة برغم ما أنعمت به آلهة الشعر ~~عليه من جمال في النفس وسمو ms249 في الفكر، وكم حاول أن ينزع به إلى غير ما تدفعه إليه ~~شهواته، وأن يجذبه إلى ناحيته، ناسيا أن ليس في مقدور إنسان تحوير طبعه، ولم يتغير ~~عليه بعدما افترقا، بل جعل يراسله طمعا في إنقاذه من براثن شهواته التي كانت في ~~نفس الوقت مصدر كل وحيه وإلهامه. # وبرغم ما امتلأ به قلب شلي من جمال سويسرا فقد كان دائم الحنين إلى بلده، وكان ~~حنينه قويا منذ أول مغادرته شواطئها وإن كانت هي التي ألجأته إلى هجرها والفرار ~~منها، قال في خطاب بعث به إلى صديقه بيكوك يعبر عن تحنانه: «إنكم لتعيشون على شواطئ ~~نهر مطمئن بين تلال خفيضة تغطي الغابات سفوحها، ثم إنكم لتعيشون في بلد حر لا يحول ~~بينكم وبين ما تعملون قهر، وتطمئنون فيه إلى ما يقع في ملككم، وما بقيت هنالك ممالك ~~وما بقيت اعتبارات الأثرة التي تنطوي فكرة المملكة عليها، فأنا واثق من أن إنجلترا ~~أكثر الممالك حرية وتهذيبا، ولعلك كنت حكيما في اختيار طريق حياتك، على أني إن ~~عدت واحتذيت مثالك فلن آسف على ما رأيت من ممالك أخرى، فلدينا - لا ريب - كثير من ~~الخبيث والطيب، وكثير يزدرى وكثير يمكن السمو به نحو الكمال، لكن ذلك كله لا ~~يعرفه ولا يحس به من لم يبرح حدود وطنه، وما دام الإنسان على ما هو عليه فإن ~~التجربة التي جربها لن تدعوه لاحتقار الأمة التي ولد فيها، بل على العكس من ذلك، هو ~~لن يقدر ما يربطه بوطنه من حب حتى يجعله الغياب عنه أشد شعورا بجماله، فشعراؤنا ~~وفلاسفتنا وجبالنا وبحيراتنا، وقرانا ومزارعنا التي لا شبيه لها عند غيرنا؛ كل هذه ~~روابط لن تنبت ولن تتحطم أو أصبح ولا إدراك عندي ولا حس لي.» # وربما فات شلي أن يذكر شيئا آخر يربطه بإنجلترا ولا يقل عن كل ما ذكر قوة، ذلك ~~عصفوره هاريت وابنته يانت وابن هاريت المنسوب إليه وإن أنكر هو أبوته، فلقد كان ~~كثير التفكير في أثناء وجوده على شواطئ ليمان في هاته التي ms250 ترك وإن كان يعلم أنها ~~في طمأنينة مادية بما أجراه عليها من رزق وما يجريه أبوها عليها من رزق مثله، وكان ~~يعلم من أخبارها أنها ساء سلوكها وانحدرت إلى مستوى يقرب من الدعارة، فكان يحس على ~~نفسه في ذلك بعض التبعة، ويحاول إقناع نفسه بما يزحزح التبعة عنه، ولئن كانت هاريت ~~قد أساءت إليه أفليست يانت ابنته ويجري في عروقها الدم الذي يجري في عروقه؟ لكنه لم ~~يكن يستطيع الإسراع إلى مغادرة سويسرا وماري متعلقة بها جريحة القلب من سوء صنيع ~~مواطنيها بصاحبها وبها؛ لذلك اقتنى - بالاشتراك مع بيرون - زورقا جعلا من ~~رياضتهما عليه فوق لج الليمان مستوحى لإلهامهما، وكثيرا ما كانت تصحبهما ماري ~~وجين، فتتغنى هذه الأخيرة بصوتها الحلو الرقيق توقع أنغامه على موجات هواء الجبال ~~العذب الصافي ما يزيد الهواء والبحيرة والجبال جمالا وما يزيد إلهام الشاعرين روعة ~~وقوة. # على أن جين كانت قد حملت من بيرون منذ كانا في إنجلترا وآن لها وهم في سويسرا أن ~~تضع طفلة دعتها كلارا اللجرا، من يومئذ بغضت إلى نفس بيرون، وازداد لها بغضا حين ~~تحدث إليه شلي فيما يريد أن يصنع بالطفلة وبأمها، وكان بيرون في هذا الظرف غليظ ~~القلب مغاليا في التبجح باحتقار خليلته واحتقار النساء جميعا واعتبارهن متاعا ~~لشهوة الرجال إلى حد لم تطقه الذكية الأنوف ماري، ولم تطق معه البقاء على مقربة من ~~هذا الذي يدعوه الناس نبيلا فإذا نبله قحة، ويحسبونه شاعر الحب فإذا حبه شهوة ~~وإذا شعره غلظة كبد حتى على ابنته، واقترن هذا الشعور عندها بعاطفة البر بأبيها، ~~وذكرت تعاليمه السامية وآراءه في المودة والتسامح والحب، وشاركت شلي في فكرة العود ~~إلى الوطن، فكتب إلى بيكوك يطلب إليه أن يستأجر له دارا (فيلا) على شواطئ النهر ~~وبين الأحراش والغياض. # وعادوا إلى لندن وفي عزم شلي أن يستقر بوطنه طول حياته، غير ذاكر أن لا سلطان ~~لأحد من الناس على مصيره، جاهلا ما خبأته الأقدار له من فواجع تقض مضجعه ~~وتضطره إلى المقام بقية أيامه ms251 بعيدا عن إنجلترا، فقد كانت فاني أملاي تراسلهم حين ~~كانوا بسويسرا، وكانت رسائلهم لها تبعث إلى حياتها البائسة خيطا من نور الأمل في ~~رؤيتهم يوما من الأيام، فلما عادوا إلى لندن وعاشوا فيها عيش يسار استمتعت به جين ~~مع وجود أمها في بيت جدوين ترهق فاني وتعذبها في حين كانت فاني أحق بهذا اليسار ~~إلى جانب أختها ماري، ولما كانت لا تستطيع الالتجاء إلى بيت شلي لتعلق قلبها به ~~تعلقا يجعلها لا تطيق المقام إلى جنب ماري؛ بعثت إليهم صباح يوم من سنة 1817 بخطاب ~~من برستول تقول فيه: «إنني ذاهبة إلى مكان أرجو ألا أعود منه أبدا.» فسارع شلي ~~بالسفر إلى برستول ومنها عرف إلى أين سافرت الفتاة، وذهب إلى الفندق الذي نزلت به ~~فألفاها انتحرت بالسم وتركت خطابا تذكر فيه أن بؤسها كان سبب اختزالها أيامها ~~وقضائها على حياتها. # وهز هذا الحادث قلب شلي وأعصابه، وزاده اهتزازا ما ذكرته مسز جدوين من أن ~~فاني انتحرت لفرط حبها إياه حبا ضاع كل أمل في أن يجد ما يحييه، وعن هزة قلبه ~~يعبر في أبيات ستة يقول فيها: «أصابت الرعشة صوتها ساعة رحلنا وما كنت أدري أن ~~القلب الكسير مبعثها، فرحلت ولم أعن بما ألقت من كلمات، إيه أيها البؤس! إن هذه ~~الدنيا الفسيحة كلها ميدانك.» على أن قلبه بلغ غاية الاضطراب لحادث آخر ليس دون هذا ~~الحادث شناعة ولا قسوة، ذلك أن هاريت بلغ من انخراطها في اللهو أن حملت من أحد ~~عشاقها وأن تقدم بها الحمل وأن شعرت إذ ذاك بما يتهددها من عار يسقطها أمام شلي، ~~ويرفع ماري في نظر الجمهور عليها، ويوقع على رأسها ما كانت تزعم أنها تدبره من ~~أسباب الانتقام، فذهبت إلى نهر ألقت بنفسها فيه، فماتت منتحرة هي الأخرى، ولم يكن ~~بين انتحارها وانتحار فاني إلا أيام، وذكرت التيمس خبر انتحارها وسببه من غير أن ~~تذكر اسمها، وكان هذا الخبر أقسى مما يستطيع شلي أن يطيق: دعارة، فحمل، فانتحار، يا ~~للعار! ويا بؤس ms252 أبنائه بأم تلك خاتمتها! ويا بؤسه هو بحياة تسير مسرعة بالذبول ~~إلى أوراق الربيع منها فتهجره ابنة عمه هاريت جروف وتعقه أخته إليزابث ويغتبط ~~للتخلص من مس هتشنر وتتجافاه كرنلياترنر وتنتحر بسببه فاني أملاي وهاريت وستبروك! ~~ترى ألم يأن لهذا البؤس أن ينتهي وللقدر أن تهدأ عليه ثائرته؟ # لكن لا! فقد طلب حضانة أبنائه من هاريت فخالفه في ذلك أبوها وتقاضيا فأنصف القضاء ~~الجد، بحجة أن عقيدة شلي فاسدة ويخشى أن ينشئ أبناءه عليها، وإنما خفف من هذا الحكم ~~أن عهد القضاء بالحضانة إلى من اختاره شلي مطمئنا على إقامته في تربية ~~أبنائه. # وأتاح له انتحار هاريت أن يعقد على ماري وأن تعود لذلك صلته بجماعة جدوين، ~~وكان العوز قد ألح بمؤلف (العدل السياسي) حتى صار عالة على شلي هو أيضا وحتى جعله ~~يعود إلى الاستدانة من جديد، ولم يكن جدوين وزوجه وحدهما هما اللذان كفل شلي في ~~ذلك الظرف، بل أعان صديقه لي هنت وكان له خمسة أولاد من زوجه ماريان، وأعان صديقه ~~بيكوك كي يتابع كتابة روايات رأى شلي في كتابتها خيرا وإصلاحا للجماعة، مع ذلك ~~كله، مع الاضطراب المالي ومع انتحار فاني وهاريت في أيام، ومع منازعة وستبروك إياه ~~في حضانة أبنائه، فقد تحصن شلي بإرادته الصلبة وحاول أن يقهر كل هذه الآلام ويتغلب ~~على كل المتاعب. # وشلي - على رقته وإيثاره وعبادته الجمال وتعلقه بأنغام الشعر - كان ذا عزيمة لا ~~تعرف المستحيل ولا تقف في سبيلها عقبة من العقبات، تحصن بهذه الإرادة وحاول أن يظهر ~~أمام الجمعية وكأن لم تفجعه فاجعة ولم تغير الحوادث التي مرت من نفسه، فابتاع بيتا ~~ظريفا في مارلو أقام فيه مع ماري وابنه وابنته منها ومع جين وابنتها من بيرون، على ~~أن الإرادة الصلبة والعزمة القوية تستطيعان مغالبة الوجود وقهر المستحيل ما دامت ~~الروح التي تحركهما وتصدران عنها مطمئنة قوية لم يندس إليها ما يضعفها ويزعزع ~~ركنها. # فأما إن ضعفت الروح واهتزت قوتها المعنوية فقل على الإرادة وعلى العزيمة وعلى كل ~~قوة ms253 من قوى النفس السلام، وقد هدت الحوادث التي مرت بشلي من روحه فتضعضعت وضعفت، ~~وشعر بهذا الضعف فانطلق ملتمسا الوحدة كي يخفي عن الناس ضعفه، والأنوف المعتز بقوة ~~نفسه لا يشعر بجرح ينال منه مبلغ شعوره بأن يراه الناس ضعيفا مثلهم خاضعا لتصاريف ~~القدر خضوعهم، في هذه الساعات التي ينال المرض فيها من جسم ذلك الأنوف أو تنال ~~الحوادث من نفسه، يود لو أن الإنسانية كلها ولو أن أقرب الناس إليه من ذويه وأهله ~~لم يكن حوله منهم أحد ليطلع على ضعفه أو يشاهد هبوط نفسه. # وجعل شلي يذهب إلى جزر التمس المنقطعة يقضي فيها نهاره وشطرا من ليله، يشاهد ~~الطيور السابحة في الماء والمحلقة في الجو، ويحاول استعادة سكينته بالتحليق في عالم ~~الشعر واستمداد القوة الروحية من وحيه، ولم يكن يرجو في استمداده هذه القوة غير ما ~~كان يطمع فيه أول صباه من تحقيق سعادة بني الإنسان، فقد زادته الحوادث التي كرت ~~عليه إيمانا بأن نظام الجماعة الفاسد هو الذي دفع إلى هذه الكوارث المتوالية وتلك ~~المآسي الفاجعة التي تذهب اللب وتصدع القلب، وكانت قصيدته الكبرى الثانية - ثورة ~~الإسلام - والتي كان يصقل فيها من قبل أن تفجأه الحوادث تباعا، قد فرغ منها أو ~~كاد، فوضع قصيدة أخرى أسماها «لاون وستنا» ضمنها مسارح أفكاره في ذلك الظرف العصيب ~~من حياته، وضعها في أثناء تلك الجولات في أحضان الوحدة مقتضيا نفسه أن يكون فيها ~~مثال سمو فوق المرض والألم وكل أسباب الضعف الإنساني الذي لا يليق بأمثاله ممن ~~يؤمنون بأنهم يقبضون بيدهم على ناصية الوجود. # ولم تكن جولاته ولا كان شعره ليرد إليه طمأنينة نفسه أو ليدفع عنه غائلة همومها، ~~بل لقد جنت هذه الهموم على صحته وردت إليه مرض صدره وجعلته يفكر جادا في وسيلة ~~البرء من علته، كتب إلى جدوين في 7 ديسمبر خطابا يصف له فيه حاله، جاء فيه: ~~«وكانت صحتي أسوأ بالفعل، فإن مشاعري لتهبط أحيانا إلى حد الذهول والموت، ويبلغ ~~بها التوتر أحيانا أخرى إلى حد ms254 غير طبيعي من التهيج، ولأقتصر على مثل مما يعذبني ~~خاصا ببصري، فإن أوراق الحشيش وغصون الأشجار البعيدة لتبدو لناظري بدقة ~~مكرسكوبية، فإذا أقبل المساء غرقت في بحار من الهبوط وضعف الحياة وبقيت مستلقيا - ~~في كثير من الأحايين - ساعات على المضجع وأنا بين النوم واليقظة فريسة تهيج ~~ذهني مؤلم أشد الألم، ذلك أمري إلا في قليل، أما الساعات التي خصصت للبحث فقد ~~اخترتها بعناية من بين الساعات التي أستطيع المقاومة فيها ، على أن ذلك كله ليس هو ~~سبب تفكيري في السفر إلى إيطاليا طمعا في أن تنقذني منه، كلا، بل لقد عاودتني نوبة ~~صدرية، ولئن كانت قد انتهت الآن غير تاركة وراءها أثرا لوجودها إلا أن هذا العرض ~~دلني على حقيقة المرض الذي يؤويه صدري، ومن مصلحتي أن يكون هذا المرض بطبعه بطيئا، ~~وإن الإنسان إذا عني بتتبع تقدمه استطاع التغلب عليه والبرء منه في جو دافئ، ~~فإذا عاد هذا المرض على صورة واضحة أصبح واجبا علي أن أسارع بالذهاب إلى ~~إيطاليا، على أنا إنما نسافر حين يصبح السفر واجبا محتوما، لمخالفة هذا السفر ~~لمقاصدنا أنا وماري متأثرين بعواطفنا نحوك، وأحسبني في غنى عن أن أذكرك، فضلا عن ~~آلام الذين يعيشون بعد موت عزيز عليهم، بسلسلة النتائج السيئة التي تترتب على موتي، ~~وإنما يحملني على هذه الصراحة القاسية ما بدا لي من أنك لم تدرك حقيقة مقصدي، فليست ~~الصحة وإنما هي الحياة التي أبحث عنها في إيطاليا، ولست أبحث عنها من أجلي، فأنا ~~أشعر بالقدرة على نفسي إزاء مثل هذا الضعف، وإنما أبحث عنها من أجل أولئك الذين ~~تفيض عليهم حياتي سعادة ومنفعة وأمنا وكرامة، ومن بينهم من ينقلب عليه أمر هذا كله ~~إلى النقيض إذا أنا مت.» # وما يشير إليه شلي من سوء فهم جدوين إياه هو تأويل جدوين سفر صهره إلى ~~إيطاليا بأنه الفرار من معونته المالية، على أن ماري لم تبرح إنجلترا حتى كفلت ~~لأبيها عن طريق شلي رزقا يقيه في شيخوخته، كما كانت طوال إقامتهم في إيطاليا ms255 لا ~~تنفك تعينه بتخصيص ما يقع لها ثمنا للروايات التي تكتبها لمعونته، وبدفع شلي ليزيد ~~في هذه المعونة جهده، ولعل إحساسها بحاجة شلي إلى السفر كانت أشد من إحساسه هو، فقد ~~أثقلتها جين وابنتها وطمعت حين وجودهما على مقربة من بيرون أن يضمها إليه، على أنهم ~~ظلوا ينظمون شئونهم ويبيعون دارهم في مارلو ويقتضون الناس فيها ما يستطيعون اقتضاءه ~~منهم حتى استطاعوا إعداد أهبتهم للسفر، وسافروا في منتصف مارس سنة 1818 قاصدين ~~ميلانو ليذهبوا بعد منها إلى البحيرات الإيطالية آملين أن يجد شلي في شمسها وهواء ~~الجبال عندها ورقة الطبيعة المحيطة بها ما يشفي صدره ويرد إليه سكينة ~~نفسه. ~~(5) سنو حياته الأخيرة بإيطاليا # غادر شلي إنجلترا قاصدا إيطاليا في مارس سنة 1818، غادرها مستصحبا زوجه ماري ~~وابنيهما وليم وكلارا، ومستصحبا كذلك جين كليرمون التي كانت تطمع في أن ترى ابنتها ~~من بيرون فتروي غلة قلبها الظمئ شوقا لها، ومروا بليون فجبال الألب حتى نزلوا ~~ميلانو، ومن هناك قصدوا البحيرات الإيطالية التي كانت منذ القدم مغنى الشعراء ~~وملهمة الموسيقيين والمصورين ورجال الفن جميعا، وأعجب شاعرنا بهذه البحيرات ~~و«بكومو» منها بنوع خاص، حتى رأى أن ليس يعدلها أو يزيد عليها جمالا غير بحيرات ~~كلارني الأرلندية، على أنهم لم يجدوا في منطقة البحيرات الدار التي تعجبهم فعادوا ~~إلى ميلانو حيث وجد شلي في كنيستها ملجأ تطمئن له روحه التي كانت ثائرة من قبل على ~~كل كنيسة وعلى كل دين، وكنيسة ميلانو جديرة بأن تطمئن النفس لجمال ظاهرها وهيبة ~~داخلها هيبة تبعث إلى النفس طمأنينة الإسلام للحياة ولما بعد الحياة، لكن أمر شلي ~~لم يقف عند حد الإعجاب بجمال كنيسة ميلانو وهيبتها، بل إن نفسه التي كانت جموحا ~~ثائرة على كل شيء قد وجدت في آلام الحياة وصدماتها المتوالية ما هد من ثورتها وما ~~أراها ضعف الإنسان وعجزه التام أمام الوجود، فعاد إلى نوع من الإيمان بعظمة الوجود ~~ممثلا في الكنائس والبيع وبيوت الله جميعا، وجعل يرى فيه ملجأ يحتمي به الإنسان ~~من ضعفه، بل ms256 يستريح فيه إلى هذا الضعف ويطمئن له. # ومن ميلانو كتب شلي إلى بيرون في شأن اللجرا منبئا إياه بوجود أمها معهم، ورد ~~عليه بيرون معلنا - في صراحة وقحة - أنه لن يرى لجين وجها ولن يسمح أن تعرف إليه ~~طريقا، ورأى شلي أن لا وسيلة للتخفيف ولو بعض الشيء من حدة صاحبه إلا أن يذهب إليه ~~في البندقية، وغادر ماري وابنيهما وذهب مستصحبا جين التي ألحت في السفر رجاء أن ~~ترى ابنتها ولو خلسة من غير أن يعلم بيرون بوجودها، وتقابل الشاعران وتحادثا في ~~الأمر حديثا انتهى بيرون معه إلى السماح بأن تقيم الطفلة مع أمها وشلي في دار ~~بناحية «إست» شهرين كاملين على ألا يكون لجين بعدهما مطلب عنده أو رجاء فيه، وأعجب ~~شلي بالمدينة السابحة غرقى في لجة الإدرياتيك وبجزرها وكنائسها وبهوائها العطر ~~بأريج الحب المتغني والها فترات من الليل بأناشيده، الذاهب في المتاع به إلى حدود ~~الاستغفار عنه بإقامة الكنائس الكثيرة علها تسع ذنوب أهل المدينة جميعا، وعل ~~إحداها تكون أقرب من الأخرى إلى دعاء مستجاب. # ورأى بعد الذي عرضه بيرون وبعد ذهابه وجين وابنتها إلى إست أن المكاتبة بينه وبين ~~ماري أصبحت لا تكفي فدعاها لتقيم معهما، ومن هناك عرفت ماري البندقية وتعلقت بها ~~وبرمال الليدو ومصيفها، على أنها ازدادت من بعد بهذه الرمال تعلقا أن خلفت فيها ~~ذكرى فاجعة هي الأولى في حياتها، فإن شهري «إست» ما كادا يقاربان التمام ليعود شلي ~~ورهطه إلى ميلانو حتى كانت ابنته كلارا قد مرضت، وبرغم ما بذلت أمها من عناية بها ~~ظل المرض متابعا سيره حتى رأوا ضرورة الذهاب إلى البندقية لاستشارة طبيب رجوا أن ~~يكون أكثر من طبيب «إست» حذقا ومهارة، لكنهم ما لبثوا أن وصلوا هناك حتى كانت ~~الفتاة في آخر لحظاتها وحتى أسلمت روحها البريئة الطفلة قبل أن يحاول طبيبها ~~الحيلولة بينها وبين بارئها، وذهب شلي وذهبت ماري يحملان الجسم الصغير إلى الليدو ~~فدفناه في رماله المختلطة صفرتها البهيجة بزرقة الموج المحيطة بها والدائمة الصفو ~~برغم ms257 ما تحوي من أجداث ورموس يخلع عليها جلالها جمالا. # وجرحت أمومة ماري جرحها الأول وعرف الحزن إلى قلبها السبيل، لكنها سرعان ما تعزت ~~وظهرت بمظهر القوي الذي لا يتزعزع حتى تمر به أعاصير القدر، وكان مظهرها هذا بعض ~~تعاليم أبيها، فنحن في الحياة نؤدي للحياة واجبها بالبر بالإنسان والعطف عليه، ~~وبتخليد النوع والقيام على تربيته، وبنشر العرفان والنور والعمل لتمتلئ بها القلوب ~~جميعا، وبالجهاد في سبيل الحرية كي تتمتع بها البشرية كلها، وما أحسنا أداء هذا ~~الواجب فمن حقنا أن نكون سعداء أيا كانت النتيجة التي يسفر عنها عملنا، وكل شر لا ~~سلطان لنا عليه ولا قوة لنا في دفعه لا موضع للأسى من أجله، وثكل الوالد ولده بعض ~~ما لا سلطان لنا عليه من أعاصير القدر، فليكن موقفنا منه موقف إباء وكرامة لا موقف ~~ضعف وحزن، ليكن موقفنا منه موقفنا من خصم يناوئنا ليبتز مالنا، أفترانا إذا ابتزه ~~فأتلفه خاضعين له متخاذلين أمامه؟ أم أنا على العكس من ذلك نزداد أمامه كبرا ~~وأنفة؟ كذلك ظهرت ماري أنوفا لم يعرف الهم ولا عرفت الدموع إلى عينها ولا إلى ~~قلبها سبيلا، ولعل هذه التعاليم لم تكن وحدها مصدر شجاعتها ومبعث قوتها، فهذا ~~ولدها وليم ما يزال في أحضانها فلها فيه عزاء، وها هي ذي ما تزال - كما لا يزال شلي ~~- في مقتبل العمر وقوة الشباب، فما يزال لهما في المستقبل وأبنائه وبناته وسعادته ~~رجاء، وكلارا التي فقدت كانت ما تزال بعد طفلة يعد عمرها بالشهور، فلا موضع ~~للأسى عليها حتى عند أشد الناس تخاذلا أمام الحزن إلا بمقدار. # فأما شلي فقد احتمل موت طفلته في سكينة، ثم احتمل نفسه وأهله وسافر وإياهم من ~~البندقية، وكان يشعر بأن المقام في شمال إيطاليا - وبخاصة عند مقدم الشتاء - ليس ~~مما يبعث إلى نفسه السكينة وإلى صدره دوام ما يرجو له من عافية وبرء، فساروا ~~منحدرين جنوبا حتى وصلوا إلى روما حيث زار شلي من آثار المدينة الخالدة ما زاده ~~قدرا لشعر فرجيل ولشعر دانتي، ms258 وبعد إقامة قصيرة بها قصدوا إلى نابولي، وهناك على ~~شاطئ خليجها الساحر البديع ألقى شلي عصا تسياره آملا أن يجد فيها الطمأنينة ~~التي تيسر له الانخراط في خيالاته وتأملاته وتتيح له أن يتم قصيدته (بروموتيه ~~الطليق) ينادي فيها كما نادى في قصيدة (الملكة ماب) بمبادئ الحرية والفضيلة، ويضع ~~فيها الإنسان بإزاء قوى الطبيعة وما وراء الطبيعة، وقد قيدته كلها بقيودها، فإذا هو ~~يحاول من طريق إرادته ومن طريق حرية فكره أن يحطم هذه القيود، وأن يتغلب على هذه ~~القوى، وأن يقف منها جميعا موقف المتحكم فيها المسير لها، ثم إذا محاولته تنتهي ~~به إلى الفوز على القوى جميعا بفضيلة صدق العزيمة والإيمان بالحرية وتقديس الحياة ~~والجمال فيها وبالحب الطاهر الذي لا يعرف الأثرة، وإنما يشترك فيه الإنسان وسائر ما ~~في الكون إجلالا وتقديسا لما أبدعت الحياة في الكون من جمال وجلال، وهو يضع ~~قصيدته هذه في صورة الرواية التمثيلية جاعلا أشخاصها آلهة الأولمب وعلى رأسهم ~~جوبتر، ومن حولهم الأرض والمحيط وعذاراه والكون وأرواحه والكواكب وأفلاكها والوقت ~~وانسيابه، و(بروموتيه) بإزاء ذلك كله يجاهده وينتصر عليه، وهو هنا يخالف الأسطورة ~~القديمة التي تجعل هذا البطل وقد كبلته الآلهة وألزمته قيده بسبب محاولته مناجزتها ~~والتغلب عليها بالعقل والحيلة، وإن كثيرين من النقاد ليذهبون إلى تفضيل هذه القصيدة ~~من قصائد شلي على كل ما سواها ويعتبرونها الدرة من شعره، فأما آخرون فيذهبون إلى ~~تفضيل رواية (سنسي) إذ يرتفعون بها إلى مقام روايات شكسبير، على أن (بروموتيه) قد ~~نسجت على غير طراز (سنسي)، فبينا هذه الأخيرة - على ما سترى - تعبر عن حب آثم يقع ~~في الحياة بين أب وابنته إذا بتلك تتخذ من الكائنات كلها ومن الوجود وما فيه بعض ~~مسرحها، وهي في هذا قد سارت على طراز قصيدة ملتون (الفردوس المفقود) وإن اختلفت ~~عنها قوة بأن ارتفعت عليها في بعض المواضع ولم تصل إلى رفعتها في مواضع ~~أخرى. # ولم يطل بشلي المقام في نابولي، وكأنما كانت يد القدر التي قست به حين مقامه على ms259 ~~أرض وطنه، فجعلته لا يطيل المكث فوقها إلا ليعود إلى الارتحال عنها محملا هموما ~~وآلاما ما تزال لم يهدأ ثائرها عليه برغم ما كان يبدع في الشعر من آيات ليست ~~القصائد الكبرى إلا بعضها، فلقد مرض ولده وليم أثناء كانوا في طريقهم عائدين إلى ~~روما، وخيل إلى ماري أن الأمر يسير وأن القدر لن يفجعها فجيعتين متواليتين ولن ~~يسلبها هناءة الأمومة، وهي - بعد حب الصبا - كل ما للمرأة في الحياة من عزاء، وعاد ~~الطبيب الطفل فنصح إليهم أن ينتقلوا به شمالا، لكنهم لم يكادوا يتهيأون للرحيل حتى ~~أصابت الطفل نوبة من الدوسنطاريا ألزمتهم المكث إلى جانبه، وبقي شلي ستين ساعة ~~ممسكا بيد طفله خائفا أن يفر الطفل منه إلى غيابات الأبد، ذلك بأنه كان طفلا ~~ذكيا عطوفا رقيقا، وكان جميل الصورة إلى حد سحر النسوة الإيطاليات بزرقة ~~العينين زرقة جذابة وبشعره الذهبي المتموج تموج الحرير الناعم نعومته، ثم إنه كان ~~قد أصبح وحيد ماري بعد موت أخته كلارا، فالفجيعة فيه تحيي من قلبها الفجيعة ~~الأولى وتسدل على وجهها الضحوك وعلى ثغرها العذب الابتسام سحابة كآبة وهم يصيب شلي ~~منهما حظ غير قليل، وكان لشلي في القدر رجاء التصرف بحكمته إزاء طفل لم يقترف ذنبا ~~يجزى من أجله بالموت بله المرض وآلامه وتباريحه، لكن المرض والموت وكل ما يصيبنا في ~~هذا العالم من خير وشر ليس في نظر القدر جزاء عمل من أعمالنا، ولكنه لوح كتابنا لا ~~مفر لنا من الإذعان له والسير في خطواته؛ لذلك لم يعبأ بما كان مرجوا عند شلي ~~ومات الطفل ودفن في مقابر الإنجليز بروما، هذه المقابر التي أعجب بها شلي وتمنى لو ~~يدفن فيها، ولم يكن يومئذ يعلم أن ما بقي من رفاته سيرقد هناك إلى جانب جثمان ~~طفله. # مات وليم فانهارت عند ماري كل تعاليم أبيها وأسلمت للألم نفسها ولم تطق للوجود ~~جلادا، سكب الهم ظلمته في قلبها واتشح الوجود كله بالسواد أمام بصرها ورسم الحزن ~~على ثغرها وفي نظرتها صورة اليأس والبؤس وشرد ms260 لبها إلى قفار الانتحار، وصورت لنفسها ~~خاتمة كخاتمة أختها فاني أملاي، وعبثا حاول شلي تعزيتها بالترويح عنها بأن انتقل ~~بها إلى الريف من روما وأسكنها قصرا جميلا يحيط به الزهر والشجر، وما بهجة الزهر ~~وخضرة الشجر أمام قلب كسير وبصر حزين؟! إنها كلها تنقلب سوادا وتزيده على همه ~~هما وأسى، بل تصبح ضحكات الزهر بعض سخرية القدر، وابتسامة الخضرة شماتة بنا في ~~مصابنا، وعبثا حاول أبوها لما علم عمق حزنها أن يردها إلى صوابها وإلى تعاليمه، ~~فالصواب والتعاليم والمنطق والعقل أوهام وصور ما تلبث أن تطير وتتلاشى إذا هي ~~ارتطمت بقسوة الواقع، وأي واقع أشد قسوة من الموت، بل من الثكل، ثكل الأم لوحيدها ~~ولأمومتها؟ وشلي وحبه وحنانه أصبح هو الآخر مملولا، ثم نسي كما نسي غيره أن لم يبق ~~من الوجود أمام ماري إلا حزنها مجسما في ذلك القبر الذي أوت إليه رفات وليم، فإذا ~~ناداها شلي قائلا: «أين ذهبت يا عزيزتي ماري تاركة إياي وحيدا في هذا العالم ~~القفر؟ إن صورتك الساحرة ما تزال هنا إلى جانبي، لكنك أنت قد فررت عن طريق الوحدة ~~المؤدي إلى صوامع الحزن المظلم.» إذا ناداها شلي هذا النداء لم تزد على أن تمعن في ~~التماس صوامع الحزن تاركة إياه يبحث عن عزائه في خير دواء لكل ألم وخير بلسم لأبلغ ~~جرح، في العمل المتصل لأداء ما ألقت عليه الأقدار رسالته كي يشدو بها إلى العالم ~~أنغاما سماوية، وأعانته سماء إيطاليا الصفو على متابعة تفكيراته وشدوه، على أن ~~القدر الذي قسا كل هذه القسوة بماري لم يلبث أن دس إليها من عنده بلسم عزاء، فقد ~~حملت وأحست في أحشائها روح الأمومة من جديد، لكنها كانت في خشية من معابثة القدر ~~فظلت على عبوسها وإن زالت سحابة الهم التي كانت تظلها مما جعلها تنظر للحياة مرة ~~أخرى نظرة رجاء، ولما اقترب موعد وضعها ارتحل بها شلي إلى فلورسنا لتكون في رعاية ~~طبيب صالح، ثم إن في جو فلورنسا الجميل ما يضاعف الرجاء لمن لديه ms261 ولو قبس من رجاء، ~~فيها أجمل ما في إيطاليا من الآثار، ويضوع ريحها بأسماء دانتي، وسافانارولا، ~~وجيوتو، ودونانلو؛ لذلك كانت للزوجين خير موئل، فيها وجد شلي خير ما يلهم شاعريته ~~التواقة للجمال تلتمسه في كل مظاهر الفن والطبيعة، وفيها وجدت ماري مزيدا من ~~رجائها، حتى إذا وضعت وألفت نفسها أما من جديد في ذراعيها طفل حملته أحشاؤها ~~عاودت ثغرها أول ابتسامة من يوم مات وليم، ودعت الوليد برسي فلورنس شلي، اعترافا ~~بفضل زوجها في تقويتها على اجتياز محنتها، وبفضل فلورنسا التي عادت إليها فيها ~~أمومتها وحياتها ورجاؤها. # ولما جاء الشتاء وقرس البرد في المدينة «الجميلة» نصح الطبيب إلى شلي بالسفر إلى ~~بيزا، فذهب بأهله إليها وأقاموا بها، وهنا تألفت حول شلي جماعة يعيش كل منهم عيش ~~العزلة، فلما وجدوا هذا الدائم الترحال استقر بينهم أحاطوا به، وانضم إليهم قسيس ~~لقبه أهل البلد بشيطان بيزا واسمه الأستاذ المبجل باكشياني، وكان قسيسا قليل الدين ~~وأستاذا لا يعلم الناس شيئا وزير نساء ومحبا خدمة معارفه، وكل من يمر ببيزا كان ~~يصبح من معارفه، وقد قص هذا الشيطان على شلي قصة استدعت كل التفاته، ذلك أن للكونت ~~فيفياني - أحد كبار أعيان بيزا - فتاتين من زواج أول، وأنه لما تزوج ثانية بعد وفاة ~~زوجه الأولى ذهب بفتاتيه إلى الدير أن كانت زوجه شديدة الغيرة منهما لفرط جمالهما، ~~وكان جمال كبراهما (إميليا) رائعا روعة جمال الملائكة، كما كان ذكاؤها حادا ~~وخيالها متوقدا بما يبعث إلى كل نفس أشد الإعجاب بها والإشفاق عليها، وكان قصد ~~أبيها من الذهاب بها وبأختها الدير أن يقيما فيه حتى يتزوجهما من شاء من غير أن ~~يمهره الأب عنهما شيئا، فلما سمع شلي بالقصة هاجت في نفسه كل عواطفه القديمة، أليس ~~هو يريد الكمال مجسما في أنثى لها جمال المرأة وعقل الرجل؟ وهذا هو قد ضل تقديره ~~الكمال في هاريت جروف وهاريت وستبروك، وها هي ماري جدوين وإن كانت ما تزال من ~~خير النسوة اللواتي عرف إلا أنها أصبحت أمامه جسما محسوسا ms262 ذا حدود وأبعاد وذكاء ~~متجليا له كل ما فيه من حكمة وشعر، فلم يبق إذا فيها المجهول الذي يبحث هو دائبا ~~في الكشف عنه والوصول إليه، فلنر إذا ما عسى أن تكون إميليا فيفياني هذه من صور ~~الكمال وما عسى أن تلهمه من رائع الشعر والحكمة. # ولمح القسيس الشيطان هذه النوازع في نفس شلي فعرض عليه أن يصحبه إلى الدير، وما ~~لبثت الفتاة أن دخلت عليهما المنظرة حتى سحر شلي وذهب به قوام رخص في لدونة ~~واعتدال تخلع عليه ثياب الدير البسيط زينة وانسجاما وتزيد بهاء ما فيه من جمال في ~~كل انثناء ونتوء، ومشيهة هي للعين أنغام تموج في النفس والخيال فتهزهما وتبهرهما، ~~وشعر فاحم السواد ملقى على أكتافها ليزيد وجهها البديع القسمات وضوحا وبهرا، ~~وعيون دعجاء تفيض نظراتها حبا شهيا فيه قوة تلتهم من تقع عليه التهاما، ~~وجبين مصقول، وأنف أقنى، وثغر عذب، وشفاه تحدث عن فيض الرغبة، وإلى هذه الأنوثة ~~القوية الجذابة بريق ذكاء يبدو بصيصه من حدق عيونها السوداء قويا ملتهبا، وألفت ~~الفتاة ساعة دخولها المنظرة عصفورا في قفص، فتوجهت إليه بهذه الكلمات: «أيها ~~الصغير المسكين، إنك لتموت اكتئابا، فما أشد إشفاقي عليك! ألا كم تتألم حين تسمع ~~أسراب أمثالك تناديك ثم تطير مع الرياح من غيرك إلى بلاد مجهولة! أنت مثلي محتوم ~~عليك أن تقضي هنا في سواد حظك، أواه لو كنت أستطيع إنقاذك!» وانطلقت مرتجلة مثل هذه ~~العبارات بصوت عذب ساحر تزيده اللغة الإيطالية بموسيقاها سحرا وعذوبة، وزادت ~~أنشودتها للطائر الحبيس بهر شلي فاستأذنها أن يعود إليها وأن يستصحب زوجته وأختها، ~~فرضيت طيبة النفس. # وتزاوروا وتكاتبوا وأبدت ماري إعجابها بجمال إميليا وتقدير شلي إياه على أنه ~~الجمال الأسمى، أما شلي فانطلق من فوره يضع قصيدته (إببسشديون) يصف فيها الجمال ~~والحب ويدعو فيها إميليا لتذهب وإياه إلى قصر قديم في جزيرة أبدعها خياله بين جزر ~~الإدرياتيك ليعيشا هناك وليسبحا بين جمال تلك الجزيرة وأشجارها وأنهارها في عزلة لا ~~ينغصها عليهم أحد من الإنس، وإنك لتقرأ ms263 القصيدة وتبلغ أبياتها أربعة وستمائة بيت ~~فلا ترى فيها أكثر من هذا الذي ذكرنا، لكنك تراه أثيريا يطير بك في عالم الجمال ~~وينسيك نفسك بموسيقاه وحلاوة صوره وبديع خياله وينساب إلى روحك عذبا سلسبيلا، فلا ~~تزداد إلا تعلقا به وتقديرا إياه، وفي ختام القصيدة يقول: «اذهبي أيتها الأبيات ~~الضعيفة فاسجدي عند قدمي سيدتك وقولي: إنني سيدة عبدك فمري أمرك فينا وفيه، ثم ~~تنادين مع أخواتكن من سائر شعري واسجعن متغنيات: «عذب في الحب حتى ألمه، لكن جزاءه ~~في هذا العالم قدسي لأنه إن لم ينلنا في الحياة تبعنا إلى ما وراء قبرنا»، وأنت لا ~~ريب ستحيين في حين أكون أنا قد أويت إلى هناك، فأسرعي فوق قلوب العباد حتى تقابلي ~~ماريتا وفانا وبريموس وسائر صواحبك، ثم أهيبي بهن أن يحب بعضهن بعضا وأن يبارك ~~بعضهن بعضا، ودعي فيما وراءك قطيع الخاطئين الطاعنين على غيرهم بخطاياهم وتعالي ~~فكوني ضيفي، فإنما أنا ضيف الحب.» # وقبل أن يتم قصيدته، تزوجت إميليا من غني اسمه بيوندي قبل أن يعقد عليها من غير ~~أن يمهرها أبوها، فلما علم الشاعر بأمرها أسقط في يده ولم يطق إتمام قصيدته، فها هي ~~ذي رمز الحب في طهارته قد فعلت فعلة ابنة عمه هاريت جروف وفعلة النساء جميعا ممن ~~عرف، ها هي ذي سقطت إلى مستوى القطيع تاركة إياه يعض البنان ندما على خطئه في ~~أمرها ويصب عليها اللعنة أن أضاعت عليه وحيه وإلهامه. # وفيما كان شلي في هيامه بإميليا كان بيرون يتخطى خليلة إلى خليلة حتى انتهى إلى ~~أجمل نسوة البندقية وتدعى جيوكشولا، وكانت من عائلة نبيلة ومتزوجة رجلا نبيلا، ~~لكن صلة المرأة بخليل لم تكن في البندقية يومئذ أمرا إدا، حتى في نظر زوجها، ~~على أن هذه السيدة اضطرت للسفر مع هذا الزوج إلى رافنا ومن هناك دعت بيرون ليترك ~~البندقية ويقيم عندها، فلما تلكأ بعثت إليه تخبره بأنها مريضة فطار إليها وأقام إلى ~~جانبها، وكما انتقل هو من البندقية فقد نقل ابنته اللجرا إلى بولونيا، فلما ms264 علمت ~~جين كليرمون بأمر ابنتها بعثت إلى بيرون تستعطفه أن يبعث بها إليها، فرد عليها ~~ردا غليظا يقول لها فيه إن التربية في بيت شلي على أساس النباتية في الحياة ~~المادية والإلحاد في الحياة الروحية مما لا تطمئن له نفسه، ورفض أن يسلم البنت لها، ~~فجن جنونها وبعثت إليه بخطابات قاسية اعتذر له عنها شلي في خطاب بعث به إليه يقول ~~فيه إن جين أم، وإنه وإن لم يطلع على ما تكتب لوالد ابنتها إلا أنه يرجوه أن ينظر ~~إليها بعين الرحمة والمغفرة، لكن بيرون رأى في هذا كله ما أغضبه، فأراد أن ينتقم ~~لنفسه من شلي، وكان قد وصله خطاب من قنصل إنجلترا في البندقية، يقول له فيه إن ~~الناس يتهمون شلي بمعاشرة جين، وإن مربية كانت في خدمة شلي تذيع أن جين حملت منه ~~فأجهضها في نابولي حين كانت زوجه في روما، وتنفيذا لانتقامه بعث بيرون يستدعي شلي ~~إلى رافنا «لأمور خطيرة»، فلما كان عنده أطلعه على خطاب القنصل مما هاج ثائرة شلي ~~وجعله يكتب إلى زوجه يطلب إليها أن تكذب ما تذيع خادمهم الخؤون، وأظهر بيرون ~~اقتناعه بما كتبت ماري وإن لم يقم بأي مجهود لدى القنصل في البندقية يبدد به ما علق ~~بذهنه من أكاذيب. # وزار شلي اللجرا في الدير الذي بعث بها إليه أبوها، في بانيو كافالو، فألفاها ~~كبرت ولكن النحول بدا عليها، ومع نحولها بدت وسط الأطفال قريناتها في جمال جذاب يدل ~~على أنها أرق منهن وأرقى منبتا، غير أن حياة الدير كانت بحيث تعرض صحتها بل تعرض ~~حياتها للخطر. # وكانت خليلة بيرون معتزمة السفر إلى سويسرا، فطلب بيرون إلى صديقه أن يكتب إليها، ~~ولو لم تسبق له بها معرفة، ليقنعها بالعدول عن فكرتها والذهاب إلى فلورسنا أو إلى ~~بيزا، وفاضت السعادة بشلي حين علم أنها قبلت الذهاب إلى بيزا للمقام على مقربة ~~منهم، ولم يبد بيرون اعتراضا أن كانت جين قد تركت تلك المدينة إلى فلورنسا حيث ~~قامت بأمر التعليم في إحدى مدارسها، ms265 ولم يلبث اللورد أن نزل المدينة الصغيرة التي ~~يقيم فيها شلي حتى أبدت جمعيتها كل الإعجاب به، فصار قصره مقصد المتأنقين في حين ~~بقي شلي الرسول الروحي لأهل المدينة جميعا، وكانت حياة بيرون حياة ترف لم يطقه ~~شلي، فقد كان يسهر الليل كله ثم ينام في الصباح إلى ما بعد الظهر ويذهب من بعد ذلك ~~للصيد ويعود إلى سهره ثم إلى مكتبه ليدبج قصائده التي استوقفت أنظار إنجلترا كلها ~~فكانت تلتهمها التهاما، وكان حقا على شلي أن يحتمل هذه الحياة زمنا كان يعتبر ~~صاحبه فيه ضيفا عليه في بيزا، لكنه ما لبث أن رأى ماري تريد الانخراط في سلك هذه ~~الجماعة المترفة حتى صدف عنها وعاد إلى حياته البسيطة الأولى، ووجد في أسرة ~~إنجليزية مقيمة ببيزا ما يسر له الابتعاد عن بيرون وجماعته، تلك أسرة وليمز وزوجه ~~جين، وكانت جين وليمز رشيقة هادئة النفس موسيقية الصوت يريح وجودها أعصاب من يتصل ~~بها، وكان صوتها حلو الغناء مما أتاح لشلي أن يذهب وهو معها في أحلامه الشعرية ~~وكأنه يسير وسط حديقة غناء، وزاده إعجابا بجين وليمز ما دأبت عليه ماري من ~~الشكوى من أنها لا تجد من أسباب المسرة في الحياة ما يجد غيرها. # وكان لأسرة وليمز صديق بحار من الأشقياء يدعى ترلوني، وقد دعوه إلى بيزا، فاشترط ~~أن يكونوا سبب تعارف بينه وبين شلي، وبينه وبين بيرون بنوع خاص، فوعده وليمز بهذا ~~ولم يكن عليه عسيرا، وجاء ترلوني فانضم إلى عصبتهم، ولما ربطت المعرفة بينه وبين ~~شلي برباط وثيق طلب إليه أن يبني له ولوليمز يختا يشتركان فيه، واختار لنفسه ~~ولوليمز بيتا على الشاطئ قريبا من بيزا فأقاما فيه ومعهما ماري وجين، وجعل شلي من ~~يخته مركبا لرياضته ولخيالاته وأحلامه، وشعر بالسعادة تفيض عنه وبآلهة الشعر ~~تواتيه بإلهامها من كل جانب. # والحق أن آلهة الشعر لم تضن على شلي بإلهامها يوما من الأيام، لكنها كانت في ~~هذه الفترة وخلال الأربع السنوات والنصف التي أقامها في إيطاليا أشد بإلهامها ~~فيضا، حتى ms266 ليدهش الإنسان حين يرجع إلى ديوانه متى استطاع أن يكتب هذا الشعر ~~الملائكي كله، ثم ليزداد دهشة إذا رجع إلى رسائله وإلى نثره فرآها لا تقل عن إلهامه ~~الشعري غزارة فيض ولا قوة عبارة ولا ملكا لعالم الجمال وكل ما حوى، ولو أنك أردت ~~أن تحصي ما كتب من شعر في هذه الآونة وحدها لبلغ عشرات الألوف من الأبيات بل مئات ~~الألوف! وليس يقف ما كتب من هذا عند قصائده الكبرى كقصيدة (بروموتيه) و(سنسي) ~~و(ساحرة الأطلس) و(إببسشديون) و(قناع الفوضى) و(أدوناييس) و(هلاس) وغيرها وغيرها، ~~بل إن له لمقطوعات يقر مترجموه جميعا بأنها أبقى الشعر الإنساني كله على الدهر، ~~وهذه المقطوعات التي يتحدث بها مرة إلى قبرة، وأخرى عن سحابة، وغيرها عن شجرة ~~حساسة، وأخرى إلى النيل وعشرات ومئات غيرها - هي لا ريب خير ما تغنى به شلي ~~معبرا به عن صلته بمملكة الجمال في الوجود، ولقد تغنى في هذه المقطوعات كما ~~تغنى في مواضع كثيرة من قصائده الكبرى، فخلع على كل ما تغنى به حياة لم تكن ~~لتحسبها له، فإذا بك وقد قرأت شلي محسا بها لامسا إياها معترفا بأنك أنت الذي ~~كنت عاجزا عن رؤيتها بحسك واكتناهها بقلبك، وليس شعره وحده هو الخالق حياة جديدة ~~في الوجود، بل إن لنثره من هذه القوة ما لشعره، وإن كانت موسيقى شعر شلي مما يزيد ~~في قوة خلقه حياة وقوة. # ولشعر شلي جوانب شتى لمح القارئ بعضها فيما قدمنا له من ترجمته، فثم جانب من ~~حياته هو وتغنيه بما كان يرجوه فيها، و(روح الوحدة) و(إببسشديون) وكثير من مقطوعاته ~~تعبر عن هذا الجانب خير تعبير، تترنم القصيدة الأولى بيأس الشاعر وآلامه وركوبه ~~زورق الحياة على لجة الوجود ملتمسا في العدم راحة من آلامه، واجدا في خيالات الحب ~~لهذه الأعرابية التي مرت به ثم تبعه طيفها عزاء نفسه عن بعض هذه الآلام حتى تسكن ~~إلى الموت سكونها الأخير، وقصيدته الثانية هي قصيدة الجمال والحب مجسمين في إميليا ~~فيفياني، أما الكثير من مقطوعاته فيتضوع بشذا الحب ms267 والجمال ويترنم بموسيقاهما على ~~صورة لم تعرف في شعر شلي، فلقد كان من عباد جمال المرأة والذين يجدون فيه تمثال ~~الكمال الإنساني مجسما، وكأنما كان جسمه يصبو إلى هذه الأجسام التي تتمثل فيها ~~الروح الإنسانية بكل نوازعها معنى الجمال الإنساني، لكنه كان يسبح من عبادته هذا ~~الجمال في خيال قسرته عليه فضيلته وألزمته إياه آراؤه ومبادئه؛ لذلك لم يكن يدع ~~لصبوة جسمه أن تنزلق مع تيار الغريزة باحثة عن الاتصال بمن صبا إليه، بل كان يدع ~~هذا الاتصال لعقله ولخياله ولشعره يصوغ من الاتصال آي الحكمة وأهازيج الجمال، وهو ~~هنا يختلف عن بيرون وعن كثيرين من الشعراء الذين يجدون في صبوة الجسم إلى الجسم - ~~شفاء لغريزة تخليد النوع - كل ما يسعى إليه الحب، بل كل ما يحرك في النفس هذه ~~العاطفة، وهذا المعنى الذي تراه صريحا جليا في شعر شلي هو الذي كان ينتهي باليأس ~~إلى نفوس كل من أحببنه من النسوة، وبما يشبه اليأس إلى نفس ماري أكثرهن ذكاء ~~وأسماهن حكمة، فالمرأة التي ترى في فضيلة شلي معنى من معاني الرواقية والزهد في ~~الحياة والرغبة عنها تشعر بنقص في الحياة على حين خلقتها الطبيعة لتزيد فيها ~~وتستزيد منها. # على أن جمال المرأة وإن زان كل جمال في الوجود وتوجه فليس ما في الوجود سواه ~~من جمال أقل إلهاما لنفس الشاعر وتحدثا إلى قلبه، بل إن كثيرا من جمال الوجود ~~ليخلع على المرأة جمالا وزينة بمقدار ما تزينه هي وتجمله، ولئن كنت ترى هذين ~~اللونين من الجمال مقترنين أكثر الأحايين في نفس أكثر الشعراء، إلا أن لجمال الوجود ~~مكانة خاصة من نفس شلي تكاد تجعل الجمال لذاته آية إيمانه في الحياة، وهو في هذا ~~أصدق من كثيرين غيره نظرة وأدق حسا، وهو لهذا كان يريد أن يفصل المرأة كمثال ~~للجمال والمرأة كمخلدة للنوع، وكان يبحث فيها عن الجمال في مثله الأعلى، وكان لذلك ~~لا يرى لجمال الجسد قيمة ما لم يصحبه روح جميل هو الآخر. # وفيما سوى هذا الجانب من ms268 جوانب شعر شلي كانت المدينة الفاضلة غاية قصده من أكثر ~~قصائده، المدينة الفاضلة بما فيها من إخاء وتسامح وحرية وتبادل محبة، المدينة ~~الفاضلة المنزهة عن دنيا الشهوات، السامية إلى مكانة هي وحدها الجديرة بالإنسانية ~~المهذبة، و(الملكة ماب) و(بروموتيه) و(سنسي) نفسها اندفاعات صادقة في الدعوة إلى ~~هذه الغاية العليا، وحرب شعواء على الجمود وعلى التعصب، وعلى ما يؤدى إليه الجمود ~~والتعصب من تحكم الشهوات الدنيا في الروح الإنسانية تحكما ينتهي بها إلى فسادها ~~وذلها، ولعل هذه الصورة التي صورها الشاعر من آثار الجمود والتحكم أشد ما تكون ~~وضوحا في (سنسي) منها في أية قصيدة أو رواية أخرى، فقصة هذه الرواية التي وضعها ~~الكثيرون من النقاد والكتاب في صف روايات شكسبير، أن الكونت سنسي بلغ من كراهية ~~ابنته وابنه من زوجة متوفاة أن حدثته نفسه بالفتك بعفاف ابنته بياتريس، وشعرت ~~الفتاة بالكريهة التي يريدها أبوها عليها فدبرت مع أخيها وزوج أمها مؤامرة للتخلص ~~من حياة ظالمهم جميعا، وإنما لجأوا إلى الائتمار بحياته بعد أن لجأوا إلى البابا ~~وإلى كبراء روما فلم يجدوا منهم منصفا، وكشف الأب المؤامرة فشكاهم إلى قداسة الباب ~~فأمر بإعدامهم وفقا لإرادة الكونت الذي اشترى من القداسة العليا العفو عن كثير من ~~جرائمه بثمن زاد على مائة ألف من الجنيهات، ولو أن العدل أخذ مجراه في هذه المؤامرة ~~لكان (سنسي) هو الخليق بأن يجزى أشد الجزاء، لكن في إعدامه إعداما للأموال ~~الطائلة التي كان يغدقها على الخزانة البابوية، فليعدم الفقراء، وإن كانوا أنصار ~~الفضيلة، ولتبق الجماعة على حياة الرذيلة ما دامت تفيد منها، ثم لتثر الفضيلة على ~~لسان شلي في أشعار هذه الرواية الخالدة ثورة تدك عرش الظلم وتهز قوائم ~~الظالمين. # وهو هذا الدفاع عن الحرية وعن الفضيلة ومحاولة الارتفاع بجمال المرأة ليكون ~~مثالا لهما هو الذي كان يفرق بين شلي وبيرون، ويجعل من كل واحد ند صاحبه، وطبيعي ~~أن كان إقبال الجمهور يومئذ على شعر بيرون، فالجمهور أسير الشهوات يلتمسها في واقع ~~الحياة، ولئن صح إن كانت ألسنة ms269 الخلق أقلام الحق، فلبيرون أن يزهي على صاحبه وأن ~~ينظر إليه مشفقا عليه، لكنه كان في الخيال كما كان في الواقع يستشعر الغيرة منه، ~~وكأنما كان يجري به خياله إلى لجج المستقبل يلتمسها فيتبين خلالها ما أعده لشلي من ~~عظمة وخلد ينافسان خلده وعظمته ويدعو الكثيرين لتفضيله عليه. # وكان حب شلي للجمال ودفاعه عن الحرية أثرا من آثار طيبة قلبه وحبه الناس وبره ~~بأصدقائه، وقد عرف في أثناء مقامه بكازاماني بالقرب من بيزا أن صديقه لي هنت في عوز ~~فدعاه إلى إيطاليا، واتفق ولورد بيرون أن يصدر هنت جريدة في إيطاليا يكون لها ~~امتياز السبق إلى نشر قصائد بيرون، وفيما كان هنت في طريقه إلى بلاد الشمس والضياء، ~~كان شلي سعيدا بيخته سعيدا بزورق صغير صنع له كي ينقله وصاحبه وليمز من اليخت إلى ~~بيته أن كانت مياه البحر لا تسمح برسو اليخت على الشاطئ، وكان كثيرا ما يستلقي في ~~أثناء رحلاته على الماء تاركا السفين يلعب به الموج ذاهبا هو في تيهاء تأملاته ~~وأحلامه، فإذا عاد إلى داره التمس في مجاوراته مكانا منعزلا بين الغياض والشجر ~~وقضى نهاره يقرض من شعره الموسيقي الساحر ما يهبه للحياة وللحرية تارة ولزوجه ماري ~~طورا ولجين وليمز التي أصبحت ربة شعره في هذه الفترة الأخيرة أكثر الأحايين، ~~وكثيرا ما كان ينقضي النهار وهو في عمله عند جذع شجرة اتخذها وسط الغابة مكتبا، ~~ناسيا في أثناء ذلك طعامه وشرابه، مكبا على خياله وشعره، حتى لكانت زوجه وكان ~~صاحبه ترلوني يذهبان إليه ينتشلانه من عالمه الجميل السعيد ويردانه إلى الحياة التي ~~يعيش فيها على طريقته من التقشف والزهد. # ووصل لي هنت، فذهب شلي وقابله في ليفورنو، ومن هناك ذهب به إلى بيرون في بيزا ~~ليتموا الاتفاق في شأن الجريدة التي تحدث شلي لصاحبه الشاعر الكبير عنها، ومع ما ~~بعث به فقر هنت وسوء حال أولاده من التقزز إلى نفس بيرون، فقد ظل به شلي حتى انتهى ~~بإلزامه أن يقوم بعمل من أعمال البر لرجل أخلص ms270 للأدب وللشعر حياته، فلما آن له أن ~~يرتحل عائدا إلى بيته فوق سفينته عصفت ريح جعلت السفرة مخوفة، حتى لقد تردد ترلوني ~~الذي قضى فوق لج البحر حياته في أن ينصح لهما بالسفر، لكن شلي كان إذا اعتزم فعل، ~~فاصطحب صديقه وليمز وغلاما معهما وأقلعوا يوم الاثنين الثامن من أغسطس سنة 1822 ~~وانتظرتهما زوجاهما في ذلك اليوم الذي انقضى من غير أن تقفا لهما على خبر، وانقضى ~~الثلاثاء والأربعاء بعده فجن جنونهما وطاش صوابهما وذهبتا إلى ليفورنو باحثتين ~~عنهما، وعلم ترلوني بحال الزوجتين فأيقن أن صاحبيه هلكا في زورقهما، وأخذ نفسه ~~بالبحث على شاطئ البحر ما بين ليفورنو وكازاماني حتى إذا كان الرابع عشر من أغسطس ~~عثر الغائصون بجثة عبثت الأسماك بوجهها وإن لم تخف معالمه، وألفى ترلوني في جيب ~~الجاكتة كتاب إسكيلوس فلم تبق لديه ريبة في أنها جثة شلي، ثم لم يطل بالغائصين ~~البحث حتى عثروا بجثة وليمز، ودفنهما ترلوني في الرمل ثم ذهب مكتئبا حزينا إلى ~~كازاماني، وحاول أن يدخل فخانته قواه فجعل يدور حول المنزل حتى لمحته خادم، أخبرت ~~سيدتها بالأمر، فما لبثتا أن رأتاه حتى تبدد كل وهم من رجاء بقي عندهما وحتى انهدتا ~~إلى الأرض صعقتين قضى عليهما الترمل والهم. # ولما أفاقتا ذكرت ماري ما كان يرجو زوجها أن يدفن في مقابر الإنجليز بروما، لكن ~~نقل الجثة من بيزا إلى روما غير جائز بحكم قانون البلاد إلا أن تحرق الجثة وتنقل ~~بقية التراب منها، ففي ظهر السادس عشر من شهر أغسطس سنة 1822، وقف لورد بيرون ~~والشاعر لي هنت والبحار ترلوني فوق رمال الشاطئ الإيطالي على مقربة من ليفورنو يحيط ~~بهم عدد من أهل تلك المنطقة، ويقف إلى جانبهم جماعة من الضباط والعساكر الإيطاليين، ~~وكلهم محدق ببصره إلى نار تضطرم قد بوركت بالنبيذ صب عليها وبالملح ألقي فيها ~~ويفوح منها ريح اللحم الإنساني، وكلهم واجم مخلوع القلب ذاهب في تيهاء الهلع ~~والذهول، وظل هذا المنظر المروع أمامهم ثلاث ساعات تباعا يهز نفوسهم هزا فلا ~~يزدادون ms271 إزاءه إلا وجوما وذهولا، وتندى عين بعضهم بالدمع ثم تذرفه أن لا تستطيع ~~حبسه، ويحدق ترلوني بالعظام تحترق واللحم تذيبه النار، ثم تبدأ النار بعد ذلك تخبو ~~رويدا رويدا تاركة وراءها حفنة من تراب هي كل ما بقي من رفات قيثارة الشعر ~~الإنجليزي شلي، ويحمل ترلوني الحفنة إلى الأرملة البائسة ماري شلي لتتولى ويتولى هو ~~ولي هنت معها حملها إلى مقابر البروتستانت في روما كي تستقر هناك في أرض غريبة عن ~~ثرى الوطن، ولكن لتسعد مع ذلك باستقرارها إلى جانب رفات عزيزة محبوبة هي رفات ابنه ~~وليم، ويقع هذا المنظر المروع وتنقل تلك الرفات القدسية إلى روما، ولم يكن شلي قد ~~بلغ إلى يوم وفاته في الثامن من أغسطس تمام الثلاثين من عمره، وإن كان قد خلف من ~~شعره على الحياة ما لا يزال فخر الشعر الإنجليزي عذوبة وموسيقى تأخذان بالنفس ~~وتملكان على المرء حسه ولبه، وتبعثان إلى كل ما تنشدانه وترنمان به الحياة والخلد، ~~سواء أكان ما تنشدانه وتترنمان به إنسانا أو طيرا أو حيوانا أو جمادا أو مجرد ~~خيال لا وجود في الحياة له، ذلك بأن الحياة كانت تسري في كل ما لامس نفس شلي لتبقى ~~قائمة به قرونا ودهورا بعد موت باعثها. ms272