######OpenITI# #META# URI: 1375MuhammadHusaynHaykal.Zaynab.Hindawi28493759 #META# Tags: novels #META# ID: 28493759 #META# Title: زينب #META# AuthorID: 73037206 #META# Author: محمد حسين هيكل #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الإهداء‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الإهداء‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # | زينب # | زينب # | مناظر وأخلاق ريفية # تأليف # الدكتور محمد حسين هيكل # | الإهداء # إلى مصر.. # إلى هذه الطبيعة الهادئة المتشابهة اللذيذة ... إلى هؤلاء الذين أحببت وأحب ... إلى بلاد ~~بها ولها عشت وأموت ... إلى مهبط وحي الشعر والحكمة أول الأزل. # إليك يا مصر، ولأختي، أهدي هذه الرواية. من أجلك كتبتها، وكانت عزائي عن الألم. ~~ولأكتبها عشت، ولولاها لقضيت على حياة ما أغناني عنها. فهل أنت تقبلين هذه الهدية ~~الضئيلة من ابن معذب، عيشه مملوء بالهموم، ولكنه يحبه حبا فيك؟ # وأنت يا أخت: أنت أول من أحببت من شباب مصر. ولمن أحب أهدي هذا القسم من نفسي، والذي ~~احتل سني شبابي الأولى، أهديها لك بعد أن أهديتها لمصر. ولعلك أنت الأخرى تقبلينها ~~فتبعثين في الأمل وحب المزيد. # ولمصر نفسي ووجودي ... ولأختي قلبي وروحي. # هيكل # | مقدمة1 # بقلم محمد حسين هيكل # نشرت هذه القصة للمرة الأولى في سنة 1914 على أنها بقلم مصري فلاح، نشرتها بعد تردد غير ~~قليل في نشرها وفي وضع اسمي عليها، فلقد بدأت كتابتها بباريس في أبريل سنة 1910، وفرغت منها ~~في مارس سنة 1911، وكان حظ قسم منها أن كتب بلندن، كما كتب قسم آخر بجنيف أثناء عطلة ~~الجامعة في أشهر الصيف، وكنت فخورا بها حين كتبتها وبعد إتمامها، معتقدا أني فتحت بها في ~~الأدب المصري فتحا جديدا، وظل ذلك رأيي فيها طوال مدة وجودي طالبا للحصول على دكتوراه ~~الحقوق بباريس. فلما عدت إلى مصر في منتصف سنة 1912، ثم لما بدأت أشتغل بالمحاماة في الشهر ~~الأخير من تلك السنة، بدأت أتردد في النشر، وكنت كلما مضت الشهور في عملي الجديد ازددت ~~ترددا خشية ما قد تجني صفة الكاتب القصصي على اسم المحامي. لكن حبي الفتي لهذه الثمرة من ~~ثمرات الشباب انتهى بالتغلب عل ترددي، ودفع بي لأقدم الرواية إلى مطبعة «الجريدة» كي ~~تنشرها، وإن أرجأت نشر اسم الرواية ومؤلفها وإهدائها إلى ما بعد الفراغ من طبعها. واستغرق ~~الطبع أشهرا ms001 غلبت فيها صفة المحامي ما سواها، وجعلتني لذلك أكتفي بوضع كلمتي «مصري فلاح» ~~بديلا من اسمي. # ولقد دفعني لاختيار هاتين الكلمتين شعور شباب لا يخلو من غرابة، وهو هذا الشعور الذي ~~جعلني أقدم كلمة «مصري» حتى لا تكون صفة للفلاح إذا هي أخرت فصارت «فلاح مصري». ذلك أني ~~إلى ما قبل الحرب كنت أحس - كما يحس غيري من المصريين، من الفلاحين بصفة خاصة - بأن أبناء ~~الذوات وغيرهم ممن يزعمون لأنفسهم حق حكم مصر ينظرون إلينا جماعة المصريين وجماعة الفلاحيين ~~بغير ما يجب من الاحترام. فأردت أن أستظهر على غلاف الرواية التي قدمتها للجمهور يومئذ، ~~والتي قصصت فيها صورا لمناظر ريف مصر وأخلاق أهله، أن المصري الفلاح يشعر في أعماق نفسه ~~بمكانته، وبما هو أهل له من الاحترام، وأنه لا يأنف أن يجعل المصرية والفلاحة شعارا له ~~يتقدم به للجمهور، يتيه به ويطالب الغير بإجلاله واحترامه. ~~••• # وظهرت طبعة «زينب» الأولى قبل الحرب، وتناولها الكتاب بالنقد زمنا، ونسبوها إلي، ورآها ~~بعضهم جديرة بالاعتبار والتقدير، ثم أنست الحرب الناس ما سواها، وأنستني أنا أيضا قصتي. ~~فلما انتهت الحرب وقامت الحركة الوطنية وظهرت فكرة «المصرية» واضحة محترمة كما صورت لنفسي ~~على غلاف «زينب». ثم لما تركت المحاماة إلى الصحافة، وشغلت بالتحرير وبالكتابة، طلب جماعة ~~من أصدقائي إلي أن أعيد طبع «زينب» ليطلع عليها ناشئة هذا الجيل الجديد، وليروا فيها قصة ~~مصرية تصف لهم ناحية من حياة بلادهم، وتدلهم على صور من الجمال فيها لم يسبق الكتاب إلى ~~وصفها. وترددت في إجابة طلب أصحابي كما ترددت أول مرة في تقديم القصة لطبعتها الأولى، حتى ~~إذا رأيت الأستاذ محمد كريم يطلب إلي إخراجها على لوحة السينما، ثم رأيت بعد ذلك عنايته ~~بهذا الإخراج، لم يبق للتردد في إعادة الطبع محل. كما لم يبق سبب لمحو اسمي من الرواية بعد ~~أن كتبت الصحف وعرف الناس جميعا أنها لي. ~~••• # ولا أريد أن أحكم اليوم على قصة كتبتها في صدر شبابي بأكثر من أني ما أزال أراها تمثل ~~شبابي ms002 تمثيلا صحيحا ، وأن فيها لذلك كثيرا مما أحب، سواء لأنه دخل عالم الذكرى حتى لأعجز ~~إن حاولت استعادته، أو لأنه يمثل أحلام الشباب وخيالاته مما أبسم اليوم له كما أبسم لما ~~أسمع من خيالات وأحلام لشبان هم اليوم في مثل سني يومئذ، ولأنه بعض عزم الشباب ومضائه، هذا ~~العزم الذي لا يعرف المستحيل، بل يعرف كيف يتغلب على كل مشقة، ويذلل كل عقبة، ويستسهل كل ~~صعب، ويحقق كل خيال، أو لأنه يشدو بموسيقى الصبا الحلوة العذبة المنبعثة من كل موجود في ~~الأرض أو في السماء، والتي تتغنى بأهازيج الحب والوجد كما يعرفها الصبا، خالية من كل ما ~~يفجع، طائرة على أجنحة من الأمل إلى جنات فيحاء كل ما فيها ورد وريحان وحور عين. بل إن ~~لفجائع الشباب لشعرا له روعته وموسيقاه. هذا وغيره من صور الصبا المرسومة في زينب يمثل ~~شبابي، ولذلك أحن اليوم إليه حنين القلب إلى مثوى محبوب ذهب ولن يعود. # ولعل الحنين وحده هو الذي دفع بي لكتابة هذه القصة. ولولا هذا الحنين ما خط قلمي فيها ~~حرفا، ولا رأت هي نور الوجود. فلقد كنت في باريس طالب علم - كما ذكرت من قبل - يوم بدأت ~~أكتبها. وكنت ما أفتأ أعيد أمام نفسي ذكرى ما خلفت في مصر مما لا تقع عيني هناك على مثله. ~~فيعاودني للوطن حنين فيه عذوبة لذاعة لا تخلو من حنان، ولا تخلو من لوعة. وكنت ولوعا ~~يومئذ بالأدب الفرنسي أشد ولع، فلم أكن أعرف منه إلا قليلا يوم غادرت مصر وبضاعتي من ~~الفرنسية لا تتجاوز الكلمات عدا. فلما أكببت على دراسة تلك اللغة وآدابها رأيت فيها غير ~~ما رأيت من قبل في الآداب الإنكليزية وفي الآداب العربية. رأيت سلاسة وسهولة وسيلا، ورأيت ~~مع هذا كله قصدا ودقة في التعبير والوصف وبساطة في العبارة لا تواتي إلا الذين يحبون ما ~~يرون التعبير عنه أكثر من حبهم ألفاظ عبارتهم. واختلط في نفسي ولعي بهذا الأدب الجديد عندي ~~بحنيني العظيم إلى وطني، وكان من ذلك أن ms003 هممت بتصوير ما في النفس من ذكريات لأماكن وحوادث ~~وصور مصرية. وبعد محاولات غير كثيرة انطلقت أكتب «زينب». وبدأتها وأنا أحسب أني سأقف منها ~~عند أقصوصة صغيرة كغيرها من الأقاصيص التي كتبت يومئذ. لكني رأيت نفسي أفسح أمامها مجالها، ~~ورأيت مصر تطوى وتنشر أمام خيالي مناظرها، ورأيتني أشعر بلذة دونها كل لذة كلما سطرت صورة ~~من صور هذا الوطن الذي أحن إليه، ثم راجعتها فرأيتها تترجم عن الحقيقة المرتسمة في نفسي. ~~ولم تمض أسابيع على بدئي الرواية حتى رأيتني اعتزمت إتمامها كما تمت، لأصور فيها حياة الريف ~~المصري أصدق تصوير كنت أستطيعه. والعجيب أن شهوة ملكتني لم أكن أستطيع تفسيرها. ذلك أني كنت ~~أفضل الكتابة في القصة في ساعات الصباح على أثر يقظتي، وكنت إذا بدأت أكتب أسدلت أستار ~~نوافذي فحجبت ضوء النهار، وأضأت مصابيح الكهربا، كأنما أريد أن أنقطع عن حياة باريس لأرى في ~~وحدتي وانقطاعي حياة مصر مرسومة في ذاكرتي وخيالي. أما حين كنت في سويسرا فكثيرا ما كنت - ~~إذا بهرني منظر من مناظرها الساحرة - أسرع إلى كراسة زينب، فأنسى إلى جانبها منظر الجبل ~~والبحيرة والأشجار تتسرب من خلال أوراقها وغصونها أشعة الشمس أو القمر، لتتلاعب بموج الماء ~~أو لتداعبه، وأستعيد مناظر ريفنا المصري وجمال خضرته الناضرة، فإذا بهري بهذا الريف المرتسم ~~في خيالي لا يقل عن بهري بمناظر سويسرا التي كانت مرتسمة أمام ناظري، وإذا بي أسطر ما يمليه ~~علي خيالي قبل أن أكتب شيئا عما رأيته وكان له في نفسي وفي مشاعري الأثر البالغ. ~~••• ~~«زينب» إذن ثمرة حنين للوطن وما فيه، صورها قلم مقيم في باريس مملوء مع حنينه لمصر ~~إعجابا بباريس وبالأدب الفرنسي. وهي ثمرة الصبا بما للصبا وللشباب من قوة وضعف، وتوثب ~~واندفاع، وشعور سام لا يحده مدى، ومخاوف وآمال لا تزال تخالطها آثار السنين الناعمة ~~الأولى، والصبا والحنين للوطن مقدسان.. لذلك رأيت فرضا علي أن أترك «زينب» في طبعتها ~~الثالثة كما هي يوم كتبت ويوم نشرت طبعتها الأولى ثم الثانية إلا ما كان ms004 من خطأ مطبعي أو ما ~~هو في حكمه. ولعلي لو حاولت فيها تحويرا لما استطعت إلا أن أستطيع استعادة الصبا والحنين. ~~وأنى للصبا أن يعود؟! وأنى للحنين الأول أن يعاود النفس مثله حنين؟! # | الفصل الأول # 1 # في هاته الساعة من النهار حين تبدأ الموجودات ترجع لصوابها، ويقطع الصمت المطلق الذي ~~يحكم على قرى الفلاحين طول الليل أذان المؤذن وصوت الديكة ويقظة الحيوانات جميعا ~~من راحتها، وحين تتلاشى الظلمة ويظهر الصباح رويدا رويدا من وراء الحجب - في هاته ~~الساعة كانت زينب تتمطى في مرقدها، وترسل في الجو الساكن الهادئ تنهدات القائم من ~~نومه. وعن جانبيها أختها وأخوها ما يزالان نائمين. فانسحبت هي من بينهما. وبعيون ما ~~يزال فيها أثر النوم نظرت لكل ما حولها. ولم يدعها نسيم الصباح تترك مكانها، بل استندت ~~إلى الوسادة وجاهدت أن تنظر لعلها ترى ما في صحن الدار فلم تجد شيئا. وأدارت رأسها ~~فإذا باب الغرفة موصد، ولا صوت حولها إلا ما يتنادى به رسل الإصلاح من أطراف ~~القرية. # بقيت في مكانها هنيهة ساكنة لا تبدي حراكا. ثم فردت ذراعيها من جديد، وأرسلت في ~~الهواء تنهداتها، وتركت نفسها تذهب في أحلام يحييها النسيم، حتى أحست بالباب تفتحه أمها ~~راجعة من أولى أدوار «الملية». # 1 # هنالك التفتت إلى أختها تهزها لتستيقظ. لكن الصغيرة كانت في نوم عميق فلم ~~تنتبه، وتقلبت كأن بها ضيقا ممن يقلقها في مضجعها.. وأخيرا نادتها أمها: يا ~~زينب..! ~~- نعم.. # ولم تزد على هذا الجواب كلمة. وبعد أن استيقظت أختها التفتت إلى أخيها وأيقظته. وحدقت ~~نحو الشرق فإذا الأفق متورد، والشمس في لونها القاني والسماء قد خلعت قميص الليل. هنالك ~~قامت فأوقدت نارا ولدنت فوقها رغيفا لكل منهم، ولم تنس أمها وأباها. # دخل أبوها راجعا من الجامع، وقد قرأ الورد وصلى الفجر، وما كاد يتخطى عتبة الدار حتى ~~نادى: «يا محمد»، وسأله إن كان قد استيقظ بعد، وإن كان قد أعد عمله. # جلست العائلة جميعا حول «المشنة» وأكل كل منهم رغيفه «بحصوة» ملح. ثم ms005 قام الرجل ~~وابنه إلى عملهما. # أما زينب فانتظرت مع أختها أن يمر بهما إبراهيم، ليذهبوا جميعا إلى مزرعة السيد ~~محمود لتنقية القطن. وقد كان في أملهم جميعا أن ينتهوا اليوم من بر الترعة الغربي، أو ~~كما يسميه كاتب المالك «نمرة» 20 لينتقلوا في الغد إلى «نمرة» 14. # نزلتا حين رأتا إبراهيم ومن معه مقبلين. وتهادى الكل «صباح الخير»، ثم خرجوا من ~~الحارة إلى سكة البلد، ثم منها إلى سكة الوسط، وهكذا كانوا عند «نمرة» 20 ساعة مرور ~~وابور الصبح. ولم يتمهلوا أن أخذ كل منهم خطه على وجه الترتيب الذي كانوا عليه أمس. ~~فلما لم تجد خضرة القطعة سعدة بجوارها التفتت لزينب عن يمينها تسألها عنها، وهزت هذه ~~الأخيرة أكتافها. # ارتفعت الشمس حين نقوا خطين، وأرسلت بشعاعها تغمر هاته الشجيرات التي ما تزال في ~~مبتدأ حياتها، ومع ذلك يعنى بها الفلاح والمالك أكثر من عنايتهما بأبنائهما. واصطفوا ~~للوجه الثالث بعد أن فصلهم عن الأولين مصرف، فلم ينس إبراهيم أن ينبههم إلى أن هذه ~~الجهة أغلت من سابقتها، وتستحق لذلك عناية أكبر، وأنذرهم أنه سيدقق في مراقبتهم، ومن ~~وجد وراءه شيئا أوراه شغله. ~~••• # جاء الكاتب ساعة العصر يقيد الأسماء، فقيد حماره، ونزل وسط الغيط ليرى الأنفار بنفسه، ~~وأراد بعضهم أن يحضر إليه ليسأله بعض دراهم، فعبس لهم وقطب حاجبيه. وبقي كذلك حتى انتهى ~~من شأنه، ثم أخبرهم أخيرا أن لا دفع قبل يوم السوق. # وفي ليلة السوق كان الكاتب في غرفته، ومعه ولد يبلغ الثانية عشرة من عمره يعينه على ~~عمله، وأمامهما مكتب من الخشب الأبيض قد وضعت عليه الدفاتر. وقام مصباح ضئيل النور - ~~«لمضة» خمس شمعات - يزيد نوره ضعفا ما على زجاجته من التراب. وعن جانب دواة بمقلمتها ~~النحاسية، وعن الآخر زجاجة صغيرة ملأى لنصفها بالحبر. وأحاط بالمكتب جماعة من العمال ~~أمسك «التملية» منهم دفاترهم بيدهم، وانحنى الآخرون يسألون عن عدد أيام شغلهم، وعلى ~~شباك الغرفة وقف أولاد وبنات وشبان يعلوهم الصمت ساعة، ثم يتكلمون جميعا بين أسنانهم، ~~يظهرون حنقهم على ms006 هذا الكاتب الذي يضايقهم ساعة أخرى . وبعد أن طال بهم الوقوف صدر قرار ~~بأن الدفع سيكون في السوق. # هنالك عم الاستياء وصرت تسمع من جوانب شتى: واللي مش رايح السوق؟ # وتكررت هذه الكلمة وسواها من مثلها. ثم بلغ الاستياء أن صمم بعض العمال على الذهاب ~~إلى المالك نفسه لتقديم شكواهم إليه. وفي تلك اللحظة مر أحد أقاربه المحبوبين عند ~~العمال، ومن لهم بعض الجرأة عليه، فأحاطوا به، وجعل كل يشرح له عذره، فيرضي خاطرهم ~~بكلمات تسرهم ولكنها لا تفيدهم شيئا. # انصرف الأكثرون منهم مقتنعين أنهم في صباح الغد سيقبضون، وآخرون رجعوا إلى الكاتب ~~يسألونه عن قيمة ما لهم، فإذا لخليل أبو جبر ستة أيام، أي ثمانية عشر قرشا. أما عطية ~~أبو فرج فقد أمضى أكثر أيام أسبوعه مريضا، فخرج منه بستة قروش، وهو يعول امرأة وبنتا ~~صغيرة، ويساعد أما له دقتها الأيام، ولم يبق لها من أبنائها من يعينها سواه. بالرغم ~~من الخلق المرقوع الذي يلبس هو وبقية أفراد عائلته فلم يكن من سبيل لغير هذا ما دام ~~الأجر على ما هو عليه من ضعف. وإنه ليحمد الله على كل حال، وعلى أن جاموسته لم تمت كما ~~حصل لجاره مبروك أبو سعيد، فتضطره لأن يبقى في المصيبة شطرا من عمره. # في الصباح حضر الكثيرون منهم من جديد إلى الكاتب. ومن جديد عبس في وجههم قائلا أن ~~ليس معه «فكة». وبالرغم من إلحاح بعضهم وإقرار الآخرين عملهم فقد خرج المالك وهم لا ~~يزالون يناكفون الشيخ علي، والشيخ علي لا يسمع كلامهم. فذهب منهم من يشكو للسيد محمود ~~أمره، وإن كان يعلم أن السيد يعيرهم في الغالب أذنا صماء. ولكنه في هذه المرة نادى ~~كاتبه، وأخذ بنفسه أمر إرضاء هؤلاء المساكين الذين بشت وجوههم، وافترت بالسرور ثغورهم، ~~وجعلوا كلما رأوا الكاتب خارجا من عند السيد ينظرون إليه ويتغامزون. وأنسى الشيخ علي ~~أمرهم ما هو فيه من كرب، إذ أخذ عليه سيده غلطة في الحساب، فهو يعنفه من أجلها. وأخيرا ~~صرف العمال بعد ms007 أن صرف لهم أجورهم، وذهب الكثيرون منهم وهم أشد ما يكونون فرحا، خصوصا ~~وأنهم رأوا الكاتب صغيرا أمامهم. # ذهب الكثيرون منهم إلى السوق. ولقد كان هناك أبو زينب منتظرا أن يرى الكاتب فيأخذ ~~منه أجر أبنائه. ولم يبطئ الشيخ علي، بل ما لبث أن تلقى أوامر السيد حتى ذهب هو الآخر ~~للسوق، وصرف لهؤلاء الآخرين استحقاقهم بعد أن حصل على «الفكة». ~~••• # تقضت أيام بعد ذلك وزينب تذهب لنقاوة القطن تحت رياسة إبراهيم، حتى إذا جاء وقت ~~الحصاد انتقلت هي وأختها وأخذ الرياسة عليهم حسين أبو سعيد. فكانتا تذهبان هما والعمال ~~تحت جنح الليل الأمين وينامون في الغيط، تكلؤهم السماء حتى منتصف الليل، ثم يقومون وقد ~~أعطت الرطوبة عيدان الغلة شيئا من اللين بحيث لا تتقصف تحت كل يد لامسة، فيجيئون ~~بشراشرهم على هذه المزرعة الواسعة. # في هاته الليالي الساهرة، هاته الليالي البديعة يموج في جوها نسيم الصيف البليل، ~~وتتلألأ في سمائها الكواكب اللامعة، يقوم جماعة الفلاحين فيعتاضون بها عما يناله ~~المترفون من أسفارهم إلى أجمل بقاع الأرض، وعن دثرهم الناعمة يستعيضون القمر الساهر ~~يكلؤهم بحراسته. وفي جوف الظلمة الصامت الأمين يرسلون بآمالهم وأمانيهم، ويحمل هواؤها ~~الحلو أغانيهم على جناحه، ويملأ بها ما بين السموات والأرض. # في هاته الليالي تجد الكواعب من بنيات الفلاحين مسرح آمالهن، وتجد القوية ~~المتفوقة منهن السبيل إلى الظهور حيث تسبق الآخرين وتضطرهم بذلك للإسراع وراءها - حتى ~~هذه الطوائف الفقيرة أحوج الناس إلى التعاون، تعمل المنافسة في نفوسهم وتسوقهم بذلك ~~للجد والعمل، ولكنها الطبيعة تريد أن تستعبد الإنسان وتستغله، لتزيد الكون حركة ~~وسيرا، فتعمي على الفرد، وتسحره عن نفسه، وتدفعه لإتمام غرضها. فالواحد مهما عمل، ~~ومهما جاهدت المدنية لإظهار شخصه، مسخر للجماعة يخدمها، مسوق لذلك بالرغم منه. وهو مهما ~~كانت نواياه أنانية يعمل غير شاعر لخير الجميع. أليس من خيره أن يغير نواياه؟ # وقد أبدعت الطبيعة في زينب وأعطتها بذلك تاجا معترفا به من كل صويحباتها. فإذا ساقك ~~الحظ أيام الصيف، وخرجت في ليل غاب بدره، وتألقت ms008 نجومه فخففت من سواد الليل، وإن لم ~~تقدر على تبديد ظلمته، أو كنت أسعد حظا واتخذك القمر رفيقا، فأدلجت بين تلك المسطوحات ~~الزراعية الكبيرة. لم يكن لك بعد نقطة معينة إلا أن تسير في طريق لا تعرف سببا لسيرك ~~فيه، وتندفع مجذوبا بقوة لا قبل لك على مقاومتها، ويسبق رأسك قدمك، ويسوقك موقفك وذلك ~~الجاذب وهواء الليل الجميل إلى أن تهمهم بين أسنانك، أو تنادي آهة المستحسن الطرب، أو ~~تدعو الليل يجيبك صداه، ولا تزداد في كل ذلك إلا اتباعا لقائدك المحبوب. ثم تصل إلى ~~نقطة تقف عندها، ولا تطاوعك قدمك إلى أية ناحية أردت تحريكها، وتمد عنقك وتسترجعه، ~~يستخفك الجمال ويلعب بقلبك الهوى، وتروح تائها عن كل ما حولك. ثم يرتفع ذلك الصوت الذي ~~جذبك إلى موقفك ثانية، فتصيخ له بأذنك، وتصغي بكليتك، فإذا زينب تحدو والعاملات من بعد ~~ذلك يجبنها.. تلك موسيقى الصيف في ليله البديع، ترسل في أذن الخليقة النائمة نغمة ~~الهوى، وتبعث في قلوب العاملين العزاء عن ليلهم الساهر. وهل هذا الصوت الذي تردده ~~الظلمة الصامتة إلا مهيج في النفس أجمل ما يعزيها عن كل مشقة؟! # فإن أنت تابعت سيرك، واتبعت الصوت حتى صرت على مقربة منه، رأيت في البحر اللجي من ~~شعاع حائر في السماء الأطفال والفتيات وقد انثنوا فقبضوا بشمالهم على سيقان القمح ~~النائم بعضه فوق بعض كأنه نشوان طرب بتلك العوامل الكثيرة التي تبعث إلى قلب المحزون ما ~~يستخفه ويستهويه. وباليمنى على شراشرهم - تلك نصف الدائرة الحديدية التي وعت عهد فرعون ~~وتسللت مع الزمان إلى عصرنا الحاضر. # وتصل عند العمال فإذا زينب بين الجمع في الطليعة، وقد انسدل إلى جانبها جناحان من ~~العاملات، وكلهن في جدهن وعملهن يرددن حداءها بعد أن حمله الهواء على موجاته ونادى به ~~الليل الصامت في كل الأنحاء، والقمر قد انحدر إلى المغيب ينظر إليها نظرة الصب قد ناله ~~الشحوب فهو ذاهل في نشوته. وأحاطت بذلك غيطان القطن الأخضر الذي ما يزال طفلا. # ها هي ذي زينب في تلك ms009 السن ترنو إليها الطبيعة وما عليها بعين العاشق، فتغض طرفها ~~حياء، وترفع جفونها قليلا قليلا لترى مبلغ دلها على ذلك الهائم، ثم تخفضها من جديد، ~~وقد أخذت مما حولها ما ملأ قلبها سرورا، وأضاف إلى جمالها جمالا ورقة، فزاد الوجود ~~غراما بها وزادها به تعلقا ووجدا. وهكذا كلما اجتلى أحدهما من صاحبه نظرة ذهبت منه ~~إلى أعماق النفس فانطبع الكل في قلب الفتاة، وتوجت الفتاة حياة الوجود المحيط بها. فهل ~~قنع كل منهما بحظه ورضي نصيبه؟! # أما الوجود فقانع راض أشيب، علمه تعاقب الدهور أن الاسترسال في تحديد الغاية بخطوط ~~الخيال جري إلى حيرة اللا نهاية، وأن كسب الحاضر حتى يحضر المستقبل أوفر الربح. وأما ~~الفتاة فهي في سعادتها حيرى تائهة، وفي حيرتها سعيدة فرحة. أحست في نفسها بمكانتها، ~~ولكنها تريد أن تختص من الكل العظيم غير المحدود روحا إنسانية تختلط مع روحها، ونفسا ~~تسيل مع نفسها، ثم يظل الباقي وبينها وبينه من الصداقة ما يزيد في حظهما من السعادة. ~~ذلك كل حلمها وأملها وإن لم تستعجل به الزمان، ولا خطر ببالها أن في طاقة الحوادث أن ~~تمنع تحقيقه. # فإذا ما تنفس الصبح، وطلعت الشمس وبعثت بنورها على البسيطة، وتلألأ الطل تحت أشعتها، ~~ثم بلغ به الإعجاب بنفسه أن لم يرض بمقامه السفلي، وطار يطلب السماء، فترك عيدان القمح ~~ترجع إليها صلابتها - تعاون العمال جميعا على جمع ما حصدوا وأعدوه أحمالا، وانتظر ~~بعضهم الجمل الذي ينقلها إلى الجرن، في حين يرجع الآخرون أدراجهم إلى دورهم، فيقضون ~~نهارا قليلا نومه مشتغلين بتجريد بهائمهم التي تنتظر أيام الحرث القريبة. وهناك على ~~شواطئ الغدران والترع يقضون ساعات نياما تحت الشجر تعوضهم من كدهم لعمل الليل ~~المقبل. # وتقضت أيام الحصاد هي الأخرى، وانتقلوا لعمل جديد. واستعاضوا بذلك مكان الليل المقمر ~~ونسيمه العذب وآماله وأحلامه نهار الصيف وشمسه المحرقة.. ولكنهم ما كانوا ليحسوا بذلك ~~أو ليألموا له وقد تعودوه كما تعوده آباؤهم من قبلهم. تعودوه من يوم مولدهم، فانتقل ~~إليهم بالوراثة وبالوسط. وتعودوا ذلك الرق ms010 الدائم ينحنون لسلطانه من غير شكوى ومن غير ~~أن يدخل إلى نفوسهم قلقا. يعملون دائما ومن غير ملال، ويرقبون بعيونهم نتائج عملهم ~~زاهرة ناضرة، ثم يقطف ثمرتها سيد مالك كم فكر في أن يبيع قطنه بأغلى ثمن، ويؤجر أرضه ~~بأرفع قيمة، وفي الوقت عينه يستغل الفلاح نظير قوته الحقير، ولم يدر بخاطر السيد يوما ~~أن يمد له يد المعونة، أو أن يرفعه من درك الرق الذي يعيش فيه. وكأنه ما علم أن هذا ~~المجموع العامل يكون أكثر نفعا كلما زادت أمامه أسباب المعيشة وتوافرت عنده دواعي ~~الطمع في أن يحيا حياة إنسانية. # لكن السيد المالك لا يهمه شيء من ذلك. وهو الآخر يعيش كما عاش آباؤه، يحافظ على ~~القديم، ولا يفكر في أن يغير من عادات سلفه شيئا. وإذا حدثك عن الماضي حدثك عنه ~~باحترام وتبجيل آسفا أن انتقل أجر النفر الشغال أيام الشتاء من قرش إلى قرشين، وتمنى ~~عودة ذلك الزمن زمن البساطة والرخص، لا لأنه يشكو مما يثقل عاتقه في الحاضر من الواجبات ~~- فإنه يرى الحاضر أحسن كثيرا من هذه الجهة - ولكن لتسقط الأجور إلى مستواها الأول، ~~فيكون هو بذلك أوفر ربحا، ويبقى العامل والفلاح لذلك في ظلمته وفي رقه وشقائه. # 2 # للسيد محمود رب هاته الضياع عائلة طويلة عريضة، خلفها المرحوم والده الذي توفي عن ~~أربع زوجات غير اثنتين ماتتا في طريق حياته. وبالرغم من الكثيرين جدا من أولاده الذين ~~كانوا يموتون قبل السادسة من عمرهم - وهم خمسة وعشرون فيما يذكر السيد محمود - فقد بقى ~~له يوم مماته اثنا عشر ولدا من ذكور وإناث. ولهذا كانوا يتفاوتون في السن ما بين خمسين ~~سنة لأكبرهم وثلاث لطفل لا يزال في حضن أمه الشابة. وورثوا جميعا شيئا غير كثير. لكن ~~السيد محمود، باعتباره أكبر إخوته الذكور، كان قد جمع من كده وبمعونة والده ثروة غير ~~قليلة، وأصبح هو وارث اسم العائلة، وطبعا الوصي على إخوته القصر. وقد كان من أطيب ~~الناس قلبا، وأصفاهم سريرة، وأحبهم لإخوته، وأحناهم على الصغار ms011 منهم. فمع ما هو مجسم ~~في نفوس الإخوة من زوجات مختلفات من عدم ثقة بعضهم ببعض، ومع ما تزرعه أمهاتهم في ~~نفوسهم من معنى الانفصال، فقد كان هذا الرجل يعامل إخوته الصغار معاملة الأبناء. ولعل ~~ذلك جاء فوق طيبة خلقه من وصية أبيه له وهو على سرير موته بصوت واجف وعبرة تنهمل بالرغم ~~منه من مآقيه الفانية ومن تلك العيون التي كانت تودع في نظراتها الأخيرة عالمنا وما ~~عليه: وصيتك إخوتك يا محمود. هم أولادك. # أما أبناء السيد نفسه فهم أبناء زوجة واحدة ويبلغون الثمانية عددا: أربعة بنين وأربع ~~بنات. ولقد عني السيد بهم جميعا وأرسل للتعليم من أبنائه كل من تحتمل سنه ذلك. أما من ~~جهة التربية فقد كان أقرب إلى تركهم لنفوسهم. ولم يكن هو نفسه يدري سبب ذلك. ولا يمكننا ~~أن نعلل هذا الترك من جانبه بسبب مفهوم. الرجل رجل طيب كغيره، وكان من المعقول جدا أن ~~يضع أبناءه تحت مراقبة ضيقة كما هي عادة أمثاله، أو على الأقل أن يجعلهم في حضوره مثال ~~الصمت والسكون كمقتضيات الأدب المصري. صحيح أنه ظاهر الجد إلى أقصى الحدود ساعة حضورهم، ~~ولكنه لم يكن من الرهبوت بالمبلغ الذي عليه أمثاله. ولهذا السبب من جهة، ولأنه من ~~الأعيان الأغنياء المصريين من جهة أخرى، لم نقدر على القول بأن تركه الحرية لأولاده ~~نتيجة نظرية في التربية رآها، أو لأنه من أنصار سبنسر في وجوب جعل الطفل معلم نفسه بقدر ~~الممكن، فلا يتعرض له فيما يعمل إلا عند تحقق الخطر الجسيم منه. # لذلك كنت ترى الكثيرين منهم يقضون أيام مسامحاتهم السنوية في الغيطان، وكثيرا ما ~~يبيتون هناك ليالي الحصاد مسرورين بهواء الليل وغناء العاملات، أو إلى جانب «تابوت» ~~يزن من غير انقطاع. لكن حامدا أكبرهم لم يكن بهذه الطباع. بل كان شديد الميل إلى ~~البقاء بالبلد، وفي دار الضيافة مع الناس. والسبب في ذلك راجع إلى تربيته الأولى حين ~~كان والده متفرغا له، جاعلا إياه شغله، متخذا منه ألعوبة يقلب فيها كما يشاء. ms012 يسر ~~بها أحيانا فيغدق عليها من رضاه ومن نفسه، ويلاطف ذلك الطفل الذي يحبه من كل قلبه، ~~والذي يحس به جزءا من نفسه. ويغضب أخرى فيضربه من غير رحمة لولا أن تتدخل جدته وتؤنب ~~ابنها على عمله. # حين بلغ حامد الخامسة من عمره كان طفلا كثير الدلال، كثير البكاء، موضع الإعزاز من ~~جميع من في الدار. وبالرغم من هذه السن كنت كثيرا ما تراه محمولا على أكتاف النساء أو ~~على أعناق الرجال، وكانت أحب الساعات لنفسه الساعات التي يقضيها لعبا مع ابنة عمه ~~عزيزة حين كانت تجيء إلى القرية مع أمها. ومع أنه أكبر منها بسنتين في العمر فقد كان ~~ظاهر التودد في معاملته إياها؛ لذلك لم تبطئ جماعة المحيطات بهما من النسوان أن يجعلن ~~كلا منهما عروس صاحبه. # ذهب به أبوه بعد ذلك للكتاب ثم المدرسة. ومرت السنون وهو دائما موضع الحب من أهله ~~الذين سروا بنجابته ونجاحه. وبقي دائما على عادته من المكث بين جدران البلد في حين ~~كان أعمامه وإخوته يجوبون المزارع. وإذا صادف أن خرج مرة مع أبيه لم يكن يدري أين هو ~~ولا ما يملكون. ~~••• # في ضحى يوم من تلك الأيام المحرقة حين كانت زينب تشتغل مع مثيلاتها بنقاوة القطن خرج ~~حامد مع إخوته إلى المزارع. فلما وصلوا إلى العمال كان حضوره موضع غرابة عند أكثرهم من ~~الذين لم يروه من قبل. أما إخوته فتدفعهم سنهم الصغيرة للنشاط وتوحي إليهم بحب السلطة؛ ~~ولذلك كنت لا تراهم يأنفون أن يشاركوا هؤلاء الذين يكدون لقوتهم سويعات من الزمان، ثم ~~يرجعون وقد سال جبينهم عرقا يحتمون في ظل بعض الأشجار أو يجلسون مستندين إلى جذوعها، ~~ولا يكاد يجف عرقهم حتى يرجع الواحد منهم، وقبل أن يصل إلى العمال يناديهم بأنهم كسالى ~~وأنهم لا يشتغلون. فإذا كان عندهم أحس بشيء في نفسه يمنعه من الإقدام على العمل من ~~جديد، وكأنه يخاف أن يتعب مرة أخرى فلا يقوم بعمله مصداقا لقوله وندائه. # أما حامد فقد بقي يتصفح الوجوه ويلقي من ms013 حين لآخر سؤالا يستفهم به من إبراهيم رئيس ~~العمل عما عنده. فلما مضت ساعة على ذلك لم يحتمل البقاء تحت حر الشمس، فالتجأ إلى ظلال ~~الأشجار وبقي مع أخ له يتحدثان. # ثم قام أخوه وبقي وحده، فبعث بنظره إلى ما حوله وإلى هؤلاء العمال على مقربة منه ~~غارقين في النور والنار منكبين على العمل. فإذا رفع أحدهم رأسه ناداه إبراهيم أو أحد من ~~«الأفندية» إخوة حامد وأعمامه. وفي لحظة تاهوا عن باله، وانفرد هو يناجي نفسه، ويذكر ~~الأمس القريب حين سافرت عزيزة من القرية بعد أن قضت فيها أياما. وبعد أن جلسا مرارا ~~يتحدثان ومعها أخوها وعمة حامد وكلهم فرح مسرور. ذكر ذلك الأمس وكأنها لم تزل باقية في ~~نفسه كلمة النساء اللاتي جعلن منهما عروسين من أيام طفولتهما، فنما معه الإحساس بأنه ~~سيملك يوما هاته الفتاة، فيجب أن يحبها. وفي هذا الوسط المصري وبمثل تلك التربية التي ~~نشأ حامد في أحضانها لا يتسنى للشاب أن يصل إلى صورة من حقيقة الحياة، بل هو يعيش في ~~خيال غير محدود، يخلق لنفسه منه السعادة والألم، ويصور على ما يشاء الحاضر والمستقبل، ~~ويستند كثير من الشبان على هذا الخيال في أعمالهم، ويصبغون الأشياء الخارجية بلونه الذي ~~يكذب غالبا في الواقع. وبالرغم من أن الحس يكذب تصورهم فإن سلطان خيالهم عليهم قوي ~~لدرجة يتغلب معها على حواسهم، ويجعلهم لا يعتقدون ما يرون، أو يفسد حكمهم وتقديرهم لما ~~هو أمامهم. فإذا كانت عزيزة شديدة النحول فذلك لدقة في قوامها، وإذا كانت شاحبة اللون ~~فهي أشبه بالقمر الشاحب، ومهما تكن قليلة الجمال فإنها أمام حامد في جمال الزهرة، وإذا ~~كانت نفسها خلوا من المعرفة فتلك طهارة ملاك الحب.. وبهذا الخيال الذي يهيمون وراءه ~~يعتقدون أنهم خلقوا لأنفسهم سعادة المستقبل الذي هو على ما صوروا العالم الجميل ~~المملوء بالمسرات والأفراح، والذي يجلس الواحد منهم فيه مع صاحبته التي يحبها حبا ~~حلالا، لأنها زوجه، فينظران معا لنجوم الليل، ويستمعان صامتين لأصواته. # فإذا جاءتهم الحياة الجد، واضطرهم العمل ms014 للنزول عن معظم أوهامهم، دخل اليأس نفوسهم ~~مكان الآمال القديمة الطويلة العريضة. # أما عزيزة فقد علمها أبواها القراءة والكتابة إلى أن بلغت العاشرة من عمرها، حينذاك ~~بعثوا بها إلى معلمة تعلمها الخياطة والتطريز، وبقيت معها سنتين. ثم انقطعت عن ذلك كله، ~~ولبست «حبرتها»، وانقطعت بذلك عن مقابلة الأكثرين من معارفها. وابتدأت حوالي الرابعة ~~عشرة تقرأ روايات كانت تقع تحت يدها. ومع ما كانت تعاني في ذلك من الصعوبة فإن قصص ~~الحب حلو ومحبب لنفس كل شاب وفتاة. وليتها كانت تقرأ شيئا حسنا من أقاصيص الحب، فإن ~~ذلك مع الأسف معدوم. فوق هذا فكل كلام غير اعترافات المحب لحبيبته وغير خلواتهما، وكل ~~ما خرج عن مجرد القصص البسيطة، لم يكن يسترعي نظرها إن لم يضايقها. ولقد كانت ضعيفة ~~الجسم من أيام طفولتها. وليست الحياة الساكنة التي تعيش بداعية قوة أو صحة. لذلك بقي ~~هذا الضعف عندها. وما كادت تختبئ في الدار حتى ابتدأ لونها يزداد ذبولا وجسمها نحولا. ~~ولا يمر عام حتى تحس بحاجة شديدة لتجديد الهواء واستعادة صحتها التي تذهب مدة الشتاء ~~فريسة رطوبة بيتهم الواسع الذي يعيشون فيه، والذي كان من أسوأ الأشياء أثرا عليها بما ~~يزيدها ضعفا على ضعف. # لكن الطبيعة العادلة تعلم أن ذلك ليس ذنبها ولا ذنب مثيلاتها. فإذا أصبحت هي من ~~المخدرات بعثت إلى نفس واحد من أقاربها وبني عمها الذين كانوا يلاطفونها أيام صغرها ~~خيالا محبوبا منها، وجعلته دائم الذكر لها. # بعث حامد بأحلامه وخيالاته، وصور لنفسه عزيزة على ما يشاء. وبقي كذلك حتى آذن الظهر ~~أن يزول وجاء وقت المقيل، ولم يبق للعمال إلا أن «يطلعوا بالوش» الذي معهم. فلما انتهوا ~~منه جاءوا جميعا تحت الأشجار، وفرد كل منهم منديله. وفي الوقت عينه وصل من البلد غداء ~~حامد وإخوته تحمله خادمتهم فجلسوا جميعا وتناولوه في لحظة. # ثم آن لوقت المقيل أن ينقضي، وقام الأولاد والبنات إلى عملهم، وقام وراءهم إخوة حامد، ~~وبقي هو وحده من جديد، فمال إلى ظل الشجرة ونام. وبعد ساعة ms015 مر قطار العصر فأزعجه من ~~نومه، فذهب هو الآخر يرى ما يدور في الغيط. ولقد كانت لإبراهيم عليه دالة، لأنه كان معه ~~أيام المكتب، فلم يكن بينهما من القطيعة ما بين حامد ومعظم العمال من أهل البلد وممن ~~يسرحون إلى مزارعهم. لذلك كان إبراهيم يجيب حامدا عما يسأله ببساطة وعلى ثغره ابتسامة ~~دائمة. # ولما رأى الأولاد من حامد ذلك، وأنه ليس متكبرا لدرجة أن لا أحد يستطيع محادثته، ~~حسب بعضهم أن من أسباب التفوق على أقرانه أن يحادثه، لكن حامدا رده إلى عمله بأن لم ~~يجبه بشيء على حديثه. فانبرى شخص آخر ظن نفسه أقدر على قول يستلفت النظر، فخاب ظنه، ~~وسمع من أحد الأفندية ما لا يرضيه. # وتصفح حامد وجوه الموجودين واحدا بعد آخر، فأخذ بعينه جمال زينب، ولم يستطع أن يمنع ~~نفسه عن السؤال عمن هي وهل تحضر غالب الوقت إلى الغيط؟ # وانقضى ذلك النهار، وانصرف الكل إلى دورهم. وما لبث حامد حين صار بين أهله أن نسي كل ~~ما كان فيه. وتعاقبت بعد ذلك الأيام، وتعاقب معها العمل، وما كان لأحد من العمال أن ~~يشكو حر الشمس أو لظى القيظ. هم يسيرون دائما بخطى ثابتة وأقدام قوية، لهم اليوم من ~~الصبر والاحتمال ما كان لأجدادهم في العصور الفائتة: ذلك الجلد الذي يبتدئ مع القدم ~~ويسري في الزمان من فلاح فرعون إلى فلاح إسماعيل، وإلى فلاح اليوم، والذي يجود على هاته ~~الطائفة التعيسة بشيء من السعادة في الحياة، ويجعلها أمام تلك اللا نهاية من الفقر ~~تحتمل مضض الأيام، وعلى وجهها الناشف ابتسامة القانع. # أحست به يمد يده يطوق بها خصرها ويجذبها نحوه. # طابت لحامد المزارع حين رأى ما فيها من جمال؛ فالنبات والشجر والغدران والهواء الحر ~~والعاملات القويات، جعلته يتردد عليها كل يوم أصيل النهار. ونسي عزيزة شيئا فشيئا، ~~وصار من سروره الخاص أن يرجع مع العمال جنبا لجنب. ويزيده سرورا ما يجد في ذلك من ~~الحرية والتحلل من القيود الثقيلة الباردة، قيود العادة. كما أن ما ارتكست ms016 فيه بنات ~~طبقته من الحجاب يجعل كل شاب في سنه، سن الحياة والحرية، يبغي عند غيرهن ما تدفع إليه ~~الطبيعة من حنين الرجل للمرأة، ومن ألفة الذكر للأنثى، ليجد كل في صاحبه ما يكمل عليه ~~ناقص حياته. والواقع أن نصيب حامد من الميل البريء إلى جهة الفلاحات العاملات خير جدا ~~من نصيب غيره الذين يندفعون لتضحية إحساساتهم وأنفسهم وأموالهم إرضاء لبغي أو جريا ~~وراء الشهوات. وإذا كنا لا نستطيع أن نحكم على هؤلاء الشبان بأنهم أخطأوا، لأن ما عملوا ~~ليس من ذنبهم وإنما هو ذنب مجتمعهم المصري المبقي على عادة الحجاب، فإنا لا نستطيع أن ~~نحسد حامدا إلا أنه بلغ من الشر أقله. # وأخيرا وقد اعتاد العمال واعتادوه جعل معظم حديثه ومسيره ساعة رجوعه طورا مع ~~إبراهيم وأحيانا إلى جانب زينب. وقد أوحت له ببساطتها عن جمال نفسي لا يقل عن جمالها ~~الجسمي. فكان إذا نظر لعيونها النجل قد تحصنت وراء أهدابها البديعة التنسيق رأى كأنها ~~تشف عن عالم مملوء بالحب والرغبة. وإذا بصر بها وهي تسير بخطاها الثابتة نم له ~~ثوبها عن جسمها الخصب، وزاد عنده في هذا الاعتقاد ما كان يجده في يديها من النعومة ~~بالرغم من أنها تعمل بهما. # واستحكمت في نفسه عادة الذهاب إلى المزارع، وأخذت بنفسه زينب حتى لم يكن ليذر يوما ~~الذهاب إلى حيث تكون. وكأنما ذاقت هي الأخرى السرور بمجيئه، فلم تكن لتنقطع يوما عن ~~العمل، بل كانت تفضله على أعمال البناء في البلد بالرغم من أنها محببة لنفوس بنات ~~الفلاحين جميعا. والواقع أن حامدا كان معها غاية في الرقة كما هي عادة كل شاب يتقرب ~~من فتاة يجدها جميلة. وأيا كانت طبقتها فجمالها يشفع لها. ورقة الشاب وتودده يسبيان ~~الفتاة عن نفسها، ويجعلان منها أسيرة له. ما بالك بأثر هذه الرقة عليها إذا لم تكن ~~تعودتها من قبل، ولا عرف أحد سوى حامد أن يقول لها كلمات تنم عن عطف وهوى. لكنها كانت ~~دائما تنظر له كما ينظر الفلاح العامل للسيد المالك؛ ms017 أي نظر الاستسلام والضعف، وفي ~~الوقت عينه نظر التخوف والحذر. # وبينما العمال راجعون من مزرعة بعيدة - وقد سارت زينب إلى جانب حامد وجعلت تحدثه ~~حديثها المعتاد، وهو سعيد تائه في لذته بسماعها، وتائه في تلك الساعة بعد غروب الشمس ~~حين الأشياء أشباح لا تكاد تتميز - أحست به يمد يده يطوق بها خصرها ويجذبها نحوه، ~~فتركت نفسها له لحظة حتى إذا أحست بشفتيه تقابلان شفتيها، وشعرت بكل ما في قبلته من ~~الحرارة، انبرمت مرة واحدة مبتعدة عنه، ثم مالت برأسها نحوه، وقالت: ~~- أختي تشوفنا وبعدين تروح تقول لأبويه..! # لكن حامدا أحس بقشعريرة تسري في كل جسمه، كانت أولا قشعريرة الرغبة، ثم انقلبت مرة ~~واحدة قشعريرة العظمة والترفع. ولقد خيل إليه كأن الماضي الطويل المملوء بالعقائد ~~القومية والعادات يتجمع كله ليسقط بحمله على رأسه. وصعدت إلى وجهه حمرة الخجل، وابتعد ~~عن صاحبته بعض الشيء، وراح في خيالات مبهمة، ولم يعد يعلم إن كانت زينب ساكتة أو هي ~~تتكلم. # فلما ترك العمال عند مدخل البلد ذهب إلى دار الضيافة، فشرب قهوة مع الموجودين، ونسي ~~بذلك ما كان منه. # أما زينب فقد أحدثت هذه القبلة في نفسها سرورا، وجاءت لها بأحلام شتى شغلتها عن حديث ~~حامد طول الطريق. ومهما تكن هاته النفوس الفلاحة تهتز عند ذكر كلمة العرض، فإن ~~النفس الإنسانية وما ركب فيها بالفطرة من حب تخليد النوع أقوى كثيرا من العقائد ~~العامة، ما دام عملها لم يخرج بعد إلى الظهور يكون موضع حكم الناس عليه. فما دام الواحد ~~مع نفسه يحدثها، وينظر في آمالها ورغائبها، فهي تطلب دائما ما تدفعها الطبيعة لطلبه؛ ~~تطلب الطعام ساعة الجوع والماء ساعة العطش وهلم جرا. فإذا جاءت اللحظة التي يقضي ~~لها الواحد فيها رغائبه رجع إلى تقدير آخر غير تقديره الخاص، فلم يبح لنفسه إلا ما يسمح ~~له به الوسط الذي يعيش فيه؛ ولهذا كان الإنسان في نفاق دائم يزيد مقداره وينقص بمقدار ~~الحرية التي يهبها الوسط لإقناع غاياته وأغراضه. # لم ينقطع حامد عن الذهاب إلى ms018 المزارع، ولا انقطع عن محادثة زينب والرجوع إلى جانبها. ~~غير أنه كان أحفظ في حديثه وأقل كلاما وهي لم تجد في عمل حامد إلا ما يدعو لقربها منه ~~وقربه منها. فكانت أقل رفعا للكلفة في الحديث، وإن لم يسمح لها حياؤها الشديد وما يوحي ~~إليها جمالها من الأنفة أن تنزل لما يسرع بعض مثيلاتها إلى النزول إليه متى وجدت من مثل ~~حامد سميعا لما تقول. وسمح لنفسه بعد ذلك أن يقبلها مرة ومرة من غير أن يهزه إحساس ~~ما، وهو يقول في نفسه: «أليس طبيعيا أن يقبل شاب ابنة أعجبه جمالها»؟! # 3 # جاء الخريف، وجاء معه على آخر أيام المسامحة السنوية، وسافر حامد مع إخوته، ودخل مع ~~الأيام في عمله، وشغل به عن كل ما سواه. وجعل ذكر القرية وما فيها ومن فيها يدخل تحت ~~ستار من النسيان، إلا أن يثيره ساعة بعض القادمين من ناحيتها، فيسأل حامد عما فيها وعن ~~مجمل حالها.. فهل بقي لزينب شيء من الذكر عنده؟ وهل أحست زينب من بعده بمعنى الفراق؟ أو ~~أن الحاضر شغلها عن الساعات الماضية؟ # ما كان أشبههما كل واحد بصاحبه! غطى النسيان على تلك الأيام، وأصبح كل مشتغلا ~~بنفسه وبعمله وبما يحيط به. فإذا ما خلا حامد بنفسه وجاءت فرصة ذكر فيها الريف وجماله، ~~ارتسمت أمامه المزارع بكلها، وغدرانها الساكنة تشق الأراضي الواسعة، ويقوم عن جانبيها ~~الشجر بكسائه الأخضر البديع، والآلات مشتتة هنا وهناك تدور فتبعث في الهواء نغمتها ~~الحزينة الشاكية، ويعلو ذلك سماء صافية مهيضة بنور الشمس الساطع. فإذا ما جاء المغرب ~~وانتشر الليل تلألأت النجوم في علوها، وسرى النسيم الرقيق فأرسل للخليقة الهادئة ~~أسعد الأحلام. وأحيانا يذكر زينب ومن معها. # أما هي فاستمرت في طريق حياتها، تمر من كل يوم لغده، فتجد بينهما من الشبه؛ إنهما ~~يسيلان هادئين يقطعان في عمر الوجود العتيق، ويحملانها وأحلامها ليسلماها إلى ما ~~بعدهما. وهي تنتظر بآمالها القديمة أن تتحقق. والزمان ينساب أمام عينيها، وهي ترنو إلى ~~المستقبل بأملها، والمستقبل يأتي كذلك فيمر ms019 بالخليقة فيزيدها قدما. # جاء الخريف على كل ذي ساق، ولم يبق إلا النبت الأخضر يغطي وجه البسيطة وقد انكشف ~~لمقدم الشتاء. ومزارع البرسيم تذهب أمام البصر إلى اللا نهاية. وأقفرت الأرض من بني ~~آدم، جماعة العمال وأصبحت مرعى للنعم التي شاركتهم أيام نصبهم. وها هي ذي ترتاح أن جادت ~~عليهم الطبيعة ببعض الراحة، فتراها في رعيها وكأنها في شهور عيدها ترفع رأسها ما بين ~~آونة وأخرى، ثم تزعق فتملأ أذن الطبيعة الصامتة. ويجيبها من الجو جماعة الطير من قطاة ~~أو قمرية تصب من علوها أغاريد الشتاء، وتصدح بصوتها الرخيم الهادئ فتملأ أذن الطبيعة ~~بما يذهب روعها ويرد إليها هدأتها. ثم على مرمى النظر ترى عشا من الحطب الناشف أبيض ~~لا غبرة عليه قد غسله المطر والريح. وفي تلك الفتحة الضيقة التي يسمونها بابه تلمح ~~أردية سوداء لا حراك بها، فإذا اقتربت رأيت نارا موقدة قد غطاها التراب، وحولها ومن ~~تحت تلك الدفافي تطل وجوه الفلاحين السمراء وهم يتحدثون إلى جانب ذلك القليل من ~~الحرارة، وقد اتخذوا عشهم درءا من تيار الهواء الشديد في ذلك الفصل من السنة. ثم ما ~~بين ساعة وساعة يقوم صغير من بينهم ليرى أمر هاته الدواب الراتعة في مرعاها. وإذا أرسلت ~~بنظرك على طول الطريق رأيته خاليا إلا ساعات من النهار يسرح فيها الشغالة أو يرجعون. ~~وما سوى ذلك فقل أن تدوس السكة قدم. ~~••• # قبيل الغروب في يوم من أيام ديسمبر، تلك الأيام الباردة التي يلفح البرد فيها الوجوه، ~~ويسمع الواحد صرير أسنان صاحبه، كان يسير على الطريق بين هاته المزارع شخصان منصرفان ~~إلى البلد، وكانا يتحدثان عما ينويان عمله بالليل: ~~- أما أنا فرايح دار عمي سعيد أحضر «الفكة»، ونسقف ونشوف مصطفى وبنت أم السعد وهما ~~بيرقصوا. ~~- لكن يا أخي هو العرس وقتيه؟ أدي الكتاب مكتوب من سنتين وما حدش عارف حيفرحوا ~~امته؟ ~~- سمعت أنه بعد العيد بجمعتين. والعيد أهو فاضل عليه ثلاثة أيام. يعني فاضل على العرس ~~حسبة عشرين يوم. # ذهبا إلى «الفكة» كما ذهب ms020 كثير غيرهم، وبقي الكل يترددون عليها. ولما جاء حامد ليقضي ~~أيام العيد بين إخوته وأهله، وسمع بالفكة وما فيها من التطبيل والتصفيق والرقص، استخفته ~~نفسه أن يذهب إليها. فصحب صديقا له وسارا يتضاحكان سلفا في انتظار ما سيريهما هذا ~~الليل العجيب. # جعلا يتغلغلان بين أزقة القرية حتى كانا عند الجامع يقوم بهدوئه وسكونه يذكر بالموت ~~وما بعده. ترن فيه الأصوات مسبحة مقدسة ساعات الصلاة، ذاكرة ما وراء هذه الدنيا ~~الفانية حيث الناس دائمو اللهو مقيمون على الفتك والجنون، ولكنهما بقيا كما كان يضحكان ~~ناسيين في شبابهما الساعة الرهيبة التي تنتظرهما كما تنتظر سواهما. وكل همهما أن يصلا ~~إلى دار عمي سعيد، ليريا ضجة السرور وضوضاء الأفراح، ويسمعا الضحكات العالية يرسلها ~~أولاد الفلاحين، فترن في الهواء تحكي فراغ بالهم وسذاجة نفوسهم. # دخل حامد مع صديقه. وما عتم أن عدى عتبة الدار حتى رأى أمامه جماعة من الفلاحين لا ~~يكاد يكون وسط دائرتهم فتاة واحدة، بل كلهم من الشبان. أما من أردن من الفتيات أن يكن ~~على مقربة فقد بقين حول هذا الجمع غير المنتظم يضم بين جنبيه الواقف والجالس والمتكلم ~~والصامت واليقظ ومن تتلاعب برأسه رسل النوم، ويضيء على الكل مصباح ضئيل النور هو وحده ~~الحزين في هذه الدار الراقصة في سرورها، المنتظرة يوم الفرح الأكبر تستعد له يوما بعد ~~يوم. ويرسل هذا الحزين بأشعته الحمراء على هاته الوجوه التي عمل فيها الشقاء والشمس ~~وبرد الشتاء، فهجرتها النعومة وإن بقيت لها بشاشتها. # ولقد غطى على أصوات المتكلمين، فلا يميزها مميز، صوت «الدربكة» أمسكها بيده من يتقن ~~النقر عليها. وامتدت عيون اليقظى إلى الراقصين وسط حلقتهم. # لما رأى حامد هؤلاء العمال تذكر أيام الصيف، وجعل ينادي من بينهم جماعة الفتيان ~~والفتيات الذين عرف وقتئذ، فيسألهم عن حالهم وما صار إليه أمرهم. ويخبرونه جميعا أنهم ~~يشتغلون كما كانوا من قبل، ولا يكاد يتركهم حتى يرجعوا إلى إخوانهم وينسوا حامدا وكل ~~ما يسأل عنه، ويعطوا أنفسهم لهذا السرور الجم تنهل منه: تلك فرصة لا ms021 ينبغي إضاعتها ~~و«ساعة الحظ متتعوضش»..! # وفيما هو يتصفح الوجوه وجد أخت زينب واقفة مستندة إلى الحائط تكلم جارة لها، فسلم ~~عليها وسألها عن أختها. ولكنها لا تعلم إن كانت فوق السطح تتفرج من الدرابزين كعادتها ~~كل ليلة، أو هي قد راحت إلى الدار. فصعد على أمل أن يراها ويسلم عليها. وارتقى السلم ~~بعد أن اخترق هذه الجموع التي لم تترك في المكان شبر فضاء. فلما كان عند الدرابزين فوق ~~السطح الممتد عليه رواق الليل الحالك الظلمة وجد زينب جالسة وحدها، فأخذ مكانا إلى ~~جانبها، ونبهها بحركة لطيفة لوجوده، لكنه دهش لهذه الوحدة التي وضعت الفتاة فيها نفسها ~~تاركة الدار والضجة والضحك، لتبقى منفردة تحت رحمة الشتاء. لذلك لم يزدد دهشة أن رآها ~~حين التفتت إليه بادية الذهول ثابتة العين. وبعد لحظة سألها: ازيك يا زينب..! # ولكن زينب كانت في تيهاء حتى لم تستطع تمييز ما يقوله لها حامد، فحولت نحوه عينيها، ~~وأجابته بنظرة تحوي من الرقة والألم ما ذهب إلى أعماق نفسه. ولو لم يكن ما في المكان من ~~ظلمة ليل الشتاء آخر الشهر لذابت لهذه النظرة نفس الوجود. لكن الحلكة السائدة لم تبق من ~~ثالث يحس مع حامد بما حوته النظرة الأليمة! # وازيك يا زينب.. # كرر حامد سؤاله، وأخذ يدها بين يديه، وقبلها على صدغها قبلة أخوية. الواقع أنه أحس ~~كأن الفتاة المسكينة تعاني ألما نفسيا لا يعزيها عنه أحد، فأخذته الرحمة بها. وتقبلت ~~زينب منه ذلك بقنوع وشكر نمت عنه نظراتها. فلما رآها كذلك زاد عطفا عليها، فجذبها ~~وجعل يلاطفها، وهي قد تاهت عن نفسها، ونسيت الماضي والحاضر، واستسلمت للطفه ورقته، ~~وتركت نفسها مستندة عليه. لكنها لم تلبث أن عرتها قشعريرة حين ذكرت أن قلبها ليس ~~بيدها. وفي لحظة غطت عيونها النجل سحابة من الدمع، تنم عما عراها من الحزن وتعبر ~~عن عظيم تقديرها لحامد. # تمر علينا ساعات وقلبنا ملك غيرنا، ولكن لثالث على أنفسنا من السلطان ما نود لو ~~أعطيناه كل حياتنا، فيحزننا الإحساس أنها ليست لنا، ms022 وأن أيامنا على الأرض وما تكنه من ~~سعادة وألم وحزن وفرح انتقلت من حوزة يدنا وأصبحت في حيازة غيرنا - في تلك الساعات ونحن ~~ننظر لهذا الثالث تعرونا قشعريرة حين نحس بالعجز دون كل شيء نريد أن نهبه ~~إياه. ~~••• # مد الظلام رواقه على الوجود العظيم، فلم يكن يبدد قوته إلا تلك المصابيح الضعيفة ~~ترسل أشعتها الذهبية في دائرة ضيقة مما حولها، فتظهر كأنها جرح دام في جسم ذلك الجان، ~~أو هي سلاح الفلاح لم يتغير بالقرون يمتشقه كلما خذلته السماء واحتجب عنه نورها. في ~~ذلك الليل حكم بسلطانه القاهر على الموجودات، فخضعت لجبروته، وعنت لحكمه، وتساوت أمام ~~سطوته الحزون والوهاد - نظرات كانت تخترق ظلماته كلها الحيرة خالطها الأسى، ويريد أحد ~~هذين الصامتين - وقد علاهما الذهول - أن يستطلع ما في نفس صاحبه، والآخر في جماله يحوي ~~من الغيب ما يقف أمامه صاحبه حيران عاجزا. في مثل هذا الموقف لم يكن لحامد إلا أن يقطع ~~سكوتهما الطويل بالسؤال عما خلفت الليالي مما غاب عنه. حينذاك تنهدت الفتاة تنهد الرضا، ~~إذ علمت أن في الوجود نفسا تهتم لها، ثم قالت إنها مسرورة، وأن لا شيء قد جاءت به ~~الأيام. ورجع الصمت الأول، حول مل منهما نظره إلى جهة الراقصين والضاحكين. # انساب الوقت هادئا وكل منهما يحس بالسعادة في وجوده إلى جنب الثاني.. ثم نادى ~~بحامد صاحبه الذي جاء معه، فودع زينب وقام. ونزل السلم بالسكون الذي امتلأت به نفسه، ~~فلما صار وسط الدار ووسط الضجة والتصفيق ووسط السرور المجنون أحس بقلبه يهتز، وأحس بتلك ~~القداسة التي كانت تشتمل كل وجوده حين لفه الليل وهو إلى جوار زينب في ردائها كأنها ~~تتطاير، ويحتل مكانه هذا السرور الجم الذي يحيط به. وما لبث إذ صار على الطريق من جديد ~~أن راجعته ابتسامته، وصار يضحك هو وصاحبه، ومرا راجعين بالجامع القائم وسط ظلمة الليل ~~منذرا بالموت والآخرة. # جاء أخو عزيزة بآخر قطار ليمضي هو الآخر أيام العيد بالبلد، فلما رآه حامد أسرع إليه، ~~وسلم عليه، وجلس معه ms023 ومع إخوانه، وبقوا في سهرتهم طويلا ما بين حديث ولعب ورق وطاولة. ~~وأخيرا خرجوا ليسمعوا الفقيه القارئ يسمع آي الذكر ويرتلها ترتيلا حسنا. # ثم افترقوا، وذهب كل إلى داره يريدون أن يجدوا ساعة من الراحة قبل موعد السحر. فلما ~~خلا حامد إلى نفسه واضطجع في سريره ذكر ما رأى في ليلته، وهذا السرور العميم الذي يمرح ~~فيه الفلاحون ومن حولهم من البنات وزينب. ثم زينب وحدها وهي جالسة إلى جانبه صامتة لا ~~تتكلم. ثم ذكر أخا عزيزة وسمرهم. وبمناسبته ذكر عزيزة. وهكذا جاء إلى رأسه بخيال أشياء ~~كثيرة اختلط بعضها ببعض، وكادت تتوه كلها عن باله مرة واحدة. # لكن شأن هذه الخيالات أن يأخذ المهم منها شكلا معينا يتجسم به في الذاكرة، ويغطي ~~بذلك على ما سواه. لذلك بقيت تتصفى واحدة بعد أخرى صور الراقصين والضاحكين، وتدخل ~~جميعا في حيز النسيان، وبقيت ظاهرة صورة زينب جالسة أمام الدرابزين صامتة، كأنها ~~تمثال من النحاس لا تكاد تنطق بكلمة. ولقد أخذ حامدا العجب! ما عساه أن يكون أصابها؟ ~~وجعل يسائل نفسه يود لو يقف على سبب لهذه الحال. وأخيرا هز كتفه قائلا: «وأنا ~~مالي؟!» # وأراد أن يسكت كل صوت في نفسه. ثم ما لبث أن عاودته هذه الصورة، ارتكزت أمام عينه ~~مجسمة، وتصور كأنها تنظر له نظرة استرحام. والواقع أن زينب لما قامت بعد انتهاء ~~«الفكة» ونادتها أختها، جلست كذلك تفكر في حامد وفي تلطفه في السؤال عنها، وأحست بهزة ~~ميل نحوه - ربما كان صحيحا أن في النفوس الإنسانية قسما إلهيا مطلعا على ما لا ~~تدركه الحواس، هو الذي يهدينا في آمالنا وميولنا ويرسم لنا طريق الحياة! # تصور كأنها تنظر له نظرة استرحام، فامتلأ قلبه بالرحمة والعطف على ذلك الخيال الجميل ~~المحبوب، وود لو يسأله عن سبب أساه. لقد عرفها ضاحكة السن مستبشرة، فماذا أصابها حتى ~~جعلها أمام هاته الضجة المرحة تفكر وهي الملكة على كل المحيطات بها فيما يؤسي ويحزن؟ هل ~~أصاب أهلها ما كدرها؟.. لكن ماذا عساه يصيبهم وهم فقراء ms024 بالأمس، فقراء اليوم، فقراء إلى ~~الأبد؟.. أم أن أحدا قدم لها إساءة انكمشت لها تلك الليلة؟.. أم ماذا..؟ # وبقي في أحلامه حتى جاء من ناداه لطعام السحر. وما كاد ينتهي منه حتى رجع إلى غرفته ~~ورجع إلى أحلامه. لكنها انهالت عليه هذه المرة بقوة لم يقدر أمامها على البقاء بل تقهقر ~~خائفا. وكلما ذكر أنه كان على الطعام مع أخي عزيزة شعر بهزة غريبة. وأخيرا أراحه ~~النوم من عنائه. # لكنه ما إن استيقظ في الصباح حتى عاودته أفكار المساء، ففضل الخروج إلى المزارع، لعله ~~يجد فيها ما يلهيه عن همومه. وانكشفت المزارع أمام نظره تغطي أرضها خضرة البرسيم أو بعض ~~الحبوب من تلك النباتات المملوءة مع لينها حياة، فإذا مر عليها الهواء نامت تحت سلطانه ~~متضامة بعضها إلى بعض، يتماوج سطحها السندسي فتذهب موجاته إلى اللا نهاية، وتضيع أمام ~~النظر قبل خط الأفق إن لم تسقط على مجاوراتها من الجرداء. ولم يذهب بعيدا حتى رأى ~~دخانا هناك قريبا من حلة من حلل الأدرة. فقصده معتقدا أن جماعة من الفلاحين قد ~~أوقدوا نارا اتقاء برد ذلك اليوم العبوس، وليعزيهم منظرها عن بقية هذا النهار الأخير ~~من أيام الصوم. # فلما كان عندهم وجد واحدا من أعمامه معهم، وإذا هم يقلون ذرة على النار التي أمامهم. ~~فبلغ به العجب منهم أن بهت أمام ما يعملون. ولكنهم كانوا جميعا يضحكون مسرورين. وكل ~~منهم يقلب كوزا على النار بدقة وعناية. وكأنهم يحسبون هذا اليوم الأخير - يوم عيد ~~الشباب كما يسمونه - غير واجب الصوم: أما عمه فتناول كوزا ناضجا جميلا وقدمه له ~~باسما. # لم يستطع حامد أن يشاهد هؤلاء الأشخاص، وفي الوقت عينه لم يقدر على أكثر من أن وجه ~~لهم نظرة احتقار على تبجحهم. لو أنهم استتروا لهان ما يعملون. لكنهم يخرجون على ~~الجماعة من غير حساب لإحساس أحد، ويجرؤ عمه على أن يقدم لحامد هذا الكوز وهو يعلم أنه ~~صائم، وكأنه بعمله يريد أن يظهر مبلغ تهاونه بهذا الفرض الذي يؤديه أهله جميعا من ms025 سنين ~~ماضية. # تركهم وسار تحيط به خضرة المزارع من كل جانب، فلما وصل إلى شاطئ الغدير ووجده خاليا ~~جافا ينتظر التطهير، وقف فحدق إليه مدة، ثم رفع رأسه، فإذا السحب تنقشع واحدة بعد ~~الأخرى، وتظهر الشمس خلال ذلك لحظة تبعث فيها بأشعتها على الأرض فتغير من عبوسها. ثم ~~تختفي ثانية ويرجع للجو قتامته، وتدخل الموجودات في ذلك الحزن المستسلم الذي هي فيه من ~~الصباح. ويتكرر هذا المنظر، ويتلهى به حامد عن همومه. # ثم رجع أدراجه وقد زال النهار، فوجد إخوته وأخا عزيزة يلعبون الطاولة، فجلس يتفرج ~~عليهم، فسئم ذلك بعد قليل، وقام إلى غرفته، فقابلته أخته في الطريق وفي يدها أوراق ~~ناولته إياها، فإذا هي معايدات له من بعض أصدقائه. ولما أتم قراءتها سأل أخته: هل ~~جاءتها معايدات باسمها هي من صديقاتها؟ # ولقد حرضه على ذلك السؤال ما رآه عليها من الجذل، وما حفظت في يدها من البطاقات. ~~كذلك غرامها الخاص بمكاتبته هو حين غيابه وبمكاتبة صديقاتها كلما وجدت لذلك فرصة، وعلمه ~~بأنها تريد أن تريه ما في يدها كما هو شأنها في كثير من الأحوال. فناولته ثلاث بطاقات ~~فضها فوجد إحداها من عزيزته، والأخريين من فتاتين كانتا مع أخته في المدرسة، فأمسك ~~بطاقة عزيزة في يده، وأطال النظر إليها وللقليل المكتوب فيها، وعلته رعشة كان في وسع ~~أخته أن تتبينها لو أنها أقدر على الملاحظة مما كانت. وحدث نفسه أن يأخذ هذه البطاقة ~~لنفسه ويضعها تذكرة بين أوراقه، ولكن تمسك أخته بها وتشددها في طلبها وحرصها على ألا ~~ينقص من معايداتها واحدة جعلته يردها إليها آسفا. # فلما خلا إلى نفسه في غرفته جعل يستعيد أمانيه القديمة الماضية، وود من كل قلبه لو ~~أن عزيزة جاءت مع أخيها لتمضية أيام العيد في البلد. لكنها لم تجيء بل بقيت هناك مع ~~أهلها في مدينتهم الصغيرة، وبقيت بعيدة عنه وهي تعلم ما في قلبه من الشوق لها. # وطالت به هذه الآمال التي تجيء إلى رءوس الشبان في أول شبابهم، وراح في أحلام ms026 لذيذة ~~صور لنفسه فيها كل ما يشاء ، ورتب الحياة التي سيكون فيها مع عزيزة دائما جنبا لجنب، ~~ولم ينبهه منها إلا ما أحس به من الحركة الكثيرة في صحن الدار الذي تطل نافذة غرفته ~~عليه، حينذاك نظر إلى الغرب أمامه، فإذا الشمس تنحدر إلى مغيبها كأنها تحس مع هذا ~~العالم الجائع فهي تريد أن تسعده بالقضاء على الساعة الأخيرة من رمضان. ولم يلبث إلا ~~لحظة حتى دق بابه من ناداه للطعام، فإذا أهله جميعا ما بين ناظر إلى الغرب يحدد عينيه ~~يريد أن يتحقق من اختفاء النهار، وآخر ممسك ساعته بيده ينظر إليها من لحظة للحظة نظرة ~~ملأى بالقلق، وثالث مسبل عينيه كأنما يريد أن ينسى هذا الوقت الباقي. ورابع يحدق إلى ~~السقف وأعلى الجدران كأنه يجد جديدا في هذه الأشياء التي رآها من قبل مرات لا عدد لها، ~~وصغيرين لا ترتفع أعينهما عن المائدة وما عليها من الأطباق اللذيذة والحلوى يسيل لها ~~لعابهما. # أخذ مكانه بين الجالسين. وما هي إلا لحظة حتى اعتلى وسط الصمت الأخرس الذي حكم على ~~القرية صوت المؤذن مبشرا برجوع الحرية للناس، فابتسمت له الثغور، ونمت الصدور عن ~~تنهد طويل يشعر بالرضا والسرور. ~~••• # غدا يوم العيد يتزاور فيه الناس ويتبادلون فيه التحيات المعتادة، ويتغير شكل الوجود، ~~فيخرج من صمته وحزنه إلى فرح وضجة، وتبسم ثغور الفلاحين الذين يملأون طرق قريتهم رائحين ~~جائين يصافحون كل من قابلوا، ويرجون له سنة طيبة وعمرا طويلا، ويدخلون بيوت أقاربهم ~~وأصدقائهم يشاركونهم في ذلك الجذل العام، ويضحكون معهم عن نفس طيبة راضية بالحياة. ~~وينساب على الطرقات ما بين حين وآخر نساء وفتيات يحملن على رءوسهن عيد أخواتهن ~~وقريباتهن، وهن في جلابيبهن الحمراء أو سترنها بثوب أسود ينم عنها، وتتبع الواحدة ~~الأخرى أو تسير إلى جانبها، وكلهن يتهادين في مشيتهن، ويتحادثن وعليهن علامات السرور، ~~فإذا قابلن سربا من أمثالهن تواقفن للتهنئة بالعيد، ولكنهن دائما ضنينات أن يرسلن في ~~هواء ذلك اليوم الفرح رنين ضحكاتهن خيفة أن يقال خليعات. # قام مع جماعة ms027 من أصحابه يطوف البلد الصغير. # انتبه حامد مبكرا وصلى العيد. ثم بعد أن قابل الناس ممن جاءوا يهنئونه ما بين راج ~~له عمرا طويلا وعجائز القوم ضاحكات يردن له عرسا في حضنه العام القابل، قام مع جماعة ~~من أصحابه يطوف البلد الصغير من أدناه إلى أقصاه يشارك أهله في عيدهم. وكلما مر بقوم ~~حياهم وصافحوه جميعا وتبادلوا معا الكلمات المعتادة، أو نزل عندهم وشرب قهوة ثم ~~تركهم إلى غيرهم. وإن مرت به بعض تلك الأسراب لم ينس أن يقول لهن: «كل سنة وانتو طيبين ~~يا بنات»، ويستمر في سيره إن لم يناد بعضهن باسمها ويسألها عن شأنها، فترد عليه كسيرة ~~الطرف قد سترت وجهها بشاشها الرقيق، بكلمات قليلة تلقيها وهي سائرة في نظامها. # مرت زينب في أحد هاته الأسراب، فنظر لها حامد ولم يخاطبها بشيء. ولكن وجودها بين ~~فتيات كلهن من عائلة واحدة هي الغريبة عنها جذب نظره ونظر بعض أصدقائه الذي لم يصبر أن ~~قال: إن شاء الله يا زينب يودوا عرسك السنة الجاية. # فلم يغير ذلك من جد الفتاة شيئا، بل انسابت مع صويحباتها تنظر أمامها بعيون ثابتة ~~يلمع حدقها الأسود تحت قوس حواجبها الجميلة. ولكن حامدا الذي لم يعلم من أمر زينب ~~شيئا، والذي يريد أن يقف على كل شيء، لم يسكت أن سأل صاحبه: وزينب حاتتجوز؟ ~~- بيقولوا إن عمي خليل عايز يخطبها لابنه حسن، وأظن ده صحيح. وإن كنت عايز الحق ده من ~~بختها. # ولم يستمروا في الكلام، فقد مروا بجماعة حيوهم وجلسوا ليشربوا القهوة معهم. جلسوا ~~جميعا على حصير مفروش على مصطبة قليلة الارتفاع عن الأرض جللها شعاع الشمس التي طلعت ~~ذلك اليوم تزيد الوجوه جمالا وفرحا، وينطرح ضوءها على هدوم الفلاحين البيضاء ادخروها ~~لعيدهم يخرجون فيها من الرق والأسى والنصب الدائم ساعات معدودة من الزمان. وبعد أن ~~أخذوا حظهم من مجلسهم قاموا يكملون دورتهم ليرجعوا إلى بيتهم ساعة النزول، يستريحون قبل ~~أن يجيء العصر، فيجيء معه بزيارات جديدة. # سر حامد بيومه كله حيث رجع ms028 إلى حريته بعد قيود أيام الصوم، ورجع بذلك إلى حياته ~~المرتبة المعتادة، ينام الليل ويقوم النهار. وسر كذلك أن عرف أن زينب ستصل قريبا إلى ~~هناء لا يدركه أمثالها إلا قليلا. وما دامت هذه الطائفة لا يهمها أكثر من السعة النسبية ~~فإن ما ستناله زينب منها فوق ما تتمنى. وكأنه نسي أنه ما دام في النفس الإنسانية ميول ~~وأهواء، وما دام بين الرجل والمرأة هاته العاطفة الأنانية التي يسمونها الحب، فليس ~~ببعيد أن نكون أشقياء وسط السعة! # 4 # كان لإبراهيم من المكانة في نفوس من يعرفونه، ومن الأثر الحسن وما هو معروف عنه من ~~الجد ما قربه من السيد محمود وإخوته وأبنائه، وجعله عندهم محبوبا يرعونه ويقدمونه على ~~غيره. ونال بذلك ثقة المالك فلم يك عمل إلا أعطاه قياده، وترك له فيه من الحرية ما ~~يجعله أشد احتفاظا به. فبالرغم مما كان يعامل به الأولاد والبنات من اللطف والحسنى، ~~وما كان يمضيه من الوقت في الضحك والمزاح معهم، لم يكن يرضى بالزمن يضيع هدرا، وقد ~~أسلم له المالك مفتاحه، بل كان يحرض من معه ويساعدهم إن أحوجت الحال مساعدة، ويدخل معهم ~~في العمل أحيانا ليكون لهم مثلا. فإذا دعا الأمر ولم يكن بد ظهر على وجهه الهادئ ~~الساكن من أثر القطوب ما لا يحبه جماعة العمال. # وكانت زينب تجد من السعادة في كلام حامد ومحادثاته ما يدخل إلى قلبها الهناء الجم. ~~لكن تلك الحاجة عندها لشخص تعطيه نفسها - ذلك الحب التائه بين الناس وعوامل الخليقة ~~والذي يريد أن يستريح ويريح معه روحها الثائرة بلقيا روح أخرى تختص بها وتهبها حياتها - ~~كانت أبعد الأشياء عن حامد وعن التفكير فيه، فإذا مر بخاطرها في ساعات هيامها كان كأي ~~غريب عن روحها لا يثير من نفسها أقل التفات. وكأن النفس تطمح دائما في بحثها عن ~~محبوبها إلى شخص يعدلها في المكانة، لتجد من الحرية معه ما يضمن لها سعادتها، أو كأنه ~~ذلك الحنين بين أضلعنا إلى النصف الذي نفصل عنا في الأزل يوم ms029 خرجت حواء من ضلع آدم ~~يجعلنا ننظر إلى بني طبقتنا وطائفتنا دائما كأنهم إخوان، وبينهم وبيننا من الرابطة ما ~~لا نعرفه قبل الطبقات الأخرى، فنحن لهم وهم لنا، وبين قلوبهم وقلوبنا من أواصر الود ما ~~يدفعنا نحوهم، فمنهم نطلب الصديق والشريك والمحب والزوج؛ لأنهم قبل غيرهم موضع حبنا ~~وثقتنا. # لذلك كان من بين جماعة العمال أمثالها ذلك المحب الذي تريد زينب، وفي صفوفهم كانت ~~تريد أن تقع عليه. ولقد بدأت تحس من زمان أنها عثرت على صاحبها في إبراهيم الذي تراه كل ~~يوم، والذي كان يلحظها من بين جميع العاملات بعين طيبة، لأنها أجملهن وأكثرهن جدا ~~وأولاهن في العمل إتقانا. وصارت إذا ما رأته في الصباح وألقى عليها «صباح الخير» في ~~ابتسامته شعرت بسعادة تحتل وجودها، وبهزة تصيبها من رأسها إلى أخمص قدمها. لكن سرعان ما ~~كانت تفر منه وتذهب إلى أبعد الخطوط عنه، وكأنها في اللحظة التي تريد أن ترتمي بين ~~يديه أشد الناس خوفا منه وحذرا من الوقوع تحت حكمه. # وكل يوم يمر يقر نفس زينب على ذلك الحب الوليد، ويجعلها إذا نظرت إلى إبراهيم لم تحدق ~~إليه تحديقنا إلى جميل يعجبنا، ولكنها تغض جفونها لترى في أعماق قلبها الصورة المرسومة ~~منه - لترى ذلك الخيال الذي خلقته لنفسها، فتهيم به وتهم لترمي بنفسها بين أحضانه. ~~ولكن ذلك الحياء الطبيعي في نفوس الأنثى يوقفها ويصدها عن غرضها. # تجلس أحيانا وحدها تناجي قلبها بسعادتها الجديدة، ثم تسائل نفسها: أهو حقا إبراهيم ~~صاحب ذلك الخيال عندها؟ أهو ملاك الهناء الذي يرفرف بأجنحته فوقها.. إذا كان.. # وامتلأ وجودها به، ولم تعد تفكر في أحد سواه. فلم تك ساعة إلا شغل قلبها، وتمثل أمام ~~عينيها وهو يرنو لها باسما يفتح أحضانه يريد أن يضمها إليه، فيعلو الدم إلى خدودها، ~~وتستحي من نفسها أمام خيالاتها. ثم تحس بهزة تسري إلى كل وجودها، وينقلب تورد وجهها ~~احمرارا شديدا، وتدفعها رغبة فظيعة للذهاب إليه وضمه لأحضانها وامتلاكه كله، وتنسى إذ ~~ذاك كل ما حولها وكل ما ms030 سوى إبراهيم.. فإذا ما كانت في المزارع تشتغل تحت إمرته أمضت ~~وقتها ساكتة صامتة تجد في عملها منتظرة ساعة الغداء حين تجلس وإياه والآخرين تحت ظل ~~الشجر يتكلمون جميعا من غير كلفة، وترفع نحوه نظراتها من حين لحين، ثم تلقي بها إلى ~~الأرض لترجع إلى عالم أحلامها. # فلما كان في بعض الأيام - وقد عيل صبرها ولم تستطع الاستمرار على كتمان ما في نفسها - ~~صممت على أن تفتح لإبراهيم قلبها حالما تراه وحده. وترقبت الفرصة حتى إذا كانت الظهيرة ~~ولم يبق على كل إلا أن ينتهي من الخط الذي في يده ليخرجوا لمقيلهم، أسرعت هي جهدها ~~وفرغت منه قبلهم جميعا، وراحت مسرعة نحو إبراهيم الذي ابتعد عن العمال لبعض أمره، ~~ولكنها كانت تحس لكل خطوة تقترب بها منه بحياء شديد يداخلها ويدفعها القهقري حتى لم ~~تعد تدري أتسير إليه أم تعرج إلى مكان آخر. # ثم أحست برعشة تستولي عليها، ولم تعد ترى ما أمامها، وتلون الجو بالألوان السبعة، ~~ودارت بها الأرض، فوقفت مكانها، وجعلت تلتفت يمينا ويسارا فلا ترى شيئا. وأخيرا - ~~وقد راجعها صوابها - رأت إبراهيم قائما من بين العمال الجالسين تحت الشجرة مقبلا ~~عليها وقد تبعته أختها، فلما كان عندها وسألها عما أصابها رأى من مآقيها دمعة تنحدر على ~~خدودها، فأخذها من يدها وسار إلى جهة الغدير وأشار إلى أختها أن ترجع، وبقيا كل إلى ~~جانب صاحبه صامتا. فلما كانا إلى جانب الماء سألها من جديد: ماذا أصابها؟ ومن جديد ~~تحدرت دمعة من مآقيها، وكاد يغمى عليها لولا أن أسرع بالماء فوضع يديها فيه. ثم ~~قال: ~~- عايزة إيه يا زينب؟ ... كل اللي عايزاه أنا أعمله. # والعمال هناك لا يعلمون ماذا حل بزينب، ويطيعون أمر إبراهيم أن يبقوا في أماكنهم، وقد ~~استولى عليهم القلق وطال بهم الانتظار. وكلما همت أخت زينب بالقيام أجلسها الباقون. ~~وقطعا للوقت جعلوا يحضرون طعامهم ويضعونه كعادتهم بعضه إلى جانب بعض، ليتناولوه معا ~~جميعا محققين في ذلك أكمل معاني الاشتراكية. # ثابت زينب إلى نفسها بعض الشيء. ولكنها ms031 لم تكن تلبث حين ترى إبراهيم أن تنتابها رعشة ~~تردها إلى غيبوبتها. فأمسكها هو بين يديه، وأسندها لكتفه، ورش من ماء الغدير على ~~وجهها، وجعل يحدق بعينيه إلى عينيها المغمضتين. وأخيرا وكأنها قائمة من حلم طويل ~~فتحتهما، فرأت عيني صاحبها الناظر لها وكله الحنان والعطف، فلم تتمالك أن طوقت عنقه ~~بذراعيها، فضمها هو الآخر، وغاب رشدها ثانيا، وبقيا كذلك حتى سمع إبراهيم من يناديه من ~~بين أصحابه الذين ملوا انتظاره، فنبه صاحبته ما استطاع، وقام بها حتى وصل إليهم، ~~وأجلسها إلى جانب شجرة، فالتف الأولاد حولها. غير أن الوقت محدود، والعمل لا يحب ~~إمهالا، فناداهم هو أن يتركوها إلى طعامهم: فرجعوا وبقيت أختها إلى جانبها. # أما زينب فقد أخذتها سنة استغرقت مدة ما تناول الآخرون طعامهم، ثم قامت هادئة، ~~وراجعها الروع فطعمت بعض الشيء مع أختها، ثم قامت مع بقية العمال إلى العمل ولا يزال ~~فؤادها مشتتا، ترسل بنظراتها إلى خضرة الزرع وتسير في عملها سيرا آليا. # من هذا اليوم خرجت زينب من خيالاتها الأولى المطلقة، ورجعت نفسها من جولاتها الواسعة، ~~وأصبحت ترى في إبراهيم كل آمالها وكل جمال الوجود. لم يبق أمامها شمس ولا قمر ولا كواكب ~~ولا مزروعات تنظر إليها وتناجيها، ولكن بقي إبراهيم، تجده وترى صورته في كل هذه ~~الأشياء. فإذا ما رأته هو جاءها حياء المرأة الطبيعي، فأسبلت عينيها، وتمتعت في نفسها ~~بلذة أشبه شيء بالسكر، لذة تتخدر معها الأعصاب، فلا يهتم الإنسان لما حوله ويبقى ~~مستسلما لسرور لا يقدر على تكييفه، وتكون كبرى أمانيه أن يظل كذلك طول حياته. # أما إبراهيم فقد أحس من ساعة أن أمسكها بيده ذاهبا إلى الغدير، ثم أسندها إليه بجوار ~~الماء كأن رعشة تسري منها إليه. فلما شاهدها حين ذهولها، وناجاه وجهها الجميل وقد ذبل ~~لونه لما أصابها، لم يستطع حين طوقت عنقه بيدها إلا أن يضمها إليه شاعرا مع ذلك بأكبر ~~لذة شعر بها في حياته. وكلما رآها بعد ذلك تمثل السعادة منتظرة إلى جوارها، وإنما ~~ينالها إذا هو ms032 حل في ذلك الجوار. ~~••• # في هذه الأيام ابتدأت زينب تسمع ما يقال عن أمر تزويجها من حسن، فلم تحفل بما سمعت.. ~~إن الهناء الذي يحيط بها ويفيض عنها لا يدع لها وقتا أن تفكر في شيء آخر غير إبراهيم. ~~هي اليوم في أسعد أيامها، تسعدها الموجودات كلها، وترنو إليها الطبيعة الناضرة بعين ~~العاشق. سماؤها صافية تتلألأ فيها نجوم الأمل، وأحلامها مملوءة لذة وسرورا.. وجدت في ~~كل شيء جمالا أحبته وأحبها، تنتقل من الليل إلى النهار، ومن النهار إلى الليل، وكلها ~~الهناء بمرأى إبراهيم أو بذكراه، وتنتظر الغد باسمة لمقدمه، ويفتح كل منهما ذراعيه يريد ~~أن يضم صاحبه إلى أحضانه. ولكن للغد منافسا من بعده يدفعه إلى الماضي ويأخذ هذا الآخر ~~حظه ثم ينقضي. وزينب تضحك لكلها، وكلها تضحك لزينب، ولا شيء يستطيع أن ينقص من مقدار ~~سعادتها وسرورها. # سمعت ما يقال عن تزويجها من حسن، والخريف يسلم الوجود للشتاء، والليل يقص من أطراف ~~النهار، والعالم كله مستسلم ساكن، وقد انتهت أيام العمل الدائم، وجاء الوقت الذي يسمح ~~للفلاح فيه أن يرجع لنفسه يمتعها بتلك الراحة، ويشغل بآماله المحدودة شيئا من وقته: ~~يفكر الصغير في جلابيبه، والشاب في عرسه، ويمتع الأب نظره بمن حوله من بنيه وقد تجمعوا ~~بعد أن كانوا مشتتين على حصيرة الصيف، فلم تحفل زينب بما سمعت، بل استسلمت بكلها ~~للعاطفة القوية التي امتلكت فؤادها. وهل كان الحب يقبل إلى جانبه شريكا أو منافسا؟ أو ~~أنه لا يهبنا من السعادة ما ننسى معه كل شيء غير المحبوب الجميل؟ # وجعلت أيام الشتاء القصيرة تطوى وتنشر، وأحس الناس أن قد ابتدأ النهار يأخذ من الليل ~~بحقه المهضوم كأنما عجز عن احتمال استبداده، فثارت ثائرته شأن كل موجود يطمع في الحياة ~~شريفا. ثم ابتدأت الحركة في المزارع من جديد فقام الفلاح لخدمة القطن، ونادى بدوابه من ~~مراتعها وإن لم يحرمها عليها، وحرث البرسيم، فانقلبت أمامه الأرض ظهرا لبطن، وجعلت ~~بقايا ذلك النبت الأخضر الزاهي مما لم يقض عليه القضاء الأخير تتطلع ms033 للشمس مكتئبة ~~كاسفة، ويذوي لونها كل يوم، وتنحدر الحياة منها كل ساعة حتى تسود أسى ولا تكاد تنتظر ~~«الوش» الثاني للمحراث، بل تموت دونه وكلها الحزن أن ترى ما حولها من بنات جنسها أبقاها ~~الزارع للحصاد والربة، وليأخذ منها تقاويه بعد أن تهرم ويأتي عليها المشيب. وانتهى ~~بذلك وجود اللا نهايات الواسعة من وجه الأرض الأخضر بزروع الشتاء وعريت الجرداء ~~كاشرة كأن بها هما من عريها، أو كأنها حانقة على هذا الإنسان الذي يدوس جمالها سعيا ~~وراء الدرهم يأتيه من أطراف الكون المتنائية، لكن كشرتها لا تبرح أن تزول وتمتد على ~~وجهها قنايات القطن ومصاطبه ثم يتخللها ماء الحياة، وفي أيام تظهر على سطحها الترابي ~~وريقات النبت الجديد، فتتهلل وجوه الملاك والمستأجرين، ويضحك معهم الكون أو منهم. تلك ~~عملية تحدث كل سنة كلما جاء أوانها، ابتدأت قبل أن نعرف الوجود، وسنتركه ونذرها ~~معه. # يتهلل وجه الفلاح لمطلع القطن لأنه يرى فيه القدير على كل شيء، وحلال كل عقدة.. منه ~~يأتيه قرشه فيعمل ما يشاء، ويتم من شأن نفسه وعائلته ما يريد. وكم من معضلة تسير الأيام ~~وهي واقفة تنتظر بيع القطن. كذلك كم من نابتة تبدأ حياتها مع النبات وتنمو وتكبر وتقوى ~~معه ثم يحين جناها متى حان أن يعطي ذلك الشجر جناه. وقل أن يثبت على الوجود أمر يريد أن ~~يقوم بذاته ويقف بعيدا عن سلطان هذا المستبد القاهر فوق عباده من سكان مصر. # سمعت زينب من جديد ما يقال عن زواجها بحسن. سمعته الآن من أهلها والقريبين منها. وكأن ~~هذا النبأ قد بقي مختفيا طول الشتاء حيث لا خصب ولا نماء، فلما قدم الربيع استعاد ~~حياته وظهر وانتشر في الهواء. ومهما يكن من تناسيها إياه في وحدتها، ومن ذكرها الدائم ~~لإبراهيم، ومن تشعشع الحب في نفسها، فلقد كان يملك عليها ساعات يدس فيها سمومه ويفسد ~~عليها طعمها. ثم لا تلبث أن تروح بأحلامها إلى جو مملوء بالحب يسرح فيه خيالها كما يحلو ~~له. وتسير إذ ذاك بين المزارع ms034 فرحة بكل ما حولها من جمال الوجود، وتهيم بالنبات البديع ~~والأشجار الكبيرة قد اتخذها الطير سكنا، فهو يقف على فروعها المورقة هادئا مطمئنا، ~~ويصب من رفعته أغاريده الحلوة كلها الهيام والحب. حينذاك يخيل إلى زينب في سعادتها أن ~~الخليقة إنما وجدت لتطير مع ملاك الحب على جناحيه، وكأنها ما عملت أن يد الإنسان قد ~~غيرت بالقرون ما أبدعت يد الخالق. # وبقيت في هاته الأحلام اللذيذة حتى أزعجها عنها تكرار ما يقال وسماعها إياه كل يوم ~~ومن كل الناس، فداخلها الأسى، وأصبح ذكر إبراهيم يضيف مع مخاوفه آلاما إلى آلامها. ~~ولازمها الوجل، ولم تجد ما تحتمي به إلا الوحدة، لكن الوحدة أشد عذابا للمحزون وتحيي ~~فيه كل جروحه. # وانطلقت في أيام إلى أسى قاتل، وكاد يبلغ منها اليأس، وتطاولت أمامها الساعات السود ~~حتى أصبحت لا ترى إلا مطرقة الرأس كأن قد فقدت أعز عزيز تحب. # فلما كانت في بعض الأيام، وقد سئمت الناس وحديثهم ووجوههم وكل شيء فيهم، وتاقت للوحدة ~~والابتعاد عنهم وعن شرورهم وسموم جمعيتهم، خرجت بعد الظهر هائمة على وجهها تريد ~~الانفراد في أية مزرعة كائنة ما كانت، فلم يبق لها بين بني آدم أنيس. # وقابلتها الحقول لأول ما خرجت قد نما فوقها القطن ولا يزال شجره صغيرا ضئيلا، ~~والأرض مكشوفة قد كستها شمس الربيع ترسل شعاعها وسط الجو الساكن الهادئ، والسماء زرقاء ~~صافية يلمع على سطحها العظيم النور الممتد على الوجود. وعلى مرامي النظر تقوم الأشجار ~~تحف بالمزارع وقد ابتدأت ريح الأصيل تهز أوراقها. فسلكت بينها سكة مدقوقة تركها النور ~~بيضاء سمراء. ولم تك إلا سويعة حتى ابتدأ كل ما يحيط بها تدخله الحياة ويستفيق من غفوة ~~الظهيرة. وابتدأ يقطع صمت الجو الأخرس جماعة الطير تفر من فروع الشجر بعد مقيلها وتصدح ~~بنغماتها العذبة، فتضيف إلى الحياة الوليدة معنى السرور والبهجة، ويحمل الهواء أغاريدها ~~يوقظ بها الخليقة النائمة المحرورة. وهكذا تنبعث الحياة في أجزاء الكون وتسري السعادة ~~في جميعه؛ أرضه، وسمائه، وشجره، وطيره، وهوائه، ولا يبقى تحت السماء ms035 مما تحيط به دائرة ~~الأفق بائس محزون إلا قلب تلك السائرة في وحدتها. # وبعثت بخيالاتها في وسط تلك الوحدة. # واتخذت مقعدها إلى ظل جميزة كبيرة استندت عليها، وبعثت بخيالاتها في وسط تلك الوحدة، ~~وهذا الصمت لا يشوبه إلا حفيف الريح بأوراق الشجر، وقد انسحب الماء إلى جانبها مصقولة ~~صفحته ويحدث فيه الهواء موجات صغيرة تتتابع واحدتها وراء الأخرى، ثم تنساب مع التيار ~~حتى تتلاشى أو تموت بين الأعشاب النامية على جرف الترعة. ومن ساعة لساعة يسقط من أعلى ~~الشجرة عصفور يصفر في الجو حتى يقع على مقربة منها فينط ما شاء ثم يطير إلى البر الثاني ~~أو يعتلي الشجرة من جديد. # جلست في مكانها زمنا ليس بالقصير، وذهبت بأحلامها إلى مستقبل لمست بيدها سواده: ~~أحلام داهمة لا تفسير لها حلت من نفسها مكان العقيدة لا تعرف لها معنى ولا سببا، ~~ولكنها تؤمن بها ولا يداخلها فيها الشك ولا الريب. تؤمن بالسوء تحمله معها الأيام ~~الآتية إيمانها بالنار وعذابها، وكأنما دار ذلك الزوج الذي يريدون لها قبر تحتله زبانية ~~الجحيم، وكلهم ينتظرها بعيون براقة يقدها خط من النار ذات اللهب. ~~••• # في تلك الساعة المملوءة بالحزن والألم رفعت زينب رأسها إلى السماء كأنما تريد أن تشكو ~~إلى عدالتها ظلم الكون والإنسانية، أو تبرأ إلى الله من جمعيتها الغاشمة التي تريدها ~~على ما لا تحب. حتى أبوها الذي كانت تعتقده رجل الخير والصلاح يلوح عليه أنه يبتسم لهذه ~~الإشاعة المنكودة. رفعت طرفها وعيناها ممتلئتان بالدمع، وقلبها يجف، وبدنها يرتعد، فإذا ~~الشمس غشتها سحب المغرب بعثت على ما حولها حمرة قانية وهي تنحدر إلى مغيبها كما تنحدر ~~إليه كل يوم تنذرها بإمساء الوقت ووجوب الرجوع إلى الدار. فقامت، وبيد سائبة خائرة نفضت ~~ثوبها الأسود الذي انسدل عليها مستقيما من كتفها إلى كعبها. فبينما هي تهم بالانصراف ~~إذا بوقع حوافر مسرعة تدل على أن الراكب يستحث مطيته قد أحس هو الآخر بمساء الوقت. ولم ~~تكن إلا لحظة حتى تبينته السيد محمود رب هذه الضياع الواسعة ms036 يمر بها ليرى ما عمل الزمان ~~بأقطانه وأقطان مستأجريه. فلما رآها وحيدة منفردة في هذا المكان تريث في سيره، وألقى ~~عليها تحية المساء، ردتها مكلفة نفسها إخفاء كل أثر يظهر عليها، ثم سألها عن حالها، ~~فأجابت طبعا أنه طيب. وهكذا سار الحديث يجر بعضه بعضا. وما بين حين وحين يضحك لها ~~المالك المتصرف في أرزاق أهل القرية وأقواتهم، فينسيها ذلك كله بعض أحزانها التي أثقلت ~~صدرها. وسارا يقطعان الطريق يأنس كل واحد منهما بصاحبه. وبعد حديث طويل سألها: ولا ~~اشتغلتيش النهارده؟ # فأجابت: «لا». # هذا سؤال يوجه إليها في أي يوم لا تشتغل فيه أجيرة عند بعض الناس، ويجاب عنه بكل ~~بساطة: «كنت بجرد الجاموسة»، أو «كنا بنطحن»، أو بمثل هذه الأجوبة حسبما يلائم فصل ~~السنة. ولكنه جاء في هذا اليوم فلم يجد جوابا من هذا الجنس، وكل ما استطاعت أن ترويه ~~هي كلمة «مفيش»، كأنها أخذت ذلك اليوم للراحة من العمل، فأمضته فيما يصح أن يسمى لا ~~شيء مما يمضي فيه الإنسان أيام راحته. # بلغا منتصف الطريق، فانكشف أمامهما الوجود الذي كانت تحجبه الأشجار، ولمحا القرية من ~~بعيد وقد تدثرت بضباب أخريات النهار، وعلى السكك القريبة منها سلك ملضوم من الفلاحين ~~والدواب رجالا ونساء وأطفالا وجواميس وبقرا وحميرا. ووراء هاته القافلة من أهل ~~القرية وفي ختامها قطيع من الغنم قد زحم السكة يسير بغير انتظام، وتجري حذاءه في ~~المزارع الكلاب الحارسة. والأفق أمام الجميع يضيع تحته كل من وصله من الراجعين إلى ~~دورهم، أما طريقهما فكانت خلاء ليس فيها سواهما صامتة لا يسمع عليها ركز إلا حديثهما. ~~فلما دار الحديث رجع إلى الزرع وشأنه والقطن وخفه، فسألها من جديد: والقطن طيب ~~السنادي؟ # وأجابت: «نعم». ولكن تجربته التي جاءته بها السنين وعيونه الحادة الضيقة تحت حواجبه ~~الثقال وما رأت مما تحدث الأيام من الغير في كرها جعلته أقرب للتحرز من أن يضحك ~~فرحا. ثم قال: من يدري ما يجيء به الغد؟ # كم يخفي الغد القريب تكاد تلمسه اليد من العظيمات! وكم ms037 يكن في ساعاته المعدودة من ~~السعادة والنحس والهناء والشقاء والبأساء والنعماء! كل ذلك مسدول عليه ثوب الليل. إنه ~~ليخفي في طياته الدنيا والآخرة. ينتظره الإنسان آملا فيه خيرا أو متوجسا منه خيفة أو ~~منتظرا أمرا، أو هو يعده كسابقه، فإذا هو يضمر له الويلات ويقدم عليه ~~بالدواهي. # في الغد الموت والحياة والجنة والنار. فيه الحروب تشيب من هولها الإنسانية وتسيل فيها ~~دماء الأبرياء وما أجرموا ولا أرادوها. وفيه السلام يسحب أردانه على الوجود فينعم به ~~الأحرار. # في الغد اليأس والرجاء والأمل والقنوط. فيه تلك الدولة العظيمة يحار أمامها الذهن، ~~ويقصر دونها الخيال، ويقف أمامها الحلم عاجزا: دولة المجهول لا تحكم منها على فتيل ولا ~~تقدر من أمرها على شيء. فيه العدم والوجود والكل ولا شيء! # لذلك الغد يحسب هذا الرجل حسابه وينتظره وما بعده، وهو دائما أسير المستقبل، ولقد ~~علاه الصمت حينما ذكر الغد وما قد يجيء به وكأنما دارت في نفسه ذكرى السنين المنصرمة ~~وما كان في بعضها من الندوات والدودة وآفات الزرع، وفي الأخرى من نضارة ثم ارتفاع السعر ~~وهبوطه، فتحيا بذلك أحلام وتنخسف ظنون. وفي تلك البرهة الصامتة تميزت دقات حوافر الحصان ~~المنتظمة وهو يهز رأسه مع كل واحدة منها، وقد أرخى له راكبه اللجام إلا قليلا. ومن حين ~~لحين ينفخ أو يضرب برجله الأرض والفتاة تسير وراءه إلى جانب الطريق، وقد كادت تنسى ما ~~كان في نفسها.. ثم قال المالك: خير أن ننتظر النتيجة.. ~~••• # وانتقل بموضوع الحديث إلى كلام آخر، ثم إلى غيره وغيره، حتى إذا اقتربا من القرية بعد ~~أن قطعا ذلك الطريق الذي كان مزحوما بقافلة الفلاحين وأمسى خلاء افترقا، فذهب هو من ~~بين المزارع يريد أن يصل إلى الدوار، وسلكت هي سكة ضيقة قامت على جانبيها تلال صغيرة. ~~ولما بلغت البلد قابلتها فتاة من أترابها تبادلت معها مساء الخير، ثم أخرى وثالثة، ~~ودخلت بذلك بين الدور القليلة الارتفاع وهي تهدي كل من قابلها هاته التحية ويهديها ~~إياها، إلا جماعة جلسوا ومن بينهم لابس ms038 طربوش وجلابية الكشمير فوقها بالطو، وآخر معمم ~~على طاقية مزهرة وعليه هو الآخر جلابية من الصوف مفتوح صدرها ينم عن صديري أزراره من ~~الحرير، ومن بينهما طاولة مقفلة تدل على أنهما كانا يلعبان حتى الظلام، وجلس حولهما ~~جماعة من أمثالهما، والكل فوق شريط من الحصير ممدود أمام باب مفتوح يرى منه الإنسان ~~قاعة كأنها خالية فيها بعض صناديق من الخشب يضيئها مصباح ضئيل النور في فانوس قد علا ~~التراب ألواحه الزجاجية فبان الضوء من ورائها أحمر يكاد يختنق. تلك دكان جديدة فتحت منذ ~~شهر من الزمان تحتوي - على مظهرها المتواضع - كل شيء من أصناف العطارة والقماش. وقد رأى ~~صاحبها من أجل أن يقدم خدمة للناس الذوق من أهل بلده أن يجيء فيها بما يلزمهم من معدات ~~اللعب. وكما أعد لهم ولغيرهم فيها بعض الحلوى والمرطبات فعنده كذلك ما يلزمهم من ~~المناديل والشرابات، كل ذلك مصفوف على رفوفها المختفية أو موضوع في هاته ~~الصناديق. # مرت بهم ثم صعدت مع الطريق العامر بالمارة حتى انعطفت إلى حارتها. وبعد تحية أهدتها ~~لامرأة واقفة على باب الطاحون التي هناك وخطوات معدودة وصلت إلى باب دارها، فتبادلت ~~أولا «مساء الخير» مع جارتها في الدار المقابلة، ثم فتحت ذلك الباب القليل الارتفاع قد ~~نقشه القدم بظهور عروق الخشب وغور ما بينها، والضبة تلمع لكثرة ما مر عليها من الأيدي، ~~ودخلت صحن الدار المكشوف للسماء، وأصبحت بذلك بين أهلها. # مقابل باب الشارع قاعة هي كل ما في البيت من نوعها، وعن يسارها فرن صغير جاء تحت حنية ~~السلم الذي يصعد إلى السطح لا انحناء فيه، ويصل به الإنسان إلى غرفة من الطوف، إلى ~~جانبها صندوق من الطوف أيضا يخزنون فيه ما عندهم من القمح أو الشعير أو الذرة التي على ~~كيزانها، وأمامها بقية سطح القاعة مكشوف ينامون فوقه أيام الصيف حين لا يكون عندهم حصاد ~~في المزارع. # تناولت طعام العشاء مع أهلها، وبقيت معهم حتى إذا حلكت ظلمة الليل وفرغ الناس من صلاة ~~العشاء ولم يبق إلا ms039 أن يناموا تمطت إلى جانب أختها وأخيها على حصير قديم، وفردت عليهم ~~جميعا فوطة من القطن، ونام أبوها إلى الجانب الآخر من القاعة، ولم يكن بأسرع من أن ~~ذهبوا جميعا في نعاسهم إلا هي، فقد بقيت في وسط تلك الظلمة تفتح عيونها وتقفلها ~~وتستعيد أمام ذاكرتها المتعبة حوادث النهار، كما تجيء بخيالات الأيام القديمة الماضية ~~فينساب في سواد القاعة وجوه كثيرة مختلفة تسبب لها حزنا وفرحا، وسرورا وألما. ~~ويتعاقب ذلك سريعا، فتنتقل من اليأس إلى الأمل، ومن الرجاء إلى القنوط في كل نبضة من ~~نبضات قلبها. أليس أبوها النائم إلى جنبها ممن يرجون أن يكمل شقاؤها؟ فأين مزية العيش؟ ~~وأي معنى للحياة بعد هذا؟.. أولا يصح أن تكذب الإشاعة ويصبح الغد بشيرا بعد أن كان في ~~مصبحه بالأمس ناعق السوء؟.. كلا!.. ما الغد بخير من الأمس، وما تلك إلا علالة اليائس ~~يريد أن يسلي بها حزنه.. وليكن ذلك، وليشأ أبوها وكل الناس، أفليس في قولها: لا أريد - ~~ما يحسم كل مشكل؟ # إنها لا تريد؛ وفي ذلك الكفاية. # هي لا توافق على ما يطلبون منها، وقولها هو القول الأخير. هل في الزواج إجبار ~~وإرغام؟! # في تلك الساعة تصورت نفسها وهي ترفض ورأسها في السماء، ويد الله ويد الحكومة مع يدها ~~فوق قوة هؤلاء المتحكمين، ثم خذلان جماعة العريس ورجوعهم على أعقابهم، فتعلو الجمع الذي ~~يجيء معهم سحابة الهم، ويسكت الوجود، ويقف الهواء، وتنزل من السماء تغطي البسيطة كسف ~~الليل، ثم ينسى الكون نفسه ساعة من زمان يذهل فيها الناس والأشياء.. وبعد ذلك يطلع ~~القمر وتتحرك الريح ويهب العالم من سباته فتبعث عليه زهور الحقول عطرها الطيب يملأ الجو ~~ما بين الأرض والسماء، وتسري السعادة إلى كل الوجود، فترسم على الثغور ابتسامتها الطيبة ~~الذيذة. ولكن.. أبوها! أبوها! أفلا يغطي وجهه خجلا إن عقته ابنته التي أحب طول حياته؟ ~~وعبرة أمها أفلا تنهمل أمام الحاضرات من نساء البلد ويتقطع قلبها أن تكون ابنتها مثل ~~الشذوذ والخروج عن أمر أبيها؟. ويلاه من موقفها ساعتئذ ms040 وهي ما بين قائلة: «عيب يا ~~زينب.. عيب يا ختي»! وشامتة في تلك العائلة الناعمة في فقرها، وناظرة لها بعين الازدراء ~~والإهانة. وهل تحتمل ذلك وقتئذ، وما عرفته من قبل، ولا استطاع أن يواجهها به ~~أحد؟!.. # وإن قبلت فماذا؟ تعسها الكبير وشقاؤها الدائم. لكن لم؟ ألم تزوج غيرها من قبل راضية ~~أو غاضبة حتى انقضت أيام الصغرنة والخلاف مع زوجها اتفقا وصارا أحلى من العسل، وانتفى ~~من بينهما كل نزاع وشقاق، وقام كل منهما بدوره في الحياة يشتغل هو في الغيط نهاره، ~~وتعمل هي ما من شأنه أن يعمل في الدار، وترضع الأولاد متى كان لهما أولاد، وتذهب له ~~بالفطوره كل نهار، وتعاونه في عمله كلما احتاج الأمر إلى معونة. وتنصرم هكذا الأيام ~~والشهور والسنون وينقضي العمر؟ فما حزنها هذا الذي تمنت معه الموت؟ # وما أجدر «حسن» في الحقيقة بحبها! أليس هو ذلك الفتى الطيب النفس الجاد في عمله، ~~الممدوح بين إخوانه، المحبوب من كل الناس لما هو عليه من جمال العشرة، وما يلوح عليه من ~~مخايل الشهامة، وأنه بقامته المتوسطة ولونه الشديد السمرة وعيونه الحادة الغائرة لأشبه ~~الناس بشجعان الزمن القديم عنترة وأبي زيد. بل إن من يراه ويرى تشيعه للهلالية حتى ~~لتحمله ربابة الشاعر على الجنون بهؤلاء الغزاة الأبطال، وتمنى رجوع عهدهم عهد العزة ~~والتجوال تحت حمى السيف، وتفضيله ذلك على ما مهر فيه بالوراثة عن آبائه وأجداده من ~~الحرث والزرع والسقي وتعهد الأرض - ليظنه من أبناء أولئك الغابرين أجدر به أن يغزو ~~ويفتح. لكن وا أسفاه! فقد قضي عليه بالأسر والأشغال الشاقة، وما تلك المهنة التي يعيش ~~منها ملايين من بني وطنه إلا أشغال شاقة أخرى: بها الأسير المستعبد من الحر العزيز وتلك ~~الخطى البطيئة يقضي فيها الفلاح طول نهاره وراء ثوره تحت حر الشمس يلفح الهجير وجهه ولا ~~يتأفف، يصب الله عليه النار من أعلى السماء فيلقاها صامتا صاغرا يروح ويرجع، ويرجع ~~ويروح، وراء محراثه، أو يحني ظهره الساعات الطويلة في نكش الأرض، أو يسوخ إلى ms041 أفخاذه في ~~تلويحها، ويعمل غدا ما عمله اليوم ، وبعد غد ما يعمله في الغد، وإن انتقل فمن شقاء إلى ~~شقاء. ويرجع في المساء - إن رجع - إلى بيته مهدود القوى منهوكا لاغبا، فيطعم زقوما ~~وعلقما، ثم يرتمي على مهاد ليس أقل خشونة من الأرض التي تنام عليها الدواب، وقل أن ~~يجد دثاره، ويحيط به في قاعته الضيقة عن يمينه ويساره وفوق رأسه وتحت رجليه الكثيرون من ~~نتاجه وأهله، ومن فوقهم سقف منخفض تكاد تصل إليه أيديهم وهم نيام إلى أن تفرج عنهم أيام ~~الصيف، فتنبذهم قاعتهم بالعراء. هل هذا كله إلا ذلة شر ذلة؟ ولكنه في ذلك ككل إخوته ~~العمال على ظهر البسيطة. والمصيبة إن تعم تهن. وتقادم العهد يعطي الفاسد طعما تألفه ~~الأجيال أبا عن جد، ويكسو الكذب رداء الحق، والخضوع والخنوع لباس الطاعة ~~والطيبة. # ذلك حسن فما ذنبه عندها؟ # لم يكن له بالأمس ذنب. لكنه اليوم - وهو يريد أن يعجل بنزعها من يدي إبراهيم، ويدس ~~بذلك السم في حياتها - هو أبغض الناس إلى نفسها.. نعم، هو أبغضهم اليوم إليها.. إنها ~~الآن تكرهه من كل قلبها، ولا تريد أن ترى وجهه.. ألأن أباه غني ينغص على الناس ~~حياتهم؟!.. كلا لا حياة إلا في أحضان إبراهيم. # نعم، في أحضان إبراهيم السعادة.. سعادة لا حدود لها.. # وارتسم في خيال الفتاة النائمة فوق الحصير الناشف خيال عالم لذيذ مملوء بأحلام ~~السعادة والهناء. وسرت مع الخيط الأبيض من نور الأمل الذي بعث إلى قلبها يد طيبة ناعمة ~~أغمضت جفونها وحملتها وآمالها وآلامها إلى عالم السكون والنوم. # 5 # في تلك الأيام التي تلاعبت فيها الحوادث بزينب ما شاءت، كانت عائلة حسن هادئة ساكنة ~~تقطع في طريق الحياة المعتاد، وليس من بينها إلا قانع مستسلم للقضاء. فإذا جاء أمر زواج ~~ابنه في الكلام قال عمي خليل وهو هادئ النفس مرتاح البال: إن شاء الله، إن شاء الله.. ~~لما نبيع القطن يحلها ربنا. # ثم سكت أو حول الكلام إلى حديث غير هذا. # يقول تلك الكلمة بهدوء وسكون، ms042 فيحني حسن رأسه إلى الأرض أمام شيبة أبيه المهيبة ورأسه ~~الكبير قد ابيض شعره، وذقنه الطويل يلمس صدره المفتوح يزينه نصيبه من الشعر الأبيض ~~كذلك، وعمامته على طاقية من صنع ابنته تقوم فوق جبهة مفتوحة خطت عليها الأيام عدة خطوط ~~غائرة ظاهرة، وحواجبه الثقال قد كاد يختفي لونها الذهبي الأصفر تحت غطاء المشيب تسقط ~~قليلا فوق عيونه الغائرة الزرقاء، وشنبه المقصوص تحت أنفه القصير الحاد يغطي شفاهه ~~الرقيقة. وكأن من يرى ذلك الوجه العجوز يحسب فيه شيئا من الدم الغربي. ثم يحمل ذلك كله ~~عنقه الغليظ القصير قام فوق قفص قوي عاش كل هذا العمر وقابل الصعاب والمظالم، وما مرض ~~يوما ولا عرف الألم، ثم ينم عن بطنه الكبير وسيقانه القصيرة المكسوة خير كساء بشعرها؛ ~~ولكنه مع ذلك كله لم يكن بحيث يسمى سمينا، فإن تماسك أعصابه وقوتها وظهور عضلاته التي ~~لا تزال شديدة لا يروعها شيء - جعله هذا كله أقرب للرجل الربعة القصير منه للسمين ~~الغليظ. ومع أنه مستور الحال معدود في بلده من الناس الطيبين، فقد جعلته سنه يثبت على ~~ملبسه وزيه القديم، فيقدم بذلك خير مثل لفلاح إسماعيل والأقدمين. وكل ما هان عليه أن ~~يتنازل عنه هو أن يستعيض عن ثوب القطن ثوبا من البفتة، وإن كان زعبوطه هو الزعبوط لا ~~يعرف ابنه أيان يبتدئ تاريخه. # يحني حسن رأسه أمام أبيه فيجد من أمه الجالسة في ثوبها الأسود، عليها شاشها الأسود، ~~ناشفة طويلة شديدة السمرة، يجد منها مؤمنة على زوجها، منتظرة تلك الأشهر الباقية على ~~أخريات الخريف أن تنقضي فتفرح بابنها ويأتيها في الدار من يقوم بأعبائها ويريحها من ~~عنائها ويلتزم كل أمرها. # في تلك الدار غير حسن وأبويه أخوان وأختان وخادم عندهم له مع العائلة زمن طويل يسمح ~~له أن يكون كبعض أفرادها. ولكن البنات كن صغيرات لم يعرفن بعد عمل البيت الذي وقع كله ~~على أكتاف أمهما بعد أن زوجت بنتها الكبرى منذ سنتين. وذلك بالطبع مما يزيد رغبتها في ~~زواج ابنها الذي أصبح في ms043 السابعة عشرة من عمره، فتجد من امرأته من يريحها من رياسة ~~عائلة طويلة عريضة كعائلتهم، وحتى تستريح من طلب مساعدات جاراتها الفقيرات فيما يشق ~~عليها من الأمر، ومن تضطر بعامل المجاملة والحاجة أن تمدهن بشيء من عندها. أضف إلى ذلك ~~أمانيها لابنها وآمالها في أن ترى أولاده وما تدخر لهم في نفسها من المعزة. كل تلك ~~العوامل حركت عندها ما جعلها تسعى جهدها لإتمام هذه المسألة. # وكم من مرة فيما مضى كانت تتحين الفرص لتجد مناسبة تخاطب بها زوجها في هذا الأمر. ~~لكنه كان يحسب الولد لم ينضج بعد، كما أن مسألة الفلوس لم تكن على ما يجب؛ إذ دفع كل ما ~~كان عنده من النقود الحاضرة في خمسة فدادين اشتراها. ولا شيء أكره على نفسه من أن ~~يستدين فيتحمل رذائل الدائنين ومطالباتهم. ثم إذا حصل للقطن شيء - لا سمح الله - عاملوه ~~بما لا يحب وديروا عليه المبلغ بفايظ كبير، أولا يرى بعينيه الشيخ عامر وليس بين ~~بيتيهما إلا خطوات كيف تراكمت عليه الديون من سنة لسنة حتى حار لا يدري ماذا يفعل، ~~واختلط عليه أمره فصار ينقل الرهينة من بنك لبنك، أو يجر من الخواجات بفايظ خمسة عشر ~~وعشرين في شهر أغسطس ليسدد في ديسمبر. وعلى أبو عمر الذي لم يبق له من عمل إلا تسلم ~~المحاضر وتحضير الشهود ورفع دعاوى زور على الفلاحين يطالبهم بإيجار سددوه، ألم يكن من ~~قبل مستريحا مستورا ولم يفضحه إلا الدين. فخير له هو أن ينتظر حتى لا يكون زواج ابنه ~~سبب خراب داره، وليكون مقدم العروسة مقدم خير. # غير أن امرأته لم تكن لتقنع بهاته الحجج أو تسمع لقوله، بل لقد أجابته حين عيل صبرها ~~من محاولاته ومماطلاته: وإذا كنت اشتريت خمس فدادين، بيع فدان من أرض داير البلد ما دام ~~خايف من الدين. # ولكن فكرة بيع أرضه التي يزرعها منذ سنين والتي ورثها عن أبيه لم تكن مما يرزق ~~عنده. # ولئن كان كلام زوجته المتتابع يوما بعد يوم قد كاد يقنعه ms044 بوجوب تزويج ابنه حتى يجد ~~من حفدته سلوانا على الشيخوخة إلا أن خوفه الشديد من أن يقع في يد أولئك المفترسين ~~الذين لا يخشون الله ولا يرأفون بالناس ولا يعرفون لهم دينا سوى الكسب من دم المحتاجين ~~وحبه لأرض أبيه لم يجعل المسألة من المسائل السهلة التي يكفي لحلها الإجابة البسيطة. بل ~~ذلك أمر يحتاج إلى التبصر والاحتراس وأن يأخذ الإنسان باله عند كل خطوة يتقدمها. لذلك ~~كان قليل الكلام ما استطاع كلما فتحت له زوجته باب هذه الحكاية المعقدة، وإن كان ضميره ~~غير مرتاح وكأنه يسمع في نفسه صوتا ينادي مع هاته الدائبة في طلبها: إن ما تقوله زوجك ~~حق عليك أن تجيبها إليه. # ولكن كيف يجيبها إليه؟ إن المغامرة من غير روية أكثر ما تنتج الخطأ الذي يأخذ زمنا ~~كبيرا لإصلاحه، بل ربما أدى إلى شر لا يصلح أبدا. وإذن فالخير أن نتوقى أن يكون ما ~~نسعى له اليوم - وكلنا أمل أن يتحقق - مجلبة أسف وألم إن رجوناه وارتكبناه. وليس ~~الإقدام، إن سقناه إلى لجج لا نعرف قرارها، إلا بالغا مبلغ الجهل مؤديا إلى الهلكة ~~والفناء. دار ذلك في نفس خليل وهو على سطح داره والشمس تطوح للغروب، وقد ظهر القمر ~~الكامل قبل اختفائها، والسماء رائقة هادئة صبغتها الشمس بلهبها، وقد غطت الوجود وكأنما ~~يزداد سمكها من حين لحين، أو كأنما يضم إليها المساء ما فوقها من الطباق. والهواء في ~~تلك الساعة بليل يحمل معه رطوبة الليل حتى ليحس بها خليل على صدره العريان. هو ذلك ~~النسيم الذي ينسينا شجوننا ومخاوفنا ليحملنا معه إلى السرور ويذهب بنا إلى عوالم كبيرة ~~تسرح فيها خيالاتنا وأحلامنا كما تشتهي، ونجد كل ما نريد ويتحقق أمامنا كل ما نطلب، إلى ~~عالم بابه طاقة القدر فيه كل ما شئت حاضر موجود. # فلم يستطع خليل أن يقاومه ليبقى في مخاوفه وأوهامه، بل انتقل معه ليحسب في جانب الخير ~~مثل ما قدر في جانب الشر، وليرجو قدر ما خاف ويستقبل في نفسه امرأة ابنه استقبالا ms045 ~~حسنا. ثم أبناؤها الصغار أولاد حسن ما أحلاهم حين يملأون الدار بضجتهم وضحكهم، وقد ~~تفرغت لهم جدتهم بما حملته عنها أمهم من الأعمال، فيصبحون ملائك المكان والعزاء عن كل ~~ما يجيء به الزمن! # وجد ذلك العجوز من اللذة في هاته الأحلام ما ذكره الصبا وخف لها قلبه الذي أثقلته ~~الأيام بأحمالها، وارتسمت على وجهه علامات السرور والرضا. فلما جاءته زوجته - وقد ~~انحدرت الشمس واحتجب نصفها، ولم يبق إلا لحظة حتى تجر معها إلى الخفاء بقية ما في ~~النهار، وترسم على جبين الأفق سبيكة الشفق - لم يمهلها أن سألها عما إذا كان حسن قد رجع ~~من عمله؟ فأجابت إنه انحدر إلى الجامع لصلاة المغرب. فقام خليل وكأنما كان - قد تاه في ~~أحلامه عن فريضته، ولم تكن إلا خطوات حتى وصل إلى المسجد والناس يصطفون وراء الإمام، ~~وأكثرهم من الراجعين بعد أن قضوا نهارهم سعيا وكدا ولغوبا. وإلى جانب المنبر عن ~~ناحيتيه وقف شيوخ القرية ممن جاوزوا السبعين، ولم يبق لهم من عمل إلا أن يقضوا بقية ~~حياتهم عبادة وتسبيحا، تراهم يحضرون إلى بيت الله والليل أسود قاتم، فينير لهم ذلك ~~المكان الفسيح فانوس أو اثنان فيهما مصابيح ضئيلة ضعيفة النور، ثم يقرأون الورد، ~~فيرسلون في تلك الساعة النائمة ألذ ساعات الليل ضجتهم وجلبتهم. حتى إذا بدأ الصبح يتنفس ~~هدأت الأصوات وسكت الوجود وساد القرية سكون عميق لا يقطعه إلا نباح الكلاب أو عواؤها ~~أحيانا. ثم يشق عباب الجو ويملأ الفضاء دعاء المؤذن ونداؤه الطويل يضيف إلى آخره: ~~«الصلاة خير من النوم»، ويكررها بصوت جهوري عال يمده مدا، فلا يدع حركة من حركات هاته ~~الكلمات الأربع إلا قلبها في حنجرته على وجوهها المختلفة. فإذا انقضت صلاة الصبح رجع ~~الكل إلى بيوتهم، فمنهم من أكل فيها لقمة وانصرف إلى الغيط، وآخرون يستكملون حقهم من ~~النوم يبقون فيه حتى ضحوة النهار. ومن بعدها يرجع هؤلاء المسنون إلى الجامع يتمطون فيه ~~أو يقعدون يستعيدون حوادث الماضي وظلم إسماعيل، أو يتحدثون عما في قريتهم من حاضر ms046 ~~الأمر. فإذا ما توسطت الشمس كبد السماء وآن وقت الفريضة أدوها، ولم يكن بأسرع من أن ~~يأخذ كل منهم مكانه الذي اعتاد كل يوم وينام نوما عميقا يذهب فيه أغلبها إلى الغطيط ~~المزعج. ويتنبهون لصلاة العصر ثم من بعدها منهم من يذهب إلى الزرع يرى ما فعل الله به، ~~ومنهم من ينتظر نسيم المغرب الجميل في المسجد. وعلى هذا النمط يقضي هؤلاء الشيوخ حياتهم ~~هادئة تسيل مع الزمان لا يفكرون في شيء ولا أمل لهم إلا أن يغفر الله لهم ويتقبل ~~صلواتهم ودعاءهم. # دخل خليل وأخذ مكانه الذي تعوده والإمام يرفع أصابعه إزاء أذنيه وينادى: «الله أكبر»، ~~فترتفع من ورائه أصوات المؤمنين تنادي هذا النداء بغير انتظام. فمنها العالي الرفيع حتى ~~ليكون مزعجا، ومن يردد الكلمة مرتين أو ثلاثا كأنه لا يتحقق من قبول الأولى فيشفعها ~~بالثانية، ومنهم من يقطع الكلمة الأولى من وسطها ثم يبدؤها من جديد، وآخرون يخطفونها ~~خطفا، كل ذلك بلا ترتيب ولا نظام، بل هو مجموع أصوات مشوشة لا تملأ هذا الفضاء المهيب ~~الهادئ إلا ساعات الجماعات، ولما رأى الإمام أن قد هدأت الضجة ابتدأ الفاتحة يرتلها، ~~وإن كان يتعجل في القراءة حتى إذا كان في نهايتها، إذا صوت جاء من ناحية الحنفيات: «إن ~~الله مع الصابرين» وتبعه رجل يجري وسط المسجد مكشوف الذراعين، فغطاهما بأكمامه حتى إذا ~~استوى مع الصف ارتفع صوته بعد أن سكن الكل ينبه الإمام أن قد صار معهم. ولكنه ما أتم ~~نداءه حتى جاءت «إن الله مع الصابرين» أخرى استوقفت الجمع لحظة من الزمان. ثم وسط تلك ~~الظلمة التي تدخل الجامع من كل نوافذه فتذر حيطانه وأعمدته البيضاء ملتفة في رداء من ~~الشك يزداد رويدا رويدا، انحنت أقواس هؤلاء العابدين ركعا حتى ليحسبهم الناظر من بعد ~~كأنهم خيالات تموج وسط مساكن الجن، أو هم ملائك مقربون لفتهم السماء ببردها. والليل ~~يسقط من سقف المعبد العالي فينزل بالمصلين على جباههم سجدا حتى ليكادوا يستوون بالأرض ~~خضوعا وخشية. ولا تأتي عليهم الركعة الثانية ms047 حتى يكادوا يختفون عن عين الرقيب. وفي ~~سكوتهم تهمس شفاههم بالدعوات يحملها الليل على جناحه فيصعد بها إلى السماء ثم يرجع ~~فيوحي إلى الإمام أن قد سمع الله لمن حمده، فيلقاها الجمع وقلوبهم ملأى من خشية الله، ~~أو هم يحلمون بما سيشترونه من أسواق الخميس، أو يعدون في سرهم الأيام التي اشتغلوها في ~~الأسبوع المنصرم وهم ينتظرون بفارغ الصبر أن ينتهوا من واجبهم الديني ليذهبوا إلى كاتب ~~المالك يحاسبونه على اليوم الذي يريد أن يأكله عليهم. ولا يكاد إمامهم يسمعهم السلام ~~وينتظر لهم من الله الرحمة حتى ينفلتوا لإتمام حسابهم، ولا يبعد أن يوجد الكاتب من ~~بينهم فيأخذوه سوقا إلى مكتبه ليظهر لهم من بين دفاتره حقهم، وما لهم، وما ~~عليهم. ~~••• # صلى خليل معهم ودعا الله أن يوفقه للخير فيما فيه يفكر. ثم لما انتهى انصرف راجعا ~~على عقبه فإذا ابنه قد سبقه إلى الدار، وهناك أخذوا عشاءهم معا والرجل مشغول البال ~~حائر الفكر لا يقرر في نفسه أمرا ولا يجزم بشيء، تدفعه العوامل المتخالفة المتضادة فلا ~~يثبت أمامها، ولا يميل إلى جانب منها، ولا ينهزم دونها. ويزيد في أحلامه وخيالاته ~~النسيم العليل يسري ساكنا هادئا يبعث إلى الكون الغارق في اللجة العظيمة من أشعة ~~البدر سرورا وانتعاشا، ولكنه ما عتم أن صلى العشاء وجاء موعد النوم حتى رأى نفسه ~~مضطرا لأن يترك كل شيء ليذهب إلى مرقده ينتظر فيه الفجر الذي يزعجه منه، وانتهى بذلك ~~هذا الحلم الجميل المخيف الذي أتى عليه النسيان حتى ذكرته امرأته به من جديد. # لم يكن في هذه المرة فيما كان فيه من قبل من الشك، بل سألها عمن تراها تصلح أن تكون ~~زوجا لحسن. وأثار هذا السؤال اختلافا آخر في الاختيار بين أن تكون فتاة من أمثالهم في ~~البلد جماعة ذوي غنى وثروة، أو ما يفضله خليل من ابنة حلال تعرف كيف تقوم بأمر ابنه ~~وبيته ويقدرون عليها فلا تعمل عليهم كل يوم غارة وتقيم لهم مأتما وتغضب كل شهر وتذهب ~~إلى أهلها. ms048 وما كان ذلك الخلاف بالذي يأتي عليه حديث ساعة أو يوم، فإنه إن تكن الأم قد ~~أعدت في نفسها من تريدها عروسا لحسن فإنها لم تر من حسن السياسة أن تطلع زوجها على ذلك ~~لأول وهلة، وخصوصا أنها رأت من كلامه ما زعزع اعتقادها فيمن اختارت من قبل، وكأنها ~~اقتنعت بصحة ما يقول، فأرادت أن تصل إلى من توافقها هي وتوافق ابنها وتوافق خليلا ~~زوجها. # أما حسن فلم يكن له في هذه المدة من كلام ولا حديث في الموضوع مع أبيه، وإن كانت أمه ~~تعلم من دخائل نفسه ما يسهل على الولد أن يخبر به أمه، وإن كان يستحيل أن يطلع عليه ~~أباه. إنه لا يرفض الزواج، بل هو يريده ولكنه لا يعرف أكثر من أيهما أي فتاة ~~يخطب. # بعد ذلك بأيام كان في غيطهم المجاور لغيط السيد محمود العامر يوم ذاك بالعاملات، ~~ويتولى الرياسة إبراهيم كعادته. فنادى حسنا ساعة الظهيرة، وقد انتهى الكل من غدائهم، ~~أن يأتي فيلعب معه «طرد طاب» # 2 # في المدة القصيرة الباقية من مقيلهم جميعا في تلك الأيام الجميلة التي ~~تأتي بعد أكتوبر حين يعتدل الجو أو يميل قليلا نحو الرطوبة، وتبتدئ حياة الفلاح تبشره ~~بمقدم راحته الشتوية، وحين الأشجار العظيمة يتساقط بعض ورقها بعد أن أدى واجبه من ~~كسوتها، وإن كانت لا تضن بظلها على من أراده. وأجاب حسن الدعوة، ونقشوا «سيجتهم»، وأخذ ~~كل منهم معه ولدين من العمال، والتف الباقون حولهم، وأكثرهم كواعب قد أينع عليهن الصبا ~~وكساهن الشباب ذلك الجمال الذي لا يضن به على أحد حتى ولا غير الجميل، وأخذت زينب ~~مقعدها من بينهن إلى جانب صديقات لها وأتراب، وهي لا تكاد ترفع عينها عن إبراهيم. ولم ~~تكن إلا لحظات حتى انتهت كل حركة، وصمت كل صوت، وآن أن يبتدئ اللاعبون طردهم. وإذ ذاك ~~مسك حسن «الطاب» في يده، وبعد الفاتحة المعروفة تبادلها مع إبراهيم: «اذكر على - ذكرناه ~~- وإبليس - لعناه - وجدنا وجدكم - رحمناه - يا أرحم الراحمين يا الله»، سمع صوت الطابات ms049 ~~تنفرد على الأرض وما بين حين وآخر يصيح صغير من اللاعبين: الفوز - إنعاز - آه اثنين - ~~الفوز يا طاب. الله. ولكن طقته الثانية لا تكون بأسعد حظا من الطقة الأولى، فيسلمه ~~إلى جاره آسفا. والجلوس حولهم سكوت ينظرون بعيون ثابتة. وما هي إلا دقيقة أو نحوها حتى ~~ابتدأ الطرفان يفوزان، وهذا يجيء بستة خضراء، والآخر بمثلها بيضاء، ثم أخذ العريفان ~~يعدان كل لعبة: داره وواحد اثنين. وواحد اثنين ثلاثة يشيل ده ... وتني. أيوه. في رأسها من ~~قلة ناسها.. ختيمك. آه لبن يا ولد. وانت. إوعه يا طاب.. لاه بقيت بلعبة واحدة. وعند كل ~~تفويزة تبدو على ثغور المتفرجين ابتسامة خفيفة تذهب رويدا رويدا حتى تزول وتعروهم هزة ~~انتعاش تدور فيهم كلهم كأنها رعشة كهرباء، ثم يرجعون إلى حالهم الأولى التي تقرب من ~~الذهول أو الغفلة. ثم انتهوا من طردهم وقد حجب الشمس تعرض الغمام في الجو، ودخل الوجود ~~بذلك في شيء من الظلمة والعبوس. ولم تكن إلا لحظات بعدها حتى سمعوا دويا جاء من بعيد ~~تألفه آذانهم على ما فيه من الإزعاج كما تألف أغاريد الطير الشجية تملأ الكون رنينا ~~وكأنها تدق على أوتار الهواء، وكما تألف خرير الماء الهادئ الدائم أو صوت الضفدع في ليل ~~الصيف يحيي الظلام كلما سكت حداء العاملات - جاء ذلك الدوي إلى آذانهم، فمنهم من التفت ~~إلى اتجاهه وحدد نحوه نظره، ومنهم من تمطى فاردا يديه إلى آخرهما نافخا الهواء ~~بتثاؤبه متأوها من مقدم وابور العصر الذي مر بهم وهم ينظرون إليه يرج الأرض تحته، ~~وينفخ في الجو سحبه تعلو فوق مدخنته التي تخرق الهواء، ثم تتمايل مع الريح وتنساب ~~أجزاؤها ساقطة حتى تتلاشى. وانتهى بذلك مقيلهم ورجعوا إلى عملهم بالصبر القديم الموروث ~~حتى أنقذهم منه أن احمر قرص الشمس مائلا إلى مغيبه منذرا أن لم يبق إلا قليل حتى يودع ~~الأرض للصباح، وتضاءل النور أمام مقتبل الليل، وأمسى الرجوع إلى أوكارهم لا محيض عنه، ~~وبذلك عفا الله، أو كما يقول أحيانا خوليهم لهم «عوافي يا ms050 أولاد». وتنادى إبراهيم وحسن ~~من جديد ليرجعا معا، وانساق أمامهم أو تبعهم أولئك العمال والعاملات، وكلهم يجد في ~~المسير ويتحدثون معا، فتفلت ما بين حين وآن ضحكة من الفتيات ينفرط عقدها في مشهد ~~النهار الزائل، وتسيل مع الهواء، ويعقبها صداها لا يكاد يسمع، وكأنه رنين القرص البعيد ~~لامسته البسيطة أو احتك بفروع الشجر، ولم يكن الصاحبان ليشاركا الباقين في ضحكهم، بل ~~لتراهم وهم يهمسون وعلى وجوههم السمراء شيء من أثر الجد، فيصل إلى نفسك أنهم يتكلمون في ~~أمر ذي بال (وهنا أستسمح نفسي وأستسمح قارئي أن أذكر حكاية قولهم كما قالوا): والواقع ~~أنهم من أول خطوة اتخذوها في طريقهم أحسوا أنهم سيقولون اليوم غير ما تعودوا أن يحكوه ~~معا. فبعد كلام وحديث قال إبراهيم: أيوه يا أخي. # قال انت بدك تتجوز؟ ~~- ليه؟ وإيش عرفك؟. يعنى يا أخي شايف البنات اللي بدهم يجوزوا.. ~~- أهم ياخويه بالرمية.. يعني إللي قدامنا دول مش عجبينك وإلا لازم تعمل لي أنت راخر ~~أبو علي تجيب لك واحدة تغضب الصبح والمغرب. # وصحيح أنه قد كان ممن أمامهما أكثر من ثلاث يصلحن زوجات من خيرة الزوجات الفلاحات. بل ~~لقد شاركهن في الطريق من الراجعات إلى دورهن أخريات من بنات الناس الطيبين كن يعملن في ~~مزارعهن، فقدمن أمام حسن مجموعة من عرائس جميلات يصح الاختيار من بينهن. لكن ذلك المشهد ~~أظهر له كذلك فساد قولهم إن بنات العائلات الكبيرة سريعات الغضب والركون إلى الاحتماء ~~بأهلهن؛ إذ جاءت أمامه هؤلاء القادمات بذكرى أمثالهن، كن أحسن الزوجات، وأكثرهن وفاء، ~~وأحفظهن ذمة، وأرعاهن عهدا. فما دام لا يرمي بنظره إلى من هي أغنى منه، أو في درجة غير ~~درجته، فهو واجد من بنات أقرانه خير من تصلح له زوجا، وأكثر من حفظهن الذمام ورعايتهن ~~العهد، هن قد ربين يعرفن قيمة المال، وما يجب من حسن القيام عليه والتصرف في شأنه، ~~ويفقن في ذلك بكثير الفقيرات اللاتي لا يعرفن ما توازي الأرض، ولا ذقن في حياتهن لذة ~~نجاح عملهن، وإنما هن بنات ms051 ساعتهن يجرين وراء أجرها، أنتج عملهن فيها أم لم ~~ينتج . # ثم بعد برهة سكتا فيها، قال حسن: «ياخويه بكره يحلها ربنا». # بتلك الإشارة من إبراهيم حصل في نفس صاحبه شيء من معنى وجوب الاختيار، وأصبح يرى أن ~~عليه أن ينتقي من بين هاتيك الكثيرات أمامه من تعجبه، وبعث إلى نفسه اليقين بحريته في ~~ذلك ما يعلمه من يسر حالهم، غير أنه كما يقولون «حيرة تحيره»، وما كان في حياته السابقة ~~كلها يفضل فتاة معينة تنقذه من موقفه هذا الذي يريد فيه شريكة يظن حين يعقد عليها أنه ~~يأخذها شريكة العمر وأم بنيه وبناته الكثيرين على ما يأمل هو ويأمل أهله. ولقد رأى فيمن ~~أمامه هؤلاء القادمات من مزارعهن مثل ما هو راجع من غيط أبيه أشبه به مركزا ويسر حال، ~~ورأى من الأخريات القوية السمحة والجميلة الرزينة، وزينب فوق هذا وذاك. # ثم ابتدأا حديثا آخر يقطعان به بقية الطريق، وكلهم مسرعون يشقون عباب الظلام النازل ~~يختفي تحته كل لون، ولا تميز العين من كل الموجودات التي تأخذ صبغته إلا ما كان أبيض ~~ناصعا، فلما بلغوا السكة النازلة إلى الجامع انفتل الصديقان إليه: حسن في سمرته وحدته، ~~وإبراهيم في رشاقته وخفته، ويكادان يوقنان أن الإمام قد سبقهما. وتفرق الآخرون كل اتخذ ~~طريق داره بعد أن تهادوا التحية جميعا. والبنات تظهرهن غدفهن السوداء حزانى آسفات على ~~شبابهن الغض يقضينه في الأرض وتنقيتها، وإن بعثت ابتسامتهن إلى الظن أنهن قانعات أو شبه ~~قانعات. وانبعثن جميعا وابتعدن عن النظر قليلا في أرديتهن السوداء وكأنهن خيالات تموج ~~في لجة الليل الوليد حتى يختفين ما بين الجدران فيتسللن في الأزقة إلى أوكارهن يقضين ~~فيها ليلا هادئا نائما. ~~••• # وأدى حسن صلاته منفردا هو وصاحبه، وأتماها في لحظة أو أقل، ثم خرج مسرعا إلى بيته، ~~فلما كان في بعض الطريق إذا أبوه مع صاحب له اسمه سلامة، على مصطبة أمام دور هذا ~~الأخير. فسلم عليهما، وتريث في سيره، إذ علم أن ليس هناك ما يدعوه للعجلة في اللحاق ms052 ~~بأهله. أما هذان العجوزان اللذان أكل عليهما الدهر ولم يشرب بعد، فكانا أول من خرج من ~~المسجد بعد الصلاة، وجلسا يقصان معا قصص أمثالهما، ويبدي كل منهما رأيه فيما يمر ~~أمامهما: ثور اشتراه الحاج علي من سوق الخميس ودفع فيه اثنين وعشرين جنيها ظناه مع ~~جودته وقوته في الشغل غاليا، وبنت تزوج بها عوض مشعل من البندر رأيا في مشيتها من ~~اللكاعة ما حكما به على نساء البندر أنهن لكليعات.. فلما مرت بهما العاملات قافلات إلى ~~دورهن لم يقل خليل شيئا حتى بادره صاحبه قائلا: وآدي عرايس بلدنا. # ثم بعد برهة قال: من حق يا خليل أنت بدك تجوز حسن؟!.. # فأجابه خليل بصوت هادئ: والله يا سلامة بدي لكن مش عارف أجوزه مين؟ ابني ياخويه ما ~~بيحبش البنات اللي كلهم دوشة ويعملوا لهم الصبح غارة والمغرب قتله ويا معجل ما يغضبوا، ~~وأهي حيره يا سلامة ياخويه. # فقال له صاحبه بصوت ملآن أدعى ما يكون للثقة به والاطمئنان إليه: يالله ياخويه بلا ~~كلام ... انت اللي محير روحك من غير حيره.. طيب ولما مش عجبينك دول ما غيرهم كتير. أقول ~~لك أنا على واحدة من اللي فاتوا دول وواحدة والله عليها كلام.. زينب ما لها؟.. حق أوع ~~تقول حاجة. # غير أن خليلا كان يخشى ألا تقبل زوجته لحسن إلا فتاة من أقرانهم في البلدة، وهو يحسب ~~لذلك حسابا كبيرا، لأنه يعرف أن البيت الذي لا ترتاح فيه الأم وامرأة ابنها يبقى ~~معكرا صفاؤه متنازعا بين المرأتين، مركز شقاء دائم بين الآباء والأبناء. وأما إن هي ~~رضيت فإنه يقبل على العين والرأس زينب عروسا لابنه، بل إنه ليعد بذلك نفسه ~~سعيدا. # وما كاد يطلع سلامة على هاته المخاوف حتى قال له هذا الأخير: طيب ياخويه.. روح جوزه ~~بنت علي أبو عمر خلي عيشتكو تصبح شكل من أولها لآخرها.. ويعني الفلاح منا عمره ~~يرضى. # وأخبر خليل زوجته بكل هذا الحديث. وما كانت تعلم عن زينب إلا كل خير. غير أن مطمعها ~~كان أبعد من ms053 أن يقع على ابنة عائلة فقيرة تشتغل طول عمرها أجيرة عند أصحاب الأطيان. فلم ~~يرقها اختيار زوجها، ورأى هو ذلك من وجهها، فقال في نفسه: صدق سلامة، وعمر الفلاح ما ~~يرضى. ثم أراد أن يعرف ما ليس يرضيها من هذا الاختيار وما رأيها هي؟ ولكنها لم تبد ~~رأيا. # جاء حسن بعد ذلك فأخبرته فيما بينهما بما يقوله أبوه، ولم يحر هو الآخر جوابا ولا ~~أعطى عن نفسه قولا. # غير أن تلك الأحاديث وهاته الأقوال لم تبق في صدور أصحابها لا تتعداها، بل انتقلت إلى ~~الخارج بشكل أوضح وأكثر إثباتا وتقريرا من الواقع. إذ مع أنهم لم يقطعوا في الأمر ~~بإثبات ولا بنفي، وبالرغم مما تجده الأم في هذا الاختيار من عدم توفيق زوجها إلى ما ~~تحب، فقد جاءت إلى الآذان كأن قد تم كل شيء، واتفق الأبوان وابنهما فيما بينهم على أخذ ~~تلك العروس لحسن، ووصلت إلى زينب بهذا الشكل، فأحدثت عندها ما أسلفنا من قبل ذكره حتى ~~جاءها الأمل بعد يأسها القاتل. # وفي الأيام التي تلاعبت فيها الحوادث بزينب ما شاءت كانت عائلة حسن هادئة ساكنة تقطع ~~طريق الحياة المعتاد وليس من بينها إلا قانع مستسلم للقضاء. وقل أن يرد فيما بينهم أمر ~~زواج حسن إذ أصبح الآن يظن أنه وصل إلى شيء، والأم تقلب في نفسها كلما عاودتها الذكرى ~~صور بعض بنات الناس الطيبين من أهل البلد، فلا تجد من بينهن خيرا من زينب، ولا من ~~تعدلها. والابن في عمله قل أن يرد هذا الأمر على باله، وإن جاء إلى نفسه. جاء معه أن من ~~ورائه من يفكر فيه، أو أمل له بعض الآمال، ثم ما أسرع ما ينساها! # وعلى هذا ظلوا جميعا.. ثم جاء الصيف. # 6 # جاء الصيف وهدأت الإشاعة، وإن هي إلا ككل مولود على الأرض يحدث ضجة ساعة مبتداه، ثم ~~يصبح شيئا عاديا تراه العين أو تسمع به الأذن فلا تأخذها له لفتة ولا تعيره ~~اهتماما. وجاء مع الصيف أدوار الري مما يفسد على الفلاح ms054 نظام حياته ويجعله يعيش بين ~~أهله مدة البطالة، فإذا جاء الدور لزم العمل ليل نهار يدأب فيه ويجد، ولا يجد سبيلا ~~أن ينفس عن نفسه بعض الشيء، ويشاركه في ذلك دوابه حتى تتولاها اللغوب وينالها أكبر ~~الكرب. # جاء الصيف للفلاح بالعمل، ولغيره بأيام الراحة والرياضة. ولم يكد يتنفس عنه الربيع ~~حتى جاء القرية حامد وإخوته بعد أشهر قضوها بين الأوراق والحيطان قل أن يصل نظرهم إلى ~~خط الأفق، أو يتمتعوا يوما بمشهد مشرق الشمس أو مغربها. تلك أشهر عانوا فيها الصعاب ~~يعدون أيامها على أصابعهم عدا، وينتظرون آخرها وهم أشوق ما يكونون إليه، ويريدون أن ~~يأتي اليوم الذي يرجعون فيه من العاصمة الكبيرة ذات العظمة والجلال إلى بلدهم الصغير. ~~وكأنهم في تلك الليلة الأخيرة، وقد أتموا امتحاناتهم، وربطوا عفشهم، ورسم السرور على ~~ثغورهم الباسمة آية الرضا، يهاجرون إلى أشرف بقاع الأرض حيث السعادة والهناء المقيم.. ~~وما نزلوا قريتهم حتى أظهروا ما أعدوه لإجازتهم من كرات ولازماتها؟ ثم بعض أشياء صغيرة ~~لا يستغنون عنها في أول أيامهم يهدونها إلى إخوانهم الصغار الذين يأتون عليها في يوم أو ~~بعض يوم، أو هم يختصون بها أنفسهم ولا يكونون عليها أشد حرصا. # في تلك الليلة الأخيرة يملأ الفرح صدورهم ولا يعرفون أطال الليل أم قصر. ومن بينهم ~~صغير يحلم بمرأى أخيه الأصغر منه فارقه من عام بعد أن عاش معه كل أيام حياته، كما ~~يتشوق أن يجلس إلى جانب أمه بعد غيبة ما كان أطولها عليه! فيحدق إليها ليرى في ذلك ~~الوجه الذي ينم عن الحنان والعطف ما عهده من قبل أن يقضى عليه بفراقها، وكبير اعتاد ~~الغربة وضربت بينه وبين أهله السنون الطوال حجابا من النسيان يندفع السرور إلى نفسه، ~~فلا يعرف له سببا، ويحس معه بشيء من الوحشة لمغادرة البلد الذي قضى فيه أكثر أيام ~~حياته. لا يرد على باله خيال أمه ولا ذكرى عائلته، وإن كان لأخيه الصغير الذي لا تزال ~~تحفه عناية الطفولة الدائمة في النفس ما قد يفسر له ms055 معنى السرور الذي أحس به. ~~••• # جلس حامد بعد أن تفرق إخوته إلى مضاجعهم وكلهم ينتظر الصباح. جلس لينظر إلى غرفته ~~نظرة وداع قبل أن يقوم إلى مرقده، فأحاطت عينه بكل ما فيها، واتكأ بيده على مكتبه وسط ~~ذلك الصمت، ورنا نحو مكتبته وما تحويه من بديع الكتب. ثم جاء إلى خياله صورة الليلة ~~القادمة وهو جالس إلى جنب دولاب قل ما يحويه، وأمامه مكتب أجرد لا ورقة عليه. أو يأتي ~~إلى سريره بعد قضاء سهرته مع أهل البلد يقرأون الجرائد التي لا تجيء عمرها بجديد، بل ~~تكرر اليوم ما قالته بالأمس أو منذ شهر أو سنة من الزمان، وستكرره غدا وإلى ما لا ~~نهاية، ويصفقون استحسانا للكاتب البارع الذي يعرف كيف يغير كل يوم مواضع ألفاظه، وليست ~~وظيفته إلا أن يزجي إلى العقول ما في رأسه من أربع كلمات أو خمس يذيلها بتافه الحوادث ~~التي ينفخ فيها ليظهرها عظيمة حتى يصل يوما ما إلى تعميم ما يعتقد من واجبه أنه ~~يعممه. # ذكر حامد ذلك في غرفته في تلك الساعة الهادئة من الليل، فكاد يأسى على فراق مصر. ولكن ~~هون عليه أن ذكر إلى جانب ذلك هذه المزارع الواسعة على خطوتين من البلد يسرح فيها ~~ببصره، ويذهب بخياله إلى غايات لا يحيط بها في غرفته هذه، والليالي الساهرة يقضيها في ~~الغيطان، يرقب البدر في سماء الصيف الصافية وتألق النجوم إلى جانبه، في تلك اللجة تضيع ~~أمام العين ولا أفق لها، وسكون الليل يقطعه نقيق الضفدع وصفير الصرصور أو زن التابوت ~~يسكت كل تلك العجماوات الناطقة، وتسعده سلامية الفلاح الساهر في عمله ترن في الوجود، ~~ويحملها هواء الليل يهيج لها الكون طربا. وذكر ذلك كله فتعزى عن غرفته ~~ومكتبه. # لكنه ما لبث أن سمع في نفسه صوتا يناجيه: ~~... صحيح. كل ذلك جميل وفيه عزاء. ولكن أليس هناك عزاء أكبر في مرأى أمي وأبي والجلوس ~~إليهما والحديث معهما؟ فهل يبلغ بي العقوق أن أنساهما حين أذكر الليل وروعته والفلاح ~~وقيثارته؟ هل تدفعني الأنانية ms056 أن أسمع صفير أصوات الظلمة قبل أن أسمع صوت أمي في تحية ~~استقبالي؟ يارب غفرانك وعفوك.. ألا يعدو وجودي معهم كتبي ومكتبتي؟ أولا أجد عزاء فيهم ~~لأفر إلى الطبيعة وسلوانها؟ ما الطبيعة وجمالها؟ وما الكون وحركته إذا خلا ذلك من قلب ~~يحب الإنسان ويحس معه؟! فإن وجد هذا القلب أفلا يكون هو صاحب الذكرى الدائمة، والصورة ~~المطبوعة في الصدر؟ # اللهم تعلم ما عن قصد أجرمت! أنت تعلم مقدار حبي لأمي وأبي، فاعف اللهم عن زلتي! ألا ~~هل يبلغ النأي أن ينسينا من نحب؟ وهل تقضي الأيام على عواطفنا حتى لا نكاد نحس بها؟ نعم ~~هي تلك السنين الطوال التي قضيت بعيدا عنهم أدخلت إلى نفسي الأثرة والأنانية. # والواقع أن الغربة والبعد عنهم هو الذي جعله ينسى الدار وما فيها. وما شأنك بإنسان ~~صرف الشطر الأكبر من حياته بين خلان المدرسة، ويرجع أيام الصيف فلا يجد في البلد إلا ~~جمودا وسكونا؟.. أقوام لا تبين عليهم علامات الارتباط، ولا يظهر من شكلهم أنهم يعيشون ~~معا، بل كل في ناحية يفكر وحده ويجلس منفردا إلا إذا ساقته الضرورة ساعات الطعام ~~للوجود مع أهله، وهنالك يعلو الجميع سكوت كأنهم في مأتم بين أهل الميت ومحبيه. حينذاك ~~يحس أن بينه وبين رفقة المدرسة من الود وعدم التكلف ما ليس بينه وبين أهله. وليس عجبا ~~أن ينتج التفريق ما أنتج في نفس حامد، ويدع القلب أشد شوقا للطبيعة وذكرا لآثارها ~~التي تصحبه حيث حل وأينما كان منه لجماعة كل صلة بينه وبينهم في تلك الأيام التي يبدأ ~~القلب فيها يتفتح ليعرف الوجود أنهم يقدمون له ماديات العيش، وبشكل لا يظهر له فيه منهم ~~أثر ... # وأصبحوا جميعا في بلدهم الصغير المحبوب يحيط بهم أفقه، ويمرحون أحرارا تحت شمسه ~~الشديدة وسمائه الصافية. والمزارع يقوم عليها القطن قد ظهر وسواسه يبسم بشيرا بما يكن ~~من اللوز ويغطي اللا نهايات الواسعة تنطبق الأرض والسماء دونها، أو هي حصيد لم يبق ~~عليها إلا بقايا ناشفة من جذور الغلال تلوحها الشمس طول ms057 النهار فتساعد بشقوقها الواسعة ~~تقدح حرورا كأنها عين الشيطان، حر الصيف الشديد، وإن لم يكن لها على لياليه الساهرة ~~الرائعة من سلطان. # فلما تنسم حامد ريح القرية، وقد انتقل فجأة من ضجة العاصمة إلى هدأة الريف وسكونه، ~~ومن العمل المستمر بين الأوراق والكراسات والكتب إلى الفراغ يشغله ما بين نوم وحديث مع ~~بعض إخوانه في ذكرى المدرسة، شعر بما في هاته الحياة الجديدة المتشابهة - ينطبق كل يوم ~~فيها على ما بعده وعلى ما قبله - من المضايقة، إلا أن يخلق الإنسان لنفسه شيئا من لا ~~شيء، وواجبات يؤديها لتنويع طعم العيش. # غير أن كل شيء يكسب بالزمان حقا في الوجود، والعادة تذهب عن النفس الاشمئزاز مما ~~يدعو إلى اشمئزازها لأول ما تلقاه، والفراغ على ثقله لمن لم يعوده يصبح لذيذا في أيام ~~معدودة، ويسمح للإنسان بالراحة والتمتع بإرسال خيالاته وأحلامه إلى ما لا حدود له. ~~هنالك يختص بعالم عظيم لا يزحمه فيه أحد، ولا يجد فيه منافسا، بل يسرح ويمرح كما يحلو ~~له، وكما يصور له هواه، فلا يجد إلا هواء معطرا أو سماء صافية وأماني تتحقق أيا ما ~~تكن. وهيهات لمن دخل هذا العالم الجميل أن يلاقيه إلا السعادات والمسرات. # ذلك كان شأن حامد: خرج من تلك الأيام التي كان يجد نفسه فيها مسوقا إلى خلق عمل ~~يعمله تجنبا للملال، ودخل جنة الخيال والحلم. يقضي نهاره على أي شكل يكون، فإذا تطوحت ~~الشمس نحو مغربها ترك البلد إلى المزارع، وبعث حوله إلى الأفق أحلى الأماني. يسير ~~الهوينا غير قاصد مكانا، ويتخذ من الطرق ما يقابله، فينساب بتلك الخطوة الثقيلة ~~الهادئة بين الغيطان، لا يعرف موضع قدمه ولا يئوب إلى نفسه إلا حين يزعجه بعض المارة ~~بتحيات متكررة. # وعلى هاته المزارع التي تمتد على جانبيه وتمد له في أحلامه، كان كثيرا ما يرى جماعة ~~من العمال أو العاملات الذين عرف من قبل فيهديهم تحياته، وقد يقف معهم قليلا. فلما كان ~~في بعض الأيام إذا إبراهيم كعادته على رأس عصابة يخفون القطن. ms058 فذهب إليهم ووقف معهم، ~~وجعل يسأل كلا منهم عن حاله، ومن بينهم صغير باش الوجه طلق المحيا ذلق اللسان خفيف ~~الروح جاء من عمله يشارك حامدا وإبراهيم الحديث، فسأله حامد عن أخته فاطمة ولم لا ~~تحضر إلى الخف، ولكن الصغير لم يلبث أن سمع ذلك حتى ضحك ملء أشداقه وأجابه أنها تزوجت ~~في بلدة غير بلدهم. وأخيرا أمره إبراهيم أن يذهب إلى عمله، واستحث الجميع، ورجع إلي ~~حامد يجيبه عما يسأل عنه. # بجوار هذا الصغير كانت تشتغل أخت زينب، فسألها حامد عنها، وعلم أنها اليوم قد ذهبت ~~لتطحن. ثم سأل من بعد أخريات عن أنفسهن وأخواتهن؛ وبقي معهن حتى ابتدأت السماء يتغير ~~لونها. هنالك تركهم وسار في طريقه يفكر في أمرهم وفيما عساه يكون مصيرهم. ثم جاء إلى ~~نفسه ذكر زينب، وارتسم أمامه خيالها الجميل، وعيناها الناعستان، وقوامها تحت ثياب ~~العاملة البسيطة. لكن تلك الشهور الطوال لم يرها فيها واعتقاده القديم أن لن يقدر على ~~أن يحبها جعل نفسه بدل أن تهتاج وتأخذها الرعدة تحس لتلك الذكرى العذبة بنشوة تدخل إلى ~~قلب حامد، وسرور يخالط وجوده وينسيه ذلك العالم الذي حوله، وتمثل أمام ناظره أيام الصيف ~~القديمة وتلك الساعات يرجعان فيها والليل يلقي على النهار سدوله ويرفرف على الوجود ~~بجناحه، وهما صامتان ساكتان، يشعر كل واحد بالسعادة تفيض عنه وتلفه في ثوبها مع ~~صاحبه. # والأيام تتعاقب، وتعاوده الذكرى كلما وجد الخلوة وسط صمت الطبيعة. ويزيده تعاقبها ~~ذكرا للحوادث والكلمات والحركات والأماكن، ولكن أثبتها في نفسه أثرا وأعلقها بخاطره ~~ذكرى ذلك اليوم الذي شعر فيه بأنه مفارقها عن قريب، وأنه لم يبق إلا أيام معدودات حتى ~~يهجر القرية. ~~••• # كان ذلك أول الخريف والبنات في قفولهن يتحدثن عن الجلاليب التي أعددن أو يعددن لجمع ~~القطن، ويحكين حكايات عن هاته الأيام الجميلة التي مضت حين كن يشتغلن باليومية ويتسلين ~~بالغناء عن تعب العمل، فترتفع أصواتهن العالية المرتبة يحيط بها ضوء الشمس، ثم تنتشر في ~~الهواء، وتهتز أشجار القطن المتوجة بثمرها الناضج الناصع البياض ms059 يعطي المزرعة الواسعة ~~معنى المشيب، وكأنها في اهتزازها قد أثار هذا الصوت شجنها فطربت وبعث إليها وهي في ~~منتهى حياتها سرورا لم تعرفه من قبل. # كان ذلك أول الخريف، والوجود يسلم إلى الماضي أيام النشوة الفرح، ويأخذ عدته لصمت ~~الشتاء. وحامد يرسل على الأراضي وإلى الناس نظرات الوداع، ويسير جنبا لجنب مع زينب، ~~وقد تحركت نفسه وارتاع جنانه، وثارت كل حواسه أن ذكر فراقه القريب لتلك الأماكن ~~المقدسة، وتلك الطبيعة وبناتها، ولم يملك لسانه أن يقول: وأنا مسافر بعد ~~أسبوع..! # وتلا ذلك نظرة تجلت فيها كل إحساساته وما يجيش بصدره، أرسل بها إلى الفتاة التي لم ~~تجب بكلمة، بل أسبلت عيونها وكلها الأسى والحزن لذلك الفراق العاجل. وكأنما أحست بهذا ~~اليوم القريب حين تصبح كغيرها من الفتيات ولا حامد إلى جنبها. وحامد يفتش في ذاكرته عن ~~شيء لا يدري ما هو، وتكاد نفسه تفيض من غير سبب يعلمه، ويقرب من زينب حتى يزحمها على ~~سعة الطريق، ثم يتباعدان، وتظهر عليه علامات القلق كأنه ينتظر أمرا، وساعة المغرب تبعث ~~بالظلام يغطي الكون، فلا يزيده إلا قلقا. # فلما انعطفا إلى طريق القرية - وقد سبقا الآخرين وخلا بهما المكان - مالا إلى مرتفع ~~من الأرض مختف فجلسا فوقه. وبعد برهة أمسك حامد بيد زينب، ثم ضم أصابعها ضما شديدا. ~~ولكنها بدل أن تتألم أو تتأوه أو تسحب يدها طوت هي الأخرى أصابعها على يده وضمتها. ~~وحينذاك مال برأسه نحوها وفي شبه الظلمة المحيطة بهما وضع قبلة على خدها، فما إن أحست ~~بها حتى عرتها الرعدة، وتلفتت يمينا وشمالا. فلم يفهم حامد من هذا شيئا، وجذبها نحوه ~~فطوقها بذراعيه، وجعل يقبلها في صدغها وخدها وعنقها وعلى القليل الظاهر من شعرها. ~~والبنت كأنما أصابتها جنة قد أستسلمت إليه، وتضمه من حين لحين وتقبله. ثم وضعت فمها ~~على فمه، وأسبلت عينيها وكاد يغيب رشدها. وأحس حامد في تخدره كأنما يرشف من لسانها ~~الشهد المذاب. وفي هاته الضمة الكبرى تاه رشدهما، وبقيا كذلك حينا من الزمن. وما كادت ms060 ~~تفترق شفاههما حتى ضمها إليه، وألصق جسمها بجسمه، وصدرها قام فوقه نهداها المتقدان ~~يرتعشان من قوة النار الكامنة في كل وجودها، والدم قد علا إلى أصداغها تركها في يد حامد ~~تائهة لا تعي. # ذكر حامد ذلك في وحدته ثم سأل نفسه: هل عند الأيام من الجود أن تسمح له بمثل هذه ~~الساعة من جديد؟ وخيل إليه أن يذهب لوقته فيبحث عن زينب ويجدها أينما تكن. ولو علم ~~ما شغل بالها اليوم، وما تكن من الحب لإبراهيم، لعرف ما بينه وبينها الآن من حجاب. وهل ~~حجاب أقوى من الحب ينسي صاحبه الأشياء والناس إلا محبوبه وما في القلب من ذكرى هذا ~~المحبوب. لكن حامدا لا يعلم شيئا مما في قلبها، وكل ما يعتقده حائلا بينهما أنها ~~ستتزوج عما قريب بحسن. لولا أنه يحترم هاته الصلات الشرعية بين الجنسين لكان أول همه أن ~~يصل إلى قلب تلك الفتاة ليختص به نفسه. وأي إنسان يزهدها وقد حوت في بديع خلقها أبدع ما ~~جادت به يد الخالق؟! # 7 # جاءت عزيزة إلى القرية كعادتها كل عام. هذه أيام صيف يهجر الناس فيها المدن. وإذا ~~كانت ستجد مكان الحيطان حيطانا فعلى كل حال في الانتقال تغيير هواء، كما أنها تخرج في ~~بعض الليالي المقمرة مع أهل البيت يخفرهن رجال من أهلهن. فلما علم حامد بمجيئها ترك ~~التفكير في كل شيء سوى أن يذهب إليها، فيسلم عليها، ويجلس إلى جانبها يسألها عن حالها.. ~~ما أحلى هاته البنية أيام كانت صغيرة خفيفة سريعة الحركة كثيرة الضحك، أيام كانا ~~يلعبان معا منفردين فلا يسألان عما يفعلان! # ومع يسر الوسيلة له كان يحس دائما كأن عليه ألف رقيب، وكأن الناس جميعا مطلعون ~~على خفايا ما في نفسه وكل ما يكنه صدره، ويجول في فؤاده، فيتردد دون الذهاب ولا يقدر ~~عليه. لكنه أحس أخيرا بدافع شديد لم يستطع مغالبته يحثه على إطراح كل ذلك من وراء ~~ظهره والإقدام إلى حيث ملاكه الذي أعطاه من الخيالات والصور، ورسم له أمام نفسه تمثال ms061 ~~الشباب والحب، وإن كان لم ير صاحبته من أربع سنين مضت، أي من يوم كانت تؤمن على حياتها ~~ووجودها، ثم نزل أهلها عن الثقة بها، وظنوا في صعودها للكمال والجمال سعيا نحو الشيطان ~~وغوايته. # لم يرها من ذلك اليوم البعيد. ولكنها دون شك ككل الفتيات اللائي يرى تحت الشمس، متى ~~جلست على عرش الشباب أخذت بأسباب الجمال، وكملت في كل شيء، وظهرت أمام العين زينة ~~للناظرين. # ولم تطل مدة تردده. فلما كان أصيل اليوم الثاني ليوم حضورها أخذ بعضه وسار حتى وصل ~~إلى باب منزلها وقلبه يجف، وفؤاده يرتعد، وقد جاشت نفسه. ودخل فإذا هي بين أقاربها ~~وأقاربه. وقاموا جميعا فسلموا عليه، وقبلته كبيراتهم ما بين عينيه، ثم تقدم ليسلم ~~عليها، وجلس على مقعد إلى جانبهم، ورجع القوم جميعا إلى حديثهم. وفيما بين ساعة وأخرى ~~تسأله واحدة من القاعدات عن حاله وكيف هو؟ ولم لا يتردد عليهم؟ ويجيب بالأجوبة ~~المعتادة المحفوظة. ثم يسكت ولا يأخذ في الحديث بنصيب، ويلقي ببصره إلى الأرض إلا أن ~~يرفعه أحيانا فيجيله في الحجرة التي هم فيها. ومع ما كانوا يصلون إليه في حديثهم من ~~الضحك العالي على بعض حكايات يقولها أحدهم، فإنه لم يزد على الابتسام. وفي تلك اللحظة ~~التي يعلو فيها الفرح الوجوه كان يرسل النظرات إلى تلك التي شاركته بخيالها في أحلامه ~~زمنا ليس بالقصير، وشغلت من حياته موضع آمال كبار، يريد أن يرى ذلك الوجه الذي عرفه ~~صغيرا وقد استكمل خلقه، ويجتلي من ذلك الثغر الجميل ابتسامته، ثم يرجع إلى نفسه ~~يسائلها عن إحساس الفتاة نحوه فلا يشك لحظة في أنها شريكته، وأنها تحبه كما ~~يحبها. # وكأنما خشي أن يطلع أحد على ما في نفسه، فلم يطل مدة مكثه، واستأذن للانصراف. ~~وبالرغم مما طلبه إليه القوم ليبقى معهم تمسك برأيه، وزعم أن عنده موعدا لا بد أن ~~يوفيه. وما كان في تلك اللحظة أكثر ارتياحا وطمأنينة! بل لقد خيل إليه أن عيونا ~~ترقبه من سقف المكان وتطلع على خبايا فؤاده، وأن ms062 لم يبق إلا قليل حتى ينفضح مكنون ~~سره، ويبين للجميع ما دعاه للتعجيل بفراقهم. وخرج من بينهم وهو لا يملك دقات قلبه ولا ~~اضطراب نفسه، وولى هاربا من الناس إلى حديقة قريبة ارتمى تحت شجرة من أشجارها إلى ~~جانب الممشى، وقد سال الماء في قناة عن يمينه. وتمر مع التيار ما بين حين وآخر ورقة ~~من أوراق الشجر الذابل، أو ضفدع انساب مع الماء عائما. وبعد مدة مكثها ذاهلا تائه ~~الرشد ابتدأ يقذف إلى الماء بحصى رفيع وجده إلى جانبه. وما بين هنيهة وهنيهة يسكت ~~ويستعيد قواه. فلما عاوده هدوءه، وراجعه التفكير في الحياة وشأنها، وتلك الفتاة وهي ~~تنظر إليه خفية، كما كان ينظر إليها خفية، انتقل إلى أحلام السعادة التي تحيط بالمحبين، ~~وبكل من يخالط الحب نفسه ولو مجونا. انتقل لتقدير حساب المستقبل السعيد وهو إلى جانبها ~~وحده، وهي في حيرتها قد جاءته لموعد ينتظرها فيه.. ثم الحديث الذي يدور بينهما وهو أحلى ~~من الشهد يقدر كلماته تقديرا، وهما في زاوية من الكون هادئة لا حركة فيها إلا أن ~~ينعشها الهواء البليل بهبوبه، والطير بشجي نغماته، وتبعث عليها الطبيعة آثار النعمة ~~والسرور، ويغرقان في ذلك إلى الأبد. ما أحلى تلك الساعات وأهنأها على قلبه، ولكأنه ~~يلمسها بيده ويراها تتحقق! ~~••• # ولما كان اليوم الثاني، وعاوده التفكير في الذهاب ليراها، خشي أن يعد عليه من معها ~~ذلك، ويلاحظوا تكرار زيارته، فأراد أن يغالب نفسه ويقف دون إرادته، لكن محاولته ذهبت ~~هباء، ومغالبته لم تجد نفعا، وانحنى أمام إحساسه. وفي مثل الساعة التي ذهب لأمسه ذهب ~~فيها ذلك اليوم الثاني، ووجد الأشخاص هم هم لم يزد عليهم أحد، ويحكون حكاياتهم على ~~طريقة الأمس. أما هو فأحس في ذلك اليوم كأن نفسه تثور، وحواسه كلها تأخذها الرعدة، حتى ~~كادت تبدو عليه علامات القلق، فلم يتمهل أن انصرف بحجة أكثر وهنا من حجته بالأمس. ~~وخرج هائما إلى المزارع يسير على غير انتظام، فيتمهل أحيانا حتى يكاد يقف في مسيره، ~~ثم يسرع، ثم يتمهل وكأنه ms063 يريد أن يرجع على أعقابه. وتوترت أعصابه، وكان يقطب حاجبيه ما ~~بين حين وحين ... ليت شعري أي شيء عرا ذلك الإنسان الهادئ حتى يقيم نفسه ويقعدها، ويرسل ~~به إلى حدود الجنون؟ وأي قضاء من السماء حل به من أجل جرمه الذي قارف في إسلام نفسه ~~للحب؟ وهل إرسالنا النفس تتمتع بأول عاطفة شريفة في الحياة يجر عليها الويلات؟ أو ماذا ~~عساه يكون قد أصاب حامدا حتى جعله يكاد يهذي؟ # وانساب المسكين بين المزارع ينهبها نهبا حتى جاء إلى شط الترعة، وهناك أخذ مقعده في ~~ظل توتة كبيرة، وجلس كأن به مسا من الجن، يسأل نفسه: هل في المستطاع إخراج تلك ~~الفتاة من بين هؤلاء المحيطين بها، ليجلس إليها جنبا لجنب، ولتحدثه، وليضمها إليه، ~~ولتكون ملكه؟ # ومكث بقية النهار في حساباته هذه، ثم قضى كل ليلته لا ينام إلا غرارا. وما كادت ~~تهتك يد الصبح ستار الليل حتى نبا به مضجعه، وصاحبه القلق، فانحدر إلى الجامع، وما عهده ~~به في تلك الساعة التي عرفها ساعة هجود وهمود. وانساب وسط ظلمات يتسلل فيها النور كما ~~يتسلل الأمل إلى قلب اليائس، والسماء لم تميز بعد قد «بهت» عليها حجاب الليل الهزيم، ~~والنجوم تتقلص واحدة بعد الأخرى، والسكوت الأخرس يحكم على الوجود، فلا تسمع هسيسا إلا ~~أن يقطعه من حين لآخر صوت الديكة تتجاوب من جوانب القرية، ثم أذان المؤذن بالفجر ~~يشق عباب الجو إلى السموات. ولما صلى حامد ركعتيه مع الجماعة خرج إلى جهة المزارع التي ~~لا تزال خالية من كل حي، وهواء تلك الساعة خالطته الرطوبة يزيد في نشاطه، وكل شيء يخرج ~~قليلا قليلا من دثار الخفاء، والأفق يتجلى عند مرمى النظر، فتنكشف أمام العين ~~المزروعات بعد أن أخذت نصيبها من الطل. ثم احمرت السماء إلى المشرق، وطلعت الشمس ~~تلامس الأرض وتحيي الموجودات تحية الصباح، ثم تعلو وترتفع، وينقلب لون القرص الأحمر ~~الهادئ الباسم في مطلعه، ويرسل بأشعته فتتلألأ تحتها قطع الطل على أوراق الشجيرات ~~والحشائش النابتة على المروى، فتطوق المزرعة الهائلة ms064 بقلادة تزينها، وحامد بين هاته ~~الموجودات يمشي مفكرا يطرق أحيانا ويتطلع إلى ما حوله أحيانا أخرى. # ثم ابتدأ الفلاحون يفدون إلى عملهم فرادى، كل ييمم نحو مزرعته الصغيرة التي يملك، ~~ورثها عن أبيه عن جده، أو جاد بها الحظ وأعطته إياها المصادفة التي لا ينتظر، ومعه ~~بقرته أو جاموسته، أو هو قد اكتفى بفأسه، فإذا مر بحامد ألقى عليه تحية الصباح، ثم ~~استمر في سيره مندهشا.. ما شأن هذا الإنسان هنا في تلك الساعة من النهار؟ # وحامد يفكر كيف يتسنى له أن يكون إلى جانب عزيزة وليس عليهما من رقيب، وأن يبثها ما ~~في نفسه ليسمع منها أنها تحبه؟ # يريد أن يسمع تلك الكلمة من فمها، فهل لذلك من سبيل؟ # واستولى ذلك على كل جوارحه، وملك كل عواطفه حتى جعله ينظر لأهله المحيطين بها نظرة ~~الغضاضة. وما كان ليقدر على إطلاع غيره على حبه، وهو يعلم ما تكنه النفس المصرية لذلك ~~الإحساس من الضحك منه والاستهزاء به، تلك النفس القاسية التي تنظر لكل جمال في الوجود ~~أو الإحساس به ساخرة، لأنها لا تفهم منه شيئا، وتحسب أن الحياة الجد هي التي يقضيها ~~صاحبها بين العمل والتسبيح، وكأن الوجود لم يك إلا طاحونا نقطع فيه أعمارنا لاهثين ~~لغوبا ونصبا، مغمضين أعيننا عن كل حسن، واجبنا أن نرضى بحظنا، ونقنع بما يقدم لنا ~~بعد كل علفة من العلف، وإلا كان جزاؤنا ما يصيبنا من سخط الناس علينا، وانهيالهم بما لا ~~يقل عن سياط السائق إيلاما ووخزا. أو كأن النفس الإنسانية من الخسة والميل للشر ~~بحيث يجب الوقوف أمام كل إراداتها ومعارضتها في أغراضها وتقييدها بما قيدتنا به العادات ~~العتيقة البالية، وكأن الحواس لا تتطلع إلا للنقائص. فالعين لا تنظر إلا لتنتهك ~~الحرمات، والأذن لا تسمع إلا لتمهد السبيل إلى أخس الإحساسات. ألا إن الحياة الحق هي ~~التي يعرف فيها صاحبها أن الوجود إنما خلق ليسعد بعضه بعضا، وإن في قرارة النفس وفي ~~أعماق حبة القلب إحساسا دقيقا إن قتلناه قتلنا معه الحياة، ms065 وخرجنا إلى عالم خسيس ~~كله المادة والسعي وراءها والخضوع لسلطان أصحابها، وإن نحن أطعناه واتبعناه أسلمنا إلى ~~السعادة نمرح في جوها، وعرفنا من طريقه المروءة والشجاعة والحرية والإخلاص.. ذلك ~~الإحساس هو: الحب! # وأخذت حامد الرعدة، وكاد يستولي عليه الذهول، وكأنه قد تاه عن الوجود المحيط، ونسي ~~الشمس التي تعتلي متن السماء سريعا سريعا، وتزداد حرارتها ما بين لحظة ولحظة، والمارة ~~من السارحين الذين يؤمون مزارعهم متزايدين يسيرون جماعات أحيانا، وأحيانا أفرادا. ~~وكثر تتابعهم حتى أقلقوه من موقفه بسلامهم وتحياتهم، فلم يجد بدا من الرجوع إلى الدار ~~حتى يتخلص من مضايقاتهم وإزعاجهم، وليخلو إلى نفسه في غرفته. لكنه ما وصل إليها حتى ~~كان من فيها أيقاظا جميعا، وقد أخذوا أماكنهم للإفطار، فنادوه، وأخذ مكانه من بينهم. ~~وما كان ذلك ليقطع أحلامه ومخاوفه، فما كنت تسمع إلا جرس الملاعق أو رنين الأكواب. ~~والكل على ما بينهم من الأطفال الذين لم يبلغوا التاسعة من عمرهم سكوت كأن في بال كل ما ~~يشغله ويستدعي أعمق تفكيره. فإن بدرت من أحدهم كلمة أو إشارة تستدعي الضحك ابتسم له من ~~جاوره أو من قابله، فينظر له ثالث مقطبا كأنما ينبهه لهفوته التي ارتكب مما لا يجوز ~~لمثله أن يقترف، وإن سأل أحدهم عن شيء أجيب بكلمة أو كلمتين وقنع بهما. لذلك بقي حامد ~~من بينهم يفكر صامتا، ويأخذ طعامه ببطء حتى كان ينسى نفسه أحيانا فيظل ساكتا مدة ~~يرجع إليه بعدها صوابه ويعود إلى نفسه. وما كان ليلحظ ذلك عليه أحد ممن حوله، حتى ~~أفرغهم فؤادا من مظاهر الجد والتفكير فيما فيه حامد. # قضى حامد طول نهاره قلقا يحدث نفسه عما يعمل، وهل يذهب في مثل موعده ليرى صاحبته؟ ~~لكن ما كان يحس به من الغضاضة للمحيطين بها جعل الفكرة لا تروقه لأول ما عرضها على ~~نفسه. وعاود الكرة يبحث عن الوسيلة التي ينفرد فيها بتلك التي ملكت عنانه ليناجيها ~~خاشعا، ويلثم يدها، ويضرع إليها.. ألا يكون سعيدا في تلك الساعة؟ أولا يكون سلطان ~~الوجود؟ بل ms066 ألا يكون أسعد إذا جلس إلى جانبها وطوق عنقها بيده، ووضع رأسها على صدره، ~~ثم قبل جبينها وثغرها، وهي ترنو له بعيون ناعسة، وتبسم عن بال مرتاح وقلب سعيد، ثم ~~تجيبه أنها تحبه كلما قال لها إنني أحبك، وأعبدك؟ إن تلك اللحظات التي تمر سراعا لتعدل ~~الحياة، وتبعث السعادة تملأ بها جوانح أشقى الناس وأتعسهم، وإنها لحامد كل ما يريد، وما ~~أحلاها ساعة يتجلى فيها ملاكه دون رقيب! # وذهب بأحلامه إلى أقصى حدود السعادة، وتصور تلك الجنان يمرح فيها إلى جانب صاحبته، ~~وتعلوهما سماوات من ذهب، ويسيران فوق أرض مفروشة بالورد، وتظللهما أغصان الشجر يصدح ~~الطير عليها بنغماته الشجية، فيبعث فيما يحيط بهما روح النشوة والطرب. # لكن الوقت الذي ينبهه دائما إلى أن الساعة حانت ليراها كان يقطع عليه طريق هاته ~~الأحلام ويزعجه عن خيالاته. ولم يجد بدا من الإذعان لذلك الداعي المجد في دعوته لا ~~يمل، فقام نحو دارها، لكنه ما كاد يخطو خطوة حتى عاوده التردد، وقامت في نفسه الموانع ~~ما بين إباء أن يراها مع من هي بينهم، وغضاضة يحملها لهؤلاء الآخرين، وخجل من تكرار ~~زياراته. فإذا راجع السير عرته هزة من رأسه إلى أخمصه، ووقف أكثر حيرة وترددا من ~~ذي قبل. # والوقت يسير دائما، والنهار قد انحدرت شمسه لم يبق منه إلا قليل، وحامد مكروب لا ~~يدري ماذا يعمل. # وأخيرا صمم عزمه وسار وعلى جبينه شيء من أثر القطوب، حتى بلغ الدار، فإذا هي على ~~غير ما يعهد تموج بمن فيها، وكلهم من إخوانه التلاميذ وذوي قرابته من الشبان؛ ذاك أن ~~أخا عزيزة قد جاء ليقضي مدة مسامحته كذلك بعيدا عن ضجة المدن وضوضائها في هدأة الريف ~~وصمته، وليمتع نفسه بالفضاء الواسع يمتد أمام النظر، تزينه الجداول والترع، وتطوق ~~جيده آفاق تنضدها الأشجار اتخذها الطير سكنا، والشمس في عنفوانها تحيي النهار قبل أن ~~يأخذ الليل حظه من الحياة، ولا تغيب إلا لتدع للناس ليلا ساهرا عاملا يحمل هواؤه ~~أصوات الطبيعة وصوت الإنسان إلى آذان الوجود يهيج ms067 بها في نفسه ذكرى السعادة. فأقبل حامد ~~على صديقه القديم وتعانقا، ثم جلس معه يتحدثون جميعا في شئونهم وأحوالهم وأيام الدرس ~~وحكايات المدرسين - عادة كل أخوين من طائفة المتعلمين يتقابلان بعد فراق طويل. وابتدأ ~~الظلام يقدم عليهم، والموجودون ينصرفون واحدا بعد الآخر. ولما جاء دور حامد ألح عليه ~~صاحبه أن يبقى للعشاء معه، وقبل حامد الدعوة، وقضيا معا شطرا كبيرا من الليل يحدث ~~كل صاحبه في أمره وشأنه، ولا يأخذهما ملل أو يأتي عليهما ضيق من مجلسهما. حتى إذا أمست ~~الساعة لم يبق لحامد بد من أن ينصرف إلى بيته، وما رأى عزيزة ولا سمع حديثها، غير أنه ~~لم يكن يفكر في هذا حتى وصل إلى غرفته وأخذ مضجعه. هنالك بدأت تعاوده أفكاره وأحلامه، ~~ولكن الوقت الممسي لم يجعل أمدها طويلا، بل أتى عليها، وحمل صاحبها إلى نوم عميق ~~هادئ. # وتتابعت الأيام، وكان يذهب كل يوم لصاحبه، ويرى عزيزة تحادث أخاها أحيانا، فلا يجسر ~~على مخاطبتها بأكثر من التحية المعتادة، وكان قد قنع من حظه بذلك وبما ظنه من أنها ~~ليست أهدأ بالا منه. # وكيف لا تكون هي الأخرى مشتغلة النفس مشتتة البال، وهي في تلك السن الزاهرة، سن ~~الشباب والنضارة، تلك السن التي لا يستطيع الإنسان فيها أن يمنع عن نفسه خواطر الحب ~~وهواجس العشق. بعد أن أسلمته إليها سنون كره من جرائها التفكير فيما دون هذا الإحساس من ~~خواطر الشهوات ولذائذ المادة، تلك السن التي يرق فيها الشعور ويتفتح القلب يريد أن ~~يضم إليه كل جمال في الكون، وتحس النفس بالحاجة إلى نفس أخرى، حاجة مطلقة يكون العيش ~~دونها آلاما وشقاء، والحياة حملا ثقيلا يريد صاحبها التخلص منها؟! # غير أن قلبها الحبيس دائما، ونظرها الذي لا يجتلي السماء إلا من نوافذ الدار، وسمعها ~~الذي لم يذق شجو الأغاريد وإن لم يغب عنه نوح الحمام، ووجودها كله الذي يحس بالجمال ~~العظيم في الكون كأن بينهما وحيا ونجوى، ثم لا يقدر على استطلاعه وتذوق ساعات الوحدة ~~والخلوة كل ذلك شتت ms068 نفسها وبعث فؤادها في تيهاء لا يعثر فيها بسعادة ولا بشقاء، وإن ~~أحس بالراحة والرضا إلا أن تزعجه نار الحب تأجج بين ضلوعها، فتبعثها تجوب تلك التيهاء ~~من جديد، ثم تعاودها هدأتها، وهكذا هي بين حيطانها الأربعة أشد حيرة من الدمعة في عين ~~المحزون، تجد السلوان في أحلامها للمستقبل البعيد، وأمانيها لأيام الزواج السعيدة، ~~وتصور في نفسها الزوج الذي تهبه قلبها من اليوم، ثم تهم تبحث عن شخص ذلك الزوج العزيز ~~المحبوب وترجع إما فارغة اليد ينغص الأسى أحلامها أو راضية إن عثرت بمن عرفته أو سمعت ~~به. # وحامد من بين هؤلاء الأشخاص الذين تعرف، فكان يرد إلى خاطرها أحيانا، وتجد فيه موضع ~~أحلام وآمال كبار تقضي فيها ساعتها، ولكنه لم يكن المنفرد بتلك النفس الدائمة التنقل لا ~~تستقر على حال. وتعرض أمامها كل يوم صور أشخاص ممن عرفت في الماضي، أو من سمعت عنه من ~~غيرها أنه رجل الجمال والشهامة. لذلك لم تكن نظرات حامد لها تلك النظرات التي تذهب ~~للقلب وتدخل أعماق النفس فتصادف هواها. وما كان تخفيضها جفنها إلا حياء مما عند كل ~~فتاة. وإن تك قد أحست نحوه بشيء أثناء تلك المدة القصيرة فما هو ببالغ إلا قليلا إلى ~~جنب ما يحس هو به نحوها. # والأيام تسير، ونفس كل تجد من المشاغل ما تقضي فيه نهارها، وحامد يكثر التردد إلى ~~المزارع وإلى بيت صاحبه ليراه ويفكر في أمر ذلك الحب الذي خالط فؤاده، وامتلأت به ~~جوانحه، تفكيرا يذهب به إلى ثورة اليأس، ثم يعاوده الرجاء، ويحسب في الإمكان انتزاع ~~فتاته من خدرها، وبث ما يكنه لها من الوجد، وما برح به من الهوى، وينتظر سماع ~~اعترافها بأنها تحبه، ويمرحان بذلك معا في جو السعادة.. ويذهب بأحلامه إلى عالم خيالي ~~جميل لذيذ يتمتع فيه بما حرمه من عالم الواقع. فإذا رجع إلى الوجود لمس الحقائق ~~القاسية وأحس بآلام الحرمان، حتى يكاد يصل إلى الجمود والنظر إلى العالم كله بعين ~~الخائف الحذر. # وقابل زينب في عملها مع صويحباتها، ms069 وهن يغنين مسرورات، وهي صامتة ساكتة، فراعه أمرها، ~~لكن ما تتقلب عليه نفسه وما يدور في رأسه كفى ليشغله عنها، غير أن الأيام القديمة ~~وذكراها، وذلك الجمال الصامت بين متحركات الحياة، أحدث عنده هزة ضعف عن مقاومتها، ~~وجاءت بذكرى الحوادث الماضية. وفي كل يوم يرى فيه زينب ويلقي عليها تحيته كان لا يستطيع ~~أن يمنع نفسه من التفكير في شأنها وما يحزنها. # وقضى على هذا النحو كل المدة التي أقامتها صاحبته في الريف، وهو يتلمس أثرها من بعيد، ~~ويذهب إلى حيث تكون، يمتع نفسه بنظرتها أو يجتلي ابتسامتها. وما كان ليقنع بهذا، ولكنه ~~لم يكن ليصل إلى أكثر منه، حتى أسلمته أيامه الأخيرة إلى شيء من الرجوع إلى هدأته ~~وامتلاك حواسه، والنظر إلى عزيزة بشيء من اليأس أن يقدر يوما على مفاتحتها بأمر الحب، ~~أو محادثتها فيما يدور بين المحبين من لذيذ الحديث. ورجع بذلك يأنس بإخوته وأهله، ويصرف ~~عن نفسه ما حملته من قبل من الآلام والآمال، فإذا عاودته الذكرى في ساعات خلوته قنع ~~منها بلذتها، وتنسم عبيرها، ثم انتقل بعدها إلى زينب وشأنها، ثم إلى المستقبل البعيد ~~وما يرجوه فيه من السعادات، أو ترك نفسه يلعب بها الهواء الجميل، وحواسه تتمتع بما ~~يحيط بها من نعم الوجود وآثاره. وهكذا دخل في نوع من إهمال كل ما حوله وعدم الاهتمام به ~~والسير كما يسير غيره، وإن كان قلبه الكليم بهاته الأيام الطويلة ينزع إلى عصيانه ~~أحيانا، وتأخذه الثورة ويتولاه الهياج، يريد من الوجود من يضمه إليه ويشاركه كل ~~حياته. # وليالي الصيف الساهرة - يقضيها الفلاح يلف في طنبور أو يسوق ساقيته ويتعهد سقي القطن ~~أو ري الشراقي - تعزي حامدا عن كثير من همه، فيخرج والقمر حائر في لجة السماء، ~~وخياله أشد حيرة في لجج الماء، والتلال تمتد مع العين حتى يضيع النظر في لجة الليل، ~~ولا يجيء منها إلا على قليل، والنجوم منثورة تحيط بالبدر، ويرقبها الفلاح ليقيس عليها ~~وقته، وينتظر مطلعها واحدة بعد الأخرى، فإذا هو رأى نجمة الصبح ms070 ترنح كأنه طرب لمقدم ~~الفجر يصليه شاكرا أنعم ربه، ثم يرجع إلى عمله طول النهار إلا ساعات يسرقها ليغمض ~~فيها عينه. # وفي أيام ظهر نبات الذرة الجديدة بذلك اللون الأخضر الباسم، ولم يبق من الأرض جرداء ~~إلا القليل الذي أبقاه الفلاح للبرسيم السواد، ولبست الطبيعة بذلك لباس زينتها، وأخذت ~~زخرفها، وابتدأ الفلاح يحس نسيم السرور يجيء إلى نفسه، وانتهت الليالي الكثيرة الضجة ~~والجلبة، ليالي الري، وصار يقنع من السهر بالقليل يسقي فيه القطن، كما ينتظر بفارغ ~~الصبر انتهاء الإدارة والبطالة وذلك الترتيب الذي يقصم ظهره، وينظر للماء الطامي ~~«الأحمر» نظرة الرضا والقنوع، ويعد ما بقي على أيام الراحة عدا. # وبعدها ابتدأ خف الذرة يفرح له الفلاح وتبدأ به الدواب ربيعها، والعمال والعاملات قد ~~خرجوا من أيام الحرث والتلقيط تحت حر الشمس ومواساة الأرض مواساة الطفل خيفة أن «تطلع» ~~وذهب منهم من ذهب إلى «الطفي والسقي» وآخرون إلى الخف، وانتقلوا بذلك عن عناء إلى عناء، ~~وإن كان هذا الآخر بما يحيط به من أسباب السرور أحب للنفس وأكثر عندها قبولا. # وزينب تنتقل مع المنتقلين، وعليها سيما السكون والسكوت، والأيام تقص من عمر الصيف ~~ونهاره الطويل، وكل شيء على الأرض ينمو سريعا، وحامد قد غرق بعد سفر صاحبته في أفكار ~~شتى، وآمال لا آخر لها، وأحلام يسعد بها ساعة ويشقى بها أخرى، وإن وجد في إخوانه وفي ~~الكون البديع بما عليه عزاء وسلوانا. # 8 # كان حسن منذ علم بما أعد له أبوه في نفسه من أمر زواجه أشغل من أمه بالا، يبحث هو ~~أيضا عن فتاة من بنات أمثالهم الناس الطيبين. ولئن كان عمله المتواصل ليل نهار في ~~المزارع يشغله عن التفكير الطويل في هاته المسألة، إلا أن أيام الصيف الحارة ولياليه ~~الرائعة البديعة لا تتثنى عن إيقاظ عوامل الحياة في النفس وتنبيهها إلى ما يلازم طبيعة ~~الإنسان وما يجول في خاطره دائما من التعلق بموجود ذي جمال يجد فيه عزاء عن آلام ~~الحياة ومشقاتها، ويخلد معه نفسه ونوعه. # وكانت زينب إذا ms071 راجعها أمر ذلك الخبر قابلته بصبر، وأملت أن يكون في الغد ما يفرج ~~همها أو يزيل كربتها.. أو لعل الأيام التي فجعتها بعد هناءتها وأشقتها بعد سعادتها، ~~ترد لها ما حرمتها إياه، ويعود لها من الصفاء ما يلذ معه طعم العيش. # وحامد كثير الذكر لصاحبته إن وجد الوحدة والخلوة، قانع بالإخوان كلما اجتمع بهم، ~~يشتد به الهيام أحيانا فيحمله إلى الفضاء في الساعات الصامتة حين يتنفس الصبح وتطلع ~~الشمس تتهادى من مرقدها، ثم يعاوده السلوان فيه أياما. # وكل شيء ينمو سريعا، ولم تكن إلا أيام معدودات حتى أصبحت الأرض كلها إلا قليلا ~~مغطاة بالقطن والذرة، وكلاهما عال يكاد يختفي السائر بين أشجاره وعيدانه. # وكلما تقدم الصيف في أيامه تقدمت هاته المزروعات في نضجها، وأحس الفلاح بالسرور ~~يدخل إلى نفسه، وإن كان منهم من يرى في ذلك ما يزيد همه، ويكثر من شجنه، حين يفكر في ~~الوسيلة التي يدفع بها قسط الدين الذي عليه، فيجد الحال غير ما يحب، ويرى أن كل يوم يمر ~~يقرب أجل المحضرين وزياراتهم اليومية الثقيلة، ويحضر في رأسه الطرق التي يجيء منها ~~بالنقود. فإما أن يحتال على زوجه فيرهن أرضها على دين جديد يقترضه، أو يبيع من فدادينها ~~القليلة ما يسد منه قسطه، أو يلجأ إلى بيع منقولاته ومنقولاتها، أو هو يخرج عن دائرة ~~بيته ليضايق من له علاقة به من الفلاحين والمزارعين ليبتز منهم ما يستطيع أن يحصل عليه ~~مهما قل.. وإلى جانب هؤلاء جماعة القانعين من العيش بأقل من الكفاف، الفرحين لقدوم مياه ~~النيل تملأ الترع فتتهادى بها بين ما ينمو على جرفها من الحشائش وما يقوم على جانبها من ~~الزرع، والسرور ملء صدور هؤلاء القوم الذين لا يتكلفون من أجل سقي مزارعهم إلا أن ~~يرفعوا صمام فتحات الراحة فينساب الماء يغطي الأرض المشتاقة له بما يحمله من الثروة ~~التي أرسلتها البلاد القاصية. ثم يقف ذلك القانع إلى جانب الطريق الساعات الطويلة ~~متكئا على فأسه، يلقى الشمس دون أن يعبأ بها، وتتحرك الأكوان وهو ms072 رابض مكانه، ثابت لا ~~يتحول إلا أن يدير الماء من فردة لفردة، ومن مكسر لمكسر، حتى إذا صلبت الشمس في وسط ~~السماء مال إلى ظل شجرة وأخذ غداءه تحتها، ثم تمطى في غفوة ما أقصر أمدها! ويقضي بعد ~~الظهر مثل ما قضى قبله. # جاء الخريف، وأصبح جني القطن موضع حديث الملاك والعمال والنساء والرجال وكل سكان هاته ~~البلاد. ولم يك إلا أيام حتى أصبحت المزارع تموج بالجماعين، وأكثرهم أطفال لا يزيدون ~~على العاشرة من عمرهم، ولا يكادون يظهرون من خطوطهم، ويحكم الصمت عليهم جميعا، كل يريد ~~أن يجني أكثر ما يمكن، أو يغنون أحيانا في المزارع التي يشتغلون فيها باليومية. وسط ~~هذه المزارع وبين هؤلاء العمال تجد زينب في كل برج تجنيه ساعة تدنيها من زواجها، وتود ~~لو ترتمي بين أحضان إبراهيم فتبوح له بمكنون حبها. # ولقد عيل صبرها، ولم يبق عندها من قوة للسكوت أمام قلب يكاد ينفطر. إن في مرأى ~~إبراهيم الذي ترى كل ساعة وعند كل لفتاتها ما يرسل إليها قشعريرة تأخذ بكل جسمها وتتوه ~~معها عن عملها. فإذا جاءت إلى نفسها من جديد ذكرى الزواج الذي يشيعون انقبض صدرها، وهان ~~عليها أن تصرخ مستنجدة هذا الواقف إلى جانبها. # وإبراهيم ليس أقل منها اشتغالا، يجاهد ما استطاع لحكم نفسه، ويعمل لكتم كل ما يجول ~~فيها، وإن غض بصره كلما مرت به، وأخيرا عزم على مفاتحتها بحبه متى استطاع الخلوة بها، ~~فلم يعد في قوس صبره هو الآخر منزع. # ولكنه يعلم أن حسنا سيتزوجها عما قريب، وحسن صديقه وأخوه، فماذا عساه يعمل؟ لو أن في ~~وسعه أن يأخذها لما فضل على ذلك شيئا، ولكنه يخسر حسنا في الوقت الذي يخسر فيه زينب. ~~لو أنه ذهب إلى أبيها ليخطبها فهل يرضى هذا الأخير وهو يعلم ما أعده الحظ الطيب ~~لابنته؟ وإن أراد أن يحافظ على المظاهر وأغلى له مهرها أفلا يساوي ذلك رده ورفضه؟ ولكن ~~لم؟ ألا يستطيع من أجلها أن يحصل على كل مهر مطلوب؟ هل على زينب ms073 من غالية في الوجود؟ ~~ألا إنه ليعمل من أجلها كل شيء ويأتي بكل ما يطلبه أبوها.. إنه يبيع جاموستهم، ثم يقترض ~~ما يقوم بسداده من مرتبه في عام أو عامين.. إنه يعمل كل شيء آخر غير هذا.. إنه يسرق إن ~~أحوجت الحال. # نعم، لا بد أن يذهب إلى أبيها ويطلبها منه!.. يا كرم السماء. كم تكون الحياة إلى ~~جوارها لذيذة طيبة! وكم يكون العيش ناعما! وكلما جلست إلى جانبه في دارهم وتحادثا في ~~أمر الأرض التي يستأجرها من السيد محمود ويزرعها هو وهي أفلا يكونان مسرورين معا أكبر ~~السرور، سعيدين أكبر السعادة؟ # أصبح الغيط شقين؛ فالذي جمعت غلته غبرة قد اسود وجهه، أما الآخر فبقي تتوج هامته ~~الكبيرة أبراجه البيضاء الناصعة. # وانحدرت الشمس إلى المغرب، وعفا الله، وجعل كل يجاهد في تحميل ما جمع. فلما انتهوا ~~انفلتت زينب وسط المزارع لبعض شأنها، وراح إبراهيم للمصلى يقضي فريضة العصر قبل ~~فواتها، وسيقت الدواب يحيط بها الجمع الكبير، وكل يسير إلى جانب ما جنى. # ولما رجعت هي ورأت إبراهيم جالسا وحده عرتها حيرة في أمرها ولم تجد سبيلا لتنفيذ ما ~~شغلها طول النهار. ثم قام راجعا وسار إلى جانبها وكلاهما ثائر النفس، والبدر الشاحب في ~~السماء يتبعهما في سيرهما، وكأنه يتسمع على نفسيهما ويريهما في نحوله ما تصل إليه حال ~~المحبين، أو هو يرنو إليهما بطرف مريض يصل ما بين قلبيهما، وغطاء السماء يزداد كثافة من ~~حين لحين، فيزدهي القمر وتبين الكائنات في شعاعه وجميعها عاشقة، عمل الحب في وجودها ~~وغير من لونها. # وصلا إلى مصلى على الطريق، فسألها إبراهيم أن تنتظره حتى يخطف ركعات المغرب. فلما ~~اختتمها طلب إليها إن شاءت أن تجلس قليلا حتى يستريحا، فأجابت طلبه بعد شيء من التردد، ~~ولكنهما كانا أكثر صمتا وأشد قلقا من قبل. # وبعد برهة عاودته فيها الرعشة مرات تجاسر فأمسك بيديها. وفوق هاته البقعة الطاهرة ~~المحرمة وتحت عين الله وعين البدر قال لها لأول مرة: ~~- أحبك يا زينب.. ~~... كل ما في الأرض والسماء ms074 من سعادة لا يبلغ ذرة مما تفيض به نفسها هاته الساعة. إن ~~القمر والكواكب والموجودات كلها في عرس كبير، وذلك النسيم العذب الساري في الجو يحمل ~~معه الهناءة. هل تستطيع زينب أن تتكلم الآن؟ وهل يسعدها لسانها؟ كلا! كلا! لقد غلب ~~عليها الفرح فهي واجمة حيرى ثابتة في مكانها ترنو لإبراهيم ولكل ما حولها. ثم بحركة لم ~~يفهمها ارتمت نحوه مسلمة نفسها بين يديه ملقية برأسها، فضمها هو إليه، وراح ذاهلا بتلك ~~النشوة التي يوحي بها جسمها، ولكنها لم تك إلا لحظة حتى عاودتها هزة شديدة، وجاهدت ~~نفسها تريد الخلاص منه والفرار من وجهه والهيام على وجهها لا تدري إلى أين!! وإبراهيم ~~كمن أسقط في يده؛ خانته قواه، فنظر إليها نظرة المستعطف اليائس ولم ينطق بكلمة بل وجم ~~ساكتا، وكاد يغشى عليه. فلما وقفت تريد الذهاب لم تطعها قدماها بل ألقت هي الأخرى ~~نظراتها عليه، وبقيت كذلك لا تدري أهي سكرى بهنائها أم أذهلها الأسف عن كل شيء؟ وصاحبها ~~جاث تحت قدميها رافع رأسه إليها لم يستطع أن يكرر من جديد اعترافه لها أنه ~~يحبها. # وأخيرا، وقد أمسى الوقت، واتشح الأفق بوشاحه الأسود، وراحت المزروعات هامدة مستريحة، ~~يوحي إليها النسيم ألذ الأحلام، قام فسار وسارت إلى جانبه حتى إذا كانا على مقربة من ~~البلد، وآن لهما أن يفترقا، أخذ يدها فقبلها ثم تركها ولم ينبس واحد منهما ببنت ~~شفة. # وذهبت بعد ذلك توا إلى الدار، فأخذت عشاءها، وطلعت فوق السطح أمام الغرفة، وجلست ~~وحدها وهي لا تستطيع أن تقدر مبلغ سعادتها. ثم صعد أخوها وأختها، وجلس الصغير إلى ~~جانبها، ومال برأسه فوضعها على ركبتها، وبقيت هي سارحة تحدق إلى القمر حتى راح الصغير ~~في نومه. وجاء أبوها بعد صلاة العشاء، ونقلوا الولد إلى الغرفة، وناموا جميعا كعادتهم. ~~ولكن زينب لا يحالف النوم عينيها، ولا تستطيع البقاء في مرقدها. فبقيت متيقظة لم تطعم ~~النوم إلا قليلا من الليل، وتعاودها فكرة أن تقوم فتذهب إلى حيث إبراهيم، لتجلس إلى ~~جانبه، وليضمها إليه ms075 كما ضمها ساعة رجوعها. # كانت لذيذة تلك الساعة الملائكية الجميلة، وكم تود لو تستعيدها! ولكن أبويها ~~النائمين إلى جهة الباب توقظهما أقل حركة. # وأخيرا جاءها النوم، وتيقظت في غدها مبكرة كعادتها، وذهبت للجمع وهي تسرع، تود لو ~~ترى إبراهيم فتقف تنظر إليه طول نهارها، ولكنها ما إن كانت بين أخواتها حتى راجعها ~~حياؤها القديم، وصارت تخالسه النظرات، فإذا وقعت عينها على عينه عرتها قشعريرة، وودت لو ~~ساخت في الأرض أو تاهت بين الأشجار. فلما كان المغرب ترك هو ما جمعت ليحمله آخر القطن. ~~ولكن المطايا لم تكف وبقي معها ينتظر أن ترجع إليهما مطية تحمله، فلما انفردا جلس إلى ~~جانب المروى وأجلسها إلى جنبه حتى إذا استوت قال: ~~- فاكره يا زينب لما كنا في الغيط اللي جار أبويا خليل ودختي انتي ساعة الغدا ورحت ~~أرش على وشك ميه؟ # فاحمر وجهها ساعة ذكرها أول أيام حبها، ورمت ببصرها إلى الأرض، وأمسكت بيدها عودا ~~تنكت به التراب أمامها. لكنه أخذ بيديه يديها كما فعل بالأمس ثم قال: من نهارها أنا ~~أحبك! # فتنهدت ولم تحر جوابا. # هيه.. من ذلك اليوم الذي أحبته، هو يشاركها في حبها وهي لا تعلم.. كم يأتي كل يوم ~~جديد بسعادة يهديها إياها! ولم لم يبح لها إبراهيم بحبه من ذلك اليوم، وتركها تعاني ما ~~عانته؟ فلما رآها ساكتة كأنها خجلة كرر من جديد: من نهارها أنا أحبك.. # فقالت هي من بعده: ومن نهارها أنا أحبك..! # فصرخ الفتى، وضمها إليه، وبقي كل منهما تاركا نفسه لصاحبه غارقين في لجة من السعادة ~~لا شاطئ لها. ثم جلسا حتى رجع الغلام والمطية، وسارا جنبا لجنب وتواعدا للملتقى بعد ~~العشاء. # وبعد العشاء انسحبت من بين أهلها بحجة أن لها في الخارج أمرا تريد قضاءه، وخرجت عن ~~البلد حتى إذا كانت في أول طريق الترعة وجدت إبراهيم ينتظرها. ولما رآها مقبلة مشى ~~نحوها، وأخذ يدها وقبلها، ثم رنا إليها بعين قانعة عذبة كأنما يريد أن يقول لها: ها أنت ~~ذي من جديد. # وبين ms076 المزارع الواسعة يترنح فوقها نور القمر في سماواته، سارا الهوينا يخاصر كل ~~منهما صاحبه، وينظران بعيون حيرى في لجج الفضاء، وقد طوقت ثغريهما ابتسامة راضية، وفاضت ~~عنهما السعادة لا يقدرانها، وشعرا بهناءة لم يقطعاها بحديث بل تركا أنفسهما تطير في ذلك ~~العالم الحلو سكرى بلذته، والكون حولهما ساكن إلا من أحلام الطبيعة يوحي بها الصرصار ~~والضفدع، والليل شيبه الغرام أرسل بذوائبه البيضاء على المسطوحات الهائلة، والبدر ~~صديقهما الحميم يسير معهما، أو حاسدا زينب يتبع خطاها ويتأثرها بنظرات الحانق سقط في ~~يده. ~~... أين أنت يا قمر السماء من جمال زينب ولم أعرك لفتة وهي إلى جانبي؟ إن في تلك ~~النظرات التي تبعث هي بها إليك لسحر الشباب الذي فقدته أنت من قرون القرون، وتلك ~~الابتسامة السعيدة التي تطوق ثغرها تهزأ بخطوط المشيب البادية على وجهك. ولكن أحلامه ~~قطعها قول زينب يا سلام! القمر حلو. ~~- إنت أحلى يا زينب. # وطوق خصرها بذراعه وقبلها في جبهتها، ثم في صدغها، ومن جديد نظر معها إلى ~~القمر. # ولكن تلك القبلات أثارت من نفسها شجونا فلم تتمالك أن رمت برأسها على كتف صاحبها ~~الذي أحس بعد برهة بشديد الخفقان الذي أصابها فاستدار برأسه إليها وقبل صدغها ثم ~~سألها: ما لك يا زينب؟ # وزينب تبكي ولا تجيب بكلمة. فأمسك بيدها وسألها من جديد فأجابته في بكائها: بعد شوية ~~أيام مش حانشوف بعض ... أجوز أنا وأروح دار جوزي، والساعة دي متنعادشي. # وتنهدت من قلب كليم، ثم استندت إلى المصلى وراءها، ومسحت دموعها، وبقيا هكذا صامتين ~~بقية الليلة. # وبعد أيام تقابلا، فأحست بالهناءة كلها، وسارت تجد في كل نظرة من نظرات إبراهيم أكبر ~~السعادة. # وبقيا بعد ذلك يسترقان الساعات فيتحدثان ويتعانقان، وقد أحست أنها ستفارقه عاجلا ~~وإلى الأبد تريد أن تفنى في شخصه قبل أن يغتصبها منه مغتصب. ~~••• # وأسرعت الأيام، وانتهى موسم جمع القطن، وارتفعت الأسعار، فباع خليل من عنده ما حصل به ~~المال. ثم أخذ أصحابه وانحدروا جميعا يريد أن يخطب زينب إلى أبيها زوجا لحسن. انحدروا ~~ثمانية ms077 والشمس قد تقلص ظلها، والسماء تلتحف رداء الليل، والنور يهجر الوجود إلى وجود ~~آخر بعيد، والأصوات تخرس ليحل محلها السكوت والصمت، وبلغوا الدار الحقيرة، والرجل كأنه ~~على موعد منهم، أو كأنه جاءه الوحي بخبرهم، فلم يكادوا يطرقون بابه حتى فرشت لهم امرأته ~~الحصير، وأعدت لهم القهوة، أو هي تلك العادة قد خالطت نفس هؤلاء الريفيين من إكرام كل ~~وافد والترحيب بكل من يحل ناديهم وإحسان لقياه يجعلهم دون تكلف ولا عناء يبالغون ما ~~استطاعوا في تحية من ينزل بهم. # وجلس الرجل من بينهم محتفيا بهم مظهرا مقدار سروره بتشريفهم ومؤانستهم وأنهم نوروا ~~داره، وظلوا يتهادون التحيات حتى دارت عليهم القهوة، وصاروا جميعاوكأن بينهم رابطة ود ~~وإخلاص. هنالك قال خليل: والله طالبين القرب منك يا بو محمد. ~~- يا تلتميت مرحبة يا بو حسن.. واحنا قد المقام. ~~- الله يحفظك. ~~- ويعني إحنا حدانا حد يستحق الجواز؟ ~~- والله بدنا زينب لحسن. ~~- إحنا والله ما نعز عليك حاجة يا خليل ... لكن انت عارف البنت صغيرة من ناحية، وهي ~~اللي بتقضيلنا الحاجة من ناحية ... كمان يا خويه سنتين والا ثلاثة لما تكبر هي وتكون ~~أختها بقيت لايجة للشغل. # هنالك انبرى من بين القوم رجل ذو وجاهة، عريض الصدر، عظيم الهيئة، هو شيخ البلد وقال: ~~حاكم انت يا بو محمد! ... صغيرة إيه يا خويه ... عمرنا بنجوز البنات وهم أصغر منها ... والله ~~إني جوزت ديك السنة بنت أبو سميه ده. أبو عامر لعلي أبو إبراهيم وهي أصغر خالص من ~~زينب.. يا راجل بلا كلام. # ثم تلاه آخر يظهر عليه أنه من الأعيان، وقال موجها الكلام لشيخ البلد: ومنتاش فاكر ~~يا مصطفى بنت مسعودة لما جوزناها؟ حقه والله كانت يا عيني قد.. قد إيه.. مافيش خالص، ~~شوية وكبرت وبقت عال.. لكن زينب باسم الله ما شاء الله كبيرة وحلوة ولوحدها تقوم بعيلة ~~(ثم وجه الكلام لأبي الفتاة) صغيرة إيه يا راجل ماتقولش الكلام ده. # وأخذ المأذون الكلام من بعده فقال: المسائل دي بتعاديل الله.. ما دام القسمة تدل ~~وربنا ms078 يريد العدل والله ما يبقى أحسن منها. حقه يا خوانا تفتكروش من خمستاشر سنة في ~~عزبة سعد الدين لما جوزنا خضره أم إبراهيم لحسنين مقلد. قعدوا أهلها يقولوا معرف إيه ~~ومدري إيه، وكانت يام رايحة تقوم ليلتها قتله، وكتبنا الكتاب والذي منه، وجابوا أولاد.. ~~ربنا يكتر بسم الله ما شاء الله أحسن من كده مايبقاش. # وتكلم من بعده آخر وخامس وسادس وأبو محمد قد علته سحابة الهم، وعاودت نفسه الإحساسات ~~المختلفة. لا يعرف ما هي ولا يقدر على فهمها، كلا، ولا يعلم سببا لذلك الذي داخله من ~~الأسى ... وعلاه صمت عميق بين محادثات هؤلاء المترافعين أمامه، فهو يسمعهم ولا يقدر ما ~~يقولون.. والليل جن أو كاد، والمصباح الذي يضيء لهم يلعب به الهواء الساكن الهادئ، ~~وزينب تسمعهم من أعلى السطح ويكاد يتوه رشدها ويضيع صوابها، وأمها إلى جانبها قلقة ~~تنتظر آخر هذا الحديث الذي طالما حادثت زوجها في أمره من قبل، وكانت قد عرفت أنه يود ~~تحقيقه. لكن الساعة التي يجد الإنسان نفسه فيها مقدما على اقتحام خطوة يفتح بها السبيل ~~لإتمام ما تمنى من زمان بعيد، لها من الرهبة والمهابة ما يبعث إلى النفس الهم والحيرة، ~~فإذا هو اقتحمها وأصبح في طريقه لم يعد يبالي إلا بأن يصل إلى غايته. # هي تلك الساعة بعثت إلى العائلة السعيدة في فقرها ما أرسل إلى نفوسهم جميعا ذلك ~~الصمت الذي علاهم، ولم يبق من متكلم من بينهم. وظلمة الليل تهبط فتزيد صمت الكون ويمسي ~~الوجود كله تائها في آماله ومخاوفه. # وزينب كاد يتيه رشدها؛ تفكر في إبراهيم الذي كانت معه من ساعة من الزمان، وفي الأيام ~~المقبلة ما عساه يكون أمرها فيها. هل في هاته الليلة يقضى على سعادتها، ويرجع إليها ~~الشقاء الدائم الذي كانت تتوقع من قبل؟ وهل هؤلاء الذين حضروا يريدون جميعا - وليس ~~منهم من يحس بجريمته - أن يقضوا على حظها في الوجود ويجعلوا بقية أيامها آلاما ~~وأحزانا؟ # وإبراهيم في بيته، عرف ما يدور الساعة في دار صاحبته، فأخذه الضيق، ms079 وركبه الهم، ~~واستولى عليه اليأس، وتولاه الأسى، وبقي محزونا مكمودا ينعي في نفسه نفسه. # وأبو الفتاة قد انتهى القوم بإقناعه وكاد يقبل، وابتدأوا بذلك يقدرون المهر، وانقسموا ~~بعضهم على بعض في التقدير، ثم تراضوا جميعا ولم يبق إلا كتب الكتاب، وأن يروح لذلك من ~~يجيء من زينب بتوكيل أبيها في عقد زواجها. # ها هو ذا الأب قد تصرف في يد ابنته برأيه وباعها مساومة، وبقي أن تجيز هي عمل شخص ~~أعطته الطبيعة من السلطان أنه أبوها، فهل تقدر الفتاة من بعد ذلك على رد ما عمل؟ هل ~~ترضى هي بفعلته هاته وقد عدتها من قبل باب نحسها وشقائها، وتعطيه عن طيب نفس ذلك ~~التوكيل الذي يطلب أو هي واقفة دون ذلك؟ # عرفت زينب أن سيطلب توكيلها، فكأنما سقطت عليها هموم السماوات، واستولت عليها ~~الأحزان من أعماق الأرضين، وأصبح ذلك السواد النازل من علو مصائب هابطة وأهوالا وشقاء، ~~أو كأنما يرسل النسيم إلى قلبها بسهام الويل والتعس، بدل أن يحيي منها أملا يقضي عليه ~~أبوها ووافقته في قضائه أمها. # لكن القوم لم يكتبوا الكتاب في ذلك اليوم بل اكتفوا بقراءة الفاتحة وأجلوا إتمام ~~العقد لشهر من الزمان. ~~••• # مضى شهر من الزمان كانت زينب فيه إما تسمع ما تكرره لها أمها من الكلام، أو هي بين ~~يدي إبراهيم تذرف الدمع، فيضمها إليه وقلبه ينفطر حزنا، ويقبل صدغها فيجد في تلك ~~القبلات ما يزيد في وجده وأساه. وكل يوم يمر يزيد ما بنفسيهما حتى لتفكر من جديد أن تهب ~~كل وجودها له لينجوا معا إلى حيث لا يعلم الناس: إلى مجاهل قاصية يقضيان فيها حياة ~~عاملة كحياتها اليوم، وتخلص بذلك من عذابها الأليم. ليأخذها إبراهيم حيث يشاء فهي لا ~~تريد غيره. # فإذا هي خلت إلى نفسها تقطعت نياط قلبها أسى، وداخلها اليأس، وتحدرت دموعها، ثم ~~تراها أمها فتلومها على ما هي فيه وتعمل لعزائها، ولكن أنى لها أن تتعزى؟ إنها لتود ~~أن تخرج هائمة على وجهها تتقاذفها الأكوان وتتناولها يد القدر، فإنها مهما ms080 تكن قاسية في ~~معاملة الفقير فهي ألين من يد أبويها وأحنى عليها منهما . وهل هي واجدة إلا شقاء بشقاء، ~~ونصبا بنصب؟! # ويضمها إبراهيم لصدره كلما جلست إليه، ثم يجاهد هو الآخر لعزائها فلا تجد في ذلك إلا ~~تشديدا لآلامها وإحلالا لليأس موضع كل رجاء من قلبها، وكادت تذهب بها أحزانها إلى ~~الجنون، وتخرجها من بين الناس إلى حيث لا يعلم بأمرها أحد.. بل لقد همت بذلك أكثر من ~~مرة فتنفرد في المزارع طول نهارها تنتقل من غيط إلى غيط وتجلس كلما أثقلها الهم، ثم ~~يثور كل وجودها فلا تستطيع إلا أن تهيم، فإذا أمسى الوقت وتطوحت الشمس داميا قرصها إلي ~~الغيابات النائية، والتهب الغرب بحمرة الشفق، لم تستطع إلا أن ترجع إلى تلك الدار التي ~~ضمتها كل أيامها ثم تريد أن تقذف بها عما قريب. # ترجع فتجد أهلها وعليهم أثر الرضا والسرور، فإذا انفردت بها أمها لم تن عن أن تعيب ~~عليها ذلك الذي تراها فيه من الوحشة وإظهار الأسى، وتحكي لها حكايات من زوجهن أبوهن ~~وهن لا يعلمن من أمر ذلك بشيء، وكيف أصبحن من بعد زواجهن سعيدات، وأن الأب ليس إلا ~~باحثا عن خير ولده موفقا بما عنده من المعرفة إلى ما يبغي! ~~••• # مضى شهر من الزمان، وجاء خليل وحسن والمأذون وأصحابهم. وجلسوا جميعا بين تحيات أبي ~~محمد وإكراماته. كذلك كان عند زينب وأمها جارات من أصحابهن جئن يشاركن العائلة في ~~سرورها. وهل بعد كل هاته الضجة القائمة يبقى لزينب من كلام؟ لذلك لم تجب بكلمة ما حين ~~جاء القوم يطلبون توكيلها أباها في عقد زواجها، بل بقيت صامتة لا تنطق بكلمة ولا تنبس ~~بحرف ... ثم كان أن أخذتها نفسها فلم تقدر أن تمنع دموعها التي سالت على خدها.. واستبطأ ~~الأب رسوله فنادى به واحد ممن حوله، ولما علموا أنها تبكي قال المأذون، وهو يهز رأسه ~~وعمامته الكبيرة: حيث إنها دموع باردة فهي دموع الفرح! # ثم بالصيغة التي يحفظها عن ظهر قلبه، والدعوات التي يتلوها في مثل موقفه، ms081 وضع يد ~~العروس في يد وكيل عرسه واستتلاهما من بعده الكلمات التي تزوج . # وفي مساء الغد انتقلت زينب من دار أبيها، وأصبحت فردا من أفراد عائلة زوجها حسن، بعد ~~أن ذرفت دمعات الوداع للدار التي قضت فيها أيام صباها وآمالها. # | الفصل الثاني # 1 # في العاصمة الكبيرة لمقدم الشتاء.. # الشمس ينتظرها النهار لتبدد بقية الظلام وتسمح للناس أن ينالوا من الدفء ما يزيل ~~رعشتهم، والطرق يتسابق فيها الذاهبون إلى عملهم، والمدينة تستيقظ كلها بعد الليل الطويل ~~قضاه الكثير من أحيائها تحت السواد، لا يخفف من وطأته نجم ولا مصباح، ولا يقطع من صمته ~~إلا صوت الخفير يزعق به الوقت بعد الوقت، فيتسلل وسط الأزقة لمن بعده ومن بعده، ويعلن ~~في هاته الظلمات الدامسة الأمن والسلام - في تلك الساعة التي تدخل الحياة فيها مع النور ~~إلى الوجود يستيقظ حامد من نومه الهادئ لا تشوبه أحلام ولا يعتاده إلا السكون. ثم بكل ~~تؤدة يرتدي لباسه ويخرج لعمله غير مفكر فيما سوى ذلك العمل يجد فيه سعيدا به، فإذا ~~جاء الليل قضى سمره مع إخوته يتحدثون في شتى المسائل تأتي تباعا ولا رابطة بينها، ~~يقولونها ويسمعونها من غير تكلف، ويضحكون مسرورين باجتماعهم سعيدين بحياتهم، ثم إذا راح ~~إلى مرقده جاءت إلى رأسه خيالات وأفكار شتى لا صلة تجمعها، وتخيل أمامه في ظلام الليل ~~وجوه معارف يتصور في بعضها من السماحة وفي الأخرى من الجد وفي غيرها من الجمال أو ~~المهابة أو ما تنم عنه من الإخلاص أو الذكاء. ثم بين هذا الجمع الكبير يذهب إلى نوم ~~هادئ هنيء يقضي فيه كل ليلة. وتأتي أحيانا بين هاته الأحلام التي تساوره فكرة الزواج.. ~~وما كان يدري لم وهو في سن لا يسمح لنفسه فيها أن تشتغل بمسألة ما أبعد أوان تحقيقها ~~بعد. لكنه لم يكن يجد وسيلة أخرى يرضي بها قلبه ويستحضر بها إلى رأسه خيالات الحب ~~والسعادة التي تلازم الشباب، كما أنه كان كذلك يصور في السواد الذي أمامه صورة صاحبته ~~التي يحب، ويضم هاته ms082 الصورة أحيانا إلى صدره. وما كان ليقدم على ذلك لولا أن قدر فيها ~~الزوجة المستقبلة. # لكن الأيام المملوءة بالعمل الجد، وأحلامه الطويلة للمستقبل، جعلت تقضي على هذه ~~الفكرة رويدا رويدا، وأصبح الوجود الذي كان يتخيله من قبل معطرا بالزهور وبسكرات ~~الحب وجودا هادئا ساكنا ألذ ما فيه العمل والفكر، وانهمك بكله في مطالعات مختلفة ~~بلغت منه وأخذت فؤاده. وصار للأشخاص والأفكار والأماكن التي يعيش بينها مكان من خياله ~~احتل مكان الصور القديمة الأولى، وقرأ فيما قرأ كتبا عن المرأة والزواج بعثت إلى نفسه ~~عقيدة جديدة تخالف وتضاد العقيدة الأولى، فأصبح يرى أيام الزوجية أياما ذابلة لا طعم ~~لها ولا لون، وأن حمقا من الناس أن يقدروا لها أية سعادة أو لذة. # وصار يقلب في رأسه لعله يجد زوجين ممن يعرف أعطتهما الصلة الرسمية من الهناءة ما كانا ~~يريدان من قبل، فلا يجد إلا ما يزيد اعتقاده قوة، ولا يرى في تلك الرابطة إلا قيدا من ~~قيود العادة يضع الناس أنفسهم فيه، لأنهم يرون غيرهم يسبقونهم إليه: آباءهم وأجدادهم ~~ومعاصريهم الأغنياء والفقراء والعلماء والجهال، ويتوارثون هاته العادة، وقد أعطاها طول ~~الزمن من القداسة ما يعطي كل قديم، وأصبح الناس من البله بحيث يظنونها حسنة من ~~الحسنات. # لهذا أصبح ذكر حامد لعزيزة ينقص من يوم ليوم، فإن جاءت إلى حلمه لم يجد إلى جانبها ما ~~يثير حواسه أو يعيد أمامه ساعة ماضية.. لم يجد إلا فضاء يتوه فيه، وحيرة تعتريه، فيداخل ~~نفسه شيء من الهم ولكنه يقنعها بالنسيان ويرضيها بلا شيء. وإن ذكر زينب ذكر معها تلك ~~الخلوات اللذيذة وسط الطبيعة العظيمة تحيطهما بشجرها وغدرانها، ويسعدهما الطير بنغماته ~~العاشقة كلها الغرام والصبابة تصل ما بينهما وتزيد معنى حياتهما. ~~••• # رجع حامد من عمله يوما، وترك ملابسه ولبس جلابية بيضاء وطاقية بيضاء كذلك، فتلك ~~عادته ما دام في الدار وبينما هو جالس يفكر ويشرب قهوة جاءه بها خادمه إذا جماعة من ~~إخوانه يدخلون وكلهم يضحكون مرة واحدة.. وفي نفس واحد قالوا معا: السلام عليكم. ms083 ~~- عليكم السلام.. خيرا.. جرى إيه.. يا ولد اعمل كمان قهوة. ~~- تعرف احنا تقابلنا احنا الأربعة بالمصادفة.. فقلنا والله لازم نشوف حامد نضايقه ~~شوية. يا أخي انت الأيام دي فيلسوف. تحب تفضل وحدك. لا تشوف حد ولا حد يشوفك.. على إيه ~~ده كله.. اسمع.. مدرتش.. أسعد أفندي حايجوز بكره.. تجي معانا الفرح؟ ~~- حايجوز بكره؟ ليه؟ مسكين! ~~- نعم.. اتفلسف يا سيدي.. ليه؟. والله يا بخته. # ولم تك إلا لحظة حتى دخل الولد بصينية القهوة عليها خمسة فناجين فأخذ كل من الأصحاب ~~فنجانا، وأخرج علي أفندي سيجارة من جيبه وأشعلها، فطلب الشيخ خليل أن يدخن هو الآخر، ~~فلم يكد علي أفندي يمد إليه يده بصندوق السجاير حتى اختطفه منه حسنين وقال: أعوذ بالله! ~~المشايخ دول طول عمرهم شحاتين.. يا شيخ خليل انت مالك ومال الدخان؟.. روح اتنشق! # فهاجت هذه الكلمة الشيخ الذي أخذ يدافع عن النشوق بكل قواه، وأطلق لبلاغته العنان، ~~فلم يترك تشبيها يصح أن يشبه به هذا المسحوق الأسود حتى جاء به، ولا مجازا ولا ~~استعارة ولا كناية حتى استعملها.. وليبرهن لهم بعمله على صدق قوله ضرب بيده في جيبه ~~وأخرج علبة صغيرة سوداء دق على غطائها بسبابته ثلاثا، ثم فتحها بتؤدة وسكينة، وأخذ ~~قليلا بين أصبعيه، ثم أمال رأسه قليلا، وبوسطى أصابعه أقفل إحدى طاقتي أنفه واستنشق ~~بالأخرى، فشد النشوق إلى خياشيمه. وبعد أن أعطى الطاقة الثانية حظها رد العلبة إلى ~~مكمنها، ثم استخرج منديلا أزرق أمسكه بين يديه وأعده ليستعمله عند الحاجة إليه. # ولقد كان حامد ساكتا تلك المدة ملقيا ببصره للأرض، فلما أحس بالسكينة ترجع إلى ~~القوم، لم يستطع إلا تكرار تلك الفكرة التي ملأت رأسه: إذن سيتزوج صديقنا أسعد غدا.. ~~مسكين.. # فقاطعه علي أفندي قائلا: وأي سبب يجعلك تعده مسكينا؟ # وتنحنح الشيخ خليل ثم قال: قال عليه الصلاة والسلام: «تناكحوا تناسلوا فإني مباه بكم ~~الأمم يوم القيامة».. # هنالك كأنما أطلق حامد من عقال. قال: لماذا يتزوج الناس؟ لأنهم يبتغون السعادة في ~~الزواج.. يجدون حياة الوحدة ثقيلة على ms084 نفوسهم، فيريدون أن يستبدلوا بها حياة أخرى، ~~ويظنون أن حياتهم الجديدة ستكون خيرا لهم . فإذا مضت الأيام الأولى حين يكونون تحت ~~تأثير الوهم، وتجلت حقيقة ما صنعوا ندموا ولات ساعة مندم. # لقد فتشت فلم أجد فيمن أعرف من نال من الزواج ما كان يحلم به من سعادة. وكل ما يعمل ~~الشريكان إهباط السعداء من ملكوت سعادتهم إلى شقاء لا محيص منه.. لو رأيت الأبناء وهم ~~يعانون أنواع الآلام من يوم يولدون أفلا ترحمهم وتنعي مولدهم؟! ثم هم ليسوا بعد ذلك أقل ~~شقاء.. يخبرنا آباؤنا والمسنون أن أيامنا خير الأيام، وأن الشباب ربيع الحياة. فإذا كنت ~~أنا في ربيع الحياة، وفي عيشي من المرارة ما أقاسي، فبالله كم أكون تعسا في أيامي ~~المقبلة؟ وإذا كان يأتي على الشباب ساعات يتمنى فيها الفناء أفلا تكون أيام الكبير ~~ولياليه مملوءة كلها بهاته الأمنية؟ أم هم يقولون لنا هذا لنعترف لهم بالشجاعة ونحمدهم ~~عليها؟ # قال حامد ذلك بنغمة محزونة تفيض أسى وألما. فكان أسرع الحاضرين إجابة حسنين. قال: ~~يظهر لي يا صديقي أننا نحن الذين أفسدنا على أنفسنا طعم العيش، وقلبنا كل السعادات التي ~~على الأرض شقاء وبؤسا، بل إني لأحسب أنك تستطيع أن تكون سعيدا من أول أيامك إلى ~~آخرها إذا كنت في قوم لهم من الإحساس ويدينون بعادات غير ما يدين به قومنا من التخلي عن ~~الوجود وإهمال كل شيء والنظر إلى ما حولنا بعين جامدة لا تتأثر، وبقلب بارد لا يأخذه ~~الجمال أيا كان إلى الهيام به. نعيش بعيدين عن كل شيء ونخشى كل شيء فننكمش عن اجتلاء ~~ما يحيط بنا وتبقى نفوسنا تتآكل أجزاؤها ويرسم ذلك على وجوهنا البائسة علامات الحزن ~~والشقاء. ثم نحن مع ذلك نرى فيما سوى هذا خروجا إلى دائرة الغي والضلال. # قد أكون معك في أن الزواج عندنا غير منتج سعادة نحلم بها. ولكن لكل على ما أعتقد أن ~~ينزع إلى غير ما يراه قومه متى ثبت عنده أنه على الحق. ولو كان الناس يبقون على ms085 سنة من ~~قبلهم، فهل ترى العالم يتقدم خطوة إلى الأمام؟ # على أن ذلك لا يمنعني أن أقول لك إني على غير رأيك، وأحسب صحيحا ما يعتقده الناس في ~~الزواج من أنه عماد السعادة، وأحسن ما أنتجت عقولنا لحفظ النوع في أضمن ما نرجو له من ~~الهناءة. # تصور تلك الحال التي تريد أن ترى الناس فيها! تصور أبناء ضعافا لا يعرفون آباءهم، ~~ونساء لا يجدن من يعولهن أيام ضعفهن المطلق وسط مدنيتنا الحاضرة الكثيرة الحاجات ~~والمطالب! تصور كذلك الرجل اللاهث راجعا من عمله يريد عزاء في كلمة صديق أو محب فلا ~~يجد إلا أمثاله المكدودين اللاغبين والنسوة في الجانب الآخر من الجمعية مشغولات بالعمل ~~لعيشهن ولعيش أبنائهن! وإني لأحسبك بعد ذلك قائلا معي أن لا سعادة للرجل من غير امرأة ~~تحبه وتكون إلى جانبه، ولا سعادة لها هي الأخرى إلا في جوار رجل يحبها ويصطفيها. # وإن ما وصلت إليه الإنسانية لا يسمح لها بشيء من ذلك التغير الذي تطلبون.. وموقفها ~~اليوم عمل قرون وقرون. عمل ملايين فائتة من السنين.. ولن تقدروا على إنكار ما لذلك ~~الماضي بصوابه وأغلاطه من الأثر كما لا تقدرون منه على شيء.. وكل ما في يدنا اليوم أن ~~نعمل لتغيير بعض عاداتنا فندخل للصلة بين الرجل والمرأة الهناء الذي ينقصها. # ذلك هو الصحيح وهو الممكن. وكم يجد الناس في العائلة من الهناءة لو عقلوا معناها! وكم ~~تقدم لهم يومئذ من السرور والسعادة مما لا يتصورونه اليوم.. ألأن هذا المعنى مفقود ~~عندنا تظن يا صديقي أن كل عائلة كعائلتنا ظاهرة التخاذل والبؤس.. # العيش عندنا شقاء ومرارة، ولكن ذلك لفساد تربيتنا.. هل تحسب الشاب الذي يشغل نفسه ~~بكبير الأمر وهو في السادسة عشرة من عمره إلا عجوزا في العشرين! فإذا ما جاءته زوجة ~~طفلة لا تعرف من الوجود إلا حيطان دارها، لم يكن بينهما عن الصلة إلا ما يقضي به الحديث ~~«تناكحوا تناسلوا». # العائلة العائلة! لو تحقق معناها للمسنا السعادة بأيدينا ورتعنا في سعة منها كل ~~أيامنا.. ولكن وا ms086 أسفا فأنى هي؟! # ليحب جماعة الشبان، وليعبدوا من يحبون، ولا يعطوا أنفسهم لتوافه يكبرون أمرها، ~~فالمستقبل الطويل ينتظرهم بأثقال من العمل لا يعرفون في شبابهم مبلغها.. وإنهم من بعد ~~ذلك لواجدون في تلك الأيام المملوءة بالمتاعب والأعمال ما يخففها عنهم وينسيهم ألمها ~~... # علي أفندي: سيتزوج أسعد أفندي غدا كما تزوج آلاف من قبله وكما ستتزوجان أنتما يوما ~~ما. صورا كما تشاءان الزوجة التي يريد كل منكما! اجعلاها مثال الكمال والجمال! اخلقا ~~منها أمامكما ملكا كريما! هي ستكون امرأة كالأخريات، وستكونان بعد زواجكما لا سعداء ~~ولا أشقياء ... ستكونان ككل الناس.. وإذا قصرتما بعض الشيء من أجنحة خيالات الشباب وعشتما ~~في عالم الواقع رأيتما صحة ما أقول ... عرفت في الزمن الماضي ابنة كانت خادمة في أحد ~~المطاعم في فرنسا.. وبعد شهور غبتها ورجعت لم أجد هذه الخادمة.. فلما سألت عنها قيل لي ~~إنها تزوجت بفتى كان خادما في قهوة.. وماذا كان سبب زواجهما؟ أنهما ضما ما وفر كل واحد ~~منهما، وتمكنا بذلك من فتح دكان كانا يشتغلان فيه مستقلين وبربح أكثر.. وفي أريافنا ~~يتزوج الناس كل يوم لا ليعيشوا سعداء ولكن لتكون مع الرجل امرأة تعينه في حياته وتشاطره ~~متاعبه، ويهون بذلك كل على صاحبه قسما من هذه المتاعب.. ومن الخطأ أن تعتقدا أن أهل ~~الطبقات الأخرى ينالون من الزواج أكثر من هذا.. وإذا شاءت المصادفة مرة أن أحدهم أحب ~~زوجته وأحبته وعاشا بذلك في النعم فهذا استثناء وقل أن يدوم.. # في تلك الساعة، وقد ابتدأ الليل يدخل من حيث كانت تدخل الشمس، والغرفة يهجرها الضوء ~~قليلا قليلا، والمآذن يكسوها الضباب قد ارتقى جوفها المؤذنون، ثم في لحظات ارتفع ~~صوتهم يقطع الصمت والسكون، رفع حامد حاجبيه وبنغمة محزونة هادئة قال: وهل أحلام الحب ~~أكثر تحقيقا من أحلام السعادة في الزواج؟ ~~••• # بعد ذلك الحديث ودع حامد أصدقاءه إلى الباب، ورجع مهموما مثقل الصدر مشتت الخاطر، ~~وجلس يحدق إلى لوحات في غرفته تمثل الأهرام وغيرها من الآثار العتيقة الخالدة تعاقبت ~~عليها الأجيال وهي جديدة ms087 أمام عين كل جيل جديد. # بقي محدقا إليها وإن اشتغلت أفكاره بعيدا عنها، ثم ألقى برأسه فأسنده على يده وراح ~~في نسيان طويل أخرجه منه أن نودي للطعام. # وجاءت ساعة نومه، فتمطى في مضجعه، وذهب خياله إلى أحلام لا حدود لها، وأقفل عينيه ~~يريد النوم، فلم يجد إلى النوم سبيلا، بل فتحهما واسعتين تحدقان وسط الظلمة الحالكة. ~~وطال به الوقت كذلك، فقام ففتح ستار النافذة، فأطل منها وسط حندس الليل الدامس إلى ~~سماء لا نجم فيها تزيد الليل دجنة، وألواح الزجاج الباردة لا تنم عن شيء مما وراءها، ~~فأسند إليها جبينه المحترق، ووقف يفكر ويستعيد أمام نظره ماضيه الطويل. # وسمع في ذلك السكون حركة الهواء تتزايد في الخارج، ثم سقط المطر تدفعه الريح فيسمع ~~على الزجاج صوته المنتظم يهدأ آونة حتى يكاد يكون همسا، ثم تسوقه ريح عاصفة فترتفع ~~نقراته المتوالية.. والظلام حالك دائما. # جعل يسمع كل تلك الحركات الدائرة في الخارج، قطعت عليه أحلامه لحظة، ثم عاوده هاجس من ~~أيام الزمن القديم والسعادة التي قضاها قبل يأسه يسبح منها في بحر لا شاطئ له، وتلك ~~الساعات التي نعم فيها بجوار زينب أو بخيال صاحبته.. ولو تحقق الخيال أفلا يكون أسعد في ~~لقياه بهاته الثانية منه بلقيا تلك العاملة الجميلة، وتكون خلواتهما كلها سرورا وهناء؟ ~~ألا إنهما ليكونان سعيدين كل السعادة.. ولكن هل لذلك من سبيل؟ # بقي هكذا يناجي نفسه أمام سواد الليل العظيم يشتمل في دجنته الكون النائم الهادئ، ~~والمطر متتابع لا ينقطع تتسلى به آذان ذلك الساهر في أحلامه، وحوله في الغرف المجاورة ~~كل مرتاح البال ذاهب في نومه. ثم بعد أن أفرغت السماء جعبتها تبين حامد من الزجاج ~~شعاعا ينساب في الظلمة الدامسة.. ثم تقشع السحاب بطيئا بطيئا، وأسفر عن القمر ~~مريضا ناحلا، ظهرت تحت نوره المحيطات القريبة والسطوح يلمع عليها ماء المطر. وعاود ~~السكون كل شيء فلم يعد يسمع صوتا ولا يميز حركة. وكأن ذلك أحدث وحشة في نفس حامد، ~~فانقلب إلى مرقده، وقضى بقية ليله ms088 بين أحلام لا تنتهى. # وأصبح وقد نسى ذلك كله، وراح إلى عمله على عادته ، ورجع منه في موعد رجوعه. وهكذا ~~تقلبت الأيام واحدا بعد واحد، والشتاء يتقلص يوما بعد يوم، وساعات النهار بدأت تأخذ ~~بحقها من الليل والجو المعتدل دائما يبعث إلى النفس النشاط والسرور، فحيث تكون ترى ~~وجوها ضاحكة قانعة وحركة كبيرة دائمة. والوجود يتقدم نحو الربيع، فبدأ يزول عنه ~~القطوب، والأشجار الكبيرة تقوم في بعض شوارع العاصمة الهائلة ارتفع فيها ماء الحياة! ~~وتستعد لكسائها الجميل الجديد، وحامد يعاوده الذكر للأيام القديمة أحيانا، ثم ينسى ذلك ~~كله، ولا يبقى له في نفسه من أثر. # ولما تزوجت زينب وبلغه ذلك دعا لها في نجواه بالتوفيق لما تحب وترضى، وأمل لها ~~سعادة تتعزى بها عن الأيام وطولها، عن تلك الحياة المتشابهة، حياة مصبحها كممساها تسيل ~~خرساء عليها أثر العفاء، وإن هي إلا أطلال أيام الشباب المملوءة بالقوة والجمال والحب ~~والخيال والأحلام اللذيذة والولوع بكل شيء والغرام بما يحيط بنا وما يدور حولنا ننتقل ~~منها إلى هدوء وسكون وما يسمونه رزانة وعقلا، ثم يخالط وجودنا في أعماقه شيء من الحزن ~~الساكن، ونستسلم للقضاء، وننظر بعيون «باهتة» إلى الزمان الذي يمر أمامنا نرتب ساعاته ~~حتى يهون علينا قطعها، ونبقى هكذا دائما حتى يأتي اليوم الذي لا تكون الحياة فيه إلا ~~غرفة انتظار ننتقل منها فوق طائر يحملنا على جناحه إلى غيب الفناء. # تذكر حامد تلك الفتاة ونظراتها، وتمنى لها السعادة والهناء. # وجاء الربيع، وضحك الكون، وطال النهار، وازين الشجر، والشمس قويت بعد ضعف الشتاء، ~~وأصبح يدخل إلى كل شيء سرور ينعشه ويجعله باسما بعد القترة التي كانت علته، والزهور ~~يفوح عطرها، ويرسل في الهواء موجات الطيب، ويبعث إلى الصدور تلك الرائحة الزكية التي لا ~~نقدر أمامها دون أن نذهب في سكرات السعادة فرحين بما يحيط بنا، ويلفنا من الحب بعذب ~~نسيمه كل ما تنبت الأرض أو يتحرك في الجو.. وجعل حامد يخرج إلى الضواحي حيث الطبيعة ~~نظمتها يد الإنسان فأعطتها رواء وبهجة حرمتها ms089 تلك الوحشة اللذيدة التي توجد في البكر من ~~الأشياء، فيسير إلى جانب النهر الكبير تنقلب موجاته هادئة ساكنة تتبع مع التيار ~~سابقاتها جئن جميعا من هناك، من الأبعاد القاصية النائية نسمع عنها، ثم ينسبن حتى يضعن ~~في المالح العظيم. وإلى جانبه على الشاطئ تمتد الحدائق وأرضها الخضراء وأشجارها ~~اليانعة. # قابل حامد مرة أحد أصدقائه، وبقيا يسيران يتمتعان بعطر هذه الجزيرة البديعة نظمتها يد ~~الظلم أيام الاستبداد، ثم تمتعنا بها نحن حفدة المظلومين. سارا يتحدثان وسحرهما الحديث ~~عن وقتهما. وبقيا كذلك حتى مالت الشمس نحو المغرب، فألهبت زجاج النوافذ المقابلة، ~~وتغطى النهر بلون وردي جميل. ومن الجهة الثانية تبين الشفق يطوق الأفق، والقرص الذهبي ~~وسط ذلك ينحدر مسرعا إلى مغيبه، ئم أضيئت من بعد ذلك الأنوار ترقص على سطح الماء جذلة ~~بهواء تلك الساعة حين تتمخض الطبيعة عن الليل وتهبط من بوادر الظلام لجة عظيمة تتوه ~~فيها المودات ويسري النسيم إلى الصدور وتنتعش به القلوب والنفوس والأرواح، وتحس بالسرور ~~والطرب يداخلها وترتسم على الثغور ابتسامة الرضا والنعيم. # هنالك رجعا على أعقابهما وهما أشد ما يكونان جذلا وقد وقر في نفس حامد أن في جمال ~~الطبيعة ما يسلي عن كل جمال، وإن أذكى الربيع في نفسه غرضها من الوجود مع محبوب تفنى ~~فيه ويفنى فيها. # 2 # كانت زينب في دار زوجها تقطع من عمر الزمان، تتجاذبها العوامل، وتلعب بنفسها ~~الوجدانات، ويتنازعها الإحساس والواجب. وهي تلتمس بتلك النفس البسيطة العاملة هدى في ~~طريق الحياة الجديدة تتخبط فيه على غير علم. والتمست غير سبيلها الأول فلم تجده أحسن من ~~سابقه ولا ألين ملمسا. # انتقلت من دار أبيها إلى دار زوجها، ووجدت نفسها وسط هاته العائلة التي تخالف الأولى ~~في طبقتها ووجودها ومعيشتها كل المخالفة، وألقيت عليها الأحمال التي كانت تحملها أم ~~حسن، وأصبحت بين عشية وضحاها ربة بيت طويل عريض هي القائمة بالأمر فيه تدبر وترى من ~~شأنه، وأختا زوجها تساعدانها كما كانتا تساعدان أمهما من قبل، وإن أصبحتا تريان في زينب ~~من تعتمدان ms090 عليها في كثير ومن تستطيعان إلى جانبها أن تتذوقا من الراحة ما لم يكن يسمح ~~لهما به من قبل. # وأحست بالوحشة لأول يوم حين وجدت نفسها غريبة بين متعارفين، عندهم من العقائد ~~العائلية القديمة والأوهام، ويحفظون من الحوادث والحكايات، ويذكرون جميعا أياما ~~يعدونها ذات أثر أو مبدأ تاريخ، ما يزيد في وجوه الشبه يينهم، ويربطهم معا برباط ~~العائلية. لذلك كان خادمهم أقرب إليهم من العروس الجديدة. فإذا جلسوا يتحادثون اضطرت هي ~~أن تلزم الصمت، وإن تكلمت فبأوجب الواجب، وإن رجعت إلى وحدتها راجعها من آلامها ما يزيد ~~حزنها. # وإذا خلا بها حسن وجعل يخاطبها فيما يخاطب به الشاب الفتاة أو الزوج زوجه وجدت ~~كلامهما ذابلا باهتا. وجدته كلاما مصنوعا يجيء به موقفهما، ولا توحي به القلوب أو ~~تدفع إليه الإحساسات الهائجة التي تريد أن تظهر ولا يمكن حبسها. ولكنها مضطرة أن تجيب ~~على القول بمثله، وترد على كل ما تسأل عنه بما حفظته من الناس. # غير أنها شعرت أن موقفا كهذا لا ينتج إلا الشقاء والبؤس، وأن الواجب أن تنسى الماضي ~~الذي قضته قبل زواجها، وتتعزى عنه بكل ما يحيط بها. يجب أن تحب زوجها وتدعوه بذلك ~~ليحبها ويعيشا في سعادة لا تقل عن سعادتها أيام كانت ترى إبراهيم وتجد فيه رسول الهناء، ~~وإلا فهي باقية بين أيدي الضيق غير بالغة في حياتها سوى الأسى والألم. ومهما بقي في ~~صدرها لإبراهيم من الحب فقد قدرت أن خير ما ينفعها أن تتناساه حتى يجيء يوم يصبح حبهما ~~صداقة لا يأخذها عليهما أحد. ~~••• # وانخرطت في أعمال العائلة الكبيرة وأخذت القسم الأكبر منها على عاتقها. فهي تقوم حين ~~تبدأ السماء يقظتها فتجهز بعض أمرها، ثم تخرج مع أوليات النور والنسيم البليل وبتلك ~~الخطى الهادئة المرتبة تقطع طريقها إلى «الموردة» فتملأ جرتها وترجع لمرة ثانية ~~وثالثة. ويكون ذلك شأنها ما دام الصيف يسعدها بغدرانه المترعة بالماء وسحره البديع ~~وشمسه المنعشة تحبو من مرقدها تطرد الظلام والفجر، فإذا ما انعكست آية الوجود وحكم ~~الشتاء وبرده ms091 القارس وليله الطويل وغاض الماء انقلب ترتيبها إلى آخر قد يكون أكثر من ~~الأول راحة وسعادة. # وانقضت شهور من أوائل أيام زواجها نجحت مدتها في تناسي حبها. فلما آن للربيع أن يتنفس ~~عن الصيف، وطال النهار، رجع الفلاح يقضي نهاره بين زروعه عاملا، ويذهب له بالغداء بعض ~~أهله - أمه أو أخته أو زوجه إن لم يكن قد جاء معه به في الصباح - وتجيء معه القيلولة ~~التي يرتاحون فيها تحت ظل وارف الشجر الكبير. وجعلت زينب على عاتقها أن تذهب كل نهار ~~بغداء حسن، وتجلس معه قليلا بعد أن يتناوله، ثم ترجع هي إلى الدار وهو إلى عمله. غير ~~أن النشوة التي داخلت كل الوجود ورفعت من نفس الكائنات والأشخاص ابتدأت تهيج من نفسها ~~السواكن، وتثير لواعج أشواقها. فلما تقدم الربيع وجاء شهر الحب والهيام والجنون: الشهر ~~الذي تلبس فيه كل الموجودات جدد ثيابها الزاهية، وتلمع الشمس على الورق الأخضر، وتبعث ~~من شعاعها إلى القلوب والنفوس والأفئدة ما يخرجها من الجمود والاستكانة التي كانت ~~تغمرها أيام الشتاء، وتقدم الطبيعة ما فيها وما عليها أمام الناظر مما يصبح معه محتاجا ~~إلى الحبيب حاجته إلى الحياة؛ في ذلك الفصل العاشق - لما جاء شهر مايو وزينب تقطع ~~طريقها بين الخضرة والزهو، ونبت القطن كله الحياة النضرة يفتح أوراقه الجديدة ويضم إليه ~~الهواء والنور والشمس والليل والنجوم - لم تستطع هي الأخرى أن تبقي على ذلك العهد ~~القديم، وأن يكون قلبها أصم دون أصوات تناديه طالما أعرض عنها فجاءت له من الربيع ~~بشفيع يرققه ويفتحه لقبولها. # ولكنها جاهدت وجاهدت بكل قواها ضد كل ما يهجس بنفسها، وأرادت أن تقنع من بين ~~الموجودات بحسن. بذلك الذي أعطاه الله إياها وأعطاها إياه، وأقامت حربا عوانا على ما ~~يمكن أن يثنيها عما تريد، وأملت فيها نصرا وفوزا. # وحسن في كل تلك المدة أملك لنفسه زماما يعيش معها كما يعيش كل الأزواج مع زوجاتهم، ~~ويحس لها في نفسه بالميل، وإن لم يخل من الأثرة وحب السلطان عليها مما جاءه بالوراثة ms092 ~~عن آبائه وأجداده، وبما أعطاه القانون والشرع من القيام عليها. وإن لم تكن النعومة ~~النسائية وتلك الفطرة الرقيقة التي جبل عليها الجنس الناعم وما يسيل في خلقهن من اللطف ~~مهما تكن تربيتهن لها عليه ما لها على الرجال جميعا من سلطان يستعبدهم أمامها.. وأكثر ~~من هذا فإن حياة الزوجية المتشابهة الفاقدة كل شهية، الناقصة من جميع نواحيها. جعلته ~~جامدا في كل ما بينهما. وتعاقب الأيام يزيد حياتهما تشابها، ويبعث إلى نفسه هدوءا ~~واستكانة، ويدخله إلى دائرة كل أمثاله من بني طائفته، يبيتون مسرورين ما داموا يجدون في ~~زوجاتهم الخادم المطيع لهم، والعامل الدائب في عائلاتهم، ويلقونها - كما يقولون - تحت ~~أرجلهم قائمة بشأن الدار والغيط معا. # وأمه قد وجدت في زينب محقق آمالها التي طالما طوت ونشرت أمام خليل، ومن رفعت عن ~~عاتقها أحمال أعمال ما كان أكثرها مضايقة لها في سنها المتقدمة. وزاد سرورها أن رأت في ~~زوج ابنها ما تريد من طيبة وطاعة، وانتقلت بأمانيها خطوة إلى الأمام، فصارت تقدر ~~لحفدتها وتنتظرهم، وتحلم بذلك اليوم حين تحمل ابن حسن على كتفها وتغني له حتى ينام، كم ~~تجد من السرور أن ترجع مع طفلها إلى الطفولة التي هجرت من زمان، وكم لتلك الكلمة التي ~~تقولها بملء قلبها - هوه - وتمدها وتكررها لتذهب بالصغير البريء إلى عالم الراحة ~~والسكون، كم لها عندها من القيمة وكم تأملها وتتمناها! # وخليل مسرور كل السرور، لأنه رتب حسابه بحيث لا يكون عليه دين مطلقا، ومن غير أن ~~يبيع شيئا من أرض داير البلد، ويعد في نفسه أن قد أتم عملا كبيرا سهل الله له فيه ~~أحسن السبيل. # 3 # جاء الربيع، وجاء معه بأحلام كثيرة تناوبت نفس زينب، وجعلتها شديدة الإحساس بوحدتها ~~في هذه الحياة الجديدة، حياة الزوجية المتشابهة. فكلما مرت تحت الأشجار اليانعة ~~بأوراقها الزاهية وزهورها الجميلة، وسمعت أغاريد الطير الفرح سمعت دائبا في قلبها ~~صوتا يناديها ويذكرها بماضي أيامها.. لكنها تحس بنفسها اليوم أسيرة خرجت من حريتها ~~الأولى، ولم يبق لها أن تتصرف في قلبها، ms093 ولا أن تصرفه عن زوجها. غير أن القلب أعظم من ~~أن تملكه، وهو حر بالرغم منا يعطي نفسه لمن يشاء، ثم يتركها لذلك الموهوب ولا يرجع ~~مهما ناديناه ومهما تضرعنا له. وأخيرا نرضى بعجزنا ونقنع بالحياة التي أراد لنا، ~~وتجيئنا مع هذا الرضا سعادة عظمى نمرح منها في جو عظيم. # وكادت زينب تصل إلى هذا الموقف أمام نفسها، وترجع باحثة عن إبراهيم الذي كان يبحث ~~عنها فتفر منه، ترجع إليه فترمي بنفسها بين ذراعيه، ويرجعان معا إلى السعادة التي ~~كانا فيها قبل زواجها. وما دمنا نصل من الحياة إلى السعادة فمن الجنون أن نبقى حيث نحن ~~خيفة اعتقاد قديم أو عادة عامة. إذ ما دامت السعادة أقصى ما يأمل الفرد في الحياة، وما ~~دام قد وصل إليها، وما دام هو الذي يتمتع ببقائها ويتألم إن حرم منها - وغيره ليس له ~~شيء من ذلك كله - فما أجدره بأن يحتفظ بكل ذرة من الهناءة يصل إليها برغم أنف أي ~~إنسان! # هذا ما يملي به العقل الأناني الأثر. لكننا أكثر الأحيان ترانا مضطرين إلى ألا نسمع ~~لقوله. وبالرغم منا يتسرب كلام الناس إلى نفوسنا فيفسد علينا سعادتنا ويقلبها شقاء، ~~ويضطرنا لترك أسبابها. # خشيت زينب ذلك، وجعلت تتقلب في نفسها إحساسات مضطربة تهزها.. هل تذهب لإبراهيم تحت ~~جناح الخفاء فتستسمحه عما سبق من هجرها إياه؟.. نعم نعم. يجب أن تفعل. لم يبق على ما ~~تحملت من الشقاء صبر.. لكن كيف يمكن أن تفكر في هذا وفيه من الغدر بزوجها ونكث ما تحمل ~~له من العهد وهي زوجة، وتلك الخطوة التي دخلت بها داره على هذا الاعتقاد وضعت في عنقها ~~من الواجبات ما إن حاولت التخلص منه حاولت القضاء على شرفها وعرضها. وما كانت لتقدم على ~~احتمال فظاعة ذلك الجرم وتميت من ضميرها كل حياة، وتقضي فيه على كل إحساس! ~~.. ألا ما أقسى أباها! سلك بها ذلك المسلك الخشن واضطرها لموقفها الحاضر تكاد تصعق ~~دونه!.. وهل لمكره كلمة أو عليه واجب أو حملت ذمته عهدا؟! ms094 فإذا كانت قد جاءت لحسن ~~كرها فهي بريئة من كل عهد، ولا بأس في خلوتها بإبراهيم تضم صدرها لصدره يقبلها وتقبله، ~~وتدخل إلى حياتها التعسة لحظات هناءة تسترقها خفية من الأيام التي ترقبها. وليت شعري ~~إذا كنا نقضي كل أيامنا تحت حكم الزمان القاهر وظلمه وحمقه، ونحسب لكل دقيقة أكبر ~~الحساب، ونؤنب نفوسنا ونقرعها لغير سبب، فهل للحياة مع ذلك من طعم؟ وهل تستحق أن ~~تعاش!؟ # في تلك الساعة التي تجتمع فيها بصاحبها القديم وتبثه كامن أشواقها وتحكي له عناءها ~~الطويل الذي قاست من يوم زواجها كم يكون تأثرهما؟ وهل يغيب صوابهما ويفقدان رشدهما ~~متعانقين ويضيعان معا في عالم كبير بين السعادة الحاضرة وذكرى ألم الهجران؟!.. ~~.. ولكن هاته العين الكبيرة التي ترقبهما من السماء أهي مباركة لهما في هنائهما أو ~~ساخطة إن خانا عقدة كانت فيها يد الله، غاضبة عليهما منتظرة بهما تلك الأيام القصيرة ~~على الأرض لتحاسبهما يوم تجزى كل نفس بما كسبت؟ هاته العين المحيطة بالوجود لا تخفى ~~عليها خافية، ولا تغفل عما في السماوات وما في الأرضين، أتراها ساهية عنهما، تاركة لهما ~~العنان يمرحان في حين صاحب زينب يجد ليطعم نفسه ويطعمها عاملا لسعادتهما معا؟ ~~.. ولكن هذا الإله العادل الرحيم يعلم شقاءها الذي احتل نفسها، ولم يبق لها من أثر ~~السعادة التي كانت ترجو في الزواج. هو العليم بماضي أحلامها وآمالها، فإذا كانت الأيام ~~قد خيبت ظنونها وقضت على تلك الخيالات التي كانت تملأ رأسها، فهل تلقى جزاء ~~ذلك؟! # وهكذا بقي قلبها الرقيق يتقلب مع إحساساتها المتخالفة؛ فطورا يبحث عن السعادة ~~يبتغيها في قلب آخر عزيز عنده محبب إليه يكن لزينب من الهوى مقدار ما تكن له، ويحوي ~~من نار الوجد ما يقيمه ويقعده، وتارة يدخل عالم الاعتقاد والتسليم حيث رسم القدر خطة ~~الحياة للناس إلى لا نهايات الزمان البعيدة - إلى ذلك الوقت الذي لا نكيفه حين يصبح كل ~~شيء كأول خلقه. وأخيرا رأت أن الحياة الكالحة التي تعيش اليوم غير ممكنة الاحتمال، ~~ورأت سوء ما عملت ms095 حين صمت أذنها دون كل نداء من إبراهيم. ومرت أيام وهذا الرأي يقوى في ~~نفسها حتى كان يوم السوق، وقد خرجت كعادتها مع أخت زوجها، ورأت إبراهيم هناك يشتري بعض ~~ما يلزمه، ففاتحته التحية، وسلمت عليه بيدها. فلما أعطاها يده ضغطتها حتى علته الدهشة ~~من هذا السلوك الذي لم يكن منتظرا ... لم تمد يدها تسلم عليه؟ ليست هذه عادتها معه ولا ~~هي عادتها مع أحد. ولم تضغط يده؟ # هنالك نظر لها يريد أن يسترحمها، فأجابته بنظرة نمت عن كل أحلامها وما دار في الأيام ~~الأخيرة في نفسها. # رجع إبراهيم معهما، وجعل يكلمهما طول الطريق بحديث معتاد مبتذل، ويحكي لهما أقاصيص لا ~~يعجز عن أن يدخل بينها ما يفهم به زينب مقدار شوقه لها والانفراد بها. وزينب تحدق إليه ~~أحيانا كأنها تريد أن تلتهمه بعيونها تارة، وتصعد الزفرات أخرى كأنما تتحسر على حاضر ~~حياتها وتجيبه بكلمات تنم عن عميق ألمها وشديد تعسها. # وأخت زوجها لا تفهم شيئا من كل ما يفهمانه. # وقطعوا القسم الأكبر من الطريق، ثم مروا بمزرعة من مزارع السيد محمود، هنالك قال ~~إبراهيم: وبكره نشتغل هنا.. # واستمر الثلاثة في طريقهم، وأخذوا بأهداب الحديث، والمتحابان يتذاكران خلسة ماضي ~~حياتهما، ويتمنيان خلسة كذلك وقتا آخر مثله. فلما اقتربوا من البلد افترقوا، واتخذ ~~إبراهيم طريقه لداره وهو أسعد ما يكون يهنئ نفسه برجوع زينب إليه، وينتظر أن يراها غدا ~~عند هاته المزرعة التي سيشتغل فيها، وتكون وحدها، ويبثها شوقه، ويرجع لها وترجع له ~~بالرغم من حسن الذي خان صداقته. # أما هي فرجعت إلى الدار حيرى تنظر لكل ما حولها ولا تدري أي لون يتخذ أمام عينها. أهو ~~ذلك اللون الضاحك البديع الذي عرفت أيام أحلامها الأولى حين كان الوجود يعشقها وكانت ~~تعشق الوجود؟ أم أنه اللون الكالح الذي أقذى عيونها أيام آلامها؟ ولم يحل لها من بعد ~~أن تبقى مع أهلها تحدثهم عما رأت في السوق وما عملت، بل فضلت أن تنفرد في غرفتها علها ~~تجد في الوحدة ملجأ من حيرتها. ms096 لكن الوحدة في أغلب الأحيان تزيدنا حيرة وتبعث إلى ~~نفوسنا قلقا ووجلا. لذلك لم يكد يجيء العصر حتى نزلت تفتش عن جرتها لتتخذها حجة تخرج ~~بها لتذهب فتفتش عن إبراهيم حيث يكون، ولتستعيد معه سعادة حرمتها من قبل على نفسها، ثم ~~أذكى الربيع نارها في صدرها ودفعها إلى طلبها من جديد. ~~.. نعم، تجده وتعطيه نفسها، وتذوق وإياه تلك اللذة التي ذاقت من قبل. ولذة الهوى ~~والاستسلام للمحب ما أحلاها! ~~.. نعم، زينب ما أحلاها لخلي لا زوج له. لمن يملك بيده كل نفسه يعطيها لمن يشاء. ولا ~~جنة تحوي اللذة التي يحويها الحب والاستسلام للمحب. ولكنها خيانة وغدر من زوجة يثق بها ~~زوجها. # نزلت وهذه الأفكار تردد نفسها في صدرها. ومرت بالجامع يعمره مصلو العصر، ثم بوسط ~~البلد، ثم اختطت بعد ذلك سكة الترعة قد ابتدأ يعمرها النساء كما زادها حركة الراجعون من ~~السوق فرادى وجماعات من بلدها ومن البلاد المجاورة، وهم ما بين شاب من شبان الفلاحين ~~فارغ اليد، وآخر محمل حماره من عزاله ولوازم غيطه، وثالث من تجار السوق وقد وضع خرجه ~~فوق بغله وأمسك عمود الخيمة بيده واعتلى الدابة وحملها.. وقلائل من النساء اضطرهن كساد ~~سلعهن للبقاء طويلا حتى يبعنها، وملأت زينب أدوارها والوقت لا يزال نيرا، ثم رجعت إلى ~~الدار ولم تتم شيئا مما دار بأحلامها، وبدأت ترتب للعشاء وتنتظر مجيء خليل من الجامع، ~~وحسن من الغيط حيث كان ينكش مع «التملي». # أما خليل فلم يبطئ في رجوعه إذ ما لبث الإمام أن سلم حتى قام إلى باب الجامع وارتكن ~~قليلا ليرتاح ثم خرج ولا يزال الضوء بين الأثر، والأشجار تلعب الريح بأوراقها لم يجلل ~~رأسها السواد بعد، والآفاق البعيدة كأنما تموج بسكان الأرض، والسماء قد تدثرت بغطاء ~~الليل النازل وإن لم تخف عن النظر في تلك البقية من رسم النهار اختط العجوز طريقه جادا ~~في التسبيح حتى لقي صاحبا من أمثاله عجنوا الدهر وخبزوه، والآخر آت من الغيط يريد أن ~~يقضي ركعات المغرب في المسجد قبل ms097 عشائه. لم يستطع الرفيقان إطالة الكلام في أمر الدودة ~~وما يسمعانه من ظهور آثارها في بلاد المركز، والاستعاذة بالله من شرها وأذاها، لذلك كان ~~خليل في داره قبل عادته، وحسن قد وجد ساعة غطست الشمس، أنه لم يبق أمامه إلا ستة خطوط ~~فلم يرض أن يتركها ليرجع مرة أخرى في الغد، وبالرغم من ضجر «التملي» معه لم يستطع هذا ~~الأخير أن يترك صاحبه وحده، فاضطر للجد معه حتى انتهيا منها وآية الليل تكاد تكون محت ~~كل أثر للنهار. فلما فرغا أدلجا ما بين المزارع السوداء التي تنتظر القمر المختبئ وراء ~~الستار لم يجيء دوره بعد، وقد سبقته النجوم واحدا بعد الآخر يأخذ كل مكانه، وهما ~~يتحدثان بصوت خافت وقد ذكراهما الآخران ما سمعا عن أخبار الدودة، وجعلا يأسفان على من ~~أصابتهم بشرها. فقال حسن: ومتى انتشرت لا تنفع فيها نقاوة ولا شيء أبدا. كل يوم يزيد ~~عن يوم. إياك يا شيخ ربنا يبعث يومين حر يهلكوها ويريحوا الناس من أذيتها. # وبعبارات تشف عن الألم لما يصيب الناس من هاته الآفة اللعينة جعل يذكر مع صاحبه ~~أضرارها ورذائلها. وقطعا الطريق الطويل في هذا الكلام وأمثاله، والليل قد انتشر على ~~الأرض، والسكة ساكتة لا حركة عليها تأخذ راحتها بعد ما حملت ساعة المغرب من الراجعين ~~لدورهم أناسا ودواب وأشياء يحملها هؤلاء وأولئك، والهواء الجميل ينعش صدريهما ويتمتعان ~~بلذته ورقته. فلما وصلا كانا أقرب للعشاء منهما إلى المغرب، وخليل جالس ينتظرهما تائها ~~في أفكاره، قد غاب عن الوقت المسرع في مسيره. فسلما عليه وقصا عليه سبب تأخرهما، ونادوا ~~بالطعام فجيء لهم به، فأكلوا جميعا طعامهم البسيط، ثم أخذوا من بعده بعض ما اشترته ~~زينب من السوق من الفاكهة، فلما فرغوا منه سأل حسن زوجه عما قضت فيه نهارها، فسكتت ~~مبهوتة لهذا السؤال على غير العادة ثم أجابت: أهو زي كل سوق..! # حقا ذلك شيء يستدعي الدهشة والاستغراب! أي جديد يمكن أن يعلم هو بحصوله حتى يسألها ~~اليوم عما لم يسألها عنه من قبل؟ ms098 وهل تغير على الأرض من أمر أو حدث من حادث؟ أو أنه ~~يعلم خافية الأنفس واطلع على الغيب فعرف ما دار بينها وبين إبراهم؟ وماذا دار بينهما؟ ~~إن هو إلا بعض معروف القول مما تخاطب به أي إنسان تقابله! وهل حسن يعلم ما في نفسها؟ ~~وإن كان يعلم فلم غدر بإبراهيم في طلب يدها والسعي لزواجها؟ هل تلك عهود الإخوان وما ~~يجمل أن يكون بينهم من الرابطة؟ أما كان الأجمل به أن يسعى جهده في ضمها لإبراهيم حتى ~~تذوق شيئا من السعادة إن كان في الحياة سعادة! # ذلك السؤال لم يقصد حسن به شيئا إلا استفهاما عاديا لا يهمه بم أجيب عليه، حل من ~~نفس زوجه مكانا وأعطته من الأهمية ما لم يقصد هو أقلها. لذلك لم يعبأ بتلك الدهشة التي ~~أجابت بها، وكل ما ظنه أنها متهيجة الأعصاب لبعض أمر المنزل، أو لتأخره في رجوعه، أو ~~سوى ذلك مما لا يقلقه ولا يستدعي منه التفاتا، وجعل يتكلم في أشياء أخرى، ثم يرتب مع ~~تمليهم ما سيعملانه في الغد بعد أن انتهيا من سقية القطن ونكش الجانب الذي لم يشرب ~~منه. # غريب أمر هذا الوجود المملوء بالأسرار والخفايا لا نطلع منه على قليل، ولا نعرف من ~~مكنونه يسيرا، ومع ذلك نحسب أنا نلم بكل ما يدور فيه، ونعتقد أن قد أوتينا من العلم ~~حتى نرى ما يجول بالخواطر ويجيش بالصدور. وبرغم إقرارنا كل يوم بعجزنا أمام خفاياه فلا ~~يمنعنا ذلك من تقدير ظهورها واضحة أمامنا، فنبني على هذا الظن النتائج ونرتب الأعمال ~~ونشكل المستقبل بما يهدينا له حدسنا، فإن أخطأ ما حسبنا قلنا من جديد إن الغيب لا يدلنا ~~عليه، وإن أسعدتنا المصادفة وأصبنا كما تفعل كثيرا مع حسني البخت قلنا هذا عليم بذات ~~الصدور.. ذلك شأن زينب.. حسبت في سكوت حسن بعد جوابها المقتضب وتحويله الكلام إلى شيء ~~آخر دليلا على علمه بكل شيء واطلاعه على ما جل ودق من أجزاء نفسها، وأنه لم يبق إلا ~~مداراته والسلوك معه ms099 سلوك السائر في قفر خطر يعمل لكل خطوة تقديرا أن تقع به في مهلكة. ~~وتحول ظنها يقينا في قليل من الزمان، وآمنت أن كل ما تراه حق، وأن غير ما رسمت لنفسها ~~من السبيل مؤد لا محالة إلى ما لا تحمد ولا تحب. # وأمسى الليل وجاءت ساعة النوم، واختلى بها حسن في غرفتهما، فجعل يحادثها ويضاحكها، ~~فلا ترد عليه إلا بكلمات معدودة. وفاتت مدة على هذا والمصباح في الركن يضيء المكان بنور ~~قليل تتميز فيه الأشياء والأشخاص، وتترك وراءها خيالات متعددة، وفي الركن الثاني ~~السحارة محملة بهدومها تجعل ركنها دائم الظلمة إن بالليل أو في النهار، فلما فرغ صبره ~~من سكونها وما عليها من علامات الجد. قال: انت يا بت مبوزه كده ليه؟ # وارتمى عليها بكله، وجرها نحوه، ووضع رأسها على ركبته، ومال يقبلها! وجعل يدللها ~~ويلاطفها، ثم أجلسها إلى جانبه، وضمها إليه، وهي في كل ذلك مستسلمة أعطته زمامها مطيعة ~~كل حركاته لا تعارضه في كل شيء ولا تتمنع عليه، فإن هو تركها لنفسها رجعت لذلك السكون ~~الذي كانت فيه، وبقيت في ذلك التبلد الذي ينتابنا حين نفقد الثقة بذي سلطان علينا. ~~فانقلب حاله هو الآخر مرة واحدة وعلاه دهش واستغراب مما قد أصابها. # مرت الأيام مسرعة بعد ذلك وكلها تحمل لزينب في طياتها آلاما ومخاوف شتى، وهي لا ~~تنتظر في الغد إلا وجها كاشرا عبوسا، زوجها خارج إلى عمله من غير تحية يلقي بها ~~إليها، وأخواته يسرن معها فتحس كأنهن يردن استراق قلبها وما يدب في صدرها، وأمه تكلفها ~~بشيء فتظن أنها إنما فعلت ذلك لإرهاقها، وخليل الرجل الطيب يرجع من الجامع ينادي لطعامه ~~ثم يعاود النداء إن أبطأ فتحسب في ذلك إيلاما لها وتنغيصا لعيشتها. وهكذا صارت ترى في ~~كل موجود أنه عدوها الدائب للانتقام منها. # والأيام غريبة الشأن تضيف للمصاب آلاما على آلامه، ولا تدع له يوما من غير أن تزيد ~~في اعتقاده بنحس طالعه. # نسيت زينب من جراء أساها ما كان يعاودها من حب مقابلة ms100 إبراهيم، ولم يبق لها إلا أن ~~تفكر في ذلك البلاء المحيط بها وترمي به السماء على رأسها من الويل، وجعلها ذلك أشد ~~حيرة في أمرها، وداخلها من الحزن العميق ما رسم على جبينها سيما اليأس، وصارت تذهب في ~~أحلام سوداء الساعات الطوال، لا تحس بما يحيط بها، ولا تنتبه إلى شيء من أمرها. فلما ~~كان في بعض الأيام وقد استيقظت مع الفجر لترى أمر بيتها، وأخذت جرتها إلى الموردة وظلمة ~~السماء لم «تبهت» إلا قليلا، وتسللت إلى طريقها وحيدة لم تمس السكة قبلها قدم، وسارت ~~بين المزارع لا تزال نائمة نحت غطاء من الطل والسواد الذي يغادرها رويدا رويدا كلما ~~تقدمت هي إلى غايتها، ووصلت إلى الترعة المترعة بالماء أيام البطالة يتقلب بعضه فوق ~~بعض، ويحرك منه النسيم موجات صغيرة أحيانا، والشجر الكبير قائم على بريها تنسرق ~~الظلمة من بين أوراقه لتترك مكانها النور الوليد، هنالك غسلت الآنية التي معها، ثم ~~ملأتها وأوقفتها على الشط، وارتكنت على الشجرة تنتظر أول قادم لتسأله أن يعين عليها. ~~ولم تمكث طويلا حتى مر سار أهدى تحيته وهو مسرع، ثم آخر عليه علامات الاستعجال نادى ~~هو الآخر صباح الخير، وثالث عدى القنطرة وعليه «بشته» لم يقل شيئا. ولكن أين هي تلك ~~المدة لتنادي بواحد منهم؟ أو هي غلبها النعاس فلم توقظها تحيات السارحين؟ أم كسلانة ~~تريد أن تبقى مكانها حتى حين؟ لا هذا ولا ذاك، ولكنها سارحة في لجة بعيدة القرار، ~~راحلة عن هذا الكون إلى كون ثان تلتمس فيه ماضيها القريب مجسما ومضافا إليه ما تحمل ~~روحها الساذجة من الويلات والأهوال. # صلى حسن الفجر وخرج قاصدا عمله، فمر بها وهي في ذلك الذهول، فسألها ماذا تنتظر؟ ثم ~~أعانها بعد أن علم أنها غير منتظرة شيئا، ورجعت إلى الدار والأشياء قد بدأت تتميز، ~~والسكة يعمرها السارحون والرائحات للملية. والنهار يطارد الليل العنيد لا يفيده عناده ~~تلك الساعة شيئا فيطرده ويأخذ مكانه رويدا رويدا: ثم رجعت لدورها الثاني وقد «بهت» ~~الشرق مبشرا بإلاهة النار والنور ms101 باعثا على مجاورات الأفق قبلة الصباح. وكلما تقدمت ~~هي في خطواتها استضاءت السماء، ثم بزغ القرص في لونه الأرجواني الذي ودع به البسيطة في ~~أمسه الدابر متهاديا يتسلق العرش العظيم ويرسل على المزارع الهائلة التي تحيط به من كل ~~صوب جلبابا جديدا يظهر فيه بهاؤها ورونقها، فغيطان القطن تزهو بخضرتها وزهرها الذي ~~ينضد بساطها السندسي الهائل، وأراضي الغلة في لونها الذهبي البديع اللامع تجعل في ~~الفضاء دفقات النور تزداد سطوعا كلما ارتقت الشمس في دارتها، والحصيد بشقوقه الواسعة ~~مبهوت أن يرى نفسه أجرد بعد أن كان بالأمس موطن النبات الجميل، وانتظم على الطريق سلك ~~طويل من الأشباح السوداء تعلوها مخروطات الفخار وهن جميعا يسرعن وعليهن سيما الهدوء ~~والسكينة وجسومهن المصقولة تنساب في جو الصبح الهادئ الذي يموج فيه النسيم، فيبعث إلى ~~رؤوسهن النائمة عالما كبيرا من خيالات لا تنتهي. فإذا وصلن إلى الموردة غسلن جراتهن ~~فملأنها ثم نزلن بعد ذلك ليغسلن أرجلهن، فيكشفن عن سيقان قوية بديعة يخالط لونها الأسمر ~~شيء من التورد وهي ملساء ناعمة.. وهن في حركاتهن وحديثهن ومذاكراتهن أخبار الليل والأمس ~~أقرب إلى الكسالى الراتعات في سعة سعادتهن، منهن العاملات الفقيرات. وهل على تلك الأرض ~~الغنية الكريمة، أرض مصر، من فقيرة يؤلمها فقرها؟ # وهكذا كانت زينب كل صباح تستعيد أمام ذاكرتها كل الحوادث التي انتابتها أخيرا فتتألم ~~ويزيدها كل ما حولها ألما. # ثم بدت علامات ذلك كله عليها، ونم وجهها عما يداخل نفسها، وأصبحت تلك الزهرة التي ~~كانت تجلوها تذبل قليلا قليلا، وثغرها الباسم يخبر بابتسامته عن الاستهزاء بالحياة، ~~وتنظر من تحت جفونها الناعسة نظرة المفجوع إلى الناس والأشياء، وجبينها ذاهل مستغرق في ~~أحلامه. # فلما رأى حسن ذلك منها عرته الحيرة واشتد به الألم. # زوجان يقطعان معا طريق الحياة المخوف، أحدهما تتقاذفه الأنواء وتلعب به الريح ~~ويعاوده اليأس والأمل، والآخر متعلق به محس معه مشرد البال والخاطر لكل ما ~~يصيبه. # هل في طوق ذلك العامل الذي ظل سعيدا مع زينب من يوم زواجه أن يأخذها معه في ms102 دار ~~السعادة، ويقضيا أياما لذيذة ممتعين مما في العيش من مسرات؟ هل يستطيع أن يروح معها ~~إلى حيث لا نشعر بمر الأيام ولا ننظر للوقت إلا مبهوتين لسرعة مسيره ونغيب بروحنا ~~وبجسمنا عن العالم وضجته وجلبته؟ # كلا، إنه لا يقدر! هي التي نقلته معها مما كان يتخيل نفسه فيه من السرور إلى حزن ~~مستسلم لا يعرف قراره، وجاءت به معها في عالم المخاوف والآلام ... # كان بالأمس يوم السوق مرة أخرى: يوم فرح، كل ينادي فيه بملء صوته ويتغنى في ندائه، ~~وآخرون يسيرون وعليهم علامات الرضا أن أحسوا في جيوبهم ببعض القروش، والسماء ترد النور ~~فتملأ به الجو يرن بضجة هؤلاء الناس، والشمس تبعث بأشعتها على الشجر وتسطع على الأرض ~~الحارة التي يمشي فوقها الفلاحون بأقدام ثابتة لا تعرف كيف تتململ. # وكان هناك إبراهيم. ورأته زينب. فلما رجعت عاودتها حيرة. ماذا تعمل؟ هل بقي للعهد ~~الذي بينها وبين حسن من قيمة بعد الذي قدموه لها؟ ثم إن كان زوجها يظن بها السوء لشيء ~~ولغير شيء فأي تغيير على الأرض أو في السماء يحصل إن هي ألقت بنفسها بين يدي إبراهيم ~~فخففت همها؟!.. هي إنما امتنعت من قبل لإرضاء حسن، فإذا كان هو لا يرضى بشكل ما، فما ~~الذي يمنعها من استعادة الماضي اللذيذ القديم؟ ~~... واليوم ساعة المساء رجع حسن بعد المغرب من عمله وتناول عشاءه، ثم خرج مرة أخرى وعاد ~~فإذا هي في الغرفة جالسة وحدها تنظر من المنور إلى السماء ترقب فيها النجوم لا قمر ~~بينها، وعيونها تائهة لا تحقق شيئا مما أمامها، وظلمة الغرفة يخفف منها قليلا المصباح ~~قد وضعته بعيدا عنها، ولم تبق من نوره، إلا أثرا، فجلس هو إلى جانبها وأمسك يدها بين ~~يديه.. ثم سألها: ~~- إنتي مالك يا زينب؟ # سألها سؤال صديق يتألم لما فيه صديقه من الأسى، وكلماته الملجلجة قد خرجت من أعماق ~~قلبه تدل على مبلغ تأثره. # أما هي فبقيت لا تتحرك، وكأنها لم تحس بدخوله. بقيت تبعث بنظرة حيرى إلى الليل أمامها ~~وإلى ms103 النجوم اللامعة البعيدة، وتقدر للغد الذي سترى فيه إبراهيم. ~~- انت مالك يا زينب؟.. بس قولي لي يا أختي مالك.. أمي كلمتك.. حد زعلك.. عشان إيه ~~امال مضايقه ومحمله روحك هم الدنيا والآخرة.. إنت عايزة حاجة.. والا تكوني زعلانه مني ~~أنا، إن كان كده يبقى الحق عليه ميت نوبة ... يا زينب! بقول إنت مش زي النسوان.. بدنا ~~نرجع نزعل من مفيش.. مش عيب.. إن كان حد كلمك.. أمي، أخواتي.. أنا.. أي حد، يبقى الحق ~~عليه ومعلهش.. # ثم أخذ يدها وقبلها مرتين، واستمر يحدثها مسترضيا وكله عطف واسترحام، وفي لهجته تلك ~~الرقة التي تأخذ بنفوسنا وتخضع أمامها القلوب القاسية، وهو يظهر ما يكنه لها في نفسه من ~~الميل لها والثقة بها. # إنه من يوم تزوجها سعيد راض يعتقد أنه حاز الدرة الغالية من بنات البلد، وضم إليه ~~الجمال والرزانة والجد والأمانة.. وما كانت إلا لتزيده اغتباطا بحسن حظه، فماذا جد حتى ~~يكدر عليه صفوه ويقلق باله؟ # ليت شعري أي حادث على الزمان يكون ذلك الذي غير نفس زينب وقلبها! ألم يعاهد هو نفسه ~~من يوم بنى بها أن يكون لها محبا وبها واثقا؟ أولم يحفظ ذلك العهد كأوفى ما تحفظ ~~العهود؟ ثم ألم يكن بينهما ذلك الاحترام المتبادل بين شخصين يحترم كل منهما ذاته؟ فما ~~أصل غضبها.. # فجلس إلى جانبها وأمسك يدها بين يديه.. ثم سألها: أنت مالك يا ~~زينب؟ # وزينب قد ترقرقت في عينيها دمعة تريد أن تنحدر فتمنعها إباء وعزة، وقلبها داخله حزن ~~قاس، ذلك الحزن الذي يعاودنا حين نحس في لحظة واحدة بآلام شتى وبالأسف على جريمة وقعنا ~~فيها ولا نقدر على التكفير عنها.. وزاد في صدرها على حزنه القديم أسى جديد جاء به ~~اعتراف قلبها بما قارفت أمام زوج هذا مبلغ حبه لها وثقته بها. إنه كان حسن النية في كل ~~هذه الأيام الماضية، وهي وحدها الأثيمة الجانية!! # إنها وحدها التي جعلت تنتحل مبررات لما تريد الإقدام عليه، وهذا الزوج البريء الطيب ~~لا يعلم من ذلك شيئا ولا ms104 يظن وجوده، فلم يبق عليها مع هذا إلا أن ترتمي على قدميه ~~طالبة المغفرة، مقرة له بذنبها، معترفة أمامه بكل شيء. # يا الله! ما أرقه وأحناه من إنسان! كم في عبارته ما يشف عن بياض قلبه وصفاء باطنه!.. ~~هو الرجل القادر، بيده كل أمرها، ويملك عليها كل شيء، ويقدر بكلمة منه أن يوقعها في ~~شقاء كبير. ومع ذلك هو يستسمحها ويقر لها عليه إن كان ثمة شيء منه أو من غيره: يقر به ~~عن غير جدال ولا أخذ ولا رد.. أليس من الخيانة والغدر أن تصرف زينب قلبها عنه؟ أليس ~~عارا كبيرا عليها أن تفكر في حب غيره؟.. ألا إنه لكاف أن يمحو كل زلة، ولمستوجب للصفح ~~عن كل هفوة ذلك الذي عمل في موقفه هذا! فإذا لم تك هناك زلة ولا هفوة وكان كل ما في ~~الأمر سوء فهم منها جرها إليه خطؤها وما في نفسها من الشرود أفلا يكون واجبها أن تنصرف ~~لحبه والخضوع له؟ أم تكون من القسوة بحيث لا تسمع لكلماته؟ # وبمثل هذه الأفكار ذهبت زينب إلى مرقدها بعد أن أطفأت النور، ولم يبق في الغرفة إلا ~~السواد الحالك. وكلما تمثلت في نفسها ذلك الصوت الدائب أحست بحسن يتقلب قلقا كأنه غير ~~مستريح البال هو الآخر، فعاودتها الهواجس ونخسها ضميرها. فلما لم تر للنوم من سبيل ~~عليها فتحت باب الغرفة خارجة، فسألها زوجها إلى أين تذهبين؟ وعلم أن حر المكان لا تطيق ~~النوم معه، وهكذا قضت ليلها تحت السماء تفتح عيونها للنجوم المشردة لا تدري مقرها وسط ~~تلك الظلمة، ثم تقفلهما فتتخيل أمامها عالما كبيرا مرسومة فيه صفحات الماضي تتوه ~~بينها. # 4 # جاء حامد مع إخوته إلى القرية لقضاء إجازة الصيف بعد أن أمضى سنته بين أعماله وأحلامه ~~محاطا دائما بالحيطان القريبة. وكان يخرج أيام الربيع إما إلى شاطئ النهر الكبير ~~يفرج همه أن يرى المناظر البديعة التي تحيط بالجانبين، أو يأخذ فوق ظهر الماء قاربا ~~إذا هو رأى الوقت جميلا، أو يذهب إلى الهليوبوليس يرى ms105 فيها الأفق البعيد نازلا فوق ~~التلال أو مطوقا الرمل الأصفر بقبته الزرقاء، والهواء الناشف يهب لذيذا يفتح له صدره ~~ويقف ليرى تلك الآفاق البعيدة من الصحراء المحيطة بالواحة الناضرة، ثم يرجع على الطرق ~~«المسفلتة»، وتمر به الغيد تحت حبراتهن السوداء تبين منها أذرعهن الملفوفة الناعمة، ~~وبراقعهن الشفافة تنم عن أذقانهن الدقيقة أحيانا، وخدودهن المتوردة في لونهن القمحي ~~الجميل، وعيونهن النجل قوست فوقها حواجب سوداء تعلوها جباه نقية. ويسير حالما ذاهبا ~~في خيالاته إلا أن يستلفته جمال ما حوله أو الهواء يهب فيرفع من أطراف رؤوس الحبر ~~فتصيح بعض الفتيات متلفتة تريد أن تتقي هذا المتحسس. # ويجلس أحيانا على «الطاولات» الموضوعة إلى جانب الطريق، أو هو يذهب إلى القهوة ينتظر ~~بها، ولا يبعد أن يرى بعض أصحابه فيتحادثون، ويجر الحديث ذيوله من موضوع لآخر، ويستنفد ~~الوقت ويضطر الصديقان للرجوع. # وكثيرا ما كان ذهابه في أحلامه لا يدع له أن يرى كل ما يحيط به. ولقد كان مولعا ~~بتلك الطبيعة الناشفة التي تحيط بالواحة الناضرة حتى لقد كان يذهب إليها مرات متوالية ~~آخر العام قبل أن يهجر العاصمة، فيمتع نفسه منها ومن المناظر المدنية التي تحويها ومن ~~تلك الأشكال النسائية المحكمة تنسدل ثيابها دقيقة مع كل أجزاء الجسم قبل أن يذهب إلى ~~المناظر الريفية وثياب الفلاحات المسدولة المستقيمة يظهر من تحتها جلال صاحباتها، ثم ~~ليرجع نحو الساعة العاشرة من المساء و(الترامواي) يشق به الخلاء، والهواء يسري وسط ~~الظلمة ومن تحت نور الكهرباء إلى العربات تكاد تطير في سرعتها. ~~.. جاء حامد مع إخوته إلى القرية ومكث بها الأسابيع الأولى يذهب أخريات النهار وحده ~~أو مع بعض خلانه إلى المزارع يرى ما فيها، ثم إذا جاء الليل وطلع القمر اصطحب صديقا له ~~إلى بعض الترع يجلسان على شاطئها في مصلى مفروش بالحلفاء يهب فوقه النسيم. فإذا ما ~~أخذا حظهما من الجلوس رجعا أدراجهما بتلك الخطى البطيئة اللذيذة فوجدا جرائد المساء قد ~~جاءت وصار الناس ما بين آسف لحادث حدث، أو متألم من ظلم الحكومة ms106 وتعسفها قصدا، أو ضاحك ~~بين أسنانه أن قرئ أمامه تصريح وزير ما أكثر ما صرح. أو متهيج ساخط لما ارتكبه بعض ~~الموظفين الإنكليز من الحماقات، أو متحادثين ينتصر أحدهما لصحفي والثاني لآخر، فيأخذ ~~حامد جريدة يمر عليها بنظره، ولا يبعد أن يطلب بعض الحاضرين إليه أن يقرأ لهم ~~الافتتاحية أو يأخذ رأيه فيما كانوا فيه يختلفون. # فلما كان في بعض الليالي وقد رجع مع مطلع القمر وجد القوم سكوتا ليس من بينهم إلا من ~~يقص حكاية عما في الغيط ومقدار ما أضر العطش القطن في هاته الأيام الأخيرة. ~~- والمهندس الله يضره ماسك الميه بيده.. تفتح له إيده تجي الميه تجري. ~~- أنا والله مش عارف الناس دول ذمتهم إيه. ~~- هو يا شيخ الناس عاد عندهم ذمة ولا دين، أصحى الكلب بتاع مركزنا ده، واخد دك النهار ~~لما هو طافحه، وأهو طول الدور ده الميه ناشفة. ~~- لأ.. والمسألة كلها بايظه من مهندس لباش مهندس لمفتش كله خبص في خبص.. يعني أول أول ~~إمبارح انبعث كام تلغراف وكام عريضة وراحوا قابلوا المفتش بالذات.. ولا شيء.. ولا حياة ~~لمن تنادي. ~~- والله ما يجيب العاتي إلا الفلوس، إحنا عارفين أهل بلادنا ويعني بس ليه.. كان ولا ~~تلغرافات ولا مقابلات والقرشين اللى راحوا فده انحطوا على كمان قرشين وانحطوا في ايد ~~المهندس ودورنا في الدور وفي البطالة زي ما يعجبنا. # قطع حديث القوم دخول السيد محمود، فوقفوا جميعا، ثم جلسوا وتبادلوا التحية معه، ودخل ~~الخادم بعد ذلك ومعه الجرائد، وتناولها منه حامد ووضعها على «ترابيزه» أمامه، ثم نودي ~~بقهوة فجاءت، وتناولوا الحديث من جديد، فسألوا السيد عن أمر الماء فأجابهم أنه سيصلهم ~~هذه الليلة، وعلى العادة فتحوا الجرائد وقرأوا ما فيها مسرعين. # أما السيد محمود الذي كان مشغولا طول نهاره مع المهندس وجاء منه بوعد وبتصريح كتابي ~~ليديروا مدة البطالة، فلم يهدأ خاطره أن يبيت في منزله مستريحا بعد عناء يوم قضاه ما ~~بين سفر ومناهدة طويلة مع ذلك المستخدم الذي هو من أشد طوائف المستخدمين ms107 تعلقا ~~بالحكومة وخدمتها حيث يخيل إليه أن لا عمل من الأعمال الحرة في حاجة إليه، وهو مع ذلك ~~أجرؤهم على العبث بقوانينها ولوائحها. # لم يهدأ خاطره أن يبيت في منزله بل أخذ معه صديقا له وقاما ذاهبين إلى المزارع ~~العطاش المسكينة، فقام حامد معهما وساروا مع القمر حتى وصلوا فوجدوا جماعة المستأجرين ~~نياما على شاطئ الترعة ينتظرون قضاء الله وقضاء الحكومة في أرزاقهم وفي عيشهم، وكأنما ~~الآفات الكثيرة التي تنهال عليهم من غير حساب تقذف بها السماء الرحيمة ليست كافية ~~لشقائهم فتتقاضاهم الحكومة الضرائب لتزيدهم شقاء. والبائسون يحسون بتعسهم هذا، ~~والمسنون يأسفون على الزمن القديم قليل الحاجات قليل المتاعب، والقمر الناحل في سمائه ~~يبسط عليهم شعاعه الذي طالما التحفوه.. التحفوه من يوم كان عمرهم سبع سنين يحضرون ~~للحصاد، ومن قبلها تجيء بهم أمهاتهم معهن أطفالا فينزلن لعملهن ويدعنهم لرحمة الرؤوف ~~الرحيم. # فلما مروا بأول تابوت إذا بصاحبه جاثم إلى جانبه مكوم في دفيته فناداه السيد: سالخير ~~يا بو محرم.. اصحى الميه جايه. # فقام أبو محرم العجوز حتى أيس من الحياة وسلم على القادمين يدا بيد ثم قال: يخي مية ~~ايه عاد.. القطن بقي يا رحمن يا رحيم.. والله كانوا الناس زمان مبسوطين.. كنا نستنى ~~النيلية لما تجي وبعدين نبدر وخلاص تطلع الغلة تتلتل.. حقه وفي التصفية كنا نصيد سمك.. ~~سمك ايه، الدنيا، وليامدي الواحد ينشف ريقه على ما يحصلوه حبة منه ... اللي فات باين ما ~~يرجعش.. # ثم أعاد حكاية الماضي حين كانوا ينالون كثيرا من الخير من غير ما نصب ولا لغوب، ولم ~~يتسخط إلا على الكرباج وتشدد الحكام في الضرائب، وكأن هذا الفاني سيودع الأرض في أيام ~~معدودة يهزأ في لهجة الجاد من دعوى الحكومة الحاضرة إصلاح الحال وتنظيم الري وإسعاد ~~الفقير. # هكذا سار السيد محمود يوقظ الناس واحدا بعد واحد، فإذا فتحوا عيونهم ورأوا قرار ~~الترعة لا تزال شقوقه واسعة انبهتوا لم يوقظهم المالك في تلك الساعة من الليل، ولكنه ~~لا يلبث أن يخبرهم أن يستعدوا فالماء على ms108 وشك أن يصل إليهم.. فلما بلغوا أحد كبار ~~المستأجرين جلسوا عنده وشربوا قهوة معه ولم يتركوه حتى جاءت تباشير الماء تتقلب على ~~الطمي الناشف وتتسرب في الشقوق ثم تسمع بعيدا بعيدا. # تركوه إلى قطعة من زراعة السيد محمود نفسه، فيها أرز لم يظهر سنبله بعد. وقد يبست ~~أوراقه من العطش، فلم يجدوا بها أحدا فنادوا بعامل وبالبهائم من عزبة قريبة، وانتظروا ~~معه حتى مطلع الصبح، وحامد يسير في الغيط من جانب لآخر، ويرى ذلك النبات المائي تنحدر ~~منه الحياة، وتفقد أوراقه الخضراء لونها البديع الزاهي، فتصبح ذابلة باهتة ثم تتحول ~~ناشفة وتسقط إلى الأرض. # فلما أشرقت الشمس أراد السيد أن يرجع إلى البيت وقد اطمأن على الماء وعلى الزرع، ففضل ~~حامد أن يبقى في المزرعة إلى جانب التابوت يزن بنغمات متشابهة دائمة تضيع ساعات النهار ~~وسط ضوضاء الوجود، فإذا ما أقبل الليل ودخل الكون إلى سكونه وجدت نفسها، وتقلبت مع ~~النسيم يسمعها المدلج وسط اللا نهائية الهائلة من الأرض المستترة بثوبها الأسود، فيطمئن ~~على البهيمة المجدة في سيرها. # وجاء وقت الظهيرة وقد حميت الشمس وأرسلت على الأرض نارها، وحامد يلعب النوم برأسه ~~الساهر طول ليله قد انزوى في عش هنالك بقي فيه نائما مرتاحا.. ثم فتح عينه فإذا الشمس ~~ساقطة إلى مغربها قد احمر قرصها في آخر السماء الصافية، فلون ما حولها ببعض لونه.. ~~والترعة الصغيرة إلى جانبه يعلو فيها الماء ثانية بعد أن كان قد هبط قبيل الظهر. # تلفت حوله فإذا العامل الذي معه ليس موجودا، وإلى مسافات بعيدة لا تلمح العين شبحا، ~~والثور الذي في التابوت يضج مبطئا، والشمس مسرعة إلى مكمنها، والسماء يقتم لونها ~~رويدا رويدا.. وكأن الجو إذ يظلم قليلا تتسرب فيه عفاريت المساء والجن الساكنة هذا ~~الفضاء الكبير من الأرض. ثم لمع في السواد بعض النجوم، ولكن الليل المقدم يأتي ولا قمر ~~معه يجعل اللمع غير ذي جدوى، والشياطين تجري في الهواء أمام عيون هذا الوحيد المستوحش، ~~وكأنها تريد أن تدخل العش معه، وينظر فلا ms109 يرى إنسا، ثم وقف الثور وسكت كل صوت حوله، ~~وابتدأ الوجود الأخرس يدوي والصراصير تصفر فتملأ الفراغ بصراخها، والليل يقدم ~~دائما. # أمام كل ذلك تثاءب حامد تثاؤبا طويلا دمعت معه عيناه اللتان لا يزال بهما أثر ~~النوم، فأخذ حصاة حذف بها الثور، ثم تمطى مكانه من جديد. # وعاد ذلك الزن المتشابه المتماوت يحيي شيئا من هذا السكون والموت، والماء ينصب في ~~الحوض يلمع في الظلمة أمام عين المتناوم من غير نوم، والسماء تزداد عبوسا، والنجوم ~~تنظر في لمعانها بعيون ثابتة، والأشباح تزداد تميزا، والليل يقدم دائما. # جاءت لحامد في ذلك الوقت كل الأحلام الفظيعة التي يجيء بها هذا الموقف لمثله، أليس من ~~الممكن أن يفاجئه في هاته الوحدة بعض الذئاب فيناوئه، وينغص عليه سكونه؟ ثم إن جاء شيء ~~من هذا أفيمكن أن يفترس إحدى البهائم التي عنده؟.. وماذا يعمل الآن للتحفظ من كل هذا؟ ~~لا شيء في الإمكان عمله. # استمرت معه تلك الأفكار مدة ظهرت له طويلة لا يعرف مقدار طولها، وهو يجاهد ما استطاع ~~لطردها، ويشجع نفسه. فلما طال به المقام ورأى أن علقة الثور استحقت، وليس هناك من ~~يغير عنه، قام هو لتلك العملية البسيطة، وسار حتى وصل «الطوالة» ليجيء بالثور الثاني ~~فإذا شبح فيها، إذا نائم ذاهب في نومه قد غطى وجهه بمنديل، إذا العامل الذي معه استرق ~~لحظة ليريح رأسه فيها، ولم يجد سريرا أمهد ولا مكانا أخفى وأبعد عن الرجل من الطوالة ~~ما دام لا يريد أن يضايق النائم في العش. # أيقظه حامد بيد خفيفة، فسأله صاحبه: هل أخذ عشاءه بعد؟ إذ جيء به من البلد وهو هناك ~~في الركن.. لكن حامد كان مشتغلا عن هذا بما هو فيه من أحلام فظيعة وما يبصر أمام عينه ~~من أرواح خبيثة، فلما وجد ثانيا يؤنسه تبدد ذلك كله وراح يتناول طعامه بعد أن دعا ~~الآخر ليأخذ لقمة معه. # وبعد العشاء ذهب ثانية إلى نومه غير مستطيع أن يثبت أمام ذلك النسيم اللذيذ العذب ~~يدخل إلى القلب والنفس ms110 فيحملهما إلى غير عالمنا، ويترك الإنسان سكران خادرا. وبقي ~~ممتعا بتلك الراحة الكاملة تحت سقف العش الصغير أقيم له حائطان في جانبي الشمس، وترك ~~الشمال وما حاذاه مفتوحين إلى الخلاء الواسع العظيم. وبقي ممتعا بتلك الراحة التي نروح ~~فيها بكلنا ونغيب معها عن الضجات مهما عظمت حين نكون منهوكين لاغبين، وأي لغوب أكثر من ~~معاناة الشمس المحرقة تشوي الجلود ثم الساعة المخيفة التي مرت به واقشعر لها ~~بدنه. # فلما نال حظه الكامل من النوم استيقظ رائق البال منشرحا، وقام فجلس إلى جانب التابوت ~~الدائم الزن تحيط به الظلمة التي تغطي كل شيء، وخيمة الليل مبذورة فيها النجوم لا تزال ~~بلونها الذي تركها به ساعة العشاء. وبدأ حديثه مع العامل الواضع «بشته» # 1 # فوق رأسه المغمض عينه يسارق النوم وتأخذه سنة يبقى فيها ما دام الثور ~~دائرا، فإذا هو وقف طارت سنته ونادى به أن يسير، ثم رجع لها من جديد. بدأ معه حديثا ~~استمر بضع دقائق، ثم راح العامل في دنيا غير الدنيا، وإن بقي أحيانا يؤمن على قول حامد ~~ب (هه) ينطقها من غير ما علم ولا إدراك. # والسماء تلمع بكواكبها قد ابتدأت «تبهت» لمشرق القمر الذي ظهر نصفه ناحلا متورد ~~اللون كأنه خجل من تأخره، ثم تجلى رويدا رويدا، وانجلت طلعته فبعث على البسيطة بشيء ~~من شبه النور لمعت تحته المزروعات القريبة بعد أن كانت سوداء قاتمة، والنسيم يتهادى في ~~الفضاء الهائل فتنام تحته النباتات سكرى بلذاته وبالماء يجري تحتها، والحيوان الدائر في ~~التابوت يستمر بلا انقطاع ويدع لصاحبه الراحة في سنته. وتبقى هذه الموسيقى المتشابهة ~~التي تملأ آذان الليل تتبعه في مسيره ودوراته. وحامد في صمته مستأنس بكل تلك الموجودات ~~يتلفت يمنة ويسرة، فيرى الآفاق القريبة والترعة قد انطرح على مائها النور الجديد تتقلب ~~موجاته الضئيلة سائرة مع التيار. ~~••• # طال به السكون، فابتدأ يفكر فيما حوله: كم وراء الأفق من عجائب يحار دونها الذهن! كم ~~هناك من حيوانات وأشياء لا عدد لها هو على قربه منها جاهل ms111 أمرها كل الجهل! والتوابيت ~~البعيدة لا يكاد يتميز صوتها لبعدها. ماذا يعمل الناس عندها؟ أهم سكوت ذاهبون في ~~أحلامهم؟ أم يعملون مجدين لإحياء زرعهم؟ لا بد أن يكون في يد كل منهم طنبور صغير يديره ~~فيساعد به صديقه الحيوان ويضاعف العمل ويربح الوقت، والوقت من ذهب.. # وهناك قريبا منه أشياء لا يعرفها، موجودات تتمتع بالنسيم والماء وبهدأة الليل وستاره ~~مثلما يتمتع. ثم عوالم السماء!.. ما أغرب هاته النجوم اللامعة تبسم لنا عن نفس طيبة؟ ~~هل هاته الأشياء الصغيرة شهدت مبدأ الخلق وتبقى إلى آباد لا نهاية لها، في حين نمر نحن ~~في فترة من الزمن قصير أجلها؟ ومع هذا العمر الطويل هي متواضعة لطيفة، وكأنما علمها ~~تعاقب الأيام أن من الحمق تعاظم من يسير تحت سلطان كل ما حوله من صغيرة وكبيرة!.. أليس ~~عجبا أن تمسك نفسها هكذا في الفضاء وهي ثابتة غير ذات حركة، أم تتهادى مبطئة ~~مبطئة؟! # ثم ماذا تحت الأرضين؟ من يدري؟ تحتها أجداث الأموات وحفر الأحياء تحتها جذور الشجر ~~وأصول النبات! تحتها سكون الموت وضجة البراكين! تحتها ما لا نعلم. # والقمر ما أشد نحوله! لا بد أن يكون صحيحا أنه مسكون بأحياء، وأن يكون هؤلاء كلهم ~~عشاقا مغرمين، وأن يكونوا من الهيام بمن يحبون بحيث يصبحون أشباحا فانية ويبعثون على ~~كوكبهم ذلك النحول الذي يعلوه. # وبقي بعد ذلك محدقا بعيون ثابتة إلى الكوكب المضيء يناجيه ويسائله، وهذا الأخير ~~يتخطى في السماء خطاه البطيئة الهادئة. # ثم «بهتت» السماء مرة أخرى وكادت تغيب النجوم، فعلم حامد أن الصبح صار قريبا، فقام ~~يسير وسط المزرعة يرى مقدار ما سقاه الماء منها. ووصل إلى حد الشارب من الأرز، فوقف ~~ونظر إلى ما أمامه وإلى ما خلفه ثم إلى السماء فإذا هي تظلم من جديد. تظلم تلك الظلمة ~~التي تجيء لحظة ما بين الفجرين. ثم انجلت فرجع هو إلى عشه ونادى بالعامل معه أن يوقد ~~نارا يسخنون عليها بعض ما عندهما من العيش ليتناولا لقمة الصباح. # وهناك بعيدا عند الأفق ابتدأت ms112 الشمس تبعث برسلها. وهما قد انتقلا للمصلى وجلسا فيه ~~ساكتين لا يتكلمان. وحامد محدق لذلك الشرق البديع تسيل سماؤه ذهبا ويعانق بكله ~~النباتات التي عنده. ثم ظهر القرص كبيرا يتهادى بين الأرض والسماء كأنه في مهده تهزه ~~الملائكة ولا يزال عليه غطاؤه المتورد. وجعل ينكشف رويدا رويدا، ويعتلي الطبقات ~~مسرعا أولا ثم على مهل، ويرسل حوله من ناره ونوره ما يذيب كل ما يحيط به، ويبدلها ~~بدفقات من النور تبيض لها زرقة السماء. # وهكذا جاء النهار بضجته وصياحه وتقدم حتى إذا أذن وقت الزوال انزوى حامد في عشه ~~وأخذ راحته، ولم يستيقظ إلا عند المغيب. # مرت ليلته كما مرت الأولى، وكل الفرق بينها أن القمر تأخر نصف ساعة عن مشرقه ~~بالأمس. # وليال وأيام تمر وحامد كلما اختلى بالليل وضمه لصدره نسيمه العذب بخيالاته وأحلامه ~~إلى أشياء عدة: فمرة للسماوات والأرضين وأخرى للناس البعيدين عنه وراء، الأفق، وثالثة ~~للعجماوات الخرساء وما تكنه في صمتها وسكوتها من السر العجيب. وقد اعتاد زن التابوت أن ~~يحيي بعض الشيء الموت المحيط به، يرن في جوف الليل القاتم، فيؤنس الجالسين حوله، كما ~~ألف الوحدة والبعد عن الناس. # فلما كان في بعض تلك الليالى، والقمر قد صار في ربعه الأخير وهو يحدق إليه، ويرى ذلك ~~النير البديع ذاهبا إلى فنائه، ثم ينتظر من بعده هلالا جديدا، إذا نغمة عذبة تشق ~~الهواء لتطرب أذنه، رنة محزونة تسري على موجات النسيم إلى مسمعه، صوت رخيم يمتد فيملأ ~~الخليقة النائمة أحلاما: إذا «سلامية» # 2 # يقلب عليها إبراهيم أصابعه هناك عند التابوت البعيد، وكأنه يشكو للقمر ~~وجده. # كم في تلك النغمة المحزونة من المعنى! وكم تكن من الجوى والشكوى!.. إن في رأس صاحبها ~~تلك اللحظة لعالما كبيرا أجمل كثيرا من عالمنا ينادي إليه صاحبته، عالما طاهرا ~~تطير فيه الأرواح أزواجا يتضام كل اثنين منها بعضهما إلى بعض ويتعانقان؛ عالما فيه ~~تلك اللذة الملائكية السامية نصل إليها حين نرقى إلى علو، كما نجيء بها إلى جانب ~~اللذائذ الأرضية الأخرى حين نريد ms113 أن نستكمل كل الشهوات.. لذة القبلات. # نعم هي القبلة، علم الإخلاص ودليل الود.. معها تسيل الروح تنضم للروح ، هي صوت القلب ~~والنغمة الثائرة من بين أوتاره؛ هي تلك اللحظة التي ننسى فيها أنفسنا من أجل محبوب ~~جميل. بالله أي شيء ذلك الإحساس الذي يعرونا حين يصعد الدم إلى خدود الحسناء التي نحب ~~ساعة نقبلها، وكأنها تقول في استسلامها بين أيدينا: أنا لك.. ألا أكون أنا الآخر لها؟ ~~ألا أسجد أمامها؟ ألا أموت من أجلها؟.. قبلة الحب هي اللذة.. هي السعادة.. هي ~~الحياة!.. # لما سمع حامد هاته النغمة أنصت طويلا، وقد تاه عن وجوده، وغابت عنه أحلامه، وراح ~~يهتز تحت أثرها، وتلعب نفسه فتنقلها من الأسى إلى الاستسلام إلى اليأس، ثم إلى الأمل ~~الطويل العريض.. وبقي هكذا حتى بدت تباشير النهار. # وبعد أيام أصبح الماء بالراحة، وامتلأ به الرز وترعرع واخضر وتكاثر وصار من اللازم ~~خفه. # جاءت البنات والأولاد للخف، جاءوا جميعا مع وابور الصبح ومع كل شرشرته، فكشفوا عن ~~سوقهم، ونزلوا هم الآخرون بين البنات، وابتدأوا عملهم سكوتا، وحامد يتبعهم بعينه أو ~~يذهب سائرا وراءهم فرحا بتلك الخضرة الجميلة العزيزة عنده وقد سهر عليها ليالي ~~تباعا، ثم تقدم الوقت قليلا، وقد ابتدأوا يتكلمون، واستحث العامل المكلف بهم إحدى ~~البنات فنظرت إليه متعجبة منكرة قوله وأجابت: «هو أنا ساكتة». # ومرة أخرى استحث غيرها، وابتدأ بعد ذلك يضحك منهم ومعهم، وهكذا جاءهم السرور الذي ~~يلازم هاته الجماعات دائما عند العمل. وحامد - وإن لم يوغل معهم فيه - لم يكن على ~~الحياد تماما، بل كان يجيء مع أحد الطرفين فيعينه على صاحبه. وكم كان يحس ذلك المنصور ~~في نفسه من الفرح لا لأنه انتصر على صاحبه - وذلك في الواقع لا قيمة له عنده - ولكن لأن ~~«سي حامد» جاء في جانبه! وتقضى أول يوم على هذا، ولم يكن فيه ما يستحق الذكر، إلا أنهم ~~ساعة المقيل جعلوا إحدى البنات ترقص أمامهم. # وفي اليوم الثاني كانوا أصرح في حديثهم وأقرب لما تمليه عليهم إحساساتهم، يضحكون عن ms114 ~~قلب طيب ونفس خالصة. بل لم تكن إحدى البنات - وقد أحست في نفسها أنها أجملهن لتدع ~~حامدا يضحك منها من غير أن تجيبه بشيء أو ببعض شيء. فلما كانوا في ظهر اليوم الثالث ~~وقد جلسوا بعد طعامهم وجلس حامد مرتكنا في الطوالة يحدثهم، قام بعض الفتيات وجلسن في ~~الجانب الآخر من ذلك المكان الظليل. وقامت تلك الفتاة فجلست إلى جانب حامد كتفا لكتف، ~~وجعلت تكلمه وتضاحكه والبنات يرمقنها شزرا ويتهامسن. فلاحظهن حامد في همسهن، وقدر ما ~~دار في نفوسهن، فمال إلى جارته وقبلها، فنظرت إليه مختلطة كأنما تسأله ما هذا؟.. ~~والبنات كلهن حدقن إلى الاثنين وقد علاهن الاستغراب.. فلم يمهلها هو في تلفتها حتى ~~قبلها في خدها الثاني.. فدفعت به بعيدا منكرة عليه عمله، وضحك كل من حولهما. فلما رجع ~~إلى مكانه وعاوده سكونه ارتمت هي عليه مدعية أنها تجازيه فضمها إليه وقبلها ثالثة.. ~~وكلما تركها جاءت نحوه تجره بيديها وتميل عليه تريد أن تناله بجزائها، وقد علا الدم إلى ~~خدودها فأعطى سمرتها القمحية ذلك اللون الوردي العاشق المعشوق.. وحامد مثلها قد تغير ~~لونه لا يني حين ميلها عليه عن تقبيلها أو ضمها لصدره.. ثم البنت يكاد يضيع رشدها في ~~يده قد استسلمت له وإن ادعت أنها تدفعه. # وأخيرا جاء موعد العمل، وقام كل منتظما في صفه وبيده شرشرته، وتبعهم حامد خطوات، ثم ~~وقف بعيدا عنهم، ورجع إلى نفسه يسائلها: أي جنون ذلك الذي أصابه؟! # وجاءت عليهم ساعة كانوا فيها جميعا أشد صمتا من العالم الأخرس الذي يحيط بهم. وتلك ~~الفتاة خادرة خائرة مفككة الأجزاء غائبة الرشد، تائهة عما حولها، تعمل في الخف غير محسة ~~بعملها ولا ترى شيئا من تلك النظرات، يوجهها لها المحيطون بها، مصحوبة بابتسامة حقد من ~~البعض واستهزاء من الآخرين واتقدت غيرة في صدور الفتيات وتخفضت جفونهن.. والجميع سكوت ~~في صمت. # أي شيء ذلك الذي عرى حامد؟ وأي جنة أصابته؟ هل هو ذلك الإنسان العاقل القوي ~~الإرادة؟ ومهما يكن في تلك السذاجة الريفية التي تجعل الفلاحة ms115 في بساطتها ذات جمال أمام ~~العين والحواس وتعطيها في حركاتها الوحشية ما يلفت النظر، مهما يكن فيها من الجذب فهل ~~من مقامه أن ينزل إلى ما نزل إليه؟.. ما المرأة إلا شيطان رجيم وحبالة منصوبة يتهافت ~~عليها الرجال المساكين وهم عنها عمون! هي الشر المحض، وكامن فيها السوء كمون الكهرباء ~~في الأجسام متى لامسها الرجل أثارت حولهما هي وهو ما لا يعرف فرمت به الأرض وحطت من ~~كبريائه وعظمته. # جاءت هاته الأفكار إلى نفس صاحبنا وهو في طريقه إلى البلد بعد أن قضى أسابيع تحت ~~السماء الصافية، أو في عشه الصغير، وقد ترك الغيط بمن فيه بعد ساعة من انتهاء المقيل، ~~وجاشت نفسه وهانت عليه دمعته يريد أن يكفر عن خطيئته. إنه عاش السنين وكل أحلامه طاهرة ~~نقية. أفينقضها في لحظة ويأتي عليها من غير ما روية ولا تفكير؟ أينزل من تلك السماء ~~العالية، سماء العفة حيث الملائكة الأبرار إلى مستوى الناس الذين لا يفكرون؟ وهل يكذب ~~ما يعرف الناس جميعا عنه من الاستقامة والدين في ساعة من زمان ومن غير ما سبب؟ ثم كل ~~ذلك مع من؟! مع فتاة عاملة بسيطة! ويل له من مجازف إلى حتفه رام بنفسه إلى التهلكة.. ~~وويل للنساء جميعا يقذفن بنا من حالق عزتنا وعظمتنا ثم لا نكسب معهن إلا ضياع قوتنا ~~وأنفتنا ومالنا! بل ويل للوجود الذي رتب العالم بهذا الترتيب المنكود! # فلما وصل إلى ترعة في طريقه رمى بملابسه إلى البر ونزل إليها يطهر من رجسه ويستغفر ~~الله من زلته ويرمي عن نفسه ذلك الدنس الكبير.. وكلما رأى امرأة سائرة استعاذ بالله من ~~شرها، واستنجد الملائكة الأبرار ضدها، وكلم السماء بصوت عال يصعد إليها وسط سكوت الهواء ~~وسكونه. # وقضى بقية نهاره بين أهله المشتاقين إليه ينظرون إلى وجهه وعليه لون الشمس وإلى أذرعه ~~سمراء مفتولة ويسألونه كيف طعم الفضاء فيجيبهم وباله مشتغل ونفسه قلقة لا يدري أية ~~وسيلة يكفر بها عما عمل. # ثم أقبل الليل وراح إلى سريره فإذا أمامه ظلمة حالكة ms116 وهواء مختنق! إذا هو لا يجد ذلك ~~الفضاء العظيم يسري فيه النسيم تنتعش له النفوس والأرواح، ولا تلك السماء ونجومها ~~تتلألأ أمام عينه فيحدق إليها طويلا وكأنه يجد فيها وحيا ونجوى. ثم القمر لا يملك منه ~~إلا شعاعا يسري له من النافذة وذلك الصب العاشق مختبئ وراء الحيطان لا يرنو له ولا ~~يكلمه وكل المكان خبيث الطعم ثقيل على نفسه. # أين الترعة وماؤها الجاري؟ أين الآفاق البعيدة شبه المظلمة مع نور القمر؟.. غاب عنه ~~كل ذلك وغاب ما فيه من جمال وسر. # ولم يستطع النوم فجعل يفكر في يومه المدبر آسفا. ثم انقضت بعد ذلك أيام وهو يذهب إلى ~~المزرعة ساعة الأصيل ويرجع عند الغروب. فلما راجعه الهدوء والسكينة، وجادت عليه تلك ~~الوحدة المطلقة والابتعاد عن عوالم الكون وعن كل الموجودات بما سمح له أن يكون بعيدا ~~عن كل مؤثر قال في نفسه: ساعة رجعت من الغيط وقد أخذت غدائي هناك كان في البيت هنا ~~فاكهة لذيذة وحلوى فجلست آكل وإن كنت شبعان، وما كان أحلى ذلك الطعام وألذه! ثم شربت من ~~بعدها مرطبات عن غير عطش. وذهب لأقول لعماتي وخالاتي «عواف» بعد غيبتي الطويلة عنهن ~~جميعا، وعزمن علي بحلو مما عندهن فأطعتهن ووجدته لذيذا. ولما سهرنا وكان معنا الشيخ ~~سعد وغنى بصوته الحلو وسمعته وجدته لذيذا. قاتله الله ذلك الرجل! كم هو متقن! وكم ~~ذكرني الشيخ سلامة حجازي حين كانت تتشنج أعصابي وأجلس ساكنا والناس كلهم مثلي حتى يفرغ ~~الشيخ من دوره وقد عرت الأبدان قشعريرة الطرب مرات فلا يقدرون على أن يحبسوا أنفاسهم ~~دون أن يصيحوا استحسانا.. كل ذلك كان لذيذا وحلوا ولكنه لم يكن بألذ من تلك السويعة ~~التي قضيتها مستوحشا مع البنت تتعلق بعنقي وتضمني إليها وأضمها إلي أقبلها من خدودها ~~المتوردة. كم كان لهاته الساعة من لذة لولا ما تلاها من الأسى! وأدفعها عني فتقبل علي ~~وتلصق جسمها بجسمي وهي حلوة الروح، والرائحة، تكاد تأخذني إليها وتفنى في أو أفنى ~~فيها. ثم نحن جميعا ثملان ms117 بسكرة لذيذة ما أحبها إلينا! وثدياها ناهدان كأن بهما نارا ~~تتقد، ويرتعشان. وكل ما حولها تفوح منه تلك الرائحة المنعشة المخدرة. ثم ساعة تدني ~~ثغرها إلي تدعي أنها تعضني وتقبلني قبلة لا صوت لها، وجسمها كله في تحلله كأنه يموج ~~فيقلب معه عوالم خفية أحس بها كلي من أطراف قدمي إلى شعر رأسي وتسري لها في رعشة أكاد ~~أتوه معها.. كل هذا كم كان لذيذا! هو ألذ من كل تلك الأشياء ثم هم علينا يحرمونه. إنني ~~لم أوذ بذلك شخصا ولا اعتديت على أحد، وإنما تمتعت به متاعي بما سواه مما أبيح ولا ~~حاجة لي به سوى التلذذ والتنعم.. حقا لقد كانت ساعة في العمر لا ينسيها إلا مثلها.. ~~ثم يقال هي عليكم حرام!.. ~~... نعم يا ضلال الشيطان! في أى شر تريد أن توقعني وإلى أي وهدة تريد أن تقذف بي.. كل ~~تلك لذائذ فانية لا طعم لها. نحن بنو آدم بين الملائكة والبهائم، فإما نزلنا لهذه ~~وقنعنا من الوجود بمقنعها، وإما ارتفعنا لمقام تلك ورضينا أن نحرم من الصغائر. وما كنت، ~~وقد بلغت إلى اليوم ما بلغت، لأنهار من أجل فتاة عاملة، مهما بلغ جمالها، أنحط إلى ~~أسفل الدركات. # بعد ساعة قضاها بين أسى وألم راح في نومه هادئا لا يعي. وتوالت الأيام وهو يبيت في ~~الدار محتملا ضيق تلك الظلمة الكالحة حيث لا ترى عينه نجما ولا قمرا. وكلما دخل إلى ~~نفسه يحاسبها كان معها الشديد العنيد. # وما كان ليلحظ ذلك عليه أحد وقد عرف الناس عنه دائما كل ما يطلب من مثله: الجد ~~والاستقامة والدين. حقيقة إنه لم يكن يصلي ولكن ذلك لا يدخل في التقدير العام لأولاد ~~المدارس. # لكن الأيام ينسخ بعضها بعضا، والغد يحجب الأمس بأكثف الحجب. بذا راجع حامد سكونه ~~الأول المسدول على حياته يتخطى تحت ثوبه الرقيق من كل يوم لغده يين أحلام وآمال وخيالات ~~لا حد لها. ولم يبق أخيرا ما يضايقه إلا الليل وسواده الكالح الديجوري وسكونه العميق ~~الأخرس فكان دائم ms118 الإحساس بثقل ظل ما يحيط به؛ إن الظلمة العابسة أو الحيطان أو السقف ~~أو السرير أو ما سوى ذلك مما ينغص عليه أحلامه وأفكاره. # ثم لم يطب له إلا أن يرجع إلى تلك الحياة الطبيعية الحلوة، وصار ينام عند مزرعة من ~~مزارع القطن مرتفعة أرضها لا يصعد إليها ماء الراحة إلا نادرا فتسقى بطنبور من طنابير ~~البهائم. رجع وليل الصيف دائما هو ذلك الليل اللذيذ ذو النسيم العطر والنجوم اللامعة ~~والبدر في زهوته والترعة الصغيرة إلى جانبه يزحم فيها الماء بعضه بعضا ويعكس نور ~~الساهر من آباد الآباد. واستعاد بذلك عهده القريب وإن لم يتمتع بزن التابوت فقد بقي له ~~بدلا منه رج الطنبور تسمعه ما دمت إلى جانبه، فإن أنت ابتعدت قليلا غاب عنك وخرس صوت ~~الليل ولم يبق لك فيه من أنيس. # فإذا ما تنفس الصبح رجع إلى أهله بعض ساعة ثم راح إلى الفتيات في خف الرز يتبعهن، ~~وكأن له من وراء تلك الزرعة مغنما. وبعد أن انقضى نصف الغيط خفا إذا أخت زينب من بين ~~العاملات، تقول إنها لم تحضر من قبل لأنها كانت مشتغلة في بناية في البلد. فلما كان ~~الظهر أخذها حامد إلى جانب يسألها عن أختها وحالها وهل هي مبسوطة في عيشتها وحياتها ~~الجديدة، فتذكرت الفتاة أختها والأيام التي كانت تقضيها معها جنبا لجنب في مثل تلك ~~الساعة من النهار وتأخذان غداءهما معا ثم الوحدة التي هي فيها اليوم وكيف تخرج من ~~الدار منفردة، فعراها هم وأسفت على نفسها وعلى الماضي اللذيذ الفائت. # أما هو فاستعاد ذكرى الساعات الحلوة التي قضاها مع تلك الفتاة البديعة التكوين، ~~وراجعه الأسى من أجلها. كم كان لقلبها من التعلق به! وكم كان يحبها! إن ذلك اليوم ~~البعيد صار هناك في ظلمات الفناء، ساعة جلسا إلى جانب الطريق متعانقين، ليوم خالد الذكر ~~دائم الأثر، وليلة رآها حزينة فأصابه القلق والهم من أجلها! يا ترى ما حالها اليوم وما ~~ذكره عندها؟ # كم لهاتيك الريفيات المستوحشات تحت سمائهن الرائقة وبين ms119 تلك الآفاق الواسعة من الزروع ~~الخضراء النضرة من البهاء والجلال! وكم من سحر للجميلة منهن مفتولة الجسم بارزة النهدين ~~ثابتة الخطى يتهادى جسمها مائجا في مشيتها ويلعب الهواء بثوبها الأسود الصافي، وكم ~~تكن من معنى بديع! ثم هن ربات تلك السذاجة الفطرية الحلوة الطعم تعطيهن مع قوتهن ~~جمالا وتجعل من سذاجتهن رقة وظرفا. # كذب تلك الحياة الجد التي يقولون عنها حياة الفضيلة.. هي الموت لا مفر منه يأتينا أول ~~ما نتذوق طعم العيش ويجعلنا نصدق أن الوجود فظيع خير ما نعمل فيه أن نتبتل مبتعدين عنه. ~~ما أنا على ما نشأت عليه؟ وما تلك الحياة التي أقضي إلا حياة راهب طلق الدنيا وطلقته، ~~ثم أدعي مع ذلك أني أتمتع بالعيش ومسراته، بتلك التي يسمونها لذائذ طاهرة. # ترى كيف أنت الساعة يا زينب؟ أتستقبلين الغد مستبشرة به فرحة لمقدمه ويضع زوجك مع ~~الشمس قبلة على باسم ثغرك، أم أنتما تعيشان تلك الحياة الباهتة المتشابهة حياة الزوجية؟ ~~ألا إني لأخشى أن تكوني محزونة بين آلام وشقاء. # أيام قضيناها في أحلام وملذات وإن حرمنا من أحسنها تبتلنا. ألا تزال عيناك تحوي ذلك ~~السحر الذي عرفته فيهما، وابتسامتك بين الموجودات الضاحكة تزيد صاحبك سرورا ~~وسعادة؟! # يالزوجها من فرح سعيد! هو وحده المتمتع بذلك الكون البديع حيث كل شيء جميل، ويضيف إلى ~~سروره ولذته سرورا ولذة..! هل من مرة أخرى أرى فيها زينب وأعانقها وأقبلها فأعيد حلم ~~الماضي الذي دخل دولة الفناء؟! # هل يأسف ويأسى إذا رأى زينب وعانقها وقبلها؟ هل يذهب كالمحموم ينزل في الماء ليطهر ~~من رجسه ويصيبه من أجل ذلك ألم يتقطع له نياط قلبه حزنا على ماضيه المثلوم؟.. كلا.. ~~كلا. إنه ليود من أعماق روحه تلك القبلة التي تثير الماضي الطويل ليس عليهما فيه من ~~شهيد إلا الله وإلا نفساهما! # من يدري، قد تكون نسيتني زينب اليوم وأصبحت عني في شغل! قد لا تعرفني إذا رأتني أكثر ~~مما تعرف أي إنسان في البلد!.. وهل كان بيني وبينها أكثر مما بين أي ms120 أحد من إخوتي ~~وبينها. إنها جميلة وفتية وتستحق إعجاب الجميع، فإذا كنت أعجبت بها أكثر من غيري فما ~~كان ذلك ليدعها أن تحسب في صديقا أو محبا؟! كنت دائما إزاءها المسيطر المالك، ~~واليوم أنا غريب عنها وكل كلام مني فيه شبهة ويمس زوجيتها. # يا أسفا على الأيام الماضية! هل لنا في العيش بعد من مزية؟ وهل مع هاته الآلام التي ~~تحيط بنا أو على الأقل ذلك التخلي عن كل شيء وغض النظر عن كل شيء من سبب ~~للوجود؟ # ما أقسى هاته الفضيلة التي يحببون إلى قلوبنا! إنها لأقسى من الموت العنيد لا محيص ~~منه. # هأنذا إلى اليوم لم أذق للحياة إلا ذلك الطعم العادي لا هو بالمر تنقبض له النفس ولا ~~بالحلو تسر منه وتفرح له. وما بعد اليوم شر وأضل سبيلا. أيام باهتة متشابهة تنقضي تحت ~~تصريف الزمان القاسي ثم حفرة تنام فيها النوم الهادئ الطويل. # لقد ودعت الدنيا من يوم ولدت، وما أنا اليوم إلا بعض ذلك الجماد أثارته عاصفة من ~~الأرض ثم يرجع لها ويركز فيها وقد انتقل من سكون إلى سكون ولم يتذوق شيئا. ~~••• # في ذلك الحلم الطويل كان حامد ينظر في الفراغ الهائل أمامه يموج بالنور الساطع على ~~السماوات المبيضة تذهب أمام عينيه إلى حيث لا يدري، والهواء لا حراك به يترك الأشجار ~~البعيدة في سكونها المطلق، وأمامه معتدلة قناة الماء تسير وسط الزرع الأخضر تنحدر مع ~~تيارها السريع عيدان الرز الساقطة من الخف، ويلمع عليها شعاع الشمس المحرقة في تلك ~~الساعة من النهار. ثم يتوه الكل عند مسافة قريبة لا يتصورها حامد إلا الفضاء العظيم ~~المخوف. # والعمال والعاملات يجدون في عملهم ويتحادثون أحيانا ويضحكون، فتموت أصواتهم حولهم ~~ولا يرددها مردد. # ثم راح فاستند إلى العش، ووقف يحدق إلى كل ما حوله وهو مشتت الفكر لا يفكر في شيء ~~ولا يعرف شيئا، مبهوتة نفسه ... وأخيرا صمم أن يرجع إلى البلد في تلك الساعة. # ورنا ببصره فإذا الجميع بعيدون عنه في آخر المزرعة من الجهة الأخرى، ms121 وبعضهم قد جلس ~~على الجسر، فعمد نحوهم، فإذا هم انتهوا من ذلك الجانب وسيذهبون للجانب الآخر، فتركهم ~~وأخذ طريقه إلى البلد بعد أن أوصى أخت زينب قائلا في ابتسامته: لما تشوفي أختك سلمي لي ~~عليها. # وبين المزارع المنقطعة لا أحد بها، ولا يسمع فيها حسيس، سار على سكة يظللها الشجر ~~القائم إلى جانب الترعة، فاتقى بظله حر الهجير، ثم اتخذ أقرب الطرق إلى البلد الغارق في ~~ضوء الشمس تظهر البيوت البيضاء القليلة التي به وسط دوره الترابية اللون وكأنها جميعا ~~أطلال بعض المدن القديمة ... ووصل إليه والناس لا يزالون في سنة الظهيرة، ووقف عند الباب ~~ونادى الخادم باسمه فأجابه آخر إنه قد ذهب إلى المحطة، وما كان ليهمه أي شخص يجيب.. إنه ~~يريد قهوة يشربها ليسلي همه سويعة من زمان حتى يقابل بعض إخوته ويجلسون للحديث معا.. ~~فلما جاءت القهوة إذا بعضهم قد حضر، وكانوا عند الترعة يرقبون النجار يضع التوابيت ~~الجديدة وقد انتهى منها.. بذلك نبهوا على الخادم أن يملأ الكنكة الكبيرة وتناولوا ~~الحديث في أخبار شتى عن البلد وما فيه وكيف يبحث المدينون في هذه الأيام عن وسائل ~~السداد، ثم الفدادين التي ستباع، وانتقلوا من هذا لغيره ولغيره، وأخيرا تركوا حامدا ~~مكانه وقاموا كلهم فدخلوا الدار ليروا ما فيها. # أما هو فبقي في مكانه يفكر ساعة في شأنه هو، وأخرى في أمر أهل البلد المساكين لا ~~يقدرون فظائع الدين ورذائله، ولا يفهمون المصائب التي تحيق بهم من وراء ذلك الربا ~~الفاحش الذي يستدينون به. # والشمس لا تزال حارة محرقة في الخارج وإن ابتدأ الهواء يتحرك والأشياء تمد ظلها يلجأ ~~إليه من لا عمل لهم من العاطلين يجلسون فيه يقصون الحكايات ويلعبون الطاولة بقية ~~النهار، والأشجار تتمايل فروعها قليلا قليلا، وماء البرك الواسعة قد بقي طول الظهيرة ~~يترقرق ويلمع عليه النور الساطع جاءته موجات خفيفة تتقلب على ظهره. وكلما تقدم الوقت حل ~~الانتعاش محل الموت، ودخلت الحياة جسم الكون، وراجع الوجود شيء من ابتسامته بعد ذلك ~~العبوس الذي يعروه ms122 منتصف النهار طول أيام الصيف. وكلما نظر حامد ورأى الأشجار تزداد ~~حركة والنخيل يهتز جريده استبشر بالساعة البديعة ساعة الغروب. # ثم تبين على الطريق بعيدا بعيدا راكبا يلوح عليه أو يسير مبطئا، فاجتهد أن يتعرف ~~من ذا فلم يقدر.. هذا شكل جديد غير الذي يرى كل يوم.. هذه سيدة ملتفة في حبرتها يسبق ~~الفرس ممسكا بلجامها خادمهم. من عساها تكون هاته القادمة؟ لعلها بعض معارفهم جاءت ~~لزيارة البيت وتبقى يوما أو بعض يوم ثم ترجع. # والحبرة مسدولة على أذرعها بانتظام لا يبين من تحتها إلا يداها الممسكتان بالسرع ~~وتلمعان تحت النور الساطع المتلألئ به الفضاء، والفرس تدق الأرض بخطوات مرتبة يهتز ~~معها جسم الراكبة متمايلا فوق السرج. وتقترب رويدا رويدا من الدار، وكلما اقتربت ~~زادت تميزا هي ومن عليها.. ثم صارتا على قيد باع وحامد لا يزال غير عارف من هذه. فلما ~~نزلت وجاء الخادم سأله عنها فإذا بها عزيزة!! # 5 # عزيزتي # بقية أمل أضعها بين يديك، ولك الحكم. إما حققتها فجعلت في عيشي سعادة الحياة، ~~وإما أهملتها فحاق بي البؤس. بين يديك روح تصرفينها بكلمة منك فتدفعين بها إن شئت ~~إلى عالم الراضين، أو يقذف بها في سعير الشقاء.. روح طالما تقلبت بين آمال وآلام من ~~أحلامها، وتريد أن تخرج من نومها الطويل إلى اليقظة، فإما متعتها بآمالها، وإما أن ~~تبقى تئن تحت آلامها. # نعم حبيبة! كم ليال قضيتها مع خيالك الكريم يرنو إلي بعينه ويبسم ويعانقني، ~~ونبيت معا سعيدين، حتى إذا تركني قلت هل من ساعة في نهار الحقيقة أعرف فيها طعم ~~هذه الخيالات؟! ومن يدري؟ هل أنالها؟ # وتنقضي الشهور الطويلة وأنا في انتظار ذلك اليوم المأمول، نجلس فيه جنبا لجنب لا ~~ثالث معنا. إنني أحبك يا عزيزة، ولكني محروم بائس. # هل أخبرك ما عانيت في حبك؟ هل أذكر لك خفقان النفس واضطراب الفؤاد؟ هل أذكرك ~~بالأيام القديمة حين كنا صغيرين إلى جانب بعضنا؟.. وهأنذا اليوم أحرم مما كنت أنال ~~صغيرا؟ # إنني في انتظار كلمتك وأنت عليمة بمرارة ms123 الانتظار. وأقدم لك يا عزيزة حبي ~~وإخلاصي. # حامد # لم يبق لحامد بعد أن رأى صاحبته إلا أن يؤنب نفسه على نسيانه لها كل تلك المدة ~~الأخيرة، ويفكر من جديد في أن ينفرد بها ويفتح لها قلبه. ولم يجد وسيلة إلا أن يكتب ~~كلمة يلقي بها في يدها. فكتب السطور المتقدمة، ووضعها في جيبه منتظرا أن يراها ليعطيها ~~إياها. # وفي الصباح بعد أن أخذ فطوره مع إخوته قام إلى حيث هي، ودخل بعد أن استجمع كل قواه، ~~وصمم في نفسه أن يعمل كل ما يمكنه للوصول إلى تلك الغاية التي يريد من زمان - من عام أو ~~أكثر - فينفرد بالفتاة ويحدثها ويقص لها حكاياته الطوال التي تملأ رأسه. ونسي أوائل ~~الربيع حين ضمه لصدره الكون وجماله، وتلك الزهوة التي تلبس كل شيء ويزين بها كل شيء. ~~نسي ذلك وراجعه عهده القديم وهواه، ولم يعد يستطيع الصبر على وحدته في حين يتقطع قلبه ~~كل يوم وكل ساعة وكلما ذكرها. وكم سيجد فيها من العزاء عن الأيام وشقائها؟!.. # فلما ابتدأ يسلم على الحاضرات بدرته أولاهن ساعة وضع يده في يدها قائلة: أهلا ~~بفلاحنا.. # وجلس فسألته أن يقص عليهن حديثه في الغيط وشغفه به. ألم يك من قبل ذلك المستوكر في ~~الدار لا يعرف عن الزروع والمزارع شيئا! ثم صار يزورها كما يزورها غيره من إخوته. فما ~~تلك الغية الجديدة من المقام بها واتخاذها سكنا؟.. # أي جواب يجيب به حامد في تلك الساعة؟ أيقول لهن عن وحي النجوم ونجوى القمر؟ أيخبرهن ~~بلذة الفضاء الهائل العظيم؟ أيحكي لهن ما يدور في النفس من آمال وأحلام حين تطلع العين ~~مطمئنة إلى ظلمة ليل الصيف ويسري النسيم ينعش الصدور يحمل معه أصوات الوجود الساكت؟ ~~أيبين عن اللذة الكبيرة التي ينالها الإنسان حين يرى نفسه حرا من غير قيد؟.. إنهن لا ~~يعرفن من ذلك شيئا. وإن كن قد طعمنه في الصغر فقد أنساهن إياه الزمان!.. أيسكت وهو ~~أمام صاحبته ويعتقد أنها تحبه وتنتظر أن تسمع كلماته؟.. أم ماذا؟.. فقص ms124 عليهن تلك ~~الليلة حين قام من نومه ولم يجد أحدا حوله، وطفق يرمي ببصره إلى كل ما يقدر أن يرى فلا ~~يجد مؤنسا سوى الحيوانات التي عنده، ثم كيف وجد العامل الذي معه نائما في الطوالة.. ~~فدارت على الثغور ابتسامة سرور، ورأى عزيزة تضحك. ثم قالت السيدة التي طالبته من قبل ~~بالقصص: مسكين يا حامد.. # وابتدأن جميعا يخرجن من أعماق ذاكرتهن مثل هاته الحادثة مما حصل لهن أو بعض ~~أصحابهن.. وجئن بعد ذلك على مسائل شتى اعتراهن الخوف فيها وانتقلن لحكايات ~~العفاريت: ~~- وعلى رأي المثل «اللي يخاف من العفريت يطلع له» - قال ديك السنة لما الحاجة مسعده ~~نزلت في الليل لقت في صحن الدار خروف قرونه كبار وفضل يكبر يكبر - يعلى لما سد قدامها ~~السكة.. ولما صبحنا الصبح أتبيه خروف أولاد حسنين. ~~- وما فضلوا يقولوا لما الواحد يفوت قدام زربية أولاد أم السعد تطلع له العفاريت، وهم ~~لا عادوا بيطلعوا ولا ينزلوا. # وهكذا جعلن يقصصن تواريخ شتى، وحين ظهر العفريت لعمي جاد حارس النخل في هيئة حمار ~~حصاوي ملجم مبردع فركبه العجوز وغرز مسلة في كتفه ثم زار عليه الأسياد في مصر وطنطا ~~والمنصورة. وانتقلن إلى أشكال أخرى من الجن كالنداهة تنادي الناس بأسمائهم فإذا ذهبوا ~~إليها أخذتهم ونزلت بهم في بئر ساقية مهجورة أو نحوها إلا إذا قرأوا عليها «قل هو الله ~~أحد». # واحتل من بعد ذلك موضوع الحديث عفريت الزار - ذلك العفريت النظك تقدم له أبدع الهدايا ~~من أرق السيدات - وشاركت هنا صاحبة حامد الأخريات في الكلام وهو ساكت كل المدة إلا أنه ~~كن يبدي علامات الاستغراب ما بين حين وآخر. # وتقضى وقت طويل في حديثهن هذا، وأراد حامد أن يتركهن فسلم عليهن وخرج وهو مرتاح البال ~~قانع بأن رأى عزيزة تضحك عن طيب نفس، وتحول نظرها نحوه أحيانا، فإذا ما تقابلت عيونهما ~~خفض هو من نظره واعتقد أنها هي الأخرى يضطرب قلبها وتطوق ثغرها ابتسامة خفية تصحب تلك ~~الرعشة التي تعرونا حين تتقابل نظرتنا مع من نحب ms125 أمام ثالث يخيل إلينا أنه عليم بما في ~~نفوسنا دائم الرقابة علينا. # ولكنه لم يعطها الجواب الذي كتب. # أحس به في جيبه بعد خروجه فجلس من جديد يقدر الذي به. أيستطيع أن يعطيها إياه. لكنه ~~حسب أن من العبث محاولة ذلك بنفسه. كيف يمكنه وهي دائما مع من هي معهن ويسلم عليها ~~أمامهن جميعا؟ وإذا كان أكثرهن لا يقرأن فسيثير عمله في نفوسهن شبهات، ويعملن لتعرف ~~ما في هذا المكتوب، ويتساءلن طويلا عما يحويه.. # ولكن ليس من السهل كذلك أن يسلمه لأحد يعطيها إياه، إذ يقع بذلك في مثل هذا الذي خاف ~~ويفتضح أمره. يعلم الناس أنه يحب. سبة شر سبة وعار كبير. ~~... حياة كلها ضيق وهم من أولها إلى آخرها إن لم تحطها بكثير من أحلام وخيالات لا ~~وجود لها في الواقع كانت الحنظل الصديد. وخطوة إلى عالم الحوادث تخرجنا من سعادتنا ~~وتقذف بنا في شقاء لا محيص منه. # مثلي أحرى به أن يعيش في عالم غير الذي يعيش فيه الناس. قضيت كل أيامي في أمان ~~وآمال، وهأنذا أريد أن أحقق أحدها فيسقط في يدي. كم أحببت هاته الفتاة! وكم صاحبني ~~ذكرها أياما طويلة وشهورا! وهأنذا لا أجدها ساعة معي وهي مني بمثابة أختي. # ويل للوجود من مرير كله البؤس والأسى! إذا كانت آمال الشباب ضائعة فهل نكسب من آمال ~~المشيب غير الموت الذي يريحنا! غير ذلك الداء الأخير نرجع معه إلى العدم الذي خرجنا ~~منه: عدم الأبدية الخالد. # ولم الجري وراء هاته الأكاذيب؟! لم ذلك الحزن من غير ما سبب؟ إذا كنا حرمنا التمتع ~~بالحب وملذاته - بذلك الأمل الواسع الكبير - فإن لنا في غيره عزاء. إن لنا في العاملات ~~السافرات يحببننا من كل قلوبهن لكلمة نمن بها عليهن أو قبلة نضعها على ورد خدودهن لنعم ~~العوض عن القصيات عنا، المتحجبات حتى عن حبنا، المتمنعات أن يقلن لواهب قلبه: «إني ~~أحبك». # حقا، أليس في بنت الطبيعة العذبة المفتولة الجسم القوية تنفذ بساذج نظراتها ~~المستعطفة إلى سواد القلب ما ينسينا ms126 هاتيك المصونات في خدورهن؟ جهل بجهل، والأولى عركت ~~الأيام وعركتها، ونضارة بدل ذلك الشحوب الذي يصيب ربات الخدور، وكرم وحلاوة نفس، وإلى ~~جانب ذلك كله العفة الموروثة عن الأجيال السالفة إلى ما قبل التاريخ. # وخيل لحامد في تلك الساعة أن يذهب من غير مهل إلى الغيط ينتظر المقيل ويضحك الفتيات ~~كلهن حتى ينتقم لنفسه من كل المحجبات. # ولكن ما ذنب صاحبته أمامه؟ هل هي التي حجبت نفسها؟ هل رضيت الذلة التي رميت بها مع كل ~~بنات جنسها إلا بعد أن مهدت لها من يوم ميلادها؟ كم هي في نظراتها له ملئت حبا ورقة ~~ذات بهاء يأخذ بنفسه! وإنها لتود كل ما يوده هو من التفرد به، وأن تمسك بيديها يديه ~~وتنظر له طويلا من غير أن يقولا كلمة واحدة. تنظر له تلك النظرة الطويلة التي تحكي كل ~~ما في النفس ولا تصورها الكلمات. # إنها إن تحدق إليه تعله رعدة وتأخذه الرعشة. إنه ذلك الخائن ودها، الناكث عهدها، ~~الذاهب يغازل العاملات ويضع أنفته تحت رحماتهن. هو لا يستحق ذلك الإحساس الشريف يملأ ~~القلب عظمة وعفة وقد دنس قلبه وجسمه. # أحر به بدل أن ينقم على بريئة شريفة أن يعتزل الناس وينقطع في صومعة حتى يكفر عن ~~خطيئته ويغفر الله زلته ويستعيد شرفه المثلوم. وليست كل الفتيات تلك العاملة التي تعطيه ~~نفسها وهي مرتاحة لذلك فرحة به. إن من الناس من لا يزال يعرف كيف يحفظ مقامه ويحافظ عل ~~شرفه. # كل ذلك يعني ماذا؟.. أيعني أن هؤلاء المدعين الكرامة لا يخطئون؟! اللهم إن خطأهم ~~أفظع كثيرا من خطأ غيرهم وأشنع من كل ما يتصور العقل! وإنما هم قد مهروا في المحافظة ~~على الظواهر وإخفاء ما في نفوسهم، وبرعوا في النفاق أمام الله وأمام الناس، بل أمام ~~أنفسهم، ولو كشفت عن قلوبهم لوجدت العار والخزي دفينا في أعماقها. أيتها الأيام ~~الظالمة! أما يكفي إيقاعك الفقير في مخالب عدمه وألمه حتى تظهريه كذلك الشقي ~~المجرم. # إنسانية ظالمة أروج ما فيها الأكاذيب! إن المصائب يجر ms127 بعضها بعضا، فإذا نزلت بشخص ~~لم تبق منه إلا ألما وأسى، والناس يزيدونها وطأة ينظرون للمصائب نظرهم للمجرم، ~~ويتأففون من عمله وهو خادمهم والساعد الذي به يستندون في مجالسهم القديمة حيث يقضون ~~ساعات هنائهم لا يفكرون. # هي هاته الطائفة العاملة، وإليها نهرع جماعة الشبان، في دعتها ووداعتها ما يغنينا عن ~~ذلك التمنع الذي منيت به السيدات حتى عن أشرف الإحساسات. إنهن هاتيك البنات الساذجات لا ~~يزلن الذكر الخالد للطبيعة الطفلة القديمة حين الناس لا يعملون جهدهم لإخفاء ما يريدون، ~~وإن في قلب الشاب صراحة لا تتفق مع ذلك التكتم المخيف الذي يظن جماعة الأغنياء أن فيه ~~متاعا، وعنده إقداما لا يسير مع إحجام الطبقات العالية وتقاعدها. # الشباب أيام الحرية وعدم المسئولية، فإن أضاعها صاحبها صريعا بخرافات أيام العجائز، ~~قاعدا عن أن ينال منها كل ما فيها، ضاع عليه عمره، وقضى على الأرض حياة مكتئبة فاسدة، ~~حياة محملة بهموم من أولها إلى آخرها، حياة خير منها موت عاجل. ~~... ولكن أنى يجد الشاب هذا المتاع في مصر؟ أنى يحل له أن يجد السعادة؟ إنه لمسكين ~~بائس. هو بين اثنين كلاهما شر: إما أن يبقى في ذلك الموت الذي تأتي به لا شك الحياة ~~الموروثة قواعدها المطلوبة منه ومن كل المسنين، وإما أن يرتمي في أحضان الفضلات الفاسدة ~~التي رميت بها هاته البلاد المسكينة من الغرب السعيد المجرم. # نعم. في الأولى موت لا مفر منه. وهل ذلك التبتل الذي تطالب به كل شيء إلا موت. وفي ~~الثانية فساد وضياع. # ويل لك يا حامد!.. أي قضاء رمى بك تلك الرمية العمياء؟ وما كان خيرا لك إن بقيت ~~سعيدا بحياتك الهادئة الأولى؟! وموت في الصغر وموت في الكبر متساويان.. حقا!.. خير ~~لي لو بقيت في صومعتي ويقدر الوجود أني لم أولد. # غير أن حامدا يحب عزيزة ويود أن ينفرد بها. ~~.. ولم لا يبعث بجوابه ضمن أشياء مما تقدم لها في يدها، وهي لا شك متى وجدته تحرزت ~~أن يعلم به أحد. وما دامت تحبه فستكتب ms128 له وتعين له موعدا، ومن بعد ذلك يسهل أن يتقابلا ~~ولا يبقى للحرمان الذي يعيش هو وتعيش هي فيه إلا أثر كلما تقادم عهده قلت غضاضته ثم ~~يصبح يوما لذيذا يحسان لذكراه بسكرة المقابلة الأولى بعده حين كشف كل منهما لصاحبه ~~عما يكنه له قلبه. ~~••• # وفي غده نفذ عزمه، ومع بعض ما يرسل لها وضع جوابه، وأخذ الكل صغير من الخدم عندهم لا ~~يعلم طبعا بشيء مما فيه ووضعه بين يديها. فلما وجدت الورقة أخذتها حتى إذا كانت في بعض ~~خلواتها قرأتها. # كم كان لهذا القراءة عندها من اللذة! وكم وجدت فيها من العذوبة! وأعادت النظر في ~~الجواب مرات، وهي كلما طوته لم تطاوعها نفسها أن تدعه في جيبها فتخرجه وتقرأه من جديد ~~فتهتز نفسها عند آخره، ويأخذ قلبها ذلك الخفقان الذي يصيبنا حين يملأ الطرب جوانحنا ~~كلما جاءت للسطر الأخير. # إنني في انتظار كلمتك، وأنت عليمة بمرارة الانتظار. واقبلي يا عزيزة حبي ~~وإخلاصي. # حامد # لم تأخذ في حياتها جوابا حلوا كهذا الجواب، وهل يصل إليها إلا جوابات أختها وكرتات ~~معايدة من بعض صاحباتها. # يا سلام! هل في الوجود ما يسع فرحها. لا. أبدا، أبدا. ونسيت الناس وكل شيء ولم يبق ~~لها إلا ذلك السرور الذي امتلأ به كل وجودها، ولم يبق لها من أمنية إلا أن ترى حامدا ~~وتقبل ما بين عينيه. # ظلت كذلك أمدا لم يزعجها عنه إلا من ناداها يسألها عن بعض ما في البيت، أو أن تكون ~~مع الستات. وراحت عندهن وهن يحكين حكاياتهن التي لا تنتهي، ويضحكن فتضحك هي الأخرى من ~~كل قلبها تلك الضحكة القانعة الراضية، وقد احتل السرور كل روحها وجسمها وأسلمت له ~~نفسها، وكثيرا ما كانت تتوه في أحلام سعادتها عما يقلنه، وهي مع ذلك تضحك كلما رأتهن ~~يضحكن غير مبقية للغد شيئا. # فلما راجعها هدوءها وسكونها ووجدت نفسها في خلوة من جديد فكرت فيما عسى أن تجيب به ~~حامدا، وأي شيء تكتب له. وعرتها حيرة طويلة لم تستطع معها أن تجد ms129 شيئا. # ومن نافذة الغرفة العالية جدا عن الطريق حتى لا يستطيع المارة أن يروا شيئا مما في ~~داخل الدار تبينت شمس العصر تنحدر متمهلة وتجلل بنورها فسيحا من الأرض يفصل ذلك القسم ~~من القرية عن القسم الآخر، وتغطي الأشجار الكبيرة تلعب فروعها مع الهواء، وتبعث على ~~الأرض بظلها الكبير. وعلى مرمى العين تبين المزارع يغطيها الذرة والقطن، وتنساب بينها ~~الطرق المدقوقة العامرة بالفلاحات تلك الساعة ذاهبات للملية وخيالاتهن السوداء تموج في ~~لجة النور بين خضرة الزرع، ويتتابعن في سلك طويل منتظم، وعلى رؤوسهن جرات الفخار إما ~~نائمة في ذهابهن أو هي في جيئتهن معتدلة يلمع الضوء على سطحها المبلول. وهناك من الشباك ~~الثاني يرى الإنسان جماعة المدريين وقد ملأوا الجو بعفارهم وتبنهم حتى سد الفضاء ولم ~~يبق في طوق الناظر أن يتعرف وراءه شيئا. وعزيزة تحدق مبهوتة إلى تلك الموجودات تائهة ~~عنها ولا تعرف ما ستكتب. # ثم أخذت ورقة وقلما تريد أن تحبر بعض كلمات مما في بالها: # أخي حامد: # إنك لا تعلم مبلغ السرور والفرح الذي جاءني به جوابك. وأود لو أراك ونكون ~~وحدنا.. # ولكنها رأت ذلك غير كاف للتعبير عن السرور الذي خالجها. هل كلمة بسيطة كهذه تقوم ~~بأداء صورة نفسها زمنا غير قليل. صورتها مملوءة حبورا وطربا وكل وجودها فرح سعيد. ~~وأخيرا كتبت: # أخي حامد # لا أقدر أن أصف لك مبلغ السرور والفرح الذي جاءني به كتابك. تصور أكبر ~~درجاتهما، فكنت أكثر من ذلك سرورا وفرحا. وأود أن أراك ونكون وحدنا. وأنت ~~تعلم ما في ذلك من الصعوبة إذ أنا محاطة دائما بالستات. وإنها كلماتك انتزعتني ~~سويعة من بينهن، ورجعت إلى نفسي فكنت في مجلسي معهن تائهة عنهن بعيدة أفكر في ~~كلماتك المحبوبة. وانتزعتني بذلك من الألم الدائم الذي يثقلني. # هل تظن يا أخي حامد أنا معشر البنات سعيدات في ذلك السجن العتيق؟ إنكم ~~تحسبوننا دائما راضيات، ولكن الله يعلم علقم ذلك الوجود المر الذي نحتمله ~~مرغمين ثم نعود عليه قليلا قليلا كما يعود المريض مرضه وفراشه. ms130 # أي فتاة لا تذكر اليوم الأخير من أيام حريتها من غير حسرة إلا جامدة القلب. ~~ألا إنه اليوم العزيز عندي، ما ذكرته إلا وأسفت له. وتلك الساعة الأخيرة من ~~حياتي الحرة الشريفة وأنا أودع أبناء عمي هنا في القرية لأرجع إلى المدينة وأجد ~~قماش حبرتي جاهزا ينتظرني في البيت! ذلك الثوب الأسود ثوب الحزن ~~والأسى. # ولكني أحمد القدر أن بقي لي في الوجود قلب يحس معي ويحبني. وإنا نحن الضعيفات ~~كما يسموننا في حاجة لما نقوى به. ولنا من ذلك الأمل في الله وفي حب ~~المحبين. # اعذرني إن أطلعتك من خبايا نفسي على ما أنت في غنى عنه. وإنما جرأني على ذلك ~~أخوة ما بيننا وحبي لك وإخلاصك لي. # عزيزة # ياعزيزتي # نعم، إنني أريد أن أراك ونكون وحدنا. تلك أحلامي من عام فائت أريد تحقيقها ~~ويمنعني موقفك عن أن أصل إلى شيء من أملي. وها أنت ذي اليوم عليمة بما في صدري من ~~قلب مملوء بحبك، وأود من كل نفسي تلك الساعة التي نكون فيها معا ولا ثالث ~~لنا. # لقد أوقعتني بخطابك في حيرة ما أعظمها. كنت ككل الناس أعتقد هناء المحجبات في ~~دورهن، القاعدات لا يعملن شيئا أو توافه من الأمر لا قيمة لها ويحكين طول نهارهن ~~مثل تلك الأحاديث التي أسمعها أحيانا منهن. وها أنت ذي تقولين لي إنكن إنما ~~تعودنه كما يعود المريض مرضه. # حقا لا بد أن يكون للحساسة من السيدات غصة بسجنها. وإني لآسف معها أكبر الأسف ~~على ظلم حل بها من غير ما سبب. وأسائل نفسي ما هذا القضاء الذي حكم عليهن هذا الحكم ~~القاسي فأرتد على أعقابي غير قادر على جواب أجيب به نفسي. # لتكن إرادة الله ولنعمل معا للوصول لتلك المقابلة التي نرجو، وطوع أمرك قلبي ~~صرفيه كما تشائين. # حامد # أخي حامد # أخذت مكتوبك. يفكر الستات في الخروج بعد الغد مساء مع عمي إلى الغيط، وإن أنت ~~حضرت اليوم عندنا فهن لا شك داعوك، فهل تجعل من صحبتك أنيسا لي، ولعل جنح ms131 الليل ~~الأمين يساعدنا ويسعدنا. أبحث عن الوسيلة التي تمكننا من غرضنا، وأحسبني واصلة ~~إليها قريبا. وكل أملي أن السماء التي أعتقدها راضية عما في نفسينا تكون في ذلك ~~نعم المعين. # دعني الساعة في هنائي بالحاضر وحلو كلامك العذب. لا تذكرني الحجاب فذكراه تفسد ~~طعم العيش. ما جلست مرة أفكر إلا عاودتني آلام لا قبل لي بها. لذلك عودت نفسي أن لا ~~أفكر فأقبل قضاء الأيام كما هو من غير ما بحث فيه. إلا أنني أذكر ساعة تقطع فيها ~~قلبى أسى حين استعدت أمامي السبب الذي من أجله يحجبوننا. وقد دخلت خادمتي متهللة ~~فرحة راجعة من الهواء العظيم في المزارع الواسعة وتقول في ابتسامتها: (كم كان حلوا ~~غروب الشمس هاته اللية). ما لي أنا يا بنية وغروب الشمس وشروقها! قد وجد أهلي في ~~نقوش الحيطان ما يكفيني. يا عدالة السماء؛ هل من أجل هؤلاء السذج خلقت غروب الشمس.. ~~لا لنا؟! # لأترك كل هذا الساعة فذكراه تؤلمني وأنا لا أريد. إن سعادتي بك تمنعني أن أفكر في ~~الألم. والحمد لله قد عودنا عيشا وأصبحنا أمامه جمودا! # آه يا حامد! لو تعرف الوحدة التي نشعر بها ونحن بين أهلنا وحيطان دارنا وقلوبنا ~~تتأجج بالنار في صدورنا ونضطر لكتمها وإخمادها حتى تموت، وقد تأكل من وجودنا أعزه ~~وأحلاه! # تعال سريعا، أو فاكتب لي، فكلماتك الدواء لابنة عم إن أنت تركتها تولاها ~~اليأس. # عزيزة # عزيزتي # بالله لا يدخلن لنفسك شيء من الحزن فذلك يحزنني. كوني سعيدة مقدار ما تشائين. ~~وإني لك الدائم العهد ومن أجلك أعمل المحال لتنفيذ ما تريدين. وأجرؤ هاته المرة ~~فأضع قبلة على ثغرك الجميل. # حامد # أحست عزيزة بتلك القبلة اللذيذة وعراها الذهول، وخيل إليها أن حامدا أمامها ممسك ~~بيديه يديها ويقبلها. ما أحلى ذلك الحلم الذي حلمته من قبل مرات لأشخاص محبين لا تعرف ~~لهم أسماء ولا أين هم! ذلك الحلم الذي يشغل كل فتاة في وحدتها حين ترى أنها منفردة ~~مهمومة وتريد أن تضم إلى قلبها ولو من الخيال قلبا ms132 يسليه ويعزيه. # ولما فاتت ساعة الظهيرة ذهب حامد إلى حيث صاحبته وسلم. وجلس فأخبره بعض السيدات ~~بفسحتهم التي يريدونها ودعونه أن يكون معهم، فقبل الدعوة متهللا. # خرجوا جميعا بعد الغد، حامد وعمه والسيدات، وسار هو إلى جانب جماعة منهن، وعمه إلى ~~جانب، والكل سكوت أو يهمسون بين شفاههم ببعض الكلمات، ويخبرون عزيزة ببعض مساكن البلد ~~وأصحابها. فلما صاروا بعيدا عن جدران القرية ابتدأوا يتكلمون بحرية! وصغيرة من بينهم ~~تسير مع كل من الجماعتين قليلا. والقمر يخطر في السماء كأنه عروس تجلى، ويرسل وسط هواء ~~الليل الساكن الحلو بلجة النور العظيمة يغرق فيها كل موجود. وعلى مقربة تبين الأشجار ~~تحت ضوئه مخوفة قد مدت ظلها الهائل على الأرض فغطت به قطعة ليست قليلة من شجر القطن ~~تحسبه سكران بلذة هاته الساعة البديعة خائرا تحت سلطان جمالها. والسكة عن جانبيها ~~المصرفان تذهب ممتدة مع البصر حتى يقصر دونها. # ثم افترقوا جماعات فسار عمه مع سيدتين من أخواته، وسيدتان أخريان سارتا وحدهما، وحامد ~~وعزيزة وخالته والبنت الصغيرة معا. أما عمه فجعل يرى من معه حدود الغيطان وأسماء ~~الملاك والمستأجرين منه. وهما فرحتان جدا كلما رأت عيناهما زروع أخيهما وإيجاراته. ~~أما السيدتان الأخريان فكانتا تتحدثان في حديث طويل: ~~- قال وأم السعد جايه النهاردة تقول إن جوزها كان بيقاتل حسنين أبو مخيمر، قام حسنين ~~ضربه لما طفحه الدم، وعايز حبة مورد علشان يطيب. ياخويه الناس دول حايفضله عبط لإمته! ~~وهو المورد بيطيب الجروح؟ ~~- والنبي يا زمزم يا أختي الناس دول مساكين. ربنا ما يفرجش عليهم بحاجة يكلوها وإلا ~~يشربوها إلا لما يطفحوها دم صبيب لقدام. بالك يا أم أحمد اللي زي ده لو ما كنش ينضرب ~~عمره ما يعرف المورد ده يتاكل والا ينشرب! # ولما رأت خالة حامد أنهم جميعا سكوت انضمت إلى الست أم أحمد وصاحبتها ~~وسألتهما: ~~- مين منكم سمع صريخ مراة حسنين أبو مخيمر الليلة. ~~- حسنين أبو مخيمر! ليه؟ ~~- يوه؟ دا مسك مراته فضل يضرب فيها هيه هيه لما قال بس.. قال يا ms133 ستي متقاتل ويا جوز ~~أم السعد وبيقول (والله إلا هلكته الكلب.. بس إياك عاد هو يفتح حنكه) هي ردت عليه ~~وقالت: (ليه يا شيخ. الطب أحسن) هو سمع كده وعفاريته طلعت (وأنت رخره يا بنت ال.. جايه ~~وياهم) وشال ايده في الهوا وراح سافخها كف نزلت في الأرض روحها سارقة. وهو من شطارته ~~ينط في بطنها بالرجل ويقول لها (قومي يا بنت ال.. بلا مكر) قول وبعدين أبصر مين دخل ~~ورشوا على وشها ميه لما صحيت مبهدلة مسكينة بصت له وقالت (طيب يا حسنين برضه معلهش كتر ~~خيرك) ويا عيني خذتها نفسها راحت معيطة. صاحبنا إلا يشيل ايده في الهوا من تاني ويقول ~~لها (برضه بتعيطي يا مره يالايده) وراح سافخها بالكف ومن الناحية التانية وكمان كف ما ~~لحقوا الناس يحوشوا إلا بعد هي ما دبت بالصوت وراحت مرمية خالصة زي اللى حاتموت، وبعدين ~~خدت بنتها وراحت على دار أبوها. ولازم حايقدم بلاغ في حق الراجل أبو مخيمر. يبقى مقدم ~~بلاغين في حقه في ليلة. ~~- أعوذ بالله. يا اخواتي الناس دول وحوش. لاه. إخص. ~~••• # وتخلص حامد من الفتاة الصغيرة التي كانت معهما وصار وحده إلى جانب عزيزة، ولكن ماذا ~~عساه يفعل؟ إنه لا يدري ما يقول، وكل ما قدر عليه أن أخذ في يده يدها وقد علته حيرة ~~شديدة، أما الفتاة فلم تفهم لتلك الوحدة من طعم، وودت لو رجع إليها من يغيثها منها. ~~أليسا هما اللذين طلبا ذلك، وتفاهما عليه؟ فهل يتركان المصادفة تمر وهما حانقان ~~عليها. # ولكنهما معذوران. إنهما لم يحبا من قبل إلا في الأحلام، ولا عرفا تلك النظرات التي ~~بين المحبين إلا أن يكونا قرآ عنها في بعض الروايات التي تترجم لهما. وإنما يعرفان ~~الحياة الباردة، حياة الجماعة حيث ينقضي الوقت في الهواء، أو حياة الوحدة حياة الخيال ~~حياة الشعر. خير حياة بعد حياة الحب. # بالرغم من ذلك الإحساس في نفوسهما تريثا في مشيتهما حتى بعدا عن الجماعة. وما كان ~~حامد ليترك الوقت يمر وأن يكون ms134 التبلد أو الجمود هو كل ما يوحي به الليل الجميل وهواؤه ~~العذب منفردا إلى جانب محبوبته ممسكا يدها، فرفع إلى فمه اليد العزيزة ووضع عليها ~~قبلة هادئة ساكنة وقال: إحنا يا عزيزة مش حانعرف نكلم بعض. # فأطرقت هي إلى الأرض لا تحير جوابا، وكأنها تفتش في كل وجودها عن داعية ذلك ~~الانفراد الذي يبغيانه من زمان فلا ترى له سببا، ثم نادى بهم عمه فلحقه الباقون وخفف ~~عنها حين جلسوا جميعا على جسر الترعة مسطوحا تحت النور، وبينه وبين الماء الذي ينساب ~~وتتلوى على سطحه موجاته - لامعا عليها عاشق السماوات ببديع صورته - يقوم الحشيش الأخضر ~~نائما بعضه على بعض في جوف الليل ومستحما بالماء تحته والنور من فوقه. جلسوا يتحادثون ~~وفردوا أمامهم بعض فاكهة وحلوى مما يأكلون، والكون من حولهم ساكن أخرس لا صوت فيه ولا ~~رنين، وكل شيء ممتع بتلك الساعة الهامدة ران بعينيه لعين القمر. # قضوا زمنهم في معروف القول، ثم قاموا والسيدات آسفات على الساعات اللذيذة سريعة المر ~~يرين فيها تحت جناح الليل الموجودات التي لا يعرفن ويسرن بين المزروعات الناضرة لحظات ~~لتضمهن الجدران أشهرا. وهكذا رجعوا إلى منازلهم والوقت أمسى متأخرا عن عادتهن. # فلما كان الصباح، وقد قامت عزيزة من مضجعها قضت فيه ليلة ساكنة، ونوما هادئا جلست ~~تستعيد لنفسها الليلة الماضية وتلك الساعة التي انفرد بها حامد، وقبلته التي وضعها على ~~يدها لا على ثغرها كما وعد في آخر جواباته. ثم ذلك الذهول الذي كان يصيبها حتى عدت في ~~نفاد تلك اللحظة نجاة من ورطة كبيرة. وبعد أن بقيت مدة ليست بالقصيرة تتأمل في ذلك كتبت ~~لحامد: # أخي حامد # أبعد ليلة الأمس لا تزال تحبني؟ إن قلبي يوحي إلي بمقدار ما بعث به لنفسك ~~سكوتي إلى حد التألم ساعة انفرادنا. وأحس الساعة أني لا أستحق حبك. ما لنا ~~جماعة الدفينات وللحب! إنما نحن في ظلام نتلذذ منه بخيالات لا وجود لها.. وأنا ~~الأخرى لا أريد أن يبقى لي من ذكر عندك. كلا! لا أستطيع أن ms135 أحتمل ذلك وأحملك ~~به. إنها لخطيئة أن تحب من ذهب بها أهلوها للدير، ولسنا أقل تبتلا من هاتيك ~~الراهبات وإن كنا أقل عبادة. # انسني يا حامد إلى الأبد، إنه جنون قام برأسي فكتبت لك في خطاباتي الأولى ما ~~كتبت عن غير قصد من غير أن أفهم ما كنت أقول. لكم جمال الوجود، لكم السماء ~~والزرع والماء والليل والقمر، فاحيوا ممتعين بهاته الأشياء وذرونا في صوامعنا ~~وسجوننا. # إني يا أخي بحياتي قانعة راضية أو مضطرة لأن أكون.. فدعني دعني.. لست للحب ~~وليس الحب لي. # إليك يا الله أضرع. أنت وحدك الذي تقبل التوبة من التائب. أنت سند الضعيف، ~~وأنا في حاجة اليوم إلى سندك، فاملأ قلبي من حبك أنت وحدك. # ما هذا؟ أي صوت أسمع؟ إن للشيطان الذي وسوس لحواء لسلطانا على نفس بناتها ~~وإنما يحتمين منه في كنف الرجال.. يالغواية الشيطان! كلا يا رب كلا. إنني لا ~~أريد سواك. # ذرني يا حامد أبكي شبابي لعل ذلك يطهرني عند ربي. إن لنا على صغرنا خطيئات ما ~~أكبرها! فاللهم غفرانك وعفوك. # انسني يا حامد.. انسني. # أختك # عزيزة # عزيزتي # ما هذا الذي أقرأ؟ لم كل هذا الأسى؟ ما كنت أحسب أن سيبلغ بك الأمر إلى هذا الحد ~~وأن تعدي في ليلة الأمس داعية لشيء ما. إنما كان سكوتنا من أثر سحر الجمال المحيط ~~بنا يذكي في نفوسنا حبها فلا نقدر على شيء غير السكوت. # تطلبين إلي محالا يا عزيزة، وأنا على المحال غير قدير. أيوم أرى أحلامي تتحقق ~~تريدين أنت أن تقضميها قضما؟ كلا، بل لننس كل شيء يقف في طريق قلبينا. # الحب أقوى مما كنت أتصور. ليس هو تلك اللذة نتذوقها إن شئنا ونصدف عنها حين نريد، ~~ولكنه سعادة تحتل كل وجودنا فنكون معها ضعيفين لا نقدر من أمرنا على شيء. # إن شئت أنت نسياني فما أنا لأنساك ما بقيت. أنت عندي كل الوجود، ومحال أن ينسى ~~الإنسان كل الوجود. # وكل قبلاتي الحارة على خدك وصدغك، وآمل مغفرتك خطأ الزمان، فأكون معه ms136 لك من ~~الشاكرين. # حامد # وبعد أسابيع وصل إلى حامد من مدينة.. حيث مقام عزيزة بعد سفرها هذا الكتاب. # أخي حامد # وداعي الأخير.. يقولون إنهم يحضرون في زواجي ب ... وبالرغم من أني لا أريد هذا ~~الزواج وعن ذكري الدائم لك فأنا موقنة أن إرادتهم ستنفذ رضيت أنا أم غضبت. كنت ~~بالأمس أسكب الدمع على شبابي الحاضر أريد أن أهبه لله، واليوم أسكبه على شبابي ~~الذاهب تتخطفه يد الشيطان. # عزيزة # نوته # كل هذه الخطابات منقولة من مذكرات حامد. # 6 ~~- لما تشوفي أختك سلمي لي عليها. # هذه هي الكلمة التي قالها حامد لأخت زينب ساعة أراد أن يرجع إلى البلد. والبنت بكل ~~أمانة أدت الرسالة لأول مرة رأت فيها أختها بعد ذلك. # ما أبعد عهد زينب بحامد الساعة! وما كان أحلى أيامها معه! تذكرت وهي في ألمها وأسفها ~~من يوم خاطبها زوجها بلهجة المستعطف لها أياما ماضية قضتها في لذة وهناء إلى جانب أحسن ~~الناس وأحبهم إليها ومن تهبه قلبها راضية لو لم يكن ذلك القلب البسيط الساذج لا يستحق ~~أن يهدى لحامد. # خرجت ذات يوم كعادتها ذاهبة بعشاء حسن الذي يسهر هاته الأيام عند القطن وهي أخلى ما ~~تكون بالا، وكأن الهموم والآلام والذكر القديم إذا تراكم كله ترك الفؤاد فارغا، وراحت ~~والشمس في أول توردها والهواء في سكونه يتهادى وسط فضاء الجو والطير تصفر في السماوات. ~~فلما ابتدأ الوقت يمسي والليل يحل محل النهار أخذت بعضها وقامت راجعة إلى البلد. # من يوم أن تسلم حامد رسالة عزيزة تخبره فيها بشأن زواجها وأنها لن تقدر من الأمر على ~~شيء، تولاه الحزن أولا، ولكن ما أسرع ما أحس بريح النسيان تهب فتمحو من قلبه كل أثر! ~~من أيام قريبة كان المولع بها يكتب إليها آيات الود ورسائل الحب. وها هو ذا يتركها من ~~خياله كل الترك دون تشبث ولا انتظار ومن غير ما ألم. ولقد وجد هو نفسه من الغرابة في ~~ذلك ما دهش له. لكن دهشته لم تكن أعلق بنفسه من حزنه. ms137 ولعل الأحزان الفائقة تثيرها ~~حادثة من الحوادث ويكون لها من الأثر في ماضينا ما يجعلنا نظنها حقا، تندثر سريعا ~~وينطفئ وهجها متى انتهت تلك الحادثة. كذلك لعل حب حامد الذي كاد يتلاشى أوائل الربيع ~~الماضي ثم بعثه حضور عزيزة من موته رجع إلى أحضان ذلك الموت من بعد سفرها. # بينما حامد راجع من المزرعة وبيده قيثارة يقلب عليها أصابعه أحيانا ويدعها ليسلم ~~نفسه لأحلامه أحيانا أخرى لحق زينب وهي ذاهبة إلى البلد من بعد أن أودعت عشاء زوجها ~~عنده. فلما كان إلى جانبها التفت وعرفها.. إنه من زمان بعيد لم يرها، من نحو سنة إلا ~~قليلا. كانت ذلك اليوم في ملابس البنات وغدفتها تترك للعيون اجتلاء محياها الجميل. أما ~~الآن فهي في ذلك الشكل الذي يحبه حامد، والذي يعطي سذاجة البنت الريفية حلاوة لا تقدر. ~~هي في ثياب أوسع، وبرقعها المرفوع هذه الساعة فوق رأسها وشاشها الطويل كل ذلك يعطيها ~~مهابة يداخلها شيء من الحزن. فلما تميزها مد يده ليضعها في يدها وقال: أهلا. سالخير يا ~~زينب. إزيك. ~~- ازيك أنت. سلمات إن شالله تسلم. ~~- مش مبسوطة كده. إزاي الحال؟ ~~- حال لبن. كتر خيرك. # يا للغرابة! ما هذه الأجوبة الساكتة المسكتة. ما عهده بزينب كذلك تتجنب حديثه. ولكن ~~لعل في الأمر شيئا. # وكلما تقدما في سيرهما تقضت باقيات النهار والبدر مستدير قد زاد لمعه في السماء، وإن ~~كان الجو المشغول بجنود النور والليل لا يدع لأشعته أن تلامس الأرض. ولبست الأشجار ~~حلتها السوداء فوق ورقها الأخضر، وتدثرت الأشياء بلباسها الأمين، والسائران قد سكتا لا ~~يقولان كلمة ولا ينبسان بحرف، والهواء يحيط بهما عذبا سائغا. # ثم من قلب أحاط به الهم وفاض عنه أرسلت زينب بتنهداتها في الهواء لم يصبر معها حامد ~~أن يسألها عن شأنها: إيه؟.. مالك يا زينب؟ ~~- مفيش! # كيف! وهل من الممكن أن يكون ذلك التنهد الصادر عن قلب محزون ونفس كليمة دليل لا ~~شيء؟!! أو أنه الهم يعرونا أحيانا لغير سبب نعلمه فنحس في قرارة نفوسنا بالألم ويشعر ms138 ~~وجودنا كله كأن به ما ينغصه ويفسد عليه لذته! حقا لقد يكون في جوار حامد لزينب ما ~~جعلها تأسى لغير شيء ... وإذن ألا يكون من واجبه أن يذرها إلى وحدتها حتى يراجعها ~~سكونها؟ # والليل يتقدم ونور القمر يتجلى رويدا رويدا على السكة والكون يزيد سكونا ~~وصمتا. # وصلا إلى ترعة في الطريق امتدت فوقها قنطرة، وعلى جانب القنطرة مصلى محاط بالطوف، ~~فسألها إن كانت تنتظره حتى يغسل يديه مما عليهما من أثر الغبار، وأن تريح نفسها قليلا ~~فتجلس حتى ينتهي.. فكانت أطوع له من يده، وبقيت ثابتة تنظر إلى السماء وتحدد نظراتها ~~نحو القمر، كأنما تريد أن تفهم ما يكنه ذلك الساهر من الآباد البعيدة، وما ينم عنه ذلك ~~الوجه الشاحب، وراحت بخيالها في العالم غير المحدود حيث يظهر كل شيء أمامنا تحيط به سحب ~~شفافة نلهو بها عما تحويه. وما كانت لتفهم أكثر من أي إنسان معنى ما يجول بنفسها، ولا ~~لتعرف غاية خيالاتها، بل هي تجول في عالم واسع تسري فيه أشباح لا تميزها ولا تسمع فيه ~~حسيسا. # وانتهى حامد من عمله، وقام فوجد زينب في تيهائها تضرب في بيداء أحلامها، فمن غير حركة ~~تنبهها وببطء شديد جلس إلى جانبها، ولف ذراعه حول خصرها، ووضع قبلة على خدها، ثم ضمها ~~إليه وسألها من جديد: أنت مالك يا زينب؟ # ولكن زينب اليوم ليست زينب القديمة. ليست هي تلك الطفلة الحلوة تحس في كل شيء بلذة ~~الحياة، وتبعث لمن يسألها هذا السؤال نظرات العطف والثقة. ليست الفتاة العذراء تدفع من ~~يضمها بيديها لترجع إليه وتعانقه من جديد. ليست البكر الحيية ناعسة الطرف، ثم المعطية ~~نفسها لمحب يريد أن تكون معه في عالم سعيد غير عالمنا!.. ولكنها الزوج المحملة ~~بالمسئولية الناظرة إلى الحياة بعين اليأس المتألم.. هي المرأة المحسة بواجبها نحو رجل ~~ائتمنها.. # تخلصت من يده، وبنظرة باردة دعته أن يسيرا معا في طريقهما، فالوقت ممس وهي لا تحب ~~كذلك أن يراهما في مكانهما أحد. # فتنهد حامد وقال: انت يا زينب نسيتيني ms139 ونسيت أيامنا اللي فاتت؟ ~~- لا، ما نسيتش. لكن أنا اتجوزت. هه. الأيام اللي فاتت فاتت! يالله نروح. # ثم تنهدت من أعماق قلبها تنهدا طويلا، وقامت، فسارا معا حتى افترقا عند مدخل ~~القرية، وقد لزما السكوت طول الطريق. # فلما وجدت نفسها منفردة عاودها الأسف على الأيام الماضية، أيام كانت بنتا لا تعرف ~~المسئولية التي تنوء بحملها. أيام كانت ترى في ابتسامة حامد سعادة لا تعادلها سعادة، ~~وتحس كأنه يحمل لها معه هناء يملأ به قلبها كلما قدم عليها آتيا من البلد. # كذلك ألا تقضي عليها واجبات الزوجية ألا تكلم إبراهيم إلا كما تكلم كل أجنبي عنها؟ ~~ألا تضطرها أن تنساه من قلبها؟ وألا تجعل لوجوده من أثر في حياتها؟ ولكن أنى لها ذلك ~~وما ذكرته إلا أخذها الشوق إلى عوالم تتوه فيها بين آمال وآلام؟!.. ما كانت تحسب الزواج ~~من قبل فظيعا إلى هذا الحد لمن يريد أن يقوم بواجبه. # والبدر في السماء يبعث من نافذة الغرفة اللجة الفضية تنطرح على الحصيرة، وزينب محدقة ~~إليه وهو ران لها، عراه الشحوب ويصب من رفعته نظرته الرقيقة العذبة إلى قلب الوالهة ~~المسكينة. # فى الرداء الكبير من شعاع القمر التفت زينب رائحة في عالم أحلامها وخيالاتها سارحة ~~بعيدا عن كوننا وضجته، وقد جاءت على ثغرها ابتسامة كأنها وجدت إبراهيم في ذلك الكون ~~الآخر ينتظرها. # ورجع حامد إلى الدار فكان أول ما وقع عليه نظره كتاب عزيزة الأخير مفتتحا بوداعها، ~~فوقف يحدق إلى حروفه مبهوتا ويكرر قراءته كأن به من مكنون المعنى ما لا ينم عنه ~~لفظه، وبعد أن قلب أوراقه مرارا وضعه مكانه، ثم ارتمى على مقعده، وأخذ كتابا جعل ينظر ~~في كل صفحة من صفحاته هنيهة ثم يتعداها إلى ما بعدها. وأخيرا تركه ووقف عند الشارع ~~ينظر إلى المحيطات ويطيل التحديق وسط ظلمة الليل كأنما يناجي الجمادات مما حوله. ولما ~~لم يطق الصبر خرج من جديد، فوجد والده وإخوته ينتظرونه، فأخذ مقعده بينهم وتناول طعامه ~~معهم. # انتهت سهرتهم حوالي الساعة الحادية عشرة على ms140 عادتهم بعد أن قرأوا الجرائد وناقشوا ما ~~فيها، فدخل كل إلى غرفة نومه، وراح إلى سريره إلا حامد فقد أمسك من جديد بخطاب عزيزة ~~يحدق إليه، وعليه علامات الأسى والأسف، ويطيل النظر لسطوره من غير أن يقرأ منها كلمة، ~~ثم يرفع رأسه نحو القمر، ويضم المكتوب إلى صدره وعينه كلها الاستعطاف، كأن للقمر من ~~السلطان ما يمكنه من أمله وينيله غرضه، ثم وضع الكتاب أمامه وألقى برأسه بين يديه ~~جالسا القرفصاء، ووسط ذلك السكوت الأخرس الذي حوله تحدرت من مآقيه دمعة سقطت على ~~ثيابه. # هذه الورقة آخر العهد بعزيزة والليلة آخر العهد بزينب. # كل شيء انتهى في الوجود. كل سعادة غادرت حامد. كل خير يفر من أمامه. مصادفة منحوسة ~~وبخت مائل! # لم يا رب كل هذا؟ أي ذنب جناه المسكين حتى يقضي عليه هذا القضاء القاسي؟ إنه رضي ~~بقليل، وقنع أن تكون محبوبته فتاة ساذجة كل عملها القراءة والكتابة وكل خبرتها الصبر ~~على الويلات والخضوع للقوة، وأعجب بجمال خلقته أمام عينه فتاه في عبادته. # ورفع حامد رأسه وأخذ في يده الورقة مرة أخرى، وتنهد من أعماق نفسه، ثم قام إلى سريره ~~وأطفأ النور، وجعل يعالج النوم، ولكن هيهات أن يطاوع النوم محزونا. إن هذا السلطان ~~القادر إله السكون والهجود، والرب العدل تتساوى أمامه حظوظ كل من دخل في ملكه يضعف دون ~~الفؤاد المشتت المهموم ولا يصل منه ولا إلى عزائه. # في هذه الغرفة السوداء ظلام كالقار، كل شيء صامت ساكن، وقلب حامد خفاق وفؤاده مضطرب، ~~كل شيء ممتع تحت ستار الحلكة ونفس حامد معذبة مسكينة. وكلما تقدم الوقت وزاد الوجود ~~هموما زاد حامد قلقا وكبر همه ولم يستطع إغماض عينيه. فلما يئس من أن ينام قام ففتح ~~نافذة الغرفة، فاستند إلى حافتها، وبقي من جديد يحدق إلى النجوم اللامعة في ثوب الليل، ~~وقد اختفى القمر وراء المنازل القاصية وهو من حين لحين يمسك ساعته بيده ليرى الوقت ~~فيها، فعلم أن قد بقي على الفجر ساعتان. # ساعتان في مثل هذه الوحدة ms141 طويلتان. والملال الذي يصحب الضيق قد أخذ بخناقه، فماذا ~~عساه يفعل؟ أضاء المصباح وجعل يروح ويجيء وسط المكان الضيق فلم يجده ذلك نفعا، فهو ~~لا يفكر في شيء، ولكنه مثقل بهموم لا قبل له بها، راح إلى سريره ثانية فلم يسعده الحظ ~~هاته المرة، ولا بمقدار ما أسعده في المرة الأولى، أراد أن يقرأ فلم تطاوعه نفسه أن ~~يفتح كتابا مما أمامه. أخيرا فتح بابه وخرج، ولم يسر إلا قليلا حتى رأى الخفراء على ~~مصطبتهم ممددين قد وضع كل بندقيته تحت رأسه وتغطى بدفيته أو ببشته، وأحدهم جالسا ~~مستندا على نبوت قد ركزه، فيممهم منتظرا من يسأله: «مين؟» حتى يجيبه، ولكنهم كانوا ~~جميعا في لجة القمر غرقى ذهابا في نومهم، وهذا الجالس يحسبه الإنسان يقظا وهو أسعدهم ~~بأحلامه وأهنؤهم نعاسا. # جلس حامد فيما بينهم وأخذ مكانه، فشعر به رئيسهم وقام مذعورا خيفة أن يكون بعض رجال ~~الدورية، فلما لم يتميز له اللبس العسكري هدأ باله، وفتح عيونه فعرفه ثم نادى: قم يا ~~محمد انت وفرج دوروا في البلد. # فقام فرج مستندا على نبوته، وسار وصاحبه الثقيل النوم. وقام حامد يدور البلد ~~معهما. # تقدموا في سيرهم إلى جانب المباني، وقد مدت ظلها وإن بقيت سطوحها يلمع على أحطابها ~~الضوء وهم سكوت، فلما وصلوا إلى حوشة نخل تفرق الخفيران عن صاحبهما قائلين: يا لله نشت ~~النخيل.. لازم موقع طيب دلوقت. # فتبعهما حامد وراح هو الآخر يبحث عن البلح الساقط على الأرض، فلم يكد يرى شيئا، ~~والخفيران انتهيا من مهمتهما فرجعا إليه وأعطياه مما جمعا؛ وسار ثلاثتهم يأكلون ~~ويتحدثون بصوت خافت، ويحكون عن الخفارة أيام الشتاء فرحين، يوقدون النار أمامهم، وينسل ~~واحد إلى بعض المزارع أو الحلل القريبة فيستل منها كيزان الذرة يشوونها ويبيتون في مثل ~~هذا وليس عليهم رقيب. # ووصلوا إلى مقثأة، فاتفق الخفيران أن يذهبا إليها فإن كان عندها أحد سألاه منها، وإلا ~~أخذا (زرين) من جنب السكة. ووجدا عندها من أجاب طلبهما (علشان خاطر سي حامد) الذي ~~شرفهم في مثل ms142 هذه الساعة من الليل، وهكذا بقوا عنده نحو نصف ساعة ثم رجعوا إلى دورتهم ~~فأكملوها، وكانوا عند المصطبة، والنهار يعبث بظلمة الأفق، والفجر مؤذن أن يلوح، وتركهم ~~حامد إلى غرفته وإلى سريره، وراح في نوم بقي فيه إلى ما قبل الظهر. # استيقظ وقام إلى مكتبه فرأى مرة أخرى كتاب عزيزة. # ألم ينس هاته الفتاة مرات ثم يأتي الدهر يعاكسه بها؟ وها قد أصبح واجبا ألا يبقي ~~لها في باله من ذكر، ومع ذلك يبعث كتابها لنفسه ألما، ويوقظ همومه وأحزانه! ما باله ~~بها متعلقا في حين كل جديد من الفتيات ينافسها في نفسه مكانتها؟ ألأنهم كانوا يقولون ~~له وهو صغير: إنه سيتزوجها، يبقى إلى هذه السن وفي رأسه مثل ذلك الجنون، ويحفظ لها ~~عهدا وموثقا؟ كم من صغيرات كن معه أيام طفولته ومنهن الجميلات! آه.. ولكنهن ~~فلاحات.. ~~«وداعي الأخير يا حامد».. ووداعي الأخير ياعزيزة. # وزينب هي الأخرى تركت حامد. ~~••• # جلس حامد مع أبيه وإخوته لطعام الغداء، وظلوا من بعده، يتحادثون حتى ساعة الأصيل، ثم ~~تفرقوا، فقام منهم من كان قاصدا المزارع، وآخرون راحوا يلعبون النرد. وحامد لم ير ~~وسيلة يفرج بها همومه إلا أن يركب هو أيضا إلى الغيط على أن يكون وحده، فأمر بحصان ~~أسرج له ثم ركبه وسار. # وصل إلى مزرعة بعيدة استغرق ذهابه إليها ساعة من الزمن، وقد ابتدأت الشمس تضعف، ~~والهواء العذب يحرك القلوب ويبعث إلى الموجودات حياة ونشاطا، والطرق الضيقة تنساب بين ~~الأقطان ثم تضيق قريبا أمام العين حتى ليخيل للناظر أن تلك اللجة الخضراء لا حدود لها ~~مطلوسة بالشجر ليس فيها فرجة أو بينها فاصل. ومن السماء الصافية يهبط سكون هائل يتوج ~~الوجود العظيم. # نزل من فوق جواده، ثم سار أمامه، فتبعه الجواد مطيعا وديعا، وبخطى بطيئة تمشى بين ~~الأقطان ينظر إلى ثمرها وهو على وشك أن ينضج، ثم لم تك إلا لحظات حتى نسي القطن ولوزاته ~~ووسواسه الأصفر الجميل، وذهب في أحلام متشعبة. # والشمس بعيدة تهبط مسرعة علتها حمرة الغروب، وقد توجت السماء ms143 والأرض بذهبها، وبعثت ~~للسائر قبلة الوداع. وحامد وحيد على هذا المستوى العظيم من الوجود تحده الآفاق ابتدأ ~~يقربها الظلام منه ، وهو مشتت يفكر فيما لا يعرف: في أشياء وأشخاص وأشباح. في عوالم ~~كثيرة فيها حركات وسكون، في موجودات لا يتصور ما هي، ولا يفهم مما فيها قليلا ولا ~~كثيرا، وهو يسير والحيوان يتبعه يشد لجامه أحيانا، ويدق الأرض برجله أحيانا. فلما ~~أفاق حامد لما حوله ورأى مقدم الليل استوى على ظهر الجواد من جديد واستحثه مرة، ثم ترك ~~له العنان. # ولم يبق للنهار من أثر، والجو قطب جبينه، والسماء اختبأت تحت حجاب الليل المقدم، ~~والبدر في وسطها يبعث بنظراته الوالهة إلى العالم التائه في تلك الساعة حين لا نهار ولا ~~ليل ولا نور ولا ظلمة ولا شيء يمكن تمييزه. نظرات تسيل هياما وعشقا لولا قسوة قلب ~~الكون لسال من أجلها أسى وحزنا. # ذهب حامد في أحلامه، ومد في بساطها ما يحيط به من الهدوء وما يبعث الهواء العذب إلى ~~قلبه، وراح بنفسه سابحا على موجات النسيم إلى عالم غير محدود حيث نضيع بكلنا ولا نمسك ~~منه بيدنا فتيلا. # هكذا قضى طريقه في أحلامه، حتى إذا ما وصل وقابله هواء القرية بما فيه من الخمول ~~والكسل، وما يشغله من ضجة الناس، لم يلبث فيه إلا قليلا حتى تناول عشاءه، ثم انقلب ~~راجعا إلى مزرعة القطن ذات طنبور البهائم، وفي يده قيثارته يتسلى بها إذا وجد الضيق ~~إلى نفسه سبيلا. # وصل إليها فوجد عندها واحدا من فلاحيهم، وإلى جانبه صغير من أبناء المستأجرين ~~الساهرين هم أيضا لسقي أقطانهم في الجانب الثاني من الترعة، وما لبث حامد أن جلس حتى ~~قام هذا الصغير ميمما مزرعته وعلى كتفه بشته يتقي به برد الليل. # لكن فلاحهم متعهد بتابوت آخر غير الطنبور قريب منهم يسمع زنه، قد استعانوا به هذا ~~الدور حتى ينتهوا من سقي القطن قبل البطالة ولا يضطر المالك لمرضاة المهندس بعد احتمال ~~متاعبه، فمد حامد بساطا ينام فوقه حين يحوجه النوم، وسمح للفلاح ms144 أن يرقب التابوت وينظر ~~في ترتيب الماء ويترك له الطنبور، وسيناديه ساعة يريد أن ينام. # والمزرعة كلها تموج بنور القمر ، والكون ساكن إلا من أحلام الليل. زن التوابيت وما ~~يحيط بها من الحركة. # جلس حامد منفردا يحدق إلى ما حوله وما يحيط به، ينظر إلى الماء يسيل هادئا في ~~الغدير، والنسيم العذب يحمله إلى خيالات حلوة، ويلبس كل شيء من الموجودات عنده شيئا من ~~البهاء والجمال، والبدر في السماء يهديه تحيته، ولكن حامدا عنه لاه لا يلتفت، والفضاء ~~أمامه هائل عظيم. # ثم بعد ساعة قضاها مطرقا تعاوده أحلامه رفع رأسه إلى البدر الذي لا يزال في عليائه ~~محدقا إليه، فرنا له حامد طويلا يناجيه ويستعطفه ويسائله، والكوكب العاشق لا ينفك ~~يرسل بنظراته الهائمة التي تبيت الخليقة تحتها والهة تشكو الجوى والوجد. # إيه ملك الليل وزينة السماء! يا مسعد الساهر يقلب في دجى الليل أحلامه، ويرجو في هدأة ~~العوالم ما يسكن شجنه فلا يزداد إلا ألما. إيه يا ساهر الآباد تبسم للمحبين وتبعث من ~~نظراتك العاشقة ما يزيدهم صبابة ووجدا، ومن قبلاتك الحلوة ما ينسيهم الكون هياما ~~ولوعة. إيه يا صديق المنفرد وعزاء الوحيد المستوحش. لم أنت هكذا شاحب وسط ملكك العظيم! ~~أضناك السهر؟ أم كدك الوجود والهوى؟ # يا بدر.. يا بدر.. ما أحلى طلعتك! ما أحبك لنفسي! يا معشوقي العظيم!.. كم رنوت بعينك ~~إلى عشاق عبدوك في وحدتك، وبعثت لهم من خدرك الرفيع قبلات وصلك فباتوا بلذتها سكارى! كم ~~من زروع باتت في لجتك بليل هنيء هادئ، تميل أحيانا مع النسيم فتتضام وتتعانق وأنت ~~عليها رقيب، والماء في الغدير ينساب إلى جانبها ساه عنها بنعمتك التي أسديتها إياه، ~~واللجين مددته على بساطه. # يا بدر.. # ها هم أولاء الأغنياء في نومهم، والفقراء في عملهم، وأنا وأنت وحدنا نتناجى وأستمع ~~وحيك. وها أنت ذا مطلع على قلب يحيط به اليأس من كل جانب، ولم يبق في الوجود من يملؤه ~~ويسعده. يا شفيع المحبين، هل لك في الشفاعة لبائس شقي؟! # وأنت يا ليل، ms145 بستارك أستتر. في صمتك أعلن وجدي وشكواي فلا يسمعني سميع. هجرني الناس ~~فهل لي في الأشياء من صديق؟! # خفف عنك يا حامد، فالخطب أهون من أن يبلغ بك اليأس.. إن فيما حولك من الجماد ما ~~يعزي عن بني آدم، وهاته الصوامت أحنى من قلوب الناس القاسية. # بقي حامد بعد ذلك محدقا إلى السماء، ثم أمسك بيده قيثارته، وفي نغمة محزونة - ~~انصبت في جوف الليل المهول - قلب عليها أصابعه، ونفسه وكل وجوده يسيل مع الصوت ويهتز ~~بطيئا بطيئا. وعلى هذا النحو قضى ساعة، كل انتباهه تائه هناك في غيابات الوجود ~~المختفي تحت القمر حيث ترن أصداء نغمته أو هو يستعيد في صفيره بعض الأغاني والمواويل ~~يوقعها وهو رائح بكله في تلك الساعة ناسيا كل ما سواها..وأخيرا وضع قيثارته إلى جانبه ~~وحول نظره إلى الماء جنبه يقدر في ما تحت طيات موجاته، أو هو يفكر في تلك القطيعة بينه ~~وبين عزيزة وزينب معا، وما أرادها منهم أحد. # كان هناك في الجهة الثانية، مستندا إلى جذع شجرة، العامل الذي مع حامد، وقد بقي ~~نائما من ساعة ابتدأ حامد تسليمه. فلما انتهى منه وسكت كل شيء، صادف ذلك وقوف الثور في ~~التابوت، فانتبه الولد شأن أكثر الناس يبقون في طمأنينتهم وهدوئهم ما دامت المحيطات بهم ~~على ما هي عليه، فإذا ما تغير شيء من شأنها انزعجوا مبهوتين، ولو كان ذلك التغير في ~~صالحهم. انتبه فقام فذهب إلى جهة الطنبور فوجده دائرا، ووجد حامدا على مقربة منه ~~جالسا، فرجع أدراجه من غير أن يزعج السارح في غيابات أحلامه. # والقمر قد ابتدأ ينحدر نحو مغيبه بمقترب الفجر. # لما طال بحامد الجلوس قام فجلس فوق الطنبور، ومن جديد جعل يقلب على قيثارته أصابعه. ~~ومن جديد رجع إلى سكوته، ثم أسند رأسه إلى عمود الطنبور بجانبه، وفي سويعة مملوءة ~~بالأحلام ذهب إلى سكون النوم. # تقضت بعد ذلك أيام. ففي مثل هذا اليوم من الأسبوع الذي بعده بينا حامد داخل في ~~المضيفة إلى غرفة الكتابة إذا الكاتب مهتم يكتب ms146 وواحد يملي عليه، ولما سأله عن ذلك، عرف ~~أنه كشف أنفار القرعة. فأخذه في يده وتصفحه. فوجد عليه اسم إبراهيم، ولكنه منفصل بعض ~~الشيء عن أسماء الآخرين، فاستفهم عن سبب ذلك، فعلم أن إبراهيم ذاهب للقبول ~~واللبس. # إذن بعد أيام سيترك إبراهيم البلد إلى حيث لا يعلم. إلى العاصمة أولا، ثم من بعد ذلك ~~إلى مجاهل السودان وخط الاستواء. # جلس حامد في المساء مع الساهرين ينتظرون الجرائد، فإذا شيخ البلد جالس من بينهم يحكي ~~عن أنفار القرعة. فلما تكلم عن إبراهيم أسف له، لأنه الوحيد الطالع هذه السنة، مع أنه ~~لم يخرج أحد من تسع سنين مضت. وبتجربته الطويلة حكم أن سيكون هذا الشاب في فرقة ~~البيادة. # هناك في مجاهيل السودان وخط الاستواء، سيزور إبراهيم جهنم، لا غازيا ولا فاتحا، ~~ولكن خادما مطيعا، هناك سيقضي أياما حلوة من عمره ثم يرجع ولا فخر له. # عما قريب سيترك قريته التي يحب وأهله الذين يحبونه.. سيذر تلك الأراضي الواسعة ~~تغطيها الزروع، يقوم هو بينها ليل الصيف، ويقف مستندا إلى فأسه يرقب البدر العاشق وسط ~~السماوات. سيخلف وراءه هذه الطرق تنساب إلى ما لا نهاية له، والغدران الصغيرة المتقلبة ~~الأمواج أيام الإدارة، الناشفة أيام الجفاف.. وسيترك وراءه قلبا داميا باكيا! روحا ~~كل بقائها على الأرض آمال فيه! فؤادا كليما ونفسا والهة. سيذر زينب تبكيه. سيذر كل ~~ذلك إلى الصحاري القاحلة المجدبة، ونار تصبها السماء من علوها تشوي بها الجلود.. إلى ~~عذاب شديد وما هو في ذلك بالغازي ولا الفاتح ولكنه الخادم المطيع! # 7 ~~- أنا مسافر مثل النهارده. # هاته هي الكلمة التي قدر إبراهيم أن يقولها لزينب ساعة قابلها راجعة من الموردة تحمل ~~جرتها مملوءة بالماء. وهاته الكلمة كادت تصعق لها زينب وتقع مغشيا عليها. # رجعت إلى الدار متمهلة في طريقها يكاد يغيب رشدها كلما استعادت أمام نفسها هاته ~~الكلمة. ولكنها بالرغم مما عراها من الألم استمرت حتى انتهت من أدوارها المعتادة، ثم ~~رجعت بجرتها فارغة والوقت مؤذن بالمغيب، فركنتها عند حرف الترعة، ونزلت ms147 وسط المزرعة حتى ~~قابلت إبراهيم، وهناك سارا معا حتى جلسا إلى جذع شجرة عند التابوت، واحتجبا بها عن ~~أنظار المارة ، وبقيا إلى جانبها سكوتا هما الاثنان، لا يستطيع أحدهما أن يفتتح الكلام ~~ولا أن ينظر إلى الآخر. # ثم من أعماق قلبه تنهد تنهدا طويلا وأخذ في يده يد زينب، ثم أعاد لها كلمته: أنا ~~مسافر مثل النهارده. # لم يبق لهما إلا أسبوع، وبعد ذلك يفترقان إلى أمد طويل، من يدري فقد يكون إلى الأبد. ~~فهل يجعلانه أسبوع سرور ولذة أو هما يقضيانه أسبوع دموع حارة وآلام قاتلة. # ما أبطأ الليل في نزول ستاره. ها هي ذي الشمس قد تركت وراءها نورا لم يتقلص بعد، ~~والسماء لا تزال زرقتها تلمع أمام العيون. # وسط الكون الأخرس المحيط بهما انحدرت من عين زينب دمعة حارة سقطت على يد إبراهيم الذي ~~لم يتمالك أن طوق بيده عنقها ثم سألها بنغمة محزونة باكية: مالك يا زينب؟ # ما لزينب اليوم؟.. ودعها إبراهيم! فأملها في الحياة يتقلص! كم تفعل في نفوسنا ~~الحوادث! وكم يهيج مثل هذا الفراق من الحواس ويضيف إلى ما عندنا أضعاف أضعافه! إنها ~~أحبت إبراهيم كل هاته المدة الطويلة، ومع ذلك جاهدت بكل قواها، وحفظت على نفسها شرفها ~~وعفافها، وقامت بواجب الزوجية مقدار ما استطاعت، ولكنها لا تقدر اليوم أن تبتعد عن ~~إبراهيم. كلا! إنها تريد أن تأخذ منه كل ما تقدر في هذا الأسبوع الباقي. تريد أن تضمه ~~إلى قلبها وتبكي معه. ما أقسى القضاء الذي يجور على فتاة حساسة كزينب، فيعاكسها في كل ~~آمالها، ويقلب عليها الحوادث كلها، ويذرها هكذا بائسة تعيسة ولا يجود عليها بشيء ما، ~~ولا بشعاع من أمنية سعيدة تجعل في عيشها من اللذة ما يحرضها على البقاء.. والليل وحده ~~شهيد على دموعها! # ولكنهما لا يستطيعان البقاء في مكانهما طويلا، وزينب مضطرة أن تكون في الدار لترى ~~أمر العشاء، فقامت وملأت جرتها ورجعت إلى جانب إبراهيم، والسكة خالية، واتفقا معا على ~~أن يتقابلا في صباح الغد. # بالرغم من أنه ms148 لم يبق لإبراهيم إلا أسبوع على السفر فهو لا يزال يعمل في المزارع ~~أجيرا كعادته، وإن كان قد انقطع عن سهر الليل. لذلك فموعده مع زينب في الصباح تحت هذه ~~الشجرة التي كانا عندها. # قضت زينب ليلتها ما بين أحلام وآلام، فلما كان الصباح وقابلته قصت عليه بعض ما رأت. ~~رأته في البراري سائرا وحده مطرقا برأسه والليل نازل وقد لبس كسوته السوداء، ثم يحدق ~~إلى ما حوله فإذا هو بعبد أسود عظيم مقبل عليه يحمل له ورقة، فلما رجع بها إلى العساكر ~~وقرأها بعضهم له جعل يبكي ويطيل البكاء، ثم رأت نفسها كذلك مضطجعة وإلى جانبها أمها ~~وأختها وحماتها وحسن وهي في بكاء تضرع إليهم طالبة أن يأتوها بإبراهيم. وكل من حولها هم ~~الآخرون عليهم آثار الجزع. وبعد زمان إذا بها وحدها ليس معها أحد تتلفت فلا تسمع ~~حسيسا. وأخيرا راحت في سكون لم تعد تفقه معه شيئا. # وكلما سمع إبراهيم كلام زينب وصور أمام نفسه مصيره هناك في مجاهل البلاد الجهنمية ~~حيث لا يعرف ما سيلاقي وحيث لا يفهم سببا لوجوده إلا أنه عبد مأمور.. تهيجت نفسه ~~مشمئزة متألمة وحنق ألا يجد بدلا نقديا يدفعه عن هاته العبودية من غير ما معنى ولا ~~ضرورة! لا يجد ما يشتري به حريته كما يشتريها غيره ممن يملكون النقد. # هكذا يفهم الناس معنى العدالة. من أجل أني غني أعفى من الخدمة العسكرية عندنا، ولأن ~~آخر فقير يساق برغم أنفه ليقاسي عذابها ويصلى نارها ويرجع منها موسوما بطابعها. # وظلا معا حتى اعتلت الشمس السماء، ورجعت زينب للدار حتى تذهب لحسن بغدائه. فلما كان ~~الأصيل وقد ابتدأت النساء الملية، إذا حامد سائر وحده عليه أثر التفكير العميق، فلما ~~رأى إبراهيم قريبا سلم عليه، ثم وقف وسأله عن حاله وماذا عساه يفكر في سفره، فأجاب ~~الآخر: والله آهو شغل بشغل، ولكن اللى مضايقني إني مش عارف رايح أعمل إيه: يعني يا سي ~~حامد حانفتح بلاد الغرب ولا نخش تونس في الضهر الأحمر. أهو إن ms149 كان هناك وإلا هنا ~~الانجليز فوق أكتافنا وهم الحكام. # فقال له حامد: ما علهش أهم شوية أيام وترجع. # ثم تركه وسار، وقد أعجبه جواب هذا الفلاح الساذج. لو أنه ذاهب لغزو وفتح لذهب مسرورا ~~منتظرا أن يرجع أوبة الفاتح المنتصر، ويحدث بأعماله وأعمال من معه، ويفتخر بقواد جيشه ~~وضباطه، لكن الحال أنه ذاهب ليقوم بصغائر الخدم تحت إمرة المتحكمين في بلاده.. فما أشد ~~ذلك إيلاما له! وما أقوى وقعه على نفسه! # ثم جاء إلى فكر حامد أن إبراهيم مخطئ في تقديره قصير النظر فيه. حقا إنه اليوم ذاهب ~~لأعمال دنيئة لا معنى لها، ولكنه يمثل على كل حال أمته وجيشها. وإذا لم يكن من الشرف ~~اليوم أن يكون جنديا فسيحفظ له الزمان أنه كان الصلة ما بين عظمة هذا الجيش القديمة ~~وعظمته المأمولة المقبلة. لكن إبراهيم الفلاح البسيط لا يفهم من ذلك شيئا ولا يستطيع ~~أن يفهمه. # وفي سيره المتمهل غاب عن نظر إبراهيم الذي وقف مكانه يرقب الذاهبات والراجعات وينتظر ~~أن يملأ الماء الفردة التي هو بها، ويرسل على كل ما حوله نظرات الوداع الأخيرة، على تلك ~~الأشياء العزيزة عنده والتي ستغيب عنه زمانا طويلا. # وكل يوم يلاقي زينب، ويتحالفان أن يبقيا على عهدهما إلى الأبد، أن تحفظ له في قلبها ~~ذلك الحب الذي يملؤه مهما جاءت به الحوادث، وأن يذكرها هو الآخر ولو بين دوي المدافع ~~وأنياب الموت الأحمر. ثم يبقيان معا في صمت وتستعبر عيونهما وكل يحدق إلى صاحبه حتى ~~يفترقا. # غدا يسافر إبراهيم. لذلك أعد له أصدقاؤه ليلة يقضونها معا ما بين حديث ولعب. فلم ~~يكد الغروب يجيء حتى ابتدأت ساحة الدار التي انتخبوها لذلك تضوي بالشبان والفتيات أتوا ~~جميعا يحيون صديقهم القديم تحية الوداع، وجاء في مقدمتهم حسن، وعامر، وحسين، ~~وإخوانهم. وبعد أن جلسوا برهة يتحدثون وصل عطية ومعه دربكته فهاص الموجودون، وأفسحوا له ~~مكانا. ثم استمروا في حديثهم، والليل يغطي بستاره السماء والأرض، ويبعث في الجو بنسيمه ~~العذب، والإخوان كلهم عليهم أمارات السرور والرضا. ms150 # والوقت يجري لمستقر له، وهم قد ابتدأوا ينقرون على دربكتهم ويصفقون ويرقصون كأنهم ~~يستقبلون وافد خير. فلما تقدمت السهرة ابتدأوا يرجعون واحدا بعد واحد من بعد كلم ~~الوداع لصديقهم المحبوب. وبدل تلك الضجة التي كانوا فيها خيم على المكان صمت بعثت به ~~هيبة تلك الساعة القدسية حين ينخلع القلب إذ يشعر بما سيكون في الغد، وأكثر إخوانه ~~تعلقا به قد بقوا حتى الآخر وجلسوا مدة يتذاكرون قديما، وينتظرون رجوعه في القريب ثم ~~جاء موعد الفراق فتركوه على أن يروه غدا على المحطة. # أما حسن فلم يتركه تلك الليلة بل بات معه، وكلما ذكر الواحد أو الآخر من الصديقين ~~الفرقة القريبة الداهمة تحدرت من مآقيه وسط الظلمة الدامسة المحيطة بهما دمعة حارة تنطق ~~وسط الليل الساكن بما يعانيه قلبه. ويفتح إبراهيم عينه يحدق إلى السماء السوداء يشكو ~~لها ما رمته فيه من فقر وما قضت عليه من فراق، ولكن هيهات للسماء في تلك الساعة أن تسمع ~~الشكوى! # إنه فقير، لذلك هو لا يستطيع أن يمسك بيده حريته. لا يمكنه أن يكون مع غيره على بساط ~~من المساواة أو قليل من العدالة. ليست عنده الحرية التي يمسك معها غايته بيده، بل هو ~~مسوق شاء أو أبى إلى موقف هو في أكثر الأمم عز وشرف، ولكنه في بعضها صغار وذل. هو في ~~الأكثر دفاع عن الأمة وحريتها ورفع لمقامها أن تمسه يد، وفي البعض خضوع لمتحكم ~~أجنبى وخروج على أهله وتسلط فوقهم من غير أن يريدوا عليهم سلطانا. # ولكن.. هل في الأرض أو في السماء عدالة ما دام الكون قائما وحركته دائمة، وما دام ~~فوقه غني وفقير وقوي وضعيف؟! إذن فعبث أن يطلب الإنسان العدالة أو يتألم مما يحيق ~~به من الظلم، فهو واقع به ما دام لا يقدر على دفعه، وإنما يتخلص منه في ذلك اليوم الذي ~~تمكنه قوته من الاستعلاء على ظالمه. # عبث إذن آلام إبراهيم وشكواه، وليس له إلا أن يصبر تحت تصريف الأقوياء والأغنياء في ~~حياته ورزقه حتى يجد ms151 من بني طائفته الفقراء العمال من يتعاون معه على دفع بلوى المجموع ~~والأخذ بالثأر من حكام الجمعية الغاشمين. ليس له إلا أن يبقى ساكتا حتى يأتي اليوم ~~الذي لا تضيع فيه كلمته من غير أن يسمعها أحد بل تكون حين ينطقها ذات رنين يقرع آذان ~~المتحكمين في رزقه ورزق أمثاله والقابضين على حريتهم جميعا، يقرعها فتفزع لقرعه وتتجه ~~نحو الصوت فتفهم ما يريد وتجيبه إلى ما يطلب. # ألأن إبراهيم فقير يقضى عليه بالنفي والإبعاد عن أمه العجوز قد مات زوجها، وهجرها ~~أكبر أبنائها اكتفاء عنها بزوجته؟ وعن أصحابه الذين يعبدون منه لطفه ورقته؟ وعن زينب ~~التي ترسل الدمع من قبل أن تفارقه، وعن المزارع الخضراء وقطنها وبرسيمها وأشجارها ~~وجداولها؟.. عن تلك اللا نهايات اليانعة ليقذف به في لا نهايات جهنمية من صحراء قفر لا ~~نبات بها وبين قوم وحوش. ولو ملك عشرين جنيها لوفر على نفسه كل ذلك. أي ظلم أكبر من ~~هذا الظلم؟! بل أي عدوان يعادل هذا العدوان؟! # لكن القضاء النازل لا محيص منه، وخير ما يعزى عنه الرضا به ونسيان محنته، كما أنه لا ~~فائدة من التسخط عليه. لذلك مهد إبراهيم نفسه للعسكرية، وجعل يحلم بما قد يكون فيها من ~~محاسن، وحين يرى البلاد الجديدة وما تقدم بأشكالها المختلفة أمام العين من الفروق ~~الدقيقة ثم طباع هؤلاء المجهولين الذين تحكى عنهم حكايات تكاد تكون حديث خرافة. وتعلم ~~ضرب النار والخروج مع إخوانه وبلدييه بكسوتهم المنتظمة، كل ذلك هون على نفسه بعض الشيء ~~وجعله ينام قبيل الفجر. # وفي صباح الغد اصطحبه حسن إلى داره فودع عمي خليل وزوجته وبناته في حين ذهب حسن ~~ليغير بعض ثيابه ويصلح من أمره. وطلعت زينب مع زوجها للغرفة ثم تركته ونزلت مسرعة ~~وكلها تهتز ولا تكاد تملك نفسها ويكاد البكاء يخنقها، وشعرت بمقدار مرارة تلك الساعة ~~القاتلة، ساعة الفراق بين المحبين. # لم يعد سبيل لمرآه بعد هذه اللحظة. لذلك نادت به إلى قاعة في الدار كأنما تريد أن ~~تحدثه في بعض أمرها، ms152 وما إن انفردت معه حتى أخذته إليها تعانقه وقد انهلت دمعتها وأحس ~~في وجودها بهزة الحزن، وراح هو الآخر إلى عالم الآلام. هل يفترقان إلى الأبد!؟ ما أشد ~~تلك الساعة على نفسيهما! وهذا العناق بينهما، عناق الوداع حيث يذهب أحدهما إلى فلوات ~~كلها المخاوف والآخر إلى ما لا يدري، إلى الأبدية والفناء. # خارت كل قواهما فأسند كل رأسه على ركبته ودمعهما يسيل ولا ينطقان. وفي تلك الساعة ~~الأخيرة تجسمت قداسة الوداع وهيبة اللقاء الأخير.. وبقيا على ذلك حتى سمعا صوت حسن ~~نازلا من فوق فعانقته ثانية وقبلته، وبصوت مختنق يجهش بالبكاء المر قالت له الكلمة ~~الأخيرة: مع السلامة. # ثم بقيت في القاعة والباب مقفل عليها، وحولها ظلمة المكان تترك أحزانها مطلقة العنان، ~~فراحت بكلها تائهة منقبضة الصدر قد أثقلها أسى من ذلك الذي يعتادنا حين تتناوبنا هموم ~~كثيرة لا ندري من أين أتت لأنها آتية من كل مكان! # وأخيرا، وقد بلغ منها اليأس مبلغه، هزت رأسها ونظرت بعيونها الملأى بالدمع إلى ما ~~حولها كأنما تريد أن ترى ذلك الأثر الذي خلف إبراهيم مكانه، تلك البقعة الطاهرة ~~المحبوبة التي كان جالسا فيها لآخر ساعاته معها. ذلك التراب الميمون الذي كان يلامس. ~~فرأت منديلا محلاويا كبيرا قد وقع منه فانحنت إليه وأخذته فمسحت به دموعها، ثم ~~قبلته مرات ووضعته على قلبها الآسي الحزين. # ومن محاجرها الجميلة تحت حواجبها الدقيقة تساقط الدمع مرة أخرى. ولو أنها نظرت إلى ~~وجهها هاته الساعة في المرآة لأصابها الذهول لما أظهره الألم عليه من الشحوب، وما غادر ~~خدها الأسيل من تورده البديع. لكن أنى لها أن تفكر في هاته الساعة في المرآة أو في ~~نفسها أو جمالها؟ إنها نسيت كل شيء إلا آلامها القاتلة. # أما حسن وإبراهيم فقد سارا معا إلى المحطة حيث وجدا كثيرين ينتظرونهما. وفي تلك ~~اللحظة الباقية على مغادرة صديقه لهم جعلوا يحدثونه، وكلهم آمال طيبة من أجله، ويرجون ~~عودته سالما. فلما أحسوا جميعا بالقطار آتيا من بعيد سلموا عليه وعانقه بعضهم، وضمه ~~حسن ms153 إليه طويلا. ثم إذا شيخ البلد قد أتى فأخذ نفر القرعة في يده وصعد معه في عربة ~~السكة الحديد فازدحم الجمع على نافذتها. فلما أعلنت القاطرة بصفيرها قيامها ودعوه ~~جميعا بكلمتهم الأخيرة، وأرسل هو على هاته الأراضي المقدسة المحبوبة نظرة الوداع ~~مملوءة آلاما وآمالا. # | الفصل الثالث # 1 # ما أحلى ليالي الصيف! وما أسرعها مرا! تسري بنا فتنسينا الحياة والوجود، وتبعث ~~لنفوسنا بطيبها أكبر الهناء. ولو أن الأماني تجاب لكانت كبراها استدامة هاته الليالي ~~الزاهرة حيث كل شيء جميل ذاهب في أحلامه، وحيث البدر يحبو في السماء تائها هو الآخر في ~~خيالات حبه، والطبيعة الصامتة توحي بأصواتها نجوى الغرام إلى القلب، والفلاح الساهر ~~يرسل في سلاميته في جوف الكون نغمة رقيقة كلها الوجد والجوى. # ولكن الأيام لا تقف عند أمنية، ولا يستحثها قلق الساهر الشيق يشكو آلامه، بل هي هي ~~الدائمة السير المتشابهة الخالدة تجري بنا على غير ما نريد، فتطوي وقت السعيد حتى لا ~~يحس به، وتتمطى أمام البائس فتزيد بؤسه مضاضة وإيلاما. # سافر إبراهيم لمنفاه، وكل ذنبه أنه فقير. وجاء الخريف لزينب بالهموم، وودت بعد ذلك ~~الفراق لو أنها أعطت إبراهيم نفسها حتى يكون لها من ذكرى ذلك عزاء عن لوعتها، ولكنها ~~اليوم تعاني الحسرات من غير عزاء. # أما حامد فقد انتهى بدفن كتاب عزيزة الذي شغله أياما، وابتدأ النسيان يجيء على كل ~~أثر لها في نفسه، ولكنه بمقدار ذلك النسيان كان يحس بفراغ في قلبه يزداد كل يوم، ويشعره ~~بالحاجة المطلقة إلى سد هذا الفراغ.. فإذا ما رأى فتاة عليها مسحة من الجمال اجتهد ~~ليتقرب منها، وعد فيها محبوبا جديدا، وإذا جاء الغد بأخرى نسي تلك وتعلق بهذه. ~~ويتنقل قلبه من واحدة لأخرى كما تتنقل النحلة من زهرة لزهرة، ولا يدري أيا يحب وأيا ~~يترك، حتى تقلب على أكثر من عشر. أخيرا رأى فتاة أخذ بلبه حسنها، فعاهد نفسه ألا ما ~~ثبت على الولاء لها، وكل يوم يمر يزيده تعلقا بها، وثقة من قلبه وتقربا منها. ثم ~~انقلب ms154 عنده الظن يقينا أن أكبر السعادات هو الاجتماع بها، وأن تكون له شريكة ~~الحياة. # ثم غابت عنه أياما كان في خلالها الوامق الكثير الذكر القائم الليل يناجي الكواكب، ~~ويسائل البدر عنها، ويرجو السماء ألا ما جمعته بها. فلما تلاقيا شعر ببرد يسري في جسمه ~~ويصيبه من أوله إلى آخره، ورأى كأن قد كان من قبل في حلم كاذب. هنالك شعر بأكبر ~~الألم. # أليست هي هاته التي أحبها وهام بها؟ فأي شيء غيره عليها وقد كانت إلى آخر يوم من ~~فراقهما أحب الناس إليه؟ ولكن القلوب قلب، والشباب أيام حب من أوله إلى آخره. فإذا ~~ما هامت الروح ورجعت فلم تجد حبيبها إلى جنبها فكثيرا ما تلجئها الحاجة إلى أن تستبدل ~~به غيره. # ثم جاء على حامد بعد ذلك جمود على كل شيء، وأمام كل شيء، وأصبح الكون أمامه باهتا، ~~وصار كأن لا قلب له. تمر الحوادث والناس والأشياء فلا يعبأ بها، ولا يهتم بما تكنه. ~~كل همه أن يبقى مستريحا ساكنا، ينام ملء جفنه، ويعمل ما يريد. ويترك ما يريده، ولا ~~يسأله إنسان حسابا. تطلع الشمس وتغيب وهو قد قضى نهاره متنقلا من بيته إلى بيت بعض ~~أصحابه أو سارحا فيما لا حدود له من تيهاء الخيال. ويجيء الليل معه بأخبار المساء ~~وجرائده، فلا يكاد ينتهي الناس من قصص أمور الزرع والماء وأسعار القطن ومن باع ومن لم ~~يبع حتى تنقلهم الجرائد إلى الأخبار العامة. فبعد أن يقرأ قارئ أسعار الكنتراتات ~~الأخيرة يجيء إلى الحوادث المحلية وأخبار اليوم، ثم تتلى أمامهم مقالات من أقلام كتاب ~~يمجدون، ثم يذهب هو إلى نومه ليقضي الغد كما قضى الأمس. وهكذا جعلت الأيام تمر ولا ~~يزيده مرورها إلا همودا. # يقلب في ضميره عله يجد ما يؤاخذ نفسه به، فلا يجد شيئا، ويعمل ما كان يأنف منه من ~~قبل فلا يجد الأسف إلى نفسه سبيلا، ولو أن الكون دكت قوائمه، والقيامة قامت، وجاء ~~النشور، وتجلى الخالق وعلا حتى بلغ الصراط لهب النار، وأسمعت من قصور ms155 الجنة مسمعات ~~الغواني لما كان أمام ذلك كله إلا هازا رأسه مستغربا ما يأخذ الناس من الوجل. # ولقد علاه الدهش لتلك الحال التي هو فيها، دهش ممزوج بشيء من الأسى العذب والحزن ~~الهادئ الذي يصيبنا ساعة لا نفهم أنفسنا أو ما يحيط بنا. فإذا جلس وحده وحدق بعينه إلى ~~الفضاء الهائل أمامه غاب فيه، وعلى ثغره الذاهل معنى الاستسلام المطلق، وكأنه يرى ~~غريبا وجوده على الأرض؛ وإن هو سار ذاهبا إلى المزارع صاحبه ذلك الذهول عينه، فمشى ~~بخطوة بطيئة رتيبة متخذا أكثر الطرق انفرادا ووحدة، وإن صادف وجوده على طريق عامرة ~~راح منها إلى الناحية التي لا يسلكها إنسان. وإذا كلم أحدا كلمة وكله السكينة ~~والهدوء. # ها هو ذا عيشي طيب راض، والحياة أمامي سهلة هينة، ولا أسف عندي على ماض ولا حاضر. ها ~~هي ذي الأيام تنساب أمامي هادئة ساكنة متشابهة، وها هو ذا الوجود من أوله إلى آخره لا ~~يثير مني ذكرا ولا يحي عندي شجنا. اللهم لا أمنية أطلب، ولا ذنب أستغفر عنه، ولا حاجة ~~لي إلا أن تبقى الحال كما هي حتى تجيء الساعة التي أترك فيها الأرض وإني لا أستعجلها ~~ولا أراها تسرع نحوي. هي ككل الساعات التي تمر والتي يموت فيها أناس ويولد آخرون ~~وتملؤها الضجة الدائمة التي تحيط بي. # الأمس واليوم والغد كلها واحدة، والسابق منها دليل اللاحق. ومهما يكن في المستقبل من ~~الغيب فما هو إلا كالذي تقدمه والذي كان غيبا مثله، وإنما لك الساعة التي أنت فيها. # نعم لنا الساعة التي نحن فيها، وخير ما نقضيها فيه أن نرقبها تمر، ونكون أهدأ منها ~~بالا. لم يشغل الناس أنفسهم بأشياء لا ثبات لها أكثر مما تشغل هي نفسها بها؟ وهل ~~يعتقدون أن اهتمامهم بها وعملهم فيها يزيد حظهم سعادة أو رضا؟ كلا! وإنما هي الحياة ~~تسحرهم بمشاغلها وتشغلهم حتى لا يروا حقيقة أمرها وشكلها الفظيع. # أما أنا فراض اليوم، لا حبا في الحياة، ولا طمعا في الاستزادة منها، ولكن لأن ~~الفرح بها ms156 لا يزيدني سعادة، والغضب عليها لا يخيفها مني، ولا يجعلها تقدم لي شيئا ~~جديدا. # أنا راض بها وهي الأخرى راضية بي . وما دمنا على وفاق فإنا نسير معا حتى تجيء الساعة ~~التي يمل أحدنا صاحبه فيرفضه، وينفصل الآخر عنه، وأروح أنا إلى عالم آخر ساكن لا ضجة ~~فيه ولا حركة ولا حساب فأكون أكثر هدوءا مني اليوم، وتنتقل حياة هذه الأرض إلى غدها ~~وبعد غدها لينفصل عنها قوم وينضم إلى حزبها آخرون. # بقي حامد على هذه الحال من عدم الاهتمام بما حوله والجمود أمام كل شيء أياما طوالا ~~كانت عنده أيام لذة وهناءة حقيقية، لذة غير هاته التي نخلقها لأنفسنا بما نهيجه فيها من ~~العواطف ونثيره من الإحساسات، أو بما ننيلها فيها من لذات الخيال التي تصورها لنا ~~أحلامنا، ثم تنقلنا إليها لتخفف بعض الشيء من بؤسنا ويأسنا، بل لذة تلمسها اليد وتجيء ~~إليه تلفه هي في ردائها، فيشعر معها بالرضا والنعيم ولكنها لا تهمه أكثر مما يهمه أي ~~شيء آخر. # كان يخرج أحيانا إلى المزارع ساعات الأصيل، وشمس الخريف مريضة ترنو للكون الذاهل في ~~ذبوله ومشيبه بعين جمعت مع العطف والاسترحام، ومع الإشفاق الوجل، ويسير بين زروع ~~القطن الأجرد الأسود والذرة قد خلع أوراقها من يريدها طعاما لأنعامه، أو هي تدلت إلى ~~جانبه قد أتى عليها الموت، ويسلك طرقا كانت محببة إليه، ولها عنده من الذكرى ما لا ~~ينساه حياته، فلا يهيج ذلك من نفسه شيئا، ولا يحدث عنده أثرا. # ولكن هذه الحال ليس من طبعها أن تستمر. ومهما جلبت لنا من السكينة فإنا لا نرضى ~~البقاء الدائم فيها كأنا نساعد الوجود على مضايقتنا. أو أن المرء لا يستطيع أن يعيش من ~~غير آلام وآمال يملأ بها حياته. # أحس حامد كأن أيامه فارغة خيالية، وأن عيشا كل أمرنا فيه أن نبقى كذلك سكوتا أحرى ~~به أن يهجر إلى السكون الأكبر الخالد، سكون الفناء. وبذلك بدأ يجاهد ليخلق لنفسه مشاغل ~~شتي يتسلى بها عن ضيقه، فهو يذهب للمزارع ويراقب العمال ms157 ويرى الزرع، ثم يرجع إلى ~~الدار فيبدي لناظرهم ملاحظاته، وينبهه إلى مواضع الخطأ في العمل، وصار يجد في ذلك من ~~السرور ما لم يكن يعرف من قبل. فلما كان في بعض الأيام - وقد ترك البلد لساعتين بعد ~~الزوال، وسار مع أخ له سارحا إلى المزرعة، والشمس إذ ذاك قوية يتنزل شعاعها تصهر به ~~الأرض - رأى عن بعد امرأة راجعة، وعلى يدها ما بقي من غداء صاحبها العامل، فسأل أخاه ~~أيعرفها؟ وحددا نظريهما نحوها حتى تبيناها زينب راجعة بعد غداء حسن، فشعر حامد كأن ~~شيئا يهزه، وتمهل في خطاه إلى أن تلاقيا، فأهدته هي التحية مستمرة في طريقها، وردها ~~عنه أخوه، ثم سارا كما كانا من قبل حتي وصلا صامتين ساكتين. # ثم التفت أخوه نحوه وقال: فاكر يا حامد من قبل زينب متتجوز يا أخي البنت دى زي اللى ~~بترفع وكل البنات لما بيتجوزوا بيتخنوا. # وصلا إلى غايتهما، وجلسا تحت شجرة قائمة على شاطئ الترعة، وجاءهما العامل القائم يسقي ~~هاته الأراضي يعدها للبرسيم، فسلم عليهما، وسألاه إن كان ينتهي من عمله ذلك النهار، ~~فأجابهما إيجابا، ثم راح لعمله، وبقيا يتحدثان وينظران للماء ينساب إلى جانبهما، ~~والسماء الصافية منشورة فوقهما، وبعض العصافير تنط أو تطير حولهما. ثم جاء عليهما سكوت ~~ذهب كل منهما فيه إلى أحلامه وخيالاته. ~~«فاكر يا حامد زينب قبل ما تتجوز» - هذه هي الكلمة التي عادت مرارا إلى نفس حامد، ~~ولم يستطع معها أن يفسر ما تحويه من قديم الذكر، أو ما يجول بصدره من الإحساسات. ولم ~~يقدر على البقاء طويلا بالمزرعة، لأن سكونها واستسلامها يكاد يقتله. فطلب إلى أخيه أن ~~يرجعا حتى إذا كانا في الدار صعد إلى غرفته وأغلق بابها عليه. # زينب متزوجة اليوم، وبهذا تحتج كلما ذكرها بالماضي. ولكن ماذا يهمه لو كانت ~~متزوجة. لا بد أن يأخذها بين ذراعيه، ويضمها لصدره، ويقبل كل موضع في جسمها. كلا. إنه ~~لا يستطيع البقاء بعيدا عنها، وليس في طوقه أن يعيش من غيرها. # إن حياتى مستحيلة إذا لم ms158 أحس بها بين يدي. كفى خيالاتي وآمالي الماضية التي لم أخرج ~~منها بشيء، ولا بد أن أعمل جهدي لمقابلتها وحيدة، ثم أمسكها وأضمها إلى وآخذها لنفسي. ~~ما دمت أحبها وهي تحبني فأنا لها وهي لي. # وما الذي يبعدها عنه، أو يمسكه عنها؟ ألأن بينها وبين حسن عقدا يقال إنه يربط ~~أحدهما بالآخر؟ وهل تستطيع العقود مهما تكن أن تحرم الشخص من التصرف في قلبه، وأن يتركه ~~حرا يذهب لمن يشاء؟ وما دامت الطبيعة قد كونت اثنين ليكونا معا فإن عبثا وحمقا ~~أن ينظرا لغير ذلك الاجتماع، أو يهتما بما يكون من نظر غيرهما له، أو أن يعوقهما عن ~~إتمامه عقد لا قيمة له في الواقع، وإن احترمه الناس وقدسوه! وظل زمنا في غرفته متهيج ~~الأعصاب، مضطرب النفس، يصمم في كل لحظة على مقابلة زينب، وعلى أن يفتح لها قلبه، ويعترف ~~لها بما يقاسي من أجلها فتقر هي الأخرى بحبها له، ثم يتعانقان ويبكيان، وهكذا ~~يبقيان.. ~~••• # انحدرت الشمس، وابتدأت السماء تعد نفسها لرداء الليل، وجعل كل شيء يدخل عالم الظلام ~~رويدا رويدا، ثم سمع حامد من ينقر على بابه وينبهه للعشاء. ولكن أي طعام ذلك الذي ~~يأخذه؟ وهل يستطيع أن يأكل أو يشرب قبل أن يحقق كل أمانيه؟ # ثم سمع والده يسأل عنه، فهدأ من نفسه حتى لا يظهر عليه أثر، وخرج فحيا الموجودين، ~~وجلس على المائدة وهو لا يكاد يأكل شيئا. فلما انتهوا من طعامهم انكفأ خارج الدار ~~هائما، فأنذره الليل أن تلك ساعة هجود للعمال المتعبين طول نهارهم، وأن زينب هذه ~~اللحظة في أحضان زوجها. # في أحضان زوجها؟! ما أقساك يا ليل! زينب في أحضان زوجها، وفي أحضاني أنا الأسى ~~والألم؟! لم يارب جعلت يوم رأيتها بعض أيام حياتي؟! وهل من طريق الآن إليها؟ # لا طريق في هذا الليل إلا أن ننتظر صبحه. فلما بزغت الشمس كان حامد نائما في مرقده ~~بعد ليل أكده وجاء على قواه، ولم يقم إلا والنهار في ساعة الزوال أو يكاد. فأخذ طعامه ~~وحده، ms159 ثم خرج إلى جهة المزارع حتى إذا كان على مقربة من أرض أبويا خليل جلس إلى ظل شجرة ~~ينتظر أن تمر زينب كعادتها. جلس ولا تصميم عنده ولا عزم على شيء. ولو أنه رآها هاته ~~اللحظة أمامه لما زاد معها على إلقاء التحية أو ردها، ثم يتبعها بنظره مدة من الزمان. ~~ولكن السكون المطلق المحيط به وتحديقه إلى الجهة التي تجيء منها سمح له لأول ما رآها ~~قادمة من بعيد أن يثبت على شيء، فقام متمهلا يروح ويجيء في ظل الأشجار حتى إذا كانت ~~عنده، وألقت عليه تحيتها، سار إلى جانبها، ولم يمهلها أن فاتحها الحديث: انت نسيتي يا ~~زينب أيام زمان؟ # الله! ما هذا الذي لا تنتظر؟ وأي جديد حدث حتى جاء بحامد هنا يكرر لها هذا الكلام بعد ~~أن تركها الزمان الطويل؟ أو لم يسألها مثل هذا السؤال مرة من قبل؟ وماذا عساه يريد ~~منها؟ # ثم أجابته: لا ما نسيتش لكن أنا اجوزت. # وقبل أن ينطق حامد بكلمة أخرى أحس بالمضاضة والذلة التي تصيبه من أي اعتراف أمامها ~~بما في قلبه. بل ألا يكون ذلك خبلا وجنونا؟ ثم هل يحتمل ما يقول الناس عنه وما ~~يلفقون من الأكاذيب؟ # ومن غير انتظار، وبلا سبب تعلمه زينب، وقف وأمسك يدها كأنه يسلم عليها وقال لها: ~~اقعدي بالعافية يا زينب. وإن شاء الله تكوني مبسوطة مع حسن. # ثم انحرف إلى طريق آخر راجعا إلى الدار، ودخل غرفته من جديد. ولكن هذه المرة دخل وهم ~~يحس بحزن وسرور في آن واحد، لأنه صمم على ترك كل هذه الإحساسات الفارغة التي تنتابه من ~~ورائها الآلام، ليعيش في نفسه ولنفسه، وأن يكفر عن كل ما فات بكل طريقة ممكنة. # إنه قضى سنيه الأخيرة بين آمال وأحلام كاذبة مشوبة بأطماع أحرى بمثله أن يكون أكبر ~~منها. وهل إنسان يبلغ به الأمر أن يكون أكبر غاياته مقابلة فتاة أو الجلوس إليها ~~ومحادثتها لأنها أعجبته إلا إنسان صغير النفس والعقل معا؟ وأدهى من هذا وأمر أنه ~~يتنقل ms160 كل يوم من واحدة لصاحبتها، وينسى الأولى لمرأى الأخرى، فإذا غابت رجع إليها، وإن ~~رأى غيرهما من بنات جنسهما هان عليه أن يرتمي في أحضانها ويسلم وجوده إليها. # تأتي عزيزة إلى البلد فيعد لقاءها أكبر الأماني، ويتغنى بذكراها ويأتي على محاسنها، ~~ثم يكتب إليها خطابات كلها الحب، ويشكو ما عنده من الجوى واللوعة. فإذا هي تركت البلد ~~رجع إلى زينب والتغزل بها ومقابلتها وسؤالها عن الأيام القديمة. وإذا قابلته في العاصمة ~~فتاة حسب فيها محبوبا جديدا، فتمشي إلى صدره هواها، ووجد من العذوبة في سماع ألفاظها ~~وفي النظر إليها ما ينسيه كل شجن... ما هذا كله؟ وأي قلب قلبه الذي يسع حب كل هاتيك ~~الفتيات الناضرات والزهرات اليانعات أمام عينيه؟ أم أن لكل شهر من شهور السنة، بل لكل ~~يوم من أيامها من الأثر فيه ما يوجه إحساسه إلى جهة جديدة؟.. كلا. ذلك مرض عالق به ~~متأصلة جذوره في نفسه. وأعماله تلك مظهر من مظاهر مرضه العضال. ~~... أو أن عاطفة الحب التي تتمشى في صدور الشبان والشابات، ولا تني عن إقلاقهم جميعا، ~~وعن أن تدفعهم للبحث عن تلك الروح التي كانت أخت روحهم في الأزل ثم فارقتها أول ~~الخليقة، وتبحث عنها هي الأخرى من غير كلل ولا ملال، هي التي تعذب هذا الشاب المسكين ~~أغلقت أخت روحه وراء الحجب لتنال نصيبها من العذاب في سجنها.. نعم هو هذا!.. إذ أن ~~شخصا كحامد، هادئ الطبع ميال إلى السكون ثابت رزين، لا يمكن أن تعبث بنفسه الدوافع ~~وتتلاعب بها الأهواء إلا إذا كانت عاصفة قوية. وعاصف الحب أقوى الرياح التي تثير القلوب ~~وتلهب الصدور، وتخفق معها الأفئدة بين الجوانح. هو العاصف الوحيد الذي يملك على الشاب ~~حياته، فإما بعث إليها الهناء والسرور يحملها المحبوب في كفه الناعمة وفي الابتسامة ~~الطاهرة التي تطوق ثغره وفي نظراته البريئة كلها الحنان والعشق، وإما جعلها عذابا ~~ونقمة بأن يكون بحثها عن المحبوب غير ذي جدوى. # لكن حامدا لم يسائل نفسه عن سبب قلقها، ولا هو أراد ms161 أن يلتمس لها هذه المرة عذرا ~~كفى ما فات حتى يستطيع أن يكفر عنه. وإلا فإذا كان يزيد في كفة ذنوبه ، ويندفع مع تيار ~~غيه، فليودع من الساعة ماضيه وعمله، وليستعد لمستقبل مخجل مخز يقضي فيه حياته على ~~مثال من النذالة والضياع، ويكون فيه كالح الوجه ميت الضمير مقفل القلب، حتى إذا أتى ~~عليه الموت أتى على شخص ضئيل القيمة عاش ومات ولم يعمل شيئا. ولا شيء أشد إيلاما لنفس ~~حامد وأصعب وقعا عليها من أن يتصور نفسه خارجا من باب الحياة وحيدا منفردا لا ينظر ~~إليه أحد ولا يعلم بأمره إنسان، بل مر بهذا الوجود الأرضي من طرف لطرف واختفى في التراب ~~ولم يترك بعده أثرا. # والواقع أن أحلام حامد وآماله في المستقبل كانت كبيرة جدا، ومهما يكن مخلصا في ~~قوله أحيانا إن خير عملنا أن نغنم الحاضر، فإن قضية المستقبل كانت تشغل باله وتهاوده ~~في أوقات مختلفة، وكأنه كان يدين بمذهب أستاذه قاسم أمين: «اللذة التي تجعل للحياة قيمة ~~هي أن يكون الإنسان قوة عاملة ذات أثر خالد في العالم». فلم يكن يمر به وقت ييأس فيه من ~~المستقبل، بل كان هو الشيء الوحيد الذي يجعله يستبقي حياته. فإذا كان قد أسقط في يده ~~أحيانا حين أراد أن يحب، وإذا كانت قد مرت به ساعات سوداء نغصت عليه أحلامه، وجعلته ~~يسائل نفسه عن معنى الحياة، وعما يدفعنا لأن نعيش، فإن ما كان ينتظره من السنين الآتية، ~~وأنها ستعوض عليه كل هذا، كان يجعله يحتمل مضض الحاضر وآلامه. # لم يسائل نفسه اليوم عن سبب قلقها، بل كان ما أراد أن يعرف هو الطريقة التي يكفر بها ~~عما سلف... أيصلي ويبتهل إلى الله ويطلب غفرانه؟ ولكن لم وأي جريمة اقترف؟.. وهل ذنبه ~~أن أودع الخالق في نفسه إحساس الحب كما أودعه في نفس كل شاب؟! وإذا كانت الطبيعة قد ~~اقترفت هذه الخطيئة من إغراء الشبان فهي وحدها المسئولة عن عملها، وأن تكفر عن خطيئتها. ~~وإن كان ذلك من أمر الله ms162 لطفا بخلقه فالله لا يسأل عما يفعل. # ولكنه كان يحس أن خطيئته أكبر من ساعة لساعة، وأن أعماله الماضية كلها اجتمعت حملا ~~فوق أكتافه... وفي هذه اللحظة أحس بضعف عظيم وحاجة متناهية إلى المعونة، وأحس كأن دافعا ~~يدفعه للابتهال إلى الله، فرفع إلى السماء نظراته، وبعيون حزينة يكاد يتساقط منها الدمع ~~رنا للقبة الزرقاء الهائلة في صفائها، ثم لم يتمالك أن جثا على قدميه، وطلب بكل خضوع ~~وخشوع أن يغفر له ربه زلته. وفتح كفيه حتى إذا انتهى من دعاءه رفعهما إلى وجهه كأنما ~~يحمل إليه رحمة الله وعزاءه للمصاب المحزون. # ما أعجب الإنسان في أطواره وأحواله!.. يسير رزينا ثابتا في عمله، ويعمل كل شيء يوحي ~~له به عقله، حتى إذا ما جاءه الضعف، وتناوبه الحزن، وخارت عزيمته، وانحطت قواه، وشعر ~~كأن خطرا محدقا به، نادى طالبا العون من خالق السماء والأرض، ومن كل ما يصوره له ~~خياله. ويستمر ساجدا أمام هاته القوة معترفا بعجزه المتناهي ما دام الضعف مستحوذا ~~عليه غير سامح لقواه أن تتوازن وترجع إلى معتادها. فإذا ما انقضت تلك الساعة وعاوده ~~صوابه نسي كل ذلك، أو على الأقل خزنه إلى جانب حتى تأتي فرصة أخرى تحوجه إليه. # جثا حامد أمام السماء، وحدق إليها، كأنه يرى فيها ملجأ اليائس، ومستقر من جنحت به ~~سفينة الحياة، وإن هي إلا حاوية بعض السر الهائل الكامن حولنا في كل موجود. جثا خاشع ~~القلب كسير الطرف خجلا من خطيئته، ثم رفع يديه يريد أن يعترف بكل ما جنى، ويتوب إلى ~~الله عما تقدم من ذنبه وما تأخر، ويسترشد سبيلا في تلك الحلكة المظلمة أمامه حيث كل ~~شيء أشد سوادا من القار. # ولكن السماء زرقاء كما هي لا يؤثر فيها دعاؤه ولا يرققها أساه، والبنيان القائم أمام ~~نافذته هو هو كما يراه كل يوم ولا شيء جاءت عليه الغير. وإن المتغير هو القلب، ~~والإنسان يرى الأشياء كل يوم كما تصورها أمامه حواسه، فهي إما ضاحكة فرحة إن كان هو ~~ضاحكا فرحا، وإما ms163 قائمة حزينة إن كان الحزن قد وجد إلى نفسه السبيل. والحقيقة أنها لا ~~تبسم ولا تعبس بل هي تسير في دورتها الدائمة متفاعلة يؤثر بعضها في بعضها الآخر، ~~والإنسان يسير عليها يعمل فيها وتعمل فيه وإن ظن أن له عليها السلطان وأن بيده ~~تصريفها. # في اليوم الثاني جاء إلى القرية الشيخ مسعود، أحد أشراف المديرية ومن مشايخ الطرق ~~المعدودين فيها. جاء وفي انتظاره أبناؤه الكثيرون، وكلهم فرح بمجيء عمه، منتظر أن يقبل ~~يده الطاهرة، وإن كان متوجسا خيفة أن يكاشفه هذا الولي الصالح المقرب إلى ربه ~~المستنير القلب، ببعض ما فرط في واجبه. وقد عزمه الشيخ عامر أحد أعيان البلد الموسرين ~~ومن الآخذين عليه الحافظين عهده المتعصبين له ضد كل شيخ آخر، وأعد له وليمة فاخرة جاء ~~فيها بذبح عظيم، وطلب الطباخ من بعض المدن القريبة ليطهي طعام الشيخ الداعي إلى الله ~~الزاهد في دنياه الفانية. وما لبث أن نزل في المندرة الكبيرة من دار الشيخ عامر المبنية ~~حديثا بالطوب الأحمر، والمنقوشة حيطانها وسقفها بأنواع النقوش، والملأى بالكنبات ~~والكراسي حتى التف حوله جمع عظيم جلسوا باحترام، وظلوا يتوافدون تباعا، فيلثمون يد ~~الشيخ ثم يأخذون مجالسهم، حتى لم يبق في المكان مجلس. بل لقد وقف كثيرون في الأركان ~~وإلى جانب الباب ليمتعوا طرفهم بمرأى الشيخ الذي بقي ساكتا أو يسار بعض جيرانه ~~تاركا يده متاعا لمن يلثمها، مملسا أحيانا على بعض المسلمين عليه، داعيا للجميع ~~دعوات الخير والبركة. # مدت الموائد، ووضعت أمام الشيخ ومن حوله من الناس الطيبين صينية قدم عليها أشهى ~~الأصناف. وصاحب الدار قد أخذ مكانه إلى جنب ضيفه المقدس يقدم له من كل طبق، ويسأله ما ~~بين حين وآخر أن يبارك من حوله بدعواته الصالحة، ويظهر له عظيم امتنانه وكبير سروره ~~بمقدم الشيخ الطاهر.. والشيخ يجيب عن ذلك كله بتواضع يليق بمكانته وعظمته، ويرفع عينه ~~فيرى قريبا منهم مائدة أخرى معتادة، لا شيء يجذب النظر مما عليها وقد التف حولها جماعة ~~من أبنائه الفقراء والفلاحين. ولو أن له ms164 نفسا بين جنبيه، أو ضميرا يحس، لكلله الخجل ~~أن يرى نفسه وهو الداعي إلى الله ونعيم الآخرة وإلى الزهد في هذه الدنيا الفانية جالسا ~~في مقعد وثير وعلى طعام شهي في حين يجلس هؤلاء العمال الطيبو القلوب على حصير ناشف ~~يأكلون الرديء مما لم يقدم له، ولازداد خجلا أن يعلم أنه عاطل لا عمل له إلا هذا ~~الطواف في البلاد لا لغرض إلا أن يأكل ويشرب وينطق بكلمات لا قيمة لها، وهم عمال يجدون ~~ليل نهار ليطعموا الناس بفضل عملهم... ولكن أي ضمير يسكن قلب مدع لا تربية له ولا ~~أصل عنده، وإنما اتخذ هذه طريقة احتيال يعيش من ورائها. وهل الشيخ مسعود إلا ذلك الرجل ~~الذي صرف بين جدران الأزهر عشر سنين لم يعرف فيها شيئا، فلما يئس من النجاح، ووجد أباه ~~قد قصر عن أن يمده بمعونة، ترك العلم لمن يفقه العلم، وخرج هائما على وجهه، فلبس ما ~~يشبه المسوح، وأرخى شعره واستوحش؟! ولكن هذه الحرفة لم تجده شيئا، فنظف نفسه بعض ~~الشيء، ولبس فوق رأسه عقالا، وراح بعد ذلك مدعيا العمومة يعطي عهودا للمساكين الذين ~~يعتقدون أن «من لا عم له عمه الشيطان»! # وبعد العشاء نصبت حلقة ذكر في ميدان أمام دار العمدة، والتف الناس حول شيخهم، ~~وابتدأوا يهتزون ببطء يمينا ويسارا. ومن بينهم منشد يرفع صوته بشيء لا هو بالغناء ~~ولا بالحداء ولكنه مرتب يتفق مع حركات الذاكرين. ويكررون جميعا وسط هدأة الليل وفي ~~لجة نور القمر اسم الله، يقولونه ببطء مقدار بطئهم في اهتزازهم. ويسرعون بعد ذلك قليلا ~~حتى يأتي وقت لا تتميز كلماتهم، ويعرو بعضهم ذهول، ويدور رأسه فهو يميل كالثمل لا يكاد ~~يعي ما يقول، ولا يعرف ما يعمل، ولكنه مسوق وسط هذه الضجة ليقلد من حوله من غير عقل ولا ~~تفكر. ويصبح ذكر اسم الله أنفاسا تتصعد في الجو مقذوفة بقوة وحنق كأنما هم يقذفون بها ~~في وجوه أعدائهم. وتزداد حركتهم حتى ليقول عنهم من لا يفهم أمرهم إنهم جمع من المجانين ms165 ~~أو سكارى يرقصون غير واعين. وصوت المنشد يرن على جنبات الليل من غير انقطاع، ويحرض ~~هؤلاء الثملين على الاستمرار في جنتهم . فإذا ما خرج بعضهم عن صوابه صاح ببعض كلمات ~~متقطعة لا معنى لها، ونطق إذ ذاك بلسان الحال، ثم يتبعه آخر وآخر، فيهدئهم الشيخ بصيحات ~~من جانبه. والقمر فوق الجميع ينظر إليهم بعينه الهادئة كأنه يبتسم ساخرا منهم هازئا ~~من جنونهم. والليل الصامت يردد تلك الزفرات التي يصعدونها. وهم جميعا ينادون الله ~~حتى يبح صوتهم فلا تجيبهم السماء ولا الأرض ويروح تعبهم سدى. # فإذا ما أحس الشيخ أن قد نهكت قواهم أمرهم بالسكوت، ثم ألقى إليهم اسما آخر من أسماء ~~الله الحسنى، فيأخذونه ويصيحون به من جديد حتى تجف حلوقهم ويضيع صوابهم، فيلقي إليهم ~~اسما ثالثا ثم رابعا. فإذا انتهى الليل من غير جدوى انصرفوا شاكرين منتظرين أن ~~يعيدوا الكرة علهم يصلون يوما إلى ما يطلبون. # كان حامد جالسا في السلملك ساعة الذكر. ولقد أحس بدافع يدفعه إلى الانضمام والصياح ~~مع الصائحين عله بذلك يكفر عن ذنبه. وإذا كان قد اعتقد قبل اليوم أن عمل هؤلاء الناس ~~وأتباعهم لشيخهم المخرف جنون في جنون، فإن الضعف الذي استولى عليه، والحزن والهم اللذين ~~ركباه تركاه قابلا للإيمان بكل شيء والتصديق بما لايصدق به عاقل. بل إنه ليذهب غدا ~~ليرى الشيخ، ويلثم هو الآخر يده، وينضم إلى حزبه، ويعترف إليه بكل ما في نفسه ليخفف ~~بذلك بعض ألمه. نعم. غدا يأخذ هو الآخر عهدا، ويصبح أخا لهؤلاء الذين يخافون أن يكون ~~عمهم الشيطان! # فلما كان الغد ذهب إلى مستقر الرجل الصالح، فقدمه الشيخ عامر إليه، وبإشارة عمه ترك ~~الشاب معه وانصرف. فابتدأ حامد معه حديثا طويلا يقص به حكايته وما دفعه للمجيء إليه ~~والإنضمام لحزبه: ~~- لي ابنة عم قيل وأنا لا أزال في السادسة من عمري إني سأتزوجها متى كبرت. وعلى هذا ~~كنت أحس في نفسي لها بعاطفة غير التي أحس بها نحو بنات عمي الأخريات. فأقاسمها ما بيدي، ~~وأحنو عليها، وأدافع ms166 عنها. فلما جاء اليوم الذي افترقنا فيه تركتها وكلي شوق للمستقبل ~~القريب الذي نرجع فيه لنعيش معا دائما. وبقيت تعاودني ذكراها ، وأشعر معها بعذوبة ~~وهناء يسريان إلى أعماق قلبي. ولما بلغت السادسة عشرة من عمري ابتدأت أحس بغير هذا ~~الإحساس القديم نحوها، وازداد شوقي لها، وقضيت الليالي الطوال يصحبني خيالها. في هاته ~~الأيام قابلتني فتاة ريفية أظن سيدي الشيخ يعافيني من ذكر اسمها أو أى شيء عن ~~شخصها. ~~- نعم، نعم. ~~- قابلتني، فأخذ بعيني جمالها، وبهرني منها عيون نجل، وخدود متوردة في لون قمحي جذاب، ~~وجسم خصب، وقوام غض، وخصر دقيق، وبنان رخص، ومنطق عذب، ونظرات تسيل لها النفس. لكن ~~هيهات لفتاة أيا تكن أن تصل لفؤاد مقفل كفؤادي يومئذ حين كنت لا أعرف إلا الفضيلة ~~المجردة. غير أني كنت أشعر بقلق كلما طالت غيبتي عنها، وأحس بدافع لا قبل لي في دفعه ~~يجعلني أذهب إلى المزرعة التي تكون فيها، وأن أساعدها في عملها، ثم أن أرجع معها جنبا ~~لجنب نتحدث في كل شيء وفي لا شيء. وجاء اليوم الذي زوجت فيه هذه الفتاة والذي عاهدت ~~نفسي فيه أن أنساها إلى الأبد إذ مادامت لغيري فمن الغدر الذي لا يليق بي أن أفكر فيها ~~مجرد تفكير. ورجعت بذلك لابنة عمي التي وعدت، وجعلت أتخيل لها كل شيء حسن، وتبادلت معها ~~كلمات قليلة. ولكنها انتهت هي الأخرى بأن تزوجت فعراني لذلك حزن عظيم. ثم سرعان ما ~~سقطت عن كتفي أحماله حتي لقد عرتني الغرابة كيف يمكن أن يكون ذلك شأني. ورحت بعدها في ~~شيء من عدم الإهتمام بكل ما حولي أو الأسف على كل شيء حصل أو التفكير فيما سيكون. ولكن ~~ذلك على ما كان من لذته لم يستمر طويلا بل غادرني وأسلمني بعده إلى نوبة فظيعة هي التي ~~دفعتني إليك. نوبة أحسست معها بالحاجة المطلقة أن أملك هاته الفتاة الريفية رغما عن ~~أنها متزوجة، ورغما عن كل ما سيقوله أو يتقوله الناس عنا. لكن الله سلم، واستطعت أن ~~أملك نفسي في ms167 الساعة التي كنت سأضيع فيها. ~~- نعم ... ~~- وهأنذا قد قصصت عليك كل شيء وأريد أن آخذ عليك عهدا. ~~- نعم ... # وهنا سكت حامد فمد له الشيخ يده واستتلاه من بعده الكلمات التي يصبح معها عمه. ثم ~~ودعه حامد وكله سرور والاقتناع بأن سيجيء له ذلك بالخير الجم. ودخل توا غرفته، وجلس ~~أمام النافذة، وعلى ثغره ابتسامة من أطلق سراح آلامه، وبقي زمنا لا يفكر في شيء ولا ~~يسأل عن شيء. # ولكن ما كاد يتقلص ظل النهار حتى راجع حامدا كل الألم الذي كان عنده، وفوقه ألم ~~جديد أنه اعترف بها لمن لا يفهمها، ومن لا يجيبه عنها إلا بكلمة «نعم»، ولا يقدر له على ~~شيء. ثم أليس عارا أن يتعهد لإنسان مثل هذا الأبله بأن يعمل خيرا؟ أو لم يدس في ذلك ~~شرف نفسه وضميره؟! أف لهذا الرجل الأبكم الكذاب!.. وبلغ به الحنق ضد الشيخ مسعود، فلو ~~أنه كان واقفا أمامه لهان عليه أن يقتله، ولكنه رجع فهدأ من حدته وعاد باللائمة على ~~نفسه. # أصاب حامدا ما أصابه، واعتراه من الهم ما ضاق به صدره. ومع ذلك فقلبه لا يزال ~~شابا، ويريد القلب الذي يضمه إليه، وشفتاه المتقدتان بنار الحب تبحثان في الهواء عن ~~الشفتين وعن الخد وعن الصدغ الذي يقبلان.. ورغما عن موت الأشياء الذي يجيء به الخريف، ~~فإن الشمس النازلة وما تبعث به على السماء من لونها الوردى البديع جعلت حامدا يبحث عن ~~قبلات الحب وعناقه. وإذا كان رأسه كله ملآن بالأسف على الماضي وحب التكفير عن ذنوبه فإن ~~إحساساته كلها تتقد تريد المحبوب الذي يقدم لها سعادتها. وحيث يقتتل الإحساس والتفكير ~~يكون النصر لأيهما ساعدته الطبيعة. # جاء الليل ينشر خيمته رويدا رويدا فوق النهار، فيصيب الأشياء كلها بظلمته، ويبعث ~~للناس بساعة المغرب اللذيذة ونسيمها. فخرج حامد من مخبئه وهو حيران لا يدري ماذا يصنع، ~~ولا أي طريق من طرق الحياة يسلك! # وبعد ذلك بأيام ترك قريته الصغيرة المحبوبة إلى العاصمة الكبيرة، وعنده أمل أن يجد في ~~هذا التغيير ما ms168 يريح باله، ويهدأ معه ضميره، ويدخل إلى حياة طيبة ساكنة. # 2 # بعد شهر من سفر حامد إلى القاهرة رجع إخوته يوما إلى الدار فلم يجدوه، وانتظروا عسى ~~أن يحضر للعشاء فلم يحضر، ومضى الليل واليوم الثاني على غير جدوى. فعلاهم القلق، ~~وأرسلوا إلى أبيهم يخبرونه الخبر، فأسرع إليهم، واستفسرهم عن أمر أخيهم، ولكنهم لا ~~يعلمون من أمره شيئا، فدق الرجل يدا بيد، ودخل غرفة ابنه وقد اغرورقت عيناه بالدموع، ~~وجلس مكتئبا حزينا يندب الحظ المنكود الذي اختطف منه أعز أبنائه.. ياترى أين هو ~~اليوم؟ انتحر؟ ولكن لماذا؟ لا سبب يدعوه للانتحار! وكيف يترك إخوته وأهله من غير كلمة ~~ولغير شيء؟.. # وأظلمت الدنيا في وجه هذا الأب، وفاضت بالحزن نفسه. وتلفت فإذا عن يمينه صورة ولده ~~تنظر إليه بعين مطمئنة ساكنة، ولا يروعها هلعه ولا يؤثر فيها أساه. فقام نحوها ووقف ~~يحدق إليها، ثم لم يتمالك نفسه أن أخذها من مكانها وقبلها وضمها لصدره، ثم سقط باكيا ~~على مقعد إلى جانبه. # لكن الحزن والبكاء لا يجديان، ولا بد أن يبحث عن حامد، فإما وجده حيا أو ميتا. وقبل ~~أن يخبر أي إنسان بالأمر جعل يفتش في أوراق ولده فإذا بينها غلاف مكتوب عليه: # إلى والدى المحترم # فلم يكن بأسرع من أن فضه وقرأه فإذا فيه: # إلى أبي وأمي. إلى إخوتي وأهلي # من أيام مضت كشفت عن نفسي لشيخ سوء من مشايخ الطرق، اعتقدت أن أجد فيما ~~يدعيه من القدسية ما يريح ضميري فلم أزد إلا عناء وألما. وهأنذا أفتح قلبي ~~لكم لأنكم الذين أحب، وحتي تعذروا بائسا أضنته الفكرة فخرج هائما على وجهه لا ~~يعرف سبيله، وقد ترونه بعد اليوم وقد تكون هذه الكلمة آخر أثر عندكم ~~عنه. # من سنتين مضتا أحسست كأن صوتا دائبا في قلبي يحدثني عن الحب ولذته، ويصور ~~لي جنته اليانعة وطيورها المغردة، ولا يكاد يجد فرصة يبين لي عن جمال المرأة ~~والسعادة التي تمسك بيدها إلا خاطبني بلسان عذب فصيح يملك علي قواي، وأظهر لي ~~أن ms169 حياة لا حب فيها حياة باهتة لا قيمة لها. فشرد لبي يبحث عن الملاك الذي ~~عنده سعادتي؛ وحلقت آمالي في الجو علها تجد المحبوب الذي يكن بين جوانحه سر ~~الهناء ومعنى الوجود، ولكن ما كانت عيني تقع إلا على بلقع خربة متنائية الأطراف ~~أحار فيها، ثم أرجع بخفي حنين. وأخيرا في ركن منها هناك لا تصل إليه الشمس ولا ~~الهواء رأيت كأن فتاة واقفة حيرى هي الأخرى لا تدري لنفسها سبيلا في الصحراء ~~الهائلة أمامها، فترفع طرفها نحوي أحيانا وكلها الحياء والخجل. ثم حدقت إليها ~~أتثبتها فإذا هي ابنة عم لي قذف بها القضاء الذي قذف بي في بيداء الحياة، وتبحث ~~من ركنها عمن تهبه روحها وقلبها. فلما عرفتها قلت: وحيدان يؤنس كل منهما صاحبه. ~~لكن هيهات! وأنا محلق في الجو وهي مختبئة في كنها. غير أني قنعت من بحثي بما ~~وصلت إليه، وكنت كلما رحت إلى عالم الخيال نضدت لها معي فيه آمال الهناء ومددت ~~لها بسط السعادة. # وبينما أنا في بلدنا الصغير بين العمال والعاملات قابلتني ريفية منهن كأنما ~~أرسلت بها السماء في وقت صفوها إلى الأرض رسول الحب. وهل رأيت في حياتي كعينيها ~~تقوس فوقهما حاجبان أشد نفاذا من السهم. وعلى صدرها ثديان يوحيان رغما عن ~~الثوب الذي يسترهما بكل ما تكنه فتاة في ثدييها من الشباب والرغبة، وخصر رقيق ~~فوق أرداف تزين عبل ساقيها، ومع ذلك نظرات تشف عن قلب طاهر مليء حبا. فأخذ ~~بعينى جمالها، وودت أن أجدها لجانبي كل ساعة. بل وددت أن آخذها لنفسي، وأن ~~أجعلها موضع سرورى. وبقي إعجابي بها يزداد يوما عن يوم، فبدل أن كنت أذهب ~~للمزارع بطريق المصادفة أحسست بعدها كأن شيئا يدفعني نحوها وإلى حيث توجد تلك ~~الفتاة. # كنت أجدها في عملها ساعة أصل، فأذهب فأقف إلى جانبها بعد أن أهدي الآخرين ~~تحيتي. وكانوا في هذه الأيام ينقلون طوبا أخضر من مفارشه فيضعونه فوق بعضه. ~~واتخذوا لذلك وسيلة سهلة أن يقف شخصان أو ثلاثة مابين المفرش والطوب المكوم ms170 ~~ويقذف جار المفرش القالب ليلقفه من بعده ومن بعده حتى يصل إلى مكانه سالما، ~~فكان من أكبر سروري أن أقف بعدها لألقف القالب الذي تقذف، وأن أبقى كذلك حتى ~~ينتهي النهار أو حتى يكدني التعب. ولم أدر السبب الذي كنت أحب من أجله هذا ~~العمل: ألأن يدها لامست هذا القالب يصبح عزيزا إلى ومحببا عندي؟ أم لأنها ~~أخذته إلى صدرها ساعة رفعته فأودعت فيه من حرارة جسمها ما يصل إلي، وأجد من ~~اللذة أن أضمه أنا الآخر إلى صدري؟ أم لسبب غير هذين؟ لا أعلم. إلا أن هذا ~~الإحساس الذي أحسست به لابنة عمي، وكنت أسميه الحب، لم يكن يجول في صدري لهذه ~~الفتاة، وكان منتهى ما أريد منها إلى جانبي فأمسك بيدها أو أقبلها أو أضمها ~~لصدري. وإذا ما رجعت إلى البلد واختلطت بإخوتي وأهلي نسيت ذلك ونسيت كل شيء من ~~مثله. # ثم جاءت الأيام بابنة عمي، فأنساني مجيئها المزارع والعاملات، وبقيت أحتال ~~لأجد ساعة أكون أنا وإياها وحيدين، فلم تسمح لي بذلك فرصة، وبقيت أقضي وقتي بين ~~جنات الأمل ونيران اليأس منتظرا من غير جدوى. # كان أكبر أماني من يوم فكرت في الحب ومن ساعة عثرت على ابنة عمي أن أتزوج ~~بها. فجعلت في أوقات فراغي أنضد الآمال لحياتنا المقبلة، وأخلق من أحلامي ~~عالما أرتب فيه سعادتنا. وكنت أحسب هذا الزواج أمرا مقضيا، لأني وعدت أن ~~أزوج هاته البنية وأنا لا أزال صغيرا. # وكان لذلك من الأثر علي أن كنت أعاملها وهي طفلة بحنان وعطف زائدين.. فلما ~~رأيتها ورأيت إخفاقي في أن أجد الفرصة لأحادثها منفردين أتى لنفسي ضيق شديد، ~~وصرت أشد حنقا على الجمعية وعاداتها ممن ذاقوا ألم عقوباتها. فرفضت كل ما ~~وضعت، ونفيت كل ما أثبتت، وجعلت فكرة الزواج التي يتباهى بها الخلف عن سلفهم ~~ويدعونها أحسن ما أظهرت على الأرض عقول بني آدم موضع النقد المر. (ولا أنكر إلى ~~اليوم أني أعدها نقصا، خصوصا على ما هي عليه، وأعد الزواج الذي لم يبن ~~على الحب ms171 ويستمر مع الحب زواجا خسيسا). # مرت الأيام وأنا أتقلب على مهاد أليم من أفكار سوداء وأحلام فظيعة. ثم جاء ~~النسيان على كل شيء، وهل في الوجود شيء لا يجيء عليه النسيان؟! # أقبل الربيع يحيي القلوب ويبعث الشباب إلى كل موجود، فنبه قلبي من غفلته. ~~وذكرت ريفيتي التي تزوجت أيام الشتاء فتمنيت لها الهناء. ثم راجعني ذكر ابنة ~~عمي واستولى على نفسي وكل حواسي، وصرت لا أعرف غيرها ولا أحب إلا هي ولا مطمع ~~لي إلا أن تكون معي، ففكرت بعد عام مضى على آمالي الأولى أن أقابلها. وتبادلنا ~~كلمات جاءت بعدها الساعة التي نرجو، ولكنها كانت أشد الساعات صمتا في جوف ~~الليل الأخرس. # وتزوجت ابنة عمي هي الأخرى، وأرسلت لي ورقة تودعني بها، فعراني حزن كبير، ثم ~~ما أسرع أن استولت صاحبتي الفلاحة على فؤادي، وأخذت بمجامع قلبي، ومازجت كل ~~نفسي، وكادت تخرجني عن صوابي، وصممت أن أراها وآخذها لصدري وأعانقها وأقبلها، ~~وأفعل كل الجنات التي يفعلها محب واله. # ولكن شيئا من ذلك لم يكن. قابلتها وذكرتها القديم. فكفى ليبعدني عنها أن ~~ذكرتني هي أنها متزوجة. # أحسست بعد هذه المقابلة الأخيرة مع فتاتي وجوابها لي أنها متزوجة، بشيء من ~~الألم يعمل في قلبي وينوء به صدري. ألم شديد لم أقدر على تكييفه ولا على فهم ~~سببه. وأوقعني هذا الألم في حزن أسود قلب على الخير شرا، والسعادة بؤسا، ~~والأمل يأسا. ولو أني وجدت في تلك اللحظة أحضانا مفتوحة ألجأ إليها وأحتمي ~~بها لفعلت. لكني لم أجد عزاء إلا في نفسي، وأنا أكتم ما يداخلني من الهم عن كل ~~الناس مهما كلفني هذا من مضاعفة ألمي وزيادة شقائي. غير أن الساعات كانت تزيد ~~همي وتجعلني أشد إحساسا به من لحظة للحظة. فلما نفد صبرى وحلك ما أمامي ولم ~~يبق سبيل لرؤية شعاع من نور الأمل يخرق هذه الظلمات بدأت أيأس من ~~الحياة. # جاء إلى بلدنا الشيخ مسعود، شيخ الطريق، بعد مقابلتي الفتاة، وأنا أقطع نفسي ~~هما وأسفا، ونصب مجلس ذكره، وجلست ms172 أرقب هؤلاء الناس الكثيرين اللذين يصيحون ~~في جوف الليل ينادون ربهم تضرعا وخشية. فراق في عيني منظرهم وقلت في سري: ~~لئن كان هذا الرجل يخفف الهموم لأكونن أول تابع له. ولم أتمهل أن قابلته بعد ~~الظهر وكلمته، وأخبرته بمجمل من حالي فأقرأني بعده الكلمات التي يقرؤها كل من ~~يأخذ عليه عهدا، وخرجت من عنده مسرورا. ولكن لم تكد تطوح شمس النهار حتى ضاعف ~~هذا العمل بقية آلامي على وأحياها، لأني أحسست بالجناية التي ارتكبت.. وبعد ~~أيام جئت هنا إلى العاصمة. # من يومها وأنا أفكر في حالي والحوادث التي وقعت لي في حبي، وانتهى تفكيري ~~وحوادث جديدة حصلت بأن أغادر إخوتي وأهلي محملا بالألم لفراقهم وبالشفقة عليهم ~~ساعة لا يجدونني.. من أجل هذا كتبت كلمتي هذه لك يا سيدي الوالد علك تجد فيها ~~عزاء. ولأقوم إلى النهاية بوظيفتي فإني ذاكر حالي الفكرية والحوادث التي جرت في ~~هذه المدة الأخيرة التي انتجت هجرتي إلى حيث لا أعلم. # تركت البلد إلى العاصمة وأنا حامل هموما يعلم الله شدة وقعها، فكنت أجاهد ~~طول النهار لأجد من العمل ما ينسيني كل ما سوى العمل. ولكن ما إن يشتملني الليل ~~حتى يجد الذكر سبيله إلى نفسي، وأرى أمامي عالما كبيرا من دولة الماضي ~~مرسوما كله بعضه مع بعض من غير ترتيب في الزمان. وكان هذا الذاكر نتيجة ما ~~أوقعني فيه الحب من اليأس، وما جائتني به حالي الجديدة من اللوعة. وليقدر أي ~~انسان مقدار ما يخالط نفس شاب من سني حين يجد أنه أسقط في يده في كل ما أراد، ~~سواء في ابنة عمه أو العاملة الفلاحة أو كل ما يسلي القلب ويزيل الغمة، ليقدر ~~كم تكون حال هذا الشاب التعس! وعلى أي شوك تتقلب نفسه؟!.. غير أن آخر الهم ~~المبرح إن لم يقتلنا فهو حري أن يرد إلينا شيئا من صوابنا ويدع لنا بعض ~~الحرية في التفكير، فأعملت ذهني قصد أن اقف على دقائق حبي وإخفاقي فيه. # وأول ما سألت نفسي: لم احببت ابنة عمي؟ ms173 إنني عرفتها في صغرها، وكنا معا طول ~~وقتنا، ثم افترقنا للمرة الأخيرة حين قدر عليها أن تلبس السواد. ثم بعد ذلك ~~وفي لحظة لم نكن فيها معا ولا جاءت مناسبة خاصة، إذا بي أحببتها. أذلك لما ~~توحي الذكرى الناعمة، ذكرى الطفولة من رقيق المعنى وعذب الأثر؟ أم أني قدرت لها ~~من الجمال أن تكون بحيث أحبها حبا يجعل خيالها شريكي الدائم؟ أم أن ذلك لما ~~كان يكرر أمامي وأنا صغير من أني سأتزوجها؟!.. لا يمكنني أن أجزم لأي هذه ~~الأسباب أحببتها، وقد يكون لكل منها في ذلك الحب أثر. # ولكن الذي لاحظته أني بعد الشهور الأولى نسيتها كل النسيان، فلم يكن يراجعني ~~حبها إلا عند حدوث حادثة معينة كأن تذكر أمامي، أو أن تأتي أيام الصيف إلى ~~القرية.. وما أظن أن قلبا سريع التأثر والتقلب إلى هذا الحد يكون قد بلغ منه ~~الحب مبلغا عظيما. بل إني أشك الآن كل الشك فيما لو كان لقلبي دخل في هذه ~~المسألة، وأحسب ذلك مجرد خيال كان يجيئني لأني كنت محتاجا إليه.. ولكن.. أليس ~~الحب في ذاته خيالا يجعلنا نتصور امرأة بشكل نعتقده الجمال كله، ونود لو تكون ~~لنا، ونعيش سعيدين معا؟ وذلك كل الذي كنت أتمنى أن أصل إليه من ابنة عمي فلم ~~لا يكون حبا؟ ولكن! لو أنه كان حبا حقيقيا ومتينا فلم انحلت عراه ~~اليوم، وأصبحت لا أحس معه بشيء؟! أم الأمر على غير هذا، وأني كنت مسوقا بدافع ~~من دوافع الطبيعة إلى جهة المرأة التي تستطيع معي أن تخلد النوع وتحسنه؟ ~~وكانت تلك المرأة في تلك الساعة هي ابنة عمي! وإذا كنت قد تغيرت اليوم فلأني لم ~~أعد أصلح للقيام معها بهذه الوظيفة الطبيعية من تخليد النوع وتحسينه؟. # وردت هذه الأفكار إلى نفسي ولم أستطع معها أن أجيب بشيء عن سؤالي: لم احببت ~~ابنة عمي؟ فانتقلت أريد أن أعلم اى شيء كان ذلك الإحساس الذي شعرت به نحو ~~الفلاحة الجميلة التي أخذت بناظري، وملكت جوارحي، فجعلتني أهاجر إلى حيث ms174 تقيم، ~~لأمتع النفس بمشاهدتها والحديث معها، ومصاحبتها ساعة رجوعها إلى الدار. ليت ~~شعري! هل كان ذلك هو الآخر حبا مني لها؟ أو أنها صيحة الجيل المقبل في أحشاء ~~جيلنا الحاضر يريد أن يخرج إلى الوجود؟ لو كان حبا لما نسيتها ونسيت المزارع ~~التي هي فيها لمجرد حضور ابنة عمي إلى البلد. وإن كان الجيل المقبل ودافع ~~الطبيعة لتخليد النوع هو الذي دفعني نحوها، فإني لم أشعر يوما بالحاجة ولا ~~بالرغبة في أن تكون لي معها علائق تناسلية مطلقا كلا! بل أنا لا أشعر به ~~اليوم.. وإنما كان غرضي أن أحادثها أو أنفرد بها أو أقبلها، وأن أجد من جانبها ~~ما يقابل العطف الذي أحس به عندي لها.. إذن ماذا؟! # عرتني هنا كذلك حيرة كالأولى، ولم أستطع أن أفهم ما كان في نفسي لواحدة من ~~هاتين الفتاتين.. وبعد زمن بقيته مستسلما لآلامي جائتني فكرة ارتعدت لها، ~~فشعرت أولا كأني أستجمع قواي لأمر ذي بال وأهيء نفسي لعمل خطير.. ولا أرى ~~بدا من أن أذكر هنا مقدار مراجعتي لنفسي حين شعرت منها بالتصميم على الإقدام ~~مراجعة تبلغ أقصى درجات التخوف والحذر.. وبعد أن ثبت منها ومن يقينها بما ستقول ~~تركت لها العنان لتذهب من جديد في تفكيرها وأحلامها. # نعم كانت كل غايتي أن أحادث تلك العاملة وأكون معها وحيدين، أو أن أقبلها. ~~ولكن لم كل هذا؟ وأية نتيجة بعده كنت أبغي؟ أليس أن أبلغ أكثر من هذا فأقع في ~~أحبولة الطبيعة، وأصل بخداع نفسي ومراوغتها إلى تخليد النوع وتحسينه؟! نعم، هو ~~هذا. إنها فتاة بديعة الخلق والتكوين، قوية الجسم يفوح منها شذا الشباب؛ فالابن ~~الذي ينتج من بيننا لا بد أن يجمع هذه الصفات ويضيف إليها غيرها ويرقى بالجمعية ~~الإنسانية درجة في سلم التقدم. # هنا جاءتني الرعشة وشعرت كأن كل وجودي يصرخ في وجه عقلي يريد أن يقف عند ~~حدوده: كفى من هذه الفلسفة التي يقذفنا بها مفكرو الإفرنج والألمان، ولنبق عند ~~ما خلفه لنا آباؤنا لنسير فيه بالخطى المتمهلة التي نضمن ms175 معها ثباته. هل تريد ~~أن أخرق سياج القانون والعادة وأستمع لهوى نفسي وأتبع في الحياة العملية ما ~~توحي به النظريات، والأولى مرتبة من قبل متبعة والثانية لا تزال في حيز الفكر؟! # رغما من هذه الصيحة فإن عقلي انتصر على اعتقاداتي التي كسبت من التربية ~~والوسط، وراح يفكر حرا مطلقا ضاحكا من الأشياء التي تعوقه ضحكة جمعت ما بين ~~الإغضاء عنها وعدم العناية بها ومرارة الأسف عليها والأسى من أجل ما فيها من ~~فساد، واستمر في طريقه غير هياب ولا وجل. # وفي الوقت عينه استلفته إلى مسألة كان فكر فيها قديما - مسألة الزواج ~~والعائلة - ولم يقف لها على حل أن غطى عليه إحساسي المتأثر يومئذ ضد ظلامات ~~الجمعية. فبدأ اليوم يريد حلها بعيدا عما يهيجه أو يفسد عليه عمله. # والواقع أن هاته المسألة شغلتني طويلا أي من أيام جاءني الشباب وبدأت أفكر ~~فيمن أحب. وكان من أشد ما ساعد هذا التفكير الوسط الذي عشت فيه، والذي يرى كل ~~صلة بين الرجل والمرأة فيما عدا الزواج أو ما ينتج الزواج صلة خسيسة سافلة. ~~لتكن أيا ما تكون! لتكن حبا طاهرا أو مجرد صداقة أو إعجابا، فهي مادامت ~~خارجة عن دائرة الزواج وما يستتبعه مقرونة بفكرة سيئة من الناس. # ساعدني ذلك الوسط لأن فساده ظاهر، من السهل اكتشافه خصوصا إذا كان الناظر ~~فيه مثلي يومئذ من جماعة الذين يحتقرون الصلات التناسلية بين الرجل والمرأة، ~~ويعدون كل ما خرج عن سرور القلب ولذة الروح من حب طاهر أو قبلات متبادلة، تدل ~~علي عظيم صلة ما بين شخصين تدنيا إلى الحيوانية. وإجراما ضد الأبرياء الذين ~~ننزلهم من أجل قضاء شهواتنا من أوج سعادتهم وسرورهم. فقلت حينذاك: إنما يجري ~~الناس وراء الزواج لقضاء مطامعهم الشهوانية الصرفة. # أما هذه المرة الأخيرة فكان تفكيري غير هذا حيث أخرجته من أن يكون نظريا ~~صرفا ليطابق العالم الخارجي ويسير فيه. # الكون عجلة تدور لا ندري أين أولها. وكل نقطة في المحيط ليست إلا جزءا ~~تكميليا في هذه العجلة. كذلك ليس ms176 الجيل الحاضر إلا تكميليا في محيط الكون ~~الأزلي الخالد لا نعرف متى ابتدأ ولا نتصور كيف ينتهي. من أجل الوصول إلى هذا ~~الخلود ركبت في طبيعة الإنسان، كما ركبت في طبيعة كل حيوان آخر، بل في أصل كل ~~موجود، عملية التوالد. ودفعته لها القدرة القاهرة السائر على نظامها كوننا. من ~~أجل هذا رتبها الناس على الشكل الذي يحفظون به مصلحتهم الشخصية، كما أنهم ~~يقدمون به للطبيعة غرضها الأول من تخليد النوع. وأحسب العائلة كانت في الأيام ~~القديمة أكثر قياما بواجبها نحو الفرد ونحو المجموع مما هي اليوم. إذ أن ~~العبودية السائدة يومئذ كانت تسمح للشخص العظيم ذي الجاه، والذي كان بطبيعة تلك ~~الأيام من الأشداء في الحرب والقوة البدنية، وبالتالي من القديرين على إخراج ~~أفراد أقوياء للجمعية، أن يشتري من الموالي من تعجبه. وإذا كان هذا الشكل من ~~التشريع لا يساعد على نماء الحب المتين المتبادل بين رجل وامرأة فإنه كان يسد ~~حاجة الأغلبية ذات الحب المتنقل. ولولا ما بهذه الطريقة من الخسف بحق المرأة ~~لقلت إنها أقرب الطرق للطبيعة وللحق في آن واحد. أما اليوم - مع ما يدعي الناس ~~من الإصلاح - فليست الحالة أقل بلاء إن لم تكن أشد ضررا، شاب يزوج من فتاة لا ~~يعرفها ولا تعرفه ليعيشا معا طول الحياة. # ولما وصلت بتفكيري إلى هنا انحلت أمامي المسألة الأولى، مسألة حبي لابنة عمي. ~~أنا مسوق بفطرتي للحب من أجل أن أسعد نفسي إن كان في الحياة سعادة، ولأن أخلد ~~النوع بما أتركه من الخلف، كما أن الطبيعة تعمل جهدها لتجعلني أقع على من ~~تستطيع بإجتماعها بي أن تكون معي أم أحسن أولاد تقدم للجمعية. وكل ركن من هذه ~~الأركان قائم بنفسه مستقل بذاته. وأنا أميل دائما لمن تجتمع فيها شروط أكثر من ~~غيرها، فإذا لم أحصل على من جمعت ثلاثة هذه الأركان لجأت إلى من كان عندها ~~الأولان. ولذا ترى الشخص أول ما يطلب من الفتاة أن تكون مقبولة الطعم عنده، ثم ~~أن تكون ولودا وذات نتاج ms177 حسن. فإن لم يكن هناك موضع للاختيار وقعت النفس على ~~أول من تجد من الأشخاص الذين يقفون معها على سلم واحد من طبقات الجمعية. وذلك ~~لأن ما أصبح بين الطبقات من الفروق صار فظيعا لدرجة أن يعد الكثيرون من دونهم ~~من جنس أحط، ومن فوقهم من جنس أرقى. هذه كانت حالتي في اختيار ابنة عمي. # صحيح أنني إلى يوم اخترتها لم أكن خالطت من دوني من الطبقات، ولا كلفت نفسي ~~مخالطة من يحسبون أعلى مني. ولكني أقر اليوم، وأنا خجل من إقراري، بأني - ~~بالرغم من كل ما وجدته في الوسط الذي أنا منه من العيوب الكثيرة - لا أزال أنظر ~~للطبقات التي ظلمنا نظرة تعاظم فارغ. وإذا كنت قد رأيت من بين الفلاحين من ~~أعجبني شكله وحديثه وخفة نفسه، ومن الفلاحات من هن أفضل بلا شك جمالا وعقلا ~~وأدبا من أكثر فتيات الطبقات الأخرى، فإني اليوم أحس بأن بين الطبقات المختلفة ~~فواصل صعبة الاجتياز (اللهم إلا إذا أردنا أن نتخذ من هذه الطبقات محلا ~~للهونا. هناك نلتصق جسما ونكون وإياهم على مستوى واحد فيما نعمل، ثم نحن مع ~~هذا وفي هذه اللحظة نحتقرهم دائما). # وقع اختياري على ابنة عمي، لأنها من بين من أعرف أصلح من تستطيع أن تجلب لي ~~السعادة، وأن تقوم معي بوفاء غرض الطبيعة. ثم عرفت تلك الفلاحة التي أعجبتني، ~~وحملت نفسي من أجلها عناء، فنازعت الأولى مركزها، وأصبحت هي أقرب للذكر منها ~~إلا إذا ألجأني الوسط إلى أن أرجع إلى فكرة الزواج. # هنا بدأت أفهم شيئا من ماهية الصلة التي كانت تربطني بصاحبتي الفلاحة، أنا ~~لم أكن مسوقا نحوها بدافع طلب الاقتران بها والمعيشة معها ولكن بدوافع أخرى: ~~أولها الإعجاب بها وذلك هو الذي كان يسوقني نحوها ولمجاراتها، وحب التمتع ~~بالنظر إليها أطول زمن ممكن، فكنت في ذلك أعدها تمثالا حيا محكم الصنع. وإذا ~~كنت قد أعجبت بصورة لأنها جميلة، وحرصت على أن أراها أكثر ما يمكن فلا بدع إذا ~~بلغ بي الإعجاب بفتاة أن يدفعني نحوها ms178 كل هذا الطريق الذي كنت أقطع بين القرية ~~والمزرعة. # والثاني لذتي الشخصية في أن أنال منها قبلة أو أضمها لصدري، والسعادة الوقتية ~~التي أجد في استسلامها لي، والسرور الذي يجيئني به أن أرى الدم يصعد إلى خدودها ~~وعيونها المستعطفة العذبة النظرات، وشفاهها المرتعشة كأنها تهمهم بشيء لا تجد ~~القوة كي تقوله علنا. أما ثالث هذه الدوافع فأحسبه إتمام غرض الطبيعة من تخليد ~~النوع، حقا إنني لم أفكر في شيء من هذا مطلقا، ولكن سبب ذلك أني جعلت الفكرة ~~فيه مقرونة عندي بفكرة الزواج. ولما كانت الطبيعة لا تهتم بكل هاته الوسائل ~~التي أقمنا لحفظ كيان العائلة والجمعية كما يقال، بل هي تهزأ بها، أرادت أن ~~تعمي على فتدفعني لكل المقدمات وتجعلني أجد فيها ما يحرضني عليها ثم هي توقعني ~~حتما في شباكها، وتبتز مني ومن هاته الفتاة الابن الذي تريد أن يكون الجيل ~~المقبل. # في هاته الساعات التي كنت أقترب فيها من صاحبتي كان يقتتل في داخلي عاملان من ~~غير أن أحس بقتالهما: الطبيعة وأغراضها، والوسط وما يوحي به من الأنانية. وبرغم ~~أن الطبيعة سارت في طريقها إلى حد شاسع فإنها لم تبلغ النتيجة التي كانت تطلب، ~~لأني لم أتزوج الفتاة حتى أكون انسكبت في القالب الذي يريده الوسط، ولا أنا ~~أرخيت لنفسي العنان خشية أن يمس ذلك أنانيتي بسوء. # بعد أن وصلت إلى هذا الحد من التفكير تجلى أمامي أنه لا ابنة عمي ولا صاحبتي ~~الفلاحة كانت تنفع زوجة أو محبوبة لي... وإن تكن الثانية أحق من الأولى، لأنها ~~حازت إعجابي، وكانت موضع اختياري. ولذا يجب أن أبحث عن غيرهما. # من حين خطر في فكري أن أبحث عن غيرهما بدأت أفكر في الانفراد بنفسي وترك ~~الناس والتجوال حتى أقع على بغيتي، ولكني لم أتم ذلك إلا بعد عناء أيامي ~~الفائتة. إذ رأيت كأن وجودي كله يصرخ: لم تبحث عن زوج؟ أولا تجد فيمن أعجبتك ~~الرفيقة التي تسعدك وتسعد الجنس بأبناء أقوياء أصحاء... ولكني شعرت في اللحظة ~~عينها بما في ms179 تلك الصيحة من معنى الاستهزاء بالزواج الذي تقدس على الزمان. كيف ~~يصح وفي أي شرع يسوغ لي أن ارافق فتاة لم أتعاقد معها على الزواج، ولا نحن ~~أمضينا صيغة العقد أمام المأذون؟ أليس في ذلك هدم العائلة والقضاء على شرف هذه ~~الصلة؟ # هدم العائلة! وما العائلة؟ وما معناها؟ ألا أستطيع أن أتزوج اليوم وأطلق بعد ~~شهر، ثم أتزوج أخرى وأخرى، ويولد لي من جميع زوجاتي أولاد؟ فما هي العائلة التي ~~بنيت والتي يخشى أن تهدم؟ كما أني لو شئت أن أقيم عائلة فليس بضائري شيئا أن ~~تكون شريكتي في إقامتها فلاحة عاملة، وإذا كانت الفلاحة وغيرها كلهن متساويات ~~في الجهالة فالعائلة التي تقوم على أساس حسن من الحب لا شك هي أحسن من غيرها. ~~كما أنه متى خرجت المرأة من دار أبيها إلى دار زوجها أصبحت امرأة فلان تعلو ~~بعلوه، وينالها من العظمة ما يناله. تكون هي معه شيئا واحدا يصيبه مايصيب ~~النصف الآخر. # لكل ذلك أرى أنه لم يكن من عيب علي أن أتزوج بالفلاحة التي أعجبتني! ولكني ~~لم أتزوج بها، وتزوج بها غيري ورأيت أنا من الأمانة أن أذرها من فكري، وحافظت ~~هي الأخرى على عهدها لزوجها بأحسن ما تحافظ به زوجة. # واليوم ماذا عساني أعمل؟ ها أنا حرمت من ابنة عمي ومن الأخرى، ولم يبق لي ~~منهما نصيب، فماذا عسى أن أعمل؟ هذا هو السؤال الذي سألته نفسي بعد تفكير طويل ~~لم ينتج كثيرا ... ~~.. ماذا أعمل؟ رباه! إنك تعلم ما بنفسي من الألم، لأني أعتقد أن حياة لا ~~يخالطها الحب من أولها إلى آخرها حياة ضائعة. فإذا هي فقدت هاته العاطفة في ~~الشباب أيام الربيع حيث القلب متقد والوجود أمامنا ناضر فهل نستعيض عنها شيئا ~~بعد؟ # اللهم هداك وسط هاته الظلمات الحالكة التي تحيط بي! لم يبق من سبيل للمقام مع ~~أهلي الذين أعز. ويلاه! ويلاه!! يجب من أجل أن أعثر على المحبوب أن أذر ورائي ~~كل شيء وأهيم حتى أجده. وبذلك يمكنني أن أعيش سعيدا. # إنني ms180 أحب أبوي وأهلي، ولكن أخشى أن يكون بقائي بينهم - بعد الخوالج التي ~~أراها قائمة بنفسي وذلك التقزز من الحياة الذي أصابني - هما في هم وحزنا لي ~~ولهم، فخير أن أنزع إلى الوحدة فإما بلغت غايتي ووجدت المحبوب الذي يسعدني ~~وأرجع به يوما ما بين يدي لنعيش جميعا مع أبي وأمي، وإما لم أجده فأرفض ~~الحياة رفض النواة غير آسف عليها، لأن الحياة التي لا تحوي السعادة لشخصينا ~~أولى بها أن ترفض. # أنا عليم بصعوبة العمل الذي أخذت على عاتقي، ولكني إنما احتملته بعد أن سئمت ~~العيش ورغبت عنه. بل لم يكن تصميمي هذا إلا تخفبفا من حكم هو أشد وقعا وأقسى ~~على نفس كل من يحبني. # وهنا أودعك والدي وأودع أمي وإخوتي وأهلي. وكل ما أطلب إليهم ألا يصيبهم جزع ~~من أجلي، فإن الحياة أقصر من أن نقضيها في آلام وأحزان. ولكم جميعا الاعتراف ~~بسابغ فضلكم على. والسلام. # حامد ~~••• # لم يكد السيد محمود يتم قراءة هذا الخطاب حتى عراه الذهول، وحدق إلى ما حوله مبهوتا ~~لا يفهم شيئا. وشمس العصر الضعيفة في هذه الأيام يتلألأ نورها على حافات النوافذ ~~وتنساب بعض أشعتها على أرض الغرفة، وكلما هبطت من علوها زادت أشعتها امتدادا، واندلع ~~بعضها إلى المكتبة كأنها تشير للأب اليائس إلى غريمه، وتخبره عن سبب أسى ولده. إنه قد ~~صرف همه إلى قراءة أشعار العشاق فأخذت بنفسه رقتها، ورشقت قلبه عذوبتها، فأصابت منه ~~الفؤاد، وأدمت الجوارح، واحتلت النفس وتمكنت من كل وجوده. ثم تأثر قصصهم وأخبارهم، ومن ~~يموت منهم إلى جوار محبوبته، ومن يموت من أجلها، فتجلى أمامه سخف الحياة الباهتة ~~القليلة القيمة التي يقضيها الكثيرون وهمهم منها كفاية بطنهم وسد مطامعهم المادية، ~~وتجلى له جمال تلك الحياة العاشقة تقضى بين الخيالات والأحلام وإلى جوار المحبوب الذي ~~يملك بيده سعادتنا. ولكن الأب منصرف بهمومه عن الشمس وعن المكتبة، يطرق ساعة، ويرمي ~~بنظره إلى السماء أخرى، ينتظر أن يفتح الله عليه بأمر أو يرد إليه ولده. وبقي في مقامه ~~حتى ولى ms181 النهار، واحتل الليل أرجاء السماوات والأرض، وجاء أولاده الذين تأخروا في ~~المدرسة يتفرجون على لعب الكرة، ونادوا بالعشاء فجلس السيد محمود من بينهم مشتت النفس ~~حائر الفكر لا يطعم شيئا ولا ينبس ببنت شفة. # وبعد أيام كان فيها حائرا لا يدرى ماذا يعمل وصل إليه من حامد الكتاب الآتي: # والدي المحترم # إني أحس الساعة بمقدار ما سببته لك من الألم. ولكن بالله إلا ما خففت عن نفسك ~~وأزلت همك، وتركت جانبا التفكير في أمري. إنني أعيش اليوم عيشا رغدا، وأعمل ~~فأجني من جبيني ما يقيم حياتي، ولا أفتر ساعة عن شكركم على ما قدمتم لي. وإني ~~كبير الأمل أن يجيء اليوم الذي ألقي بنفسي فيه بين أحضانك وأحضان أمي. وهل ~~الفرق بين الأمس واليوم إلا أنكم كنتم من قبل تعرفون مستقري وأنتم اليوم لا ~~تعرفونه. # ألوم نفسي حين أعتقد أنكم محزونون من أجلي، ولكني لا أزال على قيد الحياة، ~~ناعم العيش.. وإلى ملتقى قريب أو بعيد أهديكم جميعا تحياتي. # حامد # ولكن أنى لأب أن يتعزى بكلمة كهذه من ولده، بل لقد زادته أسى على أساه وشجنا على ~~شجنه. ولو علم أن ابنه ترك الحياة لاعتراه اليأس، واليأس إحدى الراحتين، ولكنه يعلم أن ~~حامدا بين الأحياء هائم لا صديق له يكد لمعيشته. ولا شيء أشد على نفس والده من ~~هذا. # حامد اليوم بين الأحياء يريد من يحب فلا يجد، وقد ضرب دونه ودون كل فتاة حجاب. وأبوه ~~في الدار كمد من أجله يتلقى قسوة القضاء، وهو ما بين الجزع والصبر تتناوبه هموم الخطوب ~~من كل جانب. والجمعية الظالمة حولهما في شغل عن الأب وابنه لا تحس بما في نفسيهما، ولا ~~يهمها أمات الأول هياما أم قضى الثاني نحبه ألما. وفي الخدور من هي أشد وجدا من ~~حامد، ولكنها لا تجد إقدامه، ولا تستطيع - وقد ربيت في النعيم، أن تذر دار أبيها لتبحث ~~هي الأخرى عمن تحب، فيطفئان بحبهما لوعة قاتلة، ويحييان عاطفة شريفة، ويمدان أمامهما من ~~آمال السعادة مايهون عليهما حياتهما ms182 وما فيها من مصائب ومتاعب. # 3 # بعد ثلاثة أيام من سفر إبراهيم جلست زينب في القاعة التي ودعته فيها، وأمسكت بيدها ~~المنديل الذي وجدته بعد خروجه، ثم نظرت إليه، وجاء إلى نفسها أن محبوبها الساعة في ~~أبعاد نائية لا يعرف أحد مقره، فانهملت على خدها تلك الدمعة الحارة التي تسيل هادئة من ~~عيونها من غير أن نحس بها والتي تحكي الآلام المحتلة كل وجودنا. # ومن ثلاثة أيام لا يكاد النوم يعرف إلى عيونها سبيلا. فكلما أرخى الليل سدوله أحيت ~~هي موته وظلمته بدموعها المنسجمة وتنهدات يكاد ينشق معها صدرها، وبقيت في مرقدها ~~تعاني الآلام أنواعا وضروبا. فإذا صادف أن سألها حسن عن سبب ألمها شكت دوخة أو مغصا ~~تنتظر أن ينقضي مع الصباح. والصباح - ومعه ضجة الكون - يعزيها بعض الشيء عن مصابها ~~وينسيها حزنها، وإن كانت تجد أحيانا في ساعات الوحدة ما يكاد يقتلها ألما. # جاء حسن وتناول الطعام كعادته، وصعد إلى الغرفة في حين بقيت هي في القاعة تحدق إلى ~~منديل إبراهيم. فلما استبطأها سأل أمه عنها. ولكن أمه لا تعرف أين هي، فعلته غرابة! ~~أين عساها تكون في هذه الساعة من الليل، وقد صلى الناس العشاء، ورجعوا إلى دورهم؟ ~~وانقلبت الغرابة قلقا في وقت قصير، وبقي مكانه حيران لا يفهم من ذلك الأمر ~~شيئا. # ثم زاده قلقا وحيرة أن صعدت زينب إلى الغرفة، فلما سألها لم تجبه بشيء لأنها لم ~~ترد أن يعرف أين تقضي ساعات ذكراها وألمها. فألح في مسألته وطلب إليها إلا ما ~~أخبرته من أين هي آتية. وكلما زادت إصرارا على سكوتها زاد هو إلحاحا وظهر على صوته ~~شيء من أثر الحنق والغيظ. وأخيرا وقد ملكه الغضب صاح في وجهها: ~~- لازم تقولي إنت كنت فين.. أني ما عرفش كدب النسوان الفارغ ده.. قولي لي كنت فين ~~الليلة دي وإلا كل حي يعرف شغله. # ولكن ماذا عساها تقول له؟ إنها كانت في القاعة كل هذا الزمن الطويل! وإن سأل عما كانت ~~تعمل فماذا تجيب؟ أتخترع من ms183 عقلها شيئا تداري به ما كانت فيه من ألم وحزن؟! أي أنها ~~تكذب غير كذب النسوان الذي يقول حسن!. إنها بذلك تريحه من التفكير ومن اتهامها. ولكن ~~ألا يصح أن يتخذ من كلامها دليلا على المراوغة وقول الباطل؟ ولم لا تقول له إنها كانت ~~في القاعة تبكي؟ وإن سألها لم تبكين؟ وهل أساء إليها أحد؟ # وأخيرا فضلت الصمت المطلق، وأن تترك له أن يظن بها ما يشاء، فما دامت هي مرتاحة ~~الضمير فلا شيء عليها. # لكن أنى لها راحة الضمير؟!.. إنها ما عتمت أن تمطت في فراشها حتى راجعتها أحلام ~~كل ليلة بشكل أفظع. ولم تستطع إمساك البكاء في قلبها بل علا بالشهيق صوتها. وذلك الألم ~~الذي يخنقها كل ليلة وتعمل لبقائه مكتوما ظهر ووصل إلى سمع زوجها، فأطار من عينه النوم ~~الذي كان قد بدأ يناوشه، وجعله يتسمع إلى تلك التنهدات التي تتمشى في صدر زوجته. ~~وبعد أن كان ذلك الرجل الغضوب القاسي صار قلبه يلين، كأنما تصب عليه زينب من دمعها ما ~~يخمد نار غضبه، أم كأنما يسري إليه وسط الظلمة الحالكة المحيطة به شعاع من رحمة ~~الله. وأمست كل زفرة تبوح بها زينب سكينا تقد بها مهجته فلم يقدر على السكوت عن أن ~~يسألها: مالك يا زينب؟ # وما كاد ينطق بهذه الكلمة حتى أسلمت زينب نفسها للبكاء كأنها رضيع فقد أمه. بكاء ~~ينهل من عينيها، ويودع في جوف الليل أحزانها ومخاوفها. ثم علا صوتها بالنحيب يتخلله ~~أحيانا أنين مؤلم يصل إلى القلب ويحرق الفؤاد. فقام حسن من مرقده وأوقد المصباح وجاء ~~إلى جانبها يملس عليها كما تملس الأم على صغيرها، ويسألها عما أصابها، ويتودد لها ~~يحسب أن قد أثرت فيها شدته، فعزت عليها نفسها، أن رأته يغلظ لها القول، وما عرف عنها ~~إلا الرزانة والوقار، ولا سمع من سيرتها إلا الحشمة والقيام بالواجب. # مع ما في الاعتراف بالخطأ من الصعوبة بحيث نلجأ أغلب الأحيان إلى إصلاحه بكل وسيلة من ~~غير أن نقر أن قد وقعنا فيه، فإن ms184 من الأشخاص من لهم علينا من الأثر وفي نفوسنا من ~~المنزلة ما يسهل معه أن نبالغ في هذا الإقرار. بل لقد يبلغ حبنا لهم أن نتهم أنفسنا ~~بأمر لم نجنه ما دمنا نعلم أن في ذلك رضاهم. كان هذا الموقف الأخير موقف حسن يوم رجعت ~~زينب من السوق وسألها عما قضت فيه نهارها. وها هو ذا الآن في الموقف الأول يقر لها ~~بخشونته فيما قال، ويعتذر لها عما قدم، ويطلب عفوها، فلا يزيدها بذلك إلا إيلاما، ~~لأنه يزيد مركزها حرجا، ويجعلها تضيف على أسفها لفراق إبراهيم أسفا آخر كبيرا أن لم ~~تستطع أن تهب قلبها لزوج طيب حليم. # ليه مالك يا زينب؟. إحنا حا نفضل صغار كده نعيط من كلمه ونعيط من مفيش.. علشان إيه بس ~~بتعيطي يا أختي.. الحق علي أنا يا زينب، وإن كان كلامي زعلك ما بقتش أعيده أبدا. انت ~~مش عارفه إن الواحد يقلق لما بتغيبي بيخاف تكوني رحتي الغيط والا هنا والا هنا ~~والأيام دي الدنيا بتبقى سقعة في الليل.. ما تعيطيش أمال. # هيه!.. إنه يخشى عليها برد الليل، ويؤلمه أن يراها تبكي.. لم يارب حين أردت أن تهبها ~~حسن لم تهيء قلبها لحبه؟ ولم تضعه في طريقها حين بدأت تجد في كل إنسان محبوبها، لعله ~~كانت تجد فيه من يملأ وجودها ويكون معها سعيدا في هذه اللحظات، فبدل أن تذرف الدمع ~~ويبقى هو بين يدي الألم يكونان في هناء ورغد؟. وهل بعد جهادها العنيف الذي عملت لتعطي ~~ما تستطيع أن تتصرف فيه من وجودها إلى الشخص الذي يعد نفسه وتعده هي ويعده الناس ~~صاحبها الشرعي، هل بقي عليها من لوم، أو هل لأحد أن يتهمها بشيء، أو أن يسدي إليها غير ~~كلمات الإعجاب بثباتها؟! وإذا كانت قد جاهدت طاقتها لتعطي زوجها قلبها، فإذا هذا القلب ~~في ملك غيرها من قبل، هل ينبغي إلا أن نعذرها أكبر العذر ونلقي التبعة على الزمان ~~القاسي؟! # لو أن إنسانا رأى في هذه الساعة من الليل وجه هذه المحزونة ms185 البائسة، أو سمع تنهداتها ~~تشق السكون والصمت المحيطين بها، لأخذته الرحمة بها وبكى معها. ولو أنه دخل إلى قلبها ~~ورأى فيه مبلغ ما يتشاجر الإحساس والواجب لعدها من كبار المجاهدات إزاء قوى الطبيعة ~~العاتية. لذلك لم يستطع حسن البقاء إلى جانبها من غير أن تنهل من عينيه دمعة ليست أقل ~~حرارة من دموع زوجته. # بقي الزوجان كذلك: أحدهما يبكي في صمت جزعا على صاحبه، وصاحبه تتجاذبه العوامل فلا ~~يجد في طريق الحياة رشدا، ويذرف الدمع على حيرته وضيعته. # ثم مد حسن يده إلى كتفي زينب فأجلسها، وطوقها من بعد ذلك بذراعه، وضمها إليه ضمة ~~كلها الحنان والعطف، وجعل يلاطفها ويداعبها كما تلاطف الأم المحزونة ولدها المريض، ~~ويتودد إليها بكلامه الرقيق: برضه تزعلي مني أنا يا زينب؟! دا مش كان عشمي.. ولو كنت ~~عارف إنك حاتخدي على خاطرك من كلمة والا اتنين كنت عملت زي الناس اللي يفضلوا يخزنوا ~~لما تيجي عبارة كده ولا كده يطلعوا خلقهم على نسوانهم. ولكن أنا قلت علشان عارف إنك ~~عاقله وتفهمي أن كلامي ده خايف عليكي وبدي لما تروحي هنا والا هنا في الليل تبقي تقولي ~~لي. # وصل هذا الكلام إلى أعماق نفس زينب، وأحست بموقفها أمام زوجها، وأنها وحدها الأثيمة ~~الخاطئة. غير أن ما ركب في الإنسان من حب تبرير عمله والدفاع عنه وخوفها السكوت الذي ~~يزيد حسن ألما دفعها إلى أن تجيب: وإذا كنت قاعده في القاعة من ساعة العشا لساعة ما ~~طلعت. # فنظر إليها حسن، وهي لا تزال تبكي، وقد علاه لجوابها الدهش والاستغراب!.. في القاعة؟! ~~ولم لم تقل؟ وماذا كانت تعمل هناك؟ ولكن ثقته المتناهية بزوجته جعلته يغضي عن كل هذه ~~الأسئلة وكثير مما ورد إلى خاطره، وبقي يعاتبها على سكوتها المطلق الذي لزمته أولا، ثم ~~يضمها إليه ضمة كلها الاقتناع والارتياح. # وبقي إلى جانبها يحادثها ويلاطفها حتى عاد إليها سكونها، ثم أطفأ النور من جديد، ~~واضطجع في مرقده قريبا منها، وجعل يسألها في أمور بسيطة لا قيمة لها، وكل أمله ms186 أن يذهب ~~بها النوم إلى هدوئها. ولكن لم تكن إلا لحظة حتى غلبه التعب من عمل النهار وانقطع حديثه ~~ونام. أما هي فلم تغمض عينا، بل باتت بحال أشد من حالها من ثلاثة أيام، وهي تلوم نفسها ~~آونة على إيلام زوجها ببكائها، وأخرى تريد أن تهب له قلبها. وتجاهد لتقطع بكلمة أخيرة ~~من إرادة ثابتة كل صلة بينها وبين إبراهيم، فتسمع كأن صوتا داخليا يسألها: «وهل ~~تستطيعين؟»، وتتصور حبيبها واقفا إلى جانبها يبسم لها عن قلب طيب، ويرسل يده حول خصرها ~~النحيل، ويقول لها: «أنا أحبك». # ما أكبر سلطان خيال المحبوب على النفس! يجعلنا ننسى كل شيء سواه، وننسى همومنا ~~وأحزاننا، وننسى العالم وما فيه فلا يبقى إلا هو وابتساماته وكلماته، وإذا كان وجود من ~~نحب إلى جانبنا، يعانقنا ونعانقه ويرشف ثغرنا ونقبله في درر وجناته، سعادة ليس بعدها ~~سعادة، فإن خياله وذكراه، وذكر ما عمل وما قال، حلم هو ألذ الأحلام. # ارتفعت زينب من مضجعها متكئة على رسغيها كأنما تريد أن تأخذ إلى صدرها هذا الخيال ~~العزيز إلى جانبها، وتجيء به معها تحت غطاء واحد تعانقه وتقبله. وبقيت كذلك حتى لم تعد ~~رسغاها قادرتين على حملها، فوضعت رأسها من جديد على وسادتها، وهامت روحها في عالم غير ~~محدود، وداخل جسمها همود، وراحت بكلها في نوم هادئ عميق. # لكن نومها هذا لم يطل أمده. إذ ما لبث الديك أن صاح على شرفة الدار، فانتبهت كعادتها ~~وكلها النشاط والعزيمة، فكأن هاته الأحلام المحسنة التي قضت فيها أكثر ليلها أعطتها من ~~الراحة ما عوضها عن قصر ليلها. وفي الساعة عينها قام حسن فذهب إلى الجامع لصلاة الفجر، ~~فوجد أباه قد سبقه إليه ليقرأ الورد مع إخوانه الفانين. ولم يكد ينتهي من الوضوء حتى ~~سمع المؤذن ينادي من أعلى الجامع أذانه، ويدعو لبيت الله جماعة عباده، فتنشر الظلمة ~~صداه في كل الأنحاء. وبعد أن أسمع النوام أن الصلاة خير من النوم انحدر من عليته وسط ~~سلم المئذنة الضيق، ولولا اعتياده رقيه وهبوطه لما ms187 سلم رأسه مما يصيبه. ثم أم جماعة ~~المتقين لركعتي الفرض، وخرج إلى بيته آملا أن يجد لقمة ساخنة يأكلها لتغيير ريقه ليذهب ~~من بعد ذلك إلى الكتاب لتعليم الأولاد. وخرج من جماعة الفلاحين من انصرف إلى داره، ~~وبقي آخرون يسبحون بحمد ربهم ويقدسونه. وكان حسن مع الأولين قد خرج وذهب إلى الدار، ~~فوجد زينب قد أعدت له لقمة الصباح ثم راحت «للملية». ~~••• # راحت للملية والنهار يجاهد الليل ويطوي خيمته العظيمة، والطرق مختفية تحت رداء من ~~الطل لا تزال وسنى يبين عليها أثر الكرى، والسماء بعث عليها النور الوليد لباسها ~~الأزرق تطوق المزارع يقوم فوقها شجر الذرة، وهو أشد ما يكون همودا وسكوتا، والجو رطب ~~عذب ينعش النفس ويبعث للقلب السرور، وكأنه يلاطف الموجودات كلها لتقوم من نومها. وكلها ~~في صمتها سعيدة بما نالته من الراحة والهدوء. # سلكت زينب طريقها وحيدة منفردة، فلما انتصف أمامها ابتدأت تستعيد ما حصل ليلة الأمس ~~بينها وبين حسن، فما كادت تذكر ذلك حتى أحست في نفسها بحاجة إلى رؤيته، كأن دافعا ~~يدفعها للإسراع إليه، فأسرعت حتى وصلت إلى الترعة وملأت جرتها ورجعت عجلى ولا تدرى لذلك ~~سببا. فلما بلغت الدار وجدته قد سرح وأخذ التملي معه، فأفرغت جرتها وأخذتها لترجع ~~للدور الثاني، ولكنها دهشت حين سألت نفسها: لم تريد أن ترى حسنا؟ وماذا كانت ستقول له ~~لو أنها وجدته؟ حقيقة ليس هناك من جديد يدعوها لذلك، لكنها النفس الإنسانية تتنبه فيها ~~أحيانا عواطف غريبة لا يفهمها الإنسان، ويظنها نزعات غير مسببة في حين أنها نتيجة ~~لحوادث سابقة كانت كلها سببا لها. # ووجدت الطريق قد ابتدأ يعمره السارحون والذاهبات للملية، فقابلت بعضهن سارحات ~~والآخرين سارحين، وكان من بين هؤلاء أم السعد وقشطة أم إبراهيم ونفيسة أم أحمد ذاهبات ~~جميعا لدورهن الأول، وهن يمشين على مهل. فلما مرت بهن زينب، وأهدتهن صباح الخير، ~~استوقفنها، وقصصن عليها حديثا سمعنه بالأمس أن الشيخ مسعودا طالع للحج هذا العام، ~~وسألنها: هل حقا أن عمي خليل طالع معه؟ أما هي فلم ms188 تكن تعلم عن هذا الأمر شيئا ولا ~~سمعت أحدا عندهم يطلب عمل زوادة أو غيرها، على أنه إن صح هذا الخبر فالوقت لا يزال ~~بعيدا على السفر. # وبينما هن في حديثهن إذ سمعن من ورائهن: صباح الخير يا بنات ثم رأين الحاجة زهرة إلى ~~صفهن. واستمر الكلام، فلما علمت أنه دائر حول الحجاز راجعتها عادة جميع العجائز اللاتي ~~يحججن، لا يكدن يجدن الفرصة حتى يخرجن من أعماق حافظتهن الحوادث والأماكن التي رأت ~~عيونهن، ويضفن إلى ذلك من واسع خيالهن ما بذلك تظن نفسك في بلاد السحر بين قوم كل ~~كلامهم إلهام وكل ما عندهم خيرات تنزل من السماء. # حكت لهم عن حجها، وعن عمود النور الذي رأته فوق المدينة المنورة، وعن العرب، وعن ~~المطوفين. حكت ذلك من غير ترتيب، وجاءت بأحاديثها التي تقص عند كل مناسبة. والبنات ~~مبهوتات يرددن من حين لآخر (يابخت من زار النبي) وينصتن إنصات مستفيد لخيالات الحاجة ~~زهرة، وهكذا قطعن طريقهن، ونسيت زينب ما كان يشغل بالها. # طلع قرص الشمس في الشرق، فأدخل الحياة واليقظة إلى الكون، وتورد لمطلعه الشفق، ووصل ~~صاحباتنا والترعة يسيل ماؤها هادئا، وقد انطرح عليها غطاء خفيف من نور النهار الجديد، ~~وقامت إلى جانبها الأشجار أنذرها الخريف فهي كاسفة حزينة، وغيرهن يملأن أوعيتهن، ~~وأخريات يغسلن أثوابهن، ويمر من حين لآخر فلاح معه بقرته أو جاموسته. # لما رجعت زينب لآخر أدوارها كان النهار قد عم نوره الأنحاء، والشمس تسبح في الجو ~~العظيم، وتبعث على عيدان الحشيش وأوراق الذرة من أشعتها يتلألأ تحتها الطل الباقي من ~~أثر الليل، وتسطع بأشعتها فوق سطح الماء الهاديء الساكن. وبينا هي تغسل الإناء بعد أن ~~ملأته إذا هي تسمع خوار ثور طالما سمعت خواره من قبل. والتفتت فإذا الحيوان نائم تحت ~~الشجرة التي كان يربطه تحتها إبراهيم أيام كان عنتر صديقه وصاحبه، متى ابتدأ علقته في ~~التابوت لا يقف أبدا بالرغم من مشيته البطيئة، وإن هو علقه إلى جانب ثور آخر في ~~المحراث لم يناكف ولم يتعبه. فلما ms189 رأته خيل إليها أنه في ندائه يسألها عن صاحبه فأرادت ~~أن تجري نحوه لتقبله، ولتجد فيه من أثر المحبوب ما يهدئ نفسها التي هاجت لهذا النداء. ~~ثم رنقت النظر إلى الشجرة العزيزة التي طالما جلسا تحتها قبل وداعه، وهي الأخرى تصفر ~~أوراقها حزنا على فراقه وأسى من أجله. والبقعة التي كانا يجلسان فوقها، وشجيرة التوت ~~الصغيرة التي عندها، وعيدان الغاب المحيطة بها!.. ألا تندب هذه الأشياء صديقا ~~كإبراهيم؟ حقا كل هذه الأشياء غارقة في أسى كالذي أصاب زينب، ولولا ذلك لما كلمتها ~~جميعها وكلها الرقة والحزن. # وجعلت هذه الهموم تعتاد زينب كلما وجدت أثرا من آثار محبوبها، فيعروها الأسى وتظهر ~~على وجهها علامات الحزن وتنقبض نفسها فتنقطع عن الطعام، وتلزم الوحدة، وتطيل التفكير، ~~ويشتد بها الحال من حين لحين، فيحنق قلبها، ويرتعد بدنها، ويذهب لونها، ثم تترقرق ما ~~بين محاجرها دمعة تسيل على خدها ولا يبصرها أحد. # تتابعت الأيام تفنى واحدا بعد الآخر، وكل يوم يمر يزيدها شجنا وتطلبا للوحدة. فإذا ~~ما خلت إلى نفسها أسلمتها للبكاء حتى تذهل عن نفسها وعن الوجود، وبدأت تحس بوحدة فظيعة ~~تزداد من يوم ليوم، ولا تجد في مخلوق مؤنسا. بل لكأن سكون الكون أو نداء الحيوان آنس ~~لها من كلام الناس وجلبتهم. # تقدم الخريف، وظهرت على الأشياء وحشة. فكنت ترى مزارع القطن ولم يبق على أشجارها ~~ورقة، تمتد سوداء فوق أرض لا نبات فيها ولا شجر. والذرة جاء عليه الهرم، وقد خلع كل ~~أثوابه، وبقي واقفا منكمشا ينتظر الموت القريب. والترع غاض ماؤها، ولم يبق بقاعها ~~الناشف إلا وشل ينهل منه الناس والدواب. والشمس يؤذن مطلعها بمغيبها القريب، وينتظرها ~~الناس وكلهم الشوق لها بعد ليلهم الطويل البارد. والهواء يهب من الشمال فترتعد له أجسام ~~المترفين، ويستقبله من الفلاحين عاري الصدر عاري الساقين فرح بما يجيء وراءه من أيام ~~الراحة. وكل شيء يؤذن بالأقوال أم بسنته السنوية يأخذها أيام الشتاء حين لا سعي ولا ~~عمل. # وكلما قطب الوجود ازدادت زينب حزنا وأسى، وظهر عليها ms190 من أثر ذلك ما يكاد يميزه من ~~رآها من قبل. # اعتقدت أن قد أصابها البرد حين أحست بسعال يناوشها من حين لحين، ومع ذلك لم ترض أن ~~تلزم الدار وتحتفظ بنفسها وتطلب الدفء، لأنها كانت تعلم ما في ذلك من حرمانها مشاهدة ~~آثار إبراهيم وما خلف، والشجرة الشهيدة على ما كان بينهما. وبالرغم من ريح الصباح ~~القارسة التي تهز الأبدان وترعد الأسنان كانت تذهب إلى الترعة لأول خيط تبعثه الشمس من ~~شعاعها على البسيطة متخذة لذلك حجة أيا ما كانت. فلما غيض الماء ولم يبق للملية من ~~سبيل إلا أن يذهب الناس ظهر النهار لمحطة السكة الحديد ينالون مما يحمله الوابور معه، ~~كانت تذهب لترى بعض أمر يخص أبويها وأختها، وإذا ما جاء الظهر لم تنس أن تروح إلى ~~المحطة لترسل هي الأخرى لأسود الوجه فاحم القلب الذي أبعد عنها محبوبها نظرة حقد ~~وكراهية. # وكلما رأت الشجرة أو الوابور أو أي أثر من آثار محبوبها انتشر في جو أفكارها سحاب من ~~الهم ولم تستطع إلا أن تستسلم للتنهد ثم للبكاء المر. وفي وسط بكائها يعاودها السعال ~~فيرج صدرها ويهزها جميعا، ثم يرسل إلى خدها الشاحب الناحل ما يرد إليه بعض تورده ~~الذي لا يلبث أن يغادرها بعد لحظة. وتدخل الدار فتحبس نفسها في الغرفة أو القاعة، وتبقى ~~هناك الساعات الطوال المتوالية. وكلما سألها حسن عما تعالج من الحزن أجابت أن أصابها ~~برد وسعال لا ينفكان يضايقانها. # انقضى العام وجاء يناير وفصل الشتاء معه، وعمل الفلاحون لتقطيع الهندي والشامي، ~~وأصبحت المزارع مسطوحة تقوم عليها النباتات الصغيرة إن فولا أو برسيما أو غلالا، ~~فإذا ما أرسلت بنظرك راحت أمامك الأرض خضراء حتى يقصمها الأفق. والترع فيما بينها ناشفة ~~تنتظر التطهير في هذه الأيام أيام الجفاف، وقد بدا عليها من الضعف والاستسلام ما يجذب ~~القلب نحوها. والدواب الراتعة في مرابعها تزعق أحيانا فتملأ الجو الساكن بزعيقها. وعلى ~~مقربة منها انتشرت فوق البساط السندسي جماعة القبرات تصفر وتنط، فتبعث شيئا من الفرح ~~إلى جو ms191 الشتاء الحزين. # كانت أم زينب تراها من حين لآخر، وكثيرا ما تصادفها عند الموردة ساعات الملية ~~فتسألها عن حالها مع حسن ومع حماتها كذلك. كانت تذهب عندهم في الدار ومعها بعض الشيء من ~~سمك أو خيار أو نحوه حسب فصل السنة. ولا تفتأ - كلما وجدت من زينب ما تحسبه يؤخذ على ~~مثلها - تكرر لها النصيحة. ثم إذا رجعت إلى دارهم ورأت زوجها قصت عليه، وكلها السرور ~~والرضا، مبلغ حب أم حسن لزينب وإعزاز أخواته وميلهم جميعا لها. حتى خليل كان كلما رآها ~~سألها عن شأنها ثم طمأنها على ابنتها وسيرها ومدحها أمامها بما هي أهل له، وأكد لها ~~أنه في كلامه غير مغال ولا مبالغ. # فلما رأتها في هذه الأيام الأخيرة وقد ظهرت عليها علامات الألم بهتها شحوب ابنتها ~~وذهولها، وجعلت تسأل نفسها: ماذا عساه قد أصابها. وهذا السعال وإن يك بسيطا فإن تقدمه ~~كل يوم عن الذي قبله جعلها تقلق بعض الشيء على صحتها. لذلك رأت من الواجب عليها أن ~~تنبهها حتى لا تخرج إلا محتاطة لنفسها من البرد... ولكن هيهات أن ينفع التنبيه بعد أن ~~استحكم الداء من صدر الفتاة، ولم يبق إلا القليل حتى تظهر عليها كل آثار السل ~~القاتل. # 4 # بهي الشيم أخينا المحترم حسن أبو خليل دام بقاه آمين # بعد إهداء مزيد السلام على حضرتكم نخبركم أننا هذه الأيام في أم درمان، ونحن ~~طيبون بخير، ولا نسأل إلا عن صحة سلامتكم التي هي غاية المراد من رب العباد. وفي ~~تاريخه أخبرني الشاويش أنه ستقوم أورطة إلى جهة سواكن ولا أعلم إذا كان منها بلكنا. ~~وإن شاء الله متى قامت نخبركم إن كنا منها ونبعث لكم بجواب من سواكن. ولا تؤاخذنا ~~في تأخير الخطابات إلى الآن، فإنهم نقلوني كثيرا فما كنت أعرف إذا كنا سنبقى أو ~~سنرسل. ولكن هنا في أم درمان يمكن دائما إرسال جوابات باسمي فأستلمها، وإذا ذهبت ~~إلى سواكن يبعثوها لي. قد قابلت هنا أحمد أبو خضر وهو من بلدياتنا ابن أبو خضر ms192 أبو ~~اسماعيل وهو يهديك السلام. وقابلت سعد البرهمتوشي وهو يهديك السلام. وقابلت خليل ~~أبو عوض الله وسعد الدين الحبشي وعلي أبو محجوب وكلهم يهدوك السلام. ثم تسلم لنا ~~على أبوي خليل وعلى حسين أبو مسعود وعلي أبو أحمد وعلى والدتنا وعلى والدتكم ~~وإخوانكم، وتسلم لنا على الحاج هنداوي أبو عطية وعلى إبراهيم أبو سعيد ثم تسلم لنا ~~على جميع من بطرفكم وجميع من يسأل عنا ودمتم. # حاشية: # تسلم لنا على جميع عائلتكم ~~ودمتم. # إبراهيم أحمد # من يوم أن سافر إبراهيم لم يقف له أحد على خبر. فلما وصلت هذه الرسالة إلى حسن، وعلم ~~منها أن صديقه ممتع بالصحة، وأن كل آماله أن يكون جميع معارفه مسرورين أصحاء، سارع ~~فأبلغ الخبر إلى والدة إبراهيم التي لم تلبث حين سمعته، أن طوقته بذراعيها الناشفتين، ~~وجعلت تقبله من غير حساب، وقد عرتها رعدة عصبية، وانهلت من عينها دمعة لم يدر حسن إن ~~كانت دمعة فرح على صحة ابنها أو دمعة حزن وألم على فراقه. والواقع أنها لما ذكرته وذكرت ~~منفاه البعيد عاودها الحزن الذي استولى عليها من يوم سفره! لكنها في الوقت عينه سرت ~~بالخبر الطيب الذي يحمله إليها صديقه، وحمدت الله على صحة ابنها المحبوب. وبين هذين ~~العاملين - وقد ارتفع قلبها في صدرها، وعاودتها القشعريرة مرات تهز جسمها النحيف البالي ~~- هملت دمعتها على وجهها الأسمر قد عملت فيه الأيام فتركت فيه آثار التجعد ~~الظاهر. # هذه أول كلمة بلغتها بعد ستة أشهر عن إبراهيم الذي قام من بلده إلى بندر المديرية ثم ~~القاهرة حيث أقام بعض شهور بقشلاقات العباسية ومنها انتقل مع إخوانه وبلدياته إلى ~~السودان ومجاهله إلى تلك البلاد القفر التي بابها فوهة القبر والعذاب والجحيم ينال فيها ~~كل فقير صحيح البدن حظه من الشقاء. ثم هو يرد إلى بلاده وكل ما كسبه أنه لبس طربوشا ~~ثلث متر في الطول وسترة وبنطلونا تجعله يزدهي على أقرانه أياما بعد رجوعه، ثم يصبح من ~~الأعطال الذين يقضون حياتهم نوما وحديثا ويلبسون مركوبا أو بلغة ms193 وجلابية بيضاء ~~وعمامة ملفوفة على طاقية مزهرة، أو تلجئه الحاجة إلى أن يرجع إلى صف العمال الفقراء ~~التعساء فيعمل كما كان ويأكل من عرق جبينه. # بلغ حسن الخبر لأم إبراهيم لساعة ما وصله الكتاب، وقرأه عليه بعض من كان حاضرا في ~~دار العمدة. ثم رجع إلى بيتهم وقص عليهم الحديث، وأخبرهم بما لا يزال عالقا في ذهنه ~~منه، وأن إبراهيم يسلم عليهم جميعا. فتشوقت زينب أن تسمع كلماته، وتمنت لو وجد من ~~يقرؤه أمامهم. ولكنها لم تستطع التصريح بما في نفسها لما تحيطها به من الحذر دائما ومن ~~أن حسن مطلع على خفايا قلبها وأنه ينتظر منها كلمة كهذه ليبرق لها ويرعد ويظهر لها ~~مخبوء ما في نفسه. # ترى ماذا يقول عنها إبراهيم في جوابه وهل ذكر اسمها؟.. رباه! وهل يتذكرها وهو بعيد لا ~~يعرف شيئا من أمرها ولا ما يدور في نفسها؟ أو أنه قد نسيها وراحت من باله كما راحت ~~البارحة؟ ألا يوجد أحد يقترح على حسن أن يقرأ الجواب! عمي خليل.. أمي جازية.. أحد أيا ~~كان؟.. انقضت الأيام التي كان يجلس فيها إبراهيم تحت الشجرة ينتظر مجيء زينب!.. لكن كيف ~~ينساها؟.. ومن يدري؟.. قد يكون نسي كل شيء.. إذن أفلا أحد يريد أن يسمع جواب ~~إبراهيم؟..؟.. آه.. أمي جازية لا تريد هي الأخرى ... # بعد برهة من سكونهم جميعا سأل عمي خليل: هو مش مبسوط كده.. إبراهيم أبو أحمد. ~~- دا مبسوط خالص.. وبيقول يمكن يروح سواكن ويمكن ما يروحش لسه ما هوش عارف إن كان ~~بلوكهم مسافر والا لأ. ~~- هيه.. بلا سواكن بلا طوكر.. إياك دنه قاعد. كتر التنقل يلخبط اللي ما ~~يتلخبطش. # وفيما هم في حديثهم دخل عليهم صغير من أولاد جيرانهم يسأل إن كانت أمه هناك، لأنها ~~ليست عندهم وهو خائف أن يبقى وحده فقالت له أمي جازية: اقعد وكمان شويه هي تجيء تسأل ~~عليك. # ولما جلس سألوه عما يعمل في المكتب هذه الأيام. ومن أجل أن يعرفوا قوته في المطالعة ~~أخرج إليه حسن جواب إبراهيم ms194 ليقرأ وأنصتوا جميعا له. أما زينب فاقتربت منه بقدر ما ~~يسمح لها به المكان، ووجهت إليه كل سمعها. ومن لحظة لأخرى يرده حسن في بعض الكلمات التي ~~يلحن في النطق بها بعد ما سمعها صحيحة من قارئ المضيفة. # في وسط الجواب دخلت أم الغلام تسأل عنه، فلما رأته يقرأ وقفت هي الأخرى ساكنة تسمع، ~~وقد امتلأ صدرها بالسرور والإعجاب الذي ينال الأم أن تعتقد نفسها أنجبت. فلما قرأ كاتبه ~~إبراهيم أحمد بذلك الصوت المسموع الذي اعتاد أن يقرأ به القرآن في مكتبه وسكت، عندها ~~أحست زينب كأن قلبها يتمشى في صدرها أن سمعت كل هذا ولم تجد لاسمها بين من ذكر إبراهيم ~~أثرا، فطلب إلى حسن أن يسلم حتى على أخواته، ولم يدر في باله أن يقول وعلى زينب أيضا. ~~لكن الغلام قطع عليها طريق أحلامها أن أدار الصحيفة في يده ثم قرأ الحاشية التي لم ~~تتعز بها زينب كثيرا. وحينذاك أخذته أمه وخرجت راجعة إلى دارهم. # وذهب بعد ذلك كل إلى مكان نومه. فلما دخلا معا قاعتهما، وفتحا بابها أحسا بالدفء ~~يقابلهما آتيا من فرنها المتقد تحميه زينب أصيل كل نهار. ثم راح حسن إلى مضجعه ونشر ~~فوقه عباءته ونام، واضطجعت هي قريبا منه بعد أن أطفأت النور، وبقيت هي الأخرى لا تبوح ~~بنفس إلا أن يهزها السعال أحيانا وتتنهد بعده لما تحس به من الحرقان يشرخ صدرها. لكن ~~ذلك كله لم يكن ليقطع على زوجها طريق نومه، إذ أنه قد اعتاده من نحو شهرين مضيا، كما أن ~~تعبه المفرط طول النهار كان يجعله متى توسد فرشه لا يقيمه إلا الصباح. ~~••• # من شهرين مضيا كان ذلك أول ما اعتاد السعال زينب، وكانت لا تكاد تحس من ورائه بألم، ~~ولا يعقبه إلا ما يعقب السعال البسيط من بلغم تقذفه فتخفف به عن صدرها. وبعد أسابيع من ~~ذلك أحست من السعال بشيء من التعب العام وانحطاط القوى، فإذا عملت عملا أحست بعده ~~كأنها مجهودة لاغبة. وابتدأت مع ذلك تحس بشيء من ms195 الألم يصحب السعال، وغادر وجهها تورده، ~~فأصبحت بعد أن كانت خمرية اللون تكاد تكون شاحبة. وظهر على وجهها من أثر الحزن، وفي ~~نظراتها من معنى الشجن، ما جعلها جذابة تنال ميل كل من رآها، وهذا الضعف الذي كان يزداد ~~يوما بعد يوم يذر الناظر إليها المأخوذ بحسنها يعتقدها مكسالا نؤوم الضحى.. لكنها ~~جاهدت ما استطاعت لتمحو أثر كل هذا من أعمالها، فهى تقوم بكل شيء، كما كانت تقوم به من ~~قبل، مهما كلفها ذلك من الجهد واللغوب. # وسط ظلمة القاعة الدافئة جعلت زينب تفكر في خطاب إبراهيم، وكيف لم يذكر اسمها في حين ~~ذكر الآخرين. أليس هو النسيان الأكبر أن يجيء إلى باله أبو حسن وأمه وإخوته وتكون هي ~~نسيا منسيا؟ لقد وجد في هذه البلاد الجديدة ما شغله عنها، ومن فتياتها من أعطاها ~~قلبه، ولم يبق عنده منها حتى ولا مجرد الذكر!.. ألا.. إنه.. إنه.. # لكن زينب لا تستطيع ذكر اسمه أمام زوجها، فلم تطالبه هو بذكر اسمها؟ ألا يكون سكوته ~~أنه دائم الاشتغال بذكرها يخشى ماتخشاه من أن يطلع أحد على ما في ضميره؟ أو لم يذكر في ~~السطر الذي قرأه الولد حين قلب الجواب، والسلام على عائلتكم، بعد أن قال من قبل السلام ~~على من بطرفكم؟.. ألا يمكن مع هذا أن يكون دائم الذكر حافظ العهد؟.. # أهو في سواكن الآن أم في أم درمان؟.. ترى متى يرجع فيتمتعا معا بهناء الحب، ويتلاقيا ~~كل يوم، ويذكرا هذه الأيام أيام الفراق، وما لاقيا فيها من أسى ولوعة؟!.. ثم تصورت ~~إبراهيم بعد رجوعه ومقابلته لها بالحضن ودموع الفرح التي ستفيض بها عيون كل منهما، ثم ~~حين يذهبان تحت شجرتهما المباركة يستعيدان اللحظات الفائتة وما فيها من لذة ~~وسعادة. # جاءتها هذه الأفكار الطيبة فأبدلت حزنها وهمها سرورا. وبين جنات أحلامها نسيت الألم ~~ونسيت الوجود. # لكنها في الأيام التالية لم تكن حسنة الظن بهذا المقدار، بل كان يراجعها الخوف من حين ~~لحين. وتأتي معه ساعات سوداء ملأى بالأحزان والهموم، فتخلو زينب إلى ms196 نفسها، وتجلس إلى ~~مكان أرسلت عليه شمس الشتاء من ضعيف أشعتها ما أطار شديد برده. ثم تذكر إبراهيم وجوابه، ~~وتألم لهذا الفراق الأليم القاسي . فإذا ما أرادت أن تقوم أحست بهمود وتعب واعتراها ضعف ~~تكاد تسقط معه إلى مكانها من جديد. وكثيرا ما كان يعاودها السعال في هاته الساعات ~~المتعبة يهز كل جسمها وتشعر معه بشيء يتمشى في صدرها. # أخيرا وقد أحس حسن من زوجه هذا الضعف، ولاحظ عندها هذا السعال، رأى ألا تخرج إلا عند ~~الحاجة الماسة، وأن تلزم السكن والدفء حتى لا يزيد البرد في آلامها، وحرم عليها أن ~~تذهب للملية لما في هذه المسافة البعيدة مما يجهدها ويتعبها خصوصا بعد أن نضبت الترعة ~~ولم يبق من سبيل إلا الذهاب لمحطة السكة الحديد. وكل ما سمح به لها أن تخرج في البلد إن ~~أرادت، وإن كان هو يفضل بقاءها المطلق في الدار. # لكن هذه الآراء لم ترق زينب في شيء.. صحيح أنها تحس بالتعب، وتألم حين يأتيها السعال ~~فتبصق الدم بعده، كما أنها تشعر بانحطاط قواها هذا الانحطاط السريع، غير أنها تريد أن ~~ترى دائما الأماكن التي تقدس وتحب، وتريد أن تجلس عندها كلما سمح بذلك وقتها، فعارضت ~~جهدها قائلة إنها لا تريد أن تزيد من نصيب أختى حسن من العمل، فما عندهما يكفيهما. لكن ~~حسن متمسك برأيه، ويريد أن ينفذه لا بد. وإن أحوجت الحال وكان حقا أن أختيه لا ~~تستطيعان القيام بالعمل فأية أجيرة تقدر على القيام به وأن تحل محلها حتى يأتيها ~~الشفاء. # بقيت بعد هذا الأمر لا تبرح الدار أسبوعا من الزمان. لكن تلك الأماكن لم تغب عن ~~خاطرها بل كانت تحس دائما كأن دافعا يدفعها نحوها، أو كأن هاته الجمادات تناديها ~~بأعلى صوتها تريد منها أن تشاركها في إقامة ذكر صاحبها. وكم جاهدت أم جازية لتسري عن ~~خاطرها كل هم، ولتجعلها تضحك، فذهب جهادها هباء، واضطرت أن تلجأ إلى السكوت حين رأت أن ~~الابتسامة التي تسمح زينب بها لنفسها أحيانا تزيد منظرها حزنا، ms197 وكأن القضاء المخيم ~~عليها والذي يلعب بروحها يوحي لها أن هاته الأشياء المحيطة بها ستنفصل عنها ~~قريبا. # نفد صبرها آخر هذا الأسبوع، فبعد أن تناولت طعام الغذاء مع حماتها وأخوات حسن خرجت من ~~غير أن تخبر أحدا إلى أين تذهب. خرجت من بين جدران القرية، فانبسطت أمامها المزارع ~~الواسعة يفرشها النبات الأخضر من برسيم وغلة وفول يزينها زهره الجميل وما ينط فوقها من ~~القبرات والعصافير وأبي فصادة. وبعيدا تقوم الأشجار وعليها شيء من الحزن الذي يعلو ~~الطبيعة في فصل الشتاء. واتخذت طريقها المعتاد إلى الموردة، وهناك وجدت الترعة ناشفا ~~قاعها وطمي النيلية يكاد يملؤه، وعن يسارها قريبا الشجرة وتحتها المدود ينط على حافته ~~ثلاث فصادات وعصفور. وقريب من المدود التابوت قد غطيت علبته بعيدان القنيش وأميل كبيره ~~ليستريح راحته الطويلة، وحول ذلك كله تمتد الغيطان الواسعة. # وقفت وحدقت بالشجرة فوجدتها سوداء حزينة أشد اكتئابا من غيرها، وحولها صمت مهيب كأنه ~~صمت الموت. وكل الأشياء كاسفة حزينة. # ولم تطق الوقوف طويلا، بل اعتراها التعب وخانتها رجلاها، فراحت إلى مكانها وارتمت ~~فيه هامدة، وجلست تستنطق هذه الأشياء عما بقي عندها من الذكر لإبراهيم. وفيما هي نائمة ~~في أحلامها نط العصفور حذرا يقترب منها رويدا حتى إذا كان إلى جانبها نقر في الأرض ~~والتقط بمنقاره دودة وطار فوقع حيث كان. ولما أكلها واستقرت في جوفه نط من جديد حتى وصل ~~عندها ثم رف جناحه رفة كان بها فوق ركبتها. وحين رآها لا تسأله زايلة ذلك الخوف الذي ~~يعتاد كل هذه الأحياء الصغيرة حذر أن يفتك بها من تقع تحت يده، وجعل يرفع رأسه ويحدق ~~بعينيه الصغيرتين لها. وبعد لحظة أخرى طار إلى كتفها، ومن فوقه انتقل إلى يدها، فلما ~~أحست به لم ترتع له بل أدنته منها، وبنظرات مراض كلها العطف والرحمة رمقت هذا الذي جاء ~~إليها يسألها عن حزنها وضناها. أدنته من فمها تريد أن تقبل جبينه. لكن العصفور طار إلى ~~المدود من جديد وقد تركته الفصادات له. # حجبت السحب الشمس في ms198 السماء، وانقطعت حركة الهواء، وداخل الجو من الظلمة ما جعله أشد ~~مهابة وأكثر عبوسا، واعترى النباتات الخضراء من أثر ذلك أن قتم لونها وسكنت حركتها ~~وأصبحت جامدة في مكانها كأنما تنتظر أمرا. ووافق ذلك كله ما في نفس زينب من الحزن، ~~ووجدت فيه عزاء ومسرحا لأفكارها. # ترى متى يعود إبراهيم؟ ومتى يتلاقيان؟ ويوم يرجع ويصل في قطار قبيل الغروب، ثم يدخل ~~البلد محاطا بإخوانه، يجاهد للتخلص منهم ثم يجيء إليها ويرتمي بين أحضانها، ما أسعد ~~تلك الساعة! وما أشدهما فيها هناء! ثم يأتيان إلى هذه الشجرة من جديد، ويجلسان، فيقص ~~عليها حديث أيام العسكرية ورحلة سواكن، ويحكي لها عن أم درمان وما فيها.. وهنا تخيلت ~~المكان الذي يقيم فيه الآن محبوبها، وما يحيط به من الناس والأشياء، وتصورته في ردائه ~~العسكرى واقفا مع صديق من بلدياته يحدثه، ثم يجيء نحوهما آخر، ويتذاكرون من تركوا ~~وراءهم، فتكون هي ذكر إبراهيم والإنسان الذي لا ينسى. # من بضعة أشهر كانا معا تحت هذه الشجرة ينظران معا لهاته الأشياء التي حولها، وهى ~~الآن تنظر إليها وحدها فتجدها عابسة حزينة. وبدل ما كان يقوم فوق الأرض من الذرة والقطن ~~أصبحت تكسوها النباتات الصغيرة، نباتات الشتاء، والأشجار التي كانت مكللة بالورق أصبحت ~~قطوبا جرداء. # وفيما هي في أفكارها اكفهر الجو، وتراكم الغمام، وكاد النهار يظلم، ثم ابتدأ يتساقط ~~الرذاذ خفيفا، والهواء الساكن قد ابتدأ يغادره سكونه، فاهتزت تحته عيدان النباتات التي ~~استقبلت المطر وكلها الشوق له.. ثم تزايد الريح والمطر، وصار يقع فوق هاته اللا نهايات ~~الخضراء من الأرض، وقد نام نبتها بعضه فوق بعض، والسماء تسح من غير انقطاع، والجو دائم ~~الاكفهرار، والغمام متراكم لا يتحول من مكانه، وزينب قد جاءت وراء الشجرة تتقي بها بعض ~~هذا الماء الهتون. لكن الريح التي كانت تتقلب من ناحية ومن أخرى لم تدع لها من الحظ أن ~~تبقى من غير أن ينالها نصيبها من المطر، وبقيت كذلك ربع ساعة، ثم ابتدأ الجو تنفرج غمته ~~والسحب تتبدد، والنهار يأخذ ms199 حكمه. ومن بين كسف السحاب المتسابقة في السماء كانت الشمس ~~تنتهز كل فرصة فتبعث بشعاعها على الأرض، وينساب من نورها على المزارع والطرق لجة تكسوها ~~حياة وجمالا. لكنها لا تلبث أن تحتجب ثانية ويرجع كل شيء مستسلما إلى ما كان فيه من ~~الحزن، وتبقى وقد زادها المطر سوادا كأنها لابسة ثوب حزن وألم. ~~••• # وأخيرا رجع كل شيء إلى ما كان عليه من قبل، وصفت السماء فصارت صحيفة زرقاء، ولمعت ~~الشمس فوق المزارع، وعاد الكون إلى حالته الطبيعية، فأخذت زينب طريقها إلى الدار من ~~جديد وثيابها مبلولة، وهي أشد حزنا وسكونا من ذي قبل. وفيما هي سائرة ثارت إحدى ثوائر ~~الريح فارتعدت هي أمامها وراجعها سعالها، ثم وصلت إلى الدار وأسرعت إلى القاعة لتبدل ما ~~عليها. # دخلت فإذا حسن جالس ينظر من الباب المفتوح أمامه وهو مبهوت لمرأى زوجته وما هي عليه ~~من سوء الحال. ولم يمهلها حين دخلت أن سألها أين كانت؟ فأجابته أنها كانت «برا». ورغما ~~عن إلحاحه في المسألة ليعلم منها المكان الذي كانت فيه، أو ما عساها كانت تعمل هناك، ~~فقد ذهب تعبه هباء، فهز كتفه علامة العجز، وهز رأسه علامة الاستغراب، ثم سكت. أما هي ~~فعراها انقباض شديد أمام هذه الأسئلة اهتز لها كل جسمها حتى لم تتمالك أن تقاوم السعال ~~الذي جاءها. وجاءتها نوبة استمرت زمنا احمر فيه صدغها وعيناها، وكانت في كل هزة من ~~هزات جسمها مثار الألم لمن يراها. ثم لما انتهت من هذا أعقبه أن بصقت دما. فنظر إليها ~~حسن بعين ترقرقت فيها الدمعة أو كادت، وثغر يطوقه ألم ظاهر، ووجه جمع في شبابه بين ~~الحزن والحنان وقال: انت مش شايفه يازينب البرد عامل وياك إيه. يعني إذا كنت يا أختي ~~تسمعي الكلام وتفضلي في الدار اليومين اللي انت عيانه فيهم مش أحسن. والا يعني انت ~~عايزاني أحبسك. لأ.. أنا عارف انك ما تحبيش كده، وعارف إن الحبس والتستيت والكلام ~~الفارغ ده مايجيش من وراه حاجة طيبة. لكن بس تقعدي على ما ms200 تفوقي من البرد ~~والسعلة. # وزينب أيضا كانت تعتقد أن ما أصابها من السعال والتحول نتيجة البرد. ولكنهما كانا ~~مخطئين جميعا. إنه داء ينخر في صدر الفتاة أشد وأقوى من كل ما يتصوران.. إنه سل فظيع ~~يناوشها الحياة. # في هاته القرى المصرية حيث الهواء الطلق والشمس الدائمة والحياة الهادئة قل أن ~~يتصور إنسان مرضا كالسل. وغاية ما يصل إليه خيالهم أن يحسبوا المصاب به محسودا من عين ~~خبيثة، أو ناله برد أو نحو ذلك. ويزيدهم بعدا عن تصور هذا المرض ندرته حتى لا يكاد ~~يرى. كما أن ترك المصاب به حتى آخر ساعاته، أو حتى يموت من غير أن يراه طبيب أو يعرف ~~أمره أحد، يزيدهم به جهلا. من أجل هذا لم يتصور حسن، ولم تتصور زينب نفسها، أن ما بها ~~شيء سوى البرد ونظرة خبيثة، فكانا يعزوان ما هي فيه من ضعف ومن نحول إلى حسد حاسد. ومن ~~وقت لآخر كانت أم جازية تبخر زينب، وتضع لها في النار قطعة من الشبة، فتحترق وتتحول إلى ~~شكل آخر يتصورون فيه إنسانا ممن يعرفون، ويعتقدون أنه الحاسد اللعين، ومن أجل أن تبطلا ~~حسده تتفلان عليه، لكن ذلك كله لم يكن يجدي، والمرض الذي وقعت فيه زينب نتيجة أشجانها ~~الطويلة وأحزانها، وبعد أن قضت الليالي الطوال ساهرة بين يدى الألم، واستمر يحل في ~~قواها ويفت في أعصابها ويزيدها ضعفا يوما بعد يوم. # في آخر نهار، وقد كانتا معا، دخل عمي خليل داره وهو مهموم عليه شيء من أثر الحزن، ~~فأسرعت إليه امرأته، تاركة زينب، تسأله عما هنالك. ولما أجابها أن الحاج سعيد شيخ البلد ~~متأخر، وقد يموت هذه الليلة، سرى عنها وعاودها هدوءها أن علمت أن لا شيء يمسهم عن قرب. ~~لكنها لم تنس أن تحسب للمأتم والقروة، وأن ترجع لزينب فتكلمها في هذا الشأن غير منتبهة ~~لصحة زوج ابنها إلا فيما يتعلق بمقدرتها على القيام بالطبخ والخدمة. وفيما هما يتحادثان ~~دخل حسن، وسمع ما تقولان، وأخبرهما أن بعض من قد رأى في ms201 الجامع يقول إن الحاج سعيد يرسل ~~آخر أنفاسه. # ولما أتموا العشاء إذا صراخ علا في جو القرية الساكن آتيا من جهة دار شيخ البلد : ~~صريخ متقطع ترسل به امرأته وهي محروقة القلب على فقده. وفي أثناء صراخها عوت الكلاب من ~~أعالي السطوح عواء محزون كأنما تحس هي الأخرى بفراق ذلك الراحل إلى ربه. ثم انقطع الصوت ~~وعرا البلدة صمت الموت، كأنما نشر عزرائيل فوقها جناحه. وتكلم حسن وأهله، وعلى ~~كلامهم أثر الخشوع والخشية، وكأنما ذكروا الساعة التي سيرحلون جميعا فيها.. الساعة ~~التي يذرون فيها ظهر الأرض ليسكنوا بطنها.. الساعة التي يخرجون فيها من عالمنا المحسوس ~~حيث نعرف ما يحل بنا إلى فناء مظلم لا نهاية له، أو إلى عالم آخر مملوء بالمخاوف ~~والأحلام. # والسماء يلمع فيها قليل من النجوم، والليل الأخرس يزيد ذكرى الموت مهابة، ويبعث إلى ~~النفوس ما يهزها ويرعدها. # ثم في جوف الظلمة علا الصوت من جديد، وقد صحبته أصوات أخرى. ثم تلا ذلك صمت ~~أصم. # جعلت أم جازية تسائل عن كل شيء مما هو لازم في الصباح. ولما علمت أنهم يحتاجون إلى ~~شيء من عيش القمح يخرجونه في صنيتهم طلبت إلى بناتها وزوج ابنها أن يقمن بتجهيز هذا، ثم ~~أن يبادر حسن من الصباح إلى دار عوض الله الجزار ليحجز لهم من البقرة التي ستذبح ما ~~يكفيهم. وطلبت إلى التملي أن يقوم مبكرا فيذهب مع صغرى الفتيات يجمع لها خضار الغيط. ~~وعلى هذا صارت مطمئنة معتقدة أنها في الغد ستكون منتظمة الحال. # ودارت في الدار حركة كبيرة، فصعد «تمليهم» إلى أعلى السطح يرمي حطبا، ونزلت الفتاتان ~~تجهزان الماء والدقيق، ثم ذهبت زينب بعد أن جهزوا ذلك كله تقدح الفرن. لكن ما كانت تحس ~~به من الجهد والتعب لكل حركة تأتيها، والسعال الذي يعاودها دائبا، جعلها تطلب معونة ~~أخوات زوجها. وانتهوا من عملهم، وذهبوا إلى مضاجعهم، فلم يمكنها السعال من النوم، وبقيت ~~تفكر في أمر هذا الميت بقي على الأرض حتى عمر، ثم هو غادرها كما غادرها غيره ms202 من قبله. ~~وهي الأخرى ستقضي قبل أن ترى إبراهيم وتنسى بذلك إلى الأبد. # ولما كان الصباح عادت الحركة، وقامت زينب مضناة مكدودة شاحبة اللون قد تغير منها كل ~~شيء، وعيناها المتعبتان قد اتسعتا بعد هذا النحول الذي أصابها، تنظر إلى الدار كأنها ~~مبهوتة أو كأن الأشياء التي ترى ليست هي أشياء كل يوم. وجلست إلى جانب النار ترى أمر ~~هذه القروة في حين نزل حسن وأبوه ليسيرا في المشهد الذي مر طويلا بطيئا حتى وصل إلى ~~الجامع حيث صلى عليه، ثم سار إلى الجبانة حيث ووري الميت التراب. # خرجت «الطبالي» قليلة ساعة الظهر، لكنك كنت ترى ساعة المغرب قريبا من الخيمة ~~المنصوبة جيشا عرمرما من النساء والفتيات وكل تحمل طبليتها أو صنيتها على رأسها. ~~وصاحبات الصواني قد حملن في أيديهن كراسي العشاء، وبقين جميعا ينتظرن أن تخرج صواني ~~جماعة الميت. وفي الخيمة الصامتة يتميز صوت قارئ القرآن يرتله ويتغنى به، فيرسل مع كل ~~آية يقرأ ما يزيد الناس شعورا بالحزن المحيط بهم. ولما اختتم سورته جاءت الصواني، ~~وتسابق النسوة بما معهن إلى الخيمة داخلات كأنهن للسيل المنهمر، ومن بينهم دخلت كبرى ~~أخوات حسن تحمل صنيتهم. # ولكن ما إن انتهت أيام المأتم حتى شعرت زينب بحمى شديدة ترعدها اضطرت معها لأم تلزم ~~مرقدها. وزاد ضعفها تأثرا بهذا الطارئ، فهي لا تزال في قشعريرة مستمرة تحس بالبرودة ~~والسخونة تتعاورانها. وإذا ما خف أثر ذلك جاءها السعال يهز جسمها النحيل، فكان منظرها ~~أشد المناظر إيلاما. وما عتمت أمها أن سمعت بخبرها حتى هرولت مسرعة إليها، فجلست إلى ~~جانبها، وجعلت تسألها عن أمرها. ولكن ماذا عساها تعرف؟ وهل هو إلا هذا السعال المستمر ~~يقلقها ويكاد يقتلها؟ # جلست أمها إلى جانبها وقد أحرقت البخور والشبة مرات لم تنتفع من ورائها بشيء، وهي في ~~كل لحظة عرضة لآلام لا قبل لها بها. فإذا ما رأت زينب تبصق بعد السعال دما يخالطه شيء ~~من الصديد نظرت إلى هذا الوجه الناحل اليوم وذكرت ما كانت عليه ابنتها من ms203 صحة وجمال من ~~قبل. ثم وسط القاعة المظلمة التي هم فيها أرسلت مع زفراتها الدمعات الحارة مخفية وجهها ~~بين يديها مجاهدة ألا يعلم بأمرها أحد. # وكل يوم تشعر بانحطاط قوى ابنتها أكثر من اليوم الذي قبله فتزداد حزنا وألما. ~~وابنتها لا تجيب بشيء عما عساه يكون سبب مرضها إلا تنهدات وزفرات تصعدها. وإذا ما أحست ~~بشيء من السكون والقوة، خرجت إلى صحن الدار وبيدها منديل محلاوي تضعه على فمها من حين ~~لحين وتقبله حين تعلم أن ليس عليها من رقيب، فتجد فيه من أثر إبراهيم ما يزيدها لوعة، ~~ثم يزيدها حزنا أنها تود لو تقف من أخباره على شيء فلا تجد إلى ذلك من سبيل ولا يعلم ~~بما يدور في نفسها أحد. # 5 # كانت أم زينب تقضي أكثر الوقت إلى جانبها، فلا تتركها إلا لقضاء أمور منزلهم، وأبوها ~~يتعرف الأخبار من زوجته، ويذهب إليها أحيانا يسألها عن صحتها. فإذا ما رأته لم تستطع ~~دون أن توجه إليه نظرة فيها من الألم والعتاب ما يصل إلى قلبه ويكاد يفهمه. وجازية قد ~~انقطعت عن كل شيء إلا العناية بزينب، فلا تتركها إلا ساعات الفرض حين تذهب للصلاة في ~~غرفتها، ثم ساعات الليل حين يبيت حسن إلى جنب زوجته ويغنيها عن كل من سواه. # ولقد ظهرت على الدار غبرة من الحزن، فلا تلمح خارجا منها ولا داخلا إليها إلا عليه ~~سيما الأسى. وتبعث الشمس إليها بلجة أشعتها فتظهر بلونها الترابي كاسفة كأنما تحس بما ~~تحويه من قلوب جازعة. وشجر السنط الذي أمامها دائم السواد، فإذا هزته الريح أحيانا ~~تحركت أغصانه حركة المفجوع الذي يهز رأسه آسفا. # كان يعود زينب أحيانا صاحبات لها خلع عليهم الشباب والربيع من حلته ما يزهين به، ~~فإذا ما رأتهن تذكرت أيامها الخالية، وما أمرها على النفس أن نرى في أيام سقوطنا وضعفنا ~~ما يذكرنا قوتنا السالفة وجمالنا! لذلك كن متى فارقنها خلفن ورائهن لوعة، وبقيت بعدهن ~~تذرف من عيونها الواسعة على خدودها المصفرة دمعات يرسلها الحزن والأسى. # وكل ms204 يوم يعاودها سعالها وتزداد ضعفا حتى بلغ بها النحول أن كانت متى دخلت فرشها لا ~~تكاد ترى لولا أن ينم عنها وجهها. # فلما بلغ بحسن اليأس، ولم يعد يرى في الجو المحيط به إلا ألما، ذهب إلى دار العمدة ~~فوجده وقص عليه الخبر فأنكر عليه العمدة أن تركها حتى الساعة من غير أن يراها طبيب. لكن ~~الذنب في ذلك ذنب أبويه اللذين كانا يكرران كلما أشار حسن إلى هذا: «الحكيم ربنا.. ربنا ~~يشفي» وتطلق العجوز بخورها وتحرق شبتها وتقنع نفسها والآخرين أن البنت محسودة وأن ذلك ~~سيزول قريبا إن شاء الله. # لكن الله لم يشأ. وبقيت زينب في ضعفها حتى لم يبق لحسن إلا أن يلجأ للعمدة، وأن يشكو ~~إليه استبداد أبويه. ولم يتمهل العمدة، بل أمر كاتب التليفون أن يطلب طبيب المركز أن ~~يحضر، ووعد حسن متى حضر الطبيب أن يبعث إليه من يناديه. # جاء الطبيب في أقرب قطار أمكنه اللحاق به، ووصل إلى البلدة والشمس لا تزال في الربع ~~الأخير من حياتها، فقابله العمدة مرحبا به، ونادى بالخادم أن يأتيهم بالقهوة، وجعل ~~يحييه ويسأله عن حاله ويمزح معه. والدكتور لطيف خفيف قد أعطاه الشباب من ذلك ما حببه ~~إلى نفوس أهل المركز فحيث حل يلقاه الناس بالترحيب والبشر ووجوه طلقة وثغور باسمة. ~~ولما أتما واجب التحية، وشربوا القهوة، ابتدءوا حديثهم في السياسة حديثا طويلا، ووافق ~~كل صاحبه في المذهب الذي يتعصب له، والجريدة التي يقدس، والأشخاص الذين يعتقدهم ~~معصومين. فجعلوا يمدحون هؤلاء ويقصون أصغر الحكايات عنهم، ويضيفون لقصصهم كلمات الإعجاب ~~والإطراء، ثم يذكرون آخر المقالات التي كتب، وأخذت بنفوسهم، وأنحوا على الآخرين من ~~سياسي البلد باللائمة، وتدرجوا إلى الحكم عليهم بأنهم مخطئون، ثم حكموا عليهم ~~بالجنون: ~~- وإلا لو كان في دماغ أى واحد منهم شوية عقل كان خلوا مقالة أول امبارح تظهر.. دول ~~جماعة شاطرين في التهييص الفارغ. ~~- لأ.. وكل عبارة يفضلوا يزعقوا لها ليحيى وليسقط لما يدوشوا دماغهم ودماغ الناس ~~معاهم. والإنجليز قاعدين والخديو فاضل زي ما ms205 هوه. # وهكذا استمروا في حديث طويل، انتقلوا معه من رؤساء الأحزاب إلى نظار الحكومة، ثم إلى ~~الموظفين، وخصوصا موظفي الإدارة. وهنا قص الدكتور من أخبار المأمور الذي معه ومن نفاقه ~~للمدير ما أطرب العمدة حتى جعله يقوم إلى الطبيب وينحني عليه ويقبله. أولا يعد ذلك أقل ~~جزاء له على انتقاصه من شأن هذا الفاجر الذي يضطر العمدة في جمعياته إلى دفع إعانات لا ~~معنى لها، وشراء كتب لا يحتاجون إليها، والاشتراك في جرائد هم أشد الناس احتقارا لها. ~~وإذا كان أحدهم لا يستطيع إلا الرضا بحكم سعادة المأمور وقبول قوله فإنه على الأقل يجد ~~في الطعن عليه ما يخفف بعض لوعته. لذلك جعل يتبادل القصص مع صديقه الدكتور ويتناوبان ~~الحكايات واحدا بعد الآخر. فلما شفوا من ذلك غلتهم سأل الطبيب عن سبب استدعاءه لأنه ~~على عجل، ويريد أن يقوم بقطار الساعة الثامنة، فنادى العمدة بخفير من عنده ليستدعي إليه ~~حسن أبو خليل. # تدلى قرص الشمس في السماء، ولا يكاد يمسك نفسه، فهو يهبط سريعا، والهواء يهز أغصان ~~الشجر وفروع النخل فيسمع من بعد حفيفها؛ والبركة تتتابع فيها الموجات الصغيرة التي تكبر ~~كلما اقتربت من الشاطئ حتى تفنى عنده. والطرق حتى مرمى العين خالية أو تكاد إلا سكة ~~الوسط المشغولة بالذاهبات والآتيات يحملن على رؤوسهن بلاليصهن، ويمشين بتؤدة وتأن يهتز ~~مع كل خطوة جسمهن ويتثنى قوامهن، فإذا ما ابتعدن لفهن الشك في ردائه وأظهرهن كأنهن ~~ملكات هذا الفضاء العظيم يتهادين فوقه، والسكون الذي يلزم الأرياف شامل القرية تحت ~~حكمه. ~~••• # جاء حسن بعد أن بقي ساعات يتلظى على جمر من الصبر، وهو مطرق الرأس كاسف البال ظاهر ~~عليه من أثر الحزن ما ذهب إلى أعماق نفس العمدة والطبيب، ووقف بينهما ينظر لكل نظرة، ~~فإذا ما وقعت عينه على الطبيب امتلأت من الاستنجاد والأمل ما يترك هذا الأخير وكله ~~الرحمة بهذا البائس أمامه. وطلب إليه العمدة أن يجلس، وأن يقص على الدكتور أمره. لكن أي ~~أمر يقص؟ وأي شيء يقول؟ إن زينب مريضة، ms206 وحالها يرثى له، ومنظرها يستدر العين ويبكي ~~القلب، وإنها تضعف كل يوم عما قبله، وصارت تلك التي كانت علم الصحة والقوة والجمال ~~مستنزل الضعف والمرض والنحول!. تلك كل قصته، وذلك ما يبكيه ويبكي أهل بيته. فهل في يد ~~هذا الجالس يلعب بأصابعه وينظر إليه نظرة مشفق عليه أن يخفف من أوصابها، ويعيد إلى ~~نفوسهم جميعا من السكون الذي هجرها ما يستطيعون معه أن يطعموا العيش وأن يجدوا للحياة ~~معنى؟! # قام الطبيب معه فذهبا إلى المريضة وقد هجرها كل من كان عندها إلا أم زينب بقيت إلى ~~جانبها، فكان أول ما سألها عنه: أكان من أهلها من أصيب بهذا المرض من قبل؟ ولكن أمها ~~أمامه قوية صحيحة، وأبوها ليس أقل قوة ولا أضعف صحة. وسألها عما تريد فأجابت: لا شيء. ~~وعن أشياء أخرى كثيرة لم يأخذ عنها ردا مقنعا. وأخيرا طلب إلى من معها أن يتركوه ~~وإياها وحيدين، وجعل يضاحكها كما تضحك الأم طفلها يريد أن يقف منها على شيء من خفي ~~أمرها. لكنه كان أبعد من أن يقنع بما تجيبه به. والواقع أنه كان يتطلب منها فوق طاقتها. ~~إذ مهما يكن من ثقتنا بالطبيب وطبه فلسنا نرضى أن نذيع عن أنفسنا شيئا يأخذه علينا ~~أحد مهما قوي يقيننا أن لن يطلع عليه غيره. # ولما يئس من جوابها سألها أن تكح. ولم تكد تحرك نفسها لإجابة أمره حتى جاءتها نوبة ~~السعال كأشد ما تكون.. ورأى الطبيب بعده الصديد الذي تبصق، فرفع حاجبيه وهز كتفه كأنما ~~يريد أن يقول: لا ضرورة لعلاج وقد بلغ الحال أشده. ولكنما عرته للحال رعشة أن رأى ~~هذا الشخص ولا تزال بقاياه تنم عن قديم جماله الباهر، وهو يذبل إلى الموت ويسري مسرعا ~~نحوه. # ثم نظر إليها متعطفا شارحا أن الأمل في الشفاء لا يزال كبيرا بعد، ولكن ذلك متوقف ~~على أن تخبره بما يدور في نفسها، وخفي ما يجيش بصدرها. فتنهدت زينب ونظرت إليه هي ~~الأخرى وقد جمعت في عيونها الواسعة من الاستغاثة به والاعتماد عليه ms207 ما رق هو له. ثم ~~ابتدأت تريد أن تقص له من حديثها ما يريد، لكنها رجعت فترددت، كأنما ترى في قصتها من ~~القداسة ما لا يجوز معه أن يطلع عليها إنسان. وفهم الطبيب ما في نفسها من التردد، فجعل ~~يشجعها بكل ما يستطيع حتى رضيت أن تقص عليه أطرافا من قصتها. ولم يك محتاجا لكثير، ~~فطمأنها على نفسها، وأذن لأهلها أن يرجعوا، وخرج وتبعه حسن، وقطع الفسيح من الأرض الذي ~~يفصل دار العمدة عن بقية دور البلد، وقد غابت عنه الشمس، فأرسلت إليه المباني ظلالها. ~~والسماء قد ابتدأ الليل يرسل إليها طلائعه، فبدت لا تزال زرقتها صافية بديعة، والبركة ~~عن يمينهم تعكس ما فوقها وتتابع موجاتها يلعب بها النسيم. # دخلا دار العمدة، فلما استقر بهما المقام أخرج الطبيب من جيبه أوراقه وقلمه وكتب ~~تذكرته وأعطاها حسنا، ثم طلب إليه أن يجعل زوجته تخرج كل يوم قبل مغيب الشمس بساعتين ~~وأن تتبع بالدقة النظام الذي كتبه لها، ثم أن يذهب من غده ليشتري من الأجزاخانة الأدوية ~~اللازمة. # تركها حسن وخرج، فلما كانا وحدهما سأله العمدة عن حال مريضته فأجابه: والله يصح أنها ~~تطيب.. لكن.. يصح أنها لا تطيب. # ثم انتقلا إلى حديث آخر حتى جاء موعد القطار ورجع الطبيب إلى مركزه. # تحرى حسن أن تأخذ زوجه الدواء على نص ما قرر الحكيم، وأن تخرج كل يوم بعد الغداء ~~حتى ساعة العصر. ومع كثرة الأماكن وتنوعها فقد كانت مزرعتهم المكان الأفضل أمام نظرهم ~~جميعا. فلما خرجت زينب لأول يوم خرجت قبيل الظهر تسير مع أخت حسن التي حملت غداءه، ~~ووصلتا وحسن جالس تحت الشجرة بعد أن قضى نصف النهار حرثا يجهز الأرض للقطن، وعلى مقربة ~~منه ثوراه يأكلان علفهما، والمزرعة قائم فوقها المحراث يفصل ما بين القسم الأيمن لا ~~يزال بلاطا، والأيسر مفروش بالحرث لا يزال يخبر عن أن ما عمل حسن إنما هو الوش الأول. ~~وجلستا إلى جانبه حتى أخذ طعامه وتركته أخته راجعة إلى الدار، وقام هو إلى عمله، وبقيت ms208 ~~زينب وحدها تتلفت إلى ما حولها. فلما رأت مزرعة السيد محمود إلى جانبها تذكرت اليوم ~~الأول وهي لا تزال بنتا حين أغمي عليها، وجاء إبراهيم يرش الماء على وجهها ويسندها بين ~~ذراعيه. ثم تخيلته سائرا هناك يتلفت يمينا ويسارا ثم راكزا فأسه في الأرض كعادته ~~وينظر إليها وكأنه يناديها إليه. # وفي الجهة الثانية يسوق حسن محراثه يقد به بطن الأرض الناشفة ويناوش ثوريه بفرقلته ~~من حين لحين. والأعجمان يجران بكل قوتهما، ويتبعهما سلاح المحراث ينثر القلقيل حوله. ~~فإذا ما وصل إلى آخر الخط رفع العامل محراثه وأقامه على جانبه وأداره إلى الخط الذي ~~بعده. ويبقى كذلك طول نهاره يذهب إلى آخر المزرعة ويرجع والشمس متسلطة فوق رأسه تصبغ ~~وجهه سوادا. # بعد زمن قامت زينب وقد ضايقها محلها وضايقتها الوحدة وتولاها الهم، فلما رآها حسن ~~أقبل عليها يسألها عما تريد، فأخبرته أنها تريد أن ترجع، وبذلك اختطت طريقها وحيدة إلى ~~البلد. # لكنها ما كادت تبعد حتى أحست كأن شيئا يدفع بها ثانية نحو الغيط، فارتكنت إلى ظل ~~شجرة ورمت بنظراتها إلى جهته. فلم تستطع الوقوف طويلا، واستولى عليها الهمود الذي ~~يعاودها لأقل عمل تجاهده، فجلست إلى الظل وبقيت محدقة بمزرعة السيد محمود مرسلة بخيالها ~~إلى الماضي وأيام كانت بنتا، تلك الأيام اللذيذة حين يسرح القلب حرا كما يشاء، ~~ويتنقل من شخص لآخر حتى يجد محبوبه الأزلي الأبدي، فإذا ما وقع عليه فني فيه وعدم كل ~~لذة في الحياة من دونه، وخيل إليه أن العالم أفظع من كل شيء ما دام هو ليس ~~قريبا. # نعم الأيام الأولى هذه حين كانت زينب مالكة نفسها تعطيها من يدلها عليه قلبها، ~~كانت أياما سعيدة. أما اليوم وقد نأى المحب، ولم يبق من بين الناس من تقول له كلمة أو ~~تبوح له بمكنون سرها. فنجم حياتها يأفل، ويدعها بين يدي الذكرى تتعزى بها مرة، وتجد ~~فيها الألم القاتل أخرى. ولو أن أبويها لم يكونا من الطمع بحيث يضحيان بإرادتها وبكل ~~شيء في سبيل الحصول على حسن ms209 لكانت اليوم بين يدي الصحة والسعادة. وإن الطبيعة بوحيها ~~لتهدينا طريق الخير فتأبى بصائرنا العمياء إلا أن تحيد عنه. # استأنفت سيرها حين مر بها سارح سألها عن سبب جلوسها. فلما بلغت الترعة في الطريق ~~ورأت أن وقت الملية جاء أو كاد راحت من جديد فاستندت إلى جذع شجرة قائمة على مقربة من ~~الموردة. ومن الحصى الذي حولها جعلت تحذف في الماء واحدة بعد أخرى ببطء وتمهل، والماء ~~كاس لون السماء ينساب رائقا، ولا يزال الجرفان عن جانبيه أملسين من أثر التطهير فلا ~~حشيش عليهما ولا خضرة، والشمس تبعث على الأشياء بشعاعها فتذرها ممتدة الظل بما يكاد ~~يكون مثليها، والنسيم يهز «الربة» قليلا حتى لا يرى اهتزازها. # جاءت مقدمة المالئات، فلما غسلت جرتها وملأتها طلبت إلى زينب أن تعين عليها. وهذه ~~الأخرى رجعت إلى راحتها، فقامت فأعانت عليها، ثم رجعت مكانها، فلم يستقر بها المقام حتى ~~جاءها السعال قاتلا يكاد يخنقها، فدمعت عيناها وانتفخت أوداجها، وأحست بما على صدرها ~~فقذفته صديدا ودما. والأخريات اللاتي جئن للملية قد أحطن بها يسألنها عما أصابها. وهي ~~دامعة العين من هول ما حل بها، دامية القلب لما تفكر فيه لا تجد شيئا تجيب به إلا ~~«مفيش». ولما رأت أن لا مفر من أسئلتهن ما دامت عندهن قامت فسارت مع إحداهن قاصدة ~~الدار. وهناك وجدت أمها جالسة على عتبة الباب الكبير وبيدها هون تدق به الفلفل وتترسم ~~الطريق من حين لآخر كأنما تنتظرها، وهي مثل كل يوم لا تزال متعبة، كل شيء يجهدها ويجيء ~~على آخر قواها، كما أن السعال الفظيع لا يفتأ يناوئها من حين لحين. ~~••• # ودخلتا معا حتى كانتا على السطح أمام الغرفة، فاستندت زينب إلى حائطها، وجلست إلى ~~جانبها أمها. ونظرت هذه الأخيرة في عين ابنتها وكلها الحنان فوجدت تلك النظرات التي ~~عرفتها جاذبة فتاكة قد استحالت نظرات استعطاف واسترحام، وكما كانت تصل إلى القلب فتذره ~~أسيرا مكبلا كذلك هي الآن تنظر إليه فيرق دون نظراتها ولا يستطيع إلا أن يجيبها لكل ~~ما ms210 تطلب. ولقد أحست الأم أمامها بضعف حتى كادت تستغفر ابنتها عن غير ذنب تعلمه. وبعد ~~مدة صامتة رجعت فسألتها عن حالها. # فاض عن قلب زينب ما تكن لذلك الغائب في مجاهل السودان، وأرادت أن تبوح بما تكن ~~لأمها. لكن ما تخيلته في ذلك من موضع للوم أدخل التردد إلى نفسها. لا بد لأمها متى ~~سمعتها تقول مثل هذا الكلام أن تجيبها عليه بتقريع لا تحب أن تواجه به، وإذا كان الموت ~~القريب ينتظرها فلتنتظره هي الأخرى هادئة مطمئنة حتى يجيء فينقلها إلى عالم لا عذاب فيه ~~ولا حزن، بل كله سكون وهمود وفناء أخير. ولكن! أليس على أبويها الذنب في زواجها هذا ~~ويجب أن تبين لهما عنه. # وبعد هذا التردد شجعت نفسها وأجابت أمها حين سألتها مرة ثانية عن حالها: حالي زي ما ~~انت شايفة ... بدي أموت قريب وكله من تحت ايديكو. فضلت أعيط وأقولك يا أمه ما بديش أجوز ~~تقولي لي كل الناس أبوهم بيجوزهم على غير كيفهم وبعدين يصبحوا ويا جيزانهم زي العسل. ~~أديني ويا جوزي زي العسل ما قلتش حاجة. ولكن أديني حاموت وتخلص العيشة اللي بينا وبين ~~بعض.. بكره والا بعده حاموت يامه ووصيتكو إخواتي لما تيجوا تجوزوا حد منهم ماتجوزهمش ~~غصب عنهم لحسن دا حرام. # ثم لم تستطع الاستمرار في القول، إذ خنقتها العبرة، وامتلأت بالدمع عيناها، وأمها إلى ~~جانبها ترى وتسمع فينفذ إلى قلبها من الألم سهم تتقد له ضلوعها ولا تطيق أن تنطق بكلمة ~~أو أن تحير جوابا. وهكذا سكتت المرأتان، وظل المكان حولهما تتمشى فيه آيات الحزن ~~الصامته فتزيده عبوسا وحزنا. # ارتعدت زينب، وعاودها السعال الذي أصبح يشق صدرها فتخر مما يأتيها به الألم كأنها ~~فاقدة الصواب، وبذلك انتبهت أمها مما كانت فيه من تيهاء الأحزان، وأسندت ابنتها بيدها. ~~وهاته الأخيرة لم تعد تفقه شيئا مما أمامها، قد وضعت يدها الناحلة على صدرها، وعلا ~~وجهها الشاحب ما رد إليه بعض قديم لونه. ثم ارتمت بعد سعالها منهوكة خائرة. # جاءت الظهيرة وأرادت زينب ms211 أن تخرج رغما عما بها من الضعف، فصحبتها أمها وسارتا. ~~وزينب تتخذ غير الطرق التي تصل إلى مزرعة عمي خليل، فتندهش أمها وتعلوها الغرابة، لكنها ~~لا تستطيع أن تعارضها في شيء. والضعف الذي يعتاد الآباء أمام أبنائهم المصابين عاودها، ~~فلو أن ابنتها طلبت إليها المحال لسعت إليه. والربيع يعلن نفسه في كل النواحي، ويمد ~~رواقه على كل الأشياء، وشمسه تتلألأ أشعتها فوق أوراق الشجر الناضرة، والترع انتهت من ~~فصل التطهير وابتدأ الماء يتخذ سبيله إليها، والقبرات والعصافير والطيور الصغيرة تنط ~~على الجسور وتطير على مقربة من الأرض. ومن حين لآخر يمر سرب الحمام مرتفعا في الجو ~~فرحا بالشمس وبالربيع. # سارتا تتبع الأم ابنتها حتى وصلتا قريبا من الموردة، ثم وقفت زينب مرة واحدة وعلاها ~~شيء من التردد رأته أمها على وجهها، فوقفت هي الأخرى، ولم تقل شيئا. ثم مشت لما مشت ~~ابنتها حتى الموردة، ثم انعطفتا إلى اليسار، فلما صارتا عند الشجرة ارتمت تحتها زينب ~~تائهة مغمي عليها. # والشجرة قد أخذت هي الأخرى حظها من زخرف الربيع، وازينت، ومدت ظلها إلى ما يجاورها. ~~وكل شيء قد جاءته جدة الزمان بلباس جديد إلا البرسيم المتروك للربة قد بدأ يذبل وينتظر ~~موته القريب. # بقيت أم زينب تعالج أن تفيقها. فطورا تهزها كأنها تحسبها نائمة، فهي تريد أن توقظها، ~~وتارة ترش على وجهها الماء. والبنت مطروحة فوق الحصى لا تعي شيئا مما تفعله أمها بها. ~~وأخيرا بعد أن تمشى اليأس إلى نفس الأم، وجعلت تذرف في تنهدها دمعات تجود بها مآقيها ~~الناشفة، ارتمت فوق ابنتها تطوقها بيديها وتبكي كأنها الطفل، وقد نسيت سنها من أجل هاته ~~العزيزة عليها تودع عالمنا الأرضي في نضارة العمر وريعان الشباب. # ثم جاءت إلى نفسها كلمات زينب حين لامتهم على تزويجها، وجعلت تندب حظ هذه الفتاة ~~البائسة وتضرع إلى السماء ألا كانت على شيء من الرحمة فلا تفجع العائلتين في محبوبتهما! ~~وبقيت كذلك زمنا لم تعرف مقداره حتى ذهب بكل أفكارها أن أحست بزينب تتحرك تحت يديها، ~~فجعلت ms212 تلاطفها كأيام كانت صغيرة في مهدها، وتسألها تريد أن تسمع منها كلمة لتطمئن على ~~أنها حية ترزق. # تنهدت زينب كأنما خف عنها حمل كان يثقلها ، ثم فتحت عينيها وجاهدت أن تقوم، فساعدتها ~~أمها حتى أسندتها إلى الشجرة. فلما استقرت نفسها بعد ذلك الإغماء لم تعلم إن كان نوما ~~هادئا أو حلما فظيعا مرت بنظرتها على الموجودات أمامها ثم تنهدت وألقت برأسها إلى ~~الأرض. # أما أمها فلم تجد ما تقول، وكلما أرادت أن تسأل عن شيء أحست بمانع يصدها عن الكلام. ~~وأخيرا سألت: عايزاش حاجة يا زينب؟ # فلم تجب زينب بحلوة ولا بمرة، وبقيت مطرقة كأنما تفكر. ولكن الذي أصابها تركها مهدودة ~~القوى ضعيفة لا تستطيع شيئا حتى الكلام، فوجدت في هذا السكوت المطلق من اللذة ما يجده ~~الخادر الذاهل قد عمل فيه الألم، وأنهكه ثم لم يعد يحس به ولا بشيء مما حوله. # وأخيرا استعادت بعض قوتها ثم قالت: يا امه أنا رايحه أموت. # ما هذه الفكرة الملازمة تكررها زينب من حين لحين؟ لم تذكر الموت كل يوم وكل ساعة؟.. ~~ألا تني عن إيلام أمها لحظة من الزمان؟.. وأي سلطان تخضع لحكمه يجعلها دائمة الترداد ~~لذكر الموت؟. لكنها في كل مرة كانت تقول ذلك، كانت تحس بشيء يوقفها عن الاستمرار دون ما ~~تريد أن تخبر به أمها، وتأخذها رعشة تخاف أمها عليها عاقبتها. فكم رأتها بعد أمثال هذه ~~الرعشات فريسة حمى شديدة تهز كل وجودها وتكاد تجيء على حياتها.. # ولم يكن تخوفها ليكذب إلا قليلا ... لذلك استعجلت بزينب بعد هذا الإنذار بالموت الذي ~~سمعته أن تقوما، فقامتا تريدان الدار خشية أن تجد في المزرعة ما يزيد حمى ابنتها فظاعة ~~وقسوة. لكن زينب لا تحملها رجلاها ولا تستطيع أن تسير.. هنالك ساءلت أمها نفسها: هل ~~تحملها على كتفها كما كانت تحملها طفلة؟ أو هل تنتظر أن يمر من معه مطية يعطيها إياها.. ~~ولم لا تحملها؟ وهل هي بعد هذا النحول الذي أصابها وهذا الموت المسرع نحوها بأثقل وزنا ~~منها أيام الطفولة؟.. ms213 ولكن ماذا عساه يقول من يراها كذلك!.. وهل في هذه الحال حال ~~الفناء الأخير يتساءل الناس أن حملت أم ابنتها؟! وفيما هي في هذا التفكير وما يشبهه ~~مر بها راجع معه حمارته فلما رأته نادت به ورجعت إلى جانبه حتى دخلتا بزينب ~~الدار. # ولم تصل إلى غرفتها حتى عاودها السعال محملا صديدا ودما، ثم انتابتها حمى ذهلت ~~فيها عن نفسها، وجعلت من حين لآخر تهذي بكلام متقطع. ثم ارتعدت أمها أن سمعتها تصيح بكل ~~قواها تنادي: يا إبراهيم! وعلاها بعد ذلك سكون أخرس لم تسمع فيه أمها حتى ولا تردد ~~أنفاسها. وأمسكت بيدها فإذا هي باردة، وإذا عيناها مقفلتان، ووجها ناحل، وعليها كل ~~علامات الموت الذي رددت زينب اسمه في يوميها الأخيرين مرات. وأمام هذا المنظر المريع ~~أبرقت عينا الأم ولمعتا بشيء من اليأس، ثم انقضت ممسكة بيدي ابنتها صارخة: زينب.. يا ~~زينب؟.. ثم خرت إلى جانبها كالجبل المنهد!.. وفي وحدتها إلى جانب الغارقة في لجج الفناء ~~همست: خلاص! # دخلت في تلك الساعة ابنتها الثانية راجعة من عمل النهار، فلما رأت ما فيه أمها من ~~اليأس جلست إلى جانب الحائط خائفة ترتعش، وفي لحظة انسلت من مكانها، ولم تخرج إلى ~~الفضاء حتى علا صوتها بالبكاء. وفي وسط السلم قابلتها أم جازية فعلمت أن في الأمر ~~شيئا، وأسرعت إلى الغرفة، وعند الباب قابلها حسن راجعا مع أبيه من الجامع، فأمسكها ~~بيده، ولكنها تخلصت منه وسارت حتى بلغت دارهم، فلما رآها أبوها سألها عما أصابها فأجابت ~~في بكائها: أمي بتعيط عند زينب. # ولم يكد الرجل يسمع ذلك حتى خر صريعا كأنما أرسل عليه الموت صاعقته. ثم قام إلى دار ~~خليل فوجد العجوز وحده فنظر إليه نظرة المفجوع في ولده ثم سأله: هي ماتت يا ~~خليل؟! # ولكن خليل لا يدري.. # وفي غرفة الموت جلس العجوزان إلى جانبي الفانية التي قلبت طرفها، فردت على أمها أن ~~ستبقي ابنتها لحظة على الأرض بعد. وعلى الباب جلس حسن ممسكا بيديه رأسه تنهمل دمعة ~~اليأس من عينيه، ms214 وما عرفت إليها قبل اليوم سبيلا. # ثم طلبت زينب إلى أمها أن تأتيها بمنديل محلاوي موضوع في صندوقها، وأخذته بيدها ~~فوضعته على فمها، ثم على قلبها. وكانت آخر كلمة لها أن يوضع المنديل معها في قبرها. وفي ~~وسط الليل أقفلت عينيها وراحت إلى أعماق سكونها، وارتفع صراخ العجوزين يعلن في الفضاء ~~موتها. ms215