######OpenITI# #META# URI: 1375MuhammadMabrukNafic.MaQablIslam.Hindawi48683693 #META# Tags: history #META# ID: 48683693 #META# Title: عصر ما قبل الإسلام #META# AuthorID: 68360924 #META# Author: محمد مبروك نافع #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة الطبعة الثانية‏ # مقدمة الطبعة الأولى‏ # 1 - دراسات تمهيدية‏ # 2 - الوطن العربي‏ # 3 - الشعب العربي‏ # 4 - تاريخ اليمن‏ # 5 - تاريخ الأنباط‏ # 6 - تاريخ تدمر‏ # 7 - تاريخ الحيرة‏ # 8 - تاريخ الغساسنة‏ # 9 - تاريخ كندة‏ # 10 - تاريخ الحجاز‏ # 11 - الحجاز في فجر ظهور الإسلام‏ # مقدمة الطبعة الثانية‏ # مقدمة الطبعة الأولى‏ # 1 - دراسات تمهيدية‏ # 2 - الوطن العربي‏ # 3 - الشعب العربي‏ # 4 - تاريخ اليمن‏ # 5 - تاريخ الأنباط‏ # 6 - تاريخ تدمر‏ # 7 - تاريخ الحيرة‏ # 8 - تاريخ الغساسنة‏ # 9 - تاريخ كندة‏ # 10 - تاريخ الحجاز‏ # 11 - الحجاز في فجر ظهور الإسلام‏ # | عصر ما قبل الإسلام # | عصر ما قبل الإسلام # تأليف # محمد مبروك نافع # | مقدمة الطبعة الثانية # لم يعد التاريخ ولا طرائق بحثه ودراسته في جيلنا الحالي - كما كان في أجيال مضت - ~~مقصورا على تدوين الأسماء وذكر السنوات وتقرير الحوادث؛ بل أصبح علما في معناه الأعم ~~الأوسع يتناول كل معارفنا عن الإنسان: أعماله، وأفكاره، وآماله، وأحاسيسه، ويبين لنا كيف ~~كان يعيش الفرد، من عامة الناس أو خاصتهم، في حقبة ما من الزمن، وماذا كانت النظم التي يخضع ~~لها والمهن التي يحترفها والتطورات والتغيرات التي ساهم - بطريقة محسوسة له أو غير محسوسة - ~~في إحداثها، وماذا استفاد من الأجيال السابقة له، وأفاد الأجيال التالية في كل ناحية من ~~نواحي التقدم الإنساني والرقي الاجتماعي. # وهذا الكتاب يعالج فترة هامة من التاريخ العربي كانت تبدو حتى أوائل هذا القرن عديمة ~~الأهمية تلك هي فترة «تاريخ العرب في عصر ما قبل الإسلام»، ولكن دراستها وتوضيحها من ~~الناحية التاريخية أصبح ضرورة لازمة، وخاصة في هذه الأيام الأخيرة التي يقف فيها العالم ~~العربي، بل العالم الإسلامي أجمع في مفترق الطرق لا يدري أيها يسلك، ولا إلى أين يلقي عصا ~~التسيار وهو يجتاز فترة من اليقظة والازدهار والتقدم السريع في مدارج الحضارة العالمية ~~غب التحرر من ربقة الاستعمار البغيض. أقول: أصبحت دراسة تلك الحقبة ضرورة لازمة لمن يريد ~~أن يدرس تاريخ العرب والإسلام دراسة صحيحة؛ ذلك لأن الإسلام أحدث ثورة كبرى في عالم السياسة ~~والاقتصاد والاجتماع ms001 والفكر والعقيدة، ولا يمكن أن يعرف مدى هذا التغيير الذي أحدثه ~~الإسلام، ولا تفهم دقائقه إلا إذا عرفنا البيئة التي ظهر فيها والملابسات التي اكتنفت ~~ظهوره في بلاد العرب نفسها قبل أن تخفق رايته على ربوع العالم المتمدين آنئذ عقب ~~انتشاره. # إن المؤرخين كثيرا ما يجانبهم الصواب ويعوزهم العطف والرفق في أحكامهم فلقد مر حين من ~~الزمن كان المؤرخون فيه يطلقون اسم «العصور المظلمة» على العصور الوسطى، تلك التي تلت سقوط ~~الدولة الرومانية الغربية على أيدي القبائل المتبربرة وما تلا ذلك السقوط من اضطراب في ~~الأنظمة، وتدهور في الثقافة؛ ولكن البحوث والدراسات التي تمت منذ أواخر القرن الماضي قد ~~أثبتت أن العصور الوسطى لم تكن كلها فترة ظلام، بل على النقيض كان الشطر الأكبر منها يزخر ~~بالنشاط والإنتاج والرقي، وتدين حضارتنا الحالية إليها - لا إلى اليونان والرومان كما كان ~~يظن - بالشيء الكثير. # كذلك درج المؤرخون القدامى - من بدء تدوين التاريخ الإسلامي حتى أوائل هذا القرن - على ~~اعتبار «عصر ما قبل الإسلام» - وكان أكثرهم لا يعرف حدوده ومدلوله - عصر همجية وإفلاس حضاري ~~وتدهور أخلاقي وانحطاط في مجال السياسة والدين، فشوه هؤلاء المؤرخون تاريخ عصر ما قبل ~~الإسلام في قسوة ظاهرة، ولست أشك في أنهم فعلوا ذلك بنية حسنة هي رغبتهم في تمجيد الإسلام ~~ورفع شأنه، ولكنهم بنيتهم الطيبة هذه لم يحققوا كل غرضهم؛ بل إنهم كثيرا ما أتاحوا فرصة ~~للمغرضين من المستشرقين للطعن على الإسلام واتهامه بأنه دين بدائي جاء لشعب بدوي؛ مع أن ~~الإسلام نشأ في أهم مركز حضري في بلاد العرب وهو مكة، وكانت تعاليمه وتوجيهاته حضرية في ~~أساسها، وقد حطم البداوة واتجاهاتها الفردية، وقضى على العصبية المذمومة، وأحل محلها رابطة ~~الدين والعقيدة. # نحن لا ننكر أن صفة «الجاهلية» بمعناها الحرفي هذا كانت تنصب على بعض أجزاء البيئة ~~العربية، وفي بعض فترات من تاريخها، ولكن الذي ننكره هو التعميم، ولو كان العصر كله جاهلية ~~لما أقر الإسلام، لا الكثير من نظم المجتمع وتقاليده فحسب، بل بعض ما يتصل بالدين ms002 وشعائره ~~وطقوس العبادة وغير ذلك من الفضائل. # وإذا كانت الشعوب العربية والإسلامية تتطلع إلى استعادة مجدها وتقلد زمام الأمور في ~~بلادها، فإن الواجب يقضي على رجالها أن يقبلوا على تاريخهم يتلمسون الأسس التي شيدت عليها ~~مكانتهم الرفيعة في عالم العصور الوسطى. # وهذا الكتاب الذي أقدم طبعته الثانية للقراء الآن هو محاولة لإلقاء ضوء - وإن يكن خافتا ~~- على تاريخ بلاد العرب في العصر السابق للإسلام، وهو محاولة متواضعة ما في ذلك شك رسمت ~~فيها صورة سريعة لأولئك العرب الذين جعل الإسلام منهم أمة واحدة فحملوا رايته وثبتوا في ~~عواصم العالم المتمدين المعروف أن ذاك ما تضمنته مبادئه من سلام وأمن وعدل وإخاء كان العالم ~~كله - لا بلاد العرب وحدها في حاجة إليها. # والله جل جلاله أسأل أن يوفقنا إلى خير ما نرجو، وأن يكلأنا بعين رعايته الصمدانية؛ إنه ~~سميع مجيب. # محمد مبروك نافع # مصر الجديدة # 28 من جمادى الأولى سنة 1371 # 24 من فبراير سنة 1952 # | مقدمة الطبعة الأولى # لم يعد خافيا أن العرب قد أصبحوا - وخاصة في الآونة الأخيرة - يثيرون اهتمام العالم ~~أجمع؛ ذلك لأنهم أدركوا أنهم عادوا الآن، كما كانوا من قبل، يتحكمون تحكما خطيرا في مصائر ~~العالم من الناحيتين الحربية والاقتصادية، بحكم موقع بلادهم الجغرافي، وتوسطها بين الشرق ~~والغرب. # ولقد أصابت العرب في القرون القلائل الأخيرة إغفاءة طويلة، فلم يقدروا خطورة موقفهم ~~بالنسبة للأمم الأخرى، فاستهدفت مصالحهم للعبث كما تعرضت مكانتهم للتجاهل، ولكنهم عندما ~~أخذوا - منذ أواخر القرن الماضي - يستيقظون من سباتهم ويتحركون من رقدتهم ليلموا شعثهم، ~~بدأت القوات المتصارعة في العالم تخطب ودهم، وتتلمس رضاهم، واتجه العلماء في الغرب - وهم ~~دائما الرواد الممهدون - إلى العناية بدراسة أحوالهم الحاضرة، وتاريخهم القديم. # وإذا كان هذا شأن أهل الغرب في العناية بتاريخ العرب، فكم بالحرى يجب أن يكون شأننا ~~ونحن ننتسب إلى ذلك الشعب العريق أو نفخر بأن نكون من سلالته. # وقد حاولت في هذا الكتاب الذي أضعه بين أيدي القراء، أن أرسم صورة واضحة لتاريخ العرب قبل ~~الإسلام، وتاريخ ms003 دولهم، في الجنوب، والشمال والوسط، والأدوار التي لعبها هؤلاء وأولئك في ~~معترك الحياة العالمية من سياسية واقتصادية، منذ فجر التاريخ إلى مبعث سيد الخلق محمد # صلى الله عليه وسلم ~~. # وما أحسب أني في حاجة إلى القول بأنه لا يلمس الصعوبة التي يعانيها من يتصدى للكتابة في ~~تاريخ العرب في عصر ما قبل الإسلام إلا من كابدها. # ولست أدعي أني قد أحطت بما لم يحط به أحد، أو أنني وفيت الموضوع من جميع نواحيه، بل أشهد ~~أن هذا الحقل من حقول المعرفة التاريخية - بسبب قلة الكشوف والبحوث، ولأسباب أخرى - لا يزال ~~بكرا، لم تقلب أرضه إلا فئوس قليلة، وبحسبي أن أكون أحد العاملين في هذا السبيل. # والله العلي القدير أسأل أن يوفقنا إلى ما فيه الخير، وأن يهبنا من لدنه العون ~~والقوة. # محمد مبروك نافع # القاهرة في # 8 رجب سنة 1367 / 17 مايو سنة 1948 # الفصل الأول # | دراسات تمهيدية # (1) اضطراب تاريخ العرب قبل الإسلام وغموضه # لا يلقى الباحث في التاريخ القديم عناء وجهدا كاللذين يلقاهما عند تعرضه للبحث في ~~تاريخ العرب قبل الإسلام، ولا يرجع السبب في ذلك إلى إيغال تاريخهم في القدم؛ فإن تاريخ ~~أجدادنا الفراعنة أشد إيغالا في القدم من كل تاريخ في الأرض؛ إذ يرجع تاريخهم الثابت ~~المؤكد إلى القرن الخامس والأربعين قبل الميلاد، هذا عدا تاريخهم الأسطوري الذي يمتد ~~وراء ذلك بعشرات القرون، ولقد كان هذا التاريخ الفرعوني قبل نحو قرن ونصف غامضا ~~مضطربا شأن القديم من تاريخ العرب اليوم، ولكن كشف حجر رشيد سنة 1798 ميلادية وفك ~~طلاسمه بعد ذلك والتمكن من معرفة الكتابة المصرية القديمة وقراءة ما حفر على جدران ~~الهياكل والمقابر والتماثيل وغيرها من الآثار التي تملأ ربوع البلاد، والتي صانها جفاف ~~جو مصر وحفظها من الفناء، وترجمة البرديات التي لا حصر لها والتي وجدت مدفونة وفي حالة ~~حفظ جيدة مع مومياء الفراعنة؛ كل ذلك ألقى ضوءا وهاجا على التاريخ المصري القديم الذي ~~كان غامضا ومكن علماء التاريخ من تصحيح ما ورد عنه في ms004 كتب المؤرخين القدامى من خطأ ~~وتخليط حتى ضاقت دائرة التناقض والاختلاف، وأصبحت الاختلافات في تاريخ الفراعنة لا تعدو ~~ما يعترضنا من اختلافات في التاريخ الحديث، بل وفي التاريخ المعاصر. # وشأن تاريخ بابل وأشور والفرس وغيرها من دول الشرق القديم شأن تاريخ مصر إلى حد ~~كبير. # أما تاريخ العرب القدامى فشأنه يختلف عن ذلك كثيرا. حقيقة أن هناك كشوفا تمت في بعض ~~بلاد اليمن وفي شمالي شبه الجزيرة، وأن الخطوط العربية القديمة هنا وهناك قد فكت ~~طلاسمها؛ ولكن على الرغم من ذلك لا يزال المؤرخ يتهيب الكتابة في تاريخ العرب قبل ~~الإسلام؛ لأن ما تم من الكشوف لم يكن كافيا، وإن كان قد أماط اللثام عن وجود دول كان ~~يجهلها مؤرخو العرب واليونان جهلا تاما، ولأن الشطر الأكبر من وسط شبه الجزيرة ~~وأطرافها لا يزال بكرا لم تقلبه فأس منقب، ولم تزل الرمال عما هو مطمور تحته من آثار ~~قد تتسامى في عظمتها إلى آثار بابل ومصر. # وسنبين فيما يلي مصادر التاريخ القديم عامة والتاريخ العربي القديم لنرى إلى أي مدى ~~أفادتنا الأخيرة في دراسة تاريخ العرب القدامى. ~~(2) مصادر التاريخ القديم # مصادر التاريخ القديم كثيرة: # أولها ما كتبه الأقدمون عن أنفسهم، فإن كان خطهم لا يزال مستعملا أمكن بطبيعة الحال ~~قراءته ومعرفة كل ما كتبه القوم عن أنفسهم، ومثال ذلك الخط اليوناني، وإن كان غير ~~مستعمل وتمكن العلماء من حل رموزه كالخط الهيروغليفي، والخط المسماري كانت أهميته كمصدر ~~للتاريخ كالخط المستعمل تماما، أما إذا كان غير مستعمل ولم يتمكن العلماء من فك طلاسمه ~~فإنه يكون عديم الفائدة أو قليلها كمصدر من مصادر التاريخ. # وثاني مصادر التاريخ هو ما خلفه القوم وراءهم من آثار مختلفة كالمعابد والمسلات ~~والتماثيل والمقابر وغيرها، فإن وجود هذه الآثار وبخاصة إذا كانت في حالة جيدة تساعد ~~على تفهم حالة الحاكمين والمحكومين الذين شيدوها، ثم هي - بما تحمل في الغالب من نقوش ~~وكتابات - تنقل إلينا معلومات وأخبارا قد لا يتطرق الشك إليها، وتعتبر المدافن بصفة ~~خاصة عند المصريين ms005 القدماء من أهم المصادر؛ لأن المصريين كانوا يؤمنون بالبعث، وكانوا ~~يعتقدون أن الأرواح ستعود إلى الأجساد، ومن أجل ذلك كانوا يضعون مع الميت في قبره ~~أسلحته وملابسه وأثاثه وطعاما وشرابا وغير ذلك من الآنية. # أما ثالث مصادر التاريخ فهو ما كتبه مؤرخون قدماء، ولكنهم جاءوا بعد الأزمنة التي ~~وصفوها، وهؤلاء المؤرخون إما وطنيون كتبوا عن تاريخ بلادهم أو أجانب كتبوا عن تاريخ ~~بلاد غير بلادهم، وقد تكون كتاباتهم خطأ أو مغرضة كما قد تكون صحيحة، فهي على كل حال في ~~حاجة إلى التمحيص، وقد كانوا بطبيعة الحال يعتمدون فيما يكتبون على ما شاهدوه بعيونهم ~~أو نقل إليهم عن طريق الرواية، أو كان مسجلا على الآثار، وقد كانت مهمة معظمهم شاقة ~~نظرا لعدم توفر وسائل البحث لديهم كما هي متوفرة لدى المؤرخين المحدثين الذين يستطيعون ~~في معظم الحالات قراءة الكتابات القديمة ومعرفة ما دون الأقدمون عن أنفسهم. # وقد يضاف إلى هذه المصادر الثلاثة مصدر رابع وهو الأقاصيص المتداولة التي تمثل في ~~الغالب صفحات من الحياة اليومية للناس، إلا أنه من الصعب استخلاص حقائق تاريخية ثابتة ~~منها نظرا لما كانت تحشى به هذه الأقاصيص عادة من المبالغات والأكاذيب وهي تنتقل من ~~جيل إلى جيل. # والتاريخ الأسطوري «الميثولوجي» لكل أمة - وهو يسبق عادة تاريخها الحقيقي - إن كان ~~يدل على شيء فهو يدل على ميولها وأمانيها ومبلغ إدراكها وطرائق تفكيرها. # أما مصادر التاريخ العربي القديم فهي: ~~(1) # الكتب المقدسة. ~~(2) # التفاسير. ~~(3) # مؤرخو اليونان والرومان. ~~(4) # مؤرخو العرب. ~~(5) # النقوش الكتابية. ~~(6) # آثار الجنوب. ~~(7) # آثار الشمال. ~~(8) # الآثار خارج الجزيرة. ~~(9) # المستشرقون المحدثون. ~~(10) # الأدب العربي. ~~(2-1) الكتب المقدسة # وأقدم هذه الكتب التوراة وفيها شيء كثير عن أحوال الأمم العربية في سفر التكوين ~~أول أسفارها الذي ذكر الكثير من أخبار سام وأولاده، وقصة إبراهيم وولده إسماعيل ~~عليهما السلام، كما جاء فيها ذكر بلقيس ملكة سبأ وقصتها مع سليمان عليه السلام في ~~سفر الأيام الثاني، وغير ذلك من أخبار الملوك والقبائل في سفر نحميا وغيره. # أما القرآن الكريم فهو أصدق المصادر المقدسة، وقد جاء ms006 فيه ذكر بعض القبائل ~~البائدة كعاد وثمود اللتين انفرد بذكرهما دون بقية الكتب المقدسة، كما جاء فيه بعض ~~أخبار ملوك اليمن كقصة ملكة سبأ، وقصة إسماعيل جد العرب العدنانية، ومسألة سيل ~~العرم وغير ذلك، وقد أيدت الكشوف الحديثة صحة ما ورد في القرآن عن مساكن ثمود وسيل ~~العرم وغيرها. # ويجب أن نلاحظ أن المستشرقين لا يعتبرون الكتب المقدسة من مصادر التاريخ التي يصح ~~الاعتماد عليها. ~~(2-2) التفاسير # وأقصد بها الشروح المسهبة والتعليقات الطويلة التي اعتبرها المفسرون مكملة وموضحة ~~لما أجملته آي القرآن المحكمة الرصينة؛ فإن الشطر الأكبر من هذه المبالغات ~~والخرافات إنما هو من ابتداع خيال المفسرين، ومما دسه عليهم اليهود والمجوس لأغراض ~~في نفوسهم فهذه يجب الحذر منها وعدم الأخذ بها، وقد يكون المفسرون حسني النية، ~~وإنما لجئوا إلى هذه المبالغات لإظهار أن القوم وصلوا إلى درجة كبيرة من العظمة، ~~وأن القصاص الذي نزل بهم عندما عصوا أمر ربهم ولم يستمعوا لأنبيائه كان يتناسب مع ~~ما وصلوا إليه من عظمة. ~~(2-3) مؤرخو اليونان والرومان # جاء ذكر العرب عرضا في تاريخ هيرودوت (المتوفى سنة 406ق.م) أثناء كلامه عن الحرب ~~بين قمبيز والمصريين في القرن السادس قبل الميلاد. # وأشار أرطستيني (المتوفى سنة 194ق.م)، وديودور الصقلي (المتوفى سنة 80ق.م) إلى ~~العرب في كتبهم. # وأفرد استرابون اليوناني (المتوفى سنة 24م) فصلا في مؤلفه الجغرافي ذكر فيه مدن ~~العرب وقبائلهم وشيئا عن أحوالهم التجارية والاجتماعية. # وخصص بطليموس الجغرافي الشهير الذي مات سنة 140م جزءا من كتابه ذكر فيه قبائل ~~بلاد العرب ومدنها وحدود موضعها بالدرجات كما شرح الكثير من أحوال العرب التجارية ~~وغيرها، وفصل ما أجمله سابقوه تفصيلا. # وعلى الرغم من تشتت ما كتبه هؤلاء اليونان والرومان وغيرهم كيوسفيوس اليهودي ~~(المتوفى سنة 93م) فإنهم بلا شك قد ألقوا ضوءا وإن يكن خافتا على تاريخ العرب ~~القديم. ~~(2-4) مؤرخو العرب # لم يكتب مؤرخو العرب تاريخا خاصا لبلاد العرب قبل الإسلام، ولم يتجاوز كل ما ~~كتبوه أن يكون مقدمات لتواريخهم المفصلة الدقيقة للعصر الإسلامي، وحتى هذه ms007 المقدمات ~~فإنها لم تكن مفصلة ولا دقيقة، وأوجه الخلاف بين المؤرخين في أسماء الدول والملوك ~~وحوادث التاريخ ومدد الحكم كثيرة، وفي بعض الحالات يظهر التناقض بينا. # وأكثر ما اعتمد عليه مؤرخو العرب في رواية تاريخ العصور السابقة للإسلام هو الأدب ~~العربي من نظم ونثر الذي كان يتناقله الرواة مشافهة، كما أنهم اعتمدوا على بعض آثار ~~اليمن حيث كان الخط المسند لا يزال يقرؤه بعض علماء القرى، وكذلك اعتمدوا على بعض ~~كتب النصارى التي وجدت في الأديرة والكنائس في العراق والشام، وعلى ما تلقطوه من ~~أفواه اليهود في اليمن والحجاز وغيرها. # ولقد حشا هؤلاء المؤرخون أخبارهم بالمبالغات والخرافات كما فعل المفسرون ~~تماما. # وإن المتصفح لما كتبه أمثال ابن إسحاق «المتوفى سنة 151ه»، وابن هشام «المتوفى ~~سنة 218ه»، وابن قتيبة «المتوفى سنة 276ه»، واليعقوبي «المتوفى سنة 177ه»، والطبري ~~«المتوفى سنة 310ه»، والمسعودي «المتوفى سنة 346ه»، وياقوت «المتوفى سنة 626ه»، ~~وابن الأثير «المتوفى سنة 650ه»، وأبو الفدا «المتوفى سنة 735ه»، وابن خلدون ~~«المتوفى سنة 807ه»؛ أقول: إن المتصفح لما كتبه هؤلاء العمد الأفاضل ليعجب للدقة ~~التامة والتحري الصحيح الذي عالجوا به تاريخ الإسلام في معظم الحالات بقدر ما يأسف ~~على الإهمال والخلط الذي صحب كتابتهم عن عصر ما قبل الإسلام، ولعل لهم العذر؛ فقد ~~كانت الأخبار تتناقل على الألسنة بدون تدوين أو ضبط، كما أن الخط العربي في أول ~~الأمر كان مهملا فكانت الباء والتاء، والحاء والجيم والخاء، والسين والشين ... إلخ ~~يلتبس في قراءتها. # وقصارى القول أن ما كتبه مؤرخو العرب عن عصر ما قبل الإسلام يجب أن لا يؤخذ على ~~علاته، وأن يتناول بمنتهى الحيطة والحذر. ~~(2-5) النقوش الكتابية # وهذه هي التي ألقت أول ضوء وهاج على التاريخ الصحيح لبلاد العرب قبل ~~الإسلام. # إن أول ما حصل عليه من النقوش الكتابية من بلاد العرب كان صورة محشوة بالأغاليط ~~لخمسة نقوش حصل عليها سيتزن # Seetzen # سنة 1811، ثم ~~بدأ البحث العلمي بعد ذلك إذ حصل هاليفي # Halévy # على 600 نقش في سنة 1869، ثم أخذ ms008 عدد النقوش يزداد بالتدريج حتى حصل جلازر # Glaser # فيما بين عامي 1882-1888 على 1023 نقشا آخر ~~كانت هي وما سبقها عمدة العلماء في كل المعلومات عن تاريخ العرب قبل الإسلام، وهذه ~~النقوش مكتوبة بلغات عدة أهمها اللغة المعينية، واللغة السبئية، ولهجة أخرى من ~~اللهجات المعينية، وقد عدت كلها من باب التساهل حميرية، وهي كلها لغات سامية تمت ~~بصلة إلى الأكادية «البابلية الأشورية»، وإلى الإثيوبية الحبشية، مما يشعر أن موجة ~~من موجات الثقافة ربطت ما بين العراق وبلاد العرب وشرق أفريقيا، ومما هو جدير ~~بالذكر أن لغتي مهرة «جنوب بلاد العرب» وسوقطرا الحاليتين تضمان عناصر تشبه عناصر ~~هذه اللغات القديمة، أما خط هذه النقوش فهو تطور من الخط الفينيقي الذي كان ~~مستعملا في القرن الثامن قبل الميلاد وما بعده وهو الأصل في الخط الذي لا يزال ~~مستعملا في الحبشة، وتزخرف بعض هذه النقوش رسوم لحيوانات ونباتات مما يشير إشارة ~~واضحة إلى مدى تأثير الفن الأشوري المتأخر فيها. # وننتقل الآن إلى الكلام في الآثار، وقد آثرنا أن نقسمها إلى آثار الجنوب وآثار ~~الشمال. ~~(2-6) آثار الجنوب # كانت بلاد اليمن وحضرموت أهم أجزاء بلاد العرب التي كثر مرتادوها من علماء ~~الآثار، والتي كثرت دراساتهم فيها، ولا غرو فهي غاصة بآثار الحضارتين المعينية ~~والسبئية، ولقد زار آثار مأرب عاصمة سبأ القديمة أكثر من واحد من العلماء نخص ~~بالذكر منهم أرنو # Arnaud # وهاليفي # Halévy # وجلازر # Glaser ~~، وجمعوا من بين أنقاضها عددا من النقوش المعينية والسبئية ~~محفورا على الحجر الجيري أو البرونز، ولقد درس أرنو دراسة تفصيلية سد مأرب المشهور ~~ورسم أول خريطة له، كما درس بعض آثار صنعاء والخريبة وحرم بلقيس وقاسى في أثناء ~~أبحاثه هذه مر العذاب، وكان ينقل الرسوم سرا تحت خطر القتل، وأصابه في أثناء ~~العمل رمد أودى ببصره. # وقفى على أثره هاليفي، فجاس خلال اليمن وزار كثيرا من الآثار، ونقل نقوشها، ~~وتمكن من كشف مدينة معين عاصمة دولة المعينيين التي ذكرها اليونان وكان العرب لا ~~يعرفونها. # وكان لجمعية الآثار السامية فضل ms009 كبير في حل طلاسم الكثير من النقوش التي عاد بها ~~المستكشفون، وكان علماء الألمان أصحاب القدح المعلى في ذلك، ولا تحمل الآثار ~~التي حصل عليها تواريخ تدل عليها، ولكن العلماء يرجعونها إلى الفترة ما بين سنة ~~800ق.م، سنة 600م. ~~(2-7) آثار الشمال # لم يكن نصيب الشمال من اهتمام علماء الآثار بأقل من نصيب الجنوب، وذلك على الرغم ~~من أن وسائل البحث العلمي ومسهلاته لم تكن ميسورة لدى هؤلاء العلماء، فلقد كشف ~~العلامة دوتي # Doughty # سنة 1876 عددا من المقابر ~~النبطية المحفورة في مدائن صالح ورسمها ونقل نقوشها، كما كشف برتن # Burton # سنة 1877 مقابر نبطية أخرى أثناء فحصه عن ~~مناجم الذهب في مدين، وعثر بعض الكاشفين على مقابر رومانية في حدود الحجاز ~~الشمالية، وفي تيماء عثر هوبير سنة 1883 على النقش السامي المشهور المحفوظ الآن في ~~متحف اللوفر، وعثر دوتي أثناء جولاته بين خيبر والحائل على عدة قبور قديمة معلمة ~~بحجارة مستطيلة رأسية، وفي بعض بلاد نجد كشف بلي # Bely # عن عمود مسيحي حطمه الوهابيون، وتوجد في وادي سرحان بعض ~~الآثار الرومانية والعربية القديمة وهي أبنية من البازلت عليها نقوش، وعلى مقربة من ~~الطائف عثر دوتي على مشروع تمثال هائل على صورة آدمي يرجع إلى عصر ما قبل التاريخ، ~~وقد قرر هو وآخرون أنه كان بالطائف تمثالان من الحجر لا شكل لهما كان يعبدهما ~~القدماء على أنهما اللات والعزى وقد حطمهما الوهابيون، ويظن أن ثالث هذين التمثالين ~~- وهو تمثال مناة الذي قد يرجع إلى عصر ما قبل التاريخ أيضا - يوجد إلى الجنوب من ~~الطائف، وقد كان لأمنا «حواء» قبر في جدة حطمه الوهابيون سنة 1927. # هذا؛ وقبل أن ننتقل إلى الكلام عن الآثار خارج شبه الجزيرة، يجدر بنا أن نشير إلى ~~أن العلماء يرجحون أن مدنا هائلة لا تزال مطمورة تحت رمال «الربع الخالي»، وأن ~~أكبر خدمة تؤدى لتاريخ العرب قبل الإسلام هي أن تعبد للعلماء سبيل الكشف عن ~~هذه الآثار. # ولقد أرسلت كلية الآداب في صيف 1936 بعثة للتنقيب عن ms010 آثار اليمن. ~~(2-8) الآثار خارج الجزيرة # أو بعبارة أدق المصادر المنقوشة على الآثار خارج بلاد العرب، والتي تشير من قرب ~~أو بعد إلى أحوال العرب وتاريخهم، فقد حصل في آثار بابل على نقوش بالخط المسماري ~~تشير إلى دول تولت حكم بابل يرى بعض المؤرخين أنها عربية، كما أن بعض المؤرخين ~~يحاول أن يصف الهكسوس الذين فتحوا مصر في أواخر الأسرة 13 (حوالي سنة 1675ق.م) ~~بأنهم عرب مع أن الكشوف الحديثة تؤيد أنهم من آسيا الصغرى، وأنهم تحركوا على أثر ~~اضطرابات هجرية كان منشئوها سهول أوروبا الوسطى. # وفي رأينا أن ما نقل من الآثار خارج بلاد العرب لا يمكن أن يؤخذ منه ما يفيد ~~بصيغة الجزم تاريخ العرب قبل الإسلام. ~~(2-9) المستشرقون المحدثون # وهم جماعة من العلماء الأوربيين عكفوا على دراسة اللغة العربية وغيرها من اللغات ~~الشرقية حتى حذقوها، ثم تخصص كل منهم بعد ذلك في دراسة فرع من فروع الأدب أو ~~التاريخ العربي أو الشرقي في مصادره الأصلية فلم يتركوا - في صبر وجلد - شاردة منه ~~ولا واردة إلا فحصوها ووزنوها بميزان النقد العلمي الحديث، وقد أنفق الكثير منهم ~~عمره في ترجمة مرجع عربي أو شرقي إلى لغته الأصلية سواء أكانت الألمانية أم ~~الفرنسية أم الإنجليزية أم الإيطالية والتعليق عليه ومراجعته على المصادر الأصلية ~~الأخرى المطبوع منها والمخطوط، وقد كتب الكثير منهم كتبا في الأدب العربي أو ~~التاريخ الإسلامي، تستهوي الباحث بحسن ترتيبها، وجمال تبويبها، وتركيز المعلومات ~~فيها تركيزا لا يجهد القارئ في البحث ولا يكلفه عناء الاستقصاء، وتجعل بعض ~~المحدثين من رجال عصرنا يعيشون عالة عليها يلتمسون العلم من أسهل مناهله وأقرب ~~موارده، ولئن كان البعض من هؤلاء المستشرقين يركب هواه في بعض الأحيان فيخون العلم ~~في سبيل تحقيق غرض ديني في الغالب، إلا أن الجمهرة منهم تغلب فيهم النزاهة العلمية ~~وبخاصة إذا كان الموضوع الذي يعالجونه غير شديد المساس بالدين. # وفي موضوع كموضوع تاريخ العرب قبل الإسلام، أرى أن الاعتماد عليهم - وبخاصة لأنهم ~~أعرف الناس بالكشوف الحديثة في بلاد ms011 العرب - يكون اعتمادا مأمون العاقبة إلى حد ~~كبير. ~~(2-10) الأدب العربي # قلت في فقرة [مؤرخو العرب]: إن من أكثر ما اعتمد عليه مؤرخو العرب في رواية تاريخ ~~العصور السابقة للإسلام هو الأدب العربي، من نثر ونظم، الذي كان يتناقله الرواة ~~مشافهة، وأقرر الآن هنا أنه في ضوء البحث العلمي الحديث يصعب الاعتماد على الأدب ~~العربي كمصدر هام من مصادر تاريخ العرب قبل الإسلام لعدة أسباب: # منها أن هذا الأدب لا يرجع إلى أكثر من عصر الجاهلية وهو جزء من عصر ما قبل ~~الإسلام يقدر له العلماء زمنا يتراوح بين قرن ونصف وقرنين ونصف قبل ظهور الإسلام ~~مباشرة، بينما يقدر العلماء لعصر ما قبل الإسلام مدة تتجاوز الثلاثين قرنا تمتد من ~~سنة 1500ق.م إلى سنة 622 ميلادية. # ومنها ما تسرب في السنوات الأخيرة إلى هذا الأدب من الشك؛ إذ يرى فريق من ~~المستشرقين وبعض المحدثين وعلى رأسهم أستاذنا الدكتور طه حسين أن الشعر الجاهلي - ~~لأنه كان يتناقل مشافهة دون تدوين، وبسبب الخلاف الكبير في بعض رواياته، ولأسباب ~~لغوية أخرى - إنما هو كله أو الشطر الأكبر منه ملفق أتقن تزويره حماد الراوية وخلف ~~الأحمر من الرواة في القرن الثامن الميلادي. # وإذا كانت نظرية تلفيق الشعر الجاهلي خاطئة فإن ما وصل إلينا منه مع ذلك - إذا ~~استثنينا بعض القصائد كالقصيدة الحميرية التي يعدد فيها أسماء الملوك المثامنة ~~والأذواء المستقلين من حكام اليمن - ليس فيه غناء كبير فيما يتعلق بالتاريخ السياسي ~~وأسماء الدول والملوك؛ إذ هو قاصر على وصف بعض أخلاق العرب ومعتقداتهم الدينية ~~وعاداتهم وغير ذلك. # أما ما ينسب إلى بعض قوم طسم وجديس من الشعر وغيره، فلا يعدو في نظرنا أن يكون ~~نسيجا جميلا من خيال الشعراء أو الرواة المتأخرين. ~~(3) موطن الجنس السامي الأول وهل هو بلاد العرب # ليس من شأننا في هذا البحث أن نتعرض لمسألة الطوفان، وهل كان عاما شمل الكرة ~~الأرضية أم كان قاصرا على منطقة دجلة والفرات، وإنما يكفي أن نذكر هنا ما روته التوراة ~~من رسو سفينة ms012 نوح عليه السلام بعد انحسار الطوفان على جبل أراراط في هضبة أرمينيا ~~«الإصحاح الثامن من سفر التكوين»، ومن ثم تفرق أبناء نوح، فسار يافث إلى الشرق وسار حام ~~إلى الغرب، أما سام فإنه نزل إلى الجنوب، واختلف الباحثون في المكان الذي استقر فيه ~~الساميون الأول، وتتلخص آراؤهم في القول بأن الساميين قد أخذوا نشأتهم الأولى في واحد ~~من الأماكن المختلفة الآتية: ~~(1) # عند مصب النهرين. ~~(2) # في بلاد كنعان. ~~(3) # في بلاد الحبشة. ~~(4) # في شمال أفريقيا . ~~(5) # في بلاد العرب. # وأنصار الرأي الأول يعتمدون على قصة التوراة السالفة الذكر، ويحددون بابل مستقرا ~~أول لبني سام بعد نزوحهم من جنوب أرمينيا. # وأصحاب الرأي الثاني يرون أنه في الوقت الذي دخل فيه الساميون العراق كانت تلك البلاد ~~آهلة بالسومريين المتمدينين، وأن الساميين في سوريا أنشئوا مدنية أقدم من مدنية ساميي ~~العراق، وإذا فبلاد كنعان هي المهد الأول للأمم السامية. # وأتباع الرأي الثالث يعتقدون أن الجنسين السامي والحامي كانا في العصور القديمة في ~~أفريقيا، ويعتمدون على الصلات اللغوية بين اللغات السامية والحامية. # وأصحاب الرأي الرابع يجعلون مهد الساميين الأول في شمال أفريقيا، ولا يزيدون شيئا ~~على ما ذكره أنصار الرأي الثالث. # وأنصار الرأي الخامس يؤكدون أن أواسط الجزيرة العربية منذ عصور ما قبل التاريخ كانت ~~آهلة بالسكان، وأن منها ابتدأت هجرة الساميين إلى أطراف الجزيرة وما وراءها، ومن معضدي ~~هذا الرأي الدكتور العناني، وهو يدلل على صدق النظرية بأدلة ترجع إلى الجهة اللغوية ~~ووحدة التفكير واتحاد العقلية والاشتراك في نوع الخيال عند جميع الأمم السامية واصطباغ ~~كل ذلك بصبغة واحدة أصلها وحي الصحراء وقوامها حياة البداوة، وأن الشعوب السامية التي ~~تحضرت في أطراف الجزيرة ظلت محتفظة بنوع التفكير والخيال السالف الذكر (راجع الباب ~~الثاني من الجزء الأول من كتاب الأساس للأستاذ الدكتور العناني والأستاذين محرز ~~والإبراشي). # وممن يؤيد هذا الرأي أيضا الأستاذ جورج ~~سمث # George Smith # إذ يذكر في كتابه «الجغرافية التاريخية للأرض المقدسة»: أن الشام ~~هو الطرف الشمالي للوطن السامي الأكبر وهو جزيرة العرب، وآخر معضدي ms013 هذا الرأي أيضا ~~الأستاذ فلبي Philby # الذي صدر كتابه عن عصر ما قبل ~~الإسلام أخيرا سنة 1947 فقد ذكر في فاتحة هذا الكتاب وعنوانه # Back ~~ground of Islam # ما نصه: «إلى أن يثبت أن الساميين جاءوا إلى بلاد ~~العرب من بلاد غيرها يلزمنا أن نعتبر جزيرة العرب الوطن الأصلي للساميين، ولعله من ~~الممكن تحديد هذا الوطن في القسم الجنوبي من هذه الجزيرة.» # ولقد كان الرأي الأكثر رجحانا حتى العقود الأولى من هذا القرن هو الرأي الأول الذي ~~يعتمد على قصة التوراة السالفة الذكر، ولكنها أصبحت مرجوحة الآن وتغلب عليها الرأي ~~الخامس القائل بأن بلاد العرب هي مهد الجنس السامي؛ إذ استبعد أن ينتقل شعب من طور ~~الرقي الزراعي على ضفاف نهر إلى طور البداوة في أرض مراع أو صحراوات، وهذه النظرية ~~الحديثة تقرر أن بلاد العرب في الأزمان السحيقة كانت - بسبب اختلاف مناخها في ذلك الوقت ~~عن ما هو الآن - أكثر خصبا مما هي عليه الآن، وأن نجدا كانت إذا زاد عدد سكانها زيادة ~~لا تحتملها قدرة الأرض على إعالتهم ينبعث الناس منها في هجرات على شكل تقاطر تدريجي، ~~كما هو حال الهجرات في أيامنا هذه إلى البلاد المجاورة، وكانت شبه الجزيرة تشبه حوضا ~~ضخما يفيض بالبشر ويقذف ما يطفح به إلى الخارج، وكانت الفترة بين الموجة الهجرية والتي ~~تليها نحو 1000 سنة، ويحددون منتصف الألف الرابع قبل الميلاد بدأ لتلك الهجرات التي ~~حفظها لنا التاريخ، والتي لا بد أن تكون قد حدثت هجرات قبلها قبل عصر التاريخ. # ففي سنة 3500ق.م تقريبا حدثت هجرة سامية إلى الشمال الشرقي إلى وادي الفرات الأدنى ~~حيث بلاد بابل، وفي نفس الوقت تقريبا تحركت هجرة سامية أخرى إلى الشمال الغربي حيث ~~بلاد مصر. # وحوالي سنة 2500ق.م أي بعد ألف سنة تقريبا من الهجرات السابقة تحركت هجرة سامية أخرى ~~إلى الشمال، وهي التي أحلت معها العاموريين والكنعانيين والفينيقيين في بلاد سوريا ~~وسواحل البحر الأبيض الشرقية. # وحوالي سنة 1500ق.م تحركت هجرة إلى بلاد فلسطين وجنوب سوريا، ms014 وهي التي حملت معها ~~الآراميين في الأولى والعبرانيين في الثانية، وفي نفس الوقت تقريبا تحركت هجرات سامية ~~أخرى إلى الجنوب حيث بلاد اليمن. # وحوالي سنة 500ق.م كانت هجرة الأنباط إلى الشمال الشرقي من شبه جزيرة سيناء وعاصمتهم ~~بطرة أو «البتراء» تقع في جنوب بلاد الأردن الحديثة. # وبعد سنة 600 ميلادية كانت حركة الغزو الإسلامي الرائعة التي امتدت شرقا وغربا فكان ~~من نتائجها تكوين الإمبراطورية العربية التي لم تسبقها إمبراطورية في عظم مساحتها، ~~وتمشيا مع هذه النظرية يحق لنا أن نتساءل هل حدثت موجات هجرية بعد نحو ألف سنة من هذا ~~الفتح؟ ونحسب أن الجواب على ذلك قد نجده في الحضارمة سكان السواحل الجنوبية لبلاد العرب ~~الذين استوطنوا بعض جزائر إندونيسيا وسواحل أفريقيا الشرقية، وباستعراضنا أهمية هذه ~~الهجرات في التاريخ نجد أن الحضارات القديمة كانت نتيجة امتزاج هذه الشعوب السامية مع ~~السكان الأصليين في البلاد التي نزحوا إليها، ومكانة المصريين القدماء والبابليين ~~والعبرانيين في التاريخ العالمي مشهورة ليس هنا مقام التعرض لها. ~~(3-1) معنى كلمة عرب # ذكر الأستاذ نلدكه # Noldeke # في تاريخ المؤرخين ~~للعالم أن الظاهر أن كلمة «عرب» معناها «صحراء». # وكان ورودها لأول مرة بنفس هذا المدلول في النقوش الأشورية التي ترجع إلى القرن ~~التاسع قبل الميلاد. # وفي التوراة وردت في سفر أرميا في الإصحاحين الثالث والخامس والعشرين بما يستفاد ~~منه أن المقصود هم سكان البادية، وفي بعض نقوش دارا كان يقصد من لفظ «عرباية» ~~صحراوات العراق والشام وسينا، ويفهم مما كتبه هيرودت أنه كان يقصد بالعرب سكان ~~المنطقة الممتدة بين الفرات في الشرق والنيل في الغرب، ولفظ «عرب» في التاريخ ~~القديم كان يرادف لفظ «بدو» أو «بادية» في هذه الأيام، ويرى بعض علماء العبرية أن ~~كلمة عبري ترتبط بكلمة عربي ارتباطا لغويا متينا؛ لأنهما مشتقان من أصل واحد ~~وتدلان على معنى واحد، وأنهما مشتقان من الفعل الثلاثي «عبر» بمعنى قطع مرحلة من ~~الطريق أو الوادي أو النهر من عبره إلى عبره أو من عبر السبيل شقها؛ وذلك لأن العرب ms015 ~~والعبرانيين كانوا في الأصل من الأمم البدوية الصحراوية التي لا تستقر في مكان، بل ~~ترحل من بقعة إلى أخرى بإبلها وماشيتها للبحث عن الماء والمرعى. # ويرى بعض المؤرخين - ويجاريهم فريق من المستشرقين - أن كلمة عرب مشتقة من يعرب بن ~~قحطان، وأنه أطلقها على بعض أقاليم تهامة ومن ثم شاعت على العرب، وفي كتب العرب ~~القدامى أن العرب إنما سموا بالعرب؛ لأنهم كانوا موسومين بين الأمم بالإعراب وهو ~~البيان. # وهناك رأي يقول: إن كلمة عرب مشتقة من «غرب»، وأن العرب إنما سموا بذلك لارتحالهم ~~من وطن الساميين الأصلي وهو ما بين النهرين إلى الغرب؛ إذ اللغة السامية لا غين ~~فيها فعرب ترادف غرب. # وبمناسبة لفظ «عرب» نذكر أن أهل بابل وبعض السوريين القدامى كانوا يطلقون على ~~العرب لفظ # Taits # التي يرجح أنها مشتقة من طيء سكان ~~شمال نجد. # وهناك لفظ آخر هو # Saracens # كان يطلقه الرومان على ~~البدو المجاورين لبلادهم في الصحراء الممتدة غرب الفرات، ثم شاع استعماله بعد ذلك ~~فصار يطلقه الأوربيون على العرب كافة ثم على المسلمين بدون تمييز ثم على أهل الشرق ~~جميعا، ولعله مشتق من لفظ شرق العربية، وإن كان يحاول البعض أن يقرر أنه مشتق من ~~لفظ «صحراء» أيضا. # الفصل الثاني # | الوطن العربي # (1) موقع شبه جزيرة العرب وحدودها # تقع شبه جزيرة العرب في الطرف الغربي من قارة آسيا، وهي مستطيل غير متوازي الأضلاع ~~شماله فلسطين وبادية الشام، وشرقه الحيرة ودجلة والفرات وخليج فارس، وجنوبه المحيط ~~الهندي وخليج عدن، وغربه البحر الأحمر. # ويبلغ طوله أكثر من ألفي كيلومتر، وعرضه أكثر من ألف وخمسمائة من الكيلومترات، ~~ومساحته تزيد عن مساحة الهند. # وبلاد العرب جزء من صحراء كبرى ممتدة في شمال أفريقيا وغرب آسيا ولا يفصلها عن آسيا ~~إلا حوض النيل وأخدود البحر الأحمر الذي تحفه الصخور النارية على جانبه. # ويطلق العرب على بلادهم اسم جزيرة العرب، وفي هذه التسمية كثير من التسامح؛ إذ الواقع ~~أنها لم تتم إحاطتها بالماء، ويعلل جغرافيو العرب تسميتها بالجزيرة «لإحاطة الأنهار ~~والبحار بها ms016 من جميع أطرافها وأقطارها فصاروا منها في مثل الجزيرة من جزائر البحر؛ وذلك ~~لأن الفرات يقبل من بلاد الروم مارا ببلدة قنسرين، ثم ينحط على أطراف الجزيرة وسواد ~~العراق، حتى إذا قارب البصرة اتحد بدجلة وصبا معا في خليج عمان من بحر الهند، ويأخذ ~~البحر في ذلك الوضع مغربا طائفا ببلاد العرب، منعطفا عليها إلى بلاد عمان والشحر ~~وحضرموت إلى تهائم اليمن، ويمضي إلى ساحل مكة وساحل المدينة، ثم ساحل الطور وخليج أيلة ~~وخليج القلزم، والنيل حتى بحر الروم الذي تقع عليه سواحل الأردن وبيروت وسواحل دمشق ~~وسواحل قنسرين، وهي الناحية التي أقبل منها الفرات منحطا إلى أعلى أطراف الجزيرة وسواد ~~العراق، إلخ.» (راجع معجم البلدان لياقوت وصفة جزيرة العرب للهمداني). # وهذا التحديد وإن كان يسهل فهم تسمية البلاد العربية بالجزيرة إلا أنه يتطلب أن تعتبر ~~ولايات الشام وفلسطين والأراضي المصرية الواقعة شرقي فرع دمياط من ضمن بلاد العرب، وهذا ~~غير مرض عند الجغرافيين المحدثين، ولا هو منطبق على المصطلح الجغرافي ولا على ~~الواقع. ~~(2) بلاد العرب في نظر الجغرافيين القدامى # فيما خلا الجزء الجنوبي الغربي حيث بلاد اليمن والجزء الشمالي المتاخم للشام ومصر ~~كانت بلاد العرب مجهولة تماما لدى القدماء، فلم تطأها أقدامهم؛ إذ عصمتها الصحراوات ~~والبحار المحيطة بها من الغزو الاستعماري أو الغزو الديني، كما عصمها كذلك ترامي ~~أطرافها وعدم جودها بما يغري الغزاة على تجشم المصاعب في سبيل غزوها. # ورد في القاموس الكلاسيكي للأستاذ وليم ~~سمث # William Smith # أن بلاد العرب كانت تنقسم قديما إلى ثلاثة أقسام: ~~(1) # بلاد العرب الصخرية # Arabia Petraea # وهي ~~عبارة عن المثلث المنحصر بين خليجي البحر الأحمر «شبه جزيرة سينا»، ~~والمنطقة التي تليه إلى الشمال والشمال الشرقي، وكانت عاصمتها مدينة ~~بطره Petra # وقد سميت بهذا الاسم ~~إما نسبة إلى عاصمتها أو إلى طبيعة المنطقة الصخرية. ~~(2) # بلاد العرب الصحراوية # Arabia Deserta # وهي ~~تشمل بادية الشام وجزءا من داخل شبه الجزيرة. ~~(3) # بلاد العرب السعيدة # Arabia Felix # وهي تشمل ~~بقية أجزاء البلاد ما عدا الجزأين السابقين. # وجهل ms017 القدماء بداخل بلاد العرب هو الذي دعاهم إلى احتسابه ضمن بلاد العرب السعيدة «أو ~~الخضراء» مع أنه في الواقع يعتبر من بلاد العرب الصحراوية، أما ما يصح أن يطلق عليه اسم ~~بلاد العرب السعيدة فهو الجزء الجنوبي الغربي حيث بلاد اليمن التي كانت فيها حضارة معين ~~وسبأ. ~~(3) وصف بلاد العرب الطبيعي # يمكن بالإجمال وصف بلاد العرب بأنها هضبة مرتفعة لا يقل ارتفاع أي جزء فيها عن 1500 ~~قدم عن سطح البحر. # وهذه الهضبة تنحدر انحدارين أحدهما نحو الغرب والآخر نحو الشرق، ويبدأ الانحداران من ~~سلسلة جبال تقع في غرب شبه الجزيرة وتعرف باسم جبال السراة، وهي تمتد من أقصى الشمال ~~إلى أقصى الجنوب حيث تصل إلى أعلى ارتفاعها وهو عشرة آلاف قدم «أو أكثر من 3000 ~~متر». # أما الانحدار الغربي فهو شديد، وتحصر سلسلة الجبال فيما بينها وبين ساحل البحر الأحمر ~~واديا ضيقا متوسط عرضه خمسة عشر ميلا (نحو 29ك.م)، وأقصى اتساع له ثلاثون ميلا «نحو ~~57ك.م» تتخلله عدة وديان لا يستفاد منها، بل قد تعوق سير القوافل في بعض ~~الأحيان. # وأما الانحدار الشرقي فهو انحدار تدريجي لا يكاد يلمس ويصحبه انحداران آخران أحدهما ~~ناحية الشمال الشرقي، والآخر ناحية الجنوب الشرقي. # وهذا الوصف الذي ذكرناه يظل صحيحا اللهم إلا في الجنوب الشرقي حيث تبرز سلسلة من ~~الجبال في عمان هي المعروفة باسم الجبل الأخضر يبلغ ارتفاعها نحو عشرة آلاف قدم أيضا ~~«أو أكثر من 3000 متر». # وإذا استثنيت بلاد اليمن وعمان وبعض الوديان الواقعة في سلسلة الجبال الغريبة أمكننا ~~وفي نجد والأحساء أن نصف بلاد العرب بأنها قفر مجدبة. # وتسقط الرياح الموسمية الجنوبية الآتية من ناحية الحبشة بعض الأمطار في بلاد العرب ~~وتستفيد بلاد اليمن بأكبر قسط منها؛ إذ تصدها الجبال العالية، فيزرع هناك البن والحبوب ~~والفاكهة، وفي الجهات التي هي أقل مطرا من هذه المنطقة تنبت أشجار الصمغ ~~والبخور. # أما عمان فتحمل إليها الرياح الموسمية الشمالية الشرقية بعض الأمطار، وأما حضرموت فلا ~~تستفيد من هذه الرياح الموسمية بسبب محاذاة ms018 جبالها لمهب الرياح. # وحيثما يسقط المطر في بلاد العرب ينبت الكلأ وتتيسر سبل الحياة، وفيما عدا ذلك فكل ~~البلاد عبارة عن صحراء شاسعة بعثرت فوق أديمها بعض الواحات التي يوجد فيها بعض الماء، ~~وتكثر فيها زراعة النخيل وبعض البقول وتحف بها بعض المراعي وتربط طرق القوافل هذه ~~الواحات بعضها ببعض، وفي غير هذه الأماكن لا يقع بصرك على سكان. # والوصول إلى عمان ميسور من ناحية البحر حيث يعيش فريق من السكان على صيد الأسماك ~~والغوص على اللؤلؤ في الخليج الفارسي، أما عن طريق البر فترتبط باليمن عن طريق شبوة ~~ولكن الطريق طويل وشاق. # وتغطي الحشائش حافة الصحراء الجنوبية التي تفصل بين عمان واليمن وبينها وبين ~~نجد. # وليس في بلاد العرب أنهار ولا غابات، وأقصى ما وصل إلى عملنا هو وجود بحيرتين أو ثلاث ~~بحيرات صغيرات في منطقة الأحساء. ~~«والأحساء والحساء - كما في كتب العرب - جمع حسى وهو موضع رمل تحته صلابة، فإذا أمطرت ~~السماء على ذلك الرمل نزل الماء فمنعته الصلابة أن يغيض ومنع الرمل السمائم أن تنشفه ~~فإذا بحث ذلك الرمل أصيب الماء». # وقد قسم الأستاذ فلبي Philby # العالم الخبير ببلاد ~~العرب شبه الجزيرة إلى ثلاثة أقسام رئيسية: ~~(1) # قسم أوسط أو قلب هو عبارة عن صحراء صلبة فيها عدة وديان وواحات تقوم بأود ~~عدد لا يستهان به من السكان المقيمين. ~~(2) # دائرة كاملة من الكثبان الرملية تحيط بالقسم الأول وتتسع ناحية الشمال ~~وناحية الجنوب. ~~(3) # دائرة خارجية تطوق الثانية وبعض هذه الدائرة نجاد وبعضها وهاد وبعض ~~أجزائها قفر عار والبعض الآخر منزرع وغاص بالسكان. ~~(1) # أما القسم الأول فهو نجد. ~~(2) # وأما القسم الثاني فإنه يشمل صحراء النفود الشمالية والدهناء والربع ~~الخالي. ~~(3) # وأما القسم الثالث فإنه يشمل مدين والحجاز وعسير واليمن وحضرموت وعمان ~~والأحساء. # وتكون مرتفعات عسير واليمن وجزء من حضرموت ما كان يسميه الجغرافيون القدماء ببلاد ~~العرب السعيدة، ومناخ هذه الأجزاء معتدل وأمطارها كافية وتربتها خصيبة. # وتنطبق هذه الأوصاف أيضا على عمان التي تروي ساحلها نهيرات تستمد ماءها من الجبل ~~الأخضر، ولا ms019 يقل خصبها وإنتاجها عن أي جزء من الأجزاء السابقة؛ أما فيما عدا هذه ~~الأجزاء فالغلبة للصحراء التي يبرقش أديمها في بعض الأحيان واحات يصل الخصب في بعضها - ~~كالمدينة والحسا - إلى درجة عظيمة، وأما الربع الخالي فهو خلاء تكثر فيه الأعاصير ~~الرملية ولا يقدر أحد حتى البدو على ارتياده. ~~(4) تقسيم العرب لبلادهم # قسم معظم كتاب العرب بلادهم في أخبارهم وأشعارهم وغيرها إلى خمسة أقسام وهي: # اليمن والحجاز وتهامة «وتسمى أيضا الغور» ونجد واليمامة «وتسمى أيضا العروض»، وأضاف ~~بعض الكتاب قسما سادسا هو البحرين «ويسمى أيضا هجر»، وهو في نظر بعض الكتاب جزء من ~~اليمامة، وفي نظر آخرين جزء من العراق، وقصر بعض الكتاب التقسيم على قسمين فقط هما: ~~اليمن والحجاز، وجعل القسم الثاني يشتمل على تهامة ونجد واليمامة، وذكر الهمداني في ~~كتابه «صفة جزيرة العرب» - بعد أن شرح التفصيل الخماسي الأول - تفصيل هذه الجزيرة عند ~~أهل اليمن فقال ما نصه: # هي عند أهل اليمن يمن وشأم؛ فجنوبها اليمن وشمالها الشأم، ونجد وتهامة؛ ~~فالنجد ما أنجد منها عن السراة وظهر من رءوسها ذاهبا إلى المشرق في استواء دون ~~ما يتمدد إلى العروض، وحجاز وهو ما حجز بين اليمن والشأم، وسراة وهو ما استوثق ~~واستطال في الأرض حيال هذه الجزيرة مشبها بسراة الأديم، وعروض وهو ما أعرض عن ~~هذه المواضع شرقا إلى حيث شمال المشرق، وعراق وشحر، فالعراق ما حاذى المياه ~~العذبة والبحر من الأرض، مأخوذ من عراق الدلو، والشحر مأخوذ من شحر الأرض وهو ~~سبخ الأرض ومنابت الحموض. ا.ه. # وسنتبع نحن التقسيم الأول؛ لأن إجماع الكتاب القدامى والحديثين يكاد ينعقد عليه، ~~ولأنه أكثر انطباقا على الحالة الطبيعية لشبه الجزيرة، وهذا بصرف النظر عن أن جغرافي ~~العرب لم يحددوا هذه الأجزاء بحدود ثابتة. # وسنعالج فيما يلي كل قسم من هذه الأقسام الخمسة: ~~(4-1) اليمن # وكان يسميها الأقدمون بلاد العرب السعيدة واليمن الخضراء. قال الهمداني: «وسميت ~~اليمن الخضراء لكثرة أشجارها وثمارها وزروعها.» # وأما سبب تسميتها باليمن ففيه قولان؛ قول يقول: لأنها تقع إلى يمين ms020 الكعبة، وآخر ~~يقول: لأنها بلاد اليمن والخير والبركة. # وهي تمتد على طول المحيط الهندي، ويحدها البحر الأحمر من ناحية الغرب، والحجاز من ~~الشمال، وفيها التهائم والنجد. # وتتكون بلاد اليمن من عدة أقسام صغرى، أهمها: حضرموت وشحر وعمان ونجران، وتنفرد ~~شحر من هذه الأقسام بإنتاج البخور، وأهم مدن اليمن صنعاء، وهي مدينة قديمة جدا ~~ذات موقع ممتاز. # ولبلاد اليمن شهرة قديمة بسبب جودة مناخها، وخصوبة تربتها وغناها، ولقد ذكر ~~«استرابون» أن أوصافها هذه أغرت الإسكندر المقدوني بفتحها، إلا أنه أرجأ هذا الفتح ~~إلى ما بعد عودته من حملة الهند، ولكن المنية عاجلته في بابل فلم ينفذ ~~تصميمه. # على أن فريقا من المستشرقين، يعتقد أن ما نسب إلى اليمن من غنى وخصب مبالغ فيه، ~~وأن معظم الحاصلات التي كان يظن أن بلاد اليمن هي مصدرها، إنما كان يستجلبها العرب ~~والمصريون الذين كانوا يحتكرون التجارة في البحر الأحمر، من جزائر الهند وسواحل ~~أفريقيا الشرقية، وأنهم كانوا يخفون هذا عن جيرانهم، حتى لا يزاحموهم في الحصول ~~عليها من هذه الأنحاء. # ويرجع ازدهار اليمن وخصبها إلى الجبال التي تقع في داخلها، والتي تصد الرياح ~~الموسمية فتسبب الأمطار التي تجعل أرض اليمن تجود بالبن أهم حاصلاتها وبالفاكهة ~~والقمح والأعناب والتوابل. # وليس في بلاد اليمن أنهار مهمة؛ لأن السيول التي تنزل من الجبال قل أن يصل مجراها ~~إلى البحر؛ إذ تتشربها رمال الصحراء المحرقة. ~~(4-2) الحجاز # وسمي حجازا لأنه يفصل ما بين نجد وتهامة، أو لأنه يحجز بين اليمن والشام، وهو ~~سلسلة جبال السراة الممتدة من أقصى اليمن إلى الشام. # وأهم مدن الحجاز مكة والمدينة، وتشتهر الأولى بوجود الكعبة المقدسة فيها، وبأنها ~~مكان ولادة النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وتشتهر الثانية بأنها موطن هجرته عليه الصلاة والسلام، ~~وبأن ترابها ضم جثمانه الطاهر. # ويرى فريق من المؤرخين أن مكة - وتسمى أيضا بكة - من أقدم مدن العالم، وكانت ~~تعرف عند اليونان باسم مكوربا # Macoraba ~~، ويميل ~~فريق من المستشرقين إلى الظن بأنها ميشا # Mesha # التي ورد ذكرها في الآية 30 ms021 من الإصحاح 10 من سفر التكوين، ويبلغ طول مكة من الشمال ~~إلى الجنوب نحو ميلين وعرضها نحو ميل، وهي مبنية بالحجارة المقطوعة من الجبال ~~المجاورة، وليس في مكة عيون يصلح ماؤها للشرب، وحتى زمزم فإن ماءها يميل إلى ~~الملوحة ويؤذي الذين يكثرون من شربه، ومن أجل ذلك اضطر المكيون إلى خزن مياه ~~الأمطار في أحواض ليستقوا منها، كما حاولوا أن يجروا الماء إليها في قنوات مشيدة، ~~ويروي لنا التاريخ أن الزبير من صحابة النبي عليه السلام أنفق كثيرا في محاولته ~~جلب الماء من جبل عرفات، ولكنه أخفق، والأرض المحيطة بمكة قفر في مجموعها، ولذلك ~~كان المكيون من قديم الزمان يستجلبون الميرة من جهات أخرى، وهذا هو الذي حدا بهاشم ~~زعيم مكة والجد الأكبر للنبي عليه السلام إلى أن يحكم نظام رحلتي الشتاء «إلى ~~اليمن» والصيف «إلى الشام» اللتين ورد ذكرهما في القرآن في سورة قريش، وكان ما ~~تجلبه القوافل من ميرة يوزع مرتين في العام، الأولى في رجب والثانية عند وصول ~~الحجاج، وعدا هذا فقد كان يصل إلى مكة الثمر من بعض المناطق المجاورة، والأعناب من ~~الطائف التي تبعد عنها نحو ستين ميلا، وأهل مكة أغنياء، مصدر غناهم التجارة التي ~~تروج سوقها في موسم الحج. # وسنرجئ الكلام عن الكعبة إلى موضع آخر. # أما المدينة وتعرف أيضا بطيبة، وكانت تعرف قبل هجرة النبي إليها باسم يثرب ~~«ولعل هناك صلة تربط ما بينها وبين مدينة إتريبس المصرية القديمة» فهي تلي في ~~الأهمية مكة، وتبلغ في المساحة نحو نصفها، وهي بيضية الشكل، تحيط بها أسوار بها ~~ثلاثة أبواب، وتقع بين حرتين من حرات جبل السراة، ويصل الماء إليها من قباء التي ~~تقع على بعد ثلاثة أرباع الميل إلى الجنوب منها، وفي فصل المطر تنهمر السيول من ~~الجبال المجاورة إليها ومن أجل ذلك كانت المنطقة المحيطة بها أكثر خصبا من مكة ~~وإلى الشمال منها يقع جبل أحد المشهور. ~~(4-3) تهامة ونجد والعروض ~~(أ) # أما تهامة فإنها سميت تهامة من التهم، وهو شدة الحر وركود ms022 الريح، ~~ويقال لها الغور أيضا لانخفاض أرضها، وهي تطلق على الأرض الممتدة من غرب ~~جبال السراة إلى ساحل البحر الأحمر، وفيها كان يجري طريق القوافل الغربي ~~الذي يمتد متاخما لساحل البحر الأحمر، ومعظم مدنها في الوقت الحاضر ثغور، ~~أهمها جدة التي بناها عثمان بن عفان وهي فرضة مكة، وينبع وهي فرضة ~~المدينة. ~~(ب) # أما نجد فسميت نجدا لارتفاع أرضها، وهي تشمل المنطقة التي تلي الحجاز من ~~الشرق وتمتد إلى الخليج الفارسي، وحدودها ليست معروفة تماما في كتب العرب ~~الجغرافية لكثرة الأقوال وتعدد الآراء وهي ليست قاحلة تماما كما يتصورها ~~معظم الناس، وهي تشتهر بمراعيها الجيدة التي تربى عليها أجود الخيول التي ~~تشتهر بها بلاد العرب. ~~(ج ) # أما العروض وتعرف باليمامة، فسميت عروضا لأنها تعترض ما بين نجد واليمن، ~~وسميت يمامة نسبة إلى اليمامة وهي أشهر بلد فيها، وكانت تسمى أيضا جو وهو ~~الاسم القديم لليمامة، وينتظم هذا القسم عدا اليمامة بلاد البحرين، ويقال ~~لبلاد البحرين أيضا هجر، ويطلق على الجزء الشمالي منها اسم الأحساء، ذكر ~~الأستاذ «هل» الألماني في كتابه حضارة العرب أن بلاد نجد واليمامة كانتا ~~تسدان حاجة العرب من القمح، كما كانتا في القرنين السادس والسابع لا تقلان ~~عن أراضي أوروبا المنزرعة اليوم، بل ربما كانتا تبزانها خصبا في كثير من ~~البقاع. # هذه هي أقسام بلاد العرب في نظر جغرافييهم، وإتماما للفائدة نعرض في الفقرة ~~التالية لبعض التفصيلات الطبوغرافية الهامة التي قد يصادفها كثيرا الباحث في تاريخ ~~العرب. «والطبوغرافية هي فن وصف الأماكن.» ~~(5) بعض تفصيلات طبوغرافية ~~(5-1) بادية الشام # وهي تشمل المنطقة المثلثة الشكل الواقعة فيما يلي خط ~~30 ̊ # من شمال شبه الجزيرة، وهي تتبع من الناحية ~~السياسية شرق الأردن وسوريا والعراق وإن كانت من الناحية الطبيعية تعتبر جزءا من ~~بلاد العرب، وتعرف هذه الصحراء أيضا باسم بادية السماوة، وهي في ناحيتها الغربية ~~صحراء بها حجارة صوانية سوداء تفصل منحدرات مؤاب وإيدوم عن منخفض وادي سرحان الذي ~~يمتد إلى الجنوب الشرقي، والذي تكثر به بحيرات الملح كما يكثر ms023 به النخيل الذي ~~يستغله سكان المنطقة المجاورة، وفي طرف هذا الوادي تقع مدينة الجوف الغنية بنخيلها، ~~وهي تقع في الموضع الأصلي لدومة الجندل. ~~(5-2) النفود الشمالية # وتقع إلى الجنوب من الجوف صحراء النفود الكبرى، ويبلغ طولها من الغرب إلى الشرق ~~نحو 400 ميل ومتوسط عرضها نحو 200 ميل، وهي في الغالب عديمة الماء، وفي الأشتاء ~~الممطرة تكثر بها المراعي فإذا جاء الربيع انتجعها البدو بإبلهم، وتكثر في صحراء ~~النفود الكثبان المرتفعة ذات الرمل الدقيق التي تتحرك مع الريح، وأشهرها الكثبان ~~التي توجد في منطقة الفلج. ~~(5-3) الدهناء # وتختلف عن النفود في أن متوسط عرضها 30 ميلا، وأن طولها يبلغ من الشمال إلى ~~الجنوب 400 ميل، وتكثر بها التلال الرملية التي يبلغ ارتفاع الواحد منها 200 أو 300 ~~قدم، ورمل هذه التلال أحمر وليس فيه أي أثر للنبات، ولا ترى هذه التلال في جنوب ~~الدهناء، وإذا سقطت الأمطار ظهرت المراعي، وعند ذلك يؤمها البدو كحالهم في النفود، ~~وتخترق الدهناء من الشمال في 13 ساعة على الإبل وفي ست ساعات من جهة الأحساء، وذكر ~~مؤلف جزيرة العرب في القرن العشرين أنه قطعها إلى نجد في 3 ساعات بالسيارة، كما ذكر ~~أن بعض الجهات لا ترى فيها غير الرمال المرتفعة التي تكاد تبتلع المارة لنعومتها ~~وعدم تماسكها فيتجنبها المسافرون ابتغاء سلامة أرواحهم وأموالهم. ~~(5-4) الربع الخالي # ويسمى أيضا صحراء الجنوب، هو منطقة لم يطأها قدم مستكشف إلا منذ نيف وعشر ~~سنوات؛ حيث نجح برترام توماس في اختراقها في 58 يوما من بحر العرب إلى الخليج ~~الفارسي، واكتشف في أثناء رحلته بحيرة من الماء الملح طولها سبعة أميال؛ وقد قطعها ~~من بعده «عبد الله فلبي»، ويرجح أنها صحراء ذات حصا وحجارة جيرية، وأنها عامرة ~~بالكثبان الرملية المرتفعة مثل النفود الشمالية والدهناء، وطرفها الجنوبي الغربي ~~يسمى بالأحقاف وهو المنطقة التي يظن أنها تضم آثار عاد البائدة، وتربي قبائل بني ~~مرة وغيرها إبلهم في بعض أطرافها «كجنوبي نجد وأطراف عمان وحضرموت واليمن» حيث تكثر ~~البرك والمستنقعات ms024 الملحة، وتشرب إبلهم الماء الملح بينما يشرب المربون أنفسهم ~~ألبان الإبل. ~~(5-5) الوديان # ذكر الأستاذ حافظ وهبه في كتابه جزيرة العرب في القرن العشرين أنه: # لا يوجد في بلاد العرب أنهار بالمعنى المعروف، ولكن بعض مجار أو نهيرات ~~صغيرة دائمة في عسير واليمن وجهات عدن والأحساء، وعمان ونجد، ووديان لأعداد ~~لها مما تجري فيها المياه إبان المطر، وهي في الغالب طويلة وغير عميقة، ~~وأطول هذه الوديان وادي الرمة الذي يبدأ قريبا من المدينة ويمر في القصيم ~~ثم إلى شط العرب، ووادي حنيفة الذي يبدأ في منحدرات جبل طويق الغربية إلى ~~اتجاه الخليج الفارسي «وهو لا يصل إليه» فهذان الواديان يمكن أن يعبر ~~مجراهما أثناء فيضانهما الواطئ والمتوسط بدون صعوبة، وفي بعض الأماكن كما ~~في القصيم «وادي الرمة» والخرج ووادي حنيفة تعلو المياه سطح الأرض وهنالك ~~تتكون الواحات. # أما الوديان التي تتجه نحو البحر الأحمر، فإنها ذات مجرى أعمق وأكثر ~~انحدارا، وهي تكاد تكون معدومة النفع، وهي عقبة في سبيل المرور من الشمال ~~إلى الجنوب، وهي لا تكون واحات مثل مياه الأودية الأخرى بسبب ما تجلبه ~~المياه في انحدارها من الأتربة وغيرها مما يتراكم بعضه فوق بعض بسرعة، بحيث ~~لا تستطيع حرارة الشمس أن تؤثر في صلابته، ووديان غربي اليمن ومنطقة قسم ~~البحر الأحمر من هذا النوع من مدين إلى حضرموت. ~~(5-6) الجبال # يرد في الأدب العربي وفي كتب التاريخ ذكر الكثير من جبال بلاد العرب نذكر بعضها ~~فيما يلي: ~~(1) # جبل شمر: وهو إلى جنوبي النفود الشمالية، وتنحدر إليه المياه من جبلي ~~طي الشهيرين «أجا وسلمى» اللذين يمتدان من الجنوب الغربي إلى الشمال ~~الشرقي، ويبلغ ارتفاع جبل أجا أكثر من 5000 قدم. ~~(2) # الجبل الخضر: وهو أعلى جبال الهضبة التي تقع في نهاية الجنوب ~~الشرقي. ~~(3) # جبل طويق: ويقع في الوسط الشرقي ويبلغ ارتفاعه 600 قدم. ~~(4) # جبل السراة أو بالحرى سلسلة جبال السراة: وهي تمتد من الشمال إلى ~~الجنوب على مقربة من الساحل الشرقي حيث بلاد الحجاز، وليست السراة ~~جبالا مصمتة بل تتخللها ms025 عدة منخفضات تصل ما بين الشرق والغرب، والسراة ~~كثيرة الحرار «وهي الحجارة النخرة السوداء وتكثر في المناطق الغربية ~~والوسطى من شبه الجزيرة وتمتد حتى تصل إلى حوران الشرقية» وتقع المدينة ~~بين حرتين، وخيبر إحدى الحرات، وإلى إحدى هذه الحرات وهي حرة واقم التي ~~تقع إلى الشرق من المدينة المشهورة تنسب واقعة الحرة المشهورة. ~~(5) # جبال مكة وهي مشهورة: أهمها جبل أبي قبيس في جنوبها، وجبل قينقاع في ~~غربها، وجبل حراء ويشرف على مكة من الشرق، وفيه كان يتعبد رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وجبل ثور ويشرف عليها من الجنوب، وفيه الغار الذي اختفى فيه ~~عليه السلام ومعه أبو بكر. ~~(6) # جبل رضوى: وهو جبل بين المدينة والبحر الأحمر. ~~(5-7) طرق القوافل # وتسمى المحاج، واحدتها محجة، والجواد، واحدتها جادة، كان يتخذها جغرافيو ~~العرب أساسا لتحديد مواضع البلدان فيقولون: البلدة الفلانية على جادة البصرة أو ~~الكوفة، وقد فصل هذا الجواد الهمداني في كتابه «صفة جزيرة العرب» وبين منازلها وما ~~بين كل منزلتين من الأميال، كما أوضحها أيضا ابن خرداذبة في كتابه «المسالك ~~والممالك». # وذكر الدكتور هيكل باشا في كتابه «حياة محمد» أن «شبه الجزيرة كانت تموج بطرق ~~القوافل، على أن طريقين منها كانا رئيسيين، فأما أحدهما فيتاخم الخليج الفارسي ~~ويتاخم دجلة ويقتحم بادية الشام إلى فلسطين، ويصح لمجاورته لحدود البلاد الشرقية أن ~~يسمى طريق الشرق. # وأما الآخر فيتاخم البحر الأحمر، ويصح لذلك أن يسمى طريق الغرب، وعن هذين ~~الطريقين كانت تنقل مصنوعات الغرب إلى الشرق ومتاجر الشرق إلى الغرب، وكانت تجلب ~~إلى البلاد أسباب الرخاء والرفاهية.» # وتتخلل شبه الجزيرة طرق قوافل مستعرضة، تمتد في الغالب من الجنوب الغربي إلى ~~الشمال الشرقي، متجنبة المناطق الصحراوية، ومتتبعة الوديان الجافة، أو الواحات ~~الوسطى. ~~(6) جيولوجية بلاد العرب # يشبه التكوين الجيولوجي لبلاد العرب إلى حد كبير التكوين الجيولوجي لبلاد مصر، وأقدم ~~الصخور فيها من الجرانيت وصخر الشيست، وتغطي هذه الصخور طبقات رسوبية، تبدأ من الخرسان ~~«الحجر الرملي» النوبي عند بطرة، وتمتد إلى الجوف فالحجاز في الجنوب. # وتوجد طبقات ms026 رسوبية أحدث من هذه عند وادي سرحان، وأطراف الصحراء التي تكتنف العراق، ~~ويظهر الجرانيت عند جبل شمر في نجد وفي المرتفعات الغربية، والمخاريط البركانية عديدة، ~~ولقد روى التاريخ حدوث انفجار بركاني في سنة 1256 ميلادية بالقرب من المدينة، ويتكون ~~الشطر الأكبر من جنوب بلاد العرب من صخور كلسية ترجع إلى العصر الجيولوجي الثالث ~~«الكاينزوي»، وعند عدن نجد بركانا خامدا، كما نرى بجوار مضيق باب المندب بعض الصخور ~~البركانية وانثناء الطبقات الرسوبية في بلاد العرب لطيف، ولكن العيوب الجيولوجية في ~~الطبقات كثيرة الحدوث وخليج العقبة مثال واضح من هذه العيوب، أما منخفض البحر الأحمر ~~فتكتنفه العيوب الجيولوجية على طوال شاطئيه، ولا يفوتنا هنا الإشارة إلى الينابيع ~~الحارة التي تكثر في منطقة الأحساء، ولا الينابيع العميقة في الخرج والأفلاج. ~~(7) مناخ بلاد العرب # إذا نظرنا إلى بلاد العرب على اعتبار أنها قريبة من خط الاستواء، وأنها إقليم قاحل، ~~فإننا نعدها من الأقاليم الحارة في العالم، ولكن حرارتها مع ذلك لا تقارن بحرارة بعض ~~البلاد الأخرى كصحراء السند وبلاد العراق، وقد سجلت أقصى درجات الحرارة في نجد، فوجد ~~أنها لا تزيد عن 112 ~~° # فارنهيت «نحو ~~45 ~~° # مئوية»، ووجد أن أدنى درجة حرارة هي ~~18 ~~° # فارنهيت وهي دون درجة التجمد، وقد سجلها في الحائل ~~أحد العلماء سنة 1893، وتمتاز الأقاليم الوسطى بمناخ صحي بسبب جفاف الجو، وبخاصة عندما ~~يهب نسيم الشمال المنعش، ولكن حرارة الجو تزداد عندما تهب رياح من الجنوب، والجو عند ~~السواحل على وجه العموم أقل حرارة منه في قلب الجزيرة؛ إذ لا يزيد متوسط درجة الحرارة ~~عن 95 ~~° # فارنهيت، وتتمتع عمان بجو معتدل لا تطرف فيه، ولكن ~~منطقة مدين تشتد فيها البرودة في الشتاء لدرجة يسقط معها البرد. # وإذا استثنينا بلاد اليمن التي تقع في منطقة الرياح الموسمية، والتي تنزل أمطارها في ~~شهور الصيف، وبلاد عمان التي يسقط فيها المطر «وفي بعض الأحيان البرد» أمكننا أن نقرر ~~أن بلاد العرب بلاد عديمة الأمطار أو قليلتها، ولا يتجاوز ما يسقط من المطر في عدن ms027 وعلى ~~ساحل البحر الأحمر في العام 3 بوصات، وإذا أمطرت السماء في هذه الجهات أمطرت وابلا، ~~ولكنه لا يستمر إلا بضع ساعات، وينزل بعض المطر في قلب الجزيرة وفي المناطق الواقعة إلى ~~الغرب منه في فصل الشتاء، كما تمطر السماء قليلا على هذه الجهات في شهر أغسطس أو ~~سبتمبر، وتقاسي مساحات شاسعة في بلاد العرب وبخاصة في الغرب والجنوب من الجفاف، ولكن ما ~~ينزل من الأمطار على وجه العموم يكفي لأن يجعل الصحراء تزدهر في فصل الربيع، ويساعد ~~الواحات على إنتاج شيء من الزرع، وحظ جبال الحجاز وافر في الغالب من الأمطار، وتمتاز ~~الطائف بأنها تقع عند المرحلة النهائية التي تصل إليها الرياح الموسمية في سيرها ~~شمالا. # وأما الصحراء الجنوبية فربما لا يصيبها الرذاذ ساعة واحدة كل ثلاث أو أربع ~~سنوات. # أما بلاد حضرموت فلا تسقط فيها أمطار؛ لأن شواطئها توازي الرياح الموسمية في هبوبها، ~~والرياح السائدة في شمال بلاد العرب إما شرقية أو غربية، وتحمل الأخيرة منها الأمطار من ~~ناحية البحر الأبيض المتوسط وتجتاز بها فلسطين، وفيما عدا هذه المنطقة تتبادل الرياح ~~الشمالية والرياح الجنوبية الهبوب على بلاد العرب، فأما الجنوبية فتحمل ما تحمل من ~~أمطار في الشتاء، كما تحمل لفحات الحر في الصيف، وأما الشمالية فإنها في الغالب تلطف ~~الجو. ~~(8) نبات بلاد العرب # دلت الأبحاث العلمية التي قام بها علماء النبات في جهات متعددة من بلاد العرب، على أن ~~نباتات بلاد العرب تمت بصلة إلى نباتات أفريقيا أكثر من صلتها بنباتات آسيا ~~الجنوبية. # تنبت في هذه البلاد أنواع مختلفة من التين والتمر الهندي والخرنوب، كما تكثر غابات ~~العرعر في بلاد اليمن وعسير ومدين. # ويزدهر نخيل البلح ازدهارا في كل مكان، وينتج أنواعا من أحسن أنواع البلح في ~~العالم، وتعتبر النخلة ملكة الأشجار العربية، وقد ذكر كتاب العرب القدامى أكثر من 100 ~~صنف من البلح، وتنمو أشجار الأثل في كثير من المناطق الصحراوية، كما تغرس في بعض ~~الأحيان على شكل أسوار حول المزارع لتمنع طغيان الرمال المتحركة من اتلاف ms028 الزرع، وفي ~~معظم الواحات تزرع الأعناب والخوخ والبرقوق والرمان والتين. # ويزرع البرتقال والسفرجل في المناطق المرتفعة، والموز في بعض الوديان الصالحة نحو ~~الجنوب. # ومن الحبوب تزرع أنواع عدة أهمها القمح والشعير والذرة والدخن، وفي بعض أقاليم الحجاز ~~يزرع البطيخ، كما يزرع بكثرة في جهات عدة الفجل والخيار والبصل، وتشتهر الطائف وغيرها ~~من الجهات المرتفعة بزراعة الورد الذي يستخرج منه عطر الورد بكميات محدودة، كما تزرع ~~بعض الأزهار ذات الروائح الزكية كالياسمين لنفس الغرض. # أما البن فيقال إنه أدخلت زراعته إلى اليمن من بلاد الحبشة حوالي القرن الرابع عشر ~~الميلادي، وإن زراعته صادفت نجاحا باهرا في سفوح بلاد اليمن وعسير التي يتراوح ~~ارتفاعها بين 4000-7000 قدم، والتي تواجه البحر، وتزرع أشجاره في صفوف الواحد منها تلو ~~الآخر، وهي تروى مرتين كل شهر، وتثمر بعد مدة تتراوح بين عامين وأربعة أعوام، ثم يجفف ~~الثمر في الشمس ويرسل بعد ذلك حبوبا إلى الحديدة وعدن، حيث يصدر منهما بكميات هائلة، ~~ويصنع من قشره المتخلف بعد تجفيفه شراب يسمي القشير، يشربه الناس في اليمن وجنوب نجد، ~~وتكثر زراعة التبغ في حضرموت، وتكثر أشجار الصمغ العربي في الصحراء، ويستخرج المر على ~~مقربة من صنعاء في اليمن. # ولا تزال شجرة البخور التي كانت أهم سلعة في الحياة التجارية الأولى لبلاد العرب ~~الجنوبية، تزرع على المرتفعات الموازية للساحل الجنوبي، وخاصة في مهرة والشجر. ~~(9) حيوان بلاد العرب # أشهر أنواع الحيوان البري الأسد والفهد والنمر، والضبع والثعلب والذئب، وابن آوى ~~والوعل واليربوع، وبقر الوحش وحمار الوحش والخنزير، والأرنب والغزلان والظباء. # ومن الحيوان المستأنس الإبل والخيل والشاء، والماعز والحمير والبقر والجاموس، والبغال ~~والقردة والنسانيس والكلاب. # وفي بلاد العرب من الطيور النعام والقطا والحجل والكروان، والغراب والبجع والرخم، ~~والهدهد والنسر والحدأة. # ومن حشراتها السامة الثعبان والعقرب والرتيلاء «أبو شيت». # وخيل نجد من أجود أنواع الخيل في العالم، ولكن الاعتماد عليها أصبح الآن ضعيفا بسبب ~~استعمال البنادق، وبسبب انصراف التجار في سوق الخيل ببمباي عن شرائها وكانوا من أكبر ~~عملاء نجد، وكان اقتناء ms029 الخيول من الكماليات، وكان العرب يعتمدون عليها في غزوهم بسبب ~~سرعتها. # وأهم الحيوانات المستأنسة في بلاد العرب الجمل؛ والجمل العربي ذو سنام واحد وهو - على ~~حد تعبير دائرة المعارف البريطانية - أكثر أرستقراطية من جيرانه إبل الممالك المجاورة؛ ~~وأحسن الإبل العربية هو الذي يقوم بتربيته بنو مرة على حافة الربع الخالي، والجمل المري ~~- شأن غيره من الإبل النبيلة - شديد الاحتمال كثير الصبر على الجوع والعطش لمدة طويلة، ~~رغم سرعته في السفر، ولكنه لا يخمل أكثر من 300 رطل ولا يقطع في السير المستمر أكثر من ~~ثمانية أميال في الساعة، والإبل الأصيلة تصبر على العطش في الصيف ثلاثة أو أربعة أيام، ~~إذا كانت تقطع في اليوم الواحد 25 ميلا، أما في فصل الربيع حين تزدهر المراعي فإنها ~~تصبر على العطش شهرا. # ولقد كان الجمل من العوامل التي سهلت الفتوح الإسلامية الأولى، ولقد صدق الخليفة عمر ~~حين قال : «لا يصلح العرب إلا حيث تصلح إبلهم.» # الفصل الثالث # | الشعب العربي # (1) أقسام العرب # يكاد ينعقد الإجماع بين جمهور المؤرخين على إرجاع الشعوب العربية إلى ثلاثة أقسام ~~كبرى، يسميها بعض المؤرخين طبقات هي: ~~(1) # العرب البائدة. ~~(2) # العرب العاربة. ~~(3) # العرب المستعربة. # ويقتصر بعض المؤرخين على تقسيمهم إلى قسمين فقط: ~~(1) # عرب بائدة؛ وهي التي هلكت واندثرت أخبارها قبل الإسلام. ~~(2) # وعرب باقية؛ وهي التي ينتسب إليها العرب الذين عاشوا بعد الإسلام والذين ~~يكونون الشعب العربي الحالي. # وأصحاب هذا التقسيم الثاني يعودون فيرجعون العرب الباقية إلى فرعين ~~عظيمين: ~~(1) # عرب عاربة أو عرباء أو قحطانية أو عرب الجنوب التي سكنت اليمن، والتي ~~يرجع مؤرخو العرب نسبها إلى يعرب بن قحطان بن عابر من سلالة سام بن نوح ~~عليه السلام. ~~(2) # وعرب مستعربة أو متعربة أو عدنانية أو عرب الشمال، وهي التي سكنت الحجاز ~~في عصر متأخر عن عصر سكنى القحطانية اليمن، ويرجع مؤرخو العرب نسبها إلى ~~معد بن عدنان من سلالة إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام. # وظاهر أن الخلاف في التقسيمين شكلي بحت؛ لأن النتيجة في الحالين واحدة. # ولكن جمهرة المؤرخين المستشرقين يتبعون ms030 في كتابتهم التقسيم الثاني، ويعتقدون أن ما ~~يسمى بالعرب البائدة ليس من التاريخ الحقيقي في شيء، إنما هو جزء من الميثولوجيا ~~العربية أو التاريخ الأسطوري، الذي يسبق عادة التاريخ الحقيقي لكل أمة، وهم إذا عالجوا ~~بعض قبائل العرب البائدة في كتبهم فإنما يعالجونها على هذا الأساس فحسب. # وقد ذكر مؤرخو العرب أسماء كثير من قبائل العرب البائدة مثل طسم وجديس وأميم وعبيل ~~وعمليق وجرهم وجاسم ووبار، ورووا عن بعضها قصصا هي أشد شبها بالخرافات منها بالتاريخ ~~الحقيقي. # وانفرد القرآن الكريم بذكر قبيلة عاد، التي كانت تسكن الأحقاف في الجنوب، وذكر نبيها ~~هودا عليه السلام، وكذلك ذكر قبيلة ثمود التي كانت تسكن الحجر في الشمال، وذكر نبيهم ~~صالحا عليه السلام، وذكرتها أيضا المراجع اليونانية. # وأماطت الكشوف الحديثة التي نمت في أواخر القرن الماضي اللثام عن وجود دولة لم يعرف ~~مؤرخو العرب عنها شيئا، ولم يذكروها بتاتا في كتبهم وإن كان قد أشار إليها بعض مؤرخي ~~اليونان والرومان إشارات ليس فيها غناء ونقصد بها دولة معين، التي سبقت حضارتها دولة ~~سبأ القحطانية. # والمؤرخون جميعا، القدامى منهم والمحدثون، يجمعون على إرجاع العرب إلى أم واحدة هي ~~السامية، بل ويرون كما بينا في فقرة [موطن الجنس السامي الأول وهل هو بلاد العرب] أن ~~بلاد العرب نفسها كانت المهد الأول للجنس السامي. # وسيعالج هذا الكتاب تاريخ الشعب العربي متبعا إلى حد كبير، وفي شيء من التحفظ، ~~التقسيم الثاني الذي وضعه مؤرخو العرب، والذي أشرنا إليه في صدر هذه الفقرة لأسباب ~~ستتبينها في ثنايا الكلام عن كل قسم. ~~(1-1) العرب البائدة # لم تتعرض التوراة لذكر عاد وثمود وطسم وجديس وغيرها من قبائل العرب البائدة ما ~~عدا عمليق، فقد وردت الإشارة إليهم في بعض أسفار التوراة كسفر التكوين والخروج ~~والمزامير وغيرها، على أنهم كانوا من أعداء بني إسرائيل. # أما عاد وثمود فقد انفرد القرآن الكريم بذكرهما، ولما كانت الكشوف الحديثة قد ~~أيدت بعض ما جاء في القرآن عن ثمود ومساكنهم، كما أن كثيرا من العلماء يرجحون أن ms031 ~~تحت كثبان الرمل في الأحقاف والمنطقة المجاورة، آثارا لم تكشف بعد لأن هذه ~~المنطقة كانت خصبة، بسبب ما كان يصلها من الأمطار الموسمية؛ وإذا فلا سبيل إلى ~~إنكار وجودها كما يفعل بعض المستشرقين. # أما طسم وجديس وبعض القبائل البائدة الأخرى، فنحن لا نستطيع أن نتعرض لإثبات ~~وجودها أو نفيه، ما دامت المراجع التي بأيدينا لا ترجح إحدى الكفتين، وإن كنا نميل ~~الميل كله إلى أن ما كتب عنها لا يعدو أن يكون جزءا من التاريخ الأسطوري لبلاد ~~العرب. # ويجمل أن نشير هنا إلى أن لفظ «بائدة» أطلق عليها عند تدوين التاريخ بعد الفتح ~~الإسلامي وعدم وجود أحد من العرب ينتسب إليها. # عاد # انفرد القرآن الكريم بذكر عاد ونبيهم هود عليه السلام، فورد ذكرهما عدة مرات ~~في السور الآتية: ~~(1) # الأعراف 7، آية 65-72. ~~(2) # هود 11، آية 50-60. ~~(3) # المؤمنين 23، آية 31-42. ~~(4) # الشعراء 26، آية 123-140. ~~(5) # فصلت 41، آية 85-86. ~~(6) # الأحقاف 46، آية 21-26. ~~(7) # القمر 54، آية 18-21. ~~(8) # الحاقة 69، آية 6-8. ~~(9) # الفجر 89، آية 6-8. # وتدل هذه الآيات القرآنية على أن قوم هود استكبروا في الأرض بغير الحق، ~~واعتزوا بقوتهم، فأرسل الله إليهم رسله لينهوهم عن عبادة الأوثان، وينذروهم ~~عذاب يوم عظيم، وكان آخر من أرسل إليهم هودا عليه السلام، فكذبوه فعاقبهم الله ~~تعالى بأن أرسل عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر، سخرها عليهم سبع ليال ~~وثمانية أيام حسوما، فأبادتهم فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم. # وكانت هذه القبيلة تسكن أرض الأحقاف، التي تقع إلى الشمال الشرقي من حضرموت ~~في جنوب الربع الخالي. # ولا نستطيع أن نحدد - لا بالضبط ولا على وجه التقريب - الزمن الذي عاشت فيه ~~عاد، ولا الوقت الذي بادوا فيه؛ إذ يرى فريق من المؤرخين أنهم بادوا بعد بناء ~~إبراهيم للبيت، بينما يرى آخرون غير ذلك، وفي رأينا أن كل تحديد لا يعدو أن ~~يكون حدسا وتخمينا غير مبني على أساس علمي. # ولم يكشف النقابون عن شيء من أخبارهم، وغاية ما ذكروه أنهم عثروا في ~~الأحقاف على مقابر محفورة في الصخور التي تراكمت عليها طبقة كثيفة من ms032 الرمال، ~~وليس في هذا كبير غناء كما ترى (راجع الرحلة الحجازية للبتنوني) وطبيعي أن ~~هودا وفريقا ممن آمن به أفلتوا من الدمار، ويقول مؤرخو العرب: إنهم هم الذين ~~يسمون بعاد الثانية، وإنهم أسسوا دولة جديدة، يختلفون في مقرها، هل كانت باليمن ~~أم كانت بمكة؟ (راجع الجزء الأول من تاريخ الطبري وابن الأثير)، أما هود ~~فيقولون: إنه عاد إلى حضرموت ثم مات هناك، ولا تزال قرية من قرى حضرموت إلى ~~الوقت الحاضر تسمى قبر هود. # ولقد أسرف فريق من المؤرخين والمفسرين في الاستنتاج مما ورد في بعض آي القرآن ~~الكريم، ومن أمثلة ذلك أن فريقا من المفسرين والمؤرخين اعتمد على قوله تعالى ~~في سورة الأعراف الآية 69: # واذكروا إذ جعلكم ~~خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بسطة ~~فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون # فنسب إلى عاد ~~أنهم كانوا في هيئات النخل طولا، وكانوا في اتصال الأعمار وطولها بحسب ذلك من ~~القدر، إلخ. # وفي هذا تحميل للآية الكريمة أكثر مما تحتمل، يشبه ما كانت توصف به فراعنة ~~مصر من الضخامة والطول مما كذبه الواقع بعد كشف مومياتهم، ولا نعدو الحقيقة إذا ~~قلنا: إن قوم هود كانوا يتميزون بضخامة لا تزيد على ما يتميز به بعض الأفراد ~~والعشائر بيننا الآن من بسطة في الخلق. # والآن وقد أبنا ما يمكن أن يستخلص في حدود النصوص القرآنية من تاريخ عاد يجمل ~~بنا أن نذكر بعض ما ورد في كتب المؤرخين المسلمين عن هذه القبيلة مما حدا ببعض ~~المستشرقين إلى اعتبار تاريخها من الميثولوجيا. ~~(أ) عاد في كتب العرب # ورد في الجزء الأول من كتاب «مروج الذهب للمسعودي»: «أن عادا كان رجلا ~~جبارا عظيم الخلقة وهو عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح، وكان عاد يعبد القمر، ~~وذكروا أنه رأى من صلبه أربعة آلاف ولد، وأنه تزوج ألف امرأة وعاش ألف سنة ~~ومائتي سنة ثم مات، وكان الملك بعده في الأكبر من ولده وهو شديد بن عاد وكان ~~ملكه 850 سنة وقيل غير ذلك، ms033 ثم ملك أخو شداد بن عاد وكان ملكه 950 سنة، ويقال ~~إنه احتوى على سائر ممالك العالم وهو الذي بنى مدينة إرم ذات العماد ... ~~إلخ.» # ومدينة إرم ذات العماد هذه تحتل مكانا، أسرف خيال مؤرخي العرب فيه إسرافا ~~شديدا، فلقد روى ياقوت والمسعودي وغيرهما أن هذه المدينة بناها شداد بن عاد، ~~لينافس بها قصور الذهب والفضة في الجنة التي تجري من تحتها الأنهار، وقالوا إنه ~~كتب إلى عماله أن يجمعوا ما في أرضهم من الذهب والفضة والدر والياقوت والمسك ~~والعنبر والزعفران فتوجهوا به إليه، ثم استخرج غواصوه الجواهر فجمعوا أمثال ~~الجبال، وأنه أمر بالذهب فضرب أمثال اللبن، ثم بنى - بذلك اللبن من الذهب وبلبن ~~مثله من الفضة - المدينة، وفصص حيطانها بالدر والياقوت والزبرجد، ثم جعل لها ~~غرفا من فوقها غرف، تعتمد على أساطين من الزبرجد والياقوت، ثم أجرى تحت ~~المدينة واديا طليت حافته بالذهب الأحمر، وجعل حصاه أنواع الجوهر، وبنى ~~بالمدينة 300 ألف قصر، وجعل على بابها مصراعين من ذهب مفصصين بأنواع اليواقيت، ~~وجعل ارتفاع البيوت في المدينة 300 ذراع، وبنى خارج السور كما يدور 300 ألف ~~منظرة بلبن الذهب لينزلها جنوده ومكث في بنائها 500 عام. # ويذكر بعض المؤرخين مبالغات تشبه هذه في مصير المدينة، فمنهم من يذكر أنها ~~بعد أن تم بناؤها لم يسكنها عاد؛ لأنها طارت في السماء، وأن بعض الناس يلمحونها ~~وهي طائرة، ومنهم من يقول: إنها لا يراها إلا من شاء الله له ذلك، ويروون أن ~~رجلا يسمى عبد الله بن قلابة رآها في أيام معاوية بن أبي سفيان، وأن معاوية ~~استدعاه ليعرف جلية الخبر، فأخبره أنه بينما كان يبحث في الصحراء عن بعير ضل ~~منه، إذا به يجد نفسه فجأة أمام باب المدينة، وأنه دخلها فوجدها خاوية على ~~عروشها، فأخذه الذعر فخرج، ولم يحتمل منها إلا بعض الحجارة الصغيرة التي أراها ~~للخليفة. # ويرى الأستاذ جرجي زيدان في كتابه «تاريخ العرب قبل الإسلام» أن عادا من ~~الأمم الآرامية؛ ولذلك سميت عاد إرم كما سميت ثمود ms034 إرم، وأنها ليست مدينة، وأن ~~الظن بأنها مدينة هو الذي جعل المؤرخين يبالغون في وصفها هذه المبالغات. # ثمود # ثمود هم قوم صالح عليه السلام وقد ورد ذكرها في القرآن عدة مرات في السور ~~الآتية: ~~(1) # الأعراف 7، آية 73-79. ~~(2) # هود 11، آية 61-68. ~~(3) # الحجر 15، آية 80-84. ~~(4) # الشعراء 26، آية 141-159. ~~(5) # النحل 21، آية 45-53. ~~(6) # فصلت 41، آية 17-18. ~~(7) # الذاريات 51، آية 43-45. ~~(8) # النجم 53، آية 50-51. ~~(9) # القمر 54، آية 23-32. ~~(10) # الحاقة 69، آية 4-5. ~~(11) # الشمس 91، آية 11-15. # ويؤخذ من هذه الآيات أن زمن صالح عليه السلام كان بعد زمن هود عليه السلام، ~~وقوم ثمود كانوا يعبدون إلها غير الله، وكانوا يعيثون في الأرض مفسدين، وكانوا ~~ينحتون من الجبال بيوتا، وأن مساكنهم كانت بالحجر، وأنهم كذبوا الرسل، فأرسل ~~الله إليهم أخاهم صالحا فنصح لهم ودعاهم إلى عبادة الله، وترك ما يعبد آباؤهم ~~فكذبوه واتهموه بالسحر، وطلبوا إليه أن يجيء بآية إن كان من الصادقين، فقال ~~لهم: هذه ناقة الله لكم آية وطلب إليهم أن يذروها تأكل في أرض الله ولا يمسوها ~~بسوء فيأخذهم عذاب يوم عظيم، فكذبوه فعقروها، فأخذتهم بعد ثلاثة أيام الصيحة أو ~~الرجفة أو الصاعقة، فأصبحوا في ديارهم جاثمين ونجى الله صالحا والذين آمنوا ~~معه وكانوا يتقون. # هذا هو ملخص قصة ثمود كما وردت في القرآن الكريم، ويضيف إليها كثير من ~~المفسرين والمؤرخين أخبارا تتعلق بمصير الذين آمنوا مع صالح، ففريق يزعم أنهم ~~سكنوا فلسطين، وآخرون يقولون: بل سكنوا مكة، وغيرهم يقول: إنهم سكنوا حضرموت، ~~ويزعمون أن قبر صالح هناك. # ويرى فريق من المؤرخين المحدثين أن ثمود هم شرذمة من الهكسوس، الذين طردهم ~~أحمس الأول من مصر، وأنهم سكنوا منطقة الحجر، وأنهم نحتوا من الجبال بيوتا على ~~غرار المقابر المصرية القديمة، التي شاهدوها أثناء احتلالهم لمصر. # والمتفقد لمساكنهم الآن في مدائن صالح «إحدى محطات السكة الحديدية الحجازية» ~~يرى أنها في مساحتها لا تختلف عن المساكن العادية، وعلى ذلك يكون ما نسب إلى ~~ثمود من ضخامة الأجسام وطولها ليس إلا حديث خرافة، ولقد مر النبي # صلى الله عليه وسلم # بها ms035 ~~في غزوته لتبوك في السنة التاسعة للهجرة ومنع المسلمين من الدخول إلى ديار ثمود ~~والشرب من مياههم. # ويروي بعض المؤرخين أن ثمود نشئوا في اليمن، ثم غلبهم الحميريون فأجلوهم إلى ~~الشمال فسكنوا منطقة الحجر. # ولا شك أن تكون قبيلة ثمود هذه هي ثموديني # Thamudini # التي ذكرها استرابون وبطليموس عند كلامهم عن قبائل ~~العرب. # أما النسابون من العرب فيقولون: إن هودا هو ابن جائر بن إرم بن سام بن نوح ~~عليه السلام. # وتكاد تجمع المصادر أن نبيهم صالحا أرسل إليهم في الفترة ما بين هود ~~وإبراهيم، ولكنا - على الرغم من ذلك - لا نستطيع أن نجزم في أي عصر ~~عاشوا. ~~(أ) ثمود والكشوف الحديثة # زار أكثر من واحد من المستشرقين آثار ثمود وكتبوا عنها، وكان أهم ما عثروا ~~عليه من الآثار هو ما يعرف بقصر البنت وقبر الباشا والقلعة والبرج. # أما النقوش التي شاهدوها على هذه الآثار فمعظمها بالخط الآرامي وبعضها ~~بالمسند، ولغتها هي العربية الشمالية التي لا تختلف - إلا في قليل - عن العربية ~~الفصحى المعروفة، وهي تتضمن عبارات دينية، مما ينقش عادة على قبور كثير من ~~الأمم، وهي ليست - في حد ذاتها - كبيرة الفائدة من الناحية التاريخية، ولكنا ~~نستطيع أن نستنتج منها أن بعض العلاقات ربطت ما بين ثمود ودولة الأنباط، التي ~~كانت عاصمتها مدينة بطره في الشمال. # ونحن نثبت هنا - نقلا عن «تاريخ العرب قبل الإسلام» للأستاذ جرجي زيدان - ~~ترجمة عهد كتبه على قبره رجل اسمه عائذ بن كهيل: # هذا القبر الذي بناه عائذ بن كهيل بن القيس لنفسه وأولاده وأعقابه، ~~ولمن يكون في يده كتاب من يد عائذ يبيح له ولأي واحد يخوله عائذ في ~~حياته أن يدفن فيه، في شهر أبريل في السنة التاسعة للحارث ملك الأنباط ~~محب شعبه «وذلك حوالي سنة 18م» ولعن ذو الشرى ومناة وقيس كل من يبيع ~~هذا القبر أو يشتريه أو يرهنه أو يهبه أو يؤجره أو ينقش عليه شيئا ~~آخر، أو يدفن فيه أحدا إلا الذين كتبت أسماؤهم أعلاه ... ا.ه. # أقصوصة طسم ms036 وجديس # طسم وجديس ابنا عم، يصعد النسابون نسبهما إلى سام بن نوح عليه السلام، أما ~~موطنهما فقد حدد له المؤرخون منطقة اليمامة، وكانت تسمى فيما مضى جو، ويدل سياق ~~الأقصوصة على أن الغلبة كانت لطسم، فكان منها الحكام والسادة، وحدث أن ولى ملك ~~من طسم اختلف القصاص في اسمه؛ فبعضهم يسميه عملوق، وآخرون عملاق، وغيرهم عمليق، ~~وكان عملوق هذا فاجرا ظالما سيئ السيرة، وكان يستذل جديسا وينتهك أعراضها، ~~ويسوقون تدليلا على شناعة فعاله أن امرأة من جديس خاصمت زوجها إلى عملوق هذا، ~~تريد أن تأخذ ابنها منه ويريد هو أن يحتفظ بالغلام، فكان حكم عملوق أن يرسل ~~الغلام مع عبيده، وأن تباع المرأة والرجل فيأخذ الرجل خمس ثمن المرأة وتأخذ ~~المرأة عشر ثمن الرجل وفي هذا قالت المرأة واسمها هزيلة: # أتينا أخا طسم ليحكم بيننا # فأصدر حكما في هزيلة ظالما # لعمري لقد حكمت لا متورعا # ولا فهما عند الخصومة عالما # ندمت فلم أقدر على متزحزح # وأصبح زوجي مائر الرأي نادما # واتصل بعملوق ما قالته هزيلة فغضب وأصدر أمرا بأن لا تزف بكر إلى زوجها حتى ~~تحمل إليه أولا فيفترعها، فلقوا من ذلك بلاء وجهدا وذلا، ولم يزل يفعل ~~ذلك حتى حدث أن امرأة من جديس تسمى عفيرة خطبت إلى زوج من قومها، فلما حان ~~موعد زفافها إلى بعلها حملها العبيد ليزفوها إلى عملوق قبله، وتكلموا في ذلك ~~كلاما لمس عزتها، وخرجت المرأة من فراش عملوق ودمها يسيل وقد شقت ثوبها من خلف ~~ومن قدام وأخذت تنشد: # لا أحد أذل من جديس # أهكذا يفعل بالعروس # ثم أبت أن تمضي إلى زوجها وقالت تحرض قومها: # أيصلح ما يؤتى إلى فتياتكم # وأنتم رجال فيكمو عدد النمل # أيصلح تمشي في الدماء عفيرة # صبيحة زفت في النساء إلى البعل # من قصيدة طويلة منها: # فلو أننا كنا الرجال وكنتمو # نساء لكنا لا نقر على الذل # وإن أنتمو لم تغضبوا بعد هذه # فكونوا نساء لا تفروا من الكحل ~~... إلخ. # وكان أخو عفيرة من سادة قومه وأصحاب الرأي ms037 فيهم، فتحركت نخوته، كما أحس ~~المذلة قوم جديس، فاغتنم هو فرصة انفعال القوم واستشعارهم الذل، فقال لهم: هل ~~لكم أن تتبعوا رأيي أرحكم من هذا الغشوم وطغيانه. فقالوا له: لم تعد لنا ~~طاقة على احتمال هذا الهوان، فمرنا نفعل ما تريد، فاقترح عليهم أن يدفنوا ~~سيوفهم تحت الرمل، وأن يتظاهروا بالولاء والإكبار للملك، وأن يدعوه هو ورجال ~~حاشيته إلى مأدبة في العراء، فوافقوا على ذلك، وتمت دعوة الملك، وبينما هم في ~~وسط الطعام والشراب إذا بجديس تخرج السيوف من تحت الرمال فتجندل الملك وتقتله ~~شر قتلة هو ورجال حاشيته، ثم يعمد القوم إلى الفتك برجال طسم، حتى كادوا أن ~~يفنوهم جميعا، ويفلت من طسم رجل يفر إلى ملك اليمن - ويقولون: إنه حسان بن تبع ~~- فيستنصره على جديس، ويستمع ملك اليمن إلى هذا الطسمي، فيسير معه في جند كثيف ~~إلى جديس، حتى إذا ما أصبح القوم على بعد ثلاثة أيام من اليمامة مقر طسم، إذا ~~بهذا الطسمي يخبر ملك اليمن أن له أختا في جديس ترى على مسيرة ثلاثة أيام، ~~وأنه يخشى أن تراهم فتحذر القوم، ثم يقترح على الملك أن يحمل كل جندي فرعا من ~~شجرة كبيرة يستتر وراءها، حتى يستطيعوا أن يفاجئوا جديسا قبل أن يتحوطوا ~~للقائهم. # وتتطلع زرقاء اليمامة - وهي أخت ذلك الطسمي - إلى ناحية الجنوب الغربي فترى ~~شجرا يتحرك، ومن وراء ذلك الشجر جنودا تحمل سلاحا، ومنهم من يتعرق كتفا أو ~~يخصف نعلا أو يخيط ثوبا، فأنذرت قومها وحذرتهم جند اليمن، فسألوها عن الخبر، ~~فقالت: # إني أرى شجرا من تحته بشر # فكيف تجتمع الأشجار والبشر # ثوروا بأجمعكم في وجه أولهم # فإن ذلك منكم - فاعلموا - ظفر # فلم يصدقوها واعتبروا كلامها حديث خرافة «تأمل!» وما زالوا في غير حذر حتى ~~صبحهم ملك اليمن فأباد الرجال وسبا النساء والذرية وحطم البيوت، ثم أمر بزرقاء ~~اليمامة فاقتلعوا عينيها، وتقول الأقصوصة: إنهم وجدوا في داخلها عروقا سودا، ~~فقالوا لها: من أي شيء ذلك، قالت: كحل أكتحل به، قيل: ما هو؟ قالت: الإثمد، ms038 ~~فاتخذوه بعد ذلك كحلا، ثم أمر الملك بها فصلبت على باب المدينة. # وهكذا كان فناء طسم على يد جديس وجديس على يد ذلك الملك اليمني. # ونحن لا نستطيع أن نجزم - حتى ولو صرفنا النظر عما في القصة من المبالغات ~~الخرافية - بصحة وجود طسم وجديس، ولكنا إذا افترضنا وجودهما فإنا قد نستنتج أن ~~هلاكهما كان في أوائل القرن الرابع الميلادي، وأن الحكومة كانت إقطاعية بسبب ~~كثرة تردد أسماء السادة في سياق الأقصوصة، ولأن مثل تلك العادة القذرة، التي ~~أشير إليها آنفا، إنما يغلب وجودها في البلاد الإقطاعية. # وبمناسبة هذه العادة نشير إلى ما ذكره المستشرق جورج سيل، من أن مثل هذه ~~العادة كانت شائعة في بعض مقاطعات إنجلترا واسكتلندا في القرنين العاشر والحادي ~~عشر الميلادي، كما يذكر بعض المؤرخين أنها كانت شائعة في كثير من البلاد ~~الأوربية في عهد الإقطاع، وكانت تعرف باسم «حق السيد». # والآن وقد انتهينا مما أردنا إيراده عن أشهر القبائل البائدة نجمل القول في ~~الفقرة التالية عن القبائل البائدة الأخرى التي ورد ذكرها في كتب العرب. # بقية القبائل البائدة ~~(أ ) # قبيلة أميم ويقولون: إنها سكنت بادية أبار وهي تقع إلى الجنوب من ~~اليمامة. ~~(ب) # عبيل ويقال إنها سكنت موضع يثرب، ثم أخرجهم منها العماليق، فنزلوا ~~موضع الجحفة بين مكة والمدينة. ~~(ج) # عمليق وهي عدة قبائل عرفت بالعمالقة، وقد ورد ذكرها في التوراة، ~~ويرى بعض المؤرخين المحدثين أنه كانت لهم دولتان كبيرتان إحداهما ~~بالعراق والأخرى بمصر، وأن دولتهم في العراق هي دولة حمورابي، ودولتهم ~~في مصر هي دولة الهكسوس التي قضى عليها أحمس الأول. # أما مؤرخو العرب فيقولون: إنهم قبائل عدة سكن بعضها أرض الحجاز ~~وتهامة «وهي قبائل بني ليف وبني سعد وبني مطر»، وسكن بعضها نجدا «وهي ~~قبائل بديل وغفار»، وسكن بعضها شمال شبه الجزيرة «وهي قبيلة بني هومر ~~بن عمليق»، وسكن بعضها عمان «وهي جاسم»، وسكن بعضها فلسطين «وهم عمالقة ~~التوراة الذين يقول عنهم العرب: الجبابرة.» ~~(د) # جرهم وهم قبيلتان، جرهم الأولى ويقال إنها كانت على ms039 عهد عاد، وجرهم ~~الثانية وهم الذين تزوج منهم إسماعيل عليه السلام. ~~(ه) # عبد ضخم ويقال إنهم سكنوا الطائف. ~~(و) # وبار ويقولون: إنها كانت مع عاد ... إلخ. # والعجيب من أمر هذه القبائل البائدة، أن مؤرخي العرب لم يذكروا من أخبارهم ~~شيئا فيه غناء، عدا ما اختلفوا فيه من تفصيلات أنسابهم وبيان مواطنهم مما ~~يحملنا على الاعتقاد بأن أمرهم لم يكن إلا ميثولوجية غير ناضجة، اللهم إلا إذا ~~أماطت الكشوف القائمة الآن اللثام عن شيء من مواطنهم وأخبارهم. # وبهذه المناسبة نذكر أنه كانت هناك دولتان لم يسمع بهما العرب ولم يرد لهما ~~ذكر في كتبهم، ونقصد بهما دولة بنط ودولة معين وقد ظهرتا في بلاد اليمن، وقد ~~تكون دولة معين استمرارا لدولة بنط كما قد تكون دولة مستقلة عنها، ولا نستطيع ~~أن نحدد تاريخا للدولة الأولى، ولكن الراجح أنها عاشت في القرن الخامس ~~والعشرين قبل الميلاد، وأنها كانت تعاصر الأسرة الخامسة من أسرات التاريخ ~~المصري القديم، أما الدولة الثانية، دولة معين، فلا نعلم متى بدأت أيضا، ولكن ~~العلماء يحددون لسقوطها حوالي سنة 1000ق.م، ويرجحون أنها كانت تعاصر في تاريخ ~~مصر القديم الأسرات من 17 إلى 24 بمقتضى تأريخ العلامة برستد للأسرات المصرية، ~~وأن علاقات تجارية أو سياسية كانت تربط ما بينها وبين الأسرة 18 بصفة ~~خاصة. # وسنعود إلى تفصيل الكلام عن هاتين الدولتين عند الكلام في تاريخ اليمن ~~القديم، وإنما ذكرناهما هنا مجاراة لأسلوب مؤرخي العرب باعتبارهما من القبائل ~~البائدة. # ونود أن نذكر أن تقسيم طبقات العرب إلى بائدة وعاربة ومستعربة لا يعني أن كل ~~طبقة جاءت بعد الأخرى؛ إذ يجوز جدا أن تكون بعض القبائل التي نسميها بائدة قد ~~ظهرت بعد ظهور العرب العاربة، ومما لا شك فيه أنه جاء وقت كانت تعيش فيه ~~الطبقات الثلاث متعاصرة. ~~(1-2) العرب العاربة # وتسمى أيضا العرب العرباء برغم أن لغتها لم تكن عربية، وأنها تعلمت العربية من ~~البائدة، وتعرف أيضا بعرب الجنوب؛ لأنها اتخذت جنوب بلاد العرب مقرا لها، وقد ~~يطلق عليها بسبب ذلك ms040 اسم العرب اليمنية أيضا، كما يطلق عليها أيضا اسم السبئية ~~نسبة إلى أشهر دولها سبأ، وأكثر ما توصف به في كتب مؤرخي العرب هو القحطانية نسبة ~~إلى جدها الأولى قحطان، فقد ورد في كتاب سبائك الذهب في معرفة قبائل العرب للبغدادي ~~الشهير بالسويدي أن قحطان هذا هو ابن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح عليه ~~السلام، وأنه أنجب من الأولاد جرهم والسلف وحضرموت ويعرب الذي أنجب سبأ الذي أنجب ~~حمير ... إلخ، والظاهر أن قحطان هو تحريف ليقطان # Joctan # الذي ورد ذكره في الإصحاح 10 آية 25، 26 من سفر التكوين ~~في صدد الكلام عن قبائل بني نوح الذين تفرقت منهم الأمم في الأرض بعد ~~الطوفان. # ولا نستطيع أن نجزم من أي بقعة من الأرض أتى هؤلاء القحطانيون قبل أن يستقروا في ~~إقليم اليمن، فلقد كان يرجح - كما أشرنا آنفا - أنهم جاءوا من الحوض الأدنى لنهري ~~دجلة والفرات حيث إقليم كلديا، وأنهم كانوا يتكلمون بادئ ذي بدء إحدى اللهجات ~~الكلدانية. وأنهم جاءوا عن طريق البر وما زالوا يضربون في الصحاري حتى أغراهم خصب ~~اليمن بالاستقرار فيها، وقد تكانفوا مع بعض أعداء دولة معين حتى أسقطوها، وطبيعي أن ~~هذا تم بعد أن عاشوا في اليمن على حالتهم البدوية مدة طويلة. # ولكن الأستاذ فلبي Philby # آخر من كتب عن تاريخ ~~العرب في عصر ما قبل الإسلام كتابا مستقلا صدر بالإسكندرية سنة 1943 يذهب إلى أن ~~عرب الجنوب لم يجيئوا من مكان آخر، وأنهم الأصل في العرب بدليل أن العرب القدماء ~~أنفسهم كانوا يطلقون على عرب الشمال لفظ المستعربة؛ أي الدخلاء في العروبة، وأن ~~الهجرات بدأت منهم في الجنوب إلى أطراف الهلال الخصيب حيث العراق والشام وفلسطين ~~وحتى مصر، وأن لغتهم - وقد فحص نحو 6000 نقش مكتوب بها - لا تختلف كثيرا عن ~~العربية الشمالية، ولا تعدو أن تكون شكلا قديما للشمالية التي اختفت منها كلمات ~~لم تعد مستلزمات الحياة تتطلبها تتعلق بآلهة الوثنية وأعمال الري والزراعة وتجارة ~~البخور تلك التي كانت من ms041 مفاخر بلاد العرب القديمة (راجع كتابه «ظهير الإسلام» # Background of Islam ~~). ويجدر بنا أن نذكر ~~هنا أن الأستاذ فلبي يعرف بلاد العرب الحديثة جيدا ويحذق من تاريخها القديم ~~وجغرافيتها وتقاليدها ولغتها الدارجة ما لا يحذقه إلا الأقلون من ~~المستشرقين. # كذلك لا نعرف في أي وقت سكنوا أرض اليمن، فقد اكتفى الدكتور «نلدكه» # Noldeke ~~- وهو حجة في تاريخ العرب - في تاريخ ~~المؤرخين للعالم بأن قال: إنه في الألف الثاني قبل الميلاد قد مهدت بلاد اليمن - ~~مقر السبئيين والحميريين - بسبب صلاحيتها للزراعة السبيل لظهور مدنية خلفت وراءها ~~آثارا ذات مبان ضخمة ونقوش عديدة لا تزال تثير إعجابنا، ثم إن اليونان والرومان ~~كانوا على حق إذ سموا هذه الأقاليم بلاد العرب السعيدة، وأشار إلى نصوص كثيرة في ~~التوراة تشير إلى عظمة السبئيين، وخص بالذكر قصة ملكة سبأ وزيارتها سليمان الواردة ~~في الإصحاح العاشر من سفر الملوك الأول، ثم قال: إن الشطر الأكبر من غنى سبأ يرجع ~~إلى اتجارها في بعض المواد ذات الرائحة الزكية، وخاصة البخور الذي كان يحتاج إليه ~~في المعابد، والذي ورد ذكره في كثير من أسفار التوراة، ثم قال: إن هذه المتاجر كانت ~~تنقل إلى الشمال في طرق القوافل وأنهم حصلوا أخيرا على بعض نقوش في شمال الحجاز ~~تشير إلى أن السبئيين كانت لهم محطات تجارية ثابتة، وإلى أنهم كانوا يمارسون بعض ~~النفوذ على بقية بلاد العرب إبان سطوتهم، وأن آثار ذلك النفوذ كانت واضحة وخاصة في ~~الجزء الغربي حيث كانت تمر طرق القوافل. # ويرجع الدكتور نلدكه أسباب تدهور اليمن إلى عدة مسائل، وهو لا يرى فيما يقوله ~~مؤرخو العرب من إرجاع ذلك إلى تصدع سد مأرب تعليلا كافيا للتدهور، وهو يعتقد أن ~~تصدع السد لم يكن سببا للتدهور، إنما كان نتيجة له ولما صحب التدهور من إهمال ~~شأنه، وهو جزء ضروري للري المنتظم، وهو يميل إلى الرأي القائل بأن هجرة اليمنيين ~~إلى الشمال التي تمت في القرن الثاني الميلادي كانت من عوامل ذلك الانحلال. # وبعد أن أشار إلى الغزو ms042 الحبشي لليمن الذي تم سنة 525م، والغزو الفارسي الذي تم ~~حوالي سنة 575م، قال: إن اليمن رغم ما توالى عليها من أحداث كانت مدنيتها لا تزال ~~أعلى المدنيات في بلاد العرب، بدليل أنها ما فتئت تورد لها بعضا من المصنوعات ~~الهامة مثل السيوف والأقمشة والملابس. # ثم يقول إن أهل اليمن كانوا يشعرون شعورا خفيا بمكانتهم العظيمة هذه وبما قام ~~به أسلافهم من أعمال عظام لم يكونوا يعرفونها على وجه التحديد؛ لأنها لم تكن مدونة، ~~وأنهم من أجل ذلك بعد أن تم الفتح الإسلامي تحت زعامة العرب القرشيين واستقرت شئون ~~الإمبراطورية أرادوا ألا يكون لإخوانهم الشماليين فضل عليهم، وعمدوا إلى الإشادة ~~بفضل أسلافهم، واخترعوا لذلك قصصا أسرف خيالهم فيها إسرافا بعيدا. # تلك وجهة نظر عالم كبير عن علماء التاريخ العربي لخصناها لنعطي صورة مصغرة من ~~وجهات النظر الحديثة لتاريخ الطبقة الثانية من طبقات العرب، أما تاريخ دول اليمن ~~وحضارتها ومظاهر تلك الحضارة في أدوارها المختلفة فسنفصل الكلام عنه في فصل ~~تال. ~~(1-3) العرب المستعربة # ويعرفون أيضا بعرب الشمال، أو العرب العدنانية، أو عرب الحجاز، أو العرب ~~الإسماعيلية، ويغلب في تواريخ العرب تسميتهم بالعرب العدنانية نسبة إلى عدنان من ~~سلالة إسماعيل عليه السلام. # ورد في كتاب سبائك الذهب للسويدي في سياق نسب العرب العدنانية أن عدنان هو ابن أد ~~بن أدد بن الهميسع بن سلامان بن نبت بن حمل بن قيدار بن إسماعيل بن إبراهيم عليهما ~~السلام وإذا نظرت في جداول النسب التي وضعها تجد أنه يواصل السلسلة إلى آدم أبي ~~البشر، فيقول: إن إبراهيم هو ابن قارح بن ناحور بن شاروخ بن أرغو بن قالع بن شالخ ~~بن أرفخشد بن سام بن نوح - عليه السلام - بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ بن اليارد بن ~~مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم عليه السلام. # ولسنا نشك لحظة في أن هذه الأنساب لا تعتمد على أي أساس علمي، بل إن العلم ~~ليتعارض مع الكثير منها، وإنما أوردناها هنا لبيان وجهة من ms043 وجهات النظر ~~القديمة. # وعلى الرغم من أن العلماء المحدثين لا يؤمنون بصحة هذه الأنساب إلا أن الإجماع ~~يكاد ينعقد بينهم على صحة نسب العرب المستعربة إلى إسماعيل عليه السلام. # وتتفق الروايات العربية مع التوراة في قصة إسماعيل عليه السلام في مجموعها مع ~~اختلافات بسيطة، فالتوراة تقول: إن إخراج إسماعيل وأمه هاجر كان إلى برية بئر سبع ~~على مقربة من خليج العقبة، والعرب يقولون: إن إسماعيل أقام بمكة. # وخلاصة قصة إبراهيم وولده إسماعيل عليهما السلام أن إبراهيم ولد بالعراق في ~~مدينة أور الكلدانية، لأب نجار كان يصنع الأصنام، فلما شب إبراهيم ساوره الشك في ~~أمر الأصنام، فتغفل القوم وحطمها إلا كبيرها ثم فشل في هداية قومه، وكان نصيبه أن ~~ألقي في النار فنجاه الله منها، ثم فر إلى فلسطين، ومعه زوجه سارة، وارتحل إلى مصر ~~بها، ثم خرج منها وقد أعطاه ملكها جارية هي هاجر، وولدت له هاجر ابنه الأول ~~إسماعيل، ثم ولدت له سارة ابنه إسحاق، وسوى إبراهيم في العطف بين ولديه إسماعيل ~~وإسحاق، فغضبت سارة، فذهب بهاجر وابنها إسماعيل إلى وادي مكة القفر، ثم تفجرت بئر ~~زمزم، وأغرى ذلك بعض القبائل اليمنية الرحل بالسكنى إلى جوار الماء، فسكنت قبيلة ~~جرهم من عرب اليمن، وتزوج منهم إسماعيل زوجة سرحها، ثم تزوج جرهمية أخرى هي بنت ~~مضاض بن عمرو، وولد لإسماعيل من هذا الزواج اثنا عشر ولدا هم آباء العرب ~~المستعربة. # هذا هو هيكل القصة التي سنعود إليها بشيء من التفصيل عند الكلام على تاريخ ~~الإمارة بالحجاز، وهي قصة كما قلنا يكاد ينعقد الإجماع على جملتها، ولكن يبرز لنا ~~من ثناياها سؤال يحتاج إلى جواب وهو: لمن يصح أن تنسب هذه العرب المستعربة؟ أإلى ~~العرب القحطانية؛ لأن زوج إسماعيل الجرهمية كانت منهم؟ أم إلى الكلدانيين؛ لأن أبا ~~إسماعيل كان منهم؟ أم إلى العبرانيين؛ لأن إبراهيم أقام في فلسطين؟ أم إلى المصريين ~~القدماء؛ لأن هاجر أم إسماعيل كانت مصرية قديمة؟ # كذلك يبرز سؤال آخر: وهو أي لغة كان يتكلم إسماعيل حين تركه ms044 أبوه في مكة وهو بعد ~~طفل رضيع على حد بعض الروايات؟ أكان يتكلم اللغة المصرية القديمة لغة أمه، أم كان ~~يتكلم الكلدانية لغة أبيه؟ وذريته بعد أن تزوج وأنجب أي لغة كانوا يتكلمون، أهي ~~اللغة الحميرية لغة أمهم، أم لغة أبيهم؟ # وإذ كانت نظرية المغفور له الأستاذ أحمد كمال باشا الأثري المصري في العلاقة ~~العظيمة بين اللغة العربية والمصرية القديمة التي مكنته من إرجاع معظم المفردات ~~العربية إلى أصول مصرية قديمة - أو العكس لا أدري تماما - صحيحة فهل يلقي ذلك ~~ضوءا على الغموض الذي يكتنف هذه الأسئلة؟ # الحق يقال إن الإجابة على هذه الأسئلة وما سبقها في ظل ما تحت أيدينا من المراجع ~~لا يمكن أن تكون إجابة حاسمة خالية من الحدس والتخمين. # على أنا قد نستطيع الإجابة على سؤال ثالث قد تكون محاولة الإجابة عنه ضرورية، ~~وهو في أي عصر هبط إسماعيل مكة، وليس لنا مرجع في الإجابة عن هذا السؤال إلا ~~التوراة، ولقد قلنا: إن إبراهيم غادر أور إلى فلسطين ثم هبط منها إلى مصر وخرج ومعه ~~هاجر. # ولكن الآثار الكلدانية لا تتكلم، كذلك لا نجد في الآثار المصرية أدنى إشارة إلى ~~هاجر أو إبراهيم، وحيال صمت الآثار هنا وهناك لا يجد المستشرقون بدا من القول ~~بميثولوجية القصة من الناحية العلمية من أولها إلى آخرها، أما علماء التوراة فإنهم ~~بمقارنة التواريخ والأعمار الواردة فيها أمكنهم أن يصلوا إلى ما يأتي: ~~(1) # أن إبراهيم غادر أور الكلدانية سنة 1921ق.م. ~~(2) # أن ولادة إسماعيل كانت سنة 1910ق.م. ~~(3) # أن طرد هاجر مع ابنها إسماعيل كان حوالي 1871ق.م. ~~(4) # أن وفاة إبراهيم كانت 1820ق.م. ~~(5) # أن وفاة إسماعيل كانت 1773ق.م. # وعلى ذلك يمكننا أن نستنتج أن نشأة العرب المستعربة كانت تعاصر أواخر أيام الأسرة ~~الثانية عشرة المصرية وأوائل عهد الهكسوس، وذلك بمقابلة هذه التواريخ بالتواريخ ~~التي حددها العلامة برستد # Breasted # للأسرات ~~المصرية، ونحب أن نذكر أيضا أن هذا فيه شيء غير قليل من الحدس والتخمين. # وسنتكلم في الفقرة التالية عن بعض الفوارق بين العرب القحطانية والعرب ms045 ~~العدنانية. # بعض الفوارق بين عرب الجنوب وعرب الشمال # الفروق بين الشعبين كثيرة يرجع بعضها إلى البيئة الطبيعية أو نظام الاجتماع ~~أو اللغة أو الدين أو غير ذلك، وقد رأينا أن نلخصها هنا قبل تفصيل الكلام ~~لنسترشد بها كمبادئ أساسية أثناء دراسة تاريخ كل منهما؛ وأهم هذه الفروق ما ~~يأتي: ~~(1) # أن عرب الجنوب في الغالب أهل إقامة على عكس عرب الشمال الذين ~~تغلب فيهم البداوة، الأولون يسكنون بيوتا مشيدة في مدائن، ~~والآخرون يسكنون بيوتا من الشعر أو الجلد يضربونها حيث يطيب لهم ~~المقام، وظاهر أن طبيعة كل من المنطقتين كانت ذات أثر في ~~ذلك. ~~(2) # أن لغة أهل الجنوب المعروفة بالحميرية وإن كانت لغة سامية إلا ~~أنها تختلف عن لغة أهل الشمال العربية في الضمائر وأسماء الإشارة ~~وغير ذلك من أحوال الاشتقاق والتعريف، حتى لقد كان أهل الجنوب لا ~~يفهمون لغة نجد وأهل الحجاز التي انتشرت انتشارا كبيرا بالنسبة ~~إلى اللغة الحميرية التي أصبحت في صدر الإسلام غير معروفة. ~~(3) # أن الخط المسند الحميري الذي كان يكتب بحروف منفصلة، والذي كان ~~مشتقا من الخط الفينيقي المأخوذ من الخط السينائي المأخوذ من ~~الخط الهيروغليفي، كان يختلف عن خط أهل الشمال على الرغم من أنه ~~مأخوذ منه. ~~(4) # كان يشترك الشعبان في الوثنية وفي عبادة الأصنام، ولكن آلهة ~~الجنوب كانت تمت بصلة إلى آلهة بابل على عكس آلهة الشمال. ~~(5) # انفرد كل من الشعبين بأسماء تخالف أسماء الشعب الآخر، وكانت ~~أسماء أهل الجنوب تشبه الأسماء البابلية على عكس أسماء أهل الشمال، ~~التي كانت في الغالب مستمدة من مظاهر البداوة التي تحيط ~~بهم. ~~(6) # أهل الشمال مستطيلو الرءوس أشد شبها بأجناس البحر الأبيض، أما ~~أهل الجنوب فمستديرو الرءوس يمتازون بالفك العريض والأنف ~~الأقنى. ~~(7) # وبين الشعبين فوارق خلقية أخرى، فأهل الجنوب أقرب إلى اسوداد ~~اللون، وتشبه سحنهم من وجوه كثيرة سحن الأفريقيين من أهل الحبشة ~~والصومال؛ أما أهل الشمال فإنا نجد الرجل منهم وبخاصة إذا كان ~~بدويا فيه المميزات السامية كاملة، فنجده أسمر، ممدود القامة، ~~تقاطيع وجهه واضحة، وهذا عدا ms046 فروقا أخرى مثل الشعر ووزن الجمجمة ~~وغير ذلك. ~~(8) # وأخيرا أنشأ أهل الجنوب حضارة بحكم استقرارهم، أما أهل الشمال ~~فيرجع الفضل إلى الإسلام، في أن كون منهم دولة، ووحدهم لأول ~~مرة في التاريخ. # والآن وقد انتهينا من الكلام على الشعوب العربية إجمالا فإنا نبدأ الكلام ~~بشيء من التفصيل عن تاريخ دول اليمن. # الفصل الرابع # | تاريخ اليمن # (1) تمهيد # لا يصح الاعتماد في كتابة تاريخ اليمن على المصادر العربية إلا قليلا. # أولا: لأنها لم تتعرض بشيء من العناية إلا لمعالجة العصور المتأخرة من تاريخ اليمن، ~~أما العصور السابقة لتلك، فإن ما كتبوه إن كانوا كتبوا شيئا لا يجدر أن يسمى تاريخا، ~~إنما هو إلى الخيال والخيال السقيم أقرب، وثانيا: لكثرة ما نلقاه من الاختلافات ~~والتناقضات فيما كتبوا، ونضرب لذلك مثلا بما كتبوه عن الدولة الحميرية: فبينما يذكر ~~المسعودي أن عدد ملوكها خمسة، إذا بابن خلدون يجعلهم ثمانية، وأبي الفداء يجعلهم أحد ~~عشر ملكا، أما نشوان بن سعيد صاحب القصيدة الحميرية فإنه يعد في قصيدته أسماء ستة عشر ~~ملكا. # ولا يتفق هؤلاء في أسماء الملوك ولا في تعاقبهم، وإنما يتفقون في أن أولهم حمير وأن ~~آخرهم الحارث. أما حمزة الأصفهاني فإنه يقول: إن بين حمير والحارث 150 أبا، وطبيعي - ~~وهذا الخلاف كما ترى فيما لا يكون عادة موضع خلاف بين المؤرخين - أن يكون أشد وأطغى في ~~أعمال الملوك وأخبار الدولة. # وناحية أخرى تجعلنا نتردد في الاعتماد على ما كتبه معظم هؤلاء المؤرخين؛ تلك هي مدة ~~الحكم التي نسبوها إلى بعض الملوك، ومن أمثلة ذلك ما ذكره حمزة الأصفهاني من أن أبرهة ~~ذا المنار من ملوك التبابعة حكم 183 سنة، وأفريقش بن أبرهة حكم 164 سنة، والأقرن بن أبي ~~مالك حكم 163 سنة، وأسعد أبا كرب حكم 120 سنة ... إلخ. # والظاهر أن هذا الخلط في التاريخ لم يلفت أنظار المحدثين فحسب؛ بل لفت أنظار بعض ~~النابهين من المؤرخين القدامى كابن خلدون، فلقد ورد في مقدمته وهي الجزء الأول من ~~تاريخه في صفحاتها الأولى، ما نصه: ms047 «ومن الأخبار الواهية للمؤرخين ما ينقلونه كافة في ~~أخبار التبابعة ملوك اليمن وجزيرة العرب أنهم كانوا يغزون من قراهم باليمن إلى أفريقيا ~~والبربر من بلاد المغرب، وأن أفريقش بن صيفي من أعاظم ملوكهم الأول - وكان لعهد موسى ~~عليه السلام أو قبله - بقليل غزا أفريقيا وأثخن في البربر، وأنه الذي سماهم بهذا الاسم ~~حين سمع رطانتهم، وقال: ما هذه البربرة؟ وذكر المسعودي أن أسعد كرب ملك الموصل ~~وأذربيجان لقي الترك فهزمهم وأثخن، ثم غزاهم ثانية وثالثة كذلك، وأنه بعد ذلك غزا ثلاثة ~~من بنيه بلاد فارس إلى بلاد الصغد من بلاد أمم الترك وراء النهر وإلى بلاد الروم، فملك ~~الأول البلاد إلى سمرقند، وقطع القارة إلى الصين، فوجد أخاه الثاني الذي غزا سمرقند قد ~~سبقه إليها، فأثخنا في بلاد الصين ورجعا جميعا بالغنائم، وتركوا ببلاد الصين قبائل من ~~حمير، فهم بها إلى هذا العهد، وبلغ الثالث إلى قسطنطينية فدرسها ودوخ بلاد الروم ورجع.» ~~ثم يذهب ابن خلدون فيقول: «وهذه الأخبار كلها بعيدة عن الصحة عريقة في الوهم والغلط، ~~وأشبه بأحاديث القصص الموضوعة؛ وذلك أن ملك التبابعة إنما كان بجزيرة العرب وقرارهم ~~وكرسيهم بصنعاء اليمن، وجزيرة العرب يحيط بها البحر من ثلاث جهاتها، فبحر الهند من ~~الجنوب وبحر فارس من الشرق وبحر السويس من الغرب كما تراه في مصور الجغرافيا، فلا يجد ~~السالكون من اليمن إلى المغرب طريقا من غير السويس، والمسلك هناك ما بين بحر السويس ~~والبحر الشامي، ويبعد أن يمر بهذا المسلك ملك عظيم في عساكر موفورة من غير أن تصير من ~~أعماله، هذا ممتنع في العادة، ولم ينقل قط أن التبابعة حاربوا أحدا من هؤلاء الأمم ~~ولا ملكوا شيئا من تلك الأعمال، وأيضا فالشقة من البحر إلى المغرب بعيدة والأزودة ~~والعلوفة للعساكر كبيرة، أما غزوهم بلاد الشرق وأرض الترك وإن كانت طريقه أوسع من مسالك ~~السويس إلا أن الشقة هنا أبعد وأمم فارس والروم معترضون فيها دون الترك، ولم ينقل قط أن ~~التبابعة ملكوا بلاد فارس ولا بلاد الروم ms048 وإن كانوا يحاربون بلاد فارس على حدود بلاد ~~العراق، فالأخبار بذلك واهية مدخولة، وهي لم تدخل في وجه صحيح.» ا.ه. # هذا هو رأي واحد من نابهي المؤرخين العرب فيما كتبه زملاؤه المؤرخون في تاريخ العرب، ~~ولكن يجب أن لا يحملنا هذا على تصديق كل ما كتبه هو نفسه عن تاريخ اليمن. # والسبب في ذلك واضح، وهو أن ابن خلدون نفسه لم يعتمد في كتابته على نقوش أو آثار، ~~إنما اعتمد على الرواية لغيره من المؤرخين، ولم يكن له فضل عليهم إلا غربلة الروايات ~~وتمييز الغث من السمين في نظره، وليس أدل على ذلك من أن أسماء الملوك التي حصل عليها ~~العلماء المحدثون لا يوجد لها ما يقابلها، بل هي تختلف اختلافا تاما عما أورده مؤرخو ~~العرب، كما بين ذلك العلامة نيكلسون في كتابه تاريخ الأدب العربي الذي سنبين رأيه في ~~الفقرة الثانية. ~~(2) رأي الأستاذ نيكلسون # ورد في كتاب الأستاذ نيكلسون السالف الذكر ما خلاصته أن أسماء ملوك حمير وتعاقبهم لا ~~يمكن أن يمت إلى الحقيقة بسبب، وأنه إن كانت هناك شخصيات تاريخية تحمل هذه الأسماء التي ~~ذكرها مؤرخو العرب فلا يمكن أن ترجع إلى أزمنة متأخرة قبل ظهور الإسلام، ولعلها أسماء ~~بعض الأمراء قليلي الأهمية الذين أضفت عليهم الأقاصيص ثيابا من البطولة، وعلى من يشك ~~في صحة هذا أن يقارن تلك الأسماء التي أوردها المؤرخون بما حصل عليه المستكشفون من ~~النقوش، ولقد جمع الأستاذ مولر من بينها قائمة تتضمن أسماء ثلاثة وثلاثين من ملوك ~~سبأ. # ويشعر تكرار بعض الأسماء بأن البلاد كانت تحكمها أسرات مالكة، وكان للملوك ألقاب ~~تضاف إلى أسمائهم، ومن بين هذه الأسماء ذمر علي - ويثغمر بين - وكرب إيل وتار يهنعم - ~~وسمعهلي ينوف. # وعلاوة على ذلك فإن ملوك اليمن كانت لهم ألقاب مختلفة تشير إلى عدة فترات من التاريخ ~~السبئي وهي: ~~(1) # أمير سبأ «مكارب سبأ» ومكارب هذه تشير إلى الجمع بين الإمارة ~~والكهانة. ~~(2) # وملك سبأ. ~~(3) # وملك سبأ وذو ريدان. ~~(4) # ملك سبأ وذو ريدان وحضرموت ويمنات. ~~(5) # ملك سبأ وذو ms049 ريدان وحضرموت ويمنات وعربهم في الجبال وفي تهامة. # وبهذه الطريقة صار من الممكن أن تعين على وجه التقريب العصور التي أسست فيها المباني ~~المختلفة وحفرت فيها النقوش. # ويكاد المؤرخون يجمعون على أن معظم ما وصل إلينا من الآثار يرجع إلى القرن الثامن ~~قبل الميلاد وما قبله. ~~(3) أدوار التاريخ اليمني القديم # يمكننا أن نقسم تاريخ اليمن قبل الإسلام تسهيلا لمعالجته إلى الأدوار التاريخية ~~الآتية: ~~(1) # الدور الخرافي أو الدور الميثولوجي، وهو ليس من التاريخ الحقيقي في شيء، ~~وعلى ذلك لا يمكن تحديد تاريخ له. ~~(2) # الدور البنطي (؟-3000ق.م) ولا يمكن أن نحدد له مبدأ ولا نعرف له ~~عاصمة. ~~(3) # الدور المعيني (3000-1000ق.م) وكانت العاصمة قرناو وموضعها الحديث معين ~~إلى الشمال الشرقي من صنعاء، أما العاصمة الدينية فكانت يثيل ومكانها اليوم ~~براقش. ~~(4) # الدور السبئي (1000-115ق.م) وكانت العاصمة في عهد المكارب صرواح، وفي عهد ~~الملوك مأرب. ~~(5) # الدور الحميري الأول (115ق.م-300م) وكانت العاصمة ظفار إلى الجنوب الغربي ~~من صنعاء. ~~(6) # الدور الحميري الثاني (دولة التبابعة 300-525م) وكانت العاصمة ظفار ~~أيضا. ~~(7) # الدور الحبشي (525-575م) وكانت العاصمة صنعاء. ~~(8) # الدور الفاسي (575-632م) وكانت العاصمة صنعاء. ~~(3-1) الدور الخرافي # من المعروف أن التاريخ الأسطوري «الميثولوجي» لأية دولة يسبق عادة تاريخها ~~الحقيقي، وأن أول من يذكره مؤرخو العرب من ملوك اليمن قحطان بن عابر الذي ينسب إليه ~~عرب الجنوب، ويربطون نسبه بسام بن نوح عليه السلام، ويقولون إنه اتخذ صنعاء اليمن ~~دارا للملك ولبس التاج، وكان عادلا حسن السياسة. # ثم ملك بعده ابنه يعرب، الذي قيل إنه أول من تكلم العربية، وأول من قيل له: أنعم ~~صباحا وأبيت اللعن، وينسبون إليه أنه كان كثير الفتوحات وأنه غزا الحجاز وتغلب ~~عليها وولى عليها أخاه جرهما، كما ولى أخاه عاد بن قحطان على جبال الشحر، وعماد بن ~~قحطان على أرض عمان، وينسبون إليه أيضا أنه كان كثير العمارة وأنه أول من اختط ~~المدن، وهو الذي قال عنه حسان بن ثابت: # تعلمتمو من منطق الشيخ يعرب # أبينا فصرتم معربين ذوى نفر # وكنتم قديما مالكم غير عجمة ms050 # كلاما وكنتم كالبهائم في القفر # ويقال إنه لما حضرته الوفاة أوصى بنيه بحسن السيرة والسلوك بين الرعية وتعلم ~~العلم، وترك الحسد، وإنصاف الناس، إلخ. # ولما مات ملك من بعده ابنه يشجب بن يعرب، وكان ضعيف الرأي واهن العزيمة خاملا، ~~فاستبد أعمامه به واستقلوا بحكم ما كان في أيديهم. # ولما مات خلفه ابنه عبد شمس الملقب بسبأ. ~~(3-2) الدور البنطي # لا نعلم متى ظهرت دولة بنط، ولكن التاريخ المصري القديم ينبئنا عن رحلات تجارية ~~كانت تقوم إلى الجنوب عن طريق البر أو البحر للحصول على السلع الغالية القيمة التي ~~كان يحتاج إليها للأغراض الدينية وغيرها، وأهمها البخور والصموغ الذكية الرائحة، ~~والراتينج «القلقونية أو صمغ الصنوبر» والأخشاب العطرية. # وترجع هذه العلاقات التجارية إلى أيام الأسرة الخامسة المصرية؛ إذ تذكر النصوص أن ~~الملك ساحورع من ملوك القرن السادس والعشرين قبل الميلاد قاد أول حملة بحرية في ~~البحر الأحمر إلى أرض البخور أو بلاد بنط، التي كان يظن أنها بلاد الصومال الحديثة ~~فحسب، ولكن ثبت أخيرا أن لفظ بنط كان يدل على الأرض الواقعة على الطرف الجنوبي ~~للبحر الأحمر، أو على جانبي باب المندب بشقيه الأفريقي والآسيوي، وقد أيد هذا الرأي ~~أخيرا البحوث التي قامت بها كلية الآداب بالجامعة المصرية سنة 1937م، كما أيدته ~~أيضا بحوث الأستاذين رانجنز وفون وسمز، والتي نشرت في كتاب «في أعالي اليمن» ~~لمؤلفه هيوسكوت «طبع لندن سنة 1942»، وقد كان هذا الرأي هو الذي نرجحه سنة 1929، ~~وفي خريطة رسمناها للإمبراطورية المصرية القديمة في أقصى نفوذها وضعنا بلاد بنط على ~~جانبي باب المندب (راجع الأطلس الجغرافي التاريخي لزكي الرشيدي ومبروك نافع طبعة ~~دار الكتب بمصر سنة 1929 القسم التاريخي خريطة 17 ص69). # وقد ظل المصريون القدماء يطلقون لفظ بنط على هذه البلاد الجنوبية رغم تقلب الدول ~~عليها، وكانت تسمى عندهم أيضا «نانتر» ومعناها أرض الله، ولقد أرسلت الملكة ~~حتشبسيوت أول امرأة شهيرة في التاريخ وهي من ملكات الأسرة الثامنة عشرة المصرية ~~(حوالي 1500ق.م) حملة إلى بلاد بنط مكونة من خمس سفن ms051 كبيرة للحصول على أشجار البخور ~~والأخشاب الثمينة والجواهر وسن الفيل والعنبر، وعند وصول الحملة إلى «الأرض ~~المباركة» أي بنط قابلهم أميرها باريهو هو وزوجته آني، ومعهما ابنتهما وولداهما ~~مقابلة ودية للغاية، وبعد تبادل الهدايا عاد الأسطول محملا بالأشجار الغالية - ومن ~~بينها شجرة المر - وبالتبر والذهب والحلقات المعدنية وأكوام من الصمغ النفيس وجلود ~~الفهود وغير ذلك، وقد نجح سفراء حتشبسيوت - علاوة على الحصول على الأشجار الثمينة ~~التي غرس بعضها في حديقة الإله آمون - في الحصول أيضا على طاعة أهل بنط، وتجد ~~أخبار هذه القصة بأجمعها مدونة على جدران المعبد الكبير الذي أنشأته حتشبسيوت في ~~الدير البحري. ~~(3-3) الدور المعيني # يذكر بعض المؤرخين دولة معين في سياق كلامه عن السبئيين، ويعتبرها لذلك من الدول ~~القحطانية، ولكن الكشوف الحديثة دلت على أن المعينيين سكنوا منطقة اليمن قبل ~~السبئيين بعدة قرون، ومن المحتمل جدا أن تكون معين قد تعاصرت مع دولة بنط، وهي - ~~على كل حال - أول دولة نستطيع أن نلمح بعض معالمها وسط ضباب التاريخ القديم لبلاد ~~العرب الجنوبية، وقد ورد ذكرها في مؤلفات اليونان والرومان، فذكرها يلبني واسترابون ~~وبطليموس وغيرهم، ونسبوا إليها الاشتغال بالتجارة، وأنها كانت مصدر غناهم، ولكنهم ~~كانوا يعتبرونها تالية للدولة السبئية لا سابقة لها كما هو الواقع، أما كتاب ~~الغرب فلم يرد لها ذكر في كتبهم، وصمتوا عنها صمتا تاما. # وفي عهد هذه الدولة كانت حملة حتشبسيوت التي أشرنا إليها في الفترة ~~السابقة. # وقد أظهرت الكشوف الحديثة أسماء ما يزيد عن عشرين ملكا من ملوك معين، وبرغم ذلك ~~فإنا لا نستطيع أن نكتب تاريخ معين السياسي. # أما أسماء ملوك التي عرفت فهي: ~~(1) # يثعيل صادق - وقاه إيل يثيع - أيليفع يشير - حفنوم ريان. ~~(2) # أيليفع يثيع - أبييدع يثيع - وقاه إيل ريام - حفنوم صادق - أيليفع ~~يتوش. ~~(3) # أيليفع واقه - وقاه إيل صادق - أبيكرب يثيع - عمييدع نابط. ~~(4) # أيليفع ريام - هوفا عاثت. ~~(5) # أبييدع - كليكرب صادق - حفن ياثع. ~~(6) # يثعيل ريام - تبعكرب. ~~(7) # أبييدع حفنوم. # وأما ما يمكن أن يستخلص من الحوادث المبعثرة عن تاريخ معين، فنذكره فيما ~~يلي: ms052 ~~(1) # أن التجارة كانت السبب الأول في ثراء معين؛ لأنها كانت تفرض ضرائب ~~على البضائع التي تمر بها، والتي كانت تنفرد بنقلها على الطريق ~~البري. ~~(2) # أن النظام الحكومي فيها كان إقطاعيا، أو شبه ذلك. ~~(3) # أن نفوذها السياسي كان يمتد إلى بلاد كثيرة، بما يقع على الطريق ~~التجاري، أو يتفرع منه، بدليل أنهم حصلوا على بعض نقود ونقوش وأختام ~~معينية في جنوب فلسطين وعلى طول نهر الفرات الأدنى. ~~(4) # أنه كان يعيش إلى جوار معين بعض دويلات، مثل جمهورية قتبان التي كانت ~~تطغى على أملاك معين. ~~(5) # أن السبئيين كانوا قبائل من البدو تغير على قوافل المعينيين. ~~(6) # أن السبئيين والقتبانيين تحالفوا على معين، وتمكنوا من ~~إسقاطها. ~~(7) # أن المعينيين كانوا يتكلمون نفس اللغة التي كان يتكلمها السبئيون ~~باختلاف في اللهجة. ~~(8) # أن نظام الوراثة في الحكم كان متبعا، كما يستنتج من تكرار بعض ~~الأسماء الملكية. ~~(9) # أن أسماء آلهة معين - وقد عرفوا منها الكثير - تشبه أسماء الآلهة ~~البابلية، ومنها اسم ود، ولكن المعلومات عنها - على حد تعبير دائرة ~~المعارف البريطانية - تلي الجهل بها. ~~(10) # أن عاصمة معين كانت تسمى قرناو، وموضعها الحديث مدينة معين، التي ~~تخلد ذكرى الاسم القديم، أما العاصمة الدينية فكانت يثيل، وموضعها ~~مدينة براقش الحديثة، وكلتا البلدتين في الجوف الجنوبي إلى الشمال ~~الشرقي من صنعاء عاصمة اليمن الحديثة. ~~(3-4) الدور السبئي # حكمت الدولة السبئية زهاء تسعة قرون، وهي أشهر دولة من دول بلاد العرب الجنوبية، ~~حتى ليطلق اسم السبئية من باب التساهل على كل الدول التي حكمت في جنوب بلاد العرب، ~~وقد تعاصر حكام هذه الدولة الأول مع آخر الحكام المعينيين. # وينسب العرب تأسيسها إلى عبد شمس بن يشجب، الذي يقولون إنه لقب بسبأ؛ لأنه أكثر ~~من الغزو في أقطار البلاد، وسبا خلقا كثيرا، وهو أول من سن السبي في العرب، ~~فالسبئيون في نظرهم من سلالة القحطانيين، وهناك رأي يقول بأن السبئيين أصلهم من ~~الأحباش، ولكن الأرجح أنهم قبائل من البدو وفدت من الشمال وسكنت اليمن إلى جوار ~~المعينيين، فعاصروهم مدة كانوا يغيرون فيها على ms053 قوافل معين، حتى تمكنوا بمساعدة بعض ~~الدويلات، مثل جمهورية قتبان، التي كانت قائمة إلى جوار معين من إسقاطها، وأقدم ~~اشارة إلى السبئيين في الخارج، نقش يرجع إلى تجلات بلسر الثالث (745-727ق.م) مؤسس ~~الإمبراطورية الأشورية الثانية، ونقش آخر يرجع إلى عهد سرجون الثاني (721-705ق.م) ~~يشير إلى يثعمر السبئي، ونقش ثالث يرجع إلى عهد سنحاريب حوالي (685ق.م) يشير إلى ~~كرب إيل السبئي، وتتحدث هذه النقوش عن هدايا كان يقدمها الحكام السبئيون إلى هؤلاء ~~الملوك، يرى بعض المؤرخين أنها كانت جزية، ولكنها لم تعد الهدايا لتحسين ~~العلاقات صيانة لمصالح العرب التجارية، وأورد الأستاذ فلبي في كتابه الأخير أنه ~~توجد أدلة على أنه في عهد سليمان كانت توجد قبيلة عربية تسمى سبأ تسكن الأقاليم ~~التي تقيم بها الآن قبيلتا شمر والرولة، وزعماء سبأ هذه هم الذين يعقل أنهم قدموا ~~الهدايا إلى سرجون الثاني وسنحاريب. # وتذكر التوراة - في سفر الملوك الأول الإصحاح العاشر - ملكة سبأ وزيارتها ~~لسليمان. كما نجد أيضا تفصيل قصة سبأ في القرآن الكريم في الآيات من 20 إلى 24 من ~~سورة النمل، وقصة سيل العرم في الآيات من 15 إلى 19 من سورة سبأ. # وبمراجعة النقوش التي حصل عليها في بلاد اليمن، يمكننا أن نقسم تاريخ الدولة ~~السبئية إلى قسمين: قسم يلقب فيه الحاكم بلقب مكارب سبأ، وقسم يلقب فيه الحاكم بلقب ~~ملك سبأ. # وليست لدينا معلومات محددة عن أعمال كل من هؤلاء المكارب أو الملوك، ولا عن مدة ~~حكم كل، ويتميز المكارب عن الملوك بأنهم كانوا يجمعون إلى الحكم الكهانة، أو ~~الرئاسة الدينية، وكانت عاصمة المكارب قصر سراوح، ومكانة مدينة خريبة الحديثة إلى ~~الشرق من صنعاء، أما عاصمة الملوك فكانت مدينة مأرب، التي تبعد نحو ستين ميلا إلى ~~الشرق من صنعاء، وتحدد سنة 600ق.م تقريبا لخاتمة عصر المكارب، وبدأ عصر الملوك، ~~والفترة الثانية كانت أزهر عصور التاريخ السبئي. # وفي أسماء المكارب والملوك يلاحظ - أكثر من مرة - تعاقب اسم كرب بعد يثعمر، كما ~~نلاحظ إضافة بعض الألقاب إلى أسماء الحكام، مثل وتار ms054 ومعناها العظيم، وذرح ومعناها ~~الشريف، وبين ومعناها الممتاز، وينوف ومعناها السامي، ويهنعم ومعناها ~~المسخر. ~~«كانت الكتابة اليمنية القديمة تدون بحروف منفصلة ساكنة ليست لها حروف حركة تحدد ~~النطق بالكلمات، فهي من هذه الناحية تشبه المصرية القديمة، وضبط النطق بالألفاظ ~~ليست إلا مسألة تخمينية، فلفظ مكارب مثلا كان يكتب م ك ر ب، ولفظ و ت ر يمكن أن ~~ينطق وتار أو واتر، إلخ.» # وفيما يلي ثبت بأسماء مكارب سبأ وملوك سبأ التي حصل عليها: # المكارب ~~(1) # زمر علي - سمهعلي ينوف - كرب إيل واتر - يثعمر بين. ~~(2) # سمهعلي - يدغيل ذرخ - يثعمر واتر - سمهعلي ينوف - يثعمر واتر - يدعيل ~~بين. ~~(3) # يثعمر - كرب إيل بين - سمهعلي ينوف. # ملوك سبأ ~~(1) # سمهعلي ذرخ - إيل شرح - كرب إيل. ~~(2) # يثعمر - كرب إيل واتر - يدعيل بين. ~~(3) # وهب إيل يحوز - كرب إيل واتر يهنعم. ~~(4) # وهب إيل - أنماروم يهمين. ~~(5) # زمر على ذارح - نشكرب يهمين - واتر واتروم يهمين - يكرب ملك واتر - ~~يريم أيمن. # وبهذه المناسبة نذكر أن لقب مكارب كان يحمله الحكام الأول لقتبان التي كانت ~~تتعاصر مع العهد الأول السبئي، وكانت عاصمتهم تمنع، وقد عرفت أسماء عدد من حكام ~~قتبان نذكرها فيما يلي: # يدعب ذبيان - شهير يجول - هوفاعم - شهير يجول يهرحب - درويل غبلان يهنعم - أبيشيم ~~- شهير غبلان - بعم - زمر علي - يدعب يفول. # وكانت أسرة همدان في ذلك العصر تتطلع إلى العرش، وقد كشفت النقوش عن أسماء بعض ~~أفرادها نذكرها فيما يلي: # أوس لات رفشان - يريم أيمن - بارج يهرحب - علهان - شعير أوتر - يريم أيمن - ~~والأخيران هما ولدا علهان. # وفي أواخر هذا العصر بدأت أسرة حمير تظهر لأول مرة كعدو خارجي لدولة سبأ، وقد ~~كشفت النقوش عن أسماء بعض شخصياتها نذكرها فيما يلي: # فرع ينهب - إلي شرح يحضب - يزل بين «والأخيران ولدا الأول» - نشا كرب يمن ~~يهرحب. # ملكة سبأ # لا يطعن عدم ذكر ملكة سبأ في النقوش ولا بين الأسماء التي ذكرناها آنفا في ~~صحة وجودها؛ فلقد ورد ذكرها في التوراة والتلمود والقرآن الكريم، ففي التوراة ~~ورد في الإصحاح العاشر من سفر الملوك الأول، الآيات ms055 من 1-14 ما خلاصته أن ملكة ~~سبأ سمعت بخبر سليمان، فأتت إلى أورشليم بموكب عظيم، بجمال حاملة أطيابا ~~وذهبا كثيرا وحجارة كريمة، وامتحنته بمسائل، فأخبرها بكل كلامها، وأنها لما ~~رأت حكمة سليمان والبيت الذي بناه، وطعام مائدته، ومجلس عبيده ... إلخ. قالت إنها ~~لم تصدق الأخبار حتى أبصرت بعينيها، وأنها رأت ضعف ما سمعت، وقدست إله إسرائيل، ~~وأن الملك سليمان أعطاها كل مشتهاها الذي طلبت، فانصرفت وذهبت إلى أرضها هي ~~وعبيدها، وفي الكتب الدينية اليهودية كالتلمود والترجوم تفصيلات وشروح مما ورد ~~في التوراة. # أما القرآن الكريم فقد ورد فيه ذكر سبأ في موضعين، الأول في سورة النمل ~~الآيات من 24-44 وفيه تفصيل لزيارة ملكة سبأ لسليمان، والموضع الثاني في سورة ~~سبأ الآيات من 15-19 وفيه ذكر لسد مأرب وسيل العرم وتفرق القبائل، وهذا الموضع ~~الثاني سنعود إليه عند الكلام عن سد مأرب. # أما قصة ملكة سبأ الواردة في سورة النمل، فخلاصتها أن سليمان عليه السلام ~~تفقد الطير فلم يجد الهدهد، فلما جاء الهدهد قال لسليمان أنه جاء من سبأ، وأنه ~~وجد امرأة تملكهم تسجد هي وقومها للشمس، وأن سليمان بعث معه بكتاب ألقاه للملكة ~~يطلب فيه ألا تعلو الملكة عليه وأن تأتي إليه مسلمة، وأن الملكة جمعت قومها ~~وشاورتهم في الأمر، فقالوا أنهم قوم أولو قوة وأنهم رهن أوامرها، وأنها أرسلت ~~بعد ذلك إلى سليمان بهدية تصانعه بها، فلما وصلت الهدية «أو الرشوة» سليمان لم ~~يقبلها وأظهر أنه أغنى منها، ثم هدد بأن يرسل إلى بلادها جنودا لا قبل لهم ~~بها، وأنها على أثر هذا التهديد جاءت إلى سليمان الذي شيد لها صرحا ممردا من ~~قوارير ووضع فيه عرشها، وأنها بعد أن رأت ما رأت، قالت: # رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب ~~العالمين ~~. # ويمكننا أن نستنتج من الآيات القرآنية التي وردت في ملكة سبأ ما ~~يأتي: ~~(1) # أن رسول سليمان عرف أخبار دولة جديدة على جانب من الغنى كانت ~~تملكها امرأة. ~~(2) # أن أهل هذه الدولة كانوا يعبدون الشمس # وجدتها ms056 وقومها يسجدون للشمس من دون ~~الله ~~. ~~(3) # أن دولة سبأ كان نظام الحكم فيها غير استبدادي بل شبه شورى، ~~بدليل ما ورد في الآية 23: # إني وجدت ~~امرأة تملكهم ~~، ولم يقل تحكمهم، والحكم يفيد ~~الحكم المطلق، والملك يفيد ولاية العرش فحسب، وبدليل ما ورد في ~~الآية 32: # قالت يا أيها الملأ ~~أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى ~~تشهدون ~~. ~~(4) # أن ملكة سبا تخوفت من سليمان وأرادت مسالمته بإرسال هدية إليه ~~كأنما هي ترشوه. ~~(5) # أن سليمان رفض الهدية «أو الرشوة» وهدد بغزو سبأ. ~~(6) # أن الملكة أذعنت وجاءت إلى سليمان الذي أعد لها قصرا وعرشا ~~أحاطه بما يأخذ بروعتها، وأنها في آخر الأمر آمنت بسليمان وأسلمت ~~معه. # ويمكن أن نستنتج من ثنايا النصوص: ~~(1) # أن دولة سبأ إبان هذه الفترة كانت ضعيفة النفوذ، بدليل أن الملكة ~~تخوفت من سليمان وملك سليمان لم يكن يتجاوز القرن الغربي للهلال ~~الخصيب إلا قليلا، وقد حدى هذا ببعض المؤرخين إلى القول بأن هذه ~~الملكة لم تكن تحكم بلاد سبأ الأصلية إنما كانت تحكم إحدى ~~المقاطعات الشمالية الواقعة على الطريق التجاري الذي كان يطرقه ~~المعينيون والسبئيون، وأن إمارتها هذه كانت على مقربة من فلسطين ~~مقر حكم سليمان. ~~(2) # كما يمكن أن يستنتج أيضا أنها كانت تحكم في منتصف القرن العاشر ~~قبل الميلاد؛ لأنها كانت تعاصر سليمان، وكان سليمان يحكم حوالي سنة ~~950ق.م. ~~(3) # أنها كانت من المكارب الأول الذين كانوا يجمعون بين الرئاسة ~~الزمنية والرئاسة الدينية. # ولم يرد في العهد القديم أو القرآن الكريم ذكر لاسم هذه الملكة، ولكن ~~المفسرين وبعض المؤرخين من العرب وبعض شراح التوراة، قالوا: إنها هي بلقيس بنت ~~شرحبيل، أو بنت الهدهاد، معتمدين في ذلك على بعض الإسرائيليات، والواقع أنه ~~كانت هناك ملكة تسمى بلقيس، هي إحدى ملكات الطبقة الثانية من ملوك حمير ~~المعروفة عند العرب بالتبابعة، حكمت في النصف الأول من القرن الرابع للميلاد، ~~وكانت ذكراها لا تزال تعمر أذهان بعض الناس، فحسبوها الملكة المعنية في ~~القرآن. # وقد يكون من المناسب هنا، أن نشير إلى ما يذكره ms057 مؤرخو العرب، عن الطريقة التي ~~تولت بها بلقيس الحكم، إذ يقولون إن أحد التبابعة المسمى مالك، كان فاحشا ~~فاسقا خبيثا، لا يبلغه عن بنت ذات جمال إلا أحضرها وفضحها، حتى أتى بنت عمه ~~بلقيس في قصرها، وكانت أعدت له رجلين وأمرتهما بقتله إذا دخل عليها، ولما قتلاه ~~أحضرت وزراءه وأصدقتهم الخبر، وفوضت لهم أن يختاروا رجلا يملكونه، فقالوا: لا ~~نرضى بغيرك، وملكوها لما رأوا من شهامتها وإبائها، وذلك على رغم كراهية العرب ~~لتولية النساء الحكم. # وقبل أن نختم الكلام عن ملكة سبأ، نرى أن نشير إلى أن بعض المفسرين وغيرهم من ~~المؤرخين، يشيرون إلى أن سليمان تزوج من ملكة سبأ، وأنجب منها ولدا، وللأحباش ~~أسطورة انفردوا بها في هذا الصدد؛ إذ يعتبرون أن بيتهم المالك يرجع في أصله إلى ~~ذلك الولد الذي أنجبه سليمان من سبأ، وهذا هو السر في أن نجاشي الحبشة كان ~~يلقب بالأسد الهابط من سبط يهوذا. # سقوط دولة سبأ # على الرغم من المبالغات التي تصحب الكلام عن غنى سبأ وحضارتها، إلا أنه مما ~~لا شك فيه، أنها كانت في القرون السابقة للميلاد في أوج عظمتها وازدهارها، ولقد ~~كان هذا الازدهار يعتمد على أساس واحد، هو التجارة؛ ذلك لأن الطرق البحرية بين ~~ثغور بلاد العرب الشرقية والهند كانت عامرة منذ قديم الزمان، وكانت الحاصلات ~~الهندية - وخاصة التوابل والحيوانات النادرة كالنسانيس والطواويس - تنقل إلى ~~ساحل عمان ومن هناك كانت تنقل عن طريق البر، حتى في القرن العاشر قبل الميلاد، ~~إلى خليج العرب «البحر الأحمر»، ومن هناك كانت تحمل في المراكب إلى مصر، حيث ~~يشتريها الفراعنة والعظماء، وكانت صعوبة الملاحة في البحر الأحمر تجعل طريق ~~البر مفضلا في نقل المتاجر بين اليمن والشام، فكانت طرق القوافل تبدأ من مدينة ~~شبوة «سابوتا عند اليونان والرومان» في حضرموت، وتسير إلى مأرب عاصمة سبأ، ~~ومنها إلى مكة، ومنها إلى البتراء «بطره» فغزة على ساحل البحر المتوسط، وقد ظل ~~رخاء السبئيين مستمرا حتى تحولت تجارة الهند عن الطريق البري إلى طريق البحر، ~~والراجح ms058 أن ذلك كان في أيام دولة البطالسة التي قامت في القرنين الثاني والأول ~~قبل الميلاد، بمشروعات تجارية ترمي إلى الأخذ بنصيب موفور من التجارة الشرقية، ~~ومن المشروعات التي قاموا بها في تحقيق هذا الغرض، تعبيد الطريق بين قنا ~~والقصير، وإعادة بطليموس الثاني (285-246ق.م) فتح القناة التي تصل النيل بالبحر ~~الأحمر، وبذلك صارت السفن تأتي من الشرق رأسا إلى مصر، واستطاع التجار ~~المصريون من البطالسة أن يخرجوا من البحر الأحمر إلى المحيط الهندي، وأن ~~ينافسوا التجار العرب منافسة خطيرة، فعملوا بذلك على تخفيض أثمان السلع تخفيضا ~~واضحا، بعد أن كان أهل الغرب يضجون من شدة الغلاء، ومن الأثمان الباهظة التي ~~كان يفرضها عليهم التجار من عرب الجنوب ثمنا لسلعهم، التي كانوا لا يجدون ~~محيصا عن دفع أثمانها نقدا لشدة حاجتهم إليها في الأغراض الدينية أو ~~الدنيوية. # وتذكر المراجع أن رجلا إغريقيا في أواخر العصر البطليموسي، أحاط علما ~~بخفايا الطرق البحرية، وتغييرات الرياح الموسمية، يدعى هيبالس - ويلقبونه ~~كولمبس تجارة البطالسة - نجح في الخروج إلى المحيط الهندي والعودة منه، وقد حمل ~~معه حمولة من السلع المرغوب فيها، ذات القيمة العالية، ومن بينها القرفة ~~والفلفل من الهند، وهي سلع كان الغربيون - بتمويهات التجار العرب - يعتقدون ~~أنها من منتجات بلاد العرب الجنوبية، وقد قفى على أثر هيبالس هذا كثيرون غيره، ~~فساهموا بذلك في ضرب الاحتكار العربي وتدميره، وترتب على ذلك أن انتقل ما كان ~~بأيدي العرب إلى أيدي المصريين، وقلت إيرادات سبأ، فلم تعد تحتفظ بمنشآتها ~~القديمة، كسد مأرب الذي أهمل، وانتهى به الأمر إلى أن يتصدع في أواخر القرن ~~الثاني قبل الميلاد (حوالي سنة 115ق.م) وكان تصدع سد مأرب، الذي كان من أعظم ~~المباني السبئية العامة، والذي تكاتف أكثر من ملك سبئي على إقامته لأغراض ~~اقتصادية، مؤذنا بسقوط دولة سبأ النهائي، وهجرة كثير من سكان اليمن إلى ~~الشمال. # وحادث تصدع سد مأرب أو سيل العرم، هو الذي أشار إليه القرآن الكريم في الآيات ~~من 15-19 من سورة سبأ. # هذا؛ ونظرا لأهمية سد مأرب، سنفرد ms059 للكلام عليه فقرات خاصة في آخر هذا ~~الباب. ~~(3-5) الدور الحميري # في الوقت الذي أخذت فيه دولة البطالسة في الازدهار، والاستيلاء على مقاليد ~~التجارة العربية، كانت دولة سبأ في دور الاحتضار، وانتهى الأمر بسقوطها كما بينا، ~~وعلى أثر سقوطها قامت مقامها الدولة المشهورة المسماة في التاريخ دولة حمير، ومن ~~حسن حظ هذه الدولة، أن في الوقت الذي أخذت تظهر فيه، ابتدأت دولة البطالسة تضعف ~~وتتلاشى أمام نفوذ دولة الرومان المتغلبة، وكانت نتيجة ذلك أن التجارة القديمة أخذت ~~تعود إلى طريقها القديم طريق البر، كذلك كانت دولة القتبانيين قد سقطت أيضا في ~~بلاد اليمن، فلم يكن للحميريين منازع في الطريق التجاري. # وقد عمرت دولة الحميريين نحوا من 640 سنة، يقسمها المؤرخون عادة إلى قسمين، ~~معتمدين في ذلك على اختلاف ألقاب الملوك الواردة في النقوش، وهما: ~~(1) # دولة حمير الأولى: من 115ق.م-300م. ~~(2) # دولة حمير الثانية: من 300م-525م. # وكانت عاصمة كل من الدولتين مدينة ريدان، وهي المشهورة فيما بعد باسم ظفار، إلى ~~الجنوب الغربي من صنعاء، وظفار هذه هي التي حلت محل مأرب عاصمة سبأ، وقرناو عاصمة ~~معين. # وكان لقب الملوك في الدولة الحميرية الأولى «ملك سبأ وذو ريدان»، أما الدولة ~~الحميرية الثانية «المعروفة عند العرب بدولة التابعية» فكان لقب ملوكها «ملك سبأ ~~وذو ريدان وحضرموت ويمنات»، وقد أضيف فيما بعد كلمات: «وعربهم في الجبال وفي ~~تهامة.» # ومن ملوك العصر الحميري الأول كشفت البحوث عن الأسماء الآتية: # ياسر يهنعم - شمر يهرعش - زمر علي بين - كرب إيل وتار يهنعم - هالك زمر علي ذارح ~~- لعز نوفان يهصدق - ياسر يهصدق - زمر علي يهبر - فرع ينهب - إيل شرح يحضب - يزل ~~بين - نشا كرب يمن يهرحب. # ومن ملوك الدولة الحميرية الثانية كشفت النقوش عن الأسماء الآتية: # ملكيكرب يهمين - داري أمر أيمن - أبو كرب أسعد «وهذان الأخيران ولدا الأول» ~~شرحبيل يعفور - شرحبيل يكف - لحيعت ينوف - ذو شناتر - معد يكرب ينعم - ذو ~~نواس. # وبرغم كشف هذه الأسماء، فإنا لا نستطيع أن نكتب تاريخا خاصا لكل منهم، كما ~~أنا لا نعرف على ms060 وجه الدقة مدة حكم كل. # الدولة الحميرية الأولى # حدثت في عصر هذه الدولة عدة حوادث، كان أهمها محاولة الرومان فتح بلاد العرب، ~~وذلك أنهم حوالي سنة 24ق.م في عهد الإمبراطور أغسطس قيصر أرسلوا حملة خرجت من ~~مصر، تحت قيادة حاكمها أيلوس ~~جالوس # Aelius Gallus # كان قوامها عشرة آلاف مقاتل، وكان هدفها الاستيلاء على ~~طرق النقل التي كان يحتكرها عرب الجنوب، واستغلال موارد اليمن لمصلحة روما، وقد ~~ساعد الحملة وزير دولة الأنباط المسمى سيلوس، وبعد مضي عدة شهور من توغلهم إلى ~~الجنوب، استولوا على نجران، وكادوا أن يصلوا إلى مأرب، ولكن يظهر أن دليل ~~الحملة سيلوس أنبه ضميره على خيانة بني جلدته العرب، وأحس بأنه يرتكب إثما ~~فظيعا في مساعدته للرومان، فتركهم يتيهون في الصحراء، التي لا يعرف مسالكها ~~إلا العرب، واضطروا أن يتلمسوا طريقهم إلى ساحل البحر الأحمر، ومن ثم عبروا إلى ~~الشاطئ المصري، وقد استغرقت عودتهم هذه ستين يوما، وكان يرافق هذه الحملة ~~المؤرخ المشهور استرابون، الذي كان صديقا شخصيا لجالوس والذي صب جام غضبه ~~على دليل الحملة سيلوس، وهكذا باء الجيش الروماني بفشل ذريع، ولم تفكر منذ ذلك ~~الوقت روما ولا أية دولة غربية غيرها، في محاولة فتح بلاد العرب الصحراوية، ~~وهذه الحملة تمت في عهد الملك إيلي شريح يحضب. # وفي عهد هذه الدولة أيضا، حدث أن هاجر جماعة من أهل اليمن إلى بلاد الحبشة، ~~فأنشئوا مستعمرة هناك، ونجحوا في إقامة ثقافة لم يكن من المحتمل أن يستطيع ~~الأحباش الوطنيون الوصول إليها، ولا نعلم علم اليقين الأهداف التي حملت هؤلاء ~~اليمنيين والحضارمة على استعمار الحبشة، إنما يرجح أن التجارة التي أشربتها ~~نفوس العرب كانت الباعث على هذا الاستعمار، ويعتبر هذا الغزو العربي لأفريقيا ~~أسبق من الغزو الإسلامي لها فيما بعد. # وينسب إلى أحد ملوك هذه الأسرة، المسمى إيلي شريحا «ولعله ليشرح ابن يحضب ~~الذي ذكره ياقوت في معجم البلدان» من ملوك القرن الأول المسيحي، أنه أسس قصر ~~غمدان المشهور في صنعاء، الذي كان مكونا من عشرين طبقة، فكان ms061 بذلك أول ناطحة ~~للسحاب روى التاريخ أخبارها، وقد شيد هذا القصر من الجرانيت والمرمر، وغطيت ~~أعلى طبقة فيه بصفيحة واحدة من حجر المرمر، الذي بلغ من شفافيته أن يستطيع ~~الإنسان النظر من خلاله والتطلع إلى السماء. # وكان الغرض من تأسيس هذا القصر وغيره من القصور، التي كانت شائعة في اليمن هو ~~حماية الأمراء الحضر لأنفسهم من غارات البدو. # وكان نظام الحكم في هذا العصر الحميري الأول نظاما إقطاعيا في أساسه، ~~ولكنه كان خليطا غريبا من النظام القبلي القديم ونظام الطبقات والأرستقراطية ~~والملكية الإقطاعية. # قرب نهاية هذا العصر الحميري الأول ابتدأت قوة عرب الجنوب تنزل من عليائها، ~~وقد كان ذلك نتيجة لتذبذبهم بين الطريقين البري والبحري في نقل المتاجر، يضاف ~~إلى ذلك مزاحمة الرومان لهم في الطريق البحري مزاحمة خطيرة وخاصة بعد تنظيم ~~المتاجرة البحرية خلال القرن الأول الميلادي، ولو أنهم ثبتوا على الطريق البري ~~عبر الحجاز، الذي كان غاصا بالمحطات الحميرية، وكان آمنا لا يزاحمهم فيه ~~آخرون، لكان خيرا لهم، وهذا الطريق البري بمحطاته المتعددة، هو الذي أشار إليه ~~القرآن الكريم في سورة سبأ آية 18-19 في قوله تعالى: # وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها ~~قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي ~~وأياما آمنين * فقالوا ربنا باعد بين ~~أسفارنا وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ~~ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل ~~صبار شكور ~~. # الدولة الحميرية الثانية # ولكن دولة حمير لم تلبث أن لمت شعثها حوالي سنة 300 ميلادية، وضمت إليها ~~القبائل المجاورة من بدو وحضر، فأخضعت حضرموت وكل بلاد اليمن، وأصبح لقب الملك ~~الحميري هو «ملك سبأ وذو ريدان وحضرموت ويمنات»، وبعد مدة قليلة أضيفت ألقابا ~~أخرى وهي: «وعربهم في الجبال وفي تهامة»، ويفهم من هذا أن الدولة الحميرية ~~الثانية أصبحت أشبه بالإمبراطورية، تخضع بلاد كثيرة لسلطانها، وهذه الدولة هي ~~المعروفة عند العرب باسم دولة التبابعة، ويرسم المؤرخون العرب إلى ملوكها قصصا ~~أشبه بالخرافة منها بالتاريخ الحقيقي، وسنعود لذكرها في الفقرة التالية، أما ~~النقوش فإنها تذكر لنا أسماء ms062 تسعة من ملوك حمير في ذلك العصر، وقد ذكرناها في ~~فقرة [الدور الحميري]. # ويمتاز هذا العصر الحميري الثاني بدخول المسيحية واليهودية إلى بلاد اليمن، ~~ومحاولة زحزحة الديانة الوثنية، التي كانت تدور حوله عبادة النجوم والكواكب ~~والشمس عنها، وقد بدأت المسيحية على المذهب المنوفستي القائل بأن المسيح له ~~طبيعة واحدة تسلك سبيلها إلى الجنوب من الشام، وكانت روما تشجع هذه الديانة ~~وتستعين بالأحباش الذين تنصروا أيضا على نشرها، وكان غرض روما من تشجيعها ~~للمسيحية، غرضا سياسيا أكثر منه دينيا. # وانتشرت في الوقت نفسه الديانة اليهودية في بلاد اليمن، وكانت قد توطنت قبل ~~ذلك في شمال بلاد العرب، وشجع الملوك الحميريون اليهودية، ليقاوموا المسيحية ~~دين عدوهم السياسي والاقتصادي. # وفي منتصف القرن الرابع الميلادي، غزا الأحباش بلاد اليمن ولكنهم لم يلبثوا ~~أن طردوا، وعاد الحكم إلى الحميريين، الذين ظلوا يحتفظون بلقبهم الطويل إلى ~~الربع الأول من القرن السادس الميلادي. # واعتنق الملك التالي على العرش اليهودية، سياسة منه لكي يعارض السياسة ~~الرومانية، ثم تولى بضعة ملوك كانوا يعتنقون اليهودية، وكان آخرهم ذو نواس، ~~الذي يسميه المؤرخون اليونان ديمانوس، وهو الذي جعل اليهودية دين الدولة ~~الرسمي، واضطهد النصارى في نجران كما سنبينه عند الكلام عن الدور ~~الحبشي. # حمير والتبابعة عند العرب # اشتهرت هاتان الدولتان شهرة واسعة، إلا أن المبالغات التي ذكرها المؤرخون ~~العرب جعلت من الصعب استخلاص شيء حقيقي مما ذكروه، ولا شك في أن نفوذ هذه ~~الدولة التجاري جعلها تبسط سلطانها على بعض أجزاء الجزيرة العربية في الشمال، ~~من ذلك أنها أقامت دولة في شمال شبه الجزيرة، تسمى دولة كندة، سنفرد لها فصلا ~~خاصا، ونكتفي هنا بذكر أشهر ملوك حمير والتبابعة مع نبذ من أخبارهم، كما ورد ~~في كتب العرب. ~~(1) # حمير - وهو في نظر نسابة العرب ابن سبأ - هو أول ملوكهم، كان ~~أجمل أهل زمانه وأفرسهم، وقيل إنه كان أول من تتوج بالذهب، وكان ~~مقر حكمه مدينة مأرب، وقد مد حكمه إلى حدود الصين، وكان ملكه خمسا ~~وثمانين سنة، وقيل: هو الذي أخرج ثمود ms063 من اليمن إلى الحجاز، ولما ~~مات وثب أخوه كهلان على الملك، ولكن أبناء حمير استردوه، وظلت ~~كهلان في الحدود فيما يلي الصحراء. ~~(2) # ثم تعاقب عدة من الملوك كان أشهرهم في كتب العرب شداد بن عاد بن ~~الملطاط، الذي قيل: إنه أخذ يغزو في البلاد حتى بلغ أقصى المغرب، ~~وبنى مدنا كثيرة. ~~(3) # ثم تولى آخرون، حتى آل الملك إلى عمرو بن عامر ماء السماء، ~~المعروف بميزيقيا؛ لأنه كان يلبس كل يوم حليتين منسوجتين بالذهب، ~~ويذكرون أن في عصره حدثت حادثة سيل العرم. ~~(4) # ثم تولى آخرون، حتى آل الملك إلى الحارث الرائش، وهو أول ~~التبابعة - ويقولون إن عددها 13 ملكا - وسمى بالرائش؛ لأنه أصاب ~~غنائم كثيرة في غزواته وأدخلها أرض اليمن، فرشا الناس ~~بالعطاء. ~~(5) # ثم ملك بعده ذو القرنين، وسمي كذلك لضفيرتين من شعره، كان ~~يرسلهما على قرنيه؛ أي جانبي رأسه، ويعتقدون أنه هو الذي ورد ذكره ~~في القرآن الكريم. ~~(6) # ثم تولى ذو المنار، وسمي كذلك لأنه كان يرفع المنارة ليهتدي ~~بها. ~~(7) # ثم تولى أفريقش، فغزا أرض المغرب، وبنى بها مدينة عظيمة. ~~(8) # ثم تعاقب الملوك، حتى تولت بلقيس بنت شرحبيل، وقد فندنا ما ينسب ~~إليها عند الكلام على ملكة سبأ. ~~(9) # وأشهر التبابعة على الإطلاق هو أسعد أبو كرب، الذي زعموا أنه غزا ~~أذربيجان وفارس، ولقي الترك وهزمهم، وقتل وسبا ثم رجع إلى اليمن، ~~وهابته الملوك، وهادنه ملوك الهند، ثم رجع لغزو الترك، وبعث ابنه ~~حسانا إلى الصغد، وابنه يعفر إلى الروم، وابن أخيه شمر يرعش إلى ~~الفرس، وأن شمر لقي ملك الفرس فهزمه، وملك سمرقند - التي تذكر ~~القصة أن اسمها مشتق من اسمه - فقتله، وجاز إلى الصين فوجد أخاه ~~حسانا قد سبقه إليها، فأثخنا في القتل وانصرفا بما معهما من ~~الغنائم إلى أبيهما، وبعث ابنه يعفر إلى القسطنطينية، فتلقوه ~~بالجزية والإتاوة، فسار إلى رومية وحاصرها ... إلخ. ~~(10) # ومن ملوكهم حسان بن تبع، وينسبون إليه أنه استباح طسما ونصر ~~جديسا، كما بينا ذلك في فقرة [أقصوصة طسم وجديس]. ~~(11) # ومن الملوك تبان أسعد، الذي يقال ms064 إنه بعد عودته من الغزو في ~~المشرق مر بيثرب ليحاربها، لأنهم قتلوا ابنا له غيلة، فكان سكان ~~المدينة - يثرب - يقاتلونه بالنهار ويقرونه بالليل، فأعجبه ذلك، ~~وكلمه حبران من أحبار اليهود فمال إلى دينهم واعتنقه. ~~(12) # ومن الملوك حسن بن تبان أسعد أبي كرب، ويقال إنه سار بالجيش يريد ~~أن يطأ بهم أرض الأعاجم، حتى إذا وصلوا العراق كرهت حمير المسير ~~معه، فكلموا أخا له يقال له عمرو فقتله وملكه الجيش، ولم ينهه من ~~الحميريين إلا ذو رعين، الذي كتب رقعة وختمها وأعطاها ~~للملك. ~~(13) # ومنهم عمرو بن تبان أسعد، الذي منع عنه النوم عندما ولي الملك ~~بسبب وخز ضميره لقتل أخيه، فأخذ يقتل كل رجل أشار عليه بقتل أخيه ~~حتى خلص إلى ذي رعين فقال له: إن لي عندك براءة، قال: وما هي؟ قال: ~~الكتاب الذي دفعت إليك، فأخرجه فإذا فيه البيتان الآتيان: # ألا من يشتري سهرا بنوم # سعيد من يبيت قرير عين # فإما حمير غدرت وخانت # فمعذرة الإله لذي رعين ~~(14) # وآخر ملوك التبابعة هو ذو نواس، وتتفق المراجع العربية مع الآثار ~~والمراجع اليونانية في أخبار هذا الملك، ويقولون: إنه سمي ذو نواس؛ ~~لأنه كان يرسل ذوائب من شعره على ظهره، وكان يهوديا، وهو صاحب ~~حادثة الأخدود التي ورد ذكرها في القرآن الكريم في سورة البروج ~~الآيات من 4 إلى 8، وتتلخص هذه الحادثة في أنه اضطهد النصارى، ~~وحارب أهل نجران واقتحم مدينتهم، وقبض على عدد كبير منهم وأحرقهم ~~بالنار، مما أدى إلى استنجادهم بالإمبراطور جوستنيان إمبراطور ~~الدولة البيزنطية التي كانت تنتحل لنفسها حق الإشراف على النصارى، ~~فكان أن أرسل الإمبراطور إلى ملك الحبشة لقربه من بلاد اليمن ~~وبصفته نصرانيا، فأغارت الحبشة على اليمن، وأسقطت دولة التبابعة ~~حوالي سنة 525 للميلاد كما سنبينه في الفقرة التالية: ~~(3-6) الدور الحبشي من 525-575 # ليست هذه أول مرة غزت فيها الحبشة اليمن، بل لقد سبق أن غزتها قبل ذلك مرتين أو ~~ثلاثا، فقد عثر النقابون على أثر باللغة الحبشية تسمى به ملك الحبشة «ملك أكسوم ~~وحمير ms065 وريدان وسلحين»، وقد أشرنا إلى غزو آخر في الفقرة السابقة. # ولم يكن الصراع بين الحبشة وحمير إلا صراعا بين اليهودية والمسيحية وكانت الحبشة ~~المسيحية تعضدها الدولة البيزنطية، التي كانت تنتحل لنفسها حماية المسيحيين كما ~~قدمنا. على أن هذا التعضيد من جانب الدولة البيزنطية لم يكن خالصا لوجه الدين؛ بل ~~كان للعوامل الاقتصادية والرغبة في السيطرة على تجارة المشرق أثر كبير فيه، ولقد ~~نجحت المحاولة في الآخر في سنة 525 إذا استمر خضوع اليمن للأحباش أكثر من نصف قرن، ~~هذا ما تقوله المراجع اليونانية، ويميل إلى الأخذ به المستشرقون، أما المؤرخون ~~العرب فيرجعون أسباب الغزو الحبشي إلى قصة أصحاب الأخدود، وهي في نظرنا تعتبر السبب ~~المباشر للحرب ولا تنفي تطلع الرومان إلى ذلك من قبل، ونحن نلخصها في الفقرة ~~التالية: # قصة أصحاب الأخدود # كان ذو نواس يهوديا، وبنجران بقايا من أهل دين عيسى بن مريم، لهم رئيس يقال ~~له عبد الله بن التامر، وكان من بقايا أهل دين عيسى رجل صالح يقال له فيميون ~~وكان سائحا لا يعرف بقرية إلا خرج منها إلى غيرها، فما زال يضرب في الأرض حتى ~~وصل إلى نجران، فوجد القوم هناك يعبدون نخلة، فقال: لو دعوت إلهي الذي أعبده ~~لأهلك النخلة، فقالوا: افعل، لئن فعلت دخلنا في دينك وتركنا ما نحن عليه، فصلى ~~فيميون ودعا الله تعالى فأرسل عليها ريحا فجففتها وألقتها، فاتبعه عند ذلك أهل ~~نجران. # وكان ذو نواس متعصبا لليهودية، وتابعته حمير عليها، كراهية منهم للأحباش ~~الذين يعتنقون المسيحية، واتخذ ذو نواس من قتل غلامين يهوديين تكأة للفتك ~~بنجران، فسير إليهم جيشا كبير العدد، ودخل مدينتهم وخيرهم بين اليهودية وبين ~~القتل، فاختاروا القتل، فخد لهم الأخدود فحرق بالنار وقتل بالسيف حتى قتل ~~قريبا من عشرين ألفا، ويرى الدكتور إسرائيل ولفنسن في كتابه «تاريخ اليهود في ~~بلاد العرب»، أن عدد القتلى مبالغ فيه؛ إذ لم تكن نجران سوى بلدة صغيرة لا يزيد ~~سكانها عن بضع مئات، وفضلا عن ذلك لم يقتل كل أهالي نجران، بدليل ms066 أن لهم ذكرا ~~في أخبار صدر الإسلام، فليس من شك في أن عدد القتلى لم يدرك عشرين ألفا بوجه ~~من الوجوه، فهي مبالغة ظاهرة سببها أن اضطهاد ذي نواس للنصارى كان عنيفا ~~جدا، حتى إنه ترك آثارا أهاجت النفوس العربية في البادية والحاضرة، وقتلى ~~نجران هم الذين أنزل الله تعالى فيهم قوله تعالى: # قتل ~~أصحاب الأخدود * النار ذات الوقود * إذ هم عليها قعود * وهم على ~~ما يفعلون بالمؤمنين شهود * وما نقموا ~~منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد ~~(الآيات من 4 إلى 8 من سورة البروج). # ودفع ذو نواس ثمن اضطهاده غاليا؛ إذ فر رجل من نجران يسمى دوس ذو ثعلبان ~~إلى إمبراطور الدولة البيزنطية، فاستنصره على ذي نواس وجنوده وأخبره بما فعل ~~بهم، فقال له قيصر: بعدت بلادك عنا، ولكن سأكتب إلى النجاشي ملك الحبشة وهو على ~~هذا الدين وقريب منكم، فكتب قيصر إلى ملك الحبشة يأمره بنصره. # غزو الحبشة لليمن # أرسل ملك الحبشة - وتسميه النقوش كلب إلى أصبحا - إلى بلاد اليمن سبعين ألف ~~جندي، يقال إن مراكب من مصر هي التي حملتهم إلى شاطئ اليمن، وأمر على الجيش ~~رجلا يقال له أرياط ومعه قائد يسمى أبرهة الأشرم «أبرهة شكل من اسم أبراهام» ~~فساروا في البحر حتى نزلوا بساحل اليمن، وجمع ذو نواس جنوده والتقى بالحبشة عند ~~ساحل عدن، ولكن جنود اليمن لم يكونوا مخلصين لذي نواس، فلم يلبثوا أن تفرقوا ~~دون كبير قتال، ولما رأى ذو نواس ما نزل به وبقومه اقتحم البحر بفرسه فغرق، ~~ودخل أرياط اليمن فهدم معظم حصونها وأذل حمير فقتل ثلث رجالهم، وبعث إلى ~~النجاشي بثلث سباياهم، واتخذ أرياط صنعاء مقرا للمستعمرة الجديدة، وهكذا ضاع ~~استقلال اليمن، وتحققت أطماع قيصر الروم، وكل ما بقي من الذكريات الرائعة لتلك ~~الذكريات الحميرية هو تخليد اسمها في شخص قبيلة من عدن. # اليمن تحت حكم الحبشة # نذكر هنا نصا كاملا لما أورده الدياربكري نقلا عن ابن إسحاق في الجزء ~~الأول من كتابه «الخميس في تاريخ أنفس نفيس» عن ms067 حكم الحبشة لليمن: # أقام أرياط السنين باليمن يحكمها باسم نجاشي الحبشة، ثم نازعه أبرهة ~~الحبشي، حتى تفرقت الحبشة عليهما، فانحاز إلى كل واحد منهم طائفة منهم، ~~ثم سار أحدهما إلى الآخر، فلما تقارب الناس أرسل أبرهة إلى أرياط: إنك ~~لا تصنع أن تلقى الحبشة بعضها ببعض حتى تفنيها شيئا بعد شيء، فابرز ~~إلي وأبرز إليك، فأينا أصاب صاحبه انصرف إليه جنده، فأرسل إليه ~~أرياط: أنصفت، فخرج إليه أبرهة وكان رجلا لحيما قصيرا وكان ذا دين ~~في النصرانية، وخرج إليه أرياط وكان رجلا جميلا طويلا وفي يده حربة، ~~وخلف أبرهة غلام له يمنع ظهره، فرفع أرياط الحربة فضرب بها أبرهة يريد ~~يافوخه، فوقعت الحربة على جبهة أبرهة فشرمت حاجبه وأنفه وعينه وشفته، ~~فبذلك سمي أبرهة الأشرم، وحمل الغلام على أرياط من خلف أبرهة فقتله ~~وانصرف جند أرياط إلى أبرهة فاجتمعت عليه الحبشة باليمن، فلما بلغ ذلك ~~النجاشي غضب غضبا شديدا، وقال: عدا علي وعدا على أميري فقتله من ~~غير أمري. ثم حلف لا يدع أبرهة حتى يطأ بلاده ويجز ناصيته، فحلق أبرهة ~~رأسه وملأ جرابا من تراب اليمن ثم بعث به إلى النجاشي، ثم كتب إليه: ~~أيها الملك إنما كان أرياط عبدك وأنا عبدك، اختلفنا في أمرك إلا أني ~~كنت أقوى على أمر الحبشة، وأضبط لها وأسوس منه، وقد حلقت رأسي كله حين ~~بلغني قسم الملك وبعثت إليه بجراب من تراب أرضي ليضعه تحت قدميه فتبر ~~قسمه في، فلما انتهى ذلك إلى النجاشي رضي عنه وكتب إليه أن اثبت بأرض ~~اليمن حتى يأتيك أمري، وأقام أبرهة باليمن. ~~(أ) محاولة أبرهة غزو الكعبة # لما دام ملك أبرهة باليمن وتمكن به بنى القليس - وهي تحريف للكلمة اليونانية ~~إكليزيا ومعناها كنيسة - بصنعاء وهي كنيسة لم ير مثلها في زمنها، ثم كتب إلى ~~النجاشي: إني قد بنيت كنيسة لم ير مثلها، ولست بمنته حتى أصرف إليها حج ~~العرب، فلما تحدثت العرب بذلك غضب رجلان من قبيلة، فقيم فأتيا الكنيسة فدنسا ~~قداستها ثم لحقا بأهلهما، فأخبر ms068 بذلك أبرهة وعرف أنهما وثنيين من أهل البيت ~~الذي تحجه العرب بمكة، فغضب وحلف ليسيرن إلى البيت فيهدمه، وأمر الحبشة ~~فتجهزت، وكان مع الجيش ثلاثة عشر فيلا بينها فيل كبير اسمه محمود «وكلمة محمود ~~تحريف للفظ ماموث # Mammoth # ومعناها فيل»، وخرج ~~على الجيش رجل من أشراف اليمن يقال له ذو نفر فقاتلهم، فهزم ذو نفر وأخذ ~~أسيرا، ثم خرج عليه نفيل الخثعمي فانهزم نفيل وأخذ أسيرا، فضمن لأبرهة أن ~~يدله على الطريق، ومر على الطائف فبعثت معه ثقيف أبا رغال ليدله على الطريق حتى ~~أنزله المغمس، فلما نزله مات أبو رغال فرجمت العرب قبره، وبعث أبرهة نفرا إلى ~~مكة فساق أموال أهلها وساق فيها مائتي بعير لعبد المطلب بن هاشم، ثم بعث واحدا ~~من حمير إلى مكة فقال: سل عن سيد قريش وقل له: إنني ما جئت لحربكم بل جئت لهدم ~~هذا البيت، وانطلق عبد المطلب مع الحميري إلى أبرهة فأذن له بالدخول، وكان عبد ~~المطلب رجلا عظيما جليلا وسيما، فلما رآه أبرهة أجله وأكرمه، فنزل عن ~~سريره وأجلسه إلى جنبه على بساط وقال لترجمانه: قل له: ما حاجتك؟ فقال عبد ~~المطلب: حاجتي أن يرد علي مائتي بعير أصابها لي. فقال أبرهة: كنت أعجبتني ~~حين رأيتك، ثم زهدت فيك حين كلمتني، أتكلمني في إبلك وتترك بيتا هو دينك ودين ~~آبائك قد جئت لهدمه؟! فقال عبد المطلب: أنا رب الإبل وللبيت رب يمنعه، وأمر ~~أبرهة برد إبله إليه، وانصرف عبد المطلب إلى قريش وأخبرهم الخبر، فأخذوا يدعون ~~الله ويستنصرونه على أبرهة، ثم انطلقوا إلى شعف الجبال فتحرزوا فيها، وحاول ~~أبرهة توجيه الفيل إلى مكة، فألقى الفيل نفسه إلى الأرض، فوجهوه راجعا إلى ~~اليمن فقام يهرول، ووجهوه إلى الشام وإلى المشرق ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى مكة ~~فسقط إلى الأرض، ثم أرسل الله عليهم طيرا أبابيل من البحر، يقول ابن الأثير: ~~إنها أمثال الخطاطيف، مع كل طير منها ثلاثة أحجار تحملها، حجر في منقاره وحجرين ~~في رجليه، فقذفتهم بها، وهي مثل الحمص ms069 والعدس ... إلخ. # وكانت النتيجة أن انهزم جيش أبرهة وفشلت حملته. # وكان سبب تدمير الجيش الحبشي انتشار الجدري، وهو الذي أشار إليه القرآن ~~الكريم في قوله تعالى: # ترميهم بحجارة من ~~سجيل # وهذا العام الذي حدثت فيه هزيمة الحبشة هو المعروف بعام ~~الفيل نسبة إلى الفيل الذي رآه العرب لأول مرة في هذه الحملة، وفي هذا العام ~~ويقابل 571 كان ميلاد النبي عليه الصلاة والسلام. ~~(ب) سوء سيرة الأحباش في اليمن # لم يكد يعود أبرهة إلى اليمن حتى مات، فملك بعده ابنه يكسوم، فأساء السيرة في ~~اليمن وأذلهم، وتولى بعده أخوه مسروق فسار على خطته، فلما اشتد البلاء على أهل ~~اليمن فكروا في التخلص من الحبشة بأي ثمن كان، وقاد حركتهم هذه رجل من الأشراف ~~يسمى ذو يزن كان قد اعتدى أبرهة على زوجه، فاستنصر عليه كسرى فأبطأ عليه حتى ~~مات ببابه، وتولى ابنه سيف بن ذي يزن قيادة الحركة من بعده، وسيف بن ذي يزن هذا ~~بطل من أبطال القصص والتاريخ معا، والظاهر أن الحركة الوطنية في اليمن ضد ~~الأحباش لقيت في آخر الأمر تعضيدا من فارس؛ لأن الأحباش هم صنائع عدوتها ~~بيزنطة، على أن الغريب في الأمر أن سيف بن ذي يزن، وهو يعتقد أن اليمن لا يمكن ~~أن تتخلص من الأحباش إلا بتدخل أجنبي، لم يلتمس التدخل من فارس مباشرة، إنما ~~لجأ إلى قيصر الروم بالقسطنطينية، وكان طبيعيا أن لا يعير قيصر الروم أمره ~~اهتماما؛ لأنه هو الذي حرك الأحباش لغزو اليمن، فولى وجهه شطر النعمان بن ~~المنذر ملك الحيرة يطلب إليه تقديمه لكسرى ملك الفرس لعرض قضيته، وقبل النعمان ~~بن المنذر الوساطة. ~~(3-7) الدور الفارسي # قال الدكتور هيكل باشا في كتابه «حياة محمد»: «فلما دخل النعمان على كسرى دخل سيف ~~بن ذي يزن معه، وكان كسرى يجلس في إيوان مجلسه وقد جمع فيه أجزاء عرش دارا، وكانت ~~موشاة بصور رسوم المجرة، فإذا كان في مشتاه وضعت هذه الأجزاء يحيط بها ستار من ~~أنفس الفراء، تتدلى أثناءه ثريات من ms070 فضة وأخرى من ذهب ملئت بالماء الفاتر، ونصب ~~فوقها تاجه العظيم، يضيء فيه الياقوت والزبرجد واللؤلؤ بالذهب والفضة، مشدودا إلى ~~السقف بسلسلة من الذهب، فما يلبث من يدخل إلى مجلسه أن تأخذه رهبته حين يراه، وكذلك ~~كان شأن سيف بن ذي يزن، فلما تطامن وسأله كسرى عن أمره وما جاء فيه قص عليه أمر ~~الحبشة وظلمها لليمن.» # وتروي كتب التاريخ الأخرى أن كسرى قال: بعدت بلادك مع قلة خيرها، فلم أكن لأورط ~~جيشا من فارس بأرض العرب، لا حاجة لي بذلك، ثم أجازه بعشرة آلاف درهم، وخرج سيف ~~فنثر ذلك المال على حاشية الملك، وسمع كسرى فاستدعاه وقال له: كيف تعمد إلى حباء ~~الملك تنثره للناس، فقال: وما أصنع بهذا، ما جبال أرضي التي جئت منها إلا ذهبا ~~وفضة، يقصد سيف أن يرغبه فيها، فنجحت حيلة سيف، فأرجأ الأمر حتى يستشير رجال دولته، ~~فقال قائل منهم: أيها الملك، إن في سجونك رجالا قد حبستهم للقتل، فلو أنك بعثتهم ~~معه فإن يهلكوا كان ذلك الذي أردت بهم، وإن يظفروا كان ملكا ازددته، فبعث معه كسرى ~~من كان في سجونه وكانوا ثمانمائة رجل، واستعمل عليهم وهزر وكان ذا سن فيهم وأفضل ~~أولئك المجرمين حسبا، وتقول القصة: إنه لطعنه في السن كانت جفونه مدلاة فوق عينيه، ~~فكان إذا أراد الرمي عصبوا له جفنيه إلى أعلى حتى يتمكن من إصابة الهدف. # وأبحرت الحملة يرافقها سيف في ثمان سفائن، غرقت منها سفينتان ووصلت السفائن الست ~~إلى شاطئ حضرموت وعليها الجيش الفارسي، وقد بلغت عدته ستمائة وانضم إليهم عدد كبير ~~من اليمنيين، ووصلت أخبار الجيش إلى مسروق حاكم الحبشة، فخرج على رأس قوته ليلاقي ~~الغزاة، ويقولون إنه أحرق سفنه حتى لا يفكر الجيش في العودة، ثم تصاف الجيشان، ~~فقال وهزر: أروني ملكهم، فأشاروا إلى رجل على الفيل عاقد تاجه على رأسه، بين عينيه ~~ياقوتة حمراء في حجم البيضة، وأطلق وهزر سهمه فصك الياقوتة التي بين عيني مسروق، ~~فتغلغلت النشابة في رأسه حتى خرجت من قفاه ونكص ms071 عن دابته، وكان سقوط الملك نذير ~~الفشل في صفوف الأحباش الذين تفرقوا، فتعقبهم الفرس والعرب بالقتل والتذبيح، ودخل ~~وهزر صنعاء بعد أن هدموا له بابها؛ لأنه لم يرد أن يدخلها منكسا رايته، وتختلف ~~الروايات في تفصيل ما حدث بعد ذلك، فمعظم المراجع العربية تقول: إن وهزر أرسل إلى ~~كسرى يعلمه بالفتح فبعث إليه بأموال، فكتب إليه أن يملك سيف بن ذي يزن، فعاد وهزر ~~إلى فارس، وجلس سيف على سرير اليمن، واتخذ قصر غمدان مقرا له، وجاءته وفود العرب ~~تهنئه ومن بينها وفد برئاسة عبد المطلب زعيم مكة الذي أكرم سيف وفادته وخصه بعشرة ~~أمثال ما أعطى الآخرين، ثم أخذ سيف يطوف بلاد اليمن يطلب الأحباش فلا يقف على أحد ~~منهم إلا قتله، وكان يبقر بطون النساء، ولم يبق من الأحباش إلا جماعة قليلة ~~جعلهم عبيده، فكانوا يمشون بين يديه بالحراب حتى إذا خلوا به في الصحراء وقد خرج ~~إلى الصيد انقضوا عليه بالحراب وقتلوه ثم هربوا، وبلغ الخبر كسرى فبعث إليهم وهزر ~~ثانية في أربعة آلاف فارس، وأمره أن لا يترك باليمن حبشيا ولا سلالة حبشي من ~~عربية، وفعل وهزر ما أمره كسرى فعينه كسرى حاكما على اليمن يبعث إليه بخراجها. هذه ~~رواية معظم الكتب العربية. أما بعض المراجع الأجنبية فتقول بأن الفرس بسطوا نفوذهم ~~على اليمن مباشرة، وكان وهزر مندوبا ساميا له الحكم الفعلي، ولسيف بن ذي يزن ~~الحكم الرسمي إلى أن قتل. # ولما مات وهزر أقام كسرى مكانه ابنه المرزبان ثم حفيده، وكان خامس ولاة الفرس على ~~اليمن وآخرهم باذان الذي اعتنق الإسلام في سنة 628م، وهي السنة السادسة للهجرة، وظل ~~واليا عليها حتى سنة 632م، وهي السنة التي دخلت فيها في حوزة الإمبراطورية ~~العربية، وبذلك انتهى حكم فارس. # وانتهت في نفس الوقت أهمية اليمن في مجرى التاريخ العربي؛ إذ حلت محلها الحجاز في ~~استرعاء الانتباه العام. # ونصف في الفقرات التالية أهم مظاهر الحضارة في دول بلاد اليمن القديمة منذ أقدم ~~العصور إلى أن ظهر الإسلام. ~~(4) الحكومة ms072 والحالة الاجتماعية # كانت حكومات اليمن تقوم على قبائل لا تربط بينها روابط القربى بقدر ما تربط روابط ~~المصلحة، وكان نظام الحكم ملكيا وراثيا في الأبناء أو الإخوة، وفي بعض الأحيان كان ~~يشرك الملك ابنه معه في الحكم على غرار ما كان يصنع ملوك الأسرة الثانية عشرة المصرية، ~~وكان للنساء حق وراثة العرش كالرجال، كما حدث في الدولة المصرية القديمة أيضا، ولكن ~~الملكية لم تكن مطلقة، بل كانت مقيدة؛ إذ كانت توجد مجالس لها صفة نيابية تمد الملك ~~بالمشورة والنصيحة وتساعده في المسائل التشريعية، تؤيد ذلك النقوش التي كشفت كما يؤيده ~~القرآن الكريم في قصة سليمان وملكة سبأ التي أشرنا إليها آنفا؛ إذ قالت لما ألقي إليها ~~كتاب سليمان يطلب إليها فيه أن تأتي مسلمة: # قالت يا أيها ~~الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى ~~تشهدون ~~(الآية 32 من سورة النمل). فالنقوش هنا تتفق مع ما جاء في ~~القرآن تماما. # ثم إن نظام الحكم الذي كان في قتبان وفي غيرها من الحكومات كان يسمح لمجلس من الشيوخ ~~بأن يهيمن إلى حد ما على تصرفات الملك ولو أن السياسة العامة كانت تقررها جمعية عمومية ~~من رجال القبائل. # وكانت الأوامر الملكية تصدر على هيئة مراسيم، وتكتب في غالب الأحيان على لوحات من ~~البرونز أو الحجر وتعرض في الطرق العامة أو المعابد ليراها الناس جميعا، وقد عثر ~~المنقبون على مجموعة كبيرة من هذه اللوحات التي كثيرا ما كانت تزخرف من أعلاها أو ~~أسفلها بنقوش مختلفة يمثل بعضها أبا الهول المجنح أو النخيل أو غير ذلك، وكان الملوك ~~يلبسون مآزر محوكة بالذهب ويتحلون بأساور ثمينة في أذرعهم، ويمكننا أن نستنتج من رسوم ~~الملوك على النقود أنهم كانوا يرسلون شعور رءوسهم ولا يرسلون شواربهم أو لحاهم، كما كان ~~يفعل قدماء المصريين. # وساد الحكم الإقطاعي في اليمن، فكان الملك على رأس المملكة والبلاد تقسم إلى مخاليف ~~«جمع مخلاف»، وكل مخلاف يقسم إلى محافد «جمع محفد»، وكل محفد يقسم إلى قصور أو حصون، ~~وأصحاب المخاليف يسمون ms073 أقيال «جمع قيل»، وأصحاب المحافد يسمون أذواء «جمع ذو»، وفي ~~الغالب كان المحفد ينسب إلى أشهر قصر فيه، والمخلاف إلى أشهر محفد فيه، وفي بعض ~~الأحيان كان ينسب كل إلى إله المنطقة، وكثيرا ما كان يطغى أحد الأقيال على مخلاف جاره ~~إذا أنس من نفسه قوة فيضمه إليه، بل وكان يطمع بعض الأحيان أحد الأقيال في الملك، فينزل ~~الملك عن عرشه ويتولى مكانه، وكان يساعد هؤلاء أن الملوك قلما كانوا يعتنون بتنظيم ~~الجند لقلة الحروب والفتوح، ويشبه هذا النظام كثير الشبه النظامي الإقطاعي الذي قامت ~~عليه الأسرة الثانية عشر في تاريخ مصر القديم، أو النظام الإقطاعي في العصور الوسطى في ~~أوروبا، وكانت طبقات الشعب تشبه طبقات النظام الإقطاعي فكان هناك أشراف وملاك ورقيق عدا ~~جاليات الأجانب، وكانت تفرض على الأراضي ضرائب ثلاث، وليست لدينا معلومات عن قيمة هذه ~~الضرائب، ولكن النقوش تدل على أنها كانت تحدد والمحاصيل في الحقول، وكان للكهنة الحق في ~~فرض الضرائب وفي أخذ الزكاة، وكان يسخر الناس في تشييد المباني العامة. # وذكر استرابون أن الرياسة في العائلة كانت لأكبرها سنا، وأن أموال العائلة ومتاعها ~~كان شركة بين أفرادها، وأن زواج الأخت وزواج الأم وجمع المرأة بين أزواج عدة كان ~~معروفا، كما كان يعاقب بالموت من يتزوج من غير أسرته، وبعض هذا كان شائعا عند قدماء ~~المصريين، فقد كان الأخ يتزوج أخته والابن يرث أباه في زوجاته، ولا نعلم مبلغ صحة ما ~~ذكر عن اليمانيين. ~~(5) التجارة والزراعة والصناعة والفنون # قامت حضارة بلاد اليمن على التجارة بحكم توسطها بين أمم العالم القديم، فكانت تأتي ~~إليها المتاجر من الهند وجزائر الهند الشرقية وبلاد الصين وسواحل أفريقيا، فترسو بها ~~السفن على شواطئ اليمن ثم تنقل إلى صنعاء أو مأرب حيث تحملها ظهور الإبل في قوافل ضخمة ~~إلى الشام والعراق ومصر وحوض البحر الأبيض المتوسط، وكانت سبأ تتقاضى مكوسا وضرائب ~~جمركية على البضائع المارة بها، وكانت قوافلها تحمل متاجر البلاد الشمالية إلى اليمن، ~~كما كانت تحمل معها بعض الإماء من غزة ms074 أو يثرب أو غيرها للخدمة في المعابد، وكان أكثر ~~ما تحمله القوافل إلى الشمال الذهب والقصدير والعاج والتوابل وريش النعام والقطن ~~والحجارة الكريمة، وكان من بين ما تحمله إلى الشمال بعض ما تنتجه أرض اليمن نفسها ~~كالبخور والمر واللادن والعطور والطيب والصموغ مما كان يحتاج إليه في المعابد، وكانت ~~ترجع القوافل بحاصلات الشمال التي أهمها الحنطة والزيوت والخمور والمنسوجات والأصباغ ~~والآنية وسبائك الفضة، وكانت التوابل والبخور من السلع المقدسة التي لا يجوز أن يتجر ~~فيها كل إنسان، والتي كانت قاصرة - كما ذكر بليني - على ثلاثة آلاف عائلة من الأشراف ~~كانوا يدفعون عنها زكاة لمعبد شبوة. # أما الصناعة فقد اشتهرت بها بلاد اليمن من قديم، فكانت تنسج المواد الخام التي كانت ~~تستوردها من الهند، والبرد اليمنية مشهورة، وأكثر منها شهرة السيوف التي كانت تصنع ~~هناك، وقديما كانوا إذا أرادوا امتداح سيف قالوا: «سيف يماني»، وكذلك كانت تدبغ ~~الجلود وتصنع منها الدروع السميكة. # ووجه أهل اليمن قديما عناية للزراعة، ولم يكونوا يزرعون السهول المنبسطة فحسب؛ بل ~~كانوا يزرعون سفوح الجبال أيضا بعد تهيئتها طبقات الواحدة تلو الأخرى، وقد عنوا ~~عناية كبيرة بمسائل الري وحفر القنوات لتوصيل الماء إلى مدرجات السفوح المنزرعة، كما ~~أنشئوا مئات السدود لخزن الماء في أيام المطر ورفع مستواه ليصل إلى السفوح، وكانوا ~~يعنون بوجه خاص بزراعة النباتات النادرة والفواكه والكروم، حتى لقد ذكر الهمداني ~~صاحب كتاب صفة جزيرة العرب أسماء أكثر من عشرين صنفا من العنب. # وكان أهل اليمن الأقدمون مهرة في فن العمارة ونحت الأحجار، يدلنا على ذلك ما خلفوه ~~وراءهم من سدود وقصور وحصون ومدائن ومعابد وحياض لخزن الماء، وإن ما ذكره الهمداني من ~~وصف قصر غمدان ومن أنه كان عشرين طبقة بعضها فوق بعض، بين كل سقفين عشرة أذرع، ومن أن ~~بانيه لما بلغ غرفته العليا أطبق سقفها برخامة واحدة شفافة ليس فيه مبالغة، ويدل على ~~مهارتهم، وأن ما بقي من الآثار يصعب على الإنسان أن يرى الفواصل بين حجارتها، وكانت ~~تزخرف مبانيهم نقوش كتابية ms075 ورسوم تمثل حيوانات أو زخارف من ورق الشجر، وهي تدل جميعها ~~على مهارة في الحفر الغائر في الحجر. أما صناعة التماثيل فلم تكن متقدمة كما كانت عند ~~المصريين واليونان أو حتى عند الآشوريين، فكان الجسم ينحت كتلة صماء، أما الوجه فكانت ~~لا تجري فيه أية حياة ولا يعبر عن شيء، وكانت النسبة في معظم الأحيان بين أجزائه خاطئة، ~~والظاهر أن القوة الفنية للابتكار لم تكن قوية فيهم، فإن أحسن نماذجهم الفنية في الآنية ~~أو التماثيل يظهر فيها الأثر الأجنبي إن لم تكن صنعتها يد أجانب، وصكوا عملتهم في أول ~~الأمر على غرار العملة اللاتينية، ولكن صناعتها تدهورت في آخر الأمر وكانت تقليدا ~~ضعيفا للنقود الرومانية. # وكان لأهل اليمن نظام غريب في تشييد مدافنهم ومعابدهم، فمدينة مأرب عاصمة سبأ تدل ~~أنقاضها الحالية على أنها كانت مستديرة الشكل تماما، ويرجح أن ذلك كان راجعا إلى ~~اعتبارات دينية، وكان بعض مبانيهم بيضي الشكل كالأثر المعروف الآن باسم حرم بلقيس ولعله ~~كان معبدا، ونلاحظ أن معظم المدائن اليمانية كانت تبنى على مرتفعات، وهذا طبيعي في ~~بلاد حارة كبلاد اليمن. # وقد عرف اليمانيون العقد المدبب، ولا تزال كثير من الأحواض التي بنوها لخزن المياه ~~مستعملة إلى الآن، أما قصور اليمن فقد أطنب شعراء العرب في التغني بها ووصفها في ~~أشعارهم، ولا تزال أنقاض بعضها قائمة إلى الآن. # أما أشهر مباني العرب، فهو سد مأرب، ولأهميته سنفرد له فقرتين، نذكر فيهما تاريخه ~~وتصدعه وما ترتب على ذلك. ~~(6) اللغة والدين # كان أهل اليمن يتكلمون لغة سامية، ولكنها ليست اللغة العربية الشمالية التي نتكلمها ~~الآن، وهي تمت إلى الحبشية بصلة، ويعتبرها علماء اللغات من لغات القسم الجنوبي ~~للمجموعة السامية، وقد تفرعت إلى لهجات بحسب عصور الحكم، منها اللهجة المعينية واللهجة ~~السبئية واللهجة الحميرية. والكتابة اليمنية القديمة ليست لها حروف حركة تحدد النطق ~~بالكلمات، فهي من هذه الناحية تشبه الكتابة المصرية القديمة. وضبط النطق بالألفاظ فيها ~~ليست إلا مسألة تخمينية. وحروف الكتابة لا تتصل، إنما يفصل بين الكلمات فاصل، ms076 وأبجديتها ~~مثل الأبجدية الفينيقية مقتطعة من الأبجدية السينائية التي كشفت في السنوات الأخيرة في ~~سرابيط الخادم بسيناء، وكان كل من تجار العرب والفينيقيين قد نقلوها من سينا، وهذه ~~مأخوذة من الخط المصري القديم. ويعرف الخط اليمني القديم بالمسند، وهو اسم أطلقه علماء ~~المسلمين عليه؛ لأن الحروف فيه تستند إلى أعمدة، وتتكون الأبجدية من تسعة وعشرين حرفا، ~~هي الحروف الثمانية والعشرون للأبجدية العربية، تضاف إليها السين الثانية العبرية، وكان ~~اليمنيون يكتبون من اليمين إلى اليسار، وبعض النقوش القديمة يقرأ منها سطر من اليمين ~~إلى اليسار وسطر من اليسار إلى اليمين على التعاقب، وقد ظل الخط الحميري «المسند» يقرأ ~~إلى صدر الإسلام، حتى أدخل الإسلام في بلاد اليمن مع العقيدة الدينية لغة القرآن ~~«العدنانية المضرية أو القرشية الفصحى» ومحا محوا تاما كل اللهجات الجنوبية، التي ~~كانت قد ضعفت لأسباب شتى، ونسي أهل اليمن مع نسيانهم للغتهم القومية أخبار أقوامهم ~~السابقين (راجع تاريخ اللغات السامية، الدكتور إسرائيل ولفنسون، والجزء الأول من كتاب ~~الأساس للدكتور العناني). # هذا؛ ولا يزال المستشرقون يجدون صعوبة كبيرة في ترجمة النقوش العربية الجنوبية، وأن ~~معاني شطر كبير منها لا يزال موضع خلاف بينهم. # وقد ذكر الأستاذ فلبي في مقدمة كتابه الأخير عن عصر ما قبل الإسلام الذي أشرنا إليه ~~آنفا أنه يستطيع أن يدعي أنه قد قرأ بقدر الاستطاعة وهضم بالفعل كل النقوش العربية ~~الجنوبية، وعدتها نحو 6000 نقش، هي كل التي كشفت أو على الأقل نشرت ... وأنه عندما يعتزم ~~تفصيل المختصر الذي كتبه عن تاريخ العرب قبل الإسلام بالتدريج وينتوي أن يؤيد آراءه ~~بإضافة ملحق إلى الكتاب يتضمن ترجمة إنجليزية لكل النقوش العربية الجنوبية ذات الأهمية ~~التاريخية. # ولا شك أن اليمانيين الأقدمين كانت لهم آداب؛ لأنهم ضربوا في المدنية بسهم وافر، ولكن ~~لم يصلنا من آدابهم شيء، أما النقوش التي وصلتنا فإنها لا تتضمن إلا أدعية واستغفارات ~~أو مراسيم ملكية تتعلق بالري أو الضرائب أو ما شاكل ذلك، وقد قسمها العلماء إلى الأقسام ~~الستة التالية: ~~(1) # نقوش معمارية وجدت ms077 على جدران المعابد وغيرها من المباني العامة تخليدا ~~لذكرى بانيها أو من اشتركوا في إقامتها. ~~(2) # نقوش تاريخية دونت عليها أخبار بعض المعارك، أو أعلن فيها ذكرى بعض ~~الانتصارات. ~~(3) # نقوش دينية محفورة على لوحات من البرونز أقيمت في المعابد قربانا ~~للآلهة. ~~(4) # نقوش جنائزية أو قبريات. ~~(5) # قوانين عسكرية محفورة على أعمدة في مداخل المباني العامة أو ~~المعابد. ~~(6) # نقوش تتضمن وثائق قانونية تنم عن نظام دستوري طويل العمر. # أما ما ينسب إلى بعض ملوكهم من شعر أو غيره بالعربية الفصحى، فليس إلا بعضا من خيال ~~المؤرخين والمتأخرين. # أما ديانتهم فقد نقلت إلينا النقوش أسماء معابد كثيرة، وأكثر من مائة إله، ولكن لا ~~نعرف عن هذه الآلهة إلا أسماءها، ولا شك أن بعض الآلهة كان يعبد في كل البلاد، وأكبر ~~آلهتهم الشمس، وكانت لها مظاهر متعددة في جهات مختلفة، ومن بين آلهتهم عطار الذي يدل ~~على كوكب الزهرة، ولعل اسمه مشتق من أشتار البابلي أو عشتوريت الكنعاني، وكان القمر من ~~بين آلهتهم الكبرى، ويرى بعض العلماء أنه كانت له الأفضلية على الشمس على اعتبار أنه ~~المعبود الذكر، وأن الشمس الأنثى زوجته، وكان يسمى عندهم ورح أو شهر أوسين، وكان لكل ~~منطقة إلهها المحلي، فكانت معين تعبد الإله ود، وقتبان تعبد الإله عم، وسبأ تعبد الإله ~~المقاه، وهمدان تعبد الإله تعلب ريام، ولعل هذه الآلهة المحلية أو القبلية كانت مظاهر ~~لإله القمر، وهناك في النقوش ما يشير إلى أن القمر والشمس والزهرة كانت تكون أسرة ~~مقدسة، كما كان أوزوريس وإيزيس وحوريس يكونون ثالوثا مقدسا عند المصريين، وكان الثور ~~وقرنا الثور والهلال تعتبر من رموز القمر كما كانت البقرة هاتور عند المصريين ~~القدماء. # وفي بعض الأوقات كان الملوك يعبدون بعد موتهم بوصف كونهم آلهة، وكان اليمنيون يعتقدون ~~أن الشعب هو سليل الملك، وأن الملك هو الابن البكر للإله، وكثيرا ما نرى عبارة «الإله ~~والملك والشعب» على النقوش، ولم يكن للآلهة تماثيل كما كان عند المصريين القدماء، وكان ~~الناس يتقدمون إلى الآلهة بتماثيل لأشخاصهم لكي تبارك أعمالهم، ms078 كما كانوا يقربون لهم ~~قرابين من الضحايا والبخور، وكانوا يؤدون الحج في فصول معلومة من السنة، وكان شهر الحج ~~يسمى ذو الحجة أو ذو المحجة، وعرفنا أيضا أسماء بعض شهورهم، ويمت عدد منها بصلة إلى ~~الزراعة، وكان اسم الكاهن في لغتهم «رشو» ولعل معناها المعطي. # وزاد النفوذ اليهودي في أواخر أيام دولة الحميريين، وتهود بعض ملوكهم، وكان من آثار ~~اليهودية أن شاع ذكر اسم «الرحمن» في النقوش دلالة على الله. # ودخلت النصرانية بلاد اليمن قبل الغزو الحبشي، وانتشرت بعد ذلك الفتح، ولكنها لم تلق ~~قبولا؛ وذلك لأنها كانت تعتبر دليلا على السيطرة الأجنبية، وأسس أبرهة كنيسة القليس ~~المشهورة في صنعاء، ولكنها لم تلق ارتيادا كبيرا، أما الفتك بالنصارى في نجران فكانت ~~له أسباب سياسية كما كانت له أسباب دينية. ~~(7) سد مأرب أو سد العرم # أشار القرآن الكريم إلى سد مأرب وتصدعه في قوله تعالى: # لقد ~~كان لسبإ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال ~~كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب ~~غفور * فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم ~~وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل ~~وشيء من سدر قليل * ذلك جزيناهم بما ~~كفروا وهل نجازي إلا الكفور ~~(سورة سبأ الآيات من 15 إلى ~~17). # وغني عن البيان أن القرآن الكريم في هذه الآيات يشير إلى تصدع واحد من التصدعات التي ~~أصابت السد أكثر من مرة، فيما بين القرن الثاني قبل الميلاد والقرن السادس بعده، وكان ~~منها ذلك الذي حدث سنة 115ق.م، والذي حدث سنة 450م، وسنة 540م، ولا نعلم علم اليقين إلى ~~أيها يشير القرآن الكريم. # وكتب الهمداني في كتاب «الإكليل» منذ عشرة قرون عن السد ما ملخصه: «سبأ كثيرة ~~العجائب، والجنتان عن يمين السد ويساره، وهما اليوم غامرتان، وإنما عفتا لما اندحق ~~السد، أما مقاسم الماء من مداخر السد فيما بين الضياع فقائمة كأن صانعها فرغ من عملها ~~بالأمس.» ولقد ظل الناس في شك من أمر السد بعد رواية الهمداني حتى تمكن المستشرق ~~الفرنسي أرنو من الوصول إلى مأرب ms079 سنة 1843م، وشاهد آثاره ورسم له خريطة ووصفه وصفا جاء ~~مطابقا في مجموعة لما قاله الهمداني. # ورد في الجزء الثاني من «رحلة إلى بلاد العرب السعيدة» للأستاذ نزيه العظم آخر من ~~زاروا مأرب ما خلاصته: # على مسافة 145 كيلومتر تقريبا إلى الشرق الشمالي من صنعاء، تجتمع سيول اليمن الغربية ~~مع السيل الذي يأتي من الشمال، والسيل الذي يأتي من الجنوب، وتؤلف جميع هذه السيول شبه ~~بحيرة كبيرة مستديرة ومرتفعة من جهة الغرب والشمال والجنوب، ومنخفضة من جهة الشرق حيث ~~تسير جميعها شرقا في مجرى سيل واحد يطلق عليه اسم أكبرها أي اسم ذنه «إذنه» وتدخل ~~جميعها في واد كبير في جبل يقال له: بلق، فنقسمه إلى جبلين؛ الشمالي ويقال له: بلق ~~الأيسر، والجنوبي ويطلق عليه: بلق الأيمن؛ لأنه واقع على يمين الآتي إلى مأرب، ويزداد ~~اتساع الوادي بين البلقين كلما سار الإنسان إلى جهة الشرق إلى أن يبلغ عرضه 500 متر، ثم ~~يأخذ في الضيق إلى أن يبلغ نحو 175 مترا في مخرجه بآخر الجبلين بمكان يقال له مربط ~~الدم، وهو المكان الذي بني فيه سد العرم، ولم يبق سيل للعرم للسد ههنا أثرا غير ~~مخرج الماء، وهو كناية عن جدار مبني بالتوازي إلى جانب جبل بلق الأيمن، وفيه مخرج واحد ~~للماء قائم إلى جانب الجبل وعرضه أربعة أمتار ونصف تقريبا، وجداره الواحد هو عبارة عن ~~صخرة عظيمة في جانب الجبل عليها بعض الكتابة الحميرية الآتي نص ترجمتها: «يثعمر بين بن ~~سمهعلي ينوف حاكم سبأ، ثقب الحجر الرخامي في حوض حبايض في الجهة الشمالية.» # هذا خلاصة بعض ما كتبه آخر رائد، استطاع أن يظفر من إمام اليمن بتصريح بزيارة مأرب في ~~سنة 1936. ~~(7-1) وصف السد والغرض منه وتصدعه # ليست ببلاد اليمن أنهار دائمة الجريان، ولكن تنزل بها أمطار غزيرة في فصل واحد من ~~فصول السنة هو الصيف، فتخلف الأمطار سيول عظيمة تنساب في الأودية بين الجبال، ~~فيجري بعضها إلى البحر، وينساب بعضها في الصحاري، وتكون في بعض الأحيان هذه الأمطار ms080 ~~بغزارة حتى تكون خطرا على الزراعة، فإذا ولى فصل المطر ظمئ القوم وجفت زروعهم، ~~فدفعتهم الحاجة - وهي أم الاختراع كما يقولون - إلى اتقاء خطر الغريق وخطر الحريق ~~فأقاموا الخزانات لضبط المياه واختزانها ورفعها إلى سفوح الجبال وتوزيعها على قدر ~~الحاجة. وقد ذكر الهمداني أسماء عدة لسدود كان أهمها سد مأرب، وسد مأرب عبارة عن ~~حائط ضخم أقيم في عرض وادي أذنه، ويبلغ طوله 800 ذراع وعرضه من أسفل 150 ذراعا، ~~وارتفاعه بضعة عشر ذراعا، وكان ينتهي من أعلى بسطحين مائلين على زاوية منفرجة، ~~تكسوهما طبقة من الحصى، والظاهر أنه بني بالتراب والحجارة، وكانت به منافذ ينصرف ~~منها الماء إلى الجنتين اليمنى واليسرى، وكانوا يقفلونها بعوارض ضخمة من الخشب أو ~~الحديد ويفتحونها متى شاءوا. # وتقع مدينة مأرب إلى الشمال الشرقي من السد، وبينها وبينه متسع من الأرض تبلغ ~~مساحته 300 ميل مربع كان قفرا قاحلا، فأصبح بعد تدبير الماء بالسد غياضا وبساتين ~~هي المعبر عنها بالجنتين اليمنى واليسرى. # وقد اختلف مؤرخو العرب فيمن بنى السد؛ فقيل: بنته بلقيس. وقيل: حمير. وقيل: ~~سبأ. وقد أشرنا في الفقرة السابقة إلى ترجمة النقش الذي نقله الأستاذ نزيه العظم، ~~ومنه يستنتج أن يثعمر بين بن سمعهلي ينوف اشترك في بناء السد، وقد ترجم الأستاذ ~~مولر نقشا وجد على الجانب الأيسر نص ترجمته «أن سمهعلي ينوف بن زمر على مكارب سبأ ~~اخترق بلق وبنى رحب لتسهيل الري.» وسمهعلي هذا هو والد يثعمر المذكور، ويستنتج أن ~~كلا منهما بنى حائطا، وكلاهما من ملوك القرن الثامن قبل الميلاد، ولعلهما أول من ~~قام ببناء السد، ولكنهما لم يتمكنا من إتمامه، فأتمه أخلافهما الذين ذكرت أسماء ~~بعضهم في أماكن متعددة من السد، وإذن نستطيع أن نقرر أن السد لم يتم في عهد ملك ~~واحد، شأن كل مشيدة ضخمة، وليس لروايات العرب في ضوء هذه النقوش نصيب من ~~الصحة. # أما تصدع السد فالظاهر - كما قال الأستاذ الخضري في الجزء الأول من تاريخ الأمم ~~الإسلامية - أنه لما تطاولت الأزمان على ذلك السد ms081 أهمل من شأنه فتصدعت جوانبه، ولم ~~يحمل هجمات السيول المتواردة عليه والمياه المحجوزة خلفه فانكسر، وفاضت المياه على ~~ما أمامه من القرى والمزارع فأتلفتها، وكان ذلك حوالي سنة 115 أو 120 قبل الميلاد ~~كما قاله العالم سيديو؛ أي قبل الهجرة بسبعة قرون ونصف قرن تقريبا، وكان تصدعه ~~الحد الفاصل بين سقوط سبأ وقيام دولة حمير، وقد أثبتت الكشوف الحديثة أن السد ~~رمم بعد ذلك التصدع المشهور عدة مرات، بدليل أنهم حصلوا على نقش بين أنقاض ذلك ~~السد يرجع إلى عهد أبرهة الحبشي في منتصف القرن السادس الميلادي في سنة 542م أو ~~543م، وخلاصته أن أبرهة جاءه النبأ بتهدم السد فبعث إلى القبائل بإيفاد الحجارة ~~والأخشاب والرصاص لترميمه، فرمم واستغرق العمل في ذلك زهاء السنة. # وللمؤرخين من العرب قصة طريفة تتعلق بتصدع السد؛ إذ يقولون إن الملك عمرو بن عامر ~~ماء السماء الملقب ميزيقيا قالت له زوجته المسماة ظريفة، وكانت امرأة كاهنة، إذ ~~حلمت حلما أن كارثة ستحدث، فقالت له: اذهب إلى السد فإن رأيت الجرذ ينخب بمخالبه، ~~ويحمل الحجارة الكبيرة بقدميه الخلفيتين، فتأكد بأن الكارثة حادثة، فذهب عمرو إلى ~~السد، ولشد ما كانت دهشته؛ إذ رأى فأرا يحرك صخرة هائلة لا يقدر على زحزحتها من ~~موضعها خمسون رجلا، فتيقن عمرو من أن السد لا بد متصدع، فاستقر عزمه على أن يبيع ~~ممتلكاته ويبرح مع أسرته، ولكي لا يرتاب الناس في أمره دبر الحيلة الآتية؛ إذ دعا ~~زعماء قومه إلى مأدبة فاخرة، واتفق مع ابنه على أن يلطمه في أثناء الحفل، وفعل ~~الابن ما طلب أبوه، فصاح عمرو: يا للعار، وأقسم أن لا يقيم في بلد يلطم فيها وجهه، ~~ثم عرض كل أملاكه للبيع فتهافت الناس على شرائها، ولما تم له بيع ممتلكاته أخبر ~~الناس بالخطر الذي يهددهم، ثم بارح مأرب على رأس جمهور صغير منهم إلى الشمال، ولم ~~تمض أيام على رحيله حتى جاء السيل ففزعت البلاد ولم يبق من الأرضين والكروم إلا ~~ما كان في رءوس الجبال، وتفرق القوم ms082 أيدي سبأ. وبصرف النظر عما تنطوي عليه هذه ~~القصة من خرافة فإنها تشير إلى أن الهجرة حصلت قبل التصدع، وهناك رأي يقول بأن ~~الهجرة إنما كانت بعد أن خرب السد وأتلف الأرض والزرع، ويرجح الأستاذ الخضري في ~~الجزء الأول من محاضراته الرأي الثاني لسببين، أولهما أن مفارقة البلاد والنزوح ~~كلية عن الوطن ليس بالأمر الهين، ولا يقدم عليه قوم لمجرد تكهن كاهنة، والثاني ما ~~جاء في القرآن الكريم في سورة سبأ الآيات من 15 إلى 19 مما يدل بوضوح على أن سيل ~~العرم أصابهم، وبدل في شكل أرضهم وهم يقيمون بها. وممن سار على هذا الرأي العلامة ~~الفرنسي سيديو. # ولا حاجة بنا إلى القول بأن تصدع السد لم يكن إلا السبب المباشر لمجموعة من ~~الأسباب التاريخية الطويلة بين اقتصادية واجتماعية وسياسية خارجية وداخلية أدت إلى ~~تفكك المجتمع العربي الجنوبي وسقوطه النهائي، كان يجهلها المؤرخون القدامى فتلمسوها ~~في قصة وضعوها عن ذلك الفأر الذي جعلوه يحدث ذلك الانقلاب الخطير في ~~التاريخ. ~~(7-2) تفرق قبائل اليمن في الشمال بعد تصدع السد # بعد تصدع السد ترك أهل مأرب اليمن، وبدءوا يرتادون مواضع من الجزيرة تصلح لسكناهم ~~- هكذا تقول الروايات العربية التي لا يسلم بصحتها معظم المؤرخين المحدثين - ~~ونحن نثبت هنا خلاصة ما أورد العرب عن أشهرهم. ~~(1) # بنو ثعلبة بن عمرو بن عامر؛ الذين منهم الأوس والخزرج، ساروا نحو ~~يثرب وبها جماعة من بني إسرائيل متفرقون في نواحيها فاستوطنوها معهم ~~وأقاموا بها حتى غلبوهم عليها. ~~(2) # بنو حارثة بن عمرو؛ وهم خزاعة الذين ساروا إلى مكة، وافتتحوا الحرم ~~وأجلوا عنه سكانه وهم جرهم. ~~(3) # عمران بن عمرو؛ وقد انعطف نحو عمان فنزلها، واستوطنها هو وبنوه وهم ~~أزد عمان. ~~(4) # بنو جفنة بن عمرو؛ وهذا سار مع أولاده إلى الشام، وهم الذين أصبحت ~~أبناؤهم الملوك الغساسنة، وغسان ماء في تهامة نسب هؤلاء إليه. ~~(5) # لخم بن عدي؛ الذين منهم نصر بن ربيعة أبو الملوك المناذرة بالحيرة، ~~وأول من اتخذها منهم منزلا عمرو بن عدي بن نصر الذي ملك بعد ms083 جذيمة ~~الوضاح. ~~(6) # طي، وهؤلاء نزلوا جبلي أجا وسلمى لما رأوه هناك من الخصب. ~~(7) # كلب بن وبرة؛ من قضاعة، أقامت ببادية السماوة إلى الشمال من ~~نجد. # هؤلاء هم أشهر الذين تحركوا، وقد بقي باليمن كثير من قبائل حمير وكندة ومذحج ~~وغيرهم، وكانت السيادة لحمير التي كونت الدولة الحميرية كما بينا آنفا. # الفصل الخامس # | تاريخ الأنباط # (1) تمهيد # لم يكن عرب الجنوب الذين تكلمنا عن تاريخهم في الفصل السابق هم وحدهم الذين يسيطرون ~~على شئون بلاد العرب التجارية والسياسية، بل عاصر بعض دولهم في شمال شبه الجزيرة ووسطها ~~عرب آخرون، أقاموا دولا - أو بالحرى دويلات - صغيرة في عصر ما قبل الإسلام، وكانت ~~هذه الدويلات العربية الشمالية - شأن دول الجنوب - تستمد قوتها في الغالب من التجارة، ~~وتلعب في شمال بلاد العرب الدور الذي لعبته دول الجنوب في تجارة العالم القديم، وكانت ~~هذه الدول أكثر اتصالا بالشعوب الساكنة في غرب آسيا وشرق البحر الأبيض المتوسط، بحكم ~~مجاورتها لها واستهلاكها للمتاجر الآتية من الجنوب، وكانت هذه الدول الشمالية شأن دول ~~الجنوب تستمد قوتها في الغالب من التجارة، ولم تكن - لا عند نشأتها ولا عند تطورها - ~~دولا حربية، ولكن هذا لا ينفي أنها كانت تلعب دورا سياسيا آخر؛ إذ كان بعضها يقوم ~~بمثابة الدول الحاجزة، تفصل ما بين حدود الدول العظمى المتصارعة في الشرق والغرب، مثل ~~دولتي فارس وروما، والدول التي سلفتهما، أو تحمي حدود هذه الدول من غارات البدو في ~~الصحراء، وهذه الدول - بحسب ترتيب ظهورها أو تعاصرها - هي: # دولة الأنباط - دولة تدمر - دولة المناذرة - دولة الغساسنة - دولة كندة. ~~(2) دولة الأنباط # كانت أقدم تلك الدول الشمالية، وقد ذكرنا في فقرة [موطن الجنس السامي الأول وهل هو ~~بلاد العرب] أنهم هاجروا من وسط شبه الجزيرة حوالي سنة 500ق.م إلى الشمال الشرقي من شبه ~~جزيرة سينا، واستعمروا المنطقة التي تفصل ما بين بلاد الشام وبلاد العرب، وتمتد من نهر ~~الفرات إلى البحر الأحمر، وكان الأقدمون من اليونان والرومان يطلقون على بلادهم اسم ~~بلاد العرب الصخرية، وقد استولى الأنباط ms084 من الآدوميين على مدينة البتراء واتخذوها عاصمة ~~لهم، وهيمنوا منها على المنطقة المجاورة، وتقع البتراء «بطرة» إلى الشرق من وادي عربة ~~في منتصف المسافة تقريبا ما بين رأس خليج العقبة والبحر الميت، وكانت تهيمن على طرق ~~القوافل الممتدة منها إلى غزة في الغرب وإلى بصرى ودمشق في الشمال، وإلى أيلة «العقبة» ~~في الجنوب، وعبر الصحراء إلى الخليج الفارسي في الشرق، والبتراء «بطرة» كلمة يونانية ~~معناها صخر، وهي ترجمة للكلمة العبرية سلع، ويقابلها في اللغة العربية الرقيم، وهذا ~~الاسم الأخير، هو الذي كان يطلقه الأنباط على مدينتهم، كما ذكر المؤرخ يوسفيوس، أما ~~اسمها الحديث فهو وادي موسى، وهي تقع عن سطح هضبة عالية، وهي محصنة من نواحيها الشرقية ~~والغربية والجنوبية، لا يمكن اقتحامها ولا يدخل إليها إلا من طريق ضيق متعرج، تبلغ ~~سعته في أضيق نقطة اثني عشر قدما فقط، وفي الصخور والشواهق التي تحيط بها من كل ناحية ~~كشف النقابون عن جبانة شاسعة منحوتة في الصخر يستطيع الرائي أن ينظر في طبقاتها - ذات ~~الحجر الرملي - معظم ألوان قوس قزح، وقد زينت معظم القبور بوجهات منحوتة في الصخر لا ~~تزال بحالة حفظ جيدة، كما كشفوا أيضا عن بقايا مسرح منحوت في الصخر يسترعي الإعجاب، ~~وتعتبر المدينة البقعة الوحيدة بين نهر الأردن وأواسط بلاد العرب التي كان يوجد فيها ~~الماء الصافي بكثرة، وفي هذه البقعة كان عرب الجنوب في رحلات قوافلهم إلى الشمال يحصلون ~~على بدل جديد من الإبل والحداة، وبذلك كان الأنباط يكونون حلقة هامة في السلسلة ~~التجارية التي كانت عاملا على ازدهار بلاد العرب الجنوبية. # ولا نعلم من تاريخ الأنباط شيئا يرجع إلى ما وراء سنة 312ق.م وهي السنة التي استطاع ~~فيها الأنباط أن يصدوا حملتين وجههما ضدهم أنتيجونوس الأول، الذي خلف الإسكندر كملك على ~~الشام وأن يعودوا منتصرين إلى عاصمتهم الصخرة، وقد انتفع الأنباط من تدهور السلوقيين ~~أخلاف الإسكندر، فمدوا حدودهم إلى الشمال صوب المنطقة الأكثر خصبا، الواقعة إلى الشرق ~~من نهر الأردن، لقد احتلوا حوران، وحوالي سنة 85ق.م ms085 أصبح ملكهم الحارث «حاريثة أو ~~أريتاس» سيدا على دمشق وما يجاورها من بلاد الشام، ومنذ ذلك الوقت اتصل الأنباط ~~بالرومان - لأول مرة - اتصالا وثيقا، وفي سنة 47ق.م طلب يوليوس قيصر إلى مالك «مالكو ~~أو ملخوس الأول» أن يمده بالفرسان لحرب الإسكندرية، وفي عهد عبيدة «عبيدات أو أوبوداس ~~الثاني» اشترك وزيره سيلوس في الحملة التي قادها إيليوس جالوس في عهد الإمبراطور أغسطس ~~قيصر لغزو بلاد العرب الجنوبية سنة 24ق.م كما بينا في فقرة [الدولة الحميرية الأولى]، ~~وقد وصلت دولة الأنباط إلى أقصى نفوذها في عهد الحارث الرابع (9ق.م-40م) إذ كانت تمتد ~~إلى الشمال حتى دمشق وإلى الجنوب حتى الحجر أو مدائن صالح في شمال الحجاز، بما في ذلك ~~سواحل البحر الأحمر المجاورة لهذه المنطقة، وقد أخذت مدينة بطرة منذ ذلك الحين تصطبغ ~~بالصبغة الرومانية، حتى إذا كانت 106م اهتضمتها الإمبراطورية الرومانية، بسبب جشع ~~الإمبراطور تراجان وقصر نظره، وكان ذلك في عهد آخر حاكم مستقل لها، وهو ربيل الثاني، ~~ومنذ ذلك اليوم فقدت دولة الأنباط استقلالها، وأصبحت مقاطعة نظامية من مقاطعات الرومان، ~~تعرف باسم بروفينسيا أرايبيا «أي مقاطعة بلاد العرب»، ولولا سوء تصرف تراجان هذا ~~لاستمرت بلاد الأنباط تعمل حاجزا بين روما وغارات البدو من سكان الصحراء على ~~أقاليمها. # واستمرت بطرة كمركز تجاري في عهد الاحتلال الروماني، ولكن عندما بلغ رخاء المدينة ~~أقصاه في النصف الأول من القرن الثالث الميلادي أبطل سك العملة فجأة، وربما كان ذلك ~~بسبب اشتداد غارات البدو وتحريض الدولة الساسانية التي كانت حديثة الظهور إذ ذاك، ثم لا ~~ننسى أن مدينة تدمر أخذت - في نفس الوقت - تزداد أهمية، وتجتذب إليها التجارة العربية، ~~فأدى ذلك إلى تدهور بطرة التجاري. ~~(2-1) حضارة الأنباط # كان الأنباط عربا كما تدل على ذلك أسماء بعض ملوكهم التي أشرنا إليها في الفقرة ~~السابقة، ولكنهم اندمجوا مع الآراميين، وبرغم أنهم كانوا يتكلمون العربية الدارجة، ~~إلا أنهم كانوا يستعملون الحروف الآرامية، التي كان يستعملها جيرانهم الشماليون، ~~وذلك بسبب عدم وجود الخط العربي في ذلك التاريخ البعيد، ms086 ثم إنهم كانوا يستعملون ~~اللغة الآرامية كلغة للعلم، ولكن الأغلاط التي كانت تحدث في النقوش الآرامية، ~~واستعمال بعض التعبيرات العربية فيها، ينم عن اللغة العربية الأصلية ~~لمؤلفيها. # وقد استمد الأنباط خطهم من الخط الآرامي، وفي القرن الثالث الميلادي تحول هذا ~~الخط النبطي إلى الخط الذي استعمل في تدوين اللغة العربية الشمالية لغة القرآن ~~ولغة الوقت الحاضر، وقد حول إلى الخط المستدير المعروف بالنسخي تمييزا له عن الخط ~~ذي الزوايا المعروف بالكوفي، ومن أقدم النقوش العربية نقش النمارة في شرق حوران، ~~وهو يرجع إلى سنة 328م، وقد أقيم كلوحة تذكارية على قبر امرئ القيس أحد ملوك الحيرة ~~اللخميين، وبمناسبة الخط النبطي الذي هو الأصل في الخط العربي، نذكر هنا أن كل هذه ~~الخطوط التي استعملتها الشعوب العربية الشمالية، وكذلك شعوب بلاد العرب الجنوبية ~~إنما هي مستمدة جميعا من الخط السينائي المأخوذ من الهيروغليفي، الذي هو الأصل في ~~الأبجديات المستعملة في أوروبا الآن وفي بلاد الشرق. # وآثار البتراء القائمة إلى الآن عظيمة، وهي تجذب عددا كبيرا من السائحين وتعتبر ~~موردا هاما من موارد الدخل لحكومة شرق الأردن، وأهم هذه الآثار هي المعروفة ~~بخزنة فرعون المنحوتة في جانب الصخر، وكان في البتراء معبد يشبه الكعبة، يضم عدة ~~أصنام على رأسها ذو الشرى «ذو شرا أو دوسارس ومعناها سيد الشراء»، وكان يعبد على ~~شكل حجر أسود مستطيل ويعتبر إله الخير، ومن بين الآلهة نذكر أيضا اللات ومن بين ~~الآثار أيضا النجر، ويبدو أنه جبل مقدس، وعلى مقربة منه تمتد بعض مذابح لتقديم ~~القرابين، وتنتشر في الجدران الجبلية المحيطة بالمدينة القبور المحفورة في الصخر ~~على شكل بروج، وبعض هذه الآثار يرجع إلى عصر الاستقلال القديم والبعض الآخر يرجع ~~إلى العصر الروماني، وقد دخلت المسيحية إلى البتراء منذ العصور القديمة، واتخذت من ~~بعض المقابر كنائس، وما زالت على المسيحية حتى اكتسحها - مع بقية بلاد العرب ~~الشمالية - دين الإسلام، فيما بين سنتي 629، 632 ميلادية. # الفصل السادس # | تاريخ تدمر # دولة تدمر «بلميرا - بالمرينا» # تطلق كلمة بلميرا في اليونانية ms087 واللاتينية على بلد شهير، يقع إلى الشمال الشرقي من ~~مدينة دمشق، في منتصف الصحراء الشامية، واسمها عند العرب والشاميين «تدمر»، وهي واحة ~~خصيبة كانت تقع بين الإمبراطوريتين المتنافستين بارثيا وروما، وتعتمد في سلامتها على ~~حفظ التوازن بين هاتين الدولتين، ووقوفها موقف الحياد منهما، وعندما فتح العرب هذه ~~المدينة لم يكن الرواة يذكرون من أخبارها شيئا، فنسبوا بناءها إلى الجن الذين بنوها - ~~كما اعتقد أولئك القصاص العرب - للملك سليمان. # قال النابغة الذبياني في معلقته يمدح النعمان بن المنذر: # ولا أرى فاعلا في الناس يشبهه # ولا أحاشي من الأقوام من أحد # إلا سليمان إذ قال الإله له # قم في البرية فاحددها عن الفند # وخيس الجن إني قد أذنت لهم # يبنون تدمر بالصفاح والعمد # وفي سفر الأيام الثاني 8 : 4 تقرأ أن سليمان بنى مدينة تدمر في البرية، وهو غلط؛ لأن ~~أقدم ذكر لهذه المدينة تقرؤه في نقش يرجع إلى أيام تجلات بلسر الأول (حوالي ~~1100ق.م). # والظاهر أنه في حوالي القرن السادس قبل الميلاد - بعد سقوط الإمبراطورية البابلية - ~~أخذت بعض القبائل العربية تسكن في شرق إقليم كنعان، وبدأت تتعلم الكلام والكتابة باللغة ~~الآرامية، التي كانت شائعة في المنطقة الواقعة إلى الغرب من نهر الفرات. # وأول ذكر للمدينة في المراجع الرومانية كان عندما حاول مارك أنطوني في سنة 42-41ق.م ~~محاولة فاشلة الاستيلاء على مغانمها، وأقدم نقش في المدينة يرجع إلى سنة 9ق.م، وهو ~~مكتوب بالخط الآرامي، وكان ذلك في الوقت الذي أصبحت فيه مدينة تدمر مركزا هاما ~~للتجارة بين الدولتين الرومانية والبارثية. # وسرعان ما ارتقت الواحة من محطة للقوافل إلى مدينة من الطبقة الأولى ومركز للعبادة ~~أكبر آلهته الشمس مع عدد من الآلهة الصغرى . # ولقد كانت أشهر سلع العالم القديمة الفاخرة هي الحريريات والمجوهرات واللآلئ والعطور ~~والبخور وما شابه ذلك، كلها تأتي من الهند والصين وبلاد العرب الجنوبية، وكانت المتاجر ~~تسير في طريقين أحدهما عبر البحر الأحمر ومصر والإسكندرية، والآخر من الخليج الفارسي ~~عبر الصحراء الشامية، وهذا الطريق الثاني كان في مبدأ الأمر في ms088 أيدي الأنباط سكان بطرة، ~~ولكن عندما سقطت بطرة سنة 105 ميلادية انتقل ما كان بأيديهم إلى التجار من أهل تدمر، ~~فكانت قوافلهم التجارية تعبر الصحراء الشامية إلى بعض المراكز التجارية على ضفات نهر ~~الفرات، ولقد كانت هذه التجارة ذات نفع عظيم لا للتجار فحسب بل للمدينة نفسها التي كانت ~~تفرض الضرائب على كل ما يمر بها من صادرات أو واردات. # ولما كانت المتاجر تتعرض أثناء الطريق لعدة أخطار، منها انتهاب قبائل الصحراء أو ~~اعتداءات البارثيين، لذلك كان أمر تأمين التجارة والوصول بها سالمة من المسائل التي تهم ~~الدولة، ولذلك نجد أن النقوش القديمة يكثر فيها ذكر رئيس القوافل ورئيس السوق، على ~~اعتبار أنهما من زعماء المواطنين، ولم تكن الصناعات المحلية بذات أهمية كبيرة؛ ذلك لأن ~~شغل سكان المدينة الأكبر كان في قيادة قوافل التجارة والإشراف على آبار الماء في ~~الطريق، والقيام بأعمال «السكرتارية» وما شابه ذلك من الشئون المتعلقة بالتجارة. # ولعبت تدمر في التاريخ القديم لبلاد العرب دورا سياسيا، إلى جوار أهميتها ~~التجارية؛ إذ كانت كل من دولتي روما وبارثيا يرقبان بعناية تامة موقفها بينهما، ويخشيان ~~أن ترجح كفة إحداهما عن الأخرى، أما أزهر عصور تدمر فكان في الفترة بين سنتي 130، 270 ~~ميلادية، وإلى هذه الفترة ترجع معظم الآثار التي تحمل نقوشا، ولقد أزاح سقوط بطرة سنة ~~105م من أمام تدمر كل منافسة في التجارة الشرقية، وكان الإمبراطور هدريان يعاملها ~~برعاية خاصة، وعلى أثر زيارته للمدينة سنة 130م. أطلق عليها اسم هدريانا بلميرا، ثم ~~أعلنت في عهد هذا الملك نفسه تعريفة جمركية جديدة، حلت محل نظام الضرائب القديم الذي ~~كان شائعا، وقد أخذ النفوذ الروماني منذ ذلك الوقت يتغلغل في تدمر، فلم يكد ينتهي ~~القرن الثاني، حتى كانت تدمر تنحدر إلى مستوى المستعمرة، ولكنها كانت تتمتع باستقلال ~~إداري مع الاعتراف الاسمي فقط بالسيادة الرومانية، وبعد ذلك الوقت بدأ التدامرة يضيفون ~~إلى أسمائهم ألقابا رومانية. # وبرزت تدمر إلى الأمام إبان الحروب البارثية في القرن الثالث، وأصبحت سيدة الصحراء ~~لفترة قصيرة، فلقد ms089 كان الشرق إذ ذاك يضطرب بالصراع بين الإمبراطوريتين البارثية في ~~ثوبها الجديد الساساني والرومانية، وكان على التدامرة أن يختاروا الانضمام إلى إحدى ~~الدولتين، فآثروا أن ينضموا إلى روما؛ ذلك لأن الإمبراطور الروماني كان - بسبب بعد روما ~~- أقل خطرا عليهم من الإمبراطور الساني القريب منهم. # واغتنم أهل تدمر فرصة هزيمة الرومان، ونجاح شابور الأول ملك فارس، في التوغل في ~~سوريا، والقبض على الإمبراطور فالريان الروماني، فظهر زعيم أذينة «واسمه عند الرومان ~~أوديناتوس» فحارب شابور وتعقبه إلى أسوار عاصمته طيشفون «المدائن» سنة 265م، وبعد موت ~~فالريان منح الإمبراطور جالينوس أذينة لقب الإمبراطور واعترف به سيدا على كل الكتائب ~~الرومانية في الشرق، ولكن حدث - بعد ذلك بعام واحد «سنة 267» - أن قتل أذينة غدرا هو ~~وابنه الأكبر في مدينة حمص، فانتقلت بعد ذلك مصائر تدمر إلى أيدي زوجته زينوبيا «اسمها ~~بالآرامية باث زباي وبالعربية الزباء وأيضا زينب» التي كانت تشارك زوجها في نشاطه ~~وتؤيده في سياسته التي ترمي إلى اغتنام الفرصة وتكوين إمبراطورية عربية، لقد أثبتت ~~زينوبيا أنها خير خلف لزوجها، وتولت الحكم بالنيابة عن ابنها الصغير وهب اللات «أي عطية ~~اللات واسمه باليونانية أثينودورس»، ثم نادت بنفسها ملكة على الشرق، مستخفة - إلى حين - ~~بالإمبراطورية الرومانية، لقد كانت تدمر تضم في أيام بلاد الشام وبلاد العرب، ولكن جنود ~~زينوبيا التي قيل إن عددهم كان 70000 قد تقدمت الآن لاحتلال مصر، كما احتلت أيضا جزءا ~~كبير من آسيا الصغرى، التي دفعت الحاميات الرومانية فيها إلى ما وراء أنقرة سنة 270، بل ~~وحاولت أن تبسط نفوذها عند خلقدونة على ضفاف البسفور قبالة بيزنطة، وقد احتلت جنودها في ~~نفس العام - مدينة الإسكندرية ثاني مدائن الإمبراطورية، ونودي بابنها الأصغر ملكا على ~~مصر، فأصدر عملة أسقط منها رأس أورليان، وأطلق على نفسه لقب الإمبراطور، وكذلك فعلت أمه ~~زينوبيا، وفي سنة 271 ميلادية أقام القائدان التدمريان العظيمان زبدا وزباي تمثالا ~~للملك المقتول أذينة، ولقباه - في نقش على قاعدة التمثال - بملك الملوك، وإلى زباي ~~وزبدا هذين يعزى الفضل - إلى حد كبير - في ms090 نجاح زينوبيا في ساحة الوغى. # ولم يكن من الطبيعي أن تصبر روما على هذه الاستهانة بأمرها طويلا، فتشجع أورليان في ~~آخر الأمر وأعد حملة لغزو تدمر مصدر الخطر كله، فجاء عن طريق آسيا الصغرى، وهبط إلى ~~بلاد الشام، فلاقته جيوش تدمر، تحت قيادة زبدا عند مدينة أنطاكية، ولكنها هزمت، وعند ~~مدينة حمص لاقت جيوش تدمر هزيمة أخرى، وأصبح الطريق الآن مفتوحا إلى تدمر، فاستولى ~~عليها أورليان في ربيع سنة 272، وأصدر عفوا عن كل سكانها، ولم يعاقب بالقتل إلا كبار ~~الموظفين والمستشارين، وفرت الملكة المتكبرة - وقد تملكها اليأس - على ظهر هجين سريع ~~إلى الصحراء، ولكنها أسرت هي وولدها في آخر الأمر، وقيدت في سلاسل ذهبية أمام عربة ~~المنتصر الذي أراد أن يفخر بها أثناء دخوله روما مظفرا. # وعرف أورليان ولم يكد يعبر الدردنيل في طريقه إلى روما أن أهل تدمر ثاروا وقتلوا ~~الحامية الرومانية التي أقامها في المدينة، ونادوا بأحد زعمائهم رئيسا عليهم، فعاد ~~أدراجه بمنتهى السرعة، دون أن يتوقع عودته أحد، وفاجأ المدينة فأكمل دمارها وأسلم ~~أهليها إلى السيف، ثم نقل تحف معبد الشمس الرائعة وحلية الغالية، إلى المعبد الذي أقامه ~~في روما لإله الشمس في الشرق، تخليدا لذكرى هذا الانتصار، ولم تنهض المدينة من كبوتها ~~من ذلك اليوم، ولا استردت مجدها وأهميتها، وتركت المدينة أنقاضا هي نفس الأنقاض التي ~~نراها في الوقت الحاضر، وهكذا غربت شمس المجد التدمري، وكانت كشهاب أضاء لحظة ثم ~~انطفأ. # الحضارة التدمرية # كانت الحضارة التدمرية مزيجا لطيفا من عناصر مختلفة، بين يونانية وسورية وإيرانية، ~~ولا جدال في أن أهل تدمر كانوا من الأرومة العربية؛ يدل على ذلك أسماء أعلامهم العربية، ~~وكثرة ترداد الكلمات العربية في نقوشهم الآرامية، وكانت اللغة التي يتكلمونها لهجة من ~~اللهجات الآرامية الغربية، وهي تنتمي إلى الأصل الذي استمدت منه النبطية أو الآرامية ~~المصرية، وهي تضم كثيرا من المصطلحات الحكومية اليونانية التي صبغها أهل تدمر بصبغتهم، ~~كما أن فيها بضع كلمات لاتينية صبغت بالصبغة الآرامية أيضا، وأما الخط الذي كانوا ~~يكتبون به ms091 فهو تطور للخط الآرامي القديم، وأسماء الشهور عندهم هي نفس الأسماء البابلية ~~التي كان يستعملها الأنباط والسوريون واليهود المتأخرون، وكانوا يحسبون تواريخهم من ~~العصر السلوقي، الذي يبدأ بأكتوبر سنة 312ق.م. # أما ديانة أهل تدمر فلا تختلف كثيرا في أصولها عن ديانة أهل شمال سوريا والقبائل ~~العربية الضاربة في الصحراء الشرقية، وكان أشهر آلهتهم إله الشمس ويسمى عندهم سمس أو ~~شمش ومعناها شمس، وبقايا معبد الشمس الكبير لا تزال قائمة في أنقاض تدمر الآن، وكانوا ~~يعبدون القمر أيضا، ويسمونه عجلى بل، وكانت أشهر الإلهات الأنثيات الإلهة اللات ~~المشهورة عند العرب القدامى، ومن بين الآلهة بعل شمين «أو سيد السموات» ومن بين الآلهة ~~إله يحمل هذا الاسم العربي الواضح، وهو «شيعا القوم»، وكانوا يصفونه بأنه إله الخير ~~الطيب الذي لا يشرب الخمر، ومعنى شيعا القوم أي حامي أو مرافق القوم، وهو الذي يرعي ~~القوافل في سيرها، هذا وقد كشفت النقوش عن أسماء نحو اثنين وعشرين إله في تدمر. # وبسقوط مملكة تدمر انتقل الطريق التجاري مرة أخرى إلى الجنوب فحلت بصرى وغيرها من ~~المدائن الغسانية محل تدمر وورثتها كما ورثت تدمر بطرة من قبل. # ولكن تدمر انتعشت قليلا في أواخر القرن الثالث الميلادي عندما اتخذها دقلديانوس محطة ~~حربية، وقبيل ذلك الوقت سلكت المسيحية سبيلها إليها، بدليل أننا نجد ذكرا لبعض ~~التدامرة بين الآباء الدينيين الذين حضروا مجمع نيقية سنة 325م، وفي سنة 527م أمدها ~~جاستنيان بقناطر لجلب الماء، وأقام فيها حائطا لا تزال آثاره باقية. # وعند الفتح الإسلامي للشام سلمت تدمر لخالد بن الوليد، ولكن أهلها لم يعتنقوا ~~الإسلام، ثم تحولت المدينة إلى معقل إسلامي يأوي إليه الكثيرون من المستعمرين ~~العرب. # الفصل السابع # | تاريخ الحيرة # (1) تمهيد # في أوائل القرن الثالث للميلاد، تجمعت عدة قبائل في منطقة البحرين يقول عنها مؤرخو ~~العرب إنها من القبائل اليمانية، التي تفرقت على أثر تصدع سد مأرب، فأخذت تغير على ~~أطراف الدولة الفارسية في العراق، وذلك في فترة الاضطراب التي تلت سقوط الدولة البارثية ~~وتأسيس الدولة الساسانية سنة ms092 226م، ولا تستطيع أن تفعل الدولة الفارسية معهم شيئا؛ ~~لأنهم كانوا بعد إتمام غارتهم يعتصمون بالصحراء، التي يعبر عنها بأنها حصن العرب ~~الحصين، والتي لا يعرف مسالكها الفرس ولا غيرهم، وبخاصة لأن فارس في ذلك الوقت لم تكن ~~فيها حكومة مركزية مهمة؛ لأن الإسكندر المقدوني لما غزا فارس سنة 333 قبل الميلاد، جزأ ~~الإمبراطورية الفارسية إلى دويلات صغيرة، يحكمها ملوك يعرفون بملوك الطوائف، وقد اتبع ~~الإسكندر هذه السياسة، حتى لا تقوى الفرس مرة أخرى على الإغارة على اليونان، واستمر ~~الحال كذلك حتى 266م؛ إذ تمكن أردشير بن بابك، من تأسيس الدولة الساسانية التي يعرف ~~ملوكها بالأكاسرة، فوحد بذلك كلمة الفرس، وأعاد سلطانها إلى الأراضي العربية المتاخمة ~~للبادية كالحيرة والأنبار، ولما وجد أنه لا قبل له بصد غارات العرب المستمرة، رأى من ~~السياسة أن يبيح لهم السكنى في منطقة الحيرة، ومنحهم شبه استقلال لغرضين: الأول أن يتخذ ~~منهم درءا يقي بلاده شر غارات البدو، وهم أقدر الناس على ذلك، فكانوا بذلك يكونون ما ~~يعرف في الاصطلاح التاريخي باسم مملكة حاجزة، والثاني ليستعين بهم على الرومان، الذين ~~كانوا في حروب مستمرة مع فارس. # وقد قلنا: إن مؤرخي العرب يقولون: إن عرب الحيرة من عرب الجنوب «قضاعة والأزد»، ولكن ~~بعض المؤرخين المحدثين والمستشرقين، يرجحون أنهم من العرب الشمالية، ويستدلون على ذلك ~~بعدة براهين، بعضها لغوية؛ لأن لغة عرب الحيرة تنطبق على العدنانية، ولا تمت إلى ~~الحميرية الجنوبية بشيء، ومنها الأسماء التي تشبه في مجموعها أسماء عرب الشمال، وكذلك ~~العادات والدين فإنها كلها أكثر انطباقا على عادات وديانة عرب الشمال، ونحن نميل إلى ~~هذا الرأي، وإن كان لا يزال موضع افتراض وتمحيص بين المؤرخين. ~~(2) مدينة الحيرة وسكانها # تقع الحيرة على نهر الفرات، على مقربة من أنقاض بابل، وعلى بعد ثلاثة أميال إلى ~~الجنوب من الكوفة، وقيل إن العرب هم الذين سموها هذا الاسم من الحيرة أو الضلال، ولكن ~~الصحيح أن اللفظ سرياني، مأخوذ من كلمة حرتا ومعناها الحصن أو الدير، وقد بدأت هذه ~~المدينة ms093 صغيرة شأن كل المدن، ثم ازدهرت على مر الأيام في عهد دولة المناذرة آل نصر ~~اللخميين. # أما سكانها فقد قسمهم ابن الكلبي إلى ثلاثة أقسام: ~~(1) # تنوخ: وهؤلاء هم العرب الذين نزحوا من البحرين، والذين ذكرنا أنهم مختلف ~~في أصلهم، هل هم عدنانيون أم قحطانيون؟ ~~(2) # العباد: وهؤلاء هم الفريق الأصلي، الذي كان متوطنا في تلك المنطقة، ~~والذين يؤخذ من تاريخهم أنهم كانوا نصارى على المذهب النسطوري، وأنهم كانوا ~~أهل قراءة وكتابة وعلم بالإنجيل، وكانوا يزاولون الصناعة والتجارة أيضا، ~~وربما سموا بالعباد؛ لأنهم كانوا يعبدون الله «أو المسيح». ~~(3) # الأحلاف: وهم بعض أفراد من العرب، هجروا بلادهم لسبب من الأسباب، ونزلوا ~~على تنوخ والعباد، وارتبطوا معهم برباط حلف، فسموا لذلك الأحلاف. # ونلاحظ أن السيادة كانت للعنصر العربي، كما كانت له السيطرة العسكرية، أما العباد فهم ~~الذين كانوا يزاولون شئون الحياة العامة. ذلك كان تقسيم السكان منذ القرن الثالث ~~الميلادي، وقد كونوا وحدة سامية، وكونوا دولة المناذرة التي كان لها أثر كبير في ~~الحضارة العربية، والتي كان أهلها يجوبون أجزاء الجزيرة العربية يحملون المتاجر، ~~وأصبحوا ركنا هاما في نشر العلوم بتعليمهم القراءة والكتابة كما ساعدوا على نشر ~~النصرانية في بلاد العرب على أثر اعتناق ملوكهم لها، وظلوا كذلك حتى اكتسح الإسلام ~~بلادهم سنة 632م، وتاريخ ملوك هذه الدولة أوضح في مجموعه من تاريخ الغساسنة، وما ذكره ~~مؤرخو العرب عنهم يتناسق مع ما ورد في التواريخ الفارسية، على عكس ما ذكروه عن ملوك ~~غسان، ولعل ذلك يرجع إلى أن ملوك الحيرة كانوا يدونون أخبارهم، ويودعونها في البيع ~~والأديرة، التي كانت منتشرة في منطقتهم، وقد ذكر المؤرخون أسماء أكثر من خمسة وعشرين ~~ملكا، تعاقبوا الحكم على الحيرة يكون الأربعة أو الخمسة الملوك الأول منهم التاريخ ~~الميثولوجي للحيرة، وسنلخص أخبار هذا الدور الميثولوجي أولا، ثم بعد ذلك نكتفي بالكلام ~~عن أشهر ملوك الحيرة الحقيقيين. ~~(3) الدور الميثولوجي ~~(1) # مالك بن فهم الأزدي: هو أول من حكم الحيرة في نظر مؤرخي العرب، حكم عشرين ~~سنة، ثم مات على أثر سهم ms094 رماه به سليمة، وهو ابنه في رواية، وأحد خواصه الذين ~~رباهم في رواية أخرى. فقال في ذلك شعرا جرى مجرى الأمثال: # جزاني لا جزاه الله خيرا # سليمة إنه شرا جزاني # أعلمه الرماية كل يوم # فلما اشتد ساعده رماني # وكم علمته نظم القوافي # فلما قال قافية هجاني ~~(2) # عمرو بن فهم: تولى بعد أخيه ولم يذكر عنه شيء ذو بال. ~~(3) # جذيمة الأبرش أو الأبرص أو الوضاح: هو ابن عم عمرو بن فهم، وقيل ابن أخته، ~~قالوا: إنه كان متكبرا وكان لا ينادم أحدا في الشراب اكتفاء بمنادمة الفرقدين ~~وهما نجمان، وكان له غلام يسمى عدي بن نصر، أخذه من أياد التي سرقت صنميه ~~المسميين الضيزنين، وردتهما بعد تهديده مع عدي، هذا وكان عدي له جمال وظرف ~~فوقعت في هواه رقاش أخت جذيمة، وحملته على أن يطلب زواجه منها إذا سكر جذيمة، ~~ونجحت حيلة رقاش وتزوجت من عدي، وفي الصباح عرف جذيمة الأمر فاستنكره، فبعث إلى ~~أخته، وكان شاعرا بالأبيات الآتية: # خبريني رقاش لا تكذبيني # أبحر زنيت أم بهجين # أم بعبد فأنت أهل لعبد # أم بدون فأنت أهل لدون # فقالت له: لا ولكنك زوجتني امرأ عربيا نسيبا، ولم تستأمرني في نفسي، ولم ~~أكن مالكة لأمري، فكف عنها، وولدت رقاش غلاما أسمته عمرا، وتبناه جذيمة ~~وألبسه طوقا من فضة، واختفى الغلام عمرو فجأة، ولم يوقف له على أثر، وأخيرا ~~عثر عليه الأخوان مالك وعقيل وقدماه هدية للملك الذي سر كثيرا، وقبل أن ~~ينادمهما، وكان لا ينادم إلا الفرقدين كما سبق. # وجذيمة هو صاحب قصة الزباء ملكة تدمر، ولأهمية قصتها في كتب التاريخ العربية ~~والأدب العربي نفرد لها الفقرة التالية. # قصة الزباء # نلخص هذه القصة عن المراجع العربية فيما يلي: # كان جذيمة رجلا ميالا إلى الحروب، فجمع جيشا وسار إلى مشارف الشام، فحارب عمرو ~~بن الظرب ملك تدمر فقتله، ثم انكفأ راجعا بجنوده إلى الحيرة، وملكت الزباء - ~~واسمها ليلى وفي رواية نائلة - مكان أبيها عمرو، وكانت امرأة حازمة ذات رأي، وكان ~~ملكها يمتد من الفرات ms095 إلى تدمر، فلما استحكم ملكها صممت على أن تثأر لأبيها، فنصحت ~~لها أختها - وتسمى زبيبة - بالعدول عن الحرب وإعمال الحيلة، فنزلت الزباء عند رأي ~~أختها وكتبت إلى جذيمة تقول له: إن ملك النساء قبيح، وتطلب إليه أن يتزوجها وأن يضم ~~ملكها إلى ملكه وأن يقدم إليها، واستشار جذيمة رجال دولته، فأجمعوا على أن يسير ~~إليها إلا واحدا يسمى قصيرا، اقترح أن يكتب إليها لتجيء هي إليه فقالوا: «لا ~~يسمع لقصير رأي»، واستخلف جذيمة على ملكه ابن اخته عمرو بن عدي، وسار إلى الزباء في ~~وجوه أصحابه، فاستقبلته رسل الزباء بالهدايا والتحف، ولم تلبث خيلها أن أحاطت به، ~~وأدرك قصير الخطر فركب فرسا لجذيمة تسمى العصا وفر؛ فقال جذيمة: «إني أرى حزما ~~على متن العصا»، ولما وصل جذيمة إلى الزباء أجلسته على نطع، وأحضرت طستا من الذهب، ~~وأمرت جواريها أن يقطعوا راهشيه، وهما عرقان في الذراع، وقالت للجواري: لا تضيعوا ~~دم الملك؛ فقال جذيمة «دعوا دما ضيعه أهله»، ولما ضعف الملك سقطت يداه، فقطر من ~~دمه قطرة في غير الطست، فتشاءمت الزباء وخافت أخذ الثأر. # أما قصير فإنه قدم على عمرو بن عدي بالحيرة، وطلب إليه أن يستعد للثأر لخاله، ثم ~~جدع قصير أنفه ودق ظهره وخرج كأنه هارب، وأتى الزباء ورأته على هذه الحالة فقالت: ~~«لأمر ما جدع قصير أنفه»، ثم أخبرها أن عمرا فعل به ما ترى؛ لأنه اتهمه بممالأتها ~~ضد خاله، فانخدعت ووثقت به، وبعد مدة قال لها: إن لي بالعراق أموالا فائذني لي ~~لأحمل مالي وأحمل لك من طرف العراق ومتاجرها، فدفعت له أموالا وجهزت له عيرا، ~~ورجع بما طلبت فأعجبها وسرها، ثم جهزته مرة أخرى بأكثر من الأولى فرجع، وفي المرة ~~الثالثة أرسلته في عير كبيرة، فأخبر عمرا الخبر ، وجمع له عمرو ثقاة أصحابه وحمل كل ~~جمل رجلين في جوالقين، وكان بين الرجال عمرو نفسه، وتقدم قصير فبشر الزباء بوصول ~~العير وبكثرة ما حمل من الثياب والطرف، وخرجت الزباء فرأت الإبل تتهادى في أحمالها ~~فقالت: # ما ms096 للجمال مشيها وئيدا # أجندلا يحملن أم حديدا؟ # أم صرفانا تارزا شديدا # أم الرجال قبضا قعودا؟ # ودخلت الإبل المدينة، وحدث أن آخر جمل نخس أحد جوالقيه حارس المدينة بمنخسه في ~~يده، فصرخ من في الجوالق، وصاح الحارث «شر في الجوالق»، ولكن الأمر كان قد ~~انقضى؛ إذ أنيخت الإبل، وخرج الرجال من الجوالق، وقام عمرو على باب نفق أعدته ~~الزباء للهروب، ووضع رجاله السلاح في أهل المدينة، وخرجت الزباء تريد النفق، فوجدت ~~عمرا عنده بإرشاد قصير، فعرفت عمرا بصورة كان عملها لها مصور أرسلته خفية إلى ~~الحيرة، فعرفته وأيقنت بالهلاك فآثرت أن تنتحر، فمصت سما كان في خاتمها وقالت: ~~«بيدي لا بيد عمرو.» # هذه هي قصة الزباء رأينا أن نصوغها في أقصر عبارة، وتجد تفصيلها في الأغاني ~~والطبري والمسعودي وغيرها من كتب الأدب والتاريخ، وقد وضعنا بعض العبارات بين قوسين ~~وهي العبارات التي سارت مسير الأمثال، والقصة في مجموعها طريفة والخيال فيها منسجم، ~~ويحاول كثير من المؤرخين أن يقول: إن الزباء هي زينوبيا ملكة تدمر زوجة أذينة ملك ~~تدمر الذي ساعد الرومان في حرب الفرس، وتمكن في أواخر القرن الثالث الميلادي من ~~مطاردة الفرس حتى أسوار المدائن عاصمتهم، والزباء - لا شك - شخصية خرافية لا تمت ~~بصلة إلى زينوبيا التي ذكرنا في الفصل السابق أنها بعد قتل زوجها أذينة حاولت أن ~~تقيم إمبراطورية شرقية، مقلدة في ذلك كليوبترا، وأنها تمكنت من دخول مصر وإخضاعها ~~فترة، ولكن الرومان لم يمهلوها؛ إذ تغلب عليها القائد أورليان، وقادها أسيرة أمام ~~مركبته الحربية في شوارع رومة سنة 274م. # والآن وقد انتهينا من الكلام عن الدور الخرافي - سنتكلم في الفقرات التالية عن ~~أشهر ملوك الحيرة وأهمهم: ~~(1) # امرؤ القيس بن عمرو. ~~(2) # النعمان الأول. ~~(3) # المنذر الأول. ~~(4) # المنذر الثالث. ~~(5) # عمرو بن هند. ~~(6) # النعمان الثالث. ~~(7) # إياس بن قبيصة الطائي. ~~(4) امرؤ القيس بن عمرو 288-328م # ويسمى بامرئ القيس البدء هو ابن عمرو بن عدي، وهو ثاني ملوك الحيرة، إذا اعتبرنا أن ~~عمرو بن عدي - الذي ذكرنا شطرا مما يقال عنه في الفقرة السابقة ms097 - أولهم، وتنحصر أهميته ~~في أن النقابين عثروا في حوران على حجر كبير من البازلت، عليه نقوش باللغة العربية ~~الشمالية، مكتوبة بالخط النبطي، ترجمتها - نقلا عن تاريخ العرب قبل الإسلام لجورجي ~~زيدان - ما يأتي: ~~(1) # هذا قبر امرئ القيس بن عمرو ملك العرب كلهم الذي تقلد ~~(2) # التاج وأخضع قبيلتي أسد ونزار وملوكهم، وهزم مذحج إلى اليوم، ~~(3) # وقاد الظفر إلى أسوار نجران مدينة شمر، وأخضع معدا واستعمل ~~(4) # بنيه على القبائل وأنابهم عنه لدى الفرس والروم فلم يبلغ ملك ~~(5) # مبلغه إلى اليوم ... # والظاهر أنه كان في رحلة إلى حوران فمات ودفن بها. ~~(5) النعمان الأول 400-418م # هو النعمان بن امرئ القيس، ويلقب بالأعور، ويشتهر في التاريخ؛ لأنه هو باني الخورنق ~~والسدير، وسبب بناء الخورنق أن يزدجرد الأول ملك فارس لم يعش له ولد، فسأل عن منزل بريء ~~مريء صحيح من الأدواء والأسقام، فدل على ظاهر الجبل، فدفع ابنه بهرام حور إلى النعمان، ~~وأمره ببناء الخورنق مسكنا له، وأن ينزله إلى بوادي العرب، وكان الذي بنى الخورنق ~~مهندس بيزنطي يقال له سنمار، فلما فرغ من بنائه تعجبوا من حسنه وإتقان صنعته، فقال: ~~لو عرفت أنكم توفونني أجري وتصنعون بي ما أنا أهله، لجعلته بناءا يدور مع الشمس حيثما ~~دارت. فقال النعمان: وإنك لتقدر على أن تبني ما هو أفضل منه ثم لم تبنه؟ وأمر به ~~فطرح من رأس الخورنق. # وهناك رواية أخرى تتعلق بمصرع سنمار، وهي أنه قال للنعمان أنه يعرف في القصر ~~حجرا واحدا وأنه لو حرك من مكانه لتردى القصر، ثم عرف الملك موضع الحجر، وخشي أن يدل ~~سنمار آخرين عليه، فأمر به فردي من أعلى القصر. وهي رواية ظاهرة الخرافة، وعلى ~~كل فإن ما صنعه النعمان بسنمار سار مسير الأمثال، حتى قيل في نكران الجميل «جزاه ~~جزاء سنمار.» وقال الشاعر في ذلك: # جزى بنوه أبا الغيلان عن كبر # وحسن فعل كما يجزى سنمار # ونعرض الآن لناحية أخرى من نواحي النعمان وهي تنسكه، روى الدكتور حسن إبراهيم في ~~كتابه تاريخ الإسلام السياسي نقلا عن ms098 حمزة الأصفهاني - ما نصه: «لما أتى على الملك ~~النعمان ثلاثون سنة علا مجلسه على الخورنق، وأشرف منه إلى النجف وما يليه من البساتين ~~والجنان والأنهار مما يلي المغرب، وعلى الفرات مما يلي المشرق، فأعجبه ما رأى في البر ~~من الخضرة والنور والأنهار الجارية، ولفاظ الكمأة ورعي الإبل وصيد الظباء والأرانب، وفي ~~الفرات من الملاحين والغواصين وصيادي السمك، وفي الحيرة من الأموال والخيول ومن يموج ~~فيها من رعيته، ففكر وقال: أي درك في هذا الذي قد ملكته اليوم ويملكه غيري غدا؟ فبعث ~~إلى حجابه ونحاهم عن بابه، فلما جن الليل التحف بكساء وساح في الأرض فلم يره أحد، وفيه ~~يقول عدي بن زيد يخاطب النعمان بن المنذر: # وتدبر رب الخورنق إذ أش # رف يوما وللهدى تفكير # سره ماله وكثرة ما يم # لك والبحر معرضا والسدير # فارعوى قلبه فقال وما غا # ية حي إلى الممات يصير # ثم بعد الفلاح والملك والنع # مة وارتهمو هناك القبور # ثم صاروا كأنهم ورق جف # فألوت به الصبا والدبور # وتذكر بعض الكتب أن ما حمله على التنسك هو أنه سأل يوما وزيره وهو في مجلسه هذا: هل ~~رأيت أحسن مما نحن فيه؟ فأجاب الوزير: لا لو أنه يدوم، فسأل النعمان: وما يدوم؟ فرد ~~الوزير قائلا: ما عند الله، فسأل: وكيف الوصول إلى هذا؟ فقال الوزير: بالانصراف عن ~~الدنيا، وعبادة الله والتماس ما عنده، فكان ما كان من أمره. # وذكر الأستاذ نكلسون أن ما يقوله مؤرخو العرب في اعتناق النعمان للنصرانية، لا يقوم ~~على أساس، ولكن هناك ما يؤيد أنه كان يحسن معاملة رعاياه النصارى، ويسمح لهم بحرية تامة ~~في ممارسة شعائرهم الدينية، بدليل وجود أسقف مسيحي في الحيرة منذ سنة 410 ~~ميلادية. ~~(6) المنذر الأول 418-462م # خلف أباه على العرش الذي تركه، وسد الفراغ الذي خلفه أبوه، وتنحصر أهميته التاريخية ~~في أنه تدخل في شئون فارس، فنصر بهرام جور في النزاع الذي قام بينه وبين الكهنة عند ~~توليته العرش، كما أنه أعان بهرام جور في حربه مع الروم، ms099 التي قامت بسبب اضطهاده ~~للنصارى. ~~(7) المنذر الثاني 505-554م # ويعرف باسم المنذر ابن ماء السماء؛ وماء السماء كان لقبا لأمه مارية أو ماوية، وقد ~~عاصر قباذ وابنه أنو شروان من ملوك الفرس، وعاصر جستنيان من الروم، والحارث بن أبي شمر ~~الغساني، والحارث بن عمرو الكندي، وسيتناول الكلام عليه المسائل الآتية: ~~(1) # منافسة كندة. ~~(2) # مزدك. ~~(3) # حربه مع الحارث بن جبلة الغساني. ~~(4) # حربه مع الروم. ~~(5) # يوم البؤس ويوم النعيم. ~~(1) # كان حكم المنذر زاهرا، ولكن اعترضته سحابات من الاضطراب بسبب امتداد نفوذ ~~كندة «وسنفرد للكلام عليها الفصل التاسع» وتقرب الحارث ملكها من قباذ ~~منافسة للمناذرة، وساعده على ذلك أن المنذر رفض اعتناق مذهب مزدك فكانت ~~النتيجة أن الحارث اعتنقه بعد رفض المنذر ذلك، ثم غزا الحارث بمساعدة قباذ ~~الحيرة وطرد المنذر منها. ~~(2) # أما مزدك هذا فهو رجل فارسي ظهر في عهد قباذ، وكان صاحب مبدأ شيوعي خطير، ~~خلاصته كما ورد في الجزء الثاني من الشاهنامة صحيفة 119 «أن الذي يمنع ~~الناس من سلوك طريق السداد منحصر في خمسة أشياء لا غير، وهي الغيرة والحقد ~~والغضب والحرص والفقر، وإذا قمعت هذه الأخلاق الشيطانية استقام طريق الحق، ~~ومنشؤها كلها من شيئين: المال والنساء، فينبغي أن يجعلا على الإباحة بين ~~الخلق أجمعين حتى تأمن الآفات الخمس.» فاستهوى هذا المبدأ العامة وتبعه خلق ~~كثير، وازداد قوة وانتشارا لما أتبعه قباذ، ولكن كسرى أنوشروان لأسباب ~~خاصة لا محل لذكرها تمكن - وهو لا يزال وليا للعهد - من قتل مزدك ومن ~~تبعه، ولما آل إليه الملك بعد أبيه قباذ تعقب المزدكية في كل مكان، حتى طهر ~~منهم بلاد فارس، وكان من نتيجة القضاء على المزدكية أن طرد الحارث الكندي ~~من الحيرة وأعيد المنذر إلى الحكم. ~~(3) # ولقد قامت حرب بين المنذر والروم - بتحريض من كسرى - تمكن فيها المنذر من ~~اجتياح بلاد الشام، حتى وصل إلى أنطاكية، ورأى جستنيان نفسه مضطرا إلى ~~اللجوء إلى الحارث بن جبلة الغساني لصد تيار المنذر. ~~(4) # وهنا بدأت سلسلة حروب بين المنذر والحارث، فكان كل منهما يعتدي على أرض ms100 ~~الآخر، وكان النزاع في الغالب يقوم على الأرض المسماة استراتا # Strata ~~«وهي الممتدة على جانبي الطريق ~~الحربية من دمشق إلى ما بعد تدمر»؛ إذ كان كل من الفريقين يدعي السلطة على ~~القبائل العربية النازلة بها، وكان النزاع لا يلبث أن يسوى حتى يقوم مرة ~~أخرى - بلا شك - بتحريض من قيصر الروم، وفي إحدى هذه الحروب أسر المنذر ~~ابنا للحارث ثم ذبحه في الحال تقربا إلى الإلهة العزى، كما يقال إنه في ~~حرب أخرى تقرب بأربعمائة مسيحي إلى نفس الإلهة. # ثم انتهت هذه الحروب بمعركة قامت في مقاطعة قنسرين، هي المعروفة باسم يوم ~~حليمة، وهي التي تمكن فيها الحارث - بحيلة من حيله - من القضاء على خصمه ~~المنذر، ويوم حليمة هذا هو الذي يضرب به المثل، فيقال: «وما يوم حليمة ~~بسر»، وحليمة هي ابنة الحارث التي قيل إنها عطرت بيدها قبل المعركة مائة ~~بطل من الغساسنة. ~~(5) # ونختم الكلام عن المنذر بحكاية مشهورة في كتب الأدب، ولكنا لا نعلم مدى ~~صحتها من الناحية التاريخية ونقصد بها قصة الغريين ويوم البؤس ويوم النعيم ~~ونحن نلخصها فيما يلي: # كان للمنذر نديمان، أحدهما يسمى خالد بن المضلل، والآخر عمر بن مسعود، ~~فحدث - وهم على الشراب - أن أغضباه، فأمر بهما فدفنا حيين، وفي صبيحة ~~اليوم التالي افتقدهما، وتذكر الخبر فندم أشد الندم، وأمر ببناء صومعتين ~~عليهما، وجعل لهما يوم نعيم ويوم بؤس، فكان لا يطلع عليه في يوم بؤسه أحد ~~إلا أمر بذبحه، وبأن يطلي بدمه الغريان، أما أول من يطلع عليه في يوم نعيمه ~~فإنه يعطيه مائة من الإبل، ولقد ذهب ضحية يوم البؤس كثير من الناس من بينهم ~~عبيد بن الأبرص الشاعر، وذات يوم طلع عليه في يوم بؤسه حنظلة الطائي، وكان ~~له على المنذر فضل، لم ينفع هذا الفضل حنظلة إلا في إرجاء التنفيذ إلى عام ~~بضمانة واحد من حاشية المنذر يسمى شريك بن عمرو، ولما حان الموعد ولم يظهر ~~حنظلة كان المنذر على وشك أن يقتل كفيله شريكا، ولكن ظهر فجأة شبح من ms101 ~~بعد، فلما وصل عرف أنه حنظلة، فأعجب المنذر بوفاء حنظلة وتضحية شريك، ~~فقال: لا أكون ألأم الثلاثة، وأغدق عليهما، وأبطل من يومه هذه العادة ~~السيئة. ~~(8) عمرو بن هند 554-569م # هو ابن المنذر الثالث، وأمه هند بنت الحارث الكندي وهي عمة امرئ القيس الشاعر، وكان ~~يعاصر كسرى أنو شروان، وقد أصبحت الحيرة في عصره مركزا هاما للأدب، يزور بلاطه فيها ~~الشعراء المشهورون مثل طرفة وعمرو بن كلثوم والحارث بن حلزة، وكان رجلا ظالما تهابه ~~العرب، شديد الزهو والكبرياء، يدلك على ذلك الحكاية التالية، التي تذكرها كتب الأدب، ~~والتي كانت - فيما يقولون - سببا في قتله: # قال عمرو بن هند يوما لجلسائه، هل تعلمون أن أحدا من العرب تأنف أمه من أن ~~تخدم أمي؟ قالوا: ما نعرفه إلا أن يكون عمرو بن كلثوم التغلبي، فإن أمه ليلى ~~بنت مهلهل بن ربيعة وعمها كليب بن وائل وزوجها كلثوم وابنها عمرو، فسكت مضرط ~~الحجارة «وهو لقب عمرو بن هند» على ما في نفسه، وبعث إلى ابن كلثوم يستزيره، ~~ويأمره أن تزور أمه أمه، فقدم ابن كلثوم في فرسان من تغلب ومعه أمه ليلى، فنزل ~~على شاطئ الفرات، وبلغ عمرو بن هند قدومه، فأمر بسرادق فضرب بين الحيرة ~~والفرات، وأرسل إلى وجوه أهل مملكته، وصنع لهم طعاما، وجلس عمرو بن كلثوم ~~وخواص أصحابه في السرادق، وجلست هند هي وليلى أم عمرو بن كلثوم في قبة، وكان ~~عمرو بن هند قد قال لأمه: إذا فرغ الناس من الطعام ولم تبق إلا الطرف نحي خدمك ~~عنك فإذا دنت الطرف استخدمي ليلى، ففعلت، ولما فرغ الناس من الطعام قالت: يا ~~ليلى ناوليني ذلك الطبق، فقالت: لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها، فألحت عليها، ~~فصاحت ليلى: وا ذلاه، يا لتغلب، فسمعها ولدها ابن كلثوم، فثار الدم في رأسه، ~~ونهض إلى سيف ابن هند وهو معلق في السرادق ولم يكن هناك غيره، فأخذه وضرب به ~~عمرو بن هند، ونادى في بني تغلب، فانتهبوا جميع ما في السرادق، واستاقوا ~~النجائب وسبوا النساء وانصرفوا. ms102 # هذه حكايته مع عمرو بن كلثوم، وهي حكاية يتعذر على الإنسان أن يؤمن بها على ~~علاتها. # هذا؛ ويقال إنه صاحب يوم أوارة الثاني، وخلاصته أن جماعة من زرارة قتلوا ابنا أو ~~أخا له، فأقسم ليقتلن منهم مائة، فسار يطلبهم حتى بلغ أوارة، فتفرقوا، فبث سراياه ~~فيهم، فأتوه بتسعة وتسعين رجلا وتعذر عليه إتمام المائة، فلما كان آخر النهار أقبل رجل ~~من البراجمة - وهم قوم من تميم - يقال له عمار كان قد شم رائحة الدخان «وكان عمرو قد ~~ألقى بالقتلى في النار» فظن أن هناك مأدبة، فأسرع حتى أناخ إلى عمرو، فسأل عمرو: ممن ~~الرجل؟ فقال: من البراجمة. فقال: «إن الشقي وافد البراجم» فذهبت مثلا، ثم أمر بالرجل ~~فألقي بالنار، فصار ذلك عارا لبني تميم. قال الشاعر: # إذا ما مات ميت من تميم # وسرك أن يعيش فجئ بزاد # بخبز أو بلحم أو بتمر # أو الشيء الملفف بالبجاد # تراه ينقب البطحاء حولا # ليأكل رأس لقمان بن عاد # والحكاية في مجموعها ظاهرة الطرافة، وإن كانت لا تمت إلى التاريخ بصلة، وهذا هو ~~رأينا في كل أيام العرب إلا القليل منها. ~~(9) النعمان الثالث 580-602م # هو آخر ملوك الحيرة اللخميين، وأكثرهم شهرة في كتب الأدب، وهو ابن المنذر الرابع، ~~وكنيته أبو قابوس، عاصر كسرى أبرويز، وكان المنذر الرابع قد خلف ثلاثة عشر ولدا قيل ~~لهم الأشاهب لجمالهم، وفيهم قال الأعشى: # وبنو المنذر الأشاهب بالحيرة # يمشون غدوة بالسيوف # والظاهر أن ملوك الحيرة أصبحوا من الضعف بحيث أصبح ملوك فارس يضعون على عرش الحيرة من ~~شاءوا، وأخيرا ظفر بعرش الحيرة النعمان الثالث بمساعدة عدي بن زيد العبادي «لأنه من ~~عباد الحيرة»، وكان يتولى الترجمة في بلاط فارس، وكان المنذر أبو النعمان قبل أن يرسله ~~إلى المدائن قد عهد إليه بتربية ابنه النعمان، وغضب لتولية النعمان بعض إخوته، وحقدوا ~~على عدي بن زيد، وما زالوا بأخيهم يوغرون صدره ضد عدي حتى حملوه على أن يستقدمه، وأرسل ~~النعمان إلى ابن زيد، فاستأذن كسرى فأذن له، فلما أتى الحيرة أمر ms103 النعمان بحبسه، وطال ~~حبسه، وعلم كسرى بخبره، فأرسل إلى النعمان أن يطلق سراحه، فتظاهر النعمان بالطاعة وأمر ~~بقتل السجين، وكان لعدي بن زيد ابن يسمى زيدا وصل إلى مركز الترجمة في بلاط فارس بدل ~~أبيه ولما كبر أراد أن يثأر لقتل أبيه، فما زال بكسرى يوغر صدره على النعمان ملك الحيرة ~~حتى أفلح، فاستقدم كسرى النعمان، فلما أحس بقرب يومه استودع أمواله وسلاحه رجلا من ~~قبيلة بكر، ثم انصرف إلى كسرى ليبدي له براءته مما اتهم به، فأمر به كسرى فحبس حتى مات ~~في الحبس سنة 602 على بعض الروايات، وعلى أثر موته زال الحكم عن أسرة المناذرة، وولي ~~مكانه إياس بن قبيصة الطائي، وأشرك معه في الحكم رجلا فارسيا اسمه النخيرجان. ~~(10) بعض أخبار النعمان الثالث # يتداعى إلى الذهن - إذا ذكر اسم النعمان بن المنذر - اسم النابغة الذبياني الشاعر ~~المشهور، ولا غرو فقد كان النعمان راعيا للأدب والشعر، وكان بلاط الحيرة في أيامه يموج ~~بالشعراء، الذين كان من أحبهم إليه النابغة الذي هرب من الحيرة على أثر وشاية قام بها ~~أحد منافسيه من الشعراء عقب قصيدته المشهورة التي وصف فيها المتجردة زوج النعمان وزوج ~~أبيه من قبل، وهي مشهورة في كتب الأدب. # والنعمان هو صاحب يوم طفخة ويوم السلان، والأول كان بينه وبين بني يربوع بسبب الردافة ~~وهي بمنزلة الوزارة، والثاني - وهو الأشهر - كان بينه وبين بني عامر بن صعصعة، وسببها ~~غضب النعمان من أجل لطيمة لكسرى «قافلة تجارية» أرسلت لتباع بعكاظ فاعتدى عليها بنو ~~عامر، ورغم تنكر الجيش الذي بعثه النعمان في زي التجار فإن الدائرة دارت عليه. ~~(11) إياس بن قبيصة الطائي 602-611م # قلنا من قبل إن كسرى لما حبس النعمان حتى مات في السجن استعمل مكانه إياس بن قبيصة ~~الطائي، ونضيف هنا أن كسرى طلب من إياس أن يجمع ما خلفه النعمان ويرسله إليه فأرسل إلى ~~هانئ بن مسعود يطلب ما استودعه النعمان فأبى، فغضب كسرى وأشار عليه أحد أعداء بكر بن ~~وائل أن ينتظر ريثما ينزلون مياه ms104 ذي قار وقت القيظ، فيبعث من يأخذهم بالقوة، فصبر كسرى ~~حتى نزلوا المكان، فبعث إليهم بمن يخيرهم بين الحرب أو تسليم ما خلفه النعمان، فآثروا ~~الحرب، وقاد إياس بن قبيصة جنود الفرس والعرب، وأراد هانئ بن مسعود - بعد أن فرق سلاح ~~النعمان في رجاله - أن يفر، ولكن رجلا اسمه حنظلة بن ثعلبة أنبه، فرد هانئ الناس ~~وقطع ودن الهوادج وضرب على نفسه قبة وأقسم ألا يفر حتى تفر القبة، وثبت العرب ثباتا ~~جميلا، وانهزم الفرس بصفوفهم وخيولهم على الرغم من كثرة عددهم، وتعرف هذه المعركة في ~~تاريخ العرب بيوم ذي قار، وروي أن النبي عليه السلام - وهو في مكة بعد البعثة - لما ~~بلغه انتصار العرب قال ما معناه: «هذا أول يوم انتصف فيه العرب من العجم»، وقد حقد سائر ~~العرب على إياس، وكانت هذه المعركة نذيرا بزوال النفوذ الفارسي وفألا حسنا ~~للعرب. # وبعد موت إياس تولى ملك الحيرة من قبل فارس اثنان كان آخرهما المنذر الخامس الملقب ~~بالمغرور، ثم سقطت الحيرة تحت أقدام خالد بن الوليد في سنة 13 هجرية أيام الخليفة أبي ~~بكر الصديق. # والآن - وقد انتهينا من الكلام عن أشهر ملوك الحيرة - يجدر بنا أن نلقي نظرة سريعة ~~على تحضر هذه الدولة ومبلغ ما أفاد منها العرب أو الفرس. ~~(12) حضارة دولة الحيرة # كانت دولة الحيرة في سطوتها تشمل المنطقة الواقعة غرب الفرات، ابتداء من مجراه الأوسط ~~إلى منتصف الخليج الفارسي، وكان نفوذها يمتد إلى كافة القبائل الضاربة في هذه المناطق، ~~وكانت الدولة مستقلة استقلالا يكاد يكون تاما، وقد استمرت زهاء أربع قرون وربع قرن ~~ابتداء من أوائل القرن الثالث، وكان على رأس الدولة ملك له بلاط يكاد يكون صورة مصغرة ~~من بلاط المدائن، وله وزير يسمى الرديف، وتحت تصرفه قوة عسكرية بعضها نظامي وبعضها غير ~~نظامي، وكان الجند النظامي كتيبتين إحداهما فارسية يقال لها : الشهباء، وأخرى عربية يقال ~~لها: دوسر. أما القوة غير النظامية فكانت تنظم القبائل الموالية التي كان معظمها يستنفر ~~وقت الحرب، وكان أهمها كتائب الرهائن ms105 والصنائع والرضائع، وكانت لهذه الكتائب كلها حصون ~~تعرف بالمسالح «جمع مسلحة». # ويبدو أن الحضارة العربية في الحيرة، التي كانت تواجه فارس لم تصل إلى الدرجة ~~العالية، التي وصلت إليها الحضارة العربية في بطرة وتدمر وأرض الغساسنة، تحت التأثير ~~البيزنطي السوري. # وكان عرب الحيرة يتكلمون العربية الشمالية في حاجاتهم اليومية، ولكنهم في الغالب ~~كانوا يستعملون السريانية في كتابتهم، وهم من هذه الناحية يشبهون الأنباط والتدامرة، ~~الذين كانوا يتكلمون العربية ويكتبون الآرامية، وقد أدت هذه الدولة خدمة كبيرة للغة ~~العربية، بما احتضنت من الشعراء، كما أنه كان لها فضل كبير - فيما بعد - في تعليم الخط ~~العربي، وفي إغناء اللغة العربية بكثير من الألفاظ الفارسية، التي تعبر عن أشياء لم يكن ~~العرب يعرفونها. # وكان الملوك في الشطر الأول من الدولة وثنيين، أما في الشطر الثاني فقد اعتنق معظمهم ~~النصرانية، وسبب عدم اعتناق الأولين منهم للنصرانية - ديانة البيزنطيين - يرجع إلى أن ~~ملوك الحيرة، وجدوا - من حسن السياسة - أن يظلوا على صداقتهم مع الفرس، وكان معظم ~~النصارى في الحيرة من النسطوريين، وطبيعي أن النصرانية انتقلت إليهم من الشام، حيث كان ~~أصحاب المذهب النسطوري مضطهدين، وكان المذهب النسطوري «مذهب شرق الشام» أقل مذهب يلقى ~~اعتراضا في الفرس، وإلى نصارى الحيرة - والعباد أهم فرقة فيهم - يرجع الفضل في نشر ~~المسيحية في بعض الأجزاء التي انتشرت فيها في بلاد العرب، كما يرجع إليهم الفضل أيضا ~~في تعليم العرب الوثنيين القراءة والكتابة والدين، وتذكر بعض الروايات أن قريشا تعلمت ~~من الحيرة فن الكتابة والزندقة. # ويجب أن لا ننسى أثرهم أيضا في حمل بعض مظاهر الحضارة الفارسية إلى بلاد العرب، ولا ~~ما شيدوه من أبنية رائعة كالخورنق والسدير. # الفصل الثامن # | تاريخ الغساسنة # تمهيد # قامت دولة الغساسنة للروم مقام دولة المناذرة للفرس، بمعنى أنها كانت دولة حاجزة، ~~اتخذ منها الروم مجنا يقيهم شر هجمات البدو عليهم من أطراف الصحراء من جهة، ~~وليثيروهم ضد الفرس ويستعينوا بهم عليهم من جهة أخرى، وتاريخ هذه الدولة غامض، ولا تتفق ~~المراجع العربية مع المراجع اليونانية ms106 إلا في النزر اليسير، والمؤرخون العرب أنفسهم ~~يختلفون في عدد الملوك وأسمائهم وسني حكمهم، فهم عند حمزة الأصفهاني 32 ملكا، وعند ابن ~~قتيبة 11، وعند الجرجاني 9، وعند المسعودي 10، ويرى الأستاذ نلدكه - وهو حجة في تاريخ ~~الغساسنة - أن عدد الملوك لا يتجاوز عشرة حكموا مدة لا تتجاوز قرنا وبعض قرن، بينا ~~يحدد حمزة الأصفهاني لهم ستة قرون، وتقصي هذه الروايات ليس فيه كبير غناء ما دامت لا ~~توجد آثار تتكلم، والغسانيون عند مؤرخي العرب من عرب الجنوب كالمناذرة، ولكن العلماء ~~المحدثين لا يزالون يشكون في هذا، ويرجحون أنهم من عرب الشمال كما بينا ~~سابقا. # ولا نستطيع أن نحدد بدء قيام هذه الدولة بالضبط بسبب الخلافات التي أشرنا إليها، ~~وأقصى ما يمكن أن نستخلصه من المراجع العربية أنه في الوقت الذي هاجرت فيه بعض القبائل ~~إلى العراق، سارت فيه قبائل من قضاعة إلى الشام، فنزلوا في الإقليم المعروف الآن باسم ~~«شرق الأردن» وكانت تسكنه قبائل تعرف بالضجاعمة، فساكنوهم مدة، ثم لم تلبث أن هاجرت ~~قبائل أصلها من أزد اليمن، أقامت مدة في تهامة في ماء يسمى غسان، فعرفوا بأزد غسان. ~~وقبل أزد غسان أن يدفعوا الإتاوة لقيصر الروم، يجبيها منهم الضجاعمة، الذين كانوا ~~عمالا لقيصر على الشام، ولكن - بعد قليل - قامت حرب بين الضجاعمة والغسانيين، بسبب ~~الخلاف على الإتاوة، وانضم الروم إلى الضجاعمة، ولكن الغسانيين صمدوا، فلما رأى ملك ~~الروم صبرهم، وأنهم أقوى من الضجاعمة، آثرهم عليهم وجعلهم عمالا، وبذلك صارت لهم رئاسة ~~العرب في هذه المنطقة، وتعهد الروم بأن يمدوا الغسانيين بأربعين ألف جندي من جند الروم، ~~وتعهدت غسان بأن تمد الروم بعشرين ألف مقاتل إذا اعتدى الفرس على الروم، والظاهر أن ~~الغسانيين - قبل أن يتصلوا بالروم - كانت لهم ملوك، ولكنا لا نعرف من أخبارهم ~~شيئا. # وتكاد تجمع الروايات التاريخية، وما ورد في كتب الأدب على أن جفنة هو جد أسرة ~~الغساسنة، وكان ملكهم يشمل المنطقة الواقعة إلى الشرق من نهري العاصي والشريعة «الأرنت ~~والأردن»، ومن أطراف العراق بالشمال إلى خليج العقبة ms107 في الجنوب. # وسنكتفي بالكلام على ثلاثة من ملوكهم، هم الحارث بن جبلة، والمنذر بن الحارث، وجبلة ~~بن الأيهم. # الحارث الثاني بن جبلة 529-569م # يلقبه مؤرخو العرب بالأعرج، وهو أول شخصية صحيحة في تاريخ الجفنيين، وكان يعاصر ~~الإمبراطور جستنيان وكسرى أنو شروان والمنذر الثالث ملك الحيرة، وقد رقاه الإمبراطور ~~إلى رتبة بتركيوس وفيلارك أو ملك، وهي ثاني رتبة في الدولة بعد لقب الإمبراطور، والظاهر ~~أنه كان يقصد بذلك أن يقيم منه خصما قويا في وجه المنذر ملك الحيرة. # وكان جستنيان قد تهادن مع كسرى أنو شروان، حتى يتمكن من تنفيذ أغراضه في إعادة مجد ~~الدولة الرومانية القديمة بالفتح في أفريقيا وأوروبا، ونجح بلساريوس قائد جستنيان في ~~حروبه، فأدرك أنو شروان أنه تورط في هذه المهادنة فأوحى إلى المنذر الثالث أن يتحرش ~~بالحارث بن جبلة، فادعى ملك الحيرة أن القبائل العربية النازلة على الطريق الحربية بين ~~دمشق وتدمر خاضعة لسلطانه، ونازعه الملك الغساني هذه السلطة، فكان من أمرهما ما بيناه ~~سابقا، وجر النزاع بين التابعين - إذا صح هذا التعبير - إلى النزاع بين الدولتين ~~الكبيرتين، فحمل كسرى على سوريا وآسيا الصغرى وكاد أن يفتح القسطنطينية، فانزعج القيصر ~~جستنيان واستنهض قائده بلساريوس واستنصر بعرب غسان، فمشى جند الروم بقيادة هذين البطلين ~~فأوغلا في أرض الجزيرة، وكأنما أراد بلساريوس أن ينال شرف الانتصار وحده، فخلف الحارث ~~وراءه ولم يتصل به، فدارت الدائرة على الروم واضطر القيصر إلى طلب الصلح. # وقد ذكر المؤرخ تيوفانيس أن الحارث زار بلاط جستنيان في سنة 563م، وكان ظهوره بزيه ~~البدوي ذا أثر في نفوس أتباع الإمبراطور، وقد استطاع الحارث أثناء إقامته في ~~القسطنطينية أن يظفر بتعيين الأسقف يعقوب البردعي المنوفستي العقيدة أسقفا على عرب ~~الشام، وقد عرفت الكنيسة الشامية المنوفستية من ذلك الوقت باسم الكنيسة ~~اليعقوبية. # المنذر بن الحارث # ويعرف في المراجع البيزنطية باسم «المنداروس» ذكر الدكتور حسن إبراهيم في كتابه ~~«تاريخ الإسلام السياسي» نقلا عن أمراء غسان للأستاذ نلدكه: أنه في عهد المنذر بن ~~الحارث بن جبلة، وقع شيء ms108 من الجفاء بين غسان والروم انقطع على أثره وصول المدد ثلاث ~~سنوات، فانتهز عرب الحيرة هذه الفرصة وأغاروا على سوريا، فاضطر الروم إلى استرضاء ~~الأمير الجفني، وعقدت محالفة بين إمبراطور الروم وملك الغساسنة، ثم ارتاب فيه ~~الإمبراطور ونفاه إلى القسطنطينية ثم إلى صقلية، ولكن المنذر لم يلبث طويلا في منفاه؛ ~~فقد سخط على الإمبراطور أبناء المنذر الأربعة، وشقوا عصا الطاعة على دولة الروم، ثم ~~أوغلوا تحت قيادة أخيهم الأكبر النعمان في الصحراء، وأخذوا يشنون الغارات على أراضي ~~الدولة، غير أن القائد البيزنطي تمكن من القبض على النعمان وأخذه أسيرا إلى ~~القسطنطينية سنة 583م، وقد تفرقت كلمة العرب في سوريا بعد أن حمل المنذر أسيرا إلى ~~عاصمة الروم، وفككت عرى وحدتهم، فاختارت كل قبيلة منهم أميرا لها، وكان من أثر ذلك أن ~~التحق بعضهم بالفرس، ولما كثر التنازع والتطاحن بين القبائل العربية بعد فقد أميرها، ~~أقام الروم مكان المنذر عاملا. # وتستطيع أن تستنتج مما ذكره نلدكه أن رواية واحدة كانت تمثل على مسرحين: أحدهما في ~~دمشق والآخر في الحيرة، فليس عزل النعمان الثالث وتعيين إياس بن قبيصة الطائي بدله على ~~عرش الحيرة بمختلف عن أسر المنذر بن الحارث، وتعيين عامل جديد بدله، وإن اختلف ممثلو ~~الرواية في كل حالة. # جبلة بن الأيهم # كان غزو الفرس للروم والاستيلاء على دمشق وأورشليم «613-614» هو الضربة القاضية على ~~نفوذ الغساسنة. # وقد حدث سنة 629م لما استرد هرقل بلاد الشام من الروم، أن ظهر أحد الغسانيين وهو جبلة ~~بن الأيهم، وهو آخر ملوك الغساسنة، وقد أتى الإسلام على ملكه بعد سقوط الشام في أيدى ~~المسلمين. # وقد انضم إلى جانب الروم في أثناء الفتح الإسلامي للشام ولكنه أسلم على أثر انتصار ~~العرب في معركة اليرموك سنة 636م في عهد الخليفة عمر، «واستشرف أهل المدينة لمقدمه حتى ~~تطاول النساء من خدورهن لرؤيته لكرم وفادته، وأحسن عمر منزلته وأجله بأرفع رتب ~~المهاجرين. ثم - على حد تعبير ابن خلدون - غلب عليه الشقاء، ولطم رجلا من بني فزارة ~~وطئ فضل ms109 إزاره وهو يسحبه في الأرض، ونابذه إلى عمر في القصاص فأخذته العزة بالإثم، فقال ~~له عمر: لا بد أن أقيد منك، فهرب إلى قيصر، ولم يزل بالقسطنطينية حتى مات سنة 20ه.» ~~وتذكر المراجع أنه ندم على فراره وارتمائه في أحضان بيزنطة، وينسبون إليه في ذلك شعرا ~~قاله. # والآن وقد أتينا على تاريخ آخر الغساسنة يجمل بنا أن نشير إشارة خفيفة إلى ~~حضارتهم. # حضارة الغساسنة # لا شك في أن درجة الثقافة التي وصل إليها الغساسنة جيران البيزنطيين كانت أعلى مما ~~استطاع منافسوهم عرب الحيرة الوصول إليه، وكانت دولتهم تمتد في الطرف الشمالي الغربي من ~~بلاد العرب، إلى الشرق من نهر الأردن، ابتداء من المنطقة الواقعة على مقربة من بطرة في ~~الجنوب، إلى ما يجاور الرصافة في الشمال الشرقي. # ويبدو أنه في عهد حكم الغساسنة، وأثناء الحكم الروماني السابق له، قد نمت حضارة ~~عربية، وتطورت على طوال الحدود الشرقية لسوريا، وكانت مزيجا من العناصر العربية ~~والشامية واليونانية، وكان من مظاهر ذلك ما يشيدونه من المدن والقرى والقصور والقلاع، ~~التي كانت تعرف بالمسالح، والتي كانت تكون خط دفاع في أطراف حوران، يفصل بينها وبين ~~البادية، ومن أشهر القصور التي بنوها القصر الأبيض والقلعة الزرقاء وقصر المشتى، وكذلك ~~شيدوا عدة أقواس نصر، وحمامات عامة، وقناطر للمياه، ومسارح وكنائس، حتى لقد كانت السفوح ~~الشرقية والجنوبية لحوران عامرة بما يقرب من ثلاثمائة مدينة وقرية لا نجد قائما في ~~أيامنا هذه منها إلا بضع خرائب وأنقاض. # وكان ملوك غسان يقتنون كثيرا من الجواري الروميات، ويكثر في قصورهم المغنون من مكيين ~~وبابليين ويونانيين، والموسيقيون من كلا الجنسين، وكانوا يسرفون في شرب الخمر، وإذا صح ~~ما رواه أبو الفرج في «الأغاني» من أن جبلة كان إذا جلس للشراب فرش تحته الآس ~~والياسمين وأصناف الرياحين، وضرب له العنبر والمسك في صحاف الفضة والذهب وأوقد له ~~العود الندي إن كان شاتيا، وإن صائفا بطن بالثلج ، وأتى هو وأصحابه بكساء صيفية يتفضل ~~«يمتاز» هو وأصحابه بها، وفي الشتاء بالفراء وما يشبهها، نقول ms110 - إذا صح هذا - كان ~~دليلا على ما تمتع به الغساسنة من ترف وحضارة، وقد وجد عدد كبير من شعراء العرب في ~~ملوك غسان أعظم رعاة لهم، وعندما نشب الخلاف بين النابغة الذبياني والملك الحيرى وجد ~~النابغة في بلاط غسان خير ملجأ له، وقد حارب لبيد أحد أصحاب المعلقات في جانب الغساسنة ~~في معركة حليمة كما زار بلاطهم، وامتدحهم في الجاهلية حسان بن ثابت الشاعر المدني قبل ~~أن يصبح شاعر النبي عليه السلام. # أما ديانة الغساسنة فكانت - بحكم جوارهم للروم - النصرانية، ولكنها كانت على المذهب ~~المنوفستي الذي كان شائعا في منطقتهم، والذي عرف فيما بعد باسم المذهب اليعقوبي نسبة ~~إلى يعقوب البرادعي الرهوي. # أما لغتهم فكانت العربية، ولكنهم أيضا اتخذوا لغة الشام الآرامية لغة ثانية لهم فكان ~~شأنهم في ذلك شأن كل القبائل العربية التي سكنت أرض الهلال الخصيب كالتدامرة والمناذرة، ~~أعني أنهم كانوا مزدوجي اللغة. # ولم تكن عاصمة الغسانيين واحدة كما كانت عاصمة المناذرة الحيرة، وفي مبدأ دولتهم كانت ~~عاصمتهم معسكرا متحركا، ثم اتخذ لهم فيما بعد عاصمة ثانية في الجابية، وقد ذكر بعض ~~المؤرخين أن عاصمتهم كانت دمشق أو جلق القريبة منها، وقال آخرون: البلقاء، وقال غيرهم: ~~تدمر، وقال بعضهم: صفين، ومهما يكن من أمر فمما لا شك فيه أنهم أقاموا بجلق فترة غير ~~قصيرة من الزمن، وتقع جلق إلى الجنوب الغربي من دمشق وإلى الشمال من نهر ~~اليرموك. # الفصل التاسع # | تاريخ كندة # تمهيد # ذكر الأستاذ نيكلسون في كتابه «تاريخ الأدب العربي» أن دولة كندة كانت لتابعة اليمن ~~ما كان اللخميون لملوك الفرس. # ودولة كندة هذه هي التي كانت تنتظم معظم بلاد نجد مما يلي الحجاز شرقا وتمتد إلى طرف ~~الشام والعراق من ناحية الشمال، وتمارس نفوذا على قبائل عمان في الجنوب، ولم تكن دولة ~~على غرار دولتي المناذرة والغساسنة، بل كانت عبارة عن اتحاد أو تحالف يجمع عدة قبائل، ~~ولقد بدأ ظهورها في منتصف القرن الخامس الميلادي، واستمرت قائمة أكثر من قرن ونصف ~~قرن. # والكنديون قد يكون أصلهم ms111 من عرب الجنوب، والظاهر أن التبابعة لجئوا إليهم ليهيمنوا ~~لهم على الطرق التجارية الشمالية التي كانت ترتادها قوافل اليمن التجارية حتى يأمنوا ~~اعتداء قبائل البدو الشمالية عليها، ولم يكن للكنديين مدن كما كان للمناذرة والغساسنة، ~~ولكن الظاهر أنهم - بعد أن توطد سلطانهم - أصبحوا منافسا خطرا لهاتين الدولتين، وخاصة ~~دولة المناذرة التي تمكنوا بممالأة الفرس من طرد ملكها المنذر الثالث، وضمها إلى حلفهم ~~العظيم كما سيأتي. # ولا نجد ذكرا في النقوش اليمنية للكنديين؛ ولكن الذي نستخلصه مما كتبه العرب هو: أن ~~الكنديين كانوا يعيشون في الأصل في بلاد اليمن، ثم تفرقوا فنزلوا إلى حضرموت، وساكنوا ~~الحضرميين في موضع يعرف بكندة وهو الذي ينسبون إليه، ثم حدث بينهم وبين الحضرميين ~~خلاف وحروب كادت تأتي عليهم، ثم ضعفت كندة وظهر عجزها عن مواصلة الحرب، فهاجروا إلى ~~الشمال، وتصادف في ذلك الوقت أن خلافا وقع في قبيلة بكر التي تسكن شمال نجد فغلب ~~السفهاء فيها على العقلاء، وأكل القوي الضعيف، فلجأ زعماؤها إلى تبع اليمن حسان، وطلبوا ~~إليه أن يولي عليهم ملكا، فاختار حجر بن عمرو زعيم الكنديين وكان أخاه من الرضاع أو ~~أخا غير شقيق له، وكان ذا رأي ووجاهة، وهو أول ملوك الكنديين في أغلب الروايات. # حجر بن عمرو الملقب بآكل المرار حوالي 480م # قدم حجر إلى نجد وكان المناذرة قد ملكوا كثيرا منها، ولا سيما مواطن البكريين ~~فحاربهم واستخلصها منهم، فأجمع القوم على احترامه، وما زال كذلك حتى مات، ويقال إنه لقب ~~بآكل المرار؛ لأنه بلغه أمرا أغضبه فاستشاط غضبا، وجعل يأكل المرار (وهو نبات مر إذا ~~أكلته الإبل تقلصت مشافرها). # وبعد موت حجر ولي ابنه عمرو بن حجر مكانه، ولم يضف إلى المملكة أو الحلف قبائل جديدة ~~ومن أجل ذلك سمي بالمقصور. # الحارث بن عمرو # ولي بعد أبيه عمرو، وهو أشجع ملوك كندة، كان معاصرا لقباذ ملك الفرس وكان ملكا كثير ~~المطامع، في أيامه فتح الأحباش اليمن، وأذهبوا دولة التبابعة، فضعف شأن ملوك كندة؛ ~~لأنهم إنما كانوا يستمدون نفوذهم من ms112 اليمن، فوجه الحارث التفاته إلى المناذرة، وما زال ~~يحسدهم على تقربهم من الأكاسرة، ويترقب الفرص لضم الحيرة إلى دولته حتى حانت عندما تغير ~~قباذ ملك الفرس على المنذر الثالث وطرده من الحيرة بسبب رفضه اعتناق المزدكية، فاعتنقها ~~الحارث وظفر من قباذ بتوليته الحيرة بدلا من المنذر كما بينا ذلك آنفا؛ ولقد رحبت ~~قبائل معد وغيرها بملكه على الحيرة وتقربوا إليه بالطاعة، وطلبوا إليه أن يولي عليهم ~~من أبنائه من يحكمهم ليبطل ما قام بينهم من القتل، ففرق أولاده فيهم على النحو ~~الآتي: ~~(1) # حجر بن الحارث على أسد وغطفان. ~~(2) # شرحبيل بن الحارث على بكر بن وائل بأسرها. ~~(3) # معد يكرب بن الحارث على قيس عيلان بأسرها. ~~(4) # سلمة بن الحارث على تغلب والنمر بن قاسط. # على أن مقام الحارث في الحيرة لم يطل، فما هو إلا أن مات قباذ سنة 531م وآل الملك إلى ~~أنو شروان حتى أعاد المنذر الثالث وطرد الحارث، ففر بماله وأولاده فتبعتهم خيل المنذر، ~~ولحقتهم بأرض كلب؛ فهرب الحارث تاركا ماله وإبله فانتهبها المنذر، وأسر ثمانية وأربعين ~~من بني آكل المرار من بينهم عمرو ومالك ابنا الحارث، فأمر المنذر بهم فقتلوا في ديار ~~بني مرين، وفيهم يقول امرؤ القيس الشاعر الكندي: # ملوك من بني حجر بن عمرو # يساقون العشية يقتلونا # فلو في يوم معركة أصيبوا # ولكن في ديار بني مرينا # ولم تغسل جماجمهم بغسل # ولكن في الدماء مرملينا # تظل الطير عاكفة عليهم # وتنتزع الحواجب والجفونا # أما الحارث فظل في بني كلب حتى قتل، وقيل: مات عقب تتبعه ظبيا مدة ثلاثة ~~أيام. # أما أبناؤه قد ظلوا على ما خلفهم أبوهم عليه، ولكن المنذر الثالث أخذ يسعى بينهم ~~بالوقيعة انتقاما لنفسه منهم ومن أبيهم حتى تحاربوا، فقتل شرحبيل ملك بكر في معركة ~~تعرف عند العرب بيوم الكلاب «وهو ماء بين البصرة والكوفة» قتله رجال أخيه سلمة الحاكم ~~على تغلب، وبلغ أخاه معد يكرب قتله فجزع، وكذلك أدرك سلمة في الآخر نوايا المنذر ~~السيئة، فخرج من تغلب، والتجأ إلى بكر بن وائل ms113 فأذعنت له، وقالوا: لا يملكنا غيرك، فبعث ~~إليهم المنذر الثالث يدعوهم إلى طاعته فأبوا، فسار إليهم وكانت بينه وبينهم المعركة ~~المعروفة عند العرب بيوم أوارة الأول الذي انتصر فيه المنذر عليهم، وأسال دمهم على جبل ~~أوارة، وأحرق النساء. # وكان طبيعيا بعد قتل الأخوين سلمة وشرحبيل أن يضعف أثر ملوك كندة ويتضعضع نفوذهم، ~~وأول ما ظهر ذلك كان في خروج بني أسد على حجر بن الحارث ونبذهم طاعته ورفضهم دفع ~~الإتاوة إليه، فحاربهم عليها وأخضعهم، وأباح أموالهم، وحبس أشرافهم، وكانت النتيجة أنهم ~~حقدوا عليه، واغتنموا فرصة فقتلوه. # امرؤ القيس بن حجر الكندي # كان حجر قبل موته قد عهد إلى أحد أصحابه أن يدفع بتركته من سلاح وخيل إلى أي واحد من ~~أبنائه الكثر لم يجزع لموته، ونفذ الصديق الوصية فمر على أبناء حجر الواحد بعد الآخر، ~~وروى لهم حكاية مقتل حجر، فكل جزع، حتى إذا أتى امرأ القيس وكان ببعض أرض اليمن ~~يلعب النرد مع بعض أصحابه فلم يجزع، وانتوى الثأر لأبيه على الرغم من أن أباه كان ~~مهملا له في صباه بسبب قوله الشعر وتشبيبه بالنساء، فأسلم إليه الصديق المال والسلاح، ~~وأخذ امرؤ القيس يطوف بقبائل العرب يستنصرها على قتلة أبيه بني أسد، فمنهم من كان يمده، ~~ومنهم من كان يرفض خشية بطش بني أسد، وإغضاب المناذرة والفرس، حتى انتهى به الأمر إلى ~~أن يستودع أمواله ودروعه الشاعر اليهودي السموأل الذي كتب له كتابا إلى الحارث بن أبي ~~شمر الغساني يطلب إليه فيه أن يتوسط لامرئ القيس عند قيصر الروم ليساعده على الانتقام ~~من قتلة أبيه وبخاصة لأن ملوك الحيرة - وهم عمال الفرس أعداء قيصر - ساعدوهم. # وقبل الحارث ما أشار به السموأل، وسار امرؤ القيس يقصد قيصر، ولكنه مات في الطريق عند ~~أنقرة في خبر تجد تفصيله في كتب الأدب، فارجع إليه. # ولم يبق بعد موت امرئ القيس من ملوك كندة إلا معد يكرب على قيس عيلان وبعض أمراء صغار ~~لهم شبه سيادة على بعض قبائل العرب التي كانت ضمن ms114 مملكة كندة قبل تضعضعها، وما زال ~~الأمر كذلك حتى جاء الإسلام فاكتسح هذه الدويلات إن صح هذا التعبير، كما اكتسح دولتي ~~المناذرة والغساسنة فلم نعد نسمع عنها شيئا في التاريخ. # وليس للكنديين حضارة خاصة؛ لأنهم كما أسلفنا كانوا بدوا ليس لهم مدائن أو حصون، ~~والشيء المهم في قيام دولتهم القصيرة العمر هو أنه كان أول محاولة في داخل بلاد العرب ~~لتوطيد مجموعة من القبائل حول سلطة مركزية لها زعيم واحد، ولم تخلد أو تنجح هذه ~~المحاولة؛ لأن التوحيد العام نجح على يد نبي الإسلام محمد عليه السلام. # وسينطبق كلامنا عن حال العرب الاجتماعية في الشمال على الكنديين؛ لأنهم على الرغم من ~~إرجاع معظم المؤرخين أصلهم إلى الجنوب، لا يختلفون عن عرب الشمال في كثير أو ~~قليل. # الفصل العاشر # | تاريخ الحجاز # (1) تمهيد # ليست لدينا معلومات مؤكدة عن تاريخ الحجاز القديم قبيل البعثة النبوية، وكل ما كتبه ~~المؤرخون العرب إنما كتب في القرن الثامن الميلادي وما تلاه من القرون، وقد عمدوا إلى ~~بعض ما أجمله القرآن، فوسعوه من عندهم معتمدين فيما كتبوا على بعض ما ورد في التوراة، ~~ومحاولين كما يقول الأستاذ نكلسون: إن يضفوا على تاريخ مكة قبل الإسلام ثوبا ~~إسلاميا، فنظروا إلى مكة قبل الرسول بآلاف السنين في ضوء كالذي ظهرت فيه بعد ~~الرسول. # وقد يعجب الإنسان إذا عرف أن هذا الجزء الأوسط من جزيرة العرب قضى قرونا متطاولة لا ~~نعلم مقدارها، وهو في شبه عزلة عن العالم المتمدين، بينا جنوب الجزيرة وشمالها قد سجل ~~التاريخ لنا من أخبارها وتمدينها شيئا كثيرا، ولكن جدب الحجاز، وجفاف تربته، ووعورة ~~المسالك إليه لم يجذب الفاتحين العظام - مثل تحتمس الثالث في القرن الخامس عشر قبل ~~الميلاد، والإسكندر المقدوني في القرن الرابع قبل الميلاد، وأغسطس قيصر في القرن الأول ~~الميلادي، وملوك الفرس في إبان عظمة دولتهم - لفتحه، بل وأرجع بعضهم فاشلا. فكانت هذه ~~العوامل الطبيعية من الأسباب التي أبعدت الحجاز عن الاحتكاك بالدول، وجعلت نشاطه ~~داخليا، وأبقت عليه حالة البداوة التي نشأ أهله عليها، ms115 ولم يخرج من هذه البداوة إلا ~~مكة وبعض المدن التي هاجر إليها اليهود، وخاصة في القرون الأخيرة قبل الميلاد والأولى ~~بعده فرارا من اضطهاد حكم الرومان، كما كان لهجرة أهل اليمن بعد سيل العرم بعض الأثر ~~في تحويل بعض أهل الحجاز من البداوة إلى الحضارة. # ولقد عالجنا في فقرة [العرب المستعربة] ما أورده العرب في نسب العرب العدنانية، ~~وأبدينا رأينا في صحة هذه الأنساب، ثم لخصنا قصة إسماعيل عليه السلام، وسنعالج في هذا ~~الباب التاريخ الأسطوري لمكة وتأسيسها، حسبما ورد في كتب العرب، ثم ما يمكن أن يسمى ~~تاريخا لها؛ لأن الأمر - من الناحية العلمية - لا يزال تحقيق نظرياته موضع جدل بين ~~العلماء ورهن ما يمكن الكشف عنه من مستندات ووثائق تلقي على الموضوع ضوءا يجلو غوامضه ~~ومعمياته. # وكان الأستاذ فلبي «في كتابه عن عصر ما قبل الإسلام الذي صدر أخيرا سنة 1947 والذي ~~أشرنا إليه آنفا» آخر من ناقش أصل العرب وقصة إبراهيم عليه السلام مناقشة علمية في فصل ~~عقده بهذا العنوان ذكر فيه أن الباحثين كشفوا عن ألواح بابلية ذكرها تدل دلالة تامة على ~~أن أسرة من أسرها المالكة عدد ملوكها ثلاثة حكمت قرنا من الزمان، وكانوا ساميين ~~موحدين، وأنهم استولوا على أسفل بابل حتى طردهم السومريون - وهم وثنيون غير موحدين - ثم ~~ذكر أنه بالموازنة الدقيقة بين نصوص التوراة ونصوص الألواح البابلية وبمقارنة التواريخ ~~في كليهما «القرن العشرين قبل الميلاد» تأكد لديه أن آخر ملوك هذه الأسرة ليس شخصا آخر ~~غير إبراهيم نفسه، وأن اسمه كما ورد في الألواح «دمقي إيليشو»، وأن ترجمة الاسم هي ~~«خليل الله» وهو اللقب الذي يطلق في المراجع الإسلامية على إبراهيم الخليل عليه السلام ~~ثم ذكر أنه بسبب سقوط هذه الأسرة السامية وعقب سقوطها هاجر إبراهيم إلى فلسطين ... ~~إلخ. # وظاهر مما ذكرناه الآن في هذا الصدد وما ذكرناه من قبل في مواضع أخرى من هذا الكتاب ~~أن الكشوف العلمية الحديثة تؤيد روايات القرآن باستمرار، هذا وسنعالج بشيء من الإسهاب ~~في الفقرات التالية تاريخ ms116 الإمارة في مكة، ونقفي على أثرها بشيء من تاريخ الإمارة في ~~المدينة. ~~(2) إسماعيل وتأسيس مكة # تقع مكة في واد منحصر بين الجبال، تربطه عدة طرق بالشمال وبالجنوب، ولا نعلم على وجه ~~التحقيق متى أسست هذه المدينة المقدسة، ولكن الراجح أن هذا الموضع كان قبل تأسيس مكة ~~محطا لرجال القوافل، يضربون فيه خيامهم، سواء في ذلك القادمون من اليمن قاصدين ~~فلسطين، والقادمون من فلسطين قاصدين اليمن، ويتبادلون فيه متاجرهم، ويقيمون فيه أياما ~~بسبب ما كان فيه من عيون الماء. # وتنسب الرواية العربية - وتؤيدها بعض آي القرآن في ذلك - تأسيس مكة إلى إبراهيم عليه ~~السلام، ولا يذكر القرآن أكثر من الواقعة مجردة، أما الرواية العربية فإنها تقول: إن ~~هاجر وهي تجوب الصحراء مع ولدها إسماعيل، تصل في آخر الأمر إلى مكة، ولما أدركها الظمأ ~~هي وولدها أخذت توسع الخطى بين تلين صغيرين، هما الصفا والمروة، بحثا وراء الماء، ~~وفيما هي تسعى بين التلين إذا بإسماعيل الذي تركته يبكي على الأرض، يضرب الأرض بقدمه ~~فيتفجر منها ماء حلو صاف، ذلك الماء هو بئر زمزم، فيغري هذا البئر بعض العمالقة ~~والقبائل اليمانية فتقيم إلى جواره، ويشب إسماعيل بين هذه القبائل، ويتزوج من ابنة ~~زعيمهم، وتنفيذا لبعض الرؤى التي رآها إبراهيم نجده يهم بذبح ابنه على مرتفع من الأرض ~~هناك، ولكن الله يفتديه بذبح عظيم، وفي زيارة أخرى لإبراهيم نسمع أنه بمعاونة أبيه يقيم ~~بيتا لله، ويبدأ شعائر الحج الأولى، ولنفصل الآن هذه القصة معتمدين على ما ورد في كتب ~~التاريخ العربية وتفاسير القرآن. ~~(3) نشأة إبراهيم الأولى # نشأ إبراهيم في مدينة أور من بلاد الكلدان، لأب نجار كان ينحت الأصنام ويبيعها لقومه ~~الذين كانوا يعبدونها، وأدرك إبراهيم أن الأصنام لا تنفع ولا تضر، فساوره الشك في ~~أمرها، فسأل أباه كيف يعبدها وهي من صنع يده، وتحدث بذلك إلى الناس، فخشي أبوه بوار ~~تجارته، وأدرك أنه يريد الكيد للأصنام، ولم يلبث إبراهيم أن اغتنم غفلة من الناس فكسرها ~~إلا كبيرها، فحاكموه وحكموا عليه بالتحريق، وأشعلوا لذلك ms117 نيرانا ألقوه في وسطها، ~~فأنجاه الله منها، ورأى أنه لا ينجح في هداية قومه، وقد فشلت كافة الوسائل لإقناعهم، ~~فهاجر إلى فلسطين هو وزوجه سارة التي آمنت به، ومعه لوط ابن أخيه الذي آمن به أيضا، ~~وحاول أن يهدي أهل فلسطين إلى عبادة الله، ولكنه فشل فارتحل إلى مصر وحمله على ذلك - في ~~رواية البعض - جدب أصاب فلسطين إذ ذاك. ~~(4) إبراهيم في مصر # دخل إبراهيم ومعه زوجه سارة أرض مصر، في القرن العشرين قبل الميلاد، إبان حكم ~~الهكسوس، كما يستنتج من تواريخ التوراة، ومن سياق الأقصوصة التالية، وكان من شأن ملوك ~~الهكسوس - كما تقول القصة - أن يأخذوا النساء الجميلات ممن يهبطن أرض مصر، وكانت سارة ~~كما يقول ابن الأثير «من أحسن النساء وجها، وكانت لا تعصي إبراهيم شيئا، ولما وصفت ~~لفرعون أرسل إلى إبراهيم، فقال: من هذه التي معك؟ فقال: أختي، خشية أن يقتله الملك ~~ليتخذها زوجا، فقال له: زينها وأرسلها إلي، فأمر بذلك إبراهيم فتزينت وأرسلها إليه ~~فلما دخلت عليه أهوى بيده إليها. # وكان إبراهيم حين أرسلها قام يصلي، فلما أهوى إليها أخذ أخذا شديدا، فقال: ادعي ~~الله ولا أضرك، فدعت له فأرسل، فأهوى إليها فأخذ أخذا شديدا، فقال: ادعي الله ولا ~~أضرك، فدعت له فأرسل، ثم فعل ذلك الثالثة، فذكر مثل المرتين، فدعا أدنى حجابه وقال له: ~~إنك لم تأتني بإنسان وإنك أتيتني بشيطان، أخرجها وأعطها هاجر.» فأقبلت بهاجر الجارية ~~المصرية إلى إبراهيم وأزمع الكل الرحيل. # ولما كانت سارة قد سلخت السنين الطوال ولم تلد لإبراهيم فإنها وهبته هاجر، وقالت: ~~خذها لعل الله يرزقك منها ولدا، فدخل بها فلم تبطئ أن ولدت إسماعيل، وبعد أن شب ~~إسماعيل وترعرع حملت سارة وولدت له إسحاق. ~~(5) إسماعيل في مكة # وكانت إقامة إبراهيم في الطرف الجنوبي من بلاد فلسطين، فلما كبر الغلامان إسماعيل ~~وإسحاق اختصما، فغضبت سارة على هاجر، وقالت: لا تساكنيني في بلد، فأوحى الله إلى ~~إبراهيم أن يأتي مكة، وليس بها يومئذ نبت، فجاء إبراهيم بإسماعيل وأمه هاجر فوضعهما ~~بمكة، ms118 فلما مضى نادته هاجر: يا إبراهيم من أمرك أن تتركنا بأرض ليس فيها زرع ولا ماء ~~ولا زاد ولا أنيس، قال: أمرني ربي، قالت: فإنه لن يضيعنا، فلما ظمئ إسماعيل جعل يدحض ~~الحجر برجله، وانطلقت هاجر حتى صعدت الصفا لتنظر هل ترى شيئا، فلم تر شيئا، فانحدرت ~~إلى الوادي فسعت حتى أتت المروة، فاستشرفت أن ترى شيئا فلم تر شيئا، ففعلت ذلك سبع ~~مرات، ثم جاءت إلى إسماعيل وهو يدحض الأرض بقدميه وقد نبعت العين وهي زمزم فجعلت تفحص ~~الأرض بيدها عن الماء حتى لا يضيع في الرمال «وهي تقول: زم زم، فسمي لذلك ~~زمزم.» # وكانت جرهم بواد قريب من مكة، ولزمت الطير الوادي حين رأت الماء، فلما رأت جرهم الطير ~~لزمت الوادي، قالوا: ما لزمته إلا وفيه ماء، فجاءوا إلى هاجر، فقالوا: لو شئت فكنا معك ~~فآنسناك والماء ماؤك، فقالت: نعم، فكانوا معها حتى شب إسماعيل، وماتت هاجر، فتزوج ~~إسماعيل منهم، ويقول ابن الأثير الذي ننقل عنه هذه الرواية: إنه تعلم العربية منهم هو ~~وأولاده، واستأذن إبراهيم سارة أن يأتي هاجر، فأذنت له وشرطت عليه أن لا ينزل، فقدم وقد ~~ماتت هاجر، فذهب إلى بيت إسماعيل، فقال لامرأته: «أين صاحبك؟» قالت: ليس ها هنا، ذهب ~~يتصيد، وكان إسماعيل يخرج يتصيد ثم يرجع، قال إبراهيم: «هل عندك ضيافة؟» قالت: «ليس ~~عندي ضيافة وما عندي أحد»، فقال إبراهيم: «إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام وقولي له فليغير ~~عتبة بابه»، وجاء إسماعيل فقال لامرأته: «هل عندك أحد؟» قالت: «جاء لي شيخ كذا وكذا» ~~كالمستخفة بشأنه، فعرف أنه أباه، قال: «فما قال لك؟» قالت: «قال: أقرئي زوجك السلام ~~وقولي له فليغير عتبة بابه» فطلقها وتزوج جرهمية أخرى هي بنت مضاض بن عمرو، فلبث ~~إبراهيم ما شاء الله أن يلبث، ثم استأذن سارة أن يزور إسماعيل فأذنت له فجاء حتى انتهى ~~إلى بيت إسماعيل قال لامرأته: «أين صاحبك؟» قالت: «ذهب يتصيد وهو يجيء الآن فانزل يرحمك ~~الله» فقال لها: «هل عندك ضيافة؟» قالت: «نعم». قال: ms119 «فهل عندك خبز أو شعير أو تمر؟» ~~قال: فجاءت باللبن واللحم فدعا لهما بالبركة، فقالت: انزل حتى أغسل رأسك.» فلم ينزل ~~فجاءته بالمقام بالإناء فاغتسل فقال لها: «إذا جاء زوجك فقولي له: قد استقامت عتبة ~~بابك»، فلما جاء إسماعيل وجد ريح أبيه، فقال لامرأته: «هل جاءك أحد؟» قالت: «نعم شيخ ~~أحسن الناس وجها وأطيبهم ريحا فقال لي كذا وكذا وقلت له كذا وكذا، وغسلت رأسه، وهو ~~يقرئك السلام، ويقول قد استقامت عتبة بابك.» # هذه القصة نقلناها عن ابن الأثير بتصرف يسير، وهي لا تختلف في جوهرها عما أورده كافة ~~مؤرخي العرب ومعظم المستشرقين، ولا يعترض إلا بعض هؤلاء الآخرين، ونخص بالذكر منهم ~~الأستاذ موير الذي ينفي القصة من أساسها، ويرى أنها بعض الإسرائيليات ابتكرها اليهود ~~قبل الإسلام ليربطوا بها بينهم وبين العرب بالاشتراك في أبوة إبراهيم لهم أجمعين فإن ~~كان إسحاق أبا لليهود فإذن كان أخوه إسماعيل أبا للعرب، فهم إذا أبناء عمومة توجب ~~على العرب حسن معاملة النازلين بينهم من اليهود، وتيسر لتجارة اليهود في شبه الجزيرة. ~~ويستند المؤرخ الإنجليزي في رأيه هذا إلى أن أوضاع العبادة في بلاد العرب لا صلة بينها ~~وبين دين إبراهيم؛ لأنها وثنية مغرقة في الوثنية، وكان إبراهيم حنيفا مسلما. ويرى ~~الدكتور هيكل أن تعليل الأستاذ موير ليس كافيا لنفي واقعة تاريخية، وأن وثنية العرب ~~بعد موت إبراهيم وإسماعيل بقرون كثيرة لا تدل على أنهم كانوا كذلك حين جاء إبراهيم إلى ~~الحجاز وحين اشترك وإسماعيل في بناء الكعبة، وأنه لا يوجد ما يمنع أن يدعو إبراهيم إلى ~~الوحدانية فلا يستمع العرب لدعائه، فقد سبق أن دعا إليها في العراق وفي فلسطين فلم ينجح ~~(راجع صفحتي 89 و90 من كتاب حياة محمد للدكتور هيكل باشا). # وننتقل من هذه القصة إلى قصة أخرى قام عليها الخلاف بين اليهود والمسلمين ونعني بها ~~قصة الذبيح. ~~(6) من الذبيح؟ إسماعيل أم إسحاق؟ # تتلخص قصة الذبح هذه في أن الله تعالى أراد أن يمتحن إبراهيم، فرأى إبراهيم في منامه ~~أن الله ms120 يأمره أن يذبح ولده، فعرض الأمر على الولد، فأعلن خضوعه لما يأمر به الله، فأخذ ~~إبراهيم الغلام وألقاه على عنقه وخده وهم بذبحه، ففداه الله بذبح عظيم (سورة ~~الصافات الآيات من 101 إلى 112)، ولم يذكر القرآن أي ابني إبراهيم كان الذبيح أهو ~~إسماعيل أم إسحاق؟ كما أنه لم يذكر الموضع الذي حدثت فيه الحادثة، أكان ذلك بفلسطين أم ~~بالحجاز؟ وقد اختلف من أجل ذلك المؤرخون والمفسرون المسلمون، فمنهم من قال: إن الذبيح ~~هو إسماعيل، ومنهم من قال: إن الذبيح هو إسحاق، فابن مسعود ومجاهد وعكرمة وقتادة وابن ~~إسحاق يقولون: إن الذبيح هو إسماعيل، أما ابن عمر وابن عباس والحسن وعبد الله بن أحمد ~~فيقولون: إنه إسحاق. أما التوراة فإنها تنص في الآيات من 1 إلى 14 من الإصحاح الثاني ~~والعشرين من سفر التكوين على أن الذبيح هو إسحاق، ويرى الأستاذ الشيخ عبد الوهاب النجار ~~في كتابه «قصص الأنبياء» مستدلا من القرآن في سورة الصافات، ومن التوراة نفسها في ~~الآيات السالفة الذكر، على أن الذبيح هو إسماعيل، قائلا: إن لفظ إسحاق الذي ورد فيها ~~بعد قوله: «خذ ابنك وحيدك الذي تحبه إسحاق واذهب إلى أرض الموريا ... إلخ.» إنما حشر ~~حشرا في الآية، حرصا من اليهود على أن يكون أبوهم هو الذبيح الذي جاد بنفسه في طاعة ~~ربه. # وجمهور المؤرخين المسلمين يعتقد أن الذبح والفداء كانا فوق جبل من جبال مكة، أما سياق ~~القصة سواء أكان الذبيح إسماعيل أم إسحاق فيرجح أن الذبح والفداء كانا في فلسطين، وينكر ~~بعض المستشرقين القصة برمتها، بينما بعض المؤرخين المسلمين ينسج حولها خيوطا رائعة من ~~خيال مؤثر، فيزعمون أن الشيطان تمثل رجلا فجاء أم الغلام فقال لها: «أتدرين أين ذهب ~~إبراهيم بابنك؟» فقالت له: «ذهب به يحتطب لنا من هذا الشعب»، قال الشيطان: «والله ما ~~ذهب به إلا ليذبحه»، قالت الأم: «كلا»، قال الشيطان: «إنه يزعم أن الله أمره بذلك»، ~~قالت الأم: «فليطع أمر ربه»، ثم كان حديث بين الشيطان والأب والابن، كان جوابهما عليه ~~كجواب ms121 الأم، فنكص الشيطان على عقبيه خزيان محنقا. ثم يصف ابن الأثير الموقف بين الأب ~~والابن وصفا مؤثرا شعريا، فيلقي على لسان الابن أنه قال: «يا أبت إن أردت ذبحي ~~فاشدد رباطي لئلا يصيبك من دمي شيء فينقص أجري فإن الموت شديد، واشحذ شفرتك حتى تريحني، ~~فإذا أضجعتني فكبني على وجهي، فإني أخشى إن نظرت في وجهي أن تدركك رحمة، فتحول بينك ~~وبين أمر الله، وإن رأيت أن ترد قميصي إلى أمي فعسى أن يكون أسلى لها عني فافعل.» فقال ~~إبراهيم: «نعم المعين أنت أي بني على أمر الله»، فربطه كما أمره ثم حد شفرته وتله ~~للجبين، ثم أدخل الشفرة لحلقه فقلبها الله لقفاه، ثم اجتذبها إليه ليفرغ منه فنودي: «أن ~~يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا، هذه ذبيحتك فداء لابنك فاذبحها.» ويرى الدكتور هيكل باشا أن ~~قصة الذبح والفداء هي قصة الإسلام لأمر الله غاية الإسلام، والتسليم لقضائه كل ~~التسليم.» # وننتقل الآن إلى بناء إبراهيم وإسماعيل للبيت الذي بمكة. ~~(7) تاريخ الكعبة # صحب تأسيس الكعبة أساطير عدة لا تعتمد على سند من تاريخ أو دين، وقبل أن نعالج هذه ~~الأساطير يجب أن نذكر هنا قوله تعالى في سورة آل عمران آيتي 96، 98: # إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا ~~وهدى للعالمين * فيه آيات بينات مقام ~~إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج ~~البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني ~~عن العالمين ~~، وقوله تعالى في سورة البقرة الآية 127: # وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت ~~وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع ~~العليم # فهذه الآيات وغيرها تحملنا على الجزم بأن بناء البيت من عمل ~~إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وأنهما قصدا ببنائه عبادة الله تعالى ونشر الوحدانية، ~~ولا يطعن في ذلك أن التاريخ يروي لنا أن معابد كثيرة أسست قبل هذا المعبد في مصر أو ~~أشور أو فلسطين، فإن هذه المعابد إنما أسست في ظل الوثنية لعبادة آلهة متعددة، ولا شك ~~أن المعبد الذي بناه إبراهيم كان أقدم من المعابد ms122 التي أسسها نبي الفراعنة إخناتون ~~ببضعة قرون، وإخناتون في أرجح الأقوال من الأنبياء والموحدين، أما الأساطير التي ~~ابتكرها المؤرخون والمفسرون من العرب، رغبة منهم في إضفاء قداسة عليها أكثرها مما ورد ~~في القرآن فنحن نلخصها فيما يلي: ~~(1) # أن الكعبة بنيت في السماء، على غرار أنموذج لا يزال موجودا، يسمى البيت ~~المعمور، وذلك قبل أن تخلق الدنيا بألفي سنة، وأن آدم عليه السلام أقامها ~~على الأرض تحت الموضع الذي يقابل أنموذجها تماما. ~~(2) # أن الله أمر الملائكة من سكان الأرض، أن يبنوا في الأرض بيتا على غرار ~~البيت المعمور وأمر من في الأرض أن يطوفوا به، كما يطوف أهل السماء بالبيت ~~المعمور. ~~(3) # أن آدم عندما هبط إلى الأرض مع زوجه من الجنة، لم يسمع أصوات الملائكة ~~حول العرش، فأقبل آدم حتى وصل مكة، وساعدته الملائكة فبنى البيت، متخذا ~~أحجاره من خمسة جبال، هي: جبل طور سيناء، وطور زيتاء، ولبنان، والجودي، ~~وحراء. ~~(4) # أن البيت المقدس أغرق في طوفان نوح، وأن الله تعالى أمر إبراهيم عليه ~~السلام أن يعيد بناءه، وأن إسماعيل ساعد أباه في البناء، فكان يجيء ~~بالحجارة وإبراهيم يبني حتى رفع القواعد من البيت. ~~(5) # أن إبراهيم لما أمره الله ببناء البيت لم يعرف موضعه، فبعث الله سحابة ~~على قدر الكعبة، فجعلت تسير وإبراهيم يمشي في ظلها إلى أن وافت مكة ووقفت ~~على موضع البيت، فنودي منها يا إبراهيم أن ابن على ظلها لا تزد ولا ~~تنقص. ~~(6) # أن إبراهيم لما أمر بالبناء أقبل على البراق ومعه السكينة، وهي ريح لها ~~رأسان تشبه الحية، يتبع أحدهما صاحبه، وأمر إبراهيم أن يبني حيث تستقر ~~السكينة، فتبعها إبراهيم حتى أتيا مكة، فتطوقت السكينة على موضع البيت ~~كتطوق الحية، فكنست ما حول البيت عن الأساس. # وتختلف الأقاويل في أصل الحجر الأسود، وقد ذكر ابن الأثير أن إبراهيم قال لإسماعيل: ~~ائتني بحجر حسن أضعه على الركن فيكون للناس علما، فناداه أبو قبيس «جبل بمكة» أن لك ~~عندي وديعة، وقيل: بل جبريل أخبره بالحجر الأسود فأخذه ووضعه مكانه، وتذكر ms123 بعض الروايات ~~أن هذا الحجر من حجارة الجنة، وأنه عندما هبط إلى الأرض كان أبيض كاللبن ثم اسود من ~~خطايا الناس، ولا نستطيع أن نجزم بنوع مادة هذا الحجر، ففريق من العلماء يقول: إنه حجر ~~بركاني يشبه الحجر الخفاف، وآخرون يقولون إنه نيزك، بل أكبر نيزك هبط من السماء. # وبعد أن أتم إبراهيم بناء البيت أذن في الناس بالحج. # أما بقية تاريخ الكعبة فيتلخص فيما يأتي: # وعندما مات إسماعيل وقعت الكعبة في يد الجراهمة، وظلت في أيديهم زهاء ألف سنة، ثم ~~انتقلت بعد ذلك إلى أيدي بني خزاعة، الذين أقاموا عليها أكثر من مائتي سنة، وكثيرا ما ~~كانت تدمر بسبب السيول التي تجتاحها، ثم أعاد بناءها قصي بن كلاب الذي جعل لها سقفا، ~~وكانت حتى زمنه مكشوفة لا سقف لها، وفي خلال هذه القرون الطويلة تطورت العبادة في ~~الكعبة، حتى أصبحت موئل الأصنام وعبادتها، بعد أن كانت بيتا لعبادة الله جل وعلا، ولا ~~يحدثنا التاريخ المعتمد عن الأدوار التي مر فيها هذا التطور، إنما يذكر مؤرخو العرب أن ~~عمرو بن لحي الخزاعي كان أول من أدخل الأصنام إلى بلاد العرب، وأنه جلب أول صنم إليها ~~وهو هبل من مدينة «هيت» في العراق، ومن ذلك الوقت أصبحت الكعبة «بانثيون» لكل ~~القبائل؛ أي مجمعا ومقرا لأصنامها، وكان قصي أول من بنى حول الكعبة بيوتا، ولم يترك ~~بين البيوت والكعبة إلا قدر المطاف، وأشرفت قريش على الكعبة بعد قصي فأصابها حريق، ~~فأعادوا بناءها في حجم أصغر من حجمها الأصلي وأقاموا بداخل البناء ستة أعمدة ليعتمد ~~عليها السقف، ثم وضعوا تمثال هبل إلى جدار في داخل الكعبة، وروى الأزرقي أن صور ~~العذراء والمسيح وإبراهيم وإسماعيل وبعض الملائكة كانت منقوشة على بعض عمد ~~الكعبة. # وقبيل بعثة النبي عليه الصلاة والسلام أصاب الكعبة سيل أوهن جدرانها فهدمها القوم بعد ~~تردد، ثم أعادوا بناءها، حتى إذا وصلوا إلى مكان الحجر الأسود اختلفوا، وكادت تنشب حرب ~~أهلية بينهم، لولا أنهم احتكموا إلى أول داخل من باب الصفا فكان ms124 محمد عليه السلام، فرأى ~~بحكمته أن يفض النزاع، بأن وضع الحجر على ثوبه، ثم كلف أهل القبائل المختلفة برفعه ~~ووضعه في المكان بيده. # وبعد فتح مكة طهر النبي الكعبة من كل أثر للوثنية، فحطم الأصنام وطمس الصور، وأعاد ~~إليها بساطة التوحيد. # وفي أيام يزيد بن معاوية حاصر قائده الحصين بن نمير السكوني مكة ورمى الكعبة ~~بالمنجنيق فتناثرت حجارتها واشتعلت فيها النيران؛ لأن بناءها إذ ذاك كان مدماكا من حجر ~~ومدماكا من خشب، ولما مات يزيد فك الحصار عن مكة، فرأى عبد الله بن الزبير أن يعيد ~~بناء الكعبة، فهدمها وشرع في بنائها على قواعد إبراهيم. # وفي أيام عبد الملك بن مروان حاصر الحجاج مكة، وقتل عبد الله بن الزبير، واستأذن عبد ~~الملك في أن يعيد بناء الكعبة، ويرجعها إلى ما كانت عليه أيام رسول الله فأذن ~~له. # وأراد هارون الرشيد أن يهدم الكعبة ويردها إلى بناء ابن الزبير، فنهاه الإمام مالك عن ~~ذلك، وقال: «لا تجعل كعبة الله ملعبة للملوك، لا يشاء أحد أن يهدمها إلا هدمها»، فترك ~~الرشيد الكعبة كما هي. # وفي سنة (1040 هجرية/1630 ميلادية) هطل بمكة مطر عظيم، ثم ارتفع حتى وصل الكعبة ووهن ~~بناءها، وأخذت الحجارة تتساقط، فهلع الناس واضطربوا، وأرسل والي مصر محمد باشا الألباني ~~جماعة من المهندسين والمعلمين المصريين، فهدموا بقية الجدران، وابتدءوا يبنونها عمارة ~~جديدة، وربطوا الحجر الأسود بسوار من الفضة؛ لأنه كان قد تصدع ولما فرغ القوم من بناء ~~الكعبة كتبوا محضرا أرسلوه إلى مصر فيه شهادة المكيين بحسن عمارة البيت. # وبناء الكعبة القائم الآن، هو البناء الذي شاركت فيه مصر بالحظ الأوفر، وأنفقت بعد أن ~~أرسلت جميع ما يلزم من أدوات للعمارة ستة عشر ألفا من الجنيهات لإتمامها. # وهو يبلغ من الارتفاع 15 مترا، وطول جداره الشمالي 9,92 مترا، والجنوبي 10,25 ~~مترا، والشرقي 11,88 مترا، والغربي 12,25 مترا، وفي الجدار الشرقي بابها، ويرتفع عن ~~الأرض مقدار مترين، وعتبة مصفحة بصفائح الفضة، وكذلك مصراعا الباب، إلا أن صفائحهما ~~الفضية مطلية بالذهب، ويلاصق ms125 جدران الكعبة من الخارج بناء من الرخام يسمى الشاذروان، ~~ارتفاعه عن الأرض قليل، وقد أقيم تقوية للجدران، وفي الركن الجنوبي الشرقي الحجر الأسود ~~وهو مبدأ الطواف، ويرتفع عن الأرض مترا ونصف متر، وعلى مقربة من الكعبة نجد بئر زمزم ~~المشهورة. # والآن وقد استطردنا فأتينا على تاريخ الكعبة ووصفها، فإنا نرجع بالقارئ إلى حالة ~~مكة بعد بنائها، وانصراف إبراهيم عليه السلام عنها إلى الشمال. ~~(8) بنو إسماعيل في مكة # بعد أن تم بناء البيت وعاد إبراهيم إلى فلسطين، أقام إسماعيل في مكة التي أخذت أفئدة ~~الناس تهوي إليها، ونخص بالذكر منهم الجراهمة، الذين كانوا يقيمون إلى جوار مكة قبل أن ~~ينبع الماء في زمزم، وظل إسماعيل يدعو الناس إلى عبادة الله في مكة وما جاورها حتى مات، ~~وقام أبناؤه من بعده - إذا تساهلنا في التعبير - على السلطة الزمانية في مكة وعلى خدمة ~~البيت، وقد سبق أن قلنا إن إسماعيل تزوج من السيدة فاطمة بنت مضاض بن عمرو الجرهمي، ومن ~~هذه السيدة أنجب أبناءه الاثني عشر، الذين هم أجداد العرب الإسماعيلية، ولم يلبث ~~أولادهم أن انتشروا في أنحاء الجزيرة، وخاصة في شمالها، وليست أسماء القبائل التي تنسب ~~إلى إسماعيل إلا أسماء هؤلاء الأولاد أو أحفادهم. # وأشهر أعقاب إسماعيل هو عدنان، الذي عاش في القرن الأول قبل الميلاد، والذي يقال إنه ~~تزوج - كجده من قبل - من جرهمية، ونحن لا نستطيع أن نجزم بصحة ما أورده النسابون في ~~سلسلة النسب التي تربطه بإسماعيل، أما أبناء عدنان، فأنسابهم إلى حد ما مضبوطة، لا ~~يختلف فيها مؤرخو العرب، ويعترف بها معظم المستشرقين، ونخص بالذكر منهم نزار بن معد بن ~~عدنان. # وقد أنجب نزار ولدين، أحدهما ربيعة والآخر مضر، ومن أشهر أعقاب ربيعة بكر وتغلب، أما ~~مضر فأشهر أعقابه عبس وذبيان وسليم وهوازن وتميم وهذيل وخزيمة، ومن بني خزيمة كنانة ~~وأسد، وأشهر بني كنانة فهر أو قريش، وهي القبيلة التي ستشغل أكبر حيز من كلامنا في هذا ~~الباب. # وتاريخ بني إسماعيل في هذه الفترة الطويلة من الزمن، غامض ms126 غموضا شديدا، ولا يعرف ~~حتى المؤرخون العرب كيف يملئون فراغ هذه القرون المتطاولة، ولا تبزع شمسهم - مشبحة ~~بالغيوم - فوق أفق التاريخ الحقيقي إلا من عهد قصي، في منتصف القرن الخامس الميلادي، ~~على أن هذا لا يمنعنا من أن نذكر بناءا على ما رواه مؤرخو العرب، أن الذين قاموا على ~~الحكومة والبيت في مكة بعد أولاد إسماعيل مباشرة هم الجراهمة أخوالهم، ومن بعدهم ~~الخزاعيون. # ونثبت في كل من الجدولين الآتيين سلالة ربيعة ومضر، كما استخلصت من كتب الأنساب، مع ~~ملاحظة أن الخط المنقط يدل على إهمال حلقة أو أكثر من سلسلة النسب: ~~(9) الجراهمة في مكة # لما ضعفت قبضة بني إسماعيل في مكة، نحاهم أخوالهم الجراهمة، الذين آثروا المقام في ~~مكة، بينا هاجر معظم بني إسماعيل، وقد احتفظ الجراهمة بسدانة البيت، ولقبوا أنفسهم ~~بالملوك، وممن يذكرهم مؤرخو العرب من الجراهمة، مضاض الجرهمي الأصغر الذي نازعه بعض أهل ~~مكة السلطان فانتصر عليهم، ولا يذكر المؤرخون شيئا جديرا بالذكر إلا أن جرهما بغت ~~مكة واستحلوا حرمة البيت، وظلموا من دخل مكة من الحجاج وغيرهم، وأكلوا مال الكعبة الذي ~~يهدى إليها، وظهر فيهم الفسق والفساد حتى كانوا يأتون الفحشاء في جوف الكعبة، وما زال ~~أمرهم يضعف حتى تمكنت خزاعة من التغلب عليهم، والاستيلاء على مكة. # وقبل أن يبرح آخر ملوكهم - وهو عمرو بن الحارث بن مضاض - مكة يقال إنه رمى في بئر ~~زمزم كل تحفه وذخائره، ومن بينها غزالتان من الذهب وسيوف ودروع سنعود إلى الكلام عنها ~~في الفقرات التالية، كما تذكر بعض الروايات أنه دفن الحجر الأسود أيضا، ثم طم البئر ~~على ما دفن. # وتذكر بعض كتب الأدب والتاريخ أشعارا يتجلى فيها حزن الجراهمة على ما فقدوا من ملك ~~وجاه، وأغلب الظن أنها موضوعة. # أما أين ذهب الجراهمة بعد طردهم من مكة فذلك ما لا نعرفه، وإن كان بعض المؤرخين يذكر ~~أنهم انصرفوا إلى اليمن، وهذا ما لا نستطيع أن نجزم به. ~~(10) الخزاعيون في مكة # في القرن الثاني الميلادي أخذت عدة قبائل من القبائل ms127 اليمانية تهجر بلادها إلى الشمال ~~بعد تصدع سد مأرب، وكان معظم هذه القبائل يقصد المدينة والشام والحيرة، ولكن بني حارثة ~~بن عمرو، وهم خزاعة تخلفوا في مكة، وآثروا المقام فيها، وهم الذين استطاعوا أن يجلوا ~~الجراهمة عنها في القرن الثالث الميلادي، وقد ظلوا سادة مكة زهاء مائتي سنة، لهم ما ~~يشبه السلطة الزمنية، وأهم الوظائف الدينية؛ إذ لم يتركوا لأهل مكة من هذه الوظائف إلا ~~أصغرها، وتذكر بعض الكتب أن خزاعة لم تخرج جرهما من مكة منفردة، بل تولت هذا الأمر ~~معها كنانة، ويذكر لنا المؤرخون من الخزاعيين عمرو بن لحي، الذي يقال إنه أول من أدخل ~~عبادة الأصنام، ولقد ذكر ابن الكلبي في كتاب الأصنام «أنه مرض مرضا شديدا فقيل له: إن ~~بالبلقاء من الشام حمة إن أتيتها برئت، فأتاها فاستحم بها فبرئ، ووجد أهلها يعبدون ~~الأصنام، فقال: ما هذه؟ فقالوا: نستسقي بها المطر ونستنصر بها على العدو، فسألهم أن ~~يعطوه منها ففعلوا، فقدم بها مكة ونصبها حول الكعبة.» وقد سبق أن قلنا: إن الصنم الذي ~~حمله هو هبل. # وآخر من ولي من خزاعة هو حليل الذي جعل ولاية البيت إلى ابنته حبي، فقالت إنها لا ~~تقدر على فتح الباب وإغلاقه، فجعل أبوها الفتح والإغلاق إلى رجل من خزاعة يقوم لها اسمه ~~أبو غبشان، فكانت له سدانة الكعبة قبل قريش، فاجتمع مع قصي في شرب بالطائف، فأسكره قصي ~~ثم اشترى مفاتيح البيت الحرام منه بزق خمر، وأشهد عليه، ودفع المفاتيح إلى ابنه عبد ~~الدار وطيره إلى مكة، فلما أفاق أبو غبشان ندم على المبيع، فضرب به المثل في الحمق ~~والندم وخسارة الصفقة، فقالوا: «أخسر من صفقة أبي غبشان» وتلا ذلك حرب بين خزاعة وقريش، ~~انتهت بانتصار قريش، وزوال ملك خزاعة عن مكة كما سنبينه، وآل أمر البيت إلى قريش ورثة ~~إسماعيل الحقيقيين. ~~(11) قصي زعيم النهضة القرشية # تذكر بعض الروايات أن حليلا أوصى لزوج ابنته قصي بحكم مكة وولاية البيت من بعده، ~~ولكن خزاعة أبت، وسواء أكانت هذه الرواية أو ms128 الرواية السابقة أصح فإن حربا قامت بين ~~قريش وخزاعة، وقد انضمت كنانة إلى قريش، وانضم بنو بكر إلى خزاعة، واستنجد قصي ببعض ~~إخوته لأمه من بني عذرة في الشمال، وظلت الحرب بين الفريقين سجالا حتى تداعى القوم ~~للصلح، وحكموا بينهم واحدا من كنانة فقضى لقصي بولاية الكعبة وحكم مكة، فأصبح رئيسا ~~كما يقول بعض المستشرقين للجمهورية المكية وزعيما لديانتها، وقبل أن نتكلم عن حكومة ~~قصي وأعماله الإصلاحية نذكر لمحة عن حياته الأولى: # كان لكلاب بن مرة القرشي ولدان، زهرة وزيد، وكان زيد طفلا عندما مات أبوه، وسرعان ما ~~تزوجت أمه فاطمة من رجل اسمه ربيعة بن حرام من بني عذرة في حدود الشام، وأخذت زيدا ~~معها، فنشأ زيد بعيدا عن موطنه الأصلي، ومن ذلك سمي قصي «تصغير قاص» ولما بلغ مبلغ ~~الرجولة وعرف أصله الحقيقي عاد إلى مكة، حيث كان النفوذ الديني والمدني في أيدي ~~الخزاعيين، وملكهم إذ ذاك حليل بن حبشية، وعز على قصي أن يرى الأجانب سادة بني قومه ~~القرشيين، الذين تجري في عروقهم دماء أبيهم الأكبر إسماعيل، فصمم على أن ينتزع السلطان ~~له من خزاعة، وبدأ ينفذ خطته بالتدريج، فتزوج من حبي ابنة حليل بأمل أن يرث من حميه ~~امتيازاته، ولكن حليلا قبل موته أوصى بمفاتيح الكعبة لقريبه أبي غبشان، فابتدأ قصي ~~يرمي شباكه حول أبي غبشان، فأسكره واشترى منه مفاتيح الكعبة بزق خمر كما بينا، ولم يرتح ~~الخزاعيون بطبيعة الحال لضياع المفاتيح من أيديهم، وادعى أبو غبشان أنه رهن المفاتيح ~~ولم يبعها، وكان قصي يعلم أن هذا الأمر لا يمر بسلام، فاتخذ للحرب عدتها من قبل، ونال ~~نصرا حاسما كما بينا، وبذلك أصبح سيد البيت والمدينة، وكان ذلك في منتصف القرن الخامس ~~الميلادي، ثم بدأ يقوم بأعماله الإصلاحية التي سنشرحها في الفقرة التالية. ~~(11-1) إصلاحات قصي ~~(1) # كانت أول خطوة خطاها قصي أن جمع أفراد قريش المبعثرين في نواح متعددة ~~إلى وادي مكة، فأظفره ذلك بلقب «المجمع»، وجعل لكل بطن حيا خاصا على ~~مقربة من الكعبة ، وكان ms129 الناس قبل ذلك لا يجرءون على البناء بجوار الكعبة ~~مبالغة في تقديسها، وكانت حجة قصي في ذلك أن يقيم على مقربة من البيت حماة ~~له، يتعهدونه بالصيانة ويدفعون عنه الخطر، ولم يترك بين الكعبة والبيوت ~~التي بنتها بطون قريش إلا بمقدار ما يسمح بالطواف، وقد أنشأت هذه البطون ~~أحياء حصينة حول الكعبة من نواحيها الأربع. ~~(2) # وابتنى قصي لنفسه قصرا جعل بابه يؤدي إلى الكعبة مباشرة، وكان هذا القصر ~~يسمى دار الندوة، فكان قصي يتولى رئاسة هذه الدار، التي جعل من اختصاصها ~~البت في كل الشئون العامة من تجارية وحربية وغيرها بعد مناقشتها، وكان لا ~~يسمح بدخول هذه الدار إلا لمن بلغ عمرهم الأربعين سنة، إلا إذا كان من ~~سلالة قصي، أو كان حكيما ومفوها، وكان القرشيون إذا أزمعوا حربا يتلقون ~~اللواء من يد قصي أيضا، كما كان قصي يعقد رقاعا من القماش الأبيض على ~~أطراف الحراب ويقدمها بنفسه أو يبعثها مع أولاده إلى زعماء قريش، وقد ظل ~~هذا الإجراء الذي يسمى عقد اللواء منذ أن أنشأه قصي إلى آخر أيام الفتوح ~~العربية. # ولم تكن مهمة دار الندوة مقصورة على المسائل العامة التي بيناها، بل كان ~~يبت فيها في المسائل الشخصية أيضا، فكان لا يتزوج رجل ولا امرأة إلا في ~~تلك الدار، ولا تدرع جارية من قريش إلا فيها، فيشق صاحب الدار درعها ~~ويدرعها بيده، وكانوا يفعلون ذلك ببناتهم إذا بلغن الحلم. ~~(3) # وقد نجح قصي في إثارة عاطفة الكرم والضيافة فيهم، وأخبرهم قائلا: إن ~~الحاج ضيف الله وهم أحق الضيف بالكرامة، فحمل الناس على دفع ضريبة سنوية ~~تسمى الرفادة، كان يقصد منها المعاونة على إطعام الحجاج الفقراء وغيرهم ~~ممن يهبطون مكة في أيام منى، فجرى الأمر على ذلك في الجاهلية والإسلام، وهو ~~الطعام الذي يصنعه الخلفاء والسلاطين كل عام بمنى. # ورئاسة قصي لدار الندوة وعقده اللواء وجمعه الرفادة، تقابل في الاصطلاح ~~الحديث رئاسته للسلطات التشريعية والحربية والمالية، مع شيء من ~~التساهل. ~~(4) # وكان قصي يهيمن إلى جوار ذلك على ما يعرف بالسقاية، ms130 والمقصود بالسقاية ~~تدبير الماء وحمله من آبار مكة المجاورة بالمزاود والقرب، ووضعه في أحواض ~~لسقاية الحاج، وما زال ذلك الشأن حتى أعيد حفر زمزم، وفي بعض الأحيان كان ~~يحلى ذلك الماء بشيء من التمر أو الزبيب. ~~(5) # كذلك كانت لقصي الحجابة أو السدانة، ويقصد بها حفظ مفاتيح الكعبة، لا ~~يفتحها إلا هو، ولا تقام شعائر دينية إلا بإذنه، وبذلك كانت لقصي السلطة ~~الروحية أيضا إلى جوار السلطات السالفة الذكر. # وخلاصة القول أن قصيا جمع في شخصه كل الوظائف الرئيسية، دينية كانت أم مدنية ~~«سياسية» فكان - مع شيء من التجاوز - ملك بلاد العرب ورئيسها الديني الأعلى، وقد ~~أضفى نفوذه هذا على قبيلة قريش مجدا وجاها عظيمين، ومنذ أيام قصي وقريش تتمتع ~~بمركز ممتاز بين بقية أعقاب إسماعيل. # ومات قصي حوالي سنة 480 ميلادية، بعد أن عمر أكثر من ثمانين سنة، وترك من الأبناء ~~عبد الدار وعبد مناف وعبد العزى. ~~(11-2) الحالة بعد قصي # وقبل أن يدركه الموت أقام أكبر أبنائه عبد الدار خليفة له، وبعد أن مات تمتع عبد ~~الدار بما كان يتمتع به أبوه من قبل، دون أن ينازعه في ذلك أحد من قريش، ولما مات ~~عبد الدار تولى أبناؤه الوظائف من بعده، ثم تولى أحفاده من بعدهم، ولكن قام بين ~~هؤلاء الأحفاد نزاع، واحتدمت بينهم وبين بني عبد مناف الخصومة، وانقسمت بطون قريش ~~وحلفاؤهم وجيرانهم إلى معسكرين: معسكر يعاضد بني عبد الدار، وآخر يعاضد بني عبد ~~مناف، وعقد كل فريق حلفا مؤكدا على ألا يتخاذلوا ولا يسلم بعضهم بعضا، وأخرج بنو ~~عبد مناف جفنة مملوءة طيبا ووضعوها عند الكعبة، وتحالفوا وجعلوا أيديهم فيها، ~~فسمي حلفهم حلف المطيبين، وتعاقد بنو عبد الدار ومن معهم وتحالفوا فسموا الأحلاف، ~~ثم تعبأ الفريقان للقتال، وكان زعيم بني عبد مناف ابنه عبد شمس أكبرهم، ثم تداعى ~~الفريقان للصلح على أن تكون: ~~(1) # السقاية والرفادة لعبد شمس بن عبد مناف. ~~(2) # وأن تظل الحجابة والندوة واللواء في أيدي بني عبد الدار. # ولما كان عبد شمس فقيرا ذا عيلة، ms131 وكان فوق ذلك كثير الأسفار، فإنه تنازل عن ~~السقاية والرفادة لأخيه هاشم الذي كان موسرا، وكان يستطيع الاضطلاع بهما لما ~~يكلفان من مال. # ونلاحظ في التقسيم السالف الذكر أن ما أفاده بنو عبد مناف أكسبهم ذكرا ومجدا ~~خارج قريش، في حين أن ما أفاده بنو عبد الدار أكسبهم نفوذا وسلطانا في مكة ~~نفسها. ~~(12) ازدهار مكة في عهد هاشم بن عبد مناف # ولد هاشم بن عبد مناف في سنة 464، وقد قلنا إن منصبي الرفادة والسقاية آلا إليه بعد ~~تنازل أخيه عبد شمس، وكان هاشم غنيا أصاب ماله - شأن السواد الأعظم من المكيين - من ~~التجارة، وقد استعان على القيام بمنصبيه بما كان يخرج عنه من ماله الكثير، مضافا إليه ~~ما كان يجمعه من الضرائب التي سبق أن فرضها قصي على القرشيين لإطعام الحاج وضيافتهم، ~~ولم يقتصر هاشم على إطعام الفقراء من الحجاج فحسب، بل كان يطعم الحجاج جميعا في موسم ~~الحج، حتى يصدر عن مكة، كما أنه أمر بحياض من أدم فجعلها في موضع زمزم، وفي الطريق إلى ~~عرفات، ثم يسقي فيها من الآبار المجاورة لمكة. # وكان توزيع الطعام يبدأ من اليوم الذي يتحرك فيه الحجاج إلى منى وعرفات، ويستمر إلى ~~أن يتفرقوا إلى بلادهم، وكان يقدم لهم خلال هذه المدة - وهي تتراوح بين خمسة أو ستة ~~أيام - الثريد واللحم والخبز والزبدة والشعير والتمر، ويقال إن أمية ابن أخيه عبد شمس ~~حسده على رياسته وإطعامه، فتكلف أن يصنع صنيع هاشم فعجز عنه، فشمت به ناس من قريش، ~~وتنافر هو وهاشم، وانتهى الأمر بجلاء أمية عن مكة عشر سنين، فكان ذلك أول خلاف بين هاشم ~~وأمية. # وهاشم هو أول من نظم لمكة رحلتي الشتاء والصيف، الأولى إلى اليمن والثانية إلى ~~الشام. # وأكبر مفخرة لهاشم، هو إطعامه أهل مكة جميعا في سنة أصابهم فيها قحط؛ إذ جلب إليهم ~~من الشام قافلة محملة بالدقيق، ونحر الإبل وأطعمهم من جوع. # وقد ازدهرت الحياة في مكة في عهده ازدهارا كبيرا، وأصبحت تعج بالتجار من الشمال ~~والجنوب، حتى ms132 لقد سماها بعض المستشرقين بندقية بلاد العرب «فينيسيا»، وذكر المستشرق ~~«أوليري» في كتابه «بلاد العرب قبل الإسلام» ما خلاصته: «أصبحت مكة مركزا للصيرفة، ~~يمكن أن يدفع فيه التجار أثمان السلع التي ترسل إلى بلاد بعيدة، كما كانت عملية الشحن ~~والتفريغ لهذه التجارة الدولية تتم هناك، كذلك كان يتم التأمين على المتاجر وهي تجتاز ~~الطرق المحفوفة بالمخاطر.» واستطاعت مكة أن تحتكر النقل في الطريق الذي يصل ما بين مكة ~~والشمال، وتتقاضى على ذلك أجورا لا تقل عن أثمان المتاجر التي تحملها، وكان للدول ~~المجاورة بيزنطة وفارس، ممثلين في قلب مكة نفسها «ذكر ذلك الواقدي وأيده الأستاذ ~~لامنس»، وملأت الأعمال التجارية فراغ كل المكيين، حتى لم يكن من أهل مكة من كان يرى أن ~~ينفق وقتا في القيام بأعمال الشرطة والجيش، ومن أجل ذلك كانوا يستأجرون مرتزقة - من ~~أفريقيا هم الأحباش - للقيام بحراستهم، ولكثرة ما كانت تعج به مكة من أفراد من أمم ~~مختلفة اصطبغت بصبغة دولية؛ ودوليتها هذه تفسر لنا - إلى حد كبير - ما دخل لغة قريش من ~~ألفاظ رومية أو فارسية أو حبشية أو غيرها. # وبفضل هذا الازدهار والغنى، استطاع بنو عبد مناف أن يعقدوا معاهدات ومحالفات مع ~~جيرانهم، فلقد روي أن هاشما نفسه عقد مع البيزنطيين وأمراء غسان معاهدة، وأن إمبراطور ~~الدولة البيزنطية أعطى قريشا - في شخص هاشم - حق التجوال في سوريا في أمن وطمأنينة. ~~وكذلك تمكن عبد شمس من أن يعقد معاهدة تجارية مع نجاشي الحبشة، كما دخل نوفل والمطلب في ~~محالفة مع ملك فارس، سمح لهما فيها ولتجار مكة بالتجول في العراق وفارس، وتمت كذلك ~~محالفة مع ملوك حمير، تعهدوا فيها بتشجيع المتاجر القرشية في اليمن. # وفي ظل هذا الرخاء والازدهار توطد نفوذ هاشم في مكة، فلم يجرؤ على منافسته أحد، إلا ~~ما كان من أمر أمية بن عبد شمس الذي بيناه، والذي خرج معه هاشم منتصرا وأكثر ~~نفوذا. # وتقدمت السن بهاشم، وبينما هو في إحدى رحلاته إلى الشام؛ إذ عرج على المدينة مع جماعة ~~من قريش، ms133 فاسترعت نظره امرأة جميلة، تشرف على قوم يتجرون لها، فأعجب بها هاشم، ولما عرف ~~أنها غير متزوجة خطبها لنفسه، فقبلت على أن تكون عصمتها بيدها - تلك السيدة هي سلمى بنت ~~عامر الخزرجية - وقد صحبت هاشما إلى مكة، ثم عادت إلى يثرب، حيث ولدت له غلاما سمته ~~شيبة ظل معها في يثرب. ~~(13) عبد المطلب بن هاشم # وخرج هاشم في رحلة تجارية إلى غزة بعد ذلك ببضع سنين، حوالي سنة 510م، فمات في غزة ~~ولم ينجب غير ابنه هذا، فانتقل منصبا الرفادة والسقاية إلى أخيه المطلب، الذي كانت قريش ~~تسميه الفيض لسماحته وكرمه، وتذكر المطلب يوما شيبة ابن أخيه هاشم، فانصرف إلى المدينة ~~لإحضاره، ولما عاد إلى المدينة - وقد أردف الغلام وراءه - حسبه الناس في مكة عبدا ~~اشتراه المطلب، فصاحوا: هذا عبد المطلب، فقال لهم المطلب: هذا ابن أخي هاشم، ومن ذلك ~~الوقت غلب اسم عبد المطلب على شيبة. # ولما بلغ عبد المطلب أشده أقام على ما كان لأبيه، وفي أثناء رحلة المطلب إلى اليمن ~~مات فيها حوالي سنة (520م) فخلفه على المناصب عبد المطلب، ولكن عمه نوفل أبى أن يقيمه ~~على حكومة مكة، ووضع يده على أموال هاشم، ولجأ عبد المطلب إلى أهل مكة، فرفضوا أن ~~يدخلوا بين العم وابن أخيه، فكتب بعد ذلك إلى أخواله بني النجار في المدينة، فجاء ~~لنصرته منهم ثمانون فارسا خرج عبد المطلب لاستقبالهم ودعوتهم إلى بيته، ولكن كبيرهم ~~رفض أن ينزل عن فرسه حتى يرد نوفل الحق لعبد المطلب، وأمام التهديد اضطر نوفل إلى رد ~~مال عبد المطلب إليه، وقام عبد المطلب في مناصب هاشم له السقاية والرفادة، ولكنه كان ~~يلقى عنتا في السقاية؛ إذ كان الماء يجلب إلى الحياض من آبار مبعثرة حول مكة، ولم يكن ~~لعبد المطلب ولد إلا الحارث. ~~(14) حفر عبد المطلب لزمزم # ولكي يسهل عبد المطلب أمر السقاية ظل يحفر في أرض الحرم، عله يحصل على موضع زمزم، ~~التي طمها الجراهمة كما بينا، حتى اهتدى إلى مكانها بين وثني إساف ونائلة، ms134 فأخذ يحفر ~~مستعينا بولده الحارث حتى نبع الماء، وظهرت غزالتا الذهب والأسياف والدروع التي دفنها ~~الملك الجرهمي قبل ذلك بثلاثة قرون، وحسدت قريش عبد المطلب، فطلبت نصيبها من هذا الكنز، ~~مدعية أن البئر لها؛ لأنها من سلالة إسماعيل، ولم يكن عبد المطلب من القوة بحيث يمنع ~~نفسه من قريش، فقبل الاحتكام إلى صاحب القداح عند هبل في جوف الكعبة، وجاءت الغزالتان ~~من نصيب عبد المطلب، ولم تخرج القداح لقريش شيئا، فرضخت قريش لحكم هبل، وضرب عبد ~~المطلب غزالتي الذهب ألواحا حلى بها باب الكعبة، وعلق الأسياف على الباب، ويسر ماء ~~زمزم لعبد المطلب سقاية الحجاج، وتصاعدت سمعة عبد المطلب وازداد نفوذه، ونذر عبد ~~المطلب: لئن ولد عشرة بنين ثم بلغوا معه أن يمنعوه من مثل ما لقي حين حفر زمزم، لينحرن ~~أحدهم عند باب الكعبة، وكرت الأعوام، وألفى عبد المطلب حوله عشرة بنين أشداء، فتذكر ~~نذره ودعا الأبناء إلى الوفاء بالنذر فأطاعوا، فاقتادهم إلى صاحب القداح عند هبل، حيث ~~كتب كل واحد من الأبناء اسمه على قدح. ~~(15) افتداء عبد الله بمائة من الإبل # وضرب صاحب القداح قداحه، ليختار كبير الآلهة هبل من بينهم من ينحره أبوه فخرج القدح ~~على عبد الله، وكان أصغر أبناء عبد المطلب وأحبهم إليه، واقتاد عبد المطلب ابنه الذي ~~اختاره الإله لينحره بين صنمي إساف ونائلة، فبكت بنات عبد المطلب وتعلقن بأخيهن، وقامت ~~قريش كلها تطلب إلى عبد المطلب ألا يفعل، وهنا سأل عبد المطلب ما عساه يفعل ليرضي ~~الإله. قال ابن الأثير: «فقال له المغيرة المخزومي: لا تذبحه حتى تعذر فيه، فإن كان ~~فداؤه بأموالنا فديناه، وقالت له قريش وبنوه: لا تفعل وانطلق إلى كاهنة بالحجر فسلها، ~~فإن أمرتك بذبحه ذبحته، وإن أمرتك بمالك وله فيه خراج قبلته، وانطلقوا إليها وهي بخيبر، ~~فقص عليها عبد المطلب خبره، فقالت: ارجعوا اليوم حتى يأتيني تابعي فأسأله، فرجعوا عنها ~~ثم غدوا عليها، فقالت: نعم، قد جاءني الخبر، فكم الدية فيكم؟ قالوا: عشرة من الإبل، ~~قالت: ارجعوا إلى بلادكم، ms135 وقربوا عشرا من الإبل، واضربوا عليه وعليها بالقداح، فإن ~~خرجت على صاحبكم فزيدوا عشرا حتى يرضى ربكم، وإن خرجت على الإبل فانحروها فقد رضي ربكم ~~ونجا صاحبكم، فخرجوا حتى أتوا مكة، فلما أجمعوا لذلك قام عبد المطلب يدعو الله، ثم ~~قربوا عبد الله وعشرا من الإبل، فخرجت القداح على عبد الله، فما برحوا يزيدون عشرا ~~وتخرج القداح على عبد الله، حتى بلغت الإبل مائة، ثم ضربوا فخرجت القداح على الإبل، ~~فقال من حضر: قد رضي ربك، وقال عبد المطلب لا والله حتى أضرب عليها ثلاث مرات، فضربوا ~~ثلاثا فخرجت القداح على الإبل فنحرت، ثم تركت لا يصد عنها إنسان ولا سبع.» # تلك هي قصة الفداء ذكرتها كل كتب السيرة، ولكنها لم تبين لنا إن كان عبد المطلب قد ~~دفع الإبل المائة من ماله أم ساهمت في دفعها مكة، على أن الذي تجمع عليه هذه الكتب: أن ~~مكانة عبد الله ارتفعت في مكة بعد هذا الفداء، وكان عبد الله وسيما جميل الطلعة، قد ~~ناهز الرابعة والعشرين من عمره، فتطلعت فتيات مكة إلى الزواج منه، فرأى عبد المطلب أن ~~يزوجه من آمنة بنت وهب سيد بني زهرة، وفي الوقت نفسه خطب عبد المطلب لنفسه ابنة عمها ~~هالة التي أنجبت له ولده حمزة عم النبي وتربه. # وكانت السنة التالية لزواج عبد الله مليئة بالحوادث الجسام، التي أهمها محاولة أبرهة ~~الأشرم غزو مكة، وقد روينا بعض أخبار هذه المحاولة عند الكلام على تاريخ الحبشة في ~~اليمن في فقرة [محاولة أبرهة غزو الكعبة] من هذا الكتاب، ولكنا سنعود إليها لنبين أثر ~~فشل هذه الحملة في مكة أيام عبد المطلب، وقبل الكلام على ذلك نرى أن نشرح نظام الحكم في ~~الجمهورية المكية في عصر عبد المطلب الذي لا يقل ازدهارا عن عصري كل من هاشم ~~وقصي. ~~(16) نظام الحكم في الجمهورية المكية # كان عبد المطلب زعيم مكة التي يصفها الأستاذ درمنجهم بأنها كانت جمهورية تجارية ~~بلوتقراطية، والمقصود من كلمة بلوتقراطية: أنها حكومة الأغنياء، وكان يشرف عليها ~~الأعضاء ms136 البارون من بني قصي، وعندما كشف عبد المطلب بئر زمزم، واستقر النزاع بخصوص ~~الهيمنة على هذه البئر، أصبح الإشراف على الحكومة المكية بيد عشرة من الأشراف، وزعت ~~بينهم مناصب الدولة، وكانت هذه المناصب وراثية في أكبر أفراد البيت، وهذه المناصب هي: ~~(1) # الحجابة أو السدانة، والمقصود بها حراسة مفاتيح الكعبة، وكانت وظيفة ~~دينية هامة، وضعت في يد بني عبد الدار، ولما أسلمت مكة بعد الفتح ظلت ~~السدانة في يد عثمان بن طلحة من بني عبد الدار. ~~(2) # السقاية، ويقصد بها الإشراف على بئر زمزم المقدسة، وسقاية الحجاج، وهذه ~~وضعت في بيت هاشم، وكانت في يد العباس بن عبد المطلب في وقت فتح ~~مكة. ~~(3) # الديات وتسمى الأشناق، وهي من الوظائف الهامة، وكان صاحبها إذا احتمل ~~شيئا فسأل فيه قريشا صدقوه، وكانت الديات في يد بني تيم بن مرة، وعند ~~ظهور النبي كان يقوم عليها عبد الله بن أبي قحافة «أبو بكر». ~~(4) # السفارة، وكان صاحبها ذا حق مطلق في البت في شئون الصلح، بعد الحرب أو ~~الخلافات التي تقوم بين قريش والقبائل الأخرى، أو بينهم وبين الأجانب، وكان ~~يقوم على هذا المنصب عمر بن الخطاب. ~~(5) # اللواء، وكان صاحبه يعتبر كبير القواد، ويسير أمام الركب في أسفارهم ~~للقتال أو التجارة، وكان اللواء في بني أمية وصاحبه منهم في أول الإسلام ~~أبو سفيان بن حرب والد معاوية. ~~(6) # الرفادة، وهي الإشراف على الضريبة التي تخصص لإطعام الفقراء، وكانت قريش ~~تخرج في كل موسم إلى صاحب الرفادة فيصنع منه طعاما لفقراء الحجاج مقيمين ~~أو مسافرين؛ لأن الدولة كانت تعتبرهم ضيف الله، وكانت الرفادة لعبد المطلب، ~~ثم نقلت إلى أبي طالب، ونقلت بعد ذلك إلى بني نوفل بن عبد مناف، وفي عهد ~~الرسول كان القائم عليها الحارث بن عمرو. ~~(7) # الندوة ورئيس دار الندوة، يعتبر رئيس الجمعية الوطنية وكبير مستشاري ~~الدولة، لا تصدر قريش عن أمر إلا بموافقته، وكان الأسود من بني عبد العزى ~~بن قصي هو القائم على هذا المنصب في أيام الرسول. ~~(8) # الخيمة، ويقصد بها حراسة قاعة المجلس، ms137 وكان هذا المنصب يبيح لصاحبه الحق ~~في دعوة الجمعية، وحتى حق حشد الجنود، وكان يتولاها خالد بن الوليد من بني ~~مخزوم بن مرة. ~~(9) # الخازنة أو إدارة الأموال العامة، وكانت في بني حسن بن كعب، ويقوم عليها ~~الحارث بن قيس. ~~(10) # الأزلام «جمع زلم» وهي التي يشرف صاحبها على السهام، والعرب يستقسمون بها ~~للاستخارة لمعرفة رأي الآلهة والإلهات، وكان القائم عليها صفوان أخا أبي ~~سفيان بن أمية. # وكان العرف المقرر يقضي بأن أكبر أصحاب المناصب العشرة سنا، هو الذي يتولى ~~الرياسة، ويلقب بسيد القوم، وكان أسنهم في أيام النبي هو العباس بن عبد المطلب. # وعلى الرغم من توزيع الامتياز والسلطان في الحكومة بين العشرة الذين ذكرناهم آنفا، ~~فإن عبد المطلب كان يتمتع لمناقبه العالية وصفاته الشخصية بمركز ممتاز لا يتطرق إليه ~~الشك. # وننتقل الآن إلى كلمة أخيرة في تاريخ عبد المطلب تلك هي محاولة أبرهة الحبشي غزو مكة ~~وأثر فشله في نفوس المكيين. ~~(17) أثر الغزو الحبشي في أهل مكة # ذكرنا في فقرة [محاولة أبرهة غزو الكعبة] ما كان من أمر بناء أبرهة حاكم اليمن من قبل ~~النجاشي لكنيسة القليس، ومحاولته صرف الحجاج إليها بدل الكعبة، ثم ما كان من أمر ~~تدنيسها من جانب بعض المكيين، واعتزام أبرهة - لأغراض تجارية ودينية - هدم الكعبة، ثم ~~ما كان من أمر فشل جيشه وعودته إلى صنعاء دون أن يظفر بما أراد، ونضيف هنا: أن فشل ~~أبرهة لم يكن نتيجة لمقاومة المكيين؛ لأن موقفهم كان سلبيا، وإنما كان الفشل نتيجة ~~لأسباب خارجة عن إرادتهم، فلقد ذكر ابن الأثير وغيره: أن عبد المطلب لما أمر المكيين ~~بالخروج من مكة والتحرز في رءوس الجبال، قام فأخذ بحلقة باب الكعبة وقام معه نفر من ~~قريش يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة، فقال عبد المطلب وهو آخذ بحلقة باب ~~الكعبة: # يا رب لا أرجو لهم سواكا # يا رب فامنع منهم حماكا # إن عدو البيت من عاداكا # امنعهمو أن يخربوا فناكا # وقال أيضا: # لا هم إن العبد يم # نع رحله، فامنع رحالك # لا ms138 يغلبن صليبهم # ومحالهم أبدا محالك # ولئن فعلت فإنه # أمر تتم به فعالك # أنت الذي إن جاء با # غ نرتجيك له فذالك # ولوا ولم يحووا سوى # خزي وتهلكهم هنالك # لم أستمع يوما بأر # جس منهم يبغوا قتالك # جروا جموع بلادهم # والفيل كي يسبوا عيالك # عمدوا حماك بكيدهم # جهلا وما رقبوا جلالك # إن كنت تاركهم وكع # بتنا فأمر ما بدا لك # وسواء أصحت نسبة هذه الأشعار إلى عبد المطلب أم لم تصح، فإن الثابت: أن سهما ~~واحدا لم يطلقه المكيون في سبيل الدفاع عن بيتهم المقدس، ولكن هذا لم يمنع المكيين بعد ~~هزيمة أبرهة من أن يملئوا العالم العربي افتخارا بما أصابوا من ظفر، وأخذت قبائل العرب ~~تنظر إلى قريش نظرة الاحترام والإجلال، وارتفعت مكانتها في كل القبائل، وادعت هي لنفسها ~~مكانا ممتازا، فقالوا: نحن بنو إبراهيم وأهل الحرم، وولاة البيت، وقاطنوا مكة، فليس ~~لأحد من العرب مثل منزلتنا، ولا يعرف العرب لأحد مثل ما يعرف لنا فهلموا فلنتفق على ~~ائتلاف أننا لا نعظم شيئا من الحل كما نعظم الحرم، فتركوا الوقوف بعرفة والإفاضة منها، ~~وهم يعرفون ويقرون أنها جزء أساسي من دين إبراهيم، يتحتم على الآخرين القيام به، وكذلك ~~رفضوا أن يعملوا الجبن والزبد وهم في ملابس الإحرام، كما رفضوا أن يدخلوا بيوت الشعر ~~واستبدلوها ببيوت الأدم، وفرضوا قواعد جديدة على الحجاج والعمار في سبيل توسيع نفوذهم، ~~فمنعوهم أن يأكلوا في الحرم طعاما أحضروه من الحل، وأجبروا هؤلاء أيضا على الطواف حول ~~الكعبة إما عراة أو في ملابس يقدمها المتحالفون، الذين أطلقوا على أنفسهم اسم الحمس «من ~~الحماسة وهي الشدة». # وكانوا يضمون عدا قريش بني كنانة وخزاعة وعامر، وخضعت العرب لما افترضه المكيون ~~عليهم، وازدادت قداسة الكعبة، ودانت العرب للمكيين، لما شاهدوه من هزيمة جيش أبرهة، وما ~~فتئت قريش تتمتع بهذا النفوذ العظيم زهاء نصف قرن، وتحمل - حتى النساء - على الخضوع لما ~~فرضوا. قال ابن الأثير: وأما النساء فكانت المرأة تضع ثيابها كلها إلا درعها مفرجا، ثم ~~تطوف فيه. # فكانوا كذلك ms139 حتى بعث الله محمدا فنسخه، فأفاض من عرفات، وطاف الحجاج بالثياب التي ~~معهم من الحل، وأكلوا من طعام الحل في الحرم أيام الحج، وأنزل الله تعالى في ذلك: # ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا ~~الله إن الله غفور رحيم ~~، وأنزل الله تعالى في اللباس والطعام ~~الذي من الحل وتركهم إياه في الحرم: # يا بني آدم خذوا ~~زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ~~... إلى قوله: # لقوم يعلمون ~~، وقبل أن نختم الكلام على عبد المطلب ~~نشير إلى أمر الأحزاب في آخر أيامه. ~~(18) الحزب الهاشمي والحزب الأموي # بدأ الانقسام في بيت قصي - كما بينا - بعد موته؛ إذ انقسم إلى قسمين: قسم تمثله سلالة ~~ولده عبد الدار، والقسم الآخر تمثله سلالة ولده عبد مناف. # أما بيت عبد الدار فكان يتمتع بكافة المناصب الأصلية في مبدأ الأمر، ولكنهم - أثناء ~~النزاع مع هاشم - انتزع منهم الكثير من المناصب الأقل أهمية، ولا شك أن المناصب التي ~~احتفظوا بها لم تكن بدون أهمية، ولكنها وزعت بين أفراد من الأسرة، وبذلك ضاعت فائدة ~~تجمعها في يد واحدة، ولم تكن هناك محاولة متحدة ترمي إلى الحصول على نفوذ اجتماعي ~~وسياسي هام. # أما سلالة عبد مناف - فإنها احتفظت بالزعامة الحقيقية بمكة، وانقسم بنو عبد مناف ~~بدورهم إلى حزبين: هما بيت ابنه هاشم، وابنه عبد شمس ولقد احتفظ البيت الهاشمي بمنصبي ~~الرفادة والسقاية، فكسب بذلك نفوذا ثبته حسن إدارة المطلب، ثم ابن أخيه عبد المطلب من ~~بعده، الذي اعتبرته مكة - كما اعتبرت أباه هاشما من قبل - زعيم شيوخ مكة. # أما فرع أمية بن عبد شمس فإنه كان كثير العلاقات بالبيوت الأخرى، وأكسبته علاقاته هذه ~~نفوذا، ولكنه كان شديد الغيرة من النفوذ الذي وصل إليه الهاشميون، وطالما حاول أن ~~يذلهم، وأن يحط من قدر مكانتهم العالية، واحتفظ هذا البيت بمنصب هام - هو القيادة في ~~الحرب التي ظلت منحصرة فيه، وأكسبته مجدا عظيما، ويجب أن لا ننسى أن الأمويين كانوا ~~أكثر غنى ونجاحا في المتاجر من الهاشميين، مما حدا بعض المؤرخين إلى القول ms140 بأن نفوذ ~~البيت الأموي وسلطانه كان أقوى من نفوذ الهاشميين. # وبلغ التنافس بين البيتين أشده إبان البعثة النبوية، ولكن باعتناق مكة الإسلام اختفت ~~هذه المنازعات إبان الحماس الديني والفتوح الإسلامية في عصر الخلفاء الراشدين، ولكن لا ~~إلى الأبد، بل لتظهر في ثوب آخر في عصر الدولة الأموية. والآن لكي يسهل على القارئ تتبع ~~هذه العلاقات بين أبناء قصي نضع تحت بصره الجدول الآتي مبينا فيه تواريخ الميلاد - على ~~وجه التقريب - نقلا عن كتاب حياة محمد للأستاذ موير: # والآن - وقد فرغنا مما أردنا إيراده عن تاريخ الإمارة بمكة - فإننا نذكر فيما يلي ~~فذلكة صغيرة عن تاريخ المدينة. ~~(19) تاريخ المدينة # تقع المدينة على سهل مرتفع في طرف الهضبة الغربية من الشمال، وإلى الغرب منها تنحدر ~~الأرض انحدارا سريعا إلى ساحل البحر الأحمر، ويمتد الوادي منها إلى الجنوب حتى يصل ~~إلى مكة التي تقع على خط طولها تقريبا ولما كان البحر الأحمر ينعطف إلى الغرب في قسمه ~~الشمالي كانت المسافة بين المدينة وبين البحر أطول من المسافة بين مكة والبحر. # والمدينة هي الاسم الذي أطلقه رسول الله عليه الصلاة والسلام عليها، وكانت قبل هجرته ~~إليها تسمى يثرب، وقد سبق أن قلنا: إن أصل هذا الاسم غير معروف تماما، ويطلق على ~~المدينة طيبة أيضا، كما يطلق عليها مدينة رسول الله، وهي تقع على الطريق التجاري من ~~الجنوب إلى الشمال، ونظرا لأنها تقع في أوطى موضع من السهل المذكور، كانت تتجمع إليها ~~المياه المنصبة أيام الشتاء في برك بالقرب منها فتركد، ولذلك كانت تتفشى فيها الحميات، ~~والأرض المحيطة بها - في المجموع - خصبة؛ لأن تربتها بركانية وإن كانت تشوبها الأملاح ~~في بعض النواحي، وهي - بهذا الوصف - كانت تعتبر في الجاهلية من مراكز الزراعة، على عكس ~~مكة، التي كانت تعتبر من مراكز التجارة. # والمدينة أو يثرب من أهم مدن بلاد العرب بلا جدال، وازدادت أهميتها بعد أن أصبحت مهجر ~~النبي عليه الصلاة والسلام، وضمت جثمانه الشريف، ولقد ظلت عاصمة الجمهورية الإسلامية ~~الأولى إلى أن انتقل مقر الملك ms141 في عهد الأمويين إلى دمشق. # وتاريخ المدينة القديم غامض لا يعرف أوله، وأول ما سمعنا عنها - في التاريخ الصحيح - ~~أنها كانت واحة سكنها اليهود، ثم ساكنهم فيها بعد ذلك بعض القبائل التي هاجرت من ~~اليمن. # أما مؤرخو العرب فإنهم يقولون: إن أول من نزل المدينة كان العمالقة ثم نزلها بعدهم ~~اليهود، ذكر الدكتور ولفنسون في كتابه تاريخ اليهود في بلاد العرب، نقلا عن الجزء 11 ~~من الأغاني ما يأتي: «كان ساكنو المدينة - في أول الدهر قبل بني إسرائيل - قوما من ~~الأمم الساحقة يقال لهم العماليق، وكانوا قد تفرقوا في البلاد، وكانوا أهل غزو وبغي ~~شديد، وكان ملك الحجاز منهم يقال له: الأرقم ينزل ما بين تيماء وفدك، وكانوا قد ملئوا ~~المدينة ولهم بها نخل كثير وزرع، وكان موسى بن عمران قد بعث الجنود إلى الجبابرة من أهل ~~القرى يغزونهم، فبعث موسى إلى العماليق جيشا من بني إسرائيل، وأمرهم أن يقتلوهم جميعا ~~ولا يستبقوا منهم أحدا، فقدم الجيش الحجاز، فأظهرهم الله على العماليق، فقتلوهم أجمعين ~~إلا ابنا للأرقم، كان وضيئا جميلا فضنوا به على القتل، وقالوا: نذهب به إلى موسى ~~فيرى رأيه فيه، فرجعوا إلى الشام فوجدوا موسى قد توفي، فقالت لهم بنو إسرائيل: ما ~~صنعتم، فقالوا: أظهرنا الله عليهم فقتلناهم ولم يبق منهم أحد غير فلان، كان شابا ~~جميلا فنفسنا به على القتل، وقلنا نأتي به موسى فيرى فيه رأيه، فقالوا لهم: هذه معصية، ~~قد أمرتم ألا تستبقوا منهم وألا تدخلوا علينا الشام أبدا، فلما صنعوا ذلك قالوا: ما ~~كان خيرا لنا من منازل القوم الذين قتلناهم بالحجاز نرجع إليها فنقيم بها، فرجعوا على ~~حاميتهم فنزلوها، فكان ذلك الجيش أول سكنى اليهود بالمدينة.» وقال الدكتور ولفنسون: ~~«ويضيف ابن خلدون إلى هذه الرواية أنه يشك في صحتها؛ لأنها لم توجد عند اليهود، ولأن ~~اليهود لا يعرفون هذه القصة»، ويعود الدكتور ولفنسون فيذكر أن عناصر إسرائيلية يظن أنها ~~قد هاجرت من ديارهم إلى الأقاليم العربية، في عصور مختلفة ولأسباب شتى، غير أنها ms142 بادت ~~كما بادت قبائل عربية كثيرة ولم يبق من آثارها سوى اسمها، ثم أخذت جموع كثيرة من اليهود ~~في القرن الأول والقرن الثاني بعد الميلاد تهاجر إلى الأرجاء العربية عموما، وإلى ~~الربوع الحجازية بنوع خاص لأسباب يمكن تلخيصها فيما يأتي: ~~(1) # زيادة عدد اليهود في فلسطين زيادة مضطردة، جعلت البلاد تضيق عن أن تسعهم ~~وتنفسح لعملهم في سبيل الحياة. ~~(2) # حدث حوالي القرن الأول ق.م أن هاجمت الدولة الرومانية بلاد فلسطين، وقوضت ~~أركان الدولة اليهودية المستقلة فيها ... فاضطر من لم يكن يستطيع البقاء مع ~~هذه الأحوال القاسية أن يلجأ إلى أرض الجزيرة العربية، التي كانت أحب إليهم ~~من غيرها؛ نظرا لأنظمتها البدوية الحرة، ونظرا لوجود أقاليم رملية بعيدة، ~~تعوق سير القوات الرومانية وتمنع توغلهم. ~~(3) # بعد حرب اليهود والرومان (70م) - التي انتهت بخراب فلسطين ودمار هيكل بيت ~~المقدس، وتشتت اليهود في أصقاع العالم - قصدت جموع أخرى من اليهود بلاد ~~العرب للمزايا السالفة. # ولم يلبث اليهود الذين نزحوا إلى المدينة أن استفادوا بذكائهم: فاقتنوا الضياع ~~والأموال، وأصبحت تجارة المدينة بأيديهم، وتكاثر عدد النازحين منهم إلى المدينة، وظهر ~~منهم عدة قبائل، أشهرها قريظة والنضير، ثم نزل المدينة بعد ذلك الأوس والخزرج بعد سيل ~~العرم، واستوطنوها إلى جوار اليهود، وعاشوا في ضنك من العيش، وهوان وإذلال من اليهود، ~~وكان على اليهود ملك شديد، استبد بالنازحين فاستجاروا بالتبابعة في رواية، وبالغساسنة ~~في رواية أخرى، فجاءوا لنصرتهم، فكانت بين الفريقين حرب انتهت بقتل زعماء اليهود ~~وأشرافهم بالخديعة، وأصبح الأوس والخزرج بعد ذلك أعز أهل المدينة، وتحالفوا مع اليهود، ~~ثم دب دبيب الخلاف بين الأوس والخزرج، وتنازعوا السلطان، فجرت بينهم الوقائع، وكانت ~~بينهم حروب طويلة، أشهرها المعروفة بيوم سمير ويوم السرارة ويوم حاطب ويوم بعاث. # وما زال الخلاف قائما بينهم، يستعين فيه بعضهم ببعض قبائل اليهود على بعض، حتى كان ~~اعتناقهم للإسلام، وهجرة النبي # صلى الله عليه وسلم # إليهم سنة 622م؛ فآخى بينهم، وتناسوا ما كان ~~بينهم من عداوة وأحقاد كادت أن تأتي عليهم. # ونحن نلخص في الفقرات التالية ms143 أشهر هذه الحروب أو الأيام كما أطلق عليها مؤرخو ~~العرب. ~~(19-1) يوم سمير # سببه: أن رجلا يقال له: كعب بن العجلان من بني ذبيان - نزل على مالك بن العجلان ~~زعيم الخزرج محالفه، وأقام معه، فخرج كعب يوما إلى السوق، فرأى رجلا من غطفان ~~ومعه فرس وهو يقول: «ليأخذ هذا الفرس أعز أهل يثرب.» فقال رجل: فلان الأوسي، وقال ~~غيره: فلان الخزرجي، وقال ثالث: فلان اليهودي أفضل أهلها، وقال رابع: مالك بن ~~العجلان. فدفع الغطفاني الفرس إليه، فقال كعب: ألم أقل لكم إن حليفي مالكا أفضلكم، ~~فغضب لذلك رجل من الأوس يقال له سمير وشمته وافترقا، ثم حدث بعد ذلك أن كعبا قصد ~~سوقا لهم بقباء، فقصده سمير وانتظر حتى خلت السوق فقتل كعبا، وأخبر مالك بن ~~العجلان بقتله، فأرسل إلى آل سمير يطلب قاتله، فقالوا: لا ندري من قتله، وترددت ~~الرسل بينهم، هو يطلب سميرا وهم ينكرون قتله، ثم عرضوا عليه الدية فقبلها، وكانت ~~دية الحليف فيهم نصف دية النسيب، فأبى مالك إلا أخذ دية كاملة، ولج الأمر بينهم ~~حتى آل إلى المحاربة، فاجتمعوا والتقوا واقتتلوا قتالا شديدا وافترقوا، ثم التقوا ~~مرة أخرى واقتتلوا، حتى حجز الليل بينهم، وكان الظفر يومئذ للأوس، ثم أرسلت الأوس ~~تطلب أن يحكم بينهم المنذر بن حرام الخزرجي جد حسان بن ثابت الشاعر، وأجابهم إلى ~~ذلك، وحكم المنذر بأن يعطوا كعبا حليف مالك دية الصريح، ثم يعودوا إلى سنتهم ~~القديمة، وفرحوا بذلك وحملوا الدية، وافترقوا وقد تمكنت البغضاء والعداوة في ~~نفوسهم. ~~(19-2) يوم السرارة # وسببه أن رجلا من بني عمرو من الأوس قتله رجل من بني الحارث من الخزرج، فعدا أهل ~~القتيل على القاتل وقتلوه غيلة، وعرف ذلك أهله، فكانت حرب بين الفريقين شديدة، حمل ~~راية الخزرج فيها عبد الله بن سلول، وراية الأوس حضير بن سماك، وصبر القوم بعضهم ~~لبعض أربعة أيام، ثم انصرفت الأوس إلى دورها، ففخرت الخزرج بذلك. ~~(19-3) يوم حاطب # توالت الحروب بعد يوم السرارة، حتى إذا مرت مائة سنة من ms144 يوم سمير - إذ بحرب تعرف ~~بيوم حاطب وقعت بين فريقين، وسببها: أن حاطبا الأوسي - وكان شريفا سيدا في قومه ~~- أتاه ضيف من بني ثعلبة، ثم غدا يوما إلى سوق بني قينقاع، فرآه يزيد الخزرجي، ~~فقال لرجل من اليهود: لك ردائي إن كسعت هذا الثعلبي، فأخذ الرداء وكسعه، فنادى ~~الثعلبي: يا لحاطب، كسع ضيفك وفضح؛ وعرف حاطب بالأمر، فجاء وضرب اليهودي بالسيف ~~فقتله، وعلم يزيد الخزرجي فأسرع خلف حاطب فلم يدركه، فقتل رجلا من أهله، فقامت ~~الحرب بين الأوس والخزرج، وسعى بينهما جماعة من فزارة بالصلح فلم تفلح مساعيهما، ~~واستمرت الحرب بينهما سجالا، يوما للأوس ويوما للخزرج، حتى انتهت بظفر الخزرج؛ ~~وتجددت الحرب بعد ذلك، وكان الفريقان يتصالحان على الديات، وطال أمر الحرب حتى سئمت ~~الأوس، فصارت إلى قريش بمكة تطلب محالفتها، فأجابت قريش طلب الحلف، ثم تحللت منه، ~~فطلبت الأوس إلى بني قريظة وبني النضير الحلف على الخزرج، فأجابوهم إلى ذلك - ثم ~~عادوا فنقضوا. ~~(19-4) يوم بعاث # وتجدد الحلف بين قريظة وبني النضير من جهة، وبين الأوس من جهة أخرى، وأشعلوها ~~حربا على الخزرج، انضمت فيها إلى الأوس طوائف أخرى من اليهود وغيرهم، وانضم إلى ~~الخزرج جهينة، وتداعى الفريقان إلى القتال، فكان بينهما يوم بعاث - وهو ناحية من ~~أعمال قريظة على طريق مكة من المدينة غربا، وكان على الأوس حضير بن سماك «والد أسد ~~بن حضير»، وعلى الخزرج عمرو بن النعمان، وكان حضير يحقد على الخروج أشد الحقد، فلما ~~بدأ القتال دارت الدائرة على الأوس، ففروا نحو نجد فعيرهم الخزرج، فلما سمع حضير ~~تعييرهم - برك وطعن بسنان رمحه فخذه وصاح: والله لا أعود حتى أقتل فإن شئتم يا ~~معشر الأوس أن تسلموني فافعلوا، فعاد الأوس إلى القتال مستبسلين مستيئسين حتى هزموا ~~الخزرج شر هزيمة، وأخذوا يحرقون نخلهم ودورهم، وإن كادوا ليهلكوهم - لولا أن صاح ~~صائح فيهم: يا قوم إن جوارهم خير من جوار الثعالب، فانتهوا عنهم ولم يسلبوهم، وإنما ~~سلبهم قريظة والنضير، وحملت الأوس زعيمها حضيرا مجروحا فمات، وكذلك مات ms145 عمرو بن ~~النعمان رئيس الخزرج، واستعادت اليهود بعد هذا مكانها بيثرب، وأضحى الأوس والخزرج ~~أجراء عند اليهود، فأدركوا أنهم أخطئوا في تطاحنهم، وفكروا في عاقبة أمرهم، وتطلعوا ~~إلى إقامة ملك عليهم يجمع شملهم، وحدث أن نفرا من الخزرج خرجوا إلى مكة في موسم ~~الحج، فلقيهم محمد عليه السلام، فسألهم عن شأنهم ودعاهم إلى الله فعرفوا أنه النبي ~~الذي كانت تواعدهم به اليهود، فأجابوا دعوته وأسلموا. # وكانت وقعة بعاث هذه آخر الحروب بين الأوس والخزرج - إلى أن جاء الإسلام، وأجمع ~~الفريقان أمرهم على نصرته، وهاجر إليهم النبي من مكة، وآخى بينهم، كما وادع اليهود، ~~وعاهدهم بما يدخل شرحه في تاريخ السيرة النبوية، فلا حاجة إلى ذكره هنا. ~~(19-5) أيام العرب الأخرى # والآن - وقد أتينا على أهم ما كان بين الأوس والخزرج من حروب - فإنا نرى أن ~~نذكر في هذا الباب أيضا أهم أيام العرب العدنانية في غير يثرب، ونريد أن نذكر هنا ~~أن أيام العرب هذه أو حروبهم - لم تكن حروبا بالمعنى المعروف لدينا الآن؛ بل كانت ~~لا تعدو أن تكون غارات - يقصد منها السلب والنهب والأسر دون أن تراق في معظمها ~~الدماء، ولقد ذكر الأستاذ نيكلسون في كتابه «تاريخ الأدب العربي» أن كتابة تاريخ ~~حقيقي لهذه الغارات المشهورة أمر يكاد يكون مستحيلا، وذكر أن السيوطي المؤرخ ~~العربي المعروف كان إذا استعلم من أعرابي عن حادثة من الحوادث التاريخية - لا يرتاح ~~حتى يدعمها العربي له بأبيات من الشعر، ويرى نيكلسون أن الشعر - الذي كان يعتبر في ~~مبدأ الأمر مؤيدا للحوادث التاريخية - قد انعكس به الأمر، فأصبح هو النواة التي ~~أخذت تلفق حولها الروايات، وتخترع بمهارة أو بغير مهارة ما ينسجم مع الأشعار ~~المروية من قصص وأخبار. # على أن هذا لا يعني أن كل ما روي من أيام العرب لا أصل له؛ إذ من الثابت المؤكد ~~أن البيئة البدوية كانت لا تخلو من أمثال هذه الحروب والغارات، بل كان العجيب أنها ~~تخلو منها، وعلى أي حال فإن ما ذكره المؤرخون من أخبار ms146 أيام العرب - وإن كان لا ~~يتضمن وقائع ثابتة - فإنه يلقي ضوءا، ويصف بأمانة كبيرة، الطريقة التي كانت تدار ~~بها هذه المنازعات القبلية، فوق أنه يلقي ضوءا على بعض صفات العرب ~~ومميزاتهم. # ونحن نلخص لك هنا بعضا من أهم هذه الحروب المشهورة في التاريخ والأدب العربي، ~~ونخص بالذكر منها حرب البسوس وحرب داحس والغبراء. # حرب البسوس # هي الحرب التي قتل فيها كليب زعيم بني تغلب، وقبل أن نتكلم على سبب هذه ~~الحرب وأدوارها، نرى لزاما علينا أن نذكر كلمة صغيرة، عن مكانة قبيلة تغلب ~~وبكر، في أواخر القرن الخامس الميلادي. # في القرن الخامس الميلادي تجمعت عدة قبائل عدنانية تحت راية واحدة واحتكرت ~~المقام في المنطقة التي تمتد من الخليج الفارسي إلى بادية الشام، تحت رعاية ~~إحدى الدول الكبرى، فتدخل في حوزة الفرس على يد المناذرة، أو الروم على يد ~~الغساسنة، أو حمير على يد كندة، وكان أكثر خضوعها لدولة حمير باليمن - يؤدون ~~لها الإتاوة كل عام، وتولي عليها حمير أميرا من أمراء القبائل، وأشهر من تولى ~~على بدو الشمال - تحت رعاية دولة اليمن - زهير بن جناب الكلبي، في أواسط القرن ~~الخامس للميلاد، وكان شجاعا ذا عقل وسداد، وبسط نفوذه على بكر وتغلب من ربيعة، ~~فكان يحكم فيهم، ويتقاضى الإتاوة أو الخراج منهم، في مقابل النعجة والكلأ ~~والمرعى. # وحدث ذات عام أن أمحلت الأرض، فتأخروا عن الدفع، فأغلظ عليهم، فشقوا عصا ~~الطاعة، وشجعهم على ذلك ما أصاب اليمن في حروبها مع الحبشة، وقاد حركة انفصالهم ~~هذه واحد من فرسانهم المشهورين - يسمى كليبا، من قبيلة تغلب التي كان مقامها ~~في المنطقة الممتدة من المرتفعات الوسطى إلى بادية الشام، في شمال بلاد العرب، ~~ونجح كليب في تكوين حلف من قبيلة تغلب وبكر وغيرها من القبائل، انتصر بهم ~~نهائيا على اليمن - وهزموهم، ولم يدفعوا إليهم إتاوة أو خراجا، وارتفع بذلك ~~صيت كليب؛ فملكته قبائل معد عليها، وأصبح نفوذه مضرب الأمثال، فكان لا توقد ~~نار مع ناره، ولا يرد أحد مع إبله، وكان يحمي مواقع السحاب، ms147 ويقول: وحش أرض كذا ~~في جواري فلا يصاد، وكان كليب بن ربيعة هذا متزوجا من بكرية، تسمى جليلة بنت ~~مرة، أخت جساس بن مرة - الذي يسمى الحامي الجار، وكان لجساس خالة تسمى ~~البسوس، ونزل بالبسوس رجل يسمى سعد الجرمي، له ناقة اسمها سراب، وكانت ترعى مع ~~نوق جساس، وحدث أن كليبا خرج يوما يتعهد الإبل. # وكانت إبله وإبل جساس مختلطة، فنظر إلى سراب فأنكرها، فقال جساس - وهو معه: ~~هذه ناقة جارنا الجرمي. فقال كليب: لا تعد هذه الناقة إلى هذا الحي، فقال جساس: ~~لا ترعى إبلي إلا وهذه معها، فقال كليب: لئن عادت لأضعن سهمي في ضرعها، فقال ~~جساس: لئن وضعت سهمك في ضرعها، لأضعن سنان رمحي في لبتك، ثم تفرقا، وقال كليب ~~لامرأته: أترين في العرب رجلا مانعا مني جاره؟ فقالت: لا إلا أخي جساسا، ثم ~~إن كليبا خرج إلى الحمى وجعل يتصفح الإبل، فرأى ناقة الجرمي، فرمى ضرعها، فولت ~~- ولها رغاء - حتى بركت بفناء صاحبها، فلما رأى ما بها صرخ بالذل، وسمعت البسوس ~~صراخ جارها، فخرجت إليه فلما رأت ما بناقته وضعت يدها على رأسها وصاحت، فسمعها ~~جساس، فخرج إليها وقال لها: اسكتي إني سأقتل غلالا أفحل إبل كليب، وكان لكليب ~~عين يسمع ما يقولون، فقال: لقد اقتصر من يمينه على غلال، ولم يزل جساس يطلب غرة ~~كليب، حتى إذا خرج يوما آمنا ركب جساس فرسه وأخذ رمحه وأدرك كليبا فوقف ~~كليب، فقال له جساس: يا كليب الرمح وراءك، فقال: إن كنت صادقا أقبل إلى أمامي، ~~ولم يلتفت إليه، فطعنه فأرداه عن فرسه، وطلب كليب شربة ماء فلم يغثه، ولكنه أمر ~~رجلا كان معه فجعل عليه أحجارا لئلا تأكله السباع، وانصرف جساس حتى أتى أباه ~~مرة، وقال له: طعنت طعنة يجتمع بنو وائل غدا لها رقصا؛ لقد قتلت كليبا، فجعل ~~مرة يتهيأ للحرب مع قومه، فشحذوا السيوف وقوموا الرماح. # ولما علم قوم كليب بمقتله دفنوه - وقد شقوا الجيوب وخمشوا الخدود وخرجت ~~الأبكار وذوات الخدور والعواتك وقمن للمأتم، وقلن ms148 لأخت كليب: أخرجي جليلة امرأة ~~كليب عنا فإنها أخت قاتلنا ، فخرجت تجر أعطافها وأتت مرة، وكان لكليب أخ اسمه ~~مهلهل، وهو الفارس الشاعر المشهور، وكان وقت مقتل كليب يشرب مع همام بن مرة أخي ~~جساس، فلما أفاق مهلهل وعرف بمقتل أخيه، جز شعره وقصر ثوبه، وهجر النساء وترك ~~الغزل، وحرم القمار والشراب، وجمع إليه قومه، وأرسل رجالا منهم إلى مرة والد ~~جساس، وهو في نادي قومه، فقالوا له: إنكم أتيتم عظيما بقتلكم كليبا بناقة ~~وقطعتم الرحم وانتهكتم الحرمة، وإنا نعرض عليكم خلالا أربعا لكم فيها مخرج، ~~ولنا فيها مقنع، إما أن تحيي كليبا، أو تدفع إلينا قاتله جساسا نقتله به، أو ~~أخاه هماما فإنه كفؤ له، أو تمكننا من نفسك فإن فيك وفاء لدمه، فقال لهم مرة: ~~«أما إحيائي كليبا فلست قادرا عليه، وأما جساس فإنه غلام طعن طعنة على عجل ~~وركب فرسه ولا أدري أي بلاد قصد، وأما همام فإنه أبو عشرة وأخو عشرة وعم عشرة ~~كلهم فرسان قومهم فلن يسلموه بجريرة غيره، وأما أنا فما هو إلا أن تجول الخيل ~~جولة فأكون أول قتيل، فما أتعجل الموت؛ ولكن لكم عندي خصلتان: أما إحداهما، ~~فهؤلاء أبنائي الباقون فخذوا أيهم شئتم بصاحبكم، وأما الأخرى فإني أدفع إليكم ~~ألف ناقة سود الحدق حمر الوبر، فغضيوفقنا إلى خير ما نرجو، وأن ب القوم وقالوا: ~~لقد أسأت، تبذل لنا صغار ولدك وتسومنا اللبن من دم كليب، ثم نشبت الحرب بينهم ~~ودامت أربعين سنة، وقال مهلهل عدة قصائد يرثي كليبا فيها ويطلب ثأره. # وكانت أول واقعة فيهم دارت الدائرة فيها لبني تغلب، ثم التقوا يوم واردات ~~فاقتتلوا قتالا شديدا فظفرت تغلب أيضا، وكثر القتل في بكر؛ فقتل همام أخو ~~جساس فمر به مهلهل، فلما رآه مقتولا قال: والله ما قتل بعد كليب أعز علي ~~منك، وتالله لا تجتمع بكر بعدكما على خير أبدا، ووقعت بينهما وقعات أخرى كان ~~الظفر فيها لتغلب، وكانت تغلب تطلب جساسا أشد الطلب، فقال له أبوه، الحق ~~بأخوالك بالشام، فامتنع، ms149 فألح عليه أبوه فسيره سيرا في خمسة نفر، وبلغ الخبر ~~إلى مهلهل، فندب أبا نويرة ومعه ثلاثون رجلا من شجعان أصحابه فساروا مجدين ~~فأدركوا جساسا فقاتلهم، فقتل أبو نويرة وأصحابه، ولم يبق منهم غير رجلين، ~~وجرح جساس جرحا شديدا مات منه، وقتل أصحابه فلم يسلم غير رجلين أيضا، فعاد ~~كل واحد إلى أهله، فلما سمع مرة قتل ابنه جساس قال لمهلهل: إنك قد أدركت ثأرك ~~وقتلت جساسا، فاكفف عن الحرب ودع اللجاج والإسراف، وأصلح ذات البين فهو أصلح ~~للحيين وأنكى لعدوهم؛ فلم يجب إلى ذلك، وكان الحارث بن عباد قد اعتزل الحرب فلم ~~يشهدها، فلما قتل جساس وهمام ابنا مرة أرسل بجيرا ابنه وكتب معه إلى مهلهل: ~~أرسلت ابني إليك، فإما قتلته بأخيك وأصلحت بين الحيين، وإما أطلقته وأصلحت ذات ~~البين، فقد مضى من الحيين في الحروب من كان بقاؤه خير لنا ولكم، فلم يكن من ~~المهلهل إلا أن أخذ بجيرا فقتله، وقال: «بل بشسع نعل كليب»، وعرف الحارث ~~الخبر، فأقسم لا يصالح تغلبا حتى تأكله الأرض، وأتوه بفرسه النعامة، وكان ولي ~~أمر بكر، وكان أول يوم شهده هو يوم تحلاق اللمم «سمي بذلك لأنه أمر بكرا بحلق ~~رءوسهم حتى يميزهم النساء الذين حملوهم معهم ليقتلوا جرحى تغلب ويعنوا بجرحى ~~بكر»، وقد انتصر البكريون في هذا اليوم، وأسر الحارث مهلهلا وهو لا يعرفه ثم ~~خلى عنه. ثم كان بين القومين أيام أخرى أهمها يوم النقبة ويوم الفصيل لا داعي ~~إلى شرحها، ويكفي أن نذكر أنه في تمام السنة الأربعين لبدء الحرب تدخل المنذر ~~الثالث ملك الحيرة لإنهاء ذلك الصراع. # وهكذا انتهت تلك الحرب التي استمرت أربعين سنة مات في أثنائها الشيوخ، وشاخ ~~الشبان وشب الولدان، وولدت طبقة من الناس لم تكن في الحسبان، وكان سببها حادثة ~~تافهة، هي قتل الناقة سراب، التي ضرب العرب بها المثل، فقالوا: «أشأم من سراب» ~~كما قالوا: «أشأم من البسوس»، ولا تزال أسماء الزعماء من التغلبيين والبكريين ~~تجرى على ألسنة الناس في البلاد المتكلمة بالعربية. ms150 # هذا؛ وإذا صح التقدير فإن هذه الحرب تكون قد استمرت من سنة 490 إلى 530 ~~ميلادية. # ونلخص الآن حربا أخرى، جرت بين فرعين من بني غطفان، هما عبس وذبيان؛ تلك هي ~~حرب داحس والغبراء. # حرب داحس والغبراء # السبب الذي قامت هذه الحرب من أجله بين عبس وذبيان يرجع إلى سوء تصرف قام به ~~الذبيانيون في حفلة سباق أقيمت بين خيول عبس وخيول ذبيان؛ وداحس اسم حصان كان ~~يملكه زعيم من عبس، والغبراء اسم لفرس كان يملكها شيخ ذبيان، وخلاصة النزاع أن ~~صاحبي الحصان والفرس اتفقا على أن يجرياهما، وجعلا الرهان مائة ناقة، ويكون ~~منتهى الغاية مائة غلوة، والمضمار أربعين يوما، ثم أرسلاهما إلى رأس الميدان ~~وكان في موضع الغاية شعاب كثيرة؛ فأكمن صاحب الغبراء فتيانا اعترضوا داحس الذي ~~كان سابقا ثم ردوه عن الغاية، حتى برزت عليه الغبراء، وقد قام ذلك النزاع في ~~النصف الثاني من القرن السادس، بعد أن عقد الصلح في حرب البسوس بفترة قصيرة، ~~وظل الفريقان تخمد بينهما الحرب وتقوم مدة طويلة استمرت إلى ما بعد ظهور ~~الإسلام، وفي هذه الحرب اشتهر عنترة بن شداد العبسي بجولاته الصادقة، وقد عاش ~~عنترة فيما بين سنتي 525-615 تقريبا، وهو يعتبر من أعظم أبطال العرب، وأشهر ~~شعراء العصر الجاهلي، ولا يخفى أن قبيلتي عبس وذبيان، كانتا تسكنان في وسط بلاد ~~العرب، وكانت تجمع بينهما صلات القربى؛ إذ كانا ينتميان - كما تقول الرواية ~~العربية - إلى الجد الأكبر غطفان. # وكنا نريد أن نذكر حرب الفجار، التي وقعت في الأشهر الحرم في أواخر القرن ~~السادس الميلادي وما تبعها من حلف الفضول، ولكنا آثرنا أن نرجئ الكلام عنهما ~~إلى كتابنا الثاني عن تاريخ العرب في عهد النبي؛ لأن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قد شهد ~~كلا من الحرب والحلف في شبابه قبل البعثة، فالحرب - وإن كانت من تاريخ ما قبل ~~الإسلام إلا أنها كانت ذات أثر في حياته عليه السلام بعد الإسلام. # والآن وقد انتهينا من ذكر أشهر أيام العرب، فإنا نختتم هذا ms151 الفصل في تاريخ ~~الحجاز، ونعقد فصلا جديدا للحجاز في فجر الإسلام، نعالج فيه الحالة الدينية ~~والاجتماعية في البيئة العربية الشمالية، ونضمنه شتات ما عساه أن يكون فاتنا ~~من تاريخ عرب الشمال، لنمهد بذلك لتاريخ بلاد العرب على عهد رسول الله # صلى الله عليه وسلم # الذي سنعالج حوادثه البارزة في كتاب ثان إن شاء الله تعالى. # ولسنا في حاجة إلى القول بأن كلامنا في هذا الفصل، سينصب في مجموعه على عرب ~~الشمال، وإن كان سيلمس عرب الجنوب أيضا الذين لخصنا تاريخهم في الفصل الرابع ~~من هذا الكتاب؛ وذلك لأنا سنعالج بلاد العرب - فيما يلي - كوحدة واحدة قبيل ~~ظهور الإسلام، أو في العصر المعروف بعصر الجاهلية الذي يشمل القرن أو القرنين ~~السابقين مباشرة لظهور الإسلام. # الفصل الحادي عشر # | الحجاز في فجر ظهور الإسلام # وثنية العرب وأصنامهم # لم يكن عرب الشمال - وغالبيتهم العظمى من البدو - شديدي التأثر بالدين، كما كان عرب ~~الجنوب - الذين وصفنا الحالة الدينية عندهم في فقرة [اللغة والدين] من هذا الكتاب فارجع ~~إليها، والعرب - كما يقولون - أمة شعراء، الشعر سجل أعمالهم، ولكنك قل أن تجد فيما ~~وصل إلينا من الشعر الجاهلي ما يعكس لك صورة واضحة عن الحالة الدينية في بلاد العرب، ~~وقد يكون السبب في ذلك أن الشعر الديني - بسبب اعتناق العرب للإسلام - قد حظرت روايته ~~فضاع، ويبدو أن العربي لم يكن يهتم للدين كثيرا، يدلنا على ذلك ما رواه صاحب الأغاني ~~من أن امرأ القيس بن حجر الكندي عندما قتل أبوه مر بمعبد ذي الخلصة، ليستقسم بالسهام، ~~فلما أخرج السادن سهم النهي ثلاث مرات قذف امرؤ القيس بالسهام في وجه الصنم، وقال: لو ~~كان أبوك الذي قتل لما نهيتني عن طلب الثأر له. # وفيما عدا الشعر فإن مراجعنا في وثنية العرب قبل الإسلام تكاد تنحصر فيما ورد عن ~~الوثنية في القرآن الكريم - الذي يصور لنا الحياة الجاهلية في نواحيها المتعددة من ~~دينية واجتماعية أصدق تصوير وأروعه - وفي بعض ما كتب من الأدب الإسلامي، ونخص بالذكر ~~منه كتاب الأصنام ms152 للكلبي (المتوفى حوالي سنة 820م). # وكانت معبودات العرب في الجاهلية تختلف ما بين الصنم والوثن والنصب، فأما الصنم ~~فما كان على صورة إنسان من معدن أو خشب، والوثن ما كان على شكل الإنسان من حجر، أما ~~النصب فهو حجر غفل ليس على صورة معينة. # ولعل الوثنية العربية كانت أبسط شكل للمعتقدات السامية، فهي لم تترق كما ترقت وثنية ~~عرب الجنوب، التي كانت لها معابد فاخرة، وشعائر معقدة مما تتطلبه حالة الإقامة، على عكس ~~عرب الشمال، الذين كانوا في الغالب بدوا، وتشبه وثنية العرب معظم الوثنيات الأخرى، في ~~وجود آلهة خاصة بالقبائل، تنفرد كل قبيلة بعبادة إلهها، وتشترك معظم القبائل في عبادة ~~الإله الأكبر. # وكانت المناطق الزراعية تعبد إلها يمت إلى الشمس بصلة، وأوضح أمثلة لعبادة الشمس ~~كانت في مدينة تدمر ومدينة البتراء، ولا يخفى أن سكان الأقاليم الزراعية قد أدركوا ما ~~بين حرارة الشمس ونماء الزرع من علاقة «قارن هذا بعبادة المصريين القدماء لرع إله ~~الشمس.» # وكان بعض قبائل البدو يدينون الطوطمية، ويعبدون الحيوانات، وتفسير هذا يمكننا أن ~~نرجعه إلى ما كان يعود عليهم من نفع من الحيوان المعبود ومدى ارتباطهم به «قارن هذا ~~أيضا بعبادة الحيوان عند قدماء المصريين.» # وكانت آلهة المناطق الزراعية - في الغالب - من الآلهة الخيرة، التي تجلب النفع للناس، ~~أما آلهة المناطق الجرداء فكانت من الآلهة الشريرة والشياطين، وهذه كانت تعبد دفعا ~~لأذاها ولاتقاء شرورها، كما كانت تعبد الأولى استجلابا لرضاها واستدرارا ~~لنفعها. # وعبد العرب أيضا بعض مظاهر الطبيعة، التي كانت تحيط بهم، فعبدوا بعض الأشجار وعيون ~~الماء والكهوف والحجارة، ولكن عبادتهم لهذه الأشياء كانت كوسيلة لتقريبهم إلى الآلهة ~~التي كانت - حسب ما يعتقدون - تتخذ مقارها في بعض هذه الأشياء، ولسنا ندري إن كانت بئر ~~زمزم قد عبدت قبل الإسلام، ولكن القزويني يذكر أن بئر عروة - كان الناس إذا مروا بها ~~أخذوا من مائها يهدونه إلى أهليهم، أما الكهوف فكانت قداستها ترجع إلى أنها تتصل بقوى ~~الآلهة السفلية، وقوى باطن الأرض التي لا يرونها، ومن أمثلة ms153 ذلك كانت غبغب في نخلة، حيث ~~كان العرب يقربون للإلهة العزى. # كذلك عبد العرب بعض الأجرام السماوية، ولعلهم تأثروا في ذلك بالمجوس جيرانهم، فعبدوا ~~القمر، وكانت عبادته شائعة في مناطق الرعي، كما كانت عبادة الشمس شائعة في مناطق ~~الزراعة، ويجب أن نذكر هنا أن ضوء القمر كان يهدي بالليل، وكان ظهوره ينظم لهم ~~مواقيتهم، وقد ورد في القرآن ذكر ود، وهو أحد آلهة القمر، وكان أهم إله يعبد في ~~معين ببلاد اليمن. # وقد سبق أن أشرنا في تاريخ اليمن في فقرة [قصة أصحاب الأخدود] عند الكلام على قصة ~~أصحاب الأخدود خبر نخلة في نجران، كان القوم يعبدونها هناك، ولهذه النخلة نظير في شجرة ~~العزى، المسماة بذات أنواط في نخلة، والتي كان يهرع إليها أهل مكة كل عام، فيقدمون ~~القرابين لها كما كان يقدم أهل نجران لنخلتهم قرابين من الأسلحة والملابس وغيرها، وكانت ~~اللات في الطائف يمثلها حجر مربع، وذو الشرى في البتراء يمثله كتلة مستطيلة من حجر أسود ~~غير منحوت، يبلغ ارتفاعه أربعة أقدام وعرضه قدمان، وكان لكل من هذه الآلهة حمى من أرض ~~المراعي المحيطة به، لا يعتدى عليه ولا يعتدى فيه. # وكان البدو يؤمنون بأن الصحراء مسكونة بمخلوقات لها طبيعة الوحوش، يطلقون عليها أسماء ~~الجن والشياطين، وكان الجن - في نظرهم - يختلفون عن الآلهة من حيث طبيعتهم من جهة، ومن ~~حيث علاقتهم بالإنسان، فالآلهة في نظرهم كانت بصفة عامة أصدقاء لهم، أما الجن فكانوا ~~لهم خصوما؛ ولعل ما تنطوي عليه الصحراء من هول، وما يعمرها من وحوش - هو الذي دفعهم ~~إلى هذا الاعتقاد، وأرض الآلهة هي الأرض التي يطرقها الإنسان، أما أرض الجن فهي أرض ~~البرية التي لم يطرقها أحد، ولعل لفظ المجنون بالعربية معناه الذي أصابه الجن. # ولسنا ننكر الجن؛ فقد ورد ذكرهم في أكثر من موضع في القرآن وفي مناسبات متعددة، ولكن ~~المقصود بهم كان يختلف عما ذهب إليه العرب في الجاهلية. # وقد ورد ذكر اللات والعزى ومناة في القرآن، وهذه الإلهات الثلاث كان العرب يسمونها ~~بنات ms154 الله، وكن يعبدن في المنطقة التي أتيح لها أن تكون مهد الإسلام فيما بعد ، وقد ورد ~~ذكرهن في القرآن في سورة النجم الآية 19 وما بعدها: # أفرأيتم ~~اللات والعزى * ومناة الثالثة الأخرى * ألكم الذكر وله الأنثى * تلك ~~إذا قسمة ضيزى ~~(راجع قصة الغرانيق في الفصل السادس من كتاب حياة ~~محمد للدكتور هيكل باشا). # فأما اللات «ولعلها مشتقة من كلمة الإلهة» فقد كان حماها وحرمها على مقربة من الطائف، ~~وكان أهل مكة يحجون إليها ويقدمون لها القرابين، وكان لا يجوز أن تقتلع أشجار من حماها ~~ولا يصاد ولا يراق دم آدمي فيه، وقد ذكر هيرودوت في تاريخه اسم «أليلات» من بين آلهة ~~الأنباط. # وأما العزى «وهي مؤنث الأعز وكان يقصد بها الزهرة «فينوس» نجمة الصباح» فكانت تعبد ~~في نخلة إلى الشرق من مكة، وقد ذكر الكلبي: «أن قريشا كانت تقدسها أعظم تقديس، وأن ~~النبي عليه السلام وهو حدث قدم لها بعض القرابين.» (في ذلك شك)، وكان حرمها يتكون من ~~ثلاث أشجار، وعبادتها تتطلب تقديم القرابين البشرية، وكان اسم عبد العزى من الأسماء ~~الشائعة المحببة عند العرب وقت ظهور الإسلام. # أما مناة «من المنية وهي القضاء المحتوم» فكانت إلهة القضاء والقدر، ولعلها كانت من ~~أقدم الإلهات عند العرب، وكان حرمها عبارة عن صخرة سوداء في قديد، على الطريق بين مكة ~~ويثرب، وكان أعظم عبادها الأوس والخزرج، الذين ناصروا النبي عليه السلام في هجرته من ~~مكة، ولا يزال النظامون العرب يشكون المنية والدهر في قصائدهم إلى يومنا هذا. # ونستطيع أن نقرر - بمناسبة هذه الإلهات الثلاث - أن عبادة الإناث كانت أسبق من عبادة ~~الذكور في بلاد العرب؛ لأن العرب - شأن كل الساميين الأخر - كانوا يعلقون أهمية على دم ~~الأمومة أكثر من دم الأبوة. # وكانت الكعبة مقر أوثان أكثر العرب وأصنامهم، وكان هذا من الأسباب الذي جعلت لمكة ~~وقريش الصدارة على كل مدن الحجاز وقبائله، أما أشهر آلهة الكعبة، فكان الإله هبل «واسمه ~~مشتق من لفظ آرامي معناه الروح»، وكان صنم هبل على صورة إنسان، ms155 ذكر المؤرخون أنه كان من ~~العقيق الأحمر مكسور اليد اليمنى، أدركته قريش كذلك، فجعلت له يدا من ذهب، وكان تمثاله ~~أعظم صنم معلق على الكعبة، التي كان بداخلها صنمان يمثلان إبراهيم وإسماعيل، وكان إلى ~~جوار صنم هبل الأزلام وهي القداح أو السهام التي كان أهل الجاهلية يستقسمون بها، وكان ~~الكاهن «وهو لفظ مأخوذ من الآرامية أيضا» يقرر مصائر الناس بوساطة هذه السهام، وقد ذكر ~~ابن هشام في سيرته أن عمرو بن لحي الخزاعي هو الذي أحضر هذا الصنم من مؤاب أو العراق ~~إلى مكة، ولقد أصاب بقوله هذا كبد الحقيقة؛ لأن اسم الإله يحمل ذلك الاسم الآرامي، ~~ويقال أيضا: إن عمرو بن لحي هذا هو الذي أتى بإساف ونائلة من أرض الشام، ووضعهما في ~~داخل الكعبة فعبدا، على أن هناك رواية أخرى تذكر أن إسافا ونائلة كانا رجلا وامرأة ~~أتيا الفاحشة في داخل الكعبة فأحالتهما الآلهة أصناما، أما بقية القصة التي تقول إن ~~عمرو بن لحي كان أول من أدخل عبادة الأصنام إلى بلاد العرب بنقله هبل، وأن العرب كانوا ~~لا يعبدون أصناما قبل هذا - فهي بعيدة بعدا كبيرا عن الحقيقة، وقد لقي هبل هو ~~والثلاثمائة وستون صنما التي كانت معلقة حول الكعبة مصرعها الأخير يوم الفتح على يد ~~النبي # صلى الله عليه وسلم ~~. # ولا يجولن بالخاطر أن ما ذكرناه عن وثنية بلاد العرب - يستلزم أنهم كانوا لا يعبدون ~~إلا الأوثان أو الأصنام؛ إذ الثابت أن الشطر الأكبر منهم - إن لم يكن جميعهم - كانوا ~~يعبدون هذه الحجارة والأصنام، لا على أنها صاحبة الحول والطول، بل على أنها وسيلة ~~تقربهم إلى الإله الأكبر الذي كانوا يؤمنون به، فكانوا كما قال الله سبحانه وتعالى في ~~محكم كتابه: # ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله ~~زلفى ~~. فأنت ترى أن الله تعالى كان معروفا لديهم، وكلمة «الله» هي صورة ~~من صور لفظ الإله المضاف إليها أداة التعريف، مما يفهم منه أنه الإله الرئيسي، وقد عثر ~~النقابون على نقوش قديمة فيها لفظ «الله»، وقد عثر على ms156 نقش في الصفا يرجع عهده إلى ~~قبل الإسلام بخمسة قرون ورد فيه لفظ الجلالة على هذا الشكل «هالله»، ومعروف أن والد ~~النبي عليه السلام كان يسمى عبد الله، وكان أهل مكة قبل الإسلام - يعتبرون أن الله هو ~~الخالق المعطي القاهر فوق عباده، وهو الذي يفزع الناس إليه إذا اشتد الخطب، كما يستدل ~~على ذلك من آيات كثيرة في القرآن نذكر من بينها قوله تعالى: # ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله ~~قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون ~~، لقمان آية 25، ~~وقوله تعالى: # وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن ~~جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله ~~وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون ~~... إلخ. # ولم يحل وقوع مكة في واد غير ذي زرع، وفي مناخ لا يوافق الصحة كثيرا، دون أن يكون ~~الحجاز بسببها أهم مركز ديني في شمال بلاد العرب. # أما فيما يتعلق بآلهة بلاد العرب الأخرى - فإنا نذكر منها «نسرا» وكان على هيئة نسر، ~~و«عوف» وكان على هيئة طير كبير، و«يغوث» وكان على صورة أسد، و«يعوق» وكان على هيئة فرس ~~وغيرها من الحيوان والطير مما يذكرنا بآثار الطوطمية الأولى. # ولا نستطيع أن نستنتج من ثنايا الأدب القديم الموثوق بصحته - ما يوضح لنا عقيدتهم في ~~الدار الآخرة توضيحا كبيرا، أما ما ورد على ألسنة بعضهم من ذكر للدار الآخرة، فأكبر ~~ظننا أنه كان صدى للمعتقدات المسيحية التي اتصلوا بها. # ونريد أن نذكر في هذا الصدد أيضا - أن العرب قد توافقوا فيما بينهم على أن يجعلوا من ~~بين شهور السنة أربعة أشهر حرم، لا يحل فيها القتال، وكان غرضهم من ذلك أن يتيحوا لذوي ~~الرأي فرصة يصلحون فيها ذات البين، وهذا عدا حرصهم على الاطمئنان على متاجرهم، وعدم ~~تعريض سلعهم للبوار والضياع، وتشبه هذه الشهور الحرم - وهي شهور ذي القعدة وذي الحجة ~~والمحرم ثم رجب الفرد - الهدنة الربانية التي كانت معروفة في أوروبا في العصور الوسطى. ~~وكانت الشهور الثلاثة الأولى تخصص للعبادة، فيذهب الناس فيها من كافة أنحاء الحجاز ms157 ~~وغيره إلى مكة، ويقدمون القرابين من إبل وأغنام إلى آلهتهم، أما الشهر الرابع فكان ~~يخصص للتجارة، ولا يخفى أن الحجاز - بوقوعه على طريق التجارة الرئيسي بين الشمال ~~والجنوب - كان يتيح فرصة صالحة للنشاط الديني والنشاط التجاري، وهذا هو السبب الذي من ~~أجله قامت أسواق العرب في الجاهلية، ونخص بالذكر منها عكاظ، التي كان فيها سوق أسبوعية ~~تقوم يوم الأحد للبيع والشراء، وسوق سنوية ينزلون به في أول ذي القعدة ويستمرون عشرين ~~يوما، تجتمع فيها قبائل العرب فيتناشدون الأشعار، ويتعارفون ويتحابون ويفدون أسراهم، ~~ويرفعون مظالمهم إلى من يقوم بأمر الحكومة، ثم يتوجهون منها إلى مكة، فيقفون بعرفة ~~ويقضون مناسك الحج، ثم يرجعون إلى أوطانهم. # ومثل سوق عكاظ أسواق أخرى، كسوق مجنة قرب مكة، وسوق ذي المجار خلف جبل عرفات. # ونريد - قبل أن نختتم كلامنا عن ديانة العرب الوثنية قبل الإسلام - أن نذكر أنه كان ~~هناك أفراد منهم يطلق عليهم الحنيفيون أو الأحناف «أي المنحرفون عن العبادة العامة» لم ~~تكن تلك العبادات التي وصفناها تعجبهم ويرون أن هناك حقيقة غابت عنهم، وأن طرائقهم التي ~~هم عليها لا توصلهم إلى الله، ويقولون في أنفسهم: ما معنى التوسل إلى الله بحجارة لا ~~تضر ولا تنفع؟ ومن أشهر هؤلاء ورقة بن نوفل الذي استحكم في النصرانية، وعثمان بن ~~الحويرث، وزيد بن عمرو، وعبيد الله بن جحش، وأمية بن أبي الصلت، وقس بن ساعدة الإيادي، ~~وغيرهم ممن ترك عبادة الأوثان، وإن كان لم يعتنق دينا سماويا، ووجود أمثال هؤلاء ~~يدلنا على أنه كانت هناك حركة دينية قبيل البعثة النبوية، تبحث عن دين إبراهيم الحنيف، ~~وتسب الأصنام ولا ترى في عبادتها غذاء روحيا يرضي عقلاء العرب، ولكنها لم تكن حركة ~~منتجة؛ لأنها لم تؤد إلى شيء ما من التغير في عبادة الأوثان، ولا إلى شيء من إصلاح ~~أحوال العرب، ولكنها - دون جدال - عبدت الطريق، وجعلت في بعض الأنفس شيئا من ~~الاستعداد لقبول الإسلام، ويطلق بعض المؤرخين على أولئك الذين ذكرنا اسم ~~الحنفاء. # المسيحية ببلاد العرب # ذكرنا في ms158 كلامنا على حضارة بلاد اليمن أخبار المسيحية فيها فارجع إليها، ونذكر هنا أن ~~المسيحية كانت منتشرة في قبائل تغلب وغسان في الشمال، ولسنا في حاجة إلى القول بأن قرب ~~هذه المناطق من أرض البيزنطيين كان من العوامل التي جعلت هذه الديانة تنتشر في تلك ~~الجهات، على أنا لا نعدو الحقيقة إذا قررنا أن المسيحية لم ترسخ أقدامها ولم تجد لها ~~أنصارا بين عرب الشمال؛ لأن مبادئها وما انطوت عليه من حب للسلام لا يتفق مع طبيعة ~~أولئك البدو، وقد يكون من العوامل التي عاقت انتشار المسيحية، أن الأباطرة لم يسعوا ~~سعيا جديا في نشرها؛ كما أن ما كان بين المسيحيين من خلاف وانقسام إلى فرق متناحرة، ~~وما تسلل إلى المسيحية من بعض مظاهر وثنية، وكذلك مقاومة اليهود خفية لها، لما كان ~~بينهم وبين المسيحيين من خصومة - كان من العوامل التي أوقفت تقدمها، وجعلت العرب يؤثرون ~~وثنيتهم عليها، وأشهر مذاهب المسيحية التي اعتنقها العرب مذهبان: مذهب النساطرة وكان ~~شائعا في الحيرة، ومذهب اليعاقبة وكان شائعا في غسان، وغيرها من قبائل العرب الضاربة ~~في صحراء الشام. # اليهودية في بلاد العرب # كانت اليهودية أرسخ قدما في بلاد العرب من المسيحية، وقد ذكرنا في تاريخ بلاد اليمن ~~كيف تهود بعض ملوكهم في أواخر دولة الحميريين، وقلنا: إن تهودهم كان لأغراض سياسية، وهي ~~مقاومة النفوذ البيزنطي، وكراهيتهم للأحباش، الذين كانوا يعتنقون المسيحية، ونذكر هنا ~~أن اليهودية دخلت بلاد العرب في القرنين الأول والثاني بعد الميلاد، وقد ذكر المؤرخون ~~العرب - لدخول اليهود إلى بلاد العرب - أسبابا أقرب إلى الخيال منها إلى التاريخ ~~الصحيح، ويكاد يجمع المؤرخون المحدثون على أن اليهود جاءوا إلى جزيرة العرب مهاجرين من ~~فلسطين عندما ضاقت عليهم سبل الرزق فيها، فهاجر فريق منهم إلى العراق، وآخرون إلى مصر، ~~وغيرهم إلى بلاد العرب، ولما قضى الرومان على دولة اليهود، واستولوا على فلسطين، قامت ~~عدة ثورات ضد نفوذ الرومان فيها، أطفأها الرومان بشدة لم يستطع فريق من اليهود صبرا ~~عليها، فخرج من لم يستطع البقاء ms159 منهم إلى شبه جزيرة العرب، التي كانت إذ ذاك بعيدة عن ~~خطر الرومان، ولما قامت الحروب اليهودية الرومانية حوالي سنة 70ق.م شتت كثير من اليهود، ~~فانتشروا في أصقاع الأرض - وكانت بلاد العرب بعض الجهات التي ذهبوا إليها [راجع فقرة ~~تاريخ المدينة]. # وأشهر المستعمرات التي أقاموا فيها هي يثرب وتيماء وفدك وخيبر ووادي القرى، وكان يهود ~~يثرب ثلاث قبائل: هم بنو النضير، وبنو قينقاع، وبنو قريظة، وقد اصطبغ اليهود بالصبغة ~~العربية، فعلى الرغم من كثرة عددهم كانوا يتكلمون العربية، وكانت أسماؤهم عربية، مما ~~حدا ببعض المؤرخين إلى القول بأنهم كانوا عربا تهودوا، وأنهم لم يكونوا مزودين ~~بمعلومات كافية في التوحيد، ولو أنهم كانوا شديدي التمسك بدينهم. # ولا يخفى أن اليهود كانوا - في شمال الحجاز إبان البعثة النبوية - قوة كبيرة تعادل ~~قوة قريش في الجنوب، وكانوا أكثر من العرب ثروة وغنى وأوفر سلاحا، وكانت بلدانهم ~~حصينة، وفي منطقة المدينة لم يكن الأوس والخزرج سوى أجراء لهم، يعملون على تنمية ~~زراعتهم ويخدمونهم بالأجر. # المجوسية والصابئية # بقيت كلمة واحدة عن أديان العرب قبل الإسلام، وهي كلمتنا عن المجوس الذين اتخذوا ~~النار إلها لهم؛ لأنها في نظرهم أساس الأرض، بما عليها من وديان وجبال، ومهد المجوسية ~~الأصلي بلاد فارس، ومنها انتشرت - بحكم الجوار - إلى المناطق المجاورة، فوصلت إلى بلاد ~~البحرين، وانطبعت هناك بالطابع العربي، فكانت عبادة الأجرام السماوية أهم مظاهرها، وقد ~~شيدت لها بيوت لعبادتها كان يتجه إليها للحج. # أما الصابئة فقد ورد ذكرهم في القرآن في ثلاث مناسبات، وكانوا يعرفون فيها باليهود ~~والمسيحيين دائما، ومرة واحدة بالمجوس أيضا، وقد ورد في دائرة المعارف البريطانية: ~~أنهم طائفة نصف مسيحية، كانت تسكن في بابل وتشبه ما يعرفون «بمسيحيي القديس يوحنا ~~المعمدان (يحيى بن زكريا)» ... وربما كان لفظ الصابئة مشتقا من لفظ آرامي معناه ~~المغتسلة؛ أي الذين يغسلون أنفسهم، وهناك رأي يقول: إنهم كانوا عباد النجوم، ويذهب معظم ~~المفسرين إلى القول بأنهم كانوا يمثلون دينا وسطا بين اليهودية والمسيحية، يقول ~~بالوحدانية، ولكنه يعبد الملائكة. # وقد اختلف المؤرخون ms160 والمفسرون في اعتبارهم من أهل الكتاب، ولكن الأغلبية ترفض أن ~~تعاملهم معاملة أهل الكتاب، ولا ينفي هذا أنهم اعتبروا في فترة ما - لأغراض سياسية - من ~~أهل الكتاب. # وعلى الرغم من أن القوتين اللتين كانتا تحيطان ببلاد العرب - من الشرق وهي قوة ~~المجوسية، ومن الغرب وهي قوة المسيحية - كانتا أعظم قوتين في ذلك العصر، إلا أنهما ~~ضعيفتي الأثر، ومن أعجب الأمور أن تظل شبه الجزيرة وكأنها واحة حصينة آمنة من انتشار ~~الدعوة الدينية مسيحية أو مجوسية، إلا في قليل من قبائلها. # ونختم كلامنا عن ديانة العرب قبل الإسلام بهذه الآية الشريفة رقم 17 من سورة الحج ~~التي جمع الله فيها أنواع الأديان في جزيرة العرب وهي قوله تعالى: # إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى ~~والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم ~~القيامة إن الله على كل شيء شهيد ~~. # وننتقل الآن إلى الكلام عن وصف الحالة الاجتماعية بين عرب الشمال قبيل ~~الإسلام. # حياة البدو # جعلت طبيعة الأرض السكان في الشمال قسمين: حضر وبدو، فأما الحضر: فهم الذين كانوا ~~يسكنون المدن، وقد ذكرنا في الفصل العاشر تاريخ أهم مدائنهم مكة والمدينة، ونظام الحكم ~~فيهما، وحالتهما الاجتماعية، ونريد أن نذكر هنا أن الفروق بين البدو والحضر لم تكن ~~محددة تماما؛ فقد كانت هناك حالة نصف بدوية وحالة نصف حضرية؛ ذلك لأن فريقا من البدو ~~كانوا في الأصل حضرا، وفريقا من الحضر كانوا في الأصل بدوا، والحضر هم سكان المدن، ~~أما البدو فهم سكان البادية، الذين ليست لهم مدائن يقيمون فيها، وكانوا قبائل، لكل ~~قبيلة رئيس أو شيخ يحكمها، حسب العرف الذي كان يقوم عندهم مقام القانون الذي كان يرجع ~~إليه الحضر، وكانت طبيعة البيئة التي تحيط بهم تحدوهم دائما إلى التقاطع وغزو بعضهم ~~بعضا، فكانت كلمتهم متفرقة، على أنه كان يحدث أن تتحالف جملة قبائل، فتصبح تحت لواء ~~واحد، وتكون الكلمة العليا فيها لمن بيده هذا اللواء، وكان الوصول إلى رئاسة القبيلة أو ~~القبائل المتحالفة إنما يكون بالغلبة أو بالحزم أو بالمال ms161 أو بالدسائس، وكان رئيس ~~القبيلة يمارس على أفراد قبيلته نفوذا لا حد له ، فكلمته أمر يطيعه الجميع، وكثيرا ما ~~كان يستبد رؤساء القبائل استبدادا شديدا، كما يستدل على ذلك من أخبار بعض أيام العرب ~~[راجع فقرة حرب البسوس]، وكانت العصبية بين أفراد القبيلة عظيمة جدا، حتى إن القبيلة كانت ~~تقوم بأجمعها انتصارا لفرد من أفرادها، وينصرونه ظالما أو مظلوما، فإذا تغلب العقل ~~على بعض أفرادها كان ذلك وصمة عار لا تمحى، ويلي الاهتمام بالعصبية الاهتمام بالنسب، ~~ويدخل في باب النسب الولاء؛ فللمولى من الحقوق ما للنسيب، والنسب يكون في بني الأب ~~الواحد، فإذا تشعبت البطون وافترق بنو الأب إلى قبائل - انحلت روابط القرابة، وحصل ~~التنازع بين القبيلتين، ويقوم مقام النسب الحلف وهو بين قبائل العرب كالمعاهدات ~~السياسية في الوقت الحاضر - ويكون بين أهل النسب الواحد أو بين القبائل المتباعدة في ~~النسب، ومن أشهر أحلافهم التي رواها التاريخ: حلف المطيبين، وحلف الفضول، ويقوم مقام ~~النسب والحلف الجوار، وهذا يجب الدفاع عنه والوفاء له، ولو أدى إلى سفك الدماء، وبذل ~~الأموال. # وكانت طبقاتهم في النسب كالآتي: ~~(1) # الشعب: وهو النسب الأبعد. ~~(2) # والقبيلة: وهي الفرع من فروع الشعب. ~~(3) # والعمارة: وهي قسم من القبيلة. ~~(4) # والبطن: وهم فريق من العمارة. ~~(5) # والفخذ: وهم فريق من البطن. ~~(6) # والفصيلة: وهم فرقة من الفخذ. # وكان يشترط في شيخ القبيلة أو الزعيم - إطلاقا - خمس صفات هي: الشجاعة والكرم والحلم ~~والثروة وكثرة الأنصار، وكان توافر هذه الشروط من الأمور التي تستلزمها طبيعة الحياة ~~البدوية، فالشجاعة كانت مطلوبة؛ لأن البيئة البدوية بيئة غزو وغارات؛ لأنها بيئة قليلة ~~الموارد، فالقبيلة التي كانت لا تملك شيئا ترى من حقها أن تأخذ ممن يملك، إن لم يكن ~~بالتفاهم فبالغزو، حتى لقد أصبح الغزو حالة عقلية مزمنة، فإذا لم يجد البدوي من يغزوه، ~~غزا أصدقاءه، ولقد صدق الشاعر - القطامي - الذي قال: # نغير من الضباب على حلول # وضبة إنه من حان حانا # وأحيانا على بكر أخينا # إذا ما لم نجد إلا أخانا # ولم يكن البدو حريصا - رغم هذا ms162 - على إراقة دم أخيه أو إراقة دمه، فإذا استطاع أن ~~يصل إلى ما يريد دون إراقة دم فبها ونعمت، والكرم والضيافة - أيضا - من مستلزمات هذه ~~البيئة، فقد كانا يخففان من شرور الغزو، وكان الامتناع عن إكرام الضيف في أرض ليس فيها ~~حانات ولا فنادق، أو الإضرار به بعد قبوله ضيفا - يعتبر جريمة من الجرائم ضد مبادئ ~~الأخلاق والشرف المعترف بها في البادية، وأما الحلم فكانت تستلزمه البيئة أيضا؛ لأن ~~الجميع ولدوا في مهاد الديموقراطية، فترى البدوي يقابل شيخه وقد وقف معه على قدم ~~المساواة؛ لأن المجتمع الذي ولد فيه قد سوى بين الجميع وكما كان البدوي ديموقراطيا، ~~كذلك كان أرستقراطيا، يعتقد أنه أعلى مثل للخليقة، والأمة العربية في نظره هي أفخر ~~الأمم وأكثرها نبلا، والرجل المتمدين أو ساكن الحضر أقل منه سعادة ودونه في الرتبة؛ ~~وقد يكون سبب ذلك أن الصحراء عصمت البدو من الاتصال بالعالم الخارجي، وكانت من العوامل ~~التي أبقت على البدوي نقاء دمه، وخلوص لغته، وقداسة تقاليده. # والثروة لازمة لشيخ القبيلة؛ لأنها تسهل له القيام بواجباته الأخرى كالكرم، ولكي يحفظ ~~البدو على الشيخ أمواله كانوا إذا أصابوا غنائم في غارة من غاراتهم استخلص الزعيم لنفسه ~~ما يأتي: ~~(1) # الصفي: وهو ما يصطفيه لنفسه قبل القسمة. ~~(2) # النشيطة: وهو ما يصيبه في الطريق قبل أن يصل إلى من يريد غزوهم. ~~(3) # المرباع: وهو ربع الغنيمة. ~~(4) # الفضول: وهو ما لا تصح قسمته على عدد من الغزاة كالبعير والفرس. # وقد جمعها بعضهم في قوله: # لك المرباع منها والصفايا # وحكمك والنشيطة والفضول # وقل أن كنت تجد من بين أهل الصحراء سمينا مترهلا، والسبب في ذلك يرجع إلى قلة ~~الغذاء، وإلى إقفار ما حولهم من أرض، لقد كان البدو - على حد تعبيرهم - مجموعة أو حزمة ~~من الأعصاب والعظام والعضلات الدقيقة، وكان طعامهم اليومي من التمر المخلوط بالدقيق أو ~~القمح المحمص مع الماء واللبن، كذلك كان لباسهم بسيطا كطعامهم، فكانوا يلبسون ثوبا هو ~~عبارة عن قميص طويل يتمنطقون عليه ويضعون فوقه عباءا، أما لباس الرأس فكان ms163 الكوفية ~~يحيط بها العقال، ولم يكونوا يلبسون السراويل، وقل أن كانوا يلبسون النعال . وكان ~~أشهر صفات ذلك البدوي الصبر والمروءة، وهي في نظرهم وليدة فضيلتين هما الشجاعة والكرم، ~~وخير ضروب الشجاعة ما كان دفاعا عن القبيلة. # وكانت كل أسرة تعيش داخل خيمة واحدة قد تكون من الوبر أو الجلد، فإذا اجتمعت عدة خيام ~~في معسكر واحد أطلق عليها اسم الحي، وأعضاء الحي الواحد يطلق عليهم اسم القوم، وإذا ~~تجمع عدة أقوام تربطهم صلة القربى كونوا ما يعرف باسم القبيلة، ويعتبر أفراد القوم ~~الواحد أنفسهم أبناء دم واحد يخضعون لرئيس واحد، هو في الغالب أسن أعضاء القوم ويتداعون ~~إلى الحرب بقولهم: يا بني فلان، وفي بعض الأحوال يدعون بيا بني فلانة، مما يدل على ~~بقايا نظام الأمومة الذي كان أسبق على نظام الأبوة، وكان البدوي لا يملك ملكا خاصا ~~إلا خيمته، وما تنطوي عليه من متاع متواضع، أما الماء والمرعى والأرض الزراعية - إن ~~وجدت - فكانت ملكا للقبيلة بأجمعها، وإذا ارتكب أحد أفراد القبيلة في داخلها جريمة ~~القتل - لم يجد من يحميه، فإذا فر عد طريدا أو خارجا على القانون، فإذا حدثت جريمة ~~القتل خارج القبيلة احتمل أي فرد من القبيلة الجناية، كما لو كان هو الجاني، وكان ~~العرف القائم في الصحراء ينص على أن الدم لا يغسله إلا الدم، ولقد كان هذا المبدأ هو ~~الأساس في كثير من أيام العرب التي وصفنا بعضها سابقا، وكان في بعض الأحيان تقبل ~~الدية. # وننتقل الآن إلى نقطة طال فيها الخلاف والجدل، وهي مركز المرأة، ثم حالة العربي ~~الأسرية. # المرأة العربية # اختلفت الأقوال في المرأة عند العرب؛ فمن قائل: إنها كانت في طبقة تلي طبقة الرجل، ~~وإن منزلتها كانت منحطة عن منزلة الرجل، ويستدلون على ذلك بأن البيئة البدوية بيئة حرب، ~~والمرأة قليلة الغناء في الحروب التي هي أساس حياتهم، ويستدلون على ضعة مركزها: بما كان ~~يحدث من وأد البنات وحرمان النساء من الإرث، والفريق الثاني يقرر: أن الرجل ما كان ينظر ~~إلى المرأة نظرة ms164 الاستخفاف أو الاستهانة، وأن فريقا من العرب كان يفتخر بانتسابه إلى ~~أمه كما يفتخر بانتسابه إلى أبيه، ويدللون على صدق نظريتهم بما ورد في الشعر العربي - ~~الذي هو ديوان أخبارهم - من أن الرجل إذا أراد أن يتمدح بالكرم والشجاعة لم يكن يخاطب ~~إلا المرأة، اعتقادا منه أنها إن رضيت عنه فقد رضي الناس عنه جميعا. (راجع أشعار حاتم ~~الطائي وعنترة العبسي)، ودليل ثان: هو فخر العربي بأنه المدافع عن الحريم الحامي ~~للشرف، ودليل ثالث: هو بدء معظم الشعراء قصائدهم بالنسيب، ورابع: رقتهم في عتاب المرأة ~~أو جدلها إذا هي عذلتهم على السرف وأشارت عليهم بالقصد، ودليل خامس: هو تلقيبها - وهي ~~زوج أو أم - بخير الألقاب مثل يا ربة القوم ويا أم مالك، ولا شك أن الكنية فيها شيء من ~~التعظيم، ودليل سادس: هو استشارة الرجل امرأته وبناته فيمن يأتي إليه خاطبا، ونحن لا ~~نستطيع أن نستشف من بين أقوال الفريقين ما يجعلنا نميل الميل كله إلى رأيه، وأكبر ظننا ~~أن احترام المرأة أو احتقارها، لم يكن أمرا عاما عند كل الناس، ولا في جميع الطبقات، ~~ونرى - لزاما علينا - أن نقرر هنا أن الإسلام كان له الفضل الأكبر في رفع مستوى المرأة ~~ووضعها في المركز اللائق بها. # الزواج والأسرة # كان العرب يعددون الزوجات، ولم يكن هناك حد معروف لعددهن، ولعل ذلك كان نتيجة لزيادة ~~عدد النساء على الرجال بسبب قتل الرجال في الحروب، وكانوا يطلقون، فإذا أراد الرجل أن ~~يطلق زوجته يقول لها: الحقي بأهلك، أو ما يماثل ذلك، وكان للمرأة في بعض الأحيان الحق ~~في أن تطلق نفسها، وطلاق المرأة كان يعرف بأن تحول باب بيتها المصنوع من الشعر أو ~~الوبر أو الجلد إلى جهة عكس جهته الأصلية، ولكن الجمهور كان يجعل حق الطلاق للرجل، وكان ~~الرجل يرتبط بالمرأة بعقد زواج، بعد رضائها ورضاء أوليائها، وبعد أن يتفقوا على مهر ~~معين، وكان بعضهم يتغالى في مهر البنات حتى يبلغ مبلغا عظيما. # وقد كانت هناك بعض أنكحة فاسدة أبطلها الإسلام نخص ms165 بالذكر منها: ~~(1) # نكاح البغايا. ~~(2) # نكاح الاستبضاع. ~~(3) # نكاح الجمع. ~~(4) # نكاح المقت: وهو أنه إذا مات الرجل وترك زوجة وله أولاد كبار قام أكبرهم ~~ووضع عليها ثوبه، فيرث بذلك زواجها، فإذا لم يكن راغبا في نكاحها زوجها ~~إلى من يريد من إخوته الباقين بمهر جديد. ~~(5) # أنكحة أخرى شاذة: كنكاح الأمهات والبنات والجمع بين الأختين، ولكن هذا ~~كان نادرا، ولعله تسرب إليهم عن طريق المجوس، وقد أطلق في الإسلام على كل ~~هذه الأنكحة السابقة اسم السفاح، ونحن نميل إلى الاعتقاد بأن ذلك كان ~~مقصورا على فئات خاصة منهم؛ لأن ما عرف عن العرب من المحافظة على الأنساب ~~والغيرة على العرض والشرف - يجعلنا نعتقد أن ذلك لم يكن شائعا إلا في أحط ~~الأوساط، وكانت لدى العرب بعض العادات المستهجنة، من ذلك: أن الرجل كان إذا ~~قابل آخر ليس من قبيلته - ومعه ظعينة - تقاتلا، فإن غلبه أخذ الظعينة، ~~واستحلها لنفسه. # كذلك كان بعض العرب يئدون بناتهم أحيانا، وقد اختلف الباحثون في البواعث التي كانت ~~تحملهم على الوأد، ففريق منهم يقول: إن الباعث كان الإملاق وعدم القدرة على تربية ~~الأولاد، وآخرون كانوا يقولون: إن الباعث كان الحرص على صيانة العرض، وخشية أن تجر ~~البنت العار على عشيرتها في المستقبل، وقد وصل الدكتور علي عبد الواحد أستاذ الاجتماع ~~بكلية الآداب إلى رأي جديد يقول: إن وأد البنات كان لدافع ديني بحت؛ ذلك لأن العرب ~~كانوا يعتقدون أن البنات رجس من خلق الشيطان، أو من خلق آلهة غير آلهتهم، ينبغي التخلص ~~منهن، ونحن نرى أن هذه الأسباب مجتمعة قد تكون السبب في الوأد، ونذكر في هذه المناسبة ~~أن الوأد لم يكن قاصرا على البنات، بل كان يشمل الأولاد الذكور أيضا، وأنه كان شائعا ~~في بعض الطبقات المنحطة، وقليل الشيوع بين الطبقات الراقية. # وكانت معاملة العربي لابنه تنطوي على الحنان والمحبة، يربيه ليكون درعا يتقي به ~~العدو، ولذلك كانوا يتخيرون لأبنائهم شر الأسماء، مثل: أسد وكلب وثور وفهر وصخر. # أما معاملته لأخيه وابن عمه فكانت تنطبق على المثل الجاهلي ms166 - الذي أشرنا إليه آنفا - ~~وهو انصر أخاك ظالما أو مظلوما، وكانوا يسيرون عليها بمعناها الحقيقي لا المعنى الذي ~~تعورف عليه بعد الإسلام؛ بأن نصرة الظالم تكون بالأخذ فوق يديه. # بعض عادات العرب ومعتقداتهم الميثولوجية # نعدد فيما يلي بعض العادات التي يصادفها الباحث - مفصلة ومبينة في أخبار العرب ~~وأشعارهم: ~~(1) # كان إذا مرض أحد الملوك أو الزعماء - حملته الرجال على أكتافها ~~يتعاقبون. ~~(2) # تحريم الخمر على أنفسهم حتى يثأروا لقتيلهم. ~~(3) # التعقية أو سهم الاعتذار، وأصل هذا: أن يتقدم جماعة من أهل القاتل إلى ~~أولياء المقتول - إن كانوا من غير ذوي البأس - فيطلقون سهما نحو السماء، ~~فإن رجع مضرجا بالدم امتنعوا عن أخذ الدية، وإن رجع كما صعد مسحوا لحاهم ~~وصالحوا على قبول الدية. «قال ابن الإعرابي: ما رجع قط إلا نقيا، ولكنهم ~~يعتذرون به عند الجهال.» ~~(4) # الخلع واللعن، فأما الخليع فهو الذي خلعه أهله وتبرءوا منه لخبثه، فكان ~~الرجل يأتي بابنه إلى الموسم، فيقول خلعت ابني هذا فإن جر لم أضمنه ~~وإن جر عليه لم أطلبه. # وأما اللعين: فهو تمثال الرجل الغادر، كان يجعل من طين وينصب، وقد أبطل ~~الإسلام هاتين العادتين. ~~(5) # جز النواصي: فكانت العرب إذا أنعمت على الرجل الشريف بعد أسره جزوا ~~ناصيته «وهي الشعر في مقدم الرأس فوق الجبهة» فتكون الناصية عند الرجل ~~الآسر يفتخر بها. ~~(6) # شد اللسان: وذلك أنهم كانوا إذا أسروا أسيرا وكان شاعرا ربطوا لسانه ~~بنسعة «سير منسوج». ~~(7) # خضاب نحور الخيل: فكانوا إذا أدرك خيلهم الصيد يخضبون نحر السابق بدم ~~الصيد، وقد بطلت هذه العادة بعد الإسلام. ~~(8) # وأد البنات وقتل الأولاد وقد تكلمنا عنهما في الفقرة السابقة. ~~(9) # حبس البلايا في الولايا: وذلك أن الرجل إذا مات - كانوا يشدون ناقته إلى ~~قبره، ويقبلون برأسها إلى ورائها، ويغطون رأسها بولية «برذعة» فإذا أفلتت ~~لم ترد عن ماء ولا مرعى، ويزعمون أنهم إذا فعلوا ذلك حشرت معه في الميعاد ~~ليركبها. ~~(10) # الهامة: كانوا يزعمون أن الإنسان - إذا قتل ولم يطالب بثأره - خرج من ~~رأسه طائر كالبومة يسمى الهامة، وصاح اسقوني اسقوني ms167 حتى يطالب ~~بثأره. ~~(11) # تصفيق الضال: كان الرجل - إذا ضل في الفلاة - قلب ثيابه ، وحبس ناقته، ~~وصاح في أذنها بكلمات خاصة، وصفق بيديه، ثم يحرك الناقة، فيزعمون أنها ~~تهتدي إلى الطريق. ~~(12) # ضرب الثور ليشرب البقر: كانوا يزعمون أن الجن تركب الثيران فتصد البقر عن ~~الشرب، فيضربون الثور ليشرب البقر. ~~(13) # مسح الطارف عين المطروف: كانوا يزعمون أن الرجل إذا طرف عين صاحبه فهاجت، ~~فمسح الطارف عين المطروف سبع مرات سكن هيجانها. ~~(14) # كي السليم من الإبل ليبرأ الجرب منها: كانوا يزعمون أن الإبل إذا شمت ~~رائحة كي الصحيح، برئت من جربها. ~~(15) # ذهاب الخدر من الرجل: كانوا يقولون: إن الرجل إذا خدرت رجله، فذكر أحب ~~الناس إليه ذهب الخدر. ~~(16) # رمي سن الصبي المثغر في الشمس، يقولون: إن الغلام إذا أثغر فرمى سنه في ~~عين الشمس بسبابته وإبهامه، فقد أمن على أسنانه العوج والفلج ~~والثغن. ~~(17) # العياقة: وهي زجر الطير والتفاؤل بأسمائها وأصواتها واتجاهاتها وممراتها، ~~وبذلك يتشاءمون ويتفاءلون. ~~(18) # النهيق لاتقاء الوباء: كانوا يعتقدون أن الرجل إذا قدم قريته، وخشي ~~وباءها، ونهق قبل أن يدخلها مثل الحمار، لم يصبه الوباء. ~~(19) # التفقئة والتعمية: وذلك أنه كان إذا بلغت إبل أحدهم ألفا، فقأ عين ~~الفحل، فإذا زادت عن الألف فقأ عينه الأخرى، ويزعمون أن ذلك يكف العين ~~عنها. # ونجتزئ بهذا القدر من عادات العرب وخرافتهم، ونلفت النظر إلى أن بعض هذا شائع في ~~البيئة المصرية، وأن التاريخ والبحث أثبت أنه متوارث من أيام الفراعنة. # وننتقل الآن إلى ما نريد أن نختم به هذا الكتاب الأول، وهو وصف الحالة الثقافية في ~~الحجاز قبيل الإسلام، ومدى ما كان لسبأ والحبشة وفارس والغساسنة واليهود من آثار فيها. # تأثر الحجاز بثقافات الأمم المجاورة # على الرغم من أن الحجاز لم يكن قبيل الإسلام واقعا في مجرى التيار العالمي من ناحية ~~الثقافة، إلا أنه لم يكن بمنأى عنها فلقد تسربت إليه من بلاد العرب الجنوبية بعض الآثار ~~الثقافية، مما لقحت به لغة العرب الشماليين، ونقصد بها لغة قريش التي تمكنت في هذا ~~القرن السابق على ms168 الإسلام من أن تسود لغات العرب أجمعين، وتصبح لها الصدارة بين كل ~~لهجاتهم ، فألفاظ الرحمن والرحيم وشرك وكفر وغيرها هي ألفاظ جنوبية، سلكت سبيلها إلى ~~الحجاز واستعملت في المعاني التي كانت تطلق عليها في الجنوب كما تدل على ذلك النقوش ~~التي كشفت حديثا. # كذلك كان لسكان الحبشة الساميين أثر في ثقافة الحجاز، وقد سبق أن درسنا أن الحبشة ~~كانت تشترك مع دولة حمير في احتكار تجارة التوابل والأفاوية في العالم القديم، التي كان ~~الحجاز طريق نقلها الهام، ودرسنا أيضا بأنه في الخمسين سنة السابقة لميلاد النبي عليه ~~السلام، كانت الحبشة تحكم اليمن، وأنه في عام ميلاده - أي عام الفيل - كانوا يهددون مكة ~~والكعبة بالغزو، وكانت مكة نفسها مقرا لكثير من الأحباش الذين كانوا - في الغالب - ~~يعتنقون المسيحية، وكان بلال مؤذن الرسول عبدا حبشيا، وفي القرآن الكريم إشارات ~~كثيرة إلى البحر وركوبه وأمواجه، وكان العرب يعرفون هذا بسبب علاقاتهم البحرية مع ~~الحبشة، وفي تاريخ السيرة: أن المسلمين المضطهدين من قريش الوثنية، هاجروا هجرتهم ~~الأولى إلى الحبشة. # وإذا تعقبنا الألفاظ العربية التي ترجع إلى أصل حبشي، وجدنا فيها ما يثبت لنا ذلك ~~التأثر الثقافي، ومن هذه الألفاظ نذكر الكلمات الآتية: برهان - حواريون - جهنم «وأصلها ~~عبري» - مائدة - ملك «أحد الملائكة وأصلها عبري» - محراب - منبر - مصحف - شيطان، وقد ~~أورد السيوطي في كتابه الإتقان الكثير من الكلمات الأعجمية التي وردت في القرآن. # وفي القرن السابق لتأسيس الإسلام كان كل من فارس والحبشة يتنازعان السيطرة على اليمن، ~~ولقد انتقلت فنون فارس الحربية إلى الحجاز عن طريق اليمن، كما انتقلت - أيضا - عن طريق ~~الحيرة، ومن المعروف أن سلمان الفارسي هو الذي أشار على الرسول # صلى الله عليه وسلم # بحفر خندق حول ~~المدينة في غزوة الأحزاب، وكانت الحيرة من العوامل التي نشرت الثقافة الفارسية في بلاد ~~العرب، كما كان لها أثر في نقل بعض مظاهر الثقافة الآرامية النسطورية قبل أيام الرسول، ~~ولما كان النساطرة أنفسهم متأثرين بالحضارة الإغريقية، فقد كانوا أيضا واسطة في نقلها ~~مع ثقافتهم والثقافة الفارسية ms169 إلى قلب بلاد العرب الوثنية، ومن الألفاظ الفارسية التي ~~دخلت إلى اللغة العربية لفظ الفرند «السيف» - والفردوس - وسجيل «حجارة» - والبرزخ - ~~وزنجبيل - وخندق - وغيرها. # وكما كان لنساطرة الحيرة هذا الأثر الثقافي في الحجاز، كذلك كان ليعاقبة الغسانيين ~~أثر في شعب الحجاز أيضا، وقد نقلوا إليه ما تأثروا هم به بحكم جوارهم لبيزنطة، ومن ~~الأسماء التي شاع استعمالها نقلا عنهم أسماء داود - وسليمان - وعيسى وغيرها من الأسماء ~~التي شاعت إلى حد ما قبيل الإسلام في بلاد العرب، على أننا يجب ألا نغالي كثيرا في هذا ~~الأثر من اليعاقبة والنساطرة؛ لأن المسيحية - كما بينا في فقرة [المسيحية ببلاد العرب] ~~- لم ترسخ أقدامها في بلاد العرب، ومن الألفاظ التي نقلها مسيحيو الغساسنة إلى اللغة ~~العربية ما يأتي: كنيسة - وبيعة - ودمية - وصورة - وقسيس - وصدقة - وناطور - ونير - ~~وفدان - وقنديل «وهذه مأخوذة من أصل لاتيني هو كنديل» - وقصر «وهذه مأخوذة من كسترم ~~اللاتينية التي تحولت إلى قسطرا السريانية وقصر الآرامية.» # وتأثرت بلاد العرب بالتوحيد اليهودي، كما تأثرت بالتوحيد المسيحي؛ وقد سبق أن قلنا: ~~إنه كان لليهود مستعمرات زاهرة في المدينة، وبعض الواحات الخصبة في شمال الحجاز، ومن ~~الألفاظ التي دخلت العربية عن طريق العبرية لفظ جبريل - وصورة - وجبار، وقد أورد الجمحي ~~في كتابه طبقات الشعراء تراجم الكثير من شعراء اليهود في المدينة، كما روى صاحب الأغاني ~~كثيرا من أشعار اليهود، ولكن الشاعر الوحيد اليهودي الذي وصلنا ديوانه - هو السموأل ~~«صمويل» صاحب الأبلق قرب تيماء، وهو معاصر لامرئ القيس الكندي، على أنا لا نستطيع إذا ~~تصفحنا شعره أن نتبين فيه ما يميزه عن بقية الشعر الوثني، وهذا هو الذي حدا بكثير من ~~النقاد إلى الشك في يهودية السموأل، وقد سبق أن قلنا: إن اليهودية أصبحت في عهد ذي نواس ~~دين الدولة الرسمي في اليمن. # وقصارى القول وحماداه أنا نستطيع أن نقرر باطمئنان أن بلاد الحجاز كانت في القرن ~~السابق لبعثة الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~، تدوي بأصداء من تأثرات مختلفة بين عقلية ودينية ومادية، ~~منعكسة من بيزنطة والشام ms170 وفارس والحبشة، سلكت سبيلها من ناحية الغساسنة واللخميين ~~واليمن، ولكن إلى جوار ذلك نستطيع أن نقرر أيضا أن الحجاز لم تكن اتصالاتها بهذه ~~النواحي من الحيوية بحيث تستطيع أن تطبع نفسها بذلك الطابع العالي لهذه الحضارة ~~الشمالية. # ويخيل إلينا أن وثنية شبه الجزيرة قد وصلت - في هذا الدور - إلى درجة فشلت معها في أن ~~تكون غذاء روحيا للشعب العربي، وكانت كافة الملابسات - وبخاصة بعد أن فشلت اليهودية ~~والمسيحية في تثبيت أقدامها - تنبئ بأن تغيرا لابد أن يحدث، لقد كان الناس جياعا إلى ~~الغذاء الروحي وعافت نفوسهم ما قدمته إليهم المسيحية واليهودية، فتلمسوا ذلك الغذاء ~~الروحي في الحنيفية القديمة دين إبراهيم، ولكنهم كانوا حيارى، لقد عمت الفوضى في عالمي ~~السياسة والدين، وكانت لحظة رهيبة، وكان العالم العربي بأجمعه، أو الشطر الأكبر منه على ~~الأقل في حالة نفسية رائعة، كأنما كان ينتظر بفارغ الصبر ظهور دين عظيم، وزعيم قومي ~~كبير، وإذا بالعناية الإلهية، المطلعة على خلجات الصدور، وخفايا الآلام، تبعث بالزعيم ~~العربي ونبي الإسلام سيدنا ومولانا محمد عليه أفضل صلاة وأزكى سلام. ms171