######OpenITI# #META# URI: 1375RafaelBatti.SahafaFiCiraq.Hindawi15847036 #META# Tags: history #META# ID: 15847036 #META# Title: الصحافة في العراق #META# AuthorID: 61709138 #META# Author: رفائيل بطي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تمهيد‏ # الصحافة قبل الدستور في العهد العثماني‏ # الصحافة بعد الدستور‏ # الصحافة في خلال الحرب العالمية الأولى‏ # صحافة الثورة العراقية سنة 1920‏ # الصحافة بعد تأسيس الحكومة العراقية‏ # صحافة الأحزاب في العراق‏ # صحافة الهزل والنقد‏ # حرية الصحافة في العراق‏ # ملاحق‏ # تمهيد‏ # الصحافة قبل الدستور في العهد العثماني‏ # الصحافة بعد الدستور‏ # الصحافة في خلال الحرب العالمية الأولى‏ # صحافة الثورة العراقية سنة 1920‏ # الصحافة بعد تأسيس الحكومة العراقية‏ # صحافة الأحزاب في العراق‏ # صحافة الهزل والنقد‏ # حرية الصحافة في العراق‏ # ملاحق‏ # | الصحافة في العراق # | الصحافة في العراق # تأليف # رفائيل بطي # | تمهيد # سأحاول في هذه المحاضرات أن ألم إلماما وافيا بنشأة الصحافة في العراق وتطورها، وما ~~كان لها من الآثار في صفحات الحياة في العراق من سياسة واجتماع وأدب. وبديهي أن نتناول ~~الموضوع من ناحية الاستعراض وسرد الوقائع بما يقتضيه البحث العلمي الصرف من حياد ~~ودقة. # وتاريخ الصحافة لكل شعب يمثل جانبا من حياة ذلك الشعب في الحقبة التي وجدت فيه صحافته، ~~وتتجلى أهمية هذا التاريخ في واقع الحركة التعليمية في العالم الذي سبقنا في هذا المضمار، ~~حيث وجدت له صحافة؛ ففي أمريكا مثلا، وضعت مادة تاريخ الصحافة في منهج المدارس المعنية ~~بهذه الشئون منذ سنة 1869، بينما أخذوا في تدريس الفن الصحفي في عهد متأخر ليس أبعد من سنة ~~1908 عندما أسست أول مدرسة للصحافة في كولومبيا. # وقد تكونت عندي فكرة منذ زمن بعيد، أن تاريخ الصحافة العربية يصور بعض مظاهر اليقظة ~~ودرجات النهوض للعالم العربي. # هذه الحقيقة تنطبق على كل قطر عربي. # ينحصر نطاق بحثنا في محاضرات الفصل الدراسي الحالي في: نشوء الصحافة في العراق بظهور أول ~~جريدة بمعناها الصحفي سنة 1869، وننظر بعدها في صحافة العهد العثماني؛ أي قبل أن ينفصل ~~العراق عن تركية، ونحيط بطور الصحافة التي خلقها الجيش البريطاني المحتل، والصحف التي صدرت ~~في ظل حكومة الاحتلال البريطانية. # ونجلو صحافة الثورة العراقية سنة 1920. # ثم نأخذ في استعراض حال الصحافة منذ تأسيس مملكة العراق الحديثة سنة 1921، ولا سيما صحف ~~الأحزاب السياسية. # ونلتفت إلى تنوع الصحف الأدبية ms001 والعلمية وغيرها من المجلات المختصة بالعلوم والفنون ~~وأساليب الكتابة الصحفية ومشاركة المرأة؛ إلى غير ذلك مما يتصل بموضوعنا. ولا بد من أن ~~نصف العمل الصحفي وحالة الصحافة من وجوهها المهنية والمادية وصفا يوصلنا إلى إدراك المرحلة ~~التي قطعها العراق في هذا الميدان. # كما أننا سنخص حرية الصحافة في وادي الرافدين ببحث واف. أما الفترة التي نتحدث ~~عنها فتبتدئ بميلاد الصحافة في العراق وتنتهي بنشوب الحرب العالمية الثانية سنة ~~1939. # كنت أود، عملا بطريقة التعليم الجامعي، أن أفتتح محاضراتي باستعراض المراجع التي تستقون من ~~ينابيعها متابعتكم هذه الأبحاث. ولكن المؤسف أن الموضوع بكر فيما يختص بصحافة العراق؛ فلم ~~يتقدم أحد إلى معالجة هذه الناحية من نهضتنا الفكرية معاجلة علمية، والتوفر لدراستها بما ~~تستحقه خطورتها. وغاية ما نجد بين أيدينا بضع مقالات ضئيلة المادة أذيعت في صحف ومجلات في ~~العراق أو الخارج، اكتفى معظمها بسرد أسماء الصحف لبعض الفترات من الزمن، وأسماء أصحابها ~~وهم في الغالب محرروها. وقد جمعت رسالة طبعت في بغداد سنة 1935 فهارس الصحافة التي ظهرت ~~إلى ذلك اليوم. وكل ما نشر في هذا الباب لم يزد كثيرا على ما ورد عن العراق في الفهرس ~~العام الذي جعله الفيكونت فيليب دي طرازي المجلد الرابع من كتابه «تاريخ الصحافة العربية» ~~المطبوع سنة 1933. # أوائل الصحافة # اعتاد الذين يؤرخون للصحافة عند كل أمة أن يرجعوا تاريخ الصحافة إلى عهد سحيق جدا ~~من العصور القديمة. وإني لأقتصر على الإلمام إلى ما يخص العراق منها. # سجل الباحث الفرنسي ده شامبور # A. De Chambure # في ~~كتابه عن الصحافة، أثر العراق في هذا المجال، ذاكرا عن يوسيفوس المؤرخ يؤكد أنه قد كان ~~للبابليين صحف تسجل فيها الحوادث يوما فيوما. # 1 # ولا بدع في هذا الرأي؛ فقد حدثنا التاريخ بأن الملك حموربي - العربي النجار في مذهب ~~بعض المحققين - كان يذيع أوامر عماله وموظفي مملكته في الأقاليم بأن يحضروا إلى بابل ~~احتفاء بموسم جز الغنم، وهو من أعيادهم، وصدف في إحدى السنوات أن الشهر القمري لم ~~يوافق الموعد الشمسي ms002 المعين لجز الغنم، فأذاع الملك في ممثليه كلهم موعزا إليهم بأن ~~يسموا الشهر المذكور أيلول الثاني، وهذا نوع من المراسيم الملكية قد نشرت عندئذ في ~~لون من «الوقائع العراقية». # وإذا كان عماد العمل الصحفي في هذا العصر الدعاية للسياسات والأفكار والمبادئ، فقد ~~وجدت في ودائع خزانة الإمبراطور آشور بانيبال في نينوى سجلات مفصلة ومنسقة بحسب ~~تواريخها وحوادثها، ولا سيما ما اتصل بحروب الملوك وفتوحهم وما شيدوه وعمروه. ويرى ~~المؤرخ بريستد أن معظم تلك الأخبار - كأكثر الأخبار الرسمية - كان يقصد بها إلى نشر ~~دعوة أو ترويج لمبدأ، بحيث يفهم معاصروهم أن ليس هناك قوة تستطيع أن تقارعهم. # وهذا يقر في أذهاننا أن سكان العراق القدماء كانت لهم صحافتهم على تلك الطريقة. ونجد ~~صحيفة من هذه الصحف الخالدة تحوي جانبا من «قصة الطوفان» مكتوبة على رقم الطين ~~المشوي في المتحف البريطاني بلندن. وقد أخذت من المكتبة الإمبراطورية المشيدة قبل ما ~~يزيد على الألفين والخمسمائة سنة. # ومن أحدث ما كشفت عنه مديرية الآثار في بغداد في أيامنا، وهي تنقب في أطلال عقر ~~قوف، رقم من الطين المشوي مقسم إلى اثني عشر جدولا يبين أسماء الأشهر البابلية ~~الاثني عشر مبتدئا بنيسان (أبريل) معرفا كل يوم من حيث السعد والنحس وما يجب على ~~الشعب عمله، وهذا أشبه ما يكون بما تذيعه الصحف في هذه الأعوام من بلاغات وزراء ~~الداخلية في تطبيق القوانين والمراسيم المختصة بالأمن وسلامة الدولة، أو بيانات وزراء ~~الاقتصاد والتموين حول المواد المعاشية وبيعها وشرائها. # وللآشوريين في هذه الصحافة الحجرية أو الطينية سبق آخر، فهم أول من ابتدع الصحافة ~~المصورة، فكانوا يرقمون حوادث انتصاراتهم وبجانب الرقم يصورون بالألوان صور الأسرى ~~من ملوك ورعايا، بينها بعض مشاهد تصور التمثيل بهم، ويعرضونها في قصورهم وأبهائهم ~~العامة وشوارعهم الكبرى، ويلقى المرء نماذج من هذه الرقم المصورة في متحفي بغداد ~~ولندن. # وقد اجتازت الصحافة أطوارا قبل اختراع المطبعة، حيث كانت تلقى الأخبار والآراء ~~مشافهة ثم طفق أصحابها ينسخون هذه الأحاديث، وهي مرحلة الصحف الخطية في تاريخ الصناعة، ms003 ~~وللشعوب العربية ومنها العراق تاريخ طويل عريض في الرواية وتناقل الأشعار. # كما أن الصحافة السياسية والمصاولات الحزبية في أنهر الجرائد في هذا العصر قد تجسمت ~~بشكل بارز فيما هدرت به ألسنة الشعراء من المفاخرة والمنابزة والهجاء والمنافحة عن ~~القبائل والأسر، بل هناك من استخدم إنشاد الشعر العربي للإعلان التجاري. # وإذا كانت الصحافة الخطية قد شاعت في إيطاليا في القرن الخامس عشر فصناعة النسخ ~~والوراقة قد ازدهرت كل الازدهار في العصور الوسطى في البصرة والكوفة وبغداد، وتعاطاها ~~نبغاء ذوو مواهب فياضة، أذكر منهم واحدا هو أبو حيان التوحيدي. وأبو حيان لم يتفوق في ~~نسخ الصحف فحسب، بل يصفه تاريخ الأدب على رأس الكتاب في أسلوب ابتكره وهو من صميم ~~الفنون الصحفية؛ فقد تفرد بإبداعه في الصور القلمية للشخصيات التي عرفها وعاشرها، وفي ~~وصف الحلقات والأندية في مجتمعه. # هذا استطراد لا مناص منه عند التطرق إلى الصحافة في التاريخ. وها نحن أولاء ندخل في ~~موضوع الصحافة بمعناها الحديث، والتي عرفت بعد اختراع المطبعة. # أول جريدة عربية # زعم كثيرون ممن كتبوا في تاريخ الصحافة والثقافة في العالم العربي أن أول جريدة عربية ~~ظهرت في بلاد العروبة هي جريدة «التنبيه» التي أصدرها الجنرال الفرنسي جاك منو، في حملة ~~بونابرت على مصر، حتى قام الدكتور إبراهيم عبده صاحب المؤلفات في تاريخ الصحافة ~~المصرية، فتوصل في أبحاثه إلى أن جريدة التنبيه هذه لم تبرز إلى عالم الوجود وإن صدر ~~المرسوم بإنشائها، وأعدت المعدات لها وعين محرروها ومديروها. # 2 # لهذا تبقى اليد في إنشاء أول جريدة عربية لمحمد علي باشا في إيجاده الوقائع المصرية ~~سنة 1828. أما في العراق فالثابت أن الوالي مدحت باشا هو مؤسس أول مطبعة بالحروف في ~~بغداد ومنشئ أول جريدة باسم «الزوراء» سنة 1869. وقد ظلت الجريدة الرسمية لولاية ~~بغداد إلى يوم احتل الجيش البريطاني بلد الرشيد سنة 1917 في خلال الحرب العالمية ~~الأولى. # غير أن باحثا عراقيا هو رزوق عيسى، صاحب مجلة «المؤرخ» كتب مقالة في مجلة «النجم» # 3 # الموصلية، تعليقا على ما ورد ms004 في «تاريخ الصحابة العربية» في مجلده الرابع ~~الذي ألمعت إليه من أن جريدة «الزوراء» أول جريدة عراقية ورد فيها قوله: # بيد أنه وردت في بعض أسفار رحالي الإفرنج ومنهم الإنجليز تلميحات وإشارات ~~إلى أن أول صحيفة ظهرت في بغداد كانت تعرف باسم «جرنال العراق»، أنشأها داود ~~باشا الكرجي - الوالي الشهير - عندما تسلم منصب الولاية سنة 1816، وكانت تطبع ~~في مطبعة حجرية وتنشر في اللغتين العربية والتركية، وتذاع فيها وقائع ~~القبائل، وأنباء القطر العراقي وأخبار الدولة العثمانية، وقوانين البلاد وأوامر ~~الوالي ونواهيه، والإصلاحات الواجب إجراؤها، وأسماء الموظفين، مع غيرها من الحوادث ~~الخارجية، وكانت توزع على قواد الجيش وكبار الموظفين وأعيان المدينة وأشرافها، ~~وتعلق منها نسخ على جدران دار الإمارة ليطلع عليها من يهمه الوقوف على أخبار ~~الدولة وتقدمها. هذا ما عثرت عليه في كتب الرحالين، ومنهم غروفس وفريزر ~~وتيلر. وزاد عليهم سجل ألبوت المخطوط وحشر معهم أسفار رتش وبكنكهام وبورتر ~~وروسو. # فإذا صح هذا النبأ الذي يفتقر إلى كثير من التحقيق والبرهنة، يكون العراق قد سبق ~~مصر في تاريخ الصحافة العربية. وإن كان ناقل هذه الرواية لم يشر إلى مؤلف بالذات واسم ~~كتابه ورقم الصفحة التي ورد فيها هذا الحادث الصحفي. # | الصحافة قبل الدستور في العهد العثماني # نعود الآن إلى الظرف الذي وجدت فيه جريدة «الزوراء». # بعد أن انتشرت في منتصف القرن التاسع عشر في أوروبا الفكرة الجديدة التي غرست بذورها ~~الثورة الفرنسية وإعلان حقوق الإنسان انبثق في الأفق العربي شعاع من حياة، بفضل تقدم العلوم ~~واحتكاك الشرق بالغرب وتوارد البعوث التعليمية الأجنبية، فانزاحت بعض الشيء الغياهب التي ~~نشرت الخمول على البلاد العثمانية وأخذت الفوضى في التبدد، وتزعزع جبروت الإقطاع وأخذت ~~العصابات تنفك وتضعضعت سيطرة الجهل والخرافة غداة تغلب العقل المخترع على الحواجز ~~الطبيعية. # وقد نال العراق نصيب من بادرة اليقظة الشرقية العربية في هذا الطور، بالرغم مما كان يضطرم ~~فيه من الانتفاضات المحلية والغارات الأجنبية، ومطامع الحاكمين بأمرهم من باشوات بغداد، ~~وموقفهم من مرجعهم حكومة إستانبول. وازدادت أهمية العراق في الوضع ms005 الدولي عندما التفت ساسة ~~أوروبا إليه، بعد أن اتضح مركزه في طريق الهند، ونبتت في الرءوس مشروعات السكك الحديدية ~~التي ربطت بين إنجلترا والهند، مارة بوادي الفرات. ولمع اسمه في العالم الحديث باللجان ~~الدولية التي وفدت عليه لحسم مشاكل الحدود العراقية-الإيرانية، وعند توسع المبادلة ~~التجارية بين العراق وبين العالم الخارجي، ونشوء المواصلات النهرية في دجلة والفرات، وشيوع ~~الاتصال التليفوني، وتطلع الباحثين والمنقبين إلى الكنوز الأثرية المطمورة في أطلال بابل ~~وآشور ومخلفات عصر العرب الذهبي، وحدوث التمثيل الأجنبي، ووجود «المقيم الإنجليزي» وما يحيطه ~~من امتيازات عريضة الظل. # في هذا المعترك هب نسيم الإصلاح على السلطنة العثمانية، فقامت تريد تنظيم الإدارة وتقسيم ~~الولايات، وإحلال الموظفين الأكفاء محل الباشوات القدماء من الولاة الطغاة، وظهرت الرغبة ~~في تدريب الجيش تدريبا فنيا وتطبيق التجنيد الإلزامي. # الوالي مدحت باشا مؤسس الصحافة في العراق # وفي هذا الظرف عين أبو الأحرار مدحت باشا واليا على بغداد فجاءها في نيسان ~~(أبريل) سنة 1869، فنظر المفكرون إلى تاريخ الرجل وشخصيته ودققوا في سلوكه في منصبه ~~الجديد، فاستقر في روعهم أنه سيفتح صفحة جديدة في البلاد من الإصلاح والتجديد. # وقبل أن يقدم هذا الحاكم المصلح إلى العراق أقام مدة في العاصمة القسطنطينية يدرس ~~ويتهيأ، وصحب معه جماعة من رجال الاختصاص لتشغيل جهاز حكومته الجديدة في أرض ~~الرافدين. وقد وجدنا بينهم مدير مطبعة وصحفيا ومهندسا لآلات المطابع. فلم يلبث ~~بعد أيام من وصوله أن أسس «مطبعة الولاية»، وهي أول مطبعة آلية في بغداد جلبها من باريس ~~سنة 1869 فور تقلده زمام الأمر. # وبصدد تأسيس هذه المطبعة، يرى يعقوب سركيس # 1 ~~- الباحث العراقي الضليع - أن أول مطبعة آلية تدار بالبخار وجدت في بغداد ~~«دار طباعة دار السلام» لصاحبها محمد باقر التفليسي، حيث طبع كتاب «دوحة الوزراء» في ~~مطلع جمادى الأولى سنة 1246ه، ولكنه يعود فيتشكك إذا كانت مطبعة التفليسي قد أنشئت ~~في تبريز، ثم طبع على الكتاب اسم بغداد تقربا للوالي في ذلك العهد أم أنها نصبت في ~~بغداد. # وقد جدد مطبعة الولاية في ms006 مدينة الخلفاء حازم بك والي بغداد سنة 1905. # قلنا إن مدحت باشا أول من أسس مطبعة آلية في مدينة السلام؛ إذ إن الطباعة الحجرية ~~سبقت مدحت باشا؛ فقد وجدت فيها «مطبعة كامل التبريزي» الحجرية المجلوبة من إيران سنة ~~1861، حيث طبعت بعض الكتب منها «سبائك الذهب في موقعة قبائل العرب» لمحمد أمين ~~السويدي. # وقد جلب مدحت مع المطبعة الآلية مطبعة حجرية متقنة هي «المطبعة العسكرية» التي سميت ~~ب «مطبعة الفيلق»؛ لتقوم بطبع ما يحتاج إليه الجيش، والمنشورات والأوامر والكتب الفنية ~~والعسكرية، وكانت مطبوعاتها سرية لا يطلع عليها إلا كبار الضباط؛ خشية تسرب الأسرار ~~العسكرية إلى الخارج. وهكذا أصدر مدحت باشا جريدة «الزوراء» أول جريدة رسمية في العراق ~~باللغتين العربية والتركية. # لم تطل ولاية مدحت باشا للعراق أكثر من ثلاث سنوات، ولكنه في هذه المدة القصيرة ~~حقق جانبا كبيرا من الإصلاحات وترك آثارا لا يزال بعضها ماثلا ينتفع به الشعب إلى ~~اليوم؛ فهو فضلا عن نجاحه المحمود في إخماد الفتن بين القبائل وإخضاع إمارة نجد ~~المتمردة للسلطة مد أسلاك البرق في البلاد العراقية وما جاورها، ونظم البريد، ومهد ~~طريق المواصلات، ونفذ قانون التجنيد، وأصلح نظام الجباية لخزينة الدولة، وشيد مدرسة ~~الصنائع ومستشفى الغرباء، وأسس المدارس العسكرية والإدارية، وأقام معملا للنسيج، وأوجد ~~إدارة نهرية، وبدأ بتطهير نهري دجلة والفرات، وشرع في إنشاء الأسطول الأول للتجارة ~~والنقل والقوة العسكرية، وأسس معملا للحديد، وجلب الأجهزة والأدوات لاستخراج النفط، ~~ومد ترامواي الكاظمية، ووزع الأراضي الأميرية على الأهلين بثمن بخس، وبدأ بتنسيق دواوين ~~الحكومة، وبكلمة نفخ روح التجديد في هذا الإقليم المترامي الأطراف. # بهذه النزعة الإصلاحية فكر مدحت باشا في خلق الصحافة العراقية، فوضع حجر الأساس فيها ~~بجريدته «الزوراء»، وكان أهل العراق يومئذ لا يعرفون من الجرائد إلا النزر اليسير الذي ~~يرد عليهم من الخارج، وبخاصة من إستانبول «عاصمة السلطنة»، حيث سبقت تركية في معرفة ~~الصحافة، فظهرت فيها أول جريدة رسمية باللغة التركية سنة 1831 بأمر السلطان محمود، وقد ~~أسماها «تقويم وقائع». ولعظم تفشي الأمية عهدئذ وندرة المتعلمين؛ ms007 كان أغلب قراء ~~الصحف من الموظفين، وهؤلاء يعرفون التركية أكثر من العربية ، فكانت الجرائد التركية ~~الواردة من قاعدة الخلافة هي التي يطالعها الناس. أما الصحف العربية فنادرة كل الندرة، ~~يقرؤها الأدباء وهم قلة في الطبقة المهذبة. ولعل جريدة «الجوائب» لأحمد فارس الشدياق ~~التي برزت في عالم الصحافة في الآستانة سنة 1860 كانت أكثر الجرائد العربية تداولا في ~~أرض الرافدين؛ لأنني أجد في خزائن رجال الجيل الماضي من المتعلمين العراقيين ~~طائفة من «مطبوعات الجوائب» العربية في الآداب والعلوم أكثر مما أرى من نتائج مطابع مصر ~~والشام في تلك الحقبة. # جريدة الزوراء # جعل الوالي العظيم جريدته «الزوراء» لسان حال الولاية. ظهرت لأول مرة في ربيع الأول ~~سنة 1286ه بثماني صفحات وباللغتين العربية والتركية؛ إذ التركية لغة الدولة الرسمية في ~~العهد العثماني، وجاء في صدرها ما يأتي بحروفه: # هذه الغزتة تطبع في الأسبوع مرة يوم الثلاثاء، وهي حاوية لكل نوع من الأخبار ~~والحوادث الداخلية والخارجية. # 2 # وقد نشرت في استهلالها «الفرمان العالي لمدحت باشا» بتوليته ولاية بغداد، وهذه بعض ~~فقراته المترجمة إلى العربية بلغة ذلك العهد: # وزيري سمير الدراية مدحت باشا # توقيعي الهمايوني الرفيع إذا وصل يصير معلوماته من المستغني عن الوصف والبيان ~~والإيضاح والتبيان. خطة ولاية بغداد الجسيمة من أعظم القطع المركبة من الممالك المحروسة ~~من دولتي العلية ومن اقتضاء أرضها ووضعها، قابلة لكل نوع من الإعمار والترقي. وهذا شيء ~~من المسلمات. وبناء على كل نوع لأجل استحصال أسباب إعمارها أعز الآمال والمطالب عند ~~سلطتي الهمايونية اقتضى انتخاب وتعيين ذات مقتدر بمنه تعالى بإيصال الفعل إلى حيزه في ~~رأس إدارة ذلك المحل وفق آمالي الهمايونية. وأنت إلى الآن بوقوفك ووجودك في خطوب سلطتي ~~السنية مع اتصافك بالغيرة والإقدام والدراية وحسن إبراز خدماتك، إن شاء الله الملك ~~المعين، تقتدر على إيفاء مطلبي المستصحب للميمنة والخير؛ فقد صدرت إرادتي السنية ~~المزينة لسنوح المواهب إحالة وتفويض إدارة أمور ملكية وعسكرية الولاية المذكورة ~~اعتبارا من اليوم الثاني من شهر ذي القعدة سنة ألف ومائتين وخمسة وثمانين ms008 لعهدة ~~لياقتك. # وفي هذا العدد الأول بمكان المقالة خطاب الوالي مدحت باشا الذي ألقاه في الاحتفال ~~بقراءة ذلك الفرمان العالي، وفيه يعلن رأيه في الإدارة ويذكر الأهلين بحالة أوروبا ~~وتقدمها. # وفي العدد شذرات رنانة في مدح جلالة السلطان والثناء عليه والدعاء له. # كانت الزوراء تنشر شئون الولاية وأحوالها والقوانين والأنباء الرسمية والبراءات ~~السلطانية ونصوص المعاهدات والوثائق وأخبار السلطنة والدول الأخرى. # قرأت في أعدادها الأولى مقالة موضوعها وعنوانها «أسباب تدني العراق ووسائل ترقيته»، ~~كما حوت هذه الجريدة رسائل من أنحاء العراق، ولم تهمل السياسة الدولية؛ فقد اطلعت فيها ~~على ملخص مقال مترجم عن جريدة «تايمس» اللندنية في قضية الفلمنك، فضلا عما تضمنته ~~أعدادها من مقالات صحية وتعليمية وإدارية، ومنها حث على تعليم البنات وقرارات المحاكم ~~في الآستانة. # ويرى البعض أن «الزوراء» بإدارة مدحت باشا كانت صريحة اللهجة تدون الوقائع بحرية ~~وتصدع بالحق، ولكنها بعد ذهابه - وقد عاشت خلفه سبعة وأربعين عاما - تغيرت لهجتها، وأصابها ~~ما أصاب الصحافة العثمانية في العهد الحميدي من الضغط والتشديد عليها وخنق حريتها. وعلى ~~كل ففي سنواتها الأربعين الأولى احتوت صفحاتها من أخبار البلاد العراقية وسكانها ما ~~لا يعثر عليه أو على أكثره في أي مرجع تاريخي آخر. وفي سنواتها الثلاث الطليعة سجلت ~~بدقة ما قام به مدحت باشا من أعمال وإصلاحات، بحيث تعد خير مرجع لتاريخه في العراق. ~~ولكن من المؤسف ألا نجد لهذه الصحيفة البكر مجموعة كاملة الآن. # قلت إن الزوراء كانت تكتب باللغتين العربية والتركية، فلما بزغ نور الدستور على ~~العثمانيين سنة 1908 وظهرت في بغداد جرائد عربية، طوي قسمها العربي وصارت تكتب ~~باللغة التركية فقط، فاحتج على ذلك فريق من الأهلين من ذوي النزعة القومية أو ممن لا ~~يعرفون التركية ويريدون الوقوف على مضامين الجريدة الرسمية من أنباء وبيانات، فاقتنعت ~~الحكومة لطلبهم وعادت تنشر باللغتين سنة 1913. وقد أصاب القسم العربي في جريدة ~~«الزوراء» التباين في الأسلوب واللغة، فكانت ركيكة سخيفة أحيانا ومقبولة فصيحة أحيانا ~~أخرى. # وثار الانتقاد لأسلوبها العربي من الأدباء في أقطار ms009 العروبة، فنعوا على جريدة تنشرها ~~الحكومة في بغداد، مدينة الأدب العربي الخالدة، وتحمل اسم «الزوراء» تبدو بهذه الركاكة ~~الفاضحة، تعج بالأغلاط المزرية، فأنصتت السلطة إلى هذا الانتقاد فتبين لها أن العلة ~~في كون تحريرها مناطا ببعض موظفي الولاية ممن لا يحسنون العربية، فضلا عن الكتابة ~~الفصيحة بها، فعهدت بتحرير القسم العربي منها إلى جماعة من رجال العلم والفضل. # وممن حرر فيها من الأدباء العراقيين في القرن الماضي ومطلع هذا القرن كتابة وترجمة عن ~~التركية أحمد عزت باشا محمود الفاروقي الموصلي، وكان كاتب العربية في الولاية، وهو ناظم ~~ناثر، وأخوه علي رضا، ومن الأدباء الشاويين عبد الحميد الشاوي وأحمد وعبد المجيد وطه ~~الشواف من العلماء، ومحمود شكري الألوسي؛ وقد كتب فيها هذا الأستاذ مقالات علمية وأدبية ~~كان لها أثرها في تحريك الجو الأدبي الراكد، ولا سيما ما عرضه على علماء بغداد من ~~المسائل للمناقشة والمناظرة. ومن كبار محرريها فهمي المدرس، الذي ولي إدارة مطبعتها ~~والتحرير فيها باللغتين العربية والتركية وعمره لم يتجاوز 21 سنة. # ويظهر أن هذه الجريدة الرسمية انحطت كثيرا في كتابتها من حيث المادة واللغة والبيان؛ ~~فقد قال فيها الأب أنستاس ماري الكرملي في سلسلة مقالات نشرها عن «صحافة بغداد» في مجلة «المسرة»: # 3 # وأما مواضيع الزوراء فلا تستحق الذكر، وا أسفاه على ولاية بغداد أن تكون ~~جريدتها الرسمية بهذه الصورة الدنيئة. # ثابرت جريدة «الزوراء» على الصدور إلى احتلال القوات البريطانية بغداد سنة 1917 فغابت ~~عن الأنظار. # جريدة الموصل # ولما كنا بصدد الجرائد الرسمية، فلنتم بحثها في العهد العثماني. # بعد خمسة عشر عاما من ظهور جريدة «الزوراء» في بغداد أنشأت الحكومة جريدة «الموصل» ~~في الموصل سنة 1885، تنشر مرة في الأسبوع باللغتين التركية والعربية، وأحيانا بالتركية ~~وحدها، وتطبع في مطبعة ولاية الموصل التي أسست سنة 1875. # وهناك مصدر يؤرخ صدور جريدة «الموصل» بعام 1879. # ولم تكن «مطبعة الولاية» الموصلية أول مطبعة في تلك الحاضرة، كما هي الحال في «مطبعة ~~الولاية» البغدادية التي تحدثنا عنها؛ فقد أسس «مبعث الآباء الدومينيكيين» من الأجانب ~~المرسلين ms010 «مطبعتهم» في أم الربيعين سنة 1860. # وأسست «المطبعة الكلدانية» سنة 1863 أقامها الكلدان وهم من الأهلين المواطنين النصارى ~~ينتمون إلى الكنيسة الكلدانية في السواد، بمعنى أن هاتين المطبعتين سبقتا مطبعة مدحت ~~باشا في بغداد. # ولم تعمر «مطبعة الكلدان». أما «مطبعة الدومنيكان» فقد عاشت أكثر من خمسين سنة وطبعت ~~كتبا ورسائل كثيرة باللغات العربية والأرمية والتركية والفرنسية واللاتينية، منها ~~المدرسية ومنها الدينية، فكانت من عوامل النهضة الأدبية في شمال العراق، حتى إذا اشتعلت ~~نيران الحرب العالمية الأولى صادرتها الحكومة العثمانية، ولم تقم لها بعدها ~~قائمة. # وتاريخ جريدة «الموصل» في العهد العثماني غير واضح، ولم أعثر لها على أثر في الحياة ~~الفكرية في بلدي، ويظهر أنها اقتصرت على نشر القوانين والأنظمة والبيانات، وأوامر ~~الحكومة وإعلاناتها. وقد عاشت إلى احتلال الجيش البريطاني الموصل سنة 1918 فانقلبت إلى ~~جريدة للمحتل، مما سأبحثه في محاضرة تالية. # هذا في حاضرة الشمال. أما في الجنوب فقد وجدت جريدة رسمية في الثغر العراقي، وادعى ~~إبراهيم حلمي العمر في محاضرة له في أحد الأندية الأدبية أن مدحت باشا هو الذي أسسها ~~بعد أن أنشأ «الزوراء» في بغداد، وقد أسماها «الفيحاء». ولكن المصادر الموثوقة التي بين ~~يدي لا تؤيد هذا الزعم، بل على النقيض تؤكد أن البصرة لم تعرف الصحافة إلا بعد مغادرة ~~مدحت باشا العراق بسنين. # إن أول مطبعة عرفتها البصرة أنشأها في ولاية هدايت باشا، موظف هناك بغدادي الموطن، ~~كان يتولى رئاسة كتاب دائرة الأملاك السنية، ويدعى جلبي زاده محمد علي، أسس مطبعة وطبع ~~فيها جريدة «البصرة». وقد كان نفسه صاحب امتيازها ومديرها المسئول، ظهرت سنة 1889 ~~مكتوبة باللغتين العربية والتركية، وكانت لسان حال الولاية، فهي أقرب إلى الجريدة ~~الرسمية. استمرت تصدر خمس سنوات حتى إذا نقل منشئها إلى وظيفة في بيروت، تبنت الحكومة ~~المطبعة ووسعتها وعهدت بتحريرها إلى موظفين من ديوان أنشأته الولاية، فغدت جريدة رسمية ~~صرفة. # لهذا يبدأ تاريخ جريدة «البصرة» الرسمية بكانون الثاني سنة 1895، وواصلت الجريدة ~~الصدور أسبوعيا إلى احتلال القوات البريطانية مدينة البصرة في مطلع ms011 الحرب العظمى سنة ~~1914. # ويقول البعض: إن الصحفي اختلف مع الوالي الفريق حمدي باشا، فأسس هذا مطبعة أخرى ~~وجديدة باسم جريدة «البصرة» سنة 1313. # وليس لدينا ما يؤثر عن هذه الجريدة الرسمية في الحياة الأدبية البصرية. # وتلاحظون أن الجرائد التي ذكرتها كلها جرائد رسمية تصدرها الحكومة؛ إذ ندر أن أذنت ~~الحكومة قبل الدستور بإصدار جريدة سياسية أهلية في بلد ناء كالعراق، لم تعرف عنه درجة ~~من الثقافة تقنع حكومة المركز باستعداده لإيجاد صحافة له، وإن كانت حتى الصحف الأدبية ~~والعلمية والمطبوعات السائرة تخضع لرقابة صارمة في ظلام الاستبداد. # ويقول سليمان فيضي في مذكراته: ~~... كان هناك صحيفة واحدة في مركز كل ولاية من الأقاليم العثمانية يديرها موظف ~~حكومة مسئول، تشغل معظم صفحاتها بمديح السلطان والدعاء له، وكانت الصفحات ~~الأولى من هذه الصحف تبدأ بالدعاء الروتيني: ~~«... أطال الله عمر مولانا أمير المؤمنين وخليفة رسول رب العالمين، خادم ~~الحرمين الشريفين، وخاقان البرين والبحرين، السلطان ابن السلطان، ~~والخاقان ابن الخاقان، عبد الحميد خان أدام الله عزه وأعز جنده وأسعد ~~عهده ونشر على بلاد الأعداء راية نصره ... إلخ.» # ولم تكن الحكومة لتمنح امتيازا لأية صحيفة أخرى مهما كان نوعها. والتضييق ~~على حرية الصحافة لم يكن قاصرا على عدم إصدار صحف إلا الصحف الرسمية، ولكن كان ~~ممنوعا دخول الصحف من الخارج، حتى إن الشيخ مبارك الصباح أمير الكويت كان ~~مشتركا بجريدة «الخلافة» التي أصدرها في لندن بعض أحرار الترك، وعندما وشى ~~جاسوس بوكيله في البصرة عبد العزيز السالم البدر بأنه دفع اشتراك هذه الجريدة، ~~وكبست داره وتحققوا من دفاتره، حكموا عليه بالنفي إلى ديار بكر عشر سنوات. # 4 # | الصحافة بعد الدستور # ما انبثق نور الدستور في العالم العثماني سنة 1908 ورفع الحجر على الآراء حتى انطلقت ~~الأقلام من عقالها، وخرج المفكرون إلى ساحة الحرية، وكانت الصحافة من مجالي بروز هذا ~~الانقلاب في حياة الشعب، فأخذت الصحف تكتب ما كان يعز كتابته أو التطرق إليه في العهد ~~البائد، فلبست الصحافة ثوبا زاهيا من المقالات الحرة والأقوال الصريحة والأخبار الطريفة؛ ms012 ~~فعظم إقبال القراء عليها، وزاد انتشارها، وأقبل الكتاب والساسة ورجال الفكر على إصدار ~~الصحف ولم يكتفوا بالجرائد اليومية أو الأسبوعية، بل أنشئوا المجلات والنشرات الدورية ~~وسلاسل الكتب التي تفننوا في مضامينها. # يقول أحمد أمين بك، محرر جريدة «وطن» في إستانبول وأحد مؤرخي الصحافة التركية: # 1 # لم تمض أسابيع قليلة على إعلان الدستور حتى صعد عدد الصحف اليومية في الآستانة من 3 ~~إلى 15، وفي الشهر الأول من العهد الدستوري بدأ في العاصمة لون جديد من الصحف الهزلية ~~بلغت العشر، والتفت الصحفيون إلى تنويع هذه الصحف بين يومية وأسبوعية ومجلات مختصة، ~~بل قد أفضى الأمر بأحد الكتاب إلى أن أصدر من ذلك اليوم جريدة تكاد تكون شيوعية باسم ~~«اشتراك»، شعارها القول التركي المأثور: «إذا كان الواحد يأكل والثاني يتطلع إليه فقط ~~عندئذ تقوم القيامة.» وكل جماعة أرادت في هذا الوضع أن تكون لها صحيفة بمثابة لسان ~~حالها، بل قام أصحاب الأعمال والحرف الخاصة يصدرون مجلاتهم كالمعماريين والكيمائيين ~~والأطباء والبياطرة والمحامين والممثلين والعمال والموظفين والمنفيين سابقا وطلاب ~~الجامعة، ولكن لم يكتب لأكثر هذه الصحف الحياة، فمن عشرات الجرائد عاشت ثلاث يومية لا ~~غير وبعض المجلات الأدبية والمصورة. # وهكذا عدت الصحافة أنشط عامل في التطور الدستوري الجديد فأحدثت تأثيرا جارفا في ~~الرأي العام. # وكان نصيب العراق من البلاد العثمانية أن سرت إليه هذه الموجة، فهب المشتغلون بالسياسة ~~والكتاب لإنشاء الصحف والمجلات يكتبونها باللغتين التركية والعربية، حتى بلغت هذه الصحف ~~في بغداد وحدها في خلال سنتين خمسا وعشرين جريدة ومجلة، إلا أن صحفنا لم تسلم من الآفات ~~التي بدت أعراضها في الصحف العثمانية قاطبة، فإن ازديادها الفاحش مع نقص الخبرة وإعواز ~~الدربة عند محرريها جعلهم يشطون في كتاباتهم، ولا سيما في الجدل السياسي والحزبي، فظهرت ~~في أنهرها مهاترات شخصية يندى لها الجبين، مما جعل الرجعيين يقعون على فريسة باردة فخرجوا ~~من أوجارهم وطفقوا ينددون بحرية الصحافة التي خلعها الدستور على الأقلام غير المدربة ~~والصحافيين الجدد الهوج. وقد بدا رد الفعل واضحا عندما نظر البرلمان العثماني ms013 في ذلك الوقت ~~في قانون المطبوعات، فثارت في وجه الحكومة عاصفة من النقد اللاذع على هذه الحرية المتيسرة ~~الممنوحة للصحافة. # ومن الناحية المادية لم يستطع منشئو الصحف في العراق أن ينهضوا بها على أساس مشروعات ~~اقتصادية، كما هي الحال في الصحف الأوروبية والأمريكية والصحف المصرية في جيلنا؛ لهذا أخفق ~~القسم الأعظم منها ولم يقو على الصمود ففارق الحياة من أول الشوط أو بعد خطوات ~~قصار. # أصيبت الصحافة العراقية من مطلع حياتها بالأمراض الوبيلة التي تصاب بها الصحف في العالم ~~من مخاتلة وكذب وزيغ، إلا أن هاتيك الصحف عند الأقوام تكون أقلية لا يؤبه بها بجانب ~~الأكثرية الصحفية التي يستقيم سلوكها، فتتفوق الصحف المحترمة المفيدة على صحف المرتزقة التي ~~تعيش طفيلية؛ لهذا لا تجد جريدة عراقية الآن علت بها السن ويرجع ميلادها إلى مطلع تاريخ ~~صحافتنا. كما أن هذه الصحف في ظل العلم العثماني خلقتها ظروف وأوضاع وأغراض خاصة ذهبت ~~بذهابها، وقضي عليها فور تغيير الحال، فضلا عن ندرة الصحافيين وحملة الأقلام في ذلك الطور ~~ممن احتسبوا حياتهم للعمل الصحفي وخدمة الشعب بالقلب وما يسطرون من آراء ومبادئ. # جريدة بغداد # إن أول جريدة أهلية أو شعبية عرفتها عاصمتنا سميت «بغداد» أنشأها فرع «حزب الاتحاد ~~والترقي» العثماني، الذي قام بالانقلاب الدستوري لتكون لسانه، وعهد بإدارة سياستها إلى ~~رئيس هذا الفرع مراد بك سليمان أخي الفريق محمود شوكت باشا أحد رجال الانقلاب المذكور، ~~صدرت ثلاث مرات في الأسبوع باللغتين العربية والتركية، ورأس تحرير قسمها العربي ~~معروف الرصافي، وكتب فيها الأدباء البارزون عندئذ كالزهاوي وفهمي المدرس ويوسف غنيمة ~~وكاظم الدجيلي، وانبرت تروج سياسة الحزب الحاكم، وتبث الأفكار المؤيدة للانقلاب ~~الدستوري. # برز عددها الأول في 6 آب (أغسطس) سنة 1908 وكتب في ديباجتها أنها «جريدة سياسية علمية ~~أدبية أسبوعية واسطة لنشر أفكار جمعية الاتحاد والترقي»، وعرفت بأنها أقوى جريدة في ~~أيامها؛ حتى إن منتقد «الصحافة البغدادية» قال: «إن جريدة بغداد أحسن الجرائد التي ظهرت ~~في بلدنا إلى ذلك الموعد (سنة 1911)، سواء من حيث الفكرة والمواضيع ms014 أو حسن التعبير، وقد ~~نشرت مقالات حرة رفيعة المستوى مستقيمة المسلك نافعة للألفة والوطن، منقحة العبارة، ~~مهذبة الألفاظ؛ مما جعلها في مقدمة صحف بغداد ومثالا يحتذى من بعدها .» # 2 # غير أن جريدة بغداد بعد أن ضعف الحزب الحاكم أخذت بالتضاؤل وتركها محررها العربي، ~~فقرر الحزب إيقافها في سنتها الثانية، مع أنها في ازدهارها كانت من أوسع الصحف ~~انتشارا، حتى ليذكر أنها ضربت الرقم القياسي في سعة الذيوع عندما وصفت حادثة 31 آذار ~~الرجعية المعروفة في إسطنبول، وحركة الإنقاذ التي أعقبتها والتي قضت على الحكم الحميدي، ~~وكان يقود حركة الإنقاذ محمود شوكت باشا. وقد بلغت نسخها المبيعة ذلك اليوم ثلاثة آلاف، ~~بينما لم يكن في تلك الأيام يعلو أكبر عدد لأية جريدة عراقية مقروءة على ألف نسخة، ~~والبقية تنحدر إلى خمسمائة فما دون ذلك. # ثم كثرت الصحف التي وصلت إلى تسع وستين جريدة وعشرين مجلة بين أسبوعية وشهرية، ولم ~~تكن بين الصحف يومية غير جريدة «بغداد» هذه في بعض أشهرها، وجريدتي «الزهور» و«صدى ~~الإسلام» في سني الحرب العالمية الأولى. أما البقية فتنشر في الغالب مرة أو مرتين أو ~~ثلاث مرات في الأسبوع. # ويظهر أن الحكومة العثمانية بعد أن طغى سيل الصحف لديها ورأت اضطراب حياة أكثرها من ~~الناحيتين المادية والأدبية، وضاقت ذرعا بالصحفيين الأجرئاء عمدت إلى طريقة لتصفية ~~الصحف، فصدر أمر وزارة الداخلية في الآستانة سنة 1911 بأن الجرائد التي أخذ امتيازها ~~ولم تنشر حتى 5 آذار (مارس) من تلك السنة، أو نشر بضعة أعداد منها ثم احتجبت إلى هذا ~~التاريخ تلغى امتيازاتها. وهكذا قضى وزير الداخلية التركي بشطبة قلم على ثماني وثلاثين ~~جريدة، فلم يبق في مدينة السلام غير خمس جرائد، بينها «الزوراء» الرسمية ~~ومجلتان. # وقد وجد المفكرون العراقيون ورجال السياسة في الصحافة معوانا لهم على الدعاية ~~لآرائهم، فكانت صحفهم في خلال الحكم العثماني تؤيد السلطة أو تقارعها، وتتحزب لهذا ~~الحزب أو خصمه، ولكن الظاهرة التي تلفت نظر المتفحص وتدل على معان كبيرة أن أغلب صحف ~~العراق في ذلك الزمن ms015 كانت معارضة للحزب الحاكم، ولم يقف بجانب هذا الحزب غير جريدتين. ~~أما بقية الصحف في بغداد والبصرة والموصل فكانت تروج لسياسة «حزب الحرية والائتلاف» ~~المعارض «لحزب الاتحاد والترقي»، أو أن تعبر هذه الصحف عن انتفاض الشعب تحت نير ~~الحاكم الغريب ومحاولته الإفلات، وبينها جرائد دعت للفكرة القومية ومهدت للنهضة ~~العربية بلسان صريح وإيمان قويم. # ويسجل تاريخ الصحافة في زمن الحكم الغابر مواقف مشهودة في هذا الميدان، كما أن الصراع ~~كان عنيفا بين بعض الصحافيين والوالي، ومرجع الشكوى وزارة الداخلية في الآستانة، وقد ~~انتصر في بعض الحادثات الصحافي العراقي على الوالي التركي الذي كثيرا ما تذرع بسلطان ~~دكتاتوري مخيف، كما أن روح التمرد من الظلم ومحاسبة المسئولين تغلغل في الصحف في تلك ~~الحقبة. # ولعل صحف الفكاهة والهزل على قلتها قد قامت بدور أعمق تأثيرا في هذا المجال، وإن كان ~~النقد الساخر ينقلب عادة - في العراق وفي الشرق العربي عامة - إلى السب والقذف، فتغدو ~~أقلام الكاتبين مقاريض أعراض وأبواق تشنيع، مما أدى في قضايا عديدة بالصحافيين إلى ~~أقفاص الاتهام في المحاكم ودفع بهم إلى أعمال السجون. # وبديهي عندما نستعرض تاريخ الصحافة في قطر من الأقطار في محاضرات كهذه، لا يمكن أن ~~نسرد أسماء جميع الصحف وأحوالها، ولا سيما إذا كانت الواحدة لا تعيش أكثر من بضعة أعداد ~~أو بضعة أشهر، كما هي حال صحفنا في العهد العثماني، بحيث صارت «اللازمة» لإحدى مجلاتنا ~~العلمية عندما تقرظ جريدة جديدة أن تختم كلمتها بالدعاء لها بالحياة؛ لئلا تكون ~~كغيرها تلتمع ولا تلبث أن تختفي بسرعة، فخليق بنا أن نبحث الجرائد ذات الشخصية والأثر ~~في مجتمعها. # جريدة الرقيب # منها جريدة «الرقيب» لمنشئها عبد اللطيف ثنيان أحد الوجوه والأدباء، ظهرت في 28 كانون ~~الثاني (يناير) سنة 1909، فكانت ثالث جريدة أهلية في قطرنا # 3 # شعارها أنها «جريدة عربية تركية خادمة لترقي الوطن بكمال الحرية»، صدرت أول ~~الأمر مرة في الأسبوع، ثم صارت تبرز مرتين أسبوعيا، وكان قسمها التركي صغيرا، وأكثر ~~أعمدتها بالعربية، وتميزت بأسلوبها الكتابي وسلاسة عبارتها ونقاء ms016 لغتها بالقياس إلى ~~زميلاتها. وقد أجمعت الكلمة على أنها أجرأ صحف وقتها وأكثرها شعورا بالواجب، وكان ~~صاحبها يقظا على تتبع سير الحكومة وأعمالها، فما كان منها حسنا أطراه وخطأ انتقده، ~~بحيث صح له أن يطبق ما أعلنه في مستهل أعدادها وهو يبسط خطتها قوله: # جعلنا خطة «الرقيب» حرة إلى آخر درجة، تذكر المسيء وتقبح فعله مهما كان ~~شريفا عالما فاضلا غنيا، وتذكر المحسن وتقدر إحسانه مهما كان خاملا ~~فقيرا بلا فرق بينهما؛ إذ بدون ذلك تذهب مزية المحسن ضحية عدم شهرته وغناه، ~~وذلك مما يخالف العقل؛ لأن الحسنة حسنة وإن كانت من بيت الإحسان فهي الأحسن، ~~والسيئة سيئة وإن كانت من بيت الشرف فهي أسوأ. # عاشت هذه الجريدة ما يزيد على السنتين ولم تقصر همها على السياسة، بل جالت في ميدان ~~الاجتماع جولات، وعالجت مشكلة التربية والتعليم وحثت على التهذيب وترقية الفكر، ~~وتناولت مسائل لغوية طريفة في إرجاع أصل الألفاظ والتعابير والأمثال العامية العراقية ~~إلى معانيها وأصولها الفصيحة، ولصاحبها مؤلف مخطوط ثمين في هذا الموضوع استعان في ~~مباحثه بأصول السيد محمد سعيد آل مصطفى الخليل وضعها في هذه المسائل. # ومما انفردت به جريدة «الرقيب» أنها كانت تعلق على كثير من الشئون والقضايا تعليقا ~~يتضمن رأي الجريدة في الموضوع الذي تعالجه، على خلاف ما كانت تفعله أكثرية الصحف من نقل ~~مقالات الغير وآرائهم. وقد ساعد على قوة الجريدة وعلو شأنها وتأثيرها المركز الذي يتمتع ~~به صاحبها في وطنه من وجاهة وفضل. # وعني ثنيان بتقصي أحوال القطر العراقي بأنحائه؛ فهو ينشر على الدوام رسائل من ~~الأقاليم، وتسمى عندنا «الألوية»، ببحث شأن كل صقع وفق حاجاته. # وأخذت الرقيب على عاتقها انتقاد الوالي ناظم باشا عندما حظر تقديم العرائض إلى ~~المراجع الحكومية باللغة العربية مريدا إياها باللغة التركية، مما أساء الرأي العام، ~~فلم يكن من الوالي إلا أن استدعى الصحافي وهدده بأن يقصم ظهره إذا تعرض لانتقاد تصرف ~~الحكومة، فاضطر عبد اللطيف إلى السكوت. # وقد كلفت صاحب «الرقيب» جرأته ثمنا غاليا؛ إذ أصبح بتحريض ms017 من السلطة والخصوم عرضة ~~لتهجم ذوي الأقلام المأجورة وصحف المرتزقة مما ولد مشادة عنيفة بين الطرفين انجرت إلى ~~أبواب المحاكم، واتخذها بعض من لا ضمير لهم أساليب دنيئة في مقاومة الرجل ومضايقته، ~~ولكنه لم يبال بهذه التضحيات وظل مواصلا نهجه حتى اضطر إلى تعطيل جريدته، واستطاع ~~أن يفلت من يد خصمه الوالي، فقصد إلى الشام فمصر وتوجه منها إلى الآستانة، وبقي هناك ~~إلى حين عزل الوالي من منصبه. # جريدة بين النهرين # ومن الصحف البارزة جريدة «بين النهرين» صدرت في 6 كانون الأول (ديسمبر) سنة 1909 ~~باللغتين العربية والتركية، وكانت أول أمرها للتاجر يعقوب العاني إخبارية صرفة ممالئة ~~للحكومة، ثم تسلمها محمود الطبقجلي يحرر قسمها التركي، وأناط كتابة القسم العربي بقريبه ~~كامل الطبقجلي، وهو تاجر ذكي عشق الكتابة وعلق بالنظم وهوي الصحافة وكان حاد القلم، ~~وفي هذه الصحيفة بدأ الكاتب إبراهيم صالح شكر وخزاته الدامية. # وجد محمود الطبقجلي في العمل السياسي وقد انتخب رئيسا لفرع الحزب المعارض «الحرية ~~والائتلاف»؛ إذ اشتد ساعد هذا الحزب وانضم إليه فريق من الشباب النابه، بينهم حمدي ~~الباجه جي، فجعل جريدته لسان الحزب فأقبل عليها القراء، وذاع صيتها في العراق وخارجه ~~وطفقت تظهر ثلاث مرات في الأسبوع بعد أن كانت أسبوعية. # وعنفت معارضة الجريدة بعد أن أقصى الفريق ناظم باشا والي بغداد عن منصبه، فعاد إلى ~~إستانبول حيث قتل بيد خصومه، فوقفت للوالي الجديد جمال باشا بالمرصاد، مع أن جمال هذا ~~سلك مع الصحافيين طريقا تؤدي إلى التفاهم، وأخذ يؤدب لهم المآدب، ويتحدث إليهم بأنه ~~يعظم من شأن العرب ويكبر مدنيتهم ويعرف مكانتهم في الماضي والمستقبل؛ لهذا قال في ~~مذكراته المنشورة بعد مصرعه أنه سبق أن درس «القضية العربية» عندما كان واليا في ~~بغداد. # وتحسب «بين النهرين» أول جريدة انتصرت للفكرة العربية ونبهت إلى نزعة الطورانية ~~التي تشربها زعماء الاتحاديين الترك. وقد اندفع صاحبها في هذا المضمار عقب أن تلقى من ~~شكري العسلي مبعوث الشام كتابا يطلعه على ما يبيت الحاكمون في قسطنطينية من التفريق ~~بين ms018 عنصري الأمة العرب والترك، بوضعهم إشارة على اسم كل ضابط عربي في الجيش العثماني أو ~~موظف في الخدمة المدنية ليحولوا دون ترقيته، فانبرى الطبقجلي يحمل على الحكومة فاضحا ~~خططها الجهنمية بلهجة قاسية، مما دفع الجيش إلى مقاضاته في المحاكم والحكم عليه ~~غيابا. # وبعد أن عاشت الجريدة نحو ثلاث سنوات أوقفها صاحبها لما أحس بأن عصبة الوالي ستعمد ~~إلى أساليب مروعة من اغتيال وفتك، فودع جريدته بكلمة مؤثرة قال فيها: # أما والحياة مهددة فلأختمن حياة الصحافة والنشر قبل أن تختم حياتي. # ولم يكتف صاحب الجريدة ومحرروها بتحطيم أقلامهم، بل هاجروا إلى البصرة حيث كان حزب ~~المعارضة قويا وملجأ أمينا للمعارضين بزعامة السيد طالب باشا النقيب. # جريدة الرياض # وها أنني أنتقل إلى التحدث عن جريدة ذات لون خاص في الصحف العراقية، بل في الصحف ~~العربية قاطبة في ذلك الجيل؛ فقد كان يقيم في الكرخ من بغداد وجيه نجدي هو الشيخ جار ~~الله الدخيل من أهل القصيم، يتصل بوشيجة نسب بالأمراء آل سعود وآل الرشيد، ومع جار الله ~~وكالة لابن الرشيد في الخطة العراقية، وله تجارة واسعة وهو يهيمن على طريق البادية ~~وقوافلها، وبإمرته أهناد الإبل يشتغل بتجارتها ويستخدمها في المواصلات يوم لم تكن في ~~البلاد سيارات ولا قطر ولا طائرات، ولهذا الزعيم مضيف يعج برواده من البدو والحضر، ~~فأراد أن تكون له جريدة تعضد نفوذه وتوسعه وتخدم تلك الأصقاع المجهولة في عالم النشر ~~يومئذ، وسهل مهمته ابن أخ له شاب نابه «سليمان الدخيل»، جاء من بغداد من القصيم ودرس ~~على بعض الأساتذة منهم محمود شكري الألوسي، واتصل بالطبقة المفكرة والمشتغلين بالسياسة، ~~فأصدر جريدة «الرياض» متخذا اسمها من قاعدة نجد، واستعان بطالب نجيب في المدرسة ~~الإعدادية ذي موهبة كتابية اعتاد أن يترك مدرسته ويعيش في مكاتب الجرائد هو إبراهيم ~~حلمي العمر. # ظهرت جريدة «الرياض» في 7 كانون الثاني (يناير) سنة 1910 أسبوعية عربية اللهجة أدبية ~~المشرب، وإن لم تكن قويمة اللسان ولا مشرقة البيان، إلا أن صفتها التي انمازت بها هي ~~العناية الفائقة ms019 بأخبار نجد وجزيرة العرب وإمارات الخليج العربي. # ويجب أن نعترف ونحن نحلل تسرب الفكرة العربية إلى الأذهان في حكم الترك الذين لم ~~يكونوا يريدون للنزعة القومية انتشارا، بأن «الرياض» خدمت «القضية العربية» بما أحدثت ~~من كثرة الضجيج والكتابة عن قلب الجزيرة وينبوع العروبة؛ فقد أذاعت الأحاديث عن العرب ~~المعاصرين وقبائلهم ومنازلهم ومنازعاتهم وغزواتهم وحربهم وسلمهم بنطاق واسع، أثر على ~~العقول ولفتها إلى هذه الرقعة من العالم العربي. # وليس عليكم بعد ذلك أن تدققوا أو تلحفوا في تمحيص صحة ما ترويه صحيفة «الرياض» من ~~أخبار الإمارات العربية وسلطات الخليج وزعامات البوادي، فالمبالغة بادية عليها، ولكن ~~هذا لا يهم الكاتب أو الناشر، إنما المهم أن أكثر مروياتها تشيع في عالم الصحافة، ~~فتتناقلها الجرائد في العراق والشام ومصر. وقد تشغل بعض مروياتها من هذا اللون أسلاك ~~البرق ودواوين الدولة العثمانية أياما بل أشهرا، بينما يكون الحادث من أساسه من ~~مبتدعات خيال مدير «الرياض» أو محررها. # ولم يقف سليمان الدخيل عند الصحافة السياسية والأسبوعية، بل أنشأ مجلة «الحياة»، ~~شهرية وأسس دار طبع ونشر، فنشر موجز «عنوان المجد في تاريخ نجد» لابن بشر، وألف ونشر ~~«العقد المتلألئ في حساب اللآلئ» عن صناعة الغوص على اللؤلؤ في الخليج وقيمته، ومن أعجب ~~حوادث نشر هذه الدار أنها طبعت كتاب «حساب الجفر» منسوبا إلى «ابن العربي» فتلقفته ~~الأيدي وذاع بين القراء ودر على الدار أرباحا، وحقيقة الكتاب من نتاج مكتب تحرير ~~«الرياض» أوحته قريحة سليمان أو إبراهيم أو أحدهما. # جريدة مصباح الشرق # ومن الجرائد التي ساهمت في خدمة النهضة القومية على ضفاف دجلة والفرات «مصباح الشرق»، ~~أنشأها عبد الحسين الأزري الذي أصدر أول الأمر جريدة «الروضة» أدبية، ثم «مصباح الشرق» ~~«فالمصباح» «فالمصباح الأغر»، صحف سياسية تتعطل الواحدة فيقيم الأخرى مكانها، وهي جريدة ~~باللسان العربي وحده، أسبوعية بدا نورها في غرة آب (أغسطس) سنة 1910، وكان انتقادها ذا ~~وقع أليم على السلطة، فصارت تتربص بصاحبها حتى إذا سبق غيره من الصحافيين في إذاعة مصرع ~~فريد بك والي البصرة في اغتياله ms020 السياسي المعروف بتأثير حزب المعارضة هناك اتهمته بأن ~~له ضلعا في معرفة المؤامرة مقدما، وحاكمته وحكمت عليه بغرامة، واستمرت الجريدة تصدر ~~إلى أن اعتقل منشئها في الحرب العظمى الأولى وصودرت مطبعته. # جريدة الرصافة # ومن الصحف الجريئة «الرصافة » لصاحبها صادق الأعرجي، ظهرت في 17 حزيران (يونيو) سنة ~~1910، فلما عطلتها الحكومة بعد عام استعاض عنها بجريدة «الصاعقة» التي كان قد بدأ ~~ينشرها مؤسسها عبد الكريم الشخلي في 8 حزيران (يونيو) سنة 1911. وقد غضب الوالي مما ~~نشرته في عددها الجديد بعد هذا التحايل، فأوعز إلى أحدهم من الدهماء بشكوى الأعرجي إلى ~~المحاكم بتهمة ملفقة، فأوقف الكاتب في السجن، فأهاج هذا الظلم إحساس الناس، فتجمهر خلق ~~كثير في سراي الحكومة احتجاجا على اعتقال الكاتب المقدام. وقد شجع هذه الحركة الوجيهة ~~عيسى الجميل الذي يتمتع بزعامة شعبية، فأبرق بالمضابط إلى قاعدة السلطنة «إستانبول» ~~فصدر أمر وزارة الداخلية بالإفراج عن الصحفي المضطهد. # جريدة النهضة # وتفاقمت النعرة القومي عند أهل بغداد، ولا سيما بعد انعقاد «المؤتمر العربي الأول» في ~~باريس سنة 1913، وكثرت الجمعيات السياسية السرية والعلنية في أنحاء الإمبراطورية، وقوي ~~ساعد المطالبين باللامركزية وإبراز شخصية الأمة العربية وكيانها، فنهض فريق من الشباب ~~المتوثب فأسس «النادي العلمي الوطني» ببغداد، وتقدم أكثر العاملين فيه حماسة مزاحم ~~الأمين الباجه جي، فأصدر جريدة «النهضة» في 3 تشرين الأول (أكتوبر) سنة 1913، فإذا هي ~~الصحيفة القومية الفذة بين زميلاتها، جهيرة الصوت بليغة التعبير في محاسبة الحكومة ~~العثمانية، والمناداة بحقوق العرب، وعهد بتحريرها إلى إبراهيم حلمي العمر محرر جريدة ~~«الرياض»، فتجلت فيها مواهبه الكتابية وطارت شهرته، إلا أن الحكومة لم تتحمل لهجتها ~~النارية فعطلت بعد عددها الحادي عشر، وهرب مؤسسها ومحررها إلى البصرة لاجئين إلى ~~طالب باشا النقيب، حيث اجتمع نفر من حملة الأقلام والصحفيين البغداديين منهم غير من ~~ذكرنا رشيد الهاشمي الشاعر الكاتب وصادق الأعرجي ومحيي الدين الكيلاني صاحب جريدة ~~«النور». # جريدة الإيقاظ # ولم يقتصر الجهاد الصحفي على بغداد في تلك الأيام، بل شاركتها بعض الحواضر منها ~~البصرة، فأول صحيفة أهلية فيها جريدة ms021 «الإيقاظ» التي أصدرها المحامي سليمان فيضي ~~الموصلي في 2 أيار (مايو) سنة 1909، وهي جريدة أدبية إخبارية وطنية كما كتب عليها: ~~تنشر مرة في الأسبوع بأربع صفحات بالعربية والتركية. وكان مديرها المسئول ومحرر القسم ~~التركي فيها مكتوبي زاده عمر فوزي المحامي. # كتبت في العدد الأول بعنوان «سبب النشر وبيان المسلك» كلمة جاء فيها: # حيث إن البصرة دون سائر البلاد العثمانية خالية من جريدة تحرك همم ساكنيها ~~وتنشر جميل ذكرها، غير جريدة الولاية «بصرة»، وهي لانشغالها بالأمور الرسمية لا ~~تلتفت إلى شيء من ذلك، بادرنا لإصدار جريدة عربية أسبوعية معنونة باسم ~~«الإيقاظ» تفاؤلا بإيقاظها الوطن من غفلة رقاده وإنهاضا له من حضيض ~~وهاده. # وقد التزمنا من أن يكون مسلك جريدتنا هذه نصرة المظلوم والأخذ بيد المحروم ~~ونشر أعمال المحسنين، وشهرة أفعال المسيئين والحفظ لحقوق الوطن وأبنائه ~~والمبادرة إلى كل ما يعود بترقيته وإعلائه، سالكين في كل ذلك منهج الحق باذلين ~~الجهد في توخي الصدق، قابلين لنشر المقالات الواردة إلى محل إدارتنا من داخل ~~الولاية، أو خارجها سياسية كانت أو أدبية أو فكاهية، بشرط أن تكون خالية من ~~الدسائس النفسانية والأغراض الشخصية ... إلخ. # وقد قال في العدد البكر بعنوان «البدء بالمشروع» بعد الديباجة والدعاء: # فهي جريدة أدبية إخبارية وطنية، ولا يخفى وجه التسمية الإيقاظ على من له في ~~العربية أدنى إلمام، بل هو بقرب مأخذه موضوع على طرف الثمام ... إلخ. # ملاحظة ~~: كثيرا ما كان يستخدم الصحفيون في العهد التركي عبارة «وطنية» تمييزا ~~لجرائدهم من الصحف الموالية للحكومة، وانتقلت هذه العدوى إلى بعض الصحف التي صدرت بعد ~~الاحتلال البريطاني، وإلا فهل الصحف الأخرى «خائنة» حتى تنعت هذه بالوطنية بلسان ~~الجريدة نفسها. # وطبيعي أن هذه الجريدة رغما عن مبدأها الحر، كانت تسبح بحمد السلطان وتذيع أخبار ~~الحزب الحاكم، واهتمت بالأخلاق العامة والآداب الإسلامية، ودققت في نشر أخبار إقليم ~~البصرة. # ومن فنون الكتابة فيها حوار قصير بعنوان «مصاحبة» - وهو اصطلاح تركي - يتناول بالنقد ~~والتنبيه أمورا اجتماعية أو نواقص في الدوائر الرسمية. وقد هاجمت جريدة «إقدام» ~~التركية ms022 في الآستانة لطعنها في «العنصر العربي». # وحث سليمان فيضي في جريدته على التعليم، وطالب بمجانيته وبخاصة التعليم الصناعي، ~~وكتب في ذلك سلسلة مقالات إصلاحية داعيا إلى العمل والنهوض حول «معنى الإيقاظ» اسم ~~الجريدة، ودافع عن نشر اللغة العربية في الدواوين ومعاهد التعليم، وحلى بعض الأعداد ~~بصور كاريكاتورية، ولكنها بدائية من حيث فن التصوير. # يقول صاحبها في «مذكراته»: إنه أوقفها في أواخر تشرين الأول (أكتوبر) سنة 1910 بسبب ~~سفره إلى الحجاز لأداء فريضة الحج، مع أن الجريدة لقيت رواجا في داخل البلاد العراقية، ~~وكان لها مشتركون في إمارات الخليج والحجاز والهند وسنغافورة. # جريدة التهذيب # وهنالك جريدة بصرية أخرى هي «التهذيب» أنشأها محمد أمين عالي باش أعيان، سياسية علمية ~~أدبية أخلاقية، تنشر مرة في الأسبوع باللغتين العربية والتركية، برز عددها الأول في 1 ~~حزيران (يونيو) سنة 1909. وقد كتبت مقالات افتتاحية عدة في تشجيع تعليم المرأة ~~وتهذيبها، وطالبت بتعريق شركة الملاحة الإنكليزية «لنج»، كما ألحت على وجوب تأليف مجلس ~~الإدارة لولاية البصرة، وحث القوم على التبرع للأسطول العثماني. # وكان إنشاؤها ركيكا، وكثير من افتتاحياتها مقتبسة من صحف مصر والشام. وقد عطلها ~~صاحبها في شهر آزار (مارس) سنة 1910. # جريدة الدستور # ومن الصحف جليلة الخطر في البصرة جريدة «الدستور» التي أسسها أولا عبد الله الزهير ~~في 22 كانون الثاني (يناير) سنة 1912، فلما أصبح عضوا في مجلس النواب العثماني انتقل ~~امتيازها إلى عبد الوهاب الطباطبائي فنفخ فيها روحا جديدا، وتضافر على الكتابة فيها ~~نخبة من أدباء الثغر، منهم أخواه عبد المحسن وعبد العزيز الطباطبائي وإسماعيل ~~السامرائي، وكانت لسان الحزب المعارض. وقد جلب لها الحزب مطبعة من أوروبا مما لم يفعله ~~حزب سياسي آخر في عراقنا، وغدت دار الجريدة ندوة لأحرار الكتاب والسياسيين من ~~البصريين، أو من كان يهرب إلى البصرة من البغداديين فرارا من إرهاق الحكومة ~~وضغطها. # ولما عطلت «الدستور» صدرت باسم «صدى الدستور»، وبقيت مثابرة على خدمة النهضة الفكرية، ~~ومن مقالاتها الرنانة التي كتبها أحد محرريها سليمان فيضي صاحب جريدة «الإيقاظ» التي ~~تحدثنا عنها بعنوان: ms023 «الجاسوسية في عهد الحرية» وقد هزت السلطة هزا، وكان لكتاباتها ~~تأثير عميق في الرأي العام، وبقيت تنشر إلى احتلال البريطانيين البصرة في كانون الأول ~~(ديسمبر) سنة 1914. # لما زار الشيخ محمد النبهاني البصرة وتفقد أحوالها قال عن الصحافة فيها: # أنشئ في البصرة بعد إعلان الدستور العثماني نحو إحدى عشرة جريدة أرقاها ~~«المنير» ثم «آتي» ثم «التهذيب» ثم «الفيحاء». # 4 # جريدة نينوى # وما عرفت الموصل الصحافة الأهلية قبل جريدة «نينوى» التي صدرت في تموز (يوليو) سنة ~~1909 لصاحبها فتح الله رسم ومديرها المسئول محمد أمين الفخري، وكان يكتب فيها علي حكمت، ~~وهي علمية أدبية سياسية تصدر مرة في الأسبوع باللغتين العربية والتركية. وقد عرفت ~~باعتدالها في سياستها وتحاشي إغضاب الحكومة. # جريدة النجاح # فلما أسس فرع «حزب الحرية والائتلاف» المعارض في الحدباء أصدر جريدة «النجاح» صاحب ~~امتيازها محمد توفيق، وكان يكتب فيها «خير الدين العمري»، ظهرت في 12 تشرين الثاني ~~(نوفمبر) سنة 1910 (1328ه) وبقيت تصدر سنة ونصف سنة ثم أوقفها صاحبها. ~~••• # يلاحظ مما تقدم أن معظم الجرائد التي صدرت في العراق في العهد العثماني تكتب ~~باللغتين العربية والتركية - لغة الدولة الرسمية - وبعضها تركية بحتة، وبينها جرائد ~~باللغة الفارسية. # ولغة هذه الصحافة في فجر حياتها تشوبها العجمة، وأسلوب الكتابة فيها ضعيف مهلهل ~~وعباراتها مشحونة بالأغلاط اللغوية والنحوية، بحيث اهتاج عالم لغوي عراقي كبير، فقال ~~في وصف لغة الصحافة في الحكم التركي: # كانت لغة جرائد بغداد في العهد العثماني خليطا من جميع اللغات التي بها ~~متكلمون في الزوراء، فترى فيها التركية والكردية والفرنسية والإنكليزية ~~والهندية والفارسية، ولغة مؤلفة حروف ألفاظها من كل هذه اللغات معا أو من بعض ~~منها. # هذا من حيث اللغة والأسلوب. أما من ناحية الموضوعات، فمن البداهة بمكان أن شيوع ~~الأمية شيوعا مريعا في ذلك العهد، والتخلف الثقافي جعلا وجود الكتاب نادرا جدا، ~~والصحافة صناعة خاصة لا يخوض غمارها إلا من يتمتع بموهبة لمعالجة الكتابة السياسية ~~ونحوها، ولم يكن يقدم على الكتابة في الصحف في الفترة التي نبحث عنها حملة العلوم ms024 ~~الدينية وأشياخ التدريس والفقهاء؛ إذ إن الكثيرين منهم كانوا يرون الكتابة في الجرائد ~~السيارة مزريا بصاحبها، وبعضهم يعتقد أن هذه الصحف لا تنشر إلا الأكاذيب، فهم ~~يربئون بأنفسهم أن يساهموا في التحرير فيها. # كما أن خصاصة أصحاب الصحف جعلتهم عاجزين عن أن يدفعوا أجورا للكاتبين إذا وجدوا، ~~فتجد الواحد منهم يجمع في شخصه بين المالك للجريدة ورئيس التحرير والمخبر ومدير ~~الإدارة. وقد يكون الموزع أيضا. # عزا باحث في مجلة «دار السلام» تأخر الكتابة الصحفية في العراق إلى سببين: # 5 # الأول: # تعهد الحكومة العثمانية في المدارس إهمال تعليم اللغة العربية، فيخرج ~~الطالب منها لا يعرف لغته نافرا منها. # الثاني: # أن الانقلاب الدستوري العثماني بإفساحه الحرية للصحافة سهل للعوام ~~الصرف إنشاء صحف عامية في العراق، جعلوها واسطة تعيش واتجار، فتمكن ~~الأغبياء من التطاول إلى مقامات العلماء، وتسلق مقاعد الكتاب ~~والأدباء، فأخذت تلك الصحف الساقطة تمثل ملاك الأمة الأدبي بما لا يزيد ~~عليه من السقوط، ولا غرو إذا كان موضع سخرية الأمم الراقية، وذلك هو ~~الذي منع جماعة كتابنا من ترويجها واعتضادها، مع أن في زوايا العراق ~~ثلة من كبار الكتاب وقد عرفوا بآثارهم في صحف مصر ~~والشام. # والغريب أن هؤلاء الأدباء الذين يشير إليهم الكاتب كمحمد حبيب العبيدي والزهاوي ~~والرصافي والشبيبي كانوا ينشرون قصائدهم ومقالاتهم في صحف الخارج فتنقلها صحف بغداد ~~عنها. # ولكنني رأيت خير الدين العمري يقول في مذكراته «المخطوطة» # 6 # وهو ممن زاولوا الكتابة والصحافة في العهد العثماني، واشتغلوا بالسياسة ~~والإدارة بعدها: # لم يكن في العراق من أرباب القلم شيء يذكر، بل كان هناك شعراء يقومون مقام ~~الصحف في المدح والقدح. # ثم قال في موضع آخر من هذه المذكرات: # 7 ~~«حاولت الصحف في العراق أن تنهض بشيء من العمل النافع، فلم تفلح؛ لأن ~~القراء كانوا قليلين فلم تنجح الصحافة العراقية في الدور العثماني أي نجاح.» # كذلك فقد ساد الفترة اللاحقة على الحرب توتر العلاقات الدولية؛ الذي انتهى إلى وقوع ~~الحرب الكورية. وقد كان من آثارها زيادة الطلب فترة ما على ms025 القطن المصري وغيره من ~~المواد الأولية. وقد استمر ذلك التوتر حتى بعد انتهاء تلك الحرب، وانقسم العالم أساسا ~~إلى كتلتين: الشرقية والغربية، وكان ذلك سببا في تزايد اهتمام الكتلة الغربية ببلاد ~~الشرق الأوسط، بما فيها مصر بالطبع، وذلك لوجود منابع الزيت في هذه المنطقة، ولما لها ~~من أهمية حربية، ويمكن أن نجد لكل ذلك صدى فيما قدمته أمريكا أحيانا إلى مصر وبعض ~~البلاد العربية الأخرى من إعانات مالية أو فنية. # أما في الحقل الاجتماعي فقلما ناصرت هاتيك الصحف الأفكار المتطرفة، ويكفي أن ألمح ~~إلى موقف بعض الصحف والمجلات في الحملة على «جميل صدقي الزهاوي» لمقالته في جريدة ~~«المؤيد» المصرية في «الانتصار لحقوق المرأة»، مما اضطر بعض الكتاب المصريين أمثال ~~ولي الدين يكن والدكتور شبلي شميل إلى أن ينتصروا له. # وأما تلك الصحف من ناحية الإخراج ورداءة الطبع فحدث ولا حرج؛ لأن الطباعة كانت ~~بدائية، والمواصلات قليلة والورق عزيز المنال في الأسواق، وليس بين ممن اضطلعوا بالعمل ~~الصحفي من فكر في جلب الورق من أوروبا لقلة المطبوع من جريدته. # فإذا أضفنا إلى كل هذه النواقص في الوسائل والأدوات الجو الخانق الذي كان يعيش فيه ~~الصحفيون في تلك المرحلة والعسف والاضطهاد، مما سنتبسط فيه عند البحث عن حرية الصحافة؛ ~~أدركنا عوامل تأخر الصحافة في أول نشوئها في العراق. # | الصحافة في خلال الحرب العالمية الأولى # (1) في ظل الحكم العثماني # لما كانت معظم الصحف العراقية قد أيدت المعارضة للحزب الحاكم - الاتحاد والترقي - في ~~الدور العثماني؛ فقد انتهز الحاكمون من هذا الحزب غمة الحرب العالمية سنة 1914 فرصة ~~للإيقاع بالصحفيين المعارضين والتنكيل بهم. # وسبق ظلام الحرب قيام الحكومة العثمانية بتعديل «قانون المطبوعات» لزيادة التشديد على ~~الصحافيين الأحرار واضطهادهم، فأقيمت على بعض الكتاب وأرباب الصحف الدعاوى في المحاكم، ~~بحيث بلغت 48 دعوى في غضون خمس سنوات خرجوا من أكثرها أبرياء وغرموا في بعض ~~القضايا. # وكانت إدارة الحكم ثنائية بين السلطة العسكرية والسلطة المدنية للعثمانيين فإذا تعرضت ~~جريدة للجيش أو الشرطة تحفزت السلطة العسكرية للتنكيل بالصحفي والحكم ms026 عليه، وفي بعض ~~الأحيان وجدنا هاتين السلطتين تصطدمان ببعضهما بعضا كما جرى لصاحب جريدة «الإيقاظ» ~~سليمان فيضي عندما انتقد «الدرك»، فهم قائد الجيش في البصرة بحبسه، ولم تفد حماية ~~وكيل الوالي له إلا أن قوة المعارضة الأهلية تجمعت فأطلقته من الموقف. # نشرت جريدة «الرياض» قصيدة «لمحمد الهاشمي» عرض فيها بالطغاة في إيران والظلم ~~اللاحق بالمسلمين في تونس والجزائر، وما يعانيه أهل القفقاس من ذل، ودعا الشاعر على ~~قيصر الروسية بمنقلب الظالمين، فما كان من الحكومة التركية في بغداد إلا أن قاضت ~~الصحافي والشاعر، فحكمت المحكمة على كل منهما بالسجن ثلاثة أشهر. # ولم يكن الوالي العسوف يتورع من أن يضرب الصحافي بيده، كما حدث لإبراهيم حلمي العمر، ~~الذي كتب في جريدة مصرية مقالا حمل فيه على الاتحاديين والوالي يومئذ في العراق جاويد ~~بك، وبيده قيادة الجيش أيضا بعد أن أعلنت الحرب فحبس الوالي الكاتب أولا ثم جاء به ~~إلى ردهة استقباله في ديوانه وصار يضربه ضربا مبرحا بعصاه على مرأى ومسمع من الجمهور، ~~فتشفع له زميل هو صادق الأعرجي صاحب جريدة «الرصافة» الذي أصبح عضوا في مجلس الولاية ~~بعد اعتزاله الصحافة، فأنقذه من مخالبه. # ولما وجدت الحكومة أن صحف البصرة تتمتع بنوع من الحصانة مكتسبة من هيبة زعيم المعارضة ~~هناك «طالب باشا النقيب»، وتأثيره على السلطة مما يجرئ هذه الجرائد على الإمعان في ~~النقد والمقاومة، أوفدت وزارة الداخلية في إستانبول إلى والي البصرة في أخريات سنة 1913 ~~بإقفال جميع الصحف الموجودة في الثغر والإمساك عن منح امتياز أية جريدة جديدة. # وما أن احتلت الجنود الإنكليزية البصرة بعد اندلاع نيران الحرب الأولى حتى شددت ~~الحكومة العثمانية الخناق على الصحافيين وطاردتهم بحجة ظروف الحرب الاستثنائية، فعطلت ~~الجرائد الأهلية كلها ولم تبق إلا جريدة واحدة «الزهور» لصاحبها «محمد رشيد الصفار» ~~لموالاتها للحكومة وتأييدها سياسة الحاكمين. وقد ثبت الرجل على خطته ولم يتحول عنها حتى ~~إذا انسحب العثمانيون من بغداد إزاء زحف القوات البريطانية التحق بهم، واستأنف عمله ~~الصحفي في الموصل بعد أن جعل جريدته ms027 الجديدة باسم «دعوة الحق». # ورأى العثمانيون في سحابة الحرب أن يستعينوا بالصحافة في بث الدعاية لهم والتشنيع ~~لمحاربيهم، فأسسوا في بغداد جريدة يومية دعوها «صدى الإسلام» باللغتين العربية ~~والتركية، يشرف على نشرها الجيش برئاسة قائده العام في هذه المنطقة نور الدين بك الذي ~~عرف بعد ذلك في تاريخ النهضة الكمالية باسم نور الدين باشا «فاتح أزمير»، وناطوا إدارة ~~سياستها برئيس بلدية بغداد رءوف الجادرجي. # وعني حزب الاتحاد والترقي بهذه الصحيفة عناية كبرى، فاختار لها خيرة الكتاب في ~~اللغتين، فكتب فيها من الترك الدكتور حكمت ثريا بك بالتركية، كما كتب فيها بالعربية ~~من العراقيين محمود الوادي وعطا الخطيب الأديب الشاعر وإبراهيم حلمي العمر، وخيري ~~الهنداوي الشاعر، وعبد الرحمن البناء الشاعر، والزهاوي وبعض أدباء النجف الأشرف، وقد ~~نشرت مقالات بلهجة حادة في تدعيم سياسة الاتحاديين وتنفيد بعض ما تنشره جريدة القوات ~~الإنكليزية الممثلة في البصرة المسماة «الأوقات العراقية». وقد نشر «فائز الغصين» في ~~كتابه «المظالم في سورية والعراق والحجاز» # 1 # رسالة منقولة عن «المقطم»، وردت من بغداد تصف هاتين الجريدتين «الزهور وصدى ~~الإسلام» بأن «شأنهما الدفاع عن الاتحاديين وإطراؤهم وقلب الحقائق ونشر ~~الأضاليل». # ولم يكتف المتحكمون بتعطيل الصحف المعارضة، بل لاحقوا الصحفيين المعارضين أو ذوي ~~النزعة القومية العربية، فنفوا كلا من عبد الحسين الأزري صاحب «المصباح»، ورزوق داود من ~~شباب النادي العلمي الوطني، وداود صليوا صاحب جريدة «صدى بابل»، والأب أنستاس ماري ~~الكرملي صاحب «لغة العرب»، إلى قيري من بلاد الأناضول، حيث قضوا في منفاهم السحيق بعض ~~سني الحرب، كما نفوا إبراهيم صالح شكر صاحب مجلة «الرياحين» وعبد اللطيف ثنيان صاحب ~~«الرقيب» إلى الموصل، وإبراهيم حلمي العمر إلى بتليس، وفر سليمان الدخيل صاحب ~~«الرياض» إلى نجد. # ولم يقتصر أذى الصحفيين على النفي في غياهب الحرب، بل ساق جمال باشا قائد الفيلق ~~الرابع اثنين منهما إلى «ديوان الحرب العرفي» في عاليه؛ أولهما: أحمد عزة الأعظمي، وقد ~~كان يصدر مجلة شهرية باسم «لسان العرب» في فروق تنافح عن الفكرة العربية وتبشر بالرسالة ~~التحريرية بلهجة ms028 عنيفة وأسلوب فصيح. وقد غير صاحبها اسمها في سنتها الثانية، فجعلها ~~«المنتدى الأدبي»؛ إذ غدت لسان هذه الجمعية السياسية العربية التي ضمت شباب العرب في ~~العاصمة العثمانية. # سيق هذا الصحافي إلى المحكمة العرفية حيث قضى ثلاثة أشهر في حبس يتجرع العذاب ولم ~~تسفر محاكمته عن اتهامه؛ إذ لم يجدوا بين أيديهم وثيقة تدينه ولم يشهد عليه غير شاهد ~~واحد ولا اعترف هو بكلمة بما عمله أو من عرفه رغما عن تعذيبه وإرهابه، كما أن فطنته ~~أنقذت الكثيرين من إخوانه وزملائه المجاهدين من التهلكة، بل الموت المحتم، فإنه كان ~~يقيم في الآستانة لما كشر الحزب المسيطر عن أنيابه نحو العرب وخاصة المشتغلين بالسياسة ~~الاستقلالية، فقبل أن يلقى القبض عليه أتلف كل ما كان لديه من كتب ومنشورات لجمعيات ~~قومية سرية وشخصيات تعمل للإنقاذ في السر والعلن، ولا سيما أن «المنتدى الأدبي» المذكور ~~كان ملتقى هؤلاء الرجال ومباءة نشاطهم، كما كانت مجلته ينبوعا لكثير مما يذاع في ~~الموضوع في المجلة وغيرها أو عن طريقه. # ورد في الكتاب الأحمر الذي نشره القائد العام جمال باشا يدافع عن محاكمة أحرار العرب ~~وشنقهم ونفيهم وسجنهم، المعنون ب «إيضاحات عن المسائل السياسية التي جرى تدقيقها في ~~ديوان الحزب العرفي المشكل بعاليه» شيء كثير عن أحمد عزة الأعظمي ومجلته ومما تضمن: # كان يجمع «المنتدى الأدبي» كل الطلاب العرب، ويبث فيهم الفكرة القومية ونهضة ~~العرب بأية واسطة كانت، وكلما انتهى فريق منهم بدروسه، حمل الأفكار وبثها حيث ~~يعين في الوظيفة في البلاد العربية، وأن النشرات التي تحرض العرب على الثورة ~~وقتل الترك كانت ترد إلى الشباب العرب في ضمن الجرائد المرسلة إلى مدير مجلة ~~المنتدى الأدبي ومحررها أحمد عزة الأعظمي، فيقرءونها كلهم ويشترك معه في ~~توزيعها عاصم بسيسو، وكان هذا الصحفي يجمع الشباب العربي من مدارسهم الملكية ~~والعسكرية في إدارة مجلة «لسان العرب» ويقرأ عليهم تلك النشرات. # أما الصحافي الثاني المرسل إلى الديوان العرفي في عاليه فهو إبراهيم حلمي العمر، الذي ~~لم تفده مشاركته في تحرير جريدة «صدى ms029 الإسلام» التي ألمعنا إليها. # إلا أن الحظ أنجده فإنه وصل المحكمة العرفية في لبنان بعد أن نفذ حكم الإعدام في ~~قوافل الشهداء الثلاث، ثم نشبت «الثورة العربية الكبرى» في الحجاز، فخطأ الكثيرون من ~~حكام إستانبول سلوك جمال باشا وسياسته الانتقامية في بر الشام وحملوه تبعة إغاظة الأمة ~~العربية وتعجيل انفجار نقمتها، فأوعزت إليه الحكومة المركزية بفض الديوان العرفي في ~~عاليه. وهكذا نجا إبراهيم حلمي العمر من حبل المشنقة بعد أن توسط له جماعة من وجوه ~~الشام وأدبائهم بينهم محمد كرد علي منشئ «المقتبس» الجريدة والمجلة، وكان إبراهيم من ~~مراسليها في بغداد. # ويظهر أن كرد علي لم يكتف بالشفاعة للكاتب العراقي عند جمال باشا فينقذه من الأذى، ~~بل أوجد له رزقا بضمه إلى محرري جريدة «الشرق» التي أصدرها القائد المذكور، وحشد لها ~~كبار العلماء والأدباء محمد كرد علي وشكيب أرسلان ومحمد حبيب العبيدي الموصلي وتاج ~~الدين الحسيني وغيرهم. ~~(2) في ظل الاحتلال البريطاني # هذا ما كان من أمر الصحافة في العراق في ظل الحكم العثماني. # وننتقل الآن إلى صفحة جديدة من الحياة العراقية عندما احتل الإنكليز بلادنا في خلال ~~الحرب العالمية الأولى. # أغار الإنكليز على البصرة فاحتلوها في كانون الأول (ديسمبر) سنة 1914، فالتفتوا إلى ~~الصحافة يستعينون بها على توطيد سلطانهم وترسيخ سياستهم وللصحف مقامها في نظر القوم، ~~وفي حياتهم العامة ومجالي إمبراطوريتهم، بحيث ذهبت كلمة لويد جورج داهيتهم، في أعقاب ~~تلك الحرب: «إنما كسبنا الحرب بواسطة الصحافة.» قولا مأثورا يتيه به ~~الصحافيون. # جريدة الأوقات البصرية # فكان أول ما فعلوه بعد استيلائهم على «مطبعة الولاية» الرسمية بالبصرة ابتياعهم ~~المطابع الأهلية الثلاث التي كانت في المدينة، فطفقوا يطبعون بها نشرة يومية ~~باللغتين العربية والإنكليزية تحمل برقيات رويتر، وجلها أخبار حربية تنقل إلى ~~القراء ما يجري في ميادين القتال المختلفة. # ثم تطورت هذه النشرة فأصبحت جريدة يومية باسم «الأوقات البصرية»، وهو طراز من ~~الأسلوب الإنكليزي التقليدي في تسمية الصحف # Basrah ~~Times # درج عليها أكثر من أنشأ منهم صحفا بالإنكليزية في كل ~~صقع من أصقاع الغرب ms030 والشرق، فهم يقرنون تعبير «تايمس» إلى اسم القطر أو البلد الذي ~~تظهر فيه الجريدة. # برزت «الأوقات البصرية» مكتوبة باللغات الأربع العربية والتركية والفارسية ~~والإنكليزية، وحرر فيها المستر جون فلبي - وهو بعد ذلك الحاج عبد الله فلبي ~~المستشرق السياسي الإنكليزي. # ولا شك في أن هذه الصحيفة قد أنشئت لتخدم أغراض السلطة المحتلة، وتروج لسياسة ~~الحلفاء وتذيع مبادئهم التي يعلنونها للناس، فضلا عن استغراق أكثر أعمدتها بأخبار ~~الحرب ومراحلها. # وقد أصدر الجيش المحتل بجانب هذه الصحيفة اليومية مجلة أسبوعية مصورة بعنوان: ~~«العراق في زمن الحرب»، حوت صورا للوقائع الحربية في العراق مع صور الشخصيات ~~العراقية - من الفريق الموالي طبعا - ولا سيما شيوخ القبائل ومناظر ومشاهد لهذه ~~البلاد. # فلما وصلت القوات البريطانية بغداد واحتلتها، وانتقلت بهذه المرحلة حكومة ~~الاحتلال المركزية إلى بغداد سنة 1917، تولى سليمان الزهير أحد وجوه البصرة جريدة ~~«الأوقات البصرية» بطريقة الالتزام من الجيش، وعني بأن يجعلها جريدة أهلية واستقدم ~~لها محررا من مصر هو «عطا عوم»، صحافي مصري مخضرم من الزملاء الأوائل لتوفيق حبيب ~~«الصحافي العجوز» في تحرير مجلة «فرعون»، وعاشت الجريدة بعهدة المالك الجديد أو ~~الملتزم إلى سنة 1921 عند تأسيس دولة العراق الحديثة، فلم يبق معنى لوجودها فغابت ~~عن الأنظار. # جريدة العرب # أما في بغداد فبعد أن استتب للمحتلين الأمر أرادوا خلق جريدة قوية تخدم أغراضهم ~~وتنشر خططهم وتطلع الجماهير على سياستهم الظاهرة، وبخاصة بعد أن بلغت الحرب هذا ~~الشوط واستولى الإنكليز على قسم كبير من الأراضي العراقية، ولا تزال جيوشهم تقاتل ~~للاستيلاء على بقية الأقسام، فوضعوا نصب أعينهم مشروع جريدة يومية، فلم تمض عليهم ~~ثلاثة أشهر حتى استطاعوا أن يطلعوا على الناس بهذه الجريدة. وقد دعوها ~~«العرب». # ومن الطريف أن نترجم فقرات من إحدى «رسائل كرترودبيل» إلى والدها وهي مؤرخة في 29 ~~حزيران (يونيو) سنة 1917، وفيها تنبئه بميلاد هذه الجريدة الجديدة. وقد اضطلعت ~~الكاتبة وهي في منصبها في الحكومة المحتلة بأوفر نصيب من العمل الصحفي التأسيسي، ~~قالت «الخاتون» وهو اللقب الذي أطلقه عليها الأهلون عندنا: # تتخذ التدابير ms031 لإصدار جريدة محلية عربية، وهي الجريدة التي طال تشوقنا ~~إلى صدورها، ولم يعقنا عن ذلك إلى الآن إلا فقدان الورق، فبعد إجراءات ~~رسمية عديدة توصلنا إلى تحقيق هذه الرغبة. وقد عهد بإدارة سياستها وتحريرها ~~إلى المستر جون فيلبي - ممن ولي مناصب مهمة في حكومة الاحتلال في قطرنا - أما هيئة تحريرها فقد ألفناها من أصدقائي الأقربين - الأصدقاء العرب - ونتوقع أن نحتفل بصدور عددها الأول في غرة تموز (يوليو)، وسنجعلها جريدة ~~ذات شأن وسميناها «العرب»؛ لأنها أول جريدة تصدر في العهد الجديد من حرية ~~العرب - على حد تعبيرها. # هذا ما قالته الخاتون في كتابها إلى أبيها، غير أن الأب أنستاس ماري الكرملي الذي ~~تصدر ديوان الإنشاء في جريدة العرب سنوات قال لي: # كان القوم يرون تسميتها ب «الأوقات البغدادية»، ثم على طلب الخاتون ~~استشرت في هذه التسمية محمود شكري الألوسي فاقترح أن تدعى «العرب» فاستحسن ~~السر برسي كوكس الحاكم العام هذه التسمية فكانت جريدة «العرب». # وذكر ريدلي # M. R. Rideley # في كتابه عن الخاتون # Gertrude Bell # عندما تعرض لاشتغالها في جريدة «العرب»: # كانت رغبتها في أن تعطى هذه الجريدة صبغة محلية أكثر باستخدامها مراسلين ~~لها في الأقاليم، ومحررا يكتب الأخبار المحلية، وشعرت بحق أن الجمهور الذي ~~أصدرت له الصحيفة، وبإثارة اهتمامه فقط تستطيع الجريدة أن تؤدي خدمة مفيدة، ~~هذا الجمهور يحس بأن الحرب في أوروبا تبعد عنه كثيرا كبعد القمر، وأن فهمه ~~لهذه الحرب صعب كصعوبة فهم القمر، وأن هؤلاء الناس يهمهم أن يسمعوا أن ~~فلانا ابن فلان قد وقع في قبضة العدالة، وأنه غرم لتجوله بعد أن أسدل ~~الظلام ستوره من غير أن يحمل مصباحا، يهمهم هذا أكثر من سماعهم أن قرية في ~~الفلاندر قصفت من الجو؛ لهذا ارتأت الخاتون أن الأخبار المحلية مهما ضؤل ~~شأنها فمن الضروري أن يتعود العرب منها على قراءة الجريدة؛ ليتسنى إعداد ~~الأهلين لقراءة الجرائد عندما يحين لصحافتهم الوقت في أن تعالج البحوث ~~الحيوية المختصة بمستقبل بلادهم. # ويظهر أن الخاتون تولت إدارة سياسة الجريدة بعد أن ms032 تركها فيلبي؛ إذ وجدتها تكاتب ~~أباها في هذا وتصف له كثرة المهام الملقاة على عاتقها وكيف يحمل إليها الأب أنستاس ~~مسودات مقالات «العرب» الرئيسية، فتقضي بعض الوقت في مناقشته في موضوعاتها إلى ~~غيرها من الشئون الصحفية. # برز العدد الأول من «العرب» في 4 تموز (يوليو) سنة 1917 بصفحتين بادئ ذي بدء ~~تنشران بين يوم ويوم، وبعد شهر أصبحت يومية وفي العام الجديد غدت بأربع صفحات ~~يوميا. وقد كتب على صدرها أنها «جريدة سياسة إخبارية تاريخية أدبية عمرانية ~~عربية المبدأ والغرض، ينشئها في بغداد عرب للعرب.» وهذه النزعة تنسجم تماما مع ~~السياسة البريطانية في خلال تلك الحرب، حيث تهدف إلى التقرب إلى العرب وتنفيرهم من ~~الترك، بل إثارتهم عليهم. # وقالت الجريدة في كلمتها الأولى: # إنها ستكون وسيلة لنشر آراء العرب وتعميم علومهم وآدابهم وترقية شئونهم ~~وعمرانهم. # والمعالم البارزة لهذه الجريدة الرسمية لحكومة الاحتلال، غير أخبار الحرب الدائرة ~~والدعوة لقضية الحلفاء وخدمة السياسة البريطانية، أنها أول جريدة حكومية صدرت في ~~بغداد باللغة العربية الصرف، لغتها سليمة فصيحة ونزعتها عربية وصارت تبشر ~~بالفكرة العربية وتذيع في العراقيين فضل البيت الهاشمي رائد النهضة القومية، وقامت ~~بدعاية نشيطة للثورة العربية بزعامة ملك العرب جلالة الحسين بن علي، شريف مكة ~~المكرمة، ولم تكن تغفل النواحي الاجتماعية والتاريخية والأدبية مع نشرها أخبار ~~الحرب ومنها حرب العراق، فضلا عن بلاغات القيادة العامة لجيش الاحتلال الذي يواصل ~~الزحف في الأراضي العراقية، وبيانات الحكومة المحتلة وإعلاناتها للشعب. وقد أخذت في ~~سنتها الثانية تزين صفحتها الأخيرة بصور حربية، إلا أن النقص في الزنكغراف والفن ~~الطباعي كان بادي الأثر في هذه الصور؛ لهذا عنيت فترة من الزمن بنشر ملحق مصور ~~مستقل عنها يطبع على ورق صقيل وبصور واضحة، وكله دعاية حربية وتصوير لمشاهد محلية ~~وأشخاص عراقيين. # وكانت جريدة «العرب» تنشر ملاحق صغيرة نادرا لبعض الأخبار الحربية الخطيرة، ولعل ~~أروع ملحق نشرته لعددها 591 يوم 30 حزيران (يونيو) سنة 1919، وهو متوج بلفظة ~~«الصلح» بحروف ضخمة وتحتها هذه العبارة: # وفي البلاغ الآتي من ديوان ms033 الحرب يوم السبت بعد الظهر في 28 حزيران ~~(يونيو) وهو مؤرخ في ذلك اليوم: # وقع على الصلح اليوم في الساعة الرابعة زوالية بعد الظهر. # واستمرت جريدة المحتلين العربية تصدر أربع سنوات إلى أن أعلنت يوم 31 أيار (مايو) ~~سنة 1920 أنها ستحتجب. وقد ودعت قراءها وشكرتهم على إقبالهم على قراءتها ومؤازرتهم ~~إياها منذ إنشائها إلى ذلك الوقت. # أما محررو هذه الجريدة وكتابها؛ فقد كانوا نخبة رجال العلم والأدب في بلاد ~~الرافدين، ألفت قلوبهم سلطة الاحتلال وأغرتهم بأنها جريدتهم لبث الفكرة ~~العربية وخدمة اللغة وتثقيف الشعب، وأجزلت لهم أجور الكتابة ولعلها المرة الأولى في ~~عراقنا تناول الأدباء والكتاب أجورا محترمة على نتاج أقلامهم، فحرر فيها شكري ~~الفضيلي وكاظم الدجيلي وعبد الحسين الأزري ومحمد مهدي البصير وعطا أمين، والظاهرة ~~التي تلفت النظر أن الصحيفة كانت تعمل في خواتيم مقالاتها تواقيع مستعارة عديدة ~~لصنوف كتابها، بينها «ابن العراق» و«ابن الفراتين» و«ابن ماء السماء» و«ابن جلا» ~~و«ابن ذي الكنيتين» و«ابن بابل» و«مطالع». # ولا تسألوا عن الداعي إلى هذا التنكر والتستر، فأنتم مدركوه بداهة، والظرف ظرف ~~حرب والمهيمنون على الجريدة والمنفقون عليها الإنكليز المحتلون، ولكن ما أعلنت ~~الهدنة ووضعت الحرب أوزارها حتى انكشفت الأقنعة فأخذنا نقرأ اسم الكاتب في ذيل ~~مقالته، وكان جميل الزهاوي يطرف قراء العرب بنفحات أدبه ويمتعهم بمختارات من «عيون ~~الشعر» العربي في عصوره الخالية، كما كان شكري الفضلي يكتب أغلب افتتاحياتها وهو من ~~أدباء العراق وكتابه السياسيين. # والطريف أنه كان بين هؤلاء المحررين كاتب عرف في المجتمع باسم «نجيب السوري»، ~~وهو الدكتور نجيب الأرمنازي وزير سورية المفوض في مصر اليوم، وجد في بغداد ضابطا ~~في الجيش التركي فترك الجيش واتصلت مودته الأدبية بالأب أنستاس الكرملي فحسن له هذا ~~الاشتغال بالأدب والكتابة، وترجم باقتراحه كتابا عن اللغة التركية لأبي حكمت ~~سليمان السياسي العراقي في تاريخ العراق في العصور الأخيرة، وكتب في صحيفة ~~«العرب». # ولم تكتف حكومة الاحتلال بالجريدة اليومية، بل أنشأت مجلة نصف شهرية للعلم ~~والأدب دعتها «دار السلام»، سنتحدث عنها عند ms034 بحث الصحافة الأدبية والمجلات المختصة ~~بالعلوم والفنون في محاضرة آتية. # جريدة الوقائع العراقية # وبقي العراق عامين خلوا من جريدة رسمية بعد غياب «العرب»، فلما وضعت قواعد ~~المملكة العراقية بدت الحاجة إلى صحيفة رسمية لنشر القوانين والأنظمة وشئون الدولة ~~بما يقتضيه نظام الحكم في التشريع، فأنشأت أول الأمر وزارة العدلية مجلة دعتها ~~«مجلة العدلية»؛ لنشر بيانات الحكومة وقرارات المحاكم وبعض الإعلانات ونحوها، وكان ~~يحررها كاظم الدجيلي، ثم رئي إيقافها والاستعاضة عنها بجريدة رسمية أنشأتها ~~الحكومة باسم «الوقائع العراقية». # وقد احتفظت حكومتنا بتعبير «الوقائع» في الشرق لجريدتي السلطان محمود العثماني ~~ومحمد علي باشا خديوي مصر، برز العدد الأول من «الوقائع العراقية» في كانون الأول ~~(ديسمبر) سنة 1923، على أن تظهر ثلاث مرات في الأسبوع لنشر القوانين والأنظمة ~~والتعليمات والمراسيم والإرادات الملكية والبيانات الوزارية وإعلانات الحكومة، ~~وتدون ذيلا لها محاضر مجلس النواب والأعيان المؤلف منهما البرلمان العراقي، وخطر ~~لمؤسسيها من كبار موظفي وزارة الداخلية أن يجعلوها لأول وهلة جامعة لمباحث في ~~السياسة والعلم والأدب والأخبار الخارجية إلى جانب الشئون الرسمية، كما كان شأن ~~الوقائع المصرية في بدء حياتها؛ لذلك جعلوها بشكل مجلة في أعدادها الأولى، وفاوضوا ~~أحد محرري الصحف - رفائيل بطي - لتولي تحريرها، بل صدر أمر وزارة الداخلية بتعيينه ~~لهذه المهمة، فاعتذر فأوكل تحريرها إلى كاظم الدجيلي، واقتصر بعد تجربة قصيرة فاشلة ~~على إلباسها الثوب الرسمي فحسب. وهكذا كان ولا تزال تنشر إلى اليوم. # جريدة الموصل # رأينا كيف أنشأ الإنكليز المحتلون جريدة في البصرة وجريدة في بغداد، فلما أتيح ~~لهم أن يبلغوا مدينة الموصل فاحتلوها في خريف سنة 1918، ودخل جيشهم المدينة فعلا ~~بعد إعلان الهدنة، مما كان له تاريخ وحديث بين الدول الكبرى، وفي مؤتمر الصلح ~~بفرساي اهتموا فيما اهتموا به بجريدة «الموصل» الرسمية فاستأنفوا نشرها باللغة ~~العربية وحدها ثلاث مرات في الأسبوع، ولم يكن من السهل إيجاد أديب قدير يجيد ~~الكتابة العربية وهو ملم بالعمل الصحفي، فاستعانوا باثنين من أساتذة التعليم ~~هما سليم حسون والقس سليمان الصائغ، حتى تسنى لهم استقدام أديب صحافي ms035 لبناني هو ~~«أنيس صيداوي» لهذا الغرض، وهو من خريجي الجامعة الأمريكية ببيروت. وقد زاول ~~الصحافة بعد حصوله على درجتها العلمية، فزامل جرجي عطية الأديب البيروتي في جريدته ~~الأسبوعية «المراقب»، فأحست الحلقات الصحفية والأدبية بأثر هذا الكاتب في تحسين ~~مادة «المراقب» فلما قضت محنة الحرب على الجريدة طوحت بالصيداوي إلى الترجمة ونحوها ~~في الجيش البريطاني، فخلع هذا الأديب على جريدة «الموصل» ثوبا بهيا من الفكر ~~المثقف ثقافة حديثة، والأسلوب العربي المبين مع احتفاظها بالزي الرسمي، ويلقى فيها ~~متصفحها الآن مقالات وشذرات فذة في الحياة الصحفية العراقية في ذلك الطور، كما أن ~~أنيسا هذا عوض عن قيود الجريدة الحكومية الرسمية في الموضوعات السياسية بإفساح ~~المجال للأدب والاجتماع فيها، فصور الحياة الأدبية في مدينة أبي تمام تصويرا ~~باسما في فجر السلام بعد فواجع الحرب المدلهمة التي كابد في خلالها بلدي الويلات، ~~ومن بعضها القحط حيث مات كثيرون جوعا وأكل البعض لحوم البشر. وقد رأيت بأم رأسي ~~جماعة من المهاجرين الذين رحلوا إلى الموصل من بعض المدن التركية يتكالبون على ~~تقطيع أشلاء بغل نافق جروه من الشارع إلى أكواخهم. # وبدأت جريدة الموصل تشيد بالأدباء الموصليين وتبرز آثارهم، وفيهم من لم يعرفهم ~~عالم الطبع والنشر قبل ذلك نظير أحمد الفخري الشاعر، ومع أن «الموصل» لم تحتفظ بهذا ~~الرونق الأدبي، بعد أن تركها محررها عائدا إلى بلده بيروت محتفظا بذكريات طيبة ~~واطلاع على أحوال العراق، نثره في مقالات مفيدة في «الهلال» ومجلة الكلية البيروتية ~~وغيرهما؛ فقد عاشت حتى إذا أنشئت جرائد أهلية في تلك الحاضرة، ووجدت جريدة الدولة ~~الرسمية «الوقائع العراقية» التي تكفلت سهولة المواصلات الحديثة بتوزيعها في أنحاء ~~القطر في وقت قصير، لم تجد الحكومة مبررا لبقاء جريدة رسمية خاصة في الموصل ~~فأوقفتها سنة 1934. # في حلكة الحكم العسكري لقوات الاحتلال خنقت الحرية الفكرية، وحالت دون صدور أية ~~جريدة سياسية غير الجرائد الرسمية، ويعتبر محمد مهدي البصير في كتابه «تاريخ ~~القضية العراقية» هذه الظاهرة من أخطاء حكومة الاحتلال. وقد حلل هذا الخطر «بأن ~~مصادرة حرية الصحافة ms036 في العراق وجه رغبة العراقيين إلى قراءة الصحف السورية ~~والمصرية الحرة، وكانت حافلة يومئذ بالحملات على سياسة أوروبا، مفعمة بأنباء ~~التطورات السياسية في مصر والشام فعادت هذه السياسة على حكومة الاحتلال بالخسران، ~~بينما أرادت بعملها الكسب السياسي.» # ثم هبت على الشعب العراقي نشوة انتعاش وتطلع بعد أن انفض مؤتمر الصلح في باريس عن ~~«معاهدة فرساي». وقد حركت أفكارهم وعود الحلفاء وعهودهم وخطب رجالاتهم ومناشيرهم، ~~وفي مقدمتها منشور الجنرال مود على أهل بغداد عند فتحها بجنوده الملونين، وينص فيه ~~على أنهم جاءوا محررين لا فاتحين، ودعوة الرئيس ولسن الأمريكي التحريرية ومواده ~~الأربع عشر المزعوم أنها وضعت لتخليص الإنسانية من الاستعباد، كما طفق الضباط ~~العراقيون يعودون إلى مواطنهم وبينهم من اشترك في الثورة العربية، وكانت تلهب ~~الأذهان على شطآن دجلة والفرات الصحف العربية التي تحملها برد الجيش البريطاني ~~نفسه وتوزعها هنا وهناك في بغداد والحواضر، بينها جريدة «القبلة» لسان الملك ~~المنقذ في الحجاز المتدفق بالحماسة للثورة، و«المقطم» و«الكوكب»، وكان «المكتب ~~العربي» الذي أنشأه الإنكليز في القاهرة يغذيهما بالمقالات الرنانة في تحبيذ ثورة ~~الحجاز، ووصف مظالم العثمانيين والإشادة بيقظة العرب وحقوقهم في الحرية والاستقلال، ~~دعاية صاخبة منظمة حشدت لها الرءوس المفكرة في سبيلها، وأنفقت الأموال ~~الضخمة. # يضاف إلى هذه البواعث قيام الحكومة العربية في الشام بعد أن احتلها جيش الخلاص ~~بقيادة الأمير فيصل بن الحسين. وقد تولى الكثيرون من الضباط والمثقفين العراقيين ~~مناصب خطيرة في حكومة الشام الجديدة، فلما كان يفد العشرات من هؤلاء الضباط ~~والمدنيين على مسقط رءوسهم في أحياء بغداد ومرابع الموصل، كانت حقائبهم حافلة بصحف ~~دمشق وهي تلتهب بوهج البعث القومي، في هذا الغليان السياسي أرادت حكمة إنكلترة أن ~~تطوي صفحة الحكم العسكري الاحتلالي بحكم مدني بريطاني أيضا، ولكنها تلكأت في منح ~~«حرية الصحافة» لأبناء الرافدين، فعند توقف جريدة «العرب» صدرت جريدة باسم ~~«العراق»، ومنحت الحكومة الاحتلالية امتيازين آخرين لجريدتين؛ الأولى بعنوان ~~«الاستقلال» والثانية باسم «الشرق». أما وجريدة الاستقلال من ألسنة الثورة التي ~~سنتحدث عنها في المحاضرة الخاصة بصحافة «الثورة ms037 العراقية» فلأنجز بحث الصحافة في ~~العهد الاحتلالي بعرض حياة الصحيفتين الأخيرتين، وهما جريدتان أهليتان ~~مستقلتان. # جريدة العراق # إن جريدة «العراق» أقدم جريدة أهلية بعد الحرب الأولى، عاشت سنين وأشغلت حيزا ~~في تاريخ الصحافة؛ فقد أذاعت جريدة العرب في العدد الأخير منها يوم 31 أيار (مايو) ~~سنة 1920 هذا الخبر بعنوان «جريدة يومية جديدة»: # يصدر غدا العدد الأول من جريدة «العراق» وهي جريدة يومية تبحث في ~~السياسة والأدب والاقتصاد، لصاحبها الوحيد رزوق داود غنام، وهذا العدد من ~~جريدة العرب هو العدد الأخير ... # وحيث لم يكن ميسورا الحصول فورا على مطبعة جديدة عهدئذ فقد ساعدت الحكومة هذا ~~الصحافي مؤقتا بالمطبعة التي كانت تطبع لها «العرب»، وهي في أصلها مطبعة جريدة ~~«الزهور» التي صادرها الجيش المحتل، ولا سيما أن مؤسس العراق كان يشتغل في قسمي ~~الإدارة والتحرير في جريدة «العرب»، وهو ممن اعتنقوا الفكرة القومية في العهد ~~العثماني وعملوا في «النادي العلمي الوطني» في بغداد، فتعرض لغضب العثمانيين فنفي ~~في خلال الحرب كما ذكرت. # برزت «العراق» في 1 حزيران (يونيو) سنة 1920 تعالج السياسة والاقتصاد والأدب ~~بلسان عربي فصيح، وأخذت في خدمة الصحافة بالتحسين الذي تؤاتيه الظروف، ومع أنها ~~كانت تؤيد السياسة البريطانية بوجه عام فلم تكن تهمل واجبها كجريدة تشعر بالضمير ~~الصحافي، وتعزز النزعة الوطنية بطريقة إيجابية معتدلة مما أكسبها رضا كثير من ~~السياسيين، بحيث صاح محمد مهدي البصير «لتحي جريدة العراق»، بينما كان يخطب في ~~أحد المهرجانات الثورية في جامع الحيدرخانة في ليلة من ليالي بغداد البيض، تحت سماء ~~الكفاح النبيل، وفاضت أنهر العراق من بدايتها ببحث الشئون العربية لجميع أقطارها ~~وأيدت دعوة الملك حسين وأنجاله، وشادت بزعامة البيت الهاشمي بلهجة حارة واهتمت ~~بالأمور الاقتصادية، ومهدت في مقالاتها وتنوع أبوابها لأن تقوم المملكة على كيان ~~مكين في مفهوم الدول العصرية. # ومع أنها تنشر بأربع صفحات؛ فقد عنيت بالنواحي الثقافية والاجتماعية إلى حد ~~كبير، وصدرت أعداد سنوية ممتازة في مطلع حياتها، فجاء علمها في ذلك الحين نواة ~~النهضة الأدبية التي انعقدت براعيها ms038 في الحقل العراقي بعد الحرب. وقد كتب فيها غير ~~محررها رفائيل بطي وشكري الفضلي وحسن غصيبة وعطا أمين وسلمان الشيخ داود ومحمد عبد ~~الحسين وعطا عوم وغيرهم، وحاولت مرة في عهدها الأخير أن تجعل صفحة باللغة ~~الإنكليزية فيها فلم تنجح فكرتها فأقلعت عنها، وبقيت تصدر إلى أن أوقفها صاحبها ~~باختياره قبل ما يزيد على عشر سنوات. # جريدة الشرق # أما الجريدة الثانية «الشرق» فنهض لنشرها رجل فلسطيني ممن تزودوا ثقافتهم من ~~الجامعة الأمريكية في بيروت، وأتم دراسته العالية في جامعة كمبردج مختصا ~~بالاقتصاد السياسي، وهو «حسين أفنان». # وكان في زمن الحرب معاون آمر المعتقل للأسرى الضباط العراقيين والعرب في سمربور، ~~ثم أسند إليه منصب كبير في ديوان الحاكم البريطاني العام في بغداد بعد ~~الهدنة. # صدر عددها الأول في 30 آب (أغسطس) سنة 1920، وقال صاحبها في مقدمتها: # نرى أمامنا بلادا عم فيها الاضطراب وكثر الويل. وقد أخذنا في هذا ~~البحران على عاتقنا مسئولية إنشاء جريدة يومية سياسية عالمة بهول الموقف ~~ومصير الأمور. # إلى أن قال: # فالشرق جريدة حرة معتدلة مبدؤها خدمة البلاد، وغرضها نشر الأفكار الحرة ~~والمبادئ القومية وبث روح السياسة المسالمة ونشر الحقائق الناصعة، ولا ندعي ~~بأن الحق في جانبنا فيما نقوله في جميع الأحيان، غير أننا سنتحراه بلا تردد ~~ولا تأخذنا فيه لومة لائم. # لم تكن الشرق في حجمها وتبويبها وتحريرها تلفت النظر. وقد كتب فيها شكري الفضلي ~~ونشر على صفحاتها بعض الأدباء الناشئين مقالات ونتفا، منهم الكاتب القصصي محمود ~~أحمد المدرس وأذاع فيها الزهاوي بعض رباعياته. # وهي في مشربها تدعم السياسة الإنكليزية بقوة، وأحسبها الجريدة الوحيدة في قطرنا ~~التي جرأت فكتبت مقالات تحسن مذهب «الانتداب» في سياسة الشعوب، ونشرت مضابط في ~~تأييد الوصاية البريطانية أو الانتداب البريطاني على العراق من بعض شيوخ العشائر في ~~لواء ديالي، حتى إذا ما بدا موضوع تأسيس دولة العراق الجديدة قامت «الشرق» بدعاية ~~وزعامة طالب باشا النقيب وترشيحه لعرش العراق، وأضفت عليه الأماديح نظما ونثرا، ~~بينما زميلتها «العراق» دعت بحرارة لآل البيت الهاشمي وللأمير ms039 فيصل بوجه ~~خاص. # ثم كتبت صحيفة «الشرق» في عددها ال 25 مقالا بعنوان: «شكل الحكومات اليوم»، ~~تطرقت فيه إلى الموضوع الدائر في الإذاعات الرسمية الإنكليزية عن مستقبل العراق بين ~~إنشاء إمارة أو إقامة وصاية أو انتداب، وختمت مقالتها: إن الأجدى بالحكومة العراقية ~~أن تكتفي بالتأسيسات الحكومية وتكون لا ملوكية ولا إمارة ولا جمهورية ... # وبعد شهرين من حياة الجريدة أبطلها صاحبها في 17 تشرين الثاني (نوفمبر) سنة 20 ~~عندما وظف سكرتيرا لمجلس الوزراء العراقي. # | صحافة الثورة العراقية سنة 1920 # مجلة اللسان # إن المجاهدين العراقيين من أصحاب العقيدة في القضية القومية وتوجيهها نحو استقلال ~~العرب لم يثنهم إمساك السلطة الاحتلالية البريطانية عن الإذن بإصدار صحف سياسية يومية، ~~فداوروا بعد أن وقعت معاهدة الصلح في باريس في خلق أداة تعينهم على ذيوع فكرتهم وتعليم ~~الرأي العام في بلاد الرافدين فلسفة النهضة العربية، فحصلوا على امتياز بمجلة ~~شهرية صدرت في تموز سنة 1919 لتكون في مظهرها مجلة «تاريخية اجتماعية علمية أدبية ~~مصورة»، ولكنها في حقيقتها تخدم النهضة السياسية بأسلوب علمي أدبي، وجعلوا اسمها ~~«اللسان» رمزا «للسان العرب» التي كانت تنشر في إستانبول، ومحررها هو نفسه أحمد عزة ~~الأعظمي، وإن خلا غلافها من اسمه واكتفى بأن اتخذ اسمي صديقين له تسترا عن أعين ~~حكومة الاحتلال، فجعل صاحبها «علي رضا الغزالي» ومديرها المسئول «أنطون لوقا»، فكانت ~~أول صحيفة أهلية من صحف الدعوة للنهوض، ومواصلة المطالبة بحقوق الأمة في الحياة والمجد، ~~قالت في عددها الأول بعنوان «أمل وبيان»: # إن من ينظر في أحوال المجتمع العراقي الاجتماعية والأدبية، ويفكر فيما آل ~~إليه أمره، لا بد وأن تضطرب حواسه ويضيع صوابه، كيف لا وقد أصاب العراق في ~~السنين الأخيرة أمراض كثيرة ينوء بحملها؛ ضعف في الأخلاق، خلل في النظام، فساد ~~في التربية، فوضى في الاجتماع ... فغاية «اللسان» التي ترمي إليها ترتيل محاسن ~~المدنية العربية التي لعبت بها يد الأهوال منذ قرون على مسامع أبناء العراق ~~الأعزاء، وتذكيرهم بما كان لأمتهم من المكانة السامية بين الأمم والمنزلة ~~العليا من التمدن. ms040 # 1 # وقد واصلت هذه الصحيفة الدعوة العربية ونشرت ما يحرك المشاعر ويثبت الرشد إلى تدهور ~~الحال، منتهزة كل فرصة حتى الفرص الأدبية، فعندما نشرت مجلة «الهلال» سينية أحمد شوقي ~~«الأندلسية» جعلتها مجلة «اللسان» افتتاحية، علقت عليها بما يلهب العواطف ~~الوطنية. # وكانت إدارة المجلة ندوة يلتقي فيها العاملون في الجماعات السياسية الوطنية والعائدون ~~من الثورة العربية، والراجعون من المنافي والسجون ومواطن التشريد البعيدة، وظلت تنشر ~~ما يزيد على العام حتى إذا قررت الأحزاب السرية إصدار جريدة يومية وحصلت على امتيازها ~~سكت «اللسان» وسافر منشئوه إلى بعض أقطار العروبة. # جريدة العقاب # في خلال الحرب العالمية الأولى انقسم المنتمون إلى «حزب العهد» السري الذي أسسه شباب ~~العرب في الآستانة إلى شطرين؛ يعمل أحدهما لتحرير سورية، ويجاهد الآخر لتحرير العراق، ~~وقد كان مركز «حزب العهد العراقي» دمشق وأسس له فروعا في أنحاء العراق، وأنشط هذه ~~الفروع فرع الموصل، فطفق من أول إنشائه يهيمن على جريدة «العقاب»، وهي الصحيفة التي ~~أنشأها الأحرار العراقيون في سورية ويحررها أسعد داغر، وكان مكي الشربتي عاملا قويا ~~فيها، فأصبحت لسان حال هذا الحزب، واهتمت فروع الحزب في بلاد الرافدين بنشرها في ~~أرجاء القطر العراقي، فترسل كميات كبيرة منها إلى المثقفين في الرافدين وزعماء ~~القبائل. ~~••• # ويظهر أن السياسة البريطانية في العراق لم تكن قد استقرت بعد على خطة واضحة بشأن ~~الصحافة، بينما كانت رغبات الشعب ملحة في طلب الحرية للصحافة، فعندما اشتدت الحركة التي ~~أولدت ثورة سنة 1920 كانت «حرية الصحافة» مطلبا أساسيا في مطالب الشعب الثائر؛ ففي ~~أعنف المظاهرات التي سبقت تلك الثورة انتخب المتظاهرون وفدا من وجوهه إلى الحاكم العام ~~الإنكليزي، وجمع الوفد صفوة أحرار بغداد والكاظمية قابلوا الحاكم العام في مكتبه يوم 2 ~~حزيران (يونيو) سنة 1920، وقدموا إليه «مذكرة بمطالب الشعب»، فكان «المطلب الثاني منها»: # منح الحرية للمطبوعات ليتمكن الشعب من الإفصاح عن رغائبه وأفكاره. # وبعد أن اندلع لهيب الثورة نشر الشيخ حبيب الخيزران رئيس قبائل العزة كتابا مفتوحا ~~إلى الممثل البريطاني الذي أوفدته حكومته للتفاهم مع ms041 الثوار، بسط فيه مطالب الأمة ~~جازما بأن إعطاء الأمة هذه الأمور يكون السبب الوحيد لحل المشاكل حلا مرضيا - على ~~حد تعبيره - فكانت «النقطة الخامسة» من هذه المطالب: # إعطاء الأهالي حرية الاجتماع والصحافة ... # وفي وسط هذا المعمعان السياسي، والثورة متقدة، تذيع الصحيفة التي تنطق بلسان الأحزاب ~~الوطنية «مطالب الأمة السبعة» وفي رأس قائمة هذه المطالب: # إطلاق حرية الصحافة وتطبيق قانون المطبوعات العثماني إلى أن يسن غيره وفقا ~~لنظامات الاحتلال. # بذل الشعب كثيرا في ميدان ثورته سنة 1920 التي اعتبرها حربا استقلالية مقدسة، كما ~~قرر الباحثون في أحوال العراق، حتى من الأجانب أنفسهم، نظير فيليب آيرلند الأمريكي في ~~كتابه الثمين «العراق، درس في التطور السياسي»، وهو من خير ما كتب عن بلادنا في النهضة ~~الحديثة. وقد تذرع الشعب بشتى الوسائل لإنجاح الثورة وتحقيق الأهداف العليا التي قصدت ~~إليها من إظهار شخصيته شعبا حيا أبيا، فكانت الصحافة من هذه الوسائل ولا غرو ~~فقد فطن العراقيون إلى هذه الآلة الفعالة في كفاحهم السياسي قبل هذه المرحلة، فاستعانوا ~~بها في بعث الحركة القومية قبل الحرب العالمية الأولى - كما رأينا في المحاضرات السابقة - يوم وقفوا في وجه السلطنة العثمانية مطالبين بالتحرر من الحكم التركي. هكذا كانت لنا ~~صحافة ثورة سنة 1920، ولهذه الصحافة تاريخ وضيء على قصره بليغ في مراميه ~~ومدلولاته. # جريدة الاستقلال في بغداد # قرر فرع «حزب العهد» العراقي بالاشتراك مع بقية الأحزاب الوطنية السرية وهم يتدابرون ~~الخطط للثورة على المحتل الغاصب - بريطانية - إصدار جريدة تتابع حركة الإيقاظ، وألحوا ~~على حكومة الاحتلال في طلب الإذن للجريدة باسم «الاستقلال» فمنحتهم امتيازها بعد تردد ~~ومماطلة. وقد أخذ الامتياز باسم أحد أعضاء الحزب «عبد الغفور البدري» من الضباط ~~السابقين المشتغلين بالقضية العربية. # برزت جريدة الاستقلال في 28 أيلول (سبتمبر) سنة 1920 وقد رسم على صدرها أنها «جريدة ~~يومية عربية حرة»، ولكنها بسبب ندرة الورق ومصاعب الطباعة جعلت أسبوعية مؤقتة، وإننا ~~لندرك نزعتها القومية الواسعة الشمول من اسمها، فهي تعمل لما يهم العرب عامة والعراقيين ~~خاصة. # وقد بسطت الجريدة سياستها ms042 في عددها الأول، فقالت بعد تمهيد طويل في قيمة الجرائد ~~الحرة والصحف الوطنية بالقياس إلى غيرها: # الاستقلال منشور وطني حر يخدم أفكار العرب عامة والعراقيين خاصة يدافع عما ~~يدافعون ويطلب ما يطلبون، ولا يبالي إذا انزعج منه الخائنون، ولا ينتسب إلا إلى ~~الوطنية الصادقة، ولا يتكلم إلا بما يطابق أفكار الشعب، خطته الاعتدال والتبسط ~~في حالتي العسر واليسر، واجتناب الشتم والقدح والذم وغيره من النقائص التي تشين ~~الصحافة وتعيبها، كما أنه سيبذل قصارى جهده في تقويم المعوج وإصلاح الفاسد، ~~فيقابل الاقتراح النافع بكل ارتياح ويصغي لنداء الوطنيين بملء أذنيه، ويقرع ~~طنبوبه لمن يستصرخه لنصرة الأمة ضالته مسماه «أي الاستقلال» وأمنية الشعب هي ~~غاية ما يتمناه، ثابت في عزيمته مثابر على مسلكه لا يقعقع له بالشنان ولا تزلزل ~~أركانه الأراجيف. # تولى تحير «الاستقلال» قاسم العلوي، كما كتب فيه الكثيرون من رجال الأحزاب الوطنية ~~غفلا من التواقيع، وساهم في كتابته بأسمائهم محمد مهدي البصير من مشهوري خطباء الثورة ~~التي نحن بصددها، وسلمان الشيخ داود. # وأعظم ما صرفت إليه الجريدة جهدها المقال الافتتاحي، وكان العهد عهد مقالات فكان في ~~الغالب يعالج القضية العراقية ويطالب بفسح لمجال الحرية، ويبرهن على استعداد الشعب ~~للاستقلال. وقد عنيت الجريدة بمشروع الحكومة العراقية المؤقتة التي كونتها سلطة ~~الاحتلال البريطانية تخلصا من أزمة الثورة، وتمهيدا لتأسيس دولة العراق. # ناصرت «الاستقلال» أول ما ظهرت سياسة البيت الهاشمي في النهضة، وعضدت حركة الملك فيصل ~~في دفاعه عن سورية وبقية بلاد العرب، وكتبت تعليقات تؤيد ثبات هذا الزعيم في ~~موقفه. # وما قدم السر برسي كوكس مندوبا ساميا لبريطانيا في العراق ومبعوثا خاصا لتنفيذ ~~سياستها الجديدة في بلاد الرافدين حتى هرع إليه مدير صحيفة الاستقلال، وحصل على ~~حديث سياسي منه، وفي ذلك الحديث بيان واضح عن السياسة التي اختطها السر برسي لمعالجة ~~الوضع العراقي قال: # إن بالإمكان عقد الاجتماعات السلمية، وإصدار الصحف بعد الحصول على إذن الحاكم ~~العسكري - البريطاني - وأنه يود إخماد الثورة بالتفاهم، وسيأتي وقت بعد انعقاد ~~المجلس التأسيسي وقيام حكومة العراق ms043 الدائمة التي تنشئ الجيش الوطني يتسنى فيه ~~سحب معظم القوات البريطانية لتحل محلها القوات الوطنية. وقد رحب بكل وفد يتوسط ~~بين زعماء الثورة والحكومة الإنكليزية ويسعى لإخماد نار الحركة. # وقد جاهدت «الاستقلال» في شرح أسباب الثورة، وهي مشتعلة الأوار، وتحليل عوامل ~~الاستياء والنقمة من حكومة الاحتلال، ومما تذرعت به شعر حماسي تنشر أبياته يوميا، وهو ~~من نظم محمد مهدي البصير، وطالبت الحكومة المحتلة بحرية الصحافة وكتبت في فوائد ~~الأحزاب، وتولت تنفيذ ما ورد على ألسنة بعض الرجال البريطانيين في مجلس العموم وغيره، ~~ومزقت أراجيف بعض صحف الخارج عن العراق التي شاءت أن تشوه جهاده الوطني. # وكان المرء يحس وهو في إدارة هذه الجريدة أنه مؤسسة شعبية وطنية وناد سياسي مكتظ ~~بالمكافحين، حركة نشيطة يشترك فيها جماعات من الأهلين من طبقات الشعب، هذا يتبرع بالمال ~~وذاك يكتب وآخرون يتبرعون بتسيير إدارة الجريدة، وذلك يبدي الأفكار ويوجه، وتلف ~~الجميع حماسة جارفة، ويجب ألا ننسى أن العمل الصحافي لم يكن معروفا في بلادنا في تلك ~~الأيام على الطريقة الفنية الحديثة، وكان كل ما في الجريدة وإدارتها يرمز إلى هدف ~~الاستقلال العربي، حتى إن «لافتة» الجريدة على باب الإدارة كتبت بالألوان المربعة ~~«الأبيض والأسود والأخضر والأحمر»، وهي ألوان العلم العربي الذي حمل إبان الثورة في ~~الحجاز، قبل أن يرفرف في سماء السواد علم عراقي. # وهناك حقيقة يحسن تسجيلها: أن صدر حكومة الاحتلال الإنجليزية كان رحبا إزاء ما تكتبه ~~جريدة الاستقلال، فأفسحت مجالا لا بأس به من حرية الصحافة مما لم نجده بعد ذلك مراعى ~~دائما في عهد الاستقلال. # ومن آيات خدمة هذه الصحيفة مقالاتها في التسامح والإخاء بين أهل العراق على اختلاف ~~أديانهم ومذاهبهم وتوثيقها عرى الاتحاد الوطني بينهم. # ولم تكن الجريدة تهمل الناحيتين الأدبية والاجتماعية، إلا أن الصفة السياسية كانت ~~الغالبة حتى على القصائد التي تنشرها. # وأسلوب الكتابة فيها متين، ولكنه غير مقسم بالجدة في التعبير العصري في غالبه، كما أن ~~مواد الجريدة الأخرى وأخبارها الخارجية كانت كلها مفرغة في قالب المعارضة ووصف ms044 الحركات ~~الثورية وإرهاق الاستعمار لبعض أقطار الشرق. # كل أولئك أثر في إقبال القراء على جريدة الاستقلال بعد أن وجدوها تعبر عن إحساسهم ~~وتفيض بآرائهم وتنطق بأمانيهم. # فلما كان يوم 9 شباط (فبراير) سنة 1921. وقد عاد بعض المنفيين الوطنيين إلى بغداد صدر ~~عدد خاص من «الاستقلال» يحمل التهنئة للأمة بعودة رجال الجهاد، ويؤكد إعلان البرنامج ~~السياسي للكفاح بعناوين كبيرة وحروف ضخمة بارزة في صدر الصحيفة وهذا نصه: # نهنئ الأمة العراقية بقدوم منفيينا الكرام، ونطلب إرجاع جميع المنفيين بلا ~~استثناء، كما أننا نواصل الطلب في تنفيذ سائر المواد السبع وهي: ~~(1) # إطلاق حرية الصحافة وتطبيق قانون المطبوعات العثماني إلى أن يسن ~~غيره وفقا لنظامات الاحتلال. ~~(2) # إطلاق حرية الاجتماعات وتشكيل أندية سياسية رسمية. ~~(3) # إصدار العفو العام الخالي من كل قيد وشرط عن جميع المجرمين ~~السياسيين وإطلاق سراح المسجونين. ~~(4) # إرجاع المبعدين والمنفيين والسماح للمشتتين بالرجوع إلى ~~أوطانهم. ~~(5) # رفع الإدارة العرفية العسكرية والأحكام الكيفية التي أناخت على ~~الشعب العراقي منذ الاحتلال حتى الآن؛ لتتمكن الأمة من التفاهم مع ~~السلطات بكل حرية واطمئنان. ~~(6) # رفع المحاكم العسكرية والقضاة العسكريين والقوانين التي رتبت ~~أخيرا، وتطبيق القوانين الجزائية والحقوقية السابقة «بمقتضى ~~نظامات الاحتلال أيضا.» ~~(7) # الإسراع في الانتخاب الحر وتشكيل المؤتمر العام من دون مداخلة ~~رجال الاحتلال، وبدون أي تضييق على أفكار الأهالي بخصوص ~~الانتخابات، هذا ما طلبه الشعب العراقي وسيواصل الطلب بكل إلحاح؛ ~~لأنه يعتقد أنه لا يمكن أي مفاوضة تؤدي إلى التفاهم ما لم تنفذ ~~هذه المواد السبع. # فلما صدر هذا العدد وكان له تأثيره المدوي في المجتمع والشعب في هزة من عودة المنفيين ~~الأحرار عطلتها السلطة، ولم تتجاوز العدد السادس والأربعين بعد، وهذه مرحلة فذة في ~~تاريخ جريدة «الاستقلال» قامت عليها شهرتها ومنزلتها بعد ذلك، ولم تكتف إرادة المحتلين ~~بتعطيل الصحيفة، بل أوقف مديرها وأحد عشر رجلا آخر بينهم محررها وزملاؤه، وبعد مدة ~~قصيرة أطلق سبعة من هؤلاء الموقوفين ونفي اثنان منهم، وحكمت المحكمة على الباقين وهم: ~~صاحب الجريدة عبد الغفور البدري بالسجن لمدة سنة ورئيس تحريرها قاسم ms045 العلوي بالحبس ستة ~~أشهر ومحمد مهدي البصير من محرريها بالسجن تسعة أشهر، كما قررت المحكمة تعطيل الجريدة ~~سنة كاملة. # وقد عبرت كرترود بيل في رسالتها إلى أبيها المؤرخة في 13 شباط (فبراير) سنة 1921 عن ~~انهماك السلطة الإنكليزية في بغداد ذلك الأسبوع وتعبها في هذا الحدث، واعتبرت القائمين ~~بجريدة «الاستقلال» مهيجين، وروت أن قد حصل نقاش في موضوع تعطيل الجريدة، وارتأى السر ~~برسي كوكس أن تقوم وزارة الداخلية - في الحكومة العراقية المؤقتة - بذلك، وعدت العملية ~~قد نجحت نجاحا تاما. # هذه هي الجريدة البغدادية التي غذت حركة الثورة في العاصمة والمدن الأخرى، وكانت ~~مؤثرة في الأفكار العامة. وهكذا استطاعت الأحزاب الوطنية التي تعمل في الخفاء أن تنجح ~~في مشروعها الصحفي الأول. # جريدة الفرات # أما في ميدان الثورة نفسها، وفي مركز قيادتها النجف الأشرف، فسبق لباقر الشبيبي ~~الكاتب الشاعر ومن الساسة المشتغلين بالقضايا الوطنية والقومية أن أنشأ جريدة باسم ~~«الفرات»، بمعنى أنها تصدر في البقعة التي تتقد فيها الثورة. # وكان القائمون بالثورة ومنظموها أرادوا أن يتوسلوا بالصحافة لبث روح التآلف وتشجيع ~~الثوار ونشر أخبارهم وإرسال النصائح والإرشاد إليهم، كما تقوم صحفهم بنشر مساوئ ~~الاستعمار وأعمال البريطانيين في العراق. # شرعت «الفرات» في أداء واجبها في 15 أيلول (سبتمبر) 1920 غرة محرم 1339ه مطبوعة في ~~إحدى مطابع النجف. أما ورقها فمما سيطرت عليه حكومة الثورة من الطاغية المعدة لطبع ~~الكتب هناك، اعتبرت «الفرات» لسان الثوار تفصح عن آرائهم وتشرح تعاليم الحركة ~~الاستقلالية، ولم تقتصر على آراء رجال السياسة وشيوخ القبائل، بل عدت مجالا لنشر آراء ~~العلماء المجتهدين من أقطاب الدين وفتاواهم وخطبهم في اليوم الأحمر، وبدت الجريدة بلهجة ~~صارخة وكتبت بدم القلب لا بحبر القلم، وحصرت بحثها في الشئون السياسية وكتابة المقالات ~~الاستفزازية وإذاعة الخطب التي تلقى في محافل الثورة في القرى، بينها خطب الحاج الشيخ ~~عبد الواحد سكر وغيره من الزعماء. # يضاف إلى ذلك التعليمات عن القتال والحركات الحربية في ميادين الثورة، ولا سيما حسن ~~معاملة الأسرى والعناية بالجرحى. # وأما أخبار الثورة ووقائعها ms046 اليومية في ساحاتها المنوعة فقد خصصت لها «الفرات» ملاحق ~~تنشرها علاوة على أعدادها، وهي الجريدة العراقية الوحيدة التي نشرت «قرار المؤتمر ~~العراقي» المنعقد في دار البلدية في دمشق في 7 آذار (مارس) سنة 1920، ونودي فيه ~~باستقلال العراق - يوم نودي باستقلال سورية وملكية فيصل عليها - وقد أرسل هذا القرار ~~إلى الجريدة مع رسول خاص من الشام، كما حملت خطب الملك فيصل في عاصمته دمشق وبثت رسالة ~~البيت الهاشمي في بعث الأمة بعثا سياسيا منظورا. # ويلوح أن الجريدة توقفت مدة قصيرة ثم استأنفت الصدور بعددها الخامس وقد جاء فيه : # تعود «الفرات» إلى الصدور بإيجاب من الهيئة العلمية وزعماء النهضة العربية، ~~والأمل أن أولياء الأمور الذين قاموا بنشر هذه الصحيفة الحرة واهتموا بإظهارها ~~وصمموا على استمرار إصدارها سوف يستمرون على القيام بشئونها وضمانة حياتها؛ ~~لتعيش كما تعيش الصحف الراقية ذات المبدأ الصحيح، فيكون لها مكان عال وشأن في ~~العالم رفيع. # نعم، إن الهيئة العلمية لن تنفك عن العناية بأمر الصحافة، وسوف تخلد ذكرا ~~مجيدا لها في تاريخ النهضة العراقية بإصدار الفرات. وقد بشرتنا باهتمامها ~~وتصدي القائمين بها من رجال الفضل بتوسيع حجمها وإصدارها مرتين في الأسبوع، ~~وسيكون ذلك في القريب، كما سيطرد تحسينها مع ملاءمة الظروف والأحوال، فالفرات ~~تعود اليوم كما كانت في البدء بتحتيم كبار الأمة. # وكانت الأيدي تتخاطف جريدة الثورة هذه ويقرؤها الناس بلهفة في سائر البلاد، ولا سيما ~~في مسرح الثورة وصفوف المقاتلين، كما أنها كانت ترسل إلى خارج العراق، فتبلغ سدة ملك ~~العرب في الحجاز، جلالة الحسين بن علي فيعنى بتتبعها بدقة، وتصل بلاط الملك فيصل في ~~الشام وتنتهي إلى سائر المهتمين بالحركة القومية في سورية وغيرها. # غير أنه بعد أن خفتت الثورة بعض الشيء، وتفرق كثير من زعمائها في أنحاء غير متقاربة، ~~توقفت عن الصدور غير متجاوزة العدد الخامس. # وها أنا أورد مثالا من منشورات «الفرات»: # إن الوطن الذي ألزم كل فرد منكم بالدفاع عنه يلزمكم أيضا بأن تراعوا الشروط ~~الآتية: ~~(1) # يجب على كل رئيس قبيلة أن يفهم ms047 كافة أفرادها بأن المقصود من ~~هذه النهضة إنما هو طلب الاستقلال التام. ~~(2) # أن يهتف للاستقلال كل من في ميادين القتال. ~~(3) # يجب تأمين الطرق وحفظ المواصلات بينكم وبين مناطق الثورة في ~~البلاد. ~~(4) # يلزم التمسك بالنظام وتدبير الحركات ومنع الاعتداءات، فلا نهب ~~ولا سلب ولا ضغائن قديمة ولا أحقاد. ~~(5) # من الواجب بذل الهمة لحفظ الرصاص، فلا يجوز إطلاقه في الهواء ~~بدون فائدة. ~~(6) # يجب الاعتناء بالأسرى ضباطا أو جنودا إنجليزا أو ~~هنودا. ~~(7) # يجب إبقاء أدوات التلغراف والتليفون وحفظ الأعمدة، فإن في حفظها ~~منافع عظيمة للأمة، نعم يجب قطع الأسلاك البرقية إلى حد تنقطع ~~معه مخابرات الحكومة المحتلة. ~~(8) # يجب الاهتمام بقلع السكك الحديدية، ولا سيما نسف الجسور والقناطر ~~التي يمر منها القطار. ~~(9) # يجب الاحتفاظ بما يقع تحت أيديكم من عربات النقل والسيارات ~~والمراكب. ~~(10) # يجب حفظ المدافع والرشاشات، ولا يجوز تخريب آلاتها وتفريقها ~~مطلقا؛ لأنها من أكبر وسائط الفوز وأعظم وسائل النصر. ~~(11) # يلزم حفظ الذخيرة المغتنمة كالرصاص والقذائف والقنابل وسائر ~~أنواع البارود. ~~(12) # لا تهدموا محلات الحكومة وأبنيتها إلا إذا كانت معقلا ولا ~~تتلفوا أثاثها لاحتياجكم إليها في المستقبل. ~~(13) # إذا أسقطتم مدينة أو قرية فلا تتركوها منحلة، بل الواجب ترتيب ~~حكومتها المؤقتة. ~~(14) # حافظوا على المستشفيات وكافة أدواتها وأجزائها. ~~(15) # ارفقوا بجرحى خصومكم الساقطين في الحرب، فلا شيء يستحق الرفق ~~والعطف مثل الجريح الذي يعاني من ألم جراحه ما يدمي القلوب ويبكي ~~العيون. # وهذا مثال مما كتبه باقر الشبيبي في «الفرات» في العدد 5 المؤرخ في 3 محرم الحرام ~~سنة 1339ه، قال بعد تمهيد يتصل بالجريدة واستئنافها الصدور: # رأي الأمة وكتاب الحاكم العام # وقفنا على صورة كتاب الحاكم العام إلى المقام الروحاني المنتشر في جريدة ~~العراق المؤرخة في 30 آب (أغسطس)/17 ذو الحجة سنة 1338، وفي منشورات مستقلة ~~وزعتها الطيارات، فشكرنا تودده للمقام العالي، ولما كان مشتملا على أشياء لا ~~تتفق مع مراده، بل كانت على العكس نقيضا للغرض الذي أفاض فيه رأينا إيقافه على ~~جلية الأمر، وإطلاعه على رأي الأمة الأخير، فينكشف لعدل الدول من ضلل الناس ~~وطوح ms048 بالبلاد والعباد، ثم نسأل الدول بعد ذلك أن تحكم على مسبب المصائب في ~~العراق لينال لعنة العالم المتمدن. # هون عليك يا ممثل الدولة الإنكليزية، إن الأمة التي ناصبتها العداء وحكمت ~~فيها السيف فأرقت دماءها وأزهقت أرواحها عداء محضا وتحكما صرفا، بلا خوف من ~~الحق ولا وجل من العدل، ستقف وإياك أمام محكمة التاريخ ليعلم من هو المجرم الذي ~~أتلف النفوس وجنى على البشرية بلا رحمة ولا عطف، فالويل لمن صبغ الأرض بدماء ~~أبرياء. # يا ممثل الدولة الإنكليزية، ماذا صنعت أمة العراق المظلومة حتى تستحق من ضباط ~~الاحتلال هذا الفتك الذريع والتمثيل الشنيع والهتك الفظيع! أفعال تخجل منها ~~العصور الأولى، وتشمئز من فجايعها قرون الظلمة والظلم، ويل لكم يا ضباط ~~الاحتلال من ظلامة أمة كان جواب مطالبها الشرعية حز الرءوس وتوصيل الأعضاء وحرق ~~الجثث والتمثيل بالنفوس المحترمة، ليت الذين رفعوا مقامكم في العراق لتغرسوا ~~محبتهم في القلوب يشهدون ماذا أنتم تعملون وتقترفون، ليت الذين بعثوكم للحرية ~~والمساواة يشهدون فصلا واحدا من المأساة التي قمتم بها بظلمكم وتضليلكم، ~~فالمحنة التي أوجدتموها في العراق سوف تبقى آثارها بالمقام الرفيع. # يا ممثل الحكومة الإنكليزية، أنت بسياستك الرشيدة، بسلوكك العجيب، بحزمك ~~الغريب، بحصافة رأيك، برصانة عقلك، أنت بتدبيرك الحكيم أفسدت على حكومتك سياسة ~~أجيال في الشرق كله لا في العراق وحده، فأنت وحدك المسئول أمام الله وأمام ~~العدل والقانون عن الجرائم التي ارتكبتها في العراق من المظالم التي أنزلتها ~~بالأمة حتى امتلأت فيها دوائر ظلمك وغصت بها زوايا جورك، فأنت وحدك بإظهارك ~~العداء، وبإعلانك سفك الدماء، شوهت محاسن المدنية الإنكليزية، وكتبت لثلاثة ~~ملايين من أبرياء العراق أن تزول ثقتهم من كل بريطاني، وإن كان مثالا صحيحا ~~للعفة وطهارة الوجدان، فيا مسبب مصائب العراق، يا سفاح الإنكليز، لقد جنيت على ~~حكومتك الموقرة جناية ما روى التاريخ نظيرها لسفاح قبلك، أهكذا يكون جزاء الذين ~~رفعوا مقعد حكمك وأجلسوك على منصة لست لها وليست لك، هي للسياسي المحنك، للحاكم ~~الرشيد، للمدير القدير، منصة يتربع عليها العدل والإنصاف لا ms049 الظلم والاعتساف، ~~فويل لمن أقامك تمثالا للقسوة والغلظة. # يا ممثل الدولة الإنكليزية، أتعزي المقام الروحاني ومنك الرزية، أتعزيه بقولك ~~إن المقام يستوجب التعزية والتسليه لا التبريك والتهنئة في هذه الأيام التي ~~انتابت العراق وسائر الممالك، فيا حضرة الحاكم العام إن ما نزل بالأمة فمن ~~المصائب التي هيأت أنت أسبابها، فالأمة بريئة وأنت المذنب، ألست الذي سحقت ~~الحقوق ودست القانون فخنقت الأمة بما أعددته من الجيش المجهز بالنار ووسائل ~~الخراب والدمار، فأجهزت به على النساء والأطفال، على الشيوخ والكهول، ولوثت ~~البلاد الطاهرة بالشرور، كل ذلك لأن الأمة أبت أن تعترف بوصايتكم، أبت أن تعيش ~~في ظل حمايتكم؟ وأغرب من ذلك يا حضرة الحاكم أنك نسبت المصائب إلى فقيد الإسلام ~~بقولك: وكان هذا من آراء سلفكم، آل الله. أي الاعتداءات تغفرها لك الأمة؟ ~~أتعزيتك لشيخ الإسلام بما أنزلته من الرزايا على العرب والإسلام؟ أم نسبتك ~~المصائب إلى الفقيد الذي طالما حذرك من الغرور وألفتك إلى عواقب الأمور، ~~ونبهك إلى نتائج الاستهتار في ممانعة الأمة المظلومة، وعدم تمكينها من حقوقها ~~المهضومة، وإعطائها الاستقلال التام، وكم أراك في كتابه الأبيض فجر هذا اليوم ~~الأسود؟ # والله يا حضرة الحاكم العام! كيف تطاولت إلى ذلك المقام فتحاملت على عصمته ~~وتجاوزت على كرامته غاضا طرفك عما تركته في مهج المسلمين وأحشاء العراقيين من ~~الجروح التي هيهات أن تلتئم، ألم يكفك إذ قتلت نفسه الكريمة بجرائر جيشك وجرائم ~~أفعالك حتى بريت سهام تهمك إلى نزاهته، بهذا تريد أن تمكن صداقتك مع الأمة، ~~أهذه هي السياسة الرشيدة التي تنسب إلى الفقيد مصائب أحدثها عقوقك وغرورك؟ أهذا ~~هو السلوك وأنت مع هذا تقول في كتابك: «إنه - أي الفقيد - عبر في إحدى مفاوضاته ~~أنه يريد الصلح بين الحكومة والملة واجتناب سفك الدماء وإزهاق النفوس.» فما هذا ~~التناقض الغريب؟ نعم إنه طيب مثواه أرادك أن تلين فاستعصمت، وسألك أن تضع حدا ~~للظلم والاعتداء بإعطاء الأمة الاستقلال فأغضيت وثابرت على إنزال العقاب ~~والعذاب والأمة ساكتة، وأنت لم تسمع نصائح الفقيد ومواعظه البليغة، فكيف ms050 تريد ~~أن تبرر أعمالك؟ # ثم بعد ذلك تقول: «إن الحكومة كما هو المعلوم في أقطار العالم قد اعتمدت ~~دائما على الأركان الثلاثة وهي الرحمة والعدل والتسامح الديني.» فحبذا هذه ~~الأركان فإنها شعار الدولة الحرة، ولو صح باعتمادك عليها لما فر العراق من ~~وحشيتك وفر أبناؤه من وجه مظالمك، قد تظن بأن حكومتك الموقرة شادت على هذه ~~الدعائم فخامتها، ولكنك هدمتها بمقالع جورك وقسوتك وتعصبك، فويل لكم يا ضباط ~~الاحتلال. # أما الرحمة، وأينها منك يا قساة الرحمة! فضيلة تنحت عن قلوبكم وابتعدت عن ~~ضمائركم، الرحمة إحدى مميزات الإنسانية التي لا تعرفون معناها ، هي اسم عندكم ~~ومسماها ليس عندكم، وتشهد على ذلك قلوبكم بالقسوة ونياتكم بطحن العالم، فقد ~~خلقتم من بعضه تاريخا لشدتكم مكتوبا بالدماء المراقة «في الرميثة والحمزة» ~~وفي عرائس الفقراء، فكم بيت أوقدتم على من فيه النار فأصبح الرضيع ملتهبا، ~~والشيخ الفاني بجنب الأعمى وقودا لنيرانكم، لا يتميزون إلا بعد أن نجمع ~~أوصالهم التي وزعتها سيوفكم؟ وعلى هذا الحال استمرت رحمتكم «في الجربوعية ~~وبابل» حرقا تستغيث منه النار وقتلا أظهرتم فيه ضروب التمثيل، أهذي هي الرحمة ~~التي بنيتم عليها دولتكم، وأقمتم عليها سياستكم؟ إذن صفوا لنا قسوتكم حتى نهيئ ~~للعراق على حدوده محلا في الجو تجاور به النسور، فإنها أرحم منكم وأرأف! هل ~~نقابل بين رحمتنا ورحمتكم، فهي عندكم تبعيد الأبرياء من العلماء وأولاد الفقراء ~~والزعماء، وتعذيب المنفيين، والأسراء يئنون تحت القيود الثقيلة والأغلال ~~المؤثرة، قيود لا تصبر عليها أعناق الفهود. أما عندنا فلطف بالأسير وبر به، ~~ونظر إلى الأجنبي ملؤه العطف فنتفقد شئونه ونرعى أحواله ونسهر لترويحه ونحرص ~~على حياته، فالأسير عندنا غير أسير، والأجنبي كالوطني نساويه في الحقوق ونواسيه ~~في كل شيء، أخلاق أخذناها من شريعتنا وفضائل تلقيناها من مدنيتنا، فأين مدنيتكم ~~يا أدعياء التمدن ها فانظروا إلى رحمة رجالنا وكبارنا، واقرءوا رسائل علمائنا ~~في الرفق بأسرائكم، والرحمة بمرضاكم، انظروا كيف أوكل المقام الروحاني أمره إلى ~~من لزمه بذلك من المشاهير، فكتب إليه الرسالة الآتية: # بسم الله الرحمن ms051 الرحيم # سلام عليك وثناء على إخلاصك، وبعد؛ فغير خفي على نباهتك أن للأسرى في ~~الشريعة الإسلامية مكانة عالية، فالعناية بهم فرض، والتوجه إلى إكرامهم ~~حتم، وإني أوصيك أطال الله حياتك بتعهدهم على الاتصال، وتفقد أحوال ~~صحتهم ومعاشهم، ما داموا وديعة مقدسة وأمانة محترمة، فيلزمك البذل لهم ~~والتوفير عليهم، ويجب تصديك لتحقيق راحتهم أكثر من الأيام الماضية، ~~وإني قوي الأمل بأنك تنشط إلى هذا التكليف؛ لأنه شرعي مدني إنساني، ~~فواظب على الإنفاق عليهم حتى يتعين إلى نفقاتهم مورد خاص؛ فقد اعتمدتك ~~وأوكلت ذلك إلى عهدتك وألزمتك به ولا عذر لك، ودم مؤيدا . # شيخ الشريعة الأصبهاني # هذا مثال صغير من رحمتنا، فهل أظهرتم لنا شيئا من رحمتكم؟ نعم كفى ~~باستمراركم على الفتك بالأمة وغصب حقوقها الطبيعية شاهدا على رحمتكم وصدق ~~لهجتكم. # وأما عدلكم فقد تبيناه منذ تسلمتم أزمة البلاد التي أصبحت تئن من ظلمكم، فيا ~~حضرة الحاكم العام، لقد هدمتم هذا الركن بمقالع من السياسة التي أهلكت الحرث ~~والنسل وأتت على الأخضر واليابس، فتراب كل منطقة يشهد بأنكم سلبتم الحب حتى من ~~منقار الطائر، واستخرجتم المخ من العظم وضاعفتم الخراج أضعافا على الزراع ~~فأصبحوا يسألون الناس إلحافا، وأنتم تسألونهم فوق الجهد وتكلفون نفوسهم فوق ~~الوسع، أهذا عدلكم؟ نعم إن السجون والمنافي والديوان العرقي شهود على عدلكم ~~وبراهين على صدقكم، فأين العدل الذي تزعمون؟ أوفيتم بوعد أو ثبتم على عهد؟ ~~أين البيانات الرسمية؟ أين القطوع الدولية؟ أين عهود الطائف؟ أين الاستقلال؟ ~~أين الإدارات الوطنية؟ أين منشور «مود» وأين وثائق «مكماهون»؟ أكان من العدل يا ~~حضرة الحاكم أن تكموا الأفواه التي طالبت بالحق وتدفعوا طلاب الاستقلال إلى ~~المنفى؟ عقاب صارم وعذاب دائم وجرائر وجرائم، ثم تريدون الالتئام مع الأمة ~~وأنتم تريدون نفوسها للقتل وأموالها للاغتنام وأعراضها للفتك وأوطانها ~~للاستيلاء، أهذه هي العدالة؟ سلام الله على ظلم الفراعنة. # وأما التسامح الديني أو الدعامة الثالثة التي قام عليها بناء حكومتكم فدعوى ~~كاذبة تشهد عليها المعابد والمساجد وقبور الأئمة المقدسة، ولئن تقادم عهد حادثة ~~النجف، فحادثة مسجد ms052 الكوفة غضبة في أول النهضة. أما صيرتم ساحته هدفا لمقذوفات ~~الطيارات؟ أما خلطتم ترابها بلحوم المترهبين والمترهبات؟ أما داخلتم رءوس ~~الأطفال بصدور الأمهات؟ ألم تمنعوا مجالس المواليد وسائر الشعائر؟ أكان من ~~التسامح في الدين رمي جوامع المسلمين وحصر مجامعهم ومنع أعيادهم ومراسيمهم؟ هل ~~الاستيلاء على الأوقاف الإسلامية تسامح وتساهل؟ إذا كان هذا هو التسامح، إذن ما ~~هي معاني التعصب الأعمى؟ تحية على غلادستون، وثناء على الحروب الصليبية. # يا ممثل الدولة الإنكليزية، إن الأركان التي اعتمدتم عليها لا تقوم عليها ~~بيوت العناكب، فكيف تشيدون على أساسها الواهي دولة لا تدول وحكومة لا تزول؟ لقد ~~أوجبت أركانكم هذه أن يصافح العراقيون مدافعكم، ويعانقوا بنادقكم، ويستعرضوا ~~الكتائب من جيشكم، حتى يكتب الله انهدامها ويقيم على أنقاضها دولة عربية ~~قانونها القرآن وشعارها محبة الإنسان. # يا ممثل الدولة الإنكليزية، غريب منك وأنت على كرسي الحكم المؤقت، عجيب منك ~~وأنت ضيف ثقيل على البلاد أن تصف في كتابك شوكة الحكومة البريطانية وثروتها ~~بقولك: «ومن قبل أن تقع الحرب العظمى كان للدولة الإنكليزية التي شعارها ~~المسالمة جيش صغير للدفاع عن نفسها، فلما شرع الألمان والأتراك من تلقاء أنفسهم ~~... إلخ.» # فيا حضرة الحاكم إنا في غنى عن الإسهاب في بيان قوة الحكومة؛ فإنا نعرف ذلك ~~كما تعرفه أنت، نحن لا ننكر عظيم قوتها فإنها أم العدد والعدد، وذات الحول ~~والطول والقوة والاستعداد، إنها تستطيع أن تحشد نفس العدد الذي ألفته لقتال ~~أعدائها، وهي أم النقود التي تدلي بها من بحر بعيد العمق، ولكن العراقيين يا ~~أيها الحاكم قد تكاتفوا وتكافلوا وتعاضدوا وتساندوا، وقاموا للدفاع عن حياتهم ~~وتطهير بلادهم، لا يبالون بعددكم، ولا يكترثون بعددكم، تكاتفت نياتهم ~~وتوحدت غاياتهم، لا يتزايلون عن موقف ربضوا فيه كالأسود وثبتوا عليه كالجبال ~~للوصول إلى الغاية وأخذ الاستقلال، فإما للحياة وإما للموت، فالموت سعادة في ~~هذا السبيل، وحياة في الدفاع عن الحق. # يا حضرة الحاكم العام، لقد حشدت حكومتك الجيش الجرار، فحارب عن الحرية ودافع ~~عن المدنية وأنت تريد محو الأمة وإتلاف البلاد، ms053 تهدد بالفتح والاستعمار، وتهدد ~~بحشد جديد لإكراه العراقيين أم لتصديق «جئنا محررين لا فاتحين». # ثناء على حريتك وسياستك. أما قولك: «فأهل العراق قبلوا الدولة الإنكليزية ~~وكانوا مسرورين من إبقاء جيوشها في هذه البلاد لما غلبت الأتراك.» فرية على ~~أهل العراق، متى قبلوا بدولتكم وأصبحوا مسرورين من بقاء جيشكم؟ هذه وثائق ~~الانتخاب أدلة واضحة على استيائهم منكم ورفضهم بقاءكم رجالهم وأطفالهم كبارهم ~~وصغارهم، كلهم سواء لا يقبلون بكم ولا يميلون إليكم، وأنت تعرف ذلك حتى من ~~الآحاد الذين اصطنعتهم لخدمتك واستعملتهم لأغراضك، فيا حضرة الحاكم العام، كيف ~~تفتري على أهل العراق؟ ألم تطلع نفسك على رغباتهم التي تقف على تصريحاتهم؟ اذكر ~~موقفك في النجف إذ جئت تعمل لتبديل الوثائق الموقعة من السادات والعلماء ~~والأشراف من الرؤساء وسائر الطبقات، ألم يطلبوا فيها جلاءكم عن العراق ليؤلفوا ~~حكومة عربية لا دخل لأجنبي فيها؟ اذكر طوافك في الأنحاء وبماذا قابلك الأعيان ~~والزعماء؟ طالع يا حضرة الحاكم العام صحائف فشلك في العراق، فهل رأيت قبولا من ~~الأمة أو ميلا صادقا إليكم؟ أم تجابهك بالرد؟ أم تقابلك بالتصريح؟ فمن أي ~~القلوب تحققت القبول وفي أي الوجوه طالعت السرور؟ تخرص وتلفيق إلى هذا الحد ~~... أهذه هي المدنية؟ # وأما قولك: «ولكن لما رأى بعض المفسدين والمغرضين.» فقول مجرد عن الصدق، بعيد ~~عن الحق بين التحامل، واضح العداء، نسألك يا حضرة الحاكم العام بصلاحك ~~المعروف وإصلاحك المشهور، نسألك بحق الاستعمار والاستعباد، بحق الظلم ~~والاستبداد نسألك من هم المفسدون؟ نعم هم زعماء النهضة هم طلاب الاستقلال هم ~~رؤساء الدين هم أئمة المسلمين! # عجيب يا أيها الحاكم تحاملك الشديد على العلماء وقادة الرأي العام، زعمت أنهم ~~مفسدون، وبرهانك مطالبتهم بحقوقهم ودفاعهم عن حياتهم، أجوز لك القانون ~~أن تسمي المدافعين عصاة والعلماء مفسدين والأئمة مضللين؟ أهذه هي الأخلاق ~~الإنكليزية؟ سلام على علمك الواسع الغزير! # أما الحالة التي عبرت بأنها توجب الأسف، فإنها من نتائج تهوسكم وتجاوزكم من ~~قلة تدبيركم وتدبركم، فلو كنتم بالعهود وفيتم، وعملتم طبق العهود، فحققتم رغائب ~~الشعب المظلوم لحفظتم ms054 مكانتكم وثبتم في القلوب صداقتكم، ولكنك يا حضرة الحاكم ~~أنت دفعت الأمة إلى القتال، أنت أسلمتها إلى هذه الحال، أنت أتعبت جيشك بلا ~~دعوى، فأنت المسئول عن هذه الوقائع! # فيا حضرة الحاكم العام، إن المجلس العرفي الذي أمر حنانك بتأليفه لإعدام ~~الوطنيين، ونفي الشبان المخلصين، وسجن الأبرياء والمظلومين، جدير بأعضائه ~~العسكر أن يحاكموك، ومن أولى منك بالمحاكمة إذا كان للمجرمين وإذا أعد ~~للمذنبين؟ # يا أيها الحاكم العام، لقد قامت قيامتكم على القيصر غليوم، فأوجبتم محاكمته؛ ~~لأنكم نسبتم إليه جناية الحرب؛ فهو مجرم عندكم؛ لأنه مثير الثوائر بزعمكم، فإن ~~كانت شرائع الدول توجب قصاص المجرمين فأنت أولى بأن تقاصص وتعاقب؛ لأنك أكبر ~~مجرم على الإنسانية، أكبر مجرم على الحكومة البريطانية! # يا ممثل الدولة الإنكليزية، إن اعترافك بقوة الأمة العراقية يناقض استدراكك ~~العليل بقولك: «ولكن عددهم قليل وليس لهم من الدراهم إلا القليل.» فيا أيها ~~الحاكم إن الأمة قد اعتمدت في دفاعها على ثلاثة أركان: القومية والوطنية ~~والشريعة الإسلامية، فعندها الثبات إزاء اختراع الآلات، والعناية الإلهية بدل ~~المساعدة الخارجية، والقناعة عوض الزراعة، فالأمة صابرة على النزال حتى تنزلوا ~~على حكم الحق، مستمرة على النضال حتى تسترد الحاكمية. أما قولك: «ها قد بذل ~~العرب حتى الآن كل ما في وسعهم من الجهد، ولا يمكنهم أن يأتوا بعمل فوق ما ~~عملوا.» فيا حضرة الحاكم، إن العرب لم يبذلوا إلى الآن عشر ما أعدوه، ولم ~~يعملوا بعض ما يريدون أن يعملوه، فقوتهم في زيادة وأعمالهم إلى نشاط، ها قد جاء ~~الخريف وانتهى موسم الحصاد، وفرغ العرب من المشاغل الزراعية وأقبلوا على الحرب ~~الدفاعية بشوق عجيب وميل قوي، فازدادت جموعهم أضعاف ما كانت، وأما تهديدك بوصول ~~العساكر، فالأمة على علم من قوتكم ومعداتكم واستعدادكم للقتل والسفك، وليس بها ~~حاجة إلى إرسال معتمد يكشف لها ما هيأتموه من الوسائل الحربية! الله يا حضرة ~~الحاكم، ما هذه المضمرات العدائية؟ بهذا تستجلب نفوس العراقيين؟ ما أبعدك عن ~~الحكمة والصواب، كأن الوسائل الحربية وسائل للقضاء على الاستقلال والحرية، ~~أتطلب معتمدا ms055 لهذه الغاية، للاطلاع على الفظائع العسكرية، فأين ~~الإنسانية؟! # وأما قولك: «فبناء على أن النتيجة النهائية هي معلومة فلم يدوم سفك ~~الدماء؟» إنا نسألك ما هي النتيجة المعلومة، من جواز الحكم من المجهولات، هل ~~تيقنت أنها في جانبكم باعتمادكم على القوات العسكرية التي طوحتم بها ومزقتم ~~أوصالها؟ إنا لا نريد إطالة سفك الدماء، ولكنك تريد ذلك فضع حدا لاتهامك ~~وإيهامك، فإن الأمة قد كشفت نياتك السود، ووقفت على حقيقة أحوالك، ثم ما أغرب ~~قولك: «إن الحكومة الإنجليزية عملا بقواعدها ستجازي بعض الشيوخ وغيرهم الذين ~~ضللوا بالناس، وأسماؤهم معلومة عندي.» الله أيها الحاكم ، كيف نسيت قولك في صدر ~~الكتاب: «إن الحكومة الإنجليزية قد اعتمدت دائما على الأركان الثلاثة.» أكان ~~من الأركان الثلاثة أنها ستنتقم من المشايخ الذين أحرقت بيوتهم ونهبت أموالهم ~~وذبحت أطفالهم؛ لأنهم طالبوك بالاستقلال؟ ليسمع المشايخ نصيحتك هذه، ليقفوا على ~~حقيقة إخلاصك وماذا تعد لهم! # أيها الحاكم العادل! هل وراء ما يشهدونه كل يوم من ضروب الظلم وأنواع ~~الاعتساف، هل وراء التعذيب والانتقام شيء آخر من العذاب؟ ليطمئن بال «المشايخ ~~وغيرهم» فهذا عدلك وهذه رحمتك. أما طلب المفاوضة وتعيينك لها «حضرة الكولونيل ~~هاول»، فإن ذلك يعود إلى رأي المشايخ وأقطاب الأمة الذين قلت: إن الحكومة ~~الإنكليزية ستجازيهم عملا بقواعدها! فيا أيها الحاكم، إن الأمة عملا بقواعدها ~~الإنسانية، واعتمادها على أصول المدنية، لا تمتنع عن المفاوضات الدولية، ولكنها ~~لا تدخل في المفاوضة معكم إلا على الشروط الآتية: ~~(1) # سحب الجيش من البلاد. ~~(2) # إرجاع المنفيين. ~~(3) # حضور قناصل الدول في مجلس المفاوضة. # وخلاصة القول: «إن الأمة لا تريد إلا الاستقلال التام للعراق بحدوده ~~المعروفة، وهي لا تدخل في المفاوضة إلا على تلك الشروط.» # جريدة الاستقلال في النجف # وارتأى فريق من الثوار أن يؤسسوا «مكتبا للدعاية والأخبار» خاصا بالثورة وإصدار ~~جريدة تعاون أغراضها، وكان محمد عبد الحسين قد جاء النجف الأشرف من بغداد بنية ~~المساهمة بالثورة عن طريق الصحافة، فقدم يوم 15 أيلول (سبتمبر) سنة 1920 طلبا إلى ~~قائمقام النجف الذي نصبه المجاهدون السيد نور ms056 عزيز الياسري بأنه يروم إصدار جريدة باسم ~~«الاستقلال»، وصفاتها جريدة سياسية اجتماعية تنشر أربع مرات في الأسبوع، وهو يرجو منحه ~~الامتياز بذلك. # فأجابه القائمقام بأنه: «اجتمع «المجلس البلدي» وتذاكر مع «المجلس العلمي» - وهما من ~~تشكيلات حكومة الثورة - فقررا في 18 أيلول (سبتمبر) سنة 1920 الموافقة على طلبكم على أن ~~لا تخالف جريدتكم مبادئ الثورة المقدسة.» # وكان الشيخ علوان الحاج سعدون من أقطاب الثورة قد اقترح على عبد الحسين تسمية جريدته ~~«الثورة»؛ لأنه اسم تاريخي، ولا يستطيع صحافي أن يحصل عليه إلا في هذه الظروف، ولكنه ~~رفض هذا الاقتراح؛ لأنه عندما كان في بغداد وابتدأت المفاوضات السلمية تقدم بطلب إلى ~~حكومة الاحتلال بالاشتراك مع عبد الغفور البدري بإصدار جريدة باسم «الاستقلال» فرفضت ~~السلطة المذكورة طلبه، فجاء النجف مصمما على تحقيق رغبته من رجال الثورة الوطنيين. # 2 # ولما فاوض الصحافي صادق الكتبي ليطبع «الاستقلال» في مطبعته رفض رغما عما أغراه به ~~من الأجور الحسنة، فراجع صاحب الجريدة القائمقام، فأوعز هذا بوضع اليد على المطبعة ~~حالا لحاجة الثورة إليها في أغراضها، فصارت تطبع الجريدة. # ظهرت جريدة «الاستقلال» في 3 تشرين الأول (أكتوبر) في النجف كما أناطت قيادة الثورة ~~بمنشئها إدارة «مكتب الدعاية والأخبار» الذي أسسته، وعين رجلان من أنشط الضباط لتتبع ~~شئون الثورة وأخبارها، وتزويد مكتب الجريدة بها، وهما «ناجي حسين» و«جميل قبطان»، وكان ~~من حسن حظ المكتب أن ظفر بغنيمة باردة أطلعته على الشيء الكثير من خطط العدو؛ وذلك أن ~~الطائرة التي ألقت البريد على فصائل الجيش الإنكليزي المحصورة في نقطة الكوفة لم تستطع ~~أن تلقيه على مكان هذه القوة بالضبط، بل وقع قريبا منها فاستولى عليه الأهلون فحملوه ~~إلى مكتب الجريدة والدعاية، فأمدهم بمعلومات كانوا يحتاجون إليها. # واستعداد المطبعة وقلة الورق لم يمكنا جريدة «الاستقلال» من الظهور أربع مرات في ~~الأسبوع كما أرادت، وكتب الجانب الأكبر منها صاحبها ومدير سياستها يعاونه عبد الرزاق ~~الهاشمي، وهو من محرري مجلة «اللسان» التي ذكرتها آنفا. # كتبت في افتتاحية عددها الأول: # لقد آلمنا خلو البلاد ms057 من الصحف الوطنية وعدم اهتمام الكتاب وحملة الأقلام ~~بها في هذه الأيام الحرجة، فدفعتنا الوطنية إلى إصدار جريدة «الاستقلال» لترد ~~أضاليل المحتلين وتهمهم وتنشر مظالمهم البربرية، وترفع الستار عن حقيقتهم، ~~وتوضح مطالب الأمة المشروعة لدى العالم وتنشر أنباء المعارك والحوادث المحلية، ~~وتوقف الأمة على الحالة السياسية التي يتبدل مجراها كل حين، وتريها مستقبلها ~~الذي يتراءى من خلال الحوادث الجارية، وتوضح لها السبل التي يتحتم سلوكها لبلوغ ~~الغاية المقدسة، وتنقد أعمالها لتوقفها على النافع منها والضار شأن الجرائد ~~الكبرى الحرة في البلاد الراقية، ولكن كيف يتأتى ذلك ونحن على ما نحن عليه من ~~قلة العدة والوسائل؟ # وقد قاسى محررو جريدة «الاستقلال» بعض ما يعانيه صحفيو أوروبا وغيرهم في خلال الحروب، ~~حيث كانوا يكتبون أحيانا تحت أزيز القنابل التي ضربت النجف. # وتعرضوا لمراقبة حكومة الثورة وإنذار ممثلها والي كربلاء السيد محسن أبو طبيخ؛ إذ كتب ~~يوما مقالا افتتاحيا عنوانه: «الشتاء على الأبواب ماذا أعددنا لتطمين حاجة الثوار ~~في ميدان القتال؟» ومما ورد فيه: # ها قد حل الخريف وبدت طلائع جيش الشتاء قارس، وتلبدت الغيوم فما هو ~~واجبنا؟ وما عسانا عاملين؟ إذا هاجمتنا الرياح والعواصف وصبت السماء رحمتها، ~~ونحن لم نتخذ وسيلة تحمي الجيوش العربية المرابطة أمام العدو من برد الشتاء، ~~ولم نبد اهتماما كبيرا لما سيحيط بها في هذا الفصل، ونحن في وضع يستلزم ~~الاهتمام في أمر المجاهدين وتهيئة أسباب راحتهم. # فلم يكن من والي كربلاء المذكور إلا أن وجه إلى الجريدة بعد اطلاعه على هذا المقال ~~هذا الإنذار مؤرخا في 8 تشرين الثاني (نوفمبر) سنة 1920: # إلى صاحب جريدة الاستقلال # إن مقالكم المنشور في جريدتكم تحت عنوان: «الشتاء على الأبواب»، مما يثبط عزم ~~المجاهدين ويقلل من معنوياتهم، كما يعطي للعدو إحساسا بضعف الثوار، وعليه ~~ننذركم بهذا بلزوم عدم نشر كل ما يوحي بالضعف أو يدل على ذلك. # ونقل إلى صاحب الجريدة محمد عبد الحسين أن الهيئة المشرفة على شئون الثورة لم تشايع ~~والي كربلاء في رأيه فاعترضت عليه بكتاب رسمي. # وإليكم نموذجا ms058 من وصف جريدة الاستقلال لحصار الجيش الإنكليزي في الكوفة وعنوانه ~~«الحصار في الكوفة أو مقبرة الأعداء»: # لا يخفى أن جيش الأعداء المحصور في الكوفة قد اضمحل أكثره وتلاشى جوعا ~~وقتلا، رغما عن اتخاذه لكل وسائل الاحتفاظ، وتأكد بأنه استولى على البقية ~~الباقية منه الضعف والوهن، كما استولى عليه القنوط واليأس فأصبح وهو أسوأ حالا ~~من ذي قبل. # ضاقت دائرة حصاره واشتد عليه الخناق فبات وهو في دائرة أضيق من جحر الضب، هي ~~محل سكناه ومقبرة أصحابه وإصطبل خيله وبغاله، وتتخللها الرياح من جيف قتلاه ~~المتصاعدة من أشلائهم الخبيثة. وقد استعد للموت فشق في أطراف تلك الدائرة ~~أخدودا يلتجئ إليها ويحتمي بها من القذائف، ومن مرميات مدافعنا الضخمة التي ما ~~برحت تصب عليه العذاب صبا، وإذا أمعنت النظر في تلك الملاجئ التي اتخذها ~~العدو ترى أن زعيم هذا الحصار قد اختار له ولأصحابه محل الحصار مقبرة يقبر بها ~~تلك الجثث الأثيمة، ولقد جنى على نفسه وعلى جيشه المحصور جناية لا ~~تغتفر. # قام المدافعون عن حقوقهم والناهضون في طلب استقلالهم فشددوا عليه الحصار حتى ~~نفد ما عنده من مواد الغذاء، وانقطع رجاؤه من كل نجدة أو سبب يخلصه من تلك ~~الورطة التي وقع بها. # وأي نجدة تنقذه وقد تقلص نفوذ حكومته الجائرة من العراق حتى أصبحت أشغل من ~~ذات النحيين بسبب ما انتابها من رجال النهضة وزعمائها، التي انتقضت عليها ~~من كل مكان ومن كل جهة تطالب بحقها الصريح، وتدافع بنفوسها ونفسها عن استقلالها ~~الطبيعي بشعور يتوقد غيرة وحماسا، يمثل الشدة والبأس، ويظهر للملأ الحمية ~~العربية وكيف تدافع عن وطنها المحبوس، فتفديه بأرواحها. # أكرم بهذا الشعور الحساس الذي أدهش العالم الأوروبي، وأكرم بتلك الهمم ~~الشماء. # ولقد ارتأى الزعماء المحترمين الناهضين لتطهير بلادهم من رجس الاحتلال بأن ~~ينظموا جيشا من المتطوعين، ويؤلفوا قوة نظامية على قواعد مخصوصة. وقد خصصوا ~~بذلك كل ما يقتضي من اللوازم والمعدات وقرروا بتشكيل قوة الدرك في النجف ~~والكوفة، وستظهر إلى حين الوجود على أحسن طرز. # ثم خمدت الثورة ms059 بعد قليل فتعطل «الاستقلال»، ولم يفت العدد الثامن وهو رقم صغير، ولكن ~~عمل الجريدة وأثرها كبيران في تاريخ الكفاح والاستقلال. # | الصحافة بعد تأسيس الحكومة العراقية # انقضت على خمود الثورة العراقية فترة، وتوصل السر برسي كوكس المندوب السامي البريطاني إلى ~~شيء من إقرار الحالة، وسارت الحكومة المؤقتة التي ألفها برئاسة عبد الرحمن النقيب شوطا في ~~الأعمال التمهيدية لتأسيس مملكة العراق، وأسفر «مؤتمر القاهرة» الذي عقده الإنكليز في آذار ~~(مارس) سنة 1921 عن تقرير السياسة البريطانية في العراق بإنشاء دولة عراقية عربية، يرأسها ~~أمير من البيت الهاشمي مقيدة بالقانون، وعاد من الخارج كثير من الضباط العراقيين والمنفيين ~~بعد صدور العفو العام، فتجمع في قلب الوطن الذين شردتهم الحرب أو سياسة الاحتلال، وساعد ~~الجو السياسي على جمع الكلمة وتوحيد الصفوف، وانبعث الروح الوطني على وجه إيجابي بعد أن سكن ~~لهيب الثورة، وتوجهت الأفكار نحو بناء الدولة الناشئة. # في هذه المرحلة بدت الحاجة إلى صحافة نشيطة تنسجم مع الوضع، وتقوم بواجبها القومي في ~~تهيئة الأذهان للحدث الجديد، فنبتت الرغبة في إصدار الصحف، فسارعت الحكومة في منح الأذون ~~بها، وبعد أن كانت بغداد العاصمة محرومة من الصحافة إلا جريدة يومية واحدة هي «العراق» كما ~~رأينا، برزت في وقت واحد أربع جرائد جديدة هي «الفلاح» و«لسان العرب» و«دجلة» و«الرافدان»، ~~وطفقت أقلام البلد كلها تدعو إلى استقبال الصفحة الجديدة من حياة العراق بعودة الملك إلى ~~أهله الشرعيين، وقيام العرش العراقي على ضفاف دجلة بعد أن أضاعه العراقيون منذ سبعمائة عام، ~~ففاضت أنهر الصحف الأربع المذكورة مع جريدة «العراق» بالمقالات والأبحاث عن الدولة في فجر ~~تأسيسها، والتاج الجديد والعرش العتيد والمرشح للجلوس عليه، ومع أنه سبق للعراقيين يوم نادى ~~السوريون بملكهم العربي الأول في عصر اليقظة، أن نادى الاستقلاليون الذين تكلموا باسمهم في ~~دمشق بذكر مرشح للعرش العراقي، فإن صحافتنا في المرحلة التي نتحدث عنها قد اجتمعت على أن ~~الأمير فيصل بن الحسين هو مرشح الشعب لعرشه المفدى. # جريدة الفلاح # استهلت جريدة «الفلاح» كتاباتها بأنها تسعى للاستقلال التام ms060 بتأسيس حكومة دستورية ~~ملكية نيابية، ودعوة الأمير فيصل للجلوس على عرش العراق، و«الفلاح» جريدة سياسية أنشأها ~~في بغداد عبد اللطيف الفلاحي، ومع أنه من خريجي الكلية العسكرية في إستانبول فقد انصرف ~~إلى العلم والتعليم، فأنشأ في العهد العثماني مجلة «مكتب» - يعني مدرسة في اللغة ~~التركية باللغتين العربية والتركية - وأصدر في العهد الفيصلي في الشام مجلة «العلوم» ~~شهرية. # لهذا عنون جريدته «الفلاح» يوم ظهرت في 20 حزيران (يونيو) سنة 1921 بأنها «جريدة ~~سياسية علمية»، ولم يشأ أن يوقفها على السياسة، بل خص كثيرا من أعمدتها بالعلم ~~والأدب، ومما جاء بصدد خطتها حول المرشح للعرش: # أن يكون الرجل الذي نملكه علينا موضع ثقة الأمة، جامعا للصفات التي تؤهله ~~أن يكون ملكا عليها، وأن يكون عربي النزعة، شريف النجار ... # إلى أن قال: # فإن جاهرت الأمة بالدعوة للأمير فيصل فما ذلك إلا لأنها تراه جامعا للصفات ~~المذكورة، وتعترف بما سبق له على الأمة العربية من الأيادي الطائلة بالذب عن ~~حريمها والذود عن حياتها، وشهره السيف للمطالبة بحقوقها وإحياء مجدها القديم، ~~عدا ما اكتسبه من التجارب السياسية في طول احتكاكه بساسة الغرب، وما حصل عليه ~~من المكانة الرفيعة عند أهل الحل والعقد. # ثم انثنى صاحب «الفلاح» إلى نزعته العلمية فقال: # غير أن الفلاح ليست جريدة سياسية محضة، بل لها فوق غايتها السياسية أغراض ~~عالية علمية، ترمي إليها، ومقاصد شريفة أدبية تسعى نحوها ... إلخ. # وفعلا كانت هذه الجريدة على صغر حجمها حافلة بالبحوث الثقافية والفوائد، وتفننت في ~~نشر شذراتها العلمية في جوانب من العدد وبطريقة متسلسلة محكمة الطبع، بحيث يستطيع ~~القارئ أن يقتطعها ويجعل منها كتيبا كلما أنجز مبحث خاص منها، كما تناولت الصحيفة من ~~أول عهدها موضوع البعثات العلمية وتأسيس مجمع علمي في العراق وغيرها من الأبحاث الفنية ~~والعلمية، وحفلت أعدادها بأخبار مقدم الأمير فيصل ووصف مهرجانات استقباله وحفلات تكريمه ~~ومجالس مبايعته بالملك، مثبتة خطبه وأقواله في هذه المواقف. # ولم تستطع بوسائلها الطباعية أن تظهر يوميا، بل ثلاث مرات في الأسبوع، ولم تكن ~~واسعة الانتشار، ms061 إنما امتازت فوق عنايتها بشئون الثقافة عامة بنزاهة الكتابة وعفة ~~القلم، منعكسة عليها أخلاق صاحبها الرفيعة، فما كتبت كلمة نابية أو تعبيرا قارصا، ولم ~~تعمر طويلا؛ إذ نشر آخر عدد منها في 22 كانون الثاني (يناير) سنة 1922، مع أن مؤسسها ~~أعد لها مطبعة خاصة، ولكنه كف عن إصدارها فوظف مديرا للشرطة، ثم اشتغل بتدريس التاريخ ~~في بعض المعاهد العالية، وألف كتبا في موضوعات دروسه، وانتخب نائبا في المجلس ~~النيابي، وكتب في حياته البرلمانية مقالات تربوية في جريدة حزبه، بينما أشرف على سير ~~الجريدة وطبعها. # جريدة لسان العرب # أما «لسان العرب» فجريدة «إبراهيم حلمي العمر» الذي ورد ذكره مرات في هذه ~~المحاضرات، فعندما سقطت دمشق بأيدي الجيش العربي في الحرب العالمية كان يحرر في جريدة ~~«الشرق» كما ذكرنا، فأصدر في عهد سورية الفيصلي جريدة بدمشق باسم «لسان العرب» سنة ~~1918. وقد شاركه في أشغاله الصحافية فترة خير الدين الزركلي، فلما تبدلت الحال في ~~العراق نقل «لسان العرب» إلى بغداد حتى إنه في أول الأمر جعل عددها متسلسلا مع تلك ~~401، كما حسب سنتها (الرابعة)، ولكنه عاد في العدد الخامس فجعل رقمها وسنتها جديدين، ~~ومع أن لسان إبراهيم حلمي هذا في دمشق بعد أن حطمت قوة الاستعمار الغادر العرش الفيصلي ~~قد انطلق بما لا يرضي العرب، نراه أقبل إلى بلده يساهم في التمهيد لوضع التاج العراقي ~~على مفرق فيصل الهاشمي، وكتب في رأس «لسان العرب» الذي ظهر في 23 حزيران (يونيو) سنة ~~1921 أنها «جريدة يومية سياسية حرة»، واتخذ لها بعد ذلك شعارا في صدرها، غايتها خدمة ~~الأمة العربية، وها أنني أورد فقرات من خطته السياسية التي أعلنها، ومنها تدركون الطرق ~~المتمعجة التي سلكها الكاتب قال: # إن الخطة التي تجري عليها هذه الصحيفة هي الخطة التي نشأنا عليها وأيدناها، ~~وهي الخطة العربية المثلى بخدمة العرب عامة والعراق خاصة، على أن الناس يجب ألا ~~ينتظروا منا الميل إلى حزب والانحياز إلى فريق، إن جريدتنا عامة شعبية، لا ~~تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا عن حزب ms062 تنتسب إليه، بل هي حقل لآراء أبناء ~~الأمة. # وفي العدد الأول مقال عن الأمير فيصل بمناسبة وصوله البصرة، والمقالات الافتتاحية في ~~«لسان العرب» مكتوبة بأسلوب كتابي بارع عز نظيره في صحف العراق عهدئذ، لمران منشئها ~~وكفاءته الكتابية. أما بقية مواد كل عدد فليست ذات شأن في الفن الصحفي. # ونشأ صاحب الجريدة منذ العدد الثالث يتحدث عن «الصحافة البائسة» والسبب الذي حدا به ~~إلى جعل ثمن النسخة من جريدته آنتين - وكانت العملة الهندية هي المتداولة في العراق - بينما تباع الصحف الأخرى بآنة واحدة، وتطرق إلى سخاء كرام الوطن وجودهم في مؤازرة ~~المشاريع الوطنية. # ثم اصطدم في سنته الثانية بشعور الجمهور في قضية غير سياسية، مما اضطر إلى أن يوقف ~~صحيفته أسابيع استأنف بعدها نشرها باسم جديد هو «المفيد» في 11 نيسان (أبريل) سنة 1922، ~~وقد اختاره لها؛ لأنه اسم أول جريدة عربية دافعت في بيروت عن حقوق الشعب العربي في ~~العهد العثماني عندما أصدرها فؤاد حنتس والشهيد عبد الغني العريسي، وكان للكاتب العراقي ~~هذا في «المفيد» البيروتي مقالات وجولات، وتاريخ هذا الصحفي مليء بالتساهل والانتقال من ~~حال إلى حال، فسرعان ما غير لهجة جريدته «المفيد» وصار ينتقد سياسة الانتداب ~~البريطاني، وظاهر الحركة الوطنية، وتحدث عن المعاهدات والعهود بأنها «قصاصات ورق»، وكتب ~~افتتاحية عن «عصبة الأمم» تقدح شررا عنوانها: «سوق النخاسة في جنيف»، اهتزت لها ~~الأندية السياسية، وأخذ يناقش بعض الكتاب والنواب الإنكليز في السياسة العراقية ~~والقضية العربية، وأيدت جريدة «المفيد» حركة المقاومة لسياسة الانتداب، وكتبت مقالات ~~عنيفة، ونشرت في 23 آب (أغسطس) سنة 1922 منشور الحزبين المتضامنين «الحزب الوطني» و«حزب ~~النهضة» في وصف وضع البلاد المضطرب، فصدر قرار المندوب السامي البريطاني - وقد تسلم ~~السلطة في ذلك الظرف لمرض الملك - بتعطيل الجريدة والقبض على صاحبها وإبعاده في ضمن ~~قراره بإقفال الحزبين المذكورين واعتقال زعمائهما، فلم يكن من إبراهيم إلا أن اختفى عن ~~الأنظار، ثم فر إلى إيران، وعاد إلى إصدار «المفيد» في 25 أيار «مايو» سنة 1924 بعد أن ~~قاسى سنتي هجرة وتشريد ms063 وحرمان. # وفي أحد مواقف المعارضة للوزارة القائمة كتب صاحب جريدة «المفيد» مقالة بعنوان: ~~«المستقبل المظلم»، يوم 14 كانون الثاني (يناير) سنة 1926 عير فيها الذين في دست ~~الحكم بأنهم كانوا ضد دولة الخلافة في أيام الثورة العربية، وهم يسلكون اليوم هذا ~~المسلك، «يريد عقد المعاهدة التركية لسنة 1926»، وختمها بهذه العبارات: # قد أضاعوا المنطق، ونخشى أن يكونوا أضاعوا معه كل شيء. حتى المقدسات الوطنية، ~~بل حتى الارتباط بأمجاد التاريخ، ولكن ما قيمتهم في نظر أمة صممت على اتباع ~~واحد من أمرين: # إما أن تموت في سبيل أمنيتها الوطنية، وإما أن تظفر بغاياتها القومية الكبرى، ~~والمستقبل كشاف؛ لأن سواد الليل لا يدوم فلا بد من فجر ينبثق في هذه الديار ~~الظامئة إلى حريتها واستقلالها. # فغضبت الحكومة على الصحافي لحملاته المتكررة، فألغت امتياز جريدته بحجة أن صاحبها وهو ~~من هو في براعة الكتابة الصحافية لا يحمل شهادة مدرسية عالية، المفروضة قانونا في ~~المدير المسئول للجريدة السياسية، وبهذه الخاتمة انتهت حياة جريدة «المفيد». # جريدة دجلة # وجريدة «دجلة» أصدرها المحامي داود السعدي - وهي جريدة عربية سياسية اجتماعية حرة - في 25 حزيران (يونيو) سنة 1921، تولى تحريرها بادئ ذي بدء حسن الغصيبة، ولكنه تركها ~~بعد بضعة أعداد؛ فحل محله رشيد الهاشمي. # ومع أن الشبهات قد حامت حول سياسة هذه الجريدة تجاه قضية البلاد الكبرى، وهي نصب ~~العرش العراقي وإجلاس الأمير فيصل عليه؛ فقد قالت في فاتحة عددها الأول: # كل غايتنا التي نرمي إليها استقلال البلاد استقلالا تاما، وتأسيس حكومة ~~دستورية ذات ملك مقيد بقوانين توافق روح البلاد، وتلائم مصلحة الشعب، وتأليف ~~مجلس تشريعي له سلطة واسعة يؤلف ممن يعتمد الشعب عليهم ويثق بصدق ~~وطنيتهم. # ورغما عن هذا العهد الذي قطعته الصحيفة لقرائها؛ فقد كانت ديباجة دجلة تختلف عن ~~زميلاتها في القضية الأساسية، بحيث اضطر صاحبها تجاه التيار القوي ضد الجريدة إلى أن ~~ينشر مقالا افتتاحيا بتوقيعه في العدد التاسع عنوانه: «نحن والمغالون»، تبرأ فيه مما ~~يلصقه به البعض من أن جريدة «دجلة» ترمي إلى فكرة جمهورية في ms064 نوع نظام الحكم للعراق، أو ~~أنها تريد تتويج عراقي على المملكة العراقية حتى رموه بأنه يقاوم الأمير فيصل، فأوضح في ~~مقاله هذا «بأنه يؤيد ترشيح أحد أنجال الملك حسين بن علي، ولكنه يقاوم فكرة التتويج قبل ~~اجتماع المؤتمر العام» - يقصد المجلس التأسيسي - إلى أن قال: # نريد أن يكون الملك مقيدا بقيود يكون وضعها في صالح البلاد، نريد أن نقيده ~~قبل أن يستبد بالشعب. # ولكن كل هذه الإيضاحات لم تفد، وظل الناس ينظرون إلى «دجلة» نظرا خاصا فيما ~~يتصل بهذه المسألة، وأذيع في حينه أن لمستشار وزارة الداخلية المستر جون فلبي ضلعا في ~~هذه السياسة، ومع أن «مذكرات فلبي» عن هذه الحقبة في كتابه # Arabian ~~Days # لم تبرئه من بعض المحاولات، وأنه كان يضطلع مع طالب باشا ~~النقيب، فيعزو بعض المطلعين على بواطن الأمور أن جريدة «دجلة» كانت تعبر عن هوى بعض ~~السياسيين وفي مقدمتهم عبد الجيد الشاوي. # ويفهم عنف التيار الذي لقيه هذا الصحفي من تكرار الهجوم في جريدته على الدساسين، بل ~~بلغ الأمر بالصحيفة أن كتبت يوما مقالا افتتاحيا عنوانه: «الحر ممتحن بأولاد ~~الزنا»، مما يشير إلى الحدة أو العصبية التي استولت على صاحبها من نهش الدعايات ~~له. # لم يكن في دجلة تفنن صحفي، اللهم إلا شروعها في نشر ترجمة مذكرات الجنرال طاوسند ~~الإنكليزي متسلسلة، الذي أسره الترك العثمانيون في الكوت عن «حملة العراق» ~~البريطانية. # وختمت الجريدة حياتها في عامها الثاني بالعدد المنشور في 26 تشرين الأول (أكتوبر) سنة ~~1922. # جريدة الرافدان # أما «الرافدان» فجريدة أنشأها «سامي خوندة» أحد الشبان المنغمرين في الحركة السياسية ~~للأحزاب الوطنية السرية، كان يعمل في جريدة «الاستقلال» التي سبق بحثها في المحاضرة ~~المتقدمة، صدر العدد الأول منها في 26 أيلول (سبتمبر) سنة 1921، وكانت لها صلة برجال ~~الأحزاب، والصفة البارزة «للرافدان» نزعتها الحرة وكتاباتها الصارمة واهتمامها بنشر ما ~~يغذي الشعور الوطني، بحيث عطلت في خلال السنة الواحدة من حياتها ست مرات، حتى كان يوم ~~23 آب (أغسطس) سنة 1922 فنشرت منشور الحزبين المنوه بذكرهما آنفا فعطلت ms065 بقرار ~~المندوب السامي المشار إليه، واعتقل صاحبها مع من اعتقل ونفي إلى هنجام، ولم يرغب بعد ~~أن أطلق سراحه وعاد إلى بلده أن يحترف الصحافة، بل فضل عليا التوظف في ~~الحكومة. # نشرت «الرافدان» في مطلع حياتها ثلاث مرات في الأسبوع، ثم أصبحت يومية، ولم تأت ~~بجديد في عالم الصحافة من الناحية الفنية إلا فتح باب النقد الاجتماعي بأسلوب هزلي برز ~~فيه كاتب جديد يوقع «كناس الشوارع» في مقالات قصيرة، مما سنتحدث عنه في بحث صحافة ~~الهزل. # على هذا المنوال سارت الصحافة تواكب سياسة البلد إلى أن شيد العرش واعتلاه الملك فيصل ~~الأول في 23 آب (أغسطس) سنة 1921، ودخلت البلاد في طور جديد يصح أن نسميه طور التأسيس ~~والبناء، عقدت في خلاله المعاهدة العراقية البريطانية الأولى، واجتمع المجلس التأسيسي، ~~فأبرم هذه المعاهدة وشرع «الدستور العراقي» وتبع ذلك الشروع في تكوين الجيش ~~الوطني. # في غمرة هذا النشاط الرسمي، اشتد النشاط الأهلي في معالجة القضايا الوطنية، وتوالى ~~عقد الاجتماعات السياسية، تلقى فيها الخطب النازية وتعاقب المظاهرات في الشوارع ~~والميادين العامة، واستقر رأي العاملين في الحقل السياسي على الأخذ بنظام الأحزاب، ~~فتألف حزبان وطنيان معارضان هما «الحزب الوطني» و«حزب النهضة»، وقام بجانبهما حزب معتدل ~~يساند الحكومة القائمة هو «الحزب الحر». وهكذا ولدت الأحزاب العلنية في العراق الجديدة، ~~وبنشوء الأحزاب لا بد من وجود صحف حزبية تكون ألسنتها الناطقة، وتعبر عن آرائها في ~~القضايا الراهنة وتبث مبادئها. # جريدة العاصمة # تقدم «الحزب الحر العراقي» غيره من الأحزاب إلى إصدار صحيفة خاصة به، ولا سيما أن ~~الفقرة «ب» من المادة الثانية من منهاجه الأساسي تنص على «أن الحزب يصدر جرائد ومجلات ~~تستمد وتستعين من الأفكار الحرة العالمة بمصالح الأمة والمخلصة لها في جميع شئونها ~~السياسية والإدارية والاقتصادية والعلمية التي يسعى الحزب لتعزيزها وتأييدها.» # نشأ هذا الحزب في ظل حكومة عبد الرحمن النقيب بوزارتيها قبل التتويج وبعده، فدعمها ~~وأيد مسالكها وبخاصة في السياسة الخارجية، أسسه جماعة من الرجال، عرفوا باعتناق ~~السياسة الإيجابية التي تريد التفاهم من الإنكليز، ومن ms066 أقطابه ومؤسسيه بعد زعيمه عبد ~~الرحمن النقيب، ولده محمود النقيب. وقد ترأس الحزب - وبتعبير أدق - ناب عن أبيه في ~~رئاسته، فتح الحزب أبوابه في 3 أيلول (سبتمبر سنة 1922) فخف لنشر جريدة، وعهد إلى أحد ~~أعضائه بتحريرها وإدارتها هو حسن الغصيبة من خريجي «مدرسة العشائر» في الآستانة ومن ~~ضباط الثورة العربية، ومسجل في السنة الأخيرة من «كلية الحقوق»، وسموها «العاصمة»، بدأت ~~يومية منذ 5 تشرين الثاني (نوفمبر) سنة 1922 بأربع صفحات، وأثبت في فاتحة عهدها ما يأتي: # تبدأ جريدة «العاصمة» الصدور حاملة في صدرها للشعب العراقي والشرق العربي ~~عاطفة إخلاص عظيم وأماني رقي مستمر؛ لتكون هذه البلاد بقعة نبرة في وسط ~~الكرة الأرضية، وهذه الأمة خير أمة أخرجت للناس. لا تدعي جريدة «العاصمة» بما ~~ليس فيها ولا تحاول اتخاذ عواطف الجمهور هزءا أو سخرية - وكأنها بهذا ~~التعبير تعرض ببعض الصحف الأخرى - تقوم بواجبها السياسي خير قيام، وهي في ~~هذا الباب ترجح الاختفاء والاضمحلال على تحبيذ فكرة التهور واتباع الأهواء أو ~~الميل إلى خطة الاستسلام والتفريط في حقوق الأمة والبلاد، وستكون العاصمة عامة ~~في مواضيعها تطرق السياسة للدفاع عن حقوق البلاد السياسية، وشرح واجبات الأمة ~~الوطنية للاحتفاظ بالاستقلال الذي به يثبت مجتمعنا القومي، وتشتغل بالمسائل ~~الاقتصادية لإيصال نصيب الأهلين من مرافق البلاد إلى الحد الأقصى، وتعنى ~~بالأدب العربي أملا بعودة دولة الأدب العباسي إلى العراق بصورة تتفق مع حالة ~~العصر العشرين الفكرية؛ لتتمكن من الانتفاع من عبقرية أدبائنا الكبار وكثير من ~~هم، ونستطيع أن نسمو بمستوى الفكر العربي إلى درجة تضطر الملأ الغربي إلى ~~اعتبارنا نظراء أكفاء في الأفكار والآداب والحضارة. # بهذه الخطة طلعت «العاصمة» على قرائها، وأذاعت في العدد الأول منها «نظام الحزب ~~الداخلي»، ودعت الناس إلى الانخراط في سلكه، كما حملت رسائل التأييد التي وردت على ~~الحزب من أنحاء القطر، وتقول بعض المصادر عن هذه الرسائل: إن موظفي الألوية ولا سيما ~~المفتشين الإداريين الإنكليز يومئذ كانوا يدفعون الأهلين إلى الانضمام إلى الحزب ~~والإبراق إلى الصحف بتأييده. # عرفت مقالات حسن غصيبة ms067 رئيس تحرير «العاصمة» الافتتاحية بأنها من أحسن المقالات ~~الصحفية في يومها، بل من أحسن المقالات في الصحافة العراقية، مكتوبة بأسلوب فصيح معتدلة ~~اللهجة، ناضجة التفكير، والجريدة كلها بالقياس إلى زميلاتها البغداديات من الصحف ~~المعتبرة، طابعها البارز الجد والترفع عن منابزة الآخرين، أو التعرض للأشخاص عندما كانت ~~تناقش الصحف أو الكتاب، فهي تناقشهم بالقول العفيف والمنطق السديد، وممن كتب في ~~الجريدة من أعضاء الحزب يوسف غنيمة ورشيد الهاشمي، كما نشرت في موضوعات أدبية لمحمود ~~أحمد الكاتب القصصي. # ومما يؤثر عن صحيفة «العاصمة» وقفتها إزاء «مسألة الخلافة» عندما أصدر الترك ~~الكماليون «قانون أنقرة»، يبعدون فيه السلطان أو الخليفة عن الحكم ويحصرون السلطة ~~العليا بيد المجلس الوطني التركي، فحملت «العاصمة» عليهم في مقالات كثيرة واتهمتهم ~~بأنهم يعتنقون الشيوعية . # وقد سجلت جريدة الحزب الحر لها موقفا مشرفا في دفاعها عن «الحرية الفكرية» وعن ~~كرامة الصحافة والصحافيين وحريتهم الحيوية؛ إذ انتصرت «العاصمة» لحرية الفكر لما نشبت ~~قضية كتاب «ماهية النفس» الذي ألفه ميخائيل تيسي في بغداد، وبحث فيه عن النفس ~~الإنسانية قبل الولادة وبعد الموت، فاهتاج لمضامينه رجال الدين المسيحي أولا في مجلتهم ~~«نشرة الأحد»، ثم راجعوا وزارة العدل بعد أن انضم إليهم بعض رجال الدين الإسلامي، فرفع ~~«المدعي العام» بعد درسه الكتاب قضية على المؤلف في المحاكم، فأصدر حاكم جزاء بغداد ~~حكمه بمصادرة الكتاب وتغريم مؤلفه ألف روبية، فانبرى منشئ العاصمة يدافع عنه ويبين ~~أنه لم يهتك الآداب الدينية، ويقول: «يجدر بمن أقاموا الضجة حول الكتاب أن يكتبوا رسالة ~~يوضحون فيها خطأ الكاتب وضلاله.» ويجب أن نسجل أن هذا الصحافي الحر لم يؤيد ما جاء في ~~مضامين الكتاب من حجج وآراء، وإنما انتصر لحرية الفكر فقط، وبين حسن القضية في مقاله ~~محكمة الاستئناف إلى أن الحرية الفكرية سوف تتلاشى وتضمحل إذا لم تفرق المحاكم بين ~~المسائل الفكرية البحتة والإجرام، وأكد أن الرقي الفكري الذي نشاهده اليوم لم يأت إلا ~~بتعاقب الأغلاط وتصحيحها بالتدريج. # ثم شاركت صحف أخرى في طليعتها العراق في الانتصار للمؤلف في ms068 هذه القضية، فصدر قرار ~~محكمة الاستئناف بفسخ الحكم. # أما الدفاع عن كرامة الصحافة والصحفيين فقد وقفته العاصمة يوم اعتدى البعض بالضرب في ~~الشارع على الكاتب الجريء إبراهيم صالح شكر، صاحب جريدة «الناشئة» الانتقادية. # وبعد ذهاب وزارة النقيب، وقفت جريدة «العاصمة» موقفا يغاير رأي حزبها في موضوع ~~الانتخابات «للمجلس التأسيسي»، فمنذ أن برزت للوجود أخذت على عاتقها الدعوة للانتخابات ~~ووجوب ممارسة الأمة حقوقها، ثم اعترض «الحزب الحر» على بعض حوادث هذه الانتخابات واحتج ~~عليها وأظهر استعداده لعدم خوض غمارها، فلم يفتر هذا من عزم محرر الجريدة في المطالبة ~~بمواصلة عملية الانتخاب، فظهر المحرر مستقلا برأيه عن الحزب في هذه المسألة، يسانده ~~بعض أقطاب حزبه، ولم يزل يعالج الموضوع حتى انصاع الحزب للرأي المصيب، فقررت لجنته ~~المركزية الاشتراك في الانتخابات ببيان أذاعته على الشعب. ولا بد من القول بأن التيار ~~السياسي الموجه من الوزارة والبلاط الملكي كان من أقوى الدوافع للحزب على موقفه الأخير، ~~وليس منطق الصحافي وحده. # ولم يكتب «للعاصمة» حياة طويلة، فانحلال حزبها قد عجل في موتها مأسوفا عليها من ~~العقلاء فلم تعمر إلا حوالي سنة واحدة آخرها في 24 آب (أغسطس) سنة 1923، ووظف محررها ~~رئيسا لديوان الإنشاء في المجلس التأسيسي، وانتقل بعدها إلى السلك الإداري في وظائف ~~الدولة. # هذه جريدة «الحزب الحر». أما الحزبان الوطنيان اللذان نزلا إلى ميدان العمل السياسي ~~فلم يصدرا جرائد، ولا سيما أنهما أقفلا بأمر المندوب السامي البريطاني ولما تمض على ~~فتحهما مدة كافية. # ولما عادا إلى الحياة السياسية لم تكن لهما صحف تعرف فعلا أنها ألسنة لهما، ومع أن ~~عبد الغفور البدري صاحب جريدة «الاستقلال» أحد مؤسسي «الحزب الوطني» إلا أن جريدته كانت ~~تعضد الحزب وتروج لسياسته ومبادئه حينا، وتخالف الحزب وتنفرد بالرأي أحيانا أخرى، ~~نظير موقفها من الانتخابات للمجلس التأسيسي؛ فقد دعت جريدة «الاستقلال» للاشتراك في ~~الانتخابات وأبدت نشاطا ملحوظا في هذا المجال، وقارعت «الحزب الحر» لما تظاهر بالميل ~~لمقاطعة الانتخابات حتى وصفها أحدهم بأنها كانت «لسان حال الانتخابات»، مع أن جماعة ~~كبيرة ms069 في «الحزب الوطني» قررت مقاطعة هذه الانتخابات، وأكثر من ذلك أنها احتفلت بافتتاح ~~«المجلس التأسيسي» بإصدار عدد خاص بثماني صفحات بهذه المناسبة التاريخية. # و«حزب النهضة» هو الآخر لم تكن له جريدة في هذا الوقت. # | صحافة الأحزاب في العراق # اجتمع «المجلس التأسيسي» يوم 27 آذار (مارس) سنة 1924 وعرضت عليه المعاهدة العراقية ~~الإنكليزية لسنة 1922، ولكي تتصوروا أهمية هذا الموقف أنقل لكم جانبا من خطاب ناجي السويدي ~~من الساسة البارزين في المجلس بصدد ما نحن فيه قال: # نحن الآن قد وصلنا إلى النقطة الحيوية المتعلقة بحياة البلاد أو مماتها، شقاؤها ~~أو سعادتها، فليس أعظم من هذا الموقف فيما مضى على البلاد العراقية من قبل الحرب ~~الكبرى إلى يومنا هذا، جهادنا العظيم، وفي مطالبتنا بحقوقنا المشروعة التي أيدتها ~~الأمم كافة . # وبعد أن واصل ناجي السويدي الكلام في هذا المنحنى اقترح توزيع نصوص المعاهدة على النواب ~~وأوجب إعلانها للشعب قائلا: # الشعب الذي هو المرجع الوحيد للبت فيها، ونحن مضطرون إلى العمل برأي ~~الشعب. # المعارضة والصحافة # في هذا الموقف قامت في البلد حركة سياسية في الحملة على المعاهدة وطلب تعديلها، أو ~~رفضها، وصارت الصحف تصور وجهات نظرها في هذه القضية الحيوية، فأخذت جريدة «العراق» تؤيد ~~المعاهدة وتدعو المجلس لإبرامها، وممن كتب في هذا الموضوع غير مقالات الجريدة ~~التحريرية، سلمان الشيخ داود، بينما وقفت جريدة «الاستقلال» من المعاهدة موقف المنتقد؛ ~~فكتب محررها قاسم العلوي كثيرا في هذا الباب، ونشرت الصحيفة مقالات لكتاب آخرين من ~~معارضي المعاهدة بينهم علي محمود الشيخ علي. # جريدة العالم العربي # في هذا الظرف ظهرت في عالم الصحافة جريدة جديدة هي «العالم العربي» - صحيفة يومية ~~سياسية عامة - أصدرتها «شركة حسون ومراد وشركاؤهما»، يدير سياستها ويرأس تحريرها سليم ~~حسون؛ ممن اشتغل بالتعليم والتأليف في العلوم العربية والثقافة سنين في الموصل، وقد ~~تخيرت يوم افتتاح المجلس التأسيسي موعدا لصدورها وقالت في مفتتح كتابتها: # ظهرت صحيفة «العالم العربي» ظهور البشير بالتوفيق، وها هي ذي نازلة على هدى ~~الله مع المجاهدين في سبيل المصلحة العامة، قاطعة للأمة ms070 عهود الإخلاص والأمانة ~~ومؤملة منها الثقة والمناصرة. وقد اعتمدت على اتباع خطة الصراحة فيها، وإن ~~تهالكت على تقوية «قلب الشعب» وإراحة أفكاره، فلا ترضى أن يلتهي بالآمال ويبقى ~~نائما «نوم الأطفال الأبرار» باسما للأحلام الذهبية وراكنا إلى عناية المرضع ~~ورحمتها، أو يؤمن إيمان الساذج بكل ما يسمع فتفوته الحقائق الراهنة والفرص ~~الثمينة ... ولما كانت جريدة «العالم العربي» من الشعب وللشعب فقد تعهدت بإفادته ~~بكل ما يهم حياته السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأدبية، وتحريضه على ~~إبراز «شخصيته» في كل موقف، وأخذ ما يحق «لذاتيته» من الاحترام، ولكلمته من ~~النفوذ، ولحالته من الإصلاح والتجدد والرقي. # ثم ذكرت: «وقد توفرت عليها وسائل الطبع والنشر في مطبعتها المعروفة «بدار الطباعة ~~الحديثة» المجهزة بأكمل وأحدث الآلات واللوازم الطباعية والليتوغرافية، وإنا ساعون ~~إلى توسيع نطاق الجريدة ومؤملون أن نلحق بها في القريب العاجل أعدادا أسبوعية ممتازة ~~مصورة بالألوان على الطراز العصري.» وإن لم تستطع أن تحقق برنامجها الصحافي هذا. # كان موقف «العالم العربي» من المعاهدة معتدلا مع ميل إلى المعارضة في الأمور ~~الجوهرية. وقد ناقشت الصحف العراقية المتخوفة من المصير فيما لو رفض المجلس المعاهدة أو ~~الصحف الأجنبية التي حاولت أن تنال من العراق أو اتجاهاته الوطنية، فقالت في معرض ردها ~~على جريدة «العراق»: # وهنا نعود إلى رأينا طالبين من الحكومة والمجلس أن يبرزا في هذا الموقف ~~الفريد كل ما عندهما من المقدرة والشخصية والخبرة السياسية، ويتفقان والحليفة ~~على شروط أنسب للمصلحة الوطنية ولإراحة قلوب الشعب العراقي المحبوب. # هذه فقرة تبين أسلوب الجريدة في التفكير والتعبير: # عاشت «العالم العربي» سنين وتجلى فيها نشاط صحفي، وعرفت مقالات «ريبورتاج» ~~لمحررها كتبت بتفنن ولباقة، فإذا ما أرادت أن تنتقد أفرغت انتقادها في قالب غير ~~مثير لشواعر الحاكمين، كما عنيت بترجمة ونقل معظم ما نشر عن العراق في ~~الصحافة الأجنبية، وفي المؤسسات الدولية، وظلت تتمتع بهذه الميزات حتى برزت صحف ~~أخرى حوت ألوانا من التجديد الفني. # ومما يسجل لهذه الجريدة دفاعها عن حق العرب في فلسطين ومكافحتها للصهيونية بلهجة لا ~~هوادة ms071 فيها تكبدت في سبيلها تضحيات مادية. ~~••• # ومن الجرائد التي أيدت المعاهدة وطالبت بإبرامها صحيفة «المفيد» التي ذكرتها في ~~محاضرة سابقة. وقد تطرف صاحبها في اندفاعه في تأييد المعاهدة إلى درجة أنه علق يوما ~~على خطاب الدكتور داود الجلبي عضو المجلس التأسيسي في معارضة المعاهدة، علق مذكرا ~~الناس بحوادث الشام المؤلمة التي كان العناد والاندفاع الوطني من عوامل وقوع تلك ~~المأساة وضياع العرش العربي على ضفاف بردي. # ولا بد من القول أن هذا الصحافي «إبراهيم حلمي العمر» لم يكن ممن بكوا العرش المحطم ~~في حينه. # جريدة الشعب # إن معارضة الصحف للمعاهدة إلى جانب خطب بعض النواب في المجلس خلق جوا من الصخب في ~~المجتمع على المعاهدة، فهاجت بغداد وماجت، ونزل إلى الميدان الصحفي محمد عبد الحسين ~~أحمد صحافي «الثورة العراقية سنة 1920» كما مر بنا، فأصدر في 10 نيسان (أبريل) سنة 1924 ~~جريدة باسم «الشعب» أوقفها على مناقشة المعاهدة والدفاع عن وجهة نظر المعارضين لها، ~~وكانت شديدة الوطأة في مقالاتها وبحوثها السياسية. # وتفاقمت حركة المعارضة واشتد التوتر السياسي. وقد أراد المعارضون الضغط على «المجلس ~~التأسيسي» ليرفض المعاهدة، وتوالى عقد الاجتماعات العامة التي تلقى فيها الخطب ~~الحماسية ويثار الشعور الوطني حتى أفضى الأمر إلى أن تصدى شخص متطرف لإطلاق النار على ~~شيخين من شيوخ القبائل وعضوي المجلس التأسيسي هما عداي الجربان وسلمان البراك. وقد ظهر ~~منهما تأييد قوي للمعاهدة، فكان للحادث دويه، فهبت الحكومة لقمع الحركة، فاعتقلت بعض ~~المحامين الذين عقدوا اجتماعا سياسيا عاما للحملة على المعاهدة، وعطلت جريدتي ~~«الشعب» و«الاستقلال» للهجتهما الصارخة في نقد المعاهدة واعتقلت صاحبيهما. # ولما اشتد الأخذ والرد في المجلس التأسيسي حول المعاهدة وتباطأ المجلس بعض الشيء في ~~البت فيها، خرجت جريدة «بغداد تايمس» التي يصدرها الإنكليز في بغداد عن حدود ~~الرزانة، فكتبت مقالا شديدا في الموضوع، ونقلت في عين العدد مقالا في هذا الباب عن ~~«التايمس» اللندنية، ويحسن بنا أن نثبت ترجمة المقالين ونحن نؤرخ لصحافة العراق ~~وسياستها في هذا الطور: # كلام «بغداد تايمس» # كاد أن ينقضي شهران ms072 على المجلس التأسيسي وهو ينظر في المعاهدة العراقية- البريطانية، ~~ونسمع الآن بإعداد تقارير ضافية الذيول وبمناقشات طويلة عريضة في ~~أمر رفض المعاهدة أو تعديلها أو قبولها بشروط ترمي إلى تعديلها في ~~المستقبل. # ولكن ما فائدة هذا الكلام كله؛ فقد وضح لأقل الناس إدراكا وضوح الشمس في ~~رائعة النهار أن البلاد لا تريد المعاهدة على ما تفسرها ذيولها، وعليه فليقدم ~~أعضاء المجلس التأسيسي على إبداء آرائهم ويرفضوا المعاهدة ويقضوا عليها القضاء ~~المبرم، وليعلموا أن البريطانيين أنفسهم لا يريدون المعاهدة، فلو أتيح لهم ~~المكث في البلاد وهم مشمولون بالصداقة والمحبة بغية معاونتها في السير في سبيل ~~النجاح لرضوا بالبقاء عن طيبة خاطر، ولكن ذلك لحلم قد انقضى؛ فقد حل الشك محل ~~الصداقة، فلماذا إذن يبقى البريطانيون في هذه البلاد؟ فإن الأوفق لسياسة ~~بريطانيا في تركية وفارس والهند أن يخرج البريطانيون من العراق من غير قيل ~~وقال، وبذلك يزيلون عنهم بالكلية ظنون المطامع الإمبراطورية، والذي نتساءل عنه ~~الآن هل يخرج البريطانيون من العراق إذا ما قلب لهم أهلوه ظهر المجن كما ~~يبدو على موقفهم الحالي؟ إن التجارة في العراق لا يعبأ بها، وقمح العراق وجلده ~~وصوفه أردأ قمح وجلد وصوف في الدنيا، والشركات البريطانية في العراق لا تربح ~~شيئا، ويحتمل أن يزرع القطن هنا في المستقبل، ولكنه دون القطن الذي يزرع في ~~السودان والمستعمرات الأفريقية، ويحتمل كذلك أن تعثر الشركات على النفط، ولكننا ~~نستطيع الحصول عليه في بلدان أخرى من غير أن نخاطر برءوس أموالنا، فلا فائدة ~~لإمبراطوريتنا من البقاء في العراق. # فليتشجع أعضاء المجلس التأسيسي ويسرعوا في التصويت طبق رغبة الشعب؛ فقد آن ~~لنا أن نتخلص من الدسائس والمراوغات، فإذا كان العراقيون غير قابلين بالمعاهدة ~~وذيولها فليصرحوا بذلك، وليخرج البريطانيون من هذه البلاد، ونقول قولا أكيدا ~~أن ما من أمة مثل الأمة البريطانية يسرها التخلص من مشاكل بلاد منحطة وشعب ~~يستحيل إرضاؤه بشيء. # مقال «التيمس» اللندنية # تنحصر مطالب العراقيين المفكرين في الأمور التالية على وجه الإجمال: # أولا: # أن تساعد بريطانيا العراق مساعدة عسكرية ms073 وسياسية ~~ومالية في السنين الأربع أو الست المقبلة، بينما تسعى ~~هذه الدولة في تثبيت كيانها. # ثانيا: # أن تصرح بريطانيا تصريحا جليا بأنها لا تنوي بسط ~~سيطرتها على العراق مدة 40 سنة أو 10 سنوات كما فعلت ~~في مصر. # وليعلم الناس في إنكلترة أن جانبا من التحريض على رفض المعاهدة ناشئ ~~عن تضارب المرامي في السياسة المحلية؛ ففي كل مجلس نيابي نرى مطامع ~~الأشخاص غير المتقلدين زمام الأمر تسوقهم إلى السير على منهج لا ينطوي ~~على الحكمة والعقل على ما يظهر، وهنالك فريق كبير يرى أن إثارة الرأي ~~العام قد تحمل الحكومة البريطانية على الموافقة على تعديل بعض شروط ~~المعاهدة، ويعتقد هؤلاء أن رفض المعاهدة رفضا مؤقتا قد يحمل بريطانيا ~~على التساهل في شروطها كما فعلت في أيرلندا ومصر. # فعلى الحكومة البريطانية أن لا تتوقع أن العراق قد بلغ شأنا بعيدا ~~في الرأي، فإن الحكم الديمقراطي الذي أنشئ في العراق جاء سابقا ~~لأوانه بالنظر إلى الأحوال المحلية، وعلى المرء أن لا يتوقع العظائم من ~~أناس صغار ينوبون عن مناطق يغلب فيها الجهل، ولا يسعنا إلا الاعتراف ~~بأن الموقف يوجب الحيرة حتى البريطانيين، وأصعب من ذلك العراقيين الذين ~~نظامهم في الحياة مبني على الإيثار - الغيرة - وهو رائدهم في السياسة، ~~فلماذا تظل إنكلترا في العراق وتنفق كل سنة ملايين الليرات على تلك ~~البلاد، فالعراق لا ينوي أن يمنح طلاب الامتيازات الاقتصادية من ~~البريطانيين شروطا أسهل من الشروط التي يعطيها لغيرهم من الأجانب، ~~والمسائل السياسية الأسيوية أبعد من إدراكه؛ لأنه ما من عراقي يعتقد ~~بأن بريطانيا تنوي الخروج من العراق، وكل ما قيل في هذا الشأن يحسبه ~~محض إيهام لحمل المجلس التأسيسي والشعب على قبول المعاهدة. وقد أدى هذا ~~الاعتقاد إلى إثارة الخواطر بقصد تعديل المعاهدة، حتى إن في بغداد بعض ~~التجار يعضدون فكرة رفض المعاهدة؛ لأنهم يعتقدون أن البريطانيين يظلون ~~في العراق على صورة دائمة إذا رفضت المعاهدة. # فلإزالة الشكوك يستحسن نشر بلاغ يبسط فيه ما تناله بريطانيا العظمى ~~من بقائها في العراق، ms074 وما تنوي الحكومة البريطانية عمله إذا لم يبرم ~~المجلس التأسيسي المعاهدة. أما العراقيون فإنهم يتصورون في الوقت ~~الحاضر أن باستطاعتهم تهييج الخواطر على ما يشاءون، وليس حجة من الحجج ~~التي يدلي بها أصدقاؤهم البريطانيون تقنعهم بأن ما يعتقدونه أضغاث ~~أحلام، فليت شعري ماذا يتمكن خصوم المعاهدة من تقديمه بدلا منها وقد ~~وقف للعراق بالمرصاد على حدوده ابن السعود والفرس ومصطفى كمال وفرنسة ~~في سوريا وشرق الأردن، فإذا جلت بريطانيا العظمى عن العراق تسابق هؤلاء ~~الجيران المكتشفون بالعراق والفوضى الداخلية لافتراس الفريسة، فتذهب ~~أتعاب العشر سنوات ومشقاتها أدراج الرياح. # وقد انبرت جريدة «العالم العربي» للرد على «بغداد تيمس» بمقالات دافعت فيها عن الرأي ~~العام العراقي وحقوق الشعب، حتى جريدة «العراق» التي كانت تؤيد المعاهدة وتدعو لإبرامها ~~استنكرت موقف «بغداد تيمس » فيما كتبته ونقلته عن «لندن». # ثم أبرم المجلس التأسيسي هذه المعاهدة في إحدى الليالي بعد تأزم سياسي في البلد ~~ومظاهرات وهزات الجماهير يقابلها عنف في إجراءات الحكومة، وطفق المجلس ينظر في مشروع ~~الدستور العراقي، وعندما أنجزه أبرم بعده مشروع قانون الانتخاب لمجلس النواب. # ويلاحظ متتبع الحال في الصحافة العراقية أنها لم تبد اهتماما يذكر بمناقشة ~~الدستور الذي شرعه المجلس التأسيسي شأنها في اهتمامها بالمعاهدة، ومرجع ذلك إلى أن ~~الثقافة القانونية الدستورية كانت ضعيفة في العراق في ذلك الوقت، وليست الحال على هذا ~~المنوال لما وضع «الدستور المصري»؛ فقد قابلته الصحافة المصرية بسيل من المقالات ~~والدراسات؛ لأن الفقه الدستوري والثقافة القانونية راسخان في وادي النيل من عهد بعيد، ~~كما أننا اعتدنا أن نشغل أنفسنا بالحس السياسي وتحريك العواطف الوطنية. أما الأسس ~~والتعمق إلى الأغوار في أحوالنا وسياستنا، فنهملهما غالبا إبان اشتداد ~~الحركة. # بعد انفضاض «المجلس التأسيسي» وقد أنجز المهام المودعة إليه، أخذت الدولة في السير ~~لاستكمال وسائل الحكم والتشريع، فقامت وزارة قوية برئاسة عميد المعارضة في المجلس ~~ياسين باشا الهاشمي، فاختار أعضاءها من شخصيات لها منزلتها وكفايتها، وصارت الوزارة ~~تنجز الأعمال بسرعة، فنشر الدستور وقانون انتخاب النواب ووضعا موضع التنفيذ، ونشر ~~قانون ms075 الجنسية العراقية وبدئ العمل بانتخاب المجلس النيابي الأول. # جريدة حزب الاستقلال في الموصل # في هذه المرحلة الخطيرة من حياة البلاد، وصلت إلى العراق «اللجنة الأممية» التي قررت ~~«عصبة الأمم» إيفادها لتدقيق «قضية الموصل» والفصل في أي المطالبين أحق بأن تبقى له ~~العراق أم تركية؟ فكانت أول بادرة للنشاط السياسي قيام جماعة من المشتغلين بالسياسة ~~والمعنيين بالمصلحة الوطنية بتكوين حزب سياسي في الموصل دعوه «حزب الاستقلال». وقد نص ~~منهج هذا الحزب في مواده الأولية على الاستقلال التام للقطر العراقي بحدوده الطبيعية، ~~وتنشيط حركة الوحدة العربية في الخارج ... # ولهذا الحزب يد تذكر في الدفاع عن قضية الموصل عندما زارت اللجنة الأممية يرأسها ~~المسيو دوفرسن الأسوجي تلك الأصقاع، ومما استعان به الحزب على النجاح في أعماله إصداره ~~جريدة باسم «العهد»، وهو الاسم التاريخ المحبب عند العاملين في الكفاح الاستقلالي - جريدة يومية عربية - ظهرت في الموصل في 20 كانون (يناير) سنة 1925 على أن تنشر ثلاث ~~مرات في الأسبوع مؤقتا. وقد حررها كاتب سوري من أحرار العرب «عثمان قاسم»، وكان طريد ~~الحكم الفرنسي في الشام، وتوفر لفيف من الأدباء الموصليين، وبخاصة أعضاء الحزب على ~~تغذية الجريدة بالأفكار والكتابات، بحيث تخرج على الجمهور قطعة متوهجة من إيمان وطني ~~وعواطف صادقة وروح حي، ولم تسلم «العهد» من غضب الحكومة، فعطلتها، فأصدر الحزب بدلها ~~جريدة «فتى العراق» حصل على امتيازها أولا متى سرسم، ثم انتقلت إلى عهدة المحامي سعد ~~الدين زيادة ومنه إلى غيره. # جريدة حزب الشعب # وبعد أن افتتح المجلس النيابي الأول يوم 16 تموز (يوليو) سنة 1925 وجد في داخل المجلس ~~حزبان: حزب مؤيد للحكومة القائمة أطلق عليه «حزب التقدم» يرأسه عبد المحسن السعدون، ~~وحزب معارض دعي «حزب الشعب» يتزعمه ياسين الهاشمي، وتأهب حزب الشعب لنشر جريدة يومية ~~بأربع صفحات. وقد حاولت أن تصدر بست صفحات، فلم يمكنها إعوازها إلى مطبعة خاصة من ~~الاستمرار في ذلك، فعادت إلى الصفحات الأربع بعد بضعة أيام. # المهم أنها أول جريدة في البلاد كتب على صدرها «لسان حزب الشعب ms076 العراقي»، بحيث صارت ~~كل كلمة تكتب فيها يسأل عنها الحزب وتعد معبرة عن رأيه. وقد ساهم جميع أعضاء الحزب في ~~تكاليفها ونفقاتها إلى آخر عمرها غير الطويل، ومما قالته الجريدة في عددها الأول ومنه ~~تتبينون روحها: # ها قد مست الحاجة إلى إصدار هذه الجريدة، وتقديمها إلى الشعب العراقي ~~الكريم لتكون ناطقة بالخطة التي وطن «حزب الشعب» نفسه على القيام بها والسير ~~عليها؛ لإيصال البلاد بالطرق المشروعة والوسائل الشريفة إلى ما تصبو إليه وتتوق ~~من حرية كاملة واستقلال تام لا شائبة فيه ولا مغمز. # إن منهاج الحزب لا يحتوي على كثير من الكلمات، لا سيما وقد وطد الحزب العزم ~~على العمل أكثر من القول ... # وستتحاشى هذه الجريدة كل ما يتعلق بالأمور الشخصية بقدر المستطاع. # أما تحريرها فقد أناطوه بإبراهيم حلمي العمر - وكانت جريدته معطلة - إلا أن رئيس ~~الحزب والأعضاء خفوا للكتابة فيها، ومن بينهم نصرت الفارسي ورضا الشبيبي وإبراهيم كمال ~~ومحمود رامز وعبد اللطيف الفلاحي، وكان الرئيس ياسين الهاشمي إما يكتب المقالة الأولى ~~بتمامها من غير توقيع صريح أو يهيئ «رءوس أقلام» للمقال الافتتاحي يدفعه ~~لمحررها. # والذي عليه الإجماع أن جريدة حزب الشعب ظهرت بنضج في التفكير السياسي كما هي مثال ~~للأدب والابتعاد عن المهاترات الشخصية، مع أنها في القراع الحزبي قوية جهيرة الصوت، بل ~~عرفت فاتكة في حملاتها. # ولهذه الصحيفة مواقفها في القضايا المهمة، من ذلك مناقشة المعاهدة الجديدة بين العراق ~~وبريطانيا التي مددت أجل المعاهدة الأولى إلى خمس وعشرين سنة. وقد غادر أعضاء «حزب ~~الشعب» قاعة المجلس لما لم يستجب طلبهم بالتريث في إبرام هذه المعاهدة في جلسة واحدة، ~~كما اقترحت الحكومة. # وأول ما علا صوت «نداء الشعب» اشتبكت في نزاع حزبي مع بعض الصحف الموالية للحكومة أو ~~جبهة اليمين في المجلس النيابي في مقدمتها جريدة «العراق» التي وقفت «لحزب الشعب» ~~ورئيسه بالمرصاد، وشددت عليه النكير وظلت تهاجمه بأقسى التعابير، وثابرت «نداء الشعب» ~~على المنافحة عن السياسة الوطنية ومناقشة سياسة الانتداب بحجج دامغة، منتقدة كل ما ترى ~~فيه مغمزا ms077 من أعمال الحكومة، كما نشرت مقالات كثيرة لتثقيف الجمهور تثقيفا سياسيا، ~~ولم تكتف بمقارعة جريدة «العراق» وغيرها من صحف اليمين، بل ردت تهجم بعض الصحف ~~الأجنبية على حزب الشعب نظير «بغداد تايمس» وصحيفة # Near ~~East # اللندنية، ودافعت عن حرية الصحافة بلهجة حارة لما عطلت ~~الحكومة بعض الصحف المعارضة. وقد أقبل عليها الشعب إقبالا عظيما في كل ناحية في ~~القطر. # واستنفدت هذه الجريدة جهدها كله في السياسة، فتفرغت لمعالجة أمورها وقليلا ما كانت ~~تعالج شئون الاقتصاد أو الاجتماع. أما الأدب فلم تعن به اللهم إلا بعض قصائد نشرتها ~~لجميل الزهاوي لرابطة الود التي جمعت بين رئيس الحزب والشاعر. # ولما اشترك «حزب الشعب» في الحكم في وزارة جعفر العسكري المؤتلفة في 21 تشرين الثاني ~~(نوفمبر) سنة 1926 أصبحت جريدته حكومية تحبذ أعمال الوزارة القائمة، إلا أن صوتها في ~~التأييد يناقض لهجتها في المعارضة؛ إذ هنا خفت نبراتها، كما تصدع «حزب الشعب» نفسه ~~لاشتراكه في الوزارة، فقل الإقبال على الجريدة وتفرق أكثر المشتغلين بتحريرها وإدارتها ~~من الموظفين فيها، فعين محررها كاتبا في مجلس الوزراء، ولفظت أنفاسها في 6 تموز ~~(يوليو) سنة 1927، وإن استخدم امتيازها للصدور بمكان جريدة «البلاد» المعطلة فترة من ~~الوقت بعد ذلك. # جريدة حزب التقدم # هذا ما كان من أمر «حزب الشعب» المعارض وجريدته. أما «حزب التقدم» فقد ألفته وزارة ~~عبد المحسن السعدون فور توليها مقاليد الحكم، وبقي مقتصرا على العمل في داخل البرلمان ~~ورئيسه هو عبد المحسن السعدون نفسه، وعجز غيره عن أن يحل محله في زعامة الحزب. # ومن أعضائه البارزين ناجي السويدي وصبيح نشأت وحكمت سلمان ومحمد أمين زكي ونوري ~~السعيد، وفي منهج الحزب ما يشير إلى إنفاذ المعاهدة العراقية الإنكليزية، والسعي لإجراء ~~التعديل الذي نوه به المجلس التأسيسي، وإدخال العراق عصبة الأمم والاحتفاظ بالوحدة ~~العراقية بحدودها الطبيعية، والحصول على الاستقلال التام وتأييد روابط المودة مع ~~الحليفة بريطانية، وإيجاد صلات ودية مع الدول كافة، هذا عدا عن الخطط المرسومة في ~~المنهاج للسياسة الداخلية، وكلها ترمي إلى رفع مستوى الشعب ms078 وتقدمه أدبيا ~~وماديا. # وإذا رجعنا إلى «حزب التقدم» وصحافته طالعتنا رحابة صدر تحلت بها الوزارات التي كان ~~يرأسها عبد المحسن السعدون مهما بلغت لهجة الصحف المعارضة من القسوة أحيانا، مثاله ما ~~ورد في مقال لكاتب في جريدة «الاستقلال» يعرض بالمسئولين في مناقشة سياسية: «لهم وجوه ~~القردة وجلود الخنازير.» # ولم يكن حزب التقدم في أول أمره يحس بالحاجة إلى جريدة خاصة تشد أزره؛ إذ كانت أكثر ~~الصحف المنشورة عهدئذ تواليه وتؤيده في معظم المواقف بينها «العراق» و«العالم العربي»، ~~ولكنه رأى بعد ثلاث سنوات من حياته أن تكون له جريدة خاصة أسوة ببعض الأحزاب الأخرى، ~~فأنشأ أولا جريدة باسم «اللواء» تنشر ثلاث مرات في الأسبوع يديرها ويحررها محمد ~~سعيد العزاوي، ظهرت في 20 آيار (مايو) سنة 1928، ولم تكتب لها الحياة أكثر من أيام ~~معدودة. # واهتم بعدها بتأسيس جريدة قوية ينفق عليها بسخاء ويعضدها بنفوذه هي جريدة «التقدم» ~~مختارا ابن أحد الوزراء من أعضاء الحزب لإدارتها وتحريرها «سلمان الشيخ داود»، برز ~~عددها الأول في 16 تشرين الأول أكتوبر سنة 1928 يومية، قالت في كلمتها الافتتاحية: # نريد بكلمتنا أن نبسط منهاجنا وخطتنا بصراحة ووضوح، غير ملتجئين إلى الأساليب ~~الغامضة والجمل الفارغة بغية الإغواء والتلاعب بالعواطف، ذلك منهج ينهجه من ~~يروم الاصطياد في الماء العكر، ومن يتخذ قلمه وصحيفته واسطة من وسائط ~~الاتجار - وليلاحظ السامع أن في هذه الفقرات من جريدة التقدم تعريض صريح ~~بالصحف المعارضة والحزبية. # إن جريدتنا حزبية قبل كل شيء آخر، فهي لسان حزب التقدم، حزب الأكثرية في ~~البرلمان، فمبدؤها مستقى من مبادئ الحزب، وغايتها بث الدعاية لمبادئ الحزب، ~~تلك المبادئ الواضحة التي ترمي إلى إعلاء شأن هذه البلاد ورفع مكانتها؛ فلذا ~~ليست هذه الجريدة بجريدة شخص تستغويه العواطف الجياشة وتستهويه الظواهر ~~الكاذبة، إنما هي جريدة حزب له خطته الرضية ومنهاجه الصريح، حزب يضم بين مجموعه ~~خيرة رجال هذا القطر من حيث الإخلاص والعلم والثقافة ... ومبادئ الحزب هي ~~المبادئ القويمة التي ترفع مكانة هذه البلاد وتوصلها إلى ضالتها ومبتغاها ~~واستقلال ناجز تام ms079 وحرية مطلقة وكيان محترم ورخاء فياض بالسعادة والهناء، وقد ~~رأى الحزب أن الوقت قد حان ليوسع نطاق أعماله ويوطد أركانه ويذيع مبادئه، فكانت ~~هذه الجريدة الخطوة الأولى فيما عزم على القيام به من الأعمال المفيدة لهذا ~~الوطن. # ثم بسطت جريدة التقدم خطتها من أنها ستعالج السياسة الخارجية والداخلية بصراحة ووضوح ~~لا تشوبهما شائبة التمويه، وتترفع عن الشخصيات وتحترم الخصوم السياسيين وآراءهم، ودحض ~~ما يجب دحضه بالأدب والحكمة والحجة الناصعة والسعي لطرق الموضوعات الاجتماعية والدعاية ~~للتجديد واقتباس أنوار التمدن الحديث، ونشر ثقافة اليوم وحث الحكومة على مساعدة الفلاح ~~والعناية بالزراعة، وأنها ترحب بالانتقاد النزيه وشعارها «التقدم إلى الأمام»، وغايتها ~~السعي إلى استقلال البلاد استقلالا ناجزا بالطرق والأساليب الحكيمة التي لجأت إليها ~~الأمم الرشيدة في كفاحها وجهادها القومي. # كانت «التقدم» حزبية بكل ما في هذه الكلمة من معنى، تحسن في مقالاتها وكتاباتها ~~أعمال الحكومة وتدعو لسياستها. وقد اشتبكت في هذا السبيل في جدال ومناوشات مع الصحف ~~الأخرى، فناقشت جريدة «الاستقلال» وهاجمت جريدة «النهضة»، وقست في الحملة على جريدة ~~«العراق» التي وقفت في الظرف الذي نحن بصدده ضد الحكومة وحزبها في بعض القضايا، فكانت ~~التقدم تشنع في وصف جريدة «العراق» وتنبزها بالتعابير الغليظة، ويمكن أن نحسب نعتها لها ~~«بالصحيفة الاستعمارية» أخف نعت وجهته إليها، مع أن الجريدة ذكرت وهي تعرض خطتها أنها ~~ستترفع عن الأمور الشخصية. # وإذا نظرنا إلى جريدة «التقدم» من النواحي الصحفية رأيناها راقية في مقالاتها ~~الافتتاحية وبعض بحوثها وفصولها، إلا أنها لم تكن على شيء من التفنن الصحفي والأسلوب ~~الجذاب في العرض والتبويب والتنسيق. وقد انصرفت عنايتها إلى السياسة والاقتصاد، أما ~~الأدب والفن فلم تحفل بهما. # وبعد أشهر من صدورها تبدلت وزارة السعدون وألف توفيق السويدي وزارته في 28 نيسان ~~(أبريل) سنة 1929، وهي وزارة من حزب «التقدم» أيضا، ومن الطريف أن نذكر أن محرر ~~«التقدم» سلمان الشيخ داود كتب كلمة مسهبة في جريدة الحزب يجيب فيها على من سأله: هل ~~سيستمر على تولي تحرير الجريدة وإدارتها بعد أن لم يشترك ms080 والده في الوزارة الجديدة؟ قائلا: # إن المسألة سياسة مبادئ لا سياسة أشخاص، وإنه سيبقى ذائدا عن حزب التقدم ولن ~~يتخلى عن جريدة «التقدم». # ولكن يظهر أنه أراد شيئا وأرادت الأقدار شيئا آخر؛ فقد توقفت الجريدة عن الصدور بعد ~~5 أيار (مايو) سنة 1929؛ أي بعد أربعة أيام فقط من اليوم الذي عاهد المحرر الناس على ~~مواصلة العمل. وهكذا عاشت الجريدة أقل من سنة ولم تقم لها قائمة بعد، ولا سيما أن ~~الحزب نفسه ذهبت ريحه بعد انتحار رئيسه في خريف سنة 1929. وقد استعانت جريدة «البلاد» ~~بامتياز جريدة «التقدم» في بعض عهود المحن والتعطيل الذي أصيبت به، فأصدرتها سنة 1930، ~~ثم بدلت اسمها بعد عددين من «التقدم» إلى «الجهاد»، وأصابها التعطيل بعد زمن ~~قصير # جريدة حزب النهضة # ومن الصحف الحزبية ذات الأثر جريدة «النهضة العراقية» لحزب النهضة، وهو حزب تألف في ~~19 آب (أغسطس) سنة 1922، ومن أركانه أمين الجرجفجي وأحمد الظاهر وآصف وفائي ومهدي البير ~~ومحمد حسن كبه. # ومع أن الحزب أثبت في نظامه الأساسي أنه سيصدر صحيفة سياسية ومجلة علمية تخدمان ~~مبدأه، فلم يقم بذلك إلا بعد أربع سنوات من نزوله إلى ميدان الخدمة العامة، فنشر في 10 ~~آب (أغسطس) سنة 1927 جريدة «النهضة العراقية». وقد رسم صدرها بأنها «لسان حال حزب ~~النهضة العراقية»، وكانت تصدر ثلاث مرات في الأسبوع، ثم جعلت يومية، ويجب أن نذكر أن ~~عميد الحزب أمين الجرجفجي أنفق على الحزب والجريدة من ماله الخاص شيئا كثيرا. # قالت الجريدة في مستهل كلامها بعنوان «العهد الجديد»: # يستقبل العراق اليوم عهدا جديدا نأمل أن يكون ميمونا، ويجتاز ظروفا صعبة ~~نرجو أن تكون مباركة، ويعبر في طريقه أحداثا خطيرة الشأن، فواجب الأمة وواجب ~~أحزابها وجماعاتها وصحافتها أن توحد صفوفها، وتقف قوية حيال مشاكلها الكثيرة، ~~وتكون رشيدة إزاء مواقفها الدقيقة، لذلك بعث «حزب النهضة» نفسه وهب للجهاد، ~~ولذلك نهض معلنا خطته في معالجة قضايانا السياسية وحل ما يمكن حله منها، وقد ~~وضع نصب عينيه المسائل التالية: ... # وصارت جريدة حزب النهضة تذكر القضايا الراهنة، ms081 قضية قضية، مبتدئة بالمفاوضات الدائرة ~~بين ممثلي الحكومتين العراقية والبريطانية في لندن، فانتقدت «النهضة» كتمان هذه ~~المفاوضات وإخفاء الوزارة العراقية أسس تعديل المعاهدة التي يتفاوض بشأنها، وأسمت كل ~~ذلك تخرصات، وقالت: إن سياسة الحزب تجاهها الصمت والحذر والانتباه، وزعمت أن ~~الوزارة القائمة واهنة وتحتاج إلى الثقة، فكيف تقوم بالمفاوضة وقد ألحفت مطالبة الحكومة ~~بنشر بيان يعرب عن الأسس التي تدور حولها المفاوضة ليطمئن الشعب. # أما قضية الجيش والتجنيد الإجباري فقد صرحت برأي حزبها فقالت: «إن مبدأ الحزب أن ~~الاستقلال الموفور الكرامة إنما يحميه جيش لجب يحمل شرف الدفاع، ولكن الوضع السياسي ~~الحاضر جعل مقدرات جيشنا كسائر مقدرات البلاد بين يدي ظروف قاسية، وهذا الوضع ~~الاستثنائي وهذه الأحوال الشاذة هي التي صيرتنا نشك كثيرا ونرتاب كثيرا في النتائج ~~التي يلتمسها الشعب من جيشه، فما دامت المؤثرات الخارجية هي الحاكمة المهيمنة، وما دامت ~~الأهواء والأغراض تلعب في المصالح العامة، فلا يمكن تطبيق «الجندية الإجبارية».» # ومما يلاحظ أن جريدة «حزب النهضة» ثابرت على معالجة موضوع «التجنيد الإجباري» بهذه ~~النزعة، مما سلم لخصوم تكوين الجيش الوطني سلاحا يشهرونه في وجه طالبي التجنيد ~~الإجباري. # وكان سير الجريدة ينم عن اعتناق مبادئ تتصل بحرية الفكر والمطالب الاستقلالية؛ ~~لأننا وجدناها تحمل على الحكومة حملة شعواء لتعطيلها جريدة إبراهيم صالح شكري المسماة ~~«الزمان»، مع أن «الزمان» وقفت من «النهضة» موقف المخاصم؛ لما تكتبه عن المفاوضات ~~الدائرة حول المعاهدة في لندن. وقد وصفت الجريدة «الزمان»، وهي خصيمتها بأنها «شيخة ~~الصحف الوطنية» في عاصمة الرشيد ولسان الأحرار الناطق في الرافدين. # ولم يكن للنهضة رئيس تحرير معلن اسمه في ديباجته، إلا أن جماعة من الكتاب القديرين ~~كتبوا فيها، بينهم باقر الشبيبي ومحمد عبد الحسين وعلي الشرقي ويوسف رجيب، ومن نماذج ~~كتابتها التي توضح أسلوبها قولها في مقال عنوانه «يفتضحون»: # 1 ~~... جاز عندهم الكذب فكذبوا على الله وكذبوا على الحقيقة والتاريخ. ~~... تاهوا فلم يحسبوا للمستقبل حسابه، ولم يلتفتوا لما أضمرته الأيام للمارق ~~الخئون، وما حملته بين طياتها من النقمة والعذاب، وخالوا أن ms082 ساعة الحساب بعيدة، ~~وأن روح التساهل الذي تلبس به الشعب وخلوده إلى السكينة كفيلان باجتياز هذه ~~السبل بسلام وطمأنينة. وقد جهلوا نفسية الأقوام وروحية الشعوب إذا تمخض فيها ~~الغضب، وإذا تصاعد من قرارها حب الانتقام والتشفي من الظالمين القساة. # وقد تعرضت صحيفة «حزب النهضة» لنقمة الحكومة في قيامها بواجبها الحزبي والصحافي، ~~وبسبب جرأتها وصراحتها، فسيقت إلى المحاكم مرات وحكم على مديرها المسئول ومحررها ~~بالغرامات، فلم تنثن عن المضي في سبيلها عالية الصوت. # ومن مأثور مواقفها الحملات العنيفة على الوهابيين في حوادث فيصل الدويش، وتمزيقها ~~تهاويل المستر فلبي في جريدة «الديلي نيوز»، ومهاجمتها الحركة الانفصالية التي أثارها ~~بعض المسيرين من الأجنبي في البصرة، ناعتة فعلتهم «بالخيانة العظمى»، وقاومت «امتياز ~~اللطيفة» الزراعي لما عرض على مجلس الأمة. # وآزرت الهيئة الوطنية في مصر سنة 1928 في ضجة الشعب المصري لوأد الدستور، كما تفوقت ~~في الدفاع عن عروبة فلسطين. # ودافعت عن عرب خوزستان في مقالات أحدثت صدى في الأوساط العراقية والإيرانية ~~والأجنبية. # ولما عطلت الحكومة «النهضة العراقية» في مطلع أيلول (سبتمبر) 1929 لحملتها على ~~الإنكليز في الشرق عامة وفي العراق خاصة، أصدر الحزب مكانها «صوت العراق» لصاحب ~~امتيازها مزاحم الأمين الباجه جي - ولما تكن قد نشرت بعد - التي أصيبت هي الأخرى ~~بنكبة التعطيل الإداري من الحكومة. # جريدة الحزب الوطني # و«الحزب الوطني» المؤسس في 2 آب (أغسطس) سنة 1922 عرف بأنه من أصلب الأحزاب الوطنية ~~عودا وأشدها مراسا في الكفاح السياسي، ولا سيما في معارضة سياسة الانتداب، ومن رجاله ~~غير رئيسه جعفر أبو التمن، بهجة زينل، ومحمد مهدي البصير، وحمدي الباجه جي، ونوري فتاح ~~باشا، وعلي محمود الشيخ علي. # دون الحزب في المادة 3 من منهجه أن «غاية السياسة هي المحافظة على استقلال ~~العراق التام بحدوده الطبيعية ومؤازرة حكومته الملوكية الدستورية النيابية، والذب عن ~~كيان الأمة العراقية، والنهوض بها إلى مصاف الأمم الراقية ماديا وأدبيا، وتحسين ~~الصلات بين العراق والأمم الراقية؛ للسعي وراء المشاريع المفيدة، وتنشيط الفكرة الوطنية ~~للوحدة العراقية، واتخاذ الوسائل المشروعة لردع من ms083 يتصدى لنشر وإذاعة ما يوقع الشقاق ~~والتفريق بدعاية الدين والجنس بين العراقيين.» # ولم يعن الحزب في السنوات الثماني الأولى من حياته بإصدار جريدة خاصة به، ولعله ~~اكتفى بجريدة أحد أعضائه عبد الغفور البدري «الاستقلال»، وكان هذا الصحافي جريئا يواجه ~~النكبات الصحفية بصدر رحب، فتتعرض جريدته للتعطيل المتواصل، فينشر بمكانها جرائد أخرى، ~~ولكن الحزب اعتزم إصدار جريدة تكون لسانه، فظهرت جريدة «صدى الاستقلال» يومية، أثبت في ~~رأسها أنها «لسان حال الحزب الوطني العراقي»، وتولى سياستها علي محمود الشيخ علي الذي ~~طالما حملت صحيفة «الاستقلال» أو الصحف التي نشرتها إدارتها مكانها مقالاته الضافية في ~~القضايا الراهنة. وقد اتسمت هذه المقالات بطول النفس وصرامة التعبير. # برزت الجريدة للوجود يوم 15 أيلول (سبتمبر) سنة 1930، ونشأت تخدم أغراض الحزب الوطني، ~~فلم تتحمل الحكومة لاذع انتقادها فعطلتها ولما يمض على نشرها شهر واحد، فاستعاض ~~الحزب عنها بجريدة أخذ أحد أعضاء الحزب «محمود رامز» على عاتقه مسئوليتها. «صدى الوطن» ~~ظهرت في 25 تشرين الثاني (نوفمبر) سنة 1930، فكان نصيب جريدة الحزب الوطني الجديدة نصيب ~~أخواتها، فعطلت بعد شهر ونصف من عمرها، فلم يهرب أعضاء الحزب من ميدان المعارضة من ~~منبر الصحافة، بل صعدوا للقراع فحصل «محمود رامز» على امتياز جريدة جديدة باسم «الثبات» ~~بدأت خدمتها في 30 كانون الأول (ديسمبر) سنة 1931، فعطلتها الحكومة في 7 شباط (فبراير) ~~سنة 1932. # وبعد أن أعلن عميد الحزب «جعفر أبو التمن» اعتزاله السياسة سنة 1934 وأصاب الحزب ~~التضعضع أراد بقية أركانه أن ينشطوا للعمل، ويبدوا حيوية تلفت النظر إلى حزبهم، وحيث ~~لم تكن له جريدة تذيع رسالته، وكان صاحب جريدة «الاستقلال» عبد الغفور البدري هو الآخر ~~قد سبق فاستقال من الحزب بتحريض من رئيس الوزراء الذي كون المجلس النيابي سنة 1933؛ ~~ليضمن كرسيا له في المجلس، فاندفع «محمود رامز» فاستأنف إصدار جريدة «الثبات» تنشر ~~مرتين في الأسبوع، وعهد بتحريرها إلى «أحمد عزت الأعظمي» من صحافي الثورة الذين تحدثنا ~~عنهم في محاضرات فائتة. وقد قال صاحب «الثبات» في العدد الأول من عهدها الجديد بعنوان ~~«الله ms084 والوطن»: # أصدرت قبل عامين جريدة «الوطن»، فقامت بما حتمه عليها الواجب وقضت به المبادئ ~~والكرامة، فذهبت شهيدة فيهما ضحية لهما بالتعطيل مرتين ثم الاختفاء الأخير، وعز ~~علينا أن نستسلم للأمرين خائفين لا نبدي حراكا ولا نأتي عملا، فيبقى الحزب ~~الوطني من غير صحيفة تعمل بمبادئه، وإن قامت بعض الصحف بتمثيل رأي الحزب حينا ~~من الأحايين، فكلف الحزب أحد أعضائه وهو مدير هذه الجريدة باستحصال إذن ~~بإصدار «الثبات»، فصدرت وظلت تناضل عاما كاملا حتى قضي عليها بالتعطيل ~~مرتين، وها هي اليوم تعود إلى الميدان حاملة لأمتها علم الإخلاص في الكفاح، ~~قوية في إيمانها، ماضية في خطتها، مبشرة بمبادئها، مستمدة قواها وروحها من روح ~~هذه الأمة، ملهمة في الدفاع عنها من الله وإرادة الأمة، أجل وها هي اليوم تعود ~~إلى ميدان الجهاد والتضحية في سبيل هذا الوطن المنكود الذي تفاقمت عليه الأرزاء ~~والمحن من كل جانب، وتضافرت عليه الأطماع والأهواء وشتى أسباب التنكيل به، إن ~~هذه الصحيفة تريد أن تعمل في توحيد الصفوف وجمع الكلمة والتقريب بين المخلصين، ~~وخلق وحدة قوية منهم؛ ليتم العمل المشترك في إنهاض هذه البلاد وإنماء روح ~~الشعور القومي، وتقضي على كل فرد مشعوذ يريد القضاء على هذه الوحدة المقدسة ~~... # غير أنها لم يظهر منها أكثر من 13 عددا؛ إذ قرر الحزب إيقاف أعماله وأذاع قراره في ~~الناس في نصف عدد من جريدته «الثبات» - أي بورقة واحدة - يوم 20 نيسان (أبريل) 1934، ~~تحمل قرار الحزب بغلق أبوابه وتعطيل جريدته. # أرادت الوزارة التي ألفها نوري السعيد سنة 1930 أن يكون لها حزب في مجلس النواب ~~يعضدها ويبرم لها بأكثرية المشروعات التي تريد أن تمضي فيها، وفي مقدمتها المعاهدة ~~العراقية البريطانية الجديدة. # جريدة حزب العهد # ولما كان نوري قد اختار معظم زملائه في المسئولية ممن يرتبط بهم بتاريخ ماض في عهد ~~الدراسة في إستانبول وفي ميدان الثورة العربية، فإنه أوعز إلى جماعة من السياسيين ~~الشباب ممن يرتبطون معه بصلة تفاهم، بينهم المحامون والأطباء، فكونوا حزبا، واختار ~~السعيد له اسما براقا في ms085 ذاكرة القوميين فدعاه «حزب العهد»، وإن كان مؤسسه يعلم قبل ~~غيره أن الكراسي النيابية هي الرابطة الوثقى بين أعضاء هذا الحزب، فإذا حلت وزارة ~~أخرى هذا المجلس انفرط عقد الحزب حالا، ويمكننا أن نذكر من الأشخاص الذين قام الحزب ~~على عواتقهم الدكتور فائق شاكر، وثابت عبد النور، وإبراهيم الواعظ، وأغلب الأشخاص الذين ~~انضموا إلى الحزب الحكومي الجديد بعد أن أصبحوا نوابا ممن سبق لهم أن كانوا أعضاء ~~مؤمنين في «حزب التقدم» الحكومي. # أذنت وزارة الداخلية بتأسيس «حزب العهد» يوم 12 تشرين الأول (أكتوبر) سنة 1930، ~~ونصت مادة منهاجه (الثانية) «على أن غاية الحزب تحقيق استقلال العراق التام وإسعاده ~~بإنماء القوى الوطنية وتنظيم أمور الإدارة والاقتصاد والمعارف والصحة والزراعة والجيش، ~~وبث روح التجدد وإصلاح الأنظمة والقوانين بروح الثقافة العصرية.» # اشتدت المعارضة «للوزارة العهدية» ونشطت الحركة الوطنية، فهب «الحزب الوطني» للعمل ~~الجاد وتأسس «حزب الإخاء الوطني»، وتآخى الحزبان على وثيقة سياسية للعمل المشترك، وقوي ~~التطاحن بين حزب الحكومة وأحزاب المعارضة. # ولقد رافق حزب العهد كثيرا من الضغط والتشديد، واتخذت الحكومة تدابير قاسية ضد ~~معارضيها، ووقع اضطهاد مرير على الأحرار، وعانت الصحافة الوطنية الأمرين في هذا ~~الطور، وتعددت محاكمة الصحافيين والكتاب، وعمرت بهم السجون والمنافي، ويقتضي الإنصاف ~~أن نذكر أن هذه المشادة بين الحكومة والمعارضة لم تحرم البلد من صحافة جريئة صريحة، فقد ~~كانت الحكومة تعطل الجريدة ثم لا تلبث أن تمنح امتيازا جديدا بجريدة تحل محل الجريدة ~~المعطلة بتأثير قوة الأحزاب ورعاية البلاط الملكي؛ لممارسة الشعب حقوقه ~~الدستورية. # ولم يكتف «حزب العهد» النيابي بصحيفة أحد أعضائه «العراق»، بل أنشأ جريدة خاصة به هي ~~«صدى العهد» يومية ظهرت في 7 آب (أغسطس) سنة 1930. وقد منح امتيازها لعبد الرزاق الحصان ~~من الباحثين في التاريخ القومي. # ولم تشأ صحيفة «صدى العهد» أن تذيع خطة أو تنشر سياستها في أول ظهورها، بل انتهزت ~~ذكرى المولد النبوي المجيدة، فاحتفلت بهذا العيد في مفتتح كلامها: # تيمنا باسم النبي الكريم، واتباعا لخطته القويمة أصدرنا جريدتنا في يوم ~~الولادة الجليل. # وحفلت ms086 أعداد الجريدة الأولى بالمقالات في الشئون القومية يكتبها رئيس تحريرها، وبدأت ~~تروج للمعاهدة العراقية البريطانية الجديدة من مبدأ حياتها. # وكثر الأخذ والرد بينها وبين الصحف المعارضة؛ فحدثت مناوشات حادة بين «صدى العهد» ~~وبين جريدة «البلاد» وجريدة «صدى الاستقلال». # والمعروف في ميداني الصحافة والسياسة أن المعارضة هي التي توصف بطول اللسان والجرأة ~~في الكتابة. أما الحكومة وألسنة الحكومة الصحفية فاللياقة تقضي بأن تتحرج في كتاباتها ~~وتتزن في أقوالها، غير أن «صدى العهد» خالفت هذا العرف أحيانا، فسبت وقذفت في خصوم ~~سياستها والمعارضين لحزبها، من ذلك قولها في عددها يوم 15 تشرين الأول (أكتوبر) سنة 1930: # استقبل بعض المغرضين حزب العهد العراقي بشيء كثير من التهجم والدناءة، ونشروا ~~شيئا من سخائم نفوسهم حول هذا الحزب، وهم أفراد يعدون على الأصابع، ولو تأملت ~~قليلا في ماضيهم وحاضرهم وما انطوت عليه نفوسهم من الخبث واللؤم والشهوات ~~والأغراض، لتجلى لك خطر هؤلاء المهازيل على الوطن وآماله وأمانيه. # هذا نموذج من تعابيرها ولم تتورع في هذا المقال من أن تنعت خصومها «بالزعانف» ~~و«العلوج». # وقد تكون «صدى العهد» أول جريدة عراقية طالبت بتضييق الخناق على الصحافة وطعنت في ~~«قانون المطبوعات» النافذ وحسنت تعديله؛ لأنه يمنح حرية واسعة للصحف! # والمتصفح لجريدة «صدى العهد» في أشهرها الأولى يجدها تحبذ بحماسة الهتلرية، وتتمدح ~~الروح الجرماني، وتدعو إلى إرسال البعثات العلمية إلى ألمانيا، وتطنب في الثناء على ~~موسوليني وتكبر الفاشستية. # كما أن صحيفة «حزب العهد» خدمت الفكرة القومية، وقامت بنشر تعاليم النهضة العربية ~~بزعامة البيت الهاشمي، وكان لها في تأييد «مشروع توحيد العرشين» بين العراق وسوريا ~~كتابات كثيرة. # وقد ترك عبد الرزاق الحصان الجريدة بعد 19 كانون الأول (ديسمبر) سنة 1930، فانتقل ~~امتيازها إلى عبد الهادي الجلبي واشتغل في التحرير فيها توفيق السمعاني، واهتم الحزب ~~بتأسيس مطبعة خاصة لجريدته. # وشغلت «صدى العهد» نفسها بالحملات العنيفة على الحزبين «الحزب الوطني» و«حزب الإخاء ~~الوطني» تعاونها جريدة «العراق» في هذا المجال، واستمرت الجريدة على الصدور حتى بعد ~~سقوط الوزارة السعيدية وتأليف ناجي شوكة وزارة جديدة يوم ms087 3 تشرين الثاني (نوفمبر) سنة ~~1932 وقيام هذه الوزارة بحل المجلس النيابي وتكوين مجلس جديد، إلا أنها في خلال عملية ~~الانتخابات النيابية لم تتعرض للحكومة بسوء، إنما واصلت تهجمها على «حزب الإخاء ~~الوطني»، ولكنها بعد أن أسفرت نتيجة الانتخابات عمدت «جريدة حزب العهد» إلى معارضة ~~الوزارة الشوكتية فعطلتها الحكومة. # وما لبثت إدارة «صدى العهد» أن أصدرت جريدة أخرى بمكان جريدتها المعطلة باسم ~~«الطريق»، ظهر عددها الأول في 6 آذار (مارس) سنة 1933، وقالت في تمهيدها: # تصدر هذه الجريدة في ظرف عصيب وفي أوقات حرجة، نجد الجرائد أمامنا مصروعة؛ ~~فمنها معطلة، ومنها منذرة، ومنها متخذة طريقها إلى المتاجرة واقتناص الفرص لجر ~~المغانم بعد حوادث سياسية يعرفها الناس جميعا. # طريقنا في إصدار هذه الجريدة هو الحق وتقديسه والاعتصام به، وتأييد الجهة ~~التي تنطق به بغض النظر عن شكلها وصبغتها. # ونحن سنبتعد عن التعرض للأمور الشخصية التي لا علاقة لها بالمصلحة العامة، ~~فنحن لا نصدر هذه الجريدة لأجل امتهان كرامة أحد إذا لم يبد في تصرفاته ما يضر ~~المصلحة العامة. # فلما ذهبت الوزارة الشوكتية وتسلمت الوزارة الجديدة مقاليد الحكم برئاسة رشيد عالي ~~الكيلاني في 20 آذار (مارس) سنة 1933 اندفعت «جريدة حزب العهد» في معارضة الوزارة ~~الكيلانية، مع أن رئيس الحزب «نوري السعيد» وبعض أقطابه أعضاء في هذه الوزارة ~~المؤلفة. # والحق أن جريدة حزب العهد - «الطريق» - تذبذبت بعد ذلك، فصارت تؤيد الوزارة التي ~~ألفها جميل المدفعي التي خلفت الوزارة الكيلانية، ووقفت موقفا فاترا من غير لون في ~~عهد الوزارة التي ألفها علي جودة الأيوبي، فلما اضطلع ياسين الهاشمي بتأليف وزارته ~~القومية الكبرى سنة 1935 أيدت صحيفة «الطريق» الوزارة ورئيس حزب العهد مساهم في ~~مسئوليتها. # وعند حدوث الانقلاب العسكري الأول الذي أنجزه الفريق بكر صدقي العسكري، ونصب الانقلاب ~~وزارة جديدة برئاسة حكمت سليمان، أظهرت جريدة «الطريق» تحزبها لنوري السعيد، ونشرت ما ~~أغاظت به الوزارة القائمة فعطلتها في 23 تشرين الثاني (نوفمبر) سنة 1936، فصفى الباقون ~~من فلول الحزب «المطبعة» وانتهت حياة جريدتهم. # جريدة حزب الإخاء الوطني ms088 # بعد أن تضامنت المعارضة وأملت الظروف على المتفاهمين في سياستهم وجوب التساند انعقدت ~~الخناصر على تأليف حزب سياسي كبير، فأعلن للملأ تأسيس «حزب الإخاء الوطني»، أجازته ~~وزارة الداخلية يوم 25 تشرين الثاني (نوفمبر) سنة 1930. وقد اجتمع فيه من الشخصيات ~~السياسية ياسين الهاشمي، وناجي السويدي، ورشيد عالي الكيلاني، وعلي جودة الأيوبي، وحكمة ~~سليماني، ومحمد زكي، ويوسف غنيمة، ورضا الشبيبي، والسيد عبد المهدي، وغيرهم ... # اجتمعت هذه الكتلة القوية من السياسيين البارزين بزعامة ياسين الهاشمي، وأوجز الحزب ~~منهاجه بهذه الأسس: ~~(1) # بذل الجهود لتنبيه الشعب العراقي إلى الأخطار المحدقة به من الوجهات ~~السياسية والإدارية والاقتصادية، ومقاومة التصرفات الشخصية التي لا تأتلف ~~والمصلحة العامة. ~~(2) # العمل على تأليف رأي عراقي عام لمكافحة كل ما من شأنه أن يشوب استقلال ~~البلاد بأية شائبة، أو يخل بالوحدة العراقية أو ينافي أحكام ~~القوانين. ~~(3) # العمل على صيانة حقوق العراق في مرافقه الاقتصادية وحماية وترويج منتجات ~~البلاد واستثمار مواردها لخير أبنائها. # وتآخى «حزب الإخاء الوطني» مع «الحزب الوطني» فور تأليف الأول، واتخذا موضوع الساعة ~~المعاهدة العراقية-البريطانية الجديدة هدفا لكفاحهم السياسي ومقاومة الوزارة ~~السعيدية التي عقدتها، فأذاعوا في الصحف آراءهم في تسفيه المعاهدة مبينين أنها تخل ~~بالاستقلال التام، وتثلم سيادة الشعب، فكان لهذه الدعاية تأثيرها العميق في الرأي ~~العام، فنجح الحزبان في تأليب الجماهير على الوزارة واستنكار مشروعاتها. # ولقد كان «لحزب الإخاء الوطني» اهتمام كبير بالدعاية في الصحافة، ووقفت جريدة «البلاد» # 2 # لمنشئها رفائيل بطي «صاحب هذه المحاضرات» تؤازر عميد الحزب ياسين الهاشمي، ~~وتسانده بحماسة قبل أن يتكون الحزب، مناصرة في هذا السبيل الحركة الوطنية بما أوتيت من ~~نشاط، يسعفها مركز الجريدة وتفوقها على الصحف قاطبة في سعة الانتشار. وقد أصيبت جريدة ~~«البلاد» من جراء مبدئها وصمودها للنضال بالتعطيل المتواصل، فكانت تصدر جرائد بمكان كل ~~جريدة تعطلها الحكومة، ولقي صاحب الجريدة الاضطهاد من سجن ونفي، وأصيب بخسائر فادحة، ~~فلما تأسس الحزب انخرط صاحب جريدة «البلاد» في سلكه وصار يواصل أداء واجبه من غير أن ~~يكلف الحزب فلسا واحدا. # وهذه أسماء الصحف التي ms089 أصدرتها جريدة «البلاد» بمكانها في خلال فترات تعطيلها ~~المتعددة: «صوت العراق»، «الجهاد»، «الشعب»، «الزمان»، «نداء الشعب». # وقد افتتح الزعيم ياسين الهاشمي بنفسه العدد الجديد من «نداء الشعب» لما حلت محل ~~«البلاد» بمقال عنوانه «اليمين» جاء فيه: ~~... مرت بخاطري مناظر الانتخابات ومهازل الاستفتاء التي أنستنا حينا من الزمن ~~الدستور والقانون، وألهتنا عن خدمة الأمة والوطن في ساعات المحنة، فصرنا نهدد هذا ~~ونغمط حق ذاك، ونكره القريب، ونغري البعيد باسم الدستور، وتحت ستار الخدمة للوطن ~~والأمة، والناس عنا لاهون. # إذا كانت القلوب لا تخفق بحب هذا الوطن الصريع، والسواعد لا تدافع عن حياض ~~الدستور المنيع؛ فلا يمين تنفع ولا قانون يردع، فبئس العقبى وبئس المصير. # فهل من البر باليمين أن نمنع الاجتماعات ونسد الصحف ونكم الأفواه، وحرية إبداء ~~الرأي مكفولة بالدستور ... # فطريق الخدمة يا قوم ليست التي نمشي عليها، وما كانت الجهود التي بذلناها ~~والضحايا التي قدمناها لأجل أن نزج بالوطن في هذا السجن الرهيب. # فلما عطلت «نداء الشعب» أصدرت البلاد «السياسة» عوضا عنها. # واشتهرت الصحف التي أصدرتها «جريدة البلاد » في خلال غيابها بتعطيل الحكومة لها، وفي ~~ظل «حزب الإخاء الوطني» باللهجة الشديدة والتفكير السديد وقوة الحجة، كما كان لانتشار ~~هذه الجرائد المريع في أنحاء القطر كافة وصوتها الداوي صداها في المجتمع العراقي، بحيث ~~تجسمت قوة الصحافة كأداة حزبية في نشر الدعوة وتلقين الشعب وهز عواطف الجماهير، وأهم ~~القضايا التي عالجتها صحافة الحزب في هذه الفترة، مقاومة معاهدة التحالف بين العراق ~~وبريطانيا سنة 1930 و«اتفاقية النفط» الجديدة. # وتضافر فريق من كبار الساسة والكتاب في معالجة هذه القضايا الحيوية والكتابة فيها ~~مع هيئة تحرير جريدة «البلاد»، وبخاصة فهمي المدرس، وباقر الشيبي، مقالات صادعة تثير ~~طبقات الشعب وتحرك مشاعر الناس، فتعمد الحكومة إلى تعطيل الجريدة تخلصا من تأثيرها، ~~وتمعن أحيانا في إرهابها فتسوق الكاتب والمدير المسئول إلى القضاء أو تنفيهما إلى ~~مكان بعيد. # هذه أهم الصحف الحزبية التي وجدت في الفترة التي نتحدث عنها من تاريخ الصحافة، ~~ويمكننا أن نضيف إليها جريدة «الأهالي» والصحف ms090 التي صدرت في محلها خلال تعطيلها، وهي ~~تمثل رأي فريق من الشباب معتنقي الأفكار اليسارية تكتلوا فيما بينهم أول الأمر في حلقات ~~من الأندية الأدبية والاجتماعية نظير «نادي بغداد» وأرادوا أن يظهروا في جماعة رسمية ~~مستفيدين من عضوية بعضهم في الوزارة في عهد الانقلاب العسكري الأول سنة 1936، وأعلنوا ~~أنهم سيؤلفون «جمعية الإصلاح الشعبي»، إلا أن بطل الانقلاب الفريق بكر صدقي العسكري لم ~~يساندهم؛ فعجزوا عن أن يكونوا لهم حزبا سياسيا، أو أن يبرزوا أية قوة في ذلك ~~العهد. # ويضيق وقت المحاضرة من التبسط أكثر في العوامل التي كونت هذا التكتل في داخل المجالس ~~النيابية وخارجها، والنتائج التي توصلت إليها وانعكاسها في الرأي العام مما يتطلب ~~تفصيلا لا يتسع له مجال هذه المحاضرات. # | صحافة الهزل والنقد # إن حظ صحافة العراق من الهزل والكاريكاتور ضئيل، ولذلك عوامل؛ أولها: أن العراقي جاد بعيد ~~عن روح الفكاهة والهزل في هذا الزمان، بخلاف المصري مثلا، الذي تخالج فكرته النكتة، ويفعم ~~قلبه مرحا على الدوام. # كما أن الكتابة الفنية الهزلية والكاريكاتورية بمعناها العصري في الصحف شيء جديد في بلاد ~~الرافدين، وإذا رجعنا إلى الصحافة العراقية في العهد العثماني رأينا ما كان يسمى ~~هزلا قطعا وشذرات تافهة، أو تعريضا سمجا يتناول الأعراض والشتيمة والسباب بوجه عام، ~~وليس هناك الكتاب المتفننون الذين يبدعون في وصف بعض الحالات أو الشخصيات بأسلوب ~~هازل. # وقد أراد بعض أرباب الصحف القليلة في ذلك العهد تقليد صحافة إستانبول في هذا فأخفقوا؛ لأن ~~فن الكاريكاتور كان قد تقدم في تركية تقدما لا بأس به بعد أن طعم بثقافة أدبية وفنية ~~أوروبية، وليست الحال على هذا المنوال في العراق، فالأكثرية ممن عالج الصحافة قبل الحرب ~~العالمية الأولى ثقافته عربية بحتة، وندر فيهم من يجيد لغة أوروبية، وكان أغلب أصحاب الصحف ~~عندنا إذا ما أرادوا إيراد فكاهات أو نحوها اقتبسوها من الصحف العربية للبلاد الأخرى، أو ~~ترجموها عن التركية. # كناس الشوارع # وأول كاتب هزلي لفت نظر القراء بعد الحرب العالمية الأولى عرف باسم «كناس الشوارع»، ~~وهو ms091 شاب تخرج من مدرسة الآباء الكرمليين ببغداد، وفيه نزعة مرح وخفة روح مع ثقل جسم، ~~وهما صفتان متلازمتان غالبا. # سألته يوما لماذا اخترت «كناس الشوارع» اسما قلميا لك؟ فأجابني: أردت أن أختار ~~شخصية آدمية كثيرة التجوال في شرايين المدينة وقلبها دوارة تقترب من الأبواب، وتدخل ~~البيوت، بيوت الفقراء وقصور الأغنياء، فلم أجد خيرا من «كناس الشوارع»، ثم وددت وإني ~~أعتزم الانتقاد والحملة على العادات والنواقص في الناس والمجتمع أن أختار اسما يوافقه ~~حمل سلاح للتهويش والضرب، ولسميي مكنسة مشهرة دائما، يحملها على كتفه ويكنس بها ~~وينظف. وقد يستخدمها للضرب والدفاع عن النفس عند الحاجة. # هكذا طلع على الناس «ميخائيل تيسي» في جريدة «الرافدان» أولا وفي «دجلة» بعدها، ~~يتستر وراء توقيع «كناس الشوارع» في مقالات قصيرة يتحدث فيها في الشئون اليومية بلهجة ~~بسيطة يتخللها الكثير من الألفاظ والتعابير العامية، ينقد بعض العادات والأخلاق ~~والأوضاع الاجتماعية غير السياسية، فصادفت هوى من نفوس القراء أكثر مما كان ينتظره ~~الكاتب نفسه. # ويبدو أن الطبقة المستنيرة قد استحسنت هي الأخرى «نقدات كناس الشوارع » حتى استحقت أن ~~يسجل محرر جريدة «العاصمة» في مقال افتتاحي له قوله: # 1 # والحق يقال: إن «كناس الشوارع» أجاد في بعض نقداته؛ لأنه قد انتقد بعض الشئون ~~التي أوجبت تأخرنا الاجتماعي، بتصوير حسن وأسلوب جيد، فاستحسن الجمهور تلك ~~الملاحظات وأعجب بها. # وتدور أكثر ملاحظاته حول النظافة ووجوبها، والتشنيع بحركات الآخرين وأصواتهم المزعجة، ~~وفضح حيل الباعة والدوارين، ثم تنبيه بعض الدوائر الحكومة، ولا سيما البلديات إلى ما هو ~~من واجباتها من تنظيف وإنارة الطرق وتجفيف البرك في الشوارع. # ويعمد «كناس الشوارع» أحيانا إلى النقد الأخلاقي أو الاجتماعي فيعرض بالعادات السيئة ~~والطبع اللئيم، ويصف أمراض الحياة والبيئة ومساخرها وحيل النسوان وبلادة الرجال - وبتعبير محكم - الأزواج. # وكتابات هذا الكاتب الهزلي طراز لتفكير طبقة كبيرة ممن أصابوا حظا من التعليم، ومع ~~أنه يجيد الفرنسية ويحسن الإنكليزية فلم يعن بأن يسلك طريقة أحد الكتاب الفرنسيين ~~أو الإنكليز الهزالين، بل اهتم بأن يفكر ويستوحي من الجو المحلي، وهذا ms092 سر إقبال الجمهور ~~على قراءته، بل إن الجريدة السياسية اليومية التي كان يكتب فيها هذه النقدات راجت ~~بسببها بعد خمول، وصار القارئون يتطلبونها لقراءة «نقدات الكناس». # وبعد أن ابتسم لميخائيل تيسي الرواج فيما يكتب، شجعه هذا على إصدار جريدة أسبوعية ~~هزلية باسم «كناس الشوارع» ظهر عددها الأول في 1 نيسان (أبريل) 1925، قال فيه بعنوان ~~«خطتي» ومن هذا المقال تعرفون ديباجته الكتابية: # خطتي معلومة واضحة كالشمس في خامسة الليل، أحمل مكنستي وآخذ أتجول في الطرق ~~والأزقة، فحيثما رأيت أحدا يأتي أمرا مخالفا للذوق والشم والنظام والقانون ~~والكمنجة ضربته بمكنسة كافرة على رأسه، فإن انكسرت المكنسة راحت من كيسي، وإن ~~انكسر رأسه راح من كيسه. # هذا؛ وقد بلغني بأن هناك بعض الناس لا يعرفون قدر أنفسهم ويتطاولون إلى ما ~~ليس من شأنهم، ويمدون أرجلهم إلى ما وراء بساطهم؛ وعليه فليكن مجهولا لدى ~~العموم بأني قد بثثت العيون والحواجب في كل محل من المحلات، وأطلقت رجال الخفية ~~والظاهرية في كل مكان، فالويل لمن تأتي على يده الشكوك، خير لذلك الإنسان لو لم ~~يولد ، فجميع مكانس العراق أكسرها بالمفردات وبالجملة على رأسه ولا أبالي، أنا ~~رجل عصبي كسكين ودموي شاور، فإذا غضبت فإن جميع كازوزخانات العراق ومعامل الثلج ~~لا تبرد غضبي. # أنا أبو حمد الضراب المثلث # متى تقلدت مكنستي تعرفوني # فليحذر الحاذرون وليتأهب المتأهبون، فإنهم سوف لا يعلمون حتى ومن أية جهة ~~سيكنسون. # وقد ملأ الصحفي الهازل صحيفته دعابة وتفكهة، لا تجد فيها مقالة واحدة جدية، حتى ~~الأخبار المحلية يكتبها في قالب المزح. وقد راجت رواجا كبيرا. # ومن أساليبه في التفنن في التهكم أن كان زار العراق أمين الريحاني فيلسوف الفريكة ~~اللبنانية، وألقى في بعض أندية بغداد الأدبية قصائد من «شعره المنثور»، فسرعان ما نسج ~~«كناس الشوارع» على منواله «قصيدة» على طريقة الشعر المنثور، وناعتا إياه «بالشعر ~~المنتوف» واصفا بغداد المدينة منتقدا حالتها الصحية والعمرانية، منها هذه ~~المقطوعة: # اللازمة # زينة البلدان # عجائب الزمان # عدوة الشيوخ # عشيقة الصبيان # عجائب خرائب # غرائب مصائب # أنواع وأشكال # أرناك ms093 وألوان # مزابل وأوساخ # وأقذار وأوحال # مبعثرة مكدسة # مكومة في كل مكان ~~••• # منازل وبيوت # بالهواء واقفات # جدران مهدمة # وحيطان مهشمات # بعضها داخلات # وبعضها طالعات # متداعيات فمايلات # برحمة الله واقفات # وقد عرض في إحدى هذه المقطوعات بالانتخابات النيابية والمرشح الذي سخر منه ~~بقوله: # أجناس وأشكال # للترشيح يتقدمون # الطابوق نائمون # والشكنك قائمون # كل شيء بالكوة # والعفترة يريدون ~~... وزانها وضاع # حساب الحاسبون # ولم يستمر «كناس الشوارع» في عمله الصحفي بعد أن وقع له حادث مفاجئ بإطلاق مجهول عليه ~~رصاصات من مسدسه وهو جالس في صيدلية فلم تصب منه مقتلا، بل جرحته جروحا خفيفة، ~~فمنعه أهله من مواصلة كتابته بعد أن فسر هذا الاعتداء بتحريض من بعض من أصابهم رشاش ~~قلمه - أو سيان مكنسته - وخطر لميخائيل تيسي أن يعاود الكتابة والصحافة وهو موظف - حينما لم يكن محظورا على الموظف في بلادنا الاشتغال بالصحافة غير السياسية - فاتفق مع ~~زميل له في ديوان الحكومة «حسين الرحال»، فأنشأ جريدة عنوانها «سينما الحياة»، ظهرت في ~~17 كانون الأول (ديسمبر) سنة 1926، وكتب في صدرها أنها جريدة أدبية اجتماعية نصف هزلية ~~تصدر مرة في الأسبوع، قال في استهلالها: # اعتزمت أنا وزميلي «حسين بك الرحال» إصدارها بناء على طلب الجمهور وإلحاحهم، ~~وستكون طبعا جريدة اشتراكية بمعنى كونها جريدة شعبية من الشعب وللشعب. # وعليه فستكون وقفا لخدمة العموم وصوالحهم، اشتراكية بمعنى أن للجميع حق ~~الاشتراك في تحريرها وإبداء آرائهم فيها مهما تناقضت المبادئ واختلفت المرامي ~~في خدمة الشعب، اشتراكية بمعنى حقولها مفلوحة ومفتوحة لبذور أقلام الأدباء ~~وبنات أفكارهم؛ فهي إذن كالبستان يمكن أن تزرع بها طماطم وباذنجان وقرنابيط ~~وفجل وعرموط، إن الطماطمة تختلف عن الباذنجان، والباذنجان يختلف عن القرنابيط ~~... إلخ. ولكن هذا الاختلاف لا يهم، ما زال كله نافعا لغذاء الإنسان وضروريا ~~لقوته وحياته. # وقال عن اشتراكية الجريدة: # إن مبدئي ومشربي مثلا يختلفان في كثير من الأمور عن مبدأ الرحال بك ومشربه، ~~ومع ذلك فقد اتفقنا على إصدار سينما الحياة بلا تردد، ماذا يهمني إذا كان ~~الرحال يخالفني رأيا ومبدأ، وماذا يهم الرحال ms094 إذا كنت أخالفه كذلك، فله حقله ~~ولي حقلي، له إمضاؤه ولي إمضائي، فما صدر بتوقيعه فهو له، وما صدر بتوقيعي فهو ~~لي. # ومن مفارقات جريدة «سينما الحياة» أن شريك «الكناس» الرحال كان يكتب ويترجم فيها ~~بجانب كناساته مقالات جدية وعويصة عن «التطور الاقتصادي» و«ذهنية الماضي»، وكله من ~~مراجع تقدمية في الكتب والمجلات. # ولم تعمر «سينما الحياة» طويلا؛ إذ أوعزت الدائرة الرسمية التي يشتغل فيها صاحباها ~~بأن يكفا عن نشرها. # حاول الكاتب بعد سنين مزاولة الصحافة الأسبوعية، فنشر جريدة جديدة باسم «الناقد» برزت ~~للقراء يوم 6 أيار «مايو» سنة 1936، ولكنه في هذه المرة مال إلى الجد بجانب فصول الهزل، ~~واحتوت جريدته مقالات ترمي إلى الإصلاح الاجتماعي والأخلاقي، وعني بأبواب فيها للمسرح ~~والسينما ونقدهما، ثم سئم الصحافي هذه الحياة وفضل عليها التوظف في الحكومة، فتوقفت ~~جريدته في 26 شباط (فبراير) سنة 1939. # حبزبوز # وقد نبغ في العراق في الفترة بين الحربين العالميتين كاتب فكه منتقد نادر المثال ~~عرف بتوقيع «حبزبوز»، وهي محرفة عن «أ. حبزبز» أي أحمد حبزبز «أحد المتبطلين المشهورين ~~في الجيل الماضي»، وأستميحكم عذرا إذا ذكرت أنني اكتشفت مواهب هذا الكاتب؛ فقد كان ~~«نوري ثابت» من رجال التعليم جمعتني به مجالس الأصدقاء مرات عديدة، فوجدته خفيف الروح ~~مليح النكتة، ثم قرأت في جريدة «الكرخ» لصاحبها الشاعر العامي «عبود الكرخي» وصفا ~~رائعا لمجالس نساء بغداد من الطبقة الشعبية ذوات العقلية المحافظة والطابع العامي، ~~فسألت صاحب الجريدة عن الكاتب المتستر وراء توقيع «خجه خان»، فعلمت منه أنه صاحبنا ~~«ثابت»، ولم يكن يحوم حول السياسة، إنما هو قاصر همه على النقد الاجتماعي بأسلوبه ~~الخاص، فلما أنشأت جريدتي «البلاد» سنة 1929 دعوته لكتابة باب «الهزل والتفكهة» في ~~الجريدة، وأطلقت لقلمه الحرية الكاملة وبمسئوليتي طبعا، وأغريته بثمن حسن لمقالاته في ~~سوق الصحافة في العراق، فاستعظم أول وهلة أن يكتب يوميا مقالا هزليا في جريدة ~~سياسية، كما لم يتوسم بعض أصدقائه وإخوانه له نجاحا في هذه المهمة، ولكنني أصررت على ~~رأيي فاندفع يكتب من العدد الأول من ms095 جريدة «البلاد» وصدر الصحيفة رحب في تقبل ما يريد ~~أن يكتب مع اقتراح الموضوع عليه أحيانا، فلم ينقض عليه في هذه الكتابة شهر واحد حتى ~~شغل القراء وحظي باستحسان واشتهر في المحافل، بحيث قال فيه الزعيم السياسي ياسين ~~الهاشمي: «إنه خير من يصف أخلاق المجتمع وأهله وصفا فيه الإجادة كلها والعبرة ~~البالغة.» # وما مرت أسابيع إلا وعدت وظيفته على حرية فكره وصراحته في النقد، فأنذرته دائرته ~~الرسمية، فانقطع عن الكتابة بضعة أيام ثم عاودها باسم قلمي «أ. حبزبوز»، وبهذا عرف ~~ونبه ذكره في بلده. # وحبزبوز كاتب خفيف الظل، أسلوبه محبب إلى النفوس، تمازجه تعابير دارجة عند الدهماء، ~~مطعمة بالأمثال السائرة على ألسنة الناس على اختلاف طبقاتهم، وتحليها حكايات ونوادر مما ~~يتناقله الجمهور من «عهد العثمانيين»، ويختزن الكاتب في ذاكرته منها محصولا ~~وافرا. # وعندما عزل من وظيفته في الحكومة لأسباب ليست كلها صحفية اعتمد على سمعته الكتابية، ~~فأسس جريدة أسبوعية باسم «حبزبوز»، لكن التجربة أثبتت أن أحسن كتاباته وأشدها جرأة تلك ~~التي كتبها في جريدة «البلاد» لذيوع الجريدة ومركزها الممتاز من ناحية، وللجو الطليق ~~الذي خلقته له آخذة على نفسها ما يكتب من ناحية ثانية، فلم يكن يهمه أن يرضي فلان أو ~~يغضب علان، ولا أن يكسب مشتركا في جريدته، أو تحرم الجريدة من إعلان كما صار شأنه ~~بعد أن أصبح صحفيا. # ظهرت جريدة «حبزبوز» يوم 29 أيلول «سبتمبر» سنة 1931 وقد قدمها للجمهور بهذه المقدمة، ~~وهي تصور أسلوبه وتفكيره: # باسمك اللهم # من «أ. حبزبوز» إلى الشعب العراقي الكريم # الحمد لله، والصلاة على خير خلقه، وبعد؛ يعلم القراء أنني أكاتب الصحف ~~العراقية منذ بضع سنوات بأسماء مستعارة مختلفة، فكان للأخير منها اسم «أحبزبز»، ~~ومن بعد أن ضايقتني الجهات المعلومة - وهي محقة بذلك - تقلص هذا الاسم فصار (أ. ~~حبزبوز) وهو الذي - على ما أعلم # 2 ~~- قضى على حياتي في الوظيفة، ومن أجل ذلك اتخذته عنوانا لصحيفتي ~~هذه، وكنت منذ زمن بعيد أشعر بالرغبة عن حياة التوظيف راغبا في الصحافة، ولا ~~سيما الفكاهية ms096 منها، والحمد لله على الخاتمة. # خطتي: # إن هذه الصحيفة فكاهية أدبية فنية بحتة - على طول! - لا علاقة لها - توبة ~~أستغفر الله العظيم! - بالسياسة والأحزاب مطلقا. # تختلف الظنون على مبدئي وتحوم الشكوك حول نزعتي! لذا وددت أن أزيح الستار ~~وأقدم نفسي - بريزنته - إلى القراء. # يراني البعض كثير الاتصال بأشخاص الوزارة الحاليين معجبا برئيسهم الشاب ~~النبيل، فيظنني «عهدي»، وفي الحقيقة أني أقسم لكم بقضبان الحديد في «البالكون المعهود» # 3 # على أنني لست ذاك. # ويراني البعض أكتب في جريدة الإخاء الوطني «البلاد» وشديد الإعجاب بأدمغة ~~الإخائيين فيظنني «إخائي»، وأنا أقسم لكم بالبيت «الهاشمي» # 4 # الرفيع، وبتربة «الكيلاني» # 5 # المقدسة، وبكل «جادر» # 6 # ينصب في أيام الزيارات على أنني لست هذا. # ويذهب البعض مذهبا آخر فيظنني «تقدمي» لصلة قرابة تجمعني مع بعض رجال هذا ~~الحزب، فأنا أقسم لكم «بالمسناية مال خضر الياس»، # 7 # وأقسم لكم بمسيحة معالي القصاب # 8 # على أنني لست كذلك. # ويراني البعض أتظاهر بالوطنية المتطرفة، وأدغدع أحيانا محلة الكريملت # 9 # فيظنني من «الحزب الوطني»، فأنا أقسم لكم بجبة معالي جعفر أبو التمن # 10 # وأقبل الأيادي «العضبة» لكل من محمود رامز والأخ البدري # 11 # فأقول: إنني مو منهم. # ويذهب فريق آخر مذهبا بعيدا نحو الماضي، فيظنني من «الحزب الحر العراقي» ~~المرحوم، والكل يعلم أنني ما ضربت لكمة في الترجمانية، # 12 # ولا تناولت طعام الإفطار في ليالي رمضان في «الدركاء» # 13 # المعلوم. # إذن لم يبق إلا شيء واحد وهو أنني لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء؛ أي بلا حزب ~~يعني «حزب سز»، وهنا أقسم لكم - وهو القسم الأخير بحياة الشيخ - على أنني لست ~~كذلك. # إذن من أنا وما هي نزعتي؟ # أنا حبزبوز، وحبزبوز فقط، خادم الجميع وساع وراء تحسين صحيفتي التي ستكون ~~فكاهية فنية فقط؛ لعلي أصل بها إلى حد الصحف المصرية والسورية مثل «الفكاهة» ~~و«الكشكول» و«الدبور» و«المضحك المبكي» ... إلخ. # وعلى الله وحده اتكالي وهو خير معين ونصير. # أ. حبزبوز # حاول «حبزبوز» أن يستخدم الكاريكاتور في كل عدد فلم يفلح في ابتكار كاريكاتورات ms097 ~~متقنة. # من مقالات هذا الكاتب الفكه التي تمثل أسلوبه المقال التالي بعنوان: «نحن المخضرمون: ~~إلى أبناء السقوط # 14 # المحترمين»، يصف بعض حديثي النعمة وشبان اليوم. # 15 # حاسر الرأس صيفا وشتاء، فالشعر ممشط ومدهون يلمع تحت أشعة الشمس كأنه قطعة ~~من الروغان! وقد أطال قذاله «الزلوف» حتى استعار خمس سنتيمترات من اللحية، ~~فأضافها إلى الزلف مورد الخدين ببياض وحمرة اصطناعية. وقد لا يرى بأسا من ~~تحمير الشفاه بالحمرة أو «الديرم» كما تفعل مبتذلات النساء. # قبة الثوب - الباخة - طويلة مدلاة حتى الصدر، كأنها أذني حمار تربطها ربطة ~~عريضة جدا «مثل البشطمال»؛ لأن الأفندي أحد أعضاء هواة التمثيل، الجاكيت ضيق ~~وقصير جدا حتى لا يكاد يغطي العجز من الوراء. # أما البنطول فعريض وفضفاض جدا - جارلستون - فهو يكفي لأن يجمع فخذين وأكثر من ~~أفخاذ «أبو حمد». # هو نموذج - أتيب - من نماذج القسم الأول من أولاد السقوط صورناه لكم باختصار، ~~أما القسم الثاني الذين «نبعوا» بعد السقوط فهم الآن يشغلون المناصب العالية، ~~ويمتلكون القصور الفخمة والسيارات الضخمة، ذو منصب عال. وقد كان لا يحلم بأن ~~يكون «جاويش بلدية». # صاحب هذا القصر الفخم الذي تسمع منه أنغام «البيانو» كان يقطن دارا حقيرة في ~~إحدى محلات بغداد الحقيرة، وليست أثاث الدار سوى «الجاون والميجنة والتنور ~~والكوارة ودولاب الغزل والمرفع»، وهذا الذي يجتاز شارع الرشيد بسيارته ذات ~~القمارة، وهو مختال فخور، ينظر إلى الناس كأنهم الذباب، لم يكن سوى ذلك الذي كان ~~يتحسر على «الدشداشة الزركة»، ويشماثه يحتوي على الدهن ما يكفي إلى قدر من ~~التمن، وقدميه الحافيتين كانت تتحسر على زوج يمني من سوق الأسكجية. # وهذا الذي تراه يتناول البيفتيك بالشوكة والسكين في «أوتيل متروبول»، ويكرع ~~أقداح الويسكي والبيرة لم يكن سوى صاحبنا الذي كان يأكل طعام الغداء بشاهيتين ~~من «مخوخ» سوق الغزل. # نالت هذه الجريدة الفكاهية رواجا في البلد، وكان لها تأثيرها في الأوساط المسرحية ~~والملاهي والفنادق. # وهي الجريدة العراقية الوحيدة التي أصدرت عددا خاصا عن «مصايف لبنان»، وبوفاة ~~الكاتب سنة 1938 غابت جريدته إلى الأبد. ms098 # كتاب هزلون آخرون # وقد عالج الكتابة الهزلية كتاب آخرون بينهم من كان يتحلى بثقافة وأدب نظير «خلف ~~شوقي الداوودي» صاحب مجلة «شط العرب» في البصرة، واسمه المستعار «ملا ناصر الدين»، ~~ولكنهم لم يبلغوا مكانة «حبزبوز» ومنهم «عبد القادر المميز» الذي كان يوقع «أبو حمد»، ~~وتسنى له أن يصدر جريدة بهذا الاسم فترة من الوقت. # ووجد شاعر عامي ذو شخصية في أزجاله يصف مجتمعه وجيله بما لم يبلغه الشعراء الفصحاء في ~~عهده، بلهجة عامية وبتعابير وأمثال عامية أيضا، هو «المنلا عبود الكرخي». # ولما رأى أن لشعره العامي تأثيره في طبقات الشعب احترف الصحافة وأصدر جريدة باسم ~~«الكرخ» في 10 كانون الثاني (يناير) سنة 1927، أفضل ما كان فيها قصائده، وأسس مطبعة ~~خاصة لجريدته، مما عجز عنه بعض الكتاب والصحفيين الجديين، ولكنه لم يحسن إدارة ~~المطبعة، ولا استطاع أن يثبت في عالم الصحافة مع أن جريدته كانت تصور الطبقة العامة أدق ~~تصوير، سواء بما ينشره فيها من قصائده بالمناسبات أو بمقالات اجتماعية ووصفية أخرى ~~بلهجة عامية. # إبراهيم صالح شكر # وهناك كاتب فذ في لهجته وأسلوبه أشغل حيزا بارزا في عالم الصحافة أو الكتابة ~~الصحفية في العراق، وإن لم تكن له جريدة يومية كبرى، هو إبراهيم صالح شكر، لم يكن هزلا ~~في مقالاته، بل ساخرا ومتهكما، ثم منتقدا لاذعا ومصورا بارعا، خلق موهوبا في ~~فنه الكتابي، تتلمذ في أول نشأته على قراءاته لبعض بلغاء الكتاب والناقدين المصريين ~~أمثال أحمد فؤاد «صاحب الصاعقة» وفهيم قنديل «صاحب عكاظ»، ومال إلى دراسة روائع الأدب ~~العربي القديم، وأولع بالأسلوب الرصين والألفاظ المجلجلة، واقتبس فصحاء المنشئين ~~القدماء والمحدثين، فأصبح كاتبا بليغا ومنشئا مبدعا. # تمرس أول ما شدا في جريدة «بين النهرين» و«النوادر» و«النور» كما قربنا، واستقل ~~بجريدة أسماها «شمس المعارف»، وقال: إنها تختلف عن صحف العراق بما فيها من ذوق أدبي ~~وفوائد، إلا أنها لم تعش غير بضعة أعداد فقط. # وشارك إبراهيم صالح شكر الشاعر إبراهيم منيب الباجه جي، فأصدرا معا في بغداد مجلة ~~«الرياحين» شهرية نورت براعمها في ms099 27 آذار (مارس) سنة 1914، وما عتمت سموم الحرب الكبرى ~~أن صوحتها. # وما انجابت ظلمات تلك الحرب حتى حن إبراهيم إلى الصحافة فنشر مجلة شهرية «الناشئة»، ~~حفلت على صغر حجمها بالأدب والنقد الاجتماعي، وعاشت أشهرا بين عامي 1921 و1922. # واستأنف الأديب العمل الصحفي بجريدة «أسبوعية» دعاها «الناشئة الجديدة» في 27 كانون ~~الأول (ديسمبر) سنة 1922، فكانت حدثا في صحافتنا الأسبوعية، تفنن صاحبها في أبوابها ~~ومقالاتها وشذراتها، يعاونه بعض الكتاب من الشباب الطالع. # وها نحن أولاء نورد مثالا من أسلوب الكاتب في باب استحدثه «معرض المشاهير» قال ~~بعنوان: «أحد العظماء» عارضا صورة قلمية «للسيد عبد الرحمن النقيب»، نقيب الأشراف ~~ورئيس الحكومة يومئذ: # فإذا صوب الداخل نظره إلى صدر البهو رأى شيخا في الثمانين من عمره جالسا ~~على سرير فاخر، تنبعث منه كهرباء المهابة والجلال، وتلوح على محياه أمارات ~~العظمة والإمارة. # فإذا جلس رأى من حسن الاستقبال وجمال الحديث ما يمثل أمام عينيه أدب النفس ~~وحسن البيان. # فإن ولج معه باب السياسة، خيل إليه أنه يحدث أكبر الرجال عقلا وأعظم الوزراء ~~رأيا ومعرفة بحوادث الغير، ووقائع العبر. # وإذا عطف ذمام الحديث إلى المحاضرة حسب نفسه بحضرة الصاحب بن عباد أو السيد ~~الشريف الرضي، حيث يسمع من الأدب الرائع والبيان ما يعبر عنه بالسحر ~~والحلال. # وإذا دخل معه باب البحث في الفلسفة وما تحويه مجالس العلماء ونوادي الأمراء ~~جرى على لسانه: # من مخبر الأعراب أني بعدهم # شاهدت رسطاليس والإسكندرا # ورأيت فضل الفاضلين كأنما # رد الإله ذكاهما والأعصرا # 16 # ثم يرى أثناء ذلك ضيوف الزائرين على اختلاف الطبقات من شاعر أديب وعالم فاضل ~~ووجيه كبير وأمير جليل. # وبعد أن كانت تغلب على الجريدة صبغة الأدب والاجتماعيات تحولت إلى السياسة واندفعت ~~تكافح في ميدانها الوعر المسالك، وصار رجال السياسة الأذكياء يعزون الصحفي الكاتب ~~ويوجهونه وفق ما يشتهون، ومع أنه لم تثبت لجريدة «الناشئة الجديدة» شخصية سياسية معينة، ~~ولكن القلوب تعلقت بصحيفة الكاتب المجيد، فزاده الإقبال والتقدير مضاء في براعته ~~الكتابية على حد القول المأثور: «اللهم تفتح اللهاة»، ms100 فأوجد في صحافة العراق الصور ~~القلمية لرجال السياسة والمجتمع في إطار أنيق من الوصف المحكم والتعبير الجميل واللفظ ~~الأرن، مما لم يكن لهذه الصحافة به عهد قبله وأغرم القراء، ولا سيما الشبان بهذه ~~الصحيفة الفذة وتهافتوا على قراءتها. # وصمم بعد مدة أن يستغل مواهبه الكتابية وشهرة قلمه في إصدار جريدة سياسية قوية أذاعها ~~باسم «الزمان» يوم 11 تموز (يوليو)، وفيها مقدمة عنوانها «مني وإلي» من شذراتها هذه ~~تستشفون روح منشئها وطريقته الكتابية: # تصدر هذه الجريدة وليست وجهتها «خدمة الوطن» أو الأمة أو القضية أو الاستقلال ~~أو العلم أو الفن، وإنما وجهتها خدمتي أنا. # ولما كنت «اشتراكيا» في عقيدتي الاجتماعية، فإني أبيح للجمهور حق الاشتراك ~~فيما أكتبه لنفسي، وفيما أملكه من هذه الجريدة. # إنني من «حملة المعاول»، وسوف أجعل من هذه الجريدة معولا أهدم به وأحطم، لا ~~لأن الهدم والتحطيم مما تحتاجه البلاد أو الأمة، وإنما لأني ولوع بالهدم شغف ~~بالتحطيم. # وليس ذلك فقط، وإنما أنا رجل أفيض بالنقمة على عبادة الأصنام، وسوف أتعمد في ~~هذه الجريدة امتهان الأصنام وعبادتها، لا لأن ذلك يرضي الله ويستوجب المثوبة، ~~وإنما لأني أحتقر الأصنام وأسخر من عبادتها. # لست إلا رجلا صريحا أخاطب الناس بما تجيش به نفسي، فأحمل بوق الحق لأطرب ~~روحي بسماعها، وإن اصطكت منه الأسماع وذعرت منه النفوس. # وفي المجتمع مضللون لهم صحف يضيق بها الحصر، وفي البلاد دجالون ماهرون لا ~~يحصى لهم عد، وفي الوطن نصابون بارعون في النصب والاحتيال، إذن فالجمهور لا ~~يحتاج لأن أجعل هذه الجريدة وسيلة إلى التضليل أو التدجيل أو الاحتيال ما دمت ~~لست ماهرا في هذه «الأخلاق المألوفة»، وإذن فإني معذور إذا لم أنشر في هذه ~~الجريدة ما اعتاد الناس مطالعته في الصحف «المرتزقة»، وإذن فهذه الجريدة «مني ~~وإلي». # ومع أن الامتياز بأن تكون جريدة «الزمان» يومية، فلم يقو على نشرها إلا مرتين في ~~الأسبوع، وتلقف الجمهور الصحيفة بلهفة، وعظم شأنها في الأوساط السياسية والأدبية، ولكن ~~الجرأة النادرة التي تحلى بها صاحبها اصطدمت بأهواء السياسة، فصرعت ms101 الصحيفة وعطلت مرات، ~~مما اضطر الكاتب الحساس إلى ترك ميدان الصحافة والانزواء في حجرة ضيقة من دواوين ~~الحكومة، تاركا السواد يلهجون ببراعته الكتابية، وتحرر جريدته ودوي صوتها في الدفاع عن ~~حقوق الوطن في مواقف معروفة. # ولا يزال الفتيان والكهول يترنمون بمقالات «إبراهيم صالح شكر» التي عنوانها «قلم ~~وزير»؛ إذ كتبها «بقلم مداد» أهداه إليه الوزير «علي جودة الأيوبي»، وعالج فيها صفحات ~~من تاريخ القضية العربية في عهد الثورة الكبرى بأسلوب يحلل الحوادث ويلقي ضوءا على بعض ~~الشخصيات العربية ... وتنطوي على تفسيرات للأحداث وأوصاف للأشخاص غير ما عرف بين الناس ~~عنها وعنهم. # إيضاح # إن الوقت المخصص لموضوعنا لا يمكن أن يتسع مع الأسف لتصوير صورة كاملة لحالة ~~الصحافة العراقية في الفترة التي نتحدث عنها، ولا سيما أن هناك ألوانا من ~~الصحف والمجلات الأدبية والاختصاصية ونواحي من الحياة الصحافية بصفة كونها ~~صناعة أو فنا لم ينفسح المجال لبحثها؛ إذ أراني مضطرا بهذه المحاضرة ~~السابعة إلى أن أقف عند هذا الحد، بعد أن خصصنا المحاضرة الثامنة «لحرية ~~الصحافة». # | حرية الصحافة في العراق # أما والأصل في الصحافة أنها الوسيلة التي تترجم عن رغبات الجمهور والواسطة لتبادل الآراء ~~بين أفراد الأمة وطبقاتها، وبين الهيئة الحاكمة والجماعات المحكومة ؛ فقد أصبحت مسألة حريتها ~~أم المسائل، فلا صحافة بدون حرية؛ إذ كيف يراد من المعبر عن الرأي العام ونزعات الكافة ~~أن يكون مقيدا غير طليق؛ فهو إذن لا يؤدي مهمة هذا التعبير على وجهها الصحيح، # 1 # لذلك حق «لمدام ده ستايل» أن تقول: # إن حرية الصحافة لهي الحرية الوحيدة المعلقة عليها سائر الحريات. # ويقول الأستاذ لطفي السيد: «خير ما تفعل الحكومات لنفسها وللأمة التي تحكمها أن تكون مع ~~الصحافة على غاية من التسامح، فلا تقف في طريق رقيها؛ لأن ذلك وقوف في طريق حرية الرأي ~~العام ومصادرة لاعتقاده، لا يأتي إلا بنتيجة عكسية؛ لأن الرأي العام بطبعه عنيد تزيده طرائق ~~العنف تشبثا بمعتقده، وتشعل مصادرة الحرية في صدره لهب الحرية المستوقد وضوءها ~~الساطع، وسرعان ما يتسرب إليه سوء ms102 الظن بالحكومة التي تريده على أن يفل من غرب حدته مهما ~~حسنت نيتها وأرادت له الخير وخافت عليه من الوقوع في شر نفسه. # خير ما تفعل الحكومة أن يكون اتكالها في الحكم على رغبة الناس لا على إرهابهم.» # أما الحرية بذاتها فهي الحق المقدس الطبيعي الذي وجد مع الإنسان في فجر خليقته ونشأ معه، ~~ولا يصح أن تعبث به قوة ما، ولقد صدقت الجمعية العمومية الفرنسية التي أعلنت «حقوق الإنسان» ~~في 4 آب 1779 في تقريرها: «بأن ما يحيق بالمجتمع الإنساني من المصائب والشقاء، وفساد ~~الحكومات، يرجع إلى سبب واحد هو جهل حقوق الإنسان أو تجاهلها أو العبث بها.» # لذلك نصت الفقرة 11 من إعلان هذه الحقوق على القاعدة التالية: # بما أن حرية تبادل الآراء والمعتقدات هي من أثمن حقوق الإنسان، فكل فرد يستطيع أن ~~يتكلم ويكتب وينشر ما يشاء بحرية، بشرط أن يكون مسئولا عن إساءة استعمال هذه ~~الحرية في الأحوال المعينة في القانون. # وقد درجت فرنسة من ثورتها الكبرى التي أعلنت فيها للبشر حقوقهم على تقديس حرية الصحافة ~~واحترام الرأي المعلن فيها، بحيث وجدت لدى زيارتي «جناح الصحافة» الفرنسية في معرض باريس ~~سنة 1937 صفحة من أحد السجلات معروضة في لوحة كبيرة على الحائط ما ترجمته: # حمدا لحرية الصحافة التي ترعاها دائما حكومة الجمهورية الفرنسية، فبفضل هذه ~~الحرية تزداد صفحنا سعة في الانتشار يوما بعد يوم، فتتكاثر النسخ المطبوعة ~~منها. # هذا في فرنسة. أما في إنكلترا فتتمتع الصحافة الإنكليزية بحرية وسعة النطاق جدا، بعيدة ~~عن كل إشراف أو رقابة، وليست هناك قوانين تفرض طلب الإذن بإصدار جريدة، حتى إن الصحف ~~البريطانية تنشر أحيانا مواد فيها الطعن والسب أو أمور غير لائقة، إنما تفعل ذلك على ~~مسئوليتها نفسها، ومرجع الفصل دائما في القضايا الناشئة عن هذه الحال المحاكم والحكم ~~للقانون. # وبديهي عندما نتحدث عن حرية الصحافة لا نتعدى في بحثنا إلى حرية الرأي إطلاقا، فحرية ~~الرأي تعني أن كل إنسان حر في إبداء رأيه سواء أكان خطأ أم صوابا، ms103 وإلا لما وجدت حرية ~~الرأي. أما حرية الصحافة فتشمل حرية الرأي، ولكن بشرط ألا يكون إبداء هذا الرأي على وجه يضر ~~بالمجموع، كما أن في حرية الصحافة بعض الحقوق والواجبات التي تنص عليها قوانين الصحافة ~~والمطبوعات في كل بلد. # هذا في بلاد الناس. أما عندنا في العراق فكما أن الصحافة شيء جديد ناشئ فحريتها أيضا ~~وليدة قاصرة، وللحرية الصحافية في بلدنا مفهوم خاص لا نعتقد أن هناك دولة حديثة من الدول ~~الدستورية الديمقراطية تفهم هذه الحرية على الوجه الذي يفهمه القائمون بالأمر فينا. # في العهد العثماني # لم يكن في القطر العراقي في العهد العثماني قبل الدستور غير صحف رسمية حكومية ثلاث في ~~بغداد والموصل والبصرة، وكانت الزوراء التي أسسها الوالي مدحت باشا في بغداد سنة 1869، ~~كما مر في المحاضرات السابقة، تتفوق على زميلتيها ليس من ناحية القدم فحسب، بل في ~~تاريخها الحافل؛ إذ إنها في عهد منشئها مدحت باشا أدت الواجب الصحافي رغما عن كونها ~~صحيفة رسمية، فبحثت في أحوال الولاية وشئونها المختلفة بشيء من الحرية ملتزمة جادة ~~الحق، فلما ذهب مؤسسها من هذه الديار بعد ثلاث سنوات تبدلت لهجتها، ولا سيما عندما شدد ~~العهد الحميدي الخناق على الصحف وأخرس ألسنتها الناطقة وحطم أقلام الكتاب. # ومن الطريف أن نورد ونحن بصدد الصحافة في العراق بعض القيود التي كانت مفروضة في عهد ~~السلطان عبد الحميد على صحف البلاد العثمانية ومنها العراق. # 2 # تعليمات إلى الصحف: ~~(1) # قبل كل شيء يجب تنوير الشعب عن صحة جلالة مولانا الملك الغالية، ثم البحث ~~عن المحصولات الزراعية وعن تقدم التجارة والصناعة في المملكة. ~~(2) # محظور على الصحف نشر أي شيء لم يقترن بمصادقة «صاحب الدولة» وزير ~~المعارف، عدا ما لا يرى دولته مانعا من نشره من الوجهة الأخلاقية. ~~(3) # محظور على الصحف نشر أبحاث مطولة مهما كان نوعها، أدبية كانت أم فنية، ~~بحيث لا يتسنى للصحيفة أو المجلة نشرها مرة واحدة، ولا يجوز مطلقا استعمال ~~كلمة «يتبع» أو غيرها من التعابير التي تدل على أن للبحث صلة. ~~(4) # لما ms104 كان ترك الفراغ أو وضع نقط متتابعة في المقال مما يسبب التشويش ويترك ~~المجال لتقولات وفرضيات لا طائل تحتها، فلا نسمح باستعمال ذلك في المقال ~~مطلقا. ~~(5) # يجب أن لا يعطى أي مجال للطعن في الشخصيات، وإذا أسندت تهمة السرقة أو ~~الرشوة أو القتل إلى أحد الولاة أو إلى أحد المتصرفين، فينبغي كتمانها بسبب ~~عدم إمكان إثبات صحة تلك التهم؛ لذلك ينبغي عدم إفساح المجال مطلقا لنشر ~~أمثال هذه الأمور في الصحف. ~~(6) # محظور على الصحف نشر ظلامة أي أو أية جماعة من الشعب تشير إلى سوء تصرفات ~~موظفي الدولة، كما أنه محظور على الصحف الإشارة إلى أن شكاوى من هذا القبيل ~~طرقت مسامع الذات الملكية المقدسة. ~~(7) # ممنوع على الصحف بصورة قطعية ذكر كلمة «أرمنستان» وما ماثلها من الكلمات ~~الجغرافية والتاريخية. ~~(8) # بما أن شعبنا الصادق الآمن يجب أن لا يطلع على أي خبر يتعلق بمحاولات ~~الاغتيال التي قد تقع ضد الملوك في البلاد الأجنبية، أو على أية مشاغبة أو ~~مظاهرة يقوم بها المفسدون في تلك الممالك، فمن الضروري الحيلولة دون تسرب ~~أمثال هذه الأخبار إلى الشعب بصورة مطلقة. ~~(9) # بما أن البحث عن هذه التعليمات أو التطرق إليها في الصحف يؤدي إلى أن ~~يستغلها بعض الانتهازيين، فيجب منع نشر أي شيء يتعلق بها. # فلما انزاح ظلام الاستبداد وأشرقت شمس الحرية، وأعلن الدستور العثماني سنة 1908 ~~استبشر الناس خيرا وطفقوا ينشئون الصحف في عراقنا شأنهم شأن سائر البلاد العثمانية في ~~ذلك الطور، ونعمت الصحافة العثمانية بحرية فترة من حياتها، وانطلقت الأقلام من عقالها، ~~وأخذت تصول في ميادين النقد والبحث، ومعاجلة الموضوعات في جو فسيح، وتكتب ما يعن ~~للكاتب من الأفكار الإصلاحية والمطالب التي يرى فيها فائدة لبني قومه، مستظلا بظل ~~الدستور وقانون المطبوعات الصادر في 16 تموز سنة 1336 (رومية). # ولكن الحكومة العثمانية بعد برهة قصيرة لم تتحمل حتى في العهد الدستوري الصحف الحرة ~~والجرأة التي بدت على أقلام الأدباء والكتاب، فأخذت تعدل في هذا القانون، وشرعت ~~لذلك خمسة قوانين معدلة أحكام القانون الأول، ms105 مما كان له ضجيج في بلاد السلطنة ~~العثمانية، وقوبل بصخب شديد في البرلمان (مجلس المبعوثان) بالآستانة، وانبرى بعض النواب ~~العراقيين ينددون بالتشديد على الصحف وخنق حريتها بهذا التشريع الجديد. # ومما قاله «سليمان فيضي» نائب البصرة في هذا الموقف: # تريد الحكومة أن تعامل أبناء الأمة الذين استنارت أذهانهم بالعلم والمعرفة ~~بأشد مما تعامل به المجرمين والقتلة، إننا نقتل أذكى كتابنا ونخرس الأقلام ~~ونسلب الناس حرية الكلام، ثم ندعي أننا نعيش في بلاد دستورية حرة، فما هذا ~~المنطق؟ لماذا تشدد الحكومة هذا التشديد على أرباب الأقلام والمنورين منا، فإذا ~~كانت الحكومة تريد من سن هذا القانون اتقاء القدح والذم في الصحف، فلماذا ترجح ~~حقوق هؤلاء الناس على حقوق الآخرين، لتوضح لنا الأسباب التي حملتها على تقييد ~~حرية الصحافة تقييدا لا ينطبق على القواعد الدستورية. # أود أن أسأل الحكومة ومقرر اللجنة الحقوقية، لماذا لا تشدد الحكومة هذا ~~التشديد على المجرمين والقتلة بدل الكتاب القديرين وأرباب الأقلام ~~الحرة. # إن هذا القانون الذي يضيق الخناق على حرية النشر والصحافة يتعارض مع الدستور ~~تعارضا واضحا، وإذا كان غرض الحكومة من تشريعه اتقاء القدح والانتقاد على ~~صفحات الجرائد والمجلات، فمعنى ذلك أنها ترمي إلى إخماد الأذهان وتكسير الأقلام ~~ومحو الحريات، ثم تتشدق بعد ذلك بحمايتها للدستور وتمسكها بروحه . # ومما قاله جميل صدقي الزهاوي «نائب بغداد» في هذه الجلسة من «مجلس المبعوثان» العثماني: # لقد أثبت تاريخ الأمم أنه كلما اشتد تضييق الخناق على أصحاب الأقلام والأفكار ~~كلما كان الانفجار عظيما وسريعا، وها نحن اليوم نشرع قانونا يرمي إلى محاكمة ~~الكتاب والمفكرين قبل محاكمة المجرمين واللصوص. # وقد كان لموقف النواب العراقيين وغيرهم من نواب البلاد العربية في مقاومة هذا القانون ~~صداه البعيد في الصحافتين التركية والعربية في ذلك الوقت، فأطرت حريتهم وشجاعتهم، منها ~~جريدة «صباح» التركية التي قالت: # 3 # إن التاريخ سيحفظ لهؤلاء النواب الأحرار هذا الموقف، وسيكون تذكارا لأبناء ~~الأمة في المستقبل، فيه درس وعبرة. # في عهد الاحتلال البريطاني # وبعد أن تقلص ظل الحكم العثماني واحتل الجيش البريطاني ms106 العراق، ثم تغير الحكم ~~العسكري البريطاني في العراق إلى حكم مدني بريطاني، وقبل نشوب الثورة العراقية سنة 1920 ~~عوملت الصحف القليلة التي صدرت على ضفاف الرافدين في خلال هذه المدة القصيرة ~~معاملة فيها الكثير من التساهل، وإفساح المجال لإبداء الرأي على صفحاتها، مع أن الشعب ~~الواعي لم يكن راضيا عن تلك الحالة أيضا، وكان يطالب بإطلاق حرية الصحافة، كما جاء في ~~بيان «المندوبين الخمسة عشر» الذين قابلوا الحاكم الملكي العام السر أرنولد ولسن في ~~دائرته ببغداد يوم 2 حزيران (يونيو) سنة 1920؛ فقد سلموه مذكرة «بمطالب الشعب» من سلطة ~~الاحتلال، تدور حول ثلاث مسائل جوهرية لا بأس من إيرادها بنصها؛ لتعرف مقدار شعور ~~العراقيين بقيمة الحرية الصحافية من ذلك اليوم: ~~(1) # الإسراع في تأليف مؤتمر يمثل الأمة العراقية ليعين مصيرها فيقرر شكل ~~إدارتها في الداخل ونوع علاقاتها بالخارج. ~~(2) # منح الحرية للمطبوعات ليتمكن الشعب من الإفصاح عن رغائبه وأفكاره. ~~(3) # رفع الحواجز الموضوعة في طريق البريد والبرق بين أنحاء القطر أولا: وبينه وبين الأقطار المجاورة له والممالك الأخرى ثانيا: ليتمكن الناس هنا ~~من التفاهم مع بعضهم ومن الاطلاع على سير السياسة الراهنة في ~~العالم. # ولم تر سلطة الاحتلال بدا تجاه هذا الإصرار من منح امتياز لجريدة أصدرها القائمون ~~بالحركة الوطنية يومئذ هي جريدة «الاستقلال»، كما تبسطنا في محاضرة سابقة. وقد كتبت ~~مقالات عنيفة، ندر أن ساعدت الحكومة بعد ذلك وفي سني الاستقلال على أن تجاريها صحفنا ~~العراقية من حيث شدة اللهجة وصرامة الانتقاد. # فلما تألفت الحكومة المؤقتة وأسست الدولة العراقية اتخذ المبدأ العام الذي أقره ~~الدستور أو «القانون الأساسي العراقي» بعد ذلك، وهو أن جميع القوانين العثمانية التي ~~كانت قد نشرت قبل تاريخ 5 تشرين الثاني (نوفمبر) سنة 1914 والقوانين التي نشرت في ذلك ~~التاريخ أو بعده وبقيت مرعية في العراق إلى حين نشر «القانون الأساسي العراقي»، تبقى ~~نافذة فيه إلى أن تبدلها أو تلغيها السلطة التشريعية. وهكذا أخذت حكومة العراق تنفذ ~~قانون المطبوعات العثماني المعدل على الصحافة العراقية، وفي هذا القانون تشديد ليس ms107 ~~بالقليل كما ألمعنا آنفا. # في عهد المملكة العراقية # ومع ذلك فلم يرق للحكومة أن تبقى صحافتنا خاضعة لقانون المطبوعات المذكور، بل ~~سنت غيره هو قانون المطبوعات العراقي رقم 82) لسنة1931. وقد شددت الحكومة في ~~قانونها الجديد على الصحافة وفرضت قيودا حادة لم تكن في القانون العثماني، بشأن الشروط ~~المطلوب توفرها في المدير المسئول للجريدة أو المجلة، وفيما يتعلق بانتقاد أعمال ~~الموظفين والمسئولين في الحكومة، وأبقت مسألة التعطيل الإداري للصحف بيد الوزير أو مجلس ~~الوزراء للمدد الطويلة أو لأجل غير مسمى. # وعدل هذا القانون أيضا في خلال سنتين فقط بقانون رقم 56 لسنة 1932، وزيدت فيه ~~القيود والحدود، وإذا كان الحزبان الوطنيان «الحزب الوطني» و«حزب الإخاء الوطني» قد ~~عارضا كثيرا عندما شرع قانون المطبوعات هذا أو القانون المعدل له، وطالبا في مناسبات ~~عديدة بمنح الصحافة الحرية التامة لتضطلع بمهمتها، فلما تولت الحكم الوزارة القومية ~~التي أكثريتها من «حزب الإخاء الوطني» سنة 1932 برئاسة رشيد عالي الكيلاني اهتمت بحرية ~~الصحافة والنشر، فسنت قانونا جديدا للمطبوعات رقم 57 لسنة 1933 تضمن إلغاء كثير من ~~القيود والعراقيل التي كان قد فرضها القانون السابق وتعديله، ولكنه في الوقت نفسه لم ~~يقض على التعطيل الإداري أيضا، إلا أنه حدد مدته فمنح وزير الداخلية حق التعطيل لمدة ~~لا تزيد على عشرة أيام، ولمجلس الوزراء بناء على اقتراح وزير الداخلية حق التعطيل ~~للجريدة أو المجلة لمدة لا تزيد على شهر واحد، فإذا تكررت المخالفة من الجريدة بعد ~~انتهاء مدة التعطيل، فلوزير الداخلية أن يودع القضية إلى المحكمة، وللمحكمة أن تقرر ~~تعطيل المطبوع مؤقتا أو مؤبدا. # إلا أن الحكومة التي تلت هذه الوزارة # 4 # بعد بضعة أشهر لم تكد تستقر في دست حكمها حتى عمدت إلى تعديل قانون ~~المطبوعات الجديد، مرجعة إليه كثيرا من القيود والأحكام الصارمة، ولا سيما ما اختص ~~بالتعطيل الإداري، فشرعت قانون التعديل لقانون المطبوعات رقم 33 لسنة 1934، ولكن حسنة ~~واحدة قد تضمنها هذا التشريع المستحدث في «مادته العاشرة» وهي: ليس للحكومة أن تعطل ~~صحيفة سياسية حزبية معلن ms108 فيها أنها لسان حزب سياسي مجاز قانونا إلا بحكم ~~المحكمة. # وأهم الانتقادات الموجهة إلى «قانون المطبوعات» النافذة في الفترة التي نتحدث عنها: # أولا: # أخذه بنظام الإجازة بإصدار الجريدة أو المجلة أو النشرة، وهذا الفرض ~~لا وجود له في البلاد الراسخة في نظمها الديمقراطية؛ إذ يمكن الحكومة ~~من التحكم في الأمر، فلا تمنح إجازة لشخص أو جماعة أو هيئة تخالفها في ~~الرأي السياسي أو الفكرة أو العقيدة، أو تشكك في مخالفتهم لها، وهذا ~~يعني أن الحكومة تسد الطريق في وجه المعارضين لها، وهو تعسف يناقض ~~مبدأ المساواة بين أفراد الشعب أمام القانون الذي نص عليه دستور البلاد ~~أو «قانونها الأساسي». # ثانيا: # عرض قانون الصحف والمجلات والنشرات للإنذار والتعطيل والإلغاء ~~الإداري، وفي هذا ما فيه من التشديد والإرهاب، ولا سيما أن المشرع لم ~~يوكل تعطيل المطبوع جريدة كانت أو مجلة أو نشرة إلى القضاء ليكون الحكم ~~أو التدبير قضائيا، بل جعله بيد وزير الداخلية أو مجلس الوزراء؛ أي ~~بيد السلطة التنفيذية (الإدارة)، ولا يطمأن دائما وفي جميع الأحوال ~~على عدالة تصرفات الوزارة الإدارية وسلامتها من النزوات الشخصية ~~والدوافع الحزبية، كما أن هذه الصلاحيات الواسعة المعطاة للإدارة في ~~تعطيل الصحف وإلغائها لأسباب تبررها السلطة الإدارية نفسها، تجعل ~~الصحافة عرضة في كل وقت لأن تعطل الصحيفة أو تلغى لمجرد انتقاد ~~الحكومة أو الدعوى لفكرة أو رأي لا يروقها، وهذه الحالة تنافي الحرية ~~الكاملة المفروض توافرها في الجو الصحافي، لتستطيع الصحف أن تؤدي ~~واجباتها على الوجه الأكمل. # ثالثا: # جعل القانون الصحف والمجلات والنشرات الدورية معرضة للمصادرة بأمر ~~وزير الداخلية، وليس بقرار من المحكمة؛ أي السلطة القضائية. # وهذا سيف آخر مسلط على رقبة الصحافة يكفل للحكومة أن تقضي على أية ~~جريدة أو مجلة أو نشرة دورية قبل ظهورها أمام أعين القراء، ولو نيط ~~أمر المصادرة بالقضاء لهان الأمر بعض الشيء. # رابعا: # وقد أخذ القانون العراقي باستيفاء التأمينات النقدية من الصحافي عند ~~الإذن له بإصدار صحيفة، يعين مقادير هذه التأمينات بالنسبة إلى مواعيد ~~صدور المطبوع، وهو نوع ms109 من العرقلة شدد عليه النكير نقاد قوانين ~~المطبوعات في أوروبا عندما شرعت في بلادهم، وأجمعوا على أنها مقيدة ~~للحريات الصحفية. # ويجب أن نضيف إلى هذه القيود الثقيلة التي احتواها قانون المطبوعات العراقي ما جاء في ~~«قانون العقوبات البغدادي» من أحكام صارمة تتصل «بجرائم الرأي»، وهي الجرائم الخاصة ~~بالفكر والعقيدة سياسية كانت أم اقتصادية أم فلسفية. # كما أن هناك قانون مرسوم الأحكام العرفية رقم 18 لسنة 1935، الذي يبيح لقائد القوات ~~العسكرية عند إعلان الأحكام العرفية في منطقة ما من مناطق البلاد أن يفرض الرقابة فيها ~~على الصحف والنشرات الدورية قبل نشرها، وإيقاف نشرها من غير إخطار سابق. # وبهذه الوسيلة تعطل حرية الصحافة تعطيلا تاما فلا تعود أية صحيفة تنشر إلا ما ترضى ~~عنه الحكومة القائمة المعلنة في عهدها هذه الأحكام العرفية. # ومما يجعل حرية الصحافة مهددة في بلاد الرافدين وبحكم المفقودة في أغلب ~~الأحيان، أن أعمال الوزراء في الإدارة قطعية، وليس هناك مجلس دولة أو محكمة إدارية ~~تستأنف عندها أحكامهم. # ملاحظة مهمة # هذه محاضرات ثمان قصد بها بناء على دعوة المعهد إلقاء نظرات خاطفة على قدر ما ~~تسمح به المحاضرة، على طلاب معهد الدراسات العربية العالية، التابع لجامعة الدولة ~~العربية، في موضوع «نشوء الصحافة العراقية وتطورها منذ أول ظهورها إلى نشوب الحرب ~~العالمية الثانية». # أما الإسهاب والاستقصاء وتراجم الشخصيات الصحفية البارزة في العراق فمظانها في ~~التاريخ المفصل الذي أشتغل بكتابته منذ زمن، ولم أترك أمرا يخص الصحف والصحافة في ~~بلاد الرافدين إلا ذكرته في مطاويه، وآمل أن يتاح لي إنجازه ونشره ~~قريبا. # المحاضر # | ملاحق # (1) قانون المطبوعات رقم 57 لسنة 1933 المعدل بقانون تعديل قانون المطبوعات رقم 33 ~~لسنة 1934 # نحن ملك العراق: # بموافقة مجلس الأعيان والنواب، أمرنا بوضع القانون الآتي: # الفصل الأول: في شرائط المطبوع # المادة الأولى: # يقصد في هذا القانون بتعبير «المطبوع» كل صحيفة أو مجلة أو رسالة ~~أو نشرة تصدر في أوقات معينة أو مختلفة، ويستثنى من ذلك النشرات ~~التجارية والخيرية. # المادة الثانية: # يجب أن يكون لكل مطبوع مدير ms110 مسئول، ويشترط أن يكون: ~~(1) # عراقيا. ~~(2) # مكملا سن ال 25 من العمر. ~~(3) # غير محكوم عليه بجناية غير سياسية أو جنحة مخلة ~~بالشرف. ~~(4) # مأذونا من مدرسة عالية ومن ذوي السمعة الحسنة، ~~وللمطبوعات الدينية الإسلامية أن يكون مجازا ~~بالدرس. ~~(5) # غير موظف وغير عضو في مجلس الأمة. ~~(6) # له محل إقامة يعينه في المحل الذي يصدر فيه ~~المطبوع. # يجوز لصاحب المطبوع أن يكون مديرا مسئولا عن مطبوعه إذا كان ~~مستجمعا الشروط المبينة في هذه المادة. # ولا يجوز أن يكون أحد مديرا مسئولا لأكثر من مطبوع واحد، كما ~~لا يجوز أن يكون المدير المسئول لمطبوع معطل مديرا مسئولا لمطبوع ~~آخر في خلال هذا التعطيل. # 1 # المادة الثالثة: # على من يريد إصدار مطبوع أن يقدم بيانا إلى وزارة الداخلية ~~يتضمن الإيضاحات التالية، ويستحصل إجازة بإصدار المطبوع: ~~(1) # اسم الطالب وشهرته وعمره ومحل إقامته ~~وجنسيته. ~~(2) # اسم المطبوع واللغة التي سيصدر بها. ~~(3) # المكان الذي ينشر فيه والمكتب المعين ~~لإدارته. ~~(4) # نوعه من حيث إنه أدبي أو فني أو علمي أو ~~سياسي. ~~(5) # أوقات نشره. ~~(6) # اسم المدير المسئول وشهرته ودرجته العلمية وعمره ~~ومحل إقامته وجنسيته. ~~(7) # إذا كان القائمون بإدارة المطبوع شركة مساهمة يجب ~~ربط شهادة التسجيل وصورة من مقاولة الشركة ونظامها ~~الداخلي، مع بيان اسم ممثلها أو مديرها المسئول عن ~~إدارة شئونها، وكذلك أسماء أعضاء إدارتها وأعمارهم ~~ومحل إقامتهم وجنسيتهم ومهنهم. ~~(8) # إذا كان المطبوع يعود إلى جمعية يجب بيان أسماء ~~أعضاء الهيئة الإدارية ورئيسها المسئول عن إدارة ~~شئونها، وأعمارهم ومحل إقامتهم وجنسيتهم ~~ومهنهم. # المادة الرابعة: ~~(1) على صاحب المطبوع أن يقدم عن استحصاله الإجازة تأمينات نقدية ~~خلال شهر من تاريخ تقديم البيان على الوجه الآتي: ~~(أ) # إذا كان المطبوع لا يصدر أكثر من مرة في كل 15 يوما ~~فتكون التأمينات 30 دينارا. ~~(ب) # إذا كان المطبوع لا يصدر أكثر من مرة في الأسبوع ~~فتكون التأمينات 75 دينارا. ~~(ج) # إذا كان المطبوع يصدر أكثر من مرة في الأسبوع فتكون ~~التأمينات 100 دينار. ~~(د) # تعفى من التأمينات المطبوعات الدينية والعلمية ~~والفنية والأدبية. ~~(2) يجوز لصاحب المطبوع أن ms111 يودع مبلغ التأمينات إلى أحد البنوك ~~باسم وزارة الداخلية للانتفاع من ربحه، على أن لا يحق له التصرف ~~فيه دون موافقة الوزارة المذكورة. ~~(3) كل مطبوع لم ينشر لمدة ستة أشهر منذ إعطاء التأمينات يصبح ~~ملغيا. # المادة الخامسة: # لا تطبق أحكام هذا القانون على المطبوعات التي تصدرها دوائر ~~الحكومة أو البلديات. # المادة السادسة: ~~(1) يكون المطبوع ملكا لصاحبه، ويجوز تمليكه لآخر على أن يخبر ~~وزير الداخلية بذلك. ~~(2) إذا توفي صاحب المطبوع فينتقل المطبوع لورثته وفقا للأحكام ~~المرعية. ~~(3) إذا كان صاحب المطبوع قد تعهد بالقيام بوظيفة المدير المسئول ~~فعند وفاته يمكن الاستمرار على النشر، بشرط الحصول على مدير مسئول ~~مستجمع الأوصاف القانونية. # المادة السابعة: # لا يسوغ لغير صاحب المطبوع استعمال اسم المطبوع عينا أو بوجه ~~يدعو إلى الالتباس. # المادة الثامنة: ~~(1) إذا أراد صاحب المطبوع تغييرا في المواد التي يشتمل عليها ~~الطلب المبين في المادة 3 فعليه أن يعدل الطلب المذكور، بإخباره ~~وزير الداخلية. أما عندما يقصد تغيير أوقات النشر فيقتضي إكمال ~~التأمينات أيضا بموجب المادة 4 من هذا القانون. ~~(2) إذا زالت إحدى صفات المدير المسئول فيجب إيقاف نشر المطبوع ~~حالا وإخبار وزير الداخلية بذلك. ~~(3) لا يجوز لصاحب المطبوع أن يصدر أي ملحق بمطبوعه من دون ~~موافقة وزير الداخلية إلا إذا كان مطبوعه يصدر أكثر من مرة في ~~الأسبوع. ~~(4) على صاحب المطبوع أن يخبر وزير الداخلية في العاصمة أو ~~متصرف اللواء في الألوية عن كل تبديل يقع في الأحوال المبينة في ~~الفقرتين ال 7 وال 8 من المادة الثالثة من هذا القانون، وذلك خلال ~~ثلاثة أيام من وقوع التبديل. # المادة التاسعة: # إذا أراد صاحب المطبوع التخلي عن حقه في المطبوع فله أن يخبر ~~وزير الداخلية بذلك، وعندئذ يلغى المطبوع وتعاد له التأمينات ~~إذا لم يكن مانع من الإعادة وفق المادة 15 من هذا ~~القانون. # المادة العاشرة: ~~(1) على المدير المسئول أن يطبع اسمه واسم المطبعة التي يطبع ~~فيها المطبوع إما في أول الطبع أو آخره. ~~(2) أن يرسل نسختين من كل عدد إلى كل من وزير ms112 الداخلية والمدعي ~~العام في العاصمة، وفي غيرها إلى أكبر موظف إداري والمدعي العام أو ~~نائبه، ولوزير الداخلية أن يقرر إرسال ما لا يتجاوز الخمس نسخ إلى ~~الموظفين المكلفين بمراقبة المطبوعات. # المادة الحادية عشرة: # على بائع المطبوع أن يخبر مدير شرطة المحل الذي هو فيه بهويته ~~ومحل إقامته ليقيده في الدفتر الخاص ويعطيه بيانا بذلك مجانا، ~~وليس للبائع أن ينادي إلا باسم المطبوع الذي يبيعه. # الفصل الثاني: في التعطيل والإلغاء # المادة الثانية عشرة: # لوزير الداخلية أن ينذر المدير المسئول إذا نشر في المطبوع: ~~(1) # ما يخل بأمن الدولة الداخلي أو الخارجي. ~~(2) # ما يسبب الكراهية والبغضاء بين أفراد الشعب وطبقاته ~~بصورة تخل في الأمن. ~~(3) # ما يؤثر على الصلات الودية بين العراق والدول ~~الأجنبية. ~~(4) # ما يخالف الحقيقة بقصد إثارة الرأي العام. ~~(5) # ما يخل بالآداب والأخلاق العامة. ~~(6) # ما يسبب كراهية الحكومة أو يمس كرامتها. # 2 # المادة الثالثة عشرة: ~~(أ) إذا أنذر المدير المسئول وفق المادة السابقة مرة واحدة ونشر ~~ثانية مما هو مبين في المادة المذكورة في خلال ثلاثين يوما من ~~تاريخ تبليغ الإنذار، فلوزير الداخلية أن يصدر قرارا بالتعطيل ~~لمدة لا تزيد على ثلاثين يوما. # 3 ~~(ب) أما إذا ذكر في المطبوع ما يمس كرامة الأشخاص أو حيثياتهم ~~بدون أن يسند إليهم مخالفة قانونية، أو بدون أن ينتقد لهم عملا ~~معينا، أو - إذا كانوا من الموظفين - بدون أن يذكر في المطبوع ما ~~له مساس بمسلكهم أو واجباتهم في الدولة، فلوزير الداخلية أن يعطل ~~المطبوع لمدة عشرة أيام دون سبق إنذار، إذا كان المطبوع يوميا، ~~أما إذا كان غير يومي فيعطل نشره خمس مرات باعتبار مواعيد النشر. # 4 ~~(ج) إذا عطل المطبوع بموجب الفقرة «أ» ثم نشر فيه مما هو مبين ~~في المادة السابقة بعد انتهاء التعطيل بمدة تقل عن السنة، فلوزير ~~الداخلية أن يعرض المسألة على مجلس الوزراء، وللمجلس أن يصدر ~~قرارا بالتعطيل لمدة لا تزيد على الثلاثة أشهر. # 5 ~~(د) إذا نشر في مطبوع شيء فيه خطر على الأمن العام أو سلامة ~~الدولة ms113 فلمجلس الوزراء بناء على اقتراح وزير الداخلية أن يصدر ~~قرارا بتعطيل المطبوع لمدة لا تزيد عن السنة الواحدة. ~~(ه) لوزير الداخلية أن يلغي إجازة أي مطبوع أدبي أو علمي يخرج ~~عن حدود إجازته. # 6 # المادة الرابعة عشرة: # إذا عطل المطبوع بقرار من مجلس الوزراء، ثم نشر فيه شيء مما هو ~~مذكور في المادة 12 بعد انتهاء التعطيل، فلوزير الداخلية أن يودع ~~القضية إلى المحكمة، وللمحكمة أن تقرر تعطيل المطبوع لمدة لا تزيد ~~على السنة أو إلغاء إجازته. # 7 # المادة العاشرة: # ليس للحكومة أن تعطل صحيفة سياسية حزبية معلن فيها أنها لسان حزب ~~سياسي مجاز قانونا إلا بحكم من المحكمة. # 8 # المادة الخامسة عشرة: ~~(1) إذا عطل مطبوع مؤقتا فليس لصاحبه أن يطلب إعادة التأمينات ~~أو تحويلها إلى شخص آخر خلال مدة التعطيل. ~~(2) إذا ألغي مطبوع بقرار من المحكمة فليس لصاحبه أن يطلب إعادة ~~التأمينات أو تحويلها إلى شخص آخر إلا بعد مضي شهر من تاريخ ~~الإلغاء. ~~(3) إذا قيست دعوى على المدير المسئول من جراء محتويات المطبوع، ~~فللمحكمة أن تأمر بالحجز على تأمينات ذلك المطبوع. # الفصل الثالث: في منح الإجازة للأجانب # المادة السادسة عشرة: # يجوز أن يكون الأجنبي صاحب مطبوع بقرار من مجلس الوزراء، على أن يكون ~~من رعايا إحدى الدول المتحابة مع العراق، وأن يراعى في ذلك المعاملة ~~المتقابلة بين الدول، ويطبق عليه أحكام هذا القانون علاوة على ما يرد ~~في هذا الفصل. # المادة السابعة عشرة: # على صاحب المطبوع الأجنبي: ~~(1) # أن يقدم شهادة من ممثل حكومته السياسي أو قنصل حكومته عن ~~سيرته وسلوكه الشخصي. ~~(2) # أن لا يجعل مطبوعه لسان حال أحد الأحزاب السياسية في ~~العراق. ~~(3) # أن يقدم مديرا مسئولا عراقيا توافرت فيه الشروط ~~المدرجة في المادة 2 من هذا القانون. ~~(4) # أن يودع لدى وزارة الداخلية ضمانة نقدية قدرها 75 ~~دينارا. # المادة الثامنة عشرة: # لوزير الداخلية أن يعطل مطبوع الأجنبي لمدة لا تزيد على ثلاثة أشهر ~~إذا: ~~(أ) # عاضد أو هاجم أحد الأحزاب السياسية. ~~(ب) # عارض سياسة الحكومة العراقية. ~~(ج) # نشر شيئا ms114 مما يمس بكرامة العراق أو الشعب ~~العراقي. ~~(د) # نشر شيئا مما جاء في المادة 12 من هذا ~~القانون. # المادة التاسعة عشرة: # لمجلس الوزراء بناء على اقتراح وزير الداخلية أن يلغي المطبوع ~~الأجنبي في ظروف وأحوال خاصة تجعل الإلغاء من مقتضى المصلحة ~~العامة. # الفصل الرابع: في المخالفات والعقوبات # المادة العشرون: ~~(1) يعاقب بغرامة لا تزيد على 5 دنانير، وعند التكرار يعاقب ~~بغرامة لا تزيد على 10 دنانير أو بالحبس لمدة لا تزيد على الشهر، ~~كل من أصدر مطبوعات: ~~(أ) # قبل تقديمه التأمينات القانونية واستحصال الإجازة أو ~~بعد إلغائه أو في مدة تعطيله أو خلافا للأمور المدرجة ~~في المادتين 3 و8 من هذا القانون، ولوزير الداخلية أن ~~يأمر بمصادرة المطبوع وإيقافه عن النشر. ~~(2) إن المعاقبة بموجب هذه المادة لا تمنع فرض العقوبة القانونية ~~الأخرى إذا كان في المطبوع ما يستلزم ذلك. # المادة الحادية والعشرون: # يعاقب بغرامة لا تزيد على 3 دنانير: ~~(1) # المدير المسئول إذا خالف أحكام المادة 10 من هذا ~~القانون. ~~(2) # البائع إذا خالف أحكام المادة 11 من هذا ~~القانون. # المادة الثانية والعشرون: ~~(1) يجوز نشر المحاكمات ومذكرات المجالس التشريعية والمجالس ~~الإدارية والبلدية والمجالس الرسمية الأخرى في المطبوع. ~~(2) لا يجوز أن ينشر محضر محكمة أو هيئة رسمية مجتمعة بصورة سرية ~~وفق قانون أو أي معاملات أمرت المحكمة أو الهيئة بمنع نشرها كلا ~~أو بعضا. ~~(3) لا يجوز نشر الشكاوى والمحاكمات المتعلقة بقضايا القذف والسب ~~الذي لا يجوز إثباته قانونا. ~~(4) لا يجوز المناقشة أو إبداء الرأي في القضايا المعروضة على ~~المحاكم قبل صدور القرار النهائي فيها. ~~(5) لا يجوز نشر الأخبار المتعلقة بتشكيلات الجيش وحركاته من دون ~~موافقة وزير الدفاع أو من يخوله ذلك، ومن يخالف ذلك يعاقب بغرامة ~~لا تتجاوز 15 دينارا. ~~(6) لا يجوز نشر أخبار تتعلق بشئون الحكومة ودوائرها إلا بعد ~~استقائها من منبع رسمي. # 9 # المادة الثالثة والعشرون: # لا يجوز نشر القوانين والأنظمة قبل إعلانها في الجريدة الرسمية، ~~ومن يخالف ذلك يعاقب بغرامة لا تزيد على 7 دنانير، على أنه ليس ~~في هذه المادة ms115 ما يمنع نشر اللوائح القانونية. # المادة الرابعة والعشرون: # لا يجوز نشر الأخبار والشئون اليومية المجاز أخذها وفق المادة ~~«4» من قانون حق التأليف العثماني المؤرخ في 8 مارس 1326، بشرط ~~بيان مأخذها إلا بعد مضي 24 ساعة على نشرها على الأقل، ومن ~~يخالف ذلك يعاقب بغرامة لا تزيد على 7 دنانير. # المادة الخامسة والعشرون: ~~(1) يعاقب بالحبس لمدة لا تتجاوز الثلاث سنوات أو بغرامة لا ~~تزيد على مائتي دينار أو بكلتيهما كل من نشر في مطبوع ما من شأنه ~~أن يثير شعور عدم الإخلاص إلى الملك أو يتضمن إهانة للذات الملكية ~~أو الملكة أو ولي العهد أو نائب الملك. ~~(2) أما إذا كانت الإهانة موجهة إلى أحد أعضاء العائلة المالكة ~~المعينة في القانون أو إلى أي ملك من ملوك إحدى الدول المتحابة مع ~~الدولة العراقية أو رئيس حكومتها، فيعاقب بالحبس لمدة لا تزيد على ~~السنة الواحدة أو بغرامة لا تزيد على 75 دينارا. # المادة السادسة والعشرون: # يعاقب بالحبس لمدة لا تزيد على ستة أشهر أو بغرامة لا تزيد على ~~50 دينارا كل من نشر في مطبوع إهانة بالكتابة أو التصوير لهيئة ~~الوزراء أو مجلس الأمة أو أحد أعضائه، أو للجيش أو لإحدى الهيئات ~~الرسمية أو لأحد موظفي الدولة أو لقسم منهم، بسبب قيامهم بالواجبات ~~المودعة إليهم، دون أن يذكر أسماء، أو أن يخصص مادة معينة بكيفية ~~تدعو إلى المساس بشرفهم أو شرف أحدهم. # المادة السابعة والعشرون: # يعاقب بالحبس لمدة لا تزيد على ثلاثة أشهر أو بغرامة لا تزيد ~~على 25 دينارا كل من نشر في مطبوع إهانة لشخص أو أفشى سرا ~~بواسطة النشر، تعرض فيه بكرامة شخص أو شرفه أو أضر بشهرته أو ~~ثروته، أو نشر بكيفية أخرى أمرا تعرض فيه بشرفه أو حيثيته، أو ~~لقصد تهديده للحصول على مال أو أجرة الإعلانات الصادرة بمطبوعه ~~خلاف الأجور المقررة أو ما يعادلها أو ما يشابه ذلك من المنافع، ~~سواء كان لنفسه أو لمنفعة شخص آخر. # وأما القذف والسب فيعاقب ناشرها وفق قانون العقوبات. # المادة الثامنة ms116 والعشرون: # يعاقب بالحبس لمدة لا تزيد على سنة واحدة أو بغرامة لا تزيد على ~~75 دينارا كل من نشر في مطبوع أمرا من الأمور الرسمية المتعلقة ~~بحركات الجيش أو أية معاملة عسكرية كانت أو مدنية، مع علمه بأن ~~اطلاعه على ذلك الأمر كان بصورة غير مشروعة أو بناء على إفشاء صدر ~~من شخص آخر، خلافا للقانون أو إهانة للجيش، وإذا كان يعلم أن ~~النشر مما يضر بمصالح الدولة أو مما يؤدي إلى ذلك، فيعاقب بالحبس ~~لمدة لا تزيد على ثلاث سنوات أو بغرامة لا تزيد على 200 ~~دينار. # المادة التاسعة والعشرون: ~~(1) على صاحب المطبوع أن يدرج مجانا، وفي عين المحل الذي نشر ~~فيه القذف أو الإهانة بحق شخص ما، أن ينشر الجواب الوارد إليه من ~~الشخص نفسه أو وكيله أو من أولاده أو أحفاده، إن كان النشر يتعلق ~~بمتوفى، على أن يكون الجواب من حيث مقداره مناسبا بصورة معقولة مع ~~النشر. ~~(2) يجب أن تدرج الردود التي ترسلها الحكومة على النشريات التي ~~تراها مخالفة للحقيقة. ~~(3) على صاحب المطبوع الذي نشرت فيه محاكمات تتعلق بشخص أن ينشر ~~الحكم الذي صدر في نتيجة المحاكمة، إذا طلب النشر ذلك ~~الشخص. ~~(4) على صاحب المطبوع أن ينشر ما ذكر في الفقت 1، 2، 3 من هذه ~~المادة بعين الحروف وفي عين العمود من أول عدد يصدر من المطبوع، ~~ومن يخالف ذلك يعاقب بغرامة لا تزيد على 20 دينارا. # المادة الثلاثون: ~~(1) يعتبر كل من الأشخاص المذكورين أدناه ناشرا بالنظر لأحكام ~~هذا القانون. # المدير المسئول على كل حال، وصاحب المقال الموجب للمعاقبة إن كان ~~له إمضاء، وصاحب المطبعة، والبائع عند عدم معرفة المدير المسئول ~~وصاحب المقال أو عدم العثور عليهما. ~~(2) أما تضمين الأضرار الأدبية والمادية فيترتب على صاحب المقال - إن كان - وعلى المدير المسئول وصاحب المطبوع بالتكافل. # المادة الحادية والثلاثون: # يقيم المدعي العام الدعاوى المتكونة عن مخالفة أحكام هذا ~~القانون، ومن دعاوى الإهانة بموجب المادتين 25، 26 من هذا القانون، ~~وبموجب المادة 29 فيما إذا كانت الإهانة أو القذف والسب موجهة ms117 إلى ~~سفير أو ممثل إحدى الدول الموجودة في العراق، وأما الإهانة والقذف ~~والسب الموجهة إلى شخص آخر فيقيم الدعوى عنها المدعي الشخصي أو ~~ورثته إن كان ميتا. # المادة الثانية والثلاثون: # لوزير الداخلية أن يأمر بمصادرة أعداد المطبوع في الأحوال ~~الآتية: ~~(1) # إذا اشتمل على أمر يستلزم تطبيق الأحكام الواردة في ~~الفصل التالي من هذا القانون. ~~(2) # إذا اشتمل على إهانة أو قذف أو سب يكون المدعي العام ~~هو المكلف بإقامة الدعوى عنها بموجب هذا ~~القانون. ~~(3) # إذا صدر خلافا للمادة 20 من هذا القانون. # المادة الثالثة والثلاثون: ~~(1) لمن يعد نفسه متضررا مادة ومعنى من النشريات الواقعة في ~~المطبوع أن يراجع المحكمة ويقيم الدعوى على الأشخاص المسئولين ~~بموجب المادة 30، وله أن يدعي بالضرر والخسارة، وللمحكمة أن تحكم ~~بالتضمين المناسب، علاوة على الحكم بعقوبة الحبس أو الغرامة أو ~~تعطيل المطبوع وفقا لأحكام هذا القانون والقوانين الأخرى. ~~(2) على المدير المسئول أن ينشر الحكم الصادر وفق الفقرة الأولى ~~في أول عدد يصدر من المطبوع بعد تبليغه، وعند تعذره ففي العدد ~~الثاني، وإذا خالف ذلك يعاقب بغرامة لا تزيد على 20 ~~دينارا. ~~(3) للمحكمة أن تنشر الحكم في مطبوع آخر على أن يؤدي المحكوم ~~عليه نفقات النشر فيما إذا تعذر نشره في المطبوع نفسه. # المادة الرابعة والثلاثون: ~~(1) لا تسمع الدعوى عن جرائم المطبوعات ما لم ترفع خلال ثلاثة ~~أشهر اعتبارا من تاريخ النشر بصرف النظر عن تاريخ الاطلاع. ~~(2) تسقط الدعوى إذا تركت ثلاثة أشهر بعد إقامتها. # المادة الخامسة والثلاثون: # تبلغ الإنذارات والمخابرات من دوائر الحكومة إلى المطبوعات ~~بتسليمها إلى المدير المسئول أو صاحب الامتياز في محل إدارة ~~المطبوع، وإذا لم يوجد أحد منهما في المحل المذكور فبإلصاقها على ~~باب المحل بواسطة مأمور التبليغ، وبالطريقة التي تبلغ بها أوراق المحاكم. # 10 # المادة السادسة والثلاثون: # للحكومة أن تصدر أنظمة تتعلق بكيفية تأسيس نقابة ~~المطبوعات. # المادة السابعة والثلاثون: # يلغى قانون المطبوعات رقم 82 لسنة 1931 وتعديله رقم 56 لسنة ~~1932. # المادة الثامنة والثلاثون: # ينفذ هذا القانون اعتبارا من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية. ms118 # 11 # المادة التاسعة والثلاثون: # على وزير الداخلية والعدلية تنفيذ هذا القانون. ~~(2) نماذج من مقالات الجرائد العراقية في العهد العثماني # جريدة الرقيب، مقال افتتاحي في العدد 17 المؤرخ في 22 ربيع الآخر سنة 1327ه # تأثير المشروطية والاشتراك فيه # لا يخفى على عموم إخواننا العثمانيين ما كنا نلاقية في الدور السالف ~~المنصرم من أنواع الظلم والتعدي والاستبداد والاستعباد، وما كنا نئن تحت ~~ثقله، ولا يمكننا التشكي مما أثقل كواهلنا حتى في خلواتنا؛ لأن على كل ~~منا حسب اعتقاده وظنه ألف جاسوس ينقل عنه ما يقوله، حتى صار البعض يعتقد ~~أن الخليفة المخلوع كالحاكم بأمره الفاطمي، وحتى كاد يدعي علم الغيب لتسلطه ~~على العموم بواسطة جواسيسه المنتشرين على وجه القطعة العثمانية كالجراد، ~~حتى قيض الله سبحانه لهذه الملة المظلومة من قام بنصرتها، وهم جمعية ~~الاتحاد والترقي الذين طالما ذكرنا فضلهم على الأمة ونوهنا بذكرهم وحمدنا ~~لله عز وجل على أنهم تمكنوا بمعونته تعالى من قلب ذلك الدور النحس بلا ~~إراقة دم ولا إثارة حرب، ولكن أبى الله عز وجل تغيير سنته في أن ~~الانقلاب لا يكون سلميا، وأن الحرية لا يمكن أخذها بغير أليف، وإذا أراد ~~الله أمرا هيأ أسبابه، فقام جماعة ممن ختم الله على قلوبهم وحبب إليهم ~~الظلم وحب الجاه، فأرادوا معاكسة الجمعية وهم يعلمون أن أعظم معاكسة لها ~~إحباط مساعيها - ولا أهم وأعظم على الجمعية من إعادة الدور السالف، ولو أدى ~~الأمر بسفك دماء الألوف - وإعادة عموم الرعايا إلى العبودية بعد الحرية، ~~وإلى ترفع البعض على بعضهم بعد المساواة وإلى الظلم والجور بعد العدالة ~~وإلى الضغائن والعداوة بعد الأخوة، فقاموا متسترين بالدين المبين، ويعلم ~~الله أنهم أعداؤه، حتى أغروا الخاقان المخلوع أو أغراهم بأن من السهل إعادة ~~ذلك الدور، ولم يعلموا أن عموم الأمة العثمانية على اختلاف مللهم وافتراق ~~أهوائهم متفقون قلبا وقالبا كلهم يد واحدة في الذب عن ما يراد سلبه ~~منهم، وحيث إنا نعتقد أن الذب عن هذا الأمر هو الفريضة الوحيدة على كل ذي ~~عقل ودين ووجدان، ms119 نقول: إن إخواننا المجاهدين قد قاموا وأعانهم من هم ~~بالقرب منهم، وهم أهالي الفيالق الثاني والثالث بقيادة حضرة وطنينا الشهم ~~المغوار والفارس الكرار الذي حاز شرف اسم «الفاتح الثاني» للقسطنطينية، ~~الذي منح الأمة العثمانية عموما شرف الحرية بعد أن أراد الظالمون اغتيال ~~هذا الشرف منهم، وهو من يحق للعراق الافتخار بترداد اسمه وتكراره، حضرة ~~الفريق الأول «محمود شوكت باشا». # وقد قلنا: إن الحرب في سبيل دوام نعمة الدستور فرض عين، وهو على أبناء ~~العراق أفرض من غيره؛ لأن القائم بهذا الأمر من بني جلدتهم ومولود أرضهم، ~~وقد منحهم هذا الفخر إلى آخر الأبد، وهم لم يتمكنوا من القيام معه ~~والمفاداة بالأرواح والنفوس، فليس لهم إذن ما يبرهنون به على اتحادهم مع ~~أولئك المنقادين لوطنيهم سوى مفاداتهم في دفع الإعانة التي ستقوم بإعانة، ~~بل إغاثة أولاد أولئك الشهداء الذين اشتروا لهم الحرية والعدالة بدمائهم، ~~وقد حاذوا أجر الشهادة، فلا نظن أن ذي غيرة أو حمية أو شرف يتأخر عن ~~المسابقة في دفع ما يمكنه دفعه من العرض الزائل، وكل منا ليقول في نفسه ~~أن لو كانت مملكتنا قرب الآستانة هلا كنا نفادي بأنفسنا وأموالنا في ~~سبيل هذا الجهاد الشريف؟ فمن كان ذو غيرة وشرف وحمية وشهامة، ويقول: نعم ~~كنت أفادي بنفسي، نقول له: لا أقل من أن تدفع لهذه الإعانة قيمة نفسك، ومن ~~شاء فليقوم نفسه أو ولده بما شاء، وهناك يعلم شريف الهمة من وضيعها، ومن ~~قال: إنه لو كان قرب الواقعة لم يكن ليقوم بهذه الخدمة الجليلة، فنقول له: ~~تبا لك وسحقا، والأمة العثمانية ومجاهديها الأبطال وأنجالهم غنيون عن ما ~~تريد أن تدفعه غرامة، وليس بهم حاجة لما تعطيه حياء أو جبرا وعسى الله أن ~~يقيض لك أمرا تدفع له المال والروح وإلى جهنم وساءت مصيرا. # جريدة التهذيب، مقال افتتاحي في العدد 23 المؤرخ في 22 شوال سنة 1237ه # استنهاض الهمة # ما لنا لا نرى لدعاء الجرائد التي هي لسان الأمة برمتها ملبيا ولا ~~مجيبا كأنها تنادي أجسادا بالية ms120 أو أشباحا عن الأرواح خالية، ليت شعري ~~هل تقاصرت الهمم أو فترت العزائم أو تقاعست الألسن عن دعاء الخير، أم أحجمت ~~النفوس عن أعمال البر، فلا تستطيع الإقدام على ترك ما اعتادت عليه من ~~المظالم، بلى إن النفوس إذا اعتادت شيئا ما يكون لها بالضرورة طبيعة ~~ثانوية. # والطبع والروح ممزوجان في جسد لا يخرج الطبع حتى تخرج الروح، فلقد كل ~~القلم عن تسطير الاستلفات ولا التفات، وضاقت الصحف باستنهاض الهمم وهيهات، ~~فإلى متى يقوم هذا السبات، وإلى متى لا تمتاز الأحياء عن الأموات، سئمت ~~والله نفوسنا عن تذكير أولياء الأمور الذي هم المسئولون عند الله وعند ~~الأمة، واستعطاف همتهم على أشياء يسيرة لا تصعب على ذي أدنى همة وأقل ~~عزيمة، تنتج رفاه الفقراء والغرباء ومحافظة نفوس الملة من المعاطب وتأمين ~~راحتها من المتاعب، فلم نر منهم من يقول «ها أنا ذلك الرجل»، بل الكل عن ~~التذكير في إضراب وصحائفنا تمر عليهم مر السحاب. # نعم، ذكرنا رئيس البلدية في عددنا السالف عن معاملات الباعة من ~~الخبازين والقصابين وغيرهم، وأسهبنا بيان كيفية بيعهم بالأثمان الباهظة ~~وعدم إصغائهم لتنبيهات الرياسة وأخطارها، كأنهم فوضى لا سراة لهم ولا ~~يسألون عما يفعلون، بل ولا يعبئون بأمر آمر، ولا يكترثون له، وما ذاك إلا ~~من أمن العقوبة؛ إذ لو لم يأمنوا العقوبة لما أساءوا الأدب، مع أن الآمر ~~الذي بيده أزمة الأمور يلزم أن يكون على تنفيذها أشد حرصا من كل أحد، ~~واستلفتنا أنظار أولياء الأمور في أعدادنا السالفة أيضا إلى بث الأوامر ~~الشديدة إلى أصحاب العربات على منع تسييرهن بالسرعة القوية؛ لكيلا يحصل ~~منهن الضرر لأحد من أفراد الملة، ولم نعلم هل سمحوا بذلك أم لا، ونظن أنهم ~~لم ينظروا تلك النقطة المهمة الجالية للدقة والاعتماد بعين المقول؛ ولذا ~~نرى العربات على أسرع سير من سيرهن الأول، ولا سيما إذا سرن في الأسواق ~~والأزقة الضيقة الغاصة بأفراد الملة؛ صغير وكبير وأعمى وأصم وعليل، ~~والحال: # إلى الماء يسعى من يغص بلقمة # إلى أين يسعى من يغص ms121 بماء # ونختم الكلام على بحث تطهير العشار الذي بقي منذ أيام في حجر التراخي لا ~~الصحي، مع أن الأغلب من ضعفاء الناس وفقرائهم احتاجت بيوتهم أكثر الأيام ~~إلى شربة ماء، إلا أن الأمل وطيد بهمة «أبو شعيب» الملتزم «وسلمان جبر» ~~الكفيل أن ينقذ الفقراء من ما هم فيه من الضيق العسير ببذل الاجتهاد في ~~تسريع ما التزماه وعهدا به، فنستلفت أنظارهما لإجراء ذلك الأمر المهم راجين ~~أن لا يجعل «أبو شعيب» أملنا به كأمل أشعب والسلام. # جريدة الإيقاظ، مقال افتتاحي للعدد 15 المؤرخ في 8 آب 1909 # معنى الحرية # الحرية أن يكون كل فرد من أفراد العثمانيين حرا بتشكيل كل نوع من أنواع ~~الشركات المتعلقة بالتجارة والصناعة والزراعة، وليس لأحد حق المعارضة؛ ذلك ~~لأن القصد من نشر القانون الأساسي استحصال رفاهية الجميع وتزييد ثروتهم، ~~وهكذا لا يمكن إلا بزيادة الاشتغال بأنواع التجارات والاجتهاد باختراع ~~الصنايع، وبذل الهمة بتوفير وتكثير الزراعة. # الحرية أن يكون كل فرد من أفراد العثمانيين مفوضا على فتح مكتب باسم ~~التدريس خصوصيا كان أو عموميا، بشرط مطابقته للقانون، يعني في العلوم ~~التي لا تخل بالديانة ولا بعقيدة المتعلمين؛ ففي الأمثال الجيدة «إذا كثرت ~~المدارس استراح السجان». # الحرية هي إطاعة الملة جمعاء للحضرة السلطانية؛ لأن هذه الطاعة فرض على ~~كل مسلم بقوله تعالى: # أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول وأولي الأمر منكم ~~، وواجب على كل عثماني؛ ~~لأن حضرة السلطان هو أمير المؤمنين وخليفة رسول رب العالمين وحامي بيضة ~~العثمانيين. # الحرية هي كما يلزم على الأمة من الإطاعة التامة للحضرة الملوكية، كذلك ~~واجب عليها الإطاعة والانقياد لأوامر الحكام والمأمورين العادلين وهيئة ~~الحكومة المجموعة؛ لأنه لو تحققنا أساس هؤلاء لوجدنا جميعهم وكلاء الحضرة ~~السلطانية، وذلك مثلا أن الوالي والمتصرف والقائمقام والمدير هم وكلاء ~~السلطان في أماكن وظيفتهم، من حيث الضبط والربط، وأما النواب فكذلك وكلاء ~~عن حضرة جلالته في أمر الأحكام الشرعية، وأما رؤساء المحاكم وأعضاؤها فهم ~~كذلك؛ لأجل تنفيذ الأحكام الشرعية والقانونية بإذنه. وهكذا الإطاعة لهؤلاء ~~الجميع والامتثال لأوامرهم. # الحرية انقياد ms122 العساكر وإطاعتهم لجميع قوادهم ومحافظتهم على الضبط ~~والربط. # الحرية هي توجب رفق الحكومة بالرعية، وتستوجب محافظة حقوقها، وذلك ~~اتباعا على «كلكم راع و...» والاعتناء بالأسباب الموجبة لرفاهها، ولحفظ ~~مالها ولتزييد ثروتها، والإصغاء التام لأفرادها عند شكاياتهم أو عرض ~~مظالمهم أو بيان الإفادات لاستخلاصهم من الأذى والمظالم. # الحرية بالنسبة إلى فكري القاصر ورأيي الفاتر هي هذه، لا كما يذهب أسرى ~~الأغراض وحب الذات ويؤولونها خلاف حقيقتها، وإن كان ند عن فكرنا مما ~~يدخل تحت هذه الموضوع فليكمله ذوو الأفكار الذين يحبون الإتيان على تمام ~~الموضوع. # المساواة هي أن يكون الغني والفقير والكبير والصغير والوزير والحقير ~~والمسلم وغير المسلم في الحقوق الشخصية سواء، لا فرق بينهما وفي سائر ~~الأحوال بمقتضى التطبيق لأصول التربية والآداب والعرف العام، مثل احترام ~~الصغير للكبير، ورعاية الكبير للصغير، والتجنب عن الخطوات المغايرة للآداب ~~المشروعة والنظامات الموضوعة، ويلزم أن يعرف كل واحد مقامه. # الأخوة أن يكون جميع العثمانيين متحدين يدا واحدة يتعاونون على جلب ~~منافع الدولة والملة وإكمال نواقص الوطن، ويتركوا النفاق والشقاق وغيره، ~~وأن يعامل بعضهم بعضا معاملة الأخ لأخيه بصورة حسنة، ولا يفرقوا بين ~~المسلم وغيره في الأحوال الدنيوية؛ لكي يحصل الاتحاد في أسباب ترقي ~~الوطن. # العدالة هي نمو شجرة اسمها الحرية، وأغصانها المساواة وورقها الاتحاد ~~وأصلها مغروس في أرض الأخوة، تشرب من ماء لطيف نابع من العين المسماة ~~بالقانون الأساسي، محتاجة إلى أناس تقتطف أثمارها «ومن الله ~~التوفيق». # س. فيضي ms123