######OpenITI# #META# URI: 1376AhmadRidaHuhu.NamudhajBashariyya.Hindawi13919315 #META# Tags: novels #META# ID: 13919315 #META# Title: نماذج بشرية #META# AuthorID: 19058049 #META# Author: أحمد رضا حوحو #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إلى الكتاب‏ # الشيخ رزوق‏ # عائشة‏ # العصامي‏ # العم نتيش‏ # السكير‏ # رجل من الناس‏ # فقاقيع الأدب‏ # الشخصيات المرتجلة‏ # الأستاذ‏ # سيدي الحاج‏ # يحيى الضيف‏ # سي زعرور‏ # التلميذ‏ # إلى الكتاب‏ # الشيخ رزوق‏ # عائشة‏ # العصامي‏ # العم نتيش‏ # السكير‏ # رجل من الناس‏ # فقاقيع الأدب‏ # الشخصيات المرتجلة‏ # الأستاذ‏ # سيدي الحاج‏ # يحيى الضيف‏ # سي زعرور‏ # التلميذ‏ # | نماذج بشرية # | نماذج بشرية # تأليف # أحمد رضا حوحو # | إلى الكتاب # يجب أن نتكلم كلاما صادقا، وأن نفكر تفكيرا صائبا، دون أن نحاول جلب الآخرين إلى ~~أذواقنا وعواطفنا ... # إن ذلك لهو العمل الجليل ... # لابرويار # | إلى القراء # يقول بعض الفلاسفة: إن العقول سواء من حيث الخلقة، وإنما يمتاز بعضها عن بعض بالتكيف ~~والتوجيه، فيسمو البعض منها إلى أن يصل ذرى الرفعة والسمو، وينحدر البعض إلى أن يصل الدرك ~~الأسفل من الجمود والانحطاط. ونحن لا تعنينا هذه العقول، أكانت سواسية أو لم تكن؛ لأننا ~~لسنا بصدد تحليل العقول وإثبات مقاييسها، وإنما الذي يعنينا هنا هو عرض وتصوير مجموعة من ~~الطباع البشرية، في مجموعة من البشر منتقاة من صميم المجتمع ... # وإننا لا نشك في أن هذه الطباع ليست سواء وإلا لكانت خاضعة خضوعا أعمى لتأثيرات البيئة ~~والنشأة والتعليم، تسيرها طبقا لهذه التأثيرات، وتتكيف وفقا لهذه النشأة التي فرضها ~~عليها المجتمع. وإننا لا نجد هذه الطباع تسير في طريق مفروض من بيئة، أو تتجه اتجاها ~~مفروضا من نشأة، إلا بقدر ما توجبه الضرورة ... وكثيرا ما تتمرد فتكسر القيود وتنطلق في ~~أجواء رحبة لا تلوي على شيء، تدفعها غرائزها إلى تحقيق أمانيها المختلفة غير مبالية بقوانين ~~البيئة وتعاليم النشأة. ولو لم تكن هذه الطباع متباينة بعض التباين تتمتع بشيء من الحرية، ~~لخلا المجتمع من هذه النماذج النادرة الطريفة، ولما وجدنا هذه الضحية من ضحايا المجتمع تكسر ~~قيود بيئتها وتتخذ من الوطنية دينا يهديها سواء السبيل، ولما تعرفنا على هذا الفقيه الطاعن ~~في السن الذي يتخذ من شرع الله حانوتا لبيع الجرائم ... ولما كانت هذه النماذج البشرية التي ~~نقدمها للقراء. # ثم ماذا؟ ... ثم إني لم أعمد في عرض هذه ms01 النماذج إلى الخيال فأستخدمه في التنميق والتزويق، ~~أو إلى التحليل النفساني فأسخره لإثبات فكرة أو إدحاض أخرى ... أجل إني لم ألجأ إلى كل ذلك، ~~وإنما التجأت إلى المجتمع وانتزعت من مختلف طبقاته نماذج عشت مع بعضها وسمعت عن بعضها. ~~نماذج حية أقدمها للقارئ لعله يتوصل بها إلى تفهم بعض طباع مجتمعه، فيلمس أنبل نفس في أحقر ~~شخصية، ويلمس الإيمان القوي في قلب الرجل الضال، والزيغ والإلحاد تحت عمامة رجل ~~الشرع. # إن المجتمع البسيط هو خير من يصور الطباع على ~~فطرتها؛ لأنه خاضع للطبيعة، والطبيعة وحدها، يسيره ناموس الفطرة وحده لا يعرف التوجيه ~~المقعد ولا التسيير المهذب ... # ولهذا سنجد شخصيات نماذجنا يفهمون بعض الحقائق على طريقتهم الخاصة ويستنتجون بعض النتائج ~~على أسلوبهم الخاص أيضا، وقد يبدو لنا تفهمهم للحقائق خاطئا واستنتاجهم للنتائج ضعيفا ~~وذلك لأننا سنقيس تفهمهم واستنتاجهم بمقاييس العلم والعقل المهذب، وسنحكم عليهم حكما ~~خاطئا لأننا سنخضع في حكمنا إلى قواعد وأصول تعلمناها وفرضها علينا العلم والعقل المثقف، ~~مع أن هذه الشخصيات توصلت إلى ما توصلت إليه على ضوء فطرتها وهضمته بجهاز طبيعتها في محيطها ~~الضيق وبيئتها المحدودة، مدفوعة بدافع الغريزة إلى إبراز البكر من كوامن النفوس وألوان ~~الطباع. # أحمد رضا حوحو # قسنطينة في 30 / 9 / 55 # | الشيخ رزوق # الشيخ رزوق رجل في العقد السادس من عمره، ضخم الجثة، كثيف اللحية، أسمر اللون، ذو مهابة ~~ووقار، يخشاه الناس ويحترمونه، تدور حول سيرته شبهات لم يصدقها إلا نفر قليل؛ حيث يتهمونه ~~بالقيام بأعمال مالية غير مشروعة ويقولون إن في استطاعته أن يحرم الابن من إرث أبيه إذا ما ~~قدم له مبلغ من الأوراق المالية ... ولكن أغلبية مواطنيه تعتقد أنها مجرد إشاعات كاذبة يروجها ~~حساد الشيخ وناكرو فضله، فهو لا يعرف سوى داره، والمسجد، والطريق بينهما. ~~••• # تناول الشيخ طعام إفطاره على عجل وهو لا يزال يتمتم بالبقية الباقية من تسابيح ورد الصباح ~~الذي اعتاد أن يتلوه يوميا عقب صلاة الصبح. ثم أحضر له الخادم فنجانا من القهوة الساخنة ~~أخذ يحسوه بسرعة، وهو ms02 يحث الخادم على إحضار بقية ملابسه وسجادة الصلاة التي لا تفارقه في ~~حله ولا ترحاله. وأخذ يستعد لمبارحة المنزل وقد تناول عصاه ومسبحته، وما كاد يبارح غرفته ~~حتى أدركته زوجته متذمرة: ما هذا! ألا تستطيع حتى أن تتناول طعام إفطارك في راحة؟... أدائما ~~أعمال الناس؟ لا أدري أية فائدة تجنيها من وراء هذه المتاعب كلها التي صدتك عن العناية ~~بأهلك وأولادك؟! # وما كان من الشيخ إلا أن رمقها بنظرة حادة وأجابها والغضب باد على قسمات وجهه: أي شيء ~~أستفيده من الناس؟! ... أتخالين زوجك مثل أولئك الغافلين الذين ألهتهم أوضار المادة الدنسة عن ~~أعمالهم الربانية، وأشغلتهم بطونهم عن الآخرة؟ ... أنا أخدم الناس لوجه الله: أخدم الحق ~~الضائع وأحاول جهدي إرجاعه إلى نصابه ... # ثم حوقل الشيخ واستغفر ربه واسترسل يقول: لا تدخلي على نفسي الرياء أيتها المرأة، ~~اتقي الله، أتريدين أن تضيعي أجر عملي، وأن تبدلي ثوابي عقابا بأحاديثك هذه؟ # وما كادت زوجه الساذج تعي هذه المواعظ حتى تأثرت وخشيت بطش ربها ونقمه إذا ما صدت هذا ~~الرجل الصالح عن القيام بأعماله الربانية، وانهالت على يده تقبلها وهي تردد: ربنا يبقيك ~~ويحيطك بعنايته يا سيدي، حقا إن هذه الدنيا لا تساوي جناح بعوضة. # وكأن الشيخ استراح واطمأن قلبه إلى هذه النتيجة فأبدل قطوبه بابتسامة عريضة وتوجه لفوره ~~إلى الشارع وهو يداعب حبات مسبحته التي لا تفارقه لحظة واحدة في غدوه ورواحه، وذهب يتأرجح ~~في مشيته وهو في طريقه إلى ركنه المنعزل في المسجد الذي يسميه مكتب أعماله الخيرية، والناس ~~تقصده من كل جانب منكبة على تقبيل يده التي يجود عليهم بها بكل سخاء، طالبين منه الدعوات ~~الصالحات، والنساء يرمقنه من وراء شبابيكهن الضيقة مبتهلات إلى الله أن يقضي حوائجهن ببركة ~~هذا الرجل الصالح الذي يقضي جل حياته في المسجد ما بين العبادة وإرشاد الناس إلى ما فيه ~~الخير والصلاح. ~~••• # تربع الشيخ رزوق على سجادته بعد ما قام ببعض الصلوات، وما كاد يستقر به المقام حتى تقدم ~~نحوه شاب في ربيع الحياة رحب ms03 به الشيخ وانكب هذا على يده يلثمها، وفي نفس الوقت دس فيها ~~شيئا رمقه الشيخ بنظرة فاحصة حتى إذا ما تأكد من ارتفاع قيمته أسرع إلى إخفائه في طيات ~~جبته الفضفاضة وقابل هذه التحية بابتسامة لطيفة، وأقبل على الزائر يسأله ويمازحه وهو يتوسم ~~الخير العميم من ورائه، وبادره قائلا: خير إن شاء الله يا ابني، ماذا تريد؟ ~~- نفس المسألة الأولى يا سيدي التي أخبرتك عنها سابقا. # قطب الشيخ جبينه كعادته كلما انتقل من الدعابة والمزاح إلى العمل الجدي وقال: إن أشغالي ~~كثيرة يا ابني، وأجدني معذورا إذا ما نسيت ما حدثتني به سابقا، فهل تسمح وتعيد على مسامعي ~~حديثك دون أن تهمل أدنى تفصيل، فإنه كثيرا ما يكون للتفصيل الضئيل أهمية كبرى لا يدرك ~~كنهها إلا الراسخون في المعرفة. # سكت الشاب مليا ثم تكلم بصوت تشوبه رجفة: كنت أخبرتك يا سيدي أن لأختي طفلا من زوج ~~أجنبي عن أسرتنا، توفي والده منذ زمن ولم يترك له شيئا يذكر من متاع الدنيا، مع أن ~~المرحوم والدي ترك ثروة كبيرة تعرفونها جيدا. ~~- أجل ... إني أعرف المرحوم والدك حق المعرفة وأعرف جيدا ثروته، رحمه الله فقد كان رجلا ~~صالحا وكان من أعز أصدقائي، استمر في حديثك ثم ماذا؟ # واستمر الشاب يقول: ورثت أختي قسطا وافرا من مخلفات الوالد وهي الآن تنفق من ريعها على ~~ابنها ولا مانع لدي في ذلك، ولكن إذا ما أدركتها الوفاة يوما - وهي مصابة بمرض خطير استعصى ~~علاجه على الأطباء - فإن ابنها يرثها؟ ~~- ما في ذلك شك، يرثها، حقه يا بني لا يمنعه مانع. ~~- وبهذا يستولي هذا الأجنبي على جانب كبير من ثروتنا ومخلفات والدنا. # وسكت الشاب، فقد اختنق صوته من شدة الاضطراب، ولكنه تشجع أخيرا وقال: إني أريد منع هذا ~~الولد من إرثنا ... # استغرق الشيخ في لجة من التفكير دامت بعض ثوان، ثم قال: إنك قادم على عمل خطير ... إنك ~~قادم على منع وارث شرعي من إرثه الشرعي! ~~- نعم يا سيدي، أنا أعرف جيدا ما أنا قادم عليه، ms04 ~~وإني مستعد لدفع اللازم، لذلك ... ~~- الحقيقة أن هذا الطفل يعد أجنبيا دخيلا على أسرتكم. ~~- نعم يا سيدي إنه كذلك ... ~~- لقد افتكرتك الآن أنك حدثتني منذ أيام في هذا الموضوع وكنت طلبت منك تأخيره إلى أن تحين ~~الفرصة المناسبة. ~~- لقد حانت الفرصة يا سيدي، وسافرت أختي مع طفلها إلى زيارة بعض الأقارب وستمكث شهرا ~~كاملا. ~~- أسافرت حقا؟ ~~- بلى يا سيدي سافرت ... # واستغرق الشيخ مرة ثانية في تفكير عميق وهو يقوم ببعض الحسابات يسجلها بحبات مسبحته، إلى ~~أن اطمأن قلبه إلى النتيجة. رفع رأسه وقال بصوت خافت: خمسمائة ألف فرنك وعموم المصاريف ~~اللازمة عليك، وهذا التخفيض من أجل المرحوم والدك فقد كان صديقي، ويعز علي أن أرى شخصا ~~أجنبيا يتمتع بمال تعب عليه ليتركه لأولاده خاصة لا يشاركهم فيه مشارك. ~~- ولكن المبلغ كبير يا سيدي! ~~- أبدا ... أبدا ... (صرخ الشيخ) أنسيت ما ستجنيه من ذلك؟ فإنني سأملكك مناب أختك الذي ~~ورثته من أبيك بهذا المبلغ ... ~~- حسنا يا سيدي قبلت. ~~- أحسنت إذ قبلت، إذن أحضر لي النقود وافية، فأنا دائما أستوفي أجري مقدما ... ثم لا ~~تنس ما قاله الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~: «استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان.» ~~- هذا حق ... وإني مستعد بالمبلغ، ولكن ... ~~- لكن ماذا؟ ... تكلم. ~~- أقصد إذا ما كنت واثقا من النجاح ... ~~- النجاح! هذا أمر ليس فيه أدنى شك ولا ريب، أنا لا أقدم إلا على القضايا الناجحة. لم ~~أعود عملائي الفشل ولو مرة واحدة ... فأنا في هذه الأيام القريبة ملكت زوجا من ثروة ~~زوجته بعملية بسيطة، ثم طلقتها عليه، وهو اليوم ينعم بالمال والحرية، ولكنه دفع لي ضعف ما ~~طلبت منك تقريبا، والحديث بيننا طبعا ... فأنا يا ابني أعمالي متقنة والحمد لله ... # غاب الشاب لحظة وعاد يحمل رزمة من الأوراق المالية ناولها للشيخ بيد مرتجفة، وأخفاها هذا ~~في لمح البصر تحت جبته وأخذ يعدها وهو يتحدث، وللشيخ مقدرة عجيبة على القيام بمهمة الحساب ~~والمحادثة في آن واحد؛ فقد كان أعجوبة زمانه في اتقاد الفكر، وسعة العقل. وبعد ما استوثق من ~~صحة ms05 عددها ألقى عليها نظرة فاحصة، وسرى تيارها السحري في نفسه فلم يستطع إخفاء سروره وعلت ~~شفتيه ابتسامة دلت على غبطته ورضاه، وللمال سر عجيب في نفس الشيخ. ثم ما كان منه إلا أن جذب ~~الشاب من طرف ثوبه وهمس في أذنه: اسمع ... اذهب حالا إلى منزلك وأخل الدار من كل كائن حي ... ~~أسامع! لا أريد كائنا من كان، أرسل والدتك عند بعض الأقارب، وسآتي بجهازي التام المكون من ~~والدتك وأختك والشهود المعروفين. ~~- والدتي وأختي؟ ~~- ... أجل لا أعني والدتك وأختك الحقيقيتين وإنما أعني اللتين يقومان بدور الوالدة والأخت ~~أمام القاضي وستبيع لك أختك منابها وتعترف أنها تسلمت النقود كاملة، وسيشهد الشهود وينتهي ~~كل شيء، وحينما ينتقلان إلى دار البقاء يمكنك إبراز حججك والاستيلاء على أملاكك دون أن ~~يعارضك معارض ... # أفهمت؟ ... انهض وأسرع إلى عملك، سألحق بك بعد صلاة العصر ... # نهض الشاب متألما مضطربا وبقي الشيخ مسرورا يذكر الله ويوحده، ثم قام يعد نقوده مرة ~~ثانية، وما كاد ينتهي حتى دوى في المسجد صوت أذان الظهر، فأسرع الشيخ في إخفاء تلك الرزمة ~~من الأوراق في جيب محكم، وقام يستعد لصلاة الظهر وهو يتذكر ما بقي لديه من المعاملات ويقدر ~~في نفس الوقت ما ستدر عليه من الأرباح ... # | عائشة # عائشة امرأة ككل النساء الجزائريات، واحدة من آلاف النساء اللائي يموج بهن المجتمع ~~الجزائري المظلم، لم تتخرج من مدرسة لا شرقية ولا غربية ولم تتلق أية تربية خاصة أو نشأة ~~معينة، عدا التربية الفطرية والنشأة المحافظة، المفروضتين من هذه البيئة الجزائرية الوحيدة ~~التي لا تعرف التطور ولا التغير. وعاشت عائشة في محيطها الضيق المظلم لا تعرف عن العالم ~~الخارجي شيئا، ولا تعرف عن نفسها إلا أنها عورة يستحي ذووها من ذكر اسمها وأسماء والدتها ~~وعمتها، فهن جميعا يكون نوعا خاصا من المخلوقات لم تفهم كنهه، ولم تحاول أن تدرك ~~كنهه ولكنها تعلم حق العلم أن والدها وغيره من رجال الأسرة يطلقون عليهن جميعا اسم ~~«العباد» ولا يتلفظون بهذا الاسم إلا مقرونا بكلمة اعتذار، وكثيرا ms06 ما سمعت والدها يتحدث ~~مع جاره فيقول «عبادي حشاك» يقصد جميع نساء الأسرة فيعتذر عن ذكر أسمائهن كما يعتذر حينما ~~يتلفظ بلفظ قذر أمام شخص محترم. تعودت عائشة هذه النشأة وألفت هذه المكانة الخاصة في ~~المجتمع، أو قل إنها ورثت هذه المكانة كما ورثتها والدتها عن السابقات من النساء منذ عهد ~~قديم. # هي إذن كائن تافه لا مسئولية له في الحياة، بل إنها أتفه من أي حيوان من الحيوانات التي ~~يملكها والدها الذي لا يستحي من ذكر حماره أمام الناس، ويفتخر بذكر حصانه والحديث عنه ولكل ~~منهما مسئوليته في الحياة، وبعض الحرية في تصرفاته وشئونه الخاصة. أما عائشة فإنها دولاب ~~بشري تديره يد ذويها فلا تتحرك ولا تسكن إلا بإرادتهم ووفقا لرغباتهم، وكل هذا لا يعنيها ~~ولم تفكر فيه، بل إنها لا تملك حق التفكير فيه، فهي تسير في طريق مرسوم محدود، كما سارت ~~وستسير بنات بجدتها في الماضي والحاضر والمستقبل لا يعرفن الجديد ولا القديم وإنما يعرفن ~~حياة يومية متشابهة لا يختلف فيها يوم عن يوم ... # وهكذا تتابعت أيام عائشة في قريتها إلى أن حدث الحادث الجليل الذي خرج بها عن المألوف ~~وجعل من حياتها صورة تختلف عن صور بنات جنسها. وما الحادث إلا شاب من أبناء القرية عاد من ~~أوروبا التي قضى فيها سنينا طوالا وحل بين سكان البلدة كالنجم المتألق في حلته ~~الإفرنجية الأنيقة، وشعره المصفف البراق، وحذائه الأسود اللامع. وسمعت به عائشة كما سمعت به ~~بقية الفتيات وطرق أذنها الكثير مما يتحدث به من غرائب الأحاديث عن أشياء لم تسمع بها من ~~قبل، ولم يهضمها عقلها الآن، وما برحت هذه الأحاديث حتى أصبحت مبعث العجب بهذا الشاب ~~والافتخار بحفظ شيء من حديثه العذب، أو التلفظ بكلمة من ألفاظه الغريبة، أو رواية حادثة ~~غريبة مما حدث به الكبار فنقلوه إلى الصغار، ورواه إلى الرجال فنقلوه إلى النساء. وأعجبت ~~الفتاة كما أعجبت غيرها بهذا الشاب، أو بهذا الحادث الجديد الذي حل بالقرية، وتحدثت عنه ~~وحفظت شيئا من أحاديثه ms07 أسوة بالأخريات، واكتفت بهذا الحديث فلم تفكر في أكثر من ذلك، لأنها ~~لا تملك حق التفكير أكثر من ذلك. فحتى خيالها يبدو أنه محجوز عنها لا تستطيع الانطلاق في ~~أجوائه الرحبة الجميلة. ~~••• # توجهت عائشة ذات يوم إلى منزل خالتها لأن والدها وذويها أرادوا منها أن تتوجه إلى ذلك ~~المنزل. فهي مسيرة في كل شيء، لا تعرف الاستقلال في قليل ولا في كثير من حياتها العامة ~~والخاصة على السواء، وصادف أن قابلت ذلك الشاب في طريق خال، وهو يتأرجح في مشيته، والتقت ~~نظرتها بنظرته، وراقت للشاب، وهي تتمتع بشيء غير قليل من الحسن والجمال، فابتسم لها ولكنها ~~لم تفهم لماذا ابتسم ولم تدر أن هذه الابتسامة موجهة لها محمل زيادة على معنى الإعجاب ~~بحسنها، معاني أخرى لم تفهم حقائقها إلا بعد أن دفعت الثمن غاليا غلاء فاحشا ونظرت هي ~~بدورها إليه، ولكن نظرة بريئة، نظرة كتلك التي تعودت أن ترسلها إلى القمر الساطع في السماء، ~~أو النجم المتألق في الأفق. نظرة وكفى، لا تحمل أي معنى ولا تنطوي على أي مقصد. ولكن الشاب ~~لم يكتف بهذا الحل ولم يقف عند هذا الحد، بل حاول الاتصال بها. وتم له ذلك بواسطة عجوز ~~استأجرها لهذا الغرض لم تعوزها الحيل للاستيلاء على عقل هذه المخلوقة العجماء. وما كاد يتصل ~~بها حتى فتح لها بأحاديثه المعسولة أبوابا كانت موصودة دونها. فحدثها عن بنات أوروبا ~~وحريتهن. كما وضح لها حقوقها في الحياة، ولم ينس ذكر ما ادخره لها القانون من الحقوق ~~والمحافظة على رغبتها. ثم عرض عليها أن تفر معه لتعيش صحبته في عيش رغد محفوفة بالحرية ~~والحب والسعادة، وأفهمها أن هذه حقوقها الشرعية لا ينازعها فيها منازع ... ~~••• # انخدعت عائشة بحديث فتاها وانقادت لرغباته بثقة عمياء. ففارقت منزل والدها خلسة في ليلة ~~ظلماء وسافرت مع الشاب إلى مدينة بعيدة، وسرها أول الأمر أن ترى نفسها حرة تركب القطار، ~~وتعيش في المدن في أحضان شاب أنيق لم تكن تحلم به. ولكن هذا السرور لم يدم طويلا لأن ms08 ~~الفتى ما كاد يستولي على عفافها ويهتك ستر شرفها حتى تركها وفر قافلا إلى أوروبا من حيث ~~أتى ... # هامت الفتاة على وجهها في هذه المدينة المترامية الأطراف وكانت ذئاب البشرية لها بالمرصاد ~~تتعقب خطاها، فاصطادوها في رمشة عين ودفعوا بها إلى طريق الغواية، فاحترفتها وقد وجدت ~~مثيلاتها في بؤرتها يبعن أجسادهن مقابل لقمة من الخبز ... # انتقلت عائشة من بلد إلى بلد ومن بؤرة إلى أخرى، واندفعت بحكم المهنة الشائنة إلى تعاطي ~~المسكرات والمخدرات، وتفوقت في هذا الميدان حتى أصبحت قطبا فيه لا يباريها فيه رجل ولا ~~امرأة، وبعث ذلك التفوق في نفسها شيئا من الغرور فأخذت ترى نفسها أسمى مقاما من زميلاتها ~~وتتخيل نفسها من طينة تخالف طينتهم، ولهذا يجب أن تسموا بأفكارها عنهن، يجب أن تكون لها ~~فكرة أوسع من أفكارهن وأحاديث تختلف عن هذه الأحاديث البسيطة المتكررة. فخرجت بفكرها من ذلك ~~المحيط الضيق الذي تعيش فيه إلى محيط أوسع تبحث عن شيء ما، أي شيء كان يميزها عن الأخريات، ~~شيء جديد وكفى. وشاء القدر أن تطرق سمعها أحاديث سياسية وأفكار وطنية، وشاعت أحاديث السياسة ~~والوطن في تلك الأيام حتى عمت الأوساط المختلفة ووصلت إلى بيئتها، فرحبت بها واعتنقتها ~~مدفوعة بدافع حب السمو ورغبة في أن تكون لها أفكار وأحاديث ترتفع عما تفكر فيه وتتحدث به ~~الأخريات. # اشتهرت عائشة بأفكارها الوطنية وسخر منها الناس فزادها ذلك إصرارا وعنادا وتمسكا ~~بالفكرة، وحاولت مرارا أن تشارك بدريهماتها القليلة في مساعدة هذه الفكرة التي تعرف عنها ~~أنها ترمي إلى الوطنية والتحرير. والتحرير في فهمها هو خروجها من هذا الماخور العفن إلى ~~عالم رحب تجد فيه لقمة عيشها دون الاضطرار إلى بيع جسدها. والوطنية عندها هي أن يكون لها ~~منزل وبعل محترمان. استولت عليها هذه الأفكار فتمسكت بها بشدة كما يتمسك الغريق بحبل ~~النجاة. # قالت عائشة عن نفسها إنها وطنية، وآمنت بذلك إيمانا راسخا، واعتقدت اعتقادا قويا ~~أنها لا بد من أن تجني ثمرة ذلك عاجلا. وشاء ربك ألا تنتظر طويلا، فقد انتشلتها ms09 هذه ~~العقيدة المقدسة من خضم رذائلها، فأقلعت أولا عن تعاطي المخدرات لأن عقلها أوحى لها أن من ~~يتحلى بهذه الأفكار يجب أن يقلع عن ذلك، ثم أعقبت المخدرات بالانقطاع عن المسكرات، ولم تكد ~~تفعل حتى ضج منها محيطها الموبوء وأصبح لا يتحملها ولا يقوى على احتمال نزعتها الجديدة التي ~~تتضارب ومصلحة العمل الذي تصادمت رغباته بإرادتها، فلم يشأ أن يتساهل معها ويخضع لإرادتها ~~ولم تشأ هي أن تنثني عن فكرتها وتتخلى عما اعتقدته منقذها الأوحد. وكثر الجدل واشتد الخصام، ~~ولم تنتبه عائشة إلى نفسها إلا وهي في الشارع تبحث عن عمل حر طاهر تتعيش منه، ولم يخفها ~~الشارع، فقد أكسبتها التجارب المرة خبرة، ولم يطل بها البحث، فتحصلت على عمل خادم في فندق ~~محترم، ثم وفقت للاهتداء إلى زوج متواضع صالح بنى بها دون أن يسألها عن ماضيها، ولم تشأ أن ~~تسأله عن مستقبله، وإنما اكتفت بالعيش البسيط في أحضانه راضية وهي صامتة كالقبر، تدفن في ~~نفسها ذكريات أليمة تبعث في نفسها الرعب وفي وجهها الخجل كلما تقهقرت بها الذاكرة إلى ~~الوراء. ولكنه مرهم النسيان سريعا ما فعل مفعوله فاندمل الجرح وانمحى الرسم ولم يبق من ~~تلك الإحن والمحن إلا بصيص ضئيل من الذكريات المريرة ... # | العصامي # لا تنتظر مني أيها القارئ أن أعرض عليك هنا شخصية من الشخصيات البارزة التي ساعدها الحظ ~~فارتفعت إلى الذرى في ميادين المال والأعمال، وأقول لك أيها القارئ لا تنتظر مني ذلك لأني ~~أعرف أنك تعودت أن ترى مجتمعك لا يصف بالعصامية إلا هذا الصنف من الرجال، فكل فقير أثرى، ~~وكل وضيع ارتفع (ولو نزلت عليهما الثروة والجاه من السماء دون كد أو جد) هما عصاميان عندنا ~~يستحقان منا كل التبجيل والاحترام. وانحرفت هذه الكلمة عن مدلولها حتى كادت تختص بهذه ~~الطائفة الخاصة من الشخصيات المرتجلة، مع أن العصامية أعم وأشمل، وهي الإرادة الحديدية ~~والعزم القوي والاعتماد على النفس، وعدم الاستسلام للإخفاق وما يجره من يأس، والمثابرة على ~~العمل إلى بلوغ النجاح الذي ينشده، والمثل ms10 الأعلى الذي يأمله ، مهما كان نوع هذا العمل ومهما ~~كان كنه هذا النجاح. # إن عصامينا هذا لم يصل إلى الثروة، ولم يصل إلى الزعامة، وإنما توصل إلى ما اعتقده مثلا ~~أعلى، وتوصل إلى ما أراده وتمناه باذلا جهودا جبارة وعزيمة فولاذية لا تقلان عن عزيمة ~~وجهود أي من عظماء العالم ... # كان صاحبنا واسمه عبد الباقي، عاملا فلاحيا بسيطا يستأجره أصحاب الحقول والبساتين ~~لخدمة الأشجار، ولا يكاد يعرف البطالة طيلة السنة وذلك لما عرف به من النصح في العمل، ~~ولما منحه الله من قوة البنية وصحة الجسم والعقل. # التحق عبد الباقي في صباه بمكتب قرآني تعلم فيه الكتابة والقراءة، وحفظ أجزاء قليلة من ~~القرآن، ولم يستطع مواصلة التعليم؛ لأن والده انتقل إلى رحمة الله، واضطرته لوازم العيش إلى ~~احتراف العمل في الحقول والمزارع مقابل أجر يومي زهيد. ولكن الرجل خلق عصاميا له مثل ~~أعلى في الحياة يريد أن يصل إليه وله رغبات نفسانية شريفة يود تحقيقها مهما كلفه من الجهد ~~غير مبال بالعوائق الكثيرة التي تعترض طريقه. # كان لعبد الباقي - أو للشيخ عبد الباقي كما يسميه مواطنوه - فكرة تخامر ذهنه منذ الصغر: ~~وهي أن يتزعم حركة التربية والتعليم القرآني في بلدته. وشيخ الكتاب في بلدته هو كل شيء، ~~يحترمه السكان ويبجلونه ويلجئون إليه لحل مشاكلهم، يعيش في شرف وعز تقف دونهما سلطة ~~القضاء والحكم خاضعة ذليلة ... # استولت على أفكاره هذه الرغبة فعمل على تنفيذها، ولم يقف الفقر ولا حاجته إلى العمل حجر ~~عثرة في طريقه، فاشترى مصحفا واشترى لوحا خشبيا وقلما ودواة وانكب على حفظ القرآن مع ~~مواصلته العمل، فيعمل شطرا من الليل في إعداد لوحه وكتابته حتى إذا ما أصبح الصباح حمله ~~معه وانكب على حفظه. وكان يشاهد وهو مرتق أعلى الأشجار أو عاملا في الحقول ولوحه مربوط ~~إلى حزامه يلجأ إليه كلما ألزمه الأمر إلى مراجعته. قضى سنين وهو على هذه الحالة، إلى أن ~~شاع أمره فأعجب به قوم وهزئ به آخرون، ولكن الرجل لم يعنه إعجاب المعجبين ولا ms11 سخرية ~~الساخرين، بل استمر قدما يتابع سبيله ويواصل العمل بالعمل والليل بالنهار إلى أن حفظ ~~القرآن حفظا متقنا وصلى به صلاة التراويح، ثم احتل حجرة في المسجد وفتح كتابا قرآنيا ~~وأخذ يعلم القرآن، يعلمه بشدة وقوة محاولا دائما ابتكار طرق جديدة لتعليمه، وأخذ يعلم ~~الصبيان في النهار والكبار في الليل، ولم يعهدوا في قريته تعليم الكبار فضرب لهم مثلا ~~بنفسه، مثلا حيا ناطقا، فكثر الإقبال عليه وتوصل إلى أن تزعم حركة التعليم في القرية ~~لا ينازعه فيها منازع. # ارتاح الشيخ بعض الشيء إلى ذلك، ولكن التقدم العلمي جرف القرية، فقد نزل بها شبان أتوا ~~يحملون فنا جديدا تعلموه في جامع الزيتونة بتونس، اسمه النحو، واحتل بعضهم سواري المسجد، ~~وتصدوا لإلقاء دروس فيه، وتعليم مباديه لمن يرغب في ذلك. تحدث الناس بهم ولهجوا بذكر فنهم ~~الجديد، وقالوا إن الشيخ عبد الباقي لا يحسن النحو ... علم الشيخ بذلك وغاضه أن تنتزع منه ~~الزعامة العلمية، ينتزعها منه شبان في سن الأطفال الذين يتولى تعليمهم، وصرح في مجمع كبير ~~أنه يحسن النحو وهو يتحدى خصومه لتدريسه دون الالتجاء إلى كتاب ما، وضرب لهم موعدا لذلك، ~~وبادر بالتحصيل على نسخة من شرح الشيخ خالد على الآجرومية؛ لأن الآجرومية متنا وشرحا هي ~~البضاعة الوحيدة لخصومه. وانكب على الشيخ خالد يحفظ ما فيه من متن وشرح غير عابئ بفهم ~~عباراته ومعانيه، وحل الموعد ونزل الشيخ إلى المسجد الذي ضم جمعا غفيرا من المعجبين ~~والفضوليين، وألقى الشيخ درسه بصوت جهوري دوى له المسجد، فكان يسرد الفقرات من المتن ثم ~~يتبعها بما يليه من الشرح، كل ذلك دون الالتجاء إلى كتاب، ونجح في الاختبار واستولى من جديد ~~على زمام الزعامة العلمية، وكان هذا الحادث فاتحا جديدا له ففتح له أبوابا كانت موصودة ~~دونه وعرف أن حفظ القرآن ليس هو كل العلم بل هناك علوم وفنون أخرى عليه أن يخوض غمارها. ولم ~~ينتظر طويلا، فبادر لحينه بدراسة النحو دراسة متقنة، ثم انكب على الفقه المالكي فحفظ ~~خليلا وطالع مرارا شراحه ms12 وحواشيه، كما درس التجويد والقرآن والفرائض ومعلومات عديدة، ~~واستعان على ذلك بشيخ ضرير لا يدري أهل القرية من أين أتى به، أنزله عنده وخدمه وقام بجميع ~~لوازمه. كل ذلك ولم يتخل يوما عن عمله في الكتاب أو يختل يوما برنامجه واتسعت دائرة ~~عمله حيث لم يكتف بتعليم القرآن، بل أخذ يعلم مبادئ شتى العلوم والفنون التي تعلمها، ~~وللرجل قدرة غريبة على هظم ما يتعلم وقدرة أغرب على ابتكار طرق جديدة مبسطة لتعليمه. # كان الشيخ عبد الباقي لا يقبل التحدي ولا يرضخ لهزيمة مهما كانت قوة التحدي وعظم الهزيمة. ~~وله في ذلك نوادر عديدة، منها أن كبار تلاميذه في مكتبه القرآني يحلو لهم في بعض الأحيان أن ~~يتخلفوا عن الكتاب لقضاء يومهم في لهو ولعب، ولكن الشيخ كان دائما يحرمهم من متعهم حيث ~~يأتي بهم ولو كانوا في أقصى الحقول والبساتين، وهو يعرفها معرفة جيدة وقد قضى عز شبابه ~~عاملا بها. فدبروا هذه المرة خطة محكمة، وهي السفر إلى قرية مجاورة في الحافلة الوحيدة ~~التي تقوم بنقل الركاب صباحا لتعود في المساء مارة بتلك القرية التي تبعد عن قريتهم بخمسة ~~عشر ميلا، وبهذا فقط يأمنون تدخل الشيخ في إفساد راحتهم المغتصبة. نفذ التلاميذ خطتهم ~~وحان موعد القراءة، وتبين الشيخ غياب التلاميذ، وبعد البحث والاستقصاء استجلى الخبر، وعرف ~~التفاصيل، وتهامس الحاضرون من التلاميذ باستسلام الشيخ للأمر الواقع، وقالوا إنه لا يجد ~~حلا للقضية إلا أن ينتظر الغد لعقابهم، وذهبوا يتخيلون العقاب ويبتسمون ابتسامات خبيثة ~~فهم الشيخ معناها، ولكن هذا الرجل الذي لا يقبل التحدي فاجأهم بما لم يتوقعوه فقام لحينه ~~بتكليف أكبر التلاميذ بمراقبة الكتاب وتوجه إلى القرية المجاورة ماشيا على الأقدام وعاد ~~بالتلاميذ في حالة يرثى لها من التعب والخذلان. ~~••• # كان الشيخ عبد الباقي يقول إنه الوحيد الذي كسب من التعليم، وفعلا فقد تمكن من شراء ~~بساتين ودار لسكناه وتزوج وأنجب أطفالا، ولكنه رغم كل ذلك لم ينقطع عن الأعمال اليدوية، ~~فلا زال يباشر خدمة بستانه بيده دون الالتجاء إلى مساعدة ms13 أحد، والرجل يتمتع بقوة ويتمتع ~~بصحة. وكان ذات يوم يقوم ببناء جدار في بستانه بمساعدة بعض المحظوظين من تلاميذه؛ لأن ~~المحظوظ هو الذي يختاره الشيخ لمساعدته في أعماله، وما كاد يحل المساء حتى ارتفع الجدار، ~~وكان الشيخ لا يحسن البناء ولهذا لم يلبث هذا الجدار حتى انهار، لكن الشيخ الجبار عارضه ~~بصدره العريض وساعديه المفتولين يحاول إمساكه، وغاضه أن ينهار عمله بين يديه، ولكن قوة ~~البناء تغلبت على قوته، وانقض الجدار فوقه فألزمه الفراش أياما وكانت آلام الهزيمة في نفسه ~~أقوى من آلامه الجسمانية ورضوضه الجسدية، ولهذا ما كاد يتماثل إلى الشفاء حتى كلف مساعده ~~بالكتاب القرآني، وانقطع لتعلم البناء حتى حذقه وأتقن فنونه وقام بعدة مقاولات تخص بعض ~~البنايات في القرية وخارجها إلى أن قهر البناء وانتقم من الجدار الذي ألزمه الفراش أياما ~~ثم عاد إلى أعماله العلمية وابتسامة النصر تعلو شفتيه. ~~••• # تخرج على يد الشيخ عدد وافر نجحوا كلهم في مختلف ميادين الحياة واستفادوا من عزيمته ~~الحديدية وإرادته الفولاذية أكثر من استفادتهم من معلوماته، وكانوا جميعا يحبونه ويحترمونه ~~ويخضعون له، كما كانوا في عهدة التلمذة والطفولة، فلم يتغير شيخهم في نظرهم، ولم يتغيروا هم ~~كذلك في نظره رغم المناصب المختلفة التي أحرزوا عليها. # كان الشيخ عبد الباقي يتمتع بنفسية عالية جدا، اشتهر بها وتحدث بها العام والخاص، فهو ~~لا يحط همته لأحد، ولا يلتجئ إلى كائن من كان في قضاء حاجة أو طلب شيء مهما كانت حاجته ~~شديدة إلى ذلك، فكل شيء لا يستطيع التوصل إليه بنفسه، وكل قضية تستدعي الوساطة (ولو وساطة ~~أقرب الناس إليه) يلغيها ويحكم بعدم لزومها ويعدها من الكماليات التي لا لزوم لها ويحذفها ~~من برنامج حياته مهما كانت ضرورية وحاجته إليها ماسة، وعاش بذلك عزيزا مكرما شامخا بأنفه ~~إلى السماء، ولا أدري بماذا كان يفكر حينما أدركه الموت، وكيف قابل تحدي عزرائيل. ولكن ~~الذين شاهدوه في لحظاته الأخيرة، قالوا إنه قبل التحدي بابتسامة تدل على الرضا والاطمئنان، ~~ولسان حاله يقول: الآن أخضع وأنحني ms14 باحترام فقد لاقيت حقا من يقهرني ... # | العم نتيش # عرفت العم نتيش وكنت حينذاك أتمتع بريعان الشباب. احتل مكاني بين زمرة من شباب القرية؛ ~~حيث كنا نقضي أيام عطلتنا المدرسية في اللهو واللعب والعبث البريء، وكان العم «نتيش» الذي ~~لا يتخلف عن مجالسنا قد تخطى عتبة الشباب بأعوام وأخذ ينحدر مع السنين في منعرجات عقده ~~الخامس، ولكنه كان فتي التفكير كثير المرح، لا يعبأ بمسئوليات الحياة وتكاليفها الثقيلة، ~~يقضي يومه ولا يفكر في غده، رغم أنه كان متزوجا وله أطفال يطلبون منه التفكير في حاضرهم ~~ومستقبلهم. # كان «نتيش» رجلا بدويا، نشأ بالبادية وتربى بها، يكره المدن ويمقت تكاليفها المعقدة، ~~بل يكره كل شيء معقد في الحياة، يهوى العيش البسيط ويقنع منه بأتفه الزاد، يميل إلى المرح ~~واللهو ويتبرم من الجد والعمل، فقد كان كسولا موهوبا ... # كان «نتيش» يعيش في أكناف عمه الذي استوطن الحاضرة منذ عهد طويل، وكون ثروة متوسطة من ~~عقار ومزارع، حاول عبثا استغلال «نتيش» والاستعانة به في إدارة مزارعه وسير أعماله، مقابل ~~ما يقوم به من تكاليف عيشه وعيش عائلته، فكان يعيش معه في مشاكل ومعارك لا تعرف الانتهاء، ~~فبقدر ما كان عمه ذا حزم وعزم ونشاط يستوجبه ثراؤه وأعمال مزارعه، بقدر ما كان «نتيش» ~~كسولا برما بكل عمل جدي مثمر، يحلو له أن يقضي يومه في المقهى في لعب الورق و«الدومنة» في ~~جو من المرح والمزاح. ~~••• # كان «نتيش» يحتل مكانته الفتية رغم تقدم سنه، وكنا نحبه ونستأنس به للطفه وظرفه. وكنا ~~نشجعه على التمرد على عمه، ونحثه على عدم القيام بأي عمل يكلفه به، وكم كان يسره ذلك منا، ~~ولهذا كان يلجأ إلينا كلما كلفه عمه بإنجاز عمل، وسريعا ما نجد له حلا لمشكله (حلا ~~يرضيه طبعا)، ونجد له عذرا يتقدم به لعمه، وينتهي كل شيء في رمشة عين، وننتقل فورا إلى ~~المزاح واللعب، ويذهب يقص علينا مغامراته الكثيرة مع عمه، يقصها علينا بأسلوبه الساذج ~~ولهجته البدوية، فكنا نضحك لها ونطرب ونشجعه على الاستمرار في مناوءة عمه ms15 والتمرد على ~~أوامره ... # إنه الشباب سامحه الله وغفر ذنبه ... ~~••• # وذات صباح بينما كنا جالسين في مقهانا المعتاد نتجاذب أطراف الأحاديث والنكات، إذ قدم ~~علينا العم «نتيش» بقامته الفارعة الطول وهيكله النحيل المجرد من اللحم، وما كاد يأخذ مجلسه ~~بيننا حتى ابتدرناه بالسؤال عن مشاكله ومغامراته مع عمه، وابتسم «نتيش» ابتسامة عريضة وقال: ~~«الدعوة مطينة يا لولاد ...» # وألححنا عليه في محادثتنا عن هذه المسألة «المطينة»، فقال بكل هدوء وبساطة: زارني البارحة ~~جماعة نصف الليل! ... وجماعة نصف الليل في لغة العم «نتيش» هم اللصوص، قال: كنت البارحة وحدي ~~في المنزل، حيث قضت زوجي والأطفال ليلتهم عند عمي، كنت مستلقيا في فراشي أتصيد الكرى إذ ~~لاحظت في غسق الليل لصين يتجولان في غرفتي باحثين عما غلا ثمنه وخف وزنه، ولكن مع الأسف ~~ماذا يملك نتيش سوى قدر من الطين وقصعة من خشب، والمؤنة تأتينا يوما بعد يوم من دار عمي ~~موزونة بميزان الذهب، لا تزيد درهما واحدا عن حاجتنا ... وكنت أنظر إليهما - وضوء المنور ~~ساطع على وجهيهما - فقد كانا مطمئنين يظنان المنزل خاليا، ولكن علامات الحسرة كانت بادية ~~عليهما بوضوح، وغاضني أن يعودا من حيث أتيا بخفي حنين، فنبهتهما إلى ملحفة جديدة من الصوف ~~كانت في ركن خفي من أركان الغرفة لم ينتبها إليها وطلبت منهما ألا يعودا إلى أمثال هذه ~~المنازل الفقيرة الخالية، ومنزل عمي على مقربة من هنا زاخرا بمختلف الأرزاق والخيرات ~~... # قلنا له: كيف تفعل ذلك وتناول لصين غطاءك وغطاء أهلك؟ # فضحك وقال: إنه ملك عمي استعرته منه، وما يضيره أن يصير في يد غيره، ولأي شيء تنفع ~~أمواله! ... قالها بكل بساطة وابتسامة الانتصار على عمه تعلو شفتيه. ~~••• # كان لنتيش غريم اسمه زيان، يكرهه كل الكره، لا لسبب أو داع، وإنما كان يكرهه لوجه الله، ~~كما يقول حينما نسأله عن الأسباب والدواعي. كانت إحدى ساقي زيان مستعارة من خشب؛ إذ فقد ~~ساقه الأصلية في حادث اعتداء لصوص على مزرعة لعم نتيش كان يقوم بحراستها، وكان السبب ~~الحقيقي لكره نتيش له، ms16 أنه أضاع ساقه من أجل أموال عمه، ولهذا يغدو ينتقده ويصفه بالبله ~~ويقول: إني والله لا أسمح بضياع شعرة من رأسي من أجل أموال الدنيا كلها ... # ويستمر في انتقاد زيان فيقول: أتظنوني مثل ذلك الأبله الذي فقد ساقه من أجل كيس من الشعير ~~ينتفع به غيره؟ # فماذا كانت فائدته، سوى ساق من الخشب، يكسر بها بلاط المساجد ويزعج بها عباد الله ~~الآمنين؟! # قلنا: لو كنت مكانه، ألا تفعل مثله؟ # قال: هيهات ... ولا أذهب بكم بعيدا، فقد أرغمني عمي في السنة الماضية على مشاركة عماله في ~~حراسة الحبوب في البيدر، وكان بعضها صافيا نقيا، ينتظر نقله إلى المخازن، والبعض مختلطا ~~بتبنه ينتظر هبوب الرياح المواتية لتصفيته. وكنا نتناوب الحراسة، وجاء دوري، وكأن اللص لم ~~يكن ينتظر إلا ذلك. # قلنا مقاطعين: إن اللصوص يعرفون من دون شك تقديرك لهم وعطفك عليهم؟ # ابتسم واسترسل يقول: وما كاد يستغرق الآخرون في النوم حتى شاهدت - وعلى ضوء النجوم - ~~لصا يتقدم بخطوات بطيئة نحو البيدر، ولبلاهته ترك القمح النقي المصفى وقصد كوما من ~~الشعير المختلط بالتبن، فقلت له: لا تنزعج! دونك القمح النقي املأ منه كيسك واذهب بسلام ... ~~ولا أدري كيف انتبه أحد النائمين إلى ذلك، فأيقظ الآخرين واضطر المسكين إلى الفرار خالي ~~الوفاض. # قلنا: وكيف كان موقف عمك من عملك هذا؟ # قال: سخط علي ولكني أجبته أني لا أريد أن أشارك زيان الأبله في إزعاج خلق الله بساق من ~~الخشب، أجني لعنات الناس من أجل كيس من القمح ينفع هذا المسكين ولا يؤثر على ثروته ~~شيئا. # قلنا له: إنك تعطف على اللصوص، وتشجعهم على أعمالهم ~~الشائنة، وهذا لا يليق بك ... # وكان جوابه: إن اللصوص مخلوقات مثلنا لهم الحق في الحياة والعيش، جعل الله رزقهم من أموال ~~الذين لا يدفعون حق الله من الزكاة. وكان نتيش يعتقد اعتقادا جازما أنه لا يسرق إلا الذي ~~لا يدفع حق الله من ماله. # قلنا له: لكنها مهنة غير شريفة وغير مشروعة. # قال: وما ذنبهم، إن الله خلقهم وخلقها وجمع ms17 بينهم. # قلنا : ستستمر إذن في الدفاع عنهم والعطف عليهم وتشجيعهم؟ # قال ضاحكا: سأشجعهم على نهب أموال عمي كلها، ما دام لا يحسن الانتفاع بها ... ~~••• # وساءت الأحوال بينه وبين عمه، فلم يعد عمه قادرا على احتماله، ففارقه وعاد نتيش إلى ~~باديته يعيش بين عشيرته كما يحلو له أن يعيش تاركا لنا فراغا عظيما، وذكريات ~~عذبة. # | السكير # إنه لسكير عجيب لا يشبه غيره من مدمني الخمور؛ لأن الخمر لا تبعث في نفسه الغبطة والسرور، ~~كما تفعله عادة في نفوس غيره من السكيرين، بل تثير في نفسه الحسرة والندم، فيغدو يتوجع ~~وينتحب ودمعه منهمر على خديه كالطفل المذنب. # تعرفت على هذا الرجل بعد هذه الحرب الأخيرة وقد كنت مديرا لمدرسة أهلية، وكانت صلة الوصل ~~بيني وبينه، ابنته التي كانت تتعلم في مدرستي. # كان الرجل والدا ... والدا رحيما إذ كانت له طفلة جميلة في الثامن من عمرها، كأنها ملاك ~~يفيض وجهها الصبوح بأنوار الطهر والبراءة، يحبها والداها حبا عنيفا طاغيا، يحبها إلى ~~العبادة، ولهذا كانت سبب سعادته وسبب شقائه في نفس الوقت ... # كانت تلك الطفلة - واسمها حورية - سبب سعادة لوالدها؛ لأنه كان يعيش لها وحدها، يعيش من ~~أجلها، يحيى لها وبها، لا يشاركها في قلبه وعواطفه شريك لا بعيد ولا قريب، فهي كل آماله ~~وأمانيه في الحياة ... # فقدت حورية والدتها وهي صبية في المهد، فقام والدها مقام الأم والأب، فأحاطها بحبه وعطفه ~~وحنوه، واحتلت البنية كل جزء من قلبه وروحه فأصبحت تشغل كل حياته، يسر لابتسامتها، ويتعذب ~~لأقل ألم يصيبها، كانت تملأ دنياه بالسعادة والسرور ... يقودها كل يوم بنفسه إلى المدرسة ~~ويعود بها عقب الدرس صباحا ومساء في مواعيد محدودة دقيقة لا يتخلف عنها أبدا ولا يعوقه ~~عائق مهما كان جسيما عن مرافقتها في غدوها ورواحها. # كان هذا الوالد الرحيم المدله بحب ابنته سكيرا مدمنا على شرب الخمور، لا يكاد يفارق ~~عمله مساء كل يوم حتى تقوده رجلاه إلى أقرب خمارة فيعب من الخمر إلى أن تمتلئ بطنه ويغيب ~~عقله، ويفتكر حينئذ بنته وهي ms18 في مدرستها تنتظر قدومه ليعود بها إلى المنزل، فيثور ضميره ~~مؤنبا ويستعظم جرمه ويغدو وهو تحت تأثير الخمر ينتحب كالطفل الصغير ... # كيف يقابل ابنته المحبوبة وملاكه الطاهر وهو على ما هو عليه من الخزي والعار؟ # شاهدته لأول مرة وقد كان جالسا على مقربة من مديري إدارة المدرسة، جالسا في هدوء وسكون، ~~وعيناه تذرفان الدموع، فأدهشني أمره، وكأنه انتبه لما أنا فيه من الدهشة والحيرة، فابتدرني ~~قائلا: أنا والد حورية ... قلت: نعم مرحبا بك. قال وهو مسترسل في البكاء: هل يجوز لمن كانت ~~له ابنة مثل حورية تدرس العلم الشريف، أن يشرب الخمر؟ # حرت في الجواب، وعلمت أني أمام رجل مخمور ... ولم ينتظر جوابي بل استرسل يتكلم بصوت متقطع ~~يشوبه البكاء والنحيب: كيف أقابلها؟ ... هل أجرؤ على رؤيتها ومقابلتها وأنا على هذه الحالة ~~اللعينة؟ ... لا ... لا أستطيع أن ألمس يدها الطاهرة بيدي النجسة ... ما أشقاني وما أتعسني ... إني ~~لا أقوى على تحمل نظرتها الطاهرة المقدسة، وأنا كالخنزير تفوح رائحة الخمور من فمي ... # أخذت أخفف عنه آلامه، وأهون عليه خطبه ودعوته للانصراف إلى منزله ما دام لا يرغب في رؤية ~~ابنته وهو على هذه الحالة، ووعدته بتكليف أحد التلاميذ الكبار بمرافقتها، وما عليه إلا أن ~~يكلف من يستقبلها من جيرته وذويه، وصاح الرجل قائلا: لا ... لا ... إني لا أطمئن عليها وهي ~~برفقة تلميذ، إني أخشى عليها من السيارات ... # وما كان مني إلا أن طمنته ووعدته بمرافقتها بنفسي إلى المنزل. # فرح الرجل وأخذ يهذي بخليط من كلمات الشكر والحمد وانصرف يتأرجح في مشيته. # استمر الرجل على هذه الحالة جاعلا من نفسه ميدانا لمعركة عنيفة بين عوامل الخير والشر، ~~فتشن تارة جيوش الخير غارتها يقودها حب هذه البنية، فتنتصر ويكف الرجل عن تناول الخمر ~~أياما يقضيها سعيدا بابنته راضيا عن نفسه، ثم تعيد جيوش الشر غارتها يناصرها جرثوم الخمر ~~المتمكن من نفسه، ويشجعها رفقة السوء من رواد الحانات وعشاق الرحيق، فيعود إلى السكر ويعود ~~إلى البكاء والنحيب ويعود ضميره إلى التأنيب، وكل ذلك من ms19 أجل ابنته التي يحبها إلى حد ~~العبادة ويسوءه أن تنتسب إلى والد سكير قذر، إنه يريد أن يقلع عن رذيلة السكر، لا خوفا ~~من الله، ولا حياء من المجتمع، ولكن من أجل هذه البنية؛ لأن ذلك يحط من كرامتها وينقص من ~~قيمتها وهو يريدها كاملة لا تشوبها شائبة نقص. # تركت المدرسة في نهاية السنة الدراسية وتركت السكير في صراعه العنيف مع نفسه، وإني لا ~~أدري إذا ما تغلب جانب الفضيلة الذي تحميه ابنته حورية بما تشعه من أنوراها في دنياه ~~المظلمة، أو تغلب جانب الرذيلة الذي تناصره شهوة النفس وإغراء رفقة السوء. # | رجل من الناس # «زمرة الأصدقاء» - كما يسمون أنفسهم - هم عبارة عن نفر من الشبان من أوساط الشعب، وحدت ~~بينهم فضائلهم، لأن الفضائل وحدها هي التي تستطيع أن توحد بين القلوب توحيدا متينا لا ~~يقوى الانفصام على زعزعة أركانه ... وجمعهم اتحاد مشاربهم ونبل مقاصدهم، وآخى بينهم صفاء ~~قلوبهم ورقة عواطفهم، فأصبحوا مثلا للأخوة الصادقة، والصداقة الخالصة، ورمزا عظيما ~~للمحبة والوفاء، تجمعهم كل يوم - بعد انتهاء أعمالهم - مجالس الأنس والسرور، لا يكاد يغيب ~~واحد منهم إلا افتقدوه وتفقدوه. # كان خالد - الذي لا يفارقهم أبدا، ولا يتخلف عن مجلسهم - رجلا غريب الديار يعرفون أنه ~~نزح إلى هذه البلاد منذ سنين بمفرده، وكل ما يعرفون عنه أنه أعزب، وجاء من بلاد نائية لم ~~يشأ أن يحدثهم عنها طيلة اتصاله بهم، وأنه «رجل من الناس» لا أكثر ولا أقل، كما يقول عن ~~نفسه، كلما سأله أحد عن أصله وموطنه، ولم يخطر يوما على بال أحدهم أن يلح عليه في الكشف عن ~~ماضيه، مكتفيا بحاضره، وقد ملك الرجل عليهم مشاعرهم بلطفه وأدبه وعطفه وكرمه، وأنه (رجل من ~~الناس) وحسبهم ذلك، ويعلمون فوق ذلك أنه عامل مثلهم، يشتغل بالكتابة عند تاجر جشع بمرتب ~~زهيد، رغم سعة معلوماته وكرم أخلاقه وإخلاصه في عمله الكثير، ويحس الجميع بتألمه من حقارة ~~مركزه وضآلة مرتبه الذي يوزع جله على الفقراء والمساكين، ولم يعرفوه يوما رد سائلا، أو ~~اشتكى لهم ms20 الفاقة والاحتياج ، فالابتسامة لا تكاد تفارق شفتيه، فهو دائما في مرح وسرور، ~~يمازح هذا، ويحادث هذا، يسأل ذا ويجيب الآخر. وهكذا كان نزهة مجلسهم وأنس حياتهم، يلتفون ~~حوله كل مساء فيتصدر جمعهم ويظل يحادثهم ويباسطهم والجميع سابحين في جو مرح كله غبطة وكله ~~سرور ... # كان الناس ينظرون إلى هذا النفر من الأصدقاء نظرات مختلفة، فمنهم المعجب بهذه الصداقة ~~وهذا الائتلاف، ومنهم الحاسد على هذا الصفا وهذه المودة، وكم حاولت جيوش الحسد بغارتها ~~الشعواء أن تفكك عرى صداقتهم، وكم حاولت ألسنة السوء أن تشتت جمعهم دون جدوى، ولم يزدهم ~~كلام الناس إلا ابتعادا عن الناس وصحبة وارتباطا، ولم تزدهم محاولات الحساد إلا توطيدا ~~لدعائم الصداقة والمودة. ~~••• ~~«خالد» شاب في العقد الثالث من عمره يتمتع بثقافة متوسطة جامعة، أخذ من كل فن حظا ~~وافرا، سليم الطبع حلو الفكاهة، كريم النفس، ذو همة عالية وأخلاق فاضلة، تعلو شفتيه ~~ابتسامة عذبة لا تكاد تفارقه إلا إذا خلا إلى نفسه وتعمق في بحور أفكاره، فتغمره سحابة من ~~الكآبة والحزن لا يعرف أحد مصدرها ... وكثيرا ما تجده في أشد حالات السرور إذ ينتقل فجأة إلى ~~حالة حزن وكآبة ويغيب بفكره عن جماعته، فينتبهون لذلك ويصيح الجميع مازحين: كم عدد البواخر ~~التي غرقت لك في البحار يا خالد! علها كانت تحمل بضاعة كثيرة؟ # وينتبه خالد من غفوته، ويعود إلى نفسه ومجلسه، فيرد على النكتة بأحسن منها، ثم تسمع سعلته ~~الخفيفة المعتادة، التي يسميها جماعته «صفارة الإنذار» يرسلها كلما أراد الخوض في أمر معهم، ~~فينقلب المجلس بغتة من المزاح إلى الجد ويفتح الجميع قلوبهم وآذانهم كأنهم تلاميذ سذج، ~~ويبتدرهم خالد بقوله: إني لا أكاد أفكر في نفسي يا إخواني وأهتم بأموري الخاصة بقدر ما أفكر ~~في مصائب الغير وأحوالهم التعيسة، فكل شيء في هذه الدنيا ينسيني أحزاني وآلامي، تحزنني هذه ~~الفضيلة التي أصبحت قشورا دون لب، مظهرا دون مخبر، أصبحت زيا يتزين به الإنسان أمام ~~الناس، ويخلعه إذا ما خلا إلى نفسه، وبذلك أضاف الإنسان رذيلة النفاق إلى ms21 رذائله العديدة ، ~~أصبحت الفضيلة أثاثا ماديا يرثه الابن عن أبيه، ويشتريه ذو المال بثمن زهيد، فلم تعد ~~الفضيلة شعارا ساميا يرتديه كل من عصمه الله من الرذائل، فمسخت الفضيلة غير الفضيلة ~~وانتزعت روحها، فلم يبق سوى جثمانها جثة هامدة لا روح لها ولا إحساس ... # وهكذا يسترسل خالد في تحليل مساوئ المجتمع ونقده، وإبداء نظرته إلى الحياة، وجماعته ~~يؤمنون على قوله، وبدا بذلك، شاذا عن هذه البيئة التي قدر له أن يعيش فيها، وزد على ~~ذلك صراحته التي عرف بها والتي كثيرا ما تحرج قلوب بعض الناس الذين تجمعه الظروف بهم، رغم ~~محاولاته دائما في الابتعاد عن هذه الطائفة من العباد الذين لا تحلو لهم الحياة إلا في جو ~~من النفاق والكذب، وربما خرجت به هذه الصراحة إلى حدة سببت له متاعب مادية وأدبية لا يحتفل ~~بها ولا يلتفت إليها ... ~~••• # هكذا عاش هذا «الرجل من الناس» مع الناس، وشاع خبره بينهم، فرغب البعض في التعرف إليه ~~والاتصال به، بينما زهد آخرون في الاجتماع به مكتفين بما يشاع عنه من خير وشر، أما هو فقد ~~اكتفى بجماعته البسيطة لا يريد عنهم بديلا، ولكن كل ذلك لم يمنع الناس من التساؤل عن أصل ~~هذا الرجل العجيب، مدفوعين بدافع الفضول، فمن أين أتى؟ وإلى أي عائلة ينتمي؟ وفي أي بلد ~~نشأ؟ ولم يجرؤ أحد منهم على سؤاله، فإن حدة لسانه وحدة أعصابه أخرست ألسنة الفضوليين. وعاش ~~خالد في أكناف هذا الغموض كما أراد واشتهى، واستمرت حياته متتالية متشابهة لا يكاد يختلف ~~يومه عن غده، راضيا بمصيره لا يتبرم ولا يشتكي، قانعا بمدخوله الزهيد وحجرته المتواضعة ~~ومجتمعه البسيط. # وذات يوم ... زار زائر أجنبي خالدا ... علم به كل من في البلدة، رغم أن زيارة الرجل القريب ~~كانت حقيقة مقتضبة وفي ليلة حالكة الظلام، أشاع خبرها جار لخالد، لم يتعود منه استقبال زوار ~~في حجرته لا ليلا ولا نهارا ... # وذهب الناس يتساءلون عن هذا الزائر وعن أسباب زيارته، ولزم خالد الصمت فلم يذكر شيئا ~~قليلا ولا كثيرا ms22 عن هذه الزيارة، ولم يشأ الخاصة من أصدقائه أن يستوضحوه أمره ما دام رغب ~~هو في الكتمان، ثم لم يتعودوا منه أن يدخلهم في شئونه الخاصة ... رغم أنهم لاحظوا عليه ~~تبديلا واضحا، حيث أصبح الرجل في وجوم متواصل، يتكلف الابتسام والدعابة. وبدأ الشحوب على ~~قسمات وجهه جليا مما يدل على أنه يقاسي أزمة شديدة يخفي أمرها على الجميع، ولكن راعهم منه ~~أنه لم يغير من عاداته ومجالسه وأحاديثه شيئا، واستمر على هذه الحالة أياما عديدة كانت ~~بالنسبة له قرونا طويلة لا نهاية لها، يعد دقائقها وثوانيها ... # وذات صباح علمت البلدة كلها بخبر الشرطي السري الذي ألقى القبض على خالد ونقله معه في ~~سيارته إلى حيث لا يدرون ... # وغدا الناس أياما، وهم يتكهنون محاولين كشف السر ومعرفة جرمه ... فمن قائل إنه جاسوس يعمل ~~لحساب دولة أجنبية، وأجاب آخرون: إن الجاسوس لا يلزم بلدة صغيرة سنوات عديدة، لم يعرف عنه ~~أنه فارقها منذ استوطنها ... وقال آخرون إنه مجرم أثيم، يتستر تحت رداء الفضيلة ~~وحمايتها. # غير أن الذين عرفوه واتصلوا به عن كثب ردوا عنه هذه التهمة واستبعدوا منه صدور الجريمة، ~~وذلك لما يعرفون فيه من الأخلاق الفاضلة والعواطف السامية ... وهكذا كثرت التكهنات والتخيلات، ~~ولكن أحدا لم يستطع أن يجزم أنه أصاب كبد الحقيقة وتوصل إلى معرفة السر الخفي ... # ومرت الأيام وأسدل النسيان ستائره على حادث خالد، فنسيه الناس حتى الخاصة من أصدقائه ~~وجلسائه، وانتقل الجميع من الحديث عنه إلى أحاديث أخرى أكثر جدة وطرافة. # وهكذا عاش «رجل من الناس» بينهم لغزا غامضا، واختفى لغزا غامضا دون أن يترك لهم ~~مفتاحا لحل طلسمه الغامض الخفي. # | فقاقيع الأدب # من نكد العربية والأدب العربي في هذه البلاد: أن نكبهما الزمان ببعض المتطفلين المغرورين، ~~وجدوا الميدان خاليا لا حسيب ولا رقيب، واتسعت لهم أعمدة الصحف تشجيعا لهم، فغرهم هذا ~~التشجيع وظنوها عروش الأدب وقد اعتلوها، فتنكبوا عن جادة الأدب الصحيح، وانحرفوا عن صراطه ~~المبين، وعكروا منهله الصافي. حيث ذهبوا يفلون قمامات الصحف والمجلات، يلتقطون منها بعض ms23 ~~التعاريف الشاذة ، والرطانات النابية، يتشدقون بها في مجالسهم ثم يقحمونها في مقالات يشوهون ~~بها صحائف الأدب الناصعة، وينكبون بها القراء، ويأخذ القارئ البسيط يقرأ ويعيد وهو لا يفهم ~~شيئا، فيتهم فهمه ويتهم ذوقه وهو لا يدري أن هؤلاء الكتاب أنفسهم لا يفهمون مما يكتبون ~~شيئا، ولا يوجد في طياتها ما يتطلب الفهم. # الأدب العربي أدب الأسلوب السلس والمعنى المتين، أدب البيان والتبيين، لا يمت بصلة إلى ~~هذه الشقشقة الغامضة المخنثة التي أغرم بها هؤلاء الفقاقيع أيما غرام. # وإلى القارئ أنموذجا من هذا اللون من الأدب «الملتوي»، ولا تحاول أيها القارئ أن تفهم ~~منه شيئا، فهو فارغ لا يحتوي على مادة تهضم أو معنى يفهم ... قال أحد فقاقيع الأدب لزميله ~~وقد جمعتهما ندوة ندية وكان كل منهما يلوك لبانة أميريكية يتشدق بمضغها كتشديقه بمضغ ~~كلماته: ما قولك في السمو الفني ... يا عزيزي ...؟ # وأجابه عزيزه قائلا: لا يستقيم السمو الفني في خمائله الفينانة إلا إذا كان نتيجة ~~إيجابية مشرقة الجانب التصويري تمتاز بروح التعمق، بعيدة عن طابع السطحية ولا سيما إذا كان ~~الصدق العاطفي أبرز معانيه، والطابع النفسي هو مقياس الجمال في فلسفته الماورائية. أما ~~التجلي اللامع الذي تبدو طقوسه البراقة جلية في معبد الجمال لا تستقيم قدسيته إلا إذا ما ~~اتصل طرفه بالذوق الذاتي، وإن كان هذا الأخير إكلاسيكية حديثة من أبرز معاني «الرصيد الفني» ~~الذي يعد اليوم من أخصب عناصر الأدب الحديث وخصائصه الأصلية. # ورفع الثاني طرف جبته واستوى في مقعده وقال: هذا حق يا عزيزي ولكن الرومنتيكية التي ~~تتجلى بوضوح في نفثات بعض كتابنا يبدو لي أن الجانب الرمزي فيها ينقصه محراب الفن ليتبرز في ~~إطار روحي أبدعته ريشة الفنان المطبوع، هذا وحده هو جانب التعمق في البحث إذا ما أردنا أن ~~تستقيم لنا ذاتية الهيكل وتنسجم لنا ألوان الرسم، ويخضع لنا التعمق الفكري في معانيه ~~البارزة حيث تشع أحلامه الذهبية في منعرجات أنغامه الموسيقية فيبدو في إشراقة الفجر وقد ~~تخلص من الجفاف الفكري وتحلى بطابع السمو والمعنى الندي ms24 في أعماق التجربة الشعورية. ~~- فأنا أوافقك إلى حد يا أستاذ ولكن لا تنس أن الأصالة في الإشعاع الذوقي فرع من ~~اللاشعورية القارة، وذاتية الأدب لا تقوم جوانبها إلا إذا اعتمدت على تركيز النقد وتحككت ~~بموضوعية العلم ولو من بعيد، دون أن تخلو من أشعة الأداء النفسي. ~~- حقا، تلك هي أسس التعمق في البحث الحديث يجب على الكتاب ألا يهملوها إذا ما أرادوا ~~التحليق في أجواء الإبداع الفني وأرادوا أن يستقيم لهم التجاوب الفعال ذو الأصداء الحالمة ~~في صفته الانطوائية الصاخبة بالحيوية العارمة المنسابة من ينابيع العبقرية الجامحة التي لا ~~تخضع إلا للأسلوب الحديث المتمرد عن الأوضاع البيئية، المتعلقة دوما بالمهية ~~الكلية. ~~- فإن كتابنا يا أستاذي، سطحيون ابتعدوا كل البعد عن الأدب الوجداني الملتزم الذي تبدد ~~أنواره اللاهوتية تلك الظلمة الكثيفة التي تكشف الروحانية الحسية فتفقدها الحرارة الأثيرية ~~المستمدة من قبس الإبداع الفني الرائع. ~~- نعم ... نعم ... أنا لا أشك في أن هذا وحده هو الطرف الإيجابي في السمو الفني وما عداه فكله ~~سطحي لا يستند على التعمق المرتكز ولا يرتكز على السمو العميق. ا.ه. # وبعد، فهذا نموذج من أدب «السونيق» الحديث وقد راجت سوقه بين أدباء المظهر في الشرق قبل ~~سنوات ولكن الشرق تخلص منه بعض الشيء، بعد الضربات القاسية التي وجهها له الزيات وحسين شفيق ~~المصري وغيرهما، وكنا نظن أن العربية تخلصت منه إلى الأبد وإذا بنا نرى بوادره في أدبنا وقد ~~بدت في صور أكثر انحلالا وأشد غموضا، ولكننا له بالمرصاد وسنقضي على بذوره قبل استفحالها، ~~ولا نقبل في شمالنا الأفريقي إلا أدبا عربيا مبينا، أخذ من الماضي متانته، ومن الحاضر ~~سلاسته، أدبا شعبيا مفيدا وليذهب الرصيد الفني والشعورية القارة وفقاقيع الأدب إلى ~~الجحيم. # | الشخصيات المرتجلة # جاء في معجم اللغة: ارتجل الطعام أي: طبخه في المرجل، وارتجل الكلام أي: ألقاه دون روية ~~أو تحضير. # أما الشخصية المرتجلة في معجم الحقيقة المرة، فقد جمعت بين المعنيين لهذه الكلمة: الطبخ ~~وعدم الإعداد والتحضير. وإذا أمعنت النظر ودققت الفهم في الطبخ والارتجال، ms25 يتضح لك بجلاء ~~أنهما متقاربان في المعنى، حتى إننا نجد كثيرا من الكتاب يطلقون كلمة الطبخ على معنى ~~الارتجال، فيقولون: طبخ فلان كتابه، أي ألفه بسرعة دون عناء في التدقيق أو مشقة في البحث، ~~وذلك هو الارتجال بأتم معناه. # أما الشخصية المرتجلة، فهي تلك الشخصية التي تطبخ على عجل في مرجل الأنانية وحب الذات، ~~فلم ينضج منها إلا ظاهرها، ثم تغمس في سائل كيمياوي عجيب ركب من الدجل والغرور والشهوات ~~الجائعة، فهو يشبه العسل في مظهره ولكنه يخالفه في مخبره. # وبعد هذا الطبخ السريع، والطلاء الزائف، تنزل هذه الشخصيات المرتجلة، على المجتمع كجنود ~~المظلات دون سابق إنذار، لتفرض نفسها ضريبة ثقيلة على الأمة تحب الرئاسة وتريد القيادة، ~~وتهيم بالزعامة، ولكن ليس لديها من المؤهلات سوى ذلك الطلاء الزائف الذي لا يوجد تحته سوى ~~مطامع دنيئة ودعوى خاوية. # وتغدو هذه الشخصيات المرتجلة تتبختر في مظاهرها الزاهية ومخابرها القاتمة وهي تصرخ بوقاحة ~~في وجه الأمة: سلميني زمام القيادة! رقيني إلى منبر الزعامة! أجلسيني على عرش ~~العظمة! # والأمم وإن اختلفت في درجات الثقافة والجهل، وتفاوتت في مقدار الرقي والانحطاط، لم تختلف ~~أبدا في فهم الزعيم الحق، ولم تخطئ أبدا في اختيار القائد الصالح. # فهي كلها تحسن اختيار القائد، وتصيب في تزعيم الزعيم، وتدرك إلى من تنقاد وتطيع، وذلك ~~عائد إلى حواس فطرية وإدراك طبيعي، وهو عنصر المناعة ضد الانحلال والانحدار، خلقه الله في ~~جسم الأمة لا دخل للعلم والاكتساب فيه. # ولم نجد أمة انخدعت في اختيار زعيم، ولم نجدها كذلك خذلت شخصا لا يستحق الخذلان، ولهذا ~~كان حكمها دائما هو أصدق الأحكام. وبينما نجد الأمة تتسلق درجات التقدم بصعوبة وعناء، إذا ~~بهذه الشخصيات المرتجلة تطن في سمائها كالذباب، فلا تلتفت إليها حتى إذا ما أزعجتها ~~وأقلقتها، أعارتها الفاتة بسيطة، لا لتسمع إلى دعوتها أو تنخدع إلى حيلها، وإنما لتلقي بها ~~في مهاوي الحضيض، لتتخلص من وقاحتها وعرقلتها، ثم تمضي قدما في طريقها لا تلوي على ~~شيء. # يظلم بعض الناس هذه الشخصيات، فيقولون عنها: ms26 «إنها مصابة بداء العظمة»، وكما أنني ذكرت ~~هنا ما على هذه الشخصيات، يجمل بي أن أذكر ما لها، فأعترف أنها مظلومة في هذه الوصمة كل ~~الظلم. # فإن داء العظمة، ذلك الداء الخطير الذي أصيب به المتنبي شاعر العربية وفيلسوفها وأصيب به ~~قرينه «فولتير» شاعر الفرنسية وفيلسوفها، وأصيب به كثيرون غيرهم في مختلف العصور والبيئات، ~~فجميعهم يختلفون كل الاختلاف عن هذه الشخصيات المرتجلة، والبون بينهما بعيد والفارق شاسع ~~كبير. # فهما يجتمعان في حب العظمة، ولكن دافعه عند أولئك طموح سام، وعلم غزير، وبيان قوي، ونفس ~~عزيزة، وشجاعة جبارة، وتضحية غالية. # ويعززها عند هؤلاء غرور سافل، وجهل مركب، ووعي قبيح، ونفس وضيعة، ومطمع دنيء ... # أما زعيم الأمة وقائدها فيختلف كل الاختلاف عن هؤلاء جميعا، فهو يخلقه الله متحليا ~~بصفات الزعامة، مدججا بسلاح القيادة: صفات لا يراها هو في نفسه، ولكنها تراها الأمة فيه، ~~وخصال لا يتبينها هو في نفسه، ولكنها تلمسها الأمة فيه. # يقوم بأعمال جليلة سامية، يقوده إليها إلهام من الله لا يقدر هم سموها؛ بل يراها أعمالا ~~عادية، ولكن الأمة تقدر سموها، وتدرك عظيم فائدتها، ومن دون أن يشعر يجد نفسه مساقا قهرا، ~~والأمة من ورائه تدفعه إلى قمة الزعامة حيث تضع له سلما من قلوبها وأفئدتها وتقول: ارتق! ~~... وتأتيه بزمام القيادة مصنوعا من أمانيها الغالية وتقول له: أمسك ... # أما هذه الإمعات من الشخصيات المرتجلة التي لا يعرف لها ماض، ولا حاضر، ولا حتى ~~المراجل التي طبخت فيها، فتنبت بسرعة كالفقاقيع وتأتي تنفخ أوداجها وهي تحاول التسلق ~~بمنابر الزعامة الخطيرة، والتشبث بقمم العظمة، حتى إذا ما حاولت الأمة إبعادها في رفق ولين ~~صرخوا في وجهها وذهبوا، يشتمونها ويصمونها بالجهل والانحطاط لأنها لم تنخدع لهم ولدجلهم ~~... # وهناك تغضب الأمة غضبتها، فتلقي بهم في الدرك السافل، فتنطفئ هذه الشخصيات بسرعة، وهي ~~مرتجلة في كلتا الحالتين، وتطوى هذه الشخصيات وصحائفها إلى الأبد مكللة بالخزي والعار ~~... # إكليل كل امرئ لا يعرف قدر نفسه. # | الأستاذ # مسرحية في فصل واحد ~~«كان عبد الحق عاملا بسيطا من ms27 عامة الناس، أميا، لم يتلق من العلوم شيئا، لا ~~قليلا ولا كثيرا ... لا يعرفه أحد سوى زملائه في العمل وبعض جيرانه في الحي المتواضع الذي ~~يسكنه لضآلة مركزه الاجتماعي ولانصرافه عن الناس بالكد في سبيل العيش. # وذات يوم توفي عمه الثري - وكان وارثه الوحيد - فاستولى على جميع أمواله وثروته الطائلة، ~~وأصبح من كبار الأثرياء، يشار له بالبنان، وما كاد يشيع الخبر حتى تجمهر الزوار على باب ~~داره من مهنئين، ومتسولين، وفضوليين.» ~~••• ~~(المنظر: قاعة فسيحة في دار عمه التي ورثها، مؤثثة بأثاث شرقي من زرابي وأرائك، يبدو عبد ~~الحق في صدر القاعة، وهو رجل في العقد الخامس من عمره ضخم الجثة مرتديا أثوابا جديدة ~~فضفاضة لبسها على عجل دون ترتيب ولا نظام.) ~~(عبد الحق - «سلمان الخادم») # عبد الحق ~~: # سلمان! ... سلمان ... # سلمان ~~: # نعم سيدي ... أمرك؟ # عبد الحق ~~(وحده) ~~: # نعم سيدي ... أمرك ... ما أعذبها من كلمات ... ~~(لسلمان): # سلمان، أنت الذي قضيت جل حياتك مع عمي رحمه الله، وفي ~~خدمته، أرشدني لما يجب علي عمله من لباس وأحاديث وغير ذلك، فإني لا أريد أن أظهر ~~بمظهر الغباء أمام الناس، وأنت على كل حال، لك خبرة بحياة القصور وحياة كبار ~~الأثرياء مثلي ... ولا يخفاك هذه الجموع الغفيرة من الزوار! # سلمان ~~: # ما دمت قد لجأت إلي يا سيدي واسترشدتني، فإن نصيحتي إليك هي أن تغلق بابك في وجوه ~~هؤلاء الزوار، ولا حاجة لك بهم، فإنك لن تستفيد منهم شيئا يعود عليك بالنفع ~~... # عبد الحق ~~: # لا ... لا ... لا داعي إلى ردهم، فإنهم لن يكلفوني أكثر من فنجان من القهوة وقطعة من ~~الحلوى، ثم إن الخير كثير ... إني لا أوافقك على ذلك ... لا تغلق الباب، دعهم يأتون، ~~فإني في حاجة إليهم، أتعلم عليهم الحياة الجديدة حياة الأثرياء وخيرة الناس. # سلمان ~~: # إن خيرة الناس يا سيدي عبد الحق، لا يأتون إليك ولا يعبئون بك ولا بمالك، وثق ~~من أنه لا يهتم بك إلا ذو المطامع المختلفة في أموالك. ~~(يسمع طرق على الباب.) # عبد الحق ~~(يعتدل في جلسته ويصلح من ms28 هندامه ) ~~: # سلمان! ... أسرع ... افتح الباب لهؤلاء الزوار ... وأعد لهم القهوة والحلويات ... أسرع ~~... # سلمان ~~: # أمرك يا سيدي ~~(يخرج ويعود صحبة ثلاثة ~~شبان) ~~. # السلام عليكم؛ هذا وفد الأدب والفن يا حضرة الأستاذ جاءك زائرا ومهنئا ... # عبد الحق ~~: # أهلا ومرحبا بكم ... تفضلوا ... سلمان أحضر القهوة والحلويات للسادة ... ~~(سلمان يخرج) ~~. # ما مهنتكم؟ # زكي ~~: # نحن أدباء يا حضرة الأستاذ الجليل ... # عبد الحق ~~: # إنكم تجهلون اسمي على ما أظن، فإن اسمي «عبد الحق» وليس اسمي «الأستاذ». # زكي ~~: # إن اسمكم مشهور عند عامة الناس وخاصتهم «كأنه علم في رأسه نار». # عبد الحق ~~(يلمس رأسه) ~~: # يا لطيف! ... في رأسي نار! # زكي ~~: # وإنما لفظة الأستاذ، تعبير الأدباء ولقبهم المبجل، يلقبون به من شاءوا من الأفاضل ~~والمثقفين، ولا ريب عندنا في أنكم من كبارهم ... # عبد الحق ~~: # من كبارهم ... هيه من كبارهم ... الخير كثير ... هيه، وما معنى أدباء هذه؟ # زكي ~~(متلعثما) ~~: # أدباء؟ ... يعني ... أدباء! ... يعني أناس كبار ... # عبد الحق ~~: # ما ألطفكم! ... وما أعذب كلامكم من كلام ... وهل يمكنكم أن تجعلوا مني أديبا مثلكم؟ ~~إن لدي مالا كثيرا! # زكي ~~: # يا سلام ... مال كثير ... نتشرف ... نتشرف يا سعادة الأستاذ الجليل أن نجعلكم رئيسا ~~علينا وإن الآداب والفنون تتشرف وتفتخر اليوم بسعادتكم ... ومن ذا الذي ينهض بها ~~غيركم؟ # عبد الحق ~~: # الخير كثير ... تستطيعون أن تعتمدوا علي، يكون خيرا إن شاء الله ... وماذا ~~أعمل؟ # زكي ~~: # يا سلام! السؤال الجميل ... أولا: بلغنا يا حضرة الأستاذ، أنكم تنوون - في هذه ~~الأيام - زفاف ابنتكم على شخص من عامة الناس لا يمت للأدب والفن بصلة. # عبد الحق ~~: # هذا صحيح ... إنه قريبي، يدعى ناصر، سيتخرج قريبا من مدرسة الصنائع، إنه قريبي ~~وليس من عامة الناس ... # زكي ~~: # مدرسة الصنائع! ... رجل عمل! ... رجل غليظ! ... رجال الأعمال يا سعادة الأستاذ، لا ~~يصلحون للأدب ... ولا يخفاك، إن بنت الأديب لا تتزوج إلا أديبا مثله ... # عبد الحق ~~: # عجيب، بنت الأديب لا تتزوج إلا أديبا؟! # أحد الشبان ~~: # أجل ... ذلك هو قانون الأدب كما لا يخفاك! # عبد الحق ~~: # فاتني ذلك ... وكيف العمل الآن؟ # أحد الشبان ~~: # الأولى أن ms29 تعدلوا عن هذا الزواج، وتبحثوا لابنتكم عمن يليق بها من رجال الآداب ~~البارزين ... # عبد الحق ~~: # هذا حق ... أبحث لها عمن يليق بها من رجال الآداب البارزين ... سأفعل ذلك ... # أحد الحاضرين ~~: # إن الأستاذ زكي لأولى بها من غيره، وهو أديب بارز، فاضل، ذو مركز اجتماعي عظيم، ~~يشرفها ويرفع من مقامها ... # زكي ~~(في تواضع) ~~: # أستغفر الله ... أنا لست غنيا، ولا أظن نفسي كفئا لها، لأن هذا العصر عصر المادة ~~والمال ... # أحد الحاضرين ~~: # وأي شيء المال بالنسبة لثروتكم الأدبية الطائلة يا أستاذ زكي ... # زكي ~~: # أنا لا أقول شيئا، الكلمة للأستاذ عبد الحق ... # عبد الحق ~~: # الحق مع السيد ... الخير كثير ... لا يهمك المال ... الخير كثير ... # زكي ~~: # الخير كثير ... ما أحلى هذا الكلام من فمك يا سيدي الأستاذ ... الخير كثير ... كلمة ~~عذبة ... وعليه فإنني أشكركم على حسن ظنكم بي، وإن هذا - لعمري - لمن أجل المساعدات ~~للآداب والفنون! ... لأن الأدب لن يترقى إلا برقي رجاله ... ولا يسعنا إلا أن نستأذنكم ~~في الانصراف ونحن منتظرون إشارتكم لعقد القران ... # عبد الحق ~~: # بارك الله فيكم ... سأخبركم بذلك في الوقت المناسب ... ~~(يسلمون عليه وينصرفون.) # عبد الحق ~~: # سلمان! ... يا سلمان! # سلمان ~~(يظهر) ~~: # نعم سيدي، ماذا تريد؟ # عبد الحق ~~(في تعاظم) ~~: # ماذا أريد؟ ... قبل أي شيء لا أسمح لك من اليوم أن تلقبني بهذه الألقاب البالية! ... ~~ألقاب عامة الناس ... # سلمان ~~: # حسنا يا سيدي، بأي اسم تريد أن أدعوك؟ # عبد الحق ~~: ~~«بالأستاذ» ... ادعني بالأستاذ ... قل ماذا يريد الأستاذ، هذا هو لقبي الجديد، لقب ~~كبار الناس ... # سلمان ~~: # أستاذ ... لقب جديد، إني لم أفهم يا سيدي، ماذا تعني ...؟ # عبد الحق ~~: # أجل إنك لا تفهم ... وقد قضيت طول حياتك خادما ... لقد كان وفد الأدباء - كبار الناس ~~- عندي هنا، وقد لقبوني بهذا اللقب وجعلوني رئيسا لهم ... # سلمان ~~(ضاحكا) ~~: # أولئك المحتالون النصابون ... إني أعرفهم جيدا يا سيدي، وأعرف أعمالهم ... # عبد الحق ~~(صارخا) ~~: # اخرس! ... أيها الوقح ... تصف الأدباء كبار الناس بالاحتيال ... إذن أنا محتال مثلهم ما ~~دمت رئيسا لهم؟ # سلمان ~~(في حيرة) ~~: # عفوك يا سيدي ... سامحني أخطأت ... # عبد الحق ms30 ~~(هازئا ) ~~: # عفوك يا سيدي! ... ألم أمنعك الآن من تلقيبي بهذا الاسم؟ ... قل عفوك يا ~~أستاذ! # سلمان ~~: # نعم ... نعم ... نسيت، عفوك يا أستاذ! سامحني يا أستاذ ... # عبد الحق ~~: # أحسنت، لقد سامحتك هذه المرة ... على ألا تعود إلى مثله ... # سلمان ~~: # ثم ماذا؟ ... يا ... يا أستاذ ...! # عبد الحق ~~: # ثم إني سأزوج زينب على الأستاذ زكي؛ لأن بنت الأديب لا تتزوج إلا أديبا مثله، ~~هذا هو قانون الأدب ... # سلمان ~~: # لكن يا سيدي ... # عبد الحق ~~: # لكن ... ماذا؟! # سلمان ~~: # لكن يا أستاذ! و«ناصر» قريبك وخطيبها؟ # عبد الحق ~~: # ناصر ... رجل أعمال ... قانون الأدب يمنعه من التزوج بها ... ذلك هو قانون الأدب ~~... # سلمان ~~: # إنك مخطئ يا سيدي فيما عزمت عليه وستندم. # عبد الحق ~~: # يا للوقاحة ... يا لقلة الأدب ... أتجرؤ علي أيها الخادم وتقول مثل هذا الكلام في ~~حضرتي ... أنا الأستاذ؟ ... اغرب عن وجهي ... ~~(زوجته «رتيبة» تسمع الصياح والضوضاء فتدخل مستفسرة.) # رتيبة ~~: # ما هذا الصياح؟ ... ماذا جرى؟ # سلمان ~~: # تعالي يا سيدتي لتسمعي العجائب! ... أظن أن سيدي أصيب في عقله! ... إنه يهذي منذ ~~لحظة، يقول: إنه أستاذ، وأديب ... وقال يريد أن يزوج زينب من رجل محتال، أعرفه جيدا، ~~يقول عنه سيدي إنه أديب كبير ولا أدري ما لنا ولهؤلاء الأدباء. # عبد الحق ~~: # أما تنتهي أيها الوقح من إهانتي، وجرح كرامتي، ألم أأمرك بأن لا تدعني بغير لقب ~~الأستاذ؟ ... ثم بأي حق تتطاول بكلامك هذا على رجال الأدب؟ # رتيبة ~~(لزوجها) ~~: # ماذا يا عبد الحق؟ ... أصحيح ما قاله سلمان ...؟ # عبد الحق ~~: # لا تقولي عبد الحق، أيتها المرأة القليلة الأدب! ... قولي «الأستاذ». # رتيبة ~~(صارخة باكية) ~~: # وا مصيبتاه! ... حقا، لقد أصيب الرجل في عقله! ~~(تظهر ابنتها زينب.) # زينب ~~: # ماذا جرى يا أماه؟ أأصيب أبي بمكروه؟ # عبد الحق ~~: # لماذا تقولين أبي أيتها الشقية! ... ولا تقولين «الأستاذ» اتفقتم كلكم على تجريدي ~~من لقبي المبجل، لقب الأدباء وكبار الناس ... # زينب ~~: # أدباء؟ ... أي شيء أدباء هذه؟ # عبد الحق ~~: # أدباء ... لا تعرفين الأدباء ...! هم الذين أريد أن أزوجك أحدهم؛ لأن بنت الأديب لا ~~تتزوج إلا بأديب؛ هذا هو قانون ms31 الأدب ... ~~(يدخل ناصر خطيب زينب فتسرع رتيبة نحوه باكية.) # رتيبة ~~: # الحقنا يا ناصر يا ابني، إن عمك أصيب في عقله فإنه لم يفتر من الهذيان منذ ساعة، ~~يقول عن نفسه إنه من رجال الأدب، وإنه يريد زواج زينب من أديب مثله، ويأبى أن ندعوه ~~بغير «الأستاذ». # ناصر ~~(يطمن عمته ويتقدم من عبد الحق) ~~: # ما هذا يا سيدي الأستاذ! هل من جديد؟ # عبد الحق ~~(مرسلا زفرة) ~~: # الحمد لله ... ها قد أتى أخيرا من يقدرني، ويعرف مقامي ... تعال يا ابني انظر ~~لهؤلاء الجهلاء! ... جعلوني مصابا في عقلي لأني منعتهم من إهانتي، وأرغمتهم على ~~احترام لقبي المشرف الذي أهداني إياه وفد الأدباء هذا الصباح! # ناصر ~~: # اعذرهم يا أستاذ، إنهم لا يعرفون قيمة الأدب ولا يعرف قيمة الأدب إلا ~~أهله! # عبد الحق ~~: # وهل أنت أديب يا ناصر؟ # ناصر ~~: # بالتأكيد ... ومن الكبار ... # عبد الحق ~~: # حمدا لله ... كنت أظنك غير ذلك، ولهذا عزمت على أن أزوج زينب غيرك؛ لأن قانون ~~الأدب - كما لا يخفاك - يمنع أن تتزوج بنت الأديب غير الأديب ... # ناصر ~~: # هذا حق ... إني أعرف ذلك ودرسته جيدا. # ثم هل يمكن أن يكون قريب الأديب، أو زوجه، أو ابنته وحتى خادمه قليلي ~~الأدب؟ # عبد الحق ~~: # صحيح، لقد فاتني ذلك ... إذن كلنا أدباء؟ # ناصر ~~: # ومن يشك في ذلك ... كلنا أدباء وأنت السبب في ذلك. # عبد الحق ~~: # أنا السبب ... أجل أنا السبب ... اذهب إذن وادع القاضي ليعقد قرانكما وليبارك الله ~~فيكما وفي أبنائكما ويجعلهم من كبار الأدباء والأساتذة ... # | سيدي الحاج # كان ذلك إبان الحرب العالمية الأخيرة، وكنت يومئذ مستقرا في مكة المكرمة، أعاني شوقا ~~مبرحا، وحنينا عارما إلى الوطن والأهل والأصحاب. كانت أخبار الشمال الأفريقي شحيحة ~~جدا؛ الرسائل نادرة، وحركة الحجيج منقطعة تماما عدا وفود صغيرة كانت تأتي على نفقة ~~الحكومة في طائرة خاصة، وكانت هذه الوفود تجمع خليطا عجيبا من مختلف الطبقات والهيئات، ~~تضم الطبيب والمفتي والتاجر والقائد، تجمع العالم والجاهل، الشباب والشيوخ، كما كانت هذه ~~الرحلة المجانية تغري بعض الفضوليين الذي لا يهمهم الإسلام ولا ms32 مناسك الحج، وإنما يأتون ~~للسياحة والتفرج على أرض الحجاز ... وكنت أبذل كل الجهود للاتصال بهم، وهم الصلة الوحيدة بيني ~~وبين أرض الوطن، أتنسم من أحاديثهم رائحة البلاد وعبير الأهل والأصحاب، ولذلك كنت أستأنس ~~بهم رغم التباين الكبير بيننا؛ تباين في النشأة والتفكير، في الثقافة والاتجاه، ولكن رابطة ~~الوطن كانت كافية لجمعنا وإزالة الفوارق بيننا ... ~~••• # اتصلت ذات يوم بحاج من هؤلاء الحجيج، وكان الرجل يحتل مكانا مرموقا في الإدارة ~~الحكومية رغم أنه كان أميا لا يحسن العربية ولا الفرنسية، أما الإسلام وقواعده الأولية ~~فلم يسمع بها طيلة حياته رغم سنه المتقدمة، وإن كانت لحيته الكثيفة وهندامه العربي يخدعان ~~الناظر إليه، فيظنه شخصية إسلامية ممتازة من كبار رجالات الدين بالمغرب العربي. ~~••• # زرته يوما في منزله فرغب مني أن أرافقه في جولة قصيرة بأسواق أم القرى، وطلبت منه أن ~~يتوضأ استعدادا لصلاة المغرب حتى إذا ما أدركنا وقتها، أخذنا سبيلنا إلى الحرم دون أن نضطر ~~إلى العودة إلى المنزل، وطلب الحاج إبريقا من الماس وجلس للوضوء، وبدأ يغسل رجليه، وكنت ~~أنظر إليه مشدوها، لم أدر كيف ألاحظ له خطأه، ولكن الخادم الذي كان مكلفا بخدمته، والذي ~~كان متعودا - دون شك - على هذا النوع من الحجيج، ابتدره قائلا: ما هذا الوضوء يا سيدي ~~الحاج؟ أتتوضأ من رجليك؟ # وأجابه سيدي الحاج بكل بساطة، وهو مسترسل في غسل بقية أعضائه بالجملة والتفصيل دون ترتيب: ~~ماذا نعمل هكذا علمونا سادتنا! # وسكت الخادم، ولعله ظن أن مذهبه الفقهي يجيز هذا الوضوء الذي يبتدئ من الرجلين ... وسكت ~~أنا أيضا، وانتهى صاحبي من وضوئه وارتدى ملابسه وخرجنا إلى الأسواق ... # كان منظرنا مضحكا: صاحبي بجثته الضخمة وعمامته الكبيرة، وقامته الفارعة الطول، ولباسه ~~الجزائري العتيق، وأنا جنبه بلباسي الحجازي وجسمي النحيل، ولذلك كنا عرضة لتنكيت المارة ~~ورواد السوق، وكنت أتحمل كل ذلك في سبيل النزر اليسير من أخبار البلاد التي كان صاحبي يجود ~~بها علي ... كانت جولتنا حافلة بالمشاكل والمعارك مع مختلف الباعة والتجار؛ لأن صاحبي كان ~~حديد الأعصاب، كلمة ونصفها، ثم ms33 يلجأ إلى قاموسه الخاص يخرج منه ما تيسر من الشتائم ~~والسباب. ولم ينقذنا من مشاكلنا سوى أذان المغرب الذي أخذ يدوي في الفضاء، ورجال الأمر ~~بالمعروف يصيحون: الصلاة ... الصلاة ... وهم يسوقون الناس إلى المسجد. # توجهنا لفورنا إلى المسجد، وانحنى علي صاحبي، ونحن في طريقنا، وسألني قائلا: مولانا! ~~وهذه آش حال فيها؟ # قلت: كم فيها؟ ... في أي شيء؟ # قال: هذه الصلاة، التي سنصليها الآن! كم عدد ركعاتها؟ # وفهمت ... فإن الرجل يجهل عدد ركعات الصلاة وخاف أن يقع في خطئها، فتشجع واسترشدني، سرني ~~منه ذلك، وألقيت عليه درسا مختصرا في عدد ركعات كل صلاة، ومتى يجلس ومتى يقوم، ولكن ذلك ~~لم يمنعه من سؤالي عن عدد الركعات كلما توجهنا إلى الصلاة ... ووجد صاحبي صلاة العشاء طويلة ~~جدا ولهذا قرر حذفها من برنامجه وإبدالها براحة في المنزل. # وانتهينا من صلاة المغرب وأخذنا نتجول في الحرم المكي الذي كان حافلا بحلقات الدروس ~~المختلفة، ووقف صاحبي أمام شاب شنقيطي كان يدرس مبادئ الآجرومية لنفر من الصبيان، وما كاد ~~المدرس الشاب يشاهد صاحبي يقف عند رأسه حتى اعتراه اضطراب وقد ظنه عالما جليلا من كبار ~~علماء المغرب العربي، فتلعثم في تقريره وأخذ يردد لتلاميذه هذه الجملة: قام زيد ... قلنا: قام ~~زيد ... قام زيد ... # وقاطعه صاحبي قائلا: يا شيخ! ... وإذا كانت امرأة تقول: «قامت زيدة؟» # تبسم المدرس واستغرق تلاميذه في الضحك ولكن صاحبي لم يعجبه موقفهم فقال لي: لماذا يضحكون؟ ~~ألم يعلمهم شيخهم قوله تعالى: «اسأل عن دينك حتى يقولوا بهلول»؟ # قلت لنفسي: ألا في سبيل أخبار الوطن ما أنا متحمل. # انقضت أيام الحج بسلام، ورجع سيدي الحاج إلى بلاده بحجه المبرور وذنبه المغفور، حاملا ~~معه مختلف التحف والهدايا للأهل والخلان، متوجا اسمه بلقب «الحاج»، تاركا هذه الذكريات ~~الطريفة التي خلدته في ذاكرتي وجعلت منه أنموذجا بشريا ممتازا. # | يحيى الضيف # لو قرأ يحيى في صغره لأتعبنا في كبره. # الشيخ الإبراهيمي # يوم أزمعت أن أدرج «يحيى الضيف» في سلسلة مقالات الميزان التي كنت أنشرها في جريدة ~~البصائر تسأل ms34 بعض الناس من الخاصة والعامة قائلين: ما شأن يحيى الضيف قيم مركز جمعية ~~العلماء وهذه السلسلة من المقالات في رجال العلم والأدب، وليس هو بعالم من العلماء ولا هو ~~أديب من الأدباء ... # وقلت لهؤلاء: إن لم يكن يحيى عالما يحمل فوق رأسه عمامة وتحت إبطه كتابا، وإن لم يكن ~~خطيبا في المنابر ولا واعظا في المجالس ولا كاتبا في الجرائد؛ فإن له قيمته في المجتمع ~~وله مركزه في دنيا العلم والأدب، لأنه فيلسوف ... # سيضحك مني أولئك الذين أنحوا علي باللائمة يومئذ، وسيقولون أين درس يحيى الضيف الفلسفة؟ ~~ومن أية جامعة تخرج؟ والجواب أن الفلسفة الحقة لا تدرس، وإن جامعتها الحياة وأستاذها ~~الزمن، فهو من أولئك الفلاسفة الذين تعمقوا في درس أنفسهم ووقفوا على نواحي الضعف والقوة ~~فيها ولمسوا فيها نواحي الخير والشر، والنفس البشرية واحدة وإن اختلفت الهياكل التي تحملها ~~والأسماء التي تعرفها ... # ثم ... ألم يجد المرحوم الرافعي في أشيب زبال أعظم فيلسوف ينقل عنه بدائع الفلسفة وروائع ~~الحكم؟ # حاول أن تسأل يحيى الضيف عن حياته واستمع إليه بإمعان وهو يحلل لك حياته بفلسفة عميقة، ~~وسوف تجده لا يتردد عن ذكر الحقيقة عن نفسه ولو كانت مرة جارحة؛ لأن الحقيقة عنده جوهرة ~~ثمينة يجب أن تبرز، ونفسه شيء تافه، لا حق لها في أن تقف حجر عثرة في طريق الحقيقة ... ومن ~~منا يستطيع أن يحلل نفسه ويذكر خيرها وشرها وعيوبها ومحاسنها! إننا لا نستطيع لأننا نعيش في ~~إطار المظاهر والأنانية وذلك لأننا لسنا فلاسفة! أما يحيى الفيلسوف فإنه لا يشعر بهذه ~~الأنانية، وشخصيته لا تساوي في نظره طمس حقيقة من الحقائق مهما كانت هذه الحقيقة صغيرة. وهو ~~مستعد أن يذكر لك عن نفسه كل ما يعرف عنها. وهو دوما مشغول بالبحث عن عيوب نفسه وتحليل هذه ~~العيوب، وما نفسه إلا أنموذج لكل نفس بشرية يجري عليها تجاربه ... # دعنا نوجه له سؤالا ولنستمع إلى جوابه، ها هو أمامنا بجثته الضخمة وابتسامته العريضة ~~التي تشبه ابتسامة حمار الحكيم ومكنسته في يده ... ~~- كيف ms35 جئت لهذه الدنيا يا يحيى؟ ~~- لا أذكر كيف جئت إلى هذه الدنيا لأنني كنت صغيرا ... ولكن سمعت والدتي تقول: إني جئت ~~إليها والشمس في برج القوس ترسل علي أشعتها منعكسة في سعدية المشتري ونحسية عطارد، ولهذا ~~فلا غرابة إذن في أن تبدو لكم حياتي كلها سلسلة من المتناقضات، عالم مع العلماء، وأديب مع ~~الأدباء، جاهل مع الجهلاء، فنان في أوساط الفنانين، عبقري في دنيا الجهال وجاهل بين ~~العباقرة تواضعا، وأنا مع كل ذلك فيلسوف بطبعي ... وكل هذه الصفات تغمرها لطافة في نوع من ~~الدهاء يحيط به نفاق كبير، أفهم المجتمع وأعرف أن شره أكثر من خيره، أعرف أن الحياة كلها ~~آلام وآثام ولهذا تجدني دائما أضحك منها وأضحك من الذين ينظرون إليها بعين الاهتمام ~~والإجلال ... ~~- إنك تفهم الحياة على حقيقتها ... ~~- نعم أفهم باطنها وظاهرها مع أن درجتي لا تعدو درجة كناس من الدرجة الثالثة. ~~- إنك كثير التواضع يا حضرة الفيلسوف. ~~- لا لا يا مولاي، ليس هناك تواضع وإنما هذه هي الحقيقة. ~~- هل أنت سعيد في الحياة؟ ~~- وهل في الحياة سعادة؟ ... وإنما أستطيع أن أقول لكم إن أسعد أيامي هي التي أقضيها في ~~معاشرة العلماء وخدمة جمعيتهم، ولا سيما الشيخ عبد اللطيف سلطاني رئيس المركز الذي أخشاه ~~أكثر من عذاب النار. ~~- وهل استفدت من مصاحبتك للعلماء شيئا يذكر؟ ~~- أجل ... فقد استفدت من الشيخ البشير حكمته وتواضعه وتفانيه في كل ما يباشر من الأعمال، ~~واستفدت من الشيخ خير الدين فراسته ودهاءه ودقة ملاحظته، ونلت من الشيخ عبد اللطيف حسابه ~~العسير لحركات وسكنات العاملين معه حتى إني أرجو الله ألا يعينه «أكسبيرا» لتصفية حساباتي ~~يوم القيامة، وقد أصبحت بطني وعاء لكل هذه الفوائد وتستطيع أن تفسر ضخامتها بعدم هضم ما ~~استفدت لأن معدتي لا تقوى على الهضم وإن كانت تهضم «شخشوخة - شكشوكة» عثمان بو قطاية المذيع ~~المشهور التي أحبها إلى حد أني أبيع ديني ودنياي في سبيلها ... # وإذا سألت يحيى الضيف عن هذه السرعة التي يعيش فيها وعن هذه الحركة الدائمة التي تغمره ms36 ، ~~أجابك أن مبعثها القلق وأنه يتعب نفسه كثيرا ليلحق بركب المعالي، ولهذا تجده يقرأ ويعيد ~~ويقرأ ويعيد إلى أن يتبلد ذهنه فلا يحسن كيف يقرأ ولا يستفيد مما يقرأ ... ثم يبتسم لك ~~ابتسامته المعروفة ويقول لك: إني أريد أن أعرف كل شيء وأنا مع ذلك لا أعرف شيئا، وإني إلى ~~الآن عاجز عن كتابة رسالة ولو قصيرة، وقادر على تأليف كتاب بأكمله من حيث لا أشعر. # لقد قضت على صاحبنا فلسفته فأنكر نفسه وأنكر معارفه، وهو محتاج إلى قليل من الإيمان بنفسه ~~وعقله ليخرج للناس روائع ستبقى خالدة لأنها ستكون مطبوعة بطابع الصدق وطابع الصراحة، ذلك ~~الطابع الذي يمتاز به يحيى على غيره والذي جعله محبوبا من الجميع لا يكره أحدا ولا يكرهه ~~أحد ... # يعرف بعض الناس يحيى قيم مركز جمعية العلماء؛ لأنهم لا يرونه إلا دائبا على تنظيف قاعات ~~المركز ومكاتبه، ويعرفه آخرون ممثلا موهوبا لأنهم لا يشاهدونه إلا على خشبة المسرح أو ~~يسمعونه على أمواج الأثير يمثل بالعامية والفصحى، ينتقل من شخصية إلى شخصية فيحسن الانتقال ~~ويحسن التمثيل ... # ويعرفه آخرون مؤلف روايات مسرحية وطرائف أدبية وناقدا حصيفا، وأعرفه أنا فيلسوفا ~~عميقا وكاتبا مجيدا تعجبني فلسفته ويعجبني نثره الفصيح وشعره الملحون، ويعجبني فوق كل ~~ذلك تفهمه للحياة ورضائه بنصيبه الضئيل منها دون تبرم أو تشكي وتلك لعمري عين الفلسفة ~~وحقيقتها ... # هذا هو يحيى الضيف الذي بلغت ضخامة جثته وزن الفيل وبلغت خفة روحه وزن الريشة، وإذا أردت ~~أيها القارئ أن تعرفه عن كثب فما عليك إلا أن تقوم بزيارة لمركز جمعية العلماء بمدينة ~~الجزائر قبل حضور المدير أو بعد انصرافه، وستجد يحيى الضيف يزأر كأنه أسد في قفص. اقترب منه ~~ولا تخف فستجده مستعدا لاستدعائك إلى صالونه الجميل ليقدم لك فنجانا من القهوة وقطعة من ~~الحلوى وطرائف من الأدب والفلسفة، وإذا لم يستدعك بنفسه اطلب ذلك منه فسيسره كثيرا لأنه ~~رجل كريم مفتون بهذا الكرم إلى حد العبادة. # | سي زعرور # ملاحظة: # اقتبست هذه الشخصية من الفرنسية، وأثبتها هنا لأني ms37 وجدت فيها أنموذجا حيا خالدا ~~يوجد في كل مكان وفي كل زمان ... كما أخرجت منها مسرحية في ثلاثة فصول تحت عنوان «النائب ~~المحترم». # كان الشيخ زعرور، أو سي زعرور، كما يسميه زملاؤه، معلما بسيطا في مدرسة ابتدائية حرة، ~~قانعا بالحياة، وبنصيبه منها، راضيا عن نفسه وعن عمله؛ لأنه كان رجلا تقيا فاضلا ~~نزيها، يعتقد الخير في الدنيا، ويعتقد الصلاح في البشر، لا يعرف الشر ولا يتصور صدوره من ~~الناس. كان يعيش في برجه العاجي، في دنيا فاضلة لا تطرق أبوابها الرذيلة، ولا يطأ أرضها ~~الفساد ... وكان يعيش مع سي زعرور، رفقة طيبة من الزملاء يشاركونه عمله، ويقاسمونه بؤسه، ~~ولكنهم لا يشاركونه نظرته إلى الحياة ولا يعتقدون عقيدته في البشرية ... # كانت تلك المدرسة التي يعلم بها سي زعرور ملكا لمديرها الجشع، يستغلها استغلالا ~~ماديا فظيعا، يبحث يوميا عن تنمية موارده بشتى الوسائل والطرق؛ فقد كان على طرف نقيض ~~من سي زعرور الذي يرى المادة عرضا زائلا من أعراض الدنيا، لا يستحق العناية والاهتمام ~~... # وذات يوم، بينما كان سي زعرور يقوم - قبل حلول موعد الدرس - بتسبيق درس لأحد تلاميذه ~~المتأخرين، إذ دخل عليه المدير ببطنه المنتفخة، وسمة الغضب تعلو وجهه، وابتدره بسرد المادة ~~السابعة والعشرين من لائحة المدرسة الداخلية، التي توجب على كل معلم من معلمي المدرسة، يقوم ~~بإعطاء دروس خاصة، أن يدفع للمدير خمس مدخول هذه الدروس ... واتهم المدير سي زعرور بإخفائه ~~أمر هذه الدروس الخاصة واستغلاله لمدخولها وحده دون سواه ... # وعبثا حاول سي زعرور إفهامه أنها دروس خاصة مجانية مؤقتة يروم منها إلحاق التلميذ ~~بزملائه في فن متأخر فيه؛ لأن الرجل لا يفهم غير المادة ولا يعرف لكلمة «المجانية» أثرا في ~~قاموسه. # ولهذا اشتد به الغضب واتهم المعلم ببث روح التمرد في التلاميذ ومحاولاته إفلاس صندوق ~~المدرسة، وما كان منه إلا أن ألزمه بدفع خمس أجرة هذه الدروس وقدر له مدخولها الخيالي ~~بنفسه ... # وأراد زعرور استعطاف مديره، وهو يعرف جيدا أنه يسر كثيرا لانخراط تلاميذ جدد في ~~مدرسته، فقال له ms38 : سيدي المدير! ... أظن أني سأدخل تلميذا جديدا في مدرستنا ... # وكان لهذا النبأ سحره الفعال في نفس المدير، فانفرجت شفتاه عن ابتسامة عريضة مسحت عقد ~~الغضب من فوق جبينه، وابتدره صارخا: أحقا؟ ... أرجو ألا يكون من نوع تلميذك هذا الذي تلقنه ~~درسا دون مقابل؟ ~~- لا يا سيدي المدير، إنه تلميذ ذكي مجتهد ... ~~- لا ... لا ... لا أقصد ذلك، وإنما أقصد إذا ما كان غنيا وأهله يقبلون شروط ~~المدرسة. ~~- طبعا يا سيدي المدير، ما في ذلك شك. ~~- اكتب إذن الشروط، سأمليها عليك، وإنني أعتمد على لباقتك في عرضها عليهم ... ~~«خمسمائة فرنك للشهر الدراسي، وثلاثة أشهر مقدما ... وطبعا يتلقى علي أنا دروسا خاصة، ~~وأجرة الحصة الواحدة من هذه الدروس مائتان من الفرنكات، مائة فرنك شهريا مقابل ما يستهلكه ~~من الماء للشرب وخلافه، ومائة أخرى مقابل الأدوية التي ربما احتجنا إلى إسعافه بها.» # أظن أن هذه الشروط مقبولة. ~~- دون شك يا سيدي المدير ... ~~- أسرع به إذن إلي، سأعد له أحسن البقاع في مدرستي. # وكان سي زعرور قد قدم مطلبا منذ عهد بعيد يطلب فيه وسام المعارف الذي يرى نفسه يستحقه عن ~~جدارة، وبقي مطلبه دون جواب، وكان مديره على علم بذلك، وأراد أن يبادله جميلا بجميل ومنة ~~بأختها فقال له: لقد قابلت شخصا عظيما اليوم وحدثته في شأن طلبك لوسام المعارف وأفادني ~~أنهم منحوك الوسام. ~~- ماذا تقول؟ ... أحقا منحوني الوسام؟ ~~- نعم ... لكنهم لا يستطيعون أن يمنحوك وساما حقيقيا، ولهذا فقد منحوك وساما ~~معنويا. # وحار سي زعرور في هذه العبارة ولم يدرك كنه هذا الوسام المعنوي، ولكن مديره أسعفه بالشرح ~~والتحليل وأفاده بقوله: معنويا، يعني أنهم منحوك هذا الوسام دون أن يمنحوك إياه ... هل ~~فهمت؟ ~~- أجل فهمت ... منحوني دون أن يمنحوني، فهو عندي في المعنى دون أن يكون عندي في الحقيقة ~~... ~~- أحسنت ... وهذا شرف عظيم يعود فضله إلى الجهود التي ~~بذلتها أنا في هذا الشأن ... # شكر سي زعرور مديره وودعه إلى الباب وبقي وحده تغمره نشوة السرور والبهجة بوسامه ~~المعنوي الجديد. # وسارت الأيام تباعا وساءت الأحوال ms39 بين المدير وزعرور؛ لأن هذا الأخير لم يبر بوعده ولم ~~يدخل التلميذ الجديد الذي وعد به إلى المدرسة، وأسر المدير في نفسه وبقي يتربص الفرص ~~للانتقام منه ... ~~••• # كان المدير في مكتبه ذات صباح إذ دخل عليه والد تلميذ وبيده ورقة اختبار ابنه، وهو يرغي ~~ويزبد ساخطا على النتائج السيئة التي أحرز عليها ابنه في اختباره الثلاثي، وخشي المدير أن ~~تخسر - من جراء ذلك - مدرسته تلميذا، أو بالأحرى أن يخسر جيبه موردا، فخفف من حدة الرجل ~~وأفاده أن ابنه من خيرة تلاميذ المدرسة وأذكاهم يمثل المكانة الأولى من قسمه، وإنما أخطأ ~~الكاتب في نقل النتيجة عن السجل الأساسي، ووعده بإصلاح هذا الخطأ حالا ... # توجه الاثنان إلى قسم سي زعرور وحاول المدير بلباقته أن يفهم هذا الأخير الغرض من ~~زيارته، ولكنه خيب ظنه وفاجأه بقوله: إن هذا التلميذ بليد، كثير التأخر، قليل العمل، ~~ولهذا فلا غرابة إذا ما أحرز على هذه النتيجة السيئة ... # فقاطعه مديره قائلا: لا ... لا ... إنك مخطئ، فمن دون شك أن الكاتب أخطأ في نقل النتيجة عن ~~السجل، ولا بد أن هذه الأصفار عشرات، وغمزه بعينه، ولكن زعرور الساذج لم يفهم مراده، وأفاده ~~أنه لا يعرف هذا الكاتب الذي يعنيه، وأنه ينقل النتائج بنفسه، وأطلع الوالد على السجل الذي ~~كان فوق مكتبه وأراه الأصفار المثبتة بالحبر الأحمر أمام اسم التلميذ، الأمر الذي أعاد حدة ~~هذا الوالد المفجوع في ابنه، ورفع من درجة حرارة غضبه، فتبرع على المعلم والمدير والمدرسة ~~بنصيب وافر من الشتائم، وأقسم بأغلظ الأيمان ألا يعود ابنه إلى هذه المدرسة ... وطبعا فما ~~كان من حضرة المدير إلا أن طرد سي زعرور من عمله وهو يقسم أيضا بأغلظ الأيمان ألا تطأ ~~رجلاه مدرسته بعد الآن ... ~~••• # كان سي زعرور يقوم بإعطاء دروس عربية خاصة لطفل أوروبي كان يعيش مع خالته، وكانت هذه ~~السيدة تعيش مع نائب «أصيل» من نواب المجلس البلدي، تساعده في نصب حبائله لاقتناص أموال ~~الشعب وخزينة البلدية، وتقاسمه الأرباح دون المسئوليات ... # كان الاثنان جالسين في خلوة ms40 يدبران أمرا يتوسمان من ورائه أرباحا جزيلة، واحتاج الأمر ~~إلى شخص ثالث، شخص يتقدم لإبرام الصفقة بناء على تزكية النائب المحترم. # حار الاثنان في إيجاد الشخص وقد طلب منهما عملاؤهما السابقون أجورا باهظة لم يرضيا بها، ~~ولم يرض العملاء بدونها ... # كان النائب وزميلته في حيرة من أمرهما إذ دخل سي زعرور يجر أذياله قاصدا حجرة الطفل ~~لتلقينه درسه المعتاد، وما كادت السيدة تشاهده حتى هبط عليها الوحي وعرضت على صديقها ~~استخدامه لهذا الغرض وسواه من الأمور والأعمال، وذهبت تطري سذاجته وتثني على جهله بالحياة ~~ودقائقها ... واستدعي المعلم الساذج إلى حضيرة الذئاب، وعرضا عليه العمل معهما وأغرياه براتب ~~شهري مضاعف لما كان يتقاضاه سابقا في مدرسته. # سر سي زعرور للأمر وحمد الله الذي عوضه بدل درهمه دينارا، واستسفر عن نوع العمل فأفاداه ~~أنه عمل إداري بسيط لا يعدو توقيع العقود التجارية وتسلم المبالغ المالية من إدارة ~~البلدية والشركات التجارية ... ووقع سي زعرور على أول عقد، وتمت الصفقة التي كان النائب ~~وزميلته ينتظران إنهاءها بفارغ الصبر ... # توالت الأعمال وتبعتها الأرباح، وشاء القدر أن يطلع زعرور على أسرار القوم وأن يعرف كنه ~~العمل الشائن الذي هو قائم به، فثار ضميره مؤنبا وحرمه لذة العيش، وغاضه أن يفقد شرفه ~~ويخسر فضله وقد ضحى في سبيلهما بكل شيء، وتحمل من أجلهما الفاقة والاحتياج. وعاد بذاكرته ~~إلى مدرسته، فبدت له جنة، وإلى مديره وزملائه فبدوا له ملائكة، فثار على رفيقيه وهددهما ~~بالفضيحة، ولكنهما هدداه بإلقائه في غياهب السجن، وكل شيء باسمه حتى الرصيد المالي المودع ~~في المصرف ... # عاش سي زعرور في اضطراب متواصل وهم وغم عظيمين، كادت كلها أن تذهب به إلى الجنون، وقرر ~~أخيرا أن يشرب الكأس إلى الثمالة، فاستولى على المكتب واستولى على الأموال وأعلن انفصاله ~~عنهما، وكل شيء باسمه وتحت مسئوليته ... # وانقلب الحمل الوديع ذئبا خطيرا، فكشر عن أنيابه وطرد النائب وصديقته من مكتبه، وحرم ~~عليهما دخوله غير عابئ بالتهديد والوعيد ... # سارت أمور زعرور في مجراها المادي المعتاد على خير ما يرام، وقد ms41 اكتسب خبرة وتجربة، ~~وصهرته الأيام في بوتقتها وصبته في قالب الحياة، فخرج إنسانا جديدا لا يشبه خلفه في شيء ~~إلا في الاسم أو بقية ضمير مثقل بالذنوب وشرف مدنس بالرذائل. # كان زعرور جالسا في مكتبه ذات يوم يتصفح بريده إذ لفتت نظره علبة صغيرة كانت ضمن الرسائل ~~والرزم، ففتحها قبل سواها وإذا به يجد داخلها وساما بنفسجي اللون يحمل إشارة المعارف، ~~تصحبه رسالة رقيقة تثني على معارفه وشرفه، وتطري أخلاقه وفضله، ومع الرسالة تقرير يمنحه ~~وسام المعارف ... # ألقى وسامه في درج مهمل واستمر يتصفح بريده، وإذا بالباب يفتح وبمديره السابق يتقدم نحوه ~~في خشوع وإذلال راجيا منه أن يشرف المدرسة برئاسة حفلتها السنوية ... # عبثا حاول زعرور أن يفهم الناس أنه لا يستحق الوسام، ولا يستحق مجالس الشرف التي ~~يعرضونها عليه بين الفينة والفينة؛ لأنه سارق محتال ينهب أموال الأمة والدولة بشتى طرق ~~الاحتيال. ولكن الناس لم يعبئوا بقوله، بل عدوه تواضعا وسجلوه في جملة مناقبه الفاضلة، ~~وحسبهم منه أن يربح كثيرا ورصيده في المصرف يتضاعف كل يوم والمال في عرف البشر هو الفضيلة ~~وهو الشرف وهو العلم والأدب. # | التلميذ # «دروت» الذي كان قائدا عظيما في جيش نابليون الأول، كان في طفولته ابن خباز فقير في ~~مدينة «نانسي» بفرنسا، اجتاز أطواره المدرسية في ظروف قاسية وأيام شديدة، حيث كان أبواه في ~~غاية الفاقة وشدة الاحتياج لم يسمحا له بالذهاب إلى المدرسة إلا على شرط أن يقوم بجميع ~~أعماله اليومية خير قيام عند عودته منها. ولهذا فقد كان حتما عليه، بعد الرجوع من المدرسة، ~~أن يقوم بتوزيع الخبز على عملاء أبويه، وأن يساعدهما في بقية الأعمال، وكان يقضي بقية يومه ~~وشطرا من ليله في إنجاز أعمال كثيرة شاقة، ولا يجد فرصة لأعماله المدرسية، سوى بضع سويعات ~~متأخرة من الليل، يشاهد فيها الفتى دروت وهو منكب على دروسه، يلتهمها على ضوء نور الموقد ... ~~ولكن هذه العقبات وهذه العراقيل لم تستطع أن تعوق هذا الفتى عن النجاح، أو تقف في طريقه إلى ~~بلوغ المعالي ms42 ... فقد تغلب عليها بذكائه المتوقد، وحزمه الفذ، وقوة إرادته النادرة، واستطاع ~~هذا الفتى القروي الفقير، العديم وسائل التعليم كلها، أن يشق طريقه الوعر وأن يصل إلى هدفه ~~مكللا بالنجاح ... # دعونا نستمع إليه يحدثنا بنفسه عن أول اختبار شارك فيه، وهو مسابقة الانخراط في سلك ~~المدرسة العسكرية التي مهدت له السبيل إلى المجد حتى أصبح قائدا عظيما من قواد نابليون ~~خلد ذكره التاريخ. # قال: حينما كنت ذات يوم، مارا في شوارع نانسي أوزع الخبز على عملائنا؛ إذ لفت نظري ~~منشور كبير مثبت على جدار إحدى المباني، يحتوي على إعلان للمدرسة الحربية تعلن فيه موعد ~~مسابقة الالتحاق بها، الذي سيجرى في مدينة «ميتز». # وحدثتني نفسي بالاشتراك في هذه المسابقة، والالتحاق بهذه المدرسة الحربية، ولكن كيف يمكن ~~ذلك وقد كان أبواي في غاية الفاقة والاحتياج؟! # فلم يكن مدخولهم اليومي يقوم بسد حاجتنا الضرورية، ولكن تحصلت مع ذلك على ترخيص منهم ~~بالسفر لتأدية الاختبار، وتحصلت كذلك على مبلغ عشرة فرنكات، وهو كل المدخر عندنا. وكان ~~المبلغ زهيدا جدا لا يكفي لأجرة الركوب، فضلا عن المصاريف الثانوية الأخرى، ولم أجد ~~بدا من السفر ماشيا على الأقدام. # وصلت مدينة «ميتز» يوم المسابقة نفسها وتوجهت لفوري إلى قاعة الاختبار، وما كدت أبدو في ~~القاعة التي كانت حافلة بعدد كبير من التلاميذ والأساتذة، حتى تلقاني هذا الجمع الغفير ~~بعاصفة شديدة من الضحك والسخرية. والحق أن حالتي كانت تدعو إلى أكثر من ذلك، فقد كنت نحيفا ~~ضعيفا، تكسو ملابسي الريفية المرقعة طبقة كثيفة من غبار الطريق، أحمل في يميني عصا غليظة، ~~منتعلا نعلا ريفية خشنة تحوطها طبقة من الأوحال. # وقفت مضطربا في وسط القاعة بين ضجيج الضحك والسخرية، ولم أنتبه إلا وأحد المختبرين ~~يخاطبني برقة وشفقة، ردت إلي بعض جأشي: ضللت سبيلك، من دون شك يا صديقي؟ ... ماذا تريد؟ ... ~~قال لي الرجل الطيب القلب هذا الكلام، فأجبته على الفور: أريد أن أشارك في المسابقة يا ~~سيدي! # وما كدت أنطق بهذه الكلمات حتى ارتفع ضجيج الضحك والسخرية من جديد في ms43 جميع أركان ~~القاعة. ~~- ولكن هل تدري أنها مسابقة المدرسة الحربية؟ (قال المختبر بلطف) وأنت على علم بدون ريب، ~~بالشروط والمواد المعلنة في البرنامج. ~~- سيدي درستها كلها! ... (أجبته متلعثما). # وأجابني السيد: إذن تفضل اجلس، يا ابني وانتظر، فعندما يأتي دورك أدعوك! # ذهبت أنزوي بعيدا في أحد الأركان، ولكن الضحك والسخرية اللاذعة كانت تلاحقني أين ما ~~حللت، ورغم ما كنت فيه من الخجل والاضطراب أخذت أنصت بإمعان إلى أسئلة المختبرين وأجوبة ~~الطلبة، وما هي إلا لحظة حتى أحسست بروح جديدة تدب في جسمي النحيل حيث يتبين لي أنه في ~~استطاعتي الإجابة على هذه الأسئلة كلها. # وأخيرا جاء دوري، وسمعت المختبر ينطق باسمي، وما كدت أقف أمام لجنة الاختبار، حتى ~~امتلأت القاعة بالفضوليين الذين أتوا من هنا وهناك لمشاهدة اختبار الفتى القروي. # ابتدرني المختبر يسألني في قواعد الحساب، وكانت أجوبتي متتابعة، بدون انقطاع ولا اضطراب، ~~حتى سكت المختبر وسألني متعجبا: أين درست الحساب؟ ~~- درسته منفردا يا سيدي! على ضوء موقد مخبزنا، وإذا تفضلتم بسؤالي في بقية البرنامج، ~~أرجو أن تجدوني مستعدا للإجابة! # وامتد اختباري ما يقرب من الساعتين، وما كدت أنتهي حتى قام الرجل من مقعده وتوجه نحوي حيث ~~ضمني إلى صدره وهو يردد! ... أقدم إليك تهنئتي وإعجابي يا بني! وأعتقد تماما بأنك ستكون أحد ~~طلبة المدرسة الحربية النجباء! # لا يستطيع أحد أن يتصور السرور الذي غمر قلبي في تلك الساعة! ولكن سرورا أعظم منه كان ~~ينتظرني، وشرفا لم أكن أتوقعه كان مستعدا للقائي: وهو أن جميع الطلبة الذين ضحكوا مني ~~وسخروا بي، تقدموا نحوي وحملوني على أعناقهم في موكب رهيب، حيث طافوا بي مدينة ميتز كلها ~~هاتفين باسمي، كان ذلك اليوم أسعد يوم في حياتي! ms44